صفحة 1
الكتاب: بيان الشرع
المؤلف: محمد بن إبراهيم الكندي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر للأجزاء 1 - 17: 1402 - 1405هـ / 1982 - 1985م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
الجزء الأول
تأليف
الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي
تحقيق لجنة من علماء عمان
بإشراف
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
مفتي عام السلطنة
مراجعة
عبد الحفيظ شلبي
1402هـ/1982م (1/1)
صفحة 2
[صفحة 2 بيضاء] (1/2)
صفحة 3
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيان الشرع
الجزء الأول
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
تحقيق لجنة من علماء عمان
بإشراف
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
مفتي عام السلطنة
مراجعة
عبد الحفيظ شلبي
1402هـ - 1982م (1/3)
صفحة 4
[صفحة 4 بيضاء] (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي لا تدركه الأبصار الرامقة، ولا تكيفه الأوهام السابقة، ولا تحيط به الأفكار اللاحقة، ولا تبلغ كنه صنعته الألسن الناطقة، خالق كل شيء ومبتدعه، ومكونه من لا شيء ومخترعه، ومحدثه بلا مثال ومصوره، ومبدؤه بلا معين ومقدره، والعالم بصنوف أجناسه، وتفرق حواسه، واختلاف أحواله، وكثرة تغيره وانتقاله، وعدمه بعد وجوده، وتآلف أجسامه وحدوده، وتشتت جواهره وأعراضه، وكلياته وأبعاضه، شاهداً بأن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وهو المخترع لابتدائه، والمتفرد في إحكامه وإنشائه، والعالم بما يكون قبل كونه، والمطلع على سرائره ومكنونه، وأنه مُتعال عن مشابهته، برئ عن مناسبته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الأول بلا أولية محدودة، والآخر بلا أزلية معدودة، أحمده على نعمه الجزيلة، وأفعاله الجميلة، وفواضله الجليلة، وأشهد أن محمدً -صلى الله عليه وسلم- عبده الولي، ورسوله النبي، وخيرته الصفي، أرسله بالقرآن المعجز نظمه، والآي القاطع حكمه، فبلغ رسالة ربه الجليلة، وأدى الأمانة الثقيلة، وجاهد في سبيل ربه صابرا، وعبَده شاكراً له وذاكراً، حتى أتاه الأمر المحتوم، والقدر البالغ المحكوم، فمضى والإسلام طالعة أقماره، ساطعة بالضياء أنواره، فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين، ما أفصحت الألسن بالحق المبين. (1/5)
صفحة 6
أما بعد:
فهذا كتاب صنفه الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي السمدي النزوي، كرم الله مثواه، وجعل جنة النعيم مأواه، حسن في العلم تصنيفه، وازدهر في الأعين تأليفه، وفاق في الكتب وضعه، وجاوز كثرتها جمعه، بوفورة مسائله، وسهولة مداخله، واتضاح مناهجه، وبيان مخارجه، ووثيق أصوله وأسبابه، وكثرة فروعه وأبوابه، حوى جواهر الآثار المشهورة، والجوامع المأثورة، والسير المؤلفة، والكتب المصنفة، فجاء بحمد الله سالما من الدخَل، صحيحا من السقم والزلل، فرأينا من الأليق به تحلية، والأحسن بما يشاكله، لقباً وتسمية إن سميناه كتاب بيان الشرع لتضمنه معاني من الأصل والفرع، فنستعين بالله من الاستهانة بفضيلته ورفضه، ونسأله المعونة على تعلمه وحفظه، ونرغب إليه في الاهتداء لراشده، والاحتساء من عذب موارده، وإياه على كل شيء نستعين، وله بجميع ما تعبدنا به ندين، وهو سبحانه ولي توفيقنا وإرشادنا وهدايتنا وإسعادنا، إنه على كل شيء قدير، نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله وحده، وصلى الله على رسوله وسلم.
وللشيخ أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي:
هذا كتاب بيان الشرع صنفه*ش* شيخ سما بعلوم ذروة الأدب
حبر تقي نقي الجيب محترس*ش* من المكاره والزلات والعتب
برٌّ جواد حليم مصقع علم*ش* ذاك الصنيع لبيب كامل الأدب
محمد نجل إبراهيم قدوتنا*ش* مؤيد الدين بالبرهان والسبب
سقى الإله ضريحا حله ديما*ش* ورحمة تعسله القصوى من الرتب
أبان فيه فنون العلم فاتضحت*ش* أحسن بتصنيفه من سائر الكتب
وضح مناهجه وفق مدارجه*ش* سهل مخارجه إن شئت للطلب
صدق مراشده عذب موارده*ش* نور دلائله كالأنجُم الشهب (1/6)
صفحة 7
أحيا الإله به للناس دينهم*ش* قد فاض نوراً وبرهاناً لكل غبى
نعم المعلم والمفتي لصاحبه*ش* فهو الشفاء لظمآن وذي سغب
فإن يكن مستمداً من مقدمه*ش* فإنه فاق في التصنيف والرتب
عمري لكل كتاب فضل قيمته*ش* أين السبائك من مضروبة الذهب
من كان مدخراً كنزا يفوز به*ش* فحسبه ببيان الشرع في الكتب
أخلصت حبي له من بين جملتها*ش* من غير أن أجحدنها الفضل يابن أبي
فبادروا أيها الإخوان واجتهدوا*ش* في العلم تنجوا غداً من سورة اللهب
وعلموه وصونوه صيانة من*ش* يطلبه لله لا للجاه والنشب
من قبل أن يرفع الله الشرائع عن*ش* قوم هم شر خلق الله في العطب
وأسأل الله علماً نافعاً وضياً*ش* يقودني لرشاد حين يذهب بي (1/7)
صفحة 8
[صفحة بيضاء] (1/8)
صفحة 9
الباب الأول
في العلم وفيه فصلان (1/9)
صفحة 10
[صفحة بيضاء] (1/10)
صفحة 11
الفصل الأول
في مدح العلم وأهله
ومن جامع أبي محمد: قال الله جل ذكره: * (*إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء*) * (1)، وقال: * (*يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً*) * (2)، وقال الله عز وجل: * (*قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ؟ *) * (3).
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق ابن مسعود أنه قال: «لا حسد إلا في اثنين، رجل آتاه الله مالا وسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها للناس»، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»، وروي عنه صلى الله عليه وسلم عن طريق أنس بن مالك أنه قال: «اطلبوا العلم ولو بالصين».
وفي بعض الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا لما يطلب»، وروي عنه صلى الله عليه وسلم عن طريق أبي هريرة أنه قال: «تعلموا العلم قبل أن يُرفع ورفعه ذهاب أهله»، وعن طريق أبي سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تعلُّم العلم فريضة على كل مسلم»، وعن طريق أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سلك طريقاً يلتمس فيها علما سهل الله له طريقاً إلى الجنة».
__________
(1) من الآية 28 من سورة فاطر.
(2) من الآية 269 من سورة البقرة.
(3) من الآية 9 من سورة الزمر. (1/11)
صفحة 12
وروي عن عبد الله بن عباس أنه أخذ بركاب زيد بن ثابت وقال: هكذا نفعل بعلمائنا.
والأخبار في فضل العلم وأهله أكثر من أن يحصيها كتابنا، وإلى الله نرغب أن يجعلنا من أهله والعاملين به والراغبين إليه والمرغبين فيه بمنه وفضله.
وعن الحسن قال: مداد العلماء يوزن بدم الشهداء يوم القيامة. وعن سعيد بن جبير قال: إذا كان يوم القيامة يوزن حبر العلماء ودم الشهداء فيرجح حبر العلماء على دم الشهداء. (1/12)
صفحة 13
الفصل الثاني:
في الحث على طلب العلم
عن أبي الحسن بن أحمد أنه قال: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن للحكمة أهل فإن منعتها أهلها كنت جاهلا، وإن بذلتها لغير أهلها كنت جاهلا»، وسألت أبا مالك: أيما أفضل، تعلم القرآن أو تعلم العلم؟ فقال: فيه اختلاف، فمنهم من قال تعليم القرآن أولى لأنه الأصل، ومنهم من قال: تعلم العلم أولى لأن القرآن يؤخذ عن الثقات وغير الثقات، والعلم لا يؤخذ إلا عن الثقات.
وقيل: باض العلم بمكة وفرخ بالمدينة وطار إلى البصرة ونهض إلى عمان.
وأسماء نقلة العلم من البصرة إلى عمان: موسى بن أبي جابر، وبشير بن المنذر، ومحمد بن المعلى، ومنير بن النير الجعلاني، وكلهم في الولاية، إلا محمد بن المعلى، ومن بعض كتب الإسلام، نسب أن محمد بن المعلى في جملة المذكورين في الولاية.
وتعليم الجاهل على العالم فرض وليس بتطوع، وسألته عن المسألة التي فيها، إنها تعدل عبادة ستين سنة، وقد قيل أكثر من ذلك ما هي؟ قال: هي المسألة التي هي على الإنسان فرض مثل التوحيد، وما لا يسع جهله مما لا يعذره الله به، مما يكون به خلاصه من النار. (1/13)
صفحة 14
قال أبو سعيد: يروى في طالب العلم والحكمة أن عليه في الأصل أن يذاكر كل شخص رآه فإنه يكون عنده على إحدى ثلاث خصال:
إما أن يكون هو أعلم منه فيكون في ذلك موضع ربحه. وإما أن يكون الشخص أعلم منه فيكون قد وافق غنيمته. وإما أن يكون أسوأ فيكون في ذلك موضع تجارته يعطى ويأخذ إذا صدقت نيته في ذلك.
وقال أبو سعيد: العلوم أربعة: علم الأبدان، وعلم الإنسان، وعلم اللسان، وعلم الأديان.
وقال الخليل بن أحمد: كن على مدارسة ما في قلبك أحرص منك على ما في كتبك.
وقال الخليل أيضا: اجعل ما في كتبك رأس مالك، وما في قلبك للنفقة.
وقيل لنصر بن سيار: فلان لا يكتب، فقال: تلك الزمانة الخفية، وفادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى فداه من أسرى بدر، ومن لم يكن له فدى أمره أن يعلم عشرة من المسلمين الكتابة، ففشت الكتابة بالمدينة، ومن أمثال العرب: خير العلم ما حوضر به، يقول ما حفظ وكان للمذاكرة، ومن الأثر قال: لا كنز أنفع من العلم ولا مال أربح من الحلم، ولا حسب أرفع من الأدب.
وقال أرسطا طاليس: من طلب العلم بغير تكلف مؤونة، واحتمال نصب، فقد التمس ما لا يجد.
وقال بقراط: كثرة العلم بكثرة الأذى فمن ازداد علما ازداد نصبا. (1/14)
صفحة 15
الباب الثاني
في أصول الفقه، وفيه خمسة فصول (1/15)
صفحة 16
الفصل الأول
في أهمية الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال أبو محمد نبدأ بذكر الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم التي تتعلق بها أحكام الشريعة، وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في تأويلها، وتنازعوا في صحة الحكم بها، لأنها قواعد الفقه، وأصل الشريعة، لحاجة المتفقه إلى ذلك، وقلة استغنائه عن النظر فيه، والاعتبار في معانيه.
فالواجب عليه إذا أراد التفقه أن يتعرف على أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة، ليجعل كل حكم في موضعه، ويجري به على سنته، وليستدل على معرفة ذلك بالأدلة الصحيحة والاحتجاجات الواضحة، وألا يسمي العلة دليلا، والدليل علة، والحجة علة، وليفرق بين معاني ذلك، ليعلم افتراق حكم المتفرق واتفاق حكم المتفق، لأني رأيت العوام من متفقهي أصحابنا ربما غاب عنهم (1) كثير من معرفة ما ذكرنا.
وتكلم عند النظر، ومحاجة الخصوم بما تنكره الخواص منهم وأهل المعرفة بذلك، لأنهم ربما وضعوا اللفظة في غير موضعها، ونقلوا الحجة إلى غير جهتها، واستعملوها في غير أماكنها، والله نسأله توفيقنا وإياهم لما يقربنا إليه، ونحن نذكر بعد هذا في كتابنا هذا من هذه المعاني، ونبين من ذلك ما نحن نرغب إلى الله في توفيقه لنا، ومعونته على ذلك.
__________
(1) في الأصل: "ربما ذهب عليهم". (1/16)
صفحة 17
الفصل الثاني
في أنواع الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال أبو محمد وهي التي تتعلق الأحكام بها ويختلف الفقهاء في تأويلها وتنازعوا في صحة الحكم في معانيها فمنها:
أخبار المراسيل، وأخبار المقاطيع، والأخبار الموقوفة، وأخبار المتن، وخبر الصحيفة، والخبر الزائد على الخبر الناقص، والخبر المعارض لغيره من الأخبار، والخبران يردان (1) من طريق أو طريقين يكون أحدهما خاصا والآخر عاما، والخبران يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخاً.
فأما خبر المراسيل فهو أن يروي التابعي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشاهد النبي، عليه السلام، ويجب أن يكون بينه وبين النبي صحابي فلا يذكره، وإما أن يكون قد سمع من الصحابي فاقتصر على ما روى له، ولم يحتج إلى ذكر من أخبره، أو قد يكون صح عنده الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأخبار عن ذلك الصحابي ويسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما أخبار المقاطيع فهي أن يروي الرجل الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيسقط في الوسط رجلاً فلا يذكره في إسناده، فإذا ترك الرجل انقطع الخبر إلى حيث ترك الرجل.
أما الخبر الموقوف من الأخبار فهو أن يروى الخبر عن الصحابي أو التابعي فيوقف الخبر عليهما.
__________
(1) في الأصل: يريدان. (1/17)
صفحة 18
وأما أخبار المتن فهي التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يذكر من رواها عنه أصحابه، ويعتمد على صحتها، وتسمى مثل هذه الأخبار: أخبار المتن.
وأما خبر الصحيفة فهو أن يروي الراوي الخبر إلى أن ينتهي به إلى رجل فيقول عن أبيه عن جده، ولم ير ذلك المذكور النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كان الخبر على هذا الوصف ونحوه سمي خبر الصحيفة.
وأما الخبر الزائد على الخبر الناقص فإنه إذا ورد خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه، وروى ذلك الخبر أيضا من وجه آخر إلا أن أحد الخبرين فيه زيادة لفظ استعمل الزائد من الخبرين، لأن فيه فائدة لم تذكر في الخبر الآخر، ولم يوردها الراوي الثاني معه لما قد يجوز أن يكون أحدهما شاهد القصة إلى الموضع الذي أخبر به، والآخر شاهد القصة إلى آخرها، فيسمع ما لم يسمع الآخر، ويشاهد ما لم يشاهده الآخر، فلذلك وجب استعمال الزوائد من الأخبار.
وأما الأخبار المعارضة فمثل ذلك أن يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر بإباحة شيء، ويروي خبر آخر بحظر ذلك فيوقفان جميعاً، وينظر المتقدم منهما من المتأخر بالتاريخ، ليعلم الناسخ منهما من المنسوخ نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سها في صلاته فسجد قبل التسليم، وروي أنه سجد بعد التسليم، فتنازع الناس في ذلك واختلفوا في الناسخ منهما من المنسوخ والمتقدم منها من المتأخر.
وأما الخاص والعام من الأخبار فنحو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حيثما أدركتك الصلاة فصل» فهذا عموم يجب جواز الصلاة (1/18)
صفحة 19
في كل موضع، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة في المقبرة والمنحرة والمزبلة، والحمام وقارعة الطريق ومعاطن الإبل، فكان هذا خبرا خص بعض ما اشتمل عليه عموم الخبر الآخر، فالخاص يعترض على العام ولا يعترض العام على الخاص.
وكذلك الخبر المفسر يقضي على الخبر المجمل ولا يقضي المجمل على المفسر.
وأما الناسخ والمنسوخ فهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا».
وأما الأخبار التي تنازع الناس في تأويلها على مبايعاتهم إذا عقدوها على شروط بينهم، فمنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن شرطين في البيع، هذا ما اتفق على إبطال البيع منه وهو أن يبيع الرجل الغلام لغيره بثمن معلوم على أن يبيع له المشتري غلاما له بثمن معلوم، أو ثمن يتفقان عليه، فهذا ونحوه لا يجوز في البيع باتفاق الأمة.
وأما ما اختلفوا في جوازه وفساده، فهو نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى من جابر ابن عبد الله بعيراً، واشترط جابر ظهره من مكة إلى المدينة فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم البيع والشرط.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أن عائشة اشترت جارية بريرة لتعتقها فاشترط البائع ولاءها لنفسه، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم البيع وأبطل الشرط، وقال: «الولاء لمن أعتقها». (1/19)
صفحة 20
وروي عن تميم الداري أنه باع داراً، واشترط سكناها فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم البيع (1) والشرط.
واختلف الرواة في مقدار مدة السكنى، فقال بعض الرواة: إنه اشترط السكنى سنة، وقال بعضهم: اشترط سكنه أيام حياته، فيحتمل أن تكون هذه الأخبار بعضها ناسخاً وبعضها منسوخاً، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تركهم وهذه الأخبار ليجتهدوا فيها بآرائهم (2)، والذي عندي -والله أعلم- أن خبر بريرة كان شرطه غير جائز، لأنه اشترط ما لا يجوز تملكه، وهو الولاء الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم كالنسب، لقوله: «الولاء لحمة كلحمة النسب».
والنسب لا يجوز تملكه لهذا الخبر، فلذلك أبطله النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما خبر جابر بن عبد الله في بيع البعير إذا اشترط ركوبه من مكة إلى المدينة، لم يكن في نفس عقد البيع، وأنه كان على وجه العارية، وقد روي هذا أيضا.
وأما خبر تميم الداري فإنه يحتمل أن يكون الخبر الذي روى أنه اشترط في البيع سكن الدار أيام حياته، فإن الجهالة في مدة أيام حياته لا يصح البيع معها، لأن ذلك غير معلوم، فلذلك بطل البيع والشرط، ولو كان شرط السكنى مدة معلومة لكان البيع جائزاً، لأن البيع إذا شرط فيه شرط له قسط من الثمن معلوم جاز البيع به، والله أعلم.
وإذا ورد خبران، أحدهما ينفي الفعل، والآخر يوجب إثباته،
__________
(1) في الأصل: "والبيع" خطأ.
(2) في الأصل: "ليجتهدوا فيها آراءهم" خطأ. (1/20)
صفحة 21
كان الإثبات أولى، إذا لم يُعلم المتقدم منهما من المتأخر، ولا الناسخ من المنسوخ، وهذا على أصول أصحابنا ينصح على ما يذهبون إليه في الحظر والإباحة والأوامر، وقد وافقنا الشافعي في هذا المعنى.
وأما الأخبار الموقوفة لتعارضها وطلب الدلالة على المتقدم منها من المتأخر، وأريد بعضها دون بعض، نحو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائماً، وروي أنه شرب من زمزم وهو قائم، فوجب اتفاق الخبرين.
وكان الرجوع إلى قول الله تعالى: * (*كُلُوا وَاشْرَبُوا*) * (1) فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال كان عليها الآكل والشارب إلا أن يخص دلالة في بعض الأوقات وفي بعض الأحوال.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الشرب من فم السقاء، وروي أنه خَنَث سقاء فشرب منه أي -عطفه-، وأما الشرب من فم السقاء الذي ورد النهي عنه فقيل إنه للإشفاق أنه تكون فيه دابة.
وأما أخبار التواتر فهو أن يخبرنا جماعة لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب، فإذا سمعنا منهم خبراً وقع لنا علم ضروري بخبره، وخبر التواتر يكون عن مشاهدة ويستند إليها، كالأخبار عن البلدان ونحوها، والله أعلم.
__________
(1) "كلوا واشربوا" وردت في أربع سور من القرآن: البقرة والطور والحاقة والمرسلات، وأما "وكلوا واشربوا" فقد جاءت في سورة البقرة والأعراف. (1/21)
صفحة 22
الفصل الثالث
في أحكام الخصوص والعموم
الخاص يعترض على العام، والعام لا يعترض على الخاص، وذلك نحو قوله تعالى: * (*وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ*) * (1) فحرم المشركات بعموم هذه الآية، ثم خص من جملة ما حرم نكاح المشركات الكتابيات لقوله عز وجل: * (*وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ*) * (2) فخص المشركات الكتابيات من سائر ما حرم من المشركات.
ونحو ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك فكان هذا تحريما عاماً، لا يجوز للإنسان في بيع شيء ليس في ملكه، ثم خص من جملة السلم وهو بيع ما ليس معه.
ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة خير موضوع فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر»، هذا عموم في كل وقت الخاص المعترض عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس»، وليس مثل هذا نسخاً لأن النسخ حقيقته أن يرفع الكل.
__________
(1) من الآية 221 من سورة البقرة.
(2) من الآية الخامسة من سورة المائدة. (1/22)
صفحة 23
الفصل الرابع
في الإجماع
الإجماع هو اجتماع مجتهدي الأمة في عصر على حكم في حادثة، وهو حجة لا تجوز مخالفتها، وكل من خالف الحجة فهو محجوج، فمن شهدت له حجة الله أنه محق فهو في الظاهر في دين الله محق، ومن شهدت عليه أنه مبطل فهو في الظاهر في دين الله مبطل، ولو كانت الحجة قد خانت الله سريرتها، وحاشا حجة الله من ذلك، ولكن لا نتقلد من الأمور ما غابت عنا صحته.
وقيل الإجماع من كل أهل زمان من المسلمين إجماع، إذا كانوا أهل رأي، والاختلاف اختلاف، ولو كان رجل واحد سبق على قول، وكان عام أهل زمانه كان حكمه قد سبق على الإجماع، وكان على من خلفه اتباعه على ذلك، وكذلك إن قال ولم ينازعه العلماء في عصره وسلموا له كان ذلك إجماعاً (1).
__________
(1) اختلف العلماء في اشتراط انقراض عصر المجمعين لثبوت الإجماع، فقيل لابد من انقراض العصر، نظرا إلى إمكان رجوع بعض المجمعين عن رأيه، وقيل: إذا اتفق الذين ينعقد بهم الإجماع من المسلمين على رأي انعقد الإجماع باتفاقهم، ولو لم ينقرض عصرهم إذ الاتفاق الذي هو منشأ الإجماع حاصل وعلى كل فإن حجية الإجماع تكتسب قوة بانقراض عصر المجمعين مع عدم تراجعهم، أو تراجع بعضهم عما أجمعوا عليه، والقول الفصل في ذلك: إن الإجماع بعد انقراض عصر المجمعين يكون قطعي الدلالة إذا توفرت بقية شروط القطعية فيه، بخلافه قبل انقراض العصر، فإن حجته لا تتجاوز أن تكون ظنية، وهذا الفارق بعينه يفرق بين الإجماع القولي والسكوتي، فإذا اتفق جميع المجتهدين في عصر على رأي لم يسبقوا بخلافه ونطق به كل واحد منهم صار ذلك إجماعاً قطعيا، وأما إذا نطق به بعضهم وسكت الآخرون فإن إجماعهم لا يجاوز أن يكون حجة ظنية، والله أعلم. (1/23)
صفحة 24
والدليل على أن الإجماع حجة قول الله تعالى: * (*وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً*) * (1) فقد جعلهم شهداء على الناس كشهادة الرسول، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على الضلال» وهذا يدل على وجوب الأخذ بالإجماع سواء اتضحت الحجة التي استند عليها المجمعون أو لم تتضح، لأن الإجماع من ضمن النصوص، فالمنصوص ما ذكر في كتاب الله والسنة والإجماع، ومعنى النص المذكور الظاهر، والنص أيضا رفعك الشيء، تقول نصصت الحديث إلى فلان أي رفعته إليه. قال الشاعر:
ونص الحديثَ إلى أهله ... *ش*فإن الوثيقة في نصه
فما وجد في هذه الثلاثة الأصول فهو أصل، وما لم يوجد فهو فرع، ويقاس عليهن ما لم يذكر في إحداهن، ويقال لما جاء في الكتاب فريضة، ولما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة، ولما جاء عن الأئمة أثر، وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد، وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين وهو قوله تبارك وتعالى: * (*اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ*) * (2) الآية، والسنة مأخوذة من الكتاب، قال الله عز وجل: * (*وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ*) * (3)، وقال تبارك وتعالى: * (*فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ*) * (4)، وقال تعالى: * (*فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ*) * (5)، وقال عز وجل: * (*مَّنْ يُطِعِ
__________
(1) من الآية 143 من سورة البقرة.
(2) من الآية الثالثة من سورة الأعراف.
(3) من الآية 12 من سورة التغابن.
(4) من الآية 59 من سورة النساء.
(5) من الآية 63 من سورة النور. (1/24)
صفحة 25
الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ*) * (1)، وقال تعالى: * (*فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... *) * (2)، وقال تعالى: * (*وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى*) * (3) والسنة علمت بكتاب الله وبه وجب اتباعها.
والإجماع أيضا علم بكتاب الله تعالى وبالسنة التي هي من كتاب الله عز وجل، لأن الإجماع توقيف، والتوقيف لا يكون إلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم والسنة أيضا على ضربين، فسنة مجتمع عليها عن الاستغناء بالإجماع عن طلب صحتها، وسنة مختلف فيها لم يبلغ الكل علمها، وهي التي وقع التنازع بين الناس في صحتها، فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها، ثم يقع التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب. والفقيه إذا أفتى بما خالف الكتاب أو السنة أو الإجماع فلا يكون قوله حجة، وليس لأحد قبوله منه، ولو حسب أنه حق واحتمل معه صدقه وكذبه، والله أعلم.
وإذا وقع الحدث ولم يجتمع العلماء على صواب هذا الحدث وحقه، ولا على باطله وخطئه، واختلفوا فيه فحكم بعضهم بحقه وحكم بعضهم بباطله، لم يصح فيه إجماع لأحدهم، لأنه لو أجمع أحدهم على حقه فأجمع الآخرون على باطله كان هذا الإجماع منهم هو الاختلاف بعينه، وكيف يكون مجتمعاً عليه مختلفا فيه؟ هذا من تناقض القول، وليس لأحد أن يحكم فيه بحكم الإجماع عليه، إذ قد ثبت فيه الحكم بالاختلاف لأنه ليس لأحد
__________
(1) من الآية 80 من سورة النساء.
(2) الآية 65 من سورة النساء.
(3) الآيتان الثالثة والرابعة من سورة النجم. (1/25)
صفحة 26
أن يحكم بالاختلاف في موضع الإجماع ولا بالإجماع في موضع الاختلاف، لأن الحكم في ذلك مفترق ليس بواحد.
وإذا كان الحدث مما جاء فيه الاختلاف من المسلمين بولاية فاعله والبراءة منه والوقوف عنه، فأجمع العلماء المشاهدون لذلك الحدث على ولاية محدثه أو البراءة أو الوقوف عنه لم يكن هذا الإجماع منهم مزيلا لحكم ما فيه من الاحتمال والاختلاف، لأنه قد يجوز أن يكونوا كلهم أخذوا بقول من أقاويل المسلمين، إذ كل ذلك كله جائز من الولاية والبراءة والوقوف.
ولكنهم لو أجمعوا على باطل الحدث والإنكار عليه أو صوابه، وحكموا بذلك في حين ما يكونون حكاماً عليه وفيه، لم يجز لهم ولا لغيرهم أن ينقضوا ذلك الحكم الذي قد ثبت منهم، لأن ذلك حجة لمن اتبعه، محكوم بالصواب في اتباعه، فمن ادعى نقضه كان مدعيا على متبعه ممن غاب عن سريرته في إزالته عن صوابه وهكذا الحجج إذا ثبتت لم يجز تحويلها عن موضوعها إلا بحجج مثلها تنقضها حيث يجوز ذلك، وكل من الكتاب والسنة والإجماع أصل، لأن الأصل ما عرف به حكم غيره، والفرع ما عرف حكمه بغيره، وقيل: الأصل مقدمة العلوم، والفرع نتيجته.
والواجب على من أراد التفقه أن يعرف أصول الفقه وأمهاته ليكون بناؤه على أصول صحيحة، فيجعل كل حكم في موضعه، ويجريه على سنته، ويستدل على ذلك بالأدلة الصحيحة والاحتجاجات الواضحة، وألا يسمي العلة دليلة، ولا الدليل علة، ولا الحجة علة، وليفرق بين معاني كل منها ليعلم افتراق حكم المفترق واتفاق المتفق. (1/26)
صفحة 27
الفصل الخامس
في القياس
القياس هو حمل مجهول الحكم على معلومه لعلة جامعة بينهما، ولا يصار إليه إلا مع علم النص، جاء في بعض الآثار: دعوا الرأي غير السنن والآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة فإنما الرأي فيما ليس فيه كتاب ولا سنة في اجتهاد الحاكم بما أراه الله على القياس والسنة من نبي الله صلى الله عليه وسلم والآثار من السالفين في الأشباه والأمثال لأن أحق ما أخذ به الكتاب والسنة والآثار عمن مضى من الفقهاء، فما خالف هذا اجتهد القاضي فيه جهده.
وقال أبو محمد: القياس لا يجوز إلا على علة ولا يجوز أن يقاس إلا على معلول، وهو أن يرد حكم المسكوت عنه إلى حكم المنطوق به، لعلة تجمع بينهما، ولا يجوز تسليم العلة لكل من ادعاها، ولا تسلم إلا بدليل، ولو جاز تسليمها بغير دليل لجاز لكل أحد أن يدعي ما يشاء ويعتل به.
فإن قال قائل: ما الدليل على صحة العلة؟ قيل له: إن ذلك يستدرك من وجهين، أحدهما أن ينصب العلة فتجرى على معلولاتها، ولا يمنع من جريانها نص، فإذا جرت في جميع معلولاتها ولم يكن هناك مانع من جريانها علم صحتها، والوجه الآخر يوجد (1) الحكم بوجودها ويرتفع بارتفاعها، ومثل ذلك أن التحريم في الخمر متعلق بالشدة والدليل على ذلك أن العصير حلال، فإذا حصلت الشدة فيه حصل التحريم، فإذا زالت الشدة
__________
(1) في الأصول: "يوجب" والتصويب من جامع أبي محمد. (1/27)
صفحة 28
عنه وصار خلا حل وارتفع التحريم، فقد رأينا التحريم معلقاً بها، يوجد بوجودها، ويرتفع بارتفاعها، فلما كان التحريم معلقاً بها يوجد بوجودها ويرتفع بارتفاعها، فإذا رأينا هذه الشدة في غير الخمر ألحقناه به للعلة الجامعة بينهما.
فإن قال قائل ممن ينفي القياس: إن قولكم يؤدي إلى (1) ألاّ يحكم بصحة العلة حتى نعلم جميع الشريعة، ولا يشذ عنى خبر، وهذا مالا يضبط لأننا لا نعلم صحتها إلا أن علم جريانها في كل المعلومات، إلا أن نعلم الشرع كله، وألا يكون في الشريعة خبر يمنعها من جريانها في معلولاتها، وذلك ما لا نعلمه إلا أن علم الأخبار كلها، فإذا علمنا جميع المعلولات وجميع الأخبار حكمنا بصحتها، وهذا ما لا يضبط، وهذا أوقى ما عارضوا به فيما علمنا، وراموا الكسر به على القائسين، يقال لهم هذا الإلزام فاسد، وذلك أنهم تقولون في الأخبار مثل هذا، لأنكم تحكمون في الخبر وإن كنتم تجوّزون نسخه بخبر لم تعلموه، فإن لزمنا ألا نحكم بصحة العلة حتى نعلم الأخبار كلها لزمكم ألا تقولوا بخبر حتى تعلموا جميع الأخبار كلها، وبالله التوفيق.
واختلف أصحابنا في الصغيرة من الإماء، فقال بعضهم تستبرأ بأربعين يوما قبل الوطء، وقال بعضهم خمسة وأربعين يوماً قياساً على الحرة الصغيرة، وكل منهم ذهب إلى تأويل بقوله واختياره، والقياس لا يصح إلا أصل صحيح متفق (2) عليه وليس في ذلك أصل متفق عليه
__________
(1) إلى: ساقطة من الأصول والتصويب من جامع أبي محمد.
(2) ذهب العلامة أبو محمد بن بركة إلى أن القياس لا يصح إلا على أصل متفق عليه وهو قول لجماعة من جهابذة الأصول والفقهاء منهم قطب الأئمة رحمه الله ولكن معظم علمائنا يرون خلاف هذا الرأي، فإن من اعتمد أصلا وجب عليه أن يفرع عنه سواء أكان متفقا عليه أو مختلفا فيه، ولقد أطال الإمام الأكبر أبو نبهان رحمه الله تعالى في دحض رأي أبي محمد وقال: إن أبا محمد نفسه لم يلتزم فقد حمل كثيرا من الفروع على أصول مختلف فيها، وقد ذكر أمثلة متعددة لذلك. (راجع كلامه في الجزء الأول من قاموس الشريعة، من ص269 - 328 طبعة زنجبار). (1/28)
صفحة 29
وقال بعض مخالفينا وفرقة من أصحابنا: إن الخمر لا يجوز الانتفاع به لتحريم الله إياه، وإن نقل خلاًّ بعلاج من ملح أو غيره، واحتجوا في ذلك بأن العين محرّمة لا يجوز أن تتحول حلالا، واحتجوا بأن الشريعة قد أقرت على حكم بعد النبي صلى الله عليه وسلم واحتجوا أيضا بالحديث الذي روي يوم فتح مكة في الخمرة لما وصل الثقفي بها وقد كان صديقا للنبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، فلما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة جاءه صديقه ذلك براوية خمر يهديها إليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا فلان أما علمت أن الله قد حرّمها؟ فأمر غلامه فيها بأمر، فقال له النبي: بم أمرته؟ فقال: أمرته أن يبيعها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الذي حرم شربها حرم بيعها».
وأمر النبي فصبت في بطحاء مكة، قالوا: فلو كان الخمر ينتفع بها في حال ثانية لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها وهو ينهى عن إضاعة المال، وأيضا فإنه قال عليه السلام: «بعثت بكسر الصليب وقتل الخنزير وإراقة الخمر»، ولا يجوز للمسلم إمساكها بعد علمه بتحريمها دون إراقتها.
ويقال له هذا غلط منكم وتوهم فيما تأولتم، وذلك أن جلد الميتة قد حرمه الله ورسوله، كما حرم الخمر فمنع من ذلك، فإذا جاز الانتفاع به بعد الدباغ وجاز حبسه مع التحريم له إلى حال يعالج فيتغير حكمه فيصير حلالا، فكذلك الخمر تعالج حتى تتغير فتصير حلالا، وأيضاً (1/29)
صفحة 30
فإن جلد الميتة أصل متفق عليه، فيجب أن يرد إليه المختلف فيه من الخمر كجلد الميتة المحرم يجوز الانتفاع به بعد الدباغ، والله أعلم وبه التوفيق.
فإن قال قائل: ولم قلتم إن الملح يحول النبيذ خلا؟ قيل له لما كان يحرم النبيذ للشدة التي فيه، وكان الملح يذهبها، زال التحريم لزوال العلة، وأيضا قد جاء الأثر في الخمر بأن يطرح فيه الملح فإذا زالت شدته وانتقل عما كان عليه جاز الانتفاع به، فإن قال: فعين واحدة حرمها الله يصير حلالا والعين قائمة؟ قيل له: نعم، إذا كانت محرمة للعلة لا للعين المحرمة وجب التحريم، فإذا كان التحريم لعلة فزالت العلة وعلمت زال حكم التحريم، وصار حكم محرم حلالاً، وقد جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما إهاب (1) دبغ فقد طهر» فقد دخل في هذا القول جلد الميتة وغيرها وصارت الدباغة رافعة لحكم النجاسة المحرم لأجلها، والله أعلم وبالله التوفيق.
مما جاء في بعض الآثار ما من موضع حكم فيه صلى الله عليه وسلم برأيه إلا عاتبه الله تبارك وتعالى عليه ثم أمسك عليه السلام بعدما عوتب، فأنزل الله جل وعز: * (*وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى*) * (2) وعن علي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقيسوا الدين فإن الدين لا يقاس، وأولمن قاس إبليس لعنه الله»، وعن عمر أنه قال: أيها الناس إياكم والقياس فإن أصحاب القياس أعداء النبيين، أعيتهم الأحاديث أن يعوها، واستحبوا إذا سئلوا أن يقولوا لا نعلم فقاسوا برأيهم فإياكم وإياهم.
قال أبو محمد: الدليل على أن بعض أصحابنا كانوا لا يقولون بالقياس
__________
(1) في الأصل: "إيهاب" خطأ.
(2) الآيتان الثالثة والرابعة من سورة النجم. (1/30)
صفحة 31
في الأحكام أنهم أجمعوا مع مخاليفهم [على] (1)، أن المرتدة عن الإسلام يبطل صداقها من زوجها، وتحرم عليه، لأن الحرمة التي دخلت بينهما كانت بفعلها.
ثم اختلفوا في الزانية فردها بعضهم على المرتدة قياساً فأبطل حقها، لأنها أدخلت الحرمة على زوجها بفعلها، وقال بعضهم لها الصداق، ولم يجمع بينها وبين المرتدة لعلة (2) إدخال العلة بفعلها مع اتفاقهم على أنها تحرم على زوجها بفعلها الزنا.
ويوجد في الأثر عن عبد الرحمن بن مسلمة المدني -وكان فقيها وابن فقيه وكان أبو عبيدة مسلم يعظمه ولا يقوم بمجلسه إلا له- إن المرأة إذا حلف عليها زوجها بطلاق ألا تفعل مما له أن يمنعها عنه، فارتكبت نهيه، وفعلت ما حلف عليها ألا تفعله أنها تطلق، ويبطل صداقها، لأن الحرمة هي التي أدخلتها عليه، وهو قول يدل على أن صاحبه رده قياساً على المرتدة في بطلان صداقها لإدخالها الحرمة على زوجها.
ويدل على أن بعض أصحابنا لم يكونوا يقولون بالقياس أنهم أجازوا طعام أهل الكتابين لإجازته ظاهر الكتاب بقول الله جل ذكره: * (*وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ*) * (3) ولم يعتبروا نجاستهم واستعملوا الظاهر.
ولم يجز بعضهم التعريض للبوائن من المطلقات قياساً على البوائن المميتات، وتركوا القياس هاهنا، ولعلهم ذهبوا إلى ما روي عن ابن
__________
(1) زيادتها يقتضيها السياق.
(2) في إحدى النسخ: "بعد".
(3) من الآية الخامسة من سورة المائدة. (1/31)
صفحة 32
عباس أنه قال: من حمل دينه على القياس لم يزل دهره في التباس، ضالا عن الدين قائلا غير الجميل.
وأيضا فإنهم يروون في القيء والرعاف سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهما لا ينقضان الصلاة، إذا انفلت المصلي بهما توضأ وبنى على صلاته ولم يقس (1) على هذه السنة غيرها من الأحداث.
وكذلك ما أجمع عليه من أن المحدث من الجنابة إذا صلى بقوم وهو غير عالم بجنابته أن صلاته وصلاتهم فاسدة، وعلى الجميع الإعادة وإن خرج الوقت ثم تركوا القياس على ما أجمعوا عليه من هذا الحدث ليقيسوا عليه غيره من الأحداث.
واختلف الناس في القياس على أربعة أضرب أخرى، فذهب بعضهم إلى إثباته في التوحيد والأحكام جميعا، وذهب آخرون إلى إثباته في التوحيد ونفيه في الأحكام، وذهب آخرون إلى إثباته في الأحكام ونفيه في التوحيد، وذهب آخرون إلى نفيه في الحالين جميعا، وهذا قول داود وأصحاب الحديث، والقياس في نفسه هو تشبيه الشيء بغيره، والحكم به هو الحكم للفرع بحكم أصله إذا استوت علته وقع الحكم من أجله، ومثل ذلك أن الله جل ذكره حرم قفيز البر بقفيزين على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فأجمع القائلون بالقياس أن القفيز من الأرز بقفيزين حرام مثله لأنه مساو (2) به في علته التي وقع التحريم بها، ثم اختلفوا -بعد اتفاقهم على استوائهم في التحريم- في العلة التي وقع التحريم من أجلها، فزعم قوم أن البر إنما حرم لأنه مكيل والأرز مكيل مثله، وقال بعضهم لا، بل من أجل أنه مأكول والأرز مأكول مثله، وقال قوم لا، بل التحريم لأنه مكيل ومأكول والأرز في
__________
(1) في الأصل: "يقيس" خطأ نحوي.
(2) في الأصل: "مساوي". (1/32)
صفحة 33
هذين المعنيين مساو (1) به، وقال بعضهم: لا، بل وقع التحريم لأنه مقتات ومدخر، والأرز أيضا في هذا مثله، وقال آخرون: وقع التحريم لأنه يزكى والأرز يزكى مثله.
والأصل في ذلك قول الله عز وجل: * (*وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا*) * (2) واختلف الناس في معنى الربا، فرجع كل واحد إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح سواء بسواء، فمن زاد أو استزاد (3) فقد أربى»، فقال قوم قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما حرمه وهو في شيئين فيما يكال وفيما يوزن وكل شيء مما يكال أو مما يوزن مما نص عليه أو لم ينص عليه بعينه فالربا فيه، لأنه ينهى عن ذلك صلى الله عليه وسلم بما يدخل في الكيل والوزن فكل شيء من طعام أو غيره فيه الربا، فهذه علة أصحاب هذا الرأي.
وقال قوم: العلة في الربا فيما نص عليه صلى الله عليه وسلم بعينه، وفيما يكال ويوزن من الطعام وسائر ما يؤكل، وقال قوم: الربا فيما بينه النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره في الستة الأجناس التي ذكرها، وعلى هذا النحو جرى الاختلاف بين أسلافنا، وفيهم (4) من جعل الربا فيما أنبتت الأرض بما أنبتت وكانت هذه علة لمن قال بهذا القول لأنها أعم.
واحتج من نفى القياس ولم يعتبر قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما حرم من البيوع من معنى النص، واقتصر على المذكور دون غيره، واحتج بقول الله تعالى: * (*وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا*) *.
__________
(1) في الأصل: "مساوي "خطأ.
(2) من الآية 275 من سورة البقرة.
(3) في الأصل: "ازتزاد" خطأ.
(4) في بعض الأصول: "منهم". (1/33)
صفحة 34
وقال: قوله عز وجل: * (*وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ*) * عموم * (*وَحَرَّمَ الرِّبَا*) * خاص، وهو ما أخرجه من جملة المباح من البيع بالسنة، يقال لهم: لو كان قوله عز وجل: * (*وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ*) * يبيح التفاضل في كل عقد إلا ما خصته السنة لوجب أن يكون قوله تعالى: * (*وَحَرَّمَ الرِّبَا*) * مانعاً من التفاضل لتساوي الظاهرين ووجودهما معاً في سياق واحد ونسق واحد، بل الواجب أن يكون الاستدلال بتحريم ثمن الربا على تحريم التفاضل أصح وأولى في الاستدلال على إباحة التفاضل بإباحة البيع، لأن الربا في اللغة هو الزيادة والفضل (1) في الجنس الواحد (2) وبالله التوفيق.
وأحد أصولهم التي جرى الاختلاف بينهم فيها، هو أن الله جل ذكره لما حرم بيع البر بالبر إلا مثلا بمثل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وجب عند القائسين تحريم بيع الأرز إلا مثلا بمثل، لأن الأرز معهم في معنى البر، ثم هم مع ذلك مختلفون في العلة التي من أجلها صار الأرز مقيساً على البر فقال بعضهم: هما متفقان من أجل أنهما مأكولان، وقال بعضهم: لا بل لأنهما مكيلان، وقال بعضهم: لا، بل لأنهما مكيلان مأكولان، (وقال بعضهم: لا، بل لأنهما مقتاتان مدخران) (3)، وقال بعضهم: بل، بل لأنهما يزكيان فكلٌّ جعل علة الربا أحد هذه المعاني الذي اعتمد عليها.
فمن ذهب لأن العلة في الربا إنما هو الاقتيات والادخار واحتج لذلك بأن قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر أجناساً مقتاتة مدخرة وخصها بالذكر، فذكر أعلى ما يقتات منها وهو البر، وأدون ذلك وهو الملح، الذي يدخرونه لإصلاح أقواتهم، والانتفاع به في أغذيتهم، علم
__________
(1) في نسخة "زيادة الفضل".
(2) كلمة "الواحد" ساقطة في بعض الأصول.
(3) ما بين القوسين من إحدى النسخ. (1/34)
صفحة 35
بذكره أعلى القوت ورجوعه إلى أدونه، وذكره الملح بعد ذكره البر مع التفاوت ما بينهما (1) من البعد على أن العلة إنما هي المقتات المدخر وبتخصيصه إياه الذكر، ومن ذهب إلى أن العلة المأكول احتج لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الأجناس المأكولة وخصها بالذكر فذكر أعلى المأكول منها وهو البر وأدونه وهو الملح، علم بذلك أن رجوعه إلى ذكر الملح من بعد ذكر البر مع ما بينهما من التفاوت على أن العلة المأكول وهو الجنس، لتخصيه ذلك بالذكر.
واحتج من ذهب على أن العلة في تحريم الربا المكيل المأكول ذهب إلى مثل ذلك المعنى أيضاً واحتج من ذهب على أن العلة في ذلك ما يتعلق فيها وجوب الزكاة أن البر والشعير والتمر أجناس يتعلق فيها وجوب الزكاة، فوجب أن تكون العلة عنده فيها ما ذكر، وهذه العلل يقرب بعضها من بعض، وإن كان بعضها أخص من بعض، فكلها صحيح لمن قال بالقياس والعبرة.
وكذلك من ذهب من أصحابنا إلى أن العلة في التحريم ما أنبتت الأرض بما أنبتت (2) أنه لما كان ما وردت الشريعة بتحريمه، وأثبت النبي صلى الله عليه وسلم اسم الربا فيه هو هذه الأصناف الستة، وكلها من نبات الأرض وجب عندهم أن تكون العلة هي الأرض، وكذلك من ذهب إلى أن ما يوزن بما يوزن لا يجوز، لأنه لما كان ما حرمه الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الأصناف منها ما يكال وما يوزن فكان ما يكال بما يكال لا يجوز، فكذلك ما يوزن بما يوزن لا يجوز.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا اختلف
__________
(1) في الأصل: "مع بينهما".
(2) المراد بقوله: "ما أنبتت الأرض بما أنبتت" أن بعض أصحابنا يرى العلة في تحريم الربا إنبات الأرض، فكل ما أنبتت من أنواع المحاصيل يحرم بيعه بجنسه إلا يداً بيد. والله أعلم. (1/35)
صفحة 36
الجنسان فبيعوا كيف شئتم» وهذا الخبر إن كان صحيحا -تأويل- وبالله التوفيق، لأن آية الربا توجب حكماً في الظاهر، وهذا الخبر يوجب ظاهره حكماً غيره ولا يخلو هذا الخبر من أن يكون متقدماً للآية أو يكون معها أو يكون بعدها.
فإن كان الخبر مع الآية فهو بيان لها أو استثناء لبعض ما خص من جملتها، وإن كان بعدها فهو ناسخ لبعضها، فقد ورد لتخصيص بعضها أو مبيناً لفرضها أو ناسخ لها وإن كان قبلها اعتوره معنيان: أحدهما أ، يكون منسوخاً بها، والآخر أن تكون مرتبة عليه فتكون جارية على عمومها، لأن فيها صحة الخبر، إلا فيما خصه الخبر من جملتها (1).
والنظر يوجب عندي أن يكون علة ما يكال في المكيل وعلى ما يوزن في الموزون، لأن الخبر قد ورد بذكر ما يكال وما يوزن، إلا أن يمنع من ذلك خبر مسلَّم أو اتفاق من الأمة، والله أعلم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ابتاع بعيرا عن بعيرين، وروي أنه أجاز عبدا بعبدين، وهذا اتفاق منهم لأنه يد بيد، وأجاز أبو حنيفة تمرة بتمرتين وفلساً بفلسين وحبة بحبتين، وأجاز الشافعي
__________
(1) حديث" إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم" حديث صحيح أخرجه الإمام الربيع رحمه الله، عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهم، وتمامه: "إلا ما نهيتكم عنه" وله شاهد من حديث عبادة وأنس رضي الله عنهما عند الدار قطني وليس بينه وبين الآية تعارض حتى يقال بنسخه لها إن كان متأخرا عنها وبنسخها له إن كان متقدما عليها، وإنما غاية ما فيه إباحة البيع مع التفاضل، ولو في النسيئة إذا لم يتحد المبيع وثمنه في الجنس، وأي تعارض بين هذا المدلول ومدلول الآية حتى يقال إن أحدهما ناسخ للآخر، على أنه لو ثبت التعارض وكان الحديث متأخراً لما صح اعتباره ناسخا للآية، لأن روايته آحادية، والآحادي لا يقوى على نسخ المتواتر عند المحققين من الأصوليين والفقهاء، وبهذا يتضح أن جميع الوجوه المذكورة في الأصل مع الاحتمالات لا عبرة بها، اللهم إلا أن يجعل الحديث من ضمن ما جاء في بيان الآية، ولا غرو في بيان المفصل الآحادي للمجمل المتواتر. والله أعلم. (1/36)
صفحة 37
بيع الحيوان بعضه ببعض، ثم نقض قوله فمنع من بيع السمك بعضه ببعض، والجراد بعضه ببعض وهو حيوان، فإن كانت علته الأكل فالإبل والغنم والبقر حيوان ويؤكل أيضا، فنسأل الله الهداية، وأيضا فإن أحدا ما يدل على جواز القياس.
والقول باجتهاد الرأي عند الحادثة بالعلماء ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري -وروي أنه كتب إلى شريح أيضا بمثله- أن قس الأمور وانظر الأشباه والأمثال، ولا يمنعك قضاء قضيته (1) بالأمس ذهبت فيه لرشدك أن تراجع الحق فيه فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
وقال أبو محمد أيضاً فيما يوجبه العقل في باب التوحيد: لا يجوز أن يرد السمع فيه بخلافه ألا ترى أنا إذا قلنا علة المتحرك الحركة فلا يجوز أن يتحرك إلا بحركة (ولا يجوز أن يرد السمع فيه بخلافه فيقول أثبتوه متحركاً بغير حركة) (2) وكذلك إذا قلنا: السكون علة الساكن ولا ساكن إلا بسكون، ولا يجوز أن يرد بخبر فيقول: أثبتوه ساكنا بغير سكون، فهذه علل لا يجوز انقلابها ولا يجوز أن يأتي السمع بخلافها.
وأما القائسون في باب الحلال والحرام فجائز عندهم أن يرد السمع بخلافه، وإذا كان ذلك مجوزاً كان علة طريق القائسين غير علة ما لا يجوز انقلابه، لأن العلة التي يوجبها العقل لا يختلف فيها العقلاء، ألا ترى أنهم قد اختلفوا في العلل التي قد أثبتوها أصولا لهم وموئلا يرجعون إليه ومعولا يفزعون إليه في استنباط (3) الحكم عند الحوادث النازلة التي لا نص عليها باسمها.
__________
(1) في إحدى النسخ: "قضاء ما قضيته".
(2) ما بين القوسين عبارته مضطربة في بعض الأصول بسبب التقديم والتأخير.
(3) في الأصل: "في اسطنباط" خطأ. (1/37)
صفحة 38
قال الشافعي: علة الربا في المأكول دون غيره، فخالفه عاقل مثله وهو مالك بن أنس فقال: علة الربا الاقتيات والادخار، وخالفهما عاقل مثلهما وهو أبو حنيفة فقال: علة الربا الكيل والوزن، وهذا الاختلاف منهم يدل على أنه ما يوجب العقل على ضربين، فضرب متعلق بالعلم الحقيقي الذي لا يجوز عليه الانقلاب وضرب متعلق بعلم الظاهر الذي لا يكون معلومه معتقلا وقد يجوز أن يرد ما يوجب اعتقال خلافه نحو قول الله تعالى: * (*فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً*) * (1). وقوله: * (*فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ*) * (2). ونحو ذلك والله أعلم.
والحكم حكمان: حكم بأصل موقف عليه، وحكم بفرع مستخرج بأصله، فحكم الأصل موقف عليه بعينه، ألا ترى أنه كان حكم الأصل مستخرجاً وحك الفرع مستخرجاً كان لا فرق بين الفرع وأصله، وكان يكون الفرع أصلا والأصل فرعاً، والقياس لا يصح إلا على أصل متفق عليه على ما بيّنا من اختلافهم في التفاضل في البيع، قياساً على الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الربا بقوله عليه السلام: «البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والذهب بالذهب والفضة بالفضة والملح بالملح يدا بيد مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد (3) فقد ربا»، فاستخرج كل من القائسين علة من هذا الخبر قاس عليه الحادث، واستنبط منهما حكماً على ما قدمنا ذكره من اختلاف بعض القائسين من المتفقهة من مخالفينا، وعلى نحو من هذا اختلف علماؤنا في البيوع.
__________
(1) من الآية 33 من سورة النور.
(2) من الآية 10 من سورة الممتحنة.
(3) في الأصل: "ازتزاد". (1/38)
صفحة 39
ووجه آخر أبينه لك من اختلافهم في العلة، قال أبو حنيفة: دم الرعاف نجس، قياساً على دم الاستحاضة، ودم الرعاف ينقض الطهارة عنده، لأن دم الاستحاضة ينقض الطهارة، (وقال مالك: دم الرعاف لا ينقض الطهارة، لأن علة نقض الطهارة من دم الاستحاضة أن مخرجه مخرج النجاسات، ومخرج الرعاف ليس بمخرج النجاسات ولا مخرج ينقض الطهارة) (1).
وقول أبي حنيفة نحو قول أصحابنا، لأن العلة في ذلك نجاسته، وكل دم فهذا حكمه، دم رعاف أو غيره، ووافق الشافعي مالكا في قوله وعلته.
وقال أبو بكر الأصم: دم الرعاف دم عرق ينقض الطهارة لأن دم الاستحاضة دم عرق وكل منهم قد رجع إلى أصل متفق عليه.
وقاس عليه علته وهي الاستحاضة، وقول مالك والشافعي وأبي بكر الأصم وداود: إن دم الاستحاضة ليس بنجس، عندي أن ذلك خطأ منهم، لأنه دم، وقد سمى الله الدم أذى، وعم الدم بتحريمه لقوله تعالى عز وجل: * (*حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ*) * (2).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه دم عرق، ودم الرعاف دم عرق ومخرجه مخرج النجاسات، وإذا اعتورته هذه الأسباب فأقل أحواله أن يكون نجساً ينقض الطهارة، وكل قد اجتهد وقاس وشبه الحادثة إذا وردت بأصل متفق عليه من الكتاب والسنة والإجماع، والمانع من القياس قد ترك المناصحة لنفسه، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قاس واجتهد في بعض الحوادث، ومن ذلك أن الخثعمية لما سألته فقالت
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من إحدى النسخ.
(2) من الآية الثالثة من سورة المائدة. (1/39)
صفحة 40
يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير ولا يستمسك على راحلته، وقد أدركته فريضة الحج أفأحج (1) عنه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكنت قاضية عنه؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أو قال: أولى» (2) فقد شبه لها وتركها، والاستدلال لما بينه من وجه القياس، والله أعلم.
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إني هششت وأنا صائم فقبلت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيت لو مضمضت فاك أكنت مفطراً؟ قال: لا، فقال: فذلك ذاك»، وقيل إنه اجتهد في الحروب برأيه وفي غزواته.
وروي عن عائشة أنها كانت توجب إعادة الطهارة من الكلمة الخبيثة وقولها في الإكسال منكرة على من ترك الغسل (منه -والإكسال هو الذي يجامع ولا ينزل- كيف أوجب عليه الحد ولا يوجب عليه صاع من ماء؟ تعني للغسل) (3) وهذا يدل على أن الصاع من الماء كاف للغسل.
وقولها وليتوضأ (4) أحدكم من الكلمة العوراء يقولها لأخيه يدل على أنها كانت ترى نقض الطهارة من الكذب المعتمد عليه على ما يذهب إليه أصحابنا، والله أعلم.
وكثير من الصحابة قد قالوا بالقياس في الحوادث واجتهدوا آراءهم فيها والحوادث التي كانت بينهم من الاختلاف في الحوادث يدل على ما قلنا.
__________
(1) في الأصل: "فقال أفأجح" خطأ من الناسخ.
(2) في الأصل: "أولا" خطأ إملائي.
(3) ما بين القوسين ساقط من إحدى النسخ.
(4) في الأصل: "ولا يتوضأ" خطأ. (1/40)
صفحة 41
وتركهم النكير على بعضهم البعض، والتخطئة لهم والبراءة منهم، يدل على أن الحق في اختلاف المختلفين، والله أعلم. والواجب على المتفقه أن يتأمل هذه المعاني وأن يعتبر أحكامها عند النوازل به، وبالله التوفيق.
والحادثة إذا حدثت لا تخلو من حكم الله فيها، أما أن تكون منصوصا عليها بأخص أسمائها، أو تكون منصوصاً عليها في الجملة مع غيرها، والاختلاف بين الصحابة في الحوادث، وفيما يتنازع العلماء فيه من الأحكام لاختلاف المذاهب في المختلف فيه، فقال قوم: كان اختلاف الصحابة على طريق القياس والاجتهاد، وقال قوم: كان اختلافهم استخراج الحكم بالدليل المستنبط به.
والاختلاف أيضاً قد يقع بين العلماء في نفس المنصوص، لأن من العلماء من يقول بالعموم، ومنهم من يقول بالخصوص، وربما كان اختلافهم من وجه آخر، من العلماء من يقول الأوامر إذا وردت كانت على الوجوب، ومنهم من يقول هي على الندب، ومنهم مني قول الأوامر إذا وردت كانت على الوقوف، لا حكم لها حتى يرد بيان يرفع الشبه عن المأمورين ويزيح العلل عنهم، وإذا كان هذا هكذا فالاختلاف قد يقع في المنصوص عليه بعينه، ويقع الاختلاف أيضاً في المنصوص عليه باسمه في الجملة، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم كيف يقول: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم»؟ ثم أجمعوا على أن بيع الذهب بالفضة أحدهما بالآخر غير جائز، إذا كان أحدهم غائباً، وقد نهى عن بيع المنابذة (1) والملامسة (2) ولم يقل كيف شئتم
__________
(1) بيع المنابذة أن تقول: انبذ إلي الثوب أو أنبذه إليك، وقد وجب البيع بكذا وكذا، أو أن ترمي إليه بالثوب ويرمي إليك بمثله، أو أن تقول: إذا نبذت الحصاة وجب البيع، أو أن يحضر الرجل القطيع من الغنم فينبذ الحصاة فيقول لصاحبها: إن ما أصاب الحجر فهو لي بكذا، وهو من البيوع في أيام الجاهلية.
(2) الملامسة في البيع أن يقول: إذا لمست ثوبك أو لمست ثوبي فقد وجب البيع بكذا أو هو أن يلمس المتاع من وراء الثوب ولا ينظر إليه ثم يوقع البيع، وهذا من البيوع في أيام الجاهلية أيضا. (1/41)
صفحة 42
إلا المنابذة والملامسة فهذا يدل على أنه قد قال بيعوا كيف شئتم إلا ما نهيتكم عنه من البيوع.
ويوجد عن أبي محمد في جامعه: إن الذبح بالسكين المغتصبة أو المسروقة لا تكون ذكية، ولا يجوز أكلها، هكذا يخرج عندي معنى قوله، واحتج على ذلك فقال: فإن قال قائل: الغاصب يكون عاصيا في الغصب وفي السرقة ولا يكون عصيانه مبطلا لذبحه، قيل له: فإنّ سرقته معصية واستعماله في الذبح معصية أخرى، كرجل سرق طعاما وهو عاص بالسرقة، فإذا أكله حصلت له معصية أخرى في الأكل، وكذلك الذابح بها عاص باستعماله كعصيانه في سرقتها، وإذا كان هكذا فقد ثبت ما قلناه، فإن قال: فأي شيء منع من استعمال السكين؟ قيل له: أجمع الناس جميعا أن ليس له أن يذبح بها، فإن قال أو ليس قد ورد النهي في هذا الموضع لما يمنع من أكلها إذا ذبحت، فلم منعت من أكلها؟ قيل له منعنا من أكلها لما تقدم أنه لم يأت بالذكاة الشريعة ولو كان ورود النهي في الآلة التي يذبح بها لا يمنع من أكلها للزم الشافعي المبيح لها أن يقول يذبح بالسن والظفر ثم تؤكل ذبيحته، فلما قال إنها لا تؤكل لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل ما ذبح بسن أو ظفر، فكذلك لما نهى الذابح أن يذبح بالسكين المغصوبة أن لا تؤكل لنهي الله والرسول عن ذلك، ويلزم أيضا أبا حنيفة وأصحابه ممن أجاز أكلها على ما وصفنا قال إذا ذبح بالسن والظفر الثابتين في موضعهما لم تؤكل الذبيحة، وأما مالك فأجاز أكلها إذا ذبحت بالسن والظفر، سواء كانا ثابتين أو غير ثابتين، فاعتمدنا على ما تقدم من ذكرنا له، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقد عمل هذا المتعدي في شاة (1/42)
صفحة 43
غيره أو سكين غيره عملا عليه نهى الرسول عليه السلام، وإذا كان منهيا عنه كان فعله مردودا ولم يكن مجوزاً، وبالله التوفيق.
وقد جاء في الأثر: رجل تزوج امرأة زوجه بها أبوها، وله بنت غيرها، فقال الأب: هي هذه، وقال الزوج: بل هي هذه، ونسيت البينة اسمها فنكاحها ينتقض، ويجبر الزوج على طلاقهما جميعاً، ولا شيء عليه، فإن مات الزوج أو ماتتا جميعا فإن كان اسمهما واحداً وقال الأب: الكبيرة، وقال الزوج: الصغيرة فالقول قول الأب، وأقول للزوج لا يدخل حتى يجدد النكاح ويجبر الزوج والأب على التجديد، فإن اختلفا في الصداق، فإن شاء الزوج أعطاها ما قال الأب ودخل بها، وإن شاء طلقها وأعطاها نصف ما أقر به.
وسئل أبو علي عنها فقال: لا يكون القول قوله، وقاسها بالبيع، وقيل لأبي عبد الله أرأيت البيع إذا كانت السلعة في يد البائع؟ فقال: إذا كانت في يده فالقول قوله، ولا يجبر المشتري على أخذها، ولا يحكم عليه، وبينهما الأيمان.
وجاء في السيرة التي تضاف إلى أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب قال: ولو أنا لم نضع هذا الكتاب على الاستقصاء لذكرنا من عللهم ما هو أقوى مما وجدناه لهم، ولبسطناه بسطا متكاملا كافيا (1) لمتأمله منا ومنهم، لكنا لم نأمل أن يكون منهم المعتقد لذلك، فيتخذ ذلك سلاحا له على الضعفاء دون ما نقضناه به، فنحل بمنزلة من حمل السلاح إلى أهل حربه، فانظر كيف قاس أبو المنذر بشير ذكره لعلل خصمائه على حمله السلاح إلى أهل حربه.
__________
(1) في بعض النسخ: "شافياً". (1/43)
صفحة 44
وقال فيها: أرأيتم لو أن رجلا (1) حلف بطلاق زوجته أن الصلت قد تبرأ من إمامته واختلع منها مرسلا ليمينه، ولا نعلم منه غير ما ظهر له من نقلته التي كانت منه ما كان الحكم عنده فيه على ما ذهبتم إليه من أن الحالف على مغيب عنه حانث فيما حلف فيه، وتعقب كلام بشير بعضهم فقال: وكذلك عندي أنه لو حلف أن الصلت لم يبرأ من إمامته ولا اختلع منها أنه حانث إذ حلف على غيب لأن أيمان الغيب كلها حنث فيما قيل، والله أعلم.
وقال بشير أيضا: أرأيتم لو أن رجلا جمعه وزوجته منزلها (2)، ثم ظهر اعتزاله من جميع آلَته عنها إلى منزل غيره، وقطع جميع ما يلزمه لها، أو تزوج أمة عليها، ففعلت ذلك، هل كان هذا الفعل منه يدل على فراقها، أو منها يدل على اختيار نفسها حتى يحكم بذلك عليهما ونشهد فيه فيهما، ولهذا نظائر من غير هذا الوجه يطول ذكرها.
فانظر كيف قاس أبو المنذر بشير أحكام الإمامة في هذا على أحكام التزويج؟ واعتبر أن اعتزال الصلت من دار الإمامة إلى غيرها ليس هو اعتزالاً للإمامة وترك النهي، كما أن اعتزال الرجل لزوجته ولو بجميع آلته، ليس يدل على طلاقها، ولا يعتبر ذلك طلاقا، فإمامة الإمام ثابتة كما أن عقدة الزواج بين هذا الرجل وهذه المرأة ثابتة على حالها حتى يصح زوال إمامة الإمام أو انحلال عقدة الزواج.
هكذا يخرج عندي معنى كلامه وانظر في هذه المرأة وهذا الرجل اللذين رأى أبو المنذر أن تزويجهما ثابت وغير زائل، وفي الحكم أنها
__________
(1) في الأصل: "رجل" خطأ نحوي.
(2) في ج: "منزل". (1/44)
صفحة 45
زوجته حتى يصح طلاقه لها أن لو تزوجها رجل غيره ولم يصح من الزوج إنكاراً عليه في تزوجه بها، ولا ادعى عليه أنها زوجته، وكان هذا الرجل وليا لأحد من المسلمين، هل يجوز لأحد أن يبرأ منه؟ وعندي أن ذلك لا يجوز، لأنه يحتمل في الباطل أن يكون قد طلقها وانقضت عدتها، ولم يتزوجها هذا إلا بعد طلاق زوجها لها وانقضاء عدتها منه، وكذلك لو ادعى الزوج الثاني أن الزوج الأول طلقها وانقضت عدتها منه لكان أيضا على ولايته، ولا تخرجه دعواه هذه في الولاية، لأنه إذا جازت ولايته لاحتمال هذا المعنى، ولو لم يدعه الزوج الثاني، فأجدر إذا ادعاه الزوج أن يكون أقوى للمتولى له، وأطيب للنفوس.
وأما إذا أنكر عليه الزوج الأول حالة تزوجه بها، وادعى أنها زوجته، لم يكن للزوج الآخر التمسك بها، وكان عليه تركها، فإن تمسك بها ولم يفارقها جازت البراءة منه، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وأما إذا لم ينكر عليه تزوجه بها، وكان حاضراً وقت الزواج بها فهو على ولايته، وإن أنكر عليه بعد ذلك فقد قبل ببقاء ولايته أيضا، والله أعلم.
وقال محمد بن محبوب عن موسى بن علي: إذا تزوج امرأة مفقود، ثم قدم فاختار الصداق، فله أقلُّ الصداقين مما عليه، أو على زوجها الأخير، وضرب موسى بذلك مثلا، رجل باع شفعة لرجل ثم باعها الآخر لآخر، فليأخذها الشفيع من الذي هي في يده.
هذا وقد قيل لا تُقاس الأصول بعضها على بعض، والأصول ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع، ويقاس ما لم يأت في الأصول على الأصول، والأصول مسلمة على ما جاءت، وما أشبه الأصول فهو أصل، وما لم يشبه الأصول قيس على الأصل.
وجاء في كتاب أبي قحطان أنه سئل عن رجل أصاب من زراعته (1/45)
صفحة 46
أربعمائة صاع فأخذ السلطان الجائر من هذه التمرة مائة صاع وبقي ثلاثمائة صاع، قال: يعطي الزكاة من أربعمائة صاع، ولا تسقط عنه التي أخذها السلطان، قال: وكذلك لو أنه أخذ الأربعمائة صاع كلها، كان يلزمه إخراج زكاتها، وكذلك حفظ أبو عبد الله الخراساني عن المسلمين بخراسان، قال أبو عبد الله: كذلك قيل، قال أبو عبد الله: إلا أن يكون لما كال الحب أخرج زكاته كله، فأخذه كله، فليس عليه، قيل له فإن هو أخرج زكاة أربعمائة صاع فعزلها، فجاء السلطان فأخذ مما عزل (1) من زكاته وحده، ولم يأخذ الباقي، قال: لا يخرج إلا زكاة ما بقي، قيل له: وكذلك الدراهم إن كان رجل عنده عشرة آلاف درهم، فجاء السلطان فأخذها كلها من بعد محل زكاتها وقبل إخراجها، قال: نعم عليه أن يعطي زكاتها، قيل له: أفيبيع من أصل ماله ويعطي زكاتها؟ قال: نعم.
ثم قال: ألا ترى أن المرأة إذا جاءها الحيض من بعد دخول وقت الصلاة ولم تكن صلتها حتى جاءها الحيض، عليها بدل الصلاة إذا طهرت؟ وعن الوضاح بن عقبة عن هاشم بن غيلان من نسي مسح الأذنين حتى صلى أن صلاته جائزة، وإن ذكر قبل الصلاة مسح أذنيه، وقد سئل عن هذه المسألة أبو زياد فأجاب: يرجع يتوضأ ثم يعيد الصلاة إن كان قد صلى. قال: وهذا برأي مني لأني قد حفظت أن من نسي مسح رأسه حتى صلى أعاد الوضوء والصلاة، فمن أجل هذا قلت ذلك.
وقال بشير في رجلين قتل كل واحد منهما ابن صاحبه، فقال كل واحد منهما أنا أقتل أولا، أيهما بدأ قتل ثم يقتل الآخر، قيل له: فإن لم يعلم أيهما بدأ؟ قال: يقترعان، وروي عن بشير إذا ادعى رجل على رجل حقا، ثم ادعى الآخر أيضا على هذا، فإن الذي ادعى أولا يبدأ فيحلف له صاحبه ثم يحلف هو بعده. وإنما قاس هذه بالأولى.
__________
(1) في الأصل: "ما اعزل". (1/46)
صفحة 47
وقد قاس بعض العلماء -ولعله ابن بركة- جواز أخذ العناء على تغسيل الميت ودفنه لمن كان يشغله ذلك عن الكسب لقوته وقوت عياله، على جواز أخذ العناء على الذهاب لأداء الشهادة من المشهود له، إذا كان ذلك يشغله عن ضرورة معيشته، وسئل أبو محمد عن القياس فقال إنما القياس أن يقال الفرع على الأصل وذلك مثل قول الله تبارك وتعالى: * (*وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً*) * (1) وكان من القياس عليه جلد قاذف المحصن من الرجال، لاستواء العلة في ذلك.
وكذلك جاءت السنة من أعتق حصة من عبد له فيه شركاء أعتق العبد كله وكان من القياس عليه لاستواء العلة عتق الأمة إذا أعتق الرجل نصيبا له من أمة، وله فيها شركاء عتقت كلها، وكذلك جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة مست فرجها وهي متوضئة أنها تعيد طهرها، وكان من القياس عليه لاستواء العلة إذا مس الرجل فرجه أن يعيد وضوءه (2)، وكذلك القياس والاختلاف في سؤر الفأر من وجهين اختلفوا فيه، منهم من ذهب إلى أن الفأر من السباع، وجعل سؤره
__________
(1) من الآية الرابعة من سورة النور.
(2) وجوب الوضوء إن مس الرجل فرجه ثابت بالسنة لا بالقياس فقد روى الإمام الربيع بإسناده عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» ولعل القائسين لم يعولوا على الحديث نظرا إلى أن نواقض الوضوء مما تعم به البلوى، والمفروض في مثل ذلك أن ينقل بالتواتر أو الاستفاضة وألا يكتفي بنقل الواحد لا سيما إذا كان لا يعنيه، كبسرة في هذا الحديث فإنها امرأة، لا يعنيها انتقاض وضوء الرجل من مسه ذكره، فكيف يفوت الحديث الرجال وتحفظه هي؟ غير أن عدالة الراوي إذا ثبتت توجب قبول روايته من غير التفات إلى مثل هذه الهواجس، اللهم إلا أن تدل القرائن على وهمه واعتضاد الرواية هنا بالقياس إنما يزيدها قوة ويؤكد مدلولها مفهوم المخالفة من الحديث الذي أخرجه الربيع عن أبي عبيدة عن ضمام بن السائب قال: بلغني عن ابن عباس، يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على من مس عجم الذنب وضوء، ولا على من مس موضع الاستحداد وضوء» فإنه يفيد أن من مس أسفلهما انتقض وضوؤه. والله أعلم. (1/47)
صفحة 48
مفسدا، ومنهم من ذهب إلى أن الفأر من الوحوش وجعل سؤره وبعره طاهرا.
وكذلك قال الله عز وجل: * (*حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ*) * (1) فعم هذا جميع الميتة، وفي الأثر قال المسلمون إن الدواب مثل العقرب والذباب والذرة وكل دابة لا دم لها طاهرة، فقال بالقياس والاجتهاد منهم له بالسنة المنقولة بالجراد إذ قال صلى الله عليه وسلم: «أحل لكم ميتتان الجراد والسمك» فقاس المسلمون على الجراد كل ما لا دم له لاستواء العلة به وكان بالجراد أشبه.
وسئل بعضهم هل يقاس في طرح الطير الذي يؤكل لحمه، فيلحق بعضه بالنجس، وبعضه بالطاهر؟ قال: نعم الوحشي طاهر، والأهلي نجس، قيل له من أين ذلك؟ قال: من القياس عند المسلمين، وذلك أنا وجدنا طرح الدجاج عندهم نجس لا خلاف بين أحد منهم في ذلك، مع ما حرم الله من الخبائث، فعلمنا أن طرح الطير الأهلي نجس أيضا، وقسنا الطير الأهلي على ذلك لاستواء علته بعلة الدجاج، وكذلك وجدنا الطير الذي يسمى الصفصوف يعشعش في المساجد وفي البيوت ويطرح فيها ولم نعلم أن أحداً من المسلمين اجتنبه، ولا قال إنه نجس، فقسنا عليه ما كان وحشيا مثله، لاستواء العلة.
وكذلك قاس المسلمون أن أقل الصداق أربعة دراهم، لاستواء العلة بقطع يد السارق، إذ لا قطع عليه إلا في أربعة دراهم، كذلك لا صداق بأقل من أربعة دراهم، لاستواء العلة في البضع، فهذا ومثله مما يجوز فيه القياس للقائسين من أهل العلم، محكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وأمره ونهيه،
__________
(1) من الآية الثالثة من سورة المائدة. (1/48)
صفحة 49
ووعده ووعيده، وأخباره وأمثاله، وأحكامه وواجبه وحتمه، وكذلك مع العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ناسخها ومنسوخها، وإيجابها وندبها واستحبابها واشتقاقها، مع ذلك العلم بإجماع المسلمين وآثارهم، مع علمه بجميع لغة العرب والنحو.
قال أبو محمد: فإن قال قائل: فما تقولون في الوطء في الحيض؟ قيل له: قد نرى تصويب من قال بالتفرقة بين الزوجين إذا اتفقا على الوطء في الحيض من طريق العمد.
فإن قال وكذلك من وطئ في الدبر؟ قيل له: هما عندنا سواء في باب الحكم، فإن قال: فما وجه جواز ذلك عند من قال به؟ قيل له: من قبل أن أهل اللغة يسمون الدخول في المضيق زنا، فلما رأينا الوطء في الدبر والحيض داخلين في المضيق عليها علمنا أنهما استحقا اسم الزنى، والزاني يفرق بينه وبين زوجته على ما تقدم في قولنا في أول المسألة، فإن قال: وما الدليل على جواز قولهم ورأي موضع ذلك في اللغة؟ قيل له: هو قول الشاعر:
ولست بزان في مضيق لأنني*ش* ... أحب وساع العيش والخلق الرحب
وقول آخر:
وإذا قذفت إلى زناء قعرها*ش* ... غبراء مظلمة من الأحفار
والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصل أحدكم وهو زناء» ممدود غير مشدد النون يريد به -والله أعلم- الحاقن يعني بذلك الذي يجمع البول في مثانته ويحبسه حتى يضيق، فلما كانت العرب تسمي الدخول في المضيق زناً وجب أن يجري حكم الزنى عليه، قال الكسائي وأبو عبيدة: هو الذي يجمع البول في مثانته فيضيق عليه الموضع، فأصل الزنى الضيق إلا أن الزنى الذي يوجب الحد ما كان بالفرج، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (1/49)
صفحة 50
«العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك ويكذبه الفرج» وكل من دخل بفرجه في ضيق مضيق عليه فهو زان، وكل من استحق اسم الزاني فالحد واجب عليه إلا ما قام دليله.
ودليل من طريق القياس يدل على صحة ما قلنا أنا لما رأينا الأمة قد أجمعت على حرمان قاتل العمد ممن يصير ماله إليه في الحالة الثانية، فلما أسرع إلى ارتكاب ما نهى عنه منع من الإرث الذي كان يستحقه بترك ما ركب مما نهى عن فعله، وكذلك الواطئ في الحيض المتعمد لركوب ما نهى عنه لا يستحق ما كان يستحقه بترك ما نهى عن فعله من الوطء في الحيض، ولما كانت سنة قد أجمع الناس على قبولها والعمل بها بما يوجب القياس عليها، ألا ترى ما روي من عمر بن الخطاب؟ بذلك قال أنس بن مالك (1) في رجل خطب امرأة في عدتها من طريق العمد أنه لا يحل له تزوجها من بعد انقضاء عدتها، ويحرم عليه تزوجها أبدا، فحرم بمعصيته ما كان مباحاً له بتركها، ونحو هذا يجري مجرى العقوبات، والله أعلم.
والزنى في اللغة الدخول في المضيق، وقد مضى الاستشهاد بقول الشاعر على ذلك، هذا وقد عاب ابن بركة على جمهور أصحابنا الذين اشترطوا الاستبراء في الأمة الصغيرة، قياساً على الحرة الصغيرة، وقال: إن الحرة الصغيرة إنما تؤخذ بالعدة وتعتد بعد الوطء وهم أوجبوا استبراء الصغيرة من الإماء من غير وطء، وإنما أوجبوه بانتقال ملك، فلا أدري بأي علة قاسوا، والحرة لا تجب عليها العدة بانتقال ملك الزوجية، فأين موضع الشبه ووجه القياس؟ فنحب أن ينظر في ذلك، والله الموفق للصواب.
ويوجد في الأثر عن محمد بن محبوب أنه إذا رباها صغيرة في بيته جاز له وطؤها وإن لم تستبرأ، وإن رباها غيره من عدل أو خلافه أو امرأة
__________
(1) في إحدى النسخ: "مالك بن أنس". (1/50)
صفحة 51
لم يجز له وطؤها إلا بعد الاستبراء، ويوجد لغيره، قال: إذا ربتها امرأة لم يستبرءها المشتري، والاستبراء في اللغة هو الاستكشاف للأمر المشكل، وأي إشكال في الصغيرة.
وقال أبو محمد أيضا: اتفق علماؤنا فيما تناهى إلينا عنهم أن من لزمه فرض الصلاة والزكاة والحج والعتق والصدقة من يمين حنثها أو نذر وجب عليه الوفاء به، وما كان من سائر الحقوق التي أمر الله بفعلها، ولا خصم للمأمور من المخلوقين فيها مما هو أمين في أدائها، ولم يؤدها ولا أوصى بها، أنه لا شيء على الوارث يتعلق عليه أداؤها، ولا أداء شيء منها، كان الوارث تاركاً لذلك من طريق النسيان أو العمد، واختلفوا فيه إذا أوصى بها وأمر بإنفاذها، فقال سليمان بن عثمان وغيره: يجب إخراج ذلك من جملة المال، واحتجوا بأن قالوا: ما كان واجباً إخراجه من جملة المال على المأمور أيام حياته، لا يجب زواله من جملة المال بعد الموت، وسبيله سبيل سائر الحقوق المأمور بإخراجها من جملة المال، واحتجوا أيضا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سألته الخثعمية وقالت: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير ولا يستمسك على الراحلة وقد أدركته فريضة الله في الحج، أفأحج عنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكنت قاضية عنه ذلك؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق» فقالوا قد شبه الحج بالدين ولما كان الدين من رأس المال كان الحج مثله، والله أعلم.
وقال موسى بن علي ومحمد بن محبوب وأبو معاوية وأبو المؤثر رحمهم الله وغير هؤلاء من الفقهاء: ما كان من هذه الحقوق التي ذكرناها من الحج وغيره يرجع إلى الثلث إذا أوصى به الميت، وهذا الذي يوجبه النظر عندي ويشهد بصحته الخبر، وذلك أن الدين يجب قضاؤه وإن لم يوص به، والحج لا يجب قضاؤه إلا بعد الوصية، لاتفاقهم جميعا على ذلك، وأيضا فإن الدين لو قضى عنه في حياته بغير أمره لسقط عنه (1/51)
صفحة 52
أداؤه، وكذلك بعد وفاته باتفاق، ودليل آخر أن المريض لو كان عليه دين وحج ولم يخلف لقضائهما أنه يبدأ بالدين فيقضى، ولو كان سبيله سبيل الدين لضرب معه، ودليل آخر قول الله تبارك وتعالى: * (*وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا*) * (1) فالإنسان لا يتحسر على ما يقدر عليه وعلى فعله، وإنما يتحسر على ما لا يقدر على فعله، وكذلك قوله جل اسمه: * (*قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا*) * (2) إنما يطلب الرجعة إلى ما فاته من الواجب وغير الواجب فلا يطلب.
وإنما شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج بالدين، لأن المرأة سألته عن الأداء، فشبه لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بأداء الدين إذا قضته عنه كان قضاؤها عنه كقضائها الدين عنه إذا قضته، ولم تسأله عن الوجوب فيرد الجواب عنه (3). والله أعلم.
__________
(1) الآية 10 وبعض 11 من سورة المنافقون.
(2) بعض الآيتين 99 و100 من سورة المؤمنون.
(3) ذهب أصحابنا -رحمهم الله- إلى التفرقة بين حقوق الله وحقوق العباد فيمن مات ولم يوص بما عليه فأوجبوا قضاء حقوق العباد من تركته، ولو لم يوص بها، ولم يروا وجوب قضاء حقوق الله إلا بالوصية ووافقهم على رأيهم هذا مالك وأبو حنيفة وأصحابهما، وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم التفرقة فأوجبوا قضاء حقوق الله كحقوق العباد أوصى بها الهالك أو لم يوص، وفصل الإمام نور الدين السالمي -رحمه الله- بين حقوق الله المتعلقة بالمال كالزكاة والمتعلقة بالذمة كالكفارات، فرأى أن الأولى سبيلها سبيل حقوق الناس بخلاف الأخرى، والذي تعضده السنة عدم التفرقة بين حقوق الله وحقوق العباد في وجوب قضائها، وإن لم يوص بها الهالك إذا وسعتها تركته، ومن أدلة ذلك حديث عائشة عند الشيخين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام أداه عنه وليه»، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الشيخين أيضا قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، فدين الله أحق أن يقضى»، فكيف يسقط قضاء دين الله الذي يصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أحق أن يقضى، وأحق كلمة تدل على التفضيل وذلك يعني أنه أجدر بالعناية في القضاء، وقياس النبي صلى الله عليه وسلم دين الله على دين الناس في حديث الخثعمية يؤكد هذا المعنى، وإذا علمت ذلك أدركت رجحان قول سليمان بن عثمان رحمه الله بأن حقوق الله كحقوق العباد تخرج في الوصية من أصل المال، أما ما احتج به ابن بركة من الآيات فلا حجة فيه لرأيه، وإنما غاية ما تدل عليه الآيات حث العبد على المبادرة على الإنفاق مما رزق قبل الانغلاق بالموت والتحسر على ما فات من الفرص، فأين موضع الاستدلال في ذلك؟ على التفرقة بين حقوق الله وحقوق العباد؟ هذا وفي آثار أصحابنا -رحمهم الله- ما يدل على أن بعضهم يرى تقديم دين الله على دين العباد إذا ضاقت عنهما التركة، كما يدل عليه حديث ابن عباس، ومنهم من يرى تقديم دين العباد على دين الله حسب رأي ابن بركة، ومن قال بقوله، ومنهم من قال أنهما يتحاصصان، والحق ما نطق به الصادق المصدق صلى الله عليه وسلم. والله أعلم وبه التوفيق. (1/52)
صفحة 53
وقال ابن بركة: كل مسألة لم يخل الصواب فيها من أحد القولين ففسد أحدهما لقيام الدليل على فساده، صح أن الحق في الآخر، وكذلك إن صح أن الحق في واحد منهما بعينه فالآخر فاسد، قال الله جل ذكره: * (*فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ*) * (1) وفي الأثر عن أبي الحواري: ينسخ التنزيل بعضه بعضاً وكذلك السنن ينسخ بعضها بعضاً، وإنما نعمل بآخر التنزيل ونعمل بآخر السنن، وقد نسخ السنة ما في الكتاب، والسنة تصدق الكتاب، فقد قال الله تعالى: * (*وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً*) * (2) فنسخ الدية التي في كتاب الله في هذا الموضع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يتوارث أهل ملتين» فمضت السنة، هكذا سمعنا من فقهاء المسلمين، ووجدنا ذلك عن محمد بن محبوب رحمه الله.
وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حد على شرب الخمر أربعين
__________
(1) من الآية 32 من سورة يونس.
(2) من الآية 92 من سورة النساء. (1/53)
صفحة 54
جلدة (1)، وبلغنا عن أبي بكر رحمه الله أنه حد على شرب الخمر أربعين جلدة، وحد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الخمر ثمانين جلدة بعدهما، فوجدنا عن الربيع رحمه الله أنه قال: مضت سنة من تركها هلك، والمسلمون على ذلك إلى يومنا هذا، يحدون على شرب الخمر ثمانين جلدة، فلو أن إماما جلد على شرب الخمر أربعين جلدة، وقال: هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رحمة الله عليه ما قبل منه ذلك، ولزالت إمامته وخُلع منها ووجبت البراءة منه.
وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم لما وادع المشركين عام الحديبية وكتب الهدنة فيما بينهم: من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له المشركون -فيما بلغنا- لو نعلم أنك رسول الله ما حاربناك، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على اسم الرسالة، فيما بلغنا، وكتب من محمد بن عبد الله. فلما وقعت المكاتبة بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان في الحكمين، كتب علي بن أبي طالب: من علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، فكتب إليه معاوية بن أبي سفيان: لو نعلم أنك أمير المؤمنين ما حاربناك، فدع عنك اسم الإمارة، فكتب من علي بن أبي طالب. فبلغنا أن ابن عباس أشار عليه بذلك، وروى له ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وترك اسم الرسالة لما كره المشركون ذلك، وكتب من محمد بن عبد الله، فلما أشار ابن عباس على علي بن أبي طالب بذلك -فيما بلغنا- ترك اسم الإمارة، وكتب من علي بن أبي طالب ومن معه من المسلمين إلى معاوية بن أبي سفيان، فلما بلغ ذلك المسلمون وصلوا إلى علي فأنكروا ذلك عليه وقالوا له: ما حملك على أن تخلع اسما سماك به المسلمون؟ ولم يقبلوا من ابن عباس ما أشار به عليه، وفارقوا عليا على ذلك حتى رجع إلى اسم الإمارة، وكذلك هذا الإمام
__________
(1) في الأصل: "ليلة" خطأ من الناسخ. (1/54)
صفحة 55
الذي حد على شرب الخمر أربعين جلدة لم يقبل منه، وقد احتج بما فعل الني صلى الله عليه وسلم، وقد يجوز للنبي ما لا يجوز للناس، ويجوز للناس ما لا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد يحل للنبي ما لا يحل للناس، ويحل للناس ما لا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد أحل للنبي هبات النساء أنفسهن له، وحرم ذلك على الناس.
وقد حرم على النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على المنافقين إذا ماتوا، وحل ذلك للناس، وقد قيل إنه حرّم عليه الطلاق لقول الله تعالى: * (*لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ... *) * (1) وحل الطلاق للناس.
وقال أبو الحواري أيضا جوابا لمن سأله، عن الفارق بين أموال أهل القبلة إذا بلغوا، وبين أموال أهل الشرك، إذ لا تحل الأولى في الحرب أن تغنم، بخلاف الثانية:
اعلموا رحمكم الله أن الذي فرق بين أموال أهل الشرك وأموال أهل القبلة، السنن الماضية التي يهتدى بها، والآثار المتبعة التي يقتدى بها، ليس لأحد فيها اختيار، ولا رأي، ولا قياس، كما أن أهل الشرك من العرب تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم، ولا لهم عهد ولا ذمة، ولا يقبل منهم إلا الدخول في الإسلام أو القتل، وأما أهل الشرك من العجم تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم، ولهم العهد والذمة، وكلا الفريقين مشركون، فجاءت لذلك السنة والأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبطل الرأي والقياس، وإنما نحن نتبع ولا نبتدع، هذا وقد قال الله تعالى: * (*الزَّانِيَةُ
__________
(1) الآية 52 من سورة الأحزاب. (1/55)
صفحة 56
وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ*) * فكان على البكر مائة جلدة بكتاب الله، وكان على المحصن الرجم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلاهما زانيان، فكان على المحصن خلاف ما على البكر، وقد قال الله تعالى: * (*الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ*) * (1) فكان طلاق الحرة ثلاث تطليقات بكتاب الله، وطلاق الأمة اثنتان بالأثر، الذي من تركه كفر.
وفي الأثر عن بن محبوب رحمه الله: سئل عن رجل تزوج يهودية أو نصرانية، هل يأكل ما تزاوله من الطعام؟ قال: قد قيل إذا غسلت كفيها ثم عجنت له عجينا أو عملت له طعاما وهو ينظر إليها فلا بأس بأكله، ما لم يحدث بكفيها عرق، فإذا حدث بكفيها عرق أو غيره أفسد ما أصاب.
فإن قلت: كيف أحل أكل الخبز من طعامهم وهم يعملونه رطبا؟ هكذا يا أخي جاء الأثر، ولا يحل على القياس، وبلغني أن أبا عبيدة سأله سائل فقال: إن السمن يؤتى به من الأهواز من بلاد المجوس فلم جاز أن يشترى؟ ولا يجوز أن يشترى الجبن إلا مضمونا؟ فقال أبو عبيدة هكذا جاء الأثر في الجبن ولم يجيء ذلك في السمن، وقيل من التواضع لله ترك الجدل والمناظرة ولو كنت محقا.
ومن جامع أبي محمد: العلة هي المعنى الذي يطلب منه الدليل، والدليل هو حجة الله على خلقه، والحجة هي التي يحتج بها الإنسان على خصمه، وهو فعله، ولم يعدم صحة معرفة هذا وما يشاكل من ناصح نفسه، واجتهد لها وغرب إلى الله تعالى في إرشاده، فطلب بتعلمه وجه الله، وما التوفيق إلا بالله.
__________
(1) من الآية 229 من سورة البقرة. (1/56)
صفحة 57
وقال أبو محمد أيضا في جامعه: يوجد عن هاشم بن غيلان في رجل أفطر شهر رمضان متعمداً، أن عليه قضاء شهره، والتوبة إلى الله من فعله، ولم يوجب عليه كفارة ولا غيرها، ولعله كان ممن لا يقول بالقياس ولا يراه واجبا في باب الأحكام، ألا ترى أن الناس قد أجمعوا على أن من وطئ في شهر رمضان متعمدا أنه مفطر، وعليه القضاء والكفارة؟ لأنه مفطر كما أن المجامع مفطر، ولما لم يوجب الكفارة هاشم بن غيلان، وترك القياس في هذا الموضوع، ظننا أنه كان ممن لا يرى القياس، والله أعلم.
وقال أبو محمد أيضا: إذا وطئ رجل في شهر رمضان نهارا فإن عليه القضاء والكفارة، فإن أفطر يوما ثانيا أو ثالثا فليس عليه غير تلك الكفارة الواحدة ما لم يكفرها -هكذا قال أصحابنا-، فإن قال قائل: لِمَ لم تجعلوا لكل يوم كفارة واليوم الأول غير اليوم الثاني، وفي أصحابكم من جعل صوم كل يوم فرضا؟ قيل له: إن الله جل ذكره جعل الكفارة زجراً لعباده وردعاً لهم، ألا ترى أن الحدود إذا اجتمعت من جنس واحد أنها لا تكرر بذلك على الجاني بل يقام على الجاني حد واحد إذا كان الفعل من جنس واحد ما لم يقم عليه الحد؟ فإن عاد إلى الفعل بعد أن أقيم عليه الحد أعيد عليه حد ثانٍ، كما قلنا في الكفارة إذا كفرها ثم عاد إلى الإفطار لزمته كفارة ثانية، فإن قال قائل: فإن [لم] (1) يكفر حتى أفطر يوماً آخر من سنة أخرى؟ هل تجزيه كفارة واحدة؟ قيل له: لا، لأن كل سنة فرض غير الفرض الأول وهو كالجنس الآخر، لأن السنة الأولى غير السنة الثانية، فصار الفعل فيها كالفعل في الجنسين.
__________
(1) زيادة يستقيم بها التعبير. (1/57)
صفحة 58
فإن قال: فإن المرأة التي وطئها غير المرأة التي وطئها في هذا.
قيل له: هذا كله وطء كما ذلك كله شهر واحد.
فإن قال: فإن اليوم الأول الذي أفطره غير اليوم الذي أفطره بعده وكل يوم منهما فرض غير الفرض الأول.
قيل: هذا كالحدود التي هي عقوبات مختلفة وإن كانت زجراً أو ردعاً وينظر في هذه المسألة، وبالله التوفيق. (1/58)
صفحة 59
الباب الثالث
في الفتيا وفيه ستة فصول (1/59)
صفحة 60
[صفحة بيضاء] (1/60)
صفحة 61
الفصل الأول
قيام الحجة بالعلماء أو بغيرهم
قال أبو سعيد: إن قول واحد من علماء المسلمين فيما أفتى به من الدين حجة في أكثر القول، وإن الواحد يقوم في الفتيا بالدين مقام الاثنين، وإذا قام مقام الاثنين قام مقام الأربعة، وإذا قام مقام الأربعة قام مقام الأربعين، وإذا قام مقام الأربعين قام مقام مائة ألف أو يزيدون (وإذا قام مقام مائة ألف أو يزيدون) (1) قام مقام أهل الأرض كلهم، فكان هو الحجة عليهم إذا كان الحق في يده من الدين، ولم يكن لأحد عليه حجة في الدين من جميع العالمين، ولولا أن الحق والدين على هذا ما كانت الحجة من الله أن تقوم، وينقطع بها عذر الشاك فيها بالرسول الواحد إلى أهل الأرض كلهم.
ولو كان لا يقوم ذلك إلا بجماعة لكان ذلك أولى به النبيون والمرسلون.
ولو اعتل معتل برسالة هارون مع موسى صلى الله عليهما، ما كان ذلك له حجة، لأن الحجة على كل أمة ما جاءهم به رسولهم من الحجة والشريعة، وقد كان نبيها صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، وناسخا لجميع شرائعهم، وكان واحداً أرسل إلى الإنس والجن كافة، فقامت الحجة به على جميعهم.
وإنما موسى صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يرسل معه أخاه وزيراً، وكان موسى هو الرسول إليهم والحجة عليهم، لا أنه لا تقوم الحجة على فرعون وآله إلا باثنين.
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من إحدى النسخ. (1/61)
صفحة 62
قال أبو سعيد: إن العالم المحق حجة الله فيما أفتى به من دين الله، وليس لأحد أن يجهل حجة الله إذا قامت، فإن كان العالم الواحد حجة الله فيما يسع جهله على من قام به فهو الحجة، وإن لم يكن الواحد حجة فالاثنان ليسا بحجة، وكذلك الأربعة، وكذلك الجماعة إلى ما لا يحصى، لأن العالمين لو اختلفا في الدين لم يكونا جميعاً سالمين محقين، ولم يكن بد لواحد منهما أن يكون هالكاً في الدين، كاذباً على رب العالمين، في عقول السامعين، لاختلافهما في العالمين والجاهلين، لأن الحق في الدين لا يكون إلا مع واحد من المعبرين، فلا يجوز أن يطلب معه غيره فيما يصح في العقول أنه لابد من أحد أمرين، إما أن يقول مثل ما قال بلا زيادة ولا نقصان، وإما أن يقول غير ما قال، فيكون مخالف له في الدين، في عقول العالمين، لأن الدين أبداً لا يكون إلا مع واحد من المختلفين، ولا يحتمل في العقول إلا أن يكون أحدهما كاذباً على الله، وقد يمكن أن يكونا جميعاً كاذبين على الله، ويمكن أن يكون أحدهما صادقاً والآخر كاذباً، ولا يمكن أن يكونا جميعاً صادقين، هذا من المحال، والدين ما جاء فيه حكم من الكتاب والسنة أو من الإجماع من علماء المسلمين، فإذا كان القول من العالم لأحد هؤلاء أو لما يشبه ذلك وما هو مثله، فلا يجوز لغيره أن يقول بخلافه، وهو الصادق على من قال بخلافه، ولو كان مخالفوه جميع أهل (1) الأرض، فهم الكاذبون في أصل الدين الذي أجمع عليه معاشر المسلمين وجميع أهل الاستقامة من الموحدين.
__________
(1) في إحدى النسخ: "من في الأرض". (1/62)
صفحة 63
الفصل الثاني
في صفة الثقات
سئل الشيخ أبو سعيد رحمه الله عن الثقة في دينه ما صفته؟
فقال: عندي أنه إذا تظاهرت منه الأمانة في دينه، ولم تتظاهر منه التهم في دينه، لأنه لا يدخل فيما لا يسعه بجهل ولا بعلم، كانت الأمانة أولى به، ولم تجز تهمته، وكان ثقة في دينه، وجازت شهادته إذا أمن على ذلك.
وفي جواب لأبي عبد الله محمد بن روح: الثقة من ائتمنه أهل الخبرة به أنه لا يخون أمانته، ومن الأمانة ما يدين بتحريمه أنه لا يظهر مع أهل الخبرة به أنه خائن فيما يدين بتحريمه، وسئل بعض العلماء عمن رأى رجلا مقبلا على شأنه ولم يقف من حديثه إلا الصدق واللقاء الحسن، ومال القلب إلى ثقته، هل تجوز شهادته في جميع الحقوق؟ أم كيف تكون حالته؟
فأجاب: على ما وصفت يحكم بشهادته إن صحت عدالته، وكذلك في عامة الآثار أن العدل هو الولي، وقال من قال في العدل والثقة: إنه إذا كان يعرف بأداء الفرائض والانتهاء عن المحارم، ولم يكن يصر على صغيرة ولا يركب كبيرة، وهو مع ذلك مسارع إلى الخيرات، محافظ على الجماعات، فهذا عدل، ولو لم تعرف موافقته إذا لم تظهر منه في ذلك مخالفة للمسلمين. (1/63)
صفحة 64
الفصل الثالث
في ذكر بعض الفقهاء
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله، في جوابه إلى إمام أهل حضرموت أحمد بن سليمان، نيابة عن الإمام الصلت بن مالك رحمهما الله في بيان من أخذ عنهم علماء المذهب، منهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار: أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي وحذيفة بن اليماني، رحمة الله عليهم، وأمثالهم كثير، ثم من بعدهم عبد الله ابن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير السعدي وزيد بن حصن الطائي وأشياعهم وأتباعهم، والمرداس بن حدير وعروة بن حدير وطراف وقربب والزحاف، والإمام في العلم والدين يومئذ جابر بن زيد رحمه الله، ثم أبو عبيدة وأبو نوح وحاجب وصحار وجعفر والحتات وأبو الحسر وضمام وعبد الله بن يحي والجنلدى بن مسعود والمختار وبلج وأبرهه والربيع وعبد الله بن القاسم ووائل ومحبوب وأبو المهاجر وبشير وموسى ومحمد رحمهم الله، وأتباعهم وخلفاؤهم وأمناؤهم على العلم بعدهم.
فهؤلاء أئمتنا ودعاتنا والأمناء على ما حملوه أو حمل عنهم، هذا وقد ذكر غيره من الفقهاء مسبحا وخالد ابن سعوه وأبا عثمان سليمان بن عثمان والوضاح بن عقبة وعمر بن المفضل وعبد المقتدر ومحمد بن هاشم، وكتب منير بن النير الجعلاني إلى الإمام غسان بن عبد الله رحمهما الله، أنه قد بلغك -إن كان بلغك- الذي مضى عليه المسلمون قبلنا (1/64)
صفحة 65
وقبلك عمار بن ياسر، ومن أخذ أخذه من أصحاب صفين، وأصحاب النهروان وأصحاب النخيلة، وقريب والزحاف وأبو بلال وعبد الله بن يحي والجلندى بن مسعود، فإنهم لم يخرجوا من بيوتهم عن إخراج أو ضيم في دنياهم، أو طمع في عرض الدنيا، أو إرادة الملك، أو غضب لعشائرهم أو حمية أو عصبية، أو على عمى أو ضلال في سيراتهم، فلو كانوا خرجوا بذلك كانوا خالفوا الحق، وعند من نرجو الحق بعدهم؟ لكنهم خرجوا جهاداً في سبيل الله، لا يريدون شيئا من أعراض الدنيا، حتى مضوا لسبيلهم رحمهم الله، وغفر لنا ولهم على الصدق والوفاء، ولنا ولكم فيهم أسوة حسنة -ثم قال- منهم موسى بن أبي جابر رحمه الله والحسن بن عقبة والوليد بن خالد وموسى بن سعيد وجعفر بن بشير ومعين بن عمر ولوط بن سام وحميم بن المغيرة والهماس بن المغلس والمنير بن عبد الملك وعبيد (1) بن أبي وعمارة بن همام ومحمد بن عبد الله بن سوم وعمر بن يحي وحميد بن عبد الله ويحي بن زيد وعمر بن عبد الله، ونظراؤهم من الناس لا يعلق عليهم بالسباب، ولا يلجأ إليهم بالقبيح، ولا يتهمون في دينهم، مرضيون في إخوانهم، منيع رأيهم، معروف فضلهم.
ثم قال: واستقام على المسير منازل بن جيفر وسليمان بن عثمان والحكم بن بشير ومسعدة بن تميم والأزهر بن علي وعلى بن عزرة وجعفر بن زياد وعبد الله بن أبي قيس وعبد الله بن نافع وراسم بن يزيد وأبو مالك بن الأزهر والأشعث بن محمد والأزهر بن عبد الملك وعبد العزيز بن عبد الرحمن ونظراؤهم من المسلمين، الإمام عبد الملك بن حميد وهاشم بن غيلان ومحمد بن موسى والعباس بن الأزهر وموسى ومحمد ابنا علي وسعيد بن جعفر.
__________
(1) في بعض النسخ: "عبيد الله" وفي أخرى: "عبد". (1/65)
صفحة 66
الفصل الرابع
فيمن يجوز قبول فتياه وفي جواز الفتيا للمستفتين
قال أبو سعيد في العالم إذا أفتى بشيء يعلم الأصل فيه، فزلت لسانه في فتياه، فخالف الحق، فإنه لا يسع المفتى أن يعمل بما أفتاه من الباطل، ولو لم يعلم أنه باطل، فإن مات وهو على ذلك الباطل الذي يخالف الكتاب والسنة والإجماع فهو هالك، ولا إثم على العالم في ذلك، وأما إذا كان المفتي لا يعرف الأصل فتحرى من فتياه الصواب وأفتى فخالف الكتاب والسنة والإجماع فالمفتي والمفتى هالكان كلاهما، وإن وافق الحق من قول المسلمين مما يجوز فيه الرأي، فالمفتى سالم إذا وافق الحق وأما المفتي فقد قيل فيه بالخلاف فبعض عذره لأنه وافق الحق وبعض لم يعذره لأنه تكلم في الإسلام بغير علم، وقد قال الله في تعداد المحرمات: * (*وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ*) * (1) قيل له: هذا المفتى إذا أفتاه العالم بالأصول فخالف الحق المجتمع عليه، هل له أن يعمل بما يفتيه العالم؟ ويعتقد السؤال عما يلزمه، أم لا يجوز له العمل ولو اعتقد السؤال عما يلزمه؟
قال: إن عليه ألا يعمل بالباطل، وإن اعتقد السؤال عما يلزمه، قيل له: فإن عمل بما أفتى وهو معتقد السؤال، فلم يزل على ذلك يعمل بما يفتي ويسأل حتى مات، من غير أن يصيب الحق، هل تراه هالكاً؟
قال: إذا دان بأداء ما يلزمه من ذلك في الجملة، وتاب في الجملة من جميع ما خالف فيه رضا الله أو من جميع ذنوبه، وهو دائن بالسؤال عن جميع ما يلزمه في الجملة عن دين الله، واعتقد السؤال، وعمل بما يفتي
__________
(1) من الآية 169 من سورة البقرة. (1/66)
صفحة 67
به على غير قصد منه إلى ركوب الباطل، إلا بسبب الفتيا والظن، عسى أن يكون كذلك، وهو معتقد السؤال عما يلزمه، فلا أقول إنه هالك.
قيل له: فإن حسن في عقله خلاف ما يفتي به، وهو إلى الحق أقرب، إلا أنه باطل في الأصل، هل عليه أن يعمل بما حسن في عقله، ويدع الفتيا إذا لم يحسن في عقله غير هذا؟ قال: ليس له أن يعمل بالباطل على أي حال، سواء اعتمد على حجة عقل أو قول معبر.
وسئل محبوب: هل بين المسلمين اختلاف في الحلال والحرام؟
فقال: أما ما جاء في كتاب الله تحليله أو تحريمه، فليس بينهم فيه اختلاف، وإنما اختلف الفقهاء بينهم في أشياء قال بعضهم فيها قولا، وقال آخرون قولا غير قولهم، وهم يتولون بعضهم بعضاً ولا يخطئ بعضهم بعضا وذلك فيما يجوز فيه الاختلاف.
قال أبو سعيد رحمه الله: وهذه الأقاويل من المسلمين، كل منهم يتعلق بأصل يبني عليه وينتهي إليه، فمن عرف تأويلها وتمييزها وأحسنها وأعدلها، كان عليه التحري لذلك من نفسه إذا بلغت إليه، وأحب استعمالها أو استعمال شيء منها، وإن لم يبن له ذلك منها شاور من بحضرته ومن قدر عليه من أهل العلم من أهل دعوته، حتى يدخل بعلم وبيان، وإن لم يجد من المعبرين من يأمنه على بيان ذلك وتمييزه وتفصيله وتوكل على الله، وتحرى أحسن ما يقع عنده في وقته ذلك وعمل به إلى أن يبين له غيره على ما وصفت، ومتى لقي من هو أعلم منه بحكم ذلك وتفسيره فبان له عدل ما فسر له رجع إلى قوله إن بان له صوابه، من غير تخطئة منه لنفسه أو بمن عمل بقوله، وهذا سبيله فيما يلزمه في نفسه إن أراد العمل فيما يختلف فيه بالرأي، من ولاية أو براءة و صيام أو صلاة أو حج أو زكاة أو نكاح أو طلاق، وكل ما يلزمه في دينه في ذات نفسه، وكذلك إن صار إلى منزلة احتاج إليه فيها غيره، تكون دلالته لغيره على سبيل ما يهتدي لنفسه، وأرجو (1/67)
صفحة 68
أن يوفقه الله إلى الصواب إذا استجاب له وتاب وتوكل عليه في جميع الأسباب، واستعمل الاجتهاد بمبلغ ما يقدر عليه في جميع ما دفع إليه من أمر نفسه أو غيره، والله ولي التوفيق.
وقال ابن جعفر في خطأ العالم الذي يجوز له أن يفتي بالرأي إن خطأه مرفوع عنه، وصوابه مأجور عليه، ولا يسع أحداً أن يفتي بالرأي إلا من علم ما في كتاب الله وسنة نبيه، وآثار أئمة العدل، وقال من قال: من أفتى برأيه فأخطأ -وليس هو ممن يجوز له الرأي- ضمن.
قال أبو سعيد رحمه الله: قد اعتبرنا معاني هذه الآثار فوجدناها صحيحة محكمة من الأخبار، إلا أنها مجملة غير مفسرة، وتشتمل عليها معاني الخاص والعام، ويحتاج الناظر ممن لا يبلغ إلى معاني تفسيرها (1)، فأحببنا أن نذكر من ذلك ما فتح الله منها، فأما قوله خطأ العالم الذي يجوز له أن يفتي بالرأي مرفوع عنه، وصوابه مأجور عليه، فعندنا أن الخطأ في هذا خطآن: خطأ ضلال وهو أن يقول بالرأي فيما لا يجوز فيه الرأي، مما جاء فيه الحكم من كتاب الله، أو من سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أو من إجماع الأمة أو ما أشبه ذلك، فإذا قال في شيء من هذا برأيه مما يخالفه -ولو كان ممن يجوز له أن يقول بالرأي- فأخطأ فيه فهو هالك، ولا نعمت عين، وهو آثم في ذلك ظالم، وإذا قال بالرأي في موضع الرأي، وهو ممن يجوز له القول بالرأي باجتهاده فوافق الصواب كان مأجوراً مصيباً، وإن خالف الصواب باجتهاده ورأيه وهو من أهل ذلك كان معذوراً من الحق قريبا، لا فرق بينه وبين من أصاب الحق على الحقيقة الذي طلبه، كما لا فرق بين من تحرى القبلة عند عدم معرفتها بالعين أو الشواهد الدالة عليها، فأدى لازمه من الصلاة ومعه غيره ليتحرون مثله، كل منهم يجتهد رأيه فأصاب بعض وجه القبلة باجتهاده، وأخطأ بعض، فصلوا الصلاة على ذلك، ففي الإجماع إنهم
__________
(1) في نسخة: "تمييزها". (1/68)
صفحة 69
مسلمون متفقون غير مفترقين، وإذا كان أحدهم أخطأ وجه ما أراد باجتهاده، ففي أكثر ما قيل عندنا أنه لا يدل عليهم جميعاً، وأنهم كلهم سواء في العقل وفي العاقبة، ولعله قد قيل -ولا أعلمه صحيحا من قول أصحابنا- إن على المخطئ منهم البدل إذا علم ذلك، ولا يبعد ذلك لأشياء تلحق معانيها، وأما التارك للقبلة للدلائل الظاهرة للمصلي باجتهاده إلى غير القبلة بهوى أو بعمى، ولو ظن أن ذلك يجوز له إذا رأى من هو مثله في بقعته يصلون إلى مثل ذلك، فلا عذر له ولا نعمت عين، كذلك القال بالرأي في غير موضع الرأي، وإذا قال بالرأي في الدين فقد خالف معنى الرأي، وإنما هو مخالف في الدين فافهم معاني الرأي من معاني الدين، ولا يجوز الدين في الرأي وذلك خارج من التسمية ومن المعنى كله وذلك باطل، والرأي حكمه فيما عدا الدين، والدين حكمه فيما عدا الرأي، وأما قوله لا يسع أحد أن يفتي بالرأي إلا من علم ما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار أئمة العدل فهو صحيح عندنا، وذلك أنه لا يجوز القول عندنا بالرأي في شيء إلا أن يكون عالماً بأصول الدين فيه، وأصول الدين ما جاء في كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع المهتدين من الأمة، في كل وقت وزمان (فمن علم في شيء من الأمور من فن من فنون العلم أو باب من أبوابه) (1) أو شيء منه بعينه حكم ما جاء فيه من الكتاب والسنة، وإجماع المهتدين من الأمة، فهو عالم في ذلك الشيء، فإذا أبصر وجه الرأي والقول بالرأي فيه واهتدى له كان فقيهاً فيه وعالما به، وكان من أهل الرأي فيه، كما كان غيره من العلماء فيما هو أكثر منه من الفنّين والثلاثة والبابين والثلاثة بل أقوى فيه وفي بابه وفي معناه إذا كان عالماً به من ذي الفنين والثلاثة.
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من إحدى النسخ. (1/69)
صفحة 70
ولو كان العالم لا يكون عالما حتى يحيط بالعلم كله ويحيط بجميع فنون العلم لكان محالا -والمحال ضلال- ألا يكون عالما وقد ثبت حكم العلماء، أو أن يكون يثبت أن أحدا يحيط بالعلم، وهذا كله لا يجوز، والثابت الجائز أن يكون من علم شيئاً عالما به، وجائزا له ما يجوز للعالم به من حفظ أو قياس أو رأي، كما أنه لو علم فنونا كثيرة وأشياء كثيرة من العلم، حفظا ودراسة إلا شيئا لم يعلمه وعلمه غيره حفظا ودراسة، من المعنيات ما جاز أن يقال إن ذلك العالم عالم بهذا الذي لم يعلم، وما جاز أن يقال أن ذلك العالم غير عالم به، وهذا من المحال، ومن تنافي المعاني، ولا يجوز نفي الصحيح ولا إثبات المعدوم.
ولو جاز هذا لجاز ألا يسمى صانعاً لشيء من الصنائع حتى يحيط بجميع تلك الصنعة خبرا، وإذ ذاك يجوز أن يسمى صانعاً من جميع الصنائع مثل: الحداد والصائغ والنساج والحجام والطبيب، وقد ثبت لهؤلاء كلهم باسم الصنعة بمعرفة شيء منها، ولو لم يحيطوا بجميع الصنائع، وذلك مثل التجار يلحقه اسم تاجر إذا تجر ولو في شيء واحد، ولو لم يجمع فنون التجارة، ولا نعلم في هذا اختلافا.
كذلك العالم بالشيء من الأشياء ويلحقه اسم العلم به، فإن خص بالتسمية جاز، وإن أطلق عليه اسم العلم في معنى ما أريد به من العلم فيه، وبه جاز ذلك لمعنى ما ذكرنا من عدم الإحاطة بجميع العلم، ومن ثبوت اسم العلم على غير الإحاطة، والقول في هذا يتسع وفي هذا كفاية إن شاء الله.
وأما الضمان على من أفتى، وهو ممن لا يجوز له القول بالرأي فأخطأ فخطأ هذا معنا يخرج على وجهين: إن أراد العبارة لما قد أحاط به علما من حفظ أو دراسة، أو ما لا يشك في علمه مما صح معه، (1/70)
صفحة 71
بلا شك فيه ولا ريب، فأخطأ بغيره من لفظه، فهذا بمنزلة خطأ العالم الذي يجوز أن يقول بالرأي فقال به فأخطأ، بل هذا أبين عندي عذرا وأثبت حجة، لأنه قصد إلى معروف بعينه فأخطأ بغيره، وإن خالف في ذلك الدين فلا إثم عليه.
وذلك مثل من علم أن للأم السدس مع الأولاد ولها مع غير الأولاد الثلث، فنزل به حكم أو فتيا: يجب للأم فيه السدس، فجعل لها الثلث قصدا منه إلى السدس، وإلى علمه الذي لا شك فيه، ولو نسي معنى ما خوطب به أو أخطأ لسانه بالكلام بغير ما أراد من اللفظ، فهذا معذور سالم، لا إثم عليه ولا ضمان، ومن الخطأ الذي لا يسع جهله أن يكون قد حفظ وعلم أن للأم مع الأولاد السدس، ولم يحفظ كم لها مع غير الأولاد والإخوة، فجعل لها مع غير الأولاد السدس، إذ قد عرف ذلك مجملا من حكمها، أو جعل لها مع الإخوة والأولاد والثلث إذ قد علم وحفظ أن لها الثلث مع غير الإخوة والأولاد.
وكذلك في الزوجين، قد علم وحفظ أن للزوج الربع مع الأولاد فجعل له الربع مع غير الأولاد، وكذلك النصف فهذا حفظ لا ينفعه ولا يكون له فيه عذر فيما خالف الأصل، كما من خالف من قال بالرأي في الدين الأصل، وكما خالف من قال بالدين في الرأي الأصل، وكذلك أمثال هذا.
وإنما على المخطئ معنا الخطأ الذي يكون له السعة فيه، إذا علم ذلك أن يعلم بخطئه (إن قدر على من أفتاه بذلك وعليه أن يعلم بخطئه) (1). وليس عليه في مثل هذا معنا خروج في طلبه، ولكن يرسل إليه ويكتب إليه إن قدر على ذلك.
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من إحدى النسخ. (1/71)
صفحة 72
وأما من خالف الدين بفتيا أو حكم بما لا يسعه ولا يعذر فيه، فمعنى أن عليه الخروج في طلب المخرج مما يلزمه من إعلام ذلك ومن ضمانه إذا قدر على الخروج، كما يقدر من وجب عليه الحج من صحة البدن وأمان الطريق والزاد والراحلة.
وأما ضمان المفتي إذا خالف الحق الذي لا يعذر فيه من عالم أو ضعيف، فأصاب شيئا من إتلاف مال أو شيئا يتعلق على فعل ذلك ضمان بإتلافه له، فعندي أنه قد قيل ليس على العالم في ذلك ضمان في خطئه الذي يعذر به مما وصفناه، أو ما يشبهه من عالم أو ضعيف، على وجه ما يكون له عذر في الخطأ، فلا ضمان عليه ولا إثم، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وعندي أنه قد قيل في الجاهل الذي يعرف بالجهل، وليس هو ممن يؤتمن على العلم، ولا هو من أهله، إذا أفتى فيما يخالف فيه الحق مما يجوز في الرأي، وهو مخالف لأحكام الدين فقال فيه بجهله، فلو لم يتعمد في ذلك شيئا من الحق فهو ظالم آثم، بقوله خلاف الحق بجهل، ولا أعلم عليه بعد التوبة ضمانا، لأنه ليس من الأدلة على الحق، فإن قال في ذلك بجهله قصدا منه إلى الحق، على ما يظن أنه له واسع، فوافق الحق في دين أو رأي فيما يسع فيه الرأي، فعندي أنه سالم ولا إثم عليه (1) إذا قصد إلى الحق، على ما يظن أنه واسع، فوافق الحق الذي
__________
(1) الصحيح في من خاض بغير علم في أحكام الله وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم أنه هالك ولو وفق لإصابة الحق والسقوط على الحقيقة لأن ذلك عين التقول على الله بغير علم وهو حرام بالنص القرآني، ومن ارتكبه فقد ارتكب الحرام قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الآية 33 من سورة الأعراف]، وحسب العاقل ردعاً عن القول على الله بغير علم اقتران تحريم ذلك بتحريم الشرك في هذه الآية ولا تشفع له الإصابة إن أصاب الحق في قوله لأن نفس القدوم على القول بغير علم حرام، سواء اقترن ذلك بإصابة الحق أو غيره، ويؤكد ذلك ما رواه الإمام الربيع رحمه الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر لها ولو أنه أصاب الحق»، والإرسال في الحديث لا يمنع من الاستدلال به فإن جابر رحمه الله قد عرف بالثقة والأمانة والتثبت في النقل، وحسبنا أن الأدلة القرآنية تؤيد مدلول الحديث. (1/72)
صفحة 73
يجوز فيه القول لمن علمه، وأحسب أن بعضا يقول: إنه لا توبة عليه إذا وافق الحق، وكان قصده إليه على ما يرجو ويظن أنه يسعه.
وأما ضمانه فلم أعلم أن أحداً يقول به، إذا كان من الجهال الذين لا يؤتمنون ولا يعرفون بالعلم.
وأما إذا كان من الضعفاء الذين لا يؤتمنون على العلم، وكان منهم من الفتيا ما يخالفون فيه الدين، ولا يخرج في الرأي ولا في الدين بلا وجه عذر من خطأ يخرج على ما وصفنا وما يشبهه، بعالم أو ضعيف، فعندي أنهما سواء إذا خالفا الحق فيما لا يسعهما، ولا يكون لهما في الخطأ فيه عذر كما وصفنا، أو ما يشبهه من عذر العالم أو الضعيف، فعندي أنه قد قيل في ضمانهما باختلاف فقال: من قال عليهم الضمان لأن المفتي بمنزلة الدليل، والدال ضامن ولو لم يفعل بيده، وأحسب أن بعضا يقول ليس عليهما ضمان، لأنهما دالان على القول الذي به أتلف من قبلهما، وكان الدلالة محجورة على القابل أن يقبلها، ولم يكن الدال دل على شيء بعينه أو أمر بإتلافه فلا ضمان عليه، وعندي أنه يخرج جميع هذا فيما يشبه مذاهب أصحابنا، وللعالم الذي يبصر الرأي في الخطأ فيما أخطأ به في حفظه ومعرفته بالشيء بعينه ما للضعيف في مثل ذلك، وليس للضعيف في الرأي إذا لم ينزل بمنزلة الرأي في الخطأ ما للعالم الذي يجوز له الرأي، لأنه قد خالف الأصل الذي ليس له فيه حجة. (1/73)
صفحة 74
قال ابن جعفر: وليس للحاكم أن يتخير في الرأي إلا ما يرى أنه هو الصواب، ويرجو أنه أقرب إلى الحق.
وأما من لا يعلم فيسعه أن يأخذ بما أراد من رأي الفقهاء.
قال أبو سعيد: إذا كان الحكم الذي ينزل بالحاكم من أصل الدين لم يجز له أن يخالف الأصل، ولو كان من يحضره ممن يضاف إليه العلم يختلفون في ذلك، أو قد مضى فيه الاختلاف ممن يضاف إليه العلم من المختلفين، والاختلاف في ذلك كله باطل، وليس كل ذلك باختلاف وإنما هو خلاف، إلا القول الذي يوافق الحق نفسه، فمن قال بذلك فهو حجة، وعلى الحاكم اتباعه وقبوله فيما لزمه من الحكم كائنا ما كان، عالما أو جاهلا أو ضعيفا، وليس له قبول الباطل (من أحد) (1) كائنا ما كان ضعيفا أو عالما، ولا عذر للحاكم وإن جهل ذلك، وليس له إلا موافقة الحق وقبوله، ممن جاء به من ماض أو حاضر، إذا لزمه الحكم، وأما إذا كان القول مما يجوز فيه الرأي وكان فيه اختلاف يخرج في الرأي كله صواب، ولا يخالف منه شيء في أحكام الرأي، وكل ذلك في الأصل صواب بالإجماع.
فإن كان الحاكم ممن يبلغ علمه إلى تمييز ذلك، والنظر في عدله وإلى ما هو أقرب منه، مما هو أبعد في نظره، فعندي أنه قد قيل عليه الاجتهاد في النظر في ذلك، كما كان على العالم القائل بالرأي الاجتهاد في ذلك بالنظر.
وليس له أن يتخير ما شاء من الآراء إذا كان على هذه الصفة، إلا أن تكون الآراء في ذلك متساوية في العدل معه في نظره، وهو ممن
__________
(1) "من أحد" ساقطة من إحدى النسخ. (1/74)
صفحة 75
يبصر العدل، فعندي أن له الخيار في ذلك، يختار ما شاء ويحكم به، لأنه خارج كله في القول عنده، وليس شيء أعدل من شيء.
وأما إذا لم يخرج على هذا، فقد قيل إن عليه أن يختار الرأي الواحد من الآراء التي يرى أنه الأصوب وإلى الحق أقرب، فيحكم به في هذا الحكم وفيما يستقبل، حتى يبن له غيره من الآراء أصوب وإلى الحق أقرب، ثم يرجع إليه ويدع هذا، فلا يزال على هذا ما ابتلي بالحكم وامتحن به، ولا يحكم بالاختيارات على سبيل اتباع الهوى ولا إهمال النظر، فيحكم له بهذا القول ولغيره بهذا، وهو يرى أن الأول أصوب أو غيرهما، وليس هذا سبيل الرأي، وإذا فعل الحاكم هذا فقد خرج من سبيل الرأي.
وأما إذا كان ذلك عنده عدلا وهو ممن يبصر عدل ذلك، فذلك جائز ويحكم بما شاء وكيف شاء، لأن ذلك كله عدل.
وإن لم يكن الحاكم يبصر العدل وتمييز ذلك بنظره وكان بحضرته من العلماء من يبصر عدل ذلك وتمييزه، فعليه مشاورة أهل العلم ممن يبصر ذلك، فإن ذلك من النظر والرأي، لأنه وجد السبيل على الدلالة على حكم الرأي وسبيل الرأي، فيضع الرأي في موضعه ويستدل بغيره عليه، كما أنه لو لم يعلم فيه شيئاً من القول كان عليه الاستدلال بمن قدر عليه من أهل الرأي، وإن كان بحضرته لم يؤخر ذلك، وإن لم يمكنه بحضرته شاور العلماء من أهل مصره ممن قدر عليه، وإن لم يكن من أهل مصره فحيث كان يقدر عليه، ولا يضيع ما يلزمه، ولا يقدم على شيء من ذلك بغير علم، وكذلك هذه الأقاويل التي قد صحت مختلفة لا يعرف أقربها إلى العدل، وبحضرته من ظاهر عليه وله معرفة ذلك ويرجو فيه تمييز ذلك فيما يراه هو عدلا، فعليه مشاورته في الأقاويل المختلفة كما عليه مشاورته فيما لم يأت فيه القول، لأن الأقاويل المختلفة يمكن (1/75)
صفحة 76
عدلها كلها وصوابها، ويمكن باطلها، ويمكن باطل بعضها وصواب بعض، فهي معلولة عند من لم يعرف عدلها، والتماس معرفة عدلها على الحاكم ومن يريد العمل بها في أصل النظر، إذا لم يصح عدل شيء منها لازم.
فإذا علم الحاكم هذا ولم يعرف هو تمييز ذلك، فقد قال إنما أخذ به من ذلك وعمل به، فوافق في الأصل الحق، وهو خارج كله في الرأي فهو واسع له.
وقال من قال: ليس عليه هذا ولابد أن يقصد إلى ما هو عنده أصوب وإلى الحق أقرب على حال ليس على الإهمال، ولابد له من هذا على كل حال، ولا عذر له في حال من الأحوال أن يعمل بباطل، أو أن يقبله من قائل.
وقد قيل إذا علم هذا أخذ بقول أعلم القائلين إن كان يعرفه، فإن لم يكن يعرفه أخذ بقول أوليائه من القائلين، فإن استووا في الولاية فأفضلهم، وعلى كل حال لا عذر له في مخالفة الحق، وإذا نزل العالم بمنزلة الفتيا وقصد إلى الفتيا كان عليه ما كان على الحاكم مما مضى كله، وليس له الإهمال.
وما نص في الحاكم فهو على العالم، مما وصفنا في الحالات كلها في الفتيا. والمتفي كالحاكم فانظروا في أحواله، وكذلك المفتي في المسألة لغيره، أو العامل بها في نفسه هو بمنزلة الحاكم، والكل في الحق واحد، والحكم في نفسه كالحكم على غيره.
والمفتي كالقائل، والقائل كالقابل، وما وسع الواحد وسع الجميع، وما ضاق على الواحد ضاق على الجميع، إذا نزلوا بمنزلة واحدة، وكل من خصه حال لم يعم غيره، ولم يلزم غيره ما خصه، فتدبر هذه الأمور وانظر فيها، فإنها حق وصواب، أو باطل وخطأ، ولا يتفق فيها حق (1/76)
صفحة 77
ولا باطل، ولا خطأ ولا صواب، وليس لأحد غير موافقة الحق بقول ولا عمل ولا نية، ولن ينجو من ذلك إلا من عصمه الله ورحمه.
وقد ذكر بعضهم عند (1) أبي سعيد: أن أبا عبيدة ذكر له عن أهل عمان أنهم يفتون بالرأي، فقال: ما سلموا من الدماء والفروج.
قيل لأبي سعيد: هل يعني أبو عبيدة أن المفتي بالرأي فيما سوى الدماء والفروج ترجى له إصابة الحق؟
قال: هكذا أحسب أنه يقصد، لأنه عن بعضهم أنه قال: كاد العلماء يحيطون بالعلم لولا الدماء والفروج، وذلك لأن أمرهما دقيق.
وسئل أبو سعيد عمن جاء يسأل عن شيء له وجه في التعارف ووجه في الحكم بماذا يجاب؟
قال: بالوجهين جميعاً ليطلب لنفسه السلامة، قيل له: أرأيت إن أراد السائل أن يأخذ بالتعارف ويدع الحكم إذا كان التعارف يبيح له أمرً يحجره عليه الحكم.
قال: إذا كان كله عدلا وصواباً فله أن يأخذ به، وإلا فعليه أن يأخذ بأعدل الأمرين عنده، وإن لم يبصر الأعدل فأعدلهما عند أهل العلم إن وجدهم، قيل له: وكذلك ما اختلف فيه بالرأي هل له أن يأخذ بأحد الآراء؟
قال: له أن يأخذ بآراء المسلمين ما لم تخرج عن العدل.
قيل له: يحتمل أن تكون كلها عدلا ولكن بعضها أعدل من بعض.
قال: نعم.
قيل له: فإن أخذ بغير الأعدل لا لشيء غير التخفيف عن نفسه، هل يسلم أو يأثم؟
قال: إذا قصد غير الأعدل فقد أساء وأخشى عليه أن يأثم.
__________
(1) في الأصل: "عنه" تحريف من الناسخ. (1/77)
صفحة 78
قيل له: فإن لم يقصد مخالفة الأعدل؟ وإنما أراد أن يتوسع برأي المسلمين في أخذه بالرخصة ولو كان غير ما أخذ به أعدل عنده؟
قال: إذا أبصر الأعدل لم يجز له خلافه في فتوى ولا عمل، لأن ترك العدل جور، وإنما جاز الأخذ بالمختلف فيه مع تحري الأعدل.
قيل له: فإذا استوت الآراء كلها في العدل، أو كان المبتلى بالعمل لا يبصر الأعدل، هل يكون مخيراً بأخذ ما شاء منها؟
قال: نعم، إن قصد الأعدل ولم يكن مهملا في تحريه.
فقيل له: هل الأصل في آراء المسلمين أنها كلها عدل؟
قال: هكذا عندي إلا ما ثبت غلطهم فيه.
قيل له: هل الاجتهاد في تحري أعدل الآراء واجب على كل من أراد أن يعمل بشيء منها أو يفتي به؟ أم ذلك على القوي دون الضعيف؟
قال: على كل منها تحري العدل جهده.
قيل له: هل تراعى الأحوال في الاجتهاد؟ بحيث يكون لكل حال ما يستوجبه من تضييق أو توسيع؟ أم تعتبر جميعها كحال واحدة في اتخاذ الحكم؟
قال: عندي أن الأحوال تختلف أحكامها باختلافها فيعطى كل ما يلائمه من توسيع أو تضييق.
قيل له: فإن كان رجل ضعيف من المسلمين يطالع الأثر، ولا يستطيع النظر، يأتيه سائل يسأله فيجيبه بما سمع من الفقهاء، أو رأي في الأثر، وقد يصادف حقا وقد يصادف باطلا، هل عليه من بأس؟
قال: إن كان صادقاً في رفيعته عن الفقهاء، أو نقله من الأثر ولم يزد في نقله على ما رأى في الأثر، وفي رفيعته على سمع من الفقهاء، فإن وافق الحق لم يخف من الثواب وإن صادف الباطل رجوت أن لا بأس عليه، (1/78)
صفحة 79
وعلى السائل ألا يقبل الباطل، ولا يعمل به إذا كان الأمر من القائل على ما وصف.
قيل له: إذا كان يعرف هل يؤخذ بقوله أم لا؟
قال: نعم، هو كان كما وصفت لك.
وقال أبو المؤثر: ينبغي للمسؤول أن يتحرج، ولا يضيق على الناس ما هو واسع لهم، ولا يوسع لهم ما هو ضيق عليهم.
وقال ابن جعفر: من أخذ برأي الفقهاء فذلك جائز، وقال ليس للحاكم أن يتخير من الرأي إلا ما يرى أنه الصواب، ويرجو أنه أقرب إلى الحق، أما من لا يعلم فيسعه أن يؤخذ بما أراد من رأي الفقهاء.
وجاء في بعض الآثار في قبول الفتيا وقيام الحجة بها ما نصه: إنا ندعو إلى الله وإلى كتابه، وإلى سنة رسوله، ونجيب من دعا إلى ذلك ونقبل الحق ممن جاء به ونكون معه عليه، ونرد الباطل على من جاء به، ونكون عليه، ونأمركم بتقوى الله، والعمل بطاعته، وابتغاء الوسيلة إليه بلزوم أسباب الهدى، واستدلوا على رضا ربكم بخلاف الهوى، وأشعروا قلوبكم وعيد الله وخوفه، ووطنوا أنفسكم على استحقاق وعده، واتبعوا كتاب الله واسلكوا سبيله وقدموه، واجعلوه إمامكم وقائدكم، وأطيعوا من دعاكم إليه، وخالفوا من خالفكم، فإن تمام الهدى ولزوم التقوى من كان القرآن إمامه، والضال الباغي الظالم من كان غير القرآن إمامه، وكان القرآن يوم القيامة خصما، فإن المسلمين إنما نجوا عند تفرق هذه الأمة بالاعتصام بالقرآن الذي تفرقت السبل عنه، ولا تقلدوا الكبراء والسادات دينكم، فيما لا تعرفون عدله، وإنما تلزمكم الحجة أن تعرفوا الحق وتقبلوه ممن أمركم إذا عرفتموه، وتردوا الباطل على من أمركم به إذا عرفتموه، فإذا اشتبه عليكم أمركم لا تعرفون حكمه، فعليكم أن تقفوا عنده وتسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، فتبينوا وتعلموا وتفهموا وتفقهوا في الحلال (1/79)
صفحة 80
والحرام، وأبصروا ما تصيبون به الأمور بعضها ببعض، ثم حينئذ يسع العالم أن يفتي، وعلى الذي يفتي أن يجتهد رأيه فيما يسع.
فإذا ورد عليه شيء وثبت له عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي له أن يفتي بغيره ولا يسعه ذلك، ومن ورد عليه شيء قد اختلفت فيه الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى ذلك الثقات من المسلمين، فينبغي له أن يجتهد رأيه فيما روي وينظر أشبه ذلك بالحق وأحسنه، فيفتي به، وإن ورد عليه شيء لم يبلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء، وجاء فيه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء وأجمع عليه الثقات من بعدهم فينبغي له أن يفتي به.
وإن ورد عليه شيء لم يبلغه فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختلف فيه، فينبغي له أن يجتهد رأيه، فينظر أي أقاويلهم أشبه عنده بالحق الواضح فيفتي به، وإن ورد عليه شيء لم يبلغه فيه حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الثقات من أصحابه، وقد أجمع عليه التابعون، فبلغه ذلك عن ثقاتهم فليسلم لهم بما قالوا، ويفتي بقولهم، ولا ينبغي له أن يفتي بغيره.
ومن طلب الفقه والعلم وعمل به وصحت فيه نيته كان أفضل من العبادة وأفضل من جميع أعمال البر، وينبغي للذي يبتلى في أمر دينه في حلال أو حرام أن يسأل أفقه من يقدر عليه من أهل المصر الذين هو فيه، فإن أفتاه بقول -والذي يستفتي جاهل بالعلم- أخذ بقوله.
وإن كان في المصر فقيهان كلاهما يؤخذ عنه، فاستفتاهما فيما ابتلي به فاتفقا أخذ، وإن اختلفا نظر أيهما يقع قوله في قلبه أنه أصوبهما، وسعه أن يأخذ به. (1/80)
صفحة 81
وإن كانوا ثلاثة فقهاء في مصر من الأمصار، وبعضهم قريب من بعض في الفقه فاستفتاهم فيما ابتلي به فاتفقوا أخذ بقولهم، فإن اختلفوا واتفق اثنان منهم على أمر وخالفهم الثالث أخذ بقول الاثنين، ولم يسعه أن يتعدى إلى قول الثالث ولا قول نفسه، وإن اختلفوا فأفتاه كل واحد منهم بقول ولم يتفق اثنان منهم، اجتهد هو رأيه فيما أفتوه به، فأيهم كان أصوب عنده قولا أخذ به، ولم يكن له أن يترك ما قالوا ويعمل بغير ذلك.
وإن كان المستفتي فقيها قد فقه الحلال والحرام، وروى الآثار، وأبعد وجوه الحلال والحرام، وكان مثل الذي يستفتي وخالفه، أخذ بقول نفسه، ولم يلتفت إلى قول من خالفه، وإن لم يستفت كان في سعة أن يعمل برأيه، إذا كان مثله يستفتي، فإن كان له في الذي ابتلي به رأي فمكث بذلك زمانا ثم رأى غيره أحسن منه، رجع إلى الذي هو أحسن منه عنده، ولا ينبغي له أن يثبت على الذي صار عنده خطأ، وإن قضى عليه القاضي في حلال أو حرام سلم ذلك بما قضى عليه القاضي.
ولو أن رجلا جاهلا أفتاه عالم في شيء قد ابتلي به فأفتاه به، فأخذ به الجاهل، فمكث يعمل به زمانا، ثم قال العالم الذي أفتاه: قد رأيت أن غير هذا أحسن منه، كان ينبغي للمبتلى به أن يجتهد رأيه وإن كان جاهلا، فإن كان الأمر الذي يرجع إليه العالم أحسن عنده من الأول الذي رجع عنه، أخذ بما رجع إليه العالم، وإن كان الأمر الذي رجع عنه العالم أصوبهما عنده لم يرجع لرجوعه، ورجوع العالم في ذلك كقول العالمين إذا اختلفا، قوله الأول قول، وقوله الآخر قول آخر، وللمستفتي أن يجتهد رأيه في أحد القولين وليس له أن يتعداهما.
وعن أبي المؤثر فيمن رأى من ولي له حدثا فلم يعرف ما بلغ به حدثه فأخبر فقيها من فقهاء المسلمين بذلك الفعل، فقال له الفقيه: إن هذا الحدث (1/81)
صفحة 82
يكفر من ركبه أو لعن من فعل ذلك الفعل وبرئ منه، ما تكون منزلة هذا الفقيه؟ ومثله المحدث عند الذي علم هذا من وليه، قال: إن على هذا الذي قد علم بهذا من وليه أن يسأل الفقيه عن الحجة في ذلك، فإن أخذ بالحجة التي بها وجبت البراءة ممن ركب ذلك، فعليه أن يقبل منه إذا أقام عليه الحجة، وليس له أن يرد عليه الحجة، وإن أخبره بأمر ليس من العدل، وكان قوله باطلا كف عن ولايته، فإن هو تولاه بجهل أو بعلم بعد ظهور قول الباطل منه، وكفره بما ادعى هلك بولايته إياه، فإن أقام عليه الحجة التي تقطع عذر من قامت عليه فردها هلك بردها، ولا يحل له ترك ولاية هذا الفقيه بعد إقامة الحجة عليه بالحق، فإن ترك ولايته هلك وهذا مما يجب عليه علمه، فإن قال قائل: فكيف يكلف الناس علم ما لا يعلمونه؟ ولا تعرفه قلوبهم؟.
فليعلم أن الله تبارك وتعالى قد كلف أقواما علم ما لم يعلموه من دينه وأقام عليهم الحجة بمعرفته، فإن جهلوا ما قامت عليهم به حجة أبيه لم يعذرهم الله بذلك، وقد قال الله عز وجل: * (*قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا*) * (1)، وقد ذمّ الله الذين لا يعلمون فقال: * (* وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ*) * (2)، وقال: * (*أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى*) *؟ (3) وقال عز من قائل: * (*وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً*) * (4).
فإن قال قائل: ففيم إذا يتبع الناس فقهاءهم، وهم يسألونهم عن
__________
(1) من الآية 104 من سورة الأنعام، وردت محرفة في الأصل.
(2) من الآية 26 من سورة الجاثية.
(3) من الآية 19 من سورة الرعد.
(4) الآية 72 من سورة الإسراء. (1/82)
صفحة 83
الطلاق والحيض، والصلاة والصيام، والحدود والأحكام، ويقلدونهم في ذلك فيما لا يعلمون؟ فاعلموا أن جميع الحوادث على منزلتين: منها ما فيه الحجة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أتى من الفقهاء بتحليل ما كان حراما في حجة الله فهو هالك، وكذلك إذا حرّم شيئا مما هو حلال عند الله والحجة من الله عز وجل قائمة بتحليله هلك، وهلك من حرم ما أحل الله، وهلك من حرّم ما أحل الله بقوله، والمنزلة الثانية ما لي فيه حجة من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو مما يسع المسلمين فيه الرأي والاختلاف، فرأي الفقهاء في ذلك مقبول، لأن هذا مما يجوز فيه الاختلاف بين الفقهاء، وهم على ولاية بعضهم بعضا، وأما ما كان من الادعاء على الله في الدين والعداوة والولاية والحلال الذي أحله الله، والحرام الذي حرمه الله.
فإذا اختلف فيه الفقهاء فقال واحد منهم: هذا حلال من الله، وقال آخر: هذا حرام من الله، وقال واحد: هذا كفر، وقال آخر: هذا إيمان، فإن هذا الاختلاف يوقع بينهم البراءات، ويقطع ولاية بعضهم من بعض، ولا تحل ولاية المختلفين جميعا على هذه الجهة، فمن جمعهم في الولاية على هذا هلك، وعند هذا يجب تكلف العلم على الجاهل، وإذا قامت عليه الحجة بالحق في ذلك لزمه قبوله، وتحرم عليه ولاية المخطئ من هذين المختلفين في دين الله، فإذا قامت عليه الحجة بهلاك المخطئ وإيمان المصيب لزمه قبولها، فإن ردها بجهل هلك، وصار بمنزلة من جهل ما كلفه الله علمه من الجاهلين.
وفي الأثر: وأما الخطأ في الرأي فإنه ينقسم إلى وجهين: أحدهما جائز، والآخر غير جائز، فأما الذي لا يجوز، فالرأي فيما لا يسع جهله، فإن ذلك لا يجوز أن يشك فيه وذلك حرام لا يسع، أو فيما قد علم أنه من (1/83)
صفحة 84
دين النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسع فيه الشك بعد العلم، والوجه الآخر الذي يجوز فيه الرأي ما سوى ذلك مما يقول الرجل فيه: أرى كذا وكذا مما يسعه أن يراه، ولو كان الأمر على غير ما رأى لم يكن عاصيا ولا آثما، لأنه أخبر عما يراه وهو صادق.
وسئل أبو محمد: هل يجوز للإنسان أن يقبل الفتيا من غير الولي، إذا كان ثقة أو كان من أهل الدعوة؟ أو كان لا يعرف من قوله وفعله إلا ما يدل أنه ثقة؟
قال: لا تقبل الفتيا إلا من أهل العلم بالفتيا والدين.
قيل له: هل يجوز لأحد أن يقبل الرفعية؟
قال: إذا كان الرافع ثقة وكان ضابطا بنقل الفتيا، فلتقبل رفيعته إذا كان من أهل الرأي.
قيل له: هل تجوز دلالة المستفتي على مفت غير ولي إذا كان ثقة؟
قال: لا تجوز دلالة المستفتي إلا على المفتي الذي له علم وورع.
قيل له: هل للمفتي أن يخبر المستفتي بالآراء المتعددة ليختار منها ما أراد؟ وهل يجب عليه ذلك؟
قال: إذا كان المفتي مخبرا للمستفتي أخبره بالاختلاف، وإن كان مفتيا لمن استفتاه لم يفته إلا بما يقول به مما يراه عدلا عنده.
قيل له: أرأيت المفتي إذا أخبر المستفتي باختلاف، ونقل له عمن لا يعرفه المستفتي، هل يأخذ بقول الرافع، إذا كان ثقة ضابطا للنقل من أهل الرأي؟ (1/84)
صفحة 85
قال: لا، إذا أفتاه ولم يرفع له عن أحد نظر في فتياه، وإذا رفع له عن غيره نظر في المرفوع عنه، فإن كان ممن يؤخذ بفتياه أو برفيعته أخذ بذلك، وإن كان ممن لا يجوز منه ذلك لم يأخذ بقوله حتى يعرفه عدل ذلك القول.
وفي الأثر: إذا سئل الفقيه عن مسألة فقال: قد قالوا فيها كذا وكذا هل يؤخذ بقوله هذا إذا كان من أهل الفتيا؟ فالجواب لم يفت بشيء، وإن قال قد قال فيها المسلمون كذا وكذا فجائز الأخذ بذلك.
وسئل أبو الحسن: هل يجوز الأخذ بقول العالم إن قال لا تأخذ بقولي؟
قال: إن حجر عليه لم يجز له الأخذ بقوله، إلا أن يعلم المستفتي أن ذلك حق، بأن أبصر عدله من الكتاب والسنة فعليه العمل بالحق، ولا يلتفت إلى حجره.
وسئل عن رجل متعلم من ضعفاء المسلمين يحفظ قولين في مسألة من أقاويل المسلمين، فيبتلى بالعمل بهذه المسألة، وهو لا يعرف عدل أقاويلهم هل له أن يعمل بأحدهما؟
قال: قد قالوا: إنه إذا كان لا يعرف عدل أقاويلهم جاز له ذلك، وقد كان مثل هذا بحضرة الشيخ على هذا أن يجتهد كما يجتهد جابر بن زيد.
قيل له: فإن علم أن الحق في أحد أقاويلهم فأخذ بأقاويلهم بخلاف ما يراه أعدل، هل يكون ضامنا إذا طلب الهون؟
قال: إذا أخذ هو بذلك لم يجز أن يعمل بخلاف الحق ويضمن ما فيه (1/85)
صفحة 86
الضمان، وإن أفتى بخلاف الحق وهو يرى الحق غيره، فقد قالوا إنه يضمن إن كان يعرف أن غير ذلك هو العدل فأخذ به أنه الحق عنده، ولعل فيه اختلافا، لأن الفروع يجوز فيها الاختلاف، ويمكن أن يكون الذي عمل به أعدل من الذي رآه هو أنه أعدل، ويكون الذي عمل به صوابا، فلا يضمن ولا يأثم لأنه أخذ بقول من أقاويل المسلمين فيما قالوا به.
وسئل عمن سمع من المسلمين قولا من آثارهم فأفتى الناس به، وأخذوا ذلك عنه، أهو سالم أم هالك؟ قال: نعم إذا سمع من المسلمين فرفع عنهم جاز ذلك له، وإن عرف من آثار المسلمين الصحيحة ما قالوا به جاز ذلك له، وأما أن يفتي فحتى يكون من أهل الفتيا في ذلك.
وقد سئل بعض العلماء "ولعله أبو الحواري": هل يجوز التقليد وذلك إذا سئل أحد عن شيء فيخطئ فيه، فيحل ما حرم أو يحرم ما حلل ولا يعلم المفتي ولا المفتى بذلك هل يهلك أحدهما؟
فقال: ليس في الدين تقليد إلا للأنبياء إذ لا يقولون على الله إلا الحق والله عاصمهم وهاديهم إلى الحق والعدل والصواب.
فإذا أحل المسؤول حراما أو حرم حلالا فالمسائل والمسؤول هالكان جميعا، إذا اتبع السائل المسؤول على ذلك.
وقال أبو الحسن بن أحمد في المفتي المعروف بالفتيا: لا جناح عليه أن يفتي بما يراه عدلا من أقوال المسلمين، وليس له أن يفتي بقول وهو يرى غيره أعدل منه، وإن كان ليس أهلا للفتوى أخبر المفتى بالأقوال التي وجدها أو حفظها، وعلى المفتى أن يأخذ بالأعدل منها (1/86)
صفحة 87
إذا عرف الأعدل، وإن كان لا يعرف الأعدل أخذ بما شاء من أقوال المسلمين، وفي ذلك خلاف.
وسئل أبو إبراهيم: عن العالم هل يقبل منه وهو غير ثقة؟
قال: يؤخذ بفتياه إذا عرف حقها من باطلها، قيل له وإن كان ثقة غير عالم هل يؤخذ بقوله؟ قال: إن قال إنه يحفظ ما يقول من علماء المسلمين جاز ذلك.
واختلف فيما إذا رفع الثقة رأيا عن المسلمين في شيء من الحلال أو الحرام من غير أن ينص على من قال: فقيل: لا يؤخذ بقوله حتى ينص على من يرفع عنه ذلك القول، وقيل: لا بأس ما دام ثقة ثبتا، وأما إذا لم يرفع عما يقوله عن أحد، فلا يؤخذ بقوله حتى يكون هو فقيها. (1/87)
صفحة 88
الفصل الخامس
فيما يقوله المستفتى إن اعتذر عن الفتوى
إن سئل أحد عن شيء لم يكن له به علم فليقل: لا أدري أو لا أعرف أو لا أعلم أو العلم لله.
وقوله: لا أدري أو لا أعرف أو لا أعلم، قد سئل أحد عن مسألة فأجاب: الله أعلم، فعيب عليه وقيل له: إذا سألك أحد عن شيء لا علم لك به فقل: سل غيري، لئلا تترك السائل في شبه من قوله: الله أعلم.
فسأل أبا سعيد عن ذلك فأجابه: اعلم رحمك الله أنه قد بلغنا أن عبد الله بن عمر بن الخطاب -وكان من أهل الفقه- سأله سائل عن مسألة فقال ابن عمر: الله أعلم، فقال له السائل: أمثل ابن عمر يقول: الله أعلم؟ فقال له ماذا على ابن عمر إذا قال فيما لا يعلم: الله أعلم؟.
وقد بلغنا عن ابن عباس -وكان من فقهاء الأمة- أنه دخل عليه نافع بن الأزرق فجرى بينهما كلام في جرءة ابن عباس عن الفتيا في التفسير، وفي الحلال والحرام فقال نافع بن الأزرق: يا ابن عباس ما أجرأك على الله!! فقال ابن عباس: أجرأ مني من لا يقول فيما لا يعلم: الله أعلم.
وفي رواية أنه قال: أجرأ مني من يقول فيما يعلم: الله أعلم، وكل ذلك صواب لأن المتكلف لما لا يعلم غير معذور والقائل فيما يعلم: الله أعلم، كاتم لما علم، والكاتم لما علم إذا احتيج إليه كالخائض فيما لا يعلم، وقد بلغنا أنه سئل أحد الفقهاء عن شيء لا يعلمه فقال: الله أعلم، فقال له السائل: (1/88)
صفحة 89
رددت العلم إلى عالمه، وهو قول صحيح، غير أن الضعيف الذي ليس كثير علم وفقه يستحب له إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول في ذلك: لا أدري أو لا أعرف، أو ليس لي فيه معرفة، ولا يقول: الله أعلم، فيوهم السائل أنه إنما يقف وقوف الفقهاء، هذا وجه منع الضعيف من ذلك.
وإن قال: الله أعلم بإخلاص من قلبه، وردا منه للعلم إلى عالمه وطلبا لسلامة نفسه، من غير أن يوهم السائل فلا بأس به، وقيل: إذا أفتى العالم ولم يقل: الله أعلم أصيبت مقاتله (1).
وقال أبو سعيد: من تشجع بعلم كمن تورع بعلم، هذا وقد كان السلف يحرصون على الاحتياط في أجوبتهم، ومن أمثلة ذلك ما قاله أبو سعيد رحمه الله فقد قال في جواب له على سؤال: هذا ما فتح الله لي، ما حضرني من جواب ما سألت عنه، مع ضعفي وقلة بصيرتي إلا ما فتح الله ووفق ولو حسن الاعتذار لكان أولى بمثلي مما يخاف فيه التكلف، والخطأ والزلل، ولكن لم نر مع الاضطرار وجها للاختيار والله الموفق للصواب، فتدبر أخي جميع ما كتبت به إليك وأجبتك به، وتدبره حرفا حرفا، ولا يمنعك عن الاجتهاد في النظر فيه حسن ظن، ولا اتكال علي ولا تقليد، فإن ذلك كله لا يسعني ولا يسعك، ولا يجوز فيه إلا قبول الحق لا غيره، من أمين ولا خائن، فإن وافق ذلك الحق فاقبله وتمسك به، وإن خالف الحق فارفضه فإنه من الشيطان ومن أعوانه من الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، وإن لم يبن لك صوابه ولا خطؤه فاعرضه على آثار المسلمين
__________
(1) هذا غير مسلم به، كيف والنبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب على أسئلة السائلين غير أن يقرن كل إجابة تصدر منه بكلمة (الله أعلم) وهكذا كان شأن أصحابه رضي الله عنهم، في إجاباتهم فيمن سألهم وكفى بهم قدوة وأسوة للآخرين. (1/89)
صفحة 90
وأهل البصر منهم، فما وافق الآثار وصح عند ذوي الأبصار، فهو لا شك أنه من الحق، وما خالف الآثار أو خالف رأي ذوي الأبصار فدعه فإنه طريق النار، نعوذ بالله من النار.
وقال أبو علي الحسن بن أحمد: انظر في ذلك ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب والعدل، وتأمل ما كتبت به إليك، فإن كان فيه زلل أو غلط فأصلح فإني كتبته ولم أقرأه ولم أتأمله، وعن بعض العلماء -ولعله أبو علي نفسه- في الذي يسأل عن دينه، فيصل إليه الجواب وفيه: لا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب، قال: ليس هذا مانعا من العمل بالجواب إن كان المجيب عمن يعمل بفتياه.
وقال أبو الحواري في بعض أجوبته: وازدد من سؤال المسلمين، واعلم أني ضعيف الرأي كثير الخطأ قليل المعرفة، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمنا، ونحن نستغفر الله من ذلك الخطأ، ونحمد الله على الصواب، وما توفيقنا إلا بالله، عليه توكلنا، وإليه أنبنا، وإليه المصير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم.
وسئل أبو سعيد عن رجلين اشتركا في زرع على أن يشتركا في المؤونة، وكانت الأرض لأحدهما، واختلفا في القعادة صاحب الأرض يقول: إنه كرى شريكه نصف أرضه وشريكه ينكر ذلك فتوقف في الجواب وقال: لم يبن لي في هذه المسألة شيء وأنا ناظر في ذلك إن شاء الله.
وكذلك توقف فيما إذا اختلف الشريكان في اشتراط الخراج، كما توقف أيضا في الجواب، عمن سأله عن رجل منح غيره أرضا يزرعها، ولم يحدد المدة، هل يجوز للممنوح أن يزرع على هذا السبيل؟ وهل يجوز له أن يزرع مرة أو أكثر؟ قال: في كل ذلك لم يحضرني شيء أعتمده من ذلك، وأنا ناظر فيه. (1/90)
صفحة 91
وقال أبو المؤثر: ومن ديننا اجتناب كل شيء شك فيه العلماء، وردوا ما اختلف فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه، وترك ما يريب إلى ما لا يريب، والاتساع برأي العلماء من المسلمين، الذين جعلهم الله ورثة الكتاب والسنة، وجعلهم للناس أئمة فيما لم يأت فيه كتاب ولا سنة، ولم يقع فيه التكفير والاستحلال والتحريم.
وكتب أبو إبراهيم إلى من سأله: قدر الله لك أن تسلم، وقضى لك بذلك وحكم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم، وصل إلي كتابك أكرمك الله، فقرأته وفهمت ما ذكرت فيه، وأنا أسأل الله التوفيق للصواب، والنجاة من العذاب، وأن يوفقنا لما فيه الثواب ويصرف عنا جميع السوء والعذاب، وأن يعيننا على ابتلائه لقلة علمنا، وضعف رأينا، إنه جواد كريم. (1/91)
صفحة 92
الفصل السادس
فيمن يجوز له أن يفتي بالرأي
اعلم أن الذي مضى عليه أئمة المسلمين في الأحكام التي تجري فيما بينهم، وكذلك ما كان من مسائل الحلال والحرام، التي يقولون فيها بالرأي والقياس، أنهم كانوا يختلفون في الرأي، وكلهم على الصواب فيما يقولون، ولكن إنما يجوز ذلك لمن كان عارفاً بالكتاب والسنة وآثار المسلمين، فاجتهد رأيه راجياً التوفيق من الله، ولا يسع القول بالرأي فيما نص عليه في كتاب الله أو سنة نبيه، ومن في الدين بالرأي والقياس فقد أخطأ وضل عن سواء السبيل وذلك أن الدين قد سبق وسبقت المعرفة فيه، وقالت الحجة على من جهله، وليس الدين بحادث، مثل ما يحدث بين الناس من قبل أحكامهم، في الطلاق والعتاق والصلاة والصيام، والحج وأشباه ذلك.
ولو أن رجلا أفتى في مسألة برأيه، فأحل أو حرم، وخالفه الآخر برأيه فأحل أو حرم، فبرئ أحدهما من الآخر على ما خالفه فيه فهذا هو الدين، ويبرئ من هذا الذي برئ، لأن السنة قد سبقت، والآثار قد تقدمت بالقول بالرأي في الحلال والحرام، ولم تفترق هذه الأمة على الفتيا، وإنما افترقت على النحل بما يكون من أحكام الآخرة، قال الله عز وجل: * (*وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ*) * (1) أفتى كل واحد منهما برأيه وقال الله فيهما: * (*فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ*) * (2) فلم يُبطل الله قول داود، ولا ذمّه ولا خطّأه، وأشباه هذا يطول بهذا الكتاب.
__________
(1) من الآية 78 من سورة الأنبياء.
(2) من الآية 79 من سورة الأنبياء. (1/92)
صفحة 93
وقال أبو قحطان: العالم الذي يجوز له أن يفتي بالرأي مرفوع عنه خطؤه، ومأجور على صوابه، ولا يسع أحداً أن يفتي بالرأي إلا من علم ما في كتاب الله، عز وجل، وسنة نبيه وآثار أئمة العدل.
وسئل أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله عمن قال الحلال عليه حرام، فأفتاه مفتن أن زوجه تطلق، ولم يكن هو نوى طلاقها.
وقد كان طلقها قبل ذلك تطليقتين فأخذ بقول المفتي وتركها، ولم ير أن له عليها رجعة، فتزوجت فرأوا أنها لا تطلق وأنها لا تزال له زوجة فرفع على الذي أفتاه، فما الذي عليه؟
فقال: ما أجدر المفتي أن يضمن له الصداق، ويحاول إخراجها من زوجها الآخر.
قيل له: أرأيت إن امتنع الزوج الآخر من تركها، حتى يضمن له ما أدى إليها؟
قال: يلزمه ذلك أيضا.
قيل له: هل له عذر أن يأخذ بقول من يعلم أنه ليس بفقيه، وأن الفقيه غيره؟
قال: لا يلزم المفتي بشيء إن قال له لست بفقيه فلا تأخذ برأي.
قيل له: فإن قال له أنا لست بفقيه والفقيه غيري، فإن أحببت أن تأخذ برأي فرأي كذا.
قال: يضمن المفتي إن أخطأ في فتواه في مثل ذلك، حتى يقول: سل ولا تأخذ برأي.
واختلف في الذي يفتي بالرأي إذا أخطأ، وهو ممن تقبل منه الفتيا، فقيل: يضمن، وقيل: لا يضمن، وعليه التوبة إذا لم يكن فقيهاً يجوز له القول بالرأي، وقيل: لا يضمن حتى يقول إن هذا قول المسلمين.
وقيل: من كان من أهل الاجتهاد فاجتهد وأفتى برأيه فخرج رأيه من (1/93)
صفحة 94
أقوال أهل القبلة لا يضمن، وإنما يضمن من لم يكن من غير أهل الاجتهاد، إذا خرج عن جميع أقوال أهل القبلة.
وعلى هذا الإثم إلا أن يتوب، وأما من كان من أهل الرأي فأفتى بشيء مجمع على خلافه وتخطئته، أو أحل ما حرم في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع الأمة، فإنه يضمن.
وأما إذا لم يكن فيما أفتى فيه حكم قاطع من أحد هذه الأصول الثلاثة وإنما فيه اجتهاد من الفقهاء، فأفتى بغير ما أفتوا به فهو سالم، إلا أن يكون من غير أهل الرأي والاجتهاد، فإنه يضمن إذا خالف أقوالهم.
وقال أبو محمد: من أفتى بفتيا وأخطأ، ولم يخرج من جميع أقوال الفقهاء من الموافقين والمخالفين لم يكن عليه ضمان.
ومن استفتى من ليس بعالم فأفتاه بشيء خرج من قول المسلمين فعلى المستفتي الغرم، ولا غرم على المفتي.
وأما إذا أفتاه بشيء خرج من الإجماع فللذي غرم أن يرجع على المفتي بما غرمه فيأخذ منه ولا إثم على المفتي إذا لم يتعمد (1) ذلك.
قال أبو سعيد رحمه الله: يقال ليس العالم من حمل الناس على ورعه، ولكن العالم من أفتاهم بما يسعهم من الحق.
وسئل أبو سليمان مروان بن محمد: عن رجل سأل فقيها عن مسألة، فقال له الفقيه: لا أفتيك حتى تعطيني مائة درهم، فأعطاه فما حال الفقيه؟
قال: حال الفقيه على صفة كهذه، حالة قبيحة، وتلزمه البراءة، إن لم يتب ويرد ما أخذ.
قيل له: وهل لهذا السائل أن يقبل ما أفتاه به هذا الفقيه؟ أم لا؟
__________
(1) الحق أن المفتي يأثم لخوضه فيما لا يعلم ولو أصاب الحق، فكيف إذا أخطأ؟ ولقد سبق بيان ذلك في تعليقنا على الموضوع في الفصل الرابع من هذا الباب فراجعه. (1/94)
صفحة 95
قال: فإن كان هذا الذي أفتاه به حقا وصواباً، فعليه أن يقبله، وإن لم يكن حقا فليس له أن يعمل بالباطل.
وسئل بعضهم: عن الذي يرسل رسولا ليسأل فقيها عن مسألة، إذا أخطأ الفقيه الجواب، وعمل المرسل بفتواه، حسبما أخبره الرسول، فما حكم النفر الثلاثة؟
قال: إن الفقيه إذا أفتاه بالباطل على وجه السهو والغلط، وكان قصده الحق والصواب، فغلط لسانه، ولم يعلم، فهو سالم ولا غلت على مسلم، وكذلك الرسول إذا لم يعلم أن ما أفتاه به العالم باطل وبلغ الرسالة حسب الفتوى بلا زيادة ولا نقصان.
وأما المرسل فليس له أن يقبل الباطل من فقيه ولا غيره، علم به أو لم يعلم، فإن قبله وعمل به ولم يتب منه حتى مات، فهو هالك.
وسئل بعضهم عما يوجد في بعض الكتب أن من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض، هل يصدق ذلك على الرأي والنقل؟
فقال: من أفتى بباطل أو بحق مع عدم العلم به استحق اللعن، لا سيما إذا ادعى على الله، يقول الله تعالى في تعداد الكبائر: * (*وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ*) * (1) أما إن حكى عن غيره من غير تصرف منه كان ذلك أقرب إلى السلامة.
وسئل أحمد بن محمد بن بكر: عن الأثر (2) أهو معمول به حتى يعلم باطله؟ أو متروك حتى يعلم عدله؟
فأجاب أن والده كان يرى أن الأثر معمول به حتى يعلم باطله.
__________
(1) من الآية 169 من سورة البقرة.
(2) المراد بالأثر: ما أثر من آراء العلماء في المؤلفات الفقهية ولا يقصد به الأحاديث الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا اصطلاح مشهور عند علماء المذهب، والحديث يخص عندهم باسم الخبر. (1/95)
صفحة 96
وحكا أبو سفيان عن وائل، رحمهما الله، إنما الفقيه الذي يعلم ما يسع الناس مما يسألونه عنه، وأما من يضيق عليهم فمن شاء أخذ بقوله احتياطا.
وسئل أبو الحواري عن الذي يأتيه سائل يسأله عن أمر وقع بينه وبين زوجته يوجب الطلاق، ثم يذهب إلى بعض العلماء فيسأله بخلاف ما سأل عنه الأول، فيفتيه أنه لا بأس عليه في امرأته، هل يلزم المسؤول الأول أن يوضح للفقيه المسؤول ثانيا ما أبهمه عليه السائل من أمره؟ وهل عليه أن يقول للسائل اتق الله؟
فقال في الجواب عنها: إن ذلك يختلف باختلاف المسألة فإن كان فيها مجال للرأي والاختلاف لم يلزم المسؤول الأول أن يقول للسائل: اتق الله، ولا إخبار المسؤول الثاني عما أقر به السائل.
ونحو ذلك يحكى عن محمد بن محبوب رحمه الله فقد حكي عنه أنه إذا سئل عن أمر يرى فيه التحريم يقول: اكتبوا للقاضي لعله يجيب بالإباحة، وإذا كانت من المسائل المجمع فيها على التحريم فلابد من تنبيه المسؤول الثاني على ما اعترف به السائل، وإشعار المرأة بذلك، وأمر السائل بتقوى الله، وذلك مثل الظهار إذا وطئ فيه قبل أن يكفر.
وحدثنا نبهان بن عثمان عن رجل قد آل من امرأته بالطلاق ليفعلن كذا وكذا، ثم إن الرجل أشهد على رجعتها قبل أن يفعل، وجعل ذلك تطليقا ثم وطئها، فأفتاه نبهان بتحريمها، وخرج الرجل إلى محمد بن علي فكتب له بتحليلها، فوصل نبهان بالكتاب إلى محمد بن محبوب فاتفقوا على إنكار ذلك، ثم كتبوا بذلك -فيما أحسب- إلى عمر بن محمد فكتب لمحمد بن علي فرجع عن قوله، وقال: إنما أفتاه برأي. (1/96)
صفحة 97
قال أبو سعيد: نهى أن يستفتى في أمر الدين من يعالج (1) البول أو الغائط والمشغول بدنياه، والفقير الذي يكابد فقره، وصاحب المصيبة، وإنما كره ذلك ونهى عنه لاشتغال القلوب عن الأمر الذي يسأل عنه، فإن القلوب إذا اشتغلت تكدرت ووهت عن أسباب الطاعة، وإذا تكدرت خيف أن يضعف نورها، وإذا ضعف النور أظلم القلب، وإذا أظلم أبصر بعين الظلمة، فخيف أن تؤدي إليه عين الظلمة غير الصواب، وينطق لسانه عن قلبه بما أدت إليه، فتكون زلة وفتنة، حتى أنهم قالوا لا يسأل العالم حين ملله أو كسله، وإنما يصطاد منه حين نشاطه وإقباله.
وقد قيل عن بعض الفقهاء: جمموا القلوب تعوا الحكمة، بمعنى عدم الإكثار من السؤال، وإنما ينظر له حجة من السائل وحجة من المسؤول، فإن القلوب إنما تؤدي إليها الحواس في حين ما يعرض إليها النظر، وربما عدمت نور الحواس باشتغالها ببعض المعاني، فلا تؤدي ما كانت تؤديه عند الفراغ والجمة، وليس الشيء كامنا في القلب، وإنما يصطاد بنور القلب مع الجمة، فإذا كثر على الجمة النزح خيف عليها الفراغ، وإذا فرغت لم يؤمن على القلب الاشتغال، وإذا اشتغل لم يؤمن قبوله ما يؤدي إليه من خطأ أو صواب.
وقيل: يجوز لمن علم عن أحد إنه جاهل بدينه أن يعلمه ولو لم يسأله، وأما إذا سأله فإنه يعلمه ويرد عليه الجواب، سواء علم أنه جاهل أو لم يعلم.
وسئل أبو سعيد رحمه الله: هل على أهل العلم إذا سئلوا عما يعلمونه أن يخبروا به من سألهم؟ قال نعم، عليهم أن يخبروا به ويعلموا كل من
__________
(1) المراد بالمعالجة: المعاناة والاشتغال. (1/97)
صفحة 98
جاءهم يطلب العلم، بما أوجب الله عليهم، وافترضه من طاعته، والانتهاء عما نهاهم عنه، اللهم إلا أن يكون السائل متعنتاً أو طالب حجة يحتج بها على المسلمين، أو يعين بها الظالمين، أو يقوى بها على معصية الله، وذلك معنى ما قيل: لا تلق الدر في أفواه السباع.
وسئل أبو سعيد: ما صفة العالم الذي يلزم العامة قبول فتياه؟ قال: هو العالم المشهور بالعلم والمعرفة في مصره وعصره، من أهل نحلة الحق الصادقين، الذين أمر باتباعهم، وهم يهدون بالحق وبه يعدلون، فإذا كان بهذه الصفة وكان عالماً بالحلال والحرام من أهل العدالة، والولاية كان حجة، وكان واجباً قبول فتياه فيما يختص به إن كان عالما بفن من فنون العلم، والعلماء يختلفون في الدرجات والعلم والتفاضل، فمنهم البصير والمبصر، ومنهم دون ذلك، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أعلمكم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل» ألا ترى أنه نسبه إلى علم الحلال والحرام ولم ينسبه إلى جميع العلم؟
وقال: «أفرضكم زيد بن ثابت» ولم ينسبه إلى غير ذلك.
قيل له: أرأيت إن ابتلي أحد بالسؤال من الناس عن الحلال والحرام، واحتاج إلى ذلك، كيف يصنع ليكون سالما؟
قال: من عرف حكم ما سئل عنه من الأثر، وعرف أنه من آثار المسلمين، أجابهم حسبما عرف، وما لم يعرف أنه حق ولا أنه عن المسلمين فلا يجيبهم، وليس له أن يفتي أحدا من أثر لا يعرف عدله.
فإن قال: وجدت في الأثر كذا وكذا، فقد عرفت أنه ليس لهم الأخذ بذلك إلا أن يقول: وجدت في آثار المسلمين، فلا بأس بالأخذ به. (1/98)
صفحة 99
قيل له: إذا كان رجل من أهل العلم يحتاج الناس إلى سؤاله عن أمر دينهم، ويصيبه الشك، فلا يقدر على جواب يجيب به، ولا رأي يؤديه إليهم، وهو أبدا في الشكوك مقيم، فكيف يعمل؟ وما المخرج له من ذلك؟
قال: إذا كان من أهل العلم واحتاج الناس إليه فسألوه عما هو به عالم، فعليه أن يعرفهم، ويدع عنه وسواس الشيطان، ويستعيذ بالله من شره، فإن الشك مذموم فلا يدع لأجله اليقين، واليقين مأخوذ به، والشك متروك لأن الشاك مستو حيران كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، فليتق الله، وليترك عنه الشك، وليعمل بما علمه الله، وليقل بما أراه الله من الحق، إلا ما لا يعلمه فليس عليه فيه بأس.
والمخرج له من ذلك ترك الشك، فالله إنما تعبد العباد بما عندهم من العلم لا بما يعلمه دونهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة» ونحن تلك الفرقة، والحق في أيدينا غير دارس ولا مجهول.
وسئل أبو محمد: عن رجل سأله رجل عن مسألة، هل له أن يكتمها؟
قال: إن كانت المسألة واقعة وصاحبها محتاج إليها، والمسؤول عنها حافظ لها، فعليه أن يخبره بها، وإن كانت غير واقعة والسائل عنها مستحق للحكمة وتعليمها، فعليه أيضا أن يخبره ولا يكتمه، وإن كان يخاف ألا يكون ذلك للسائل أهلا للحكمة فليس عليه أن يخبره.
قيل له: أرأيت إن قال الفقيه بعدما أفتاه: لا تأخذ بقولي (1/99)
صفحة 100
إلا ما وافق الحق، أو قال وسَل، هل يأخذ بقوله؟
قال: نعم، ولا يحجر عليه بهذا القول.
وذكر أن أبا عبيدة -رحمه الله- سأله رجل عن شيء ولم يصحح السائل مسألته، وقال لأبي عبيدة: فرّج عني فإن مغموم.
فقال له أبو عبيدة: أنت أولى بغمك مني، تخلطون ثم تطلبون منا التصحيح.
وقال أبو سعيد: علم لا يختلف العلماء فيه قولك فيما لا تعلمه: الله أعلم.
وقال: الشاك في دينه المتحير فيه أشد فتنة على ضعفاء المسلمين من ألف لص أو ألفي لص.
وقيل لبعض العلماء -ولعله أبو محمد- هل للمستفتي أن يقول لمن استفتاه: لا تأخذ بقولي، قال: لا يجوز أن يقول ذلك لأنه إن كان قال حقا فلا يجوز له أن يمنعه من الحق، وإن كال كاذباً فعليه أن يعلمه أنه كاذب، ويتوب إلى الله تعالى من الكذب.
وأما الذي يبعث بمسألة أو مسائل إلى من يثق به على يد من لا يثق به ثم يأتيه الجواب بخط المفتي سواء عرفه السائل أو لم يعرفه، فإنه إن اطمأن إلى الحامل أنه لا يبدل ما حمله ولا يقصد غير من أرسل إليه، فلا مانع من الاعتماد على تلك الفتوى، وهذه هي عادة الناس في أمر حلالهم وحرامهم، وبيعهم وشرائهم، وقضاء ديونهم، وعامة أمورهم، اعتماداً على اطمئنان نفوسهم، ويكون ذلك حجة لهم وعليهم، ولابد من قيد موافقة الحق في الجواب.
وسئل أبو محمد: عمن رفع إليه ثقة مسألة عن فقيه متقدم (1/100)
صفحة 101
فقال: إذا كان عدلا قبل شهادته (1) على سبيل الشهادة لا عن سبيل الفتيا.
وأما المفتي أعلا درجة من هذا وأبصر، وإذا أفتاه أيضاً قبل، قيل له فإن كان الذي رفع والذي أفتى أخطآ جميعاً ما حال السائل والمسؤول؟
قال: إن كانت المسألة أصابا فيها بعض أقاويل أهل الفقه فهما سالمان جميعاً، وإن كانا أخطآ في اختلاف أهل القبلة جميعاً ضمن الرافع والمفتي، وعلى السائل أن يرجع إذا علم بذلك أو أعلماه برجوعهما، وعليهما أن يعلماه إذا خالفا قول أهل القبلة جميعاً، ويضمنا ما تلف بفتياهما من مال، وإن لم يعلم السائل ولا المسؤول بالخطأ وماتوا على ذلك فهم سالمون إذا كانت المسألة في الفروع فيما يكون فيه الحق عند الجميع.
وأما ما يكون الحق في واحد، فلا يجوز فيه الاختلاف بين أهل القبلة، فالمفتي والمستفتي في ذلك سالمان إذا وافقوا الحق، وإن أخطأوا الحق هلكوا جميعا إذا ماتوا على الباطل ولم يتوبوا، وعلى المفتي أن يعلم المستفتي بخطئه إذا علم به، ويضمن ما تلف من مال، وأما العالم الذي يجوز له أن يفتي بالرأي فلا ضمان عليه، ومأجور إن أصاب، فيما يكون الحق عند الجميع، وأما ما يكون الحق في واحد فيهلك بالخطأ المفتي ومن عمل بفتواه.
وقال أبو محمد: من عمل بحجة فهو سالم، وأما المفتي فهو هالك، والمستفتي من العالم ومن غير العالم.
__________
(1) المراد بالشهادة هنا الرفيعة فقد اصطلح الفقهاء على تسميتها شهادة في أشياء منها رؤية الهلال، فإن الشهادة لا تشترط فيها على الصحيح، بدليل قبول نقل القول الواحد في الصيام كما يدل عليه حديث الأعرابي وغيره وتسميتها شهادة تجوز. (1/101)
صفحة 102
ومن أفتى إذا خالف بفتياه كتاب الله وسنة نبيه وما أجمعت عليه الأمة فلا يسلم بفتياه.
وقال أبو سعيد: في المستفتي عن العلم، إذا قال يسع أو لا يسع، ويجوز أو لا يجوز، فقد حكم بالقطع فيما قال، وأما إذا حكى فقال: سمعت من كتاب كذا وكذا، أو جاء في السنة كذا وكذا، فلو قال هذا في شيء منسوخ من السنة والكتاب، ولم يرد بذلك أن يفتي بباطل، فلا إثم عليه إذا لم يعلم نسخه، وكذلك إذا قال: أرى أنه يجوز كذا وكذا، أو حفظت كذا وكذا، أو سمعت كذا وكذا وكان مضيفاً إلى من قاله فلا شيء عليه، ما لم يعلم أنه باطل، أو يقصد إلى الفتيا بباطل، وأما قوله: أرى أنه يجوز، فإذا كان يرى ذلك لم يكن في هذا بمنزلة المفتي. (1/102)
صفحة 103
الباب الرابع
في التقليد وفيه فصلان (1/103)
صفحة 104
[صفحة بيضاء] (1/104)
صفحة 105
الفصل الأول
في ذم التقليد
قال أبو محمد: قال الله تبارك وتعالى في كتابه: * (* وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ*) * (1).
وقال جل ذكره: * (*وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً*) * (2).
وقال عز وجل: * (*إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ*) * (3).
ونحو هذا في القرآن كثير، وكذلك في السنة، من ذلك أن رجلا
__________
(1) الآية 104 من سورة المائدة.
(2) الآيات 27و28و29 من سورة الفرقان.
(3) الآيتان 166و167 من سورة البقرة. (1/105)
صفحة 106
أصابته شجّة فاندملت عليه، فاستفتى فأمِر بالغسل ولم يعذر منه فاغتسل فكز فمات، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «قتلوه قتلهم الله» ففي هذا دليل على أنه لم يجعل للسائل ولا للمفتي عذرا. والله أعلم.
ولعل المفتي لم يكن أهلا لذلك ونحن نعوذ بالله من غلبة الأهواء ومسامحة الآراء وتقليد الآباء، وإياه نسأل أن يجعلنا من المتبعين لما في كتابه، الذابّين عن دينه، والقائمين بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وإذا رفع الصحابي خبرا عنه عليه الصلاة والسلام، بإيجاب فعل وجب العمل به على من بلغه من المكلفين إلى أن يلقى خبرا غيره ينسخ ذلك الخبر، كان على من عمل بالخبر الأول الرجوع إلى الثاني وترك العمل بالأول، وكذلك الحاكم يعمل بما قام عليه الدليل عنده من أقاويل العلماء، فإذا قام له دليل بعد ذلك على قول آخر وهو أرجح عنده من الأول عمل بالثاني وترك العمل بالأول الذي حكم به واستعمله، وإذا لم يرجح عنده أحد الدليلين واستوى القولان عنده من كل الوجوه واعتدلا أخذ المتعبد بأيهما شاء، وكل مسألة لم يخل الصواب فيها من أحد قولين فسد أحدهما لقيام الدليل على فساده صح أن الحق في الآخر وكذلك إن صح أن الحق في واحد منهما بعينه فالآخر فاسد.
قال الله جل ذكره: * (*فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ*) * (1) وإذا كانت الأمة اختلفت في حكم على قولين، فأخطأ من ذهب إلى أحد القولين أصاب الفريق الثاني، ولا يجوز الحق خرج من أيديهم جميعا، وإذا كان البعض في يده الحق كان هو كالأمة وحده، فإن قال: لِمَ قلتم إن هذه الفرقة لما كانت مصيبة بهذا الحكم دون غيره من الناس، كان قولها محكوماً به في كل مكان.
__________
(1) من الآية 32 من سورة يونس. (1/106)
صفحة 107
قيل له: قد قلنا إن الحكم إذا كان مطلوبا من بين الأمة، وقام الدليل على خطأ بعضه، وذهابه عن الحق كانت الطائفة المصيبة كإجماع الأمة، وكانت هي الأمة، وجاز أن يحتج بقولها لأن الله أخبر أن الإجماع هو الحجة، والحق لا يخرج منه، وإذا كان في الجميع من ليس بحجة ثبت أن الفريق الآخر هم الحجة، وجاز أن يحتج بقولهم كالإجماع.
وسئل بعض العلماء -ولعله ابن بركة- عمن تعبده الله بشيء من الدين، فأخذ بذلك ببعض الآراء واجتهد، ودان لله به، وكان معه أنه مصيب، ولكنه أخطأ ما حاله عند الله؟
قال: إن دان بما تعبده الله به من حيث أوجب الله عليه قبول ذلك، والتدين به، والاعتقاد له، فأصاب فهو سالم، ولو كان الشيء الذي دان هو به بخلاف ذلك عند الله، فهو سالم إذا فعل ما ألزمه الله في الحكم الظاهر.
قيل له: فإن أخطأ طريق الاستدلال؟ فدان بالذي دان به من حيث لم يجز الله له بحجة الله له في ذلك، ولم يوجب علية قبوله من ذلك الوجه، ولم يتعبده بتلك الحجة، وإنما تعبده من وجه آخر، وبأدلة أخرى.
قال: هالك وهو غير معذور.
قيل له: فإن دان لله بما دان؟ من حيث أوجب الله عليه من الكتاب والسنة والإجماع والقياس عليهن من العقل من حيث بلغته الحجة فأخطأ؟
قال: لا يجوز أن يخطئ، لأنه إذا دان لله من حيث أوجب الله عليه فهو سالم، سواء كان الحكم عند هذا المتعبد باطنه كظاهره، أو كان يبطن خلاف ما يذكر إلى هذا الذي قد تعبده الله أن يحكم بالظاهر، فهو عند الله سالم بتلك الحال التي هو بها، وهذا سالم عند الله من حيث أطاعه فيما أوجب الله (1/107)
صفحة 108
عليه من إنفاذ حكمه، وكذلك كل ما تعبده أن يدين به فأطاع الله فيما أمره كان سالما، وإن كان الأمر بخلاف ذلك في علم الله فإما أن يكون قد أتى من حيث كلف ولم يخطئ فيكون عاصياً، والأمر عند بخلاف ذلك، فهذا ما لا يجوز أن يدان به أن الله يفعله بعباده، لأن الله العادل لم يكلف عباده إلا ما وضع لهم عليه دلالة، وأوجدهم السبيل إلى معرفته، فإن أخطأوا ذلك السبيل كان من قبلهم، فأما إن أصابوا ذلك فلا يجوز أن يلزمهم ما لم يجعل عليه دليلا.
وجاء في كتاب ينسب إلى المزني: هل يجوز للحاكم أو المفتي أن يقلد واحدا من الفقهاء كمالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة، قال: لا يجوز ذلك لأحد منهم، وقد نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره وإنما يكتب كتابه لينظر المرء لنفسه ويحتاط لدينه، ويتبع الصواب حيث كان، وبذلك أمر الله العلماء عند الاختلاف فقال: * (*أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ*) * (1) يعني إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله.
قال أبو سعيد رحمه الله: هذا الكلام صحيح وهو معنى ما قاله أصحابنا أنه لا يجوز التقليد في الدين عند مخالفة المقلد أو المقلد شيئاً من الدين المجتمع عليه، من كتاب الله أو سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أو إجماع الأمة أو ما أشبه ذلك، وساواه في قول أو فعل أو معنى.
وكذلك لا يجوز التقليد للمستفتي ولا المحكوم [له] (2) بمخالفة ذلك
__________
(1) من الآية 59 من سورة النساء. وفي الأصل تحريف في الآية.
(2) زيادة يقتضيها المقام. (1/108)
صفحة 109
إذا علم أصل ذلك الأمر الذي قد أفتى به وحكم له به، ولو جهل مخالفته للحق، وذلك باطل لا يجوز في ذلك بعلم ولا بجهل، برأي ولا بدين، على معنى الإقامة عليه بالرأي غير نازع ولا ثائب، ولا دائن بالسؤال عن ذلك، ليرجع إلى عصابة الحق، وقد قيل: لا يجوز التقليد في الفتيا على حال، ولا يجوز اعتقاد التقليد به وإنما يكون اعتقاد القائل للشيء من الفتيا أنه متبع في جميع ذلك ما علم منه أو جهل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع الأمة من المحقين فصواب الرأي الذي لا يخالف شيئاً من أصول الدين، وإنما هو خارج على معنى أصول الدين، ولا يجوز اعتقاد التقليد في ذلك على حال، وعندي أنه قد قيل يجوز التقليد في الفتيا للعلماء في الرأي الذي يجوز فيه الاختلاف، إذا كان العالم ممن يجوز له القول بالرأي في الوجه، أو المعنى الذي يجوز فيه القول بالرأي، إذا وافق معنى الرأي الذي يجوز أن يقال، ولم يخالف في ذلك شيئا من الدين، وهذا إنما يخرج على معنى الاتباع على حال للحق، لأنه لو خالف الدين لم يجز تقليده على حال، فبطل معنى إجازة التقليد في الفتيا على حال، دون إصابة الحق في معنى ما قيل من ذلك.
قال أبو المؤثر: إن قال قائل فيم يتبع الناس فقهاؤهم؟ وهم يسألونهم عن الطلاق والحيض، والصلاة والصيام، والحدود والأحكام، ويقلدونهم في ذلك، وفيما لا يعلمونه، فاعلموا أن جميع الحوادث على منزلتين: منها ما فيه الحجة من كتاب الله، فمن أفتى من الفقهاء لتحليل ما كان حراماً في حجة الله كان هالكا، ومن استحل بقوله ما حرمه الله فهو هالك، وكذلك إن حرم شيئا مما هو حلال عند الله، والحجة من الله قائمة بتحليله هلك، وهلك من حرم ما أحل بقوله.
والمنزلة الثانية، ما ليس فيه حجة وهو مما ليس في كتاب الله ولا سنة نبيه، وهو مما يسع المسلمين فيه الرأي والاختلاف فرأي الفقهاء في (1/109)
صفحة 110
ذلك مقبول لأن هذا مما يجوز فيه الاختلاف من الفقهاء، وهم على ولاية بعضهم بعضا، وأما ما كان من الادعاء على الله في الدين، والولاية والبراءة والعداوة، والحلال الذي أحله الله والحرام الذي حرمه الله، فإذا اختلف فيه الفقهاء، فقال واحد: هذا حلال من الله، وقال آخر: هذا حرام من الله، أو قال واحد: هذا كفر، وقال الآخر هذا إيمان، فإن هذا الاختلاف يوقع بينهم البراءات ويقطع ولاية بعضهم عن بعض، ولا تحل ولاية المختلفين جميع على هذه الجهة، فمن جمعهم في الولاية على هذا هلك، وعند هذا يجب تكليف الجاهل بالعلم إذا قامت عليه الحجة بالحق في ذلك لزمه قبوله، وتحرم عليه ولاية المخطئ من هذين المختلفين في دين الله، فإذا قامت عليه الحجة بهلاك المخطئ وإيمان المصيب لزمه قبولها، فإن ردها بجهل هلك، وصار بمنزلة من جهل ما كلفه الله علمه من الجاهلين.
وسئل أبو سعيد رحمه الله عن التقليد الذي لا يجوز للسائل أن يقلده العالم إذا سأله، وإذا قلده وعمل بما أفتاه هلك بذلك، ولو لم يعلم السائل أنه باطل.
قال: قيل إن ذلك إذا خالف المفتي في قوله كتاب الله أو سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أو إجماع المحقين من الأمة، فإذا خالف المفتي أحد هذه الوجوه في قوله كان ذلك باطلا، ولم يسع قبوله من جهله ولا من علمه، قبولا عن التصويب له، ولم يجز العمل به من قبله، ولم يقبله على تصويب.
وهذا في أحكام الشريعة، وهذا هو موضع التقليد في الدين فيما قيل.
قيل له: فهل يجوز للسائل أن يقلد العالم إذا سأله في شيء من الأشياء، ولا يهلك إذا قلده ذلك؟ (1/110)
صفحة 111
قال: قيل لا يجوز له أن يقصد إلى قبول ما قيل منه على وجه التقليد، لأن التقليد يخرج عندنا تأويله أنه يقبل منه ما قال كان خطأ أو صوابا حقا أو باطلاً، وهذا هو التقليد لأنه يقلده أمر دينه، ذلك الذي يقبل منه، كما يقلد الحاكم الشاهدين أمر ما شهدا عليه، ويحكم بقولهما وشهادتهما، كانا صادقين أو كاذبين، وهما حجة له عند الله إذا كانا عدلين، لأنه مطالب ألا يقبل شهادتهما إلا أن يكونا عدلين، فإذا كانا عدلين فذلك موضع ما خوطب به، وأبيح له قبول شهادتهما، ولو كانا فيما بينهما وبين الله فيما غاب عنه شهدا زورا، فالله غير سائله عن ذلك.
ولو ترك شهادتهما لظنه أنهما شهدا زورا، ووافق ذلك بأن كانا شهدا زورا، لكان ذلك من حكمه جورا وكان هالكا بذلك، لأنه لم يجعل له أن يرد شهادة العدلين بالظن، فيكون قد حكم بالظن لأن الظن لا يغني من الحق شيئا، والحق قبول شهادة العدلين وترك الظن فيهما، وكذلك الحاكم إذا حكم بالحكم، وهو ممن يثبت حكمه، كان حجة على المحكوم عليه للمحكوم له، حتى يعلم باطله أحدهما، لأن هذا موضع ما جعل له عليهم، وخاطب الله تبارك وتعالى عباده بأجمعهم ألا يقولوا على الله إلا الحق في دينه ولا في شيء مما تعبدهم، وخاطبهم جميعا ألا يطيعوا أحداً في غير طاعته في أشياء كثيرة، دل عليها الكتاب، منها قوله تبارك وتعالى: * (*وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ (1) آثِماً أَوْ كَفُوراً*) * (2) وقوله: * (*وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ*) * (3).
ومما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لأحد في معصية الله» إذا كان ذلك لا يخرج عن دين الله، جهل ذلك من جهله أو علمه من علمه.
__________
(1) في الأصل: "منهما" خطأ.
(2) من الآية 24 من سورة الإنسان.
(3) الآية العاشرة من سورة القلم. (1/111)
صفحة 112
والتقليد في الدين حرام محجور، ولكن الله تبارك وتعالى أمرهم أن يتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، ولا يتبعوا من دونه أولياء وأمرهم بطاعة أولي الأمر منهم، وهم العلماء في الدين والأئمة المنصوبون فيما قيل، فجعل لهؤلاء طاعة فيما قالوه من الحق في أمر الدين، وفيما قاموا به من الحدود والأحكام، ولم يجعل لأحد منهم فيما يخالف الدين في أمر نقل الشريعة، ولا في الأحكام إذا خالف ذلك حكم الإسلام، علمه القوم أو لم يعلموه.
فإذا أفتى بشيء مما تخرج أحكامه من دين الله، أو من الرأي الذي يوافق العدل، فقد قيل إنه حجة، لئلا يخالفه في ذلك أحد بعلم ولا بجهل، وعلى من علم ذلك منه قبول ذلك على سبيل الاتباع لا التقليد، لأن ذلك مما يخرج حكمه مما أنزل الله عليهم، فعليهم اتباعه لقوله: * (*أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ*) * (1) فهذا من أولي الأمر في هذا الموضع، وعليهم اتباعه عالمهم وجاهلهم، وليس لهم أن يأتوا بخلافه في الدين، وأقل ما يكون من حجته إذا كان عالما ألا يوقف عن ولايته، ولا يبرأ منه على ما قال برأي ولا دين، وكل ما وفق العالم فيه الحق، فاتبعه فيه الضعيف، من أمور نقل الشريعة في الدين، أو في الرأي، فهو سالم فيه، ومثاب عليه، ومتبع فيه أمر الله تبارك وتعالى، الذي أمره باتباع أولي الأمر، إن حكموا بما أنزل الله، وذلك اتباع وليس بتقليد.
__________
(1) من الآية 59 من سورة النساء. (1/112)
صفحة 113
في تقليد الصحابة
قال أبو محمد: تقليد الصحابة جائز في باب الأحكام، وما كان طريقه طريق السمع، ألا ترى أنك تحكي عنهم الإجماع وإن كان الخبر منقولا عن بعضهم إذا لم ينقل عن أحد منهم خلاف ذلك.
ويجوز تقليد الواحد منهم أيضا إذا قال قولا ولم ينكر عليه غيره وإن علم له مخالف في الصحابة فلا، وخلاف التابعي لهم ليس كخلاف بعضهم بعضا، لأنه ليس في طبقتهم، وذلك أن الصحابة هم الحجة التامة، ألا ترى أن الله تعالى جعل شهادتهم على الناس كشهادة الرسول عليه السلام عليهم؟ قال تعالى: * (*وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ (1) شَهِيداً*) * (2) فلا يجوز وقوع الخطأ في شهادتهم، إذا كانت شهادتهم كشهادة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا عندي -والله أعلم- مثل قوله تعالى: * (*وَيَتَّبِعْ (3) غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً*) * (4).
والخارج عن قول الصحابة متبع لغير سبيل المؤمنين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تجتمع أمتي على ضلال» فإذا لم ينقل الاختلاف عنهم وكان المنقول عن بعضهم وترك المخالفة من الباقين، وهم حجة الله جل ذكره، في أرضه على عباده دل تركهم لمخالفة
__________
(1) في الأصل: " ... الرسول شهيدا عليكم" خطأ.
(2) من الآية 143 من سورة البقرة.
(3) في الأصل: "ومن يتبع ... " خطأ.
(4) من الآية 115 من سورة النساء. (1/113)
صفحة 114
القائل منهم على تصويبه، ومن ادعى أن في ضمائر بعضهم غير ما كان في الظاهر منهم أو تقية منهم كان مخطئاً، وطعن على الصحابة الباقين أنهم لم يقيموا الحجة لله بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف.
ولا يجوز التقليد لأهل الاستدلال والبحث، والأخبار في عصر غير الصحابة مع الاختلاف، ويجوز الاعتراض عليهم في أدلتهم، ولا يجوز الاعتراض على الصحابة لما ذكرناه، ويجوز للعامة تقليد العلماء والاتباع لهم، فيما هو لا دليل على التفرقة بين أعدل أقاويلهم في باب الشرع وما طريقه طريق الاجتهاد، واستسلامهم للعلماء كاستسلامهم للحكام فيما يحكمون به لهم وعليهم فيما لا علم لهم بصوابه، وكذلك تقليد الجاهل لمن لا يتهم في دين الله.
قال أبو سعيد: الذي عندي أن على كل أن يجتهد ويقصد إلى الحق في التعبد لله له فيما لزمه، مما كان من شيء يكون فيه الرأي فعليه فيه الاجتهاد فإن استوت عنده الأقاويل كان له أن يأخذ بأيها شاء، إذا كان ذلك صوابا على القصد منه إلى الحق، ولو كان ضعيفا عن التمييز وإن أبصر الأعدل أو وقع له أن شيئا منها أعدل من شيء كان عليه أن يأخذ به لأنه إنما هو الحق، وما كان من الحق من الدين كان عليه اتباع الحق فيه بعينه أن يأخذ به لأنه الحق بعينه، ولا يلتفت بالاجتهاد لأن الاجتهاد لما كان أصله الاجتهاد والدين يؤخذ بإصابته بعينه.
والذي عندي: أنه إذا لم يكن له نظر كان عليه أن يجتهد في إصابة الحق بالقصد إليه في ذلك ولو لم يميز شيئاً ببصره. (1/114)
صفحة 115
الباب الخامس
في تعلم العلم وتعليمه، وفيه فصلان (1/115)
صفحة 116
الفصل الأول
في تعلم الفرائض
قال أبو سعيد: ذهب بعض أهل العلم إلى أن من وجبت عليه الفرائض لزمه أن يعلم وجوبها، فمن وجبت عليه الزكاة أو الحج لم يسعه جهل ذلك اللازم، فإن جهله بعد أن وجب عليه لم يسعه ذلك، فإن علمه وأخّر تأديته ناوياً أداءه لم يكفر بذلك التأخير ما دام معتقدا أداءه ما لم تأت عليه حالة لا يقدر معها على أداء الواجب، أو يفاجئه الموت، وهم لو يوص به (1)، وعلى مذهب من يقول إن عليه تأدية ذلك الواجب في وقته الذي يخاطب به
__________
(1) مراد الإمام أبو سعيد رحمه الله -هنا- الفروض غير المؤقتة، وذلك أن الفرض إما أن يكون مؤقتا أو غير مؤقت، فالمؤقت ما حدد لأدائه وقت لا يجوز تقديمه عليه ولا تأخيره عنه، وذلك كالصلاة والصوم، وغير المؤقت ما لم يحدد لأدائه وقت، كالزكاة والكفارات، وما كان من هذا الصنف إن الإتيان به في أي وقت يعتبر أداء، بخلاف الصنف الأول فإن الإتيان به في الوقت المحدد أداء، وإتيانه بعد ذلك استدراكا لفواته قضاء، والوقت بالنسبة إلى الموقف شرط من شروط صحته، فلذلك لا يجب ولا يصح تقديمه عن وقته كما لا يجوز تأخيره عن وقته لغير عذر، وليس في ذلك خلاف، وإنما الخلاف في غير المؤقت هل تجب المبادرة إليه أم لا؟ وهو مبني على اختلاف الأصوليين والفقهاء في الأمر المطلق هل هو للفور أو للتراخي، ووجوب العلم يتوقف عند الأكثرين على وجوب العمل فلذلك لا يجب العلم بالفرض المؤقت مثل حضور وقته، ولا يصح الجهل به بعد حضوره وبناء على أن غير المؤقت وجوبه على الفور لا يصح الجهل بوجوبه وكيفية إتيانه حال إمكان الإتيان به، أما القائلون بأن وجوبه للتراخي بحيث لا يتقيد بزمن دون زمن فإن الجهل به عند هؤلاء واسع ما لم يصل المكلف به إلى حالة لا يتأتى معها الإتيان بالعمل الذي كلف به أو يفاجئه الموت مع عدم الإيصاء به، ومن العلماء من يرى فرض العلم بالواجب مقدماً على العمل به وبناء على هذا فإن من وسعه تأخير عمل مؤقت لعدم حضور وقته أو غير مؤقت امتداد زمن أدائه لا يسعه إلا أن يعلم وجوبه عليه لئلا يصل إلى حالة يتحتم فيها عليه أداؤه هو على غير علم بوجوبه أو بكيفية إتيانه. (1/117)
صفحة 117
بأي وجه بلغ إلى تأديته مما هو خارج من أصل ما دان به جملته، وعلى هذا القول لا يضره جهل لزوم الحج ولا الزكاة، ولو كان قادرا على علم ذلك، والسؤال عنه ما لم يدن بتركه أو يعتقده أو يمت من غير أن يوصي به، وكل ما كان من الفروض كالحج والزكاة فهذا حكمه عندي.
وسئل ما تقول فيمن صلى وصام وزكى وحج، بلا نية ولا قصد منه لأداء فرض قد وجب عليه لله بسبب جهله أيجزيه على هذه الصفة أم عليه بدل ذلك؟.
قال: إذا أدى ذلك على جهله بلزومه من غير قصد لأداء لازم لزمه فلا ينفعه ذلك، وعليه أداء ما لزمه بالقصد منه لأداء لازمه بعد علمه به، أو مع جهله لعدم من يعلمه بذلك، فإذا عدم من يعلمه من المعبرين وقصد أداء ما لزمه في دين خالفه، فوافق الحق الذي لزمه على ما يوجبه الحق في دين خالقه، ومع ذلك موقع أداء الفرض، وكان مجزياً له، وكذلك إن أداه عند عدم المعبرين له على أنه إذا كان لازما عليه في دين خالقه، فقد أداه كان ذلك مجزيا له، إذا كان على هذه النية وأما إذا كان أدى ذلك أو شيئاً منه على غير قصد منه بأدائه للازم فقد لزمه، أو إن كان قد لزمه فلا يجزيه ذلك، وأما إذا كان مقرا بالجملة دائنا بها وعارفا معناها، وحضره شيء من أداء الفرائض وجهل لزوم أدائها، فأداها على ما يرى الناس يفعلونه من غير نية لأداء لازم، فذلك لا يجزيه، وهو هالك بذلك، وعليه أداؤه باعتقاده الأداء له، فيما يلزمه في جملته.
وأما إن جهل ذلك وأداه عما يلزمه في جملته التي أقر بها، ولم يعلمه بعينه أنه لازم عليه، إلا أنه قاصد بجميع ما يعمل من ذلك أنه يؤدي ما يلزمه في جملته التي أقر بها، فقد قال من قال: إن ذلك يجزئه وهو سالم ما لم يضيع فرضاً أو يركب محرما بجهله، أو يلزم نفسه بجهله ما لا يلزمه، (1/118)
صفحة 118
أو يحرم على نفسه ما لا يحرم عليه، باعتقاد الدينونة في ذلك، وقال من قال ما لم يعلم فرض ذلك في وقته ويؤده بعلم منه أنه لازم عليه بعينه، فلا ينفعه ذلك، وعليه علم ذلك وتأديته بعد العلم منه بذلك، فإن أداه بغير علم منه بلزوم ذلك فقد قال من قال إن عليه بدل ذلك ولا كفارة عليه فيما تلزمه فيه الكفارة، وقال من قال عليه البدل والكفارة.
وأما إذا كان مقراً بالجملة عالماً بمعناها دائنا بها، فجهل شيئاً من الفرائض الداخلة فيها، فلم يجد من يعبر له عنه في وقت لزومه فدان بالسؤال عما يلزمه من ذلك، وأداه على ما يحسن في عقله مع الدينونة بالسؤال عما يلزمه، وكان عاجزاً عن الخروج في التماس المعبرين عن كيفيته لخوف أو عدم راحلة (وهو لا يقدر على الوصول إلا بالركوب) أو علة في بدنه لا يقدر معها على الخروج، فإذا كان عاجزاً بأحد هذه الأشياء وقد علم لزوم الفرض عليه ولم يعلم كيفية أدائه (1) فأداه كما
__________
(1) من علم بوجوب فرض مؤقت عليه وكان جاهلا بكيفية أدائه مع حضور وقته كالصلاة والصوم، وجب عليه تعلم ذلك ممن أمكنه الوصول إليه من الناس، فإن كان من يمكنه التعبير عنه حاضراً عنده لم يسعه تأخير تعلمه، وإن كان بعيداً عنه وجب عليه الخروج إليه إن كان قادراً على ذلك والقدرة تتكون من أمور:
(أ) معرفته بوجود المعبر في مكان معين.
(ب) وجود الراحلة التي تبلغه إليه.
(ج) حصول الزاد الذي يتبلغ به في سفره إلى أن يعود.
(د) أمان الطريق.
(هـ) صحة البدن.
(و) توفر القوت الذي يكفي عياله إلى أن يعود إليهم.
وإذا توفرت هذه الأمور سقط عنه التكليف بالفرض عند الأكثرين، وذهب الإمام أبو سعيد رحمه الله كما هو واضح من كلامه -هذا- إلى وجوب تأديته كما يتصور في عقله، وهذا يعني تحكيم العقل عند عدم إمكان معرفة حكم الشرع، وهو بعينه رأي ابن بركة حيث قال بوجوب ترك ما يستقبحه العقل، كذبح الحيوان على من كان منقطعاً في جزيرة لا يمكنه فيها الوصول إلى معرفة أحكام الشرع، والفارق بين رأي الإمامين وقول المعتزلة لتحكيم العقل أن المعتزلة يرون أن العقل هو الأصل في إيجاب الفرائض، وحصر المحرمات، وأن الشرع إما أن يكون مؤكدا له أو مبينا، وقد أدى بهم هذا القول إلى الحكم إلى الشرع بالإلغاء والنبذ، إذا تصادما مع العقل، أما الإمامان فهما يريان أن الشرع هو الأصل، وإنما يحكم عندهما العقل كبديل عنه إذا تعذر الوصول إلى حكمه فإذا أمكن من بعد وجب المصير إليه وترك التعويل على ما أرشد إليه العقل، ويوضح ذلك ما ذكره الإمام أبو سعيد -رحمه الله- هنا من وجوب قضاء الفرض المؤدي بإيحاء العقل إذا ظهرت تأديته مخالفة لكيفيته الشرعية. (راجع مشارق الأنوار للإمام نور الدين السالمي رحمه الله). (1/119)
صفحة 119
حسن في عقله فهو سالم، شريطة الدينونة بالسؤال إذا وجد المعبرين مع التماسه إيّاهم حسب قدرته، فإذا توصل إليهم نظر فيما أداه فإن كان على وجهه الشرعي سلم من الإثم وسقط عنه البدل، وإن لم يكن على وجهه الشرعي وجب عليه البدل مع سلامته من الإثم، وإن حالت بينه وبين المعبرين العوائق التي ذكرناها، ولم يدن بالسؤال عما يلزمه في ذلك، ولو مع عدم وجود المعبرين في مكانه، فهو هالك بترك الدينونة بالسؤال عما يلزمه من ذلك متى قدر، والقدرة على ما وصفنا. (1/120)
صفحة 120
الفصل الثاني
في تعليم الصبيان وما يترتب عليه
سئل بعض العلماء: عن معلم الصبيان إذا كان فيهم يتامى وكان يرسلهم ليسألوا عن المتخلفين منهم هل يجوز له ذلك؟ وهل يجوز له ضربهم على الأدب؟ ولأجل تعلم القرآن؟ ولئلا يضرب بعضهم بعضا؟
فأجاب: أما ضربهم لأجل تأديبهم وتعليمهم القرآن فلا مانع منه ولا أرى له أن يرسل بعضهم إلى بعض إذا كانوا يتامى إلا أن يذهبوا من قبل أنفسهم بغير أمره وأما من كان منهم له أب، فأذن له أبوه بإرساله فلا أرى بذلك بأسا، وكرهت أجرة المعلم على تعليم القرآن إن اشترطها، فإن قعد للتعليم وأهدي إليه فلا بأس بذلك، وأحسب إن محمد بن محبوب رحمه الله قال: ولو أهدى إليه من مال اليتيم فلا بأس عليه إذا لم يشترط.
قلت: إن علمهم الخط فاشترط على تعليمه أجرا فلا بأس، لأن الخط صنعة ومن أخذ أجرا على تعليم الصنعة كالخياطة والحياكة والسفّ فلا بأس عليه، وقيل في الفاجرة والنائحة والمعلم المشترط أنه لا توبة لهم حتى يردوا أجر ما أخذوا.
قال أبو سعيد: قال أبو إبراهيم: التعليم في طلب المعيشة أفضل من الحج في طلب المعيشة، وسئل أبو سعيد رحمه الله: هل يجوز للمعلم أن يأمر الصبيان بأن يتماصعوا (1) إذا كتبوا وكان خط بعضهم خيراً من خط بعض، وذلك
__________
(1) قال في القاموس: مصع البرق كمنع لمع الدابة بذنبها حركته وضربت به وفلانا ضربه بالسيف أو بالصوت أو ضربه ضربات قليلة ثلاثا أو أربعا ... انتهى. وهو في عرف العمانيين أن يتبارى الصبيان في إتقان الخط فمن كان أحسن خطا ضرب من هو دونه في باطن قدمه وهكذا. يقصدون بذلك تشجيعهم على الإتقان. (1/121)
صفحة 121
أن يمصع من كان خطه أحسن من هو دونه، هل يجوز ذلك للمعلم إذا كان يريد أن يحرصوا على إتقان الخط؟ قال: نعم، إذا كان ذلك برأي آبائهم، وكان ذلك أدبا لهم بحيث يجوز له أن يؤدبهم.
قيل له: أيجوز للرجل أن يؤدب ابنه ليتعلم الحساب؟ قال: لا يميل لي ذلك لأن علم الحساب منافعه دنيوية وإنما أجيز له أن يؤدبه لأجل الأعمال الصالحة، والعلم النافع الأخروي، والخط عندي مما يقوى على تعلم العلم وليس هو عندي مثل الحساب (1) وسئل هل يجوز للمعلم أن يأمر الصبيان أن يجعل الأكتاف كلها في موضع، ويقوم عليها واحد يضربهم وهم يأخذون الأكتاف كل من دنا منهم ضربه إذا أدركه؟ قال: هذا لا يجوز عندي إذا كان على الصبيان ضرر منه ولم يكن فيه نفع لهم، قيل له: هل يجوز له قبول ما أعطاه اليتيم أو الصبي الذي ليس بيتيم؟ قال: إذا كان الصبي واليتيم مرسلين بما حملا إليه جاز ذلك على حسب ما يجوز له من قبول الهدية ومكافأة الأيادي ما لم يعلم أن ذلك حرام، قيل له: هل عليه أن يسأل الصبي أو اليتيم هل أرسلا إليه بما حملا أم لا؟ قال: قيل إنه يسألهما عن ذلك، وقبل إذا اطمأن قلبه أنهما لا يأتيانه شيء إلا أن أرسلا به جاز له قبوله.
وقال: أما الذي أراد أن يعلم القرآن لطلب الأجر والثواب من دون مكافأة من أحد، وكان في بلده معلم آخر يعطى مكافأة على تعليمه، ويخشى أن يتحول الصبيان عنه إليه، ويضرّ به ذلك، فإني لا أرى مانعا من تعليمه لوجه الله، وإن كف عن ذلك لأجل الرفق بهذا الفقير فذاك سائغ أيضا.
__________
(1) من العجب أن يقال أن الحساب لا تترتب عليه مصالح دينية مع أن منافعه أكثر من أن تحصى وأبين من أن تذكر، فهو وسلية لتوصيل كل واحد إلى حقه والتخلص من تبعات الناس، كما أنه وسيلة لحسن التفاهم في المعاملات وما ينتج عن ذلك من الود وحسن الظن ويتوقف عليه إلى حد بعيد فهم أحكام المواريث والأروش والديات وفقه المعاملات بل والعبادات. (1/122)
صفحة 122
وسئل أبو عبد الله عن قبول معلم القرآن عطايا الناس فقال: إذا لم يكن المعلم فارضاً عليهم شيئاً فإن أعطوه قَبِل وإن لم يعطوه لم يطلب، فلا أرى عليه بأسا، قيل له: هل يسع المعلم أن يؤدب الغلام بالضرب إذا أذن والده؟ قال: لا بأس بأدبه، وأما اليتامى فلا أحب له أن يضربهم، وأحب له أن ينوي في العطايا أنها للأدب لا لتعليم القرآن.
وقال موسى بن محمد: قال موسى بن علي: أربعة لا يضربون الولد والمرأة والخادم والدابة (1).
وسئل أبو سعيد عن يتيم يتعلم عند أحد، ثم يأتيه بدرهم أو درهمين، هل يجوز له أن يأخذ ما يأتي به إليه؟ فأجاب بجواز أخذ ذلك إن لم يشترط شيئا على التعليم، وكان مطمئنا بأن اليتيم أرسل بما جاء به من قبل وليه.
وسئل عن رجل يعلم الصبيان القرآن والعلم والأدب من غير رأي آبائهم ولا إذن منهم، غير أنهم لم يحجروا عليه ذلك، هل يكون ضامنا؟
فأجاب: إذا لم يشغلهم عما عودوا عليه مما يعود عليهم بالصلاح في العاجل فلا ضمان عليه، وهو مأجور إن شاء الله.
__________
(1) هذا الكلام ليس على إطلاقه فإن الضرب الممنوع ما كان بدون داع، وإلا فالمرأة إذا نشزت واستعصى علاجها بدون ضرب، فضربها جائز بالنص القاطع بالقرآن، قال الله تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}.
وضرب الولد ثابت بالسنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مروهم للصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر».
ومثل الصلاة العبادات التي يطيقها الطفل فإن تعويدهم عليها وحملها على ممارستها ولو بالضرب إذا اقتضى الأمر من مقتضيات التربية السليمة، ومثلها الأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة التي يجب تعويد الأطفال عليها منذ الصغر.
أما الخادم فإن كان مملوكا للمخدوم فله أن يضربه إذا تمرد عليه ضرب الأدب، والدابة مع وجوب الرفق بها لا يمنع من ضربها إن اقتضت المصلحة ذلك. (1/123)
صفحة 123
قيل له: أرأيت إن أجبرهم على تعلم القرآن والعلم والأدب وقهرهم على ذلك بدون إذن آبائهم هل يكون عليه ضمان في ذلك؟
قال: لا يبين لي وجوب ضمان عليه، وهو مأجور إن شاء الله ما لم تتعطل بذلك مصلحة هم أولى بها.
قيل له: فإن جهل مصلحتهم هل يكون ضامنا؟
قال: إذا كان ظاهر أمرهم الاستغناء عن القيام بمصلحتهم في ذات أنفسهم فلا مانع من حملهم على التعلم وإلا لم تفوّت مصلحة حاضرة لمصلحة غائبة.
قيل له: وما هي المصالح التي يلزمه ضمانها إن فوتها عليهم تعليمه إياهم؟
قال: أما الضمان فلم أقل به إن قام بمصالحهم في تعليمهم العلم والأدب غير أني أقول: إن كان الصبي له ضيعة يعود نفعها عليه، ويخاف إن انصرف إلى التعلم أن تتلاشى منفعتها، فيؤدي به ذلك إلى ضرر بحاله، فإن الأولى به ألا يشغل عن مصلحته تلك بتعلم يجبر عليه، إلا أن يكون لهم من يقوم بمصالحهم، فإن تعليمهم عندئذ أولى.
وسئل بعض العلماء عما يؤتى به إلى المعلم من رطب أو قضيم أيحل له ذلك؟
قال: لا بأس إن أهدي للمعلم، وقد قيل: يقبل هدية الصبي والخادم. وسئل هل يجوز له اشتراط أجرة على التعليم؟ قال: نعم.
وسئل هل له أن يأمر الصبي أن يمحو لوحه ويصلح أدواته ونحو ذلك؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان ذلك من مصلحته ويكتب له بقلمه.
وسئل عن الصبي يأتي المعلم إلى موضع تعليمه من غير بيان من ولي أمره هل يصح له ذلك؟ وهل يؤجر عليه؟
قال: عندي إذا كان لا يشغله ذلك عما هو أصلح له من القيام بأود (1/124)
صفحة 124
نفسه التي يخاف عليها من تضييعه لها هلاكها أو الضرر بها، فأولى الأمور به حسن أدبه، وتعليمه الخير لما يرجى في عاقبته من استقامته في صغره وكبره، وأفضل ذلك تعليمه القرآن مع جوامع الأخلاق، وللقائم في ذلك الثواب، إن شاء الله، وإن لم يأمر بذلك والد الصبي أو غيره.
قيل له: أرأيت الصبي يأتي المعلم ولا يعرف أنه ممن يقوم بنفسه في معاشه، أو يقوم به غيره، فيذهب به عقله إلى أنه ممن يكفي أمر معاشه هل تراه سالما إن لم يسأله؟
قال: عندي إنه إذا ظهر من أمره في الحالات التي يشاهده فيها قوام أمره من كسوته ومعاشه، ولم يبن عليه في ذلك ضرر، فحكمه أنه في حال الكفاية، حتى يعلم غير ذلك.
قال أبو الحسن في جامعه: ومن أمر العلم بضرب ولده لتأديبه، فضربه فمات، فعلى المعلم الدية، ويتبع المعلم والد الغلام بالدية، ثم قال: وسل عن ذلك.
وقال عن الصبي اليتيم يتعلم عند المعلم فيأتيه برطب وبسر إنه قد قيل: إذا كان المتعارف يقتضي أنه مرسل به من والده إن كان غير يتيم، أو وكيل أو وصي أو كفيل إن كان يتيما، فذلك جائز، ولو كان من ماله بحسب التعارف إذا كان بالمعروف.
قال بشير: للمعلم أن يضرب الصبيان للأدب، ويأخذ ما أعطوا.
وفي بعض الآثار: هل يجوز للمعلم أن يشترط على آباء الصبيان أو أمهاتهم أو من يقوم بأمرهم أن يعطوه أجراً محدوداً على تعليمهم؟ سواء كان درهما أو حبا أو تمراً؟ وهل يثبت اشتراط ذلك؟
الجواب: إذا اشترط ذلك على تعليم القرآن، ففي أكثر الأقوال عندنا أن ذلك لا يثبت ولا يجوز، ولو اتفق معهم على شيء معروف بأجر معلوم إلى أجل معلوم فذلك أيضا باطل فإن كان على غير تعليم القرآن فله أجر مثله، وإن اتفق معهم على التعليم من غير تحديد، فذلك مجهول وله أجر مثله، وإن اتفق معهم على تعليمهم الكتابة والحساب أو شيئا من الآداب (1/125)
صفحة 125
بأجر معلوم إلى أجل معلوم، فذلك ثابت عليهم ولهم، وأما إذا قصر عما يلزمه فإنه يترك من ذلك بقدر ما قصر أو يستحل من اتفق معه.
وقيل في المعلم: إنه يصح له أن يؤدب الصبيان ويضربهم ضربا غير مبرح، ويأخذ ما أتوا به إليه من عند آبائهم وأمهاتهم، ولو كانوا أيتاما والضرب غير المبرح، هو ضرب الأدب الذي لا يؤثر ولا يجرح، فإذا أثّر أو جرح لزمه أرش ذلك، وكذلك الوالد إذا ضرب ولده ضربا مبرحاً لزمه أرش ذلك لولده، وليس ذلك ضرب أدب.
قال أبو الحواري: لا يضرب المعلم الصبيان في تعليم القرآن إلا برأي آبائهم، ولا يضرب اليتامى إلا برأي أوصيائهم، وأجازوا للمعلم أن يأخذ ما أعطي على التعليم من غير أن يشترط عليهم، وقال: ما اشترطه المعلم على تعليم القرآن فهو من السحت. (1/126)
صفحة 126
الباب السادس
في القرآن وفيه تفصيل (1/127)
صفحة 127
[صفحة بيضاء] (1/128)
صفحة 128
الفصل الأول
فيما قيل في خلق القرآن
جاء في بعض الأثر: قلنا للمعتزلة أخبرونا عن القرآن أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ قالت المعتزلة: هو مخلوق، قلنا لهم وما الدليل على أنه مخلوق؟ قالت أدلة كثير من السمع والعقل، قلنا لهم: وما الذي تحتجون به من العقل؟ قالوا: لا يخلو القرآن من أربعة معان: إما أن يكون لم يزل قديماً مع الله، أو أن يكون هو فعل نفسه، أو يكون من فعل الخلق، أو يكون فعل الله، فإن قلنا إنه لم يزل قديما مع الله كان ذلك شركا بالله وموافقة للثنوية الذين قالوا اثنان قديمان، فإن قلنا لهم: إنه فعل نفسه كان ذلك محالا لاستحالة إيجاده لنفسه قبل وجوده، وإن قلنا: إنه من فعل الخلق كان ذلك ردا على القرآن، لأن الله يقول جل ثناؤه: * (*قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً*) * (1) قلنا لهم وما الذي تحتجون به من القرآن؟ قالوا: قوله: * (*خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا*) * (2) والقرآن بين السموات والأرض وبين الدفتين في المصاحف، وقوله: * (*إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً*) * (3) كما جعل الليل والنهار، وقوله: * (*وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً*) * (4) وعدوا آيات كثيرة، وقالوا إنه محدث، وقالوا لا يخلو إما أن يكون قديما مع الله،
__________
(1) الآية 88 من سورة الإسراء.
(2) من الآية 59 من سورة الفرقان، ومن الآية الرابعة من سورة السجدة.
(3) من الآية الثالثة من سورة الزخرف.
(4) من الآية 72 من سورة النحل، ومن الآية 11 من سورة الشورى، وفي الأصل تحريف في الآية. (1/129)
صفحة 129
أو يكون محدثا، أنزل على لغة العرب في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن قلنا قديما لزمته الحجة التي لزمت الثنوية، وإن قلنا محدث لزمتنا حجتهم، هذه هي إجابتهم.
واعلم أن صاحب الجواب لم ينصف في جوابه الذي ادعى فيه خلق القرآن، وقد بنى كلامه على قواعد لا يتفق خصمه معه عليها، وادعى أشياء لا تعرف من مذهب مخالفيه، وكان يجب عليه أن يأتي بدليل صحيح اتفق عليه هو وخصمه، ثم يبني عليه الكلام حتى يكون دليلا صحيحا وكلامه حجة على مخالفيه أما أن يأتي بتقسيم لا يوافقه عليه خصمه، ثم يبني عليه حجة على خصمه، وذلك غير مسلم.
ويتضح ذلك في قول المجيب لما سئل: أما الدليل على خلق القرآن لا يخلو القرآن من أربعة معان:
إما أن يكون لم يزل قديماً مع الله، أو أن يكون هو فعل نفسه، أو يكون من فعل الخلق، أو من فعل الله.
ثم قسم وقال: فإن قلنا إنه لم يزل قديماً مع الله كان ذلك شركاً بالله وموافقة للثانوية الذين قالوا: اثنان قديمان، فتأمل أيدك الله فيما قال في قسمه الأول وما قصد فيه بأن حرف معنى المخالفة له، وأتى بخلاف معناهم له، ثم بنى عليه كلاماً لا يسوغه لهم المخالف، ونحن أعزّك الله نقول لهؤلاء ولكل من قال مثل مقالتهم: ما أنكرتم أن يكون كلام الله قديما لم يزل لمتكلم لم يزل وليس في هذا إيجاب الشرك ولا موافقة الثانوية، لأنا قلنا: إن الكلام صفة من صفات الذات، والله عز وجل لم يزل له موصوفا، فالباري لم يزل وصفات ذاته لم تزل، والقرآن من صفات ذاته لم يزل قائما بالله، والله موصوفا به، وليست صفاته غيره ولا هو غير صفات ذاته، ولا يجب إذا قلنا إن الله لم يزل (1/130)
صفحة 130
وكلامه الذي هو به متكلم لم يزل أن يكونا شريكين أو أن يكون إلهين (1).
__________
(1) مسألة خلق القرآن من المسائل التي بليت بها هذه الأمة بعد أن اختلط فيها الحابل بالنابل وتلبست بكثير من الأفكار الدخيلة نتيجة انضمام كثير من الشعوب إلى حظيرة الإسلام، وهي لا تزال متلبسة بمعقداتها القديمة، حريصة على مواريثها الفكرية، وكثير من هؤلاء كان إعلانهم الإسلام ستاراً تكمن وراءه مؤامرات حاقدة على الدين لم تلبث أن كدرت معين فكره، ولوثت صفاء عقيدته، ولم يكن في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفي عهد صحابته -رضي الله عنهم- عندنا كان الإسلام غضا طريا، وكانت عقيدته صافية نقية وجود لهذه الأبحاث والمناظرات في أوساط المسلمين بل كانوا يعتقدون في القرآن أنه كلام الله ووحيه وتنزيله، ويعتقدون بجانب ذلك أن الله خالق كل شيء، وما سواه مخلوق له، وإنما وجدت هذه الأبحاث والمناظرات ثغرات لتلج من خلالها إلى عقول المسلمين وأدمغتهم عندما تخلخلت صفوفهم نتيجة الفتن الداخلية، وإذا نظرنا إلى غالب ما كتبه الكاتبون في هذه الموضوعات وجدنا مقالاتهم مصطبغة بالعصبيات متأثرة بالانفعالات، بعيدة عن الموضوعية التي يجب أن ترتكز عليها أبحاث العلماء، ومن هذه المقالات المشار إليها، هذا المقال الوارد في هذا الكتاب فإن ما تجده فيه من ردود على المعتزلة ومن اتفق معهم أو اتفقوا معه في مسألة خلق القرآن، تشم منه رائحة العصبية وترى عليه آثار الانفعال ولو أخذت تفتش بين طوايا هذه الردود عن الحق لوجدته بمنأى عنها، وناهيك بما في هذه الردود من التناقض الكفيل بتبخرها وتلاشيها تلقائيا، فقول صاحب المقام إن الكلام صفة من صفات الذات والله عز وجل لم يزل موصوفا به، ثم قوله من بعد: والقرآن صفة من صفات ذاته، والله لم يزل موصوفا به، وليست صفاته غيره ... إلخ. كلام يدل على عدم التبصر والإمعان من قائله، كيف؟ وصاحب المقال نفسه يقرر أن صفات الله سبحانه هي عينه وليست غيره ويقرر بجانب ذلك أن القرآن الكريم هو صفة من صفات ذاته وهذا يعني أن القرآن هو عين ذات واجب الوجود سبحانه وتعالى، مع أن القرآن منزل من عند الله {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} وهو بالتالي متلو بألسنة الناس، مخلوط بأقلامهم، مسطور في صحفهم، وهل يتصور عقل سليم وقوع ذلك كله بالقرآن، وهو صفة من صفات ذاته تعالى وصفات الذات هي عين الذات، -كما قرر صاحب المقال نفسه- وكما هي عقيدتنا في الصفات- والتناقض يتجلى واضحاً أيضاً بين قول صاحب المقال: إن القرآن لم يزل قائماً بالله وما يستلزمه قوله، وليست صفاته غيره من كون القرآن عين حقيقة الذات العلية، فإن قوله لم يزل قائما به يفيد أنه غيره -كما هي عقيدة الأشاعرة في صفات الذات- وقوله: وليست صفاته غيره يفيد خلاف ذلك، أما قوله ولا يجب إذا قلنا: إن الله لم يزل، وكلامه الذي هو به متكلم، لم يزل أن يكونا شريكين أو يكونا إلهين، وتنظيره ذلك بكلام الإنسان الحادث من حيث عدم استلزامه مشاركته له في الإنسانية كمشاركته إياه في الحدوث ... إلخ كلام لا تنهض به حجة لدعواه، فإن الإنسان غير منفرد بصفة الحدوث بل كل المخلوقات مشاركة له فيها، بينما صفة القدم خاصة بالله وحده، وهي من مستلزمات ربوبيته وألوهيته، ولذلك يستلزم أن يكون من يشاركه في هذه الصفة شريكاً له في الربوبية والألوهية، تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيرا، وقد أكدت النصوص القاطعة شمول خلق الله لكل ما سواه كما يقتضيه دليل العقل فقد قال سبحانه في وصف نفسه: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وقال: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} وقد أجمع المسلمون على أن كل سوى الله فهو مخلوق له، وممن حكى هذا الإجماع العلامة ابن حزم في كتابه المحلى. (1/131)
صفحة 131
ألا ترى أنا نقول: إن الإنسان محدث، وليس يجب أن يكونا إنسانيين لاشتمال الحدوث عليهما ولا هما شريكين؟ لأنا قلنا إنه محدث وكلامه محدث، وليسا قائمين بأنفسهما، ولا هما صفتين ولا موصوفين، بل يوصف الإنسان بالحدوث، وكلامه أنه محدث وأنه صفة له وأنه كلامه، ويخرج من سائر الأوصاف التي تعطي الموصوف مع ما قلناه: إنه محدث وكلامه محدث، فما الذي أنكر المعتل أن يكون الله عز وجل قديما لم يزل، وكلامه قديماً لم يزل صفة الله عز وجل، والباري هو الموصوف به فيما لم يزل، ويكون كلامه موجوداً قديماً، ولم يزل المتكلم به قديما إلهاً، وليس في هذا إيجاب الشركة، لأن الشركة لم توضع بين الصفة والموصوف، والمتكلم والكلام، وإنما لها شرائط أخر، وهو مثل أن يعطى لأحدهما مما يوصف به في جميع ما استحق لنفسه، وليس حكم صفة الله عندنا حكم الموصوف المتكلم، وهذا مما يقر به الخصم ويقوله، وكيف ترك وجه ما يقوله مخالفه وزال عنه، وأتى شيئاً غير صحيح عندنا فيما نطق من كلام الله عز وجل، ثم إن هذا كما ادعى بقوله التأويه وهذا غلط عظيم على القائلين بالتثنية، لأنهم لم يجعلوا شرط ذلك شرط الصفة والموصوف، وإنما هم أصناف:
فمنهم المباينة الذين يقولون: إن النور لم يزل وأنه حساس (1/132)
صفحة 132
ودراك، وكذلك الظلمة لم تزل وإنها حساسة ودراكة، وإنما متباينان منذ الأزل ثم امتزجا، فكان من جزءين، ومنهما الممتزج العالم الذي فيه الخير والشر.
ومنهم المرقوبية الذين يقولون: نور لم يزل وهو ضياء وخير، وظلمة لم تزل وهي ظلام وشر، وواسطة بينهما دون النور وفوق الظلام، ووقع الامتزاج من الظلمة والواسطة، والنور يخلصه، وإن تلابس موصوفين قائمين وصفة أحدهما غير صفة الآخر، وكل واحد منهما فعال عالم، فكيف يسعه قول من قال: إن الله لم يزل، وكلامه لم يزل، وعلمه وقدرته وصفات ذاته لم تزل، وإنه صفة لله لم يزل به موصوفاً، غير مشبه لقول أهل التثنية، وبخاصة الديصانية منهم، الذين قالوا شيئين قديمين، وإن أحدهما يوصف بأنه عالم قادر سميع بصير حي خبير فاضل، والآخر موصوف بأنه جاهل عاجز أصم أعمى شرير مذموم، يكون منه الشيء بطبعه وهو ظلمة محض، وإن النور يكون منه الشيء بإجبار وهو نور محض، وكل ما وصف الآخر بضده وخلافه، وإن القديمين هما الأصلان الموصوفان القائمان بأنفسهما، وكل واحد منهما ذاهب في جهة غير جهة الآخر في عالم المزاج، لأن النور من شأنه أن يعلو عندهم، والظلمة أن تستقل وترسى، فهذا قول هؤلاء.
وأهل الصفات ما قالوا بذلك، ولا قصدوا بقصده، وليس بينهما مشاكلة ولا مشابهة، فكيف استحل هذا القائل بأن يطلق إذا قلنا إن الصفات قديمة، وأن الله لم يزل متكلما بكلامه، وكلامه صفة له قديم، أن يكون شريكا، ومع ذلك فقد ترك الشاهد، لأن الشركة هي أن يتعاونا على شيء يفعل أحدهما بعضه ويفعل آخر بعضا آخر، كالبناء والخياطة وحمل الشيء وما جانس ذلك، (1/133)
صفحة 133
أو يملكان عينا بينهما كالعبد والدار والعقار وما أشبه ذلك، أو يكون رضى كل واحد بنفع شيء يكون جزء منه لزيد وآخر لعمرو مثل أن يجعل لأحدهما من خدمة العبد المشترك بينهما يوم له ويوم لشريكه، أو لا يقوم العبد بعمل لأحدهما إلا بقدر ما يقوم به للآخر، وبهذا تكون الشركة بينهما واقعة، ولا يدخل شيء من هذا فيما قال أصحاب الصفات: إن الله عز وجل قديم وكلامه قديم وما الذي ينكر أن يكون الكلام قائما بالله لم يزل به متكلماً، ليس بفعل ولا مربوب ولا محدث، لأنه لو كان مخلوقاً فإنه لا يخلو إما أن يكون خلقه الله في نفسه فيكون محلا للحوادث وتعالى ربنا عن ذلك أو خلقه قائما بنفسه فيستحيل أن يكون الكلام قائما لأن ما قام بنفسه فهو موصوف والكلام صفة (1) والصفة لا تقوم بنفسها بل تقوم بموصوف، وهذا باب يوافقنا
__________
(1) لقد كثر الأخذ والرد، بل الخبط واللبط عند كتاب المقالات حول القرآن وسائر الكتب المنزلة، هل هي مخلوقة لله عز وجل؟ أو قديمة غير محدثة ومنشأ هذا الاضطراب الذي دفع بهؤلاء إلى هذه الهاوية السحيقة المظلمة الرهيبة التي لا قعر لها، ولا بصير من نور يرى بين جنباتها، هو التباس كلام الله القديم الذي يراد به نفي الخرس عنه سبحانه بالقرآن وسائر الكتب المنزلة، وعدم التوصل إلى ما بين الكلامين من فوارق تتجلى لأفهام أولي البصائر، والخلاصة أن العلماء اختلفوا في إثبات الكلام النفسي لله عز وجل، فمن أثبته أثبت لله صفة قديمة تسمى كلاما، ومراده بذلك نفي الخرس عن الله سبحانه في الأزل وفيما لا يزال، كما ينفي بالعلم الجهل، وبالقدرة العجز، وبالحياة الموت، وبالسمع الصمم، وبالبصر العمى، وهذا هو مذهب الأشعرية وقال به غير واحد من أصحابنا العمانيين، ومن نفاه وهم المعتزلة وجماعة من أصحابنا أهل المغرب كالإمامين أبي يعقوب الوارجلاني وأبي ساكن الشماخي، قالوا: إن ضد الكلام السكوت وليس الخرس بدليل أن الإنسان يسكت عن الكلام مع قدرته عليه، وقد اكتفى هؤلاء في نفي الخرس عن الله بإثبات القدرة له تعالى وأولئك الذين يثبتون الكلام النفسي القديم لله سبحانه يقولون بخلوه من الأصوات والحروف، ولقد جاء العلامة ابن أبي نبهان في بيان حقيقة خلو الكلام النفسي عن الأصوات والحروف، حيث قال ما معناه: إنما مثل ذلك -ولله المثل الأعلى- مثلا كلام سلطان الجوارح، وهو القلب أو الدماغ (الجهاز العصبي) فإنه يتصل بكل جارحة من الجوارح آمرا وناهيا وباعثاً موجهاً، بكلام عار عن الأصوات والحروف، ولا تستطيع جارحة ما أن تتمرد عليه، فإذا كان هذا السلطان -وهو مخلوق- له هذا النفوذ في مملكته، وتتصرف جميع الجوارح حسب أمره من غير أن يكون بينه وبينها خطاب يشتمل على الصوت والحروف، فكيف بالحي القيوم الذي استند الوجود إلى قيوميته، فإن جميع الكائنات تنفعل حسب أمره، من غير أن يكون بينه وبينها خطاب صوتي وحرفي، وذلك المراد من قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} انتهى بمعناه، وأما القرآن وسائر الكتب المنزلة فهي أيضا كلام الله ولكنه يختلف عن الكلام النفسي من حيث تلبسه بالصوت واشتماله على الحروف الهجائية التي لا خلاف في خلقها، وقد أوضح كل من العلامة ابن أبي نبهان والمحقق الخليلي -رحمهما الله- وجه إضافة هذا الكلام إلى الله حيث قالا ما معناه: لنفرض أن الله سبحانه خلق كلاماً غير هذا الكلام المنزل وكونه من حروف ينطق بها الناس ثم أمر القلم أن يسطره في اللوح المحفوظ، وأمر أحد ملائكته أن ينزل به إلى أحد خيار خلقه في الأرض ليتلوه على الناس، ويأمرهم بتلاوته والعمل به، فأخذ الناس يتلونه بألسنتهم ويخطونه بأقلامهم، فهل الأجدر بهذا الكلام أن يضاف إلى هؤلاء الناس؟ أو إلى من أنزل إليه منهم؟ أو إلى الملك الذي نزل به؟ أو إلى القلم الذي خطه؟ أو إلى الله الذي خلقه بنفسه؟ وأنزله بعلمه؟ لا شك أن كل أحد يدرك أن الصواب إضافته إلى الله، وضرب المحقق الخليلي -رحمه الله- مثلا ما تتناقله ألسنة الناس وأقلامهم من قصائد الشعراء، ومقالات الكاتبين، فإن روايتهم لها وعنايتهم بتدوينها لا يجعلها تضاف إليهم دون أصحابها، وبهذا يتجلى اللبس ويتضح الإشكال. (1/134)
صفحة 134
فيه المخالف، فليس يحتاج إلى الإطناب فيه، أو يكون خلقه في غيره، فلو خلقه في غيره لكان يسبق لذلك الغير، الذي حدث فيه الكلام في الأحكام من أخص أوصافه اللازمة لذلك الجنس، إما لكله وإما لبعضه، فلما لم يسبق لكلام الله أسماء من أخص أوصافه لغير الله عز وجل وجب أنه لا يقوم بغيره، وإذا زال الوجه الثالث فما الذي أنكر أن يكون الله متكلماً بكلام قائما به؟ وهو صفة قديمة لموصوف قديم، وهو الله عز وجل، وخرج من حد الحدث والخلق والتكوين بعد أن لم يكن.
ثم يقال: إن أهل اللغة لم تعقل الشركة لأجل أن أحدهما صفة والآخر موصوف، ولا قالوا: إذا كان أحدهما محدثاً وجبت شركته، ولا قالوا إن الشريكين كانا شريكين لأنهما قديمان، ولو كان كذلك لكان لا يقال شريكين إلا فيما كانا قديمين، وإنما وصفوا بمعنى آخر، ولذلك غيّر الله من عبد غيره وادعى له نظير أو شبيها أو عديلا، (1/135)
صفحة 135
وقالوا لهم: * (*خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ*) * (1) وقالوا: هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه، وقال عن إبراهيم: * (*لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً*) * (2) وكذلك إن قالوا إذا كلامه قديما، وهو قديم، فما أنكرتم أن يكونا إلهين؟ قيل له لا يجب إذا كان كلامه قديما أن يكون إلهاً، كما قلنا: إذا كان الإنسان محدثا وكلامه محدثا لا يجب أن يكونا إنسانين (3)، وكذلك لا يجب أن يكون كلام الله إلها، إذا كان قديما، وإن الله عز ولج إله، لأن الكلام صفة الإله.
والعرب لم تضع اسم الله بمعنى قديم، لأنهم يقولون: بناء قديم ورسم قديم ولا يقولون: إله، فقد أطلقوا اسم القديم وأعطوه معناه ومنعوا أن يسموا إله، وقال الله عز وجل: * (*حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ*) * (4) ولم يقل كالإله ولا يجوز ذلك، ويقال هذا أقدم من هذا ولا يطلقون عليه اسم الإله، والناس قالوا في معنى إله أقوالا، لم يدعوا فيه معنى القديم لأن منهم من قال معنى اسم الإله أنه استحق العبادة، ومعنى من قال إنه اسم له لا يتسمى به غيره، ومنهم من قال: إنه يقدر على الضر والنفع، لأن غير أولئك الذين عبدوا ما لا يضر ولا ينفع، ومنهم من قال: معنى إله من الولهان، ومنهم من يقول: معنى إله أنه قادر على إعادة الأشياء واختراعها إذا لم تكن.
ومنهم من قال معنى إله: الله واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد
__________
(1) من الآية 16 من سورة الرعد.
(2) من الآية 42 من سورة مريم.
(3) هذا الجواب غير مسلم، لأن صفة الحدوث غير خاصة بالإنسان، فإن كل ما عدا الله متصف بها، وأما القدم فهو من صفات الله سبحانه الخاصة بهالتي لا يشاركه فيها غيره، فقد دل النص على أن ما عدا الله مخلوق له تعالى، قال سبحانه: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}.
(4) من الآية 39 من سورة يس. (1/136)
صفحة 136
ولم يكن له كفوا أحد، كما وصف نفسه في قل هو الله أحد، والقول في هذا الباب يطول شرحه، ومن أراد ذلك فلينظر في كتاب الأشعري، في بعض تفاسير الجبائي والبلخي، وإنما أردنا أن نذكر ما نبين دفع الجهمية والمعتزلة وما يتعلقون به في قولهم لنا إذا كان الله قديما وعلمه قديم، وكلامه وصفاته لذاته فما أنكرتم أن يكون إلهاً، وإذا قلتم أن الله قديم، وكلامه قديم أن يكونا إلهين فأريناهم أن ذلك لا يلزم من جهة القياس فيما قدمنا، وأريناهم من المحدث وصفاته في الإنسان وكلامه أن لا يقال إنسانين، وأريناهم من حيث اللغة أن العرب لم تطلق ذلك، إن معنى قديم معنى إله لا مجازا ولا حقيقة فبطل قولهم وإلزامهم (1)، ثم أن ترجع إلى كلام صاحبنا في الشركة متى وجد ذلك من ثنوي أو طبعي أو دهري أو أحد من الملحدين أنهم قالوا: إن معنى شريكين معنى قديمين إذ أطلقوا ذلك، وهل يتهيأ لهم أن يروا مذهب ملحد دهري أو تنوي أو من قال بطبائع أربعة وروح خامس، وهو أن جعلوا معنى ذلك معنى صفة وموصوف أو كلام ومتكلم، أو قال ذلك أصحاب الهيولي الذين جعلوا ذلك أصل الأشياء، أو يمكن أن يحكى في كتاب محصّل فيما نقض على القائلين مع الله شركاء الذين قالوا بعدم أغيار فاعلين أو متفاعلين فيمن سلك سبيلهم وقدم الطلبة اليونانية والدهرية والمأمونية ومن طابقهم أن جعل علة الشركة علة قديمين أو صفة أو موصوف أو كلام أو متكلم فإذا لم يجد لذلك
__________
(1) لم يقل أحد أن كلمتي إله وقديم مترادفتان، وإنما القدم من أخص صفات الإله سبحانه وتعالى، وإذا وصف غيره بالقدم فهو قدم نسبي لأنه وجد بعد عدم وعليه يحمل قول الله كالعرجون القديم، وكل ما وصف بالقدم من الأشياء كالشبح والرسم ونحوهما فهو من هذا القبيل بخلاف قدمه تعالى، فإنه قدم حقيقي لعدم سبق العدم على وجوده، والقائلون بقدم القرآن لا يقصدون حدوثه بعد أن لم يكن كسائر الأشياء الموصوفة بالقدم النسبي وإلا فكيف ينكرون خلقه ويشنعون على القائل به؟ ولا ينكرون خلق العرجون وغيره مما وصف بالقدم النسبي. (1/137)
صفحة 137
مقالا فليأت بما يصحح به أصله، ويعدل عمن يقول ما ليس له أصل، ويأت بالكلام الذي يدخل على ما ذكرنا، ويترك الحمية والعصبية، فإن ذلك أجمل وأوجب ولولا أن يذكر الأمر عليك، لأتينا على ما وصف مذهب الملحدة، ولطالبنا بزيادات القوم في الصفات، وكنا نرى ما يوجب التماثل بين كثير من الملحدين والنافين للصفات، ولكن يكثر، وليس هذا موضعه، وفيما ذكرنا بيان شاف إن شاء الله.
ثم قال صاحب الجواب: وإن قالوا: يعني إن قلنا، فعل نفسه كان ذلك محالاً، فنحن لم نقل إن القرآن مفعول محدث مخلوق فيكون هذا الذي ذكرناه داخلا فيما بين خلقه، وقد لنا فيما بيننا من كلام الله أنه غير مخلوق ولا محدث ولا مربوب، ويتعالى ربنا أن تكون صفات ذاته مخلوقة، فإن اشتغالنا بهذا الوجه لا معنى له، لأني لا أعرف أن أحداً قال إن الشيء يفعل بنفسه فهذا كلام ساقط (1).
ثم قال: فإن قلنا إنه فعل نفسه، وهو موجود في وجود نفسه
__________
(1) من العجب أن ينكر أحد من المسلمين كون القرآن مفعولا لله، وهو سبحانه الذي أنزله قال تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}، وقال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، وقال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، وقال: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ}،وقال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ}، وهو تعالى الذي فصله فقد قال: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ}، وقال: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}، وهو الذي جعله عربيا، قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} وهل الإنزال والتفصيل والجعل إلا أفعال من الله واقعة بالقرآن، فكيف ينكر صاحب المقال أن يكون القرآن مفعولا لله؟ وفي هذا ما يكفي دليلا للعاقل على أن القرآن غير الله فإنه يستحيل أن يكون أنزله وفصله وجعله عربيا هو عين ذاته كما يستلزمه كلام صاحب المقال الذي يقرر أن القرآن من صفات الذات ويقرر أن صفات الذات هي عين الذات كما تقدم هذا وفي انقسام القرآن إلى محكم ومتشابه ومفصل ومجمل وناسخ ومنسوخ دليل على تغايره وكفى بتغايره دليلا على خلقه فإن المحكم غير المتشابه، والمجمل غير المفصل، والناسخ غير المنسوخ. (1/138)
صفحة 138
فمحال أن يوجد نفسه وهو موجود، فهذا كلام غير مستقص ولا شاف في هذا الباب، ولا خلاف بين أهل القبلة في هذا، ولكن يزيد وضوحاً غير الذي أوضحه، رده على أصلنا وذلك أن الفعل عندنا لا يظهر إلا من حي قادر، والمعلوم لا يكون حيا ولا قادراً (1)، ومحال أن يكون حيا إلا وله حياة، ولا قادراً إلا وله قدرة، فكيف أوجد نفسه من لي له حياة ولا قدرة؟ وكيف يكون القرآن مفعولا لنفسه وهو صفة؟ والصفة لا تقوم بالصفة، ويستحيل أيضاً أن يفعل الفعل إلا القديم الحي القادر الذي يفعل الشيء ويخرجه من العدم، وينشئه بعد أن لم يكن.
فلا خالق سواه، ولا إله غيره عز وجل، أو يكون من المحدث ولا يجوز أن يفعل إلا على سبيل المباشرة والتوليد، فيكف يكون المعدوم مفعولا لشيء [قبل] (2) وجود نفسه أو يكون بفعل نفسه وكذلك وجود نفسه لا يكون إلا وفيه الحياة إذ كان فاعلا، فكيف يفعل الحياة من ليس بحي؟ أو يفعل القدرة من ليس بقادر؟ فلهذا يستحيل أن يكون الشيء يفعل نفسه، أو يفعل المعدوم الذي لا تقوم به الحياة والقدرة، أو يكون الفعل ممن ليس بحي ولا قادر، وفيما أوردناه كفاية بكل ما يرد في هذا الباب، إن شاء الله.
وليس بنا حاجة إلى ذكر ذلك، لأن هذا الباب ليس فيه خلاف، ولا قصد إلى نقض مذهب من مذاهبنا، لأننا لا نقول به.
ثم قال المجيب عما سألت، وإن قلنا: إنه فعل من الخالق كان ذلك ردا للقرآن لأن الله يقول جل ثناؤه: * (*قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ
__________
(1) في الأصول: "والمقدور لا يكون حيا ولا قادرا" وهو غير ظاهر.
(2) زيادة يقتضيها المقام. (1/139)
صفحة 139
وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ... *) * (1) كذا قال، فيقال له هذا ما لا نقوله، لأن القرآن كما قال الله: ليس بفعل ولا مخلوق ولا محدث، ولا يجوز أن يفعله الخلق، لأنك تعلم أننا إذا قلنا إنه ليس بمحدث لله عز وجل، ولا مصنوع وأنه لم يزل، قد استحال أن يكون صنع صانع أو مخلوق لله عز وجل، أو لأحد مما اعتللت من الآي فيدخل على قول من أصحابكم مثل معمر، ومن قال بالطبائع أنه فعل السحرة بطبعه، وأن الله ما تكلم به، لأن الكلام عنده لا يكون إلا بعلاج وأدوات، وأنه فعل الطبع إما حيوان أو موات، ولأنه لازم له ولمن ادعى خلقه، وإن كنتم تكفرون هؤلاء بذلك، فيلزمكم مثل ذلك، لأن في قول الله عز وجل: * (*قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ*) * دليلا على أنه غير مخلوق (2)، لأن المخلوق مقدور على جنسه ومثله، وإن كان أحدهما فعل الله، والآخر فعل العبد، كالحركتين اللتين إحداهما فعل الله، والآخر فعل العبد كسبا فهو مثله.
__________
(1) الآية 88 من سورة الإسراء.
(2) ليس في عجز البشر عن الإتيان بمثل القرآن دليل على قدمه، وإلا لكانت الكائنات كلها قديمة غير مخلوقة، لعجز البشر عن الإتيان بمثلها، فالمطر النازل من السماء، والنبات الخارج من الأرض، والتمر الناتج من الشجر والهواء المتموج في الفضاء، والقلوب النابضة، والعقول المفكرة، بل كل خلية في الجسم أو ذرة في الوجود كله الأجرام والمحراث لا تحدث أحداً من خلق الله نفسه أن يأتي بمثلها، فهل يصح أن يقال أن ذلك دليل على قدمها، ولقد ضرب الله للناس مثلا في الذباب، وعدم قدرة أوليائهم الذين يدعونهم من دون الله على خلقه مع أنه من أصغر الحيوانات المعروفة، فقد قال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} فهل في هذا أدنى دليل يصح الاستمساك به على أن الذباب قديم؟. (1/140)
صفحة 140
وقد تلاءما وتشابها، فلو كان القرآن مخلوقا كان له مثل وشبه وشكل.
وقد قال شيخ المعتزلة النظام: إن له مثلا لأنه من حروف أ، ب، ت، ث، وإنما عجز الله الخلق في ذلك الوقت عنه، وهم قادرون على مثله قبل وبعد، فهذا عليهم لازم، لأن الكل يقولون: إنه لا يخرج من معاني الكلام ومثله على ما قالوا: إنه حروف أو صوت أو تأليف أو انضمام مع صوت، أو من قال منهم إنه ترتيب الخبر والاستخبار، والسؤال والطلب، والأمر والنهي والاستفهام، وما جانسه وماثله.
وإن قول من قال إن كلام الله على سبيل ما عليه المخلوقون، ولا مثل كلام المخلوقين، وشبيه وخطأ عندكم فقد أتى على قولكم بمثله وشبهه، ولم يكن لذكر قوله: * (*قُل (1) لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ*) * (2) دل على أن الله أراد بذلك أنه ليس بمخلوق ولا شبه له ولا مثل، ولا يقدرون على مثله.
وتكذيب لقول من قال: * (* إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ*) * (3) وتكذيب لقول من قال: * (*إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ*) * (4)، وقول من قال: * (*اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً*) * (5) إن كل ذلك لم يكن وأن القرآن لا مثل له ولا يتهيأ للجن والإنس أن يأتوا بمثل هذا، لأنه غير مخلوق، وهو كلام الله عز وجل،
__________
(1) في الأصل: "إن لئن" خطأ.
(2) من الآية 88 من سورة الإسراء.
(3) من الآية 25 من سورة الأنعام.
(4) الآية 25 من سورة المدثر.
(5) صدر الآية: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا ... } وهي الآية الخامسة من سورة الفرقان. (1/141)
صفحة 141
الذي ليس له مثل، فيميز لنبيه أنه عبر عن كلام الله الذي هو معجز، لا مثل له ولا شبه، وليس بمخلوق ولا محدث.
فما حكاه أنه لم يفعله مخلوق صحيح، وما أورد أن الجن والإنس لا يأتون بمثله، فهو دليل على أنه غير مخلوق ولا محدث، بل هو مخالف للمحدثات، ولا مثل له من المحدثات، فإذا بطل أن يكون له مثل صح أنه قديم، وأنه لمتكلم قديم، لأن المحدثات قد يماثل بعضها بعضا، ويشبه بعضها بعضاً، وتدخل كلها في باب الكون واشتراك الحدوث والمماثلة في أن كل كلام محدث لمتكلم محدث، ويكون كلام له ويكون به ذلك المحدث متكلما، وكلام الله لا يكون لغير الله، إلا أن يكون محفوظاً أو معبراً متلواً ومكتوباً، ليس أنه حال في مكان دون مكان، أو يوجد في عشرة آلاف مكان شيء واحد، لأن هذا محال لما يجد قد يعدم من كل مكان ويكون في الآخر موجوداً.
فدل ذلك على أن ثمة قراءات وعبارات وحفظا مختلفا وكتابا متغايراً والمعنى واحد غير مختلف ولا متغاير، وهو كلام الله الذي قائم به، لم يزل به متكلما، وقد قال الله عز وجل: * (*إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى*) * (1)، فأخبرنا عن عبارات والمعنى واحد، وتلاوات والمتلو واحد، ولهذا نظائر، وذلك أن الله عز وجل قد يذكر بالعربية والفارسية والرومية والنبطية، والذكر مختلف، والمذكور واحد، واللغات متغايرة، والمعنى المذكور المدعو واحد غير مختلف، وكذلك حكم المصاحف والتلاوة والحفظ.
وقد رجع القول بأن الجن والإنس لا يأتون بمثل هذا القرآن
__________
(1) الآيتان 18 - 19 من سورة الأعلى. (1/142)
صفحة 142
عليه حجة أنه غير مخلوق، ولا محدث، ولا مربوب مملوك، ثم قلت: فما الذي يحتجون من القرآن؟ فقالوا قوله: * (*خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا*) * (1)، قلت: فالقرآن بين السموات والأرض وبين الدفتين والمصاحف.
الجواب وبالله التوفيق أنّا نقول لهم: إن كل ما بين السموات والأرض فالله خالقه فإن قالوا: نعم، يقال لهم: فيجب أن تكون أعمال العباد من الكفر والإيمان، وجميع ما فيه من كسب الحيوان فالله خالقه فإن قالوا نعم، تركوا قولهم، وقالوا بقول المثنية الذين عندهم محيره ضلال، وإن قالوا: لا، وهو أنشأ بين السموات والأرض أبطل حجته أن كل ما بين السماء والأرض فالله خالقه بالآية التي احتج بها وصارت الآية خاصة في بعض ما بين السماء والأرض دون الكل، فما الذي أنكرتم أن القرآن لا يكون مخلوقا وإن كان يتلى ويحفظ، ويكتب بين السماء والأرض.
وقول الجهمية: إن الله في كل مكان وبين السماء والأرض، ويعتل بقوله: * (*وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ*) * (2) فيجب أن يكون مخلوقا فإن كان الله لا يمنعنا الحلول ولا هو مماس ولا ذاته تحويه الأماكن وهو غير مخلوق، فما الذي أنكرتم أن القرآن يوجد متلوا بين السماء والأرض، وذاته قائم بالله، لأن كلامه ليس بحالّ في الأشياء ولا مماس ولا ملاصق، وإنه غير مخلوق.
ووجه آخر أن الشيء المخلوق لا يوجد عينه الذي في هذا المكان
__________
(1) وردت في الآية 59 من سورة الفرقان: {الذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أَيَّامٍ}، وفي الآية الرابعة من سورة السجدة: {الله الذي خلق ... } إلخ.
(2) من الآية 84 من سورة الزخرف. (1/143)
صفحة 143
في مكان آخر، ولا يكون الشيء في مكانين لأنه لو كان في مكانين لكان إذا عدم من أحدهما فقد عدم من الآخر، لأن الشيء لا يكون معدوماً موجوداً، ولا حاضراً غائبا، ولا فانيا باقياً، فلما وجدنا القول ينشأ ويكون حفظه عند الآخر، علمنا أن عينه لم تذهب ولم تزل، وأن حفظ الحافظ عين القرآن، وكذلك تلاوته، وأن القرآن لا يزيد بزيادة المصاحف، ولا يكثر بكثرة الحفظ، ولا ينقص بنقصان المصاحف، ولا يقل بقلة الحفظ.
ولا يكون فيه معاني بتلاوة التالي، ودرس من يدرسه، وقراءة من يقرؤه، وأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما، ولا يدل بذلك على خلق القرآن، إذ القرآن يوجد قائما بالله، وبين السماء والأرض، أن لو أعدم الله الأماكن والسماء والأرض لوجد ذلك، ولا يكون شيئا مخلوقا في مكانين متباينين (1) بينهما ألف فرسخ وألف فرسخ، فيكون هذا وهذا.
وقد وجدنا المصاحف بين بينها الآجام والآكام، فلا يجوز أن يكون ما هو حال هاهنا حال ثمة، ولكن المكتوب المذكور والمتلو غير واحد غير حال ولا هو موجود الذات بالكلية والجزئية في ذلك الشيء، ويكون في شيء آخر، ولا كاد يتهيأ لهم أن يوردنا مخلوقاً فما هذه صفته وإذا فارق القرآن سائر المخلوقات وجب أنه غير مخلوق، ولا يكون لما أوردوه حجة على خلقه.
ووجه آخر إذا قلتم أن القرآن مخلوق بهذه الآية فما أنكرتم أن يكون قوله: * (*كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ*) * (2) وفي جميع من عليه،
__________
(1) في الأصل: "أو متباينين".
(2) الآية 26 من سورة الرحمن. (1/144)
صفحة 144
وقوله: * (*تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا*) * (1) أنه دمر السماء والأرض، وقوله: * (*وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ*) * (2) أنه أوتيت ما أوتي الرجال ويجيء إليه ثمرات كل شيء أن يكون ما يؤكل ويدخر يجيء فما لم يكن هذه الآي على العموم والاستيعاب فما أنكرتم أن يكون قوله: * (*خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا*) * (3) ليس بواجب أن يكون القرآن مخلوقا، ويقال لهم لا نعلم أنا نقول: إن القرآن لا يقوم إلا بالله ولا يوجد إلا به، وأن ذاته ليس بحال في مكان ولا موضع إلا بالله عز وجل، قائم وإنا نعبر ونتلو ونقرأ ونحفظ وليست عينه حاله ولا ذاته تحويه شيء أو يحدق به مكان، فكيف يسوغ له أن يعتل بهذا وأن يخالف فيه، فهذا حجة للمثنية الذين يقولون إن كل ما بين السماء والأرض مخلوق، والله أنشأه وخلقه، وهو دليل أن الله خلق أعمال العباد إذا كانت بين السماء والأرض.
ووجه آخر أن كلام الله قديم، والقديم لا يخلق ولا يفعل، لأن المحدث لا يفعل ما قبله، والقديم يستحيل أن يكون مقدورا لقديم أو محدث، وكلام الله قبل كل شيء وهو لم يزل ولا يزال والله به متكلم، ثم خلق السموات والأرض وما بينهما بقدراته وقوله: كن فيكون، وكيف يكون مخلوقا ما كون بها المخلوقات وأسبابه المحدثات من السماء والأرض وما بينهما أن قال له: كن فكان، ففي هذا أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما، وأن كلامه قديم كون به السماء، ووجد قبل أن كانت السماء والأرض، ثم قلت: * (*إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً*) * (4) كما جعل الليل والنهار، وكقوله:
__________
(1) من الآية 25 من سورة الأحقاف.
(2) من الآية 23 من سورة النمل.
(3) من الآية الرابعة من سورة السجدة.
(4) من الآية الثالثة من سورة الزخرف. (1/145)
صفحة 145
* (*جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً*) * (1).
قلت: وعدوا آيات كثيرة، فجعلت ما أثبت به دليلا للخصم على خلقه.
والأمر (أعزك الله) عندي وعنده بخلاف ما رسم، وذلك أنا نقول له: إن كان ما قلتم من جعله دليلا على خلقه، فيجب أن يقولوا إن قول الله: * (*وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً*) * (2) أن يكون الله يخلق أعمال العباد، ويعيدها يوم القيامة، ويحولها ويجعلها كالهباء المنثور.
فإن قلتم: إن الجعل ها هنا ليس بخلق زالت عنكم حجتكم وانتقض ما ثبت إذا لم يكن معنى مجعول مخلوق، ووجه آخر قال الله عز وجل: * (*وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا*) * (3) أن يكون الله خلق كلمة الذين كفروا، فيكون كلام الكفار مخلوقا له عز وجل، فيكون جحدهم وكفرهم وما تكلموا به مخلوقا لله عز وجل، وهو كلام الذين كفروا، بأن جعل الله كلمتهم السفلى وكلمته العليا، فإن قلتم إنه لم يخلق وإنما حكم به وقضى أنه باطل لا بمعنى أنه خلق، فما أنكرتم أن يكون قوله: * (*إِنَّا جَعَلْنَاهُ*) * بمعنى حكمناه، وبمعنى نسيره بلسان عربي مبين، لا أنه خلقه.
ويقال لهم أكل مجعول مخلوق لمن جعله بمعنى الخلق؟ فإن قالوا نعم، قيل لهم: فقول الله عز وجل: * (* وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ*) * (4) أي لا تخلقوه، فإن قلتم: نعم، خرجتم مما عليه أهل القبلة، وإن قلتم: وليس معناه المخلوق قلتم جعلتم قول الله عز
__________
(1) من الآية 72 من سورة النحل.
(2) الآية 23 من سورة الفرقان.
(3) من الآية 40 من سورة التوبة.
(4) من الآية 224 من سورة البقرة. (1/146)
صفحة 146
وجل: * (*إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً*) * أن يكون مخلوقا، فإن لم يكن معنى مخلوق، فإنه أراد به الحكم والتسمية له بلسان عربي، لا أنه مخلوق.
ويقال لهم: ألم يقل (1) الله عز وجل: * (*وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً*) * (2) أخلقوا الملائكة أم جعلوهم بنات؟ أو بمعنى سموا لا أنهم خلقوا؟ فإن كانوا خلقوا فخلقوا الملائكة، وخلقوا بنات الله، ويقال لهم: قد يكون الجعل بمعنى الحكم، وقد يكون بمعنى الاسم، فأما الحكم مثل قوله: * (*يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ*) * (3) أي حكمنا أن تكون خليفة في الأرض، لأن داود قبل أن جُعل خليفة مخلوق مجعول.
وقد يكون بالاسم مثل ما أخبر أن الكفار جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وقد يكون معنى البيان بالوضوح، كما قال: * (*وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا*) * وتكون بمعنى الحدث، مثل ما سأل إبراهيم صلوات الله عليه ربه: * (*رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ*) * (4) له ولابنه فيسأل الله عز وجل، وهذا لا يقول به المخالف لأن عنده أن الله لا لخلق إسلام إبراهيم وولده ولا لأحد.
فإذا تبين معنى الجعل وليس يدل على خلق الشيء في كل موضع، فلم حكمتم بخلق القرآن لقوله: * (*إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً*) *؟ دون أن يكون سماه وحكم ويسّر وأفهم عبارته بعربية، ولا يكون ذلك دليلا على خلقه، ولا على حدثه، وليس إذا قال، إني جعلت
__________
(1) في الأصل: "ويقال لهم أليس قال".
(2) من الآية 19 من سورة الزخرف.
(3) من الآية 26 من سورة ص.
(4) من الآية 128 من سورة البقرة. (1/147)
صفحة 147
الليل والنهار (1) وجعل لكم من أنفسكم أزواجا (2) في موضع، وذكر غيره في موضع وأثبتهما إذا كان أحدهما مخلوقا، أن يكون الآخر مخلوقا، ألا ترى أن الله عز وجل سمى نفسه شيئا وغيره شيئا، ونفس غره وكذلك سمى نفسه علاّم الغيوب وسمى غيره عالم، وقال: (أفمن يعلم كمن لا يعلم) ويجب أن يكون مثله لأن هذا يعلم وهذا يعلم؟
ثم قلت بعد ما ذكرنا، وقالوا: إنه محدث، ولا يخلو إما أن يكون قديما مع الله، أو يكون محدثاً أنزله على لغة العرب في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن قلنا إنه قديم لزمتنا الحجة التي لزمت الثنوية وإن قلنا محدثا لزمتنا حجتهم، أنت أعزك الله، إذا قرأت الكلام المتقدم تبين لك أن حجة الثنوية لم يلزم بما بيناه وكشفناه، وعرفنا المجيب أن ذلك غير لازم، وقلنا إنه قديم لم يزل له متكلماً بما تقدم من البيان، وأوردنا من الشرح في ذلك، فتكراره لا معنى له لأن الكلام قد سبق في الجواب عن هذا، وبالله التوفيق.
وقوله: أو يكون محدثا أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم فنحن لا نأبى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عرف كلام الله بعد أن لم يكن عارفا به، وعرف الله بعد أن لم يكن عارفا، لأنه محدث ومعرفته محدثة وعلمه محدث والكلام لم يزل، وعلم الشيء وفهمه محدث، كما أن الله لم يزل، وعلم النبي وفهمه ومعرفته محدث وليس لأحد ما عرف الله بعد أن لم يكن عارفا، أو ذكر الله بعد أن لم يكن ذاكرا، ما يجب أن يكون المعروف والمذكور محدث، وكذلك علم النبي بالقرآن وفهمه
__________
(1) ليس هذا من القرآن.
(2) الذي ورد في الآية 72 من سورة النحل: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً}. (1/148)
صفحة 148
ووقعه على كلام الله عز وجل، ولا يوجب حدثه في ذلك الوقت، كما أنا عرفناه وعلمناه وذكرناه وعبرنا عنه بالعربية، ولا يجب حدثه في وقتنا هذا ولا أن عينه كان الساعة، بل كان قبلنا وإن كنا قد علمنا الساعة، وكذلك قصة نزوله ومعرفته وفهمه به وهذا كاف، والحمد لله كما هو أهله.
مسألة: ومن غير الكتاب عن أبي محمد عبد الله ابن بركة فيما عندي يقال لهم: ولو قلتم: إن من سمع كلاماً بين مختلفين لم يعرف حكمه إنه هالك؟ وما حجتكم على من احتج عليكم فقال: أليس من أقر بالجملة فقد ثبت له اسم الإسلام بإجماع؟ فإن قلتم: نعم، ولابد لكم من ذلك، قيل لكم: فلا يزيل الإجماع إلا إجماع فلم نقلتم هذا الإسلام بغير فعل كان منه ولم يعتقد عند سماعه عند قول المختلفين قولا ولا مذهباً ولا كان منه فعل؟ وهل هلك الإنسان بفعل غيره؟ ونسأل الله الهداية لما يقرب إليه.
ومن خطأ هذه الفرقة التي شذت عن الإجماع وخرجت منه بقولهم: إن الإنسان يكفر إذا لم يعلم الحق، ولا يرجعون في قولهم هذا إلى تحصيل أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القدر، فقال: أرأيت يا رسول الله ما نعمل فيه أمر قد فرغ منه أو أمر مبتدأ؟ فقال: فيما قد فرغ منه فاعمل يا ابن الخطاب، فكل ميسر لما قد خلق له، فقد جهل عمر أمر القدر، وقد خطر بباله، ولم يبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخطه إذ قد جهل قبل السؤال وإنما سأل ليعلم الحق فيتبعه، ويقول به ويعتقده فإن قالوا من جهل شيئا من أمر الدين أو شيئا من فروع التوحيد كفر، قيل لهم: فما تقولون في عمر بن الخطاب وقد جهل القدر وهو من أحكام التوحيد؟ (1/149)
صفحة 149
وقد قال محمد بن محبوب: القرآن كلام الله ووحيه ولا أقول: مخلوقاً (1) ولا غير مخلوق، والقرآن من أحكام التوحيد وفروعه، ولم أعلم أحداً من أهل هذه الدعوة كفره وشهد عليه بالهلاك عند وقوفه وشكه في هذا المكان العظيم، فلا أدري ما دعاهم إلى هذا التأويل الفاسد، والاعتقاد الذي لا يوافقهم عليه أحد.
ومن الكتاب وأظنهم أنهم ذهبوا إلى شيء فلم يحسنوه، ولم يعرفوا معناه، وركبوا بخواطرهم الفاسدة هذا المركب الصعب الذي يرمي بهم إلى أعظم الأهداف (2) لأنهم سمعوا أن الحق لا يسع جهله، ففسره هؤلاء بهذه الحلوم الصعبة، وذلك أن ما كان الحق فيه واحداً فهو على ضربين، فضرب من طريق السمع، وضرب من طريق العقل، فما كان طريقه طريق السمع فغير لازم فرضه، ولا هالك من لم يعلمه إلا بعد قيام الحجة به، وهو الخبر المنقول، فإذا طرق السمع بصحته لزم فرضه إن كان مفسراً في نفس اللفظ المنقول، وإن كان مجملا فإلى أن يسأل العلماء عن تفسير ما خوطب به وما كان طريقه طريق العقل فينقسم قسمين:
أحدهما: دليله قائم في العقل مثل: أن الله واحد، وأنه عالم وقادر، ونحو ذلك، فعليه عند ذكره وسمعه إياه أن يعتقده ويعلمه ولا يجهله، وهو هالك عند خطوره بباله، وقيل بالاختلاف وبعده، فهذا ونحوه لا يسع جهله، ولا عذر للشاك فيه لقيام دليله ولزوم حجته.
والقسم الثاني: وهو ما كان الاختلاف بين الناس فيه، مثل عالم
__________
(1) في الأصل: "مخلوق".
(2) في الأصل: "المهادف" ولو قال: "المهالك" لكان أفضل. (1/150)
صفحة 150
بعلم، وقادر بقدرة، أو عالم بنفسه وقادر بنفسه، فحجة هذا تلزم بعد الاستدلال والسؤال وعلى الشاك فيه ألا يعتقد قولا من اعتقاد المختلفين بغير دليل، وإن كان يتمسك بالجملة وهو أن الله وحده ليس كمثله شيء.
مسألة: أحسب عن أبي الحسن محمد بن الحسن: وأما قولك ما يقول المسلمون في القرآن، ومن يقول أنه مخلوق أنخطّئ من قال إنه مخلوق أو لا يخطّأ؟ ويرد علم ذلك إلى الله، ففي ذلك أقاويل من المسلمين إلا أن (1) الذي نأخذ به لا نقول مخلوقا (2) ولا غير مخلوق. ونقول كتاب الله الذي أنزله.
فمن قال إنه مخلوق ولم يخطئ (3) ومن يقول إنه غير مخلوق لم نخطّئه (4)، ومن خطأ من قال: إنه غير مخلوق خطأناه إذ قال إنه مخلوق، ويرد على ذلك إلى الله، وهو أعلم بالصواب في كل شيء.
ومن غيره: وقد يوجد في الآثار: فمن يقول إن القرآن مخلوق أقاويل، فقال من قال: لا يبلغ به ذلك إلى البراءة، ولا وقوف وهو في الولاية، وذلك إذا علم أنه يعني بخلقه حدوث وحيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، وإنزال الله له، وكتابه في اللوح المحفوظ، وما يخرج على هذا من التأويلات.
وإذا علم أنه يعني هذا فهذا مصيب قابل للحق وهو في الولاية، وقال من قال بالبراءة وذلك إذا أراد به القرآن نفسه، لأن القرآن علم
__________
(1) في الأصل: "أنا" خطأ.
(2) في الأصل: "مخلوق".
(3) في الأصل: "يخط".
(4) في الأصل: "تخطه". (1/151)
صفحة 151
الله وكلامه، وكلامه علمه، فمن قال إن علم الله وكلامه محدث فقد كفر ويبرأ منه، وقال من قال بالوقوف عمن قال إنه مخلوق، وذلك أنه لما اشتبه أمره فلم يعلم ما أراد به في ذلك ولا ما تأويله أدخل الشبهة على نفسه في قوله، فوقف عنه من وقف من المسلمين، وكذلك إن لم يعلم منه ما تأويله ولا ما مذهبه، وكانت له ولاية متقدمة جازت ولايته، حتى يعلم أنه يتأول بتأويل الضلال، ويحتمل الوقوف لما أدخل على نفسه من الشبهة، وفي ظاهر الأمر أيضا يحتمل البراءة، حتى يتبين ما أراد بذلك من تأويل الحق، فافهم ذلك، والله أعلم بالصواب.
وأما إذا تبين فلا يجوز فيه إلا الولاية على تأويل الحق أو البراءة على تأويل الضلال، إلا ألا يعرف الحكم فيه من علم منه ذلك، فوقف عن ولايته ليستبينه على الاعتقاد فيه للصواب، جاز ذلك إن شاء الله.
مسألة: وفي كتاب أبي زياد، وسعيد بن محرز، وزياد إلى محبوب النظر يسألونه: ما قولك في هذا الأمر الذي قد تنازع الناس في القرآن؟ وقول من قال إنه مخلوق، فهل حفظت فيه شيئا، وما الحجة فيه على قولك أنه مخلوق أو غير مخلوق؟ فإن أوائلنا كانوا معافين من التنازع من أشباه هذا، إلا ما هم عليه، مما قد قال (1) فيه أوائل المسلمين، وسيروا (2) فيه السير، وثبتوا فيه الحجة، فوطئنا آثارهم، وقلنا بقولهم وصدقناهم، وعرفنا أن ذلك هو الحق والعدل.
وأما هذا الذي وقع أنه محدث، لم يعرف قول المسلمين فيه،
__________
(1) في الأصل: "قالوا" خطأ.
(2) في الأصل: "وسير". (1/152)
صفحة 152
وكرهنا أن نقول فيه بالرأي، ثم نبرأ ممن خالفنا فيه، وقلنا: إن الله خالق كل شيء، وما سوى الله مخلوق، والقرآن كتاب الله ووحيه، والله أنزله، وقولنا مع ذلك قول المسلمين ونحن سائلون، وبلغنا عن أبي عبيدة أنه قال: الشاك هو المقيم على شكه، والسائل ليس بشاك، فاكتب إلينا بما حفظت.
قال: مثلها قلت لأبي مروان، أخبرنا أن موسى بن علي رحمه الله يقول بالخلق، قال أبو مروان: كذب من روى هذا على موسى بن علي، بل موسى يقول: القرآن كلام الله ولا يقول القرآن مخلوق.
وهذا جواب أبي صفرة عبد الملك بن صفرة إلى المحب وسفيان ابني محبوب، وفهمت كتابكم في القرآن، فما سمعت أن أحدا من أصحابنا يذكر أن القرآن مخلوق، ويقول هو كلام الله، ولقد رأيت ببغداد أبا عبد الله محمد بن عبد الحميد البحراني وجعفر بن يحي بن الربيع، وقد كلمه عدل بن زيد في ذلك فقال: بلغنا أنه يقول إن القرآن مخلوق.
وسألت أبا محمد عبد الله بن عروس ببغداد، وهو شيخ من شيوخ المسلمين، عن ذلك فقال: ما سمعت فيه من أصحابنا شيئا وقد أدرك الربيع، وأما قولكم في البراءة فمن قال القرآن مخلوق، فالله أعلم ما أحب أن يعجلوا بالبراءة فإني سمعت أبا سفيان يقول: إذا برئت فقد قلته، وقال: كان الربيع يقول لا خير في تعجيل البراءة، وأما الذي ذكرتم يحكى عني أني قلت أن القرآن مخلوق، فقد قالوا عليّ ما لم أقل ولم يسمعه مني [أحد] (1) ولا تقبلوا ذلك علي، ولا تعجلوا بالبراءة، وقولنا قول المسلمين.
__________
(1) زيادة يتم بها التعبير. (1/153)
صفحة 153
وبلغنا أن أبا صفرة سأل أبا علي موسى بن علي رحمه الله عن القرآن أهو مخلوق؟ قال: ما عندنا في ذلك شيء، إلا أن قولنا قول المسلمين، وسأل أبو علي أبا صفرة فقال على قوله.
وحدثنا الفضل بن الحواري فقال: اجتمع الأشياخ في منزل، منهم: أبو زياد، وسعيد بن محرز، ومحمد بن هاشم، ومحمد بن محبوب، وغيرهم من الأشياخ، فتذاكروا في القرآن، فقال محمد بن محبوب: أنا أقول إن القرآن مخلوق فغضب محمد بن هاشم وقال: أنا أخرج من عمان ولا أقيم فيها، فظن محمد بن محبوب أنه يعني به، فقال: بل أنا أولى بالخروج من عمان، لأني فيها غريب، فخرج محمد بن هاشم من البيت وهو يقول: ليتني مت قبل اليوم، ثم تفرقوا، ثم اجتمعوا بعد ذلك فرجع ابن محبوب عن قوله، واجتمع من قولهم أن الله خالق كل شيء، وما سوى الله مخلوق، وأن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد النبي صلى الله عليه وسلم وأمروا مهنا الإمام بالشد على من يقول أن القرآن مخلوق.
وقال الفضل بن الحواري: إن من قال إن القرآن مخلوق وله ولاية ولم يبرأ ممن لا يقول بقوله لم تقطع ولايته، ومن قصيدة وجدت أنها لأبي المؤثر وكتبت منها هذا:
وتوراة موسى والزبور كلامه*ش* ... وإنجيل عيسى والقرآن المحقق (1)
القرآن المحقق: يعني [أنه] شاهد على ما سبقه من الكتب، وقال الله: * (*وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
__________
(1) كلمة "القرآن" تنطق بالتسهيل ليتحقق الوزن. (1/154)
صفحة 154
مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ*) * (1) يعني شاهد يتقدم أحد الشاهدين ويشهد بما يقول الآخر صدق، فسمي شاهداً.
ومن القصيدة قوله:
كلام له رب ولا لافظ به*ش* ... وما صفة الجبار بالقول ينطق
يعني رب كل شيء، والتوراة والزبور والإنجيل والقرآن من الأشياء التي رُّبها الله، لا بالقول ينطق، لأنه لا ينطق إلا ذو جوف ولسان، والله منزه عن ذلك، وإنما كلام به مشيئته.
ومن القصيدة:
فتدبيره بالوحي والكُتب*ش* ... بها ألهَمَ الأبرارَ رُشْدا ووفقوا
كتدبيره للأرض والماء والسماء*ش* ... ومذرى جميع الخلق ما فيه مفرق
فإن قال لا بل هي هُو (2) فإنه*ش* ... يصرّفه عن ساق ذلك أهيق
من قال إن الاسم هو الذات فقال: الله ذو العرش، فقد علمت أن العرش غير الله ذو الأسماء الحسنى، والأسماء الذات لأن الأسماء ظاهرة تلفظ بها الألسن ضمتها الكتب.
ومن القصيدة:
فمن قال أن يدعوه عرشا فقل له*ِش* ... بأسمائه يُدعى ويُرجى ويعرق
وقولوا لهم أسماؤه وصفاته*ش* ... تدل على توحيده وتصدق
__________
(1) من الآية 48 من سورة المائدة.
(2) لا تنطق الياء ولا الواو في "هي وهو" ليستقيم الوزن. (1/155)
صفحة 155
ومن القصيدة:
وفاطر خلاق البرية كلها*ش* ... وما مسها إلا المشيئة تفرق
خلق الخلائق بلا علاج ولا حركة إلا أن شاء أن تكون الأشياء فكانت في الأوقات التي شاء أن تكون فيها.
ومن الكتاب لأن كلام الله وقول الله بقدرة لا بلفظ، والقدرة التي قدر بها الكتب هي القدرة بها سائر الخلق، لأن قدرة الله غير مختلفة.
ومن القصيدة:
وما أظهر الأشياء إلا بقدرة*ش* ... بها أفطر الآلاء يدري ويخلق
والفطر واحده فطرة، وهي الخلقة. يدري: يخلق.
ومن القصيدة:
لأن إلهي مختلف القوى*ِش* ... ولا طولُه عن حَوله متفرق
فإن الله ذو الطّول وذو الحول، فليس الحول غير الطَّول، ولا الطول غير الحول، وإن اختلف الاسمان فالمعنى واحد.
ومكنون أسماه ومخزون علمه*ش* ... بتقديره إظهاره لا يفرق
إن الله تبارك وجهه، وتعالى جده، كان أزليا لا مبتدأ.
وليس معه شيء إلا مخزون به وصفاته والصحف والكتب التي سبقت في علمه سيظهرها إلى عباده، وأسماء الملائكة والنبيين والمؤمنين، وكلامهم، وأسماء الكفار كله في علمه مخزون مكنون ومن ذلك أنه أخبر عن قوم قالوا، ولم يكونوا قالوا، ولكن سيكون، أخبر عن أهل (1/156)
صفحة 156
الجنة حيث يقول: * (*وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ*) * (1) فأخبر عن قولهم ولم يقولوه، ولكن سيقولون، ولم يكن معه ذو روح يتنفس، ولا شيء مسمى، إلا ما سبق في علمه، ثم أظهر الخلق، فمن الخلق ما أظهره بتصويره مثل السماء والأرض والملائكة والجبال وسائر الخلق، وأما ما أظهره بتقديره فهو المسموع والملفوظ.
وقول المسلمين في قول الله: * (*إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ*) * (2) إن ذلك مشيئته، إذا شاء الله تقدير شيء سبق في علمه، وعزم على تكوينه في وقته الذي سبق في علمه أنه سيكونه، كان بلا لفظ، ولا حركة ولا بطش ولا معالجة، سبحان الله وتعالى، إن الله تبارك وجهه الأشياء منشأة في علمه، لا يبدو منها الشيء بعد الشيء ولا تخطر لله الخواطر، ولكن سبق في علمه كونها بمشيئته في أوقاتها المعلومة، فإن قال قائل كيف يقول: * (*إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ*) * (3) ويريد أن يثبت أن الله لافظا ناطقا سبحان الله عما قال، والحجة عليه أن الله قال لإبراهيم: * (*وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا*) * (4) فإن قال: الله نادى إبراهيم بذاته فقد أعظم الفرية على الله، وإنما ذلك جبريل نادى أن يا إبراهيم بأمر الله، ولهذا حجج كثيرة يطول فيها التفسير ويطول فيها الكتابة.
__________
(1) من الآية 44 من سورة الأعراف.
(2) الآية 82 من سورة يس.
(3) الآية 40 من سورة النحل، وقد ورد في الأصل: "إنما أمرنا لشيء ... "إلخ تحريف.
(4) الآية 104 وبعض 105 من سورة الصافات. (1/157)
صفحة 157
الباب السابع
في معنى إله (1/159)
صفحة 158
فصل في الاسم غير المسمى
ولكن الاسم دليل على المسمى غير الذات.
فقد أطلقوا الاسم القديم وأعطوا معناه، ومنعوا أن يسموا إلها، وقال الله عز وجل: ? ?حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ??? (1)، ولم كالإله، ولا يجوز ذلك، ويقال هذا أقدم من هذا، ولا يطلقون عليه اسم إله، والناس قالوا في معنى إله أقوالا لم يدعوا فيه معنى القديم، لأن منهم من قال معنى اسم إله، إنه استحق العبادة?
ومنهم من يقول? إنه اسم له، لا يتسمى به غيره، ومنهم من يقول إنه يقدر على الضر والنفع، لأن الله غير أولئك الذين عبدوا ما لا يضر ولا ينفع، ومنهم من قال? إله من الولهان، ومنهم من يقول? معنى إله قادر على إعادة الأشياء واختراعها إذا لم تكن?
ومنهم من قال? معنى الله واحد صمد ? ?لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ??? كما وصف نفسه في? ? ?قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ??? والقول في هذا الباب يطول شرحه ومن أراد ذلك فلينظر في كتاب الأشعري في بعض تفسير الحالي والبلخي، وإنما أردنا أن نذكر ما نبين به دفع الجهمية والمعتزلة وما يتعلقون به في قولهم لنا إذا كان الله قديماً وعلمه قديم وكلامه وصفاته لذاته فما أنكرتم أن يكون إله?
__________
(1) من الآية 39 من سورة يس. (1/160)
صفحة 159
وإذا قلتم? إن الله قديم وكلامه قديم أن يكونا إلهين، فأريناهم أن ذلك لا يلزم من جهة القياس، فيما قدمنا، وأريناهم من المحدث وصفاته في الإنسان وكلامه ألا يقال إنسانان وأريناهم من حيث اللغة، وأن العرب لم تطلق ذلك أن معنى قديم معنى إله لا مجازاً ولا حقيقة، فبطل قولهم وإلزامهم?
ثم إنا نرجح إلى كلام صاحبنا في الشركة متى أنه وجد ذلك من ثنوي أو طبيعي أو دهري أو أحد من الملحدين أنهم قالوا? إن معنى شريكين معنى قديمين إذا أطلقوا ذلك، وهل يتهيأ لهم أن يرون مذهب ملحد ودهري أو ثنوي أو من قال بطبائع أربعة وروح خامس وهو أن جعلوا معنى صفة وموصوف أو كلام ومتكلم أو قال ذلك أصحاب الهيولي الذين جعلوا معنى ذلك أصل الأشياء أو يمكن أن يحكى في كتاب محصل فيما نقص على القائلين مع الله شركاء فمن سلك سبيلهم ومن صانعهم أن جعل عليه الشركة علة قديمين، وصفة وموصوف أو كلام ومتكلم فإذا لم يجد لذلك مقالا فليأت بما يصحح به أصله، ويعدل عن قول ما ليس له أصل ويأتي بالكلام الذي يدخل على ما ذكرناه، ويترك الحمية والعصبية فإن ذلك أحمد وأحبّ?
ولولا أن نكثر الأمر عليك لأتينا على وصف مذهب الملحدة ولطالبنا بزيادات القوم في الصفات وكنا نرى ما يوجب التماثل بين كثير من الملحدين والنافين للصفات، لكن لا نكثر وليس هذا موضعه، وفيما ذكرنا بيان شاف إن شاء الله، وبه التأييد?
ثم قال صاحب الجواب? وإن قالوا يعني إن قلنا فعل نفسه كان ذلك محالا، فنحن لم نقل إن القرآن مفعول، محدث مخلوق، فيكون هذا الذي ذكرنا داخلا فيما بين خلقه، وقد قلنا ما بيّنا في كلام الله وأنه غير مخلوق ولا محدث، ويتعالى ربنا أن تكون صفات ذاته مخلوقة، (1/161)
صفحة 160
وإن اشتغالنا بهذا الوجه لا معنى له، لأني لا أعرف أن أحدا قال إن الشيء يفعل نفسه، فهذا كلام ساقط?
ثم قال? فإن قلنا إنه فعل نفسه وهو موجود، فوجود نفسه محال أن يوجد نفسه وهو موجود، فهذا كلام غير مستقص ولا شاف في هذا الباب، ولا خلاف بين أهل القبلة في هذا، ولكن يزيد وضوحاً غير الذي أوضحه رده على أصلنا?
وذلك أن عندنا أن الفعل لا يظهر إلا من حي قادر، والمقدور لا يكون حيا ولا قادراً، ومحال أن يكون حيا إلا وله حياة ولا قادرا إلا وله قدرة، فكيف أوجد نفسه من ليس له حياة ولا قدرة؟ وكيف يكون القرآن مفعولا لنفسه وهو صفة، والصفة لا تقوم بالصفة؟ ويستحيل أيضاً أن يفعل الفعل إلا القديم الحي القادر، الذي يفعل الشيء ويخرجه من العدم، وينشئه بعد أن لم يكن، فلا خالق سواه ولا إله غيره عز وجل?
أو يكون من المحدث فلا يجوز أن يفعل إلا على سبيل المباشرة أو التولد وكيف يكون المعدوم مفعولا لشيء وجود نفسه، أو يكون يفعل نفسه، وكذلك وجود نفسه لا يكون إلا وفيه الحياة إذا كان فاعلا، وكيف يفعل الحياة من ليس بحي، أو يفعل القدرة من ليس بقادر؟ فلهذا ما يستحيل أن يكون الشيء يفعل نفسه، أو يفعل المعدوم الذي لا تقوم به الحياة والقدرة، أو يكون الفعل ممن ليس بحي ولا قادر، وفيما أوردناه كفاية لكل ما يرد في هذا الباب? (1/162)
صفحة 161
الباب الثامن
في الرد على من يقول إن القرآن مخلوق (1/163)
صفحة 162
بسم الله الرحمن الرحيم
فصل من كتاب عزان بن الصقر
تعلم علمك الله الرد على من يقول? إن القرآن مخلوق? الحمد لله الذي أوضح لنا سبيل دينه، وألهمنا معرفته، وأيدنا بتوفيقه، وجعل فرجا ومخرجا مما فيه الزيغ، وجعلنا ممن يتبع ولا يبتدع، وكان فيما بلغنا والله أعلم ممن نثق به? أن جهما عدوَّ الله، كان صاحب خصومات وكلام بعمق، واتباع لمتشابه القرآن، وكان أكثر كلامه في الله عز وجل تبارك وتعالى فبلغنا، والله أعلم أنه لقي شابا بخراسان من الزنادقة، فقال لجهم نكلمك? فإن ظهرت حجتك دخلنا في دينك، فكان مما كلموا به جهما أن قالوا له? ألست تعلم أن لك إلهاً؟ قال? نعم، قالوا? فهل رأيت إلهك؟ قال? لا، قالوا? فهل سمعت له كلاما؟ قال? لا، قالوا له? هل وجدت له رائحة؟ قال? لا، قالوا? فما يدريك أنه إله؟ فتحير جهم، ولم يصلِّ أربعين يوماً?
قال? ثم إن جهما استدرك حُجة مثل حجة زنادقة النصارى وذلك ?أن? (1) زنادقة النصارى يقولون? إن الروح الذي كان في عيسى هو روح من الله، فإذا أراد أن يفعل شيئا دخل في بعض خلقه، فتكلم على لسانه، ثم خرج وهو روح غائب عن الأبصار، لا يرى له وجه، ولا يسمع له حس ولا كلام، ولا يوجد ?له? (2) رائحة ولا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فاستدرك جهم هذه الحجة فقال للمسى? (3) ? ألست تزعم أن فيك روحاً؟ قال? نعم، قال?
__________
(1) زيادة يستقيم بها التعبير.
(2) زيادة يستقيم بها التعبير.
(3) كذا بالأصل. (1/164)
صفحة 163
فهل رأيت روحك؟ قال? لا، قال? فهل وجدت له حسا؟ قال? لا، قال? وكذلك الرب، لا يرى له وجه، ولا يسمع له كلام، ولا تشم له رائحة، ولا يرى في الدنيا ولا في الآخرة?
ووجد آية في القرآن تحتمل قياس كلامه، قوله تعالى? ? ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ??? (1) ووضع دين الجهمية واتبعه أناس، فقيل لجهم? هل تجد في كتاب الله أنه يخبر عن القرآن أنه مخلوق؟ قال? لا، قيل له? فهل وجدت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال? إن القرآن مخلوق؟ قال? لا، قيل له? فمن أين قلته؟ قال من قول الله? ? ?إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً??? (2) ورغم أن كل مجعول فهو مخلوق قلت ?له? فإن الله لم يعطك الفهم في القرآن، وجعل في القرآن من الكلام المتشابه أشياء كثيرة، تكون اللفظة واحدة والمعنى مختلفا، وقد قال? جعل على معنى خلق، وقد قال? جعل على غير معنى خلق، فالذي قال جعل على معنى خلق لا يكون إلا خلقا، ولا يقوم إلا مقام الخلق ولا يزول عنه المعنى?
مما قال الله? جعل على معنى خلق قوله? ? ?الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ??? (3) يقول خلق الظلمات والنور، قال? ? ?جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً??? (4) يقول خلق الليل لباسا، قال? ? ?وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ??? (5) ?وقال?? ? ?وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ??? (6) وقال? ? ?خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
__________
(1) من الآية 11 من سورة الشورى.
(2) من الآية الثالثة من سورة الزخرف.
(3) من الآية الأولى من سورة الأنعام.
(4) من الآية 47 من سورة الفرقان، وفي الأصل: "وجعل ... " تحريف.
(5) من الآية 12 من سورة الإسراء.
(6) من الآية التاسعة من سورة السجدة. (1/165)
صفحة 164
وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا??? (1) يقول وخلق منها زوجها، ومثل في القرآن كثير، فهذا وما كان على أمثاله لا يكون إلا على معنى خلق?
ثم ذكر? جعل على غير معنى خلق، قول الله لإبراهيم عليه السلام? ? ?إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً??? (2) لا يعني أني خالقك، لأن الله قد خلقه قبل ذلك، وقال? ? ?مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ??? (3) وقال إبراهيم? ? ?رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً??? (4) وقد فرغ الله من خلقه قبل ?قول? إبراهيم عليه السلام، وقال إبراهيم? ? ?رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ??? (5) لا يعني اخلقني مقيم الصلاة، وقال الله لأم موسى? ? ?إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ??? (6) لا يعني خالقوه من المرسلين?
قال? ? ? لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ??? (7) وقال? ? ?لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً??? (8) وقال? ? ?لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً??? (9) لا يعني? لا تخلقوا دعاء الرسول بينكم ?وقال?? ? ?وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً
__________
(1) من الآية السادسة من سورة الزمر، وفي الأصل"هو الذي خلقكم من نفس واحدة" إلخ بزيادة وتحريف.
(2) من الآية 124 من سورة البقرة.
(3) من الآية 103 من سورة المائدة، وفي الأصل تحريف.
(4) من الآية 35 من سورة إبراهيم.
(5) من الآية 40 من سورة إبراهيم.
(6) من الآية السابعة من سورة القصص.
(7) من الآية 156 من سورة آل عمران.
(8) من الآية 53 من سورة الحج.
(9) من الآية 63 من سورة النور. (1/166)
صفحة 165
لِّأَيْمَانِكُمْ??? (1) ومثل هذا في القرآن كثير فهذا وما كان على أمثاله لا يكون على معنى خلق، وجعل على غير معنى خلق?
فبأي حجة قال جهم جعل بمعنى خلق؟ إنما قول الله ? ?إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً??? يقول? جعله جعلا، على غير معنى خلق، ووصفه بالعربية، فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى من أمر الله ادعى أمراً آخر فقال? أخبرونا عن القرآن هو الله، أو غير الله؟ فلعمري لقد أرهم الناس بما ادّعى وهي من المغالط (2) التي يسألون الناس عنها، فإذا سأل الناس الجاهل فقال? أخبرونا عن القرآن هو الله أو غير الله؟ فلابد له أن يقول أحد القولين، فإن قال هو الله قالوا له كفرت، وإن قال هو غير الله قالوا صدقت، فلم لا يكون غير الله مخلوق؟ فبهت الجاهل عند ذلك فبقي متحيرا?
ولكن الجواب فيه أن الله لم يقل في القرآن? إن القرآن هو أنا، ولم يقل? هو غيري?
وقال? هو كلامي، فسميناه باسم سماه الله به، فمن سماه بما سماه الله به كان من المهتدين، ومن سماه باسم من عنده كان من الضالين، فيقول الجهمي? الكلام لم يزل مع الله، وهذا أيضا من مغالطهم حتى يقول الناس هذه المقالة؟ فيقال لهم? إن الله لم يزل متكلما فيقول? ألم يكن (3) الله ولا شيء؟ فيقال لهم? كان الله بجميع صفاته كلها ولا شيء مخلوق، فإذا قال الجهمي? من قال الله وكلامه فإنه يقول اثنين، فيقال ?له?? كذبت، نحن نقول الله وعلمه وكلامه وقدرته وملكه
__________
(1) من الآية 224 من سورة البقرة.
(2) في الأصل: "المغاليط" والصواب ما أثبتناه.
(3) في الأصل: "أليس كان" خطأ نحوي. (1/167)
صفحة 166
وسلطانه وعظمته وجميع صفاته، فإن قلنا ذلك فإنما نصف إلهاً واحداً، أو يقال للجهمي? تزعم أن الله كان ولا علم حتى أحدث علماً وكان ولا كلام حتى أحدث كلاماً، فتعالى الله سبحانه عن هذه الصفة، بل نقول? لم يزل عالما متكلماً لا متى عُلم ولا كيف علم?
ثم إن الجهمي ادعى أمرً آخر فقال? أخبرونا هل القرآن شيء (1) قلنا نعم هو شيء، فقال الجهمي? إن الله خالق كل شيء فلم لا يكون مع الأشياء المخلوقة وقد أقررتم أنه شيء؟ قلنا له? إن الله لم يسم كلامه في القرآن شيئا، إنما سمى الشيء للذي كان، ويقال له? ألم تسمع إلى قولنا إنما أمرنا لشيء؟ فالشيء ليس هو قوله، إنما الشيء الذي كان، ثم قال أيضا? ? ?إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ??? (2) ليس هو قوله فالشيء، إنما الشيء الذي كان بأمره?
ومن الأعلام والدلالات على أنه لا يعني كلامه مع الأشياء المخلوقة قوله لملكة سبأ? ? ?وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ??? وكان ملك سليمان شيئا ولم تؤته فذلك إذ قال الله كل شيء لا يعني كلامه مع الأشياء المخلوقة، وقال الله للريح التي أرسلها على عاد? {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا??? وقد أتت تلك الريح على أشياء لم تدمرها منازلهم ومساكنهم والجبال التي يحضرهم وقد أتت عليها تلك الريح فلم تأمرها فذلك قوله فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم وقد قال? {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا??? فذلك إذا قال خالق كل شيء لا يعني نفسه ولا كلامه ولا علمه مع الأشياء المخلوقة?
__________
(1) في الأصل: "أخبرونا القرآن هو شيء".
(2) الآية 82 من سورة يس. (1/168)
صفحة 167
ومن الأعلام والدلالات عن الأشياء المخلوقة قول الله لموسى عليه السلام? ? ?وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي??? وقال? ? ?كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ??? وقال عيسى? ? ?تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ??? وقد قال? ? ?كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ???، وقد عقل عن الله تعالى أنه لا يسمي نفسه مع الأنفس التي تذوق الموت، وقد ذكر نفسه وكل نفس، فذلك إذا قال خالق كل شيء لا يعني نفسه ولا كلامه ولا علمه مع الأشياء المخلوقة، وقد فصل الله بين قوله وبين خلقه حين قال? ? ?أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ??? لم يبق شيء مخلوق إلا كان داخلا فيه، ثم ذكر ما ليس خلق فقال والأمر هو قول الله فقال الجهمي? إن قول الله? ? ?أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ??? واحد، قلنا? إن الله إذا سمى شيئين مختلفين لا يدعهما مرسلين حتى يفصل بينهما بواو وألا تسمع إلى قوله? ? ?عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ??? فهذا كله صفة شيء واحد فهو مرسل ليس بمفصل، فلما ذكر * (*ثَيِّباتٍ*) * قال: * (*وَأَبْكَاراً???، فلما كانت البكر سوى الثيب فصل بينهما بواو، ثم قال إن صلاتي ثم قال ونسكي فلما كانت الصلاة سوى النسك فصل بينهما بواو، ثم قال? ? ?إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى??? فلما كان أسمع سوى أرى فصل بينهما بواو، ثم قال أيضا: * (*لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ*) * يقول من قبل الخلق ومن بعد الخلق، وكيف يكون كلامه مخلوقاً وهو يقول: * (*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى*) * ولم يقل إن هذا إلا خلق مخلوق، وقد سمى قوله قولا، وسمته الملائكة قولا، لم يسمه خلقا بقول حتى إذا فزغ عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وذلك أن الملائكة لم يسمعوا صوت الوحي ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، وكان بينهما خمسمائة فلما أوحى الله إلى محمد صوب الوحي كوقع الحديد على الصفا، فظنوا أنه أمر الساعة ففزعوا فخروا لخوفهم، خروا سجدا، وفي نسخة: (1/169)
صفحة 168
لوجودهم فخروا سجدا فذلك قوله حتى إذا فزع عن قلوبهم بقول حتى إذا انجلى الفزع عن قلوبهم رفعوا رؤوسهم قالت الملائكة بعضها لبعض ماذا قال ربكم ولم تقل ماذا خلق ربكم، ففي هذا بيان لمن أراد الله هداه.
ثم إن الجهمي ادعى أمرا آخر فقال: ما يأتيهم من ربهم محدث وكل محدث مخلوق، فقلنا: أخبرونا أليس عالم بجميع ما في القرآن فمتى أحدثه بعدما علم وقد أخبر أنه لم يزل عالماً، وإنما معنى قوله: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث، إنما هو محدث إلى النبي عليه السلام، وقد كان قبل ذلك لأن الله يقول: * (*وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ*) * فأدراه الله وقد كان لا يدري، فالقرآن إنما هو محدث إلى النبي، وأما عند الله فلا يكون محدثا، لأن الله تبارك وتعالى لم يزل بجميع ما في القرآن عالما، لا متى علم ولا كيف علم، ففي هذا بيان لمن أراد الله هداه.
ثم إن الجهمي ادعى أمراً آخر فقال: أنا أجد في كتاب الله آية تدل على أن كلامه مخلوق، فقلنا: أي آية في كتاب الله تدل على أن كلامه مخلوق؟ قال: قول الله: * (*إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ*) * (1) فالكلمة التي ألقاها إلى مريم هي من قول الله: كن، فكان عيسى، وليس عيسى كن، وهو قوله: ففي هذا بيان لمن أراد الله هداه، وقد ذكرنا كلامه في سورة من القرآن قوله: * (* فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ*) * (2) وقوله: * (*قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ
__________
(1) من الآية 171 من سورة النساء.
(2) من الآية 37 من سورة البقرة. (1/170)
صفحة 169
كَلِمَاتُ رَبِّي*) * (1)، وقال الله لنبيه: * (*قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ*) * (2) فأخبرنا الله أن النبي كان يؤمن بكلام الله، وقد قال الله في صفة مريم: * (*وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ*) * (3) وقال: * (*وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ*) * (4)، لم يعن حتى يسمع خلق الله، قال: وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه، وقال: * (*وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً*) * (5) وقال: * (*قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي*) * (6) فالكلام غير الرسالة فقد أخبرنا الله بخر عن كلامه، ففي هذا بيان لمن أراد الله هداه.
ثم إن الجهمي ادعى أمراً آخر فقال أنا (أجداب) (7) كلام الله مخلوق قلنا أين وجدته؟ قال: وجدته من قول الله: * (*خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا*) * ولا يخلو أن يكون في السموات أو في الأرض أو فيما بينهما، فلعمري لقد تكلم بأمر أمكن فيه الدعوى، خدع به جهال الناس، قلنا: إن الله يقول: * (*وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ*) * فالحق الذي خلق به السموات والأرض كان قبل السموات والأرض، وقوله فالحق والحق أقول، وقال: والله
__________
(1) من الآية 109 من سورة الكهف.
(2) من الآية 158 من سورة الأعراف، وفي الأصل سقطت كلمة "ورسوله".
(3) من الآية 12 من سورة التحريم.
(4) من الآية السادسة من سورة التوبة.
(5) من الآية 164 من سورة النساء.
(6) من الآية 144 من سورة الأعراف.
(7) كذا في الأصل. (1/171)
صفحة 170
يقول الحق هذا خبر أخبرنا الله به يقول الحق والحق قوله، وقال: * (*وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ*) * فالحق الذي خلق به السموات والأرض كان قبل السموات والأرض والحق قوله، قلنا له أخبرونا إذا كان كلامه مخلوقا وهو غير الله، فمن القائل للملائكة اسجدوا لآدم؟ ومن أمر الخلائق بالركوع والسجود؟ ومن أخبر من رضي الله عنه أنه قد رضي عنه، ومن المخبر عن من غضب الله عليه أنه قد غضب عليه؟ فإن كان هذا الذي يخبر عنه غيره.
وقد قال: * (*عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ*) * (1) وقال: * (* وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ*) * (2) وكيف يكون غير الله مخلوق بحدث يحكي ما قبله وبعده، وهو يقول: * (*أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ*) * ويحكي عن الأمم فإن كان محدثا مخلوقاً كيف علم الخبر من قبله أو بعده؟ فإن كان خلقاً قبل الحكايات فكيف يعلم ما بعدها ما لم يطلع عليه بعده؟ وقال: * (*بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ*) * (3) فاللوح مخلوق فلما كان الكلام الذي خلق به اللوح كان قبل اللوح، فمن القائل للملائكة اسجدوا لآدم؟ الله بقوله الذي هو؟ أم قوله المخلوق فهو القائل للملائكة اسجدو؟ فقال: لا يظهر على غيبه أحداً، أو متى خلق قبل أن يحكي للملائكة أو بعد ويخلق كل ساعة إذا أراد أن يحكي عنه أو يوحي الكلام المخلوق، والذي يزعم مخلوق من خلق.
__________
(1) من الآية 34 من سورة لقمان.
(2) من الآية 11 من سورة فاطر.
(3) من الآية 21 من سورة البروج. وجاءت في الأصل محرفة. (1/172)
صفحة 171
الباب التاسع
في اللوح المحفوظ (1/173)
صفحة 172
فصل
في أن كلام الله قبل اللوح وقبل القلم
وأما احتجاجهم باللوح المحفوظ وقلتم ما كان في اللوح المحفوظ، فهو مخلوق، وتأولتم قول الله: * (*بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ*) * (1) وقد أخطأتم التأويل لأن كلام الله قبل اللوح، وقبل القلم، وقبل الرسم في اللوح المحفوظ، أو فيما احتججتم في اللوح حجة عليكم وذلك أنكم قلتم أول ما خلق الله القلم والدواة واللوح فقال للقلم: اكتب فقال القلم وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، ألا ترون أن قوله: أكتب قبل الكتابة وهو أمره ثم زعمتم أن القلم تكلم فإن كان ما قلتم فقد تكلم القلم بغير لسان ولا جوف ولا شفتين فلما قال: وما أكتب كان أمر آخر فقال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فهذا قبل الكتابة، وهو كلامه وأمره وأن لكم في المصاحف كفاية عن اللوح المحفوظ قائماً.
إن القرآن مكتوب في المصاحف يرى إذا كتب، ويسمع إذا قرئ، فأخبرونا هل يجوز لقاء [أن] يقول لم يزل الأمر لله، ولا يزال الأمر لله، أو يقول: لله الأمر قبل أن يخلق الخلق، ولله الأمر بعد فناء الخلق، فإن قلتم لا، فقد زعمتم أن الله لم يكن له الأمر حتى خلق الخلق، ولا يكون له الأمر بعد فناء الخلق، فإن قلتم يجوز لقائل يقول لله الأمر قبل أن يخلق الخلق، وبعد فناء الخلق، فقد فصلتم بين الأمر والخلق، لأن الأمر كله، والخلق خلقه، قال الله تبارك وتعالى: ? ?أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ??? (2) فلما قال الإله الخلق كان جميع الخلق داخلا
__________
(1) من الآية 21 من سورة البروج. وجاءت في الأصل محرفة.
(2) من الآية 12 من سورة سبأ. (1/174)
صفحة 173
في معنى الخلق، ثم قال? والأمر، ففصل بينهما لأن الأمر كلامه، وقال? ? ?وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا??? (1) وأما احتجاجهم بقول خلق السموات والأرض وما بينهما فقلتم? إن كل شيء بين السماء والأرض مخلوق والقرآن بين السماء والأرض وقد قال تبارك وتعالى? ? ?وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ??? فالحق الذي خلق به السموات والأرض وما بينهما، غير الخلق الذي بين السماء والأرض، وكان قبل السماء، ويكون بعد السماء والأرض، وهو كلامه وهو خارج من الأشياء?
ومما يدل على أن الحق كلامه قول الله، والله يقول الحق، فالحق والحق أقول فالحق كلامه، وبكلامه كانت السموات والأرض وجميع الأشياء، ولو كان على ما قلتم فكان ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما والحق، فلما قال بالحق عرفنا أنه خلقها بأمره، وأمره كلامه، وقال? ? ?وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ??? (2) فالأيام الستة التي كون فيها السماوات والأرض كانت قبل السماء والأرض، أما سمعتم للسماء والأرض ? ?اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ???، وإنما أجابت بعد ما أمرت?
وقال الشاعر في الكلام وبلغنا أنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه يرثي النبي صلى عليه وآله وسلم شعرا?
??فقدنا الوحي إذ وليت عنا?ش? ... وودّعنا من الله الكلام
سوى ما قد تركت لنا رهينا?ش? ... تضمنه القراطيس الكرام
__________
(1) من الآية 85 من سورة الحجر.
(2) من الآية 38 من سورة ق. (1/175)
صفحة 174
ولو كان معنى الكلام معنى الخلق لم يقل وودعنا من الله الكلام سوى ما قد تركت لنا، لأن الله خلق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم خلقا كثيرا، وهو أيضا حجة على من زعم أن ما في المصاحف ليس بقرآن، ألا تسمع قوله:
سوى ما قد تركت لنا رهينا*ش* ... تواريه القراطيس الكرام
فأخبر أن القرآن في القراطيس?
بسم الله الرحمن الرحيم عن أبي سعيد سألت رحمك الله عن أبي سعيد سألت رحمك الله عن رجل خطر بباله أسماء الله من ذاته وصفاته أهي مخلوقة؟ هل يسع جهل علم ذلك إذا دان لله أن لله الأسماء الحسنى؟ قلت? ما قول أصحابنا أهي مخلوقة أم لا يقولون فيها شيئا؟ قلت? وكذلك إن خطر بباله القرآن مخلوق هو أو غير مخلوق؟ هل يكون القول فيه مثل الأسماء؟ قلت فإن قال? في الأسماء إنها مخلوقة وكذلك القرآن، هل يلحقه معنى شرك أم كفر أم يسعه ذلك؟ ومن قال? إن القرآن مخلوق وكانت له ولاية هل يكون على ولاية؟ قلت? وهل قيل برأ منه بذلك وكذلك إن قال أسماء الله مخلوقة هل يكون ذلك؟ وإن كان قيل بالبراءة ممن قال بذلك فما تكون براءته برأي أو بدين؟
فأما قولك في أسماء الله تبارك وتعالى أهي مخلوقة أم غير مخلوقة؟ فقد قيل? إن أسماءه المسمى بها من الألفاظ الملفوظة والحروف الملحوظة المسموعة، التي سمى بها نفسه في كتبه ووحيه، وسماه بها أحد من خلقه، فلا يخرج معي ذلك فلا يستقيم إلا أن تكون محدثة، وكذلك معي أنه قد قيل? وأما ما سبق من ذلك في مكنون علمه الذي لم يزل عالما بها، فلا يقال إن علمه محدث، تبارك وتعالى، ولا مخلوق (1/176)
صفحة 175
ولا يجوز أن يكون هو أسماؤه، ولا يكون ما سواه إلا وهو محدث، فهذا هو وجه هذا عندي، فإذا خطر بباله هذه الأسماء التي وصفت وذكرت وكتبت، وانتقل ذكرها من حال إلى حال فذلك محدث مخلوق?
وإذا عرف معنى ذلك فعليه أن يعلم أنه ما سوى الله تبارك وتعالى، فهو مخلوق فإذا لم يعرف معنى ذلك ولا المراد به من خاطر ذلك أو ذكره، وعلم أن الله تبارك وتعالى قديم، وما سواه محدث من جميع الأشياء، وأنه لا يشبه بشيء في جميع الأشياء، من ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا حكمه ولا قضائه، وسعه ذلك عندي إن شاء الله، وعلى هذا يخرج عندي في قول أصحابنا في هذا وكذلك عندي هذا القول في القرآن، وفي تنزيله وكتابه وأحداثه من هذه الألفاظ الملفوظة، والحروف المكتوبة المسموعة المنظورة، فهي محدثة مخلوقة، وأما ما سبق من علم الله به فلا يقال إن علم الله تبارك وتعالى محدث من بعد أن لم يكن، ولا يجوز هذا ونحوه عليه تبارك وتعالى?
ومن شك في ذلك لعله في ذلك فيما لا يسعه جهله على ما وصفت ولك مما يخرج تنزيلا قد بلغه علمه فيخرج عندي حدثه في ذلك معنى الشرك وإن كان متأولا في شكه وفي قوله، بمثل ذلك، لم يلحقه الشرك، وإن كان شكه في مثل ذلك، وقوله وتأوله فيما لا يسعه، كان كفره في ذلك كفر نعمة لا كفر شرك?
ومعي أنه قيل فيمن قال بخلق القرآن أنه قال? من قال بالبراءة منه، وقيل بالوقوف عنه، وقيل بولايته على ما يوجد في معاني أصحابنا، وكذلك يخرج عندي في القول في أسماء الله تعالى، إذا ثبت معنى الاختلاف في حكم التسمية على غير تفسير لا يسع ولا يخرج عندي إلا من طريق الرأي، وأما إذا كان ذلك على مخصوص ما لا يسع، (1/177)
صفحة 176
ولا يحتمل فيه للقائل مخرج من مخارج الحق، فلا يجوز في ذلك الولاية، ولا الوقوف بعد علم حدثه، فيما لا يسع جهله، أو تزول بليته فيما لا يسع جهله فإذا جاهد السير عندي أنه أراد لتفسير الذي وصفته لك، أنه لا يجوز من القول به في خلق القرآن، ولا في أسماء الله تبارك وتعالى وجب في ذلك الحكم بالبراءة بالاتفاق لا بالاختلاف، وإذا ثبت ذلك على وجه ما يجوز من التسمية في ذلك عندي براءة ولا وقوف، ووجبت الولاية فيه بالاتفاق، فافهم ذلك وتدبر ما وصفت لك، ولا تأخذ من قولي إلا بما وافق الحق والصواب?
ومن غيره أحسب من كتب المغاربة?
بسم الله الرحمن الرحيم
بالله عصمتنا وما توفيقنا وإياكم إلا بالله، اختلف أهل هذه الدعوة المباركة في أمر لم يكن لهم الاختلاف فيه، لأن الذي دانوا به كله واحد، هو الإمام واللغة معروفة اختلفوا في صفات الله تبارك وتعالى، فقال قوم? صفاته محدثة مخلوقة، وقال آخرون? بل لم يزل الله وله الأسماء الحسنى، ولم يعدوا ما اختلفوا فيه من أن ينفصل الحق من الباطل، عند تقلب الأمور وموازنة بعضها ببعض، يقال لمن يزعم أن صفات الله محدثة مخلوقة، أخبرونا عن الصفة ما هي؟ فإن قالوا هي الكلام الذي يتكلم الناس من قولهم? الله والسميع والبصير وجميع الأسماء قيل لهم? إن الكلام لم يختلف فيه أحد أنه محدث مخلوق، وأنه فعل للعباد?
وإن كان معناه? إن الصفة هي الكلام، فإن الكلام فعل، والعباد يعقلون اسم الله في كل أحوالهم، وفي قود هذا القول أنه لا يجوز لأحد أن يقول إن الله لم يزل الله ولا عليم ولا سميع ولا بصير ولا جميع صفاته، لأن الصفات في قولك هي الفعل، والفعل محدث، والفاعل أقدم من فعله، فقد كان الخلق، ولا صفة لله إذ وصفته لعله أراد (1/178)
صفحة 177
وصفته هي أنا عليهم في ذلك، فإن قال قائل? اسمه غير فعل، فيقال له? وما دليلك على أن ثم أسماء غير ما سمع من قول القائل? الله والعليم والرحمن، وصفاته إنه لم يزل فإنه لا يجد دليلا حتى يرجع فيقول لم يزل الله وهو الله العليم الرحمن السميع وجميع صفاته، ويقال في قول ذلك إن صفاته غير أنه لم يزل ومعه غيره لأنك زعمت أن الله لم يزل وهو الله السميع العليم الرحمن وجميع صفاته، وصفاته عندك غيره?
فليس يجوز لك أن تقول? لم يزل الله هو الله السميع العليم، وجميع صفاته، إذ زعمت أنها غيره، لأن أصل ما أجمع عليه أهل الصلاة أن الله قديم، وأن ما سواه محدث، فتفهموا ما وصفت تجدوه بيّنا سهلا?
اعلموا أن العرب تقول في كلامها? لفلان عم يخبرون عن شيء غيره، ويقولون لفلان ولد يعنون غيره، وأشباه ما يملكه الناس، ويقولون? لفلان رجل، وله يد، وله رأس، وله ظهر، وله وجه وجميع أجزائه?
وإنما يعنون بقولهم بعض أجزائه وهو الأجزاء كلها، وليس أن يده غيره ورجله غيره، وجميع الأجزاء إنما يعنون إذا قالوا? له يد، يعنون بعضه، ولا يعنون غيره، مثل قولهم? له مال، فإن كانت هذه الأجزاء غيره، فمن هو الذي غير الأجزاء؟ وقد قال الله? ? ?لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ*) * وقال: ? ?أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ??? لأن في الثلاثة المواضع بيّن الله، وأشباه هذا في القرآن فما أضافه إلى نفسه من خلقِه وهو غيره، قال الله? ? ?لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى??? يعني أنه الله، (1/179)
صفحة 178
وأنه السميع وأنه العليم، وجميع صفاته، لا أن الله غيره، ولا أن السميع غيره، ولا أن الخالق غيره، وجميع صفاته?
وكان وجه ما أضيف إلى الإنسان من قول القائل? له مال، يعني أنه ملكه عن غيره يعطيه من غيره ملكه إياها وكان وجه ما أضيف إلى الإنسان من قول القائل? له وجه، وله روح، وله يد، وله رجل، يعني أنه هذه الأجزاء إلا أن لا أن هو غير الأجزاء وكان وجه ما أضيف إلى الله من قول القائل له ما في السموات وما في الأرض له الخلق والأمر يعني أنه أنشأه وأحدثه بعد أن لم يكن، وأمسكه من أن يزول وزاد فيه ونقص منه، ويفنيه إذا شاء فأشبه قول القائل للإنسان مال والله الخالق عندي أنه أراد ولله الخلق واختلفت وجوه المعاني فليس يجري على الخلق معاني الله ولا يجري على الله معاني الخلق، وقال الله له الأسماء الحسنى يعني أنه هو الله السميع العليم الرحمن الرحيم الواحد القهار وجمعي صفاته فأشبه قول القائل للإنسان يد وله رجل وله روح وجميع الأجزاء ولله الأسماء الحسنى واختلف وجوه معانيها لأن الذي أضيف للإنسان من ذلك إنما هو بالأجزاء المتفرقة والذي أضيف إلى الله أنه هو لا بالأجزاء مخلوقة عاجزة ذليلة مقهورة فنفينا عن الله معاني الخلق وما يجري عليهم ونفينا عن الخلق معاني الله وما يجري عليه وأبقينا ما أخبر عن نفسه من أنه ليس كمثله شيء، وأنه لم يلد، وأن الولد مشبه بالوالد، فنفى عن نفسه الشبهة، ولم يولد لأن المولود محدث، والمحدث مقهور عاجز ذليل مع الولد يشبه بالوالد ولم يكن له كفوا أحد، لأن الأكفاء متضادين بعضهم يكافئ بعضا، فنفى عن نفسه الأكفاء لأن المكافي لكفوه ذليلان مقهوران لأن لهما قاهراً قهرهما على مضادتهما ومذللاتهما حتى تكافيا، فنفينا عن الله الأمثال والأشباه والأضداد، بما يكون فيه بيان لذي حجى ولا قوة إلا بالله، اعلموا أن القوم مع ما قالوا? إن الأسماء محدثة فرقوا بين (1/180)
صفحة 179
أسمائه، فزعموا أن بعضها لم يزل وهي له وبعضها محدثة وذلك أنهم لم يجدوا بدا من أن يقولوا? إن الله لم يزل وهو السميع العليم البصير القاهر الأول الحافظ الشاهد، فلما لم يجدوا بدا من ذلك قالوا? إن هذه أسماء ذاتية فيقال لهم وما تعنون بقولكم أسماء ذاتية؟ يعنون أنه لم يزل هو نفسه الله هو نفسه السميع العليم القاهر القادر الحافظ الشاهد، فإن قالوا? نعم قيل لهم? قد صدقتم والحق قلتم وإن كنتم تعنون السميع الله القادر القاهر الأول الحافظ الشاهد هي أسماء للمعنى بها، وأنها لم تزل معه، فقد أثبتم أن معه خلقا محدثا لم يزل، وقد افتريتم إثما عظيما وقلتم بما تقول خرجتم به من موافقة أهل الصلاة، فأنهم يقولون? إنما أثبتنا له اسم العليم، نفينا بذلك عنه الجهل وقلنا له السميع نفينا عنه الصمم، وقلنا له البصير نفينا عنه العمى، وقادر نفينا عنه العجز، وقاهر نفينا عنه الاستكراه، وحافظ نفينا عنه النسيان، وشاهد نفينا عنه الغفلة، فتفهموا قلة معرفتهم بالحجج ودخولهم فيما هو عليهم لا لهم، يقال لهم حد لونا عن قولكم نفينا عنه الجهل هل ينفى عنه الجهل إلا العلم، وقولنا نفينا عنه الصمم فهل ينفي الصمم إلا السمع؟ وقولكم نفينا عنه العمى فهل ينفي العمى إلا البصر؟ وقولكم نفينا عنه العجز وهل ينفي العجز إلا القوة؟ وقولكم نفينا عنه الاستكراه وهل ينفي الاستكراه إلا المقدرة؟ وقولكم نفينا عنه النسيان وهل ينفي النسيان إلا الحفظ؟ وقولكم نفينا عنه الغفلة وهل ينفي الغفلة إلا التذكرة؟ في قول قولكم ونفيكم ما ذكرتم إثبات أضداد ما نفيتم، ونحن نسألكم عن هذه الأضداد التي أتيتموها هي الله نفسه أم هي غيره؟ فإن زعمتم أنها هي الله نفسه فقد دخلتم في أشنع ما أنكرتموه على من خالفكم إذ وصفتم أن الله سميع وعليم وأنه بصير وأنه قدير وأنه حفيظ، والله لم يصف نفسه بشيء مما وصفتموه إنما قال? هو السميع العليم البصير? وجميع ما وصف به نفسه، فمن وصفه بغير ما وصف به نفسه فقد افترى إثما عظيما، وضل ضلالا بعيداً، وإن قلتم هذه الأضداد غيره فقد أثبتم معه غيره، وجعلتموه ذا أجزاء كالخلق، فتعالى الله علوا كبيراً، فتفهموا ما وصفنا وثبتوه فإن فيه الشفاء لمن يريد الله? (1/181)
صفحة 180
وما عنده اعلموا أن قوله نفينا عنه الجهل لا يكون الجهل ضد عالم وإنما الجهل ضد العلم، والجاهل ضد العالم، والصمم ضده السمع لا يكون الصمم ضد السميع، والعمى ضده البصر لا يكون العمى ضد البصير فتفهموا الأضداد ومجارها وما ينفي بعضها من بعض تعلموا أن القوم ليسوا على صراط مستقيم وأنهم في واد يعمهون، لو كان أصلهم الذي بنوا عليه ثابتاً لكانت فروعه ثابتة، ولكن فسد الأصل ففسد الفرع، ويقال لهم? أخبرونا عما فرقتم بين أسمائه فقلتم العليم لم يزل، وهذا من أسماء ذاته، والغفور من أسماء فعله والخالق والرازق هذه عندهم من أسماء فعله وقالوا? ألا يجوز أن يقال أن الله لم يزل خالقاً ولا غفوراً ولا رحيما ولا رازقاً؟ لأن هذه عندهم إنما أضيفت إليه بفعله، فتفهموا الحجة عليهم فيقال لهم أليس الغفور هو العليم لأيهما عندكم اسمان وأحدهما قديم والآخر محدث، فلا يكون القديم هو المحدث ولا المحدث هو القديم، وفي قول هذا القول أن الله هو غير الغفور، وأن الغفور هو غير الله، والله عندهم اسم لم يزل فتفهموا ما وصفنا تعلموا أن من قال أن الله غير الغفور وأن الله ليس هو الغفور أنه قد افترى إثماً عظيما، اعلموا انه إنما اشتبه عليهم الأمر من قبل قلة معرفتهم وتعميهم في كل ما يخطر ببالهم، فإذا عرض لهم شيء دانوا به وقالوا به ولم ينظروا أن يسألوا وأن بيتوا، اعلموا أن كل ما وصف الله نفسه من هذه الصفات في القرآن فإنما يخبر أنه هو الخالق وأنه هو الرازق وأنه هو العالم وأنه هو السميع، وأنه هو القادر وجميع ما وصف به هو كما وصف، لم يزل كما وصف نفسه لا أن ما وصف به نفسه غيره، وقد بينا ذلك في صدر كتابنا فتفهموا وائتموا به، وكونوا من أمركم على بيان واعلموا أنهم يحجون في بعض حجتهم أن يقولوا فلم يزل الله يخلق ويرزق ويغفر ويرحم وأشباه ذلك، فتفهموا قلة معرفتهم بالحجج، ودخولهم فيما عليهم لا لهم، اعلموا أن الله وصف (1/182)
صفحة 181
نفسه يعلم ويسمع ويبصر وأشباه ذلك ويوصف نفسه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم وأشباه ذلك، اعلموا أن قوله يعلم يخبر عن نفسه أنه العليم بالأشياء قبل أن تكون، وليس في يعلم خبر عن سواه، وإنما أخبر عن نفسه أنه العليم وسميع يعني أنه السميع الذي لا يخفى عليه الخلق وأنه المحيط بهم قبل أن يخلقهم، وكذلك في يبصر ويقدر ويحصي ويحفظ وأشباه ذلك، وفي قوله يخلق يخبر عن نفسه أنه الخالق ويخبر أن ? ? (1) فلم يجز لقائل أن يقول إن الله لم يزل يخلق لأن في قوله يخلق خبراً عن الخالق والخلق، ويرزق ويغفر ويرحم مثل ذلك، وليس في قول القائل الخالق خبر عن غير الخالق ولا الرازق خبر عن غير الرازق وإنما قوله الخالق صفة الله بأنه هو الخالق لا غيره الخالق والرازق لا غيره الرازق، فتفهموا ما وصفنا تجدوه بيناً سهلا ولا قوة إلا بالله غفر الله لنا وإياكم بالتقوى?
مسألة? ومن غيره، وبلغنا عن أبي عبد الله رحمه الله أنه قال? من قال أن القرآن مخلوق، وقد تقدمت له ولاية أنه لا تنقطع ما لم يبرأ ممن لا يقول أن القرآن مخلوق فإذا برئ ممن لا يقول أن القرآن مخلوق برأي برئنا منه بدين، وهذا القول كان منه بعد أن قدم من صحار?
مسألة? قال عمر بن سعيد بن محرز أن أبا عبد الله محمد بن محبوب أملى عليه هذا الكلام من نفسه قال? لا يقال إن أسماء الله محدثة ولكنها لم تزل له، ولا يقال إنها هو ولا هي غيره ولا شيء منه لأنه غير محدود ولا مبعض تبارك وتعالى، ونقول القرآن كلام الله ولا نقول إنه هو ولا شيء منه ولا مخلوق، ولكنه وحيه وكتابه وتنزيله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن هو من علم الله وعلمه لم يزل وهو غير محدث، وحفظ يعقوب بن إسحاق اللواي عن محمد بن محبوب قال? لا نقول إن القرآن مخلوق ولا نقول أن القرآن غير مخلوق، ولا نقول إن القرآن هو الله، ولا نقول أن القرآن غير الله، ونقول هو كلام الله، وحفظ مهنا بن يحي عن محمد بن محبوب أنه قال? إن الله لم يزل متكلما، وحفظ
__________
(1) بيان في الأصل. (1/183)
صفحة 182
يعقوب بن إسحاق عن محمد بن محبوب، وقد سأله فقال? من حد صفات الله فقد حد الله، فقال أبو عبد الله? نعم، قال مهنا بن يحي عن أبي مروان سليمان ابن الحكم عن أبي زياد الوضاح بن عقبة وعن هاشم بن يوسف وعن معلا بن منير، أنه سألهم عن القرآن فقالوا? ألا تقول أن القرآن مخلوق ونقول هو كلام الله، ونقف عمن يقول إن القرآن مخلوق وقوف?
مسألة? قال محمد بن محبوب? فمن قال القرآن مخلوق وقد تقدمت له ولاية أنه لا تقطع ما لم يبرأ ممن لا يقول أن القرآن مخلوق، فإذا برئ ممن لا يقول أن القرآن مخلوق برئنا منه بدين، وهذا القول كان منه من بعد أن قدم صحار، إلا أنه إذا قال أن القرآن مخلوق ولم يبرأ ممن لم يقل بقوله فإنه قال بجفا أو قال يظهر إليه الجفا أن هذا مما يسع جهله أو قال عدو للمسلمين حفظ محمد بن هاشم عن عبد الله بن ربيعة وقال هذا مما يسع جهله?
مسألة? وسألت عن قول من يقول? إن القرآن مخلوق، فإن كان مخلوقاً، فلابد له من فناء، فعلى هذا سيموت القرآن، فالله خالق كل شيء، السموات والأرض والجبال والرياح والشمس والقمر، كل هذا ونحوه من خلقه، وهو يزول، ولا يموت كموت ذوي الأرواح، إلا أن الجواب فيمن يقول? إن القرآن مخلوق، إن القرآن كلام الله ووحيه وأدبه?
مسألة? وعن أبي معاوية? وأما ما سألت عنه من القرآن فإنا سمعنا أشياخنا يقولون ?وقولنا تبع لقولهم? إن القرآن كلام الله ومأدبة الله ونوره وبيانه، ويقولون? إن الله خالق كل شيء وما سواه مخلوق، وقد ?كان? (1) هذا في عصر قد مضى، وتكلم فيه أقوام وقالوا فيه? إن القرآن مخلوق، فرفع ذلك إلى مشايخ المسلمين فكان قولهم ما وصفت
__________
(1) زيادة يستقيم بها السياق. (1/184)
صفحة 183
لك، فلم يبلغ بأولئك عندهم براءة ولا وقوف، وكانوا عندهم على حالتهم الأولى، ونحن نكره انتشار هذا مخافة الفرقة، وضيق صدور المسلمين عن ذلك، وبالله التوفيق وفقنا الله وإياك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته?
مسألة? قلت لأبي مروان? أخبرنا أن موسى بن علي كان يقول بالخلق، فقال أبو مروان? كذب من روى هذا على موسى بن علي، بل موسى يقول? القرآن كلام الله، ولا يقول القرآن مخلوق?
مسألة? ?أحسب عن أبي عبد الله? وسألت عن القدر أهو مما يسع جهله أم لا؟ فأقول? أنه مما يسع جهله حتى يركب الجاهل به شيئا منه بقوله بالقدر، مما يوجب على من ارتكبه الكفر، فإذا فعل ذلك لم يسعه جهله، وإذا سمع من يقول? إن الله لم يخلق أفعال العباد، ومن يقول? إن الله لم يقدر على العباد ما عملوا، فلا يسعه ولاية من يسمعه يقول هذه المقالة?
مسألة? وعن قول الله * (*وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً*) * ما قول المسلمين في ذلك، وقولهم: إن الله لم يكلم موسى بكلام المخلوقين ولا يشبه بشيء من خلقه، ولا يقال كلمه بلسان، ولكنه كلمه كما قال كيف شاء، وقد قيل إنه أسمعه صوتا أفهمه به الكلام. (1/185)
صفحة 184
[صفحة بيضاء] (1/186)
صفحة 185
الباب العاشر
في الرد على من يدعي الزيادة والنقصان في القرآن (1/187)
صفحة 186
فصل
من جامع أبي محمد? أما الذي يدل على من يدعي الزيادة والنقصان في القرآن، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمعه حتى جمعه أصحابه من بعده، فهو كتاب الله الذي لا يحتاج معه إلى غيره، قال الله جل ذكره? ? ?وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ??? (1) وقال عز وجل? ? ? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ??? (2)، وقال تبارك اسمه? ? ?سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ??? (3) ونحو هذا في القرآن الكريم كثير، وفي بعض هذا ما يغني عن الزيادة على ما ذكرنا لغيره، ويبطل القراءة الفاحشة، والروايات الكاذبة على الصحابة، وما يروون عن المصحف المنسوب إلى عبد الله بن مسعود، وما جعله عبد الله وغيره من المصاحف التي لم تظهر في محفل قط، ولو ظهرت لم تدر لمن هي وما قصتها، كذلك ما حكي عن عبد الله بن مسعود من الزيادة والنقصان?
وإني لأعجب ممن يقبل من المسلمين قول من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك القرآن الذي هو حجته على أمته، والذي تقوم به دعوته، والفرائض التي جاء بها من عند الله ربه فصح الذي بعثه الله داعياً إليه معرفا في قطع الحرف، ولم يجمعه ولم يضمه ولم يحم الأمر في قراءته، وما يجوز من الاختلاف فيها، وما لا يجوز في إعرابه ومقداره، وتأليف سوره، وهذا ما لا يتوهم على رجل من عامة
__________
(1) من الآية 41 والآية 42 من سورة فصلت.
(2) الآية التاسعة من سورة الحجر.
(3) الآية 146 من سورة الأعراف. (1/188)
صفحة 187
المسلمين، فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين؟
وقد قال رجل ممن يذكر بعلم القرآن? إن مما يدل على خطأ من ذهب إلى مذهب من ذكرنا، أن الله جل ذكره أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، كلما نزلت آية أو سورة قرأها على أصحابه، وفي صلاته، وفي كل سفر وحضر، وجملة من المهاجرين وخيار الأنصار، والذين يلونهم في الأقدار بما قرأها على العوام، وفي المواسم العظام، لأن فيه فروضهم وحلالهم وحرامهم ووعيدهم والاحتجاج عليهم ولهم، وكانوا أهل عناية وتعظيم له وتحريض عليه يدرسونه نهارهم، ويصلون به في ليلهم، ويفقهون فيه ويتفهمون معانيه، ويقرئ بعضهم بعضا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غيره، من مساجدهم ومشاهدهم?
وكان النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك يحثهم على التعليم ويرغبهم فيه، ويقول? «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» وكان يقول عليه السلام? «إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته» وقال يوم أحد في الشهداء? «زملوهم في ثيابهم وقدموا أكثر القوم قرآنا» مع قول غير هذا كثير، وترغيب شديد، وكانوا هم الحجة على من غاب عنهم وعلى التابعين من بعدهم?
كما كان النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليهم، فإن تشاجروا في شيء منه ردوه إلى الله ورسوله، والرسول قائم عليهم ومؤدب لهم، وحريص على تعليمهم، رفيقا بتأدبهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا لم نخف على من كان على هذه الصفة، وبيان هذه السيرة ناسخ من منسوخ، ومقدم من مؤخر، وكيف وهم شهود للقصة، حضور للتنزيل، ولأسباب التنزيل، وإنما هو في مغنم أو فداء أو عفو أو قتل، أو أسر أو (1/189)
صفحة 188
قبض صدقة، أو صلاة أو صيام أو نسك، أو تحريم ربا أو زنا أو خمر أو خنزير، أو قصاص من أحد، أو ميراث، وفيهم نزل، وإليهم يرجع?
ولقد حفظوا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكامه وأحاديثه، وأخلاقه وسيرته، ودلالاته قبل مبعثه، أضعاف ما بين دفتي المصحف يعلم ذلك جميع الفقهاء، ويخبرك به جميع العلماء والعرب، مخصوصون بشدة الحفظ، وحسن البيان?
وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم كتّاب يكتبون الوحي، ولا يدفع ذلك صاحب خبر، ولا حامل أثر، وكان منهم ابن أبي شرج، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، فلو لم يكن القرآن مجموعا مكتوبا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأي شيء كان يكتب هؤلاء؟ وكيف يجوز على القوم الذين ذكرنا أحوالهم، أن يتركوا جميع جمع القرآن والوقوف على تأويله، ومقدمه ومؤخره وهو إنما أنزل عليهم وفيهم على ما تقدم من شرح العالم الذي ذكرناه في صدر هذا الفصل?
ومما يدل على حفظهم الذي استحفظوا له وقيامهم بما استكفوا إياه، أنهم كانوا علماء لنظم السور، وتأليف الآي، لا يحرفون الكتابة ولا يقصرون في التأدية?
إن أول ما أنزل القرآن بمكة ? ?اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ??? وأول ما أنزل بالمدينة سورة البقرة، وآخر ما أنزل سورة براءة (1) فلو كانوا إنما ألفوا السور على تقدير رأيهم، لقدموا في المصحف المقدم وأخروا المؤخر، ففي تقديمهم سورة البقرة، وفي تأخيرهم سورة براءة،
__________
(1) سورة التوبة، وأولها: {براءة من الله ورسوله ... }. (1/190)
صفحة 189
دليل على أنهم اتبعوا ولم يبتدعوا وحكموا ولم يتخرصوا، ولن تخفى على كل ذي لب أنهم لم يكذبوا يكونوا ليتركوا وضع السور على ما عاينوا وشاهدوا?
والأمر كما ذكرنا وصفه على ما حكينا، ولقد وعوه وأحصوه، حتى عرفوا مَنْ جمعه من الأنصار، وكم حفظه من المهاجرين، ومن تغيب عليه السورة والسورتان، من أصحاب الحروف، وجمال الوجوه، وكل ما قلنا مشهور معروف?
وكذلك قال أبو ذر رحمه الله? قد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحه في السماء إلا وعندنا منه علم، وكيف يجهل تأويل تأليف السور ومواضع الآي أمة قد شهدت أول ذلك وآخره، وقد اختارهم الله جل ذكره لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وليكونوا حجة بعده كما قال? ? ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً??? (1) ?
وقد روى أصحاب الحديث الذين يسألون ما رووا عن أصحابهم أن القرآن كان مفرقا، حتى جمعه أبو بكر، وروى آخرون أن الذي جمعه عثمان بن عفان، وأنهم أخذوا آية من هاهنا وأخرى من هنالك، وأن الرجل كان يجيء بالآية ويسأل عنها الشهود ثم يكتب، وأن زيد بن ثابت لما أمره عثمان أن يكتبه في المصحف فقد آيتين حتى وجدهما عند رجلين من الأنصار، وأن زيدا وغيره من الصحابة تولوا تأليف السور والآيات?
__________
(1) من الآية 143 من سورة البقرة. (1/191)
صفحة 190
وهذه أخبار مطعون عليها، ويقال إن الزنادقة دلسوا الروايات والأحاديث في أحاديث الأمة?
بل الدلالة قد قامت من طريق العقل، أن السور كانت معروفة مؤلفة في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن كان قد فرغ من جمعه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الله بن مسعود? «أقرأ عليّ فقال عبد الله? أأقرأ وعليك أنزل؟ فقال? إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأ سورة النساء، حتى إذا بلغ? ? ?فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً??? استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكف عبد الله?
وروى عبد بن عمر فقال? أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أخبرتُ أنك تقوم الليل وتصوم النهار، قال قلت? بلى يا رسول الله، قال? أقرأ القرآن في شهر، قال قلت? إني أطيق أفضل من ذلك، قال? فشددت فشدد عليّ فقال اقرأه في عشرين، فقلت إني أطيق أفضل من ذلك، فشددت فشدد عليّ فقال? اقرأه في سبع ولو لم يكن القرآن مجموعا مؤلفا فكيف يقرؤه عبد الله في شهر أو في سبع؟
ومن طريق آخر أنه بلغه أن عبد الله بن عمر يقرآن القرآن في أربعين ليلة، فاستزاده حتى بلغ إلى سبعة أيام وروى أن مجاهدا قال في الحجر? نزل مع سورة الأنعام خمسمائة ملك يحفون بها يحفظونها?
وروي عن الشعبي، وهو الإمام في علم القرآن، قال? لم يجمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ستة كلهم من الأنصار، فلو لم يكن القرآن مجموعا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن كلما أنزل عليه مؤلفا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يجمعه ويحفظه هؤلاء الستة؟ (1/192)
صفحة 191
وعن قتادة عن أنس قال? قرأ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار? أبيّ ومعاذ وزيد وأبو زيد وأبو أيوب، والأكثر من الصحابة قد يحفظ من القرآن السور المعدودة، وفيهم من يحفظ السورة والسورتين، والقرآن كله قد كان فيهم محفوظا متلوا، ألا ترى أن كثيرا منا اليوم ممن لا يقرأ القرآن ظاهراً لو قرأ بين يديه قارئ منه شيئاً، فزل عن موضعه وأسقط كلمة لأثبته لذلك، وأشعر لذلك وأنكره?
وروي أن جبريل عليه السلام كان ينزل كل عام فيقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم عرصة ذلك العام مرتين، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال حين صنع عثمان بالمصاحف ما صنع، والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة إلا وأنا أعلم حيث أنزلت، وما من آية إلا وأنا أعلم فيمن أنزلت، قال? إذا كانت الآية إذا نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في موضع كذا، ويدل على ما قلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال? «من تعلم القرآن فنسيه حُشر يوم القيامة أجذم» فلو لم يكن القرآن مجموعاً محفوظاًَ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن لذكره هذا الوعيد معنى?
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال? «عرضت علي الذنوب فلم أر أعظم ذنبا ممن حمل القرآن ثم تركه»، وفي بعض ما ذكرنا ما يدل على أن القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان مجموعاً محفوظاً والله أعلم?
وفي ذكر القصص? ومن جامع أبي محمد، وقد طعن قوم في تكرير القصة بعد القصة، والقول بعد القول، وليس لقائل في هذا (1/193)
صفحة 192
تعليق والحمد لله، والسبب في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم يكن الأنباء والقصص مثناة ومكررة لوقعت قصة موسى صلى الله عليه وسلم إلى قوم وقصة عيسى عليه الصلاة والسلام إلى قوم، وقصة نوح صلوات الله عليه إلى قوم، فأرد الله تبارك وتعالى بلطفه ورحمته أن ينشر هذه القصص في أطراف الأرض، ويلقيها في كل سمع، ويثبتها في كل قلب، ويزيد الحاضرين في الأفهام، وأما تكرار الكلام من جنس واحد فبعضه يجزئ عن بعض كتكراره في ? ?قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ??? وفي سورة الرحمن، فإن القرآن نزل بلسان القوم وعلى مذهبهم، ومن مذاهبهم? التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أن مذاهبهم الاقتصار إرادة التخفيف والإيجاز، لأن افتنان المتكلم والخطيب في الفنون وخروجه عن شيء إلى شيء أحسن من اقتصاره في المقام على فن واحد?
وقد يقول القائل في كلامه? والله لا أفعله ثم والله لا أفعله إذا أراد تأكيد أو حسم الأطماع من أن يفعله، كما يقول والله أفعله لإرادة الإيجاز والاختصار، قال الله جل ذكره? ? ? كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ??? وقال جل ذكره? ? ? أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى??? وقال? ? ? وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ??? كل هذا يريد به التأكيد للمعنى الذي كرره في اللفظ?
وقد يقول الرجل لغيره? أعجل أعجل، وللرامي ارم ارم، قال الشاعر?
??هلا سألت جموع كندة?ش? ... يوم ولَّوْا أين أينا (1/194)
صفحة 193
وقال آخر:
كم نعمة كانت لكم*ش* ... كم كم وكم حينا فحينا
وطعن قوم في تكرير معنى بلفظتين مختلفتين، مثل قوله?) الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (وقوله? يعلمُ سرِّكُم ونجْوَاكُمْ? والنجوى هو السر?
فطعنوا في غير مطعن، وذلك أن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب تستعمل في لغتها ما أنكروه وطعنوا فيه، وإنما يكون تكرير المعنى بلفظتين مختلفتين لاتساعه، ولاتساع اللغة في الألفاظ، وذلك قول القائل? آمرك بالوفاء، وأنهاك عن الغدر، وآمرك بالتواصل، وأنهاك عن التقاطع، والأمر بالتواصل هو النهي عن التقاطع، ونحو قوله? لا تجر عليه ولا تظلمه فكرر المعنى لما اختلف اللفظ، كما تقول? نديم وندمان، وعلى مثال قوله? رحيم ورحمن?
ويروى عن ابن عباس أنه قال? الرحمن الرحيم، اسمان رفيقان، أحدهما لرفق من الآخر الرحمن، الرفيق الرحيم العاطف على عباده، الرؤوف، وقد يكون هذا على التكرير والتأكيد والله أعلم?
قوله? ? ?فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى??? فأوحى إلى ربك ما أوحى، ولا طائر يطير بجناحيه، والطيران لا يكون إلا بنجاح، ومثل هذا في الكلام كثير، يقول القائل? كلمتُه بلساني، ونظرت إليه بعني، ويقال بين زيد وبين عمرو وإنما البين واحد، يراد به بين زيد وعمرو، وقال شعرا?
??ألَمْ تكسف الشمس شمس النهار?ش? ... مع النجم والقمر الواجب؟
والشمس لا تكون إلا للنهار فكرر واحد ولا شاهد على ذكرنا أعدل من الشعر. (1/195)
صفحة 194
وقد روي عن ابن عباس: كان إذا سئل عن شيء من عيوب القرآن ولا عيب فيه، استشهد لهم من الشعر ما يعرفهم إياه، وروي عنه أنه قال: الشعر أول علم العرب، وهو ديوانهم فتعلموا الشعر وعليكم بشعر الحجاز، فإنه شعر الجاهلية، وقد فسر القرآن وتأوله رجال منهم: قتادة والضحاك ومجاهد وغيرهم، فروي عن مكحول أنه قال: فالرجل يقرأ القرآن فيمر بالآية فيتأولها على غير تأويلها لم يسمع به، وهو يرى أنه على ما تأول قال: لا بأس بذلك ما لم يعزم عليه، ولولا جهل كثير من الملحدين وعنادهم ما احتج للقرآن بالشعر ولا بغيره، لأنهم وإن كانوا مكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم مقرون بأنه جاء بهذا القرآن وأنه أورده على العرب وفزعهم بالعجز عنه وجعله حجة لنفسه، وأدنى منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون رجلا من فصحاء العرب لا يتأخر عنه النابغة والأعشى في العلم باللغة وما يجوز فيها وما لا يجوز، وهذا ما لا يدفعه عنه مصدق ولا مكذب، وكيف يحتج بقول هذين ولا يحتج بقول نفسه وكيف صار حجة على غيرهما، ولم يكن هو حجة عليهما، ولكن العلماء لما علموا من سعة الحق احتجوا بشعر الماضين قطعا للسغب وإراحة للعلة وبالله التوفيق.
ومن الكتاب إن سأل سائل فقال: من أين جاز أن تعاد قصص الأنبياء عليهم السلام، ويعاد ذكرها في القرآن، وما وجه الحكمة في ذلك، والتكرار عند الفصحاء غير جائز، وقد تجد القصة الواحدة لبعض الأنبياء وقد كُرّرت وأعيدت في غير موضع من القرآن.
يقال له: إن لله جل ثناؤه في إعادتها حكمة لطيفة، وهي أن الرجل إذا سمع الموعظة ثم لم تُعد عليه ذكرها خفي عليه قدرها، وذهب عليه وصفها، فإذا وعظ بها مرة بعد مرة صارت نصبا لخاطره، وفكرة ووقعا على همه وذكره، وكذلك صار الخطباء يعيدون الموعظة الواحدة (1/196)
صفحة 195
في كل مقام ومشهد، وتردد القصة في كل محفظ ولا يسمى ذلك عيبا.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يردد الآية من القرآن مرارا، قال جل ذكره: * (*لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ*) * ولم يقل ليقرؤوا آياته فتكون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة مجزية عن إعادة ذكرها حالا بعد حال، بل قد ذم من يمر بالآيات فلا يتدبرها، ويرى المعجزات فلا يتأملها، وقال جل ذكره: * (*وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ*) *.
وقد ذكر بعض العلماء أن إعادة قصص الأنبياء في القرآن وذكر أخبارهم عليهم السلام لخروجهم إلى المواضع المختلفة، ودخول الناس في المواضع القاصية، قوما بعد قوم، واحتج بما عليه فصحاء العرب من الخطباء العرب والشعراء أنهم يعيدون الخطبة والشعر ليسمَعه من لم يكن سَمعه، ولو لم يعيدوا ذلك لفات المتأخر، ولم يسمعه إلا من شاهده في أول الأمر وهذا أيضا وجه من الصواب إن شاء الله.
ومن الكتاب جاءت الرواية أن العرب كانت تفتح كلامها: باسمك اللهم، على سبيل التبرك وتصدر بها كتبها، وكان المسلمون يفعلون ذلك في صدر الإسلام فجرى بذلك ما شاء الله، ثم نزلت: * (*بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا*) * فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدر بهذا، وهو قوله: بسم الله، فجرى بذلك ما شاء الله، ثم نزلت: * (*قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ*) * فأمر أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فجرى بذلك ما شاء الله، ثم نزلت: * (*إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*) * فثبتت هذه، تسمية تجعل أوائل السور، ويفتتح (1/197)
صفحة 196
بها القرآن، وفي صدور الكتب، لأن ذلك بركة على ذكره باسمه، فقال أهل الكوفة: فاتحة الكتاب سبع آيات ولهن بسم الله الرحمن الرحيم، وأبى ذلك أهل البصرة وأهل المدينة.
وروي عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن فاتحة الكتاب فقال: هي أم القرآن، ثم قرأها وقرأ فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، وقال: إنها آية من كتاب الله، ولا أعلم بين أصحابنا اختلافا أنها من السبع المثاني.
واختلف الناس في معنى التسمية لله عز وجل، الله والإله، فقال قوم: مأخوذ من النور، وقال قوم: مأخوذ من الولهان، لأن القلوب تله إليه وولوههم إليه هو تعلق أنفسهم بالرغبة إليه، والانتظار للفرج من كل كربة والفزع من أعتابه، والخوف من عقابه، فقال من يجوز تسمية المألوه إله إلها ما قالوا للمؤتم به: إماما، ويقال إن الأصل فيه الإله ولكن كثر استعمال الناس لذلك في الدعاء خفف، وقال قوم: الإله هو الذي تحق له العبادة، وقال قوم: هو اسم سمى الله نفسه به على سبيل الاختصاص، كما قال عز وجل: * (*هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا*) * وأظن أن هذا الذي يذهب إليه أصحابنا، والله يوفقنا وإياهم برحمته.
وقد طعن كثير من أعيان الملحدين في قول الله عز و جل: الرحمن الرحيم، وفي قوله: الحمد لله رب العالمين، وفي كثير من القرآن قالوا: إذا كان عندكم (الرحمن الرحيم) معناهما واحد، فلم جاز تكريرهما والإيجاز أفصح؟ وكذلك قالوا: كيف إذًا جاز أن يقول الحمد لله وهو الله، ولم يقل الحمد لنا؟ وهذا من جهلهم بمخاطبات الناس وقصورهم عن عم اللغة، وأما قوله تعالى: (الرحمن الرحيم) فإن العرب الذين خوطبنا بلغتهم يقولون: نديم وندمان، والذي قد تغدى وتعشى، غديان وعشيان، وصحان وغبقان للذي قد اصطبح واغتبق، وهو كقولهم: رحيم وراحم، (1/198)
صفحة 197
وقدير وقادر، والرحيم هو الراحم، وعليم وعالم، وتكرير اللفظتين مختلفتين وإن كان معناهما واحداً في كثير من اللغة، تقول العرب: جار مجير، وأما قوله: (الحمد لله رب العالمين) فإن للمخاطبات منازل ومراتب، ألا ترى أن مخاطبة الرجل لابنه، والسيد لعبده، والملك لرعيته، غير مخاطبة الرجل لأخيه؟ يقول الرجل لابنه: أما ترى أن من الحق عليك أن تبر أباك، والإمام يكتب أمر الإمام أو أمير المؤمنين بكذا وكذا ليقع للسامعين موقع الإجلال والتعظيم. (1/199)
صفحة 198
[صفحة بيضاء] (1/200)
صفحة 199
الباب الحادي عشر
في أحكام القرآن (1/201)
صفحة 200
فصل
ومن جامع أبي محمد: قال الله تبارك وتعالى: * (*وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ*) *، وقد طعن قوم من الملحدين في القرآن لاختلاف القرآن، واختلف أهل العلم في قول الرسول عليه السلام: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف» فأما الملحدون فلا معنى لطعنهم من هذا الوجه، لأنهم ذهبوا من الاختلاف إلى التناقض ولن يجدوا ذلك بحمد الله، وليس من المحال أن يترك الحكيم كلاما يأمر بحفظه ودرسه، ويبيح في قراءته الوجوه الصحيحة، وقول الرسول عليه السلام شاهد بما قلناه، فأما تفسير قول رسول صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» قال بعض أهل العلم بالقرآن ذهب إلى أن السبعة الأحرف: وعد ووعيد، وحلال وحرام، ومواعظ وأمثال، واحتجاج، وقال بعضهم حلال وحرام، وأمر ونهي، وخبر ما كان قبل وخبر ما هو كائن بعد، وأمثال، وقول قوم هي سبعة أوجه من اللغات متفرقة في القرآن، لأنه لا يوجد فيه حرف واحد قرئ على سبعة أحرف، وقال بعضهم: هي سبع لغات في الكلمة.
وقد تكلم أهل العلم في هذا المعنى وأكثروا وثبتوا معنى قولهم بالاحتجاج الصحيح، وهو معروف في آثارهم وكلٌّ قد قال فيه بما يحتمل جوازه، ألا ترى أن الألفاظ قد تختلف، ولا يختلف المعنى لاختلاف الألفاظ، والألفاظ والاختلاف فرعان: اختلاف تغاير واختلاف تضاد، لا يجوز وليست واحدة والحمد لله، في كل شيء من كتاب الله تعالى، إلا في الأمر والنهي من الناسخ والمنسوخ، واختلاف التغاير جائز، وذلك قوله:) وادّكر بعد أُمّة) بضم الألف والتشديد، أي بعد حين، وبعد أَمَه بفتح الألف والتخفيف وتبيين الهاء، أي بعد نسيان، إلا أنه قد يجوز أن يكون اجتمع المعنيان ليوسف، صلى الله عليه، وكذلك قوله: (إذ تلقونه) بالتخفيف (1/202)
صفحة 201
وكسر اللام، وتلقونه بالتشديد وفتح اللام، ولأنه قد يجوز اجتماع المعنيين فيه، لأنهم قبلوه، وقالوا: إنه كذب، وكذلك قوله: (بَاعد بينَ أسْفَارنَا) على الخبر وباعد على الدعاء وكذلك قوله: لقد علمت ما أنزل هؤلاء، بفتح الهاء، وعلمت (برفعها) لأن المعنيين صحيحان موجودان وأشباه هذا كثير.
مسألة القرآن دليل بنفسه، وأنه معجز لعجيب نظمه، لا يقدر الخلق على أن يأتوا بمثله، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه قوم كانوا هم الغاية في الفصاحة والعلم باللغة، والمعرفة بأجناس الكلام، جيده ورديئه وهم أهل الحمية والأنفة والخيلاء والعصبية، وقرعهم بالعجز أن يأتوا بمثله، ومكنهم من الفحص والبحث والاحتيال، وأمهلهم المدة الطويلة وأعلمهم في إتيانهم بمثل الذي أتى به في حسنه، ما يوجب إحقاقهم وإبطاله، حاشا لله من الباطل، فبذلوا في إطفاء نوره ودحض حجته، أموالهم وأنفسهم، وآباءهم وأبناءهم، ولم يعارضوا ما احتج به عليهم من كتاب ربه بأرجوزة ولا قصيدة، ولا خطبة ولا رسالة، فصح بهذا أنهم لو قدروا على ذلك ما تركوه إلى بذل الأموال والأنفس.
فإن قال قائل: فما يدريكم لعل العرب قد عارضت القرآن وأتت بمثله، فخفى ذلك وانكتم، قيل له: لو جاز ذلك لجاز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم، هزمه عدوه يوم بدر، فستر ذلك عنا ونقل إلينا خلافه، ولجاز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قُتل في بعض مغازيه فكتمنا ذلك، ونقل إلينا أنه مات على فراشه، على أنه قد روى ما امتحن به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه يوم أحد وغيره من الأيام، وما نيل منه في وجهه، وما هُجي به وادعى عليه من السحر والكهانة والجنون، وقد طعن الملحدون في القرآن وألفوا في ذلك الكتب، ولو كانت العرب قد عارضت بمثل الذي أتى به، وأبطلت حجته لاشتهر ذلك، ولكان ذلك أحق بالظهور لشهرته وعظم (1/203)
صفحة 202
الخطب فيه، من سائر ما ظهر، لأنه أغرب وأعجب وأفظع وأشنع، ومحال أن ينقل الأدون ويتعلق به ويترك الأجل الأقطع، وبالله التوفيق.
وقد زعم قوم من أهل الكلام أن الحجة في القرآن إنما هو ما فيه من الأخبار عن الغيوب، فإن الله جل ذكره منع العرب وصرفهم عن معارضته، لأنه في نفسه معجز قيل له: لو كان هذا على ما ذكرتم كان الواجب في الحكمة أن يستحق نظمه لأن الأعجوبة في عجزهم عنه مع القدرة ما هو أجود منه وأفصح كانت تكون أعظم وأدل على المراد.
وقد طعن بعض الملحدين في القرآن فقال: لا يجد الإنسان يقول: الحمد منفردة، ورب العالمين منفردة، وكذلك كل لفظ من القرآن فإذا كان يمكنه أن يأتي بمثل هذه الألفاظ منفردات وقد صح القدرة عليها، وإذا كان قادراً عليها فما الذي يمنعه من جمعها، ومتى يدركه عند العجز عن اللفظة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، وما البرهان على ذلك؟
فعارضهم بعض المتكلمين فقال: أخبرونا عن البكا المفحم، أليس يقدر أن يقول: "قفا نبك" منفردة؟ "ومن ذكرى حبيب" منفردة؟ ثم كذلك كل لفظة من هذه القصيدة؟ فإذا كان يمكنه أن يأتي بها منفردات وكان قادرا على ذلك فما الذي يمنعه من جمعها ونظمها النظم الموزون؟ ومتى يلحقه العجز في اللفظة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فلم يجدوا في ذلك فرقا؟ والحمد لله.
وقد كان بعض الجهال ممن يتهم بالإلحاد، ويطعن عليه به ويدّعي علم اللغة والفصاحة، إذا قرئت بين يدين الآية أو السورة من القرآن يروم أن يعارض به أشعارً مقولة، وخطباً لبعض المتقدمين معلومة، (1/204)
صفحة 203
ويقول ما الفرق بين ذلك وذاك؟ والذي يدل على جهله، أن ما فعله لو كان مما يتعلق به، لسبق إليه القوم الذين أورد عليهم الرسول عليه السلام، هذا الكتاب، وهم كانوا أعلم باللغة، وأقدر على الكلام المنظوم البليغ الفصيح، فلما تركوا ذلك وقصدوا إلى الجواب في الحرب الذي يأتي على الأنفس والأموال، علمنا أن من بعدهم لما عجزوا عنه أعجز وأن هؤلاء إنما يعارضون بما ذكرنا للجهل الذي فيهم، والتعجرف والمحاربة. (1/205)
صفحة 204
[صفحة بيضاء] (1/206)
صفحة 205
الباب الثاني عشر
في المحكم والمتشابه (1/207)
صفحة 206
فصل
من جامع أبي محمد
واختلف الناس في المحكم والمتشابه، فقال قوم: إن المحكم هو الناسخ، وأن المتشابه هو المنسوخ، وقال قوم: إن المحكم هو الفرائض والوعد والوعيد، وأن المتشابه هو القصص والأمثال، وقال قوم:
إن المتشابه: هو قوله: (الم والمص وكهيعص وحم) وما يحتمل تأويلين متساويين في اللغة.
والمحكم: هو الذي تأويله تنزيله يجب في القلب معرفته عند سماعه.
والحكم عندنا -والله أعلم- ما كان حكمه معلقاً بظاهره، ولا يحتمل وجهين مختلفين، كقوله: * (*لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ*) * وكقوله: * (*لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ*) * (1) وقوله: * (*وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ*) * (2) وقوله: * (*حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ*) * (3) ونحو هذا.
والمتشابه: هو الذي لا يعلم المراد به في ظاهر تنزيله، وإنما يرجح في حقيقة ذلك من وجوه التأويل المحكم به، كقوله جل ذكره: * (*يَا حَسْرَتَا
__________
(1) من الآية 11 من سورة الشورى.
(2) الآية 56 من سورة الذاريات.
(3) الآية71 من سورة النساء، وسقط من الأصل: "وأخواتكم". (1/208)
صفحة 207
علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ*) * (1) وقوله: * (*تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا*) * (2) وقوله: * (*خَلَقْتُ بِيَدَيَّ*) * (3) وقوله: * (*عَمِلَتْ أَيْدِينَا*) * (4) وقوله: * (*يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ*) * (5) وقوله: * (*وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ*) * (6) وقوله: * (*أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ*) * (7) ويدل على ما قلنا قول الله تعالى: * (*فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ*) * (8) يقول والله أعلم: وأما الذين في قلوبهم مرض، وهم المبطلون، إنما يتبعون ما يتعلقون به، ويرونه حجة، إن كانوا متأولين من أهل الملّة، ويظنون أن فيه مطعنا، إن كانوا ملحدين فيما يحتمل تأويله في ظاهره، وبالله التوفيق.
مسألة في المتشابه: فأما المعنى في متشابه القرآن، فإن الله جل ذكره، خلق عباده ليمتحنهم فعرفهم، كما قال تعالى: * (*وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ*) * (9). * (*لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ
__________
(1) من الآية 56 من سورة الزمر.
(2) من الآية 14 من سورة القمر.
(3) من الآية 75 من سورة ص.
(4) من الآية 71 من سورة يس.
(5) من الآية 93 من سورة النحل.
(6) من الآية 93 من سورة التوبة.
(7) من الآية الخامسة من سورة الصف.
(8) من الآية السابعة من سورة آل عمران.
(9) من الآية 27 من سورة الروم. ولعل المؤلف خلط بين ما في هذه الآية وبين ما في الآية الرابعة من سورة يونس، ونصها: {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا ... } إلخ. (1/209)
صفحة 208
وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ*) * فعرفهم بخلقه إياهم لأعلى المنازل وأشرفها، وهو الثواب الذي لا خلاف بين أهل العقول في أنه أشرف من التفضل، والله جل وتعالى كريم لا يقتصر لعباده على ما غيره أعلى وأشرف، إذ كان ذلك حكمة وصوابا.
ولو كان القرآن كله محكماً لا يحتمل التأويل، ولا يمكن الاختلاف فيه، لسقطت المحنة، وتبلدت العقول، وبطل التفاضل والاجتهاد في السبق إلى الفضل، واستوت منازل العباد، تعالى أن يفعل ما هذا سبيله، بل الواجب في حكمته ورحمته ما صنع وفد زاد جعل بعضه محكماً، ليكون أصلا يرجع إليه، وبعضه متشابها ليحتاج فيه إلى الاستخراج والاستنباط رده إلى المحكم وإعمال العقل والفكر يستحق بذلك الثواب الذي هو العوض.
فإن قال القائل: فما كان الله قادراً على أن يوصل العباد إلى الثواب من غير محنة.
قيل له: إن الله على ذلك قادر وعلى ما يشاء قدير، وليس كل ما يقدر عليه يفعله، جل عن ذلك وتعالى، بل لن يفعل إلا الحكمة والصواب من التدبير، ولو كان يعطي منزلة المجتهد العامل من لا عمل له، وأن يتساوى أدون المؤمنين في الجنة، يثني الله عليه السلام في منزلته ودرجته إذا كان الله على ذلك قادراً ولهذا فسد ما سأل عنه السائل، وبالله التوفيق. (1/210)
صفحة 209
الباب الثاني عشر
فيما يذكر الشيء ويراد به غيره (1/211)
صفحة 210
فصل
ومن جامع أبي محمد، قال تعالى: * (*يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا*) * (1) فذكر أنهم يخادعون الله وإنما يخادعون رسوله، وكقوله عز وجل: * (*مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ*) * فذكر الوسواس، والوسواس هو الفعل لي له شر، وإنما الشر للفاعل، فذكر الوسواس وأراد الموسوس وهو إبليس.
ومثل ذلك قوله جل ذكره: * (*وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ*) * (2) فذكر الناعق وأراد المنعوق به، وإنما ذكر الراعي وأراد الدواب لأن بهم ضرب المثل، والعرب إذا أرادت ذكر الشيء قد تجريه على اسم ما يقرب منه أو يشبهه، وكذلك قوله تعالى: * (*مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ*) * (3) فذكر أن المفاتح تنوء بالعصبة، وإنما العصبة هي التي تنوء بالمفاتح، لأنها تجد ثقلها، والله أعلم.
وكذلك قوله جل اسمه فيما حكى عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال: * (*أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي*) * (4) والأمر لا يعصى وإنما يعصى الآمر وكذلك قوله جل ثناؤه: * (*وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً*) * (5) أي جاء أمره، والله أعلم.
__________
(1) من الآية التاسعة من سورة البقرة.
(2) من الآية 171 من سورة البقرة.
(3) من الآية 76 من سورة القصص.
(4) من الآية 93 من سورة طه.
(5) من الآية 22 من سورة الفجر. (1/212)
صفحة 211
ونحو قوله: * (*مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ*) * (1) وقوله: * (*إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ*) * (2) وإنما يلقون ما وعدهم من خير أو شر، وقوله: * (*وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ*) * (3) وهو يعني ما وعدهم ربهم، ويدل على ذلك قوله: * (*أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا*) * (4) وكذلك قول الناس: من مات فقد لقي الله، أي يلقى جزاء عمله.
وقد أجمع على صحة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من حلف على يمين ليقطع بها مال امرء مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان، وقد أجمع أهل الصلاة أن الله لا يجوز أن يراه أحد من أعدائه في الآخرة.
ومما يُذكر الشيء ويراد به معناه، قوله عز وجل: * (*فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ*) * (5) فجعل استسلامهم للقتل قتلا منهم لأنفسهم.
ومما يضاف الفعل إليه إذا كان من سببه مثل قوله عز وجل: * (* فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ*) * (6) وإنما أخرجهما فعلهما، فأضيف إليه إذ كان من سببه، ومما يقرب من هذا المعنى قوله جل ذكره: * (*فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ*) * (7) ولم تزدهم رجسا، ولكن لما ازدادوا عند نزولها عناداً وكفروا جاز أن يضاف ذلك إليها، وقول عز وجل: * (*فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً*) * (8) لما ازدادوا ونفروا عن دعائه
__________
(1) من الآية 46 من سورة البقرة.
(2) من الآية 77 من سورة التوبة.
(3) من الآية 30 من سورة الأنعام.
(4) من الآية 34 من سورة الأحقاف.
(5) من الآية 54 من سورة البقرة. وفي الأصل (توبوا إلى ... ) تحريف.
(6) من الآية 36 من سورة البقرة.
(7) من الآية 125من سورة التوبة.
(8) الآية السادسة من سورة نوح. (1/213)
صفحة 212
إياهم إلى الله جل ذكره، جاز أن يقول: إن دعاءه زادهم نفوراً وكفرا، من طريق مجاز اللغة وسعتها.
ومما يذكر الشيء ويراد به غيره لقربه منه قولهم: راوية ماء، والراوية هي البعير يستقى عليه الماء، فإذا كثر صحبة الشيء للشيء أجرى عليه اسمه كقول النبي عليه السلام: «الجفا والقساوة في الفدّادين» يعني زراع أصحاب البقر التي يزجر عليها، والفدادين هي البقر، واحدها فداد بالتخفيف، فأجرى على أربابها اسمها، ونحو ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، فذكر العسب وأراد ما يؤخذ عليه من كسب المال، قال بعض الشعراء يهجو قوما حبسوا غلاما أعارهم إياه:
ولولا عسبه لتركتموه*ش* ... وشر منيحه عسب معار (1/214)
صفحة 213
الباب الرابع عشر
في مخاطبة الله لعباده وأمره لهم (1/215)
صفحة 214
فصل
ومن جامع أبي محمد في الرد على من زعم أن الخطاب إذا ورد بصيغة الأمر أن علينا التوقيف، لما يحتمل من الحكم، حتى يعلم أن المراد به أمر أو نهي أو ندب أو تخيير أو غير ذلك، يقال له? لو كان الخطاب إذا ورد بصيغة الأمر يوجب التوقيف، علينا عند وروده لم يكن في وروده فائدة، لأنا قبل وروده متوقفون، وبعد وروده متوقفون، فلا فائدة في وروده، فلما كان الأمر يقتضي الفعل كان له صيغة تعرف في اللغة التي خوطبنا بها علمنا أن من قال بالتوقيف غالط، وبالله التوفيق?
والذي يذهب إليه شيوخنا، والأشبه بأصول أئمتنا أن الأمر إذا ورد بفعل قد خص بوقت فللمأمور وإيقاعه في أوله أو وسطه أو آخره، وتعجيل الفعل في أول الوقت أفضل، وإذا ورد الأمر بفعل غير مخصوص بوقت، فإن تأخيره جائز عندهم إلى آخر أيام الحياة والنظر يوجب عندي أن ما لم يكن محصوراً بوقت فالواجب تعجيله أول أوقات الإمكان، الدليل على ذلك أن الأمر إذا ورد مطلقاً ولم يقيد بوقت أن وروده لا يخلو من أن يلزم ذلك على القدرة أن يجوز للمأمور التأخير إلى آخر أيام حياته، أو إلى وسائط بين الفور وآخر العمر?
وآخر العمر مجهول، والوسائط أيضاً مجهولة الأوقات، ولا سبيل إلى علم ذلك، إذا كان مجهولا لم يصح تعلق العباد به، وما كان آخره مجهولا لا يعرف، ووسائطه لا تعرف لم يلزم فعله، وإذا بطل هذان الوجهان صح إيجابه على الفور، والله أعلم، لأن الآمر إذا أمر من تجب له الطاعة عليه، وأزاح عنه العلل، وكان الأمر يريد تعجيل الفعل المأمور به لم يكن للمأمور تأخير الفعل عن أول أوقات الإمكان، ويدل على هذا (1/216)
صفحة 215
قول الله? ? ?وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ?????? (1) فأوجب علينا المسارعة إلى الأفعال التي تؤدينا إلى الجنة والغفران? والله أعلم?
مسألة? ومن الكتاب صورة الأمر في اللغة أن يقول? الأمر افعل، مثل قوله تعالى? ? ?وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ??? (2) وكقوله? ? ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ??? (3) ومثل قوله? ? ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ??? (4) ?
وصورة النهي أن يقول الناهي? لا تفعل، مثل قول الله جل ذكره? ? ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ??? إلى قوله? ? ?وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً??? (5)، ومثل قوله? ? ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ??? (6) فإذا ورد الخطاب معرى من القرائن والمقيدات والمقدمات فهو أمر ونهي، واللفظة مقرونة بقرينة أو بصلة أو بمقدمة فيدل على التخيير أو الندب، أو يدل على قدرة الآمر وعجز المأمور، أو على التهديد أو الزجر أو إطلاق بعد حصر، أو على التكوين ذو الأمر فالذي يدل بمجموعه على التخيير والندب مثل قوله تعالى? ? ?فَكُلُوا مِنْهَا
__________
(1) الآية 133 من سورة آل عمران.
(2) وردت في ست آيات 43 و 83 و110 من سورة البقرة، و77 من سورة النساء، و56 من سورة النور، و20 من سورة المزمل.
(3) الآية الأولى من سورة الحج.
(4) الآية 119 من سورة التوبة.
(5) من الآية 29 من سورة النساء.
(6) من الآية الأولى من سورة الحجرات. (1/217)
صفحة 216
وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ??? (1) وكقوله? ? ?فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ??? (2) وقد أجمع الجميع أن الأكل منها غير واجب، وأنا فيه مخيرون، فالآية لم ترد إلا مقرونة بالتوقف?
وأما الذي يدل على قدرة الأمر وعجز المأمور مثل قوله عز وجل? ? ?قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ??? (3) ومعلوم أن الله تعالى لم يُرد منهم أن يجعلوا أنفسهم حجارة أو حديدا، إذ ليس في طاقتهم وقدرتهم، وإنما أراد أن يبين عجزهم?
وأما الذي يدل على التهديد والزجر، فمثل قوله تعالى? ? ? أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ??? (4) وكقوله? ? ?وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ??? (5) وكقوله? ? ?وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ??? (6) فهذه الآيات لم ترد إلا على مقدمات قبلهن، وقرائن بعدهن، تدل على التهديد والزجر?
وأما الذي يدل على الإطلاق بعد الحصر فمثل قوله جل ثناؤه:
__________
(1) من الآية 28 من سورة الحج.
(2) من الآية 36 من سورة الحج.
(3) من الآية 50 وبعض 51 من سورة الإسراء.
(4) من الآية 40 من سورة فصلت.
(5) الآية 105 من سورة التوبة.
(6) الآيتان 121 و122 من سورة هود. (1/218)
صفحة 217
? ?فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ??? (1) وكقوله? ? ?وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ??? (2) وقد أجمعوا جميعاً أن الاصطياد والانتشار غير واجبين?
وأما الذي يدل على التكوين دون امتثال الأمر قوله عز وجل? ? ? كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ??? (3) فقد تقدمت المعرفة أنهم غير قادرين على تكوين أنفسهم قردة فدلت المقدمة على التكوين، دون امتثال الأمر، والله خاطبنا بما تفعل العرب في خطابها، والعرب تسمي? افعل أو لا تفعل أمراً ونهياً، فإذا أمر من تجب طاعته والانقياد لطاعته كان على المأمور إتيان ما أمِر به، وبالله التوفيق?
مسألة ومن الكتاب? الخطاب إذا ورد مطلقاً، فظاهره خطاب معروف وهو على إطلاقه، وإذا ورد مقيداً فهو على تقييده، ألا ترى أنه لو قال قائل? فلان كافر، كان ظاهره أنه كافر بالله، وإن كان يحتمل أنه أراد الطاغوت، وكذلك لو قال? فلان مؤمن، في الظاهر أنه مؤمن بالله، وإن كان يحتمل أن يكون أراد القائل? إنه هو مؤمن بالطاغوت، ومن الكتاب قال جل ذكره? ? ?لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ??? (4) وقال عز وجل? ? ?وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ??? (5) وكان هذا الخطاب يوجب تحريم كل طعام لم يذكر اسم الله عليه، من حيوان وغيره، إذ ليس في نفس الآية تفصيل طعام من طعام?
__________
(1) الآية العاشرة من سورة الجمعة.
(2) من الآية الثانية من سورة المائدة.
(3) من الآية 65 من سورة البقرة و166 من سورة الأعراف.
(4) من الآية 95 من سورة المائدة.
(5) من الآية 121 من سورة الأنعام. (1/219)
صفحة 218
فلما اتفق أهل الإسلام على أن المقصود في هذه الآية، هو الحيوان دون غيره، احتج أن الآية خاصة، وإن كانت في الظاهر عامة، وجاء في التفسير أن المشركين قالوا للمسلمين? لم تأكلون ما قلتم؟ يعنون ما ذكيتم، ولا تأكلون مما قتل الله لكم، يعنون الميتة، فأنزل الله? ? ?وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وإِنَّهُ لَفِسقٌِ??? (1) ?
وقوله عز وجل? ? ?لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ??? وقوله جل ذكره? ? ?وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ??? (2) فكان ظاهر هذا الخطاب يدل على الخصوص، فلما قال? ? ?إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ??? كان ذلك القول دليلا على أن هذا الفعل محرم على كل من فعله من المخاطبين، وكذلك قوله تعالى? ? ?وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً??? (3)، فعرف السمع والبصر والفؤاد بالألف واللام، ولم يتقدم لشيء منها ذكر، فاستدللنا على أنه إنما قصدنا بالتعريف إلى الجنس فكان كل سمع وبصر وفؤاد، فعل صاحبه ذلك الفعل فهو مسؤول عنه، فصار كل من قفا ما ليس لهبه علم مأزورا في فعله، وإن كان ظاهر النهي خاصا للمخاطب في نفسه?
وأما قول الله تعالى? ? ? لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ??? (4) فدل هذا على أن من سخر ممن هو شر منه
__________
(1) من الآية 121 من سورة الأنعام.
(2) الآية 95 من سورة يونس.
(3) الآية 36 من سورة الإسراء.
(4) من الآية 11 من سورة الحجرات. (1/220)
صفحة 219
فلا شيء عليه، إذ النهي وقع على من يمكن أن يكون خيراً منه ممن سخر منه، ونظير ذلك قول الله جل ذكره? ? ?الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ??? (1) وكذلك قوله عز وجل? ? ? وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ??? (2) فدل ظاهر تحريم التداعي بالصفات والعلامات والأسماء إذا كانت ملقبة به ظالما له فيها، وفي الرواية أن يقول له? يا فاسق يا كافر، والألقاب في اللغة هي كل ما نصب علماً على شخص فعرف به، فهو يسمى لقباً له?
ومن الكتاب ذكر ترتيب ما نزل من أحكام القرآن، وكان محتاجا من سنن الرسول عليه السلام إلى بيان، فهو غير منفك من ثلاثة أقسام? إما أن يكون محتاجاً من الرسول عليه السلام إلى بيان فهو غير لو ترك الناس مع ما يحتمله القرآن لم يصلوا إلى حكمه إلا ببيان، ويكون مما لو تركوا مع ظاهر لفظه إلى توقيف من على حكمه لوجب عليهم إنفاذ الحكم به على كل ما دخل تحت اسمه إذ كان ممكنا لهم، واستعمال كل ما دخل في جملة ظاهرة أن يكون مما لو حلو مع ظاهر لفظه لوجب عليهم أن يأتوا من حكمه بما إذا أتى آت بمثله، كان مؤديا لفرضه، إذ قد فعل ما قد ندب في الظاهر إلى فعله، وإن لم يكن مستوعباً لجميع ما يحتمله ظاهر لفظه?
فأما ما كان الناس قبل وجوبه يفعلونه ويعرفونه، فنزل القرآن موجباً له باسمه منفرداً له، فالواجب عليهم أن يأتوا بالفعل الذي يتعارفونه مجرداً ما لم يزدهم النبي صلى الله عليه وسلم فيه حكماً مجرداً
__________
(1) الآية 79 من سورة التوبة.
(2) من الآية 11 من سورة الحجرات. (1/221)
صفحة 220
أو ينقصهم مما يحتمله ظاهره حكما منفرداً، ومحال أن يدعهم النبي صلى الله عليه وسلم فيما كانت هذه صفته بلا بيان، إذا كان الله جل ذكره فيه مراد غير ما يظهر تلاوة القرآن?
وأما ما كان الناس لا يعرفونه قبل أن ينزل القرآن بوجوبه، ولم يكن جائزاً في صفتهم أن يأتوا بكل ما دخل تحت اسمه، على كمال حقه، لعجز بينهم في بينهم عن القيام بكل ما شرطه والله يبين لهم أنهم لم يؤمروا إلا بنقصه، إذ محال أن يتعرض من الأحكام بما لا طاقة لهم به، ولم يعلموا ما البعض الذي يجب عليهم المسارعة إلى فعله، ولم يأت في القرآن توقيفاً على حد حال، فمحال أن يدعهم النبي صلى الله عليه وسلم مع ظاهر القرآن حتى يتبعه ببيان?
ومن الكتاب قال الله جل ثناؤه? ? ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً??? (1) وكان أمر الله المؤمنين القيام بالقسط أمراً عاما لهم أجمعين، والقسط الذي أمرهم بالقيام به لا ينفك من أحد أمرين? إما أن يكون قسطاً معلوماً بعينه، فتكون الإشارة دالة عليه دون غيره، أو لا تكون الإشارة وقعت على قسط معلوم بعينه، فتكون دالة على ما وقع عليه اسم قسط، فلما كانت الإشارة بالألف واللام دالة على التعريف ولم يكن معنى دليل على قسط بعينه معروف صح أن هذه إشارة إلى الجنس، فوجب علينا القيام بكل ما وقع عليه اسم قسط?
__________
(1) الآية 135 من سورة النساء. (1/222)
صفحة 221
وأما قوله عز وجل? ? ?إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ?????? إلخ (1)، فلما لم تقم الدلالة على عدل بعينه وجب القيام بالعدل كله، وأما قوله? ? ?وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ?????? إلى آخر الآية (2) فأخبر أن هذا العدل لا يستطاع بين النساء فعله، فقد صح أن هذا هو العدل الذي يؤدي إليه الاجتهاد من ترك التفضيل بينهن، لأن من لم يمل كل الميل، كما قال الله، وإن لم يفضل بعضا على بعض، فهو عادل في الحكم، لأنه لم يتعد أمر الله، والله أعلم?
وأما قوله? ? ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ??? (3) فأمر عباده المؤمنين أن يقوموا بالقسط في السراء والضراء، على الأولياء والأقرباء والأنفس والآباء فجرى حكم القسط عليهم أجمعين، ولم يرخص في ذلك لأحد من العالمين، وأيضا فإنه جعل القيام بالقسط فرضاً، يجب على الكافة ولم يوجبه على الخاصة دون العامة، لأنه تعالى دعاهم باسم المؤمنين، والمؤمنون يدخل فيهم الحكام وغير الحكام، فلم يجب لأحد من أهل الإسلام أن يرى مقاماً لله فيه مقالا ليدعه، اتكالاً على غيره، والله أعلم?
ولم يجعل الأمر في تسمية القسط في الدين مردوداً إلى اجتهاد المتعبدين، وتختلف فيه آراؤهم، وتتحكم فيه أهواؤهم، فما رأوه حسنا في عقولهم فعلوه، وما قبح في أنفسهم اجتنبوه، بل دعاهم إلى فعل ما ارتضاه لهم، حسن عندهم أم قبح، قال عز وجل? ? ?إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ??? (4) ?
__________
(1) الآية 90 من سورة النحل.
(2) الآية 129 من سورة النساء.
(3) من الآية 135 من سورة النساء.
(4) من الآية 135 من سورة النساء. (1/223)
صفحة 222
ومن الكتاب قال الله تعالى? ? ? فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ??? (1) لم يكن أمراً له بقتلهم فيكونوا قد أعانوا على قتل أنفسهم، ويستحق به فرعون مدحاً إذ قد سارع إلى طاعتهم، بل كان هذا القول تسليما للقضاء وقنوعا بما أعد الله لهم من الجزاء ومثل هذا مشهور في كلام العرب، قال أبو شحر الحلمي?
??وتيقّني أني كلفتُ بكم?ش? ... ثم اصنعي ما شئتِ عن علم
ومن الكتاب مسألة في الأسماء وما يدل على مسمياتها قال الله تبارك وتعالى: * (*الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ*) * (2) فأخبر الله جل ذكره بأن البيان في اللسان، ولذلك لزمت الحجة والخطاب، فإذا ورد خطاب المخاطب بأمر أو نهي فقد لزمت حجته، وانقطع عذر المخاطب له، إذ كان من أهل ذلك اللسان، ولولا ذلك ما علم فرق ما بين الأمر والنهي، والإباحة والخطاب، ولما عرف قول القائل: قم أو اقعد، أو تكلم أو اسكت، أو تعال أو اذهب، أو خذ أو اترك، فجعل تعالى هذه الأسماء دلالات وعلامات، ليعلم بها الخلق ما خوطبوا به، ليمتثلوا ويقصدوا إليه، فخاطبهم بما يعلمونه لتجب الحجة عليهم.
فمن الأسماء ما يقع فيها الاشتراك من مسمياتها، ومنها ما لا يقع الاشتراك فيه، فما يقع الاشتراك فيه ويعرف المراد منها ونزول الشك عنها بالبيان بمقدمة أو بصفة أو إيماء أو إشارة أو دلالة تقع مع بيان المراد، ويصح معه التكيف.
مثل ذلك أن يقول القائل: لفلان يد، احتمل أن يكون أراد اليد التي
__________
(1) من الآية 72 من سورة طه.
(2) الآيات الأربعة الأولى من سورة الرحمن. (1/224)
صفحة 223
هي الجارحة، التي يبطش بها، ويحتمل أن تكون اليد هي المنة والنعمة، ويحتمل أن تكون اليد هي التصرف في الملك، واسم اليد على الإطلاق يقع على هذه الأشياء كلها، فإذا أراد المتكلم بذلك الإخبار عنها، ليبين لمن خاطبه بقرينة أو صلة، فيعلم المخاطب مراد المخاطب بالصلة أو بمقدمة ليزول الشك عن المخاطب، بقوله: فلان كتب هذا الكتاب بيده، علم أنه أراد بذلك اليد التي هي الجارحة، التي يكتب الناس بها، فإذا قال لفلان عندي يد بيضاء، علم أنه أراد بذلك المنة والنعمة، وإذا قال هذه الدار في يد فلان، علم أنه أراد بذلك اليد التي هي الملك والتصرف.
فما لم يعلم بصلة أو بمقدمة غير ما يعلم بإطلاق اللفظ به، ويقع الاسم عليه بمنفرده، فالواجب أن يعتبر الخطاب بصلته أو مقدمته، وما يتعلق به، ليصح مراد المخاطب وقصده.
فإذا قال القائل: واحد فقد أخبر عن أدنى العدد، وإذا قال اثنين فقد أخبر عن تثنية العدد، وإذا قال ثلاثة فقد أخبر عن جمع عدد هذا أوله.
وإذا قال: ثوب فقد أخبر عن جنس وأدنى العدد، وإذا قال ثوبين فقد دل على التثنية والجنس، وإذا قال ثلاثة أثواب دل على الجنس وعلى جماعة أدناها ثلاثة وأقصاها مالا غاية له.
ومن لم يعرف موضع الخطاب لم يعلم فائدة الكلام، والتبس عليه ضروب الخطاب، وبالله التوفيق.
ثم إن الله تبارك اسمه إنما جعل الخطاب للفائدة والإفهام، وليعلم المأمور غرض الأمر ومراد المخاطب، والحكيم لا يخاطب بما لا فائدة فيه، ولا يأمر بما لا يفهم عنه، ألا ترى أنه غير جائز أن يأمر أحداً بالقعود وهو يريد القيام؟ لأنه إنما يأمر ليُمتثل أمره، فإذا لم يبيّن مراده لا يمكن أن يمتثل أمره، فإذا لم يبيّن مراده لا يمكن أن يمتثل أمره، ولم يتهيأ أن يعتقد طاعته فيما كلفه إياه، وإذا كان كذلك (1/225)
صفحة 224
لم يجز أن يتأخر البيان عن وقت الخطاب، لتمام فصل الكلام، لأن تأخيره يوجب اعتقاد غير ما ظهر، لأنه إذا خاطب بظاهر الإطلاق والعموم وهو يريد التقييد والخصوص، ثم لم يقرنه بدلالة تبين عنه، كان قد ألزم عباده أن يعتقدوا خلاف ما أراه منهم، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فالخطاب إذا ورد فلعمومه صيغة، كما أن للخصوص صيغة، وللأمر صيغة وللنهي صيغة، ولكل وجه من وجوه الخطاب صيغة يعرف بها حكمه، ويدل المخاطب بها على معناه، ولن يجهل ذلك أو شيئا منه أحد من أهل اللسان والمعرفة به، من أهل اللغة والبيان.
غير أن العرب لسعة لغتهم وكثرة معاني كلامها، تعبر عن الخصوص بلفظ العموم، وعن العموم بلفظ الخصوص، وعن الحقيقة بلفظ المجاز، وعن المجاز بلفظ الحقيقة، وهذا معروف بينهم، ومنسوب عندهم، وعليه أدلة موضوعة من مقدمة الكلام وصلته، وبالإشارة المعهودة عندهم، وعلى ما يتعارفونه بينهم، فما فرق به الدليل نقل عن موضعه وصيغته.
وعلى هذا النحو جرت المخاطبة من الله تبارك وتعالى، في محكم كتابه، خاطبهم باللسان العربي المبين، فعلى هذا يجب أن يجب أن يعتبر الخطاب إذا ورد من الله جل ذكره، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم، فما ورد بلفظ العموم أجرى على عمومه، ما لم يخصه دليل المخصوص، وما جاء بلفظ الخصوص أوقف على خصوصه، ما لم يطلقه دليل العموم، وفي هذا المقدار كفاية لمن أراد الله رشاده، وبالله نستهدي وعليه نتوكل.
فالخطاب إنما يرد من الله عز وجل، بلغة من يخاطبهم، لأنه مريد لإفهامهم لقوله تعالى: * (*وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ (1/226)
صفحة 225
قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ*) * (1) فالقرآن نزل بلغة القوم الذين بُعث فيهم محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مشتمل على ضروب من الخطاب فمنه المفسر الذي يستغنى بلفظه عن بيان غيره، ومنه المجمل الذي لا يستغنى عن معرفة بيانه.
ومنه الكناية والتصريح، ومنه الحقيقة والمجاز، ومنه الخصوص والعموم، ومنه المحكم الذي يعرفه السامع، ومنه المتشابه الذي يفكر في تأويله العالم، ومنه ما يحتمل الوجوه التي لا يجوز القطع على شيء منها إلا بدليل يعلم من المراد منها، ومنه الإيجاب والإلزام، ومنه الترغيب والإرشاد، ومنه الفرض والندب، ومنه الإباحة والحظر، ومنه التعريض والإفصاح، ومنه الإطالة والإيجاز، ومنه التكرير والحذف، ومنه الإشارة والتلويح، ومنه التأكيد والترديد، وكل ذلك معروف في لغة العرب.
وعلى حسب اختلاف هذه الضروب تختلف معاني أحكامها، ولكل ضرب منها صورة يعرف بها، وصيغة وضعت لها، يعرف السامع بذلك المخاطب، وغرض المتكلم، فمن عرف ذلك وضع الخطاب موضعه، ولم يعدل به إلى غير جهته، ومن قصر علمه عن شيء من ذلك التبس عليه ما قصر علمه عنه، ولم يدرك ذلك من لم يكن عاقلا مميزاً وبالله التوفيق.
فالواجب أن يعتبر كل خطاب يحسب المعروف في اللسان، لأن منه ما يفترق ولا يتفق، ومنه ما يتفق ولا يفترق، ومنه ما يتفق لفظه ويفترق معناه، وكل ذلك معروف معناه عند أهل اللسان، وقد جعلوا للشيء
__________
(1) من الآية الرابعة من سورة إبراهيم. (1/227)
صفحة 226
الواحد أسماء كثيرة، كالأسد والفرس والسيف والخمر، وغير ذلك مما يكثر وصفه، ويطول ذكره، وقد سموا بالاسم للواحد وخلافه كالأقرا ونحوها وقد كنوا عن الشيء باسم غيره، وأشاروا إلى الشيء بمعنى غيره واستغنوا عن الاسم بالإشارة إلى الغير، واكتفوا بالإيماء عن الكلام، وأرجو أن يبين معنى ذلك بعد هذا، إن شاء الله.
ومن الكتاب صيغة الأمر إذا وردت معرّاة من القرائن والمقدمات والدلائل ووردت مطلقة كانت على الإيجاب، وقد ترد تلك الصيغة مع قرينة تنقلها إلى الندب، وقرينة ترى عجز المأمور، وقرينة تدل على إطلاق بعد حظر، وقرينة يراد بها التكرير لامتثال الأمر، وقرينة ترى رفع منزلة المأمور، وتكريما له، وقرينة ترى الوضع من المأمور، وقرينة تنقلها إلى النهي، ومنه ما يراد به التهديد والزجر.
والصيغة التي ترد مطلقة كقوله جل ذكره: * (*كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ*) * (1) توجب امتثال المأمور به، لأنها وردت مطلقة، لا قرينة معها ولا دليل بنقلها، والذي يدل على التكوين دون امتثال الأمر قوله عز وجل: * (* كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ*) * (2) لم يرد منهم أن تكون أنفسهم قردة، لعلمنا أن الفطرة تعجز عن ذلك.
والذي أريد به دون امتثال الآمر قوله تعالى: * (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ*) * (3) ثم قال: * (*فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ*) * (4) وهذا إطلاق بعد حظر غير موجب
__________
(1) من الآية الرابعة من سورة إبراهيم.
(2) من الآية 135 من سورة النساء.
(3) من الآية 65 من سورة البقرة.
(4) انظر الآيتين 9 و10 من سورة الجمعة. (1/228)
صفحة 227
على الناس أن ينتشروا كقوله: * (*وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً*) * (1) ثم قال: * (*وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ*) * (2) ولم يرد بذلك إيجاب الاصطياد وإنما أراد الإطلاق بعد الحظر وأما الذي أراد به الندب دون الفرض قوله: * (*فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا*) * (3) والأكل غير واجب باتفاق الأمة.
وأما الذي أريد به التهديد والزجر قوله جل ثناؤه: * (*وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً*) * (4) , وقوله: * (*اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ*) * (5).
وأما الذي يدل على رفع المأمور، قوله جل ذكره: * (*ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ*) * (6) وأما الذي يدل على وضع المأمور وإهانته فهو كقوله عز وجل: * (*فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا*) * (7) والخطاب إذا ورد مطلقاً فهو على إطلاقه، وإذا ورد مقيداً فهو على تقييده، إلا أن يخص ذلك دليل، والله أعلم.
ومن الكتاب: وأما ما يجيء لفظه الأمر والمراد به الخبر، فهو مثل قول الله تعالى: * (*اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ*) * (8) فابتداؤه كالأمر وهو خبر قد قرن بوعيد، وكذلك قول
__________
(1) من الآية 96 من سورة المائدة.
(2) من الآية الثانية من سورة المائدة. وفي الأصل: (فإذا حللتم) تحريف.
(3) من الآيتين 28 و36 من سورة الحج.
(4) من الآية 64 من سورة الإسراء.
(5) من الآية 40 من سورة فصلت.
(6) من الآية 46 من سورة الحجر.
(7) من الآية 29 من سورة النحل. وفي الأصل تحريف.
(8) من الآية 40 من سورة فصلت. (1/229)
صفحة 228
النبي صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» فهذا خبر عن جزاء فعل، ومن الأخبار ما روي إنما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت قل هو أخبار عن جزاء مثل قوله أعملوا ما شئتم.
ومن الكتاب: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أنس أنه صلى الظهر ذات يوم ثم جلس فقال: «اسألوني عما شئتم، ولا يسألني اليوم أحدٌ منكم عن شيء إلا أخبرته» فقام الأقرع بن حابس فقال: يا رسول، الحج علينا واجب كل عام؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه فقال: «والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تفعلوا، ولو لم تفعلوا لكفرتم، ولكن إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وما أمرتكم بشيء فأتوا به ما استطعتم»، وفي هذا الخبر دليل على أن الأمر بالفعل لا يوجب إلا فعلا واحداً، إلا أن تقوم دلالة بتكريره. (1/230)
صفحة 229
الباب الخامس عشر
في الإضمار والكتابة (1/231)
صفحة 230
فصل
فيما جاء في كتاب الله وسنة رسوله
وأما الإضمار فمثل قوله عز وجل: * (*حُرِّمَتْ علَيْكُم أُمَّهاتُكُمْ*) * يعني تزويج أمهاتكم، فأضمر: تزويج، وأما الكناية فمثل قوله عز وجل: * (*هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ*) * (1) وكقوله: * (*لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا*) * (2) فما كان على هذا ويجري مجراه فهو الكناية. وكقوله: * (*أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ*) * (3) فذكر الموضع وأكنى عن السبب الذي يكون فيه، وكذلك العذرة هي فناء الدور، سميت الأنجاس التي تلقى بفناء الدور باسم المكان، وكذلك النجو مأخوذ اسمها من المكان الذي يذهب إليه الإنسان، وينتهي بحاجته إليه، وهو المكان المرتفع، فمسته العرب إذا ارتفع من الأرض نجوة، هذا ومثله مما يذكر الشيء ويراد غيره ويكنى عن ذكره أيضا.
ومن الكناية أيضا: قول المغيرة بن شعبة أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذهب بحاجة الإنسان ذهب فأبعد المذهب، يعني الغائط وأكنى عن ذكره.
ومن الإضمار أيضاً قوله عز وجل: * (* فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ*) * (4) يعني فاستشهدوا على زناهن أربعة منكم، فأضمر ذكر الزنى.
__________
(1) من الآية 187 من سورة البقرة.
(2) من الآية 21 من سورة الروم.
(3) من الآية 43 من سورة النساء.
(4) من الآية 15 من سورة النساء. (1/232)
صفحة 231
ومن الإضمار أيضاً قوله: * (*وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا*) * (1) يعني عن قومه، فأضمر: من، وكقوله عز وجل: * (*وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ*) * (2) يعني: الأرض، فأضمرها في الخطاب، والله أعلم، وكقوله: * (*حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ*) * (3) يريد: الشمس، فأضمر ذكرها، وكما يقول الناس ما أعلم من فلان يعنون بذلك القرية والبلدة والمدينة ونحوها، وكقول الله تعالى: * (*فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ*) * (4) فأضمر في الخطاب، أنه ضرب فانفلق، وأضمر ذكر: ضرب.
ومن الكتاب: وأما ما يسمى الشيء باسم الفعل قيل كونه قول الله تعالى: * (*وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ*) * (5) فسماهما شهيدين ولم يقع الفعل منهما، ولكن لما جاز أن يشهد مثلهما، ويكونا في الحال الثانية، ممن يشهد ويستحق الاسم، جاز أن يجري عليهما اسم ما يستحقانه من بعده، وكذلك قوله عز وجل، فيما حكاه عن صاحب الملك: * (* إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً*) * (6) وليس بخمر في
__________
(1) من الآية 155 من سورة الأعراف.
(2) من الآية 45 من سورة فاطر.
(3) من الآية 32 من سورة ص.
(4) من الآية 63 من سورة الشعراء، وفي الأصل: (وأوحينا ... إلخ) تحريف.
(5) من الآية 282 من سورة البقرة.
(6) من الآية 36 من سورة يوسف. (1/233)
صفحة 232
حال العصير، وإنما يعصر عنباً حلالا، ولكن لما جاز أن يصير خمراً، ويستحق اسم الخمر من بعد، جاز أن يسمى بالاسم الذي ينتقل إليه، وكذلك الصيد يسمى صيداً قبل اصطياده، ويقع عليه اسم الصيد، فسمي صيداً أيضا بعد أخذه.
وقد يجري على الشيء اسم فعل، وقد انقضت أوقاته، نحو قوله جل ذكره: * (*وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ*) * (1) فأجرى عليهم في حال سجودهم وبعد توبتهم وإسلامهم اسم السحر، الذي كانوا عليه قبل إسلامهم، وكذلك قوله عز وجل: * (* وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ*) * (2) يعني بذلك، والله أعلم اللواتي كن أزواجا، ومثل هذا كثير، ويوجد في اللغة جوازه.
وأما أدوات الخفض فإن بعضها ينوب عن بعض نحو قوله جل اسمه: * (*وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ*) * (3) يعني على جذوع النخل، وكذلك قوله: * (*قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء*) * (4) يعني إلى السماء، وقوله: * (*فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا*) * (5) وكذلك قوله تعالى: * (* فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ*) * (6)
__________
(1) الآية 120 من سورة الأعراف، وفي الأصل: (فألقي ... إلخ) تحريف.
(2) من الآية 234 من سورة البقرة.
(3) من الآية 71 من سورة طه.
(4) من الآية 144 من سورة البقرة.
(5) من الآية 144 من سورة البقرة.
(6) من الآية 234 من سورة البقرة. وفي الأصل: (أنفسهن من معروف) تحريف. (1/234)
صفحة 233
يعني بما فعلن بأنفسهن من البرور وطلب الأزواج، وقوله عز وجل: * (*وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ*) * (1) يعني بخشية الله، وقوله: * (*لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ*) * (2) يعني بأمر الله، والله أعلم.
__________
(1) من الآية 74 من سورة البقرة.
(2) من الآية 11 من سورة الرعد. (1/235)
صفحة 234
[صفحة بيضاء] (1/236)
صفحة 235
الباب السادس عشر
في الناسخ والمنسوخ (1/237)
صفحة 236
فصل
في ذكر الآيات والأحاديث المؤيدة لذلك
وسمعنا أن كل شيء في القرآن من العفو والصفح والإعراض عن المشركين نسختها آية السيف في براءة، وكل شيء من التخويف للنبي صلى الله عليه وسلم نسختها الآية التي في الفتح: * (* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ*) * (1)، وكل شيء في القرآن ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله وقوله: * (*إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ*) * ونحو هذا نسخته: * (* وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ*) * (2) وكل طعام من المال نسخته آية الصدقة المفروضة ونسخت الصلاة المفروضة كل صلاة غير ذلك في القرآن.
مسألة: قال أبو سعيد رضي الله عنه: قد قيل إن القرآن على عشرة أوجه: أمر ونهي، ووعد وعيد، ومحكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وأخبار وأمثال، قال: فأما الوعد والوعيد والمحكم والمتشابه والأخبار والأمثال فلا يجري عليه نسخ وهو بحاله، وأما الأمر والنهي فهو الذي يجري عليه النسخ، هكذا عندي أنه قيل.
في الناسخ والمنسوخ من القرآن: من جامع أبي محمد: والنسخ على ثلاثة أوجه: وجهان مفهومان منها عند العامة، وأحدهما انتساخ الشيء من كتاب كان فيه إلى كتاب آخر، والآخر نسخ الشيء وتحويله
__________
(1) من الآية الثانية من سورة الفتح.
(2) من الآية 122 من سورة التوبة. (1/238)
صفحة 237
وتبديله، هذا هو الذي يفهمه الناس في القرآن والسنة جميعاً، والوجه الثالث: أن يحصى الشيء على عامله، ويستحفظ به عليه، نحو قول الله جل ذكره: * (*هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ*) * (1)، يريد والله أعلم إنا كنا نحصيه عليكم، حتى نعيد ذكره إليكم، فتعلمون أنكم تجزون بما كسبت أيديكم، وإنما انتساخ الكتاب من كتاب كان قبله إلى كتاب آخر بعده، فقد أخبرنا الله تعالى أن القرآن في لوح محفوظ، بقوله: * (*بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ*) * (2)، وبقوله: * (*يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ*) * (3) وإذا كان القرآن عنده في أم الكتاب في لوح محفوظ، ثم أنزله على محمد ما في ذلك اللوح المحفوظ والكتاب المكنون وذلك الكتاب عند الله في موضعه.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوما في أصحابه قاعداً إذ ذكر حديثا فقال: «ذلك أو أن نسخ القرآن» فقال رجل كالأعرابي: يا رسول الله ما ينسخ، أو كيف ينسخ؟ فقال: «يذهب أهله ويبقى رجال كأنهم النعام» يعني حلة الطير.
واختلف الناس في أول سورة أنزلت، فقال بعضهم: أول سورة: * (*اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*) * (4) وآخر سورة أنزلت، فقال بعض: أول سورة * (*اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*) * وآخر سورة أنزلت المائدة، وآخر آية أنزلت: * (*وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ
__________
(1) الآية 29 من سورة الجاثية.
(2) الآيتان 21 و22 من سورة البروج.
(3) الآية 39 من سورة الرعد.
(4) أول سورة العلق. (1/239)
صفحة 238
إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ*) * (1).
وقال آخرون: آخر آية أنزلت: * (*لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ*) * (2).
وسنذكر من الناسخ والمنسوخ ما فيه دلالة على معرفة الناسخ الذي يجب العمل به، والإيمان بالمنسوخ الذي نهينا عن العمل به بعد نسخه، بإذن الله وتوفيقه، قال الله تبارك وتعالى: * (*مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا*) * (3) يعني: خير منها لكم أو مثلها في العمل والفرض أو ننسها فنتركها على حالها، والله أعلم.
وقال قوم من أهل التفسير: أو ننسها فلا تقرأ على وجه الدهر، يقول صاحب هذا التفسير: إنه ينهى عن قراءتها فلا تقرأ حتى تنسى.
وفي الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض عليه الصلوات الخمس قبل الهجرة بنحو سنة، وصلى عليه السلام إلى بيت المقدس بعد هجرته سبعة عشر شهراً، وكان الأنصار وأهل المدينة يصلّون إلى بين المقدس نحو سنين.
قال المضيف لعله أراد صلوا قبل هجرته عليه السلام وبعد هجرته بسنتين إلى بيت المقدس.
رجع: قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم،
__________
(1) الآية 281 من سورة البقرة.
(2) من الآية 128 من سورة التوبة.
(3) من الآية 106 من سورة البقرة. (1/240)
صفحة 239
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة إلى الكعبة ثمان سنين، إلى أن أعرج به إلى بيت المقدس، ثم تحول إلى قبلة بيت المقدس، لئلا تتهمه اليهود ولا تكذبه، ولما كانوا يجدونه من صفته معهم ونعته في التوراة، فقالت اليهود: يزعم محمد أنه نبي وقد استقبل قبلتنا، واستن لسنتنا، فما نراه أحدث في نبوته شيئاً.
وكانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي قبلة إبراهيم عليه السلام، وكره النبي عليه السلام قبلة اليهود فسأل جبريل عليه السلام أن يسأل له ربه أن ينقله إلى قبلة إبراهيم عليه السلام، فقال: إنما أنا عبد مثلك، فانصرف من عنده، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلب نظره نحو السماء فأنزل الله: * (* قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ*) * (1).
وأنزل الله عز وجل: * (*فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ*) * (2) وكان الموصي يسلم والوصي يلزمه ذلك، وكان الرجل يوصي بجميع ماله، فلا يدع لورثته شيئا، فأنزل الله: * (*فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ*) * (3) فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الثلث وأنزل الله جل ذكره: * (*وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً*) * (4) وكان الرجل إذا حضره الموت لم يورِّث زوجاته
__________
(1) من الآية 144 من سورة البقرة.
(2) من الآية 181 من سورة البقرة.
(3) من الآية 182 من سورة البقرة.
(4) الآية التاسعة من سورة النساء. (1/241)
صفحة 240
ولا بناته ولا الصغار من أولاده، إنما يورّث من أولاده من يحمل السلاح، ويقاتل على ظهور الخيل، فأنزل الله: * (*وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً ... *) * الآية (1).
وكان الوصية للوالدين والأقربين واجبة جائزة لقوله عز وجل: * (*كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ*) * (2) ثم نسخت هذه الآية بآية المواريث في سورة النساء، وقال قوم ممن يقول إن السنة تنسخ القرآن إنما نسختها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث».
وكان فرض الصيام واجبا في الحضر والسفر بقوله عز وجل: * (* كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ*) * (3) ثم رخص بعد ذلك للمسافر والمريض: * (*كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ*) * من اليهود والنصارى والملل التي قبلكم * (*لَعَلَّكُم*) * يعني لكي * (*تَتَّقُونَ*) * الأكل والشرب والجماع، وغير ذلك مما نهى عنه في الصيام، وقال تعالى: * (*وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ*) * فقال قوم: يطيقون الصيام من غير سفر ولا مرض، وقال قوم: يطيقون الإطعام، وقال قوم: كانوا يطيقونه ثم عجزوا عنه، وقال قوم: إنها منسوخة نسخها فرض الصيام، وأما قوله تعالى: * (*فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ*) * إن أطعم مسكينين، كل واحد نصف صاع براً، فهو خير، هكذا وجدت في بعض التفسير، فالواجب
__________
(1) الآية التاسعة من سورة النساء.
(2) من الآية 180 من سورة البقرة.
(3) أنظر الآيات 183 و184 و185 من سورة البقرة. فهي تشمل كل ما ورد هنا عن الصيام. (1/242)
صفحة 241
إطعام واحد، يقال نسخها قوله تعالى: * (* شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ*) * من الحلال والحرام. والله أعلم.
وقوله: * (*فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ*) *.
وأما قوله: * (* الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ*) * يعني من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في كل ليلة قدر ما يحتاج الناس إليه لسنته. والله أعلم.
وقوله: * (* يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ*) * اليسر السعة، والعسر الضيق، ولولا أنه رخص للمريض والمسافر لكان قد ضيق عليهما، وأما قوله: * (*وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ*) * فقال قوم من أهل التفسير: يكبرون على الضحايا والذبائح، أي التي هداكم بتأديتها، وقال قوم: يكبرون على إثر رمضان ليلة الفطر.
وقوله: * (* وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ*) * يعني الولد.
وأما قوله: * (*وَالَّذِينَ عَقَدَتْ (1) أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ*) * (2) فقد كان الرجل (3) من العرب في صدر الإسلام يعاقد أجنبيا، يعني يحالفه على النصرة له على عدوه، يقول: هدمي هدمك ودمي دمك، تنصرني على عدوي ترثني وأرثك، فلا يورث قرابته من ماله شيئا، ثم نسخها قوله تعالى: * (*وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى
__________
(1) في الأصل: "عاقدت" تحريف.
(2) من الآية 33 من سورة النساء.
(3) في الأصل: "فإنه كان الرجل". (1/243)
صفحة 242
بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ*) * يعني في اللوح المحفوظ من العقد والحلف الذي كان يفعله الناس، والقرابات أولى. والله أعلم.
وأما قوله تعالى: * (*الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ*) * يعني مسلطون على النساء في الضرب الذي أمر الله والتأديب نسخها آية القصاص: * (*الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى*) * في قول بعض أهل التفسير.
وقال قوم الآية التي يذكر فيها الضرب والتأديب غير منسوخة وأن الرجل يقتص من زوجته وتقتص منه، فنسخ الاقتصاص بين الزوجين بقوله: * (*الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء*) * أي مسلطون.
وأما قوله: * (* وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ*) * (1) يعني بالظلم، فلما نزلت هذه الآية قالوا: أما بالمدينة ما أعز من الطعام؟ فكان الرجل يتحرج لا يأكل في بيوت الأهل بنسخها: * (*لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً*) * (2) وقال قوم ليس هذا نسخ هذا تخصيص لبعض الآية، وهذا القول النظر عندي لأن حقيقة النسخ أن يرفع حكم المنسوخ بكليته.
وأما قوله: * (*مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ*) * (3)
__________
(1) من الآية 188 من سورة البقرة.
(2) انظر الآية 61 من سورة النور. وفي الأصل خلط في النص القرآني.
(3) من الآية 67 من سورة الأنفال. (1/244)
صفحة 243
نزلت هذه الآية في الفداء الذي أخذه النبي صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فعاتبه الله على ذلك، ثم أباح له الفداء بعد ذلك لقوله تعالى: * (*حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء*) * (1) فكانت هذه الآية ناسخة للأولى.
وأما قوله: * (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً*) * (2) نسختها: * (*أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ*) * (3).
وأما قوله: * (*وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ*) * (4) فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحض المسلمين على فعل الصدقة فسألوه عن ذلك فأنزل الله جل ذكره: * (*وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ*) * (5) وهو ما فضل من القوت، فإذا كان من أصحاب الذهب والفضة أمسك لقوته وعياله وتصدق بالباقي، وإن كان ممن يعمل بيده مسك قوت يومه، وأنفق الباقي، نسختها قوله: * (*قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ*) * (6) ثم نسخها قوله تبارك وتعالى: * (*إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ... *) * الآية في سورة براءة (7).
__________
(1) من الآية الرابعة من سورة محمد. وفي الأصل: (فإذا) بدل (حتى إذا) تحريف.
(2) من الآية 12 من سورة المجادلة.
(3) من الآية 13 من سورة المجادلة.
(4) من الآية 219 من سورة البقرة.
(5) من الآية 219 من سورة البقرة.
(6) من الآية 215 من سورة البقرة.
(7) الآية 60. (1/245)
صفحة 244
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تصدقوا فإن صدقة السر تقي مصارع السوء وتدفع ميتة السوء» وقوله جل ذكره: * (* وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ*) * (1) كان الرجل إذا حضره الموت يوصي لزوجته بسكنها ومؤونتها سنة كاملة، ثم نسختها الآية: * (*وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً*) * (2) وبطلت الوصية لها بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث» فصار المفروض لها الربع أو الثمن من مال زوجها.
وأما قوله تعالى: * (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ ... *) * (3) الآية، فلما نزل تحريم الخمر قال المشركون: كيف لكم عن شربها منكم قبل تحريمها، وما حال من مات منكم على شربها، وقد سماه الله رجسا من عمل الشيطان، وقد مات من مات منكم على شربها؟ فأنزل الله: * (*لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ... *) * الآية (4).
وأما قوله تبارك اسمه: * (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً*) * (5) وذلك أن بعض الصحابة أرادوا أن يقتطعوا هديا لقوم سرقوا أموالا
__________
(1) من الآية 240 من سورة البقرة.
(2) من الآية 234 من سورة البقرة.
(3) الآية 90 من سورة المائدة.
(4) الآية 93 من سورة المائدة.
(5) من الآية الثانية من سورة المائدة. (1/246)
صفحة 245
بالمدينة وساقوها عليهم، فأنزل الله عز وجل: لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً*) * (1) لحجهم. فحرم بهذه الآية القتال في الشهر الحرام، وما سيق إلى البيت من هدي، ثم نسخها بقوله: * (*فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ*) * (2) ونسخ ذلك أيضاً بقوله: * (* إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا*) * (3).
وأما قوله: * (*وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا*) * (4) يقال كانوا إذا حرموا لم يدخل أحد منهم من باب بيته ولم يخرج منه وإنما كان ينقب من ظهره نقبا ويخرج منه وإن كان خبا رفعه وخرج من ظهره، نسخها: * (*وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*) * (5).
وأما قوله عز وجل: * (*وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ*) * (6) كان الرجل إذا حلف على قطع رحم لا يكلمه، ومعروف لا يفعله، كان لا يفعل ذلك ليبرّ بالقسم، لئلا يأثم، فأنزل الله: * (*وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ*) * وكان الرجل إذا حلف
__________
(1) من الآية الثانية من سورة المائدة.
(2) من الآية الخامسة من سورة التوبة.
(3) من الآية 28 من سورة التوبة.
(4) من الآية 189 من سورة البقرة.
(5) من الآية 189 من سورة البقرة.
(6) من الآية 224 من سورة البقرة. (1/247)
صفحة 246
إذا أغضبه أحدهم خاف أن يحنث، فأخبره الله أن الوفاء باليمين معصية، فقال: * (* لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ*) * (1) يعني -والله أعلم- إذا تعمدوا في باب الإثم.
وأما قوله: * (* وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ*) * (2) كان الرجل إذا طلق زوجته واحدة أو اثنتين كان أملك بردها، ما لم يتزوج، حتى يكون ثلاث تطليقات، فتصير أملك بنفسها، وقال قوم ولو طلقها ثلاثا ما لم يتزوج، نسختها الآية التي في الطلاق قول الله عز وجل: * (*إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ... إلى قوله: * (*لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ*) * (3).
وأما قوله: * (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ*) * (4) كان الرجل قبل الإسلام إذا مات وترك امرأته، قام إليها ابنه من غيرها، أو وارثه من قرابته إذا لم يكن له ولد، طرح ثوبه على امرأة حميمه، فردت نكاحها بالمهر الأول مهر الميت، ثم يمسكها، فإن كانت شابة جميلة ذات مال، عجل
__________
(1) من الآية 225 من سورة البقرة.
(2) من الآية 228 من سورة البقرة.
(3) انظر الآيتين الأولى الثانية من سورة الطلاق.
(4) من الآية 19 من سورة النساء. (1/248)
صفحة 247
بها رغبة بها، ورغبة في مالها وشبابها، وإن كانت كبيرة السن دميمة أمسكها، فلم يدخل بها وضارها، حتى تفتدي منه بمالها، ثم يخلي سبيلها، فأنزل الله هذه الآية: * (*لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ*) * يعني لا تحبسوهن إذا لم يكن لكم إليهن حاجة لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من المهر * (* إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ*) * وهو الزنا. والله أعلم.
وقال قوم هو النشوز، فإذا فعلت ذلك حل له أخر المهر منها والفداء، فكان الرجل كذلك، حتى نشزت جميلة بنت عبد الله بن أبي من زوجها ثابت بن قيس الأنصاري مرتين، يشكو ثابت بن قيس فيردها أبوها إليه ويقول: يا بنية ارجعي إلى زوجك واصبري، فلما رأت أن أباها لا يمكنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه، وذكرت له أنها كارهة له، فأرسل إلى زوجها، فقال: يا ثابت مالك ولأهلك؟ قال: والذي بعثك بالحق نبيا ما على ظهر الأرض أحب إلي منها غيرك، وإني إليك لمحسن جهدي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الذي تقولين فيما قال ثابت؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها فقالت: صدق يا رسول الله، ولكني قد تخوفت أن يدخلني النار، تعني أنها مبغضة له، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين ما أخذت منه ويخلي لك سبيلك؟ فقالت: نعم، قال يا ثابت ما تقول؟ ترضى أن ترد عليك ما أخذتْ منك وتخلي سبيلها؟ قال: نعم يا رسول الله، قد أخذت مني حائطا ترده عليّ، وأخلي سبيلها، فردت عليه وخلى سبيلها، وكان هذا أول خلع في الإسلام ونسخ العضل وأخذ المال كرها.
وأما قوله عز وجل: * (* وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ (1/249)
صفحة 248
أَيْمَانُكُمْ*) * (1) فحرم بهذه الآية كل امرأة لها زوج، ثم نسخ هذه الآية وخص حكمها بسبايا بني المصطلق وغيرهم، ولهن أزواج مقيمون في دار الحرب، فقال قوم: بل استثنى في هذه الآية: * (* إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ*) * يعني من السبايا، وأما قوله تعالى: * (*فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ*) * ففي قراءة عبد الله بن مسعود: (فما استمتعتم به فهن إلى أجل مسمى، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) يعني من الأجل الأول، والله أعلم.
قيل إن هذه الآية كانت متعة في أول صدر الإسلام للمسلمين ثلاثة أيام، حيث اعتمروا عمرة إلا ما فلما قضى عمرته حرمها ونهى عنها أشد النهي، وكان الرجل ينطلق إلى المرأة من أهل مكة فيستمتع منها بشيء يتفقان عليه بأمر الولي فإذا تم الأجل ورغبا في الزيادة زاد، ولم يحضر الولي وإنما يكون على العقد الأول، فإذا مات أحدهما لم يرث الحي منهما، ولم يكن عليه منه عدة، نسختها آية العدة والمواريث، ومن قال بأن السنة تنسخ الكتاب يقول تنسخ بقول الرسول عليه السلام: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين».
__________
(1) من الآية 24 من سورة النساء. (1/250)
صفحة 249
فصل
من جامع أبي محمد
النسخ لا يقع إلا في الأمر والنهي، ولن يجوز ذلك في الخبر، لأنه ليس يجوز أن يقول الصادق جل ذكره أن يكون كذا أو كذا، ثم ينسخ ذلك أن يقول: إنه لا يكون، أو يقول إنه لا يكون، ثم يقول: إنه يكون، وكذلك في الماضي هذا هو الكذب والله يتعالى عنه علوا كبيرا.
وقد اختلف الناس في هذا الباب على وجوه، فقال قوم: إن المنسوخ ما رفع تلاوته وتنزيله، كما رفع العمل به، وقال آخرون: إن النسخ لا يقع على قرآن قد نزل وتلي، وحكم بتأويله النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن النسخ ما أنزل الله في حكمه من التفسير الذي أراح عنهم ما قد يجوز أن يمتحنهم به من الأمور الشديدة والأمور العظام، التي تعبد بها من كان قبلهم من الأمم، وهرب هؤلاء من أن يقولوا إن الله جل ذكره ينسخ شيئا بعد نزوله وبعد أن عمل به المؤمنون عن ربهم بحضرة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وزعموا أن من وصف الله بذلك فقد أخطأ.
وقال آخرون: إنما الناسخ والمنسوخ هو أن الله جل ذكره نسخ القرآن من اللوح المحفوظ، الذي هو أم الكتاب، والنسخ لا يكون إلا من أصل.
وقال آخرون: بل يجوز أن ينسخ قرآنا أنزله بأن يبدل آية أخرى كضد ما أنزلت به الأولى فتتلى الأولى كما كانت تتلى، ويكون العمل على الأخرى، وقد يجوز أن الله يرفع تلاوة الأولى كما رفع العمل بها، واختلفوا في وجه آخر فقال قوم: لا ينسخ منه القرآن إلا بقرآن مثله، واحتجوا بقول الله تعالى: * (* مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ (1/251)
صفحة 250
بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا*) * (1) ولم يكن ما ليس بقرآن خير من القرآن.
وقال آخرون: بل السنة تنسخ القرآن والقرآن لا ينسخ السنة، وقال آخرون: السنة إذا كانت بأمر الله من طريق الوحي وإن لم يكن ما أوحى به فيها قرآنا فإنها تنسخ القرآن، وإذا كانت على طريق الاجتهاد والرأي فإنها لا تنسخ بل لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليجتهد في أمر محكم، بخلاف ما في القرآن بل للأمر حكم الاجتهاد، وفيها منه حكم مبين.
قالوا: والقرآن ينسخ السنة عن أمر الله أو باجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا التفسير من السنة، إنما يحتاج إليه من يجيز الاجتهاد، ويجيزه النبي صلى الله عليه وسلم وأما من أبى ذلك فإن السنة عنده لا تكون إلا بأمر الله جل ذكره، والسنة عنده تنسخ القرآن، والقرآن ينسخ السنة، والنظر يوجب أن القرآن والسنة حكمان لله، ينسخ كل واحد منهما بالآخر.
ويدل على ذلك قول الله جل ذكره: * (*وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى*) * (2) فأخر جل ذكره أن الكل من عنده وبأمره.
واختلفوا في ذلك من وجه آخر: فزعم قوم أن الآيتين إذا وجبتا حكمين مختلفين، وكانت إحداهما متقدمة للأخرى، فالمتأخرة ناسخة للأولى كقول الله جل ذكره: * (*كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ
__________
(1) من الآية 106 من سورة البقرة.
(2) الآيتان الثالثة والرابعة من سورة النجم. (1/252)
صفحة 251
أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ*) * (1) نسخه قوله بعد ذلك: * (*وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ*) * (2) وقال: * (*فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ*) * (3) فالآخرة ناسخة للأولى، ولن يجوز أن يكون لهما الوصية والميراث.
وقال آخرون: بل ذلك جائز وليس في الآيتين ناسخ ولا منسوخ، وإنما نسخ للوصية للوارث بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا فالناسخ لا يكون إلا بما يجوز اجتماعه والمنسوخ، ولا يجوز الحكم بهما في حال واحدة على لسان واحد.
والنظر يوجب عندي والله أعلم أن الوصية للوالدين والأقربين غير منسوخة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث» ليس ينسخ بها، وإنما هو بيان بحكمها، لأنه من ليس بوارث من والدين وأقربين فالوصية لهم واجبة، ولم يقل إنها واجبة، فعنده أنها جائزة.
فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الوصية لا تجب لمن كان وارثا، واختلفوا في ذلك من وجه آخر فقال قوم: الناسخ والمنسوخ قد يكون في وصف الله والثناء عليه، وفيما ليس بأمر ولا نهي، من الخبر وغيره، وقد بينا قبل هذا ما نذهب إليه ونختاره وهو أهل الحق: إن النسخ لا يكون إلا في الأمر والنهي.
__________
(1) من الآية 180 من سورة البقرة.
(2) من الآية 11 من سورة النساء.
(3) من الآية 11 من سورة النساء. (1/253)
صفحة 252
وقال قوم ممن لا يلتفت إلى قولهم إلا أنهم على حال ينسبون إلى أهل القبلة أن الأئمة المنصوص عليها زعموا مفوض إليها نسخ القرآن وتبديله ويجاوز عن بعض هؤلاء حتى أفرطوا وخرجوا من الدين أن النسخ يجوز على سبيل الندا وهو أن يأمر الله بالشيء وهو لا يريده في وقت أمره أن يغيره ولا يبدله، ثم يبدو له فيغير ذلك ويبدله وينسخه، جل ذكره وتعالى عما قالوا، وعندهم أنه لا يعلم الشيء حتى يكون إلا ما يقدره فيعلمه على تقديره.
وزعم قوم ممن يدعون علم القرآن أنما أنزل بالمدينة ناسخاً لما أنزل بمكة وهذا غلط عندي لما ذكروا أن النسخ لا يكون إلا في الأمر والنهي، لأنه قد يجوز أن يكون قد نزل بمكة نسخ ما قد تقدمه في النزول بها، وكذلك القول فيما نزل بالمدينة، فمن الحجة على من أبطل النسخ وأفسده ورأي أن القول به كالقول بالندا ما وجدنا من أفعال الله جل ذكره، وهو أن يحي الإنسان ما كانت الحياة أصلح له في التدبير، ثم يميته ويصحه ما دامت الصحة أصوب له في تدبيره تعالى، ومن الحجة عليهم أيضاً اختلاف شرائع الأنبياء، صلوات الله عليهم، في الأحكام، لا في التوحيد والوعد والوعيد، ونسخ بعضها لبعض، فإن أنكر ذلك منكر وزعم أن شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم كانت متفقة، وأن شيئاً منها لم ينسخ ما تقدمه، فالحجة عليه قول الله عز وجل، حكاية عن المسيح صلى الله عليه وسلم حيث يقول: ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، بتحريم صيد السمك في يوم السبت، على من حرم ذلك، وتحليل ذلك لنا، وبالكف عن العمل يوم السبت وما أمر به بنو إسرائيل من ذلك، وإباحته لنا، ودليل آخر وهو قول الله تعالى: * (*فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ (1/254)
صفحة 253
أُحِلَّتْ لَهُمْ*) * والحجة على من زعم أن النسخ لا يكون حتى يرفع تلاوته ما نسخ الله من التوراة بالقرآن وهما متلوان جميعاً.
فأما نسخ القرآن بالسنة فقد قال به أكثر أصحابنا، واحتجوا بأن الله فرض علينا سبع عشرة ركعة في كل يوم وليلة ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سن أن على المسافر بعض ذلك دون جميعه، فإن احتج محتج من قال أن القرآن لا ينسخه إلا قرآن، فإن نسخ فرض الصلاة للمقيم يقول الله جل ذكره: * (*وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ*) * فإن الآية إنما أوجبت القصر على وجه الخوف، وقد أجمع المسلمون من أهل الصلاة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم بقصر الصلاة في حال الأمن دون الخوف وهذا يدل على أن الآية ليست بناسخة، والله أعلم.
وأما من زعم أن السنة تنسخ القرآن والقرآن لا ينسخ السنة وأن من الحجة عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يزل يصلي إلى بيت المقدس بغير قرآن نزل، ثم إن الله نسخ ذلك بقرآن أنزله وحول القبلة إلى الكعبة.
وأما من قال إن نسخ القرآن مفوض إلى الأئمة فإنهم احتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجتهد رأيه في الأحكام، قال: وإذا كانت السنة اجتهاداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد يجوز أن ينسخ القرآن السنة، وإذا جاز نسخ القرآن بالسنة من طريق الأحكام وتفويض الأحكام إلى الرسول عليه السلام قالوا فجائز للإمام من بعده الذي نص عليه أن يجتهد فيما فوض إليه، فالحجة عليهم في ذلك غير قليل من ذلك، قول الله عز وجل: * (*قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ (1/255)
صفحة 254
إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ*) * وقوله عز وجل: * (*وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى*) *.
وأما من زعم أن الله جل ذكره لا يعلم الشيء حتى يكون، وأجاز لذلك البدء على الله كما أجاز غيره، والنسخ على أخبار الله وصفاته، فالحجة عليهم قول الله جل ذكره: * (*وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*) * ثم قال: * (*وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ*) * فأخبر بما يقولون قبل أن يقولوا وأخبر أنهم ولو ردوا كيف يكون حالهم فقد علم ما يكون من قولهم قبل أن يكون، وعلم ما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون ونظائر هذا في القرآن كثير وغيره وبالله التوفيق.
ومن الكتاب: والذي عليه جل فقهاء أصحابنا أن القرآن ينسخ بالقرآن وينسخ بالسنة، كما أن السنة تنسخ بالسنة، وقد وجدت لبعض أصحابنا أن السنة لا تنسخ القرآن، ولعل هذا مذهب بعض البصريين، وحجة هؤلاء أن القرآن لا يعلم نسخه إلا بخبر من الله تعالى أو الرسول عليه السلام، أو إجماع الأمة على النسخ، أو تقوم دلالة من نفس الخطاب ولم تقم الدلالة من هذه الوجوه.
قالوا: وقد قال الله جل ذكره: * (*مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا*) * والسنة ليست مثل القرآن، والسنة وإن كانت حكماً من الله تعالى فليست مثل القرآن في نفسه معجز، قال الله جل ذكره: * (*قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً*) *. (1/256)
صفحة 255
والسنة ليست بنفسها معجزة، فإذا لم تكن مثل القرآن إلا من طريق الحكم لم يجز أن تنسخ القرآن، والحجة لمن أجاز نسخ القرآن بالسنة قالوا: لأن القرآن حكم الله جل ذكره، والسنة حكم نبيه، ينسخ أحدهما بالآخر، واحتجوا بقول الله جل ذكره: * (*وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى*) *.
والكتاب ذات على أنه لخبر عن الله جل ذكره فهو ينسخ أحكامه بعضها ببعض مرة بالكتاب، ومرة بالسنة على لسان نبيه عليه السلام، والله أعلم بالأعدل من القولين. (1/257)
صفحة 256
[صفحة بيضاء] (1/258)
صفحة 257
الباب السابع عشر
فيما عزى الله به نبيه (1/259)
صفحة 258
فصل
من جامع أبي محمد
مسألة ما دل عليه البيان في ظاهره تعزية لنبيه صلى الله عليه وسلم وإعلاماً أن ما في أيدي المشركين من زهرة الدنيا غير موصول بنعيم الآخرة، وإنما هو فتنة لهم في العاجلة ووبال عليهم في الآجلة، وقال الله جل ذكره: * (*وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى*) * وقال الله جل ذكره: * (*فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ*) * كل هذا القول من الله تعالى تعزية لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال الله جل ذكره: * (*وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ*) * وقال عز وجل: * (*وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ... *) * الآية، وقال عز وجل: * (*فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ*) * فكل هذا إخبار من الله عز وجل وتحذير في أواخر هذه الآيات ما يدل على تأويل أوائلها، ألا ترى أنه لما قال جل اسمه: * (*وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا*) * لم يدع ذلك الكلام منقطعا من البيان، حتى قال: * (*لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى*) *.
وكما قال جل ذكره: * (*فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ*) * (1/260)
صفحة 259
لم يدع الكلام مرسلا فيكون تأويله مشكلا حتى وصله بأن قال: * (*إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا*) *، وكذلك الآيتان اللتان ذكرناهما بعد هذا أوصل كل آية منهما في آخرها بخبر، يدل على تأويل ما قبله فتبين هذا تجده كثيرا في الكتاب، فإن من سبق له من الله التوفيق. (1/261)
صفحة 260
[صفحة بيضاء] (1/262)
صفحة 261
الباب الثامن عشر
في قراءة القرآن (1/263)
صفحة 262
الفصل الأول
من كتاب الأشراف
واختلفوا في قراءة الجنب والحائض للقرآن فممن روينا عنه أنه كره أن يقرأ الجنب القرآن: عمر وعلي والحسن البصري والنخعي والزهري وقتادة، وروينا عن جابر أنه سئل عن المرأة الحائض والنفساء هل يقرآن شيئا من القرآن؟ فقال: لا، وقال عبيدة: الجنب مثل الحائض لا تقرأ القرآن.
وقال جابر بن زيد: الحائض لا تتم الآية، واختلف عن الشافعي في قراءة الحائض للقرآن، فحكى أبو ثور أنه قال: لا بأس أن تقرأ، وحكي عن الربيع أنه قال: لا تقرأ الجنب ولا الحائض ولا تحملان المصحف، وكان أحمد يكره أن تقرأ الحائض القرآن، وذكر الجنب فقال: أما حدث على فقال لا ولا حرفا، وقال مرة طرف الآية، وكذلك قال إسحاق، وحكى أبو ثور عن الكوفي أنه قال: لا تقرأ الحائض، وقال أبو ثور: لا تقرأ الحائض والجنب القرآن، ورخصت طائفة للجنب في القراءة، وروينا عن ابن عباس أنه كان يقرأ وردا وهو جنب ورخص عكرمة وابن المسيب في قراءته.
وقال مالك: لا يقرأ الجنب إلا أن يتعوذ بالآية في منامه وفيه قول: وهو كراهية أن يقرأ الجنب القرآن، وإباحة ذلك للحائض هذا قول محمد بن مسلمة، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أنه لا تقرأ الحائض والجنب القرآن إلا لمعنى ضرورة أو سبب يوجب ذلك.
ومعي أنه قد أتى ما يشبه هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم (1/264)
صفحة 263
إلا الآية والآيتين يتعوذ بهما، كذلك عنه نحو هذا إلا أنهما لا يحملان المصحف، ورخص من رخص لهما في حمل المصحف ليسره، والحائض والجنب في معاني قول أصحابنا إنهما يشبهان في هذا المعنى بمعاني المشرك لأنه ثابت عليهما الغسل، وقد قال الله تعالى: * (*إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ*) * وقال: * (*وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ*) * وقال: * (*وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ*) * وكذلك الحائض في قوله حتى يطّهران فإذا تطهرتا فهما غير متطهرتين في معنى ثبوت الطهارة لهما، ولا أعلم بين أصحابنا اختلافا أن المشرك لا يقرب إلى قراءة القرآن، وقد قال من قال منهم في هذه الآية * (*لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ*) * يعني بذلك الصلاة، وهذا معنى مشبه في ظاهر أحكام التعبد وقد قال غير هذا في الآية.
واختلفوا في قراءة القرآن في الحمام، وكان أبو وائل والشعبي والحسن ومكحول وقبيصة بن ذويب يكرهون القول فيه، وكان النخعي يقول: لا بأس بالقراءة في الحمام وبه قال مالك.
قال أبو سعيد: معي أنه قد جاءت معنى الكراهية للصلاة في الحمام بمعنى النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا ثبت معنى ذلك للأصل لا غيره فيشبه ذلك أن يقرأ يكره فيه القراءة للقرآن كما يكره فيه الصلاة لأن القرآن معنى مشتق في السنة لمثل هذا من معاني الصلاة، كذلك يخرج عندي معنى الكراهية للقراءة ولو كان طاهراً إذا كان عارياً لا ثوب عليه، إلا لمعنى الضرورة، ويخرج هذا عندي لتعظيم القرآن، وهذا عندي إذا كان طاهراً في الحمام أو عارياً فإذا لم يكن طاهراً فقد مضى القول فيه، وإذا كان عارياً في الحمام كان أشد عندي في الكراهية من الوجهين جميعاً.
مسألة: ومن غير كتاب الأشراف، وعمن يقرأ القرآن بلغات ناس قد أعجبته قراءتهم ولغاتهم، قلت: هل يصلح له ذلك؟ فعلى ما وصفت (1/265)
صفحة 264
فإذا قرأ القرآن صادقاً لله في قراءته بما يجوز من لغاته ولغات من يسمع قراءته فذلك صالح، مفلح بالصدق للصادقين، وأما من تعاطى ذلك يريد به ذكراً في القارئين من الفاسقين لغير رب العالمين، فذلك من الأسفلين وهو من الجاهلين بقراءة القرآن من حزب الشيطان، فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن عمل لغير الديان في القرآن وغير القرآن إنا لله وإنا إليه راجعون.
مسألة: وعن رجل يقرأ القرآن يتلحن فيه، قال: لا يتلحن فيه كفعل قومنا.
مسألة: وقلت هل يجوز أن يقرأ القرآن في جوف الماء وهو عريان؟ فما أرى ذلك حسنا في الأدب ولا إثم عليه إن شاء الله.
مسألة: قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: من جحد آية من كتاب الله فهو مشرك.
مسألة: وسئل محبوب عن رجل قال إن الله أنزل القرآن كله، ولم ينزل: * (* قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ*) * و* (*قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ*) * وليستا من القرآن ما يصنع به؟ قال: يستتاب (1) مما قال، فإن تاب قبل منه، وإن أبى قتل.
مسألة: من الزيادة المضافة وقال لا تهذوا القرآن كهذا الشعر ولا تثيروه كثير الدقل، وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب وتعاهدوا القرآن فإنه أشد بفصل من قلوبكم من الإبل المعقلة إلى أوطانها، قال المضيف: الدقل: أراد التمر وما لم يكن من التمر ألوانا فهو دقل، هكذا في كتاب العين.
__________
(1) في الأصل: "بستابه". (1/266)
صفحة 265
مسألة من كتاب الأشياخ: وعمن قال: إن قراءته أصوب من قراءة الناس وصوب قراءته وخطأ قراءة غيره، قال: من أعجب بقراءته كان حظه من قراءته، ومن صوّب قراءته وخطأ قراءة غيره كفر.
فإن كان من أهل الولاية استتيب، وإن كان من أهل الترك والتخليط نبذ في عنقه، وكان الجهل أولى به.
مسألة: ولا يجوز أن يقرأ أحد بحرف لم يقرأ به أحد من الماضين، فيكون في ذلك مبتدعا، رجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: سألت هاشما عن قراءة القرآن على غير وضوء، قال: إذا لم يكن على وضوء تام فلا يقرأ أكثر من آيتين.
قال أبو المؤثر: وقد روي عن ابن عبد الرحمن أنه قال: إذا لم يفتتح السورة ولم يختتمها فلا بأس عليه ما قرأ من ذلك، والذي أحسب أنه قد قال من قال إن قرأ إلى سبع آيات إلا الجنب والغائط فلا يزيد على آية إذا كان مضطراً إلى ذلك وإن لم يكن مضطراً فلا يقرأ شيئاً.
مسألة: أيّما أفضل؟ قراءة القرآن أم الدعاء؟ بل قراءة القرآن أفضل إذا أراد به لله، وإن كنت أردت الدعاء الذي ليس من وجوه الفرائض المكتوبة لأن العبادة لله لأن معنى الدعاء هو العبادة لله، وذلك قول الله: * (*وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً*) * أي أعبد ربي.
مسألة: وفي رجل أجنب ولم يجد ماء فتيمم وصلى وأراد أن يقرأ يجزيه تيممه للصلاة أم لا؟ من لا يجيز تلاوة القرآن إلا على وضوء فأقول إن في رأيه الطهارة عليه بالصعيد لقراءته، فأما من يجيز القراءة على غير طهارة فأقول: إن في رأيه قد اكتفى بالطهارة الأولى. (1/267)
صفحة 266
مسألة: قال أبو سعيد: يوجد أن مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجّة طيبة الريح طيبة الطعم، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمر طيب الطعم لا ريح له، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر.
مسألة: وروي أنه قال: يوجد في الخبر أن سلمان الفارسي رحمة الله عليه كان يقرأ * (* إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ اليتيم (1) *) * وذلك لأجل لكنة لسانه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: قل طعام الكافر أو الظالم على ما أحسب، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع أبي محمد أن قال قائل: ما معنى قول الله تعالى: * (*الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً*) * أيقول أنه لم يكن له علم قبل ذلك، عندما ألزمهم من الفرض الأول؟ قيل له: هو عالم بما كان وبما يكون، لا يخفى عليه شيء، ولكن لما كان المسلمون أقلاء في صدر الإسلام كانت نياتهم أقوى، فرض عليهم الفرض الأول لقوة نياتهم، ولما كثر الإسلام وكان الحرص منهم على قتال العدو ضعيف، خفف الله عنهم وألزمهم هذا الفرض الثاني، والله أعلم.
__________
(1) اليتيم: بدل الأثيم. (1/268)
صفحة 267
الفصل الثاني
من أحكام أبي سعيد
في الرجل يقرأ القرآن وهو متوضئ وعليه ثوب غير طاهر من مصحف أو غير مصحف قال: ضمن رخص بعض الفقهاء في ذلك وكرهه آخرون: فقال أبو سعيد رحمه الله: معي أن أكثر القول أنه لا بأس بذلك.
مسألة: قال أبو سعيد: إذا قرأ الرجل من القرآن سورة يبتدئها ويختمها، وهو جنب أو غائط متعمداً، وهو يعلم أن ذلك لا يجوز أنه بذلك مقصر ولا يبعد من المعصية ولا أحب أن تترك ولايته.
مسألة: وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أعظم آية في القرآن (قل هو الله أحد) وآية الكرسي.
مسألة: من كتب محمود بن نصر الخراساني: وأما ما ذكرت عن الجلوس مع من يقرأ القرآن ألحانا ومزامير صوته، هل يحل الجلوس معهم تلك الساعة، واستماع إلى قراءته؟ وهل يقرأ ألحانا ومزامير لأن هذه القراءة بهذه الألحان مثل [] (1) أحديه فهو لا يدعه ابتدعوها، فهل يحل العقود معهم في تلك الساعة؟ قال: لا. ولا كرامة لهم [ ... ] (2) يقرأون قراءة المسلمين كما يقرأون * (*ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ*) * بلغني من [] (3) هل الفقه. قال اجتمع المسلمون في البصرة في الذكر، وكان فيهم أبو أيوب وائل بن أيوب رحمه الله وكان أولئك العلماء يعظمون أبا أيوب على أنفسهم بعد الربيع، وكان فيهم إبراهيم بن أيوب القارئ، وكان له ألحان وصوت، فطلب المسلمون إلى أبي أيوب
__________
(1) بيان في الأصل.
(2) بيان في الأصل.
(3) بيان في الأصل. (1/269)
صفحة 268
وائل بن أيوب أن يقرأ إبراهيم يومئذ فكره أبو أيوب حتى جهدوا، فلما رآهم يستهزئون ويجهدون أخذ ثوبه، وأراد الخروج عنهم، وقال ليست هذه قراءة أصحابي الذين أردت وكان أثرهم له صوت حتى اتخذه هارون الخليفة إماماً في الصلاة أكثر من عشر سنين حتى مات هارون.
مسألة: وقال يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تعلم القرآن ثم تركه جاء يوم القيامة أجذم» قلت لعله أراد أبا سعيد محمد بن سعيد رحمه الله فيوجد في الرواية أن من تعلم القرآن ثم نسيه أتى به يوم القيامة مجذوما، قال: إن المعنى في ذلك أن من تعلم القرآن ثم لم يعمل به، لأن الله يقول: * (*نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ*) *.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: اختلف الصحابة في الجنب يقرأ القرآن، فروي أن علي بن أبي طالب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمتنع من قراءة القرآن إلا إذا كان جنبا، وروي عن ابن عمر أنه سئل عن الجنب، هل يقرأ القرآن؟ فقال: لا، فقيل له فآية؟ قال: ولا نصف آية، وروي عن ابن عباس أنه أجاز للجنب أن يقرأ الآية والآيتين، وروي عن غير هؤلاء من الصحابة إجازة القراءة للجنب، والمشهور مما عليه الفقهاء أن الجنب لا يقرأ القرآن لما عندهم في ذلك من الروايات الصحيحة، وضعف بعض أصحاب الحديث ما روي عن علي بن أبي طالب فبعض المتفقهة ممن أجاز القراءة للجنب تأول حديث علي بن أبي طالب على غير وجهه، فإذا كان الجنب ممنوعاً من قراءة القرآن فالحائض أولى عندي بالمنع، والله أعلم.
ولا يجوز للجنب الصلاة حتى يتطهر، وكذلك لا يجوز للحائض حتى تطهر وتطهر، وقالت الفرقة المجوزة للجنب قراءة القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحواله، وذكر الله قد يكون قرآنا وغير قرآن فكل ما وقع عليه اسم الله تعالى فغير جائز أن يمنع منه (1/270)
صفحة 269
أحد، قال: ولو كان الخبر في منع الجنب من قراءة القرآن صحيحاً لم يجز رد الحائض عليه قياساً، وكان الله تعالى قد أباح للناس تلاوته فخص للجنب بالمنع من جملة من أذن له بذلك، وبقي الباقي على الإباحة وقد غلط من ذهب إلى إجازة قراءة القرآن للجنب والحائض فمن حيث تأوله الروايات والمنع لهما من ذلك، ولعمري لولا الخبر الوارد لذلك لكان الاستكثار من ذكر الله بالقرآن في كل الأحوال أفضل كمن فعله ولكن لا حظ للنظر مع ورود الخبر.
ولله أن يتعبد عباده بما شاء، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة خير موضوع فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر» ومع ذلك فالحائض والجنب ممنوعان من الصلاة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان وقد أجنب، وقد امتنع من مصافحة النبي صلى الله عليه وسلم لأجل جنابته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا» وبالله التوفيق.
ومن الكتاب: واختلفوا في التعاويذ تكون على الرجل والمرأة ثم يجنب الرجل وتحيض المرأة، وفي مس الدرهم وعليه ذكر الله أو شيء من القرآن فرخص فيه بعض الفقهاء وشدد فيه آخرون.
مسألة: ومن غيره: وما تقول في الجنب يجوز له أن يقرأ من كتب العلم أم لا فلا بأس بذلك وإنما لا يجوز القرآن، والله أعلم.
قال أبو سعيد: لا أعلم في القرآن فيمن اهتدى فلنفسه إلا الزمر.
مسألة: وقال محمد بن سعيد: إنه يحفظ عن محمد بن الحسن رحمه الله أنه قال: ما كان في القرآن من أمر فهو فريضة، وما كان في القرآن من نهي فهو كبيرة.
مسألة: من كتب القرآن في شيء ثم أحرقه فليتب من ذلك، والله تعالى (1/271)
صفحة 270
أولى به، إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمحى كتاب الله بالأقدام، وحدثني نافع بن عبد الله عن رسول الله أنه نهى أن يسار بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يأخذه العدو.
مسألة: لا يجوز لمسلم أن يقرأ القرآن بالألحان، ولا يجوز له إلا أن يقرأ قراءة المسلمين والمسلمون لا يقرأون بالألحان.
مسألة: من بعض الكتب بخط مسرور بن محمد المنح، سئل الفضيل عن قراءة الألحان حتى كأنه غناء، فقال: إنما أخذوا هذا من الغناء قوم اشتهوا الغناء واستحيوا، فحولوا نصب الغناء على القرآن، فعسى يقرأ الرجل له صوت فلا يعجبهم وهو خير الصوت، ويقرأ الرجل فيعجبهم صوته فيقولون: ما أحسن قراءته، ولعله لا تجاوز قراءته حنجرته. والله أعلم. (1/272)
صفحة 271
الفصل الثالث
في تعليم القرآن
روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني العلم فقال: اذهب فتعلم القرآن ثم عاد إليه فقال له مثل ذلك ثم عاد إليه فقال له مثل ذلك ثم عاد إليه فقال له في الرابعة: اقبل الحق ممن جاءك به بعيداً كان أو قريباً بغيضا كان أو حبيبا.
مسألة: روي عنه عليه السلام أنه قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».
مسألة: من كتاب الرهائن وعمن تعلم القرآن كله أو بعضه ثم نسيه يلزمه تعليمه ثانية أم لا؟ قال قد قيل: إنه من تعلم القرآن ثم نسيه جاء يوم القيامة أجذم. والله أعلم.
وأحب أن يجتهد ويتعلم، وإن كان مغلوبا وهو يعمل بفرائضه لم يلزمه شيء.
مسألة: ومنه وعمن يقرأ فيعجبه قراءته وصوته، آثم في ذلك أم لا؟ قال: لا يأثم إلا أن يعجب بقراءته فلا يجوز، وذلك الذي يحبط العمل.
مسألة: وعن رجل يعلم الصبيان وهو غير متوضئ يجوز له ذلك أم لا؟ قال: قد عرفتك الاختلاف، فمن رخص في ذلك أجازه.
رجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/273)
صفحة 272
الفصل الرابع
في شيء من قراءة القرآن وتفسيره
قلت هل يقرأ القرآن من مصحف أو غير مصحف وهو غير متوضئ وعليه ثوب غير طاهر؟ قال: قد رخص بعض الفقهاء في ذلك وكرهه آخرون، ومن غيره وحدثني نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: «لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، ولا يصلي على جنازة ولا يقرأ القرآن إلا وهو طاهر».
وقال: بلغنا أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما: أجازوا القراءة على غير وضوء ولم يجيزوا مس المصحف، ولا أن يقرأ جنبا، وقال غيره لأصحابنا في هذا أقاويل، فقال من قال: لا يقرأ إلا على وضوء، وقيل: إلا الآية والآيتين، وقيل: سبع آيات، وقيل: ما لم يبدأ بالسورة ويختمها جاز.
قال غيره: معنا أنه قد جاء هذا كله واختل القول في القراءة على غير وضوء، وأحسب أنه مما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ما يرفع عنه أنه قال: وأنه أجاز قراءة القرآن على كل حال، إلا راكعا أو ساجدا أو جنبا، إلا أنه ثبت معاني القول عنه أن الجنب لا يقرأ القرآن.
وأحسب مثل ذلك يخرج في الحائض وإن لم يكن نص القول عنه في الحائض، فإن الحائض مثل الجنب، إن لم تكن أشد في معاني ذلك، لأن الجنب يطهره الماء في حين ذلك، والحائض لا يطهرها الماء حتى تطهر، فإذا طهرت قبل أن تطّهر فهي بمعنى الجنب.
والنفساء معنا مثل الحائض قبل أن تطهر من نفاسها، والمستحاضة بمنزلة الطاهر، وقد قال الله تبارك وتعالى: * (*لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ*) * يعني بذلك القرآن فيما قيل. (1/274)
صفحة 273
وأحسب أنه في بعض التأويل: أن هذا يعني به الملائكة، لا يمسه في الصحف المحفوظة إلا الملائكة المطهرون، ونظير ذلك وشبهه قوله تبارك وتعالى: * (*كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ*) * الصحف في أيدي الملائكة.
وأحسب أنه يخرج في التأويل أنه لا يمسه إلا المطهرون من الشرك، وأما أهل الإقرار فلا يلحقهم ذلك بأي حال ولا يقرب المشرك إلى شراء المصحف والقرآن إلا لمعنى الحجة عليه، والدعوة إليه بمعاني القرآن.
وإذا ثبت معنى منع المشرك عن ذلك لمعنى النجاسة لم يبعد ذلك من ثبوته في الجنب والحائض، والحائض أشد، ما لم تطهر.
ومعي أنه قد قيل في الحائض والجنب أنهما لا يحملان المصحف، وقيل: لا بأس إن حملاه بسيره الذي يعلق به، ويخرج على معنى تواطئ القول أنه لا يقرأ القرآن جنب ولا حائض ولا نفساء.
والأقلف عندي بمعناهم وأشد: ويلحق معنى الأقلف في هذا معنى المشرك، لما أشبهه من بعض أحكامه في معاني الطهارات، وقد مضى في الأقلف في معاني ما يشبه المشرك فيه.
وأما الحائض والنفساء والجنب، فيخرج عندي في معاني القول أنهم لا يقرأون القرآن إلا من عذر أو لعذر، وإلا فخارج قراءتهم له على التعمد بمعنى الأسى وعليهم التوبة من ذلك إذا ثبت عليهم معنى الأسى.
ومعي أنه مما قيل من العذر لهم في ذلك أن يقرأ الواحد منهم الآية أو بعضها ولعله الآيتين يتأنس بذلك عند الوحشة.
ويعجبني أن يكون له ذلك عند طلب علم ما يلزمه، من تلاوة القرآن من علم التوحيد، والوعد والوعيد، أو شيء مما يلزم فإذا لم يبلغ إلى علم ذلك إلا بالتلاوة، وكان ذلك عندي من العذر. (1/275)
صفحة 274
وعندي أنه قيل: إن لهم أن يتلوه بأنفسهم من غير أن يحركوا بذلك ألسنتهم، ولا إثم في ذلك، لأن ذلك ليس بكلام، وإن لم يكن كلاما فليس بقراءة.
ومعي أنه يخرج إذ لم يبلغوا إلى تذكرة ذلك بغير تلاوة، وخاف أحدهم أن ينسى شيئا مما قد تعلم من ذلك إذا لم يتعاهده بالتلاوة في ذلك، ورجا أن يدرك علم ذلك التلاوة له فعلى قول من يقول إنه إذا ترك حتى ينساه آثم، فقراءته له مباحة بمعنى خروجه من الإثم إلى ما يلزمه لأنه لا يستقيم أن يلزمه شيء يؤثمه، ولا يؤثمه ترك شيء يقدر عليه فلا يلزمه.
فهذا عندي يخرج في معاني هؤلاء في قراءة القرآن على هذا النحو ومعي أنه يخرج في بعض معاني الروايات.
وأحسب أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقرأ القرآن بأي حالة شئت إلا جنبا، أو بأي حالة كنت فيها إلا جنبا، وادخل المسجد في أي حالة شئت إلا جنبا، واحمل المصحف في أي حالة شئت إلا جنبا.
وكان معي الرواية تدل على إطلاق هذه المعاني للإنسان إن لم يكن جنبا وإذا ثبت معاني كراهية ذلك أو حجره للجنب فلا يكون ذلك إلا لمعنى إذ ليس هو بمتطهر، لأن الجنب ليس ينجس في الأصل وإنما هو ليس بمتطهر وإنما التطهر عليه تعتدلا لمعنى أنه نجس البدن، وذلك أنه لو مس شيئا من الطهارات شيء من رطوبات بدنه لم يكن ذلك نجساً، وكذلك عرقه وجميع الرطوبات منه.
وما سوى النجاسة وما مسها يخرج مخرج الطهارة فهو طاهر في الأصل، غير متطهر التطهر الذي يلحقه معنى التعبد به، على حسب ما لزمه التطهر بالوضوء، لا على غير ذلك في معنى الاعتبار.
فلما أن كان كذلك في معنى الاتفاق أنه إنما يلحقه التعبد له بالطهارة (1/276)
صفحة 275
على هذا النحو كان المحدث للبول والغائط أو المذي أو الودي أو ما سوى ذلك من النجاسات لمعناه في الأشباه أنه ليس بمتطهر، وإن كان طاهراً ويلحقه في الشبه في معاني قراءة القرآن لأن ما يلحقه في معنى ثبوت الحدث وأنه ليس بمتطهر لأنه ما أشبه الشيء فهو مثله.
ومنه في معاني ما يتفق ويتشابه فيلحق بها المعنى المحدث بشيء من الأحداث الذي فيه شيء من النجاسات ما يلحق في الجنب في قراءة القرآن وأحسب أنه قد قال ذلك أنه إنما يجوز أن يقرأ القرآن المحدث الذي فيه شيء من الأحداث من النجاسات ووضوؤه منتقض به.
وأما إذا كان ليس فيه شيء من النجاسات، إلا أنه ليس بمتوضئ، وحدثه ليس بغير نجاسات في نقض وضوئه، فإن له [أن] (1) يقرأ القرآن على حسب ما مضى من الاختلاف في القول فيه.
ومعي أنه قد قال من قال: إنه ما لم يكن على طهر تام، ووضوء تام، كالوضوء للصلاة، فهو بمنزلة المحدث، لأنه معلول غير متطهر، ويخرج معاني ذلك فيما يخرج على معاني الاتفاق في الجنب، أنه لو غسل موضع النجاسة منه، ولو يبق فيه شيء من النجاسة، ولم يتطهر، أنه ليس بخارج من أحكام الجنابة بمعنى هذا وأنه بمعنى الجنب في أحكامه إذ ليس بمتطهر.
كذلك الذي ليس بمتطهر طهور الوضوء المتعبد به، بمعنى الطهارة للصلاة لم يجز له القراءة كما لم يجب للجنب بمعنى ما أشبهه فيه لمعنى التعبد، لأن الجنب لو تطهر من الجنابة بقصده إلى التطهر من الجنابة، وكذلك بعد غسله من النجاسة، وإزالتها منه، فيقصده إلى التطهر للوضوء للصلاة يجزيه عن التطهر، لما جرى عليه التطهر من جوارح الوضوء بالغسل عن التطهر من الجنابة خرج معناهما في ذلك واحداً وسبيلهما في ذلك واحد في
__________
(1) في الأصل: (فإنه له يقرأ). (1/277)
صفحة 276
معاني الأشباه والاتفاق فيشابه في معنى قراءة القرآن التي لا يجوز الصلاة إلا بها، ولا تجوز الصلاة إلا بالتطهر بالوضوء، فكانت القراءة مشبهة للصلاة التي لا تجوز إلا بالطهارة إذ كانت لا تجوز الصلاة إلا بها.
فإذا أشبه معاني الذي ليس بمتطهر بالوضوء معاني الجنب لثبوت التطهر عليه فإذا تشابها بمعنى واحد، وقد لحقهما معاني التشابه، وقد يتشابهان بمعاني كثيرة من جده ولو لم يكن بشبهه إلا بجارحة من جوارحه للوضوء لكان قد أشبهه لاتفاق القول فيهما أو تشابههما في الموضع أن الجنب في معنى الطهارة في هذا.
فساوى الذي ليس بمتطهر بالوضوء ولو كان ليس فيه شيء من النجاسة والذي ليس بمتطهر من الجنابة ولو كان ليس فيه شيء من النجاسة، واتفاق القراءة من القرآن والصلاة، لأنه لا تجوز الصلاة إلا بالقراءة ولا تجوز الصلاة إلا بالوضوء فمن هنالك ثبت أن القراءة لا تجوز إلا بالوضوء.
فإن قيل إن كانت الصلاة لا تجوز إلا بالقراءة في معاني الاتفاق، وكذلك لا تجوز إلا بالتكبير للإحرام لمعاني الاتفاق قيل له كذلك، ولكن التكبير ثبت بمعاني الاتفاق أنه جائز للجنب والحائض والنفساء، ويكون ذلك فضلا من أعمالهم ومن قولهم، وكذلك التسبيح، وكذلك ما يقال في الصلاة قد ثبت بمعاني القول بالاتفاق، ما سوى القراءة فإنه لا يجوز من جميع الذكر من التوحيد وغيره ما سوى القراءة فإنه لا تجوز منهم إلا من عذر، ويعذر في معاني ما قد قيل فيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ويخرج في معاني الاتفاق.
وقد ثبت ما ذكرنا من تساوي الجنب أنه غير نجس إلا أنه غير متطهر، وكذلك الذي ليس بمتوضئ ليس بنجس، إلا أنه ليس بمتطهر. (1/278)
صفحة 277
والمعنى فيه واحد في التساوي، فيخرج معنى القول في هذا أنه لا يجوز إلا من المتطهر بالوضوء لهذه العلة، وما أشبهها على تأويل ما يتشابه فيه الجنب وغير المتطهر بالوضوء في معاني الطهارة لقول الله تبارك وتعالى: * (*وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ*) * وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بطهور».
والوضوء نصف الإيمان، فكلاهما واجب فيهما التطهر، من غير ثبوت رجس في ذاتهما، إلا لمعنى التعبد في جميعهما، عن غير أصل رجس في ذاتهما، فثبت لصاحب القول بهذا في الوضوء، وحسن لهذا المعنى، وجاز للذي قال عندنا إنه تجوز القراءة للمسلم من جميع أهل القبلة والإقرار ما لم يكن جنبا، لظاهر الحديث، على غير معنى تأويل.
وما سوى ذلك من الأقاويل في أهل القبلة في معنى القراءة للقرآن داخل في هذين القولين إن جميع هذين القولين أن جميع القول فيما دونهما داخل، وتتعلق معاني الترخيص للمرخص في ذلك، ما لم يكن جنبا، أو حائضا أو نفساء.
ويثبت معاني التشديد في ذلك ما لم يكن متطهراً بالوضوء التمام الذي تجوز به الصلاة ومعي أن معنى قول من قال: إنه يجوز أن يقرأ ما شاء من القرآن، ما لم يفتتح السورة من القرآن أو يختمها.
فيخرج معاني ذلك عندي على سبيل التوسط، لأن كل شيء لم يبتدأ به ولم يختم، فكأنه لم يتم، ولم يثبت معناه، وثبوت معاني القرآن من السورة فصاعدا في معاني ما يثبت التسمي به لقول الله تبارك وتعالى: * (*أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ*) * ومعاني ما يقع عليه الاتفاق في القراءة في الصلاة من جميع الفرائض في الجماعات وغيرها بمعاني ما يشبه الاتفاق.
(هنا سقط بالأصل أكثر من صفحة) (1/279)
صفحة 278
قبلة أبيه إبراهيم الخليل صلوات الله عليهما، وعلى جميع النبيين والمرسلين، فلم ينصرف إلى ما أحب عما كره، حتى جاءه الأمر عن الله تبارك وتعالى، ثم حينئذ انصرف إلى قبلة الكعبة البيت الحرام.
ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان المشركون يفيضون من عرفة قبل غروب الشمس، فأمسك عن الإفاضة خلافا عليهم حتى غربت الشمس، فثبت ذلك واجباً أنه لا يفاض إلا بعد غروب الشمس وطلوع الليل.
وكان المشركون يفيضون من المشعر الحرام بعد طلوع الشمس، فأفاض منه قبل طلوع الشمس خلافاً عليهم، فثبت ذلك سنة للمسلمين وجاء فيه عن الله: * (*ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ*) *.
وأحسب أنه قيل في هذه الآية: أنه كان أهل اليمن يفيضون قبل طلوع الشمس، فأمروا بالإفاضة كما أفاض الناس، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم خلافا على المشركين.
ولعل أشياء كثيرة وأهل الخلاف في الدين من المقرين المتأولين مخالفين للمسلمين في الدين فمعنى الخلاف من المشركين لأهل الإقرار بمعنى الإنكار، فإذا وسع القصد إلى مخالفتهم، بمعنى القصد إني مخالفتهم به لبعضهم، وإن لا يوافقوا ولا نعمة عين في جميع ما وسع مخالفتهم من غير تدين بالمخالفة لهم في ذلك كان ذلك قدوة وحسنا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من القصد إلى مخالفة عدوه من المشركين ما وجد إلى مخالفتهم سبيلا.
وأما الصلاة كلها، من فريضة أو سنة أو نفل، فيخرج على معاني الاتفاق أنه لا يجوز ذلك إلا بالوضوء وذلك في كل صلاة يخرج معناها وأشباهها لصلاة الفريضة ثبوت قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بطهور» وكل صلاة كانت بالركوع والسجود وهي مشبهة بمعاني الاتفاق (1/280)
صفحة 279
صلاة الفريضة من وتر أو ركعتي المغرب، أو ما كان من سنة، مثل صلاة العيدين، وصلاة كسوف الشمس، وجميع النوافل، والوسائل.
وكل ذلك يخرج معانيه أنه لا يسع، ولا يجوز العمل به، إلا بالوضوء لمن وجد الماء، والتيمم لمن لم يجد الماء.
وإن كان النوافل ليست بلازمة، فلا يجوز الدخول فيها إلا بوضوء في موضع ما يقدر على ذلك، والدخول فيها بغير وضوء وطهارة خارج بمعنى الإثم والمعصية لا خير في ذلك للفاعل له، ولا يسلم فيه من الشر عندنا لأنه لا صلاة إلا بطهور، وقد كان يسعه ألا يصلي النوافل، فإذا صلاها لم يسعه أن يصليها إلا بطهور فإن صلاها بغير طهور على التعمد لذلك بغير علة ولا عذر معاني فعله ذلك معصية وخلافا للسنة كما كانت صلاته بعد العصر وبعد الفجر معصية وخلافا للسنة لأنه بهذا مخالف للسنة معنا ويذكر الله بما شاء من ذكره وتوحيده، ويتعبد بما شاء من الدعاء، ولا يصلي إلا بطهور، ولا يعمل بما يشبه الصلاة من جميع الأشياء إلا بطهور إلا من عذر.
وأما السجدة للقراءة فمعي أنها خارجة على معنيين وقولين: أحدهما أنها بمنزلة القراءة، ويجوز فيها ما يجوز في القراءة لأنها من معنى القراءة، فإذا ثبت هذا القول فيها كانت تبعا لما مضى من القول في القراءة، وجاز أن يسجدها في معاني الاختلاف كل من جاز له أن يقرأها في بعض القول إلا الجنب والحائض والنفساء، وما قد وصفناه على قول من يجيز ذلك للقارئ.
وفي بعض القول أنه لا يكون إلا بوضوء تام وإذا ثبت أنها بمعنى القراءة خرجت بمعنى الذكر والطاعة، وجاز أن يسجدها الساجد لها، حيث كان وجهه، إلى القبلة أو إلى غير القبلة، وأحسب أنه قد قيل ذلك وقيل لا يسجدها إلا إلى القبلة. (1/281)
صفحة 280
وأشبه المعاني أنها شبه الصلاة لثبوتها على معاني الاتفاق في صلاة الفريضة أنه إذا قرأها المصلي في صلاة الفريضة سجدها، فلولا أنا من معاني الصلاة لم يثبت في الفرائض.
ولم يدخل في الفرائض ما خرج معناه من الصلاة وما هو داخل في معاني الصلاة من الأعمال، والسجدة عمل ويدخل فيها القول جميعاً، وهي قول وعمل ونية وقد ثبت في معاني الصلاة ولا أعلم في ذلك اختلافاً، فمخرجها مخرج الصلاة فيما يشبه معانيها، وقد يدخل في الصلاة معاني ما ليس يخرج مخرجه على الانفراد مخرج الصلاة.
ويجوز على غير وضوء من التكبير والتسبيح وأشباه ذلك، إلا أنه من سنن الصلاة التي لا تجوز إلا به، ولعله من الفرائض وقد يجوز بغير السجدة إن لو لم يقرأها المصلي.
وإذا كانت تجوز الصلاة بغير السجدة ولا تجوز إلا بالتكبير، فمعنى السجدة غير معنى التكبير، لدخولها في الصلاة وقد تجوز الصلاة بغيرها، فلم نر شيئاً ليس بصلاة وقد تجوز الصلاة بغيره إلا وهو من الصلاة إذا جاز دخوله في الصلاة بحال وجاز ألا يدخل في الصلاة بحال.
فإن قال قائل: فإذا كانت من الصلاة، أعني السجدة فهي نفل أو سنة؟ قيل له: سنة، وقد قيل إنها من سنن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه من تركها على الدينونة بتركها والاستخفاف بها كان هالكاً، فإن قيل: فإذا كانت صلاة فتسجد بعد العصر قبل أن تغرب الشمس، وبعد الفجر قبل أن تطلع الشمس، أو لا نسجد إذ لا صلاة في هذين الوقتين، قيل له: معنا أنها تسجد في هذين الوقتين لأنها سنة ثابتة، لمعنى تلاوة أو الإنصات إليها في أي وقت كان ذلك كذلك، جاءت به السنة، ولا نعلم أن وقتا من الأوقات لا تجوز فيه قراءتها ولا الإنصات إليها. (1/282)
صفحة 281
ومعي أنه قد ترك من ترك قراءتها من المسلمين في هذين الوقتين لئلا يسجدها، وذلك مما يقوي القول أنا صلاة ولكن لعل التارك لها لم يتوجه له وجه السنة فيها، وثبت عنده أنه لا صلاة في هذين الوقتين.
فالمراد أن يخرج من الريب وهذا ما لا عيب فيه ولا ذنب، وقد قيل: رحم الله امرأ ترك الحلال مخافة الحرام فترك تلاوة آية من كتاب الله على معنى خوف الإثم، إذا لم يتقدم معه في معنى ذلك، صحيح علم.
ومن أفضل التعبد معنا لله، أن يترك جميع ما يريبه إلى ما لا يريبه، قاصداً إلى الله، خوفاً أن يقع فيما لا يسعه، ما لم يوافق في ترك ذلك ما لا يسعه تركه، مما لا يسعه جهله، ولسنا نعتقد ذلك دينا أنها خارجة بمعنى الصلاة ولا تخرج بمعنى الذكر، بل لا تتعرى عندنا أن يلحقها ما قيل من معنى الذكر لثبوت السنة فيها كذلك والصلاة هي ذكر والذكر صلاة.
وإذا ثبت السنة فيها بمعنى لحقها ذلك في الصلاة وغيرها، لئلا تضيع السنة، وليس من السنة تضييع السنة، بل تضييع السنة من مخالفة السنة كان ذلك في الصلاة أو في غيرها، ولا نعلم أن الصلاة مما يشبه الصلاة التي يلحقها معنى الحجة في الحجر، وأنها لا تجوز بغير وضوء من فريضة ولا سنة، إنما هي سجدة واحدة.
وسجدة القرآن إنما جاءت بها السنة سجدة واحدة، فليس يدخل معنا معناها في الحجة في الحجر بعد العصر والفجر، ولو يثبت من معنى الصلاة لأنها ليست من تلك الصلوات المحجورات التي تشبه الفرائض ولا النوافل من الصلوات التي جاءت السنة بالنهي عنها.
وقد ثبت في معاني ما عندي، أنه يخرج مخرج الاتفاق، أنه يجوز سجدتي السهو بعد الفجر والعصر، ولو خرج ذلك مخرج الاحتياط على غير (1/283)
صفحة 282
معنى لزوم، وقد قيل في قول أصحابنا أنه لا يجوز أن يبدل في هذين الوقتين شيئاً من الصلوات على الاحتياط، إلا علم اللازم، لأن الاحتياط يخرج مخرج النفل، وهو صلاة وقد نهى عن الصلاة في هذين الوقتين.
وجاء في قول أصحابنا أن بدل الصلاة اللازمة في هذين الوقتين جائز، ولو أبدل ركعتي الفجر في هذين الوقتين جاز ذلك في قولهم، لأنه يخرج معهم في ذلك مخرج السنة التي ليس بنفل، فبدل السنة كبدل اللازم إلا أنه في بعض قولهم: أنه لا تصلح ركعتا الفجر تلك الغداة بعد صلاة الفجر يعني به ركعتي الفجر إذا كان قد صلى صلاة الفجر لمعنا قل ذلك صلاة الفريضة ويجوز في قولهم إنه لو أبدل من الغد بعد صلاة الفجر، وكذلك ذلك اليوم بعد صلاة العصر، يبدل ركعتي الفجر.
وأما في عامة قول قومنا، فمعي أنه يخرج معهم إجازة ذلك أن يصلوا ركعتي الفجر والسنة بعد الفريضة في ذلك اليوم، إذا كان المصلي قد صلى الفريضة لمعنى دخول في جماعة، أو غير ذلك من العذر.
ولا يبين لي سبب يمنع صلاتهما ذلك اليوم بعد صلاة، ويجيز صلاتهما ذلك اليوم بعد صلاة الفجر، وكله بدل، وإذا جاز أن يبدلا في غير ذلك اليوم، لم يبعد أن يجوز ذلك في ذلك اليوم، إذ لا تبين علة توجب فرق ذلك.
ومعي أنه يخرج في معاني الاتفاق أن الصلاة على الجنازة إذا حضرت جازت الصلاة عليها في أي وقت، إلا أن يغيب من الشمس قرن، أو يطلع منها قرن.
وإذا كانت كذلك لم تجز الصلاة على الجنازة حتى يستوي طلوعها أو غروبها ولا أعلم أنه يخرج في معاني صلاة الجنازة أنها تجوز بغير وضوء (1/284)
صفحة 283
لأنها صلاة في معاني الاتفاق إذا أمكن الماء من غير عذر فأما في الممكنة فلا يجوز الصلاة فيها إلا بالوضوء.
فإن وقع هنالك خوف فوت أو لضرر في الميت، أو ضيق وقت نخشى فيه وقوع الضرر في معاني الميت، لسبب من الأسباب ومعي أنه قد قيل: تجوز الصلاة عليها بالتيمم بمعنى العذر عند المشاهدة وكذلك إذا خاف الواحد أن تفوته الصلاة على الميت إذا تشاغل بالوضوء ولو حضر الماء.
فمعي أنه قد قيل يتيمم ويصلي على الجنازة، ولا يدعها تفوته، وأحسب أنه يخرج في هذا المعنى إذا قامت الصلاة على الجنازة بغيره أن لا يصلي صلاة الجنازة إذا حضره الماء إلا بالوضوء ولو فاتته الصلاة على الجنازة، لأنها صلاة ولا تكون إلا بالوضوء.
وإنما يخرج معاني إجازة صلاتها بالتيمم، بمعنى العذر مما خاف من الضرر في أمر الميت، أو غير ذلك من أسباب الضرر، فإذا قامت الصلاة لم يكن هنالك ضرر، وكان الداخل فيها بعد تمامها وقيامها بغيره بمنزلة الوسيلة والفضيلة ليس بموضع الضرر.
ومعي أنه يخرج في جملة القول أن الصلاة تجوز بالتيمم وبالثوب النجس، لأنها وإن كانت صلاة فإنما تخرج بمعنى الذكر، لا بركوع ولا سجود، وإنما هي تكبير وتسبيح ودعاء وقراءة، ولا تكاد صلاة الجنازة تخرج على معاني الاختيار وإذا ثبت معاني هذا على الإطلاق لم يبعد على معاني القول إذا كان على الاختيار تجوز الصلاة على الجنازة بالتيمم، ويخرج ذلك مخرج الفضيلة.
ولو قامت بالغير لم يبعد عندي إجازة القراءة بالتيمم إذا لم يمكن الماء للوضوء لمعنى، ولو لم يكن معدوماً، ولا من خوف ولا من ضرر، إلا أنه (1/285)
صفحة 284
بمشقة بوجه من الوجوه، إذا كانت القراءة أفضل من سائر الذكر على ما قيل في بعض القول.
وأما الصلاة للتطوع فلا يخرج عندي جواز ذلك بالتيمم، إلا بمعنى ما يجوز ذلك للفرض من عدم أو من عذر.
وأما صلاة العيد فمعي أنه قد قيل لا تجوز الصلاة لها بالتيمم إذا حضره الماء، ولو خاف فوت صلاة الجماعة فيها، ويتوضأ ويصلي ركعتين، أفضل من الصلاة لها بالتيمم للجماعة.
ومعي أنه قيل: إذا خاف فوت السنة فيها وهي صلاة الجماعة لأنها لا تكون إلا بجماعة فله أن يتيمم ويصلي السنة في الجماعة إذا خاف فوتها، ولو لم يعدم الماء ويعجبني ذلك إذا خاف ألا يدرك جماعة فيها، بعد تلك الجماعة، أو كانت تلك الجماعة هي صلاة إمام العدل، أو صلاة أولي الأمر من أهل العدل من ولاة المسلمين، وأولي الأمر منهم وأولي الأمر من المسلمين ولو كان يجد جماعة غيرها.
وإذا خاف ألا يدرك الجماعة على حال من صلاة العيد فصلاتها عندي بالتيمم والقيام يشبهها أفضل، لأنها سنة في الجماعة لا على الانفراد، ولا تقوم إلا بالجماعة فصلاتها جماعة هي السنة الواجبة، لأن الأصل فيها جماعة ليس على الانفراد، وصلاة الجماعة والجنازة وإن كانت ألزم في شيء فإنها أعذر من البعض بها وهذه سنة جامعة وثبوت وقتها إن تدرك في صلاة الجماعة وانقضاء وقتها وانقضاء وقت الجماعة التي لا يدرك مثلها فيها، ولو كان في وقتها بعد فلا ندرك سنة صلاة العيد إلا في الجماعة كما لا يدرك فرض الجمعة وواجبها إلا في الجماعة.
وكذلك القراءة عندي بالتيمم عند غير المكنة من الماء الذي لا يدخل مشقة، ولو لم يكن من خوف ولا عدم، أحب إلي من ترك القراءة (1/286)
صفحة 285
إلا أن يبسط الإنسان في شيء من الطاعة من سائر الذكر، ولا يخاف في ترك القراءة بسبب، لمعنى ذلك وتركه تولد عليه نسيان شيء مما قد تعلمه من القرآن الذي يخاف الإثم في نسيانه.
وأما سائر أداء الفرض فلا أعلم يلزمه فيها تطهر بالضوء، ويقوم على غير تطهر ما سوى الصلاة وأسبابها، والقراءة والطواف بالبيت، فإنه قد جاء فيه أنه بمنزلة الصلاة لا يقوم إلا بالطهارة التامة من الوضوء، وسواء كان الطواف فريضة أو سنة أو تطوعاً، فلا يصح إلا بمعاني الطهارة والتطهر، كذلك ركعتا الطواف هما صلاة ولا يجوز في الحج والعمرة ولا في سائر الطواف طواف ولا ركوع إلا بتطهر، على حسب ما يوجب الطهارة للصلاة إن في هذا اختلافا بين أحد من أهل العلم.
وأما سائر المناسك كلها من الإحرام والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفات والمشعر ورمي الجمار والذبح والحلق والتقصير، فجميع ذلك يقوم بغير وضوء، ويصح من الحائض والجنب والنفساء.
وقد يستحب الغسل في جميع ذلك، ولجميع ذلك، وأقله الوضوء، إلا الذبح والتقصير، ولا أعلم فيه موضعا يوجب ذلك إلا أن الطهارة حسنة في كل موطن، والصوم فقد يشبه معاني أحكام الطهارة في معاني ما لا يقوم إلا بالطهارة من الطواف والصلاة، إلا أن ذلك خاص منه في الحائض والنفساء في معاني أحكام السنة.
وما يشبه الاتفاق أنه لا صوم قائم ولا ثابت على حيض ولا نفاس ولا صيام الإنسان فهو باطل ولو دخل ذلك على المرأة من بعد اعتقاد الصوم، والصبح على الصوم أبطل ذلك حكمها في معاني أحكام السنة معاني (1/287)
صفحة 286
الاتفاق ولو لم يكونا يقدران على إزالة ذلك ولا صرفه عنهما، وبذلك تثبت الأحكام عليهما، إلا أن ذلك إنما ثبت في أحكام السنة ومعاني الاتفاق أنه مفسد يومهما، وما كانت فيه في حال نفاسهما وحيضهما إذ [هما] معذورتان بدخول ذلك عليهما من غير فعلهما.
والجنابة معنا في معاني ما يلحق الجنب أحكام ما يثبت عليه في معاني الصيام، مشبه لمعاني الحيض والنفاس، لتساوي ذلك فيهم ومعاني التشابه والتواطئ في الأبدان، والاغتسال والطهارة، ولزوم التطهر فيهما وما أشبه الشيء فهو منه ومثله.
غير أن الجنب إذا أتاه الأمر من قبل الاحتلام، ولم يكن من فعل نفسه في ليل أو نهار، ولم يكن منه تقصير في إزالة ما يفسد عليه صومه من الاغتسال، فخارج في معاني تواطئ القول فيه إلا بعض الشواذ من القول أنه لا شيء عليه، لأنه ليس بشيء ما بد فيه وعليه بمعنى الحيض والنفاس ما دامت المرأة نفساء أو حائضا ولو ثبت ذلك الحكم فيه عليه لكان ذلك متساويا متشابها، ولكان ما دام جنبا ويلزمه معاني الجنابة لم يثبت له صوم، ولكن ثبت حكم ذلك.
وإن كان مشبها للحيض والنفاس في معاني ما يفسد الصوم، فغير مشبه للحيض والنفاس في ثبوت أحكامها ما لم ينقض وقتهما لأن الحائض والنفساء لو تطهرتا في حال ذلك لم ينفعهما الطهارة، ولم يثبت لهما صوم على حال، وعلى حسب ذلك ثبت معاني الاتفاق فيهما، وثبت معاني الاتفاق في الجنب إذا غسل كان ذلك الغسل مطهراً ليس بمنتف عليه بعده أحكام جناية مما يفسد به صومه، ولا شيء من أحكام طهارته من صلاة ولا حج ولا غيره.
فمن هنالك ثبت أنه عليه الغسل إذا علم بجنابته، وأنه إن لم يغسل بعد أن خوطب بالغسل لحقه في ترك الغسل لما يوجب نفيه عليه معنى بنفي ما يفسد الصوم، من الحيض والنفاس في معاني الاتفاق، ولم يثبت عليه بنفس حصول الجنابة فيه من غير فعل نفسه فساد صومه، إذ هو مخاطب (1/288)
صفحة 287
بالغسل منه من الجنابة، وأنه إذا غسل ثبتت له الطهارة، فثبتت معاني الجنابة في الإنسان الصائم أنه بتركها فيه بعد القدرة على الغسل من غير عذر مما يكون له من أسباب العذر أنه مفسد لصومه، إذا عناه ذلك في نهار، أو أصبح عليه على هذا السبيل بمعاني ما يشبه الإنفاق في أمر الحيض والنفاس، فإذا لم يغتسل من غير عذر فهو مبطل لصومه.
وأكثر ما قيل عندي أنه مفسد لما مضى من صومه، إذا لم يكن له عذر، ولا متعلق بسبب يحرجه من حال التعمد بترك الغسل، أو الجهل له إلى تعلق من سبب من الأسباب، مما يتأول فيه معنى يخرج له تأويل يكون له به متعلق يخرجه من هذين المعنيين، فإذا ثبت سبب خرج في معاني أكثر ما قيل عندي أنه إنما عليه فساد يومه وبدل يومه ويخرج عندي في معاني الاتفاق أنه إذا لم يقصر في الغسل أو كان له عذر من عدم ماء أو ما يشبه ذلك فتيمم عند العذر أنه لا شيء عليه وأن صومه تام.
كذلك يخرج عندي القول في الحائض والنفساء، أنهما إذا طهرتا من نفاسهما وحيضهما، وصارتا بحال من ينفعه التطهر، وثبت لهما بعد التطهر الصوم في ذلك فتركتا أو إحداهما الغسل والصوم أو الغسل، وصامتا بغير غسل فيلحق عندي أحكامهما في هذا الفصل في أحكام ما يفسد الصوم ويتمه ما يخرج في الجنب، وأنهما إن تركتا الغسل وصامتا أو لم تصوما (1) من غير عذر فإذا لم تصوما (2) فذلك أشد.
والقول فيه على غير هذا المعنى إلا من عذر يكون لهما في ذلك، يخرج في تأويل يتعلق ما فيه متعلق ولكن إذا صامتا على ترك الغسل من الحيض أو النفاس، فيخرج في معاني التساوي والاتفاق، والأشباه في هذا فيهما أنهما يلزمهما ما يلزم تارك الغسل من الجنابة، على العلم أو الجهل،
__________
(1) في الأصل: "تصما"
(2) في الأصل: "تصما". (1/289)
صفحة 288
بغير تأول سبب من أسباب العدل أن يكون عليهما في ذلك بدل ما مضى من صومهما، في معاني أكثر ما يخرج من القول فإذا كان لهما سبب فتخرج أنه عليهما بدل ذلك اليوم ولعله في بعض القول أنه إنما عليهما بدل ذلك اليوم.
ومتى ثبت ذلك فيهما أو في أحدهما في هذا الفصل من أمرهما فمثله عندي في الجنب لأنهما تساويا به ويساويهما ويشبهانه ويشبههما في هذا الفصل وفي الفصل الأول لولا اختلافهم في تطهره وغير تطهرهما ويبقى حكم لك فيهما وزواله عنه في حكم التطهر إذا تطهر وتنقى ويبقى فيهما ولو تطهرتا فوافقهما ووافقتاه إلا فيما خصه دونهما وخصهما دونه فيما لم يتساووا فيه.
وأحسب أنه قد قيل إنما على الجنب إذا لم يغسل من حينه بدل يومه، ولا يبعد ذلك عندي في معنى ثبوت في معنى ثبوت القول فيهما فيما عندي أنه أكثر القول أنه إنما عليهما في هذا الفصل، أعني الحائض والنفساء فساد يومهما ذلك.
وليس يبعد عندي ذلك فيهم كلهم لقول من يقول: إن كل يوم من شهر رمضان فريضة على الانفراد، وأنه ليس فريضة واحدة وأنه ثلاثون فريضة، وذلك ثابت في المعنى في الاعتبار، وذلك أنه ليس الصوم فيه بمتصل، بل هو منفصل، يقطعه الليل في كل شهر منفصل، فلا تحلقه أسباب المتصل فإذا ثبت هذا المعنى، لحقه من الحكم أن يكون إذا فسد صوم اليوم فإنما يفسد وحده، ولو كان على التعمد.
ومعي أنه على قول من يقول إنه كله فريضة واحدة، فإذا فسد اليوم منه لمعنى مما ينقضه، لحق الفساد كله، وأقل ذلك ما مضى، ولا يبعد (1/290)
صفحة 289
إذا ثبت أنه فريضة واحدة أن يفسد بفساد الشيء منه أوله وآخره، لأن معاني ذلك تلحق في الصلاة والوضوء، وجميع ما كان من شيء واحد من الأعمال بالأبدان مثل الحج والعمرة وأشباه ذلك، وعندي أن مثل هذا لا يختلف فيه أنه بفساد الشيء من هذا يفسد كله، إذا ثبت فيه الفساد في معاني الواجب منه، وإذا ثبت أنه لا يفسد منه بقي بفساد ما قد فسد منه ثبت وحسن فيه أن لا يفسد ما مضى ولو كان يلحقه أنه فريضة واحدة بمعنى أنه لو كان يفسد ببعضه بعض لم يفسد أوله ولم يفسد آخره لأن الأول كالآخر من الشيء الواحد.
وقد ثبت ذلك في معاني كثيرة من قول أهل العلم، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم معاني ذلك أنه إنما ينقص من الصوم من رمضان يومه الذي أحدث فيه، من ذلك ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفطر الحجام والمحتجم» فثبت في معاني ذلك أنه من الغيبة وأنه إنما يفسد ذلك اليوم، وكذلك في الكذب عامداً وفي الأكل والشرب والجماع ناسيا، وإذا ثبت في بعض المعاني أنه إنما يفسد يومه لحقه في كل معنى لاتفاق الأحكام في أحكام الإسلام، وتساويه في الأشياء بأسباب النسيان والعمد، لأنه لو عمل في الصلاة عملا عمداً أو ناسيا، أو في عمرته أو في وضوئه لم يتجزأ الفساد في شيء من ذلك دون شيء إذا كان فريضة وكان كله فاسداً بفساد بعضه أوله وآخره وما وقع عليه الفساد فهو فاسد ولا يتجرى فيه الفساد وهو شيء واحد وأمثال هذا كثير.
فصل في آيات من القرآن قول الله: * (* وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ*) * معنى ذلك: على علم من الله عز وجل بضلال الفاعل، ومعنى الضلال من طريق الهلاك، والله أعلم. (1/291)
صفحة 290
مسألة: ومما يوجد عن أبي معاوية رحمه الله وعن قول الله تبارك وتعالى: * (*وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي*) * (1) قال: ولتربّى بكلايتي، قوله: * (*بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ*) * قال: رحمته وعقوبته، وقوله: * (*مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ*) * قال: بقدرته، وقوله لموسى: * (*وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً*) * ابتليناك ابتلاء، وأحسب في موضع: اختبرناك اختبارا.
مسألة: وسألته عن تفسير قول الله عز وجل: * (*وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ*) * أي ما عرفوا الله حق معرفته.
مسألة: وعن قول الله عز وجل: * (*اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ*) * المعنى: أنه الهادي لمن في السموات والأرض، ومعنى القول: الله في كل مكان، أنه تدبيره في كل مكان، وليس أنه تحويه الأماكن.
مسألة: وعن قول الله: * (*وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ*) * قال: معنى الحجاب: هو المنع لهم عن رؤيته، وليس دونه حجاب يستره.
مسألة: وسألته عن معنى قول الله تبارك وتعالى: * (*وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ*) * (2) قال: هي الأعضاء السبعة التي هي يسجد عليها لله، قوله: * (* فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً*) * (3) يقول: لا تضعوا هذا الأعضاء السبعة إلا لله.
مسألة: وروي أبو محمد أن تفسير قول الله جل ذكره: * (*وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
__________
(1) من الآية 23 من سورة الجاثية.
(2) من الآية 23 من سورة الجاثية.
(3) من الآية 23 من سورة الجاثية. (1/292)
صفحة 291
وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ*) * (1) معنى ذلك معاتبة الله للنبي صلى الله عليه وسلم ونهيه من الله تبارك وتعالى، في أمر زيد بن حارثة وقيل إن زيد بن حارثة كان النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه من السبي ثم أعتقه، وكان عنده بريرة ويشفق عليه كأنه ابنه.
مسألة: وسئل عن قول الله: * (*وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً*) * ما هذه الإرادة؟ قال: إرادة الله عدل كلّها.
قيل له: فهذه الإرادة هي علم أم إرادة للكائن على ما جرى في علمه أن يكون الكائن ولا تحدث له إرادة بعد أن تكن، وإنما إرادته ومشيئته على ما نفذ في علمه، فإذا جاء وقت الشيء كان كما أراد أن يكون.
قلت له فهذا السوء الذي هو كان سبب الإرادة أم هو اكتساب أم جزاء.
قال: معي إنه جزاء لعدل الله بسوء ما فعل المجزي.
قلت له: فهذا الجزاء من فعل الله أم من فعل العبد؟.
قال: الجزاء عندي من قضاء الله.
قلت له: فما العلة التي وجبت في العدل من قضاء الله هل تسمى سوءا.
قال: عندي أنه في غير موضع من كتاب الله منه قوله: * (*وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا*) * وغير ذلك.
مسألة: وسئل عن قول الله: * (*وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا
__________
(1) من الآية 37 من سورة الأحزاب. (1/293)
صفحة 292
إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ*) * (1) ما معنى ذلك؟
قال: أما معنى قوله: * (*وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ*) * (2) فمعي أنه يخرج على وجهين: ففي بعض القول أنه أراد المؤذنين الدعاة إلى الفرائض * (* وَعَمِلَ صَالِحاً*) * صلى ركعتين قبل الصلاة، وأما قوله: * (*وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ*) * فذلك واجب على كلِّ من يدين لله بالإسلام وأن يقرّ به ويعتقده دينا له، ويبرأ من كل دين مما سواه.
ومثل ذلك ونظيره قوله: * (*وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ*) * (3) والوجه هاهنا قالوا الدين وهو محسن في عمله اللازم له في الدين * (*واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً*) * (4) وهو الإسلام، ونظائر هذا كثير في كتاب الله، منه ما قال الله تبارك وتعالى: * (*وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ*) *.
والإجماع في معنى الإسلام أنه الإقرار بالله تبارك وتعالى، والإيمان والتصديق بنبيه المرسل إلى أهل زمانه، وبما جاء رسوله عنه إلى كل أمة من الأمم، فهذا هو دين الإسلام المفروض، الذي لم تختلف فيه الشرائع، وكان أصلا للشرائع كلها، وكذلك هو الدين والإسلام وعلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الإيمان بالله، تبارك وتعالى، ربا إلها واحدا، وبمحمد نبيا ورسولا، وبماء جاء به أنه حق وصدق وعدل.
__________
(1) الآية 33 من سورة فصلت.
(2) من نفس الآية السابقة.
(3) من الآية 125 من سورة النساء.
(4) من نفس الآية السابقة. (1/294)
صفحة 293
وقال من قال: * (*وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ*) * فهو الداعي إلى الله وإلى دينه، وعمل بما يدعو من طاعة الله التي دعا إليها، وعمل بها من رسول أو نبي أو صالح * (*وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ*) * أي كان مسلما، وليس قوله: إنه مسلم إذا خالف شيئا من الإسلام بنافع له، ولا يجوز له أن يكون عند نفسه في قوله وعمله ونيته إلا مسلما لله تبارك وتعالى، ويتوب إلى الله في اعتقاده من جميع ما خالف الإسلام الذي دان لله به واعتقده من قول وعمل ونية، في جملة قوله وعمله ونيته، وينبغي أن يجدد ذلك كله كلما خطر بباله هذا أنه قد عصى الله بما جهله بقول وعمل ونية، ولا يعذر بجهله، ويموت على معصيته، فيكون هالكا.
وإذا جدد التوبة ولم يقف على الذنب ويذكره أجزاه ذلك في الجملة، ما لم يكن متمسكا بالذنب أن لو ذكره لم يكن تائبا منه، وكان على اعتقاد الدينونة فيه، فمن هاهنا أعجبني ألا يعتقد من الأمور دينا على كل حال إلا ما لا يشك فيه، وما لم يأت فيه اختلاف، ويكون فيه ريب، لأنه إذا اعتقد في الجملة لله الدينونة بدينه كان قد دان له بدينه كله، واعتقاده دينا مما ليس بدين هلكة لا يرجى له منها توبة، وكلما تقرب إلى الله بها ازداد منه بعداً، وكلما خاف لقاءه بالموت كان أشد تمسكا بها، حتى يلقاه على التقرب إلى الله بمعصيته، ولا يعذره الله في ذلك بجهالته، لأنه قد كان يمكنه ويسعه ألا يعتقده دينا بعينه، إذا اعتقد الدين في الجملة.
قلت له: فإذا قال: (وما أنا من المشركين) أيكون اعتقاده أنه ليس من المشركين؟ أم إنما يقول كسائر القراءة في الصلاة وغيرها، أو هل يلزمه أن يعتقد هذه النية مع كل صلاة وقراءة، فيكون كذلك نيته، وإن كان عليه فكيف يكون؟
قال: هكذا معي إن عليه كلما خطر بباله أن يعتقد أنه ليس من (1/295)
صفحة 294
المشركين في الدين، وأنه برئ من المشركين ومن دينهم، ومن كل شرك في الدين بجحود أو نفاق.
مسألة: قال أبو سعيد: في هذه الآية: * (*الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ*) * (1) ما تأويل هذا؟ قال: معي إنه في التأويل مما تأوله أصحابنا أن المحدود على الزنى من أهل القبلة لا ينكح إلا محدودة من أهل القبلة على الزنى أو مشركة من أهل الكتاب كانت محدودة أو غير محدودة، والمحدودة من أهل الكتاب لا ينكحها إلا محدود من أهل القبلة على الزنى أو مشرك من أهل دينها كان محدودا أو غير محدود وحرم ما سوى هذا على المؤمنين والمحدودة من أهل القبلة لا يجوز لها المشرك على حال من أهل الكتاب ولا من غيرهم.
مسألة: وقال أبو سعيد: كل ذكر في القرآن أو تسبيح، فهو في معنى الصلاة وهو أصح عندي، وقد قيل غير ذلك، إلا ما صح في الذكر.
مسألة: وقيل كل ما كان في القرآن في صفة الله تبارك وتعالى كان فمعناه لم يزل كقول الله: * (*غَفُوراً رَحيماً*) * أي لم يزل.
مسألة: وقد يوجد أنه كل ما كان في القرآن يدريك فهو لا يدريه، وكل ما كان في القرآن أدراك فهو يدريه، قال غيره: وعن أبي الحواري أنه لا بأس أن يمحى القرآن بالبزاق ويبزق عليه.
مسألة: قال أبو سعيد في قول الله تبارك وتعالى: * (*ن والقَلمِ*) * أي نون الدواة التي يكتب منها في اللوح المكنون والقلم هو القلم الذي يمد منها.
__________
(1) الآية الثالثة من سورة النور. (1/296)
صفحة 295
مسألة: قال أبو سعيد: في قول الله تبارك وتعالى: * (*فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ*) * (1) قال: التأويل في ذلك بلغ معه العمل بطاعة الله وعن قول الله: * (*وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ*) * قال أبو سعيد: خلق الدين وغيره من الكرم، وكذلك قوله: * (*أَوسَطُهُم*) * أفضلهم وكذلك قوله: * (*أُمَّةً وَسَطاً*) * (2) أي خياراً فيما قيل.
مسألة: وجدت مكتوبا، سئل الشيخ عن قول الله: * (*وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ*) * (3) فقال المسلمون والمهاجرات، وآتوهن أجورهن من أهل العهد ما أنفقوا، فإذا أتاهم مسلم أخذوا منهم ما أنفق المسلم عليها، ذلك حكم الله يحكم بينهم، وقوله: واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا قوله ولا تمسكوا بعصم الكوافر نساء المشركين، وقوله وإن فاتكم شيء من أزواجكم فعاقبتم فأتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا فكان المسلمون يعطون من ذهبت زوجته منهم مثل ما أنفق عليها مما غنموا منهم، وذلك أمر الله فيهم، قال أبو سعيد: قد قيل إن هذا كله منسوخ.
قال: قال أبو سعيد معي -والله أعلم- أنه يقال في الله: * (*وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ*) * (4) ظن أنه قيل أن لن نقدر عليه للبلا قلت مغاضبا: أظن أنه يقال غضبان على قومه.
مسألة: وعن قول الله عز وجل: * (*وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ*) * (5) فقد قيل في الثمانية: أنهم ثمانية أجزاء من الملائكة
__________
(1) من الآية 102 من سورة الصافات.
(2) من الآية 143 من سورة البقرة.
(3) من الآية 10 من سورة الممتحنة.
(4) من الآية 87 من سورة الأنبياء.
(5) من الآية 17 من سورة الحاقة. (1/297)
صفحة 296
كل جزء مثل الثقلين، وأما العرش فالقول فيه كثير، وتسمية العرش هو للسرير، وليس أن الله يوصف أنه كائن على العرش وأن هؤلاء الملائكة (1) يحملونه وإنما هؤلاء الملائكة (2) قد تعبدهم الله بحمل ذلك السرير والله قبل العرش وقبل الملكة فكما كان في الأول كذلك في آخر الأبد وإنما نذهب إلى ما سمعنا في التفسير، فإذا جاء الكلام اتسع ذلك، وقام كل يناظر في ذلك وكذلك قوله: * (*وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ*) * تعبدهم الله بذلك كما تعبد بني آدم يحفون بالبيت.
مسألة: أحسب عن أبي علي الحسن بن أحمد في قول الله عز وجل: * (*فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ*) * (3) وكذلك في قصة أهل الجنة ما في هذا المعنى (4)، أي ما شاء ربك من الخلود، أو هذه منسوخة والله أعلم بتأويل كتابه، إلا أني عرفت أن الاستثناء ليس مما يبطل ذلك وقد قال الله تبارك وتعالى: * (*لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ*) * (5) فلم يكن هذا الاستثناء مما يبطل دخولهم، وقد قيل: * (*إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ*) * من ذلك اليوم وهو يوم القيامة.
وقال أبو سعيد في قول الله عز وجل: * (*وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ*) * أنه الشيطان، والغرور غرور الدنيا، والله أعلم بتأويل كتابه.
فصل: وسألته عن قول الله تبارك وتعالى: * (*وَإِن مِّن شَيْءٍ
__________
(1) في الأصل: (هذه الملائكة).
(2) في الأصل: (هذه الملائكة).
(3) الآية 106 وبعض 107 من سورة هود.
(4) في الأصل: (ما هذا المعنى).
(5) من الآية 27 من سورة الفتح. (1/298)
صفحة 297
إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ*) * (1) أهذا كل شيء من خلقه من ذي روح وجماد؟ قال: وقد قال بعض المفسرين هذا، وقال بعض: وهو كل ذي روح.
فصل: رضيت بالله ربا، وبمحمد نبيا، وبالكعبة قبلة، وبالأنبياء قدوة، وبالحق نحلة، وبالقرآن إماماً، وبالمسلمين إخوانا، وبالإسلام دينا، وبهدى الله دنيا، وعلى هذا نحي، وعلى هذا نموت.
قلت له: فيوجد في الرواية أن من تعلم القرآن ثم نسيه أتى به يوم القيامة مجذوما.
معي: أن المعنى في ذلك من تعلم القرآن ثم نسيه لم يعمل به، لأن الله يقول: * (*نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ*) * (2).
مسألة: عن أبي الحواري، وعن قول الله تبارك وتعالى: * (*وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ*) * كذبوا، التخريق هو الكذب.
مسألة: وفي قول الله تعالى: * (*هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً*) * الذي سمعنا في الركز أنه الصوت، هل ترى منهم من أحد أو تسمع لهم صوتا؟
مسألة: وسألت أبا سعيد عن قول الله تبارك وتعالى: * (*فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ*) * (3) كيف هذا التبديل؟
قال: قد قيل إنه يبدل مكان السيئات حسنات مطلقا، في قول بعض.
__________
(1) من الآية 44 من سورة الإسراء.
(2) من الآية 67 من سورة التوبة.
(3) من الآية 70 من سورة الفرقان. (1/299)
صفحة 298
ويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: أنا أكثر حسنات من أخي أبي بكر، لأني أكثر منه سيئات، على معنى ما قيل.
وقال بعض: إنه يبدله بعض العصيان التوبة، فينقله من السيئات إلى الحسنات، على معنى الرواية.
مسألة: وفي قول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه: * (*حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ*) * (1) قال ثلاث وثلاثون سنة وقال واستوى أربعون سنة والعمر اعذر لله فيه إلى ابن آدم قال: * (*أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ*) * قال: ستون سنة، قال غيره في قوله: * (*وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ*) * (2) يقال الشيب.
مسألة: وروى لنا أبو سعيد أنه يوجد أن تفسير قول الله عز وجل: * (*ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ*) * (3) فأحسب أن في بعض ما قيل في التأويل: إن الظالم لنفسه، منهم الذي يركب الذنوب والمعاصي، ويتوب ويطلب المعاش من أمور الدنيا من وجوه الحلال، والمقتصد: الذي لا يأتي شيئا من المعاصي، إلا أنه يتعرض بالشيء من الدنيا للمعاش والسابقون بالخيرات، الزهاد والعباد المنقطعون إلى الله، الذين لا يتعرضون لشيء من المعاش من أمور الدنيا والأحبار معي: أنهم العلماء، وأما الربانيون فعندي أنهم فوق الأحبار في العلم، وهو اسم للعلماء.
__________
(1) من الآية 15 من سورة الأحقاف.
(2) من الآية 37 من سورة فاطر.
(3) من الآية 32 من سورة فاطر. (1/300)
صفحة 299
مسألة: وسألته عن الجبت والطاغوت فقال: أما الجبت فيحي ابن أخطب وأما الطاغوت في قول الله: * (*يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ*) * فالطاغوت هاهنا: كعب بن أشرف والطواغيت الشياطين.
مسألة: وقال الله: * (*وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى*) * قال أبو المؤثر في التفسير: إذا سكن.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: واختلف الناس في تأويل أوائل السور: (ألم وألمص والمر وحم، وحمعسق) ونحو هذا، فقال قوم: هن أسماء السور وافتتاح لها، وقال قوم: أسماء للسور وابتداء لمن يقرؤها، وقال قوم: ليس كذلك لأن القرآن ليس فيه شيء لا معنى له، وهذه الأسماء لمعان، وقال بعضهم: إنها حروف إذا وصلت كانت هجاء لشيء يعرف معناه، وروي عن عكرمة أنه قال: (ألم) قسم، وعندي والله أعلم، وعلى نحو ما سمعت: أن لهذه الحروف معان، ويبتدأ بها السور، ويعلم بها انقضاء ما قبلها، وأن القارئ قد أخذ في أخرى، وهذا معروف في كلام العرب وقال قوم: كانت العرب تعرض عند قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، استقلالا له ولا تسمع، فجعلت هذه الحروف عند أوائل السور، لتكون سببا لاستماعهم لما بعدها، كانوا إذا استمعوها استغربوها وتعلقت أنفسهم بها، وكان ذلك سببا لاستماعهم وقال قوم: الحروف المقطعة يجوز أن يكون الله تبارك وتعالى، أقسم بها كلها فاقتصر على ذكر بعضها من ذكر جميعها، فقال (ألم) ولم يرد جميع الحروف المقطعة، كما يقول القائل تعلمت ا ب ت ث وهو لا يريد بعلمه هذه الحروف الأربعة دون غيرها.
ومن الكتاب أن قال قائل ما معنى قول الله عز وجل: * (*الآنَ خَفَّفَ (1/301)
صفحة 300
اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً*) * (1) أيقول إنه لم يكن له علم قبل ذلك عندما ألزمهم من الفرض الأول.
قيل له: هو عالم بما كان وما يكون، ولا يخفى عليه شيء ولكن، لما كان المسلمون أقلة في صدر الإسلام، وكانت نياتهم أقوى، فرض عليهم الفرض الأول لقوة نياتهم ولما كثر الإسلام، وكان الحرص منهم على قتال العدو ضعيف، خفف الله المحنة عليهم، وألزمهم هذا الفرض الثاني، والله أعلم.
ومن الكتاب: مسألة واحتج قوم بأن الله لا ينقل العباد من تخفيف إلى تثقيل، ويقال له: إن الله قد نقل المؤمنين من تخفيف إلى تثقيل، بأمره إياهم بقتال المشركين، بعد أن كانوا بذلك غير متعبدين فقال إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما فقد صاروا بالتخلف عن القتال متوعدين بعد أن كانوا غير مأمورين.
مسألة: وقال أبو سعيد في قول الله عز وجل: * (*وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ... الآية*) * (2) أنه قيل إنه الدائن بالضلال بعمل بدين ويجتنب بدين، ومجتهد في ذلك، وأما قوله: * (* أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ ... الآية*) * (3) أحسب أنه قيل: إن هذا يرتكب ما يدين بتحريمه، وبتجاهل ويعمل بالمعاصي بغير دين، والله أعلم بتأويل كتابه.
من الزيادة المضافة عن سعيد بن قريش، قال في تفسير: * (*وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ*) * أنه ماء الذكر، رجع إلى كتاب بيان الشرع.
__________
(1) من الآية 66 من سورة الأنفال.
(2) الآية 39 من سورة النور.
(3) الآية 40 من سورة النور. (1/302)
صفحة 301
مسألة: ومن الأثر بخط أبي سعيد رحمه الله فيما أرجو وعن قول الله عز وجل: * (*وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ*) * الآية، فقد قيل: إن ذلك في الفرار من الزحف في الحرب.
وقد قيل إنها نزلت في يوم أحد، وقلت هل نسخت؟ فقد قيل: إنها ثابتة لم تنسخ إلى يوم القيامة، وقيل نسخت واتضح من قول أصحابنا والله أعلم، ولمت وما الآية التي نسختها فقد قيل في قوله: * (*إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ*) * إلى قوله: * (*وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ*) * (1) وقيل نزل ذلك في يوم أحد، وذلك بعد وقعة بدر، وقيل إن الأول وقيل إن ذلك خاص في العفو عند التوبة، وهذا أحب إلي.
وعن قول الله عز وجل: فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ... فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ*) * (2) فقد قيل هذا في كفارة القتل الخطأ وكفارة ذلك عتق رقبة مؤمنة موحدة، فمن لم يجد عتق رقبة فصيام شهرين متتابعين.
وعن قول الله * (*مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء*) * (3) قلت ما تفسيرها؟ قال: الله أعلم بذلك، وقيل في المهطع هو المستسلم والمقنع هو المنكس برأسه والهواء الخلاء من الشيء وهو الهواء من الشيء الخالي، كقولك هواء السماء فقلوبهم خالية من الإيمان بمنزلة الهواء لا شيء فيها.
__________
(1) من الآية 155 من سورة آل عمران.
(2) من الآية 92 من سورة النساء.
(3) الآية 43 من سورة إبراهيم. (1/303)
صفحة 302
وعن قول الله تعالى: * (*وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ*) * (1) قلت ما تفسيرها فالله أعلم بذلك، وقد قيل إن ذلك في الخلع، على سبيل ما يرجو أن الطاعة في ذلك والخروج من المعصية، ولا جناح عليه أن يقبل فديتها، ما لم يزد عليه أكثر مما نقدها مما تدع له مما عليه لها.
وعن قول الله تبارك وتعالى: * (*وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ ... *) * (2) إلى آخر القصة، قلت ما تفسيرها؟ فالله أعلم بذلك، وأحسب أنه قيل ذلك عند خروج روحه.
وعن قوله: * (*فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ*) * فقد قيل ذلك في قراءة القرآن عند فاتحة الكتاب في الصلاة المفروضة، وقيل ذلك في النوافل، والأول أحب إلي، والله أعلم بتأويل كتابه.
وعن قوله: * (*يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً*) * فالله أعلم بذلك، وقد قيل إن ذلك خاص فيهم أنهم لن يلدوا إلا فاجرا كفارا، وقد قيل ذلك أنه عام ولا يصح، ذلك لأنه قد كان والد نبينا صلى الله عليه وسلم مشركا في الشاهر أنه مات على شركه وقد قيل ذلك في الأطفال من أولادهم، والله أعلم بتأويل الحق في ذلك.
وقوله: * (*رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ*) * ما تفسير ذلك؟ فقد قيل لوالديه ولو إلى آدم ولا يخرج ذلك إلا على تأويل الحق من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) من الآية 229 من سورة البقرة.
(2) من الآية 93 من سورة الأنعام. (1/304)
صفحة 303
وعن قول الله تعالى: * (*وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً*) * فهذا ومثله يخرج على الخاص من كان والداه مسلمين ولو كان إلى آدم وحواء فيما قيل ومن ربى أباه فقد رباه كما أن أبا أبيه أبوه فافهم ذلك، وعن قول الله تعالى: * (*وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا*) * فقد قيل أنه يوم القيامة وقد قيل أن الورود هاهنا النظر، والله أعلم بتأويل كتابه، وعن قول الله تعالى: * (*وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ*) * فقد قيل الأعراف جبل بين الجنة والنار والله أعلم، وعن قول الله تعالى: * (*وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ*) * فالله أعلم وأحسب أنه قيل الموت ووجدت أنا أنه قيل العذاب، كما قال الله تعالى: * (*وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ*) * يعني أنهم استعجلوا العذاب، ولن يخلف الله وعده، قال غيره وجدت أن القطن هو الكتاب، وعن قول الله تعالى: * (*الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ*) * فقد قيل، الطيب من القول للطيب من العباد والخبيث من القول للخبيث من العباد، والله أعلم بتأويل كتابه، وعن قول الله تعالى: * (*فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ*) * فقد قيل المساجد وغيرها من البيوت وعن قول الله تعالى: * (*لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى*) * إلى آخر القصة في سورة النور والفتح.
وعن قول الله تعالى: * (*قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ*) * (1) فقيل صاغرون، وعن قول الله تعالى: * (*إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ ... *) * فقد قيل في العذر عن الهجرة الذين * (*لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً*) * على الخروج من الضعف من البدن والمال * (*وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً*) * (2) أي طريقا والله أعلم.
وعن قول الله تعالى: * (*وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
__________
(1) الآية 18 من سورة الصافات.
(2) الآية 98 من سورة النساء. (1/305)
صفحة 304
السَّيِّئَاتِ*) * (1) إلى آخر القصة، فقد قيل ذلك في العاصي من المقرين أنه لا تنفعه توبته من بعد أن يعاين ملائكة الموت، ولا ينفع الكافر إيمانه عند الله إذا لم يكن آمن من قبل فهو كافر ومات على كفره، وقد وجدت أنه الإصرار على الذنوب وكذلك قوله: * (*وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ*) * (2) فقد قيل إنه من يموت على شركه.
وعن قول الله تعالى: * (*وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ*) * فقد قيل ذلك في النساء والصبيان، لا يملكون ما يكون به العون على مر الأيام فيبذرونها (3) ويتلفونها فيكون ذلك ضياعا للمال.
وعن قول الله تعالى: * (*وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ*) * (4) فقد قيل إنه دين الإسلام، وهو صراط الله المستقيم، والسبل غيره، هي أديان الضلال من اليهودية والنصرانية، وغير ذلك من أديان الضلال.
وعن قول الله تعالى: * (*إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ*) * فقد قيل: إن ما بين الصلاتين المفروضتين، إذا أداهما العبد فهو كفارة لما بينهما من السيئات، دون الكبائر والإصرار على الصغائر، وقد قيل: إن الحسنات هي التوبة، والسيئات هي المعاصي، والتوبة تذهب المعصية، وكل ذلك يخرج على تأويل الحق.
وعن قول الله تعالى: * (*وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ*) * (5) فقد قيل هي
__________
(1) من الآية 18 من سورة النساء.
(2) نفس الآية السابقة.
(3) في الأصل: (على من الأموال فيذرونها) خطأ من الناسخ.
(4) من الآية 153 من سورة الأنعام.
(5) من الآية 32 من سورة النور. (1/306)
صفحة 305
التي غير متزوجة من الإماء والحرائر، حث الله على أن ينكحوهن إذا طلبن ذلك وكان صلاحا لهن.
وعن قوله تعالى: * (*هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ*) * تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم * (*أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ*) * يعني أمر ربك، * (*أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ*) * قال خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها * (*يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً*) * (1) قال هي المشركة التي لم تؤمن بالله، أو كسبت في إيمانها خيرا، قال هي المصرة على الذنوب.
وعن قول الله تعالى: * (*وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ*) * (2) فقد قيل لا يرهقهم لا يغشاهم، والقتر الكسوف، والذلة والكآبة كذلك في عبس (ترهقها فترة) أي يغشاها كسوف.
وعن قول الله تعالى: * (*وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ*) * فقد قيل الرجز الشيطان، وقيل الشرك.
وقوله تعالى: * (*كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ*) * فقد قيل أحكمت: بنيت بالحلال والحرام، وقد قيل أحكمت بالأمر والنهي، وفصلت بالوعد والوعيد.
سألت أبا سعيد عن قول الله تعالى: * (*وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا
__________
(1) من الآية 158 من سورة الأنعام.
(2) من الآية 26 من سورة يونس. (1/307)
صفحة 306
فَوْتَ*) * (1) ما هذا الفوت وما هذا الفزع؟ قال: معي -والله أعلم- أن معناه: إذا جاء أمر الله من الموت والهلاك، فزعوا منه فلا يفوتون على فزعهم أمر الله تبارك وتعالى، أي فلا فوت لا يفوتون * (*وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ*) * (2) أخذهم أمر الله تبارك وتعالى، من الموت والهلاك والله أعلم بتأويل كتابه.
قلت له: فقوله: * (*وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ*) * (3) أهو عند الموت يقولون أنهم آمنوا بالله وبرسوله؟ قال: هكذا عندي إذا جاءهم أمر الله آمنوا بالذي كانوا به يكفرون به مما دعوا إليه.
قلت له: فقوله تعالى: * (*وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ*) * (4) ما معنى التناوش وأنى؟ قال: فمعي أن معنى أنى: أين تعاطيه لهم تعاطيه أن ينالوه، فهذا معي معقول في كلام العرب تناوش تعاطاه ولا يناله أو يناله على التعاطي له.
قلت: فتناوشه وتعاطيه في حين ذلك أهو التوبة؟ قال: هو طلب الإيمان بما كفروا لتوبة مما أصروا عليه، هكذا عندي أنه قيل. والله أعلم.
قلت له: فقوله تعالى: * (*وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ*) * (5) ما كانت شهوتهم في حين ذلك؟ قال: معي أنه قيل كانت شهوتهم التوبة أن ينالوها، في حين ما عرفوا فضلها، فحيل بينهم وبين ذلك بنزول الموت والهلاك، والله أعلم بتأويل كتابه.
قلت له فقوله تعالى: * (*مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن
__________
(1) الآية 51 من سورة سبأ.
(2) نفس الآية السابقة.
(3) الآية 52 من سورة سبأ.
(4) نفس الآية السابقة.
(5) الآية 54 من سورة سبأ. (1/308)
صفحة 307
رِّجَالِكُمْ*) * ما كان سبب ذلك حتى أنزل الله فيه وأنفاه عنه؟ قال: الله أعلم، ومعي أن قيل إن زيداً كان قد صار من النبي صلى الله عليه وسلم في محل حتى أنه كان يسمى ابنه، ومعي أنه ما كان من قصته ما كان، وطلق المرأة لكرامة النبي صلى الله عليه وسلم فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وأحسب أن اليهود تكلموا، ولعل أهل النفاق أنه يحرم زوجة الابن وهو يأخذها إذا كان يسمي ابنه، فنفى الله ذلك عنه وقال: * (*مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ*) * (1) وأنزل الله فيما أحسب: * (*وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ*) * (2) وقال: * (*وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ*) * (3).
مسألة: وقال أبو عبد الله عن قول الله تعالى: * (*وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً*) * (4) قال المعنى إلا أن يبتلي بقتله خطأ فعليه [ ... ] (5) قال الله ولا إثم عليه ولم يجعل الله له أن يقتله خطأ، قال أبو عبد الله في قول الله تعالى: * (*فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ*) * (6) قال هو أن يكون رجل مؤمن يقتل رجلا من المسلمين خطأ، وورثة المقتول من أهل الحرب، فلا يلزمه إلا تحرير رقبة مؤمنة، كما قال الله.
مسألة: وقيل: إن الربانيين هم العلماء والفقهاء، وهم فوق الأحبار.
__________
(1) من الآية 40 من سورة الأحزاب.
(2) من الآية 23 من سورة النساء.
(3) الآية الرابعة من سورة الأحزاب.
(4) من الآية 92 من سورة النساء.
(5) بياض بالأصل.
(6) من الآية 92 من سورة النساء. (1/309)
صفحة 308
وقيل: إن المهيمن هو المؤتمن، وقال: إن الشرعة السنة، والمنهاج السبيل، ويروى ذلك عن مجاهد وابن عباس، وفي قوله عز وجل: * (* يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ*) * (1) قيل ناس من أهل اليمن.
مسألة: وسأله عن قول الله عز وجل: * (*وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ*) * قال: عندي أنهم ما استحقوه، والله أعلم بتأويل كتابه.
مسألة: وقال أبو سعيد يقع لي في قول الله: * (*إلاًّ ولا ذِمَّةً*) * أنه إلاًّ أي ولاية، وكذلك قوله عز وجل: * (*إِنَّهُم لا أيمَان لَهُمْ*) * من وجه الحلف والمعاهدة، لا من وجه الإيمان بالدين والإيمان بالله، قلت فما تفسير قوله تعالى: * (*لأعنتكم*) * قال: معي إنه أراد ولو شاء لضيق عليكم في أمر اليتامى فتأثموا.
مسألة: وسئل عن قول الله عز وجل: * (*وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ*) * (2) قلت: هذا التسبيح خاص أم عام؟ قال: سمعنا أنه عام، وكذلك عندنا أنه عام، قال: وقد قال: إن كل تسبيح في القرآن إنما يعني به الصلاة.
مسألة: قال أبو سعيد: سمعت أنه قيل إن أول ما أرسل الله به نبيه صلى الله عليه وسلم وأمره بالرسالة قوله تعالى: * (*يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ*) * قلت له: المدثر ما هو؟ قال: معي إنه النائم، قلت له: قوله تعالى: * (*وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ*) * كانت ثيابه نجسة؟ قال: معي إنه قد قيل: قلبك فطهر، والثياب هاهنا القلب، قيل: (والرجز) ما هو؟ قال: معي
__________
(1) من الآية 54 من سورة المائدة.
(2) من الآية 44 من سورة الإسراء. (1/310)
صفحة 309
أنه قيل الشرك، أي اهجر الشرك، والله أعلم بتأويل كتابه، وهذا قيده على المعنى.
مسألة: وسمعت أبا سعيد: المعنى في قوله تعالى: * (*الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ... *) * (1) (وفضلا)، إن الفضل هاهنا: الغنى في الدنيا، ومغفرة الذنوب في الآخرة.
* (*إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ*) * قال أبو سعيد: أبتر من خير الدنيا والآخرة.
سئل عن قوله تعالى: (طه) قال: أحسب أن بعضا يقول إنه اسم، يعني به النبي يا رجل * (*مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى*) * ومعي أن بعضا يقول طه: مكة.
قال أبو سعيد: معي أنه قيل في قول الله: * (*رَقِيبٌ عَتِيدٌ*) * شهيد حفيظ.
مسألة: من الزيادة المضافة: اعلم أن كل موضع في كتاب الله ذلك فيعني هذا فافهم وكل موضع في كتاب الله (كذلك) يعني هكذا، وكل موضع في كتاب الله (أولئك) يعني هؤلاء، وقول الله في كتابه: * (*وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ*) * (2) اللام فيه صلة لما، يعني ما يتفجر، * (*وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ*) * (3) يعني ما يهبط، واللام فيه صلة، وقول الله * (*سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً*) * (4) فتفسير إن كان: يعني لقد كان، ونظيرها في بني إسرائيل (وإن كادوا)
__________
(1) من الآية 268 من سورة البقرة.
(2) من الآية 74 من سورة البقرة.
(3) نفس الآية السابقة.
(4) من الآية 108 من سورة الإسراء. (1/311)
صفحة 310
لقد كانوا يهود المدينة (ليخرجوك) يا محمد (وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا) ونظيرها في آخر الشعراء * (*تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ*) * لقد كنا في ضلال مبين، وفي الصافات * (*كِدتَّ لَتُرْدِينِ*) * أن لقد كدت.
رجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: عن أبي سعيد قلت له: فقول الله عز وجل: (لئيلاف) مرتين الآية، قال: معي أنه أمرهم أن يتألفوا على طاعته وعبادته، كما يتألفوا لرحلتهم في الشتاء والصيف لأنهم كانوا فيما قيل يمتارون من الشام ويرحلون للخروج في الشتاء رحلة، وفي الصيف رحلة، في السنة مرتين، يخرجون للميزة، والله أعلم.
وأرجو أن بعضاً قال: هذا قسم أقسم به.
قال أبو سعيد: قد قيل فيما يروى أنه لما كان من أمر موسى والخضر وأرادا الافتراق نزل عليهما طير من السماء إلى البحر أو الأرض فأخذ بمنقاره من البحر أو الأرض، فقال: الخضر لموسى: أتعرف يا موسى، ما هذا الطير؟ أو ما يراد به؟ فقال موسى لا أعرف ذلك، فقال: هذا أرسل إلينا ليعرفنا أن يعلمنا أن جميع علم خلق الله من أهل الأرض وغيرهم، مثل ما احتمل بمنقاره من البحر، ولا يبلغ ذلك هكذا عندي على معنى الرواية لا على اللفظ.
سألت أبا سعيد عن قول الله * (*كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً*) * قال: من قال على معرفة الله تبارك وتعالى، وقال من قال على الشرك، قال: وإنما صاروا على الشرك إذا أشركوا.
وسألته عن قول الله تعالى: * (*فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا*) * قال: فطرهم على معرفته تبارك وتعالى.
وسألته عن قول الله تعالى: * (*لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً (1/312)
صفحة 311
فِي قُلُوبِهِمْ*) * (1) ما هذا البناء أهو البناء أم الدين قال: ما كان من البناء الذي يبنيه على معصية الله كان من الدين أو غيره.
قلت له: فقوله تعالى: * (*إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ*) * (2) أهو الموت أو ما هذا التقطع؟ قال عندي: أنها تقطع في نار جهنم النجاة بالله من النار.
مسألة: قال أبو سعيد في قول الله تعالى: * (*وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ*) * إن الجهد (بضم الجيم) هو الجهد من عرض الملك والمال، وأما الجهد (بفتح الجيم) فهو جهد النفس. (وكذلك قوله تعالى خلاف وخلف والخلف هو ما تخلفوا عنه بعد الخروج والخلاف هو ما خالفوه في الشيء أو نحو هذا) (3).
مسألة: قال الله تعالى: * (*لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ*) * قال بعضهم: لا يحب الله الابتداء بالسوء إلا من ظلم، يقول: ومن ظلم لا يعتدي إلا في هذا الموضوع، ألا ترى إلى قوله: * (*وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ*) * وقال بعضهم: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء ولا من ظلم يقول من ظلم لا يتعدى إلا في هذا الموضوع، ألا ترى إلى قوله: * (*لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ*) * (4) يقول: والذين ظلموا منهم لا حجة لهم عليكم، يؤكد هذا قوله: * (*وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ*) * (5) يقول: وما سلف فرقوا بينهم، وقال أبو الأسود الدؤلي:
وكل أخ مفارقهُ أخوه*ش* ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
يقول إلا الفرقدان، والفرقدان لا يفترقان?
__________
(1) من الآية 110 من سورة التوبة.
(2) نفس الآية السابقة.
(3) كذا بالأصل، ولم أوفق إلى تصويبه.
(4) من الآية 150 من سورة البقرة.
(5) من الآية 23 من سورة النساء. (1/313)
صفحة 312
مسألة? قال أبو سعيد? واختلف في تفسير قول الله تعالى? ? ?خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا??? (1) فبعض يقول? بغير عمد? أنها خلقت بلا عمد، وقال من قال? بعمد لا ترونها بالعمد?
مسألة? قال أبو سعيد? معي أنه قيل في قول الله تعالى? ? ?فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا???الآية??? (2) أنه بعد عليهم أهل الشرك من الروم فأحرقوا وقتلوا واخرجوا فيما قيل التوراة، قلت? فقلوه فجاسوا? أي فدخلوا قال هكذا عندي?
وسألته عن قوله? ? ?لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا??? (3) هو نفي، قال? نعم هكذا عندي، قيل له? ? ?مُنفَكِّينَ??? ما عنى بذلك قال? الذي يقع أن الانفكاك من الشيء خروجه منه، قلت? فليخرج أنه ? ?لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ??? خارجين من الإسلام، ويلحقهم اسم الشرك، إلا لحجة تنزل عليهم فيردونها، قال? هكذا يقع لي، هذا قيده على المعنى، فينظر في ذلك?
مسألة? وقيل? إن الربانيين هم العلماء والفقهاء وهم فوق الأحبار، وقيل? إن المهيمن هو المؤتمن، وقيل إن الشرعة السنة، والمنهاج السبيل، ويروى ذلك عن مجاهد وابن عباس وفي قوله? ? ?يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ??? (4) قيل ناس من أهل اليمن?
وسألت محبوباً عن قول الله تعالى? ? ?لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
__________
(1) الآية العاشرة من سورة لقمان.
(2) الآية الخامسة من سورة الإسراء.
(3) الآية الأولى من سورة البينة.
(4) من الآية 54 من سورة المائدة. (1/314)
صفحة 313
بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً??? قال محبوب? بلغنا أنها نزلت في أبي أيوب الأنصاري إذ قالت له امرأته ألا تسمع يا أبا أيوب ما يقول الناس في عائشة؟ فقال لها أبو أيوب? كنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ فقال? لا والله، فقال لها? فعائشة خير منك، فأنزل الله الآية فيه?
مسألة? سألت محبوباً عن قول الله تعالى? ? ?ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ??? ووجد في كتاب مرفوع عن ابن عباس في قول الله تعالى? ? ?فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ??? (1) فقال نظيرها في الواقعة? آيتان في الجنة، وواحدة في النار، وقال? بلغنا عن ذلك أن بعض الفقهاء كان يقول? إنها تشبه التي في الواقعة، وقال من قال من بعض قومنا في هذه المسألة? الظلم ظلمان، فالظلم المكفر لا يمكن أن يكون أهله من أهل الجنة إلا بالتوبة والندامة والرجعة، فعسى أن يكون هذا الظلم الذي ذكر الله يشبه اللطمة، وأخذ اللحية، ونتف الشعر، وما يشبه هذا مما لا يجوز أن يكون ظلماً، ولا يكون كفراً، وعلى صاحبه التوبة من ذلك، وقال بعض المسلمين? ? ?ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ??? يعني من ذرياتهم ظالم لنفسه ? ? وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ??? ونظيرها في كتاب الله في غير موضع?
مسألة? قال أبو سعيد? لا أعلم في القرآن ? ?كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم??? إلا في سورة الجن وسورة ص والأنعام وسائر ذلك قبلهم فيما يقع لي?
وقال أبو سعيد? قد قيل لا همز في القرآن إلا ألف أو ياء أو واو?
من غير الكتاب? من كتب القرآن في شيء ثم أحرقه فليتب مما صنع، الله تعالى أولى به إن شاء عذبه وإن شاء رحمه?
__________
(1) من الآية 32 من سورة فاطر. (1/315)
صفحة 314
مسألة? نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمحى كتاب الله بالأقدام?
مسألة? وحدثني عن نافع عن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يُسار بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يأخذه العدو?
تم الجزء الأول بعون الله وحمده
ويليه الجزء الثاني (1/316)
صفحة 315
فهرس الموضوعات
??الباب الأول في العلم ? ... 9
الفصل الأول في مدح العم وأهله ... ??
الفصل الثاني في الحث على طلب العلم ... 13
الباب الثاني في أصول الفقه: ... ??
الفصل الأول في أهمية الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ... 16
الفصل الثاني في أنواع الأخبار المروية ... ??
الفصل الثالث في أحكام الخصوص والعموم ... 22
الفصل الرابع في الإجماع ... ??
الفصل الخامس في القياس ... 27
الباب الثالث في الفتيا: ... ??
الفصل الأول في قيام الحجة بالعلماء وغيرهم ... 61
الفصل الثاني في صفة الثقات ... ??
الفصل الثالث في الفصل الرابع في ذكر بعض الفقهاء ... 64
الفصل الخامس في فيمن يجوز قبول فتياه ... ??
الفصل السادس فيما يقول المستفتي إن اعتذر عن الفتوى ... 88
الفصل السابع فيمن يجوز له أن يفتي بالرأي ... ??
الباب الرابع في التقليد ? ... 103
الفصل الأول في ذم التقليد ... ???
الفصل الثاني في تقليد الصحابة ... 113 (1/317)
صفحة 316
الباب الخامس: ... ???
الفصل الأول في تعلم الفرائض ... 117
الفصل الثاني في تعليم الصبيان وما يترتب عليه ... ???
الباب السادس في القرآن وفيه تفصيل ? ... 127
الفصل الأول فيما قيل في خلق القرآن ... ???
الباب السابع في معنى إله ? ... 159
فصل في الاسم غير المسمى ... ???
الباب الثامن في الرد على من يقول إن القرآن مخلوق ? ... 163
فصل من كتاب عزان بن الصقر ... ???
الباب التاسع في اللوح المحفوظ ? ... 173
فصل في أن كلام الله قبل اللوح المحفوظ وقبل القلم ... ???
الباب العاشر في الرد على من يدعي الزيادة والنقصان في القرآن ? ... 187
فصل من جامع أبي محمد ... ???
الباب الحادي عشر في أحكام القرآن ? ... 201
فصل: من جامع أبي محمد ... ???
الباب الثاني عشر في المحكم والمتشابه ? ... 207
فصل من جامع أبي محمد ... ???
الباب الثالث عشر فيما يذكر الشيء ويراد به غيره ? ... 211
فصل ومن جامع أبي محمد ... ???
الباب الرابع عشر في مخاطبة الله لعباده وأمره لهم ? ... 215
فصل ومن جامع أبي محمد ... ??? (1/318)
صفحة 317
??الباب الخامس عشر الإضمار والكناية ? ... 231
فصل فيما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ... ???
الباب السادس عشر في الناسخ والمنسوخ ? ... 237
فصل في ذكر الآيات والأحاديث المؤيدة لذلك ... ???
فصل من جامع أبي محمد ... 251
الباب السابع عشر فيما عزى الله به نبيه: ... ???
فصل من جامع أبي محمد ... 260
الباب الثامن عشر في قراءة القرآن: ... ???
الفصل الأول من كتاب الأشراف ... 264
الفصل الثاني من أحكام أبي سعيد ... ???
الفصل الثالث في تعليم القرآن ... 273
الفصل الرابع في شيء من قراءة القرآن وتفسيره ... ??? (1/319)
صفحة 318
رقم الإيداع بدار الكتب 3485 لسنة 1982
مطابع سجل العرب (1/320)
صفحة 319
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الثاني
1404هـ/1984م (2/1)
صفحة 320
[صفحة 2 بيضاء] (2/2)
صفحة 321
بسم الله الرحمن الرحيم (2/3)
صفحة 322
[صفحة 4 بيضاء] (2/4)
صفحة 323
باب
تفسير أسامي الرب جلا وعلا
اختلف أهل التفسير في تأويل: الله:
قال قوم: مشتق من أله يأله، ووله يوله، يقال من ذلك وله العبد إليه، أي تعلق نفسه بالرغبة إليه، وانتظار الفرج من عنده.
قالوا: ومنه يقال: فلان يتأله، إذا تنسك وتعبد، والمتأله من العباد، الذي ظهرت عليه عبادة الله، أو هو مشبه بالعباد.
قال بعضهم: إن الإله مأخوذ من أله العباد إليه، أي يأله إليه كما يأله الطفل إلى ثدي أمه.
قال قوم: الذي يستغني عنه في الأصنام التي يعبدونها في كل شيء، قال: في الأصل إله، وهو مأخوذ من أله يأله إذا تحير، كأن القلوب تأله إليه أي تتحير عند التفكر في عظمته، فلا يعلم أحد كيف هو جل وتعالى إلى أن يدركه المخلوق.
وقال بعضهم: سمي: الله، لأن القلوب تأله إليه، أي تشتاق إلى معرفته، وتلهج بذكره، يقال: وله يأله، قالوا: ويبدل من الألف، فكأنه في الأصل أله يأله فأبدله الواو، ومنه سمي الولهان.
وأما التشديد الذي على اسم الله في كل هذه الوجوه، فإنها لتواتر الفعل، والعرب تفعل ذلك إذا تواترت الفعل، كما تأتي وتعدى، لأنها فعلة بعد فعلة على التكرير.
وقال بعضهم: الألف واللام للتعريف، إنما دخلا في باب الإعراب، وكانت مجردة قبل التعريف، لام إضافة، والهاء كناية يشار بها إلى غائب، لأن الله شاهد غائب، فإذا اجتمع لام إضافة (2/5)
صفحة 324
ولام تعريف، فاشتبه بحرفين من جنس واحد، فأدغمت العرب بالتشديد إحدى اللامين في الأخرى.
عن الأشعري قوله تعالى: (هو الله لا إلا هو) فمعنى أنه لا يستحق صفات المدح على الكمال إلا هو، إلا إله إلا هو أن لا أحد يستحق صفات للكمال إلا هو، إشارة إلى الله تعالى من طريق.
الرحمن الرحيم:
قال المبرد: الرحمن الرحيم، وقع على وزنين: فعلان وفعيل، نظيره من الكلام: ندمان ونديم، وفعلان لا يجوز أن يقال من الرحمة، إلا الله، يقال له: رحمن.
وبعض القوم جوزوا ذلك واحتجوا بهذا البيت:
سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا ... فأنت غيث لنا لا ريب رحمن
وهما صفتان مبنيتان من الرحمة.
عن الأشعري: الرحمن الرحيم، إنما هو من له الرحمة، وهو من صفات الذات، وهي لذاذة النعمة.
والرحمن: فيه مبالغة من أرحم ورحيم، كعليم وأعلم.
الرب:
الرب في كلام العرب يتصرف على أوجه:
فالسيد المطاع فيهم يسمى ربا، وهو الذي يعيش كثير من الخلق من جنته، ومن رزقه، يقال ربيته ربا. (2/6)
صفحة 325
والرب: هو الملك -لعله- المالك، قال الله تعالى: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} فالمالك للشيء يسمى ربا.
والرب: الثابت أيضا، يقال: رب فلان بالمكان وأرب، ولا يقال في المخلوقين: هذا الرب معرفا بالألف واللام، بل يقال: إنه رب كذا وكذا، فيعرف بالإضافة، بإضافة الملك.
عن الأشعري: الملك من له الملك، وحقيقة الملك القدرة على الخلق والاختراع، فالباري سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال ملكا، لأن هذا الوصف من صفات الذات.
الأحد والواحد:
قال بعض الحكماء: يقال له واحد، لأنه جل وعز لم يزل قبل الخلائق متوحداً بالأزل، لا ثاني معه، فالواحد اسم يعلم باسمه أنه واحد، وليس قبله شيء.
والواحد من العدد في الحساب، ليس قبله شيء، بل هو قبل كل عدد.
والواحد كيف أردته أو أجريته لم يزد فيه شيء، ولم ينقص منه شيء، تقول: واحد في واحد واحد، فلم يزد على الواحد شيء، ولم ينقص منه شيء.
وإن جزأته تقول: نصف الواحد، ثلث الواحد، ربع الواحد، فلم يتغير اللفظ عن الواحد، فدل أنه لا شيء قبله، وإذا دل أنه لا شيء قبله دل أنه محدث الشيء، وإذا دل أنه محدث الشيء دل أنه مغني الشيء، وإذا كان مغني الشيء دل على أنه لا شيء بعده.
فإذا لم يكن قبله ولا بعده شيء فهو المتوحد بالأزل، ولا نقول (2/7)
صفحة 326
للباري إنه معدود، لأن المعدود هو الذي يكون كثيرا بأشكاله، وقليلا بانفراده.
فأما ما لا يجوز أن يكون له أشكال توجد معه، ويكون كثيرا، وتعدم أشكاله، فيكون إقلالا، فليس بمعدود.
والقديم جل جلاله قد خلا من هذه الأوصاف، فبطل أن يكون معدودا، وكان الواحد أقل الأعداد لوجب أن يكون أقل قليل، تعالى الله عن ذلك.
وقد استقصينا في مقالة الحساب معنى الواحد، وأجرى ذكره هنا أيضا، وهو أن الحساب ممدوح بجميع الألسن، محمود في جميع الأديان، به اتفقت جميع الألسن على اختلاف أديانها، وتباين ألسنتها، وتباعد أهوائها في صحته.
واختلف في سائر العلوم، فلم يجتمع عليها، وهو من أدلة التوحيد، وأعلامه، إذ الواحد أسبق الأعداد وأشرف الأفراد، الاثنان والثلاثة منه تركيب، وعنه تأليف، فلما كان ربي جل وعز أول الأصول، كان واحدا، فكساه التضعيف، فتعدد فحدثت الأعداد بحدوث المعدودات.
فكل واحد حادث، فهو شيء يجمع وكل دون الله معدود، وكل معدود مقهور، لأنه في سلك الحسيب منظوم، وطرفاه عليه معقود، والواحد في ذاته اسم الحقيقة ممتنعة من التعدد والتجزئ.
والأعداد أقدار معلومة، وكلها آحاد مجتمعة والواحد لا يسمى عددا بمضافة ثان، والواحد أول الأعداد والتسعة غايتها، ولما لم يجد الأعداد بعدها متسعا عادت العشرة واحدا بصيغة ثانية، ثم تركبت إلى التسعين، كتركيب الآحاد إلى التسعة، فأخذ كل عقد من العشرات (2/8)
صفحة 327
حليته من شكله من الآحاد، فالتسعة هي نهاية الأعداد، والطريق الأعظم، فلهذا جعل الباري هيئة العالم فتمامه بتسعة أشياء:
أولها: الفلك.
والثاني: الشمس التي هي نور العالم الذي له ... الأشياء.
والثالث: الهواء.
والرابع: الماء.
والخامس: الأرض التي هي قرار الخلق والقابلة للجنوب.
والسادس: هو الإنسان.
والسابع: دواب البر.
والثامن: دواب البحر.
والتاسع: الأشجار والنبات.
ونجد أيضا في كل شيء تسعة أعراض، إن نقص واحد منها لم يكن بالتمام مثاله:
تفاحة واحدة أولها تخيرها السمع إذا وقع عليها البصر أن أسمي تفاحة واحدة.
والثانية: يخبر البصر عن لونها.
والثالثة: يخبر الشم عن رائحتها.
والرابعة: تخبر اليد عن وزنها أنها ثقيلة أو خفيفة. (2/9)
صفحة 328
والخامسة: أنها تخبر الذوق عن طعمها.
والسادسة: تخبر بأن كنا فنى من التراب.
والسابعة: بأن تستوي من الماء.
والثامنة: تخبر بأن لوني من الهواء.
والتاسعة: تخبر بأن طعمي من النار.
وهذه الأعراض موجودة في المكونات كلها، وقد قلنا: إن تركيب العقود كلها إلى التسعين، لتركيب الآحاد إلى التسعة، ثم عادت واحدة بصيغة ثالثة فقيل: مائة واحدة، ومائتان كذلك إلى التسعمائة قد اكتسبت لبسها من نتيجتها من الآحاد، ثم قيل: ألف واحد بصيغة رابعة، فالاعتقاد والمائتين آحاد نكرت بالسمات، وبوين بينها بالأعلام لتعريف الأقدار والعدد الذي هو أتم التمام، وهي ثمانية وعشرون حرفا، تسعة آحاد وتسعة عشرات وتسعمائة واحد ألف، وما بعد ذلك ألوف معدودة إلى ما لا نهاية لها.
والأوائل كانوا يفضلون الأعداد الأولية، أعني الاثنين إلى العشرة، بل لم يكونوا يعدون عددا على الإطلاق إلا هذا، وكانوا من بين الأعداد الأولية يفضلون الأربعة والسبعة.
أما الأربعة فلأنها تولد، ويتولد، أعني به أنها تولد الثمانية التي هي ضعفها، ويتولد من الاثنين اللذين هما نصفهما، وليس شيء من الأعداد جمع المعنيين جميعا غير الأربعة.
أما السبعة فلأنها عدد مستندة بذاتها، قائمة بنفسها، غير متولد ولا مولدة، لأنها لم تحصل من تضعيف عدد قبلها، ولا إذا ضوعفت هي أعطت عددا، إذ الأعداد في الحقيقة إلى العشرة فقط. (2/10)
صفحة 329
فإذا كان لكل واحد من هذين العددين، أعني الأربعة والسبعة في نفسه منزلة في الشرف مقابلة بمنزلة صاحبتها.
أما السبعة فلها شرف الاستبداد بذاتها، والغنية عن غيرها.
وأما الأربعة فلها شرف استجماع فضيلتين العلة والمعلول جميعا.
ويرجع إلى ما كنا فيه وأقول: قد قلنا: إن تسعة آحاد تسعة عشرات تسعة مئات واحد ألف، وما بعد ذلك ألوف معدودة إلى مالا نهاية لها، وجعلت الكسور في أشغالها عن الواحد كالصحاح في استعلائها عنه، فلكل جزء من الكسور شقيق من الأعداد الصحاح.
فأول منازل الكسور آخر الواحد، ثم آخر الأخرى كما الصحاح تعلو عشرات، ثم مئات، كذلك وكل العدد بالواحد قائم، وإليه منتسب لو انسلخ من الأعداد لبطلت، ولو انكشف عن الكسور لم تجد منتسبا فبطلت، فبالواحد كانت الأعداد بمنازلها منه بان أقدارها، فلا عدد إلا والواحد أصله، ولا آخر إلا والواحد أوله، فهو العين التي منها انبجست الأعداد، والمركز الذي إليه يأوي والمرأة التي تؤدي كل عدد قدرة، ومنها ثم ما أجرينا ذكره من مقالات الحساب، ونرجع إلى تفسير الأحد:
الأحد:
والأحد هو اسم أكمل من الواحد، ألا ترى أنك لو قلت: فلان لا يقوم له واحد، جاز في المعنى أن يقوم له اثنان أو ثلاثة.
وإن قلت: فلان لا يقوم له أحد، فقد أخبرت -نسخة- أبرمت أنه لا يقوم له واحد ولا اثنان فما فوقهما. (2/11)
صفحة 330
السلام:
السلام سمي لسلامته مما يلحق المخلوقين من العيب والنقص، والفناء والموت، والزوال والتغيير، انقضى.
ومن غيره:
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
الذي عرفت أنه تعالى سمى نفسه السلام بالسلامة مما يلحق المخلوقين من العيب والنقصان، اتصل، رجع.
والسلام والسلامة واحد عند العرب، وسمي الصواب سلاما، لأنه قد سلم من الكذب والعيب والاثم، عن الأشعري: ومعنى قوله السلام هو قريب من معنى القدوس، وقيل إن السلامة به ومنه.
قال غيره:
عن الأشعري: إن القدوس البري ومن المعايب والنقائص والآفات والأضداد والأنداد.
المؤمن:
قال تغلب: المؤمن عند العرب المصدق، يذهب إلى أن الله يصدق عباده المؤمنين، والعبد أيضا مؤمن أي يصدق الله بوعده ووعيده، وقد يكون المؤمن الذي أمن أولياء الله من أن يظلمهم، أي أعطاهم الأمان على ذلك، يقال أمن الأولياء -نسخة- الأمير فلانا، أي أعطاه الأمان، فالعباد آمنوا أن يجور عليهم والله مؤمنهم. (2/12)
صفحة 331
ومن كتاب الزاهر:
قال أبو بكر: في المؤمن ثلاثة أقوال:
قال الكلبي: المؤمن الذي لا يخاف ظلمه.
وقال بعض أهل اللغة: المؤمن الذي من أمن أولياءه عذابه، واحتج بقول الشاعر النابغة الذبياني:
والمؤمن العابدات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند
قال أبو بكر: وسمعت أبا العباس أحمد بن يحي يقول: المؤمن عند العرب المصدق، يذهب إلى أن الله عز وجل يصدق عباده يوم القيامة، وذلك أن المفسرين قالوا: إذا كان يوم القيامة سأل الله عز وجل الأمم عن تبليغ الرسل، فتقول: يا ربنا ما جاءنا رسول ولا نذير، فيكذبون أنبياءهم، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيسألون عن ذلك، فيصدقون نبيهم والأنبياء الماضين فيصدقهم الله تعالى عند ذلك، ويصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم فذلك قول الله عز وجل: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً}.
فالمؤمن المصدق لعباده كما قال الله تعالى: {يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} معناه يصدق الله ويصدق المؤمنين، ومعنى قوله: المؤمن فإنه يحتمل أن يكون من الإيمان الذي هو التصديق، فيكون معناه أنه مصدق لأنبيائه، فيعود إلى خبره عن صدقهم، وخبره كلامه، وهو صفات ذاته، ويحتمل أن يكون من المعنى الذي يرجع إلى الأمان، فيكون هو المخبر للمؤمنين من العقوبة بالمثوبة، وذلك من صفات الفعل.
المهيمن:
المهيمن قال بعضهم معناه الشهيد، وقوله: (ومهيمنا عليه) أي وشاهدا عليه، وقال آخرون: معناه الأمين. (2/13)
صفحة 332
وفي كتاب الزاهر:
المهيمن القائم على خلقه، قال الشاعر:
ألا إن خير الناس بعد نبيه ... مهيمنه التاليه في العرف والنكر
معناه: القائم على الناس بعده، ومن ذلك قوله عز وجل: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} في مهيمن خمسة أقوال:
قال ابن عباس: المهيمن المؤتمن.
وقال الكسائي: المهيمن الشهيد.
وقال أبو عبيدة: يقال: المهيمن الرقيب، ويقال: هيمن الرجل يهيمن هيمنة إذا كان رقيبا على الشيء.
وقال أبو معشر: (ومهيمنا عليه) وقياما على الكتب.
وقال أهل اللغة: القنان لا أصل له في كلام العرب، إنما هو القفان.
قال الأصمعي: يقال: فلان قفان على فلان إذا كان يتحفظ أموره، ومنه الحديث الذي يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن حذيفة بن اليمان قال له: إنك تستعين بالرجل الذي فيه عيب، قال: أستعينه بقوته، ثم أكون بعد على قفانه، أي على تحفظ أخباره.
وقال ابن الأعرابي: القفان الأمين، قال: وهو فارسي معرب.
قال أبو عبيدة: القفان عند العرب الذي يبيع أمر الرجل، ويتحفظه ثم يحاسبه عليه، وقال: معنى قول الله تعالى: (ومهيمنا عليه) قائما على الكتب. (2/14)
صفحة 333
وقال بعض النحويين البصريين: أصل هيمن مؤتمن، فأبدلوا من الهمزة هاء، كما قالوا: أرقت الماء، وهرقت الماء وإياك وهياك.
وعن الأشعري: ومعنى قوله: المهيمن هو الشاهد الذي لا يصلح عليه الزوال.
العزيز:
العزيز قال بعضهم: الممتنع فلا يغلبه شيء، وقال آخرون: العزيز الشديد في انتقامه.
وقال بعضهم: العزيز الذي لا يلحقه قهر، ولا يناله ذل، ولا يغلبه شيء.
ومن كتاب الزاهر:
قال أبو بكر: العزيز في كلام العرب معناه الظاهر الغالب يقول: عز فلان فلانا إذا غلبه، وقال الله عز وجل: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} معناه غلبني، ويقرأ: وعازني، على معنى وغالبني.
وقال عمر بن أبي ربيعة:
هنالك إما أن يعز الهوى ... وإما على إثرهم يكمد
ومن ذلك قولهم: من عزَّ بزّ، أي من غلب سلب.
عن الأشعري: ومعنى قوله: العزيز، أنه لا شبه له ولا نظير، وأنه الغالب الذي يغلب، والممتنع أن يوصل إليه بمسافة، أو تجور عليه آفة. (2/15)
صفحة 334
الرؤوف:
الرحيم، قال أبو بكر: قال أهل اللغة: الرؤوف معناه في كلامهم الشديد الرحمة.
وقال أبو عبيدة: في قوله عز ذكره: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} فيه معنى تقديم وتأخير، وقال المعنى إن الله بالناس رحيم رؤوف، أي رحيم شديد الرحمة، وقال في الرؤوف أربع لغات:
الرؤوف بإثبات الهمزة، مع إثبات الواو بعد الهمزة.
والرؤف بضم الهمزة من غير إثبات واو، وقد قرئ بالوجهين جميعا في كتاب الله عز وجل:
وقال كعب بن مالك:
نطيع نبينا ونطيع ربا ... هو الرحمن كان بنا رءوفا
وقال جرير في اللغة الثانية:
ترى للمسلمين عليك حقا ... كفعل الوالد الرؤف الرحيم
واللغة الثالثة: رأف بعباده بتسكين الهمزة، قال الشاعر:
فآمنوا بنبي لا أبا لكم ... ذي خاتم صاغه الرحمن محتوم
رأف رحيم بأهل البر يرحمهم ... مقرب عند ذي الكرسي مرحوم
وقال الكسائي والفراء: رئف بكسر الهمزة البارئ والخالق.
البارئ:
بمعنى الخالق، والبرية الخلق، والبري في اللغة: معناه التسوية (2/16)
صفحة 335
والبحت، يقال: أعط القوس باريها، وكان الله بري الخلق أي سواء على علم وحكمة.
وفي كتاب الزاهر:
قال أبو بكر: الباري معناه الخالق في كلام العرب، يقال برى الله عباده يبرأهم إذا خلقهم.
والخالق:
في كلام العرب المقدر، قال الله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} معناه أحسن المقدرين تقديرا، وقال في موضع آخر: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} معناه تقدرون كذبا.
وعن الأشعري: ومعنى قوله الخالق من له الخلق، وهو الاختراع، ويختص بالبارئ تعالى على الإطلاق حتى يجب القول بأن لا خالق غيره، كما يجب القول بأن لا إله غيره، ومعنى البارئ يعود إلى معنى الخالق فقد بيناه.
المصور:
عن الأشعري: ومعنى قوله المصور أنه المحدث لأنواع التركيب، لأن الصورة هي التركيب والاجتماع.
الجبار:
الجبار: قال بعضهم: هو المصلح أمور خلقه من قولهم: جبرت العظم فجبر، إذا كان مكسورا كأنه أقام القلوب وأثبتها على مما فطرها عليه من معرفته، والإقرار به، وقال بعضهم: سمي جبارا لأنه جبر عباده، وينعشهم ويكفيهم أمروهم، والجبار الذي يعجز الخلق عن أن تناله أو تدركه بخواطر الأوهام. (2/17)
صفحة 336
ومنه يقال للنخلة التي ارتفعت عن أن ينالهما أحد جبارة، والجبار من العباد المتعظم في نفسه المستكبر عن عبادة ربه، القتال في غير حق.
وقال بعضهم: المجبرة الجبار، اشتق من أجبرت فلانا على الأمر إذا أدخلته فيه كرها، وإنما قيل له: الجبار لأنه أجبر خلقه على أفعالهم، والجبار أيضا الملك لقول الله عز وجل: {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ} والجبابرة الملوك.
ومن كتاب الزاهر:
قال أبو بكر: الجبار في كلام العرب ذو الجبرية وهو القهار، والجبار في اللغة ينقسم إلى ستة أقسام:
يكون الجبار القهار.
ويكون الجبار المسلط، قال الله عز وجل: {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ} أي بمسلط.
ويكون الجبار القوي العظيم الجسم، كما قال عز وجل: {إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} معناه أقوياء أشداء عظام الأجسام.
ويكون الجبار المتكبر عن عبادة الله كقوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} أي لم يجعلني متكبرا عن عبادته، ويكون الجبار القتال، كقوله تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} معناه بطشتم قتالين.
ويكون الجبار الطويل من النخل.
ويقال: أجبرت الرجل على كذا وكذا، أجبره إجبارا، إذا أكرهته على فعله، هذه لغة عامة العرب، وتميم يقول: جبرت الرجل على كذا وكذا، أجبره جبرا وجبورا. (2/18)
صفحة 337
عن الأشعري: ومعنى قوله: الجبار يحتمل أن يكون المراد به أنه نافذ الإرادة والمشيئة، كامل القدرة والسلطان لا يعارضه معارض، ولا ينازعه منازع، فيكون جبارا على هذا المعنى، والصلة، لعله وأصله في اللغة قولهم: نخلة جبارة إذا علت، ولا تصل اليد إلى أغصانها، ويحتمل أن يكون المراد به أنه جبار على معنى مصلح لأمور خلقه، مأخوذ من قولهم: جبرت الكسر إذا أصلحته، فعلى هذا المعنى يدل على صفة الفعل، انقضى.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
في قوله الباري تعالى: إنه كامل القدرة والسلطان، وما بعد ذلك قد قيل: إن الله تعالى لا يوصف بالكمال، لأن الكامل عندهم الذي قد تم إنقاصه.
وإنما الباري أكمل ما قد أكلمه من مخلوقاته، إلا أنه هو تعالى ذاته ذات كاملة ولا ناقصة، لأنه ليس بذي إنقاص. رجع.
المتكبر:
المتكبر هو القاهر للأشياء كلها، المستخلص الكبرياء لنفسه.
وفي كتاب الزاهر:
المتكبر: ذو الكبرياء عند العرب الملك، قال الله تعالى: {وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ} معناه ويكون لكما الملك في الأرض.
عن الأشعري: ومعنى قوله: المتكبر، أنه يستحق من صفات المدح التي هي أعلى رتبة من سائر الممادح لخلقه، وكان متكبرا على الحقيقة لأجل ذلك (فالق الحب) فالق الحب هو مشققه ليخرج نباته، تقول: فلق الصبح إذا أسفر عن سواد الليل. (2/19)
صفحة 338
الظاهر:
يقال ظاهر لظهور صفته، كما يدل البناء على الباني.
وقال بعضهم: الظاهر العالم بما ظهر.
وقال آخرون: معنى الظاهر أن ما يظهر من الأشياء ليس بأقرب إليه مما بطن.
الباطن:
يقال له باطن لأنه خفي عن أن تدركه الخلائق بكيفية، أو تحيط به أوهامهم، أو تبلغه صفاتهم.
وقال بعضهم: الباطن العالم بما بطن.
وقال بعضهم: الباطن الذي ليس ما بطن من الأشياء بأبعد إليه مما ظهر.
الفتاح:
الفتاح: هو الحاكم يفتح الأمور ما قد انغلقت، قال الله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}.
وفي كتاب الزاهر:
قال أبو بكر: الفتاح معناه في كلامهم الحاكم، من ذلك قوله جل ذكره: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ} معناه: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء، ومن ذلك قوله: {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} معنى: متى هذا القضاء، ومن ذلك قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} معناه: متى هذا القضاء.
وقال الفراء: أهل عمان يسمون القاضي: الفتاح. (2/20)
صفحة 339
وقال قوم: معنى قوله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ} إن تستنصروا فقد جاءكم النصر.
الحكيم:
أصل الحكمة المنع، تقول العرب: حكمت اليتيم عن الفساد فأحكمته، أي منعته، ولهذا قيل للحديدة المعترضة في فم الدابة: حكمة اللجام، لأنها تمنع الدابة عن الاعوجاج، والحكمة سميت حكمة، لأنها تمنع من الباطل، وقد يكون حكيم بمعنى عليم.
ومن كتاب الزاهر:
والحكيم: معناه في كلام العرب المحكم لخلق الأشياء، فصرف عن المحكم إلى الحكيم، ومن ذلك قول الله تعالى: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} معناه: من الله القاهر المحكم خلق الأشياء، وكذلك قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} فصرف من مفعل إلى فعيل.
مسألة:
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
إن قيل: هل يوصف الله بأنه حكيم فذكر فيه اختلاف، يقال ذلك على سبيل العلم، لأن الحكيم إذا لم يكن عالما فهو جاهل، فعلى هذا السبيل يجوز.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
أما قوله: فعلى هذا السبيل يجوز، فلا نعلم ما يريد بقوله ذلك، فإن كان يعني أنه يجوز إنما يجوز أن يوصف الله تعالى بأنه حكيم (2/21)
صفحة 340
بما -لعله- بمعنى العلم لا غير ذلك، فقد جاز أن يوصف البارئ تعالى بأنه حكيم بالمعنيين جميعا، الفعلي والذاتي، فالذاتي بمعنى العليم، والفعلي بمعنى العليم أنه تعالى أحكم خلق الأشياء، فإنما قوله: فعلى هذا السبيل يجوز، فذلك ذا ذكر الأزل، فقيل: لم يزل حكيما بمعنى العلم، لم يزل الله عالما، فعلى هذا السبيل يجوز.
وهذا ما يخرج في جواز لفظه، فعلى هذا السبيل يجوز، إذ الحكيم بمعنى أنه أحكم الأشياء لا يجوز لقائل أن يقول: لم يزل حكيما إلا على القول الأول، والذي بمعنى العلم، لا على القول الذي بمعنى الفعل، رجعنا إلى كلام المضيف.
مسألة:
قال المضيف: وجدت في الأثر: أن الحكيم صفة للذات، وصفة للفعل، فصفات الذات بمعنى العلم، وصفة الفعل بمعنى أنه سبحانه أحكم الأشياء، والله أعلم.
رجع إلى كتاب بيان الشرع.
الأول والآخر:
الجواب يقال له: أول، لأنه لم يكن له سابق من خلقه، ويقال له: آخر، لأنه ليس له غاية ولا نهاية.
مسألة:
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
قلت: هل يوصف الله بأنه قديم؟ (2/22)
صفحة 341
قال: نعم.
قلت: فيوصف بأنه عتيق؟
قال: لا.
قلت: وما الفرق؟
قال: القديم المتقدم بالأشياء، الذي لا يجري عليه الحدوث، والعتيق الذي يجري عليه الفساد، فإن قال: هذا فلان قديم، قيل له: ذلك أنه قدم متناه يؤول أمره إلى الفساد، والله تبارك وتعالى ليس له غاية ولا نهاية. انقضى.
قال غير المضيف إلى الكتاب والمؤلف له:
أما ما ذكره المضيف بأن القديم هو المتقدم بالأشياء، فالأصوب عندي أن يقال للبارئ بأنه المتقدم قبل الأشياء، ولا يقال المتقدم بالأشياء كالمضطر إليها، المقدم بها، تعالى الله وتنزه عن ذلك، لأنه سبق الأشياء، وهو القديم بنفسه، لا بشيء هو غيره، هذا إن كان يجوز له على لفظ وزن المتفعل، لأن المتعزز والمتجبر لا يجوز ولا يقاس ذلك على قوله تعالى المتكبر. رجع.
الوكيل:
قال الفراء: الوكيل الكافي.
وقال بعضهم: الوكيل الكفيل، من قوله تعالى: {حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} أي الكفيل بأرزاقنا.
ومن كتاب الزاهر:
قال أبو بكر: الوكيل الكافي، كما قال الله تعالى: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} معناه: لا تتخذوا من دوني كافيا. (2/23)
صفحة 342
وقال آخرون: الوكيل الرب، ومعنى قوله عز ذكره: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} أي ربا.
وقال آخرون: الوكيل: الكفيل بالأرزاق.
سبوح:
سبوح مبني على فعول، من قولك: سبحان الله تنزيه عن قول الملحدين والكافرين، قال الأعشى:
أقول لما جاءني فجره ... سبحان من علقمة الفاجر
القدوس:
القدوس: فعيل من التقديس، والتقديس التطهير، ومنه قيل: الأرض المقدسة بمعنى المطهرة، فكل اسم على فعول مفتوح إلا هذين الاسمين سبوح وقدوس.
قال غير مؤلف الكتاب والمصنف إليه:
الذي عرفت أن كل اسم على فعول مفتوح أوله إلا هذين الاسمين، رجع إلى كتاب بيان الشرع. والذي يفتح مثل: سفود وتنور.
عن الأشعري: ومعنى قوله قدوس: البرئ من المعائب والنقائص، والآفات والأضداد، والأنداد واشتقاقه في اللغة القدوس وهو الطهارة.
المجيد والماجد:
المجيد والماجد: مأخوذان من المجد، والمجد الجلالة والعظمة، والماجد الواسع في العطاء والرحمة، تقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعقار، وهما شجرتان من أكثر الشجر نارا. (2/24)
صفحة 343
المقيت والحليم:
هو الحافظ لكل شيء، والراعي له، والمحصي العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة، قال الشاعر:
إلى الفضل أم على إذا حو ... سبت أني على الحساب مقيت
ومن كتاب الزاهر:
قال أبو بكر: الحليم معناه في كلامهم: الذي لا يعجل بالعقوبة، يقال: حلمت عن الرجل أحلم عنه حلما إذا لم أعجل عليه.
ويقال: حلمت في النوم أحلم حلما.
ويقال: حلم الأديم يحلم حلما إذا تنقب وفسد.
والمقيت: فيه قولان:
قال بعض الناس: المقيت الحافظ.
وقال ابن عباس: المقيت المقتدر، واحتج بقول الشاعر:
وذو ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتا
معناه: مقتدرا، وعلى هذا أهل اللغة.
وقال بعض المعمرين:
ثم بعد الممات ينشرني ... من هو على النشر يأتيني مقيت
معناه: مقتدر.
وقال أبو عبيدة: المقيت أيضا عند العرب: الموقوف على الشيء، وأنشد قول الشاعر: (2/25)
صفحة 344
ليت شعري واشعرن إذا ما ... قرّبوها مطوية ودعيت
إلى الفضل أم على إذا حو ... سبت أني على الحساب مقيت
الشكور والحميد والغفور:
الشكور بمعنى الشاكر، وبمعنى: مشكور، وكذلك الحميد بمعنى محمود وبمعنى حامد، حمد الله: هو الثناء عليه بصفاته الحسنى، والثناء عليه بنعمه، يقال: حمدت الرجل إذا أثنيت عليه بصفاته، بكرم أو بحسب، وشكرته إذا أثنيت عليه بمعروف أولاكه، ومن شكر فقد حمد، لأن الشكر يجمع الحمد والشكر جميعا.
ومن كتاب الزاهر:
قال أبو بكر: الغفور: معناه في كلامهم الساتر على عباده، المغطي ذنوبهم، من قولهم: غفرت المتاع في الوعاء أغفره إذا سترته فيه.
والشكور معناه في كلامهم: المثيب عباده على أعمالهم، يقال شكرت الرجل إذا جازيته على إحسانه، إما بفعل، وإما بثناء.
وقال الفراء: فيه لغتان: شكرت الرجل، وشكرت للرجل.
المجيب:
المجيب: الذي يجيب من دعاه، وأما معنى قوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} معناه: ادعوني اعبدوني موحّدين لأستجيب لكم بما وعدت من الجنة، وقد بين ذلك في موضع آخر فقال: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي}.
الباعث:
الباعث: عند العرب المثير، يقال: بعثت البعير، أي أثرته، وهو عز (2/26)
صفحة 345
وجل يبعث من في القبور، أي يثيرهم من القبول، لقول الله تعالى: {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}.
الديّان:
يقال له: الديان، لأن الخلق كلهم دانوا له، وتذللوا لعظمته، والدين الطاعة في كلام العرب.
قال بعضهم: الديّان المجازى بالأفعال، لقول العرب: كما تدين تدان، أي كما تفعل تجازى.
السند:
السند: هو ظهر الخلق وملجؤهم، لأن الخلق يسندون إليه، ويعتمدون عليه.
قال عير المؤلف والمضيف إليه:
إن السند لا يجوز في صفته تعالى، وإن قيل هذا في صفته فإنما هو مجاز ومعناه: ليس بحقيقة. رجع.
الحنان:
الحنان: المتعطف عليهم بالرحمة، وقال عز وجل: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا} أي رحمة، قال عكرمة: أي رحمة، يقال حنانيك ربنا، أي هب لنا رحمة بعد رحمة، أو رحمة مع رحمة، وكما قالوا: سعديك، أي سعدا مقرونا بسعد. قال الكميت:
حنانيك رب الناس من أن تعزني ... كما عزهم طول الحياة المنصف (2/27)
صفحة 346
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
في الحنان نظر، إذ لا يجوز أن يوصف الله تعالى به، ولم تعلم فيما وطئنا في آثار المسلمين الصحيحة، إلا النهي عن الإطلاق بالقول به، لما روي عن ابن عباس أنه سئل عن الحنان فقال: والله ما أدري ما الحنان.
قال الشيخ أبو المنذر سلمة بن مسلم: فهذا ابن عباس بحر العلم، وترجمان القرآن، ورباني الأمة، والقدوة فيه يقسم بالله ما يدري ما الحنان، فكيف يجوز لأحد القول فيه، والله أعلم.
المنان:
المنان: معناه المعطي، يقال: منّ فلان عليّ بكذا وكذا، أي أعطانيه فالمنان من المن، والمن العطاء.
وأما المنة فمن الاعتداد، يقال: امتنّ عليه بالعطية ومن عليه، فالمنان هاهنا الكثير الإحسان، الدائم المعروف، الواجب الامتنان.
الواسع:
يقال له: الواسع، لأنه تعالى وسع على عباده في دينه، ولا يضطرهم إلى ما يعجزن عن أدائه، ووجه آخر أنه يسع علمه كل شيء، فلا يخفى عليه شيء من أفعال عباده، لقوله تعالى: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً}.
وقال بعضهم: قيل له: واسع، لأنه وسع على عباده، وجعل الاختيار إليهم، فلما أرادوا أن يفعلوه، ولم يمنعهم بالجبر عن أفعالهم، لكن بين ذلك طريق الثواب والعقاب فيجازيهم على ما يظهر منهم. (2/28)
صفحة 347
ومن كتاب الزاهر:
في أسمائه عز وجل: الواسع، كقوله تعالى: {وَاسِعٌ عَلِيمٌ} قال أبو بكر: معناه الكثير العطايا الذي يسع لما يسأل تبارك وتعالى، هذا قول أبي عبيدة، ويقال الواسع: المحيط بعلم كل شيء من قوله تبارك وتعالى: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} معناه: أحاط بكل شيء علما.
ذي الطَّول:
الطَّول: الفضل والإحسان والعطية من قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} أي ما يعطي من المال.
النصير والناصر:
في كلام العرب واحد.
الودود:
الودود المتودد إلى خلقه بما يدر عليهم من أرزاقه، ويفرغ عليهم من وسعه القريب إليهم، المجيب لهم.
ومن كتاب الزاهر:
الودود في أسمائه عز وجل، المجيب لعباده من قولهم: وددت الرجل أوده ودًّا والود بفتح الواو -لعله- بضم الواو، اسم صنم قال الله عز وجل: {وَدّاً وَلَا سُوَاعاً}.
وقال الآخر:
يود لك ما قومي على أن تركتهم ... سليما إذا هبت شمال فريحها
يروى على وجهين: يودك ويوداك بفتح الواو وضمها، فمن رواه (2/29)
صفحة 348
بفتح الواو بحق صنمك عليك، ومن رواه بضم الواو وأراد بالمودة بيني وبينك.
الهادي:
الهادي: المبين لطريق الحق {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} أي بيانا لهم.
الفرد:
قيل له تعالى: الفرد، لأنه لا يختلط بالأشياء، ولا يمازجها، والأشياء كلها مختلطة بعضها ببعض.
الصمد:
الذي قد انتهى سؤدده، والذي يسند إليه في الأمور.
قال الناعي:
ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود بالسيد الصمد
والصمد الذي لا جوف له، والصمد الشريف من الناس، المتناهي في السؤدد والشرف، قال طرفة:
وأن يلتقي الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد
ومن كتاب الزاهر:
قال أبو بكر: الصمد اسم من أسماء الله عز وجل، وفي تفسيره ثلاثة أقوال:
قال قوم: الصمد الذي لا يُطعم، كما قال الله تعالى: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} ويروى عن الأعمش: يطعِم ولا يطعَم.
وقال السدي: الصمد الذي لا جوف له. (2/30)
صفحة 349
وقال أهل اللغة: أجمعوا أن لا خلاف بينهم في ذلك الصمد عند العرب، السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم، واحتجوا بقول الشاعر:
سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا ... ولا رهينة إلا سيد صمد
وقال آخر:
ألا بكر الناعي بحي بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
وقال عمرو بن الأسلع يعير حذيفة بن بدر:
علوته بحسامي ثم قلت له ... خذها حذيف فأنت السيد الصمد
معناه: أنت السيد الذي يصمد إليك الناس في أمورهم. انقضى.
قال المؤلف والمضيف:
وكل هذه الأقاويل التي في تفسير الصمد إنما الصواب في بعض ذلك، لا أن كلها صواب وإن اختلت أقاويلهم، وليس هذا كاختلافهم في الصمد.
قال قوم: هو السيد.
وقال قوم: هو الباقي.
وقال قوم: هو السيد الذي لم يزل ولا يزال.
وقال قوم: الصمد هو الذي لم يلد ولم يولد. (2/31)
صفحة 350
وقال قوم: الصمد الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
وقيل: الصمد هو الحي الذي لا يموت، وأمثال هذه الأقاويل من الصفات الموافقة الذي في جميعها الصواب. رجع.
القادر:
قال بعضهم: القادر هو الذي ينفذ إرادته فيما له بالقوة.
وقال آخرون: القادر أن يكون له قدرة قائمة به تبين من العاجز.
وقال بعضهم: القادر هو الذي يجوز منه الفعل.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
قال بعض: القادر هو الذي يصح أن يفعل وأن لا يفعل، إذا لم يكن ممنوعا، والله سبحانه فعل العالم، وكان يصح أن لا يفعله، فصح أنه قادر، وقولنا: أن يفعل وأن لا يفعل احتراز من النار، لأن النار تقع منها احتراق، فلا يجوز أن لا تحرق، فلذلك قلنا: إن ليست بقادرة. رجع.
الكريم:
قال بعضهم: الكريم الذي لا يمن إذا أعطى، فيكدر النعمة بالمنّ.
وقال آخرون: الكريم الصفوح عن الذنوب.
وقال آخرون: الكريم المرتفع من كل شيء، يقال: فرس كريم إذا كان مرتفعا بفراهته، وشجرة كريمة إذا كانت مرتفعة بالأغصان، ومنه قيل: أكرمته، وكرمته، أي رفعته وبجلته وفضلته. انقضى. (2/32)
صفحة 351
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
الكريم صفة ذات وصفة فعل، فالذاتي: العزيز الممتنع، والفعلي: المتفضل بالعطاء. رجع.
القاهر:
هو الغالب، يقال: قهر فلان فلانا إذا غلبه، فالبارئ عز وجل هو الغالب لكل شيء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
العلي:
هو الغالب المتعالي الذي ليس فوقه أحد، قد علا على خلقه، وكل شيء دونه وهو الأعلى، تبارك وتعالى.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
علوه تبارك وتعالى بالقدرة علو الشأن، لا علو مسافة وهذا مما ينبغي أن يبين لئلا يخطئ الضعيف، فيتوهم على البارئ تعالى أنه عال على خلقه، وكل شيء دونه، كما وصفت به، فيتوهمه أنه علو مسافة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. رجع.
اللطيف:
هو العالم الذي لا تخفى عليه خافية، وهو الرحيم بعباده، واللطيف من العباد الرقيق النظر العالم بغوامض الأمور، تقول العرب: لطف به، أي رفق به.
الوِتر:
الوتر لغتان: وَتر بفتح الواو وكسرها، والوتر بمعنى الفرد، ويقال: وتر لا شفع له، أي لا زوج له، وأصحاب الحساب يسمون (2/33)
صفحة 352
الواحد فردا، والاثنين زوجا، والثلاثة فرداً، والأربعة زوجا ولا يقولون: ثلاثة وتر.
الكفيل:
الكفيل: يقال له تعالى: الكفيل، لأنه تكفل بأرزاق عباده ولمن وحده بالجنة في الآخرة.
قال غير المؤلف والمضيف إليه:
إذا تبع توحيده بطاعته تعالى فيما أمره ونهاه وإلا فالمنافقون موحدون وهم في الدرك الأسفل من النار. رجع. (2/34)
صفحة 353
باب
في التوحيد
عن أبي المؤثر: ومن صفة الله عز وجل أن يقال: لم يزل الله عالما، ولم يزل قويا، ولم يزل عزيزا ولم يزل حكيما، ولم يزل سميعا، ولم يزل بصيرا، ولم يزل ملكا، ولم يزل ماجدا، ولم يزل قديرا، ولم يزل حكيما.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
قوله: لم يزل حكيما، بمعنى عليما لا بمعنى حليم عن العصاة، فإذا أريد به حليما عن العصاة، لم يجز أن يقال إن الله لم يزل حليما، وكذلك ما ذكره في الأزل بقوله: لم يزل حكيما، فالقول فيهما واحد إذا كان المراد به صفة الذات، قيل لم يزل حكيما، ولم يزل حليما، بمعنى عليما، وإذا أريد به الفعل لم يجز أن يقال: لم يزل الله حكيما، ولا يقال لم يزل الله حليما. رجع.
ويقال: لم يزل الله ربا لمربوب سيكون ولم يزل إلها لمألوه سيكون، ويقال: لم يزل الله وهو الخالق، ولم يزل الله وهو الرازق، ولا يقال: لم يزل خالقا ولا رازقا، ويقال: من صفة الله عز وجل الله رب كل شيء مربوب.
والله مولى كل شيء، والله سيد كل سيد، والله ملك كل ملك، والله مالك كل مالك. (2/35)
صفحة 354
قال غيره:
لعله أراد أن يأله كل إله، لأن لا إله إلا هو.
قال المضيف:
لعله أراد، ولا يقال له: كل إله.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
نعم لا يقال إله كل إله، ولا يقال: إله الآلهة، لأنه لا إله إلا الله وحده، لا إله غيره. رجع.
ويقال نستخير الله، ولا يقال نستشيره، لأنه يكره، ولا يقال سأل الله عنك، وهذا مكروه لأن الله عليم بعباده وبمواضعهم فلا يسأل عنهم.
ويقال: الأمر لله ثم لك، ولا يقال رأي الله ثم رأيك، لأن هذا مكروه، ولا يوصف الله بالرأي.
ولا يقال: بقي فلان بين الله والشمس وهذا مكروه، لأن الله ليس بمحدود.
ولا يقال: استأثر الله بفلان، لأنه إنما يستأثر بالشيء من له شريك والله تعالى لا شريك له في جميع الأمور، وجميع خلقه.
والصلاة من الله على أنبيائه ورسله المغفرة، ومن الملائكة وبني آدم الاستغفار، ويسلم على الملائكة انقضى الذي عن أبي المؤثر.
* مسألة:
{إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء}؟ (2/36)
صفحة 355
الجواب:
إن المراد بالفتنة في هذا الموضع هو تسديد في التعبد من الله تبارك وتعالى على المكلف، ليستحق بذلك زيادة في الأجر والثواب.
* مسألة:
عن بشير بن محمد بن محبوب: الحمد لله أفضل الحمد، شكرا له دائما أبدا، وسبحان الله تحميداً له باقيا إلى غير نهاية، ولا مدى، وأشهد موقنا أنه الله لا إله إلا هو، توحيدا له بأنه إله لم يزل إلها واحدا، فردا قادرا على الأشياء كلها في غير انتهاء مني بذكر الكل إلى غاية لها، ولا إثبات معاني الوجود منها فيها، ولا إشارة إليها بشيء من أوصافها.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
التي يستحقها سوى أنها مقدورات ومعلومات لله، لم يزل قادرا عليها، وعالما بها على ما هي به ما يوجده وما قد أوجده، وما لا يوجده، وأن لو أوجده كيف كان يقع في إيجاده إياه منها بغير تغير له في إيجادها، ولا حدوث علم بها أم له قد أوجدها، لأن المعلوم له أنه قد أوجده هو المعلوم له قبل أن يوجده، فليس لتغاير معلومه والوجود عن عدمه بموجب تغاير العلم به.
فسبحان الله الدال بالموجودات على ذلك من صفته في تشاكلها وتضادها، وإعدادها ومعدودها، وحدودها ومحدودها، وما وسمها به عادلا له على أنه أوجدها، وحكم في إيجادها، وغني عنها من اختلافها وتوافقها، وتألفها وتفرقها، وجواهرها وأعراضها، وكلياتها وأبعاضها، شاهدة بأنه البرئ عن معانيها، وكل ما يحل منها، والمتعالي عن درك نواظرها، ومماثلة أعراضها، وجواهرها، وإن توهمه نهته القلوب بحدوث خواطرها ونتائج فكرها. (2/37)
صفحة 356
فسبحان الله المتولي لإنشائها وتدبيرها صفة محكمة، وحكمة بالعدل فيها بالغة.
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بعلم الصدق وبرهان الحق، وشريعة العدل، ووصائف الفضل، وأنه قد أبلغ ما أرسله به، صلى الله عليه صلاة بالغة به إلى التفضيل له بها إلى الانتهاء إليها، الأعظم والتمجيد الأجل الأكرم من حيائه، وسنا مواهب عطائه، إنه واسع لما يشاء.
وبعد هذا بيان في حدوث العالم وإجرائه بتعاور الحوادث له ولها فيه، وأحساله وأحرائه لها، ووجوده بها غير منفكة منه، ولا منفك منها فجرى حراؤه وأحراؤه، هو بها تفرقا مرة له، وتأليفا أخرى يحلها، فالحال تضمنها، والوقت يجري عليها، والأماكن محلها ومنها لها تجاور ألافها بأعراضها وعلى غير التداخل منها بها.
فإذا ارتفع التأليف عنها ثبت الجزء الذي لا يتجزأ منها، وسقط العدد منه والعرضان المتضادان عنه، لأنهما يتنافيان الكون فيه بشغل أحدهما، ولا فضل فيه عنه، ولا يقوم في وهم ولا عقل أن يكون المدخول فيه داخلا في الداخل فيه، فدلالة الجزاء احتماله أن يراد إليه مثله إلى أن ينحسم بحدوث الأقدار الثلاثة له، والله عالم بعدد أجزاء الخلق كلها، وقادر على تفريق ما جمع منها حتى لا يبقى اجتماع فيها، وكذلك جميع متفرقها وفي ذلك إثبات الجزء الذي لا يتجزأ منها، وصحة النهاية فيها، ومن كل طرف منها، وما يلاقي الأجسام من نواحيها وجهاتها من أية سبب ابتدأت عددا منها، وإلى أية سبب انتهت به أمدا إليها، وأية أقمت في وهمك مقام محمود، وأية صورت في جلدك يصور بهبة عيانك له شاهدا منها.
وأيضا ففيما يظهر للعيان من تناهي الجسم من وجوهه الستة إلى الجهات المتناهية إليها من الهوى، أعدادها ما يصح به عدد أجزائه، (2/38)
صفحة 357
لاستحالة إحاطة الهوى بما لا نهاية له فيه، لأن ما لا نهاية له لا يتوهم له نهاية من جهة، فحكم ما أدركنا من نهاية الخلق، الملاقية لنا حكم ما غاب في النهاية والتحرية، وإن العدد يبدأ به من حد النهاية فيه من واحد إلى ما بعده من الأجزاء، ولما كان للعدد أول يبتدأ، كان له آخر إليه ينتهي، فالمحدث بارز الصفحة، مكشوف القناع من كل جهة، والحمد لله على ما وفق له.
وبعد هذا بيان في آياته علم الصدق لرسل الله، من لطائف السحر، ودقائق المكر ومنتهى الخديعة، ومبلغ الحيلة أن توليدات العيان المتفقة، متفقة ما انقسم منها، وفصل عنها قائم بها، وإن كانت النفوس مختلفة المدروكات في دواركها، فإن ذلك بالمعاني القائمة في غرائزها، وعلى بيان جوهرها، وهذا كاف عما يعارض به في مثلها بشهادة العيان على ذلك في ظواهرها، وإدراك مشاعرها.
فلو كان في قوى الحيوانية وقدرها إذا بلغت غاية الكمال فيها، أنشأ عينا من أحد الأعيان كلها بها لكان ذلك جائزاً في مقدار ما معها، حتى ينسى جزءا من الأعيان بمقدارها، ولجاز أن يتوهم بمقدار قوي توهمها كيفية إنشاء شيء منها، ولساغ الشك لها إذا أوردته على نفسها في القدرة عليه والحيلة فيه، حتى تحدث أنفسها بوجود السبيل إليه، والرواية في محاولتها بحق ما يكون فيها فيما قد سبق بعضها بعضا إليه من ضروب الصنع التي في غرائزها.
ومن حسن ما يخرج بقدرها، فلما استحال ذلك فيما قدمنا من طبائع الحيوانية، صح بذلك علم الرسالة، وبرهان النبوة، والله منفرد بإعطاء هذا العلم، ولا يجوز أن يعطيه إلا صادقا فيما يدعو به إليه، (2/39)
صفحة 358
لأن إعطاءه من يكذب به عليه فساد في الحكمة، ودعا في المعصية له، والله متعال عن هذه الصفة، وعن كل صفة خسيسة وهو العزيز الحكيم.
وبعد: فإن مشاهدي أعلام الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم مع صحة فطرتهم، ومناصحتهم لأنفسهم في استيضاح برهانها، واستدارة دلائلها، ما لم يمتنعوا من تصديقها واعتقادها، والشهادة لها، وأما من لم يشاهدها، فإن الخبر يقوم لها عنها مقام مشاهدتها في الاستدلال بها، والعلم بالخبر الصادق ضربان اكتسابا له واضطرارا إليه، والاضطرار منه إلى صدقه، ما إذا أورد السامع له الشك فيه على قلبه لم يرد له، ولا يسوغ في عقله عنده نحو أخبار المدن عندنا، وتقدم الدنيا لنا، وكونها قبلنا.
ومن ذلك علمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما جاء الجميع مخبرين به، ناقلين له كالقرآن ونحوه، لأن ذلك في العلم يقوم كالمشاهدة له، فلما صح علم المشاهدة له اضطرارا كان ذلك مثله، وليس جحد التسمية بعلم الأخبار، بمزيل الاضطرار إلى علم بها، كما لم يكن ذلك في المشاهدات بجحد السوء قسطانية لها.
وأما الاكتساب فما نقله البعض الذي لا يجوز تواطؤهم عليه، ثم لم يقع تصديق الجميع لهم فيه، ورضاؤهم جميعا به، فهذا اكتساب بعلم صدقه.
وإنه لما أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا له، وداعيا إليه أبانه بالآيات النيرة والأعلام الظاهرة، والدلائل البينة القاهرة.
فلما اتصلت دعوته، وقامت حجته، وظهرت أعلامه وحكمته، قطع الله عذر من شاهده، أو غاب عنه في أنه الصادق في دعوته، وأن حقا ما جاءهم عن الله به. (2/40)
صفحة 359
ومن غير الكتاب:
عن بشير بن محمد بن محبوب: وإذا خطر ببالك خاطر في الله عز وجل، وكان الخاطر أن الله عز وجل يشبه شيئا، أو يشهه شيء، فانف ذلك عن الله عز وجل فإنه يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
وكذلك إن دعاك الخاطر إلى أن الله عز وجل في معزل، أو قال: كيف هو، أو مثل ما هو، أو هو نور من الأنوار، أو ذو طول أو عرض، أو هو مؤلف، أو جسم أو مماس الأشياء، أو مباين لها، أو في معزل فانف ذلك كله عن الله، فإن هذه الأشياء التي ذكرناها ونسبناها، وبيناها لك في كتابنا هذا لا يجوز شيء منها على الله تعالى، ومن كان فيه خصلة من هذه الخصال، فهو محدث، والله قديم لم يزل، فاجعل هذا أصلا تبني عليه فيما خطر ببالك من هذا الضرب.
وكذلك إذا خطر ببالك أن الله يظلم أو يجور، أو يفعل الظلم والجور، أو يأخذ أحدا بفعل أحد أو يعذب الوالد في الدنيا بفعل الولد، أو يعذب الولد بفعل الوالد، فانف ذلك عن الله عز وجل.
قال غيره:
لعله أراد ويعذب والدا بفعل ولد، وولدا بفعل والد، ويعذب من لم تكن منه معصية في الدنيا، فانف ذلك عن الله عز وجل، فإن هذه الأشياء التي ذكرناها لك لا يجوز منها شيء على الله، لأن فاعل هذه الأشياء لا يستحق أن يوصف بالحكمة والرحمة، والله عز وجل حليم رحيم حكيم، وإن دعاك الخاطر أن الله عز وجل ثناؤه يقول الكذب، ويخلف الميعاد، أو يخبر بخبر لا يكون المخبر عنه، كما أخبر، فانف ذلك عن الله، فإنه لا يجوز عليه شيء، لأن من كان منه هذا الفعل كان سفيها كاذبا غير عالم بالغيب. (2/41)
صفحة 360
* مسألة:
وبلغنا عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إن نجدة بن عامر، ويوجد نجدة الحروري إضافة إلى أرض بالكوفة أتى إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس كيف معرفتك بربك، فإن من قبلنا قد اختلفوا علينا؟
فقال ابن عباس: ويحك يا نجدة إن من نصب دينه على القياس، لا يزال في التباس، مائلا عن المنهاج، طاغيا في الاعوجاج، ضالا عن السبيل، قائلا غير الجميل، أعرف ربي بما عرف به نفسه من غير رؤية، وأصفه بما وصف به نفسه من غير صورة، ولا يدرك ربنا بالحواس، ولا يقاس بالناس، ربنا معروف بغير تشبيه، متدان في بعده بلا نظير له، لا يتوهم في ربوبيته، ولا يمثل بخليقته، ولا يجور في قضيته، فالخلق إلى ما علم الله منهم منقادون.
وعلى ما سطر في المكنون ماضون، لا يعلمون خلاف ما منهم علم ولا غيره يريدون، فهم لا محالة إلى ما علم منهم صائرون، وهو قريب غير متلزق، وبعيد غير منتقص، يوحد ولا يبعض، ويحقق ولا يمثل، يعرف ربنا بالآيات، ويوضح بالعلامات، فلا إله غيره الكبير المتعال.
* مسألة:
قلت لأبي عبد الله: لو سأل سائل هل لله ذات يعرفها هو، ما الجواب في ذلك؟
قال: نعم ذاته هو قدرته ومشيئته وغير ذلك مما لا يعرفه إلا هو.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
لا رد على إمام المسلمين وقاضيهم في الدين، محمد بن محبوب في شيء ولكن لعل الكتاب غلط، لأنه لو كان ذات البارئ قدرته ومشيئته، (2/42)
صفحة 361
لكان لكل من قال: يا قدرة، أو يا مشيئة اغفر لي مصيبا، فلما لم يكن مصيبا دل أنما القدرة والمشيئة من صفاته لذاته كالعلم والإرادة.
والدليل على ذلك أنه يقال: لم يزل قديرا، ولم يزل عالما، ولم يزل مريدا، فكل ذلك من صفات الذات، لأن البارئ تعالى هو قدرة ومشيئة لكن المراد بذات البارئ إثباته. رجع.
* مسألة:
ويقال: له ذات غير محدودة ولا موصوفة.
قال غيرهما: ولا موصوفة يعني بالتحديد والكيفية. رجع.
كما قال تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} ولا تجد النفس، ولا يوصف تبارك وتعالى.
قلت: فإن قال قائل: هل يعلم كم من تارة تنضج جلود أهل النار، وكم من مرة يتبدلون بها جلودا؟
فيقال لهذا السائل: نعم لأن الله عالم بذلك كله من قبل أن يخلقهم، أهل الجنة وأهل النار، سبحان الله العلي العظيم.
* مسألة:
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: إن الله خلق الأشياء وأضدادها، فهو خالق الصلاح والفساد، والهدى والضلال، والنور والظلام، والكفر والإيمان، والعدل والجور، هي من العباد أفعال والله خالقها، والله لا يوصف بالفساد، تعالى عن ذلك ربنا.
لا يقال: إن الله أفسد، بل كل أفعاله صلاح. (2/43)
صفحة 362
ولا يقال له إذ خلق الفساد، أنه أفسد، بل يقال: إنه خلقه فجميع ما خلق الله صلاح منه لا فساد، وعدل منه لا جور، سبحانه وتعالى عما لا يشهد ويقع عليه من الأسماء والصفات علوا كبيرا، له الأسماء الحسنى الظاهرة بمنه، لا جور.
ولا يقال: جار، ويقال: أغفل وطبع، وأضل كما قال في كتابه، ولا يقع عليه اسم الفساد، ولا يجوز على الله الأسماء ولا الصفات القبيحة القذرة.
ولا يقال: إن الله أربا الربا، ولا أزنى ولا أسرق، ولا أقذر، ولا خالق الزنى والربا والقذر والسرق، وسبحانه وتعالى عما لا يشبهه، ولا يقع عليه من الأسماء والصفات علوا كبيرا، له الأسماء الحسنى، وله الصفات الطاهرة، والآلاء الظاهرة بمنه.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
الذي عرفت أنه يقال تعالى عما لا يليق بصفته إلا أنه لا يقال: تعالى الله عما لا يشبهه، لأنه تعالى لا شبيه له، ولا نظير له، و: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}. رجع.
* مسألة:
في أصول الدين الخمس:
إن سأل سائل فقال: أخبرونا عن أصول الدين ما هي؟
قيل له: هي التوحيد والوعد والوعيد.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
لم أجد الخامسة، وهي المنزلة بين المنزلتين، وهي في الاختلاف في كيفية إنزال الفساق. رجع. (2/44)
صفحة 363
فإن قال: وما التوحيد عندك؟
قيل له: هو القول أن الله واحد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} وأنه ليس بجسم، ولا بجوهر، ولا يوصف بالاجتماع والافتراق، والحركة والسكون، ولا يحل في شيء، ولا تحويه الأقطار، ولا يتصور في الأوهام، ولا يخطر بالبال.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
لا يصح قوله: ولا يخطر ببال، يعني البارئ أنه لا يخطر بالبال، ولكن لعله أراد في كتابه، ولا يتصور في الأوهام، ولا يخطر بالبال، مما يتصور في البال، فهو بخلاف ذلك مما يخطر بباله، مما يمثل به إلى كيفية الرب تعالى فهذا. رجع.
وأنه يعرف بأفعاله دلائله، وما فينا من الضعف والحاجة.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
لعل الكتاب أراد: وأنه يعرف بأفعاله ودلائله التي نصبها لخلقه، ليستدلوا بها عليه فهذا. رجع.
ولا يعلم بحس ولا إشارة، فهذه صفة التوحيد.
فإن قال: وما العدل؟
قيل له: هو القول بأن الله عدل كريم، رؤوف رحيم، لا يظلم العباد، ولا يجوز عليهم، وأنه أرحم بهم من أنفسهم وآبائهم، وأمهاتهم، لا يأتي الخير إلا هو، ولا يصرف الشر سواه، فهذا القول العدل. (2/45)
صفحة 364
قال غيرهما:
لعله فهذا القول بالعدل.
فإن قال: وما الوعد والوعيد؟
قيل له: هو القول بأن الله صادق في خبره، لا خلف في خبره بنعمته، فهو بنعمه لا محالة أصدق الصادقين -نسخة- القائلين، وأحكم الحاكمين.
وكذلك المنزلة بين المنزلتين فساق أهل الصلاة عندنا، لسنا نقول: إنهم مشركون، ولا نقول إنهم مؤمنون وهم في منزلة بين المنزلتين، فهذا القول هو المنزلة بين المنزلتين.
فإن قال: فما أول ما أنعم الله عليك؟
قيل له: خلقه إياي حيا.
فإن قال: فما أول ما افترضه الله عليك؟
قيل له: المعرفة.
فإن قال: فما المعرفة؟
قيل له: هو القول بأن الله واحد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
فإن قال: فَبِمَ عرفته؟
قيل له: بنفسي وما أشاهده، لأني وجدت نفسي محدوداً مؤلفا، ما آكل به غير ما أشم به، وما أشم به غير ما أسمع به.
فقلت: إن لي خالقا ليس كمثله شيء. (2/46)
صفحة 365
فإن قال: فما الدليل على أن خالقك لا يشبهك؟
قيل له: لو أشبهني لجرى عليه ما جرى عليّ من الضعف والحاجة ولم يكن هو بالقدم أولى مني، ولا أنا بالحدث أولى منه، فعلمت أنه لا يشبهني عز وجل.
فإن قال: فما الدليل على أن خالقك واحد ليس باثنين؟
قيل له: لو كانا اثنين لكانا لا يخلو كل واحد منهما أن يكون يقدر على منع صاحبه عن مراده، أو لا يقدر، فإن كان يقدر فصاحبه عاجز، وإن كان لا يقدر فهو عاجز أيضا، فقد لحقهما العجز جميعا من هذا الباب.
وأيضا فلو كانا اثنين لكان لا يخلو كل واحد منها أن يستسر سرا دون صاحبه، ويقدر على ذلك أو لا يقدر، فإن كان يقدر وصاحبه عاجز وإن كان لا يقدر أن يستسر سرا دون صاحبه فهو عاجز أيضا.
فعلمنا أن خالق الأشياء عز وجل واحد، ليس باثنين، عز وجل وتعالى عما يقول الملحدون علوا كبيرا.
ومن قصيدة لأبي المؤثر شعرا:
هم وصفوا ربي بغير صفاته ... وذا غضب يحمي ويضحى ويعرق
قال المغيرة بن سعيد: ومن قال بقوله: إن الله كان ولا شيء معه إلا ما سبق في علمه أنه سيعلمون، أما بهذا القول فقد صدقوا، ولكن هدموا صوابهم بأفحش القول، يسوّد الله وجوههم يوم القيامة.
زعموا أن الله ذكر أعمال أهل النار الذي سبق في علمه أنهم سيعلمون، فغضب، ثم حمى، ثم عرق، فسال من عرقه بزعمهم بحران (2/47)
صفحة 366
أحدهما مالح مظلم، والآخر عذب نير، فاطلع على النير فرأى فيه مثالا ظلا، فقال: لا ينبغي أن يكون معي ندّ فعدا عليه فانتزع عينيه.
وقالوا من ذلك قولا تقشعر منه الجلود، فلعنهم الله فيما قالوا، إن الله تبارك وتعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فإذا وصفوه بمثل هذه الصفة، فقد جعلوا له ندا، سبحانه وإذا وصفوه أنه خرج منه بحران عرقان فقد وصفوه بالاختلاف، ولو كانت هذه الصفة لمخلوق لكانت قبيحا من الصفة، فكيف الخالق سبحانه وتعالى عما يصفون.
* مسألة:
إن سأل سائل عن الخالق ما هو؟
قيل له: قد أنزل الله جواب مسألتك، وكفانا بمؤنتها، وهو الذي قال إبراهيم عليه السلام: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وهو الذي قال موسى عليه السلام حين قال له فرعون: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ}.
وقال أيضا: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} وهو الذي قال فيه الفتية: {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً}.
قال غيره:
حسن هذا وهو أنك إذا سألت عن ربك ما هو فقل: هو الذي خلق السموات والأرض، وهو رب المشرق والمغرب، وما أشبه هذا، لأن الله لا يشبه شيئا من الأشياء فيوصف به، ولا يحيط به علم. (2/48)
صفحة 367
* مسألة:
حدثني عمن سمع عبيدة بن بلال الأعمى أنه كان جالسا في حلقة الحسن البصري، ويزيد الرقاشي مستقبله والناس حولهما من بين قائم وقاعد، أوفر ما كانت تلك الحلقة يومئذ فيما رأينا، وكان الحسن إذا حدثهم، فإنما هو مقبل على الرقاشي، وكذلك كان يفعل الرقاشي بالحسن.
قال: بينما نحن كذلك إذا طرأ علينا رجل فيه مشابه من الأعراب في جفاء مسائله، فأقبل على الحسن فقال: يا أبا سعيد حدثني عن الرب تبارك وتعالى، أجالس هو على عرشه؟ فغضب الحسن وتغير لونه حتى عرف الغضب على جبينه، فما زالوا يشجعون السائل محبة منهم للجواب.
فلما رأى ذلك منهم الرقاشي قال: يا أبا سعيد، لقد علمت أنا لقينا صدر هذه الأمة، لقد كان بغيضا إلى أحدهم أن يأتيهم المسترسل المتفحص عن الله تبارك وتعالى، فيعطف عليه، إن كان عندك علم فهاته وإلا فليِّن له البشر والقول، فإن أفضل العلماء ألطفهم وأقربهم، كذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} فأمر بالقرب واللين، فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة.
ثم نكس الحسن رأسه فعرف الإساءة على نفسه فأقبل بعض الجلساء على السائل بالإيماء على الرقاشي أن أسأله.
فقال السائل للرقاشي: فإياك فاسأل يرحمك الله يا أبا الفضل عن الله تبارك وتعالى أجالس هو على عرشه؟
فقال: يا لكع إنما يجلس من يمل القيام. (2/49)
صفحة 368
قال: قائم هو على عرشه؟
فقال: ثكلتك أمك إنما يقوم من ملّ الجلوس.
قال: أمتكئ هو على عرشه؟
قال: إنما يتكئ من يمل القيام والجلوس.
قال: أفمتصل هو بعرشه؟
قال: سبحان الله، تبا لكم إنما يتصل المخلوق بالمخلوق، ويمس المخلوق المخلوق، وينال المخلوق المخلوق، فأما الرب الذي لا مثل له، فلا يتصل بشي، ولا يمسه شيء، ولا يناله شيء، وهو أعز وأمنع وأقدر أن ينزل بحالف الاتصال.
قال: أفمنقصي هو من العرش؟
قال: ويحك إنما ينقصي الشيء من الشيء بحد والله دائم بلا حد ولا غاية.
قال: سبحان الله، لا قائم ولا قاعد، ولا متكئ ولا متصل، ولا منقص فكيف هو؟
قال: ثكلتك أمك لا كيف ويحك، وهل تدري ما الكيف؟
قال: لا.
فقال: إنما يقال الكيف للشيء الغائب إذا استوصف فيوجد له في الحاضر مثلا، فيقول الواصف هكذا ومثل كذا، وأما الرب فلا مثل له فيما غاب، ولا فيما بقي، ولا يقال له كيف، ولا يطلب بالكيف ولا إليه (2/50)
صفحة 369
سبيل بالكيف، إنما يراد بالكيف الشبيه والعديل، والله ليس كمثله شيء، ولا كمثله فعل.
قال: فما قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}؟
قال: فإنما ضللتم من قبل العربية، لأن الاستواء في كلام العرب الاستعلاء، أي الاستعلاء على خلقه فوقا وتطولا عليهم، فليس مخلوق يدركه أن كيف هو، هيهات هيهات، ثم هيهات من أن ينال ذلك جعل على أبصار القلوب عن ذلك الغطاء، فلا وهم يناله ولا قلب ينعته، ولا يخطر على بال، إلا كما وصف نفسه أحدا صمداً لم يلد ولم يولد فردا أبدا، دائما، (ليس كمثله شيء وهو اللطيف الخبير) من أن يدرك إلا بآياته الواضحات الدليلات عليه.
قال: فما العرش؟
قال: الآن حين سألتني عن الخلق أن العرش خلق من خلق الله فوق السماء السابعة بلاء واختيارا، يختبر به ملائكته، فجعله الله موضع التسبيح والتحميد والثناء والمدح والشكر والبهاء والسناء، وعبادة الخلق فأمر الملائمة بحمله، والحفوف حوله، فمهما عظموا من أمر العرش، فالله يعظمون لا غيره بحمله، والحفوف حوله والله وله المثل الأعلى لا يحتاج إلى العرش للاستقرار.
وإن كان سمى عرش الله نظير ذلك عندكم في الأرض بيت الله الحرام، موضع الحج فيه، كلف الله أهل الأرض ن يطوفوا بالبيت طوفا وتمسحا وتقبيلا للحجر، وتولية الوجوه شطره، فمهما عظموا أمر البيت، فالله يعظمون لا غيره، والله لا يحتاج إلى ذلك البيت فيسكنه، وإن كان يسمى بيتا لله.
ولو كان الله كما ذهب إليه وهمك لكان محمولا ممسوكا محتاجا، (2/51)
صفحة 370
وذلك بأن الممسك يحتاج الدهر كله إلى ممسك ولا حاجة بالممسك إلى الممسك نظير ذلك قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}.
إن الله الممسك للسموات والأرض بما فيها من الخلق، عرشا أو كرسيا أو بيتا.
فقال الأعرابي: شفيتني وفرجت عني غمي فرج الله عنك غمك.
* مسألة:
عن أبي إسحاق: أن علي بن أبي طالب خرج إلى السوق، فإذا رجل يقول: والذي احتجب سبع سموات.
فقال علي: يا لحام ومن المحتجب بالسبع سموات؟
فقال اللحام: رب العالمين.
فقال علي: أخطأت ثكلتك أمك، إن رب العالمين ليس بينه وبين خلقه حجاب، لأنه معهم أينما كانوا.
فقال: يا أمير المؤمنين، فما كفارة ما قلت؟
فقال له علي: كفارته أن تعلم أنه معك أينما كنت.
* مسألة:
فالدليل على معرفة الله وتوحيده، ونفي الشبيه عنه، وعلى أنه لا يسع جهل معرفة، وتوحيده، ونفي الشبيه عنه قول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} وقوله: (2/52)
صفحة 371
{أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} وقوله: {آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ}.
فلا يسع أحدا من المحجوبين إنكار الله، ولا الشك فيه وأشباه ذلك.
* مسألة:
من منثورة من كتاب المسلمين، وأسماء الله وصفاته عز وجل من ذاته، فالصفات الذاتية قديمة ولا يجوز أن يقال: هي غيره، ولا هي هو، ولا هو غيرها، ولا يتبعض منه لم يزل موصوفا بها.
وأما الصفات الفعلية فهي غيره، وهي محدثة، لأن اللفظ محدث وهو غير الله، والموصوف قديم لم يزل، والمعنى بالصفة هو الموصوف، ولم يزل وهو الله وصفاته على ما ذكرنا من الذاتية والفعلية، والاسم المقصود، والمراد هو الله سبحانه الذي لم يزل موصوفا بصفات ذاته تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، والله أعلم.
* مسألة:
لأبي عبد الله يوسف بن محمد بن شهر، وأبي عيسى بن إسحاق، ومن قبلهما من الإخوان من أخيهم أزهر بن محمد ومن كتب من أهل عمان:
سلام عليكم، فإنا نحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو الملك العلي، الماجد الملي، القديم الأزلي، العزيز المقيت، الجبار الذي يحي ويميت، ويفعل ما يريد، وباقي بلا تأميد، وتعالى عن التضديد والتنديد والتجسيد والتحديد، والجيثوثية والكينونية، والأينونية، والواحد (2/53)
صفحة 372
المتعالي، لم يزل ولا يزال إلى غير غاية ولا نهاية، ولا بمحدود في الأفكار، ولا المحجوب بالأمتار، ولا مرأى بالأبصار.
سبحانه من عظيم، جل عن تقدير أوهام المتوهمين، ولطيف لطف عن لطيف بحث المتوسمين، ابتدع الأشياء بلا مشير، وكونها بلا تفكير، وقدرها على غير مثال أحسن تقدير، لم يستعن على شيء بأعوان، وإنما قال له: (كن فيكون).
* مسألة:
قال أبو سعيد: معي أنه يجوز أن يقال: لم يزل الله قديرا.
قال أبو سعيد: يقال: صفات الذات، وصفات الفعل، وأسماء الذات، وأسماء الفعال، فصفات الذات ما لم تزل، وصفات الفعل ما تحدث، وأسماء الذات ما لم تزل، وأسماء الفعال ما تحدث؟ وسألته عن أسماء الله، مثل: رحيم وسميع وعليم أهي من أسماء الذات أم الفعل؟
قال: معي أنها هي أسماء الذات.
* مسألة:
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
ولا يوصف الله بأنه يشعر، وذلك من الحدث بعد الجهل، وكذلك لا يقال إنه تعالى يفهم ولا يعقل، ولا يدري، وقال: إن الدراية هي العلم.
قال المضيف:
وقد وجدت جواز ذلك في بعض الآثار، قال الشاعر: (2/54)
صفحة 373
* لا همّ أدري وأنت الداري *
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
يعني في شعره لا أعلم وأنت العالم، وهذا موجود جوازه في الضياء وغيره من آثار المسلمين.
* مسألة:
وأما العقل فهو الذي يعقل الأشياء، كما يقال: عقلت الناقة، والذي لم يره سليمان بن عثمان، وأما محمد بن محبوب، وموسى بن علي، وعامة الفقهاء فرأوا ذلك جائزا.
قال المضيف:
لعله أراد جواز إطلاق صفة الدراية، وأما العقل فلا أحسبها تجوز في قولهم.
* مسألة:
قال عمر بن سعيد بن محرز: إن أبا عبد الله محمد بن محبوب أملى عليه هذا الكلام بنفسه، قال: لا يقال: إن أسماء الله محدثة، ولكنها لم تزل له، ولا يقال: إنما هي هو ولا غيره، ولا شيء منه لأنه غير محدود ولا متبعض، تبارك وتعالى لم يزل متكلما.
وحفظ ملهى بن يحي عن محمد بن محبوب أنه قال: إن الله تعالى لم يزل متكلما.
وحفظ يعقوب بن إسحاق، عن محمد بن محبوب، وقد سأله ملهى بن يحي فقال: من جحد صفات الله فهو كمن جحد الله، فقال أبو عبد الله: نعم. (2/55)
صفحة 374
* مسألة:
وقال أبو عبد الله: إن أسماء الله وصفاته من ذاته، ولا يقال هي هو، ولا هو غيرها، ولا يتبعض منها ولا تتبعض عنه، ولا يوصف بغير ما وصف به نفسه.
* مسألة:
وعنه: يا من هو في كل مكان، ثم قال: ليس المعنى في هذا بصورة، ولا بجسم، ولكن بعلمه في كل مكان.
* مسألة:
عن الربيع بن يزيد، عن بعض أشياخه، قال من قال: إن الله في السماء فجائز ولكن لا يقول ليس هو في الأرض، لأن الله تعالى يقول: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} وقال: {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} وقال: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ}.
* مسألة:
قال أبو عبد الله: لا يقال: كان الله ولا شيء، ولكن يقال: لم يزل الله ولا شيء.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
حسن ما قال، إلا أنه موجود في الآثار جواز ذلك. رجع.
* مسألة:
وسئل أبو زياد: هل يعلم الله نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار؟ (2/56)
صفحة 375
فقال: نعم يعلم الله ذلك إلى غير غاية ولا نهاية سبحانه.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف:
وجدت: قال: نعم يعلم الله ذلك إلى غير غاية ولا نهاية سبحانه.
* مسألة:
وسألته هل يعلم الله كم من تارة تنضج جلود أهل النار، وكم من مرة يبدلون بها جلودا؟
فيقال لهذا السائل: نعم إن الله عالم بذلك كله من قبل أن يخلقهم، أهل الجنة وأهل النار سبحان الله العلي العظيم.
* مسألة:
من كلام أبي عبد الله محمد بن محبوب: إن الله واحد لم يزل ولا يزال، إلى غير غاية ولا نهاية، أنه صانع الأشياء وفاطرها ومنشئها كما شاء، فهو الإله، والخلق به مألهون, وليس له شريك في صنعه، ولا ضد له في ملكه، ولا شبه له ولا ند ولا صاحبة ولا ولد، وأنه محيط بالأشياء وناظر إليها، ومطلع عليها، لا تحيط به أقطارها، ولا تدركه أبصارها في الدنيا والآخرة.
وليس هو إلى شيء بأقرب منه إلى شيء، لا يستطيع بساطع الضياء على الإحاطة بالأشياء، ولا يحجبه ظلم الدجى عن درك ما تحت الثرى، يدرك الأصوات وإن كثرت بلا إصغاء منه إليها، ولا استماع منه لها، ويرى الأشياء بلا لحظ منه لها، والحاجة منه إليها، سبحانه عن ذلك، وعن أن يقع عليه التوهم، وأن يدركه التوسم، نصفه كما وصف به نفسه في كتابه، لا نجاوز ذلك ولا نعدوه بتحديد ولا تبعيض ولا تقدير ولا تصوير.
وقد قال القائلون: إن الله تدرك الأبصار في الآخرة، وذلك (2/57)
صفحة 376
على الله ما هم فيه كاذبون، والحجة عليهم، ونفي ذلك عن الله قوية من المسلمين بحمد الله، وذلك يقول لهم:
أخبرونا عن الله، هل نفي عز وجل عن أن تدركه الأبصار في الدنيا، فلابد لهم من مجامعتنا على قول نعم؟
فنقول: إن عز الله وجلالته دائمة غير ذائلة في الدنيا والآخرة، وإن زعمتم أن العزة تذهب عن الله في الآخرة فهذا لا تجهله القلوب، ومن قبل هذه الجهة فسد قولهم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ومن صفتنا لتوحيد الله أنه يفعل ما يشاء وما أراد، فهو كائن، وما لم يرد فغير كائن، فمن وصف الله بصفة، وتأول بصفته كتاب الله فأخطأ، وذلك مثل قول من قال: هو واحد غير أن له يمينا، وتأول قول الله: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} فإنا نقول: إنهن مطويات بقدرته ولا نحد لله يمينا فيكون هنالك شبه.
وذلك قوله: {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} يقول قادر عليها يصرفها حيث شاء، ولا يجوز أن نقول آخر بناصيتها أن يصف فيقول: قابض عليها، تعالى الله عن مماسة الأشياء.
فلما قال هذا علمنا أنه قد حد الله ووصفه أن له يداً محدودة وأشباهها من ذلك زعمهم أن الله تدرك الأبصار في الآخرة، واحتجوا بقول الله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وليس ذلك بالنظر إليه، إنما تنظر ثوابه ورحمته، وهم يقولون هذا، فهم عندنا كفار لا كفر شرك، والكفر عندنا كفران: كفر جحود، وكفر نعمة، فأما كفر الجحود، فهو الكفر بالتنزيل، وأما كفر النعمة، فهو الخطأ في التأويل مما نصبه الناس دينا وادعوا أنه الحق في مخالفتهم، فهم عندنا بذلك ضلال هالكون، إلا أن يتولوا ويرجعوا إلى الحق. (2/58)
صفحة 377
* مسألة:
وإن سأل فقال: هل يجوز أن يوصف الله أنه لم يزل ساخطا على النار، ولم يزل راضيا على أهل الجنة؟
فيقال: نعم على أنه هو المعاقب لأهل النار، والمثيب لأهل الجنة.
قال المضيف:
لعله إنما يجوز أن يقال لم يزل الله وهو الساخط على أهل النار، وهو الراضي عن أهل الجنة، لأن الرضا والسخط محدثان، وهما الجنة والنار، والله أعلم. انقضى.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
إن صاحب المسألة لم يرد ما قاله المضيف فيما عنى به، وإنما أراد ما قد ذكر في مسألته، والذي قال المضيف مذهب الشيخ أبي الحسن البسيوي، ومن قال بقوله، ولصاحب هذه المسألة مذهب يذهب إليه فيه، ومن قال بقوله.
رجع إلى تمام مسألة صاحب المسألة.
* مسألة:
واعلموا أن القوم إنما ذهبت أوهامهم إلى حدث الرضا والسخط، وذلك ما لا يوصف الله به، لأنه يحدث له ما يوصف به، فتفهموا معنى السخط من الخلق، ومعنى الرضا، وأعلمكم ذلك معرفة منكم بالله، إذ أنفيتم عنه ما يجري على الخلق، وإنما قول المسلمين، لعله الله يسخط، يعنون أنه عاقب، ولا يعنون أنه اغتاظ، لأن الغيظ تغيير في القلب، ورغبة حال. (2/59)
صفحة 378
فليس تجرى على الخلق معاني الله، ولا يجري على الله معاني الخلق، وإنما المعنى بأن الله ساخط على أهل النار، يعنون أنه هو المعاقب لهم، وأنه لم يزل الله راضيا عن أهل الجنة، يعنون أنه المثيب لهم، فتفهموا ما وصفنا.
* مسألة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أحدثكم بملك أذن الله لي أن أحدثكم -نسخة- أخبركم» وعنه في الحديث: «إن قرنه تحت أيدي زوايا العرش، وقدماه في الأرض السابعة، والذي نفسي بيده لو سخرت الطير من أصل غفيه إلى منتهى هامة رأسه لخفقت الطير سبعمائة سنة من قبل أن تجاوزه وأنه ليقول سبحانك يا رب أينما كنت لا يعرف أين ربه».
تفسير ذلك: أنه ليس لله منتهى، ولا أينية، والملك يعلم أن الله معه، وأنه في كل مكان، ولكن لا أينية له ولا كيف، ولا يتضمنه مكان، ولا يخلو منه مكان، ولا يتولج في شيء، ولا يخرج منه، ولا يلتزق بشيء، ولا ينقصي عنه، ولا يتصل بشيء، ولا يبين منه، لأنه لو كان بائنا عنه، أو منقصيا لكان محدوداً، ولو كان ملتزقا أو متصلا بخلقه، لكان ممازجا لما خلق، والله عظيم متعال عن ذلك لم يزل قبل أن يخلق الأشياء.
ثم لا يزال بعد إذ خلقها كما لم يزل قبل أن يخلقها، لا يزول ولا يتحول، وهكذا ربنا لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. (2/60)
صفحة 379
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
قلت: ومن سأل فقال: علم الله محدث أم أزلي؟ ما الجواب في ذلك؟
فمعي أنه من الجواب في ذلك أن علم الله ليس بمحدث، وإذا ثبت أنه ليس بمحدث، فقد نفى عنه الحدوث، وثبت له الأزل، وثبت أن الله لم يزل عالما.
قلت: فإن قال: فعلم الله هو فعل من الله، أو هو الله؟ ما الجواب له؟
فمعي أنه من الجواب أنه لا يقال: إن علم الله هو الله، وليس العلم هو الفعل، لأن الفعل معلوم في العلم، وليس هذا الجواب يلزم أن يقال لابد إما أن يكون هو الله، وإما أن يكون فعل الله، لأنه قد يمكن غير ذلك كله، فعلم الله هو علمه، وفعله هو فعله، وهو هو في ذاته، تبارك وتعالى.
لا يقال إنه فعله، ولأن علمه فعله، وأن فعله علمه، وهذا شيء يصح كله بنفسه.
قلت: فإن قال: ثواب الله لأهل طاعته محدث أم أزلي؟
فمعي أنه لا يقال أنه أزلي، ويلزم معنى الحدوث، لأنه المحدث، ولا يكون لمحدث إلا محدث، فثبوت معنى الثواب للمحدث، لثبوت حدوثه كذلك ثبوت معاني العقاب للمحدث معنى ثبوت حدوثه. (2/61)
صفحة 380
* مسألة:
من كتاب الرهائن:
قلت: أرأيت إن قال لي قائل: بم تعرف الله؟
فقل: بما دلت به عليه الأنبياء من الآيات والعلامات، وخلق السموات والأرض، والليل والنهار، والنجوم وما خلق الله من شيء، وهذا دليل على أن لهذه الأشياء مدبراً، ولا تشبهه الأشياء.
وكذلك قالت الأنبياء، فقال نوح: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً}.
وقال إبراهيم: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} وقال: {فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ}.
وقال الرسل الذين لا يعلمهم إلا الله: {أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}.
وقال موسى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} وقال لفرعون: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وقال: {رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
وقال أصحاب الكهف: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً}.
وقال الله لنبيه: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ} وقال: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} وأمثال هذا كثير في القرآن بما يطول وصفه في الحجج، وكله يدل على الله، وعلى أن ليس كمثله شيء من هذه الأشياء، وأن هذه الأشياء المربوبات لها خالق ومدبر ليس كمثله شيء. (2/62)
صفحة 381
تمت الإضافة. رجع.
ومن الأثر: قال أبو المؤثر رحمه الله: إن الله خلق النبي صلى الله عليه وسلم يوم خلقه لنبوته ورسالته، وقد علم أنه يستنبيه ويرسله قبل أن يخلقه، والله لا يجهل ولا يوصف بالتعرس -نسخة- بالنعوس والتعطف، سبحانه عن هذا.
* مسألة:
إن سأل سائل فقال: ما الدليل على أن الله عالم؟
قيل له: الدليل على ذلك: لأني وجدت أفعاله هذه كلها محكمة، فعلمت أنه عالم.
فإن قال: فلم قلت: إن من كانت أفعاله محكمة، فهو عالم.
قيل له: لأن من لم يكن عالما كانت أفعاله مختلفة متفاوتة متناقضة، ولما كانت أفعال الله تعالى كلها متفقة متسعة محكمة، علمت أنه عالم.
فإن قال: عالم بعلم؟
قيل له: لا بل هو عالم بنفسه.
قال أبو سعيد: الذي معي أنه أقرب من هذا الجواب، وأحسن أن يقال للسائل: هو عالم لا بعلم غيره، لأن السائل لم يسأل عالم بنفسه لمعنى الجواب إذا ثبت.
فإن قال: لما أنكرت أن يكون عالما بعلم، إذا لم يشهد بشاهد، عالما إلا بعلم؟ (2/63)
صفحة 382
قيل له: وكذلك لم نشاهد عالما إلا وكان قبل ذلك غير عالم، ثم علم، فيجب أن لا يقضي بالشاهد على الغائب.
قال أبو سعيد: معي أنه لا يجوز أن يقال في صفات الله: إنه الغائب، بل هو الشاهد، كما سمى نفسه على غير المشاهدة كمشاهدة المشاهدين، وإذا ثبت أنه عالم بعلم غيره ثبت أنه جاهل قبل العلم الذي علمه.
وأما قوله: إنا لا نحب أن يقضى بالشاهد على الغائب، فالله أعلم بما أراده بذلك، ومعنا أن معرفة الله تبارك وتعالى أنه عالم لا بعلم غيره، يدخل في علم الغائب عن مشاهدة بالعقول، بل هي معنا مما تقوم به الحجة من العقول.
وإذا ثبت في العقول لم يبن لنا أن نسميه غائبا إلا على سبيل غيبة ذلك عن المشاهدة على سبيل مشاهدة الشيء للشيء.
فإن قال: ما أنكرت أن يكون بقوله لا معنى له أنه لا يخلو من أن يكون عالما بنفسه، أو يكون عالما بعلم، فإن يكن عالما بعلم فهو ما أقوله، وإن كان عالما بنفسه وجب أن يكون نفسه علما، فلما استحال أن يكون نفسه علما، وجب أن يكون عالما بعلم.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
إن هذا السؤال فيه غلط، والذي عرفت أن هذا السؤال هو أن لفظه بأن قال: فإن قال قائل: ما أنكرت من أن يكون ما يقوله كونه من أنه عالم بنفسه، لا معنى له، لأنه لا يخلو من أن يكون عالما بنفسه، أو عالما بعلم.
فإن كان عالما بعلم فهو ما يقوله، وإن كان عالما بنفسه وجب أن (2/64)
صفحة 383
يكون نفسه علما، فلما استحال أن يكون نفسه علما، وجب أن يكون عالما بعلم. رجع إلى الكتاب.
الجواب:
قيل له: إن العالم إنما كان عالما لوجود علمه، وقولنا عالما بنفسه إثبات للذات أنها عالمة، فإذا قلنا بعلم لم يخل أن يكون ذلك العلم الذي ذكرناه، أن يكون غيره قديما أو محدثا، فإن كان قديما وجب أن يكونا قديمين في الأزل.
وإن كان محدثا وجب أن يكون القديم كان غير عالم، ثم علم فلما فسد هذان الوجهان صح الوجه الثالث أنه عالم بنفسه.
قال أبو سعيد: هكذا عندي. انقضى.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
وسألته: هل يجوز أن يقال في صفة الله تعالى: إنه يعتب على خلقه إذا عصوه؟
قال: الله أعلم، ولا أعلم هذا من صفة الله، ولا يحسن عندي ذلك. انقضى.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
الذي عرفت أنه لا يجوز أن يقال للبارئ تعالى: إنه يعتب، ولا يحرد، كما قيل يغضب على خلقه. رجع إلى مسألة المضيف في إضافته. (2/65)
صفحة 384
قلت له: فمن شك فلم يعرف يجوز ولا يجوز، ودان في ذلك يدين أهل الاستقامة من المسلمين، هل يسعه ذلك؟
قال: لا يبين لي أن هذا من الدعائم التي تضيق الشك فيها، إذا أبرأ الله تعالى من جميع صفات المخلوقين ما لم يشك أنه يرضى بمعصيته، وألا يرضى أو يغضب إذا عصى، أو لا يغضب على أهل معصيته، فإن هذا عندي أنه لا يسعه الشك فيه إذا خطر بباله، أو سمع بنكره، وعرف معناه والمراد به.
قلت له: والمعنى في غضبه أنه هو عقوبته؟
ويخرج معي هذا خذلانه للعبد في الدنيا عقوبة منه، لعدل منه عليه لا يجوز منه عليه. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة:
أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب: وسألت عن الولاية والبراءة أهما من صفات، لعله أراد من صفات الفعل، أو من صفات الذات بلا تنازع.
قال أبو سعيد: يخرج معي أنه لا تنازع بين أهل البصر أن صفات الذات ما لم يزل الموصوف بها، وتأويلها، وصفات الفعل وجوبها، والفعل معا في البراءة.
قال أبو سعيد: يخرج معي في البراءة مضمنة مبرأ منه، والولاية كذلك.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
وغير أبي سعيد الذي معي أنه أراد بشير بقوله في المسألة فيما يعني (2/66)
صفحة 385
فالبراءة مضمنة مبرأ منه والولاية، كذلك أن هذا غلط من تناقل النسخ، لا من بشير، ولا من أبي سعيد. رجع.
فلو كانت ولاية أو براءة لم يزل، لكان في إثبات القدر.
قال أبو سعيد: الذي معي أنه إثبات القديم لما لم يزل، ولكان أيضا مبرأ منه ومتولى، كما قال في إثبات معبود، ولم يزل إثبات عابد، وكذلك في مطيع ومطاع، وخالق ومخلوق.
فإن قال قائل: إن الله لم يزل بريئا من مبرأ منه لا ببراءة غيره، كما أنه لم يزل يعلم.
قال غير المؤلف للكتاب:
معلوما لا بعلم غيره، وقادر لم يزل قادراً على مقدور عليه لا بقدرة غيره.
قيل له: ما أنكرت أن يكون لم يزل معاقبا لمعاقب لا بعقوبة غيره، ومثبتا لا بثواب غيره.
فإن قال قائل: العقوبة فعل، ولا يكون الفعل إلا من بعد أن لم يكن، وكذلك البراءة فعل، ولا يكون إلا بعد أن لم يكن، وكذلك الولاية لا فرق في ذلك.
قلت لأبي سعيد: ما تقول فيما قال في هذا كله؟
قال: معي أنه يخرج عندي قوله على معنى ما عندي أن بعض أصحابنا يقوله، وأحسب أن بعضا يذهب أن هذا جائز، لأن الله تعالى لم يزل في قوله، مسمى بأسمائه هذه التي سمى بها نفسه.
ولا يجوز أن يكون ذلك محدثا منه تبارك وتعالى، وهو العزيز (2/67)
صفحة 386
الحكيم، الغفور الرحيم، الرازق الخالق، قبل أن يخلق الخلق وقبل أن يزرق، وقبل أن يغفر، وقبل أن يرحم مرحوما فقالوا: ليس بإحداثه الخلق استحق اسم الخالق، وبإحداثه البرية استحق اسم الباري، ولكن لم يزل كذلك تبارك وتعالى.
وكذلك يخرج في هذا أنه يجوز أن يكون لم يزل بريئا من أعدائه، ومتبرئا من أعدائه، ووليا لأوليائه، ومتوليا لأوليائه الذين علمهم قبل أن يكونوا.
وبين قوله: لم يزل مواليا ومعاديا، ووليا وعدوا.
وبين قوله: يوادي، لعله أراد يوالي ويعادي، فرق عندي، لأن الذين قالوا إنه يجوز أن يقال: لم يزل الله خالقا رازقا، لم يجيزوا أن يقول: لم يزل الله تبارك وتعالى يخلق ويرزق ويبرأ.
ويجوز أن يقول: لم يزل بارئا، لأن في معنى قوله أنه إذا كان لم يزل يخلق، فلم يزل معه مخلوق، وكذلك يرزق، ويبرأ، ويغفر ويرحم.
وأما قوله: يتولى ويبرأ فلا يخرج عندي على معنى قوله: يخلق ويرزق، لأن معنى يبرأ ويتبرأ لا يخرج عندي إلا على معنى واحد، لأنه يبرأ ويتولى في مكنون علمه لمن استحق ذلك قبل أن يكونوا، ولا يحسن عندي أن يقال يغفر ويرحم إلا لمغفور له، ومرحوم معا، وكذلك مرزوق ومخلوق.
ومعي أن بعض أصحابنا يذهب إلى أنه كلما كان من صفات الله تبارك وتعالى، لا يخرج إلا لمعنى الفعل لم يجز أن يقال: لم يزل كذلك، وذهبوا إلى أنه إذا لم يزل كذلك كان معه مفعول. (2/68)
صفحة 387
وقال هؤلاء: الذين أجازوا ذلك في معنى قولهم: إن الفاعل أدله، أو لعله أراد لم يفعل فهو فاعل، لأنه هو تبارك وتعالى لا يحدث، فبينما عندي أنه أراد لا يحدث له الأسماء، بل هو سابق بأسمائه تبارك وتعالى كلها، وإنما لا يجوز فيه.
وعليه أن يقال: لم يزل يفعل يخرج من طريق الفعل الذي لا يكون إلا بفعل موجود معا، وكما جاز أن يكون يفعل من وجه أنه لم يزل يتولى، ولم يزل يبرأ، لأن الولاية والبراءة خارجتان عندنا على غير العقوبة والثواب، لأن المؤمن ... (بياض).
ولا يضرب لله الأمثال، تبارك وتعالى، ويتولى أولياء الله تبارك وتعالى، ويعادي أعداء الله، ويقال ذلك، ولا يجوز أن يقال: إن المؤمن يعاقب أعداء الله، ولا يعاقب عدو الله إلا هو، المعاقب له معا، وكذلك لا يثبت، فاسم يثبت ويعاقب ومعناهما غير ثبوت ويتولى عندي.
ومعنى آخر من قول أصحابنا أنه ما كان من الأسماء التي تخرج عن أسماء الذات، ولا يكون إلا لمعنى الفعل، فأحسب أنهم أجازوا أن يقال في مثل ذلك أنه لم يزل فاعلا لمفعول سيكون على معنى قوله: إلها لمألوه، سيكون، وربا لمربوب سيكون، وخالقا لمخلوق سيكون، ورازقا لمرزوق سيكون.
وأضيق الأشياء من هذه الأمور عندي، أن يثبت أنه لم يزل يفعل لشيء من أسماء الأفعال التي يثبت بها الفعل معه بمفعوله به معا.
فانظر في ذلك وتدبره، واحذر مهالكه، ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب في جميع ذلك لعله، فإن كان في شيء من الغلط فيتدبره قارئه إن شاء الله. (2/69)
صفحة 388
* مسألة:
ومن أثر آخر: أن الولاية والبراءة ذاتية، وقال بعض: صفاتية، لعله أراد فعليه.
قال غير المؤلف والمضيف:
وأكثر القول أنها ذاتية، لأن ولاية الله لعبده غير ولاية العباد، لأن الله تعالى عالم بجميع عباده وأعمالهم، وعالم بأهل الجنة وأهل النار من قبل أن يخلقهم، وعالم بمنقلبهم ومثواهم.
* مسألة:
في ضرب الأسماء ووجوهها، من كتاب عن الأشعرية فيما وجب:
اعلموا وفقكم الله أن أسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب:
أحدها: اسم هو المسمى، وهو كلما يستحقه لنفسه نحو: القديم، والذات، والموجود.
والثاني: لا يقال له المسمى ولا غيره، وذلك كلما استحقه لمعنى لا يقال إنه هو ولا غيره، كقوله القديم سبحانه حي عالم قادر، لأنه يعود إلى الحياة والعلم والقدرة، وهذه صفات أزلية -نسخة- ذاتية، لا يقال إنها غيره، أو هو المعنى الذي ذكرناه من قبل.
قال غيره:
لأن من قوله إن الله حي بحياة، وقادر بقدرة، وعالم بعلم، ومريد بإرادة، وسميع بسمع، وبصير ببصر، ومتكلم بكلام، وباق ببقاء. (2/70)
صفحة 389
قال المضيف:
أصحابنا لا يقولون بذلك، والله أعلم. رجع.
والثالث: اسم هو غيره، وذلك كلما استحقه لمعنى غيره، كقولنا للقديم سبحانه: خالق ورازق ومنعم، ونحو ذلك، لا يعود إلا إلى الخلق والرزق والإنعام، وذلك حوادث.
ثم اعلموا أن أسماء الله لا توجد إلا توقيفا، والتوقيف إنما يكون بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فكلما سمى الله تعالى به نفسه في كتابه، أو سمى به رسول الله، أو أجمع المسلمون عليه، فيجوز أن يسمى الله تعالى به.
وما كان غير ذلك فلا يجوز أن يسمى به، والدليل على ذلك هو أن أسماء الله تعالى لا تخلو إما أن توجد قياسا أو توقيفا، وباطل ذلك أن يكون قياسا، لأن القياس هو الجمع بين المتفقين، والفرق بين المختلفين.
وقد وجدنا أسماء الباري سبحانه بخلاف ذلك، وذلك أنا وجدنا ما اتفق معناه لا يجوز إطلاقه، كنحو: عالم وعارف وفقيه، وطبيب وموفق، وهم واحد في المعنى، ثم يقال للباري سبحانه: عالم، ولا يقال: عارف.
قال المضيف:
وقد قيل: بجواز صفته أنه عارف، وأحسبه في سيرة هلال بن عطية.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
وقد وجدت ذكر جواز ذلك في جامع أبي جابر محمد بن جعفر، فرد ذلك أبو سعيد فقال: لم نعلم فيما وطئنا من آثار أصحابنا أن يوصف الله تبارك وتعالى، بأنه لم يزل عارفا، وإنما يقال: لم يزل عالما. (2/71)
صفحة 390
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
وجدت في كتاب الضياء: وجائز أن يوصف الله أنه عارف، لأن العارف بمعنى العالم، والله أعلم. رجع.
ولا فقيه ولا طبيب، ولا فهم وكذلك معنى قادر ومستطيع واحد، ثم لا يقال له: مستطيع وأن يوصف بأنه قادر.
والقياس يوجب التسوية عند اتفاق المعنى، فعلم بذلك أنه لا طريق للقياس في الأسماء، فإذا بطل هذا ثبت أن طريقها التوقيف، وبالله التوفيق.
ثم اعلموا أن التسميات الواردة في الخبر تسعة وتسعون اسما، روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة» معناه من عرفها بشرائطها، والدليل على أن الإحصاء بمعنى العلم قوله: {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} أي علم حدد كل شيء.
فهذا المعنى ظاهر عند أهل اللغة، فإذا ثبت هذا، فهذه الأسماء المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام، منها ثمانية وعشرون للذات وذلك:
الله، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، العلي، العظيم، الكبير، الجليل، المجيد، الحق، المبين، الواحد، الماجد، الصمد، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، المتعال، الغني، النور، الوارث، ذو الجلال.
فكل ذلك يدل على الذات والفعل من كل واحد صفة زائدة، ويمكن حمل هذه العبارات على صفات الفعل، لكن الظاهر أنها للذات. (2/72)
صفحة 391
ومنها خمسة للقدرة، وذلك هو:
القهار، القاهر، القوي، القادر، المقتدر.
ومنها خمسة للعلم، وذلك هو:
العليم، الخبير، الحكيم، الشهيد، المحصي.
ومنها عشرة للإرادة، وذلك هو:
الرحمن، الرحيم، الودود، العفو، الرؤوف، الصبور، الحليم، الكريم، البر.
قال المضيف:
عرفت أن الله تعالى لا يوصف أنه صبور، لأن ذلك إنما يوصف من يناله الأذى.
ومنها واحد يرجع إلى السمع، وآخر يرجع إلى البصر، وآخر إلى الحياة، وآخر إلى البقاء، وآخر إلى الكلام، وذلك هو:
الشكور، والسميع، والبصير، والحي، والباقي.
فهذه كلها صفات الذات.
ومنها خمسة وأربعون للفعل، وذلك هو:
الخالق، البارئ، المصور، الوهاب، الرزاق، الفتاح، القابض، الباسط، الخافض، -نسخة- الخافظ، الرافع، المعز، المذل، الحكيم، العدل، اللطيف، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الرقيب، المجيب، الواسع، الباعث، الوكيل، المبدئ، المعيد، المحي، المميت، القيوم، الواحد، المقدم، المؤخر، الولي، التواب، المنتقم، المقسط، الجامع، المغني، المانع، الضار. الضار لا يجوز. (2/73)
صفحة 392
قال غيره:
في قول من قال: الضار لا يجوز نظر إذ أجاز المسلمون أن يوصف الله تعالى أنه ضار للكافرين بعقابه إياهم، هكذا وجدت في آثار المسلمين الصحيحة، والله أعلم.
النافع، الهادي، البديع، الرشيد، مالك الملك.
ومعاني هذه الألفاظ مختلفة، وأبين معنى كل واحد منها على الإيجاز إن شاء الله عز وجل، وإنما رتب أصحابنا هذه الأسماء على ثلاثة أقسام ردا على أهل البدعة، حيث ألزموا أهل الحق القول بتسعة وتسعين اسما قديما، لأن ما يرجع إلى الذات من العبارات فهي ذات واحد.
وما يرجع إلى صفات الذات كالقدرة والعلم وغيرهما فهي صفات البارئ سبحانه.
وما يرجع إلى الفعل فذلك محدث، فبطل إلزامهم لا محالة، وبالله التوفيق.
* مسألة:
قال أبو عبد الله: قال أهل العلم بالله: إن الحب من الله، والرضا هو جنته وثوابه، وغضبه وسخطه هو ناره وعقوبته، وليس الحب منه، والغضب منه يوصف، كما يكون من المخلوقين، لأن حب المخلوقين فرح، وغضبهم حزن.
وقال: لم يعمل أحد من العباد عملا من خير أو شر، أو طاعة أو معصية إلا وقد شاءها الله ليس مشيئته محبة. (2/74)
صفحة 393
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
لعل قوله في مشيئة المعصية فكما قال: وأما قوله في مشيئة الطاعة فلا، لأن الله تعالى قد شاء الطاعة مشيئة أمر وإرادة، ومحبة ورضا، هكذا حفظت. رجع.
قال: وقال قومنا: يسمون أصحابنا المجبرة أنهم يقولون: إن الله جبر العباد على المعصية، وليس ذلك من قول أصحابنا، أصحابنا يقولون: إن الله خلق الطاعة والمعصية، فأمر بالطاعة، ونهى عن المعصية، وعلم من يعمل بالطاعة والمعصية، فنفذ علم الله كما علم.
وقال: إن الله شاء من العباد المعاصي، وكان منهم ما شاء.
قال غير المؤلف والمضيف:
هذه المشيئة التي عنى بها أبو عبد الله محمد بن محبوب، يعني مشيئة علم. رجع.
وقال: لا يوصف الله بالفرح، ولا بالسرور، لأن الفرح ضد الحزن، والسرور ضد الغم، وهذا من صفة المخلوقين، ولا يوصف الله بالحب، ولا بالرضا والغضب.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
لعل في الكتابة غلطا، لأن المسلمين قد وصفوا الله تعالى بجميع ذلك، وأن محبته عندهم هي جنته، وكذلك رضاه وغضبه عندهم هو عقوبته، وكذلك سخطه. رجع.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبين الجنة إلا مقدار ذراع أو باع، ثم يدركه العلم السابق فيعمل بعمل أهل النار فيموت على ذلك فيصير إلى النار، (2/75)
صفحة 394
وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يبقى بينه وبين النار إلا مقدار ذراع أو باع ثم يدركه العلم السابق فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت على ذلك فيدخل الجنة».
* مسألة:
قال أبو سفيان: قدم أبرهة بن عطية ثم ابن عطية من الجزيرة إلى البصرة، فنزل بجوار الربيع، فدخل عليه فسلم، فقال: يا أبا عمرو رجل من إخوانك قال: فمن أي البلد أنت؟ قال من أهل الشام، فلم يفتشه الربيع.
وكان يختلف إليه ويسأله عن الفقه، ولا يحرك من أمر القدر، فلبث بذلك زمانا، حتى دخل على الربيع بعض المسلمين، فقال له الربيع: سلم على أخينا هذا، قال: فسلم عليه، ثم قال: من أنت يا فتى؟
قال: من أهل الشام.
قال: ما بالشام أحد من أهل هذه الدعوة؟ فمن أي الشام أنت؟
قال: من أهل الجزيرة.
قال: لعلك ابن عطية؟
قال: نعم يا أبا عمرو، وهذا ابن عطية الذي أهلك أهل حران هو أبوه من قبله، فلا يدخلن عليك، ولا تنعمه عينا.
قال له الربيع: أسرعت على الرجل. قال: فقال ابن عطية: يا أبا عمرو سألتك عن أمر تنكره، إنما أريد أن أسأله عما يحتاج الناس إليه من الفقه الحلال والحرام. (2/76)
صفحة 395
قال: فخرج الرجل فأتى وائل والمعتمر وعبد الملك وجماعة من أصحابه، فأعلمهم بحال الرجل.
قال: فشموا إلى الربيع مغضبين، فدخلوا عليه فقالوا: أنزلت ابن عطية وقربته؟
فقال لهم: إنه لا يحمل بمثلي أن رد من يأتيني، مع أن الرجل لم يسألني عن شيء أنكره، ولم أكن علمت به.
قالوا: فلا يدخلن عليك، ولا يفتيه بمسألة واحدة، قال: فلما غلبوه حمل نفسه على رده.
قال أبو سفيان: فأتاه أبرهة كما كان يأتيه فلم يأذن له، قال: فبكى وقال: ما أكنت أظن الربيع في فضله وورعه وحاله يرد مثلي، وإنما أسأله عما ينتفع به الناس في أمر دينهم، قال: فارتحل من الجزيرة ونزل داخل البصرة. (2/77)
صفحة 396
باب
في القدر وما أشبهه
قال المضيف:
سمعت أنه بزرجمهر.
قيل لبزرجمهر: ما لك لا تناظر في القدر؟
قال: وما أصنع في المناظرة، وأرى ظاهرا استدل به على باطن.
فقيل له: وما هو؟
قال: أرى أحمق مرزوقا وعاقلا محروما، فعلمت أن التدبير ليس للعباد.
* مسألة:
وسألت عن القدر خيره وشره، ما خير القدر، وما شره الذي يلزم العباد أن يؤمنوا به؟
فاعلم أن القدر هو الخلق، تقول: قدر الله، وخلق الله، فهذا هو القدر، وخيره وشره كل خير وكل شر، يلزم العباد أن يعلموا ويصدقوا، ويؤمنوا أن الله خلق كل شر، وكل خير، والكفر من الشر، والإيمان من الخير.
وقد زعمت القدرية أن الله خلق كل شيء وكل خير، والكفر من الشر، والإيمان من الخير، وقد زعمت القدرية أن الله تعالى لم يخلق الكفر ولا الإيمان، ولا الطاعة ولا المعصية، ولا خلق حركات شيء من الحيوان من الناس وغيرهم من الدواب، والهوام والطير، وكل حركات كانت من متحرك، وكذبوا في ذلك على الله، والله خالق كل شيء، وخالق الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية، والحركات والسكون، وكل شيء فهذا هو الإيمان بالقدر خيره وشره. (2/78)
صفحة 397
ومن غير الكتاب:
* مسألة:
وجدت هذا في بعض الكتب، ثم بعد ذلك القول في القدر خيره وشره كائن من الله عز وجل، مقدور جرى في لوحه المحفوظ بعلمه، وثم التقدير والمقادير، فالتقدير ما أراد الله سبحانه كونه وفصله من اللوح المحفوظ والمقادير الأوقات التي تكون فيها المقدورات على المقدور عليهم في الليل والنهار.
* مسألة:
من منثور من كتب المسلمين رحمهم الله.
* مسألة:
وعن معنى قولهم: القدر سر الله في أرضه ما تفسير ذلك؟
قال: فالله أعلم بهذا القول، وفي تفسيره، فإن كان يذهب إلى أن القدر هو خلق الله في الأرض يقع على العباد ما قد علم منهم، وهم لا يعلمون، فعسى يجوز إن احتمل ذلك، وعلى غير ذلك، فلا أدري لأن الله عالم بما يكون وما لا يكون في الأرض والسماء، والقدر هو الخلق ولا يكون الخلق هم سر الله، والله أعلم.
* مسألة:
قال أبو سعيد: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القدر سر الله في الأرض فلا تتكلفوه».
* مسألة:
قال أبو عبد الله: قال أصحابنا من المسلمين -نسخة- قال أبو عبد الله: وقد ذكر له ذاكر في قول القدرية أن أصحابنا من المسلمين يقولون: إن الله جبر أهل المعصية عليها واستكرههم ويسمونهم المجبرة.
قال أبو عبد الله: ليس كما قالوا على المسلمين، وما هذا من قول (2/79)
صفحة 398
أصحابنا، بل قولهم إن الله لم يجبر أحدا من خلقه، ولا استكرههم على طاعته ولا معصيته، ولكنه قد علم من يعمل منهم بمعصيته، ومن يعمل منهم بطاعته من قبل أن يخلقهم، فأراد إنفاذ ما علم.
قال أبو عبد الله: تسأل القدرية: هل يعلم الله من يدخل الجنة، ومن يدخل النار، فإذا قالوا نعم فقل: أراد إنفاذ ما علم، أو أراد إبطاله، فإن المخرج يضيق عليهم.
قال: وقيل: إن الله تبارك وتعالى لما استثنى عزيرا سأل ربه فقال: يا رب إنك عزيز لا تغلب، ولا تحب أن تعصى، وأنت تعصى فكيف هذا؟
قال: فأوحى الله إليه: أن كف عن هذه المسألة، فلبث ما شاء الله.
ثم رجع فقال: يا رب إنك عزيز لا تغلب، ولا تحب أن تعصى، وأنت تعصى فكيف هذا؟
قال: فأوحى الله إليه: أن كف عن هذه المسألة، فلبت ما شاء الله.
ثم رجع فسأله عن هذا أيضا، فأوحى الله إليه: هل تقدر أن تصر صرة من الشمس، أو تقدر على رد أمس؟
فقال: يا رب لا.
قال: قد نهيتك أن لا ترجع تسأل عن هذه المسألة، ثم رجعت فقد جعلت ثوابك منها أن محوت اسمك من النبوة إذ رجعت سألت عما نهيتك عنه.
قال: فلما بعث الله عيسى بن مريم عليه السلام سأل ربه عن هذه المسألة، فأوحى الله إليه: يا عيسى إن عزيرا قد سألني عن هذا الذي سألتني عنه، فكان من أمره كذا وكذا، فكف عن هذه المسألة، فكف عيسى ولم يرجع يسأل ربه عن ذلك.
* مسألة:
جواب أبي صفرة عبد الملك بن صفرة: حدثنا أبو سفيان محبوب بن الرحيل، عبد المليح بن حسان، عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في القدر معروض.
وحدثنا أيضا محبوب، عن الربيع قال: حدثنا أبو عبيدة، حدثنا أبو سفيان محبوب (2/80)
صفحة 399
ابن الرحيل، عن المليح بن حسان، أن حمزة الكوفي أتى أبا عبيدة، فشكا إليه أصحابه، إنهم يستهزئون بي، ويروون عني ما لا أقول.
فقال له أبو عبيدة: فما مجيئك إليّ؟
قال: إلى من أذهب؟
قال: اذهب إلى منزل حاجب، فإنه منزل معشى.
فقال له حمزة: إني أحب أن يحضر.
فقال له أبو عبيدة: فأنا آتيك به إن شاء الله.
قال المليح: فخرجنا إلى منزل حاجب، فجاء أبو عبيدة يقوده حصين بن أبي وديعة السدوسي، فقال المليح: فقعد أبو عبيدة وحمزة داخل البيت، وقعد حاجب على باب البيت، وقعد من جاء من الرجال في الدار.
قال: فكلمه أبو عبيدة بكلام ليس بكثير، ولا طويل، إلا أنا سمعنا أبا عبيدة وهو يقول: ويلك يا حمزة ما فارقت غيلان إلا في هذا الكلام، ثم قام ابن الحصين فأخذ بيده، فخرج أبو عبيدة.
ودخل حاجب إلى حمزة، فقال له حمزة: يا أبا مودود ارفق ولا تعجل عليّ. (2/81)
صفحة 400
فقال له حاجب: أراك والله يا حمزة اليوم ستحملني على ما أكره.
قال له حمزة: يا أبا مودود اقبل مني منزلة أنا أقول: الحسنة من الله، والسيئة من العباد.
فقال له حاجب: هي من الناس مقبولة، وأما منك فلا، فأنا أعرف مذهبك وما تريد، فلم يزالا يتكلمان حتى أمعنا وقد قال له حاجب: فيما تقول عمن أخذت هذا، وعمن حفظته؟
فقال: عن المسلمين.
فقال: عن أيهم، فإنك لم تدرك أحدا إلا وقد أدركته ولقيته إلا جابر بن زيد، فلما شدد عليه قال: منك قلته، وعنك حفظته، وكما شاء الله أن يقول.
قال حاجب: الله أكبر، إن كنت قلته عني فأنا راجع عنه، فارجع عنه كما رجعت.
فقال حمزة: لا تريدون نسخه، لا تردون ذا، أو دع ذا، أو ما أشبه هذا من الكلام، ثم تفرقا فلم يزل حمزة عندهم متهما حتى جمع حاجب الناس في مجلس.
ثم قال: إن حمزة قد أحدث علينا حدثا، فمن أدخله، أو أنزله، أو كلمه فهو عندنا الخائن المتهم، فضاقت على حمزة البصرة، ولم يجترئ أحد من المسلمين أن يكلمه بعد النهي، فخرج منها إلى الكوفة، وإلى غيرها، وكان آخر أمره أن خلع وبرئ منه.
* مسألة:
وحدثنا سفيان قال: بلغنا أن ابن الشيخ البصري، وكان يكنى بأبي عبد الرحمن، سأل أبا عبيدة بمنى فقال له: يا أبا عبيدة، هل جبر (2/82)
صفحة 401
الله أحدا على طاعته -نسخة- طاعة، أو على معصيته -نسخة- معصية؟
فقال: ما علمت أن الله جبر أحدا على طاعة، أو على معصية، ولو كنت قائلا لقلت: إن الله جبر أهل التقوى على التقوى، لما أراهم من ثوابها.
قال له ابن الشيخ العلم: ساق العباد إلى ما عملوا من المعاصي.
قال أبو عبيدة: معاذ الله ما كذلك أقول، ولكن سولت لهم أنفسهم، وزين لهم الشيطان حتى كان منهم ما علم الله.
قال له ابن الشيخ: إن هؤلاء الشباب يقولون: إن الله شاء وأحب، وأراد، ورضي.
فقال أبو عبيدة: ما علمت أن الله عذب من عذب من خلقه إلا على ما سخط منهم، ليس على رضى، لأنه يقول تبارك وتعالى: {اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.
وقال أبو سفيان: كان أبو عبيدة يقول: إن الله أمر بالطاعة، وأحبها ورضيها وزينها، فمن عمل بها فبعلم الله، والله المانّ عليه، ويقول: إن الله نهى عن المعصية وأبغضها وكرهها، وقبحها فمن عمل بها فبعلم الله، والله الحجة عليه.
وقال أبو سفيان: كان صحار يقول: كلموا الناس في العلم، فإن أقروا لكم به فقد خصموا، وإن جحدوا به كفروا.
وقال أبو سفيان: بلغنا أن أبا عبيدة جاءه رجل وكلمه في القدر، فقال أبو عبيدة: هل علم الله ما العباد عاملون وإلى ما هم إليه صائرون قبل أن يخلقهم؟ (2/83)
صفحة 402
فقال الرجل: ما أسرع ما استغنيت بالعلم يا أبا عبيدة، إنما هذه مسائل الضعفاء.
فقال به أبو عبيدة: أجب هذا الضعيف، قال: فلم يجبه وتفرقا.
وقال أبو سفيان محبوب بن الرحيل: سمعت الربيع يقول: إن عبد السلام بن عبد القدوس: عظم أمر القدر وقال فيه قولا شديداً، وكره الكلام فيه.
فقال الربيع: فأخبرت بذلك أبا عبيدة فقال: ما قال عبد السلام شيئا، وما القدر إلا رأي من رأي الناس اختلفوا فيه، ليس فيه نكاح ذات بعل، ولا انتحال هجرة، ولا سبي ولا غنيمة، قال: وصغر أمر القدر.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
البلية بأمر القدر شديدة، لأنه سريع بخروج المرء من دين الإسلام، لأن مذهب المعتزلة أجمع ضلوا بكلمة في القدر، والعزيز غضب عليه ربه على سؤال عن كلمة القدر، وكم من مذهب أهله في ضلال بسبب القدر، فالقدر بحر عميق قد هلك فيه بشر كثير. رجع.
قال: وكان واصل بن عطاء المعتزلي، صاحب عمرو بن عبيدة المعتزلي وتمنى لقاء أبي عبيدة ويقول: لو قد لقيته قطعته وقطعت الإباضية.
قال: فبينما هو بمكة في المسجد الحرام ومعه أصحابه، إذ قيل له: هذا أبو عبيدة في الطواف، فقام إليه واصل فلقيه وقال: أنت أبو عبيدة؟
قال: نعم.
قال: أنت الذي بلغني عنك أنك تقول: إن الله تبارك وتعالى يعذب على القدر؟ (2/84)
صفحة 403
فقال أبو عبيدة: ليس هكذا قلت، ولكن قلت: إن الله يعذب على المقدور.
فقال أبو عبيدة: أنت واصل بن عطاء؟
قال: نعم.
قال: أنت الذي بلغني أنك تقول: إن الله يُعصى باستكراه؟
قال: فنكس واصل والله فلم يجب وسبح أصحابه، ومضى أبو عبيدة فأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه ويقولون: كنت تتمنى لقاءه، فسألته فخرج وسألك فلم تجب.
فقال واصل: ويحكم بنيت بناء منذ أربعين سنة أهدمه فهدمه وأنا قائم لم أقعد.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
انظروا كيف ضلت أمة على كلمة، وأخطئوا بها في أمر القدر، وذلك واصل المعتزلي ومن شايعه من المعتزلة قولهم في المعاصي، إن الله لم يشأها ولم يردها، ولم يخلقها وإنما كانت من العصاة بلا مشيئة الله تعالى فيها، ولا إرادة، فإذا كان ذلك كذلك فقد كانت المعاصي في ملك الله وسلطانه كرها وغلبة، إذا لم يشأها الباري ولم يردها، ولم يخلقها حتى كانت، فعلى زعمهم أنه تعالى قد عُصي باستكراه كما قال أبو عبيدة.
فلما قال أبو عبيدة ما قال: أنت الذي تقول إن الله يُعصى باستكراه، علم خطأه في ذلك، وعلم أن الحجة لأبي عبيدة، وأن المعاصي لا تكون في ملك الله وسلطانه، إلا وقد شاء كونها مشيئة علم، وأراد كونها في ملكه وسلطانه إرادة علم لا إرادة أمر. (2/85)
صفحة 404
وأن كل شيء لا يخلو من أن يكون الباري تعالى قد علمه وشاءه، وإلا كان في ملكه ما لم يشأ كونه، وإذا كان في ملكه ما لم يشأ كان مغلوبا مقهورا حيث كان في ملكه ما لم يشأ كونه في ملكه.
فنكس رأسه لعلمه بخطئه في ذلك، ولم يكاثر أبا عبيدة في شيء، فعلم أنه لا تكون معصية من عاص قط إلا وقد شاء الله كونها مشيئة علم لا أمر، وإلا كان مغلوبا يُعصى باستكراه وغلبة.
وإنما بيناه لأن المحنة بالخطأ في القدر عظيمة، لئلا يقع أحد من ضعفاء المسلمين على هذا الحديث الذي فيه استهانة أمر القدر، فيصغر القدر في أمر نفسه، فتقع الاستهانة به من الضعيف فيجرأ في ذلك حتى ربما تحمله جرأته يوما ما على القول فيخطأ فيه فيهلك، وكان تحذيرنا له في ذلك أولى وأصوب.
وود قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاء سر الله في الأرض فلا تتكلفوه –نسخة- تكشفوه» وقالوا: المتعمق في القضاء كالمعمق نظره في عين الشمس، كلما اعتمد نظره إليها أكثر ازداد عمى، كذلك القدر.
رجع إلى كتاب بيان الشرع.
مكتوب في الكتاب ومن الكتاب، ذكر أنه أقبل إلى ابن مسعود رجلان، فقال أحدهما: إن الله تعالى فوض الأشياء إلى العباد، فمن شاء منهم ضل، ومن شاء منهم اهتدى.
وقال الآخر: بل القوم مجبورون على المعاصي.
فبكى ابن مسعود حتى ابتلت لحيته ثم قال: اللهم ديني ديني لا أرتد عنه ولا أنصرف، ولا أخدع عنه به رضيت وبصرت، ورجوت لا عذر لي فيه، فأعوذ بك أن أتكلم -نسخة- أن كل ما لا جهل لي وآمن (2/86)
صفحة 405
بما لا جهل لي فيه، أو آمن بما لا عذر لي فيه، رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، آمنت بك وبملائكتك وكتبك ورسلك.
اللهم ما فيّ من خير فلا جهل لي فيه، وما لا في من شر فلا عذر لي فيه.
اللهم ما فيّ من خير فأنت هديتني إليه ورزقتنيه فلا جهل لي فيه، وما فيّ من شر فقد حذرت.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
أما اللفظ ففيه غلط من الكتابة، وتناقل النسخ، وأما بكاؤه من قول الرجلين فيما ذهبا إليه، لأن القائل بالتفويض خطؤه أن لو فوض الله الأمور إلى العباد، لكان قد خلقهم عبثا، وجعلهم سدى، وهذا ليس من فعل إله حكيم عليم، لأنه يقول: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} الآية، وقوله: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا}.
والذي قال بالجبر خطؤه أن لو أجبر الله العباد، لم يستحق أحد منهم جزاء على عمل يعمله، وبطل بالجبر الثواب والعقاب.
فبكى ابن مسعود من هذين الوجهين، إذ في جميعهما الخطأ المستبين والصواب هو أمر ثالث من هذين الأمرين، هو تكليفهم اختياري بلا جبر ولا تقويض. رجع.
* مسألة:
في القضاء والقدر، والمشيئة والإرادة: ذلك ما لا يبلغه علمي، ولا يحيط به فهمي، وهو موجود في آثار المسلمين، إلا أني ألوح لك يا أخي من ذلك ما حضرني فأعتقده. (2/87)
صفحة 406
أقول وبالله أستعين: إني أؤمن بالقضاء والقدر، خيره وشره، وأن الله قضى الطاعة والمعصية وقدرهما وأرادهما وشاءهما، وإنا ندين لله بالإيمان أن الله خالق الطاعة والمعصية، وقضاهما وقدرهما مع الفعل، لا من قبل ولا من بعد، وليس لله شريك فيما قدر وقضى.
ولم يؤت العبد من جهة خلق الله لفعله وقدره وقضائه، وإنما أوتى من جهة اكتسابه المعصية، ومخالفته للأمر وإيجاب الحجة عليه، ولم يزل الله مريدا لذلك لا إرادة رضى ومحبة.
قال غيره:
لعله أراد ولم يزل الله مريدا لذلك إرادة علم لا إرادة رضا ومحبة، والله أعلم. رجع إلى الكتاب ولكن إرادة علم ومشيئة، فافهم هداك الله للإيمان، ولم تعص الله باستكراه ولا بغلبة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولم يزل مريدا عالما قبل أن يحدثه، ثم أحدثه على ما أراده وشاءه.
وليس العلم والإرادة شيئين حالا بين العبيد وبين أعمالهم، ولم يتعبدهم بما أراده منهم ولا ما علمه منهم وشاءه منهم، وإنما تعبدهم ما أعطاهم من الاستطاعة، وعلمهم وهداهم له، ولا يكون إلا ما لم الله، وأراد وشاء سبحانه وتعالى، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وقد أجملت لك في هذه المسألة تفسير مسائل يخرج في غيرهذا الكتاب، وإن كان أهل الخلاف فقد خالفونا في ذلك، فادعوا أن الله لم يرد المعاصي، ولم يقضها ولم يقدرها ولم يخلقها، وقد أكذبهم الباري تبارك وتعالى فقال: {خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} وهي آية محكمة، فهذا الإيمان بالقدر خيره وشره.
وينبغي للمتعلم أن لا يتعمق في الدخول فيما وسعه جهله من هذه الأمور وأشباهها، فقد نهي عن ذلك، ويعتصم بقول المسلمين، ويقتدي (2/88)
صفحة 407
بهم، فقد كفى المؤنة، وما ترك الأول للآخر حجة، فعلينا أن نقتدي بسلفنا رحمهم الله.
* مسألة:
وقال أبو سفيان: حدثني الربيع بن حبيب، عن عمرو الفراهيدي أبي عمرو رحمه الله، أنه دخل على ضمام بن السائب، وهو في مرض وعنده عمران بن عبد العزيز المدني -نسخة- البدني وكان عمران أمام مسجد الباب الذي يصلي فيه ضمام.
فقال عمران: يا ضمام إني لأضيق أن أزعم أن الله تبارك وتعالى في حكمه وعدله، دعا العباد إلى شيء لم يجعل لهم السبيل إليه.
فقال الربيع: فقلت لعمران: أفترى أن المنّ من الله، والتوفيق والتسديد منه لأبي بكر وعمر، كتسديده وتوفيقه لأبي جهل؟
فقال عمران: لا لعمري ما هما سواء.
فقال ضمام للربيع: شد عليه، وأعجبه ما قال الربيع، ولم يزل عمران أمام المسجد، ولم يضره ذلك القول عند ضمان ولا غيره، وإنما ضاق في شيء، ولم يخالف فيه، ولم يدن به.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
إن الله تبارك وتعالى لم يسدد أبا جهل ولم يوفقه، وإنما كان التسديد لأبي بكر وعمر خاصة دون أبي جهل، ولم يوفقه، فليس القول هاهنا أني لأعجب من أبي بكر وعمر، وأبي جهل، أفسددهم الله تعالى كلهم تسديدا واحدا، لأن أبا بكر وعمر اختارا الإيمان على الكفر فسددا ووفقا، وأبو جهل اختار الكفر على الإيمان، فلم يؤت من التسديد والتوفيق شيئا. (2/89)
صفحة 408
وأما قوله: إن الله دعا العباد إلى شيء، ولم يجعل لهم السبيل إليه، فما هكذا قول المسلمين، وإن ضاق على هذا القائل، ولم يدر العلم في ذلك، لأن الله تعالى كلف العباد كافة، وهداهم إلى ما كلفهم كافة، هدى البيان لا هدى السعادة.
فأي سبيل إلى هذا التكليف أهدى سبيلا من هذا البيان الذي بين الله تعالى لعباده أجمع، فلما هداهم أجمعين هدى البيان بأن لهم أجمعين وكلفهم التكليف الاختياري، فاختار فرعون الكفر، كذب وتولى، فولاه الله ما تولى.
وباختيار أبي بكر وعمر الإيمان على الكفر سددا ووفقا، وكيف يقال: إن الله تعالى دعا العباد إلى شيء لم يجعل لهم إليه سبيلا لو دعا العباد إلى شيء لم يجعل الله لهم إليه سبيلا لم يكن حكيما بل كان سفيها جاهلا.
إذ الحكيم عندنا لا يكلف عبد شيئا يعلم أنه لا يحسن عمله، ولا يهتدي إليه سبيلا، وذكره فيه، ويستعمله فيه وهو لا يعلم علما من ذلك، ولا يهتدي إليه سبيلا فما يفعل هذا إلا سفيه عابث، يكلف عبده العبث، ولكن الباري تعالى كلف العباد ما كلفهم، وهداهم إلى ما كلفهم أجمعين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة.
والدليل على ذلك قول الله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} انظر كيف ذكر قوم هود أنهم هداهم، يعني بذلك هدى البيان، فسبيل قوم ثمود وفرعون، وإبليس والشياطين، وجميع الجن والإنس المكلفين سواء في التكليف والهدى الذي هو هدى البيان، لا هدى السعادة.
وأن من كفر وتولى فبسوء اختياره كفر وتولى، فولاه الله ما تولى، وأن من آمن واتقى وفقه الله وسدده، وكيف لم يجعل الله تعالى لعباده (2/90)
صفحة 409
إلى ما دعاهم إليه سبيلا، فأي سبيل أهدى من البيان الذي قد آتاه الله تعالى جميع المكلفين أجمع من الجن والإنس. رجع.
* مسألة:
عن ابن عباس قال: الخلق إلى علم الله منهم منقادون، وعلى ما سطر في المكنون من كتابه ماضون، لا يعملون خلاف ما منهم علم ولا غيره يريدون، فهم لا محالة إلى ما علم الله منهم صائرون.
قد ساق الله العباد إلى ما علموا من طاعة أو معصية، لأنه لو ساقهم العلم إلى ما عملوا من عمل كانوا مجبورين، وإذا كانوا مجبورين لم يكن لائمة لمسيء، ولا محمدة لمحسن، ولم يجب لمحسن بالثواب، ولا على المسيء العقاب، كما لم يعذب الأصم على السمع، فيقال له: لِمَ لم تسمع في دار الدنيا، والأعلى لِمَ لم تبصر ما كلفتك من دار الدنيا، والمريض كذلك.
* مسألة:
عن أبي عبد الله محمد بن محبوب: إن الله خلق الأشياء وأضدادها فهو خلق الصلاح والفساد، والهدى والضلال، والنور والظلام والكفر والإيمان، والعدل والجور، وهي من العباد أفعال، والله خالقها والله تعالى لا يوصف بالفساد، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
بل كل أفعاله صلاح، ولا يقال: إذ خلق الفساد أنه أفسد، ولا يقال أنه أربى الربا، ولا أزنى، ولا أسرق، ولا أقذر، وهو خلق الزنى، والربا، والقذر، والسرق، ولا يجوز على الله الأسماء، ولا الصفات القبيحة القذرة، سبحان الله وتعالى عما يشبهه، ولا يقع عليه من الأسماء والصفات القبيحة له الأسماء الحسنى، والصفات الطاهرة. (2/91)
صفحة 410
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
إن الله تعالى ليس له أشباه، لكن يقال في شيء لا يشبهه، تعالى الله عما لا يشبهه، فلا يجوز هذا القول على الله تعالى. رجع.
ومن قصيدة لأبي المؤثر:
وقالوا لنا حول وطول وقوة ... بها دون رب العرش نبري ونخلق
لأنهم زعموا أنا نعمل ما نشاء من الطاعة والمعصية، ليس لله فيها قضية.
وقالت فرقة: إن الله عالم لم يكن عالما بما يعمل العباد، حتى عملوا، فتعالى الله عما قالوا، الطاعة والمعصية شيئان، والله خالق كل شيء، فإن زعموا أن الطاعة والمعصية شيء ليس بمخلوق، ولم يدخل في الكل.
واحتجوا في ذلك بقول سليمان عليه السلام: {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} وكان من الأشياء ما لم يؤته سليمان، وفي قول الله تعالى للمرأة: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} وكان كثير من الأشياء لم تؤته.
فالحجة عليهم أن الله تعالى لم لا يوصف نفسه بصفة، ولكن يوصف الله بما وصف به نفسه، وقد قال الله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
فإن كانت الطاعة والمعصية شيئا لم يخلقه الله، فليس هو بعليم بها، ومن قال: إن الله ليس بعالمٍ بالطاعة والمعصية، فقد أشرك بكل (2/92)
صفحة 411
القرآن، والله تعالى يقول: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ}.
وقال: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}.
وقال: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}.
فإن يكن وكيلا عالما فقد خلقها، وإن لم يكن وكيلا عالما، فإذن لا يعذب على معصية، ولا يثيب على طاعة تعالى الله عن ذلك، وقيل شعرا من قصيدة أبي المؤثر:
نطيع إذا شئنا ونعصي وما له ... على فعلنا سلطان ملك مطوق
فقل لهم أخزاهم الله فعلهم ... أشيء له رب الشيء مطلق
يسألوا: الله وكيل على أعمال العباد أم لا؟ فإن قالوا: لا، فقل لهم: فلم يعذب عليها، ويرحم، والحكيم لا يعرض ما ليس له عليه وكالة.
وإن قالوا: بلى، فقد أثبتوا أن الله خلقها، وقد قال الله تعالى: {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}.
وسألت محبوبا فقلت: وفي السيرة أن الخلق صائرون إلى مشيئة، فبين لنا، رحمك الله معناهما؟ (2/93)
صفحة 412
قال: معناهما علمه ليس بينهم فيه اختلاف.
وفي قول الله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}.
قال محبوب: تفسيرها قراءتها، وذلك كله يروون على العلم، يقول: إنه من علم الله أن يهتدي لم يضل، ومن علم أنه يضل لم يهتد.
* مسألة:
ويروى عن محمد بن محبوب أنه قال: كنت بالبصرة، وإذا قوم يتناظرون في القدر، فقال رجل يقال له أظن أنه العرال للرجل القدري: ما أفضل فعل الله أم فعل العباد؟
فقال القدري: فعل الله أفضل من فعل العباد.
فقال الرجل للقدري: الصلاة من فعل الله أم من فعل العباد؟
فقال: من فعل العباد.
فقال الرجل للقدري: فالنوم من فعل الله أم من فعل العباد؟
فقال القدري: من فعل الله.
فقال الرجل للقدري: فإذا النوم خير من الصلاة على قولك هذا، وقد قيل: إن بلالا مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم نادى للصلاة، قيل له: إنه نائم، فقال بلال: الصلاة خير من النوم.
قال: فانقطع القدري ولم يكن معه جواب. (2/94)
صفحة 413
ومن غيره:
إن قال قائل: ما أفضل فعل الله أم فعل العباد؟
قيل له: فعل الله.
فإن قال: الصلاة فعل الله أم فعل العباد؟
قيل له: من الله خلق، ومن العباد عمل وكسب.
وإن قال: النوم فعل الله أم فعل العباد.
قيل له: النوم والاضطجاع فعل العبد، وما يغشى العبد من النعاس فعل الله.
فإن قال: فما أفضل: الصلاة أم النوم؟
قيل له: الصلاة التي هي فعلي أفضل من فعلي في النوم، وخلق الله أفضل.
فإن قال: بلال كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة خير من النوم؟
قيل له: معنى ذلك أن يقوم يصلي أفضل له من اضطجاعه في النوم، وما خلق الله من جميع ذلك فلا يقاس بفعل العبد. (2/95)
صفحة 414
بسم الله الرحمن الرحيم
وجدت مكتوبا في رقعة كتابا -نسخة- كتاب دفعه إلى محمد بن هاشم، وزعم أن محبوبا دفعه إليه لينسخه فنسخه.
أما بعد:
فإن عدونا من القدرية عابوا علينا أن زعمنا أن الله تبارك وتعالى، قد علم ما العباد صانعون قبل أن يخلقهم فيما كلفهم، وإلى ما يصيرون إلى جنة أو إلى نار، فعلم من هو صائر إلى الجنة قبل أن يخلقه، وعلم من هو صائر إلى النار قبل أن يخلقه، وقد احتج عليهم بالكتب والرسل، وابتلاهم بالأمر والنهي، فهم مبتلون فيما كلفوا، لا يستطيعون أن يكون غير ما علم الله، فمن علم الله منه أنه صائر إلى الجنة، عامل بالطاعة فلا يستطيع أن يعمل بالمعصية، ولا يستطيع أن يصير نفسه إلى النار.
وكذلك من علم منه أنه صائر إلى النار، عامل بالمعصية، تارك للطاعة، فهو لا يستطيع أن يعمل بالطاعة، ولا يستطيع أن يكون من أهل الجنة، وذلك من قبل أن العباد لا يستطيعون أن يكون منهم غير ما يعلم الله أنه كان منهم.
فلما عابوا علينا ذلك، وأنكروه سألناهم عند ذلك، هل علم الله قبل أن يخلق الخلق من يطيعه فيما كلفه منهم، ومن يعصيه منهم.
فإن قالوا: نعم، قد علم الله من يطيعه منهم ممن يعصيه قبل أن يخلقه؟
فقل لهم عند ذلك: ليس قد علمهم بعدتهم وأسمائهم وأنسابهم. (2/96)
صفحة 415
فإن قالوا: نعم قد علمهم بعددهم وأسمائهم وأنسابهم، من يسكن النار منهم، ومن يسكن منهم الجنة؟
فقل لهم: عند ذلك، فهل يستطيع الذين يعلم الله أنهم يسكنون الجنة بعدتهم وأسمائهم وأنسابهم أن يسكنوا النار، وهل يستطيع الذين علم الله أنهم صائرون إلى النار بعدتهم وأسمائهم وأنسابهم أن يسكنوا الجنة.
فإن قالوا: نعم يستطيعون ذلك، ولا يفعلونه؟
فقل لهم: إنما تكلمتم في الاستطاعة، أليس يزعمون أنهم يستطيعون غير ما علم الله، ولا يفعلونه.
فإن قالوا: نعم.
فقل لهم عند ذلك: أرأيتم إن كانوا يستطيعون غير ما علم الله، فهم يستطيعون أن يكون ما يجهل الله، وأن يتخذوا في سلطان الله ما لا يعلم الله.
فإن قالوا: نعم، فهذا قول عظيم لا يحمله عقل، ولا يجوز في قياس وقد أكذب الله قولهم في كتابه لقوله تعالى: {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}. وقوله: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ}.
وإنما يعني بهذا الذين علم الله أنهم لا يؤمنون، وعابوا علينا أن زعمنا أن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يكون شيء كان، وذلك من قبل أن زعمنا أن الله قد علم ما العباد عاملون قبل أن يخلقهم، فعلم من يؤمن منهم، ومن يكفر قبل أن يؤمنوا، وقبل أن يكفروا، فأراد تبارك وتعالى أن يكون ما علم ممن علم، ولم يرد أن يكون غير ما يعلم، فعلم من يؤمن قبل أن يؤمن، وأراد أن يكون الإيمان ممن علمه ولم يرد أن يكون غير ما يعلم، فعلم من يؤمن قبل أن يؤمن، وأراد أن يكون الإيمان ممن عليه منه أن يؤمن، وقد دعا إلى الإيمان ورضيه، فهو (2/97)
صفحة 416
يحب الإيمان، ويحب أن يؤمن الذين علم أنهم يؤمنون قبل أن يؤمنوا ويرضى أن يكونوا من أهله الذين علم أنهم عاملون به.
وكذلك أيضا من علم منه أنه يكفر، فقد أراد أن يكون منه ما علم أن يكون يكفر، وقد نهاه عن الكفر، وحرمه عليه، ولكنه قد علم أنه عامل به، فقد أراد أن يكون منه ما علم من الكفر الذي حرمه عليه، ونهاه عنه، وهو يبغض الكفر ولا يحبه، ولا يرضاه، وقد رضي أن يكون ممن لا يحب ولا يرضى ولا يريد ...
وذلك من قبل أنه نهى عن الكفر وحرمه، وشتم أهله عليه، وقد يبغض الله الشيء وهو يحب أن يكون، فقد أحب الله يكون إبليس ولا يحب إبليس.
وكذلك أحب أن يكون الكفر من أهله، ولا يحب الكفر ولا يرضاه، ولكن يحب أن يكون منهم ما يبغض ليعذبهم عليه، وقد أحب أن يكون الخمر خمرا ولا يحب الخمر، لأنه رجس.
وكذلك يقول: إنه قد أحب أن يكون الكفر من الذين علم منهم أنهم سيكفرون، ولم يحب الكفر ولم يرده.
سألنا من عاب هذا علينا من القدرية، هل أراد الله أن يؤمن الناس إذا دعاهم إلى الإيمان؟
فإن قالوا: نعم قد أراد أن يؤمن الناس إذا دعاهم إلى الإيمان فقلنا لهم عند ذلك: أخبرونا عما أراد الله أن يكون من إيمان الناس جميعا، هل كان حتى آمن من الناس؟
فقالوا: لا لم يكن من الناس كلهم الإيمان الذي أرد أن يكون منهم. (2/98)
صفحة 417
فقلنا لهم عند ذلك: فقد أراد الله شيئا لم يكن، فعجز الله ما أراد.
فإن قالوا: نعم قد أعجزه ما أراد، فهذا فرية منهم على خالقهم، وكذبا على الله، وتكذيبا بكتاب الله، لأن الله تعالى قال: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}.
وإن زعموا أنه لم يعجزه شيء، وقد كان ما أراد الله أن يكون من إيمان الناس جميعا، فقد لهم عند ذلك: أخبروني عن الناس، أليس قد آمنوا جميعا، لأن الله قد أراد أن يؤمنوا إذ دعاهم، فقد كان ما أراد الله.
وإن لم يكن منهم ما أراد فقد أعجزه ما أراد، وليس بينها منزلة، إما أن يكون قد كان ما أراد الله أن يكون من إيمان الناس، أو يكون قد أعجزه أن يكون ما أراد الله أن يكون من إيمانهم.
فإن قالوا: إنما أراد أن يؤمنوا في غير جبر.
قيل لهم عند ذلك: أليس وهو يقدر على أن يؤمن الناس في غير جبر.
فإن قالوا: هو يقدر على أن يؤمن الناس في غير جبر.
قيل لهم عند ذلك: فهل كان ما أراد أن يكون في غير جبر ما يقدر أن يكون في غير جبر.
فإن قالوا: لعله نعم.
فقل: أفأعجزه أن يكون في غير جبر، وقدر على أن يكون، فإن كان قدر على أن يؤمنوا في غير جبر، وإن كان لم يقدر على أن يؤمنوا بغير جبر فقد أعجزوه أن يؤمنوا في غير جبر. (2/99)
صفحة 418
فانظر فيما تسألهم عنه من هذه الوجوه، فإنهم لن يستطيعوا الخروج من هذه المسألة إلا أن يقولوا بأحد هذين الوجهين.
* مسألة:
وسئل عن قول الله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} أليس الله تبارك وتعالى قد أخبر نبيه أنهم سيحلفون قبل أن يحلفوا؟
فإن قالوا: نعم، فقل لهم عند ذلك: أليس قد كانوا يستطيعون ألا يحلفوا حتى يكون ما أخبر الله نبيه كما أخبره.
فإن قالوا: نعم، فقل لهم عند ذلك: فقد كانوا يستطيعون أن يكون ما أخبر الله كذبا.
فإن قالوا: نعم، قيل لهم عند ذلك: فهم يستطيعون أن يكذبوا الله في مقالته، وذلك بأنهم إن شاءوا عملوا بما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، وكان الله قد صدق نبيه إذ عملوا بما أخبر نبيه أنهم عاملون به.
وإن شاءوا عملوا بغير ما أخبر الله نبيه أنهم عاملون حتى يكون الله تعالى قد كذب نبيه بما أخبره به من علمهم الذي أخبره أنهم عاملون به قبل أن يعملوا ما أراد، وإن كانوا لا يستطيعون أن يعملوا إلا الذي علم الله أنهم عاملون بما أخبر الله به نبيه فقد نهاهم عن العمل به.
وهم لا يستطيعون أن يعملوا به، كلفهم ما لا يستطيعون العمل به، وذلك من قبل أن كلهم الصدق، وحلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالكذب، لأن الله تعالى قال: {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} فهم لا يستطيعون إلا أن يكون الكذب الذي نهاهم عنه، لأنه أخبر نبيه قبل أن يحلفوا أنهم سيحلفون، فأراهم أنهم لا يستطيعون ترك ما أخبر الله به نبيهم عنهم. (2/100)
صفحة 419
فقل لهم عند ذلك: أليس قد كلفهم أن لا يحلفوا على الكذب، فنهاهم عن ذلك؟
فإن قالوا: نعم، فقل لهم عند ذلك: أليس قد نهاهم عن أمر لا يستطيعون تركه.
فإن قالوا: نعم، فقل لهم عند ذلك فقد تركتم قولكم، ودخلتم في قول من هو أعدل منكم، وسل القدرية أهل الفراء على الله، هل يستطيع من هو كافر أن يؤمن في حال كفره، أو هل يستطيع من هو مؤمن أن يكفر في حال إيمانه؟
فإن قالوا: نعم، فقل لهم عند ذلك: أليس يستطيع في حال الكفر أن يكون مؤمنا، وفي حال الإيمان أن يكون كافرا.
فإن قالوا: نعم، فقل: أليس حال الكفر لها كفار، والكفر فيهم؟
فإن قالوا: نعم فقل لهم: فهل يستطيع أن يحدث الإيمان والكفر فيه؟
فإن قالوا: نعم، فقل لهم عند ذلك: فهل يستطيع أن يكون مؤمنا كافرا؟
فإن قالوا: نعم، فقل لهم: وكيف يكون مؤمنا كافرا، ويكون عارف القلب، منكر القلب، محسنا مسيئا، أو هل يكون قاعدا قائما في حال أبدا، وهذا محال أن يكون مؤمنا كافرا في حال واحد.
قال: وقد قالوا لا يستطيع في حال الإيمان أن يكون كافرا، ولا في حال الكفر أن يكون مؤمنا، ولكنه إذا ترك الإيمان استطاع أخذ الكفر، وإذا ترك الكفر استطاع أخذ الإيمان، ولا يستطيع ترك الإيمان (2/101)
صفحة 420
في حال أخذه له ولا ترك الكفر في حال أخذه، إنما يستطيع الإيمان مع أخذه الإيمان، وكذلك إنما يستطيع ترك الكفر مع تركه، فإذا جاءت حال الإيمان وقع الإيمان معها.
ولم يكن الكفر في حال الإيمان، وإذا جاءت حال الكفر وقع الكفر، ولم يكن الإيمان في حال الكفر، فإن قالوا ذلك فقل: أفليس من كان كافرا فهو يستطيع أن يؤمن حتى يجيء حال الإيمان، وكذلك من كان مؤمنا لا يستطيع أن يكفر حتى يجيء حال الكفر.
فإن قالوا: نعم، فقد تركوا قولهم، ودخلوا في قول من هو أولى بالعدل منهم، ولابد لهم من الدخول في هذا القول، وأن يجيبوا بالمحال، فهو لم يستطع أن يكون في حال الكفر مؤمنا، وفي حال الإيمان كافرا، فهو لا يستطيع أن يكون مؤمنا كافرا، فهذا محال لا يعرف ذو لب وبصر، فانظر ما يدخل عليهم في هذه المسألة. (2/102)
صفحة 421
بسم الله الرحمن الرحيم
* مسألة:
من كتاب محمد بن حازم:
أما بعد:
فإن الناس اختلفوا في القدر، فقال أصحاب واصل وغيلان وعمرو: إن الله لم يخلق أعمال العباد في وجه من الوجوه، وزعموا أن الاستطاعة مقدمة قبل الفعل، وأنها لا تكون معه ولا تقاربه.
فعاب ذلك عليهم المسلمون، وكثير من أهل التوحيد، وقالوا لهم: قد أوهمتم وأخطأتم في ذلك موضع الحق، فالحق في ذلك أن يقال: إن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل وأنها لا تكون قبله، وأنها لا تدوم بعد انقضاء الفعل، وأن أعمال العباد لو كانت غير مخلوقة، وأن العباد هم الذين ولو تميز ما بين الكفر والإيمان لكانوا قادرين على أن تجعلوا الإيمان الذي يرضى الله به كفرا يسخط الله به، والكفر الذي يسخط الله به إيمانا يرضاه الله، ولو كانوا مع ذلك قادرين على أن يأتوا بفعل دائم أبدا، لا ينقضي حتى ينقضي الفاعل.
فكان مما سألناهم عنه إن قلنا أخبرونا عن الاستطاعة ليست متقدمة قبل الفعل، إنها لا تقارره قالوا: بلى.
قلنا لهم: أخبرونا عن كفكم عن قتل أنفسكم، ليس هو شيئا تحمدون عليه ما لم تفعلوا فعلا منكم قالوا: بلى.
قلنا لهم: أفليس أنتم لم تزالوا، لأنكم لم تزالوا كافين، فمتى قدمت الاستطاعة الكف، وأنكم لم تزالوا كافين، فالكف فعل منكم، ولا يكون فعلا إلا بالاستطاعة. (2/103)
صفحة 422
فإن قالوا: إن الاستطاعة كانت فينا قبل أن تكف.
قلنا لهم: فأنتم حينئذ قاتلون لأنفسكم، لأن من لم يكف عن قتل نفسه، فهو قاتل لنفسه، لأن الكف عن قتل أنفسكم منزلة تعرف، والقتل لأنفسكم منزلة تعرف، فإذا كنتم فأنتم تاركون للقتل.
قال غيره:
لعله أراد: فإن كنتم كافين فأنتم تاركون للقتل، وإذا كنتم قاتلين فأنتم تاركون للكفر.
وسألهم أيضا عن آدم صلى الله عليه وسلم حين خلقه الله تعالى فقل: أخبروني عن خلق الله لآدم صلى الله عليه وسلم، أليس إنما تكامل في حال قد مضت قبلها حال ليس هو فيها بموجود، فإذا قالوا بلى، فقل لهم عند ذلك، أخبروني عن الحال التي هو فيها موجود كامل، هل كانوا يخلو في تلك الحال التي هو فيها موجود من أن يكون متحركا، أو ساكنا.
فإن قالوا: إنه لم يكن يخلو من أن يكون في حال تكامله متحركا أو ساكنا، فقل لهم عند ذلك: أخبروني عنه إن كان عند تكامله متحركا فمتى استطاع بتلك الحركة؟
فإن قالوا: مع الحركة، فقل لهم هذا قولنا قد دخلتم فيه كارهين، وقد قاربت الاستطاعة الحركة والحركة فعل.
وإن قالوا: إنه إنما استطاع بتلك الحركة قبل أن يتحرك، فقل لهم عند ذلك: أليس تعلمون أنه قبل أن يتحرك غير موجود، وأن تلك الحركة لم يخلق الله فيها، فلم يتكامل وذلك لأنهما حالان: حال تكامل (2/104)
صفحة 423
قبلها فتحرك أو سكن في حال قبل هذه الحال، ليس هو قبلها بموجود ولا متكامل.
وستصيرهم هذه المسألة إلى أن يزعموا أن الحركة مقارنة للفعل، وأنها لا تكون قبله ولا بعده.
واعلموا أن هذه المسألة تفتح لكم مسائل كثيرة، لأن الملائكة الذين لم يخلقوا بولادة هم بمنزلة آدم في هذا الوجه.
وذلك أنك تسألهم فتقول: أخبروني عن الملائكة، ألستم تعلمون بأنهم عرفوا الله في أول تكاملهم؟
فإذا قالوا: بلى فقل لهم: فمتى استطاعوا بتلك المعرفة؟ فإن قالوا قبل المعرفة فقل لهم: ألستم تعلمون أنهم -نسخة- أنكم قبل المعرفة غير موجودين ولا مخلوقين وكيف يستطيع من ليس هو بموجود ولا متكامل أن يفعل شيئا وهو لا شيء.
فإن زعموا أنهم استطاعوا بتلك المعرفة مع المعرفة، وحين عرفوا فهذا الذي عابوا علينا قد دخلوا فيه، لأن الاستطاعة إذا أمكن أن تقارن فعلا واحدا جاز ذلك في جميع الأفاعيل، حتى لا يكون فعل إلا الاستطاعة له مقارنة، وهو الذي لا يصلح غيره.
وقل لهم أيضا: أليس الذي كلفوه من أمر التوحيد وغيره، إنما هو كلام بعضه قبل بعض، فإذا قالوا: بلى، فقل لهم ليس هو على حال لفظه لأوله، غير مؤدى لآخره، ولا لأوسطه.
فإذا قالوا بلى فقل لهم عند ذلك: هل يستطيع أن يؤدى آخره في حال أداه لأوله؟
فإن قالوا: إنهم قد يستطيعونه أداء آخره في حال أدائهم لأوله، ولن يعطوك ذلك لما يدخل عليهم من فساد القول وتناقضه. (2/105)
صفحة 424
فإن زعموا أنهم أدوا أوله في حال أدائهم لآخره، فقل لهم: ليس مالا يستطاع، فالناس معذورون بتركه، فإن قالوا: نعم، فقل لهم: أليس هم في حال أدائهم لأول الكلام، الذي هو توحيد معذورون بترك آخره في حال أوله.
فإن قالوا: نعم، فقد عذروا الناس بترك ما كلفهم الله من التوحيد.
وإن قالوا: إنهم يستطيعون في حال أوله لآخره في الحال الثانية، فقل لهم: إني لم أسألكم عنه في الحال الثانية، وإنما سألتكم عنه، هل يستطيع آخر الكلام في حال أوله.
واعلم أنك لن تسألهم عن شيء أشد، وسلهم عن فرعون أن أحسنت أن تسألهم، وبالله التوفيق.
وسألهم عن فرعون: أليس قد كان يستطيع الإيمان؟ فإن قالوا: بلى، فقل لهم: ما باله لا يؤمن.
فإن قالوا: إنه لم يرد ذلك ولم يشأ، فقل لهم: أليس قد علم الله أنه لا يؤمن أبدا، فإن قالوا: نعم فقل لهم: أليس يعلمون أنه من كان في سلطانه ما لا يريد، فهو إن أراد كان الله جاهلا، لأنه إن زعمتم لو أراد كان منه الإيمان الذي قد علم الله أنه لا يكون منه أبدا، ففرعون الآن في قياس ما قلتم إذا أراد كان الله جاهلا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وهذه المسألة تفتح لكم من المسائل أكثر من ذلك إن شاء الله.
وسلهم عمن لا يكون في سلطانه إلا ما يريد، أهو أقوى أم من يكون في سلطانه ما لا يريد، فهذا هو الخلف من الكلام والمحال الذي لا تتكلم به العرب، ولا تجيزه في لغاتها، وحسبك بهذا سعة أن أعطوك هذا. (2/106)
صفحة 425
فإن قالوا: إن الذي لا يكون في سلطانه ما لعله يريده هو أقوى من الذي يكون في سلطانه ما لا يريده، فقل لهم عند ذلك: فلم وصفتم خالقكم بأنه قد يكون في سلطانه ما لا يريد، والذي يكون في سلطانه إلا ما يريد أقوى منه، فسبحان الله عما قلتم أيها المبطلون.
لأن الذي يكون في سلطانه إلا ما يعلم فهو أفضل من الذي يكون في سلطانه ما لا يعلم، وكذلك الذي يكون في سلطانه إلا ما يريد هو أقوى وأفضل من الذي يكون في سلطانه ما لا يريد، وأحسن المسألة، ولا تدعهم ينتقلوا من مسألة إلى غيرها. (2/107)
صفحة 426
بسم الله الرحمن الرحيم
* مسألة:
كتب الحسن بن أبي الحسن البصري إلى الحسن بن علي:
أما بعد:
بني هاشم، فإنكم الفلك الجارية، في اللجج الغامضة التي من تعلق بها نجى، ومن تخلف عنها ضل وغوى.
كتبنا إليك يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تحيرنا في القدر، واستلافنا في الاستطاعة، فاكتب ما أنت عليه، وما كان عليه آباؤك من قبل، فأنتم ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.
الجواب:
كتب الحسن بن علي، إلى الحسن بن أبي الحسن البصري:
أما بعد:
فقد وصل كتابك تخبر عن تحيرك وتحير أصحابك، وكيف لا تتحيرون، وأنتم لهم قادة، أما أنه ستبغون الرجعة، وتطلبون الإقالة عند تبري المتبوع من التابع، ولولا ما أخذه الله على عباده ممن علم علما فكتمه لأمسكت عن جوابك.
وبعد: فالذي أنا وآبائي عليه أنه من لم يؤمن بالقضاء والقدر كلهن خيره وشره، وحلوه ومره، فقد كفر، ومن حمل المعاصي على الله عز وجل فقد فجر، إن الله تبارك وتعالى لم يطع باقتدار من المطيع، (2/108)
صفحة 427
ولم يعص بغلبة من العاصي، لكنه المالك لما ملكهم عليه والقادر لما أقدرهم عليه.
فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن لهم عنها صارفا، وإن ائتمروا بالمعصية وشاء أن يحول بينهم وبينها فعل، وإن لم يفعل فليس هو الذي جبلهم على ذلك ... إذ ملكهم وقواهم، وجعل لهم السبيل إلى حد ما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه، ولله الحجة البالغة ولو شاء لهداكم أجمعين.
في القدر عن أبي المؤثر من سيرة له أولها:
الحمد لله رب السموات ورب الأرض، ثم اعلموا أن الله تبارك وتعالى لم يزل عالما بما يعمل العباد قبل أن يخلقهم، عالم بما تصير إليه عواقب أمورهم وثوابهم وعقابهم، فجرت أعمالهم على علمه تبارك وتعالى، فمن زعم أن الله لم يعلم أعمال العباد حتى عملوها فهو كافر، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
واعلموا أن الله تبارك وتعالى خلق أعمال العباد وحركتهم وسكونهم، وجميع أفعال الحيوان وخلق الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية، والعباد في ذلك مكتسبون، والله خلق اكتسابهم، ولا يقال: إنهم اكتسبوا خلق الله، ولكن يقال خلق الله كسبهم.
ومن زعم أن الله لم يخلق أعمالهم، فقد كذب على الله، وكفر به، وقد قال الله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون وهو خالق كل شيء) وأفعالهم شيء.
ومن زعم أنهم لم يكتسبوها، وأن الله لم يعذبهم على شيء منها، وأنه إنما عذبهم وأثابهم على فعله لا على أفعالهم فقد كذب على الله، والله تبارك وتعالى يقول: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ (2/109)
صفحة 428
لِّلْعَبِيدِ} وقال تعالى: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وقال: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
وقال طائفة من القدرية: إن الله لم يرد من العباد إلا الإيمان، وأنهم كفروا، وقد أراد الله أن لا يكفروا فكفروا.
وقول المسلمين: لو أراد الله أن لا يكفروا لما كفروا، لأنه لو أراد أن لا يكون شيء فكان عاجزا مغلوبا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فإن قالوا: فتقولون: إن الله أراد منهم الكفر، كان الجواب في ذلك أن يقول: إن الله أراد أن يكون الكفر منهم كفرا باطلا مذموما، لأنا نضيف إلى الله الأشياء بأحسن الألفاظ.
وكذلك إن قالوا: أتقولون إن الله جعل الكفر والربا والسرقة؟
قلنا: نقول إن الله تعالى خلق ذلك، وأنه وإن كان الخلق منه، فإنا لا نضيف الأشياء إلى الله إلا بأحسن الألفاظ، لأنا لو رأينا ثمرة فاسدة لم نقل إن الله أفسدها، وإن كان فاسدها إنما جاء من قبل الله، لأن الفساد خطأ متصل بالتدبير، فلا يضاف ذلك إلى الله.
وكذلك لو رأينا عذرة لم يجز أن نقول: إن الله أحدث هذه العذرة، وهذا عظيم من القول، وإن كان هو الذي خلقها، وجعلها محدثا كحدوث سائر الخلق، ولا ننكر أن نقول: إن الله خلقها، لأن كل ما أضفناه إلى الله تعالى أنه خلقه من جميع الأشياء، فليس بقبيح، وقد قبح ذلك في بعض الأشياء أن تنسب إليه أنه أحدثها وفعلها.
ومما زعمت القدرية: أنهم يقدرون أن يفعلوا ما قد علم الله أنهم لا يفعلونه، وأنه إنما أمرهم بما هم عليه قادرون.
وقول المسلمين: إن أحدا لا يقدر أن يعمل ما قد علم الله أنه (2/110)
صفحة 429
لا يعمله، وقد أمر الله الناس أن يفعلوا ما لا يقدرون على فعله إلا بعون الله وتوفيقه، وليس ذلك منه جور تبارك وتعالى، لأن الجور لا يكون إلا من المأمور المنهي، والله تعالى ليس بمأمور ولا منهي، وإنما كان الجور جورا، والظلم ظلما، لأن الله حرمه تبارك وتعالى.
ولم يؤت العباد في أن يقدروا على ما كلفهم الله تبارك وتعالى، وإنما أوتوا ذلك من قبل أنفسهم، لأن الله تبارك وتعالى لم يحل بينهم وبين ذلك بمنع منهم إياه، ولا يجبر جبرهم عليه، ولا عجز أعجزهم عنه، وإنما العاجز الممنوع من كانت خلقته غير محتملة لما كلف مثل الزمن، أن يكلف النهوض والأصم أن يكلف السمع، الأعمى أن يكلف البصر، وهذا لا يجوز على الله تبارك وتعالى، ولكنه كلفهم الإيمان وخلفهم محتملين لذلك.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
لعله لذلك فلم يستطيعوه لاشتغالهم بالكفر، لأن كل مكلف مشغول، إما بما كلف وإنما بخلافه، فإن كان مشغولا بما كلف، وهو مؤمن ولا يقدر على الكفر، لاشتغاله بالإيمان، لا لعلة تمنعه من ذلك، فيوجب عليه العجز عنه.
وكذلك إن كان مشغولا بخلاف ما كلف فهو كافر لا يقدر على الإيمان، لاشتغاله بالكفر لا لعلة تمنعه من ذلك توجب عليه العجز عنه. ط
فافهموا ما وصفنا من قول المسلمين في القدرة، واعلموا أن القدر هو الخلق وكذلك القضاء.
فإن قال لك: أتقول إن الله قضى عليه الكفر ثم يعذبه، فلعله كان يظن قضى الله عليه، أي جبره، وليس ذلك كذلك، ولكن معنى قوله: (2/111)
صفحة 430
قضى الله عليه، أي خلق على يديه، قضى الله، أي خلق الله الكفر، وكذلك قدر الله.
وأما قولهم: أحب الله ذلك فلا يجوز أن يقال لصاحب المعصية: أحب الله المعصية ولا رضيها، فإن الله لا يحب المعصية، ولم يرضها بل سخطها وأبغضها، وإنما تأويل قول ذلك أحب ورضي، وإنما هو ثواب لأهل الطاعة، لأن محبة الله ورضوانه أنه ثواب لأهل الطاعة وسخطه وبغضه عقاب لأهل معصيته لهم، وليس هذا على الضمير.
وقد قال بعض أهل اللغة: أحب الله أن تكون السماء سماء، والأرض أرضا، والحسن حسنا، والقبح قبيحا وليس هذا معنى الثواب، ولكن يقولون في هذا المكان: أحب أي أراد، فأعقبوا ذكر المحبة من ذكر الإرادة لما جرت عليه العادة معهم في اللغة، وتأويل المحبة هاهنا في الإرادة، فافهموا ذلك وبالله التوفيق.
ومنها: القدرية كل من زعم أن الله لم يخلق أفعال عباده، وأنهم يقدرون أن يفعلوا ما قد علم الله أنهم لا يفعلونه مما أمرهم بفعله، وأن الله أراد أن لا يكون الكفر من الناس، فكان منهم مما قد أراد الله أن لا يكون منهم، فهذا القول منهم قد بينا القول في ذلك ونحن منهم برآء.
* مسألة:
ومن سيرة الإمام المهنا بن جيفر، إلى معاذ بن حرب:
أما ما سألت عنه من أمر القدر، فإن القدر بحر عميق، وقد عطب فيه كثير من الخلق، وحاروا وتهوكوا فيه، والكلام فيه يدق ويكثر، حتى يكاد المتكلم فيه أن يتعاطى ما لم يأذن الله له، وقد اختلفت فيه الأمة وكثر اختلافها.
ولأهل العدل في ذلك قول جميل، وحجة واضحة، هداهم الله لها، ليقوموا بها على من خالف الحق، وضل عن سواء السبيل. (2/112)
صفحة 431
واعلم أن الأمة إنما ذهبت في القدر على وجهين، لم يجدوا غيرهما ثالثا، فقال قوم وهم القدرية: إن الله لم يخلق أفعال العباد، ولم يقدرها ولم يدبرها، ولم يخلق الكفر قبيحا، ولا الإيمان حسنا، ولا خلق تسبيح الملائكة المصطفين، ولا خلق طاعات المرسلين، ولا شيئا من أفعال المؤمنين، ولا الكافرين، ولا خلق ضرب الملائكة الكفار في النار بمقامع الحديد، ولا خلق شيئا من الأفعال غير الآدميين من الحيوان ومن الطير، والسباع والهوام، وجميع ما خلق الله مما يتحرك ويسكن باكتساب.
وقال المسلمون وهم أهل العدل والصواب: إن الله تعالى خلق الإيمان إيمانا حسنا، والكفر كفرا قبيحا، وخلق ما سوى ذلك من أفعال الملائكة والآدميين، من المطيعين والعاصين، والمؤمنين والكافرين، وخلق أفعال الحيوان أفعالا ممن كانت منه.
وقدر ذلك كله على ما كان عليه في جميع أموره من أوقاته وأقداره، وحسنه وقبيحه، ومن الدليل على ذلك قول الله في آيات محكمات غير متشابهات: {خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} وقوله: {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} وقوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.
وقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} وقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ} فقد علمت وعلم ذلك أولو الألباب أن منام العباد بالليل والنهار، وابتغاؤهم من فضله من أفعالهم، وقد أخبر أنهما من آياته، ولا يكون من تدبيره وخلقه.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
لعله أفيكون شيء من آياته، ولا يكون من خلقه. رجع.
وقال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} فهذا ما لا يقدر على (2/113)
صفحة 432
رده، ولا بدلهم من إقرار بأن النعاس من أفعال العباد، والله يخبر أنه هو يغشاهم إياه، لولا أنه غشاهم إياه ما تغشوا، ولا قدروا على ذلك.
فإن أقر القوم بأن الله خلق أفعال العباد والحيوان، فقد دخلوا في العدل، وإن أنكروا ذلك وزعموا أن الله لم يخلقها، ولا صنع له فيها، فقد زعموا أن مع الله خالقا غيره، وهذا ما نفاه وعابه على من قال به.
ومع ذلك لو أن قائلا قال: إن أفعال العباد خير من فعل الله، لكذب وعوقب، وأنت إذا نصصت هؤلاء السفهاء رأيت قولهم يرجع إلى هذا لأنهم يزعمون أن الصلاة من أفعال العباد، وخلقهم، وليست من فعل الله، ولا من خلقه، ويقرون أن الخنازير والقردة والكفار وإبليس من خلق الله وفعله.
وقد علم أولو الألباب أن الصلاة بالمؤمنين خير من الخنازير والقردة فصار فعل العباد وصنعهم خير من صنع الله وخلقه، فهل سمعت أعظم إفكا وافتراء على الله من هؤلاء السفهاء، وهم القدرية إلا من قال من قولهم، وافترى على الله.
واعلم أن الأشياء لا تكون إلا بإرادة الله لها، ومشيئته فيها، فكلّ إن كان كائنا، فقد شاء الله أن يكون على ما هو عليه، إن كان خيرا فقد أراد أن يكون خيرا ممن كان منه، وإن كان شرا فقد أراد الله ممن كان منه قبيحا.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
الذي عرفت أنه أراد أن يكون شرا ممن كان منه قبيحا إرادة في الشر والمعاصي والكفر. رجع.
ومن الدليل على أنه لا يكون إلا ما أراد قول الناس: ما شاء (2/114)
صفحة 433
الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وليس من شيء كان أو لم يكن إلا والله أراد لما كان أن يكون، ولما لم يكن أن لا يكون فمن وصف ربه بغير هذه الصفة، فقد افترى من العباد إثما عظيما، ووصف الله بغير صفته.
لأن من زعم أن الله أراد من العباد كلهم الإيمان فقد علمت، وعلم أهل العقل أن العباد كلهم لم يكن منهم الإيمان، وقد كان من بعضهم الكفر، فقد كان غير ما أراد الله من قولهم: أهل الجهل هم القدرية، فاسمع إلى صفتهم بأنه أراد أمرا فلم يكن ما أراد، فهذه صفة المغلوبين، المقهورين، المكرهين على خلاف ما أراد -نسخة- أرادوا.
ولأنك تعلم أن كل من أراد شيئا فلم يكن ما أراد، وكان خلاف ما أراد فقد غلب وأكره على خلاف ما أراد، فكفى بهذا من القول فحشا، بل جل ربنا عن هذه الصفة وعز وتكبر، أن يكون يريد شيئا فيكون غير ما يريد، بل هو المريد لجميع الأشياء.
واعلم أني كتبت إليك بجليل القول منا في القدر، ليتضح لك الأمر ويتشعب لك من هذا أصناف، وأبواب كثيرة، لا يمكن لنا شرحها في الكتاب، غير أنك قد عرفت ما بينت لك، ومذهبنا فيه، ولك في ذلك دلالة وكفاية.
ولم أذكر لك باب الاستطاعة قبل الفعل أو بعده أو معه، والحجج منافية بطول الباب وكثرته.
وقولنا: إن الاستطاعة غير المستطيع، وأنها تكون مع الفعل للفعل، وأن الله يحدثها كل وقت مع الفعل، ولا يكون إلا فعل واحد.
والاستطاعة معنا على ضربين: فمنها نعمة، ومنها بلية.
فأما النعمة فهي التي يعمل بها الطاعة. (2/115)
صفحة 434
وأما البلية فهي التي يعمل بها المعصية.
وباب الاستطاعة من أعز وأدق ما ذهب فيه المتكلمون في أمر القدر واختلافهم فيها كثير، وقد أوضحت لك جملة قولنا فيها، ولنا بحمل الله -لعله أراد- ولنا بحمد الله على ذلك برهان من الحجج لا يمكن لنا ذكر تكرير ذلك في الكتاب ثم الذي في سير المهنا بن جيفر.
* مسألة:
قيل: إن أبا حنيفة، هو النعمان بن ثابت، أراد الدخول على جعفر بن محمد، وإذا شاب قد خرج من جماعة من الشباب، فقال له أبو حنيفة: يا غلام الذنب ممن؟ من الله تعالى أم من الله ومن العبد أو من العبد؟
فقال له الغلام: إن كان من الله فليس من العدل والإنصاف أن يكون الذنب منه، ثم يعاقب عليه، وإن كان الذنب من الله ومن العبد، فقد أشرك فيه، وهو الشريك القوي يقدر على منع الشريك الضعيف، لكن الذنب من العبد، فإن عفا الله عنه فبفضل، وإن عاقبه فبعدل.
وانصرف الغلام مع الصبيان يلعب، فسأل أبو حنيفة عنه من هذا؟ فقيل له موسى بن جعفر أمير المؤمنين.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
قوله: إن الذنب من العبد، فالذنب من العبد اكتساب ومن الباري خلق، ولا يقال: اكتسب خلق الله، بل خلق الله كسبه. رجع.
* مسألة:
ومن بعض الآثار: اعلم أن الله تعالى لم يزل يعلم الأشياء، إذ وهي عدم لم يكن ولم يزل عالما بها في حال كونها، ولم يزل عالما بها (2/116)
صفحة 435
بعد كونها، ولم يزل عالما بها في حال فنائها، ولم يزل عالما بها بعد فنائها، ولم يزل عالما بها بعد إنشائها في الآخرة.
فإن سألوا: خلق الله الكفر والإيمان؟
فقل: نعم خلقها الله عملا من العباد، ولم يعملها على وجه ما عمله العباد، يزني ويسرق ويعصي، ولم يفعل الله ذلك على ما عملته العباد، ولكن الله خلق عملهم، فخلق المعصية والطاعة عملا من العباد، وكذلك كل شيء صنعه العباد وعملته، فالله خالق عملهم، وخلق الله لعملهم غير عملهم.
وإن سألك أحد عن الخير والشر: أهو من الله أم من العباد؟
فقل: الخير والإيمان من العباد بعون الله، لا يكون العبد عاملا بخير أبدا إلا والله على ذلك الخير عون، لا يكون عمل العبد عملا قبل عون الله، ولا يعين الله العبد قبل أن يعمل، وإنما يقع عون الله للعبد على الإيمان مع الإيمان في حال واحد.
ولا يكون الكفر والضلال أبدا إلا من العبد، ولا يعمل الكفر أبدا إلا وهو مخذول عن عون الله، والكفر منه، غير أن الله قد علم ما كائن من عمله -نسخة- علمه، فهو كان كما علم من غير أن يكون علم الله عملا لعلمه لم يعمل العبد.
ولا يكون الإيمان والكفر من أحد أبدا إلا وقد شاء الله أن يكون منهم ما علم أنه كائن منهم، وأحب أن يكون منهم، ورضي أن يكون منهم، ولم يحب الكفر ولا أهله، وأحب الإيمان وأهله، وأحب أن يكون الشيء ولا يحب المكون، كما أحب أن يكون إبليس، وكذلك أحب أن يكون الكفر، ولا يحب الكفر ولا الكافر.
وكلما شاء الله أن يكون فهو يحب أن يكون، ويرضى أن يكون، ويريد أن يكون، وقد لا يحب بعض ما أراد، ولا يرضى بعض ما أراده، (2/117)
صفحة 436
والحسنة من الله ومن العباد، والسيئة والضلالة من عند الله، والسيئة والضلالة من العباد، والضلالة من الشيطان، فكل لله فيه الملك والقدرة والخيرة.
فأما الحسنة التي هي من عند الله، فلطفه وعونه ودلالته، واختص بذلك أهل تقواه الذي سبق لهم في علمه، فالحمد لله على إنفاذ ما أراد وأمضى في علمه.
وأما الحسنة التي هي من العباد فأعمالهم في طاعة الله بما لطف لهم به.
وأما السيئة التي من عند الله، فالطبع منه والقسوة والران على القلوب لما هو كائن من أعمال العباد القبيحة لم يطلف الله ولم يعنهم، ولم يختر لهم مثل الذي يختار الله ولطف به لأهل طاعته.
وكذلك إن الله يختار لأهل طاعته رحمته وعونه ولم يبلغوها إلا بذلك منه، ويختار لأهل معصيته ضلاله وتركها لما علم الله منهم، ولم يبلغوا لذلك إلا بذلك.
وأما السيئة التي هي من العباد، فأعمالهم في معصية الله.
وأما الضلالة التي هي من إبليس فأمره ودعوته لمن أجابه.
ونخبركم أن الكفر إلا به يكون وهو العمل بالمعصية، وهو قبل تلك المعصية برئ من الكفر، والكفر خلق من الله، خلقه من العباد عملان وهو خلق محدث، لأن الله خالق كل شيء، فخلق الإيمان والكفر، ومن العباد عملا. (2/118)
صفحة 437
ومن غيره:
في قول الله تعالى: (كفروا بالحق لما جاءهم) وقوله: (كفروا بآياتنا) و (كذبوا بآياتنا) والكفر الذي يطول ذكره في القرآن، وهو كفر شرك، وكفر بالنعم، والكفر هو التغطية للحق والستر عليه، وإظهار خلافه، كا يقال: كفر فلان حقه: أنكره وجحده وغطاه، فالكفر التغطية، كما يقال: كافورة: النخلة تسمى كافورة تغطية الطلع من حين يخرج حتى يخرج.
فالكفر تغطية الحق، فغطوه وجحدوه فكفروا قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} يعني الإخلاص، وقال: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وقال: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} سليم من الذنوب.
وقوله تعالى: {ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً} في الإسلام، وقوله: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} إن طلبوا الصلح والمسالمة فاجنح لها، والإيمان من الإسلام، لأن الإيمان هو التصديق، والمؤمن هو المصدق، والمصدق هو المقر المعترف بالإسلام، والتصديق من الإيمان بالطاعة والعمل لله بما أمر، والإسلام والإخلاص كله واحد.
وفي قوله في يوسف: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا} بمصدق لنا، وقول الله: {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي بمصدقين، وقوله: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}، {وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} وهو التصديق بالطاعة والعمل بها.
وقوله: {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} معناه جزاء وافر في الجنة، وقوله: {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً} فالإنسان إما كافر كما قال تعالى: {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} فالإنسان كذلك لا يخرج من أحد هذين. (2/119)
صفحة 438
وأما قوله: {أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} فالمغفرة هي ستر الذنوب، كما يقال مغفرة على رأسه، إنما هو ستر رأسه بغطاء يغطى به، والمغفر ستر وغفران الذنوب سترها، كما قال لداود: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} سترنا ذنوبه، وقوله: {اسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} مثله مغفرتها لك وللمؤمنين أن يسترها ويغفرها لهم.
قال الشافعي:
ومن الدليل على القضاء وكونه ... نوس اللبيب وطيب عيش الأحمق
فالرزق يهجر باب عاقل قومه ... وتراه بوابا لباب الأخرق
* مسألة:
وسألت عن القدر، أهو مما يسع جهله أم لا؟
فأقول: إنه مما يسع جهله حتى يركب الجاهل به شيئا منه بقوله بالقدر مما يوجب على من ارتكبه الكفر، فإذا فعل ذلك لم يسعه جهله.
وإذا سمع من يقول: إن الله لم يخلق أفعال العباد، ومن يقول: إن الله لم يقدر على العباد ما عملوا، فلا يسعه ولاية من سمعه يقول هذه المقالة.
قال الخوارزمي:
شهدت بأن الله لم يعط قوة ... أخا قوة إلا ليقوى على بر
وأشهد أن الله لم يخلق امرأ ... ضعيف القوى إلا ليضعف عن شر (2/120)
صفحة 439
* مسألة:
في القدر في حفظ والدي، عن أبي عبد الله:
وصل كتابك تذكر أنه أوحشك قوم يقولون: إن الله أمر بالفواحش وجبر العباد عليها مع ما قد أغمض الناس فيه وأكثروا، وتسألني عن رأيي:
فلعمري يا أخي لقد حمل الناس على أنفسهم أمورا قد كان يسعهم الإيمان بجملها، والكف عن الأغماض فيها، والذي نقول يا أخي: الإيمان بالله، وبجملة ما في القرآن، وأن الله خالق كل شيء فقدره تقديرا، وأن الله عالم بكل شيء قبل أن يكون، وأنه لا يكون شيء إلا بعلم الله، وأن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين.
وأن الله أمرنا بالطاعة، فمن عمل بها فتلك نعمة من الله، ولله المنة في ذلك عليه، وأن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون فلم يأمر الله بالمعصية، بل نهى عنها وأبغضها وكرهها، فمن عمل بها فالله برئ منه، ولله الحجة عليه.
فهذه جملة الإيمان التي فيها السلامة لمن قال بها، ولا يسع العباد جهلها، فإن قال قائل: وجهل من القول في القدر سواها، رجوت أن لا يسأله الله عن ذلك، وما قصر فيه بصرك، وحرج عنه صدرك، فقل: ديني فيه دين المسلمين بلا شك منك في الله، ولا في الإسلام منك.
عرض هذا على محمد بن محبوب وقال: يكتفي من قال بما فيه، إلا أن يجيئه تفسير من المسلمين مما لم يوصف في هذا الكتاب، فليس له أن يرد عليهم. وفي الأحاديث:
قال ابن أبي يحي: كنت مع هارون الخليفة، وعند أبو يوسف القاضي فقال: ما يقول الناس في القدر؟ (2/121)
صفحة 440
فقال: أدركت الناس وهم لا يختلفون يقولون: إن الله تبارك وتعالى ابتدأ الخلق بالنعم، وجعل لهم السمع والأبصار، والأيدي والأرجل، والعقول، فلا يهتدي مهتد إلا بتوفيق من الله وتسديده، ولا يضل ضال إلا بحجة من الله، وتقديم إليه، فالمحسن معان والمسيء مخذول، وعلم الله سابق في الأشياء، لن يكلف الله نفسا إلا وسعها، وإلا ما آتاها كما قال في كتابه.
قال هارون: أشهد أن هذا هو الحق.
قيل: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى القلم بما يكون إلى أن تقوم الساعة.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
أليس أول ما خلق الله من الموجود القلم ولا اللوح، لأن اللوح والقلم محتاجين إلى الهوى، يلدنا فيه، فالهوى قبلهما حدث، لأن الناس اختلفوا في الهوى والزمان أنهما خلقا قبل. رجع.
قال: وبلغنا عن أبي الأسود الديلمي -لعله قال- فإن وقع في نفسي شيء في القدر فقلت حدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي.
قال: إن الله لو عذب أهل سمواته وأرضه عذبهم، وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أن لكلّ -لعله لك- مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وحتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
عن أبي الأسود الديلمي -نسخة- عن أبي الديلم قال: غدوت على عمران بن الحصين فقال لي: يا أبا الأسود ما يعمل الناس اليوم، (2/122)
صفحة 441
ويكذبون فيه، أشيء قضى عليهم، ومضى عليهم في قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، وأكدت عليهم الحجة؟
قال: قد قلت: بلى شيء قضى عليهم، ومضى عليهم.
قال: فقال عمران: هل يكون ذلك ظلما؟
ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت له: ليس شيء إلا خلق الله، وملك يده، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
فقال عمران: سددك الله، والله ما سألتك إلا ليحور عقلك أن رجلا من جهينة، أو من مزينة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ويكذبون فيه، أشيء قضى عليهم، ومضى عليهم في قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، وأكدت به عليهم الحجة؟
قال: بلى شيء قضى عليهم ومضى عليهم.
قال: يا رسول الله فلم يعملون إذن؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان خلقه لواحدة من المنزلتين فهمه لعملها، وتصديق ذلك في كتاب تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}».
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
إن صح الخبر فله تصاريف غير هذه المعاني، لأن هذا لا يأتي على أن الطاعة والمعصية كلهما نسبهما وابتداؤهما من البارين كالمجبورين عليهما، إذ كان الباري ألهم الخلق العمل بالكفر، فالكفر إذن من الباري، وإذا كان من الباري فكيف يعذب على شيء ابتداؤه منه؟ (2/123)
صفحة 442
ولكن قول الله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} بين لهم ما فيه النجاة والهلاك، فإذا عمل العبد بالطاعة كان ذلك بعون الله وتوفيقه ومنته، وإذا عمل بالمعصية كان ذلك بعلم الله وحجته على العبد، حيث قد تقدم الباري إليه بهذا التبيين الذي بينه الله تعالى له، وهو الهدى الذي هو هدى البيان، لا هدى السعادة بل هدى البيان.
الذي قال الله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} قول الله قد هدى الخلق كلهم هدى البيان، وأن كلا منهم يعمل باختيار نفسه لما يعمل من كفر وإيمان، فهذا هو الموافق لقول الله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي بين لها لما فيه فجورها وتقواها.
فإن كان هذا يعني ألهمه -نسخة- أفهمه للفجور، لعمله فعمله، فلا يصح ذلك، وإن كان ألهمه بأن بين له أن هذا فجورها، وهذا تقواها ليكون على بينة من أمره، لكن إذا عمل بأيهما باختياره، جوزي بما يعمل، فهذا مذهب المسلمين، وغير هذا لا يصح على مذهبهم. رجع.
* مسألة:
وجدت هذا في كتاب هكذا وجدت مكتوبا:
اختلاف الناس في أفعال العباد مخلوقة أو غير مخلوقة:
فقال أهل القدر بأجمعهم: إن أفعال العباد ليست مخلوقة، وإن الأمر فيها إليهم، يملكون أعمالهم، وينشئون أفعالهم، وإن الله عز وجل لم يخلق أفعال المؤمنين، ولا سلم المسلمين، ولا قبول نبوة النبيين، ولا تسبيح الملائكة، ولا صوت الرعد.
ولا فتح خزنة الجنة أبواب الجنة، ولا حركات أهل الجنة ولتذذهم، ولا حركات أهل النار وتصرفهم، ولا طيران طير، ولا دبيب ذر، ولا حركة بهيمة. (2/124)
صفحة 443
وأن الله عز وجل لم يخلق من ذلك شيئا، وأن الأمر في ذلك إليهم، ينشئون كما أرادوا، ويفعلون الأمور، فجعلوا التدبير لاثنين: الله منفرد بفعله، والخلق منفردون بأفعالهم، لا يوصف الله بالقدرة على فعل هذا، ولا هذا يوصف بالقدرة على فعل هذا كما قالت الثنوية: إن العالم نور وظلام.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
لعله أراد أن العالم من نور وظلام. رجع.
فما كان من خير فهو فعل النور، وما كان من شر فهو فعل الظلمة، وكذلك قالت المجوس: إن هرمز هزم الذين يعبدونه قديم، وأنه يفعل الخير، ولا يجوز عليه فعل الشر، وأن الشيطان محدث، ولا يفعل الخير ويفعل الشر. رجع.
ولا يجوز أن يفعل شيئا من الخير، وصيروا التدبير لاثنين كما قالت الثنوية والقدرية، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فإن سأل سائل فقال: أخبروني ما الدليل على أن الفعل مخلوق؟ وما الدليل على أن أفعال العباد مخلوقة؟
قيل له: الدليل على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع الأمة، واللغة.
فإن قال: ما الدليل على ذلك من كتاب الله؟
قيل له: قول الله عز وجل: {أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}.
فإن قال: فما أنكرت أن تكون هذه الآية خاصة وليست بعامة مثل (2/125)
صفحة 444
قول الله تعالى: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ}، {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ}؟
قيل له: فإن جميع ما في كتاب الله خاص فهو مجمع عليه أنه خاص مثل قوله: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} فقد علمنا أنه لم يفتح عليهم أبواب الجنة، ولا أبواب عطاياه وخزائنه التي أعطاها الملائكة، وما يقدر عليه أكثر مما وصفنا، فقد أجمعت الأمة أن هذا خاص، ولو كان ذلك خاصا لأجمعوا عليه، وكانت اللغة فيه موجودة، فلما لم يجمعوا ولم يكن فيه آية جاءت من القرآن والآثار والسنة ما يؤكده، علمنا أنه خاص.
فإن قال: وما ذلك الدليل الذي أكده؟
قيل له: قول الله عز وجل: {خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} وقال الله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} فكان مخرجهما مخرجا واحدا في العموم، ولو جاز أن يكون واحد منهما خاص، جاز الآخر أن يكون مثله، ومما يؤكده قول الناس، وإجماع الأمة: لا إله إلا الله، ومعنى إله معنا: خالق، ولو جاز أن يكون خالق غير الله، لجاز أن يكون إله غير الله.
وسئل علي بن أبي طالب عن أفعال العباد؟
فقال: هي من الله خلق، ومن العباد فعل.
وسئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن أفعال العباد؟
فقال: الله خالق كل شيء، فمتى نقض ذلك كان في رده، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القدرية مجوس هذه الأمة» لاشتباه قولهم بقول المجوس. (2/126)
صفحة 445
يقال لهم: أخبروني عن الإسلام فعل من هو؟
فإن قالوا فعل العباد، قيل: فتقولون إن الله رب الإسلام؟ فإن قالوا: نعم فهو رب ما يخلق فإن قالوا ...
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
لم أجد للمسألة جوابا في لفظها غلط، ولعل المسألة فيما أراد أنه يقال لهم: أخبرونا عن الإسلام من فعل من هو؟
فإن قالوا: فعل العباد.
قيل لهم: أفتقولون إن الله رب الإسلام؟
فإن قالوا: نعم.
قيل لهم: هو رب ما لا يخلق، أو قيل لهم: أفيكون رب شيء ولا يخلقه، فهذا ما يخرج عندي على سبيل مذهب المسلمين. رجع.
* مسألة:
وسئل أصحاب القدر: ما أراد الله لعباده بالتفويض، أراد بهم الخير، أم أراد بهم الشر؟
فإن قالوا: أراد بهم الخير بالتفويض.
فقل: الله أقدر على ما أراد الخير لعباده بالتفويض أم الله -لعله- أم العباد أقدر على ما أرادوا لأنفسهم بالتفويض.
فإن قالوا: الله أقدر.
فقد انتقض قولهم: إن الله أراد أن يهتدوا جميعا من قبل التفويض (2/127)
صفحة 446
ونفذت إرادتهم فيما أرادوا لأنفسهم، وهو أقدر على إرادته بهم منهم على ما أرادوا بأنفسهم.
وإن زعموا أن العباد أقدر على ما أرادوا بأنفسهم بالتفويض من الله، فقد كفروا وافتروا إثما عظيما وقالوا: إذن من القول منكرا وزروا.
وإن زعموا أن خلقه وعبيده أقدر على ما أرادوا بأنفسهم من الله على ما أراد بهم.
فصل
خطب زياد فقال: إن الله قد جعل لعباده عقولا عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته، والناس من محسن بنعمة الله عليه، ومسيء بخذلان الله إياه، ولله النعمة على المحسن، والحجة على المسيء.
فما أحق من تمت نعمة الله عليه في نفسه، ورأى العبرة في غيره، بأن يضع الدنيا بحيث وضعها الله، إن الدنيا دار فناء، ولابد من لقاء الله، وأحذركم الله الذي حذركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أجر العجزة حتى صاروا إلى دار ليست لهم منها أوبة، ولا يقدرون فيها على توبة، وأنا أستحلف الله عليكم وفيكم.
وقال معين بن معين: فيما أحسبك (2/128)
صفحة 447
يا لها من ندامة لو أفادت ... فرحا في مواقف التفنيد
حسرة المجرمين من أعظم خطبا ... حين لم يعلموا بفرض الحدود
كان تفريطهم وبالا عليهم ... إذ شروا باخسا بيوم السعود
دلني باعترافهم بالمعاصي ... إنها من أفعال عبد مريد
ليس في العدل عدل نفس على ما ... كان من غيرها فهل من مفيد
ليس علم الإله فينا بمغوٍ ... لا ولا مكرها لفعل الكنود
حجج الحق واضحات علينا ... برسالات ربنا المحمود
فبتوفيقه اهتديت لرشدي ... وبربي أعوذ من معهودي
إن عفا سيدي فعن جرم عبد ... في هبوطه وتوبة وصعود
كل حكم لله في الخلق عدل ... برئ الله من ذنوب العبيد
غير أني أنا الفقير إليه ... في قيامي ومنهضي وقعودي
ما على العبد غير أمر ونهي ... فهما حجة على المكدود
إن في الأمر منه والنهي خطبا ... فيه تبيان كل أمر وطيد (2/129)
صفحة 448
ومن الزيادة المضافة قال المضيف:
وجدت في بعض الكتب هذه الأبيات:
لم تخل أفعالنا اللاتي نذم بها ... إحدى ثلاث خصال حين نأتيها
أما تفرد مولانا لصنعتها ... فادفع اللوم عنا حين فاتيها
خبر:
قال عيسى بن هشام: دخلت فرسان البصرة ومعي أبو داود المتكلم فنظرت إلى مجنون تأخذني عينه وتدعه فقال: إن صدق الظن فأنتم غرباء!
فقلت: إنا كذلك.
فقال: من القوم لله أبوهم.
فقلت: أنا عيسى بن هشام، وهذا أبو داود المتكلم.
فقال: العسكري؟
فقلت: نعم.
فقال: شاهت البلدة وأهلها، إن الخيرة لله لا لعبده، والأمور بحمد الله لا بحمده، وأنتم يا مجوس هذه الأمة تعيشون خيرا، وتموتون صبرا، وتساقون إلى القدر قهرا، ولو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم.
ألا تنتصفون إن كان الأمر كما تصفون، وتقولون: قاضي الظلم (2/130)
صفحة 449
ظالم، أفلا تقولون قاضي الهلاك هالك! أتعلمون أنكم أخبث من إبليس ذنبا، قال: رب بما أغويتني، فآمن وكفرتم، وأقر وأنكرتم، وقلتم خبر وأخبار، وكلاما لممتار لا ينعج بطنه، ولا يرمي من خالف ابنه، ولا يفقأ عينه.
فهل الإكراه إلا ما تراه، والإكراه مرة بالمرة، وتارة بالدرة، فليحزيكم أن القرآن ليعظكم، أن الحديث يغبطكم إذا سمعتم من يظلل الله فلا هادي له ألحدتم، وإذا سمعتم عرضت عليّ الجنة حتى هممت أن أقطف ثمارها، وعرضت عليّ النار حتى أيقنت حرها بيدي أنغضتم رؤوسكم، ولويتم أعناقكم.
فإن قيل: عذاب القبر طيدتم، وإن قيل: قيامة تغامزتم، وإن ذكر الكتاب قلتم من القدر دفناه، وإن ذكر الميزان قلتم من الفزع كعتاه.
يا أعداء الكتاب والحديث بماذا تطّيرون! أبالله وآياته تستهزئون، إنها مرقت مارقة، فكانت حيث الحديث، ثم مرقتم منها قلتم أخبث الخبيث، يا مخابيث الخوارج ترون رأيهم إلا القتال.
وأنت يا ابن هشام تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض وسمعت أنك افترشت منهم شيطانه، ألم ينهك الله أن تتخذ منهم بطانة، هلا تخيرت لنطفتك، ونظرت لعقبك؟
اللهم أبدلني بهؤلاء خيرا منهم، وأشهدني ملائكتك.
قال عيسى: فبقيت وبقي أبو داود لا يحير جوابا، ورجعنا عنه بشر وإني أعرف انكسارا في أبي داود حتى افترقنا، فقلت لأبي داود: فما الذي أراد بالشيطان؟
قال: لا والله ما أدري، غير أني هممت أن أخطب إلى أحدهم، ولم أحدث بما هممت، فو الله لا أفعل ذلك أبدا. (2/131)
صفحة 450
* مسألة:
ومن جواب الإمام المهنا بن جيفر، إلى معاذ بن حرب:
وأما ما ذكرت من معرفة التوحيد وصفته فمن قولنا: إن الله واحد لم يزل ولا يزال إلى غير غاية ولا نهاية، وأنه صانع الأشياء وفاطرها، ومنشئها كما يشاء، وهو الإله، والخلق مألوهون ليس له شريك في صنعه، ولا ضدّ له في ملكه، ولا شبه له ولا ند، ولا صاحبة ولا ولد، وأنه محيط بالأشياء وناظر إليها، ومطلع عليها، ولا تحيط به أقطارها، ولا تدركه أبصارها في الدنيا ولا في الآخرة.
ولا هو إلى شيء بأقرب منها إلى شيء لا يستعين ساطع الضياء على الإحاطة بالأشياء، ولا تحجبه ظلم الدجى عن درك ما تحت الثرى، يدرك الأصوات وإن كثرت بلا إصغاء منه إليها، ولا استماع منه إليها، ويرى الأشياء بلا لحظ منه لها، ولا جنوح الحاج منه إليها، سبحانه عن ذلك وعز أن يقع عليه التوهم، أو يدركه التوسم، نصفه بما وصف به نفسه في كتابه، ولا نجاوز ذلك ولا نعدوه بتحديد، ولا تنعيض ولا تقدير، ولا تصوير.
وقد قال قوم: إن الله تعالى تدركه الأبصار في الآخرة، وذلك ما هم فيه على الله كاذبون، والحجة عليهم في إنفاء ذلك عن الله قوية من المسلمين، نحمد الله، وذلك أنا نقول لهم: أخبرونا عن الله تبارك وتعالى، هل نفى عز وجل أن تدركه الأبصار في الدنيا، فلابد لهم من مجامعتنا.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
على قول نعم فنقول لهم: إن عزة الله وجلاله دائمة غير زائلة في الدنيا ولا في الآخرة. (2/132)
صفحة 451
فإن زعموا أن العز يذهب عن الله في الآخرة، فهذا ما تجهله القلوب ومن قبل هذه الجهة فسد عليهم قولهم، وتعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
ومن صفتنا لتوحيد الله تبارك وتعالى أنه يفعل ما يشاء، ولا يفعل ما يشاء سواه، وما أراد فهو كائن، وما لم يرد فغير كائن، فمن وصف بصفته -لعله بغير- وتأول في صفته كتاب الله تعالى، فأخطأه وذلك مثل قول من قال: إن الله واحد، غير أن له يمينا، وتأول قول الله تعالى: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}.
فإنا نقول: إنهن مطويات بقدرته، ولا نحد لله يمينا فنكون هنالك ننسبه بتشبيه، وذلك في نحو مثل قوله: {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} يقول قادر عليها يصرفها حيث يشاء، لا يجوز أن نقول -نسخة- يقال آخذ بناصيتها أن نصف فنقول: قابض عليها تعالى عن مماسته الأشياء.
فلما فسد هذا علمنا أنه من حد الله ووصفه أن له يدا محدودة، وأشباه ذلك من زعمهم، أن الله تدركه الأبصار في الآخرة، واحتجوا بقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وليس ذلك بالنظر إليه، ولكن تنتظر ثوابه ورحمته.
قال الناظر في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} من النضارة وهو الحسن، وهي بالضاد {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} أي منتظرة إلى ثواب ربها وهو بالظاء، والله أعلم.
وهم عندنا بقولهم هذا كفار نعمة، لا كفر شرك، حتى يتوبوا، والكفر عندنا كفران: كفر جحود، وكفر نعمة.
فأما كفر الجحود: فهو الكفر بالتنزيل.
وأما كفر النعمة: فهو الخطأ في التأويل، مما نصبه الناس دينا، (2/133)
صفحة 452
ودعوا الخلق إلى مخالفته، فهم عندنا بذلك ضلال هالكون، إلا أن يتوبوا ويرجعوا إلى الحق.
ومن غيره:
الشرك من أشرك بالله شيئا، قال الله تعالى: {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} لا تجعل له شريكا، وقال تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} فالشرك بالله يحبط العمل، والمشرك بالله من جعل معه شريكا، فقد أشرك به غيره مما لم يأذن له به، فقال: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ}.
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} فلهم النار بشركهم وبكفرهم، والآي كثيرة في معنى الشرك والكافر، والجاحد بحق الله، كما أن من جحد حقا يجب عليه أن يسمى جاحداً، والجاحد خارج من جملة المعترف وحكم المطيع.
ومن جحد شيئا كفر به، ومن جحده وكفر به أشرك به غيره، إذا جعل غيره سواء مثله، والجاحد المنكر لله وللرسول مشرك به، خارج من الإيمان، لجحدانه إياه، وإنكاره له، والملحد هو الخارج إلى جانب من الشيء خارج منه بظلمه، قال الله تعالى في البيت: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} خارج من الحق بظلمه في ناحية.
والفاسق: هو الذي قد فسق بفعله، وخرج من دخوله فيما أقر بفسقه، كما يقال: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرتها.
والعاصي: هو من خالف ما أمر به، ومن خالف سيده فيما يأمره به عاص له، قال الله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} استوجب العذاب ونار جهنم بمعصيته. (2/134)
صفحة 453
وقال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} فأوجب لهم الجنة بالطاعة له ولرسوله، وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي شرك، {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
والظلم ظلمان: كفر وكيد، ظلم جحود، وظلم كفر، وقد قال تعالى: {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً}، {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}، {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}.
والنور هو الهدى والبيان، قال الله تعالى: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ} أي يهدي للحق من شاء، وقال تعالى: {نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا} والنور الهدى والبيان، والإيمان نور في قلب المؤمن، والكفر ظلم في قلب الكافر.
وقال في المنافقين: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} والنفاق مأخوذ اسمه من جحر الضب يسمى نفقا، يدخل فيه من جانب، ويخرج من جانب آخر، كذلك المنافق يدخل الإسلام بقوله، ويخرج منه بنيته وفعله، وقد قال الله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً} أي خبثا إلى خبثهم {وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ}.
وقال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} جعل لهم النار بنفاقهم، وقال: {إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} وقد سمى الله المشرك والكافر فاسقا بقوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} وقال: إبليس كان من الكافرين.
والنزول منه خلق، قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} وقوله: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} وقوله: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} هذا ومثله خلق. (2/135)
صفحة 454
وقوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ}، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} وقال: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} غير خلق، لأن كلام الله غير كلام المخلوقين، ولا نشبهه بخلقه في شيء من الأمور.
وأما قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} معناه أنه تعالى يبين لهم، ويعرفهم ما يتقون، ويخبرهم فيتركوا ما يبين لهم، ويأخذون بغيره، ويتبعون غير ما حد لهم، وبين لهم، فضلوا بذلك عن طريق الحق الذي بين لهم.
فتركهم تبيينهم على مخالفة الحق فلم يتبعوا الطريق، فصاروا ضلالا كما قال: {فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} ألا ترى أن الذي يأخذ غير الطريق في اللغة يقول: ضللت وعميت وغويت عن القصد الذي أردت.
والإغواء منه قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} جنبني، قد سمى الذي يأخذ غير الطريق المعروف ضل، أو ضال أو غوى، يقول عمى عن القصد الذي ينال به السعادة والثواب.
والخذلان: هو من خذل عن الحق، سمى مخذولا ولم ينصر على فعله، مخذول متروك من النصر، ألا ترى أن من كان يطمع أن ينال شيئا فلم يصله فضل سمي خذلا، ومن لم يكن له ناصر، سمي مخذولا، أي خذلوه تركوا نصرته فخذل، لم ينصر.
والنصر: إنما هو من الله على الطاعة، سمي نصرا منه، أعانهم وأرشدهم وبين لهم فعلموا فسمي نصرا منه.
وتوفيق: هو إصابة الحق، والمراد الذي قصدوه، ألا ترى أن من أراد أمرا فوجده في السرعة، ولقيه يقول: وفق لي موفق ملقى، ويقال: أنفق أصاب، يقال وفقت إذا أصاب الصواب في الأمر بعينه، وإذا لم يصب يقال أخطأ وضل، وعمي وغوى ولم يهتد، وقد نزل النصر. (2/136)
صفحة 455
كل هذا تجري به اللغة والعادة مجرى ذلك طريق واحدة، ومجرى التوفيق والهدى والبيان والسداد، والأفضل والمراد طريق واحدة، فطريق إصابة الحق هدى إلى السعادة، وطريق العمى إصابة الضلال والاتباع لغير البيان، والغواء والخذلان طريق الأشقياء شقوا لم يصيبوا أمرهم.
ومما يوجد أنه عن أبي الحسن علي بن محمد: وسألته عن المعدوم، هل يقع عليه اسم شيء؟
قال: المعدوم على ضربين: يكون ولا يكون، فما لا يكون فلا حظ للنظر فيه، ولا أعلم أنه يقع عليه شيء من الأسماء.
وأما ما يكون فإنه ينقسم على قسمين: معاد ومبتدأ، فما وقعت عليه اللغة منها وصفا فلا قياس فيه، وما كان اللغة فحيث كانت كان الاسم لها صحيحا بصحة التمييز، وهما عرض وجوهر، لا ينفك أحدهما من صاحبه، ومحال وجوده إلا به، فهما مع العيان مشاهدان في الأوهام، موجودان، ودليلان صادقان، وشاهدان على أنفسهما أنهما محدثان فيما جعله.
قلت: فالاسم صفة أم جوهر؟
قال: أما من يقول إن الاسم هو المسمى به، وأن اسم الشيء هو الشيء لا غيره، لأنه لا يخرج إلا أنه جوهر وعرض ملازم له، وهذا لا يصح إلا في الأجسام المؤلفة.
وأما من يقول: إن الاسم غير المسمى، فهو عرض وهو صفة للموصوف من الواصف له، وليس هي هو. (2/137)
صفحة 456
وأما من زعم أن اسم الشيء لا هو ولا غيره، فيقول: إنها صفة لشيء لا هي هو ولا غيره.
قلت: وهل يجوز أن يكون الشيء ولا يسمى؟
قال: لا، لأن الأسماء لا تعرف إلا بمسمياتها، والموصوف بالشيء يسمى به، والاسم صفة.
وإذا قلت شيء وصفت شيئا إلا ما اختلف الناس في صفة الله تعالى، فبعض قال: إن الله تعالى ليس بمسمى، وهذا القول ما لا يصح مع أصحابنا، لأن قول القائل: الله واسم الله، فقد سماه ووصفه.
قلت له: وإذا لم يجز أن الشيء مسمى، فالاسم هو أم غيره؟
فقد مضى الجواب من كتابي في أول المسألة، وقد قلت: إن منهم من قال إن اسم الشيء لا هو ولا غيره.
وقال آخرون: إن الاسم صفة له وهو غيره.
وقال آخرون: إن اسم الشيء هو أن الوصف للشيء لا يقع إلا عليه، وإذا كان لا يقع إلا عليه كان هو.
واحتج بقول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
فذكر الاسم وأراد المسمى.
قلت: فإذا كان غيره فهو عبارة عنه؟
قال: أما على قول من يقول: إن الاسم غير المسمى، وإنما هو (2/138)
صفحة 457
تعريف له ووصف يدل عليه من الواصف له في حال صفته له، فإنما هو تعبير عن صفته ودلالة عليه، وهو كلام من المتكلم أنه محدث.
قلت: أسماء البلدان محدثة أو قديمة؟
قال: الأشياء كلها محدثة الأسماء وغيرها من البلدان، القديم هو الله المسمي لهذه الأشياء كلها، تعالى الله عن الأشياء.
وأما صفة الواصف باسم البلد في حال صفته له محدث اللفظ، فذلك للاسم، وقد يوصف بأنه قديم لقدم متناه لا في وقت الوصف من الواصف له، وقد يوصف الشيء بالقديم والاسم، يقال: هذا بلد قديم، والقديم في اللغة تقع على من خلاله سنة إلى أكثر سمي قديما إلى قدم متناه يولى -لعله- يؤول تقدمه إلى الفساد.
وأما صفة الواصف باسم البلد فهو من المتكلم محدثه في حال لفظه لا بعد ذلك ولا قبله.
وقد يقال: هذا إفك قديم، وملك قديم، والعرجون القديم، وشيء قديم قدم متناه، وإنما هي حقيقة الواصف للقديم، الذي لم يزل إلى غير غاية ولا نهاية، تعالى الله عن الأشباه.
تدبر ما كتبت به إليك، وأجبتك به، فإن تبين لك غلط من قولي، ومخالفته لشيء من الحق، فأنا تائب إلى الله من ذلك، لأني ضعيف النظر والمعرفة، ولا آمن الغلط والخطأ، ولا توفيق أبدا إلا بالله، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم.
* مسألة:
قال أبو سفيان: قال أبو محمد المهدي، وكان من أفاضل المسلمين، لا يذكر الحسن في شيء من القدر، فإني عاينته فيه؟ (2/139)
صفحة 458
فقال: معاذ الله أن أقول ذلك إنما أفسد علي قلبي، وأضل أياما كنت مستخفيا عنده.
وأما إن كان أقول بالقدر، فمعاذ الله، وكان أبو محمد يقول: هذا أبعد الناس من القدر.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
أظن عن أبي سعيد:
وقلت: وإن قال: خلق الله العباد للطاعة أم المعصية أم لا لهذا ولهذا؟
فقال: إن الله خلق العباد للطاعة لا للمعصية، كذلك قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} والمعنى في ذلك أنه ليأمرهم بعبادته وطاعته، ولم يخلقهم ليعصوه ولا ليعبدوا غيره، جل الله وعز عن ذلك.
قلت له: فإن قال خلق الله القوة للعبد للطاعة أم المعصية؟
فمعي أنه يقال له: إنه خلق القوة للعبد للطاعة لا للمعصية، كما خلقه للعبد للطاعة لا للمعصية، على معنى الأمر والنهي.
قلت: فإن خلقها فيه للطاعة فعصى، أليس قد أتى بما لم يقوه الله من فعل نفسه، فهذا استطاع خلاف ما جعل الله فيه، فالجواب له؟
فمعي أنه من الجواب له أنه لم يفعل ما جعل الله فيه، ولكن فعل ما لم يجعل الله له، وجعل الله له، غير جعل الله فيه، وإنما فعل ما فعل (2/140)
صفحة 459
بما جعله الله فيه من الجوارح التي بها عصى، وفعل ما لم يجعل الله له، فافهم معاني جعل الله له من جعل الله فيه.
قلت: فإن قال: القوة التي يواقع بها العبد المعصية أهي من خلق الله وتركيبه؟
فمعي أن القوة من خلق الله تبارك وتعالى، وتركيبه في العبد التي جعلها ليطيعه بها فعصاه.
* مسألة:
ومن غير الكتاب والزيادة:
موجود بخط الشيخ العالم أبي القاسم بن محمد بن أحمد بيده: فإن قال قائل: لم خلق الله الخلق لأي حكمة خلقهم، ولأي حكمة رزقهم، ولأي حكمة أماتهم، ولأي حكمة بعثهم، ولأي حكمة حاسبهم، ولأي حكمة غفر لهم؟
الجواب:
خلقهم ليظهر ضعفهم، ورزقهم ليظهر كرمه، وأماتهم ليظهر سلطانه، وبعثهم ليظهر قدرته وحاسبهم ليظهر عدله، وغفر لهم ليظهر عفوه، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.
* مسألة:
أحسب عن أبي سعيد:
وقلت: هل يجوز أن يقول: إن الله قضى على الكافرين النار؟ (2/141)
صفحة 460
فمعي أنه يجوز.
قلت: وإذا قال: إذا كان يجوز هذا اللفظ فما معناه؟
فمعي أنه من معناه أنه شاءه، وأراد أن تكون لهم النار، وما شاء وأراد فهو كائن ما شاء وأراد.
قلت: وكذلك هل يجوز أن يقال: إن الله قضى لأهل الجنة بالجنة، وما معنى ذلك؟
فمعي أنه يجوز، ومعناه عندي ما ذكرت لك.
قلت: وإن قال قائل: ما معنى قول الله تبارك وتعالى: {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} أكان قد قضى، أم قضى لولدها؟
فالله أعلم، ومعي أنه قضى عليها وعلى ولدها، واعلم أن الناس داء. (2/142)
صفحة 461
باب
في دعاء الله عز وجل
ومن جامع أبي محمد:
المسألة لله، والدعاء فريضة، لقول الله جل ذكره: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}.
وقال جل ذكره: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.
وقال جل ذكره: {وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}.
وقال عز اسمه: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ففيما تلونا من آيات الله من القرآن يدل على ما قلناه، وعلى فضل الدعاء وكبر منزلته، وعلى أن الإجابة فيه مضمونة إذا وقع على الوجه المرغب فيه، دون المحظور منه، لأن ما لا يجوز ليس يقع به الضمان بإجابته، لأنه ليس في الحكمة أن يقول للناس: سلوني ما لا يجوز أن أجيبكم إليه، لأن ذلك يقع على غير فعل الحكيم.
ويدل على ذلك أيضا ما يعرفه الناس من مسألة العبد ربه الرحمة والغفران عند حادث يحدث به، لا يأمن أن يكون عقابا يحدث، وعند توبته من ذنب قد سلف منه، فإن الدعاء في مثل هذا وأشباهه، قد يلزم فعله، ولا يجوز تركه، لأن المسلمين جميعا يعيبون على من أعرض عن ذلك ولم يفرغ إليه. (2/143)
صفحة 462
واختلف الناس في الدعاء فقال قوم: الواجب أن يدعو الإنسان، ويكون سؤاله مقيدا في العقد، والضمير بشريطة حكم الله فيه، وما هو أعلم به من حق تدبيره لئلا يقع دعاؤه موقع الاعتراض على ربه، والحكم عليه، لأن العبد هو المربون فلا حكم له على سيده فيما هو أملك به، وأعلم بوجهه منه.
وقال قوم: قد يحسن إظهار ما يضمر من ذلك في أمور، ولا يحسن في أمور أخرى، وذلك كقول القائل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وأغنني ما كان الغنى خيرا لي، وهذا لعمري سائغ في الدعاء والمسألة.
وعندي أنه لو أفرد الدعاء، والمسألة بالحياة والغنى بغير إظهار شرط الخبر، كان جائزا إذا كان عقده وضميره ما يدعو المسلمون.
* مسألة:
وعمن عجز عن دين ربه، فسأل ربه الموت، فهذا لا يجوز أيضا، لأنا عرفنا أن المؤمن لا يجوز له أن يدعو على نفسه بالموت، والدليل على ذلك ما جاءت به الأخبار: «لا يدعو أحدكم بالموت فإن المؤمن لا يزداد إلا خيرا وإيمانا».
وقال قوم: الدعاء والمسألة لا يحتاج معهما إلى ضمير يعتقده، ولا يشترط معها ولا إظهار ذلك أيضا لأن موضع الدعاء هو على ذلك، ولا وجه لاشتراط الدعاء فيه بإظهار اللفظ، ولا بعقده بضمير.
وعندي أنه يجب إذا دعا ربه، وسأله أن يفقره أو يميته أو نحو هذا، فلابد له من إظهار الاشتراط بأن يقول: ما كان الفقر خيرا لي في ديني، وما كان الموت أنفع لي من الحياة، ولا يرسل المسألة في مثل هذا إرسالا، والله أعلم. (2/144)
صفحة 463
لأن من لم يشترط في مثل هذا الموضع، خرج دعاؤه مخرج السخط والاستصغار لنعم الله عليه، ولا ينبغي للعبد أن يسأل ربه إلا ما يكون بدعائه مطيعا.
ولا يجوز أن يسأل ربه ما لو فعله لم يكن فعله خروجا عن الحكمة، وذلك مثل قولهم: اللهم أحي لي من أمت من أهل وقرابتي قبل يوم القيامة، وأرجعهم إلى الدنيا، واجعل مدة عمري ألف سنة، وهب لي ملكا مثل ملك سليمان النبي عليه السلام.
ولو فعل هذا، أو دعا به كان جاهلا متحكما على الله تعالى، وخروجا عن حد مسألة المتهيب الخاضع إلى حد مسألة المتحكم الملزم، وليس من مسألة العبد لسيده في شيء، وإنما يجري مجرى الأمر، والإلزام وإيجاب الفروض.
والمسألة وإن كان لفظها لفظ الأمر، فإنها تتصل بما يطلق به اسم الأمر بما يجامعها من القصد والإرادة والخضوع، والاستكانة والتواضع، ونفي الألفة، ولهذا لم يجز أن يقال: إن العباد يأمرون الله وينهونه بدعائهم له، ومسألتهم إياه.
وقد ذهب بعض المعتزلة على أن الأمر والمسألة يقعان على حد واحد، فزعموا أنه لم يسم دعاء الله ومسألته أمرا، استعظاما لله تعالى، فكأنهم ذهبوا إلى أن قائلا لو قال ذلك لم يكن مخطئا، ولسنا نذهب إلى ذلك، بل الذي نختاره إنما نطلق له اسم المسألة، والدعاء يقع على غير حد الأمر والنهي.
ووجدت بعض من يتخصص بالنحو، يذكر أن لفظ الأمر والنهي على وجهين: فما كان لمن هو دونك فهو أمر ونهي، وما كان لمن هو فوقك فهو مسألة. (2/145)
صفحة 464
وقال بعضهم: وما كان الله فهو دعاء، كأنه يذهب إلى أن يسأل الله عز وجل أن يفعله، فهو وإن كان مسألة، فهو دعاء أيضا، وأن مسألة الله عز وجل تخص بهذه الصفة، وتقدر بها، وهذا وجه شائع ألا ترى أنك تقول: دعوت الله بكذا، غير قولك: دعوت فلانا إلى كذا.
وأما مسألة الله للعبد، فهو عندي، والله أعلم، أنها للترفق والاستعطاف، والدلالة على موقع الحض مثل قوله تعالى: {وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا} وقوله تعالى: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ}.
ودعاء العبد ربه، فهي مسألة الخاضع المستكين، ومن هذا ونحوه لم يجز أن يدعو داع فيقول: يا رب لا تجور عليّ ولا تظلمني، وإن كان معلوما أن الله لا يفعل شيئا من ذلك، لأن هذا اللفظ وما شاكله يخرج عن حد خطاب التعظيم والهيبة والإجلال.
فمن أجل ذلك لم يجز هذا وشبهه في دعاء الله تعالى، وجاز أن يقال: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا} وإن كان من حكم الله أنه لا يحمل أحدا ما لا طاعة له به إذا كان هذا كلاما يدل على الخضوع والاستكانة، وعلى الانقياد وليس من الأول في شيء.
وكل شيء سأله السائل ربه أن يفعله، فهو عندي على ضربين: أحدهما شيء من حكم الله أن يفعله دعا به الداعي أو لم يدع به، وشيء من حكم الله ألا يفعله إلا بعد دعاء، فأما المعنى الذي من حكمه أن يفعله دعا به الداعي أو لم يدع به، فكالذي حكاه الله عز وجل من دعاء ملائكته وسؤالهم إياه، واستغفارهم للمؤمنين {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}.
وقد علما أن الله تعالى يدخل المؤمنين الجنة، وأنه يغفر للذين تابوا، دعا بذلك داع أو لم يدع. (2/146)
صفحة 465
وأما الضرب الذي ليس من حكم الله أن يفعله إلا بعد الدعاء، كدعاء الأنبياء للأشياء التي لولا دعاؤهم بها لما اتفق كونها على سبيل ما اتفقت عليه من الكثرة، ومقادير الأوقات لعلم الله عز وجل، بأن ذلك لا يكون موجبا للحجة، ولا واقعا موقع المصلحة إلا بأن يكن بعد ذلك الدعاء.
وقد علمنا أن المسلمين يوجهون دعاءهم إلى الله في النصرة على المشركين، وفي استسقاء الغيث، وفي كشف ما كان من المكان، وفيما يشبه ذلك وجرى مجراه، رغبة إلى الله جل ذكره، وطمعا في أن يكون اجتهادهم سببا لاجتلاب ما سألوا.
فقد دل ذلك على أن الدعاء ما لم يكن الشيء المسؤول فيه، وإن كنا لا نعرف كل شيء من ذلك بعينه مما سواه، ولكنا نعلم في الجملة أن مما ندعو به أن الله يفعله دعونا به أو لم ندع به، ومنه ما نعلم أن الله جل اسمه لا يفعله إلا بأن ندعو به ومنه ما لا ندري من أن الصفقتين هو، فنحن ندعو به، بحسن الدعاء لما في ذلك من الوجهين والله أعلم.
فإن قال قائل: ما وجه الدعاء بما معلوم أن الله يفعله بغير دعاء؟
قيل له: وجه ذلك ما يكتسب به الداعي فضل الطاعة بالدعاء، وما يرجو به من الله الثواب عليه، ومما يستعمل من الانتفاع به في خشوع قلبه، والتأديب لنفسه.
وأيضا فإن الدعاء جرى مجرى التسبيح والتقديس وسائر ضروب الذكر الذي يفعله المسلمون، فكل وجه يحسن فيه تسبيح الله وتقديسه، فهو حسن منه دعاؤه ومسألته، وعلى أن الداعي بما يعلم أن الله يفعله بغير دعاء يتعرض للإجابة إذا كان وقوع ما يقع من ذلك الشيء الذي دعا به، وهو لا محالة فاعله.
قد يقع على وجه الإجابة، وعلى غير وجه الإجابة، لأن إجابة (2/147)
صفحة 466
الدعاء إنما يكون بأن يريد الله جل ثناؤه، وأن يفعل ما يفعل إجابة مسألة الداعي، وفيما سأل ليس بأن يفعل ذلك بعد الدعاء فقط.
ألا ترى أن مسألة -لعله- أن سبيله له ألا يفعله إلا بدعاء، لو قد فعله بغير دعاء الداعي على وجه الإجابة لدعائه، كان غير مجيب له فيما دعا، وإن كان قد فعل ما أراد له الداعي بدعائه أن يفعله.
وكذلك أيضا ما يفعله بغير دعاء، فقد صح أن يفعله على وجه الإجابة بدعاء الداعي، وإذا جاز أن يقال: إن الله تبارك وتعالى يجيب الملائكة في دعائهم للمؤمنين وأهل التوبة بالمغفرة ودخول الجنة.
لأن الله عز وجل يفعل ذلك مريدا به الإنعام على من يغفر له، والإنعام على الملائكة بإجابة دعائهم، ويدل على ذلك لو أن إنسانا عزم على صلة رجل وبره بمال يدفعه إليه، فبدا رجل فسأله ذلك، وهو لا يعلم عزمه ونيته، لجائز أن يقول: إني قد كنت عزمت على هذا وعلمت به لا غفل وأعرض عنه.
وأنا الآن أفعل ذلك ليجتمع لي أمران: أحدهما: قضى حق مسألتك، والآخر قضى حق الرجل الذي سأل فيه لكان بهذا القول محسنا محملا وموجبا على السائل شكرا عند أهل المعرفة والعقول.
فهذا يقوي عندي قول من يقول إن الإجابة بموافقة الإرادة، ولا يشترط في ذلك شيئا من هذه الجملة.
وقد اختلف الناس في إجابة الله تعالى من يدعوه فقال بعض المعتزلة: إن ذلك ثواب للداعي، وإن الكافر والفاسق لا يستجاب لهما دعاؤهما، لأنهما ليسا من أهل الثواب، ولأن إجابة الله عندهم للداعي تشريف له، ودفع من منزلته.
وهذا القول عندي غلط من قائله، لأنه ليس بمستحيل أن يقع من (2/148)
صفحة 467
الله إجابة لبعض خلقه على غير جهة تشريف الداعي، بل يجوز أن يكون على سبيل الاستصلاح له، والاستدعاء بذلك إلى طاعته، فربما كان في ذلك مرجو لبعض خلقه، كنحو الإجابة لدعوة المظلوم، وإن كان ذلك المظلوم مشركا أو فاسقا، كما ورد الخبر بذلك أن دعوة المظلوم والحاج والوالد مستجابة.
وفي رواية أخرى: أن دعوة المظلوم لا يردها راد حتى تقصد إلى السماء، ومثل هذه الأخبار كثيرة ولو كانت الإجابة لا تكون إلا تشريفا وتعظيما للداعي، لم يجز أن يجيب النبي صلى الله عليه وسلم سائلا يسأله شيئان حتى مؤمنا تقيا، فهذا ما لا يذهب فساه على أحد من أهل الصلاح، والله نستهديه لما يحبه ويرضاه.
وأيضا فإن الإجابة قد تكون تشريفا، وقد تكون احتجاجا واستعطافا كنحو ما يتعارفه الناس من أن إنسانا لو سأله الناس عدوا له حاجة فقضاها، وهو غير متصرف بقضائها من عداوته، لم يكن فعله قبيحا، بل نعمد بذلك زيادة في نيله، ودالة على جلالته، وسعة صدره، وإنه بذلك يستعطف عدوه، ويبسطه حتى يكون له وليا، بعد أن كان له عدوا، وبالله التوفيق.
وذهب بعض من يقول بالوعيد إلى أن الله تعالى يجيب كل داع يدعوه على الشريطة التي لا يجوز أن يخرج الدعاء إلا عليها، وزعموا أن الله جل ذكره قد تضمن بقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}.
وقالوا: لم يخص بهذا وليا دون عدو، ولا مؤمنا دون كافر.
قالوا: فقد دل على عموم كل داع دعا على السبيل التي أمر الله بالدعاء عليها، لأنه إذا خالف ذلك خرج من جملة المتضمن لهم الإجابة، لأن المتضمن لهم الإجابة هم الذين يفعلون ما أمروا به من الدعاء دون غيرهم. (2/149)
صفحة 468
وكان بعض شيوخنا يناظرني في هذه المسألة، ويحتج عليّ بشيء توهمت أنه كان يذهب إليه، ويعتقده ويقول به، وهو أن الله جل ذكره، لم يتضمن الإجابة لكل من دعاه بما أمره أن يدعوه به، وإنما أعلم العباد أنه ذو إجابة لدعوة الداعي.
وهذا وصف قد يتحصل الإجابة للبعض، كما أن وصفه لنفسه أنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم، وقد يتحصل المغفرة للبعض دون الكل.
والذي نختاره ونذهب إليه، أن الإجابة قد تكون ثوابا وغير ثواب، وقد تكون للمؤمن وغير المؤمن، بحسب ما يعلم الله جل ثناؤه في فعل ذلك من الصلاح للحجة التي ذكرناها فيما تقدم ذكرنا له، والله نسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه. (2/150)
صفحة 469
باب
في رفع اليدين في الدعاء
قال أبو سفيان: والقنوت يوم الجمعة بدعة، ورفع الإمام يده في يوم الجمعة والناس وهو يخطب بدعة، إنما كان يشير بأصبعه.
* مسألة:
قال: حدثنا عبادة أنه رأى بشيراً يرفع يديه يوم الجمعة على المنبر فثبته.
وقال: قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وما يقول بيده إلا هكذا، وأشار بأصبعه السبابة.
وقال أبو المؤثر: يكره عندنا أن يرفع الداعي يده في الخطبة، ولا في الصلاة، ولا في غيرها، إلا أن قد رخص بعضهم في يوم عرفة.
قال: وما يجب رفع اليدين، لأن الله قريب عليم بذات الصدور.
* مسألة:
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان من دعائه: «اللهم ارزقني عينين هطالتين تبكيان من خشيتك قبل أن تكون الدموع دما، والأضراس حمران». (2/151)
صفحة 470
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
وعن الرجل يرفع يديه في الدعاء؟
قال: لم نر أحدا من أصحابنا يرفع يديه رفعا شديدا، إلا أن حاجبا كان يرفع يديه في الموقف رفعا شديدا، وقال: وكان أحدهم يشير بأصبعه. (2/152)
صفحة 471
باب
ما يجوز من الدعاء وما لا يجوز
وعن رجل يقول: اللهم ارض عني كرضائي عنك، هل يكره له ذلك؟
فما ينبغي لهذا أن يقول هكذا، لأن رضا الله أكثر من رضا العباد.
* مسألة:
أيجوز أن يقول الإنسان في دعائه: يا رب لا ترزقني الحرام، ولا تطعمنيه أم لا؟
بل جائز له ذلك أن يسأل الله أن لا يجعله من أهل الكفر والمعاصي، لأن الحرام هو رزق الله، فمن أكله رزق الغذاء لا رزق التمليك، ولا رزق غير الله، ولا مطعم غير الله، وبالله التوفيق.
* مسألة:
يجوز أن يقال في الدعاء: اللهم ارحمني برحمتك، وتب عليّ بتوبتك أم لا؟
ما عرفت من أهل البصر الدعاء على هذه الصفة، ولا أرى بذلك بأسا على استنباط المعنى، لأن المراد بذلك: اللهم أصبني برحمتك، وامسسني بنعمتك.
قال المضيف:
في جواز ذلك اختلاف. (2/153)
صفحة 472
* مسألة:
روى لنا أبو سعيد رضيه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه: «اللهم لا تجعل لمنافق عليّ يدا ولا منّة».
* مسألة:
وقلت: أرأيت ما أفضل من يبسط يديه في وقت الدعاء في دبر كل صلاة، أو رفعهما، أو إرسالهما ولم يرفع؟
فقد جاء في الرواية، والله أعلم بذلك: أن سلوا الله ببطون أكفكم، وقد جاء في بعض القول النهي عن رفع الأيدي في الدعاء، وارتفاع الأصوات شداً إلا بعرفات.
ويقول: من بسط كفه بسطا، ولم يرفعهما فذلك جائز، ويجب إرسالهما، ولا يرفعهما، وقد شهدنا من عرفنا من الفقهاء في دعائه، ولم نره يرفع يديه، ومن بسط كفه، ولم يرفع فذلك جائز لا بأس به إن شاء الله تعالى.
وهذا كله يرجع إلى ما قال الله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} فقيل: الرغبة والرهبة في القلب، والله أعلم بصواب هذا وعدله، فانظر ما كتبنا ولا تقبل منه إلا ما وضح لك منه الصواب. من منثورة.
* مسألة:
روي عن ابن مسعود قال: الخير ثقيل مريّ، والشر خفيف وبي.
وقال رحمه الله: لأن أعض على جمرة، فتحرق ما أحرقت، أحب إليّ من أن أقول لما كان ليته لم يكن ولما لم يكن ليته كان والله أعلم. (2/154)
صفحة 473
* مسألة:
قلت: يجوز أن أقول: اللهم حل بيني وبين الشيطان؟
ومن غيره:
لم نجد جوابا لذلك، ونرجو أن ذلك يجوز.
قلت: وهل يجوز أن أقول إن الله حال بين المؤمنين وبين الكفر؟ قال: نعم، أمرهم بالإيمان، ونهاهم عن الكفر.
* مسألة:
وعن رجل يقول: اللهم إني أسألك بحق شهادة أن لا إله إلا الله، أو بحقك على خلقك؟
قلت: هل في هذا كراهية، أم هذا مما يستحب أن يقال في الدعاء؟
فمعي أن هذا مما يحسن أن يقال في الدعاء إن شاء الله.
* مسألة:
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
وعمن يقول: اللهم لا تنسانا ذكرك، ولا تولنا غيرك؟
قال: يقول ذلك على معنى لا يفعل بنا فعلا يحول بيننا وبين طاعتك كقول الله تعالى: {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ولكن يقول: لا تفعل بنا ما يحول بيننا وبين طاعتك. (2/155)
صفحة 474
قال المضيف:
ووجدت في الضياء: أنه لا يجوز أن يقال: لا تنسنا ذكرك، ولا تولنا أحدا غيرك، والأول عندي أصح وأجوز. رجع.
* مسألة:
وعن رجل دعا على رجل أو امرأة بالموت، هل يأثم؟
قال: إن كان من المسلمين فلا ينبغي له، وإن كان فاسقا فلا بأس.
قلت: فإن لم يعلم منه كفار؟
قال: فلا يدعي عليه ما لم يكن مؤذيا للناس.
* مسألة:
من منثورة: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدع الرجل بالموت ولا يستعمل إلا أن يكون قد رضي عمله، وأن الله إذا أراد بعبد خيرا عجل له عقوبة ذنبه، وإذا أراد بعبد شرا أمسك عليه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة كأنه غيره».
وكان جابر بن زيد يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتمنى أحدكم الموت يدعو به إلا أن يكون قد وثق بعمله ألا وإن المؤمن يزداد إحسانا في أجله إذا أصابته سراء شكرها وازداد بها خيرا، وإن أصابته ضراء صبر عليها وكانت خيرا».
فمن قال: إنه يهلك في بقية أجله، فقد كذب النبي عليه السلام. رجع. (2/156)
صفحة 475
* مسألة:
وعمن دعا على ظالم أن يسقط الله -نسخة- يسفك الله دمه، هل يسعه ذلك كان بحق أو بباطل؟
فعلى ما وصفت فواسع له أن يدعو على الظالم أن يسقط الله دمه، والله لا يفعل إلا الحق والعدل.
* مسألة:
ورجل يغيظه شيء فيلطم نفسه، أو يدعو بالويل أو نحو هذا؟
قلت: هل يأثم في ذلك وتلزمه التوبة، وأن لا يعود إلى مثل ذلك؟
فمعي أنه قد نهى عن لطم الخدود والدعاء بالويل على المصائب، والمصائب كلها عندي سواء، ولا يجوز هذا عندي، وأخاف أن يكون من الكبائر من المعاصي، وعلى هذه التوبة عندي والندم على ذلك.
* مسألة:
وسئل الفضل بن الحواري: هل أؤمن على دعاء من لا أتولاه إذا دعا لي؟
قال: لا.
* مسألة:
في الزيادة المضافة:
قال بشير: ولا بأس أن يقول الرجل: اللهم اغفر لي وهو ظالم مع نفسه فاسق على أن يخرج من ذلك الظلم. (2/157)
صفحة 476
* مسألة:
من كتاب الأشياخ:
وسألته عن رجل يدعو الله فيقول: يا جبار الجبابرة، أيجوز له ذلك أم لا؟
قال: لا يجوز على الإطلاق.
* مسألة:
منه: وعمن قال: اللهم أخبرني أو زدني أو عالني على فلان حتى أنتصر منه، أو: اللهم ارزقني مال فلان أو زوجته، أو دابته أو خادمه؟
قال: لا أرى عليه شيئا في ذلك إن كان معناه اللهم ارزقني مال فلان بالثمن من وجه المال الحلال والشراء، أو زوجته إن طلقها، وأما إن تمنى على غير هذا الوجه من وجه الحسد، فلا يجوز الحسد لمسلم وجائز للكافر.
* مسألة:
ومنه وعمن قال: اللهم اعزم لنا بالخير، أيجوز أم لا؟
قال: أرجو أنه يجوز لسعة اللغة في معنى الإرادة بالخير.
* مسألة:
قلت: فالمنافق تجوز أن يدعى له بالعافية؟
قال: إذا كان للداعي في ذلك نفع، فجائز وليس ذلك ولاية إذا لم يعتقد. رجع. (2/158)
صفحة 477
* مسألة:
وعن أبي معاوية قلت: فيقول: اللهم إني أسألك بحقك على نفسك؟
قال: لست أحب هذا.
قلت: فيقول: اللهم إني أسألك بالله؟
قال: نعم، لأن الله يقول: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ}.
قيل له: فهل يقول القائل: اللهم إني أسألك بحق محمد عليك؟
قال: لا أحب ذلك، ثم قال: وأي حق لأحد على الله.
ومن غيره:
قال: نعم، قد قيل ذلك أنه لا يقال: أسألك بحق محمد عليك، ولكن يقول: أسألك بحرمة محمد عليك.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
وقال أبو محمد: لا تسأل الله تعالى بصفاته.
وقال أبو سعيد: لا أدري ما معنى لا تسأل الله بصفاته، وقد قال الله تبارك وتعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى}.
وقد يدعى بصفاته الحسنى كما يدعى بأسمائه الحسنى، ويسأل بأسمائه كلها وكل أسمائه على صفات، فمنها صفات للذات، ومنها صفات للفعل، وإنما كان اسم من أسمائه يدل على معنى وصفة من صفاته، فمنها ذات، ومنها أفعال تبارك وتعالى. (2/159)
صفحة 478
* مسألة:
عن الشيخ أبي الحسن البسيوي:
وقلت: هل يجوز أن يقال: أسألك باسمك اللهم أو بأسمائك العظام؟
قال: الذي عرفت أن هذا من أسماء الذات، وأسماء الذات لا يسأل الله تعالى بها، ألا ترى أنك إذا قلت: أسألك بلا إله إلا أنت، أو أسألك بالعظيم، كنت قد سألته به أو بغيره، فإن كنت قد سألته، فكيف تقول أسألك بك، وإن كان غيره فكيف تسأله بغيره، فمن هذا قالوا: لا يجوز.
ولكن يقول أسألك يا كريم، وأسألك يا عظيم قصدا بالمسألة إليه، وقد سألته بالدعاء به، فانظر في ذلك.
قال المضيف:
وقد عرفت في بعض الآثار أنه يجوز أن يقال: أدعو بأسمائك، ولا يقال: أسألك بأسمائك، والله أعلم.
* مسألة:
قلت: رجل يدعو له رجل ليس بولي يرد عليه آمين، هل تكون هذه ولاية؟
قال فيه اختلاف، فقد قيل تكون ولاية، وقد قيل غير ذلك.
قلت: وإن قال له: جزاك الله؟
قال: هي ولاية. (2/160)
صفحة 479
* مسألة:
قلت: فمن يكتب إلى غير ولي يا سيدي، ويا مولاي جائز أم لا؟
قال: نعم هذا يتصرف، وهو في اللغة جائز.
قلت: وما النية في ذلك أن يكتب إلى ولي أو غير ولي؟
قال: أما غير الولي فيفتقد ذلك بمعنى التشريف، وأنه رئيس، والعرب تسمي رئيسها سيدها، والمولى مولى النعمة ومولى العتاقة.
وأما الولي فالقول له جائز مطلق له بذلك، وهو ولي في الدين، وسيد الشرف في الإسلام. رجع. (2/161)
صفحة 480
باب
ما يجوز من الكلام للولي
وقال لا يجوز أن يقال الرجل غير ثقة: هذا رجل صالح، ويقال: هو هذا مؤمن ومسلم، هذا وجدته من منثورة لم أعرف مصنفها.
عن أبي الحواري، وعمن يقول لمن لا يتولاه: عظم الله أجرك، وأصحبك الله -نسخة- وصحبك الله، أو رحمك الله، من باب التقية، أو استحياء منه كان من الأهل أو من غيرهم، أو جار له هو، وهو يبرأ منه، فقد قيل: إن الجار له تقية، والصديق له تقية، فيجوز له ذلك الذي وصفت، ويعني بذلك كله في الدنيا، وإذا نوى ذلك جاز له لمن كانت له تقية، أو لم تكن له تقية.
* مسألة:
ومما يوجد عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله: سألت: هل يجوز أن يقول لمن لا يتولاه أكرمك الله، أو أحسن الله إليك؟
فنعم يجوز ذلك.
قلت: فهل يقول له أحسن الله جزاءك، أو ذكرك الله بخير، أو بارك الله فيك أو عليك، أو نصرك الله أو كلاك الله، أو صحبك الله، أو كان الله معك، أو سلمك الله؟
فلا أرى ذلك أن يقول شيئا من هذا لمن لا يتولاه. (2/162)
صفحة 481
ومن غيره:
قال: وقد قيل: إنه يجوز أن يقول لمن لا يتولاه أحسن الله جزاءك في الدنيا، وذكرك الله بخير الخير في الدنيا.
وبارك الله فيك، ومن بركته العافية التي يتقوى بها على الطاعة والمعصية، ويسير بها ويقربها.
وأما بارك الله عليك، فهو أضيق، وكذلك نصرك الله، وقد يجوز ذلك على معنى الدنيا.
وكذلك كلاك الله، يجوز في معاني الدنيا، وصحبك الله، وكان الله معك برحمته في الدنيا، والسلامة منه وكذلك سلمك الله، قد يجوز على معاني سلامة دنياه، ويعينه في الدنيا.
ومن غير الكتاب:
هل يجوز أن يقال عند الممات والأمور الحادثة أنا فلان، وأنا ابن فلان، وأنا الفلاني أم لا؟
الجواب:
قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أن النبي لا عجب، أنا ابن عبد المطلب» وقيل قال ابن عباس: أنا البحر ولا فخر، فإن صح هذا فلا يضيق، ولا يبعد بهذا جوازه.
* مسألة:
من منثورة، ومن كتاب:
يجوز أن يسمي الإنسان إذا فعل الرحمة، رحمان، كما يسمى رحيما؟ (2/163)
صفحة 482
قال: إن ذلك جائز في اللغة، والقياس، ولكن لا يستعمل ذلك، لأن أهل اللغة لا يستعملون هذه اللفظة في الإنسان، وإن كان معناه صحيحا على ما وصفناه.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
يقال: نستخير الله، ولا يقال: نستخيره، ولا يقال: رأي الله ثم رأيك ولا بقي فلان بين الله والشمس، ولا يقال: استأثر الله بفلان. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (2/164)
صفحة 483
باب
ما يجوز أن يقال من الكلام وما لا يجوز
وما أشبه ذلك
رجل يقول لبعض المسلمين: إنه ثقيل الروح، أيكون هذا غيبة أم لا؟
بل هي غيبة، لأن هذا وصف نقصان لا مدح، وبالله التوفيق.
* مسألة:
وذكر لي بعض الناس أن له جار سيء الأدب، كثير الطلب، سريع الغضب، نتن الرائحة وهو عفيف مسلم ورع تقي، يعتقد مذهب المسلمين، ويقول بقولهم، فكرهه وأبغضه، واستثقله لسبب ما عرفتك في أول المسألة، وهو لا يشتمه، ولا يتكلم فيه، ولا يعيبه إلا أنه يكرهه لما عرف منه، أيكون سالما من الإثم أم لا؟
الجواب:
إنه لا يحل له أن يصف مسلما بهذه الصفة، وهي غيبة عليه منها التوبة والإصلاح.
* مسألة:
وما تقول في العبد الصالح، أيجوز له أن يقول: إنه من أشر الخلق أم لا؟
قلت: وما يكون حاله عند السامع؟ (2/165)
صفحة 484
ليس له ذلك، إذا نطق بذلك لم آمن أن يكون قد شهد على نفسه بالكفر عند السامع، لأن الله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}.
قال غيره:
لعله أراد، وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
* مسألة:
وما تقول في رجل منافق يأكل الحرام، ويظلم الناس، ويشرب المسكر، ويقر على نفسه بالزنى، ويعين الظلمة، يجوز لعبد صالح أن يقول: إني خير منه أم لا.
بل جائز ذلك على معنى: إني خير منه فعلا، لأن أفعاله عند نفسه طاعة وأفعال ذلك منكر، لا أنه يشهد لنفسه بالتزكية، ولذلك الفاسق بالنار.
* مسألة:
وسألت عن الكلام الذي يتعلمه الصبيان، فقد سمعت أن في ذلك إخباراً، ويسعنا ترك ذلك وليس بواجب معرفة ذلك، ولم يصح معنى الخبر في ذلك؟
قال المضيف:
لا أدري ما أراد بذلك. (2/166)
صفحة 485
* مسألة:
من منثورة من كتب المسلمين رحمهم الله:
وقال كل لفظ لفظ به الإنسان لابد أن يكون أراده لمعنى، فإن كان ذلك المعنى يجوز فهو طاعة، وإن كان لا يجوز فهو معصية.
* مسألة:
عن أبي الحواري: وعن فئتين التقتا باغيتين، فهزمت إحداهما الأخرى، فهل يجوز أن يقال للهازمة منصورة، أو نصرها الله، أم ليس يجوز ذلك وقد قيل النصر عند الصبر؟
فعلى ما وصفت، فأما أن يقال: منصورة فذلك جائز، وأما أن يقال: إن الله نصر هذه الفئة الباغية، فلا يجوز ذلك.
وأما ما قيل: إن النصر مع الصبر، فقد قيل ذلك، والنصر فقد يكون هو الغلبة والغالب منصور، وقد تنصره الغلبة، لأنها معه والدولة -نسخة -زيادة- ومخذول من طاعة الله.
* مسألة:
قلت له: فما تقول سمعته يقول: ليس في الدنيا خير مني؟ قال: هذا يبرأ منه.
* مسألة:
وسألته عن رجل قال لرجل آخر معي في الولاية انتقم الله من فلان؟ (2/167)
صفحة 486
قال: يستتيبه، فإن تاب وإلا فابرأ منه.
قال غيره:
معي أن الانتقام اسم من أسماء البراءة.
قلت له: ما تقول في قوم سمعتهم يذكرون ... ؟
* مسألة:
وجدتها من منثورة أبي محمد رحمه الله:
قال: لا يجوز لأحد أن يتكلم بما لا يعلم، وينظر حيث لا يعلم، لأنه إن وافق كلامه ما لا يسعه، أو ربما ينظر، حيث لا يسمعه هلك بذلك، وذلك إذا تكلم بكلام لا يدري ما هو، فوقع في هلاك، ورمى شيئا لا يدري ما هو، فوقعت الرمية بنفس أو مال لم يسعه ذلك النظر ولا ما رمى.
وقال أبو مروان: إن الفعل خير من التوفيق، لأن التوفيق محتاج إلى الفعل، والفعل غني عن التوفيق.
أبو محمد: جميعان محتاجان إلى بعضهما بعض: الفعل والتوفيق، وقال بعض الفقهاء: يجوز أن يقال: كبيري ويا سيدي، ويا عضدي بلا معنى يعتقده.
ووجدت أنا في الأثر أنه لا يجوز بالمعنى.
* مسألة:
عن رجل قال: يا سيدي، ويا عضدي؟
إن في ذلك اختلافا في اللفظة على معاني ذكرها منهم من لم يرد ذلك ولا يجيزه، ورأى ذلك مثل سند مثل الجسم الذي يسند إليه ورأى بعض غير ذلك. (2/168)
صفحة 487
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
قال أبو سعيد: في قول الرجل: أبد الله أن أفعل كذا وكذا ونحو هذا؟
إن هذا ليسه حسنا من الكلام، ولا بأس على من قال ذلك على العادة من القول.
ومعي أن معناه هذا يخرج أيد الله، دهر الله، وأيام الله، وزمان الله، والأصل في هذا أن الأبد والزمان هو لله تبارك وتعالى. رجع.
* مسألة:
من كتاب الأشياخ:
وسألته: هل يجوز أن يقول القائل: أنا أقدر أعمل كذا وكذا؟
فقال: نعم هذا على المجاز، فأما على الحقيقة فلا يجوز، ويستتاب من قاله حقيقة، وأما على المجاز فجائز من حيث جرت العادة، وأنه ما لم يحل حائل فهو قادر.
وقال: ويجوز مثل ذلك في المجاز قامت الشمس، وطالت النخلة، وهبت الريح، وهذا مجاز، وأما حقيقة فلا، ومن قال: هذا حقيقة فهو مخطئ.
* مسألة:
قال بشير: لا يقال: كل من فعل الكفر فهو كافر، لأنه لو كان كذلك كان كل من فعل الكفر فهو كافر. (2/169)
صفحة 488
وقال أبو سعيد: معي أنه يجوز أن يقال: إن المؤمن قد واقع الخطيئة وأخطأ، ولا يجوز أن يقال إنه مخطئ، وكذلك يقال: إنه واقع المعصية وعصى، ولا يجوز أن يقال: إنه عاص، لأن المعنى إن العاصي لا يرجع عن حال المعصية أبدا على مجاز المعنى.
* مسألة:
روي أن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود اختلفا في الرجل يقول: أنا مؤمن حقا عند الله؟
فقال ابن مسعود: أنا مؤمن حقا عند الله.
وقال ابن عباس: أنا مؤمن حقا عند نفسي، ولا أقول عند الله.
فأرسل عبد الله بن عبد إلى عبد الله بن مسعود: إذا قلت: إنك مؤمن حقا عند الله، فقل: إنك في الجنة، لأن الله تعالى يقول: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}.
وقال ابن مسعود: إذا لم تقل إنك مؤمن حقا عند الله، فأنت شاك في إيمانك.
قال أبو محمد: إن سأل سائل فقال: أنت مؤمن، فقل: نعم.
فإن قال: مؤمن حقا، فقل: عند نفسي نعم، وأما عند الله فلا أدري.
فإن قال: فلم لا تقول: إنك مؤمن حقا على غير شرط؟
فقل: إذا قلت إني مؤمن حقا، قطعت لنفسي بالشهادة برضا الله عني. (2/170)
صفحة 489
فإن قال: ولم قلت إن هذه شهادة لنفسك بالرضا من الله تبارك وتعالى؟
فقال: إن الله مدح أولياءه ومن رضي عمله وأعد له النعيم الدائم فقال: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}.
فإن قال: إذا كانت أفعالك كلها طاعة عند نفسك فلم لا تشهد لها بهذه الشهادة؟
فقل: ورد الخبر عن الله تبارك وتعالى بالنهي عن تزكية الأنفس بقوله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} ولا نعلم اختلافا بين أهل الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشهدوا لأنفسكم بجنة ولا نار».
فإن قال: فإن وصفت بأنك مؤمن في أول المسألة، وقد مدح الله المؤمنين؟
فقل: لأني وجدت المسلمين يسمون كل من كان على مثل ما أنا عليه من الاعتقاد والقول مؤمنا، فوجب أن أتسمى بهذا الاسم.
* مسألة:
إن قال قائل: أنت مؤمن حقا، أو كافر حقا ما الجواب له؟
فالجواب:
أنه إن كان يعني مؤمنا حقا، يعني سعيدا فلا علم لي بذلك وتلك شهادة غيب محجورة عليّ وعليك، وإذا كان السؤال في الغيب كان محالا، والمحال ساقط، وإن كنت تعني مؤمنا حقا في حكم ما تعبدني الله به، (2/171)
صفحة 490
أو كافر حقا في حكم ما تعبدني الله، فتلك حالات لا يستدل عليها إلا بالفعال المكفرة، وبالفعال الصحيحة.
وأما في حال ما أكون عاصيا لله في حكم دينه، أكون كافرا حقا في حكم دينه، وأما مؤمن عند نفسي حقا إذا كنت تائبا من جميع ما عصيت الله فيه، مؤديا لجميع ما يلزمني أداؤه من طاعته.
* مسألة:
أبو سعيد قلت له: فهل يسع أحدا أن يقول في أحد من المخلوقين أنه من أهل الجنة، ويعتقد بذلك دينا يدين به، من لدن أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما إلى حيننا هذا، أم ذلك لا يجوز له القول في الأولياء إلا الأنبياء، وإن كان يدين بذلك ويقوله ويعتقده، هل هو هالك أم سالم أو ما سبيله؟
قال: إنه قد قيل: لا يجوز أن يشهد لأحد من الناس بالجنة، ولو ظهر منه ما يستوجب الولاية من الفضل والجهاد في سبيل الله، والقول والموافقة إلا من صح له ذلك في كتاب من كتب الله، أو يشهد له بذلك رسول من رسل الله صلوات الله عليهم، أو نبي من أنبيائه، وإلا فلا يجوز له أن يشهد له بحقيقة ذلك.
فمن شهد له بحقيقة ذلك بغير هذا الوجه ودان به، فهو عندي متعاطٍ من الغيب من علم ما لا يسعه وأخاف أن يكون هالكا شاهدا بالزور، وحاكما بالجور إلا على اعتقاد الشريطة له إن كان مات على ظاهر ما صح له، فكانت له، لعله أراد صحة سريرته مثل علانيته، فهذا على الشريطة لا على الحقيقة، فافهم ذلك.
* مسألة:
ابن جعفر: وقيل لا يشهد لأحد بالجنة إلا الأنبياء، وقال من قال: (2/172)
صفحة 491
وأبو بكر وعمر لما جاء فيهما، ولكن يشهد لأهل الإيمان بالإيمان، وأما من مات على الكفر، فيشهد لهم بالنار.
* مسألة:
وأما قول بعض مخالفينا: أتشهدون أنكم مؤمنون، ولا تشهدون أنكم من أهل الجنة؟
فنعم، يقولون بأنهم إذا سئلوا عن ذلك مؤمنون في اعتقادهم، وأما أنهم مؤمنون بالله فيما أمر، مطيعون له بذلك، عاملون بطاعته، وليس لهم تزكية الأنفس، لنهي الله بقوله: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تنزلوا أهل قبلتكم جنة، ولا نار».
فإن صح الحديث فقد وافق القرآن في النهي عن تزكية الأنفس.
قال أبو الحسن البسيوي: وقيل: لا تشهد لأحد بالجنة إلا الأنبياء الذين ذكرهم الله، فإن لهم الجنة، ولكن يشهد لأهل الإيمان بالجملة بالإيمان، ولا يشهد بالنار إلا لمن قال الله: إنه من أهل النار، ولمن تاب على الكفر، فهو من أهل النار في الجملة حتى يعلم أحد بعينه مات على الكفر.
* مسألة:
وسألته عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يشهد لهن بالجنة؟
قال: نعم كلهن.
* مسألة:
وسألته عمن يقول لإنسان: سأل الله عنك؟ (2/173)
صفحة 492
قال: هذا لا يجوز ولا يسع جهله، ويكون عاصيا بهذا القول.
قلت: يتصرف لمعنى؟
قال: لا أعرف له معنى يتصرف إليه.
* مسألة:
من الزيادة المضافة، من كتاب الأشياخ:
قال أبو محمد: وسألته عن رجلين وليين، أحدهما يعطي زكاته، ولا يكرم النازل، وغير ذلك من الرفد، وما يفعله أهل الأخلاق الحسنة.
قلت: هل يقال للذي -لعله- لا يفعل ما وصفت لك: بخيل، ويقال للآخر: كريم؟
قال: يقال هو أكرم، ولا يقال: للآخر بخيل، لأن من أدى الحق الواجب لم يقل: إنه بخيل.
قلت: وهل أقول إنه أورع منه؟
قال: لا.
قلت: ولم؟
قال: لأن في ذلك اتهاما أن هذا يتعاطى شيئا من الحرام.
قلت: فهل أقول: إنه أصدق منه؟
قال: لا، لأن ذلك أيضا متوهم إذا كان أصدق منه، كان الآخر يتعاطى شيئا من الكذب، فليس ذلك من صفات المؤمنين.
قلت: فهل يقال إنه أفضل منه؟
قال: نعم، لأن المؤمنين يتفاضلون في الدرجات بعضهم أفضل من بعض، وليس مما ينقص من منزلة الآخر شيء. (2/174)
صفحة 493
* مسألة:
من الزيادة المضافة عن أبي سعيد:
ما تقول في رجل يقول لقوم: يا قوم الله، أو يقول لآخر: يا أخ الله، هل يجوز ذلك؟
قال: إذا أراد بقوله اللغة الجارية فهو جائز ما لم ينو شيئا لا يجوز في صفة الله، أو لا يخرج كلامه على معنى يصح في تأويل الحق أنه خارج من الكلام.
قلت له: فما يخرج معنى قوله: يا قوم الله؟
قال: عندي أنه عباد الله، ومخرج قوله: يا أخ الله، يا أخا دين الله.
قال المضيف:
وجدت أنه لا يجوز أن يقال: هذا أخ الله، لرجل أخ، ولا أب الله ولا هذه رجل الله، ولا يد الله، ولا جارحة الله، ولا هذا خف الله، ولا نعل الله، وإن كان جميع ذلك ملك لله، فلا يضاف إلى الله إلا أحسن الصفات، بأحسن الألفاظ، والله أعلم.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
قال سعيد بن قريش: إذا أنشد الرجل فما يعجبه أن يقال له أحسن إلا أن يعرف صدق قوله.
* مسألة:
نهى أن يقال: مسيجد ومصيحف؟
قال: إن صح النهي لذلك فذلك إنما هو أن لا يستنقص، ولا يستخف بذلك. رجع إلى كتاب الشرع. (2/175)
صفحة 494
باب
ما يجوز أن يدعي به لمن يتولى أو لا يتولى أو لا يجوز
أيجوز أن يقال لغير الولي بعد موته عفا الله عنه أم لا؟
لا يجوز ذلك لغير ولي من المتقين على الإطلاق، إلا أن يعتقد أن الله عفا عنه، لم يأخذه بالعقوبة في حال معصيته.
* مسألة:
يجوز أن يقال لغير الولي برك الله أم لا؟
هذا على وجه الإخبار أن الله قد أصابه برحمته ونعمته، فلا بأس وإن كان على وجه الدعاء له بالرزق والمعافاة، فلا بأس بذلك إذا كان للمؤمنين فيه نفع ونصر، وبالله التوفيق.
* مسألة:
وسألته: هل أقول لمن لا أتولاه رحمك الله؟
قال: ما أحب ذلك أن يجوز بها له، ولا حياك الله، ولا مرحبا.
* مسألة:
لعله من كتاب التقييد:
قال: لا يجوز أن يقال: أعرض الله عنك، ولا يجوز أن يقال أقبل الله إليك، ولا يجوز أن يقال: تعالى الله بالعز والكبرياء. (2/176)
صفحة 495
قال: ويجوز أن يقال: صحبك الله، على معنى أي أصحبك الله السلامة.
قال: ويجوز أن يقال: أستودعك الله، أي أسأل الله أن يحفظك.
وقال: يجوز أن يقال: أستحفظ الله إياك.
وقال: يجوز أن يقال: يا رجائي، يعني يا من أرجو من جهته.
وقال: يجوز أن يقال: لا نظر الله إليك، أي لا يرحمه الله.
وقال: النظر من الله تبارك وتعالى إلى عباده الرحمة لهم.
وقال: لا يجوز أن يقال: إن الله يسمع ويرى.
قال الناظر:
وقيل إن ذلك يجوز أن يقال: إن الله يسمع ويرى، لأن الله يقول: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} وقال: {إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ}.
فلا يجوز أن يقال: يستمع، وكذلك لا يجوز أن يقال: فهم، ولا فقيه، ويجوز أن يقال: يدري.
وقال بعضهم: أنت السميع، وأنت الداري.
قال: يجوز أن يقال عرف ويعرف.
* مسألة:
ومن غيره، ولا يجوز الترحم على الفساق، ولا ينبغي للمسلم أن يفعل ذلك، فإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ}. (2/177)
صفحة 496
* مسألة:
ومن لم يعرف حال والديه من أهل الولاية هما أم من أهل البراءة، فإنهما معه على الولاية، إلا أن يصح أنهما من أهل البراءة.
الدليل على ذلك قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} هكذا عن أبي محمد.
وعن أبي قحطان: أنهما إن كانا من أهل الولاية تولاهما، واستغفر لهما في حياتهما، وبعد وفاتهما، وذلك حق لله يجب لهما.
وإن كانا من أهل العداوة برئ منهما، وحرمت عليه محبتهما، ولم يحل له أن يستغفر لهما في حياتهما، ولا بعد وفاتهما، وإن لم يتبين له أمرهما أمسك عنهما، وعن ولايتهما وعداوتهما، وكان أمرهما إلى الله عز وجل.
وقال أبو الحسن: ومن لم يعرف من والديه إلا الجميل، وليس لهما معرفة بالدين والورع الكامل، فجائز له أن يسترحم عليهما، ويستغفر لهما في حياتهما، ولا يجوز له ذلك فيهما بعد موتهما.
وإنما يجوز ذلك للولي المسلم، كما قال الله تعالى، كل من لا يتولى فلا يدعى له برضا الله، لأن رضا الله هو الجنة فلا يدعى له بذلك.
وقال: لا يدعى له بالمغفرة، وذلك عندنا يتصرف، وإذا صرفه الداعي لمعنى لأن المغفرة ستره.
وقال أبو محمد: ومن لا ولاية له، ففي الترحم بنية يحضرها المترحم اختلاف من قال بإجازة ذلك، قال يصرف النية إلى الله قد رحمه لما أخرجه حيا، والرحمة يوجد إحداها أنها رسالة النبي (2/178)
صفحة 497
صلى الله عليه وسلم إلى الخلق، وأنها رحمة من الله عز وجل، ويقال الليل والنهار من رحمة الله تعالى أيضا.
وفي حديث عبد الله بن مغفل: لا ترحموا قبري، أي لا تجعلوا عليه الترحم والرجام الحجارة.
* مسألة:
ومن كتاب مكتوب على ظهره:
مما سئل عنه محمد بن محبوب وقال: في الرجل أنه جائز له أن يقول في وليه جعله أنه: أدم أو أكول، أو لئيم، ليس يعني بقوله: لئيم في أداء الحقوق، ولكن في غير ذلك؟
وقال: جائز إلا أن يكون إذا قال قدامه، كره ذلك فلا. (2/179)
صفحة 498
باب
ما يجوز أن يقال لأهل التقية
من منثورة الشيخ أبي محمد: وسألت الشيخ أبا محمد عن قول القائل: غفر الله لك لغير ولي، أو ممن يجب عليه البراءة؟
فقال: لا يجوز أن يقال: هذا لغير ولي إلا على معنى.
قلت: وما ذلك المعنى؟
قال: المغفرة مأخوذة من الستر، وإذا كان معنى القائل لمن دعا له بهذا يريد الإخبار على ما هو عليه مما يستر الله عليه من اللباس فيما مضى، جاز ذلك.
وأما إن أرسل القول على غير نية، وأراد بذلك المغفرة للذنوب، والقبول من الله، فذلك لا يجوز.
* مسألة:
منها، قال: ويجوز أن يقال للمنافق: أنت كماسير، ويعني أنه كماسير قرينة إبليس، ويقول: إنه جيد، ويعني أنه جيد لأهل، ومما فعل مما يجوز به القائل للقائل. (2/180)
صفحة 499
* مسألة:
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
قلت لبشير: رجل يبلغني عنه الكلام الذي يؤذيني ولا يصح ذلك بشاهدي عدل، فيكون في نفسي عليه الوجد، وأنا لا أتولاه ولا أبرأ منه، هل لي أن أدعو له بشيء من أمر الدنيا، وقلبي لا يحب له ذلك، فأكون قد قلت بلساني ما ليس في قلبي، فكأني رأيته يريد أن لا بأس بذلك؟
قال: إذا لم يكن له حرمة الإسلام والمحبة دعا له بأمر الدنيا. (2/181)
صفحة 500
باب
ما يجوز أن يقال من ذكر الله وما أشبه ذلك
ومن جواب أبي الحواري:
سألت، رحمك الله، عن رجل يقول: الحمد لله بما حمد به نفسه، وسبح به نفسه، وهلل به نفسه، فحق كما قال، والمعنى أنه هو ليس له نفس، كما يقول القائل: هذا الثوب نفسه، وهذا الحجر نفسه، والمعنى في ذلك أنه هو؟
قال الناظر:
في بعض الآثار أنه لا يجوز سبح نفسه، لأن التسبيح صلاة إلا أن يكون بمعنى التنزيه.
* مسألة:
وسألته: هل يجوز أن يقال: جزاء ربنا الحمد والشكر أم لا؟
قال: لا يجوز ذلك، لأن الله غني عن شكر العباد له، وإنما شكر الشاكرين فضل من الله ونعمة على الشاكر، وما يعطيه من الثواب على الشكر.
* مسألة:
يجوز أن يقال: الله أرحم الرحماء، وأعلم العلماء أم لا؟
لا أرى جواز الوصف لله إلا بما وصف به نفسه أنه أرحم الراحمين، وأما قوله: عالم العلماء فقد أصاب وإن أراد به: يعلم ما لا يعلمون، ولا يجوز التشبيه له بخلقه. (2/182)
صفحة 501
* مسألة:
رجل قال له قائل بمعنى، فقال: فال الله ولا فالك، أو طلب إليه شيئا فقال: ما عندي قليل الله ولا كثيره، أيكون هذا اللفظ جائزا ليتكلم به أم لا؟
أما قوله: فال الله ولا فالك فإن هذا كلام أكرهه، ولا أرى عدل هذا المقابل به، وأما ما عندي قليل الله ولا كثيره، يريد من الجنس الذي طلب إليه، فإذا صدق في إخباره ما عنده منه قليل ولا كثير، فلا أرى عليه بأسا في مقاله، والله أعلم، وبه التوفيق.
* مسألة:
يجوز أن يقال لغير ولي: لا شق الله عليك أم لا؟
ما أرى جواز ذلك في غير ولي، وجائز في الولي بالتقييد، إذا أراد به لا عذبك الله، لأن في العبادات مشقة على النفس.
وقد قال الله تعالى: {إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ} وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}.
* مسألة:
يجوز أن يقال: اعتمادنا بعد الله على فلان أم لا؟
إنها كلمة أكره المقال بها، إلا أن يقول: اعتمادنا على فلان مع توكلنا على الله.
* مسألة:
وسألت أبا معاوية: هل يجوز أن يقول الرجل: اللهم صلّ على محمد، كما صليت أنت وملائكتك عليه؟ (2/183)
صفحة 502
فقال: ما أحب ذلك.
قلت: فيقول: اللهم صلى الله عليه وسلم على محمد كما صلّت عليه ملائكتك؟
قال: نعم.
ومن غيره:
ويقال: إنه يقال: اللهم صل على محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم، وعلى آل إبرهيم في العالمين.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
وقد وجدت في آثار المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟
فقال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد».
* مسألة:
من الزيادة المضافة، قال المضيف:
وجدت أنه لا يجوز أن يقال: الحمد لله الذي كان كذا وكذا بل يقال: الحمد لله كان كذا وكذا، وعندي أنه يصح إن شاء الله.
* مسألة:
وعن أبي معاوية: قلت له: فيقول القائل: يا من احتجبت عن خلقه؟ (2/184)
صفحة 503
قال: نعم.
قيل له: فيقول يا من احتجب عن خلقه بسمواته.
قال: لا.
قيل له: فيقال: يا من احتجب عن خلقه بنوره؟
قال: لا، لأن النور محدود، قال: ولكن يقول: يا من احتجب خلقه بعزته وقدرته.
قال غيره:
لا يجوز أن يقال: يا من احتجب بعزته وقدرته، إذ العزة والقدرة صفتان من صفات الله وجبتا لذاته، ولا يجوز أن يقال: هما غير الله، ولا يقال: إنه عزه لا قدره، تعالى الله عما نحله المبطلون علوا كبيرا.
بل يقول: صفات الله الذاتية لم يزل موصوفا بها، ولم يزل موجودا له الأسماء المعلومة، ولا يحصيها إلا هو.
وأما تأويل الحجاب الذي جاء ذكره في القرآن، فهو المنع عن الرؤية ليس بين الله وبين خلقه حجاب ساتر، تعالى ربنا عن صفات المخلوقين علوا كبيرا، والله أعلم.
ومن غيره:
قال: وقد قيل: لا يقال: إن الله يحتجب عن خلقه، ولكن يقال: إن الله يحجب خلقه عن رؤيته. (2/185)
صفحة 504
قال غير المؤلف للكتاب وغير المضيف إليه:
هكذا قيل: وهو أعدل مما تقدم من الأقاويل إلا أن يقول الأول لا يجوز، إذ أنه لم يحتجب هو تعالى، بل حجب خلقه عن رؤيته.
والقول الثاني: إذ أنه لو احتجب بشيء لاضطرته الحاجة إليه، ولكان الحاجب أكبر من المحجوب، والصغير المضطر الفقير، ليس بإله على كل شيء قدير.
والقول الثالث: كالأول إلا أنه أكثر إبهاما للسامع أن قدرته وعزته هما غيره، قد احتجب تعالى بهما.
رجع إلى كتاب بيان الشرع.
وقول أبي معاوية: قيل له: فيقول القائل: رضينا بقضاء الله وقدره؟
قال: نعم.
قيل له: فإن من قضاء الله الكفر والظلم؟
قال: الرضا بقدر الله غير الرضا بالمقدور من أفعال العباد، والله هو المقدر لأفعالهم.
* مسألة:
وسألته عمن ينهى عن قول لا إله إلا الله، وأن تقال عند الزجر وعند البناء، وأن لا يستدل بها على شيء من أمور الدنيا برأي منه، ولا يخطئ من يأمر بها، هل يجوز له ذلك؟ (2/186)
صفحة 505
قال: فلا يجوز له ذلك عندي، لأنه قد نهى عن المعروف.
قلت له: فيبرأ منه بذلك؟
قال: ما أحقه بالبراءة عندي.
قلت له: فهذا كبيرة من قوله وفعله، أم صغيرة حتى يصر على ذلك ثم تكون كبيرة؟
قال: معي أنها مشبهة بالكبيرة، وما أشبه عندي الكبيرة فهو كبير.
قلت له: فإن تولاه وليّ على ذلك، هل عليّ أو لي أن أتركه ولاية وليي أو أبرأ منه؟
قال: معي أنه إذا ثبت أنه يشبه الكبيرة، أو كبير فلا تجوز الولاية لمتولي من ركب الكبيرة، المتولى له مثله إذا كان عالما بذلك منه.
* مسألة:
وقيل: لا يجوز لأحد أن يقول الرأي لله ثم لك، أو يقول الرأي لله، لأن الرأي إنما يراه الإنسان باجتهاد منه، وتعبيره بين رأيه ورأي غيره باجتهاد.
* مسألة:
ومن سيرة الإمام المهنا بن جيفر إلى معاذ بن حرب:
السميع البصير بما نعلن ونسر فصانعه عن نفسك، وراده بعلمك وتزين ليوم تعرض فيه على ربك. (2/187)
صفحة 506
ومنها: وأنا على أفضل ما جرت به علينا من الله عوائده، وتواترت به إلينا فوائده، من سبغ نعمة.
ومنها: مع هداية الله لنا لما أضل عنه الضالين، وبنصره إيانا ما أعمى عنه قلوب الجاهلين، من أهل التقصير والإفراط.
ومنها: واعلم أن كل من علمه الله، وأبلغ إليه معرفته، كان أعظم للحجة، والله طالب إليه الشكر فيما أنعم عليه.
ومنها: ولله على ما أهدى إليك شاكرا.
ومنها: حتى يستحق بذلك من الله محبته، استحفظ الله لك، واستكلئه إياك. انقضى.
من سيرة أبي المؤثر:
خلق الخلائق محتاجين إليه، غنيا عنهم، غير عابث في خلقهم، ولكن خلقهم لينفعهم، ولينتفع بعضهم ببعض، الغني الذي لا تلزمه الحاجات.
ومن سيرة شبيب بن عطية:
فقد عير الله أقواما.
ومنها: وعيرهم في آية أخرى.
ومنها: وعير الله أقواما حين تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
ومنها: وقد يعرف ذو الألباب أو لو كانت النجاة والعصمة باتباع الكثيرة والجماعة، حيث دارت من الطاعة والمعصية ما حمد الله صاحب (2/188)
صفحة 507
ياسين، ومؤمن آل فرعون, ولا أصحاب الأخدود، هؤلاء الذين كانوا ينهون عن السوء.
ولا الذين يشرون أنفسهم، ولا ذم الله الذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس والأحبار، إذ نعتهم حيث يقول: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}.
ومن سيرة سالم بن ذكوان:
فنجاه الله من الفتنة، وارتضاه لنفسه، يعني محمدا النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن سيرة أخرى لشبيب:
فإنه إنما انتخب الرسل، ونزل الكتب، ليطلب إلى العباد معرفة ما يكرهها، وما جاءهم عنها معرفة ما يجب فأمضاه عليها حجة له بما بيّن في ذلك من حلاله وحرامه، وما بيّن من رضاه وسخطه مع الذي حذر من نفسه، وشدة عقوبته، وعداوته من الأليم المستأصل من عذابه.
ومنها: وقد فرع الله لمن الحكم في ذلك.
ومنها: وبلغ بهم قولهم ذلك إلى أن يكذبوه إلى عرشه، وبطلوا ما قدم إلى رسله.
ومنها: والقوة لله وبه.
ومن سيرة القاضي أبي زكريا إلى أهل حضرموت:
ولقد لقي أنبياء الله من الصغار والذل والبؤوس والقتل ما لا أحسبه تخفى عليكم أخباره. (2/189)
صفحة 508
ومن سيرة لمحمد بن محبوب:
إلى إمام حضرموت أحمد بن سليمان في رضا الغفور لراحة القبور.
ومنها: وقطع رحم الإسلام.
ومنها: وهدمت من الإسلام حصونه، وفقئت عيونه.
ومنها: أفأمنتم من الله سطوته ومكره.
ومنها: ولم يدفعوا عن حرم الله.
ومنها: والدين مرذول.
ومنها: وأقرضوا الله أنفسكم ساعات يردها إليكم في الجنة خالدا، فاتخذ الذين أنكروا على عثمان أعوانا وأنصارا، وأسماعا وأبصارا.
ومنها: فقل شيء أدبر فأقبل.
ومنها: فقد اختبركم الله بهذه الفتنة.
ومنها: فأخبر عن قول نبي بني إسرائيل: يا رب إنك سلطت علينا هذا العدوّ الجبار، فانتهك المحارم، فأوحى الله إليهم، وينبغي أن يكون وحي إلهام، والله أعلم أني كذلك أفعل إذا غضبت على قوم سلطت من شر منهم.
ومنها: ولن تبرح من موضوعك راصدا لهم، وكائدا عن رعيتك، والله المكايد عنكم، والكائد لكم إن شاء الله.
ومنها: وانصروا الله ينصركم، وينجزكم ما وعدكم. (2/190)
صفحة 509
ومنها: أعز الله كلمتكم وشكر أعمالكم، وقوى دعوتكم، ورد إليكم نعمتكم، وأفلح حجتكم، وأثرى أموالكم، وكثّر على الحق رجالكم، وصدق مقالكم، ورضي آمالكم.
ورتق الله بكم الفتوق، وأعطى بكم الحقوق، وأحيا بكم سنة الصادق الصدوق، وأخمد بكم ذوي الفتنة والمروق، كان الله معكم، وجعلكم معه، وكان لكم وجعلكم له.
ودفع الله بكم الأعداء، وداوى بكم الأدواء، وأوضح بكم سبيل الهدى، أدام الله ستركم، وأعز نصركم وقوى قلوبكم، وطهر عيوبكم ومكن الله بكم الإسلام، ووصل بكم الأرحام، وجلى بكم الظلام.
وشد الله أزركم، ووضع وزركم، أنار الله بكم الشرع، وأطفى بكم البدع، وسكن الله بكم الروعات وأذهب بكم الفزعات، حقن الله بكم الدماء، وجلى بكم العمى، لا أراكم الله سوءا، ولا أشمت بنا ولا بكم عدوا.
حمد الله أمركم، ومدح أثركم، ورفع قدركم، وقوى صبركم، وشكر شكركم، وأعاذكم جور المسالك، ومحل المهالك، وأحلنا وإياكم دار السلام، مع الحور في تلك الخيام، وفعل ذلك لنا ولجميع المسلمين أنَّى كانوا آمين آمين رب العالمين.
مكر بأعدائكم، وكادهم بكيدهم المتين، وأتى قواعدهم من حيث لا يشعرون، وفعل ذلك بأعدائنا وأعداء المسلمين، وبلغنا وإياكم إلى جزيل الثواب.
ومن سيرة أحمد بن سليمان إمام حضرموت:
ختم الله لنا ولكم بالشهادة والسعادة، والمغفرة والرحمة. (2/191)
صفحة 510
ومن سيرة لموسى:
إلى الإمام فجنبنا الله وإياكم وإيانا من ذلك عسره، فإنا لرحمته راجون، وإليه محتاجون.
ومنها: من أولها أوصيك ونفسي بتقوى الله، وحفظ ما استحفظك من أمانته.
ومن سيرة خلف بن زياد البحراني:
غير أن جملتها أن الله ما ادعى، وأنه برئ مما تبرأ، وأن جميع ما قال في جميع الأمور حقا، كما قال، فاتقوا الله بحقه فأدوه إليه، ولتحضركم في ذلك نياتكم باتقاء عذاب الله، والتعظيم لسخطه في التضييع لحقه.
ولتحضركم نياتكم بابتغاء الوسيلة إليه، والنجاة عنده في أداء حقوقه إليه، وفي اتقاء نهيه، فإن الله لا يقبل الطاعة إلا على ذلك من النية.
ومنها: والقوة لله، ولا قوة إلا بالله.
ومنها: فاعلم أن له الحق والأمر في الخلق، وأن له السمع والطاعة في السمع، وأن له الحق والعبودية بالحق.
ومنها: والله المستعان على ذلك.
ومنها: تعالى الله وتجبر.
قال المضيف:
عرفت أن تجبر لا يجوز، والله أعلم.
ومنها: ولكن لمن أقر بالأحكام حرمة تحجر بها من الله. (2/192)
صفحة 511
ومن غيره:
وعن أبي عبيدة وأبي مودود: والله رفيق يحب الرفق.
قال غيره:
قوله رفيق يحب أن ينظر فيه.
ومنها: فإن الرحماء في الله وفي الإخوان فيه هم أهل التجاوز، وكظم الغيظ، ودفع السيئة بالتي هي أحسن، فتعلموا أخلاق الصالحين، واقبلوا أدب الناصحين.
* مسألة:
نسخة فصل من أبي مودود حاجب إلى أبي الحسن: استعنت بالله لنا ولك.
ومنه، واسأله أن يكيد عنك، وأن يحفظك، وأن يشهد الله منازل ضعفك، وجندك جنودا من أهل السماء، وأولياء طاعته من أهل الأرض حتى لا يستطيعك أحد من أهل الباطل، ولو بالجنود، ولو اجتمعت وحتى لا ينالك كيد كائد باغ مسر ولا معلن، فصل المالك للأمر، القاهر فيه الخلق القادر فيه على ما يريد.
فصل
وهذا إلى أهل عمان في زمن أبي عبيدة من ذلك، وما حمد من ذكره في ملكه بالمنزلة التي انتسب بها إلى خلقه، فيحمد بها، وعزز بها نفسه، وتعالى بها، وعظم بها شأنه، من العلي والعظمة، والكبرياء والجلال، (2/193)
صفحة 512
والعزة في سلطانه، والعدل منه في عزته، والقدرة على ما شاء من أمره فيمن شاء من خلقه، والعفو في قدرته عليهم عمن شاء منهم، ثم لا يؤوده.
فهو الأول البديع المبتدع الخالق كل شيء، البارئ المصور الخالق على غير مثال، وهو الآخر بعد هلاك كل شيء، وهو الظاهر بالعزة التي لا ترام، والملك العظيم الدائم بسلطان المقدرة القاهر.
وهو الباطن اللطيف الخبير في العلم، المعين الذي لا يبرز، فأحق من القسم لذلك، ولما لا يحضر من مناسبة العالية الكريمة الجليلة، غير أن جملتها أن له ما ادعاه، وأنه برئ ما برئ منه، وإنما قال في الأمور كما قال.
منها: الحول بالله والقوة منه.
ومنها: نسأل الله الملك الحق، لا إله إلا هو رب العرش الكريم، أن يوفقنا وإياكم للتي هي أقوم، وأن يعصمنا من شبهات الضلالات، ولبس الفتن، وريب الأمور الزائفة عن العدل.
ومن سيرة موسى بن جابر:
إن الله اصطفى التقوى واختصها، وتولى أهلها عليها.
ومنها: والإسلام شرعة الله ودينه في الأولين والآخرين بقوله: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} الآية.
ومنها: والله طالبه إليه، وسائله عنه.
ومنها: وما طلب الله إلينا من البيان، والنظر لغيرنا وأهل ديننا. (2/194)
صفحة 513
ومنها: وقام مقامها يخطب أهلك فيه نفسه، والله طالبه إليه، وسائله عنه.
* مسألة:
ويجوز أن يقال: ذهب الله بأصل كذا وكذا أم لا؟
الجواب:
في ذلك إن كان شيئا قد أهلكه الله، فقال ذلك على وجه الإخبار، فلا بأس بذلك، وكذلك إن دعا بذلك على أحد من أعدائه، فقال: ذهب الله بنفسه، أو بسمعه، أو ببصره؟
قال: لا بأس بذلك، وبالله التوفيق.
* مسألة:
يجوز أن يقال ما أحلم الله وأكرمه أم لا؟
فأكره الكلام بذلك وعليه أن يصف الله أنه حليم كريم.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
قد قيل: لا يجوز ذلك، لأنه من التعجب. رجع.
* مسألة:
يجوز أن يقال رضيت بما رضي الله لي أم لا؟
إذا أراد بذلك رضيت بما يعطيني الله من جنته وثوابه، لأن رضا الله هو ذلك، فعلى هذا المعنى لا بأس بذلك. (2/195)
صفحة 514
* مسألة:
يجوز أن يقال كسح الله بأثر فلان إذا ممن يظلم الناس ويؤذيهم أم لا؟
لا أرى ظاهر اللفظ يصلح، وإذا أراد بذلك أهلكه الله فلا أراه مأثوما.
* مسألة:
يجوز أن يقال: لطف بنا أم لا؟
بل جائز ذلك، وبالله التوفيق، قال الله تبارك وتعالى في سورة يوسف: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}.
* مسألة:
يجوز أن يقال: كل بالله لاحق أم لا؟
بل جائز ذلك على معنى أنه لاحق بحكم الله فيما له أو عليه من مسيء أو محسن.
* مسألة:
وفيمن يقول: رأيت الله يقول كذا وكذا يكون آثما أم لا؟
لا إثم إذا أضمر بقوله: إني علمت أن الله قال: كذا وكذا، وليس في المعقول أنه يقول: رأيت الله إدراكا منه ببصره، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
لأن الرؤية قد تكون على ضربين: رؤية بإدراك البصر، ورؤية بالعلم، ألا ترى إلى قول الله تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} أي ألم تعلم. (2/196)
صفحة 515
باب
في التفسير والتوحيد ونحوه
وقال في قول الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} قال: ليس في قلبه إلا الله وأمره خالصا لا غير ذلك، وإلا فالهلاك على معنى قوله.
وذكرت في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} فقد وجدنا في التأويل في ذلك اختلافا.
قال من قال: إنها نزلت في أهل الكتاب خاصة أن ضلالهم لا يضر الذين آمنوا، الذين اهتدوا إلى الإسلام.
وقال من قال: وذلك المأخوذ به عن المسلمين لا يضرهم من ضل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا اهتدوا هم للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذلك يوجد عن أبي المؤثر رحمه الله.
ويوجد عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله إلى أهل حضرموت قال: إن أبا الصديق رحمه الله خطب الناس فقال: يا أيها الناس لا تتأولوا هذه الآية على غير تأويلها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعذاب» وكل هذا جائز من التفسير، وكله صواب، والله أعلم بتأويل كتابه.
وذكرت في قول الله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ} قلت: ما تأويل خبر أصحاب الأعراف؟ (2/197)
صفحة 516
فالذي وجدنا في جمل أخبار أهل التأويل، وكذلك عن ابن عباس: أن الأعراف هو السور الذي بين الجنة والنار، ويسمى الأعراف، وأما أهل الأعراف فالله أعلم بهم.
وقد جاء في الحديث عن ابن عباس وغيره: أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فحسبوا على الأعراف بعد دخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار، يعرفون كلا بسيماهم، يعرفون أهل النار بسواد وجوههم، ويعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم.
وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب الجنة قالوا: سلام عليكم، قال الله تعالى: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} أي لم يطمعوا بدخول الجنة لاحتباسهم عن دخول الجنة عند دخول المقربين.
{وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} قيل: إنهم نادوا أصحاب النار يعرفونهم بسيماهم، اسوداد الوجود {قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} وهو كذلك لا يغني عن أهل النار مال، ولا جمع {أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ} يعنون بذلك أهل الجنة.
كان أصحاب النار في الدنيا يستهزئون بالمسلمين، ويحلفون لا ينالهم الله برحمة، وينحلونهم الضلال دينهم وفعالهم قال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ} {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} يعني بذلك أهل الجنة، ثم يدخلون بعد ذلك الجنة بعد احتباسهم، والله أعلم بتأويل كتابه.
وقد عرفنا من قول بعض الفقهاء أن الناس يوم القيامة ثلاثة: المقربون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال والله يفعل ما يشاء، ولا يعدو ذلك من أحكام الله أنه يفعل ما يشاء ويرفع عباده درجات في الدنيا والآخرة. (2/198)
صفحة 517
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه بعث جيشا من أصحابه، فيه رئيس المسلمين، منهم حمزة بن عبد المطلب وغيره، فرفعت له الأرض حتى وقعت الحرب بينهم، وكان كلما أخذ الراية رجل من أصحاب وقتل قال: قتل فلان رحمه الله إلى أن أخذ الراية عبد الله بن رواحة، فلما حصل إليه الأمر دخله شبه الجبن عن القتال، ثم قاتل بعد ذلك حتى قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قتل عبد الله بن رواحة، ثم وقف ساعة ثم قال: رحمه الله».
فعاتبه في ذلك بعض من الأنصار، فقال له: «جبن عن القتال، فحبس عن الجنة بمقدار ما دخل في نفسه من الجبن عن القتال، ثم أدخل الجنة، والله يفعل ما يشاء».
وهذا دليل على ذلك، ولا نعلم أن هذا الحديث يشك فيه أحد ولا يرده.
وأما ما يوجد عن أبي المؤثر رحمه الله فقال: الله أعلم بأصحاب الأعراف، من مات مصرا دخل النار، ومن مات تائبا دخل الجنة، فهذا قول أبي المؤثر، وهو قول صحيح، والله يفعل ما يشاء، وهو أعلم بعباده، وأعلم بتأويل كتابه.
وقلت: هل يجوز أن يقال: لله، أو يدعى يا حنان، أو يا برهان، أو يا سلطان، أو يا عاقل؟
فأما يا حنان فقد عرفنا في ذلك اختلافا:
فكره ذلك من كره، وقال من قال: لا بأس بذلك، لأن ذلك يخرج على وجه الرحمة بقول الله تعالى: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً} أي رحمة من لدنا، كذلك الحنان هو الرحمن على هذا. (2/199)
صفحة 518
وأما برهان: فالبرهان هو الحجة، والله ذو الحجة، لا يقال الحجة، وبرهان الله ولا يقال: هو الحجة، ولا البرهان.
وأما السلطان: فهو القدرة، والله ذو القدرة وهو القادر، ولا أحب أن يقال: الله سلطان، ولا برهان، ويقال يا ذا السلطان، ويا ذا البرهان، وقال تبارك وتعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ}.
وأما يا عاقل: فلا يحسن معنا أن يسمى الله بهذا، لأن هذا من أسماء المخلوقين.
وقلت: في قول الله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} فقد وجدنا في التأويل: أنه أبو جهل بن هشام والزبانية هاهنا زبانية نار جهنم فيما سمعنا، والله أعلم.
وذكرت في قول الله تعالى: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً}.
قلت: أيلزم من قراء قصته أن يبرأ منه؟
فعلى ما وصفت، فعلى ظاهر الآية في القراءة فلم نعلم أنا وجدنا ذلك عن أحد من المسلمين، ولا حفظناه عن أحد أنه يلزم البراءة منه بظاهر الآية.
وقد عرفنا من قول الشيخ أبي الحسن رحمه الله في أصحاب الجنة الذي قصتهم في سورة (ن والقلم)، فكان من مذهبه فيهم أنهم تابوا، وأنهم من أهل الجنة، الولاية في آخر خبرهم في آخر القصة في كتاب الله، وقال: إنه يسع من لم يعرف خبر توبتهم أن يتولاهم إلا على الشريطة، ويسعه جهل ذلك إذا دان فيهم بما يلزمه مما قد بلغت إليه معرفته من قصتهم. (2/200)
صفحة 519
فإن كان الذي قد صح معه من أمرهم موجبا عليهم ولا يتهم قطعا، تولاهم على ذلك، وإن كان الذي بلغه من قصتهم في أول القصة بلغ بهم إلى العداوة قطعا عاداهم على ذلك.
وكذلك عرفنا عنه في قصة هارون وماروت أنه يسعه جهلهما على الشريطة فيما يلزمه فيهما من ذلك.
وكذلك أحسب قال: من جاء فيه في كتاب الله أمر الله ليس بمصرح في ظاهر التنزيل، فإنما يصح أمره في التأويل لما لم يصح معه التأويل، ولا يشك في ذلك، فواسع له الدينونة في لذلك بالشريطة على سبيل ما وصفت لك.
وكذلك عرفنا من قول أبي عبد الله محمد بن روح رحمه الله، في أبي جهل بن هشام، أنه نزلت فيه هذه الآية: {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ} فقال على معنى قوله إنه أبو جهل بن هشام، ثم قال: على من صح معه أنه أنزلت فيه هذه الآية، فعليه أن يبرأ منه قطعا، ويشهد أنه من أهل النار.
ومن لم يعرف ذلك فعليه أن يبرأ منه بظاهر أمره، ومن لم يصح معه ظاهر أمره، ولا ما نزل فيه، فليس له ولا عليه أن يبرأ منه باسمه وعينه، وأشباه هذا في كتاب الله مما عرفنا في تأويله، وليس بلازم من لم يعرف تأويل ذلك.
كما أنه قد قيل: إن هذه الآية نزلت في عائشة أم المؤمنين عليها السلام: {الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} إلى آخر الآية إلى قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. (2/201)
صفحة 520
ووجدنا عن أبي عبد الله رحمه الله أنه قال: وأنا ممن يقول، أو ممن يشهد أن هذه الآية نزلت في عائشة، وليس على من لم يعلم ذلك أن يعلم فيه كعلمي، ويسعه جهل ذلك ما لم يصح معه ذلك، فهذا في اللزوم بالحكم الظاهر.
أما قولك: إنه لا يكون قتله للغلام إلا بالحق، فصحيح ذلك بلا شك أنه لا يكون القتل من أولياء الله وأنبيائه إلا بالحق، وعلى الحق، ولكن قد يحتمل أن يكون المقتول محقا، والقاتل محقا، وقد يكون ذلك في أحكام الظاهر من أحكام المسلمين.
فإن قال قائل: فإن ذلك قد يكون في أحكام المسلمين، لأن أحكام المسلمين إنما هي بما ظهر إليهم، وهذا قد نزل به القرآن، وفعله وليّ من أولياء الله، ممن قد صحت سعادته في كتاب الله، فلا يفعل السعيد إلا الحق.
فلما صدقت أنه لا يكون من السعداء والأنبياء بأمر الله إلا الحق -نسخة- بالحق، ولسنا نشك في القتل نفسه أنه الحق، ولا نقول أنه لا يلزم ذلك.
ولكنا لم نعلم ما لم يكن الوصول إلى معرفته إلا بالتأويل أن قد قرأ التنزيل، وجب عليه معرفة التأويل، إلا أن يكون التأويل مما لا يسع جهله من التوحيد، والوعد والوعيد، مما كان مما لا يسع جهله، إذا خطر بالبال، أو سمع ذكره، وقد يكون من السعداء والأنبياء، مما هو حق من فعلهم، ومحق من فعلوا ذلك.
ومن ذلك ما جاء به الأثر الذي لا نعلم أن أحدا من أهل القبلة يرده في قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنثه. (2/202)
صفحة 521
قال غيره:
لعله أراد أتته امرأة ورجمها على الزنى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمها بعد أن شهد لها بالجنة، أو رجمها وشهد لها بالجنة، فقد كان ذلك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحق من فعل به ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: فإن هذه إنما شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، إذ تابت وأقام عليها حكم الله ما استحقته ولم يسعه غير ذلك؟
قلنا له: صدقت بما به لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بتارك حدا قد لزمه إقامته، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم بشاهد لأحد بالجنة لاستغفاره بلسانه، ولا بإقراره بالإيمان بلسانه، ولا بأمره الصالح من شأنه، ولا بموضعه ومكانه، والله تبارك وتعالى يقول: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ}.
قوله: سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم بعد أن علم أن الله لا يغفر لهم.
فإن قال قائل: فإن قبل الله من النبي صلى الله عليه وسلم ليس بدال على الخروج مما نطق بالكتاب من قبل من قتله من أنبياء الله وأولياء الله، لأن هذه إنما قتلت على حد، وقد تابت من ذلك، وهذا الذي قد ذكره الله في كتابه من القتل لم يكن إلا بالحق؟
قلنا له: نعم قد قلنا إن أنبياء الله لا يكون منهم إلا بالحق، إلا ما يكون من زلات الأنبياء عليهم السلام، والصحيح أنهم (2/203)
صفحة 522
تائبون من ذلك، إلا أنه قد يمكن أن يكون القاتل محقا، والمقتول محقا، ويمكن أن يكون المقتول مبطلا، والقاتل مبطلا، وقد صح ذلك في كتاب الله في الأنبياء عليهم السلام.
فأما ما جاء في ذلك من حق القاتل والمتقول مما أخبر الله عن إبراهيم عليه السلام في ابنه، وما ابتلاه به فيه، وما أراد من ذبحه تقربا إلى الله بذلك، وهو طفل لا ذنب عليه من غير أن يجب عليه حد من حدود الله، ولا حق من حقوق الله إلا ما ابتلى به إبراهيم، وذلك قول الله عز وجل: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ}.
لما أراد إبراهيم بإجراء الشفرة عليه من بعد أن أسلما جميعا لأمر الله وتله للجبين إلا لذبحه، ولو ذبحه صلى الله عليه وسلم لكان إبراهيم محقا في ذلك ولو لم يستسلم إبراهيم لأمر الله، ويذبح ابنه كما أمره الله لكان مبطلا، ولكن حاشاهما من ذلك وقد علم الله صدقهما وإرادتهما، وما يبلغان إليه من سابقتهما.
وكانت طاعة الله لازمة لإبراهيم عليه السلام، وذبح ابنه ابتلاء منه له بذلك، كما جعل الله طاعته على الملأ من بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام أن يقتلوا أنفسهم، إذ ظلموا أنفسهم باتخاذهم العجل فقال: {فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} فلما قتلوا أنفسهم كان ذلك توبة الله عليهم، وكانت تلك طاعة عليهم يبتلي الله خلقه بما يشاء.
ولو أن رجلا من المسلمين رأى أحدا من المسلمين يقتل نفسه، وهو صحيح العقل كان بذلك عنده من الكافرين، ولم يكن ذلك محتملا عندنا (2/204)
صفحة 523
أن يكون ذلك توبة له، لأن ذلك ليس من ديننا، وذلك منسوخ في كتاب الله وشريعة دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ولو أنه رأى رجلا مسلما يقتل رجلا مسلما لا يعرف على ما يقتله، كان القاتل والمقتول معه في الولاية، لأن ذلك محتملا في شريعة دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يبتلي عباده في القتل لأنفسهم ولغيرهم من صغير أو كبير بما يشاء، فيكون ذلك الابتلاء من الله رحمة القاتل والمقتول، أو رحمة للقاتل وعقوبة للمقتول، والله يفعل ما يشاء في عباده.
والاحتجاج في هذا من كتاب الله دال على الصواب على سلامة من لم يصح معه تأويل ذلك، هذا كثير من كتاب الله، والله أعلم بجميع تأويل كتابه.
وأما ما هو خطيئة من الفاعل ورحمة للمفعول، كما فعل بنو يعقوب عليهم السلام بأخيهم يوسف عليه السلام، وهم أنبياء الله وخيرته، وليس هذا بقدوة من بني يعقوب، ولا كان ذلك منهم صوابا، فهؤلاء أنبياء ويوسف صبي، وإبراهيم نبي، وابنه صبي.
وكان فعل هؤلاء في أخيهم لعله يشبه بما فعل إبراهيم في ابنه، وإن كان فعل إبراهيم أوحش أن لو كان باطلا مثل فعل بني يعقوب، لأنه ما أراد بإجراء الشفرة في حلقه إلا ذبحه، وليس بعد إجراء الشفرة إلا الذبح.
وهؤلاء عليهم السلام، وإن كانوا قد فعلوا عظيما من الأمر في إلقائهم إياه في الجب، فإنهم لم يقصدوا إلى ذبحه، بل قد كان من قول بعضهم ليلتقطه بعض السيارة، فرأوا أن التقاط السيارة إبقاء عليهم وعليه، ولم يقصدوا منهم بالعمد إلى قتله، فكان هذا من فعل الأنبياء خطأ وزلة. (2/205)
صفحة 524
وكان الذبح من فعل إبراهيم طاعة لله، وتقربا إليه، وهكذا حكم الله في عباده، لأن جميع عباده قد حكم عليهم بالزوال، وأجرى عليهم الانتقال من حال إلى حال، لأنهم له وعبيده، القاتل منهم والمقتول، والمحق منهم والمبطل، يتوفاهم في بطون أمهاتهم، وفي أيدي الأحوال شاء من حالاتهم، والوصف في هذا يتسع ويطول والله الموفق للصواب.
وأما ما يصح من ذلك في كتاب الله من خطأ القاتل والمقتول، فما فعله موسى من قتل عدوه من غير أن يأذن الله له بذلك، ويأمره به، وإن كان المقتول عدوا لله ولموسى كان قتله له من غير أن يأذن الله له بذلك بمنزلة الحاكم إذا وجب على السارق قطع يده، فرجمه الحاكم تقربا إلى الله، وقال: هذا معي أشد من الزنا، لأن هذا الزاني إنما ذنبه فيما بينه وبين الله على مطاوعة من الزانية له.
وهذا قد انتهك حصنا من حصون المسلمين، فهذا أولى بالرجم فرجمه على ذلك، وقال: هذا حد من حدود الله.
وكذلك إن كان على موسى أن يسخط لله، ويعادي عدوه، فإنه غير مأذون له في قتله، إذ هو عدو لله وله.
ولا يسع جميع خلق الله فيما تعبدهم في خلقه وفي جميع أمره ونهيه إلا بالحق، ولا يضيق على أحد من خلق الله فيما تعبده الله به إلا بالخروج من الحق، وإنما هذا كله جواب فيمن لم يعرف الآية، ولا يصح معه أمرها، والله أعلم بتأويل كتابه.
وأما تأويل الآية فقد عرفنا في ذلك مما وجدنا في التأويل في هذا أن المقتول كان كافرا، وفي التأويل أنه في قراءة أبي بن كعب رحمه الله: وأما الغلام فكان فاجرا، هكذا وجدناه في التأويل، يروى أنه من قراءة أبي بن كعب. (2/206)
صفحة 525
وأما الغلام فكان فاجرا، يقطع الطريق، وكان أبواه مؤمنين، أي وكان أبواه في التأويل ذوي منزلة وشرف، وكان ولدهما ذلك يفسد الطريق، ولعله ينتهك المحارم، ثم يلجأ إليهما لموضع شرفهما، فيمنعانه، ويحلفان بالله إنه ما كان منه ذلك، قال الله تعالى: {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي يعلمنا أن يرهقهما ذلك الحلف طغيانا وكفرا، أي فعلم ذلك.
وفيما وجدنا أن في قراءة أبي: فعلم ربك أن يرهقهما ذلك الحلف طغيانا وكفرا، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة، وأقرب رحما.
ففي التأويل أنه رزقهما الله من بعد قتله جارية، والله أعلم كانت صديقة أو ما قد كانت، إلا أنه أحسب أنها كانت صالحة، فتزوجت فولدت نبينا من الأنبياء فتاب على يديه أمة من الناس على حسب ما عرفنا في تأويل هذه الآية، والله أعلم بتأويل ذلك وجميع الحق والصواب.
وقلت: إن سأل سائل عن الله تبارك وتعالى أين هو وعلى ما هو؟
فالذي وجدنا في هاتين المسألتين من قول المسلمين إن قال لك: أين إلهك فقل: هو خالق للأين كان الله، ولم يكن الأين حتى خلق الأين، ثم كان المكان، وكان الأين فبأينيته الأين صار أينا.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
الذي عرفنا فبأينيته للأين. رجع.
فهذا ما وجدنا في هذه المسألة، وهو قولنا وديننا، ولا يجوز على الله الأينية، لأن الأين إنما يقع على محدود، ولا يجوز على (2/207)
صفحة 526
الله التحديد، لأنه من قال: أين فقد أشار إلى تحديد الله في مكان دون مكان، والله لا تحويه الأماكن، ولا تخلو منه الأماكن، ولا يوصف بمكان دون مكان، ولا يقع عليه إشارة ولا يدركه عيان، فتعالى الله عن صفة خلقه وبان.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
الباري تعالى ليس ببائن، ولا متصل، ولا منفصل، ولا مجاور ولا ممازج. رجع.
وأما قوله على ما هو تبارك وتعالى، فقد وجدنا في ذلك أنه إن قال: هو على الشيء، أو الشيء عليه فقل: لو كان على الشيء لكان الشيء أقوى منه، لأن الشيء يحمله، والحامل أقوى من المحمول عليه.
فإن قال لك: فالشيء عليه، فقل لو كان الشيء عليه لجاز أن يقال: إنه أسفل، لأن المحمول يكون فوق الحامل، والحامل أسفل من المحمول، فهذا الذي وجدناه، وهو قولنا وجوابنا، ولا يجوز هذا على الله، وإنما عاد الله على جميع الأنبياء بقدرته، واستعلى عليها بعظمته، وبطنها بخبرته، واستولى على جملتها بإحاطة علمه، لا يشبه الله بشيء من الأشياء في جميع صفته {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.
وقول الله تبارك وتعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} إنما هو خبر أخبر به بذلك عن صفته تبارك وتعالى أنه {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} فلا يجوز النسخ في خبر الله، ولا في صفة الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فإذا جاز النسخ في آية {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} من صفته جاز النسخ في آية {عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وآية: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. (2/208)
صفحة 527
وإذا جاز في هذا جاز في قوله: أنه (أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) تعالى الله علوا كبيرا.
والكلفة في هذا وفي مذهبه حقيقة، والمؤنة هينة.
وقال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
وجدت الحجة على من قال منهم: إنه إنما لا تدركه الأبصار في الدنيا وأن الباري عنى بقوله حينئذ الحجة عليهم، إن كان الباري عنى بقوله ذلك في الدنيا، ولا في الآخرة، فهو لا يطعم، إنما هو في الدنيا، وأنه على كل شيء قدير في الدنيا، ولم يكن له كفوا أحد في الدنيا، وأمثال هذا من أخبار الباري التي أخبر بها عن نفسه.
فلما أن كان لم يكن ذلك، وكان قوله عاما في الدنيا والآخرة، دل ذلك أنه لا يرى في الدنيا والآخرة غذ مدائح الله لا تزول في الدنيا ولا في الآخرة، ونحو هذا وأمثاله مما يحتج به عليهم. رجع.
وأما معنى قوله: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} فالذي معنا أنه وجاء أمر ربك والملك صفا صفا، وهكذا خبر الله عن يوم القيامة أن الملائكة تكون يوم العرض صفوفا، ويأتي أمر الله بما قد حكم وقضى وقسم من أهوال يوم القيامة فقال: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ} أي ثمانية صفوف.
وقال تعالى: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} وفي التأويل في صفة يوم القيامة وأخبارها يطول به الكتاب.
والمعنى في قوله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ} إنما هو: وجاء أمر ربك، كما قال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ}. (2/209)
صفحة 528
المعنى في ذلك: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله في ظلل من الغمام، لأن أمر الله إنما تنزل به الملائكة في الدنيا وفي الآخرة، كما قد قدره الله وأراده من غير عجز من الله عن ذلك، ولكن تقديره وتدبيره تبارك وتعالى.
فإن قال قائل: فإنما ظاهر الآية إنما هو قال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ}.
وقال: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} ولم يقل هاهنا أمر الله، فإنما ذلك قولكم أنتم.
قلنا: كذلك قول الله فيمن أنزل به العذاب والعقاب في الدنيا، فقال تعالى: {فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ} وقال: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} فيجوز على الله أن يكون هو الآتي في الدنيا، كما يجوز أن يكون هو الآتي في الآخرة، أو لا يجوز ذلك في الدنيا، ويجوز في الآخرة، بل لا يجوز عليه ذلك في الدنيا ولا في الآخرة، والحجة في هذا واضحة من كتاب الله بما يطول به الكتاب، والله أعلم بتأويل كتابه، وهو أعلم بالصواب.
وذكرت في قول الله عز وجل: {وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ} قلت ما النذير؟
فقد عرفنا في ذلك أنه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قيل في بعض التأويل: إنه الشيب، والقول الأول أصح معنا.
وقد يوجد أن الشيب يسمى النذير، أي نذير الموت، فلما أن كان الشيب إنما هو نذير الموت، فقد تقدم الحجة لله على عباده إذا بلغ الحلم من قبل أن يأتيه الشيب، وقد يمكن أن يكون الشيب فيما هو مخصوص منه في ذلك، لأنه قد وجدنا في التأويل في هذه الآية: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ}. (2/210)
صفحة 529
فقال من قال: عشر سنين.
وقال من قال: اثنتا عشرة سنة.
وقال من قال: عشرون سنة.
والمعنى هاهنا قيام الحجة على المرء بقيام عقله، وبلوغ سنه، فإذا بلغ سنا، وكمل عقلا، فذلك العمر الذي تقوم لله عليه فبه الحجة، ولو عصى الله بعد ذلك طرفة عين، ولم يعمر غيرها، ثم مات على ذلك كان مقطوع العذر هالكا بمعصيته بعد بلوغ سنه، وكمال عقله، شاب أو لم يشب.
فصح معنا أن هذا القول هو أصح القولين من التأويل، وإن كان ذلك القول الآخر يخرج على تأويل الحق لمن تأول ذلك على معناه، وفي معناه، والله أعلم بتأويل كتابه، وبجميع الصواب.
وذكرت في امرأة أبي لهت من قرأ سورة (تبت) {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}؟
قلت: أيلزمه أن يبرأ منها؟
فليس معنا أن ظاهر الآية في التنزيل مما يوجب عليها البراءة، وإنما ذلك في التأويل.
فكل ما كان إنما يصح حكمه من طريق التأويل، ليس من طريق التنزيل، فليس على من لم يعلم التأويل في ذلك لزوم علم التأويل، إلا أن يبلغ إليه علمه إذا دان بالشريطة في التأويل بجميع ما يلزمه من تأويل التنزيل.
وإنما قيل في ذلك في معنى التأويل قوله: {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} أي (2/211)
صفحة 530
حمالة النميمة، ففي التأويل أنها كافرة في صحة التأويل، وأما في ظاهر التنزيل فليس ذلك على من غاب عنه، والله أعلم بتأويل كتابه.
وكذلك قلت في السامري، وكذلك أيضا في السامري هو معنا في ظاهر الآية كافر ليس في التأويل، فمن عمي عليه ذلك من أجل إذ ليس في ظاهر الآية لزوم الوعيد بلزوم العقوبة في الدنيا، والوعيد في الآخرة، فدان في ذلك بما يلزمه في ذلك، وبرئ منه في الشريطة جاز ذلك له، ولم يضق عليه.
وأما القطع بالبراءة منه، فذلك لازم من وقف على تفسير التنزيل لزوم البراءة.
وإنما تكون براءة المتبرئ منه على ما أراده الله فيه من صفته تلك، إذا لم يصح معه فيه أكثر من ذلك؟
وأما التسعة الرهط، فأولئك معنا ألزم أمرا في البراءة، وأوضح كفرا، ولا يسع جهلهم معنا، لأن في ظاهر الآية لزوم العقوبة لهم، والكفر لازم، ولا يسع جهلهم من وقف على تعبير أمرهم، والبراءة منهم براءة حقيقة بالشهادة على ما صح في كتاب الله فيهم، والله أعلم بالصواب.
وذكرت في قول الله عز وجل: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ}؟
فالذي وجدنا في التأويل في تفسير ذلك أنه ما يفعل بكم ربي هو معناها: ما يعبأ بكم لولا دعاؤكم، أي لولا عبادتكم فهكذا وجدنا، والله أعلم بتأويل كتابه.
وقلت: فيمن يقول بالرؤية وزعم أن هذه الآية {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} منسوخة، نسختها: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}؟ (2/212)
صفحة 531
وقلت: ما الحجة عليه في ذلك؟
فاعلم -رحمك الله- أن هذا المتأول لهذا التأويل مفحش في القول، حائر عن سواء السبيل بإجماع من أهل التأويل على خطئه، لأن أهل العلم بالتأويل مجمعون لا نعلم بينهم اختلافا، فإن المنسوخ لا يجري من القرآن إلا على حرفين لا غير ذلك في الأمر والنهي، ولا يجوز النسخ على الوعد والوعيد، ولا الأخبار ولا على الأمثال.
وعلى هذا جاء الصحيح من القول: إن القرآن نزل على ستة أحرف على الوعد والوعيد، والأخبار، والأمثال، والأمر، والنهي لا غير ذلك.
والوعد والوعيد، والأخبار والأمثال ممتنعة عن المنسوخ، وإنما يجري الناسخ والمنسوخ على الأمر والنهي لا غير ذلك، على هذا أجمعت الأمة لا يجوز لهم غير ذلك، لأنه إذا جاز النسخ في الوعد والوعيد على الموعد والمواعد، فلا يجوز ذلك إلا من عجز من صاحب الوعيد.
لأن من وعد ثم لم يصل إلى وعيده، أو رجع عن وعيده، فلا يجوز ذلك منه، إلا عن عجز ما أوعد، وكذلك الوعد لا يكون من واعد يقصر في وعده، إلا من خلف من عدم أو بخل، والله برئ عن البخل والعدل، بل هو الصادق في وعده ووعيده، الغني الذي لا يفتقر، الكريم الذي لا يبخل.
وكذلك لا يكون الخبر من الصادق إلا بما هو صدق لا كذب فيه، وعلم لا جهل فيه.
كذلك لا يضرب الله الأمثال عبثا ولا لعبا، تعالى الله علوا كبيرا. (2/213)
صفحة 532
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
هم إنما يقولون إن تركه للوعيد بعد أن أوعد تكرما لما يشاهدونه من حياء تركهم، واحتجوا بقول الشاعر:
وإني وإن أوعدته ووعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فقيل لبعضهم: أفليس يسمى هذا مخلفا؟
فقال: بلى أفيسمى الباري تعالى مخلفا، فانقطع.
وأما الدليل: تثبيت الوعيد أنه لو كان في الأخبار، لآل ذلك إلى تكذيب الباري تعالى، وذلك أنه إذا قال: يكون كذا، ثم لم يكن ذلك على ما أخبر به كما أخبر كان كاذبا، ولا يكون صدقا من البارئ تعالى إلا بوقوع الوعد والوعيد بمن توعده البارئ أو وعده.
وإنما كان النسخ في الأمر والنهي لتدبير البارئ في خلقه بما هو خير لهم، إذ هم أعلم بهم من أنفسهم، فقد يعلم البارئ تعالى الخير للعباد في الشدة، فيأمرهم بها، كالقتال يوم بدر ونحوه لما أراد لهم من النصرة بعدوهم، ثم يخفف ذلك عليهم، وينسخه ونحو ذلك تدبير البارئ تعالى لعباده.
وأما الأخبار فليس فيها تدبير للعباد، إما الصدق فيما أخبروا، وإما الكذب فيما أخبر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
لأنه تعالى يقول: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً} والحجة في ذلك تطول.
كذلك لا يضرب الله الأمثال عبثا ولا لعبا، تعالى الله علوا كبيرا. رجع. (2/214)
صفحة 533
وذكرت في رجل خطر بباله اليهود، وعرف أنهم مكذبون بكتابنا ونبينا، فشك في البراءة منهم، قلت: أهو هالك أم لا؟
فعلى ما وصفت، فهذه صفة لا يسع جهلها، وقد وجدنا في الأثر عن محمد بن محبوب رحمه الله، أن الشاك في شرك اليهود شاك في الحق، ضال عن سواء السبيل، وهو كذلك، لأنه متى وسعه الشك فيمن كذب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد وسعه الشك في الجملة.
لأن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، والتصديق به من الجملة التي لا يسع جهلها ولا الشك فيها، وعلى هذا معرفة ضلالة من كذب النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك من كذب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يسعه الشك في ذلك، فمتى شك هلك، لأنا مما عرفنا من صحيح الآثار من قول المسلمين: أنه كلما لم يسع جهله ولا الشك فيه، ولا يسع جهل الشاك فيه جهل ضلالة من شك فيه، لأنه كما لم يسعه هو الشك فيه.
كذلك لا يسعه الشك في ضلالة الشاك فيه في المنزلة التي لا يسع فيه، ولا يسع جهل ضلالة الشاك فيه، والله أعلم بالصواب.
ولا يسع الشك في ضلالة الشاك فيما لا يسع جهله في تفسير الجملة، أو في الرد لشيء من الجملة ولا الإنكار لها، أو الشك في الشاك فيمن ردها، أو شيء منها، وغير منفس في السؤال عنه، وعليه أن يعلم ضلالة هذا الذي عرفنا، وبه نأخذ، ولعله قد قال من قال غير هذا، والله أعلم بالصواب.
وقلت: وكذلك من خطر بباله الجنة والنار، والبعث وجهل ذلك، ولم يعرفه هذا فشك أن لله جنة أم لا، ولم تقم عليه بذلك حجة من كتاب الله ولا سمعه من أحد. (2/215)
صفحة 534
قلت أيسعه الشك حتى يسأل عن ذلك، أم هو هالك؟
فالذي عرفنا أنه لا يسعه جهل ذلك إذا خطر بباله، أو سمع بذكره، وعرف معناه لم يسعه جهل ذلك.
وكذلك إن شك فيه وليه، ولم يعرف صدق منزلته، فلا يسعه الشك معنا في ضلالة من شك في ثواب الله وعقابه، وهو الجنة والنار على من تلزمه معرفتهما من قيام عقله على تفسير معرفتهما إذا خطر بباله ذلك، أو سمع بذكره وهذا مما تقوم به الحجة على من جهلها.
وقلت: إنك رأيت في بعض السير، ولا يجعل التضييع للفرائض من الأقرار بها، كترك العمل بها من الإنكار لها؟ قلت: ما أهل هاتين الصفتين؟
فالله أعلم بتفسير هذا من قول المسلمين، غير أنه جاء في الأثر أن التارك للفرائض التي افترضها الله على وجه الإقرار بفرضها بالتجاهل منه على تركها، وهو يدين بفرضها أنه كافر كفر نعمة، منافق فإذا تاب من ذلك لزمه حكم ما ارتكب مما ارتكب، أو ضيع من غرم، أو كفارة أو ما أشبه ذلك، وأن من ترك الفرائض على الدينونة منه بتركها.
فإن كان دينونة منه بالإقرار بفرضها مع الإنكار لتأويل الحق فيها، متأولا في ذلك، غير تأويل الحق، فهو أيضا كافر نعمة، منافق، فإذا تاب من ذلك فلا غرم عليه وكفارة فيما تلزمه فيه الكفارة من ذلك، إذا كان ترك ذلك على وجه الدينونة منه مع الإقرار بالتنزيل والإنكار للتأويل.
ومن ترك ذلك على وجه الإنكار للتنزيل، أو المنصوب من السنة، فهو بذلك مشرك حلال دمه.
فإن تاب من ذلك أهدر عنه ما ضيع من ذلك في حال شركه، فهذا معنا تفسير هاتين الصفتين. (2/216)
صفحة 535
قلت: ووجدت: لا يجعل ركوب المعاصي بميلولة في الهوى وشهوات الأنفس والتحريم لها والمعرفة لما ركب منها، مثل ركوبها واستحلالها، والكفر لما أنزل من تحريمها، ولما أوجب من الحدود فيها؟
فعلى ما وصفت، فأما الصفة الأولى فقد مضى الجواب فيها، وأما هاتان الصفتان فإن المنكر لما أنزل في تحريمها منكرا للتنزيل، فهو مشرك، وقد مضى القول في حكم المشرك.
وإن كان مقرا بالتنزيل، منكرا للتأويل فهو منافق، وقد مضى الحكم فيه.
وأما الصفة الثانية: فهم أيضا منافقون، يجري عليهم حكم أهل التحريم فيما يلزمهم من ذلك من أحكام أهل التحريم، من إقامة الحدود، وأخذ الحقوق.
قلت: ورأيت في بعض الآثار: أول المعرفة من الله ومني الاضطرار، ولابد أن يخلق لهم من المعرفة التي بها يكتسبون ما يلزمهم من معرفة الله ودينه.
قلت: فما المعرفة الأولى خلق والثانية اكتساب؟
قال غيره:
لعله أراد قال: فالمعرفة الأولى خلق والثانية اكتساب.
قلت: وما هذه المعرفة التي هي اضطرار، وكذلك المعرفة الأولى التي قال: خلق، والثانية هي اكتساب؟
فعلى ما وصفت فلم أقف على جملة معنى ما أرادت، غير أن المعرفة معنا معرفتان: (2/217)
صفحة 536
معرفة خلق كما قلت، وهو خلق الله للعقل الذي عقل به ونور العقل الذي اهتدى به العاقل فذلك خلق.
ومعرفة مخلوقة زائل حكمها عن اكتساب المخلوق، لأنها من تدبير الله خالصة، وليس للعاقل بها شيء من تدبيرها، ولا من أحكامها، ولا مسؤول عنها، لأنه متى زال نور العقل الذي عقل به، زال عنه حكم العقل، فهذا هو العقل.
والمعرفة الأولى وهو خلق، فكان حينئذ القلب، وإن كان آلة العقل التي بها عقل مع نور القلب الذي به اهتدى إلى العقل مضطرا إلى نور العقل، لأنه معدم للعقل عند زوال النور الذي به عقل، وزايل آلة العقل الذي بهق عقل، وهو القلب.
فلم يكن للقلب حكم مع زوال العقل، ونور العقل، فإذا عقل كان ذلك العقل مضطرا له، إلى معرفة ما أوجب الله عليه معرفته التي ألزمه إياها بما أوضح له من نور العقل من تدبيره، ومتى زال عقله، زال عنه حكم هذا الاضطرار الذي اضطر إليه، مع كمال عقله، فهذه هي المعرفة الأولى، وتفسيرها.
وأما المعرفة الثانية: فمن جميع ما اكتسب العاقل بعقله فيما عقل به، مما اضطر إليه بلزوم أو باختيار، فكان ذلك عقل مكتسب، فكل مكتسب فهو من فعل المكتسب له، وخلق الله له فلم يستغن العقل الأصل مع كماله من عقل الاكتساب.
لأنه لم يعقل حين كمال العقل إلا باكتساب يعقل الغزيرة عن مستغن عن عقل المادة، وعقل المادة غير مستغن عن عقل الغريزة، لأنه لا نفع لأحدهما بنفسه دون الآخر. (2/218)
صفحة 537
قال غير المؤلف للكتاب وغير المضيف إليه:
وقد قيل: إن معرفة الله تعالى لا تقع اضطرارا بل اكتسابا لأن المعرفة غير العقل، إنما تستجلب بالعقل، وقد نصب الله الدلائل لاكتساب معرفته بالعقل، وفي كتاب الله تعالى كثير من الآي، كقوله تعالى: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} الآية.
وقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} الآية.
وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا}، {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وغير ذلك في كتاب الله.
ففي معرفة الله اكتسابا هي أو اضطرارا اختلاف المسلمين. رجع.
وقلت: ما تقول في رجل ولى في سفر مع امرأة ليست له بمحرم، من بلد إلى بلد مسير يوم أو أكثر، أهو على ولايته، أو تزول ولايته؟
فعلى ما وصفت: فإذا غاب أمره في ذلك واحتمل أن يكون الجاه إلى ذلك الاضطرار، وأنها لحقته بغير إذنه، ولا رأيه فهو على ولايته في ذلك؟
والمؤمن محمول على حسن الظن، ما وجد له مخرجا، فإذا لم يكن له في ذلك محتمل مما يمكن فيه مخارج الحق فقد جاء الأثر بكراهية ذلك، أن يخلو الرجل بغير ذات محرم منه في سفر ولا حضر.
وجاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي «أن تسافر المرأة ثلاثا إلا مع ولي من أوليائها».
وجاء الأثر عن المسلمين أنه ينكر عليه ذلك، فإن لم يتب من ذلك، فأيسر ما يكون من أمره، أن يوقف عن ولايته، لأنه ليس له أن يسافر مع امرأة غير ذات محرم منه إلا مع جماعة. (2/219)
صفحة 538
وكذلك لا يساكن امرأة غير ذات محرم منه إلا من ضرورة، فإن الضرورة حال ليس في اختيار.
وقد جاء الأثر في الضرورة بالسعة فيما هو أكثر من المساكنة والمسافرة، وذلك مثل اضطرار المرأة إلى الرجل، والرجل إلى المرأة عن الغرق والحرق والحوائج من السلطان الجائر، وغير ذلك، والمؤمن في حال سعة مع المسلمين ما كان محتملا له.
وقد قيل: إن للمرأة أن تسافر مع الجماعة، ولو لم يكن معها ولي، ولو كان الجماعة غير ثقات، والجماعة معنا من الاثنين فصاعدا.
وقال من قال: ثلاثة فصاعدا، فهي وإن كان الأثر قد جاء بالكراهية لها أن تسافر إلا مع ولي والنهي عن ذلك.
وعن رجل لقي والده في الحرب، هل يجوز قتله؟
فقال: قالوا: يتواخى عن قتله حتى يلي قتله غيره من الناس، وإن قتله على ذلك باستحقاق لم يكن مأزورا على معنى قوله.
وعن رجل دعا على رجل أن يذهب الله ماله؟
قال: إن كان من أهل الولاية، أو ممن لا تجب عليه البراءة، فلا يجوز ذلك، وإن كان ممن يستحق البراءة بنفاق أو غيره، فهو حقيق بذلك، ولا أبقى الله له مالا يتقوى به على عمل معصية الله على معنى قوله.
وأما الذي عنده شيء من مال يقدر على الحجج إن حج واحتاج إلى التزويج، فإن تزوج لم يقدر على الحج؟
فمعي أنه قيل: إن كان يخاف على نفسه العنت من الحاجة إلى النساء، كان له أن يتزوج، وكان ذلك عذرا له، وإن قدر بعد ذلك على (2/220)
صفحة 539
الحج حج، وإلا فرجى له أن لا يلزمه شيء، وإن كان لا يخاف العنت على نفسه، وإنما يتزوج اختيارا فعليه الحج، وقد لزمه ذلك.
فإن تزوج ولم يحج كان عليه الحج دينا واجبا وإن حج فقد مضى عن نفسه.
والذي لا يجد الماء للوضوء إلا ماء بينه وبينه حتى يحتاج إلى المدافرة والمنازعة؟
فمعي أنه إذا كان يحول بينه وبينه ظالم له، كان له أن يحتج عليه، فإن اتقى في ذلك تقية، توسع بالتقية وخشي على نفسه، أو على ماله، أو على دينه، فأرجو أن يسعه ذلك.
وإن كان الذي بينه وبينه أرباب الماء، المعنى يحتاج إليه، أو هنالك شبهة فأولى به عندي التيمم بالصعيد وترك الدخول فيما فيه الشبهة، والمجاهدة والتعرض للأبدان بغير أمر واضح.
والذي أطلق دابة رجل من الذكران على دابته يطلعها؟
فمعي أنه في إطلاقه للدابة من رباطها، ضامن لها، وإن سلمت ورجعت إلى ربها وإلى حوزه، ولم يكن في ذلك مضرة على الدابة، وفي الدابة فلا يبين لي في ذلك ضمان إلا بمضرة، لأن أجرة الفحل لا تجوز، ولا يبين لي عليه أجرة.
وأما الذي ينبت النخلة فيجئ آخر فيأخذ النبات، فتقرفد النخلة أو لا تقرفد؟
فمعي أنه قيل: لا يلزمه ضمان إلا قيمة النبات بسعر البلد في نظر العدول. (2/221)
صفحة 540
وقال من قال: ما أضر عليه بسبب ذلك فعليه ضمانه، وأكثر القول عندي هو الأول.
وأما الذي أطنى نخلة وفي النخلة حجبتان؟
فمعي أنه قيل: إذا لم يشترط المطني أو المطنى له في الحجبتين شيئا، وإنما وقع الطناء على حمال النخلة فإن للحجبتين تسمية غير النخلة.
وأما من اتجر من الرهائن من يقعد عنه في هذا الارتهان أشهرا معروفة بأجر معروف، فأطلق قبل ذلك الأجل؟
فمعي أنه إذا لم يكن للمتجر في ذلك نفع يحصل له، فأرجو أن الأجرة في ذلك لا تثبت، وإن عناه بسبب ذلك عن رأيه، ودخلا فيه في ذلك، فللمتجر بقدر ما تعنى في ذلك برأي العدول، ولا يبين لي ثبوت ذلك، ولا الأجرة فيه.
وأما الثلاثة الذين وجه إليهم ثلاثة صرر دراهم، لكل واحد منهم صرة، وأخذ اللصوص صرتين، وبقي واحدة لا تعرف لمن هي؟
فمعي أنه يخرج في معاني بعض القول أنه إذا لم يعرف ذلك كانت بينهم على مالهم في الأصل إن كان مستويا في الوزن، كانت بينهم، وإن كان مالهم مختلفا، فعلى قدر كان واحد منهم، ومالهم يقسم بينهم بالأجزاء.
وقيل: لا يحكم لهم ولا عليهم فيها بشيء حتى يتفقوا هم على شيء، أو يصح بالبينة لمن هي منهم.
وأما الذي وجه إليه حرجاني فرض، فوصل إليه حرجاني بلعق، وقال له الذي حملها: إنهما له؟ (2/222)
صفحة 541
فمعي أنه بالخيار، إن شاء أخذهما بالحكم والإقرار، وإن شاء أخذه بماله على وجه ما يجوز من ذلك، وإما يأخذهما على الحكم بإقرار من هما في يده، إلا أن يعلم أنهما لغير الذي في يده، فقد يحتمل في ذلك رب مخرج لها في ذلك على ما وصفت لله، والله أعلم بالصواب.
وأما الذي وجه عليه وليه فهجره أياما لا يكلمه؟
فقد جاء الأثر: أنه إذا هجر أخاه ثلاثة أيام فلا ولاية له بذلك، وذلك إذا قصده بالهجران، والقطيعة واعتقد قطيعته.
وأما ترك كلامه له على وجه العتب، وهو مؤد لحقوقه معتقد مواصلته وولايته، فذلك شيء لا نحبه له، ولا تزول بذلك ولايته، وهو على ولايته، ولو لم يكلمه أكثر من ثلاثة أيام إذا كان وجه المعاتبة، فذلك شيء لا يعدم من الإخوان، والخاصة في هذا الزمان، والله المستعان.
وليس للمسلم أن يهجر أخاه المسلم، ولا رحمه ولا جاره، ولو كان رحمه وجاره عاصيا لله، فعليه مواصلته بما ألزمه الله من مواصلته، والقطيعة كفر، وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}.
وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} فتأول ذلك المسلمون بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلى الله عليه وسلم من قطعك، وأعط من منعك، وأنصف من ظلمك، واعف عمن شتمك» وهذا كله من الحق وللحق.
وقد قال من قال من المسلمين: من عصى الله فينا أطعنا الله فيه، فلا يكون إلا هكذا، الله الموفق إلى الصواب.
وأما قول الله تبارك وتعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ (2/223)
صفحة 542
يَوْمِ الْحِسَابِ} فالقط هو الحظ، فسألوا حظهم من العقاب قبل يوم الحساب، استهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن، والله يستهزئ بهم، وهو كقول: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ}.
وعن قول الله تبارك وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} ما معنى ذلك؟
قال: يوجد في بعض التفسير أن أولئك قوم دخلوا في الإسلام لطلب الغنائم، فإذا كانت الدائرة على أعداء الله اطمئنوا وفرحوا، وإذا كانت الدائرة على المسلمين سخطوا وقالوا: يا ليتنا لم نكن عندهم، أو نحو هذا من القول، وهو حسن من التفسير.
وعن قول الله تبارك وتعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} إلى آخر الآية.
قلت: أتكون هذه الجنة التي وصفها الله مثل عرض السموات والأرض، أو تكون مكان السموات والأرض؟
قال: فإن الجنة التي وصفها الله، كما وصفها وهي عرضها كعرض السموات والأرض، ويمكن في قدرة الله أن تكون مكان السموات والأرض، ويمكن أن تكون في غير السموات والأرض، وتكون السموات والأرض بحالهن، ولا يعجز الله في قدرته شيء من الأمور.
ويمكن أن تكون هذه الجنة في السموات والأرض، وتكون مثل السموات والأرض وتكون السموات والأرض بحالهن -نسخة- مكانهن، تعالى الله العزيز في قدرته علوا كبيرا. (2/224)
صفحة 543
وعن الجنة: أهي اليوم مخلوقة، أم يخلقها يوم القيامة؟
فقد قيل في ذلك باختلاف واضح ما عرفناه من القول أن الجنة والنار هما ثواب الله لأوليائه، وهي الجنة، وعقاب الله لأعدائه وهي النار اللتان يثيب بهما ويعاقب بهما في دار الآخرة إن كانتا مخلوقتين فجائز في قدرة الله أن تكونا مخلوقتين.
ولعل أكثر القول والدليل: أنهما مخلوقتان، فإن كانتا مخلوقتين فسيخلقان لا محالة متى ما شاء الله يوم القيامة أو قبل، وهما معنا مما يسع جهل علمه، لعله علمهما إذا دان الدائن بأنهما ثواب الله وعقابه في الدار الآخرة.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
وجدت أن الدليل على خلق الجنة قوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} فالهبوط لا يكون إلا من شيء قد خلق.
ووجدت الدليل على أن النار قد خلقت قوله تعالى في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} فلا يعرضن إلا على شيء قد خلق، لأن يوم القيامة لا يعرضون، بل خالدون فيها، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء والمساكين، واطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء».
والاطلاع على الشيء إلا قد خلق، وغير ذلك موجود في الآثار، مما يدل على خلقهما. (2/225)
صفحة 544
* مسألة:
من الأثر: وعن قول الله تعالى: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} وما المعنى في ذلك؟
فقد قيل: في القربى أن يتقربوا إلى الله على العمل بطاعته، وقول آخر: أن يقول لناسه أن يحفظوا قرابتي منكم، وليس للقوم في ذلك حجة، والله أعلم بالصواب. (2/226)
صفحة 545
باب
في العقل
قال أبو محمد: أرجو أنه ابن بركة: اختلف الفقهاء في العقل فقال بعضهم: إن كل مكلف عاقل، لأن القلم رفع عن الصبي والمجنون، ووقع التكليف على العقلاء.
وقال بعضهم: العاقل هو المطيع لله، واحتجوا بقوله عز وجل: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} وبقوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا}.
وقال بعضهم: العقل هو العلم، واحتجوا بقوله تعالى: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} واختلف في محل العقل:
فقال قوم: الدماغ.
وقال قوم: العقل في الرأس عندهم.
والعرب تقول: ماله عقل ولا قلب بمعنى واحد.
ومن الناس من يذهب إلى أن العقل في القلب، وإن القلب في الصدر في الجانب الأيسر.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم روايتان: إحداهما أنه في القلب والأخرى أنه في الصدر.
وعن أبي محمد عبد الله بن محمد بن محبوب: إن العقل في الرأس، (2/227)
صفحة 546
وكل من نفى أن يكون العقل جوهرا، أثبت محله في القلب، لأن القلب محل العلوم كلها.
وعن أبي علي: إن محل العقل الدماغ، وتدبيره في القلب، وقال بعض: وعلى هذا دلت اللغة لأن الدماغ في أعلى الجسد، وفي الرأس.
وقال الخليل: القلب مضغة الفؤاد معلقة بالنياط.
وفي الحديث: «لكل شيء قلب وقلب القرآن يس» والقلب والفؤاد اسمان بمعنى واحد، وهي بضعة من الإنسان والفؤاد ظاهرها، والقلب باطنها، ألا ترى أنه نسب إلى الفؤاد، وقال عز وجل: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
وسمي الفؤاد فؤادا لفاؤده، والتفاود والتفود.
فصل
العقل أفضل ما أنعم الله تعالى به على العبد، لأن به يعرف الحسن من القبيح، وبه وجب الحمد والذم، وبه يلزم التكليف بإجماع.
ومن لم يكن له عقل سقط عنه التكليف بإجماع، والعقل هو العلم، والعلم هو العقل، لأن من علم عقل، ومن عقل علم، ولا يكون العاقل عاقلا إلا بعلم مع عقله.
والدليل على عقل العاقل: إذا علم ماله مما عليه صح أنهقد عقل مع صحة التمييز بين الحسن والقبيح.
والدليل على ذهاب العاقل: هو أخذ ما عليه، وترك ما له مع فساد التمييز.
والعقل عقلان وكلاهما عرض: فعقل اضطرار، وعقل اكتساب. (2/228)
صفحة 547
فأما عقل الاضطرار فالمركب فيه.
وأما عقل الاكتساب فما اكتسبه من عقله.
العقل مأخوذ اسمه من عقال البعير يقول: عقلت الشيء إذا شددته وضبطته، فسمي بذلك تشبيها بالعقال للناقة، لأن العقل يمنع الإنسان من الإقدام على شهواته إذا قبحت، كما يمنع العقال الناقة من الشرود.
وقيل: لكل شيء آفة، وآفة العقل الهوى.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «العقل حيث كان أليف مألوف» وقال صلى الله عليه وسلم: «العقل عقلان فإما عقل صاحب الدنيا فعقيم أي لا ينفع به، وأما عقل صاحب الآخرة فمثمر».
ويقال: من ضعف عقله تلفت نفسه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعطي ثلاث خصال فقد كمل عقله حسن المعرفة بالله، وحسن الطاعة لله، وحسن الصبر على الله بلاء الله».
وعنه صلى الله عليه وسلم: «إن لله خواصا في الجنة يسكنهم رفيع الجنان -نسخة- رفيع الدرجات لأنهم كانوا في الدنيا أعقل الناس كانت همتهم المسابقة والمسارعة، وهانت عليهم فضول الدنيا وزينتها».
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا فقر أسد من الجهل ولا مال أعود من العقل ولا عبادة كالتفكر».
قال أبو الدرداء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا عويمر ازدد عقلا تزدد من ربك قربا وعليه عزا».
قلت: بأبي أنت وأمي، ومن لي بالعقل؟ (2/229)
صفحة 548
قال: «اجتنب محارم الله وأد فرائض الله تكن عاقلا ثم تقبل صالحات الأعمال تزدد في الدنيا عقلا وتزدد من ربك قربا وعليه عزاً عزاً».
وقال: «لو صور الجهل لأضاء معه الليل».
قال غيره:
يحتمل أن يكون الجهل قبل، فيكون المعنى أن الليل مع سواده يضيء عند الجهل لشدة سواء الجهل، والله أعلم.
قال الناسخ:
ووجدت في جزء الضياء جزء طلب العلم: لو صوّر العقل لأظلمت معه الشمس، ولو صور الجهل لأضاء معه الليل.
وقال محمد بن مداد في ذلك:
لو صور العقل على صورة ... لأظلمت من نوره الشمس
أو صور الجهل على هيئة ... لضاء من صورته الدمس
الدمس: ظلمة الليل. رجع إلى الكتاب.
ويقال: إذا تم العقل نقص الكلام.
وفي الحكمة: كل شيء متى كثر رخص، إلا العقل إنه إذا كثر غلا.
وقيل: أعقل الناس أعذرهم للناس. (2/230)
صفحة 549
وقيل: عقول كل قوم على قدر زمانهم.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما انتقصت جارحة من الإنسان إلا كانت ذكاء في عقله».
وقيل: من زيد في عقله نقص من رزقه.
والعقل أبين الفضائل وينبوع الأدب.
والعقل لا يكون عنده كثير نفع بغير علم وأدب، وإنما ينتفع ويثمر بالعلم والأدب اللذين يلحقانه.
وقيل: العقل عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت، وواحد في الهرب عن الناس.
قال المضيف:
وجدت في بعض الكتب: الهرب عن السفهاء. رجع.
وقال: إن عابدا كان في صومعة قد انقطع عن الناس فقيل له: لِمَ فعلت هذا؟
فقال: هربت من اللصوص سراق العقول لا يسرقون عقلي، وعدو المرء نفسه، وصديقه عقله.
فصل
النهية واللب، والعقل كذلك الحجر، يقول إنه ذو لب ونهية، وإنهم لذو نهي، وذو منهاة، والنهي العقل، وكذلك الحجر.
ويقال: رجل ذو مرة، أي شدة وعقل، قال الله تبارك وتعالى: {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} معناه ذو عقل وشدة. (2/231)
صفحة 550
قال الناسخ ومثله قول الشاعر:
قد كنت قبل لقائكم ذا مرة ... عند لكل مخاصم ميزانه
أي ذا شدة. رجع.
ويقال: عقل المرأة في جمالها، وجمال الرجل في عقله.
* مسألة:
قال أبو محمد: العقل له ترتيب، إنما هو كالميزان لا يتحرك بشيء حتى تضع فيه الشيء، فإذا وضعت فيه الشيء احترك بما فيه، وكذلك العقل لا يتحرك بشيء حتى تستعمله، فإذا استعملته احترك بالخير والشر.
فصل
قالت الحكماء: العقل للقلب بمنزلة الروح للجسد، وكل قلب لا عقل له، فهو ساقط ميت بمنزلة قلب البهائم.
وسمي القلب قلبا لأنه أفضل الأعضاء في الجسد، والقلب الخالص من كل شيء وأفضله، فالعقل أفضل، يدفع التدبير إلى القلب، لأنه أفضل الأعضاء وأشرفها.
وقال الفراء: المعقول هو العقل، والقلب الفؤاد.
* مسألة:
اختلف الناس في العقل وصفته على مذاهب شتى:
فقال بعضهم: هو جوهر لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات. (2/232)
صفحة 551
واختلف من قال بهذا القول في محله.
فقال بعضهم: محله الدماغ، لأن الدماغ محل الحسن.
وقال آخرون: العقل هو مدرك الأشياء على ما هي عليه من حقائق المعنى.
وقال بعض المتكلمين: العقل هو جملة علوم ضرورية.
وقال آخرون: العقل العلم بالمدركات الضرورية، وذلك نوعان:
أحدهما ما وقع على درك الحواس.
والثاني: ما كان مبتدئا في النفوس.
وقال قوم: العقل نور يصيره الله تعالى في القلب، يفرق به العبد بين الحق والباطل، ويميز به ما يلج به على قلبه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العقل نور في القلب، يفرق العبد به بين الحق والباطل».
وقال آخرون: العقل خلق خلقه الله، وأسكنه قلب ابن آدم ليدعوه إلى الحق، وينهاه عن الشر، ويميز بدعواه ما لله تعالى فيه رضا، ويبعث العبد على استعماله وينهاه عن الشر وعن معاصي الله عز وجل فينهاه عن استعماله.
وأن الله تعالى لما خلق العقل قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال تعالى: ما خلقت خلقا هو أحب إليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي ولك الثواب، وعليك العقاب، يعني أني أثبت من قبل منك، وأعاقب من يخالفك، ولا يقبل منك. (2/233)
صفحة 552
وقال آخرون: العقل مواهب الله عز وجل، يعطي كل عبد من عبيه ما إذا استعمله نجا، ووصل به إلى معرفته ورضوانه.
وإن العبد إذا أراد استعماله أن يقف على قلبه عند همه، ليفرق به الحق من الباطل، ليستحق العبد اسم العاقل، إذا أقبل من عقله ولم يخالفه فيما يدعوه إليه، فإذا عمل العبد بما دعاه إليه عقله سمي عاقلا، وإذا عدل عن القبول منه سمي جاهلا، وإن كان في قلبه عقل.
والعقل المكتسب هو نتيجة العقل الغريزي، وهو بغاية المعرفة، وصحة السياسة، وإصابة الفكر، وليس لهذا حد، لأنه ينمى إن استعمل وينقص إن أهمل.
وقال بعض الحكماء: العقل غريزته في الإنسان، والعلم بالتعليم، ومن أجل ذلك قالوا: عالم ومتعلم ولم يقولوا متعقل ومعقل، لأن العقل هبة من الله تعالى، والعلم بالاكتساب.
فصل
وكل موضع حريز يقال له معقل.
والذريع هو الموت الفاشي الذي لا يتدافنون معه.
فصل
من الزيادة المضافة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل شيء آلة وعدة، وإن آلة المؤمن وعدته العقل، ولكل شيء مطية، ومطية البر العقل، ولكل شيء دعامة، ودعامة الدين العقل، ولكل شيء راع، وراعي العابدين العقل، ولكل شيء بضاعة، وبضاعة المجتهدين العقل، ولكل شيء قيم، وقيم بيوت الصادقين العقل، ولكل خراب عمارة، وعمارة الآخرة العقل». (2/234)
صفحة 553
فصل
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صفة العاقل أن يحلم عمن جهل عليه، ويتجاوز عن مظلمة ويتواضع لمن دونه، ويسابق من فوقه في طلب البر، إذا أراد أن يتكلم تدبر، فإن كان خيرا تكلم فغنم، وإن كان شرا سكت فسلم، وإذا عرضت له فتنة استعصم وأمسك لسانه وتدبر، وإذا أراد فضيلة انتهزها لا يفارقه الحياء، ولا يبدو منه الحرص».
فتلك عشر خصال يعرف بهن العاقل.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قسم العقل ثلاثة أجزاء، فمن كن فيه كمل عقله: حسن المعرفة بالله، وحسن الطاعة لله، وحسن الصبر على أمر الله».
* مسألة:
أول ما افترض الله على عباده المعرفة به.
وأول ما أنعم الله به الحياة، لأنها تدرك الملاذ والمنافع.
وسئل علي بن أبي طالب: ما أول نعمة أنعم الله بها عليك؟
قال: هو أن جعلني الله ذكرا، ولم يجعلني أنثى.
وأفضل ما أنعم الله به العقل، لأن به يعرف الحسن والقبيح، وبه يجب الحمد والذم، ويلزم التكليف، وأحسن ما خلق في العبد العلم، وأقبح ما خلق الله فيه الجهل.
وتمام النعمة على الأمة الإسلام، الذي أنعم الله به عليهم، ورضيه لهم دينا، وحق الله على عباده أن يعرفوه، ويوحدوه، ويعبدوه، (2/235)
صفحة 554
ويشكروه، ولا يكفروه، والذي يريد الله من خلقه أن يعرفوه حق معرفته.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا».
وأول ما تعبد به تعالى طاعته واتباع أمره.
وأول الحجة على العبد والعقل، وعرف العبد ربه تعالى بآياته، وما يشاهد بين السماء والأرض، والليل والنهار والشمس والقمر وما فيهما من آثار صنيعة التدبير وما في نفسه خاصة من أثر التدبير، وعلمه أن لهذه الأشياء منه ومن غيره خالقا واحدا ومدبرا، ليس كمثله شيء.
* مسألة:
وأول ما فرض الله تعالى على عباده معرفته، لأنه الفاعل والمالك، له أن يأمر وينهى، فإذا كان كذلك، وأراد أن يتعبد بشيء فلابد من أن يتعبد بمعرفته أولا، لأنه لا يجوز أن يتعبد بشيء قبل معرفته، فوجب أن يتعبد بمعرفته، ثم بما أراد بعد ذلك، لأن في الشاهد فيما بيننا أن من ملك وفعل له أن يأمر وينهى بالشاهد على الغائب.
لأن فعله حسن وحكمه وأمره ونهيه لنا حكمة، والحكمة من فعلها يسمى حكيما في قولنا.
وفرائض الله تعالى التي تعبد الله بها عباده، وسنها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو ما أمر الله تعالى عباده أن يرجعوا إلى أهل العلم، والحاملين له فيه بقوله عز وجل: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (2/236)
صفحة 555
فصل
وقيل لكل شيء دعامة، ودعامة عمل المرء عقله، فبقدر عقله تكون عبادته لربه، أما سمعتم ما أخبر الله عن قول أهل النار، قال الله عز وجل: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}.
* مسألة
العقل في الإنسان غريزي أم مكتسب؟
فاعلم أن العقل الذي لزم به التكليف هو خلق الله في عبده من غير اكتساب، والمكتسب منه العلم والآداب، ألا ترى أن الإنسان إذا كان ذا علم وأدب وصف باكتساب العقل، وكان أرفع درجة مما يكتسب مثل ما اكتسب.
وقد قيل إن أعوان الأشياء على تقوية العقل التعليم، وأذل الأشياء على العقل العاقل محسن التدبير، كما أن الأجسام تغذى بالأكل والشرب، كذلك العقول تغذى بالأدب والعلم.
فصل
قال بعض الأدباء: من أمات شهوته أحيا مروّته.
وقال بعض العلماء: ركّب الله عز وجل الملائكة من عقل بلا شهوة، وركب البهائم من شهوة بلا عقل، وركّب بني آدم من كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله، فهو شر من البهائم. (2/237)
صفحة 556
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
كذا يوجد، وقيل الملائكة أفضل، واحتج من احتج أن الملائكة أفضل من الأولياء لقوله تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} فهم أفضل. رجع.
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشديد من غلب نفسه».
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
يوجد أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من غلب نفسه». رجع.
وقال وهب: الهوى والعقل يصطرعان، فأيهما غلب مال بصاحبه.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
يوجد أن العقل والهوى يصطرعان في القلب فأيهما غلب مال بصاحبه. رجع.
* مسألة:
العقل أول حجة الله تعالى على العبد.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس».
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «التودد إلى الناس نصف العقل».
وقال صلى الله عليه وسلم: «أمرني رب بمدارة الناس كما أمرني بأداء الفرائض». (2/238)
صفحة 557
وعنه صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أكلم الناس على قدر عقولهم».
وقال صلى الله عليه وسلم: «أتى جبريل آدم عليهما السلام فقال: أتيتك بثلاث خصال فاختر منهن واحدة.
فقال آدم عليه السلام: وما هن؟
فقال جبريل عليه السلام: العقل، والحياء، والإيمان.
فقال آدم عليه السلام: قد اخترت العقل.
فقال جبريل عليه السلام للحياء والإيمان: انصرفا فقد اختار عليكما العقل، فقالا: أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان».
فصل
قال وهب: قرأت واحدا وسبعين كتابا، فوجدت في جميعهما: أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدوّ الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقل محمد النبي صلى الله عليه وسلم إلا كحبة رمل بين رمال الدنيا، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلا، وأفضلهم رأيا.
وقال: لإزالة الجبال صخرة صخرة، وحجرا حجرا، أشد على الشيطان من مكايدة العاقل.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «العاقل هو المسلم الذي يتفكر في خلق السموات والأرض، فيعمل بطاعة الله، ويجتنب معاصي الله».
وقيل: إن رجلا قال لنصراني: ما أعقل هذا النصراني، فزجره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إن العاقل من أمر بطاعة الله». (2/239)
صفحة 558
وقوله صلى الله عليه وسلم: «مه» معناه ما كف المتكلم عما تكلم به بمنزلة: صهٍ.
وقال ابن مسعود: يُنهى أن يسمي الكافر عاقلا، ويقال: العقل دون الفهم وهما يتداخلان.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سيد القوم أعقلهم».
وعنه صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء معدن، ومعادن التقوى قلوب العاقلين العاملين -وفي نسخة- العارفين».
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليكون حاجا أو مجاهدا حتى ذكر أنواع البر، وما يعطى يوم القيامة إلا على قدر عقله». (2/240)
صفحة 559
باب
في الجهل والتجاهل
من الزيادة المضافة:
الجهل نقيض العلم، تقول جهل فلان، وجهل فلان على فلان، وجهل بهذا الأمر، فالجهالة أن يفعل فعلا بغير علم.
فصل
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صفة الجاهل: يظلم من خالطه، ويتعدى على من هو دونه، ويتطاول على من فوقه».
كلامه بغير تدبير، إن تكلم أثم، وإن سكت سها، وإن عرفت له فتنة سارع إليها فأردته، وإن رأى فضيلة أعرض فأبطأ عنها، ولا يخاف ذنوبه القديمة، ولا يرتدع فيما بقي من عمره من الذنوب، يتوانى عن البر، ويعطي عنه غير مكترث لما فاته من ذلك أو صنيعة.
فتلك عشر خصال من صفة الجاهل الذي حرم العقل.
فصل
وقال معاذ بن جبل: لو أن الجاهل أمسى وأصبح، وله من الحسنات وأعمال البر بعدد الرمل وشيكا أن لا يسلم له منها مثقال ذرة.
ولو أن العاقل أمسى وأصبح له من الذنوب بعدد الرمال، لكان وشيكا بالنجاة والسلامة والتخلص منها، فقيل لمعاذ: وكيف ذلك؟ (2/241)
صفحة 560
فقال: إن العاقل إذا زل وأخطأ أدرك نفسه بالتوبة والعقل الذي قسم الله له، والجاهل إنما هو بمنزلة من يبني ويهدم، فيأتيه من جهله ما يفسد صالح عمله.
وإن صلى أعرض، وإن صام أعرض، فيحبط أجره، وإن أتاه سائل عرّض به، وتبرم به نفسه فيشتمه ويؤذيه، ثم يتصدق عليه فيحبط أجره.
وإن حج أو اعتمر آذى أصحابه ونحل ويحمل عليهم كله، فيكون ما يأثم أعظم مما ينال من الثواب والأجر.
وإن سأله أبواه حاجة آذاهما، ويرفع الصوت عليهما، ويبرهم بهما، ثم يقضي لهما حاجتهما، وهو مدبر فبالجزاء أن لا يؤذيهما، ولا يهينهما، فيسخط الله لسخطهما.
فإذا تدبرت أمر الجاهل علمت أن ما يفسد أكثر مما يصلح.
* مسألة:
قال الشيخ أيده الله: الجهل بالشيء على وجهين: أحدهما جهل بوجود الشيء وبمعرفته، وجهل بمعرفة حكمه مع العلم به، والقصد إلى فعله، فهذا الضرب من الجهل لا يعذر صاحبه بفعله، لأنه قاصد إليه، متعمد لفعله، جاهل لفعله.
وكان جائزا له أن يتحذر من فعله بالسؤال عنه واستنباط حكمه ممن يعلمه، والجهل الأول الذي ذكرناه في أول كلامنا، صاحبه معذور فيه، لعدم الدليل عليه. (2/242)
صفحة 561
* مسألة:
الحق نقيض الباطل، تقول: حق الشيء يحق حقا معناه: وجب يجب وجوبا، وتقول يحق عليك أن تفعل كذا وكذا، وحقيق عليك ذلك، وحقيق أن تفعله، وحقيق فعيل في معنى مفعول، كقولك: أنت محقوق أن تفعل ذلك، ويقال: أنتِ محقوقة أن تفعلي ذلك.
وفي كتاب الله: {حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} معناه محقوق عليّ كما تقول: واجب عليّ.
والباطل نقيض الحق، والبطل مصدر الباطل، وقد بطل يبطل الشيء بطلا إذا ذهب باطلا، وأبطلته أي جعلته باطلا، وأبطل فلان إذا جاء بباطل، رجع إلى كتاب بيان الشرع. (2/243)
صفحة 562
باب
في الإيمان
* مسألة:
قال أبو سعيد: معي أنه قيل إن إيمان المؤمن يزيد ولا ينقص، فإن نقص منه مثقال ذرة ذهب محله، وأما الكفر فيزيد وينقص. رجع.
وقد قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم يرفعه عن جبريل عليه السلام أنه قال: «لن يجد المؤمن طعم الإيمان، ولا يكون مؤمنا حقا حتى يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويطعم من حرمه، ويحسن إلى من أساء إليه».
فمن فعل هذا مع استقامة على دين الله كان من المتقين، وقد وعد الله المتقين الجنة، جعلنا الله من المتقين ورحمنا الله من النار إنه أرحم الراحمين.
* مسألة:
وتفسير التقوى القيام بأمر الله، والانتهاء عما يكره الله.
* مسألة
قال زياد بن الوضاح: رفع الحديث إلى مسلم بن أبي كريمة رحمه الله قال: العزم على الإيمان إيمان، والعزم على الكفر ليس بكفر حتى يفعل.
* مسألة:
قال أبو سعيد: الإيمان يزيد ولا ينقص، لأنه إذا انتقص منه شيء فقد بطل كله، ولكنه يضعف هكذا يقال، ولا يقال ينقص، والكفر -وفي نسخة- والعزم على الكفر ليس بكفر حتى يفعله. (2/244)
صفحة 563
* مسألة:
قال أبو سعيد: الإيمان يزيد ولا ينقص، الكفر يزيد وينقص، ولكنه يقال: إن الإيمان يضعف ويتفاضل، ولا يلحقه اسم النقصان في قول أصحابنا.
وقال -نسخة- وقيل: كل طاعة لله فهي من الإيمان، ولا يقال كل طاعة لله هي إيمان، وليس كل طاعة إيمان، لأن فيها الوسائل، وترك الوسائل لا تكفره، والإيمان إذا ترك كان تركه كفرا.
ويقال: كل إيمان هو طاعة لله، ولا يقال: كل طاعة لله فهي إيمان لأن من الطاعة ما يكون وسيلة.
* مسألة:
وقال أبو سعيد: أرجو أنه يوجد أن الأنبياء لكل واحد منهم أجره، وأجر من عمل بطاعته ودعوته من أمته من غير أن ينقص من أجورهم شيئ.
وكذلك الإمام له أجره وأجر من عمل بعدله من الأعوان والعمال إذا كان عادلا، وليس عله وزر ما أتوه إن شاء الله.
قال غير المؤلف:
إلا أن يعلم بإسائتهم فيداهنهم عليها، أو يستعملهم على غير توبة، (2/245)
صفحة 564
أو يلحقهم التهم في سيرتهم، فيستعملهم بعد ذلك، فهو عندي آثم، لأن عثمان بن عفان كان إماما، ملما لحقته التهمة معهم عزلوه.
وقد عرفت أن الإمام إذا كان متهما -نسخة صار- حل عزله، لأن الوصي لليتيم إذا اتهم بفعل ما لا يجوز فيما أوصى إليه، وتظاهرت عليه أسباب التهم:
فقال من قال: إنه يعزم من الوصاية.
وقال من قال: إن الحاكم يدخل معه غيره لئلا ينفرد بفعل، وأما إذا صحت خيانته عزل، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وأما الإمام فلا يحسن أن يقام معه غيره، كالوصي لليتيم، ولكنه إذا لحقته التهمة في دينه أو سيرته، وتظاهرت عليه أسباب ذلك عزل، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومن أسباب تهمته أن تصح منه المعاصي، ثم يستتاب من ذلك، فيتوب ثم يعاود أيضا ذلك، ثم يستتاب فيتوب، وما أشبه هذا، فإذا لحقته التهمة جاز عزله. والله أعلم.
لأنه إذا كان الوصي إذا اتهم لم يجز أن يؤتمن على ما أوصى إليه، واستحال أمره عما كان عليه، فالإمام أولى وأوجب أن لا يقر على منزلته، لأنه مؤتمن على دماء المسلمين، وأحكام أموالهم وفروجهم ودينهم، لأنهم يحاربون معه، ويقيمون معه الحدود وسائر الأحكام بأمره، والوصي إنما هو مؤتمن على مال اليتيم.
وقد يكون المال قليلا وكثيرا، فلا ينبغي أن يكون الإمام إلا أمينا مرضيا، فإذا لحقته التهم فهو أحق بالعزل من الوصي، والله أعلم.
فينظر في هذا، ولا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق إن شاء الله. (2/246)
صفحة 565
* مسألة:
ومن كتاب تهذيب البيان في تفسير القرآن: تأليف أبي عبد الله محمد بن أحمد اللخمي النحوي:
مما اختصره من تفسير محمد بن جرير الطبري: وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عماله:
إن للإيمان شرائع، وفرائض، وحدودا، وسننا، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعلموا بها، وإن أمت فما أنا على صبتكم بحريص ونحو هذا.
واتفق الموسومون بالسنة على أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة والعلم، وينقص بالمعصية.
وروي عن سهيل أنه يزيد بالطاعة والعلم، وينقص بالمعصية والجهل، وهذا أتم، والله أعلم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يعظ أخاه في الحياء كأنه ينهاه فقال: «دعه فإن الحياء من الإيمان، وإنما الحياء خلق» فأثبته صلى الله عليه وسلم في الإيمان.
وقد روي: «ليس الإيمان بالتجلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلب يصدقه العمل، والذي نفسي بيده لا يدخلن -نسخة لا يدخل- أحدكم الجنة إلا بعمل صالح يتقنه» قالوا: وما إتقانه يا رسول الله؟ قال: «يحكمه».
والمرجئة زعمت أن الإيمان هو القول ورأوا أنه إن عمل أي عمل مع الاعتراف بالشهادة لم ينقض إيمانه، ويمنعون من أن يكون الإيمان (2/247)
صفحة 566
يزيد وينقص، فكأنهم يمنعون من التفاضل في الإيمان، وكل هذا خروج عن الحق والسنة.
وكثيرا ممن يدعي السنة، ويظهر القول بأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، يتأول في ذلك أن زيادته بالطاعة هو كون من شهد بالشهادة، وعمل بالطاعة وهو معنى زيادة إيمانه إذا كان له مع الشهادة عمل بالطاعة، فشهادة وعمل أزيد من شهادة بلا عمل.
والمحققون بالسنة يرون أن الإيمان الذي في القلب يزيد بزيادة الطاعة، وينقص بنقصها، وهذا هو الصحيح، ويشهد له ما روي في الحديث: «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال كذا من الإيمان» وأراه قد روي: «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان».
ثم نقص ذلك إلى مثقال بر أو شعير، وإلى مثقال ذرة، وإلى أدنى من هذا، فكل هذا شاهد على أن الإيمان الذي في القلب يزيد بزيادة العمل الصالح، وزيادة العلم وينقص بنقص ذلك.
فالإيمان باطن في القلب، ولكن ظهور العمل الصالح يدل على زيادته، وينقص العمل الصالح يدل على نقصه في القلب، وقد رويت في ذلك له آثار كثيرة.
وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: الإيمان يبدو في القلب لمضة لمضة، فكلما ازداد الإيمان ازدادت حتى يبيّض القلب.
والنفاق يبدو في القلب لمضة لمضة حتى يسود القلب، قال: وأيم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب المنافق لوجدتموه أسود. (2/248)
صفحة 567
يريدون، والله أعلم، أي لو استكشفتم باطن القلبين وكشف لكم ذلك منهما لرأيتم عيانا.
وأما قول الله عز وجل: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} فربما يحتمل وجهين، والله أعلم، أي لم تؤمنوا بالإيمان الذي يتحقق به كمال الإيمان وتمامه، وليس معناه على هذا الوجه نفي الإيمان عنهم، بحيث لا يكون لهم شيء من الإيمان قل أو أكثر.
ويحتمل أنه لم ينف عنهم الإيمان وقد دخلوا به في جملة المؤمنين، فربما كان هذا الوجه أقوى الوجهين أحدهما: أنه قد أثبت لهم الإسلام بقوله: {وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} ولا يكون الإسلام بحقيقة إلا ومعه حظ من الإيمان وإلا لكان نفاقا.
وأيضا فقول الله تعالى: {وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} وإن كانوا ليس لهم من الإيمان حظ قل أو كثر، فليس يقبل لهم عمل، لأن المنافق الذي تحقق نفاقه، لا يقبل له نفقة ولا عمل، وقد شهد بذلك الكتاب.
وبهذين الوجهين لا ينتفي عنهم الإيمان بالكلية وهو الأظهر، اللهم إلا أن يكون هؤلاء الأعراب قد علم الله منهم أن قولهم: آمنا، نفاق لا حقيقة له، وهذا إنما يكون لخاص من الأعراب الذين هم منافقون لا إيمان لهم فوجه، والله أعلم بما أراد.
وقد ذكر الله بعض الأعراب بالإيمان، واحتساب نفقاتهم قربات عند الله، وصلوات الرسول، وأثبت لهم القربة بذلك.
وقد روي: لا يزني الذي يزني ساعة يزني وهو مؤمن، ولا يسرق الذي يسرق ساعة يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر الذي يشربها ساعة يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبه ذات شرف يرفع الناس إليه (2/249)
صفحة 568
أبصارهم وهو ساعة ينتهبها مؤمن. فما بالكم ونحو هذا.
وروي أن الإيمان نزه، فإذا زنا العبد أو نحو هذا ارتفع عنه، فصار فوقه كالمظلة، فإذا لام نفسه وراجع راجعه الإيمان، وروي من هذا آثار:
فمن بعضها: أن العبد إذا فعل هذا خلع منه الإيمان كما يخلع قميصه.
وروي حديث عن المسيح عليه السلام: أنه بينما هو جالس مع أصحابه، جاء طائر كأحسن ما يكون، أو روى أنه طائر من ذهب فوقع ناحية منهم، ثم تجرد مسكه، فإذا هو أقبح شيء حين تجرد منه، أقيرع أحيمش، ثم ذهب إلى جيفة هناك فتمرغ فيها فازداد نتنا إلى قبحه، ثم بعد ذلك ذهب إلى نهر ضحضاح فاغتسل فيه حتى خرج منه فاغتسل فيه حتى خرج منه كأنه بيضة مقشورة، ثم رجع إلى مسكه فتدرعه فعاد إلى أحسن ما كان ونحو هذا.
فسألوا المسيح عن ذلك، فأخبرهم أنه مثل المؤمن إذا كان عليه لباس الإيمان كان عليه أحسن صفة، فإذا عزم على معصية خلع عنه لباسه، فبدا من قبحه ما شاء الله، ثم إذا واقع المعصية زادته نجاسة ونتنا إن ندم واعتقد التوبة وبادر إليها غسلت التوبة عنه نجاسة الذنب ونتنه، ثم إذا صحت توبته رجع إلى مسكه فتدرعه فعاد إلى أحسن ما كان.
قال في الحديث: وتلك الأمثال نضربها، أي أن الذي يضرب من الأمثال لهذا يظهر في زمان النبوة عيانا.
وروي أن بعض أهل البيت -وأراه الباقر- سئل عن نحو هذا الحديث، فدوّر دائرة فيها اتساع فقال: هذا الاسم، ثم دور في (2/250)
صفحة 569
جوفها دائرة فقال: وهذا الإيمان مقصور في الإسلام، فإذا أذنب العبد نقل من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام، قال: ولا يخرجه من هذه إلا الشرك.
وهذا المثل، والله أعلم، تضمن أنه وإن خرج عن دائرة الإيمان فلكونه ثابتا في دائرة الإسلام، فلم يذهب عنه الإيمان بالكلية حتى لا يبقى له منه شيء، ولو كان منافقا، والنفاق من شر مراتب الكفر.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
هذا كله خبط لا يلتفت إليه، فالإيمان والإسلام واحد، والمؤمن والمسلم واحد فقط. رجع.
وقد كان وقع في صدر الإسلام خلف تكلّف سؤال كان تركه خيرا من تكلفه، كان يقول أحدهم لصاحبه: أمؤمن أنت، فاختلف الجواب منهم عن ذلك:
فمنهم من قال: أنا مؤمن إن شاء الله، فاستثنى خوفا من التزكية، وخوفا من الخاتمة المعصية عنه.
ومنهم من حاد عن لفظ السؤال إلى لفظ هو عنده أسهل فقال: آمنت بالله وكتابه ورسله أو نحو هذا.
ومنهم من قال: أنا مؤمن وخاف أن يدخله إن استثنى اتهام شك.
ومنهم من لم يجب عن هذا وقال: يقولون أمؤمن أنت وما أنا بشاك.
ومنهم من أجاب وقال: أرجو ولم يقطع لأجل الخاتمة، وربما تأول من أمسك عن الجواب قول الله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً} فلم يخبر عن المؤمنين بجواب، (2/251)
صفحة 570
فأخبر الله تعالى يقول عنهم: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} وأرى هذا السؤال نجم بالعراق.
وروي أن رجلا من أهل الشام قدم العراق، وكان الرجل قد صحب معاذ بن جبل، وأخذ عنه، فحضر قوم من أصحابه ابن مسعود فقالوا له: أتشهد أنك مؤمن؟
قال: نعم.
قالوا: أفتشهد أنك في الجنة؟
قال: أخاف الذنوب.
فقالوا: نحن نشهد أن المؤمنين في الجنة، ثم ذكروه لابن مسعود وهو كان غائبا فقدم فقالوا له: هذا الشامي الذي أخبرناك عنه.
فقال له ابن مسعود: أتشهد أنك مؤمن؟
قال: نعم.
قال: تشهد أنك في الجنة.
فقال: أخاف الذنوب.
قال له: أفلا أرجأت الأولى كما أرجأت الثانية.
وأراه قال: لو شهدت أني مؤمن لشهدت أني في الجنة.
فقال الشامي: صلوات الله عليك يا معاذ، هذا ما كان معاذ يخوفنا من أمثالك.
فقال له عبد الله: وما قال لكم معاذ؟
فقال: اتقوا زلة العالم، وأراه خشن القول لابن مسعود.
فقال: وهذه زلتك يا ابن مسعود، أما علمت أن الناس كانوا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم مؤمن ومنافق وكافر، ومن لم يكن من المؤمنين كان من الصنفين الآخرين. (2/252)
صفحة 571
فروي أن ابن مسعود اعترف له بأنها كانت زلة منه، وكان ذلك الاعتراف من ابن مسعود رضي الله عنه لفضل خشيته، ولو احتج عن قوله لوجد مقالا، ولكن كان من الخشية لله على أعظم رتبة، مع أنه كان يرى لمعاذ ولفضله.
وقد روي عنه رضي الله عنه أنه قال: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين، فظن السامع أنه قاله غلطا فقال: إن إبراهيم كان أمة، كأنه يذكره بلفظ الآية، فأعاد ابن مسعود أن معاذا كان أمة قانتا كما قال أو لا.
ثم قال: أتدري ما الأمة؟
قال: الذي يعلم الناس بها الخير، يعني وقد كان معاذ كذلك، والقانت المطيع لله، وأراه قال: وقد كنا نشبه معاذا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم، والذي نعتبر من هذا عن تجريد القول، والله أعلم، أن المؤمن قد يقال على ظاهر ما يبدو من المؤمن الاعتراف بالدين والإيمان به.
وعلى ذلك وقعت الأحكام في الشرع كقول الله تبارك وتعالى في الكفارة: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} فلم يكف الناس أن يستطلعوا البواطن، ويشقوا عن القلوب، ولو كلفوا ذلك لم يجدوا من يقطع بإيمانه على الغيب من سره، وإنما هو على ما يظهر من الاعتراف بالإيمان والشهادة به.
وكذلك قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} ثم قال: والله أعلم بإيمانكم، فأخبر عن علمه عز وجل بما غيبت القلوب من ذلك، ثم وسع على ظاهر الحكم فقال تعالى: {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} فهذا يوضح حقيقة ذلك إيضاحا بينا. (2/253)
صفحة 572
وقد أوضح الحسن البصري في ذلك قولا فصل فيه الأمر على وجهين: كأن قائلا قال له: أمؤمن أنت؟
فقال: إن كنت تريد هل أنا مؤمن من الذين قالوا: {آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} الآية {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} فنحن منهم، وإن كنت تريد هل أنا من الذين قال الله تعالى فيهم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} إلى قوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} إلى آخره، فوالله ما نعرف ذلك لأنفسنا بعد.
فأخبر أن المؤمن قد يقال على حكم الظاهر، وبذلك تجري الأحكام به، وقد يقال لصغار الكمال، ولا ينبغي لأهل التقى أن يشهدوا بذلك لأنفسهم ويزكوها.
وقد روى من قال: إني مؤمن حقا، فهو كافر حقا، أو قال: -لعله- إني منافق، فهو منافق حقا.
ومن قال: إني في الجنة فهو في النار، فنهى عن ذكر كل هذا، لأنه من تزكية النفوس، وقد قال الله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}.
على أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لحارثة وهو غلام حدث السن: «كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: مؤمنا حقا، قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارز، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون، وكأني أسمع عواء أهل النار.
فقال له رسول الله: عرفت فالزم، أوقال أبصرت فالزم» مؤمن نور الله الإيمان في قلبه. (2/254)
صفحة 573
وقد بلغ بحارثة هذا بحقيقة الإيمان واليقين أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض المغازي، فسمعه يقول: إن الله يضحك إلى عبده.
قال غيره:
إذا كان عبده شاهرا سيفه يقاتل في سبيل الله حتى يستشهد أو نحو هذا فقال: وكان يعجن عجينا فما بيني وبين أن أكون هكذا إلا العجين، فشلت يده من العجين، فقاتل حتى قتل، فجاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن يكن حارثة في الجنة فلا أبكي ولا أبالي، وإن يكن غير ذلك فسترى ما أصنع.
فقال: أصبت يا أم حارثة -نسخة- أهبلت، أجنة واحدة هي، إنها لحنان كثيرة، وإنه لفي الفردوس الأعلى، فرجعت وهي تضحك وتقول: بخ بخ لك يا حارثة.
ومن هذا الكتاب، من تفسير أول هذه الآية: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} عن مجاهد: أعراب بني أسد بن خزيمة {قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} عن الزهري: أن الإسلام الكلمة والإيمان والعمل.
وعن سعد: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم رجالا ولم يعط رجالا منهم شيئا، فقال سعد: يا رسول الله! أعطيت فلانا وفلانا، ولم تعط فلانا وهو مؤمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو مسلم» حتى أعادها ثلاثا سعد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «أو مسلم» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أعطى رجالا وأدع من هو أحب إلي منهم مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم».
وعن ابن زيد: لم يصدقوا إيمانهم بأعمالهم، فرد الله ذلك عليهم، وأخبرهم أن {الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} الآية، صدقوا إيمانهم بأعمالهم. (2/255)
صفحة 574
وعن ابن عباس: أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة، وأنه لا يتسموا بأسمائهم التي سماهم الله، فكان هذا في أول الهجرة قبل أن ينزل في المواريث.
وعن قتادة: لم تعم هذه الآية، وإنما هي في حي امتنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم وقالوا لم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان.
وعن مجاهد: أسلمنا: استسلمنا.
وعن ابن زيد: استسلمنا دخلنا في السلم، وتركنا المحاربة والقتال لقولهم: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.
{وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} أي ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان، وحقائق معانيه في قلوبكم.
{وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} أي لا ينقصكم الظاهرين من معنى لفظ الإيمان التصديق وبظاهر معنى التصديق، التصديق بالقلب، لكن أهل السنة على أن الإيمان يحتوي على شرائع.
* مسألة:
قال أبو سعيد: معي أنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يكون المؤمن حقا حتى يحب للناس كما يحب لنفسه». (2/256)
صفحة 575
ويخرج ذلك عندي أنه يحب للناس التوبة من الذنوب ونحو ذلك، ويحب لهم العافية من الأمراض، لأن المؤمن قلبه رحيم.
* مسألة:
يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدين النصيحة» قيل لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولكتابه وللأئمة ولجماعة المسلمين». (2/257)
صفحة 576
باب
في الاستطاعة
ومن قصيدة أبي المؤثر:
وقوم بنوا في الدين أقبح بدعة ... تكاد تهد السامق المنزحلق
فقالوا لنا قبل الفعال استطاعة ... عن الله نستغني بها حين نفرق
قالت المعتزلة ومن قال بقولهم ممن لا يثبت القدر: الاستطاعة قبل الفعل، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لم يكن منهم اهتمام بمعصية، ويعزم عليها، ثم يدع ما عزم على فعله، فلو كان مستطيعا لكان فاعلا.
فإن زعموا بزعم على الفعل باستطاعة، وترك باستطاعة، فأي الاستطاعتين كانت أولى به، وأقدم عليه، فلابد لهم من أحد قولين أن يقولوا به، إما أن يقولوا كلتا الاستطاعتين مع الفعل.
فإن قالوا بهذا فقد نقضوا قولهم، وأدخلوا الضعف على أحد الاستطاعتين، لأنه لما عزم على الفعل كان عزمه على القول غائبا عنه، لم تكن نية، فلما عزم على الترك علمنا أنه شيء أحدث له فغاب عنه عزمه على الفعل.
وإن زعموا أن الأولى من الاستطاعتين هي أولى، فقد أبطلوا قولهم إذا حدثت فيه الاستطاعة، وقد كان جاهلا لها لا يريدها حتى حدثت فيه وأبطلت ما كان أولى به، وأدخلت عليه الضعف والحجج عليهم كثيرة. (2/258)
صفحة 577
* مسألة:
الاستطاعة معنا على ضربين: فمنها نعمة، ومنها بلية.
فأما النعمة: فهي التي يعمل بها الطاعة.
وأما البلية: فهي التي يعمل بها المعصية.
* مسألة:
قال أصحابنا: يقولون إن الاستطاعة محدثة مع الفعل، وليس هل قبله ولا بعده، ولا هي استطاعة واحدة، ولكن هي استطاعات كثيرة، لكل فعل فعله استطاعة، محدثة للطاعة استطاعة، وللمعصية استطاعة، واستطاعة الطاعة غير استطاعة المعصية. (2/259)
صفحة 578
باب
في الهدى والضلال
وسألت أيضا عن الضلال ممن هو؟ من الله، أو من الشيطان، أو من العبد؟
فاعلم أن الضلال هو فعل العبد الذي ضل به، وفي كتاب الله دليل -نسخة- دلائل على ذلك:
قال الله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}.
وقال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً}.
* مسألة:
من الأثر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي ذلك عن ربه عز وجل: «يا ابن آدم بمشيئتي شئت بنفسك ما كنت تشاء، وبإرادتي أردت لنفسك ما كنت تريد فبمشيئتي أديت فرائضي، وبخذلاني وقعت في معصيتي، فأنا أولى بحسناتك، وأنت أولى بسيئاتك مني، لأني لا أسأل عما أفعل والعباد يسألون».
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
قوله: «وبخذلاني وقعت في معصيتي» لم يكن الخذلان سببا للوقوع في المعصية، ولو كان كذلك ما عذبه الله، لأنه لا يعذب على فعله تعالى، ولكن بسوء اختيار العبد اختار المعصية، فعند اعتماده (2/260)
صفحة 579
لفعلها خذل، ولو كان غير ما قد قلت ما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. رجع.
* مسألة:
ومن جامع أبي محمد: قال الله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} ففي هذه الآية دليل من الله تعالى لمن يعقل عنه خطابه على أنه لم يفوض الأمر إلى عباده ليستبذل كل أمر منهم بمراده كما زعم الملحدون في آياته المنكرون لأحكام كتابه.
قالوا: فقد شاء الله من الخلق أن يؤمنوا، ولم يشأ منهم أن يكفروا، وأحب الكافرون لأنفسهم أن يكفروا فكانت محبتهم غالبة لمحبته ومشيئتهم ظاهرة على مشيئته، وهم إن شاءوا أن لا يكفروا نفذت مشيئتهم والله تعالى عنهم، فقد شاء من الخلق أن لا يكفروا فلم تنفذ مشيئته، وأراد أن يؤمنوا فلم يبلغ إرادته، فكيف يكون ذلك وهو يقول عز وجل: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
أفليس في هذا القول دليل لأولي التمييز والأبصار على أنه لا يستطيع ممن سبق له الخذلان أن يدخله في ملة أهل الإيمان، ولا يقدر أحد ممن يتعبد بالإسلام على الخروج عن الإيمان إلا بمشيئة الله، فلا سابق لأمره، ولا راد لحكمه، خالق الخلق، ومدبر الأمر، تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا.
* مسألة:
وقلت في قول الله تعالى: {يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ} {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}. (2/261)
صفحة 580
قلت: فإن قال لك مناظرك: أيضلني ويدخلني النار وقد قال: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} قلت: ما الحجة عليه في هذا؟
فالحجة في هذا قول الله بنفسه، ولا حجة له في ذلك أنه يضله ويدخله النار، فهو في ذلك عادل ليس بجائر ولا ظلام للعبيد، وإنما ظلم العبد نفسه.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
إضلال الباري هاهنا لهذا العاصي هو خذلانه للعاصي عند أخذه في المعصية، وخذله وتركه على ما هو عليه من فعل المعصية. رجع.
وقلت في قول أصحابنا: إن الله يعذب على المقدور، وعلى فعله، لا يعذب على القدر، فما القدر وما هو المقدور؟
فمعي أن القدر فعل الله بهم، والمقدور أفعالهم التي قدرها الله لهم، وعليهم بعدله، فلا يعذبهم على فعله بهم، وإنما يعذبهم على أفعالهم.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
انظر حيث لم يجعل فعل الباري معذبا عليه، والخذلان فعله فلم يعذبهم الباري ويقع بهم عذابه، إذ أنه فعل بهم ذلك الخذلان، مبتدئا لهم به، وإنما كانت معصيتهم سببها الخذلان.
وإنما عذبهم كما قال صاحب المسألة على فعلهم، لا على فعله، لأنه تعالى يقول: {فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}. رجع.
قلت: وفي قول أصحابنا أن الله لا يعصى باستكراه ولا بغلبة.
قلت: فإن قال لك مناظرك فيعصى وهو راض؟
فمعي أنه ليس من صفته أن يعصى على الاستكراه، ولا يعصى (2/262)
صفحة 581
وهو راض، والاستكراه لا يكون إلا من غلبة فيكره على ما يغلب عليه، فالله غالب غير مغلوب.
والاستكراه غير الكراهية، والرضا معنى الخروج من الكراهية لا الاستكراه له، فهو كاره للمعصية غير راض بها، ولا يستكره عليها، ولا يثبت عليه الرضا إذا لم يثبت عليه الاستكراه.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
وقد يقال: أضل الله، وأضل الشيطان، وأضل الناس بعضهم بعضا، فلكل ضلالة معنى يعرف بغير معنى الآخر.
فمعنى أضل الشيطان، أنه دعا وزين ورغب في معصية الله، وكذلك ضلالة السامري، وضلالة الناس بعضهم بعض، وهي معصية منهم، لأن الله تعالى نهاهم عنها، فقد سمى معهم -نسخة- منهم ضلالة على معنى معروف موصوف موجود بوقوع شيء لا بعدم شيء.
ومعنى أضل الله، ليس على هذه الجهة، لأنه لا يجوز أن يقول: أضل الله تعني دعا وزين، أو رغب في شيء من المعاصي، كما قلت في إضلال الشيطان، وإنما معنى أضل الله أنه لم يهد ولم يعصم، ولم يوفق، وإنما هو فقد الهدى، وعدم العصمة، لا بوجدان شيء ووقوعه.
ألا ترى أنه يقال: خذل فلان فلانا، وإنما يعني بخذلانه إياه أنه لم ينصره، لم يعنه لا أنه فعل في خذلانه إياه شيئا أكثر من تركه النصرة والمعونة له، فجاز أن يقال: خذل فلان فلانا على هذا المعنى.
ويقال: فلان فقير، فالفقر اسم واقع لعدم المال وفقده، وليس (2/263)
صفحة 582
الفقر شيئا موجودا أحدث، فكان الفقر أكثر من أنه لما أفقره الله المال، ولم يعطه إياه وقع الفقر لعدم المال.
ويقال: فلان غني لوجدان المال عطية الله، فقل: غني لأمر موجود معروف واقع من أجل أحداثه، سمي غنيا، وليس الفقر كذلك، إنما قيل فقير لفقران شيء وعدمه، وهو المال لا لوقوع شيء.
ويقال: أجاع فلان فلانا، أي أفقده الطعام ولم يطعمه، وأعراه أي لم يكسه، ليس أنه أحدث في عريه وجوعه شيئا موجودا به كان العري والجوع أكثر من أنه لم يطعمه ولم يعطه الثوب.
* مسألة:
واعلم أن الهدى والعصمة موجود موصوف واقع، أعطاه الله من أحب، وأحدثه له وبه نال أهل الخير.
قال غيره:
واعلم أن الهدى والعصمة موجودان موصوفان واقعان، أعطاهما الله من أحب، وأحدثهما له، وبهما نال أهل الخير الخير، والله أعلم. رجع.
وقد سأل الصالحون من عباده أن يعطيهم وهو الهدى والعصمة، ولا يجوز أن يكون سألوا الله أمر الأشياء موجودا بحدثه لهم به، أدركوا ثواب الله وكرامته، وقد أخبر الله أنه أعطاه، ومن لا يجوز أن نقول: أعطيت ومننت بشيء لا ينتفع به، ولا يكون لمن أخذه شيء من الخير، ولا يجوز للصالحين أن يسألوا ربهم شيئا ليس له معنى يعرف يدركون به شيئا من الخير. (2/264)
صفحة 583
* مسألة:
وليس للضلالة -لعله- معنى يعرف، والخذلان معنى موجود موصوف، وبوقوعه كانت المعصية كما كان جدان العصمة والتوفيق والطاعة أكثر من فقدان العصمة والتوفيق، وهما اسمان يحب أحدهما معنى، وليس يجب الآخر بمعنى يعرف، وهما يتضادان في الاسم، ولا يتضادان في المعنى، لأن الله أخبر بدرك الخير وطاعته، يعني أحد الاسمين.
ويثبت المعنى وهو المن الذي يبال به الخير، ولم يثبت معنى الاسم الآخر أنه بوقوعه عصى الله، ولا أنه أهلك أحدا، ولا كان به الأمر الذي به يعذب الله، وهو الخذلان والضلالة، فهذا فرق ما بينهما في المعنى والاسم، فمن هلك فإنما هلك من قبل هواه، وما سولت له نفسه.
ومن نجا من الهلكة، ونال الخير في الدنيا، فمن قبل الله وعصمته إياه، وتوفيقه، ومنه وفضله عليه. رجع. (2/265)
صفحة 584
باب
فيما يشرك به الإنسان ويكفر به
وسألت أبا معاوية فيمن شك في رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد علمه به، وأنه ليس رسول من الله؟
قال: هو مشرك يقتل إن لم يتب.
وقلت: من شك في القرآن من بعد علمه به فقال: لا أدري هذا القرآن الذي أنزله الله أم لا؟
قال: مشرك يقتل إن لم يتب، وكذلك إذا شك في آية من القرآن بعد علمه بها، فهو مشرك يقتل إن لم يتب، وأما إذا شك في آية من القرآن، لم يكن علمها أنها من القرآن، وهو مؤمن بالقرآن، إلا أنه شاك في هذه الآية لا يدري أي من القرآن، فقال في هذه الآية: لا أدري أهي من القرآن أم من غير القرآن، فإنه لا يكون بذلك مشركا حتى تقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة فشك فيها بعد قيام الحجة عليه، فإنه يكون بذلك مشركا يقتل إن لم يتب. (2/266)
صفحة 585
* مسألة:
وسألته عمن شك في الكعبة بعد علمه بها؟
فقال مشرك يقتل إن لم يتب، وأما من لم يعلمها، فواسع له جهلها ما لم يحضر وقت الصلاة، فإذا حضر وقت الصلاة فصلى لغير القبلة، فلا يسعه جهل ذلك، ولا يكون بذلك مشركا، ولكنه كافر، فإذا لقيته الحجة فأخبرته فشك فهو مشرك يقتل إن لم يتب.
والرجل يسعه جهل القرآن، فإذا لقيته الحجة فأخبرته أنه من عند الله، فشك فيه، كان بذلك مشركا يقتل إن لم يتب.
* مسألة:
وسألته عمن شك في الجمعة بعد علمه بها، أو كان جاهلا بها فقامت عليه الحجة بالجمعة فشك فيها؟
فقال: لا يكون مشركا ولكنه كافر.
قلت: فإن قال ليس جمعة بعد علمه بها، أو قيام الحجة عليه، هل يكون بذلك مشركا؟
قال: لا، وقد روي عن أبي زياد أنه قال: في هذه يقتل ونحن نقول إنه كافر، ولا يقتل، ولا يبلغ به إلى الشرك إذا كان مقرا بأن الظهر أربع ركعات.
* مسألة:
وسألته عمن شك في السماء والأرض، والجبال والناس والدواب، والشمس والقمر والنجوم بعد العلم بها، أو كان جاهلا فقامت عليه الحجة بذلك، فقال: لا أدري أهي السماء التي ذكرها الله في كتابه، وهذه الأرض التي سماها الله والجبال والدواب والناس أم لا؟
قال: لا يكون بذلك مشركا ولا كافرا إذا كان مقرا بأن الله خلق هذا الذي شك فيه، ولا يدري هذه سماء أو غير سماء، وهذه الأرض أو غير أرض.
* مسألة:
وسألته عمن أقر بالله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، (2/267)
صفحة 586
والإقرار بما جاء من الله، إلا أنه قال: إن الله يعجزه شيء، أو يغفل أو يسهو أو ينام، أو ليس بقادر ولا قاهر؟
قال: يكون بذلك مشركا يقتل إن لم يتب.
وكذلك إن شك في هذا بعد علم الله به، أو كان بذلك جاهلا، فقامت عليه الحجة فشك؟ فقال: لا أدري يعجزه شيء أو لا يعجزه، أو ينام أو ليس ينام، ولا أدري قاهر لكل شيء أم لا؟
فإنه يكون بذلك مشركا يقتل إن لم يتب.
* مسألة:
ومن شك في نبوة الأنبياء بعد علمه، وبعد قيام الحجة عليه؟
كان بذلك مشركا يقتل إن لم يتب.
ومن شك في التوراة والإنجيل والزبور، فقال: لا أدري أهو من عند الله أو من عند غيره وبعد قيام الحجة عليه؟
كان بذلك مشركا يقتل إن لم يتب.
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه:
مما انتخبته من جامع الشيخ أبي الحسن وغيره من آثار المسلمين: وسأل عن الشرك ما هو؟
قيل له: هو الإشراك في الشيء، المشاركة فيه، فهو اسم الشرك والإشراك.
فإن قال: بِمَ لحق العبد اسم الشرك بالله؟ (2/268)
صفحة 587
قيل له: هو كلما أشرك به ما لم ينزل به سلطانا، فهو مشرك، وقد قال: {وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} ويحرم الشرك به، وهو أن يجعل معه شريكا في ملكه، أو يجعل معه إلها غيره، أو يعبد غيره.
ومن عبد الأصنام والأوثان والنيران، والشمس والقمر والملائكة والرسل، وكل من عبد غير الله فقد أشرك بالحرام ما لم ينزل به سلطانا.
ومن أشرك بالله {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} يعني بعيد.
فالمشرك بعيد من الله، خارج من رحمة الله، ومن لم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأنبيائه وما جاءوا به عن الله كان مشركا.
ومن لم يؤمن بالله ويقر بجملة الإسلام التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشركا.
ومن صدق بالله وشك في محمد، ولم يؤمن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يؤمن بالقرآن الذي جاء به من عند الله كان مشركا.
وليس بمسلم في الدعوة التي من أقر بها كان مسلما، ومن أنكرها أو شيئا منها، كان مشركا حتى يقر بالله ورسوله، وما جاء به أنه الحق، وفي ذلك إيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، وكتب رب العالمين.
وقد قال الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً}.
وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}. (2/269)
صفحة 588
فمن لم يسلم لحكم رسول الله فليس بمؤمن، ومن لم يكن مؤمنا، كان مشركا وكافرا، ومن آمن ببعض الأنبياء وكفر ببعضهم كان مشركا لأنه رد ما جاء في القرآن من الإيمان بحقوقهم، ونقض ما أمر به من الجملة.
ومن أنكر شيئا من كتاب الله أشرك لأنه ما أقر به أنه جاء به من الله، ومن لم يصدق بجملة القرآن أشرك، ومن لم يؤمن بالآخرة كان مشركا.
وقد قال الله تعالى: {وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.
وقال عز وجل: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}.
ومن لم يؤمن بالمعاد، وأنكر البعث أشرك لأن ذلك في كتاب الله، وقد نقض ما أقر به، ومن رد شيئا من كتاب الله، ولو حرفا، أشرك حتى يؤمن بكل ما جاء عن الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وهي الدعوة، وعلى إنكار ذلك قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلوا في الإسلام، وقتل من امتنع من اليهود، واستحل نساءهم وأموالهم، وقاتل عبدة الأوثان حتى أقروا.
فمن أنكر وحدانية الله أشرك، ومن أنكر البعث وكذب بالجنة والنار أشرك، لأن ذلك في القرآن، ومن جحد بالصلاة وأنكر أنها ليست في كتاب الله، وخطأ من أوجبها كان مشركا يقتل إن لم يتب.
فأما من لم يصل وهو مقر بها لم يشرك، من جحد الصلاة والزكاة ومنع ذلك أشرك بذلك، وقوتل حتى يقر بذلك، وعلى ذلك، كان قيام أبي بكر فيمن ارتد ومنع الزكاة. (2/270)
صفحة 589
قال غيره:
وعلى ذلك كان قتال أبي بكر رضيه الله من ارتد ومنع الزكاة، ومن جحد الحج والصيام والفرائض التي في كتاب الله، ومن لم يؤمن بذلك أشرك.
ومن قال: إن نبينا بعد محمد، وأنه ليس بخاتم النبيين، أو قال: إنه كاذب، أو ساحر، ولم يصدق به أشرك ومن ذلك لحق اليهود اسم الشرك، لأنهم يسمون النبي كذابا، أو ساحرا، ولم يؤمنوا به، ولا بما جاء به، وأشركوا على ذلك، قاتلهم، واستحل دماءهم وأموالهم بما أحل الله من ذلك.
وقد سماهم الله مشركين بقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
فقد سماهم الله في كتابه مشركين، وفي هذا لهم كفاية، وسماهم الذين كفروا، وقد قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ} وقال: {النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.
ولم يلعن الله مؤمنا، وقد لعن الكافرين وقال: {وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}.
وكل من استحق بعصيانه مجازاة من الله وعقوبة فقد كفر، كما سماه الله، وقال: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} ولا فرق في ذلك كما قال الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}، {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} فمن لم يكن شاكرا كان كفورا، ولا منزلة ثالثة غير هذين. انقضى. (2/271)
صفحة 590
وهذا من سيرة أبي عبد الله محمد بن زائدة إلى أخيه أبي إبراهيم محمد بن سعيد رحمه الله:
فإن رد العبد آية من كتاب الله أشرك، وإن شرك في الجنة أشرك، وإن شك في النار أشرك، وإن شك في البعث من القبور أشرك، وإن شك في القيامة أشرك.
قال الشيخ: في هذا الشك بعد معرفته، أو قيام الحجة عليه بمعبر، وقال: يسعه جهل هذا ما لم يذكر.
وإن اتخذ ربا يعبده من دون الله أشرك، وإن أنكر ربوبية الله أشرك، وإن أنكر كتب الله أو بعضها، أو شيئا منها أشرك، ومن أنكر الملائكة أشرك، وإن لم يقر بالعبودية أشرك.
ومن آمن بالله ولم يؤمن بأنبيائه أشرك، ومن آمن بأنبيائه ولم يؤمن به أشرك، ومن آمن بلسانه ولم يؤمن به -لعله بقلبه- أشرك، ومن ادعى أن لله ولدا أشرك، ومن تكهن أشرك.
قال أبو الحسن: إن كان متكهنا مقرا بجملة الإسلام، ولم يظهر من لفظه ما يلزمه حكم الشرك فليس بمشرك، ولكن كافر نعمة.
ومنها: ومن دعا إلى عبادة غير الله واستجيب له أشرك.
قال أبو الحسن: وكذلك الساحر إن كان لم يظهر من سحره ما يستحق به الشرك، وقولنا في الكاهن والساحر في الحكم الظاهر.
ومنها: ومن وصف الله بجارحة من الجوارح.
قال بعضهم: أشرك، وقال بعضهم: كفر.
وقال أبو الحسن: إن قال جارحة كهذه الجوارح التي فينا فقد (2/272)
صفحة 591
أشرك، وإن قال جارحة ولم يقل كهذه فه كافر كفر نعمة. رجع إلى كتاب الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن علي البسياني.
وسأل عن الشك: قيل: من شك في الله أنه ليس بخالق ولا رازق كفر، ومن شك في أسماء الله بعد قيام الحجة عليه كفر، ومن شك في تفسير التوحيد بعد علمه وقيام الحجة كفر.
ومن شك في النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بنبي ولا رسول كفر بذلك، ومن شك في القرآن بعد أن سمعه يتلى ويقرأ، فقد قامت عليه الحجة، فإن شك فيه كفر.
وأما من آمن بالله ورسله، وآمن بالقرآن، ثم سمع بآية لم يكن علم أنها من القرآن، فشك فيها بعد قيام الحجة كفر، ومن شك في سورة من القرآن، أو في ثلاث آيات لم يعذر بذلك وقد كفر.
وقد قيل: إن القرآن حجة، لأن نظمه معجز في كلام البشر، فمن شك في شيء منه كفر.
وقال آخرون: حتى يشك في ثلاث آيات، لأن أقل سورة ثلاث آيات.
ومن شك في الثواب والعقاب، والجنة والنار، والبعث والحساب، والوعد والوعيد، بعد قيام الحجة من كتاب الله، وحجة المسلمين كفر.
ومن شك في فرائض الله التي افترضها عليه بعد قيام الحجة عليه كفر، ومن شك في محارم الله التي حرمها بعد علمه، وقيام الحجة عليه كفر، ومن شك في أنبياء الله وكتبه ورسله بعد قيام الحجة عليه كفر.
وأما من شك في واحد من أنبياء الله، أو واحد من ملائكة الله، (2/273)
صفحة 592
لم يسمع بهما لم يكفر بذلك حتى تقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة فشك بعد قيام الحجة عليه كفر.
ومن شك في ولاية المسلمين والبراءة من الكافرين بعد علمه، وقيام الحجة عليه كفر.
وأما من شك في ولاية واحد ...
رجع إلى كتاب بيان الشرع.
وإن شك فقال: لا أدري هذا الذي في أيدي اليهود هي التوراة التي أنزلها الله على موسى أم لا؟ وهذا الإنجيل الذي في أيدي النصارى هو الذي أنزله الله على عيسى أم لا؟
إلا أني لا أشك في التوراة أنها من عند الله، وأن الله أنزلها على موسى، ولا أشك في الإنجيل أنه من عند الله، وأن الله أنزله على عيسى، فإنه لا يكون بذلك مشركا ولا كافرا.
وسئل عمن قال: إن عيسى نبي الله له أب، وأنه عيسى ابن مريم؟
قال: مشرك يقتل إن لم يتب.
وإن قال: عيسى من ولد آدم؟
فلا يكون بذلك مشركا ولا كافرا، لأنه من ولد آدم.
والجنة والنار يسع جهلهما ما لم يذكرا، فإذا ذكرتا لم يسع أحد جهلهما إلا الإيمان بهما، ومن شك فيهما بعد علمه بهما، وبعد قيام الحجة عليه كان بذلك مشركا يقتل إن لم يتب.
وكذلك يوم القيامة يسع جهله ما لم يذكر، فإذا ذكر لم يسع (2/274)
صفحة 593
جهله، ولا يسعه إلا الإيمان به، فإذا شك فيه بعد العلم به، أو بعد قيام الحجة، كان بذلك مشركا يقتل إن لم يتب.
ومن جهل أن الله يبعث من في القبور، فذلك واسع له ما لم يذكر. أو تقم عليه الحجة، فإذا ذكر أو قامت عليه الحجة لم يسعه إلا الإيمان أن الله يبعث من في القبور.
ولا يسعه جهله إذا ذكره، أو قامت عليه الحجة، وإن شك أن الله يبعث من في القبور بعد العلم أو بعد قيام الحجة، لم يسعه ذلك، وكان بذلك مشركا يقتل إن لم يتب.
والثواب والعقاب يسع جهلهما ما لم يذكرا، فإذا ذكرا، أو قامت عليه الحجة بهما لم يسع جهلهما، وإن شك في الثواب أو في العقاب بعد علمه، أو بعد قيام الحجة عليه، كان بذلك مشركا، يقتل إن لم يتب.
* مسألة:
وقيل: عن أبي عبد الله رحمه الله أنه قال: من تأول القرآن من القرآن على غير تأويله، فهو كافر، ولم يدخل في الشرك، ومن تأوله من غير القرآن، والذي من القرآن مثل قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وقال ينظر إليه في القيامة فقال: قد أخطأ بلا شرك. (2/275)
صفحة 594
باب
في التكليف
قال الله عز وجل: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي لا يؤاخذها ويطالبها إلا بطاقتها.
* مسألة:
يجب على العبد إذا بلغ، وصح عقله، وزالت عنه الآفات في أول أحوال التكليف أن يعرف خالقه، وأنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.
ودليله على ذلك ما يرى من عجائب خلقه، ولطائف صنعه، في نفسه وغيره، وأرضه وسمائه، وليله ونهاره، واختلاف أحواله، وما يشاهده بين السماء والأرض من الدلالات القائمة، الآيات الدالة على وحداني الله جل جلاله.
وأول ما على العبد معرفة ما افترض عليه المفترض، لأنه لا يؤدي المفترض عليه حتى يعرف الذي افترض عليه الفريضة حق معرفته، لأنه لا يجوز أن يتقرب إلى من لا يعرفه، ولا يخضع، ويعبد ويعمل لمن لا يعلمه.
وأنه لا يجوز أيضا أن يعرف الرسل من لم يعرف المرسل، لأنه إنما يطيع العبد الرسول إلا إذا عرف المنعم عليه الذي تجب طاعته عليه، وأرسله إليه وأوجب عليه اتباعه وتصديقه، وعلى كل عاقل بالغ أن يوحد الله عز وجل، ولا يوحده إلا من عرفه وأقر به ومن لا يعرفه فلا يوحده بل يجحده.
وإذا وحد الله تعالى بأنه واحد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فقد عرفه. (2/276)
صفحة 595
فصل
وعن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
قال: إن أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده، ونظام توحيده، نفي صفات التشبيه عنه بشهادة العقول، لأن كل مشبه موصوف بالأشباه، مخلوق، وشهادة كل مخلوق أن له خالقا لا يشبهه، ولا يوصف بصفاته، وشهادة كل صفة بالاقتراب وشهادة الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع مع الأزل الممتنع من الحدث.
قال: وأما المعرفة بالله جل جلاله في قيام ولا قعود، ولا إياه وحد من اكتنهه، ولا حقيقة أصاب من مثله، ولا صمده من أشار إليه، ولا إياه عني من شبهه بخلقه، ولا تذلل له من فريضة ولا إياه أراد من توهمه، وكل معروف بنفسه مصنوع قائم سواه معلول.
فصل
أول ما افترض الله على عباده معرفته وشكره على نعمته، ونفي الأشباه عنه، ثم الإقرار بأنبيائه ورسله وملائكته، والتصديق بجميع ما أنت به، وأنزله في كتبه، وما كلفهم عليه مطلب معرفته ذلك من كتابه العزيز الذي يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه.
ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن إجماع الأمة، ومن حجج العقل الذي حسن الله به الحسن، وقبح به القبيح وله وجب الأمر والنهي، وحسن الحمد والذم.
ويلزم الكف عما قبح في عقولهم ما لم يأتهم عن الله تعالى خبر بإباحته شيء منه، ويلزم العبد أن يعرف نفسه، حق معرفتها، فإن من جهل نفسه كان لغيرها أجهل. (2/277)
صفحة 596
قال غيره:
هذا هو العدل من القول لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: متى يعرف الإنسان ربه؟
فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا عرف نفسه» فإن من جهل نفسه كان لغيرها أجهل، والله أعلم.
فمعرفة الله تعالى أول المفترضات، وبها تصح العبادات، ومن لم يكن بالله عارفا، كان به جاهلا ومن كان به جاهلا لم يكن له عاملا، كان لأوامره مهملا، ومن كان لأوامره مهملا كان لعذابه مستوجبا.
* مسألة:
التكليف على معنيين: فمتى يجوز إضافته إلى الله عز وجل، ومعنى لا يجوز، فالذي يجوز هو الأمر، وهو تكليفه عز وجل عباده أو أمره ونواهيه، طاعاته وفرائضه حسب طاقاتهم.
والمعنى الذي يجوز إنزال المكلف حاجته بالمكلّف، وهذا غير جائز على الله عز وجل أن يكون تكليفه العباد لحاجة له إلى ما يكلفهم، إذا كان الله غنيا عن جميع ما خلق، وكل إليه محتاج مفتقر، تعالى الله علوا كبيرا.
فصل
ويقال على من هذا الأمر كلفه أي مشقة، ومن هذا المعنى يقال: تكلف فلان لأخواته الكلف، وتكلف لهم ما عجزوا عنه، ويقال: ما عليك في هذا الأمر كله كلفة، أي تحمل ثقلا. (2/278)
صفحة 597
* مسألة:
ووجوب التكليف على المكلف من طريقين: طريق عقل، وطريق نقل.
فطريق العقل ينقسم قسمين: أحدهما: معرفة الله تعالى أنه واحد، وعالم، وقادر، ونحو ذلك، فعلى المكلف عند ذكر ذلك وسمعه اعتقاده وعلمه، غير معذور بجهله ولا الشك فيه لقيام أدلته، ولزوم حجته.
والقسم الثاني ما فيه الاختلاف بين الناس، مثل عالم بعلم، وقادر بقدرة، وعالم بنفسه، وقادر بنفسه، فحجة هذا تلزم بالسؤال، وبعد الاستدلال، وعلى الشاك فيه أن لا يعتقد قولا من المخالفين بغير دليل، فإن مستمسكا بالجملة، وهي أن الله تعالى واحد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
وما كان طريقه طريق فغير لازم ولا هالك من جهله، إلا بعد قيام الحجة عليه بالخير المنقول إليه، فإذا طرق سمعه من ذلك لزمه فرضه، إن كان مفسرا في نفس اللفظ المنقول، وإن كان مجملا فإلى أن يسأل العلماء عن تفسير خطابه.
وما لم يقم على المكلف حجة لم تبلغه دعوة، فهو سالم بجهله ما كان طريقه السمع من رسالة الرسول، وعلى الفرائض، لأنه لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم مشاهدا، ولم يظهر له معجزة على ما يدعيه من النبوة، ويدعو إليه من الإيمان به فلم يجبه، لما كان هالكا، لأن مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم ليست بحجة على شاهده دون إظهار معجزة، ولا إبلاغ رسالة.
ولا قال بذلك أحد من أهل القبلة، ولو كان كذلك لكان المسلمون حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة، والناس يصلون إليه، (2/279)
صفحة 598
ولا يعرفوه إلى أن يكثروا، وارتفعت الشمس، فقام أبو بكر رضي الله فستر النبي صلى الله عليه وسلم بثوبه من الشمس.
فعلمت الأنصار والمسلمون أن المعظم هو النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كانت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم هي الحجة فقط كان جميع المسلمين من أهل المدينة قد كفروا بجهلهم الحجة، وهم له معاينون.
ولم يقل أحد أيضا: إن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم هي الحجة دون المعجزة، ولو كأنه المشاهدة هي الحجة من غير أن يعضدها دليل من المعجزة، أو من يقوم مقامها لكان من سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو، فلم يعلم الحق ويتبعه كافرا، وقد سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم فلم يلزم حجته بغير معجزة.
ولو كان ذلك لازما لكل مشاهدة للنبي صلى الله عليه وسلم، أو سامع لكلامه لما كان لإظهار المعجزات معنى.
ولو كان أيضا سائغا لكل مدع للنبوة أن يدعها من غير إظهار معجزات -لعله- معجزة عليه، ولكن لما كان الله عز وجل لا يبعث رسلا إلا بمعجزة ظاهرة، وأعجوبة باهرة ليس في طوق أحد أن يأتي بمثلها، ولا أن يشاكلهم فيها، صح أن المعجزة هي المؤيدة لرسالتهم، والمؤكدة لمقالتهم، والمثبتة لحجتهم، والمبرهنة لدعوتهم، والمصدقة لأمرهم، والمعرفة بينهم وبين غيرهم، وإنما هي الحجة الجلبة، والدلالة النبوية التي باين بها رسل الله غيرهم من العباد.
فصل
والتكليف ثلاثة أقسام: قم أُمر المكلفون باعتقاده، وقسم أُمروا بفعله، وقسم أمروا بالكف عنه.
فما أُمروا باعتقاده قسمان: قسم إثبات، وقسم نفي. (2/280)
صفحة 599
فأما الإثبات: فإثبات توحيده، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم بما جاء به.
وأما النفي: فنفي الصاحبة والولد والأشباه، والحاجة والقبائح أجمع عنده، وهذان القسمان هما أول ما كلفهما العاقل.
وما أمرهم الله بفعله ثلاثة أقسام: قسم على أبدانهم، كالصلاة والصيام، وقسم على أموالهم كالزكاة والكفارات، وقسم على أبدانهم وأموالهم، كالحج والجهاد.
وما أمرهم بالكف عنه ثلاثة أقسام: قسم لإحياء نفوسهم، كنهيه عن القتل، وأكل الخبائث والسموم، وما يؤدي إلى فساد أبدانهم وأديانهم.
وقسم لإيلافهم وإصلاح ذات بينهم، كنهيه تعالى عن الغضب، والظلم، والبغض، وما أشبه ذلك.
وقسم لحفظ أنسابهم، وتعظيم محارمهم، كنهيه تعالى عن الزنى، ونكاح ذوات المحارم، والتعبد مأخوذ من عقل متبوع، وشرع مسموع، فالعقل متبوع فيما لا يمنع منه الشرع، والشرع مسموع فيما لا يمنع منه العقل، لأن الشرع لا يرد بما يمنع منه العقل، والعقل لا يتبع فيما يمنع منه الشرع، وكذلك توجه التكليف إلى من كمل عقله.
والأحكام العقلية لا تكون أصولا للأحكام الشرعية، ولا شبه الأحكام الشرعية بالأحكام العقلية وقال بشير: لابد من تكليف المعرفة كل بالغ من جهة العقل، وإن لم يكن من أهل السمع، لأن ذلك مما يدرك بمشاهدة الأدلة، ولا تجوز إباحة تركه، واكتساب الجهل بدلا منه إذا كان ممكنا له، وغير عاجز عنه، ولو كان مكلف ذلك إلا بعد أن يفرغ، سمعه الآمر له به، لكان لا سبيل له إلى ذلك إلا بعد أن يعلم صدق المخبر له وإن أتاه من عند الله. (2/281)
صفحة 600
وأن الله عز وجل لا يبعث إلا صادقا، وهو إنما يعلم صدق المخبر له بعد أن يعرف الله تعالى بأدلته، ويعلم أن حكيم لا يبعث رسلا إلا بمعجزة لم تجر بها عادة، وأعجوبة قاهرة الحجة، ودلالة ظاهرة البيان ليس في قوى الخلق أن يأتوا بها، ولا أن يساووهم فيها، ولا جرت العادة فيهم بمثلها، صح أن أعلامهم دالة على صدقهم.
ولا يجوز أن تكون دالة على ذلك إلا المكلفون لعلمه ممكنون من الاستدلال على صدقهم فيما جاءوا عليهم السلام من ربهم عز وجل.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
عن بشير قال: قالت المعتزلة: إن الله إذا آلم الأطفال والمجانين، وأدخل عليهم المكروه، فإنه يعوضهم به في الآخرة.
قال: وكذلك يقولون في الدواب إذا أدخل عليهم شيئا من المكروه أنه يعوضها ويخلدها في الجنة مثل غيرهم.
رجع إلى كتاب بيان الشرع. (2/282)
صفحة 601
باب
فيما لا يسع جهله
قال أبو عبد الله: الذي لا يسع جهله عند حضور وقته من الإيمان الوضوء للصلاة لا يسعه أن يجهله إذا حضرت الصلاة، أو يجهل ما يجب عليه من استكماله، فإذا جهل تمام الوضوء، ولم يتم وضوءه بكماله، ودخل في الصلاة وهو ناقص الوضوء فقد كفر إذا جهل.
وقال: لا أعرفه فهو غير مقدور بجهالته إياه، وإن أقيمت الصلاة، وجهل ما يجب عليه فيها من تمامه بحدودها.
وقال: لا أعرف ما وجب عليّ فيها، وكيف أقيمت وجهلها حتى انقضى وقتها، ولم يصلها على ما ينبغي، فهو غير معذور بجهالته، وقد كفر.
وكذلك الغسل من الجنابة إذا أجنب فجهل معرفة الغسل ولم يأت به، واعتذر بجهالته حتى انقضى وقت الصلاة ولم يغتسل فهو غير معذور بجهالته إياه، وقد كفر.
وأما الزكاة فإن كان له مال فجهل أداء الزكاة، فلم يؤدها حتى مات فقد كفر.
وكذلك إن كان له مال فلم يعلم أن الحج يجب عليه، فإذا كان له مالا فلا عذر له، ولا يسعه جهل ذلك ولا كفره حتى يموت، فإن مات ولم يحج مات كافرا إذا لم يوص بحجة.
وكذلك إن جهل صيام شهر رمضان من قبل دخوله، فلم يعلم أنه واجب عليه، فمات قبل دخوله لم يكفر. (2/283)
صفحة 602
وإن دخل شهر رمضان فلم يصمه وجهله فلا عذر له في جهله، وهو كافر حتى يتوب ويتعلم، فإن مات ولم يصم منه يوما واحد، فقد كفر، فإن تاب لكل يوم شهرا وكفارة الصلاة، وهو يتعلم فلم ...
فلا يبدل، وأرجو أن يكون معذورا إن شاء الله.
وقال أيضا: الكفر الذي يسع الناس جهله هو الشرك بالله، فما دونه -لعله- أراد وأما ما دونه مما حرمه الله في كتابه ورسوله في سنته، وأجمع المسلمون على تحريمه.
فما لم يفعله هو أو يتولى من فعله، أو يبرأ ممن برئ من فعله فهو سلم، فإن فعله هو بجهالة، أو تولى من فعله بجهالة، أو برئ ممن برئ ممن فعله، فهو كافر، كل هذا كفر نعمة لا كفر شرك.
* مسألة:
وهذا كلام حاجب بن مسلم: عن الإيمان الذي يسع الناس جهله؟
قلنا: ما دان الناس بتحريمه مما أوجب الله العذاب على فعله أو تركه، فما لم يعلموا أو ينسوا الإيمان لمن عمل، أو يكفوا عمن برئ منهم من العلماء على براءتهم ممن عمل، أو أثبت الإيمان لمن عمل، فهذا الإيمان الذي لا يسع من علمه، جهل ما وراءه حتى تقوم حجته.
* مسألة:
ومن الأثر: وسألته عمن جهل الجنة والنار؟
فقال من قال: لا يسع جهلهما. (2/284)
صفحة 603
وقال من قال: يسعه ما لم يعلمه أحد، فإذا علمه أحد لم يسعه جهلهما.
قلت له: فما تقول أنت؟
قال: أقول إنه يسعه ما لم يعلمه أحد، فإذا أعلمه أحد لم يسعه جهلهما.
قال أبو سعيد: الله أعلم، ومعي أنه إذا لم يعرف معنى ذلك، والمراد به، فلا معنى للأمم عندي، لأن الجنة والنار قد يخرجان في معاني غير الثواب والعقاب من جنان الدنيا، ونار الدنيا التي تنفع الناس، ويتمتعون بهما، وأما معنى الثواب والعقاب ... تبارك وتعالى طاعة وعلى ... جهل ذلك.
قلت: لا يسعه إلا ..... ؟
أما فيما تقوم معه الحجة.
وعن رجل أعمى لا يبصر يكون في سفر مع قومه كثير لا يثق بأحد منهم، وهم أهل الصلاة، هل يقبل منهم إذا أخبروه بأوقات الصلاة، ورؤية الهلال في الصوم والإفطار من شهر رمضان؟
فإنه يأخذ بقولهم، ويقبل منهم، وإن لم يثق بهم، لأن الله تعالى قد ائتمنهم على ذلك، وكذلك إن كان في قرية لا يثق بأحد من أهلها، فإنه يقبل منهم.
* مسألة:
قال أبو معاوية، عن محبوب بن الرحيل: لو أن قوما وصلوا إلى (2/285)
صفحة 604
ذات عرق، فأتاهم أعرابي جاف فقال لهم: هذه ذات عرق، ولا يسعكم تجاوزونها إلا محرمين؟
كان حجة عليهم، ولا يسعهم أن يجاوزوها إلا محرمين.
* مسألة:
قال أبو معاوية: سأل رجل محمد بن محبوب عن رجل خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبلته بيت المقدس، فلقيه رجل في سفره، وقد خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن صرفوا إلى الكعبة، فقرأ عليه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}؟
فقال محمد بن محبوب: قد لزمته الحجة.
* مسألة:
وجدت مكتوبا للشيخ أبي محمد، وأرجو أنه ابن بركة، وسألته عن الصلاة: أيسع جهل علمها، أو لا يسع جهل ذلك كان قبل حضور وقتها أو بعده؟
قال: يسع جهل علمها وعملها قبل وجوبها، ولا يسع جهل علمها مع وجوبها.
قلت: فسر لي ذلك وفصل لي الفرق بين الفصلين؟
قال: نعم الفصل في ذلك واضح بيانه، وذلك أنه غير مكلف لعلم ما لم يلزمه، ولا لعمل ما لم يجب عليه تأديته إلا لأوقات تأتي، (2/286)
صفحة 605
وأحوال ثابتة، فإذا أتى عليه ذلك الوقت، ووجب عليه ذلك الفرض لزمه الفرض ووجب عليه العمل.
فإن جهل العمل مع وجوب الفريضة، هلك مع زوال أوقات الفريضة، ولا عذر له بجهله.
وتفسير ذلك: أنه واسع له جهل العلم بالصلاة بأن فرضها أربع ركعات قبل لزومها، وحضور وقتها، فإذا حضر وقتها لزم العمل بها، فإن أداها قبل زوال وقتها سلم، وإن جهل أو تجاهل هلك.
قلت: فعلم ذلك كيف يقع له، وممن يلزمه قبول ذلك إذا أخبره.
قال: علم ذلك يقع له بسؤال المسلمين، وعليه قبول ذلك منهم فيما أخبروه به، وأسندوه له، ورفعوا إليه من السنن المنقولة عن الرسول، والأئمة المتقدمة.
قلت: ومن أين يوجب عليه السؤال، ومن أين لزمه القبول بما أخبروه به، ونقلوه إليه؟.
قال: بالكتاب وجب السؤال ولزمه القبول.
قلت: وأين ذلك من الكتاب؟
قال: قوله عز وجل: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فلما أمرنا بالسؤال لأهل الذكر لما جهلنا دلنا بذلك على قبول ما أخبرونا به، وأسندوه لنا، ونقلوه إلينا.
ولو كان أمره لنا بالسؤال لا يوجب علينا قبول خبر من نسأله، لكان لا معنى للآية، ولا فائدة فيها، وهذا ليس من صفة الحكيم، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (2/287)
صفحة 606
قلت: أرأيت لو أخبره ثقة من المسلمين في وقت لزوم فرض الصلاة أربع ركعات، هل كان عليه قبول خبر الثقة؟ وهل يفيده خبر الثقة علما؟
قال: عليه قبول خبر الثقة، لأن خبر الثقة يوجب العمل تقليدا له، ويعيده علما.
قلت: ومن أين لزم قبول خبر الثقة ووجوب العمل به، وزوال الفرض عنه بخبر الواحد، والفرض لا يزول إلا بعلم؟
قال: أما قبوله خبر الثقة بدليل من الكتاب، وهو قوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} فلما أمرنا بالبيان مع خبر الفاسق، دلنا بذلك بأن السؤال موضوع عنا مع الخبر الصادق.
فلما كان هذا الرجل لا يعلم عدد فرض الصلاة، وكم هو من الركعات وجب عليه قبول خبر الثقة بهذا الدليل تقليدا له، وثقة به، لا أن خبره علم على الحقيقة، لأن علم الحقيقة لا توصل إليه.
قلت: فَلِمَ قال: بأن شهادة الشاهدين علم؟
قال: يقال: إنه علم الظاهر لا علم الحقيقة، لأن علم الحقيقة هو العلم بالظاهر والباطن، وهذا ما لا يصل إليه مخلوق.
قلت: فلم يقال للعالم إنه عالم على الإطلاق؟
قال: وهذا أيضا علمه علم الظاهر، لا علم الحقيقة، وأجرى الاسم عليه، بأنه عالم مجازا وسعة في اللغة، لا على الحقيقة أنه عالم، وبالله التوفيق. (2/288)
صفحة 607
* مسألة:
وما لم تقم على المكلف حجة، ولم تبلغه دعوة فهو سالم بجهله ما كان طريقه طريق السمع من رسالة مكررة، وقد تقدم.
وجدته مكتوبا بعد هذا يعني قد تقدم تكريره في هذه المسألة مضافا إليه.
وكذلك كل نبي لا حجة في مشاهدته دون إظهار دعوته، وإذا كان الأمر على ذلك كان المكلف معذورا بالدليل الذي بيناه، والشاهد الذي أقمناه قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}.
وليس الرسول صلى الله عليه وسلم حجة بمشاهدته دون تبيين رسالته، قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.
عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أرسلني إلى الناس برسالة وأني ضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس مكذبي فأوعدني ربي أن أبلغ رسالته أو ليعذبني».
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة فلا يؤمن بي ولا بما جئت به حتى يموت إلا كان من أصحاب الجحيم».
وقيل في قول الله عز وجل: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} يقول: أنذركم به، وأنذر من بلغه لا إلا الله، فقد بلغه إبلاغي به، وقد قامت عليه الحجة، وقيل من بلغ يقول، ومن بلغه الإسلام فقد بلغته الحجة، وإن لم تدعه فقد بلغه الإسلام. (2/289)
صفحة 608
وقيل: من بلغ معنا، ومن بلغه القرآن، فأضمرت الهاء، والعرب تضمر الهاء في الصلاة، ومع، والذي، وما، ومن يقول: من أكرمه، أبوك، يريد أكرمته، وما أخذت مالك الذي أخذت مالك.
والعرب إذا طال عليهم الاسم بالصفة، حذفوا الهاء، قال الله عز وجل: {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ} أي من أضله الله، ومثله: {مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ} يريد من كلمه الله.
قال جرير:
أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح
أراد حميته، فحذف الهاء.
قال قتادة: وذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس بلغوا ولو آية من كتاب الله، فإنه من بلغته آية فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه».
وقوله تعالى: {لأُنذِرَكُم} لأحذركم من معصية الله، والإنذار هو الإخبار بالتخويف، وكل منذر معلم، وليس كل معلم مخوف حتى يكون مع إعلامه تخويف كقوله عز وجل: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ}.
مما يدل على إيضاح ما ذكرته قول الله عز وجل حكاية عن فرعون لموسى: {فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} وقول موسى عليه السلام: {يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}. (2/290)
صفحة 609
وقول عاد لهود: {قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} فهذا ومثله في الكتاب مما يؤيد ما ذكرته، والله تعالى أعلم.
* مسألة:
سألت أبا سعيد محمد بن سعيد رضي الله عنه: عن الأنبياء صلوات الله عليهم كلهم، هل يسع جهل معرفتهم ما سوى النبي صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم هكذا عندي.
قلت له: ولا تقوم الحجة من المعبرين على الجاهل بهم كانوا ثقات وغير ثقات كانوا علماء أو غير علماء؟
قال: لا يبين لي أن يكون عليه أن يشهد كشهادة الحجة، ولا يعلم كعلم الحجة، إلا بعلم يؤديه هو إلى ذلك من غير لزوم الشهادة، لأني إذا ألزمته علم ذلك، وأجزت له ذلك جاز فيه عليه أن لو شهدوا بغير نبي كان لنا أن نشهد كشهادتهم، وأن نشك فيه كان مشركا، وهذا لا يستقيم عندي، والله أعلم.
وكل ما يخرج عندي مخرج الشهادة، لا مخرج نقل الشريعة كان بمنزلة الشهادة.
قلت له: فالشريعة أهي الجملة التي على الناس الإيمان بها من القول بالإقرار بها والعمل، وما كان الحق فيه واحدا أم يجري فيه الاختلاف هو من الشريعة أيضا بين لي صفة ذلك الفرق فيه؟
قال: إن الشريعة على ما قيل هو ما كان من الدين، مما يجري فيه الناسخ والمنسوخ من الأمر والنهي، وهذا مما يجري عليه أمر الشريعة فيما عندي، والدين واحد لا يختلف في شريعة نبي من الأنبياء وهو الإسلام (2/291)
صفحة 610
كذلك قال الله تبارك وتعالى فيما أوحى إلى نبيه: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ} الآية.
وقال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} فالشرعة يلحقها اسم الأعمال، وما يجري فيه الأمر والنهي، والناسخ والمنسوخ، والسنة المحكمة في ذلك لاحقة بحكم الفرائض في ثبوت الشريعة والإجماع الصحيح، الموافق للسنة لاحق بحكم الشريعة من ذلك.
والمنصور من الرأي الموافق للإجماع والسنة، والكتاب خارج حكمه من الشريعة، ومشتق من الشريعة، وإن كان لا يسمى شريعة فإنه من الشريعة.
وكل هذا إن لم يكن فيه ربح فهو وضيعة.
قلت له: ما أوجب على الناس أن يعلموه ويؤمنوا به من حجة عقولهم، وخاطر بالهم، وسماع آذانهم، ولا يسعهم الشك فيه بعد أن ينزل بهم أحد هذه المعاني الثلاثة؟
قال: هو عندي كلما ألزمهم الله علمه من ذلك.
قلت له: مما ألزم الله عباده أن يعلموه من دينه الذي تعبدهم الله بعلمه، هكذا عندي؟
وقلت له: فما الذي تعبدهم الله من علمه؟
قال: هو ما خصهم علمه عندي من جميع ذلك، كل منه في موضع خصومة ولزوم محنته.
قلت له: فإذا خصهم ذلك أو شيء منه كان عليهم علمه بأحد ما (2/292)
صفحة 611
وصفت لك من حجة العقل، وخاطر البال، والسماع، فإن لم يعلموه هلكوا؟
قال: هكذا عندي في جميع ما ألزمهم الله علمه، لا لغير معنى العلم.
قلت له: النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو ما ألزمهم الله علمه بأنه محمد، وأنه رسول الله؟
قال: قد قيل ذلك إذا بلغوا إلى علم ذلك إذا كانوا من أمته، ومن المتعبدين برسالته.
قلت له: فإن خطر ببالهم أن الله أرسل رسولا إليهم، وخطر أنه محمد أو غير محمد، كان عليهم أن يعلموا أنه محمد، وإن شكوا فيه أنه محمد هلكوا؟
قال: لا يبين لي إدراك الأسماء بحجة العقل إلا بسماع أو نظر على سبيل العبادة -نسخة- العبارة ولكنه صح معنى الرسالة من حجة العقل، لأنها مدركة، فإذا صح في عقولهم ما هو مدرك علمه فشكوا فيه هلكوا مما تعبدوا بعلمه.
قلت: فهل يكون المعبر الواحد الذي يعبر له، يقول له: إن هذا الرسول هو محمد بن عبد الله، هل يكون عليه حجة كان ثقة، أو غير ثقة، ويلزمه أن يعلم أنه محمد صلى الله عليه وسلم؟
قال: قد قيل: إن المعبر له ممن كان حجة عليه، وأنا ناظر في ذلك وديني فيه دين محمد صلى الله عليه وسلم.
قلت: فعلت الوعد والوعيد، والموت والبعث، والحساب، هل يكون تقوم الحجة بهذا وحجة العقل، والخاطر والسماع؟ (2/293)
صفحة 612
قال: إنه قد قيل في ذلك: وعلمه من حجة العقل باختلاف، وأما السماع فلا يبين لي فيه اختلاف إذا سمعه وعرف معناه المراد به أن عليه الإيمان به.
قلت له: فبين الخاطر، وحجة العقل فرق أم معناهما واحد؟
قال: إن بين معناهما فرقا في الأسماء، وأما في المعاني والصفات فلا يبين لي في ذلك فرق إذا عرف معناه، والمراد به.
قلت له: فإذا خطر بباله أنه يموت أو لا يموت، أو يحاسب أو لا يحاسب، كذلك يعاقب -لعله- أراد يعاقب ويثاب، أو لا يعاقب ولا يثاب، هل عليه أن يعلم بخاطر باله أنه كذلك، أم يكون القول في ذلك مثل القول في حجة العقل؟
قال: معي أنه كذلك.
قلت له: فإن لم يعلم ذلك من خاطر باله، وحجة عقله على قول من يقول إن عليه أن يعلم ذلك، ومات على ذلك أو حيي، هل تراه هالكا؟
قال: إنه هالك على قول من يقول ذلك.
قلت له: وعلى قول من يقول إنه ليس عليه علم ذلك إلا بالسماع، يقول إنه سالم حتى يسمع ذلك؟
قال: الله أعلم، ولا يبين لي له سلامة، لأن هذا يخرج عندي من حكم المعاني لا من حكم الأسماء، ليس يبين لي عذر في جهل معاني ذلك إذا علمها.
قلت له: فأمر الله ونهيه الذي فرض على عباده تقوم الحجة فيه من خاطر البال، أو من حجة العقل والسماع ممن كان إذا حضر العمل به، أو الانتهاء عنه؟ (2/294)
صفحة 613
قال: قد قيل: إن كل ما لا يسع تركه ولا ركوبه من أمر الله، فالحجة فيه من جميع المعبرين تلزم، في حين لزوم ذلك، ونزول بليته فيه.
ومعي أن حجة العقل إذا قامت عليه مقام السماع من علم ذلك باستحسان الحسن من ذلك، واستقباح القبيح مثل ما تقوم به حجة السمع أنه لا فرق عندي في ذلك.
قلت له: فقبل أن يلزم ذلك، وتلزم بليته، لا تكون الحجة قائمة بلزوم علم ذلك من جميع المعبرين، ولا حجة العقل، ولا خاطر البال إلا في حين نزول بليته ولزومه؟
قال: إن تقدم إليه علم ذلك من أي وجه تقدم إليه قبل لزومه، فعلمه عليه حجة، وليس له أن يرجع بعد العلم إلى الجهل من أي وجه علم ذلك، على ما عندي أنه قيل.
قلت له: ويكون سالما حتى يعلم علما لا يشك فيه من أي الوجوه علم ذلك، ولو خطر بباله، أو سمع بذكره؟
قال: إنه سالم ما لم يضيع لازما يقدر على القيام به، أو يركب مأثما يقدر على الانتهاء عنه، أو يشك في يقين قد صح معه، أو يجهل علما قد بان له في جميع ذلك من أي وجه كان العلم.
* مسألة:
ومن جواب أبي محمد عبد الله: وعمن قال: إن الله لم يخلق محمد النبي صلى الله عليه وسلم؟
فإذا قال: إن الله لم يخلق محمدا النبي صلى الله عليه وسلم، وزعم أنه مقر بالجملة، فهذا غير مقر بالجملة، وهذا مشرك إن تاب (2/295)
صفحة 614
وإلا قتل بقوله: إن لم يخلق محمدا صلى الله عليه وسلم، فهذا ينفي أن محمدا لم يكن، وأنه لم يكن لله رسول يقال له محمد.
فعلى هذا فأراه قد جحد بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن لله رسول يقال له محمد، ولو أقر أن لله رسولا يقال له محمد، كان مخلوقا، فهذا أوجب معنا أن يقول: إن محمدا صلى الله عليه وسلم خلق نفسه، أو مع الله خالق، فلا يعدو هذين المعنيين، وهو مشرك يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وكذلك إن قال: إن الله لم يرسل النبي محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس، هل يكون بهذا القول مشركا؟
فنعم مشرك، لأن الله يقول: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} الآية كلها، فمن جحد أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يرسله الله إلى الناس فإنه كذاب.
قال أبو سعيد: يخرج أنه كذب على الله، وهو مشرك يستتاب من ذلك، فإن تاب وإلا قتل.
وهذا إذا كان من أهل الإسلام، ارتد بهذا القول، وأما إن كان من أهل الملل الجاحدة بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو من عبدة الأوثان، الذين دخلوا بأمان، فإنه يعاقب بما يراه المسلمون من العقوبة والنكال، حتى يرجع عن هذا القول، وهذا في الوجهين جميعا إذا قال: إن محمدا لم يخلقه الله، أو لم يرسله الله، وإنما القتل على من كان من أهل الإسلام ثم ارتد.
وهذا الذي يقول هذا القول مرتد عن الإسلام.
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من بدّل دينه (2/296)
صفحة 615
فاقتلوه» المعنى: من رجع إلى الشرك بعد الإسلامِ، فإنه يقتل، والدين هو الإسلام.
وأما اليهودي إذا تنصر، أو النصارى إذا تهوّد، أو المجوسي إذا تنصر، فليس عليهم القتل، ولكن قالوا: لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم.
قال غيره:
وقد قيل: إن اليهودي إذا تنصر، والنصراني إذا تهوّد فكل ذلك هم أهل الكتاب، وتؤكل ذبائحهم، ولكن إذا تهوّد المجوسي، أو تنصر لم تؤكل ذبيحته، وكذلك إذا تمجس اليهودي والنصراني لم تؤكل ذبيحتهما، ولم تنكح نساؤهما.
* مسألة:
قلت: فإذا حضرت الصلاة، وهو لا يعلم أن عليه الصلاة، وقال له يهودي: عليك لله صلاة في وقتك هذا، تقوم وتركع وتسجد، ولم يعبر له ما يقال فيها، هل عليه إن فعل؟
عندي أنه أراد أن يفعل ما قال الذمي وإلا هلك إن فات الوقت ولم يفعل؟
قال: إذا عبر له ما يعقله ويقدر على معرفته بمعانيه، فلا عذر له على ما قد قيل أن يقوم بما قد بلغ إليه من أداء تلك الصلاة الحاضرة.
قلت له: فإذا عبر له الذمي أنه يركع ويسجد، ولم يعبر له كم من ركعة ولا كم من سجدة، وعقل ذلك من الذمي، هل له أن يصلي كما حسن ذلك في عقله ويجزيه ذلك؟ (2/297)
صفحة 616
قال: إذا لم يقدر إلا على ذلك في وقته أنه لا يلزمه غير ما يقدر عليه في حينه علما أو فعلا على حسب ما قيل.
قلت له: فإن كان يقدر على المعبرين إلا أنه جهل أن يسأل عن عبارة ذلك، وصلى كما حسن في عقله، هل تراه سالما أم لا يسعه جهل ذلك؟
قال: لا يسعه جهل ذلك إذا قدر على معبريه له، فإن جهله ذلك لا يسعه عندي.
قلت له: فإذا خطر بباله أن يصلي صلاة الظهر أربعا، أو ثلاثا، فحسن في عقله أنه يصلي ثلاثا هل له أن يصلي، كما حسن في عقله، أم لا يسعه أن لا يصلي إلا أربعا؟
قال: لم تقم عليه حجة العلم من أي وجه بعد ذلك، ولا يدرك ذلك إلا بالاستحسان في عقله أنه يصلي كما حسن في عقله، وليس له ذلك.
قلت: فإن عبر له اليهودي أو الصبي أنها ثلاث ركعات، وحسن في عقله هو أنه يصلي ركعتين، هل له أن يصلي كما حسن في عقله؟
قال: ليس له ذلك.
قلت له: فإن عبر له اليهودي أو الصبي ثلاثا أو ركعتين، وحسن في عقله هو أن يصلي أربعا أو ثلاثا، هل له أن يصلي كما حسن في عقله؟
قال: له ذلك.
قلت له: فإن صلى كما عبر له الصبي أو اليهودي، وودع ما حسن في عقله، وفات الوقت بعد أن صلاها، هل تراه سالما؟
قال: لا يسلم إذا ترك ما هو أحسن عنده، وهو الحق، لأن المعبر (2/298)
صفحة 617
له لم يأت بالحجة كاملة، وشهد له بالاستحسان، فهو عندي علم، ويجب عليه علمه، إذا وافق الحق الذي لا يسعه تركه.
وقال: إذا خطر بباله، وحسن في عقله الأفضل، كان عليه أن يعمل كما خطر بباله، وحسن في عقله، وإذا عبر له المعبر الأفضل كان اتباع المعبر.
قلت له: والواحد في هذا حجة من جميع المعبرين إذا أتى بالحق، أو لم يأت به، إلا أنه قد أتى بالأفضل منه في جميع ما كان من شريعة الله من فعل، أو ترك؟
قال: إنه كذلك، إنه حجة فيما عبره من الحق الذي لا يسع تركه ولا ركوبه.
قلت: فجميع ما حرم الله ركوبه إذا لم تقم عليه الحجة من المعبرين بحرمة ذلك، ولا خطر بباله، ولا حسن في عقله أنه حرام ركوبه، وارتكبه على ذلك، هل يكون سالما؟
قال: إذا لم يقدر على علم ذلك، ولا على المعبرين له، ولا خطر بباله في ذلك ما تقوم به حجته عليه، فلا يبين لي هلاكه إذا كان في أصل ما يدين به الدينونة بالسؤال عما يلزمه لخالقه، والسؤال عنه من ترك ركوب محارمه، أو وجوب لوازمه، ولم يقع له في هذا المعنى فرق يوجب عليه اعتقاد السؤال عنه بعينه.
* مسألة:
وجدت مكتوبا: الشيخ أبو محمد -أرجو أنه ابن بركة- عن الصبي إذا لقي رجلا لا يعلم الصلاة في وقتها فقال له إن الصلاة فريضة؟
قال: لا يكون حجة في الوقت، ولا بعد الوقت. (2/299)
صفحة 618
باب
في المنقطعين في الجزائر وغيرها
وسألته عن الزنج بسفالة، ومثل غيرهم من أطراف الأرض الذين لم يبلغهم من أهل الإسلام ما عليهم أن يعرفوه؟
قال: عليهم أن يعرفوا أن للأشياء التي يرونها من الصنعة بعقولهم، أن لها خالقا ومدبرا، وأنه ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء، وليس لهم في ذلك عذر.
قلت: فعليهم أن يعرفوا محمدا صلى وبما جاء به؟
قال: إذا كان جائزا في عقولهم، وحسن وليس بقبيح أن يكون لهذا المحدث لهذه الأشياء رسولا معبرا فعليهم أن يسألوا عن ذلك.
قال غيره:
عليهم أن يؤمنوا برسول خالقهم إلى أهل زمانهم، ويدينوا بدين رسولهم ويسألوا عنه، وعن دينه حتى يعبدوا الله به، على علم إذا خطر ذلك ببالهم، وعرفوا معناه.
ومن الجواب:
قلت له: فهل في السؤال عن ذلك حد ووقت يوسع لهم فيه؟
قال: السؤال متصل بمعرفة الله من قبل هذه الحدوث المعاينة، وهم يسألون ما لم يفرطوا عن السؤال، فإذا أفرطوا فلا عذر لهم. (2/300)
صفحة 619
* مسألة:
قلت فما تقول في رجل في جزيرة ولا علم له بالناس ولا بالشرائع هل كلفه الله شيئا من التعبد؟
قال: نعم كلفه الله في حال التكليف أن يعلم أن له خالقا خلقه وصانعا صنعه، ودبره.
قلت: وكيف يطلع على ذلك، وما دليله عليه؟
قال: علم ذلك يقع له من طريق العقل ما يراه من خلق نفسه ويعلمه من خلق أرضه وسماءه، وليله ونهاره، واختلاف أحواله وأحوال ما يشاهده من الليل والنهار، وما يحدث فيهما فذلك يدله على أن له صانعا صنعه، ومدبر دبره، وفعله، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
قلت: هل يجب عليه شيء من التكليف سوى ما ذكرت؟
قال: نعم.
قلت: وما هو؟
قال: الكف عما قبح في عقله.
قلت: مثل ما يكون هذا القبيح في العقل؟
قال: مثل قتل الحيوان، وأكل لحومها.
قلت: ولم كان قتل الحيوان وأكل لحومها قبيحا في العقل؟
قال: لأن إيلام الحيوان، وقتل ذوات الأرواح قبيح في العقل، ولولا أن جواز ذلك جاءت به الشريعة لما كان حسنا أن يأتي ذو روح إلى (2/301)
صفحة 620
ذي روح مثله، فيؤلمه ويقتله ويأكل لحمه، ولكن لا حظ للعقول فيما استقبحت مع ورود الشرائع بالإباحة.
قلت: فما تقول في رجل رأى أن رجلا يقتل ذوات الأرواح، أو يؤلمها، هل عليه أن ينكر ذلك أم لا؟
قال: به عليه إنكار ذلك الفعل على فاعله.
قلت: ولم؟ ومن أين وجب عليه إنكار ذلك؟
قال: لأن ذلك في العقل جور، ألا ترى أنه لو أتى آت يريد ألمه، أو يريد قتله أو فعل به الألم والقتل أنه كان يرى ذلك الفعل جورا في العقل، والجور مأخوذ عليه من طريق العقل إنكاره.
كذلك إذا رأى مثل الجور في الحيوان مثله كان عليه أن ينكره من طريق العقل، ولو أباح ذلك العقل لفاعله من الحيوان، لكان قد أباح من نفسه ذلك العقل، لأنه حيوان، وهذا ما لا يجوز له إباحته من نفسه، وبالله التوفيق.
* مسألة:
عن أبي الحواري: وعن رجل في عزلة من الأرض، وهو من أهل دين عيسى ابن مريم عليه السلام ولم يسمع بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلقيه أعرابي جاف، أو عبد، أو امرأة جافية، فأخبروه أن محمدا قد بعث، هل يلزمه قبول قولهم، ويكون حجة، ويكون مقطوع العذر؟
فعلى ما وصفت، فهذا قد لقيته الحجة، وبلغته الدعوة، وقد انقطع عذره، ولزمه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعمل بما جاء به، ولا عذر له، فهذا الذي نعرف من قول المسلمين. (2/302)
صفحة 621
* مسألة:
وقال أبو معاوية: في رجل على دين عيسى ابن مريم، فدعا رجلا إلى دين عيسى، ولم يكن المستجيب على دين عيسى، ولم تبلغهما دعوة النبي صلى الله عليه وسلم؟
قال شعيب بن معروف: الداعي مسلم والمستجيب كافر.
وقال أبو عبيدة: الداعي مسلم والمستجيب مسلم.
والذي يقول: إن المستجيب كافر هو بالكفر أحق.
* مسألة:
عن أبي سعيد: وسألته عن صبي بلغ الحلم فلم يخطر بباله أن لله رسولا، ولا سمع به متقدما، ولا بعد بلوغه، ما يلزمه من علم الرسول؟
قال: معي أنه قد قيل إن علم الرسول باسمه لا يستدل عليه من حجة السمع، أو ما يقوم مقامه من كتاب منظور مكتوب فيه الاسم، وأشباه هذا لا يستدل على علمه باسمه وعينه من حجة العقول.
قيل: فإن خطر بباله قبل بلوغ الحجة بالسمع بما ينقطع به عذره، وتقوم له به الحجة أن لخالقه رسولا إلى خلقه دليلا على طاعته ومعصيته ليقطع عذر من عصاه فحسن ذلك في عقله، فعليه اعتقاد السؤال عن رسول خالقه، هذا للاستدلال على علم ما يجب عليه من علم دين خالقه، في شريعة دين رسوله هذا إلى خلقه.
قلت له: فإن خطر بباله أن لخالقه رسولا، أو ليس له رسول، ولم يحسن في عقله أن له رسولا، هل ينحط عنه اعتقاد الرسول عن ذلك، ولا يلزمه معرفة الرسول حتى يحسن في عقله؟ (2/303)
صفحة 622
قال: معي إذا عقل الحسن من القبيح، من ذلك بثبوت معانيه عنده وأراد به لم يسعه ذلك عندي، لأن حجة العقل إنما هي البلوغ إلى الحسن من القبيح، والخير من الشر، وإذا استدل على هذا وبلغ إليه علمه، لم يكن له مخالفة ذلك عندي، ولو كان هذا يجوز لجاز في الخالق في أمر توحيده تبارك وتعالى، ولم يكن العقل الحجة، ولا به حجة، وليس له أن يجعل الحسن قبيحا، ولا القبيح حسنا بجهله عندي إذا جاء من طريق الحسن، ومن طريق القبيح.
كما ليس له أن يجهل الحق إذا بلغه بالسمع، ولا بالنظر، لأن تأدية الخاطر إلى العقل، كتأدية السمع والبصر عندي إذا وضح له دليل أدى إليه الخاطر مما يكون حجة من بيان الحسن من القبيح، والخير من الشر.
كملت أبواب الكتاب
وهذا متقطع، الأول وجدته آخر الكتاب وكتبته كما وجدت في الكتاب. (2/304)
صفحة 623
باب
مما يوجد في بعض الآثار في الرد على الزنادقة
وكذلك الأخبار، وأدركوا كلها حديثة زائلة، وكذلك ما غاب منها فقد قضت الأشياء كلها على أنفسنا بالحدث والزوال.
ولابد أن يمكن حكمها على أنفسها، ويجعل ما غاب منها مثل الذي شهد أن بعضا من بعض.
وكذلك العلم بالأشياء بائن أنه نزل بها من الحدث والزوال، لأن سبب العلم إنما هو شخص بصر فعلم، وصوت يسمع فعلم، وريح اشتمت فعلمت، وطعم دنو فلم ... لمس، ثم نسي المعلوم وغفل، ويذهب العلم به، فقد أبطل لبس الأشياء على نفسها قيام الحجة بحدثها وزوالها وقضائها يدل عليها.
فقول المكذبين بالله، الزاعمين أن الأشياء كلها حين لم يجدوا بدا من أن يقروا أن ما أدركنا حديث رأيك وأن ما عاب منه، مثل الذي أدركنا، ولو قال غيره ذلك، كان أشد سار به عليهم، ويدخلون الموحدين من التسليم لله ولرسوله.
وذلك أنهم يقولون لا نقول إلا ما نعرف مثله فيما نعاين ونعقل، فلو زعموا أن ما وصفنا مما أدركنا قديم ليس بحديث، كانوا قد قالوا غير ما يعرفون، ويعلمون، وكان ذلك مدعين متحيرين فيه من غيرهم لأنهم كانوا نطفا في أصلاب الرجال استودعوا أرحام النساء. (2/305)
صفحة 624
* مسألة:
من منزلة إلى منزلة، حتى خرجوا من بطون أمهاتهم، لا يعلمون ولا ينطقون، فلم يزالوا كذلك في بطون أمهاتهم، فإن عجزوا عن ذلك عند تكامل خلقهم، قل لهم: جوارح المدبرون خلقهم ...
فإن زعموا ذلك فليدبروا في خلقهم هم وأبدانهم عند تكامل ذلك منهم أقوى منهم في بطون أمهاتهم.
فإن عجزوا عن ذلك عند تكامل خلقهم، وهم قبل ذلك أعجزوهم عن أن يتكونوا أعجز منهم بعد ذلك، إذا كانوا فلم يطيقوا، يزدادون ولو كانوا هم الذين يكونون ذلك من أنفسهم ما فضل بعضهم بعضا، وليكلف القبيح أن يكون حسنا، وما قصر أحد منهم بنفسه من أفضل المنازل، هيهات أن يقدروا على ذلك.
وليخبرونا ما الذي غير أجسادهم، وما الذي أدخل عليهم الأمراض والأسقام وهم لها كارهون، أفلا يمتنعون من أن يقطع أوصالهم عجزوا.
والله عن ذلك الملوك بسلطانهم، والعلماء بعلمهم، وأهل الصناعات بصناعاتهم، وأهل الحيل بحيلهم، أن يريدوا في أنفسهم، أو يصلوا ما انقطع من أوصالهم، وأن يدفعوا ما ابتلاهم الله به من الأمراض والأسقام، ولا يحتسب أحد له.
فقل: ألا يعرف أن له مدبرا فقد زعم أهل التكذيب أن الأشياء تزيد بعضها بعضا، وكيف احتملت عقولهم ذلك، وكيف زعموا أن بعضا يزيد بعضا، مع زعمهم أن بعضا من بعض، وأنها جميعا لم تزل. (2/306)
صفحة 625
والذي لم يزل كيف يكون مدبرا ما لم يزل المدبر لغيره مما لم يزل، جعل بعض الشيء أولا بتدبير بعض نفسه من يقدر، وليس المدبر للشيء أفضل من المدبر، لأن المدبر لو لم يدبر كان المدبر لم يزل، وإنما كان بالتدبير محدثا.
وليخبرنا عن المدبر نفسه، أليس هو جزءا من التدبير.
فإن زعموا أنه جزء منه؟
قيل لهم: أخبرونا عمن دبر المدبر الذي هو من المدبر، وما نال شيء واحد بعضه مدبر وبعضه غير مدبر وكيف لا يستقيم بعضه إلا بتدبر واستقام بعضه بغير تدبر، وهو شيء واحد بعضه قبل بعض، وما أدخل الغناء عليه وهو له كاره.
وإن كان هو الذي يدبر بعضه بعضا، فلما يهلك نفسه، وما اضطره إلى أن يفعل ذلك، وإن كان غيره قهره حتى أهلكه أقوى منه، فليس من جوهره.
بلى قد بدا لنا ما قلتم على أن كلاهما ما يروى من أين أنكرتم أن تكون الأشياء ... مدبر لأشباهها إذا احتاجت الأشياء إلى التدبير، وعجزت عن أنفسها، واستقر في القول أن كل ما أدرك محدث مدبر أكل الغائب لا يكون إلا بالذي كان به الشاهد المدرك.
لأن بعض الشيء من بعض في زعمهم، وقد يدل ما قد احتججنا به على المكذبين على أن يقول المشبهون أنفسهم لعله بالحدث المخلوق فاسد، لأن التشبيه بالشيء كما أشبهه، فإن لم يكن مثله، فالذي اشتبه فلا يشبهه، فإن كان مثله بأنه ما يأت شبهه من الحدث والزوال والتدبير والعجز من أن منزلة الخلق كلهم منزلة ضعيفة. (2/307)
صفحة 626
ونحن نسأل المشبهين فنقل: ألستم تزعمون أن ربكم يشبه الخلق في وجه من الوجوه، فذلك هو الحق، وهو ترك قولهم.
وإن دعموا أنه يشبهه في وجه؟
قيل لهم: فأخبرونا عن الوجه الذي يشبهه فيه، أليس لا يفضله فيه، فإن كان زعموا أنه لا يفضله فلا يكون شبه، لأن الشبيه الشيء في الوجه الذي أشبهه فيه مثله هو.
وإن زعموا أنه يفضل ذلك الشيء أشبه، لأنه لا يشبهه في أشياء كثيرة؟
قيل لهم: إنا لا نسألكم عما فضله فيه، إنما نسألكم عن الوجه الذي فيه مثله، هل يفضله في ذلك الوجه بعينه.
فإن زعموا أنه لا يفضل الخلق في وجه من الوجوه، فتبارك الله عما قالوا مما وصفوا به علوا كبيرا.
وكفى بهذا حجة وفسادا لقولهم إذا زعموا أن ربهم لا يفضل خلقه في وجه من الوجوه، فما قصر به من أن يفضل الخلق في الوجه الذي زعموا أنه يفضل الخلق فيها.
ولابد إذا قضت الأشياء على أنفسها بالحدث والزوال أنها تكون محدثة لا يشبهها ليس من نسختها ولا من أصلها، لأن الحدث في القديم لا يكون من أصل واحد، لأن أصل القديم وشبه إلى البقاء والقوة والدوام.
وأصل الحديث ونسبه الضعيف والزوال، فقد تبين أن الحديث لم يحدث نفسه لما رأينا من عجزه ولأنه لا يقدر من لم يكن شيئا أن يتكون، وهذا أيضا في القول محال، لأن ما لم يكن شيئا لا يتكون فكيف يجوز (2/308)
صفحة 627
أن يقول: إن لم يكن كون نفسه، لأن التكوين لا يكون إلا بقوة، وكيف يصف ما ليس بشيء بالقوة.
ولو كان كما قال المكذبون أن زعم أهل الدهر أن الأشياء كلها واحد من واحد، لأنهم زعموا أنه قد كان في بدء الأمر حبة، فانقلعت عن جميع ما في الدنيا، وكذلك زعموا أنها واحدة لم تزل.
وقالت الزنادقة: الأشياء كلها اثنان، ومن اثنين، وذلك أنهم زعموا أن النور والظلمة لم يزالا، وأن كل ما في الدنيا منهما يدبر نفسه صاحبه.
وزعم بعضهم أن النور هو الذي يلي التدبير دون الظلمة.
وقال المرمانيون: إن الأشياء كلها ثلاثة، ومن ثلاثة، وذلك أنهم زعموا أن النور لم يزل في العلو، وسموه الله، والظلمة لم تزل في أسفل، وسموها الشيطان، وخلطا من ذلك بخير وشر في الوسط.
وقال الكتابيون: الأصحاب أربعة، الأشياء إنما هي: حر، وبرد، ويابس وندوة، وإن ذلك لم يزل.
وقال الذين يسمون الفيلسوفيين كما قال أصحاب الأربعة، إلا أنهم ادعوا خامسا أنه العلم وأنه المدبر لهذه الأربعة.
وقال أصحاب الأربعة، والاثنا عشر عبدة النجوم أنها بلا تدبير العالم كله، فهذا قول جميع أهل التكذيب، وزعموا أن الأشياء كلها فانية منتقلة.
فيقال لهم جميعا: أخبرونا عن قولكم وادعائكم فيما وصفتم مما ذكرنا، فما حجتكم فيه، ومن أين أطلقتم على أن القول ما قلتم، ومن أين العلم أن بعضكم مع اختلافكم صادق (2/309)
صفحة 628
وبعضكم كاذب، وما بيناتكم على ذلك، وما قصد قولكم على من ادعى خلاف ما قلتم.
ويقال للذين زعموا أن الأشياء كلها واحد، من واحد، وحد ما نرى من الأشياء كلها مع تفاوتها واختلافها وتصرف أحوالها، وتفرق ألوانها وأجسادها، وطعمها وريحها، فمنها ما يسمع، ومنها ما لا يسمع، ومنها ما يبصر، ومنها ما لا يبصر، ومنها ما يعقل، ومنها ما لا يعقل.
كيف احتملت عقولهم أن يجعلوا ذلك واحدا، فكيف اختلفت هذه الجواهر، ومال بعضها بضعيف وبعضها بقوي.
وأخبرونا أن ما نرى من الأشياء، هو ذلك الواحد بعينه.
فإن زعموا أشياء منها، وزعموا أنه هو الذي انقلعت عنه الأشياء، فما علمهم بذلك، وما حجتهم على أنه ذلك دون غيره.
وليخبرونا ما غيره من حاله، وما فرقه بعد اجتماعه، وما أفناه بعد قيامه، أهو الذي ولى ذلك من نفسه، فما أراد بذلك أرجى منفعة، أو دفع مضرة، فما أصل تلك المنفعة من أي حال إذا زعموا أن الأشياء كلها، إنما هي واحد من واحد، وإذا كانت المنفعة شيئا أحدثه من غير أصل، فقد نقضوا قولهم.
وإن زعموا ... المنفعة، وهي فيه، ومنه، وإن قالوا: دفع مضرة فما تلك التي أراد دفعها من نفسه، وهي شيء غيره يخاف وهو جميع الأشياء.
ويقال: أخبرونا عمن انتقل نفسه، أفليس هو محدث ما أصل النقلة، وما جوهرها ... أمر القديم، وفيه لم يزل منتقلا، وهذا خلاف ما وصفوا. (2/310)
صفحة 629
وإن زعموا أن ما ... لقد دخلوا فيما عابوا على المقرين بالله، القائلين: إن الله تعالى خلق الأشياء ... الوجوه.
ويقال لأصحاب الاثنين: من الذي قيل لأصحاب الواحد ... لهم أيضا أخبرونا عن الأخلاط والامتزاج، أشيء هذا أم غير شيء؟
فإن زعموا أنه ... وصفوا النور والظلمة مختلطا، والاختلاط والامتزاج ليس شيء فيهما، إذ على حالهما الأول، لأن الاختلاط في زعمهم لم يعيرها حيث زعموا أنه ليس شيء؟
فإن زعموا أنه شيء قيل لهم: أخبرونا: أشيء محدث أم شيء قديم؟
فإن زعموا أنه شيء محدث قيل لهم: فما أصله، ومن أي الجوهرين ومن الذي أحدثه، فإن قالوا: هما أحدثاه من غير أصل فلم تنقموا على أهل التوحيد.
وقولهم: إن الله خلق الخلق من غير شيء فقد دخلوا فيما عابوا عليهم.
وإن قالوا: إن الاختلاط من الجوهرين، ولم يزالا مخلطين، ففي هذا فساد لقولهم.
ويقال لهم: ألا تخبرونا أمصطلحين كانا أم متباعدين؟
فإن زعموا أنهما كانا مصطلحين ففي الظلمة من الخير.
وإن زعموا أنهما كانا متباعدين ففي الظلمة شيء من الشر.
وليخبرونا عن الأمراض والأوجاع إلى من تصل؟ إلى النور أو إلى الظلمة، وممن هي؟ (2/311)
صفحة 630
فإن زعموا أنها تصل إلى الظلمة، وأن ذلك من النور، فإن النور إذا ذهب ويكون من الأذى والشر.
وإن زعموا أن ذلك يصل إلى النور، وأن الظلمة هي التي تلي فعل ذلك بالنور، فقد أدخلت عليه المكروه والضر، فما منعه أن يمتنع من الأذى، وأنتم تصفونه بالقوة.
ويقال لهم: أخبرونا عمن دخل فيه النور، وما كان فيه قبل الاختلاط خير له، أم صار إليه؟
فإن زعموا أن الاختلاط خير له فما أصل ذلك الخير، ومن أين جاء فقد اكتسب خيرا لم يكن فيه، فكما كان النور أصاب من الفضل أفضل فهو قبل النور أنقص.
وإن زعموا أن الذين دخل فيه بمنزلة من حاله الأول؟
قيل لهم: أفطائع في ذلك أم كاره؟
فإن كان دخل فيما هو بمنزلته وهو طائع، فهو أحمق قبيح الحمق فيه، ومن أين جاز لكم أن تشرفوا الضعيف المغلوب المقهور، وتعتقدونه دون الغالب القاهر، أف لكم ولما تعبدون من دون الله.
ويقال لهم خبرونا ليس الظلمة جاهلة، ولا تعقل، والنور عالم لا يجهل شيئا منه قليله ولا كثيره.
فإن زعموا كذلك قيل لهم أخبرونا ليس كل دين في الدنيا من مزاج خير وشر، وظلمة ونور.
فإذا قالوا: نعم. قلت: ألسنا نحن كما وصفتم فينا من النور ما نعقل به، ونسمع به، ونبصر به، ولولا فينا منه لم نسمع، ولم نبصر، ولم نعقل. (2/312)
صفحة 631
فإذا قالوا: بلى قلنا لهم: فأخبرونا عما فينا من النور، هل يعرف نفسه، ويعلم نفسه، ويعلم أن الأمور على ما وصفتموه.
فإن قالوا: نعم قلنا: فنحن إذن عندكم نعلم أن ما تقولون هو الحق، وكفى بعلمنا عندنا شاهدا لنا عليكم، إنا نعلم أنكم مبطلون.
قال: جعل ذلك فينا من النور كله واحد غير مجز، فينا منه مبطل بالذي فيكم، والذي في السماء فما يقال بعض النور يعلم، وبعضه يجهل، وهو شيء واحد، وهو أنقص ما وصفتم، إذ النور خير لا شر فيه وعلم لا جهل فيه.
أخبرونا عنهما، أليس كانا فيه قبل الاختلاط، كل واحد منهما في مكان على حده.
فإن زعموا أنهما كانا كذلك؟
قيل له: فإن المكان غيرهما، والأشياء لله، لأن مكان واحد منهما غير صاحبه، وإلا فهما مختلطان إن لم يكن كل واحد منهما في غير مكان صاحبه.
ويقال للمرقياسين مثل الذين قيل لمن قبلهم فيما ادعوا، ويسألون بتلك المسائل، ثم يقال لهم: فأخبرونا عن الشيخين الشائبين، أهما من الشيخين المختلطين؟
فإن زعموا أنهما من المختلطين، فإن المختلطين هما من الساسين، والأشياء اثنان، ومن اثنين وهو قول المباينة فيسألون عما سئل عنه المباينة.
وإن زعموا أنهما ليسا من الشيخين المسابين، والأشياء إذن أربعة (2/313)
صفحة 632
كما قال الكتابيون، وقولهم هاهنا ساقط ضعيف إن قالوا بقول أصحاب الاثنين، دخلوا عليهما ما يدخل على أصحاب الاثنين.
وإن قالوا كما قال أصحاب الأربعة دخل كما يدخل على أصحاب الأربعة.
ويقال للكتابيين الزاعمين: إن الأشياء أربعة، ومن أربعة: الأرض، والماء، والنار، والريح.
قيل لهم: ما علمتم أن هذه الأربعة التي وصفتم لم تزل، وأن الأشياء إنما اجتمعت من هذه الأربعة، وهو من أي شيء استدللتم على أنها كذلك ومن أخبركم بذلك.
فإن أضافوا ذلك إلى مخبر، فهل رأى ذلك المخبر على أن أدرك منها مثل ما أدركتم، ومن أين فضلكم ذلك المخبر بالعلم بهما، وأنتم وهو سواء سبيله الذي كان به سبيلكم واحد، وكذلك سبيلنا فلم جهلتم ما علم؟
فإن زعموا أن ذلك إنما كان إذ هو أقدم منهم، قيل: وهذا أنقص ما وصفتم أن الأشياء -لعله- أنها لم تزل، فأين كنتم أنتم إذ سبقكم هذا المخبر، ومن أحدثكم بعد إذ لم تكونوا، ومن أخبر ذلك المخبر لكم ومن أين زعمتم أن هذه الأربعة منها، كانت الأشياء وهي لم تكن من الأشياء.
وكيف كانت الأشياء منها، ومن ألفها، ومن خلطها، ومن فرق بين صورها، فجعل أشياء يعقلون وينطقون ويأكلون ويشربون، ويمرضون ويموتون ويحزنون ويفرحون، وجعل بعضها بهائم لا تعقل ولا تنطق، وهي تأكل وتشرب، وتمرض وتموت. (2/314)
صفحة 633
وجعل لبني آدم حولا ذللا، وفضل بني آدم في أعمارهم وأرزاقهم وقوتهم، فمنعهم الملك العزيز، القاهر لغيره.
ومنهم الحول الذليل الذي لا يقدر على الامتناع.
ومنهم على غير هذه الصفة.
ومنهم من خلق على خلق الحيوان، كله ضروب مختلفة من دبر ذلك وأن هذه الأربعة ولي التدبير، ومن أنها كانت حياة الحي، ونور سر، وظلمة المظلم، وموت الميت.
فبينوا ذلك لنا، وأتونا على ذلك بالحجة، ولعمري أن الحجج عليهم كثيرة، غير أنا لا نقدر أن نجمع جميع الحجج عليكم، وفي هذا كفاية لمن عقل وأبصر.
ويقال للفيلسوف الذين زعموا أن الأربعة كما قال الكتابيون، وزعموا أن معها علم لم يزل، وهو الذي يلي التدبير دون الأربعة.
أخبرونا ما علمكم بالذي ذكرتم أنه على ما وصفتم، ومن أين علمتم ذلك.
وأخبرونا عن العلم والأربعة التي زعمتم أنها تقدر على ذلك.
فإن قالوا كما قال أهل التوحيد أن الأشياء خلقت من غير شيء، وأنكروا الشيء ... من غير أصل.
وإن قالوا لا نقدر على ... فقد قالوا كما قال أهل التوحيد: إن الأشياء خلقت من غير شيء والعلم ... قبيح العجز عنه، فإنما قدر الضعيف على خلق الخلق وتدبيره، ولولا غيره لم يقر بهذا، فإن كان الشيء إنما قوي بغيره، فإنما القوة من قبل الذي استعان به. (2/315)
صفحة 634
فذلك أقوى منه لولا ذلك لم يقدر على شيء فما بال الذي هو أقوى منه يلي التدبير لنفسه دون غيره.
وليخبرونا عن العلم، هل يسمع أو يبصر، ويذوق أو يشم أو لا يصنع شيئا من ذلك، فإنما هذه الأشياء تدل العلم ويهتدي بها.
فإن زعموا أنه يسمع ويبصر وينطق ويلمس.
قيل فما بال من كان العلم في قلبه، وهو أعمى لا يبصر، وما بال رجل يكون عالما وهو أصم لا يسمع، فيكون عالما، وهو أخرس، وإن زعموا أنه لا يبصر، ولا يسمع، ولا ينطق، ولا يلمس، فكيف يقدر من كانت هذه صفته على أن يخلق الخلق.
وإن زعموا أن هذه الأشياء ليست من العلم ولابد أن تكون من غيره، فالذي يسمع ويبصر، وينطق ويذوق، ويجد الريح، ويلمس أفضل، وأقوى فأحق بالعبادة، فسبحان الله كيف يؤفك الجاهلون.
ثم يقال لعبدة الأوثان النجوم السبعة والاثني عشر الزاعمين بأن الشمس والقمر، والخمسة الأنجم السبعة والاثني عشر ملائكة، وزعموا أن السبعة تلي التدبير للعالم كله.
فيقال لهم: ما علمكم بذلك، ومن أين استدللتم على ما تدعون ائتونا عليه ببرهان. ط
ثم يقال لهم: أخبرونا عن هذه السبعة التي سموها الفعه لعله -الفعلة- هل فيها تفاضل؟
فإن زعموا أنها متفاضلة، قيل لهم فما قصر بالمنقوص منها أن يبلغ ما فصله من النور والعظم، فهو إذا قصر عن ذلك للفضل ضعيف (2/316)
صفحة 635
منقوص عاجز، فلم تعبدون الضعيف المنقوص العاجز، وأنتم تجدون من هو أقوى منه، فأخبرونا عن أفضلهما أليس إنما فضلهما لعظمه وكبر حاله.
فإذا قالوا: بلى، قلنا أفليس إذا كان أكبر مما هو وأكثر نورا، وكان أفضل.
فإن قالوا: بلى. قلنا هو إذن مقصر به أيضا ضعيف لم يبلغ المنزلة التي ليست خيرا له لو ضعف أفضل منها، وحتى يقال: لو كان ما هو كان أفضل له وأشرف.
فإن زعموا أنه ليس ذلك بأفضل له أن يكون أكبر مما هو، وأكثر نورا فلم فضله على من هو دونه وكبره ما هو دونه وكثرة نوره.
فإن قالوا: ليس بفضل هذه الأربعة بعضا لما تفضلت به من الكبر والنور.
قيل لهم: فليس هذه آلهة، كذلك لا يفضل نجوم السماء، لأن الفضل ليس في العظم وكثرة النور، فأصغرهم نجم في السماء بمنزلة الشمس والقمر، لا فضل لهما عليه، وإن كان ذلك كذلك فكيف أفردوا هذه بالعبادة دون غيرها بما لا فضل لها عليه، فالحمد لله الذي منّ علينا بمعرفته ومعرفة دينه وأنبيائه ورزقنا أن نقول في هذا كله بالعدل والحق، ولا قوة إلا بالله.
وسنذكر من صفة الله بعض ما وصف به نفسه من الحق الذي به زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا، ومن قبل ذلك منا ووافقنا عليه قبلنا ذلك منه، ومن خالفنا فيه فالله آخذ بناصيته حتى يفيء إلى أمر الله، ويراجع طاعة الله.
إن الله تعالى لم يزل دائما من غير أن يكون ولا يزال باقيا ظاهرا قديما، فردا صمدا، وقد سمعنا في قوله الصمد. (2/317)
صفحة 636
على حين قال غيره: ينبغي أن يكون على معنيين، بلغنا أن الصمد هو السيد، وأن العرب تسمي الصمد السيد والوجه الآخر الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم، فمن وضع ذلك على شبه شيء من الخلق، فهو لا يعرف الله، فهو الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد.
فتبارك الله ولم يكن له شريك في الخلق، وإنما يكون إذا كنت من كل منهما معونة لقوة، وبمدة، ويعلمه غير أنه الخلق كله من غير أن يستشير فيه أحدا، ولا يأمره فيه، وإنما يستشير من لم يدرك في الصنع علمه، وعجزت عنها.
وكيف يحتاج تبارك وتعالى إلى ذلك، وهو العالم الذي لا مثل له، ولا كفوا له، ولو كان له شبه أو عدل لم يكن واحدا، وإنما يكون الواحد واحدا إذا لم يشتبه بتشبه، فالشيء شبه، فإذا شبه إلى شبه صار اثنين: المنصوب والذي نسب إليه.
فالله هو الواحد الفرد الذي ليس له شبه في وجه من الوجوه، فينبغي لمن عرف الله أن لا يخطر قلبه على شيء مما عرف الخالق، لعله يعرف به غير الخالق إلا نفاه عن الله، وعلم أنه ليس كما خلق، ومن عرف الخالق فقد عرف المخلوق، ومن عرف الرب فقد عرف المربوب، ومن عرف العالم فقد عرف المعلوم، ومن عرف الأشياء عرفها منصوبة لا من شيء، فدل أنها خلقت من غير شيء، إنما يصير إلى غير شيء يعتبر من أنكر ذلك، أن النار تطفى فلا يكون شيئا، لأنها خلقت من غير شيء.
وليس خلقها من غير شيء بأعجب من رجوعها إلى غير شيء.
وقد رأينا الأعمى بصيرا، والبصير أعمى، وقد يحق على من عرف الخالق، أن ما نزل بالمخلوق أو حوى فيه، فإنه لا ينزل بالخالق، ولا يجري فيه، لأنه لو جرى فيه، ونزل به ما نزل بالمخلوق، كان مثل (2/318)
صفحة 637
المخلوق، ومن أشبه الخلق لم يملك الخلق، ولا يقدر على أن يخلق، كما أن الخلق الذي يشبه بعضه بعضا لا يقدر أن يخلق شيئا من الذي يشبهه.
وكما وصفنا الله تعالى أنه لا يشبه الخلق، وكذلك نصفه أنه لا يفعل ما يفعل الخلق، لأن فعل الخلق إنما يكون منه بحركة، ومؤنة ونصب وعلاج، والله تبارك وتعالى خلق الأشياء بلا مؤنة، ولا علاج {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
وكذلك قوله: كن إنما يكون في الوقت الذي علم الله أنه يكون بغير علاج ولا حركة، وقد كان مما دل على الأشياء مخلوقة مركوبة، ما حوى عليها من الذل والعبودية، والزيادة والنقصان، والحدث والزوال، والفناء وخلق بعضها بعد بعض، وفناؤها بعد أن كانت لا تمتنع من ذلك، ولا تطمع فيه، وبما جرى عليها من الحدود التي دخلت عليها من العرض والطول، والأعلى والأسفل، والقريب والبعيد، والهيئة والحركة، والمنتهى والغاية.
كل ذلك دليل على أنها مملوكة ولا قوم لها إلا بمليكها ومدبرها، الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء من ذلك تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
وقد رد علينا القوم جميع المسألة فقال: أخبرونا إذا خالفتمونا، وزعمتم أن الأشياء التي ادعيتم كلها محدثة زائلة وما أشبهها من أحداثها -لعله- من أحدثها.
قلنا له: الله الواحد الذي أدركتم، لا لشبهها.
قال: فأخبرونا عن الله أهو على ما يتوهمون من الأشياء التي أدركتم، وعلى ما عقدتم فيها أم على غير ذلك.
قلنا: بل هو على غير ما يتوهم الخلق، ويعقل ويعقلون من الخلق (2/319)
صفحة 638
المدرك من الخلق المدلول المحدد، لأن ما أدركنا وتوهمنا، وعقلنا إنما هو موصوف بسمع ولون وبصر، وطعم يذاق، وريح يشم، وحد جسد يلمس.
والله تبارك وتعالى ليس بصوت تسمعه الآذان، ولا لون تدركه وتراه الأبصار، وتحيط به ولا طعم فتذوقه الألسن، ولا ريح تشمه الأنف، ولا جسد تلمسه الأيدي والجوارح، انقطع العلم بالله من هذه السبيل، ولا يقدر عليه بها، إنما يعرف بهذه السبيل الخلق، فأما الخالق، فإنما يعرف أنه خلق وصنع، ودبر أمورهم.
وإنما قدر على علم الخلق بهذه السبيل، لأنهم لا يقدرون أن يكونوا إلا جسدا يلمس، أو ألوان تبصر أو أصوات تسمع، أو ريح تشم، أو طعم يذاق، وكل هذه الأشياء التي وصفنا وأدركنا دليل على الله، أنه ليس كشيء منها.
قالوا: فأخبرونا إذا قلتم: إنه ليس كالأشياء، أفليس هو خلاف الأشياءظ
قلنا: بلى.
قالوا: فأخبرونا عن لا شيء هو أيضا خلاف الأشياء؟
قلنا: بلى.
قالوا: فهو إذا كلا شيء، لعله معناه لا شيء؟
قلنا: لا ولكنا ننفي عنه أن يكون كالأشياء، كما نفى عنه أن يكون يشبه الأشياء، لأن لا شيء هو العدم، وهو ما ليس، فنحن ننفي عن الله بذلك، ونقول إنه كلا شيء.
ولعمري إن كان فيما وصفنا لهم بدليل على ما سألونا عنه، حيث أخبرونا هم أنه الخالق، نفي عنه أنه لا خلاف لا شيء، لا شيء عدم لا يوصف، وإنما قيل لا شيء ليعرف أنه ليس شيئا ليتبين ويعرف الشيء الكائن، هما ليس بشيء، ولا يكون ما ليس بشيء خلافا ولا صانعا. (2/320)
صفحة 639
ولكنا نصف الله تبارك وتعالى بأنه الأول الأحد، الذي لم يزل ولا يزال العليم الذي بدأ الخلق على غير مثال مثل به، ولم يكن علمه بصنعة الخلق التجارب، وهو الذي لا يعجزه شيء طلبه، ولا يمتنع منه شيء أراده، وإنما معنى قولنا أول وآخر أنه ليس له مثل قبل أن يخلق الأشياء، ولا إذ خلق الأشياء، ولا مثل له منها، وهو السميع العليم البصير القوي.
قال قوم: أخبرونا عما وصفتموه به من العلم والسمع والبصر، والقوة والعزة، وشبه ذلك مما تقولون به أنه من صفته فيما لم يزل، أهو نفسه وعلمه وبصره وقوته، أو ذلك الشيء غيره لم يزل معه.
قلنا لهم: افهموا ما نجيبكم، ولا تحملوا على غير مواضعه أنا وصفناه بما يستقيم، ووصف بذلك نفسه لنقله الخلق، العليم السميع، البصير القوي، العزيز، وليس أنا وصفنا علما وسمعا وبصرا، وقوة وعزة وإرادة، نقول هذه الأشياء غيره، فلا يعقلون من أنفسكم، لأن علمكم من صفات إليكم.
وكذلك قولكم وأسماعكم وإرادتكم لكل شيء من ذلك موضعا، ومنعا غير ذلك ما سواه، والله تعالى ليس كذلك، إنما قولنا له قوة، وما أشبه ذلك، ولا يجوز أن نقول الله علم، ولا سمع، ولا بصر، ولا قوة ولا إرادة فيما عبنا على المكذبين.
إنما قلنا: إن كل ما يعقل ما يدرك من الأشياء من الله، ونوى دليل على أنا لا نقول إنه علما ولا سمعا ولا بصرا، لأن ذلك كله خلق مخلوق يدخله النقص والذل، ومن زعم أنه كذلك كان قد جعل لله شبها، لأنه إذ زعم أنه علم فليس من العلم علم مخلوق، وعلم ليس بمخلوق.
وكذلك البصر بصر المخلوق، وبصر ليس بمخلوق، وكذلك القوة, (2/321)
صفحة 640
وكلما وصفنا من العلم والسمع والبصر للوهم، وليس منه شيء إلا وقد يجوز عليه أن يقول لو كان أكثر مما هو كان أفضل له، وليس علم إلا وقد يحتمل أن يقول: لو كان أكثر مما هو عليه لكان أكبر له وأتم له.
وكذلك السمع لو كان ضعف له مما هو عليه، كان أضعف له مما هو عليه كان أتم له.
وكذلك البصر لو كان أضعف مما هو عليه كان أبصر له، وكذلك القوة لو أضعفت عما هي كان أقوى لها وأشد، وجميع هذه الصفات كذلك، وكل شيء يحمل الزيادة والنقصان فنحن ننفيه عن الله ربنا وسيدنا، تبارك وتعالى عما يقول الجاهلون علوا كبيرا.
الخالق البارئ المصور، المحب المبغض، المعادي له الأسماء الحسنى وهو العزيز الحكيم.
قالوا: فأخبرونا عن صفتكم أنه الخالق الفاعل، المحب المبغض هي أعضاء أيضا على ما وصفتموه من قبل هذا من قولكم: إنه سمع وبصر وقوة؟
قلنا: ليس هذا عندنا، والأول سواء على وجه ما وصفناه من العلم، والعلم بالأشياء القذرة عليها بلا بصر، والسمع للأصوات منها، فإنما خصصنا الأصوات من الأشياء، لأن كلام العرب لا يجوز أن يقول سمع ما ليس بصوت، وقد يجوز من كلامهم أن ينظر ويعلم ويرى، ويقدر عليه، كان أو غير قادر.
فهو ما يجوز أن يقول: لم يزل من صفة الله، وإنما المعنى فيما لم يزل عالما سميعا بصيرا قويا مريدا، لا يعني أن ذلك مضافا إليه، أو غيره.
وقلنا لهم: إنما وصفنا الله بهذه الصفات أنا إن قلنا إنه يصنع (2/322)
صفحة 641
ما لم يكن يعلم وصفناه جاهلا، وكذلك الذي يكون مما لا يبصر، فهو أعمى، والذي يكون ما لا يريد أن يكون فهو عاجز، والذي يكون ما لا يسمع أصم، الله تبارك وتعالى عز وجل عن ذلك أن يكون ضعيفا نراه.
فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقولوا له علم لم يزل، وسمع لم يزل وبصر لم يزل وقوة لم تزل، وإرادة لم تزل، وذلك كله غيره.
قلنا: لا يجوز ذلك لنا لو قلنا ذلك أن الذي لم يزل معه أشياء مختلفة بعضها غير بعض، أفلا نعلم أن الذي لم يزل معه أشياء مختلفة ليس هو لها سابقا، ولا غاية له عنها، ولا قوة له إلا بها أن ذلك هو إله دونها، وهو محتاج إلى غيره منها، فمن كانت هذه صفته، فهو منقوص ضعيف محتاج، والله ليس كذلك.
قالوا: فلم لا يقولون إن علمه بالشيء حين يكون، وبصره بالشيء حين يكون، وسمعه له حين يكون، وقوته عليه من أن لو يكون، وإرادته له حين يكون.
قلنا: لأنا إذا قلنا إن علمه به حين يكون، ولا بعد أن يكون العالم به محدثا.
وإن زعموا أن العلم به محدث لم يجد بدا أن يقول إن ذلك المحدث فعل من فعله.
وكذلك القوة والسمع والبصر والإرادة فهو لولا ذلك العلم الذي خلق، كان جاهلا، ولولا تلك القوة كان عاجزا، وكذلك من كان إنما يكتسب العلم والقوة اكتسابا، فهو إذا اكتسب أقل منه قبل أن يكون نسبه فهذه صفة الضعيف المنقوص، والله تبارك وتعالى ليس كذلك. (2/323)
صفحة 642
إن هذا القول أيضا ممن قاله فاسد منتقض لأنه إذ زعم أن علمه بالشيء محدث مع الشيء حين يخلق ذلك الشيء، فلابد أن يزعم أن الله قد كان قبلها.
فليخبرونا عن هذه المقالة بالعلم المحدث الذي به علم ما خلق، ولم يكن يعلمه من قبل ذلك ما يعلم ذلك العلم أو لا يعلمه.
فإن زعم أنه يعلمه، فليخبرونا عن العلم بذلك العلم محدث هو أم لم يزل.
فإن زعموا أنه لم يزل يعلم العلم الذي به علم الأشياء، فقد نقض قوله، لأن العلم محدث، وما بال ذلك العلم الذي علم به علم الأشياء لم يعلم به أشياء دون العلم المحدث، يعجز من ذلك العلم، وضعف منه إلا فما باله لم يعلم به.
فإن زعموا أنه قد علم به الأشياء كان ذلك ترك ما قالوا.
وإن زعموا أن العلم الذي علم به الأشياء لا يعلمه الله، فقد جهلوا أن زعموا أن من خلق الله وفعله ما لا يعلمه، والخلق يعلمون ذلك العلم، وكيف لا يعلمه الله، فكفى بهذا نقصا على ما قاله.
وكذلك يدخل عليهم في القوة، والسمع والبصر والإرادة، كما دخل عليهم في العلم سواء.
قال: فأخبرونا عن قولكم: لم يزل عالما، ألستم تقولون إنه لم يزل عالما بالأشياء كلها؟
قلنا: بلى.
قالوا: فأخبرونا أنه لم يزل عالما بالأشياء أنها قد كانت، أو عالما (2/324)
صفحة 643
بأنها ستكون، فأخبرونا عن تكون وكانت أهما شيئان أحدهما غير الآخر، أو هما شيء واحد.
قلنا لهم: إن كانت ويكون من الأشياء، غير أن قولنا لها كانت، وقولنا لها يكون إخبارا منا وعلم بعقل المعنى، فإذا قلت: تكون الأشياء فإنما قولي إخبارا مني أنها كائنة، وإخباري أن الأشياء قد كان دليل على أنها قد كانت، فإذا كانت فإنما كان الذي أخبرت أنه يكون، غير أن يعني أحطت بالخبر، لأن الأخبار عن الشيء قبل أن يكون ليس بالإخبار عنه إذا كان.
ومن ذلك أن قولنا: إن الله يعلم أن موتك سيكون موتا، وموتك غير أنا قلنا سيكون ليعلم من يسمع قولنا: إن موتك يعلم وأنه لم يكن إذا كان قولنا قد كان الذي أخبرنا أن الله يعلمه، وكان موتك هو موتك، وليس قولنا: كان موتك، ولا هو كان موتك وكذلك قلنا سيكون موتك ليس هي سيكون موتك.
ألا ترى أنك تقول موتك، فليس قولك هي موتك، وكذلك تقول: السماء والأرض قول وليس السماء والأرض كذلك قولنا سيكون وكان، إنما هو كلام منا، وأما قولنا سيكون، فإنما هي صفة ليس ما لم يكن؟
فأما قولنا: قد كان فإنه صفة منا للشيء إذا كان، وبعد ما يكون ولا يجوز أن تقول للشيء إنه إذا كان سيكون كذلك، لا يجوز له قبل أن يكون أنه قد كان، فلا نعلم في هذا الوجه من الكلام أحسن من هذا وقد قيل فيه الناس فأكثروا.
وقال بعضهم: إن الله تعالى لم يكن يعلم قبل أن يخلق الخلق ما يكون، وزعموا أنه يعلم فعل من فعل الله، فإن الله العالم لم يزل (2/325)
صفحة 644
قد كان أذن وله علم لا يعلم به شيئا، وبصر لا يبصر به شيئا وسمع لا يسمع به شيئا وهم الرافضة.
قيل لهم: أخبرونا عن الله تبارك وتعالى، أليس قد كان وهو يعلم، ولا يبصر، ولا يسمع قبل أن يخلق الخلق.
قالوا: بلى، لأن الخلق لم يكن فلا يجوز أن يقول يعلم ما لم يكن ولا يسمع ولا يبصر.
قلنا لهم: وإنكم قد وصفتم الله تعالى بالعجز والجهل، وما يزعمون أن يصفوا به أنفسكم، وأهل العلم عندكم.
أخبرونا عنكم، ألستم تعلمون أن الله أخبر بأشياء لم يكن من القيامة والبعث والحساب، والموت قبل ذلك فعلمناه، وعلمتموه قبل أن يعلم هو ذلك.
فإن قالوا: نعم.
قلنا لهم: من علم ذلك فإن جعلوا ذلك وقتا عليه فيه لم يكن يعلمه قبل ذلك الوقت.
قيل لهم: من أين حددتم هذا الوقت، ومن أين جاز أن يعلموا أنه علمه في هذا الوقت، ولم يعلمه قبل ذلك الشيء المعلوم، لم يكن في ذلك الوقت، وهذا نقض لما قالوا.
ويقال لهم: أخبرونا عن يعلم نفسها، ويبصر ويسمع، أليس هذا كله فعل من فعله؟
قالوا: بلى. (2/326)
صفحة 645
قلنا: فأخبرونا عن يعلم نفسها، هل يعلمها، فإن زعموا أنه يعلمها قيل لهم: فما علمها؟
فإن زعموا أنه لم يزل يعلمها، فهذا نقض قولهم.
وإن زعموا أنه لا يعلمها، فقد جهلوا.
وإن زعموا أنه يعلم بعلم فعل ما سواها؟
قيل لهم: هل يعلم ذلك الفعل أيضا حتى ينتهي لهم إلى أول فعل كان من فعله يسمى ذلك الفعل، يعلم ذلك الأول؟
فإن قالوا: يعلمه.
قيل لهم: يعلم نفسها فعل، وإنما سألناكم عن أول فعله، وزعمتم أنه يعلمه فإن كان يعلم فعل قبل الفعل الأول لقولكم، فما آمن فساد هذا القول.
وقال آخرون: إن الله تبارك وتعالى يعلم، لم يزل يعلم الأشياء يكون، ولا يعلمها كانت.
قلت لهم: فما علمها كانت؟
قالوا: حين كانت ولم يعلم قبل ذلك.
قلنا: فأخبرونا عن العلم بأنها كانت، أليس محدثا إنما علم أنها كانت حين علم ما كان فاعلا لا يعلمه، ومن علم ما لم يكن يعلم فقد أصاب علما، أو اكتسب فضلا، فهو قبل أن يصيب ذلك أنقص، فهذه صفة الضعفاء. (2/327)
صفحة 646
ويقال لهم: من أين زعمتم أنه يعلم يكون، ولا بعلم كان، وكلاهما لم يكن إنما أحدثهما هو فما بال هذين المحدثين قبل أن يكون.
فإن زعموا أنه يقدر على ذلك فما منعه من أن يعلمه، وفي علمه فضل قوة.
وإن زعموا أنه لا يقدر على ذلك قيل لهم: فإن لا يقدر على أن يعلم ما كان قبل أن يكون عاجزا.
وقال آخرون: لم يزل الله يعلم الأشياء قد كانت.
قيل لهم: أخبرونا عن قولكم: إن الله يعلم الأشياء، قد كانت للشمس أليس كامل كان، فلا ينظرها ما لم يكن، فأما ما قد كان فلا ينتظر، وقد كانت الأشياء لم تزل، وأي شيء وعدنا الله من أمر الآخرة لم يكن مما سيكون، أليس كل ذلك قد كان.
فإن زعموا أنه قد كان فكل ما كان مما يعلم الله أنا نعلمه، فقد علمنا أيضا، فقد علمنا ما يصيبنا فيما يستقبل وقد كان ذلك كله يعلم ما يختار، وما يكون في غد، وقد علمنا ذلك كله، فقد علمنا بأنفسنا دليل على أن قولهم باطل وفيما قال الله: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
فهذا لا يجوز مع أن فيه حججا نكره ذكره شغل به عما سواها في هذا كفاية إن شاء الله.
وقال المكذبون والمشبهون لنا فيما سألونا عنه: فأخبرونا عن الله تبارك وتعالى أين هو؟
قلنا لهم: إن قولكم أين هو لا يكون إلا على أحد وجهين: أما (2/328)
صفحة 647
تقولون هو ساكن، فإن الله تبارك وتعالى لا يسكن في شيء مما خلق كسكون الأشياء في الأشياء المخلوقة كلها، وإذا كان كذلك كان ساكنا أو مخلوقا محدودا.
وإن كنتم وجها غير ذلك، فإنا نقول: إن الله تعالى في كل مكان عالم، وفي كل مكان مدبر، وفي كل مكان قادر، وفي مكان إله.
وكذلك قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} فمن ذهب وهمه أنه يسكن في الأشياء فهو لا يعرفه، محيطا تبارك وتعالى عن تلك الصفة، فليس يحيط به مكان، وليست الأشياء له بوعاء، ولا هو لها بوعاء.
فإن قالوا: ففي معزل منها، فهو في هذا المعزل؟
قلنا: فإن المعزل مكان، وقد أخبرناكم أن الله تعالى لا يسكن الأمكنة، ولا تحيط صغرت الأشياء عن ذلك.
قالوا: فهل يلاقي الأشياء، ويمسها؟
قلنا: جل عن ذلك أن تشبهه الأشياء، وتلاقيه.
قالوا: فهل بينه وبينها فرجة؟
قلنا: ليس بينه وبينها فرجة، لأن الذي بينه وبين الشيء فرجة محدود ومحاط به، والذي تحيط به الحدود، وصغر عن الحدود، وكل شيء أصغر من الحدود، فلا يقدر أن يخلق الحدود التي هي أعظم منه.
قالوا: فكيف هو؟
قلنا لهم: إن قولكم كيف هو كذا وكذا، فالذي وصفنا لكم أنه (2/329)
صفحة 648
كهيئة مخلوق منقوص، والله ليس كذلك، فليس له كيفية، فهذا جوابنا في مسألتكم كيف.
قالوا: فساكن أو متحرك؟
قلنا: ليس ساكنا، ولا متحركا، لأن الساكن والمتحرك من خلقه الخلق كله فليس من الخلق شيء يخلو من أن يكون ساكنا أو متحركا، والله ليس كذلك.
قالوا: فأخبرونا: لم خلق الخلق، أرجاء منفعة، أو دفع مضرة؟
قلنا: لم يخلق الله الخلق لواحد من الوجهين لا رجاء منفعة ولا دفع مضرة، إنما يرجو المنفعة المحتاج والله ليس بمحتاج، وإنما يريد دفع المضرة الضعيف، والله تبارك وتعالى ليس بضعيف، ولا ممن يخاف المضرة وليس أحد إلا وله عبد.
وقد كان قبل أن يخلق شيئا من الخلق، بل كل الخلق إليه محتاج مضطر لا قوام لأحد منهم إلا به، به قامت السموات والأرض وما تحتها على غير أساس هو ذلك الذي أقامها بأمره.
وقالوا: لم خلق الخلق؟
قلنا: خلقهم، لأنه أراد ذلك، ولأنه على ذلك لعله قدير، وليس يجوز أن نقول لم أراده، ولو علم، لأن الذي لا يريد شيئا، ثم يريد لابد أن تكون الإرادة منه، فعلان ولابد من أن يكون الفعل بإرادة وبغير إرادة.
فإن قال قائل: بإرادة، وكل إرادة بإرادة، وما غاية ذلك وآخره؟
فإن زعموا أنه لم يرد ذلك الفعل الذي هو إرادة، فإن الذي يفعل (2/330)
صفحة 649
ما لا يريد عاجز مستكره، أو عابث والذي لا يعلم جاهل، وقد أراد بذلك المنفعة لبعض الخلق، ومضرة لبعض الخلق.
وقد قال مع غيره: لعله أراد، وقد صح يجوز أن يقول: إن مما خلق له الخلق أن يأمرهم بطاعته، وينهاهم عن المعصية.
قالوا: فبكم سبق الله تعالى الخلق؟
قلنا: ليس ثم وقت ولا عدد، ولا نقول مقدار كذا وكذا من السنين، وإنما يكون الوقت والعدد بين بعض الخلق وبعض، لأن الخلق كله أول محدود معروض .... أو ..... الله كذا، فافهموا ما أجبناكم به ..... المشبهين المتحيزين أخبرونا عنكم أو زعمتم ....
وصفنا الله تبارك وتعالى بأنه لا ..... وما يصفونه.
قالوا: نزعم أنه على صورة آدم؟
قلنا لهم: لقد قلتم عظيما وبحكم الله ما اتبعا .... والله مع ذلك أبان فساد قولكم إن شاء الله.
قلنا: أليس تزعمون أنه كآدم في هيئته؟
قالوا: بلى، غير أن آدم مخلوق، والله تعالى خلق هذا ... أفضل منه وأتم وأقوى من آدم.
قلنا: فأخبرونا عنه: أليس عيناه غير أذنيه؟
قالوا: بلى.
قلنا: وكذلك كل موضع منه غير ما سواه، وزعموا أن من لا يضعف (2/331)
صفحة 650
الله -لعله- يصف الله بذلك لا يعرفه، لأن غير هذه الصفة لا تدركها الأوهام، وكل ما تدركه الأوهام لا يجوز أن يوصف الله عندهم به.
قلنا: فأخبرونا عن العينين منه، هل يسمعان، وأخبرونا عن الأذنين منه هل يبصران، وأخبرونا عما سوى ذلك من جسد أليس لا يبصر به، ولا يسمع به، أليس منه ما لا يبصر به، ولا يسمع ولا ينطق به، ولا يغفل، فهل تعدون ما لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينطق، ولا يعقل.
فقد عاب الله قوما عبدوا ما لا يسمع ولا يبصر، وأخبرونا عن العينين هل يبصران نفسهما، فإن أنهما يبصران نفسهما، فقد وصفوا الله بما لا يعقلون، ودخلوا فيما عابوا، وإن زعموا لا يبصران نفسهما فقد عجزت عن ذلك.
وأخبرونا عن ظهره، هل يبصره، ورأسه الذي لا يبصرهما الإنسان من نفسه، فإن زعموا أنه يبصرهما ولا الأنبياء ....
يقولون ويتوهمون، فإن زعموا أنه ...... يبصر ..... تجلى لهم لا يبصروا من ظهره وراءهم أبصر ..... من نفسه على ذلك منه، وأقوى كيف يكون الخالق يعجز عما يقوى عليه، وخلقه وعباده.
ويقال لهم: أليس قد خلق الله ما هو أعظم منه، فإذا قالوا: بلى، وذلك قولهم، لأنهم يزعمون أن السماء أعظم منه وأطول.
قيل: فليس موضع ما هو أعظم منه، فهل يدرون -لعله- أيضا قد خلق ما هو أقوى منه كما خلق الله ما هو أعظم منه وأكبر.
فإن زعموا أنه لا يعقل. (2/332)
صفحة 651
قيل لهم لم زعمتم ذلك وقد رأيتموه في زعمكم خلق ما هو أعظم منه فلم تنكرون أن يخلق ما هو أقوى منه.
وإن زعموا أنهم لا يدرون لعله قد خلق ما هو أقوى منه، فإن كان قد خلق ما هو أقوى منه، فإن القوي غالب من هو أضعف منه، فما علمكم لعل القوي خلقه قاهرة وغالبة على ملكه.
ويقال لهم أيضا: أليس لسمعه وبصره وقوته، وعلمه عندكم حد كما كان لجسده، هل قالوا: بلى ليس من ذلك شيء، وإلا وله حد ومنتهى.
قلنا لهم: أفليس تعلمون أنه ليس شيء مما يعقل من العلم والسمع والفقه إلا هو لواصف إليه مثله كان ..... له ضعف بصره، كان أبصر له ..... له ضعف سمعه كان أسمع له، ولو كان ....
الزيادة والنقصان، فهو مخلوق، تعالى الله عما يصفونه علوا كبيرا.
يقال لهم: أخبرونا أليس بعضه غير بعض قالوا ..... وكذلك كله واحد.
قلنا: أفليس يستعين بعضه ببعض، ومحتاج بعضه إلى بعض، ولا ذلك لم يقو كل جزء منه على ما يريد .....
العينان لا يقومان على السمع إلا بالأذنين، والآذان غيرهما فهما يعجزان عن السمع إلا وكذلك الآذان يعجزان عن البصر.
وكذلك موضع الشم منه لا يسمع ولا يبصر، فهو عن ذلك عاجز. (2/333)
صفحة 652
وكذلك الفم يعجز عن السمع والشم، ويقوى على النطق وما سواه يعجز عن النطق.
وكذلك الجوارح لا تسمع ولا تبصر، فهي عاجزة، فليس جزء إلا هو على حاله عاجز، فمن أدخل عليه العجز، كيف يعبد قوم من هذه صفته، أو ليس لو كان كل جزء من ذلك يقوى على صاحبه كان أفضل له وأقوى، فما الذي قصر به عن الفضل، وبعد لله عنه تعالى عما يقولون علوا كبيرا.
ويقال لهم أيضا: أخبرونا عنه، أليس لا يدرون لعله ينزل من مكانه الذي هو به إلى السموات والأرضين.
فإن قالوا: لا يفعل ذلك؟
قيل لهم: من أين علمتم أنه لا يفعل ذلك، أليس لو شاء .... أن قالوا: لا تدري لعله يفعل لهم ..... لعله قد هبط إلى الأرض ..... مسألتكم قد أحاطه، أو ليس لا يدرون مع ذلك لعله يلقى في الطرق والمساجد، وهو لا يعرف ولا يدري هو الإله، ولعله يريد أن يخفي نفسه من الناس، فيلقونه فلا يعلمون أن هو الإله.
فإذا قالوا: بلى.
قيل لهم: أفأنتم لا تدرون لعله بعض من تلقون، فليس أحد ممن يلقون ينبغي لكم أن تدعوا أنه ليس باله، لأنكم لا تدرون لعله أتاكم في بعض هيئتكم، أف لكم ولما تعبدون تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. (2/334)
صفحة 653
ويقال لصنف من الزنادقة فيه، ومن أصحاب الاثنين: لم يكن ذكرنا في صدر كتابنا يسمون الديصانية يزعمون أن النور والظلمة لم يزلا، ويزعمون أن النور هو الذي يلي التدبير دون الظلمة، وأن الظلمة منه، لأنه لا يعمل شيئا ولا يضيعه.
وأن النور هو الذي يدبرها وينقلها من حال إلى حال، وأنه لا شيء غيرهما، ويضيفون القوة إلى النور والجبر والعجز والضعف، والموت والجهل إلى الظلمة.
فيقال لهم: من أين استطعتم علم ما صفتم، وما الدليل لكم عليه أتاكم مخبر فيما يشبه ذلك المخبر ..... وما العلم الذي أتاكم به، وهو مؤمن أرسله .... له برسالة، أتاكم إليه.
قالوا: بلى.
فيقال لهم: ما لمن أرسله النور إلى ما فيكم من الظلمة فإن زعموا أنه أرسله إلى ما فيهم من النور.
قيل لهم: فهل يدخل على النور الجهل، أو ينتقل عن جنسه وأصله، وقد زعمتم أن جنسه وأصله القوة والعلم، فما رده إلى الجهل بعد العلم والضعف بعد القوة، والعلم والنور، أجعل نفسه في ذلك الجهل، ونقله إلى حال الجهل، فمن أجهل ممن علم هذا لنفسه.
وأما إن كان إنما أرسل ذلك المخبر إلى الظلمة، فيعلمنا فهل يعقل الظلمة، أو يعلم أبدا، أو سمع ما يقال لها، أليست منه، أو ينتقل من جنسها وأصلها إلى غير ذلك. (2/335)
صفحة 654
فإن زعموا أن ذلك كذلك فما أراد الإرسالم إلى من .... قيل له: لم يسمع الكلام، وهل لها على ذلك أجرا إن هي أصابت وعملت، فإن زعموا أن لها أجرا فما ذلك الأجر وما أصله من السحين، فهو النور أم الظلمة فإن قالوا: ظلمة فما جاحد الظلمة إلى الظلمة.
فإن كان أتى على ذلك النور من نفس النور، فليس ذلك الجزاء لها، فهو يعطيها بعض نفسه فذلك يضره وينقصه.
فإن زعموا أن على ترك أمره عقابا قيل، وما ذلك العقاب أنور أم ظلمة لعله فإن قالوا إن ذلك ظلمة فكفى بالظلمة ..... النور فان النور .... كما يجوز بعضه، وإذا جاز أن يتحول إلى سح الظلمة، وأن الظلمة قد تتحول أيضا إلى سح النور.
فإذا كانوا لا يدرون لعل كل واحد منهما يتحول إلى حال صاحبه، فهم لا يدرون لعل النور اليوم والظلمة إلا ولا ولعل الظلمة قد صارت هي النور مع أن هذا من قولهم لا يجوز، لأن الجوهر عندهم لا يتحول.
ويقال لهم: أخبرونا عن النور والظلمة، أليس لم يزلا جميعا، فإذا قالوا: بلى قيل إنه لابد من أن يكون، إنما كان النور كون لم يزل، لأنه نور، وأما أن يكون إنما كان نورا بأنه كون لم يزل، فإن زعموا أنه إنما كان النور كون بأنه، فما بال الظلمة لم تكون نورا، وهي لم تزل، كما يزل النور حتى يكونا سواء.
وإن كان إنما كان لم يزل النور، لأنه النور فما بال الظلمة تكون كونا لم يزل، وأن ينال بظلمتها مثل ما نال النور بنوره، أنبئونا بفضل هذا وبينوه لنا. (2/336)
صفحة 655
وهذا كلام يدخل على جميع المكذبين.
ويقال للديصانية خاصة: أليس كل شيء بدا من هذه الأعمال الخبيثة من الزنى والسرقة وشرب الخمر، وقذف المحصنات، وسفك الدماء، وغصب الناس وظلم بعضهم بعض، فإنما هو .... وليس للظلمة في ذلك ذنب .... ولا فعل .... دون الظلمة فمن ..... وجهين لنا أن يكون جاهلا، وأما أن يكون لا يدري من الحسن والقبيح فهما عنده سواء.
فهو يعمل الحسن والقبيح لا تفاضل بينهما.
ويقال لهم أيضا: أخبرونا عن العلم نفسه ما هو، وما أصله، فإن زعموا أنه جوهر عند النور والظلمة فقد نقضوا قولهم، وزعموا أن الأمور ثلاثة.
فإن زعموا أن العمل من أحد الجوهرين، فإن الاقتراح إذا لم يزل فيهما شيء واحد.
وإن زعموا أن من الظلمة دون النور، فقد انتقض قولهم أن العمل من النور دون الظلمة، وإن زعموا أنه من النور، فإن الشرور كلها من النور، وهي لعله خير منه، فبعضه خير، وبعضه شر، وبعضه غير بعض.
فقد انتقض قولهم أنه خير لا شر فيه، وأن الشر إنما هو من الظلمة، ولابد إن زعموا أن في النور شرا، وفي الظلمة خيرا. (2/337)
صفحة 656
وإن زعموا أن النور والظلمة شيء واحد، لأن الشر كله وإن تفرق فالنور والظلمة شيء واحد لابد أن يزعموا أن الظلمة خير في بعض الأحايين، والنور شر في بعض الأحايين.
ألا ترى إلى الرجل يفر من السلطان يريد قتله، فيحل إلى الظلمة التي لا يراه منها أحد كانت له ناقصة ساترة، ولو كان في القمر أو ضوء الشمس لكان ذلك ظاهرا له، والظفر به، وكان ذلك الضوء دليلا لطلبه.
ووقع الظلمة خير والنور، تعالى الله الملك الحق عما يقول المكذبون علوا كبيرا.
وصلى الله على محمد النبي وسلم تسليما كثيرا. (2/338)
صفحة 657
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الكائن قبل كل شيء، والباقي بعد كل شيء المبرأ من جميع ما نحله المشبهون الزاعمون أن الله خلق نفسه من نور يتلألأ، فلابد خلنك في صدرك من قولهم ريبة، ولا شيء مما قالوا، فإن ذلك هو البهتان، والإفك المبين.
وليس من قال: إن لله ولدا بأعظم كذبا على الله ممن قال: إن الله مخلوق، وإن الله لم يكن قبل كل شيء، لأن من قال: إن الله خلق نفسه من نور يتلألأ، فقد شهد أن الله مخلوق، وأن النور قد كان قبل أن يكون الله.
وشهدوا أن النور هو الكائن، لأنهم قالوا: إن الله خلق نفسه من نور من بعد ما قد كان ذلك النور قبل أن يخلق الله نفسه، فبلغ بهم كذبهم أن شهدوا أن النور هو الخالق، لأن الأول الذي كان قبل الآخر خالق الآخر، الذي لم يكن، لأن الخالق هو الكائن قبل المخلوق، ولا ينبغي للمخلوق أن يكون قبل خالقه.
لأن الأول شيء قد كان له حال، ولا هيئة، وأن الآخر الذي لم يكن فليس شيئا، فليس لمن ليس له حال ولا هيئة ولا ذكر، ولا صفة، ولا علم ولا قدرة ...... وإنما العلم والقدرة والحول والقول كائنا ولم يكن له أخبر بعد الأشياء، وأن النور والأشياء كانت قبله، لئن شهدوا أن الله خلق نفسه من نور.
وقد كان ذلك النور شيئا من قبل أن يكون يخلق الله نفسه من ذلك النور، فبلغ بهم كذبهم أن شهدوا أن النور قد كان شيئا له حال وهيئة وذكر، قبل أن يكون الله شيئا مذكورا، فتبارك الله وتعالى، وجل (2/339)
صفحة 658
ثناؤه عما وصفه أعداؤه، ولا يكون من الإفك والكذب على الله شيء أعظم من قولهم هذا.
إذ شهدوا أن الله مخلوق، وأن الله لم يكن قبل كل شيء حين زعموا أن النور، قد كان في هيئة الله وحاله وزمانه قبل أن يكون شيئا تعالى الله عن افتراء الآفكين.
واعلم أنهم خالفوا القرآن، وقد كذبهم الله والقرآن، لأن الله تعالى قال في القرآن: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} يقول هو الأول قبل كل شيء، وهو الآخر بعد كل شيء.
وقال: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} يقول من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء، وأن المفترين .... أن النور هو الكائن الأول قبل أن يكون الله، وشهدوا أن الله لم يكن قبل كل شيء، وأن الأشياء قد كانت قبله حين قالوا: إن النور كان في حاله وزمانه قبل أن .... إنما خلق نفسه ......
وقالوا: إن الله خلق نفسه خلقا محدثا من شيء غير نفسه، وأنهم يعبدون ربا محدثا مخلوقا قد كان شيئا قبله، وأن النور قد كان في هيئته وحاله وزمانه شيئا مذكورا قبل أن يكون ربهم وصفوا أن لهم ربا غير الله، وقصدوا بعبادتهم إلى غيره، ونحن نبرأ منهم ومما قالوا ونبرأ لله ونعاليه عما يقولون علوا كبيرا.
ونعبد ربا لم يكن قبله شيء، ولم يكن معه شيء، وليس كمثله شيء، وأنه لم يكن من غيره، وأنه هو الكائن الأول، وأنه ليس فيه شيء مخلوق، ولا مستحدث، وأن ربنا لم يزل كائنا، وله الجلال والقدرة، والعلم والقوة والحول.
وأن النور والأحوال والأزمان والدهور والأشياء، كلها لم تكن (2/340)
صفحة 659
شيئا مذكوراً حتى خلقها بقدرته من غير شيء مذكور بقدرته، فالحمد لله الذي هدانا لما ضل عنه الجاهلون.
وأشهد وأعلم وأستيقن أن ربي الله الذي لا إله إلا هو رب كل شيء، وإله كل شيء، وخالق كل شيء، ومبتدع كل شيء، ومالك كل شيء، الكائن قبل الدهر لكل زمان ولم يكن معه ..... محدودا زائلا، فانيا بعد محدود، لأجل معدود، فبداه حد، ونفاه حد، وقبله حق، فبداه ربي بقدرته، وملكه وعزته ونفسه بسلطانه، فيهلك جميعا حتى لا يبقى إلا وجهه -كما قال- فردا أحدا صمدا دائما أبدا.
فربي ورب كل شيء، وخالق كل شيء، ومالك كل شيء، والمالك لكل شيء، والقادر على كل شيء، والقاهر لكل شيء، وهو أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، وأجل من كل شيء، وألطف من كل شيء، وأطهر من كل شيء، وأكرم من كل شيء، وأقوى من كل شيء، وأوسع من كل شيء، وأعلى من كل شيء، وأقرب من كل شيء، ومع كل شيء، وليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء، ولا تدركه الأبصار ولا تحيط به علما.
فحارت الأبصار دون رؤيته، وكلت الألسن دون صفته، وضلت العقول دون أن تحيط به، وقصرت الأيدي والأجساد بلمسه، وضعفت العقول من أن تدركه، أو تقدر قدره، فذلك الله هو ربنا تبارك وتعالى، لا رب لنا غيره، ولا نعبد إلا إياه، ولا نقول: إن لنا ربا قبله، ولا ربا يقدر قدرته، ولا ربا يحيط بعلمه تعالى الله علوا كبيرا ......
{لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} وهو ربنا به نؤمن، وإياه نعبد، وعليه نتوكل، وإليه ندعو، وهو رجاؤنا، يقينا لا شريك له، ولا رب لنا غيره رضينا به ربا، وندين بدينه الإسلام (2/341)
صفحة 660
دينا، وبمحمد نبيا صلى الله عليه وسلم تسليما وبالكتاب هاديا ودليلا، لا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
ونشهد أنه قد جاءت رسل ربنا بالحق، والسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد خاتم النبيين وآله الطيبين وسلم تسليما كثيرا. (2/342)
صفحة 661
كتاب نسخه أبو عبد الله محمد بن حازم:
وأول ما نحن ذاكرون أن فرقة المختلفين أنكروا الله أحسن الخالقين وقالوا بأزلية طيبة الأشياء، وإحداث صنعها، واعتراض الاعتراض فيها:
فقال: أخبرونا عن الطيبة أكانت في أزليتها متحركة أم ساكنة.
فإن أقروا بسكونها وحركتها فقد نقلوا الأزلية عنها، لأن سكونها وحركتها لا يعقل إلا بالمكان ..... والزمان الجاري عليها، ومحال أن يكون ........ وآخر السكون والحركة. (2/343)
صفحة 662
ثم ما وجدته فكتبته كما وجدته من نسخة متقطعة، متصحفة.
تم جزء التوحيد من (بيان الشرع) وهو الجزء الثاني، ويتلوه الجزء الثالث في الولاية والبراءة من بيان الشرع.
وذلك عصر السبت لخمس ليال خلون من شهر المحرم من سنة سنتين وثمانين ومائة وألف من الهجرة النبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام.
على يدي مالك قرطاسه الأقل لله عز وجل: عامر بن راشد بن سالم العرواسي السمدي.
نسخه لنفسه طلبا لثواب الله، وإحياء آثار المسلمين رحمهم الله، وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليما كثيرا. (2/344)
صفحة 663
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عثمان: إنه إذا شهد أن عليه مائة وخمسين درهما، لم يثبت عليه إلا خمسين درهما حتى يقول: مائة درهم وخمسين درهما.
وسألته عن قرض الماء أثر بأثر؟
قال: لا يجوز.
ومن جواب الشيخ العالم أحمد بن مداد: وأما أوعية القرع إذا حلتا النجاسة، وليست فيها فتحل في الماء مقدار ساعتين، لأنه في النظر أن الماء الطاهر يدخله، ويبلغ فيه مبلغ النجاسة لأجل مششه، وذلك طهارته ..... وأما رشة النارجيل إذا كانت للخل، وليست فيها النجاسة، فطهارتها أن تخلى في الماء الطاهر مقدار ما يبلغ الماء الطاهر مبلغ النجاسة.
وعندي أنها تترك في الماء الطاهر ليلة كاملة، لأن النارجيل أخشن من القرع بكثير، والله أعلم.
والعمل عندنا أن الشفعة لا تبطل بموت البائع، وإما تبطل بموت المشتري والشفيع، والله أعلم. (2/345)
صفحة 664
وما صفة العانت والمتعنت، وكذلك الأعرابي الجافي.
العانت: هو من يطلب منك أن تكشف له علما يرجو منك، يريد به أن يوقعك في فتنة سلطان جائر، أو عدو يتربص بك الدوائر.
والمتعنت: هو من يطلب منك تفسير علم لا يرجوه منك، يستعجزك بذلك، وهو يعلم بذلك، فإن سألته عنه لم يخبرك عنه، وإن لم تقدر على جوابه سره ذلك، ورأى الفضل لنفسه عليك.
والجافي: هو الذي لا يعرف شيئا من حدود الله، وهو كالبهيمة التي لا يحسن صلاحها من فسادها، ولا تستدل به على شيء من باب الدين، ولا ذات الدنيا إلا ما شاء الله من ذلك، فاستحق اسم الجافي.
وأما طالب الرخصة قبل أن يقع فيها هو من يطلب منك أن تعلمه بشواذ الرأي من المسلمين الذي قد تركها المسلمون من آثارهم، قبل أن يقع في شيء من ذلك على ضرورته لذلك ليبلغ إلى شيء من شهوات نفسه لا لمرضاة ربه. والله أعلم. (2/346)
صفحة 665
الفهرس
الموضوع ... الصفحة
باب في تفسير أسامي الرب جل وعلا ... 5
باب في التوحيد ... 35
باب في دعاء الله عز وجل ... 143
باب في رفع اليدين في الدعاء ... 151
باب في ما يجوز من الدعاء وما لا يجوز ... 153
باب ما يجوز من الكلام للولي ... 162
باب ما يجوز أن يقال من الكلام وما لا يجوز وما أشبه ذلك ... 165
باب ما يجوز أن يدعى به لمن يتولى أو لا يتولى أو لا يجوز ... 176
باب ما يجوز أن يقال لأهل التقية ... 180
باب ما يجوز أن يقال من ذكر الله وما أشبه ذلك ... 182
باب في التفسير والتوحيد ونحوه ... 197
باب في العقل ... 227
باب في الجهل والتجاهل ... 241
باب في الإيمان ... 244
باب في الاستطاعة ... 258
باب في الهدى والضلال ... 260
باب فيما يشرك به الإنسان ويكفر به ... 266 (2/347)
صفحة 666
باب في التكليف ... 276
باب فيما لا يسع جهله ... 283
باب في المنقطعين في الجزائر وغيرها ... 300
باب فيما يوجد في بعض الآثار في الرد على الزنادقة ... 305 (2/348)
صفحة 667
[صفحة 349 بيضاء] (2/349)
صفحة 668
رقم الإيداع 5901 لسنة 1984 (2/350)
صفحة 669
[صفحة 351 بيضاء] (2/351)
صفحة 670
مطابع سجل العرب (2/352)
صفحة 671
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الثالث
1404هـ/1984م (3/1)
صفحة 672
[صفحة 2 بيضاء] (3/2)
صفحة 673
بسم اله الرحمن الرحيم (3/3)
صفحة 674
[صفحة 4 بيضاء] (3/4)
صفحة 675
الجزء الثالث في الولاية والبراءة من كتاب بيان الشرع صحيح الأصل والفرع ويتلوه إن شاء الله الجزء الرابع في السير والأصول .... المسلمين آمين يا رب العالمين .... ثم .... (1) ليعلم الواقف على هذا التدمير أن ابتداء نسخ هذا الجز كان باسم الشيخ الفقيه العالم سعيد بن بشير الصبحي، ومن قوله أنه قدر الله لم غناية عنه اشترى نظيره لنفسه فحصلت هذا لله لناسخه منا منه عليه والحمد لله رب العالمين، وصلى على سيدنا محمد النبي وآله وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
__________
(1) ما بين هذه العلامات أزيل وطمس ... (3/5)
صفحة 676
الباب الأول
في الولاية والبراءة
عن أبي عبد الله محمد بن روح عن عربي رحمه الله: اعلم أن الولاية والبراءة فريضتان، نطق بذلك القرآن وأكدته السنة، ونسخته آثار الأئمة الذين هم حجة الله في دينه، فمن ذلك قوله تعالى: * (*قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ*) * (1) فهذا في البراءة.
وفي الولاية قوله تعالى: * (*يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*) * (2). والاستغفار ولاية.
وقوله الله [تعالى]: * (*وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ*) * (3).
وقال [تعالى]: * (*وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ... *) * (4).
__________
(1) الآيات 4، 5، 6 من سورة الممتحنة.
(2) آية 12 من سورة الممتحنة.
(3) صدر الآية 71 من سورة الأنفال.
(4) جزء من آية 19 من سورة الجاثية. (3/6)
صفحة 677
وقال [تعالى]: * (*إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ... *) * (1).
وقال [تعالى]: * (*وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ ... *) * (2).
كذلك كل من يقر بالإسلام وضيع فريضة من فرائضه من غير عذر فلا ولاية له من المسلمين حتى يرجع عن الباطل إلى الحق.
وقال الله عز وجل: * (*وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ*) * (3) يقول كما قال ربي لو لم يتول المسلمون بعضهم بعضا على الحق، ويبرءون ممن خالفهم في الحق لكان فتنة في الأرض وفساد كبير.
وغير هذا من كتاب الله مما يطول ذكره مما هو ناطق به الكتاب في أمر الولاية والبراءة، ومما جاءت به السنة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«المؤمن من المؤمن مثل الرأس من الجسد» (4). وقال صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا» (5).
فصح معنا أن من خادع في الطاعة فهو من أشد الناس غشا لله ولرسوله وللمؤمنين في دينهم، وغير هذا ممن قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مما به ثبوت أمر الولاية والبراءة مما يطول وصفه ولا يحضرنا كثير من ذكره.
__________
(1) جزء من آية 72 من سورة الأنفال.
(2) جزء من آية 72 من سورة الأنفال.
(3) الآية 73 من سورة الأنفال.
(4) رواه البخاري بلفظ «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
(5) رواه الترمذي بلفظ «من غش فليس منا». (3/7)
صفحة 678
وبعد الكتاب والسنة وإجماع المحققين (1) من أهل قبلتنا المتمسكين بالسنة على الدينونة بالولاية والبراءة، فقد ثبت حكمهما في الكتاب والسنة والإجماع (2) ولم يبطل ذلك إلا بعض المبتدعين من أهل قبلتنا ممن قال إن الإيمان قول بلا عمل، أما سائر أهل القبلة من غير أهل الإرجاء فلا يعلم بينهم اختلاف في ثبوت فرض الولاية والبراءة، وإنما الحجة على الناس ممن اتبع الحق لا من خالف الحق.
وفرض الولاية والبراءة عندنا صحيح، نشهد به عند الله عز وجل بأنه افترضه على عباده، كما يلزمنا أن نشهد عن الله عز وجل بأنه أرسل إلينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن شك في فرض الولاية والبراءة بتأويل ضلال من غير رد منه لتنزيل ولا لمنصوص سنة فهو عندنا كافر نعمة منافق فاسق عن دين الله، ونحن منه برآء إلا أن يتوب.
مسألة:
وعن رجل له وليان أحدهما يبرأ من الآخر وأحدهما يتولاه (3) ما يكون حال ولييه هذين عنده؟
هما عنده على الولاية ما لم يمتحن بوقوع البراءة فيما بينهما على ذلك، ومن وقوع البراءة بينهما أن يسمع المتولى البراءة من المتبرئ بعلم من هذا المتولي لهما جميعا، فعند ذلك إن توليا بعضهما بعضا على ما قد علما جميعا من بعضهما بعض من الاختلاف، وفي الموالاة لذلك الرجل والبراءة منه، فلا يحل لك أن تتولاهما على ذلك، وإن افترقا على ذلك توليت المحق منهما في ظاهر الحكم المظهر ولاية هذا الرجل ما لم يصح من هذا
__________
(1) في الأصل: "المحدثين" والصواب ما أثبت.
(2) الأصح أن يكون الترتيب على ما أثبت لا على ما ورد في الأصل حيث بدأ بالإجماع.
(3) في الأصل بيان لم يتضح. (3/8)
صفحة 679
الرجل الحدث الذي برئ منه هذا المتبرئ في حكم الله أن يبرأ من هذا الذي علم منه الحدث المكفر سريرة إلا أن يظهر حدثه مع من تولاه، كما صح حدثه مع المتبرئ منه، فما لم يظهر ذلك الحدث فحرام على المتبرئ في دين الله أن يظهر البراءة من هذا الذي قد علم منه الفسق عند من يتولاه، وعليه أن يتولى من يتولى هذا الفاسق على هذه الصفة، فافهم الفرق بين حكم براءة السريرة وبين براءة حكم العلانية، فإذا ظهر الحدث من هذا الفاسق المظهر له الولاية مع الولاية من المسلمين وجب عليك أن تظهر منه البراءة عندهم علانية، فإن فارقوك على ذلك فارقهم لله، وإن وافقوك على ذلك فوافقهم (1) لله، وإن أظهرت إليهم البراءة من هذا الفاسق الذي قد علمت أنت فسقه سريرة عند من يتولاه بحكم فقد فسقت أنت عن الدين في إظهارك البراءة من هذا الذي معك فاسق عند من يتولاه بحق وبحكم حق في الدين ولو كان الذي يتولاه من الفاسقين أيضا من وجه آخر غير ولايته إياه إذ قد تولاه بحق لأنك إذا أظهرت البراءة مع من يتولاه بحق بارا وفاجرا، فقد أبحت من نفسك البراءة للذي يتولاه هذا الفاسق بحق، وإذا نزلت بمنزلة تبيح فيها من نفسك البراءة لبار أو فاجر في حكم الحق فقد هلكت إلا أن تتوب.
مسألة:
وعن من برئ مني وهو وليّ من غير ارتكابي لكبيرة علمها مني وليي هذا، ما يلزمني في ولي هذا على هذه الصفة؟
يلزمك أن تبرأ لله منه إذ برئ منك بخلاف الحق إلا أن يتوب.
ونرى عليك أن تستتيبه وتنصحه من بعد خلعك إياه فإن تاب رجعت إلى ولايته، وإن أبى عن التوبة أقمت على خلعه.
__________
(1) في نسخة "فوالهم". (3/9)
صفحة 680
قلت: إن برئ مني بمكفرة قد علمها مني؟
فنقول: عليك لله أن تتولى وليك على براءته منك لعله منك على هذه الصفة، وعليك أن تظهر إلى وليك التوبة من تلك المكفرة إن قدرت على ذلك، فإن مات وليك أو غاب فعليك التوبة من كل ما يلزمك فيه التوبة ولك العذر عند الله، إذا صدقت في التوبة ولو لم يعلم وليك هذا بتوبتك إذا لم يمكنك أن تعلمه بتوبتك.
وإن برئ منك بحق فعليك أن تتولاه إذا كان وليا، وعليك أن تصوبه في براءته منك ولو كان من المنافقين، ولا يحل لك أن تضلله من أجل براءته منك بحق، وقد قال المسلمون: من برئ منا برأي برأنا منه بدين، وتأول ذلك عندنا أنه إذا برئ منك أحد بغير حق فعليك أن تبرأ منه.
مسألة:
وعن وقوف السؤال ما هو؟
فاعلم أن وقوف السؤال أن تعلم أنت من ولي لك أنه قد ركب مكفرة وأنت لا تعلم أن تلك مكفرة فلك أن تقف عن ولايته على اعتقاد الدينونة لله فيه بما يلزمك فيه، وتعتقد السؤال، فإن أفتاك أهل العلم بالحق عن هذا الذي قد علمته أنت من وليك فإذا أفتاك فقيه أن ذلك الذي قد علمته أنت من وليك يلزمك به خلعه فعليك أن تخلعه إذا قامت عليك الحجة، ففتيا الفقيه ولو كان ذلك عبدا مملوكا أو أمة مملوكة أو رجلا أعمى فهو عليك حجة في الفتيا في مثل هذا، والله أعلم بالصواب.
وأما إذا شهد عندك ألف أعمى بأنه قد صح عندهم في قلوبهم من طريق الشهرة بأن وليك الذي قد ارتكب ذلك الحدث فلا يحل لك أن تبرأ من وليك بشهادة هؤلاء العميان، ولو كانوا فقهاء أمناء في دينهم، وكذلك لو شهد على وليك ألف فقيه ثقات أصحاء الأبصار بأن وليك (3/10)
صفحة 681
قد ارتكب كبيرة فإن شهد منهم اثنان من قبل أن يظهروا إليك منه براءة فشهدوا على حدثه المكفر عاينوه بشهادة ما يكون في شهادتهم قطع عذره وحجته فعليك أن تبرأ من وليك بشهادة اثنين من هؤلاء على هذه الصفة.
وإن أظهروا إليك البراءة كلهم من وليك هذا من قبل الشهادة عليه كانوا ألف نفس أو أقل أو أكثر من العلماء الثقات فليس لك أن تقبل شهادة أحد منهم عليه من بعد أن أظهروا إليك البراءة منه على الحدث الذي برءوا منه وعليك أن تخلعهم لله أجمعين، ولا تقبل شهادتهم، من أجل إذا أظهروا إليه البراءة من وليك ولو كانوا لك أولياء من قبل إلا أن يأتوك بشاهدين من غيرهم ممن لم تظهر منه براءة من وليك هذا، فإن أحضروا شاهدين على هذه الصفة فشهدا على هذا الحدث الذي برءوا منه من وليك كانوا معك في الولاية وبرئت أنت من وليك الذي شهد عليه هذان الشاهدان بشهادة على حدثه هذا المكفر بأنهما عايناه منه بشهادة ينقطع بها عذره، ولا يمكن له حجة في ذلك، فافهم ما وصفت لك وتدبر هذه الدقائق التي قد جهلها كثير من الخلائق، فإن لهذه الدقائق أصلا في دين الله وحقائق لا يقوم بها إلا قوم مهتدون.
مسألة:
وسألت عن وقوف الدين؟
فاعلم أن وقوف الدين في باب ما يمكن فيه البحث والتجسس عن ذنوب الناس ولم تطلع أنت عليه ولو كان قد علمه غيرك وصح عنده، فليس لك أن تجسس عن ذلك وعليك أن تقف وقوف الدينونة والانتهاء عما نهاك الله عنه من التجسس والتبحث عن ذنوب العباد التي لم تعلمها أنت منهم.
وقلت: هل يكون الشاك معذورا في شيء من الحق إذا قال إنه شاك ولا يعلم أنه حق؟ #^*
فنعم يسعه ذلك فيما يسعه جهله من الحق، وأما فيما لا يسعه جهله من الحق فلا يسعه الشاك فيه، وجميع دين الله هذان الأصلان، أصل يسعك جهله في وقتك هذا، وأصل لا يسعك جهله في وقته هذا، وهذا يطول فيه الوصف ومعرفة تفصيل هذا موجود في كتب المسلمين المكتوبة عنهم بوصف ما يسع جهله وما لا يسع جهله ومن عرف التمييز بين ما يسع جهله وبين ما لا يسع جهله من جميع شريعة الدين فقد وقف على جميع الأصول، ومن وقف على جميع الأصول، رجوت أنه لا يجهل شيئا من الفروع لأن الفرع من الأصل، وكل حق فهو راجع إلى أصل الحق والعدل. (3/11)
صفحة 682
مسألة:
وعن رجل له وليان خرجا من عنده وهما معه جميعا في الولاية فاقتتلا فقتل كل واحد منهما الآخر، ما تكون حالتهما عنده؟
فحالهما حال المتلاعنين، وقد روي عن موسى بن علي رحمه الله، وعن غيره من فقهاء المسلمين بأن المتلاعنين في الولاية حتى يعلم الكاذب منهما بعينه دون صاحبه، وأما محمد بن محبوب رحمه الله فكان يقول بالوقوف عنهما، وكلا الفريقين، الواقف والمتولى، يتولون في دينهم الصادق منهما ويبرءون في دينهم من الكاذب منهما على الشريطة، وإن لم يعملوه بعينه دون صاحبه، فالمسلمون وإن اختلفوا في الفروع، فأصول الدين تجمعهم وإليها ينتهون وفروع الدين الرأي المختلف فيه، وأصول الدين ما لا اختلاف فيه، والفروع من الأصل، ولا يخرج الفرع من أصله إذا كان ذلك الفرع منه، وإنما ليس من الحق ما لم يكن من الحق، وأما كلما كان من الحق ولو اختلفت معانيه فهو راجع إلى أصل واحد من الحق.
وقلت: أرأيت إن كان (1) هذان الرجلان اقتتلا فقتل أحدهما الآخر
__________
(1) في الأصل كانا "الصحيح كان" كما أثبت. (3/12)
صفحة 683
وهما معك في الولاية جميعا ثم أتاك واعترف بقتله، أو قامت عليه بينة بقتله إلا أنه ادعى أنه ارتد عن الإسلام إلى الشرك فاستتابه فلم يتب فقتله، أو ادعى أنه زنى بامرأته فأدركه عليها عيانا فقتله، أو شيئا مما يحل به دمه، ولم يحضر على ذلك بينة، ما يكون حال وليك عندك على هذا؟
فالمدعي منهما على الآخر شيئا من الكفران عندي، قد أباح لي البراءة من نفسه، وهو عندي خليع إلا أن يصح عندي ما ادعى على ولي الآخر أو يتوب مما ظهر عندي فيه من ذلك، فإن تاب عندي مما قذف به وليي.
فقد روي عن شبيب بن عطية –رحمه- الله أنه قال: أنا أتولى القاتل والمقتول حتى يصح عندي أيهما الظالم.
وأما موسى بن أبي جابر فروي عنه أنه قال: أتولى المقتول وأبرأ من القاتل حتى يصح أنه قتله بحق، وكلا القولين لهما في الحق أصل وإن كانا متفرعين غير مفترقين فإنهما يرجعان إلى أصل واحد، لأن أصل ما قال شبيب بأنك إذا رأيت من وليك حدثا يحتمل أن يكون حقا ويحتمل أن يكون باطلا، وأنت قد علمت من وليك هذا الحدث ولم تعلم هذا الحدث حقا أم باطلا فوليك عندك على ولايته حتى يصح معك أنه ارتكب باطلا، ولولا هذا الأصل لوجب علينا أن نبرأ من الحائض والمسافر إذا رأيناهما يأكلان في شهر رمضان نهارا، وما أشبه هذا، ومن برئ من الناس على هذا فقد هلك، وأما الأصل الذي قال موسى بن أبي جابر فإن دماء الناس محجورة محرمة، كانوا أبرارا أو فجارا حتى يصح أنهم نزلوا بمنزلة يحل بها سفك دمائهم، ولولا أن هذا الأصل هكذا من الحق ما ثبتت الديات ولا القصاص على المدعين أنهم سفكوا تلك الدماء من باب حلال، بل رأيت ما وجب عليهم في ذلك في حكم المسلمين من أرش أو قصاص حتى يصحوا بينة على ما ادعوا من ذلك، أو تقوم لهم في ذلك حجة حق بوجه من وجوه الحق. (3/13)
صفحة 684
مسألة:
وهذا من إملائه أيضا، واعلموا رحمنا الله وإياكم أنه لو كانت الولاية والبراءة بالقول دون العمل والنية والتوبة إلى الله من كل معصية لكان كل من لعن إبليس استوجب البراءة منه، وكل من صلى على محمد صلى الله عليه وسلم استوجب الولاية هيهات هيهات، إلا بالتوبة إلى الله من جميع السيئات، وبصدق الطاعة لله في جميع النيات، فطوبى لمن ختم الله له بالتوبة قبل الممات، والتوبة بصدق اعتقاد القلب بأنه تائب إلى الله من كل ذنب، وساخط لله بقلبه من كل ما قد كان منه من المعصية، وصادق لله بالتوبة بأنه لا يرجع إلى شيء من المعاصي وأنه دائن لله بأداء جمعي ما يلزمه من حق بملبغ قدرته ومجهود طاقته وأن دينه في جميع الأمور دين محمد صلى الله عليه وسلم دون أن ينقض في ذلك عهدا، ولا يخلف في ذلك وعدا ما بلغ إليه طوله ومجهوده وحوله، فمن علم الله منه الصدق في هذا الاعتقاد ولم يكن في اعتقاده هذا مخالفا، وألزم نفسه لله في ذلك الوفاء، وفى الله له بالعهد وعذره وواجب له الرضوان والمغفرة ولو كان عليه من الحقوق للعباد ملء الأرض ذهبا فإن الله يكون عليه تائبا، ومن كمال الدين في قلب العبد أن يعلم يقينا بأن الله يقبل التوبة عن عباده، وقد قال الله تعالى:
* (*أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ... *) * (1).
وقال [تعالى]: * (*أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ*) * (2).
وكما عليك أن تعلم أن الله يعلم سرك وجهرك وجميع أمرك، كذلك عليك أن تعلم أن الله يغفر لك جميع وزرك إن علم منك الصدق بأنك
__________
(1) جزء من الآية رقم 104 من سورة التوبة.
(2) جزء من الآية رقم 78 من سورة التوبة. (3/14)
صفحة 685
تائب إليه من جميع الفسق ودائن له بأداء جميع ما يلزمك فإن لك العذر بحالات العدم إذا لم تطق أن تقوم بما قد لزمك فترجو من الله أنه قد رحمك، فأعظم محرم ارتكبه العبد محرمان، أحدهما الاعتزاز بالله، وثانيهما الإياس من رحمة الله، فمن نجا من هذين المحرمين بصدق التوبة فلا شك أنه من أهل الجنة.
مسألة:
جواب محمد بن روح بن عربي -رحمه الله- بسم الله الرحمن الرحيم:
سألت رحمك عن ولي لك يقول: نحو يا قرد ويا شيطان ويا حمار ويا كلب ويا أحمق ويا ضال ويا خائن أو يسميك بغير اسمك أو اسم أحد من الناس، قلت: ما تكون حالته عندك؟ وهل يلزمك أن تستتيبه من ذلك؟
فاعلم أنه ثبت عليك ولايته وامتحنت بها من طريق وجوب الولاية كما يمتحن الحاكم بشهادة الشهود على أمر يلزم الحاكم إقامة الحد على من صح عليه ذلك بشهادة أو إقرار فإنما الولاية إنما تثبت على الناس ببعضهم بعضا بمنازل معروفة وبحالة موصوفة فإن كان قد لزمك ولاية هذا من طريق ما تثبت عليك ولايته فاتق الله في أمر ولا تعجل عليه عجلة خرق فتنزل بسبه من العباد أكثر مما نزل به من قلبك، ولكن تستتيبه وتنصحه نصيحة إشفاق لوجه الله عز وجل، وتكون في نصيحتك لله بمنزلة المتطبب الذي إذا داوى الجرح لم يعقره ولم يزد الجرح اعتقارا، وهذا الذي وصفته لا يكون إلا من لسان حديد، وكان أسرع في هلكة صاحبه عند الكلام أسرع من الموسى الوميض على حلق الإنسان من يد الحجام لأن الحجام أملك للموسى الوميض من صاحب اللسان للسانه عند سطوة الغضب، وقد يقال: لكل غضبة كفرة، ولا يكفر إلا من لم يعصمه الله.
وقد قيل عن موسى بن علي رحمه الله: إنه من كان مؤمن الرضا كافر الغضب فلا تجوز شهادته، وأنا أقول لك إن لم تجر شهادته من أجل ذلك لم تثبت ولايته إلا أن يتوب. (3/15)
صفحة 686
والذي جاء به الأثر على الإنسان أن يستتيب وليه ولو كفر، ولابد له من أن ينصحه ويدعوه إلى التوبة إذا كان قد لزمه ولايته إلا أن يخافه على نفسه كما يخاف المسكين سطوة الجبار العنيد.
ويروى عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه كان يقول على المنبر فيما يعظ به الناس: إن الله عند لسان كل قائل فلينظر كل قائل ماذا يقول.
وأخبرنا أبو الحواري -رحمه الله- عن الصلت بن خميس رحمه الله أنه أخبره عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه رأى على من قال لخادمه في غضبه يا كلب أن عليه بدل صوم يومه.
وينبغي لكم أن تكونوا جميعا للظالم منكم والمظلوم والشاتم منكم والمشتوم أعوانا على الشيطان ولا تكونوا أعوانا للشيطان وليس يدرك ذلك إلا بهداية الله وفضله.
وإذا أصر وليك على معصية صغيرة أو كبيرة وامتنع عن التوبة ولم يقبل النصيحة فاترك ولايته فإنه ولي الشيطان بعد نصحك إياه.
قلت: وإن قال وليك هذه المقالة لنفسه وسمى نفسه بالضلال أو بالحق أو باسم مما وصفت لي من هذه الأسماء، هل يلزمك أن تستتيبه؟
فاعلم أن الأمور تجري في الألفاظ، فإن لفظ بشيء مما يكون به كاذبا أو يأثم بلفظه بذلك فاستتبه، فإن كان يذم نفسه اعترافا بذنبه تائبا إلى ربه فليس عليه في ذلك جناح إذا أراد التوبيخ لنفسه والصلاح، وقد كان يونس النبي صلى الله عليه وسلم في بطن الحوت يقول: * (*سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ*) * (1).
__________
(1) سورة الأنبياء، جزء من الآية 87. (3/16)
صفحة 687
وقال موسى صلى الله عليه وسلم: * (* ... فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ*) * (1)، وإنما قول الأنبياء والأتقياء في مثل هذا لأنفسهم اعترافا منهم بذنوبهم وتوبة منهم إلى ربهم.
مسألة:
وعن أسماء البراءة ما هي باللفظ؟
فاعلم أن أسماء البراءة يطول وصفها، إلا أن جماعة أسماء ذلك كل اسم يستحق المسمى به الهلاك في الآخرة، ومن ذلك ما قد قلت لي إن الرجل يقول للرجل: غضب الله عليك، أو سخط الله عليك، فكل هذا من أسماء البراءات وما يشبه هذا مما يطول وصفه، كذلك قوله لا يرضى الله عنك، ولا عفى الله عنك، من أسباب البراءة.
مسألة:
وعن أسماء الولاية في الحياة، ما هي؟
وقلت: مثل رجل يقول لرجل: حفظك الله، أو أسعك الله، أو رحمك الله، أو أحاطك الله، أو وليك الله، وكل هذا يحتمل الولاية بالنية ويحتمل غير الولاية بالنية، وقد يكون غير هذا اللفظ بعضه آنس من بعض، وبعضه أحش من بعض، وللكلام بمثل هذا النحو أوسع (2) ... والتفقه على تصريف النية إلى حالات الدنيا دون حالات الآخرة مما في أمر الميت، وأمر الميت في مثل هذا أضيق إلا أن يكون الميت لله وليا.
__________
(1) سورة الشعراء، جزء من الآية 20.
(2) في العبارة اضطراب، ضبطت على النحو الذي أوردناه. (3/17)
صفحة 688
وأخبرني أبو الحواري رحمه الله أنه سمع الصلت بن خميس رحمه الله كتابا من لسانه إلى رجل من أهل بلده من رؤوس بهلا ممن شاهر فسقه في البلد على ما يقال في ذلك الزمان بأنه كان يعين الظالمين على ظلم العباد، فكتب إليه أبو المؤثر رحمه الله، حياك الله، وحفظك الله، فقال أبو الحواري: قلت لأبي المؤثر حين ذلك: أليس حياك الله ولاية؟ فأقبل عليّ أبو المؤثر مغضبا فقال: قد قيل إن للرحم تقية، وللجبار تقية.
ورأيت في الأمور كلها أحسنها أوسطها، وأقبحها أشططها، ولا تكن على الناس فظا لكن صاحب نصيحة ووعظ، ولا تكن عليهم فظا بالكلمة، مبسطا ما تكون به فيهم لله مسخطا، ولكن هجرك لأهل المعصية من الفقراء كهجرك لأهل المعصية من الأمراء، واجعل التقية مما يسعك، لك جنة تتوقى بها عن نفسك أمور الفتنة، وكن عارفا بزمانك، حافظا للسانك، فإن من لم يعرف زمانه ويحفظ لسانه كاد أن يكون هالكا مفتونا.
وقلت لي، فيمن يقول: عظم الله أجرك؟ فهذا حسن، ويحتمل ذلك لغير الوالي عند معاني الدنيا دون الآخرة، فإن من تعظيم أجر الفاسق في الدنيا أن يسر في حياته سرور الغرور، وقد قال الله عز وجل: * (*وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ... *) * (1).
وإني لأمقت الرجل يخرج من بيته غير مجبور ولا مقهور فيأتي إلى الناس في جنائزهم، فيظهر إليهم في تعزيتهم على مصيبتهم عند وجوب حق صلتهم الجفا من أمره فلو لم يصلهم أجمل به.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل عليه داخل وهو في منزل بعض أزواجه، فلما دخل عليه ألان له رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول، فلما انصرف قال رسول الله صلى
__________
(1) سورة البقرة، جزء من الآية 83. (3/18)
صفحة 689
الله عليه وسلم بئس أخو العشيرة، فعاتبه من عاتبه من أزواجه في ذلك صلى الله عليه وسلم فقال: «اعتذر الشيخ بأنه لا يحفظ النص بألفاظه» فبين بأنه ساخط من قول من يتلقى الناس بالجفاء من قوله.
وعن ولي لك تراه يخزن رطبا من مال يتيم أو مال أغياب مثل القرامط أو قوم أغياب لم تعرف أين هم، ولم تعرف أنت ذلك المال فاعلم أن كل شيء رأيت فيه وليك من ركوب فرج أو مال، فهو عندك كما رأيته يأكل في شهر رمضان فعليه أن تثبت على ولايته حتى تعلم أنه كان متعمدا غير ناس، أو بما فيه له عذره، ولا يحل لك أنت أن تأكل في شهر رمضان، كذلك يحل لك ويلزمك أن تثبت في ولايته إذا رأيته يأكل مالك أو مال غيرك حتى تعلم أنت أنه أكل حراما، وليس لك أنت أن تأكل مال غيرك إلا بما صح معك أنه لك حلال ففعل وليك غير فعلك فاعلم ذلك. تم الجواب ومن غيره.
مسألة:
وعن رجل يقول: إني ضعيف الرأي، وإني واقف عن أهل الشغب حتى أسأل المسلمين في ذلك، فقيل له: قد بلغك الذي بين الفقهاء في ذلك، فقال: الوقوف أحب إليّ منهم من البراءة فهل تسع إذن البراءة من هذا، أو يقف عنه، أو كيف كان قول الفقهاء في هذا؟
قال: حدثني محبوب أنه لم يخرج الربيع ووائل وأصحابهما من الدنيا حتى تبرءوا منهم.
وحدثني بعض شيوخ أهل بغداد ممن لقي الربيع أنه يحدث عن الربيع أنه قال: لا تعودوا مرضاهم ولا تشيعوا جنائزهم ولا تجلسوا في مجالسهم ولا تخالطوهم. (3/19)
صفحة 690
ورأيت أبا أيوب رحمه الله شديدا عليهم، وكذلك كان محمد بن محبوب رحمه الله وهم هؤلاء الشعب أضعف رأيا وأضل وأخبث ما كانوا عليه، وهم يبرءون من العلماء فليسوا منا ولسنا منهم.
مسألة:
وعن رجل يقول: أنا واقف عن عبد الله بن يزيد الشعبي وعبد الله بن عبد العزيز وشعيب بن معروف وخاتم وسليم هل يعذر بذلك؟
قال: قد يبرأ من هؤلاء الربيع بن حبيب رحمه الله وأصحابه فنحن نبرأ ممن قد برئ منه الربيع وأصحابه فاعلم ذلك ولا قوة إلا بالله.
وقال محبوب: فليس بيننا وبين قومنا إلا منزلتين، البراءة منهم عند المعصية، والخلع (1) لهم على خلافهم وما ركبوا من المعاصي واستحلال دمائهم عند المباينة لهم بعد دعائهم إلى الحق والعدل والعمل به، وما سوى ذلك من الأمور التي أجرى الله بها بين المؤمنين من المناكحة والموارثة وأكل الذبيحة والقصاص، وقبول الشهادة إذا لم يتهموا والصلاة معهم، فهذه الأمور جارية بيننا وبين قومنا بدين، ولو كان القوم مشركين لانتقضت بيننا وبينهم هذه الأمور كما انتقضت الولاية والبراءة والدماء.
مسألة:
وعن رجل مسلم حد على الزنا، سألت ما اسمه في ذلك اليوم، أتثبت له اسم الإسلام كما كان من قبل الزنا، أم يتحول اسمه إلى غير ذلك؟
__________
(1) الخلع: الخلع (بضم الخاء) من خلع المرأة، وبفتحها من الخلع. (3/20)
صفحة 691
فاعلم أن الزاني لا يثبت له اسم الإسلام وهو خارج منه بحدث الزنا ويتحول اسمه إلى أنه كافر نعمة منافق حتى يتوب.
مسألة:
وسئل أبو معاوية عن رجل رأى رجلا يعمل صغيرة، ما منزلته عند من رآه إذا كان يتولاه؟
قال المصنف: لعله لا يتولاه ولا يبرأ منه.
قال: هو على ما هو عليه من الوقوف.
مسألة:
وسألته عن الولاية فقال: تول (1) من تدعو أنت إلى الإسلام، أو يدعوك هو، أو يشهد من المسلمين ثقة يعرف الولاية والبراءة وكل رجل ولي هذا الأمر ويعرف الولاية والبراءة وعرف أن الولاية أن يعرف أنه أهل أن يدعى إلى الإسلام، فذلك يتولى، فإن نجا منه فيؤمر بالمعروف.
وكل رجل تولى هذا الأمر وهو عند الفقهاء منهم فدعا رجلا إلى الإسلام قبل أن يستأمر المسلمين فلا يتولى حتى يرعى منه الصلاح فحينئذ يتولى، فأما رجل مسافر معه رجل لا يرى منه الإصلاح في الصلاة وفي الوضوء وفي كل شيء، فقال: لا يتولى حتى يسأل عنه وتستبين له شهادة المسلمين أنه مسلم، وأنه يعرف الإسلام ليتولى حينئذ.
وقال غيره: يكلمه فإن رأى منه صفة الإسلام تولاه حينئذ وهو قول الربيع.
__________
(1) في الأصل: (تولى) والصواب ما أثبتناه. (3/21)
صفحة 692
وقال غيره: وهو قول أبي منصور يكلمه فيقول له إني أرضى بقولك وعملك فعلمني ما علمك الله، فإذا وصف له الإسلام تولاه حينئذ.
مسألة:
قال أبو المؤثر: كل فريضة فرضها الله في القرآن في أمر أو نهي أو حلال أو حرام فلا يسع المسلمين جهلها عند وجوب العمل بها، ولا يسعهم ترك العمل بالأمر، ولا يسعهم ولاية من ركب نهي الله، وترك أمره بالجهل وتأول ذلك، كما لا يسعهم ترك العمل بالأمر، ولا يسعهم ركوب النهي بالجهل.
وسألت محبوبا عما يسع الناس جهله فقال: ما دانوا بتحريمه مالم يركبوه أو يتولوا راكبه، أو يبرءوا من العلماء إذا برئوا من راكبه أو يقفوا عنهم.
وقال محبوب: إن تفسير ما قال جابر بن زيد حين سئل عما يسع الناس جهله، فقال: ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرءوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقفوا عنهم، وذلك لو أن رجلا لم يعرف الخمر ولا الخنازير وما أشبههما مما حرم الله، وهو يحرمهما وسعه ذلك أن لا يعرفهما بأعيانهما ما لم يأكل الخنزير أو يشرب الخمر أو يتولى راكبهما أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبهما أو يقف عنهم.
مسألة:
وسألت محبوبا وقلت له: وجدت في كتاب، إذا عرف الرجل حلالا وحراما فرأى رجلا آخر يقول: إن الله قد أحل كذا وكذا ما يعلم هو أن الله حرمه وكان في الكتاب لا يسعه إلا أن يعلم كفر هذا الرجل لأن الكاذب على الله ليس بمسلم ولو وسعنا جهل هذا لوسعنا جهل (3/22)
صفحة 693
من يزعم أن الله واحد ثم يرى من يقول إن الله اثنان، ولا يدري أيكفر بهذا أم لا كيف ترى رحمك الله، أصواب هو أم لا؟
قال له محبوب: ليس له أن يرجع عن علمه، وليس للقياس بأن الله واحد أو اثنين بمنزلة الحلال إذا حرم والحرام إذا أحل؟
مسألة:
وسئل الفضل بن الحواري: هل يسع جهل الولاية والبراءة وإذا سلم للمسلمين؟ فقال عن بعض المسلمين في قول الله: * (*وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى*) * (1) لمعرفة الولاية والبراءة.
مسألة:
قال بشير: لو أن رجلا ضرب رجلا بخشبة أو ما فوق ذلك لألزمنا الضارب البراءة ولم نجز الوقوف عنه قال: لأنه قد قامت الحجة في العقل أن ذلك ظلم، قال: وهذا وأشباهه من حجة العقل، قال: وكذلك لو سرق منه في الميزان مقدار حبة فما فوقها متعمدا به للتطفيف لكان ذلك في تعارف الناس أنه ظلم وعليه البراءة، وما كان مثل هذا ولم نجز الوقوف لأن حجته قد قامت.
وأما إذا دفر الرجل رجلا دفرة رقيقة مثل ما يجوز أن يفعله الناس ببعضهم بعضا ولا يكون ذلك ظلما معهم لم يكن فيه البراءة ولا الوقوف.
قال: وكذلك إن أخذ من حبه حبا يسيرا مثل ما لا يكون ظلما أو بعض خبزته وهو يبصره ولا يغير عليه، قال: فهذا ومثله لا أرى أنه ظالم إذا كان ذلك جائزا بين الناس.
__________
(1) آية 82 من سورة طه. (3/23)
صفحة 694
قال: وكل شيء جائز بين الناس يفعلونه بينهم، لم أره ظلما ولا يلزم فيه براءة ولا وقوف.
قال: وإذا دفر رجلا رجلا دفرة بين الدفرتين فكانت مشبهة بدفرة الظلم وبدفرة الإجازة، قال: فهذا ومثله يجوز فيه الوقوف، فإذا لم تبلغ تلك الدفرة، ما الحكم فيها؟ ولم أدر أهي من دفرة الظلم أو من دفرة الإجازة، لم أر عليه بأسا، فإن وقف لأجل ما اشتبه عليه لم أر بذلك بأسا.
مسألة:
أبو محمد، وسألت أبا القاسم عن رجل له ولاية مع المسلمين أصاب ذنبا من صغائر الذنوب، ما تكون منزلته؟
قال: أصحابنا في هذا على قولين، قال بعضهم هو على ولايته إلى أن يصر أو يتوب من ذلك الذنب، فإن أصر برئ منه وإن تاب فهو على حاله ومنزلته الأولى.
وقال آخرون: إذا أصاب الذنب الصغير وقع به الوقوف من حين مواقعته له إلى أن يتوب أو يصر، فيكون له حكم الولاية أو البراءة.
وسألت أبا مالك عن ذلك فقال: هو كما قال أبو القاسم.
قلت: فالذين ذهبوا إلى أنه على ولايته وما حجتهم في ذلك؟
قال: قول الله تبارك وتعالى: * (*إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً*) * (1). السيئات دون الكبائر فإذا لم يكن هذا من أهل الكبائر فإن صغائره مغفورة إذا كان تائبا منها، وقد ضمن الله غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر.
__________
(1) آية 31 من سورة النساء. (3/24)
صفحة 695
قلت: فما حجة الذين أوجبوا الوقوف على من علم ذلك منه؟
قالوا: لأن الإصرار على الذنب الصغير يكون ذنبا كبيرا، لأن الوعيد في الإصرار مطلقا على الصغير والكبير، قال الله عز وجل: * (*وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ*) * (1)، فدخل تحت هذا القول كل ذنب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلك المصرون قدما إلى النار» فإذا كان عندهم المذنب بين الإصرار عليه والتوبة منه لزمه الوقوف عندهم إلى أن يتبين له حال.
قلت: وما صفة الذنب الصغير؟ وما صفة الذنب الكبير؟
قال: أما الذنب الكبير فقد قال المسلمون ما جاء فيه؛ وعيد في الآخرة وحد في الدنيا، قال: وقد قال قول إنه ما قاد أهله إلى النار، فهو كبير، قال: وأما الصغير من الذنوب فلم يوقف عليه، وليس هو شيء محدود إلا أنا نظن ما كان دون الكبائر، ولم يبح سبحانه وتعالى شيئا من الذنوب، بل حرمها وزجر عنها بغاية الزجر.
قلت: فما قصد إليه الإنسان بفعله وتعمده، مع علمه بتحريمه وهو ذاكر ذلك قل أو كثر؟
قال: فليس هو عندي بصغير.
قلت: وهل يبرأ من غير ولي إذا أصاب ذنبا صغيرا؟
قال: إذا علم أن ذلك الذنب من صغائر الذنوب فلا يلزم فاعله به البراءة في حال مواقعته.
__________
(1) من الآية 135 من سورة آل عمران. (3/25)
صفحة 696
مسألة:
قال أبو عبد الله: أما السيئات من دون الكبائر والذي ذكره الله من تكفيره لها على التوبة منها لا على الإصرار عليها، والسيئات التي يكفرها الله مما دون الكبائر من الذنوب التي بينه وبين عباده التي يدين بها العبد بالتوبة منها في أصل ما دان به، ولا يدين بالإصرار عليها، ولا الاستحلال لها مثل المس والقبلة فذلك يكفرها الله، وأما الحقوق التي للعباد فلا يكفرها إلا بأدائها إلى أهلها.
مسألة:
وسئل أبو معاوية عن رجل رأى رجل يعمل صغيرة ما منزلته عند من رآه إذا كان لا يتولاه ولا يبرأ منه؟
قال: هو على ما هو عليه من الوقوف.
مسألة:
ومن واقع ذنبا صغيرا فلا يبرأ منه حتى يستتاب فإن تاب وإلا برأ منه، كان المذنب وليا أو غير ولي.
مسألة:
قال أبو مودود حبيب بن حفص: ومن دين المسلمين أن كل عامل بكبير من المعاصي أو مقيم على صغيرة أو قائل على الله بخلاف الحق الذي أنزله في كتابه أو في سنة نبيه وما دانوا به ضال كافر حتى يتوب.
مسألة
وقال محبوب: ومن دين المسلمين أن من عصى الله بكبيرة أو صغيرة أو أصر عليها متهاونا ولم يتب حتى مات عليها مستكبرا أدخله الله النار. (3/26)
صفحة 697
ومن جاء بذنوب أمثال الجبال وتاب منها تاب الله عليه.
مسألة:
سألت محبوبا عن رجل من المسلمين عمل عملا من الكبائر جاهلا فمات الرجل من غير أن يتوب من ذلك العمل؟ قال: من ركب الكبائر بجهل أو علم هلك.
مسألة:
ومن بعض جواب محمد بن محبوب رحمه الله: وإذا كان الحكماء في زمان كدر كان على أهل الحكمة غلق الأبواب التي في فتح مثلها يكون عليهم المتالف والإمساك عما يشتت الكلمة ويفرق الجماعة والإغراء بين الناس فيما اختلفوا فيه، وصاروا أحزابا، والدعاء لطبقات الناس من حيث يعقلون إلى السبيل التي لا ينكرون عليه، وبه يوقنون، ويدعون فيه فيتولى بعضهم بعضا، ويجتمعون إليه فإن اجتماعهم عليه إثبات للحق وإزالة للباطل، وهو أوضح سبيلا يستبين بخاصتهم، وعلى المتهم منه الحق إذا ركبوا والبينة للناس على فساد أمرهم بالتعريض إذا ضاق والتصريح إذا أمكن، والمداراة للحكام والاستعانة بهم على العوام والمداراة للعوام، ويكون من أكثر سلاح الحكماء في ذلك الوقت استبطان الائتلاف وإظهار التفرد والتوحش والصوم والصلاة وكشف الزهد في الشهوات والتغافل عن المنكرات والتباله (1) على الناس وقلة الظهور لهم وترك القعود معهم ما أمكن إن شاء الله.
مسألة:
وقد رفع إليّ أن رجلا دخل على ضمام بن السائب فسأله عن رجل
__________
(1) يقصد به إظهار البلاهة والتغابي. (3/27)
صفحة 698
فقال له: كيف فلان؟ فقال له رجل من المجلس: يا أبا عبد الله، لا تسأل عنه فإنه رجل سوء، فأعرض عنه ضمام وسأل عن الرجل، فقال له الرجل: أنا برئ منه، فقال له ضمام: برئ الله منك، فرجع الرجل واستغفر ربه وتاب من براءته من الرجل، وقال: عجلت علي يا أبا عبد الله، فقال له ضمام: إنك برئت من رجل له عندي ولاية فبرئت منك، فلما تاب الرجل قبل ضمام توبته، ورجع عن البراءة منه، هذه آثار المسلمين فافهموها (1).
مسألة:
وسألته عمن قال: إن المسلمين قد أجمعوا على البراءة من فلان وفلان.
قال: لا يجوز أن يقال إن المسلمين قد أجمعوا على البراءة من رجل بعينه، لأن الإجماع من المسلمين لا يجوز لأحد أن يخالفه، ولا يأتي بخلاف ما أجمع عليه المسلمون قال: ولكن يقال: إن المسلمين قد أجمعوا في دينهم على البراءة من الحدث الواقع من فلان بن فلان فمن صح معه ذلك الحدث مع من صح معه فعليه البراءة من أهل ذلك الحدث.
بسم الله الرحمن الرحيم سألت أبا سعيد عن الولي إذا عمل عملا يجب به عليه فيه البراءة هل نلتمس له عذرا من قبل البراءة منه، أم نبرأ منه ثم يستتاب بعد ذلك؟
قال: فإذا أتى ما يكون له فيه مخرج بوجه من الوجوه فهو على حالته، ولا يلتمس له في ذلك عثرة، ولا يتجسس له فيه عورة حتى يأتي بما لا مخرج له من الباطل، فإذا أتى ذلك برئ منه ثم استتيب من ذلك، فإن تاب
__________
(1) نحن اليوم أشد حاجة إلى فهمها ممن خاطبهم المؤلف. (3/28)
صفحة 699
رجع إلى ولايته من حينه وإن لم يتب برئ منه ومضى على البراءة منه، وهذا الفصل يقتضي جميع حقوق الله التي يكون فيه الحق لله وحده مثل الصلاة والصيام وما كان مثل ذلك لا يشرك فيه حقوق المخلوقين، وأما إذا كان الحكم فيما أتى الله ولعباده مثل أنه قتل نفسا ممن كان من المسلمين أو أهل الذمة ممن لا يجوز قتله إلا بحق فقتله قاتل من المسلمين ممن تقدمت له الولاية مع من عاين ذلك منه ولم يعرف بما أتى ذلك منه، ففيه قولان:
أحدهما: أو وليه على ولايته لا تزول عنه أبدا حتى يعلم أن الذي أتى باطلا.
الثاني: أن الدماء محرمة محجورة حتى يعلم أن وليه أتى بحق فهو يبرأ منه لموضع حجر ذلك ودخول حقوق المخلوقين فيه ولموضع زوال حجة من أتى ذلك منه حتى تقوم له الحجة بما أتى ذلك منه.
مسألة:
قلت لأبي سعيد: فإنه أستتيب وليي عما ارتكب من المعصية التي وجبت عليه فيها البراءة فأبى أن يتوب، هل يجوز لي أن أشهر البراءة منه؟
قال: فإذا كان وليك من الأئمة المشهورين الذين قد وجبت لهم الولاية بالشهرة على أهل الدار لم يجز لك أن تظهر البراءة منه مع أحد ممن قد استحق ولايته عليه بالشهرة حتى تعلم أنه قد علم مثل علمك في وليك هذا، ومتى أظهرت البراءة من هذا الذي استحق الولاية على أهل الدار فقد أبحت البراءة من نفسك وقد كفرت لأنه من قد أباح البراءة من نفسه كان من الفاسقين، ولو كان عند الله في عمله من الصادقين.
وقد قال الله تعالى: * (*فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ (3/29)
صفحة 700
الْكَاذِبُونَ*) * (1) المعنى في ذلك على ما عرفنا من التأويل فأولئك عند الله في ذنبه من الفاسقين، ولو كانوا في علمهم في القذف الذي قذفوه من الصادقين، وعاينوا ذلك بأبصارهم فمحجور ذلك عليهم في دين الله، فما أتوا فمحجور في حكم الله وحكم دينه، فسقوا في دين الله، وكذلك جاء الأثر في البروات أنها من القذف وهي أعظم قذفا لما جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من خلع مؤمنا فقد قتله».
وجاء الأثر الذي لا نعلم فيه اختلافا في البروات أنه قيل: السر بالسر والجهر بالجهر والمشكوك موقوف، فإذا شهر الكفر ممن أتاه شهرة تقضي على أهل الدار يكفر المحدث فلا تسع ولايته أحدا من أهل الدار لموضع شهرة كفره كان البراءة فيه بالجهر والولاية له بالسر له بالسر إذا علمت توبته بالسر، وإذا شهر فضله حتى وجبت ولايته على أهل الدار لشهرة فضله ولزوم ولايته ثم أحدث حدثا كانت البراءة منه بالسر لمن علم ذلك منه، والولاية فيه بالجهر حتى يعلم المتولي مثل ما علم المتبرئ أو تقضي الشهرة بكفره فيكون حدثه شاهرا بالكفر، وإذا أشكل أمره فلم يقض عليه حدث الكفر ولا يثبت له اسم الإيمان فأشكل أمره في ذلك فالبراءة منه محجورة بالجهر، والوقوف فيه واسع في الجهر، ولا يجب للمتولى ذلك أن يجهر بالولاية لأنه مشكوك والمشكوك موقوفة (2) أحكامه، فإن تولاه متول (3) بالجهر كان ذلك صوابا، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى، وأحكام الولاية ثابتة ما لم يصح الكفر الذي لا شبهة فيه، فهذه الفصول تقتضي الولاية في الأئمة المنصوبين وفي أعلام المسلمين في الدين.
وأما من كان من ضعفاء المسلمين الذين قد وجبت ولايتهم على
__________
(1) الآية 13 من سورة النور.
(2) في الأصل: "موقوف" والصواب ما أثبتناه.
(3) في الأصل: "متولى" والصواب ما أثبتناه. (3/30)
صفحة 701
بعض ولم تجب ولايتهم على بعض وإنما الولاية فيهم بالمحنة والخبرة (1) فإن الحكم في هؤلاء خاص لمن علمهم وعلم منهم ما تجب به الولاية فإذا أحدث منهم محدث حدثا وعلم منهم ذلك من علم ممن قد وجب الولاية معه، فالحكم فيه على ما وصفناه، أن عليه أن يبرأ منه ثم يستتيبه من ذلك فإن لم يتب مضى على البراءة منه ثم لا يسعه أن يظهر البراءة منه إلى أحد ممن يعلم أنه يتولاه حتى يقم عليه الحجة بماذا برئ منه.
وأما إن لم يعلم أنه يتولاه فليس محجور عليه البراءة منه حتى يعلم أنه يتولاه لأنه حكمه خاص فيم علم ذلك بعينه، وقد قال بعض المسلمين إنه لا يجهر بالبراءة منه إلا مع من يعلم أنه لا يتولاه لأنه لو جهر بالبراءة منه فوافق ذلك مع من يتولاه كان قد أباح البراءة من نفسه حيث لا يعلم ولا يكون عاقلا من يدخل فيما لا يعلم.
وقد قال بعض: إن أظهر البراءة من هذا مع من لا يعلم أنه يتولاه أو لا يتولاه صغير من ذنوبه.
وأما أنا فأحب أن لا يجهر بالبراءة من أحد ممن قد استحقها معه ممن استحق اسم الإسلام حتى يعلم أن الذي يبرأ منه معه لا يتولاه أو يبرأ منه معه لا يتولاه أو يبرأ منه مثل براءته منه، فإن برئ منه مع أحد لا يعلم أنه قد لزمته ولايته بحكم حق ولم يغير ذلك عليه المتبرئ معه، ولا ادعى ولاية المتبرئ منه، ولا علمت أنا أن المتبرئ معه من المتبرأ منه يتولى المتبرأ منه فوَليَ هذا على ولايته ولا أقول إنه أتى صغيرة ولا كبيرة لأن الحكم في المخصوص غير الحكم المعموم.
مسألة:
ومن الأثر: وإذا سئل المسلم عن رجل له معه ولاية، فقيل: لا يسعه أن يكتم علمه فيه، قلت لأبي سعيد: ما العلة في ذلك؟
قال أبو سعيد: لا أبصر له في هذا علة يبين لي ثبوتها إلا أن يكون
__________
(1) الخبرة بكسر الخاء وهي المعرفة، والخبر بضم الخاء وهو العلم. (3/31)
صفحة 702
قد نزل بمنزلة يلزمه علم ذلك منه ولا يسعه إلا ذلك عندي ويكون بكتمانه ذلك يتعطل لله حق، أو يرتكب لله حد، فإن نزل بهذه المنزلة من أحد المعاني ثبت عندي هذا، وخبره له بذلك ما لم يكن على هذه الحالة وسبيله ما لم يقع له أن يتولاه بولايته ويقبل منه ذلك ويكون ذلك أصل معناه وهو لا يبصر الولاية والبراءة، والسائل له ضعيف لا يميز الفرق ما بين من يجوز الولاية بقوله وممن لا يجوز، فأحب أن لا يقصد إلى خبره على هذا السبيل إلا حتى يعلمه مما يخاف عليه منه أنه يقبله مما لا يسعه، ولا أحب له على حال أن يقصد إلى كتمان ذلك لمعنى استخفاف بحق وليه إلا يخبر به، ولا بحق الله فيه ولا لكتمان الحق فيه، وأما لزومه على الواجب فلا يتبين لي إلا على هذه الصفة التي وصفتها لك على غير هذه الشريطة التي ذكرتها لك.
مسألة:
ومنه، وليس لمن استحق الولاية مع أحد أن يمسك عن ولايته بعد استحقاقه لها معه، كما لا يجوز له ترك البراءة من أحد بعد استحقاقه إياها؛ لأنهما فريضتان، فإذا وجبت إحداهما في وقت واحد عليه لم يجز لأحد تأخير ذلك.
مسألة:
قال أبو الحسن: هذا إلا أن يلزمه حكم يزيل ذلك.
قال أبو سعيد_ رحمه الله_: معى أنه إذا ثبت ذلك عليه بما لاريب فيه ولا نسك وهو عالم بذلك علما يوافق فيه أحكام الكتاب والسنة، أو قامت عليه بذلك حجة لا يسعه إلا قبولها من حجة الرافعين لولايته فقصد إلى ترك ولايته لغير معنى أنه لا يسعه.
وأما إن ضاق عن ذلك لمعنى رآه من المتولى أو لضعفه أو لخوفه (3/32)
صفحة 703
من ولايته أن يتولاه على غير الحق الذي يوافق طاعة الله فوقف عن ولايته بعينه على شريطة في جملة المسلمين وولاية من تولاه من العلماء ممن لا يشك في ولايته فإنه عندي بذلك أرجو أنه سالم.
وقد قيل فيمن رأى من وليه الذي قد ثبت عليه ولايته أمور أكرهها منه ما لم يستحق بذلك كفرا بإصرار على صغيرة ولا ركوبا بالكبيرة إلا أنه كره ولايته لما رأى من أخلاقه التي قدرتها ولايته أن له أن يترك ولايته على ولايته له في الشريطة إن كانت تلزمه فيما لا يسعه. وليس هذا ومثله قاصدا إلى ترك الولاية على تعطيل الحق، وإنما هذا هارب من الباطل إلى موافقة الحق لأن لا يتولى إلا طيبا يصطفيه لنفسه لأن الوالي إنما هو لوليه صفوة من الناس يصطفيها لنفسه يخصه بها ويمنحه مودته فلا ينبغي أن يكون إلا فيما لا يشك فيه فإذا وقعت في غير الموضع بأحد الأسباب التي قد تضر في أحكام أمره فيها لم يضيق عليه ذلك عندي أن ينصر لنفسه، ويعتبر أمره في حاله هذا، فإن كان لو لم يكن قد تولاه لم تطب نفسه لولايته لم أضيق عليه أن يمسك عن ولايته على شريطة ولايته، ولم أضيق عليه الإقامة على ولايته على ما قد أثبتها له على شريطة تركها إن كان قد استحق تركها معه، وعلى شريطة البراءة منه في الجملة إذا لم تطب ولايته له بما لا يشك فيه مما يستحق ذلك في الحكم، ومعي أنه قيل: إذا ثبتت عليه ولايته بوجه صحيح تثبت عليه وليه في الحكم لم يكن له تركها في الحكم إلا بحدث يصح على وليه في الحكم من ركوب الكبيرة أو إصرار على صغيرة ولا ينتقل عن ولايته إلا إلى براءة يستحقها، لأنه ليس بين الولاية والبراءة منزلة فالولي على ولايته مع صاحب هذا القول حتى ينتقل إلى العداوة. (3/33)
صفحة 704
مسألة:
قال أبو سعيد في من كان في علم الله تبارك وتعالى من عباده وليا له في سابق علمه وهو يرتكب المعاصي في الدنيا، فاختلف قول أهل العلم فيه على ما وجدنا فيما جاء به الأثر، قال من قال: إنه ولي لله على كل حال، لا يتحول علم الله فيه من حال إلى حال لأنه سابق علم الله فيه أنه ولي فلا يعادي وليه.
قال من قال: بل يعاديه في حين مواقعته لمعصيته ويواليه في حين خروجه عن معصيته إلى طاعته، وهكذا سبق في علم الله فيه لأنه لا يرضى لعباده الكفر، ولا يرضى منهم إلا الإيمان والطاعة، فإذا لم يرض منه سخط عليه في الحال الذي استحق السخط، كما يرضى عنه في الحال التي استحق الرضا عنه، وعلم الله سابق لا يتحول ولا يأتي غيره ولا يكون إلا ما علم الله.
وقال من قال: إنه وليه في علمه أنه من أهل ولايته، ولا يعترض على الله في شيء من أحكامه، ولا يسأل عن شيء من فعله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وليس هذا الاختلاف من أهل العلم تعاطي منهم لعلم الله المكنون ولا يجوز هذا على هذه النية، وإنما التمسوا هذا على ما أظهر لهم الله من ظاهر أحكامه، التماسا منهم لرضاه وخروجا منهم من حكم ما ألزمهم من التعبد في ذلك على سبيل ظاهر أحكام الله في عباده والعلم بأنه سبحانه عادل لا يجور، صادق في جميع ما قال بأن ما قسم على كل حال.
مسألة:
سألت أبا سعيد حفظه الله عن الذي يلزم فرض ولايته؟
قال: فالذي أوجب الله عليه فرض ولايته هو أن توالي لله أهل (3/34)
صفحة 705
طاعته في شريطة دينه واعتقاد إرادته علمهم أو جهلهم فهذا فرض له لازم.
ومما يلزمه بعد أن يميز بين أهل الحق وبين أهل الباطل وبين أهل الضلال وبين أهل الهدى، إذ قد قام في عقله أن لله أهل طاعة قد تعبده فيهم بالولاية، ولله أهل معصية قد تعبده فيهم بالعداوة، ولا فرق بينهم معه إلا بالتماس معرفة ذلك بالفرق بينهم، واتباع سبيل المهتدين منهم، وذلك فرض له لازم لقول الله [تعالى]:
* (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ*) * (1).
وقوله [تعالى]:
* (* ... وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً ... *) * (2).
وقوله [تعالى]:
* (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ... *) * (3). فطاعة الله، العمل بكتابه، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم اتباع سنته، وطاعة أولي الأمر، التسليم للأئمة المنصوبين، اللازمة طاعتهم أعناق العباد للإمامة والأئمة في الدين المتبعين لسبيل المهتدين، قالوا أو كثروا، لا تمت حجتهم كثرة أهل الباطل، ولا تضعف حجتهم قوة أهل الباطل، بل حجتهم هي القاهرة ودعوتهم الظاهرة، وعلى الجميع اتباعهم، فإذا كانت يدهم قاهرة ودعوتهم ظاهرة كانت معرفتهم شاهرة وقامت لهم الحجة واستغنى عن البحث.
__________
(1) الآية 119 من سورة التوبة.
(2) جزء من الآية 115 من سورة النساء.
(3) جزء من الآية 59 من سورة النساء. (3/35)
صفحة 706
وإذا كانت يد أهل الباطل هي العالية وضلالتهم هي العالية، وكانت يد المسلمين وأيدي أهل الخلاف لهم في الدين متكافئة كل منهم يظهر التعبد بما يدين به، ويجوز له ذلك بلا أن يؤخذ في ذلك على يده، لزم الجاهل أن يميز ما بين الحق والباطل وما بين أهل الحق وبين أهل الباطل إذا قامت الحجة في عقله أنه ليس له أن يقبل الباطل، وأن عليه أن يلتمس الحق ويعمل به فيما تعبده الله به مما هو جاهل به من تأدية فرائض الله عليه، ومزايلة حرمات الله التي حرمها الله عليه، وهو وإن كان جاهلا فإذا قامت عليه حجة العالم بما إذا بلغ إليه معرفته مما شهر من عدل العالم وفضله وموافقته للحق المهتدي بما ظهر من صدقه وعدله بما لو بلغ إلى علم عالم لزمه الولاية له، ضاق عليه جهل ما قامت به الحجة عليه من ولاية من أمره الله بولايته وطاعته فيما جعله الله له من الطاعة فيما أولاه من هدايته فلا يسع جهل الإمام مع من جهله قيام فيما تقوم به الحجة مع من علمها من العالمين بها وبأحكامها، من هاهنا لزمه البحث والسؤال حتى يتولى أهل الهدى ويعادي أهل الضلال من أهل عصره، لأنه إذا وجد الناس مختلفين اختلافا لا يسعه مجامعة الجميع على ذلك، ولا يسعه مفارقة الجميع فيكون قد فارق المهتدين، لزمه الالتماس والبحث عن الأصل فيما اختلفوا فيه والأساس، لأنه غير مهمل، فإذا اطمأن قلبه مع هداية الله له إلى المحقين من المختلفين وما قامت عليه وله الحجة بما فرق في علمه وتبين في عقله من ضلالة الضال وهداية المهتدي الشاهد على الضال بضلالته وقد لزمته الحجة مع ذلك ولا عذر له في الشك في المحقين من أجل خلاف المخالفين لهم ولو كان ذلك كذلك ما صحت دعوة المسلمين في نيف وسبعين فرقة من المدعين كل منهم يدعي لنفسه الهدى ويدعي سبيل السعداء، وأن من خالفه فقد جار عن الحق (3/36)
صفحة 707
واعتدى، وليس ذلك إلى قول المختلفين، وإنما ذلك إلى من هداه الله إلى سبيل المتقين.
فمن كانت الحجة قامت له كان حجة على من جهله وعلى من علمه، ولا عذر لجاهل جهله.
وكذلك قال الله تعالى: * (*فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ*) * (1)، فلا هداية أبدا إلا لمن هداه الله إلى الهدى، ولا هدى من الله أبدا إلا لمن آمن به، ولا يكون مؤمنا إلا حتى يوافق سبيل الإيمان.
مسألة:
وسئل أبو عبد الله عن الجلوس مع الباكية والنائحة فقال: إنه مكروه.
مسألة:
وفي جواب أبي المؤثر: وقد بلغنا عن بشير أنه قال: فمن كانت له ولاية ثم كان منه بعض أشياء كرهها منه المسلمون من غير أن تجب براءة، فرأى بشير الوقوف عنه واسعا للمسلمين الذي رأى ذلك منه.
وسألت محمد بن محبوب فقال مثل ذلك.
قال غيره: وقد كره المسلمون أشياء وأحبوا السترة منها، وليس هي من الحرام ولا يجب بها وقوف ولا براءة.
وما كان من أمر مشكل وقفوا وقوف مسألة، وسعوا له بالسؤال حتى يعلم رأي المسلمين وقولهم في ذلك.
__________
(1) جزء من آية 213 من سورة البقرة. (3/37)
صفحة 708
مسألة:
قال أبو زياد عن عيسى الخراساني: قلت له: فما تقول فيمن دخل بيت إنسان بغير إذن القوم، أهو من الصغائر؟
قال: ليس عندي من الصغائر ولا من الكبائر.
قلت: فإذا كان وليي قبل ذلك، فما هو حينئذ حين علمت ذلك منه، أبرأ منه أم لا؟
قلت: لا تبرأ منه ولا تتولاه، ولكن قف عنه حتى تستتيبه.
قلت: فإن مات قبل أن أستتيبه؟
قال: قف عنه، لعله قد تاب.
قلت: فإنه قد مات في منزل القوم قبل أن أستتيبه؟
قال: قف عنه لعله قد ندم حين دخل ومات.
قلت: هو في المنزل؟
قال: نعم لعله قد تاب وندم ومات، قف عنه.
قلت: فما تقول فيمن أتى صغيرة من الذنوب وهو لي ولي أبرأ منه من حين وقع بها؟
قال: لا، حتى تستتيبه، والصغيرة التي سألته عنها مثل النظرة والكذبة وما أشبه ذلك من الذنوب مما دون الكبائر وهو يدين لله بالتوبة منها.
قلت له: ما أبرأ منه من ساعة وقع بها؟ (3/38)
صفحة 709
قال: لكن قف عنه حتى تستتيبه.
قلت: فإنه مات قبل أن أستتيبه؟
قال: قف عنه لعله قد تاب.
قلت له: وما هو ساعة وقع بالذنب؟ أليس فاسق؟
قال: عاص حين وقع فيه حتى يتوب.
وقال عن أبي عيسى: ليس على من ارتكب صغيرة من الذنوب وقوف، وهو على ولايته، ولا يحكم بشهادته إن كان شهد حتى يستتاب، فإن تاب قبلت منه شهادته التي كان شهد بها وولايته، وصار بمنزلته التي كان عليها من الولاية، وإن كان أبى وأصر خلع وبرئ منه، وإن مات من قبل أن يستتاب وقف عنه، وعلى هذا إجماع الفقهاء.
وإن كان أتى شيئا من الكبائر من قبل أن يشهد أو من بعد أن يشهد، فشهادته التي شهد ترد ولا تقبل منه أبدا، وتقبل ولايته وشهادته إذا شهد فيما يستأنف، يعني ما كان شهد في حال ركوبه الكبائر والذنوب عند المسلمين على منزلتين، فذنب يهلك به صاحبه عند المباشرة والموافقة له، وهي الكبائر، وذنب يهلك به صاحبه بترك التوبة والمقام عليها، وهي الصغائر.
مسألة:
وعن رجل قال لرجل: لا أرضاك واتق الله، أيكون ذلك براءة من المسلمين؟
قال: يقول إنه يبرأ من المسلمين فعليه أن يتوب إن لم يكن كما قال، وإن قال لا أرضى خلقك في دين المسلمين، فقد يكون هذا. (3/39)
صفحة 710
مسألة:
وإذا كان المسلمون يتولون رجلا ثم كانت منه أشياء كرهها المسلمون، غير أنه إذا دعي أجاب، وإذا عوتب رجع فما كان هكذا فهو من المسلمين، فإذا رأوا منه التخليط وما لا ينبغي كفوا عنه ولم يتولوه، ولم يتبرءوا منه، فإن تولاه رجل من المسلمين أمروه بالكف عنه، وإن قال: أنتم تبرءون منه؟ قالوا: لا؟
قال: فأنتم منه في شك، فإن تبرءوا منه برئت منه، فقالوا لا نبرأ منه فقال أنا إذا أتولاه لم يكن للمسلمين عليه سبيل في ذلك وهو في ولايتهم، ما لم يتول من برءوا منه، قال: وقال موسى: إذا تولى المسلمون رجلا برئ هو منه أو برءوا ممن تولاه فإنه يسأل، فإن يقل ديني وقولي فيه قول المسلمين.
مسألة:
قال أبو سفيان: كانت امرأة من المسلمين فاضلة، مات أخ لها، وكان مخالفا، قال: فحزنت عليه، قال: فقال لها ابنها يا أماه: لو استغفرت (1) له، عسى كان يذهب عنك بعض الذي تجدين قالت: يا بني إن استغفاري له يضر بي، ولا ينفعه.
__________
(1) في الأصل: "استغفرتي" والصواب ما أثبتناه. (3/40)
صفحة 711
الباب الثاني
في البراءة من أهل الكفر
قال بشير: لو أن رجلا يسمع أن فلانا فعل كذا وكذا مما يكفر به من فعله، لكان عليه أن يقول وأن يعتقد إن كان هذا الفعل صحيحا فأنا برئ منه، وذلك أنه يسمع ولا يصح منه فيه.
قال: إذا وقع الحدث الذي يكفر به من ركبه بفعل قد عرف معناه، وهو مما يسع جهله، فعلى من سمعه بالصحة وعرف معناه؛ البراءة ممن ركبه.
قال غيره: نعم إذا كان ذلك لا يسع جهله، قال: والدليل على استحلال المحدث أنه يبرأ ممن جرم حدثه، وأما إذا سمعه وصح معه ولم يعرف معناه فليس عليه أن يبرأ لأنه لا يعرف معنى ذلك ولا ما هو، قال غيره: صحيح لا تقوم الحجة إلا بمعرفة المعاني.
مسألة:
قال بشير: يجوز الشك في المستحلين للكفر لمن لم يعلم أنه كفر حتى تقوم الحجة عليه بأن ذلك الحدث كفر، والحجة جماعة المسلمين الذين ليس له أن يرد قولهم عليهم في قيام الحجة.
قيل له: فهل يجوز لرجل أن يقف عن رجل قد كفر وهو يعلم كفره ويتولى من برئ منه.
قال: لا يجوز له لعلمه. (3/41)
صفحة 712
مسألة:
ومما لا يعذر العباد بجهله والشك فيه أن ينتهك المحارم على استحلال من أهلها لها، ودينونية فيها، فإذا علم أن الراكب لذلك مستحيل داين، لم يسع أحدا أن يشك في هلاكه، وقولهم إن المستحيل لما حرم الله لا يسع جهل كفره من علم حرمة حدثه.
وفي الآثار: إن كل متولى لمحدث على حدث مكفر محدث، والشاك في ضلالهما على تحريم المحدث لركوب الحدث، مسلم حتى تقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة فشك فيها فلم يبرأ ممن ركب الحرام، هلك.
قلت: مثل ماذا؟
قال: مثل من علم أن الله حرم شيئا من الأشياء في كتابه ثم سمع من زعم أن ذلك الشيء حلال، فقد وجب عليه التخطئة له والبراءة منه، وإن شك فيه بعد علمه باستحلاله وقيام الحجة عليه هلك، ولا عذر له في شكه، ومن هذا لم يجز الشك في الإسلام.
قال: من ركب معصية أو أحدث حدثا لم يدر ما هو مستحيل له أو يحرم مالا يبلغ به فاعله ولم يسمعه، يدعي على الله شيئا، فإنه يسعه الإمساك عنه ولا يتولاه ولا يبرأ منه إذا لم يكن من قبل له وليا، فإن قامت عليه الحجة أن ذلك الشيء حرام على من فعله فعليه البراءة منه، فإن علم أن ذلك حرام ولم يعلم أن من ركب ذلك يبرأ منه وسعه الوقوف إذا كان واقفا سائلا عن حكم ما يلزمه فيما قد صح منه من ذلك، فإن أفتاه مفتي بعد السؤال، أو قامت عليه الحجة بأن ذلك الشيء مكفر لراكبه وأن البراءة واجبة عليه فعليه البراءة ممن أحدث ذلك الحدث ولا يسعه الشك بعد قيام الحجة. (3/42)
صفحة 713
مسألة:
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ؛ وبلغنا أن أبا عبد الله قال في البراءة: إن من كانت له ولاية فلا يبرأ منه حتى يرى منه مثل شعاع الشمس، يعني من الصحة؛ مثل ذنب وعد الله عليه النار في الآخرة، وحدا في الدنيا.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع].
ومن كتاب الاستقامة:
فأما وجه الحقيقة من أحكام الولاية والبراءة فذلك جميع ما يصح بالحقيقة التي لا يجوز تكذيبها ولا الشك، وذلك ما صح في كتاب من كتب الله تعالى في أحد من الناس بعينه أو باسمه أو بصفته أنه عدو الله أو ولي الله، أو أنه مؤمن أو كافر أو من أهل الجنة أو من أهل النار أو عن لسان رسول من الرسل صلوات الله عليهم، أو من كتاب من كتب الله، وذلك إذا صح بالتظاهر كتاب من كتب الله أو شيء منه، ولم يرتب في ذلك من عرفه، أنه من كتب الله، وأنه غير زائد فيه أهل ذلك الكتاب من أعداء الله ولا منقصون، فهو حجة أيضا على من عرفه، كما قد أجمع أهل القبلة وأهل الصلاة على كتابهم أنهم لا يزيدون في تنزيله ولا ينقصون، وإن كانوا غير مأمونين ولا مأمون أكبرهم على دين الله وعلى تحريف تأويل كتابه، وأنه لا يجوز عليهم ولا يتوهمون أنهم يقصدون إلى الزيادة والنقصان، ولا الإبطال ولا الكتمان لتنزيله، ولا يصح منهم ذلك إلا من خرج من حد الإقرار إلى حد الابتكار، وعرف بذلك في الإظهار، فحينئذ قد خرج من حال الإقرار إلى حال الابتكار، ولا يؤتمن على تنزيل ولا تأويل إلا من عرف شيئا من التنزيل (3/43)
صفحة 714
والتأويل من كتابنا هذا، وبان له عدل ذلك وصوابه، وإلا فلا يكون المتهم في شيء حجة ولا يؤمن عليه إذا كان متهما فيه، كذلك ما ادعت اليهود والنصارى والصابئون مما في أيديهم من التوراة والإنجيل والزبور، وقد عرفوا بالنقص له وكتمانه والزيادة فيه ونقصانه فلا يكون قولهم في ذلك حجة حتى يعلم علم ذلك بما لا يشك فيه ولا يرتاب، أو يكون شيئا مما لا يخاف السنة والكتاب فهنالك يجوز قبول قولهم في ذلك إلا أن يأتوا بما لا يسع جهله من صفة الله أو وعده ووعيده، وإثبات أسمائه وتوحيده، فإن ذلك حجة من جميع من جاء به ونطق به وعبره من المعبرين.
ولا نعلم إلى وقتنا هذا أن أحدا من أهل قبلتنا أنكر شيئا من التنزيل، ولا زاد في الكتاب شيئا من التنزيل على الادعاء أنه منه، ولا أنقص منه على وجه الادعاء أنه ليس منه.
فجميع أهل الإقرار مأمونون على التنزيل مقبول منهم يتعلم منهم ويعلمون، وهم أهل التنزيل، وأهل الإقرار بالتنزيل، ولا يجوز أن يمنعوا شيئا من التنزيل ولا يتهمون في شيء منه إلا أن يصح من أحد من أهل الإقرار أنه يحرف التنزيل أو يكتمه أو يزيد فيه أو ينقص، وكل من يرى بمنزلة أجرى عليه حكم ما استحقه في منزلته التي نزل بها، وأنزله حدثه بمنزلته التي أنزلها نفسه، واتهموا في التنزيل، واستخينوا فيه كما اتهم أهل الكتاب فيما يزعمون أنه من الكتاب إلا ما صح أنه من التنزيل لأنه لا تقوم حجة أبدا منهم إلا فيما لا يسع جهله.
ومن الكتاب:
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب»، ومنه: وكفى حجة في ذلك ما عليه الإجماع من أهل القبلة على ترك القراءة بحرف أبي بن كعب والإجماع على غيره في القراءة إلا شاذ من حروفه، وكفى أن مصحفه غير مثبوت في القرآن في زماننا وقبل زماننا ولو كان ذلك سنة، أنه لا يجوز ما خالف قراءة أبي بن كعب (3/44)
صفحة 715
لما جاز أن يقرأ القرآن إلا على ما قرأ أبي بن كعب، إذ ثبت بالإجماع أنه أقرأ الصحابة للقرآن، وإن صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوحي أن يقرأ عليه وأنه قد استند عليه وقرئ عليه، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم «أقرؤهم لكتاب الله أبى بن كعب» أتى بهذه الفضيلة لا على القراءة بغير قراءته حرام. والله أعلم.
انظر فيه فإني أخذت المعنى ولم آت باللفظ كله.
ومن الكتاب:
وكذلك أحكام السعادة في السعداء، مثل ما صح عن الله تبارك وتعالى في سعادة امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، وما صح في النبيين والمرسلين في كتاب الله، فكل هذا من أحكام الحقيقة بسعادة هؤلاء، ولا يجوز لمن علم ذلك من كتاب الله وصح معه من طريق العلم من كتاب الله بذلك بما لا يرتاب في ذلك أنه منقول الله تبارك وتعالى بأي وجه بلغ إليه علم ذلك ولم يشك فيه ولم يرتب.
ومن الكتاب:
لأنه إذا أنكر شيئا من القرآن ولو آية من القرآن واحدة، أو معنى واحدا مما جاء في الكتاب كان بذلك مشركا.
مسألة:
من الكتاب التقييد الذي عن أبي القاسم سعيد بن عبد الله ووجدته على أثر سؤال عن أبي مالك، فالله أعلم أهو عن أبي قاسم أو أبي مالك. وسألته عمن آمن بالأنبياء صلوات الله عليهم في الجملة، ثم سمع بذكر واحد منهم فيشك فيه ولم يعلم أنه نبي، أيسعه ذلك؟
قال: نعم إذا كان يؤمن بجميع الأنبياء. (3/45)
صفحة 716
قلت: فمن آمن بالقرآن ثم سمع به يتلى ويذكر مقروءا فجهل شيئا منه هل يسع جهله؟
قال: لا، إذا شك بعد أن يسمع ثلاث آيات ينظمهن.
قلت: فما الفرق بينهما؟
قال: لأن الأنبياء ليس على أسمائهم أدلة تقطع العذر، والقرآن نفس تلاوته تقطع عذر من سمعه بصحته لأن نظمه معجز مع ما يتضمنه من المعاني والإخبار عن الغيوب.
مسألة:
ومن غير الكتاب، وعمن قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ليس هو من قريش، ولكنه من الحبش؟ أو قال: ليس هو من مكة ولكنه من الصين، أو من بلاد الزنج؟ أو قال: إنه لم يمت ولكن الله رفعه إلى السماء كما رفع عيسى؟ ما منزلته؟ فإذا أقر باسمه ونسبه وأثبت رسالته فليس يبلغ به ذلك إلى الشرك، ولكنه كافر نعمة يخلع، ويبرأ منه.
مسألة:
وعن أبي عبد الله وعمن أنكر الرجم، هل يبلغ به إنكاره شركا؟ فليس يبلغ به إنكاره ذلك إلى الشرك إذا كان مقرا بجميع ما جاء به عن الله مجملا ثم أنكر ذلك إذا لم يجحد التنزيل فهو بإنكاره إلى هذا الحد منافق كافر نعمة.
مسألة:
ومن شك بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يدري. (3/46)
صفحة 717
مسألة:
ومن دان بدين القدرية أو المرجئة أو الأزارقة والرافضة، وخطأ من خالفه واستحل دم من قال بغير قوله، فعلى كل من علم ذلك منه وعلم الحكم فيه، البراءة منه.
ومن علم بحدثه ولم يعلم الحكم فيه، قال قوم: لا يسعه إلا أن يبرأ منه، وقال آخرون: واسع له حتى تقوم عليه الحجة، والحجة جماعة المسلمين الذين ليس له رد قولهم.
قلت له: فإن كان حدثه على التحريم فوقف عنه واقف، قال: إذا علم حدثه وجهل الحكم فيه وسعه الوقوف حتى تقوم عليه الحجة، وعليه السؤال عن معرفة ما يجب عليه في الحكم، فإن استفتى فقيها من المسلمين وأعلمه أن راكب ذلك مستحق البراءة فعليه الحكم.
قلت: فالمستحل غير المحرم؟
قال: نعم المستحل، قال قوم: يبرأ منه من علم ذلك، ولا يسع جهله، وقال قوم: يسعه حتى تقوم عليه الحجة.
مسألة:
وسألت محبوبا عمن لا يعرف كفرا لكافر، هل يكون مؤمنا؟
فقال: من دعي إلى الإسلام فقيل له، من عمل بكذا وكذا فهو مسلم، ومن عمل بكذا وكذا فهو كافر، ومن عمل بكذا وكذا فهو منافق، فأقر بذلك في الجملة فهو مسلم يتولاه، وقد يكون من المسلمين ما لا يعرف ما يكفر به أهل المعاصي حتى يخبر بذلك وهو مسلم عند المسلمين. (3/47)
صفحة 718
مسألة:
وعنه وقال أبو عبد الله: إنما تجب البراءة على ارتكاب الكبائر فمن ركبها برئ منه ويستتاب فإن تاب رجع إلى ولايته وإن أصر فهو على البراءة.
قال: وعلى الذنوب دون الكبائر لا يبرأ منه حتى يستتاب، فإن تاب قبل منه ولم يبرأ منه وإن أصر برئ منه بعد إقراره.
وقيل: الكبائر قتل النفس التي حرم الله قتلها والربا والزنا والسرقة، وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، فهذه الخصال إذا رأيت وليا لك يفعلها أو شيئا منها فعليك أن تبرأ منه ثم تستتيبه، وأما غير الكبائر فلا يبرأ منه حتى يستتاب.
مسألة:
قلت: فعلام تجب الولاية؟
قال محمد بن محبوب: على الموافقة للمسلمين فيما دانوا به من القول والعمل.
مسألة:
بلغني أنه لما خرج عبد الوهاب بن جيفر بكتاب محمد بن عبد الله وأصحابه يطعنون على شبيب ويعيبونه، فوصل إلى الأشياخ بمكة، فقال المعتمر بن عمارة بن سالم بن ذكوان الهلالي: إن البراءة منه وحد السيف معا، أو قال: سواء، إني لا أبرأ منه حتى يحل دمه، وذلك في الأئمة في قول بعض الفقهاء. (3/48)
صفحة 719
وأخبرنا هاشم بن غيلان، عن موسى بن أبي جابر، قال:
قلت للربيع: ما تقول في أهل عمان، فإنهما اختلفوا أو افترقوا في أمر شبيب؟
فقال الربيع: من تولاه فتولوه، ومن برئ منه فابرءوا منه.
قال: فقلت: ما تقول في الكف فإني أرجو أن يكون فيه ألفة وصلاح؟ قال: فقال: ما يقول بشير؟
قال: قلت: صاحبي ولا يخالف عليّ، فقال: أنتم أعلم بأهل بلادكم، وأما أنا فليس ذلك رأيي، فلما قدم موسى بن أبي جابر أظهر ذلك، وبقي هادية، فبايعة هادية، وتابع هادية أصحابه وكانوا دونه.
وقال عبد الوهاب: من تولاه برئنا منه.
قال هاشم: وكره بشير الكف، وقال: لا نفعل، فتولاه بشير وأهل الجوف، وقلت لهاشم: وكان رأي هاشم الكف فقال: لا ولكن الألفة في الظاهر.
وسألت الفضل بن الحواري فيما اختلفوا في أمر شبيب؟
قال: كان مجابا، وكان يجبي القرى، فإذا قدم السلطان تركها واعتزل.
مسألة:
جواب أبي معاوية، وسألت ما تثبت به الولاية وتجب فيه البراءة، وما حال العامة من أهل الإقرار، وما تجب لهم، فإن أرجع إليك على ضعفي وقلة علمي الذي تجب به الولاية بين الناس عن المسلمين التسمي بالإسلام والإقرار بجملته، وأداء الفرائض واجتناب المحارم من القول (3/49)
صفحة 720
والعمل، فإذا عرفت من عنده هذه الخصال وجبت له الولاية والمحبة والاستغفار في المحيا والممات.
وأما حال العامة، عامة أهل الإقرار، فإن الناس عندنا على ثلاثة أصناف: من عرفنا منه خيرا توليناه وأجبناه، ومن عرفناه بشر برئنا منه وأبغضناه، ومن لم نعرف منه شيئا وكلنا أمره إلى الله، والناس عندنا بمنزلة الوقوف حتى نعلم منهم أمرا تجب فيه ولايتهم أو البراءة منهم، ومن وجبت ولايته على المسلمين حرمته بأنها لم تزل إلا بحدث يخرجه من الإسلام بكبيرة ينتهكها أو فريضة يتركها، أو يأتي ذنبا من الذنوب التي يجب فيها وعيد، فيصر عليه، فإذا أصر على صغيرة «فلا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع توبة واستغفار» (1)، ويروى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أهل العلم من أصحابه.
مسألة:
يقول محمد بن محبوب: سألت عمن تجوز شهادته وتثبت ولايته؟
فاعلم أنه بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
"من أظهر إلينا خيرا أجبناه عليه، ومن أظهر إلينا شرا أبغضناه عليه، ومن لم نعرفه بخير ولا بشر وقفنا عنه حتى نعرف منه خيرا فنتولاه عليه، أو شرا فنبرأ منه"، فمن ظهر منه خير إذا دان بدين المسلمين،
__________
(1) رواه الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس بلفظ: «لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» وكذا رواه القضاعي عن ابن عباس، قال ابن طاهر وفيه أبو شيبة الخراساني قال البخاري لا يتابع على حديثه، ورواه ابن شاهين باللفظ المزبور عن أبي هريرة وكذا الطبراني في مسند الشاميين. (3/50)
صفحة 721
وسارع إلى المعروف، وحضر صلاة الجماعة ولم نعلم منه شرا، قبلت شهادته، ووجبت ولايته عند المسلمين.
مسألة:
وقال أبو عبد الله: قال أهل العلم بالله: إن الحب من الله، والرضا، هو جنته وثوابه، وغضبه وسخطه هو ناره وعقوبته، وليس الحب منه والغضب يوصف كما يكون من المخلوقين، لأن حب المخلوقين فرح، وغضبهم حزن.
مسألة:
وعن رجل من المسلمين لجأ به فاسق قد خالط السلطان ودخل في أمورهم ثم طلبوه فلجأ به ليواريه ففعل، ثم اطلعوا على ذلك فقتلوا المسلم على ما فعل، وقد كانوا تقدموا في ذلك وحذروا وأوعدوا قبل ذلك، هل تكفي (1) الولاية؟
قال: لا، إلا أن يكون الرجل طلب بحق فمنعه وأراه، هذه مسألة على إثر مسألة من سماع أبي معاوية عن أبي عبد الله.
مسألة:
وعن رجل كان يعرف من نفسه حدثا مكفرا مما يحرمه على نفسه، ويقر على نفسه بما يجب عليه فيه من حق أو حد، فيبرأ منه على حدثه ذلك رجل ممن يعرفه هو بالإسلام، ما تكون منزلته الذي برئ منه عنده؟
__________
(1) "تكف" في الأصل، والصواب ما أثبتناه. (3/51)
صفحة 722
إن هذا الذي قد عرف منه الكفر وهو يعرفه من نفسه فبرئ منه في قوله أو حكمه، فليس لهذا الكافر أن يزداد كفرا إلى كفره بتكفيره المسلم على ما قام به من العدل الذي أمره الله به من تكفيره، فإن كان هذا الذي يعرف كفر نفسه فليس له أن يبرئ منه إذا كان عارفا بكفر نفسه إلا أن الذي برئ منه على ما لا يجب عليه فيه البراءة عند المسلمين، فإنه إذا عرف منه هذه الصفة فإن هذا ليس من العدل، ولا من قول المسلمين، وقد فارق المسلمين في قولهم، ولا تجب ولايته على مؤمن ولا كافر.
وقلتم: أرأيت إن كان هذا الذي قد عرف كفر نفسه فبرئ منه رجل مسلم، ثم تاب وأصلح ورجع عما كان منه عند نفسه فسمع ذلك الذي كان يبرأ منه، هل يقيم على البراءة منه بعد توبته ما كان ينبغي له أن يبرأ منه؟
فإنا نقول: إنه ليس عليه أن يبرأ منه، ولكنه يعلمه من نفسه أنه قد تاب واستغفر الله مما كان قد عرف منه من الكفر، فإن برئ منه بعد ذلك، كانت منزلته معه على ما كانت عليه أولا.
مسألة:
وقد أدركنا المسلمين يبرءون من الناس على الأعمال المكفرة الشاهرة بالبراءة من الناس على شهرة الأعمال المكفرة، وما قال أهل العلم بالله شيء واجب على المسلمين ممن نشأ معهم في عصرهم أو بعدهم ممن كذب الرسل، ومن أهل الأحداث في الإقرار من أهل القبلة بما شهر معهم من قبيح أفعالهم ومساوئ أعمالهم التي استحلوا بها ما حرم الله ورسوله عليهم، وإن لم يدركوا زمانهم ويشهدوا أحداثهم ولم يعاينوهم من حيث عملوا ولم يشهد معهم بها من تقوم به الحجة عليهم، ولكن شهوة أعمالهم قامت به مقام الإقرار العامة منهم منهم لها. (3/52)
صفحة 723
وأما من لم يشهر معهم له اسم ولا عمل من أهل الإنكار ولا من أهل الأحداث، في الإقرار من أهل القبلة، ولم تقم عليهم بذلك الحجة، أو شهرت معهم أسماؤهم ولم يشهد أحد بإحداثهم كانت البراءة منهم موضوعة عنهم حتى تقوم عليهم الحجة، فإذا قامت عليهم الحجة بمعرفة أسمائهم وأحداثهم جازت له البراءة منهم.
ومن ذلك، لو أن أحدا لم يشهر معه تكذيب قوم نوح له ولا غيره من الرسل كانت البراءة منهم موضوعة عنهم حتى يشهر معهم تكذيبهم، فإذا شهر معه ذلك أو قامت عليه الحجة بذلك وجبت عليه البراءة منهم.
وكذلك لو أن أحدا لم يسمع بأحد من أهل الأحداث في الإقرار من أهل القبلة ممن تقدمه مثل عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب، أو سمع بهم ولم يسمع بأحداثهم الشاهرة عليهم التي استحلوا بها ما حرم الله ورسوله عليهم وغيرهم من شهرة الأحداث المكفرة، كانت البراءة منهم موضوعة عنهم حتى يشهر معهم أسماؤهم وأحداثهم وتقوم عليه الحجة بذلك، أو شهر معه ذلك كما قلنا، وجبت عليه البراءة منهم.
مسألة:
وذكر عن أبي يزيد أنه قيل له:
ما تقول: لو أن رجلا لقي عالما فقال له: إن الأمر الذي كنت عليه أو أنت عليه حرام، فقال له الرجل: هل تعلم هاهنا أعلم منك، فلم يسأل الرجل حتى مات.
قال أبو يزيد: مات مسلما إذا كان في طلب السؤال تائبا فمات وهو مسلم. (3/53)
صفحة 724
وقال في كفر النعمة، يقول الله [تبارك وتعالى] (1):
* (*يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ... *) * (2) فإنما هو كفر نفاق.
ونقول: إنه يجوز من بني آدم أن ينعم الرجل على الرجل بمال أو غيره فلا يشكره، فيقول: قد كفر، فالله أعظم، إذا أنعم عليه فكفره.
وقال في قصة سليمان [عليه السلام] (3): * (*لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ*) * (4).
وقال: المحبة والترحم للمسلمين والبركة، ولغيرهم عافاك الله وأصلحك.
مسألة:
وسألت محبوبا عن رجل من المسلمين عمل عملا من الكبائر جاهلا، فمات الرجل من غير أن يتوب من ذلك العمل؟ قال: من ركب الكبائر بعلم أو جهل هلك.
مسألة:
وعن أبي عبد الله في رجل زنا أو سرق أو قتل أو قذف أو شرب خمر أو مسكر من النبيذ أو شرب من نبيذ الحب ولم يسكر، ما منزلته مع المسلمين؟
في وقت فعله كان له مع المسلمين ولاية من قبل أو لم يكن له
__________
(1) ما بين القوسين إضافة.
(2) جزء من الآية 106 من سورة آل عمران.
(3) ما بين القوسين إضافة.
(4) جزء من الآية 40 من سورة النمل. (3/54)
صفحة 725
ولاية، ثم فعل شيئا من ذلك مما ذكرت فإنه يبرأ منه ثم يستتاب، فإن تاب قبل منه، وإن أصر برءوا منه وإن لم يكن له ولاية لم يستتب ويبرءوا منه ويكون في حال وقت ركوبه شيئا من الكبائر في حد براءة، والكبائر مما توجب عليه حدا في الدنيا أو عذابا في الآخرة.
مسألة:
وعن قوم لهم ولاية، علم منهم أنهم يجتمعون على النبيذ ويتداعون إليه هل تسقط بذلك ولايتهم؟
قال: إذا لم يعلم منهم أنهم يشربون نبيذا حراما من نبيذ الحب أو غيره مما لم ير المسلمون الشرب فيه ويعلمون أنهم يديرون القدح فيما بينهم أو يعلم أنهم يشربون حتى تغير عقولهم فهم على ولايتهم فإن علم منهم شيئا من هذا استتيبوا، فإن تابوا وتركوا ذلك كانوا على ولايتهم، وإن لم يتوبوا من ذلك سقطت ولايتهم ولم تقبل شهادتهم.
مسألة:
رجلان شهدا على رجل بما تجب فيه البراءة منه؟
قال: لا يتولى لأنه انقطع عذره ودفعه عن نفسه بشهادة من شهد عليه إذا كانا عدلين من المسلمين.
مسألة:
وسألت أبا سعيد عن قول الله:
* (*لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ*) * (1) أهذا
__________
(1) جزء من الآية 18 من سورة الفتح. (3/55)
صفحة 726
خطاب خاص في المؤمنين أم ذلك عام لمن كان بايعه تحت الشجرة؟
قال: معي أن قوله يدل إنما هو للمؤمنين لقوله: * (*رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ*) * والله راض عن المؤمنين من بايع تحت الشجرة أو غيرهم.
قلت له: فقوله هذا يوجب الولاية للمؤمنين ولاية حقيقة ممن بايع تحت الشجرة؟
قال: فقوله هذا موجب للمؤمنين ولاية حقيقة ممن بايع تحت الشجرة وغيرهم.
قلت له: فإن قال قائل إن عليا وعثمان وأشباههم قد كانوا فيمن بايع تحت الشجرة، فلم لا تولونهم، ما الجواب له عندك في ذلك؟
قال: الجواب عندي في ذلك أنا نتولى المسلمين الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة على هذه الحقيقة كان عليا أو عثمان أو غيرهم، وليس قولك أنهما بايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة علينا، ولا موجب لهم الرضوان، ولو صح أنهم ممن بايع تحت الشجرة لأنه إنما قال: رضي عن المؤمنين، على قولك وقد أجبناك أنه راض عن المؤمنين ممن بايع تحت الشجرة أو غيرها.
قلت له: أرأيت إن احتج محتج أن الآية في المتبايعين خاصة وهم علي وعثمان وعمر بن الخطاب وأبو بكر وأشباههم، وما الجواب؟
قال: الجواب أن الرضوان للمؤمنين على العموم، وعلى الخصوص، فإن صح أنه في علي وعثمان بعينهما أو في أحد بعينه وإلا فهو في المؤمنين، من صح له الإيمان فسواء كان بايع تحت الشجرة أو غيرها فهو مرضي عنه، ومن لم يصح له الإيمان فهو معنا سواء كانت تحت الشجرة أو غيرها، لأنا وجدنا الله يقول: إن الله رضي عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة أو غيرها، ونحن على شهادة الله هذه شاهدون. (3/56)
صفحة 727
مسألة:
أحسب عن أبي المؤثر قال:
وأما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أنزل الله فيهم: * (*لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ*) * (1) فقد علم أن فيهم المؤمن وفيهم الراجع عن إيمانه، فجعل الرضوان للمؤمنين منهم خاصة ولم يقل رضي الله عن الذين يبايعونك تحت الشجرة، ولو كان كذلك لاستحقوا الرضوان كلهم، وأنزل الله فيهم:
* (*إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً*) * (2).
مسألة:
وعن رجل تولى رجلا على قلة علم منه بالولاية والبراءة فلما خالط الرجل وعرفه، فإذا هو ممن ليس يستحق الولاية، وحدثت له حالة أخرى غير الأولى، وجبن المتولى عن استتابته واستحيا منه، هل له أن يقف عنه حتى يحدث له حالة يتولاه عليها، أو يبرأ منه عليها، فأقول ليس له منه إلا أن يكون على حاله لا ينبغي له أن يتولاه عليها ثم أبصر بعد ذلك أن يقف عنه حتى ينصحه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه وإن أصر برئ منه إلا أن يكون على حاله لا ينبغي له أن يتولاه عليها، ثم أبصر بعد ذلك الوجه فيه فليرجع إلى الوقوف عنه فلا يستتيبه.
مسألة:
سألت أبا سعيد محمد بن سعيد رحمه الله عن الولي إذا رأى المنكر
__________
(1) جزء من الآية 18 من سورة الفتح.
(2) آية 10 من سورة الفتح. (3/57)
صفحة 728
فلم ينكره وقال إنه يقدر على إنكاره، ولو أراد ذلك هل يبرأ منه أم هو على ولايته أو يقف عنه؟
قال: إذا كان المنكر مما لا اختلاف فيه أنه منكر وكان الولي مما أوجب الله عليه الإنكار بالقدرة والوصول إلى ذلك، فضيع ذلك بغير عذر فذلك كبيرة من فعله ويبرأ منه ثم يستتاب، فإن تاب رجع إلى ولايته وإن صبر مضى على البراءة ولا يجعل عليه براءة ولا وقوفا حتى يأتي من الأمور ما لا يحتمل له مخرجا من مخارج الحق بوجه من الوجوه ويعترف بذلك أو تقوم عليه بذلك البينة ثم حينئذ يترك حيث أنزله الحق.
قلت: فإن كان ذلك المنكر مثل جماعة نساء أو رجال على شراب مسكر ولم ينكره عليهم وقادر على إنكاره، هل تجب منه البراءة بذلك؟
قال: إذا كان من السلطان أو من أعوانهم الذين لهم القدرة ببسط اليد والعز والقوة بالحق وكان هؤلاء المجتمعون على المنكر في موضع دعوة المسلمين فيه ظاهرة وأيديهم فيه قاهرة لم يسع من وافق ذلك ممن له يد على الإنكار مبسوطة إلا أن يغير ما يرى من المنكرات بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه فإن لم يفعل فقد وجدنا عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله أنه لا يقدر على البراءة منه، وأحسب أنه تترك ولايته، وهذا على معنى التحقيق بالبراءة لا على معنى حقائق الأمور.
وأما في أصل ما تعبد الله به عباده أن فرض عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قدر منهم على ذلك كما فرض عليهم الصلاة والزكاة وغيرهما من الفرائض.
ثم أجمع المسلمون أنه من صنع فريضة بعد القدرة على أدائها بغير عذر فقد واقع الكبيرة وقد كفر بذلك كفر نعمة لا كفر شرك (3/58)
صفحة 729
إلا أنه لا يخلق على المسلم حتى يأتي ما لا مخرج له من الباطل بوجه من وجوه الحق.
فمن هاهنا وقف المسلمون عن قطع البراءات (1) عن مسلم ما لم يظهر منه انقطاع عذر حتى يظهر انقطاع عذره، ثم هنالك يخلق عليه بعينه بالكفر، والله أعلم بالصواب.
قلت: فإن سمعت من سمعت منه أنه يقف عن من قد أجمع على البراءة منه، وقال: لم يصح مع حدثه الذي قد برئ المسلمون مثل ن ع م ث ل و ي ع (2). وقال: فإذا احتمل معنا صدق ما يقوله بوجه من الوجوه، فهو على ولايته، ما لم يبرأ من أحد من المسلمين من أجل براءتهم من ن ع م ث ل و ي ع. أو يقف عن أحد من المسلمين أو من علمائهم من براءتهم منهما.
قلت: فإن كان يتولى هذين ن ع م ث ل و ي ع اللذين قد برئ المسلمون منهما وهو يتولى الذين قد برئوا منهما لأن حدثهما كان شاهرا قاضية به الشهرة على أهل الأمصار، إلا أنه قد يوجد عن أبي معاوية رحمه الله أنه قال: لو نشأ ناشئ في أرض العراق وسمع بفضائل ل ي ع ولم يسمع بأحداثه جاز له ولايته، فإن سمع بعد ذلك من يبرأ منه من غير أن تقوم عليه الحجة بكفره كان عليه أن يبرأ ممن برئ منه، فإذا قامت عليه الحجة بالشهادة على كفره كان عليه أن يبرأ منه ويتولى المتبرئين منه، ولابدّ له من أحد هاتين الحالتين، إما أن يتولاه بما قد رخص المسلمون من ولايته ما لم تقم عليه الحجة بصحة أحداثه ويبرأ ممن يبرأ منه، وإما أن تقوم عليه الحجة بصحة أحداثه فتحرم ولايته
__________
(1) في الأصل: "البروات" والصواب ما أثبتناه.
(2) كان الأولى أن نترك عصر الصحابة فلا نتكلم فيه، ويكفينا اليوم أن نبرأ حقيقة ممن برئ الله منهم ورسوله من الكفار والفسقة والمنافقين ... (3/59)
صفحة 730
وتجب عليه البراءة منه، وإما أن يكون جاهلا بفضله وأحداثه فليس له أن يتولاه بالجهل ولا له أن يبرأ من المسلمين من أجل براءتهم منه ولا يقف عنهم من أجل براءتهم منه، فإذا تولى المسلمين على براءتهم منه ووقف عن ولايته وعن عداوته ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة كفره وانقطاع عذره فهو مسلم في الولاية، فإذا لم يعلم منه بماذا تولاه لو صح في ولايته له بماذا تولاه، فإن كان تولاه بحق ممكن له ذلك في الإسلام، اعلم أنه لا يسعه أن يجمع ولايته وولاية من يبرأ منه بغير حق يقوم له في الإسلام وعليه.
فإن قبل ذلك ورجع إلى الحق قبل منه، وإن أبى ولايته وولاية من يبرأ منه بغير حق فلا يسعه ذلك في الإسلام ويبرأ منه، وأما ما لم يعلم أنه يتولاه ويتولى من يبرأ منه فهو واسع له عند من امتحن بولايته إذا احتمل أنه قد تولاه بوجه من وجوه الحق فيما غاب عن وليه هذا، وأما إذا ظهر أنه تولاه على سبيل ما تولاه أهل الخلاف من تصويبهم لباطله باتباع الهوى ومخالفة أحكام التقوى، أو يبين بوجه من الوجوه أنه تولاه بغير حق فإنه يبرأ منه على ذلك.
مسألة:
وحفظت عن أبي سعيد في المستحل لما حرم الله، هل يسع جهل كفره من عاين منه إذا لم يعلم أنه كفر ما لم يثبت له الإيمان على ذلك أو تولاه على ذلك أو يبرأ ممن برئ منه من المسلمين، أنه قد اختلف في ذلك فقال:
من قال لا يسع جهل كفر المستحيل وإن على من عاين منه البراءة فإن شك في كفره هلك بذلك.
وقال من قال: إنه ما لم يثبت له الإيمان على ذلك، أو لمن تولاه (3/60)
صفحة 731
على ذلك أو يبرئ ممن برئ منه من العلماء برأي أو بدين أو يقف عنهم برأي أو بدين أو يبرأ من الضعفاء من المسلمين إذا برئوا منه بدين، أو يقف عنهم بدين فهو سالم.
قلت له: فعلى قول من يقول إنه يسعه، هل يلزمه سؤال عن أمره حتى يعرف كفره؟
قال: معي أنه ما وسعه عليه الإقامة لم يلزمه السؤال بالدينونة، ولكنه يكون السؤال هاهنا فضيلة.
وأقول: إن عليه السؤال عما يلزمه في حكم الحدث الذي عاينه.
قلت له: فإذا يبرئ من الضعفاء برأي إذا برئوا من المحدث أو وقف عنهم برأي، أيكون سالما بذلك؟ ما لم تكن براءته ووقوفه عنهم بدين؟
قال: معي أن الذي يعذره عن البراءة، وكان المحدث وليا له في الأصل فيبرأ ممن برئ من وليه من الضعفاء برأي لموضع القذف لوليه فلا يخرج عندي من الاختلاف.
مسألة:
سألت عن الولاية التي يصلح بها الناس باختصار فهو أن يتولى من تولاه الله ورسوله والمسلمون، ويبرأ ممن برئ الله ورسوله منه والمسلمون، فهذه الجملة، والتفسير في هذا يطول.
مسألة:
وعن الذي في نفسك منه ريب ولا تتولاه، فالوقوف عنه أولى به. (3/61)
صفحة 732
الباب الثالث
في الولاية
إذا قيل لك: الولاية على كم وجه هي؟
فقل: على أربعة:
ولاية الله، وولاية رسوله، وولاية المؤمنين، وولاية نفسه.
وإذا قيل لك: على كم وجه تولى؟
فقال: بالقدرة قدرة إمام عادل، وبالرفيعة رفيعة ولي ثقة مع صالح العمل.
وإذا قيل لك: البراءة من الولي على كم وجه؟
فقل: على خمسة، يبرأ منه بكفر أو بشهادة عدلين أنه عمل كبيرة، أو إقراره بأنه عمل كبير، أو علم أنه رضي بكفر غيره، أو علم أنه أصر على صغيرة.
مسألة:
قلت: فيم تثبت الولاية؟ (3/62)
صفحة 733
قال: بعمل الطاعة لله كما أمره.
قلت: فبم تثبت البراءة على أهلها؟
قال: بعمل المنكر من ارتكاب المحارم والعمل بالمعاصي.
قلت: فبم تثبت الولاية؟
قال: بالموافقة للمسلمين في القول والعمل، فمن وافقهم في طاعة الله بالقول والعمل، تولّوه بالرفيعة إذا رفع العدل ولاية رجل وعدالته، وتولوه بالشاهدين تجب الولاية لمن شهدا له بالعدالة، وبالشهرة تجب الولاية.
قلت: فالبراءة مثلها؟
قال: نعم.
قلت: من كم وجه تجب؟
قال: من أربعة وجوه: المعاينة لراكب الحرمة، وتارك الفرائض، والإقرار بركوب المحارم، وبالشاهدين العدلين على الحدث المكفر لأهله، وبالشهرة لمرتكب الحدث المكفر، فهذه الوجوه تجب بها حكم الولاية والبراءة.
مسألة:
مما عرض على الفضل بن الحواري وأبي المؤثر، ولسنا نضيق على المسلمين الناظرين في سعة المنزل لنا، وهو جابر له السؤال عندنا كما كان يسعه، وأما أن يكف عن ولايتنا فيما علمنا وادعينا من العدل فإن ذلك عندنا هلاك أن يقف عن أهل العدل على ما قالوا به من عدل الله في كتابه حتى يرى أنه قد كفر، أو ليس هكذا يكون المسلم السائل، ومثل ذلك، ويشبهه عندنا المعروف من قول الفقهاء المسلمين، أو من جهل من يدينون به في الزاني والسارق والقاتل والقاذف ومثلهم من أهل الحدود، فسأل عن دين المسلمين فيهم، وهو متول لهم فهو مسلم عندهم، فأما أن يكف عن ولاية المسلمين ويرى أنهم قد ضلوا وكفروا بما دعوه إليه من العدل فتلك منزلة لا يتولون أهلها، ولا يوسع فيها لأنا إن وسعنا في هذا وسعنا الوقوف عن ولاية أهل العلم من المسلمين (3/63)
صفحة 734
على ما دانوا به من العدل الذي كان يسع العدل المسلم السائل عنه، ولا نعلمه في بعض الحال حتى تقوم عليه حجة المسلمين ويرون قد ضاقت ولايته بعد قيامهم عليه، وقد كان قبل ذلك الحال موسع عليه ذلك.
والحجة من كتاب الله وللمسلمين وعدلهم في غير عذر لهم ولا وقوف له مدة ولا سمى أحدا دون أحد، ولكن الحق من الواحد ومن الجماعة وليسوا سواء، والجميع والواحد ويقوم به، والحق منهم واحد، قد يؤديه الواحد ويقوم به.
مسألة:
ومن كتاب الرقاع سألت عن الولاية التي يصلح بها الناس باختصار فهو أن يتولى من تولاه الله ورسوله والمسلمون، ويبرأ ممن برئ الله ورسوله منه والمسلمون، فهذه الجملة، والتفسير في هذا يطول.
مسألة:
قال أبو محمد أظنه ابن بركة: إن الخبر المتواتر صحيح، والصحيح يجوز العمل به فهذا في الولاية والبراءة جائز، وذلك أنه لما كان الولاية والبراءة فريضتين، فخذ قيام الحجة بلزومهما صحة الخبر بهما عمن أخبر عنه بهما، وإذا خطأ إنسان إنسانا فقد برئ منه، والبراءة هي التخطئة.
مسألة:
رجل أبواه منافقان أيجوز لعنهما وقبحهما بمشهدهما أو في غيبتهما أم لا؟ (3/64)
صفحة 735
لا يحل له ذلك لأنه من إيذائهما (1) وجفاهما، وأما من حيث لا يسمعاه ولا يسمع الكلام من يبلغهما فلا بأس عليه في ذلك.
مسألة:
اختلف سعيد بن محرز ومحمد بن محبوب في الرجل يريد الدخول في الإسلام، فقال سعيد: أما أنا فلا أدخله في الإسلام حتى أردده وأختبره وأعرف حرصه، فإذا رأيته مستحقا له أدخلته فيه فإن قبل توليته من حين أدخلته في الإسلام وتقبله.
وقال محمد بن محبوب: أما أنا فأدخله في الإسلام، فإذا دخل فيه وقبله لم أتوله حتى أعلم أنه يستحق ويظهر الولاية.
وعن أبي سفيان محبوب: أن الأشياخ كانوا يردون إلى أن ينظروا إلى حرص الطالب فإن حدث به حدث وقد رضي بسيرته، فما نقول إلا أنه يتولى، والله أعلم.
وقال الوضاح: لا أحب بعد ظهور الإسلام والدولة أن يردوا إذا نسب عليه الإسلام فعلم منه خيرا، قبلت شهادته بعد ذلك بيوم أو يومين وعدله.
مسألة:
سألت أبا هاشم جابر بن يحي عن رجل كانت له ولاية عند رجلين من المسلمين، فاطلع أحدهما على حدث منه مكفر وأصرّ عليه، فبرئ منه على ذلك سرا من الآخر، ثم إن الرجل واقع كبيرة بعد ذلك بشهر
__________
(1) في الأصل: "إيذايهما" والصواب ما أثبتناه. (3/65)
صفحة 736
أو سنة وأصر على حدثه ذلك فبرئ منه وليه الآخر على هذا الحدث الأخير فقال الرجل الذي برئ منه أولا لوليه الذي برئ منه آخر: إني مذ سنة أبرأ منه على حدث كان منه غير هذا ولكن سترت منك لأنك لم تطلع على ذلك فأما اليوم قد اطلعت على كفره فأنا أبرأ منه لأنه لا ولاية له معك فقال وليه الذي برأ منه آخرا: أنت برئت منه وهو يومئذ وليّ لي بذنب مما قلت، فقال الأول: لا أفعل، هل للآخر عليه سبيل على هذه الصفة أم لا؟
قال أبو هاشم: لا سبيل له عليه لأنه أظهر البراءة منه حال كفره.
مسألة:
ابن محبوب شهد جنازة ولم يعرف له ولاية إلى أن رفعت له ولايته عند الصلاة على الجنازة فلم يتوله، هل عليه توبة؟ فقد كان ينبغي أن يتولاه إذا تولاه عنده رجل أو امرأة معه في الولاية فإذا لم يفعل فليفعل وليستغفر الله.
مسألة:
قلت: فإن وافقك رجل في القول والعمل، وقال: أنا واقف عن موسى وراشد سائل يجوز لي أن تولاه؟
قال: إذا وافقك جاز لك ولايته إذا كنت أنت ممن يتولى بالموافقة.
قلت: إلا أنه لم يخرج ولم يسل؟
قال: الخروج ليس بواجب على الناس، إنما عليهم العمل والقول بالحق واتباعه والدينونة به وسؤال أهل الذكر فيما يجب عليه إن كان لا يعلم، فإن وجدهم لم يلزمه غير ذلك، وإن لزمه العمل بشيء من (3/66)
صفحة 737
الحق وخروج من باطل لم يعرف يدخل أو يخرج ويعمل حتى يبرأ من ذلك الذي دخل فيه وإن لم يجد أحدا يسأله في موضعه التمس ذلك وطلبه من حيث وجده قريبا أو بعيدا في سفر أو قرب إنما عليه العمل بالحق، وسؤال أهل الذكر وطلب العلم ولو بالصين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
مسألة:
أبو الحسن [البسياني] قلت: والذي أبرأ منه، كيف تكون نيتي فيه، وقولي حتى يسقط الغرض الذي قد لزمني؟
قال: نيتك فيه التبري من فعله المحرم والتخطئة له والتضليل على فعله ومفارقته عليه.
مسألة:
وسألته عن الولاية فقال: "تول" (1) من تدعوه أنت إلى الإسلام أو يدعوك أو يشهد من المسلمين ثقة يعرف الولاية والبراءة.
وعرفت أن للولاية أهل أن يدعى إلى الإسلام فذلك يتولى فإن جاء منه فيؤمر له بالمعروف وكل رجل تولى هذا إذا اؤتمن، وهو عند الفقهاء متهم فدعا رجلا إلى الإسلام قبل أن يستأمر المسلمين فلا يتولى حتى برأ منه الصلاح فيتولى حينئذ، وأما رجل مسافر فلا يتولى حتى يرى منه ما تجب به الولاية.
__________
(1) في الأصل تولى والصواب ما أثبتناه. (3/67)
صفحة 738
مسألة:
وجدت من أثر عن القاضي أبي زكريا في رجل يتوب إلى الله من كل معصية ثم يعود يعصي ثم يندم ويتوب ثم تمضي عليه الأيام ثم يواقع معصية أخرى ثم يندم ويتوب أيجوز له أن يتولى بنفسه أم لا؟
الجواب:
قد قيل: إنه يتولى نفسه إن فارق المعصية.
وقيل: إنه يتولى نفسه إذا تاب، والله أعلم.
مسألة:
فإن قيل لك: أفتولي نفسك في حال الطاعة وتبرأ منها في حال المعصية؟
فقال: لا يجوز أن يبرأ الإنسان من نفسه أبدا، ولو كان مقيما على المعصية ولكن يتولاها.
فإن قيل لك: فما ولايته لنفسه الرضا عنها؟
فقال: لا فمن رضي عن نفسه فقد زكاها، ومن زكاها فقد شهد لها بالجنة، ولا يجوز هذا لأن الله تبارك وتعالى قال: * (*فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى*) * (1).
فقد نهى الله عز وجل عن تزكية النفس.
__________
(1) جزء من الآية 32 من سورة النجم. (3/68)
صفحة 739
فإن قال: فما ولايته لنفسه؟
فقل: الإقلاع عن الذنب والمعصية، ولا يقيم على الذنب طرفة عين وليقلع عنه فهذه ولاية النفس.
مسألة:
من منثورة قديمة، هل على الرجل أن يتولى نفسه ويبرأ منها أم لا؟
نعم، عليه ذلك، والله أعلم.
مسألة:
وقد عرفت أن ولاية الإنسان لنفسه أن لا يقيم على المعاصي طرفة عين.
مسألة:
ووجدت أن الإنسان يجوز له أن يتولى نفسه إذا تاب من فعل المعاصي، نيته أن لا يرجع إلى شيء منها وأن يدعو لنفسه بجميع ما يحتاج إليه من أمر دنياه وآخرته، وإن كان عليه حقوق ولم يخرج منها بعد إلا على نية الخورج منها متى قدر ووجد، واختلفوا في المصر.
قال قوم: لا يتولى نفسه، وقال قوم: يتولاها.
مسألة:
فإن قيل: فما البراءة التي تقع من الله على عباده منه؟ (3/69)
صفحة 740
فقل: يخذله ولا ينصره ولايوفقه في دنياه ويعاقبه في آخرته ويصليه النار وبئس المصير، فهذه براءة الله لعبده.
فإن قال: فما معنى براءة الله من أعدائه؟
قيل له: فهو ضد الولاية، وأنه لا ينصرهم ويكلهم على أنفسهم ويتركهم في عقوبات الدنيا والآخرة.
مسألة:
فإن قال: فما ولاية العبد لله؟
فقل: أن يتولى مدحه وينزهه وينفي عنه ما يكون للمخلوق.
فإن قال: فما ولاية الله للعبد؟
فقل: ينصره ويوفقه ويرشده ويهديه ولا يخذله ويثيبه في آخرته ويدخله الجنة.
مسألة:
إن سأل سائل فقال: المؤمن يتولى الله؟
فقل له: نعم.
فإن قال: فما معنى ولاية المؤمن لله؟
فقل: هو أن يتولى القيام لمدحه وتوحيده وحفظ دينه ونصرة أوليائه.
قال أبو سعيد: معي أن هذا حسن ويخرج معنى ولاية المؤمن لله تبارك وتعالى أداء الطاعة مجملا فطاعته لله هي موضع ولايته له كاملا (3/70)
صفحة 741
يأتي على جميع ولايته ومعصيته لله بما يستحق به عداوته بأي وجه من الوجوه هو براءة منه من ولايته، فولاية المؤمن لله طاعته وعداوته له معصيته، وكل حال ضيع فيها شيئا من طاعته أو ركب فيها شيئا من معصيته كان فيها بريا من ولايته مستحقا لعداوته وفي كل حال استحق فيها طاعته استكمل فيها ولايته.
مسألة:
الشيخ أبو الحسن، هكذا وجدت مكتوبا، إن سأل سائل فقال: أتقولون بأن الله تبارك وتعالى يتولى ويبرأ؟
فقال: نعم، يتولى المؤمنين ويبرأ من الكافرين.
فإن قال: فما معنى ولاية الله للمؤمنين؟
فقل: معنى ذلك هو أن يتولى حفظهم ونصرهم، ودفع المضار عنهم.
فإن قال: لم؟
فقل: هذا المعقول المعروف من معنى الولاية في الشاهد وكذلك الوالي على البلد هو المتولي لحفظه ورعاية أهله ودفع المضار عنهم.
وكذلك المتولي لليتيم هو المتولي لصيانته وحفظ ماله والقيام بأموره.
فإن قال: فأخبرني عن معنى الولاية من غير هذا الوجه ومن غير حكم الشاهد؟
قيل له: إن الدليل على ذلك قوله الله تبارك وتعالى: * (*وَهُمْ يَصُدُّونَ (3/71)
صفحة 742
عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ*) * (1).
فأخبر عز وجل أن القوّام بالمسجد الحرام هم أولياؤه، يعني المتولين لحفظه وصيانته.
فإن قال: فما معنى ولاية المؤمن لله؟
فقل: معنى ذلك، هو أن يتولى القيام بمدحه وتعظيمه وتوحيده وحفظ دينه ونصرة أوليائه.
فإن قال: فما معنى براءة الله من أعدائه؟
قيل له: هو ضد الولاية، وأنه لا ينصرهم ويكلهم على أنفسهم ويتركهم في عقوبات الدنيا والآخرة.
مسألة:
قلت: والذي أبرأ منه، كيف تكون نيتي فيه وقولي حين يسقط الفرض الذي قد لزمني؟
قال: نيتك فيه التبرئ من فعله المحرم والتخطئة له وتضليله على فعله ومفارقته عليه.
قلت: فإن قبحته أو لعنته أو شتمته؟
قال: كل ذلك جائز فيه، وهو من البراءة ولا شيء فيه عليك، وبالله التوفيق.
__________
(1) جزء من الآية 34 من سورة الأنفال. (3/72)
صفحة 743
الباب الرابع
صفة الولاية
كيف هي
إن قيل: ما الولاية في الجملة والاعتقاد لجميع أولياء الله؟
قال: هو المتولي لمحبتهم وتعظيمهم والرد في مغيبهم والاستغفار لهم في المحيا والممات، والسلام عليهم وإعطاؤهم حقوقهم وتصويبهم.
فإن قال: فالولاية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقل له: هو كما وصفت، وأيضا معرفة فضلهم وسابقتهم والرد على من طعن عليهم.
فإن قال: فولاية المسلمين بعضهم بعضا؟
قيل له: هو أن يعمل بعضهم من بعض الإسلام والفضل والورع فيتولاه ويستغفر له وتقع له المودة في قلبه والمواصلة والرأفة والرحمة، وكذلك وصفهم الله [تبارك وتعالى]: * (*رُحَمَاء بَيْنَهُمْ*) * (1).
وقال الله [تبارك وتعالى] عن قوم: * (*يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا*) * (2).
__________
(1) جزء من الآية 29 من سورة الفتح.
(2) جزء من الآية 10 من سورة الحشر. (3/73)
صفحة 744
فإن قال: فولاية المسلمين بعضهم من بعض في الحكم؟
قيل له: أن يعلم منه الموافقة للمسلمين في دينهم وقبول الإسلام، ويعرف منه الصلاة والورع والعفاف، ويعلم منه العمل بشرائع المسلمين فيتولاه ويصوبه ويرد في غيبته وتقع له المحبة في قلبه ويواصله ويعطيه حقه ويعظمه ولا يكون مسلما من لا يكون المسلم عنده بهذه المنزلة، وقد قال الله تعالى:
* (*إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ*) * (1).
وقد قيل: من أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله، ومن أحب عبدا في الله فكأنما أحب الله ومن ستر عورة مسلم ستر الله عورته، ومن رد عن مسلم في غيبته فله من الأجر ما لا يحصى، ومن أحب قوما فهو منهم، ومن تشبه بقوم يكون منهم.
وقد قيل: لا يجد المؤمن حلاوة الإسلام حتى يحب في الله ويعادي في الله، وإنما تعبدهم الله فيما بينهم بحكم ما يظهر من بعضهم إلى بعض على العلم منهم لبعضهم بعضا، ولم يكلفهم علم ما غاب عنهم من سرائر خلقه لأن ذلك ما لا يطاق.
ولو أن رجلين شهدا بزور مع الحاكم على رجل أنه قتل رجلا فقتله الحاكم، والله يعلم أنهما شهدا زورا لكان الحاكم قد أدى ما فرض الله عليه ولم يضره ذلك عند الله إذا عمل بما أمره الله في الحكم الظاهر، وهذا حكم أنزله الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن بعده،
__________
(1) الآيتان 55، 56 من سورة المائدة. (3/74)
صفحة 745
وعلما يجعله الله، فمن أظهر خلاف الإسلام ممن بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون على شرائط ما علمنا أنه عدو الله، ومن لم يتب علمنا الله أمر بقتاله حتى يفيء إلى أمر الله.
وقد قال بعضهم: إن معنى كافر هو اسم البدن والكفر اسم الفعل ومؤمن هو اسم البدن، وقد يعمل العبد بعمل أهل الإيمان وهو عند الله من أهل النار، ولا يضر من تولاه في الحكم.
وقد قال الله تعالى: * (*يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ*) * (1)، وليس كفرهم بالطاغوت إنكارا لذلك، ولا أنه جحد أنه ليس بالطاغوت، وإنما أمروا أن يبرءوا منه، فقد أوجب البراءة من الطاغوت، ودل ذلك أن الكفر قد يكون غير شرك من تبرأ من الطاغوت، ويصدق بتوحيد الله فقد استمسك بالعورة الوثقى وهي العصمة من الضلالة، فدل أن من الكفر ما لا يكون شركا ولا جحودا فصح أن من الشرك ما هو غير شرك فإن كفر بالنعمة وركب المعاصي فقد كفر.
مسألة:
إن سألك سائل فقال: ما ولاية الله للمؤمنين فإنه يهديهم للإيمان ويدخلهم الجنة وينصرهم ويوفقهم للحق، ويهديهم إلى صراط مستقيم؟
وأما ولاية المؤمنين لله فهي القيام بمدحه وتوحيده، ونصرة أوليائه والاعتراف له بنعمته.
وأما الولاية لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فهو التولي لتعظيمه وتوقيره والصلاة عليه والعمل بسنته والمحبة له.
__________
(1) جزء من الآية 60 من سورة النساء. (3/75)
صفحة 746
قال غيره: الولاية للرسول هي الإيمان به والطاعة له والتدين بدينه وما أشبه ذلك، لأنه لو عصاه لم يكن متوليا له وكان مفارقا له.
مسألة:
وولاية الله لازمة، ومن عرف أن الله ولي جميع الأمور، ومقدر جميع المقدور وعرفه بجميع ما لزمه أن يعرفه فقد تولاه، فولاية الله تبارك وتعالى واجبة على كل حال، وولاية النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته من جميع الخلائق واجبة الإيمان به واجب، وإذا تولى المؤمن الله ورسوله والمؤمنين في الجملة على الحقيقة فقد تولى من تجب عليه ولايته وذلك قول الله تبارك وتعالى: * (*إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ*) * (1) ولا يجب على العبد ولاية أحد بعينه على كل حال إلا ولاية الله وولاية رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وولاية من أطاعهما في الجملة وهم المؤمنون، وولاية الله ورسوله خالصة على الحقيقة وولاية أهل طاعة الله ورسوله في الجملة على الحقيقة لأهل الصفة أنهم أهل ولاية الله تبارك وتعالى ومرضاة الله لا يسع جهل ذلك أحدا، وولاية الرسول على أهل زمانهم الواجب عليهم الإيمان في جملة الإيمان، والذي لا يكونون مؤمنين إلا بالإقرار به.
وليس على الجميع ولاية أنبياء الله ورسله في الجملة ولا التعيير في أحد منهم بعينه إلا من علم ذلك وعرفه، وإلا فلا يضيق على أحد جهل علم أنبياء الله والإيمان بهم وولايتهم إذا أقر بالجملة لأن في إقراره بالجملة التي أقر بها ودان بها الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله وملائكته وجميع ما خاطبه الله به في الجملة أن يدين به من قول أو عمل أو نية، فإذا أقر بذلك كان ذلك كاف له عن تفسير ما هو داخل في الجملة حتى يبلغ إلى علم ذلك ويمتحن بشيء من ذلك وتنزل به بليته.
__________
(1) جزء من الآية 55 من سورة المائدة. (3/76)
صفحة 747
مسألة:
وأما البراءة من أهل الأحداث فإنها تعرف وتقوم بها الحجة من أربعة وجوه: أحدها من معاينة الحدث لركوب الحدث المكفر.
وإقرار المحدث لركوب الحدث المكفر.
والشاهدين العدلين على الحدث المكفر ممن أحدثه.
وشهرة الحدث المكفر لمن ارتكبه.
هذه الأربعة الوجوه يصح بها الحكم ويلزم البراءة لراكب الأحداث المكفرة.
واختلف السلف بعد ذلك في البراءة بقول واحد.
فقال قوم: إذا تولوا بقوله برءوا بقوله.
وحقيقة البراءة هي التبري من الفعل المكفر ومفارقة أهله عليه وتخطئتهم والإنكار لهم لارتكابهم الحرام، والكراهية له وترك الرضا به.
وحقيقة الولاية هي التولي بالقيام بنصرة المسلمين والمحبة لهم والرد في مغيبهم ومعونتهم على البر والتقوى والاستغفار لهم وإعطائهم حقوقهم وتعظيمهم وتشريفهم.
وأما ولاية الله للمؤمنين فإنه يثيبهم جنته ويوفقهم للحق وينصرهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط مستقيم.
وأما ولاية المؤمنين لله فهي القيام بمدحه والقيام بنصرة أوليائه والاعتراف له بنعمته.
وأما ولايته لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم هي التولي لتعظيمه وتوقيره والصلاة عليه والعمل بسنته والمحبة له. (3/77)
صفحة 748
والمعروف هو جميع طاعة الله فيما أمر.
والمنكر جميع ما حرم الله ونهى عنه.
فالواجب على المؤمنين الاعتقاد والديانة لله بما أمرهم من العمل بطاعته والأمر به وولاية أهله عليه لأن الواجب الأمر بالمعروف والعمل به وولاية أهله عليه، والنهي عن المنكر وترك العمل به ومفارقة أهله عليه فهذا يجب الاعتقاد في ذلك.
وأما محبة الله لعباده فهي ثوابه وإيجاب الكرامة لأهل طاعته وجنته في الدار الآخرة، وأما رضاؤه عنهم فهو القبول لأعمالهم ومجازاته لهم، الجنة التي لا تبيد أبدا.
وأما سخطه على أعدائه فهو عقوبته وعذابه، وأما قبحه لهم فتشويه بخلقهم.
وأما لعنة الله للكافرين فهو إبعادهم من رحمته، والملعون هو المطرود المبعد من الخير. (3/78)
صفحة 749
الباب الخامس
في الوقوف
قال روح بن يحي: كل ما ركب الناس مما يدينون بتحريمه مما أوجب الله النار على ركوبه أو تضييعه فواسع للعالم بذلك جهل ضلالهم عليه منه في السؤال عنه ما لم يرتكب مثله أو يتولى من ركبه أو من يتولاه عليه أو يثبت الإيمان لهما على ذلك أو يبرأ من أهل العلم إذا برءوا من الراكب أو المتولي، أو يقف عنهم، فهذا الإيمان الذي يسع الناس جهله حتى تقوم عليهم الحجة بعلم من كتاب الله: أن ذلك الفعل مهلك لمن ركبه أو من دين المسلمين.
وقال روح بن يحي: كل ما ركب الناس مما يدينون باستحلاله مما أوجب الله العذاب على فعله فغير واسع للعالم بذلك جهل ضلالهم عليه وغير منفر في السؤال عنهم وقيام الحجة عليه في ذلك علمه أن الراكب لذلك مستحل دائن لأن في أصل ما كلف الله العباد علمه من الإيمان الذي لم يعذرهم بجهله أن يعلموا أن ذلك كذلك، وكذلك ينبغي في صفة الحق وذلك فضل وله من كتاب الله، قوله تعالى: * (*أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ*) * (1)، مما يقطع به عذر الشاك في المستحلين الدائنين باستحلال ما ركبوا.
وهناك آيات كثيرة من كتاب الله في ذلك، ولا نعلم محادة أشد ولا أعظم من محادة المستحل لما حرم الله، والمحرم لما أحل الله الدائن بركوب ذلك، بالادعاء على الله عز وجل وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم في حل (2) ما حرم وتحريم ما أحل.
وكما لا يسع الشك في هلاك المشركين المستحلين لما حرّم الله، والمحرمين لما أحل الله الرادين على رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) جزء من الآية 63 من سورة التوبة.
(2) في الأصل "إحلال" والصواب ما أثبتناه. (3/79)
صفحة 750
عدل ما جاء به عن الله عز وجل من التنزيل والتأويل فكذلك أيضا لا يسع الشك في هلاك المستحلين لما حرم الله، والمحرمين لما أحل الله الدائنين بذلك.
فمن أقر بدين نبي الله في الجملة ثم خرج من الرضا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك التسليم لما قضى في استحلاله ما حرم وتحريمه ما أحل، بدين يدعو إليه وبتأويل أبطل فيه حق ما عليه فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم والرضا بحكمه والتسليم لقضائه ولذلك اتفقت حالهم وحال المشركين في الاستحلال، واختلف في الأسماء والأحكام فليسوا سواء، هؤلاء مستحلون جاحدون لما جاء من الله من تنزيل أو تأويل، كاذبون على الله، هؤلاء مستحلون جاحدون للتأويل، مقرون بالتنزيل، قابلون للجملة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلون على الله وعلى رسوله بغير الحق.
وكذلك اتفقت حالهم وحال المشركين في الاستحلال واختلفت في الأسماء والأحكام فليسوا سواء من جحد عدل ما دان به المسلمون ورد عليهم، عدل ما قالوا من الحق في كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بعلم منه بترك الحق أو جهل فهو ضال هالك، لأن الله لم يجعل لأحد عذرا في ردّ عدل أنزله أو فريضة فرضها في كتابه.
ومن كذب على الله في رد تنزيل للقرآن أو أقر بتنزيله ورد على الله عدل تأويله، كان كاذبا عليه كافرا لتنزيله الجاحد به، كفره كفر شرك، والمقر بالتنزيل المبطل لعدل تأويله بجمعهم القرآن في تسميتهم بالكفر، وكفر المقر بالتنزيل كفر نعمة لا كفر شرك، وقال الله تبارك وتعالى: * (*قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ*) * (1).
__________
(1) الآيتان: 69، 70 من سورة يونس. (3/80)
صفحة 751
مسألة:
وعن أبي الحواري، قد جاءت الآثار أن الأئمة إذا ذكرت لم يسمع جهلها إما ولاية على صحة، وإما براءة بعد حجة.
وقد قال من قال من أهل العلم: لا وقوف عن أهل الولاية حتى يستبين خروجهم بحدث يكفرهم، فإذا ترك ولاية أهل العلم عن شبهة فقد برئ منهم، وكذلك أهل العداوة لا يوقف عن البراءة منهم حتى يستبين خروجهم منها بتوبة ورجوع إلى الحق فلم يجز بعض أهل العلم الوقوف ولم تكن إلا الولاية أو البراءة.
والذي جاءت به الآثار بالرخصة في الوقوف إذا كان حدث من الإمام فيه شبهة، فإذا وقف عن الإمام واقف فمن تولاه من المسلمين كان على المواقف أن يتولى من تولاه، وكذلك إذا كان حدث يبرأ منه المسلمون به كان عليه أن يتولى من برئ منه من المسلمين.
إذا قال القائل: ليس ينصب الشك دينا ووقوفنا وقوف مسألة.
قيل له: إنما يجوز الوقوف بالمسألة عن المحدث بعينه ولا يجوز الوقوف عمن تولاه ولا من برئ منه.
فإذا كان الوقوف عن المحدث وعمن تولاه وعمن برئ منه، فقد نصبتهم الشك دينا واتبعتم قول الشكاك الذين فارقهم المسلمون على شكهم.
فهذا الذي عرفنا من آثار المسلمين فمن لم يقل بهذا القول الذي جاء عن المسلمون كان بمنزلة من خالفهم.
وليس الولاية على الشك كالبراءة على الشك فمن كانت له ولاية فهو على ولايته ولو دخل الريب في أمره حتى يتبين سبيل كفره، فمن (3/81)
صفحة 752
تولى وليه على الشك ولو كان كذلك كان سالما، ومن برئ من وليه على الشك ولو كان كذلك كان سالما ومن برئ من وليه على الشك ولم يكن كذلك كان هالكا، وذلك أن الولاية أصلية والبراءة حادثة لأن الولاية أوجب من البراءة لأن الولاية تقبل من الرجل الواحد والمرأة والعبد الواحد إذا كانوا من المسلمين يبصرون الولاية والبراءة إذا قال واحد من هؤلاء فإن فلانا لنا ولي، أو نحن نتولى فلانا وهن من المسلمين وجبت ولايته بلا بحث ولا بيان غير ما قد رفعوا من ولايته، والبراءة لا تكون إلا بشاهدي عدل البحث والبيان والحجة.
وفي المأثور عن أهل العلم أن الأعمى يؤخذ عنه رفع الولاية ولا تقبل منه البراءة.
مسألة:
سألت محبوبا فقلت له: وجدت في كتاب إذا عرف الرجل حلالا أو حراما فرأى رجلا يقول: إن الله أحل كذا وكذا ما يعلم هذا أن الله حرمه، وكان في الكتاب لا يسعه إلا أن يعلم كفر هذا الرجل لأن الكاذب على الله ليس بمسلم، ولو وسعنا جهل هذا لو سمعنا جهل من يعلم أن الله واحد ثم برئ من يقول إنه اثنين فلا يدري الكفر بهذا أم لا؟ وكيف ترى هذا رحمك الله؟ أصواب هو أم لا؟
قال له محبوب رحمه الله: ليس له أن يرجع عن علمه وليس له القياس بأن الله واحد أو اثنين بمنزلة الحلال إذا حرم أو الحرام إذا حل.
مسألة:
ووقوف الدين هو الوقوف عن جميع الناس الذين لا يعلم حالهم على اعتقاد ولاية المحق وخلع المبطل في الدينونة لله بولاية كل مسلم، (3/82)
صفحة 753
والبراءة من كل كافر، لأنك إذا لم تعلم من أحد حالة يستحق بها البراءة أو الولاية فليس لك الإقدام على ما تعلم، وكان هذا موضع وقوف الدين وعن وقوف الرأي كيف هو، وما حده؟
قلت: وكيف يكون واقفا برأي؟
فمعي أن وقوف الرأي إنما يكون عمن كانت له ولاية ثم كان منه ما يشكك أمره ولا يتبين للمتولي فيه باطل ما أتى ولا حقه، فيسعه أن يقف برأي على اعتقاد أنه إن كان الذي أتى مخرجه عن الحق إلى الباطل والبراءة فهو برئ منه على ذلك، وإن كان لا يخرجه من حال ولايته الأولى فهو على ولايته الأولى على ما كان، ويتولاه برأي على هذه الشريطة.
وهذا لا يكون في العلماء فيما قالوا من الحق ولا في براءتهم من أهل الباطل وقيامهم بالحجة بمعنى البراءة، وليس لمن جهل أمر العلماء وحقهم أن يقف عنهم برأي ولا بدين في معنى ما يكونون فيه حجة، وأما فيما يحدثون من الأحداث التي يكونون فيها خصماء فهم كغيرهم من الناس ويلحقهم معنى البراءة والوقوف بالدين والرأي.
مسألة:
والولي إذا كثر منه التخليط وسع وليه الوقوف عنه إذا ارتاب.
مسألة:
(1) في ظاهر الأمر حدثا يحتمل الباطل بنفسه في ظاهر الأمر في حكم الظاهر ويدرك البلوغ إليه بالبينة، والفرق عندي في وقوف
__________
(1) في الأصل بياض متروك. (3/83)
صفحة 754
الشك ووقوف السلامة من صنوف الوقوف، هو كل وقوف لا يسع فهو وقوف شك من أي وجه كان، ووقوف السلامة كل وقوف يسع في الدين كان بدين أو برأي أو سؤال أو غير سؤال، فهذا هو الفرق عندي عند من يعرف تأويل ذلك ومعانيه.
ووقوف الشك الذي لا يسع هو عندي من المنكرات، فمن بلغ إلى علم ذلك في الشاك فهو مصيب في البراءة منه، ومن ضعف عن ذلك ووقف عنه وتولى من برئ منه من المسلمين فقد أصاب ووسعه ذلك في هذا كما وسعه الوقوف في سائر المحدثين مع ولاية المتبرئ من المسلمين منه فافهم ذلك، ما لم يكن الحدث لا يسع الشك فيه.
ومن غيره:
إن سأل سائل فقال: كيف منازل الناس معك في الولاية والبراءة؟
فقل له: على ثلاثة، ولي، وعدو، وآخر لا ولي ولا عدو.
فإن قال: صفهم لي.
فقل له: أما العدو منهم فكل من عرفه المسلمون بالجحود لله والإنكار أو بركوب الكبائر من أهل التوحيد والإقرار، وما أشبه ذلك من الكبائر، أو بالإصرار على الصغائر استخفافا منه لوعد الله ونقضا لما عاهد الله عليه.
وأما الولي منهم فكل من وافق المسلمين من أهل التوحيد والإقرار في نحلتهم وكان في حيز أهل دعوتهم وظهر منه الوفاء لله بكل ما كلفه إياه وبذ به إليه من العمل بما لزمه والانتهاء عما حرّمه الله عليه.
وأما الثالث الذي ليس بولي لهم ولا في العداوة معهم كل من لم يعرف المسلمون قولا ولا عملا من أهل التوحيد والإقرار، أمسكوا عنه وكانوا معه على سبيل الانتظار، فإن علموا منه الوفاء لله في الأعمال (3/84)
صفحة 755
التي لزمته في الجملة، أما إن سموه مؤمنا وتولوه على ذلك، وإن علموا منه أعمال المنافقين سموه منافقا، وبرءوا منه على ذلك.
فهذه منازل الناس في الولاية والبراءة قد بينتها لك.
مسألة:
قال هاشم، قال بشير: إن أول من وضع للناس الشك ابن عمر.
مسألة:
وذكرت يا أخي ما بلغك من نقض أهل بهلا من الوقوف وولاية من برئ، فذلك يا أخي ما لا خفاء به.
إن ولاية من برئ براءة، والبراءة ممن تولى براءة، فإن من وقف وتولى من تولى فهذا وقف الولاية، الذي رووه عن بشير الشيخ وهو وقف غير مستعمل، ولا معنى فيه من إزالة اليقين المشكل، وترك الفرض الصحيح بما لم يصح، وذلك أنهم قالوا عن بشير: إذا رأى الرجل من وليّه ما يكره فلا بأس أن يمسك عن ولايته.
وأما وقف الشك الذي لا يجوز عند المسلمين فهو ما قالته الشيعة: أن لا يتولى الأمر وقف مثل وقوفه، وهو وقوف الدين الذي لا وقف سؤال، فنصّبوا الشك دينا فيما لزمهم من الحجة، وإن ادعوا غير ذلك.
وقد بيّن أصحابنا في كتبهم السؤال، ورووا عن أبي عبيدة أنه قال: "الشاكُّ هالك، والسائل معذور" وقد منع أصحابنا من أهل المغرب الوقوف عن المحرمين المبتدعين، وقد روي عن أبي رستم أنه كان يقول بالشريطة فسألت عن ذلك الفضل فقال: لم يعرف ذلك، فإن كنتَ وجدته عند عبد الرحمن فهو الفقيه. (3/85)
صفحة 756
ووقوف السؤال هو الذي ذكره الربيع في الفريضة، وما قال في المختلفين الذي يقول أحدهما هذا حلال جاء من عند الله، وقال الآخر: لا، هذا حرام حتى يبرأ كل واحد منهما من صاحبه، إن السامع يقف عنهما على التفسير لا على الجملة لأنه يبرأ من المخطئ، وإن لم يعرفه بعينه ما لم يكن أحد المختلفين حجة عليه في قوله، ووقوف السؤال إنما هو كله فيما يسع جهله.
مسألة:
ومن جواب محمد بن الحسن إلى أبي القاسم عمر بن أبي القاسم ابن اليمان:
وقلت: هل يجوز للمسلم أن يدين بالسؤال عن المحدثين الذين قد سلفوا وكانوا أئمة أهل جور؟
وهل يجوز لنا أن نأمر أحدا من ضعفاء المسلمين أن يدين بالسؤال عن أحد من الأمراء والأئمة الذين جاروا في حكمهم واعتدوا على رعيتهم؟ وقلت: ما يلزمه إن ألزم الضعفاء أن يدينوا بالسؤال عن هؤلاء الذين وصفتهم لي، وما هذه الصفة التي إذا صار إليها كان عليه السؤال عنهم؟
فعلى ما وصفت فليس لهذا أن يدين بالسؤال فيما يسعه جهله على أن ليس للعالم أن يحمل على الجاهل فيما يسعه جهله أن يعلم كعلمه أو أن يبرأ كبراءته، فإذا فعل ذلك العالم فلا عذر له في ذلك، وقد قطعت حجته، وكذلك ليس للجاهل أن يحمل على العالم بعد معرفته أن يرجع إلى منزلة جهله، فإن فعل ذلك الجاهل فقد دحضت حجة الجاهل بهذا. (3/86)
صفحة 757
والجاهل بحرمة الحدث إذا ... (1) العالم في الشريعة اعتقاده في دينه.
مسألة:
والوقوف على ثلاثة أوجه:
وقوف دين وهو وقوف السلامة للمسلمين بوقوفهم عمن لم يعرفوا منه ما تجب به الولاية وما تجب به البراءة فحال الجميع في حال وقوف الدين حتى يعلم من كل واحد بعينه ما تجب به البراءة أو الولاية من غير جهل من الواقف بما تجب به الولاية ولا ما تجب به البراءة إلا موضع ما جهل من أعمال العالمين فهذا وقوف الدين.
ووقوف رأي وسؤال وهو أن يبلغه الحدث الذي تجب به البراءة ممن أحدثه، ولا يقف على ما يجب به الحكم في ذلك فيقف عن المحدث ويلتمس السؤال ولا يدين بالوقوف في هذا الموضع، وإنما يقف وقوف رأي وسؤال بما يلزمه من ذلك الحدث.
فهذا وأمثاله من وقوف الرأي والسؤال، وربما يكون وقوف رأي بغير سؤال إذا كان لا يعرف صفة الحدث فيسأل عنه، وهذا يكون من وقوف الرأي ولا يلزمه فيه السؤال ولا يدين أيضا في هذا الوجه بالوقوف.
__________
(1) هكذا في الأصل بياض متروك ... (3/87)
صفحة 758
مسألة:
قال بشير: إن للرجل أن يمسك عن الولاية إذا كان إمساكه لمعنى مثل المخافة.
قال أبو سعيد: إذا خاف تقلبه عن حاله.
مسألة:
وكل من أحدث حدثا يستحق به البراءة ولم يعرف من علم منه ذلك الحدث حكم الحدث فقد قيل: إن كان يبرأ منه بغير هذا الحدث فهو على البراءة منه ولا يلزمه في هذا الحدث كلفة، وهو سالم من التعبد ببراءته منه، وإن كان لا يبرأ منه بغيره، ولا اختلاف في هذا معنا، إلا أنه لا يلزمه أن يحكم عليه في هذا الحدث بتخطئة إذا كان ذلك الحدث مما يسعه جهله.
فإن كان هذا المحدث ممن لا يتولاه ولا يبرأ منه وهو واقف عنه وقوف دين لأنه لا يعلم منه طاعة ولا معصية إذ هو جاهل بأمره، فقد قال من قال: إنه يكون على حالة من الوقوف ولا يلزمه فيه وقوف رأي ولا وقوف سؤال وهو على حاله حتى يصح معه حكم الحدث فيبرأ منه وهو أبدا سالم ما لم يتوله بدين، ولا سؤال عليه في هذا.
وقال من قال: إن عليه السؤال عن حكم هذا الحدث لأنه قد علم من هذا الحدث ما لم يكن علمه منه من قبل، وقد صار متعبدا فيه بما لم يكن قبل علمه بالحدث من تحريم الولاية له إلا بعد خروجه منه، ولو رأى منه ما يجب به الولاية وقد كان قبل ذلك سالما من هذا.
وكذلك صار متعبدا أنه متى علم حكم هذا الحدث وجب عليه البراءة منه وزال عنه براءة الشريطة فيه ووقوف الدين إلى براءة حكم الظاهر، (3/88)
صفحة 759
فقد انتقل حكم هذا المحدث وإن جهله عن حال ما كان عليه من قبل، ومن وقوف الدين، وقد تعبده الله بالبراءة منه إلا أنه عذره بجهل حكم الحدث فلأجل هذه العلل قال من قال من أهل العلم إن على العالم بحدثه السؤال عما يلزمه في حكم هذا الحدث ليخرج من حكم ما دخل فيه وحل فيه من هذه الفريضة التي هو متعبد بها إذا علم حكمها لئلا يساوي في وقوف فيه ... (1) بين من جهل حاله وبين من علم حاله فيكونان سواء عنده في وقوف الدين.
والقول الأول أكثر لأنه لا سؤال عليه ولا يلزمه ذلك للعذر المبسوط له في الإجماع أنه يسعه جهل ما دان بتحريمه ما لم يركبه أو يتولى راكبه أو يبرأ من العلماء أو يقف عنهم إذا برئوا من راكبه.
وما وقع فيه الرأي فخارج من أصول الدين إلا أنه إنما هو على أصول الدين مبني.
ولا يجوز أن يحكم بأحكام الرأي في موضع الدين ولا بأحكام الدين في موضع الرأي، ولا بأحكام الإجماع في موضع أحكام الاختلاف، وهذا مختلف الأحكام، وإن كان الأصل يجمعه أنه كله من الحق ويرجع إلى الحق ولا مخرج له من الحق.
وأما إن كان المحدث وليا فقد قيل إنه ليس له أن يقف عن ولايته بدين لأن ذلك رجوع عن حال العلم إلى الجهل لأنه تولاه بعلم، وجبت ولايته عليه لحجة فهو على يقين من ثبوت ولايته عليه فلا يجوز له ترك ولايته بغير حجة وقد ثبتت عليه بحجة، ويرجع إلى إهمال ذلك ويقف عنه بدين ويكون بمنزلة من هو جاهل بأمره ولم يعلم منه ما يستحق به الولاية ولا ما يستحق به العداوة ولا يرجع عما علم إلى حال الجهل ولأن وقوفه بدين عن وليه ترك لما تعبده الله به من ولايته، بغير علم ولا حجة وترك لما تعبده الله به من ولاية الظاهر، ورجوع إلى ولاية الشريطة،
__________
(1) في الأصل بياض. (3/89)
صفحة 760
وترك العلم لما تعبده الله به في المعصية الواقعة من وليه، ولأنه إما أن يكون قد خرج من الولاية إلى البراءة فوقوفه عنه بدين خطأ، وإما أن يكون على ولايته فوقوفه عنه بدين خطأ، ولا يجوز له ترك ما ألزمه الله من الولاية والبراءة في وليه والرجوع عن الإقامة ... (1) بجهله، ولكن يجوز له أن يقف عنه برأي على اعتقاد ما يلزمه في ذلك أو يتولاه برأي أو بشريطة البراءة منه.
وأما وقوف الدين عنه فلا يجوز، ولابد أن يحكم فيه بحكم من أحكام الظاهر، ولا يكون كمن جهل أمره فلم يعرف منه ما يستحق به الولاية ولا البراءة لأن هذا غير جاهل بأمره، وقد علم منه ما يثبت عليه ولايته ثم أحدث حدثا جهل فيه، فهو لابد إمّا في الولاية أو في البراءة، فلا يجوز له أن يقف عنه بدين إلا أن تزول عنه أحكام الحجة، ويدخل في حال الريب والتهمة والشبهة والإشكال فيترك ولايته للريب المشكل عليه، لا من طريق جهل أحكام الأحداث التي أتاها، ولا جهل فعله لقلة علم المتولى له، وهذا خارج من جهل أحكام الأحداث والقول فيها.
وأما إذا لم يدخل في حال الريب والتهمة فإنما يقف عنه برأي حتى يتبين له صواب ولايته فيتولاه على ما كان عليه أو يبين له كفره فيبرأ منه، وهذا كله إنما هو في الأحداث التي يسع من علمها جهل الحكم فيها، انظر في جميع ما ذكرته ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
مسألة:
قال أبو سعيد: قد قيل إن وقوف الدين إنما هو في كل من جهل أمره فلم يعرف منه ما يستحق به الولاية، أو ما يستحق به العداوة فهو حال وقوف الدين.
__________
(1) في الأصل بياض. (3/90)
صفحة 761
مسألة:
ومن علم منه ما يستحق به الولاية بالدين تولاه بالدين، ومن علم منه ما يستحق به البراءة بالدين برئ منه بالدين، ومن خفي أمره فلم يعلم منه ما يستحق ولاية الدين ولا براءة الدين وقف عنه بالدين.
وقد قيل: إن الوقوف بالدين والولاية بالدين والبراءة بالدين أضداد لا يجتمعن في واحد، ولا يجوز أن يحكم بأحدهن في موضع أحدهن فمن ثبتت فيه ولاية الدين لم يجز أن يبرأ منه بالدين ولا يقف عنه بالدين، ومن ثبت فيه براءة الدين لم يجز أن يتولاه بالدين ولا يقف عنه بالدين، ومن ثبت فيه وقوف الدين لم يجز أن يتولى بالدين ولا يبرأ منه بالدين، وهذه أصول لا يجتمعن في واحد.
مسألة:
وإذا كان أحد واقفا عن أحد وقوف دين ثم علم منه ما يستحق به ولاية أو براءة فجهل ذلك فليس له أن يثبت على وقوف الدين، إلا أنه قد استجاز بعض أهل العلم أن يثبت على وقوف الدين على اعتقاد شريطة الولاية فيه والبراءة منه إن كان وليا أو كان عدوا.
وقال من قال: ليس له وإن جهل حكم الولاية والبراءة فيه أن يقف عنه وقوف الدين ولكن يجوز له أن يقف وقوف الرأي حتى يلقى الحجة فيما قد لزمه من ولاية أو براءة.
مسألة:
وقال أبو عبيدة: الشاك هالك، والسائل معذور إذا تولى الفقهاء العلماء الذين يرون ما لم يعلم الضعيف ما بلغ به فعله وعلمه الفقهاء فليس له أن يقف عنهم. (3/91)
صفحة 762
جواب أبي زياد وأبي جعفر إلى محمود بن نصر عن أبي عبيدة أنه قال: الشّاك هالك، والسائل ليس بشاك.
وقال محبوب: والشاك هو الذي لا يتولى أحدا إلا من شك ووقف مثل ما شك هو ووقف لا يتولى أحدا برئ ولا أحدا تولى، وهذا في الدينونة من دان بالشك هلك عند المسلمين، ومن لم يقرأ القرآن ولم يعلم ما قال المسلمون فيما يسع جهله أنه إذا سأل المسلمين عما جهل علمه فلم يدر ما بلغ قول علمه فقال له المسلمون: إن هذا الفعل يكفر به من فعله فعليه علم ذلك من كتاب الله، أو من قول الفقهاء أن يقول بقولهم، فإن جهل ذلك فلم يعلمه وضعف أن يكفره فعليه أن يقول للمسلمين: أنتم أعلم مني وأبصرتُم ما لم أبصر وعرفتم ما لم أعرف وعلمتم ما لم أعلم وقويتم وضعفت في حكم الله، وأنا سائل وقولي قول المسلمين، وديني دينهم، وإذا كان ذلك وسعوا له السؤال وتولوه بولايته إياهم.
مسألة:
وقال هارون في كتابه: إن الذنوب عنده ثلاثة فذنب يكفر به من ركبه، وذنب لا يدري بكفر أهله أم لا، فوقف عن أهله فيه فيقف عمن تولاه وعمن برئ منهم بدين وإن برئ منهم برأي فواسع ذلك إذا قال ديني دين المسلمين أبدا، وإن قال له: أبو بكر وعمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فله أن يقف عنهم حتى يعلم هو أنهم قد ضلوا أو يقول له ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم يقول: جميع المسلمين حجة فأبى ذلك عليه فقهاء المسلمين فعليه أن يقبل منهم فإن لم يقبل فهو هالك، وقال: ذنب يعفو الله عنه، فإن قال إن عليهم فيه التوبة وبالتوبة يعفو الله عنهم فقد صدق، وقال بقول المسلمين، وإن قال إنها مغفورة بلا توبة فقد كذب لأن الله يقول: * (*وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ (3/92)
صفحة 763
جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*) * (1) على الخلق التوبة من كل صغيرة وكبيرة، وليس كما يقول هارون فإنه ليس له سلف يوثق بهم ولا يؤخذ عنهم فإن رمى به أحدا من المسلمين ليتبرأن بهم اتهم ولم يقبل منه ذلك عليهم.
ومما زاده غير المؤلف: للكتاب والمضيف إليه من جواب الشيخ أبي سعيد رحمه الله: وصل كتابك أخي وولدي وعزيزي أدام الله كلاءتك وحفظك وسلامتك، ووقفت عليه ووليت وكتبت عن حال سلامة والحمد لله حق حمده وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليما.
وذكرت رحمك الله عن وقوف الشك عمن برئ منه المسلمون بحدث يثبت الإجماع بتحريمه؟
قلت: هل للمتبرئ من المحدث أن يقف عمن وقف على الشك، فمعنى أنه قد قيل إن وقوف الشك لا يجوز وإنه لا يسع وإن الشاك هالك إذا كان وقوفه ووقوف الشك.
وقلت: إن أجاز ذلك فعلى أي سبيل يجوز ذلك عنه؟
فمعي أنه إذا وقف الواقف وقوف الشك وجبت البراءة منه.
وقد قيل: إن وقوف الشك أن يقف عن المحدث وعمن برئ منه من علماء المسلمين برأي أو بدين أو عن أحد من ضعفاء المسلمين بدين فهذا من وقوف الشك الذي لا يسع فإذا بلغ العالم إلى علم الحكم على هذا الواقف فعليه بالبراءة وإن ضعف عن ذلك ولم يتوله بدين ولم يبرأ من العلماء إذا برئوا منه برأي ولا بدين ولا من أحد من ضعفاء المسلمين إذا برئوا منه فهو سالم إن شاء الله، وذلك إذا كان الحدث مما يسع
__________
(1) جزء من الآية 31 من سورة النور. (3/93)
صفحة 764
جهله حتى يركبه أو يتولى راكبه، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه ووقوف الشك لا يقع اسمه ولا معناه إلا على ما لا يسع.
وأما في المتلاعنين ونحوها من أهل الأحداث المشكلة المحتملة الحق والباطل فلا يكون ذلك وقوف الشك بل ذلك وقوف سلامة، وتنزها عن الدخول في القطع بحكم في الولاية أو براءة بغير برهان لاشك فيه من المحدثين ولا أعلم أن أحدا قال في المتلاعنين ببراءة في القطع فيهما ولا في أحدهما إلا على الاعتقاد فيهما من طريق الشريطة في المحق منهما من المبطل، ولا يكون الوقوف في المحدث بعينه الذي يسع جهله وقوف الشك إلا أن يقف عن المحدث وعمن برئ منه من علماء المسلمين على حدثه بالحق برأي أو بدين أو من ضعيف منهم بدين أو براءة من أحد منهم بدين أو يكون الحدث مما لا يسع جهل علمه وما تقوم به الحجة من حكم العقل من أحداث المحدثين، ولا يصح عندي في المتلاعنين براءة سلامة إلا في الشريطة ولا يشبه ذلك عندي الذيْن اقتتلا حتى قتل كل واحد منهما صاحبه ولا يعلم أيهما مبطل عل صاحبه لأن هذين قد أظهر كل واحد منهما حدثا في ظاهر الأمر يحتمل الباطل بنفسه في ظاهر الأمر في حكم الظاهر ويدرك البلوغ إليه بالبينة، والفرق عندي في وقوف الشك ووقوف السلامة من صنوف الوقوف وهو كل وقوف لا يسع فهو وقوف شك من أي وجه كان، وقوف السلامة كل وقوف يسع في الدين كان بدين أو برأي أو سؤال أو غير سؤال، فهذا هو الفرق عندي عند من يعرف تأويل ذلك ومعانيه.
ووقوف الشك الذي لا يسع هو عندي من المنكرات، فمن بلغ إلى علم ذلك في الشاك فهو مصيب في البراءة منه ومن ضعف عن ذلك ووقف عنه وتولى من برئ منه من المسلمين فقد وسعه ذلك في هذا كله، كما وسعه الوقوف في سائر المحدثين مع ولاية المتبرئ من المسلمين منه فافهم ذلك ما لم يكن الحدث لا يسع الشك فيه.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع]. (3/94)
صفحة 765
مسألة:
ومن سيرة أبي مودود: فما أشكل من شيء عمل به من مضى فالوقوف جائز، ورد علمه إلى الله وإلى أولي العلم وليس بوقف المسلمين ولا يحملون على ذكر أحد بعينه وبنفسه والحق أحق أن يهتدي به من عمل به، والباطل باطل أهله أحق بما عملوا منه وأولى به.
وليس علينا دعاء إلى البراءة من مخطئ بعينه إلا أن يخالف فيه مخالفة بنفسه بعذر له ليس فيه تصادق ويعرف كذب ما قال فيه، فيقول فيه بغير الحق ويثبت ولايته على الباطل فيضل ويضل بتكمله فيه، وينزل على تسميته بعينه وعذره بغير الحق وهو ما أمسك عن ذلك.
وقيل: قول المسلمين في صفة العدل على الناس سالم، سالم كذلك أمر من خلا مثل عثمان وعلي ومن دخل عليه خطأ فضل به، فليس علينا نصف خطأه للناس ولا نكلفهم الإقرار بخطئهم لا يكونون مسلمين إلا بذلك، ولكن عليهم الإقرار للمسلمين والتسليم لهم بما دانوا به من صفة العدل في أهل الخطأ والصواب.
مسألة:
عن أبي الحواري: وإذا كان حدث يبرأ منه المسلمون به كان عليه أن يتولى من برئ منه من المسلمين، فهذا الذي جاءت به الآثار وقد فارق المسلمون الشكاك.
فإن قال قائل: ليس ينصب الشك دينا، ووقوفنا وقوف مسألة.
قيل لهم: إنما يجوز الوقوف بالمسألة عن المحدث بعينه ولا يجوز الوقوف عمّن تولاه ولا عمن برئ منه، فإذا كان الوقوف عن المحدث وعمن تولاه وعمن برئ منه فقد نصبتم الشك دينا، واتبعتم قول (3/95)
صفحة 766
الشكاك الذين فارقهم المسلمون على شكهم فهذا الذي عرفنا من آثار المسلمين فمن لم يقل بهذا القول الذي جاء عن المسلمين كان بمنزلة من خالفهم.
ونحن بأئمتنا نقتدي وبالله نهتدي ولا نأب عن قبول الحق عتواًّ ولا ينطق عن الهوى ولا يدين بالرأي غلواًّ، ولا نتطاول على الصالحين علواًّ بل نكون لأمرهم طائعين ولقولهم سامعين ونقْفوا آثارهم متبعين.
مسألة:
ومن الكتاب الذي ألفه نجاد بن موسى أن الوقوف على خمسة وجوه: وقوف الدين، ووقوف الرأي، ووقوف السؤال، ووقوف الإشكال، ووقوف الشك.
قال غيره: الوقوف أكثر من هذه الوجوه، فأما وقوف الدين فإنه جُنة وسلامة للمسلمين، وجاز للعالم والجاهل والقوي الضعيف من المسلمين أن يدينوا بالوقوف عن كافة الخلق من العالمين على شريطة ولاية المحقين والبراءة من المبطلين في جملة الدين حتى يعلم من أحد ما تجب به عداوته أو ولايته.
قال غيره: أو يعلم من أحد حدثا مكفرا ويجهل الواقف حكم حدثه، وكان ذلك فرضا واجبا على المسلمين.
وأما وقوف الرأي فهو الذي يخص الواحد من المسلمين في الواحد بعينه ممن سقت له ولاية متقدمة من المسلمين ويسعه الإقامة على ذلك الوقوف بالرأي بغير دينونة بالسؤال عن ذلك المحدث الذي قد امتحن بولايته وعاين منه ما لزمه فيه حكم وقوف الرأي من غير أن تلزمه دينونة سؤال، هذا على بعض القول. (3/96)
صفحة 767
وأما وقوف السؤال فهو كل ما اختلف فيه أهل الحق وتنازعوا حكمه حتى يؤدي ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا ويبرئ بعضهم من بعض، عليه فالناشئ الضعيف الذي لم يعلم ما اختلفوا فيه ولم يعرف المصيب من المخطئ فالواجب عليه الوقوف عن جميعهم، وعليه السؤال عنهم وعن حكم ما اختلفوا فيه إلى أن تقوم له الحجة بصحة الحكم عنه فيدين لله بعلم فهذا وقوف السؤال.
وأما وقوف الإشكال فهو مثل الوقوف عن المتلاعنين والمقتتلين والمتبرئين من بعضهما بعضا فإذا لم يعلم في الأصل كيف حالتهم ولا المحق منهما من المبطل وغاب علم ذلك فهذا هو وقوف الإشكال.
قال غيره: إنما هذا إذا لم يعلم المبتدئ منهم بالبراءة من صاحبه، وأما إذا علم الحدث أو علم المبتدئ بالبراءة من صاحبه فإنه قد قيل فيه ما قيل والله أعلم.
وأما وقوف الشك فهو الذي لا يتولى أحدا إلا من شك أو وقف مثل شكه ووقوفه.
ومن الكتاب: اعلم أن وقوف الرأي أن ترى وليك يعمل عملا لم تعلم ما يبلغ به فأردت أن تسأل عنه فنسيت الفعل أو لم تذكر، وهذا الموضع مما يلزمك فيه الوقوف وهو وقوف الرأي، هكذا وجدت انقضى.
مسألة:
جواب من الحواري بن عثمان إلى سعيد بن عبد الله:
سألت عن وقوف السؤال: كيف يكون؟
وقلت: سمعنا أن وقوف الشك هو أن لا يتولى الأمر شك ووقف مثل شكه ووقوفه. (3/97)
صفحة 768
وسمعنا أن من وقف عمن تولى وتولى من من تولى فقد تولى، وإن وقف وتولى من برئ فقد برئ، وإن وقف عمن تولى وعمن برئ. قلت: فأخاف أن يكون هذا هو وقوف الشك.
قلت: فصف لي وقوف السؤال.
فأما عبد الله بن محمد فأحسب أنه قال: وقوف السؤال مثل الرجلين يتنازعان الأمر، فيقول أحدهما: هذا حلال، ويقول أحدهما هذا حرام فيسمعهما الرجل، ولا يدري ما ذلك لشيء فيقف عنهما ويسأل المسلمين أو كنحو هذا.
وأما محمد بن روح فقد قال في هذا أو أكثره نقف على جوابه إن شاء الله.
وأما أنا فالذي عندي كنحو ما يوجد عن أبي عبد الله أنه قال: وإن اختلف أهل الدعوة بينهم حتى يبرأ بعضهم من بعض ويقدم بعضهم إماما دون بعض ويختلفوا وتقع البراءة والفرقة بينهم.
فإن للمسلم أن يمسك حتى يعلم وهو كمن لا علم للمسلمين بحاله لأنه قد حدثت أحداث لم يعلق المحق فيها من المبطل ولا تجوز ولاية فريقين يبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضا، ويستحيل بعضهم دماء بعض، وقد يكون الفريقان في حال يضلان جميعا، والإمساك عن أمرهم حتى يعلم، هكذا عن أبي عبد الله، وأرجو أن هذا عندك، وهذا عندي كنحو ما قال محمد بن روح أنه برأي يكون الوقوف برأي لا بدين والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قلت: فهل يجوز أن يقف عن رجل قد كفر وهو يعلم كفره، ويتولى (3/98)
صفحة 769
من برئ منه، قال: لا يجوز ذلك لعلمه بالحدث أنه كفر، وإنما يجوز ذلك إذا جهل الحدث ولم يدر كفر هو أم لا.
فله أن يقف عن الراكب ولا يقف عن المسلمين الذين يبرءون منه على ذلك الحدث.
قال غيره: إذا ضاق عن البراءة وتولى المسلمين على براءتهم من المحدث ما لم يعلم أن اسم الكفر يوجب البراءة التي دعا إليها فلا يضيق عليه ذلك ما تولى أهل العلم من المسلمين على براءتهم ممن برءوا منه ومن خالفهم في الدين أو ولاية من تولوا وكان مسلما غير منازع لهم في الدين.
عن أبي الحسن البسياني رحمه الله ورضيه: من رأى من ركب معصية الله أو أحدث حدثا لم يدر ما هو مستحلا لذلك أو محرما أو ما يبلغ به فاعله ولم يسمعه يدعي على الله في شيء شيئا فإنه يسعه الإمساك عنه ولا يتولاه ولا يبرأ منه إذا لم يكن له من قبل وليا، وإذا قامت عليه حجة إن ذلك الشيء حرام على من فعله فعليه البراءة منه وإن علم أن ذلك حرام ولم يعلم أن من ركب ذلك يبرأ منه وسعه الوقوف إذا كان واقفا سائلا عن حكم ما يلزمه فيما قد صح معه في ذلك، فإن أفتاه مفتٍ بعد السؤال أو قامت عليه حجة بأن ذلك الشيء مكفرا لراكبه وأن البراءة واجبة عليه فعليه البراءة ممن أحدث ذلك الحدث ولا يسعه الشك بعد قيام الحجة.
مسألة:
وزعم هاشم بن غيلان أن الذي أدرك عليه المسلمين وحفظ عنهم أن الرجل إذا كان في ولاية المسلمين ثم كانت منه أشياء يكرهها المسلمون غير أنه إذا دعي أجاب وإذا عوتب رجع فما كان هكذا فهو من المسلمين وإذا رأوا منه التخليط مما لا يبلغ به كفرا كفوا عنه ولم يتولوه ولم (3/99)
صفحة 770
يبرءوا منه، وإن تولاه رجل منهم من المسلمين أمروه بالكف عنه فقال: أو لستم تبرءون منه؟
قالوا: لا، فإن قال: فأنتم في شك منه، فإن تبرءوا منه برأت منه؟
فقالوا: لا نبرأ منه.
فقال: أنا إذن أتولاه لم يكن للمسلمين عليه سبيل في ذلك، وهو في ولايتهم ما لم يتول من برءوا منه.
قال: وقال موسى: إذا تولى المسلمون رجلا فبرئ هو منه أو برءوا ممن تولى فإنه يسلم بأن يقول: ديني فيه دين المسلمين وقولي فيه قول المسلمين. (3/100)
صفحة 771
الباب السادس
التشديد
في الوقوف وفي السكون
[من غير الكتاب، والمضاف إليه مما وجدته في آثار المسلمين]
قال الله تعالى: * (*وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ*) * (1).
وقال الله تعالى: * (*فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً*) * (2).
قيل: الله أعلم، شاكا حيران، وفي موضع آخر في هذه الآية، قال: الإسلام في صدور المسلمين ضوْؤُه أضوأ من الشمس والقمر، والنفاق المنزلة الأخرى صدره ضيق حرج لا يعرف حلال الله حلالا ولا حرام الله حراما، ولا وليا ولا عدواً، وإذا قيل هذه طاعة قال لا أدري قد أعمى الله قلبه وليس عليه نور الإسلام.
ومن كتاب آخر: قال ابن مسعود قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: * (*أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ*) * (3) فقلنا يا رسول الله: كيف يشرح الله صدره؟
__________
(1) جزء من الآية 187 من سورة آل عمران.
(2) جزء من الآية 125 من سورة الأنعام.
(3) جزء من الآية 22 من سورة الزمر. (3/101)
صفحة 772
فقال: «إذا دخل النور في القلب انشرح وانفسح».
فقلنا: وما علامة ذلك؟
قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله».
وفي الرواية: إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يُظهر علمه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«من كتم علما عنده أو أخذ عليه أجرا لقي الله يوم القيامة ملجما بلجام من نار».
وقيل: لما قُتل عثمان بن عفان واختلف الناس فيك شك عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهما، فسئل علي بن أبي طالب عنهم فقال: خذلوا الحق، ولم ينصروا الباطل، فهم كما قال القائل:
عليكم بواديكم من الذل فاشربوا*ش* ... ونالوا إذا خفتم من النفل والشجر
فما أنتم بالمانعين حماهم*ش* ... مقيما ولستم في النفير إذا نفر
ومن كتاب محمد بن محبوب رحمه الله: وعن رجل من المسلمين تولى المسلمون رجلا أو برءوا منه؟
قال بشير: إذا قال رجل: قولي فيه قول المسلمين وديني دينهم فقد برئ وتولى إذا كان يتولاهم فقد تولى الذين تولوا وبرئ من الذين برئوا منه إذا تولاهم على ولاية من تولوا والبراءة ممن برئوا. (3/102)
صفحة 773
الباب السابع
في
الرخصة في السكوت
والوقوف
[من غير الكتاب، والمضاف إليه مما وجدته في بعض آثر المسلمين].
قال الله تعالى: * (*وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً*) * (1).
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«المؤمن وقاف، والمنافق وثاب».
ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«إذا رأيت الناس مرجت عهودهم وخفّت أمانتهم، وكانوا هكذا، وشبك بين أنامله، فالزم بيتك، وأملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر وعليك بخاصة نفسك، ودع عنك العامّة».
ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: «لئن يسألني لِمَ لَمْ أقل أحب إليّ من أن يسألني لِمَ قلتَ».
ومن جواب بشير بن محمد بن محبوب رحمهما الله، وأبي قحطان رحمهم الله، في ذكر الحديث بإزكي وفي استعمال المحدثين قبل توباتهم منه: «وفي هذه الأحداث يا أخي مخصوصات مشكلات علقة،
__________
(1) الآية 36 من سورة الإسراء. (3/103)
صفحة 774
ذات شبهات، منها ما يخرج في الاجتهاد، ومنها ما يخرج في الدين، والمبين المفرق فيما بينهم عديم في زمانك فيما أرى، فإذا كان بشير يقول: إن المفرق فيما بينهما عديم في ذلك الزمان الذي فيه مثل بشير وعبد الله بن محبوب وأبي قحطان وأبي المؤثر وغيرهم من أهل العلم والبصر فكيف لا يكون عديما في هذا الزمان، وقد كانوا لما وضح الأمر عندهم في موسى بن موسى وراشد بن النضر يوجد عنهم أنهم قطعوا بالبراءة، ولما أشكل الأمر عليهم في عزان بن تميم الأحداث التي كانت في أيامه وقفوا وأمسكوا، فكيف لا يقف غيرهم ممن هو أقل علما وأضعف بصيرة.
ومن جوابه أيضا: ففي فعل المسلمين عذر وسعة، فهذا في الأمر الواضح فكيف فيما يتنازعون فيه وقد علمتَ أن المشكوك موقوف والاختلاف في المشهور هو الداء العياء، فإذا كان هذا قول بشير فكيف يكون غيره من أهل الضعف وقلة البصيرة.
مسألة:
قلت له: فإن الرجل يكون له عندي أصل ولاية ثم أرى منه ما أنكر وأكره، ولا يكون فراق أترى لِيَ الكفَّ عنه؟
قال: نعم.
قلت: ورأيت منه بعد ذلك صلاحا، أرجع إلى ولايته؟
قال: نعم. (3/104)
صفحة 775
الباب الثامن
في السؤال
وقال: إنما يجب السؤال ويكون فرضا في موضعين:
1 - عند اختلاف الناس في الدين فيؤدي (1) اختلافهم إلى تخطئة بعضهم بعضا، فعند ذلك يكون السؤال ليعلم (2) المحق منهم فرضا، وذلك بالكتاب لقول الله (تبارك وتعالى):
* (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ*) * (3) ولم يصل أحد إلى الكون عندهم إلا بطلبهم والسؤال عنهم.
2 - والموضع الآخر إذا وجب الفرض وحضر وقته فعليه السؤال عند حضور وقته، فإن خشي فوت الوقت ولم يجد من يعبر له، فعند ذلك يكون السؤال فرضا مثل الصلوات والصيام وأشباه ذلك، وليس بفرض قبل حضور وقته.
مسألة:
وسألت أبا سعيد عما يلزم العبد السؤال فيه كيف يكون اعتقاده في السؤال فيما جهل مما لا يسعه جهله، أو يسعه جهله أو علمه فجهل الحكم فيه؟
__________
(1) في الأصل "مما يؤدي" ولا يتفق.
(2) في العبارة اضطراب ضبطناه.
(3) الآية 119 من سورة التوبة. (3/105)
صفحة 776
قال: أما اعتقاد السؤال فعلى العبد شريطة في دينه الذي تعبّده الله به أن يدين له بجميع ما لزمه في دين الله مما تعبده الله به من قول وعمل ونيّة، علم ذلك أو جهله، وعليه في اعتقاده هذا تحقيق ما علمه من دين الله الذي تعبده به وعلم ما بلغ إليه علمه بالحقيقة واليقين.
وليه أن يدين لله بالسؤال عن جميع ما يلزمه علمه من دين الله في الحال الذي يلزمه علمه، أو يلزمه العمل به، فعلمه من قول وعلم ونيّة، وعليه مع اعتقاد الدينونة بالسؤال عن جهله ما لزمه السؤال عنه في دينه أن لا يرد حقا ولو جهله وأن لا يشك في حجة قامت عليه علمها، ولو جهل الحجة فهو هال بترك قبول الحجة، وهالك برد الحق ولو جهله ولم تقم عليه الحجة بعلمه فهذا أصل ما تعبده الله به من أمر السؤال في أمر دينه.
فلما أن كان في أصل دينه وأصل ما تعبده الله به أن يعلم ما ألزمه الله علمه وأن لا عذر له في جهله بما يلزمه علمه، وعَلم الله منه أنه لا طاقة له بالعلم ولا إلى العلم إلا بعبارة من المعبرين أو بما تكون به الحجة بالعقل، فإذا كان عاقلا بريئا من الآفات التي يزول بها عقله، ووقع عقله على المعقولات وفرّق بعقله بينها فعليه أن يعلم بحجة العقل بلا عذر له في ذلك ما عليه أن يعقله ولو لم يسمع بعبارة ذلك لأنه قد جعل الله له إلى ذلك السبيل ولم يكلفه الله في ذلك فوق ما يطيق، وذلك من عم خالقه من صفات خالقه التي لا تقوم في عقله أن تكون صفات خالقه وصفات نفسه وصفات ما يرى من المخلوقات المحدثات مشتبهة في ذلك، وهذا ما لا يجوز له من علم عقله إلا أن يعلم أنه محدث، وجميع ما تقع عليه حواسه من المسموعات والمنظورات والمحسوسات والمدركات بالشم وغير ذلك من المعقولات التي تحيط به العقول، فعليه أن يعلم أن كل معقول محيط به العقل فهو محدث وكل مسموع فهو محدث وكلما وقعت عليه الأبصار فهو محدث، وكلما بلغت إليه الحواس فهو محدث، وأن صفة المحدث في ذلك كله بائنة عن صفات المحدثات وأن ذاته في (3/106)
صفحة 777
جميع ذلك بائنة عن جميع الذات، فهذا ما لا يسع جهله، وما تقوم عليه به الحجة في عقله.
وغير منفر في السؤال عنه إذا كان صحيح العقل عاقلا لما وصفناه، وكذلك ما سمع بذكره، أو خطر بباله، من جميع صفات خالقه فعليه علم ذلك بحقيقته لأنه هكذا تعبّده الله به، لأنه لو وسعه جهل ذلك في شيء من علم صفات الله لوسعه ذلك في علم الله كله حتى يسعه جهل ألا يعلم أن له إلها، ولا أن له خالقا، وهذا ما لا يجوز في العقول أبدا.
ومتى لزمه علم الله بعقله كذلك يلزمه علم صفات الله بعقله التي لا يجوز أن يوصف بها غيره، فيما هو مشبه بها في صفته.
وقد يجوز من صفة الخلق أن يوصفوا بصفة الله، لا على وجه التشبيه لله بخلقه وذلك أنه قد يجوز أن يكون الرجل يوصف أنه قادر على ما قدر عليه وعالم بما علم به، ومالك لما ملكه، ولا يجوز أن يوصف الله بصفات خلقه التي لا تشبه صفاته لا يقال ولا يجوز في العقول أن يقال إن الله مخلوق ولا إنه محدث ولا إنه عاجز، ولا إنه يشبه بشيء من صفات خلقه في شيء من ذاته وإن كانوا يسمّون بما جعله الله لهم بما يستدل به على صفتهم، وهو مما جعله الله لهم، وكل شيء من صفات الله فليس بشيء في شيء غيره.
وأما علم دين الله الذي تعبده الله به فإذا كان متصلا بالأرض التي قد قامت عليها وعلى أهلها شواهد الحجة بعبارة المعبرين لدين الله وحيث ما بلغت دعوة رسول الله فعليه أن يعلم مع علم خالقه أن رسوله الذي أرسله إلى خلقه وهو صادق في الرسالة التي جاء بها إلى خلقه وأنه رسول الله إلى خلقه، وأن ما جاء به رسول الله من عند الله إلى خلق الله فهو حق كما جاء به وقاله من عند الله، لا يسعه جهل هذا أن يشك في رسول الله إلى أهل زمانه الذين قامت عليه حجة رسول الله ذلك، ولم ينقض من الله رسالة رسول يأتي، فإن كان بلغه اسم الرسول صلى الله عليه وسلم في البقعة التي كان فيها فعليه باسمه ويؤمن به باسمه على ما قامت عليه به الحجة من أمره، وإن كان في بقعة لم تقم عليه فيها المعرفة باسم رسول الله صلى (3/107)
صفحة 778
الله عليه وسلم ولا عقل ذلك ولا سمع به من البلدان المنقطعة التي لم تبلغهم دعوة الرسل، فعليه مع علمه بخالقه على ما وصفنا أن يعلم أن لخالقه طاعة يتعبد بها أهل طاعته وأن لهم على ذلك التعبد وتلك الطاعة ثوابا من الله على أطاعوه فيه.
وعليه أن يعلم أن من لم يطع الله في دينه الذي تعبده به فإن له عقابا على معصية الله وعلى ثواب طاعته (1).
وعليه أن يعلم أن ليس من صفة الله تبليغ علم ذلك الذي تعبّد الله به عباده إلى جميعهم إلا بصفوة منهم دون كافتهم يحتج به عليهم وكلفهم علم دين ما تعبدهم به، ويكون حجة لهم وعليهم، لأن من صفة الخالق والملك والسلطان، وليس من صفته السلطنة والمملكة وأهل السلطان والملوك إذا أرادوا شيئا أن يكون ذلك عاما علمه جميع من أرادوا ذلك منه، بل إنما يكون ذلك إلى خواص من أهل مملكتهم، وأهل القربة منهم، ولو كان ذلك لا يقوم لهم ولا يستقيم لهم إلا حتى يعلم ذلك منهم جميع أهل مملكتهم إذن لما قامت أبدا حجة، ولا استقام لهم أبدا أمر، ولله الأمثال الحسنى.
فعليه أن يعلم أن لخالقه رسولا إلى خلقه يدينه علما عقليا مع عدم العبارات التي يصح معه اسم الرسول الذي أرسله الله إلى أهل زمانه فعليه أن يؤمن به مُجملا إذا لم يتصل به ما يصح معه اسمه، فيؤمن به، وعليه أن يصدق رسول خالقه ذلك، وأن يؤمن بما جاء به رسول خالقه إلى خلقه مما تعبد الله به خلقه، وعليه في هذا الموضع اعتقاد السؤال عن جميع ما يلزمه فيه السؤال في دين خالقه في الشريعة التي أرسل بها رسوله إلى خالقه، وعليه أن يخرج في التماس معرفة ذلك إذا
__________
(1) يقصد: "وثوابا على طاعته". (3/108)
صفحة 779
وقع في عقله وحسن في عقله أنه يدرك علم ذلك من المعبرين له من غير البقعة التي هو فيها وكان قادرا على الخروج منها إلى غيرها من انفتاح السبل له من بر أو بحر، وكان قادرا على بلوغ البقعة التي حسن في عقله ورجا أن يدرك عبارة ذلك الذي قد تعبده الله به من تلك البقعة ببلوغه إليها بقدرة من قوة بدنه، أو زاد وراحلة مع أمان الطريق مع انفتاح سبلها ومع معرفته بدليلها وألا يحمل نفسه على هلكة فيها، وأن يكون معه ما يتركه لمن يلزمه عوله ما يقوتهم، ويأمن عليهم في البقعة التي يتركهم فيها من الآفات، وأن مفارقته لهم مما لا يتخوف عليهم الآفات المهلكات.
فإذا كان على هذا السبيل وعلى هذه الصفة فعليه أن يخرج بجهده وطاقته من حين قدرته في التماس دين خالقه حتى يعرف ما يرضي خالقه منه بعينه فيرضيه به وحتى يعلم ما سخط خالقه فيدعه بعينه.
وعليه في هذا الوقت أن يعتقد لخالقه رضاه في جميع ما تعبده من دينه وعليه أن يعتقد مفارقة جميع ما تعبده خالقه بمفارقته وتركه.
وعليه أن يعتقد العمل بما ألزمه خالقه من دينه متى قدر عليه بعلمه بعبارة المعبرين له أو بما حسن في عقله أنه من طاعة خالقه من المكلفات.
وعليه الاعتقاد أنه إن كان هذا الحسن الذي قد حسن في عقله وعمل به مخالفا بما تعبده به خالقه من العمل بطاعته فهو دائن لله بالتوبة منه وتركه والرجوع عنه.
وعليه ترك ما حسن في عقله تركه من القبيحات التي يستقبحها في عقله أن يأتيها في دين خالقه ولا يأتيها. (3/109)
صفحة 780
وعليه أن يعتقد أنه إن كان هذا الذي قبح في عقله أن يأتيه فتركه كما قبح في عقله أن يأتيه مع خالقه مما عليه أن يأتيه ويعمل به فعليه الرجوع عنه والعمل به.
وعليه أن يعتقد موافقة مرضاة خالقه في جميع ما أمره في دينه ونهاه.
وعليه أن يعلم أنه لا يبلغ إلى شيء من معرفة دين خالقه إلا بفضل خالقه، فإذا كان على هذا في قعوده أو مسيره في طلب دين خالقه فهو سالم مسلم، .. مستوجب لمرضاة خالقه ما لم يدن بشيء من الضلالات أو يرتكب شيئا من المحرمات، على تضييع ما وصفنا من الاعتقادات أو يقصر مجهوده أو قدرته على علم دين خالقه. تم وعُرض ما قد وجدته.
مسألة:
[من الزيادة المضافة، ومن تقييد أحمد بن محمد بن الحسن عن أبي سعيد]:
قلت له: لا يجب على أحد السؤال عن شيء ولا على أحد معرفة شيء ولا العمل به ولا الاعتقاد له حتى يعرفه ويعرف معناه والمراد به.
قال: نعم.
وقال: إنه لا يكون عالما بالشيء حتى يعلم معناه والمراد به.
وقال: إن كل من لم يصل علمه إلى شيء من الأشياء فهو معذور بجهله إياه مطرحا عنه التعبد به وعلمه والسؤال عنه لأنه لم يعقله وهو كالذاهب العقل، وإن لم يعقل كل شيء كان مطروحا عنه كل شيء، وإن علم وعقل شيئا دون شيء كان متعبدا بالتمسك بما عقل دون ما لم يعقله بالعلم خاصة. (3/110)
صفحة 781
قيل له: لا يكون علمه والعمل أو اعتقاده والسؤال عنه حتى يعلمه؟
قال: نعم.
قلت له: فقولهم في الجملة إن عليه أن يعلمها أو عليه علمها؟
قال: قد قالوا في الجملة إن العالم لا يشك في علمه بعد علمه وأن عليه أن يتمسك بعد العلم.
قلت له: فإذا علم كان عليه أن يعلم أن عليه أن يعلم؟
قال: نعم.
قلت له: فقولهم إن السائل معذور والشاك هالك؟
قال: شاك فيما علم من الحق وهو يعلمه.
قيل له: ولا يجب عليه أن يسأل عن شيء لا يعلمه.
قال: عندي أن ليس عليه ذلك فيما قيل.
قلت له: فهذا الجاهل في عافية؟
قال: لا يسمى هذا جاهلا، وقال: هذا معافى، وقال: قولهم نزلت بليته وكان معافى إلى أن نزلت بليته، فبليته علمه بالشيء فإذا علمه فلا يسعه الشك فيه بعد علمه [رجع إلى كتاب بيان الشرع].
مسألة:
عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة رحمه الله ورضيه وأسكنه فسيح جنته، من كتاب المبتدأ وليسه اللفظ كله.
إن سأل سائل عن رجل بالغ الحلم ما عليه مما كلّفه الله من دينه؟
فأقول: إن عليه في أول أحوال التكليف أن يعلم أن له خالقا خلقه (3/111)
صفحة 782
وأنه واحدا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأنه ليس بذي صفة من صفات المخلوقين، وأنه قديم وما سواه محدث.
فإن قال: فما دليله على أن له خالقا خلقه ومحدثا أحدثه؟
قيل له: دليله على ذلك ما يرى من عجائب خلقه في نفسه وفي خلق أرضه وسمائه وليله ونهاره وغير ذلك من خلقه.
فإن قال: فما يدله على أن لذلك صانعا صنعه؟
قيل له: إذا لم يشاهد الصنعة لا تكون إلا من صانع، والصورة لا تكون إلا من مصور وجب أن يعلم أن خالقا خلقه وصانعا صنعه ليس كمثله شيء.
فإن قال: فما دليله على أن خالقه وصانعه ليس كمثله شيء؟
قيل له: الدليل على ذلك ما يعلمه أن الفعل لا يشبه فاعله والصنعة لا تشبه صانعها.
فإن قال: فما يلزمه بعد معرفته بالله وتوحيده؟
قيل له: يلزمه الكف عما قبح في عقله، ما لم يأته عن الله خبرا إباحة شيء مما قُبح في عقله.
وعليه التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم وبجُملة ما جاء به عن الله عند مشاهدته للأعلام التي دلت على صحة نبوته أو نقلت بالأخبار إليه.
فإن قال: فما الذي يلزم من الفرائض؟
قيل له: إذا سمع قول الله تعالى: * (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ... *) * (1) الآية، وكذلك غيرها من
__________
(1) جزء من الآية 6 من سورة المائدة. (3/112)
صفحة 783
الآيات التي خاطب الله بالفرائض فيها فقد تقوم عليه الحجة بذلك ممن يخبره من الناس بالمعنى من هذا الخطاب.
فإن قال: فيلزمه التكليف للفرض بنفس هذا الخطاب ولا علم له بذلك؟
قيل له: بل عليه أن يرجع في تفسير ذلك إلى الفقهاء.
فإن قال: أفكل المقربين [المعبرين] (1) حجة عليه بذلك؟
قيل له: بل يلزمه أن لا يأخذ تفسير ما تعبده الله به من المتهمين في دين الله، والمتهاونين في أمر الله في أداء فرائضه واجتناب محارمه، وأن لا يأخذ ذلك إلا من أهل الستر والعفاف والعلم فيما تعبده الله به لأن الله يقول: * (*وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ... *) * (2) الآية.
فإن قال: فإذا وجد هذا المكلف إذن هذه الفرائض أهل العلم مختلفين في تفسير شيء مما جاء من عند الله، وقع بينهم في تفسير شيء مما جاء من عند الله، وكل فرقة تخطئ الأخرى؟
قيل له: عليه أن يستدل به ويجتهد في طلب المحق من المبطل وفي حكم ما اختلفوا فيه، فإذا اجتهد في ذلك لله، وناصح نفسه في الطلب فلابد أن يهجم على بغيته وحاجته، لأن الله لا يتعبد أحدا بشيء ويكلفه القيام بفعله ثم يعدمه الدليل عليه لأن الحكيم إذا أمر بأمر فلابد أن يمكن المأمور من إصابة الدليل عليه ليقطع عذره فإذا اجتهد المأمور في طلب إصابة الحق فلابدّ له أن يظفر به.
__________
(1) في نسخة أخرى.
(2) جزء من الآية 143 من سورة البقرة. (3/113)
صفحة 784
فإن قال: أرأيت إن تولاهم وشهد لهم بالعدالة على ما كانوا عنده قبل ذلك مع اختلافهم؟
قيل له: لا يجوز له ذلك لأنه قد جمع بين الأضداد، وقد قال الله (تعالى): * (*أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ*) * (1).
فإن قال: فكل حادث بينهم هذا حكمه؟
قيل له: الحوادث على ضربين، فضرب منها يكفر به فاعله ويجمع المسلمون على البراءة منه وتكون العامة تبعا للعلماء مصوبة لهم.
والضرب الآخر هو كل ما اختلف أهل الحق فيه وتنازعوا حكمه حتى يخطئ بعضهم بعضا فهذا فرق ما بين الحوادث التي لا يكون الحق فيها إلا في واحد.
فإن قال: فما الواجب على الضعيف الذي لم يعلم الحكم فيما اختلفوا فيه ولم يعلم المصيب منهم من المخطئ.
قيل له: عليه أن يقف عنهم لجهله بالمخطئ من المصيب منهم، وعليه السؤال عنهم فيهم وعن حكم ما اختلفوا فيه.
فإن قال: لم أوجبتَ عليه السؤال في ذلك؟
قيل له: إن الله افترض عليه فرائض ألزمه أداءها ولا يصل إلى علمها إلا بسؤال أهل العلم، فعليه أن يطلب من أمره الله باتباعه من هؤلاء المختلفين لأن الله (تعالى) قال: * (*فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ*) * (2). فعليه طلبهم ليسألهم.
__________
(1) جزء من الآية 28 من سورة ص.
(2) جزء من الآية 43 من سورة النحل. (3/114)
صفحة 785
فإن قال: فخبروني عمن نشأ بعد عصرهم؟
قيل له: الناشئ إذا لم يكن في عصر أهل الأحداث إن وجد الناس مجتمعين على حكم واحد في ذلك الحدث، فإجماعهم حجة لهم وعليه التسليم لهم والموافقة لهم، وإن وجدهم مختلفين فعليه السؤال عما اختلفوا فيه كما قلنا.
فإن قال: ولم قلتم إن عليه أن يصدقهم فيما أخبروه به من حكم الأحداث وله أن يقلدهم في ذلك؟
قيل له: لما كان المخبرون له أهل العدل والعلم وجب أن يقلدهم فيما حكموا به إذا كان متبعا غير عالم.
فإن قال: فلم أجزتم له أن يقلدهم، وقد نهيتم عن التقليد في الدين؟
قيل له: التقليد على وجهين:
أحدهما: لا يجوز وهو ما يكون الحق فيه في واحد من أقاويل المختلفين لأن الله إذا تعبد بذلك أو بشيء منه نصب الأدلة عليه.
والوجه الآخر: وهو ما لم ينص الله عليه في ظاهره حكما يدل عليه، ولم ينصب عليه دليلا من كتاب ولا سنة ولا إجماع من الأمة، ورد حكمه إلى العلماء ليجتهدوا في طلب حكمه نحو الأروش ومتعة المطلقة على زوجها إذا طلقها قبل أن يدخل بها ولم يكن فرض لها صداقا ونحو ذلك، فهذا ما يجوز فيه التقليد، ويرجع فيه إلى قول العلم لعدم النص عليه، والدليل على حكمه.
فإن قال: فما كان حكم الاختلاف الذي كان بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ (3/115)
صفحة 786
قيل له: الاختلاف الذي كان بينهم كان على ما ذكرنا، وذلك أنهم اختلفوا في أشياء فمنهم من قتل بعضهم بعضا عليه، وبرئ بعضهم من بعض فعلمنا أنهم لا يكونوا جميعا محقين، والوجه الآخر من الاختلاف نحو اختلافهم في المشتركة، ونفقة المطلقة ثلاثا، والكلالة، ونحو هذا لم يبرأ بعضهم من بعض على اختلافهم فيه، ولا خطّأ بعضهم بعضا عليه، بل كانوا يدينون بولاية بعضهم بعضا عليه فعلمنا أن الاختلاف على ضربين:
أحدهما: الحق فيه واحد، والآخر الحق فيه في اختلاف المختلفين من أهل العلم والعدل.
فإن قال: لم قلتم: إن له أن يقلد أهل هذه الفرقة دون غيرها؟
قيل له: إن الله تبارك لما جعل الحق في أمة محمد نبيه صلى الله عليه وسلم لقوله (تعالى): * (*وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ... *) * (1) الآية. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمتي لا تجتمع على خطأ» فأمّننا الله ورسوله أن لا يكون الحق خارجا من أيديهم جميعا ثم وجدنا فيهم السراق والزناة ونحو هؤلاء فعلمنا أن الحق في يد البعض دون الكل، وإذا كان الحق لا يخرج عنهم، وكانوا مع ذلك مختلفين وطلب هذا المسترشد للصواب فلابد إذا طلب واستدل عليها أن يعرفها فإذا وجدها وجب عليه أن لا يقلدها فيما كان طريقه طريق السمع من نقل الأخبار وتفسيرها والحكم بها على أهلها إذا كانوا هم الحجة له وعليه.
فإن قال: فإذا عرف أهل الحق ونشأ فيهم وربا بينهم وعلم أنهم محقون دون من خالفهم من فرق الأمة ثم سمع بأحداث بينهم كانت
__________
(1) جزء من الآية 143 من سورة البقرة. (3/116)
صفحة 787
تقدمت قبل أيامه ومنشأه، هل عليه أن يسأل عن ذلك حتى يعرف الحكم فيه؟
قيل له: قد قلنا لك فيما تقدم من كتابنا أنه إن وجدهم مجتمعين على حكم ذلك فعليه التسليم لهم والرضا بقولهم إذا كان الحق في أيديهم، وهم الحجة، وإن وجدهم مختلفين في حكم الحادث وكل فرقة تدّعي أنها محقّة دون الأخرى كان عليه النظر والطلب لأنه لا يجوز أن يكونوا كلهم محقين، ولما دل على أن أحدهم مصيب وجب أن يكون من خالفهم مخطئا.
فإن قال: فإذا عرف حكم الحادث وجهل أسماء المحدثين هل عليه معرفة المحدثين بأسمائهم؟
قيل: ليس عليه ذلك إذا دان بالبراءة من أهلها.
فإن قال: فإن أراد معرفة أحد من هؤلاء بأسمائهم ليوقع البراءة عليهم بعينه ليزداد علما فيهم؟
قيل له: هو في هذه أفضل.
فإن قال: في ماذا يعلمهم؟
قيل له: علم ذلك يقع من وجوه أحدهما المعاينة للحدث، فإذا عاين الحدث وجهل حكمه استفتى فيه عالما، فإذا أفتاه فيه حكم به لله عليه، لأن العلماء هم المبينون عن الله وجوه حمل المفروض على عباده لأنهم ورثة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
ووجه آخر: أن يقرأ المحدث بذنب يكفره فيبرأ منه على ذلك إلا أن يجهل الحكم فلا يبرأ منه بغير علم ولا يصونه على ذلك فحينئذ يكون سالما إلى أن يلقى الحجة، والحجة هو الفقيه الذي يفسر له ذلك. (3/117)
صفحة 788
ووجه آخر: أن يشهد على المحدث للفعل المكفر شاهدا عدل ممن يبصر أحكام الولاية والبراءة، بأن زيدا فعل كذا وكذا والمسلمون يبرءون منه على ذلك، أو يقولون نحن نبرأ منه على ذلك لأن شهادتهما عليه بذلك الفعل قد أوجبت براءتهما منه.
ووجه آخر من البراءة: هو أن يشهر الفعل شهرة لا يدفعها أحد إلا إن كان معلوما خطؤه.
مسألة:
معروض على أبي المؤثر: وكل حق من حقوق الله لزم الأمة العمل به فعدلوا فيه أو جاروا، كان العلماء من الرعية إذا عرفوا عدل ما عملوا به أن يقبلوه ويبينوه، فإن عرفوا وجوده وخطأه أن ينبذوه وينفقوه، فإن علموا ما عليهم فيه فتركوا القول فيه بالعدل كانوا في التقية مظهرين الرضا لمن يجوز معه خلاق الحق ويكون هو على خطأ في دينه ومنزله كفر، ومن رد على المسلمين عدل ما قالوا في كتاب الله أو سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لعلم منه بترك الحق أو جهل فهو ضال كافر لأنه لا عذر لمن رد ما جاء من عند الله من الحق ولا علم بخطأ ولا عمد يدين به.
ومن أحدث حدثا في عمل بمعصية أو بترك طاعة مفترضة فقد نزل منزلة أوجب الله عليه البراءة بها عند أهل العلم بكتب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بما أوجب الله من النعمة في الدنيا والآخرة وأوجب من الوعيد له في كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وليس لمن جهل من ضعفاء المسلمين رد ما دان به العلماء من الحق ولا الخلاف عليهم بإقدام على ولاية من برءوا منه ولا البراءة ممن تولوه فإن فعلوا ضلوا وكفروا ولكن عليهم التسليم لهم بعدل ما دانوا به والولاية لهم. (3/118)
صفحة 789
مسألة:
ومن جواب أبي داود حبيب بن حفص بن حاجب إلى محبوب بن الرحيل فأذكرك الله وما رويت عن إخوانك الكرام أكرمهم الله في الآخرة وجمع بيننا وبينهم فقد علمت أنهم إنما دانوا بدين نبيهم وهو طاعة الله والإقرار له بالسمع والطاعة حتى لا يخالف الله، ومن خالف الله في قوله يقول به عليه خلافا لما شرع في دينه أو ما جاء في سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فهو ضال يبرءون منه وكذلك من عمل عملا من معصية الله في شيء من الأمور فأقام عليه ولم يتب إلى الله منه، وهو معروف أنه لله معصية منسوبة في كتابه أو في سنة نبيه أو عند فقهاء المسلمين مجتمع رأيهم فيها، فمن عمل بها وأقام عليها ولم يدن بالتوبة منها فنحن منه براء إذا دان بالتوبة، وهو غير نازع ولا نادم ولا راجع فبئس الحال حاله عند المسلمين وإن دان بالتوبة، وقد علمت أن أشياخك قالوا لمن وصفت إن التوبة تكون بالدينونة دون الشرك أنه قد أخطأ وقد علمت قول أبي عبيدة رحمه الله حين سئل عن المصير فقال: هو الذي لا يتوب ولا يندم ولا ينزع.
وقد يصيب الناس الذنوب التي عند المسلمين عظيمة، وأخذوا من قول خيارهم من الفقهاء مما أفتوا به وعلموه من التبيين وحذروه من الشبهات التي يكون فيها ينزل بالناس في صلواتهم وزكواتهم وحجهم وفروجهم وما يبلغون به في دينهم وفي أموالهم وأحكامهم، فكان فقهاؤك يتناولون المخالف للمسلمين في ذلك المعروف المجتمع عليه من قول فقهائهم.
فإذا عرفت ذلك واطمأننت إليه فقد علمت أنك إن شاء الله تعرف هذا، وتقول به، فاتق الله في دينك واحمل أولياءك ومن نصحت له في الله على الحق فلا تمكن لهم فلا خلاف ما كان عليه أشياخك فقد علمت تعظيمك لهم واتباعك لقولهم وعيبك على من خالفهم، وإنما كتبت إليك (3/119)
صفحة 790
بهذا لتعلم حال الناس ومن بقي منهم وما استحقوا به مما كان يفعله أفاضلهم ويدينون به.
فاتق الله في ذلك، وأقر الناس عليه، ولا تدعن شيئا من الحق الذي لا يسع تركه، ويكون ترك أهله عليه ضلالا فقد علمت شانيك لبعض الناس عليه، فأنزل الناس في الحق سواء، رضي الله عنك.
وقد قدم عليك إخوانك فأبلغ في النصيحة لهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا، وسائلهم عن كل ما هم فيه مما يعملون به مما قدرت، فما وافق قول أسلافك فاقبله، وما خالف قولهم فاتق الله ولا تدعنّ أحدا على خلافهم في دينهم وهو يدعي ويدعي به أنه وليهم، ومن تولى من لا تحل له ولايته بدين ضل، عالما أو جاهلا إذا دان بولاية من لا تسع ولايته.
مسألة:
وسألت محبوبا عن رجلين وقع بينهما اختلافا في مسألة وتنازعا حتى برئ كل واحد منهما من صاحبه، ومعهما رجل ممن كان يتولاهما فلم يدر من المصيب منهما ومن المخطئ، وقد بدأ أحدهما بالبراءة من صاحبه ثم برئ الآخر منه حيث برئ منه الأول؟
قال: إذا عرف المصيب منهما تولاه وبرئ من الآخر وإن لم يعرف وقف عنهما حتى يسأل المسلمين.
وقال غيره: يستتب الآخر فإن لم يتب وأصر على فعله فعليه حينئذ يبرأ منه بعد ذلك ببيان وأمر صحيح واضح. (3/120)
صفحة 791
مسألة:
وقال هاشم بن غيلان: كان أشياخنا يعلموننا إذا اختلف الناس في شيء مما يحل بعضهم ويحرم بعض و في ولاية أو في براءة فتولى بعض وتبرأ بعض فقف عن الشبهات حتى تعرف الحلال من الحرام، وتبين لك الولاية أو الفراق، وقل عند ذلك قولي في هذا الأمر وديني دين المسلمين فيما اجتمع رأي المسلمين فأنا منهم ولا تعجل عجلة خرق (1) حتى يتبين لك الحق فتتولى على بصر وتبرأ على بصر وتُحل بعلم وتحرّم بعلم، وقل أنا واقف حتى أسأل المسلمين أهل العلم والثقات.
فإذا اختلف الناس فكن عند أهل الصدق أفاضل المسلمين من أهل العلم بالله وكتابه وسنة رسوله فإنك توفق إن شاء الله وعلى ذلك مضى أوائل المسلمين وكان هذا قولهم نسأل الله التوفيق لما يشاء ويحب ويرضى، حدثنا بهذا الفضل بن الحواري عن سعيد بن محب عن هاشم بن غيلان.
مسألة:
قال محبوب: جاء رجل من أهل خراسان إلى الربيع فقال: يا أبا عمر، وهل يأتي على المسلم حال يوقف عنه فيها؟
قال: نعم.
قال: فبين ذلك.
قال: ما قلت يا أخا خراسان في رجلين من أهل ولايتك تكلمنا في مسألة من الفرائض فاختلفا، فقال أحدهما: القول قولي،
__________
(1) الخرق: الجهل والحمق. (3/121)
صفحة 792
وقال آخر: القول قولي، فتشاجرا فبرئ كل واحد منهما من صاحبه وأنت لا تدري ما اختلفا فيه ولا ما قول المسلمين فيه.
قال: فما تقول يا عمرو؟
قال: لك أن تقف عنهما حتى تسأل المسلمين عن مسألتهما فأيهما كان الظالم يتبرأ منه إلا أن يتوب. (3/122)
صفحة 793
الباب التاسع
في السؤال
عمن يتولى ويبرأ منه
وغير ذلك
سألت أبا سعيد عن الرجل، هل له أن يسأل عمن يتولى من الأحياء من تؤخذ عنه الولاية بالرفيعة، وهل ذلك حسن؟
قال: معي أنه إذا أراد بذلك الفضل ومعرفة الصالحين ليتقوى بهم على طاعة الله في أمر دينه ويواليهم لله ابتغاء مرضاته ولم يدن بذلك فعندي أن ذلك حسن إذا وافق العدل في ذلك.
قلت له: وكذلك له أن يسأل عمن يبرأ منه من الأحياء والأموات من الأئمة والمحدثين أم ليس له ذلك؟
قال: إذا صدقت نيته في سؤاله للخروج من شبهة الناس وفسادهم والبلوغ إلى معرفة المحق من المبطل وكان جاهلا بذلك ولم يرد بذلك هتك السنن ولا تجسيس العورة ولا شهوة لذلك في أحد إلا البلوغ إلى العدل للخروج في ذلك من الشبهة كان هذا عندي بابا من الفضل.
قلت له: وكذلك هل له ذلك في كل شخص من بني آدم من الرعايا إذا كانت هذه نيته أم ذلك خاص في أئمة الجور دون الرعايا؟
قال: فإذا كانت نيته هذه التي وصفت لك كان له عندي ما ذكرت (3/123)
صفحة 794
لك من جميع ما سألت عنه ما لم يوافق في سؤاله أو في نيته أو في براءته محجورا بجهل أو بعلم بدين أو برأي بخطأ أو بعمد.
مسألة:
وعن رجل اعتقد لرجل الولاية فسأل عنه أتتولى فلانا؟
قلت: هل يسعه أن يكتم ولايته إذا لم يتق ي ذلك تقية.
قال: معي أنه لا يسعه كتمان ذلك ويعجبني ذلك إلا أن يكون يخشى من السائل له أن يتولاه بولايته وخاف على السائل أن لا تسعه الولاية له أن يتولى بولايته، وخاف على السائل أن لا تسعه الولاية له بولايته لضعفته وأن لا يكون ولايته حجة للسائل فستر عنه ذلك خوف هلاكه مناصحة لله أو على غير هذا من الوجوه التي يريد بها المناصحة فأرجو أن يسعه.
مسألة:
وكذلك ما لم تقم عليه الحجة بشيء من تفسير الجملة أو من توحيد الله وصفاته بما يذكر معه أو يخطر بباله أو يعرف معناه، والمراد به فيجهل ذلك أو شيئا منه فهو سالم أبدا وليس عليه في مثل هذا سؤال أبدا على الأبد معنا لأنه ليس له غاية وإنما عليه السؤال في الجملة عن جميع ما يلزمه من دين الله أو دين خالقه أو دين محدثه على ما تؤدي إليه شواهد معرفة الله وصفاته بأي ذلك عقل عن الله معرفته كان ذلك كافيا له عن سوى ذلك من أسمائه وصفاته ما لم تقم عليه حجة شيء من ذلك بعينه.
ومن الكتاب: وكذلك ما اعتقد مع العمل من الأعمال اللازمة أو القول اللازم أو النيات اللازمة له في رضا الله أو قصد إلى عبادة الله أو إلى (3/124)
صفحة 795
طاعة الله أو إلى ما ألزمه الله أو في رضا الله أو في رضا خالقه أو في رضا محدثه أو في عبادته، فما اعتقد من هذه الأشياء فهو كاف له.
ومن الكتاب: وقد ألزمناه في الجملة السؤال عن جميع ما يلزمه من رضا خالقه أو عبادة خالقه أو دين خالقه بأي شيء من الأشياء التي يستدل به مما قدمه الله إليه وأقام عليه الحجة من معرفته ومعرفة عبادته فعليه اعتقاد السؤال عن جملة ما يلزمه فيما قد عقله اهتدى إلى ذلك وأنه لا يستطيع ولا يصل إلى رضا خالقه أو عبادة خالقه إلا أن يطلب ذلك من غيره ممن هو مثله من المتعبدين ممن يدرك عقله فيما هدي إليه أنه يدرك خالقه ممن جهل منه من عند من هو مثله أو يدرك معرفته منه على ما يهتدي إليه.
ومن الكتاب: ولا يلزمه السؤال عن شيء قبل أن تنزل به بليته لأنه كيف يلزم السؤال عن شيء بعينه لا يعرفه ولا يعقله هذا ما لا يطاق.
مسألة:
وإذا بلغه خبر الجملة فعليه معرفتها ولا يسعه الشك فيها ولا يلزمه السؤال عنها ولا ينفعه لأن عليه علمها قد قامت عليه الحجة بها أو تقطع عذره بها، وإنما يلزمه السؤال في الاعتقاد في الجملة عن جميع اللازم أو عن شيء من المخصوصات التي إذا نزلت البلية بها ما لم تقم بها على المبتلى الحجة من شواهد عقله وكان سالما بترك ذلك أو بفعله إذا كان معتقدا للسؤال عنه، وإذا لم يعتقد السؤال عنه هلك، فهذا هو موضع لازم ومنفعة اعتقاد السؤال.
وأما ما كان من الأشياء التي إذا نزلت البلية بها قامت عليه الحجة بها من عقله، فإن جهلها هلك سأل أو لم يسأل ولا ينفعه السؤال عنها ولا يلزمه السؤال عنها لأن إلزامنا سؤال لا معنى له، وإنما يلزمه إذا وقع النفع وكان نافعا له وكان تركه ضارا له. (3/125)
صفحة 796
كذلك كل شيء من طاعة الله كان لا يضره تركها وينفعه العمل بها أن لو عمل بها فليس يجوز لنا أن نلزمه العمل بما لا يلزمه، وإن كان ينفعه إذا فعله وبلغ إليه.
كذلك كل سؤال لا يلزمه فلا يجوز لنا أن نلزمه إياه ولو كان إذا سئل عنه نفعه وبلغ به إلى منازل السلامة عند منازل البلية، ولكنا نأمره بذلك ونحثه عليه لأنا إذا ألزمناه ذلك فقد ألزمناه غير اللازم، وإذا ألزمناه غير اللازم فهو عندنا بمنزلة من حططنا عنه اللازم، ولا فرق بين ذلك، ومن ألزم أحدا غير اللازم أو حط عنه شيئا من اللازم فهو بذلك ظالم ثم جاهل لذلك أو عالم لا عذر له في ذلك عند الله تبارك وتعالى ولا في دينه عند أهل العلم.
مسألة: [من الزيادة المضافة]
ومن جواب أبي سعيد رحمه الله:
وقلت: وما أصلح في الإسلام الكلام والمناظرة للمعارضين في هذه الأحداث أو الإغضاء عن ذلك والسكوت؟
فمعي أن كلا مخصوص في هذا بما يخصه من المحنة، فإذا كان من الكلام ما يرجى نفعه ويخاف الضرر في تركه كان الكلام أولى، وإذا كان الكلام يخاف ضرره في مخصوص من الأمور أو معموم فالوجه تركه واللازم السكوت عنه، وإن كان لا يرجى نفعه ولا يخاف ضرره فالسكوت أولى لأن الاشتغال في غير معنى اشتغال عن معنى، وسكوتك عما لا يعنيك أولى بك من كلامك فيما لا يعنيك ولو كنت مصيبا، وقد قيل من التواضع لله ترك الجدل والمناظرة ولو كنت محقا فيخرج ذلك عندي إذا لم يرج في ذلك تقع أكثر مما يخاف فيه الضرر.
قلت: وهل أرى ترك هذه الأحداث والقول فيها وفي أهلها المختلفين فيها وأن يرجع إلى جملة الإسلام مع ولاية محبوب فمن دونه إلى عزان (3/126)
صفحة 797
بن الصقر وتثبت وتصح الموافقة للداخل في الإسلام وتثبت ولايته إذا أقر بذلك؟
فإن لم يرج في ذكر هذه الأحداث نفع وخيف منه الضرر فتركها عندي أولى، وإن رجا في ذلك نفع فلا يدع ما به النفع إن شاء الله، وأما ولاية محبوب فمن دونه إلى عزان بن الصقر فإذا لم يدخل عليه ريب في أمر من أسباب هذه الأحداث والمتدينين بها، فأرجو أن يجزئ ذلك إذا حضر وقتها.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع].
مسألة:
وجدت في أثر وعن صفة السلف من أهل الولاية والبراءة كيف هم؟
قال: هم الذين مضوا واجتمع المسلمون على ولاية الولي منهم وعداوة العدو منهم من أول الصحابة إلى آخر العلماء بعمان وآخرهم الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة، والشيخ أبو الحسن علي بن محمد البسياني. انظر في هذا الأثر.
مسألة:
عن أبي علي: وقد جاءنا كتاب من أشياخ صحار وكتاب من الشراة أجر فيه أعناب فيما بينهم وشيء كرهناه لهم ولا يبلغ فيه براءة ولا فراق ولا عظيم من الأمر والدرك فيه قريب، فأهل الفضل منكم الذين يسعون في الألفة والصلاح فإذا جاءكم كتابنا فاجتمعوا رحمكم الله فليستغفر بعضكم لبعضكم، واستمسكوا بشرعة الله ودينه وما حدث بينكم من (3/127)
صفحة 798
التنازع فقولوا ديننا فيه دين المسلمين ورأينا فيه رأيهم وحكمه إلى الله ثم ارتضوا به.
وقد قال الله (تبارك وتعالى): * (*وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً*) * (1).
وقال تعالى: * (*وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ*) * (2).
هذه وصية الله فالزموها يكن الله معكم ويكفيكم ما أهمكم.
__________
(1) الآية 53 من سورة الإسراء.
(2) جزء من الآية 103 من سورة آل عمران. (3/128)
صفحة 799
الباب العاشر
في أسماء الدور وأحكامها
[من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه]
مما وجدته بخط مؤلف الكتاب، الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان أن الأسماء التي تثبت لها وتنقل ما تجري من الأحكام على أهلها فلزومها إياها فإنها أسماء عامة لجملة من فيها ولنحلتهم المدان بها التي لا يجوز معها إلا إظهار التصويب لها والرضا بها من الساكن فيها والداخل إليها دون أن يكون معتصما بذمة فيها أو بأمان من أهلها فذلك وجوبها ولزومها ولا تجب هذه الأسماء لأفعال جوارحهم لأن العقل لا يحيط العلم باشتمالها جميعا وللداخل إليهم وليست بعامة لهم لأن ذلك ممتنع من أهل الدور في عاداتهم ومع ذلك فإن منهم المصوب للزنى والقتل والسرقة، ومنهم الراضي به عنهم لا يلزمهم اسم سارق ولا قاتل ولا زان فيهم، ولا يجب عليهم الحكم الذاتي بذلك عليهم.
فلهذا ما يجب اسم الدار لأفعال جوارحهم، وليس كذلك الرضا بالنحلة التي هي كفر أو فسق والتصويب لمن دان بها، وهذه الأسماء التي تجب لعظم المعاصي من فاعلها، ولا يجب أن تكون الدار كفر وفسق وظلم وضلال لكفر إمامها وضلاله، ولا يلزم أهله بيان الفسق بفسقه ولا الظلم بظلمه ولا الجور بجوره وتعطيله الحدود عمن وجبت عليه، ولهذا ما لم يجب كفر الدار لكفره، لأن من أهل الدار من لا يكفر عليه لترك النكير عليه لعجزه عن ذلك، وقهر الإمام له مثل الزنى والإصرار والفساد ونحو ذلك، ولا يجب اسم الدار إلا بالعموم بها لأهلها في الخبر عنها. (3/129)
صفحة 800
وإذا كانت هذه الدار على ما وصفنا من شأنها، دار كفر، ودار فسق وضلال لم يجز لأحد دخولها ولا المقام بها مع وجود السبيل إلى دار ليس هذا الاسم لها ولا الحكم على أهلها ما لم يكن معتصما بذمة أو أمان مما بها، بغير إظهار لتصويبها لأنه حينئذ يكون مدخلا لنفسه بذلك فيما يجب من الاسم والحكم على أهلها، وفيما يكون به عاصيا لربه من تصويب ما دانوا من الكفر والفسق به، وإن كان مكرها على ذلك لأنه يجد السبيل إلى ذلك الخروج عنها إلى بلد غير محمول ذلك عليه فيه، فإذا أمكنه أن يعتصم بذمة أو أمان ليس في الزي والهيبة من أهل دار الكفر، على أنه غير محمول في ذلك على تصويب كفرهم ولا يفتنوه عن دينه في مقامه معهم جاز ذلك.
كما تجوز المختلفة بالتجارات إليهم مع إظهارهم لمخالفتهم بأمان منهم لهم، وبأن يكون رسلا للمسلمين إلى المسلمين إلى بعضهم أو بعض ملوكهم بالسنة قائمة للمسلمين في شريعتهم ما لم يأمرهم إمام المسلمين عن ديارهم لما يدين من صلاح إليه بخروجه عنهم ولا يجب ذلك منه على التصويب لمقالتهم فيها تساويا في اجتماع العجز فيهما، عن النكير وأن لا يصوب أهله فيما دانوا به على ما وصفناه، لأنه لا يجب مع ترك التصويب لهم وظهور مخالفتهم في دينه إياهم وكراهيته لما دانوا به من ضلالهم أن يكون متشاغلا بالنهي لهم دهره، حتى لا يسكت عن ذلك بعد النهي عنه لهم.
ولا يجب أيضا أن يكون مشتركا (1) لترك إنكاره على أهله مع إظهاره المخالفة والكراهية تقوم مقام النهي والإنكار مع الخوف بالخطاب به، ولما لم يكن ترك الإنكار ينقل اسم السداد لما فرقنا به في ذلك بين الأفعال والنحل جاز أن يقسم في دار لا يمكنه إنكار المنكر فيها ودفع الظلم عن نفسه من أهلها لأن ذلك ليس بإباحة له منع مع ما ذكرنا، ولم
__________
(1) في نسخة "مشركا". (3/130)
صفحة 801
نجده في كتاب الله ولا سنة نبيه ما منع من إقامته في هذه الدار على ما وصفنا.
وأيضا فإن الأنبياء ما زالوا على وجه الأرض مقيمين بين الكفار والذين يجاهرون بمعاني الله، وكان لا يتهيأ لهم مع ذلك منعهم عنها بالنصر لهم على الامتناع منها، وكانوا مع ذلك يعلمونهم بمالهم من عقاب الله في فعلها ...
وإذا اجتمع في الدار الواحدة نحلتان، نحلة إسلام ونحلة ضلال ممتنع مقام أحديهما إلا بإظهار التصويب لهما والرضا بهما فمحكوم على أهلها بالضلال، كما أنه لا يجتمع في واحد اسمهما ولا حكمهما لأن الكفر والفسق والضلال يحبط الإيمان ويحرم الثواب ويستحق الذم.
وإذا أمكن المقيم في الدار أن لا يظهر الرضا والتصديق بشيء من مذاهب أهلها لم يجب لها أحد الاسمين ولا أحد الحكمين ولا يحب زوال أهل الإسلام عنها بزوال اسمها ولا بموت إمامها يجب ينكسر عنها لما كان بين ظهراني الإسلام من الهدى والإيمان والله أعلم بالصواب في ذلك وفي غيره وهو أرحم الراحمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين، وعلى جميع المرسلين، وسلم الله عليهم تسليما.
ومكتوب في آخر ذلك ثم كتاب عن أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب. (3/131)
صفحة 802
الباب الحادي عشر
في الموافقة في الدور
بسم الله الرحمن الرحيم ...
قال غيره: إن هذا نسب الإسلام الذي يوجد في أول جامع بن جعفر الذي تثبت به الموافقة لمن أقر به ورضي به، وتجب له الولاية، وهو من لدن قوله:
"والإسلام شهادة أن لا إله إلا الله ... إلى قوله: من أقر للمسلمين بهذه الأعمال والحقوق ثبتت ولايته ووجب حقه"، وبدون ذلك معنا يكتفي من الإقرار بالجملة التي يكتفي بالإقرار بها إذا كان المقر بها تصح له السلامة من الريب والتهم من التدين شيء من أديان الضلال التي قد اشتملت على عامة أهل القبلة بنزوله في دار أو بقعة أو مصر يشتمل على أهلها التدين بدين أهل الاستقامة من المسلمين فإذا أقر بالجملة وسلم من التهم أنه يتدين بشيء من أديان الضلال وصحت له الأعمال الصالحة تثبت ولايته.
ومن الكتاب: وإنما تكون الموافقة إذا أقر المصح أو صح له بحرف أو بمعنى يصح في وقته، ذلك أن ذلك الذي أقر به وصح له لا يقر به ولا يصح إلا لمن قد برئ من التهم والريب بالتدين والدخول في شيء من الضلالات، فإذا صح له هذا وجب حقه وثبتت ولايته وقد قيل: إنه من صح له ما يكون به ثبوت الموافقة بدين المسلمين ثبتت ولايته لم يحتج منه إلى علم الأعمال. وقد قال من قال: لا يتولى حتى يصح منه موافقة القول بالعمل، (3/132)
صفحة 803
فإن ظهر منه ذلك تولى، فإن لم يظهر منه فهو بحاله حتى يظهر منه موافقة القول بالعمل فيتولى أو يظهر منه حدث فيلزمه حدثه.
قال غيره: قد قيل إن كل من صحت موافقته جاز أن يتولى.
وقال من قال: لا يتولى حتى يوافق القول بالعمل.
ومن الكتاب: وإنما تكون الموافقة في كل زمان ما يثبت فيهم ولهم لا ما يثبت في أحد قبلهم إلا أن يكون مذ ثبتت تلك الموافقة لم تظهر من أحد ممن ينتحلها يدين بشيء من الضلال ولا اتهم بذلك فتلك الموافقة كافية لهم ولمن جاء بعدهم حتى يصح من أحد من أهلها يدين بشيء من الضلال أو يتهم بذلك.
ومن الكتاب: فإنما جعل أهل كل زمان من المسلمين سيرة فسماها نسب الإسلام وسماها دين المسلمين لما يقع به الحكم على أهل مصره وعصره، فإذا تغير ذلك بحدوث أمر في الدعوة واقتراف الكلمة لم يكن ذلك الذي قد كان موافقة في ذلك الزمان، موافقة عند تغير الحال بدخول ريب أو تهمة يتدين بضلالة.
ومن الكتاب: وإنما يختبر كل زمان وتسير أحكامه في الولاية علماؤه المشاهدون له الذين يبصرون أحكام الولاية والبراءة ويبصرون الفتن إذا نزلت والبدع إذا دخلت فمن هنالك قيل: إنه لا يتولى في كل زمان إلا بولاية العلماء بالولاية والبراءة لثبوت الريب والشبهات في أهل القبلة.
ومن الكتاب: وأما قول العالم الذي يكتب الكتاب ويسميه بنسب الإسلام أو يسميه موافقة ويثبت لمن أقر به الولاية، فإنما يخرج حكمه خاصاً له، ولمن عرف ذلك كمعرفته إذا كان ذلك على غير صفة يعتبرها غيره، وإنما يقول: إن فلانا يستولى، وفلانا يبرأ منه، ولا يجوز ذلك (3/133)
صفحة 804
لمن علم ذلك من العالم أن يبرأ من أولئك إلا أن يعلم أنهم مستحقون للبراءة ولا يلزمهم أن يتولى أولئك إلا أن يعلم أنهم مستحقون للولاية وليس له أن يتولى ولا يبرأ بما في ذلك الكتاب إلا أن يخصه من ولايتهم والبراءة منهم ما خص ذلك العالم.
وإنما وضع العالم ذلك الكتاب تذكرة وحجة له ولمن نزل بمنزلته وعرف منهم ما عرف العالم كما جعل الحاكم الكتاب في الحكم حجة له على من حكم عليه، وليس ذلك حجة لغيره إذا لم يصح معه ما صح مع الحاكم.
وكذلك كتاب شهادة الشهود:
وأما إذا رفع إليه العالم ولا يتهم أولا ولاية أحد منهم فقد اختلف في ذلك.
فقال من قال: عليه وله ولايتهم.
وقال من قال: وليس عليه ولايتهم إلا أن يكون عالمين.
وأما البراءة فقد قيل: إنه لا يجوز أن يبرأ ممن برئ منه العالم.
فصل:
وقد قيل إن الجملة كانت هي الموافقة وكانت هي نسب الإسلام، وكان كل من أقر بالجملة فقد صحت معه موافقته ووجبت ولايته وكانت الجملة كافية عما سواها قبل تفرق الكلمة من المتدينين فلما اختلفوا في تدينهم لم تكن الجملة مجزية للموافقة، إلا أن يصح لأحد ممن أقر بها سلامة من التدين بشيء من أديان الضلال، كافية في موافقته.
ومن الكتاب: ولم يكن تفرق الكلمة من المتدينين ناسخا لثبوت (3/134)
صفحة 805
الجملة بل هي ثابتة في الدين ولكن غير مجزية لحكم الموافقة إلا بصحة البراءة لمن أقر من الخروج من ضلالات المتدينين.
فصل:
وكذلك كان حكم اسم التحكيم والشرى وهو نسب الإسلام وبه تصح الموافقة فلما خالفت الخوارج بالتدين المحكمة والشراة وهم ينتحلون التحكيم والشرى لم تكن صحة الشرى والتحكيم مجزية للموافقة.
ومن الكتاب: ولم يكن اسم التحكيم والشرى إذا لم تصح به الموافقة باطلا بل هو اسم هدى، وكذلك الإباضية لما افترقوا وخالفهم من خالفهم من أهل البدع مثل الطريفية والشعبية وهم يتسمون بالإباضية لم يكن صحة اسم الإباضية بشهرة ولا خبرة موجبا لثبوت الموافقة كما كان قبل أن يفترقوا إلا بما يصح للمتسمى بذلك البراءة من التهم والريب في الدخول في ضلال الطريفية والشعبية وأتباعهم بانتحال نخلة تبرؤه من ذلك أو صحة أمر من ولاية أحد من علماء المسلمين أو معنى من المعاني.
ومن الكتاب: كذلك لما عارض الريب والشبهة من المتدينين فيمن تسمى بالإباضية والمحبوبية من أهل عمان في أحداث أهل عمان بترك الولايات منهم لبعضهم بعض على سبيل ما يوجب الريب والتهمة في مخالفة الحق من الفرق بين أحكام الدعاوى والبدع لم يكن اسم المحبوبية معنا ولا من صح منه ولاية لمحبوب، ولا في أحد من علماء المسلمين إلى عزان بن الصقر ولا إلى عصرنا هذا موجبا لحكم الموافقة إلا ببراءة له من الريب والشبهة في أمور الحكم في أهل عمان والبراءة له من مخالفة الحق في الفرق بين أحكام الدعاوى والبدع أو يصح منه الولاية لمن قد صح له البراءة من ذلك بظاهر أمره ولن يصح ذلك معنا إلا بولاية أبي عبد الله محمد بن روح رحمه الله أو من صح منه الاتباع لمذهبه الذي أظهره وبينه أو لمن تولاه على ذلك. (3/135)
صفحة 806
ومن الكتاب: كذلك لكل زمان شبهة وريب يعارض أهل الحق في ذلك الزمان ويتحصل الحكم في تلك الحادثة التي توقع الريب والشبهة في حكم النحلة التي تثبت بها الموافقة إلى نظر أهل السلامة وتثبت له الولاية في الحكم ولا يكون ذلك إلا لمن يبصر الأحكام في تقلب أهل الزمان، وقد كررتها عليك، لتحذرها وتبصرها، ولا تقدم فيها إلا على بصيرة وإذا لم تبصر وجه السلامة فيها، وكلها إلى الله وسل عن ظواهرها العلماء فإنه لا عذر لك في مخالفة الحق لأنه إنما يبصر الفتن إذا أقبلت العلماء الذين هم شهود قوام على أهل الدار، فإذا أدبرت أبصرها العوام، وإنما يبصرها بإنكار العلماء لها ولو لم ينكرها العلماء لم يكن مع العوام فيها فرق بين الضلال والهدى، وإذا كان معهم فيها فرق فليسوا بالعوام ولا بالضعفاء بل هم الحكام فيها والعلماء والقوام.
مسألة:
في ترك ولاية أهل عمان بعضهم بعضا عند وقوع الأحداث فيها من موسى وراشد وغيرهما وأكثر ما عرفنا منهم التوحش من بعضهم في ترك ولاية بعضهم بعض إلا على سبيل من ذهب مذهب كل واحد منهم في ولاية من تولاه أو براءة من برئ منه أو وقوف من وقف عنه، ومعنا أنهم يتوسعون في ذلك باختلاط أهل الدار وأنه لا تصح الموافقة في أهل الدار بعد وقوع الأحداث والاختلاف فيها وفي أهلها إلا بعد المحنة والمعرفة في أهلها وقد أجاز ذلك من أجازه من المسلمين.
ومن الكتاب:
وقد أجاز من أجاز من المسلمين أنه لا تكون الولاية إلا بالخبرة ولا تكون بالشهرة إلا فيمن لا يختلف فيه من أهل الفضل والموافقة لأهل العدل، وقال من قال: إنه إذا شهر للمتدين اسم التدين بدين المسلمين مع (3/136)
صفحة 807
العمل بالصالحات وظهور الخيرات ولو كان في دار الاختلاط أو دار كفر جازت ولايته، وكما أنه إذا صح على رجل أنه يهودي أو أنه مبتدع أو أنه محدث حدثا يجب عليه به اسم الكفر أنه يبرأ منه بذلك، ولو لم يعاينه ولا سمع كفره ولو لم يكن بحضرته ولا في عصره، وهذا القول أحب إلينا أن يتولى بالشهرة كما يبرئ بالشهرة إذا لم يشك ولم يرتب في تلك الشهرة.
وإنما يخرج عندنا قول من قال: إن الولاية لا تصح إلا بالخبرة ولو صح من أحد العمل بالصالحات لم تجب له الولاية حتى يعلم منه ما يوافق به المسلمين، هو إذا لم يصلح له بالشهرة مع العمل بالصالحات اسم يبرأ به المتسمي به من التدين بالضلال، ويبرأ به من الاختلاط في الأسماء التي تجمع أهل العدل وأهل الضلال، ويبرأ به من التهم بالتدين بالضلال.
ولا نعلم في حكم من الأحكام ولا في معنى من المعاني أن الكفر يصح بشيء لا يصح به الإسلام، وكذلك الولاية بالشهرة أحرى وأجدر وأولى أن تثبت لأهل الإسلام بالشهرة إذا لم يقع فيهم ريب ولا شبهة من طريق الشهرة، كما يجب على أهل الكفر بالشهرة الكفر به، ويجب عليهم بذلك البراءة.
ومن المحال أن يكون الكفر يعلو حكمه حكم الإسلام، والمعصية يعلو حكمها حكم الطاعة أو البراءة والولاية.
ومن الكتاب:
والشهرة توجب للمتدين بدين المسلمين يصح له اسم الإيمان والإسلام، كالشهرة على المتدين بدين الضلال يوجب له المفارقة والخلع والكفر، لا فرق في ذلك ولا اختلاف، بل اسم الإيمان أولى وأوجب أن (3/137)
صفحة 808
يعلو ولا يُعلى، وأن يكون المتسمى باسم الإيمان بالشهرة والولاية أهلا.
ومن الكتاب:
والمجمع (1) عليه من قول أهل العدل أن أهل الدار إذا كانت لهم دار الحق والمالك لها إمام عادل، والغالب عليها أحكامه والظاهر عليها سيرته أنه لا محنة على من ظهر منه عمل تجب به الولاية من الصالحات في القول بالتدين، وأنه كل من ظهر منه عمل بالصالحات ومسارعة إلى الخيرات أنه يجب له اسم الإيمان والولاية، وكل من لم يعرف منه مخالفة للحق وجب له اسم الإقرار بالحق وانتظر به موافقة القول بالعمل، ولا نعلم في ذلك اختلافا.
وقد قال من قال: إنه كل من كان في دار أهل العدل والحق واستقبل القبلة ودان بطاعة الإمام وجبت ولايته.
وقال من قال: كل من استقبل القبلة ولم يعلم منه مخالفة للإمام وهو في دار أهل العدل التي غالب عليها أهل العدل وجبت ولايته.
وهذا ما قيل في الحكم في أهل الدار إذا كان الغالب عليها حكام أهل العدل والظاهر عليها سيرتهم ودعوتهم، وقد أجمعوا لا نعلم بينهم اختلافا أنه لو كان الغالب على أهل الدار الحاكم عليها أهل الضلال من أهل الأديان والجبابرة ممن ينتهك ما يدين بتحريمه من المكفرات أنه لا تكون البراءة من أحد من الناس الذين في جملة أهل الدار بحكم المالك لها ولا حكم الغالب عليها ولا تكون إلا بالصحة في كل أمر من أهل الدار بعينه ولا يكون الحكم بالكفر على الغالب عليها من الحكام بصائر لأحد من أهلها ولا محكوم عليه بشيء من أحكام المالك لها في أمر الكفر والبراءات ولا زايد في أحكامه من الكفر كما زاد المالك للدار في حكم أهل الدار في
__________
(1) في الأصل: "والمجتمع" والصواب ما أثبت. (3/138)
صفحة 809
الإيمان والولاية، وكذلك أحرى وأجدر أن لا يكون الكفر يصح بشيء من الأشياء من شهرة أو غيرها إلا والإيمان بمثله أصح.
مسألة:
وجميع الناس لا يخلون من أحد ثلاث منازل معروف بخير لا يعرف منه شر، وهو في دار حق جار عليها أحكام العدل ودعوة أهل العدل لا اختلاط في تلك الدار من الأديان الظاهرة فيها وليس فيها إلا دين أهل العدل فتلك دار أهل عدل لا يحتاج فيها إلى محنة خبرة وتجوز ولايته حتى يشهر عليه أو يصح منه مخالفة للحق بدين أو مخالفة للحق بما يدين بتحريمه، فإذا صح ذلك عليه وجبت البراءة منه كان في دار العدل أو دار الجور أو دار الاختلاط من الأديان، وإذا لم يعرف منه خير يوجب له البراءة من الشر أو يوجب عليه أحكام الشر فهو مجهول، والوقوف أولى به كان في دار عدل أو دار الاختلاط تتظاهر فيها الأديان من دين أهل العدل وأهل الجور وأهل الحق وأهل الباطل وأهل الهدى وأهل الضلال، وإذا عرف منه شر أنزله شره حيث أنزله الحكم فيه كان في دار حق أو دار اختلاط.
قال غيره: كل من صح منه ركوب كبيرة أو إصرار على صغيرة برئ منه كان في دار عدل أو في دار جور أو دار اختلاط.
وكل من لم يصح منه معصية ولا طاعة، فإن كان في دار الاختلاط أو دار جور وقف عنه ولم يتول ولم يبرأ منه.
وإن كان في دار عدل ففيه قولان:
قال من قال: أنه يتولى.
وقال من قال: إنه يقف عنه حتى تصح منه الطاعة. (3/139)
صفحة 810
وكل من صح منه طاعة ولم يصح منه معصية، فإن كان في دار عدل تولى، وإن كان في دار جور أو دار اختلاط لم يتول حتى يصح أنه يدين بدين المسلمين.
مسألة:
وإذا كانت الدار كلها دار عدل وأهل نحلة العدل لا تتظاهر فيها الأديان بالباطل، وإنما جملة أهل الدار على نحلة أهل العدل كانت دار حق، ولو كانت في أيدي الجبابرة الذين ينتهكون ما يدينون بتحريمه، فلو كان فيهم من الرعية من ينتهك ما يدين بتحريمه، فإذا كان دين أهلها دين العدل ولا يجوز فيها إلا دين أهل العدل ولا يظهر فيها متدين بدين ببدعة باطل فهي دار حق وعدل ولو لم يكن لأهلها إمام عدل يملك الدار فكل من ظهر منه من أهل الدار العمل بالصالحات ولزوم الطاعات جازت ولايته ولا خيرة فيه ولا امتحان له في تدينه حتى يصح أن ذلك منه على غير دين الحق.
مسألة:
وإذا كانت الدار دار عدل ولو كان الغالب عليها من أهل دعوة الحق الذين يدينون بدين الحق فكل من ظهر منه عمل الصالحات من أهلها جازت ولايته ولم يكلف في ذلك محنة بقول.
مسألة:
تقول هذه دار عدل إذا كان أهلها يدينون بدين الحق وكذلك دار حق إذا كان أهلها يدينون بدين الحق، وإن شئت فقل: إذا كان أهل دعوة الحق وما أشبه هذا من الكلام. (3/140)
صفحة 811
مسألة:
وإذا كانت الدار فيها من يدين بالضلال وفيها من يدين بالحق وتظاهر فيها دين أهل الحق ودين أهل الضلال، فهي دار اختلاط، فمن ظهر منه عمل صالح من أهلها لم تجز ولايته حتى يعلم أنه يدين بالحق وكان موقوفا عنه.
وكذلك لو كان في دارٍ الظاهرُ فيها دين أهل الضلال وظهر من أهلها عمل صالح لم تجز ولايته حتى يعلم أن دينه دين الحق، وإن قلت حتى يعلم أن دينه دين المسلمين أو دين أهل الاستقامة أو دين أهل الحق أو دين أهل الهدى وما أشبه هذا، أو من أهل دعوة الحق، وكل ذلك سواء.
مسألة:
وكل من صح أنه يدين بدين الحق، أو أنه يدين بدين الباطل بشهرة أو بشهادة من تجوز شهادته وظهر منه عمل صالح جازت ولاية الذين يدين بدين الحق وجازت البراءة من الذي يدين بدين الباطل.
مسألة:
وكل من شهر له عمل صالح أو شهر له التدين بدين أهل الحق في أي المواضع كان، جازت ولايته، وإذا شهر له عمل صالح وشهر له التدين بدين أهل الضلال جازت البراءة منه، وكما تجوز البراءة من هذا بالشهرة فكذلك تجوز ولاية الآخر بالشهرة.
مسألة:
وكل من أشكل أمره في دار اختلاط أو دار غالب عليها أهل الضلال (3/141)
صفحة 812
أنه ليس من أهل الضلال، ولا من أهل العدل ولو ظهر منه العمل بالصالحات فهو موقوف عنه.
وكل من شهر له التدين بدين أهل الاستقامة، ولم يشهر له العمل الصالح [ولم يشهر له الفضل والعمل بالخيرات] (1) ولم يعلم منه شر ظاهر ففيه قولان:
أحدهما: أنه يتولى بشهرة اسم الموافقة لأنه قد شهر له اسم الخير فقد صحت موافقته.
وقال من قال: لا يتولى على شهرة التدين منه بدين أهل الاستقامة حتى يظهر منه ما يصدق به القول من العمل الصالح وهذا هو أكثر القول.
مسألة:
والأحكام في ظاهر الأمور فيما تعبد الله عباده في عبادة من الولاية والبراءة في ظاهر الأمور على السرائر ولا يكلف العباد حكم السرائر في شيء من الأمور.
مسألة:
ولو أن مصراً من الأمصار غلب عليه أهل الضلال وتظاهرت فيه الأديان بالضلال باستيلاء عليه، أو تكافت فيه تظاهر الأديان من دين أهل الاستقامة وأديان الضلال إلا موضعا واحداً معروفا، إن ذلك الموضع دين أهل الاستقامة لا يعرف من أحد منهم يدين بدين ضلال كان ذلك الموضع حكمه حكم أهل العدل، ودار العدل وكل من ظهر منه من أهل ذلك الموضع صالحات الأعمال وظهر عليه الخير ولم يظهر منه شيء من الشر من يدين بضلال ولا انتهاك لما يدين بتحريمه وحيث ولايته بغير محنة.
__________
(1) ما بين الأقواس في نسخة أخرى. (3/142)
صفحة 813
والشهرة لأهل بلد بالعدل والتسمي بالعدل في دينهم أصح من الشهرة لرجل بعينه في بلد، فكما جازت الشهرة في رجل بعينه إذا شهر له أن دينه دين أهل الاستقامة ولم تلزم فيه محنة وجازت ولايته إذا علم منه الأعمال الصالحة ولم يعلم منه شر ظاهر ولو كان في دار مستول عليها أهل الضلال أو في دار اختلاط أو في دار لا يصح لها حكم عدل وكذلك إذا صح بالشهرة لجميع أهل البلد كان البلد هو دار الهم.
مسألة:
ولو كانت مسفاة من المسافي المتعلقة في بعض رؤوس الجبال أو منقطعة في فيفاة من الأرض أو بلد معروف من مصر من الأمصار، وسائر البلدان من المصر يشتمل عليها الاختلاط في التدين، أو يغلب على أهلها التدين بالضلال ولو كان ذلك البلد الذي قد صح أن أهله ينحلون في دينهم نحلة أهل العدل والاستقامة من الأمة لم يكن يعرف فيه رجل واحد ممن تجب له الولاية إلا أنهم كلهم فساق ينتهكون ما يدينون بتحريمه، وكل من ظهر له منهم توبة وعمل صالح فهو في الولاية ولا محنة عليه لأنه قد ظهر له صحة المذهب في الدين، وهذا ما لا يرتاب فيه مع من أبصر أحكام الدور، وتمييز الأمور والله العالم بما تكنه الصدور، وإنما الأحكام في العباد بالظاهر المشهور وكل ما عدا السر فهو جهر وكل ما صار إلى الجهر فهو من أحكام المشهور.
مسألة:
وإذا كانت الدار دار اختلاط أو دار جور وفساد فاستولى عليها حاكم العدل حتى ظهرت فيها أحكامه وعلت يده وأظهر الحق وأخمد ظهور الباطل فإن الدار تتحول إليه ويرجع الناس إلى الحق والعدل، وتكون الدار دار عدل بظهور العدل على أهلها وخمود الباطل من أهلها فمن لم يعرف منه شر وعرف منه خير وعمل بالصالحات ولم تظهر منه مخالفة (3/143)
صفحة 814
الإمام والحاكم الظاهر عليها من الحكام صح له بذلك حكم الإسلام بغير محنة.
فإن كان في الدار من يتهم بالتدين بالضلال وإنما ترك ما كان عليه في حال التقية وهو يظهر منه أسباب التهمة بذلك، وقد تحولت الدار في الظاهر إلى العدل، فإنما يقع الريب على من اتهم بعينه ولا يقع على جملة أهل الدار تهمة والعدل أولى بها وبأهلها والغالب عليها من الأمور هو القاضي على جملة الأمور، حتى يصح على أحد حكم الخاص، ولا يسالم أحدا من أهل الدار إذا كانت في أيدي أهل العدل إلا على إظهار التسليم للعدل بالقول الظاهر إذا كان قد عرف منه التدين بالضلال.
ولا توبة لهم ولا مسالمة إلا بإظهار قبول الحق والشهادة على الخطأ الذي كانوا عليه بالخطأ والضلال، وكذلك كل من اتهم منهم بشيء من ذلك أنه يقبل ذلك في العلانية ويقول بغير ذلك ويعمل به في السريرة وتظاهرت عليه بذلك التهم لم يقبل منه ذلك وأودع الحبس حتى ينتهي عن ذلك وتبرأ القلوب من تهمته على دين الإسلام وأهله، وعلى هذا تكون الدار دار حق وعدل بالمالك لها.
مسألة:
وأما الاسم الذي يستحق المتسمي به الولاية فاسم يخص أهل الاستقامة من الأمة في دار يخصهم حكم ذلك الاسم أو في جميع الدور حيث ما كانوا.
قال غيره: كل اسم عرف به أهل نحلة الحق دون غيرهم من سائر أهل الأديان وسموا به وحدهم ولم يشاركهم أحد من سائر الأديان في ذلك الاسم مثل اسم المحكمة والشراة قبل أن يختلفوا وكل من صح له هذا الاسم أو عرف به وسمي به صحت موافقته ولم يحتج إلى محنة (3/144)
صفحة 815
واختبار في معرفة تدينه، فمن ظهر له العمل الصالح منهم جازت ولايته ومن لم يظهر منه عمل صالح ولا ظهر منه عمل شر ففيه قولان:
قول: إنه يتولى لأنه قد صحت موافقته وبرئ من الاشتراك بالتسمي به من أديان أهل الضلال.
وقال من قال: لا يتولى حتى يصح منه العمل الصالح.
فلما اختلفت المحكمة والشراة في الدين لم تجز ولاية من تسمى بهذا الاسم و عرف به لأن الخوارج بصنوفها والطريفية والشعبية ينتمون بهذا الاسم فلما كانوا يتسمون به لم يصح لمن تسمى به السلامة من التهم بالتدين بالضلال، وصار هذا الاسم مشتركا لأنه يجمع أهل نحلة الحق وأهل دين الضلالة. ولكن من صح له التسمي بالإباضية قبل أن تختلف الإباضية ثبتت موافقته وصح له التدين بدين أهل الحق.
فلما اختلف الإباضية لم يصح لمن يتسمى به التدين بدين أهل الحق لأن الطريفية والشعبية يتسمون بهذا الاسم، فلما صار هذا الاسم يتسمى به أهل الضلال وأهل الحق صار مشتركا فيه أهل الضلال وأهل الحق ثم هو على هذا فكل اسم كان يخص أهل نخلة الحق لا يتسمى به غيرهم ثبتت موافقة من تسمى به ولم يلزم اختبار من أراد ولايته اعتقاده في تدينه، وكل اسم تسمى به أهل الضلال وأهل الحق لم تجز ولاية من تسمى به ولو ظهر منه العمل الصالح إلا حتى يعلم أن دينه دين الحق.
مسألة:
وأما الاسم الذي يستحق المتسمي به الولاية فاسم يخص أهل الاستقامة دون غيرهم في دار يخصهم حكم ذلك الاسم أو في جميع الدور حيث ما كانوا. (3/145)
صفحة 816
والذي لا يشك فيه ولا يرتاب أنه من شُهر منه الإقرار بالجملة والتدين بدين محمد النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يصح له بذلك اسم أهل الاستقامة لأن جميع أهل القبلة يقرون بالجملة ويدينون بدعواهم بدين محمد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال غيره: الذي عندي أنه من أقر بالجملة وقال إن دينه دين محمد صلى الله عليه وسلم فلا تثبت موافقته بذلك ولا تجوز ولايته، لأن جميع أهل القبلة من الروافض والقدرية والمرجئة والمعتزلة والخوارج وجميع أديان الضلالة وجميع أهل دين الحق من المسلمين يقرون بالجملة ويقولون أن دينهم دين النبي صلى الله عليه وسلم وهم مشركون في هذه المقالة فلا يبرأ المتسمي بذلك عند من خفي عليه دينه من الاختلاط والاشتراك في الأديان إلا أنه يبرأ المتسمي بذلك من جميع أديان أهل الشرك وثبت له أنه من أهل القبلة.
فإن أقر بالجملة وقال إن دينه دين النبي صلى الله عليه وسلم وتولى أبا بكر وعمر برئ من الدخول في جملة الروافض وجميع الشيع، وسلم أن يكون من جملتهم لأنهم لا يتولون أبا بكر وعمر ولا يبرأ المتولي لأبي بكر وعمر من الاشتراك في دين المرجئة والقدرية والشكاك والخوارج وجميع أديان أهل الضلال من أهل القبلة، لأن سائر أهل القبلة ينتحلون دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويتولون أبا بكر وعمر.
وكذلك لو صح من أحد التدين بدين المحكمة والشراة ما برئ بذلك من الاشتراك والاختلاط في أديان أهل الضلال ولا صحت بذلك موافقته لدين أهل الحق لأن الخوارج بصنوفها والطريفية والشعبية يدينون بدين المحكمة والشراة ويتولون أهل النهروان.
ولا يبرأ المتدين بذلك من الأسماء المشتركة التي تجمعها اسم المحكمة والشراة، وكذلك لو صح له التسمي بدين الإباضية أنه من الإباضية ما برئ بذلك من الاختلاط لأن الطريفية والشعبية يتسمون (3/146)
صفحة 817
بدين الإباضية ويتولون جابر بن زيد وأبا عبيدة وعبد الله بن أباض وأئمة المسلمين، ولكن إذا صح منه التدين بدين الإباضية والولاية لمحبوب بن الرحيل أو لأحد من علماء المسلمين من لدن محبوب بن الرحيل ومحمد بن محبوب وعزان بن الصقر رحمة الله عليهم جميعا أو أحد من علماء المسلمين ولم تدخل عليهم تهمة في قول ولا عمل من لدن عزان بن الصقر فصاعدا إلى محبوب بن الرحيل، فقد صح له بذلك اسم أهل الاستقامة ووجبت ولايته بذلك وصحت موافقته، وكذلك من حدث من بعد عزان بن الصقر ومن كان في زمانه ومضى قبل وقوع الأحداث الواقعة بعمان من لدن الصلت بن مالك واعتزاله وتقديم راشد بن النضر إماما في حياته، إلى الحواري بن عبد الله فمن مضى قبل وقوع هذه الأحداث من المسلمين فهو لاحق بأحكام من مضى من المسلمين.
وإذا صح منه التسمي بدين الإباضية مع الولاية لأحد من علماء المسلمين من لدن محبوب بن الرحيل إلى عزان بن الصقر رحمهم الله ثبتت بذلك موافقته ووجبت ولايته وكذلك من لم يصح منه من أهل الدعوة من أهل عمان في أحداث أهل عمان انتحال فيهم لحكم من أحكام من أهل البدع أو ينزل أهلها منزلة أهل البدع أو يقضي بين المتدينين فيها بأحكام البدع ويلزمهم فيها أحكام البدع ومضى على السلامة من ذلك فهو على جملة من مضى والجملة والموافقة فيه أن يصح منه التدين بدين الإباضية مع ولايته لأحد من علماء المسلمين من أهل الاستقامة والتدين بدينه من لدن محبوب بن الرحيل إلى عزان بن الصقر مع موافقته في أهل هذه الأحداث أن كلا من أهل الدار مخصوص فيها بعلمه أو يظهر منه تسليما للمتدينين فيها الاختلاف في الولاية والبراءة والوقوف ولا ينحلهم في ذلك بدعة ولا تخطئة، فإذا مضت على ذلك سبيله صحت موافقته وإن لزم أهل الأحداث من أهل الدعاوى ما يلزم في أهل البدع وأنزل الأحداث التي تحتمل الصواب والخطأ منزلة الأحداث التي لا مخرج لها من الصواب وحكم على المتدينين في الأحداث المحتملة للخطأ والصواب بحكم (3/147)
صفحة 818
مالا يحتمل ولم ير إلا الولاية فيهم أو البراءة أو الوقوف ودان بذلك، وقد خالف في ذلك الحق وكان هو بذلك من أهل البدع.
وكذلك إن لحقه (1) تظاهر التهمة بذلك أنه ترك ولاية من برئ من أوليائه من المسلمين في الحدث الواقع المحتمل للحق والباطل والصواب والخطأ ولم يجهز إلا الولاية فيه أو برئ ممن تولى ولم يجز إلا البراءة أو برئ ممن وقف ولم يجز (2) الوقوف فإذا صح منه ذلك حكم بالخطأ والبدعة وبرئ منه بذلك صاغرا، لأنه قد خالف في ذلك حكم الحق المجمع عليه، لأنهم اجتمعوا على ولاية المتبرئ والوقوف والمتولى في الأحداث الواقعة المحتملة للخطأ والصواب إلا أن تقضي عليها الشهرة بأنها خطأ قضت الشهرة بوقوعها، أو تقضي الشهرة بصوابها كما قضت بوقوعها، فإذا قضت الشهرة بخطأ الحدث وبصوابه إذا اجتمعت على ذلك الأخبار ولم ينازع في ذلك.
فقد زال حكم الاحتمال والحق فيه في واحد.
وكذلك لو قضت الشهرة من حكم المحاكمين عليه من المسلمين بأن الحدث وقع على الخطأ زالت أحكام الاحتمال ولم يكن إلا التسليم للإجماع من الحكام على باطل الحدث.
وكذلك لو أجمع (3) الحكام من الأعلام على تصويب الحدث المحتمل لم يجز بعد صحة الإجماع على صواب الحدث أن يحكم في ذلك الحدث بحكم الاحتمال، فإذا صح من أحد مخالفة بحكم في مجمع عليه فأنزله منزلة الأحكام المختلفة فيها أو حكم مختلف فيه فدان فيه بحكم المجمع عليه، فذلك منه خطأ وبدعة ويبرأ منه على ذلك، فإن لم يصح منه ذلك ولم تجر عليه تهمة بذلك تظاهر عليه فهو أحكام الظاهر محق لاحق
__________
(1) في الأصل: "لحقته" والصواب ما أثبت.
(2) في نسخة "ولم ير".
(3) في الأصل: "اجتمعت" والصواب ما أثبت. (3/148)
صفحة 819
بأحكام السلامة في الأحداث وإن لحقته التهمة بترك ولاية محق من أجل حكمه في ذلك بوجه يسعه في ذلك فترك ولاية محق في ذلك ولحقته التهمة في ذلك زالت ولايته، ولم تصح موافقته حتى يبرأ من التهمة بالموافقة في تلك الأحداث أن كلا منها مخصوص بعلمه إذا كانت الأحكام فيها تجري على سبيل أحكام الدعاوى لا أحكام البدع.
ومن الكتاب:
ولا يحكم فيمن مضى من أهل العلم ممن صح له اسم الموافقة في جملة أهل الأحداث بتسليم للمتدينين فيها من أهل الدعوة من الولاية والبراءة والوقوف إلا بحسن الظن وأحكام الظاهر لهم أحكام السلامة، فمن لزمته ولاية أحد منهم قد مضى على ذلك فهو على ولايته حتى يعلم منهم مخالفة في ذلك بغير شك ولا ريب.
ومن الكتاب:
وأما بعد يومنا هذا فلا تصح معنا موافقته لمن انتحل دين الإباضية من أهل عمان مع ولايته لمحبوب بن الرحيل أو أحد من علماء المسلمين إلى عزان بن الصقر رحمهم الله إلا بالموافقة في أحداث أهل عمان أن كلا من أهل الدار مخصوص فيها بعلمه إلا من تظاهرت منه شواهد السلامة من الحكم في هذه الأحداث بأحكام البدع فيها وفي أهلها وفي المتدينين فيها وفي أهلها من أهل الدين من أهل الاستقامة، فمن تظاهرت براءته من ذلك وبرئ من التهمة في ذلك فهو على جملة من مضى من السلف الصالح ولا فرق في ذلك إلا لمن خفي أمره ولم تظهر له براءة من الشبهة في ذلك ومن التهمة بالدخول في ذلك بجهل أو بعلم، لأن هذه الأحداث وإن كانت لم تقع على أحكام البدع فيكون الحكم فيها واحدا، وتجب المحنة فيها، وكان كل من أهلها ومن المتدينين فيها مخصوص بعلمه وجار عليه حكمه ونازل به اسمه، وكان من مضى من المسلمين قد تظاهرت عليه فيها وفي (3/149)
صفحة 820
أهلها وفي المتدينين فيها وفي أهلها أحكام السلامة من الغيبة والهلكة عن وقوع أحكام البدع والدخول فيها منه إلى انقراض أهل العلم من المسلمين فإنه قد خلف من السلف الصالح خلف أنزلوا أنفسهم منزل ورثة السنة والكتاب، وأظهروا الفرقة في مواضع التواحد (1) والأعتاب، وحكموا بحكم الإجماع فيما قد صح فيه حكم الاختلاف، وأدخلوا في ذلك الطعن على من مضى من العلماء والأسلاف، وفرّقوا في هذه الأحداث التي ذكرناها وفي كثير منها بين المجتمعات وجمعوا في كثير منها بين المتفرقات.
مسألة:
ومن كتاب الاستقامة: وكذلك من صحت له السلامة في الظاهر من الحكم في أحداث أهل عمان بأحكام البدع ولم ينزلها بمنزلة أحكام البدع، ولم يسر فيها ولا في أهلها ولا في المتدينين فيها وفي أهلها وفي أهلها بالسيرة في أحكام البدع ولم ينزلها منازل أحكام البدع، لأن أحكام أحداث أهل عمان من لدن الصلت ابن مالك إلى عزان بن تميم والحواري بن عبد الله القاضي عليها من صحيح الأخبار والمشتمل عليها من الأحكام أنها خارجة على سبيل الدعاوى لا على سبيل البدع والأحكام في الدعاوى، إذا لم يصح باطل أهل الدعاوى وكل من أهلها ومن المتدينين فيها وفي أهلها مخصوص بعلمه.
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
وقيل: لو خرج إمام من أئمة المسلمين فاستولى على قطر من عمان، وأقام بها العدل، وظهر أمره فيها أن ذلك يكون دار الإسلام.
__________
(1) يقصد التوحيد. (3/150)
صفحة 821
ومن غيره وقد وقف من وقف عن هذا ولم يسمه دار إسلام ما لم يستول الدعوة على جميع الدار والمصر وذلك إذا كان هو الخارج.
قال المصنف: ووجد أن دار عمان بعشرين يوما من ربيع الآخر سنة اثنين وأربعين وثلاثمائة، سنة كانت دار كفر ونفاق لا دار شرك.
ووجدت أن الدار أيام عثمان كانت دار إسلام لا دار كفر، لأنهم كانوا يقومون بالإنكار عليه، ولم يكن زال أمرهم ولا عجزوا. (3/151)
صفحة 822
الباب الثاني عشر
في الموافقة والاعتقاد
[ولاية الموافق]
عن أبي سعيد، أحسب أنه من سماع أبي عثمان بن مشقي.
وسألته عن الرجل من أهل دعوة المسلمين إذا عرض عليه الإسلام فقبله، أيتولى بقبوله لسبب الإسلام؟
قال: الذي عرفنا مما جاء به الأثر عن علماء المسلمين من أهل دعوتنا أنه إذا كان هذا القابل قد عرف بالورع عن المحرمات ومزايلة الشبهات والمسارعة إلى الخيرت تولى من حينه، إذا قيل رأي المسلمين الذي به يستدل عليه أنه مخالف لسبيل المبتدعين، وإنما احتاج المسلمون إلى دعوة مثل هذا الذي يظهر منه الأمور الصالحة قد يكون يتعبد ويتحرى على سبيل الضلال من الفرق المخالفة للمسلمين فلم يوجب له ما ظهر منه من الخيرات، ولأنه إذا لم يعلم تعبده على سبيل الحق في الدينونة لموضع ما قد صح في العقول فساد أمور المتدينين والمتعبدين فلم يوجب ظاهر التجري والتعبد والتورع وجوب ولاية لموضع دخول العلة التي وصفتها لك.
وأما ما لم يصح من هذا القابل لدعوة المسلمين فيما مضى ما وصفته لك من الصلاح وإنما هو مستجيب عن جهالتهم به وبسيرته ففيه قولان:
أحدهما: أنه يتولى من حينه حتى تعلم منه مخالفة لما أقر به واحتج من احتج ممن عرفنا عنه ذلك بقول الله تبارك وتعالى: (3/152)
صفحة 823
* (*يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*) * (1).
قالوا: والاستغفار ولاية، وكذلك هو معنا ولاية لأنه لا يجوز الاستغفار لحي ولا لميت إلا لمن وجبت ولايته.
وقال من قال: لا يتولى حتى يصدق القول بالعمل ويظهر منه ذلك فإن استقام على سبيل ما أقّر به فيما ظهر منه من أداء الفرائض والانتهاء عن المحارم ولزوم الطاعات واجتناب الشبهات وجبت ولايته في الظاهر على ما ظهر من أمره والله ولي حسابه.
وقال من قال: إن كان المستجيب من أبناء أهل الدعوة وممن كانت لآبائه الولاية مقدمة ولم يعلم منه بعد ذلك ما يستحق به العداوة بتدين ولا بانتهاك محرم تولى من حينه ولم ينتظر به وهو قول حسن.
وقال من قال أيضا: هو كغيره على ما وصفنا لك.
وقد قالوا أيضا: إنه إن كان المستجيب للحق ممن كان يتعبد بالضلال بالدينونة إلا أنه كان من الثقات في دينه ثم استجاب للمسلمين وتاب وأقر لهم بالعدل والصواب وخطأ نفسه مما دخل فيه من تلك الأسباب تولى من حينه، وإن كان من غير الثقات في دينه كان لاحقا بالقول الأول والاختلاف فيه على ما وصفت لك.
وأما إن كان المستجيب من أهل الشرك فقد قالوا أنه يتولى من حينه لأن الإسلام محا عنه الشرك بجملته ويدخله في الإسلام بجملته وهذا معنا في المشرك أكثر القول.
__________
(1) الآية 12 من سورة الممتحنة. (3/153)
صفحة 824
وذلك معنا في المشرك يخرج قولهم فيه إذا استجاب للمسلمين في دار تكون دعوة المسلمين فيه ظاهرة، وأما إن كانت استجابته في دار كفر أو دار اختلاط أو دار كفر فلا يقبل منه ذلك ويلحقه الاختلاف، معنا من قول المسلمين.
وهذه الأقاويل من المسلمين كل منهم يتعلق بأصل يبني عليه وينتهي إليه، فمن عرف تأويلها وتمييزها وأحسنها وأعدلها كان عليه التجري لذلك من نفسه إذا بلغت إليه وأحب استعمالها أو استعمال شيء منها وإن لم يبن له ذلك منها شاور من بحضرته ومن قدر عليه من أهل العلم من أهل دعوته في ذلك حتى يدخل بعلم وبيان، فإن عدم ذلك من المعبرين له ممن يأمن على عبادة ذلك وتمييزه وتفصيله توكل على الله، ويجزى أحسن ما يقع معه في وقته ذلك فعمل به إلى أن يبين له غير ذلك، فعلى هذا يكون حاله إن شاء الله، فمتى لقي من هو أعلم منه بعبارة ذلك وتفسيره وفسر له ذلك فبان له عدل ما فسر له رجع إلى ما فسر له مما قد بان صوابه من غير تخطئة منه لنفسه أو لمن قد عمل بقوله، وهذا سبيله فيما يلزمه في نفسه في جميع ما يختلف فيه الرأي من ولاية أو براءة أو صلاة أو صيام أو حج أو زكاة أو نكاح أو طلاق وجميع ما يلزمه في دينه في ذات نفسه، وكذلك إن صار إلى منزلة احتاج إليه فيها غيره فتكون دلالته لغيره على سبيل ما يحتذي لنفسه وأرجو أن يلهمه الله الصواب إذا استجاب له وتاب وتوكل عليه في جميع الأسباب واستعمل الاجتهاد بمبلغ ما يقدر عليه في جميع ما قد وقع إليه من أمر نفسه وأمر غيره والله ولي التوفيق والله أعلم بالصواب.
مسألة:
واختلف سعيد بن محرز ومحمد بن محبوب في الرجل يأتي إلى المسلمين ليدخلوه في الإسلام، فكان سعيد ابن محرز يقول: أما أنا فلا أدخله في الإسلام حتى أردده وأختبره وأعرف حرصه، فإذا رأيته (3/154)
صفحة 825
يستأهل أدخلته في الإسلام، فإن قبل توليته من حين أدخلته في الإسلام وتقبله.
وأما محمد بن محبوب فكان يقول: أما أنا فأدخله في الإسلام فإذا دخل فيه وقبله لم أتوله حتى أعلم أنه يستأهل ويظهر الولاية.
ومن كره منهم وقفوا عنه حتى يظهر منه ما يستحق به الولاية.
قال غيره: إن كان الطالب للدخول في الإسلام غير متعنت وعرف منه الصدق في مطلبه والرغبة منه للدخول في الإسلام فلا ينبغي تأخير ذلك ومدافعته عنه وبخاصة إن كان الطالب للدخول في الإسلام مضيعا شيئا من فرائض الله أو مرتكبا شيئا من محارمه فلا يجوز عندي لمن سأله عن ذلك إلا أن يبين له الحق في ذلك ويدله على الصواب ويدعوه إليه ويدخله فيه، ولا يسع عندي من قدر على ذلك الامتناع عنه ومدافعته إليه عن ذلك.
وأما ولايته بعد قبوله منه فإن تولاه لم يضق عليه ذلك وإن تركها نظرا منه في أمره وخوفا من تضييعه وتقلبه حتى يعرف ثبوته عليه واستقامته فيه فلم يضق عليه ذلك.
وأما إن كان الطالب لم يعرف منه تضييع فريضة ولا ارتكاب محرم واحتمل عنده سلامته من ذلك، فإن دافعه عن إدخاله في الإسلام ليظهر حرصه وسعه ذلك عندي وإن عجل إدخاله في الإسلام فذلك أحب إلي فانظر في ذلك ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
مسألة:
وسألت محبوبا عمن لا يعرف كفر الكافر هل يكون مؤمنا؟
فقال: من دعي إلى الإسلام فقبل. (3/155)
صفحة 826
قيل له: ومن عمل كذا وكذا فهو مسلم، ومن يعمل كذا وكذا فهو منافق؟ فأقر بذلك في الجملة فهو مسلم يتولى وقد يكون من المسلمين من لا يعرف ما يكفر به أهل المعاصي حتى يخبر بذلك فهو مسلم عند المسلمين.
مسألة:
وقال الربيع بن يزيد: كان بعض أصحابنا يقول: وليي من الناس ثلاثة:
- رجل دعاني إلى الإسلام فقبلت منه فهو وليي.
- ورجل دعوته إلى الإسلام فقبل مني فهو وليي.
- ورجل شهد رجل من المسلمين ممن يعرف الولاية والبراءة أنه مسلم فهو وليي، وسائر ذلك من الناس فيسعني منهم السكوت حتى يستبين لي أمرهم.
مسألة:
ومن جواب أبي عبد الله إلى أخيه المجبر عما يقول به أهل المغرب أنهم يتولون من دخل في البيعة والطاعة إلا أن يعرف بخلاف.
وقال بعض: لا يتولى إلا من عرفنا بخير من قول وعمل فاعلم أن القول فيه من أصحابنا أن الذي تثبت به الولاية عندهم في الموافقة فيما دانوا لله به من القول والعمل، وأن الولاية لا تثبت لمن يعرفوه بذلك فلا يشهدوا له بما غاب عنهم حتى يعلموه، وكذلك من لم يعرفوا منه ما يستوجب به عندهم البراءة بقول منه أو عمل حتى يعرفوه، وما لم يعرفوه مما استحق به عندهم الولاية والبراءة أمسكوا عن القول فيه بما لا يعلمون من برّ أو فجور حتى يعلموا منه ذلك. (3/156)
صفحة 827
وعن من أقر للمسلمين من قبل بالإسلام غير أنه يستغفر للمنافقين ويثبت استغفاره للمسلمين أن يأخذوا صدقته ويعطوه، فعليهم أن ينصحوا له، فإن قبل وإلا برئوا منه، لأن الاستغفار للمنافقين لا يحل للمسلم، لأن المنافق غير وليّ لله وقال الله تعالى:
* (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ*) * (1).
__________
(1) الآية 1 من سورة الممتحنة. (3/157)
صفحة 828
الباب الثالث عشر
الولاية بالكتاب
فيمن يتولاه المسلمون
ومن جواب أبي سعيد:
وقلت فيمن وجد في سير المسلمين المنسوبة المشهورة المعروفة أنهم يبرءون من فلان بحدثه ويتولون فلانا بموافقته المسلمين فيما دانوا به، هل يكون عليه أن يتولى أو يبرأ؟
فأما البراءة فلا نعلم أنه يبرأ منهم بأعيانهم إلا بشهادة أحداثهم أو بشهرة ذلك معه أو يبرأ منهم على الشريطة فيما يجد من صفاتهم.
وأما الولاية لمن تولوا فقد قيل: يتولى من يوجد في سيرة المسلمين التي وصفت فيتولى.
وقال من قال: لا يتولى إلا على الصفة، وهو أحب إليّ لأني لا آمن أن يكون قد نقلته الكتبة وزادوا فيه في الولاية ما لم يكن من الفقيه الذي تجب بقوله الولاية، فإن صح أن الفقيه كان يتولاه جازت ولايته على هذا.
مسألة:
وقال أبو عبد الله رحمه الله يزيد بن أبي سفيان في ولاية المسلمين، وكذلك محمد بن أبي بكر.
مسألة:
وعن أبي علي الحسن بن أحمد رحمه الله، وما تقول فيمن يقرأ من (3/158)
صفحة 829
الآثار، أله أن يقرأ خبر الكتاب من غير أن يعتقد ولاية من مترحم عليه؟ وهل بين الأحياء والأموات؟
فرق، فإذا قرأ ما في الكتاب من غير اعتقاد يبن لي شيء إلا أن يكون المترحم عليه من المشهورين بالظلم، وأئمة الضلال فلا يجوز له ذلك إلا في حالة التقية، والله أعلم. (3/159)
صفحة 830
الباب الرابع عشر
فيمن يكون عالما
بالولاية والبراءة
[مما يوجد أنه عن أبي سعيد]
وسألته عن صفة من يكون عالما بالولاية والبراءة؟
قال: لا يكون عالما معي في الولاية والبراءة حتى يكون عالما بفنون أحكام الولاية والبراءة واختلاف معانيها، ولا يكون عالما بأحكامها واختلاف معانيها حتى يظهر له التوجه في العلم بظواهر الأحكام بعلم ما يسع جهله ومما لا يسع جهله من أحكام الولاية والبراءة حتى يعلم في ظاهر الأمر بالفرق بين أحكام الولاية بالشريطة والبراءة بالشريطة، والولاية بالحقيقة والبراءة بالحقيقة، والولاية فيما يلزم في حكم الظاهر، لأن افتراق معاني هذه الأحكام من أمر الولاية والبراءة لا يجوز أن يحمل حكم منها على الآخر، ولا يجوز شيء فيها أن يضيع لوجوب الآخر.
وكذلك حتى يعلم الفرق بين الخاص والعام من جميع أحكام الولاية والبراءة، وكذلك حتى يعلم أحكام الولاية والبراءة.
وكذلك حتى يعلم أحكام ما يجب فيه السؤال من أحكام ما لا يجب فيه السؤال من أمر الولاية والبراءة.
وكذلك حتى يعلم أحكام ولاية الرأي من أحكام ولاية الدين وأحكام براءة الرأي من أحكام براءة الدين.
وكذلك حتى يعلم الحكم في وقوف الدين من الحكم في وقوف الرأي (3/160)
صفحة 831
ووقوف السؤال، وحتى يعلم الفرق بين وقوف الشك من وقوف السلامة الذي هو واجب مباح، وحتى يعلم الفرق بين الأحكام في المحدثين المستحلين لما حرم الله، والمحرمين لما أحل الله الدائنين بذلك وتبين الحكم في المحدثين لما يدينون بتحريمه في دين المسلمين، وحتى يعلم الفرق بين أحكام الدعاوى من المحدثين وبين أحكام أهل البدع من المحدثين، وحتى يعلم الفرق بين أحكام المصرين وبين أحكام التائبين من المحدثين.
وحتى يعلم الفرق بين الصغائر والكبائر، وحتى يعلم الفرق بين أحكام براءة السريرة وبين أحكام براءة الظاهر.
وحتى يعلم الفرق بين أحكام الشاهدين على الأحداث الثابتة بشهادتهم في أحكام الدين وبين أحكام القاذفين والمدعين وحتى يعلم الفرق بين الأحكام في الدين وبين الأحكام في الرأي المختلف فيه الجائز فيه الاختلاف.
وحتى يعلم الفرق بين الأحداث الواقعة المحتملة للحق والباطل والخطأ والصواب، وبين الأحكام في الأحداث الواقعة التي لا مخرج لها من الخطأ ولا من الباطل، لأن هذه الأصول كلها التي وصفتها لك لكل أصل منها حكم فارق عن صاحبه لا يجوز للعالم به ولا للجاهل به أن يخالفه بعلم ولا بجهل ولا برأي ولا بدين فلما أن كانت هذه الأصول كلها داخلة على اسم الولاية والبراءة وأصول الولاية والبراءة لم يصح في العقول أن يكون عالما بشيء لا يصح له العلم بأصله، وهذا من المحال أن تكون الحجة في شيء لا يكون عالما به ولا يكون عالما بشيء ولا يكون عالما لأصوله ومتى لم يكن عالما بأصوله لم يصح له العلم به ولا كان مأمونا على التوجه فيه في جميع ما غاب عن الممتحنين في أموره فيه.
وكذلك جاء الأثر أن لا يكون عالما بالفن من فنون العلم حتى يكون عالما بأصوله التي لا يجوز الخلاف لها بعلم ولا يجهل برأي ولا بدين، (3/161)
صفحة 832
والأصول في الدين ما جاء حكمه في فن من فنون العلم من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من إجماع المسلمين الذين جعلهم الله حجة في الدين من الأولين والآخرين، وما أشبه ذلك أو شيئا منه وما خرج على معناه ووقع موقعه فهذا من أصول الدين الذي لا يجوز (1) خلافها بعلم ولا يجهل برأي ولا بدين، فإذا كان العالم عالما بما جاء وثبت في ذلك الفن من فنون العلم من هذه الأبواب والأصول التي وصفها لك كان حجة فيه على من هو دونه من العامة والعلماء وكان على العامة من لم ينزل منزلته في ذلك الفن السمع والطاعة والانقياد فيما قاله وقام فيه من الحجة وكان له أن يقول في ذلك الفن من فنون العلم برأيه ولم يكن لغيره ممن هو دونه ولم ينزل منزلته في علم ذلك الفن أن يضاده في ذلك ولا أن يلوي عنقه عما قال فيه وكان هو الحجة على من سواه إلا من نزل بمنزلته غيره من العلماء في ذلك الفن من فنون العلم وأصول الدين، فإذا نزل بمنزلته غيره من العلماء في ذلك الفن على هذه الصفة كان حجة مثله وثبت قوله بالرأي في ذلك الفن فيما لم يخالف فيه أصول الدين التي قد سبقت في ذلك الفن من كتاب الله وسنة نبيه وإجماع المسلمين وأشباه ذلك، وكان قولهما جميعا إذا لم يصح خلاف منهما في الأصول جائزا، ولا يجوز لهما أن يخطئ بعضهم بعضا في اجتهاد رأيهما فيما قد نزلا فيه بمنزلة الحجة، فإن اجتمعا في شيء من ذلك كانا حجة في الإجماع ما لم يقع اجتماعهما على مختلف فيه وكذلك الواحد من العلماء بالفن من فنون العلم والأصل من أصول الدين حجة إذا لم يخالفه غيره ممن هو مثله في العلم في ذلك الفن من فنون العلم والأصل من أصول الدين، وكان قوله في ذلك وحده لاحق بالإجماع ما لم يقع قوله في ذلك مخالفة بالحق في الأصول أو بعض ما يختلف فيه ويجوز فيه الاختلاف.
فمن هنالك كان الفقيه الواحد حجة في جميع ما يخرج مخرج الفتيا من جميع دين الله وأن خالقه من خالفه ممن هو ضد له في الدين وناطق بخلافه في الدين أو ممن لم ينزل بمنزلته من ضعفاء المسلمين،
__________
(1) في نسخة "لا يجاوز". (3/162)
صفحة 833
وليس للضعيف حجة في الرأي على علماء المسلمين، ولو نزل العالم من أهل الخلاف بمنزلة العالم من المسلمين وأعلى منه منزلة في العلم في ذلك الفن من الدين ولو كان موافقا للمسلمين في ذلك الفن من الدين إلا أنه يخالفهم في شيء من أصول الدين فلا يكون خلافه لعلماء المسلمين في القول بالرأي حجة إذا أجمعوا على خلافه ولو كان منهم مائة ألف أو يزيدون مجتمعين في أمر من الأمور مما يجوز فيه الرأي لأهل الرأي من علماء المسلمين، وقالت أمة سوداء ممن تدين بدين المسلمين قد نزلة بمنزلة من يجوز له الرأي في فن من فنون العلم في أصل من أصول الدين مما يخالف قول أولئك الألوف وتلك الجماعة كانت هي الحجة على الجميع من أهل القبلة في حكم ذلك الشيء وكانت هي الأمة وكان من خالفها على ذلك بدين ضالا هالكا، وضالا لمن اتبعه، لأن الرأي لا ينعقد إلا من العلماء من المسلمين النازلين بما قالوا فيه بالرأي منزلة من يجوز الرأي في ذلك الفن.
وكذلك لو اجتمع على خلاف هذه الأمة مثل ما ذكرنا أو أضعافهم من علماء المسلمين من فنون العلم إلا في ذلك الفن الذي قد نزلت فيه هذه الأمة منزلة العالم ولو كان أولئك العلماء بسائر الفنون من فنون العلم فقهاء صادقين إلا أنهم لم ينزلوا في هذا الفن بمنزلتها في العلم بما وصفت لك من الأصول التي يكون بها العالم عالما، فأجمعوا على خلاف هذه الأمة في هذا الفن في أمر يجوز فيه الرأي لهم أن لو كانوا علماء ما كانوا عليها بحجة ولكانت هي الحجة عليهم وعلى جميع الأمة، وكذلك لو أجمع على خلافها مثل ذلك أو أضعاف ذلك من ضعفاء المسلمين الذين لم ينزلوا بمنزلة العلماء في الدين في شيء من فنون العلم ولا أصول الدين كانت هي الحجة عليهم بما قالت فيه من الرأي الذي يجوز لها في ذلك الفن الذي هي فيه عالمة، ولو كانت هذه الأمة لا علم لها بشيء من فنون العلم إلا في هذا الفن وحده بعد أن تكون على دين أهل الاستقامة من الأمة هي الحجة واليد على من سواها من ذلك الفن فلما أن صحت هذه الحجج أنها لا تكون إلا من عالم بالأصول كذلك كان العالم بالولاية (3/163)
صفحة 834
والبراءة ولا يصح له اسم العلم بالولاية والبراءة حتى يكون عالما بأصول الولاية والبراءة، ثم هنالك يكون حجة في الدين على من قام عليه أو له في شيء من ذلك ما لا تقوم فيه الحجة إلا بالعالم بالولاية والبراءة والوصف في هذا يطول.
وأرجو أن يكون في بعض ما مضى كفاية أنه لا تقوم الحجة من أحد في شيء من الأمور إلا أن يكون عالما بذلك الأمر ولا يصح أن يكون عالما بذلك الأمر جاهلا بأصوله لأن الشيء بأصوله، فمتى عدمت الأصول زال اسم الشيء بنفسه، ولا توفيق لصواب شيء من الأمور إلا بالله. (3/164)
صفحة 835
الباب الخامس عشر
رفع الولاية والشهادة
للمحدث بالتوبة أو الولاية
[عن أبي معاوية]
وعن رجل غائب إلى بلد وقد كان المسلمون يبرءون منه إلى أن قدم رجل من هذا البلد من المسلمين ممن يؤخذ عنه الولاية فقال لهم: إن فلانا رجل صالح أنا أتولاه، أيتولى المسلمون بقوله؟
قال: لا، لأنهم قد علموا غير علم الرجل إلا أن يكون أيضا قد علم مثل ما علموا، فقال لهم: إنه قد تاب من ذلك فإنهم يتولونه إلا أن يكون دينه الذي برءوا منه عليه فيما بينه وبين الناس، فإنه على براءة حتى يقوم آخر عدل مع هذا أنه قد أدى حقوق الناس.
وأما بقول ثقة واحد قوم أدى إلى الناس أموالهم فلا يرجع إلى الولاية لأن أموال الناس عليه متى ما طلبوه أخذوها، ولم تجز شهادة واحد عليهم بقبض أموالهم وإن كانوا إنما برءوا منه على جهالة بالسيئات وعمل السيئات فيما بينه وبين الله، وهو يقر للمسلمين بدينهم وينتحل نحلتهم تولوه بولاية الرجل إلا ما كان من المظالم.
مسألة:
وعن أبي عبد الله، وعن رجل شهد جنازة ولم يعرف له ولاية إلى أن رفعت له ولايته عند الصلاة على الجنازة فلم يتوله، هل عليه توبة؟ (3/165)
صفحة 836
فقد كان ينبغي أن يتولاه إذا تولاه عنده رجل أو امرأة معه في الولاية، فإذا لم يفعل فليفعل ويستغفر الله.
وقال غيره من الفقهاء:
إنما تقوم الحجة والولاية باثنين، وأما بواحد فلا تقوم به الحجة فهو مخير في قبول الولاية وتركها بقول الواحد.
وروي عن أبي عبد الله أنه قال: قد قال بعض المسلمين أن الرجل إذا رفع ولاية إلى رجل له أن يقف.
وقال: إن الواقف سالم إذا كان يقف حتى يسأل.
وأما إذا كان الرافع للولاية رجلان ممن يبصر الولاية والبراءة والوقوف فعليه أن يتولى من رفعا إليه ولايته.
مسألة:
وسألت أبا زياد عن رجل من أهل الولاية يقول إن فلانا من المسلمين أو من الصالحين، أأتولى الرجل ذلك بقول هذا؟
قال: نعم، إذا كان هذا القائل يعرف الولاية والبراءة.
وقال أبو زياد وأبو عبد الله: إذا كان رجل أو امرأة معك في الولاية ثم قالا أو أحدهما إن فلانا رجل صالح وهو عندهما في الولاية، فإذا كانا أو أحدهما يبصران الولاية والبراءة توليت من توليا أو أحدهما، وإن كانا ممن لا يبصران الولاية والبراءة فلا يتولى بقول من لا يبصر الولاية والفراق، وتول أنت القائل لأنه في ولاية. (3/166)
صفحة 837
مسألة:
وعن العبد الولي تقبل شهادته بولاية رجل، فالعبد المسلم في الولاية والبراءة بمنزلة الحر.
وقلت: إن قبلت ولايته بقوله، هل يجوز عدله؟
فإذا قبل عنه الولاية جازت شهادة أوليائه على من شهدوا عليه من الحقوق.
وقلت: هل يجوز أن يستغفر له؟ ويسأل الله الجنة ولا يقبل شهادته فيما دون ذلك؟
فنعم قد يكون ذلك لأن السنة قد جاءت بأن لا تقبل شهادة العبيد، وإن كانوا صالحين، وقد يسأل الجنة لأفضل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا تجوز شهادتهم على درهم واحد إلا بثان معه، وليس من قبل تهمة لمسلم ترد شهادته ولكن نزل الكتاب بشهادة ذوي عدل من غير تهمة الواحد. (3/167)
صفحة 838
الباب السادس عشر
في ولاية التائب من الذنب
وعن رجل أصاب ذنبا، فاستتابه إخوانه، فقال:
إنه يرجع إلى الحق مما كرهوا منه، ولم يقفوا على علم ذلك منه، أيتولونه أم لا؟
فعلى ما وصفت فإذا رجع إلى قول المسلمين وقبل منهم ما دعوه إليه من الحق وترك الباطل، وأعطاهم ذلك من نفسه، قبلوا منه ذلك، وتولوه على ذلك حتى يعلموا منه خلاف ما قال أو يمتنع مما يجب عليه من الحق.
مسألة:
ومن عمل بالصغيرة فأقام عليها، وهي دون الكبائر من الذنوب فعلى راكبها التوبة والاستغفار والندامة، فإن ندم وتاب ورجع فهو مسلم.
مسألة:
وعن رجل غاب إلى بلد، وقد كان المسلمون يبرءون منه إلى قدم من تلك البلاد من المسلمين ممن تؤخذ عنه الولاية فقال لهم: إن فلانا رجل صالح أنا أتولاه، أيتولاه المسلمون بقوله؟
قال: لا، لأنهم علموا غير الرجل إلا أن يكون أيضا قد علم منه مثل ما علموا، فقال لهم: إنه قد تاب من ذلك، فإنهم يتولونه، إلا أن (3/168)
صفحة 839
كون ذنبه الذي برءوا منه فيما بينهم وبين الناس فإنه على براءته حتى يقوم آخر عدل مع هذا أنه أدى حقوق الناس، وأما بقول ثقة واحد أنه قد أدى إلى الناس أموالهم فلا يرجع إلى الولاية لأن أموال الناس عليه متى طلبوها أخذوه بها، ولم تجز شهادة واحد عليهم بقبض أموالهم، وإن كانوا إنما برءوا منه على جهالة السيئات وعمل السيئات فيما بينه وبين الله وهو يقر للمسلمين بدينهم وينتحل بنحلتهم تولاه بولاية الرجل إلا ما كان من المظالم.
مسألة:
وعن رجلين من المسلمين اطلعا على رجل بخيانة يستحق بها عندهما البراءة فبرءوا منه عليها ثم إن أحدهما سمع صاحبه يتولى الذي اطلعا على خيانته، ثم مات المتولي للخائن، سألت ما على الباقي أن يدين به في وليه؟ وما عليه أن يدين به في الذي اطلعا منه على الخيانة؟
فأقول والله أعلم بالحق: إن صاحبه الذي كان معه في الولاية ثم سمعه يتولى الخائن ثم مات صاحبه ذلك أنه معه في الولاية على حاله لأنه لم يسأله عما رجع يتولاه، لعله قد علم منه توبة إلى ربه إن كان ذنبه بينه وبين ربه، أو لعله قد رد المال إلى أصله، وقد كان ينبغي لصاحبه أن يسأله عما رجعت تتولاه، وقد فات ذلك ومات صاحبه فصاحبه معه في ولايته، والخائن إن كان ذنبه بينه وبين ربه أقف عنه ولا أتولاه، ولا أبرأ منه لحال ولاية أخيه إياه، فهذا الذي وجدنا في آثار المسلمين، أن الولي على ولايته، ولا تزيل ولايته ولايته للخائنين حتى يعلم أنه تولاه على خيانته وهو عالم بخيانته ولم يستتبه من تلك الخيانة.
وإن كان ذنبه فيما بينه وبين الناس فإنا على البراءة منه، لأنه لم يعلم أنه أدى الحق إلى أهله، وما سمع من صاحبه ذلك لا يوجب عليه أن يتولاه حتى يكونا شاهدين بأنه قد أدى الحق إلى أهله. (3/169)
صفحة 840
وأما إذا كان ذنبه فيما بينه وبين الله فقد أريد أن يكون أمر الرجل بالبراءة منه كما كان أصله معه ثم نظر فإذا صاحبه قد تولاه، فرأيت معي أن الوقوف معي أحسن والله ولي الأمور.
وأما أبو مروان فقال: بل هو يبرأ منه، ولو تولى صاحبه، كان الذنب بينه وبين ربه، أو بينه وبين الناس ولا يقبل ولاية صاحبه فيه، لأنه لم يسأله على ما رجع يتولاه.
وأما أنا فقولي الذي في الكتاب بحاله.
مسألة:
وفي آثار المسلمين أن رجلين من المسلمين اطلعا (1) ...
مسألة:
قلت: فرجل من المسلمين عمل للجبابرة، وضرب ظهور المسلمين وغيرهم وأخذ أموالهم ظلما وعدوانا، فيبرأ منه المسلمون ثم إنه ترك عمل الجبابرة، وقد رجع إلى المسلمين وأعطى بيده.
قال مسلم: تقبل توبته.
قلت: أفرأيت ما أصاب من المسلمين وأموالهم؟ فعليه أن يؤخذ بذلك.
__________
(1) يقول: تقدمت هكذا وجدته ... وانقطع الكلام في هذه المسألة، ويبدو أنه وجدها مكررة قبلا فكرة محوها وأبقاها على علاتها. (3/170)
صفحة 841
قال: إن كان فعل ذلك وهو يبرأ من المسلمين ويدين بأخذ ذلك ثم تاب فرجع إلى المسلمين فإن ذلك يهدر عنه، فإن فعل وهو يقر بدين المسلمين ويحرم دماءهم وأموالهم فعليه أن يؤخذ بذلك.
قلت: فإنه أقر للمسلمين بلسانه ولا يؤدي إليهم ما أصاب منهم؟
قال: هو رجل مطول لا يخلعه المسلمون على ذلك.
مسألة:
وقال موسى بن أبي جابر: من أحدث حدثا في الإسلام وتاب إلى ربه، وسعى في البراءة من حدثه وأعطى الحق من نفسه وسع المسلمون مجامعته وإلى ربه حسابه.
ومن عجز عن البراءة لنفسه ممن يبتلى به من حدثه فمات وقبله الأحداث، فهو بمنزلة الكف، ويكف عنه، ولا يبرأ منه ولا يستغفر له، لأنه كان مقر للمسلمين بدينهم، ولم يستبرئ نفسه من حدثه، ولكنه تاب إلى الله وإلى المسلمين وكان يسعى في فكاك نفسه مما وجب عليه من الحقوق فأدركه الموت، ولا يبرأ المسلمون إلا ممن أصر على حدثه وبغيه وكابر غلبة واتخذ دينا مضلا لا يتولى أحدا من الناس إلا من تابعه عليه وشايعه وهم الأزارقة والصفرية والخوارج الذين جعلوا أهل التوحيد مشركين، واستحلوا منهم بأهوائهم وسيرتهم ما لم يستحل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، خلافا لسيرته وحكمته والملل كلها، وإن الخوارج أنزلوا الناس مشركين اليوم كشرك أهل اللات والعزى وكشرك أهل الكتاب، وإن أهل الكتاب كفروا بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنزل الله ويبعضوا (1) بين الأمور في جماع الحق، فهم بذلك ثبت عليهم الكفر والشرك، وقد سار فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيرته، وإن قومنا اليوم ليسوا بمشركين ولا يهود ولا نصارى ولا مشركي أهل الكتاب، وقومنا يقولون: آمنا بالله واليوم الآخر، * (*وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ
__________
(1) يقصد أخذوا ببعض وتركوا بعضا والحق يؤخذ كله. (3/171)
صفحة 842
مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ*) * (1).
وقال الله تبارك وتعالى: * (*فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ*) * (2).
فقد تخلص قومنا من الشرك بتوحيدهم وشهادتهم، ولكن قومنا بغوا ونافقوا بما أحدثوا من الأحداث ومالوا إلى الدنيا فآثروها على الآخرة، وانتقصوا في الدين وبيعضوا في الأمور التي جمع الله من الإسلام والحق الذي أوجب الله على العباد، فمن تاب منهم استكمل الطاعة بحقها فهو مهتد، ومن أصر على حدثه منهم فاعده (3) دينا يدين به ضل ونافق، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما، وقد كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منافقون مقرون له بدينه فمن أصر نفاقه ولم يتب حتى أدركه الموت فهو في جنهم، ومن تاب من نفاقه فهو من المؤمنين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم على المنافقين بحكم القرآن ويأخذ صدقاتهم، ويغزون معه ويشهدون شهادة الحق معهم ظاهرا وهم يخالفون في السريرة وفي أشياء مما يكره الله، ويصرون عليها ولا يناصحون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصدقون وهم "يجامعون" (4) المسلمين في مجالسهم وفي صلواتهم وفي ذكرهم وفي غزوهم، لا يؤمنون بالله إلا وهم منافقون.
__________
(1) يلاحظ أن المؤلف رحمه الله لم يذكر الآية الكريمة بنصها، وإنما ساقها بما يشعر أنها آية من كتاب الله، ولكن فيها اختلاف عن النص القرآني، وكنا نحب عند الاستشهاد بكتاب الله الكريم أن نذكر النص القرآني كاملا حتى لا يختلط الأمر على الناس، والآية موضوع حديثنا هي الآية الرابعة والثمانون من سورة آل عمران.
(2) الآية 137 من سورة البقرة.
(3) يقصد "فعده" أي اعتبره.
(4) يقصد: وهم يشاركون المسلمين اجتماعاتهم. (3/172)
صفحة 843
ومن أحداث وذنوب عملوا بعد الشرك من أصر على ذنبه ولم يتب كان منافقا وله جزاء المنافقين.
ومن تاب بعد ظلمه وأصلح تاب الله عليه، وكان من المؤمنين (1)، وقد قال الله تعالى: * (*فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*) * وفي آية أخرى: * (*فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ*) * (2).
مسألة:
وقال أكثر أهل العلم: إنه إذا رفع رجل ولاية رجل كان من أهل عصره أو غير أهل عصره جاز ولاية المرفوع ولايته إذا كان الرافع يبصر أحكام الولاية والبراءة، وما تثبت به الولاية والبراءة.
وكذلك لو تولاه جازت ولايته ولو لم يرفع ولايته.
وكذلك لو شهد له بصفة يستحق بها الولاية جازت ولايته.
وقال من قال: لا يجوز ذلك إلا باثنين، فإن تولاه اثنان ممن يبصر الولاية والبراءة لزمت ولايته.
ومن الكتاب:
وقال من قال من المسلمين: إذا سأل رجل رجلا ممن يبصر الولاية والبراءة عن ولاية رجع فرفع ولايته لم يجز له إلا قبول ذلك منه وتصديقه وولاية من تولاه.
__________
(1) في الأصل: "وله ثواب المنافقين" والصواب ما أثبت، وفي العبارة اضطراب في تركيبها اللغوي نوهنا إليه ونقلناها كما حررها المؤلف. اهـ.
(2) جزء من الآية الخامسة من سورة التوبة، ويلاحظ أن المؤلف كان قد خلطها بجزء من الآية الحادية عشرة من سورة التوبة وفصلنا بينهما. (3/173)
صفحة 844
وإن لم يسأله ورفع إليه ولايته على غير سؤال فهو مخير إن شاء تولاه وإن شاء لم يتوله.
وقال من قال: إذا تولاه واحد ممن يبصر الولاية والبراءة لزمت ولايته ولم يكن له في ذلك تخيير سأله عن ولايته أو لم يسأله، وعليه ولايته.
وقال من قال: هو مخير في ولايته سأله أو لم يسأله حتى يتولاه اثنان ممن يبصر الولاية والبراءة، فإذا تولياه لزمت ولايته ولم يكن هنالك تخيير.
ومن الكتاب:
ولا نعلم اختلافا أنه بنفس الولاية له من المتولين تلزم ولايته، ويجوز إذا كانا يبصران الولاية والبراءة، ولو برئ اثنان من علماء المسلمين من رجل بعينه براءة قطع بغير شهادة عليه بشيء من المكفرات، وإنما يجب به عليه اسم الكفر ما جاز لأحد أن يبرأ من المتبرأ منه، فإن برئ منه كان مقلدا لهما، ولا يجوز التقليد في البراءة ولا في شيء من الشهادات، قلت أو كثرت، صغرت أو كبرت إلا للرسل وللنبيين صلوات الله عليهم، أو ما جاء في كتب الله من الشهادة والبراءة فإنه لازم واجب إثبات (1) ذلك والشهادة به، كما جاء لا شك في ذلك ولا ريب.
مسألة:
الذي عندي أنه إذا شهد ضعيفان من المسلمين عن عالمين من علماء المسلمين قالا: رضي الله عنه عن فلان، أو غفر له ذنوبه أو غير ذلك من المقال الذي يستوجب به الجنة، أو قال: رحم الله فلانا، وكان فلان (3/174)
صفحة 845
ميتا، وإن كان حيا فهو أضعف في الولاية من الميت، لأن رحمة الله للحي قد تكون من العافية والرزق وصرف اللازم عنه، وقد تخرج عندي أيضا أنه ولاية، وإن علم أنه إنما قصد بذلك الولاية ثبتت بذلك الولاية ولم يكن بينه وبين الميت عندي فرق في ذلك، فإذا شهد الضعيفان بشيء من هذا عن عالمين من علماء المسلمين جاز قبول شهادتهما وجازت ولاية المشهود له بذلك.
وكذلك إن شهد الضعيفان من المسلمين عن عالمين من المسلمين أنهما قالا إن فلانا من الأخيار أو من الأبرار أو من المسلمين أو المصطفين أو من أولياء الله أو ما أشبه هذا من الأسماء التي لا يستحقها إلا أولياء الله حازت هذه الشهادة، وجازت ولاية المشهود له بذلك، وسواء عندي قال الضعيفان أو كل واحد منهما على الانفراد والاجتماع، أنا أشهد أن فلانا وفلانا قالا كذا وكذا وأننا بصفة يستحق بها من قالا فيه تلك المقالة الولاية مما قد تقدم ذكره أو مما لم يتقدم ذكره وإن لم يقولا إنا نشهد، وإنما أخبراه بما قد سمعاه من العالمين، فكل ذلك عندي سواء.
وتجوز تلك الشهادة منهما وولاية من شهدا له بذلك.
وإن شهد الضعيفان عن عالم واحد بذلك أو بشيء منه فقد يخرج عندي في معاني قول أصحابنا أنه تجوز ولاية المشهود له بذلك وتلزم.
وقال من قال: لا تجوز ولا تلزم.
وقال من قال: إن سأل عن ذلك لزمته ولايته، وإن لم يسأل فهو مخير إن شاء تولى وإن شاء لم يتولّ، والله أعلم.
وكذلك إن شهد الضعيفان لرجل بشيء يستحق به الموافقة لدين أهل الحق، ويبرأ به المشهود له من التدين أو الاختلاط بشيء من أديان أهل الضلال جازت شهادتهما بذلك. (3/175)
صفحة 846
وولاية المشهود له بذلك على قول من يجيز الولاية بالموافقة، وعلى قول من لا يجيزها بالموافقة حتى يصدقها بالأعمال، فإذا صحت منه الأعمال الصالحة واجتناب المحرمات جازت ولايته.
وقال من قال فيما عندي: إن الأعمال الصالحة لا يبلغ كنهها ولا الإحاطة بعلمها، ولم يتعبد الله العباد بعلم سرائر فاعلها، فإذا طابت النفس ممن صحت موافقته وسكنت نفسه إلى تأديته ما ألزمه الله من فرائضه، واجتناب ما أوجب الله عليه اجتنابه من محرماته، ولم يلحقه ريب معه في ذلك جازت ولايته، والله أعلم.
انظر في جميع ذلك، ولا تأخذ من قولي إلا بما وافق الحق والصواب إن شاء الله.
مسألة:
وقال بعض الفقهاء: إذا رفع إليك رجل من المسلمين ثقة ممن يبصر الولاية والبراءة ولاية رجل، فأنت فيه مخير في ولايته.
مسألة:
وعن رجل مات ولم تكن له ولاية، وإن امرأة من أهل الولاية ممن لها نصر بالولاية، قالت لقوم من المسلمين تولوه واستغفروا له فإني أتولاه، فقد حفظنا أنهم يتولونه بولايتها.
قلت: أرأيت إن كان من أهل الولاية ثم أحدث حدثا يخرجه من الولاية، واستتيب فلم يتب وأصر إلى أن مات، فقالت امرأة من أهل الولاية إنه قد تاب ولم يعلم بذلك المسلمون إلا هي، أيقبلون قولها؟
فأقول: لا يقبل قولها في هذا الموضع حتى يشهد على توبته عدلان امرأتان ورجل، أو رجلان. (3/176)
صفحة 847
مسألة:
وعن رجل قذف رجلا بالفسق فتاب وتنصل فيما بينه وبين الله ولم يعتذر إليه؟
قال: لا، ولا نعمت عين حتى يعتذر ويتنصل إلى صاحبه.
مسألة:
وعن رجل لا تعرفه فأخبرك ثقة أو رجلان أنه عندهما ثقة أو غير ثقة أأتولاه بقولهما؟ وأبرأ منه بقولهما؟
فإذا قالا ذلك أو أحدهما إنه ثقة في دينه، وإنه ولي لهما فتول بولايتهما.
أو من تولى منهما فإن قالا إنه غير ثقة فأمسك عن ولايته.
قال غيره:
إذا كانا ممن يبصران الولاية والبراءة والوقف وكانا ثقتين قبلت قولهما، ووجبت عليك ولاية من توليا، وإن كان واحدا فأنت فيه مخير في قبول الولاية أو الوقف.
قال أبو عبد الله: قد قال بعض المسلمين: إن الرجل إذا رفع إليك ولاية رجل أن لك أن تقف.
وقال: الواقف سالم، إذا كان يقف حتى يسأل.
مسألة:
وسألته عمن قتل مؤمنا متعمدا ثم تاب ودان بما يلزمه في ذلك، وقد (3/177)
صفحة 848
كانت له ولاية متقدمة، أو لم تكن له ولاية إلا أنه تاب وأصلح العمل أيرجع إلى ولايته الذي له الولاية، ويتولى هذا أم لا، إلا أن يؤدي ما يلزمه في ذلك، ثم حينئذ يتولى هذا ويرجع إلى ولايته.
قال: اختلف في ذلك، قال من قال: إذا تاب ودان بما يلزمه وأصلح العمل، تولى هذا ورجع إلى ولايته.
وقال من قال: إذا تاب وقف عنه حتى يؤدي ما يلزمه في ذلك ثم يتولى هذا ويرجع هذا إلى ولايته.
وقال من قال: لا يتولى إذا تاب حتى يؤدي جميع ما يلزمه في ذلك، وإلا فهو على البراءة منه، وكذلك في الوقوع في المحجورات في المحرمات بالتعمد أو بالجهالات في الأموال أو في غيرها مما يلزمه فيه أداؤه إلى أهله مع التوبة، فالرأي فيه ما قد وصفنا من الاختلاف في الولاية والله أعلم بالصواب.
مسألة:
من الأثر، قلت: فإن علمت منه الزنى وشرب الخمر، أو نحو ذلك فلم أستتبه حتى سمعته يستغفر ربه من كل ذلك؟
قال: نعم، تتولاه على هذا، لأن هذا لا يدين به أحد أنه حلال، فإذا استغفر ربه ولم يسم شيئا بعينه فإنه يرجع إلى ولايته إلا أن يكون قد غصب شيئا من أموال الناس حتى يعلم أنه قد رده.
قال أبو سعيد: معي أنه قد قيل: إذا أتى وليه من الذنوب ما يخرج حكمه مخرج التحريم فلم يستتبه في ذلك حتى سمعه يتوب من كل ذنب أو من كل ذنوبه أو من جميع ذنوبه أو من كل ما عصى الله، أو من كل معصية لله، أو توبة تأتي على جميع ذنوبه في اللفظ أنه يرجع إلى ولايته. (3/178)
صفحة 849
وما أتى من ذلك على التدين فلا تجزؤه التوبة في الجملة إلا بالتوقيف على التوبة منه حرفا حرفا، ويتوب من كل شيء بعينه إلا أن يتوب من شيء يدخل فيه شيء مما يدين به ويكون هذا أصل ذلك فإذا تاب من الأصل الذي يدخل فيه غيره كان عندي تائبا مما يدخل فيه في الحكم.
ومعي، أنه قيل: إنه من ظهر منه أمر يحتمل أنه يكون مستحيلا فيه ويحتمل أن يكون محرما له، فحكمه حكم التحريم فيما يلزمه له وعليه حتى يعلم أنه مستحل، لأن أهل الإقرار على جملة التحريم بجملة ما حرم الله، والتحليل لما أحل الله حتى يعلم من أحد منهم بعينه خروجا من ذلك إلى غيره.
وما ما أحدث وليه من أموال الناس ظلما في الأصل بما لا يسعه على وجه الغصب أو السرق الذي يهلك به.
فمعي أنه قد قيل: إنه إذا تاب في الجملة أو منه بعينه رجع إلى ولايته وأحسن فيه الظن في تأديته.
ومعي أنه قيل: حتى يعلم منه الدينونة بأدائه والاعتقاد لذلك، ويظهر ذلك.
ومعي أنه قد قيل: إنه لا يتولى حتى يؤدي ما استحق عليه مما قد ركب من الجناية، ولكن يوقف عن ولايته وعن البراءة منه، فإذا أدى ذلك رجع إلى الولاية.
ومعي أنه قيل: ما دام لم يؤد ذلك، ولم يعلم منه ذلك، فهو على حال البراءة لأنه انتهك الأصل على الكبيرة حتى يخرج منه بجملته.
ويعجبني أنه إذا كان ممن يؤتمن على علم ذلك، وما يلزمه في ذلك، (3/179)
صفحة 850
ولم يسترب فيما دخل فيه من التوبة، وكانت ولايته طيبة من سائر أحواله إلا من هذا، ثم تاب، أن يرجع إلى الولاية.
وإن اتهم واستريب في جهل ما يلزمه من الأداء مع التوبة، فحتى يوقف على الأداء ويظهر الاعتراف به والدينونة بأدائه، وإن اتهم في ذلك كله، واستريب أمره وقف عن ولايته حتى يعلم منه التخلص على ما تحب، ولا يعجبني البراءة على حال بعد إظهار التوبة.
مسألة:
وسألت أبا معاوية عن رجل أتولاه، سمعته يقول: في ولي آخر إنه يبرأ منه فلم أستتبه حتى سمعته يقول من ذلك: أستغفر الله من جميع ذنوبي، أيرجع إلى ولايته؟
قال: إذا برئ من وليك فابرأ منه، فإن تاب رجعت ولايته، وإن لم يتب فهو على براءته، وأما إذا لم أستتبه حتى سمعته يقول: أنا أستغفر الله من جميع ذنوبي فأقول: إنه لا يرجع إلى ولايته حتى يسمي من البراءة من وليك لأنه دائن بالبراءة منه ويرى أن ذلك هو الحق.
قال أبو سعيد: معي أن هذا إذا كان عالما بذلك أنه إنما برئ منه مما يتقرب به إلى الله بدينونة أو بخلة يتقرب بها إلى الله بعلم من هذا بذلك.
وأما إذا لم يعلم ذلك منه فمعي أنه قد قيل تجزؤه التوبة في الجملة، لأن الأحداث كلها من جميع المحدثين تخرج على حكم التحريم حتى يعلم أنهم يأتون على الدينونة بالاستحلال، ولأن هذا إنما يبرأ منه في الحكم على سبيل البراءة من القاذف بما أظهر (3/180)
صفحة 851
من البراءة وبما أظهر من القذف، وليس من دينه فيما يتعبده به إظهار القذف ولا إظهار البراءة وإنما هذا جهل جهله في حكم دينه، فإن كان في الأصل من البراءة أتى ما لا يسعه في دينه محرما فقد تاب في الجملة، فإن كان أتى حقا ببراءته وبرئ ممن برئ منه بحكم العدل فقد تاب في الجملة من قذفه الذي كان محجورا عليه، ولا يبين لي ثبوت البراءة عليه بعد التوبة في الجملة إلا أن يعلم أنه يبرأ منه بدين على الضلال يستحيل ذلك بالدينونة، فإذا علم منه ذلك ثم تاب في الجملة لم ينفعه ذلك في الحكم في الجملة، لأنه لا يبرأ في الجملة مما يخالف في دينه في حكم الجملة، وإنما ينفعه في توبة الجملة من ارتكابه لما يدين بتحريمه في الجملة، وهذا في الحكم بالظاهر.
وأما إذا قصد بالتوبة في الجملة في جمعي ما يخالف فيه الحق عند الله في قصده لذلك في جميع ما دان به أو لم يدن به فذلك عندي يجزيه ما لم يرجع بعد.
مسألة:
وقال ابن عمر: إن أبا جابر كتب إلى حيان الأعرج بالبصرة وكان موسى بن أبي جابر هو الكاتب لأبيه عن الرجل يكون في ولاية المسلمين ويكون منه ما يكره المسلمون فيستتاب فيتوب ويعطى الرضا ثم يرجع ثم يدعي فيجيب ويطيع ثم يرجع فيفعل وتكون بهذه الحالة؟
قال: فأجابه حيان، أدعوه إذا أدبر، واقبلوا منه إذا أقبل.
مسألة:
قلت: في رجل أخذت منه ولاية رجل، وهو ممن يبصر الولاية والبراءة ثم توقف عن ولاية الرجل، ما يكون معي؟ (3/181)
صفحة 852
قال: تستتيبه من وقوفه عن وليك.
قلت: فإن قال إني كنت أتولاه وقد استبان لي أنه يوم ذلك على حرمة عرفتها اليوم؟
قال: ذلك أن ترجع عن ولايته.
قلت: فإن قال، إنه عمل بمكفره؟
قال: لا يقبل منه إلا بشاهدي عدل، وهو قاذف، فإن جاء بشاهدي عدل قبلت قوله وبرئت من الذي شهد عليه الشاهدان بالكفر ثم استتبه، فإن تاب رجعت ولايته، فإن أصر برئت منه.
قلت: فالمرأة تؤخذ عنها الولاية؟
قال: نعم، والعبد والأمة أيضا إذا كانا ممن يبصران الولاية والبراءة، وهذا الماضي جواب الفضل بن الحواري.
مسألة:
وقال محمد بن محبوب في رجل برئ من المسلمين وعمل للجبابرة وقد كانت له ولاية مع المسلمين ثم إنه ترك الجبابرة ولم يعلم منه رجعة إلى العدل، فزعم رجل من المسلمين من بعد ما هلك أنه قد تاب من عمله ومن براءته من المسلمين، هل يكون قوله مقبولا ويرجع إلى ولاية المسلمين؟
فقد سمعنا ووجدنا في بعض آثار المسلمين أنه إذا قال رجل من المسلمين ممن له معهم ولاية أنه قد تاب مما كان منه ورجع إلى العدل وتولى المسلمين ولم يعلم ذلك غيره قبل المسلمون قوله وشهادته بذلك وتولى المسلمون الهالك بولاية وليهم هذا الحي. (3/182)
صفحة 853
وقال غيره: إذا كانت المظالم التي قبله حقوقا للناس فلا يقبل فيه الواحد إلا باثنين أنه قد تاب وأدى الحقوق، فإذا رفع واحد من المسلمين توبته وهو على نية الأداء ولم يؤد شيئا، فأحب إلينا الوقوف، وإن كان مقرا لأصحاب الحقوق بحقوقهم، وكان يسعى في فكاك نفسه فأدركه الموت ولم يستبرئ نفسه من حدثه لكنه تاب إلى الله وإلى المسلمين وكان يسعى في فكاك نفسه فأدركه الموت فهو بمنزلة الكف، يكف عنه ولا يبرأ منه ولا يستغفر له.
مسألة:
سئل الربيع عن رجل أقل بدين المسلمين ثم جاءت منه أحداث موحشة؟
قال: لا يتولى حتى يتوب، ولا خير في العجلة في البراءة.
وقال: إذا كان مستحيلا لما يركب ثم تاب قبلت توبته وأهدر عند ما كان ركبه باستحلال، وإن كان محرما لما ركب ثم تاب قبلت توبته ولم يتول حتى يرد ما ارتكب، وإن مات قبل أن يرد تركت ولايته.
مسألة:
عن محمد بن محبوب، قلت: فإذا سمعت رجلا ممن يبصر الولاية والبراءة يتولى رجلا، هل علي أن أتولاه؟
قال: اختلف هاشم بن غيلان وسعيد بن المبشر.
قال سعيد: يجوز التعديل بواحد والتجريح باثنين.
وقال عبد الملك: كما يجوز ف التعديل يجوز في التجريح. (3/183)
صفحة 854
قال هاشم: سمعنا أن الولاية تجوز بواحد والبراءة باثنين.
مسألة:
وزعم هاشم بن غيلان أن الذي أودى عليه المسلمون وحفظ عنهم أن الرجل إذا كان في ولاية المسلمين ثم كانت منه أشياء كرهها المسلمون، غير أنه إذا دعي أجاب، وإذا عوتب رجع، فما كان هكذا فهو من المسلمين، فإذا رأوا منه التخليط وما لا ينبغي كفوا عنه ولم يتولوه ولم يبرءوا منه، فإن تولاه رجل من المسلمين أمروه بالكف عنه.
وإن قال: أنتم تبرءون منه؟ قالوا: لا.
قال: فأنتم في شك فإن تبرءوا منه برئت منه.
فقالوا: لا تبرءوا منه.
فقال: فأنا إذن أتولاه، لم يكن للمسلمين عليه سبيل في ذلك، وهو في ولايتهم ما لم يتول من برءوا منه. (3/184)
صفحة 855
الباب السابع عشر
الشهادة على المحدث بحدثه
وقال الربيع بن يزيد عن أبي منصور أنه قال: ليس للعالم أو الرجل من المسلمين أن يشهد على رجل من المسلمين بأمر فيه البراءة إلا أن يكون قد تقدم إلى الرجل واستتابه، فإذا فعل ولم يتب، وإن أحب أن يظهر ذلك للمسلمين منه أن لا يكون منه أمر فليقل إني أريد أن أقول شيئا، فاسمعوا مني واستتيبوني فعليهم أن يستتيبوه، ويتحذروا من الذي قال فيه المنكر إذا كانوا برءوا منه بحق نحو ما قال.
وإذا قال اثنان من المسلمين: إن فلانا مسلم يتكلم أو عمل بنفاق فشهادتهما جائزة عليه ولا ترد شهادتهما، ولكن يقال لهما هل استتبتماه، فإن قالا: لا، فيقال لهما افعلا فإن قالا: قد فعلنا فلم يتب وجبت البراءة.
مسألة:
وسئل أبو عبد الله عن رجلين شهدا على رجل غائب بأمر ما تجب فيه البراءة، قال: يكف عنه ولا يتولى حتى يعلم ما يدفع عن نفسه من شهادة هذين الشاهدين وما عنده فيما شهدا به عليه وذلك إذا كان الشاهدان عدلين ثقتين من المسلمين، ورجلان شهدا على رجل ميت بما تجب فيه البراءة منه البراءة.
قال: لا يتولى، لأنه انقطع عذره ودفعه عن نفسه شهادة من شهد عليه إذا كانا ثقتين من المسلمين.
مسألة:
وقال محمد بن محبوب: سمعت هاشم بن عبد الله الخوارزمي يسأل عن الولاية بشهادة شاهد من المسلمين؟
فقال: إذا عرف ما يتولى عليه وما يبرأ قبل ذلك منه ويتولى صاحبه ولا تجوز البراءة إلا بشهادة شاهدين من المسلمين. (3/185)
صفحة 856
مسألة:
وعن ولي شهد على وليه بالفسق فبرئت منه وصار عندك فاسقا ثم جاء بولي آخر فشهد بمثل ما شهد به، أيقبل قولهما بعد البراءة من الأول؟
فاعلم أن المسلم إذا برئ من المسلم وشهد عليه بالفسق والضلال لم يجعل بالبراءة منه حتى يسأل عن عذره فإن ادعى بينة غيره وقف عنه حتى ننظر في دعواه فإن جاء بآخر يقول مثل قوله زال الوقوف عنه، وأمضيت الشهادة على المشهود عليه.
فإذا لم يكن معه من يشهد مثل شهادته برئ منه إلا أن يتوب، فإذا جاء آخر فشهد مثل شهادته بعد البراءة منه أو التوبة عن شهادته والشاهد الآخر إنما هو واحد فيجب عليه مثل ما وصفت في الأول.
وقد قال آخرون: إن المسلم إذا شهد على المسلم بالفسق والضلال لم يقبل منه إلا بشهادة شاهدين، وشهادته هو تسقط، والقول الأول هو القول إن شاء الله، وكله من قول المسلمين.
مسألة:
عن أبي معاوية فيما عندي، وإذا شهد شاهدا عدل على رجل كان (3/186)
صفحة 857
وليا لك، أنه رجل فاسق منافق وبرئا منه ولا سيما ولا أخبرا بما يجب به اسم الفسق فإنه يبرأ منه ويقبل قولهما عليه؟
وقلت: إنهما لم يحتجا أنه لا يجب عليهما أن يعلما بما يجب عليه اسم الفسق عندهما، فإنهما لا يكلفا علم ذلك ولا يوقفا على تسمية إلا أن يطلب المشهود عليه ذلك.
فإن طلب ذلك لم يعذر إلا بالتسمية، فإن سميا شيئا يجب عليه به البراءة، وبرئ منه واستتيب، فإن تاب رجعت ولايته وإن أصر تمت البراءة منه.
وقلت: إذا جاء أحدهما قبل الآخر وأبى الآخر من بعد، فإن جاء الأول ووصف شيئا يلزم المشهود عليه الخروج من الإسلام، ووجبت البراءة منه إن كان ما قال حقا برئ من الشاهد.
فإن قال: أنا أخي بآخر من المسلمين نشهد بهذا، وقف عنه حتى يجيء بذلك الشاهد، فإذا جاء به واتفقت شهادتهما على أمر يلزم المشهود عليه البراءة برئ منه ثم استتيب فإن تاب رجعت ولايته.
وقلت: قال قوم إذا جاء وحده صار خصما فعليه أن يأتي بشاهدين غيره.
وقلت: إن لم يعلم بهذه الشهادة فيقول إنه يتوب فإنه ينبغي للمسلم أن يستتيب المسلم من ورطة إن وقع فيها وينصح له في أموره، فإذا فعل لك لم يكن له بدا من أن يعلمه ما شهدت عليه الشهود فيتوب هنالك أو يصر، فإن تاب رجعت ولايته، وإن أصر هلك.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هلك المصرون». (3/187)
صفحة 858
مسألة:
وسألت أبا عبد الله عن إمام مسجد شهد عليه رجلان ثقتان أنه شهد بالزور، هل يصدقهما ويترك الصلاة خلفه؟
قال: لا أدري ذلك واجبا عليك حتى يشرح الشاهدان كيف هذه الشهادة فإنه يجوز أن يكون بحق وعلم غير ما علما ولا يقبل منهما ذلك عليه إلا بشرح واضح، وإن كان الشاهدان من أهل الولاية فعليهما التوبة مما يشهدا به عليه.
مسألة:
قال أبو سعيد: معي أنه قد قيل، لا يجوز الشهادة في الأحداث التي توجب البراءة إلا من الأولياء ولو لم يكونا ممن يبصر الولاية والبراءة.
ومعي أن بعضا يقول: إنه لا يقبل إلا من الأولياء ممن يبصر الولاية والبراءة. (3/188)
صفحة 859
الباب الثامن عشر
الشهادة فيمن يوجب (1) البراءة
وعن رجل شهد عليه رجل أنه شهد بزور وشهد آخر أنه أكل مالا حراما؟
قال: أما على القياس فلا تسقط ولايته، وأما على الاستحسان فتسقط ولايته، وتبطل شهادته.
قلت: فيم تأخذ أنت؟
قال: الله أعلم، ولم يقطع بشيء.
قال أبو سعيد: لا تسقط ولايته.
مسألة:
قلت: فإن شهد العدلان ممن يبصر الولاية والبراءة على رجل أنه ركب مكفرة أيبرأ منه؟
قال: نعم.
قلت: وإن لم يفسر الحرمة؟
قال: نعم، وإذا كانا يبصران الولاية والبراءة، وشهدا بالحدث يبرأ منه ولم يكلفا تفسيرا وقبل قولهما.
__________
(1) في الأصل "الشهادة فيما يوجب به البراءة" والصواب ما أثبت. (3/189)
صفحة 860
قلت: فإن سئلا عن التفسير؟
قال: لا يلزمهما من حيث الوجوب ولكن ينبغي إذا طلب منهما الحجة أن يبينا ذلك.
قلت: فإن كان المشهود عليه وليا، أيقبل قولهما ويبرأ منه بشهادتهما؟
قال: نعم وإن كان وليا.
قلت: فإن كان المشهود عليه حيا أو ميتا؟
قال: نعم، الشهادة جابرة في البراءة على الحي والميت إلا أن يكون الميت قد صار سلفا مجتمعا على ولايته بالشهرة فذلك لا يقبل عليه شهادة الشهود أنه أحدث حدثا كفر به لأنه قد مات وماتت حجته.
قلت: مثل ماذا؟
قال: مثل محمد بن محبوب وغيره ممن قد صار سلفا للمسلمين.
قلت: فإذا كانوا أحياء وشهد عليهم أو على أحد منهم بحدث مكفر في حياته، هل يقبل عليه؟
قال: نعم يقبل عليه ويحكم عليه بالبراءة ثم يستتاب إذا كان الشاهدان ممن يبصر ذلك.
قلت: فإن شهد شاهدان عدلان ممن لا يبصر الولاية والبراءة على رجل يحدث مكفر، هل تقبل شهادتهما ويبرأ من الرجل بشهادتهما؟
قال: لا، حتى يفسر الحرمة والحدث الذي شهدا به، وإن فسرا ذلك وبيناه مما يكون مكفرا لمن ركبه شهادتهما وبرئ منه، وإن كان (3/190)
صفحة 861
الحدث غير مكفر لم يبرأ منه وهو على ولايته.
قلت: فإن قالا إذا سئلا عن التفسير أن ذلك الشيء لا يحل لنا إظهاره؟
قال: لا يقبل قولهما إذا كانا ممن لا يبصرا، وكان الرجل على ولايته وهما على ولايتهما ما لم يظهر البراءة منه، فإن برئا منه استتيبا من ذلك فإن تابا كان على ولايتهما.
قلت: فإن قالا حين سئلا عن التفسير إنا استتبناه فلم يتب؟
قال: يبرأ منه لأنه مصر.
قلت: فإن كانا العدلين اللذين يبصران الولاية والبراءة برئا من رجلا حين سئلا عنه، هل يقبل قولهما ويبرآ من الرجل ببراءتهما؟
قال: إن برئا منه على حدث مكفر قبل قولهما وبرئ من الرجل ببراءتهما إذا كانا حجة في الولاية والبراءة لأن براءتهما قد أوجبت شهادتهما عليه، وشهادتهما توجب براءتهما أيضا منه على بعض القول الذي عرفته.
وفيها قول آخر: لا يبرأ ببراءتهما حتى يشهدا عليه بالحدث قبل البراءة كان وليا أو غير ولي؟
قال: نعم.
قلت: فإن كانت براءتهما من أهل الأحداث الشاهرة أحداثهم المكفرة لأهلها عند المسلمين فبرآ من أهل الأحداث على الشهرة والمعاينة، هل يقبل منهما ويبرأ ببراءتهما من أهل الأحداث؟
قال: نعم، إذا كانت أحداثهم شاهرة على الاستحلال لركوبها (3/191)
صفحة 862
برئ منهم من علم ذلك، كان العدلان حجة في ذلك، ولهما أن يظهرا البراءة من أهل تلك الأحداث، ويظهرا مفارقتهم، ولو فارقهم على ذلك من كان من الناس ويبرأ ببراءتهما.
قلت: فإن كان شاهد واحد شهد على رجل من الناس بحدث، هل يقبل قوله ويبرأ من الرجل ببراءته إذا كان الذي أحدث غير ولي؟
قال: لا، حتى يشهد عدلان ممن يبصر الولاية والبراءة على الحدث، وقد قيل أن البراءة بقول واحد مقبولة، ولم أراهم يعملون بذلك.
قلت: فإن كانا كلاهما وليين وشهد أحدهما على الآخر بكفر هل يقبل قوله؟
قال: لا يقبل قوله ويستتاب إلا أن يأتي بشاهدي عدل.
قلت: فإن برئ منه مع شهادته؟
قال: يبرأ من الذي برئ من ولي المسلمين ثم يستتاب، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن أصر تمت عليه البراءة.
مسألة:
وعن رجل شهد على رجل أنه شهد بزور، وشهد عليه آخر أنه أكل مالا حراما، هل تسقط ولايته؟
قال: أما على القياس فلا تسقط ولايته، وأما على الاستحسان فإنها تسقط.
قال غيره:
لا تسقط ولايته. (3/192)
صفحة 863
مسألة:
وسألت عن شهادة امرأتين ورجل في البراءة من رجل هل تجوز شهادتهما، فإذا شهدا على ما برءوا منه وسموه جازت شهادتهما إن كانوا عدولا.
مسألة:
قلت: فإذا حضر المتبرئ من هذا المحدث عليه شاهدي عدل عند المتولي للمتبرأ منه، هل يجوز له أن يجهر بالبراءة منه؟
قال: فإذا قذفه بمكفرة لوليه وأحضر على ذلك بينة ممن تقوم شهادتهم في المكفرات في أحكام البراءات فقد قالوا في ذلك أنه لا تجوز إلا شهادة الولي الذي يستحق الولاية.
فإذا قامت البينة على هذا المحدث أنه ارتكب كذا وكذا من المكفرات وسموا ذلك، وكان ذلك من المكفرات مع من شهدوا معه بذلك وأنهم استتابوه من ذلك فلم يتب فقد قالوا في ذلك أنه يقبل شهادتهما عليه ويبرأ منه إلا أن يكون من الأئمة في الدين، أو من علماء المسلمين الذين مضت ولايتهم وقضت لهم الشهرة بذلك، وماتوا على ذلك، فإنهم لا يقبل عليهم شهادة بعد ذلك، ولو كان الشهود عليهم في ذلك مائة ألف أو يزيدون كلهم علماء، وأحكام الشهود عليهم هاهنا قذفة يبرأ منهم بإظهار البراءة بما لا حجة لهم فيه أبدا أو لا ينالون إلى ذلك مخرجا إلا التوبة مما أظهروا في إمام المسلمين، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من علماء المسلمين.
وأما إذا كان دون هذا ممن قد وجبت له الولاية أو ممن لا ولاية له أو من الأحياء أو من الأموات، فقد قيل في ذلك باختلاف. (3/193)
صفحة 864
فقال من قال: لا تجوز الشهادة في البراءات على المكفرات ولا تقوم الحجة على المشهود عليه إلا بحضرته كان حيا أو ميتا عالما أو ضعيفا، وليا أو غير ولي.
وقال من قال: لا تجوز الشهادة على الأموات على المكفرات وتجوز على الأحياء، لأن الأموات قد ماتت حجتهم، والأحياء لهم الحجة وعليهم.
وقال من قال: لا تجوز على الأولياء إلا بحضرتهم ويجوز على من لا ولاية له.
وكل هذه الأقاويل تخرج معنا على تأويل حق، وهي صواب كلها إن شاء الله، ونحب ألا تقبل الشهادة على الأموات لموضع انقطاع حجتهم إلا في الأئمة المشهورين بالضلال والذين قد أجمع المسلمون على ضلالهم ولم يجر بين المسلمين فيهم اختلاف، فإذا شهد عليهم من تقوم به الحجة في الشهادة على ما تجب به الحجة ثبتت الشهادة عليهم.
واخترنا لمن قبل ذلك عليهم لموضع إجماع المسلمين وإثبات أصول الدين، عرف به المسلمون أهل نحلتهم، وباختلافهم فيه تفرقت المقالات فيهم، وذلك مثل الأحداث المتقدمة، وأمثالها التي لا يجري فيها من أئمة المسلمين ولا العلماء في الدين اختلاف، وثبت الإجماع منهم على بطلان الحدث وضلال المحدث.
فإن قبل قابل هذه الشهادة على مثل هذا جاز له ذلك، وإن لم يقبلها ولم يلزم نفسه البراءة بها وسعه ذلك إذا تولى المسلمين على براءتهم ممن برءوا منه من المحدثين ولم يخطئهم.
وأما إذا كان الميت ليس من أئمة الضلال الذين قد شهر ضلالهم، وأجمع المسلمون ممن مضى على ضلالهم، وإنما هو محدث أحداث ما اختلف المسلمون فيه أو لم يصح فيه إجماع شاهر من ذلك من أهل الدار، فما (3/194)
صفحة 865
نحب قبول شهادة على محدث قد مات مختلف فيه أو وجد أهل الدار مختلفين فيه، فإن قبله قابل فبرئ منه فقد مضى القول فيه أنه جائز في بعض القول ما لم يكن من الأئمة من المسلمين.
وإذا كان المحدث حيا وكان ممن لا ولاية له، أو ولي من ضعفاء المسلمين وقامت البينة عليه بحدث أحببنا قبول البينة عليه، ولا يقطع عليه البراءة حتى نلقاه، فإن تاب من ذلك قبلنا منه واحتج بحجة أخرج نفسه بها، وإن لم يحتج بحجة ولم يتب برئنا منه بذلك على بعض القول وهو اختيارنا.
وإذا كان المشهود عليه من علماء المسلمين أو الأئمة المنصوبين وكان حيا لم تقبل الشهادة عليه إلا بحضرته حجة، كما أن البينة حجة ولا تقبل حجة على حجة إلا بحضرة الحجة، فإن حضر وشهد عليه الشاهدان بحضرته، وهو يسمعها ولم يدفعها بحجة تثبت له، ولم يتب من ذلك بريئا منه ثم استتبناه من ذلك فإن تاب توليناه ورجع إلى ولايته وإن لم يتب مضى على البراءة منه والله أعلم بالصواب.
مسألة:
وعن الفضل بن الحواري، وعن شاهدين شهدا على رجل أنه أكل حراما أو يأكل الحرام أو شهد أنه عند امرأته حراما؟
قال: لا تقبل شهادتهما حتى يفسر الحرمة التي هي في يده.
وعن أبي معاوية [فيما أظن] وعن ولي شهد على ولي بالفسق فبرئت منه وصار عندك فاسقا، ثم جاء بولي آخر فشهد بمثل ما شهد به، أيقبل قولهما بعد البراءة من الأول.
فاعلم أن المسلم إذا برئ من المسلم وشهد عليه بالفسق والضلال لم يعجل بالبراءة منه حتى يسأل عن عذره، فإذا ادعى بينة غيره وقف (3/195)
صفحة 866
عنه حتى ننظر في دعواه، فإن جاء بآخر يقول مثل قوله زال الوقوف عنه، وأمضيت الشهادة على المشهود عليه، فإذا لم يكن عنده من يشهد بمثل شهادته بعد البراءة منه أو التوبة منه عن شهادته، فالشاهد الآخر إنما هو واحد ويجب عليه مثل ما وصفت لك من الأولى.
وقال قوم: إن المسلم إذا شهد على المسلم بالفسق والضلال لم يقبل منه إلا شهادة شاهدين، وشهادته هو تسقط.
والقول الأول هو القول إن شاء الله، وكله من قول المسلمين إن شاء الله.
مسألة:
ذكر عن الوضاح بن عقبة عن مسبح بن عبد الله أن عبد الرحمن بن المغيرة أخبرهم وقد كان الأشعث بن حكيم والجلندانيون على حال من الخروج في حال المسلمين فأخبرهم عبد الرحمن أن جعفر بن بشير كان هو وآخر غيره بالعراق مع أبي عبيدة وحاجب حتى قدم الجلندانيون فأخبروا أبا عبيدة وحاجبا أن الجلندانيين نزلوا على عبد العزيز الجلنداني فقراهم ثم قتلوه.
فقال لهم مسلم وحاجب: لا تقبل مقالتكما على المسلمين، فلم يقبلا قولهم.
قالوا: فإنا نذهب إلى السلطان؟
قال: اذهبوا، فلما حضر خروج جعفر وصاحبه إلى عمان وقد كان أهل عمان افترقوا في الذين قتلوا عبد العزيز، فمنهم من برئ ومنهم من تولاهم ومنهم من وقف عنهم، فقال قولا لأهل عمان إن كان من كان له ولاية يتولاهم المسلمون وكان على أمر من أمرهم أولى بما صنع حتى (3/196)
صفحة 867
يطلب إليه الأمر الذي صنعه فيكون عليه الحق فيمتنع بإعطاء الحق فهنالك تترك ولايته فهذا حديث عبد الرحمن بن مغيرة لمسبح.
مسألة:
وسئل أبو عبد الله عن أربعة شهدوا على رجل بالزنى فسألهم الحاكم عن الزنا ما هو؟ فقالوا: لا نفسر؟
قال: إنه لا حد عليه.
فقيل له: هل على الشهود حد القذف؟
فقال: إذا كانوا أربعة درئ عنهم الحد.
قيل له: فإن كانت للمشهود عليه ولاية هل تسقط؟
قال: ولايته ثابتة إذا كانت له ولاية.
مسألة:
وسألته عن رجل كان في ولاية المسلمين إلى أن غاب أو مات، ثم شهد عليه شاهدان أنه أحدث حدثا كفر به، هل يقبل عليه شهادة الشهود كان من الأئمة أو من العامة؟
قال: نعم الشهادة عليه من المسلمين جائزة ما لم تصر ولايته، فإذا صارت ولايته شهرة لم تقبل شهادة البينة عليه لأن الشهرة تقضي على البينة، وكل من صحت له الولاية بالشهرة لم يجز أن تزول ولايته بالبينة كان من الأئمة أو من العامة، وتثبت ولايته بالشهادة على الشهرة وتقبل في الرفيعة. (3/197)
صفحة 868
وكذلك كل من أوجبت عليه الشهرة باسم الكفر والبراءة منه لم تقبل شهادة البينة له بالتوبة لأن الشهرة تقضي على البينة، وتقبل شهادة الشهود عليه بالكفر على الشهرة ولا تجوز شهادة الشهود عليه بالكفر على الشهرة ولا تجوز شهادة الشهود أنه تاب حتى تصير توبته شهرة كل شهر كفره وحدثه، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «أحدث مع كل ذنب توبته، السريرة بالسريرة، والعلانية بالعلانية».
وذكر أن عائشة أشهرت توبتها وأنها كانت تظهر توبتها إلى من أتاها، حتى صارت توبتها شهرة، وقد نادى المسلمون بتوبتها.
مسألة:
قال أبو سعيد: أجمع أهل العلم أنه لا تجوز شهادة العدول من قومنا من جميع أهل الخلاف المتعبدين بخلاف ديننا على أحد من المسلمين فيما تجب شهادتهم عليه كفر أو خروج من ولاية إلى عداوة أو وقوف فإن شهادتهم في ذلك قلوا أو كثروا معارضة أو دعوى لأنهم خصماء للمسلمين في ذلك.
ولا يجوز قبول قول مدع، ولا شهادة خصم بذلك جاء الأثر والإجماع من أهل العلم من المسلمين.
قال أبو سعيد رحمه الله: لا تجوز شهادة قومنا قلوا أو كثروا في كل ما يخرج المسلمين من دينهم، ويجب عليهم به براءة ووقوف لأنهم خصماء للمسلمين.
ولا يجوز قبول قول مدع ولا شهادة خصم.
قال أبو سعيد: أجمع المسلمون فيما معنا لا نعلم بينهم اختلافا أن (3/198)
صفحة 869
شهادة العدول من قومنا جائزة عليهم م بعضهم بعض في جميع الحقوق والحدود والقاص وجميع الأحكام الحادثة بين أهل الإقرار بالإسلام وكل فرقة منهم تجوز شهادتهم على بعضهم بعض، وعلى سائر الفرق من أهل القبلة من الروافض والخوارج وجميع من دان بخلاف المسلمين لأنهم أهل ملة واحدة، وأهل كفر ونفاق يجمعهم جميعا اسم الملة واسم الكفر والنفاق.
قال أبو سعيد: لا تجوز شهادة قومنا على أحد من المسلمين بشيء من موجبات الكفر.
قال أبو سعيد رحمه الله: لا يجوز إنفاذ الحدود على المسلمين بشهادة قومنا، وذلك ما لا نعلم فيه اختلافا، لأن الحدود من المكفرات، ولا تجوز شهادتهم على المسلمين في ذلك كله من جميع ما يجب به حد في الدنيا أو عذاب في الآخرة فذلك كله لا يجوز على المسلمين من شهادتهم.
ولا نعلم بين أهل الاستقامة في ذلك اختلافا.
مسألة:
قال أبو سعيد: إنه تجوز الشهادة على المحدث بحدثه الموجب له اسم الكفر الموقع عليه حكم البراءة.
لأن الشهادة تجوز في جميع الأحكام في الحدود والفروج والأموال وغير ذلك من جميع الأحكام كلها التي تعبد الله بها أهل الإسلام.
وكذلك يجوز في البراءة، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وأما شهادة قومنا فلا يجوز على أحد من المسلمين بما يوجب عليه الكفر. (3/199)
صفحة 870
مسألة:
قال أبو سعيد: إن حد ما تقوم به الحجة في البراءة في حكم الظاهر قيام البينة على المحدث بحدثه الموجب له اسم الكفر الموقع عليه حكم البراءة، وذلك معنا لثبوت ذلك في جملة الأحكام من الحدود وسائر أحكام الإسلام على ما يخص كل حكم من ذلك من ثبوت حجة البينة فيه من الواحد والاثنين والأربعة على الإجماع على إجازة ذلك في الأحكام وثبوته في مخصوص ذلك و (معمومه) في جميع الأحكام المتعبد بها جميع أهل الإسلام في الأحكام الظاهرة الواجبة على المتعبدين من عباد الله وفيهم ولهم على بعضهم بعض حكم جامع ثابت في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين.
قال أبو سعيد: وأما أهل الثقة والعدل من المقرين بالنحلة ما لم يثبت لهم ولاية، فقد قيل: إن شهادتهم جائزة على نحو ما تجوز شهادة أهل الضعف ممن ثبتت ولايته في الأحكام ما سوى المكفرات وما ينتقل به المشهود عليه من الإيمان إلى الكفر أو عن حال الوقوف إلى البراءة.
وقد قال من قال: إن شهادة العدول من أهل النحلة (1) تجوز على المسلمين في جميع الأحكام من الحقوق والحدود والمكفرات ولا يخرج ذلك من أحكام العدل لثبوت حكمهم في جملة أهل الاستقامة في التدين.
ونحب القول الأول أنه تجوز شهادتهم عليهم في جميع الأحكام ما خلا الحدود بعينها والمكفرات، ولا تجوز شهادة أهل هذه الصفة معنا على أحد ممن ثبتت له ولاية من علماء المسلمين ولا من ضعفائهم في شيء من الحدود، ولا شيء من المكفرات فيكون اسم قد ثبت له الإيمان ينتقل عن حكم الإيمان إلى وقوف أو براءة شهادة.
__________
(1) مؤشر على الهامش قوله: "من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه". (3/200)
صفحة 871
[من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه]
[وهذا الفن ما ألفه وجمعه عثمان بن أبي عبد الله العماني]
بسم الله الرحمن الرحيم ...
قال عثمان بن أبي عبد الله: الحمد لله الذي لم يزل لا ببقاء مبق أبقاه، فبقي ببقاء المبقى له باقيا، والدائم الذي لم يزل لا بإدامة مدوم أدامه فدام بديمومة المدوم له دائما.
خلق الأشياء لا من موات عنده كما زعم المفترون سبحانه وتعالى علوا كبيرا عما يقولون، بل خلق الأشياء لا من شيء اخترعها من عدم أنشأها وأبدعها ثم خلق بعضها من بعض سبحانه الخالق لكل شيء وهو العليم القدير.
فنفسه ذاته وذاته إثباته ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، خلق الخلائق دلالة على ربوبيته ولكن يكلفهم خطابهم بعبادته فأمر الله عز وجل بعبادته العقلاء البالغين ليوصلهم بذلك إلى أسنى المنازل إن امتثلوا أوامره طائعين، فمنهم من اهتدى ومنهم من ضل وغوى، فتفرقوا عن أوامره أطوارا مختلفين، فهدى الله الذين آمنوا لحسن اختيارهم فأصبحوا بنعمة الله مؤتلفين.
وأضل الله الذين اختلفوا بسوء اختيارهم فأصبحوا بسوء اختيارهم كافرين، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك وهو أعلم بالمهتدين.
فأول: من خالف وعصى وتمرد وطغى إبليس اللعين حين قال الله للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه فصار من الكافرين.
فقال الله تعالى: يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي، (3/201)
صفحة 872
فظن إبليس أنه أفضل من آدم حيث خلق من النار، فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار عنده أفضل من الطين، فقال الله تعالى: اخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين، فلعنه الله تعالى من بعد ما عبد الله تعالى قبل خلق آدم بثمانين ألف سنة، فمن بعد عبادة ثمانين ألف سنة، كان سبب ذلك خالف الله تعالى في سجدة واحدة فأحبط الله تعالى عبادته تلك ثمانين ألف سنة.
وقيل: كان يعبد الله في كل سماء يوما حتى إذا كان يوم الجمعة عبد الله في السماء السابعة ثم لما أسكن الله آدم وزوجته حواء عليهما السلام الجنة وسوس لهما الشيطان حتى أكلا من الشجرة فعصيا فأخرجهما الله من الجنة ثم تاب آدم وحواء لما هبط إلى الأرض فصار آدم إمام التائبين، وإبليس اللعين إمام المصرين لعنه الله، فاتخذوه عدوا معشر المسلمين فقد قال الله تعالى: * (*إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً*) * لعنه الله، فإن لعن إبليس قيل فريضة كما أن الصلاة على النبي فريضة، ولعن إبليس فيه الثواب كما أن الصلاة على النبي فيها الثواب.
فلم يزل دين الله بعد ذلك على سبيل الاستقامة حتى قتل قابيل هابيل، فأهلكه الله كافرا، ولم يكن له عقب ليقع في الخلق اختلاف.
ثم لم يزل دين الله على سبيل الاستقامة حتى عبدت الأصنام، فمنذ عبدت الأصنام وقع الاختلاف بين الخلائق، والسبب في أصل عبادة الأصنام من وجهين، فقيل: مذ أيام وفاة نسر بن آدم عليهما السلام.
وقيل مذ أيام نوح عليه السلام، فالذي نقول إن أصل ذلك من أيام نسر بن آدم عليه السلام، أن آدم لما حضرته الوفاة دعا بولده ود وهو شيث فأوصى بالطاعة لله عز وجل وأن يعبد الله ويتقيه ولا يشرك به شيئا ثم توفي آدم، فقام شيث بوصية أبيه آدم وكان إخوته الأربعة (3/202)
صفحة 873
يجلونه ويقدونه إلى أن هلك شيث وهو ود، فاستخلفوا عليهم يغوث فقدموه كما قدموا أخاه فسار فيهم سيرة أخيه، فجاء إبليس لعنه الله فقال: إني رفيق، فقال يغوث: وكيف ذلك، فقال: أصور لكم صورة أخيكم ود في جميع الأقطار ولكي تنظروه وتمروا عليه.
فقال له يغوث: أنت وذلك.
فصوره لهم في الأقطار، فلما مات يغوث استخلفوا عليهم أخاه يعوق، فسار فيهم سيرة إخوته (1).
فجاء إبليس لعنه الله فقال له كقوله لأخيه.
فقال له: أنت وذاك، فصور لهم يغوث في جميع الأقطار، فلما أن مات يعوق استخلفوا نسرا، فجاء إبليس لعنه الله فقال له كذلك، فقال له: أنت وذلك.
فتناسل أولاد هذه الإخوة، وكان كل منهم يطوف على جده، فلما مات نسر وتطاولت المدة جاءهم إبليس لعنه الله فقال لهم: إن آباءكم كانوا يعبدون تلك الأصنام.
فافترقت الناس حينئذ فرقتين، فكذب فريق وهم المخلصون، لما سبق في علم الله ... (2).
كما قيل في الآثار لكانوا غير جاحدين وما أنكر الله عليهم قولهم، ولا كذبهم لقولهم: وما يهلكنا إلا الدهر، إذ كانوا يعنون وما يهلكنا إلا الله، فمن ثم استمر الخلق في الاختلاف وفرق لا تعد ولا تحصى.
__________
(1) في نسخة "أخيه".
(2) أشار الناسخ إلى أن هناك قولا سقط في النسخ، ودليله اضطراب المعنى كما ترى، فلزم التنويه. المحقق. (3/203)
صفحة 874
فاليهود على إحدى وسبعين فرقة.
والنصارى على اثنين وسبعين فرقة.
وقال صلى الله عليه وسلم: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة».
والمجوس على سبعين فرقة، والصابئين.
ولم يزل الخلق مختلفين لا تحصى عددا حتى بعث الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم، فبعثه الله عز ولج والخلق على منازل مختلفة، فمن متمسك بدين موسى وعيسى عليهما السلام يعملون بما أمروا به في كتبهم، وما أخذ عليهم ميثاقهم حافظون وصية ربهم يؤمنون بأن محمدا صلى الله عليه وسلم سيبعث وهو النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، اسمه وصفته ونعته (محمد رسول الله) صلى الله عليه وسلم * (*وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ*) * (1).
ومنهم أهل الكتاب كذبوا رسولهم، وغلوا في دينهم وابتدعوا وتفرقوا بعد إيمانهم، وزادوا في كتبهم، ونقضوا وكذبوا بوعد الله ووعيده، وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به.
وقال طائفة منهم: عزير ابن الله، والله فقير ونحن أغنياء، وأنهم أبناء الله وأحباؤه وأن يده مغلولة وهو فقير ....
وقالت طائفة منهم: المسيح ابن الله، وذلك كلمته وروحه، وكلمته هو لا غيره.
__________
(1) سورة الفتح، الآية 29. (3/204)
صفحة 875
وقالت طائفة منهم: هو ثالث ثلاثة.
ومنهم مشركوا العرب يعبدون الملائكة والعزى ومناة وغيرهم من الأصنام ويقولون هم بناة الله عندنا وهم شركاؤه وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى فكانت اللات لثقيف والخزرج بالطائف، والعزى لقريش، ومناة للأوس وغسان، وهبل كان في الكعبة، وأساف ونائفة كان بالمروة، ونسور من بنى لمكان من كنانة.
ومنهم مجوس يعبدون النيران والشمس والقمر، ويقولون: إن خالق جميع الخلائق اثنان [والعياذ بالله] أحدهما يخلق المنافع، وما وقع عليه اسم الخير، والآخر يخلق المضار وما وقع عليه اسم الشر.
ومنهم الدهرية الذين يقولون: لا مالك للأشياء وهم يعبدون الأصنام ويقولون: هم على مثال صورة عبادنا وعلمائنا، يسجدون للأصنام تعظيما للعباد والعلماء ويقولون: غذاؤنا من الطعام والشراب ومولدنا من الآباء والأمهات وما يهلكنا إلا الدهر والأوقات.
ومنهم الزنادقة، يعبدون الشمس والقمر والزهرة، ويقولون: الأشياء كلها من خالقين وأصلين خلقا سائر الأشياء من أنفسهما، فخالق الخير هو النفع وخلق من نفسه المنافع، وخالق الشر هو الشر فخلق من نفسه الشرور، وأنهما تعاديا واختلفا وامتزجا عند قتالهما، فصار فعالهما مختلطة وهما يتواليان فمن غلب صاحبه استعلى، فإن غلب النفع الضر استعلى، ويقولون عبادتنا قوة منا ومعونة للخير لأن عبادتنا نفع وخير فهذه أصول ما كان عليها أهل الدنيا من أول دهرهم ثم اختلف كل صنف منهم بعد الإقرار بهذه الأصول حين اختلفوا في الفروع على أديان مختلفة، فهذه أصولها وإنما اختلفوا في إيش وليس وكيف؟
فبعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ضلالتهم (3/205)
صفحة 876
ويخرجهم من ظلماتهم وأن يدعوهم إلى ما دعتهم إليه الرسل عليهم السلام إليه من قبل أن يعبدوا الله ويوحدوه ويصدقوه، فقال الله عز وجل: * (*وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ*) * (1).
وذلك أن جميع ما خلقهم الله وأخذ عليهم ميثاقه فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله عز وجل ومعرفته وإثبات ربوبيته كما هو أهله والإقرار له بعبادته.
فقال تعالى: * (*أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ*) * (2).
فاستجاب للنبي صلى الله عليه وسلم مستجيبون وكذبه مكذبون، فكان كل أهل الدنيا حين بعثه الله عز وجل عنده مشركين إلا من استجاب له منهم فيما دعا إليه حين أخبره ربه أن طائفة يؤمنون به قبل مبعثه وبعد ما بعث، فقال عز وجل: * (*وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ*) * (3).
وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم لا يعاين أحدا في حاله التي كان بها إلا سماه مشركا حتى يستجيب له في دعوته أو يعلم أنه ممن أخبره عز وجل أنه آمن به قبل مبعثه يدين بنصرته وطاعته.
وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى الخلق وما على الأرضين غير أربعة نفر مؤمنين، والله أعلم.
فلما بعثه الله عز وجل إلى الخلق دعا إلى عبادة الله الذي لا إله إلا هو، وأن يشهدوا لله بالوحدانية، ويقروا له أنه لهم خالق رازق ويعبدوه وحده لا شريك له ويتركوا عبادة من عبدوا من دون الله من
__________
(1) سورة الأنبياء، الآية 25.
(2) نفس الآية السابقة.
(3) سورة الأعراف: الآية 159. (3/206)
صفحة 877
الأصنام والأوثان والنيران وعبادة الملائكة والشمس والقمر وجميع ما يعبد من غير الله من الأشجار والأحجار، وغلبهم وآتاهم بالمعجزات فبهرهم ولم يستطيعوا له ردا، ولم يقدروا له على حيلة في دفعه عنهم علتهم حجته، وغلبتهم معجزته فاستجابوا كرها، وغلبوا قسرا حتى استقام الإسلام وصارت كلمة الله هي العليا وكلمة الكفر هي السفلى، فلما أعز الله الإسلام بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأكمل الله دينه، نُعيت إلى نبي الله نفسه، وأنه ميت لا محالة.
فلما أن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه فسار بالعدل سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما قبض أبو بكر استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسار سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قبض عمر بن الخطاب واستخلف عثمان، فذكر أنه سار أول زمانه سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خالف دين أهل الاستقامة حتى أبى أمورا استحق به عندهم القتل فقتلوه، فلما أن قتل عثمان بن عفان افترقت الناس بعده ثلاث فرق، فرقة شايعته، وهم العثمانية أتباع الجبابرة.
وفرقة هم الذين أنكروا عليه حدثه.
وفرقة هم الشكاك الذين شكوا في قتل عثمان وفي الذين أنكروا عليه.
ومن الشكاك أصحاب عبد الله بن عمر ومحمد بن سلمة وسعد بن أبي وقاص.
فلما أن تولى علي بن أبي طالب فذكر أنه سار بالحق في أول زمانه إلى أن وقع تحكيم الحكمين. (3/207)
صفحة 878
فافترق أصحاب علي بن أبي طالب على فرقتين:
فرقة شايعت عليا فسموا الشيعة، وفرقة نقضت على عليّ بن أبي طالب وهم المسلمون فسموا الخوارج مختلفين إلا أن تجمعهم فرقتين:
1 - فرقة سموا الخوارج بخروجهم على أئمة الضلال في اتباع الحق كأصحاب النهروان والنخيلة وغيرهم من خوارج المسلمين.
2 - وفرقة خرجوا على أئمة العدل وأهل الاستقامة من المسلمين كالأزارقة والنجدية وأشباههم، وكل فرقة من هذه (1) الفرق مختلفون.
فمن الشكاك المعتزلة -وأصحاب الحسن بن أبي الحسن البصري- وأصحاب واصل بن علي المعتزلي- والجبابرة وأشياعهم مختلفين إلا أن أصل دينهم أن إمامهم مطاع على كل حال.
والخوارج مختلفون، منهم المسلمون الذين يسمون الإباضية لمكان إمام المسلمين عبد الله بن إباض.
وافترقت الإباضية على خمس فرق:
فالتي على الاستقامة فرقة وهم المحكمة لإنكارهم على عليّ بن أبي طالب في تحكيم الحكمين، فقالوا: لا حكم إلا لله لا للرجال.
ثم اختلفت المحكمة فرقتين هما:
1 - الهارونية أصحاب هارون بن اليمان.
__________
(1) في الأصل: "هؤلاء" والأصوب ما أثبتناه. (3/208)
صفحة 879
2 - وممن خالف دين المحبوبية الذين هم على سبيل الاستقامة، نسبوا إلى محبوب بن الرحيل.
وأما النجدية والأزارقة والصفرية الذين هم من الخوارج، وكل فرقة من هؤلاء مختلفون أيضا.
وقد اختلفت هذه الفرق لمسائل جرت بينهم فمنهم المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل.
ومنهم القدرية: أنكروا القدر فقالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وأنهم يقدرون أن يفعلوا ما قد علم الله أنهم لا يفعلونه مما أمرهم بفعله، وأن الله تعالى أراد أن لا يكون الكفر من الناس، وكان منهم ما قد أراد الله أن لا يكون منهم (1).
قال المؤلف:
ولهذه الإرادة التي ذكرتها القدرية وجوه ليس هذا موضع بيان ذلك.
فاصل:
المذاهب متشعبة من سبعة مذاهب، وإليها مرجعها فأولها مذهب المعتزلة، ويتسمون بأصحاب العدل والتوحيد، وهم ست فرق.
1 - الحسينية: ينسبون إلى الحسن بن أبي الحسن البصري.
__________
(1) نعوذ بالله من أمثال هذه المعتقدات التي تصادم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، فالله سبحانه خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير، وهو سبحانه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، وكل هذه آراء باد تهافتها وضلالها. (3/209)
صفحة 880
2 - الهذيلية: ينسبون إلى أبي الهذيل الغلاف.
قال المؤلف: وهو من أعظم الناس جدلا غلب الأكابر، وهو ذاك الزمان خارج من اليتم (1).
3 - النظامية: ينسبون إلى أصحاب بن سنان (سيار النظام).
قال المؤلف: وهذا أيضا طامة كثير الجدل.
4 - المعمورية: أصحاب المعمر بن نجاد السلمي.
5 - البشرية: ينسبون إلى بشر بن المعمر.
6 - الجاحظية: ينسبون إلى عمر بن الجاحظ.
المذهب الثاني: الخوارج: وهم أربعة عشرة فرقة:
1 - الأزارقة: ينسبون إلى نافع بن الأزرق وهو إمام الخوارج.
2 - النجدات: وهم أصحاب نجدة بن عامر الحنفي.
3 - العجردية: ينسبون إلى عبد الكريم بن عجردة.
4 - اليدعية: رئيسهم يحي بن أصرم لأنهم يدعون قطع الشهادة على أنفسهم أنهم من أهل الجنة.
5 - الخازمية: ينسبون إلى شعيب بن خازم.
6 - الثعالبة: ينسبون إلى ..... (2).
__________
(1) في نسخة "اليم".
(2) الأصل فراغ لم يوضح الاسم الذي أشار إليه. (3/210)
صفحة 881
7 - الصفرية: أصحاب داود بن الأصفر.
8 - الحفصية: أصحاب حفص بن المقدام.
9 - اليزيدية: أصحاب يزيد بن يغسة.
10 - الإباضية: أصحاب عبد الله بن إباض.
11 - البيهسية: ينسبون إلى بيهس بن هضيم بن جابر.
12 - الشمراخية: أصحاب عبد الله بن شمراخ.
13 - الضحاكية: أصحاب الضحاك بن قيس.
14 - الفضيلية: أصحاب الفضل بن عبد الله.
المذهب الثالث: أصحاب الحديث: وهم أربع فرق:
1 - المالكية: ينسبون إلى مالك بن أنس.
2 - الشافعية: نسبوا إلى محمد بن إدريس الشافعي.
3 - الحنبلية: نسبوا إلى أحمد بن حنبل.
4 - الحنفية: نسبوا إلى أبي حنيفة النعمان بن ثابت.
المذهب الرابع: الجبرة: وهم خمس فرق:
1 - الجهمية: نسبوا إلى جهم بن صفوان.
2 - البطحية: نسبوا إلى إسماعيل البطحي.
3 - النجارية: نسبوا إلى حسن النجار البصري. (3/211)
صفحة 882
4 - الضرارية: نسبوا إلى ضرار بن عامر.
5 - الصباحية: نسبوا إلى صباح بن معتمر.
المذهب الخامس: المشبهة: وهم ثلاث عشرة فرقة:
1 - الكلابية: أصحاب محمد بن كلاب.
2 - الأشعرية: نسبوا إلى إسماعيل بن علي الأشعري.
3 - الكرامية: نسبوا إلى محمد بن كرام السجستاني.
4 - الهشامية: نسبوا إلى هشام بن الحكم.
5 - الجوالقية: نسبوا إلى هشام بن عمر الجوالقي.
6 - المقاتلية: نسبوا إلى مقاتل بن سليمان.
7 - القضائية: نسبوا إلى ذلك لأنهم زعموا أن الله تعالى هو القضاء.
قال المؤلف: وكذبوا، والدليل على أن القضاء مخلوق أنه قد يرى بعضه، وما كان له بعض كان له كل، وما تبعض وانقسم فليس بإله واحد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فالهوائي له نهاية، ونهايته حرارة في أطراف حدوده من دنا منها احترق، وخلف ذلك علم الله المحيط به، والهوائي دائم الحركة لا يسكن فإذا زالت حركته صارت رياحاً (1)، فهذه الرياح من موجان الهوى. رجعنا إلى حديثنا.
8 - الحيية: زعموا أنهم يعبدون الله لا خوفا ولا طمعا وإنما يعبدونه حياء.
__________
(1) في نسخة "ريح". (3/212)
صفحة 883
قال المؤلف: هذا القول نراه شاهدا في كتبنا حتى أن الجهال العباد من أصحابنا قد يغلبهم الهدى حتى يميلوا إلى تصديق أصحاب هذه المقالة:
9 - البنانية: نسبوا إلى المغيرة بن سعيد العجلي.
10 - : سقطت في العد.
11 - المنهالية: أصحاب المنهال بن ميمون العجلي.
12 - الزرارية: أصحاب زرارة بن أغبر بن زرارة.
13 - المبيضة: سموا بذلك لأنهم بيضوا ثيابهم مخالفة لأصحاب الثياب السود من الدولة العباسية ورئيسهم المقنع.
المذهب السادس: المرجئة: وهم ست فرق:
1 - الغيلانية: أصحاب غيلان بن حرسة.
2 - الصالحية: أصحاب صالح بن عبد المعروف التقية.
3 - أصحاب الرأي: وهم أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت.
4 - الشبيبية: أصحاب محمد بن شبيب.
5 - الشمرية: وهم أصحاب أبي شمر سالم بن شمر.
6 - الجحدرية: أصحاب جحدر بن محمد التميمي.
المذهب السابع: مذهب الشيعة: وهم ست فرق:
1 - الزيدية: وهم خمسة أصناف: (3/213)
صفحة 884
أ- اليديرية (1): نسبوا إلى يدير (2) تباع اليدري واسمه المغيرة بن سعد ولقبه الأبتر.
ب- الجارودية: نسبوا إلى ابن جارود بن زياد ابن المنذر الأعمى الكوفي.
ج- الخشيبية: وهم يعرفون بالصبر حانية الطيري ينسبون إلى صرحان الطبري وسموا الخشيبية لأنهم خرجوا على السلطان مع المختار ولم يكن لهم سلاح غير الخشب.
د- الصالحية: نسبوا إلى ذلك بالحسن بن صالح بن الحسن.
هـ- الحلقية: أصحاب محمد بن عبد الصمد.
2 - الكيسانية: نسبوا إلى كيسان وهم مولى لعلي بن أبي طالب. وهم أربعة أصناف:
أ- المختارية: نسبوا إلى المختار بن أبي عبيدة، قبل معاليه من كيسان.
ب- الكرزية: بأبي كرز بن ضرير.
ج- الإسحاقية: بإسحاق بن عمر بن حرب.
3 - العباسية: نسبوا إلى العباس بن عبد المطلب، وهم صنفان:
أ- الجلالية: أصحاب أبي سلمة الجلال.
ب- الرودية: نسبوا إلى أبي القاسم بن رويد.
__________
(1) في نسخة "السرة".
(2) في نسخة: "كثير". (3/214)
صفحة 885
4 - العالية: وهم تسعة أصناف:
أ- الكاملية: بأبي كامل.
ب- السيابية: أبي عبد الله بن سبأ.
ج- المنصورية: بأبي منصور العجلي.
د- الغرابية: لقولهم علي بن أبي طالب أشبه بمحمد صلى الله عليه وسلم من الغراب بالغراب (والعياذ بالله من هذا المعنى).
هـ- الطيارية: وهم أصحاب التناسخ نسبوا إلى جعفر الطيار.
و- اليعفورية: نسبوا إلى محمد بن يعفر.
ح- الغمامية: لزمهم هذا لقولهم إن الله ينزل إلى الأرض في غمام كل ربيع فيطوف الدنيا (والعياذ بالله من هذا المعنى).
ط- الإسماعيلية: لقولهم بإمامة إسماعيل بن جعفر وهم الباطنية.
5 - الرافضة: ومنهم:
أ- الناووسية: نسبوا إلى عبد الله بن ناووس وقفوا على جعفر الصادق.
ب- الفضيلية: نسبوا إلى مفضل بن عمر، ويسمون القطيعية لأنهم قطعوا على وفاة موسى بن جعفر.
ج- الشمطية: نسبوا إلى يحي بن شمط. (3/215)
صفحة 886
د- الواقفية: لأنهم وقفوا على موسى بن جعفر، وقالوا: هو السابع وأنه حي وأنه يملك شرق البلاد وغربها، ويسمون الممطوب رجلا منهم نظر يونس بن عبد الرحمن، فقال له: لأنتم أهون من الكلاب الممطورة، فلزمتهم هذه النبزة.
6 - الأحمدية: بإمامة أحمد بن موسى بن جعفر، وجملتهم، يعتقد اثنا عشر إماما تسميتهم الإمامية، وهم عندهم على ما في عقائدهم، عليّ المرتض، ثم الحسن المجتبى، ثم الحسين شهيد الشهداء، ثم علي بن الحسين زيد العابدين، ثم علي بن محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن أحمد الكاظم، ثم محمد بن علي بن موسى الرضي، ثم محمد بن علي الهادي، ثم علي بن محمد الصابر، ثم الحسين بن علي الطاهر، ثم محمد بن علي المهدي، القائم المنتظر الحجة، وعندهم أنه لم يمت ولا يموت بزعمهم حتى يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما وهو محمد بن الحسين بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
[رجعنا الآن على بنائنا على كلامنا وأخذنا ما كنا وصلنا إليه]
من ذكر علي بن أبي طالب وقصته، وذلك أنه لما عدل علي بن أبي طالب عن قتال معاوية، وهو عندهم الفئة الباغية، وعزم على تحكيم الحكمين وطاعة معاوية فيما أمره بذلك من تحكيم الحكمين أنكر ذلك عليه أهل النهروان تحكيم الحكمين، وقالوا: لا حكم إلا لله ولا حكم للرجال فلم يقبل منهم علي بن أبي طالب فاعتزلوا وساروا إلى موضع يقال له النهروان، وعقدوا الإمامة لعبد الله بن وهب الراسبي، فمضى علي بن أبي طالب إلى النهروان فقتلهم، ثم تغادر من بعدهم طوائف من المسلمين فصاروا بالنخيلة، وإمامهم رجل يقال له الحوثرة بن وداع فسار إليهم معاوية وأصابه وأعانه على قتالهم، وقتلهم الحسن بن علي بن أبي (3/216)
صفحة 887
طالب فقتلهم هذا من بعد قتل علي بن أبي طالب قتله عبد الرحمن بن ملجم.
فلما أن قتل علي بن أبي طالب ولي من بعده الحسن بن علي بن أبي طالب فذكروا أن معاوية خدعه كما خدع أباه علي بن أبي طالب، فقال له: إني أكبر منك سنا فاجعل لي الأمر اليوم، وأجعله لك من بعدي، فلما جعل له الأمر وحضر معاوية الموت جعل الأمر من بعده لابنه يزيد بن معاوية فأصبح الحسن مخدوعا، وقد ساعده معاوية على قتل أهل النخيلة، فلما أن قتلوا أهل النخيلة خرج من بعدهم عصابة من المسلمين أميرهم رجل يقال له مزاحم فقتلوا أيضا كما قتل أهل النهرون وأهل النخيلة، ثم خرج من بعدهم رجل من الكوفة يقال له زياد بن جراس فدعا إلى ما دعا إليه المسلمون.
ثم خرج من بعده رجل يقال له تميم بن سلمة بقرية من سواد الكوفة.
ثم خرج من بعده علي الأعرج بجمع عظيم فنزل بقرية من الكوفة يقال لها حرورا، وإنما سمي الخوارج بالحرورية على اسم القرية التي نزلوها يقال لها حرورا.
ثم خرج من بعدهم عصابة من أهل البصرة أميرهم رجل يقال له طواف فقتلهم عدو الله عبيد الله بن زياد.
ثم خرج من بعدهم قريب والزحاف حتى قتلوا جميعا رحمهم الله، فكل هؤلاء كانوا يدعون إلى الحق.
ثم خرج من بعدهم أبو بلال المرداس بن حدير التميمي في فئة وهم أربعون رجلا من أهل البصرة فسار حتى نزل بالأهواز في زمن ولاية يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد على الكوفة، فأرسل عبيد الله بن زياد إلى أبي بلال قائدا يقال له مسلم بن زرعة الباهلي في ألفي رجل من (3/217)
صفحة 888
الطغام، فدعاهم أبو بلال إلى الحق، ثم بعث إليهم عبيد الله بن زياد قائدا آخر يقال له عباد بن علقمة فقتلهم رحمهم الله.
فلم يزل المسلمون دعوتهم واحدة يتولى القاعد الخارج والخارج القاعد لم ينتحلوا هجرة ولا اعتراض الناس بالسيف، ولا يغنموا لأهل قبلتهم مالا ولا سبوا لهم ذرية.
قال: وإنما وقع الاختلاف من هذه الدعوة على ما ادعى كل واحد منهم من الرأي ونصب رأيه دينا ودعا إليه وفارق من لم يجامعه عليه طلبا للرياسة، وسوء رأس في السياسة، وركونا إلى الدنيا فجاروا في الدنيا ووقعت الفرقة بين كل من بقايا المسلمين.
وكان يومئذ عبد الله بن إباض، وعبد الله بن الصفار ونافع بن الأزرق ومن شاء الله من المسلمين اختلفوا فيما بينهم، ودعا كل فريق إلى رأي، فأول من فارق المسلمين ودعا إلى الجور من خوارج الجور نافع بن الأزرق، وكان من أهل البصرة من خيار الناس فخرج معه بشر كثير حتى نزل الأهواز وهو على دين الإسلام، فلما ظهرت لهم الدنيا وأقبلت إليه أحدث عدو الله أحداثا جرعه الله ومن اتبعه من أهل الإسلام، وكان لذلك أهلا، وهو أول من شق العصا وفرق الملا واقترف الكذب، وصرج الشغب، وخالف الكلمة، وانتحل الهجرة، وخالف أهل القبلة، واعترض الناس بالسيف، وسبا ذراريهم، وغنم أموالهم ثم كان من بعده نجدة بن عامر الفاسق، فسار سيرته.
ثم كان من بعده نجدة بن عطية وكان على طريقته وشرعته.
ثم كان من بعده عطية وزياد الأغشم على خلاف الحق.
ولذلك من بعده عبد الله بن الصفار وأصحابه وهم أصحاب الصفرية الخبيثة المغوية. (3/218)
صفحة 889
ثم كان من بعدهم الجهم بن صفوان، وهم الجهمية.
ثم كان من بعدهم التغلبية، استحلت التغلبية قتل الناس سرا وعلانية، وكان هؤلاء أئمة الضلال ودعاة إلى الضلال.
ومنهم شعيب الكرماني وداود ومطرف ومنصور والهضيم وعزيز وحمزة وأبو إسحاق وأبو غوفة.
ثم كان من بعدهم فرق كثيرة من أهل الضلال منهم المرجئة والشعبية والروافض والمعتزلة والمجبرة والزنادقة ومن لم نصفه أكثر.
وثبتت الطائفة من المسلمين على ما قال عبد الله بن أباض من الحق، ثم إن الإباضية افترقت على ثلاث فرق وقيل خمس فرق:
منهم شعيب وأصحابه، وعبد الله بن يزيد وأصحابه، وهارون بن اليمان، وعبد الله بن طريف.
ثم إن المحكمة افترقت فرقتين، ففرقة ضلت عن الحق وفرقة ثبتت على الحق، فلما أن اختلف أهل التحكيم فرقتين خفي الحق حينئذ حتى خرج المرداس بن حدير فأظهر الحق، ثم خرج من بعده خوارج المسلمين قد ذكرناهم مثل طواف بن العلاء والزحاف، وقرب، ثم تتابعت الجبابرة حتى خرج عبد الله بن يحي طالب الحق وخرج معه المختار بن عوف، وبلج بن عقبة، وكان في أيامه أبو عبيدة الأكبر مسلم بن أبي كريمة، وجعفر بن السمان، وأبو نوح صالح بن نوح، فأظهر عبد الله بن يحي الحق ودعا إليه فخرج عليه ملوك الجبابرة فقتلوه وأصحابه، ثم استخلف بعد بني أمية عبد الملك بن مروان ثم من بعد عمر عبد العزيز، ثم أحدثت الطريفية حدثا خالفت فيه الحق وخرج الإمام الجلندى بن مسعود بعمان، وكان في أيامه حاجب والربيع بن حبيب بالعراق، وعبد الله بن (3/219)
صفحة 890
القاسم وهلال بن عطية الخراساني، وخلف بن زياد البحراني، وشبيب بن عطية العماني، وموسى ابن أبي جابر الإزكاني، وبشير بن المنذر النزواني ومنير بن النير الجعلاني، فسار الإمام الجلندى ببن مسعود بالحق.
ثم ولي ابن أبي عفان إلى أن تضع الحرب أوزارها، فقيل إنه كان أمير جبش ولم يكن بإمام، ثم تابعه الوارث بن كعب فلم يزل على سبيل الحق حتى غرق في السبيل.
ثم ولي المسلمون من بعده غسان بن عبد الله، واختلف في ذلك الزمان وتلك الأيام محبوب بن الرحيل وهارون بن اليمان الشعبي، فخالف هارون بن اليمان طريق الحق فمنه الفرقة الشعبية، فبين محبوب بدعتهم وضلالهم وحضر الإمام غسان الموت والمسلمون عنه راضون.
ثم تابعه الإمام عبد الملك بن حميد فقام بالحق حتى كبر فخافوا على الدولة، فقام موسى بن علي بالدولة حتى مات عبد الملك بن حميد فلم يستحلوا عزله ولا تقديم إمام عليه، فلما أن مات عبد الملك بن حميد.
ولى موسى بن علي الإمام المهنا بن جيفر فقام بالحق ما شاء الله حتى مات، وقيل إن بعض المسلمين كان يبرأ منه سريرة والله أعلم ما كان منه.
ثم ولى المسلمون من بعده الإمام الصلت بن مالك فعمل بالحق إلى أن فنيت تلك الأعلام، وسلفت تلك الأيام حتى كبر الإمام وضعف حتى كان يمشي على قناة معروضة على يدي رجلين، وقد انقرضت علماء زمانه، فاختلف أهل دين الإباضية في زمان الصلت بن مالك فاختلف أهل عمان، وافترقوا على فرق شتى في أمر الصلت بن مالك وراشد بن النضر وموسى بن علي الإزكاني، وعزان بن تميم فاختلف العلماء المشاهدون لعقد موسى بن موسى وراشد بن النضر خرجا على الإمام الصلت بن مالك (3/220)
صفحة 891
الكتاب: بيان الشرع
المؤلف: محمد بن إبراهيم الكندي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر للأجزاء 1 - 17: 1402 - 1405هـ / 1982 - 1985م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) مغتصبين للإمامة مزيلين لها بغير الحق، وأنهما مستحلين لما حرم الله وما أشبه هذا من القول، وبرءوا منهما على ذلك، وقالوا إن فعلهما بدعة.
قال المؤلف: وهم أهل مذهب الرستاقية منهم أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر، والشيخ عبد الله بن محمد بن علي البسياني ومن تابعهم من شاء الله إلا أن منهم فيما حفظت عن آثار عمر بن أحمد بن أبي جابر المنجي، ومن تابعه من المنجين وممن تابعه آخر الزمان بعد موت إمام المسلمين أحمد بن عبد الله بن موسى الأعرج الفلوجي صاحب كتاب المصنف، وأصحابه ممن تابعه.
[رجع]
وقال فريق منهم: إن موسى وراشد خرجا محتسبين لله تعالى قائمين بالحق والعدل غير مغتصبين لدولة الإمام الصلت بن مالك ولا مستحلين لما حرم الله عليهما وإنما لم يعقد الإمام لراشد بن النضر إلا بعد اعتزال الصلت منها وزوال إمامته وما أشبه هذا من الدعاوى وتولوه على ذلك.
وقال فريق منهم: إنه لو صح معنا حق موسى وراشد في ذلك الخروج لتوليناهما، ولو صح معنا باطلهما لبرئنا منهما على ذلك، ولكن لم يصح معنا حقهما ولا باطلهما ولا صح معنا نكير من الصلت بقتال ولا مقال ولا غير ذلك في حين تقدمها وفعلها ولا لأحد ممن له الحجة في النكير في وقت ما يكون لهما تنكير فثبتت عليهما الحجة وينقطع عذرهما ويزول الريب من أمورهما وقفنا عنهما وقوف سلامة وخرجا من الريب والشبهة ولم نحكم لهما بحق في ذلك ولا بباطل إلا حتى يصح ذلك ولا نعلم إلى يومنا هذا أحدا ممن ينتحل دين الإباضية شاهد أحداث موسى بن موسى وراشد بن النضر ولا ممن جاءهم بعدهم ولا من كان قبلهم كان يتولى موسى وراشد أو يصوبهما في تلك الأحداث أو ممن يبرأ منهما ويخطئهما أو ممن يقف عنهما. (3/221)
صفحة 892
قال المؤلف:
أحسب أن هذا مذهب النزوانية الواقفون عن أحداث أهل عمان، وكان ممن يقف عن موسى وراشد في ذلك الحدث أبو الحواري محمد بن الحواري المعروف بالقري، وأبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر ومحمد ابن الحسن ومحمد بن روح بن عربي، وأبو عثمان رمشقي بن راشد، وأبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي، وممن ذهب مذاهب النزوانيين من بعدهم الفقيه محمد بن إبراهيم قدوة أهل عمان صاحب كتاب بيان الشرع، والفقيه أحمد بن محمد بن صالح الغلافقي وابنه سعيد بن أحمد بن محمد بن صالح الغلافقي، ومن تابعهم.
[رجع]
وكان ممن بين أمر موسى وراشد أبو المؤثر الصلت بن خميس وأبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب وأبو محمد عبد الله بن محمد بن محبوب، وأبو قحطان خالد بن قحطان، وأبو مالك غسان بن محمد بن الخضر، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة، وأبو الحسن علي بن محمد البسياني.
وكان فريق ممن يتولى موسى بن موسى وراشد بن النضر منهم الفضل بن الحواري الذي هو وعزان بن الصقر في عمان كعينين في جبين.
وكان ممن يتولاهما محمد بن جعفر، وأما ابنه الأزهر فكان يتولى موسى وراشدا، فلما أن نظر في الاختلاف رأى الوقوف أسلم فرجع إلى الوقوف وكان يتولى والده محمد بن جعفر على ولاية والده موسى بن موسى.
وأما اختلافهم في الحكم فكان فريق ممن يحكم في أحداث موسى وراشد بأحكام البدع التي لا تحتمل إلا الباطل، وهم الرستاقية المتقدم ذكرهم. (3/222)
صفحة 893
قال المؤلف:
والذي وجدت في نسب الإسلام النزوانيين واعتقادهم.
قال: وإنما وقف الواقفون عن أهل هذه الأحداث يعني التي جرت بعمان على اعتقاد ولاية المحق منهم والبراءة من المبطل منهم إذ خفي عليهم حقيقة أمرهم وصحة أصل فعلهم ودعاؤهم على بعضهم بعض فشكل لذلك أمرهم واحتمل حقهم وباطلهم عندهم، وإذا لم يكن في متقدم الأمر وجبت عليهم ولاية أحد منهم ولا براءة من أحد منهم فاستضاقوا على أنفسهم أن يقطعوا على أحد منهم باسمه وعينه ولا بإثبات ولاية على غير الحقيقة منهم بغير حجة من غير شك منهم في البراءة من أهل البغي من المستحلين لما حرم الله والمحرمين لما أحل الله أو جميع من عصى بركوب لكبيرة أو إصرار على صغيرة ولا تخطئة على الواقفين عنهم لمن تولاهم و وقف عنهم أو تولى أحدا منهم أو برئ من أحد منهم أو وقف عنهم أو وقف عن أحد منهم ما لم يعلم أن المتولى أو المتبرئ أو الواقف برئ أو تولى أو وقف بغير حق وسعه في دين الله.
ولو أنهم وقفوا على باطن أمرهم وصحة أصل فعلهم لعرفوا المحق منهم من المبطل ولم يجهلوا الحكم فيهم، ولكنهم خفيت عليهم سريرتهم وباطن أمرهم واحتمل معهم فيما ظهر من فعلهم حقهم وباطلهم، ورأوا الوقوف على اعتقاد ولاية المحق منهم والبراءة من المبطل منهم وترك الحكم فيهم بولاية أو براءة بغير حقيقة أوسع وأسلم في دين الله، والله نسأله التوفيق لما فيه الرضى. انقضى.
قال المؤلف:
وهذا اعتقادي ومذهبي.
وأما اعتقادي في الحدث الأول فإن قولي فيهم قول المسلمين، (3/223)
صفحة 894
ووقفت عن الحكم في الحدث بغير حق على ولاية المحق منهم والبراءة من المبطل منهم، وأتولى المسلمين على ولايتهم ممن تولوا، وبراءتهم ممن برءوا، فقد وجدت في آثار المسلمين جواز هذا الاعتقاد للضعيف، وأي ضعف أعظم مما نحن فيه مع اعتقاد بالأهل مذهبنا وأعلام دعوتنا وقدوتنا وأستاذنا، والله نسأله التوفيق لما يرضى، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما.
[انقضى ما ألفه وجمعه عثمان بن أبي عبد الله العماني] (3/224)
صفحة 895
الباب التاسع عشر
في شهادة الشهود على الأعيان
المرئية بالتحليل والتحريم
[من الزيادة المضافة]
قلت له: فإن شهد الشاهدان على غير عين الجنس من المحرم مثل الخمر والخنازير أنه شراب حلال يصفانه بصفة بشيء من الأشربة الحلال، وأن هذه الدابة شيء من الأنعام الجائز أكلها فيركبه راكب بتلك الشهادة على القصد منه والاعتقاد أن ذلك حلال وهو يدين بتحريم ذلك في حكم دينه هل يسعه ذلك ولا يكون هالكا؟
قال: معي أنه في بعض القول أنه لا يجوز ذلك ولو شهد عليه مائة ألف أو يزيدون لأنه يدرك معرفة كذبه مع من عرف ذلك بعينه وليس ذلك بعينه وليس ذلك ممن تقوم به حجة الشهادة وهذا يخرج عندي في معنى الأحكام، وأحسب أنه يوجد في بعض القول أن ذلك يقبل في الشهادة ويسع فيها قبولهما على ذلك بجهل الجنس والعين، وإن قبلت الشهادة على وجه التصديق أنه إنما هي ثابتة بقول الشاهدين، وخرج معنى ذلك فلعله يخرج على معنى الاطمئنانة وتصديق الشاهدين على غير قصد منه إلى استحلال الشيء بعينه على أنه حلال لأنه على معنى الدينونة بتحريم ذلك في أصل ما دان به والتوبة من ارتكابه مع قبول شهادة الشهود في كل ما غاب ولو كانا كاذبين في سريرتهما وعلى جملة البراءة في شهادتهما بالباطل ولو لم يعرفهما. (3/225)
صفحة 896
قلت: فإذا شهد شاهدان على شيء من الأنعام الحلال أكلها أنها خنزير، هل يكونان بذلك حجة ولا يجوز أكلها لمن شهد عنده بذلك؟
قال: معي أنه لا يكونان بذلك حجة لأنهما كاذبان على الأصل المعاين الواقف.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع] (3/226)
صفحة 897
الباب العشرون
في العالمين إذا تبرءوا من رجل
أحسب عن أبي إبراهيم، وقيل في العالمين اللذين يقوم بهما الحجة في الفتيا أنهما إذا برئا من رجل أنه لا يبرأ منه ببراءتهما ولا يكونا في ذلك حجة إلا بالشهادة عليه بالكفر أو بالفسق، والبراءة منهما ليس بحجة إلا بالشهادة عليه بالكفر.
وهذا تفسير ما قيل: إنهما لا يسألان على ما كفر به إذا شهدا أنه كفر أو فسق أو شهدا عليه بما يجب به البراءة من الأسماء لم يكلفا تفسير ما به كفر.
مسألة:
قال أبو سعيد: معي أن القذف من لفظ الفقيه إذا قال أنه يبرأ من زيد أو برئ منه أو لعنه فهذا كله عندي من قول الفقيه قذف.
والفتيا من قول الفقيه إن فعل كذا وكذا وجبت عليه البراءة وهو كافر بذلك أو مستحق للبراءة.
والدعوى من قول الفقيه: إن فلانا يستحق للبراءة أو ممن تجب عليه البراءة أو قد فعلا لا تجب عليه به البراءة، وفي التي كان فيها قاذف يكون مخلوعا حتى يتوب من ذلك ولا يبرا ممن قذفه حتى يأتي على ما قذفه به شاهدين على جميع الأحداث إلا الزنى أربعة. (3/227)
صفحة 898
والمدعي لا يقبل قوله ولا يبرأ ممن أدعى عليه ذلك حتى يأتي بشاهدين، وإن جاء في حال يخرج اعتبار معنى قوله على الشهادة قبل أن يدعى إلى الشهادة فقد قيل: إنه يقبل منه شاهد واحد مع شهادته.
وقيل هو مدع على حال، ما لم يكن بشهادة من الشاهدين معا أو بعد دعوى المدعي وإحضاره على ذلك شاهدا. (3/228)
صفحة 899
الباب الحادي والعشرون
الاختلاف بين الناس في الدين
والعالم المأمون فيما حمل من العلم وعلى ما حمل من العلم الظاهر له في ذلك الأمانة البرئ في ذلك من التهمة والخيانة حجة على من صح معه علمه وفضله، ولو كان إنما صح مع رجل واحد أو في محلة فهو حجة على من صح معه علمه، ولا يسعه أن يشك فيما قام به من دين الله ولا يكون حجة على من لم يصح معه علمه فيما يسعه جهله.
ومن الكتاب:
وقد يشهر علم العالم في بلده الذي هو فيه وتصح أمانته وصدقه في علمه الذي حمله فيكون حجة في الفتيا فيما يسع جهله على من صح معه علمه وشهر معه فضله وصدقه، ولا يكون حجة على من لم يصح معه علمه.
ومن الكتاب:
ولو صح معه علم العالم وفضله وعدله بالشهرة فلم يعرفه بالعيان فلقيه في بعض المواضع وهو لا يعرفه بعينه بما لا تقوم به الحجة إلا من العالم لم يكن ذلك حجة حتى يعرفه بعينه.
ومن الكتاب:
وإذا علم الإنسان شيئا من أي وجه علمه فأبصر عدله أو بان له صوابه وانشرح له صدره واطمأن إليه قلبه وذهب عنه الريب من جهله وبان له طرائق عدله وهو في الأصل من دين الله الذي لا يختلف فيه فليس له أن يرجع بعد ذلك إلى الجهل ولا بعد ذلك اليقين إلى الشك، (3/229)
صفحة 900
وقد قال الله عز وجل: * (*فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ*) * (1).
فعلم المرء له وعليه أوجب حجة من علم العالم الذي يقوم عليه بما يسعه جهله لأن العالم فيما يسع جهله قد جاء فيه الاختلاف وما جاء فيه الاختلاف فلا يحكم فيه بأحكام الدين وهذا لا نعلم فيه اختلافا ولو كان علم ذلك من لسان صبي أو معتوه أو مشرك أو أعرابي جاف أو من أثر.
__________
(1) سورة يونس: الآية 32. (3/230)
صفحة 901
الباب الثاني والعشرون
المختلفان إذا اختلفا
فأحل أحدهما شيئا وحرمه الآخر
وإذا كان الاختلاف بين الرجلين في الدين فأحل أحدهما ما هو حرام في دين الله، وحرمه الآخر وتنازعا في ذلك واختلفا، فإن كان المختلفان من العلماء وعلم من علم باختلافهما أنهما من العلماء بخبرة أو بشهرة وصح معه فضلهما وعلمهما واستقامتهما في تدينهما قبل اختلافهما فعليه تصديق المحق منهما ولا يسعه الشك فيما قاله، فإن شك في ذلك هلك لأنه هو الحجة في ذلك وليس بمخالفة المبطل له تزول حجته لأن المبطل قد صار كاذبا سفيها جاهلا في دين الله يعلم ذلك من علمه من العلماء وليس لجهل الجاهل بذلك يتغير دين الله وتبطل حجج الله عنه، فحجة الله قائمة على من جهلها أو علمها.
وإذا عرف الجاهل من العالم الصفة المنزلة التي يكون بها عالما عند العلماء فقد قامت عليه الحجة أنه عالم ولو لم يعرف ذلك الجاهل أن تلك الصفة يستحق بها أن يكون عالما.
وأما إذا لم يصح له المنزلة التي يكون بها عالما فلا تقوم به الحجة فيما غيره من دين الله الذي يسع جهله على من خفي عليه منزلته ولو كان بمنزلة أبي بكر وعمر وابن عباس وجابر بن زيد.
وإنما تقوم حجته على من علم أنه عالم ولا يسعه الشك فيما غيره من دين الله مما يسع جهله وفيما لا يسع جهله لأن العالم يقوم مقام النبي فيما غيره من دين الله لأن العلماء ورثة الأنبياء في دين الله وأمناء الله وحجته، فيهم تقوم من دين الله ما يقوم به الأنبياء عند عدمهم وحجج الله كلها لا تجوز مخالفتها ولو تفاضلت في المنازل، وأدناها منزلة (3/231)
صفحة 902
كأعلاها منزلة، وكما تقوم الحجة بأعلاها فيما هي حجة فيه فكذلك تقوم بأدناها فيما هي حجة فيه.
وسواء كانت حجج الله مبطلة أو محقة، فلا يجوز مخالفتها إذا خفي عليه باطلها لأن حجج الله منها ما يحتمل أن تكون مبطلة كاذبة فيما قالت، ومنها ما يحتمل إلا أن تكون صادقة فيما قالت.
أما ما لا يحتمل إلا أن تكون صادقة فيما قالت فهو ما غيرته الحجة من دين الله.
وأما ما يحتمل صدقها وكذبها وباطلها وحقها فيما قالت به فهم الشهود فيما قاموا به من الشهادة والحكام فيما حكموا به والأئمة في محارباتهم وأفعالهم في رعاياهم الذين جعلوا لهم الأمانة فيها، فلو أن شاهدين شهدوا زورا وعلم الله كذبهما وباطلهما، وخفي على الحاكم كذبهما وقامت عليه الحجة بعدالتهما، فعليه قبول شهادتهما، وإن لم يقبلها كفر ولو تخوف أنهما كاذبان فلا يجوز له رد شهادتهما لظنه أنهما كاذبان، وكذلك الحاكم لو علم أنهما شهدا كذبا وزورا في شهادتهما.
ولو علم شركهما بالله فحكم بشهادتهما وخفي على المحكوم عليه ذلك وعلى من حضر حكمه فعلى المحكوم عليه قبول ذلك الحكم، ولا يجوز لمن علم حكمه ذلك تخطئته في حكمه إلا حين يصح معهم باطله ولو أن المحكوم عليه علم أنه حكم عليه بشهادة زور أو شهادة من لا تجوز عليه شهادته بشرك أو بنفاق أو بغير ذلك وعلم أنه مبطل في حكمه عليه وكان ذلك بحضرة غيره من المتعبدين لم يجز له رد حكمه ولا الامتناع من حكمه إلا حتى يعلم أنه قد صح باطل حكمه ولا عند من حضر لأنه إذا رد حكمه بحضرة من لم يعلم باطل حكمه كان مخالفا لحجة الله مبطلا في ظاهر دين الله مبيحا البراءة من نفسه عند من حضر ذلك الحكم ولا يجوز له أن يخالف حجة الله. # (3/232)
صفحة 903
وكذلك لو أن إماما حارب قوما باغيا عليهم في محاربته لهم فعلى من خفي عليه من رعيته نصرته إذا استنصره والمحاربة معه إذ هو حجة الله.
وكذلك ما أشبه هذا من الحجج فافهم هذا.
فإذا شهد للعالم علمه وفضله وأمانته وعدله فلا يسع من علم هذا منه أن يشك فيما غيره من دين الله كان مما يسع جهله أو مما لا يسع جهله، وسواء خالفه أحد أو لم يخالفه، وسواء كان المخالف له في دين الله عالما أو ضعيفا أو جاهلا فلا يجوز مخالفته ولا الشك في قوله، فإن شك في ذلك هلك.
وقد عرفت أن هذا أكثر القول.
وقال من قال: يسعه الشك في قوله إذا كان ذلك الذي غيره من دين الله مما يسع الشاك جهله حتى يغيره له ذلك عدلان، ثم لا يسعه الشك فيما غيراه من له من دين الله.
وقال من قال: ولو غيره له عالمان فيسعه الشك فيما غيراه ولو كانا عالمين حتى يكونوا أربعة علماء ثم لا يسعه الشك فيما غيروه له.
وقال من قال: ولو كانوا أربعة حتى يكونوا ممن لا يجوز عليهم الغلط، وتقوم بهم الشهرة، وهو أن يكونوا من الخمسة إلى العشرة، فإذا كانوا خمسة علماء فما فوق ذلك لم يسعه الشك فيما غيروه من دين الله فإن شك فإن ذلك هلك.
وقال من قال: يسعه الشك في ذلك الذي غيروه حتى يعرف هو عدل ذلك ويبصر صوابه وينصح له ثم حينئذ لا يسعه الشك في ذلك.
وأما ما لم يتضح له صوابه ويبين له عدله ويبصر ذلك كما أبصرته فلا يشك في ذلك إذا كان مما يسعه جهله. (3/233)
صفحة 904
وعلى كل حال فلا يجوز له تخطئة المعبرين له ذلك من دين الله ولا الوقوف عنهم برأي ولا بدين ولا البراءة منهم برأي ولا بدين كان المعبر له ذلك واحداً أو أكثر كان مخالفا لهم فيما عبروه أو لم يكن لهم مخالفا، وأما إذا كان ذلك الذي غيروه من دين الله مما لا يسع جهله فعليه قبول ذلك، فإن لم يقبله هلك.
وقد قيل: ولو كان المعبر له ذلك صبيا أو مشركا أو منافقا، أو رآه في كتاب فإن الحجة تقوم عليه في ذلك وعليه قبوله منه فإن لم يقبله هلك.
وقال من قال: لا تقوم عليه الحجة إلا بالأمناء ولا تقوم بأهل الجناية حجة * (*وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً*) *.
مسألة:
ومن كتاب المبتدأ عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة رحمه الله ورضيه وأسكنه الجنة بمنه وفضله وكرمه، إن على الضعفاء طلب الجناية حجة * (*وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً*) *.
ومن الكتاب:
قال أبو محمد: إن الحوادث على ضربين، فضرب منها يكفر به فاعله ويجمع المسلمون على البراءة منه، ويلزمه من أهل العلم بحكمه، وتكون العامة تبعا للعلماء مصوبة لهم.
واضرب الآخر من الحوادث هو كل ما اختلف أهل الحق فيه وتنازعوا حكمه حتى يخطئ بعضهم بعضا فعلى الضعيف أن يقف عنهم لجهله بالمخطئ من المصيب منهم، وعليه السؤال فيهم والبحث عن حكم ما اختلفوا فيه لأن الله تبارك وتعالى قد افترض عليه طاعات ألزمه أداءها، لا يصل إلى علم المفروض عليه منها إلا بالرجوع فيها إلى أهل العلم بها (3/234)
صفحة 905
فعليه أن يطلب من أمره الله باتباعه من هؤلاء المختلفين لأن الله قال: * (*فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ*) * (1) فعليه طلبهم ليسألهم.
وليس هذا كل لفظه غير أنه عندي غير خارج عن معنى لفظه والله أعلم، فانظر في ذلك.
مسألة (2):
وإذا اختلف الرجلان في الدين فأحل أحدهما ما هو حرام في دين الله، وحرمه الآخر فإن كانا من العلماء فعلى من علم باختلافهما ممن قد علم أنهما من العلماء تصديق المحق منهما، ولا يسعه الشك في قوله لأنه هو الحجة في ذلك، وليس لمخالفة المبطل له نزول حجته لأن المبطل قد صادر كاذبا سفيها جاهلا في دين الله عند العلماء بدينه يعلم ذلك من علمه من العلماء، وليس لجهل الجاهل بذلك يتغير دين الله وتبطل حجته عنه.
فإن قال قائل: فكيف يقدر الجاهل أن يعلم المحق منهما من المبطل وهما جميعا عالمان؟
قيل له: لم يعذر الله من أوجب عليه قبول شيء من حجة أو اتباع شيء من حججه أو العمل بشيء من حججه أو ركوب شيء من حدوده أو مخالفة شيء من دينه الذي لا يسع مخالفته، لجهل ما أوجب عليه ذلك وكلفه إياه.
ولما كان العالم حجة من حجج الله فيما غيره من دينه ونقله من دينه يقوم به في ذلك ما يقوم بأنبيائه عند عدمهم وأورثهم الله كتابه وما جاءت به الأنبياء وجعلهم الله خلائفه وأمناءه وورثة أنبيائه لم تجز
__________
(1) سورة الأنبياء: الآية 7.
(2) تكرر هذا المعنى مع تغير الألفاظ، ومع استطراد في الشرح والتوضيح، فلزم التنويه. انظر ص232 من هذا الكتاب. (3/235)
صفحة 906
مخالفة العالم فيما قام به من دين الله لجهل الجاهل بحقه ولا الشك فيما قاله من الحق لمخالفة المبطل له ولا شيء أوضح من حق يفسره العالم ويبينه.
وإنما خفي ذلك على الجاهل لجهله، وأما هو فعند العلماء به بين واضح جلي، ولو كان كل من كلفه الله شيئا من دينه من صلاة أو زكاة أو إقامة حدود أو ترك شيء من محرماته أو قبول شيء من حججه أو اتباع شيء من حججه، فاختلف العلماء الذين عرفوا بالعلم فيما مضى جاز له ترك الذي تعبده الله به إذا لم يعرف حق المحق وباطل المبطل، واشتبه عليه ذلك لجهله لبطل دين الله وتعطلت حدوده.
ولو أن إنسانا بالغ الحلم نشأ مع اليهود أو المجوس أو النصارى أو الزنادقة أو غيرهم من ملل أهل الشرك فسمع علماءهم وعوامهم مجمعين على أن محمد بن عبد الله نبيا صلى الله عليه وسلم ليس بنبي -وأنه والعياذ بالله- كاذب و ساحر أو غير ذلك مما قد افتراه عليه المبطلون، وأن موسى بن عمران هو النبي صلى الله عليه وسلم، وأن عيسى بن مريم هو النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع غير هذا ولا عرفه أكان يجوز له أن يشك في النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه ليس بنبي إذا خفي عليه كذبهم.
وكذلك لو اختلف بحضرته فقال قائلون: إن محمد بن عبد الله وأتى بنسبه إلى حيث لا يتشابه بنسبه غيره أنه نبي، وقال آخرون: إن محمد بن عبد الله وأتوا بنسب غيره وقصدوا غيره أنه نبي، أكان يجوز له أن يشك في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟
وهذا عندي أنه إن كان لم يكن أخفى من اختلاف العالمين في الحلال والحرام فليس هو بدون ذلك عندي.
وكذلك المدعون لقتل عيسى صلى الله عليه وسلم والمدعون أن (3/236)
صفحة 907
سليمان النبي صلى الله عليه وسلم كان ساحرا لا عذر لمن صدق ذلك ممن لا يعرف إلا ذلك، وكذلك غير هذا من دين الله مما لا أحصيه.
وقال من قال: لا يكون العالم الواحد حجة فيما يسع جهله حتى يكونا عالمين، فعلى هذا القول فيجوز الشك في قوله ويجوز له الوقوف عن تصديقه حتى تقوم الحجة بعالمين.
وقال من قال: لا تقوم عليه الحجة في ذلك إلا بأربعة علماء.
وقال من قال: لا تقوم عليه الحجة إلا بالخمسة إلى العشرة لأنه لا يجوز عليهم الغلط وتقوم بهم حجة الشهرة.
وقال من قال: لا تقوم عليه الحجة إلا بعلمه هو فإذا علم هو حق ذلك الذي يسعه جهله وبان له صوابه واتضح له عدله فحينئذ تقوم عليه الحجة به ولا يسعه جهله والنظر في هذا الاختلاف فكل من قال: إنه تقوم عليه الحجة في قول من هذه الأقاويل فلا يسعه الشك فيما قامت به عليه الحجة. (3/237)
صفحة 908
وعلى من قول من يقول: إنه لا تقوم عليه الحجة بذلك، فيسعه الشك في ذلك.
وقول من قال: إن بالعالم الواحد تقوم الحجة فيما يسع جهله هو أكثر القول على ما وجدنا وقد مضى القول في ذلك.
وعلى كل حال فلا تجوز البراءة من العالم المحق برأي ولا بدين ولا الوقوف عند برأي ولا بدين، وإنما يجوز الوقوف عن قبول قوله، والشك في قوله على قول من قال إنه ليس بحجة في ذلك.
وكل هذا الذي مضى إنما هو فيما يسع جهله، وأما ما لا يسع جهله فقد قيل إن الحجة تقوم في ذلك بكل من عبره من صبي أو مشرك أو كافر أو منافق أو غير ذلك من وجوه العلم كلها فحيث ما تأدى إليه علمه فد قامت عليه الحجة بذلك.
مسألة:
وأما إذا كان المختلفان في الدين من الضعفاء فأحل أحدهما ما هو حرام في دين الله وحرمه الآخر، وهما وليان للعالم باختلافهما، فإن الولاية فيهما بالرأي والوقوف عنهما بالرأي، وإنما تجوز على اعتقاد ولاية المحق منهما والبراءة من المبطل منهما في الشريطة.
ولا يجوز الوقوف عنهما بالدين، وإنما يجوز الوقوف عنهما بالرأي والولاية لهما بالرأي، وولايتهما على اعتقاد البراءة من المبطل منهما في الشريطة وولاية المحق منهما في الشريطة.
وأما لزوم السؤال عنهما، فقال من قال:
يلزمه اعتقاد السؤال عما يلزمه في أمرهما حتى يخرج من ولاية المبطل منهما إلى البراءة بالدين ويتولى المحق منهما بالدين ولا يقف على ولاية الرأي ووقوف الرأي.
وقال من قال: لا يلزمه في هذا سؤال لأنه واسع له الوقوف عنهما جميعا بالرأي فيخرج بذلك عن ولاية المبطل ويتولى بذلك المحق ولا يكون بذلك مضيعا لللازم ولا راكبا للمحرم، وهذا القول إنه لا سؤال عليه أصح والقول الأول جائز على الاحتياط.
وإذا لزمه سؤال على هذا القول في الوليين الضعيفين أو الولي إذا ركب ما يجهله من الباطل وفي غير الولي إذا كان لا يبرأ منه في الأصل وعلم منه باطلا يسعه جهله فلزمه السؤال على الاختلاف فإن هذا الموضع يكون الوقوف فيه وقوف رأي أو وقوف سؤال، ويسمى وقوف رأي ويسمى وقوف سؤال إذا لزمه السؤال فيه على بعض القول لخفة اسم وقوف السؤال. (3/238)
صفحة 909
وإذا لم يلزم السؤال لحقه اسم وقوف الرأي، ووقوف السؤال لا يكون إلا برأي ولا يكون بدين.
ولا يجوز أن يقف وقوف الدين في موضع وقوف الرأي والسؤال، وقد يجزيه وقوف الرأي في هذا الموضع عن وقوف السؤال، ويجزيه وقوف السؤال على قول من يلزمه ذلك عن وقوف الرأي.
مسألة:
وإذا كان الاختلاف في الدين بين ضعيف وعالم وهما ولياه وكان المحق منهما هو الضعيف والمبطل هو العالم فلا يكون العالم هاهنا حجة وهو خصم ولا تجوز ولايته بالدين، ويجوز فيه الوقوف بالرأي، والوقوف بالسؤال، والعالم في هذا الموضع خصم يجوز فيه وعليه ما يجوز على الضعيف، وترك ولاية الضعيف المحق من أجل ما قال من الحق بالدين نقض منهم للدين وما لا يسعهم جهله ولا ركوبه فإن برئ المحق الضعيف من العالم المبطل، وبرئ العالم من الضعيف على ما قال من المحق ولم يعلم السامع لذلك منهما المحق منهما من المبطل، فإن كن العالم بدأ بالبراءة من الضعيف فللجاهل بحقهما أن يبرأ من المبتدئ منهما بالبراءة من صاحبه بما برئ من وليه براءته برأي لا براءة دين.
وإنما كان له أن يبرأ براءة رأي من أجل أنه برئ من وليه وقذفه وهو يتولاه برأي حين أحدث ذلك، وإذا كان يتولى وليه برأي ثم برئ منه متبرئ من أوليائه أو من غيرهم فإنه يبرأ ممن قذف وليه برأي، وإنما يكون اعتقاده أنه يبرأ منه برأي إن كان برئ منه بغير حق، وإن كان وليه هذا المتبرأ منه على ولايته فهو يبرأ من هذا الذي قذفه عنده وبدأ بالبراءة منه، وصار قاذفا لأنه لم تقم عليه بقوله الحجة في الفتيا، ولم يكن له إذا لم تكن له حجة أن يبرأ من وليه هذا الذي يتولاه حتى يكون حجة عليه فيما قذف وليه هو ولم يصح ما تزول به ولايته كان (3/239)
صفحة 910
في الحكم الظاهر قد قذف وليا له وبرئ من ولي له، وكان له أن يبرأ بالرأي ممن برئ من وليه الذي يتولاه برأي، ولا تجوز براءة الرأي إلا في هذا الموضع.
وكذلك لو برئ المتبرئ منه ممن برئ منه لما برئ منه فإنه في ظاهر الأمر يبرأ ممن بدأ بالبراءة لأنه قاذف في حكم الظاهر لوليه ولا يبرأ بالرأي من الآخر إلا في الاعتقاد، وأما المبتدئ منهما بالبراءة إذا لم يكونا حجة فيما اختلفا فيه يبرأ بالرأي من المبتدئ بالبراءة، كذلك الضعيفان إذا اختلفا في الدين فبرئ أحدهما من صاحبه ولم يعلم المحق منهما من المبطل فإنه يبرأ من المبتدئ منهما بالبراءة لأنه قاذف في ظاهر الأمر لوليه، ولأنه لا يقوم به الحجة في الفتيا، ولأنه يتولى وليه المقذوف بالرأي لا بالدين، ولا يجوز أن يبرأ من المحق بالدين ولا يبصر العدل فيبرأ من المبطل بالدين، ولا يجوز أن يتولى وليه برأي ويبرأ ممن قذفه بدين، وإنما يتولى وليه برأي ولا يكون القاذف أشد حقا من الولي لأنه لو كانت الولاية بالدين كانت البراءة من القاذف له بالدين. (3/240)
صفحة 911
الباب الثالث والعشرون
في الاختلاف بين الناس في الدين
وحكم من شاهدهم في اختلافهم
لو أن جماعة، قلوا أو كثروا، ولو كانوا ألف عالم فما فوق ذلك أجمعوا جميعا أن فلانا أكل لحم ميتة من غير ضرورة، ثم اختلفوا بينهم، فقال بعضهم: إن الآكل محق وإن ذلك له حلال.
وقال بعضهم: إنه مبطل وإن ذلك حرام الأكل محرم حرام عليه، لكن المحق منهم من وافق الحكم فيه منهم والمبطل من هو خالف الحكم فيه.
فالمحق منهم محق لا يحتمل باطله وكذبه والمبطل منهم مبطل لا يحتمل حقه ولا صدقه ولا مخرج له من الباطل لأن هذه الصفة لا تحتمل في دين الله إلا معنى واحدا، ولأن الله قد حكم فيها ولم يعذر أحدا بمخالفة حكمه فيها، ولأن الله كلف المتعبدين بها موافقة حكمه فيها وألزمهم ذلك، ولم يعذره بمخالفة حكمه فيها لأن تلك الصفة هي حجة الله فالحاكم فيها بخلافها محجوج خصم لها، ولدين الله مفتر على الله الكذب، يشهد الله على باطله والملائكة والعلماء والدين على باطله.
ولأن هذه الصفة لا تحتمل في دين الله إلا معنى واحدا، فلما لم يحتمل في دين الله إلا معنى واحدا لم يحتمل لراكبها في دين الله إلا ذلك المعنى، ولما لم يحتمل في دين الله لراكبها إلا معنى واحداً لم يحتمل. (3/241)
صفحة 912
ومما زاده غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة رحمه الله ورضيه وفيه رد الشيخ أبي سعيد رحمه الله ورضيه وإن كان شيء من معاني ذلك مقدمة في الكتاب فالمراد إثبات قولهما.
قال أبو محمد: في ثلاثة نفر يتولى بعضهم بعضا اختلف اثنان منهم فيما يكون الحق في واحد حتى برئ أحدهما من صاحبه (1) ولم يعلم السامع الحق في براءتهما؟
قال: يبرأ من الذي ابتدأ بالبراءة من وليه.
قلت: فإن لم يعلم أيهما ابتدأ بتخطئة صاحبه؟
فقال: منهم من قال هما على ولايتهما، والذي نذهب نحن إليه الوقوف عنهما حتى يلقى الحجة فتخبره بذلك.
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله: معي أنه قد قيل إن كانا المختلفان من الضعفاء الذين لا تقوم بهما الحجة في الفتيا فيما يسعه جهله وكانت المسألة مما يسع جهل علمه إذا ذكر وعرف معناها فاختلفا في ذلك بعلم من السامع لهما حتى برئ أحدهما من الآخر فإنه يبرأ برأي لا بدين من قاذف وليه في موضع ما لا يكون فيه حجة بنفسه ولا تجوز البراءة هاهنا بدين.
ولا تجوز براءة برأي إلا في هذا الموضع وما أشبهه، فإن كان المتبرئ هو المحق منهما فبرئ منه برأي وتولى وليه المتبرئ منه بدين كان بذلك هالكا لأنه قد تولى مبطلا بدين.
وإن تولاه برأي وبرئ ممن قذفه برأي كان سالما، وإن تولى وليه
__________
(1) في نسخة" الآخر". (3/242)
صفحة 913
المقذوف برأي وبرئ من المحدث القاذف بدين كان هالكا، وهذا في الضعفاء.
وإن وافق المتبرئ هو المبطل فإن برئ منه برأي أو بدين كان سالما وإن تولاه بدين على براءته من وليه، خفت أن يكون هالكا، لأن هذا موضع ولاية الرأي.
وإن تولاه برأي ولم يبرأ منه برأي ولا بدين كان عندي سالما، وإن تولى وليه المحق ولو كان ضعيفا كان سالما.
وإن تولى برأي إذ هو ضعيف كان سالما، وإن برئ منه برأي ووقف عن بدين كان هالكا.
وأما إذا اختلفنا وهما عالمان ممن تقوم بفتياه الحجة فالمحق منهما هو المحق على سامعه.
وقد قيل: على قبول المحق منهما بعينه ولا يسعه غير ذلك لأنه قد قامت عليه الحجة في الفتيا، فإن كان المتبرئ هو المحق منهما، فمعي أنه قد قيل لا تحل له منه براءة ولا برأي لأنه حجة وهو موضع قول المسلمين يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرءوا من العلماء إذا برءوا من راكبه أو يقفوا عنهم.
ومعي أنه قد رخص ما لم يبن له العدل في الوقوف عن قبول ذلك والحكم في الوقت ولكنه لا يسعه الوقوف عن العالم المحق منهما برأي ولا بدين ولا البراءة منه برأي ولا بدين لأن الفقيه المحق حجة في فتياه وبراءته إذا كان برئ بحدث قد علمه الضعيف من وليه فعليه قبول الفتيا من العالم في الحكم على وليه فأقل ما يكون لا يتولى وليه بدين ولا يقف عن العالم برأي ولا بدين ولا يبرأ منه برأي ولا بدين، وهذا (3/243)
صفحة 914
موضع ضيق في النظر لا يكاد يبصره إلا أهل البصر (1) لموضع اجتماعهم أنه يسع الناس جهله ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرءوا من العلماء إذا برءوا من راكبه أو يقفوا عنهم.
وإن كان المبطل منهما هو المتبرئ فأعظم حرما وأشد إثما، والبراءة منه بالرأي والدين واسعة مطلقة جميعا، ولا يجوز الوقوف عن المحق من العالمين على حال وإن لم يتولّ المبطل منهما بدين وتولاه برأي ولم يقف عن المحق منهما بدين ولا برأي وكذلك لم يبرأ منه بدين ولا برأي فأرجو أن يسعه ذلك.
وأما الضعيفان إذا برئ بعضهما من بعض على ما قد سمع من اختلافهما ولم يعلم المبتدئ منهما بالبراءة فلا تجوز البراءة فيهما عندي بدين، ولا تجوز الولاية فيهما جميعا بدين إذا كان قد علم المبطل منهما إلا أنه قد جهل حكمه.
ويحسن عندي أن تجوز الولاية فيهما جميعا بالرأي والوقوف بالرأي.
ولا يحسن عندي البراءة منهما بالرأي لأن أحدهما محق في علمه والحجة عليه إلا أن يبرأ من المحق بدين ولا يقف عنه بدين، وإنما لا تخرج براءة الرأي على معنى صحة القذف من أحدهما للآخر فيكون قد بان خلعه إذا لم يعرف أيهما أشكل ذلك، ولم يصح عندي براءة الرأي في هذا الموضع ولا براءة الدين في هذا الموضع، وكذلك العالمان إذا برئ بعضهما من بعض وقد علما أصل ما اختلفا فيه إلا أنه جهل حق المحق منهما فالقول فيه كما وصفت لك.
وإنما يخرج عندي في براءة الوليين من بعضهما بعض إذا لم يعرف
__________
(1) في نسخة "النظر". (3/244)
صفحة 915
أيهما بدأ بالبراءة من الآخر ولا على ما برئا من بعضهما بعض فسمع كل واحد منهما يبرأ من صاحبه، وهذا موضع خصومة وسواء أن كانا ضعيفين أو ضعيف وعالم أو عالمين فأيهما برئ من صاحبه قبل الآخر كان قاذفا وبرئ منه بدين بمعنى القذف وتولى الآخر منه بدين إذا غاب عنه أمرهما على براءته منه لأنه هو المبتدئ بالبراءة فللآخر أن يبرأ منه ببراءته منه وفي حكم الظاهر المبطل منهما المتبرئ قبل صاحبه فالمحق المنتظر كان عالما أو ضعيفا فهذا موضع الأحكام لا موضع الفتيا، ولكن موضع الأحكام والخصام.
فإذا لم يعرف أيهما برئ من صاحبه قبل الآخر فقد قيل بولايتهما جميعا على الأصل الذي كانا عليه حتى يعلم المبطل منهما وقبل بالوقوف عنهما بالإشكال الداخل عليهما.
وقيل بالبراءة منهما لموضع إظهارهما القذف لبعضهما بعض بما ليس لهما فيه حجة في قولهما وهذه الأحكام تقضي حكم الآخر في موضع الخاص والعام فانظر في ذلك فإني أحسب أن هذا القول يخرج معناه كأنه قول العوام إذ لا يفرق بين حق الضعيف والأعلام في فتيا ولا خصام ولا في خصومة عالم ولا ضعيف ولا ضعيفين ولا عالمين وهذا عندي فيه الفرق البعيد والاختلاف الشديد.
ومعنى ذلك موجود في أثر السلف منصوصا مشروحا فينظر في ذلك إن شاء. (3/245)
صفحة 916
الباب الرابع والعشرون
في ولاية المتقاتلين
والمتلاعنين والمتضادين والمتداعيين والمتحاربين وما أشبه ذلك
وعن وليين لرجل ادعى أحدهما إلى صاحبه حقا فأنكره وطلب يمينه فحلف له، فهما جميعا على ولايتهما.
وقال من قال من الفقهاء: يوقف عنهما، وقد قالوا في المتلاعنين إنهما على ولايتهما.
وقال من قال من الفقهاء: يوقف عنهما، وهذا عندي أهون من ذلك إلا أن يقول أحدهما إن الآخر ظلمه، فإذا قال بذلك استتيب، فإن تاب وإلا لحقته البراءة، والله أعلم.
قال غيره:
وقد قيل: يبرأ منه قبل أن يستتاب.
قال غيره:
ليس المتداعيان مثل المتلاعنين، والمتداعيان في الولاية كلاهما لأنه يمكن صوابهما جميعا.
مسألة:
قلت: رجل قتل رجلا ودخل المسجد مع جماعة ولم أعلمه من تلك الجماعة ما حالهم؟
قال: الوقوف حتى يعرف القاتل منهم. (3/246)
صفحة 917
قلت: فإن شهد عليه شاهدان منهم؟
قال: لا تجوز شهادتهما لأنهما يدفعان عن أنفسهما ولعل أحدهما هو القاتل.
قلت: فإن شهد ثلاثة منهم وكانوا عدولا هل تجوز شهادتهم؟
قال: نعم على قول أن اثنين منهم لا شك أنهما بريئان فجازت شهادة الثلاثة، وبرئ من القاتل.
قلت: فالولي إذا رأيته قتل رجلا ثم قال: هذا قاتل ابني أو أخي؟
قال: لا يقبل قوله ويبرأ منه لأن دماء الناس في الأصل محرمة.
قلت: فإن ضرب رجل رجلا فجرحه جرحا قصدا بالضرب إليه؟
قال: تلزمه البراءة ثم يستتاب حتى يعلم عذره.
قلت: فإن شهد رجلان عدلان على ولي لهما أنه قتل رجلا متعمداً لقتله وأنكر ذلك الرجل فأحضر شاهدين عدلين فشهدا أنه كان عندهما في ذلك الوقت وذلك اليوم الذي شهد العدلان الأولان وأنه لم يقتل الرجل؟
قال: شهادة الأولين عليه جائزة ويقتل القاتل ولا تقبل شهادة الشاهدين الآخرين لأنها معارضة؟
قلت: فما الحكم فيهما إذا كانوا أولياءه؟
قال: هم على ما كانوا عليه في الأصل من الولاية لأن هؤلاء يشهد الأولان في الحكم على علمهما ويمكن الغلط فلا يمكن تخطئتهما وشهادة الآخرين إنما سقطت لحال المعارضة في الحكمة والشبهة لم يجز لأن من جهل في غلطهما معرفتهما فهما على ولايتهما لأنه يمكن صدقهما.
وسألت عن المتلاعين ما سبيلهما بعد اللعان فقد قيل في ذلك باختلاف، وقد وقف واقفون وتولى آخرون وما نرى بالوقوف بأسا. (3/247)
صفحة 918
مسألة:
وعن وليين سمعهما رجل ولي يلعن كل واحد منهما صاحبه فالوقوف أولى بهما حتى يعلما عدل ما اختلفا فيه.
مسألة:
وسألته عمن صح معه فعل محدث مثل ولي لرجل قتل رجلا ولم يعلم من قد امتحن بولايته أنه قتل بحق ولا باطل ولا قامت بذلك حجة من حجج الحق التي يزول بها عذره في حكم الإسلام؟
قال: قد قيل في ذلك باختلاف من قول المسلمين، فقال من قال: إنه من أتى في ظاهر الأمر شيئا يظهر عليه فيه ما يكون فيه مرتكبا للكبائر في ظاهر أمره إلا أن يصح عذره باستحلال ما ركب بحجة ثبتت له فهو مخلوع في ظاهر الأحكام لما ارتكب من ظاهر الحرام ولم يتعبد الله خلقه بالسرائر وإنما تعبدهم بحكم الظاهر، فكما لزم في حكم الظاهر من استحلال دمه وسفكه فهذا القتل إذا صح عليه فيحل خلعه في حكم الظاهر كما حل دمه في حكم الظاهر ولا يشك الحاكم في ذلك، فإن شك فترك القود لموضع ما يحتمل أن يكون قتله بحق أو لدعواه عليه أنه قتله بحق من أجل أنه بغى عليه فقتله أو من أجل أنه ارتد عن الإسلام، فاستتابه فلم يتب فقتله، أو من أجل وجه من الوجوه اعتل به مما يجوز له فيه القول أن لو كان كذلك، فلو ترك الحاكم إنفاذ هذا الحكم من أجهل هذه العلة لكان قد حكم بالجور في إجماع الأمة وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولزالت إمامته إن كان إماما لأنه حكم بالظن وترك الحق الظاهر ولا يجوز الحكم بالظن وترك الحق بالظن الظاهر لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «على المدعي البينة»، فهذا فيما يدعي، ولا يجوز أن يحكم له بدعواه ولو جاز هذا لبطلت الأحكام وتظاهر الفساد في الإسلام لأن هذه حجة قريبة ومأخذ سريع أن يكون سفك الدماء حراما وظلما، ثم يعتل بالإمكان فيجعل له في ذلك البرهان والسلطان، وهذا (3/248)
صفحة 919
ما لا يجوز، وكذلك البراءة إنما تعبد الله بها في حكم الظاهر ولم يكلف الله الناس السرائر، ولا أجاز لهم أن يتركوا حقا ظاهرا بظن مستتر، وقد نهى الله عن ذلك فقال: ? ?إِنَّ بعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ??? وجاء الأثر المجمع عليه من قول المسلمين? إنه لا يجوز الحكم بالظن فكما لا يجوز الحكم كذلك بالظن، كذلك لا يجوز الحكم بالظن، وظاهر الأحكام حاكم على سريرتها، وليس لها مخرج في حكم الظاهر من وقوع البراءة فيما ظهر للعباد إلا أنه لا يحم بحكم من الأحكام مما يكون الحق فيه لله إلا بما ظهر من انقطاع عذر المحدث في الحق الذي هو الله والبراءة حق من حقوق الله، فإذا ثبت لهذا المحدث ولاية قبل ركوبه هذا الحدث الذي لم يظهر شواهده باطله، كما ظهرت شواهده بصحته وصحة وقوعه كان ولايته حقا ثابتا لا يزيله إلا حق بين لا شبهة فيه ولا ظن?
فإذا كان على هذا كانت البراءة من بعد الولاية حكم ثان لا يزول بحق صحيح وحجة واضحة وبرهان بين كما لا يجوز استحلال الدم إلا بمثل ذلك لأن ترك الولاية بعد وجوبها لا تحل إلا بمثله من العقد الصحيح بوجوب العداوة على غير شبهة فلهذا الأصل قال من قال بولاية هذا الذي قد ظهر منه هذا الحدث الممكن له المخرج فيه من أحكام الفسق والظلم من عرف الأحكام وذلك من علماء المسلمين ومع من امتحن بولايته من قبل هذا الحادث، وهذا إذا كان الحدث فيه حق لله وحق للعباد مثل ما ذكرنا من سفك الدماء ومثل ذلك من الخروج على الأئمة وقتلها وعزلها، فهذا أيضا مما يكون فيه الحكم لله وللعباد والحق لله وللعباد لما حمل الله العباد في ذلك من الحق لا أنهم شركاء له في حكم من الأحكام، ولا في حق من الحقوق، ولكن ما جعل لهم من ذلك في حكم دينه فهو ثابت لهم كما جعل لهم.
ومن كان له حق كانت له الحجة فيه بما جعل الله فيه من الحجة، فإذا ظهر من المقتول والمعزول نكير في وقت ذلك من وقوع الحدث على من أحدث عليه ذلك وكانت الحجة التي احتج بها والنكير الذي قام به (3/249)
صفحة 920
مقبولا في حكم المسلمين ولم يصح باطله فقد أقام الحجة وإمكان للمحدث في حكم الظاهر من ارتكاب الباطل ولو كان في سريرته محقا، لأن إظهار النكير حجة ممن كان له النكير ولا حجة أعظم من إنكار المنكر عن نفسه إذا كان في حال لا يصح باطله من نكيره ولا تقوم عليه شواهد الحجة بزوال حجته، وإنما يكون صواب المحدث وباطله، ويحتمل الأمران فيه ما وصفت أمر الولاية والبراءة بالحق إذا لم يكن ثم نكير تقوم به الحجة على المحدث.
وأما إذا قامت الحجة فقد زال الإمكان ووجب عليه حكم الباطل في ظاهر الأمر ولو كان محقا في سريرته فهو مبطل في علانيته، ومن أبطل في علانيته في أحكام الحق أبطل في سريرته لأنه مخلوع في أحكام الحق وكل مخلوع في الأحكام يكون كافراً في علانيته، فلا عذر له في سريرته، فالإمام حجة على جميع أعلام المصر ولأعلام المصر ولجميع الرعية إذا قام بالنكير ولم يصح عليه حجة باطل ثبتت عليه في الإسلام فإذا ترك الإمام النكير ولم يكن أظهر الخارجون عليه أمرا فيه يصح كفره فلا يثبت عليه زوال إمامته، فأعلام المصر حجة عليه وعلى الخارجين إذا قاموا بالنكير، وعلى الخارجين أو عليه أو على جميع الخارجين فما قام به أعلام المصر فهم الحجة التامة على جميع من كان بحضرتهم وعلى من جاء من بعدهم إذا صح معه أمر ما قاموا به.
ولو كان أعلام المصر مبطلين في سريرتهم وقاموا بالحق في علانيتهم كانت حجتهم قائمة ودعوتهم ظاهرة لأنهم كما كانوا حجة للإمام في ثبوت إمامته بما يوجبه الحق إذا ظهر ذلك منهم كانوا حجة عليه في زوال إمامته وفي جميع ما يجب عليه في أمر يكون فيه خصما لرعيته أو يكون أو يكون أحد من رعيته خصما له فإن ترك الأعلام النكير مع ترك الإمام النكير على الخارجين بقتل أو بعزل، وكان الخارجون أهلا لما قاموا به محتملا صواب ما دخلوا فيه لموضوعهم من الإسلام وقيامهم بالبينة في الأحكام، وكانوا أهلا بتقديم الإمام وأهلا لعزله إذا استحق، فقاموا بذلك بقتل أو بعزل من غير ظهور نكير من الإمام ولا من أعلام أهل الدار، فهذا معنا من الأعلام موضع (3/250)
صفحة 921
الاحتمال في الإمام وفي القيام عليه بالعزل مع الخارجين والقائمين عليه موالين للخارجين في ظاهر الأمر مسالمين لهم معينين لهم على ما دخلوا فيه من معونة الولاة وإنفاذ الأحكام وغير ذلك من حقوق الإسلام وهم قادرون على النكير أو غير قادرين إلا أنهم داخلون في جملة المعونة بالتسليم والرضا ولو لم يظهروا في ذلك تصويبا بألسنتهم إلا الدخول في جملة أمر القائمين على الإمام، فهذا حال يوجب صواب الخارجين ويوجب صواب المخروج عليه إذا لم يظهر نكيرا يجب له فيه حق ظاهر ولا أقيم عليه نكير يجب عليه حكم تخطئة، وهذه صفة تسليمة مسلمة في الحكم للقائمين وللإمام الأول والإمام الثاني.
وأما إن كان أعلام المصر غير داخلين في جملة القائمين ولم يصح منهم نكير على أحد الفريقين ولا صحت منهم حجة لأحد الفريقين على الآخر وكانوا في حال لا يظهر في الدار قدرتهم على الإنكار كما ظهر قدرة القائمين، وكان القائمون ممن يحتمل صواب ما دخلوا فيه بما وصفنا من منزلتهم في الإسلام فهذا حال يحتمل فيه صواب الخارجين والمخروج عليه وخطأ الخارجين والمخروج عليه، وخطأ الخارجين وصواب المخروج عليه، فإذا كان الحكم على هذا وتظاهرت الأخبار ولم يصح في الدار بالشهرة ما ينقطع به عذر الإمام الأول ولم يصح في الدار بالشهرة ما تثبت به حجة الخارجين فهذا موضع ما تجوز فيه حجة البراءة من الخارجين حتى يصح أن خروجهم كان حقا لأنهم لم يكن لهم.
وإن كانوا عند أنفسهم قد قامت لهم الحجة فيما دخلوا فيه من أمر ما دخلوا فيه لم يكن لهم أن يظهروا في الدار خروجا على إمام المسلمين بعزل ولا بقتل إلا بعدما يظهر لهم صواب ما خرجوا فيه على أعلام المسلمين وتظهر حجة ما أرادوه فمتى دخلوا في أمر محجور فقد أباحوا من أنفسهم البراءة في حكم الظاهر على ما وصفنا من أمر القاتل لغير الإمام لأن عزل الإمام وقتله قد يكون أمام أعلام المصر إذا قاموا في ذلك بما يظهر من صحة فعلهم، ومحجور عليهم إلا أن يظهروا حجتهم التي قتلوا أو عزلوا، فإذا لم يصح عليه حجة باطل تثبت عليه في الإسلام، فإذا ترك الإمام (3/251)
صفحة 922
النكير ولم يكن أظهر الخارجون أمرا يصح فيكفره ولا تثبت عليه زوال إمامته فأعلام المصر حجة.
فإذا لم يصح في قتلهم أو عزلهم ما تقوم به الحجة لهم على أهل الدار قبل قتلهم أو عزلهم أو تشهد لهم الأعلام بصواب ما دخلوا فيه، ولا يظهر منهم نكير عليهم فيما دخلوا فيه، مع دخولهم في جملتهم على ما وصفناه مع قدرة الأعلام في ظاهر أمرهم على القيام بالنكير وتسليم ذلك لهم على القدرة فهم غير صحيح في الإجماع صوابهم، بل يحتمل صوابهم ومحتمل خطؤهم، فمن برئ منهم في ظاهر الأمر بحكم الظاهر جاز له ذلك، ومن وقف عنهم للإشكال الذي دخل عليهم والمشكوك من أمرهم جاز ذلك، وهذا إذا صح أن الخارجين تقوم بهم الحجة بما دخلوا فيه على من غاب عنهم من أعلام المصر ولا دون أعلام المصر.
وأما إذا لم يصح أنهم ممن تقوم بهم الحجة على أعلام المصر ولا دونهم ولم يقم بذلك من تقوم به الحجة فيحتمل صواب ما دخل فيه حكم الظاهر فهذا لا مخرج له من البغي في حكم الظاهر إلا أن يصح تصويب أعلام المصر لهم فيما دخل فيه، وتقوم له بذلك شواهد الحجة بالشهرة في تصويبهم ودخولهم معه كما قامت عليه الحجة بالشهر بالأمر الذي دخل فيه الذي لا مخرج له فيه من البغي، وليس كل الخارجين تقوم بهم حجة ولا تثبت لهم حجة إلا من جعل الله في حكم الإسلام حجة، ولو قام القائم بما هو فيه حجة الله في سريرته من قيامه بما يقدر عليه من إنكار المنكر فإنه لا تثبت له حجة في ظاهر الإسلام أبدا إلا أن يصح في ذلك صوابه من غير دعوى، أو يكون في موضع ما جعله الله حجة فيكون حجة ولو قام في ذلك بما يكفر به عند الله في سريرته لأن الحجة حجة حتى يصح زوالها بمثلها من الحجة، والمدعي مدع حتى تصح دعواه بما تثبت له الحجة، وكل مدع حكما لنفسه بدعواه من غير أن يظهر حجته في الحكم بزوال دعواه فهو حاكم بغير الحق، وكل حاكم بغير الحق في ظاهر الأمر فهو مخلوع بالإجماع ولو كان مصيبا في سريرته، فهذا (3/252)
صفحة 923
ما يتسع فيه الكلام، وفي بعض ما ذكرنا كفاية لمن منّ الله عليه بالهداية والله أعلم، والحكم يجري على من صح معه ذلك من حاضر له أو غائب عنه ممن قامت عليه الحجة بصحة الحدث وبما توجبه الأحكام من صحة ثبوت الأعلام وبما تقوم به الحجة للإمام، وعلى الإمام وللخارجين وعلى الخارجين ممن صح معه حقيقة ذلك ممن غاب عنه عصره فهو كن شاهد المصر ومن لم يعرف ذلك ممن غاب عن العصر ولم يشهده فحكم الحادث حكم الدار في أهل زمانه من إجماع أو اختلاف في هذا الحدث إذا كان المختلفون من أهل الدعوة وكان اختلافهم واسع لهم المخرج من الحق ظل في حكم الحق. والله أعلم بالصواب.
مسألة:
وعن أبي سعيد من بعض الكتب: وسألته عمن صح معه إمامة الصلت بن مالك وصح معه تقديم إمام عليه في حياته بلا حجة ظهرت منهم عليه، ما يلزم من صح معه في هذا الإمام وفي هؤلاء المقدمين لهذا الإمام؟
قال: إن كان هؤلاء المقدمين لهذا الإمام على الصلت هم أعلام المصر أو كم أعلام المصر بلا حجة ظهرت منهم على الصلت فيما شهر ولا ظهر من الصلت ولا من أعلام المصر فيما شهر نكير عليه. فهذا موضع الاختلاف منهم، من ضلل الإمام والعاقدين له بظاهر الأمر إذا لم يظهروا ويشهر من الإمام ما يكفر به عند رعيته فتزول إمامته ويحل عزله ولا أظهروا عليه حجة فامتنع بما يلزمه فيجوز لهم تقديم إمام عليه فبرءوا منه بظاهر أمرهم. ومنهم من ير ترك ولاية وليه منهم إذا لم يصح أمر تزول به ولايتهم فيما ظهروا أمكن لهم فيما ظهر أن يكونوا محقين، إذ لم يشهر فيما ظهر من الإمام أو من الأعلام نكير عليهم فيكون قد قامت عليهم الحجة فينقطع عذرهم وتزول ولايتهم، فلما لم يكن شيء من هذا وأمكن أن يكونوا محقين ويمكن أن يكونوا مبطلين لم يثبتوا ولاية أوليائهم حتى يصح معهم باطلهم، ومنهم من وقف عنهم لما أشكل من أمرهم ولم يصح حقهم ولا باطلهم وأمكن لهم الحق والباطل (3/253)
صفحة 924
إذا لم يصح عليهم نكير في حين ذلك، وقد جاء الأثر أن ترك النكير حجة وإظهار النكير حجة فرءوا الوقوف أسلم فيما أشكل حتى يتبين المحق من المبطل والله أعلم بالصواب. مسألة:
عن أبي معاوية قلت: فإن رأيت رجلا قام إلى رجل فقتله، ثم قال: أخي هذا قتل أخي أو أبي أو ابني الرجل المقتول من أهل الولاية أو من أهل التوحيد أو من أهل الذمة ولا أدري ما هو؟
قال: إذا رأيته فعل ذلك فأبرأ منه لأن دماء الناس حرام كلها حتى يعلم أنه إنما قتله بحق لأنه قد أتى حراما، وادعاؤه لا يزيل إلا بالبينة. (3/254)
صفحة 925
الباب الخامس والعشرون
في ولاية من وجب عليه حق من حقوق الله
أو ضيع شيئا من السنن
عن أبي عبد الله فيمن حلف بالصدقة، قلت: فإذا كان هذا الحالف بهذه اليمين الحانث أو الكاذب فيهما ممن له ولاية من المسلمين أيوقف عنه حتى يؤدي ذلك وقد استغفر ربه من يمينه وكذبه أم لا؟
فأقول: إذا عرف رأي المسلمين في ذلك فرده عليهم فقال: لم أقتله ولم ير رأيهم فيه ولم يدن به، نصح فإن قبل ثبتت ولايته عندهم، فإن كان يقول إنه يدين بأداء ما وجب عليه في هذه الصدقة ونيته أن يعطيها وقبل رأي المسلمين فيها لم يوقف عنه ولم تترك ولايته بتوانيه فيها، ولا يمتحن عن ذلك ولا يسأل عنه يدين بذلك أم لا يدين، ولا يجبر الناس على تأدية شيء من الأمان إلا بما كان من طلاق أو عتاق.
مسألة:
وقيل: لا يستعجل على أهل الولاية في البراءة إذا قدروا على الحج حتى يستبرأ أمرهم.
مسألة:
وعن أبي الحواري: وعمن لزمه كفارة أيمان مرسلة وحلف بثلاثين حجة وحنث وترك صلوات ثم تاب من ذلك واستغفر ربه وعرف قول المسلمين ودان بدينهم وعمل بأعمالهم ولم يكفر بعد شيئا من الكفارات إلا بقول إنه يفعل ذلك فتولاه رجل من المسلمين على ذلك على ما ظهر إليه منه، ثم إنه قال بعد ما تولاه الرجل أما كفارة الأيمان فأنا أكفرها، وأما الصلاة فأنا أبدلها واستغفر الله من ذلك ولكن لا أكفر لها كفارة، (3/255)
صفحة 926
وكذلك الحج لا أفعل لأن هذا ليس في كتاب الله، ما حالة من تولاه؟ يبرأ منه أو يقف عنه أو هو على ولايته؟ فعلى ما وصفت فهذا قد خالف قول المسلمين، فإذا قال إن ذلك ليس هو عليه ولا يفعله فيقف عنه ولا يبرأ منه إلا أن يخطئ من قال ذلك وهذا في الحج خاصة، وأما الصلاة فقد جاء في ذلك اختلاف كثير، وأما الحج فلا أعلم فيه اختلافا من المسلمين بما يوجبوا عليه.
مسألة:
وعن رجل أقر بالإسلام ثم ترك الصلاة والزكاة والصيام متعمداً ثم تاب بعد ذلك؟ فقال الربيع يعيد الصلاة والزكاة والصيام، ومن فعل ذلك من غير عمد فعليه إعادة ما ترك منها.
قلت: فإن كان تركه جاهلا؟
قال: عليه إعادة ذلك كله لأنه لا يسعه جهل شيء من هذا ولا الترك والجهل الحرام ثم الوقوع به.
وقال أبو عبد الله: وعليه الكفارة لما ترك من الصلاة والصيام متعمداً إن كان مقرا بما فرضه الله عليه منها، وإن كان مرتداً فلا كفارة عليه، وكذلك إن كان متأولا أنه ليس عليه صلاة ولا صوم ولا يدين بذلك فلا كفارة عليه، وكذلك إن كان متأولا أنه ليس عليه صلاة ولا صيام وهو يدين بذلك فلا كفارة عليه.
مسألة:
وسئل عمن ترك الصلاة، أيكون مشركا؟
قال: إذا كان مقرا بالله وبالنبي وبما جاء به فلا يكون مشركا.
مسألة:
وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«اثنان علي فريضة وهما لكم تطوع، قيام الليل والسواك». (3/256)
صفحة 927
قال أبو المؤثر: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما صح عنه فهو حق، إلا أنه ينبغي للمسلمين أن لا يتركوا السواك، ومن دان بتركه فلا ولاية له عند المسلمين، لأنه من السنة، وقد يسع ترك التطوع.
وقال أبو المؤثر: قال محمد بن محبوب: من ترك السواك بديانة لم نتوله.
وقال أبو زياد: قال هاشم بن غيلان: قال موسى بن أبي جابر: من كذب فهو منافق.
مسألة:
وسألت محبوبا عمن كان له مال ففرط في الحج وأخره سنة بعد سنة؟
فقال: قد ضيع وأساء فلو أدرك ذلك قبل الموت فأوصى به عند الموت تولاه وذلك أنه ليس للحج وقت في سنة معلومة وهو جائز في كل سنة حج وليس يشبه وقت الصلاة، لأن وقتها إذا فات وذهب لم يرجع أبدا فتاركها عمداً يخلع ويبرأ منه حتى يتوب ويرجع، والحج لا يعجل على تاركه حتى يموت ولا يوصى به وكذلك الزكاة.
مسألة:
وسألته عن رجل مات وله مال كثير ولم يوص للفقراء شيئا فقال لا يبرأ منه.
وقال الله تعالى: * (*إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ*) * (1)، وليس عليه وقت مسمى، وقد يستحب الفقهاء أن يوصي إذا كان له ولد وعيال أن يوصي بالربع أو الخمس،
__________
(1) جزء من الآية 180 من سورة البقرة. (3/257)
صفحة 928
وإن أوصى بالثلث جاز له، وإن لم يوص لهم بشيء لم يتقدم المسلمون على البراءة منه إلا أن يتعمد لترك ذلك.
مسألة:
وأخبرنا أبو زياد عن منذر بن بشير فيمن كان واجبا عليه الحج وهو لا يدين به فلما حضره الموت أوصى بحجة؟
قال: لا ينفعه وعليه لعنة الله.
قال المنذر: إنما تنفع الوصية رجلا فقيرا قد كان يجمعها ويهيئها ويذويها فلما حضره الموت أوصى بتمامها فهذا الذي تنفعه الوصية، وذكر لنا أبو زياد عن محمد بن محبوب أنه لا يقطع عليه.
قال أبو زياد: لا يقطع عليه وقولنا فيه قول المسلمين. (3/258)
صفحة 929
الباب السادس والعشرون
معرفة ضروب الشهرة وبيان القول في ذلك
[من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه عن أبي بكر أحمد بن عمر بن أبي جابر]
سألت الشيخ أبا بكر أحمد بن عمر بن أبي جابر عن الشهرة على كم من ضرب؟
قال: الشهرة على ضروب، قال قوم: إن الشهرة ما عدى العالمين، وقال قوم: الشهرة ما عدى شهود الزنى، وقال قوم: الشهرة خمسة، وقيل ثمانية، وقيل عشرة أنفس، وقيل: أربعون فصاعداً، وقيل: ثلاثمائة وثلاثة عشر، وقيل: أربعون فيهم عالم، وقيل: إن كان العدول موجودين لم تكن الشهرة إلا بهم، وإن لم يكن عدول كانت الشهرة عدول، وقيل: الشهرة ما لم يقع معها ريب وهو قول بشير بن محمد بن محبوب رحمه الله، وقيل: الشهرة ثلاثة عشر، قال غيره: وقال قوم: عشرين.
ومما يوجد عن أبي القاسم كذلك يوجد في الأثر أن الشهرة تجوز بأربعة، وقيل: بخمسة، وقيل: بسبعة، وقيل: بعشرة، وقيل: حتى يكون فيهم عدل.
قال غيره: وقيل وإن لم يكن فيهم عدل رجع، وقيل: حتى يرتفع الريب، وقيل: بعشرين، وقيل: بأربعين وقيل بسبعين، وقيل: بثلاثمائة وثلاثة عشر عدة أصحاب بدر، وقيل: حتى يزول الريب ويرتفع الشك ويصح ذلك العلم في القلب كصحة العيان وأصح من العيان، ويوجب ذلك الشهرة علما حقيقيا لا يجوز فيه الاختلاف ولا يدخل عليه الانقلاب بحال من الحال [رجع إلى كتاب بيان الشرع]. (3/259)
صفحة 930
الباب السابع والعشرون
في الشهرة
سألت أبا سعيد عن الشهرة التي تجب بها أحكام الصحة ويكون على الشاهد أن يبرأ ويتولى بها التي إذا بلغت وجب عليه ذلك؟
قال: معها أنها تكون على معان كثيرة ووجوه كثيرة ومبلغ ثبوتها ووجوبها وورود علمها على الممتحن بها والمبتلى بها من تظاهر صحة الأخبار بها على غير تناكر من أهلها الذين تقوم بهم الحجة فيها ولو كثر التناكر والاختلاف من غير أهلها على سبيل الدعاوى وإنكار اليقين فيها، فإذا ثبت العلم بغير ارتياب ممن علم ما فيها من مبلغ علمها ووجوبها وعلمها عند.
قلت له: فإذا بلغ أحداً من الضعاف شهرة بحدث مكفر من أحد يجب بذلك الحدث البراءة فضعف هذا الذي قد بلغته الشهرة عن البراءة مخافة أن يكون لم تبلغه من الشهرة ما يجوز له، ويجب عليه البراءة وخاف أن يكون قد بلغه من الشهرة ما يكون حجة عليه ولا يسعه إلا البراءة من المحدث هل له أن يقف ما دام على هذه الحال إلى أن يحدث الله به أمرا؟
قال: معي إنه لم يتول من قامت عليه الحجة في كفره ولأنه يدين أو يبرأ من العلماء في الدين من المسلمين إذا برءوا منه أو يقف عنهم برأي أو بدين أو يقف عن أحد من ضعفاء المسلمين أو يبرءوا منه بدين أو يبرأ من أحد منهم بدين من أجل ذلك الذي قاله من الحق المستبين فجهل معاني أحكامه وصحته لموضع ضعفته وقلة معرفته، فمعي أنه (3/260)
صفحة 931
سالم مسلم موفق إن شاء الله إذا لم يوافق في وقوفه ذلك وقوف دين في موضع وقوف الرأي أو وقوف الرأي في موضع وقوف الدين فيخالف قول المسلمين على سبيل الإقامة والتمسك بذلك على غير توبة في الجملة واعتقاد السؤال عما يلزمه في مخصوص ذلك ومعمومه ولا توفيق إلا بالله. (3/261)
صفحة 932
الباب الثامن والعشرون
في ولاية الأئمة والقضاة والولاة وما أشبه ذلك
قلت: والي الإمام، هل تجب ولايته على من علم أنه والي؟
قال: عندي أنه يختلف فيه، فبعض يقول: إن جعله الإمام واليا فقد استوجب الولاية بذلك، وبعض يقول: حتى يعلم منه ما يجب به أحكام الولاية من الصلاح.
قال: وكذلك قاضي الإمام، قيل: إنه تجب له الولاية ولا يبعد أن يلحقه معنى الاختلاف إذا لم يكن علم منه صلاح يوجب الولاية غير القضاء على معنى قوله.
قلت له: فالقاضي الذي يكون في سائر الأوقات في غير قيام الإمام، هل يكون بمنزلة قاضي الإمام، فكان معنى قوله إنه كسائر الناس حتى يعلم ما يوجب له الولاية من الموافقة.
مسألة:
وجاء عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله في ولاة المسلمين على الأمصار أنهم على عدالتهم حتى يحدثوا حدثا يسقط عدالتهم، والأئمة أعظم حرمة وأثبت ولاية لأن الحكم في الأئمة خلاف الحكم في غيرهم وهم الأمناء على الناس والقوام عليهم، ومن ذلك أنه يقيم الحدود وليس لأحد منهم أن يقيم الحد عليه حتى يكون إماما منصوبا فيقيم الحد عليه، بذلك جاءت السنة والآثار.
مسألة:
ومن كتاب الأحداث والصفات إلى أن انتهى الأمر إلى قرن منهم (3/262)
صفحة 933
بقية من أهل العلم كان المشهور فيهم يومئذ محمد بن علي القاضي وسليمان بن الحكم ومحمد بن محبوب والوضاح بن عقبة وزياد بن الوضاح، ومعهم أناس من أهل العلم وأن يبلغوا مبلغهم في العلم منهم بشير بن المنذر كان سيدا من سادات المسلمين بعزمه وقوته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنذر بن بشير وزياد بن مثوبة ورباط بن المنذر ومحمد بن أبي حذيفة وهاشم بن الجهم وعبيد الله بن الحكم وعلي بن صالح والحسن بن هاشم منهم من شهد بيعة الإمام ومنهم من غاب عنها ولم نعلم منهم خلاف عليهم إلا أن محمد بن علي وبشير بن المنذر ومحمد بن محبوب والمعلا بن المنير وعبد الله بن الحكم كانوا هم المتقدمين في بيعة الصلت، فإن ادعى أن أحدا ممن سمينا كان يبرأ من الصلت بن مالك قيل له: لا ينبغي لنا أن نصدق ذلك إلا ببينة عدل تشهد به، وإن كان حدث الإمام مستترا لم يكن لمن برئ منه ممن علمه أن يكف عن ولاية أوليائه الذين يتلون الإمام دون أن يعرف أنهم قد عرفوا مثل ما عرف من الإمام من معانيه أو شهادة بينة عادلة بتسمية المحدث بعينه فتولوه على ذلك فحينئذ يستحقون البراءة إلا أن يشهر حدثه إشهارا لا يسع أحدا أن يرده، ويكون من أنكره مستدلا على كذبه بالعيان بإشهار كفر الإمام، فإذا كان بتلك الحال لزم تكفير من تولاه على حدثه ذلك وتكفير من تولاه على إنكار المنكر منه لحدثه.
وذلك بيان الاشتهار وعلم الظهور أن تجب البراءة من المنكر للحدث لرده للمعاين كنحوها من المتولى لراكب الحدث على الإقرار منه بحدثه.
ومن الكتاب:
لأن المسلمين كانوا إذا عرفوا من الأئمة أحداثا مستترة يخافون أن يشهروا وقع الاختلاف ستروا ما علموا وبرءوا منه في السريرة ولم يكلفوا المسلمين علم ما وسعهم جهله وتولوا الصالحين من أعوانهم إذا (3/263)
صفحة 934
يعلموا منهم مثل ما علموا ولم يسارعوا إلى معونتهم، فإذا صلوا الجمعة معهم ركعتين أعادوها أربعا.
وقال غيره: وهذا إذا كان في غير الأمصار الممصرة، فإن كان في الأمصار الممصرة ففي ذلك اختلاف، فقال من قال: تجوز الصلاة معهم.
وقيل: لا يجوز.
ومن الكتاب:
فإن قالوا قد كان المسلمون يبرءون من بعض الأئمة ويتولون ولاته، قيل لهم: نعم إنما ذلك إذا أحدث الإمام حدثا لا يعلمه إلا خواص المسلمين أنزلوا الإمام منزلته بذلك الحدث وتولوا من تولاه ومن أعانه من المسلمين إذا لم يعلموا منه مثل ما علم الخواص.
ومن الكتاب:
وذلك أن المسلمين يطلعون من الإمام على مكفرة مستترة ويخافون عند إظهارها الفرقة فبرءوا من الإمام وتولوا ولاته إذا لم يعلموا مثل ما علموا.
مسألة:
عن أبي المؤثر، وعن رجل قال الإمام من أئمة المسلمين: إن فلانا قد كفر أو قال: كان قد كفر إلا أن قولي فيه قول المسلمين سألتم: هل يكون قوله هذا أن قوله قول المسلمين رجوعا منه عن الذي ادعى على الإمام من الكفر فليس هذا عندنا رجوعا وهو كافر بتكفيره لإمام المسلمين حتى يصح عليه الأمر الذي أكفره بشهادة عدول المسلمين عليه في أمر يسمونه من الكبائر التي يكفر بها المنتهكون لها. قلتم: وما القول الذي لا يقبل منه إلا هو ولا يكون راجعا عما قال إلا به، فرجوعه عن ذلك أن يستغفر الله من قوله الذي قاله في إمام المسلمين من التكفير له فإذا استغفر الله (3/264)
صفحة 935
عن ذلك فقد رجع عنه ورجع إلى منزلته، وقال الله تبارك وتعالى في قوم جعلوا معه إلها: * (*أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ*) * (1).
مسألة:
ومن جواب أبي الحسن علي بن عمر: وعن المصر إذا ظهر فيه إمام هل على الناس ولايته؟ فقال: لا يتولى إلا بعدلين. وقال محمد بن روح بن عربي رحمه الله:
ولا حال الأئمة كالرعايا*ش* ... فلاحي كأموات قدام
لأن الحي عدله ليس يخفى*ش* ... كذلك الجور يظهر كالجزام
يعني لا يسع جهل الأئمة في براءة ولا ولاية إذا ذكرت بوصف سيرتها، ولا تولى أحد منهم بعينه ولا يبرأ من أحد منهم بعينه إلا عند صحة سيرته عندك، ولا يسع جهل الإمام عند رغبته ولابد أن يبرءوا منه أو يتولوه لمعرفتهم بسيرته، فمن جهل من أطراف النواحي سيرته اعتقد فيه الدينونة على سبيل الصفات وولاية الشريطة وبراءتها لا ولاية الحكم ولا براءة الحكم ما لم يمتحن بأمر دخول في طاعته فعند ذلك يضيق الخناق في أمره، والإمام إذا شهر في الدار أنه من أهل دعوة الحق وجبت ولايته حتى يظهر جوره، ولأجل ذلك كانت براءة الدعاوى سريرة لا جهرا.
قال أبو سعيد رحمه الله: لا يضيق عندنا على من لم يهتد إلى ولاية في الأئمة ولا البراءة منهم ما لم يتول عاصيا أو يبرأ من محق أو يمتنع ما يلزم من طاعته.
__________
(1) سورة المائدة: الآية 74. (3/265)
صفحة 936
مسألة:
وإذا شهر من جماعة أو من واحد كفر ثم ظهر من الإمام استعمال أحدهما فيما لا يجوز أن يستعمل فيه إلا أهل الولاية، أو صحت من الإمام ولاية لهم قبل أن تظهر منهم توبة فقد قيل: إنه كان الإمام ممن يبصر الولاية والبراءة فتولاهم أو تولى أحد منهم أنه يجوز ولاية من تولاه الإمام منهم وتجوز ولاية الإمام أيضا على ولايته لهم لأنهم مأمونون على دينهم، وكذلك استعماله لهم فيما لا يجوز فيه إلا استعمال أهل الولاية موجب لولايته وولايتهم، وجائز ذلك في بعض قول المسلمين.
وفي بعض القول أن ولايته لهم واستعماله لهم موجب لولايته والوقوف عنهم لموضع ولاية الإمام لهم لأنه لما تولاهم الإمام أشكل أمرهم لأنه لا يجوز استعمالهم، ولا ولايتهم إلا من بعد توبتهم من كفرهم، وفي بعض القول أنه يتولى الإمام على ولايته لهم واستعماله لهم ويبرأ منهم حتى يصح توبتهم لأنه يثبت لكل حكمه الذي كان متقدما له فالإمام كان يتولى فأثبتت له الولاية وهم كانوا يبرءون منهم فأثبتت لهم البراءة حتى يصح خروجهم منها. وأما إن استعملهم فيما يجوز فيه استعماله لهم فالإمام على حاله وهم على حالهم ولا خلاف في ذلك عندنا، ولا لوم على الإمام، لأن استعمال الإمام للمحدثين المستحقين للبراءة على وجهين: فما كان منه استعمالا في الأمانات التي لا يجوز فيها إلا استعمال المسلمين فلا يجوز إلا بعد التوبة من حدثهم، وما كان المستعمل فيه تبعا لغيره والقائم غيره من المسلمين فلا يضر الاستعمال له، ولو صح استعماله لهم قبل التوبة وهو مأمون أن لا يستعملهم إلا بعد التوبة، وقوله مقبول إن ادعى ذلك وهو عندي على قول من يثبت ولايته.
وإذا استعملهم الإمام وولاهم فقاموا في ولايتهم بالعدل ولم يخونوا أماناتهم التي ائتمنهم عليها الإمام، وقاموا بالعدل في ذلك لم يكن عليهم في ذلك حجة ولا عدوان على المحقين ولا سبيل عليهم، وإنما السبيل على الإمام الذي استعملهم قبل التوبة، وعلى الإمام التوبة من (3/266)
صفحة 937
استعمالهم، وأما هم فلا توبة عليهم من أجل قيامهم بالحق وطاعتهم للإمام، وإنما عليهم التوبة من أجل حدثهم، والله أعلم.
مسألة:
وأخبرنا بشير والأخطل بن المغيرة أخبارا عن المعتمر بن سالم بن ذكوان الهلالي من بني عاصم بن صعصعة. أنه قال: من كان له عقد في الإسلام وولاية فالبراءة منه وحد السيف سواء، أي لا يبرأ منه حتى يحل دمه وذلك في الأئمة.
مسألة:
[متصلة بجواب أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله]
وسألت عن إمام المسلمين يحكم بحكم لا يدري أحق هو أو جور هل يسعنا أن نقبل ذلك ونتولى الإمام؟
قال: الإمام أولى بالرأي من غيره وليس للناس الكف عنه وهم لا يعلمون عدل ذلك من جوره، ولو أن إماما قضى في أمر خطئا لم يتعمده تولاه المسلمون، وإنما عليه أن يجتهد رأيه، وقد حدث فقلنا: إذا حكم الإمام فلا يسع الوقوف عنه حتى يعلم خطأ أو صوابا. قال: الواقف أعظم الخطأ. وهل هم يعلمون صواب عمرو من خطئه وهذا باب من التكليف. (3/267)
صفحة 938
الباب التاسع والعشرون
في ولاية الصبيان
وسئل عن الولي إذا طلب منه حق جناه في صباه قبل بلوغه من قتل نفس أو ركوب فرج أو غيره من الأموال فامتنع منه؟
فقال: لا يتولى إذا امتنع إلا المال فإنه أهون معي من الفروج والدماء والوقوف عنه.
مسألة:
وعن الرجل الذي عمل المعاصي ما يعتقد في أولاده الصغار؟
فقال: ما يعتقد في نفسه.
وعن مماليكه الصغار بما يدين فيهم؟
فقال: بالوقوف، ثم قال: إن وجد في الأثر أنه لا ينبغي للمرء أن يأتي عليه حاله لا يتولى فيها نفسه.
مسألة:
وقال: إن الأطفال من أولاد من يتولى فإنهم في الولاية، وكذلك الرجل يتولى وليه، وإن كان لا يتولى نفسه. (3/268)
صفحة 939
الباب الثلاثون
نسب الإسلام
إن الله وله الحمد اصطفى الإسلام دينا لنفسه ورضيه واصطفى له خيرته من خلقه وصفوته من عباده صلى الله عليه وسلم فلا يقبل الأعمال إلا به ولا تغفر إلا فيه، ومن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى واستقبال القبلة وإقام الصلاة لوقتها وتمام طهورها وحسن ركوعها وسجودها والتحيات التي لا تجوز الصلاة إلا بها، وإيتاء الزكاة بحقها وصدقها وقسمها على أهلها، وصيام شهر رمضان بالحلم والعفاف، وحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا، وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم، إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وغض البصر عن المحارم (1) وحفظ الفروج عن الفواحش ولين الجانب وحسن الصحبة ونقض كل عهد في معصية الله وستر الزينة التي أمر الله بسترها إلا ما ظهر منها والاستئذان في البيوت والتسليم على أهلها والاغتسال من الجنابة واتقاء غشيان النساء في المحيض، وأداء الأمانة إلى جميع الناس البار منهم والفاجر وذكر اسم الله على الذبيحة والاحتفاء بأهل الذمة، والقصد في المشي والصدق في الحديث، وكظم الغيظ، والنكاح بكتاب الله بالفريضة والبينة العادلة كما قال الله، ورضى المرأة، وإذن الولي، والطلاق بالشهود،
__________
(1) في نسخة المحرمات. (3/269)
صفحة 940
والعدة بكتاب الله، والمواريث بكتاب الله، وتحريم ما حرم الله من جميع الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم شرب الخمر وكل ما أشبهه من المسكرات ونزل بمنزلته من المحرمات، وتحريم ما حرم الله من المناكح والمطاعم والمشارب كلها، وتحريم الكذب والفواحش كلها، وتحريم قذف المحصنين والمحصنات، وتحريم ما حرمه القرآن، والأخذ بما فيه من العدل، والبيان والتوبة إلى الله من جميع الذنوب والخطايا لا يدعي الغفران من الله على الإصرار ولا الإقامة على مناهيه الكبار والشهادة على أهل الضلال بضلالتهم، والبغض لهم والبراءة منهم، والولاية لأهل طاعة الله على طاعته، والحب لهم، والقيام بالشهادة، والوفاء بالعهد إلى جميع الناس البار والفاجر، والعدل في الوزن، والوفاء في الكيل، وتحليل البيع، وتحريم الربا، وتحريم مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.
وفي مذهبنا أن لا يقطع رحما ولا يؤذي جارا، ولا يقول كذبا، ولا يكره عدلا، ولا يرد المعذرة، ولا يغتنم العثرة، ولا يتجسس العورة، ولا يحب أن تشيع الفاحشة، ولا يأخذ بالظن والتهمة، ولا يسخر بالناس ولا يعتدي عليهم، ولا يتعالى (1) عليهم، ولا يظلمهم حقوقهم، ولا يدخل في ديننا من لا يكتم سرنا، ولا يرعى غيثنا ولا يقول قولنا، ولا يرضى رضانا، ولا يوالي ولينا، ولا يعادي عدونا، ولا يسخط سخطنا، ونتهمه على أنفسنا، ونستحب مع هذا الذي تقدم ذكره أن نستبرئ من دعوناه أو دعانا إلى الموافقة بذكر ما يقع من الريب.
مسألة:
ويستحب مع هذا الاستبراء ممن ندعوه إلى معنى الموافقة أن يدعونا إلى مثل هذا الذي ذكرنا ما يقع فيه الريب، ومن دخول الفتنة في الأمة فيدعوه إلى التدين بدين أهل الاستقامة من المسلمين وهو دين محمد صلى الله عليه وسلم، ودين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب
__________
(1) في الأصل" يعتلي" والصواب ما أثبتناه. (3/270)
صفحة 941
رضي الله عنهما (1)، ودين عمار بن ياسر، وعبد الله بن وهب الراسبي إمام أهل النهروان، ودين عبد الله بن إباض إمام المسلمين، ودين عبد الله بن يحي الإمام طالب الحق، ودين وائل بن أيوب، ودين محبوب بن الرحيل، وعزان بن الصقر من علماء المسلمين، ودين موسى بن أبي جابر، ودين موسى بن علي ومحمد بن محبوب، وعزان بن الصقر من علماء المسلمين من أهل عمان، والاعتراف لهم بفضلهم وتقديمهم والتدين بدينهم، فهؤلاء الذين وصفناهم أئمتنا وأولياؤنا في الدين وعلماؤنا، ديننا دينهم وولينا وليهم، وعدونا عدوهم وحربنا حربهم، وسلمنا سلمهم، ومذهبنا مذهبهم، ورأينا رأيهم، وقولنا قولهم، وقولنا فيما حدث بين أهل عمان، وفيهم في أمر الصلت بن مالك إلى انقضاء أيام عزان بن تميم قولنا فيهم وفي أحداثهم قول المسلمين، وأن كلا فيهم من أهل الدار مخصوص بعلمه من ولايته أو براءة أو وقوف، وأن من خصه شيء من أمرهم وفي أمرهم لم يكن له حجة في ذلك على غيره ولو ثبت عندهما جميعا صحة أفعالهم ما لم يصح عندهم جميعا أصل حدثهم لأن أفعالهم كلها عندنا خارجة على أحكام الدعاوى لا على أحكام البدع ولا انتهاك لما يدينون بتحريمه فهذه المعاني يستطيب معنا من أقر معنا بها.
وعلى أنا مع هذا دائنون لله بالتوبة من جميع ما لزمنا فيه التوبة والاستغفار في دين هؤلاء الذين وصفناهم ودائنون لله بأداء جميع ما يلزمنا أداؤه في دينهم، ودائنون لله بالسؤال من جميع ما يلزمنا فيه السؤال في دينهم، وبالله التوفيق.
مسألة:
اعلموا أن الله أوجب الحدود لتؤخذ من أهلها، وأثبت الحقوق لتؤدى إلى أهلها، وإنما أكمل الله دينه وأضاء نوره للذين يهدون بالحق وبه يعدلون، وهو للذين آمنوا هدى وشفاء، فمن أقر للمسلمين بهذه
__________
(1) في نسخة "رحمة الله عليهما". (3/271)
صفحة 942
الأعمال والحقوق والمقال ثبتت ولايته ووجب حقه، وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم إلا أن يحدث حدثا، فإن أحدث حدثا كان حدثه على نفسه ولن يضر الله شيئا وكان الله غنيا حميدا.
وقال الله تعالى: * (*إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً*) * (1) والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما.
مسألة:
وسئل عن الرجل إذا قرئ عليه نسب الإسلام كيف يعاد عليه القول؟
قال: يقال له: إن هؤلاء المنسوبين في هذا النسب أئمتك في دينك وأوليائك، وليك وليهم، وعدوك عدوهم، ودينك دينهم، وقولك قولهم، ورأيك رأيهم، ومذهبك مذهبهم، وحربك حربهم، وسلمك سلمهم.
مسألة:
[وجدت مكتوبا في غير هذا الكتاب]
قلت لأبي سعيد: من وافقنا على هذا النسب وظهر له العمل الصالح من قبل أن يوافقنا عليه أو بعد ذلك، فقد لزمنا ولايته.
قال: معي أنه إذا وافق عليه وصح له الموافقة في أحكامه من غير أن يدخل عليه ريب بسبب من الأسباب في معاني تدين بضلال أو استرابة في ذلك أو ينتقل حكم الدار من حال إلى حال لما يحدث من أهلها من تقلب الأحوال بالدين أو الاسترابة فيه ما يدخل هذا المقر في أحكام
__________
(1) سورة الفتح: الآية 10. (3/272)
صفحة 943
ذلك أو يلحقه شيء من ذلك في مخصوص نفسه، فأرجو أن ولايته على هذا طيبة إن شاء الله لازمة لمن أبصر حكم ذلك.
قلت: فكيف اللفظ الذي يثبت به الموافقة؟
قال: معي أنه إذا أقر أنه إنما خرج مخرج الدين فهو دينه وما خرج مخرج الرأي فهو رأيه، ولم يكن باق إلا في معنى اللفظ أجرى ذلك على معنى قوله.
مسألة:
وعن رجل أتاه رجل يطلب إليه أن ينسب عليه الإسلام، أيرده حتى ينظر حرصه عليه؟ أيسعه ذلك أم لا؟
قال: قد كان أشياخنا يردون إلى أن ينظروا حرص الطالب.
فقلت: أرأيت إن حدث به حدث ما هو عند المسلمين، وإن كان قد رضي بسيرته فما تقول إلا أن يتولى والله أعلم، وقال الوضاح بن عقبة من بعد ظهور الدولة والإسلام فما أحب أن يرد.
مسألة: [من الزيادة المضافة من كتاب الرهائن]
وعن رجل ظهر على منه أفعال لا أرضاها من المكاره والمعاصي أو يمدح هو بذلك معي ثم جاءني بعد ذلك فطلب مني أن أعينه وأقوم معه حتى يصير مذهب المسلمين أيلزمني له ذلك كما يلزمني لغيره أو الاستيخار عنه أسلم.
قال: يجب أن لا يعان فاسق، إنما يعان على الحق من يرجى منه القبول والعمل. (3/273)
صفحة 944
مسألة:
[رجع إلى كتاب بيان الشرع]:
وسألته عن المرأة إذا قال لها زوجها: ما دان به المسلمون من الولاية والبراءة توليت وليهم وبرئت من عدوهم؟ قالت: نعم، أهي من أوليائه بقوله ذلك؟ قلت: أم حتى يفسر لها الزوج الخطاب؟
قال: يسعها ذلك وهي في طلب السؤال وهي ولية بهذا والقبول قول وعمل، وعندي أن الإيمان نية وعلم وقول وفعل وعمل، هكذا وجدت فينظر فيه.
فصل:
[من الزيادة المضافة]
قال المضيف: هذا ما كتبته من نسب الإسلام مما أرجو أنه أوضح وأبين إن شاء الله، وما ندين به لدينا وهو دين المسلمين من قبلنا من معرفة ربنا أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا تدركه الأبصار في الدنيا والآخرة وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، ولم يزل عالما بما يكون قبل كونه وأنه خالق وما سواه مخلوق، وأنه خالق كل شيء وقادر على كل شيء، ومحيي كل شيء ومميت كل شيء، ومدبر كل شيء، ورازق كل مرزوق منشئ النشأة الآخرة، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا مبدل لكلماته وهو سريع الحساب.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله وأنه قد بلغ ما أرسل به وأن ما جاء به محمد هو الحق المبين من الله وأنه صادق في كل ما قال، ونشهد أن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق، والحساب حق والثواب والعقاب حق، وما قاله من وعد الله ووعيده حق، وجميع ما افترض الله على عباده حق، وندين لله بأداء جميع فرائضه والعمل بجميع ما يجب العمل به من فرائضه وسنن رسوله (3/274)
صفحة 945
محمد صلى الله عليه وسلم، والتقرب إلى الله بأداء كل طاعة ودائنون لله بالانتهاء عما نهى الله عنه في كتابه من جميع المحارم ودائنون لله بالانتهاء عن كل ما حرمه الله ورسوله جميعا، ودائنون لله بالتوبة من جميع المعاصي مما علمناه أو جهلناه، ودائنون لله بالوقوف عن كل شبهة لا نعلم ما هي حتى نعلم أحلال هي أم حرام، ودائنون لله بأداء كل أمانة وترك كل خيانة ورد كل مظلمة والعمل بكل طاعة وموالاة كل من دان بالحق وعمل به من جميع العالمين، ودائنون بالولاية لله ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ولجميع أولياء الله من جميع خلقه من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، ودائنون بولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه الذين لم يغيروا ولم يبدلوا.
قال المضيف:
ثم قال بعد ذكره الصحابة وأئمة المسلمين والفقهاء في الدين هؤلاء أئمتنا وفقهاؤنا وفيهم والينا وبهم عادينا وبقولهم عما غاب عنا صدقنا وآثارهم حققنا، ثم قال: ونخلع ما سواهم من أئمة الضلال وقادة الفتنة وولاة المعصية الذين اغتصبوا أمر المسلمين واستأثروا بغيهم وجعلوا الزكاة في أقاربهم وبين الأغنياء منهم، وشردوا المسلمين من أوطانهم وحرموهم عطياتهم، وجعلوا الكتاب تبعا لأهوائهم فأخافوا من أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمنوا من أخافه، والبراءة ممن بغى على المسلمين فاغتصب دولتهم وشتت كلمتهم وأوقع الفرقة بينهم، والبراءة ممن حكم في دين الله الرجال ورضي بحكم أهل الضلال، والبراءة من المستحلين لما حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والبراءة ممن شك في قتال أهل الكفر والمحرمين لما أحل الله المصرين عل معصية الله، والبراءة ممن قال إن الإيمان قول بلا عمل، والبراءة من الشكاك في دين الله في قتال أئمة الكفر والبراءة ممن رأى الطاعة للجبابرة الظالمين وتولاهم على ظلمهم، والبراءة ممن يشك في وعيد الله، والبراءة ممن زعم أن الله يعذب أحدا بذنب أحد، أو يعذب ولدا بذنوب والده، أو (3/275)
صفحة 946
يعذب أحدا لم يكن منه معصية في الدنيا، والبراءة ممن يزعم أن الله أجبر العباد على الطاعة والمعصية، والبراءة ممن زعم أن الله يعذب العباد على فعله لا على أفعالهم، والبراءة ممن زعم أن الله لم يخلق أفعال العباد، والبراءة ممن زعم أن الله لم يخلق الإيمان حسنا والكفر قبيحا، والبراءة ممن زعم أن الأمور مفوضة إلى العباد إن شاءوا أطاعوا وإن شاءوا أساءوا، والبراءة ممن زعم أن الله لم يرد أن يكون الإيمان حسنا والكفر قبيحا وأن العباد كفروا ولم يرد الله أن يكفروا، وأنهم فعلوا ما لم يرد الله كونه تعالى عن الغلبة والقهر، والبراءة ممن زعم أن الله لم يعلم ما يكون من العباد حتى كان والبراءة ممن زعم أن العباد يعلمون خلاف ما علم الله منهم وما أراد، والبراءة ممن زعم أن الله يرى بالأبصار في الدنيا والآخرة.
قال المضيف:
لعله أراد في الدنيا أو في الآخرة، والبراءة ممن زعم أن الله يتولى أحدا على معصية أو في حال معصية أو يثيبه على معصية، والبراءة ممن دان بطاعة الجبابرة العاصين، والبراءة ممن زعم أن أهل التوحيد من أهل القبلة مشركون، ويستحل غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم واستحل استعراضهم بالقتل من غير دعوة يبين لهم فيها الحق ولا حجة أقامها عليهم، والبراءة ممن خالف المسلمين في دينهم من جميع العاصين، والبراءة ممن زعم أن من قبل شهادة الشهرة من المحدثين ضال، أو دان بتضليل من قال بالسؤال عن معرفة الحكم في فعل أهل الضلال، والبراءة ممن بغى على المسلمين واغتصب دولتهم وشتت كلمتهم وأوقع الفرقة بينهم.
قال المضيف:
الذي ذكره من أول هذا الفصل إلى آخره هو ديننا الذي دنا به لربنا، وقولنا الذي نقول به في مذهبنا إلا قوله في البراءة ممن دان بتضليل من قال بالسؤال عن معرفة الحكم في معرفة فعل أهل الضلال (3/276)
صفحة 947
فإنه إن أراد بعد قيام الحجة عليه فهو كذلك فأما على غير قيام الحجة بعلم الحدث فلا والله أعلم.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
هذا مما وجدت في آثار المسلمين وهو سيرة لبعض الخوارج، وجدت مكتوبا في آخره صفة أبي الفضل عيسى بن نوري الخارجي معروضة على أبي عبد الله محمد بن محبوب وعلى أبي عيسى محمد بن سعيد رضي الله عنهما وغفر لنا ولهما ولجميع المسلمين:
بسم الله الرحمن الرحيم:
الإسلام دين الله وهو معرفة الله والإيمان بالله والإقرار بجميع ما جاء من عنده والعمل بطاعة الله، وأشهد أن لا إله إلا الله أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، الأول من غير بدء، والدائم بغير غاية، خلاق عليم سميع بصير، رؤوف رحيم، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وهو أقرب إلى خلقه من حبل الوريد، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وكل شيء عنده بمقدار، والشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم أنه عبده ورسوله أرسله إلى العالمين من الجن والإنس بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فقال عن ذكره: * (*أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ*) * وقال: * (*مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ*) *، وقال: * (*وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ*) *.
والإيمان بجميع الأنبياء والرسل ممن قبله كما قال: * (*وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ*) *. والإيمان بجميع الكتب من التوراة والإنجيل والزبور والعمل بما في القرآن، والإيمان بملائكته والإقرار واستحلال ما أحل الله، واجتناب ما حرم الله، والقيام بأمر الله والحب في الله، والبغض في الله، والتحول عن الضلالة. (3/277)
صفحة 948
قال أبو سعيد: إن كان يعني فعل نفسه وقع القول على التحول، وإن كان فعله في غيره فهو التحول عن الضلالة إلى الهدى، وكل ذلك جائز وهو من دين الله عند المتحول لمن حوله، والخلع لكل معبود من دون الله، والبراءة منهم على ذلك، والوقوف في الشبهات، والأخذ بالأثر والسنة، وحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا، والجهاد في سبيل الله، ومعرفة فضله كما قال الله: * (*وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً*) *، وقال: * (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*) * (1). وإجازات الشهادات من المسلمين الأربعة في الزنا والاثنين في الحقوق وسائر الأحكام فمن الدين، وقد يجوز ذلك في غير المسلمين كل أهل ملة على ملتهم.
وأما شهادة الواحد في الولاية فيما تقدم فيه التخيير والاختلاف وليسه بلاحق بأحكام الدين، والعمل بفرائض الله في حين وقتها، والصلاة بإسباغ الوضوء، والاغتسال من الجناية، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وإقام الصلاة المفروضة، وإيتاء الزكاة الواجبة في وقتها وقسمها كما أمر الله ووضعها في أولياء الله.
قال أبو سعيد محمد بن سعيد: ووضعها في السهام التي سماها الله في كتابه على ما قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت للمسلمين يد فالسنة ثابتة يدفعها إلى الإمام وإلى من أمره بقبضها من وال أو ساع، وعلى الإمام العدل فيها، وإذا لم يكن إمام فصاحب الزكاة متعبد بها في ذات نفسه، وقد اختلف في تسليمها، فقال من قال: لا يصلح تسليمها إلا إلى أولياء الله وأهل الموافقة في دين الله لأنهم
__________
(1) سورة الصف: الآيتان، 10 - 11. (3/278)
صفحة 949
بدل عن الإمام عند عدم الإمام، لأنهم بهم يقوم الإمام، وقال من قال: تسلم للولي وغير الولي ممن لم يظهر عليه سوء.
وقال من قال: تسلم إلى الفقراء من أهل القبلة، والاختلاف في هذا واسع، وكل ما وقع فيه الاختلاف فلا يخرج مخرج الدين، ومنه وولاية أولياء الله كما قال الله عز وجل: * (*إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ ... *) * (1) * (* ... بَعْضُهُمْ (2) أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ*) * وقال: * (*لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء*) * (3)، وقال: * (*لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ*) * (4). ونتولى الله ورسوله والمؤمنين من لدن آدم إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء والرسل وأتباعهم من أهل الحق والهدى، ويتولى بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وأبا ذر ومعاذ بن جبل وزيد بن صوحان ومن شايعهم ووافقهم على الحق والهدى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم عند نزول الفتنة وتفرق الناس، ويتولى عند إنكار الحكمين عبد الله بن وهب الراسبي، وأهل النخيلة والنهروان والقريب والزحاف وطواف وأبا بلال ومن خرج على ما خرج عليه أبو بلال وأصحابه منهم شعيب الكرماني والمهدي وداود ومضر والحصين ومنصور والهيضم وعمر بن مروان وحمزة الصادق وأبو إسحاق وأبو عوف داره دار عدل، الإسلام فيها ظاهر والجور فيها مخفي، والحكم فيها بما أنزل الله متولي جميع
__________
(1) جزء من الآية 55 من سورة المائدة.
(2) يلاحظ أن المؤلف رحمه الله يخلط الآيات بعضها ببعض، فهو قد ربط بين الآيتين، فالأولى كما أوضحنا في سورة المائدة والأخرى هي جزء من الآية 71 من سورة التوبة، وقد أسقط بعض كلماتها.
(3) جزء من الآية 1 من سورة الممتحنة.
(4) الآية 23 من سورة التوبة. (3/279)
صفحة 950
أهل داره إلا من رأينا منه كفرا بعينه أو شهد عليه شهود عدول بذلك، ومن كانت له ذمة من المعاهدين أو جانح أو مستحسن.
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: إن شعيبا والذين سمى بأسمائهم هذه إلى عوف كل على غير سبيل المؤمنين والمسلمون منهم برآء، قال: إن دار أبي عوف ليس بدار عدل بل هو جائز وأحكامه جائرة.
قال أبو سعيد محمد بن سعيد: وأما من تولاهم من لدن آدم إلى سعيد الذي وصفه فنحن نتولاهم بأعيانهم وفي الشرائط بصفاتهم وعلى ما وصفهم، وأما من لدن شعيب فمعنا أنهم من الخوارج فيما يوجد، ونحن نبرأ من الخوراج في الشريطة ولا نتولاهم ولا نقول إن دارهم دار حق إذا غلبوا عليها بل هم أهل جور وفعالهم جور ودارهم دار جور، وإذا كانوا هم الغالبين عليها، ولا نتولى أحدا من أهل دار غلبوا عليها الأمر صحت موافقته بالخبرة بموافقة المسلمين.
ومن الكتاب:
ونبرأ من عدو الله إبليس لعنه الله وأتباعه من الفراعنة وغيرهم من أئمة أهل الكفر وأتباع أهل الطاغوت من لدن آدم إلى يومنا هذا، فمنهم من خسف الله به الأرض، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من أعرقه الله ولعنه وجعل منهم القردة والخنازير، ومنهم من قلب الله عليهم مدينتهم عاليها سافلها وأمر عليهم حجارة من سجيل وجعلهم آية وعبرة للخلق، ومنهم من أرسل الله عليهم طيرا أبابيل فجعلهم كعصف مأكول، واستوجبوا جميعا ذلك في الدنيا مع الخزي وسوء العذاب في الآخرة بتركهم طاعة الله وتكذيبهم لرسوله وإنكارهم للحق وما جاء من عند الله وأخذهم بطاعة إبليس لعنه الله وبرئنا بعد النبي صلى الله عليه وسلم من أهل القبلة الذين هم من أهل القبلة هم من أهل القبلة عثمان (1) بن عفان وعلي
__________
(1) كنا نرجو ألا يوصف الصحابة بهذه الأوصاف. (3/280)
صفحة 951
بن أبي طالب وطلحة والزبير ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري وجميع من رضي بحكومة الحكمين، وترك حكم الله إلى حكومة عبد الملك بن مروان وعبيد الله بن زياد والحجاج بن يوسف وأبي جعفر والمهدي وهارون وعبد الله بن هارون وأتباعهم وأشياعهم ومن تولاهم على كفرهم وجورهم من أهل البدع وأصحاب الهوى، لقول الله تعالى: * (*وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ*) * (1).
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمهم الله نوافقهم على هذا والبراءة ممن سماه.
قال أبو سعيد محمد بن سعيد رضيه الله: نوافقهم على البراءة ممن سمي على الشريطة بما سماهم من الكفر، وتولينا المسلمين الذين برءوا من المرجئة لقولهم إن الإيمان قول بلا عمل وثبتوا الحقوق لأهل الفسق والظلم وأهل الحدود وتارك الصلاة والصيام والزكاة وراكب الفواحش وقالوا: هم مؤمنون مستكملون الإيمان من أهل الجنة وكذبهم الله في غير آية من القرآن فقال تعالى: * (*إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ*) * وهو الإيمان والعمل الصالح يرفعه، وقال: * (*فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ*) * (2)، وقال: * (*فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ*) * (3) وهو الجنة * (*وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ*) * وهو النار.
وقال أبو عبد الله: وهذه أيضا نوافقهم فيها، قال أبو سعيد: نعم نوافقهم في أمر المرجئة إلا قوله فمن يعمل مثقال ذرة خير يره، وهو الجنة، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وهو النار، فإنا نقول: إنما يستحق الوعد فيه التائبون، فمن كان تائبا ومات على توبته جوزي بمثقال الذرة
__________
(1) جزء من الآية 50 من سورة القصص.
(2) سورة الأنبياء: الآية 94.
(3) سورة الزلزلة: الآيتان، 7 - 8. (3/281)
صفحة 952
من إحسانه ولا إحسان لمصر، ومن كان مصرا جوزي بمثقال الذرة من سيئاته ولا سيئة لتائب تاب منها، فعلى هذا يخرج تفسير من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
مسألة:
وتولينا المسلمين الذين برءوا من الشيعة بكذبهم على الله وملائكته وعلى رسله وزعموا أن الله أوحى إلى علي بن أبي طالب فجاء جبرائيل محمداً وأن عليا حيا رفعه الله إليه مع أقاويل كثيرة مثلها حين قالوا في عليّ بأخبث ما قالت النصارى في عيسى بن مريم عليه السلام، قال أبو عبد الله: ونوافقهم على ما قالوا في الشيع، قال أبو سعيد: نوافقهم في الشيع على الشريطة كما وصفوهم وفيما وصفوهم به لا أنا نشهد عليهم أنهم قالوا وإنما نشهد عليهم ببعضهم لما شهر معنا من أمرهم فلسنا نقلدهم الشهادة عليهم قطعا بكل ما وصفهم به.
ومن الكتاب:
وبرئنا من الجبرية بكذبهم على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن الله خلق الجن والإنس في بطون أمهاتهم سعداء وأشقياء كفارا ومؤمنين لم يزالوا عند الله كذلك ولا يزالون هكذا فلن يستطيع الكافر أن يتحول إلى الإسلام ولا المسلم إلى الكفر إلى يوم القيامة مع ما قالوا في ذلك بكذبهم على الله، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: * (*الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ... *) * (1) وقال: * (*إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً ... *) * (2) وقال: * (*لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ*) * (3).
__________
(1) سورة إبراهيم: الآية 1.
(2) سورة النساء: جزء من الآية 137.
(3) سورة البقرة: جزء من الآية 256. (3/282)
صفحة 953
وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: * (*يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ*) * (1) وقال: أجيبوا داعي الله وآمنوا به، مع ما ذكره.
قال أبو عبد الله: قول المسلمين غير هذا إن علم الله لا يتحول في عباده فمن علمه الله شقيا أبدا من غير أن نقول إن الله جبر أحدا على طاعته ولا على معصيته.
قال أبو سعيد: ونحن نقول بقول أبي عبد الله وهذا معناه صحيح إن شاء الله.
ومن الكتاب:
وبرئنا من الزنادقة والدهرية بافترائهم على الله، وقالوا: لا إله في السماء ولا في الأرض ولا بعث بعد الموت ولا حساب ولا جنة ولا نار، ولا ثواب ولا عقاب، والدنيا لم تزل على حالها ولا تزال كذلك، وقال الله عز ذكره: * (*يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً*) * (2) وقال: * (*يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً*) * (3)، وقال: * (*مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ*) * (4) ثم قال: * (*ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ*) * (5)، وقال: * (*وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ*) * (6)، وقال: * (*إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ*) * (7)، * (*وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ... *) * (8). مع ذكره.
__________
(1) سورة المدثر: الآيات الأولى.
(2) سورة النبأ: الآية 18.
(3) سورة النبأ: الآية 38.
(4) سورة لقمان: جزء من الآية 28.
(5) سورة الزمر: جزء من الآية 68.
(6) سورة إبراهيم: جزء من الآية 21.
(7) سورة المائدة: جزء من الآية 105.
(8) سورة البقرة: الآية 281. (3/283)
صفحة 954
وقال أبو عبد الله: نوافقهم فيما ذكروا من قول الزنادقة، وقال أبو سعيد محمد بن سعيد: قولنا في الزنادقة بقول أبي عبد الله في الشريطة لا على حقيقة الشهادة.
ومن الكتاب:
وبرئنا من الأزارقة بقطعهم على أهل القبلة عذرهم في التقية فقالوا: لا تقية في الإسلام وسموا أنفسهم في التقية كافرين وأوجبوا الجهاد على جميع أهل الإسلام، وكذبهم الله فقال: * (*وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ... *) * (1) يعني الجنة، فللمجاهد فضله وللقاعد عذره، وإنما الإيمان قبل الهجرة ولا يكون مجاهدا مشركا بعد ما عذر الله عمار بن ياسر، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: إن أخذوك مرة أخرى يعني المشركين اقبل التقية.
قال أبو سعيد رحمه الله: الذي معنا أنه أراد فاقبل التقية وهو يخرج كذلك.
قال أبو عبد الله رحمه الله: نوافقهم فيما ذكر من أمر الأزارقة. قال أبو سعيد: نحن نقول بقول أبي عبد الله في أمر الأزارقة على الشريطة وإنما عذر البعض في الجهاد عند القدرة على الجهاد من الكافة بجهاد البعض ولو اجتمعوا كلهم على ترك الجهاد وهم قادرون عليه كانوا بذلك هالكين مضيعين لما لزمهم من ترك الجهاد.
ومن الكتاب:
وبرئنا من المعتزلة بما وقفوا عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب
__________
(1) سورة النساء: جزء من الآية 95 وأصل الآية، هكذا كما أثبتناها خلاف لما في الأصل. (3/284)
صفحة 955
وطلحة والزبير وغيره من أهل القبلة وأهل الكفر ووضعوا الناس على ثلاث منازل مؤمن وكافر وفاسق غير فسق أهل الشرك، وقال الله في كتابه: * (*فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ*) * يعني إبليس، وقال: * (*وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ*) * وقال: * (*إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ*) * مع ذكره من فسقهم ذكرهم من كفرهم.
قال أبو عبد الله: أما البراءة فنوافقهم، وأما الفسق بالشرك فلا. قال أبو سعيد محمد بن سعيد: هذا الكلام الذي قاله في المعتزلة له خاص وعام، وأما مخصوصه وتفسيره فيطول تفسيره ووصفه، وأما عمومه فإن المسلمين يبرءون من المعتزلة في دينهم بأشياء كثيرة ومنها تسميتهم الناس ووصفهم لهم في ثلاثة منازل مؤمن وكافر وفاسق، وقالوا: لا يكون المنافق كافرا وإنما الكفر بالشرك، وقول المسلمين إن الناس ثلاثة: مؤمن وكافر ومنافق، وأن المنافق هو من عصى الله بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة من عين الشرك فإنه منافق فاسق ظالم ولا يلحقه اسم الإيمان من طريق الطاعة ولا اسم الشرك من طريق الجحود وأن المشرك من عصى الله بشيء من الجحود والشرك فهو مشرك ظالم عاصي.
ومن الكتاب:
وتولينا المسلمين الذين برءوا من نجدة بن عامر والنجدية بانتهاك الكبائر والمعاصي التي أوجب الله على راكبها العذاب في الدنيا والآخرة إذا أتوها بالجهالة ودانوا بها، وقال موسى لعبدة العجل من قومه: * (*إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ*) * (1).
قال أبو عبد الله: نوافقهم في هذه الصفة، قال أبو سعيد محمد بن سعيد: ونحن نقول بقول أبي عبد الله على الشريطة.
__________
(1) سورة الأعراف: جزء من الآية 138 ويلاحظ أن المؤلف أورد عجز آية أخرى لا تتصل بالموضوع. (3/285)
صفحة 956
ومن الكتاب:
وبرئنا من السبوية بما عذروا المسلم بتزويج الكافرة طائعة غير مكرهة، وقال الله تعالى: * (*لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ*) * (1)، فنسخ المشركات على المؤمنات وأبهم المشركين على المؤمنات فقال: * (*الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ*) * (2) وترك الكافر على المسلمة مبهما: * (*وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ*) * (3).
قال أبو عبد الله: أما البراءة من السبوية فنوافقهم في ذلك، وأما تسميتهم أهل القبلة بالشرك فلا نقول بذلك وليس براءتنا من السبوية لحال نكاحهم نساءهم من أهل القبلة.
قال أبو سعيد رحمه الله: الله أعلم بالسبوية والذي معنا أنهم صنف من الخوارج فإن كانوا فنحن نبرأ منهم، والخوارج كلهم معنا يسمون أهل القبلة بالشرك ولسنا مسمون أهل القبلة بالشرك.
وأما نكاح المشركين على مؤمنات من أهل الكتاب وغيرهم فغير حل وهم منهم كما قال الله جل ذكره.
وأما نكاح المحصنات من أهل الكتاب فمنسوخ من جملة المشركين على المؤمنين ومعنا أن أهل القبلة الذين سماهم الخوارج مشركين أنهم كاذبون في تسميتهم، وأنهم حلال نساء أهل القبلة كانوا حربا للمسلمين أو سلما للمسلمين وليس حرب المسلمين بشرك فيحرم على المسلمين نكاحهم ولا نساؤهم المتقدمات بالملك حرام عليهم ولا هم حرام عليهن وذلك كذب وزور قالته الخوارج أخزاها الله ولعنها.
__________
(1) سورة الممتحنة: جزء من الآية 10.
(2) سورة المائدة: جزء من الآية 5.
(3) سورة الممتحنة: جزء من الآية 10. (3/286)
صفحة 957
ومن الكتاب:
وبرئنا من الميمونة بافترائهم على الله، وقالوا: إن الله فوض الأمور إلينا فهو ما نريد إن شئنا زدنا في أرزاقنا، وإن شئنا نقصنا، وإن شئنا قتلنا من لم يحضر أجله مع ما ذكروا من الكفر، وقال الله عز وجل: * (*إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ*) * (1)، وقال: * (*وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً*) * (2)، وقال: * (*وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ*) * (3) مع ما ذكر.
قال أبو عبد الله: هذه الصفة نوافقهم فيها، قال محمد بن سعيد: ونحن نوافقهم في جملة هذه الصفة على الشريطة.
ومن الكتاب:
وبرئنا من البهيسية المغبرية بما خالفوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقطعوا عذر الوقوف وما عذروهم عندما اشتبهت عليهم، فقال عز ذكره: * (*فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ*) * (4)، وقال: * (*فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ*) * (5)، وقال: * (*وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ*) * (6)، وقال: * (*وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ*) * (7)، وقال الله للملائكة: * (*أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ*) * (8). وقال في الثلاثة الذين تخلفوا
__________
(1) سورة الذاريات: الآية 58.
(2) سورة آل عمران: الآية 145.
(3) سورة الأعراف: الآية 34.
(4) سورة النساء: جزء من الآية 59.
(5) سورة الأنبياء: جزء من الآية 7.
(6) سورة يوسف: جزء من الآية 76.
(7) سورة النساء: جزء من الآية 83.
(8) سورة البقرة: جزء من الآية 31 والآية32. (3/287)
صفحة 958
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزوة تبوك، كعب وأصحابه فلم يدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذنبهم حتى أنزل الله عذرهم، فكلف البهيسية المستجيب من العلم بجميع الحلال والحرام والأحكام والحدود والفرائض والمناسك وأشباه ذلك ما لم يكلفه الله الملائكة والأنبياء صلوات الله عليهم والناس أجمعين مع ما ذكروا.
قال أبو عبد الله: قولنا فيهم نوافقهم في أمر البهيسية، قال أبو سعيد: بقول أبي عبد الله نقول على الشريطة فيما وصفوا به البهيسية.
ومن الكتاب:
وبرئنا من التركية والشكاك فقالوا: لا ندري أمؤمنون نحن أم كافرون ويأخذون على ذلك حقوق المؤمنين، ومن شك في الإسلام فقد شك في الله، ومن شك في الله فهو مشرك، والتركية تقول: كل ذنب عمله الإنسان فتاب منه ثم خاف من ذلك الذنب فهو كافر مشرك، وعلما يقينيا أنا مؤمنون من أهل الجنة، وقال الله تعالى: * (*وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ*) * (1)، وقال: * (*إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ*) * (2)، وقال: * (*يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ*) * (3)، مع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن قال: إنه من أهل الجنة فإنه من أهل النار، ومن زعم أنه من النار فهو من أهل النار، وحديث ابن مسعود حين دخل عليه عثمان بن عفان في مرضه الذي ضربه فيما أنكر عليه، فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: ما تشتهي؟ قال: الجنة، فأي شيء أشد عليك؟ قال: جلوسك عندي، وإنما أشتكى الذنوب التي عملها وتاب منها فخاف تلك الذنوب مع فضله وعلمه، ومكانه من النبي صلى الله عليه وسلم، وقول عمران بن
__________
(1) سورة الأنبياء: جزء من الآية 90.
(2) سورة المؤمنون: الآية 57.
(3) سورة النساء: جزء من الآية 49 وقد نقلها مغايرة .... (3/288)
صفحة 959
حطان رضي الله عنه قال: لو قسم الذنب الذي قد عملته على الناس خاف الناس كلهم الردى فقد خاف منها مع فضله.
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: التركية والشكاك بالبراءة من غير أن نسميهم بالشرك ولا نضيفهم إليه في الأسماء ولا في الأحكام.
قال أبو سعيد: ونحن نقول بقول أبي عبد الله على الشريطة إلا أنه من شك في جملة الإسلام أو في شيء منها أو في شيء من تنزيلها بعد علمه أو بعد قيام الحجة عليه فهو مشرك، ومن شك في شيء من التأويل بعد علمه أو قيام الحجة فهو منافق كافر كفر نعمة.
ومن الكتاب:
وبرئنا من الإباضية (1) بما زعموا أن قومنا كفار ليسوا بمشركين حرام دماءهم وسباهم وأموالهم وعلى ذلك نقصوهم الحقوق ويأخذون منهم ويتولون أبا بكر رحمه الله، فإن برئنا من أبي بكر برءوا منا، وإن سرنا في أهل القبلة سيرة أبي بكر برءوا منا.
قال أبو عبد الله: لعله افترى عدوّ الله على الإباضية ليسوا كما وصفهم ولا دينهم في أهل قبلتهم التي يحلهم، ولكنهم يحلون منهم ما أحله القرآن من مجاهدتهم واستحلال سفك دماء البغاة منهم حتى يفيئوا إلى أمر الله من غير أن يستحلوا من أهل القبلة سبي ذراريهم ولا غنيمة لأموالهم، وزعم الكاذب في قوله إن الإباضية يبرءون ممن سار في أهل القبلة سيرة أبي بكر، وهم بها يسيرون ومثارها يقفون، نعوذ بالله وحاشا لله ما حكم الله في أهل القبلة ولا سار فيهم رسول الله
__________
(1) هكذا سجلها في الكتاب ص 317 في النسخة المصورة الموجودة تحت يدنا ورقمها في الوزارة 2476 الرقم العام 393 الرقم الخاص 80 ب فقه، ولا نظن إلا أنه خطأ في النسخ. (3/289)
صفحة 960
صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر بن الخطاب ولا من كان بعدهم من أهل قبلتهم بالذي سار به حمزة (1) عدو الله وأصحابه واستحلالهم لسبي أهل القبلة وغنيمة أموالهم، وإنما أحل الله القتال حتى يفيئوا إلى أمر الله، فقال الله تعالى: * (*فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ*) * (2) فما سمى أهل البغي بالشرك ولا أحل منهم سبيا ولا غنيمة كما قال حمزة الكاذب، ولقد قال عمر بن الخطاب رحمه الله وقد حضره المسلمون يبكون حوله وذلك عند حضور أجله فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: نخاف من بعدك الفرقة، فقال: إن ربكم واحد ودينكم واحد وكتابكم واحد فمن أعطاكم بما في القرآن فاقبلوا منه، ومن خالف القرآن فاضربوا أنفه بالسيف من غير أن يسمي المخالفة للقرآن في الأحكام والتأويل بالشرك ولا يحل منهم سبي ولا غنيمة.
ولقد أجمع المسلمون على قتل عثمان فما سموه بالشرك ولا استحلوا سبي ذريته ولا غنيمة ماله، فإن زعم حمزة عدو الله وأولياؤه أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين أجمعوا على قتل عثمان حين حكم بغير ما أنزل الله وبدل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستحلوا منه سبي ذريته ولا غنيمة ماله، فإن قال: إنهم بذلك مصيبون للحق فقد ترك قوله ورجع إلى قول من هو أعدل منه وهم الإباضية أهل الحق، وإن زعم أنهم أخطئوا في حكمهم وعطلوا حدود الله وأقسامه التي قسمها في الغنائم فقد تولاهم على ذلك لأنه قد تولى عمار بن ياسر وأشياعه الذين حكموا في عثمان بما حكموا به، وقد خالف عليهم ولن يجد بذلك برهانا بل قد
__________
(1) لم يحدد لنا المؤلف -كعادته في ذكر الأسماء- من يقصد بحمزة وأصحابه.
(2) سورة الحجرات: جزء من الآية 9. (3/290)
صفحة 961
عرفنا الله ضلالة من قد خالفهم، وقد أقام الله حجة المسلمين ممن قد فسرناه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكمهم في عثمان مع ما قد تذكره من الحجج الواضحة غير أن الذي ذكرناه نقض لقول هذا السفيه (1) وإيضاح لضلالته.
وأما قوله: إنهم برئوا من أبي بكر ومن خالف سبيله حمزة وأصحابه هم الذين خالفوه وبدلوا حكمه فبرئ الله والمسلمون منهم والحمد لله على عرفنا من ضلالهم وأوضح عن سبيلهم، وهذا لإقامة الحجة بالتنزيل والتأويل معروض على أبي عبد الله محمد بن محبوب.
قال أبو سعيد: تقول بقول أبي عبد الله على الشريطة التي وصفها إلا في قوله كذب عدو الله على الإباضية فلا ندري ما أراد أبو عبد الله بقوله في ذلك.
وأما الصفة التي وصف الإباضية فلا نجدها خارجة من صفتهم ... قومنا على العموم ... الشكاك والمرجئة وإنما يحرمونها حتى يحلها بوجه من وجوه البغي، ثم هي هنالك حلال ما كانوا على البغي حرام سبيهم وغنيمة أموالهم على كل حال وحلال مناكحتهم وموارثتهم وأكل ذبائحهم على العموم على كل حال.
ومن الكتاب:
وبرئنا من الشمراخية بما حرموا من دماء الكفار في الشر، وقد أرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى كعب بن أشرف سرا ليقتلوه
__________
(1) أعتقد أن المناقشة الموضوعية لم تكن تستدعي إلقاء الشتائم، وقد كان إمامنا نور الدين السالمي -رضي الله عنه- يتلقى الشتائم من معارضيه وهو يرد عليهم بالحجج، مع أننا لا نعلم من حمزة هذا الذي يشير إليه المؤلف ولكن القاعدة واحدة. (3/291)
صفحة 962
وما جاره ... في استحلال دمائهم في السر والعلانية، فقال الله: * (*فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً*) * (1).
قال أبو عبد الله: الشمراخية نحن نبرأ منهم بخلافهم للحق بغير الذي وصفهم.
وأما قتل النبي صلى الله عليه وسلم فقولنا فيهم إنه لا يقتل أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه والدعاء إلى الإسلام، وقال أبو سعيد: نقول بقول أبي عبد الله في الشمراخية، وأما القتل في السر فقد أجاز بعض المسلمين قتل الأئمة الذين قتلوا المسلمين على دينهم في السر، وقد فعلوا ذلك وقتل قاتل أهل النهروان بولايتهم لقاتله لأنهم تولوا قاتله، وقد أجاز بعض المسلمين قتل الأئمة المتمردين على المسلمين سفك الدماء وقطع السبل من الجبابرة المتملكين العاديين وذلك مثل خثعم وجيفر بن نجا وأشباههم وأبتاعهم ممن ظهر له اسم الكفر وقتل الأنفس على التعنت والتلصص وقطع سبل المسلمين على ذلك.
وكذلك قد أجازوا القتل بالسر لعامة حرب المسلمين إذا ردوا الدعوة وقامت عليهم الحجة وبدءوا بالمحاربة للمسلمين فوقعت الحرب بينهم وأكثر من هذا مما يطول وصفه.
ومن الكتاب:
وبرئنا من الأخنسية ... وعزل أهل الصلاة في قلة الحذر وأحكام أهل البيت بالوقوف، فوقفنا عمن لم يأتنا عن الله فيه بيان ولم يصح لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم سنة.
وقال أبو عبد الله: حفظ لي أبو حفص عن هاشم بن غيلان عن بشير أنه قال: في أطفال المشركين أنهم مع آبائهم، قال أبو عبد لله:
__________
(1) سورة النساء: جزء من الآية 76. (3/292)
صفحة 963
قول عامة فقهاء المسلمين أبي عبيدة وضمام والربيع بالوقوف عن أطفال المشركين وأطفال المنافقين وذلك لاختلاف الناس فيهم ولم يصح معهم فيه تنزيل ولا سنة مأثورة، فلذلك وقفوا عنهم ووكلوا أمرهم إلى الله وهو أحب إلينا.
قال أبو سعيد: نحن أيضا نأخذ بقول أبي عبد الله ولا نبرأ ممن قال إنهم تبع لآبائهم و لا ممن تولاهم لأن هنالك علل تدخل عليهم، وقولنا فيهم ما قال أبو عبد الله رحمه الله.
ومن الكتاب:
وبرئنا من محمد بن رزق وخلف وابن داود ومن مضى على كفرهم وضلالهم إلى يومنا هذا.
قال أبو عبد الله: لا نعرف هؤلاء، ونحن نبرأ من أهل الضلال والكفر ممن كانوا.
قال أبو سعيد: ونحن كذلك أيضا نقول بقول أبي عبد الله رحمه الله.
ومن الكتاب:
هذا دين الله ودين ملائكته وأنبيائه ودين أوليائه إليه ندعو وبه نرضى وعليه نحيا وعليه نموت ولا حكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين، ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا، سبحانه وتعالى عما يشركون وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم، هذه صفة أبي الفضل عيسى بن فورك الخارجي معروض على أبي عبد الله محمد بن محبوب وعلى أبي سعيد محمد بن سعيد رضي الله عنهما وغفر لهما ولجميع المسلمين.
ولمحمد بن عثمان قال بعض المسلمين: وقول الخارجي آخر سيرته: (3/293)
صفحة 964
هذا دين الله ودين ملائكته وأنبيائه فخطأ فإنه ليس هذا كله من دين الله الذي تعبد به أمة محمد صلى الله عليه وسلم مما وصفه في سيرته وقوله: يقضي بالحق فحق ما قضى الله ولا حكم إلا لله وليس هذا الذي وصفه كله في سيرته. وقوله يقضي الله قضاءه بالحق قضى الحكم وحكم به فيما تعبد به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وجميع أمته من بعده إلى يوم القيامة. تمت هذه السيرة وعرضت على نسختها والعارض لها الشيخ الأجل الفقيه الأفضل أبو محمد عثمان ابن أبي أحمد بن محمد والحمد لله رب العالمين.
مسألة:
ومن سيرة الشيخ أبي الحسن علي بن محمد ولم تقلد ديننا الرجال ولم نرض بحكومة أهل الضلال ولم نتول الفسقة الجهال ولا نقول كمن قال: لا سؤال ولا دان بالشك والضلال، ولا من يدين بارتكاب المحارم ولا نتولى أهل المظالم بل يدين لله نؤدي جميع الفرائض والانتهاء عن جميع المحارم والعمل بجميع اللوازم واجتناب جميع المآثم، وديننا قول وعمل ونية واتباع الكتاب والسنة والعمل بجميع الطاعات والخلاص من جميع التبعات والتوبة إلى الله من جميع السيئات، وأداء جميع الأمانات وترك جميع الخيانات، والوقوف عند الشبهات والسؤال لأهل الذكر فيما عرض وشجر من النيات والمحن النازلات حتى يعمل بعلم ويمشي بعلم ويحكم بعلم.
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
وجدت هذا الاعتقاد في النسخة التي نسخت منها بخط الفقيه أبي القاسم سعيد بن أحمد بن محمد بن صالح، أظنه مما أضاف إلى الكتاب ووجدت في موضع آخر أن هذا الاعتقاد للفقيه أبي بكر أحمد بن محمد بن صالح موافقة بينه وبين أهل عمان. (3/294)
صفحة 965
بسم الله الرحمن الرحيم ..
أن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وأن جميع ما جاء به محمد من عند الله فهو الحق المبين، وأن ديني في جميع الأشياء كلها دين الله تعالى ودين النبي محمد صلى الله عليه وسلم ودين أهل الاستقامة من أمته ودائن لله عز وجل بأداء جميع الفرائض وحل ما أحله الله من الحلال وتحريم ما حرم الله من الحرام ودائن لله تعالى بأداء جميع الفرائض واللوازم وبالانتهاء عن جميع المظالم والمعاصي والمحارم، ودائن لله تعالى بالسؤال عن جميع ما يلزمني السؤال عنه في دينه بالدينونة ومعتقد السؤال حيث كان اعتقاده أفضل لي من تركه، ودائن لله عز وجل بالتوبة من كل ما يلزمني التوبة منه في دينه، وتائب إليه من كل ما يلزمني التوبة منه على يجب ويلزم ويسع ويجوز في دينه، ودائن لله عز وجل بالخلاص من كل ما يجب عليّ الخلاص منه في دينه من حقوقه وحقوق عباده.
ودائن لله عز وجل بولايته وولاية رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وولاية ملائكته ورسله وأنبيائه وأصفيائه من جميع أوليائه من جميع العالمين من الأولين والآخرين وبالبراءة منهم، ودائن لله عز وجل بجميع دينه الذي تعبدني به وألزمني إياه وكلفني إياه، ودائن لله عز وجل بالرجوع عن كل تدين كان مني مخالفا لدينه وتائب إليه من ذلك، ودائن لله تعالى بتحريم وقوف الشك وبالبراءة ممن يستحل ذلك وينتحله ويدين به، ودائن لله بتحريم الجمع بين الأضداد المحرمة في دينه، والبراءة ممن ينتحل ذلك ويحلله أو يدين به، ودائن لله تعالى بتحريم البغي على أئمة العدل وغيرهم وبالبراءة ممن ينتحل البغي ودان به واستحله.
ودائن لله عز وجل بتحريم غصب الإمامة من أئمة العدل، وبالبراءة ممن ينتحل ذلك أو يستحله أو انتحله أو دان به، ودائن لله تعالى بتحريم عقد إمام في حال ثبوت إمامة الإمام العدل في المصر الواحد، وبالبراءة ممن دان بذلك، ودائن لله بتحريم الخروج على أئمة العدل بغير حق وبالبراءة ممن دان بذلك وانتحله واستحله أو دان به، ودائن لله بالبراءة (3/295)
صفحة 966
ممن خطأ المسلمين وبرئ منهم، أو ضللهم في دينهم، ودائن لله بتحريم الاحتمال فيما لا يجوز فيه إلا الحق وحده أو الباطل وحده وبالبراءة ممن يستحل ذلك، ودائن لله بتحليل الاحتمال فيما يجوز فيه الحق والباطل والطاعة والمعصية والهدى والضلال في أحكام الظاهر، ودائن لله بتحريم التجسس عن عورات المسلمين وبتحريم اغتنام عثراتهم وبالبراءة ممن ينتحل ذلك أو يدين به، ودائن لله بتحريم حمل الأصول من الدين على بعضها بعضا وقياسها على بعضها بعضا ونقل أحكامها إلى بعضها بعضا، والبراءة ممن ينتحل ذلك أو يدين به، ودائن لله عز وجل بالبراءة ممن حكم بأحكام البدع في أحكام الدعاوى والرأي وممن حكم بأحكام الدعاوى والرأي في أحكام البدع والرأي، وممن حكم بأحكام الرأي في أحكام البدع والدعاوى لأنهن مفترقات الأحكام والأصول.
ودائن لله بالبراءة ممن تولى أهل الأحداث المكفرة، ودائن لله بالبراءة من حكم بغى على الإمام الصلت بن مالك وممن غصبه وممن غصبه إمامته وممن خرج عليه بغير حق وممن عقد عليه إماما في حال ثبوت إمامته، وإن كان موسى وراشد فعلا شيئا من هذا فأنا دائن لله عز وجل بالبراءة منهما وممن تولاهما على ذلك، وقولي في جميع الأشياء كلها قول المسلمين وديني دينهم ووليي وليهم وعدوي عدوهم ورأيي رأيهم، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. (3/296)
صفحة 967
الباب الحادي والثلاثون
في ذكر شيء من أسماء المتولين
ومن سيرة السؤال عن أبي الحسن البسياوي رحمه الله ورضيه: وديننا في جميع الأحداث المكفرة لأهلها والمحدثين لها وجميع الفرقة المخالفة لدين محمد صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين، ودائن من دان بدينه من المسلمين وسار بسيرته ولم يغير ولم يبدل وأنكر المنكر حين ظهر، منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ومن كان معهما من المسلمين وعبد الله بن مسعود وأبو ذر وعمار بن ياسر ومن كان معهم ممن أنكر المنكر حين ظهر، وعبد الله بن وهب وأصحابه وأهل النهروان ومن استشهد منهم، وجابر بن زيد ومن معه وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وعبد الله بن أباض والمرداس بن حدير ومن استشهد معه ممن أنكر المنكر ودعا إلى الحق فأوضح الحجة ومن بعدهم عبد الله بن يحي طالب الحق والمختار بن عوف وأبي الحر علي بن الحصين ومن استشهد معهم من المسلمين رحمة الله عليهم أجمعين، ومن بعدهم الربيع بن حبيب ومحبوب بن الرحيل والجلندى بن مسعود ومن استشهد معه من المسلمين، وخلف بن زياد وموسى بن أبي جابر وبشير بن المنذر ومنير بن النير وهاشم بن غيلان وموسى بن علي ومحمد بن محبوب وعزان بن الصقر رحمة الله عليهم، ومن كان مثلهم وفي عصرهم ممن لم نذكر اسمه، والقوام بعمان من الأئمة من وارث بن كعب إلى الصلت بن مالك رحمهم الله، ديننا دينهم وقولنا قولهم، ومن كان بعدهم ممن دان بدينهم ممن أنكر المنكر على أهله بشير بن محمد بن محبوب رحمه الله ومن كان معه، وأبو قحطان وأبو إبراهيم وابن مالك وسعيد بن عبد الله وعبد الله بن محمد بن بركة رحمة الله عليهم أجمعين بما أثروا من دين الله وأحيوا من (3/297)
صفحة 968
سنن الإسلام، ديننا دينهم وقولنا قولهم لا نبتغي به بديلا ولا عنه تحويلا.
مسألة:
وعن أبي الحسن البسياوي رحمه الله أيضا على ما وجدت والله أعلم، وكان هؤلاء الأئمة الذين قاموا بالحق وأخمدوا الباطل فقهاء عمان والأعلام أولهم وأفضلهم موسى بن أبي جابر ومنير بن النير وبشير بن المنذر وهاشم بن المهاجر ووائل بن أيوب ومحبوب بن الرحيل وهاشم بن غيلان وسليمان بن عثمان وموسى بن علي ومحمد بن علي ومحمد بن هاشم وسعيد بن محمد والوضاح بن عقبة ومحمد بن محبوب وعزان بن الصقر هؤلاء كانوا المقدمين في ذلك العصر، وكان في أيامهم جملة من العلماء تركت أسماءهم.
وعنه:
وكان في ذلك الزمان بقايا ممن أبصر الحق وعمل به وبينه لمن جهله وأنكر المنكر على من فعله، فيهم بشير بن محمد بن محبوب وأبو المؤثر الصلت بن خميس وأبو الجلندى وأبو إبراهيم محمد بن سعد وأبو قحطان خالد بن قحطان، وأبو مالك غسان بن محمد بن الخضر وأبو مروان وبعض هؤلاء أكبر من بعض، ومات بعضهم قبل بعض، وخلف كثير ممن اقتدى بهم وقبل قولهم، فيما قالوه من الحق منهم سعيد بن عبد الله الإمام والحواري بن عثمان وعبد الله بن محمد بن بركة وعيسى بن محمد بن كامل وعبد الله بن محمد، وإبراهيم بن عبد الله وأبو يعقوب وغيرهم ممن لم أذكر اسمه فهؤلاء المتأخرون أخذنا عنهم ديننا وقبلنا قولهم فيما غاب عنا وآثارهم حققنا وهم الأمناء عندنا فيما يقولون مما قد عرفوه وعقلوه من الكتاب والسنة والإجماع ولم نقلد ديننا الرجال. (3/298)
صفحة 969
مسألة:
سألت أبا محمد الفضل بن الحواري عن محمد بن أبي بكر الصديق وعبد الرحمن بن ملجم أهما في ولاية المسلمين؟ قال: نعم.
وقال: إن محمد بن أبي بكر الصديق الذي هو قتل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن ملجم هو الذي قتل علي بن أبي طالب.
مسألة:
[من الزيادة المضافة، قال المضيف]
وهذا ما اختصرته مما استحسنته من أحمد قول بن النضر رحمه الله تعالى:
ندين لله ببغض الجهل*ش* ... أهل الضلال والردى والزلل
نأخذ عن أصل قديم عدمل*ش* ... ليس بمعيب ولا مستدخل
بابن أم عبد وحذيف تعتلي*ش* ... وبابن صوحان رءوس القلل (1)
وبابن وهب وابن حصن الأفضل*ش* ... وابني بذيتل محمد وعبد الله فهما عزّ علي
__________
(1) ابن أم عبد الله بن مسعود وحذيفة. (3/299)
صفحة 970
ومنهم حرقوص وابن نوفل*ش* أي كعمار ليوم فشل
ذاك خدين المصطفى المنتحل*ش* وهل كمثل جابر من رجل
أو هل له من خطل أو زلل*ش* أو في أصيل راية من خلل
وهل كمرداس لخطب معضل*ش* أو كقريب عند هول مهول
والثالث الزحاف يوم المحفل*ش* ورقعة النخلة ذات الثكل
بغزوة ليست بذات الخلل*ش* ويوم طواف الشهيد البطل
ذاك امرؤ شاد زكي العمل*ِش* وطالب الحق ابن يحي المسبل
إمام صدق ليس بالسبهلل*ش* ولا بذي هزل ولا بثهلل
يهتز للعرف اهتزاز المنصل*ش* قائده المختار ذو التبتل
ذاك أبو حمزة ذو النخيل*ش* في الحرب والساحب عقد الأذيل (3/300)
صفحة 971
يوم قديد أي يوم محفل*ش* ومنهج للمسلمين مخذل
حتى تولوا كالنعام المجفل*ش* أو كالحبارى نفرت عن أجدل
صكهم الشادي بكل هيكل*ش* وكل وشواش الذراع عيطل
فلم يزل مجتهدا لا يأتلي*ش* حتى مضى على السبيل الأفضل
أم به الرحمن خير السبل*ش* واذكر ربيعا وضماما وأرجل
إلى الإمام الحضرمي العبهل*ش* وابك على أبره والمفضل
وابك الجلندى ابن مسعود الولي*ِش* ووارثا ذاك الذي لم يجهل
ذاك الذي أيامه لم تحمل*ش* بل هل كغسان فحسبي نحل
وابن حميد ذي الأناة الجدل*ش* المحسن البر الكرم المجمل
أو كالمهنا عند يوم قهول*ش* يغبر عن ناب زبون أعصل (3/301)
صفحة 972
والصلت باب فتنة لم تقفل*ش* دبوا إليه في لهام الجحفل
وفي لفيف من رعاع رذل*ش* ليس بذي دين ولا بعقل
بلا احتجاج لا ولا تأول*ش* فأجمع الصلت على التحول
وهو إمام لهم لم يعزل*ش* بحجة منهم ولما يسأل
لم يقترف كفرا ولم يبدل*ش* أتاه ما ليس له بمعزل
من قدر الله ولا من مرحل*ش* وهل كمحبوب لخطب مشكل
ليوم عوصاء ويوم النصل*ش* وابنيه ما إن لهما من مثل
أو كالمنير في الليالي الطفل*ش* وأين في الناس كموسى بن علي
وهاشم في السهل أو في الجبل*ش* أولاك أنواء السماء الأعزل
وهم سحاب في الجناب الممحل*ش* أقمار دجن نورها لم يأفل (3/302)
صفحة 973
أحبار ليل كالحنى الذبل*ش* أنضاء صوم كالشتان النحل
بيض الوجوه كالنجوم النضل*ش* شم الأنوف كالسيوف القصل
ذوو ابتسام وذوو تهلل*ش* مثل ابتسام العارض المستقبل
هم المنار في المنار الأطول*ش* والأفضلون في الخيار الأفضل
فاسأل فما العالم من يسأل*ش* إنا على قصد الصراط الأعدل
نحن الأباضيون أسد الغيطل
[رجع إلى كتاب بيان الشرع] #^* (3/303)
صفحة 974
الباب الثاني الثلاثون
في ولاية المتقدمين ممن وقع فيه الاختلاف
قلت له: كيف: تجوز البراءة ممن تولى عمر بن عبد العزيز، وقد كف المسلمون عنه وقد يمسكون عن ولاية الرجل فمن تولاه فهو في الولاية عندهم، ومن أمسك فهو في الولاية، ومن برئ منه برءوا منه؟
قال: لأن عمر قد قامت عليه الحجة.
مسألة:
وسألت أبا معاوية، أن من زعم أن عثمان وعليا دخلا حفرتهما مسلمين؟
فقال: إن كان يعني الإسلام أهل التنزيل فقد صدق فيما قال، وإن كان يعني الإسلام أهل التأويل استتيب فإن تاب وإلا برئ منه. (3/304)
صفحة 975
الباب الثالث والثلاثون
في ولاية الأئمة
وقال الشيخ أبو إبراهيم: إنه إذا عقد للإمام الإمامة والدار دار الإسلام وجبت ولايته، وإن كانت الدار دار فتنة فلا يتولى الإمام حتى يشهد شاهدان عدلان بأنه ثقة مستحق للإمامة، فإذا شهد بهذه الشهادة وجبت ولايته.
قال له قائل: فإن لم يشهد شاهدان وشهد شاهد واحد عدل؟
قال: أرجو وسل عن هذه المسألة.
قال له قائل: فإن سمعت أن إماما عقد له الإمامة ولم يصح معي أمره، ما حالته عندي؟
قال: قف عنه.
مسألة:
[ومن سيرة السؤال عن أبي الحسن البسياوي]
كذلك المتقدمون في عمان بعد الصلت لم نجد الإجماع يوجب صحة إمامة أحد منهم ولا ولايته، وقد قلنا إن الإجماع حجة لنا وعلينا، وقد أوقفنا بعض من يخالفنا في أحداث عمان؟
قال: وليس لكم أن تعقدوا الولاية لإمام سلف قبلكم أم يصح معكم عقد إمامته بصفقة أحد من أعلام المسلمين فإذا كان هذا وقد وجدنا التنازع بين أهل الدار في إمامة عزان بن تميم ولم نجد أحدا على ولايته ولا صحت إمامته بإجماع عليه ولكن وجدناهم مختلفين فيه وفي إمامته، هل انعقدت ممن حضرها ولم نجد أهل الدار مجتمعين على ولاية العاقدين (3/305)
صفحة 976
له، ولا صحت صفقته بإعلام المسلمين بالاتفاق عليه، وكانت عقدته مشكلة ووجدنا الإجماع من أهل الدار أنه كان رجل من الرعية قبل تقديمه ثم دخل في الأمر المشكل فهو معنا بالإجماع على الأمر المتقدم أنه ليس بإمام عدل حتى يقع الإجماع أنه إمام عدل قدمه المسلمون.
ومنها: وقد قلنا إن عزان لم يتفقوا على إمامته ولا ولايته ولا ولاية المتقدمين له ولا ثبتت علينا إمامته حتى يصح لنا أن تقديمه وصحة صفقته بإعلام المسلمين المتفق على ولايتهم.
وكذلك الفضل بن الحواري والحواري بن عبد الله هما في الأصل رجلان من سائر الناس بالاتفاق ولم يتفق أهل الدار على صحة إمامتهما في عقدهما ولم يتفق على إمامة الحواري بن عبد الله ولا ولايته ولا ولاية من قدمه لدخوله في ذلك لأن من دخل في إمامة فاسدة لحق بحكم المعقود له، وقد سفكوا جميعا على ذلك الدماء من غير صحة رشاد لأحد الفريقين، والإجماع في الأصل أنهما ليس بإمامي عدل، فهما على الأصل حتى يصح إمامتهما بإجماع المسلمين على ذلك، وليس علينا الدخول في الأمر المشكل حتى يصح لنا المحق من المبطل بالإجماع والحجة التي بيناها، وقولنا قول المسلمين فيما دانوا فيهما وفي غيرهما ممن لم تقم لنا الحجة وعلينا في ذلك بطريق الإجماع والشهرة التي لا تدفع بصحة المبطل وركوب المحرم.
ومنها: فأما المتقدمون في عمان بعد أن استولى عليهم السلطان فإنا لا نعلم كانوا أئمة عدل ولا فسقة ولا أنهم قدمهم المسلمون، ولا صح لنا سيرتهم بالعدل، ولم نجد الإجماع من المسلمين على أحد منهم أنه إمام عدل مجتمع عليه، وهم في الأصل من سائر الناس بالإجماع، فهم على الإجماع الأول من العوام حتى تصح عدالة أحد منهم فيما قام به، وسيرته بالعدل والاتفاق عليه في الإمامة والولاية إذ ليس لنا أن نعقد إمامة إمام ولا ولايته لم يصح لنا الاتفاق عليه ولا صحت عقدته بإعلام المسلمين من أهل الولاية ولا وجدنا الإجماع على التراضي عليه ولا سيرته (3/306)
صفحة 977
بالعدل في عصره والرضا من الجميع بإمامته والتسليم له لأن الاتفاق والرضا بالإمام بإجماع المسلمين على التراضي به يوجب الحجة إذا صحت سيرته بالعدل في الرعية.
فهذا قولنا في جميع المتسمين بالإمامة في عمان بعد الصلت المجتمع عليه وعلى صحة إمامته إلا سعيد بن عبد الله الإمام وممن استشهد معه من المسلمين رحمهم الله، فإن وجدنا أهل الدار من أهل دعوتنا من المسلمين مجتمعين على صحة إمامة سعيد بن عبد الله وولايته، ولا خلاف بينهم فثبت ذلك بالإجماع ولم يرتب فيه.
وديننا في جميع الأحداث المكفرة لأهلها والمحدثين لها وجميع الفرق المخالفة لدين محمد صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين ودين من دان بدينه من المسلمين وسار بسيرته ولم يغير ولم يبدل.
وقال أبو الحسن البسياوي: القوام بعمان من الأئمة من وارث بن كعب إلى الصلت بن مالك رحمهم الله.
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
ومن سيرة أبي الحواري: وقد جاءت الآثار أن الأئمة إذا ذكرت لم يسع جهلها، أما ولاية على صحة وإما براءة بعد صحة.
وقد قال من قال من أهل العلم: لا وقوف عن أهل الولاية حتى يستبين خروجهم بحدث يكفرهم، فإذا تركت ولاية أهل العلم على شبهة فقد برئ منهم.
وكذلك أهل العداوة لا يوقف عن البراءة منهم حتى يستبين خروجهم منها بتوبة ورجوع إلى الحق، فلم يجز بعض أهل العلم الوقوف ولم يكن إلا الولاية أو البراءة. (3/307)
صفحة 978
والذي جاءت به الآثار بالرخصة في الوقوف إذا كان حدث من الإمام فيه شبهة، فإذا وقف عن الإمام واقف فمن تولاه من المسلمين كان على الواقف أن يتولى من تولاه.
وكذلك إذا كان حدث تبرأ منه المسلمون به كان عليه أن يتولى من برئ منه من المسلمين، فهذا الذي جاءت به الآثار، ومن لحاقة وجدناها ملحوقة في سيرة أبي الحواري رحمه الله عن غيره.
وإذا كان الحدث مما يختلف فيه في الولاية والبراءة فكل من علم ذلك من الإمام أجرى عليه حكم الاختلاف وتجوز المظاهرة بالبراءة والولاية ولا ينكرون على بعضهم بعضا ذلك، وهم سالمون إذا علموا بالحدث الذي به حكم الاختلاف، ومن لم يعلم بالحدث فلم يجهر بالبراءة معه من الإمام لا يجوز.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع] (3/308)
صفحة 979
الباب الرابع والثلاثون
في شيء من الأصول
قال أبو سعيد: جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويرد أقصاهم على أولاهم، وهم يد على من سواهم».
وهو كذلك معنا، وعرفنا أن تأويل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في «دماهم» يعنى بذلك في القتل وما يلزم فيه من القصاص والجروح والديات والقود، فكل مسلم استحق على أحد في هذا ممن هو من المسلمين فهو مثله، أحمر كان أو أسود وضيعا كان أو شريفا وقويا كان أو ضعيفا، قرشيا كان أو حبشيا، فإذا كان مقرا بالإسلام حرا من الرق فهو وغيره في الإسلام سواء في هذا.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «ويسعى بذمتهم أدناهم» فذلك في الأمان في الحرب وغير ذلك مما يستحق الأمان. وأجمع الرأي من المسلمين أن أمان الحر المسلم لأحد من أهل الحرب من المشركين ثابت على جميع المسلمين إلا أن يتقدم الإمام على المسلمين أن لا يؤمنوا أحدا إلا بأمره أو بأمر قائد السرية، فإذا تقدم على ذلك حكم من الإمام ثابت.
وأما أمان العبد إذا حضر السرية بإذن سيده، وأمان المرأة وأمان الصبي المراهق إذا خرج في السرية فقد اختلف المسلمون في ذلك:
فقال من قال: أمانهم أمان ثابت على المسلمين.
وقال من قال: ليس بثابت على المسلمين.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «يرد أقصاهم على أولاهم» (3/309)
صفحة 980
فذلك في الغنيمة، يحضر الجيش الحرب فليكون فيهم عظيم من الناس يقوم المقام العظيم ويكون دون ذلك، فما استحقوا من الغنيمة كانوا فيها بالحكم السوي لا بفضل أحدهم على غيره.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «هم يد على من سواهم» فاليد لهم ليس لأحد عليهم يد فيما جعله الله لهم من القيام بالقسط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليس حجة تضاهي حجتهم ولا يد فوق أيديهم، وما قاموا فيه من الحق لم يكن لأحد غيرهم رده وما أزالوه بالحق لم يكن لأحد إثباته وذلك فيما خصهم الله من الفعال والمقال، ويطول شرح ذلك ووصفه، والمعنى فيه هذا والله أعلم بالصواب.
قال أبو سعيد رحمه الله:
إن أشياء في الإسلام تخص أولي الأمر من المسلمين ولا ينبغي التقديم عليهم فيها، وذلك من كمال أدب الحاضرين لها إذا أسندوا أمرها إلى أولي الأمر.
فأما منها أشياء: فالخاص فيها حكم الإمام ورأيه، فإذا حضرها فلا تقوم إلا به أو بأمره، وذلك الجمعة فيه إلى الإمام خاصة، إمام العدل، وأما إذا كانت في الأمصار الممصرة التي تجوز فيها الجمعة خلف أئمة العدل وغيرهم من الجبابرة، فإذا حضر إمام العدل فلا يد لجبار ولا غيره عليه وهو أولى بها، ولا تقوم إلا به أو بأمره، وإذا غاب عنها قامت بأهل العدل من عماله إن كانوا مالكين للمصر، وإلا فقامت بمن ملك المصر من الجبابرة إذا كان لهم أمير قائم، وأما في الأمصار الممصرة فلا تقوم إلا بالإمام العدل فإذا غاب عنها من البلد النازل فيه فلا جمعة فيه، وإذا حضرها فلا تقوم إلا به أو بأمره، وأما الأعياد فهي من سنن الإسلام، وهي خاصة للإمام إذا كان للمسلمين القيام بها على ما يوجبه الحق، فإن حضروا (3/310)
صفحة 981
إلى الإمام العدل وقد جعل له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بمصالح أهل الإسلام فهو أولى بالصلاة صلاة العيد فلا يتقدم عليه فيها إلا بأمره لأن الإسلام بعضه من بعض ويقوم بعضه ببعض، وإذا غاب أولوا الأمر من المسلمين من إمام أو وال، كان أمر ذلك إلى أهل العدل من صالحي البلد باجتهاد النظر منهم لله وللمسلمين فيقدمون رجلا ممن يرجون به قيام هذه السنة التي قد ندبوا إليها، وأمروا بالمحافظة عليها حتى يؤدوها على وجهها إن شاء الله.
وأما الجنائز فهي من سنن الإسلام، وقد ندب المسلمون إلى القيام بها وألزموا أن لا يضيعوها وهي إلى أولي الأمر من الميت، ومن كمال الأمر أن يقدم أولوا الأمر من الميت أولي الأمر في الإسلام وأعظمهم بذلك حضور الإمام الجامع لأهل الإسلام، فإذا حضر فلا يحسن التقدم عليه إلا أن يكون ذلك من اختياره، فإن غاب الإمام كان ذلك إلى أعظم حرمة في الإسلام مثل قاضي الإمام، أو علم من الأعلام فإن أعدم ذلك كان إلى إمام الحي الذي قد رضوه لإمامة صلاتهم الفريضة واتخذوه إماما، فلا يحسن التقدم عليه إلا لمن هو أفضل ممن ذكرنا من أهل الإسلام، ومن خالف هذا لم يؤده ذلك إلى شيء من الآثام وإنما يؤمر أن يؤتى الأمر من وجهه لئلا يكون يدا على أحد من المسلمين يد عالية والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال أبو سعيد: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المسلمون يد على من سواهم»، وقال: «الإسلام يعلو ولا يعلا».
مسألة:
[من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ]
عن أبي الحسن رحمه الله ورضيه، قلت: الذي تعبد الله به عباده شيء معروف موضوع؟ (3/311)
صفحة 982
قال: نعم.
قلت: نحو ماذا؟
قال: هو ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم وأجمعت الأمة عليه.
قلت: والأمة من هم؟
فقد قيل إن الأمة في كل عصر هم أهل الحق.
قلت: والجماعة من هم؟
قال: أهل الحق وإن قلوا.
قلت: الحق باب واحد وأبوا شتى؟
قال: الحق باب واحد في اتباع الأمر والنهي فيما حل وحرم.
مسألة في التوحيد:
إن شهادة العدول فيما لا يوجبه العقل ليس هي بحجة، وهم حجة مع العقل إلا ما أجمعت عليه الأمة بأسرها، والله أعلم.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع]
مسألة:
ومما يوجد في الأثر إن سأل سائل فقال: الحق من كم وجه يعرف؟
قيل له: من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن إجماع الأمة، ومن حجة العقل، ومن الأخبار المتواترة.
فإن قال: فما الدليل على أن كتاب الله يعرف منه الحق؟
قيل له: قوله تعالى: * (*الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى (3/312)
صفحة 983
لِّلْمُتَّقِينَ*) * (1)، وقوله: * (*إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ*) * (2)، وقوله: * (*يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ*) * (3) ونحو هذا من القرآن.
وإن قال: فما الدليل على أن السنة يعرف الحق من قبلها؟
قيل له: قوله تبارك وتعالى: * (*وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا*) * (4)، وقوله: * (*لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ*) * (5)، وقوله تبارك وتعالى: * (*فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ*) * (6).
فإن قال: فما الدليل على أن إجماع الأمة حجة؟
قيل له: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي لا تجتمع على خطأ»، وقوله عز وجل: * (*وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً*) * (7) والشهيد لا يكون إلا مرضيا.
فإن قال: فما الدليل على أ العقل به يعرف الحق؟ وأن الحق يعرف من قبله؟
قيل له: قول الله تبارك وتعالى: * (*أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ*) * (8) وقوله: * (*أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ*) * (9). وقوله:
__________
(1) أول سورة البقرة.
(2) سورة الإسلام: جزء من الآية 9.
(3) سورة يونس: الآية 57.
(4) سورة الحشر: جزء من الآية 7.
(5) سورة الأحزاب: جزء من الآية 21.
(6) سورة النور: جزء من الآية 63.
(7) سورة البقرة: جزء من الآية 143.
(8) سورة الغاشية: الآية 17.
(9) سورة الأعراف: الآية 184. (3/313)
صفحة 984
* (*أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ*) * (1)، وقوله: * (*فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ*) * (2) فهذا يدل على أن الاعتبار يؤدي إلى معرفة الحق.
فإن قيل: فما الدليل على أن تواتر الأخبار يفيد علما؟
قيل له: ما يعلمه من البلدان التي لم يشاهدها والأشياء التي لم يعلمها إلا بنقل المخبرين لها وإن لم يعاينها، نحو الحروب الكائنة في المواضع البعيدة والمحن النازلة في البلدان القاصية وما نعرفه من أحوال الناس الواردة إلينا.
فإن قال: فما الحق الذي يعرف من هذه الوجوه؟
قيل له: جملة ما تعبد الله به عباده من فرائضه وسنته التي سنها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم مجملا ومفسرا.
فإن قال: فما فرائضه التي تعبد بها عباده وسنته التي سنها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قيل: هو ما أمر الله به عباده، فإن رجعوا فيه إلى أهل العلم به والحاملين له لقوله تعالى: * (*فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ*) * (3)، وصلى على رسوله النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وسلم تسليما.
مسألة:
قال أبو سعيد رضيه الله: معي أنه إذا لم يعلم ما كلف العمل به
__________
(1) سورة الأعراف، جزء من الآية 185.
(2) سورة الحشر: آية 2.
(3) سورة الأنبياء: جزء من الآية 7. (3/314)
صفحة 985
من أي وجه ثبت عليه الاستدلال على ما كلف العمل به والانتهاء عنه من جميع ما قدر عليه من المعبرين له من حيث ما استبدل بذلك من العلم من علم قلب حاضر أو عين ناظر أو لسان ذاكر، أو ناسي بفعل حاضر أو خبر عن فعل شاهر أو رواية عن فعله من مخبر فعقل ذلك وعمل به فقد ثبت له العمد وانحط عنه كلفة السؤال، ولو عقل ذلك من نغمة طائر أو رؤيا في المنام فعقل معناه.
مسألة:
إذا سأل سائل فقال: ما الإسلام في كلمة واحدة؟ فقل: الطاعة لله.
قال أبو سعيد: هكذا عندي أن الطاعة طاعة الله.
وإن قال: ما الإسلام في كلمتين؟ فقل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال أبو سعيد: معي إيتاء المعروف وترك المنكر هما الإسلام في كلمتين معي كان عملا أو قولا أو أمرا أو نهيا.
فإذا قال: فما الإسلام في ثلاث كلمات؟ فقل: العلم والإيمان والعمل.
قال أبو سعيد: حسن عندي.
فإذا قال: فما الإسلام في أربع كلمات؟ فقل: يدين بدين الله، ويتولى أولياء الله، ويعادي أعداء الله، ويقر بحكم القرآن في أنفسنا وأموالنا.
قال أبو سعيد: هكذا عندي.
فإن قال: فما الإسلام في خمس كلمات؟ فقل: الإيمان – والعمل – والولاية – والبراءة - والشهادة. (3/315)
صفحة 986
قال أبو سعيد: هكذا.
وإذا قال: فما الإسلام في عشر كلمات؟ فقل: شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له - وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم - والإقرار بما جاء من الله - وإقام الصلاة - وإيتاء الزكاة - وصوم شهر رمضان - وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا - وولاية المؤمنين - والبراءة من أهل الضلالة على ضلالتهم - والوقوف عن الشبهات.
قال أبو سعيد: حسن.
قال غيره: إذا أقر بالجملة وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما جاء به محمد هو الحق المبين فقد ثبت له جميع دين الله، ثم نضيف بعد هذا ما أراد من فرائضه على نحو ما ذكر حتى يتم عشرة، ولو أنه جعل مكان حج بيت الله وصوم شهر رمضان وغير ذلك مما ذكره من فرائض الله، فقال الغسل والجنابة والوضوء للصلاة والصلاة وما أشبه هذا من الفرائض قام مقام ما ذكره مما عدده من فرائض الله وعلى هذا المعنى.
ولو قال: فما الإسلام في إحدى عشرة كلمة أو ثلاث عشرة كلمة أو عشرين كلمة أو أقل أو أكثر، فأتى بالجملة التي ذكرناها ثم أضاف إليها غير ذلك من الفرائض حتى يبلغ عدد ما اشترطه كان قد وافق ما ذهبوا إليه من المعنى ووافق في ذلك وجه الصواب إن شاء الله، والله أعلم وانظر في ذلك ولا تأخذ من قولي إلا بما وافق الحق والصواب. (3/316)
صفحة 987
الباب الخامس والثلاثون
في خوف الفرقة بين المسلمين
قال أبو محمد: أخبرني جعفر أنه اختلف هو والحسن بن عمر في الولاة وكذلك إذا ولى الإمام واليا فهو في الولاية، وقال جعفر: لا أتولى إلا من علمت فيه خيرا، قال: فتنازعنا إلى هاشم بن غيلان، فأعان هاشم حسنا حتى سكن حسن ثم قال هاشم: أنا لا أتولى إلا من علمت منه خيرا، فقلنا فمالك أعنت الحسن، قال: خشيت الفرقة، فانظر كيف كانوا يجدون الفرقة ويتباعدون عن كل سبب يخافونها.
مسألة:
عن الوضاح بن عقبة عن هاشم بن غيلان قال: اختلف شبيب بن عطية وموسى بن أي جابر في رجلين كانت لهما ولاية عند رجل فبلغه يقينا أن أحدهما قتل صاحبه، قال موسى: أبرأ من القاتل حتى أعلم أنه قتله بحق، وقال شبيب: هما عندي على ما كانا عليه حتى أعلم أنه قتله ظلما، قال: فوقع بينهما حتى كادت أن تقع بينهما فرقة ثم تابع شبيب لموسى وقالوا: هذا رأي إخوانك من أهل العراق، قال هاشم: وأنا أقول بقول موسى. (3/317)
صفحة 988
الباب السادس والثلاثون
فيمن لا يتولى ولا يبرأ ولا يسأل
عن أمور الدين، وفيمن يتولى في الجملة
ومن جواب أبي الحواري: وعن رجل يعرف منه الورع والصدق وترك المحارم ولا يعرف منه أنه يتولى المسلمين ولا يبرأ منهم، فإذا قيل له: تتولى المسلمين؟ قال: نعم أتولى المسلمين وأبرأ ممن خالفهم، هل تحق شهادته في الحقوق؟
فعلى ما وصفت فهذا من المسلمين إذا كان يقول إنه يتولى المسلمين ويبرأ ممن خالفهم، وهو يعرف منه ما قد وصفت من هذه الأخلاق الحسنة، فهذا تجوز شهادته في الحقوق، وذلك إذا كانت دعوة المسلمين ظاهرة ونحلتهم المعروفة في ذلك البلد شاهرة، وقد قيل: من عرف منه أربع وجبت له أربع: من إذا حدث المسلمين صدقهم، وإذا ائتمنوه برهم، وإذا عاهدهم أوفى لهم، وإذا وعدهم لم يخلفهم، فإذا عرف منه هذه الأربع لزمت ولايته ووجبت محبته وحرمت غيبته وجازت شهادته، هكذا سمعت بعض الفقهاء يقول ذلك.
مسألة:
قال: وكتبت إلى موسى بن علي رحمه الله في الرجل من أهل عمان ممن لا يعرف خلاف المسلمين هو وأبوه وجده من أهل عمان الذين يقرون للمسلمين بدينهم وحكمهم وصواب رأيهم ولا يظهر منه خلاف إلا أنه لا يعرف أنه جامع المسلمين ولا يدري معرفته إلا أنه يشهد مشاهدهم.
قال: وكتبت إليه في رجل من قومنا يعرف بالخلاف ثم إنه يسأل (3/318)
صفحة 989
فيقول: ديني دين المسلمين، وقولي قولهم ولا يظهر منه عيب يدين المسلمين؟
قال: أما العماني الذي وصفت فإذا قال: ديني دين المسلمين وقولي قولهم وهو من ضعاف المسلمين فهو من المسلمين يقبل منه ذلك ويتولى على ذلك إذا لم يعرف منه ما يكره المسلمون فهو في ولايتهم، وأما القومي فلا يقبل منه ذلك يدعى وينسب عليه الإسلام والدين ورأي المسلمين الذي يخالفه أهل الخلاف في دينهم، فإذا نسب عليه ذلك مما إذا قبله كان معهم به مسلما، فإذا قبل الإسلام وشرائعه واستجاب لهم وخلع وبرئ مما كان فيه قبل منه المسلمون ذلك وصار منهم وأحدهم وتولوه ثم لا يخرج من ولايته إلا بحدث يحدث يعرف به فالتوبة عليه لازمة.
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
سئل أبو عبد الله عن رجل لم يدخل في دين المسلمين هل يضره ذلك، فإذا كان غارقا في حدود الله في أمره ونهيه، فليقم بما أمره الله من طاعته ويجتنب ما نهى الله عنه من معصيته وليس عليه غير ذلك، وهذا لا يضره وإن لم ينسب ذلك عليه أحد من الناس.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع]
مسألة:
وسألت أبا معاوية عن رجل لا يعلم أن الله فرض الولاية والعداوة فلم يتولَّ أحدا ولم يبرأ من أحد حتى مات أواسع له ذلك.
فإذا كان لم يعلم من أحد ذلك وجهله حتى مات ولم يسمعه من أحد (3/319)
صفحة 990
لم نره هالكا إذا كان يتولى المؤمنين في الجملة حتى يتولى عدوا أو يبرأ من ولي فإذا فعل ذلك كان هالكا.
وقلت: أرأيت إن لم يعلم الولاية والعداوة وكان قوله قول المسلمين في الجملة فلم يزل على ذلك حتى مات أمعذور أم لا؟
فإذا كان قد علم الولاية والبراءة وسمع ذلك من أحد ولم يعلم أن ذلك فرض فترك ولاية المسلمين فلم يتولهم وترك عداوة الكافرين فلم يبرأ منهم وهو يعرفهم بأحداثهم فلم يتول ولم يبرأ لم أره معذورا.
وإن قال: قولي قول المسلمين وديني دينهم لم أره هالكا.
وقلت: أرأيت إن قال: لا أعرف المحق من المخطئ وأنا واقف عن جميع أهل القبلة فلا أتولى أحدا ولا أبرأ من أحد وأمر الناس إلى الله، وبرئ من أهل الكفر وكان هذا وله إلى أن مات، فإذا علم وصح معه أو رأى من يعمل من أهل القبلة بما يكفر به مثل الزنا أو قتل النفس المؤمنة وشرب الخمر وشك فلم يبرأ منه ولم يعرف كفره وكان الفاعل لذلك غير مستحل لذلك ولا دائن به فشك فيه فلم يعرف كفره وسعه ذلك، إذا لم يتوله على ذلك وكان سائلا وطالبا لرأي المسلمين وقوله قول المسلمين.
وأما المسلمون فعليه ولايتهم إذا صحت معه أخبارهم أو رآهم على دين الإسلام لم يسع أن يقف عنهم وعليه ولايتهم وليس له أن يقف عنهم وقد فرض الله ولاية المؤمنين إلا أن يقول قولي قول المسلمين وديني دينهم كان واسعا له ذلك، وكان ذلك فيما أشكل من الأمور.
قلت: أرأيت إن كان يعلم الولاية والبراءة فريضة وأنه كان له أولياء وأعداء ثم إنه وقف عن الذين يتولاهم ويبرأ منهم؟
فقال: لا أقول في أحد شيئا فليس له أن يرجع إلى الجهالة بعد العلم. (3/320)
صفحة 991
قلت: أرأيت إن شك في ولاية أحد ممن كان يظن أنه كان وليا فلم ير أعتقد ولايته أم لا؟
فإن أمسك عن ولايته هل يسعه، فذلك واسع له إلا أن يعلم منه حالة حسنة فلا يقف عنه.
مسألة:
وعن رجل قال للمسلمين: أنا منكم، وليي وليكم، وعدوي عدوكم ولا يعرف شريعة الإسلام؟
قال: إذا أعطاهم الجملة التي لا يسع الناس جهلها فهو منهم.
مسألة:
[من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ]
وعمن يتولى ويبرأ وليس عنده مسألة كافية إلا أنه يتولى من تولاه الله ورسوله والمسلمون من الأولين والآخرين وكان سائلا وطالبا ولم يشهر ذلك وأمره يكون سالما مصيبا معذورا أم حتى يكشف قناعه ويشهر في الولاية والبراءة؟
قال: هذا يتسع الشرح فيه إلا أني أذكر من ذلك طرفا إن كان هذا الرجل ضعيفا من الضعفاء كما قلت أن ليس عنده معرفة كافية وتولى المسلمين من أهل دعوة الحق وعرفهم دون غيرهم من يرى الإسلام وحمل دينه عنهم كما تعبده الله به وتولى وبرئ في الجملة بعد ولاية الصادقين من أهل النحلة المحقين وكان سائلا وطالبا كما قلت فهو سالم ولو لم يشهر ذلك وإنما يشهر ذلك الطلب الفضل والزيادة بمعرفة أهل الحق فليعرفوه ويوجبوا له حقه والمسلمون إخوة، وإذا كان وقوفه عن (3/321)
صفحة 992
الجميع وإنما يتولى ويبرأ في الجملة، فالذي عليه أن يعرف المحقين ولا يسعه الشك في المسلمين ولا يسلم في فعل ذلك.
مسألة:
قال المصنف: وجدت في مسائل أحسبها عن القاضي أبي بكر المنجي الذي أدى للضعيف أن يتولى المسلمين في الجملة ويبرأ من أعداء الله في الجملة ويتولى عالم زمانه، والله أعلم.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع] (3/322)
صفحة 993
الباب السابع والثلاثون
فيمن يتولى أحدا مسمى بعينه من الناس
وعن أبي الحواري: وسألته عمن يتولى أبا سعيد القرمطي، وقال: أنا أعرف صحة عقدة إمامته أيتولاه المسلمون أم يبرءون منه أو يتولى من تولاه أو يبرأ ممن برئ منه؟
فقال: نحن نبرأ من أبي سعيد القرمطي، ونبرأ ممن تولاه، ونبرأ ممن وقف عنه ونبرأ ممن شك فيه من بعد رجوعه من السوق إلى نزوى هذا وأما عقد إمامته فلا نقول فيها شيئا، وأما من بعد خروجه من نزوى ورجوعه إليها من بعد دخوله في القرامطة فنحن نبرأ منه من بعد ذلك إلى هذا اليوم ممن تولاه وممن وقف عنه وممن شك فيه، فلا ينبغي لعاقل أن يناظر في أبي سعيد ولا في عقد إمامته، وإنما كان يشبه لعب الصبيان فمن تكلم في ذلك فينبغي أن يعرض عنه ويمقت فلا يلتفت إليه، وهذا من كلام السفاهة والحمق والضلالة.
قال أبو سعيد: هذا القول معنا خاص فيمن علم من أبي سعيد ما يستحق به العداوة وعلم ممن تولاه أنه تولاه على ما لا يسعه ولايته عليه وعلم ممن شك فيه أن شك فيه بعد أن علم منه ما لا يسعه الشك فيه عليه.
مسألة:
قال أبو الحواري في شبيب بن عطية في جواب منه: إن من برئ من شبيب برئنا منه، ومن برئ ممن تولاه برئنا منه، ومن تولى من تولاه فهو على ولايته إن كانت له ولاية. (3/323)
صفحة 994
مسألة:
عن أبي الحواري وعن من سمعته يتولى من يبرأ منه المسلمون أيسعك الإمساك عنه أم لا؟
فإذا كان يتولى من قد أجمع المسلمون على البراءة منه من أئمة الكفر لم يسعك الإمساك عنه وهو بمنزلة من تولاه ويجب عليك فيه كما يجب عليك في الذي تولاه وقد أجمع المسلمون على البراءة منه.
مسألة:
سألت أبا محمد نجدة عن رجل اعتقد الولاية والبراءة في الجملة ونيته السؤال عما يلزمه وهو مشغول عن السؤال بالقوت وطلبه إلى أن طالت به السنون وهو ينوي الخروج في طلب السؤال، هل يكون سالما؟
فقال: هو سالم إذا كانت نيته السؤال وقد اعتقد الولاية والبراءة في الجملة.
مسألة:
والذي عرفت أن ولاية المؤمنين في الجملة أن يقول: أنا أتولى من تولاه الله ورسوله والمؤمنون وكذلك البراءة من الكافرين في الجملة أن يقول: أنا برئ ممن برئ منه الله ورسوله والمؤمنون، فإذا كان هذا اعتقاده فهو سالم ما لم يتول عدوا أو يبرأ من ولي، هذا يكتفي به الضعيف ما لم تقم عليه الحجة بولاية أحد من المسلمين أو بالبراءة من أحد من الكافرين، فإذا قامت عليه الحجة ببينة عادلة أو شهرة قاضية فحينئذ لا تجوز إلا الولاية أو البراءة وسل المسلمين. (3/324)
صفحة 995
مسألة:
وسألته عن الدعوة لما كانت ظاهرة ولغيرها قاهرة كانت الولاية بلا محنة واليوم بالمحنة؟ قال: يعرف اعتقاده.
مسألة:
رجل يقول: ديني دين المسلمين أتولى من تولوه وأبرأ ممن برءوا منه يجتزئ بذلك أم لا؟
الجواب: أنه لا يجتزئ بذلك إذا كان سلطان الأرض جائرا، وإنما يكتفي بذلك إذا كان سلطان الأرض عادلا، فإذا عدم سلطان العدل فلابد من الموافقة على دين المسلمين.
مسألة:
وقال أبو جعفر عن هاشم: إنه كان بإزكي واليا عليها لعمر بن عبد العزيز فلما مات أظهر ولايته فقال له رجل من المسلمين إن المسلمين لا يتولونه فقال: إنه كان في حالة كذا وكذا وذكر من أخلاقه الحسنة، فقال له رجل من المسلمين من أهل العراق قل: قولي فيه قول المسلمين، قال، فقال: قولي فيه قول المسلمين، قال: فقال بشير: لولا أنه قالها لبرئ العراقي منه.
مسألة: [من كتاب الرقاع]
وقال أبو عبد الله: إذا كانت دعوة المسلمين ظاهرة فقال رجل: قولي قول المسلمين وديني دينهم أتولى المسلمين وأتولى من تولوه وأبرأ ممن برءوا منه قبل منه هذا القول ولا يسعه الشك في المسلمين ولا التوهم عليهم.
وعن بشير قال في رجل قال: قولي قول المسلمين وديني دينهم (3/325)
صفحة 996
فقد برئ وتولى، وإذا تولاهم على ولاية من تولوه والبراءة ممن برءوا.
مسألة:
وسئل أبو عبد الله عن رجل لم يدخل في دين المسلمين أيضره ذلك؟
فإذا كان عارفا في حقوق الله في أمره ونهيه فليقم بما أمره الله من طاعته ويجتنب ما نهى الله عن معصيته وليس عليه غير ذلك ولا يضره إن لم ينسب ذلك عنه أحد من الناس.
مسألة:
ومن جواب أبي عبد الله إلى أخيه المحير، وعن رجل من أصحابنا قال: أنا أتولى من تولى المسلمون وأبرأ ممن برئ الله منه والمسلمون فلا يجوز له ذلك، وعليه أن يقبل شهادة المسلمين إذا كانوا مجتمعين على براءة ممن برءوا منه وليس له تكذيبهم ولا الشك فيهم ولا التوهم عليهم، فإن تولى أحدا ممن برءوا منه استحق البراءة وإن وقف وسلم للمسلمين وتولى من تولوا وبرئ ممن برءوا منه، وقال: إنه يسأل عن الذي برءوا منه بعينه فذلك يقبل منه لأن الشاك ضال والسائل المسلم للمسلمين مقبول منه حتى يعلم رأي جماعة المسلمين.
مسألة:
وهذا من كتاب الفضل بن الحواري: إذا كانت دعوة المسلمين ظاهرة فقال رجل: قولي قول المسلمين قد تقدم القول فيها عن أبي عبد الله. (3/326)
صفحة 997
مسألة:
وسألت عن رجل من المسلمين لا يجالس المسلمين في مجالسهم ولا في زكوتهم.
قال: المسلم لا يمتحن المسلم وأنه يقال له أتبرأ ممن يبرأ منه أبو الشعثاء فيقول: أبرأ ممن يبرأ من المسلمين، قال المسلم: لا يمتحن المسلم.
قلت: فأي أهل هذا؟
قال: نحن قد أتيناك ذلك على أهل عمان وغيرهم المسلم مسلم حتى يبرأ من تولى قول المسلمين أو يتولى عدو المسلمين.
مسألة:
وعن رجل قال للمسلمين أنا منكم، وليي وليكم وعدوي عدوكم ولا يعرف شريعة الإسلام، قال: إذا أعطاهم الجملة التي لا يسع جهلها فهو منهم. (3/327)
صفحة 998
الباب الثامن والثلاثون
فيمن ثبتت ولايته في أحكام الظاهر ثم أحدث حدثا
وإذا لزم الإنسان ولاية لأحد وثبت عليه ولايته ثم علم منه معصية يستحق بها البراءة فعليه أن يبرأ منه بدين إذا علم الحكم في ذلك وإن جهلها فلم يعلم أنها معصية ولا طاعة فقد يخرج في معنى ما يوجد عن أبي الحواري وإن لم يكن اللفظ بعينه أن بعضا يقول: إنه على ولايته حتى يعلم أنها معصية يستحق بها البراءة وأن الفاعل هالك والمتولي سالم لأنه يسعه جهل فعل غيره ولا يسعه جهل فعل نفسه.
وقال أبو الحواري: إنه يقول بهذا القول، وقال أيضا: إن بعضا يقول إنه إن تولاه على ذلك فهو هالك ولا يسعه جهل فعله، هكذا يوجد عن أبي الحواري.
وأما الذي عرفنا عن غيره أنه إذا كانت تلك المعصية مما لا تقوم الحجة من العقل وإنما تقوم بها الحجة من السماع لأن ما تقوم به الحجة من العقل أشد مما تقوم به الحجة من السماع فإذا علم من وليه معصية يستحق بها البراءة فلم يعلم أنها طاعة ولا معصية فلا يجوز له إثبات ولايته بدين بغير اعتقاد شريطة براءة ولا ولاية رأي، فإن تولاه فهو هالك لأن الأثر المجتمع عليه عن جابر بن زيد رحمه الله أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوه راكبه أو يبرءوا من العلماء إذا برءوا من راكبه، وقد يوجد عن غيره أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه بدين أو يبرءوا من العلماء إذا برئوا من راكبه برأي أو بدين أو يقفوا (3/328)
صفحة 999
عنهم برأي أو بدين أو يبرءوا من الضعفاء إلا برءوا من راكبه بدين أو يقفوا عنهم بدين، وإذا تولى وليه الراكب للمعصية التي جهلها فلم يعلم أنها طاعة ولا معصية بدين فقد تولى من أوجب الله في دينه البراءة منه بدين عند من علم الحكم في ذلك فقد حرم ولايته كما حرم المعصية التي ركبها وكما لا يجوز له ركوب المعصية التي ركبها وليه إذا حرمها الله كذلك لا يجوز له ركوب ولاية راكبها إذا حرّم الله ولايته ولا عذر لمن ركب ما حرم الله عليه علمه أو جهله بقول أو بفعل أو بولاية أو غير ذلك مما حرّمه الله.
وإنما قيل: لا يهلك أحد بفعل غيره إذا لم يكن راكبا له بفعل منه، وإنما كان واقفا وقوفا يجوز له، وأما إذا تولاه فولايته له فعل منه وإنما يهلك بفعله هذا لا بفعل غيره والله أعلم.
وأما إذا تولاه برأي إن كان ذلك الذي ارتكبه لم يخرجه من الولاية فهو ولي له أو تولاه إن كان ذلك الذي ارتكبه غير مخرج له من ولايته أو أثبت ولايته على ما كانت عليه، على أنه يبرأ منه إن كان قد أتى ما يلزمه فيه البراءة واشترط هذا الشرط فيه بعينه فقد قيل: إن ولايته على هذه الصفة جائزة، وكذلك إن تولاه على ما كان عليه على اعتقاد براءته منه في الشريطة بعينه إن كان عاصيا فهو معنا جائز لأنه كما لا يلزمه أن يبرأ منه بعينه كذلك لا يلزمه أن يترك ما كان عليه من الولاية له بعينه إذا اشترط فيه براءة الشريطة إن كان محدثا حدثا يخرجه من الولاية التي قد ثبتت له، ولذلك إن تولاه على ما كان عليه من الولاية حتى يعلم أنه خرج منها إذ هو في اعتقاده أنه يبرأ من كل عاص أو محدث ولو لم يعتقد فيه شيئا بعينه، إذا اعتقد ذلك في الجملة حتى ثبتت ولايته لم نقل إن ذلك منه خروج من أصل الدين (3/329)
صفحة 1000
وأنه تعلق بأصل من أصول الدين لأنه قد صح له الولاية بالبينة ولا تزول عنه الولاية إلا بالبينة، فافهم هذا فما لم يتوله قطعا وتولاه ولاية رأي أو تولاه واشترط البراءة فيه بعينه إن كان عاصيا أو اشترط البراءة من جميع المحدثين أو العاصين من الكافرين والمنافقين فهو سالم لأن دين الله واسع لا يكلف فيه عباده فوق ما يطيقون ما لم يركبوا له نهيا أو يتركوا له فرضا قد أوجبه عليهم في وقت مؤقت أو يردوا حجته أو يشكوا فيها إذا قامت عليهم، على هذا أجمع المسلمون.
ومن الكتاب:
وإذا تولى وليه الذي علم منه المعصية التي يستحق بها البراءة بغير شريطة، فقد قيل: إنه ليس له أن يتولاه بدين بغير شريطة البراءة منه إن كان مرتكبا لما حرّم الله عليه، لأن البراءة بالدين ضد الولاية بالدين فلا يجوز له ولايته بدين والبراءة منه بدين قطعا بغير شريطة، ولا يلزمه أن يترك ولايته على الدينونة قد لزمته بالحجة الواضحة البينة بغير حجة واضحة تقوم عليه وهو لا يعلم أن ذلك الذي رآه منه أو سمعه منه طاعة فيزيده إثباتا في الولاية ولا معصية فيزيلها عنه ولو كان كلما رأى من ولي شيئا لم يعلم أنه طاعة ولا معصية وجب عليه تركها لكان عليه أن يترك ولايته على عمل الطاعات إذا لم يعلم أنها طاعة، ولكان لا يجوز أن يثبت على ولاية وليه حتى لا يغيب عنه أمره أو يكون عالما بجميع دين الله ولن يستطيع أحد أن يحيط بدين الله من المتعبدين ولا النبيين المرسلين ولا الملائكة المقربين، الذين قد سبق في مكنون علمه أن يتعبدهم به إلا بما شاء أن يعلمهم من ذلك حينا بعد حين ووقتا بعد وقت.
ولكن إذا ثبت عليه ولاية وليه ثم رآه أو سمعه يقول قولا أو يعمل عملا فلام يعلم أن ذلك طاعة ولا معصية فهو على ولايته ومباح له ولايته (3/330)
صفحة 1001
وجائز له حتى يركب ما يستحق به البراءة، فإن ركب ذلك برئ منه بالدين إن علم الحكم في ذلك، فإن لم يعلم الحكم في ذلك لم يجز له إثبات ولايته بالدين قطعا ولم يلزمه البراءة منه بالدين قطعا، ولم يجز له الوقوف عنه بالدين، لأن الوقوف بالدين إنما هو فيمن جهل أمره فلم يعلم منه طاعة ولا معصية، وخفي أمره وقف عنه بدين على اعتقاد الولاية لجميع أولياء الله والعداوة لجميع أعداء الله.
وأما من ثبت ولايته بالدين فلا يجوز الوقوف عنه بالدين لأن وقوفه بالدين عمن ثبت عليه ولايته بالدين رجوع عن حال العلم إلى الجهل، ولا يترك ولاية الولي بغير حجة لأن الوقوف بالدين رجوع عن حال العلم إلى الجهل ولأنه ترك لما تعبده الله به من ولايته بغير علم ولا حجة ولأنه ترك لما تعبده الله به في المعصية الواقعة من وليه لأنه ترك لما تعبده الله به من ولاية الظاهر إلى ولاية الشريطة، ولأنه لابد له في أحكام العقول من أحد أمرين إما أن يكون وليه على ولايته فوقوفه عنه بدين خطأ، وإما أن يكون قد خرج منها إلى البراءة فوقوفه عنه بدين خطأ، ولا يجوز له ترك ما ألزمه الله من الولاية والبراءة في هذا المحدث، فالرجوع إلى الإقامة على الوقوف بترك ذلك كله.
فالوقوف بالدين والبراءة بالدين، والولاية بالدين أضداد لا يجتمعن جميعا في موضع ولا اثنان منها في موضع، فمن ثبت فيه ولاية الدين لم يثبت فيه براءة الدين ولا وقوف الدين، ومن ثبت فيه براءة الدين لم يثبت فيه وقوف الدين ولا ولاية الدين، ومن ثبت فيه وقوف الدين لم يثبت فيه براءة الدين ولا ولاية الدين، وكل من ثبت فيه ولاية الدين ولزمته ولايته بالحجة الواضحة لم يرجع عن ولاية من تولى بالحجة الواضحة إلا إلى البراءة منه بالحجة الواضحة وإلا فهو فيه بين الولاية بالدين والبراءة بالدين ولا يقف عنه وقوف (3/331)
صفحة 1002
دين إلا أن يزول عنه أحكام الحجة ويدخل في حال الريب والتهمة والشبهة والإشكال، فيترك ولايته للريب المشكل عليه لا من طريق جهل أحكام الأحداث التي أتاها ولا جهل فعله لقلة علم المتولي له، وهذا خارج من جهل أحكام الأحداث والقول فيها.
مسألة:
وإذا وجب على الإنسان ولاية أحد ثم علم منه معصية استحق بها البراءة وكانت تلك المعصية مما يسعه جهلها ولم يعلم الحكم في ذلك فلا يجوز له أن يقف عنه بدين ولكن يجوز له أن يقف عنه برأي حتى يبين له صواب ولايته فيتولاه على ما كان عليه أو يبين له كفره فيبرأ منه.
وكذلك يجوز له أن يتولاه على اعتقاد براءة الشريطة منه إن كان محدثا وإن كان عاصيا أو ما أشبه ذلك.
ولا يجوز له في هذا الموضع إلا ولاية الشريطة أو براءة الشريطة أو وقوف الرأي، وأما أن يتولاه برأي على أنه إن كان مرتكبا لضد الولاية فهو يبرأ منه بذلك، وأما أن يثبت على ولايته بالظاهر على أنه يبرأ منه إن كان قد أتى ضد الولاية فإن تولاه بدين بغير اعتقاد شريطة ولا أرى لم يجز له ذلك إلا أن يتولاه ويعتقد البراءة من جميع العاصين ويدخله فيهم في جملته مع هذا التعبد الحادث.
وإنما يجوز في هذا الموضع أن يتولاه برأي أو يتولاه على شريطة البراءة منه أو يقف عنه برأي لا بدين.
وقد قيل في هذا الموضع أيضا بوقوف السؤال مع ولاية الرأي (3/332)
صفحة 1003
وكان ولاية الرأي بما قد تقدم من ولاية المحدث، ووقوف الرأي عن إثبات ولاية المحدث، وإنما جاز له أن يتولاه برأي بعد أن كانت بدين لأن ولاية الرأي ليست بضد لولاية الدين وإنما الرأي من الدين وضرب من ضروب الدين وداخل في الدين.
وإنما ولاية الرأي إثبات لولاية الدين إن لم يكن خارجا من ولاية الدين وخروج من ولايته له بالدين إن كان خارجا من ولاية الدين، وخروج من ولايته له بالدين إن كان خارجا من ولاية الدين والوقوف في هذا الموضع يسمى وقوف رأي ويسمى وقوف سؤال فيمن لم يلزم فيه سؤال سماه وقوف رأي، ومن ألزم فيه السؤال سماه وقوف سؤال، والذي قال إن عليه السؤال إذا جهل حكم ما ارتكبه وليه ولو تولاه برأي أحب إليّ لئلا يكون على شبهة من أمر وليه ويتحول عنه حكم الولاية بالحجة على غير ولاية الحجة ويقيم على ذلك بغير اعتقاد منه للسؤال.
وقد قيل: إن ولاية الدين وبراءة الدين ووقوف الدين أضداد لا يجتمعن لأن الدين لا يجوز أبدا إلا في واحد، إما في ولاية وإما في براءة، وإما في وقوف، لا يجتمع ذلك أبدا فيكون وقوف دين وولاية دين في شخص واحد، ولا وقوف دين وبراءة دين في شخص واحد، ولا براءة دين ولا ولاية دين في شخص واحد في حكم الظاهر ولا حكم الحقيقة، وأما في حكم الشريطة فقد يجوز ذلك أن يقف عمن لا يعرفه بدين ويكون الموقوف عنه معه في الولاية إن كان وليا لله في البراءة إن كان عدوا لله مع أن عليه في اعتقاده أنه لا يجمعه في حال واحد ولاية لله وعداوة لله، وأن كل من وقع عليه نظره من المتعبدين أنه لا محالة إما عدو لله وإما ولي لله، ولا يجوز في شريطته أن يكون وليا لله عدوا لله في الشريطة ولا في حكم الظاهر ولا في حكم الحقيقة عند الله، (3/333)
صفحة 1004
ولكن قد يجوز معه أن يكون وليه في الظاهر عدوا لله في الشريطة وفي حكم الحقيقة عند الله، ويجوز أن يكون الذي يبرأ منه في حكم الظاهر وليه في شريطته وفي حكم الحقيقة عند الله، وكذلك لا يجوز أن يكون وليه في الحقيقة عدوا لله وليا له في حكم ولاية الشريطة ولا يتحول ولي الحقيقة إلى عداوة في الحقيقة ولا في الشريطة ولا في حكم الظاهر، وإن صح من عدو الحقيقة طاعة لله لم يجز إلا أن يشهد له بذلك كما يشهد عليه بالمعصية التي أتاها، وكذلك لا يتحول عدو الحقيقة في حال من حال إلى ولاية الحقيقة ولا إلى الشريطة ولا حكم الظاهر.
ولا يجوز في حكم الله إلا أن يكون يحب الطاعة من عدوه كما يحبها من وليه، ويأمر بها عدوه كما يأمر بها وليه، ولا يجوز في حال أن يخطئ مطيع في طاعة الله، ولا تبغض منه الطاعة ولا يرد عليه ما جاء به من الحجة وهو حجة على من قام عليه الحق ولو صحت في الحقيقة.
وكذلك السعيد قد حرمت عداوته على من صح معه ذلك إلا أن يكون منه حدث معصية فإنه يشهد عليه بحدثه بمعصيته ويبرأ من معصيته وحدثه ويبغضه لله ولا يرضى به ولا يجوز له إلا أن يعلم أنها معصية منه لله كما أنها معصية من الشقي.
فصل:
فإذا ثبت ولاية ولي على أحد في حكم الظاهر فله أن يتولاه ما لم يعلم منه معصية يخرج بها من الولاية ولو رآه يرتكب شيئا لا يعلم أنها طاعة ولا معصية فله أن يتولاه ما لم تكن معصية، فإن كانت معصية يستحق بها البراءة فعن أبي الحواري أنه على ولايته حتى يعلم أنها معصية. (3/334)
صفحة 1005
وقد قيل: إنه لا يجوز ولايته إلا باعتقاد براءة الشريطة منه وإن كان عاصيا أو ضالا أو محدثا أو يعتقد عند ولايته له بعد حدثه هذا البراءة من جميع العاصين والضالين وما أشبه هذا من أسماء الكفر.
وقال من قال: له أن يتولاه برأي إن كان حدثه هذا غير مخرج له من الولاية.
وقد قيل: إنما سلم الناس بولاية الظاهر ولو كانوا قد تولوا عدوا لله يعلم الله أنه عدو له باعتقادهم براءة الشريطة من جميع أعداء الله وباعتقادهم براءة الشريطة جاز لهم ولاية أعداء الله حتى يعلموا أنهم أعداء الله، وباعتقادهم ولاية أولياء الله في الشريطة جاز لهم البراءة من أولياء الله حتى يعلموا أنهم أولياء الله، ولولا هذه الشريطة لما جاز ولاية أحد يعلم أنه ولي الله، ولا جازت البراءة من أحد حتى يعلم أنه عدو الله، هكذا عندي أنه قيل، والله أعلم. (3/335)
صفحة 1006
الباب التاسع الثلاثون
البراءة بالرأي
وسألته عن ولي لي شرب نبيذ الجرجر ولم أعلم أنا أن نبيذ الجرجر حرام، وأنا حافظ لكتاب الله؟
فقال لي قائل فقيه أو غير فقيه: إن القائل ليسه ثقة أن نبيذ الجرجر حرام وأن وليي قد هلك من أجل شربه له، أيجوز لي أن أرد على القائل قوله ويجب عليّ البراءة من أجل قوله إن وليي هلك حتى أعلم أن قوله ذلك حق؟
فقال: نعم إلا أني أقول إن البراءة منه ليست عليك بواجبة لكن لك أن تبرأ منه، وإنما تكون البراءة عليك واجبة إذا علمت أن ذلك باطل.
قلت له: فكيف يجوز لي أن أبرأ من هذا القائل وأن ما قال هذا القائل حقا؟
فقال: جاز لك أن تبرأ منه من أجل إذا برئ من وليك وأنت لا تعلم أن وليك ركب مكفرة.
قال أبو عبد الله محمد بن روح رحمه الله: لا تجوز البراءة بالرأي فيما يعلم في باب من الأبواب إلا في هذا الباب، لك أن تبرأ من الضعيف الذي ليس بفقيه إذ برئ من وليك في هذا على اعتقاد السؤال وعلى دينك دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا يجلي لك أن تبرأ من الضعيف، ولعله أراد بدين وكذلك عرفنا. (3/336)
صفحة 1007
ولا يبرأ من فقيه في هذا بدين ولا برأي لأن الفقيه حجة في الفتيا.
قال المضيف: سل عن المسألة الأولى فإن عندي أن فيها نظرا والله أعلم.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع]
مسألة:
وإذا علم من وليه ركوب محرم وجهله وسعه أن يتولاه برأي ولا نعلم أن في هذا اختلاف أنه يسعه ولاية الرأي في هذا إذا لم يعلم ما نزل بوليه من ذلك الذي عاينه، لأنه محجور عليه أن يقف عن وليه وقوف دين فينقض أصل ما دان به من ولاية وليه بالدين على الشبهة بغير بينة.
وأما إثبات ولايته على ما كانت عليه إذ هو في اعتقاده أنه يبرأ منه في الشريطة إن كان قد أتى ما يلزمه البراءة فلا نعلم ذلك مجتمعا عليه، وإن كانت العلة فيه واضحة ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة الحدث وحكمه، أو يكون الحدث مما لا يسعه جهل معرفة حكمه.
وولاية الدين على الحالة التي كان عليها الولي على غير شريطة يعتقدها فيه بعينه إذا تولاه وأثبت ولايته إذ هو في الأصل يبرأ من كل عدو وكل عاص وكل محدث في شريطته من غير أن يعتقد فيه بعينه شيئا فقد يخرج ذلك في بعض وذلك أوحش من القول بولايته بدين على اعتقاده فيه بعينه براءة الشريطة ولا يخرج ذلك معنا من الصواب، لأن المؤمن على صدق إرادته ودينه ولكنا لا نحب ذلك ونقول: إن عليه في ذلك أن يتولاه برأي ولا يثبت له ولايته على الحالة التي كانت وذلك مما لا يختلف فيه معنا في الأصل للعلة التي قد ذكرناها. (3/337)
صفحة 1008
ومن الكتاب:
وإن تولى المحدث على ما كان عليه على اعتقاد براءته منه في الشريطة بعينه إن كان عاصيا فهو معنا واسع لأنه كما لا يلزمه أن يبرأ منه بعينه كذلك لا يلزمه أن يترك ما كان عليه من الولاية له بعينه إذا اشترط فيه براءة الشريطة إن كان محدثا حدثا يخرجه من الولاية التي قد ثبتت له، فإن تولاه على ما كان عليه من الولاية حتى يعلم أنه قد خرج من الولاية بالحقيقة من علمه ومعرفة حكمه إذ هو في اعتقاده في أصل الشريطة أنه يبرأ من كل عاص ومحدث ولو لم يعتقد فيه بعينه شيئا إلا في الجملة إذا اعتقد ذلك في الجملة حتى يثبت له الولاية بالبينة، ولا يزول عنه الولاية إلا بالبينة، والمؤمن على صحة اعتقاده في ذلك وليس كلما اختلف فيه حكم يحكم التدين ولكن يختار من الاختلاف ما يحسن ويرى أنه صواب، وإلى الحق أقرب من غير أن يضيق على الناس ما كانوا في حد السعة بالدينونة فيخطوا بذلك إن شاء الله.
ومن الكتاب:
وما لم يهلك بالشك في المحدث فلا يخرج في الأصول المثبتة في أحكام الولاية والبراءة ما قد ذكرنا من ولاية الرأي وولاية الشريطة للبراءة فيه بعينه على إثبات الولاية إذا اشترط البراءة فيه بعينه وإثبات الولاية على الاشتراط منه في أصل دينه البراءة من جميع المحدثين والعاصين من الكافرين والمنافقين لأن أصل دين الله تبارك وتعالى واسع لا يكلف فيه عباده فوق ما يطيقون ما لم يركبوا له نهيا أو يتركوا له فرضا قد أوجبه عليهم في وقت مؤقت أو يردوا حجته أو يشكوا فيها إذا قامت عليهم، على هذا أجمع المسلمون.
فإن قال قائل: فكيف تزعمون أن ولاية الرأي لا تعلمون فيها اختلافا وأنتم تقولون: إن الأثر الصحيح عن جابر بن زيد أنه قال: يسع (3/338)
صفحة 1009
الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرءوا من العلماء إذا برءوا من راكبه أو يقفوا عنهم.
قلنا: نعم، نقول: إنه كذلك في ولاية الدينونة، خاص على إثبات ما كان له من الولاية المتقدمة بغير اعتقاد يحدثه مع ذلك من ولاية رأي له إن لم يكن حدثه ذلك مخرجا له من ولايته التي كان عليها أو يتولاه على الحالة التي كان عليها ويعتقد فيه مع ولايته له براءة الشريطة في جملة العاصين والمحدثين ولا تلزمه في العقول أن يترك ولايته بالدين على غير حجة وهو لا يعلم أيخرجه ذلك من الولاية أو يزيده إثباتا فيها لأنه إن كان طاعة زاده إثباتا فيها فكيف يلزمه أن يترك ولايته على الدينونة بغير علة ولا حجة يعتقدها فيه إلا أن يعلم أن ولايته قد زالت بالحجة الواضحة كما ثبتت بالحجة الواضحة.
ويقال له: أيلزمه على قولك أن يكون عليه كلما رأى من وليه شيئا لا يعرفه هو طاعة أو معصية أن يترك ولايته.
فإن قال: نعم، فقد زعم أنه لا يجوز له أن يثبت على ولاية ولي له وليه على العمل بالطاعات إلا ما علم هو أنه طاعة.
فإن قال: نعم، فقد زعم أنه لا يجوز له أن يثبت على ولاية ولي له طرفة عين إلا أن يغيب عنه أمره أو يكون عالما بجميع أحكام الإسلام.
فإن قال: نعم، أتى بضد الصواب وما يخالف السنة والكتاب، وألزم الناس أن يعلموا جميعا العلم من دين الله أو أن يتركوا ولاية أوليائهم وأن لا يتولوا أحدا إلا أن يعلموا جميع دين الله وهذا من المحال.
فإن قال: نعم، فعليه معكم أن يعتقد في وليه في كل ما رأى منه من الأفعال أو سمع من الأقوال التي لا يعلم أهي طاعة أو معصية ولاية الرأي. (3/339)
صفحة 1010
قلنا له: أما في اللازم فإنه مباح له في ولاية وليه لاعتقاد الشريطة في الجميع بالبراءة من جميع المحدثين والعاصين ولن يسلم إلا بتلك الشريطة ولولا ذلك لما جاز له أن يتولى أحدا يستحق الولاية في حكم الظاهر، وما جاز له أن يتولى أحدا إلا من صحت سعادته، ولكن إنما سلم الناس عن الهلكة من ولاية الظالمين باعتقاد براءة الشريطة من كل عدو لله أو عاص لله أو محدث أو أحد هذه المعاني يجزي ما لم يلزمه ذلك في غيره من الصفات فباعتقاد البراءة من جميع أعداء الله جاز له ولاية من استحق الولاية في حكم الظاهر وبولايته لجميع أولياء الله جاز له البراءة ممن استحق البراءة في حكم الظاهر حتى يعلم ما يزيلها عنه، فإذا تولى وليه بحكم الظاهر أطلق له ولايته على كل حال إذا لم يعلم منه ما يخرجه من الولاية، فإذا رأى ما يخرجه من الولاية لم يكن له يد أن يحكم فيه بحكم من أحكام الظاهر لئلا يتولاه على الكفر كما تولاه على الإيمان ولئلا يبرأ منه على الإيمان كما يبرأ منه على الكفر.
فإن وفقه الله لعلم حكم المحدث، وكان مكفرا برئ منه، ومن أين علم حكم ذلك ووجوب البراءة منه من أثر ومن معبر كائنا ما كان، أو من إلهام الله من غير أثر ولا معبر فألهمه صوابه وزينه في قلبه وحسنه في عقله وبان له صوابه وصح معه عدله كان المحدث مستحلا أو محرما فعليه علمه والحكم به، فإن رجع إلى الشك في ذلك من بعد هذا العلم هلك، وإن لم يعلم حكم ذلك وكان الحدث مما يسعه جهله فلا يدركه معنا في هذا الحال إلا ولاية الشريطة وبراءة الشريطة، وأما أن يتولاه برأي على أنه إن كان مرتكبا المكفرة فهو يبرأ منه لضد الولاية فهو يبرأ منه بذلك في الشريطة، وأما أن يثبت على ولايته بالظاهر على أنه يبرأ منه بذلك في الشريطة إن كان مرتكبا لمكفرة قد أتى ضد الولاية التي قد صحت له، وولاية الرأي أحب إلينا، فإن تولاه بالدين على ما كان عليه من الاعتقاد الأول على غير شريطة كان قد أتى بذلك ضد ما دان به. (3/340)
صفحة 1011
ومن الكتاب:
ومن وجبت عليه ولاية أحد بالدين ثم علم منه ما يوجب عليه البراءة بالدين، فإن علم الحكم فعليه أن يبرأ منه بالدين وحرمت عليه ولايته، وإن جهل الحكم فيه لم يجز له ولايته إلا أن يتولاه برأي أو يعتقد براءة الشريطة في جميع المحدثين أو العاصين أو الظالمين ويدخله في جملته مع هذا التعبد الحادث فإذا فعل هذا لم يضق عليه هذا.
وأما إذا لم يعلم من وليه ما يوجب عليه البراءة فهو سالم بولايته وجائز له ولايته ولو رأى منه ما لم يعلم أحق هو أم باطل ببراءة الشريطة التي قد عذره الله بها عن علم جميع الصواب والخطأ ما لم يركب خطأ أو يتولى راكبه أو يضيع صوابا أو يتولى مضيعة، فلما أن وجب عليه في دين الله في حكم الظاهر في هذا بعينه لم ينفعه حكم الشريطة إلا أن يجد بها في حال ما تعبده الله بذلك ولم يكلفه الله أن يقصد إلى صد ما تعبده الله به بغير علم يوصله إليه وتقوم به الحجة عليه من معرفة حدث المحدث فإن وقف عن هذا المحدث الذي كان يتولاه وقوف دين كمثل ما هو واقف عن سائر الناس الذين لم يعلم منهم حدثا يتعبده الله فيه بالبراءة من محدثه لم يجز في العقول ولا في حكم المعقول أن ينتقل عن ولايته بحجة بدين إلى وقوف بدين بغير حجة.
ولا معنى للوقوف بالدين في هذا الموضع، وإنما يصح معنا في هذا الموضع أن يتولى وليه برأي على ما وصفنا من ولاية الرأي، أو يتولاه على شريطة البراءة منه بعينه إن كان عاصيا أو على براءة الشريطة في جميع العاصين أو المبطلين أو ما أشبه ذلك من أسماء أهل الضلال ويدخله في جملته أو يقف عنه برأي لا بدين حتى يبين له صواب ولايته بالحجة فيتولاه على ما كان عليه أو يبين كفره فيبرأ منه أو يبين له صواب ذلك فيحكم فيه بما أراه الله من العدل، لأن الوقوف بالدين لا يكون إلا فيمن لم يعلم منه ما يوجب ولاية ولا براءة تصح إلا فيمن لم يمتحن بولايته من قبل، فهو في جميع العالمين الذين (3/341)
صفحة 1012
لا يعلم منهم خيرا ولا شرا وقف وقوف دين على اعتقاد الولاية لجميع أولياء الله والعداوة لجميع أعداء الله، فلا يلزمه في أحد بعينه ولاية ولا براءة حتى يصح معه ذلك بالحجة الواضحة، فإذا تولاه بالحجة الواضحة لم يرجع عن ولاية من تولاه بحجة إلا إلى البراءة منه بحجة واضحة وإلا فهو فيه بين البراءة بالدين والولاية بالدين ولا يكون مع ذلك وقوف بدين إلا أن يزول عنه أحكام الحجة ويدخل في حال الريب والتهمة أو الشبهة والإشكال فيترك ولايته للريب المشكل عليه لا من طريق جهل أحكام الأحداث التي أتاها، ولا جهل فضله لقلة علم المتولي له، وهذا خارج من أحكام جهل الأحداث والقول فيها، ومن هاهنا قال من قال: إن عليه في وليه السؤال إذا جهل حكم ما أتى من الحدث ولا تولاه برأي لئلا يكون على شبهة من أمر وليه، ويتحول عن حكم الولاية بالحجة إلى غير ولاية بالحجة ويقيم على ذلك بغير اعتقاد منه للسؤال عن ذلك لأنه لو وقف وقوف الدين في هذا الموضع كان قد حكم بغير الصواب، وليس هذا موضع وقوف الدين، وهذا موضع وقوف الرأي.
وقد قال من قال: إن هذا الموضع أيضا وقوف السؤال مع ولاية الرأي، وكان ولاية الرأي بما تقدم من ولاية المحدث ووقوف الرأي على إثبات ولاية الدين، ولم يجز وقوف الدين الذي هو في جميع العالمين ممن لم تلزم فيهم ولاية ولا براءة لأنه إذا وقف وقوف الدين في هذا الموضع ترك ما تعبده الله من ولاية وليه بغير علم ولا حجة، وترك علم ما تعبده الله به في جميع الحدث الواقع من وليه ورجع إلى الوقوف ويترك ذلك كله بجهله فلا يجوز له ذلك لأنه لابد له في أحكام العقول من أحد أمرين إما أن يكون وليه على ولايته فوقوفه عنه بدين خطأ، وإما أن يكون وليه قد أتى ما يخرجه من الولاية إلى العداوة فلا يترك ما ألزمه الله من اعتقاده للتعبد له في الولاية والعداوة في هذا المحدث إلى الوقوف على الإقامة على ترك ذلك كله. (3/342)
صفحة 1013
قال غيره: لأنه إذا ترك ما لزمه من ذلك ورجوع إلى الوقوف وأقام على ترك ذلك كله فقد رجع عن حال العلم إلى الجهل وترك ما تعبده الله به من ولاية الظاهر وليس هذا كغيره ممن لم يتعبده الله فيه بولاية ولا براءة فيجوز له فيه وقوف الدين. [رجع إلى الكتاب].
لأن ترك ولاية الولي بغير حجة إلى الوقوف بالدين رجوع عن حال العمل إلى الجهل وترك لما ألزمه الله إياه من حكم تعبد الظاهر من الولاية إلى ولاية الشريطة ولن يجوز ذلك أبدا كما لا تجوز براءة من ولي والوقوف بالدين كالبراءة بالدين والولاية بالدين، وهن أضداد لا يجوز أن يبرأ بالدين في موضع وقوف الدين ولا يقف بالدين في موضع براءة الدين ولا ولاية الدين وهذا مما لا يختلف فيه من قول المسلمين.
فإن قال قائل: فكيف؟ يجوز له أن يتولى برأي بعد أن كانت ولايته بدين، ولا نعلم أن ذلك يخرجه من ولاية الدين أم لا.
قلنا له: لأن الرأي ليس بضد للدين، وإنما من الدين وداخل في الدين وضرب من ضروب الدين فولايته لوليه بالرأي إثبات لولايته له بالدين إن لم يكن خارجا من ولاية الدين وخروج من ولايته له بالدين إن كان خارجا من ولاية الدين لأنه ليس بضد للدين وإنما هو من الدين، ووقوفه بالدين لا يجوز لأنه يكون ضد الولاية بالدين كذلك براءته بالدين لا تجوز إلا أن يكون ضد الولاية بالدين، ووقوفه بالدين لأن الدين لا يجوز أبدا إلا في واحد، إما في ولاية وإما في براءة وإما في وقوف، ولا يجوز أن يكون وقوف دين وولاية دين في شخص واحد ولا وقوف دين وبراءة دين في شخص واحد، ولا براءة بدين وولاية بدين في شخص واحد في حكم الظاهر ولا في حكم الحقيقة، وأما في حكم الشريطة فقد (3/343)
صفحة 1014
يجوز أن يكون إذا وقع نظره على شخص أن يكون معه في وقوف الدين ما لم يعلم منه حدثا ويكون معه في الشريطة في الولاية إن كان وليا لله، وفي البراءة إن كان عدوا لله مع أن عليه في اعتقاده أنه لا يجمعه في حال واحد ولاية لله وعداوة أبدا، ولو غاب أمره عنه لأن كل من وقع عليه نظره من المتعبدين فلا محال إما عدو لله وإما ولي لله ولا يجوز في شريطته أن يكون وليا لله عدوا لله في الشريطة ولا في حكم الظهر ولا في حكم الحقيقة، ولكن يجوز أن يكون معه وليه في حكم الظاهر عدوا لله في شريطته وفي الحقيقة عند الله، ويجوز أن يكون عدوه الذي يبرأ منه في حكم الظاهر وليه في شريطته وفي حكم الحقيقة عند الله.
ولا يجوز عنده أن يكون وليه في الشريطة عدو الله في الحقيقة ولا عدوه في الشريطة وليا لله في الحقيقة وكذلك لا يجوز أن يكون وليه هو في الحقيقة إذا صح معه سعادته من كتاب الله أو عن لسان رسول الله أنه مؤمن أو أنه من أهل الجنة، ولا يجوز أن يكون ذلك الولي عدوا لله وليا له في حكم الشريطة ولا عدوا لله في حكم الظاهر عنده أبدا، وقد حرمت عداوته أبدا على من صح ذلك منه إلا أن يكون منه حدث فإنه يشهد لله عليه بحدثه ويبرأ من حدثه وببغضه لله ولا يرضى به، ولا يجوز له إلا أن يعلم أنه معصية لله من السعيد كما أنه معصية لله من الشقي، ولا يجوز غير هذا ولا يتحول ولي الحقيقة أبدا إلى عداوة في الحقيقة ولا شريطة ولا حكم الظاهر عند من تعبده الله بذلك فيه، وكذلك لا يتحول عدو الحقيقة في حال من الحال إلى ولاية حقيقة ولا شريطة، ولا حكم الظاهر وإن صح من عدو الحقيقة طاعة لم يجز إلا أن يشهد له بذلك الذي كان منه من الطاعة كما شهد عليه بالمعصية، ولا يجوز في حكم الله تبارك وتعالى إلا أن يكون يحب الطاعة من عدوه كما يحب الطاعة من وليه ويأمر بالطاعة عدوه كما يأمر بها وليه، ولا يجوز على حال من الحال أن يخطئ مطيع في طاعة الله، ولا يبغض منه الطاعة ولا يرد عليه ما جاء به (3/344)
صفحة 1015
من الحجة وهو حجة على من قام عليه بالحق ولو صح في الحقيقة عداوته هذا ما لا نعلم فيه اختلافا في الدين.
ومن الكتاب:
وأما ولايته للمحدث على اعتقاد ببراءة الشريطة منه إن كان محدثا فقد قال من قال: إنه سالم بذلك.
ومن الكتاب:
وإذا تولى المحدث شريطة ولم يقف عن العلماء أو يبرأ منهم من أجل ذلك برأي أو بدين أو يقف عن الضعفاء أو يبرأ منهم بدين من أجل براءتهم منه.
فقد قال من قال: إنه غير محدث بذلك كان على وجه التحريم أو على وجه الحل.
وقال من قال: لا يسعه ذلك على وجه التحليل ولا التحريم وليس له أن يثبت ولايته على أصل ما كانت عليه ولا يسعه إلا ترك ولايته أن شك فيه أو البراءة منه إذا علم بحدثه ولو لم يعلم حكم الحدث.
وقال من قال: يسعه الشك فيه ويسعه أن يتولاه برأي إن كان ذلك الحدث لم يخرجه من الولاية، وإن كان قد أخرجه من الولاية إلى البراءة فهو برئ منه في الاستحلال والتحريم.
وقال من قال: إنما ذلك له في الأحداث المحرمة إذ علم بالحدث وحرمته إلا أنه لم يعلم حكم ما يوجب الحدث فله أن يتولاه برأي على ما وصفناه، وأما في الاستحلال فلا لبس له إلا البراءة منه أو الوقوف عنه، ولا يسعه على كل حال أن يبرأ من العلماء إذا برءوا من المحدث، ولا يقف عنهم من أجل ذلك ولا نعلم في ذلك اختلافا، كان المحدث مستحلا (3/345)
صفحة 1016
أو محرما برئ منه أو تولاه على براءة الشريطة أو تولاه برأي أو وقف عنه على اعتقاد السؤال فلا يسعه على حال ذلك وهو محدث لذلك.
مسألة:
قال أبو محمد بن بركة: إن معنى الولاية والبراءة بالدين هو ما دان به الرجل في الجملة بقول قوم.
والولاية والبراءة بالرأي هو أن يتولى رجل رجلا برأيه في أصل دينه البراءة منه وهو مخطئ بولايته. وبالله التوفيق. (3/346)
صفحة 1017
الباب الأربعون
فيما يبرأ به من راكبه أو يقف عنه
وعن رجل يعرف بالكذب، يعد ويخلف، فمن كانت فيه إحدى هاتين الخصلتين سقطت ولايته إلا أن يكون له في ذلك عذر وحجة إلا أن يتوب.
مسألة:
وعن رجل يدخل على غير ذي محرم منه بغير سلام فهذا لا يحل له إلا بإذن منهم فمن استتيب فلم يتب ولم يرجع فلا ولاية له.
مسألة:
والذي يريق البول أيضا فلا يستبرئ منه فهو أمين نفسه، فإن قال: إنه لا يتتبع البول منه شيء فاستنجى من حينه قبل قوله، وإن لم يعرف قوله لم يسأل عن ذلك ولم يحكم عليه بما لا يعلمه من نفسه إلا الله ثم هو.
مسألة:
وعن الرجل يحمل النميمة بين الناس فهو من أخلاق النفاق ولا ولاية له إذا صح ذلك منه من بعد أن يستتاب فلا يتوب.
مسألة:
وعن رجل يدخل التهمة مرة بعد أخرى فهذا ينصح له بعد ذلك ويؤمر بالكف عنه ويترك ما كره المسلمون من ذلك.
مسألة:
وعن الذي لا يغض بصره عما حرم الله عليه فمن فعل هذا فلا ولاية له ويستتاب فإن تاب قبل منه وإن امتنع من التوبة فلا ولاية له. (3/347)
صفحة 1018
مسألة:
وعن الرجل يؤمن على السر فيفشيه فبئس ما صنع، ويستغفر ربه.
مسألة:
وعن الغماز الذي يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا فهو منافق حتى يتوب.
مسألة:
الوضاح بن عقبة بن بشير أنه قال: إذا استسر معك أخوك بسر وأنت تعلم أنه لا يجب إظهاره ولم يقدم عليك بإظهاره فأظهرته فأنت آثم، وإذا قدم عليك فأظهرته فهو منافق.
مسألة:
وقال: إن شرب رجل من ماء نجس وهو غير مضطر له، لم أقل إنه كفر بذلك، كذلك لو طرح ميتة أو طيرا حيا غير مذبوح إلى كلب أو سنور فأكله الكلب لم أوجب عليه بذلك الكفر، فإن رأى أحدا يأكل الميتة فلم ينهه لم يكفر بذلك. (3/348)
صفحة 1019
الباب الحادي والأربعون
في البراءة ممن لعن نفسه أو لعن غيره
ومما يوجد عن أبي سعيد حفظه الله عمن لعن نفسه، هل يبرأ منه بذلك قبل أن يستتاب؟
قال: عندي إن برئ من نفسه بلا عذر يحتمل له فقد أتى بالكبيرة في ظاهر الأمر، وقد قيل: يبرأ منه ثم يستتاب، وأما إن لم يظهر منه أكثر من لعن نفسه واحتمل أن يكون متولى بيمين فلا يعجبني أن يبرأ منه على ما يحتمل فيه الحق والمخرج ويحسن به الظن.
قلت له: فيحسن به الظن ويستتاب أم لا استتابة عليه إذا احتمل عذره في ذلك؟
قال: كيف يحسن به الظن ويستتاب، ولم ير عليه استتابة على معنى قوله.
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
وعمن يلعن الدواب أو البلاد أو الصبيان، قلت: هل يبرأ منه بذلك؟
فعلى ما وصفت، فأما من يلعن البلاد والدواب فقد وجدنا في الأثر مما يضاف إلى جابر بن زيد رحمه الله في سيرته التي تنسب إليه أن من لعن الدواب ومن لا يستحق رجعت اللعنة إليه، وذلك مما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن استحق اللعنة فقد استحق عداوة الله، وقد أعلمناك بأن ذلك من الكبائر وأهون ما يكون من أمر هذا ولم (3/349)
صفحة 1020
يعرف ذلك أن يوقف عن ولايته، وذلك إذا لم يستتب، فإن استتيب من ذلك فلم يتب برئ منه بإصراره على ذلك.
وإنما استضعفنا البراءة منه لأشياء عرفناها من مجاز الكلام:
من ذلك، قول الله تبارك وتعالى: * (*وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ*) * (1)، ولم تكن الشجرة ملعونة على ما حفظنا من قول المسلمين، وإنما قالوا في تأويل ذلك: الملعون آكلها وهو أبو جهل بن هشام، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: * (*إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ*) * (2).
وكذلك كنت سألت أبا عبد الله محمد بن روح رحمه الله وكأنه احتج بمثل هذا واستضيق قطع البراءة إلا بعد الإصرار، وقال: يوجد في التورية، الجمل الملعون يعني رب الجمل هو الملعون، وكذلك يمكن معنا في صرف البراءة بالشبهة أن يكون صاحب الدابة هو الملعون مع هذا القائل، وسكان البلد هم الملاعين إلا أن يعلم هو منه أنه يقصد إلى لعن البلد نفسه أو لعن الدابة نفسها، فهذا يبرأ منه من حينه قبل أن يستتاب وتنظر حجته.
وأما من يلعن الصبيان فإن كان الصبي أبوه في الولاية أو أمه لزمه البراءة من حينه لأنه برئ من ولي.
وإن لم يكن أحد والدي الصبي في الولاية فقد عرفنا في ذلك اختلافا من الفقهاء على ما وجدنا وحفظنا.
__________
(1) سورة الإسراء: جزء من الآية60.
(2) سورة الدخان: الآيتان، 43 - 44. (3/350)
صفحة 1021
فقال من قال: يبرأ منه. وقال من قال: بالوقوف على الأقاويل الموجودة في الصبيان، والله أعلم.
مسألة:
وسألته عمن يلعن الصبيان لم يبلغوا الحلم، ما يكون حاله الوقوف أو البراءة؟
فالذي عرفت أن البراءة منه. وبالله التوفيق. (3/351)
صفحة 1022
الباب الثاني والأربعون
فيمن برئ عند ولي من وليه
قلت: فإن كانا وليين لرجل فبرئ أحدهما من صاحبه عنده؟
قال: يبرأ من المبتدئ منهما بالبراءة إلا أن يتوب.
قلت: فإن لم يعلم أيهما المبتدئ بالبراءة من صاحبه؟
قال: يقف عنهما ويستتيبهما فإن رجعا عن البراءة وتابا رجعا إلى ولايتهما وإن أصرا تركت ولايتهما.
قلت: فإن سمعت وليي يبرأ من رجل ليس له معي ولاية؟
قال: فوليك على ولايته ولا تسيء به الظن ولا تحكم في براءته على الرجل بشيء.
قلت: فإن جاء ولي لي آخر فأظهر ولاية ذلك الرجل الذي برئ منه وليي الأول.
قال: فوليك على ولايته أيضا، ولا تسيء به الظن ولا تحكم في ولايته للرجل بشيء إذا كان الرجل من عوام الناس ممن لا يعرف ولم يكن من أهل الأحداث المكفرة ولم يكن الرجل الذي اختلفا فيه وليا لك فهما على ولايتهما.
قلت: فإن تظاهرا فيه بالبراءة من بعضهما بعض؟
قال: إذا تظاهرا عندك فبرئ أحدهما من صاحبه ابرأ من المبتدئ بالبراءة من وليك ثم استتبه. (3/352)
صفحة 1023
قلت: فإن لم أعلم المبتدئ منهما؟
قال: فقف عنهما واستتبهما إذا صارا معك بمنزلة المتلاعنين لا تدري الظالم منهما، فإن تابا رجعا إلى ما كانا عليه، وإن أصرا وأقاما على البراءة من بعضهما بعض تركت ولايتهما.
قلت: فإن برئ ولي لي من رجل عند من يتولى ذلك الرجل هل يجوز له؟
قال: لا وليك فقد أراد البراءة من نفسه عند من يتولى ذلك الرجل وعليه التوبة، ألا ترى أن أبا مودود قال لرجل كان قاعداً عند بزاز من صحار: لم تجد تقعد إلا مع هذا الفاسق، ثم مضى، ومضى على أثره حتى أتى المنزل فدعا فبرز عليه أبو مودود فقال: إنك قلت في ذلك الرجل ما قلت وأنا أتولاه، فقال أبو مودود: وأنا أستغفر الله.
فليس لأحد أن يظهر البراءة عند من يتولاه.
قلت: فإن أظهر البراءة من رجل على حدث مكفر عند من يعلم بحدثه وكفره كعلم من أظهر البراءة منه؟
قال: جائز أن يظهر البراءة من أهل الكفر عند من علم بحدثهم كعلمه وإنما ليس له أن يظهر البراءة عند من لا يعلم أنه هو عالم بحدثه كعلمه، وأما عند من يعلم بحدثه كعلمه فله أن يظهر البراءة منه، ويستيب المتولي له من ذلك فإن تاب وإلا برئ منه أيضا على ولايته لراكب الحدث المكفر.
قلت: وكذلك أهل الأحداث الشاهرة أحداثهم في الدين جائز لمن أظهر البراءة منهم عند من يتولاهم؟
قال: نعم إذا كان مظهر البراءة يعلم أن الذي يتولاهم عالم (3/353)
صفحة 1024
بحدثهم كعلمه فله أن يظهر منهم عند من يعلم مثل علمه فيهم ولا يظهروا مفارقتهم ولا ولايتهم للمحدثين وكل من خالفه أو برئ منه في ذلك فهو ضال.
مسألة:
وعن أبي معاوية: قال لي أبو المؤثر: ما تقول في ولي رجل كان وليا لي ولك.
فقلت: إنه فاسق فبرئت أنت منه ببراءتي وشهادتي وحدي، ما منزلتك عندي أليس أبرأ منك حيث أخطأت السنة.
مسألة:
سألت أبا معاوية عزان بن الصقر عن رجل أتولاه سمعته يقول في ولي آخر: إنه يبرأ منه، فلم أستتبه حتى سمعته يقول بعد ذلك: أنا أستغفر الله من جميع ذنوبي أيرجع إلى ولايته؟
قال: إذا برئ من وليك فابرأ منه ثم استتبه، فإن تاب رجعت ولايته وإن لم يتب فهو على براءته، وأما إذا لم تستتبه حتى سمعته يقول: أنا أستغفر الله من جميع ذنوبي، فأقول: لا يرجع إلى ولايته حتى يسمي من البراءة من وليك لأنه دائن بالبراءة منه، ويرى هو أن ذلك الحق.
قلت: فإن علمت منه مثل الزنا وشرب الخمر ونحو ذلك فلم أستتبه حتى سمعته استغفر ربه من كل ذنب؟
قال: نعم أتولاه على هذا لأن هذا لا يدين به أحد أنه حلال، فإذا استغفر ربه وإن لم يسم شيئا بعينه فإنه يرجع إلى ولايته إلا أن يكون شيئا من أموال الناس في يده فحتى يعلم أنه قد رده. (3/354)
صفحة 1025
مسألة:
وقال أبو محمد: كنت جالسا عند رجل بزاز بصحار، وكان ذلك الرجل معي في الولاية، فمضى علي أبو مودود فقال لي: لم تجد تقعد إلا مع فاسق ثم مضى، فسكت عنه ومضيت إثره حتى أتيته إلى المنزل فصوت به فبرز إلي مشتملا فقلت له: إنا إنما نأخذ ديننا عنك، وإنك سميت رجلا له معي ولاية فاسقا، قال: فأول شيء قال لي: أنا أستغفر الله.
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
عن أبي سعيد وعن رجل برئ من ولي رجل قدامه، والمتبرئ لا يعلم أن المتبرئ منه ولي للآخر هل يكون قاذفا بذلك؟
قال: معي أنه لا يكون قاذفا بذلك إذا لم يعلم واحتمل براءته له بحق.
قلت: فهل عليه أن ينكر عليه؟
قال: معي أنه إذا كان لا يتقي تقية في إنكاره وقدر على ذلك فلا ينبغي له ترك الإنكار عليه، ويعجبني أن يعلمه بذلك.
قلت: وإن كان لا يتقي تقية ويقدر على أن ينكر فلم ينكر عليه، هل يسعه ذلك؟
قال: معي أنه لا يضيق عليه ذلك إذا احتمل براءة الآخر من الحق؟
قال: قد يوجد بعض القول أن إظهار الولاية في الذي يبرأ منه يشبه معنى إظهار البراءة في الذي يتولاه إذا كان هذا الذي قد برئ (3/355)
صفحة 1026
هذا من وليه ممن وجبت ولايته على أهل الدار بعلم ذلك المتبرئ كان محجورا عليه إظهار البراءة في الدار عند أهل الدار يلحقه اسم القذف عند كل من أظهر عنده ذلك من معنى البراءة.
مسألة:
عن أبي سعيد: وسألته عمن سمعته من وراء جدار يبرأ من ولي لي وعرفت صوته، هل علي أن أبرأ منه؟ أم حتى أعاين الشخص؟
قال: معي أنك حتى تعاين الشخص في الحكم.
قلت له: فيجوز أن أبرأ منه حتى أعاين الشخص؟
قال: معي أنك حتى تعاين الشخص في الحكم؟
قلت له: فيجوز أن أبرأ منه في الاطمئنانة؟
قال: لا في الشريطة يجوز إن كان هو إذا علمته أنه برئ منه بغير حق.
قلت له: وكذلك لو سمعته يتكلم بشيء يكفر هو به فهو سواء؟
قال: هكذا معي. (3/356)
صفحة 1027
الباب الثالث والأربعون
في البراءة ممن أقر بفعل الكبائر
[من الزيادة المضافة]
وعمن أقر معك بالزنا أو بالقتل أو بالسرقة، قلت: هل تبرأ منه في حينك أم لا تبرأ منه حتى تعلم أنه أصر على ذلك الذنب؟
فعلى ما وصفت فأما إذا أقر معك بالزنا والسرقة، فعليك أن تبرأ منه من حينك لأنه قد أقر بالكبائر من الذنوب إلا أن يكون أقر إقرارا مع إظهار التوبة منه، وإنما هو اعتراف بذنبه تائبا إلى الله، فإن التائب من الذنوب كمن لا ذنب له، وأما إذا أقر بالقتل، فإن أقر أنه قتل نفسا بغير حق ظالما لها فإنك تبرأ منه من حينك وإلا فليس لك أن تبرأ منه حتى تعلم أنه قتله بغير حق، كذلك إقراره كمن رآه يقتل.
وقال من قال: ليس له أن يبرأ منه حتى يعلم أنه قتله بغير حق، وهذا القول أحب إلينا، وبه نأخذ.
وقلت: وكذلك إن أقر أنه نظر إلى حرمة وهي عريانة أو قبح إنسانا أو سبه بغير القبح أو شتمه، قلت: هل يبرأ منه بذلك؟
فعلى ما وصفت، فأما إذا أقر معك أنه نظر إلى حرمة وهي عريانة، فإن كنت أنت تعلم أن تلك الحرمة ليست زوجته، وقال لك إنه تعمد إلى النظر إليها فقد وجدنا في الأثر عن محمد بن محبوب رحمه الله يرفع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعن الله الناظر والمنظور إليه» ففسر ذلك أبو عبد الله فقال: وذلك على التعمد فذلك عندنا على ما فسر أبو عبد الله من الكبائر إذا كان على التعمد وأما إذا لم يقر أنه تعمد على ذلك، فقد ينظر الناظر إلى خطأ فلا يكون ذلك منه صغيرة ولا كبيرة إذا لم (3/357)
صفحة 1028
يتعمد، وقد قيل في تأويل قول الله تعالى: * (*يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ*) * (1)، فقالوا: خائنة الأعين هو اتباع النظر على التعمد والله أعلم بتأويل كتابه.
وأما إذا أقر معك أنه قبح إنسانا فإن كان الذي قبحه وليا لك فعليك أن تبرأ منه وإن لم يكن وليا لك فليس لك أن تبرأ منه.
وأما السبة الأخرى فلا أعرف ما هي أنا، فإن كانت من الموجبات للمهالك فعليك أن تبرأ منه وإن لم يكن من الموجبات فليس لك أن تبرأ منه كان وليا أو غير ولي والله أعلم بالصواب.
مسألة:
وعن أبي الحواري رحمه الله، وعمن يقر أنه وطئ امرأته في الحيض متعمداً لذلك، فإن كان لهذا الرجل ولاية مع المسلمين استتابوه من ذلك، فإن تاب كان على ولايته، وإن لم يتب لم يكن له ولاية مع المسلمين، وكذلك لا تعجل عليه بالبراءة لأن المسلمين قد اختلفوا في الوطء في الحيض متعمداً، إلا أنا لم نعلم أن أحداً من المسلمين أحل وطء النساء في الحيض.
وقد قال من قال: إنه حرام مفرق، وقال بعض: لا يحل ولا يحرم فمن هنالك وقع الوقوف عن هذا الذي وطأ في الحيض متعمداً ولم يتب.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع]
__________
(1) سورة غافر: الآية 19. (3/358)
صفحة 1029
الباب الرابع والأربعون
في ولاية المشركين وأطفالهم
وأطفال المسلمين
وسألت عن المشرك الذي علم الله أنه يؤمن ويموت على إيمانه وهو بعد في الشرك، قلت: أيلعنه الله وهو في لعنة الله وغضبه أم يتولاه وهو ولي الله ويحبه أم لا يقال إنه ولي الله ويحبه؟
فاعلم أن أهل هذه الدعوة قد اختلفوا في ذلك، وقد قيل في هذه المسألة بهذه الأقاويل كلها، فقال بعضهم: هو عدو الله وفي غضبه لأنه عمل أعمالا أمر الله بقتله ولعنه، وأحل منه ما حرم من المؤمنين لأن الله لا يتولى من عبد غيره وسجد للشمس من دونه ودعا إلها معه، واحتجوا بذلك من القرآن.
وقالت فرقة أخرى: بل هو ولي لله يوم خلقه لأن في علم الله من أهل ولايته وسكان جنته، واحتجوا في ذلك بأن علم الله لا يتحول فنظرنا فيما اختلف الناس فيه من أمر المسألة، والله نسأله التوفيق.
وقد بلغنا أن أبا يزيد سأل أبا عبيدة عن المشرك هل يتولاه الله في حال شركه؟
فقال: لا حتى يخرجه إلى الإيمان، فالذي نقول والله الموفق إن الله قد علم ما هو عليه، وإلى ما يصير إليه، ولا نقول: إنه يتولاه على عمل أهل النار وهو يصف المشركين والكافرين بعداوته، ويذكر قاتل المؤمن باللعنة والغضب، ويذكر أهل الكبائر من المعاصي بالوعيد وبما أعد لهم من العذاب، فعلمنا بذلك أنه ليس من أهل ولايته، ولا تجب له (3/359)
صفحة 1030
بذلك محبته، علمنا أن علم الله لا يتحول، وأن الله قد علم أنه يموت مؤمنا ويدخله الجنة، ويوجب له ولايته في الآخرة، فعلمنا أنه لا يعاديه ولا يلعنه، لأن علمه ذلك ليس يوجب له النار لأنه لا يموت عليه، وهو في علم الله سيخرج مما هو فيه وكان قول من قال إنه ولي لا يوالي وعدو لا يعادي أقربهما عندنا إلى الصواب، لما نفينا عن الله أن يكون علمه لا يتحول وسيكون ما علم الله أنه سيكون، ولما أخبرنا الله في كتابه من عداوته للكافرين فوقع الغضب من الله واللعن والوعيد على الذين في علمه أنهم يموتون على كفرهم، لأن ذلك على الكفر قد أعد الله عليه لهم أليم العذاب، ولا يكون الأول بهذه المنزلة، وبالله التوفيق.
وأما المسألة التي بعدها فهي شعبة منها، فانظر في ذلك مع هذه وقسها بها، وفقنا الله وإياك لطاعته، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
مسألة:
فهذا من كتب أصحابنا من أهل خوارزم، قال جعفر أبو عبد الرحمن: إن أصحابنا أبا سليمان منهم صالح أخو نصر أبو عبد الله وغيره جماعة منهم أتوا أبا يزيد فسألوه عن هذه المسائل فأجابهم فيها، سألناه عن الذين لهم في علم الله السعادة وهم اليوم مقيمون على الشرك، هل عليهم اللعنة والغضب من الله تعالى، وهل يرفع ذلك عنهم بالتوبة؟
فقال: نعم، وتبيان ذلك في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى في سورة آل عمران: * (*كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ*) * (1). نزلت في الحارث بن سويد.
__________
(1) الآيات: 86 إلى 89 من سورة آل عمران. (3/360)
صفحة 1031
وأوصيكم بتقوى الله الذي لم يزل عالما لم يغرب عن علمه شيء ولا يحدث شيء إلا وقد كان به عالما قبل أن يخلق الخلق بعلمه فيهم، وخلق الملائكة والنبيين والمؤمنين الذين ولدوا وثبتوا على الإيمان، وعليه ماتوا، فهؤلاء كانوا في ولاية الله قبل أن يخلقهم لم تنقطع تلك الولاية عنهم، فأخبرنا عن أمر الله والدين، هل يتغير وهو قائم على حالة واحدة، فإن زعمتم أنه قائم على حال واحد لا يتغير فقد أمر الله موسى أن يأمر قومه أن يقتلوه أنفسهم حين ظلموا أنفسهم باتخاذهم العجل، فقتل بعضهم بعضا حتى بلغت قتلاهم فيما بلغنا سبعين ألفا ثم رفع عنهم القتل وتاب عنهم، وأمر الله محمدا صلى الله عليه وسلم أن ينهى أمته أن يقتلوا أنفسهم فقال: * (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً*) * (1).
فهذا خلاف لما زعمتم أن ولاية الله للملائكة والنبيين والمتقين على الشرك الذين سبق لهم في علم الله السعادة واحدة، وكيف يكون في ولاية الله من أمر الله نبيه أن يقاتلهم ويبرأ منهم، وقد قال: * (*فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*) * (2).
وزعمتم أن من لعنه الله فلا يتولاه الله أبدا، وقد قال الله تعالى في الذين قذفوا عائشة وصفوان: * (*إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ
__________
(1) الآيتان: 29 - 30 من سورة النساء.
(2) الآيتان: 2 - 3 من سورة التوبة. (3/361)
صفحة 1032
الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ*) * ... إلى قوله تعالى: * (*وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ*) * (1).
وقال: * (*إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ*) * (2).
فأخبرونا هل كان حسان بن ثابت الأنصاري ومصطح قريب أبي بكر وحمنة بنت جحش فيمن رموا عائشة فهل تابوا فقبل النبي صلى الله عليه وسلم توبتهم والمؤمنون أم لم يقبلوا منهم، وقول الله تعالى: * (*وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*) * (3).
وزعمتم أنه لا يتوب ولا يرحم إلا من كان له أصل ولاية عند الله وليست عليه من الله اللعنة، وقد لعن الله قوما وغضب الله عليهم في كتابه ثم تاب عليهم في كتابه، ثم تاب عليهم، قول الله في سورة النحل: * (*مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ ... *) * إلى قوله: ... * (*إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ*) * (4).
فاتقوا الله ولا تجعلوا المشركين برأيكم أولياء حتى يتوبوا ويرجعوا عن شركهم فإن الله برئ منهم ورسوله والمؤمنون حيث يقول: * (*وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ... *) * إلى قوله: * (* ... فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ*) * (5).
__________
(1) الآيات من 11 إلى 21 من سورة النور.
(2) الآية 23 من سورة النور.
(3) الآيتان 4 - 5 من سورة النور.
(4) الآيات من 106 إلى 110 من سورة النحل.
(5) الآيات من 3 إلى 11 من سورة التوبة. (3/362)
صفحة 1033
قال: وحدثنا أبو عبيدة، سئل وهل يتولى الله المشرك الذي سبق له في علمه السعادة؟
قال: لا، حتى يخرجه الله من الشرك، وكان يقرأ هذه الآية: * (*إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ... *) * إلى قوله: * (* ... إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ ... *) * (1).
فلا تأخذوا بقول المستحدثين ولا برأيهم، أعداء الأديان والنبيين، يقول الله: * (*وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ*) * (2).
فنحن نتخوف عليكم ونسأل الله البر الرحيم أن يوفقنا ويلمّ شعثنا ويرد علينا ألفتنا، ولا يفرق جمعنا في الدنيا ولا في الآخرة فإنه ولي ما بنا وبكم والسلام عليكم.
وأطفال المشركين، إذا أسلم أبوه وأصلح فهو في الولاية تبع لأبيه، فإذا بلغ الصغير زال عنه ذلك، فإن كانت له ولاية تولى وإن لم يكن له ولاية لم يتولّ بولاية أبيه، ويوقف عنه عند البلوغ، فإذا ظهر منه صلاح تولاه المسلمون وإن ظهر منه فساد برءوا منه وإن لم يظهر منه صلاح ولا فساد وقفوا عنه حتى يتبين لهم أمره ثم حينئذ يكون له الولاية أو العداوة.
وأما ما ذكرت ولم يسلم أبوه من شركه، فقد روي فيهم حديثان عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هم خدم أهل الجنة»، وقال آخرون: إن خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم سألته: أين أولادي منك؟ قال: «هم في الجنة،
__________
(1) الآيات من 137 إلى 146 من سورة النساء.
(2) جزء من الآية 50 من سورة القصص. (3/363)
صفحة 1034
قالت: أين أولادي من غيرك؟ قال: هم في النار، وإن شئت أسمعتك صياحهم في النار».
وما قال النبي صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ولكن وقع الاختلاف فيما روي عنه صلى الله عليه وسلم فرأينا أن نقف عنهم وقولنا فيهم قول المسلمين ردوا أمرهم إلى الله هو المتولي الحكم فيهم، فالله عادل في حكمه عليهم، إن شاء عذبهم وإن شاء رحمهم وهذا مما يسع جهله والوقوف حتى يصح علمه.
وكذلك أطفال منافقي أهل القبلة، وأما أطفال المسلمين فهم لحق بآبائهم لأنه نزل فيهم التنزيل فلهم الولاية بالتنزيل، قال الله تعالى: * (*وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ*) * (1). فهذا التنزيل فيهم. ولم ينزل في أطفال المشركين والمنافقين تنزيل، فلذلك وقف المسلمون عنهم.
وسئل محبوب عن أولاد المسلمين، فقال: أما الصغار منهم فهم مع آبائهم وهم عندنا مسلمون، ومن كبر منهم لم يلحق بأبيه إلا من يقول بقول المسلمين ويعمل بأعمالهم، قال محبوب: وكان يقال ليس على أولاد المسلمين دعوة فولد المسلم مسلم ما لم يركب محارم الله أو ينتهك معاصيه أو يرد على المسلمين دينهم، وكان أبو جعفر سعيد بن محرز يقول: إذا كانت دعوة المسلمين ظاهرة فأولاد المسلمين لا يمتحنون من ظهر منه خير تولي ولم يمتحن.
مسألة:
وكان الفضل بن الحواري يقول: ليس يقع على ولد المسلم من أبيه وقف إذا بلغ إن لم تر منه أمرا تكرهه، ومضى على التمام فهو ولي في
__________
(1) الآية 21 من سورة الطور. وقد أوردها المؤلف بها تحريف يراجع. (3/364)
صفحة 1035
الولاية مع أبيه، وإنما يقع الوقوف على ولد غيره لأنه غائب عنه وولده هو حي في حجره.
مسألة:
والمجنون إذا كانت له ولاية ثم ذهب عقله فهو على ولايته.
قلت: والأعجم يصلي ويصوم أأتولاه؟
قال: لا.
وأولاد المسلمين الصغار يترحم عليهم ويتولوا إذا ماتوا، وكذلك إن كان الأب وجده في الولاية.
وقال أبو زياد: وقد كتبت أنا وأبو جعفر في الصبي إذا كانت أمه في الولاية يترحم عليه فقرأ أبو علي الكتاب ولم يغيره، وقال من قال: حتى يكون الأب في الولاية وأما الأم فلا. (3/365)
صفحة 1036
الباب الخامس والأربعون
في ولاية أهل المعاصي
[ومن كتاب مكتوب على ظهره]
مما سئل عنه محمد بن محبوب رحمه الله، والرجل يحدث مع وليه حدثا ولم يعلم أحق أم باطل، هل يجوز له أن يقف عنه حتى يسأل المسلمين؟
قال: هو في الولاية إلا أن يعلم أنه حدث يستوجب به الوقوف.
مسألة:
ومن جواب (1) أبي سعيد بخط عبد الله بن محمد بن زنباع رحمهما الله.
وقلت: ما أقول إن قال قائل إنه يتولى إبليس، وهو من أهل الولاية ولم يعلم الذي عرف منه الولاية لإبليس بأي وجه تولاه عليه، أهو على ولايته مع من عرف منه ذلك مع ولايته لإبليس أم لا؟
فكل من وجبت له الولاية بحكم الظاهر ثم تولى أحدا من الخليقة مع من وجبت ولايته عليه ولم يعلم أنه يتولاه بباطل ولا يعلم بأي الوجوه تولاه ولم تقم عليه الحجة بما يبطل به في ولايته فهو على ولايته لأن الولاية من حكم الدعاوى وأهل الدعاوى على ولايتهم حتى يعلم أنهم مبطلون في دعواهم بما تقوم له الحجة عليهم في إبطال دعواهم.
__________
(1) في نسخة "كتاب". (3/366)
صفحة 1037
وقلت: إن قال قائل: من تولى إبليس وجبت البراءة منه علم أنه عالم بكفر إبليس أم لم يعلم.
وأما في الشريطة فإنه من تولى إبليس على كفره بغير حجة تقوم له في الإسلام ... (1) ولم يعلم فإنه كافر وتجب البراءة منه.
وأما في حكم الظاهر عندي أنه أراد فإذا وجبت ولايته ثم علم منه أنه يتولى إبليس ولا يعلم بأي وجه تولاه لم تزل ولايته ولم تجب البراءة منه حتى يعلم أنه تولاه بغير حق أو تقوم عليه الحجة بما ينقطع به عذره في ولايته إبليس، ولا نعلم في هذا الأصل اختلافا في أحكام الولاية.
وقلت: ما أقول إن قال: إنه لا تسع الولاية لإبليس لأنه لم تكن له ولاية منذ خلق الله آدم عليه السلام ولم يصح اسمه إلا مع كفره؟
فإنا نقول: إن إبليس لعنه الله وآدم صلى الله عليه كلاهما جميعا في حكم الحق بالتسوية، ومن وجب عليه ولاية إبليس لعنه الله لزمته ولايته وحرمت عليه عداوته حتى يقوم عليه بما يزيل عنه ولايته ويوجب عليه عداوته ولا يعارض في هذا إلا قليل المعرفة بأصول الولاية والبراءة.
وهذا يستشنعه أهل الضعف من الناس ولا تكثر معارضتك للضعفاء بهذه الدقائق من أمر الولاية والبراءة، ونقول إنه ليس كل من لم تجب عندي أنه أراد ولايته في علم الله حرمت ولايته في علم العباد في حكم الظاهر وليس كل من عندي أنه أراد من تجب ولايته في علم بعض العباد حرمت ولايته في حكم الظاهر على جميع العباد ما عندي أنه أراد كما أنه ليس كل من وجبت ولايته على بعض العباد لم تجب على كل العباد ولا عندي أنه أراد، ولا كل من زالت ولايته عن بعض العباد زالت عن
__________
(1) في الأصل بياض قدر كلمتين. (3/367)
صفحة 1038
كل العباد، ولا كل من وجبت عداوته عند الله وجبت عداوته عند العباد، ولا كل من وجبت ولايته عند الله حرمت ولايته عند العباد، ولا كل من وجبت ولايته عند بعض العباد حرمت عداوته عند كل العباد، ولا كل من وجبت ولايته على كل العباد وإنما أحكام الولاية والبراءة خارجة كلها على أحكام الدعاوى لا على أحكام البدع ولا الاستحلال للحرام ولا التحريم للحلال، ولا يكلف العباد في جميع أحكام الولاية والبراءة من أحد من الناس بعينه حكما واحدا ولا يجرون مجرى واحداً، وكل من الناس في أحكام الولاية والبراءة في أحد من الخليقة بعينه مخصوص بعلمه لا يلزمه علم غيره ولا نعلم في هذا اختلافا، وليس قول هذا الجاهل بأحكام الولاية والبراءة أنه إذا لم يعرف هو إبليس إلا كافراً لازما لغيره أن يعرف أن إبليس كافرا ولا مؤمنا فإذا جاز ذلك جاز أن يكون يعرفه كافرا ولا مؤمنا وليس علم أحد بحجة على أحد وإنما على كل من علم من أحكام الولاية والبراءة في أحد من الخليقة بعينه وما قامت له الحجة في ذلك وعليه.
وقلت: إن قال إن الله لم يتعبد أحدا من الخليقة في إبليس مذ خلق الله آدم عليه السلام وتعبد خلقه به، يكفره بالبراءة منهن فإن كان قال: لم يتعبد الله تبارك وتعالى أحداً من خلقه لولايته إبليس منذ خلق آدم عليه السلام فهذا قائل بالزور ويتعاطى لعلم الغيب عندي أنه أراد الغيب ولسنا نتعاطى علم ما غاب عنا بما تكلفه هذا الجاهل بأحكام الولاية والبراءة عندي، ولكنا نقول: من خصه حكم ولاية من وجبت عداوته في علم الله تبارك وتعالى وفي علم عامة خلقه كان هالكا بتضييع ما خصه الله به من ولاية عدوه، وهذا في حكم ما تعبده بولايته، وإبليس عندنا من خليقة الله تبارك وتعالى، وكل الخليقة في حكم دين الله بالسواء، ومن خصه حكم البراءة ممن وجبت ولايته في علم الله وفي علم عامة خلقه كان هالكا بتضييع ما أوجبه الله من البراءة من وليه، ذلك في حكم ما أوجب الله عليه البراءة منه فليتق الله أهل الجهل والعمى (3/368)
صفحة 1039
الذين لم يسلكوا سبيل العلماء ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا في حكم دين الله بين عباد الله فإنه ليس بين عباد الله في حكم دين الله فرق إلا مع أهل الجهل والفسق والضلال والخرق برأنا الله وجميع المسلمين من كل خرق وضلال وفسق وجهالة إنه أرحم الراحمين.
وقلت: أليس عندي أنه أراد يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرءوا من العلماء أو يقفوا عنهم إذا برءوا من راكبه؟
قلت له: أما قولك هذا الغث البارد فلا، ولكن قال أهل العلم: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرءوا من العلماء إذا برءوا من راكبه أو يقفوا عنهم إذا برءوا من راكبه، فإذا فعلوا ذلك أو شيئا منه، لم يسعهم جهل ذلك وأكفرهم ذلك، وذا عندي أنه أراد وذلك فيما أحل الله وحرم من شرائع دينه من الحلال والحرام والنهي وليس ذلك في ولاية واحد بعينه ولا البراءة من أحد بعينه، فمن قال بغير هذا إن هذا إنما هو في ولاية أحد من الناس بعينه أو البراءة من أحد من الناس بعينه فقد ضل سواء السبيل، والولاية والبراءة لأحد من الخليقة بعينه ليسا من أحكام الدين، وإنما هي من أحكام الدعاوى، ولو كانت من أحكام الدين لما أطاق ذلك أحد من الخليقة وإذا لم يطق ذلك أحد من الخليقة سقط ذلك عن أحكام التكليف للعباد، وهذا من دقائق أحكام الولاية والبراءة، ولا يبصر تلك الدقائق إلا بصير، والله الموفق لأحسن الأمور، والتقدير عندي أنه أراد.
وقلت: ما أقول إن قال قائل إنه من صحت عداوته بالحقيقة من كتاب الله أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تصح ولاية سعادة أبدا في حال من الحال.
فأقول: إنه وإن صحت عداوته بالحقيقة من كتاب الله أو على (3/369)
صفحة 1040
لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تحرم ولايته بحكم الظاهر إذا قامت الحجة بوجه من الوجوه، وليس كل من صحت عداوته بالحقيقة حرمت ولايته بحكم الظاهر، ولا كل من وجبت ولايته بالحقيقة عندي أنه حرمت عداوته بحكم الظاهر عند من لم يصح معه عداوته من صحت عداوته بالحقيقة ... (1) ولا ولاية من صحت ولايته بالحقيقة، ووجبت عليه ولاية العدو في الحقيقة في حكم ولاية الظاهر، ووجبت عداوة الولي في الحقيقة في حكم براءة الظاهر، وهذا عندي بحر عميق فصف منه حيث تنال ولا تتعاطى منه مالا يطال، ولا تلج (2) فيه بغير علم، فتقع في الضلال. ولا تعاني به الجهال فتورثهم الحيرة بذلك العمى والضلال، واعتصم من ذي العرى والخبال، فإن من دخل في هذه الأشياء بالجهال لم يرد (3) لك إلا ثقل الأحمال وإلا البحث (4) في المحال، الله ولي التوفيق في كل جليل ودقيق وسعة وضيق وهذا الكتاب كتبته وفيه شيء منقطع وربما كتبت منه الشيء على المعنى وأرجو أن يخرج على المعنى ما عندي فينظر في ذلك ولا تأخذ منه إلا بما وافق الحق والصواب إن شاء الله.
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
ومن جواب أبي سعيد، وقلت: ما تقول في الملكين هاروت وماروت اللذين يعلمان الناس السحر، يبرأ منهما أم لا يبرأ منهما أم كيف الوجه فيهما؟
فالوجه فيهما أنهما إن كانا من الملائكة، فالملائكة عليهم السلام
__________
(1) في الأصل بياض.
(2) في أصل "تولج" والأصوب ما أثبتناه.
(3) في الأصل "يريد" والصواب ما أثبت.
(4) في الأصل بياض، قدرنا له هذه الكلمة ليستقيم المعنى. (3/370)
صفحة 1041
في ولاية الله وطاعته، وقد قال الله عز وجل: * (*مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ*) * (1).
ومن عادى ملائكة الله عز وجل فقد عادى الله عز وجل، وقد عرفنا قول الشيخ أبي الحسن رحمه الله ورضيه في قول الله تعالى: * (*يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ*) * إنما أولئك الشياطين وما أنزل على الملكين معنى أنه ما أنزل السحر على الملكين هاروت وماروت وما يعلمان من أحد أي ما يعلمان هما أحدا السحر وإنما كان يقولان: السحر كذا وكذا فلا تكفر أي فلا تفعل كذا فتكفر.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع]
مسألة:
ومن رد على المسلمين عدل ما قالوا في كتاب الله وسنة نبيه نعلم منه بترك الحق أو جهل فهو ضال كافر لأنه لا عذر لمن رد ما جاء من عند الله من الحق بجهل ولا علم ولا بخطأ ولا عمد يدين به.
ومن أحدث حدثا في عمل منه معصية أو ترك لطاعة مفروضة فقد نزل بمنزلة ... (2) أوجب عليه البراءة عند أهل العلم بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم العلماء بما أوجب من النعمة في الدنيا والآخرة، وأوجب من الوعيد في كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وليس لمن جهل من ضعفاء المسلمين رد ما دان به العلماء من الحق ولا الخلاف عليهم بإقدام على ولاية من برءوا منه ولا على البراءة ممن تولوه فإن فعلوا ضلوا وكفروا ولكن عليهم التسليم لهم بعدل ما دانوا به والولاية لهم.
__________
(1) الآية 98 من سورة البقرة.
(2) في الأصل بياض. (3/371)
صفحة 1042
الباب السادس والأربعون
في ولاية من ترك شيئا من الصيام
والصلاة وحقوق الله
وإذا قال الولي: لا أصلي على الجنازة فمنزلته مع وليه على ما كان عنده.
قيل: هذا القول لأن هذا فرض ما سقط عنه فرضه بفعل الغير ذنب ولا براءة ولا انحطاط منزلة، ما لم يجحد فرض لزوم الصلاة على الجنائز فيقول: ليس على الكفاية فرض صلاة الجنازة أو بحضرة جنازة، فيقول: ليس الصلاة على الميت فريضة فهذا هالك مخدوع بقوله هذا لأنه جحد فرضا من فرائض الشريعة فهلك واستحق الخلع.
مسألة:
قلت له: فإن رأيت وليي يأكل في شهر رمضان، ما حاله؟
قال: هو على ولايته حتى تعلم أنه متعدي إلى ما لا يجوز له، لأن الأكل في شهر رمضان نهاراً للمسافر وللمريض جائز والناسي أيضا لا لوم عليه.
قلت له: فإن رأيته يجامع امرأته في شهر رمضان نهاراً فلما رأيته قال: إنه ناس لصومه وإن المرأة زوجته، أو قال: إنه مسافر قدم من سفره وقد غسلت زوجته من الحيض؟
قال: هذا أحسن به الظن، هو على ولايته حتى يعلم غير ذلك.
قلت: فإن رأيت امرأة من المسلمين تركت الصلاة، هل أبرأ منها؟ (3/372)
صفحة 1043
قال: لا حتى تعلم أنها غير حائض ولا نفساء، لأن ترك الصلاة للحائض جائز، وتحمل على حسن الظن ما احتمل.
مسألة:
ومن قبل قول المسلمين ودان به إلا في قصر الصلاة فإنه أخذ في ذلك؟
نقول: من قال القصر بعد ثلاثة أيام بلياليها فهذا خارج عندنا من قول المسلمين، فليس تتم ولايته ولا تحل.
مسألة:
وقال محمد بن محبوب رحمه الله: من قنت في الصلاة وله معي ولاية استتبته فإن تاب وإلا لم أتوله، قيل: فتبرأ منه؟ قال: الله أعلم لا أتولاه.
ومن كان من أهل الدعوة ممن له ولاية ثم ظهر منه خلاف للمسلمين مثل المسح على الخفين أو الإحرام قبل التوجيه أو قراءة سورة مع الحمد مع صلاة الظهر والعصر، أو قال في صلاته آمين أو مس دم القملة ثم صلى بوضوء به صلاة الفريضة وأشباه هذا مما ليس بين فقهاء الدعوة اختلاف فيه، فمن فعل هذا أو تولى عليه من فعله استتيب، فإن تاب ورجع إلى قول المسلمين قبل منه، وإن أبى وخرج من قول المسلمين فليس منهم ولا هم منه ولا تحل ولايته.
مسألة:
وعن الذي يسرق من الصلاة فلا يتم ركوعها ولا سجودها فهذا ليس من فعل المسلمين وأحب أن ينصح في ذلك ويعرف ما يلزمه من حق الصلاة. (3/373)
صفحة 1044
مسألة:
ومما أظن أنه عن أبي معاوية، وعن رجل يقول: إنه لا يصلي الجمعة في جماعة، يقول: إن الله لم يفرضها علي؟
فإذا كان بحضرة إمام عدل وقال بهذا القول ودان به وفعله فقد ترك الفرض، ولا ولاية له، وهذا رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رد على الله وهذا هالك بهذا القول.
وأما الذي يقول: ليس في عمان جمعة فإذا كان بها إمام عدل أخذ الإمامة على مشورة العلماء ولم يحدث في دينه حدثا يخرجه من الإمامة فهو مثل ما ذكرت لك من الأول.
وأما إذا كانت عمان في أيدي الجبابرة فقال ذلك ودان به لم تترك منزلته التي ذكرت لك أولا وهو على ولايته.
قال أبو سعيد: أما في صحار من عمان، فقد قيل إنها ثابتة على كل حال مع أهل العدل وأهل الجور، فإن دان بأنها لا تجوز بصحار فقد دان بمخالفة الحق، ويهلك بذلك.
ومنه: والذي يقول: لا جمعة في الخوف فهو على ما ذكرت لك إن شاء الله.
مسألة:
وعن رجل يصلي الجماعة في يوم الجمعة في بلد تكون فيه الجمعة ويفتي أن الجماعة جائزة في البلد الذي تلزم فيه الجمعة، فيقول: إن الجمعة جائزة في البلد وهو من أهل الولاية أو ليس من أهل الولاية فهذا رجل ضعيف العقل إذا خالف برأيه رأي الفقهاء، وقد قالوا لا جماعة (3/374)
صفحة 1045
في مصر الجمعة فيؤمر ألا يخالف الفقهاء ولا الشرع فيبرأ منه من رأيه، خلاف ما قضى عليه الأولون من أهل الفضل، فإن قَبل قُبل منه، وإن تمادى في ذلك فهو عاجز ضعيف ولا تقدم على ترك ولايته إذا كانت له ولاية قبل ذلك وهو عندنا خسيس الحال.
مسألة:
ومن جواب من أبي الحواري: وذكرت في رجل له عندك ولاية يقول: إنه لا يصلي صلاة الفطر والنحر ولا صلاة على الجنازة ولا صلاة جماعة ولا يصلي الوتر إلا ركعة واحدة في السفر والحضر ولا يركع بعد صلاة الهاجرة شيئا ولا بعد المغرب، ولا يركع الركعتين اللتين قبل صلاة الفجر.
وقال: أنا أصلي قبل طلوع الشمس، ويصلي أيضا بعد صلاة العصر، فنصح له إخوانه وقالوا له: إن المسلمين لا يفعلون كفعلك، قال أنا وهم على صواب؟
فعلى ما وصفت، فإذا كان هذا الرجل يدين بترك صلاة العيدين وصلاة الجنازة وترك الجماعة فهذا لا ولاية له ويبرأ منه لأنه قد دان بترك السنن، وقد قيل إن صلاة الجماعة فريضة فإذا ترك الفريضة فقد كفر، وكذلك من صلى نافلة بعد صلاة العصر فقد كفر لأنه قد خالف السنة وعمل بما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما من ترك ركعتي صلاة الظهر وركعتي صلاة المغرب وركعتي صلاة الفجر لم تترك ولايته بذلك إلا أن يضلل من يفعل ذلك، فإذا فعل تركت ولايته وبرئ منه.
مسألة:
وفي الأثر: ومن ترك كفارة وتر العتمة وصلى فلا تترك ولايته وكذلك قبل الصلاة لم يكفر لهن لم تجز البراءة منه على ترك الكفارة. (3/375)
صفحة 1046
وأما صلاة الوتر ركعة في الحضر والسفر فهو جائز لمن فعل ذلك في الحضر والسفر ولكن يؤمر ألا يتخذ ذلك عادة.
مسألة:
وقال من قال: من قنت في الصلاة وله معي ولاية استتبه فإن تاب وإلا فلم أتوله.
قيل له: أفتبرأ منه، قال: الله أعلم لا أتولاه.
مسألة:
ومن جواب أبي عبد الله إلى أخيه المحبر بن محبوب مما سئل عن أصحابنا من أهل خراسان، وسألت عن رجل استجاب من القوم في إسلام فأخبروه أن تقصر الصلاة إذا بلغ الفرسخين أو جاوزهما فقبل ذلك ثم إنه خرج إلى فرسخ فجعل يقصر الصلاة في فرسخ ونسي أنهم كانوا أخبروه أن يقصر الصلاة فيمن يريد أن تجاوز الفرسخين أو حين يبلغ الفرسخين فمات على تلك الحال وقصر الصلاة في فرخس فهذا لا عذر له ولا ولاية له عندنا والله أعلم.
وقلت: أرأيت رجلا قبل رأي المسلمين إلا في قصر الصلاة فإنه أخذ في ذلك يقول: هؤلاء المرجئة ما لم يكن السفر ثلاثة أيام بلياليها لا يجب قصر الصلاة؟
فهذا عندنا خارج من قول المسلمين، ومن خرج من قول المسلمين فليس منهم ولا هم منه ولا تحل ولايته.
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
من الأثر: ومن أصاب يديه أو رجليه بول وهو متوضئ فغسله (3/376)
صفحة 1047
ولم يعد الوضوء وصلى جهلا منه فهذا عندنا مما لا يعذر بجهله ما لم يكن له راكبا، ولا يعذر بركوبه، ولا نأمن عليه الهلاك.
وأما أبو زياد وكأنه يقول: أترك ولايته أتقدم على البراءة منه.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع]
مسألة:
[جواب عن أبي المؤثر]
سألتم رحمنا الله وإياكم عن ثلاثة نفر خرجوا في طلب حاجة لهم وهم في قرية واحدة حيث ما وجدوها رجعوا وهم محمد وأحمد وعبد الله، فساروا حتى كانوا في انقطاع من عمار قريتهم على أربعة وعشرين ألف ذراع وحضرت صلاة الظهر فقصر محمد في ذلك الموضع وأتم أحمد وعبد الله ثم ساروا حتى كانوا من عمار قريتهم على ثلاثين ألف ذراع وحضرت صلاة العصر فقصر محمد وأحمد وأتم عبد الله، ثم ساروا حتى كانوا من عمار قريتهم على أربعين ألف ذراع وحضرت صلاة العتمة فهنالك قصروا جميعاً فتولى أحمد عبد الله وكذلك عبد الله تولى أحمد، فقال لهم محمد: أليس أنتما تدينان بالقصر على فرسخين فقالا: نعم، قال: أليس قد قيل إن الفرسخين أربعة وعشرون ألف ذراع؟ قالا: بلى، قد قيل ذلك، قال لهما: فلم فعلتما هذا؟ وكيف جاز لكما هذا؟ فقال كل واحد منهما: قصرت إلى حيث أدركت أشياخنا يقصرون، وأتممت حيث رأيتهم يتمون، ونحن نتولاهم قلتم وكلهم يدينون أن القصر على فرسخين ولا يختلفون في عمار قريتهم لأنهم إذا خرجوا إلى سفر بعيد قصروا من موضع واحد، فسألتم، ما القول فيهم وفي ولايتهم؟
فاعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي أدركنا عليه أشياخنا وهو قول المسلمين ليس بينهم اختلاف أن القصر على من جاوز الفرسخين من عمران بلده إن خرج من عمار بلده فجاوز الفرسخين، والذي أدركنا عليه (3/377)
صفحة 1048
أشياخنا يقولون إن الفرسخين أربعة وعشرون ألف ذراع، وذلك ستة أميال كل ميل أربعة آلاف ذراع، فمن أتم الصلاة بعد مجاوزة الفرسخين فعليه إعادة الصلاة، ومن دان بمفارقة المسلمين في ذلك حكم عليه بالخطأ في ذلك وخرج من الإسلام.
وأما هؤلاء الثلاثة الذين ذكرتهم فينبغي لهم أن يعترفوا بصواب الذي قصر على أربعة وعشرين ألف ذراع ويرجعوا إلى قوله، فإذا لم يفعلوا نصحوا في ذلك ودعوا فإن أبوا واحتجوا برأي المشايخ مع الإقرار منهم بدين المسلمين فالولاية لهم والله أعلم.
وقد بلغنا عن بشير أنه قال: من كانت له ولاية ثم كان منه بعض ما يكره المسلمون من غير أن تجب براءة به، فرأي بشير الوقوف عنه واسعا للمسلم الذي رأى ذلك.
وسألت محمد بن محبوب عن ذلك فقال مثل ذلك، وما ندب أن يسرع في هذا أمر يكون فيه ولا تنازع، وقولنا قول المسلمين وليس من عمل هذا برأي مع الدينونة بدين المسلمين كمن فارق المسلمين على ما ارتكب من الخطأ وترك ولايتهم، فعليكم بالرجوع إلى ما فيه الألفة ودعوا ما فيه يكون التنازع والاختلاف.
مسألة:
وسألت أبا معاوية عن رجل لا يصلي على جنازة ولا يصلي صلاة الفطر والنحر، فيقال له: ما لك لا تصلي الجنازة ولا صلاة الفطر والنحر، فيقول: لا أصلي، أو يقول: لم يفرض الله على هذه الصلاة، وهو ممن له ولاية أو ليس له ولاية عن ولايته، فإن كان من أهل الولاية نصح له وأمر باتباع أهل السنة والدخول في كافة أهل الشريعة، وإن قبل قُبل منه، وإن لم يقبل لم يترك ولايته وهو عندي خسيس الحال. (3/378)
صفحة 1049
مسألة:
وعمن لا يرد السلام، أتسقط ولايته أم لا؟
فالذي عرفنا من قول المسلمين أن التسليم طاعة والرد فريضة، فإذا لم يرد السلام فقد ترك الفريضة، ومن ترك الفريضة سقطت ولايته ولا ولاية له وهو عندي خسيس الحال.
وعن رجل يصلي بعد صلاة العصر وصلاة الفجر نافلة فيقال له: إن هذين الوقتين لا صلاة فيهما نافلة فيقول: أنا أصلي، إن لم يأجرني الله على صلاتي لم يعذبني عليها وهو من أهل الولاية أو ممن لا ولاية له.
فأما من ولا ولاية له فليس عن ولايته سؤال هو متروك الولاية بغير هذا فكيف إذا جاء بهذا كذلك الأول؟
وأما الذي له ولاية فيخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في هذين الوقتين، وأن الصلاة فيهما معصية لله ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمر بترك شيء أو بفعل شيء إلا بأمر الله تعالى، وقال الله له الحمد: * (*وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا*) * (1) فإن قَبل قُبل منه وإن ترك النصيحة واستخف بنهي الله ونهي رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن وصله الخبر، فإنه لا ولاية له.
وقد بلغنا أن رجلا كان يصلي في مثل ما ذكرت، فنهاه بعض أهل العلم فقال: إن الله لا يعذبني على الصلاة أو كما قال، فقال له العالم: الله يعذبك على ترك السنة.
أما الطواف فليس هو عندي بمنزلة الصلاة، وإن كنت لا أرخص
__________
(1) سورة الحشر: جزء من الآية 7. (3/379)
صفحة 1050
في الطواف إلا في واحد فإن فعل أكثر لم أره مثل هذا لأن الطواف لم يأت فيه تقديم ولا نهي.
وعن رجلا لا يحضر صلاة الجماعة ويقول: إن حضرتها فحسن وإن لم أحضرها فلا بأس علي، أو يقول: إن الله لم يفرض علي صلاة الجماعة وإنما فرض علي أن أصلي فإذا صليت أجزيت وهو من أهل الولاية، فإذا كان يترك صلاة الجماعة من غير عذر وهو يسمع الأذان والإقامة مدمن على ذلك ونصح له على ذلك فلم يقبل رأيت أن ولايته تترك.
وعن رجل لا يصلي الركعتين التي قبل صلاة الفجر وبعد صلاة الظهر والمغرب والعشاء الأخيرة، فيقال له ما لك لا تصلي هؤلاء الركعات؟ فيقول: إن الله لم يفرضهن علي وأنا لا أصليهن وإنما هي نافلة، ومن صلاها فحسن، ومن تركها فلا بأس عليه وكان من أهل الولاية؟
فأقول: إن هذا قد رغب عن فضل كثير ولا أراه خارجا من الولاية وهو على ولايته.
وقلت: ولا يصلي الوتر إلا ركعة واحدة أبدا فيقال له صل ثلاث ركعات فيقول: لا أصلي إلا ركعة واحدة فهو عندي مثل التارك للركعات التي ذكرت وهو على ولايته وأراه راغبا عن الفضل ولا أراه هالكا وهو على ولايته.
مسألة:
ومن جواب أبي عبد الله إلى أخيه المحبر، وعن رجل قال بقول أصحابنا إلا أنه قال في حد القصر والتمام والحيض بقول قوم وأشباه ذلك.
فاعلم أن القائل المسلم لرأي المسلمين الدائن بدينهم الواثق بهم ولا يصدقهم في دينه ويتهمهم في هذا ومثله وهو خسيس الحال والمنزلة (3/380)
صفحة 1051
حتى يرجع إلى قول المسلمين ما لم يفعل شيئا مما قال به من قول القوم بخلاف قول المسلمين، فإذا فعل خلاف قولهم وقصر فيما لا يجوز معهم القصر فيه وأتم فيما لا يجوز فيه عندهم وركب من الحيض ما لم يحلوا ويحرموا فلا ولاية له مع المسلمين.
مسألة:
وعن الذي يحضر صلاة الجماعة ولا يصلي فيها ويخرج منها، فإذا كان ذلك من عذر قُبل منه ولا يعجل عليه حتى يعلم أنه يفعل ذلك دائما بغير عذر. (3/381)
صفحة 1052
الباب السابع والأربعون
فيمن رأيته يأكل المحرمات ويفعلها
ويقول القول المحرم
قلت: فإن رأيته يأكل ميتة أو لحم خنزير؟
قال: هو على ولايته لأن ذلك مباح للمضطر إليه، وأحسن الظن به.
قلت: فإن شرب الخمر أو المسكر أو أكل الميتة من غير اضطرار والدم والخنزير؟
قال: في كل هذا تلزم البراءة.
قلت: فإن كذب متعمدا.
قال: يستتاب، فإن تاب وإلا برئ منه على الإصرار إلا أن يكون في كذبه تلف مال أو نفس.
قلت: فإن رأيته قذف محصنا أو ركب زنا أو شهد بزور؟
قال: في كل هذا يلزمه البراءة ثم يستتاب.
قلت: فإن طفف في الكيل أو بخس في الوزن أو ظلم أو ركب المحارم أو شرب الخمر أو المسكر أو يأكل الميتة من غير اضطرار والدم والخنازير؟
قال: في كل هذا تلزمه البراءة.
قلت: فإن علمت من ولي أنه ارتد عن الإسلام أو ارتكب الحرام أو دخل في الزندقة أو ادعى السحر أو الكهانة.
قال: حكمه البراءة حتى يتوب. (3/382)
صفحة 1053
قلت: هل لي إظهار البراءة منه؟
قال: لا.
قلت: فإن رجع إلى دين القدرية؟
قال: لا، قدروا له القدرة والمشيئة والإرادة له أو إلى دين المرجئة، وقال الموحدون في الجنة، وإن تركوا الفرائض وركبوا المحارم أو إلى دين الأزارقة وانتحل الهجرة واستحل سبي أهل القبلة وأموالهم وسماهم بالشرك، أو ادعى دين الرافضة، وقال: إن الأئمة المنصوص عليهم بتنزيل القرآن (1)؟
قال: في كل هذا يلزمه البراءة والمفارقة.
قلت: فإن لم يعلم ذلك أحد غيري؟
قال: أبرأ منه سريرة.
قلت: فإن أظهر البراءة منه، هل يجوز لي عنده وعند أوليائه من المسلمين؟
قال: لا، إلا أن يعلم أحد كعلمك فيه فتبرأ منه عنده، وإن كنتما شاهدين شهدتهما عليه وأظهرتما فيما عليه الحجة، وأظهرتما عليه حدثه حتى تقوم الحجة عليه عند المسلمين ويتجنبوه ويفارقوه ولا يتولوه لأن هذا خارج من الإسلام.
قلت: فإن كان حدث هذا شاهراً يدين به علانية ويخطئ من خلافه علانية ويستحل دم من قال بغير قوله شاهراً بذلك منه؟
قال: فهذا يظهر حدثه ويبرأ منه علانية ولا خلاف فيه ولا لومة لائم،
__________
(1) في نسخة "خطأ أبا بكر وعمر رحمهما الله". (3/383)
صفحة 1054
ومفارقته واجبة، وعلى كل من علم منه ذلك البراءة منه ومن علم بحدثه ولم يعلم الحكم.
قال قوم: لا يسعه إلا أن يبرأ منه.
وقال آخرون: واسع له حتى تقوم عليه الحجة، والحجة جماعة المسلمين الذين ليس له رد قولهم ويكون واقفا سائلا عن معرفة الحكم لأن من نصب الحرام دينا لا يسع جهله لمن عاين ذلك سمعه بخير.
قلت: فإن كان حدثه على التحريم فوقف عنه واقف بعد علمه بالحدث إذا لم يعلم الحكم.
قال: يسعه حتى تقوم عليه الحجة، وعليه السؤال عن معرفة ما يجب عليه في الحكم لأنه قد علم بالحدث، وإنما بقي عليه الحكم أن يحكم بعلم، فإن استفتى فقيها من المسلمين وأعلمه أنه راكب ذلك مستحق البراءة فعليه الحكم.
قلت: فالمستحل غير المحرم؟
قال: نعم، المستحل، قال قوم: يبرأ منه من علم ذلك ولا يسع جهله، وقال قوم: يسعه حتى تقوم عليه الحجة.
قلت: فإن شك في أهل هذه الأحداث التي بين الأمة في الدين الشاهرة أحداثهم المكفرة لم ولا يتولاهم ولا يتولى من برئ منهم ولا يتولى من تولاهم هل يسعه ذلك؟
قال: لا، هذا هو الشك الذي لا يجوز عند المسلمين.
قلت: فإن تولى من تولى وبرئ ممن برئ؟
قال: لا يجوز هذا لأن هذا قول الحشوية والمرجئة.
قلت: فما الحكم في الحجة في هذا كله؟ (3/384)
صفحة 1055
قال: الواقف عن الجميع قد وقف عن محق ولا يسعه، والمتولي للجميع قد تولى مبطلا فلا يسعه.
قلت: وكيف يكون وقوف من علم بالأحداث؟
قال: إذا كان لا يبصر الحكم وصح معه الحدث، وقف عن أهل الحدث وقوف سائل عن معرفة الحكم بما يلزمه دائن بولاية المسلمين على ما دانوا به في تلك الأحداث المكفرة لأهلها.
قلت: فمن لم يعلم بتلك الأحداث ولا سمع بها؟
قال: فليس عليه علم الغيب، ولا يكلف ما لم يسمع به ولم يعلمه واسع له حتى تقوم عليه الحجة ويعلم من أحد حدثا مكفرا يحكم عليه، أو عدالته فيتولاه على ذلك.
قلت: وكيف وقوف الدين؟
قال: وقوف الدين وقوف عمن لم يعلم حتى تقوم عليه الحجة، وهو ليس له إقدام على ما لا يعلم، وهو الوقوف عن جميع الناس ممن لا يعلم حاله على اعتقاد ولاية المحق وخلع المبطل في الدينونة لله بولاية كل مسلم والبراءة من كل كافر.
مسألة:
وسألته عمن يقول لرجل بأسفله أو يقول لجماعة بأسفل هل يبرأ منه وهل عليه حبس أو تعزير؟
فالذي عرفنا من قول بعض المسلمين أن السفلة لا يعرف ما هو وأنه ليس من قول القائل، فالذي يذهب هذا المذهب فلا يبين لي أن ألزم هذا القائل البراءة، وأما التعزير فإذا قال ذلك لمسلم فما أحقه بالتعزير كما يرى الإمام. (3/385)
صفحة 1056
وقد قال من قال: إن السفلة من عصى الله وإن من أطاع الله ليس بسفلة وهو معنا قول حسن، إلا أنا نحب أن يستتاب إذا قال ذلك لولي، فإن لم يتب مما قال فأقل ما نقول بترك ولايته على هذا القول، وما أحقه بالبراءة إن لم يتب والله أعلم بالصواب.
وقد وجدنا عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه قال: فيمن طلق امرأته إن كان سفلة.
قال: إن كان وليا لم تطلق امرأته وليسه بسفلة، وأحسب أنه وقف فيما سوى ذلك إذا لم يكن وليا.
قلت لأبي سعيد: أرأيت إن قال لرجل مسلم ولي أو غير ولي: يا قذر ويا وسخ، هل يستتاب من ذلك فإن لم يتب برئ منه أم يكون عليه الحبس والتعزير؟
فهذا عندي شتم للمسلم إلا أن يظهر فيما ذا قذره ووسخه فيستتاب من ذلك فإن لم يتب لم أتوله على ذلك، وإن أظهر حجة يبين بها عذره كان على ولايته.
قال له الحكم بن محمد: فإن قال: إنما نويت بقولي له قذر ووسخ من صفة في ثيابه أو من بدنه.
قال: هذا عذر يعذر به.
قال: فإن قال إنما نويت وسخ الخلق.
قال: لا يكون المسلم وسخ الخلق ولا عذر له في ذلك حتى يبين فيما إذا وسخ خلقه، فإن كان له عذر في ذلك قبل منه وإلا استتيب لأن وساخة خلقه هي وساخته. (3/386)
صفحة 1057
مسألة:
وقال: إن رجلا شرب من ماء نجس وهو غير مضطر إلى ذلك؟
قال: لم أقل إنه كفر بذلك.
مسألة:
ويوجد: إن من أكل طعاما نجسا، وهي غير الأنواع التي حرمها الله تبارك وتعالى مثل الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك مما نزل تحريمه في كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع أهل العدل، فقال من قال: إنه يكفر بذلك، وقال من قال: إنه لا يكفر بذلك إلا بعد الإصرار وكذلك ما يشبهه من المشروبات وغيرها، والله أعلم. (3/387)
صفحة 1058
الباب الثامن والأربعون
البراءة والولاية بالقول
عن أبي الحواري فيما أحسب، وسألته عمن قال: لا أرضى بالحق فهذا من كلام الجفا ولا يبرأ منه حتى يقول لا أرضى بالحق الذي عليه المسلمين.
مسألة:
وسألته عن ولي لي قال: إذا قال إن وليا آخر يريد أن يظلمني أو قال: انتقم الله منه؟
قال: استتبه، فإن تاب وإلا برئ منه. (3/388)
صفحة 1059
الباب التاسع والأربعون
في الولي إذا رأيته يعمل عملا أو يقول قولا
ولا يعرفه
قلت: فإن رأيت وليي يعمل عملا لا أدري ما هو، أحرام أم حلال، ويقول قولا لا أعلم ما هو، أخطأ أم صواب أو يأكل شيئا لا أعرف ما هو من المحرم أو من المباح؟
قال: فوليك على ولايته ولا تسيء به الظن حتى تعلم أنه فعل ما لا يجوز ولا تحكم في فعله ذلك بشيء.
مسألة:
ومن جواب أبي المؤثر: وعن رجل رأى من ولي له حدثا فلم يعرف ما بلغ به حدثه فأخبر فقيها من فقهاء المسلمين بذلك الفعل، فقال له الفقيه: إن هذا الحدث يكفر من ركبه، أو لعن من فعل ذلك الفعل وبرئ منه، ما تكون منزلة هذا الفقيه ومنزلة المحدث عند الذي علم هذا من وليه؟
فأقول: إن هذا الذي قد عنى بهذا يسأل الفقيه عن الحجة في ذلك، فإن أخبره بالحجة التي بها وجبت البراءة ممن ركب ذلك فعليه أن يقبل منه إذا أقام عليه الحجة وليس له أن يرد عليه الحجة وإن أخبره بأمر ليس من العدل وكان قوله باطلا كف عن ولايته فإن هو تولاه بجهل أو علم بعد ظهور قول الباطل منه وكفره بما ادعى هلك بولايته إياه.
وإن أقام عليه الحجة التي تقطع عذر من قامت عليه فردها هلك بردها، ولا يحل له ترك ولاية هذا الفقيه بعد إقامة الحجة عليه بالحق، فإن ترك ولايته هلك وهذا مما يجب عليه علمه. (3/389)
صفحة 1060
مسألة:
ومن جواب أبي القاسم سعيد بن قريش قال: وكذلك وليك إذا ادعى في خطبته لأهل البراءة، وقال: نويت غيرهم من أهل الولاية لم يقبل منه إلا بالصحة أنه نوى ذلك وقت الفعل ويبرأ منه ثم يستتاب والله أعلم.
مسألة:
هل يجوز أن ترى الجاهل أنك أجهل منه؟
قال: لا يجوز ذلك على ما عرفت من قول محمد بن مختار.
مسألة:
ومن جواب لأبي المؤثر رحمه الله، وعن رجل لا يعرف الخمر رأى وليا له يشرب شرابا لا يعرفه، فنهاه عنه، فقال: إن هذا شراب حلال فوقف هذا الذي رأى الشارب عن الذي يشرب وقد استحل الشراب الذي رآه شربه وهو خمر غير أن هذا الواقف لا يعرف الخمر، هل يكون واسعا له الوقوف عنه وهو مستحل أم يكون هالكا حتى يبرأ منه.
فأقول والله أعلم: إن عين الخمر مجهولة، وليس هذا مما يستدل عليه إلا بقبول المعرفة على العلم بها، وقد قامت عليه الحجة بمعرفة حرمتها ولم تقم عليه الحجة بمعرفة عينها إلا أن يعرفها في أصلها فإذا لم يعرف هذا الواقف عين الخمر فوقف عن الشارب لها وقد استحلها ولم يقر أنها خمر ولم يعرفها فهو سالم إن شاء الله، وإنما لا يسعه الوقوف عمن استحل ما يعرف هو حرمته لأنه ينقض ما في يده من الإسلام فلا يعذر بجهالة كفره لاستحلاله ما يعلم أن الله حرمه.
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
وقال أبو سعيد في رجل علم من رجل ارتكب كبيرة لم يعرف هذا الحكم في ذلك. (3/390)
صفحة 1061
فعندي أنه يختلف في السؤال عليه فيما يلزمه من حكم البراءة مما ركب فقال من قال عليه السؤال كان وليا له أو غير ولي، وقال من قال: لا سؤال عليه كان وليا أو غير ولي، وقال من قال: إن كان وليا كان عليه السؤال ولا سؤال في غير الولي.
قلت: فإن كان الذي ارتكبه صغيرا هل يلحقه الاختلاف في السؤال مثل الكبير؟
قال: يخرج معي أنه كذلك لمعنى الاسترابة من ذلك، ومعي أن عليه استتابته كان وليا أو غير ولي، وقال من قال: ليس عليه إلا في الولي.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع]
مسألة:
[جواب من أبي الحواري محمد بن الحواري]
وقد قال المسلمون: إن الولاية والبراءة فريضة واجبة ومعذور من جهلها ما لم يبرأ من مسلم أو يتولى كافراً بجهالة فإنه لا يعذر بجهالته وهو هالك، فمن لم يبصر الولاية ولا البراءة ويرى الناس ما يعملون ويقولون وهو لا يعلم حق ذلك من باطله وحلال ذلك من حرامه فهذا ليس له أن يتولى ولا يبرأ حتى يعرف الموافقة للمسلمين والمخالفة.
فمن كانت له ولاية ثابتة متقدمة فرأيته يأتي ويفعل ويقول بما لا يبصر ولا يعرف فهذا على ولايته حتى يعلم أنه قد قال ما لا يحل له أو يركب كبيرة من فعله وسع الجهل بفعله لولايته، فإن توليته على ذلك فهو على ولايته ولا يسع العمل بفعله لمن يفعله، وسأبين لك ذلك، وذلك إذا رأيت وليك يأكل دابة لا تدري ما هي فهو على ولايته، ولا يحل لك أكل تلك الدابة حتى تعرف ما هي، فإن كانت الدابة خنزيرا فالآكل لها هالك، وقد قال بعض المسلمين أتولى آكلها ولا يحل لي أكلها حتى أعلم ما هي. (3/391)
صفحة 1062
وكذلك من رأيته يأكل الربا فهو على ولايته حتى يعلم أنه ربا ولا يسعك أن تأكل ذلك فإن أكلته وأنت لا تعلم ما هو فوافقت الربا فإنك هالك.
وكذلك الإمام من رآه يحكم بحكم قد خالف الحق وهو لا يعلم مخالفته فإنه يتولاه على ذلك حتى يعلم أنه خالف ذلك الحق، وهذا على بعض قول المسلمين، وقال آخرون: إنه إن تولاه على ذلك فهو هالك ولا يسعه جهل فعله، وكذلك آكل الربا وآكل الدابة فهذا ما حضرني في هذه المسألة ..
وأما قولي بقول من قال: إن الفاعل هالك بفعله والمتولي سالم لأنه واسع له جهل فعل غيره ولا يسعه جهل فعل نفسه.
مسألة:
ومن كتاب التقييد الذي عن أبي القاسم سعيد والله أعلم أهذا عند أو عن أبي مالك لأني وجدته على أثر سؤال عن أبي مالك.
وسألته عن رجل دفع إليه شرابا لا يعرفه، فيسأل عنه رجلا عدلا فقال له: إنه شراب حلال فوافق الخمر، ما حاله؟
قال: إذا شرب بحجة فلا يهلك.
قلت: والحجة قول رجل عدل من المسلمين؟
قال: نعم، وقال: إلا أن الفضل بن الحواري قال يهلك وإن الواحد ليس بحجة عندهم في ذلك، وأظنه قال لي أن الفضل بن الحواري كان يذهب إلى أن الحجة في هذا لا تكون إلا بقول عدلين.
ووجدت أنا في الأثر عن أبي المؤثر في رجل وجد دابة تذبح فلم يعرفها فسأل عنها فقيل له: إنها بقرة، فأكل منها ثم تبين له أنها كانت خنزيراً، أنه لا يهلك إنما أكله بحجة، فالحجة عنده فيما أظن أنه خبر أهل القبلة الذين يدينون بتحريم الخنزير. (3/392)
صفحة 1063
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
قال أبو سعيد رحمه الله في رجل عاين وليه يشرب لخمر وهي قائمة العين، وجهلها وجهل الحكم فيها ولم يعرف ما يبلغ بوليه أنه اختلف في أمره، فقال من قال: إنه ليس له أن يتولاه قطعا، وقال من قال: يتولاه برأي، ولا تجوز ولايته بالدين، وقال من قال: يتولاه على ما كان عليه ويعتقد براءة الشريطة، وهو قول أصحابنا من أهل المغرب هكذا عندي أنه قيل.
[من غير الكتاب]
مسألة:
[من زيادة الجامع]
وإذا حكم الإمام بحكم أكفره وهو لا يدري ولم يبصر أهل الدار كفره وقصرت أبصارهم عنه خرجوا من الدنيا على جهالة كفر الإمام وهم يتولونه فقد هلكوا بهلاك الإمام وسقطت ولايتهم.
ومن الضياء:
وعن بشير، وإذا رأى رجل من المسلمين ضعيف الإمام وهو يحكم بحكم جائر فيه ولم يدر هذا الضعيف ذلك الجور فتولاه على ذلك أنه يهلك، وفسره عزان بن الصقر في الربا إذا حكم في الربا هلك، وأهلك ويهلك من تولاه على ذلك فإن حكم بشهادة غير عدلين فهو خلاف ذلك، وليس على هذا الضعيف من المسلمين أن يبرأ منه على ذلك إذا لم يبصره.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع] (3/393)
صفحة 1064
الباب الخمسون
البراءة بأموال الناس وما أشبه ذلك
قلت: فإن رأيته ينظر منازل الناس أو يدخل بغير إذن؟
قال: يستتاب فإن تاب وإلا برئ منه.
قلت: فإن دخل منازل الناس جبرا أو قهرا؟
قال: يبرأ منه.
قلت: فإن ادعى ولي لي على أحد أنه أخذ له مالا؟
قال: لا يقبل قوله وعليه البينة والحكم بينهما وهما على ولايتهما.
قلت: فإن قال له إنك ظلمتني؟
قال: القائل لوليك إنه ظلمه تلزمه البراءة ثم يستتاب ولا يقبل ذلك إلا بالصحة.
قلت: فإن أحضر عليه شاهداً واحدا؟
قال: ولا يقبل شهادة واحد على وليك.
قلت: فما حالهم؟
قال: هم في الولاية حتى يصح الظالم منهم لأنها أحكام يحتمل أن يكون أحد بحق ولم يعلم شاهد هذا ونسي المدعى عليه الحق أو قضاه ونسي صاحب الحق فلا يساء بهم الظن.
قلت: أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار».
قال: نعم، إذا كان مبطلا وصح ذلك. (3/394)
صفحة 1065
قلت: فإن رأيت وليي أخذ ثوبا من عند رجل فقال: هذا ثوبي والرجل يقول ثوبي؟
قال: القول قول الرجل وقل لوليك يرد على الرجل ثوبه.
قلت: فإن امتنع؟
قال: فوليك ظالم حتى يصح ما ادعى وليس له أن يأخذ بيده ويستتاب، فإن رد الثوب وتاب وإلا برئ منه.
قلت: فإن رأيته أخذ ثوب رجل فقال: هذا ثوبي فسلمه الآخر إليه ولم يدع فيه بشيء ولا أنكره؟
قال: فوليك على ولايته.
قلت: فإن كان وليان كلاهما يتنازعان الثوب وهو في أيديهما جميعا وكل واحد منهما يقول ثوبي؟
قال: البينة عليها والأحكام بينهما وهما على حالهما حتى يصح الظالم.
قلت: فإن برئ أحدهما من صاحبه؟
قال: يبرأ منه لأنه برئ من المسلم.
قلت: فإن برئ بعضهما من بعض؟
قال: يبرأ من المبتدئ بالبراءة من صاحبه.
قلت: فإن لم يعلم المبتدئ منهما ولا الظالم من المظلوم؟
قال: يوقف عنهما جميعا ويستتابا من ذلك فإن تابا وإلا تركت ولايتهما أو برئت من المتعدي منهما على صاحبه.
قلت: فإن رأيته يأكل من مال غيره وقال إنه أباح له ذلك؟
قال: هو على ولايته وحسن الظن به أنه يأكل بحق.
قلت: فإن أعطاني منه شيئا هل لي أن آكل ذلك من عنده وأنتفع به؟ (3/395)
صفحة 1066
قال: لا حتى يصح ذلك لك.
قلت: فإن رأيت وليي يبيع مالا آخر لولي آخر بحضرة رب المال ويدعيه لنفسه أنه له ورب المال يسمعه بإذنه ويراه بعينه في دعواه حتى باعه ولم يغير عليه في مجلسه ذلك ثم أنكر من بعد؟
قال: لا يقبل إنكاره وقد ثبت عليه وهما على ولايتهما لأنه يمكن إزالة المال إلى البائع وقد نسي الأول، وإنكاره مع النسيان فهما على حسن الظن حتى يعلم المتعدي.
قلت: فإن باعه ولم يدع أنه له بحضرة رب المال ولم يغير ثم غير من بعد هل يقبل تغييره؟
قال: نعم لأنه لم يدعه البائع لنفسه فله التغيير حتى يصح إزالة المال والوكالة في بيعه.
قلت: فما حالهما؟
قال: هما في الولاية ولا تسيء بهما الظن لأنه يمكن أن يكون وكله في بيع ماله أو هبته ثم نسي أو كان فعل منتقض وفعل البائع يجوز، فهما على الولاية حتى يعلم المتعدي منهما ما لم يخطئ أحدهما الآخر أو يبرأ بعضهما من بعض.
قلت: فإن شهد عدلان وليان على وليهما في مال في يده ورثه أن هذا المال لفلان لرجل آخر، ما الحكم؟
قال: يحكم به له.
قلت: فما حال الوليين الشاهدين عند من شهدا عليه؟
قال: هما على ولايتهما.
قلت: فإن شهدا على نخلة في يده تسلمها في ماله أنها حرام أو لرجل آخر؟ (3/396)
صفحة 1067
قال: هما حجة عليه ولا يحل له أكلها.
قلت: فما حالهما؟
قال: هما على الولاية معه.
قلت: فإن لم يقبل قولهما وأكل النخلة بعد قيام الحجة منهما؟
قال: لا يقبل قوله ويستتاب من ذلك فإن تاب وترك النخلة وإلا برئ منه لأنهما حجة.
قلت: فإن شهدا عليه أنه طلق زوجته مع الحاكم وفرق الحاكم بينهما وهو عنده لم يطلقها؟
قال: وقد وقع الفراق في الحكم، وإذا علم أنهما شهدا بالزور فهي زوجته في الباطن.
قلت: فما حالهما عنده؟
قال: لا يقبل منهما في السريرة ويفارقهما ولا يتولاهما لأنه لم يطلق زوجته ولا يحل له إظهار مفارقتهما عند من يتولاهما.
قلت: وما الفرق بين الزوجة والمال؟
قال: المال يمكن زواله من يده وقد يزول إليه، وشهدا على علم ولا يسيء بهما الظن، والزوجة إنما طلاقها في يده وإنما يقع من لسانه بالقول ولم يكن نسي فلا يقبل ذلك منهما عند نفسه وقد ثبت به الحكم عليه.
مسألة:
وعن رجل أكل درهما حراما ثم مات من قبل أن يستتيبه، فإن مات ولم يعلم أنه تاب منه أو لا فهو عندك على الوقوف حتى تعلم أنه أصر عليه، فإن علمت أنه أصر عليه خلعته وبرئت منه. (3/397)
صفحة 1068
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
من كتاب الأشياخ
رجل أكل دراهم حراما ثم مات قبل أن أستتيبه؟
قال: هو في الوقوف حتى يعلم أنه أصر عليها ولم يتب.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع]
مسألة:
وسألته عن رجل من أهل الولاية شهد عليه رجلان عدلان أن عليه لفلان دينا لا نعرف كم هو ولا ما هو، إلا أنه كان قد أقر عندنا بشيء عنده لفلان نسيناه؟
قال: الولي ليس على شيء، وقال: الطالب عليه لي كذا وكذا.
قال: لا يحكم له بشيء.
قلت: فهل يقال له: أد (1) وإلا سقطت ولايتك؟
قال: لا شيء عليه وهو على ولايته.
قلت: فإن شهد عليه أن في نخله هذه لفلان نصيبا لا ندري ما هو؟ قال هو لا شيء له معي؟
قال: لا يحكم للرجل بشيء، والآخر على ولايته لأنهما لم يثبتا عليه شيئا.
قلت: وإن لم يدع أنه اشتراه أو وهب له؟
قال: وإن لم يدع لأنه لم يثب عليه شيء فيدعي عليه، والله أعلم. [انقضى ما كان عن أبي معاوية].
__________
(1) في الأصل "أدي" والصواب حذف حرف العلة كما أثبتناه. (3/398)
صفحة 1069
مسألة:
وقال محمد بن سعيد رحمه الله: إنه سأل أبا عبد الله محمد بن روح رحمه الله عن رجل يرى وليه ينقب بيت رجل، هل يبرأ منه؟
قال: لا، وقال محمد بن سعيد ولو رآه يحمل متاعه لم يكن له أن يبرأ منه حتى يعلم أنه يفعل ذلك بغير الحق.
قلت له: فما العلة والعذر في ذلك؟
فقال: يمكن أن يكون أتى ذلك برأي أهله، وقال من قالك قد كان معناها هنا قوم ختم عليهم السلطان بيوتهم وخافوا أن يصلوا إلى ذلك، قال: واستأجروا له واستعانوا من ينقب لهم بيتهم فأخرج لهم ما أرادوا من منزلهم أو ما أمروه، والله أعلم. قال: وإنما هذا معنى قوله ليس اللفظ كله.
مسألة:
وسألته عن وليي أخذ من يد رجل من الناس ثوبا أو دراهم وادعى أنها له، والرجل يقول إنها له وأن هذا إنكاره عليها؟
قال: قل لوليك يرد على الرجل شيأه.
قلت: إني لا أعلم أنه للرجل إلا ما رأيته في يده، وولي يقول إنه له.
قال: الآخر أولى به منه إذ هو في يده.
قلت: فإن لم يرده؟
قال: إن لم يرده ولم يتب فابرأ منه لأن هذا معك ظالم.
قلت: فإن لم يقل الرجل شيئا؟
قال: فلا تتوهم على وليك وظن به خيرا. (3/399)
صفحة 1070
قلت: فإن لم يكن في يد أحدهما، فأخذه وليي، والآخر يقول هو لي؟
قال: فهو لوليك وهو أولى به إذا صار في يده، ولا تظن به إلا خيرا.
قلت: فإن كان الآخر أيضا وليا لي، وهذا ولي لي فقال كل واحد منهما هذا لي دونك؟
قال: هما على ما كانا عليه حتى يقول أحدهما للآخر: إنك ظالم أو ظلمتني، فإذا قال ذلك استتيب القائل لصاحبه إنك ظلمتني فإن لم يتب برئت منه.
وإذا قال كل واحد منهما هي لي دونك، وقد يمكن أن يكون هذا ورثها أو اشتراها من رجل كانت في يده وهي للآخر وكل واحد منهما يدعيها فهما على ولايتهما والله أعلم.
فإن قال الآخر: بل أنت أظلم، ولكنك ظلمتني وأنا غير ظالم لك فإنما ظلمتك بقولك لي إني ظالم؟
قال: فالتوبة على الأول وليس على الآخر إذا قال ذلك واحتج به.
مسألة:
وسألت أبا عبد الله عن رجل مات وعليه دين وقد أوصى به ولم يخلف وفاء، هل له عذر، وهل يقف عنه إن كانت له ولاية مع المسلمين؟
قال: قد قيل: إذا كان استدان الدين فغذى به نفسه وعياله باقتصاد من غير إسراف ولم يزل في اجتهاد يطلب القضاء بيده وطلب المكسبة بجهده حتى أدركه الموت إن ولايته ثابتة ويرجى أن يقضيه الله عنه. (3/400)
صفحة 1071
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
حفظ أبو زياد عن مسلم بن إبراهيم في رجل اغتصب من رجل شيئا، فلما حضره الموت فزع إلى التوبة فأقر فقال: ادعوا لي رجلا من المسلمين ودفع إليه الحق فأشهد بذلك شهودا من المسلمين ثم مات الرجل فلم يدفع الوصي الحق إلى الرجل؟
قال أبو زياد: قال مسلم تلك توبته وهو في الولاية.
قال أبو زياد: فأخبرت بقوله هذا هاشم بن غيلان فقال: نعم هو كما قال أبو زياد وذلك إذا كان يعمل بأعمال المسلمين.
مسألة:
وعن رجل دفع إلى رجل سلعة وقال له: هذه للمسلمين، فباعها المدفوعة إليه وأكلها وهو مستغن عنها، وهو من المسلمين وهلك ولم يوص بها، قلت: هل يجوز ذلك؟ وهل يبرأ منه إن كان وليا للمسلمين؟
فعلى ما وصفت فإن كانت تلك السلعة من أموال المسلمين التي كانت في أيديهم جاز له ذلك ما لم تكن من الصدقات إلا أن يكون هو من أهل الصدقة.
وإن كانت هذه السلعة من الوصايا التي أوصى بها للمسلمين من جهة الخلاص فإنما ذلك للفقراء من المسلمين فإن كان من الفقراء جاز له ذلك، وإن كان من الأغنياء لم يجز له وأنا لا أترك ولايته حتى أسمع قوله، فإن رأينا له مخرجا قبلنا منه وإن استبان لنا خطؤه برئنا منه وإن اشتبه علينا أمره وقفنا عنه من بعد أن يمتنع التوبة وليس يبرأ منه بعد موته ما لم نعرف قوله.
[رجع إلى كتاب بيان الشرع] (3/401)
صفحة 1072
الباب الحادي والخمسون
في الولاية والبراءة بالقذف والزنى
وعن ولي لي قذف موحدا؟
قال: ابرأ منه حتى يتوب أو يأتي بأربعة شهداء عليه.
قلت: فإن لم يكن المقذوف ممن أتولاه؟
قال: نعم إذا كان موحدا.
قال أبو سعيد: معي أنه إذا قذفه بالزنا فهو كذلك.
مسألة:
وسألته عن ولي قذف موحدا؟
قال: أبرأ منه حتى يتوب أو يأتي بأربعة شهداء عليه.
قلت: فإن لم يكن المقذوف ممن أتولاه؟
قال: نعم إذا كان حر موحداً.
قلت: فإن قذف عبد بالزنا؟
قال: إن كان العبد من أهل الولاية برئ منه حتى يتوب، وإن كان عبدا لا ولاية له استتيب فإن لم يتب برئ منه إذا كان العبد من أهل الصلاة وكذلك الأمة بمنزلة العبد في ذلك، والله أعلم، وسل عنهما.
قال أبو سعيد: معي أنه قد قيل هذا إذا كان القذف بالزنا، ومعي أنه قد قيل: إنه قذف العبد والأمة البالغين بالزنا إنه يبرأ منه من حينه لأنه قد أتى من الإثم مثل ما أتى قاذف الحر إلا أن الحر لا يجب فيه لأنه مال، وكما أنه قد قيل: من اختلس أربعة دراهم اختلاسا لم يجب (3/402)
صفحة 1073
عليه بها القطع ويجب عليه بها البراءة قبل أن يستتاب لأنها مثل ما تجب به الحدود إذا كان مثل الكبيرة فهو كبير ولو زال عنه الحد بسبب، وكما قيل إنه من أتى من الزنا ما دون ما يجب به الحد من الوطء مثل المس بالذكر واليد للفروج المحرمة إن ذلك مثل الكبير فيما تجب به البراءة، ولو لم يجب عليه الحد في الإجماع لأنه لا حد عليه، وقالوا: هو مثل الكبير فيما عندي.
وكذلك عندي قذف العبيد من أهل القبلة بالزنا في أمر البراءة، مثل أهل الإقرار من الأحرار على هذا المعنى.
مسألة:
[أحسب عن أبي إبراهيم]
وعمن قذف مملوكا هل يبرأ منه؟
قال: نعم. (3/403)
صفحة 1074
الباب الثاني والخمسون
البراءة بالنظر إلى الفروج وارتكابها وإظهارها
وما أشبه ذلك
قلت: فإن رأيته جامع امرأة أو أمة فلما رأيته قال: هذه زوجتي أو جاريتي؟
قال: يقبل قوله ولا تسيء به الظن لأنه قد أباح الله النكاح بالتزويج وملك اليمين فذلك جائز حتى يصح الزنى.
قلت: فإن رأيته ألقى ثيابه ودخل النهر يغتسل والناس يمرون عليه؟
قال: الوقوف عنه ثم يستتاب.
قلت: فإن ألقى ثيابه بحضرة الناس ودخل النهر يغتسل؟
قال: يبرأ منه ثم يستتاب لأن هذا إذا فعل ذلك متعمداً بحضرة الناس لم تبق شبهة في أمره.
قلت: فإن ادعت المرأة على زوجها الطلاق فأنكر وحلف؟
قال: إن كان وليا لي فهو على ما كان عليه ولا تسيء به الظن.
قلت: فإن ادعت عليه أنه أخذ لها مالا أو منعها الواجب أو أساء إليها؟
قال: لا يقبل قولها وهو في الولاية إلا أن يصح ذلك. (3/404)
صفحة 1075
قلت: فإن كانت مع زوج ثم اعتزلها ولم أعلم منه طلاقا وادعت هي عليه الطلاق ولم يغير هو ذلك وادعت انقضاء العدة وتزوجت برجل، ما يكون حال الرجل وحالهما معي؟
قال: هما على حالتهما ما لم ينكر ذلك الزوج الأول.
قلت: فإن أنكر وقال: لم أطلقها ما الحكم مع الثاني؟
قال: الحكم بينهما، فإن كانت المرأة ادعت الطلاق على الزوج بحضرته وهو يسمع ولم يغير ذلك ولا أنكره وتركها على ذلك حتى انقضت العدة وتزوجت وصح هذا، ثم جاء من بعد يدعي فلا دعوى له، وإن لم يقر بالطلاق، ولا قالت هي بحضرته إنه طلقها وإنما ادعت عليه بغير حضرته ولم يسمع وتزوجت وأنكر هو الطلاق ولم يقبل قولها والزوج هو الأول والأحكام بينهما.
قلت: فالزوج الأخير ما حاله؟
قال: إن كان يعلم لها زوجها فتزوجها ولم يعلم طلاقها فقد ركب محرما وعليه البراءة ثم يستتاب، وإن لم يعلم ثم صح عليه الحكم من بعد أن اعتزل المرأة وتاب من الخطأ.
مسألة:
وعن رجل ألقى ثيابه ودخل في المال يغتسل والناس ينظرون إليه نهارا، وقد كان في ولاية المسلمين؟
فقال: يستتاب.
قلت: فإن لم أستتبه؟
قال: قد كان ينبغي أن تستتيبه. (3/405)
صفحة 1076
قلت: فإن لم أفعل؟
قال: كف عنه (1).
مسألة:
وعن رجل يكشف عورته قدام الناس وهم ينظرون إليه؟
قال: فهذا ليس من أخلاق المسلمين، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الناظر والمنظور إليه، وهذا على التعمد لذلك.
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
وعن أبي الحواري رحمه الله، وعمن وطئ امرأته في الحيض؟
قال: فإن كان لهذا الرجل ولاية مع المسلمين استتابوه، فإن تاب وإلا لم يكن له ولاية مع المسلمين ولا يعجل عليه بالبراءة لأن المسلمين قد اختلفوا في الحيض إلا أنا لم نعلم أن أحدا من المسلمين أحله، وقد قال من قال: إنه حرام مفرق، وقال بعضهم: لا تحل ولا تحرم، فمن هنالك وقع الوقوف عنه.
وأما الوطء في الدبر، فإذا فعل ذلك متعمدا ثم لم يتب من ذلك وجب عليه البراءة لأن الدبر أشهد من الحيض، وقد يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه روايات شديدة، وروي عنه أنه قال: «اشتد غضب الله على من وطئ امرأة في دبرها»، والله أعلم بذلك.
ولم أعلم أن أحدا رخص في ذلك ونحن نبرأ ممن وطئ امرأة في دبرها ثم لم يتب.
__________
(1) وفي نسخة: قلت: فإن أفعل؟ قال قف عنه. (3/406)
صفحة 1077
[رجع إلى كتاب بيان الشرع]
مسألة:
ومن سماع سعيد بن محرز فيمن طلق امرأة ثلاثا ثم راجعها قبل أن تزوج زوجا غيره، فما هما عندنا؟
قال: هالكان ولا ولاية لهما عندنا.
مسألة:
وعمن ترك الاستنجاء في الوضوء من أثر البول والغائط وصلى وجاز الوقت؟
قال: فهذا هالك ولا ولاية له.
مسألة:
وقال أبو زياد: إنه يحفظ في الرجل يزني بامرأة ثم يظهر من بعضهم إلى بعض الصلاح، إنه لا يتولى أحدهما صاحبه ويتولاهما غيرهما.
وبلغنا عن سعيد بن محرز قال: بلغنا عن علي بن عزرة أنه قال: يتولى أحدهما صاحبه، وكذلك قال الخراساني، وقال محمد بن محبوب إنه إذا ظهر منهما الصلاح والتوبة تولى أحدهما صاحبه.
مسألة:
عن أبي معاوية قلت: فإن رأيته ينكح امرأة لا أدري ما هي منه؟
قال: هو على ولايته حتى يعلم أنه أتى حراما.
قلت: إن كانت أخته أنا أعلم أنها أخته؟ (3/407)
صفحة 1078
قال: وهو أيضا على ولايته، لأن النساء مباح تزويجهن وشراؤهن ووطؤهن بالتزويج وبملك اليمين إلا أن يعلم أنه قد أعلم أنها أخته فحينئذ يبرأ منه.
مسألة:
من جواب أبي عبد الله إلى أخيه المحير: وعن رجل طلب زوجته ثلاثا ثم راجعها قبل أن تتزوج زوجا غيره بشهادة رجلين وبالولي فجامعها، ولم يعلم أن ذلك لا يحل لهما ما لم تتزوج زوجا غيره، فأخذا على ذلك وشهد عليهما بذلك أربعة شهود أو أقر بذلك هل يرجمان؟
فأما الحدود فإنها تدرأ عنهما بالشبهات، وأما الهلاك فهما عندنا هالكان ولا ولاية لهما، وهذا من قول المسلمين، وأيما رجل أقر عند المسلمين أنه تزوج فلانة وهم يعلمون أنها أخته فإنه يجب عليهم أن يثبتوا على ولايتهم فيه، ويضعوا أمره على أنه لم يعلم بما يعلمونه، وإذا عاين المسلمون رجلا من أهل الولاية يأكل الميتة ولحم الخنزير في أرض فلاة أو في سفر فإنه يجب عليهم أن يثبتوا على ولايته ويضعوا أمره في أنه مضطر، وقال: حتى يأكل المضطر من الميتة أكثر ما يحييه ولا يأكل لحم الصيد لأن الله أحل الميتة للمضطر.
مسألة:
وعن هاشم: وعن رجل نكح محدودة؟
قال: ليس له ذلك فإن كان إنما نكح بجهالة ثم تاب ورضي فقد تاب من ذنبه، فإن أقام بعد الحجة عليه والعلم وبعد ما أمره المسلمون بفراقها وأعلموه ما عليه فرد عليهم قولهم وأقام عليها برءوا منه.
قلت لأبي محمد: فيكره على فراقها؟
قال: نعم. (3/408)
صفحة 1079
مسألة:
سئل أبو سعيد عن الزانيين هل عليهما أن يبرأ بعضهما من بعض؟
قال: معي إذا بلغا إلى معرفة الكفر فعليهما ذلك، وأما إذا لم يعلما ذلك وكانا محرمين للزنا فما لم يثبت الأيمان لبعضهما بعضا فهما سالمان.
مسألة:
[من الزيادة المضافة]
وعن المرأة إذا تبرجت وأبرزت بدنها، قلت: هل يبرأ منها بذلك الفعل؟ وقلت إنها تبرز بزينتها أو تتوضأ في الفلج وليس عليها ستر؟
قلت: هل يبرأ منها بذلك؟
فعلى ما وصفت فأما إذا أبرزت بدنها فإن كانت أبرزت كفيها فليس عليها بأس في ذلك، وإن كانت أبرزت من حد الكف فصاعدا أو خارج الكف، الذي عرفنا من قول الشيخ أن ذلك تبرج الجاهلية، وقد قال الله تبارك وتعالى: * (*وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى*) * فقد ارتكبت هذه المرأة ما نهى الله عنه.
وقد قالوا: ما نهى الله عنه في كتابه فهو من الكبائر غير أن الشيخ رحمه الله كان يقول: إن فعلت ذلك بجهل منها استتيبت من ذلك فإن تابت وإلا برئ منها، فإن فعلت ذلك على التعمد من بعد أن علمت أن ذلك لا يجوز لها برئ منها بذلك.
وكذلك إن أبرزت الكعبين فصاعدا فهو كذلك، وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (3/409)
صفحة 1080
«ما تعدى الكعبين من الرجال فانحدر فهو في النار».
المعنى في إسبال الإزار للرجال أسفل من الكعبين وأعلى من الكعبين للنساء، وما تعدى الكعبين فصاعدا من النساء فهو في النار، تأويل ذلك أنه لا يجوز للمرأة أن تبرز من كعبها على التعمد منها لذلك.
غير أن الشيخ كان يقول: حتى يكون ذلك على التعمد بعد العلم منها بأن ذلك لا يجوز لها أو تصر بعد أن تستتاب ولا تتوب فإنه يبرأ منها بعد ذلك.
وأما قولك: إنها تتوضأ في الفلج وهو على الطريق وليس عليها ستر فنستضيق على أنفسنا البراءة منها إلا بعد استتابة، أو نعلم أنها متعمدة بغير عذر فهنالك نبرأ منها قبل أن تستتاب، لأنهم قالوا: للإنسان أن ينظر يمينا وشمالا فإن رأى أحدا وإلا فكأنه يقضي حاجته.
وجاء الأثر: أنك تخطئ في الولاية أهون مما تخطئ في البراءة. والله أعلم.
[انقضت الزيادة المضافة] (3/410)
صفحة 1081
الباب الثالث والخمسون
فيمن يفعل فعلا على أنه حرام فيوافق الحلال
[من الزيادة المضافة]
وسألته عن رجل يطأ امرأته وهو يرى أنها غير امرأته وهو يريد الزنا، وهي امرأته ولا يعلم؟
وعن الرجل يصلي بالثوب وهو طاهر وهو يرى أنه جنب متعمداً للصلاة فيه؟
وعن الرجل يشرب الشراب وهو يرى أنه خمر وهو ليس بخمر وهو يتعمد الخمر؟
وعن الرجل يقتل الرجل متعمداً لقتله بلا حق ثم يصح أنه قتل أخا له وهو ولي دمه؟
وعن الرجل يسير مع الجيش مع جيش آخر يريد قتالهم وهو يرى أن الفئة التي هو فيها هي الباغية، ويتعمد أن يكون مع الباغية فقاتلهم فيقتل ثم يصح أن الفئة التي قاتلها هي الباغية؟
وعن الرجل يذبح شاة يريد سرقتها وهو لا يعلم أنها له وقد أكلها ثم علم أنها له؟
وعن الرجل يسرق شيئا يريد سرقته متعمدا ولا يعلم أنه له ثم يعلم أنه له؟ (3/411)
صفحة 1082
وعن الرجل يسرق صبيا وهو يرى أنه حر فيبيعه فيصح أنه مملوك له؟
وعن الرجل يسرق النخلة متعمداً للسرقة وهو لا يعلم أنها له ثم يعلم أنها له من بعد.
فقال: عليهم التوبة والاستغفار فإن ماتوا ولم يتوبوا تركت ولايتهم.
[انقضت الزيادة المضافة] (3/412)
صفحة 1083
الباب الرابع والخمسون
في المرجئة
وعن الذين يقولون إن الإيمان قول بلا عمل، ما قولهم الذي يزعمون أنهم يجزئهم عن العمل.
فاعلم أن هذا قول المرجئة.
وهم يزعمون أنهم إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء به محمد حق، وبرءوا من اسم الشرك فهم زعموا أنهم مؤمنون إيمانهم تام كامل كإيمان جبريل وميكائيل ومحمد وعيسى وموسى وإبراهيم، ولو زنوا وسرقوا وقتلوا النفس التي حرم الله بغير الحق وتركوا الصلاة المفروضة تعمدا لغير عذر وارتكبوا كل حرمة حرمها الله ما خلا الشرك الذي يخرجهم من التوحيد.
فهذا قولهم الذي يزعمون فيه أن الإيمان قول بلا عمل.
وقد يجب على المسلمين تكذيبهم في ذلك والبراءة منهم، ومن مخالفتهم فيه. (3/413)
صفحة 1084
الباب الخامس والخمسون
في الحشوية والجهمية
وقال الحشوية، وسموا أنفسهم الجماعة وأهل السنة وكذبوا بأصحاب سنة ولا جماعة بل هم أصحاب الفرقة والبدعة، وذلك بأنهم يقولون: إن الظالم والقاتل والمقتول على غير توبة يجتمعون في حضرة الفردوس، ويدينون بالطاعة لأهل معصية الله، وهم في ذلك يضللونهم ويفسقونهم، وقال الله عز ذكره: * (*وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ*) * (1)، فمن ركن إلى ظالم مسته النار، فكيف من دان له بالطاعة. ويروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ولو وليك عبدا حبشيا فاسمع له وأطع» (2)، يعنون في الأمر، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف وتكذيب لما قالوا، إنه قال لابن مسعود: «ولا طاعة لمن عصى الله»، وقول أبي بكر رضي الله عنه فيما رفع عنه من الحديث: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيتهما فلا طاعة لي عليكم"، وقد قال عمر بن الخطاب: "من أعطى ما بين الدفتين -يعني المصحف- فاسمعوا له وأطيعوا ومن أبى فاضربوا أنفه بالسيف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تعص إماما عادلا».
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن وليكم حبشي مجدع فأقام فيكم كتاب الله وسنتي فاسمعوا له وأطيعوا».
وهذا الخبر زائد على الخبر الذي رفعوه إن صح ذلك أيضا فالزائد
__________
(1) سورة هود: الآية 113.
(2) هكذا جاءت عبارة المؤلف وهي ناقصة كما ترى فما نعلم منها ما الذي نصب كلمة "عبدا" إلا إذا كان هناك محذوف لم يبينه النص المنقول. (3/414)
صفحة 1085
يقضي على الناقص، ففي هذا نقض لحجتهم ودحض لبدعتهم. وبالله التوفيق.
مسألة:
قالت الجهمية: إن الله كان ولا علم له [نستغفر الله العلي العظيم] (1) ولا سمع له ولا بصر ولا قوة حتى خلق لنفسه. فسبحان الله عن إفكهم، ومن الحجة عليهم أنه -سبحانه- قد علم ما لم يكن قبل أن يكون، ولو كان ذلك العلم محدثا لم يكن له قوة على خلقه.
وقد زعموا أنه كان ولا قوة له!! هل يستطيع الصانع أن يصنع شيئا إلا بقوة، فإن قالوا: قد كانت له قوة وإنما خلق علمه وسمعه وبصره بقوة، فكما أثبتوا أنه كان له قوة فكذلك كان له علم وسمع وبصر، والله تبارك وتعالى ليس من صفته أن له ومعه شيئا محدودا يكون له ثان، ولكن المعنى أن له قوة وسمع وبصر وعلم، والمعنى في ذلك لم يزل قويا ولم يزل عليماً ولم يزل سميعا بصيرا، وقد قال الله عز وجل: * (*وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً*) * (2). فقد قال الله سبحانه له قوة، وإنما المعنى أنه قوي لم يزل وأنه لا يوصف بصفة ثابتة تكون معه متميزة عنه، فسبحانه وبحمده عن هذه الصفة.
وقد قال: * (*لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ*) * (3) وقال: * (*إِنَّ الْعِزَّةَ
__________
(1) ما بين الأقواس استغفار كان لابد منه لذكر مثل هذه الأكاذيب من الجهمية.
(2) سورة البقرة: جزء من الآية 165.
(3) سورة الروم: جزء من الآية 4. (3/415)
صفحة 1086
لِلّهِ جَمِيعاً*) * (1).
وقال الله تبارك وتعالى: (بيده الملك وله الحمد) (2).
كل هذه الأشياء من صفاته، معناه أن له أمره، وله العزة وله الملك وله الحمد، ولم يزل قويا عزيزا ملكا عليما حكيما لا منازع له في أمره.
__________
(1) سورة يونس: جزء من الآية 65.
(2) لا توجد آية أو جزء من آية بهذا النص المدون عند المؤلف، ولعله يقصد قوله تعالى: {تبارك الذي بيده الملك} أول سورة تبارك. (3/416)
صفحة 1087
الباب السادس والخمسون
في المذهب
وقال أبو عبد الله من حجة الخوارج على أصحابنا من المسلمين فيما قالوا به إن كان منافقا أو عاصيا أو مشركا، فهو مشرك لأنهما: مؤمن ومشرك. وقال الله: * (*أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ*) * (1).
فقالت الخوارج: كل مشرك مقر بالإسلام عاص لله فهو عابد للشيطان، قال المسلمون: ليس المقر بالإسلام الداخل فيه العامل بالمعصية مشركا ولكنه منافق كافر نعمة.
وكان فقهاء المسلمين يحاجون الشعبية ويقولون: أخبرونا عن قول الحسن بن أبي الحسن البصري ومقاتل وفقهاء قومنا إذا قالوا: "إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان وعشية عرفة وأنه كلم موسى تكليما، وتجلى للجبل، وخلق آدم على صورته" وأشباه هذا من القول.
فقالت الشعبية: إن من قال هذا القول وتأول فيه وحاج بالقرآن فهو مشرك ويسبى ويغنم (2)، وقد يخرج من التوحيد وإن أقر بجملته، وليس من أهل القبلة وإن صلى إليها ولا يحكم عليه بأهل الإقرار وإن قرأ القرآن، لأنهم ليسوا عندهم من أهل الإقرار، وإن قرأ القرآن وتأوله واحتج به وتهجد به طول الليل.
__________
(1) سورة يس: الآية 60.
(2) يقصدون يحل قتاله وسبيه واغتنام أمواله على اعتبارهم إنه ليس مسلما. (3/417)
صفحة 1088
وأبى ذلك فقهاء المسلمين وردوهم عليهم، وأنكروه، وخالفوهم فيه، وقالوا: ديننا أن من أقر بالقرآن وتأوله على غير تأويله وحرفه عن موضعه غير أنه يحاج (1) بالقرآن وينازع فيه فهو عندنا في حكمنا من الموحدين المقرين، ما لم يجحد ما أقر به أو يرجع عنه أو يكذبه، فهو منافق ضال كافر برئ من الشرك برئ من السبي والغنيمة، وحكمنا فيه حكم أئمتنا المرداس بن حدير وأبي بلال وعبد الله بن يحي والمختار بن عوف والجلندى بن مسعود رحمهم الله، حكموا فيه بحكم المقرين المصرين فلم يسبوا ذرية ولم يغنموا مالا، وعابوا وشتموا من سماهم بالشرك واستحل منهم السبي والغنيمة.
وفارق المسلمون الخوارج كلهم وبرءوا منهم على تسميتهم من أقر بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر بالشرك.
وبلغنا أن جابر بن زيد رحمه الله قيل له: إن زياد الأعسم -وكان مسلما له منزله وفضله- فقيل لجابر إنه يسمي قومنا بالشرك، فقال لهم جابر: أرسلوه إلي، فقيل له: إن جابرا يدعوك، فأتاه زياد، فقال له جابر: يا زياد، ما تقول في هدي قومنا، يعني البدن الذي يبعثون بها إلى مكة وينحرونها؟ فقال زياد: أنحرها وآكل أكبادها وأسنامها، فإنه لا هدي لهم.
فقال له جابر: إذن أبرأ وأخلع.
وقد مضى فقهاء المسلمين (2) على الصواب والحق والعدل ليس
__________
(1) في نسخة يجحد، ونعتقد أن مقصوده ما أثبت لينتظم السياق.
(2) هذا الرأي ننزع إليه وقد ناقشناه كثيرا مع طلابنا وأوضحنا لهم أدلته من القرآن الكريم وتحذيرات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي كان يحذر فيها من أن يتخذ المسلمون سنن من قبلهم ممن خالف المنهج وكان صلى الله عليه وسلم يكرر الأمر بضرورة قيام هذه المفاصلة بين الصنفين صنف أهل الحق في جانب وغيرهم -جميعا- في الآخر. (3/418)
صفحة 1089
بينهم اختلاف فيه ولا تنازع أن الناس عندهم صنفان: فصنف مقرون بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر، والموت والبعث والثواب والعقاب، ويحكم عليهم بحكم الموحدين المقرين.
وصنف جاحدون منكرون مكذبون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والثواب والعقاب وهم اليهود والنصارى والمجوس ومشركو العرب، فضمهم جميعا اسم الشرك، ويحكم عليهم بأحكام أهل الشرك.
وعن هؤلاء المحدثين الذين يزعمون أن من قال: إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان، أنه مشرك حلال السبي والغنيمة.
قال: قد أدركنا الفقهاء، وهذا يذكر عندهم (1) فلا يسمون من قاله مشركا، وكانوا يرون من سماه مشركا أو يسمي أحد من أهل التوحيد ومن أقر بالقرآن (الكريم) والنبي صلى الله عليه وسلم وصلى الخمس، إن من سماه مشركا وحكم فيه بما حكم في أهل الردة وحرم منهم ما يحرم من المشركين من المناكحة والموارثة وأكل الذبيحة والقصاص إنه فاسق عند الفقهاء عدوا لله.
وقيل لأبي عبيدة رحمه الله: إن مقاتل كان من علماء قومنا يقول: إن الله خلق آدم على صورته، فقال أبو عبيدة رحمه الله: كذب مقاتل، ولم يسمه بشرك ولم ينسبه إليه، فقولنا قول أبي عبيدة وقول المسلمين.
وقال أبو حمزة المختار بن عوف رحمه الله في خطبته بالمدينة يذكر الرافضة: إن هذه الشيع الذين يؤمنون ببعث ورجعة قبل يوم القيامة فلعنهم، ولم ينسبهم إلى الشرك.
وأخبرنا الربيع رحمه الله أن أبا عبيدة رحمهما الله قال: لعن الله النجدية، زعموا لو أن امرأة منهم طافت بالبيت في خامة (2) رقيقة
__________
(1) يقصد قول المحدثين الذي سبق ذكره.
(2) الخامة ثوب رقيق. (3/419)
صفحة 1090
لا تواري جسدها ولا فرجها إنها مسلمة عندهم، وأن ذلك الفعل لا يخرجها من الولاية فلعنهم أبو عبيدة حيث تولاهم ولم يخرجوها من الولاية.
هذا: ومن كتاب الصلح
الذي كان بين المسلمين وبين الشيعة
فلم تقبله الشعبية في حياة أبي أيوب وائل بن أيوب، ورده عبد الله بن زيد البغدادي والمسلمون ولا يتوارث أهل ملتين، وقال في قول الله: * (*وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ*) * (1) إلى آخر الآية إنما هو في الأحرار، بقول الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، إن لكم في دينكم أسوة حسنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مسألة:
[من الصالحين]
وأمامكم كتاب الله فأنتم مجتمعون على ما بين لكم الكتاب وقد تنازعنا نحن وأنتم في أمور قد جرى بيننا وبينكم فيها التنازع فأطال ذلك في البلاد وتفرق في البلاد كلها فمع ما تنازعنا نحن وأنتم ونحن نرضى بالقول فيه منكم أن تقولوا في الجمعة إنها فريضة ندب إليها المؤمنون وأمرهم بها فمضى فقهاء المسلمين يأتوها ويرغبون فيها، فمن رغب فيها أو سارع إليها فهو ولي لنا رحمه الله، ومن تركها من غير رغبة عنها ولا طعن على من مضى من المسلمين ولا براءة منهم رحمهم الله، ومما تنازعنا فيه أن آخذ العطا واسع له أخده، فمن أخذه فرحمه
__________
(1) سورة النساء: جزء من الآية 92. (3/420)
صفحة 1091
الله وهو لنا ولي، ومن برئ ممن أخذه فهو هالك عندنا، ومن استقبل قبلتنا وأقر بالله وبرسله وبكتابه وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم من قومنا فهو برئ من الشرك حرام السبي والغنيمة، فمن استحل منهم السبي والغنيمة وسماهم بالشرك فهو عندنا هالك.
ومما تنازعنا في أمر هذه المرأة، وما ركبت من الحرام فبرئنا منها، وكففتم عنها فقد نقبل منكم أن تقولوا رحم الله من برئ منها بعلم، ونقول رحم الله من كف عنها حتى يسأل المسلمين.
ومما نسألكم نرجو به الصلاح أن من برئ من الربيع أو من أحد منها فهو هالك ولا يقف أحد على شيء سلف منه، ولا يبرأ من أحد منكم مضى لأمر شعيب ولأمر عبد الله إلا من برئ من الربيع فنحن منه براء، وتتولونا ونتولاكم ومما نطلب إليكم أن نكتب كتابا إذا اجتمعنا نحن وأنتم باجتماع المسلمين وصلاح ثابت بينهم إلى جميع البلدان وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم، وكتب هذا الكتاب في حياة أبي أيوب وائل بن أيوب رحمه الله، وكان القائم يومئذ بأمور المسلمين وكان بقية المسلمين بالعراق فلما وصل الكتاب إلى عبد الله بن الزياد البغددادي رده ولم يجز الصلح.
مسألة:
قال أبو سفيان: وانتحل نافع بن الأزرق أن أهل القبلة مشركون مثل حرب النبي صلى الله عليه وسلم يستحل منهم القتل وسبي الذرية وغنيمة الأموال وانتحل الهجرة وبرئ ممن كان على رأيه إذا لم يكن في عسكره ولم يقبل من أحد إجابة إلا بالهجرة التي انتحل، وسمى أهل القبلة من المخالفين له بالشرك واستحل سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وسفك دمائهم على غير دعوة ولم يعذر عن الخروج أحدا، ذكرا ولا أنثى، (3/421)
صفحة 1092
ولا حرا ولا عبدا، وسمى الموافقين له عند التخلف ونصب المحبة فمن أخطأ محبته فقتله وشهد على نفسه وعلى أهل دينه أنهم مشركون ما لم يخرجوا وإذا خرجوا استعرضوا كلهم بالقتل والسبي والغنيمة، فإذا وجد أحدا من أوليائهم المقيمين في دار قومهم استحلوا منهم ما يستحلون من غيرهم يتأولون في ذلك قول الله تعالى: * (*إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ*) * (1).
وكان يقول لمن أتاب يطلب الدخول في دينه فإذا أجابه إلى دينه سماه بالشرك، ومات نافع على فراشه مقيما في دار قومه وهم يزعمون أنها دار شرك لم يدع شيئا حرمه الله إلا ركبه من الزنا والربا والسرقة والدماء وأكل أموال الناس ظلما فلم يزل على ذلك حتى حضره الموت وهو في بيته على فراشه مقيما في دار الشرك وهم يزعمون أن من أقام فيها فهو مشرك ومن مات فيها فهو من أهل النار، فدخل عليه عواده من أوليائه وغيرهم فلعنهم وبرئ منهم وهم حوله فيشهدون لهذا أنه حي مرزوق في الجنان يزعمون أنه قد بين أمره وقضى ما عليه وجاهد أعداءه، فزعم أولياؤه أنه مسلم حين برئ منهم ولعنهم.
وانتحل نجدة ما انتحل ابن الأزرق من السبي والغنيمة والتسمية بالشرك، فانتحل الهجرة وتولى القاعدين من أهل دينه، وزعم أن أهل الهجرة لهم حقوق المسلمين وأن الذين تابعوه على دينه ولم يهاجروا منافقون ليس لهم حقوق المهاجرين ولا حرمتهم، وحرم دماءهم وأموالهم ولا يصلى عليهم إذا ماتوا ويتولى الأحداث من أهل دينه وللطوائف من
__________
(1) سورة البقرة: الآية 159. (3/422)
صفحة 1093
أصحابه بتولي نجدة ويفعل ما يشاء ثم قتل نجدة فافترق أصحابه، وانتحل عطية ما انتحل نجدة إلا أنه برئ من نجدة، ثم انتحل زياد الأعسم ما انتحل ابن الأزرق ونجدة وعطية من القتل والسبي والغنيمة والتسمية بالشرك، وزعم أنه يقتل من خالفه في السر والعلانية يتأول بذلك قول الله تعالى: * (*فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ*) * (1) ويستحل مناكحتهم وموارثتهم وأكل ذبائحهم والمقام بين أظهرهم، فافترق أصحابه فرقا يلعن بعضهم بعضا ويستحل بعضهم حرمة بعض، وانتحل صالح بن مسروج ما انتحل زياد وتولى زيادا وانتحل شبيب بن زياد الشيباني ما انتحل صالح بن مسروج وبرئ من أصحابه، وافترق أصحابه فرقتين، فرقة تبرأ من شبيب وتتولى صالحا وفرقة تتولى شبيبا وتبرأ من صالح، والذين برءوا من صالح بعث إليهم خيلا له فلقي رجلا فقاتلهم وامتنع منهم، وقال إني مسلم لا يتقدم علي أحدا إلا قتلته، فقالوا له: فإن كنت صادقا فألق سلاحك ففعل فأتوا به صالحا، فلقيه رجل من أصحابه صالح فأخبروه قصته فقال: إنه حلال الدم، فلما دخلوا به على صالح فتلا عليهم: * (*فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ*) * (2) فلما مات صالح قال لهم الرجل الذي قال لهم إنه حلال الدم إن صالحا قد حكم بالحق في أمر الرجلين ولكن كان عليه أن يستثني فبرئ من صالح من أجل ذلك وتبعه شبيب وطائفة ممن معه.
وقالت طائفة: بل قد أصاب صالح الحكم، ورضاك بالحكم هو توبتك، وكان مما ذكروا على صالح أنه أمرهم في فرسخين كانوا أصابوا فقالوا: إن الله نهى عن الاستقسام بالأزلام، وقد أمر بها فبرءوا منه أيضا
__________
(1) سورة التوبة: جزء من الآية 5.
(2) سورة التوبة: جزء من الآية 5. (3/423)
صفحة 1094
بذلك ثم افترقا بعد ذلك فرقتين، فريق تبع أبا باهس واسمه هنظم، وفريق فارقوه وبرءوا منه، وانتحلت البيهسية صد الهدى قبل أن يبلغ محله ونبذوا: آمين البيت الحرام واستحلوا نكاح ... (1).
ثم اختلف الصفرية فيما بينها، فمنهم من يستحل قتل السر وهم الشمراخية، وطائفة يستحلونه سرا وعلانية، واختلفوا في أولادهم فطائفة يتولونهم حتى يبلغوا الحلم فإذا بلغوا الحلم برءوا منهم، واستحلوا منهم ما يستحلون من أهل الشرك في غير إنكار منهم لدين آبائهم ولا حدث نعلم منهم.
وطائفة يتولونهم حتى يهرموا من غير أن يظهر منهم خير وهم التعلبية.
ثم اختلفوا بعد ذلك في صدقة العبيد، فبعضهم يراها عليه، وطائفة لا يرونها.
ثم اختلفوا في أمر القدر، منهم من يزعم أن الله خلق العباد على المعاصي.
وطائفة يزعمون أن المشيئة في أيدي العباد إن شاءوا أحسنوا وإن شاءوا أساءوا، وأدخلوا الجنة وإن شاءوا دخلوا النار ويتأولون بذلك قول الله تعالى: * (*اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ*) * (2).
واختلفت الصفرية فلعن بعضهم بعضا وبرئ بعضهم من بعض واجتمعوا على من خالفهم ... وانتحلوا الهجرة من دارهم واستحلوا سبيهم وغنيمة أموالهم، واستحلوا بهجرتهم فهاجروا فروج ذات البعولة
__________
(1) في الأصل بيان ولم يتبين غرض المؤلف.
(2) سورة فصلت: جزء من الآية 40. (3/424)
صفحة 1095
ويتأولون قول الله تعالى: * (*وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ*) * (1). وقد يرجع الراجع منهم على نسائه اللاتي ترك في دار قومه التي هاجروا، ويزعم بعضهم أنه من أولاد المشركين.
مسألة:
وسألت أبا عبد الله كيف الحجة على ملحد لو أنه قال: إن الله يعذب من سفك الدم حراما فكيف أمر إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه، وقتل الولد من أعظم الكبائر.
فقال: الحجة عليه أن يقال له: كل شيء أمر الله به عباده فهو طاعة وإنما أمر كما علم، والذي أمر الله به إبراهيم عليه السلام من ذبح ولده هو طاعته فكان حقا على إبراهيم أن يطيع ربه فيما أمره به وكان ذلك اختبارا من الله لإبراهيم فأطاعه وكان في علمه أن يفديه من الذبح وأمر العباد ألا يسفكوا الدماء واعتبر فعلهم معصية لله والله لا يشبه بخلقه، وقد أمر الله الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام فسجدوا له وكان ذلك منهم طاعة لله في آدم، فلما أبى إبليس أن يسجد لآدم عليه السلام كما أمره الله، كان تركه للسجود معصية لله فلعنه الله وجعله شيطانا رجيما، ولو أن رجلا سجد لرجل أو لأحد غير الله كان بذلك كافرا، وقد أمر الله الخضر أن يقتل الغلام فقتله وكان قتله إياه طاعة، ولو أنه لم يقتله كان عاصيا لله، وإنما أمره الله بقتله كما علم ولا يسأل عما يفعل، وقال من قال: كان غلاما لم يبلغ الحلم، وقال من قال: كان رجلا بالغا عاصيا لله فكان فعله عقوبة له وكل شيء أمر الله به عباده أن يفعلوه فهو منهم له طاعة ومن لم يفعل فهو معصية لله ولا يشبه في ذلك بخلقه لأن أمره كما شاء وعلم.
__________
(1) سورة الممتحنة: جزء من الآية 10. (3/425)
صفحة 1096
قلت: فإذا قال ملحد: وكيف أنزل الله قرآنا على محمد وأحل له شيئا ثم حرمه، وحرم عليه شيئا ثم أحله ونسخ منه شيئا؟
وقال أبو عبد الله: ما كان من القرآن من الأخبار والأنبياء والتخويف فهو بحاله لم ينسخ، وأما ما كان فيه من الحلال والحرام والأحكام، فمنه ما هو ثابت بحاله ومنه ما نسخه الله بعلمه به وبعباده ولا يسأل عما يفعل، وقد يحل الله الشيء ثم يحرمه ويحرمه ثم يحله كما أراد وعلم ولا يسأل عما يفعل، وقد كان الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي إلى بيت المقدس وجعله قبلة وهو كان قبلة الأنبياء والرسل والمؤمنين من الأمم قبل النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس ثم حوله إلى الكعبة وجعلها قبلته وقبلة أمته فلا تجوز تلك القبلة إلى بيت المقدس، وقد أحل الله أشياء لبعض الأنبياء والرسل وأمتهم وحرم ذلك على غيرهم من الرسل والأنبياء وغيرهم، ومن ذلك أن الله تعالى حرم على بني إسرائيل أكل زكاة أموالهم ولم يحلها لغني ولا فقير منهم وإنما كانوا يخرجون زكواتهم ويجمعونها ثم تنزل عليها نار من السماء فتأكلها، وقد أحل الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أكل زكواتهم على ما أحل الله في كتابه وجاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان أحل لابني آدم نكاح أختيهما وحرم ذلك على غيرهما، وقد كان صيام شهر رمضان على الأنبياء والرسل وأمتهم من قبل محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين أنه إذا نام واحد منهم في الليل فلا يحل له الطعام والشراب بعد ذلك النوم على يومه حتى تغرب الشمس ويدخل الليل، ومن لم ينم منهم في الليل فالطعام والشراب له حلال في الليل إلى طلوع الفجر، وإلى أن ينام قبل ذلك، وكذلك كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم خفف الله عنهم وأحل لهم الطعام والشراب والنكاح في الليل إلى طلوع الفجر، فأنزل الله عليه * (*أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ*) * (1) إلى آخر الآية.
__________
(1) سورة البقرة: جزء من الآية 187. (3/426)
صفحة 1097
مسألة:
وإنما نخبركم أن كل مقر بالله وبرسوله وبما جاء به رسوله مطيعا لله إذا كان سالما من الحدث وليس على شيء مما نهاه عنه من ترك الفريضة ولا ركوب الحرام الذي حرمه الله في كتابه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أو مجمع على تحريمه من فقهاء المسلمين، ولا قائل على الله بخلاف الحق في كتاب له وفي سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فهو مسلم عندنا على المنزلة التي وصفناها، ومن خالف الله في قول يقول به عليه خلاف ما شرع في دينه وما جاء في سنة نبيه أو مجتمع عليه من قول فقهاء المسلمين فهو ضال كافر، وإنما ضللنا الجبابرة بالعمل بالمعاصي في ظلمهم العباد وجورهم عليهم وادعائهم أن ما أتوا حلال لهم فصاروا عاملين لمعاصي الله مدعين الكذب على الله، فصار من تولاهم وأثبت لهم الإسلام والإيمان مثبتا لهم ما قد أزاله الله عنهم رادا عليه أمره كاذبا عليه يقول غير الحق في كتابه، فبرئ من سوء أعمالهم ومعاصيهم ولم يبرأ من ولايتهم ورد الحق على من قال الحق فيهم والصدق عليهم المنزل في كتاب الله، وكان من خالف المسلمين بخلاف دين المسلمين فيهم فهؤلاء الذين يدعون أنهم الجماعة وهم أهل الفرقة مختلفون في قولهم.
وقد بينا لكم كذبهم على الله.
وكذلك دأبت المعتزلة على الله بالكذب وأخطئوا صفة الحق بأنهم دانوا بالبراءة من الجبابرة وغيرهم ممن ركب الكبائر وعمل بها حتى يرجعوا أو يتوبوا، وتأولوا ذلك من قبل كتاب الله، وزعموا يعرفون عدله وتبيانه من كتاب الله، وقالوا: الوجه من العدل في ذلك، وأصابوا (3/427)
صفحة 1098
في تأويل القرآن ثم لم يستكملوا العدل ولم يتموا عليه ولم يوافقوا المسلمين وذلك أنهم زعموا أن القائل بخلاف ما دانوا به من الحق في الجبابرة وأهل الكبائر والراجع عن عدله بعد الإقرار به وادعى المعرفة له من كتاب الله أنه مسلم عندهم وإن جحد بعدل ما قالوا في ذلك أو رجع عنه بعد معرفته له وأعظم من ذلك نفاقهم وضلالهم إن دانوا بأن المسلمين ضلال بإثبات ذلك على الجبابرة وأهل الكبائر وهم يدينون أن ذلك من العدل فبرءوا من المسلمين إن لم يقولوا بمثل قولهم في توسيع من الرجعة من عدل ما قالوا جهلا منهم وطاعة للشيطان، ودانوا بذلك لا يتوبون ولا يرجعون عنه بالمقام على خلاف دين الله، وأصروا واستكبروا عن أمر الله بترك التوبة في حال المباشرة والموافقة له وليس كما زعم المخالفون لنا إن الله يغفر من الذنوب ما لا يتاب منه وإنما الإيمان يثبت للناس على جهل ما دانوا به في فراق العاصين وذلك أنهم زعموا أن من أقر بالله ورسوله وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم فهو مسلم، فقلنا لهم: ما تقولون فيمن لم يقر بما يدينون به من البراءة من الجبابرة وغيرهم من العاصين من أهل الكبائر ولم يجحد بذلك غير أنه شاك واقف عنكم وعمن برئتم منه جهلا منه، ثم زعمتم من ضلالهم في كتاب الله.
قالوا: هذا مسلم على هذا القول يتولى.
قلنا لهم: لم نراكم تنصبون دينا من تكفرون من جهله وشك فيه، فما تقولون؟ أعدل ما دنتم لله به من البراءة من الجبابرة والخوارج وغيرهم من أهل البدع والأحداث؟
قالوا: نعم هو عدل ندعيه من قبل كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
قلنا لهم: فما تقولون فيمن دعوتهم فاحتججتم عليه بما شك فيه من قولكم لكتاب الله وسنة نبيه، أيضل بوقوفه عنكم وشكه فيما قلتم ودعوتموه إليه من الحق (3/428)
صفحة 1099
قالوا: لا يضل عندنا من لم يبرأ منه أو يتولى من يبرأ منه، فإن وقف عنا وعنكم وشك فلا بأس عليه، ولم يجعلوا الكتاب ولا علماء المسلمين المأخوذ عنهم العدل والعلماء بتأويل كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حجة الجاهل للحق في التسليم لهم فيه وجعلوه مسلما على التهمة لهم في العدل والوقوف عنهم والظن منه بأن قد كذبوا على الله فيما هم فيه صادقون عليه وأنهم مبطلون عند الجاهل فيما قد وافقوا فيه الحق عند الله فللجاهل في جهله بحق ما قالوا أن يقف عنهم ولا يتولاهم عليه وعليهم هم ولايته والتوسع عليه فخالفوا أهل الفضل في قولهم وأثبتوا الإسلام لمن لم يعرف إسلامه ويتولاه.
وكذلك القول منهم في كل أمر يعرفون عدله في كتاب الله ويدينون به ويزعمون أن من لم يثبت له الإسلام بالإقرار بالله والنبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله على شيء وسعه وجهله من علم الدين فإنه واسع له الوقوف عن العلماء بما جهل ولا يكون عليهم بكتاب الله ودينه الحق حجة على الجاهل في التسليم لهم فيما دانوا به من العدل في ذلك فهذا بيان غير بيان مما خالفوا فيه العلماء وكل شيء كان على الناس الإقرار في ذلك الحال وهو مما أعد الله على فعله النار أو تركه النار فإن الذي صنع أو فعل كافر ضال وعليهم إذا لم يعلموا أنه حرام الوقوف عنه حتى يعلموا ما هم عليه فإن فعلوا ولم يقفوا في حال جهلهم وفعلوا ما نهوا عنه ضلوا وكفروا، وقد قامت اليوم الحجة فلا يسع ركوب ما نهى الله عنه بجهالة. (3/429)
صفحة 1100
تم الجزء الثالث في الولاية والبراءة من كتاب بيان الشرع ويتلوه الجزء الرابع في الأصول والسير، بقلم الأقل لله عز وجل أسير ذنبه الفقير إلى ربه عبد الله بن راشد بن سعيد بن عبد الله القطاف الشقصي البهلوي إحياء لآثار المسلمين ومعونة لإظهار الدين وخدمة للعلم الشريف، وكان ذلك نهار الأحد لليلتين بقيتا من شهر جمادى الأولى من شهور سنة خمس وأربعين ومائة وألف وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين وعلى جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وجميع الملائكة والأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين من الأولين والآخرين وسلم عليه وعليهم أجمعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
9 من شعبان سنة 1403هـ
22 من مايو سنة 1983م (3/430)
صفحة 1101
مسألة:
[من الزيادة من كتاب الكفاية]
وقوف السلامة هو أن يقف عن الفتيا بجهله يعدلها ويتولى العالم المفتي بها، أو يقف عن المحدث ويتولى من برئ منه من العلماء أو يقف عن المحق ويتولى من تولاه من العلماء، فإن وقف عن المفتي أو المتولي أو المتبرئ فقد دخل فيما لا يسعه جهله لأنه قد وقف وقوف الشك المهلك لأهله.
مسألة:
من بعض آثار المسلمين: قال علي بن محمد رحمه الله قال: أخبرنا سعيد بن محمد بن هاشم بن غيلان رحمهم الله قال: كان أشياخنا يعلموننا إذا اختلف الناس في شيء مما يحل بعض ويحرم بعض أو في ولاية أو في براءة فقف عند الشبهات حتى تعرف الحلال من الحرام وتستبين لك الولاية من الفراق وقل في هذه الأمور قولي قول المسلمين وديني دينهم، فما أجمع أهل العلم والبيان فأنا منهم وقل أنا واقف حتى أسأل المسلمين أهل العلم والبيان فإن اختلف الناس فكن مع أهل الصدق واسأل المسلمين أهل العلم بالله وبكتابه وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على هذا مضى أوائل المسلمين.
وقال غيره:
إنما وسع الوقوف الضعيف فيما شكل عليه أمره ويكون وقوفه مع السؤال والتعليم والذكر ليس على الاختيار للشك والمقام عليه دون الطلب للحق فيما وقف عنه والبحث عنه.
قال الأزهر بن محمد بن جعفر رحمه الله: وأنا فقد دخلت بسبب بعد سبب مع هؤلاء الأئمة، وأنا كنت أدخله فيما كنت أستحله وأدين به. (3/431)
صفحة 1102
قال: فلما انقضت تلك الأمور بما فيها ورأيت اختلاف الناس رأيت الوقوف أولى به وأسلم ورجعنا إلى الاستغفار والمتاب من كل ما أخطأت فيه من تلك الأسباب ورأيت الوقوف أولى به وأسلم وأحزم وقوف تبين وسؤال واجتهاد في طلب الصواب.
فانظر قول الأزهر بن محمد أنه وقف وقوف سؤال لا وقوف شك إذ لا يجوز الشك.
وقد أقر بالأحداث التي قد دخل فيها، ورووا أنه قد تاب منها، ولا تكون توبة إلا من بعد معرفة الخطأ، فقد أقر على نفسه بمعرفة خطأ ما كان دخل فيه فهذا أزهر يقول: إن وقوفه عنهم وقوف سؤال لا وقوف شك.
وقال هاشم فيما روي في الولاية والبراءة فيما تقدم من كتابنا: يكون وقوف سؤال لا وقوف شك.
مسألة:
من منثورة قديمة بخط الفقيه محمد بن مداد بن محمد رحمه الله، وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله إن علي بن أبي طالب كانت له توبة لو تاب.
قلت له: تجزيه توبته بالاستغفار بالقود؟
قال: نعم، لأنه أتى ما أتى باستحلال منه له، ولو تاب كما تابت عائشة أم المؤمنين قبل منه، كما قبل منها، ثم قال: قد قال بعض الخوارج إنه قد تاب.
قلت: البيهسية؟
قال: نعم. (3/432)
صفحة 1103
مسألة:
بخط الفقيه عثمان بن أبي عبد الله الأصم رحمه الله عن بعض علماء المسلمين أن اسم الإسلام وثوابه إنما أوجبه الله على القول به والعمل بما أوجب من الفعل على عباده والإخلاص في القول والعمل. وإنما ثبتت الولاية على المسلمين لمن وافقهم فيما دانوا به من القول والعمل، فمن ضيع القول والعمل لم يثبت له اسم الإسلام ولا ثوابه عند الله ولا عند المسلمين، ولا تحل ولايته عند المسلمين والبراءة واجبة عليهم والله أعلم.
مسألة:
قال عثمان بن محمد، حفظت أنه قيل: بين الجنة والنار مسيرة ثلاثين ألف سنة.
مسألة:
وحفظت أن إبليس لعنه الله تعالى، عبد الله تعالى قبل خلق آدم ثمانين ألف سنة، ثم صار أمره إلى ما تعلمون، وهو قائد العصاة يوم القيامة إلى النار التي يزيد عذابها كل يوم، والله أعلم.
هذه المسائل وجدتها في حاشية الكتاب الذي نسخت منه فنقلتها وهي بخط الشيخ أحمد بن مداد رحمه الله.
مسألة:
من منثورة بخط الفقيه محمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي علي رحمه الله المستحل الذي أسقطوا عنه ضمان ما أخطأ الحق في إتلافه من الأموال والدماء وما أشبه ذلك في استحلاله في أكثر قولهم ولم يروا عليه (3/433)
صفحة 1104
إذا لم يرد شيئا من التنزيل غير التوبة بالتوقيف، وهو أن يقر بتحريم ما استحله من الحرام في دين الله أو بتحليل ما حرم الله من الحلال في دين الله، ويتوب منه بعينه هو المتأول أصلا من دين الله والأصول فهي كلما جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي إجماع أهل العدل من المسلمين أنه حلال أو حرام، فإذا ركب الراكب حراما بالدين متأولا فيه إصلاحا إلا بالدين من الكتاب أو السنة أو الإجماع فأتلف في ذلك مالا أو نفسا أو ما يشبه ذلك ثم عرف خطأه فتاب إلى الله تعالى وأقر بحرمته ورجع إلى قول المسلمين فيه أنه لا ضمان عليه في ذلك.
وجدت في الآثار: المستحل الذي يسقط عنه الضمان هو من تأول الكتاب بالكتاب أو تأول الكتاب بالسنة أو تأول السنة بالكتاب أو تأول الكتاب بالإجماع أو تأول الإجماع بالإجماع فيخالف في تأويله دين الله ودين رسوله ودين المسلمين.
وأما من تأول الرأي بالرأي أو تأول الكتاب بالرأي أو تأول السنة أو الإجماع بالرأي لم يكن هذا كمن تأول الكتاب بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع فيخطئ الحق في تأويله والله أعلم.
قال غيره:
وجدت في آثار المسلمين أن المستحل الذي أسقطوا عنه الضمان هو الذي يحدث حدثا في الدين من تحليل وتحريم ويستحل ذلك في دينه وعلامة استحلاله أن يبرأ ممن حرم حدثه ذلك أو يدعي أن ما أحل من ذلك حلال من الله أو حرام من الله في غير استثناء منه والله أعلم.
مسألة:
قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة رحمه الله ورضيه:
وسألت أبا مالك رحمه الله عن إمامة عمر بن عبد العزيز لم ثبتت؟ (3/434)
صفحة 1105
قال: بتسليم الجميع له والرضا بإمامته.
قلت: فالرضا والتسليم تقومان مقام العقد للإمام؟
قال: نعم لأن العقد للإمام من المسلمين تكون بالرضا والتسليم وقد صح تمامه بكون العقدة.
قلت: أيما أكبر الرضا والتسليم أو العقدة؟
قال: التسليم أكبر من العقد، فقد دلت آثار سلفنا على صحة إمامته.
قيل له: لما وفد عليه المسلمون أعطاهم الرضا فيما التمسوه منه من الدين فسألوه أن يظهروا البراءة من عثمان وعلي وسائر الجبابرة فأعطاه الرضا فيما بينهم وبينه، واعتذر من إظهار ذلك بالتقية خوف بني أمية فلم يقبل ذلك منه المسلمون وبرئ منه بعضهم، ووقف عنه بعضهم وتولى الواقف المتبرئ، وتولى المتبرئ الواقف، ومن تولاه فهو معهم في حال البراءة، فلو كان الوقوف عن الإمام غير واسع دون ولايته والبراءة منه ما وسع أئمتنا الوقوف عن عمر بن عبد العزيز، وهم كانوا أهل الفضل في الدين وأعلم بشرائع المسلمين، والله أعلم.
مسألة:
ومن جواب الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن المغربي وذكرت من أحرق لحم الخنزير وأن اللحم إذا احترق صار رماداً، ونسب إلى غير اللحم، فالمحرم هو اللحم، والحريق الذي صار رماداً هو غير اللحم فشربه مكروه، وإن شربه شارب لم يهلك به، ولم يبرأ منه لأنه لم يشرب الحرام المنصوص بعينه. وقد فعل ما لا يحل له. (3/435)
صفحة 1106
ومن جوابه رحمه الله في التعالج بشحم الخنزير أو خمر فلم يجز ذلك وقال: إن الشحم حكمه حكم اللحم، لأن الله حرم لحم الخنزير وشحمه كلحمه، أحدث المعنى لا اللفظ بعينه فينظر فيه.
ثم قال: ومنزلة من فعل هذا إن كان جاهلا أن يعلم ويخبر بما جهل من هذا، ثم لا يعودون إلى هذا ولم يجعل فيما حرم الله شفاء.
وجد مدونا على النسخة رقم 2476 المسجل بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة الرقم الخاص 80ب والعام 393 فقه.
آل إليّ هذا الجزء الشريف بالشراء الصحيح ومالكه الشيخ عبد الله بن عمر بن راشد الشقصي البهلوي. كتبه الفقير إلى الله سالم بن رشاد بن سالم بن ربيعة البهلوي بيده. (3/436)
صفحة 1107
الفهرس
[الفهرس لم يرقن] (3/437)
صفحة 1108
[صفحة لم ترقن] (3/438)
صفحة 1109
[صفحة لم ترقن] (3/439)
صفحة 1110
[صفحة لم ترقن] (3/440)
صفحة 1111
[صفحة لم ترقن] (3/441)
صفحة 1112
[صفحة لم ترقن] (3/442)
صفحة 1113
[صفحة لم ترقن] (3/443)
صفحة 1114
[صفحة لم ترقن] (3/444)
صفحة 1115
[صفحة بيضاء] (3/445)
صفحة 1116
رقم الإيداع 2672 لسنة 1984م (3/446)
صفحة 1117
[صفحة بيضاء] (3/447)
صفحة 1118
مطابع سجل العرب (3/448)
صفحة 1119
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الرابع
1404هـ/1984م (4/1)
صفحة 1120
[صفحة بيضاء] (4/2)
صفحة 1121
بسم الله الرحمن الرحيم (4/3)
صفحة 1122
[صفحة بيضاء] (4/4)
صفحة 1123
كلمة المحقّق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين:
أمّا بعد: فقد انتهى بعون الله وحسن توفيقه القيام بتحقيق ومراجعة الجزء الرابع من كتاب (بيان الشرع الجامع للأصل والفرع) تأليف العالم الجليل مرجع العلماء وقائده عند العمى ذي الرأي الصائب والنظر الثاقب أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي النزوي، المتوفى عام ثمان وخمسمائة للهجرة النبوية _ رضي الله عنه وأرضاه _، وكتابه هذا في اثنين وسبعين جزءا.
ويبحث هذا الجزء تكملة ما بحثه الجزء الثالث الذي قبله أحكام الولاية والبراءة والوقوف، وقد خص هذا الجزء بقضية عظيمة أورثت الفتن والانقسامات في عمان حوالي سبعمائة عام، وانقسموا بسببها إلى فرقتين: فرقة نزوانية وفرقة رستاقية، وقامت كل واحدة منهما تقدم إماما وتدعي أن الحق معها، حتى جمع الله شملهم، وظهر لهم صواب الحق فيما قاله الإمام الكدمي أبو سعيد محمد بن سعيد الناعبي، الذي ألّف في هذه القضية كتاباً سماه: الاستقامة، ألّفه في رد هذه البدعة التي انتشرت، وهو من علماء القرن الرابع، وأصل القضية أن الإمام الصلت بن مالك أحد أئمة القرن الثالث بلغ حد الزمانة والضعف، فاقتضى نظر أحد أعلام المصر عزله، وتقديم إمام غيره، فوصل إلى قرية فرق بجيشه وإمامه الذي يريد تقديمه، فاعتزل الصلت الإمامة وبايع الإمام الثاني، فوقع الخلاف بين العلماء على أقوال كثيرة تنحصر في ثلاثة أقوال: (4/5)
صفحة 1124
القول الأول: براءة القائم لانتهاكه حرمة إمام قبله.
والقول الثاني: ولايته لأن الظاهر من أمره أ، ه قام بحق، وأن الصلت اعتزل الإمامة برضاه.
والقول الثالث: الوقوف عنهم للاشكال في أمرهم.
فمن هنا حصل النزاع بين المتولي والمتبري، حتى جمع الله شمل أهل عمان بقيام الدولة اليعربية التي طهر الله بها البلاد وأراح بها العباد والحمد لله رب العالمين.
سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي
02 رمضان المعظم سنة 1403هـ
14 يونية سنة 1983م (4/6)
صفحة 1125
بسم الله الرحمن الرحيم
وجدت في كتاب من كتب أبي عبد الله محمد بن زنباع جوابا لأبي سعيد فيما يسع جهله، وما لا يسع جهله، وما تقوم به الحجة في ذلك من القول والسماع، سألت أبا سعيد محمد بن سعيد _ رضيه الله _ عن الأنبياء كلهم: هل يسع جهل معرفتهم ما سوى النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم هكذا عندي.
قلت له: ولا تقوم الحجة من المعبرين على الجاهل بهم كانوا ثقاتا أو غير ثقات، كانوا علماء أو غير علماء؟
قال: لا يبين لي أن يكون عليه أن يشهد كشهادة الحجة، ولا يعلم كعلم الحجة إلا بعلم يؤديه هو إلى ذلك من غير لزوم الشهادة، لأني إذا ألزمته علم ذلك، وأجزت له ذلك، جاز له وعليه أن لو شهدوا بغير نبي أنه نبي كان له يشهد كشهادتهم، وإن يشك فيه كان مشركاً، وهذا لا يستقيم عندي والله أعلم.
وكلما يخرج عندي مخرج الشهادة لا مخرج نقل الشريعة كان بمنزلة الشهادة.
قلت له: فالشريعة أهي الجملة التي عليها الناس الإيمان بها من القول بالإيمان _ نسخة _ الإقرار بها والعمل، وما كان الحق فيه واحداً أو ما يجري فيه الاختلاف هو من الشريعة أيضاً بين لنا صفة ذلك والفرق فيه؟
قال: فمعي أن الشريعة على ما قيل هو ما كان من الدين مما يجري فيه الناسخ والمنسوخ من الأمر والنهي، فهذا يجري عليه اسم الشريعة فيما عندي، والدين واحد لا يختلف في شريعة نبي من الأنبياء، وهو الإسلام كذلك قال الله تبارك وتعالى فيما أوحى إلى نبيه: { (4/7)
صفحة 1126
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ} الشورى: 13، وقال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً} (المائدة: 48).
فالشرعة يلحقها اسم الأعمال وما يجري فيه الأمر والنهي، والناسخ والمنسوخ معي، والسنة المحكمة من ذلك لاحقة بحكم الفرائض في ثبوت الشريعة والإجماع الصحيح، والموافق للسنة لاحق بحكم الشريعة من ذلك، والمنصوب من الرأي الموافق للإجماع والسنة والكتاب، خارج حكمه من الشريعة، ومشتق من الشريعة، وإن كان لا يسمى شريعة فإنه من الشريعة، وكل هذا إن لم يكن فيه ربح فهو وضيعة.
قلت: ما وجب على الناس أن يعلموه ويؤمنوا به من حجة عقولهم، وخاطر ببالهم، وسماع آذانهم، ولا يسعهم الشك فيه بعد أن تنزل بهم أحد هذه المعاني الثلاثة؟
قال: هو عندي كلما ألزمهم الله علمه من ذلك.
قلت: فما ألزم الله عباده أن يعلموه من دينه؟
قال: ألزمهم أن يعلموه جملة دينه الذي تعبدهم الله بعلمه، هكذا عندي.
قلت: فما الذي تعبدهم به من علمه؟
قال: هو ما خصهم علمه عندي من جميع ذلك كل منه في موضع خصوصه، ولزوم محنته.
قلت له: فإذا خصهم ذلك أو شيء منه كان عليهم علمه بأحد ما وصفت لكل من خاطر البال، وحجة العقل، والسماع فإن لم يعلموه هلكوا؟
قال: هكذا في جميع ما ألزمهم الله علمه علماً لا لغير معنى العلم. (4/8)
صفحة 1127
قلت له: النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو مما ألزمهم الله علمه، بأنه محمد، وأنه رسوله؟
قال: معي أنه قد قيل ذلك إذا بلغوا إلى علم ذلك إذا كانوا من أمته، ومن المعبدين برسالته.
قلت له: فإن خطر ببالهم بأن لله رسولا إليهم وخطر ببالهم بأنه محمد أو غير محمد كان عليهم أن يعلموا أنه محمد، وإن شكوا فيه أنه غير محمد هلكوا؟
قال: لا يبين لي إدراك الأسماء بحجة العقل إلا بالسماع أو نظر على سبيل العبادة، ولكنه إذا صح معه معنى الرسالة من حجة العقل لأنها مدركة، فإذا صح في عقولهم ما هو مدرك علمه فشكوا فيه هلكوا بعد ما تعبدوا بعلمه.
قلت له: وما الدليل على أن الرسالة مدركة والاسم غير مدرك، وما الفرق في ذلك؟
قال: معي أن الفرق بين ذلك، لأن الأسماء مختلفة، والرسالة غير مختلف معناها بغيرها من الرسالات، لأن المرسل لا يجوز عليه الاختلاف ولا الاشتباه للمرسلين غيره، فرسالته لا تشبه رسالة غيره، كما لا يجوز أن يشبه غيره ولا يشبهه غيره، والمرسلون قد يتشابهون في الأسماء، ويتواطئون، ويختلفون في أسمائهم من رسل الخالق، ورسل المخلوقين.
قلت له: فهذا يكون المعبر الواحد الذي يعبر له يقول له: إن هذا الرسول هو محمّد بن عبد الله، هل يكون عليه حجة كان ثقة أو غير ثقة ويلزمه أن يعلمه أنه محمد؟ (4/9)
صفحة 1128
قال: معي أنه قد قيل أن المعبر له ممن كان حجة عليه، وأنا ناظر في ذلك، وديني فيه دين محمد صلى اله عليه وسلم.
قلت له: فإذا رأى شخص النبي صلّى الله عليه وسلّم، فشك فيه أهو محمد رسول الله الذي هو يؤمن به _ نسخة _ يؤمن أم لا؟ هل يسع جهل ذلك؟ فإذا آمن بالجملة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم؟
قال: الله أعلم ولا يبين لي أن الشخص حجة إلا بدليل غيره، لأن الأشخاص معي تتواطأ وتختلف.
قلت له: فإذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم إنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، هل يكون قول النبي حجة ولا يسعه الشك فيه إذا آمن بالجملة التي جاء بها النبي؟
قال: الله أعلم ومعي أنه إذا كانت قد قامت حجته وصحت رسالته بما تقوم به الحجة على من عرفها أو جهلها، أن قوله حجة، ولا يسعه الشك فيه.
قلت له: وما علامة صحة رسالته وقيام حجته؟
قال: الله أعلم ومعي أنه إذا جاء من الآيات بما لا يمكن فيه للعامة أن يأتوا بمثله، وصح ذلك في أن القرى، فقد قامت له الحجة على جميع من شهده أو غاب عنه، إذا بلغه خبر رسالته.
قلت له: إذا كانت قد قامت حجته بما أظهر من الآيات فادعاها غير النبي أنه هو، أتى بتلك الآية وادعى النبوة فآمن به هذا هل يكون بذلك مشركا؟
قال: فعندي أنه إذا شهد له بذلك كان مشركاً، لأنه راد لكتاب الله عندي. (4/10)
صفحة 1129
قلت له: فإن آمن به على شريطة، هل يكون بذلك مشركا؟
قال: فعندي أنه غير مشرك إذا آمن به كان إذا كان رسول الله، فهو عندي إذا لم يعرف أنه خلافه، ولم يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه ولا باسمه، فشك فيه.
قلت له: فإذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنه رسول الله فآمن به على شريطة أن كان رسول الله، هل تراه مسلما؟
قال: معي إذا قامت عليه الحجة فلا يسعه الشك، فإن صدقه ولم يشك فيه وإلا فخفت عليه أن يكون مشركا.
قلت له: فالإيمان به على شريطة فهو شك ما لم يؤمن به ويصدقه؟
قال: هكذا عندي فيما أخاف عليه، إلا أن يكون على الحقيقة من إيمانه وتصديقه في قلبه، ويقول بلسانه هذا، فأرجو أن يسعه.
قلت له: فإن آمن به في قلبه على الحقيقة، وأظهر بلسانه الإيمان به على الشريطة، هل يلحقه الشرك في حكم الظاهر؟
قال: لا آمن عليه ذلك ما لم يكن يصدق به بلسانه إذا ادعى ذلك.
قلت له: فعلم الوعد والوعيد، والموت والبعث والحساب، هل تقوم الحجة بهذا من حجة العقل والسماع والخاطر؟
قال: معي أنه قد قيل في ذلك وعلمه من حجة العقل باختلاف، وأما السماع فلا يبين لي فيه اختلاف إذا سمعه وعرف معناه، والمراد به أن عليه الإيمان به، قلت له: فبين الخاطر وحجة العقل فرق أم معناهما واحد؟ (4/11)
صفحة 1130
قال: معي أن بين معناهما فرق في الأسماء، وأما المعاني والصفات فلا يبين لي في ذلك فرق إذا عرف معناه، والمراد به.
قلت له: فإذا خطر بباله أنه يموت أو لا يموت، أو يحاسب أو لا يحاسب، وكذلك يعاقب ويثاب، أو لا يعاقب عليه ولا يثاب، هل يعلم بخاطر باله أنه كذلك، أم يكون القول في ذلك مثل القول في حجة العقل؟
قال: معي أنه كذلك.
قلت له: فإن لم يعلم ذلك من خاطر باله وحجة عقله، على قول من يقول: إن عليه أن يعلم ومات على ذلك أو حيي، هل تراه هالكاً؟
قال: معي أنه هالك على قول من يقول بذلك.
قلت له: وعلى قول من يقول: إنه ليس عليه علم بذلك إلا بالسماع يقول: إنه سالم حتى يسمع ذلك؟
قال: الله أعلم، ولا يبين لي له السلامة، لأن هذا يخرج عندي من حكم المعاني لا حكم الأسماء، وليس لي عذر في جهل معاني ذلك إذا علمها.
قلت له: فأمر الله ونهيه الذي فرضه على عباده تقوم الحجة فيه من خاطر البال، أو من حجة العقل والسماع، فمن كان إذا خطر بباله العمل به أو الانتهاء عنه؟
قال: معي إنه قد قيل: إن كل ما لا يسعه تركه ولا ركوبه من أمر الله، فالحجة فيه من جميع المعبرين يلزم في حين لزوم ذلك ونزول بليته فيه، ومعي أن الحجة العقل إذا قامت مقام السماع من علم ذلك باستحسان الحسن من ذلك، واستقباح القبيح مثل ما تقوم به حجة السمع أنه لا فرق عندي في ذلك. (4/12)
صفحة 1131
قلت له: فقبل أن يلزم ذلك وتنزل بليته لا تكون الحجة قائمة بلزوم علم ذلك من جميع المعبرين ولا حجة العقل ولا خاطر البال إلا في حين نزول بليته ولزومه؟
قال: معي أنه إن تقدم إليه علم ذلك من أي وجه تقدم إليه قبل لزومه، فعلمه عليه حجة، وليس له أن يرجع بعد العلم إلى الجهل من أي وجه علم ذلك، قال: على معنى ما عندي أنه قيل.
قلت له: ويكون سالما حتى يعلم علما لا يشك فيه من أي الوجوه علم ذلك، ولو خطر ذلك بباله أو سمع بذكره؟
قال: معي أنه سالم ما لم يضيع لازما يقدر على القيام به، أو يركب مأثما يقدر على الانتهاء عنه، أو يشك في يقين قد صح معه، أو يجهل علما قد بان له في جميع ذلك من أي وجه كان من العلم.
قلت له: فإذا حضرت الصلاة، وهو لا يعلم أن عليه صلاة، فقال له يهودي: إن عليك صلاة في وقتك هذا، تقوم وتركع، وتسجد ولم يعبر له ما يقال فيها، هل عليه أن يفعل ما قال له فيها الذمي وإلا هلك إن فات الوقت ولم يفعل؟
قال: معي أنه إذا عبر له ما يفعله ويقدر على معرفته بمعانيه، ولا عذر له على ما قد قيل أن يقوم بما بلغ إليه علمه من أداء تلك الصلاة الحاضرة.
قلت له: فإذا عبر له الذمي أنه يركع ويسجد، ولم يعبر له ركعة _ نسخة _ كم من ركعة ولا كم من سجدة، وعقل ذلك من الذمي، هل له أن يصلي ما حسن في عقله ويجزيه ذلك؟
قال: معي أنه لم يقدر إلا على ذلك في وقته أنه ما يلزمه غير ما يقدر عليه في حينه علما أو فعلا، على حسب ما قيل. (4/13)
صفحة 1132
قلت له: فإن كان يقدر على المعبرين، إلا أنه جهل أن يسأل عن عبارة ذلك، وصلى كما حسن في عقله، هل تراه سالما أم لا يسعه جهل ذلك؟
قال: معي أنه لا يسعه ترك ذلك إذا قدر على معبريه له.
قلت له: وإذا خطر بباله أنه يصلي صلاة الظهر أربعاً أو ثلاثاً فحسن في عقله أن يصلي ثلاثاً، هل له أن يصلي كما حسن في عقله أم لا يسعه أن لا يصلي إلا أربعاً؟
قال: معي أنه ما لم تقم عليه حجة العلم من أي وجه بعد ذلك، ولا يدرك ذلك إلا باستحسان في عقله أنه يصلي كما حسن في عقله، وأرجو أنه يجزي له على معنى ما قد قيل.
قلت له: أرأيت إن عبر له يهودي أو صبي أنها أربع، وحسن في عقله هو أن يصلي ثلاثاً، هل له أن يصلي كما حسن في عقله؟
قال: معي أنه ليس له ذلك.
قلت له: فإن عبر له اليهودي أو الصبي أنها ثلاث وحسن في عقله هو أن يصلي ركعتين، هل له أن يصلي كما حسن في عقله؟
قال: معي أنه له ذلك.
قلت له: فإن عبر له اليهودي أو الصبي ثلاثاً أو ركعتي، وحسن في عقله هو أن يصلي ثلاثاً أو أربعاً، هل له أن يصلي كما حسن في عقله؟
قال: معي أنه له ذلك.
قلت له: فإن صلى كما عبر له الصبي أو اليهودي، وودع ما حسن في عقله، وفات الوقت بعد أن صلى تراه سالما؟ (4/14)
صفحة 1133
قال: معي أنه لا يسلم إذا ترك ما هو أحسن عنده وهو الحق، لأن المعبر لم يأت بالحجة كاملة، وعلم العقل قد أتى بالحجة كاملة، وشهد لها بالاستحسان، فهو عندي علم يجب عليه علمه إذا وافق الحق، والذي لا يسعه تركه، وقال: إذا خطر بباله وحسن في عقله الأفضل كان عليه أن يعمل كما خطر بباله، ويحسن في عقله فإذا عبر له المعبر الأفضل كان عليه اتباع المعبر.
قلت له: والواحد في هذا من جميع المعبرين إذا أتى الحق أو لم يأت به إلا أنه قد أتى بالأفضل منه في جميع ما كان في شريعة دين الله من فعل أو ترك؟
قال: معي أنه كذلك إنه حجة فيما عبر له من الحق الذي لا يسع تركه ولا ركوبه.
قلت له: فالرجل إذا حان عليه وقت صلاة، ولا يعرف ما يقال فيها، ولا كم هي من ركعة، ولا يقدر على المعبرين إلا في موضع إذا ذهب إليهم فاتته الصلاة أعليه أن يصلي كما حسن في عقله أو يذهب إليهم فيتعلم صلاته، ولو فات الوقت حتى يصليها بعلم؟
قال: معي أنه يصليها كما حسن في عقله، ويطلب علمها في حال ما يقدر عليه مما يلزمه علمها، وعليه عندي الخروج في طلب ذلك إذا قدر على ذلك، فإن خاف فوتها قبل بلوغه إلى ذلك صلاها كما حسن في عقله، وإن حسن في عقله الصواب كان حجة له عندي، ولم يكن عليه طلب، ولو كان المعبرون بحضرته إذا أدى ذلك على وجهه.
قلت له: فإذا فات الوقت قبل أن يصل إلى المعبرين، وقد صلى كما حسن في عقله، هل ينحط عنه فرض الخروج في طلب ذلك والتعليم له؟
قال: معي أن الذي يوجب عليه البدل إذا لم يكن وافق الحق (4/15)
صفحة 1134
لا يعذره في طلب علم ذلك حتى يؤديه على ما يلزمه، ولعل الذي يعذره عن البدل لا يلزمه فيما مضى خروج في تعلم له.
قلت له: فالذي لا يلزمه الخروج في التعليم لما مضى، هل يلزمه الخروج في التعليم لما يستقبل قبل أن يحين وقته؟
قال: إلى أن يبين لي في ذلك لزوم وجوب قبل لزوم الفرض وحضور وقته.
قلت له: إذا وصل إلى المعبرين هل يجب عليه التعليم لما مضى قبل التعليم لما يستقبل إذا لم يحضر وقته؟
قال: معي أن عليه ذلك على قول من يوجبه عليه.
قلت له: وعلى قول من يقول: لا بدل عليه، لا يلزمه ذلك؟
قال: هكذا عندي.
قلت له: فإذا كان قد حضر وقت ما يستقبله، هل عليه التعليم لما يستقبل إذا حضر وقته قبل التعليم لما مضى على قول من يلزمه البدل؟
قال: هكذا عندي.
قلت له: فإذا حضر وقت الصلاة، وهو لا يعرف ما يقال فيها، أعليه أن يصلي كما حسن في عقله ويتعلم بعد ذلك، أم يتعلم حتى يعرف، ولا يصلي كما حسن في عقله ولو فات الوقت؟
قال: معي أنه يتعلم ما لم يخف فوت الوقت، فإذا خاف فوت الوقت ولم يعلم العلم كله عمل بما علم، أو كما حسن في عقله من الصواب إن لم يكن شيئا. (4/16)
صفحة 1135
قلت له: فإذا عرف وقد فات الوقت وقد صلى في الوقت كما حسن في عقله، هل عليه بدل؟
قال: معي أنه إن لم يكن وافق العدل فعليه البدل على قوله من يوجب عليه ذلك، وإن كان وافق العدل فلا بدل عليه عندي.
قلت له: فإن كان يتعلم فلم يعلم وجهل أن يصلي كما حسن في عقله حتى فات الوقت، هل تراه سالما ويصلي بعد الوقت إذا علم؟
قال: فلا يبين لي سلامة إذا ترك العمل بما علم حتى فات الوقت، وقت العمل إذا كان قد عمل ما يكون به عملا يكون طاعة، ومؤديا لشيء من الواجب.
قلت له: فإذا لم يفهم في وقت الصلاة ما يقول فيها، وصلى فيها كما حسن في عقله، وفات الوقت، هل ينحط عنه فرض التعليم لما يستقبل حتى يحضر العلم؟
قال: فأرجو أنه قد قيل ذلك.
قلت له: ولا يزال على هذا دأبه حتى يموت، أم إنما يجب عليه العلم في وقت العمل وينحط عنه إذا فات ويصلي كما حسن في عقله ويكون سالما؟
قال: هكذا عندي أنه يخرج على معنى ما قيل.
قلت له: فجميع ما حرم الله ركوبه إذا لم تقم عليه الحجة من جميع المعبرين بحرمة ذلك، ولا خطر بباله، ولا حسن في عقله أنه حرام وارتكبه على ذلك، هل يكون سالما؟
قال: معي أنه إذا لم يقدر على علم ذلك ولا على المعبرين له ولا خطر بباله في ذلك ما تقوم به الحجة عليه فلا يبين لي هلاكه إذا كان (4/17)
صفحة 1136
في أصل ما يدين به الدينونة بالسؤال عما يلزمه لخالقه السؤال عند من ترك ركوب محارمه وأداء لوازمه ولم يقع له في هذا المعنى فرق يوجب عليه اعتقاد السؤال عنه بعينه. عرض على أبي سعيد أسعده الله بعد إملائه وصلى الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً.
فصل فيما يسع جهله
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
قد وجدت في آثار المسلمين أن هذا الفن عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم المؤلف لهذا الكتاب، وفيه نعت مذهبه النزواني. (4/18)
صفحة 1137
بسم الله الرحمن الرحيم
الذي عرفت أنه إذا أقر الإنسان بالجملة فقد ثبت له جميع دين الله كله، ويوجد هذا عن أبي سعيد، وعن أبي الحسن البسياوي، ويوجد معنى هذا عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة في كتابه الموازنة، وهو قوله: يقال لهم لم قلتم: إن من سمع كلاماً بين مختلفين لم يعرف حكمه أنه هالك، وما حجتكم أن من احتج عليكم؟
فقال: أليس من أقر بالجملة فقد ثبت له اسم الإسلام بإجماع، فإن قلتم: نعم ولا بد لكم من ذلك فانظر إلى قول أبي محمد هذا، وإن لم يضفه إلى نفسه فقد ثبت للمقر بالجملة اسم الإيمان في الإسلام هذا بإجماع، وأنه لابد لمن خوطب بذلك أن يقر به، وأنه إجماع.
وقد عرفت أنه إذا أقر المقر بالجملة وبرئ من التهم أنه لا يتدين شيء من أديان أهل الضلال أنه إن صح له الأعمال بالصالحات في الصالحة جازت ولايته، وإن لم تصح منه الأعمال الصالحة فقال من قال: تجوز ولايته لأنه قد صحت موافقته ولا محنة عليه في دينه.
وقال من قال: لا تجوز ولايته حتى يصح منه العمل الصالح، وما يصح له في الحكم السلامة والبراءة من التدين شيء من أديان الضلالات، هو أن ينزل في مصر أو في بلد مسفاة أو غير ذلك من المواضع يدين جميع أهلها بدين المسلمين، ليس فيهم أحد ممن يتدين بدين أهل الضلالات، فكل من نزل بأحد هذه المواضع التي دين أهلها دين المسلمين فقد ثبت له في الحكم دين المسلمين، وقد صحت موافقته ولا يلزم من أراد ولايته أن يختبره في تدينه، وجازت ولايته حتى يعلم منه معصية على قول من يقول: إن بالموافقة تجوز الولاية.
وعلى قول من يقول: حتى يصح له العمل الصالح، فحتى يصح له ذلك، وقد يصح له السلامة من التدين بغير هذا مما يطول ذكره، وقد (4/19)
صفحة 1138
عرفت أنه إذا أقر بالجملة فقد ثبت له جميع دين الله كله، وثبت له الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وثبت له التصديق بوعد الله ووعيده، وثبت له توحيد الله، وثبت له ولاية جميع أولياء الله كلهم من الملائكة والنبيين والأئمة والرعايا، و الإنس والجن وغيرهم من جميع الخلق، وثبتت له البراءة من جميع أعداء الله كلهم من المشركين والمنافقين وأئمة أعداء الله من المشركين والمنافقين، الذين حاربوا أنبياء الله أو حاربوا أئمة المسلمين المقرين بأنبياء الله، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وثبت له كل شيء من دين الله مما ذكرته، ومما لم أذكره.
وكان المقر بالجملة مؤمنا مسلما سعيدا سالما واسعا له جهل جميع دين الله كله، حتى يتعبده الله بشيء منه، ثم لا يسعه جهله، وليس عليه السؤال عن معرفة شيء من دين الله بعينه ما لم يتعبده الله به فيجهله، إلا أنه قد قيل: إن عليه أن يعتقد الدينونة بالسؤال عن جميع ما يلزمه الدينونة بالسؤال عنه في دين الله، أو دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو دين المسلمين بأي وجه اهتدى إلى ذلك، إذا خطر بقلبه أن يجد من يدله.
وقد قيل: إن دين الله كله يرجع إلى أصلين: أصل يسعه جهله، وهو جميع ما لم يتعبده الله به من دينه، وكل شيء وسعه جهله طرفة عين وسعه جهله إلى أن يموت، فما لم تأت عليه حالة يتعبده الله به فيها من عمل أو علم أو ترك أو وصية أو قول أو غير ذلك، فإذا أتت عليه حالة تعبده الله به فيها فعليه القيام بما تعبده الله به منه.
وقد قيل: إن دين الله كله راجع إلى ثلاثة أصول: علم وعمل وترك، وعندي أن القائل بهذا يدخل الأقوال والنيات في هذه الثلاثة الأصول، فالعلم ما تعبد الله عباده بعلمه عند قيام الحجة به كالتوحيد والوعد والوعيد وما أشبه ذلك، والولاية، والبراءة والثواب والعقاب والجنة والنار، فعندي أن ذلك مما تعبد الله عباده بعلمه، لأنه لو خطر بقلبه أن الله يوالي أولياءه، أو يعاديهم، أو يبرأ من أعدائه، أو يواليهم (4/20)
صفحة 1139
فعليه أن يعلم أن الله يتولى أولياءه ويبرأ من أعدائه، وهذا أصل واسع يتسع القول فيه، فإذا بلغه علم شيء مما تقوم به الحجة من العقل مما تعبد الله عباده بعلمه، وعرف معناه والمراد به فعليه علمه، وإن لم يعلم معناه ولا المراد به فقد قيل: إنه يسعه جهله لأنه ليس كل من سمع شيئا عرف معناه.
وقد يقرأ الإنسان القرآن أو يسمع من يقرؤه وفيه أخبار الفجار والأبرار، والولاية للأبرار، والبراءة من الفجار، وعن ذلك من الأحكام، فما لم يعرف معنى ذلك فقد قيل: إنه يسعه جهله، ولو أن عربيا سمع بعض العجم يوحد الله بأصح ما توحيد ما عرف معنى كلامه إلا أن يكون يعرف تلك اللغة، ويعرف معنى كلامه، وقد يوجد في بعض لغات العرب ما يخفى على بعض العرب.
وأما الذي هو عمل من دين الله، فالصلاة والوضوء والاغتسال من الجنابة وما أشبه ذلك من الأعمال. وأما الذي ترك من دين الله فهو جميع ما عليه تركه مثل الزنى والربا وشرب الخمر وجميع المحرمات. وقد قيل: إنه لا يسع جهل الجملة وهي الشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن ما جاء به محمد فهو الحق المبين.
وقال من قال من فقهاء المسلمين: إنه إنما يخرج قول المسلمين هذا في رجلين: أحدهما أن يكون قد علمها وقد مات عليه الحجة بها، والآخر أن يكون قد جحد بها ولو لم يكن قد علمها، فهذان لا يسعهما جهلها، وأما من لم يبلغه علمها، ولا كان جاحدا بها، فيسعه جهلها، ولا يهلك بجهلها؛ لأنه في أصل دينه مقتر بها دائن بها وبجميع ما فيها مجملا ومفسرا ما لم ينقضها بشيء مما يكون به ناقضا لها بجحدها وبجحد شيء منها، أو بالشك فيها، أو في شيء منها بعد علمها، وقيام الحجة عليه بها، ولا يجوز غير هذا؛ لأنه لا يكون جاهلا بشيء من دين الله يلحقه اسم (4/21)
صفحة 1140
الجهل له، والمعصية بجهله دون أن تبلغه الدعوة فيه، وتقوم عليه الحجة به، وأنه لا يكون جاهلا بها بعينها من لا يقدر على علمها بحال من الحال؛ لأنه لا يقدر على علم شيء إلا بعد بلوغ علمه إليه.
وكلما لا يقدر على نظر شيء إلا بعد بلوغ نظره إليه، فكما لا يقدر على سمع شيء إلا بعد بلوغ سمعه إليه، ولأنه لا يقدر على علم ما لا يقدر عليه من العلم، كما لا يقدر على ما لا يقدر عليه من البصر والسمع، وكما لا يقدر على ما لا يقدر عليه من العمل.
وقد قيل: إن على الإنسان أن يصلي قائما إذا قدر على القيام فإن عجز عن القيام فقال من قال: ليس له أن يصلي قاعداً إلا أن لا يقدر على القيام، وقال من قال: إن له أن يصلي قاعداً إذا شق عليه القيام، وكان لا يتمكن في صلاته على إذا قام، كتمكنه فيها إذا قعد فنقلوه من فرض إلى فرض، وحطوا عنه فرضا من أجل المشقة، فالقيام في الصلاة مع المشقة أيسر على الإنسان من تكليفه ما لا يقدر عليه بحال من الأحوال.
ولا يجوز على العلماء أن يلزموا في مخاطبتهم، ولا في سيرهم ولا في آثارهم ما لا يجوز في المعقولات، وما هو معدوم، وإنما معنى قولهم: إنه لا يسع جهلها من بلغه خبرها ودعوتها، وقامت عليه حجتها، أو جاحد بها فقد هلك تاركها فعليه الخروج من حال الهلاك إلى حال السلامة.
وأما من لم يقدر على علمها بحال من الأحوال، فلا يهلك بجهلها حتى تقوم الحجة عليه بها، وإنما لم يفسر العلماء هذا التفسير لعلمهم أنه لا يجوز غير هذا، ولعلم من خاطبوه وقبل منهم ذلك أنه إنما يسع جهالها من بلغه خبرها أو جحد بها أو شك فيها، أو في شيء منها، وإنما ألزمنا أنفسنا الاجتهاد في هذا الحرف وتفسيره إذ خشينا أنه قد هلك فيه عامة المتأولين لآثار المسلمين من الضعفاء المجتهدين، فالله الله معاشر أهل الإسلام في تأويل الكتاب والسنة أو الآثار لغير تأويل ذوي الأبصار، (4/22)
صفحة 1141
فإن هذا عندنا أنه قد تاه فيه كثير من الخلق، وإنما أخاف أن يكون الشيطان قد أعمى قلوب الضعفاء المجتهدين عن إصابة الحق في هذا الوجه؛ لأنهم قد يجعلونه أصلاً لدينهم وهو كذلك، إلاّ أنّه على وجهه فانظر من أين جاءهم عدو الله من وجه الاجتهاد والتشديد في أصل دينهم، وليس يجوز في جميع الأشياء إلا موافقة الحق في الضيق والسعة.
فإن قيل: فمن أين أدركت أنت هذا؟ وما دليلك عليه وقد مضت الآثار عن ذوي الأبصار في السير، والجوابات والتقييد والسماعات بغير تفسير لهذا، وإنما ثبت عنهم أنّه لا يسع جهل الجملة؟
قيل له: من اجماعهم أنّه لا يسع جهلها أخذنا هذا عنهم أنّه لا يكون جاهلا لها إلا بعد علمها، وإلا فلا يكون أبدا جاهلا لها في أصل ما تعبده الله بالجهل الذي يكون جاهلا به، وكيف يكون جاهلا بشيء مسمى به بعينه عنده لا يعلمه، ومن قول الله أيضا: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة: 286)، أي إلا طاقتها فيما تعبدها به من دينه، فصح معنا أنّه لا طاقة له إلى بلوغ علم شيء من الأشياء إلا بمشاهدة علمه له، وبلوغه إليه بوجه ما يطيق عليه، وإلا فخرج إلى أن يكلف ما لا يطيقه.
ومن وجه آخر أنا قلنا: إنه من كان من المتعبدين في أرض مثل سفالة أو جزيرة من جزائر البحر لم يبلغه خبر هذه الجملة أنّه يسعه جهلها، وإذا بلغه خبرها لم يسعه جهلها، فلما كان هذا المنقطع في الجزائر والفيافي إنما يسعه جهلها إذا لم يعلمها، وإذا علمها لم يسعه جهلها، لم يكن للجزائر والفيافي والبقاع هاهنا معنى، وإنما المعنى هو علم المتعبد بها وجهلها، فكل من علمها من المتعبدين كان بأرض منقطعة عن أرض الإسلام، أو كان بأرض متصلة بالإسلام، فلا يسعه جهلها. (4/23)
صفحة 1142
وكل من لم يعلمها، ولم يبلغه خبرها، كان بأرض منقطعة أو متصلة وسعه جهلها، ولا يلزمه إلا علمه من حيث ما كان من المواضع، ولا يلزمه علم غيره حيث كان من المواضع فافهم هذا، وقد قيل: إن أول ما على الإنسان معرفة الله، وأنه لا يكون ذلك إلا بعد الاستدلال، ولا يكلف علم ذلك اضطراراً، وهذا قول أصحابنا، وأنكروا على من قال: إن علمه بالله يقطع اضطراراً، فلما كان علم الله عندهم لا يقع اضطراراً، فكذلك علم الجملة لا يلزم الإنسان علمها اضطراراً، ولا يلزمه علمها إلا بعد بلوغ علمها إليه وهي أخفى على المتعبد؛ لأنها ألفاظ معروفة مجموعة لا يقدر من لم يعلمها على الإحاطة بها بخاطر قلبه، إلا أن يبلغه الله إلى ذلك بهدايته.
وقد قيل: إنما تقوم الحجة بالجملة من السماع، وإنما لا تقوم بها الحجة من العقل لأنها أسماء، أعني اسم الله تبارك وتعالى واسم رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم وأما ما جاء به رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم فإنه يخرج مخرج الصفة، وإنه إنما تقوم الحجة من العقول بالصفات كان من صفات الذات، أو من صفات الفعل _ نسخة _ الفعال.
وأما الأسماء فقد قيل: إنها لا تقوم بها الحجة من العقول وإنما تقوم بها الحجة من السماع؛ لأنه لا يقدر على معرفتها والفرق بينهما إلا بالسماع.
وقد قيل: إنه لو ثبت أن الجملة مما تقوم به الحجة من للعقول لكانت كسائر توحيد الله وصفاته من صفات ذاته، وصفات أفعاله، والحجة عليه في هذا لا تقوم عليه من عقله بها إلا بعد بلوغها إليه، ومعرفتها ومعرفة معانيها.
وقد قيل: إن الإنسان عاجز لا يقدر أن يقوم بنفسه عند غيره إلا بغيره، فإنه لا يقدر أن يبصر إلا ببصر، والبصر عاجز أن يبصر (4/24)
صفحة 1143
ما لا يقدر على بصره من المبصورات إلا بآلة هي غيره، وغير المبصور عاجز أن يبلغ نفسه إلى البصر بآلة هي غيره وغير المبصر، والآلة عاجزة أن تبلغ غير إلى بصر، وهكذا المخلوقات عاجزات مضرورات أن يقمن بأنفسهن عند غيرهن إلا بغير الغير، وإنما الذي يقدر على الأشياء بغير الغير هو الله عز وجل سبحانه، كذلك لا يقدر الإنسان على علم شيء إلا بآلة تبلغه إلى علم ذلك.
وقد قيل: إن الإنسان ثابت له الإيمان والإسلام مذ كان نطفة في ظهر أبيه، ومذ كان جنينا في بطن أمه مأخوذ عليه الميثاق به، وقد قال الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا}، فثبت هذا الإقرار، وهذه الشهادة، وهذا الميثاق لهم وعليهم، وقال الله عز وجل: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} (الروم: 30)، ثم قال: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (الروم: 30)، فكان هذا الخطاب عند من تأوله، إنما هو من الدين، وأن الإنسان مولود على الدين.
وإن كان يوجد في بعض تفسير القرآن عن قومنا غير هذا، فالذي عرفته عن بعض فقهاء المسلمين ما قد ذكرته، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل مولود فهو مولود على الفطرة، وأي على الدين هكذا عندي، وإنما يهوداه أبواه وينصرانه»، فوجدت في التأويل أن معنى ذلك أن أولاد اليهود والنصارى وكذلك غيرهم من المشركين يجري عليهم ما يجري على آبائهم من الأحكام في الدنيا من النجس، وقطع الصلاة والسباء وتركهم على دين آبائهم، لا يجبرون على الرجوع عن دين آبائهم إلى دين الإسلام بعد بلوغهم، إذا لم يكونوا أقروا بالإسلام بعد بلوغهم، وأن أولاد أهل الإقرار محكوم عليهم بالإسلام، ولو لم يقروا به بعد بلوغهم، ولا يقدرون على تركه، والدخول في غيره من أديان أهل الشرك، وبالطهارة، وغير ذلك من حكم الإسلام. (4/25)
صفحة 1144
إلا أنّه قد اختلف في أولاد المنافقين والمشركين ما كانوا أطفالاً فقال من قال: إنهم تبع لآبائهم ولاحقون بهم في الآخرة، كما كانوا لاحقين بهم في أحكام الدنيا، وأنهم يعذبون كما يعذب آباؤهم، وضعف من ضعف هذا القول، وأدخل عليه العلل الكثيرة، وأكثر الاحتجاج في نقضه.
وقال من قال: إنهم يثابون في الآخرة؛ لأنه قد أخذ عليهم الميثاق، وقد أقروا به، وقد ثبت لهم الإسلام، ولم يكن منهم في صباهم ما يثبت عليهم به نقض ذلك الميثاق؛ لأن القلم مرفوع عنهم، والتعبد عنهم زائل.
وقال من قال: إنهم لا يثابون في الآخرة وإنما يكونون ثوابا لأهل الجنة، كالولدان والحور.
وقال من قال: بالوقوف عنهم لاختلاف الناس فيهم، وإذا لم يأت فيهم نص أنهم من أهل الجنة أو من أهل النار، وأما بعد بلوغهم الحلم فقد قيل: إنهم لا يكونون تبعاً لآبائهم في أحكام الآخرة، وأن أحكام أنفسهم، وأنهم إن ماتوا بعد بلوغهم قبل أن يعصوا الله بمعصية من تضييع فريضة أو ركوب محرم، ولو لم يؤدوا لله فريضة إذا لم يتعبدوا بها فهم من أهل الجنة؛ لأنهم مولودون على الفطرة، وليس عليهم فيما بلغهم الله إليه من حال التعبد حجة، ولم تكن منهم معصية فيعاقبوا بها، ولا ضيعوا فريضة فيعاقبوا بذلك.
وقد يوجد عن بعض فقهاء المسلمين أن كل مولود من جميع المتعبدين من الإنس والجن، فهو مولود على الإسلام والإيمان، وأن الإسلام والإيمان ثابت لهم، وأن الله قد أخذ عليه الميثاق بذلك، وقد ثبت له وعليه ذلك الميثاق، وقد ثبت له جميع دين الله كله كان هذا المولود من أولاد أهل الإقرار، أو من أولاد المشركين كان بأرض الإسلام، أو بأرض الشرك، كان بالصين أو بأقصى المشرقين، أو عند يأجوج ومأجوج أو أقصى المغربين كان بمدينة النبي صلّى الله عليه وسّلم، أو بعمان أو بغير ذلك (4/26)
صفحة 1145
من قرى الإسلام كان في بعض الجزائر المنقطعة والفيافي، أو الأرض المتصلة بالإسلام، فكل ذلك سواء، فكل شيء تعبد الله به من دينه من جملة أو توحيد أو وعد أو وعيد، أو صلاة أو زكاة أو غسل من جنابة أو غير ذلك من جميع الأعمال، أو ترك شيء من جميع المحرمات كلها، فعليه القيام بما تعبده الله به وأقام عليه الحجة به من حيث ما كان من جميع المواضع التي عددت بها أو غيرها.
فإن تعبده الله سبحانه بشيء من مما تقوم به عليه الحجة من عقله، فعليه القيام بما تعبده به، فإن جهله هلك كان في جزيرة أو فلاة أو أرض منقطعة، أو أرض إسلام لا عذر له، وإن تعبده الله بشيء من العمل أو أقام عليه الحجة به فعليه القيام بما تعبده به، فإن جهل شيئا من ذلك، وكان له وقت يفوت وينقضي فعليه أن يسأل من بحضرته من المعبرين، فإن لم يكن منهم أحد بحضرته فعليه أن يخرج في طلب علم ما جهل منه إذا قدر، وسواء كان هذا المتعبد بأرض الإسلام أو بأرض الشرك، لا يختلف أحكامه فيما تعبده الله به، إذا قامت عليه الحجة به، فالمعذور معذور حيث كان من المواضع، ومن لم يكن معذوراً فهو غير معذور حيث ما كان، فأحكام المتعبدين كلهم سواء في دين الله، ولو اختلف مواضعهم إذا اتفقت منازلهم في دين الله، ولا فرق بينهم في ذلك، فأحكام المتعبدين سواء حيث كان من المواضع فكل شيء يسعه جهله من دين الله فهو واسع له جهله، وكل شيء لا يسعه جهله من دين الله فلا يسعه جهله في أي المواضع والبلدان كان هذا المتعبد، وإنما اشترط من اشترط من المسلمين فيما يقع في نفسي إذا كان هذا الإنسان المتعبد في المواضع المنقطعة عن الإسلام كالجزائر والفيافي.
إذ في غالب الظنون والتعارف أن الأخبار بدين الله لا تصل إليه، وأن الحجج التي ينقطع بها عذره لا تبلغه، والمتصل بأرض الإسلام تبلغه الأخبار والحجج، وهذا التعارف وغالب الظنون، وأما في (4/27)
صفحة 1146
حقيقات الأحكام فأحكام المتعبد سواء في أي المواضع كان لا تختلف أحكامه فيما تعبده الله به، ولا تختلف أحكامه وأحكام غيره في دين الله إلا إذا اختلفت منازلهم في دين الله، فأحكامها متفقة، لا أعلم في ذلك اختلافاً.
فإن قامت على هذا المولود حجة بعلم الجملة فلا يسعه جهلها حيث ما كان من المواضع، فإن كان قد جحد بها فعليه الإقرار بها بلسانه، وإن كان قد جحد بشيء منها فعليه الإقرار بما جحد به منها، وإن لم يكن قد جحد بشيء منها ولم يكن قد جحد بها.
فقال من قال: ليس عليه الإقرار بها بلسانه، وإنما عليه الإقرار بها بقلبه، والتصديق بها بقلبه؛ لأن الإقرار باللسان راجع إلى إقرار القلب، والإقرار بالقلب هو الأصل، وفي ذلك احتجاج كثير.
وقال من قال: لابد من الإقرار بها بلسانه والشهادة بها بلسانه ويجزيه الإقرار بها مرة واحدة.
وقال من قال: عليه الإقرار بها كل ما سمع بذكرها، أو خطرت بباله أو تأدى إليه علمها هكذا عندي أنه يخرج معنى ما وجدت، وأما سائر تفسير الجملة من التوحيد، وإثبات الوعد والوعيد، فلا نعلم أن أحداً يلزم في ذلك الإقرار باللسان، وليس عليه في ذلك إلا التصديق والعلم والإيمان بالقلب، ومن هذا الاجتماع جاز القول في الجملة أنه يجري فيها الإيمان والتصديق؛ لأنه منها، ولاحق بها هكذا قيل.
أما الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسّلم، والاستغفار للمؤمنين والبراءة من الظالمين، وأشباه هذا فمعي أنه قد قيل فيه مثل ما قيل في الجملة عند لزومه، وقيام الحجة به أن العلم له والشهادة به والاعتقاد له بالقلب دون قول ذلك باللسان كاف. (4/28)
صفحة 1147
وقال من قال: لابد من قول ذلك باللسان إذا وجب عليه ذلك، وقامت به الحجة ويجزيه في ذلك المرة الواحدة.
وقال من قال: كلما خطر بباله أو سمع بذكره، أو تأدى إليه علمها، فعليه قول ذلك كما كان عليه قول ذلك في الجملة عند لزومها، وإذا لم يبلغ هذا المولود خبر الجملة إذا كان بأرض منقطعة من الجزائر والفيافي، فقد قيل: إنه يسعه هذا جهلها حتى يبلغه خبرها، ولا أعلم أني وجدت في هذا اختلافاً، فلأجل هذا الإجماع قيل أيضاً: إنه يسع جهلها من لم يبلغه خبرها، ولو كان بأرض الإسلام؛ لأنه كما لم يقدر المولود الذي بالأرض المنقطعة من الجزائر والفيافي على علمها إذا لم يبلغه خبر علمها، كذلك هذا المولود الذي بالأرض المتصلة بالإسلام لا يقدر على علمها، فهذان المولودان سواء في أحكام الجملة إذا لم يبلغهما خبرها لم يسعهما جهلها، وقامت عليهما الحجة بعلمها، ولا أعلم في ذلك اختلافاً، وإذا عدما خبرها ولم يبلغهما خبرها وسعا جهلها، وإذا بلغ خبرها المنقطة في الجزائر والفيافي، ولم يبلغ الذي متصل بأرض الإسلام خبرها، فعلى المنقطع في الجزائر والفيافي علمها، ولا يسعه جهلها، وليس على الذي متصل بأرض الإسلام علمها ويسعه جهلها.
وإذا بلغ المتصل بأرض الإسلام خبرها، ولم يبلغ المنقطع في الجزائر والفيافي خبرها، فعلى المتصل علمها ولا يسعه جهلها، وليس على المنقطع في الجزائر والفيافي علمها، ولا الذي في الفيافي ويسعه جهلها، وهكذا العدل والإنصاف أن يكون المتعبدون من جميع المولودين في أحكام دين الله بالسواء، إذا استوت منازلهم في دين الله، ولا يفرق بينهم فيما قد اجتمعوا فيه، ولا معنى للبقاع ولا للأرض المنقطعة، ولا المتصلة، فكلما وسع المنقطع جهلها إذا لم يبلغه خبرها، ولم يلزمه (4/29)
صفحة 1148
علم غيره من علم الجملة، فكذلك يسع المتصل بأرض الإسلام جهلها إذا لم يبلغه، ولا يلزمه علم غيره ممن علمها، وكما لا يسع المنقطع في الجزائر والفيافي جهلها إذا بلغه علمها، فكذلك لا يسع المتصل بأرض الإسلام جهلها إذا بلغه علمها.
وأحكام هذا المولود المنقطع في الجزائر في جميع ما يسع جهله، وفي جميع ما لا يسع جهله، من دين الله، وفي جميع دين الله كله كأحكام المتصل بأرض الإسلام، ولو كان هذا المولود خلف جبل قاف مثلاً، ثم أقام الله عليه الحجة بأي الحجج شاء، بوجوب شيء عليه في مس دين الله من صلاة أو وضوء أو غسل أو جنابة أو غير ذلك من جميع دينه، قبل أن يبلغه علم الجملة لكان عليه القيام بما تعبده الله به من دينه، ولا يسعه جهله، وكان واسعاً له جهل الجملة إذا لم يبلغ إليه علمها، ولو أن الله تعبد الذي خلف جبل قاف بفريضة، ولم يتعبد بها غيره من أهل مكة، أو نزوى أو غير ذلك، من بلدان الإسلام لكان على الذي خلف جبل قاف القيام بما تعبده الله به، ولم يكن على من لم يتعبده الله بها القيام بها ووسعه جهلها، وأرجو أن كثيراً في زماننا هذا ممن هو بنزوى التي قيل: إنها بيضة الإسلام وغيرها أيضاً من قرى عمان وساير الأمصار من العوام من الرجال والنساء والعبيد والبدو والحضر ممن محكوم له بحكم الإسلام من المناكحة والموارثة والذبائح والطهارات.
ولو سئل عن الجملة ما عرف ألفاظها ولا أحسن عبادتها، ولو سئلوا عن الله وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم لأقروا بهما، وقد قيل: إنه إذا الإنسان أقر بالله وبرسوله، وبما جاء به رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم، فقد ثبتت له الجملة، فثبتت لهم الجملة عندي، وهم لا يعرفونها وقد قيل: إنه لا يلزم أن يدعو أهل القبلة إلى الإقرار بالجملة إلا من طريق الفضيلة والاحتياط، فقد يوجد في الآثار ما يدل على ذلك.
فأما من طرق اللزوم فقد قيل: لا يلزم ذلك، وإنما كان يدعو النبي صلّى الله عليه وسلّم المشركين إلى الجملة إذا كانوا جاحدين لها، فكانوا (4/30)
صفحة 1149
يعبدون الأصنام ويكذبون بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، وبما جاء به، وأما من كان يشهد بأنه لا إله إلا الله، وبالنبي صلّى الله عليه وسلّم في صلاته، ويسمع دعاء المؤمنين في المؤذنين بالتوحيد، ويكثر ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والتصديق له، فعندي أنهم مقرون بهذا في الجملة.
وقد يوجد في آثار أصحابنا فإذا ثبت العبد الإيمان بالله وبرسوله صلّى الله عليه وسلّم، وبما جاء به رسوله من ربه، فقد ثبت له الإيمان بجميع ما ألزمه الله الإيمان به والدينونة بجميع ما ألزمه الله الدينونة به، والولاية لجميع ما ألزمه الله ولايته، والعداوة لجميع ما ألزمه الله عداوته، والعلم ما ألزمه الله علمه، والعمل بجميع ما ألزمه الله العمل به، والانتهاء ما ألزمه الله الانتهاء عنه، وكل هذا ثابت في دين الله تبارك وتعالى في الحكم، كثبوته لمن عمل به، وقال به، وآمن به، ووالى وتبرأ، وعمل وصدق، وانتهى ما لم يخصه شيء من ذلك لازماً من قول أو عمل أو نية.
آمن بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وصدق به، فقد آمن وصدق بجميع ما عليه أن يؤمن به، ويصدق به من كتب الله وأنبيائه ورسله وملائكته، وجميع ما عليه الإيمان، وإذا آمن بالله ورسوله، وبما جاء به رسوله وملائكته ورسله، وجميع ما جاء به رسوله، فقد ثبت له جميع دين الله كله، ولو كان لا يثبت له جميع دين الله كله إذا أقر بالجملة حتى يقر، ويعلم بكل شيء من دين الله بعينه من توحيد ووعد ووعيد، وغير ذلك مما تقوم به الحجة من العقل أو صلاة أو زكاة أو صيام أو وضوء، وغير ذلك من جميع فرائض الله وأوامره ونواهيه من ترك الزنا والربا والكبائر وغير ذلك من المحرمات، ومن جميع (4/31)
صفحة 1150
معاصيه مما تقوم به الحجة من السماع، لكان ذلك مما لا يقدر عليه، ولا يطيقه، ولكان إذا لم يطق ذلك مضيعا لدين الله، وتاركا له، وإذا كان ذلك كذلك كان عاصيا لله، لعله هالكا عندي، وإنما يسلم الإنسان من المعصية عندي إذا ثبت له دين الله.
وقد قيل أيضا: إن كل مولود وناشئ في جميع الأقطار من البر والبحار، والمسافي والأمصار، من أولاد أهل الشرك أو أهل الإقرار، من أهل الحرب أو أهل الذمة أو أهل النفاق، أو الأبرار الأخيار من جميع الثقلين، لا فرق بينهما في دين الله، في بقعة دون بقعة، ولا أرض دون أرض، ولا مولود دون مولود، فكل واحد منهم إنما يلزمه حكم ما خصه من جميع أحكام دين الله تبارك وتعالى من جميع ما بلغت إليه دعوته، وقامت به عليه حجته، مما تعبده الله، ومعذور عما سوى ذلك، وثابت له معنا على هذه الحال التوحيد والإقرار والإيمان والتصديق والولاية، وأنه مقر بالجملة في أصل ما تعبده الله به، ومقر بجميع ما فيها من دين الله تبارك وتعالى من الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، وجنته وناره، والبعث والحساب، وجميع تفسير توحيد الله بحقه، وصدقه وبجميع ما يسع جهله من دين الله، وما لا يسع جهله، ومؤديا لجميع اللوازم منتهيا عن جميع المحارم، ولو لم يبلغه من جميع ذلك دعوة، ولا قامت عليه في شيء منه بعينه حجة، ولا نزلت به منه بلية.
فأي حجج الله في شيء من دينه نزلت به بليته كان متعبداً في ذلك بما يلزمه فيه بعينه من الجملة، أو تفسيرها من التوحيد، أو الوعد أو الوعيد، أو من الفرائض واللوازم، أو من المحارم والمآثم، فإن قام بذلك الذي تعبده الله به من دينه، من قول أو عمل، أو نية أو علم توحيد، أو وعد أو وعيد، أو ترك محارم أو غير ذلك من دين الله، كان مطيعا لله، وسالما في دين الله، وكان على حالته المتقدمة.
وإن ضيع ذلك، ولم يقم بما تعبده الله به، بطل عنه حكم ما كان ثابتا له، وزال عنه، فإن كان ذلك الذي ضيعه ولم يقم به مؤديا له إلى (4/32)
صفحة 1151
شرك كان مشركا، وإن كان مؤديا له إلى نفاق كان منافقا، وإنما يخصه حكم ما ركب، وأحدث من شرك أو نفاق، وقيل: إن أحكام الكفر كلها راجعة إلى اسمين: شرك ونفاق، ولا يجوز أن يسمي المشرك منافقا، ولا المنافق مشركا، لأن حكم المشرك وحكم المنافق من أهل القبلة تختلف في أشياء، فمن أجل اختلاف حكمها أفرد كل واحد منهما باسم، ولم يجز الجمع بينهما في هذين الاسمين.
فإن تاب هذا الذي ضيع ما تعبده الله به رجع إلى حالته التي كان عليها قبل تضييعه له، وهذا المولود الناشئ ثابت له دين الله، كمثل ما ثبت دين الله لمن أقر بالجملة، وعليه في حالته هذه في أداء اللوازم والانتهاء عن المحارم وصحة التوحيد وإثبات الوعد والوعيد مثل ما عليه أن لو كان قد تقدم إليه حكم الجملة فآمن بها، وأقر بها.
ولهذا المولود مثل ما لجميع المؤمنين والمقربين من ثبوت ما عمل من طاعة الله، والثواب عليه، ووزر ما أتى من معاصي الله على وجه ما يلزم الحجة فيه، وتنزل به بليته، ولا فرق بينه وبينهم في شيء من الأشياء، ولا حال من الحال، فإذا تعبده الله بشيء من الأعمال التي يفوت وقتها، وينقضي مثل الصلاة والاغتسال من الجنابة، كان عليه القيام بما تعبده الله به، وتأديته على وجهه إن عرف ذلك، وإن جهل شيئا من ذلك مالا يتم عمل ذلك الذي تعبده الله إلا به، أو جهله كله كان عليه الطلب لعلم ما جهل، والسؤال عما جهله، فإن كان أخذ بحضرته من المعبرين سأله عن ذلك، فإذا عبر له الحق من ذلك كان عليه قبول ما عبر له وتأديته، وسواء كان المعبر له من العلماء أو الضعفاء أو المشركين أو المنافقين أو الصبيان، فهم من أهل الذكر في ذلك، وقد قال الله عز وجل: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل: 43).
فهؤلاء أهل الذكر في هذه العبارة إذا عبروا الحق، وقالوا به، ولو (4/33)
صفحة 1152
أنهم خالفوا الحق ما كان قولهم حجة، ولو كانوا من العلماء لأنهم في هذا الموضع من السفهاء الكاذبين على الله.
وقد يوجد عن محبوب: لو أن قوما وصلوا ذات عرق فأتاهم أعرابي جاف في موضع، أرجوا أنه قال: يبول على عقبيه فقال لهم: هذه ذات عرق لكن عليهم أن يحرموا بالحج، فجعل محبوب هذا الأعرابي الجافي فيما عبره من الحق حجة على من وجب عليه الإحرام، وجعله من أهل الذكر في هذا الموضع، وممن أمر الله بسؤاله وجعله هاهنا حجة من حجج الله في دينه، وأقل ما يكون من حجة المحق أنه لا يجوز أن يخطئ فيما قاله، ولا يضلل، ولا يرد عليه قوله، فقال من قال: لا تقوم عليه الحجة في ذلك إلا بأهل الأمانة، كانوا من العلماء أو الضعفاء من المسلمين أو من ثقات قومنا إذا كانوا موافقين المسلمين في ذلك، ولا تقوم من متهم ولا خائن حجة، و {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} (النساء: 141).
ويوجد عن أبي محمد، أرجو أنه ابن بركة، أن علم ذلك يقع له بسؤال المسلمين، وعليه قبول ذلك منهم فيما أخبروه به، وأسندوه له من السنن المنقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة المتقدمين، قال الله تبارك وتعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ} فما أمرنا بذلك دلنا على قبول خبره، وأن خبر الثقة يوجب العمل به تقليدا له، ولا يفيد علما لقول الله عز وجل: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات: 6)، فلما أمرنا بالبيان مع خبر الفاسق، دلنا بأن السؤال عنا موضوع عند خبر الصادق، ووجوب قبول خبر الثقة تقليدا له، وثقة به، لأن خبره علم على الحقيقة، لأن علم الحقيقة لا يوصل إليه، والذي عرفته من قول غيره أن عبارة الثقة والصادق والعالم إنما يكون حجة فيما وافق فيه دين الله من عبادته، فإن خالف دين الله لم يجز قبول ذلك منه، والله أعلم.
فإن لم يكن أحد بحضرته من المعبرين أداه على ما حسن في عقله، وعليه الخروج في طلب علم ما جهل من ذلك إذا قدر على الخروج، والسؤال عما جهله منه، وكذلك جميع ما يلزمه الانتهاء عنه من المحارم، (4/34)
صفحة 1153
فإن ركبها وهو يقدر على معرفة حرمتها ممن حضره من المعبرين يعلم أو جهل فلا عذر له، وهو هالكن وإن لم يقدر على من يعبر له ذلك فاعتقد السؤال عن جميع ما يلزمه من ذلك، وبذل المجهود في طلب ذلك بما بلغ إليه قدرته ممن حضر معه أو غاب عنه ممن يرجو يجد أنه يبلغ عنده إلى علم ذلك، فقد قيل: إنه غير هالك.
والسائل في مثل هذا سالم، والشاك هالك، وأما ما لم يرتكب شيئا من المحارم، ولا ضيع شيئا من اللوازم على حسب ما وصفنا وهو عالم، أو يترك السؤال للعالم أو يترك اعتقاد السؤال، إذا لم يقدر على العالم فهو معنا فيما قد قيل في جميع ذلك سالم، ولو مات بعد عمر طويل على ذلك.
وأما ما لم يتعبده الله بشيء من دينه، ويجب عليه فيه السؤال، فليس عليه فيه سؤال عن شيء بعينه، ولا يجوز لأحد أن يلزمه السؤال عنه، ولو كان إذا سأل عنه نفعه سؤاله كما أنه لا يجوز لأحد أن يلزمه عمل شيء من الطاعات التي لا يلزمه، ولو علمها لنفعه علمه لها، ومن ألزم أحداً ما لا يلزمه فهو كمن حط عنه ما يلزمه.
ولكن قد قيل إن عليه أن يعتقد السؤال في الجملة عن جميع ما يلزمه من دين الله، أو دين خالقه، أو دين محدثه، أو عبادة خالقه، أو عبادة أو رضا خالقه، فأي شيء من الأشياء التي يستدل بها مما قد هداه الله إليه من معرفته، فعليه اعتقاد السؤال عن جملة ما يلزمه إذا اهتدى إلى ذلك، لأنه لا يستطيع ولا يصل إلى رضا خالقه أو عبادة خالقه إلا بطلب ذلك من غيره، ممن هو مثله من المتعبدين ممن يدرك عقله فيما اهتدى إليه أنه يدرك رضا خالقه مما جهل منه من عنده، أو يدرك رضا خالقه مما جهل منه من عنده، أو يدرك معرفته منه.
وأما ما كان يسعه جهله مما تقوم به الحجة من السماع فقال من قال: إن الحجة تقوم بذلك بعالم أو عبره، وقال من قال: لا تقوم (4/35)
صفحة 1154
الحجة في ذلك إلا بعالمين، وقال من قال: لا تقوم الحجة في ذلك إلا بأربعة، وقال من قال: لا تقوم الحجة في ذلك إلا بمن تقوم به حجة الشهرة، ولا يجوز عليهم الغلط من الخمسة إلى العشرة.
وقال من قال: لا تقوم عليه الحجة في ذلك إلا حتى يعلمه هو كما علمته العلماء، ويتضح له علمه كما اتضح للعلماء علمه، ويسعه الشك في ذلك، وما لم تقم عليه الحجة في ذلك ينقطع بها عذره فواسع له الوقوف فيه، والشك فيه، فإذا علمه واتضح له علمه، وانشرح له صدره وبان له صوابه، ونزل بمنزلة ينقطع بها عذره لم يسعه الشك فيه، فإن شك فيه فوقف كان وقوفه وقوف شك لا يجوز.
وكذلك إن وقف عن ذلك الشيء الذي اختلف في قيام الحجة عليه فيه كان له الوقوف عن علم ما عبروا له، ولم يكن هذا وقوف شك في قول من لا يجعلهم حجة عليه، وفي قول من يجعلهم حجة عليهم في أحد الأقاويل، فيكون وقوفه عن علم ذلك وقوف شك لا يجوز.
وأما إن وقف عن العلماء ولو كان لا تقوم عليه بتغيرهم حجة فقد قيل: إنه لا يسعه ذلك، فإن ذلك وقوف شك لا يجوز، وكل وقوف لا يجوز في دين الله مما قد اختلفوا فيه بالرأي، فليس ذلك وقوف شك مما يجمع المسلمون على هلاك واقفه، وكل وقوف كان جائزا مما ليس فيه اختلاف عند المسلمين، فذلك وقوف جائز، وهو وقوف السلامة.
وقد قيل: إنه إذا وقف عن المحدث، ووقف عن من تولاه، ووقف عن من برئ منه، ولم يتول إلا من وقف كوقوفه، فقد قيل: إن هذا وقوف شك لا يجوز، لأن هذا المحدث الذي قد شك في حدثه ووقف عنه فهو أنه إما معصية لله، فالبراءة منه واجبة، أو يكون غير معصية فولايته جائزة، فإذا شك فيه وفي متوليه وفي المتبرئ، ووقف عنهم فقد أسقط فرض الولاية والبراءة، وقد قيل إن هذا وقوف الشعيبية الذي أنكره عليهم المسلمون. (4/36)
صفحة 1155
وأما إذا كان حدث المحدث مشكلا كالمتلاعنين والمتقاتلين، والمتضادين والمتبرأين من بعضهم بعض، والقاتل للولي أو لمن يقف عنه من أهل القبلة، أو ممن يبرأ منه من أهل القبلة، أو من اليهود أو من النصارى، وجميع من لا يجوز قتله، وقتله يحرم على الإطلاق إلا حتى يصح منه ما يجب عليه القتل به، فكل هذا عندي أنه مما قد اختلف فيه بالرأي فقال من قال: تجوز البراءة منهم ومن القاتل، لأن دماءهم محرمة حتى يصح حلالها، وقال من قال: تجوز ولايتهم، وولاية القاتل لمن كان يتولاهم منا قبل ذلك حتى يعلم أنه قتلهم بغير حق، وقال من قال: يقف عنهم وعن القاتل لإشكال أمرهم، ويجوز للواقف أن يتولى المتولي والمتبرئ من أوليائه حتى يصح باطل أوليائه.
فإن وقف عن المتولي والمتبرئ، ولم يتول الأمر وقف كوقوفه فهذا وقوف شك عندي لا يجوز، وكلما أشبه هذا فهو مثله، وليس يجب على الواقف إذا وقف الوقوف الذي يجوز له فيهم السؤال، وإذا وقف وقوف الشك الذي لا يجوز له فعليه التوبة من ذلك والسؤال عما يلزمه في ذلك إن لم يتب، وجهل ما يلزمه.
فإن لم يكن أحد بحضرته من المعبرين فعليه الخروج إذا قدر عليه، ليسأل عما جهل من ذلك، وكل فريضة لزمه العمل بها مما يفوت وقتها بجهل العمل، ولم يعرف كيفيته أو جهل شيئا منه، فعليه سؤال من بحضرته من المعبرين، فإن لم يجد بحضرته أحدا من المعبرين فعليه الخروج في طلب علم ما جهله من علمها مما لا يتم إلا به، والدينونة بالسؤال عن ذلك، وكل شيء ركبه من المحرمات مما تقوم به الحجة عليه من السماع مما يكون هالكا بركوبه مقيما عليه غير متنقل عنه، فعليه السؤال لمن حضره من المعبرين.
والخروج في طلب علم ما جهله مما قد حل به محل الهلاك، فيخرج مما قد هلك به، وكل محرم ركبه مما تقوم عليه الحجة فيه من عقله في (4/37)
صفحة 1156
الإجماع كالشك في شيء من توحيد الله ووعده ووعيده الذي لا يجوز الشك فيه في الإجماع أو الجحد لذلك فليس عليه في ذلك سؤال، لأن الحجة قد قامت عليه من عقله بذلك، فعليه أن يعلم الحق في ذلك، غير أنه يؤمر بالسؤال عن ذلك، وأما إلزام فلا يجوز لأحد أن يلزمه ذلك على ما عرفت، ولو كان إذا سأل نفعه سؤاله لأنه ليس كل شيء ينفع السائل إذا سأل، ولم يكن لازما له جاز أن يلزم أباه، كما أنه ليس لأحد أن يلزمه عمل طاعة ينفعه إن عملها إذا كانت غير لازمة له، وإنما يلزمه الدينونة بالسؤال فيما تقوم به الحجة من السماع فيما يلزمه فيه السؤال.
والخروج في طلب علم ذلك، لأنه ترك السؤال له كان هالكا، وإن دان بالسؤال كان سالما فهذا هو موضع لزوم السؤال له، وأما ما كان هالكا إن سأل، وهالكا إن ترك السؤال وقد انقطع عذره فيه، وقامت عليه الحجة به من عقله، ولا يجوز لأحد أن يلزمه فيه السؤال هكذا عندي أنه قيل.
وأما من لم يعلم منه ما يستحق به الولاية ولا البراءة، وجهل أمره من جميع الثقلين من الجن والإنس، فالوقوف هاهنا وقوف دين ولا يلزمه فيه سؤال، فإن علم منه ركوب كبيرة فإن علم حكمها برئ من راكبها، وإن جهلها فلم يدر أنها طاعة ولا معصية ولا كبيرة ولا غير كبيرة، فقد قيل إنه يسعه جهل معرفة ذلك، وليس عليه سؤال في ذلك كان مستحلا أو محرما.
وقال من قال: إن عليه السؤال في ذلك، لأن هذا الراكب لهذه الكبيرة كان قبل ركوبها جاهلا بجميع أمره، ثم أحدث حدثا فصار أمره معه معلوما، وليس المعلوم أمره كالمجهول أمره، وقد تعبد هذا العالم بأمره بعبادات فيه لو علم الحكم فيها منها، أن لو علم الحكم فيها لبرئ منه. (4/38)
صفحة 1157
ومنها أنه لو عمل الأعمال الصالحة التي يجوز لمن لم يعلم بمعصية ولايته إلا بعد التوبة منها، فلأجل العلل الداخلة فيه قال من قال: إن عليه السؤال في ذلك، وقال من قال: إن عليه اعتقاد السؤال في كل ما لزمه من ولاية أو براءة، فجهلها كان قبل ذلك تبرأ من لزمته ولايته، أو يتولى من لزمته البراءة منه، أو يقف عنه.
وقال من قال: لا يلزمه السؤال إلا فيمن كانت قد تقدمت له ولاية معه، ثم أحدث حدثا لم يعرف حكمه، فعليه أن يتولاه برأي، ويعتقد السؤال عن ما يلزمه في حدثه ليعرف حكمه، فيتولاه بمعرفة أو يبرأ منه بمعرفة.
وقال من قال: إذا تولاه برأي ولم يكن حدثه مما لا يسعه جهله، فليس عليه سؤال، لأنه سالم بولايته له بالرأي ما لم تقم عليه حجة بمعرفة حكم حدثه.
واختلف فيمن كان واقعا عنه وقوف دين، ثم أحدث حدثا جهل حكمه فقال من قال: يكون على جملة ما هو عليه من الوقوف على اعتقاد شريطة الولاية له إن كان وليا، والبراءة منه إن كان عدوا.
وقال من قال: لا يجوز له أن يقف عنه وقوف دين، ولكن يجوز له أن يقف عنه وقوف رأي حتى يلقى الحجة فيما لزمه فيه من ولاية أو براءة.
واختلف فيمن استحل حراما أو حرم حلالا في الدين فقال من قال: لا يسع جهل علم كفره، ولا الشك في ضلاله من علم أنه مستحل لحرام من كتاب الله أو سنة رسوله، أو إجماع الأمة وتقوم عليه الحجة بمعرفة كفره من عقله، لأنه ناقص ما هو عليه من دين الله الذي يدين به، ولا يجوز له أن يشك فيما هو عليه من دين الله الذي يدين به، ولا يجوز له أن يشك فيما هو طلبه من الدين، ولا في (4/39)
صفحة 1158
ضلال من دان بضلال دينه ونقضه عليه، ولا ينفعه هاهنا سؤال ما لم يعلم حكم ذلك، وعلى هذا القول فلا سؤال فيه.
وقال من قال: يسعه جهله ما لم يركبه أو يتولى راكبه بدين، أو يبرأ من العلماء إذا بدءوا من راكبه برأي أو بدين، أو يقف عنهم برأي أو بدين، أو يقف أو يبرأ من الضعفاء بدين، وعلى هذا القول فليس عليه سؤال، لأن كل شيء وسعه جهله فليس عليه فيه سؤال، فهذا يوجد أنه قول بشير، وإنما لا يسعه الشك في الشيء المستحل والمحرم من دين الله.
وأما الإنسان المستحل للحرام، أو المحرم للحلال من دين الله، فيسع جهل علم ضلاله والشك في ضلاله، لأن الشك في الإنسان المستحل والمحرم ليس كالشك في الشيء المستحل أو المحرم، لأن الشك في ضلال الإنسان المستحل هو غير الشك في الشيء المستحل أو المحرم، فإذا علم هو حلال ما أحله الله، أو حرام ما حرمه الله، ولم يشك فيه، وإنما شك في الإنسان المستحل والمحرم، فلا يضيق عليه الشك، ويسعه جهل علم ضلاله، ولا يهلك أحد بهلاك أحد.
ومما يؤكد هذا القول أن الشاك في الجملة هو مشرك، فإن شك أحد في الشاك في الجملة لم يكن مشركا، وكان كافر نعمة، فافترق الحكم بين الشاك في الجملة والشاك في الشاك في الجملة، فكان الشاك في الجملة مشركا، والشاك في الشاك فيه كافر نعمة، فكان الشك في الشيء غير الشك في الشاك في الشيء، ولم يستو الحكم في ذلك، واستحب من استحب من العلماء في هذا السؤال، وأن لا يقيم على شكه الذي قد قال أكثر أهل العلم أنه يهلك بشكه، وأما إذا كان المحدث محرما أو غير مدع على الله في ذلك تحليلا ولا تحريما، فأكثر القول أنه يسع جهل المحرمين ما لم يركب ما ركبوه، أو يتولى راكبيه بدين، أو يبرأ من العلماء إذا برءوا من راكبه برأي أو دين أو يقف عنهم برأي أو بدين، أو يبرأ أو يقف عن الضعفاء بدين. (4/40)
صفحة 1159
وقال من قال: لا يسع جهل المحرمين، كما لا يسع جهل المستحلين، لأنهم يخالفون أصل الدين، وهذا قول شاذ، وقد قيل: كل وقوف لا يجوز في دين الله من جميع الأوقف كلها فهو وقوف شك، وكل وقوف جائز في دين الله فليس هو وقوف شك، وقد قيل: إن جميع دين الله كله يرجع إلى أصلين، أصل يسع جهله وهو جميع ما لم يتعبده الله به، وهذا الأصل لا يلزم فيه سؤال، وأصل لا يسع جهله وهو جميع ما تعبده الله به، فإن سبق إليه التعبد من الله بشيء من توحيده، أو تصديق وعده ووعيده، وما أشبه هذا مما تقوم به الحجة من العقل، فعليه علمه ولا يسعه جهله، فإن جهله هلك، لأن الحجة قد قامت عليه بعلمه من عقله، ولا يعذر هاهنا باعتقاد السؤال عما قد تعبده الله به منه.
وعن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة: إنما كان الحق فيه واحد فهو على ضربين: فضرب من طريق السمع، وضرب طريقه طريق العقل، فما كان طريقه طريق السمع فغير لازم فرضه، ولا هالك من لم يعلمه إلا بعد قيام الحجة به، وهو الخبر المنقول، فإذا طرق السمع بصحة لزوم فرضه إن كان مفسرا في نفس اللفظ المنقول، وإن كان مجملا فإلى أن يسأل العلماء عن تفسير ما خوطب به.
وما كان طريقه طريق العقل فينقسم على قسمين:
القسم الأول: دليله قائم في العقل مثل أن الله واحد، وأنه عالم وقادر، ونحو ذلك، فعليه عند ذكره وسمعه إياه أن يعتقده ويعلمه، ولا يجهله وهو هالك عند خطوره بباله، وقيل الاختلاف وبعده فهذا ونحوه لا يسعه جهله، ولا عذر للشاك فيه لقيام دليله ولزوم حجته.
والقسم الثاني: هو ما كان الاختلاف بين الناس فيه مثل إن الله عالم بعلم، وقادر بقدرة، أو عالم بنفسه، وقادر بنفسه، فحجة هذا تلزم بعد الاستدلال والسؤال، وعلى الشاك فيه أن لا يعتقد (4/41)
صفحة 1160
قولا من اعتقاد المختلفين بغير دليل، وأن يتمسك بالجملة، وهو أن الله واحد ليس كمثله شيء.
وأما غير أبي محمد فعندي أنه يجعل أن هذا مما تقوم به الحجة من العقل، وأن على الإنسان أن ينفي عن الله جميع معاني المخلوقين كلها، وأن لا يساوي بين الله وبين خلقه في معنى من المعاني، وإن سبق إلى الإنسان التعبد من الله عز وجل بشيء من فرائضه التي لها وقت يفوت، أو ينقضي كالصلاة والوضوء، والاغتسال من الجنابة، وصوم شهر رمضان، فإذا حضر وقت صلاة فعليه الاغتسال من الجنابة إن كان جنبا، والوضوء إن كان على غير وضوء.
فإن جهل شيئا مما قد لزمه من ذلك فعليه السؤال عن ذلك لمن حضره من المعبرين، فإن لم يحضره أحد من المعبرين أداه على ما حسن في عقله، وعليه الخروج في طلب من يعبر له ما قد لزمه، ويدله عليه اعتقاد الدينونة بالسؤال عما قد لزمه من هذا الفرض ليؤديه، وكذلك جميع الفرائض التي تعبده الله بعلمها التي يفوت وقتها، فعليه القيام بما تعبده الله به من علمها، والسؤال عما قد جهل من علمها، والخروج في طلب علم ذلك.
وقد يوجد أنه إذا لزمته صلاة مثل صلاة الظهر أو العصر أو غيرهما من الفرائض فصلاها، ولم يعلم أنها فريضة أنه لا تنفعه صلاته تلك حتى يعلم أنها فريضة، وأنها لازمة له، فإن صلاها ولم يعلم بفرضها عليه ولزومها له أن عليه الكفارة والبدل والإثم.
وقال من قال: لا كفارة عليه، وعليه البدل والإثم، وقال من قال: لا بدل عليه، وعليه الإثم، وقال من قال: لا كفارة ولا بدل عليه ولا إثم، لأن الله إنما كلفه العمل، وقد عمل وقد أجزاه ذلك، وقام بما تعبده الله به، وقد أخذ عليه الميثاق أن يطيعه، وقد أطاعه لأن الله قد أخذ عليه الميثاق أن يطيعه، وأخذ عليه الميثاق أن لا يعصيه، (4/42)
صفحة 1161
فإن ركب شيئا من معاصيه كان عاصيا لله، علم أنها معصية أو جهل، وكان ناقضا للميثاق الذي أخذه عليه أن لا يعصيه، ساخطا عليه بارتكابه لها، علمها أو جهلها، ولا أعلم في هذا اختلافا، فإذا كان الحكم فيه هكذا فكذلك إذا عمل شيئا من الطاعات من صلوات أو غيرها فقد أطاعه، علم أنها طاعة أو جهلها، وقد عمل بما تعبده الله بعمله من فريضة علم أنها فريضة أو جهلها، وقد وفى الميثاق الذي أخذه عليه أن يطيعه فيه، وقد أطاع.
فكما يكون مأخوذا بمعصيته إذا عصى ثابتة عليه، فكذلك يكون مقبولا منه طاعته إذا أطاع ثانية له، لأن المراد من العاصي أن لا يعصي وقد عصى، والمراد من المطيع أن يطيع وقد أطاع، فكما ثبت عمل معصيته إذا عصى فكذلك ثبت له عمل طاعة إذا أطاع، وأرجو أن في كرم الله وعدله وفضله، أنه إذا ثبت عليه معصيته إذا عصى علمها أو جهلها، فكذلك ثبت له طاعته إذا أطاع علمها أو جهلها.
وعندي أنه قيل: إنه لا ينتفع بعمل الفرائض واجتناب المحارم حتى يعلم بفرض ذلك ولزومه له في بعض القول، وأكثر ما عندي أنه قد قبل إنه ليس عليه إذا ترك المحرمات أن يعلم حرامها، وفرض تركها عليه، وقد يوجد أن القابل للرخصة، الشاكر لله عليهما، كالمجتهد الصابر المحتسب الآخذ بغيرها ونحو هذا يوجد والله أعلم.
وأما ما كان من الفرائض التي وقتها واسع كالزكاة والحج فإذا تعبده الله بشيء من ذلك فقد قيل إن عليه علم ما تعبده الله به منه، ولا يسعه جهل علمه.
وقال من قال: يسعه جهل ذلك ما لم تأت حالة لا يجوز له تأخير قضاء ما قد وجب له عليه منه، أو يترك الوصية بما قد لزمه منه، وهو قادر عليها، أو يدين بترك ذلك، ولو كان موسعا له في تأخير ذلك.
وقد عرفت فيما وجدت عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة (4/43)
صفحة 1162
أنه يوجب عليه فعل مثل هذا في أول ما يقدر عليه والله أعلم. وإن سبق إليه التعبد من الله بشيء من ترك المحرمات، فعليه تركه، فإن لم يتركه وركبه فعليه الدينونة بالسؤال عما قد ركبه، فإن كان أحد بحضرته من المعبرين سأله، وإن لم يكن أحد منهم بحضرته فعليه الخروج، والسؤال عما لزمه في ركوب المحرم، وإنما عليه الخروج في جميع ما يلزمه الخروج فيه من طلب علم ما قد لزمه إذا قدر على الخروج بالزاد والراحلة وأمن الطريق، وصحة البدن، وما أشبه هذا.
وكذلك الولاية والبراءة، هما فريضتان من فرائض الله، ويسعه جهلهما ما لم يتعبده الله بهما أو بأحدهما، فإن تعبده الله بولاية أوليائه، وعداوة أعدائه في الجملة، فعليه أن يتولى جميع أولياء الله كلهم من الملائكة والنبيين والصالحين من الإنس والجن وغيرهم، وثبتت له البراءة من أعداء الله كلهم من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان، وجميع المشركين وجميع المنافقين، والكفار من أهل الإقرار، ووسعه جهل جميع أولياء الله كلهم، وجهل جميع أولياء الله كلهم حتى يتعبده الله بولاية أحد من أوليائه باسمه أو بعينه أو بغير ذلك، ثم كان على ولايته، وكذلك يسعه جهل جميع أعداء الله كلهم حتى يتعبده الله بالبراءة من أحدهم، ثم كان عليه البراءة منه، هكذا جميع دين الله كله، إنما يلزمه منه ما تعبده الله به، وليس عليه غير ذلك منه مما لم يتعبده الله به.
فكل شيء تعبده الله به من جميع دينه كله فعليه القيام بما تعبده به منه، ولا يسعه جهله، وكل شيء لم يتعبده الله به من جميع دينه كله فواسع له جهله، ولا يلزمه السؤال عنه، ولو كان على الإنسان أن يقوم بشيء من دين الله قبل أن يتعبده به لكان عليه ذلك من جميع الأشياء كلها من دينه، ولو لزمه شيء من جميع دين الله كله من جميع الأشياء كلها قبل أن يتعبده به لكان يلزمه ذلك في جميع دين الله كله قبل أن يتعبده به، وكذلك إذا لم يلزمه شيء واحد من دين الله كله قبل (4/44)
صفحة 1163
أن يتعبده، فكذلك لا يلزمه ذلك في جميع الأشياء من دين الله قبل أن يتعبده بها، لأن أصل دين الله في هذا كله أصل واحد، وكل شيء تعبده الله به وألزمه القيام به فعليه القيام بما تعبده، ولازم له ذلك، ولا يسعه جهله، وكل شيء لم يتعبده الله به فواسع له جهله وغير لازم له.
والقول في الولاية والبراءة كالقول في هذا عندي، فإذا تولى الإنسان جميع أولياء الله كلهم فقد ثبت له ولاية أولياء كلهم من الملائكة والإنس والجن وغيرهم، وليس عليه أن يتولى أحدا من ملائكة الله باسمه، ويسعه جهل جميعهم حتى يتعبده الله بولاية أحد منهم كائنا من كان منهم، ثم كان عليه ولايته عليه، ولا يسعه جهله، ويسعه جهل غيره منهم، وليس عليه سؤال عنهم، ولا عن أحد منهم كائنا من كان، إلا حتى يجب عليه في دين الله السؤال عنه، ولو أن الله تعبده بولاية جميع ملائكته بأسمائهم، لكان عليه القيام بما تعبده الله به من ولايتهم، ولو أن إنسانا تعبده الله بولاية جميع أوليائه كلهم بأسمائهم أو بصفاتهم، أو بأعينهم أو بغير ذلك، وآخر لم يتعبده الله بولاية أحد من جميع أوليائه كلهم، لكان على من تعبده الله بولاية أوليائه كلهم القيام بما تعبده الله به من ولايتهم، ولم يكن على من لم يتعبده الله بولاية أحد منهم أن يتولى أحدا منهم.
ولو أن إنسانا تعبده الله بالبراءة من جميع أعداء الله بأسمائهم أو بصفاتهم أو بأعيانهم أو بغير ذلك، وآخر لم يتعبده ببراءة من أحد من أعدائه، لكان على من ألزمه الله البراءة وتعبده بها القيام بما ألزمه الله وتعبده به من البراءة، ولم يكن على من لم يتعبده الله بالبراءة أن يبرأ من أحد منهم، وكذلك جميع دين الله كله إنما يلزم كل إنسان بما تعبده الله به، ولا يسعه جهله، وكل شيء لم يتعبده الله به لم يلزمه، وواسع له جهله، ولو أن الله تعبد جميع عباده كلهم بفريضة واحدة إلا إنسانا واحدا لم يتعبده بتلك الفريضة لكان على جميع عباد الله القيام بتلك الفريضة، ولا يسعهم جهلها، ولم يكن على (4/45)
صفحة 1164
هذا الإنسان القيام بتلك الفريضة، وكان واسعا له جهلها، ولا يلزم هذا الإنسان هذه الفريضة إذا لزمت غيره، ولو أن إنسانا تعبده الله وحده بفريضة واحدة، ولم يتعبد جميع عباده بتلك الفريضة، لكان على هذا الإنسان القيام بهذه الفريضة، ولا يسعه جهلها، ولم يكن على جميع عباد الله الذين لم يتعبدهم بتلك الفريضة القيام بها، ولا السؤال عنها، وكان واسعا لهم جهلها.
وهكذا جميع دين الله كله عندي مما تقوم به الحجة من العقل، ومما تقوم به الحجة من السماع، وجميع دين الله كله راجع إلى هذين الأصلين، إنما يلزم كل إنسان منه ما تعبده الله به منه، ولا يسعه جهله، وليس عليه القيام به، ولا السؤال عنه، فكل إنسان تعبده الله بشيء فعليه القيام به، ولو لم يتعبد الله به غيره من خلقه، إذا لم يتعبد الله غيره من خلقه، وكل شيء لم يتعبده الله به من ولاية أو براءة وغير ذلك من دين الله فعليه القيام به، ولو لم يتعبد الله به غيره من خلقه، ولا يجوز له ترك القيام به إذا لم يتعبد به الله غيره من خلقه، وكل شيء لم يتعبده الله به من ولاية أو براءة أو غير ذلك من دين الله.
ولو تعبد به جميع خلقه فلا يلزمه القيام به إذا تعبد الله به جميع خلقه، وإنما يلزم الإنسان ما تعبده الله به، ولا يحط عنه ما لزمه إذا لم يلزم غيره، ولا يلزمه ما لم يلزمه إذا لزمه غيره، فافهم هذا، وكذلك جميع أنبياء الله كلهم وجميع أنبيائه المرسلين الذين نطق القرآن برسالتهم، الذين هم الأئمة الأعلون، والخيرة المصطفون، والأشراف المطهرون، والأئمة الذين خاطب الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم الاقتداء به، والاتباع لهم، والائتمام بهم، فقال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام: 90).
وكذلك جبريل الملك الكريم الذي نزل بالقرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو إمام له ولنا، وهو من أشرف الأئمة صلى الله (4/46)
صفحة 1165
عليه وسلم، فجميع من ذكرته من هؤلاء ثابتة ولايتهم في إقرار المقر بالجملة، وثابتة ولايتهم في ولاية الجملة، لأنه إذا تولى جميع أولياء الله كلهم فقد تولاهم، ويسعه جهل جميعهم صلى الله عليهم وسلم إلا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، فلا يسعه جهله ولا جهل الولاية له، ولا التصديق به إذا سمع بذكره، أو تأدى إليه علمه، ولا يلزمه السؤال عنهم ولا عن أحد منهم، فإن دان بالسؤال عنهم هلك.
وكذلك إذا تولى أحدا منهم بغير ما يجوز له من دين المسلمين هلك، وكل شيء وسع الإنسان جهله لا يجوز له الدينونة بالسؤال عنه، وإنما يجوز له السؤال عن ما لا يسعه جهله من طريق الوسيلة والفضيلة إذا وقع السؤال فضلا، وكان جائزا، وإنما يكون السؤال عما يسعه جهله من غير دينونة، فإن سأل عن معرفة الأنبياء والصالحين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومعرفة أخبارهم الصالحة ليقتدي بهم، وليتأسى بهم، وليتخلق بأخلاقهم فيما يجوز له من جميع ذلك، فذلك من أشرف الأعمال ما لم يعطل في حال اشتغاله بذلك فريضة، أو ما هو أفضل منه في دين الله.
ولو أن إنسانا لزمه نفقة من فرق الله عليه نفقته له، لكان سدس حب واحد أو قرمة واحدة يشتغل بكسبها ليقوم بتلك الفريضة أفضل من اشتغاله بذلك الذي قد عذره الله منه، ولا يجوز للإنسان أن يعطل فريضة واحدة صغرت أو كبرت من أجل اشتغاله بالفضائل، ولو كبرت وشرفت لأنه لا يتقبل الله منه الوسائل إذا ضيع الفرائض، ولا يثيبه عليها، ويعذبه الله بتضييع هذه الفريضة إن لم يتب من تضييعها.
وكذلك قد قيل: إنه لا يجوز له أن يعطل فريضة حاضرة من أجل قيامه بفريضة غائبة، كما أنه قد قيل: من وجب عليه فرض الحج أنه إنما يجوز له الخروج إلا بعد أن يقوم لمن يجب عليه القيام به من عياله بما يلزمه لهم من فرائض من نفقة أو كسوة أو غير ذلك من (4/47)
صفحة 1166
الفرائض، وكذلك حتى يجعلهم حيث يأمن عليهم ممن يظلهم، هكذا عندي أنه قيل والله أعلم.
ولا يلزمه أن يتولى من جميع أنبياء الله الذين ذكرتهم غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أحدا منهم باسمه، حتى يتعبده الله بولاية واحد منهم أو أكثر من ذلك، أو كلهم فإذا تعبدهم الله بولاية أحدهم فعليه ولايته، ولا يسعه جهله من ذلك، فإن تعبده الله بولاية واحد وحده منهم فعليه ولايته، ولا تلزمه ولاية غيره منهم، ويسعه جهل ولاية جميع من لم يتعبده الله بولايته منهم.
وإن تعبده الله بولاية جميعهم فعليه ولاية جميعهم، ولا يسعه جهل ولايتهم، كذلك أئمة المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم السالفين الذين لم يشاهدهم كانوا من الأئمة المعقود عليهم الإمامة، أو من علماء المسلمين وأئمتهم في الدين، يسع الإنسان جهل جميعهم، ولا يسعه السؤال عن أحد منهم، ولا الولاية له باسمه، فإن سأل عنهم من طريق الوسيلة والفضيلة بغير دينونة فذلك جائز، وهو من الفضائل عندي، وولاية هؤلاء السالفين الذين ذكرتهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ثابتة لمن جهلهم، ولم يعرفهم في إقراره بالجملة، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما جاء به محمد من عند الله فهو حق وثابتة له أيضا ولايتهم في ولاية الجملة، لأنه إذا تولى جميع أولياء الله فقد دخلوا في جميع أولياء الله، وثبتت هذه الشريطة فيهم، وولاية الجملة إذا تولى جميع أولياء الله أو جميع الصالحين أو المسلمين، أو الأبرار أو الأخيار، أو المتقين أو ما أشبه هذا من الأسماء التي تجمع أولياء الله، فما هداه الله إليه من هذه الأسماء كفى الله عن غيره منها حتى يتعبده الله بمعرفة غيرها منه، ثم عليه معرفة ذلك، وإلحاقها بأهلها.
وكذلك إذا برئ من جميع أعداء الله أو الظالمين، أو الكافرين أو الجائرين، أو الفاسقين، أو ما أشبه هذا من الأسماء التي تجمع أهل (4/48)
صفحة 1167
الشرك وأهل النفاق، فكل هذا عندي من براءة الجملة، ويكفي الواحد منها من جميعها، فإن علمها كلها ألحقها بأهلها، وإن جهل شيئا منها اكتفى بما علم منها عما جهله منها حتى يعلمه، ثم يلحقه بأهله فافهم هذا.
وقد قلنا إن ولاية أئمة المسلمين ثابتة لمن جهلهم في إقراره بالجملة وفي ولاية الجملة، وليس على من جهلهم ولا له أن يتولى واحد وحده منهم فما فوق ذلك حتى يتعبده الله بولايته، أو يجوز له ولايته، فإذا تعبده الله بولايته كان عليه ولايته، ولا يسعه تركها ولا جهلها، ولا تضييع القيام بها، ويسعه جهل الباقين منهم الذين لم يتعبده الله بولايتهم، فإن تعبده الله بولايتهم أجمعين فعليه القيام بما تعبده الله من ولايتهم، ولا يسعه جهل ذلك.
وأما ما لم يتعبده بولايته في الإجماع، وكانت ولايته مما يختلف المسلمون في لزومها له مثل أن يدفع عالم من العلماء بأصول الولاية والبراءة ولاية رجل كان من أئمة المسلمين السالفين، أو من غير الأئمة فقال من قال: يلزم المرفوع إليه ولاية ذلك الرجل، سأل العالم عن ولايته أو لم يسأله.
وقال من قال: لا تلزمه ولايته سأل عن ولايته أو لم يسأل حتى يكونا عالمين، وقال من قال: إن سأل عن ولايته لزمه ولايته، وإن لم يسأل لم يلزمه ولايته، فعلى من لا يلزمه ولايته فواسع له جهله فافهم هذا.
ولو أن إنسانا واحدا وحده لم يتعبه الله بولاية أحد من أولئك الأئمة، وتعبد جميع عباده بولاية جميعهم بأسمائهم لكان على من تعبده الله بولايتهم بأسمائهم أن يتولاهم، ولم يكن على من لم يتعبده الله بولاية أحد منهم أن يتولاه.
ولو أن إنسانا لزمه ولايتهم أو ولاية أحد منهم، ولم يلزم ولايتهم غيره من جميع عباد الله لكان عليه القيام بما تعبده الله به من ولايتهم، (4/49)
صفحة 1168
ولا يسعه ترك ولايتهم إذا لم يلزمه غيره بولايتهم، ولو أنه تعبد الله جميع عباده بولايتهم إلا إنسانا واحدا لم يتعبده الله بولايتهم لكان على من تعبده الله بولايتهم القيام بما تعبده الله به من ولايتهم، ولم يكن على هذا الإنسان الذي لم يتعبده الله بولايتهم أن يتولاهم إذا لزم غيره ولايتهم، وإنما يلزم كل إنسان ولاية من لزمته ولايته، ولو لم يلزم غيره ولا يلزمه ولاية من لم تلزمه ولايته، ولو لزمت غيره وقد مضى القول أنه يلزم كل إنسان من جميع دين الله كله ما تعبده به، ولا يجوز له تضييعه إذا لم يتعبد الله به غيره، وكل شيء لم يتعبده الله به فلا يلزمه القيام به إذا تعبد به غيره، وإذا وسعهم جهل الأئمة السالفين من الأنبياء والمرسلين الذين تقدم ذكرهم، فالأئمة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم السالفون أوسع وأجدر أن يسع جهلهم، وإن كان لا يلزم السؤال عنهم ولا عن أحد منهم، وأن تكون الولاية في الجملة كافية عن ولاية الأئمة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأسمائهم حتى يتعبده الله بولاية أحد منهم، أو كلهم بأسمائهم، ثم يكون عليه القيام حينئذ بما تعبده الله من ذلك.
وكذلك إذا برئ في الجملة من أعداء الله وسعه جهل جميع أعداء الله، ولم يكن عليه البراءة من أحد من أعداء الله من السالفين الذين لم يشاهدهم بأسمائهم، ولا يلزمه السؤال عنهم، ولا من أحد منهم، كانوا من أئمة المشركين الذين حاربوا أنبياء الله، أو من أئمة المشركين الذين حاربوا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، أو من رعاياهم وأتباعهم أو من الذين قال الله إنهم: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً} (مريم: 90).
أو كانوا من أعداء الله المنافقين، كانوا من الأئمة الذين حاربوا أئمة المسلمين أو من رعاياهم وأتباعهم أو غير ذلك من جميع أعداء الله كانوا مستحلين أو محرمين، فلا يلزم من جهلهم السؤال عنهم، ولا البراءة منهم، ويسعه جهل جميعهم حتى يتعبده الله بالبراءة من أحد منهم، (4/50)
صفحة 1169
أو من جميعهم، ثم كان عليه حينئذ القيام بما تعبده الله من ذلك، وقد ثبت لهذا الإنسان الذي جهلهم البراءة منهم في إقراره بالجملة، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن جميع ما جاء به محمد عن الله فهو الحق المبين وما أشبه هذا من الألفاظ الزائدة على هذا، والناقصة عنه، المتضمنة لهذا المعنى.
فإذا أقر الإنسان بالله وبرسوله وبما جاء به رسوله، فقد ثبت له الإقرار بالجملة فيما ضمن هذه المعاني من الألفاظ، فقد أقر بالجملة هكذا عندي، ويوجد هذا المعنى فيما يخرج من أقاويل أصحابنا، وتركت الاحتجاج الكثير مما في هذا الكتاب خوف طوله، وإذا وسع جهل ملائكة الله الذين وصف النبي كثرتهم فقال فيما يروى عنه على ما وجدت: «أطت السماء وحق لها أن تئط ما من موضع أربع أصابع إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه»، ووسع جهل أنبياء الله المرسلين الذين قال الله: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} (آل عمران: 146).
وأئمة الصالحين من عباده وأوليائه فكان ولايته بالإقرار بالجملة ثبتت ولايتهم، فكانت الولاية في الجملة لأولياء الله كافية عن ولايتهم بأسمائهم لمن جهلهم، فأعداء الله أولى وأجدر أن يكون الإقرار بالجملة والبراءة في الجملة كافية لمن جهلهم عن البراءة منهم بأسمائهم، لأن الإسلام يعلو أو لا يعلو، والولاية تعلو البراءة هكذا قيل.
وإن كان كل ذلك فرضا ولو أن إنسانا تولى وليا لله بغير حجة كائنا من كان نبيا أو ملكا أو إماما أو غير ذلك من جميع أولياء الله كان عاصيا وإنما يجوز له أن يتولى أولياء الله بما يجوز في دين الله، وثبتت الولاية.
ولو أن إنسانا برئ من عدو الله كائنا من كان من المشركين، الذين حاربوا نبي الله أو غيرهم، أو المنافقين الذين حاربوا أئمة المسلمين أو (4/51)
صفحة 1170
غيرهم بغير ما يجوز في دين الله، كان عاصيا، وإنما تجوز البراءة من أعداء الله مما يجوز في دين الله البراءة به، ولو وجب ولاية إنسان قبل أن يتعبده الله بولايته لوجب ذلك في جميع أولياء الله، ولو لزم السؤال عن ولي الله قبل أن يلزم السؤال عنه في دين الله للزوم ذلك في جميع أولياء الله، ولو لزم البراءة من إنسان قبل أن يتعبده الله بالبراءة منه، للزم ذلك في جميع أعداء الله، ولو لزم السؤال عن عدو الله قبل أن يلزم السؤال عنه في دين الله للزم ذلك في جميع أعداء الله.
ولو لزم إنسانا أن يتولى وليا لله أو يبرأ من عدو لله قبل وجوب ذلك عليه للزمه ذلك في جميع أولياء الله، وفي جميع أعداء الله، ولو لزمه ذلك لعجز عن القيام به، وكان في تكليفه ذلك مالا يقدر عليه، وتعالى الله أن يكلف عباده ما لا يطيقون.
وأما الأئمة الحاضرون كانوا من الأئمة العادلين أو الجائرين، فقد قيل إنه لا يسع من شاهدهم جهلهم لظهور عدلهم وجورهم معهم، ولا من كان معهم بحضرة إمام عدل أو من رعيته، فعليه طاعته، وعليه نصرته، وعليه تسليم زكاته إليه، وعليه الانقياد له فيما حكم به عليه، وما أشبه هذا من الحقوق اللازمة لأئمة العدل على رعيتهم، وأهل مملكتهم.
فإن ركب هذا الإمام معصية زالت بها إمامته، ولم تجز له نصرته ولا طاعته، ولا تسليم زكاته إليه، ولا ثبتت إمامته ولا شيء مما لا يجوز لأئمة العدل، ولأجل هذا وما أشبهه لم يسعه جهله، وأما الأئمة العادلون السالفون، فلم يتعبد الله من لم يكن في عصرهم بطاعتهم ولا نصرتهم، ولا تسليم زكاته إليهم، ولا شيء مما يلزم الرعية لأئمتها، فلأجل هذا وسع جهلهم.
فلما كان المشاهد للأئمة متعبدا فيهم، ولهم بعبادات لم يسع جهلهم، ولما كان الأئمة الماضون غير متعبد بهم ولا فيهم بشيء مما ذكرنا، وسع جهلهم، وكانوا بمنزلة الرعايا، فمن وجب عليه ولاية أحد منهم (4/52)
صفحة 1171
فعليه ولايته، ومن لم يجب عليهم ولاية أحد منهم لم يلزمه ولايته، ولا السؤال عنه، فهذا فرق ما بين الأئمة الحاضرين والأئمة الماضين، هكذا عرفت، وكذلك أئمة الجور الحاضرون، فقد قالوا لا يسع جهلهم لأنه يشاهد جورهم، ويسع جهل أئمة الجور السالفين، لأنه لم يشاهد جورهم، فإن قامت عليه الحجة بما يوجب معرفة جورهم والبراءة منهم فعليه ذلك.
وإن لم يعلم ذلك فلا يلزمه السؤال عنهم، وقال من قال: إذا كان أحد من الضعفاء بحضرة إمام، ثم أحدث حدثا اشتبه على الضعيف حكمه، فسلم الضعيف للعلماء المشاهدين للإمام فيما حكموا به فيه، ولم يمتنع عن شيء يجب عليه لأئمة العدل، ولا فعل شيئا لا يجوز أن يفعل لأئمة العدل، ولا فعل شيئا لا يجوز أن يفعل إلا لأئمة العدل، وسعه الوقوف عنه مع ولاية العلماء على ما حكموا به في هذا الإمام.
ويوجد هذا عن أبي الحواري، ومن سيرة مودود، فما أشكل شيء عمل به من مضى، فالوقوف عنه جائز، ورد علمه إلى الله وإلى أولي العلم، وليس يوقف المسلمون لا يحكمون على أحد بعينه وبنفسه الحق أحق أن يهتدي به من عمل به والباطل باطل أهله أحق بما عملوا منه وأولى به، وليس علينا دعاء إلى البراءة من مخطئ بعينه، إلا أن يخالف فيه مخالف بعينه بعذر له ليس فيه بصادق، ويعرف كذب ما قال فيه فيقول فيه بغير الحق، وهو ما أمسك عن ذلك وقبل قول المسلمين، وصفة العدل على الناس سالم.
كذلك أمر من خلا مثل عثمان وعلي، ومن دخل عليه الخطأ فضل به فليس علينا نصف خطئه للناس، ولا نكلفهم الإقرار بخطئهم، وأن لا يكونوا مسلمين إلا بذلك، ولكن عليهم الإقرار للمسلمين والتسليم لهم بما دانوا به من صفة العدل في أهل الخطأ والصواب.
ويوجد عن أبي الحسن محمد بن الحسن، وأما ما ذكرت من (4/53)
صفحة 1172
المهاجرين والأنصار والتابعين من ذوي الأبصار إلى يوم القيامة، فنحن نشهد ولا شك في شهادتنا، فإن شككنا هلكنا، فإنهم دائنون لله بالولاية في اعتقاد مذاهبهم، لكل ولي علموه، ثم صح به علمهم أو جهلوا بما لم تبلغ إليه معرفة عقولهم، وكذلك عداوتهم لأعداء الله في جملة اعتقادهم، وهذا سبيل كل صادق، وديننا دينهم.
وكذلك براءتهم بالحكم بعد قيام الحجة، وقطع العذر أول ذلك أبوهم إبراهيم، إذ قال الله: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} (التوبة: 114)، وهذه الصفة في أبيه فلم يبرأ إبراهيم من أبيه حتى تبين له عداوته.
وقال الله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (الممتحنة: 6)، وكذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة: 113)، فانظر إلى قول الله عز وجل: {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ} وهل يكون البيان إلا بعد الحجة والسلطان! فلم يجب على هذا المتكلف المتعسف أن يتعرض السؤال عن أحكام الولاية والبراءة ليوجبها على نفسه، بحثهما في غير حكمها، ولكن عليه أن يتعلمهما من علمائهما في حين وجوبهما بما عليه وتفسيرها منهم، ففتياهم حجة عليه في الصفة والمعرفة، إلا أن يعرف الحكم في ذلك فيشك فيه، وذلك فيما لا يسع جهله، فإذا شك فيما لزمه إنفاذ الحكم فيما لا يسعه جهله كان عليه السؤال عن بحث ما شك فيه حتى ينفذه على نفسه بعدله.
وقلت: هل على ضعفاء المسلمين الذين لا علم لهم فيمن خلا ومضى أن يسألوا عن الأمراء والأئمة، أو عن بعضهم من جار منهم ومن عدل؟
فعلى ما وصفت فهذا موضوع عن الناس السؤال عنه والبحث عن مساوئ الناس وإحسانهم، فمن حمل ذلك على أحد من الضعفاء فقد (4/54)
صفحة 1173
نزل بمنزلة الجفا، وصار إلى سبيل أهل الشقا، والذي يحسن عندي ووجدت أيضا ذلك أنه إن ألزم أحدا ممن يلزمه ذلك فلا يجوز له ذلك، وإن ألزم نفسه ذلك ودان به لم يجز ذلك، وإن سأل عن الصالحين ليعرفهم، وعن سبيل الظالمين والجائرين ليجتنبهم، ولم يرد ويقصد تجسيس عورة ولا اغتنام ولا بحث عورة، فإن وجب عليه في حال سؤال له ذلك ولاية أحد أو براءة من أحد تولى من وجب عليه ولايته وبرئ ممن وجبت عليه البراءة، ولا يلزم نفسه ذلك إلزاما، أو أمره أخذ بذلك من غير أن يلزمه إلا من طريق الوسيلة كان ذلك من الفضائل على هذه الشرائط، وقد قال المسلمون في سيرهم: ولا نغتنم العثرة، ولا نتجسس العورة، ولا نرد المعذرة. ومن الجواب.
قلت له: هل على الضعفاء أن يسألوا عمن برئ منه موسى بن علي، ومحمد بن محبوب رحمهم الله وغيرهما ممن كان قبلهما وبعدهما من الفقهاء، فليس ذلك على من ذكرت؟
والجواب في هذا كله قد مضى، وكذلك ما ذكرت أن يسألوا عن خروج أهل النهروان، وعن قتال أصحاب الجمل حتى يعرفوا سبيل من زاغ عن الإسلام، وزاع عن الحق، فيخصونهم بالبراءة، ويعرفوا سبيل من استقام، فيخصونهم بالولاية، فليس ذلك عليهم إلا ما قامت به البينة، أو شهر في الدار أو عاينته الأبصار بما يوجبه حكم الحق من قول ذوي الأبصار من ولاية وعداوة، وهذا سبيل أهل التقى.
وعن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة من كتابه المبتدأ: فإن قال: فإذا عرف حكم الحادث وجهل أسماء المحدثين هل عليه معرفة المحدثين بأسمائهم؟ قيل له: ليس عليه ذلك إذا كان دان بالبراءة من أهلها من كل محدث أكفره حدثه، وتولى المسلمين على ما دانوا به لله عز وجل في هؤلاء المحدثين وفي غيرهم، إذا لم يعرفهم بأسمائهم. فإن قال قائل: (4/55)
صفحة 1174
فإن أراد معرفة أحد من هؤلاء المحدثين بأسمائهم ليوقع البراءة عليه بعينه ليزداد علما فيهم؟
وعن أبي سعيد محمد بن سعيد أنه قال: ليس له أن يسأل عن هؤلاء المحدثين ليبرأ منهم، ولكن له أن يسأل عن الأخبار المتقدمة الحادثة بين الأئمة من غير أن يقصد إلى تجسس عورة، ولا اغتنام عثرة، فإن تبين له ما يوجب عليه ولاية أحد تولاه، وإن تبين له ما يوجب عليه البراءة من أحد برئ منه، ولا يكون مجتهدا في بحث عورة ليقف عليها، ويبرأ من راكبها، ولكنه إن علمها برئ من راكبها وهو كاره كما يقيم الحاكم الحد عنه على المحدث وهو كاره، لأن من لم يصح معه حدثه فهو على حال الوقوف عنده، ولو كان في علم غيره فاسقا فليس له أن يبحث عن عورة رجل معه في حال الوقوف قاصداً بذلك إلى هتك ستره، وقد نهى عن غيبة من كان واقفا عنه وهو أن يقول فيه ما هو فيه مما علمه مما ليس بكفر، فهتك ستره وكشف عورته إذا قصد إلى ذلك أشد من غيبته عندي.
ويوجد عن ابن بركة أنه إذا عرف الإنسان حكم حدث المحدثين فليس عليه أن يسأل عنهم عن المحدثين، ولكنه يسأل عن معرفة الأخبار من غير أن يقصد إلى كشف عورة لم يكن علمها، ولا هتك ستر كان مستترا عليه، فإن تبين له ما يوجب عليه البراءة من أحد برئ منه، والله أعلم.
هكذا أحسب أني عرفته عنه نحو هذا والله أعلم.
ومن سيرة السؤال عن أبي الحسن علي البسياني وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها على الخطأ إلا واحدة»، وقد وجدنا الأمة قد افترقت، وإذا كان ذلك كذلك فعلينا طلب الفرقة المحقة من جملة المختلفين، ولا نصل إلى (4/56)
صفحة 1175
ذلك دون البحث والسؤال، والدليل والحجة من الكتاب والسنة والإجماع، ولا يبلغ إلى علم ذلك بغير سؤال.
ومنها: وقد قال المسلمون إن السؤال فيما شجر وعرض، وقد عرفت عن بعض المسلمين أن خلف بن زياد رحمه الله لما نشأ فوجد الناس مختلفين قال: إن لله دينا تعبد به عباده لا يعذرهم بجهله، والشك فيه، فخرج يطلب ما كلف، فكلما لقي فقيها ومنسوبا إليه العلم سأله عن اعتقاده، فإذا أخبره قال له: ديني خير من دينك حتى لقي أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وسأله عن شيء أخبره وعرف أن الحق ما قال أبو عبيدة فقال: هذا دين الله الذي تعبد به عباده.
ومنها: فعل كل ناشئ في عصر أن يعرف أهل زمانه، ومن تعبده الله بالقبول عنه، فإن وجد أهل عصره كلهم أهل عدل، وكلمتهم عالية ودينهم ظاهر لا خلاف بينهم في دينهم ولا فرقة فعليه ولايتهم، ومن علم منهم وسلم لحكمهم، واقتدى بأهل الذكر منهم وهم الحجة في ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلال» وإن وجدهم أهل جور وكفر وظلم وكلمة الكفر عالية والحق مقهور، لعله أراد لم يتول أحدا منهم، ولا اقتدى بأحدهم حتى يعلم الصادق، وعليه طلب أهل الصدق والأمناء في دين الله الذين هم حجة الله، ولو وجدهم بالصين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعذر بغير الحق، ولا يصل إلى هذا كله بغير سؤال.
وإن وجد أهل عصره على اختلاط واختلاف في الدين وأعداء متباغضين وأحزابا مختلفين، والجور هو الغالب، والحق مقهور، لم يتولهم ولم يتول أحدا منهم، ولو رأى منه الصلاح حتى يعلم منه القول بقول أهل الحق، والصادقين في دينهم ويعرفهم بالحجة والدليل من الكتاب والسنة والإجماع، ويعلم أنهم أهل الحق دون من خالفهم، ثم يتولاهم ويسألهم عما تعبد الله به عباده وعليه القبول منهم، إذا عرف صدقهم وأنهم الحجة، ولا يكون للعبد الضعيف إلى هذا سبيل دون (4/57)
صفحة 1176
السؤال عنه، والطلب والبحث, الذي عرفنا عن غير أبي الحسن أن خلف بن زياد كان على غير دين المسلمين، وكذلك قول أبي الحسن يدل على أنه كان على غير دين المسلمين.
وإن كان غير دين المسلمين من أديان أهل الضلال فواجب عليه سؤال من بحضرته من المعبرين، فإن لم يجدهم بحضرته فعليه الخروج في طلب علم ما قد جهله وركبه من الضلال، والسؤال عن ذلك، ولا أعلم في ذلك اختلافا، ولو أن أحدا لم يدن بدين الضلال إلا أنه ركب كبيرة جهلها، ولو كان دينه دين المسلمين فعليه سؤال من بحضرته من المعبرين كانوا من العلماء أو من الضعفاء المأمونين الثقات، فإن لم يكن بحضرته أحد من المعبرين فعليه الخروج في طلب علم ما قد جهله مما قد ضل به إذا قدر على الخروج، ولو إلى الصين أو أبعد من الصين، وأقصى المشرقين والمغربين.
ولا أعلم في هذا اختلافا لأن هذا السؤال هاهنا فريضة، فكيف إذا دان بالضلال، وأما إذا لم يكن السؤال عليه فريضة وكان وسيلة فلا يلزمه السؤال عنه، ولو كان العلماء المحقون أقرب إليه من الملكين الحافظين عليه الكريمين، وهذا ما لا أعلم فيه اختلافا، وأما إذا كان السؤال عن شيء قد اختلف علماء المسلمين بالرأي في وجوبه عليه، فإن كان من أهل التمييز أخذ بما يراه من قولهم أقرب عنده إلى الحق، فإن كان الذي رآه صوابا قول من قال عليه السؤال فعليه السؤال، وإن كان الذي رآه صوابا قول من قال لا سؤال عليه فليس عليه سؤال.
ولا تجوز الدينونة بالسؤال في هذا الموضع وإنما تكون الدينونة بالسؤال فيما قد أجمع المسلمون على الدينونة بالسؤال فيه، أو فيما قد أجمعوا على هلاك الراكب له مما تقوم عليه الحجة فيه من السماع، أو فيما قد تعبد الله به من الأعمال التي يفوت وقتها فجهلها أو جهل شيئا منها مما لا يتم إلا به أو ما أشبه هذا. (4/58)
صفحة 1177
وقد مضى في هذا ما يكتفي به، فإذا كان الراكب للكبيرة بغير دينونة يجب عليه الخروج والسؤال، فكيف لا يجب على خلف بن زياد وقد دان بالضلال؟ إن نفسي لأحق عندي أن تنطق في أقل قدر من خلف بن زياد بما نطقت، ولكن لما رأيت الله قد ذكر ذنوب الأنبياء الذين هم أكرم عليه من خلف بن زياد، وأنزل به قرآنا يصلى به ويتلى في المشاهد نطقت بما نطقت.
وأنا كنحو ما قيل شعرا:
وسنان أقصده الرماح فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم
والذي يوجد في حديث أبي سفيان محبوب بن الرحيل، قال أبو سفيان: كان رجل من المسلمين يقال له أبو محمد المهدي، قال: وكان قد أبصر الإسلام من قبل نفسه، قال: وكان يرى ذلك أنه خرج في بعض المغازي فنظر إلى ما يعمل الناس، قال: ما هذا يفعل أهل الإيمان، قال: فانصرف إلى البصرة وكان له مسجد يجلس فيه، ويحدث ويقضي فيه ويذكر، قال: وكان يصف الإسلام يقول: إن أهل الأحداث من أهل القبلة كفار وليسوا بمشركين ولا مؤمنين، قال: فبلغ ذلك جماعة من المسلمين فقال بعضهم لبعض: قد ترونه ما يصف هلموا بنا إليه نواصفه هذا الأمر فلعله يقبل.
قال: فأتاه منهم جماعة فواصفوه الأمر، ووصفوا له ما هم عليه، فقال: هذا هو الحق، وما زالت على هذا مذ دهر، ولم أجد أحدا يوافقني عليه، وما كنت أرى أن أحدا يقول بهذا القول، قالوا: بلى والله إن لك إخوانا على هذا وأعوانا، فكان أبو محمد من أفاضل المسلمين بعده، قال: وكان يظهر هذا الأمر ويبوح به، فانظر كيف لم يضلك المسلمون أبا محمد إذ لم يخرج يسأل عن دينه، ويتعرف رأي المسلمين، وإذا جهل أئمة المسلمين الذين في عصره ومصره إذا كان (4/59)
صفحة 1178
مستقيما على دين المسلمين ولم يستتيبوه، وجعلوا أنفسهم إخوانا له وأعوانا مع جهله بما هم عليه قبل أن يعلموه.
وقد يوجد عن أبي الحواري أنه ليس على من كان مستقيما على دين المسلمين أن يخرج يتعرف رأي المسلمين إذا لم يضيع شيئا يجب عليه فيه سؤال المسلمين من ترك عمل فريضة يلزمه علمها، أو ركوب مكفرة أقام عليها أو شيئا يجب عليه فيه سؤالهم، وهذا عندي أنه معنى ما يوجد عنه، وقد قيل إن أهل عمان كانوا على غير دين المسلمين، فلم يوجبوا عليهم أن يخرجوا يسألوا عن دينهم، ورأوا أنهم سالمون بقبول عبارة من عبر لهم الحق في مواضعهم، وقيل: إن نقلة العلم من البصرة إلى عمان أربعة أنفس، ولم نجد أن ذلك الخروج كان لازما لهم والله أعلم.
ولم أرد برفع هذه الآثار إلا إدخال فرح على ضعيف مجتهد لم يقف عليها، ويتميز تعبيرها، فمن وقف على كتابي هذا فليتدبره، ولا يحمله سوء الظن بي أن يرد منه حقا، ولا حسن ظنه بي أن يقبل منه باطلا، ولا يقبل منه إلا ما وافق الحق والصواب. (4/60)
صفحة 1179
بسم الله الرحمن الرحيم
قد اجتمعت بحمد الله ومنه كلمة أهل عمان على أمر واحد، ودين واحد، وهو دين الله الذي أرسل به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فمنهم من تولى الصلت بن مالك رحمه الله، وبرئ من موسى، وراشد بن النظر، ومنهم من تولى الصلت بن مالك، وبرئ من برئ من موسى بن موسى وراشد بن النظر، ومنهم من تولى المسلمين على ولايتهم الصلت بن مالك رحمه الله، وبراءتهم من موسى بن موسى وراشد بن النظر، واجتمع رأيهم على الدينونة بالسؤال فيما يجب عليهم السؤال فيه عند أهل الحق، الذين يرون السؤال واجبا، واجتمع رأيهم على أن من دان بالشك فهو هالك.
وكذلك اتفقوا على أن من علم من محدث حدثا وجهل الحكم في حدثه أن عليه السؤال فيه، وإن علم الحدث والحكم فيه كان عليه البراءة منه إذا كان حدثه ذلك مما يجب به البراءة من فاعله، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على خيرته من خلقه، رسوله محمد النبي وآله وسلم.
وكتب الإمام راشد بن سعيد بخط يده، وكان ذلك بمحضر الحسن بن سعيد بن قريش القاضي، وأبي عبد الله بن محمد بن خالد، وأبي حمزة المختار بن عيسى القاضي، وأبي عبد الله محمد بن تمام، وأبي النظر راشد بن القاسم الوالي، وحضر أيضا هذا الكتاب أبو علي موسى بن أحمد بن محمد بن علي، وأبو الحسن علي بن عمر، وأبو بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر.
وعرض هذا الكتاب على جميعهم، واتفقوا عليه ولم يختلفوا في شيء فيه والسلام، وكان ذلك يوم الخميس لأربع عشرة ليلة بقين من شهر شوال سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة سنة، وكان ذلك بقرية سوني، (4/61)
صفحة 1180
في المنزل الذي ينزل فيه الإمام راشد بن سعيد نصره الله بالحق، ونصر الحق به، والحمد لله وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما.
من غير خط محمد بن إبراهيم، وقال غير المؤلف المصنف من قوله: قد اجتمعت كلمة أهل عمان أرجو أنه مما أضيف إلى الكتاب لأنه بغير خط مؤلفه، وكذلك ما فسره مؤلف هذا الكتاب. (4/62)
صفحة 1181
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما فسره الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله من مجمل الآثار، يوجد عن بشير بن محمد بن محبوب رحمه الله، أن ترك النكير حجة، وإظهار النكير حجة، قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: وذلك خاص ممن له النكير في وقت وقوع الحدث لا غير ذلك، كان الذي له النكير إماما أو وليا أو عدوا كان من أهل الإقرار، أو من أهل الإنكار، وذلك في الأحداث التي يجوز فيها الحق والباطل، والهدى والضلال، والطاعة والمعصية، من الأحداث في الدماء والفروج والأموال، والإمامة وما أشبه ذلك من الأحداث التي لله عز وجل فيها حكمان.
وذلك مثل رجل يطأ امرأة فإن أظهرت النكير أنه يأتي ذلك منها بلا تزويج ولا ملك يمين كان إنكارها عليه حجة في ذلك الحال في حكم الظاهر، ولو كانت زوجته أو أمته عند من لم يعلم أنها زوجته ولا أمته، ولو أنها لم تنكر عليه لكان تركها للنكير عليه حجة له في حكم الظاهر، ولو كان مقتسرا لها، وهذا خاص في أحكام الظاهر، وكذلك لو رأى قاتلا يقتل آخر، ولم ينكر عليه ذلك لكان تركه للنكير حجة له في أكثر ما عرفنا من قول المسلمين.
وكذلك لو رأى إنسانا يأخذ مال مسلم أو يهودي أو نصراني أو مجوسي، ولم ينكر عليه لكان تركه للنكير حجة للآخذ في حكم الظاهر، ولو كان الآخذ مبطلا في حكم السرائر، ولو أنه أظهر عليه النكير لكان إظهاره للنكير حجة عليه في حكم الظاهر، ولو كان محقا في حكم السرائر. (4/63)
صفحة 1182
ولو أن جماعة من المسلمين عقدوا إماما في حياة إمام قد أجمع على إمامته فلم ينكر ذلك عليهم العلماء الحاضرون، ولا الإمام المتقدم لكان فعلهم ذلك حجة لهم في ذلك في حكم الظاهر، ولو كانوا مبطلين في حكم السرائر ولو أنهم أنكروا عليهم ذلك لكانوا مبطلين في حكم الظاهر، ولو كانوا محقين في حكم السرائر، وذلك إذا كان إنكارهم في وقت الحدث لا قبله ولا بعده ذلك.
فصل
قال بعض: إنما ترك النكير حجة للأئمة دون الرعية، قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: إن ترك النكير حجة ممن له الحجة في الأحداث التي يجوز فيها الحق والباطل لا غير ذلك، إذا كان الذي له النكير إماما أو وليا أو عدوا أو مجوسيا أو مشركا أو وثنيا أو غير وثني، أو ممن كان من الخليقة المتعبدين، وأما الأحداث التي لا يجوز فيها إلا الباطل والضلال والمعصية، فليس ترك النكير حجة لمحدثها كان محدثها إماما أو وليا أو عدوا، أو عالما أو جاهلا، أو مسلما أو مشركا كان التارك للنكير إماما أو وليا، أو عدوا أو عالما أو جاهلا أو مسلما أو مشركا، وذلك لو أنه تزوج أخته من الرضاع أو النسب أو غيرها من ذوات المحارم، أو أنها أمه أو أخته أو عمته، أو خالته أو ما أشبه ذلك.
ولو لم يعلم أن الله عز وجل قد حرم ذلك ولا رسوله ولا كتابه، أو كان عالما أن الله عز وجل قد حرم ذلك، وكان تزويجه ذلك بعد علمه بالصفة الموجبة للحرمة في دين الله بحضرة ألف عالم من علماء المسلمين، فهم يعلمون أيضا أنه عالم بالصفة الموجبة للحرمة فلم ينكروا ذلك عليه ما كان تركهم للنكير عليه حجة له في حكم الظاهر، ولا في حكم السرائر، ولكان بفعله ذلك هالكا كافرا ظالما منافقا آثما فاسقا، ولكان (4/64)
صفحة 1183
على هؤلاء العلماء أن ينكروا عليه ذلك، فإن تركوا النكير عليه وهم قادرون على ذلك لكانوا أيضا هالكين لتركهم النكير عليه.
ولو أن عالما قال بحضرة الإمام العدل، وبحضرة ألف عالم: إن الله عز وجل قد أحل تزويج الأخت من الرضاعة، فلم ينكروا عليه قول ذلك، لا الإمام ولا العلماء الحاضرون، وتولوه على ذلك لكانوا بذلك مخلوعين في دين الله هالكين، في حكم دين الله.
ولو أن عالما قال: إن الله عز وجل قد أحل سبي أهل القبلة وسفك دمائهم بحضرة ألف عالم، فلم ينكروا عليه ذلك، وتولوه على ذلك وضربوه، لكان الكل منهم بذلك هالكون -نسخة- هالكا في دين الله، ولم يكونوا في ذلك حجة لأحد من الخليقة، ولو أن قائلا قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحل البغي على الإمام العدل، أو على أحد من الخليقة، لكان القائل لذلك مبتدعا، ولو كان قوله هذا بحضرة ألف عالم، ولو قال: إن المسلمين قد أجازوا أن يعقدوا إماما في حال ثبوت إمامة الإمامة العدل، أو يجوز الخروج عليه، أو غصب إمامته بحضرة ألف عالم، فلم ينكروا عليه ذلك ما كان تركهم للنكير عليه حجة له، ولكان حكم هذا القائل في دين الله من الكاذبين الفاسقين.
فصل
وقال بعض: إن الركوب للكبائر شاهد على راكبه بالكفر وبالضلال، ومن قال بغير هذا فقد كفر.
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: إن ذلك خاص في الأحداث الباطلة التي لا يجوز فيها الحق، ولا يمكن لراكبها فيها الحق بوجه من الوجوه في سر ولا علانية، ولا يحتمل لراكبها الهدى في دين الله في سر ولا علانية، وذلك مثل أن يقول: إن الله أحل الربا وأحل (4/65)
صفحة 1184
نكاح ذوات المحارم، أو أحل شرب الدم، أو أحل أكل لحم الميتة من غير اضطرار وما أشبه ذلك.
وأما في الأحداث التي يجوز لراكبها في دين الله الحق والباطل والهدى والضلال، فإن الراكب لذلك يكون على منزلته التي هو عليها في دين المسلمين من ولاية، أو وقوف أو براءة، ويكون الراكب على حالته الأولى في حكم الظاهر، ولا نعلم في ذلك اختلافا، أن كل حدث جاز لراكبه فيه الحق والباطل في دين المسلمين، فإنه لا يجوز أن يخطئ راكبه، ولا يجوز أن يشهد عليه بالضلال ولا بالكفر، ولا بالفسق ولا يتبرأ منه، ولا يجوز الوقوف عنه إن كانت له ولاية متقدمة في ذلك حتى تقوم عليه حجة من حجج الحق، ويقطع عذره في ذلك.
وذلك مثل أن ترى وليا لك أو غير ولي يأكل مالا تعلم أنه لغيره، كان المال ليتيم أو بالغ حاضر أو غائب، ولم يعلم أنه يأكل بحق ولا بباطل، فإنه يكون على منزلته الأولى. وكذلك لو رأيت رجلا يجيء ويذهب، فإذا حضرت الصلاة صلى قاعدا، أو رأيت من يأكل نهارا في شهر رمضان في حضره ووطنه، أو رأيت من يأكل لحم ميتة أو لحم خنزير، أو يشرب الدم ولو لم تعلم أنه في فعله ذلك محقا ولا مبطلا، لكان الفاعل لذلك على منزلته الأولى، لأن كل فاعل له يخرج من مخارج الحق في دين الله، فلا يجوز تخطئته في ذلك الفعل، لأن الأحداث في مثل ذلك تنقسم على ثلاثة أقسام.
فقسم منه: ما كان الحق فيه لله عز وجل مما يكون العبد فيه مؤتمنا في دين الله عليه، مثل الصلاة والزكاة والحج، واتقاء النجاسات، والاغتسال من الجنابة وما أشبه ذلك، فإن العبد مؤتمن في ذلك على دينه، ولا يجوز أن يساء به الظن، فإن إساءة الظن بالمسلمين من كبائر الذنوب، وأنه لا تقوم الحجة على المتعبد في مثل هذا بما يوجب كفره إلا بإقراره هو لا غير ذلك. (4/66)
صفحة 1185
وقسم ثان: من الأحداث من حقوق الله تعالى مما تقوم الحجة فيه على فاعله من غيره، مثل أكل اللحم من أيدي المشركين من غير أهل الكتابين، وذلك أن ترى من يأكل لحما من أيدي المشركين من غير أهل الكتابين، فشهد عليه شاهدا عدل أنه يأكل ذلك اللحم من غير اضطرار، وأن ذلك اللحم من ذبائح المشركين من غير أهل الكتابين، فإنه تقوم عليه الحجة فيه من غير إقرار.
وقسم ثالث: ما كان فيه الحق لله ولعباده مثل الفروج والقتل والأمانة والأموال وما أشبه ذلك، فإن راكب ذلك على منزلته التي كان عليها حتى تقوم عليه حجة من حجج الله تعالى، فينقطع عذره لا غير ذلك.
وكذلك لو أنك رأيت رجلا يطأ امرأة وهو من أهل الولاية، فكان على ولايته في حكم الظاهر، ولو كان ذلك الواطئ مبطلا في السريرة، مقتسرا لتلك المرأة، لم يكن فعله ذلك موجبا كفره في حكم الظاهر، ولو برئ منه متبرئ حيث رآه مواقعا لذلك الفعل، ولم يعلم أنه محق في ذلك ولا مبطل، لكان ذلك المتبرئ في دين الله هالكا كافرا شاهدا بالزور حاكما بالجور، وإذا ثبتت له ولاية بالدين في حكم الظاهر، وكان ذلك الفاعل في علم الله مبطلا غاصبا لتلك المرأة فاسقا، لكان المتولى له سالما في دين الله، لأن ذلك الفعل لا يوجب كفره في حكم الظاهر، لأن الله عز وجل تعبد عباده في دينه بأحكام الظاهر، ولم يتعبدهم في ذلك بأحكام السرائر.
وأن الله تبارك وتعالى تعبد عباده بدينه، ولم يتعبدهم بعلمه، كما أنه لو تزوج رجل امرأة وهي في علم الله وفي علم أكثر الخلق أنها أخت له، والمتزوج لم يعلم بأنها أخته حتى وطئها وولدت منه الأولاد، وقد عاش معها مقيما على ذلك خمسين سنة أو أقل أو أكثر حتى مات، لكان في ذلك سالما في دين الله، ولم يعذبه الله على ذلك وما أشبه هذه (4/67)
صفحة 1186
الأشياء ومثلها، وأن الناس محكوم لهم في أحكام الظاهر بأحسن الأحوال حتى تصح عليهم الحجة الواضحة بأسوأ الأحوال، وأن الناس أهل توبة واستغفار حتى يصح منهم الإصرار، وأن الناس أهل تحريم في دين الله حتى يصح منهم الاستحلال.
ويوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو بقي بينك وبين أخيك كنسج العنكبوت فلا تهتك ستره»، وأن الله قد حرم كثيرا من الظن، وأن الله قد حرم التجسس عن العورات، وحرم قذف المحصنات.
وهذه الثلاثة الأقسام التي ذكرتها من الأحداث مما يجوز فيها الحق والباطل، والهدى والضلال، والطاعة والمعصية، وأن جميع الأحداث تنقسم أيضا على ثلاثة أقسام:
فقسم منها: مما لا يكون إلا بالباطل لا غير ذلك، مثل أن يقول قائل: إن الله أحل نكاح الأخوات والخالات وما أشبه ذلك.
وقسم ثان: من الأحداث مما يجوز فيه الحق والباطل والهدى والضلال، وقد تقدم شرح ذلك وإيضاحه وبيانه وما أشبه ذلك.
وقسم ثالث: من الأحداث مما لا يجوز فيه إلا الحق، وذلك مثل أن يقول عالم من علماء المسلمين: إن الله حرم الزنا، وحرم نكاح ذوات المحارم، وأن هذا الحدث هو الحق لا يجوز فيه الباطل بوجه من الوجوه، وأن هذا العالم يكون حجة في ذلك، ولا يجوز في دين الله أن يكذب في ذلك، ولا يجوز في دين الله أن يبرأ من هذا العالم، ولا يوقف عنه برأي ولا بدين.
وكذلك لو قال هذا العالم: إن الله أحل البيع وحرم الربا ما جاز لأحد ممن يعرف هذا العالم أنه عالم في يدن الله أن يخطئه، ولا يبرأ منه، ولا يقف عنه، فإن فعل فاعل هلك بذلك في دين الله. (4/68)
صفحة 1187
كما يوجد عن أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله أنه قال: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه، أو يبرءوا من العلماء إذا برءوا من راكبه، أو يقفوا عن العلماء إذا برئوا من راكبه.
ويوجد في الأثر أن الأحداث تنقسم على خمسة أقسام:
فمنها: ما لا يسع جهل كفر راكبها بالإجماع.
ومنها: ما لا يسع جهل كفرها في أكث القول من المسلمين.
ومنها: ما يسع جهل كفر راكبها في أكثر قول المسلمين، أو لهن الحدث في الجملة مثل أن يردها راد، أو يرد شيئا منها، أو يشك فيها أو في شيء منها، وأن راكب ذلك مشرك، ولا نعلم في ذلك اختلافا، ولا يسع الشك في ضلاله ولا كفره ولا فسقه، ولا يسع ولايته ولا ولاية من شك في كفره، ولا نعلم في ذلك اختلافا، فإن شك في كفره شاك أو تولاه على ذلك متول كان بذلك كافرا كفر نعمة لا كفر شرك، ولا تجوز ولاية من تولى ذلك، ولا يجوز الوقوف عنه ولو بعد ذلك.
وحدث ثان هو في تفسير الجملة، فينقسم على قسمين: فمنه ما يكون المحدث بذلك مشركا، ومنه ما يكون المحدث بذلك كافرا كفر نعمة.
وأما ما يكون به مشركا فمثل أن يرد التنزيل، أو يشك في شيء من التنزيل مما تقوم به الحجة عليه من العقل دون السمع، وذلك أن يقول إن الله عز وجل غير قادر على جميع الأشياء، كلها أو يقول إن الله عز وجل قادر على جميع الأشياء، أو يقول: إن الله عز وجل غير عالم بجميع الأشياء كلها، أو يشك في شيء من صفات الله. (4/69)
صفحة 1188
وأما ما يكون به كافر كفر نعمة مثل أن يقول: إن الله قادر بقدرة، أو عالم بعلم، فإن هذا مما لا يسع جهله.
وقد قيل: إن المحدث في ذلك كافر كفر نعمة، وأكثر القول والشاهد من آثار المسلمين أنه لا يسع جهل كفر هؤلاء.
وقد قيل: إنه يسع جهل كفره، ومعنى ذلك يوجد عن أبي عبيدة أنه لا يهلك أحد بهلاك، واتفقوا على وزن هذا ومثاله في حكم المستحلين.
وأكثر القول أن المستحل لا يسع جهل كفره وذلك خاص لمن علم حرمة ذلك الشيء بالدين وهو الحدث الثالث، فهو حدث المستحلين، والحدث الرابع فهو حدث المصرين، وذلك خاص لمن علم حرمة ذلك الشيء بالدين، والحدث الخامس فهو حدث المحرمين، وأكثر القول أنه يسع جهل كفرهم لمن لم يعلم حكم ذلك.
ومن هذه الأصول الخمسة تتفرع منها الأحداث التي ذكرناها وشرحناها في صدر كتابنا هذا.
واعلم أن حجج الله تعالى تنقسم على قسمين في دين الله: فمن حججه ما تكون الحجة حجة في حكم الظاهر ولو كانت في سرائرها مبطله كافرة، وذلك إذا قامت الحجة بشواهد الحجة الموجبة للحجة، ولا تقوم الحجة إلا بحجة لا غير ذلك، وذلك مثل الشاهد لا يكون حجة إلا بالعدالة له والفضل في الدين.
وكذلك الحاكم لا يكون حجة إلا بالعدل، وكذلك الرفيعة في الولاية لا يكون حجة إلا بعد شواهد الحجة له في ذلك، وكذلك كل من كان في يده شيء كان حجة في ذلك، ومن حجج الله عز وجل ما تكون الحجة حجة في دين الله حتى تكون محقة في سرها وجهرها، صادقة في ظاهرها وباطنها، وذلك مثل العالم الذي قد شهر عدله وفضله واستقامته (4/70)
صفحة 1189
وعلمه وصدقه في علمه الذي لا تلحقه تهمة في علمه بتحريف ولا بتكليف، فإن هذا العالم إذا أفتى بما يسع جهله عند من علم منه هذه الشواهد كان حجة عليه في أكثر القول في ذلك إذا كان وافق في فتياه الحق.
وأما ما خالف في فتياه الحق فإنه لا يكون في ذلك حجة، ولا يكون في ذلك محقا، ولا مستقيما ولا مهتديا بالحق، بل قد صار بفتياه تلك في دين الله كاذبا ضالا سفيها مبطلا منافقا جاهلا، يشهد على كذبه وباطله كتاب الله وسنة رسوله والعلماء بدينه، أعاذنا الله وإياك وكل مسلم من ذلك.
ولولا أن ذلك كذلك لبطل دين الله، ولكان لله أديان شتى، ولكان كل من قلد عالما في الدين كان بتقليده ذلك سالما، حاشا وكلا، بل حلال الله حلال إلى أن تقوم الساعة، وحرام الله حرام إلى أن تقوم الساعة، وليس لأحد تحليل ما حرم الله في دينه، ولا لأحد تحريم ما أحل الله في دينه، وأن شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لجميع الشرائع، وأنه لا نبي بعده، ولا نبي عنده، وأن التقليد في الدين حرام لا يجوز، ولا يسع التقليد في دين الله لأحد من الخليقة، قال الله تبارك وتعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} (الكهف:28)، وقال الله عز وجل: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} (الإنسان: 24).
وأنه لا يسع أحدا من الخليقة أن يحل ما حرم الله بجهل ولا بعلم، برأي ولا بدين، ولا يحل لأحد من الخليقة أن يحرم ما أحله الله بجهل ولا بعلم، ولا برأي ولا بدين، وأن من فعل ذلك أو شيئا منه فهو هالك بإجماع، محاد لدين الله، ومضاد لدين الله، ولكتابه ولبينه محمد صلى الله عليه وسلم، ومخالف لآثار المسلمين. (4/71)
صفحة 1190
فصل
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: وإن عزل الأئمة من الأحداث التي يجوز فيها الحق والباطل والهدى والضلال، والطاعة والمعصية، وذلك خاص لو كان إماما قد ثبتت إمامته بإجماع في مصره وعصره، ثم صح أن جماعة من علماء المسلمين، عقدوا لإمام ثان في حياته، ولم يصح من الإمام الأول إنكار عليهم، ولا صح من العلماء الحاضرين لذلك إنكار لكان الجميع في الولاية، لأن الإمام قد تزول عنه الإمامة بوجوه شتى، ولا تزال ولايته، وذلك مثل أن يذهب عقله أو سمعه أو بصره أو كلامه، أو يضعف عن نكاية العدو وإنفاذ الأحكام، أو يجتمع هؤلاء الأعلام على أن غيره أقوى للإسلام، ولأهل الإسلام، فإذا إذا وقع من الأعلام العقد لإمام ثان على أحد هذه الصفات -نسخة- الوجوه، ثبتت ولاية الجميع منهم، لأن الإمام قد تزول إمامته، ولا تزول ولايته، وهو مثل ما تقدم ذكره، وقد تزول إمامته وولايته، ولا تحل البراءة منه، وذلك أن يصير في حد التهمة، فإنه لا يجوز أن يكون إماما متهما في دين المسلمين ولا حرمهم، ولا أموالهم، وقد تزول إمامته وولايته وتجوز البراءة منه، ويحل قتله وذلك أن يرتكب حدثا لا يسعه ركوبه في دين الله فيستتيبه المسلمون فلا يتوب منه.
فصل رابع
أن تخرج خارجة على إمام المسلمين، باغين عليه، غاصبين لإمامته، مبطلين عليه في ذلك، فيجب عليه إذا كان إمام شراء أن ينكر عليهم ذلك ويحاربهم ويدفعهم، ولو قتل على ذلك فإن ضيع إمامته التي قد تعبد بها وترك إمامته التي قد ائتمن عليها، وهو قادر على ذلك بغير عذر له، كان بذلك هالكا في دين المسلمين، فإذا عقدت طائفة من علماء المسلمين إماما في حياة الإمام الأول، واختلف أهل عصرهم فيهم، فقالت (4/72)
صفحة 1191
طائفة: إنهم عقدوا على ما يسع من -نسخة- في دين المسلمين، وتولوهم على ذلك، وقالت طائفة من علماء المسلمين: إنهم عقدوا لهذا الإمام على أصل لا يجوز ولا يسع، ونحن نتبرأ منهم على ذلك، ولم يصح من العلماء إجماع على أحد الفصلين.
وهذا الأصل هو الدعاوى بعينه، لأنه لو اجتمع علماء ذلك العصر على باطلهم، لكان إجماعهم في ذلك حجة، ولو اجتمع علماء ذلك العصر على حقهم لكانوا حجة في ذلك، وإذا لم يصح منهم إجماع، واختلفوا في ذلك، فادعى كل فريق منهم ما يجوز في دين الله كانوا في ذلك متداعين والله أعلم.
فصل
ويوجد في الآثار أن الجمع بين الأضداد في دين الله حرام وباطل وفسق وكفر، والحجة قول الله تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} (القلم: 35)، وقول الله: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم} (الجاثية: 21).
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: وذلك خاص في الأحداث التي لا يجوز لراكبها في أحكام الظاهر والباطن في دين الله إلا الباطل والفسق والضلال والكفر، أو تقوم عليه الحجة التي تقطع عذره في دين الله في حكم الظاهر، ولو كانت في الأحداث التي يجوز في دين الله لراكبها الحق والباطل، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، وأما الأحداث التي لا يجوز فيها الحق بوجه من وجوه الحق، مثل أن يقول: إن الله عز وجل أحل الربا فتولاه متول على ذلك وبرئ منه، أخذ على ذلك، وكان المتبرئ منه عالما، والمتولي له عالم أيضا، فإنه لا يجوز في دين الله عز وجل أن يتولى الجميع ولاية الدين، ولا يجوز أن يبرأ منهم كلهم بالدين، وأن الجمع بين الأضداد هاهنا حرام بالدين. (4/73)
صفحة 1192
وكذلك لو صح أن زيدا قتل عمرا بالباطل، وشهد عليه بذلك شاهدا عدل فتولاه على ذلك بعض العلماء بالدين، وبرئ منه على ذلك بعض العلماء بالدين، ما جاز الجمع بينهم في ولاية ولا براءة، ولا وقوف، وأن هذا هو الجمع المحرم بين الأضداد، وأن هذا الجمع الذي حرمه الله ورسوله والمسلمون، وأنه لا يجوز هاهنا إلا ولاية العلماء المحقين، ولا تجوز البراءة منهم، ولا الوقوف عنهم، وأن للآثار تفسيرا وتأويلا، كما أن للقرآن تفسيرا تأويلا.
فصل
وأما المختلفون بالرأي من علماء المسلمين، فإنه يجوز ويلزم، ويلزم ويجب ولاية جميعهم، وعلى العلماء المختلفين أن يتولوا بعضهم بعضا، ولو تضادوا بالرأي مثل أن يحل أحدهم شيئا بالرأي، ويحرمه آخر بالرأي وما أشبه ذلك.
وأما المختلفون في الدعاوى من علماء المسلمين من أهل الولاية، فإنه يجوز لمن يعلم حق المحقين منهم، ولا باطل المبطلين منهم، أن يتولاهم، وأن يجمع بينهم في الولاية على اعتقاد براءة الشريطة من المبطل منهم، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وذلك مثل أن يصح أن زيدا قتل عمرا، فشهد شاهدان من علماء المسلمين أنه قتله بالحق، إذا قتل أباه أو أخاه، أو بغى عليه إذا ادعوا صفة تجوز في دين الله تعالى ونحن نتولاه على ذلك، وشهد شاهدان أيضا من علماء المسلمين أنه قتله بالباطل وبغير الحق، ونحن نبرأ منه على ذلك، فتكافت هاهنا الحجج، وتضادت ولم يعلم حق المحقين منهم، ولا باطل المبطلين منهم، فإنه يلزم الفريق المحق أن يبرأ من الفريق المبطل منهم براءة سر لا براءة جهر، ولا يسعهم أن يتولوا بعضهم بعضا على ذلك، ويلزم أولياءهم الذين لم يعلموا حق المحقين منهم، ولا باطل المبطلين منهم، (4/74)
صفحة 1193
ممن قد وجبت عليهم ولايتهم من قبل اختلافهم، هذا أن يتولوهم ويثبتوا لهم ولاية الذين على اعتقاد براءة الشريطة من المبطلين منهم.
فانظر أين حرم الجمع بين الأضداد، وأين لزم ووجب الجمع بين الأضداد، لأن للآثار تفسيرا وتأويلا، كما أن للقرآن تفسيرا وتأويلا.
وقد قيل: إن المفسر يقضي على المجمل، ولا يقضي المجمل على المفسر، فصح أن الجمع بين الأضداد ينقسم على ثلاثة أقسام في دين الله عز وجل، وقد تقدم شرح ذلك.
فصل
قال غيره: ويوجد في الأثر، أن السؤال لازم في دين الله عز وجل، قال الله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اطلبوا العلم ولو بالصين»، وقال صلى الله عليه وسلم: «تعلم العلم واجب على كل حالم من ذكر وأنثى».
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: وذلك خاص فيما لا يسع جهله، لأن السؤال ينقسم على أربعة أقسام، فسؤال دين، وسؤال رأي، وسؤال ضلال، وسؤال فضيلة ووسيلة.
فأما سؤال الدين الواجب اللازم في دين الله عز وجل، ودين نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ودين أهل الاستقامة من أمته هو السؤال عما لا يسع جهله في دين الله فيما تقوم به الحجة من السمع دون العقل، وذلك أن يحل المتعبد فيما لا يسع جهله في دين الله كان ولاية أو براءة، أو وقوف أو تأدية، أو انتهاء، فإذا دخل المتعبد في شيء من ذلك، وكان هالكا في حاله ذلك، ولم تكن له سلامة في دين الله إلا بمفارقة تلت المنزلة التي قد حلها، فإن عليه في دين الله السؤال بالدين، وعليه الخروج في طلب اللازم له في دين الله، وكان كل المعبرين له الحق في ذلك حجة عليه في أشهر قول المسلمين. (4/75)
صفحة 1194
وأن كل من عبر له الحق في ذلك كان حجة عليه فيه من عالم أو جاهل، أو ذكر أو أنثى، أو حر أو عبد، أو مشرك أو أمة، وكل من قام بالحق في ذلك كان حجة لله في ذلك، لأن الحجة هاهنا هو الحق، كما أن العالم المحق العدل الذي قد شهر فضله، وظهر علمه وعدله، لو أفتى بشيء من الباطل ما كان في فتياه تلك حجة، ولكان بفتياه تلك في دين الله كاذبا منافقا ظالما، لأن الله وملائكته وكتبه ورسله والعلماء بدينه يشهدون عليه بالباطل، ولو جهل باطله ذلك من جهله من أهل العلم -نسخة- العلماء أو الضلال والله أعلم.
وأما سؤال الرأي فهو مثل أن يكون لك ولي تتولاه بالدين، ثم قد رأيته ارتكب حدثا خفي عليك حكمه في دين المسلمين، فقال بعض المسلمين: إنه يجب عليك فيه السؤال بالرأي حتى تنقله من ولاية الدين إلى براءة الدين، ولا يجوز الوقوف عنه للفرض الذي يجب عليك فيه، وقال بعض: إنه يجوز فيه وقوف الرأي مع اعتقاد براءة الشريطة فيه.
وأما سؤال الضلال فهو السؤال الذي حرمه الله عز وجل في كتابه حيث قال: {وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} (الحجرات: 12)، وقال في موضع آخر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (المائدة: 101)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كشف عورة مسلم كشف الله عورته يوم القيامة، ومن ستر عورة مسلم ستر الله عورته يوم القيامة».
وقال العلماء: ولا تجسس العورة، ولا تغتنم العثرة، ولا ترد المعذرة.
وأما سؤال الفضيلة والوسيلة، فمثل تعليم ما يسع جهله من تعليم الحلال والحرام، وعلم الفرائض وما أشبه ذلك والله أعلم. (4/76)
صفحة 1195
فصل
ويوجد في الأثر أن وقوف الشك حرام، وهو أن لا يتولى الواقف إلا من وقف كوقوفه، وينصب الشك دينا له.
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله وغفر له: أما وقوف الشك فكل وقوف لا يجوز في دين الله عز وجل، وهو مثل أن يقف واقف عن المحدث، وعمن برئ من علماء المسلمين، أو يقف عن المحق أو عمن تولاه من علماء المسلمين، أو يشك فيما يسع جهله مما أفتى به العلماء، أو يقف عن العالم المفتي بالحق، فهذا هو وقوف الشك، وأصل ذلك من قولي أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله حيث قال: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه، أو يبرءوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقفوا عنهم والله أعلم.
* مسألة:
والوقوف ينقسم على خمسة أقسام:
فمنها: وقوف الضلال، وهو وقوف الشك الذي ذكرناه.
ومنها: وقوف الدين الواجب اللازم الثابت في دين الله، وهو أن يقف الواقف عن جميع المتعبدين من الجن والإنس حتى يعلم من أحد خيرا فيواليه عليه، أو يعلم من أحد شرا فيعاديه عليه، كما يوجد في الأثر أن الأمور ثلاثة: فما بان لك رشده فاتبعه، وما بان لك غيه فاجتنبه، وما لم يبن لك منه رشد ولا باطل فقف عنه، وقيل فيما أحسب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن وقاف، والمنافق وثاب، كمتخبط العشوا إنما الله من ذلك.
ووقوف الإشكال كالوقوف عن المتلاعنين والمقتتلين والمتبرأين من بعضهما بعض. (4/77)
صفحة 1196
ووقوف السؤال قد تقدم شرحه وصفته إن شاء الله، وهو أن ترى من ولي لك حدثا جهلت أنت حكمه، ولم تعلم ما يبلغ به، فتقف عنه وقوف السؤال.
ووقوف الرأي أن تقف عن وليك هذا وتعتقد فيه براءة الشريطة من غير أن تلزم نفسك عنه سؤالا بدين والله أعلم.
فصل
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: إن صفة البدعة وتفسيرها هو أن لا يكون للمحدث في حدثه مخرج من مخارج الحق، ولا يمكن له في ذلك وجه من وجوه الحق في سر ولا علانية، ولا يحتمل ذلك الحدث وجها من وجوه الحق في سر ولا علانية، وهو أن يكون ذلك الحدث شاهدا على محدثه بالباطل في دين الله في السر والملأ، وأن الكتاب والسنة والعلماء بدين الله يشهدون على باطله، وذلك أن يقول: إن الله أحل نكاح العمات والخالات وما أشبه ذلك.
وأما أحكام الدعاوى وصفتها، فإنها لا تجوز ولا تقع، ولا تكون إلا في الأحداث التي يجوز فيها الحق والباطل، وذلك مثل أن تشهد طائفة من علماء المسلمين أن زيدا قتل عمرا وبالحق، ونحن نتولاه على ذلك، وقالت طائفة من علماء المسلمين: بل قتله بالباطل، ونحن نبرأ منه على ذلك، فهذه صفة أحكام الدعاوى، وقد تقدم شرح ذلك.
وأما اختلاف الرأي فهو أن يختلف علماء المسلمين في حكم حادثة لم يأت فيها نص من كتاب الله، ولا سنة ولا إجماع، فصار اختلاف البدع أصلا، واختلاف الدعاوى أصلا، واختلاف الرأي أصلا، ولا يسع في الدين أن يجعل حكم هذه الأصول في غير موضعه.
ويوجد في الأثر أنه لا يجوز أن يقاس أصل بأصل، قال الشيخ (4/78)
صفحة 1197
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: أما تفسير ذلك فمثل من قد علم أن للأم عند الأولاد السدس، ولم يعلم كم لها عند عدم الأولاد، فقال: إذا ثبت لها عند الأولاد السدس فكذلك لها عند عدمهم السدس، أو علم أن لها عند عدمهم الثلث، ولم يعلم ما لها عند وجودهم فقال: إن لها أيضا عند وجودهم الثلث، وكذلك الزوجة مع الأولاد وما أشبه ذلك، مما قد جاء فيه من الله النص، أو صح فيه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو صح فيه الإجماع فخالف بقياسه أحد هذه الأصول.
وأما إذا لم يأت النص من أحد هذه الأصول التي ذكرتها، فقد قالت العلماء: إن الأشياء كلها لم يأت بها الكتاب منصوصا، ولو كان ذلك لم يكن للسنة تفسير ولا حكم، ولو كانت الأشياء كلها تأتي السنة بها منصوصة مبينة لم يكن للإجماع حكم، ولو كانت الأشياء كلها يأتي بها الإجماع منصوصة لم يكن بعد إجماع الصحابة إجماع، ولكنه ما أشبه الحلال فهو حلال، وما أشبه الحرام فهو حرام، ولو لم يكن هذا الباطل دينا.
فصل
ويوجد أن ولاية الظاهر هي ولاية الدين، وهي ولاية الحكم تصح من أربعة وجوه من المشاهدة، وهي الخبرة، وذلك خاص للعلماء بأحكام أصول الولاية والبراءة، ومن الرفيقة وهو العالم بأحكام الولاية والبراءة، ومن الشهادة والشهرة وذلك ينقسم على قسمين:
أحدهما: أن تقوم الشهرة أو الشهادة بالولاية لأحد من الناس، ولا يكون ذلك إلا عن العلماء بأحكام الولاية والبراءة.
والقسم الثاني: أن تقوم الشهرة أو الشهادة لأحد من الناس بالموافقة في القول والعمل، فمن خصه ذلك وكان عالما بأحكام ذلك جاز له أن يتولى على ذلك. (4/79)
صفحة 1198
فصل
وأما البراءة أيضا فإنها تصح من أربعة وجوه: المشاهدة والشهادة والشهرة والإقرار، ولذلك شرح طويل فلا يمكن شرحه في هذا الموضع.
فصل
ويوجد أن العلماء اجتمعت أن من تولى أحدا بلا حجة في الدين كان هالكا في ولايته تلك، ولو وافق في ولايته تلك إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم، ومن برئ بغير حجة كان هالكا في براءته تلك، ولو وافق في براءته تلك عدو الله فرعون، وعدو رسول الله صلى الله عليه وسلم عورض على ما فسره الشيخ محمد ابن إبراهيم على نسخته، وصحح بمعارضته الشيخ الأجل العالم أبي محمد عثمان بن عبد الله حفظه الله. (4/80)
صفحة 1199
بسم الله الرحمن الرحيم
جواب الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان حفظه الله وأبقاه إلى من كتب إليه: أفتنا يرحمك الله فيمن رأيته يأكل ميتة أو لحم خنزير، أو يشرب خمرا أو دما مسفوحا، أو يصلي بغير طهر، أو يشتري لحما من عابد وثن، ويأكله ويطأ ذات محرم منه بغير علم مني بمعرفته لحرمته، أو يأكل في شهر رمضان، أو يقتل وليا لي، ما تكون منزلته عندي بفعله لتلك الخصال، أو بخصلة منهن، وكيف الحكم فيهن، أو في واحدة منهن، أتراهن متفقات في الأحكام، أو مختلفات؟ فإن اتفقت الأحكام فيهن فبأي علة جمعت ذلك بينهن؟ وإن اختلفت فيهن فبأي علة اختلفت معانيهن؟ فصف لي ذلك، وصف لي كل علة منهن على الانفراد الذي عرفت، وبالله توفيقي، وعليه توكلت، وبه أستعين وإليه أنيب؟
إن الولي إذا فعل جميع تلك الخصال غير شرب الخمر، أو خصلة منه، إنه على ولايته حتى يصح كفره وباطله في ذلك، لأنه يمكن صوابه في فعله هذا، أو كلما أمكن صوابه وخطؤه في دين الله من جميع أفعاله حسن به الظن فيه، وأنزل عذره، ولم نترك ولايته، لأنه مؤتمن على دينه، ولأن الولاية له هي الأصل، وفيه اليقين، فلا تترك ولايته لسوء الظن به أنه كفر، أو للشك فيه أنه كفر، أو لم يكفر فيكون الظن أو الشك دافعين لليقين والعلم، لأنه لما احتمل أن يكون في فعله هذا عاصيا لله، فيستحق البراءة في دين الله، واحتمل أن يكون غير عاص لله، فيكون على ولايته رجع إلى الأصل وهي الولاية، فأثبتت له، ولم يزل عنها للظن به والشك فيه.
وقد قيل: إن إساءة الظن بالمسلمين من كبائر الذنوب، وأما شرب الخمر فقد قال من قال: لا يجوز فيه الاضطرار، لأنه يجب فيه الحد، (4/81)
صفحة 1200
ولأن الله لم يستثن فيه للمضطر، كما استثنى في غيره، وقال من قال: إن كان يعصم من الهلكة فهو كغيره من الميتة ولحم الخنزير، وقد مضى القول في ذلك.
وأما تفسير جميع أحكامهن في جميع أمورهن فذلك يطول بوصفه الكتاب، وأنا ضعيف المعرفة، غير أني أذكر فصلا من ذلك، وأرفع ما عرفته إن شاء الله.
الجواب: الذي عرفت أنه ما كان من الفرائض التي العبد مؤتمن عليها كالصلاة والوضوء عليها كالصلاة والوضوء لها، والصيام والغسل من الجنابة وما أشبه ذلك، فإذا رأى وليه يأكل في شهر رمضان نهارا أو رآه يجيء ويذهب أو غير ذلك من حالة الأصحاء، ثم صلى نائما أو قاعدا، أو صلى ولم يره تطهر للصلاة أو ما أشبه هذا أنه يكون على ولايته، ولا تجوز البراءة بما ظهر منه من فعله هذا، ولا يجوز لأحد أن يبرأ منه على ذلك عند من يتولاه ممن قد علم بفعله هذا، أو لم يعلم لأن هذا الفصل لو خصمه أحد فيه كان قوله غير مقبول عليه، وقوله هو وحجته مقبول على خصمه، لأنه ليس لأحد عليه حق في هذا، والحق فيه لله وحده، ولا يقدر خصمه على إقامة حجة عليه من غيره فيما يصح به كفره، ويزول به عذره إلا بالإقرار منه، إذ لا يطلع على أمره فيما كلفه الله من ذلك أحد من الخلق، فقوله وعبارته في فعله هذا حجة على خصمه، وخصمه محجوج له فيما يدعيه عليه.
وأما إذا رأى وليه يأكل لحما من عابد وثن، أو يشتريه فقد قيل إنه على ولايته لأنه يمكن أن يكون عالما إن ذلك من ذبائح المسلمين، أو غير ذلك من وجوه العذر فلا يجوز له ترك ولايته حتى يعلم كفره، فإن برئ منه أحد على ذلك عند من علم كعلمه فقد عرفت أنه لا تجوز ولايته من برئ منه بما ظهر من فعله ذلك، لأن الفاعل مأمون على دينه، ولا حجة فيه لأحد فيكون محجوجا، وكل من ادعى عليه في ذلك دعوى فهو خصم، ولا تصح دعواه إلا بإقامة بينة من غيره. (4/82)
صفحة 1201
وقول هذا المدعى عليه حجة فيما يدفع عن نفسه، والخصم والمدعي لا يصح له دعوى بادعائه، ومن لم تصح له دعوى بادعائه، ولم يصح له دعواه بقوله، وإلا كان قوله حجة فهو قاذف، وقد قيل: إنه يكون على ولايته، ويحسن به الظن لأنه يمكن أن يكون قد علم أن الفاعل لذلك عالم أنه من ذبائح عبدة الأوثان، وأنه غير مضطر إليه، كما حسن بالفاعل الظن عند ركوبه المحجور الذي لا مخرج له من الكفر إلا بتحسين الظن به، فكذلك لا يحسن بهذا أيضا الظن، ويترك عذره، لأن هذا الفصل وما كان مثله من المحجورات المحرمات التي الحق فيها لله وحده يمكن أن تقوم عليه فيه الحق -نسخة- لحجة من غير إقدار منه، لإمكان بلوغ علم الحجة كيف كان أصل ركوبه، فهو خصم فيما يدعي ويدعى عليه، قادر خصمة على إقامة الحجة من غير إقراره وقوله.
والخصم عند ترك النكير على المدعى عليه ربما انقطع عذره في موضع ما ينقطع عذره فيه، والفرائض التي العبد مؤتمن عليها، وهو حاكم على خصمه فيها، فالحكم -نسخة- فالخصم غير الحاكم.
وأما الوالي إذا قتل وليا أو غير ولي، وأخذ مالا بيده على المنازعة منه في ذلك، أو ما أشبه هذا مما يكون الحق فيه للعباد ولله، وتكون دعواه وحجته في ذلك غير مقبولة إلا أن يقيم هو بينة على ذلك، وقول خصمه وحجته مقبول منه، وعليه أن يقيم هو بينة على بطلان ذلك، فما كان منه من هذه الأفعال التي الحق فيها لله وللعباد، وهو محجوج في ظاهر الحكم فيها، وإنما يحتمل حقه وصوابه في دين الله، ولم يكن من المفعول فيه من حين الفعل حجة على الفاعل، ليقطع بها عذره، ولم يكن من الفاعل حجة حتى يصح صوابه، وتكافأت عند ذلك حجتهم لترك النكير ممن له النكير في ذلك، ومن يكون نكيره حجة فقد اختلف في هذا: (4/83)
صفحة 1202
فقال من قال: بولاية الفاعل، لأن فعله ذلك محتمل للحق والصواب فلا تترك ولايته، ويحكم عليه بالكفر من غير أن يصح عليه حجة ينقطع بها عذره، لأن ترك ولايته هاهنا إنما هي بالشك أنه فعل الباطل، والولاية له كانت على اليقين، والشك لا يزيل اليقين، ولا يزيل اليقين إلا بيقين مثله.
وقال من قال: بالوقوف عنه لما أشكل عليه من أمره إذا احتمل حقه وباطله في فعله، وكل مشكوك متروك، فهو موقوف. وقال من قال: بالبراءة منه بما ظهر من فعله الذي هو محجوج عليه إلا بحله حتى يصح أنه محق في فعله، لأنه لا تقبل له حجة من قوله على خصمه إلا ببينة يقيمها من غيره، وحجة خصمه مقبولة عليه من قوله، فهو محجوج مظهر على نفسه ما هو محجوج -نسخة- مخلوع به، ولا يجوز لمن برئ منه بالظاهر أن يقذفه بالباطل عند من يتولاه بما ظهر من فعله ممن قد علم بحدثه ذلك المحتمل للحق والصواب، ولا يجوز له أن يعتقد فيه أنه مبطل في فعله، كما أن الحاكم يحكم بقطع يد السارق، ورجم المحصن إذا شهد عليه بذلك البينة، أو أقر به، ثم لم يرجع عن إقراره، ولا يجوز له أن يعطل ما ثبت عليه من الحد، ولا يجوز له أن يعتقد صحة ما شهد به الشهود، أو أقر به المقر على نفسه، لأنه يمكن أن يكون الشهود شهدوا زورا، ويمكن أن يكون المقر كاذبا في إقراره.
كذلك هذا الذي قد ظهر منه ما يحتمل حقه فيه وباطله إنما يبرئ منه من تبرأ بما ظهر من فعله الذي هو محجور عليه، ومحجوج فيه، ولا يجوز له أن يشهد عليه، ويعتقد أنه مبطل في فعله ذلك من غير أن يعلم ذلك، فإن فعل كان حاكما وشاهدا بالكذب والزور، لأن ذلك غيب لم يعلمه، ومن شهد بما لا يعلم فقد شهد بالزور.
والأصل في هذا: أن كل من دخل في أمر يكون عليه فيه أحد من الناس حجة أن لو قام عليه في ذلك الحجة، ويكون الداخل في ذلك (4/84)
صفحة 1203
محجوجا، ويكون لا يصح له قول ولا دعوى إلا ببينة يقيمها على دعواه وقوله، ويكون قول خصمه عليه حجة، فهو في هذا محجوج، والمحجوج لا عذر له أن يبيح من نفسه البراءة فيما لا يكون له فيه سلامة إلا بحجة يقيمها من غيره، فلأجل هذا جازت البراءة منه، مع أنه قد قيل: إن الولاية في هذا أصح الأقوال، ثم الوقوف ثم البراءة.
وأما إذا أتى شيئا من المحجورات التي الحق فيها لله وحده فيما يحتمل له في فعلها الصواب التي لو خصمه فيها خصم من صغير أو كبير قليل أو كثير كان خصما، وكان قوله هو حجة له يدفع بها عن نفسه، وعلى خصمه فيما يدعيه عليه البينة، فقد قيل: لا تجوز البراءة منه بما ظهر من فعله حتى يعلم باطله في ذلك، فهذا فرق بين هذين الأمرين فيما قيل والله أعلم.
فإن اختلف مختلفون في راكب هذه الكبيرة -نسخة- الأشياء كلها أو بعضها التي تحتمل فيها حق فاعلها أو باطله من أكل ميتة، أو لحم خنزير، أو دم مسفوح، أو قتل أو نكاح ذات محرم من أم أو أخت أو بنت أو غيرهن من ذوات المحارم، أو ما أشبه هذا مما يمكن حق فاعله وباطله، فقال بعضهم: إن الآكل لتلك الميتة والخنزير والدم كان مضطرا إلى أكله، وقد أحل الله له أكله عند اضطراره إلى أكله، أو ادعوا له صفة أخرى فيما هي جائزة في دين الله، وتولوه على ذلك.
وقال الآخرون: إن أكل ذلك وهو غير مضطر إلى أكله مرتكبا لما حرمه الله عليه من أكله، مستحلا لذلك، وكذلك في القاتل والناكح، وكل شيء حرمه الله في كتابه، واستثنى تحليله في بعض الوجوه، فاختلف فيه مختلفون، فادعت فرقة للفاعل تلك الصفة التي قد أحلها الله، وتولوه على ذلك، وادعت الفرقة الأخرى للصفة التي حرمها الله، ولم يجعل له عذرا في ركوبها، وبرئوا منه على ذلك، فقد قيل: إن الاختلاف بينهم لا يوجب كفر أحد الفريقين في ظاهر الحكم، عند من (4/85)
صفحة 1204
صح معه فعل الفاعل واختلافهم فيه، وغاب عنه معرفة صحة صدقهم وكذبهم في دعاويهم هذه ما لم يصدق بعضهم، أو يقم بعضهم على بعض حجة ينقطع بها عذرهم، أو ينزل المختلفون أو أحد منهم مع العالم باختلافهم منزلة القاذف، فما لم يكن هذا وما أشبهه فجميع المختلفين على ولايتهم عند من لزمته ولايتهم.
ولو تظاهروا بالبراءة من المحدث والولاية له إذ ذلك الحدث محتمل الحق والباطل، لأن الله قد أحل في حال، وحرمه في حال فلاحتمال حقه وباطله، احتمل حق راكبه وباطله، واحتمل حق المختلفين فيه من باطلهم، واحتمل صدقهم وكذبهم، ولا يجوز لأحد أن يصدق بعضهم على بعض، فمن لم يعلم أصل الحدث كعلمهم، لأن كل فرقة قد ادعت صفة دعوى هي جائزة في دين الله، فإن كانت صادقة في قولها فهي محقة، ولا يبلغ السامع لاختلافهم إلى معرفة حقهم وباطلهم وصدقهم وكذبهم، إلا بوقوفه على أصل ما اختلفوا فيه وعلمه به كعلمهم به، فليس لمن غاب عنه أمرهم أن يعتقد صحة صدق أحدهم أو كذبه أو حقه أو باطله، ويحكم له وعليه بذلك.
وكذلك الفاعل أيضا، لأن ذلك من الغيب، ومن حكم وشهد بالغيب فقد حكم وشهد بالزور، إذ كل فرقة تدعي دعوى أن كانت صادقة فيها فهي محقة، ولا يجوز تصديق مدعى على مدعى عليه، ولأن الحاكم وإن لم يحكم للمدعي على المدعى عليه فلا يجوز أن يعتقد كذب المدعي فيما يدعيه فيما يحتمل صدقه وكذبه فيه، ولا صدق المدعى عليه فيما يدفع به عن نفسه فيما يحتمل صدقه وكذبه فيه، ولا تترك ولايتهما إن كانت لهما ولاية، فالمدعي والمدعى عليه سواء في الولاية ما لم يقذف أحدهما الآخر بالباطل، أو يدعي دعوى توجب كفره، فهما محكوم عليهما وما دان بجميع ما يلزمهما لبعضهما بعض من الحقوق في حكم ظاهر الدنيا، وثبتت لهما الولاية والإيمان في حكم الدين ما لم يصح باطلهما (4/86)
صفحة 1205
أو باطل أحدهما، إلا ما قد قيل في القاتل والآخذ مال غيره بيده -نسخة- ليده على المنازعة منه لذلك فقد مضى القول فيه.
فعلى قول من يثبت ولايته فالمدعي والمدعى عليه في الولاية سواء ما لم يصح كفر أحدهما، فإن ابتدأ أحد هذين الفريقين بالبراءة من صاحبه كان هو المبطل القاذف في حكم الظاهر، وجاز لمن كان يتولى الفريق المتبرئ منه أن يتبرأ من الفريق المبتدئ بالبراءة من صاحبه، وإن لم يعرف المبتدئ منهم بالبراءة من صاحبه، وتظاهروا بالبراءة من بعضهم بعضا فقد قيل إنهم لهم في الولاية حتى يعلم المحق منهم من المبطل، وقيل: إنهم يوقف عنهم حتى يعلم المحق منهم من المبطل، وقيل: إنه يبرأ منهم كلهم وهو قول ضعيف على ما وجدت.
وكذلك قيل المتلاعنين والمقتتلين بمثل هذا الاختلاف، فإن وقع الإجماع من العلماء المشاهدين للحدث المحتمل حقه وباطله في حين وقوعه أنه باطل أو خطأ لم يكن لمن غاب عنهم أصل حقيقة هذا الحدث أن يحكم فيه أنه حق أو صواب، وكذلك إن وقع الاجتماع منهم أنه حق أو صواب لم يكن لمن غاب عنه صحة حقيقة الحدث أنه يحكم فيه أنه باطل أو خطأ، لأن العلماء المشاهدون لهذا الحدث هم الحكام له وعليه، وليس لأحد بعد أن ثبت حكمهم أن ينقضه ويحكم بخلافه، لأن الحكم إذا ثبت لم ينقض إلا أن يصح له خطأ فإجماعهم على حق هذا الحدث أو باطله موجب لحقه، أو باطله عند من خفي عليه أمره فالاجتماع هاهنا حجة لا يجوز مخالفتها.
وكل من خالف الحجة فهو محجوج، فمن شهدت له حجة لله في دين الله أنه محق فهو محق، ومن شهدت له أنه مبطل فهو بظاهر دين الله مبطل، ولو كانت الحجة قد خانت الله في سريرتها، وحاشا حجة الله من ذلك، ولكن لا نتقلد من الأمور ما غاب عنا صحته، ولا نتعاطى علم الغيب بذلك، فمن علم أن الحجة قد خانت الله في سريرتها كان عليه (4/87)
صفحة 1206
أن يحكم فيها -نسخة- فيهم أو فيما خانوا الله فيه بالحق سريرة، وليس إظهار ذلك عند من لم يعلم كعلمه، فيكون مضادا لحجة الله، ومن ضاد حجة الله فهو مبطل، لأنه قد قيل إن جميع حجج الله التي قد جعلها الله حجة على عباده ليس لأحد مخالفتهن فيما احتمل فيه صدقهن وكذبهن، إذا لم يعلم كذبهن فمتبعهن مصيب، والمخالف لهن مبطل في ظاهر دين الله، فمن علم صدقهن أو كذبهن حكم في ذلك بما يسعه إن شاء الله، لأن الفقيه إذا أفتى بما خالف الكتاب أو السنة أو الإجماع فلا يكون قوله حجة، وليس لأحد قبوله منه، ولو حسب واحتمل معه صدقه وكذبه.
فإن لم يجمع العلماء على صواب هذا المحدث وحقه، ولا على باطله وخطئه، واختلفوا فيه، فحكم بعضهم بحقه وحكم بعضهم بباطله لم يصح فيه إجماع لأحدهم، لأنه لو أجمع أحدهم على حقه وأجمع الآخرون على باطله كان هذا الإجماع منهم هو الاختلاف بعينه، وكيف يكون مجتمعا عليه مختلفا فيه؟ هذا من تناقض القول وليس لأحد أن يحكم فيه بحكم الإجماع عليه إذ قد ثبت الحكم فيه باختلاف، لأنه ليس لأحد أن يحكم باختلاف في موضع الإجماع، ولا بالإجماع في موضع الاختلاف، لأن الحكم في ذلك مفتر وليس بواحد.
وإذا كان الحدث مما قد جاء فيه الاختلاف من المسلمين بولاية فاعله والبراءة والوقوف عنه، وأجمع العلماء والمشاهدون لذلك الحدث على ولاية محدثه، أو البراءة منه، أو الوقوف عنه، لم يكن هذا الإجماع منهم مزيلا لحكم ما فيه من الاحتمال والاختلاف، لأنه قد يجوز أن يكونوا أخذوا كلهم بقول من أقاويل المسلمين إذ ذلك كله جائز من الولاية أو البراءة أو الوقوف، ولكنهم لو اجتمعوا على باطل محدث، والإنكار عليه أو صوابه، وحكموا بذلك في حين ما يكونون حكاما عليه وفيه، لم يجز لهم ولا لغيرهم أن ينقضوا ذلك الحكم الذي قد ثبت منهم، لأن ذلك الحكم حجة لمن اتبعه محكوم له بالصواب في (4/88)
صفحة 1207
اتباعه، فمن ادعى نقضه كان مدعيا على متبعيه ممن غاب عنه في سريرته في إزالته عن صوابه.
وهكذا الحجج إذا ثبتت لم يجز تحويلها عن موضعها إلا بحجج مثلها تنقضها، حيث يجوز ذلك هكذا عرفت، والله أعلم.
وأما إذا أجمعوا أنه أكل الخنزير والميتة والدم المسفوح من غير ضرورة، أو أنه قذف المحصنات الحرائر من أهل القبلة بالزنا أو أنه زنى أو أزنى أو سبى أهل القبلة، أو غنم أموالهم، أو زعم أن الله إنما حرم الزنا بذوات المحارم، وأن الزنا بغيرهن حلال، أو ما أشبه هذا، أو زعم أن جميع هذه الأفعال له حلال، وأن الله إنما حرم ذلك على قوم بأعيانهم، وأن ذلك لغيرهم حلال، أو ادعى أن الله نسخ تحريمه أو غير هذا من التأويل، أو لم يدع شيئا إلا أنه مستحل لذلك، مدع رضا الله مع استحلاله لهذه الأفعال، ثم اختلفوا فيه:
فقالت فرقة: إنه مطيع لله في فعله هذا، مستحق لرضاه، ثابت له الإيمان، وتولوه على ذلك، وقال آخرون: إنه عدو الله، مستحق بفعله هذا الكفر، وبرئوا منه على ذلك، فعلى كل من علم بحدث هذا المحدث واختلافهم فيه اتباع الفرقة المحقة، والكون معهم، والأخذ بسبيلهم، ولا يسعه جهل كفر المستحل لتلك الأشياء بعد معرفة تحريمه بما استحل من كتاب الله أو سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أو إجماع الأمة المحقة، ولا ولايته بدين، ولا ولاية من تولاه، ولا من تولى من تولاه بدين إلى يوم القيامة، ولا يجوز تصويبه ولا تحقيق باطله، ولا تصويب من صوبه، وعليه السؤال عما جهله من حكم هذا الحدث ليعلم الحق فيتبعه، أو يتبع الفرقة المحقة، ويعلم الباطل فيجتنبه، ويجتنب الفرقة المخطئة الضالة، ولا يجوز له أن يحكم (4/89)
صفحة 1208
بصواب هذين الفريقين جميعا، ولا يحكم بخطابهما جميعا فيكونان عنده في الحكم سواء.
فيكون قد جمع بين الأضداد وساوى بين أهل الصلاح والفساد ولا يكون الحق فيما بين المختلفين في هذا في دين الله إلا في واحد، لأن هذه الأشياء قد حرمها الله، وحجر ركوبها، ولم يستثن تحليلها في وجه من الوجوه، فهي حرام لا غاية لتحريمها، ولا تأتي عليها حالة تحل فيها، ولا يحتمل صواب راكبها، ولا حقه بوجه من الوجوه، ولا صواب من يدعي ذلك، ولا حق فهي بنفسها حجة على باطلها، شاهدة على نفسها بالباطل، قاطعة لعذر راكبها، مزيلة له من الإيمان، لا مخرج لراكبها من الكفر والهلاك، يشهد الله والملائكة عليه والعلماء بدين الله على باطلها وباطل راكبها، وباطل مدعي حقها، وحق راكبها، فلو أجمع جميع الخلق، ولن يجمعوا على حقها أو حق راكبها لم يكن ذلك موجبا لحقها، ولا مزيلا لباطلها، ولا عذر لمن صوبهم واتبعهم على ذلك.
فهي نفسها حجة على نفسها وعلى راكبها، يلحق راكبها ما يلحقها، فكذلك إذا اختلف فيها أو في راكبها مختلفون، فأوجب فرقة حقها أو حق راكبها، وأوجب فرقة باطلها وباطل راكبها، لحق من أوجب حقها، أو حق راكبها ما لحقها ولحق راكبها من الباطل، لأن هذه الصفة لا تحتمل الحق والباطل، ولا تحتمل إلا الباطل والضلال والكفر، ولا تحتمل معنيين، ولا تحتمل إلا باطله وضلاله، فكذلك لا تحتمل حق راكبها وباطله، ولا يحتمله إلا باطله وضلاله، فلما لم يحتمل إلا باطله لم يحتمل حق المختلفين فيه، وباطلهم ولم يحتمل إلا باطلهم وضلالهم، ولا مخرج لهم من الكفر والضلال، ولم يكن الحق في دين الله إلا عند أحدهم فافهم هذا.
وأما إذا اجتمعوا أنه أكل خنزيرا أو ميتة أو دما مسفوحا أو نكح ذات محرم أو ما أشبه هذا، كانت هذه الصفة محتملة للحق والباطل، (4/90)
صفحة 1209
ويحتمل لراكبها الحق والباطل، لأن من أكل ذلك من ضرورة فهو محق، ومن أكله من غير ضرورة فهو مبطل.
كذلك من نكح ذات محرم بغير علمه بمعرفة نسبهن، فهو محق، وإذا كان مع معرفته بنسبهن فهو مبطل، فكذلك لم يكن ظاهر هذا الفعل موجبا لكفر فاعله، ولا قاطعا لعذره إلا بعد علمه أنه فعل ذلك على الوجه الذي هو محرم في دين الله، لأنه يمكن أن يكون الآكل أكل من ضرورة، فيكون ذلك الفعل حقا، ويكون الفاعل محقا، لأن الله أحل ذلك، ويمكن أن يكون الآكل أكل من غير ضرورة، فيكون ذلك الفعل باطلا، ويكون الفاعل مبطلا، لأن الله حرم ذلك، فلما احتمل حق هذا الفعل وباطله، احتمل حق فاعله وباطله، ولم يكن لمن غاب عنه حق ذلك وباطله أن يحكم فيه بالحق أو بالباطل إلا بعلم.
وكذلك إذا اختلف فيه مختلفون، فادعت فرقة أن الفاعل فعله على الوجه الذي يجوز في دين الله وتولوه على ذلك، وحكموا بصوابه، وادعت الفرقة الأخرى أنه فعله على الوجه الذي لا يجوز في دين الله، وتبرءوا منه على ذلك، وحكموا بباطله لم يكن هذا الاختلاف بينهم موجبا لكفرهم، ولا كفر أحدهم ما لم يخطئ بعضهم بعضا، أو يقيم بعضهم على بعض حجة ينقطع بها عذرهم، أو ينزل أحدهم بمنزلة القاذف، لأن كل فرقة قد ادعت صفة هي جائزة في دين الله، ولا يعلم حقهم وباطلهم، ولا صدقهم وكذبهم، إلا من علم أصل ما اختلفوا فيه كعلمهم.
ولا يجوز لمن خفي عليه أمرهم أن يحكم لأحدهم بحق أو عليه بباطل إلا بعلم، فلما خفي أمرهم، واحتمل حقهم وباطلهم في دعاويهم وقعت، لعله وقف لتكافئها، ولم ينفذ فيها بحكم إلا بصحة، وكان المختلفون على ما كانوا عليه من قبل، ولم يكن هذا الاختلاف بينهم زائدا في حكمهم ولا مخرجا لهم من اسمهم، فافهم هذا. (4/91)
صفحة 1210
وكل حدث خرج على حكم البدع وشهر، فليس في ذلك احتمال، ولا يكون الحكم فيه ممن نشاهده مزيلا لما ثبت من حقه أو باطله، ولو أجمع جميع الخلق على باطل حقه، ولن يجمعوا لأن الله لا يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلال، فليس للحاكم في إزالة حكم البدع عن سبيل ما ضحت عليه حجة، ولا بهم حجة، ولا منهم حجة، وعلى كل من صح معه ذلك الحدث من غائب أو شاهد أو ناشئ أن يكون حاكما لنفسه، وعليها في الحدث وفي الحاكمين في الحدث بالحق، ولا عذر له إلا بإصابة الحق فيهم، وموافقته فيهم، فيحكم لأهل الحق أنهم محقون، ويحكم على أهل الباطل أنهم مبطلون، ولا عذر له بدون ذلك إلا لمن جهل الحكم في ذلك، فعليه التسليم للمسلمين، واعتقاد الدينونة بالسؤال عما لا يعذر فيه إلا بذلك.
وقد وجدت أن بين أحكام البدع وأحكام الدعاوى المحتملة للحق والباطل في الأفعال المحتملة للحق والباطل فرقا بعيداً بعيدا، واختلاف الحكم وتفاوته في ذلك شديدا شديدا، فلا يحمل كله على معنى واحد، فإن ذلك فاسد فاسد.
كتبت هذا الجواب أرجو أنه مسودة وقرأه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله وصححه وصح إن شاء الله. (4/92)
صفحة 1211
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، وجدت مكتوبا هذه السيرة لأبي حفص عمر بن محمد بن أحمد، أولها الكلام الذي كان اتفق عليه أهل نزوى ومن حضرهم من أهل عمان، فرد هو ذلك عليهم، وهو كذا وجدت:
الحمد لله على سبوغ النعم، وعلى ما أولى من جزيل القسم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وصلى الله على نبيه سيد الأمم، ورسوله إلى العرب والعجم، وعلى آله وسلم. وبعد:
فقد منّ الله تعالى على أهل عمان بائتلاف الكلمة على أمر واحد، ودين واحد، وهو دين الله الذي أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم، واتفقوا في أحداث أهل عمان، فمن المسلمين من تولى الإمام الصلت بن مالك، وبرئ من موسى بن موسى، وراشد بن النظر، براءة دين بما قد صح معهم من خروجهما على الصلت بن مالك رحمه الله، وبغيهما عليه، وإزالتهما لإمامته بغير حق، ومن تولاهما على علم منه بحدثهما هذا، وقالوا إن حكم حدثهما كان على الاستحلال منهما، وإنه لا يسع جهل حدثهما من علم أصل حرمته، واستحلالهما له، ولا يكون الحق فيه إلا في واحد من جملة المختلفين.
ومنهم من قد صح معه خروجهما، ولم يفرق معه أحكامهما، وأشكل عليه أمرهما لموضع تنازع أهل الدار فيهما، فتولى الإمام الصلت بن مالك رحمه الله، ووقف عنهما على التماس اللازم فيهما من غير جهل منه بحكم أهل البغي، ولا بحكم أهل الاستحلال، وتولى المسلمين على براءتهم منهما بما قد صح معه من أمرهما –نسخة- فيهما، (4/93)
صفحة 1212
واتفقوا على أن المتبرئ منهما، والواقف عنهما، على هذه الصفة المتقدمة جميعا في الولاية، وإن كان كل واحد منهم مخصوصا بعلمه فيهما، ما لم يعلم أن المتبرئ منهما برئ بغير حق، وأن الواقف عنهما وقف بغير حق.
قال الناظر في هذا الكتاب: لما نظره مكتوبا، وإذا هو اتفاق على غير دين المسلمين، وعلى غير ما اختلف فيه أهل عمان، وإذا كان ذلك كذلك فلم يصح اتفاق إلا على ما ذكر ما اختلفوا فيه بعينه، لأن أهل عمان إنما اختلفوا في حكم حدث موسى بن موسى، وراشد بن النظر ولم يختلفوا في فعلهم، ولا في البراءة منهما.
وكذلك قال الشيخ أبو الحسن في سيرته: إن أهل عمان إنما اختلفوا في الحكم لا في الفعل، فإذا كان الاختلاف إنما هو في الحكم لم يجز اتفاق على غير ذكر ما اختلف فيه، وهو حكم حدث موسى بن موسى، وراشد بن النظر أنه بدعة أو دعاوى، وأن الاختلاف الذي وقع بين أهل عمان فيه بالدين أو بالرأي، وقول أهل الحق من أهل عمان فيه أنه اختلاف بالدين.
قال غيره:
محمد بن إبراهيم: ليس قصدي ولا اعتمادي مخالفة قائل، ولا الطعن عليه، ولا هتك ستر، ولا كشف عورة، لكن أخبر بما عرفت من الأخبار، ورافع ما وجدت في الآثار، ليقف عليه من أراد النظر فيه، والذي عندي وشهدت به الآثار، وأكدته الأخبار، أنه ليس الاختلاف في حدث موسى بن موسى، وراشد بن النظر، في الحكم وحده دون الفعل، ودون البراءة منهما، بل الاختلاف بينهم في الحكم وفي الفعل وفي البراءة، ولا يقدر دافع يدفع ذلك، ولا راد يرده، وإنما الذي ليس عندي بينهم فيه اختلاف أن الصلت بن مالك كان إماما، وأن (4/94)
صفحة 1213
موسى وراشد أخرجا في حياة الصلت، وأن موسى عقد الإمامة لراشد بن النظر في حياة الصلت.
فأما اختلافهما في الفعل فإنهم اختلفوا في خروجهما ذلك، وفي عقد تلك الإمامة فقال من قال من أهل عمان: إن موسى وراشد أخرجا باغيين على الصلت بن مالك، وأنهما مغتصبان للإمامة، وأنهما مزيلان لإمامة الصلت بغير حق، وأن موسى عقد لراشد الإمامة، والصلت إمام ثابت الإمامة، لم تزل إمامته، ولم يعتزل منها، وإنما عقد لراشد قبل زوال إمامة الصلت، وبرءوا منهما على ذلك، وقالوا: إن فعلهما ذلك حرام، وإنهما كانا مستحلين لذلك، وأنه لا يسع جهل علم كفرهما من علم حرمة فعلهما، ولم أكتب جميع ما وجدته من هذا المعنى، لأن في هذا كفاية.
وقال من قال من أهل عمان: إن موسى وراشدا لم يكونا في خروجهما ذلك باغيين على الصلت بن مالك، وإنما خرجا محتسبين لله ولدينه وللمسلمين، وأن موسى لم يعقد لراشد الإمامة إلا بعد أن اعتزل الصلت من الإمامة، وأنهما لم يفعلا في خروجهما ذلك، ولا في عقد تلك الإمامة إلا ما هو جائز لهما، وأن موسى كان من أعلام ذلك الزمان، ولم أكتب جميع ما وجدت من هذا المعنى، لأن في هذا كفاية.
وقد قال في هذا المعنى بعض فقهاء عمان، قال غير المؤلف والمضيف إليه: وجدت هذه الأبيات من قصيدة طويلة بخط الشيخ محمد بن إبراهيم، وأنها للشيخ أبي سعيد الكدمي شعرا:
بالذي دان بن روح ... ورمشقي الحبران
في أمور الشيخ صلت ... وابن موسى يتبعان (4/95)
صفحة 1214
لسبيل العدل فيهم ... وابن نظر سيان
بأساسات أصول ... سلفت لا ينقضان
أصل حق مستقر ... قد بناه السلفان
من أولي الخيرات فيهم ... وعليهم يحكمان
من دعاو بينات ... ظاهرات كالعيان
من ذوي دين ... جميع فيهم يختلفان
وهما في أصل دين ... فيهما متفقان
كلهم أهل دعاو ... وفيهم يختصمان
بعضهم يقضي لصلت ... بصواب يعذران
بتقيات وضعف ... وله يواليان
وعلى موسى بن موسى ... وابن نظر يشهدان
بصحيح البغي قطعا ... في القضا ويخلعان (4/96)
صفحة 1215
في القضا في ظاهر ... الأمر ولا يستثنيان
وفريق يتولى الصلت ... من علم ببيان
إنه للصلت في ... ترك نكير في العلان
وأمانات لديه ... ومفاتيح الخزان
وحقوق بائنات في ... ذوي سجن ملان
ضاعها من غير قهر ... وقتال يظهران
فإذا لم يعلم العذر ... ففيه قد فتان
فرقة تخلع صلتا ... لظهور الخبران
منه في الحكم ... وترك القيام بالبيان
وفريق فيه ... للمشارك فيه يغفان
ويوالي من يواليه ... لعذر يعرفان
لا نوالي من يواليه ... بإرسال العنان (4/97)
صفحة 1216
فيه حتى يظهر ... العذر بعلم مستبان
أو على توب من الصلت ... لديه يذكران
وفريق يتولى من ... يوالي بالقرآن
من يوالي الصلت أعني لا لتفسير بيان
فيه عن توبه صلت أو لعذر يقبلان
ويوالي من تولى ... بوقوف ينظران
لصحيح الأمر فيه ... من وداد وبران
وفريق يتولاه ... بأخلاق حسان
سلفت في الأصل ... والعقد جميعا يجمعان
ويراه ناصرا للحق في كسر السنان
واعتزال عن حروب وأثارات افتتان (4/98)
صفحة 1217
واغتنام منه ما قد ... لاح من أهل الزمان
من قبول الأمر عنه وقيام بائتمان
للذي قد قام بالأمر ... وإظهار الأمان
فيهم من غير قهر ... وقتال يشهدان
لا ولا إظهار خوف ... منهم في العزلان
بل بهم ساكنا دار ... بنزوى في أمان
لا بدى منه نكير ... ظاهر في المستبان
مثل ما يظهر منه ... تركه للائتمان
إذ إليهم سلم ... الخاتم والكمتان
معنا إن ذي الأ ... خيار لا يختلفان
إنه سلم هاتين ... ولا يطالبان
منه في حال ظهور ... مثل ما يسلمان (4/99)
صفحة 1218
وهما في يد صلت ... معنا أمانتان
لا ولي الحق وللحق هما علامتان
وهما في حد ستر ... معنا ستران
لم يكن موسى ولا راشد عندي يقدران
أخذ هاتين كأخذ الملك مما يجدان
مثل بيت المال والسجن عليه يغلبان
وجميع الأمر منه ... بظهور جائزان
مثل جور الصلت إذ كان وفيه آمران
مثل أمر الصلت إذ كان وعنه ينهيان
مثل نهي الصلت إذ كان وفيه يحكمان
مثل حكم الصلت إذ كان ولا يبتدعان
في ظهور الأمر حرفا واحدا يخالفان (4/100)
صفحة 1219
فيه صلتا أو سواه ... من إمامات عمان
في مدان خالفاه لا ولا ما يظهران
عندنا في ظاهر الأمر مقالا يريان
فيه رأيا غير رأي ... السلف الصالح دان
في صلاة أو زكاة ... أو بما يحاربان
أو بحرف واحد في الرأي أو أصل مدان
من أتى هذا فيأتي ... بسواه في العلان
غير ما قد قيل موسى وابن نظر باغيان
والذي كانا عليه ... فهما مغتصبان
لجميع الأمر فيه ... وهما معتديان
قال هذا عندنا بعض وبعض قال دان
لابن موسى وابن نظر معنا محتسبان (4/101)
صفحة 1220
لالهي ولدين الله ... عندي قائمان
بالهدى والقسط و العدل جميعا عادلان
في الورى إذ كان موسى أحد أعلام الزمان
كان قاضي المصر للصلت بهذا يشهدان
معنا بهذا وهذا ... شاتم أو مادحان
ليس عندي منكر هذا مقر بالقرآن
من ذوي الفهم وذوي العقل لما مضى أزمان
موسى كان قاض ... عالما لا ينكران
معنا هذان فيه ... بل نجاة يقصدان
لا يواطيه بإحدى ... هي أركان عمان ... تم.
ومن سيرة وجدتها أنها لأبي قحطان، وهذا ما سمعنا في عذر الصلت بن مالك عن الاعتزال لأنه كانت محاربتهم له لازمة، وقولنا (4/102)
صفحة 1221
فيه قول المسلمين فمن تولاه من المسلمين لعذر قبله منه أنه حلال له فعله أو توبة عرفها منه عن ترك حربهم توليناه على ذلك، ومن وقف عنه من المسلمين بما لم يصح معه كيف كان اعتزاله عن محاربتهم وترك الدعاء إلى قتالهم بل عقدتهم لراشد، ومن بعد ما عقدوا له لأنه كان يجب عليه لما عقدوا لراشد إماما أن يحل عقدتهم -نسخة- ما عقدوا ويهدم ما شيدوا، ويدعوا إلى ذلك حتى لا يجدوا أعوانا عليه فيعذر، ومن وقف عنه من المسلمين لما لم يصح معه، كان سائلا طالبا للحق، ولم يتخذ الوقوف دينا توليناه على ذلك ما لم يبرءوا ممن تولاه، أو يقف عن من تولاه على ما وصفنا.
قال غيره محمد بن إبراهيم: لولا أن قصدي الإيجاز والاختصار لكتبت ما قدرت عليه، ووفق الله عز وجل من آثارهم، والذي عرفت أن أهل عمان الذين ينتحلون دين الإباضية كانوا كلهم على دين واحد، ولا نعلم بينهم اختلافا وأنه كل من صح له منهم العمل بالصالحات في الصالح، ولم يعلم منه شيء من المعاصي استحق الولاية بغير محنة ولا بحث عن تدين إلى أن خرج موسى وراشد، وعقد موسى لراشد الإمامة، فاختلف العلماء المشاهدون لعصر موسى وراشد والصلت الذين كانوا في أحكام الظاهر ثابتة ولا يتهم لبعضهم بعضا، وعلى بعضهم بعض، فقال فريق منهم: إن موسى وراشد خرجا باغيين على الصلت مغتصبين لإمامته، مزيلين لها بغير حق، وإنهما مستحلان لما حرم الله عليهما من ذلك، وأن موسى عقد راشدا إماما في حال ثبوت إمامة الصلت وما أشبه هذا من القول وبرئوا منهما على ذلك.
وقال فريق منهم: إن موسى وراشدا أخرجا محتسبين لله لدينه، قائمين بالحق والعدل، وأنهما غير مغتصبين للإمامة، ولا مستحلين لما حرم الله عليهما، وإنه لم يعقد موسى لراشد الإمامة إلا بعد اعتزال الصلت منها، وزوال إمامته وما أشبه هذا من الدعاوى، وتولوه على ذلك. (4/103)
صفحة 1222
وقال فريق منهم: إنه لو صح معنا حق موسى وراشد في ذلك الخروج والإمامة لتوليناهما، ولو صح معنا باطلهما لبرئنا منهما على ذلك، لكن لما لم يصح معنا حقهما ولا باطلهما، ولا صح معنا نكير من الصلت بن مالك عليهما بقتال ولا بمقال، ولا غير ذلك في حين فعلهما، ولا صح معنا إنكار من الأعلام، ولا من الرؤساء عليهما، في حين تقدمهما وفعلهما ولا من أحد ممن له الحجة في النكير في وقت ما يكون له النكير، فثبتت عليهما الحجة، وينقطع عذرهما بقيام الحجة عليهما، وبزوال الريب من أمرهما، ولم يصح لهم ولا منهما حجة في فعلهما ذلك لصح صوابهما في ذلك، وحقهما بزوال الريب من أمرهما، ويصح معنا اختلاف العلماء في حقهما وباطلهما في ذلك وتكافأت دعاوى أهل الدار فيهما فيما عندنا، ووقفنا عنهما وقوف سلامة، وخروجا من الريب والشبهة، ولم نحكم لهما بحق في ذلك ولا بباطل إلا حتى يصح ذلك، ولا نعم إلى يومنا هذا أن أحدا ممن ينتحل دين الإباضية ممن شاهد أحداث موسى وراشد، ولا ممن جاء من بعدهم، ولا من كان قبلهم ولا ممن يتولى موسى أو راشدا أو يصوبهما في تلك الأحداث، أو ممن تبرأ منهما ويخطئهما، أو ممن يقف عنهما يقول إنه يجوز الخروج على أئمة العدل أو البغي عليهم، أو الاغتصاب لدولتهم -نسخة- لإمامتهم، أو عقد إمام يجب البراءة من فاعلها كان الفاعل لذلك مستحلا أو محرما لا اختلاف بين العلماء بأحكام الولاية والبراءة في ذلك، بل عندي أنهم مجمعون أن الكبيرة الواحدة، ولو بتطفيف ملء كف من حب ذرة تجب البراءة من مرتكبها إذا لم يتب منها.
وكذلك الموجود في آثار بعضهم: إن الصلت أنكر على موسى ورشاد في تلك الإمامة وقال بعض: لم يصح معنا من الصلت في ذلك نكير عليهما، وأما اختلافهم في الولاية والبراءة منهما فكان ممن يتولى موسى وراشدا ويصوبهما في فعلهما ذلك الفضل بن الحواري، وقد قيل: كان هو وعزان بن الصقر في عمان كعينين في جبين، وكان ممن يتولاهما محمد بن جعفر. (4/104)
صفحة 1223
وقد قيل: إن ابنه الأزهر بن محمد بن جعفر كان يتولى موسى بن موسى، فلما نظر في الاختلاف رأى الوقوف أسلم، فرجع إلى الوقوف، وكان فيما بلغنا يتولى والده محمد بن جعفر على ولاية والده لموسى بن موسى، وكان ممن يقف عن موسى وراشد في ذلك الحدث أبو الحواري محمد بن الحواري المعروف بالأعمى القري، وأبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر، وأبو عبد الله محمد بن روح بن عربي، وأبو عبد الله محمد بن الحسن، وأبو عثمان رمشقي بن راشد، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن وضاح، وأبو المنذر بن محمد بن روح، وأبو سعيد محمد بن سعيد.
وكان ممن يتبرأ من موسى وراشد أبو المؤثر الصلت بن خميس، وأبو المنذر، وأبو محمد بشير وعبد الله ابنا محمد بن محبوب، وأبو قحطان وأبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر، وأبو محمد الحواري بن عثمان، وأبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني، وأبو مسعود النعمان بن عبد الحميد وأبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي شيخة، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة، وأبو الحسن علي بن محمد البسياني، وإنما سمينا بأسماء هؤلاء الذين يتولون، والذين يقفون، والذين يبرءون على ما وجدنا في الآثار، وعلى ما عندنا والله أعلم.
ولا نعلم أن أحدا من هؤلاء الذين عددنا ممن يبرأ أو يقف أو يتولى يجهل أحكام البغي، ولو على سماك فيشك في البراءة من الباغي، ولا عاقدوا إمام على إمام، ولا خارج عليه بعد أن يصح عليه أنه خارج عليه بأي وجه صح معه، ولا عازل إمام بغير حق، ولا ما أشبه هذا من المحرمات، بل عندنا أن أحكام ذلك واضحة عندهم، ولو كانوا متفقين عليها، أو على شيء منها.
وأما اختلافهم في الحكم فكان فريق من أهل عمان يحكم في أحداث (4/105)
صفحة 1224
موسى وراشد بأحكام البدع التي لا تحتمل إلا الباطل، وكان فريق من أهل عمان يحكم في أحداثهما بأحكام الدعاوى المحتملة للحق والباطل، فانظر فيما رفعناه من اختلافهم في الفعل وفي الولاية والبراءة، وفي الحكم إن شاء الله، فإنه صحيح لا يقدر أحد أن ينكره إن شاء الله.
ومن السيرة: وإذا كان الاختلاف إنما هو في الحكم لم يجز اتفاق على غير ما ذكر ما اختلف فيه، وهو حكم حدث موسى بن موسى، وراشد بن النظر أنه بدعة أو دعاوى، وأن الاختلاف الذي وقع بين أهل عمان فيه بالدين أو بالرأي، وقول أهل الحق من أهل عمان أنه اختلاف بالدين، ولولا أن هذا مشهور في آثار المسلمين وآثار المخالفين لضمنته كتابي هذا، ولو كان الاختلاف في حكم حدث موسى بن موسى وراشد بن النظر، بالرأي ما كان اختلافا يوجب فرقة لأنه إذا كان الاختلاف في حكم الحادثة بالرأي، لم يجز لكل فريق من أهل الرأي أن يخطئ صاحبه، ولا يبرأ منه على خلافه فيه في رأيه الذي قد حكم به في الحادثة، لأن المسلمين قالوا من نصب رأيه دينا ثم برئ ممن خالفه عليه فقد ضل، ومن نصب رأيه دينا وادعاه على الله فقد كذب على الله، لأن الله تعالى إذا تقدم في حكم لم يجعل للعباد فيه الخيار، وإذا تركهم واجتهاد الرأي جاز الاختلاف فيه بالرأي، وكان كل مؤتمنا على رأيه واجتهاده إذا كان من أهل الرأي والاجتهاد.
وقد قالت الفرقة الضالة من أهل عمان: إن حكم حدث موسى بن موسى وراشد بن النظر في خروجهما على الإمام الصلت بن مالك رحمه الله دعاوى، وإن الاختلاف فيه يخرج مخرج الرأي لا مخرج الدين، وأن مثلهما في خروجهما على الإمام الصلت بن مالك رحمه الله كمثل رجلين وليين قتل بعضهما بعضا، أو قتل أحدهما صاحبه فقد اختلف المسلمون فيهما بالرأي لا بالديانة، فقال من قال: إنهما جميعا في الولاية (4/106)
صفحة 1225
حتى يعلم باطلهما، أو باطل أحدهما فيبرئ منه عليه، وقال من قال: إنهما جميعا في حال البراءة، لأن الدماء محجورة محرمة عليهما فهما جميعا في حال البراءة بارتكابهما المحرم المحجور عليهما.
وقال من قال: إنهما جميعا في حال الوقوف حتى يصح منهما أمر يجب به البراءة عليهما أو على أحدهما، أو يصح لهما عذرا أو لأحدهما فيكون به على ما كان عليه قبل حدثه، ويكون الوقوف أيضا على ولاية المحق منهما والبراءة من المخطئ، فكل أصحاب هذه الأقاويل يتولى صاحبه على رأيه الذي قد خالفه فيه، لأنه بزعمهم اختلاف بالرأي مثل هذا الاختلاف الذي ذكروه من قول المسلمين.
قال غيره محمد بن إبراهيم: أما قوله وقد قالت الفرقة الضالة من أهل عمان: إن حكم حدث موسى بن موسى وراشد بن النظر في خروجهما على الصلت بن مالك دعاوى، وأن الاختلاف فيه يخرج مخرج الرأي لا مخرج الدين، فالذي عرفته من قول هؤلاء الذين يشتمهم ويسفههم، وما كنت أحب له النطق بذلك، فلعله وجد قولا مجملا غير مفسر، أو خاصا في شيء والذي عرفته ويخرج في معاني قول من عرفته منهم أن اختلاف الرأي غير اختلاف الدعاوى والبدع، وأن اختلاف الدعاوى اختلاف الرأي والبدع، وأن اختلاف البدع غير اختلاف الرأي والدعاوى، وأن اختلاف الرأي أصل واختلاف الدعاوى أصل، واختلاف البدع أصل، فلا يجوز لأحد أن يحمل نسخة يحكم بالبدع في موضع الدعاوى والرأي، ولا بالدعاوى في موضع البدع والرأي، ولا بالرأي في موضع البدع والدعاوى، وأن هؤلاء الثلاثة الأصول مفترقات الأحكام لا يجوز الجمع بينهن، ولا بين إحداهن، ولا أعلم أني كتبت هذا الكتاب إلى أن لقيت في آثارهم أن اختلاف الرأي هو اختلاف الدعاوى.
ولأن اختلاف الدعاوى هو اختلاف الرأي، ولا أن المتداعيين (4/107)
صفحة 1226
اختلافهم اختلاف رأي، ولا أن المختلفين بالرأي اختلافهم دعاوى، فافهم هذا وتدبره.
فأما اختلاف الرأي فكل حادث لم يأت فيه حكم من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من إجماع المسلمين، ولا ما أشبه ذلك، فللعلماء أن يجتهدوا آراءهم في ذلك الحادث، وعليهم ولاية بعضهم ببعض، ولو تضادوا في آرائهم واختلفوا، فأحل بعضهم شيئا وحرمه بعضهم، أو تولى بعضهم أو برئ بعضهم، فعلى المحل أن يتولى المحرم، وعلى المحرم أن يتولى المحل، وعلى المتبرئ أن يتولى المتولى، وعلى المتولى أن يتولى المتبرئ، ولا يجوز لهم الافتراق في هذا الموضع، وعلى من علم باختلافهم ذلك وتضادهم وافتراقهم أن يجمع بينهم في الولاية، ولا يجوز له أن يفرق بينهم، والجمع بين الأضداد هاهنا حلال ولازم، والتفريق بينهم هاهنا حرام وضلال.
وأما اختلاف الدعاوى فهو كل حادث كان يحتمل في دين الله لراكبه في علانيته معنيين، معنى الحق ومعنى الباطل، ومعنى الحلال أو معنى الحرام، أو معنى الهدى، ومعنى الضلال وما أشبه هذا، ولو كان لا يحتمل لراكبه في سريرته إلا معنى واحدا، إما حق وإما باطل، وإما حلال وإما حرام، وإما هدى وإما ضلال، فإن ركبه راكب شيئا يحتمل له في دين الله في علانيته معنيين: معنى الحق ومعنى الباطل، أو معنى الكفر أو معنى الإيمان، أو معنى الضلال أو معنى الهدى، ولو كان لا يحتمل له في سريرته في دين الله إلا معنى واحدا، إما حق وإما باطل، وإما كفر وإما إيمان، وإما هدى وإما ضلال، أو ما أشبه هذا.
فاختلف العلماء المشاهدون لحدثه، فادعى فريق منهم له معنى الإيمان، أو الحق أو الهدى، وتولوه على ذلك، وادعى أحدهم عليه معنى الباطل أو الكفر أو الضلال أو الحرام، وبرءوا منه على ذلك، وتضادوا في ولايته، والبراءة منه، وفي دعاويهم له وعليه، فهؤلاء (4/108)
صفحة 1227
المختلفون كلهم، ولو تضادوا تجوز ولايتهم كلهم ممن كانت قد وجبت ولايتهم عليه قبل اختلافهم، والجمع بين الأضداد هاهنا جائز، ولا تجوز له البراءة منهم ولا من أحدهم إلا حتى يعلم الكاذب من الفريقين، فمن علم كذبه فعليه البراءة منهم سريرة عند من لم يعلم كذبهم كعلمه، وكان قد ثبت عليه ولايتهم، أو ينزل بعضهم من أحد منزلة القاذف، أو يخطئ بعضهم بعضا عند من يتولاهم، ويعلم المبتدئ بالتخطية فلا يجوز للمبتدئ ذلك ويجب البراءة منهم بذلك، لأنهم ينزلون بذلك في الظاهر في دين الله منزلة المبطلين، ولو كانوا في دعاويهم في ذلك في سرائرهم من الصادقين، فافهم هذا وتدبره.
وأما المختلفون فليس للفريق المحق أن يتولى الفريق المبطل، لأنه لا محالة أن أحد الفريقين مبطل مع الفريق الآخر كاذب ضال كافر، ليس للمحق أن يتولى المبطل، وهو يعلم أنه مبطل وأنه كافر.
وأما من لم يعلم باطلهم فيما يدعوه ولا كذبهم ولا حقهم ولا صدقهم، وقد كانت وجبت ولايتهم عليه، فله أن يتولاهم جميعا لأنهم كل واحد منهم يدعي دعوى أنه كان صادقاً فيما يدعيه فهو محق في دين الله، لأنه يدعي ما هو جائز في دين الله، وليس لمن علم باطل أحد الفريقين أن يتبرأ منه علانية، أو يقذفه بالباطل عند من لم يعلم باطله ممن يتولاه، لأنه يكون قاذفا، وإنما تجوز له البراءة منه سرا عند من يتولاه.
وأما عند من علم بباطله كعلمه فله أن يبرأ منه علانية عنده إذا كانوا علماء بالحكم، وأما اختلاف البدع فهو كل حادث كان لا يحتمل لراكبه في علانيته ولا في سريرته في دين الله، إلا معنى الكفر وحده، أو الباطل وحده، أو الضلال وحده، ولا تحتمل له في سريرته ولا علانيته معنيين، معنى الحق ومعنى الضلال في الباطل، أو معنى الكفر ومعنى الإيمان، أو معنى الضلال ومعنى الهدى، أو ما أشبه هذا، فإن اختلف العلماء (4/109)
صفحة 1228
المشاهدون لحدثه فادعى أحد الفريقين له الإيمان، وادعى أحدهم عليه الكفر، أو ادعى أحدهم عليه الحق، وادعى أحدهم عليه الباطل أو ادعى أحدهم له الإيمان، وادعى أحدهم عليه الكفر، أو ادعى أحدهم ضلاله، وادعى أحدهم هداه، فالمحق منهم من حكم عليه بالكفر أو بالباطل أو بالضلال أو المبطل منهم من حكم له أو ادعى له الحق، أو الإيمان أو الهدى، أو ما أشبه هذا، ولا يجوز في الحكم أن يجمع بين هؤلاء المختلفين في ولاية ولا تصويب، وهؤلاء هم الأضداد الذين لا يجوز الجمع بينهم في تصويب ولا إيمان، ولا هدى ولا ضلال، ولا كفر ولا باطل، ولا تجوز المساواة بينهم في أحكام الدين.
وأما المختلفون بالرأي، ولو تضادوا، والمختلفون بالدعاوى المحتملة للحق والباطل ولو تضادوا، كانت دعاويهم في أحكام الدنيا والدين، فالجمع بينهم في الولايات جائز والله أعلم.
فانظر في هذا الفرق بين الدعاوى والبدع والرأي.
ومن الفرق بين الدعوى والبدع أيضا: أن البدع لو أجمعت العلماء على صواب المبتدع ما جاز قبول ذلك منهم، ولا كان إجماعهم في ذلك حجة، ولكانوا كفارا ضلالا مبطلين، ولا يحتمل صوابهم ولا حقهم في سريرة ولا علانية.
والمدعي لو أجمعت العلماء على صوابه أو حقه لكان إجماعهم في ذلك حجة، ولا تجوز مخالفتهم في ذلك، ولا تجوز تخطئتهم، ولو كانوا كاذبين مبطلين في سرائرهم، وحاشا حجة الله من الباطل ومن الفرق بين البدع، والدعاوى أن المبتدع إذا شهدت العلماء له بصواب أو بإيمان أو بهدى أو ما أشبه ذلك لم تجز شهادتهم، ولله قبولها وكانوا كفارا ضلالا، والمدعي لو شهدت العلماء بصوابه أو بإيمانه جاز قبول شهادتهم، ولم تجز تخطئتهم. (4/110)
صفحة 1229
ومن الفرق بين الدعاوى والبدع: أن المبتدع لا سلامة له من الكفر في دين الله إلا بمفارقته لتلك البدعة والخروج منها والتوبة منها، والمدعي قد تصح له السلامة من الكفر، وهو مقيم على حدثه غير تارك لحدثه.
ومن الفرق بين الدعوى والبدع: أن المبتدع يشهد عليه الدين بالباطل والضلال والكفر، والدعاوى لا يشهد الدين على المدعي، ولا له بإيمان ولا بكفر، ولا بهدى ولا بضلال، ومن الفرق بين الدعاوى والبدع أن المختلفين في الدعاوى يدعي كل فريق منهم دعوى إن كان صادقا فيما يدعيه كان محقا في دين الله، والمبتدع يدعي دعوى هو كاذب مبطل في دين الله، علم كذبه وباطله من علمه، أو جهله من جهله، فهو كاذب لا محالة مبطل والمختلفون في البدع المضادون يدعي كل فريق منهم دعوى، فالمبتدعون مبطلون، ويشهد عليهم الدين بالباطل، والمخالفون لهم والمضادون والمحقون يشهد لهم الدين بالحق، ولا يكون الحق إلا عند أحد الفريقين من المختلفين، ولا محالة أن أحد الفريقين محق وأحدهما مبطل مفارق لدين الله كاذب على الله مفتر.
قال أبو الحسن علي بن محمد البسياوي: وهل البدعة بدعة إلا إذا كان المحدث في الإسلام قد ركب بحدثه أو تأويله شيئا لم يتقدمه أحد من المسلمين، وهو محرم في الأصل، فركبه فذلك بدعة ليس بدعاوى كما زعم أن أحداث أهل عمان في الأصل دعاوى، وكيف يكون ما أحدث راشد على الصلت في تقديمه ليس ببدعة منه، ولا من قدمه وأممه وذلك شيء لم يسبقهم في الإسلام إليه أحد ولا في قول ولا فعل برأي، ولا بإجماع، بل الإجماع على تحريم التقديم على الإمام العدل المتفق عليه قبل ظهور كفره.
قال غيره محمد بن إبراهيم: البدعة بدعة، والراكب مبتدع بقدمه -نسخة- يسبقه وكذلك البدعة بدعة، ولو لم يركبها راكب هكذا عندي ولا يبين لي في ذلك اختلاف. (4/111)
صفحة 1230
قال أبو الحسن البسياني أيضا: وإن كان وقوفهم على ولاية من تولى الصلت بن مالك، وولاية من برئ منه، وولاية من تولى راشدا وولاية من برئ منه، وولاية من تولى عزان، وولاية من برئ منه فهذا هو الإرجاء بعينه، ومثلهم كمثل من جمع بين القاتل والمقتول في الولاية، وبين العاصي والمطيع.
قال غيره محمد بن إبراهيم: أما ولاية العاصي إذا كانت معصية كبيرة فلا تجوز ولايته عند من علم الحكم فيه كان يتولاه قبل ذلك أو لا يتولاه، وعليه البراءة منه، وأما من علم بركوبه للكبيرة، ولم يعلم أنها معصية، وكان يتولاه قبل ذلك فقد قيل: إن تولاه على اعتقاد براءة الشريطة منه بعينه إن كان مرتكبا للكبيرة، فذلك جائز له كان الراكب لتلك الكبيرة مستحلا أو محرما.
وقال من قال: لا يجوز له ذلك كان مستحلا أو محرما، وليس له أن يثبت ولايته على أصل ما كانت عليه، ولا يسعه إلا ترك ولايته إن شك فيه أو البراءة منه، وقال من قال: إنما يجوز له ذلك إذا كان محرما، وأما على غير الاستحلال إذا علم بالحدث وبحرمة الحدث، وجهل الحكم فله أن يتولاه برأي، وأما في الاستحلال فلا وليس له إلا البراءة منه أو الوقوف عنه، انظر في ذلك.
وعرفت من جواب يوجد عن أبي الحواري، يخرج من معنى قوله في الولي إذا رأى وليه يركب كبيرة بقول أو فعل إنه على ولايته حتى يعلم أنه كبيرة.
وقال من قال: إن تولاه على ذلك فهو هالك، وقوله: هو أن المتولي سالم، وأن الراكب للكبيرة هالك، وقال بشير: ويجوز الشك في المستحلين للكفر لمن لم يعلم أنه كفر حتى تقوم عليه الحجة بأنه كفر، والحجة جماعة المسلمين الذين ليس له أن يرد قولهم. (4/112)
صفحة 1231
وأما الجمع بين القاتل والمقتول في الولاية فقال من قال بذلك من المسلمين وهو موجود شاهد في الأثر.
وقال أبو الحسن أيضا: فيما يخرج عندي أنه في حدث موسى وراشد، ومن تأول ذلك أنه دعاوى من غير حجة ولا بيان يوضح في ذلك وجه الدعاوى، لم يكن قوله مقبولا، لأن الدعاوى هي فيما لا يعلم بين الخصماء، وليس في الدين، وقد يكون في بعض الدعاوى الأيمان، وليس في هذا أيمان -نسخة- يمين، وإذا كان هذا أمر قد صح على ما قلناه في ارتكاب الحدث المحرم، ثم لم تجز فيه الأيمان ولا دعوى المدعين، ولا شهادة المحدثين، لأن شهادتهم لأنفسهم لا تقبل ولا تقبل شهادة أهل الشك في ذلك، ولو كان هذا دعاوى لكان من ركب في الدين ما حرم الله عليه كان وادعى إجازته واستحله وخطأ من حرمه عليه كان حكمه دعاوى، فلما بطل هذا بطل قول من ادعى أن الذي كان من حدث راشد إلى الصلت دعاوى، إذ الدعاوى معروف طريقها، وهو كلما شكل بين الخصوم والأحكام بينهم هذا واضح المنهاج مكشوف القناع بالإجماع على صحة الحدث المحرم بالاتفاق.
قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة: فيما أرجو أنه عنه وهو من السيرة التي أولها: صانك الله أخي من ضلالات الحياد، وأمر مساندهم أن الاختلاف بين أهل عمان في حدث راشد، إنما هو في الحكم إثم ادعوا أنها دعوى، وليس ذلك كذلك، وإنما تكون الدعاوى أن لو قالوا إن راشداً تقدم، وقال غيرهم: لم يتقدم على الصلت لكان في هذا هو الدعاوى الذي لا يصح الفعل فيه، وأما إذا صح الفعل فيه، واتفقوا على الشهادة، واختلفوا في الحكم، فليس بدعاوى. (4/113)
صفحة 1232
قال أبو سعيد محمد بن سعيد: وكل حدث خرج على أحكام الدعاوى من جميع الأحداث على غير تصريح أحكام البدع من استحلال المحرمات، وتحريم المحللات الشاهرات الظاهرات من جحود بإنكار أو بضلال تأويل مع الإقرار، ومن خارج على حكم المحتملات للحق والباطل الجائز فيه، الثابت حكم الإجماع بحقه وباطله، ويحتمله على حاله التي جرت عليه إذا ثبت الحكم في الإجماع بأحد ذلك ثبت في حكم الظاهر ما يثبت في الحكم المجتمع عليه، ولو كان الإجماع ممن اجتمع عليه كان في سريرتهم مخالفين لعدل الله وصوابه، وفي ذلك الحكم، وكانوا مبطلين فإن حكمهم في هذا الوجه بأي وجه ثبت منه الحكم بتحقيق الحدث أو باطله أو بإثباته على حاله، فهو حجة لجميع من غاب عنه صحة باطلهم، وعلى جميع من غاب عنه صحة باطلهم ممن شهدهم أو غاب عنهم فافهم هذا الفصل.
قال غيره محمد بن إبراهيم: قول أبي سعيد هذا ربما لم يفهمه الكل، والذي عندي أنه يخرج في معاني قوله هذا أنه إذا كان الحدث محتملا للحق والباطل، أو الحلال أو الحرام، فهذا الذي يجوز ويثبت فيه إجماع العلماء بحقه أو بباطله أو بمحتمله، فإن اجتمعت العلماء أن ذلك الحدث حق كان إجماعهم حجة، وإن أجمعوا أنه باطل كان إجماعهم حجة، ولا يجوز لغيرهم مخالفتهم في ذلك فيحكم فيما أجمعوا عليه أنه حق أو أنه باطل، أو فيما أجمعوا عليه أنه باطل، فيحكم هو فيه أنه حق، ولو علم أن العلماء كاذبون فيما أجمعوا عليه، وأنهم أجمعوا على الحدث أنه حق وهم يعلمون أنه باطل، أو أنه حلال وهم يعلمون أنه حرام، فلا يجوز له على حال مخالفتهم فيما أجمعوا عليه، ولو علموا أنهم كاذبون مبطلون مخالفون لحكم الله في ذلك في سرائرهم فلا يجوز له في ذلك مخالفتهم في الظاهر، ويجوز له ويلزمه مخالفتهم في السريرة، لأن العلماء يحتمل حقهم في ذلك وباطلهم وصدقهم (4/114)
صفحة 1233
وكذبهم فيما أجمعوا عليه، وهم حجة في إجماعهم في ذلك من حجج الله عز وجل.
وليس لأحد أن يخالف حجة من حجج الله تبارك وتعالى في الظاهر في ذلك، ولو كانت مبطلة فيكون بمخالفته لحجة الله عند من خفي عليه باطل الحجة وكذبها مبطل في دين الله، لأن حجج الله تنقسم قسمين فمنها ما يحتمل حقها وباطلها، وصدقها وكذبها، ومنها ما لا يحتمل إلا الحق والصدق في حقها وصدقها، ولا يحتمل الباطل والكذب، فمن ذلك شاهدا العدل إذا شهدا مع الحاكم بما تجوز شهادتهما فيه فعلى الحاكم أن يحكم شهادتهما، ولو كانا شهدا بزور إذا لم يعلم الحاكم ذلك، فإن ترك الحكم شهادتهما كفر، وكذلك الحاكم كان إماما أو قاضيا إذا حكم على أحد من الرعية شيء يجوز حكمه عليه فيه، فعلى المحكوم عليه إظهار طاعته والانقياد له في ذلك عند من خفي عليه باطل الحكم في ذلك.
ولو كان المحكوم عليه يعلم أنه حاكم عليه بالجور، وكذلك الأئمة في محاربتهم، والعلماء في عقدهم للأئمة، وعزلهم، ولو كانوا عاقدين لبعض الزنادقة أو المشركين، فعلى الرعية اتباعهم، وقبول ذلك منهم، ولو كانوا مبطلين في سرائرهم، وهذا فصل واسع يتسع القول فيه فينظر فيه.
وهذه هي حجج الله التي لا يحتمل حقها وباطلها، وصدقها وكذبها، لأن شاهدي العدل من حجج الله وأئمة العدل من حجج الله وما أشبه هذا، وأما حجج الله التي لا يحتمل إلا أن تكون محقة صادقة فهم العلماء وما أشبههم إذا أفتوا أو حكموا بشيء من دين الله الذي لا يجوز فيه التقليد الذي نطق به الكتاب أو السنة أو الإجماع، مثل أن يفتوا العلماء أن أكل الميتة من غير ضرورة حرام، أو أن أكل الخنزير أو الدم المسفوح من غير ضرورة حرام، فهذا (4/115)
صفحة 1234
لا يجوز إلا أن يكون العلماء الذين أفتوا بهذا محقين صادقين، ولا يحتمل أن يكونوا مبطلين ولا كاذبين، لأن هذا المعنى لا يحتمل فيه إلا صدقهم وحقهم، وليس هذا مما يحتمل فيه حقهم وباطلهم، وصدقهم وكذبهم في دين الله، ولو أنهم أفتوا أن أكل الميتة من غير ضرورة حلال، أو أكل لحم الخنزير من غير ضرورة حلال، أو ما أشبه هذا من دين الله لم يجز قبول ذلك منهم، ولو أفتوا بذلك وشهدوا بحلاله، وأجمعوا على حلاله، لما جاز قبول ذلك منهم، ولا اتباعهم ولا تصديقهم، ولكانوا سفهاء خصماء محجوجين مخلوعين مبطلين في دين الله، لأن هذا لا يحتمل فيه صدقهم وكذبهم، ولا حقهم وباطلهم، ولا يحتمل في هذا إلا كذبهم وباطلهم.
وهذا هو أصل البدع، ومنه تخرج أحكام البدع، فافهم هذا الفصل وما أشبهه في دين الله، فهو مثله، وأعلم أن هذا الفصل ليس للعلماء ولا للضعفاء، ولا لأحد ممن صح معه، وكان مشاهدا له أو غائبا عنه أن ينتقل حكمه، وعما ثبت عليه في دين الله، ولا يقبل في إزالته عن حكمه، ولا تبديل لحكمه وتغييره إجماع ولا شهادة ولا فتوى، ولو أجمع على ذلك جميع الخلق، ولن يجمعوا فافهم هذا.
وأما الأحداث المحتملات للحق والباطل الذي يكون إجماع العلماء فيها حجة، ولا تجوز مخالفتهم في الظاهر في دين الله، فمنها الولي إذا قتل وليا، فإن أجمعت العلماء أنه قتله بحق لم يكن لأحد أن يحكم فيه بحكم الاحتمال، ولا يجوز أن يحكم فيه أنه مبطل، وكان إجماع العلماء في ذلك حجة وإن أجمعوا أنه قتله بغير حق، وأنه مبطل لم يجز لأحد أن يحكم فيه بحكم الاحتمال، ولا يجوز أن يحكم فيه أنه محق، لأن العلماء حجة لله فيما أجمعوا عليه من حق القاتل وباطله، ولا يجوز لأحد أن يخالف حجة من حجج الله، فإن اختلف العلماء في القاتل فقال بعضهم: إنه محق في قتله، وقال بعض: إنه مبطل في قتله، وتنازعوا واختلفوا كانت دعاويهم (4/116)
صفحة 1235
وشهاداتهم وأحكامهم متكافئة عندي، وكان الحدث محتملا للحق والباطل، وجاز الاختلاف في القاتل بالولاية والبراءة والوقوف.
وإذا ثبت حكم الحدث محتملا للحق والباطل من أجل اختلاف العلماء فيه لم يكن لأحد أن ينقض ذلك الحكم ويحكم فيه بحكم الإجماع على حقه أو باطله، لأن العلماء حجة الله في ذلك، فإن أجمعوا على صفة يثبت بها حق القاتل وولايته لم يجز لهم ولا لغيرهم نقض حكمهم فيحكم فيه بالباطل أو بالبراءة، أو بالاختلاف في ولايته والبراءة منه والوقوف عنه.
وإن أجمعوا على صفة يثبت بها باطل القاتل، والبراءة منه لم يجز لهم بعد ثبوت حكمهم وإجماعهم ولا لغيرهم نقض حكمهم، فيحكم فيه أنه محق أو أنه مستحق للولاية أو بالاختلاف فيه بالولاية والبراءة والوقوف، وإن لم يجمعوا على صفة يثبت بها حقه ولا على صفة يثبت بها باطله، واختلفوا بينهم، وادعى بعضهم للقاتل صفة يثبت بها حقه، وادعى بعضهم صفة يثبت بها باطل القاتل، وبرئ بعضهم من القاتل، وتولى بعضهم القاتل لم يكن لمن خفي عليه حقهم وباطلهم وصدقهم وكذبهم أن يحكم في القاتل بحكم أحدهم، وجاز له ولاية أوليائه من هؤلاء المختلفين، ولو تضادوا وتباينوا في دعاويهم.
فإن كان أحد يتولى هذا القاتل لم يجز لأحد عندي من المختلفين أن يقذف القاتل بالباطل عند من يتولاه، لأن حججهم وشهاداتهم متكافئة ساقطة عندي، ويثبت حكم هذا الحدث محتملا للحق والباطل من أجل اختلاف العلماء فيه، ورجع الحدث إلى أصله، وجاز الاختلاف فيه بالرأي بالولاية والبراءة والوقوف.
وكذلك لو أن رجلا تزوج أمه أو أخته أو من حرم الله عليه تزويجه، فإن أجمعت العلماء أنه تزوج أمه وهو عالم بنسبها أنها أمه، وبرءوا منه على ذلك، لم يجز لأحد مخالفتهم فيما أجمعوا (4/117)
صفحة 1236
عليه، وإن أجمعوا أنه تزوجها ولم يعلم أنها أمه وهو جاهل بنسبها أنها أمه، كان إجماعهم حجة، ولم يجز لأحد مخالفتهم فيما أجمعوا عليه، وإن اختلفوا فقال بعضهم: إنه تزوجها وهو عالم أنها أمه، وقال الآخرون: إنه تزوجها وهو غير عالم أنها أمه، فليس لمن خفي عليه صدقهم وكذبهم وحقهم وباطلهم أن يحكم بحكم خطأ أو بصواب أحد الفريقين، وجاز له ولاية المتزوج لأمه حتى يعلم أنه تزوجها، وهو يعلم أنها أمه هكذا عرفت والله أعلم.
وكذلك القول في جميع الأحداث المحتملات للحق والباطل، فإذا ثبت الإجماع فيها من العلماء بما يثبت حقها أو باطلها لم يجز لأحد مخالفتهم فيما أجمعوا عليه، ولو كانوا كاذبين في سرائرهم فإن علم أحد كذبهم لم يجز له مخالفتهم في الظاهر، وجاز له مخالفتهم في السرائر، لأنه لا يجوز لأحد أن يخالف حجة من حجج الله عند من خفي عليه باطل الحجة من المتعبدين، فيكون مبطلا في دين الله كافرا، وكل من كان كافرا في دين الله في الظاهر فهو كافر في السرائر، ولا يكون قط كافرا في الظاهر، مؤمنا في السرائر، ومن كفر في علانيته فهو كافر في سريرته، وقد يكون كافرا في السريرة، محكوم له بالإيمان في العلانية، مثل أن يتزوج أمه أو أخته أو ما أشبه هذا من المحرمات، وهو عالم بنسبهن، وهذا كافر في سريرته، ويجوز لمن خفي عليه سريرته من أخواته في أوليائه أن يتولاه، فهذا كافر في السريرة محكوم له بالإيمان في العلانية، فافهم هذا وما أشبهه فهو مثله.
وأما لو قذف حر بعض المحصنات أو المحصنين بالزنا، أو قذف وليا عند من يتولاه شيء مما يوجب القذف، فهؤلاء كافرون في الظاهر والباطن، والعلانية والسرائر، ولو كانوا صادقين فيما قذفوهم به فلكفرهم في الظاهر كفروا في الباطن، ولكفرهم في العلانية كفروا في السرائر، فافهم هذا، ولأجل هذه العلل وما أشبهها لم يجز لأحد أن (4/118)
صفحة 1237
يخالف حجة من حجج الله، ولو علم باطل الحجة فيكون كافرا في الظاهر عند من خفي عليه باطل الحجة من المتعبدين، وإذا كفر في الظاهر كفر في السرائر هكذا عرفت، والله أعلم.
قال أبو سعيد: وكل حدث خرج على حكم البدع وشهر ذلك وظهر خارجا على صحيحات أحكام البدع، فليس في ذلك احتمال، ولا يكون الحكم فيه ممن شهده مزيلا لما شهر منه من حق أو باطل، بخلاف ما شهر من أحكام البدع، ولو أجمعوا على باطل حقه ولن يجمعوا، ولو أجمعوا على تحقيق باطله ولن يجمعوا، فليس للحكام في إزالة حكم البدع عن سبيل ما صحت عليه حجة، ولا منهم حجة، ولأنهم حجة، وكل من ورد عليه الحكم في غائب أو شاهد أو حاضر أو حادث أن يكون حاكما لنفسه، وعليها في صحة أحكام البدع عنده.
وعلى الحاكمين بمخالفة الحكم في البدع، والحاكمين بموافقة الحق للموافقين للحكم في أحكام البدع، وبين أحكام البدع وأحكام الدعاوى الخارجة على سبيل أحكام احتمال الحق والباطل من الأفعال المحتملة للهدى والضلال في حكم الشريعة، فرق بعيد بعيد، واختلاف الحكم في ذلك وتفاوته مع أهل العلم المحقين، ذلك شديد شديد، فلا تحمل ذلك كله على معنى واحد، فإن ذلك فاسد فاسد، وعلى كل حال معنا فإذا شهد الشاهد من علماء المسلمين لأحد من أهل الأحداث، كانت الأحداث خارجة على أحكام البدع، أو على أحكام الدعاوى بالتوبة من حدثه الذي كان منه، وهو ممن يبصر أحكام الولاية والبراءة والتوبات، فتولاه على ذلك بعد شهادته له بالتوبة، فهو معنا جائز شهادته، وجائز قبول قوله بذلك ممن علم الحدث، ما لم يعلم كذب الشاهد بذلك، ولن يصح معنا كذبه إلا أن يكون المحدث قضت الشهرة عليه بالموت على الإصرار على حدثه، أو حكمت عليه بذلك الجماعة بالإصرار، وصحة الإصرار غير صحة الحدث. (4/119)
صفحة 1238
فإذا كان ذلك فإنه لا يقبل من أحد بعد ذلك شهادة بتوبته، ولو شهد عليه جميع الثقلين بالتوبة، ولن يشهدوا جميعا بذلك ما قبل منهم، كما أنه لو شهد له جميع الثقلين، ولن يشهدوا بأنه لم يكن منه ذلك الذي قد صح في الشهرة باطله، أو في الإجماع باطله، ما قبل منهم ذلك، وكانوا كلهم في ذلك مدعين، ولن تقبل شهادة مدع فيما يكون فيه مدعيا في حكم الدين، ولا في حكم الدنيا.
ومن تولى هذا المحدث كان من الأئمة، أو من العامة على غير شهادة منه له بالتوبة، فعندي أنه يلحقه حكم الاختلاف في الولاية والبراءة والوقوف منه، ومن المحدث، وفيه وفي الحدث، ويعجبني إذا كان عالما بصيرا كما وصفت لك، وكان عالما بالحدث، أو كان الحدث شاهرا يقضي أنه قد علمه أن يتولاه هو والمحدث جميعا، وإن لم يكن عالما أو احتمل ألا يعلمه أن يتولى هو، ولا يقف عنه برأي ولا بدين ما لم يعلم باطله، ولا يتولى المحدث، ويكون على حالته وما صح عليه من باطله من حكم البراءة ما لم يشكل ذلك من علم العلانية، أعالم بحدثه أم غير عالم بحدثه وأشكل ذلك، فيعجبني الوقوف عن المحدث في هذا الفصل والولاية للعالم.
وإن كان هذا المتولي ضعيفا من ضعفاء المسلمين، والشاهد الذي وصفته لك من ضعفاء المسلمين، أعجبني ألا تقبل شهادته في هذا الموضع للمحدث، ويكون المحدث على حالته، ويتولى الشاهد إذا احتمل صدق شهادته على ما وصفت لك، ولا أعلم أن أحدا قال في الشاهد إذا احتمل صدق شهادته بوقوف ولا براءة ولا ترك ولاية بأي حالة كان عالما أو ضعيفا، ولا أعلم أنه قال أحد بولاية المحدث إذا تولاه من لا يعلم بحدثه بأي حال، كان المتولي عالما أو ضعيفا، فافهم هذين الفصلين اللذين لا أعلم فيهما اختلافا. (4/120)
صفحة 1239
قال غيره محمد بن إبراهيم: البدع يخرج أحكامها فيما عندنا فيما كان لا يحتمل في دين الله إلا معنى واحد، إما حق وإما باطل، فالمخالف لحكم ذلك المعنى بوجه من وجوه المخالفة له المستحل بفتياه أو بشهادة أو بإجماع أو بتصويب أو بتخطئة أو بغير ذلك من وجوه المخالفة لحكمه، والاستحلال له كافر ضال فاسق مبتدع، لأنه إذا حكم في الحق أنه باطل، أو حكم في الحق أنه باطل، أو حكم في الباطل أنه حق، أو في الحلال أنه حرام، أو في الحرام أنه حلال، فقد خالف حكم ذلك المعنى، فإذا استحل له فهو مبتدع، لأن ذلك المعنى هو دين الله، ولأن ذلك المعنى لا يجوز فيه التقليد، ولأن ذلك المعنى هو حجة الله، والمرتكب لشيء مما حرم الله ورسوله إن كان محرما لما ارتكبه، أو غير مدع في ذلك تحليلا ولا تحريما فهو من أهل الدعوة، ولا يكون مبتدعا، وإن استحل ذلك كان مبتدعا ولم يكن من أهل الدعوة وكان معازفا للدعوة فافهم هذا.
قال أبو سعيد: المجتمع عليه أن أحكام الدعاوى في جميع الأمور لا تخص إلا المتداعين، ولا تعم أهل الدين، ولا أصول الدين، ولا يزول بها اسم في التدين إلا من صح عليه ذلك ويخصه، فيكون ذلك له خاصا دون أهل طاعته، ودون أهل نحلته، ودون المتسمين له بأصل دينه الذي لم يقع عليه فيه اسم مخالفة في الدين.
وأما الذي يظهر منه أنه يدعي شيئا إن كان صادقا فيما يدعي كان محقا في ذلك، وكلما كان أصله من هذا، كان الحكم فيه دعوى فافهم هذا.
وكل من كان حكمه حكم الدعوة فهو مدع حتى يعلم أنه صادق أو كاذب، ومن خرج من حال الدعوى إلى حال القذف فهو قاذف كان صادقا فيما قذف أو كاذبا، ومن نزل بمنزلة البدع فهو كاذب مبطل، علم باطله من علمه، أو جهله من جهله، وفرق ما بين أحكام الدعوى والقذف والبدع. (4/121)
صفحة 1240
من قال: إن من بغى على أهل القبلة فهو مؤمن، وراشد وموسى مؤمنان على بغيهما على الصلت بن مالك، أو على أحد من الناس، فهذا حكم البدع، ولا يجوز لمن علم ذلك أن يتولاه كان راشد وموسى باغيين على الصلت أو لم يكونا باغيين، ومن قال: إن موسى وراشدا باغيان على الصلت بن مالك في خروجهما ذلك، وتقدم راشد إماما لموسى على الصلت، فهو مدع على موسى وراشد ذلك، ونازل بذلك منازل المدعي، فإذا قال ذلك مع من يتولى موسى وراشدا فهو قاذف لهما معه، وقد أباح البراءة من نفسه لمن يتولاهما، ولو علم هو أنهما باغيان في أصل فعلهما، ولو كان الذي يتولاهما قد علم بخروجهما إلا أنه لم يعلم كانا باغيين أو لم يكونا باغيين، لأن حدثهما يخرج على سبيل الدعوى والاحتمال للحق والباطل، فيما ظهر من أمرهما، فالقاذف لهما بالبغي من المتولى لهما قاذف مستحق البراءة، والمتبرئ منهما مع من قد علم بخروجهما الذي يحتمل البغي، ولا يصح لهما سلامة منه فيه إلا بالاحتمال، ويحتمل الصواب ولا يصح عليه الباطل إلا بما وصفنا في أول الكتاب، فإذا كان الحدث يحتمل الحق والباطل، ولا يصح باطله ولا حقه، وكان فيه حق لله وللعباد ففيه الاختلاف في الولاية والبراءة والوقوف.
وليس لأحد من أهل المنازل أن يخطئ صاحبه، ولا يدعي على المحدث بغيا ولا قذفا، وإنما يبرأ منه بما ظهر منه مما هو محجور عليه، فليس له أن يقذفه بما غاب عنه من أمره مع وليه الذي يتولاه، وليس للمتولي أن يعنف المتبرئ إذا حكم بما قد ظهر فيه معه ما لم يدع عليه، أو على وليه ما لا يسعه.
وليس للواقف أن يعنف المتبرئ ببراءته، ولا المتولي بولايته، إلا أن يبرأ من أحدهما على ذلك أو يخطئه، فإن قذف المتبرئ المحدث مع من تولاه جاز لمن يتولاه أن يبرأ منه، وإن قذفه عند من يقف عنه فأقل ما يكون أنه يقف عن ولاية القاذف للشبهة لما وقف عن ولاية (4/122)
صفحة 1241
المحدث، ولم يكن علم بحدثه فعليه التوبة من ذلك إذا علمه المتولي أنه يتولاه، واحتمل بوجه من الوجوه له أن يتولاه بحق، أو كان هو يعلم أنه يتولاه، فإن لم يتب كفر.
وقال أبو سعيد: وإن ألزم في أهل الأحداث من أهل الدعاوى ما يلزم في أهل البدع، وأنزل الأحداث التي تحتمل الصواب والخطأ منزلة الأحداث التي لا مخرج لها من الخطأ، وحكم على المتدينين في الأحداث المحتملة للخطأ والصواب بحكم ما لا يحتمل، ولم تجز إلا الولاية فيهم، أو البراءة أو الوقوف، ودان بذلك، فقد خالف في ذلك الحق، وكان هو بذلك من أهل البدع.
قال غيره محمد بن إبراهيم: البدع تخرج أحكامها عندنا فيما كان لا يحتمل لراكبه في دين الله في سريرة ولا علانية، إلا معنى واحدا وهو الباطل أو الحرام أو الكفر أو الفسق أو ما أشبه ذلك، مثل أن يصح أنه أكل لحم ميتة أو خنزير من غير ضرورة، فالمستحل لهذه الصفة الراكب لها مبتدع، لا يحتمل له في دين الله في سريرته، ولا في علانيته إلا معنى واحدا وهو الحرام، لأن هذه الصفة لا تحتمل في دين الله إلا معنى واحداً وهو الحرام، ولا يحتمل في دين الله قط إلا الحلال، ولأن راكبها لا يحتمل في دين الله في سريرة ولا علانية إلا الباطل، ولا يحتمل له الحق بوجه من الوجوه في دين الله، ولأن هذه الصفة لو أجمع العلماء في أهل العلم على تحليلها لكانوا كلهم كاذبين على الله، هالكين كافرين، مفارقين لدين الله، خصماء لله، وخصماء لدينه، وخصماء للمسلمين، سفهاء ضلالا.
ولأن العلماء لو أجمعوا على الفتوى بتحليلها لما جاز قبول ذلك منهم، ولا جاز تقليدهم في ذلك، ولو أن العلماء لو شهدوا على تحليلها ما جاز قبول شهادتهم في ذلك، ولأن العلماء لو أجمعوا على (4/123)
صفحة 1242
تحليلها، وأفتوا بتحليلها وشهدوا على تحليلها ما استحالت تلك الصفة إلى الحلال، ولا تغيرت أحكامها، ولا تبدلت.
ولأن العلماء لو أجمعوا على تحريم تلك الصفة، وأفتوا بذلك أو شهدوا ما كان ذلك زائدا في تحريمها، ولا في أحكامها عند العلماء، فتلك الصفة هي حرام أجمع على تحليلها أو تحريمها لا تتبدل أحكامها، ولا تتغير، ولأن تلك الصفة قد حكم الله فيها، واعلم أن العباد بحكمه فيها، ولم يعذرهم فيها إلا بموافقة علمه وحكمه، ولأن الله تعبد عباده بموافقة علمه فيها، وحكمه فيها بعد قيام الحجة عليهم فيها، والقول فيها في هذا يكثر ويطول، وكذلك القول فيما أشبهها من الصفات، مثل فيها فانظر في ذلك.
كذلك الراكب لها بعد قيام الحجة عليه فيها لا يحتمل له في دين الله في سريرة ولا علانية، إلا معنى واحدا وهو الكفر والضلال والباطل والحرام، ولا يحتمل له الإيمان ولا الهدى، ولا الحق ولا الحلال، في سريرته ولا علانيته.
وكذلك لو اختلف مختلفون في الراكب فقال بعضهم: إنه محق فيما ركبه، وقال بعضهم: إنه مبطل فيما ركبه، لم يكن الحق إلا في يد أحد الفريقين من هؤلاء المختلفين، ولم يجز في الحكم عند العلماء الجمع بينهم في ولاية ولا براءة ولا تصويب ولا تخطئة، لأن الدين يشهد على باطل المبطلين منهم، وعلى حق المحقين منهم، وهذا هو الاختلاف في البدع، وكذلك ما أشبه هذا من المحرمات.
قال أبو الحسن البسياني: وهل البدعة بدعة إلا إذا كان الراكب المحدث في الإسلام قد ركب بحدثه أو تأويله شيئا لم يتقدمه أحد من المسلمين الموحدين، وهو محرم في الأصل فركبه، فذلك بدعة ليس بدعاوى. (4/124)
صفحة 1243
قال غيره محمد بن إبراهيم: لو عبر معبر أو فسر مفر قول أبي الحسن هذا فقال: كل من ركب محرما فهو مبتدع، كان عندي أنه قد أتى بمعنى قوله، لأنه إذا ركب المحرم بعلم أو بجهل، بدين أو برأي تقدمه أحد من المسلمين في ركوبه، أو لم يتقدمه فهو سواء عندي، إذا كان لا عذر له في ركوبه، ولو تقدمه في ركوب الباطل أحد من المسلمين ما كان ذلك حجة لمن اتبعه، وما كان هذا المتقدم من المسلمين، بل كان من الظالمين الفاسقين.
قال غيره محمد بن إبراهيم: يخرج عند قول أبي الحسن هذا في المحرمات التي غير محتملات للحلال، مثل الآكل للميتة من غير ضرورة، والآكل للدم المسفوح من غير ضرورة، والأكل للربا من غير ضرورة وما أشبه هذا من المحرمات، فإذا صح هذان المعنيان جميعا أن الآكل لهذه الأشياء أو لبعضها، أكلها من غير ضرورة، لم يبق في هذه الصفة احتمال للحلال، وكانت هذه الصفات غير محتملات للحلال بوجه من الوجوه، وكان الراكب لذلك مبتدعا إن كان مستحلا، وإن كان محرما لم يكن مبتدعا، وكان من أهل الدعوة، لأني لا أعلم اختلافا أن المنتهكين لما يدينون بتحريمه غير خارجين من دين المسلمين، وهم من أهل الدعوة، ولو كانوا كفارا ضلالا بارتكابهم لما حرم الله.
وكان المختلفون في حلال هذه الصفات وحرامها، والمختلفون في حق الآكل لها وباطله الحق في يد أحدهم، ولا يجوز إلا ولاية المختلفين كلهم، ولا تصويبهم ولا الجمع بينهم، وإنما تجوز ولاية المحق منهم والتصويب لهم، وكان هذا الاختلاف هو اختلاف البدع، والقول فيه كما قد قيل في المبتدعين والمختلفين فيهم.
فأما إذا صح أنه أكل هذه الأشياء كلها أو بعضها، ولم يصح أنه أكلها من ضرورة ولا غير ضرورة، كان هذا من الصفات المحتملات للحلال والحرام، واحتمل حق الآكل وباطله، لم يكن هذا من البدع لأنه لو كان (4/125)
صفحة 1244
من البدع لم تجز ولاية الآكل لها، وقد قيل: إن الآكل لهذه الأشياء كلها أو لبعضها إنه إن كان وليا فهو على ولايته، ولا تجوز البراءة منه، وإن كان في الوقوف فهو على حاله، ولا تجوز البراءة منه بذلك، وإن كان يبرأ منه فهو على حاله، ولا يجوز أن يبرأ منه بذلك.
فإن اختلف المختلفون في الآكل لهذه الأشياء كلها، أو في الآكل لبعضها فقال بعضهم: إنه أكلها من غير ضرورة وبرءوا من الآكل، وقال الآخرون: إنه أكلها من ضرورة غير باغ ولا عاد، وتولوا الآكل كان هؤلاء المختلفون كلهم في الولاية عند من كان يتولاهم قبل ذلك، ولم تجز البراءة منه من أجل اختلافهم، هذا لأن كل فريق منهم يدعي دعوى إن كان صادقا فيها، فهو محق في دين الله، ولا نجد الدين يشهد على أحد الفريقين بباطل، ولا لأحدهم بحق، وهؤلاء المختلفون وإن كانت أقاويلهم متضادة، مختلفة فإنها في الدين متفقة مؤتلفة، لأن كل واحد من الفريقين يدعي دعوى هي جائزة في الدين عند العلماء، ولا يشهد الدين ولا العلماء ممن خفي عليهم، أم هم على أحد من الفريقين بباطل ولا بكذب، ولا بخروج من الدين، فمذاهبهم في الحق مؤتلفة، والعالم باختلافهم أن كل فريق من المختلفين إن كانوا ممن يعلم الحكم في ذلك، فهو يعلم أن كل فريق منهم يدعي دعوى فهي جائزة في الدين.
فمذاهبهم متفقة في الدين، وأقاويلهم مختلفة متضادة في الدعاوى، وعلى الفريق المحق منهم أن يبرأ من الفريق المبطل منهم، لأنه يعلم أنه كاذب في دعواه، كافر منهم، عند من يتولاهم من أوليائهم الذين لم يعلموا بكذبهم، فيكونون قاذفين مبيحين للبراءة من أنفسهم عندهم، وعلى الفريق المبطل أن يتولى الفريق المحق إذا كانت قد ثبتت ولايتهم عليهم قبل اختلافهم، ولا يجوز لهم أن يتركوا ولايتهم من أجل قولهم بالحق. (4/126)
صفحة 1245
وأما المختلفون في البدع، فالله وملائكته والرسول والدين والعلماء يشهدون بباطل المبطل، وبحق المحق منهم، لا يكون الحق إلا عند أحد الفريقين منهم، ولا يجوز في الحكم الجمع بينهم في ولاية ولا براءة ولا تصويب ولا تخطئة، ولا ما أشبه هذا، والفرق بين الدعاوى المحتملة للحق والباطل والبدع التي لا تحتمل إلا الباطل واضحة بينة إن شاء الله عند من علمها.
فالمبتدع لا يصح له سلامة في حكم الظاهر من الكفر والضلال إلا بمفارقته لبدعته، وخروجه منها، واعتزاله عنها، وتوبته منها، والمدعي لما هو محتمل جوازه في الدين قد تصح له السلامة من الكفر والضلال، وهو مقيم على فعله مصر على دعواه، غير تارك لها، ولا خارج منها، ولا معتزل عنها، ولا تائب منها، كذلك لو تداعا متداعون عند الحاكم في مال في يد أحد الفريقين، أو في أيديهم جميعا، أو ليس في أيد أحد منهم، فادعى كل فريق منهم على الفريق الآخر أنا اشترينا هذا المال من هؤلاء شراء صحيحا ثابتا، وهو لنا إلى هذه الساعة، ولم يخرج من ملكنا وهو لنا حلال، وليس لهؤلاء فيه حق.
وقال الآخرون: ما بعناه عليهم، ولا اشتروه منا قط، وليس لهم فيه حق، ولا حق لهم، فعلى الحاكم أن يحكم بينهم في أحكام الأموال على قدر دعواهم من مدع أو مدعي عليه، أو متساوين في الدعاوى، وعليه في أحكام الولايات أن يتولى جميع المتداعين إن كان قبل تداعيهم.
هذا قد ثبت عليه ولايتهم، ولا يجوز له أن يبرأ من أحد الفريقين، وكذلك إن تداعوا في نكاح أو طلاق أو عتاق أو هبات أو وصايا أو إقرار أو غير ذلك، من جميع صنوف الأحكام، كان المتداعون اثنين أو أكثر من ذلك، فالقول في ذلك واحد، وليس لأحد الفريقين أن يقذف الفريق الآخر، ولو علم باطله عند من يتولاه ولا يخطئه ولا يضلله، فيكون مبيحا للبراءة من نفسه في أحكام دين الله، مبطلا في الظاهر في (4/127)
صفحة 1246
أحكام دين الله عز وجل، وكل مبطل للظاهر في دين الله فهو كافر في السرائر والظواهر في دين الله.
ولو كان عالما صدقه ما قاله وادعاه، ومن ذلك لو أنه علم من رجل أو امرأة زنى لا شك في ذلك ولا ريب، فلو أنه أخبر بذلك لكان بذلك مبطلا في دين الله، ولو كان صادقا في سريرته فإنه في دين الله كاذب، فانظر في ذلك وتدبره.
وكذلك إن صح أنه تزوج أمه أو ابنته أو أخته أو ابنة أخيه من رضاع أو نسب، وكذلك جميع من حرم الله عليه تزويجهن، فإنه إن صح أنه تزوجهن وهو عالم بنسبهن كان هذا من المحرمات التي لا تحتمل الحلال ولا تحتمل إلا الحرام، وكان هذا من صفات البدع، ولا يصح أنه من صفات البدع إلا باجتماع المعنيين أنه تزوجها، وأنه عالم بنسبها، ويستحل ذلك، ولا يجوز لمن علم ذلك أن يزوجه ولا يعينه بوجه من وجوه المعونات كلها بتزويج ولا شهادة ولا كتابة صك، ولا دعا إلى تزويج ذلك، ولا تصويب، ولا يشد على عضده بشيء من جميع ما يقع عليه اسم شد على عضده.
ومن أعانه بشيء من المعونات كلها فقد شد على عضده، وحرام ولايته على من علم الحكم، وجائز ولازم البراءة منه لمن علم الحكم في ذلك، وإن صح أنه تزوجهن وهو جاهل بنسبهن، ولو جمع أربعا منهن بتزويج فحلال، وجائز له تزويجهن، جائز لمن أعانه على ذلك بشيء من جميع المعونات كلها بتزويج أو بشهادة أو بكتاب صك، أو دعا إلى ذلك ممن لا يعلم بنسبهن منه.
وجائز ولايتهم كلهم، ولا يجوز لمن علم بفعلهم وخفي عليه أنهم جاهلون بنسبهن، أو عالمون أن يبرأ منهم ولا يضللهم، ولا يخطئهم، ولو شهد عليهم وعندهم شاهد واحد عدل مثل أبي بكر وعمر بن الخطاب، فلم يقبلوا شهادته وحده من أجل ذلك، إذ ليس يقوم بالشاهد (4/128)
صفحة 1247
الواحد حجة في ذلك، وأقاموا على فعلهم ما جاز للشاهد ولا لغيره من جميع الناس أن يبرأ منهم، ولا يخطئهم ولا يضللهم، وعليه ولايتهم إن كان يتولاهم قبل ذلك، وهذا في صحيح الحكم.
فإن غلب عليه الريب في أمرهم، وتوسع في الوقوف، فقد رخص من رخص في ذلك، وأما البراءة فلا تجوز منهم، وأما من علم بتزويج لأمه أو لابنته أو غير ذلك من جميع ما حرم الله عليه تزويجهن، ولو جمع بين أمه وابنته وأخته وعمته من نسب أو رضاع بتزويج في عقدة أو عقدات، ولم يعلم أنه عالم بأنسابهن، لا جاهل، كان عليه ولايته حتى يعلم أنه عالم بنسبهن.
وإن اختلف مختلفون فيه فقال بعضهم: إنه تزوجهن وهو عالم بنسبهن، وقال آخرون: إنه تزوجهن وهو جاهل بنسبهن، كان هذا من الدعاوى المحتملة للحق والباطل، وجائز ولاية جميع المتداعين لمن كان يتولاهم قبل ذلك، ولم يكن هذا من صفات البدع.
وكذلك إن ترك صلوات الفرائض من ظهر أو عصر أو مغرب أو عشاء آخرة أو فجر، فإن علم أنه تركهن وهو متعمد ذاكر قادر على صلاتهن، وأنه تركهن من غير عذر، فعليه البراءة منه، وإن صح أنه تركهن وهو ناسي أو لعذر، فعليه ولايته إن كان يتولاه قبل ذلك، وإن خفي عليه أمره أنه تركهن بعذر أو بغير عذر، فعلى ما كان يتولاه أن يثبت على ولايته، ولا تجوز البراءة منه، هكذا قيل.
كذلك لو صح على امرأة أو ألف امرأة، أنهن تركن صلواتهن متعمدات ذاكرات لهن، فإن علم أنهن كن غير حائضات، وأنهن تركن (4/129)
صفحة 1248
الصلوات بغير عذر فعليه أن يبرأ منهن، إن علم الحكم في ذلك، وإن علم أنهن حائضات فعليه ولايتهن إن كان يتولاهن قبل ذلك.
وهذا الفصل أيضا مما يدخل فيه أحكام الدعاوى والبدع، وكذلك مما حرم الله الفروج إلا بتزويج أو ملك يمين، فإن عاين رجل يطأ فرجا متعمداً بعلم الواطئ له، فإن علم أنها زوجته أو سريته فعليه ولايته، وإن كانت غير زوجته أو سريته فعليه البراءة منه، وإن خفي عليه أمرها فلم يعلم أنها زوجته ولا سريته أو غيرهما، فعليه ولايتهما إن كان يتولاهما قبل ذلك، ولا تجوز له البراءة منهما، وقد قيل: ولو كانت المرأة تمانعه أو تدافعه فعليه ولايته، إذ لعلها تمنعه حقا يجب له عليها.
وقد يوجد أنها إذا كانت تمتنع منه وتنكر عليه وتدعي عليه أنه يأتي منها ذلك بلا ملك ولا نكاح، وكانت ممن له الإنكار من النساء البالغات الذين ينكرون الأحكام على أنفسهم، ويغيرون ذلك، فإذا لم يعلم أنها كاذبة فيما تدعيه، ولا صادقة، ولم يأت هو على إثبات ذلك له بحجة، أو ينتهي عن ذلك بعد قيام الحجة عليه من المرأة، فقد أتى محجورا، وعلى من علم منهم ذلك أن يبرأ منه حتى يأتي في ذلك بما يخرجه من البراءة، لأنه قد ركب بعد النكير عليه ما لا حجة له فيه، فإذا انتهى بعد أن قامت عليه بالنكير، ولم يأت بعد قيام الحجة عليه ما هو محجور عليه، فهو على ولايته إن كان وليا قبل ذلك، ولا يكفر بذلك، لأن إظهار النكير من المرأة في ذلك حجة عليه، وترك النكير منها حجة له.
ولو كانت تمانعه على ذلك وتدافعه، ولا تدعي عليه في ذلك حراما ولا مأثما، لأنه يمكن أن تكون امرأته أو جاريته وتمنعه ما هو له ولا حجة في ذلك تقوم عليه، إلا أن تقول لا حق له علي في هذا بملك ولا نكاح، أو تمتنع منه وتطلب المنع منه فتحتج عليه في ذلك بحجة حق، فتدفع حجة الحق، ويركب ما ليس له به حجة في دين الله بعد (4/130)
صفحة 1249
قيام الحجة عليه، وبعد أن تدحض حجته، فإنه يكون بذلك كاذبا هالكا في حكم الظاهر، ولو كان محقا في السرائر.
ولو كانت هذه المرأة في علم الله أنها زوجته أو جاريته، وقد أقامت عليه الحجة، ثم تعدى بعد قيام الحجة عليه، أو بعد أن بطلت حجته عند أهل الحجة القائمين عليه بذلك ممن قام عليه بذلك من حجج الله، فإنه يكون بذلك هالكا في حكم دين الله، فافهم هذا.
ولو أنه ادعى عليها الزوجية والملك، فامتنعت منه عن تلك -نسخة- ذلك ولم تقم عليه النكير، فغلبها على نفسها ووطئها على ذلك، ولم تطلب على من حضرها ممن تقوم عليه لله الحجة أن ينصرها عليه، إلا أنه ادعى عليها ذلك، وأنكرته فلم يمتنع عن ذلك، ولم تنتصر منه ثم وطئها على ذلك، كان قد أتى محجورا في الأصل مما يكون فيه محجوجا في دين الله بقولها، أن لو أظهرت النكير عليه، وقوله هو دفع حجتها عنه ليس بحجة مما تدعي الزوجية أو الملك، فلا يصح في الإجماع البراءة منه، لأنه يمكن ما يقول هو، ويمكن ما يقول هي، ولم تدع أنه يغصبها نفسها، ولا يأتي ذلك منها حراما، وإنما تمنعه ذلك وتدعي أنها ليست بزوجته ولا ملكه، وهو يدعي الزوجية والملك، وهي تنكر ذلك، فقد قامت عليه الحجة منها بالدفع لدعواه، ويحتمل في هذا معنى ولايته والبراءة منه، والوقف والوقوف عنه حتى يمتنع مما يجب عليه من الحجة عند القائمين عليه بالحجة عليه لله في ذلك الأمر الذي قد ظهر منه، ولو قام عليه بذلك لله عز وجل من الناصرين لدين الله في ذلك يهودي أو نصراني، أو أحد من المتعبدين بدين الله أن ينصروه.
فإذا امتنع أن يترك ذلك حتى تصح له دعواه، وحكم نفسه في ذلك، وامتنع حجة الله عليه في ذلك، كان هالكا معنا في حكم الظاهر، إذا أتى ذلك بعد قيام الحجة عليه ممن احتج عليه في ذلك من المحتجين من المتعبدين بدين الله، ولو كان في سريرته صادقا كان في دين الله في (4/131)
صفحة 1250
حكم الظاهر، منافقا فاسقا، ولو قام عليه بذلك صبي غير متعبد بدين الله، ولم تقم عليه الحجة من إنكار المرأة إلا ما يدفع من دعواه، لم يبن لنا أن يكون بذلك محجوجا في حكم الظاهر، وكان على الحكم الأول معنا من الولاية والبراءة والوقوف.
وأما لو عاينه يطأ هذه المرأة وهي لا تغير عليه ذلك، ولا تنكر، ومطاوعة له على ذلك، ثم ادعت بعد ذلك أنه غصبها نفسها، كانت مدعية عليه في الحكم، لأنه رآها مطاوعة له في ذلك، فليس لها حجة في النكير بعد المطاوعة في حكم الظاهر، ولا تلحقه لها حجة من طريق الصداق مع من عاين ذلك منه.
فإن ادعت عليه بعد ذلك الوطء فجحد ذلك ووطئها بعد إنكارها عليه، فإنه يكون بهذا الوطء الآخر هالكا، ولو كان عند الله صادقا، ولو كان على القول الأول كاذبا لم ينكر عليه بذلك في حين ما يجوز على النكير، وإنما أنكرت بعد أن بطلت الحجة بترك النكير، كان بذلك سالما في حكم الظاهر، ولو كان عند الله كاذبا ظالما.
قال غيره محمد بن إبراهيم: يخرج عندي في معاني قوله هذا أنه إذا وطئها فطاوعته حتى فرغ، ثم أنكرت عليه بعد فراغه، لم يقبل منها ذلك الإنكار، وبطلت حجتها، ولو كانت صادقة عند الله فيما أظهرت عليه من النكير، لأنها تركت النكير في وقت ما كان لها النكير، ثم أنكرت بعد أن بطلت حجتها، وكان هو سالما في حكم دين الله في الظاهر، ولو كان مبطلا في السرائر بترك النكير منها عليه في وقت ما كان لها النكير عليه والحجة.
ولو أنه عاد وأراد وطأها بعد ذلك الوطء الأول، فأقامت عليه النكير لما أراد وطأها فغلبها ووطئها، وهي تقيم عليه الحجة والنكير فلم ينته، (4/132)
صفحة 1251
كان في الظاهر في حكم دين الله منافقا فاسقا، ولو كان في السرائر صادقا.
وكذلك انظر في هذا الفصل الذي مضى في هذه المرأة، وإظهار نكيرها في وقت ما يكون لها النكير، وإظهارها نكيرها في وقت ما لا يكون لها نكير، وترك النكير منها، فإن هذه الثلاثة الفصول من الإنكار داخلة في جميع الأحكام، وفي جميع ما -نسخة- من كان له الإنكار من العلماء، أو الضعفاء والأئمة والسفهاء والرعية والفساق، وأهل الشرك، وأهل الإقرار في جميع الأحكام من عقد إمام أو عزله، أو طلاق أو نكاح، أو مال أو هبة، أو غير ذلك من جميع الأحكام على ما يبين لي.
وعندي وإن كان قد قال من قال: إن ترك النكير إنما يكون حجة للأئمة إذا ترك النكير عليهم، لا لكل فاسق، فالذي عندي أن الإمام إذا ترك النكير عليه فمن له النكير حجة، وقيامه به عليه حجة، وكذلك ترك النكير على العلماء حجة، وترك النكير منهم حجة، لأنه قد قيل: لو خطب خاطب لرجل بالإمامة بحضرة العلماء الذين تقوم بهم الإمامة، فلم يظهروا النكير على الخاطب، وهم يقدرون على إظهار النكير، كان ترك النكير منهم حجة، وثبتت إمامة الإمام، ولو أنهم أظهروا النكير على الخاطب في وقت ما كان يخطب، كان إظهار النكير عليه حجة.
وكذلك لو تزوج رجل امرأة رجل في الظاهر، وهو حاضر فلم ينكر عليه تزويجها، ثم أنكر عليه بعد أن تزوجها لم يقبل منه النكير عليه، بعد أن ثبت تزويجه بها، وإن أنكر عليه في وقت تزويجه بها كان إظهار النكير منه حجة له.
وكذلك لو أن رجلا أو امرأة قتلت منافقا أو وليا أو يهوديا أو نصرانيا أو غير ذلك ممن حرم الله قتله، فإن أظهر النكير في وقت القتل كان إظهار النكير حجة، فإن لم ينته القاتل وقتله بعد إظهار النكير لم تجز ولاية القاتل، كان القاتل وليا أو غير ولي، وإن ترك النكير (4/133)
صفحة 1252
المقتول جازت ولاية القاتل والبراءة منه، والوقوف عنه على ما قد قيل من الاختلاف.
وكذلك لو أراد إنسان أخذ حزمة بطل من بصال، أو عومة من سماك، فادعى في ذلك عليه دعوى، وهي في يده ما ثبتت دعواه عليه عند تركه النكير عليه منه، فأخذه منه بعد ذلك، ثم أظهر النكير عليه بعد ذلك، لم تكن له حجة، وإن أظهر النكير عليه في حين -نسخة- وقت ما أراد أخذ ذلك، كان إظهار النكير عليه في ذلك حجة، فكذلك إن ترك النكير عليه فلم ينكر عليه وقت الفعل ولا بعده، كان أقوى بحجة الفاعل.
وكذلك لو أخذ منه ألف دينار أو ما فوق ذلك، فالقول في ذلك واحد.
وكذلك في بيان الدعاوى في الأموال من الأصول وغيرها، ممن كانت له الحجة فتركها حتى بطلت، وحصت حجته بها لم يقبل منه بعد ذلك، فانظر في جميع قولي هذا وتدبره، ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
وكذلك لو عقدت العلماء لإمام، وكانوا قد عقدوا لزيد بقي أو عابد حجة أو لمن لا يستحق الإمامة، فأظهروا العقد وهم ممن يثبت به الحجة في الإمامة، ولو عقدوا له على الباطل من انتحال هجره أو ساء أهل القبلة أو غير ذلك، وخفي ذلك منهم، فعلى من أظهروا الحجة عليه بعقد هذا الإمام قبول ذلك منهم، وثبتت إمامته على ذلك عليهم، لأن الله إنما تعبد عباده بالظاهر، وعلم السرائر إلى الله.
ولو أن هؤلاء العلماء أظهروا إلى الرعية بعد أن ثبتت إمامته عليهم أنهم عقدوا له على الباطل، لم يجز لهم قبول ذلك منهم، لأنهم في الأول كانوا حجة، فعليهم اتباع الحجة، وفي دعواهم هذه المؤخرة (4/134)
صفحة 1253
مدعون، فلا يجوز لهم قبول دعواهم، ولو كانوا صادقين في سرائرهم، لأن تلك الإمامة قد ثبتت على الرعية، ولهم بها أحكام وولايات وتدين فهم مدعون نقض ما قد ثبت من أحكامها، والتدين بها بلا حجة تثبت لهم، مما تزول بها الإمامة مقرون على أنفسهم بالكفر، وشاهدون بذلك، وقد قيل لو أقر الإمام بذلك، والعاقدون له، ورجعوا عن تلك الإمامة التي دخلوا فيها بعد أن ثبتت، ولزم المسلمون حكمها، ما كان قولهم في ذلك حجة، وكان على المسلمين استثناؤهم مما أقروا به على أنفسهم من الكفر، فإن تابوا رجعوا إلى حالتهم التي كانوا عليها، وإن أصروا ولم يتوبوا برئوا منهم، وجاز للمسلمين تقديم إمام غيره، ولكن لم أن العلماء شهدوا عليه بما يوجج عزله، وبما يجوز عزله، وبما يجوز قبول اعتزاله منها، وإذا أتوا بما هو جائز في أحكام المسلمين، جاز قبول ذلك منهم، لأن العلماء هم الحجة على الأئمة، ولهم في عقد الإمامة وزوالها وما يوجب ثبوتها وما يوجب زوالها، وللإمام الحجة على العلماء في أشياء، وللعلماء الحجة على الأئمة في أشياء، وكل حجة في موضع ما هي –نسخة- هو حجة وليس هذا موضع ذكره.
وقد قيل في عزل الأئمة أقاويل: من ذلك ما يوجد في سيرة من عبد الله بن المنذر، ويوجد أنها أيضا لأبي قحطان، وقد أجمعت فرق الأئمة على تحريم عزل أئمتها، فمن فرق الأئمة من لم عزلها ولا قتالها، جارت أو عدلت ودان لها بالسمع والطاعة، كيف ما فعلت.
وأما أهل الدعوة فإنهم وافقوا الأمة في تحريم عزل الأئمة ما عدلت، وخالفوهم فيها إذا جارت وبدلت، فقال من قال منهم: ليس للرعية أن تخلع إمامها، ولا للإمام أن يخلع نفسه، فإن ذلك بغى منهم، وذلك معنا إذا عدلت.
قال غيره محمد بن إبراهيم: انظر في هذا القول، فإني لا أحب أن يحكم عليهم بالبغي ما احتمل خروجهم منه. (4/135)
صفحة 1254
ومن السيرة: وقال من قال منهم: ليس للرعية أن تخلع إمامها، ولا للإمام الشاري أن يخلع نفسه إلا أن يصم سمعه صما، فلا يسمع النداء أو يخرس لسانه فلا ينطق، أو يعمى بصره، أو يتغير عقله، فلا يعقل، وقالوا أيضا: إن مما تعزل به الأئمة إذا ركب الإمام منهم معصية مكفرة له من الكبائر المكفرات، وشهر ذلك في أهل الدار كان عليهم أن يستتيبوه من حدثه، فإن تاب رجع إلى إمامته وولايته، وإن امتنع من التوبة، وأصر فإذا شهر حدثه وامتناعه من التوبة، وإصراره شهرة تقوم بها الحجة لأهل مملكته عليه، سألوه أن يسلم أو يعتزل عنهم، فإن فعل وإلا حل لهم قتاله وقتله في حال نصبه الحرب لهم.
وقال من قال: إذا شاع في أهل مملكته أن الإمام قد حل به عجز موهن عن أخذ فروض الإمامة عزل.
وقال محمد بن محبوب: لا يعزل الإمام بالعجز، وإنما يعزل بما تجب به البراءة منه، ويوجد في جواب لأبي محمد بن عبد الله بن محمد، فالله أعلم أنه ابن بركة أو ابن أبي المؤثر وأرجو أنه لابن أبي المؤثر في أمر البيعة للإمام يقول: فإن أراد الشراء.
قالوا: وعلى أن تبع نفسك لله شاريا، وإن كان مدافعا لم يذكروا الشراء مع ما يؤكدوا عليه من الشروط، فإذا أعطوه صفقة أيديهم وثمرة قلوبهم، فقد ثبتت الإمامة فلا تزول إمامته إلا أن تنزل به عاهة من العاهات من ذهاب سمعه فلا يسمع، أو بصره فلا يبصر، أو لسانه فلا ينطق، أو عقله فلا يعقل، فإذا نزلت به هذه الآفات زالت إمامته.
قال غيره محمد بن إبراهيم: إذا ذهب سمعه أو بصره أو كلامه فقد اختلف في زوال إمامته، فقال بعض: تزول إمامته، وقال بعض: لا تزول، ويقوم المسلمون بالأمر، وأما ذهاب عقله فتزول به إمامته، ولا نعلم في ذلك اختلافا.
قال غيره: وكذلك إذا اتهم وظهر ذلك عليه زالت إمامته ولا نعلم في ذلك اختلافا. (4/136)
صفحة 1255
ومن الجواب: إن أحدث حدثا يكفر به مما لا يجب عليه فيه حد استتيب من ذلك، فإن تاب قبلت توبته، وكان على ولايته وإمامته، وإن أصر ولم يتب برئ المسلمون منه، وعزلوه عن إمامته، وإن لم يعتزل وحاربهم قاتلوه حتى يقتلوه أو يقدموا إماما غيره.
قال غيره: محمد بن إبراهيم: إذا زالت إمامته قدموا إماما غيره وعزلوه، فإن امتنع ولم يحارب حبسوه وقدموا إماما غيره، ولا يزال في الحبس حتى ينتهي ويتوب.
ومن الجواب: فيما أحسب فإذا أحدث حدثا مما يجب عليه فيه حد وتاب من ذلك، قبلت توبته، وانخلع من إمامته، وقدموا إماما غيره يقيم عليه الحد, وكان على ولايته، ولا يحل عزله إلا على ما وصفت لك من هذه العاهات والأحداث التي يكفر بها، فإن بغى عليه أحد فهو كافر وعلى المسلمين نصرته.
قال غيره: محمد بن إبراهيم: كل باغ على أحد من الناس فهو كافر، فإن قاتل قوتل على بغيه حتى يفيء إلى أمر الله، إن أقر بحكم المسلمين أنفذ عليه الحق.
ومن غيره: من جامع بن جعفر، على أثر مسائل عن محمد بن محبوب: وإن زمن الإمام أو عمي أو صم صمما لا يسمع إذا نودي، أو خرس لسانه عزل وقدم عليه إمام غيره، وإن صم صمما وهو يسمع إذا نودي، أو زمن وهو يعرف منه العدل لم يعزل، وقيل: إذا لم يطق الإمام على إقامة العدل فله أن يجمع إخوانه ويستعفي.
ومن كتاب الضياء: وإذا جن الإمام جنونا لا يفيق منه عزل وقدم عليه إمام غيره، وإذا عرج أو مرض أو زمن فلا يعزل بذلك، وإذا عمي الإمام أو خرس لسانه أو صم صمما لا يسمع إذا نودي أو زمن وهو يعرف منه العدل لم يعزل، والله أعلم. (4/137)
صفحة 1256
قال ابن روح بن عربي شعرا:
وبالتهامات قوتل نعثل إذ ... أبى عزل وعوامل باستدام
قال أبو سعيد: معي أن الأعمى والأصم والعاجز ببعض الآفات ما صح عقله، ولم يحدث حدثا مختلف في زوال إمامته بذلك بغير سبب يستبين، وقد قيل: إذا لم يجتمع علماء أهل الدار على عزله، وتمسك هو بقول بعض، ولم يعتزل لم يكفر بذلك، ولم يكن لهم محاربته ما لم يتمسك بقول من أقاويل المسلمين أهل العدل.
قال غيره: محمد بن إبراهيم: وإذا ثبتت إمامة الإمام، ثم أراد الخروج لأمر عناه لم يكن له الخروج كان شاريا أو مدافعا، وقد قيل للمدافع أن يجمع العلماء ثم يخرج إليهم من أمرهم، وقد ذكر عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه قال: من يأخذها بما فيها، فلو كان لا يجوز لم يكن لعمر أن يتكلم بما لا يسمعه، وقد ذكر عن الجلندى أنه كان اعتزل، فما كان أن يرجع ولا نقول إنه فعل ما لا يسعه، وقد روي أن أبا بكر رضي الله عنه أنه قال: أقيلوني، فقال له بعض: لا تقال ولا تستقال.
ومن غيره: ويوجد أن عليا قال له هيهات لا تقال ولا تستقال. قال أبو الحسن: وإذا لم يقدر الإمام على إقامة الحق، فإنه يجمع إخوانه ويستعفي إليهم.
ومن سيرة الفضل بن الحواري: ولو أن الصلت بن مالك خرج هاربا فلحق بالرستاق أو بالجبل، وترك دولة المسلمين، وقال: لم أعتزل، ما ينبغي للمسلمين أن يدعوا دولتهم.
وعن أبي المؤثر: إذا كان المسلمون في فسحة من عدوهم، والعدو (4/138)
صفحة 1257
في غير أرضهم وصح للإمام ومن معه عجز عن تنفيذ أحكام الله، وإقامة أمره، ونكاية عدو المسلمين، وإقامة الحدود فصيره ذلك العجز إلى تعطيل الحدود، وتضييع الأحكام، وظهور العدو، فللإمام خلع الإمامة، وللمسلمين نزعه منها إذا صار إلى هذا الحد، فإن خلع هذا الإمام نفسه بعد مصيره إلى هذا الحد الذي وصفناه من غير حدث، رجونا له السعة في ذلك، وليقم المسلمون لأنفسهم من يقوم بأمرهم على وجه رضا الله بالقوة والجد والعزمة والاجتهاد.
وإن امتنع الإمام من ترك الإمامة بعد ركوبه على هذه الصفة من العجز حتى هجم العدو على المسلمين، وخرجوا في الفسحة في النظر لأنفسهم، وهو شار فما نرى له سعة ولا عذرا حتى يجاهدهم ولو بنفسه حتى يستشهد والله أعلم.
وعن أبي المؤثر أيضا: من كتاب الأحداث والصفات: فبايعوا لراشد في غير موضع البيعة، وعقدوا له في غير موضع عقد الإمامة، والله أعلم كيف كانت بيعتهم أحسنوا عقدها أم لا، ثم ساروا به فأنزلوه دار الإمامة، وقبض خزائن المسلمين، وأنفق الأموال، فأما أهل الفقه والعلم فيحتجون أنهم لم يرضوا، ولم يروا عدل ما فعل، وعليهم الناس فقهروهم، وبعضهم تحير ووقف ثم احتج باعتزال صلت لا بحدثه، ثم أرسلوا إلى خاتم الإمامة فأخذوه منه، فإن يكن الصلت اعتزل متبرئا بلا مخافة، وسلم الخاتم طائعا بلا تقية، فقد انخلع من إمامته، وقد أخطأ إذا اعتزل بلا مشورة من المسلمين أو براءة منه إليهم حتى يقبلوا ذلك منه أو لا يقبلوا.
ومن كتاب الموازنة: عن أبي محمد بن بركة من كتاب الموازنة، وأما ما ذكرت من قولهم: إن الصلت سلم إلى الخارجين عليه الكمة والخاتم، فهذا يوجب برءاته من الإمامة وانخلاعه منها يقال لهم: وكذلك قال من وافقتموه في الخطأ قبلكم من كفار مكة أن محمدا لما (4/139)
صفحة 1258
خافنا وأيقن بنزول عقوبتنا هرب عنا -نسخة- منا إلى الغار وتبرأ مما كان عليه يدعيه علينا، ولم ينصر نفسه ومن صدقه.
قالوا: فهذا يدل على معرفته بباطله عند نفسه، وظهور أمرنا وتبريه مما كان يدعيه، ولو كان صادقا في قوله للزم ما كان وكل به، وولي عليه بزعمه، وكان يثق بنصره من ادعاء الرسالة عليه، فلما كان ذلك وتوارى في الغار، وانتقل عن منزله وأمنه، وهرب بنفسه دل على صوابنا وخطئه وزعموا أنه يفادي إليهم بمنزله كما زعمت هذه الفرقة المارقة أن الصلت تفادي إليهم بالخاتم والكمة لظهور شرهم، والخوف على نفسه منهم، مع ما يحتمل أن تكون الكمة والخاتم ملكا له، والظاهر يوجب ذلك، لأن حكم ذلك مضاف إليه، محكوم له به، حتى يعلم أنه لغيره، وللمسلم أن يفدي نفسه بماله، وأن تكون عنده آثر من جميع ملكه.
وإن كان الخاتم والكمة ليستا بملك له، فللمسلم أن يفدي نفسه بمال غيره إذا رجا في ذلك لنفسه السلامة لها، وأن يأخذ من أمامته، ويصانع بها عدوه إذا رجا لنفسه السلامة من الهلكة، أو مما يؤدي إلينا من الجوع.
وهذا مختصر من سيرة أبي محمد الفضل بن الحواري، وأصل ما اختلف الناس فيه في زمنهم هذا في عزل الصلت بن مالك، وتقديم راشد بن النظر وتقديم عزان.
وأما في عزل الصلت بن مالك فريق قالوا: اعتزل، وفريق قالوا: عزل، وفريق قالوا: استحق العزل، وفريق قالوا: لم يستحق العزل، والشاهد الظاهر أنه اعتزل، لأنه ترك عسكر المسلمين، وبيت مالهم وسلاحهم، وترك سجنين مخوفين، فقد قلنا في ذلك، والله أعلم. (4/140)
صفحة 1259
وأما عزل الصلت ففيه حجتان، فإن كان اعتزل تقية وهو إمام شاري، فلا تحل له التقية حتى يقتل أو يقتل، وليس قول من قال انتحى من موضع إلى موضع بحجة، وليس إلا أنه اعتزل بنفسه وتخلى وحده مما كان فيه من أمر الدولة.
وأما احتجاج من احتج أنه لم يعتزل، وأنه دعا إلى التوبة، وأعطى الحق من نفسه، وأشهد بذلك قوما وأرسلهم أنه يدعو إلى التوبة وإلى الحق، فأولئك الذين يشهدون عنه اليوم، فلا تقبل شهادتهم، لأنهم إن كانوا صادقين فقد كتموا شهادتهم في وقتها، ولم يقوموا بها، ويؤدوها إلى المسلمين حتى أقاموا إماما، وكان أربع سنين وشيء من سنة، ثم أظهروا شهادتهم لما أقام عليه من أقام وقهر وعزل.
وأما اعتزاله قائما يأخذ الناس، وتحرى أحكام العباد بظاهر الأمور، فقد اعتزل وترك عسكر المسلمين وبيت مالهم وسلاحهم وسجنهم، وركب حتى نزل دار ابنه من غير أن يرى من القوم حجة، أو يرى حربا، واختراط سيف أو رمي بحجر، وقال لمن بقي في العسكر: احفظوا عسكرهم حتى يأتيكم إمامكم، وقال القوم: إنهما جاءهم كتاب من خليفته أنه قد اعتزل فعجلوا إلى العسكر، فأقاموا إماما وساروا حتى دخلوا، وقعد إمام مكانه، وبعث إليه بالخاتم والكمة وآلة الإمامة، ولم يقل لهم شيئا، فإن قالوا: اعتزل تقية قائمة العدل القاطعة الشرى، لا يسعها التقية وعليها الجهاد حتى يقتلوا أو يقتلوا.
فإن قالوا كما قلنا: إنه صار إلى حد ضعف في الأمور، وجاز الاعتزال فهو خير القولين، ولو أنه خرج هاربا فلحق بالرستاق أو بالجبل، وترك دولة المسلمين، وقال: لم أعتزل ما كان ينبغي للمسلمين أن يدعوا دولتهم، ويضيعوها مع أنها حجة ضعيفة، وكان اعتزاله شاهدا ظاهرا. (4/141)
صفحة 1260
وأما قولهم: إنه اعتزل عن الفتنة، فالفتنة على أهلها، والفتنة ترك الحق، لأن المسلمين لم يقبلوا من علي بن أبي طالب وضع الحرب بينه وبين معاوية مخافة الفتنة، وكيف يجوز للإمام أن يفر ويخلي الدولة وعسكره، وبيت ماله ويأمر خليفته أن يقعد حتى يأتي الذين جاءوا في أمره، ولم يقدم موسى إماما حتى اعتزل هو، وجاءهم رسوله ورسول خليفته، فهلا قعد في عسكره حتى يقدم القوم بمن قدموا، وتكوم له الحجة، فليس هذا بعذر ولا لمن احتج به بحجة.
ومن سيرة الأزهر بن محمد بن جعفر، وأولهم الصلت بن مالك، فصار إلى حد الضعف والزمانة والعجز عن القيام بالإمامة، وخاف المسلمون ذهاب دولتهم، وزوال نعمتهم، وكان موسى بن موسى في وقته هو شيخ المسلمين وإمام أهل الدين، فاجتمع إليه أجلة أي جماعة، وساروا لينظر المسلمون فيما فيه عد الأنصار فيما صاروا بفرق مكثوا بها، فكانت الرسل فيما بينهم وبين الإمام، فقال: ما تطلبون؟ فقالوا: قد صرت إلى حد الضعف، ويخافون ذهاب الدولة، ويسألونك أن تعتزل حتى يقوم رجل يحي به الله هذا الدين، ويجددوا أمر المسلمين أو نحو هذا من الكلام، فقال: انظر في ذلك فبقوا أياما ينتظرون رأيه، ثم عزل على الاعتزال، وحول ما في منزله إلى المنزل الذي تحول فيه، وأرسل إليهم أني قد اعتزلت فينتظروا للمسلمين.
وممن أرسل إليهم الحسن بن سعيد، وحضر قوله للحسن ما شاء الله من الشراة، وشهدوا أنه أرسل الحسن بحضرتنا غير مجبور ولا مقهور، ثم برز على الناس فودعهم وداع تارك الإمامة -نسخة- للأمر، معتزل بنفسه عما كان فيه، وأمرهم بحفظ العسكر إلى أن يصل القوم.
وقال من قال: إلى أن يجيء موسى، وقال من قال: إلى أن يجيء إمامكم، وكان عنده في العسكر خلق كثير فناظره منهم من ناظره، (4/142)
صفحة 1261
فقالوا له: أنترك إمامتك؟ فزعق بهم على ما بلغنا، ولم يلتفت إلى قولهم، فعند ذلك انفلت من شاء الله من الناس الذين كانوا معه إلى موسى إلى فرق، وجاء إلى موسى رسوله وكتاب عزان بخطه، يستحثهم إلى التعجيل إلى العسكر، وأرسلوا إليه في طلب ما يريدون، وهو يتبعهم إليهم، وكان أمره وأمرهم إلى حد المسألة، وهو يحاورهم إلى أن مات.
وممن شهد براءته من الأمر الحسن بن سعيد، والحسن بن القاسم بن مسبح، وشهد معهم من العوام مع الاعتزال الشاهر الظاهر، وقد نسب في فعل الذي فعل إلى فعل الصلاح والكرم، وحمد الحمد لله، فلم يذم، فإن قال قوم: إنه قال لمن دخل عليه أن يقوم بالأمر، فقد أعلمنا من شاء الله من المشايخ أنه إنما كان ذلك إنكارا لقيام راشد، ليس أن ينكر الاعتزال، وقال: إنما اعتزلت لأن يقدموا رجلا صالحا، وأقاموا هذا فهذا خبر الإمام الصلت.
ومنها: فكان من نظره للدولة أن أقام عزان بن تميم حتى سكنت الحركات من بعد أن استغفروا ربهم، وقبل بعضهم من بعض، وأقام عزان موسى للقضاء، وكان عزان الإمام وموسى القاضي وأمرهما واحد، وهما من بعضهما بعض سنة بعد سنة، ثم خاف بعضهم من بعض، وكان لما سبق في علم الله من زوال أمن أهل عمان.
ومنها: وكنت مخالطا لهم أيضا وأناظرهم في هذه الأمور، فمنهم من كان مع موسى رأيه كرأيه، ومنهم من كان واقفا ولم تكن البراءة من أحد منهم حتى مضوا أولئك يودعهم وتوقفهم فخلف من بعدهم قوم تشجعوا ولم يدعوا والله سائلهم عما إليه أسرعوا، ولعلهم يدعون أنهم أخذوا الرأي في الذي أخذوا عن بشير بن محمد بن محبوب، وأبي المؤثر، وكنت أنا أخلط بأبي المنذر، وأقرب عهدا بأبي المنذر، وكنا (4/143)
صفحة 1262
جميعا بمكة، وكان يلقاني وألقاه، ويلتمس النظر في هذا، ويطلب الآثار.
وقال لي: هؤلاء الذين يدعون، وليس عندهم معرفة بما أنا عليه، وأنا أضعف عن القول بما -نسخة- فيما دون هذا، وما أنا إلا واقف ملتمس للحق، وهذا الذي في أيدي هذه الناس، إنما أخذوه عن أبي المؤثر، فلهذا عن بشير رحمه الله، وكان إلى التوقيف والورع، فإن كان أحد أخذ منه غير هذا فقد رجع ومات بعد أن فارقته من مكة بقليل رحمه الله.
وأما أبو المؤثر فلست أدري ما كان بينه وبين هؤلاء، إلا أني أعرف يقينا أن أبا المؤثر كان كاتب أبا علي، وينكر مناكر كانت بصحار، ثم قدم صحار، وقد قدم راشد، فكان يختلف ويلقى والدي في تلك الأسباب، وقال لوالدي وأنا أسمعه قال في أبي علي أنه أراد أن يكون بفرق ولو شهرين حتى تتفق الأمور في الصلت بن مالك، واعتزل برأيه وقال أبو المؤثر وأنا أحفظ هذا عنه، إن الصلت بن مالك قد خرج من الإمامة واعتزل، ورد الخاتم، ولكن راشد لم يقم بعقده إلا موسى وحده، فانظر كيف كان موسى جليلا عنده، فقال له والدي: فيرسل إليه محمد بن المنذر فأستضعفه، فقال لراشد بن المنذر فقال: نعم، ورآه مواضعا للعقد.
فهذا الذي أحفظه وأستيقن عليه منه، ثم كان من بعد ذلك مخالطا لراشد ما شاء الله، ثم وقع سبب غضب فيه على أبي علي وجرت الأعتاب بينهم.
ومن كتاب أبي جابر محمد بن جعفر:
أما بعد رفع إلى المسلمون أن الغائب والضعيف والحيران العنيف أنهم يسألون: كيف جاز لموسى أن ولي راشدا؟ فما كان عندنا فيه (4/144)
صفحة 1263
ارتياب، ولا شك فيه ذوو الألباب، فأما الصلت فإنه ضعف وصار إلى حد العجز عن حمايته، وكان ذلك ما ليس فيه حقا، وعزل نفسه وتبرأ إلى المسلمين من إمامته، وكان اعتزاله شاهرا ظاهرا، وصحت براءته من الإمامة بالبينة العادلة عندنا، فلما اعتزل ولى المسلمون راشد بن النظر، وبعث الصلت بن مالك إليه بخاتم الإمامة ومفاتيح الخزانة، ولم يعارضه في شيء وهو في جواره قريبا من سنة إلى أن مات، وليس يذهب عليكم ما كان له من الأعوان والإجابة والقدرة في أهل عمان لو كان مقهورا، أو أراد القتال.
وعندنا أن موسى كان يريد عز الدين وصلاح المسلمين، والذي عرفنا من رأيه ومن عزمه في آخر أمره أنه كان يريد اجتماع أهل العلم والرأي الموثوق بهم، حتى ينظروا في أمر الصلت وراشد وعزان، فحيث كان الحق يتبعه، وأنه راجع إلى الحق في ذلك إلى رأي المسلمين.
وقد كان موسى كتب إلى من كتب من أهل سلوت في آخر أيامه أن الله وله الحمد، قد أخذ على القوام بأمره ميثاقا، وبلغنا إلى ذلك وأطاقنا، ولا عذر لنا فيه عند إلا بإبلاغ العذر، فيما ألزمنا وطوقنا ونرجو أن يسهل الله لنا أنا لم نقم في شيء مما قمنا فيه لطلب فتنة ولا لحنة.
فأما الصلت بن مالك فصار إلى حد الزمانة، وتغير العقل في بعض الأوقات، وشهد عندنا عدول من الناس بما استحللنا من أمره ما استحللنا، وخرجنا للنظر منا ومن المسلمين، وإقامة الحجة في أمره، فاعتزل بأمره، وأرسل إلينا من نثق به أن ننظر للمسلمين، وكتب إلى عزان بن تميم بخطه يذكر اعتزاله، ويستحثنا على التعجيل، فلما صح عندي أنه قد تبرأ واعتزل اتفق المسلمون هنالك على ما كانوا اتفقوا عليه، فهذا أمر الصلت بن مالك وليس عندي فيه شك ولا ريب. (4/145)
صفحة 1264
وعن أبي المؤثر: لأن المسلمين اختلفوا بالرأي، فمنهم من قال ليس للإمام الشاري أن يعتزل إلا أن يتغيروا عقله، فلا يعقل أو يذهب بصره فلا يبصر، أو يذهب سمعه فلا يسمع، أو يذهب لسانه فلا ينطق، فحينئذ يسعه أن يعتزل، وليس للمسلمين أن يعزلوه إلا بحد يصيبه، فلابد أن يقيمه عليه إمام غيره، أو بذنب مكفر يسمونه بعينه شاهرا في البلد الذي هم فيه مع عامة المسلمين، فيحتجون عليه به، فإذا أصر ولم يتب حل عزله ومحاربته وقتله إن قاتلهم، كما فعل المسلمون بعثمان سموا بأحداثه وتنادوا بها في وجهه قبل محاربته، فلم يفعل موسى شيئا من هذا.
وقد قال بعض المسلمين: إن للإمام أن يعتزل إذا ضعف عن الأحكام وعن محاربة العدو، وللمسلمين أن يستبدلوا به من هو أقوى منه من غير أن تزول ولايته، فلما أقاموا راشدا إماما أثبت ولاة الصلت في مواضعهم منهم من كانوا يطعنون عليه، وينكرون ولايته، ومنهم من لم يكن يطعن عليه، ولم يعزلوا منهم إلا الأقل منهم من عزلوه، ومنهم من أعزل نفسه من غير أن يعزلوه، واستعانوا بأعوان الصلت، وقودوا قاده منهم الحواري بن بركة بعثه الصلت قائدا إلى وادي سمائل لتمنعه منهم، وهم في مسيرهم إلى الصلت، فلما ظهروا استعانوا بالحواري بن بركة على ما كان يستعين به الصلت عليه، وولوه على الماشية، وجعلوا قائدا.
ومنهم الحسن بن سعيد، كان وافدا للصلت إليهم، وحجة له عليهم، فيما بلغنا، فلما ظهروا عزلوه من الرستاق، وولوه جلفارا اختيارا منهما له، وثقة منهم بلا توبة، فلما ولوا الأمر لم يظهروا للصلت ذنبا، ولا عنفوا له حكما، ولا وجدوا منه مظلمة فيردوها، فإن يكن ظالما فقد ظلموا، إن لم يردوا المظالم، وإن يكن بريئا فقد كفروا ببغيهم عليه ومسيرهم إليه، وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ (4/146)
صفحة 1265
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} (الأحزاب:58)، وإن يكن الصلت كافرا فقد كفروا بوطئهم أثره، واستعانتهم أعوانه.
فإن قالوا: قد كان المسلمون يبرءون من بعض الأئمة، ويتولون ولاية، قيل لهم: نعم ولكن ليس على ما فعلتم، إنما كان الإمام يحدث حدثا لا يعلمه إلا خواص من المسلمين، فينزلون الإمام منزلته بذلك الحدث، ويتولون من تولاه، ومن أعانه من المسلمين إذا لم يعلموا منه مثل ما علموا.
وأما مثل ما فعلتم أنتم خرجتم عليه، وسرتم إليه محاربين له، فلما أخرجتموه بالقهر والغلبة، وليتم ولاته، فبئس الولاة هؤلاء الولاية أن يكونوا ظالمين للصلت، فما ينبغي لهم أن يتولوا لكم ولا يتولوكم، وهم يتولون الصلت، وكانوا له عمالا.
وإن يكن الصلت هو الظالم، وخرجتم عليه من بعد ما شهر ظلمه، فما ينبغي لكم أن تتولوا ولاته ولا تستعملوهم على شيء من أموركم.
قال غيره: انظر في قول أبي المؤثر فيما ذكره من إثبات ولاة الصلت في مواضعهم واستعماله عماله، واستعانته بأعوانه، فإنه يحتج به من لم ير أن أحداث موسى وراشد تخرج على سبيل البدع, وأنه لم يشرع دينا يخالف به مذهب المحبوبية من الإباضية، وإنما كانوا يدعون دعوى إن كانوا صادقين فيها، فهم موافقون لدين الإباضية، وأنه سار بسيرة الصلت بن مالك، وحكم بأحكامه، وقال مثل مقاله، وفعل مثل أفعاله، ولم يصح عليه ما يكون مبتدعا به، وأنه استعمل عمال الصلت وولايته الثابتة ولايتهم على من صح معه ولاية الإمام لهم، لأن القضاة والولاة قد قيل إن ولايتهم ثابتة في بعض القول، ولا يحتاج المتولي لهم إلى محنتهم واختبارهم في تدينهم، ولكل من صحت ولايتهم عنده أن يتولاهم، ولو جهل حالهم وأمرهم ولم يصح معه الطاعات منهم، ومسابقتهم إلى الخيرات. (4/147)
صفحة 1266
وقد قيل: إنه لا يجوز للإمام أن يولي الأحكام على الأموال والطلاق والعتاق، والأنفس والفروج، وغير ذلك من سائر الأحكام، إلا أهل العلم بما ولاهم إياه، وأتمنهم عليه، وفوض الأمر فيه إليهم، ومن كان بهذه المنزلة، ثم تولى لراشد بن النظر وموسى بن موسى، مثل ما كان متوليا للصلت بن مالك، وحكم لها كمثل ما كان حاكما للصلت، ودان بطاعة راشد، كما كان دائنا بطاعة الصلت، وألزم نفسه لراشد مثل ما كان ملزما نفسه للصلت، مما يطول تعديده فإنه عندي من الأسباب التي يجد المتعلق بها مدخلا فيما يذهب إليه، ويحتج به فيه، لأنه ذكر أنه لم يعزل منهم إلا الأقل، وأنه قود قواده.
وكذلك مما يحتج به من يثبت ولاية موسى وراشد، ويصوبها أنهما لم يعقد موسى لراشد بن النظر الإمامة إلا بعد زوال إمامة الصلت وتبريه منها، واعتزاله عنها، فبعض يقول: عزل، وبعض يقول: اعتزل، وبعض يقول: استحق العزل.
ومما يخرج من احتجاج من لم يحكم في حدث موسى وراشد بأحكام البدع، أن الصلت سلم الخاتم والكمة ومفاتيخ الخزانة، وشهر ذلك ولم يشهر من موسى وراشد جبر للصلت بن مالك على تسليم ذلك، ولا شهر أنه أنكر عليهما تلك الإمامة في حين تقدمهما، ودخولهما فيها، ولا صح مع العلماء المشاهدين لفعلهما، ولا من الرؤساء ولا من القواد إنكار عليهما بشهرة يجتمع عليها، وأنه ليس على كل إمام تقدم بعد إمام أن يعزل -نسخة- يغير آثاره، ويبدل أحكامه، ويظهر تكفيره، ويشتت ولاته، ويبرأ منه.
وما أشبه هذا ومما يخرج في معاني أقوال من لم يحكم في حدث موسى وراشد بأحكام البدع، أن الإمام يجوز عزله وهو كافر إذا كفر، ويجوز عزله ولا يحكم له بالإيمان ولا عليه بكفر، وهو أن يتظاهر على الإمام أسباب التهمة، فإذا صار تهيما جاز عزله، فقد قيل: إن على (4/148)
صفحة 1267
هذا السبيل عزل عثمان بن عفان، وقد قيل: إن المتهم يجوز عزله ولا اختلاف في ذلك.
وقد قيل: إن الإمام يجوز عزله بالعجز، وقيل: لا يجوز، فعلى قول من يجيز ذلك فإن الإمام يجوز له عزله بالعجز، ويكون مؤمنا وليا في الحكم والله أعلم.
وقد قيل إن الإمام إذا اتفق هو والأعلام على اعتزاله، ولو لم يكن عاجزا ورأوا أن اعتزاله أصلح لدولة المسلمين ولدينهم لم يضق ذلك عليهم، وكان جائزا، لأن أصل ما دخلوا فيه من إمامته إنما هو بالنظر، فلما وقع اجتهاد نظرهم أن تقديمه في الإمامة أصلح لدين الله ولدين المسلمين ولدولتهم جاز له عقد الإمامة له، فكذلك إذا وقع نظرهم ونظره إن عزله من الإمامة وتقديم غيره إماما أصلح لهم ولدين الله ولدولة المسلمين، جاز لهم ذلك.
ومما يؤكد هذا القول ويؤيده قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين، ودعاة المهاجرين والأنصار عندي إلى عزله من إمامته، وخرجه منها، وإقالتهم إياه فيها، فلو كان اعتزاله من إمامته وخروجه منها، وإقالتهم إياه فيها أو أحد ذلك محرما لما جاز لأبي بكر رضي الله عنه دعاؤهم إلى فعله، وإجازته له ولهم، وقبولهم لذلك منه، وكل شيء كان محرما فعله، فمحرم تحليل فعله والدعاء إلى فعله، ومحرم قبول ذلك منه، هذا ما لا أعلم فيه اختلافا، وكان على الذين دعاهم إلى ذلك استتابته من ذلك، فإن لم يتب من ذلك وأصر كان عليهم عزله، ومحرم عليهم الائتمام به، وحاشا الله أبا بكر والأخيار من الأمة من المهاجرين والأنصار أن يفعلوا الباطل، أو يدعوا إليه، أو يقبلوا من داع أو تدعون الاستتابة لإمامهم من ركوب كبيرة، أو إصرار على صغيرة يعلمونها منه، فكيف هذا الأمر العظيم لو كان ذلك معصية، فانظر في ذلك. (4/149)
صفحة 1268
وكذلك دعاء عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى من يأخذ إمامته بما فيها، والقول في عمر كالقول في أبي بكر رضي الله عنهما، ولو كان لا يجوز ذلك لم يجز لعمر أن يتكلم بما لا يسعه، وكل شيء محرم قوله أو فعله أو ركوبه محرم، فالدعاء إلى قوله أو فعله أو ركوبه محرم، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وكذلك الدعاء إلى تحليل قوله أو فعله أو ركوبه محرم محجور، لا يجوز ذلك ولا أعلم في ذلك اختلافا، والقول بتحليل بعض المحرمات أو الدعاء إلى فعلها أشد من ركوبها، فمن ذلك أنه لو أكل لحم خنزير أو ميتة أو دما مسفوحا جازت ولايته إذا خفي عليه حقه وباطله في ذلك، ولو قال: إن أكل لحم الخنزير أو الميتة أو الدم المسفوح حلال أو جائر أكله، ما جازت ولايته لأن الله حرم ذلك على الإطلاق، فلا يجوز لأحد أن يحله على الإطلاق، فيكون مضادا لكتاب الله محادا لله ولدينه.
وكذلك لو تزوج أمه أو ابنته أو أخته أو أحدا من جميع من حرم الله عليه تزويجه من رضاع أو نسب جازت ولايته حتى يعلم أنه عالم بنسبها، ولو أنه أحل تزويج الأمهات أو البنات أو أحدا ممن حرم الله تزويجه ما جازت ولايته عند العلماء بالأحكام، وهذا ما لا أعلم فيه اختلافا.
وكذلك القول في جميع المحرمات التي تشبه هذا القول في هذا، فالقول بتحليل هذه المحرمات أشد من فعلها وركوبها في أحكام الولايات، وإن كان قد قال أبو المنذر بشير بن محمد، إن الفعل أشد من القول، فهو خاص في بعض المعاني، ولا يجوز عندي إطلاقه على العموم، ولا أعلم أن شيئا من المحرمات في أمر الولايات والبراءات ركوبا لفعل أشد من ركوبها بالقول، فانظر في ذلك وتدبره تجده كذلك إن شاء الله.
ومما يؤكد جواز اعتزال الإمام من الإمامة، ولو كان غير عاجز مع اتفاق الإمام والأعلام على ذلك اعتزال الجلندى بن مسعود رحمه الله، (4/150)
صفحة 1269
وقيل إنه اعتزل مرتين، وذكر أنه ما كاد أن يرجع وقد قال من قال: إن ذلك لم يكن من الجلندى اعتزالا، لأنه لو كان اعتزالا لكانوا يجددون له العقد بالإمامة، وأنهم لم يجددوا له ذلك، فانظر في هذا القول فإنه غير قاطع حجة من قال: إن ذلك كان منه اعتزالا، لأن عقد الإمامة ليست بلازمة على كل حال لولا أن الأعلام وقع منهم التراضي والتسليم والرضا لإمامة إمام ثبتت إمامته بالتسليم والرضا، فإذا كان التسليم والرضا تثبت به الإمامة على الابتداء لمن لم يكن إماما فكذلك إذا وقع التسليم والرضا لمن تقدمت إمامته، ثم اعتزل منها، ثبتت إمامته بالتسليم والرضا، ولا فرق في ذلك فكذلك ثبتت إمامة من تقدمت إمامته -نسخة- له الإمامة بالتسليم والرضا، فانظر في ذلك وتدبره، ولا يجوز لك أن ترده وتجحده إن يكن حقا، ولا يجوز لك أن تقبله وتأخذه إن كان باطلا، ولا يجرمنكم شنآن قوم عن الأخذ لنفسك بحظها، والله على كل قلب شهيد.
قال أبو الحواري في سيرته: فإن قالوا فإنهم قد اختلفوا فيما بينهم، قيل: إنهم إنما كان أخطأ من أخطأ في الفعل الذي فعلوه في الصلت بن مالك، ولم يكن اختلافهم في دعوتهم ولا في نحلتهم، بل كانت دعوتهم على دعوة المسلمين على دين الإباضية والدعوة قائمة التي هم عليها من دعوة المسلمين.
قال غيره: انظر في قول أبي الحواري فإنه يؤيد عندي قول من لم يحكم في حدث موسى وراشد بأحكام البدع، لأنهم لو كانوا مبتدعين لم تكن دعوتهم على دعوة المسلمين على دين الإباضية.
قال أبو الحواري في سيرته: يقال لهم: ما الذي تنقمون على عزان بن تميم؟ فإن قالوا لا نعرف كيف كانت إمامته؟ ولا نعرف ممن قبلها ولا أخذنا ولايته عن أحد؟ قيل لهم: فقد اجتمع على إمامته عمر بن محمد القاضي، وموسى بن موسى، ونبهان بن عثمان، ونعمان بن (4/151)
صفحة 1270
عثمان، وعنبسة بن كهلان بن محمد بن سليمان البسياوي، ومروان بن زياد، وأبو المؤثر الصلت بن خميس، وفي هؤلاء من أهل العلم والبصائر فمن تقوم به الإمامة، وعالم بصلاحها وفسادها وثبوتها وبطلانها، ومن يستحقها وفي الأثر: إن كان كل طرف من الأرض مؤتمن أهله على دينهم.
قال غيره: انظر في قول أبي الحواري هكذا كيف أدخل موسى بن موسى في جملتهم، وقال: إن في هؤلاء من أهل العلم والبصائر من تقوم به الإمامة وعالم بصلاحها، وليس غرضي في هذا إلا رفع ما وجدته في الأثر.
قال أبو الحواري: فإن قالوا قد اجتمع على إمامته من هؤلاء وهؤلاء؟ قيل لهم: إن من صحت إمامته إذا كان معهم الأمناء على ذلك، وقعد نبهان بن عثمان له معديا، وخرج عزان بن الهزبر له واليا على الشذا، وخرج الأزهر بن محمد بن سليمان واليا على صحار، وقد كان راشد بن النظر قبل ذلك أمر عزان بن الهزبر بولاية الشذا، فأبى ولم يفعل، وأشار على من أشار من المسلمين فهناه عن ذلك.
وكان نبهان بن عثمان خطيبا لعزان بن تميم، فإذا لم يكن نبهان حاضرا للخطبة كان من بعده عبد الله بن محمد بن محبوب يخطب لعزان بن تميم، ويدعو له بالإمامة، وكان الفضل بن الحواري غائبا فيما سمعنا، فلما قدم ما سمعنا منه إنكارا ولا تغييرا لذلك ولا كراهية.
قال أبو الحواري في سيرته: وبعد فإنا وإخواننا مؤتلفون متفقون غير مختلفين، ومتفقون غير مفترقين، ديننا واحد، وولينا واحد، وعدونا واحد، إلا أن يبين ذلك بواحد وتباعد وطعن وتحاسد ويخاف بعد أنه من طلب الرياسة مع كثرة الجهالة وقلة المعرفة، إلا أن يضرب على ما ذكر مما هو ممرض للقلوب، والله العالم بالغائب (4/152)
صفحة 1271
والغيوب، ونرد ذلك على علام الغيوب، ويقبل على ما هو ألزم وأوجب.
قال أبو الحواري في سيرته: فإن قالوا إنا تركنا ولاته الفضل بن الحواري لتقديمه الحواري بن عبد الله، وقد كان مع من خرج على الصلت بن مالك، وكان من أصحاب راشد، قيل: فقد أقمتم الحجة على أنفسكم، وألزمتم أنفسكم الخطيئة، لأن عثمان بن محمد بن وائل، ويزيد بن حماد السعالي بايعا محمد بن زيد إماما، وقد كان مع من خرج على الصلت بن مالك، وكان من أصحاب راشد، وكان واليا له على سمائل والقلعة يعرف ذلك الخاصة والعامة.
وقال يزيد بن حماد، وأبو عبد الله بن عثمان، ومحمد بن عبد الله: أنهم اجتمعوا في المسجد، فمنهم عثمان بن محمد بن وائل، وأبو عبد الله بن النعمان، ويزيد بن حماد، ومحمد بن عبد الله، ومحمد بن خالد بن يزيد، وكتبوا بإمامة محمد بن يزيد إلى الرستاق، وخرج عثمان بن محمد بن وائل، وعلي بن محمد بن علي إلى الأعتاك يدعون إلى نصرة محمد بن يزيد فيما سمعنا، فإن كان الفضل بن الحواري قد أخطأ بزعمهم في تقديمه الحواري بن عبد الله إماما كانوا هم مخطئين ببيعتهم محمد بن يزيد إماما.
فإن قالوا: فإنا بايعنا محمد بن يزيد بعد التوبة مما دخل فيه من أمر راشد، قيل لهم: فما القول فيمن بايع محمد بن يزيد من لم توبة محمد بن يزيد مثل ما علمتم؟ أليس هو مثل قولكم في الفضل بن الحواري، فلابد لهم أن يقولوا: نعم، فإذا قالوا: نعم، فقد شهدوا على أنفسهم بالخطأ ودخلوا فيما عابوا وعرضوا أنفسهم للبراءة مع المسلمين، وإن قالوا: إنهم قد تابوا من بيعتهم لمحمد بن يزيد؟ قيل لهم: إن من بايع إماما في الدين ثم رجع عن بيعته، وقال إنما بايعناه، ونحن جاهلون بمعرفته، وقد كان مصرا على ذنب لم يكن استتبناه منه، (4/153)
صفحة 1272
فقد رجعنا عن بيعته كانوا بقولهم هذا ناكثين بغاة مع المسلمين، ولم يقبل منهم ذلك، كما قال المسلمون من قبل في طلحة والزبير لما بايعا علي بن أبي طالب، ثم رجعا عن بيعتهما، ثم قالا: إن عليا أخذ هذا الأمر لنفسه، لم يقبل المسلمون منهما ذلك وجعلوهما ناكثين باغيين على المسلمين.
وهكذا جاء الأثر فيمن بايع إماما على الدين، ثم رجع عن بيعته لم يقبل المسلمون منه ذلك، ووجبت البراءة منه، وإن حارب قتل على ذلك، وإن لم يحارب وأقام على قوله ذلك عمر السجن، وكانت له العقوبة الموجعة ولم تقبل منه توبة حتى يرجع إلى الدخول فيما خرج منه.
ومنها: فإن قالوا: لا نعلم أن الفضل بن الحواري يرى من عزان بن تميم قيل لهم كذلك نحن لا نعلم أن موسى برئ من الصلت بن مالك، وأنتم قد أجمعتم على البراءة من موسى بن موسى، فإن قالوا: إن موسى لما قدم راشد بن النظر إماما كان ذلك براءة من الصلت بن مالك، قيل لهم: فكذلك الفضل بن الحواري لما قدم الحواري بن عبد الله كان ذلك براءة منه من عزان بن تميم.
قال أبو الحواري: أما قولهم إنا لا نتولى من تولاه، فيقال لهم: إن الحجة عليكم لمن هو منكم ما تقولون في عبد الله بن محمد بن محبوب، وقد كان لعزان خطيبا يدعو له بالإمامة وكذلك كيس بن الملا كان له واليا جابيا، وكذلك الحكم بن الملا كان له واليا جابيا، وكان له أيضا فيما بلغنا وهو يقول ذلك إنه كان في وقعة القاع يحارب مع أصحاب عزان يحارب معهم وناصرا لهم على الفضل بن الحواري وأصحابه، ومحمد بن خالد بن زيد، إذ خرج في الجيش إلى إزكي، وكان معهم حتى قتلوا وأحرقوا فيما بلغنا، وهو مقر بذلك. (4/154)
صفحة 1273
قال أبو الحواري: وليس الولاية كالبراءة على الشك، فمن كانت له ولاية فهو على ولايته، ولو دخل الريب في أمره حتى يتبين سبيل كفره، فمن تولى وليه على الشك كان سالما، ومن برئ منه على الشك ولم يكن كذلك كان هالكا، وذلك أن الولاية أصلية والبراءة حادثة، لأن الولاية أوجب من البراءة، لأن الولاية تقبل بقول -نسخة- من الرجل الواحد، والمرأة الواحدة، ومن العبد المملوك إذا كانوا مسلمين ويبصرون الولاية والبراءة إذا قال واحد من هؤلاء: إن فلانا لنا ولي، ونحن نتولى فلانا، وهو من المسلمين، وجبت ولايته بلا بحث ولا بيان غير ما قد رفعوا ولايته، والبراءة لا تكون إلا بشاهدي عدل بعد البحث والبيان والحجة.
قال أبو الحواري: فإن قالوا: إن فلانا قد برئ من عزان، ونحن نتولاه على براءته منه قيل لهم: تتولونه للتقليد كذلك أم حجة؟ فإن قالوا: نقلده، فقد خرجوا من قول المسلمين لما قالوا بالتقليد ودخلوا في قول الشعبية.
قال أبو الحواري: فإن قال أهل الضعف والتمويه: إن أبا المؤثر رحمه الله كان يبرأ من عزان بن تميم، قيل لهم: فإن أبا المؤثر قد كان يتولى عزان بن تميم قبل التقديم، يقول القوم معه في منزله: إن اجتمع المسلمون على أمر ما لم لو حلف الرجل بالطلاق أن هذا هو الحق لم يكن حانثا فيكونوا معهم واجتمعوا بعد ذلك على عزان بن تميم، وكان أبو المؤثر معهم على ذلك في ذلك اليوم، وفي المأثور عن أهل العلم أن الأعمى يؤخذ عنه رفع الولاية ولا يقبل منه البراءة.
قال غيره: وكذلك قد قيل: إنه لا يقبل منه الشهادة بعد ذهاب بصره على الأحداث الموجبات للبراءة ولا أعلم في ذلك اختلافا، وكذلك الشاهد الظاهر أنه لا يقبل منه الشهادة بعد ذهاب بصره على الأفعال، ولو كان في غير ما يوجب البراءة، لأن الفعل الذي كان بعد ذهاب بصره إنما (4/155)
صفحة 1274
تخرج الشهادة منه عليه مخرج الظن، والشهادة على الغيب، وكل ذلك لا يجوز عندي، والله أعلم، وأما شهادته على الأحدث التي توجب البراءة فلا أعلم في ذلك اختلافا.
رجع إلى السيرة: فإن قالوا: نقبل منه البراءة في الفتيا، قيل لهم: كذلك يقبل منه ثبوت الإمامة في الفتيا، وقد كان يقول بإمامة عزان بن تميم.
ومن السيرة: وقد قال أبو المؤثر في السنة التي مات فيها: إنه واقف عن عزان بن تميم، فقال له: من قال إنه يبرأ من عزان بن تميم فقد أخطأ؟ قال: نعم، والرجوع إلى ما تكون به الولاية تقبل بشاهد واحد من المسلمين، والرجوع على ما تكون به البراءة لا تقبل بشاهدي عدل من المسلمين، هكذا جاء الأثر عن فقهاء المسلمين.
قال أبو الحواري: اعلموا معاشر المسلمين أن الولاية والبراءة فريضتان على العباد، فأما الولاية فتؤخذ عن العبد والحر والمرأة الواحدة إذا كانوا من المسلمين، ويبصرون ذلك إذا رفعوا ولاية أحد من المسلمين قبل منهم ذلك، وأما البراءة لا تؤخذ إلا من الفقهاء والعلماء، بكتاب الله وسنة نبيه، بالبينة العادلة من المسلمين على المحدث بحدثه بعد إقامة الحجة والنصيحة له، هكذا جاءت الآثار عن المسلمين الذين هم أئمة في الدين.
قال أبو الحواري: فإن أبى أهل الضعف والعمى إلا من ألقى إليهم من القول أن أبا المؤثر وأبا جعفر كانا يبرآن من عزان، فقولنا في ذلك: أن براءتهما منه ليس فيه دلالة لوجوب -نسخة- لزوال وجوب الولاية بالبيان، ولا حجة تحق بها البراءة منه بالجملة بلا برهان.
قال أبو الحواري: أرى، وأما أبو المؤثر رحمه الله فقد كنا ممن يباطنه وخاصته، ويراجعنا في عزان ونراجعه، وينازعنا فيه وننازعه، (4/156)
صفحة 1275
فما أدركنا منه براءة من عزان، ولا سمعنا منه ذلك حتى مات، بل كان يقول: إنه واقف عنه، ويخطئ من يروى عليه أنه يبرأ منه، فهذا الذي عرفنا من أبي المؤثر وسمعنا منه في آخر عمره، فإن كان علم البراءة غيرنا، أو عرف منه فقد عرفنا منه الرجوع إلى الوقوف، وبالله التوفيق.
وأما أبو جعفر فقد أخبرنا علي بن محمد بن علي، أن رجلا من أهل بسيا قال: إنه معه ثقة أخبره أن أبا جعفر كتب إليه أن أبا المؤثر وابنه قد أحدثا في هذا الدين ما قد حل به دمهما، أو قال دمتهما، فذكرنا ذلك لمحمد بن أبي المؤثر فقال: نعم، قد كان ذلك.
وقال لنا محمد بن أبي المؤثر: إنه كتب إلى أبي جعفر أنه لو حل معي مثل ما حل معك منا ما بت على ذلك ليلة واحدة فإن كان قول أبي جعفر مقبولا في أبي المؤثر فلا تقبل براءة أبي المؤثر من عزان بن تميم، ولا يقتدى بها، وإن كان قول أبي جعفر لا يقبل في أبي المؤثر فالإمام أعظم حرمة، وأبعد من التهمة، ولا تقبل براءة أبي جعفر من عزان بن تميم، فكيف يحتجون برجلين مختلفين بينهما يحل أحدهما دم الآخر إذا كان هذا كما قيل في أبي جعفر وأبي المؤثر وهذا من ضعف الرأي وقلة البصر.
قال أبو عبد الله بن النعمان: إنه رفع ولاية علي بن محمد بن علي بن أبي المؤثر، وقد سأله عن ولايته فرفع إليه ولايته، فهذا الذي علمنا من الأخبار، ودرسنا من الآثار، ونستغفر الله من الزيادة والنقصان.
قال أبو الحواري: فلما نظر أبو المؤثر قوة الحجة عليه في الآثار، أمسك عن المناظرة في عزان بن تميم، وكف عن المراجعة فيه وقال: إنه لا يبرأ منه، وإنه واقف عنه. (4/157)
صفحة 1276
فهذا الذي عرفنا من رأي أبي المؤثر رحمه الله، وعلمنا منه ذلك، والذي كان منه هذا في شهر ربيع الآخر من السنة التي مات فيها، ومات في شهر شوال من آخر السنة رحمه الله.
وقد بلغنا عن جابر بن زيد رحمه الله، وقد قيل له بعد موت ابن عباس في شيء وقد أخذه عنه: إن ابن عباس قد رجع عن ذلك، فقال: فيما بلغنا قد أخذت هذا عنه، فلو شهد معي مائة شاهد أنه قد رجع ما قبلت منهم ذلك، أو ألقاه ولا يلقاه إلى يوم القيامة.
وكذلك نحن قد عرفنا عن أبي المؤثر هذا فلو شهد معنا مائتا شاهد أنه قد رجع عن ذلك الذي عرفنا منه، ما قبلنا ذلك أو نلقاه ولا نلقاه أبدا إلى يوم القيامة.
ومن سيرة أبي الحواري: ونحن نقول فيمن أحدث تلك الأحداث التي كانت بأزكي، وأمر بها، أو أعان عليها، أو رضي بها، فهو معنا كافر فاسق نبرأ منه، ونبرأ ممن تولاه، وهو عالم بحدثه، ولا تائب منه ولا راجع.
وقد سأل رجل أبا المؤثر عمن كان في وقعة أزكي فقال أبو المؤثر للرجل: أو كنت فيها؟ فقال الرجل: نعم. أبو المؤثر: يا بلاك بلا. فقال الرجل: هل من توبة؟ فقال أبو المؤثر: يا بلاك بلا. فقال الرجل: وليس توبة؟ فقال أبو المؤثر: يا بلاك بلا.
وكان ذلك بمحضر منا حتى انصرفنا وانصرف الرجل، ولم نعلم أن أبا المؤثر أجابه في ذلك بتوبة، وقال أبو المؤثر: إن محمد بن خالد بن زيد كان فيها على فرس.
قال أبو الحواري في سيرته: ومن كتاب موسى بن علي رحمه الله وسئل عن طائفتين من المسلمين يقاتل بعضهم بعضا، ما أسماؤهم (4/158)
صفحة 1277
عند المسلمين قبل أن تعرف الباغية منهما، وقد قتل بعضهم بعضا؟ قال: هم المسلمون حتى يعرف أهل البغي منهم، وكذلك يقال في المتلاعنين إذا لم يعرف أيهما الكاذب فإنهما في الولاية.
ومن سيرة أبي الحواري: يقال لهم: ما تنقمون على عزان بن تميم؟ فإن قالوا لا نعرف كيف كانت إمامته، ولا نعرف ممن قبلها، ولا أخذنا ولايته عن أحد، فإن قالوا إذا لم يعرف من بايع الإمام، لم تثبت إمامته ولم نتوله، قيل لهم: فأخبرونا عن الجلندى بن مسعود من بايعه؟ وممن قبل الإمامة سموهم لنا بأسمائهم؟
فإن قالوا: قبلها من المسلمين، وإذا جاز أن تقبل ولاية الجلندى بلا معرفة لمن بايعه جازت ولاية عزان بن تميم بلا معرفة، لمن بايعه على دعوة المسلمين وعلى نحلتهم.
فإن قالوا: فإنهم قد كانوا اختلفوا فيما بينهم، قيل: إنهم إنما كان أخطأ من أخطأ في الفعل الذي فعلوه في الصلت بن مالك، ولم يكن اختلافهم في دعوتهم ولا في نحلتهم، بل كانت دعوتهم على دعوة المسلمين على دين الإباضية، والدعوة قائمة التي هم عليها من دعوة المسلمين.
قال أبو الحواري في سيرته: كان محمد بن محبوب، وبشير بن المنذر، ومن قال بقولهم على البراءة من المهنا حتى مات فيما بلغنا، وكان محمد بن علي، وأبو مروان ومن قال بقولهم متمسكين بإمامة المهنا حتى مات، وكان محمد بن علي له قاضيا، وكان أبو مروان له واليا على صحار، وكان زياد بن الوضاح معديا لأبي مروان بصحار، وكان خالد بن محمد معديا للمهنا بنزوى، وكان الصقر بن عزان من قواده وأعوانه وكان المنذر بن عبد العزيز من ولاته وغيرهم من كبار المسلمين وعلمائهم، ولا يضلل بعضهم بعضا. (4/159)
صفحة 1278
وكان مع الإمام المهنا من الأحداث في ذلك الزمان ما تضيق به الصدور، وتستوحش منه القلوب، وتقشعر منه الجلود، من القتل والحرق، وطائفة من المسلمين في السجن والقيود، لا تقبل فيهم شفاعة ولا يؤخذ فيهم بالصحة فيما بلغنا إلا ما قال من خيف على الدولة أكل ماله في السجن، ففارقه من فارقه من المسلمين على تلك الأحداث، وجامعه من جامعه من المسلمين، لا نعلم بينهم فرقة في ذلك بعضهم من بعض، وهكذا سيرة المسلمين على هذا السبيل، ولعل تلك الأحداث التي كانت مع الإمام المهنا شبيهة بالأحداث التي كانت مع عزن بن تميم، أن يكون أظهر، والله أعلم.
ومن السيرة: وبلغنا أن رجلا أظهر البراءة من الإمام المهنا من بعد موته مع محمد بن محبوب، وكان لمحمد بن محبوب الطول في ذلك اليوم مع الصلت بن مالك، فاشتد ذلك على محمد بن محبوب، وغضب من ذلك غضبا شديداً، وكان من محمد بن محبوب رحمه الله إلى الرجل من الكلام فيما بلغنا، حتى قحم الذي كان منه، وإنما تقدم الرجل على إظهار البراءة لما يعرف من محمد بن محبوب من الموافقة على ذلك، فلم يقبل منه محمد بن محبوب ذلك ونبذه وأبعده وأسمعه من كلام الجفا بين الناس فيما بلغنا.
وقد كان محمد بن محبوب، وبشير بن المنذر يبرآن من المهنا فيما بلغنا، وإنما كانت براءتهما منه على سبب ظاهر، إلا أنا نضرب عن ذكره صفحا، فمن من المسلمين رد ذلك إلى الإمام، ومن المسلمين من راجع الإمام فيه وطلب من البيان والصحة، فلم يوضح له بيانا ولا صحة، فوجد عليه في ذلك بعض المسلمين، وكانت العامة على ولاية المهنا، فلذلك غضب محمد بن محبوب على الرجل، ولم يحمل محمد بن محبوب الناس على علمه في المهنا. (4/160)
صفحة 1279
وقال محمد بن محبوب: إن ذلك لمن ناظر الإمام، فلهذا محمد بن محبوب لم يقبل من الرجل إظهار ما هو عليه، وهو معه صحيح، وكذلك من أظهر البراءة من المهنا اليوم لم يقبل منه ذلك، ولم يجامعه على ذلك.
قال أبو الحواري: وقد كان محمد بن محبوب، وبشير بن المنذر، أبلغ مع الناس من أبي المؤثر وأبي جعفر، وقد كانا يبرآن من المهنا الإمام فيما بلغنا حتى مات، وكثير من المسلمين على إمامة المهنا، ونحن نتولى من تولى الإمام المهنا من المسلمين، ونتولى محمد بن محبوب وبشير بن المنذر، وإنما كانا معنا جميعا في الولاية، لأنهم لم يكونوا يبرءون من المسلمين الذين كانوا يتولون المهنا، ولو برئ محمد بن محبوب وبشير بن المنذر من الإمام المهنا وممن تولاه، لم يكونوا جميعا في الولاية، وذلك إذا كان الحدث واسعا جهله.
قال أبو الحواري: فإذا كان من الإمام حدث يسع الناس جهله، وهم عارفون بذلك الحدث، فبرئ منه طائفة من المسلمين، وتولاه طائفة من المسلمين، ووقف عنه طائفة من المسلمين، كان من تولاه على ولايته مع الواقف ومع الذي برئ منه حتى تقوم عليه الحجة، ومن برئ كان على ولايته حتى يبرأ من المتولي، وللذي برئ أن يتولى المتولي حتى تقوم عليه الحجة، وليس للمتولي أن يتولى من برئ من وليه إذا سمع ذلك منه، وعليه أن يبرأ منه.
وإذا برئ الفريق من الفريق الأخير، وتظاهروا بالبراءة من بعضهم البعض، فعند ذلك يضيق الشك، ولا يسع الوقوف، ويجب الفرض بالمعرفة بالمحق من المبطل، وزوال الشك، ولم يسع الوقوف ووجبت الدينونة بالمعرفة، وانقطع عذر الجاهل، وبالله التوفيق.
وهذا إذا كان من الأحداث التي لا يسع الناس جهلها. (4/161)
صفحة 1280
قال غيره: محمد بن إبراهيم: نظرنا في هذا الحدث الذي ذكره الذي يكون من الإمام يسع الناس جهله، ويستحق هذا الحكم في الوقوف والولاية والبراءة، والجميع عارفون بذلك الحدث، فهو كما قال، فلم يخرج معنى ذلك إلا فيما يركب الإمام من الأمور التي يكون قوله فيها مصدقا، وأحكامه فيها نافذة، وهو مؤتمن عليها في ظواهر الأحكام، فكلما كان من هذا فالإمام فيها مأمون.
فمن علم ذلك الذي يحتمل أن يكون قد أتى حقا ويحتمل أن يكون قد أتى باطلا، وهو مؤتمن في ذلك، وقوله مقبول فيه، وحجته فيه نافذة، أن لو قال ذلك على من أقامه وأنفذه، وكان في الأصل عند الله يأتي الباطل في تلك الأفعال الظاهرة، فعلى الرعية عالمهم وجاهلهم أن يتولى الإمام على ذلك، ولا يجوز له أن يقف عن ولاية الإمام من أجل ذلك، ولا يبرأ منه، وعليه ولايته، ولو كان قد أتى باطلا في تلك الأمور التي ظهرت منه إلا من ناظر الإمام، وأقام عليه الحجة، وعرف باطله بإقراره من الإمام بالباطل، أو بعلم من المناظر له، أو بينة تقوم على الإمام أنه فعل ذلك بغير الحق، وأن ذلك منه باطل.
فمن علم ذلك من الإمام بوجه من الوجوه أنه قد أتى الأمور باطلا من الكبائر، أو أصر على شيء من الصغائر، فإن الحكم في ذلك خاص لمن علم ذلك من الإمام، فإن كان ذلك الأمر الذي أتاه الإمام مما يسع جهله، فمن علم ضلاله وكفره من العلماء بالحق، فعليه البراءة منه، ومن لم يعلم كفره وضاق عن علم ذلك من الإمام، وسعه الوقوف عنه، ولا يسعه عند الوقوف عنه إذا لم يبلغ إلى علم كفره وضلاله أن يبرأ من العلماء من أجل براءتهم منه إذا علم ذلك منهم أنهم برئوا منه بذلك الحدث، ولا يجوز له أن يقف عنهم برأي ولا بدين، فإذا فعل ذلك الجاهل هلك. (4/162)
صفحة 1281
وإذا تولى العالم الإمام، وقد اطلع على ما يجب به خلعه، وعلم منه ذلك فتولاه بدين هلك بولايته، وإن برئ ممن تولاه، فمن لم يعلم أنه علم كعلمه فيه من الدعية من المسلمين، فإذا برئ ممن تولى الإمام من أجل ما علم منه من الحدث الخاص له فيبرأ ممن تولاه من المسلمين من أجل ذلك، فقد هلك ببراءته من المسلمين من أجل ولايتهم لإمامهم بالحق، حتى تقوم على المتولي الحجة، كما قامت على المتبرئ، والواقف بعلم منه بخصوص ذلك.
وعلى الفريق الذي قد علم فعل الإمام الذي قد وجب على العامة ولايته عليه، فوجب على العلماء إذا علموا بباطله في ذلك أن يبرءوا منه، فإن لم يبلغ إلى البراءة منه كان عليه أن يتولاه بدين، ولا يقف عن العلماء إذا برئوا منه مما قد علموا أنهم مثل ما لم يعلمه، ولا يقف عنهم برأي ولا بدين، وليس له أن يبرأ من المسلمين بولايتهم للإمام، ولا يقف عنهم من أجل ذلك بدين من ضعيف منهم ولا عالم، ولا يجوز له أن يقف عن علمائهم من أجل ولايتهم للإمام برأي ولا بدين.
فإذا فعل ذلك أحد كان هالكا، وليس للعالم بحدث الإمام وباطله على هذا الوجه من العلماء، ولا من الضعفاء أن يبرأ من الإمام من أحد من أهل الدار ممن تجب عليه ولايته، إلا مع من قد علم أنه قد علم منه بمثل علمه وباطله.
ولو أنه قد علم بفعل الإمام لتلك الأفعال التي تحتمل الهلاك والضلال، وهو مؤتمن، ويحكم عليها ويصدق أقواله فيها، فلا تحل لمن علم باطله أن يبرأ منه مع أحد من أهل الدار، إلا مع من علم منه أنه قد علم منه من الباطل كعلمه، واطلع على سريرة الإمام في ذلك، فإذا علم أنه قد علم من الإمام ذلك جاز له أن يبرأ من الإمام مع ذلك وحده. (4/163)
صفحة 1282
وليس لمن علم ذلك أن ينكر على المتبرئ براءته من الإمام إلا حتى يقيم عليه الحجة، مثل ما تجب به توبة الإمام، فإذا أقام عليه الحجة بما ينقطع عذره به من علم بتوبة الإمام من ذلك الحدث بعينه دم غلبه البراءة حينئذ، ولزمه الرجوع إلى ولايته، ويلزم من برئ من الإمام مع أحد من أهل رعيته البراءة إلا مع من قد علم كعلمه -نسخة- كعلم المتبرئ، ولم يعلم ذلك المتبرئ أنه قد علم كعلمه في ذلك الحدث من الإمام على هذا الوجه، فيبرأ منه معه، وهو لا يعلم أنه قد علم بذلك، كان هالكا بذلك، وعليه التوبة من ذلك، ولم يسع من علم منه ذلك أن يجامعه على البراءة من الإمام حتى يعلم منه أنه عالم كعلمه، ويتوب من برءاته تلك التي كانت محجورة عليه، ثم هنالك تجوز له مجامعته على البراءة منه بعد ذلك، وعلى المتبرئ من العلماء بخطأ الإمام على هذا الوجه أن يتولى العلماء من رعية الإمام على ولايتهم للإمام حتى تقوم عليهم الحجة بما يوجب عليهم العلم في ذلك، وعليهم أن يتولوا الضعاف من المسلمين على وقوفهم عن الإمام إذا كان الحدث مما يسع جهله الضعيف ما لم يركبه أو يتول راكبه، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه أو يقفوا عنهم برأي أو بدين.
فإذا كان الحدث من هذه الأحداث التي كان على العلماء أن يتولوا ضعاف المسلمين العلماء بحدث الإمام بعلمهم ما لم يتولوا الإمام بدين أو يبرءوا من العلماء إذا برئوا من ضعاف المسلمين بدين من أجل براءتهم من الإمام على ذلك الحدث الذي علموا به، وضعفوا عنه وعن الحكم فيه، فهذا في أحداث الإمام التي تكون منه على هذا الوجه كان ذلك في الدماء والأموال، أو جميع ما يكون الحكم فيه جار على رعيته.
وقوله مصدق عليهم فيه، واحتمل ذلك من أمرهم، وليس في هذه المنزلة إلا للإمام بالإجماع، فإن هذه المنزلة للإمام بإجماع من قول أهل العلم والعدل، ولا نعلم أنه يخرج قول أبي الحواري في هذا على الصواب إلا كما فسرناه. (4/164)
صفحة 1283
وأما إذا أحدث الإمام حدثا من الأحداث التي ليس له فيها تصديق ولا حجة، مثل القذف أو الزنى أو أكل الربا، أو شرب الخمر، أو الكذب، أو أكل الدم أو الميتة أو لحم الخنزير، أو جميع ما يكون من الأحداث التي يكون فيها خصما ومحجوجا في ظاهر الأمر، ولا حجة له فيها من جميع ما لا يكون القول فيه بالحكم، ولا مخرج له فيه من الباطل، فكل من علم الحدث من الإمام التي قد صح باطله فيه، فقد نزلت بليته بعلمه بذلك من الإمام، وحرم عليه مع ذلك ولاية الإمام علم الحكم أو لم يعلم، وليس له أن يتولى الإمام مع ذلك بدين، ويجوز له أن يتولاه برأي إن جهل كفره وضلاله.
وعلى جميع من علم بحدثه من العلماء أن يبرأ من الإمام، وممن تولى الإمام على علمه بحدثه ذلك بدين، وكل من تولى الإمام بدين أو برأي، أو برئ من العلماء إذا برئوا من الإمام على ذلك، أو وقف عنهم برأي أو بدين، أو برئ من أحد من ضعاف المسلمين بدين أو وقف عن ولايته بدين من أجل براءته من الإمام بعدم علمه بحدثه ذلك، فهو هالك، والإمام في هذه الأحداث كغيره.
وإذا كان فعل الإمام في رعيته مثل القتل في الدماء على وجه القود والأحكام في الربا والأموال والحدود والتعزير والسجن والمحاربات مما جعل الله له التصديق فيه على رعيته ما لم يصح باطله وكذبه، فالأحكام جارية على القول الأول على ما وصفنا مما يحتمل، وهو الجائز في الأحكام على ما قال صاحب السيرة في سيرته.
وإذا كانت الأحداث فيما لم يجعل الله التصديق، وإنما هو حدث في ذات نفسه، أو فيما يكون فيه كغيره من المحدثين، فهو كغيره من المحدثين إذا لم يكن له مخرج من مخارج الحق، وإذا كان الحدث منه فيما يكون خارجا من وجوه الأحكام، وإنما هو من أحداثه التي لم تجر له بها العادة عند رعيته في حكم الدين أنه مصدق في ذلك مما يكون الحق (4/165)
صفحة 1284
فيه لله وللعباد، والحجة فيه لله وللعباد، فالإمام والرعية في ذلك سواء فيما أتى العبد في ذلك مما يكون فيه محجوجا في موافقة ذلك أن لو قام عليه بذلك ذووا الحجة ممن أحدث عليه ذلك، فالقول فيه في هذا في الأئمة والرعية سواء وقد اختلف في ذلك ممن أتاه.
فقال من قال: إذا لم يعلم ذلك أحق أم باطل فهو على ولايته، لأن ولايته بيقين، وترك ولايته والبراءة منه شبهة تحتمل الحق والباطل.
وقال من قال بالبراءة من المحدث بما أظهر على نفسه من الدخول في المحجور فيما يكون فيه محجوجا في دين الله والبراءة منه لازمة بظاهر الأمر من غير أن يشهد عليه في ذلك بباطل، ولا يحل قذفه.
وقال من قال بالوقوف عنه لما أشكل من أمره، والولاية أصح في الحكم، ثم الوقوف عنه أسلم من البراءة، والبراءة وجه من وجوه الحق، وعلى من علم منه ذلك أن يتولى المتولى، والمتبرئ منه، والواقف عنه، ولا يسع من علم من ذلك أن يخطئ من علم أنه قد علم منه ذلك في ولاية، ولا في براءة، ولا في وقوف والتظاهر فيه بالولاية والبراءة والوقوف ممن علم ذلك من الأولياء جائزة، وليس لأحد ممن علم منه ذلك أن يخطئوا فيه ببراءة على كل حال، مع من لم يعلم منه كعلمه في ذلك، وكذلك لا يجهر منه بوقوف مع أهل الدار حتى يشهر الحدث شهرة لا تناكر فيها ولا ريب، مع جميع أهل الدار، فإذا كان ذلك كذلك، فعلم بذلك جميع أهل الدار جاز هنالك التظاهر في المحدث في الدار، إذا كان حدثه على هذا الوجه من الأئمة ومن غيرهم، ممن يستحق الولاية على أهل الدار، وعلى من خصه ولايته مع شهرة حدثه الذي لا ريب فيه، ولا شك في أهل الدار أو في موضع يشتمل عليه علم حدثه ذلك مع أهل الولاية له. (4/166)
صفحة 1285
وأما قوله: إذا برئ الفريق من الفريق، وتظاهروا بالبراءة من بعضهم لبعض، فعند ذلك يضيق الشك، ولا يسع الوقوف، ويجب الفرض بالمعرفة بالمحق من المبطل، وزال الشك، ولم يسع الوقوف، ووجبت الدينونة بالمعرفة، وانقطع عذر الجاهل وبالله التوفيق.
فهذا إذا كان الحدث من الأحداث التي لا يسع الناس جهلها، فقد نظرنا في قوله هذا فوجدنا أنه إذا كان الحدث مما لا يسع جهله، فالعالم به من الإمام هو الذي يهلك بجهل ذلك من الإمام، ولا يهلك من لم يعلم بذلك من الإمام، ولا معنى للبراءة من بعضهم لبعض، إذا كان الحدث مما لا يسع جهله، فالجاهل للحدث يهلك الجاهل، وإذا كان الحدث مما لا يسع من علمه جهله، ولم يشهر ذلك على الإمام شهرة تقوم بها على أهل الدار، فالبراءة منه بالسر لمن علم منه ذلك مع من علم ذلك منه والشك فيه ممن علم حدثه مهلك لجميع من علم منه الحدث من ضعيف أو عالم، ولا يسع الجهر فيه بالبراءة على حال حتى يشتهر ذلك منه شهرة تقوم بها الحجة على جميع أهل مملكته، أو رعيته، أو حيث بلغت تلك الشهرة، وقامت تلك الحجة ممن خصه ذلك من أهل مملكة الإمام ورعيته.
فإذا قامت الحجة التي لا يسع جهل ضلاله فيها كان المتولي له والواقف عنه بعد علمه بحدثه الذي لا يسع جهله في الدين بما لا يختلف فيه هالك، والمتبرئ منه سالمن ولا يسع إلا البراءة منه إذا كان حدثه لا يسع جهله، وجازت البراءة مع ذلك ممن تولاه بعد قيام الحجة عليه بذلك الحدث، الذي لا يسع جهله برأي أو بدين أو وقف عنه، وكان هنالك المحق هو المتبرئ من الإمام المبطل، ومن وقف عن الإمام أو تولاه، فهنالك يهلك أهل مملكته بولايته إذا علموا بحدثه الذي لا يسع جهله، ولا جهل ضلالة الراكب له، ومن لم يعلم ذلك من الإمام ولم يكن عليه الحجة به من أهل الدار، فلا يهلك بولايته، ولا يسع الجهر بالبراءة من الإمام حتى تقوم عليه الحجة (4/167)
صفحة 1286
بمعرفة حدث الإمام الذي لا يسع جهله، وسواء كان الحدث مما لا يسع جهله، أو مما يسع جهله من علم به، فما لم تقم الحجة على جميع أهل الدار بمعرفة الحدث، ويهلكوا بولايته، فالبراءة منه به مع من لم يصح معه ذلك حرام، ولا يحل ذلك حتى تقوم الحجة على الجاهل بعلم ذلك.
فإذا علم الحدث الذي لا يسع جهله هلك بولاية الإمام وبالوقوف عنه، فإذا قامت الحجة على جميع أهل الدار بالحدث كانت البراءة في جميع أهل الدار بالجهر جائزة، إلا من لم تقم عليه الحجة منهم على ذلك، أو ذي عذر في ذلك لم يصح معه الكفر، فإذا احتمل أنه لم يبلغه ذلك، ولم يصح معه ذلك بوجه من الوجوه مما يمكن إلا أن يصح معه كفر الإمام، فادعى أنه لم يصح معه ذلك من الإمام، فقوله مقبول مأمون على ذلك، والبراءة معه من الإمام بالجهر محجورة لأنه مأمون على دينه.
قال أبو الحواري في سيرته: والسيرة في عزان بن تميم، والحواري بن عبد الله، والفضل بن الحواري كمثل السيرة في علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن وهب الراسبي إمام أهل النهروان، وحوثرة بن وداع إمام أهل النخيلة وذلك أن عزن بن تميم، والحواري بن عبد الله والفضل بن الحواري، دائنون بالذي ألزموه أنفسهم من القيام بحق الإمامة، واستحلال حرمة من نازعهم، وبتضليل من لم يجامعهم على الأصل الذي اجتمعوا عليه، والدينونة بالبراءة ممن خالف دعوتهم، ولم يقل بقولهم، ولم يزك أمرهم، ويتول وليهم، ولم يعاد عدوهم، ولم يصوبهم على فعلهم، وكل جديد عندهم من العلم (1).
__________
(1) في نسخة: وكل جرير عندهم من العلم فرعون ولم يظهر لي معنى هذا. (4/168)
صفحة 1287
ومن كان عالما بأمورهم، وظهر على أخبارهم، وبلغه ذكرهم فواجب عليه معرفة المحق من المبطل، والضال من المهتدي، ومن عجز عن المعرفة بوجوب الكلفة، وعميت عليه الدلالة عن سبيل الحقيقة، فليس بمعذور حتى يأتي بالمعرفة على وجهها من سبيل التي هي أقوم من الفريقين المتفقين على الإقرار بالجملة، واسم النحلة، واختلفوا في الدعوة لأنفسهم من إصابة الحق، وإقامة العدل في الأحداث العارضة والأمور المتناقضة بالآراء المكتسبة والأهواء الغالبة، وعدم أن يكونا جميعا على السنة والشريعة.
وبالحق اليقين أن أخذ الوسيلة عند الله، والقربة إليه، وقد قال الله: {وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (التوبة:107)، وقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} (البقرة: 204 - 206).
وإن أحد الفريقين لحقيق بهذه الصفة ليس بخارج منها، ولا بعيد عنها، فلا تسع الجهالة بهم، ولا الشك عنهم -نسخة- فيهم، ولا يسع الوقوف عنهم جميعا، لأنه أئمة يستحلون بغي بعضهم على بعض، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم، وإن أحد الفريقين ليس من الذين آمنوا وعملوا الصالحات يعلمه الله، وأولوا العلم الذين هم على بينة من ربهم، ولا يعتريهم الشك في دينهم، ولا الريب في تقيتهم، ولا اللبس في إيمانهم، وقال الله: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة:105).
وليس من العدل والصواب أن يقال: إن الفريقين جميعا على هدى، ولا يقال: إنهما جميعا على ضلال. (4/169)
صفحة 1288
وليس من العدل والصواب أن يقال: تسع الجهالة بأمرهما، ولا يقال إن الشك واسع فيهما جميعا، وليس الوقوف عنهما بأسلم، فإن كان عزان بن تميم إمامته ثابتة، وولايته واجبة، فالذين نقموا عليه، وقدموا إماما دونه، فهم بغاة محدثون بنقضهم الميثاق، واستحلالهم دماء المسلمين بغير الحق.
وقد قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (البقرة: 84 - 85)، فمن شك في ضلالتهم، وارتاب في أمرهم، كمن شك في معاوية بن أبي سفيان ومن معه، ويكون الشاك في عزان بن تميم، كالشاك في علي بن أبي طالب من قبل الفتنة.
وإن كان عزان بن تميم ليس له إمامة ثابتة، ولا ولاية واجبة، وهو خليع بحدثه، فالذين نقموا عليه محقوق على الحق والهدى، قائمون بطاعة الله وأمره.
وقد قال الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة:8) وهم الآمرون بالقسط من الناس، فمن شك في عدل ما قالوا به -نسخة- قاموا به، وارتاب في الحق الذي اجتمعوا عليه، يكون كالذين شكوا في عبد الله بن وهب ومن معه من أصحاب النهروان، وحوثرة بن وداع ومن معه من أصحاب النخيلة، ويكون من شك في ضلال عزان بن تميم، كالذين شكوا في ضلال علي بن أبي طالب من بعد الفتنة.
وقد ضلل المسلمون الشكاك الذين شكوا في ضلالة علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن وهبن وحوثرة بن وداع، وفارقهم المسلمون على شكهم، وبرءوا منهم، وكذلك عزان بن تميم، (4/170)
صفحة 1289
والحواري بن عبد الله، والفضل بن الحواري لا يسع الشك فيهم جميعا ولا يسع الوقوف عنهم جميعا لأنهم مستحلون لما قاموا به من الأمر، ولا يكونون جميعا محقين.
فمن شك فيهم جميعا، ووقف عنهم جميعا فقد خرج من قول المسلمين، ودخل في قول الشكاك الذين فارقهم المسلمون وضللوهم وبرئوا منهم، فمن أحل ما حرم الله، أو حرم ما أحل الله من الحلال، لا تسع الجهالة لضلالته، ولا العذر للشكاك في ضلالته، وبذلك جاءت الآثار المجتمع عليها، والسنة المعمول بها.
وقد روي عن بعض العلماء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم أميرين فاضربوا عنق أحدهما» أو كما قال، وفسر ذلك محمد بن محبوب رحمه الله فقال: يجوز ذلك معنا إذا رأيتم أميرين فاضربوا عنق أحدهماأن يكونا إمامين متضادين، ولا يكون الإمامان المتضادان إلا ضالا ومهتديا، ومحقا ومبطلا، أو عادلا وجائرا، وأولى برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون إنما أمر بضرب عنق المبطل المضل الجائر، وذلك عدل وحق، ولا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون يأمر بضرب عنق إمام عادل، يتبع كتاب الله، ويقفوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون يقول: «إذا رأيتم إمامين يتبعان كتاب الله وسنتي، فاضربوا عنق أحدهما»، هذا ما لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قال عمر بن الخطاب رحمه الله: إن الله واحد، والإسلام واحد، ولا يستقيم سيفان في غمد واحد، كذلك قال المسلمون: لا يجتمع إمامان في مصر واحد، وإنما ذلك في غير مصر واحد، ولا يكون للمسلمين إلا إمام واحد.
وكذلك كان المسلمون في العقد لعبد الله بن يحي رحمه الله، وإنما كان إمام واحد، وإنما يحل لكل مسلم أن ينكر المنكر، ويأمر (4/171)
صفحة 1290
بالمعروف، فإذا خرج كان الخروج له حلالا، كان اسم الإمامة له حلالا ما لم يكن في ذلك إمام قبله.
وأما الفضل بن الحواري، قدم الحواري بن عبد الله إماما على عزان بن تميم، وكانا إمامين في مصر واحد، متضادين يبرأ بعضهم من بعض، ويكفر بعضهم بعضا، ويضلل بعضهم بعضا، ويفسق بعضهم بعضا، يظهرون بذلك الأسماء، ويستحلون الدماء، وإن أحد الفريقين لمخالف للكتاب والسنة، وساقط في الفتنة، وواجبة البراءة منه، ولزمت المعرفة بضلالتهم، لا عذر للجاهل بكفرهم، ولا يسع الشك في ضلالتهم، ولا يحل الوقوف عنهم.
وليس كما قال أهل الضعف والعمى أن يقولوا فيهم قول المسلمين، ونحن واقفون وسائلون، هيهات هيهات، قد قال ذلك الذين من قبلهم، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، وضل عنهم ما كانوا يفترون، فضلوا بذلك، وما كانوا مهتدين، وكانوا بذلك ضلالا مع المسلمين، فمن أخذ برأي الشكاك وقال بقولهم، واقتدى بفعلهم، كان معنا على سبيلهم من الفرقة وتسمية الضلالة، وقد مضى على ذلك أوائل المسلمين وأواخرهم، ونحن تابعون آثارهم.
قال غيره: محمد بن إبراهيم: انظر في قول أبي الحواري في هذا الفصل كله، وخاصة في قوله: حتى يأتي بالمعرفة على وجهها من سبيل التي هي أقوم من الفريقين المتفقين على الإقرار بالجملة، واسم النحلة، واختلفوا في الدعوة لأنفسهم في إصابة الحق، وإقامة العدل، فجعل الفريقين متفقين على الإقرار بالجملة، واسم النحلة، ولم يخرج أحدهما من اسم النحلة مع ما ذكر من تضادهما واستحلالهما وأنه لا يسع الشك في ضلالتهما.
وإذا صح وثبت أن كلا الفريقين أو أحدهما مستحل لما حرم الله عليه، ففي أكثر القول أنه لا يسع الشك في ضلال المستحل لما حرم الله، (4/172)
صفحة 1291
ولا المحرم لما أحل الله، وإذا صح على أحد الفريقين أنه مستحل لما حرم الله عليه، أو محرم لما أحل الله له، فهو خارج من النحلة، مفارق لها، ولا يجوز أن يسمى أنه من أهل نحلة الحق.
وأما إذا لم يصح أن أحد الفريقين مستحل لما حرم الله عليه، وإنما يدعي هذا الفريق ما هو جائز في دين الله، وحلال في دين الله، وإنما يستحل ما يدعيه من ذلك الحلال، ويدعي الفريق الآخر ما هو حلال وجائز في دين الله، وحلال في دين الله، وإنما يستحل ما يدعيه من ذلك الحلال، فكلا هذين الفريقين غير خارجين من النحلة، ولو تضادا واختلفا حتى يصح.
وأما إذا كان أحد الفريقين يدعي ما هو حرام في دين الله، ويستحل ذلك الحرام، ولو ظن أنه صادق فيما يستحله، ولم يشك في ذلك الذي قد استحله، وزين له الشيطان ذلك، وسولت له نفسه أنه كذلك، فهو خارج من النحلة، ولا يجوز أن يسمى أنه من أهل النحلة، ولا من أهل دعوة الحق، وهذا قد خرج من نحلة الحق، ودعوة الحق، جهل ذلك أو علم، ولا يسع من علم أنه قد استحل ما حرم الله أن يشك في ضلاله، ولأن الحجة تقوم عليه في ذلك من عقله، ولا ينفعه السؤال هاهنا إذا لم يعلم ضلاله، وإنما ينفعه العلم، فمتى علم بسؤال أو بغير ضلاله، أو كفره، أو خروجه من الدين، أو مفارقته له، أو براءته منه، وانخلاعه عنه أو ما أشبه هذا من أسماء الضلال، أو ما يخرجه من الإيمان، فقد سلم من الهلاك، ونفعه ذلك هكذا عندي.
وقال من قال: إنه يسع الشك في ضلال المستحل أو كفره أو ما أشبه هذا، ما لم يتول بدين، أو يتول من تولى، أو يبرأ من العلماء، إذا برءوا منه، أو يقف عنهم، أو يبرأ أو يقف عن ضعيف بدين إذا برئوا منه، وعلى هذا القول فلا سؤال عليه، لأنه سالم، وإنما يلزم السؤال من كان هالكا بركوبه لشيء مما لا تقوم عليه الحجة فيه إلا من السماع. (4/173)
صفحة 1292
وقال من قال: إن عليه السؤال في هذا، واستحب من استحب ذلك واختاره، ولم ير له أن يقيم على شكه الذي قد قال أكثر أهل العلم: إنه لا يسعه الشك فيه، وأنه تقوم عليه الحجة فيه من عقله.
وعلى قول من يقول إنه تقوم عليه الحجة فيه من عقله، ولا يسع له في السؤال، لأنه قد انقطع عذره، وقامت عليه الحجة من عقله، فعليه علم ذلك، ولا ينفس له في السؤال فافهم هذا.
وقد يوجد أنه من كتاب موسى بن علي، وسئل عن طائفتين من المسلمين يقاتل بعضهم بعضا، ما أسماؤهم عند المسلمين قبل أن تعرف الباغية منهما، وقد قتل بعضهم بعضا؟
قال: هم مسلمون حتى يعرف أهل البغي منهم.
فانظر كيف جعلهم كلهم مسلمين، وإذا كانوا مسلمين فهم من أهل نحلة ودعوى الحق، وإذا كانوا كلهم مسلمين فهم على ولايتهم إن كانت تقدمت متقدمة لهم ولاية.
وقد اختلف في المتقاتلين المتضادين فقال من قال: إنهم على ولايتهم حتى يعلم باطل أحدهم، وقال من قال: يقف عنهم. وقال من قال: يبرأ منهم. وكذلك اختلف في المتلاعنين فقال من قال: هما على ولايتهما، وقال من قال: يقف عنهما، وقال من قال: يبرأ منهما.
وانظر في المتلاعنين كيف حكم الله بينهما في كتابه وهو الحكيم الخبير، وقد علم كذب الكاذب منهما، وصدق الصادق منهما، ومن أشد الأشياء قذف المحصنات بالزنى فحكم سبحانه عز وجل أن يشهد الزوج: {أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (النور: 6 - 9). (4/174)
صفحة 1293
فانظر في هذين المتضادين اللذين لا محالة أن أحدهما كاذب مبطل في دين الله عدو للمسلمين في دين الله، كيف لم يخرجهما ذلك من نحلة الحق، ولا من ولاية المسلمين في قول من قال بذلك.
وكذلك لو اختلف فرقتان من المسلمين، وتضادتا، وبرئ بعضهما من بعض، وخطأ بعضهما بعضا، ولم يعلم المبتدئ منهما بالتخطية لصاحبه، ولا المبتدئ بالبراءة من الفرقتين لصاحبتها لم يخرجهما ذلك من نحلة الحق، ولا من دعوة الحق، وكانوا كلهم أهل نحلة الحق وأهل دعوة الحق، وجازت ولايتهم كلهم على قول من قال بذلك.
وقد اختلف في ذلك: فقال من قال بالوقوف، وقال من قال بالبراءة، وقيل: إنه قول شاذ، وقال من قال بالولاية، فانظر في هذا وافهمه.
وكذلك لو ترك تارك صلوات الفرائض، وصيام شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة أو الوضوء للصلوات متعمداً بغير عذر، منتهكا لما يدين بتحريمه، لم يخرج بذلك من دعوة الحق، ولا من نحلة الحق.
وكذلك لو ركب شيئا من محرمات الله بغير عذر منتهكا لما يدين بتحريمه، لم يخرج بذلك من أهل الدعوة، ولا من أهل نحلة الحق.
وقد قال أبو الحواري في سيرته: وقال: وكتب بعض المسلمين من أهل العلم إلى بعض إخوانه، وقد جرت من أسبابه الولاية والبراءة، ومما يروى في كتابه أنه حدثه بعض من لا يتهمه أن محمد بن محبوب، والوضاح بن عقبة، وسعيد بن محرز وغيرهم من أعلام المسلمين -رحمة الله عليهم أجمعين- اجتمعوا ذات يوم وكتبوا كتابا إلى من بلغه كتابهم من المسلمين من أهل عمان:
سلام عليكم فإنا نعلمكم أنه قد كان من فلان الإمام، يريدون أن يظهروا لهم ما قد ظهر لهم، ويعلمونهم أنهم لا يتولونه على ذلك، ولا يتولون من علم منه ذلك. (4/175)
صفحة 1294
ثم جاءهم أبو المؤثر الصلت بن خميس رحمه الله، فقال لهم: أرأيتم من كنتم تتولونه من إخوانكم، وهو مستمسك بولاية هذا الإمام الذي قد ظهر لكم منه ما قد ظهر، أليس هم على ولايتهم معكم حتى تقوم الحجة عليهم بمعرفة حدثه، أو بإقامتكم الحجة عليهم بالذي كان منه، فإني أسألكم بالله يا أبا عبد الله لما أمسكتم كتابكم، فإنه لا يعدم مجادلا فيفترق أهل عمان، وإنما هذه أحداث لا تستحل خلاف دعوتكم، ولا يدعو إلى بدعة شرعها، وإنما هو اقتراف ذنب أعجب به، فلم يقبل منكم النصح فيه فباينتموه عليه، ولج هو فيه، فأمسكوا كتابكم ففعلوا، وقبلوا نصحه، وأمسكوا عما هم عليه، وكان ذلك إلى اليوم غير تنازع فيه، فانظر في قول أبي المؤثر فإنه عندي إن لم يرد ذلك الذنب الذي قد أعجب به ولم يقبل النصيحة فيه، ولج فيه أنه يخرجه من النحلة.
وقد قيل في الإمام إذا حارب فقاتله المسلمون بغير إمام باغيا عليهم فسفك في ذلك الدماء على البغي، ولم يقيموا إماما عليه، ثم تاب من بغيه على المسلمين، وأنصف فيما يلزمه أنه يرجع إلى إمامته، لأنه هو الإمام ما لم يعقد المسلمون لإمام غيره، وإنما أخرجه من حد ثبوت الإمامة الإصرار على المعصية، فانظر في هذا الإمام فإنه لم تخرجه تلك المحاربة من نحلة الحق إذا كان منتهكا لما يدين بتحريمه.
ومن بعض الجوابات: لم أجده منسوبا إلى أحد، هكذا وجدت مكتوبا، فأما حدث موسى بن موسى، وراشد بن النظر، فقد بان سقمه، وانجلت ظلمه، وقامت به الحجج، ووضح للمسلمين فيه المنهج، والحمد لله فبرئوا منها بدين بعد البحث الشديد، والتنازع والتأكيد وقالوا: لا يسع جهل كفرهما، ولا الشك في ضلالهما، لأنهما كانا مستحلين لحدثهما، وليس لأحد أن يعود فيهما بعد العلم إلى الجهالة، ولا بعد الهدى إلى الضلالة، ولولا ما اتصل بنا من صحة حدثهما معكم، (4/176)
صفحة 1295
لكشفنا عن ذلك وبيناه لكم، فهذا ما اجتمع عليه المسلمون قبلنا، إلا أنه قد بقيت بقية من أهل موسى نذب عنه بأطراف الأسنة، وتوقد بين المسلمين نار الفتنة، ولكل مبتدع متبع، ولكل ساقطة لاقطة، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى.
وأما ما ذكرت من أحداث المحدثين من بعد موسى وراشد، اختلفت علينا بها الأخبار، ولم يجتمع لنا على شهرتها أهل الدار، وقالوا فيها مقالات متنافية، وحكوا فيها حكايات متكافية، فأمسكنا ورأينا ذلك -وفي نسخة- وعلمنا ذلك مما يسعنا جهله، حتى يصح معنا علمه، وتقوم علينا الحجة بضلال أهله، وإن كلا من أهل الدار مقصور في ذلك على علمه تدبر من ذلك فيما فيه الرضا به، ولا تجهر بالولاية والبراءة في مختلف فيه.
ونحو هذا قال بشير بن محمد بن محبوب، في جواب منه، ووجدت أنا أن هذا الجواب عن بشير.
قال غيره: محمد بن إبراهيم: انظر في قوله في الأحداث التي من بعد موسى وراشد، مثل إمامة عزان بن تميم، والحواري بن عبد الله، وغيرهم من الأئمة الذين بعد موسى وراشد، الذين كانوا في عصره أو قبل عصره، فيخرج في معنى قوله عندي أنه رأى الوقوف عن ولاية تلك الأئمة كلهم، وعن البراءة منهم كلهم، فلم يتول أحدا منهم، ولا برئ من أحد منهم، ورأى ذلك مما يسع جهله، وأن الوقوف عنهم أسلم له، ولم يوجب على نفسه سؤالا عن إمامتهم وثبوتها وبطلانها، ولا عن شيء من أحداثهم.
وقد كان عزان بن تميم، والحواري بن عبد الله متضادين متحاربين، كل واحد منهما يدعي الإمامة لنفسه ويدين بثبوتها له، ويدعو الناس إلى طاعته، ويجبر من عصاه إلى الرجوع إلى طاعته، ويستحل ذلك وهما في عصر واحد، وفي مصر واحد، وهكذا المتعارف أن كل إمام (4/177)
صفحة 1296
فهو دائن بثبوت إمامته، مستحل لها مصوب لنفسه فيها ولمن صوبه واتبعه، ومضلل ومخطئ لمن ضلله في ذلك أو خطأه، وداع للناس إلى طاعته وموافقته، وجابر لمن عصاه وخالفه على الرجوع إلى طاعته.
ويرى أنه حلال له جميع ذلك، وأنه طاعة لله ولرسوله، وأنه حلال له جميع قبض زكواتهم وعقوباتهم، وإنفاذ جميع الأحكام التي يجوز إنفاذها للأئمة في رعاياهم في أموالهم وأبدانهم وفروجهم، وأنه مصدق القول في جميع ذلك، مطرق الفعل فيه، وكل شيء كان جائزا لأئمة العدل، أو مستحلين له من المحاربات، وجميع الأحكام والحدود والطاعات، وغير ذلك من جميع ما يجوز للأئمة أو يلزم لهم مما ذكر، أو لم يذكر فإنه يرى أنه مثلهم، وأنه مستحق ما يستحقوه، وأنه بمنزلتهم فيه.
وقد يوجد في سيرة يقال إنها لأبي قحطان، أولها: الحمد لله الواحد القهار، اقتصرت منها هذا، ووصل موسى ومن معه إلى العسكر، وقد اجتمعوا بعد الفرقة من غير توبة، واجتمعوا وقدموا عزان بن تميم إماما، فالله أعلم بأمورهم وبيعتهم.
وقد كان أبو المؤثر الصلت بن خميس يقول: إن صفقة عزان صحيحة، ثم لم تحمد سيرته حتى قتل، فالله أعلم، وقولنا فيه قول المسلمين، ومن برئ من عزان بن تميم توليناه على ذلك، فلما استقام الأمر لعزان بن تميم، استقضى موسى من غير توبة تظهر منه كما ظهرت خطيئته، وولى ولاة راشد من غير توبة تظهر كما ظهرت خطيئتهم، إلا أنا سمعنا أنه كان يستتيبهم سريرة، فإن كان الذي سمعناه حقا فما نعرف هذا من سيرة المسلمين.
فلما استقر الأمر لعزان، خرج راشد وعبيد الله على والي صحار، فاقتتلوا فهزم راشد وعبيد الله فأسرا وسجنا، وقيدا، فلبث موسى وعزان ما لبثا، وهما وليان في الظاهر. (4/178)
صفحة 1297
وأما في السريرة فالله أعلم بهما، ثم لم يجمع الله أمرهما في شملهما، ولم يرشد أمرهما، فحول عزان القضاء عن موسى لما خافه، وجمع الآخر بأزكي، فعاجله عزان خوفا أن يفعل فيه كما فعل فيمن كان قبله، فأخرج اللصوص من السجن، وجيش عليه جيشا فقتلوه، ثم وضعوا على أهل القرية فقتلوا من قتلوا، وسلبوا من سلبوا، وأحرقوا أنفسا بالنار وهم أحياء، وكل ذلك حنات تقدمت، ووغر في الصدور، فآوى عزان المحدثين من أصحابه، واتخذهم أعوانا وأنصارا، وأجرى عليهم النفقات، وطرح نفقة من تأخر عن المسير إلى أزكي.
فلما قتل موسى بن موسى، غضب الفضل بن الحواري، والحواري بن عبد الله، وسارا على عزان بن تميم، فعقد الفضل بن الحواري للحواري بن عبد الله إماما في صحار على فتنة وخطئه وعماه من غير توبة منه، فبعث إليها عزان بن تميم الجيوش، وكان أهيف بن حمحام من قواده وغيره، فالتقوا بالقاع، وسفكوا الدماء فيما بينهم من غير برهان، فهزم الحواري بن عبد الله الفضل، وقتلا وقتل من قتل معهما، وأسر من أسر، وتفرق الباقون، ولم يعلم راشد أحد الفريقين.
وقد يوجد في سيرة أبي الحواري يقال لهم: ماذا تنقمون على عزان بن تميم؟ فإن قالوا: لا نعرف كيف كانت إمامته، ولا نعرف ممن قبلها، ولا أخذنا ولايته عن أحد، قيل لهم: فقد اجتمع على إمامته عمر بن محمد القاضي، وموسى بن موسى، ونبهان بن عثمان، ونعمان بن عثمان، وعنبسة بن كهلان، والأزهر بن محمد بن سليمان البسياوي، ومروان بن زياد، وأبو المؤثر الصلت بن خميس.
وكان نبهان بن عثمان خطيبا لعزان بن تميم، فإذا لم يكن نبهان حاضرا للخطبة، كان من بعده عبد الله بن محمد بن محبوب يخطب لعزان بن تميم، ويدعو له بالإمامة، وكان كيس بن الملا له واليا جابيا، وكذلك الحكم بن الملا كان له جابيا واليا، وكان ناصرا له أيضا، (4/179)
صفحة 1298
فيما بلغنا وهو يقول ذلك إنه كان في وقعة القاع مع أصحاب عزان، يحارب معهم وناصرا لهم على الفضل بن الحواري وأصحابه، فانظر فيما كتبه من أخبارهم، وانظر في كتبه من محاربتهم، وانظر في وقوفهم عنهم، وقد سفك بعضهم دماء بعض، ولم يذكر في ذلك سؤالا بدينونة ولا بغير دينونة.
وقد قال أبو الحسن البسياوي في سيرة له على ما يوجد، اختصرت منها هذا: كذلك المتقدمين في عمان بعد الصلت، لم نجد الإجماع يوجب صحة إمامة أحد منهم، ولا ولايتهم، وقد قلنا إن الإجماع حجة لنا وعلينا.
وقد وجدنا التنازع بين أهل الدار في إمامة عزان بن تميم، ولم نجد الإجماع -نسخة- أحد على ولايته ولا صحة إمامته بإجماع المسلمين عليه، ولكن وجدناهم مختلفين فيه وفي إمامته، هل انعقدت بمن حضرها، ولم نجد أهل الدار مجتمعين على ولاية العاقدين له، ولا صحت عقدته بأعلام المسلمين باتفاق عليه، وكانت عقدته مشكلة، ووجدنا الإجماع من أهل الدار أنه كان رجلا من الرعية قبل تقديمه، ثم دخل في الأمر المشكل، فهو معنا بالإجماع على الأمر المتقدم أنه ليس بإمام عدل، حتى يقع الإجماع أنه إمام عدل قدمه المسلمون، لأن الإجماع حجة.
ومن السيرة: وقد قلنا إن عزان لم يتفقوا على إمامته ولا ولايته، ولا ولاية المقدمين له، ولا ثبتت علينا إمامته حتى يصح لنا أن تقديمه وصحة صفقته بأعلام المسلمين المتفق على ولايتهم، كذلك الفضل بن الحواري، والحواري بن عبد الله، هما في الأصل رجلان من سائر الناس بالاتفاق، ولم يتفق أهل الدار على صحة إمامتهما في عقدهما، ولم يتفق على إمامة الحواري بن عبد الله، ولا ولايته، ولا ولاية من قدمه لدخوله في ذلك، لأن من دخل في إمامة فاسدة لحق يحكم المعقود له، وقد سفكوا جميعا على ذلك الدماء من غير صحة رشاد لأحد (4/180)
صفحة 1299
الفريقين، والإجماع في الأصل أنهما ليسا بإمامي عدل، فهما على الأصل حتى تصح إمامتهما بإجماع المسلمين على ذلك، وليس علينا الدخول في الأمر المشكل حتى يصح لنا المحق من المبطل بالإجماع والحجة التي بيناها، وقولنا قول المسلمين فيما دانوا به فيهما وفي غيرهما ممن لم تقم لنا الحجة، وعلينا في ذلك من طريق الإجماع والشهرة التي لا تدفع بصحة المبطل، أو ركوب الحدث المحرم.
وأما المتقدمون في عمان بعد أن استولى عليهم السلطان، فإنا لا نعلم كانوا أئمة عدل ولا فسقة، ولا أنهم قدمهم المسلمون، ولا صح لنا سيرتهم بالعدل، ولم نجد الاجتماع من المسلمين على أحد منهم أنه إمام عدل مجتمع عليه، وهم في الأصل من سائر الناس بالإجماع، فهم على الإجماع الأول من العوام، حتى تصح عدالة أحد منهم فيما قام به وسيرته بالعدل، والإنفاق عليه في الإمامة والولاية، إذ ليس لنا أن نعتقد إمامة إمام، ولا ولايته، ولم يصح لنا الاتفاق عليه، ولا صحت عقدته بأعلام المسلمين من أهل الولاية، ولا وجدنا الإجماع على التراضي عليه ولا سيرته بالعدل في عصره، والرضا من الجميع بإمامته، والتسليم له، لأن الاتفاق والرضا بالإجماع من المسلمين على التراضي به يوجب الحجة، إذا صحت سيرته العدل في الرعية، فهذا قولنا في جميع المتسمين بالإمامة في عمان بعد الصلت بن مالك المجتمع عليه، وعلى صحة إمامته إلا سعيد بن عبد الله الإمام.
ومن استشهد معه من المسلمين فإنا وجدنا أهل الدار من أهل دعوتنا من المسلمين، مجتمعين على صحة إمامة سعيد بن عبد الله وولايته، ولا خلاف بينهم، فثبت ذلك بالإجماع، ولم نرتب فيه وديننا في جميع الأحداث المكفرة لأهلها، والمحدثين لها، وجميع الفرق المخالفة لدين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ودين من دان بدينه من المسلمين، وسار بسيرته، ولم يغير ولم يبدل، وأنكر المنكر حين ظهر منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. (4/181)
صفحة 1300
ومن السيرة التي يقال إنها لأبي قحطان: ورجعوا إلى راشد من بعد أن كان في السجن خليعا مقيدا محبوسا أسيرا، عقدوه إماما، وقصروا الجمعة، وجبوا الزكاة، وباع راشد الصوافي، فهذا هو العجب العجيب من أهل عمان، ثم خذلوه وتركوه، ثم جعلوا بيعة الإمامة وفرضها، وما أوجب الله فيها على أهلها لعبا ولهوا كلما أرادوا صافقوا رجلا ببيعة، ثم خذلوه حتى بايعوا ستة عشر بيعة أو أقل أو أكثر، ولم يفوا الله بواحدة، ولا ساروا فيها بحق الإمامة، بايعوا راشد بن النظر بيعتين، وبايعوا الحواري بن عبد الله، وبايعوا أبا سعيد القرمطي، وبايعوا محمد بن الحسن، وبايعوا الحسن بن سعيد، وبايعوا الحواري بن مطرف، وبايعوا محمد بن يزيد، وبايعوا الحكم بن ملا بيعتين، وبايعوا عزان بن الهزبر.
ولم نكتب بيعتهم أولا فأولا، وإنما نحن سميناهم، وعزان بن الهزبر كانت بيعته قبل الحكم بن ملا وغيره.
فأما عزان بن الهزبر فلسنا ننقم عليه في بيعته إلا أنه ولي الأمر لم يظهر دعوة المسلمين ولا يتبين دينه للناس، ومن يخالفه معه في عسكره مجتمعين على غير بيان، والحق واحد، والمسلمون قد علمتم أنهم لم يقبلوا من عمر بن عبد العزيز، وقد كانت سيرته معهم محمودة، إلا أن يظهر دين المسلمين، ولم يقبلوا منه غير ذلك، والآخر تبع للأول.
ومن السيرة لأبي عبد الله محمد بن روح بن عربي اختصرت هذا منها: ومن العدل المعروف، والحق الموصوف، أن يكون سبيل راشد بن النظر سبيل غيره من أئمة أهل عمان، الذين هم أقرب إلينا عهدا منه، منهم محمد بن الحسن الخروصي النازل فتح من أودية الرستاق اليحمدي، بويع على الشراء فيما بلغنا، وكان إماما شاريا، ثم إنه اعتزل عن الإمامة. (4/182)
صفحة 1301
وبايع أهل عمان من بعده لثمانية أئمة، منهم من بويع على قطع الشراء على ما قد بلغنا، ومنهم من بويع على الدفاع، ومن هؤلاء الأئمة الثمانية الذين بويعوا على الإمامة من بعد اعتزال محمد بن الحسن عنها: الصلت بن القاسم الخروصي النازل نزوى، ثم من بعده عزان بن الهزبر المالكي، عقد له في حياة الصلت بن القاسم، ثم من بعد عزان بن الهزبر المالكي من كلب اليحمد، عقد في حياة عزان بن الهزبر لعبد الله بن محمد الحداني لعنه الله، وهو المعروف بأبي سعيد القرمطي.
ثم عقد في حياة أبي سعيد من قبل أن يعلم منه زيغ عن دعوة الحق والمسلمين إلى بدعة القرامطة للصلت ابن القاسم ثانية، ومات الصلت بن القاسم من غير اعتزال عن الإمامة.
ثم بويع من بعده للحسين بن سعيد السحتني النازل نزوى أخي بني نعالة، فلبث في الإمامة أقل من شهر على ما سمعنا، ثم مات من غير اعتزال عن الإمامة.
ثم عقدوا للحواري بن المطرف الحداني النازل نزوى، وبويع على ما بلغنا على المدافعة، فكان في البلد أخذ على أيدي الفساق، ومن سفهاء أهل عمان أخذا شديدا، فكان إذا جاء السلطان إلى نزوى يحي من أهلها اعتزل من بيت الإمامة إلى منزل نفسه من نزوى، فإذا خرج السلطان من نزوى رجع هو إلى بيت الإمامة، ووضع تاج الإمامة على رأسه وقال لمن حوله: لا حكم إلا لله، ولا طاعة لمن عصى الله.
وكان قائما له بالأمر عند السلطان قوم من بني سامة فيما أحسب، فلم يزل الحواري على ذلك إلى أن مات من غير اعتزال عن الإمامة، وعذر المدافع عند المسلمين غير عذر الشاري، ولا عذر عندنا لأحد إلا لمن عذره الله. (4/183)
صفحة 1302
ثم عقد من بعده لابن أخيه عمرو بن محمد بن مطرف، وكان على نحو سبيل عمه، إذا جاء السلطان اعتزل من بيت الإمامة.
ثم جاءت القرامطة من بعد ذلك، وعمر بن محمد في الحياة، فرجعت القرامطة من عمان إلى البحرين وهو حي، فلم يرجع إلى بيت الإمامة، ثم عقد من بعده بسنين كان فيها فترة من عقد الإمامة.
ثم عقد لمحمد بن يزيد الكندي النازل سمد نزوى، وبايعوه على ما بلغنا على الدفاع، واعتل عليهم عند البيعة بأنه رجل عليه دين، فلم يبايعهم على قطع الشراء، ثم إن السلطان تغلب على البلد، وهرب محمد بن يزيد من بعد محاصرته للسلطان بعسكرين، عسكر بالسر وعسكر بالأعتاد.
ثم عقد من بعد محمد بن يزيد في حياته للحكم بن الملا البحري، النازل سعال، فلا نعلم أن إماما كان من أهل القبلة مثله في الضعفة والوهنة مسلما ولا مجرما.
ثم إن الحكم بن الملا اعتزل عن الإمامة، وأقام السلطان عسكرا بنزوى إلى هذه الغاية، فالحق على المسلمين أن يكون راشد بن النظر ليس بأعظم عليهم ممن سواه من الأئمة المحقين منهم والمبطلين.
وقد عرفتك أن هؤلاء الثمانية الأئمة الموصوفين من بعد محمد بن الحسن، وهم ثمانية أنفس، منهم من عقد له مرتين كلهم عقد لهم الإمامة في حياة محمد بن الحسن، وكلهم ماتوا قبل موت محمد بن الحسن، وغير واحد قد عقد له في حياة من كان قبله.
وقد علم من عرف الحق أن العباد في حكم الله كلهم في الحق بالسواء، وقد علم من عرف الحق أن راشد ابن النظر إما أن يكون إماما ضالا، وإما أن يكون إماما هدى، وكذلك هؤلاء الأئمة الذين ذكرناهم، (4/184)
صفحة 1303
فكل واحد منهم لابد أن يكون إماما ضالا، وإما أن يكون إمام هدى، فمن كان منهم أقرب عهدا إلى زماننا فهو أحرى أن يلزمنا معرفة أمره دون معرفة من كان قبله.
فإن كان لا يلزمنا معرفة من لا يسعنا جهله من هؤلاء الأئمة الذين بويعوا بعد راشد، فراشد أحرى أن يسعنا جهله، وإن كان لا يلزمنا إلا معرفة راشد، فالأئمة الذين من بعده أحرى أن تلزمنا معرفتهم.
لأن كل واحد منهم لابد أن يكون ضالا عدوا للمسلمين، أو يكون محقا وليا للمسلمين فالحكم فيهم كلهم عند من كان في مملكتهم واحد، وقد قيل إنه لا يسع من كان في مملكة كل واحد من هذه الأئمة جهل عدله، إن كان عادلا، ولا جهل جوره إن كان جائرا.
وأما من لم يكن من أهل مملكتهم، ولا ممن شاهد عصرهم من رعيتهم، فيسعه جهل جورهم، وكفرهم وعدلهم وإيمانهم، لأنه غير متعبد بشيء من طاعتهم، فإن قامت عليه الحجة بكفر أحدهم أو جوره فعليه البراءة منه، وإن قامت عليه الحجة بعدل أحدهم أو إيمانه واستحق بذلك الولاية عليه فعليه ولايته، وإن لم تقم عليه الحجة بشيء من ذلك فواسع له جهل أمرهم حتى تقوم عليه الحجة بشيء يتعبده الله به من أمرهم، فعليه القيام بما تعبده الله به.
وكذلك جميع الأئمة المحقين كلهم، والأئمة الضالين كلهم، من لدن آدم إلى من لم نشاهد عصره، كانت الأئمة المهتدين من الأنبياء أو المرسلين، أو من غيرهم من أولياء الله الصالحين، أو كانت الأئمة الضالين من الجبابرة المعتدين الذين حاربوا أنبياء الله المرسلين أو من غيرهم من الأئمة الظالمين، الذين حاربوا أحدا من أئمة المسلمين، أو لم يحاربوا أحدا من المهتدين، ولا الجائرين. (4/185)
صفحة 1304
فكل أولئك يسعنا جهلهم، وليس يجب على أحد ولاية أحد منهم باسمه وعينه ولا سؤال عن أحد منهم باسمه وعينه حتى تقوم عليه الحجة بولاية أحدهم، أو البراءة من أحدهم، فإذا قامت عليه الحجة بولاية أحد منهم، فعليه ولايته، وإن قامت عليه الحجة بالبراءة من أحدهم فعليه البراءة منهم، وليس عليه السؤال عن أحد منهم يسعه جهله.
وكذلك عليه أن يتولى جميع أولياء الله كلهم من الملائكة النبيين والمرسلين، والإنس والجن منهم أجمعين.
فإذا تولى أولياء الله كله فقد ثبتت له ولاية جميع أولياء الله كلهم، وليس عليه معرفة أحد منهم ولا ولايته باسمه وعينه إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يسع أحدا من أمته جهله، فإذا سمع بذكره أو تأدى إليه علمه بأي جهة تؤدي إليه علمه.
وأما غير نبينا صلى الله عليه وسلم فيسع جهلهم كلهم، وليس على أحد معرفة جبريل عليه السلام ولا ميكال ولا إسرافيل، ولا غيرهم من جميع ملائكة الله كلهم الذين ملئوا السموات، الذي قيل: إنه أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع أربع أصابع إلا وعليه قدما ملك أو جبهته، ولا معرفة أحد من أنبيائه ورسله الذين نطق بذكرهم القرآن أو لم ينطق، من الأئمة أو غير الأئمة، وليس عليه معرفة أحد من هؤلاء الذين ذكرتهم، ولا ولاية أحد منهم باسمه وعينه.
فإذا قامت عليه الحجة بمعرفة أحد منهم، فعليه معرفته، أو بولايته فعليه ولايته.
وكذلك عليه أن يبرأ من جميع أعداء الله كلهم من الأئمة وغير الأئمة، من الجن والإنس أجمعين، فإذا برئ من جميع أعداء الله فقد برئ (4/186)
صفحة 1305
منهم، وليس عليه معرفة أحد منهم، ولا البراءة منه باسمه وعينه، ويسعه جهل جميع أعداء الله كلهم من أئمة الضلال، أو من غير أئمة الضلال، فمن حارب أحدا من أنبيائه أو رسله، أو أحدا من الصالحين، أو ممن لم يحارب ممن نطق القرآن بذكره، أو لم ينطق ممن حارب رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم وعاداه، أو لم يحاربه، فكل هؤلاء يسع جهلهم ولا يلزم أحد البراءة من أحدهم باسمه وعينه حتى تقوم عليه الحجة بمعرفة أحدهم، فعليه معرفته أو تقوم عليه الحجة بالبراءة منه، فعليه البراءة منه، وليس عليه سؤال عن أحد منهم، ولا عن شيء من أفعالهم، ويسعه جهل جميع ذلك حتى تقوم عليه الحجة بشيء منه فافهم ذلك.
فإن قال قائل: فإن المسلمين لم يجعلوا سبيل راشد كسبيل غيره من الأئمة، وقالوا: إن راشد أو موسى لا يسع جهل ضلالتهما وما وراء ذلك من سواهما من الأئمة واسع جهله.
فقل له: إنما يقول المسلمون لا يسع جهل ضلالة راشد لرعيته، الذين في مملكته، المحاربين تحت رايته، الدائنين لله بطاعته، إذا علموا أنه اغتصب الإمامة من الصلت وبغى عليه، فلا يسع جهل كفره، والشد على عضده، والدينونة بطاعته، ومن فعل منهم ذلك على علم منه ببغي راشد على الصلت فهو عندنا كافر بولايته لراشد كذلك.
وكذلك من صح معه في زماننا هذا بغي راشد على الصلت، فعليه أن يبرأ منه، وعليه أن يدين بمفارقة راشد ومن آوى راشدا على بغيه، كان عالما بحكم البراءة من أهل البغي أو جاهلا، فعليه أن يفارق في دينه من آوى راشدا على بغيه، هذا قول المسلمين على سبيل تأويلك أنت.
فإن قال: سبيل راشد في هذا غير سبيل الأئمة الذين من بعده، لأن الأئمة من بعده لم يصح معنا ثبوت إمامتهم، كما صح معنا ثبوت (4/187)
صفحة 1306
إمامة الصلت، لأن الصلت بايعه على إمامته محمد بن محبوب وهؤلاء الأئمة الذين بعد راشد إنما كان يبايعهم مثل راشد الجلنداني وغيره من سفهاء رؤساء أهل عمان.
فقل له: إمامة الصلت أصح وأثبت أم إمامة عثمان بن عفان، وصحة أحداث عثمان بن عفان في إمامته أصح عند أهل عمان أم صحة ضعفة الصلت إذا كان يتكئ على قناة من ضعفه وقدمه وكبر سنه، وإذا تغلب أهل الذمة على بعض مملكته، ولعله من قد عذره الله عن الجهاد من العرجان والمرضى أقوى منه جسدا، أو شد ساعدا منه، وإذا نزل بمنزلة من قد عذره الله عن الجهاد، ولم يطمع له أن يتحول عن تلك المنزلة بصحة سقم زالت إمامته، وثبتت ولايته، وترك النكير حجة، وإظهار النكير حجة.
وصح في الدار أن ابن الحسن أقرب إلينا عهدا، وأقوى جسدا وساعدا من الصلت.
فإن قال قائل: فإذا قد ثبتت إمامة راشد وصحت ولايته عند من قد صح معه ثبوت ولايته، وثبوت إمامته كما تجب البراءة على من قد صح معه بغير راشد وظلمه، وأما من لم يصح معه أمر بغيه، ولا أمر ولايته، فالحق عليه الوقوف على اعتقاد منه لله إن كان راشد باغيا، فهو له عدو، وإن كان إمام عدل فهو له ولي، هذا يسع من لم يدرك زمانه، وهذا دين المسلمين الذي نعرفه.
ومن السيرة: وما نحب لأحد من إخواننا أن يدعو بالبراءة من إمام من أهل دعوتنا، أو ما يسعه ذلك في دينه، وإنما نستحب إشاعة الفرقة فيمن شرع دينا ببدعة مثل الصفرية والطريقية والشعبية، وليس نحب إظهار الفرقة بين الشعبية وبين المسلمين إلا من ظهر منه البراءة من أحد من أئمة المسلمين من أجل إذ لم يفارقوه (4/188)
صفحة 1307
على رأيه الضعيف، فإن من أظهر البراءة من أحد من أئمة المسلمين في الدين من أجل إذ لم يفارقوه على رأيه الضعيف، فإن من أظهر البراءة من أحد من أئمة المسلمين في الدين من أجل مفارقته إياه في الدينونة، فذلك الحق على المسلمين أن يشيعوا أمره، ويظهروا كفره، ليجتنبه ضعفاء المسلمين.
وأما من كان من أهل دعوتنا، وممن قدمه أهل دعوتنا للإمامة، فما نحب إشاعة البراءة منه، وعلى من علم من أحد من أئمة دعوتنا أمرا مكفرا البراءة منه، وعلى كل أن يدين بما يلزمه في الدين من محنة علمه، بما يجب عليه في علمه البراءة منه، وليس له أن يكلف من لم يعلم كعلمه أن يبرأ كبراءته فيما هو أوسع للناس من الدهنا لراعي الإبل.
وأخبرني أبو الحواري رحمه الله، عن الصلت بن خميس رحمه الله عن محمد بن محبوب رحمه الله، أنه ذكر محمد بن أبي عفان فقال: هو عندنا خليع، فقال أبو الحواري: وأما أبو المؤثر فقال: إنه يضيق عن خلعه، فلو أن رجلا من أهل زماننا برئ من محمد بن أبي عفان من أجل إذ نجد في الكتب عن أبي أيوب وائل بن أيوب الحضرمي رحمه الله أنه قال: إن ابن أبي عفان كان جبارا، أو من أجل إذ سمع محمد بن محبوب يبرأ منه فبرئ منه من أجل ذلك من غير أن يصح معه من ابن أبي عفان مكفرة، فإن ذلك الرجل عندنا على هذه الصفة عندنا خليع.
وسبيل محمد بن أبي عفان عندنا سبيل إمام حضرموت عبد الله بن سعيد، وليس نقول شيئا في عبد الله بن سعيد، وديننا فيه دين المسلمين.
وقد كان أهل حضرموت عزلوا وقدموا عليه حبيبا. (4/189)
صفحة 1308
وفي أمر ابن سعيد يقول الوضاح الحضرمي: وكان ذا ابن سعيد عاملا من ابن يحي والجناح شامل، فحدثت من بعده داهيات أحببت سترها مشكلات خشية أن تحدث فينا فرقة، أو يقصم القوم عمود الحلقة.
وكذلك نحب ألفة أهل دعوتنا، واجتماع كلمتهم بما وسع في الدين، لأن اختلاف أهل الدعوة إنما هي دعاوى فيما بينهم، وليس لأحد منهم يدين بشريعة خلاف شريعة الحق، وإنما كل واحد يدعي ما إن كان صادقا في ادعائه فيه، كان فيه موافقا لشريعة الحق، فمن علم كذب الكاذب منهم، وبغي الباغي منهم، فعليه أن يبرأ لله منه بعينه، ولا يحل له أن يكلف الناس البحث والسؤال عن كذب ذلك الكاذب، ولا عن صحة بغي ذلك الباغي.
وعليه أن يعلم أن أولياءه الذين لا يبرءوا من هذا الكاذب، ولا يبرءون من ذلك الباغي، موافقيه في الدين، وعليه أن ينكر على من علم منهم أنه يبرأ من ذلك الباغي بعد أن يصح معه بغيه اتباع منه، لبراءة غيره البراءة منه، وعليه أن يخلع من دان بذلك، لأنه لا يحل لأحد أن يبرأ من أحد إلا بما يجب في حكم دين المسلمين البراءة منه، فقد بينت لك بجهدي.
قال غيره: انظر في وقوف أبي الحسن عن أولئك الأئمة الذين كانوا بعد راشد بن النظر، الذين لابد لكل واحد منهم أن يكون محقا في إمامته، أو مبطلا فيها، لا محالة أن يكون عدوا لله أو وليا له، ولا محالة.
وإما أن تكون إمامته ثابتة وإما أن تكون غير ثابتة، وقد كان بعض هذه الأئمة متحاربين سافكين لدماء بعضهم بعضا، والتعارف أن كل إمام داع إلى طاعته جائرا لمن عصاه إلى الرجوع إلى طاعته، وهو مستحل لإمامته مصوب لنفسه فيها، ولمن صوبه واتبعه، ومضلل ومخطئ لمن (4/190)
صفحة 1309
ضلله فيها، أو خطأه فيها، مدع أن تلك الإمامة طاعة لله ولرسوله، وأن الله أمره بها، ومفارق لمن خالفه فيها، يرى أنه حلال له قبض جميع زكوات رعيته وعقوباتهم، وإنفاذ جميع الأحكام فيهم والحدود والمحاربات وغير ذلك، التي يجوز للأئمة إنفاذها في رعيتهم وأنه مصدق القول في ذلك، مطلق الفعل فيه، وأن كل شيء كان جائزا لأئمة العدل، أو مستحلين له في رعيتهم، أو في غير رعيتهم من جميع الأفعال والأقوال.
فهو مثلهم فيه، وأنه مستحق ما يستحقونه، لأنه لو أن إماما كان ثابت الإمامة، لا اختلاف في ثبوتها له، فقال: إن إمامتي هذه معصية لله، وأن الله نهاني عنها وحرمها علي، أو قال لرعيته إنه لا يجوز لي أن أدعوكم إلى طاعتي، ولا أجبركم على الرجوع إلى طاعتي، وأن الله حرم علي ذلك، وأنه يجوز لي إنفاذ الأحكام والحدود الواجبة عليكم، وأن الله حرم علي ذلك، لكان بقوله هذه الأشياء أو بواحدة منها منخلعا عن إمامته وولايته.
فإن كان ثابت الإمامة فعلى المسلمين استتابته من ذلك، فإن تاب وإلا برءوا منه وعزلوه، فلأجل هذا وما أشبهه مما لم نذكره.
قلنا: إن التعارف يوجب عليه كما قدمنا ذكره، واستضعفنا أن نشهد بالغيب على كل إمام أنه كذلك، واحتطنا لأنفسنا، ونحن نعوذ بالله أن نشهد بغيب.
وقد يوجد نحو ما قلته عن أبي الحواري، فانظر في وقوف أبي الحسن البسياوي عن أولئك الأئمة، الذين قدمنا ذكرهم، إذ أشكل عليه أمرهم، ولم نجد الإجماع من المسلمين على أحد منهم أنه إمام عدل، فرأى الوقوف عنهم أسلم. (4/191)
صفحة 1310
ولم نجد عن أبي الحسن أنه ألزم نفسه في ذلك سؤالا، ولا أنه لم يلزمها، ولم يذكر أبو الحسن فيما وجدنا عنه أنه يتولى من برئ منهم أو لا يتولاه، ونقول على حسن الظن به، وعلى ما عندنا أنه جائز ولازم، ولا يجوز لنا أن نشهد بالغيب أنه لا يلزم نفسه سؤالا في هذا، لأنه إنما وقف للإشكال والشبهة والريب الداخل عليه فيهم، ولم يصح عنده فيهم أمر واضح يجب به عليهم براءة، أو يجب به لهم ولاية، فيحكم به فيهم، لأن أبا الحسن عندنا أنه ممن لا يخفى عليه ما يوجب البراءة، أن لو صحت معه منهم صفة واضحة تكون كبيرة في دين الله، لأن بالكبيرة الواحدة تجب البراءة من راكبها عند من علم الحكم.
ولا اختلاف في ذلك بين العلماء إن لم يتب منها، ولا تجوز ولايته، ولا ولاية من تولاه، ولا ولاية من تولى من تولاه، إلى غير غاية، ولو بلغ مائة ألف فما فوق ذلك، ولا يجوز تصويبه ولا تصويب من صوبه، ولا الشد على عضده، ولا المعونة له على ركوبها بوجه من وجوه المعونات كلها بشهادة، أو بدلالة، أو بمد دواة، أو ببري قلم، أو ما أشبه ذلك -نسخة- هذا من جميع المعونات كلها.
وسواء كانت تلك الكبيرة من أعظم الكبائر وأقبحها وأشدها منزلة، أو من أدناها وأقلها منزلة، فتطفيف سدس حب ذرة، أو دخن أو قيراط فضة، أو حبة فضة، أو ما صح به التطفيف، أو أقل من ذلك كمن قتل ألف نبي، أو ركب ما {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً} (مريم:90)، أو ركب كبائر المعاصي كلها، فكل ذلك سواء في أحكام البراءة.
فبالتطفيف تثبت البراءة بجميع ما عددنا، ولا اختلاف بين العلماء في ذلك فيما نعلمه، وسواء كان الراكب للتطفيف مستحلا أو محرما، والراكب لتلك الأشياء كلها مستحلا أو محرما، فالمستحل للتطفيف (4/192)
صفحة 1311
كالمستحل لتلك الأشياء، لا فرق في ذلك عندي، والمستحل لتطفيف ما قد وصفنا كالمستحل لقتل إمام المسلمين بغيا وعدوانا، والعازل له من إمامته بغيا وعدوانا، والعاقد لإمام على إمام في حال ثبوت إمامته وقبل زوالها بغيا وعدوانا.
فالمستحل للتطفيف كالمستحل لهذه الأشياء، والمحرم للتطفيف كالمحرم لهذه الأشياء، والباغي على سماك أو بصال أو غيرهما ممن هو أقل منهما قدرا كالباغي على إمام المسلمين، ولو كان من أعظم أئمة المسلمين قدرا، والمستحل لذلك من الأئمة كالمستحل لذلك من السماك والبصال، والقاتل لإمام المسلمين على دينه كالقاتل للسماك والبصال على دينه في أحكام البراءة.
فالقول لإمام المسلمين على دينه فيما يحتمل حق القاتل له، وباطله كالقاتل للسماك والبصال، ولو كان فاسقا من أهل القبلة فيما يحتمل فيه حقه وباطله في أحكام الولاية والبراءة، وهكذا العدل والإنصاف أن يكون الكل في الحق سواء، إذ ذلك كله من المحرمات، ومن المحتملات للحق والباطل، ومما الحق فيه لله وللعباد، وإذ كلهم غير معصومين إلا من شاء الله، وكلهم في الحق بالسواء فيما استوت فيه منازلهم في دين الله، وفي حكم المسلمين، فلو كان أبو الحسن صح عنده فيهم صفة واضحة توجب ولاية أو براءة، لتولى وبرأ، فلما لم يصح عنده فيهم ما يوجب ذلك وقف وقوف إشكال، ولم يكن في هذا الموضع سؤال.
ولا يجوز عندنا أن يقف الواقف في هذا الموضع عن تلك الأئمة، وعمن تولاهم، وعمن قد برئ منهم، فيكون قد ضيع فريضة الولاية والبراءة فيهم، لأنهم لا محالة في حكم دين الله، إما أن يكون أولياء الله أو أعداء الله، فإذا وقف الواقف عنهم، وعمن تولاهم، وعمن برئ منهم، ولم يتول إلا من وقف كوقوفه، كان هذا وقوف الشك الذي فارق المسلمون الشعبية من أجله والله أعلم. (4/193)
صفحة 1312
وكان الواقف مضيعا لفرض الولاية والبراءة في الوقوف عنه، وقد قيل في هذا الموضع: إنه يجوز الوقوف عن هؤلاء الأئمة إذا لم يكن الواقف من رعيتهم ممن يلزمه طاعتهم وولايتهم إن كانوا أئمة حق، أو ممن تلزمه البراءة منهم، ومفارقتهم إن كانوا أئمة جور، فإذا لم يكن من رعيتهم، وأشكل عليه أمرهم، ووقف عنهم للإشكال، وتولى من تولاهم من أوليائه، وتولى من برئ منهم من أوليائه ما لم يعلم أن المتولي بغير حق، أو المتبرئ تبرأ بغير حق، وكان كل واحد مخصوصا بعلمه، فيهم من ولاية أو براءة أو وقوف، ولا يجوز للواقف أن يخطئ من تولى أو من برئ، ولا يصوب إلا من وقف كوقوفه، ولا يجوز للمتولي أن يخطئ من وقف أو برئ، ولا يصوب إلا من تولى كولايته، ولم يجز للمتبرئ أن يخطئ من تولى أو وقف، ولا يصوب إلا من برئ كبراءته.
وقد قيل في هذا الموضع: إن كلا مخصوص بعلمه، مأمون على ذلك، من ولاية أو براءة أو وقوف، ولا يجوز الجهر في ذلك بولاية ولا براءة، ويكون الكل مقصورا على علمه، وليس يخرج الحكم في هذه الأئمة الواقف عنهم أبو الحسن مخرج البدع، إذ لا يجوز الوقوف عن أهلها في علم دين الله عند العلماء، وإذا البدع لا يكون كل واحد مقصورا على علمه فيهم من ولاية أو براءة إذا صح عنده بدعتهم.
ولا تجوز ولاية المتولي للمبتدع، ولا الوقوف عن المبتدع، ولا عن من تولاه عند من علم الحكم، لأن المبتدع مبطل ضال مفارق لدين الله، خارج من نحلة الحق، ومن دين الله، وقد قيل في هؤلاء الموقوف عنهم من الأئمة إنهم غير خارجين من نحلة الحق، وكل واحد مخصوص بعلمه فيهم من ولاية أو براءة أو وقوف ما لم يعلم أن المتولي أو الواقف أو المتبرئ، فعلوا ذلك بغير حق. (4/194)
صفحة 1313
ومن بعض الجوابات، لم أجده منسوبا إلى أحد، وفي موضع ومن بعض الجوابات كتاب بشير بن محمد بن محبوب مختصر منه إلى من كتب من المسلمين، فأما حدث موسى وراشد فقد بان سقمه، وانجلت ظلمته، فبرئوا منه بدين، وقالوا: لا يسع جهل كفرهما، وأما ما كان من أحداث المحدثين من بعد موسى وراشد، فاختلفت علينا بها الأخبار، ولم يجتمع لنا على شهرتها أهل الدار، وقالوا فيها مقالات متنافية، وحكوا في ذلك بحكايات متكافئة، فأمسكنا ورأينا أن ذلك مما يسعنا جهله حتى يصح معنا عدله، أو تقوم علينا الحجة بضلال أهله، وأن كلا من أهل الدار مقصور في ذلك على علمه بدين من ذلك ما فيه الرضا لربه، ولا تجهر بالولاية ولا بالبراءة في مختلف فيه.
قال غيره: انظر في قوله: فأمسكنا، فيخرج عندي معنى ذلك أنه وقف فلم يحكم فيهم بولاية ولا ببراءة ولا بتخطئة ولا بتصويب.
وانظر في قوله: ورأينا، أن ذلك مما يسعنا جهله، وإن كان ذلك يسعه جهله لم يكن عليه فيه سؤال، وكان الإقامة على الوقوف جائزا له حتى يصح معه ما يجوز له عن الوقوف إلى ولاية أو براءة فينفذ حكم ما صح معه فيه.
وانظر في قوله: حتى يصح معنا عدله، أو تقوم علينا الحجة بضلال أهله، فجعله مما يحتمل عدله وضلاله وحقه وباطله، ولم يجعله من البدع التي لا تحتمل إلا الباطل.
وانظر في قوله: وإن كان من أهل الدار مقصور على علمه في ذلك فجعله محبوسا على علمه مخصوصا بما علم فيهم من ولاية أو براءة، مأمونا على ذلك حتى يعلم أن المتولي تولى بغير حق، وأن المتبرئ تبرأ بغير حق، فإذا علم أن المتولي تولى بغير حق لم يكن مأمونا، وجازت البراءة منه، وكذلك إن علم أن المتبرئ تبرأ بغير حق، جازت البراءة (4/195)
صفحة 1314
منه، ولم يكن مأمونا، وإذا لم يعلم أن المتولي تولى بغير حق، ولا أن المتبرئ تبرأ بغير حق، جاز للواقف أن يتولى المتبرئ والمتولي.
وانظر في قوله: ولا تجهر بالولاية ولا بالبراءة في مختلف فيه، فانظر كيف منع عن الجهر بالولاية والبراءة في ذلك، لاختلاف أهل الدار في ذلك، وقولهم فيها مقالات متنافية، وحكايتهم فيها الحكايات المتكافئة، فجعل أهل الدار كلهم متكافئين، ولم يجعل أحدهم على أحدهم حجة، وجعلهم كلهم سواء، ولم يخرج أحدهم من نحلة الحق، ولم يحكم لأحدهم بحق ولا على أحدهم بباطل، ولم يجعل الحكم في هؤلاء كالمبتدعين، وجعل حكمهم غير حكم المبتدعين، لأن المبتدع المبطل لا يكون مكافئا للمخالف له في بدعته، ولا يكونان جميعا من أهل نحلة الحق، والمختلفين المتكافئين هما جميعا من أهل نحلة الحق، لأن كل واحد منهما يدعي دعوى، ويحكي حكايات إن كان صادقا كان موافقا لدين الله.
والمبتدع يدعي دعوى وهو كاذب لا محالة، ومفارق لدين الله، وهذا هو الفرق بين الدعوى المحتملة للحق والباطل والكذب والصدق في دين الله، والدعوى التي لا تحتمل إلا الكذب والباطل، والمبتدع مدعيها المفارق لدين الله.
ومما عندي أنه عن بشير بن محمد بن محبوب، لأنه متصل بالسيرة التي أولها الحمد لله الذي شرع دينه، وبينه التي يقال إنها لبشير، ثم إنا بعد ما ذكرنا من الجملة في صدر كتابنا، متصلون بتفسيرها بعدها، مجملا من عقدة عزان بن تميم واستعماله للمحدثين في غير إشهار توباتهم من أحداثهم والحدث، ما زكى وما طلب إليه من الحكم فيه، وعقدة الفضل بن الحواري عليه، ثم أجرى الحكم فيما بعد ذلك من العقدة المشتركة المنفرد بها، وما انتقض منها شروط كانت فيها، أو فساد فرع لها، فكل ما قامت الحجة في شيء من ذلك بتحريمه (4/196)
صفحة 1315
والشهرة له في الدينونة به فغير واسع جهله، ولا سائغ الشك فيه -نسخة- في ضلال أهله.
لأن الشاك في ذلك ناقض لما في يده، وراجع بالشك على نفسه فيما دان به، وكان ذلك الحق بحكم الجملة التي قدمنا ذكرها، وكلما لم يقع ذلك في تفسيرها، ولا انتظم بغيرها فواسع جهله، ولا قطع لعذر الناس به، وما يثبت فيه التحريم لهم، ولم يتصل في ركوبه بالشهرة له فيهم، فذلك مقصور على من علمه منهم خاص لهم في التدين به، والحجة به على كل منهم في خاصة نفسه، وبهذا الفرق تستأنف الولاية بغير محنة، ويثبت به للمتفقين على هذه الجملة التي في صدر هذا الكتاب، الدعوة التي يجب الدعاء لهم منها إلى ما ثبتناه من الحكم فيها ما لم يتنازعوا بالبراءات في التسليم للمسلمين منهم، ما وسعنا جهله لهم منها بهذا القول المجمل لها.
وقد رأينا الإمساك بعد هذا الفرق عن إلزام كل واحد منهم بتسميته وتسمية حدثه، بم يجب من الحكم عليه فيما دخل فيه إلى حال الاتفاق على ما وصفنا.
ومن جواب بشير بن محمد بن محبوب، إلى محمد بن خالد بن محمد، وعثمان بن محمد بن وائل: الأولى يسرعوا ولا يعجلوا، تبينوا وتثبتوا، وأخلصوا نياتكم، وأصلحوا سرائركم، وقولوا قولا سديدا، وذلك أبلغ النصيحة لكم فيما تعرضتم بعرفاته، وبيان الحكم فيه من قبلي، ولعمري لقد التمستم ذلك من مضطرات الرأي، وأهل العزيمة، فقد علمتم ما جرت عليه الأمور، ووقف عليه النظر، ووقع عليه الإجماع بالحدث الأول.
قال غيره: عندي أنه يعني حدث موسى بن موسى وراشد بن النظر، ومن الجواب: ثم اعتصمتم بالسكوت عما وراء ذلك في جملتكم. (4/197)
صفحة 1316
قال غيره: عندي أنه يعني أنهم اعتصموا بالوقوف عما بعد حدث موسى وراشد من الأحداث التي كانت، فلم يتكلموا فيها بولاية ولا براءة، ولا بتخطئة ولا بتصويب، ورأوا السكوت عن الجهر فيها بذلك في ذلك أصوب وأسلم، والله أعلم.
ثم قال: وذلك الذي نختاره اليوم لكم، وفيكم ألا يجهر أحد في مختلف فيه بولاية ولا براءة ولا إقامة حجة شيء من ذلك مع وجوب العذر في ترك إقامتها.
ومن الجواب: وسألته عن الذين فارقوا المهنا كيف لم ينصحوا أولياءهم العاملين له، وهم كانوا حجة عليهم؟
فقال: لم أرهم فعلوا ذلك، ثم لما كان من استيلائهم على الأمر لم ينصحوا أولياءهم بعد موته فلم يظهروا براءة منه، وزجروا من أراد ذلك، وقد قيل: إن ترك النكير حجة، وفعله كذلك في السلامة والممانعة، وقد أرى هذه الأحداث واقعة بين قسمين ما لا يكون الحق إلا في واحد بين المختلفين، وبين الاجتهاد الذي الصواب فيه، وهو ما بين الشكوك واليقين.
وأيضا فصل آخر: وهو ما بين ما يسع جهله وما لا يسع جهله.
وأيضا فصل آخر: وهو الظاهر والخفي.
وأيضا فصل آخر: وهو الخاص والعام، وأيضا فصل آخر: وهو الخاص والمشترك، وتفسير ذلك وإيضاح دلائله وعلله ما يطول ذكره، ويتسع الوصف له في معانيه وأقسامه وحدوده وأحكامه، وهيهات أني لكم بمبلغ حقائقه، فاتقوا الله في أنفسكم، واتسعوا بالرخصة ما كان عذركم واقعا بها عند ربكم، وإياكم ولسان الفرقة، وتأويل الشبهة ما بخواطر المودية، وإلى الاعتقادات الفاسدة. (4/198)
صفحة 1317
قال غيره: قد يوجد عن أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب النهي والكراهية، والاختيار، أن لا يجهر بالولاية ولا بالبراءة في مختلف فيه.
ويوجد عنه أيضا وأن لا يحدث أحد منهم بالجهر بالدينونة في ولاية ولا في براءة في مختلف فيه، وأن يكون كل منهم على ما هو مخصوص فيه بعلمه -وفي نسخة- وأن يكون كل منهم مخصوص فيه بعلمه، وأن لا يخرج إلى حكم المشهور، فيبيح ذلك من نفسه ما لا يحل له، ولو كان عنده متى أنه قام بذلك قامت له به حجته.
فانظر كيف منع أبو المنذر عن الجهر بالدينونة في ولاية أو براءة في أحداث قد صحت عندهم وعرفوها، وأنهم إذا شهروا ذلك أباحوا من أنفسهم ما يحل لهم إباحته، وكان ذلك الإشهار عليهم حراما، ولو كان عندهم متى أنهم قاموا بذلك قامت لهم حجتهم فيما أشهروه من الولاية والبراءة، وإشهار الولاية والبراءة عندي أشد خطبا من إشهار التخطئة والتصويب.
وكل ذلك شديد إذا كان في غير موضعه، ولا يخرج عندي قول أبي المنذر بشير هذا، ومن قال كقوله في الأحداث المحتملات للحق والباطل التي لا يخرج أهلها من نحلة الحق التي يكون أهل تلك الأحداث والمتدينون في أهل تلك الأحداث محتملة الحق والباطل، والصدق والكذب فيما يدعونه لأنفسهم من الدعاوى، ولا يكون الدين شاهدا على المتداعين بحق ولا بباطل، ولا بصدق ولا بكذب، وكل واحد من المختلفين والمتداعين يدعي دعوى هو محق في دين الله ودين المسلمين، إن كان صادقا فيما يدعيه، وكلهم أهل نحلة الحق.
ولا يخرج عندي قول أبي المنذر بشير، ولا من قال كقوله أن يكون نهيه هذا ومنعه، وعن الجهر بالولاية والبراءة في شيء من الأحداث التي لا تحتمل إلا الباطل والكذب، ولا تحتمل الحق والصدق في دين الله، (4/199)
صفحة 1318
الخارجة مخرج البدع، التي يشهد الله على باطلها وباطل راكبها، والذين يشهدون على باطل راكبها وعلى باطلها، والعلماء يشهدون على باطلها وعلى باطل راكبها، ولا يحتمل لها في دين الله ولا لراكبها إلا معنى واحد وهو الباطل.
ولا يجوز لأبي المنذر بشير ولا من قال كقوله، ولا لأحد من الثقلين من الإنس والجن أن يمنع ويحرم الجهر بالبراءة من أهل هذه الأحداث إذا صح ركوبها لهم، وقامت الحجة بكفرهم، ولو اختلف في ولايتهم والبراءة منهم، وجائز للعلماء والضعفاء والعوام والجن والإنس أن يبرءوا من أهل تلك الأحداث.
هذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أهل عمان ممن يعلم الأحكام وجائز ولازم الجهر والسر والبراءة من أهل تلك الأحداث عند من صحت معه أحداثهم، فأما العلماء فجائز لهم البراءة من أهل تلك الأحداث عند من صحت معه أحداثهم، ولو كان يتولاهم قامت الحجة عليهم بكفرهم أو لم تقم، لأن العلماء حجة في ذلك، وأما الضعفاء فلا يجوز لهم البراءة عند من يتولاهم إلا عند من قامت عليه الحجة بكفرهم، لأن الضعفاء ليسوا بحجة في ذلكن هكذا يخرج عندي فيما عرفت، والله أعلم.
فافهم الفرق بين الأحداث التي لا تحتمل في دين الله إلا معنى الباطل وحده، ولا يحتمل لراكبها في دين الله في سريرة ولا علانية إلا معنى واحد وهو الباطل والكفر، فهو كافر في السريرة والعلانية والظاهر والباطن، وهذه الصفة هي التي يخرج منها أحكام البدع.
وأما الأحداث المحتملات في دين الله معنيين: معنى الحق، ومعنى الباطل، وإذا احتمل في دين الله معنى الحق ومعنى الباطل، احتمل لراكبها في دين الله معنيين، معنى الحق ومعنى الباطل، فهذه هي الأحداث التي لا يشهد الدين على باطلها، ولا على باطل راكبها، ولا على حقه، ولا يشهد العلماء على باطلها، ولا على باطل راكبها، ولا على (4/200)
صفحة 1319
حقها، ولا على حق راكبها، إذا خفي عليهم أصلها، لأنهم لو شهدوا على راكبها أنه محق كانوا شاهدين بالغيب، ومن شهد بالغيب فهو شاهد زور، لو شهدوا على راكبها أنه مبطل كانوا شاهدين بالغيب، ومن شهد بالغيب فقد شهد بما لم يعلم، ومن شهد بما لم يعلم فقد شهد بالزور، ومن شهد بالزور فقد كفر.
وإنما يجوز للعلماء أن يشهدوا على راكبها أنه محق أو مبطل إذا علموا أصل ركوبه لها، فإذا صح عندهم أصل ركوبها بمشاهدة لراكبها في وقت فعله، أو ما أشبه ذلك، جاز لهم أن يشهدوا له بما علموه من فعله من حق أو باطل والله أعلم.
فانظر في جميع ما ذكرته وتأمله تجده كذلك إن شاء الله، ولا توفيق إلا بالله.
والقول في أحكام الأحداث المحتملات للحق والباطل، والأحداث التي لا تحتمل إلا الباطل يتسع القول ويطول، وقد مضى من ذكر هذا في هذا الكتاب ما أظن أنه يكتفى به إن شاء الله.
فأما البدع فإن أحكامها قريبة واضحة، وأما الدعاوى المحتملة للحق والباطل، فإن أحكامها دقيقة واسعة خفية، وأما الأحداث المحتملة للحق والباطل فإن أحكامها وأحكام أهلها، والمختلفين في أهلها واسعة دقيقة خفية.
فانظر في الذين فارقوا مهنا، وبرئوا منه على ما وجدناهم، وهم كانوا الحجة التامة أن لو قاموا عليه بالنكير لأنهم كانوا هم العلماء والأعلام، منهم محمد بن محبوب، وبشير بن المنذر، والوضاح بن عقبة، وسعيد بن محرز وغيرهم من أعلام المسلمين، فلو أن شاهدين من أعلام المسلمين شهدا عليه بحدث كانت شهادتهم مقبولة، لأنه لم يكن وقع بين المسلمين في المهنا اختلاف، ولا فرقة في ولاية ولا براءة، ولا (4/201)
صفحة 1320
في تصويب، ولا في تخطئة، فينزل الشاهدين منزلة الخصماء، وتزول حجتهم، فتركوا إقامة الحجة عليه، ولا على من يتولاه، ولا على عماله، وكانت النحلة جامعة لهم، والدعوة واحدة.
وإن كانوا متفرقين في ولايته، وفي البراءة منه وفي التدين فيه، لأن بعضهم كان لا يرى ثبوت إمامته ولا نصرته ولا طاعته، ولا تسليم الزكاة إليه، ولا غير ذلك مما يلزم الرعية لأئمتها، وكان بعضهم يرى أن ذلك يلزمه، لأن إمامته ثابتة ولازمة، وواجب عليه نصرته وطاعته وتسليم الزكاة إليه، وغير ذلك مما يلزم الرعية لأئمتها، وإنما كانت البراءة ممن برئ منه سريرة، ولم يكن لهم الجهر بالبراءة منه عند من يتولاه، ولا عند من لم يعلم كعلمهم من الضعفاء والعلماء، فبذلك كانت الدعوة واحدة، والنحلة واحدة، وكان المتبرئ من المهنا يتولى من تولاه، ويتولى من برئ منه ممن علم كعلمه.
وكان المتولي للمهنا يتولى، ويتولى من برئ منه ممن لم يعلم أنه يبرأ من المهنا، لأنه لا يجوز لمن يبرأ من المهنا أن يبرأ منه عند من يتولاه ممن لم يعلم من المهنا، مثل ما علم المتبرئ منه، وكان محمد بن علي وأبو مروان ومن قال بقولهم متمسكين بولاية وبإمامة المهنا حتى مات، وكان محمد بن علي له قاضيا حتى مات، وكان أبو مروان له واليا على صحار، وكان زياد بن الوضاح معديا لأبي مروان بصحار، وكان خالد بن محمد معديا للمهنا بنزوى، وكان الصقر بن عزان من قواده وأعوانه، وكان المنذر بن عبد العزيز من ولاته، وغيره من كبار المسلمين وعلمائهم، ولا يضلل بعضهم بعضا، وكان مع الإمام المهنا من الأحداث في ذلك الزمان ما تضيق بها الصدور، وتستوحش منها القلوب.
وقيل: إن رجلا أظهر البراءة من الإمام المهنا من بعد موته مع محمد بن محبوب، وكان لمحمد بن محبوب الطول في ذلك الزمان مع الصلت بن مالك، فاشتد ذلك على محمد بن محبوب، وغضب غضبا (4/202)
صفحة 1321
شديدا، وإنما تقدم الرجل على إظهار البراءة لما يعرف من محمد بن محبوب من الموافقة على ذلك، فلم يقبل منه محمد بن محبوب لك ونبذه وأبعده، وكانت العامة على ولاية المهنا.
فانظر في محمد بن محبوب كيف جمع بين البراءة من المهنا، وبين ولاية من تولى المهنا، وجمع بين من يبرأ من المهنا، وبين ولاية من يتولى المهنا، وجمع بين من يبرأ من المهنا، وبين من يتولى المهنا في الولاية، وهم مفترقون في التدين فيه، فانظر فيهم كيف كانوا كلهم أهل دعوة واحدة، ودين واحد، وهم مفترقون في التدين فيه.
وانظر في محمد بن محبوب والذين كانوا يبرءون من المهنا كبراءته منه لو أرادوا هم، والمتولون للمهنا يتفقون على ولاية المهنا، أو على البراءة منه ما جاز لهم ذلك، لأنه لا يجوز للذين يبرءون من المهنا أن يرجعوا إلى ولايته بغير حجة، ولا يجوز للذين يتولونه أن يبرءوا منه بغير حجة في محياه وبعد موته، فالبراءة منه لا أعلمها تجوز لمن كان يتولاه، لأنه عنده من الأئمة، والله أعلم.
وانظر في هؤلاء كيف كان كل مخصوصا بعلمه فيه من ولاية أو براءة، وكيف كانت النحلة والدعوة جامعة لهم، وهم مفترقون في الولاية والبراءة منه.
وانظر كيف كانت ولايتهم واجبة لهم على بعضهم بعضا، والنحلة جامعة لهم كلهم أهل نحلة، ولا يجوز لهم الاتفاق على ولايته ولا على البراءة منه.
وانظر كيف رأوا السكوت عن غير إقامة الحجج في هذا الأمر الواضح خوفا أن ينكشف حال فيقع فرقة، واختلاف بينهم، فإذا كان هذا الأمر الواضح فكيف في الأحداث المشكلة -وفي نسخة- الأمور المشكلة المشبهة التي وقع الاختلاف فيها، والشهادات المتكافئة والأحداث (4/203)
صفحة 1322
-نسخة- والحكايات المتنافية، وسقطت فيها الشهادات، وزالت فيها الحجج، وصار العلماء فيها خصماء لبعضهم بعضا، واستحالوا عن منازل الحجج والحكام إلى منازل التداعي والخصام، فالأمر بترك الجهر بالولايات والبراءات والتصويب والتخطيات في هذا أولى وألزم وأوجب وأحزم من الأمور بترك الجهر بالولايات والبراءات والتصويب والتخطيات في الأحداث نسخة الأمور الواضحات، وما كل ذلك حسن وصواب إن شاء الله.
ومما يوجد أنه عن أبي سعيد سئل عن رجل كان غائبا من عمان إلى بعض الأمصار، فرجع إلى عمان وفيها رجل يشهر أنه إمام، وطلب أن يبايعه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، هل عليه ذلك وهل عليه أن يبايعه على ذلك من غير أن يعلم من عقد له من المسلمين؟
قال: إذا كان في دار الغالب عليها أهل الاستقامة من المسلمين ولم يكن في دارهم من يضادهم، ولا يظاهرهم من أهل الخلاف ممن ينتحل الإمامة، فإذا ظهرت إمامة الإمام في الدار على هذه الصفة، وثبتت إمامته، ولزمت نصرته، وثبتت بيعته، بايعه أو لم يبايعه، وإذا كان في دار غالب عليها أهل الباطل ممن يتدين بالباطل، ممن ينتحل الإمامة بالباطل، من كل الملل، أو ظهرت في دار يحكم عليها وعلى أهلها بالباطل فهو مبطل.
ومن ظهرت إمامته في دار اختلاط من المتدينين ممن ينتحل الحق والباطل، فأشكل أمره ولم يعلم منه على ما أخذت بيعته من الحق، أو من أهل الباطل، فهو مشكل، والمشكل موقوف حتى يصح أمره، وممن أخذت بيعته أو تصح سيرته، وتظهر دعوته بأحد المفتين بالحق فيوالي، أو بباطل فيعاطى ذي. (4/204)
صفحة 1323
قلت: وإن كان الدار الغالب عليها دعوة المسلمين، غير أن أهل المصر مختلفون في أمر مشكل إلى أن برئ بعضهم من بعض، هل تلزمه إمامة ذلك الإمام أو حتى يعلم أن الذي عقد له المسلمون من أهل الاستقامة؟
فالمسلمون لا يبرءون من بعضهم بعضا وإذا برئوا من بعضهم بعضا لم يكونوا جميعا في ذلك على الاستقامة إذا علم المتبرئ منهم من صاحبه على ما برئ منه، وأما إذا لم يعلم على ما برئوا من بعضهم بعضا، وإنما علم منهم البراءة من بعضهم بعض، هكذا وقد سبقت لهم ولاية، فهم على ولايتهم والدار دارهم، فإذا ظهرت في الدار الإمامة من أهل الحق على هذه الصفة، كان إمام عدل، وأما إذا علم ما اختلفوا فيه كان المحق منهم من وافق الحق، والمبطل من خالف الحق، وعلى الضعفاء أن يكونوا مع المحقين، وأن لا يجهلوا أمرهم وهم عليهم حجة فيما قاموا عليه به من الحق.
وأما إذا اختلفوا في التدين كانت الدار دار اختلاط في الأديان.
وأما إذا اختلفوا فيما يكون اختلافهم بأحكام الدعاوى، فالفريقين المختلفين على جملة أهل العدل حتى يعلم المحق منهم من المبطل، وليس الدعاوى في الدار كأحكام البدع، فافهم ذلك.
قال غيره (1): يخرج عندي من معاني هذا القول أنهم إذا اختلف أهل الدار في شيء، وعرف ذلك الشيء نظر في ذلك الشيء، فإن كان مما لا يحتمل إلا الباطل في دين الله، ولا يحتمل الحق في دين الله بوجه من الوجوه، وكان ذلك الشيء مما حرم الله في كتابه، أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أو إجماع المحقين من أمته، فالمحق من الذين
__________
(1) كل ما مضى وما قبل من قوله: قال غيره، ففي نسخة يبين القائل أنه مؤلف الكتاب الشيخ محمد بن إبراهيم، رضي الله عنه. (4/205)
صفحة 1324
اختلفوا في ذلك الشيء، من وافق حكم الله، أو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الإجماع في ذلك الشيء.
والمبطل منهم، ومن خالف حكم الله، أو سنة الرسول، أن الإجماع فيه، ولا يكون المختلفون كلهم أهل حق، ولا على دين الحق، ولا على نحلة الحق، وإنما يكون من أهل الحق، وأهل دين الحق، وأهل نحلة الحق، من حكم بالحق في ذلك، ووافق الحكم في ذلك، ومن خالف الحكم في ذلك فهو خارج من الحق، ومن دين الحق، ومن نحلة الحق، وهذا الفصل هو الذي تخرج منه أحكام البدع، ويكون أحد الفريقين من أهل نحلة الحق، والفريق الآخر ليس هو من أهل نحلة الحق، وليس على دين الحق، ولا هو من جملة أهل العدل.
وأما إذا اختلف أهل الدار في شيء نظر في ذلك الشيء، فإن كان مما يحتمل الحق والباطل في دين الله، أو في سنة رسول الله، أو في إجماع أمته، وكان كل فريق منهم يدعي دعوى هي جائزة في دين الله، وهي حق في دين الله، إن كان صادقا، ولم يعلم الصادق منهم من الكاذب، لأنه لو علم الصادق منهم فيما يدعيه لحكم له أنه محق.
ولو علم الكاذب منهم فيما يدعيه لحكم عليه أنه مبطل، فلما لم يعلم صدق الصادق منهم، ولا كذب الكاذب منه، احتمل حقهم وباطلهم في دين الله، وكانوا كلهم على دين الحق، وعلى نحلة الحق، وعلى جملة العدل، وهذان الأصلان هما أصلا أحكام البدع التي لا تحتمل في دين الله إلا الباطل.
وأحكام الدعاوى المحتملة للحق والباطل في دين الله التي يكون أهلها كلهم من أهل دين الحق، وأهل نحلة الحق، كما أن المتلاعنين وإن كان لا محالة أن أحدهما مبطل فهما من أهل نحلة الحق، وعلى دين أهل الحق، ومن أهل نحلة الحق. (4/206)
صفحة 1325
وكما أن المقتتلين السافكين لدماء بعضهما بعض هما من أهل نحلة الحق، من أهل دين الحق، وكما أن المتبرئين من بعضهما بعضا هما من أهل نحلة الحق، ومن أهل دين الحق.
وهكذا أحكام المتداعين كلهم كن اختلافهم وتداعيهم، في أحكام دنيا أو أحكام دين.
فإذا كان كل فريق يدعي دعوى يحتمل حقها في دين الله، لم تقم على أحدهم حجة يصح بها باطله، وينقطع عذره، ولا قامت لأحدهم حجة يصح بها حقه، وتزول بها الشبهة من أمره فأحكامهم كلها مشكوكة موقوفة، ولا يجوز أن يشهد على مدع بباطل فيما يدعيه من غير أن يعلم باطله، وإنما قولنا هذا كله إذا كان المتداعون قبل اختلافهم على نحلة الحق.
ثم اختلفوا فإن اختلفوا في شيء مما يخرج من أحكام البدع فالمبطل منهم خارج من نحلة الحق، ولا يكونوا كلهم من أهل نحلة الحق، وإن اختلفوا في شيء مما يخرج من أحكام الدعاوى المحتملة للحق والباطل، فكلهم من أهل نحلة الحق، وكلهم من أهل دين الحق، وجائز ولاية جميع المختلفين في بعض القول إذا كان قد تقدمت لهم ولاية مع من تولاهم، والله أعلم.
قال غيره:
يخرج من معاني قول أبي سعيد أنه إذا اختلف العالمان في شيء من المحرمات في دين الله، وكان ذلك المحرم ما يسع جهله، وهما ممن تقوم بفتياه الحجة، فالمحق منهما هو الحجة على من علم باختلافهما، وعلى العالم المبطل المخالف له قبول قوله وهو الحجة عليه.
لأن حجة الله تقوم على من علمها، على من جهلها، وعلى من وافقها، وهذا هو أكثر أن العالم الواحد حجة فيما يسع جهله، (4/207)
صفحة 1326
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله الله وحده حجة في دينه، والعلماء فهم ورثة الأنبياء، ويقوم بهم دين الله كما قام دين الله بنبيه.
وقال من قال: إن العالم الواحد لا يكون حجة فيما يسع جهله حتى يكونا عالمين.
وقال من قال: لا يكون العالمان حجة، وإنما يكون حجة من تقوم به الشهرة، ولا يجوز عليه الغلط من الخمسة إلى العشرة فصاعدا.
وقال من قال: لا يكون عليه حجة فيما يسع جهله إلا حتى يعلمه هو ويتبين له عدله، ويتضح له صوابه، ويعلم صوابه كما علمته العلماء.
فعلى قول من لا يجعل العالم عليه حجة فيما يسع جهله، ولم يبن له معرفة ذلك الشيء الذي يسعه جهله فيسعه الوقوف عن قبول قول العالم في ذلك، وليس له أن يقف عن ولاية العالم، ولا يجوز له ترك ولايته.
لأن الأثر المجتمع عليه أن يسع الإنسان جهل ما دان بتحريمه ما لم يركبه، أو يتول راكبه أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه، ويوجد برأي أو بدين، أو يقف عنهم برأي أو بدين، أو يبرأ أو يقف عن أحد من الضعفاء بدين إذا برئوا من راكبه.
ويوجد هذا الأثر يضاف إلى جابر بن زيد، ويوجد أن هذا الأثر مجتمع عليه، فلم يرخصوا ولم يجيزوا لمن شك في ذلك للشيء الذي يسع جهله، ووقف عنه أن يشك في ولاية العالم فيتركها أو يقف عنها، ولم يجيزوا له أن يبرأ من العالم من أجل قوله ذلك، ولا يقف عنه من أجل قوله ذلك. (4/208)
صفحة 1327
وإذا وسعه الوقوف عن العالم من أجل ما قاله من الحق، فلم يتوله ووسعه الوقوف عن ولاية من تولى العالم ووسعه الوقوف عن ولاية من برئ من العالم حقت أن يكون هذا من وقوف الشك الذي لا يجوز، وإذا وقف عن القاتل، وعمن تولى وعمن برئ منه فهذا عندي أنه قد قيل إنه وقوف الشك فانظر في ذلك.
قال غيره:
وإذا كان الاختلاف بين الرجلين في الدين، فأحل أحدهما ما هو حرام في دين الله، وحرمه الآخر، وجهل من علم باختلافهما المحق منهما من المبطل، فإن كان متقدم معه لهما ولاية، فلا يسعه ولاية المبطل منهما بالدين، ولا يجوز له أن يبرأ، ولا يقف عن المحق منهما بالدين.
فإن كان المختلفان من العلماء الذين تقوم بهما الحجة في الفتيا، فيما يسع جهله، وكانا بتلك المنزلة مع من عرف باختلافهما، فعليه قبول قول المحق منهما، وعليه تصديقه، وقد قامت عليه الحجة بما سمعه من قوله في أكثر القول، وعليه من حينه أن يتولى المحق منهما، ويبرأ من المبطل منهما، ولا يسعه بعد قيام الحجة عليه أن يترك ما لزمه من ولاية المحق منهما والبراءة من المبطل، وهذا هو أكثر القول.
وقال من قال: إنه يسعه ترك قبول قوله، وجهل ما غيره العالم من الحق، ولا يهلك شكه في ذلك، وأكثر القول أنه لا يسعه ترك قبول قوله، ولا الشك فيما غيره من الحق، لأن العالم المحق هو حجة الله في ذلك على من علم باختلافهما، وعلى العالم المبطل المخالف له، ولا يتحول حق المحق ولا حجته لمخالفة من خالفه.
ولو كان خصمه في ذلك مائة ألف أو يزيدون من نظرائه وأمثاله في العالم، أو كان خصمه في ذلك جميع أهل الأرض، كان هو الحجة عليهم (4/209)
صفحة 1328
في ذلك، وعلى من سمعه من السامعين له، ولا يتحول حجة الله لمخالفة من خالفها، ولا تتحول بجهل من جهلها.
وعلى كل حال فلا يسع من علم باختلافهما أن يقف عن العالم المحق برأي ولا بدين، فإن قال قائل: كيف يقدر الجاهل على علم المحق منهما، وعلم المبطل منهما، إذا كانا جميعا فقيهين في الدين، عالمين قد شهر فضلهما وعلمهما، فيما مضى مع أهل نحلتهما ودينهما؟
قلنا له: السبيل إلى ذلك واضح، وهو قول العالم المحق في ذلك وتفسيره للحق في ذلك ولا شيء أوضح من ذلك عند من أوضح -نسخة- عرف الحق، إذ ينطبق بالحق عالم فقيه أمين، وليس جهل الجاهل بحق العالم تزول حجته ويبطل حقه.
ولا اختلاف فيما نعلم أن حجة الله في جميع الأشياء تقوم على من جهلها، وعلى من علمها، فهي تقوم على من علمها، كما تقوم على من جهلها، وتقوم على من جهلها كما تقوم على من علمها، ولا يسع مخالفتها -نسخة- مخالفة حجج الله ولا تركها لمن علمها، ولا لمن جهلها ممن قامت عليه في شيء من جميع الأشياء كلها في دين الله.
ومن أوجب الحجج وأعظمها عندي قول العلماء المحقين فيما غيروه من الدين، وقاموا به على من خالفهم، وعلى من لم يخالفهم.
قال أبو سعيد: إن قول الواحد من علماء المسلمين فيما أفتى به من الدين حجة في أكثر القول.
قال غيره:
وذلك فيما يسع جهله من دين الله، وأما فيما لا يسع جهله، فإنه حجة في ذلك، ولا أعلم في ذلك اختلافا. (4/210)
صفحة 1329
رجع إلى قوله، وإن الواحد من العلماء يقوم في الفتيا في الدين مقام الاثنين، وإذا قام مقام الاثنين قام مقام الأربعة، وإذا قام مقام الأربعة قام مقام الأربعين، وإذا قام مقام الأربعين قام مقام مائة ألف أو يزيدون.
فإذا قام مقام مائة ألف أو يزيدون قام مقام أهل الأرض كلهم، وكان هو الحجة عليهم إذا كان الحق في يده من الدين، ولم يكن لأحد عليه حجة في الدين من جميع العالمين، ولولا أن الحق والدين على هذا ما كانت الحجة من الله تقوم، وينقطع بها عذر الشاك فيها بالرسول الواحد إلى أهل الأرض كلهم.
ولو كان لا يقوم ذلك إلا بجماعة فكان ذلك أولى به النبيون والمرسلون، ولو اعتل معتل برسالة هارون مع موسى صلى الله عليهما ما كان ذلك حجة له، لأن الحجة على كل أمة ما جاءهم به رسولهم من الحجة والشريعة.
وقد نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، وناسخا لجميع شرائعهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا أرسله إلى الجن والإنس كافة، فقامت الحجة به على جميعهم.
وإنما موسى صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يرسل معه أخاه هارون وزيرا وكان موسى هو الرسول إليهم، والحجة عليهم، لأنه لا تقوم الحجة على فرعون وآله إلا باثنين.
قال أبو سعيد: إن العالم المحق حجة الله فيما أفتى به من الحق من دين الله، وليس لأحد أن يجهل حجة الله إذا قامت عليه، فإن كان العالم الواحد حجة الله فيما وسع جهله على من قام به فهو الحجة، وإن لم يكن الواحد حجة فالاثنان ليس بحجة، وكذلك الأربعة، وكذلك الجماعة إلى ما لا يحصى. (4/211)
صفحة 1330
لأن العالمين لو اختلفا في الدين لم يكونا سالمين محقين، ولم يكن بد لواحد منهما أن يكون هالكا في الدين، كاذبا على رب العالمين في عقول السامعين لاختلافهما من العالمين والجاهلين، لأن الحق في الدين لا يكون إلا مع واحد من المعبرين، فلا يجوز أن يطلب معه غيره فيما يصح في العقول أنه لابد من أحد أمرين: إما أن يقول مثل ما قال، فيكون بلا زيادة ولا نقصان.
قال غيره:
فيكون موافقا له فيما قاله قائلا بقوله، وكقوله فلا يحتاج إلى غيره معه في ذلك، وقد قام بذلك هو من دين الله وكفى.
رجع إلى قوله، وأما أن يقول غيرها قال: فيكون مخالفا في الدين في عقول العالمين، لأن الدين أبدا لا يكون إلا مع واحد من المختلفين، ولا يحتمل في العقول إلا أن يكون أحدهما كاذبا على الله، وقد يمكن أن يكونا جميعا كاذبين على الله، وقد يمكن أن يكون أحدهما صادقا والآخر كاذبا، ولا يمكن أن يكونا جميعا صادقين.
هذا من المحال والدين ما جاء فيه حكم من الكتاب أو من السنة، أو من الإجماع من على المسلمين.
فإذا كان القول من العالم بأحد هؤلاء أو بما يشبه ذلك، وما هو مثله، فلا يجوز لغيره أن يقول بخلافه وهو الصادق على جميع من قال بخلافه، ولو كان مخالفيه جميع أهل الأرض فهم الكاذبون في الدين.
قال غيره:
انظر في هذا فإنه هو الأصل الذي تخرج منه أحكام البدع، لأن كل ما لم يحتمل في دين الله إلا معنى واحدا، فالمخالف لحكم ذلك المعنى المستحل له مبتدع. (4/212)
صفحة 1331
وإذا اختلف الرجلان في الدين، فأحل أحدهما ما هو حرام في الدين، وحرمه الآخر؟
فإن كانا من العلماء، فعلى من علم باختلافهما ممن قد علم باختلافهما أنهما من العلماء تصديق المحق منهما، ولا يسعه الشك في قوله، لأنه هو الحجة في ذلك، وليس بمخالفة المبطل له تزول حجته، لأن المبطل قد صار كاذبا سفيها جاهلا في دين الله، وعند العلماء بدينه يعلم ذلك من علمه من العلماء، وليس لجهل الجاهل بذلك بتغيير دين الله، وتبطل حجته عنده.
فإن قال قائل: فكيف يعذر الجاهل أن يعلم المحق منهما من المبطل، وهما جميعا عالمان؟
قيل له: لم يعذر الله من أوجب عليه قبول شيء من حججه، أو اتباع شيء من حججه أو ركوب شيء من حدوده، أو مخالفة شيء من دينه الذي لا تسعه مخالفته، لجهل من أوجب عليه ذلك، وكلفه إياه.
ولما كان العالم حجة من حجج الله فيما غيره من دينه، ونقله من دينه، يقوم به في ذلك ما يقوم بأنبيائه عند عدمهم، فأورثهم الله كتابه، وما جاءت به الأنبياء، وجعلهم الله خلائفه وأمناءه وورثة أنبيائه، لم يجز مخالفة العالم فيما قام به من دين الله، لجهل الجاهل بحقه، ولا الشك فيما قاله من الحق لمخالفة المبطل له، ولا شيء أوضح من حق تفسير العالم أو تبيينه، وإنما خفي ذلك على الجاهل لجهله.
وأما هو فعند العلماء بين واضح جلي، ولو كان كل من كلفه الله شيئا من دينه من صلاة، أو زكاة، أو إقامة حدود، أو ترك شيء من محرماته، أو قبول شيء من حججه، أو اتباع شيء من حججه. (4/213)
صفحة 1332
فاختلف العلماء الذين عرفوا بالعلم فيما مضى، جاز له ترك ذلك الذي تعبده الله به، إذا لم يعرف حق المحق، وباطل المبطل، واشتبه عليه ذلك لجهله، لبطل دين الله، وتعطلت حدوده.
ولو أن إنسانا بالغ الحلم نشأ مع اليهود، أو النصارى، أو المجوس، أو الزنادقة أو غيرهم من ملل أهل الشرك، فسمع علماءهم دعواتهم مجمعين، على أن محمد بن عبد الله نبينا ليس نبيا، وأنه كاذب أو ساحر أو غير ذلك مما قد افتراه عليه المبطلون، وأن موسى بن عمران، أو عيسى بن مريم، هو النبي، ولم يسمع غير هذا ولا عرفه أكان يجوز له أن يشك في النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه ليس بنبي إذ خفي عليه كذبهم.
وكذلك لو اختلف بحضرته فقال القائلون: إن محمدا بن عبد الله، وأتى بنسبه إلى حيث لا يشابه نسبه غيره أنه نبي.
وقال آخرون: إن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وأتى بنسب غيره، وقصد غيره، أنه نبي أكان يجوز له أن يشك في نبوة محمد النبي صلى الله عليه وسلم؟
وهذا عندي أنه إن لم يكن أخفى من اختلاف العالمين في الحلال والحرام، فليس هو بدون ذلك عندي، وكذلك المدعون لقتل عيسى صلى الله عليه وسلم، والمدعون أن سليمان النبي صلى الله عليه وسلم ساحر لا عذر لمن صدق ذلك ممن لم يعرف إلا ذلك.
وكذلك غير هذا من دين الله، مما لا أحصيه.
وقال من قال: لا يكون العالم الواحد حجة فيما يسع جهله حتى يكونا عالمين، فعلى هذا القول يجوز الشك في قوله، ويجوز له الوقوف عن قبوله، حتى تقوم عليه الحجة في ذلك بعالمين. (4/214)
صفحة 1333
وقال من قال: لا تقوم عليه الحجة في ذلك إلا بأربعة علماء.
وقال من قال: لا تقوم عليه الحجة في ذلك إلا بالخمسة من العلماء، إلى العشرة، لأنه لا يجوز عليهم الغلط، وتقوم بهم حجة الشهرة.
وقال من قال: لا تقوم عليه الحجة في ذلك إلا بعلمه هو حق ذلك الذي يسعه جهله، وبان له صوابه، واتضح له عدله، فحينئذ تقوم عليه الحجة به، ولا يسعه جهله.
فانظر في هذا الاختلاف، فكل من قال: إنه تقوم عليه الحجة في قول من هذه الأقاويل فلا يسعه الشك فيما قامت عليه به الحجة بذلك، فيسعه الشك في ذلك.
وقول من قال: إن بالعالم الواحد تقوم الحجة فيما يسع جهله هو أكثر القول على ما وجدنا، وقد مضى القول في ذلك.
وعلى كل حال كان يسعه الشك في قبول قول العالم، أو لا يسعه، فقد قيل: إنه لا يجوز له الوقوف عن العالم المحق من أجل قوله بالحق، ولا من أجل براءته من المبطل برأي، ولا بدين، ولا يجوز له البراءة منه برأي ولا بدين، ولأنه قد جاء الأثر المجتمع عليه أن يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه، أو يبرءوا من العلماء إذا برءوا من راكبه، أو يقفوا عنهم.
فانظر في هذا الأثر فإنه لم يجيزوا لمن جهل حرمة ما حرم الله أن يبرءوا من العلماء، إذا برءوا من راكبه، ولا يقفوا عنهم، ووسعوا له جهل معرفة حرمة ذلك الشيء، فكان جهل معرفة حكم -نسخة- حرمة ذلك الشيء، أوسع في دين الله من البراءة من العلماء، إذا برءوا من راكبه ومن الوقوف عنهم. (4/215)
صفحة 1334
وإنما وسعوا له جهل معرفة -نسخة- حرمة حكم ذلك الشيء، على شرط ترك البراءة من العلماء، أو الوقوف عنهم إذا برءوا من راكبه.
لأنهم إذا برءوا من العلماء، أو وقفوا عنهم من أجل براءتهم من المبطل، أو من أجل قولهم بالحق، لم يكونوا مسلمين لهم، ولا متبعين لهم، ولا كان قولهم في ذلك قولهم، ولا دينهم في ذلك دينهم، وكانوا خصماء للعلماء في ذلك بترك ولايتهم، والوقوف عنهم من أجل براءتهم من المبطل، أو من أجل قولهم بالحق، وهذا كله على قول من يقول: إنه يسعهم جهل معرفة ذلك، وأن الحجة لم تقم عليهم بذلك.
وأما على قول من يقول: إن الحجة تقوم عليه بالعالم، أو بالعالمين، أو بمن تقوم بهم حجة الشهرة، ولا يجوز عليهم الغلط، فإذا قامت عليه الحجة بأحد هؤلاء، فلا يسعه الشك في قبول ما قامت عليه به الحجة، وقد انقطع عذره، وعليه تصديق قولهم وقبوله.
وأما ما لا يسعه جهله مما لا تقوم به الحجة عليه من عقله، فقد قيل إن الحجة تقوم عليه في ذلك بكل من غيره من صبي، أو مشرك، أو كافر، أو منافق، أو غير ذلك من وجوه العلم كلها، فحيث ما يؤدي إليه علمه فقد قامت عليه الحجة بذلك.
ولعله هذا أكثر القول، وقد يوجد في الأثر عن محبوب أنه لو أن قوما وصلوا ذات عرق، فأتاهم أعرابي خافٍ يبول على عقبيه، فقال لهم: إن هذه ذات عرق، لكان عليهم أن يحرموا.
فجعل محبوبا هذا الأعرابي الجافي، الذي يبول على عقبيه حجة على أولئك الذين قد تعبدهم الله أن يحرموا من ذات عرق، ولو كانوا مائة ألف أو يزيدون.
وكذلك لو أنهم أراد الصلاة، وخفيت عليهم القبلة، فدلهم فاسق عليها، لكان عليهم قبول قوله. (4/216)
صفحة 1335
وكذلك قد قيل: لو خفيت عليهم القبلة، وكانت الأدلة عليها ظاهرة لهم، من شمس أو نجوم أو رياح، لكان عليهم معرفتها، ولم يجز لهم أن يتحروا القبلة وقد قامت الأدلة عليها، ولو جهلوا معرفة القبلة بتلك الأدلة، لأن تلك الأدلة حجة عليهم، فليس لهم أن يتركوها إذ جهلوها، وحجة الله قائمة على من جهلها أو علمها، لا يعذر أحد بمخالفة الحجة.
فانظر فيها فهذا الشيء الخفي من هذه الأدلة على القبلة التي عندي أنها تخفى على أكثر الناس، إلا من شاء الله، فكيف قامت به الحجة، ولم يعذر بالتحري للقبلة، وكان عليه التوجه إليها، والاستقبال لها، ومعرفة الحق هاهنا عندي إن لم يكن أخفى من معرفة الحق عند اختلاف العلماء، وتفسير العلماء المحقين للحق الذي اختلفوا فيه.
فليس هو بدونه إلا من شاء الله، فإذا كانت الحجة تقوم بهذه الأشياء الخفيات من دلائل القبلة، فبالعلماء المحقين، ولو خالفهم غيرهم من العلماء المبطلين أحرى وأولى أن تقوم بهم، والله أعلم.
وقال من قال: لا تقوم الحجة إلا بأهل الأمانة، ولو لم يكونوا من العلماء، ولو كانوا من ضعفاء المسلمين، ولا تقوم الحجة بأهل الخيانة، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا.
فانظر في هذا إن شاء الله.
وأما ما كانت تقوم به الحجة من العقل مثل توحيد الله، وصفاته، ووعده ووعيده، فقد قيل: إن الحجة تقوم عليه به من عقله، وينقطع عذره، وعليه معرفة الحق في ذلك، وهذا الفصل بحر تغرق فيه العقول، ولا يكاد يعرفه إلا من هداه الله لمعرفته، وهو شيء خفي تحار فيه الأفكار.
فانظر كيف جعلوا عقله عليه حجة في ذلك عند حضوره بعقله، (4/217)
صفحة 1336
ولو لم يسمعه من أحد، فإذا خطر بباله شيء من ذلك، أو سمع بذكره، أو نظره من أثر أو تأدى إليه علمه بوجه من الوجوه، فعليه معرفة الحق من ذلك، ولا يسعه الشك في ذلك، ولا الوقوف فيه، ولا يعذر بالدينونة بالسؤال عنه، ولا باعتقاد السؤال عنه بغير دينونة.
وإنما ينفعه العلم وحده، فما لم يعلم فهو هالك منقطع العذر، لأن الحجة قد قامت عليه بذلك من عقله، فليس له أن يترك الحجة في ذلك، وعقله عليه حجة.
وسواء اختلف العلماء في ذلك، أو لم يختلفوا، فليس ينفعه إلا العلم وحده، وعليه معرفته، وقبول قول من غيره وتصديقه، كان عالما أو مشركا، كان وليا لله أو عدوا له، وحجة الله تقوم بأعدائه فيما جعلهم الله حجة فيه، كما تقوم بأوليائه.
فانظر في هذا الشيء الخفي، كيف يهلك الخاطر بفعله ذلك، وكيف ينقطع عذره بذلك من عقله، ويكون محجوجا عند الله، وهكذا دين الله، وكله دقيق خفي على من جهله، وكله واضح بين عند من علمه، والدين يسر، ولكن في الجهل أبواب عسر، وحجة الله قائمة على من جهلها، كقيامها على من علمها، لا عذر في تركها ولا في ما مخالفتها بعد قيامها، خالفها غيرها أو لم يخالفها، فالمحق وحده حجة فيما هو حجة فيه، ولو خالفه جميع العلماء، فافهم هذا.
فإذا اختلفت العلماء في شيء مما تقوم به الحجة من العقل، فعليه معرفة الحق في ذلك الشيء، وعليه معرفة الحق من أولئك العلماء المختلفين فيه، وعليه معرفة المبطل من العلماء من أولئك المختلفين فيه، وعليه أن يشهد للعلماء المحقين أنهم محقون، ويشهد على العلماء المبطلين أنهم مبطلون، ولا عذر له في الشك في شيء من ذلك.
هكذا عندي أنه قد قيل: إن الحجة تقوم عليه في ذلك من عقله، (4/218)
صفحة 1337
ولا يسع جهل معرفة الحق في ذلك، ولا جهل المحقين في ذلك، ولا جهل المبطلين في ذلك.
فانظر في هذه الأشياء كيف يقدر العوام على معرفتها، ومعرفة أحكامها، إلا من هداه الله.
وقد اختلف في المستحل فقال من قال: إنه لا يسعه جهل معرفة ضلال المستحل، ولا الشك في ضلال من صوبه، ولا يسعه الشك في صواب من ضلله، ولا في صواب من ضلل من صوبه، وعليه أن يشهد على نفسه أنه سلامة له من سخط الله وعقابه وعداوته، إلا بالشهادة للمحقين في ذلك أنهم محقون، وعليه أن يعلم ويشهد لنفسه أنه إذا شهد للمحقين أنهم محقون أنه مطيع لله بذلك، وأنه سالم من غضب الله وسخطه، ومعصيته وعقابه.
وعليه أن يشهد على نفسه أنه لا سلامة له من غضب الله، وسخطه، وعقابه، إلا بالشهادة على المبطلين أنهم مبطلون، مستحقون لغضب الله، وعقابه ومعصيته.
وعليه أن يشهد لنفسه أنه إذا شهد على المبطلين بباطلهم أنه سالم من معصية الله، وعقابه وسخطه، وعليه أن يشهد على غيره في ذلك من المتعبدين به، كما شهد على نفسه.
وعليه أن يشهد لغيره في ذلك من المتعبدين بهن كما يشهد لنفسه، وأن الحجة تقوم عليه بما ذكرناه من عقله، والأصل في ذلك أنه إنما كلف في هذا العلم، فعليه العلم ولا عذر له إلا بالعلم، وأن الحجة تقوم عليه في ذلك من عقله.
وإنما هذا إذا خطر بباله، أو سمع -نسخة- أو تأدى إليه علم ذلك من أي وجه علمه. (4/219)
صفحة 1338
وهذا بحر عظيم لا أحيط بوصفه، وكل هذا القول الذي وصفناه إنما هو على قول من يقول: إن الحجة تقوم بضلال المستحل من العقول، وهو أكثر القول فيما عندي.
فانظر في هذه الأشياء الخفية التي تقوم بها الحجة على العاصي الجاهل من عقله، ولا يعذر بجهله، فإنما تؤيد قول من قال: إنه إذا اختلف العالمان في شيء من دين الله، فأحله أحدهما، وحرمه أحدهما، أن الحجة تقوم على من علم باختلافهما، وعليه تصديق العالم المحق، وقبول قوله، ويكون حجة عليه، ولو جهل ذلك.
وقد قيل: إنه يسع جهل ضلال المستحل، ويسع الشك في ذلك، والوقوف فيه، والله أعلم.
وعلى هذا القول فإنه يسع الشك في المستحل والشك، فيمن صوبه، وأنه لا تقوم عليه الحجة في ذلك من عقله، وأنه يسعه جهل علم الشهادة على نفسه وعلى غيره، والشهادة لنفسه ولغيره، بما وصفناه في القول الذي نقول إنه تقوم عليه الحجة بضلال المستحل من عقله، والقول الذي قيل: إنه لا يسع جهل علم ضلال المستحل، إنما هو بعد أن يعلم أن حرمة ذلك الشيء الذي استحله المستحل هي من كتاب الله، أو من سنة رسوله، أو من إجماع المحقين من الأمة.
وأما إذا علم ذلك الشيء حرام، ولم يعلم أنه محرم من كتاب الله، أو من سنة رسوله، أو من الإجماع، ولا أنه محرم من غير ذلك، فقد قيل: إنه يسعه جهل علم ضلال المستحل، ويسعه الشك فيه، فافهم هذا وتدبره، وهكذا عندي أنه قيل.
وأما إذا كان المختلفان في الدين في شيء مما يسع جهله، وهما من ضعفاء المسلمين، فأحل أحدهما ما هو حرام في الدين، وحرمه الآخر، وهما وليان للعالم باختلافهما، فإن الولاية فيهما بالرأي، والوقوف (4/220)
صفحة 1339
عنهما بالرأي على اعتقاد ولاية المحق منهما، والبراءة من المبطل منهما، في الشريطة تجوز، ولا يجوز الوقوف عنهما بالدين.
وإنما يجوز الوقوف عنهما بالرأي، والولاية لهما بالرأي، أو ولايتهما على اعتقاد البراءة من المبطل منهما في الشريطة، وولاية المحق منهما في الشريطة.
وأما لزوم السؤال عنهما فقال من قال: يلزم اعتقاد السؤال عما يلزمه في أمرهما، حتى يخرج من ولاية المبطل منهما إلى البراءة بالدين، ويتولى المحق منهما بالدين، ولا يقف على ولاية الرأي، ووقوف الرأي.
وقال من قال: لا يلزمه في هذا سؤال، لأنه واسع له الوقوف عنهما جميعين بالرأي، فيخرج بذلك ولاية المبطل، ويتولى بذلك المحق، ولا يكون بذلك مضيعا للازم، ولا راكبا لمحرم.
وهذا القول إنه لا سؤال عليه أصح، والقول الأول جائز على الاحتياط.
وإذا لزمه السؤال على هذا القول في الوليين الضعيفين، أو الولي إذا ركب ما يجهله من الباطل، أو في غير الولي إذا كان لا يبرأ منه في الأصل، وعلم منه باطلا يسعه جهله، فلزم السؤال على الاختلاف، فهذا الموضع يكون الوقوف فيه وقوف رأي، أو وقوف سؤال، ويسمى وقوف رأي، يسمى وقوف سؤال، إذا لزمه السؤال فيه على بعض القول، لحقه اسم وقوف السؤال، وإذا لم يلزمه السؤال لحقه اسم وقوف الرأي.
ووقوف السؤال لا يكون إلا برأي، ولا يكون بدين، ولا يجوز أن يقف وقوف الدين في موضع وقوف الرأي والسؤال، وقد يجزيه وقوف (4/221)
صفحة 1340
الرأي في هذا الموضع عن وقوف السؤال، ويجزيه وقوف السؤال على قول من يلزمه ذلك عن وقوف الرأي.
وإذا كان الاختلاف في الدين بين ضعيف وعالم، وهما وليان، وكان المحق هو الضعيف، والمبطل هو العالم، فلا يكون العالم هاهنا حجة، وهو خصم، ولا تجوز ولايته بالدين، ويجوز فيه الوقوف بالرأي، والوقوف بالسؤال، والعالم في هذا الموضع خصم يجوز فيه وعليه ما يجوز في الضعيف، وما يجوز على الضعيف، وترك ولاية الضعيف المحق من أجل ما قال -نسخة- من بالحق والدين، نقض منهم للدين وهما لا يسعهم جهله ولا ركوبه.
فإن برئ الضعيف المحق من العالم المبطل، وبرئ العالم من الضعيف على ما قال من الحق، ولم يعلم السامع ذلك منهما، من المحق منهما، ومن المبطل، فإن كان العالم منهما بدأ بالبراءة من الضعيف، فللجاهل بحقها أن يبرأ من المتبدئ منهما بالبراءة من صاحبه، مما برئ من وليه براءة رأي، لا براءة دين.
وإنما كان له أن يبرأ براءة رأي من أجل أنه برئ من وليه، وقذفه وهو يتولاه برأي حين أحدث ذلك.
وأما إذا كان يتولى وليه برأي، ثم برئ منه متبرئ من أوليائه، أو من غيرهم، فإنه يبرأ ممن قذف وليه برأي، وإنما يكون اعتقاده أن يبرأ منه برأي بغير حق.
وإن كان وليه هذا المتبرئ منه على ولايته، فهو يبرأ من هذا الذي قذفه عنده، وبدأ بالبراءة منه، وصار قاذفا لأنه لم تقم عليه بقوله الحجة في الفتيا، ولم يكن له إذا لم تكن حجة أن يبرأ من ولي هذا الذي يتولاه حتى يكون حجة عليه، فلما قذف وليه هو لم يصح معه ما تزول به ولايته، كان في حكم الظاهر، قد قذف وليا له، وبرئ من ولي له، (4/222)
صفحة 1341
وكان له أن يبرأ بالرأي ممن برئ من وليه الذي يتولاه برأي، ولا تجوز براءة الرأي إلا في هذا الموضع.
وكذلك لو برئ المتبرئ منه، عمن برئ منه، فإنه في ظاهر الأمر يبرأ ممن بدأ بالبراءة، لأنه قاذف في حكم الظاهر لوليه، ولا يبرأ بالرأي من الآخر إلا في الاعتقاد.
وأما المتبدئ منهما بالبراءة إذا لم يكونا حجة، فيما اختلفا فيه فإنه يبرأ بالرأي من المبتدئ بالبراءة.
وكذلك الضعيفان إذا اختلفا في الدين، فبرئ أحدهما من صاحبه، ولم يعلم المحق منهما من المبطل، فإنه يبرأ بالرأي من المبتدئ بالبراءة، لأنه قاذف في ظاهر الأمر لوليه، ولأنه لا تقوم به الحجة في الفتيا، ولأنه يتولى وليه المقذوف بالرأي لا بالدين، ولا يجوز أن يبرأ من المحق بالدين، ولا يبصر العدل فيبرأ من المبطل بالدين، ولا يجوز أن يتولى وليه برأي، ويبرأ ممن قذفه بدين.
وإنما يتولى وليه برأي، ولا يكون القاذف أشد جرما من الولي، لأنه لو كانت الولاية بالدين كانت البراءة له من القاذف بالدين.
قال أبو سعيد: لو كان لرجل ولي ضعيف من ضعفاء المسلمين لم يعلم منه حدثا يجب عليه به وقول برأي، أو تجب به البراءة منه، ثم سمع مائة ألف عالم أو يزيدون يبرءون منه، كانوا بذلك عنده مخلوعين محجوجين، ولو كانوا قد برءوا منه بالحق، فيما غاب عنه من أمرهم.
ولا يجوز له أن يحسن فيهم الظن في هذا الوجه، فإن أحسن بهم الظن إذ معه أنهم لا يبرءون من وليه إلا بالحق، كان هالكا وذلك، إذا علم أنهم يعلمون أنه يتولاه، أو أعلمهم أنه يتولاه إذا كان وليه (4/223)
صفحة 1342
ذلك الذي يبرءوا منه، قد لزمت ولايته أهل الدار في وقته ذلك وعصره.
فإذا كان على أحد هذه المنازل، فلا يجوز له أن يحسن فيهم الظن على هذا، لأنهم قاذفون لوليه، مخلوعون محجوجون، لا حجة لهم على غيرهم، وهم وغيرهم في ذلك بالسواء من الحكومة، ولا يجوز له أن يضيع فيهم ما قد لزمه من الحق فيهم في دين الله بحسن ظنه فيهم، لأنه لا يجوز الحكم بحسن الظن، ولا بسوء الظن، وكما لا يجوز أن يحكم بسوء الظن، فكذلك لا يجوز الحكم بحسن الظن، وإنما يجوز ويلزم الحكم بالحق على مخالفة أحكام الظن.
والعلماء وغيرهم في الأحكام بالحق سواء، ولا يكون للعلماء حجة يخالفون بها منازل غيرهم في وجه من الوجه كلها من أحكام، ولا من منازل الإسلام، إلا في موضع قولهم بالحق، إذا لم يخالفوا الحق في قولهم في الفتيا وغيره من القول بالحق في الدين، الذي هو من الشريعة، ولا يخرج مخرج الحكم بين الناس.
وكذلك في براءتهم من المبطل على الباطل الذي جهله الجاهل، فلا تجوز البراءة من العلماء، ولا الوقوف عنهم برأي، ولا بدين في هذين الموضعين في موضع ما قالوا من الحق والعدل الذي جهله غيرهم من الجهال، ولا في براءتهم من المبطل الذي قد علم الجاهل بحدثه، وجهل معرفة حرمة حدثه، فهذان هما الموضعان اللذان للعالم فيهما ما ليس للجاهل، ولا للضعيف من المسلمين.
وسائر ذلك من الأحكام والخصومات بين أهل الإسلام، فالحكم فيهما بين الجاهل والضعيف والعالم سواء الاختلاف بينهم في ذلك.
وكذلك لو برئ هؤلاء العلماء وأضعافهم من ولي له قد علم منه حدثا قد لزمه الوقوف عنه بالرأي، أو بالسؤال، ولم يعلم أن العلماء (4/224)
صفحة 1343
علموا منه بذلك الحدث، ولا بحدث غيره فبرئوا منه على هذا معه، وقد علموا أنه يتولاه، أو كانت ولايته ذلك الذي يتولاه لازمة أهل الدار وأهل الموضع.
قال غيره:
وهو أن يكون إماما من أئمة أهل الدار المعقود لهم الإمامة، أو من علماء أهل الدار الشاهد في الدار علمه كان عليه أن يبرأ منهم كلهم بالرأي، وكانوا كغيرهم من الخصماء، وزالت عنهم حجة العلماء والفقهاء، ولو كانوا في أصل براءتهم محقين من هذا الذي يبرءوا منه، ولا نعلم في هذا اختلافا بين أهل العلم بأحكام الولاية والبراءة أحسب أنه رجع إلى قول أبي سعيد.
كذلك لو رأى هؤلاء العلماء كلهم وأضعافهم قد اجتمعوا على القول بحرف من حروف الباطل، مما يخالف ذلك الحرف، كتاب الله، أو سنة نبيه، أو إجماع المحقين من الأمة فقالوا بذلك الحرف: إنه باطل، وهو حق، أو أنه حق وهو باطل، وقالت أمة مملوكة بخلافهم في ذلك، بما وافق الحق، أو لم يقل أحد بخلافهم، فلا يحل لهذا الجاهل أن يتولى هؤلاء العلماء الذين هم عنده أمناء حكماء.
فإن تولى هؤلاء العلماء بدين، أو تولى أحدا منهم بدين على ذلك بغير شريطة البراءة منهم في الجملة، أو لغير عذر يجوز له في الإسلام إلا لموضع أمانته لهم، وحسن ظنه فيهم، أنهم علماء، وأنهم حجة، كان بذلك من الهالكين الضالين عن سواء السبيل.
وإذا كانوا أولياءه فيما مضى، لزمه فيهم أن يبرأ منهم بدين من حين ما سمع منهم ذلك، إن وفقه الله لعلم ذلك من أي الوجوه علم، فإن قصر نظره عن ذلك كان عليه أن يقف عنهم وقوف رأي، أو وقوف سؤال، ولا يجوز له أن يقف في هذا الموضع وقوف دين، وهم كغيرهم (4/225)
صفحة 1344
من الناس في هذا الموضع، كانوا بذلك مفتين لغيرهم أو متقولين بغير فتيا كان لهم في ذلك خصم، أو لم يكن لهم في ذلك خصم، ولا فرق في ذلك بين العلماء وغيرهم.
وإذا كانوا مختصمين بالاختلاف في أصل الدين، ولو كان خصم هؤلاء العلماء كلهم أمة مملوكة، وقد قالت بالحق، فإن كانت هذه الأمة قد نزلت بمنزلة العلماء الذين يكونون حجة في الفتيا، كانت حجة على الجاهل، وكان عليه أن يقبل منها الحق بالبراءة من العلماء في وقته وحينه، أو يقف عن العلماء كلهم برأي، أو بالسؤال، ويتولى الأمة المملوكة أقل من ذلك على الاختلاف.
قال غيره:
يخرج عندي معنى قوله أنها إذا كانت هذه الأمة من العلماء فأفتت في ذلك بالبراءة من العلماء كانت حجة في ذلك، وعلى من أفتته أن يبرأ من العلماء، وعلى قول من لا يجعل العالم الواحد حجة فيما يسع جهله، فلا يلزمه قبول قولها، ويجيز له إذا لم يجعلها عليه حجة أن يقف عن العلماء برأي، أو بسؤال، لأنهم مبطلون، ولا يجوز له ولايتهم بالدين إلا على شريطة البراءة، أو برأي.
وعلى كل حال، فلا يجوز له الوقوف عن الأمة برأي، ولا بدين من أجل قولها بالحق، ولا البراءة منها برأي ولا بدين، لأن الأثر المجتمع عليه أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه، أو يبرءوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، فليس لهم على كل حال كانت حجة أو كانت غير حجة، أن يقفوا عنها أو يبرءوا منها، من أجل قولها بالحق، ومن أجل براءتها بالحق.
رجع إلى قول أبي سعيد: وقولنا: إن عليه قبول قول الأمة بالحق، والبراءة من العلماء كلهم من حينه وساعته، وإلا كان محجوجا (4/226)
صفحة 1345
شاكا في حجة الله، وهذه الأمة في هذا الموضع حجة الله على هذا الجاهل، وعلى جميع أهل الأرض في بيان أمر هؤلاء العلماء، الذين قامت عليهم بالحق في ذلك.
قال غيره:
انظر في قول أبي سعيد، فإنه جعلها حجة، وأخذ بقول من قال: إن العالم الواحد حجة.
رجع إلى قول أبي سعيد: ولا ينفك جميع أهل الأرض من هذه الأمة، وهؤلاء العلماء من أحد أمرين: إما أن يتولوا هذه الأمة، ولا يقفوا عنها برأي ولا بدين، أو يقبلوا منها قولها في هؤلاء العلماء، ويبرءون منهم من حينهم وساعتهم، مع كلمح البصر، وإلا هلكوا جميعا، ولو كانوا جميع أهل الأرض من أهل المشارق والمغارب.
قال غيره:
وانظر في قول أبي سعيد: إنه لم يجعل لهم مخرجا من حالتين: إما أن يكون حجة فعليهم قبولها مع كلمح البصر، أو لا تكون حجة عليهم على قول من قال به فعليهم ولايتها، ولا يقفوا عنها بدين ولا برأي.
رجع إلى قول أبي سعيد: وكذلك لو رأى عالما من العلماء، أو جماعة من العلماء عملا قد أجمعوا عليه من الباطل الذي مخالف الحق في دين الله، ولا يختلف فيه دين الله، ولا مخرج لذلك الذي رأى منهم من الباطل، ولا يحتمل مخرجا من مخارج الحق، فهم كغيرهم من الناس، ولا يحل له أن يتولاهم ولاية دينونة بغير شريطة.
فإن تولاهم على ذلك، أو أحدا منهم بغير شريطة البراءة، كان بذلك هالكا محدثا، فإن أبصر حدثهم وهداه الله إلى ذلك بأي وجه من الوجوه، ولو من طريق ما ألهمه الله من صواب ذلك وزينة في قلبه، (4/227)
صفحة 1346
كان عليه البراءة منهم معا، ولم يجز له الشك فيهم بعد العلم، فإن لم يبصر حدثهم ولا ضلالهم، فلا يجوز له أن يتولاهم بدين، ولكن له أن يقف عنهم برأي، ويتولاهم برأي على اعتقاد السؤال على قول من يقول بذلك، وليس بالمجتمع عليه.
وقد بينا ذلك وهم في هذا الموضع كغيرهم من الناس في الأحكام.
قال غيره:
انظر في هذا الفصل فإنه منه تصح البدع، وانظر في هذا الفصل الذي قبله، فإنه أيضا تخرج منه أحكام البدع، لأنه كلما لم يجز فيه قبول فتيا العالم مما قد خالف فيه دين الله، فذلك هو أصل البدع، ومنه تخرج أحكام البدع، ولأنه لا يحتمل في دين الله إلا معنى واحدا.
رجع إلى أبي سعيد: وقد بينا الموضع الذي يكون العلماء فيه حجة، وهو الحق بالحق، وفي البراءة بالحق، من أهل الباطل فقط لا غير ذلك.
وقد بينا ما الحجة لهم في ذلك، وما يلزم لهم وفيهم، وهو أن يقبل منهم الحق الذي قالوه، وأقل ذلك أن لا يبرأ منهم عليه برأي، ولا بدين، ولا يقف عنهم برأي ولا بدين.
قال غيره:
يخرج في معاني أبي سعيد، وسواء خالفهم أحد أو لم يخالفهم في ذلك، كان المخالف لهم من العلماء، أو من الضعفاء، أو من السفهاء، فكله سواء، وقد صار العلماء المخالفون لهم في ذلك سفهاء ضلالا كفارا، فلا يجوز أن يبرأ منهم، ولا يقف عنهم برأي، ولا بدين، من أجل قولهم بالحق، أو من أجل براءتهم بالحق ممن خالفهم.
ويخرج في معاني قوله: إن هؤلاء العلماء المحقين هم بين حالتين: إما أن يكونوا حجة فلازم قبول قولهم، وتصديق قولهم، ولا يسعه الشك (4/228)
صفحة 1347
فيما قالوا من الحق وأتوا به من الحق، وإما أن يكونوا حجة، فأقل ما يكون أن تثبت ولايتهم، ولا يقف عنهم برأي ولا بدين، ولا يبرأ منهم برأي ولا بدين.
فالحجة في ذلك الأثر المجتمع عليه أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه، أو يبرءوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، ولم يجيزوا الوقوف عن العالم المحق برأي ولا بدين، ولا البراءة منه برأي ولا بدين من أجل قوله بالحق.
رجع إلى قول أبي سعيد: وأقل ذلك أن لا يبرأ منهم عليه برأي، ولا بدين، ولا يقف عنهم عليه برأي، ولا بدين، من أجل قولهم بالحق، ومن أجل براءتهم من المبطل بالحق الذي قد عرف من المبطل، وجهل الجاهل حكم الحدث الذي علمه من المبطل، وقصر بصره عن علمه، وضاق عن قبول قول العالم في ذلك، فأقل ذلك أن لا يبرأ من العالم في ذلك، من العالم في ذلك برأي ولا بدين، ولا يقف عنه برأي ولا بدين.
وأما سائر الأحكام كلها في الولاية والبراءة في جميع فنون أحكامها، فهم كغيرهم من الناس في جميع الأحكام، وجميع حقوق الإسلام فيما يكونون مدعين، فهم مدعون، وفي موضع ما يكونون قاذفين، فهم قاذفون كغيرهم.
وفي موضع: ما يكونون حكاما، فهم حكاما كغيرهم.
وفي موضع: ما يكونون خصماء، فهم خصماء كغيرهم.
وفي موضع: ما يكونون شهودا فهم شهود كغيرهم، لا فرق بينهم وبين الناس في ذلك لاختلاف منازلهم في العلم، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين المسلمين أهل العلم منهم، وسواء عصى الله العالم بما يكون فيه مفتيا، أو عصاه بما يكون فيه متعديا، أو عصاه بما يكون فيه مدعيا، أو بما يكون فيه قاذفا. (4/229)
صفحة 1348
فإذا بلغ إلى حال ما يكون فيه عاصيا لله في حكم دين الله، فهو كغيره من الناس، وأعظم حدث العالم، وأشد فتنة على الناس العالم إذا عصى الله، وخالف الحق من طريق القول بما يزعم أنه حق، وبما يزعم أنه دين، وبما يرى الجاهل أنه فيه عالم، أو بما يجهل الجاهل منزلة العالم في ذلك، من غير العالم.
وهذا موضع عظيم من عظيمات المهالك، وجاء الأثر مجملا أنه لا يجوز الوقوف عن العلماء برأي، ولا بدين، وإنما هو خاص فيما وصفنا مما يكون فيه الحجة، وفيما يكون فيه عالما بالحق، ولو تأول ذلك متأول أن ذلك لا يجوز الوقوف عن العالم برأي، ولا بدين في جميع الأمور، كان ذلك ضلالا وبدعة عظيمة وفتنة جسيمة.
ولو كان ذلك، لكان أهل الأديان يجوز لهم ولاية أئمتهم في الدين إذ لا يحل لهم الوقوف عنهم ما كانوا معهم في منازل أهل العلم في جهلهم بالعلماء، وأسماء العلماء، إذا ظنوا أنهم علماء، وظهر عليهم اسم العلم أنهم علماء بذلك أبدا، وذلك ضلال ومحال، ولا يكون العاصي لله أبدا من العلماء في هذا الاسم وإنما خص هذا الاسم للعلماء المحقين المستقيمين على سبيل الحق فيما قالوا من الحق، أو قاموا به من العدل، على ما وصفنا لا غير ذلك.
وذلك هو الأصل الذي قال به المسلمون، وأجمعوا عليه أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه، أو يبرءوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، فإذا تولوا العلماء على ركوب الباطل، لحقهم في ذلك حكم الولاية لأهل الباطل، وسواء علموا أن ذلك لهم، أو جهلوا، لأنهم قد ركبوا بولايتهم للمبطل، وهذا ما لا يختلف فيه، ولا يشك فيه مع أهل العلم. (4/230)
صفحة 1349
قال غيره:
عندي أن المعنى يخرج في قوله: وسواء علموا أن ذلك لهم أو جهلوا، لأنهم قد ركبوا الجهل بولايتهم للمبطل، أن وسواء علموا أن ولايتهم للمبطل حلال لهم، وجائز لهم أو جهلوا ذلك فلم يعلموا أنه حرام، فلا عذر لهم في ذلك، وهم مبطلون بولايتهم للمبطلين، لأنهم قد ركبوا الباطل بولايتهم للمبطل، أو للمبطلين، وسواء تولوا واحدا أو ألف واحد، فهم مبطلون بولايتهم لهم.
رجع إلى قول أبي سعيد: وفي نفس القول كفاية عن تفسير أم أهل الضلال بأعيانهم وأسمائهم، وولاية من اتبعهم على ذلك من الأتباع على ما يظنون أن ذلك منهم حق وعدل، ويتقربون إلى الله بذلك، ويدينون به، وكم من أهل هذه الصفة من الهالكين بولاية علمائهم بتقليدهم لهم بالباطل، وقبوله منهم، وولايتهم عليه، فبولايتهم عليه تبارك وتعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (المائدة:51) فقد حكم عليهم بأنهم منهم بالولاية لهم، فأدخلهم في الجملة بالولاية.
قال غيره:
حسن ما احتج به خطأ العلماء، وخطأ من اتبعهم وهلاكهم، لأنك أنظر في جميع هذه المذاهب الضالة، وأنهم إنما ضلوا الضعفاء باتباع العلماء الضالين، ولم يكن للضعفاء والجهالة عذر في اتباع العلماء في ذلك، وكانوا كلهم ضلالا.
رجع إلى قول أبي سعيد: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب قوما فهو منهم» المعنى أنه من أحبهم على الحق فهو منهم، ومن أحبهم على الباطل فهو منهم، ولا يجوز في تأويل الحق أن يكون اليهودي إذا أحب ولده المسلم لمحبة القرابة كان منه من المسلمين، ولا أن المسلم إذا أحب رحمه أو والده محبة القرابة والرقة كان منهم في دينه، هذا من المحال والضلال. (4/231)
صفحة 1350
وقد قال الله تبارك وتعالى لنبيه في أهل الكتاب ليخاطبهم، وقد قالوا: {إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} (آل عمران:183)، فقال الله تبارك وتعالى: {قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران:183)، وقد صح معنا في العقول أن هؤلاء المخاطبين بأعيانهم لم يقتلوا نبيا ولا رسولا، وإنما قتلهم أسلافهم من الذين يدعون دينهم، ويسلكون سبيلهم، ويتولونهم على ذلك، فسماهم الله قاتلين للرسل، إذ تولوا قتلة الرسل صلوات الله على نبينا محمد وعلى جميع النبيين والمرسلين.
فمن يدعي ويقول: إن هؤلاء المخاطبين يقتلون الرسل منذ خمسمائة سنة أو أكثر أو أقل من ذلك، فهذا ما لا يكون، ولا تعقله العقول، ومن يقول إنهم لم يقتلوا، وقد سماهم الله قتلة قاتلين، وإنما قال أهل العلم: إنهم بولايتهم للقتلة، وتصويبهم لهم في دينهم، كانوا قاتلين وإن لم يقتلوا بأيديهم، ولم يأمروا بألسنتهم، ولم يرضوا بالقتل، إلا أنهم تولوا القتلة في دينهم، فهم بذلك قاتلون لا محال في دين الله تبارك وتعالى في التسمية، لقوله عز وجل: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (المائدة:51)، في دينهم، ومن كان منهم في دينهم لحقه ما لحقهم من السخط من الله والعقوبة، وإن لم يلحق المتولي ما لحق القاتل من القود والدية والعقوبة في الدنيا.
فافهموا رحمكم الله تأويل الآثار، والأخبار والكتاب، والسنة، ولا تحملوا الخاص من ذلك على العام، ولا العام على الخاص فإن في ذلك الهلاك في الدين، والخلاف الشديد لدين المسلمين.
قال غيره:
إنما أكتب هذه الآثار لأنها مما يستعان بها على أمر الاختلاف بين أهل عمان، وليحذر الهلكة عند مخالفة الحق، ويجتنب التقليد الذي قد جاء عن جميع الفريقين المختلفين، أنه لا يجوز التقليد في الدين في براءة ولا تضليل، ولا شيء من أمر الدين الذي ليس هو من الرأي. (4/232)
صفحة 1351
وقال هاشم بن غيلان: كان أشياخنا يعلمونا إذا اختلف الناس في شيء مما يحل بعض، ويحرم بعض، أو في ولاية، أو في براءة، فيتولى بعض، ويبرئ من بعض، فقف عند الشبهات حتى تعرف من الحرام والحلال، ويتبين لك الولاية والفراق.
وقل عند ذلك قولي في هذا الأمر قول المسلمين، وديني دين المسلمين، فما اجتمع عليه رأي المسلمين فأنا منهم، ولا تعجل عجلة خرق حتى يتبين لك الحق فتتول على بصر، وتبرأ على بصر، وتخل بعلم، وتحرم بعلم، وقل: أنا واقف حتى أسأل المسلمين أهل العلم والثقات، فإن اختلف الناس فكن عند أهل الصدق، أفاضل المسلمين من أهل العلم بالله وبكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فإنك موفق إن شاء الله.
وعلى ذلك مضى أوائل المسلمين، وكان هذا قولهم، نسأل الله التوفيق لما يشاء ويحب ويرضى.
قال غيره:
انظر في هذا الأثر فإنه أثر مجمل، لأنه قال: إذا اختلف الناس، ولم يقل: إذا اختلف الضعفاء ولا العلماء، لأن الناس اسم جامع يدخل فيه أهل الشرك وأهل الإقرار، ويدخل فيه أهل الدعوة وغير أهل الدعوة ويدخل فيه العلماء من أهل الدعوة والضعفاء.
فانظر فيه فإنه لم يبين أنهم إذا اختلفوا في شيء مما تقوم به الحجة من العقل أو في شيء مما تقوم به الحجة من السماع.
وانظر فيه فإنه لم يبين فيه إذا اختلفوا في شيء مما يسع جهله أو في شيء مما لا يسع جهله، مما تقوم به الحجة من السماع.
وانظر في آخر هذا الأثر فإنه قال: فإن اختلف الناس فكن عند أهل الصدق أفاضل المسلمين من أهل العلم بالله، وبكتابه، وسنة نبيه فغرم هاهنا على الكون إذا اختلف الناس عند أهل الصدق. (4/233)
صفحة 1352
ولربما سأل السائل فاختلف عليه الجواب ممن يسألهم فتقول طائفة بقول أحد المختلفين، ويقول غيرهم بقول الفرقة الأخرى من المختلفين، فلا يبين لي الحق في ذلك، ويزول عنه الريب في معرفته مع اختلافهم، وليس كل سائل موفق إلا من شاء الله.
وإن كان قد يوجد عن أبي محمد بن بركة أن عليه أن يستدل ويجتهد في طلب المحق من المبطل، وفي حكم ما اختلفوا فيه، فإذا اجتهد فيه، وناصح نفسه في الطلب والاستدلال، فلابد أن يهجم على بغيته وحاجته.
وقد بلغناكم عن مجتهد ضل وهو يحسب أنه على الحق، وقد شاك كثير في نبوة بعض أنبياء الله فلم يعلموا نبوته علما يزول معه الريب والشك في نبوتهم، وقد بين الله لهم الحق في ذلك، وبين لهم الحق فيه، فأقام عليهم الحجة بذلك، وقطع عذرهم فيه، فلم ينفعهم ما بين الله لهم من الحق في ذلك، ولا ما بين لهم من الحق، ولم يعذرهم الله بالشك في ذلك إذا لم يعلموا علما يزول به الشك عنهم فيه، ولا كان الوقوف لهم في ذلك جائزا، ولا السؤال فيه بعد قيام الحجة عليهم.
والذي عندنا وعرفنا أن كل شيء قامت به الحجة عليهم من دين الله فلا عذر لمن خالفها إذا لم يبين له حقها تبيينا يزول به الريب عنه، وقد قال الله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} (فصلت:17)، فقد يوجد في ذلك أنه هدى بيان، فلم ينفعهم ذلك البيان، ولعل بعضهم يكون مكابرا على مخالفة الأنبياء بعد العلم بنبوتهم، ولعل بعضا يكون شاكا في نبوتهم، وكلهم في الحكم مشركون.
وقد قيل: إن سليمان النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيرا من يتهمه بالسحر، وإن لم يبرأ من التهمة والادعاء عليه حتى برأه الله على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزل الله عليه في كتابه، فلم يكن لمن شك في نبوة سليمان صلى الله عليه وسلم عذر، ولا محالة عندي (4/234)
صفحة 1353
أن الله قد بين له بنبوة سليمان، وأقام عليهم الحجة بنبوته، وقطع عذرهم فيهم، فمن من الله عليه بقبول الحق في ذلك اهتدى، ومن خذله ولم يقبل الحق وشك ووقف عن الإقرار بنبوته ممن ألزمه الله، وأقام عليه الحجة في ذلك ممن شاهده أو غاب عنه فلم يعذره بشكه ووقوفه، ولا باعتقاد السؤال عن ذلك.
وكل حجة لله قامت على أحد في شيء من دينه، فلا عذر له في تركها، ولا في مخالفتها كائنا ما كانت من نبوة نبي أو من ترك شيء من محرماته، أو في أداء شيء من فرائضه، أو في معرفة شيء من توحيده، أو في معرفة الحق من اختلاف أحد المختلفين، لا فرق بين ذلك بعد إقامة به، وعلى من قامت عليه الحجة به القيام بما تعبده الله به منه.
وليس التوفيق من الله، والتسديد لجميع عباده بالسواء، بل واحد موفق وآخر مخذول، وهكذا عندي والله أعلم.
وقد قيل: إن عمران إمام مسجد الباب الذي يصلي فيه ضمام ابن السائب وهو مريض، فقال عمران: يا ضمام إني لأضيق أن أزعم أن الله تعالى بحكمه وعدله دعا العباد إلى شيء لم يجعل لهم السبيل إليه.
فقال له الربيع: أفترى أن المن من الله، والتوفيق والتسديد منه، لأبي بكر وعمر، كتسديده وتوفيقه لأبي جهل؟ فقال عمران: لا لعمري ما هما سواء.
فقال ضمام للربيع: شد عليه.
وأعجبه ما قال الربيع.
وقيل: إن عمران لم يزل إمام المسجد، ولم يضره ذلك القول عند (4/235)
صفحة 1354
ضمام ولا غيره، لأنه إنما ضاف في شيء، ولم يخالف فيه، ولم يدن به، هكذا وجدت.
وقد عرفت أنه إذا اختلف العلماء في حادثة، فأحلها بعضهم، وحرمها بعضهم، أو تولى راكبها بعض، وبرئ من راكبها بعض، وكانت تلك الحادثة مما الحق فيها في واحد، ولا يحتمل في دين الله إلا صواب أحد الفريقين، وباطل أحد الفريقين.
فإذا كان العلماء المحقون في ذلك مما تقوم بهم الحجة في ذلك، فعلى من علم باختلافهم مع العلماء المحقين، وعليه قبول قولهم، والتصديق لهم، وهم الحجة على من علم باختلافهم، وعلى من خالفهم من العلماء، وسواء كانت الحادثة مما يسع جهلها، أو مما لا يسع جهلها.
فلا عذر لمن يشك في قول العلماء المحقين في ذلك، وقد قامت بهم الحجة على من علم باختلافهم في ذلك، وعلى من خالفهم فهم حجة الله في ذلك، ولا تزول حجة لله لمخالف من خالفها، ولا لفراق من فارقها.
وهذا على قول من يقول: إن العلماء حجة فيما يسع جهله، وقد اختلف في ذلك فقال من قال: إن العالم في ذلك حجة، وقد تقدم ذكر ذلك، والاحتجاج على أن بالعالم الواحد تقوم حجة الله فيما يسع جهله، وفيما لا يسع جهله.
وقد قال أبو الحواري: إن العالم الواحد حجة.
وقال من قال: إن العالمين حجة فيما يسع جهله.
وقال من قال: حتى يكون العلماء في الكثرة ممن لا يجوز عليه الغلط، وتقوم به حجة الشهرة، ثم حينئذ يكونون حجة فيما يسع جهله.
وأما فيما لا يسع جهله فالعالم حجة في ذلك، ولا أعلم فيه اختلافا. (4/236)
صفحة 1355
وعلى كل حال فقد قيل: إنه لا يسعه الوقوف عن العالم المحق، ولا الترك لولايته من أجل ما قاله من الحق من دين الله، ولو وسعه الشك فيما غيره من دين الله وقاله، إذا كان ذلك مما يسعه جهله، فعلى قول من يجعل العلماء حجة فيما يسع جهله، فهم حجة الله في ذلك، ولا عذر لمن جهل حقها، ولا لمن شك في قولها، وهم حجة الله على من علم باختلافهم، وعلى من خالفهم من العلماء المبطلين.
ولا يجوز الوقوف عن ولايتهم، ولا البراءة منهم، من أجل ما قاموا به من دين الله، وهم حجة الله على من جهل حقهم، أو علم حقهم، وقد قال الله: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} فق قيل إنه هو العالم، {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} (هود:17)،فقد قيل إنه هو قوله بالحق، وعبادته لدين الله، فلسانه هو الشاهد.
وأما إذا كان المختلفون في ذلك من ضعفاء المسلمين، الذين لا تقوم بهم الحجة في ذلك، فقد قيل: أنه يجوز لمن علم باختلافهم، وجهل حق المحق منهم، وباطل المبطل منهم، أن يقف عن جميعهم وقوف سؤال، وسواء كثر المختلفون أو قلوا، فجائز الوقوف عنهم، لأنه ليس أحد منهم حجة في ذلك، فيسع الوقوف عنهم، والشك في قولهم، وترك الاتباع لهم حتى يسأل عن ما اختلفوا فيه، ويتبين له المحق منهم والمبطل منهم، فيكون مع المحقين منهم، ويفارق المبطلين منهم، ولم يجعلهم الله حجة له في ذلك.
وأما إذا كان المختلفون فيما لا يسع جهله، مما تقوم به الحجة من العقل، فعلى من علم باختلاف المختلفين فيه تصديق المحق منهم، والكون معه، مفارقة المبطل منهم، تخطئته، وسواء كان المختلفون في ذلك علماء أو ضعفاء، أو ضعفاء وعلماء.
فعلى من علم باختلافهم، الكون مع المحقين منهم، والمفارقة للمبطلين، وسواء كان المحق من العلماء، أو من الضعفاء، وسواء كان (4/237)
صفحة 1356
المبطل من العلماء، أو من الضعفاء، فلا يسع الشك في ضلال المبطل، ولا في حق المحق منهم.
وذلك مثل أن يختلف المختلفون فيقول بعضهم: إن الله يحي الموتى، ويقول بعض: إن الله لا يحييهم، أو يقول بعض: إن الساعة آتية، ويقول بعض: إن الساعة غير آتية، أو يقول بعض: إن الله يبعث من في القبور، ويقول بعض: إن الله لا يبعث من في القبور، أو غير هذا من جميع توحيد الله، ووعده ووعيده، مما تقوم به الحجة من العقل.
فعلى من علم باختلافهم، وعرف معنى كلامهم، أن يعلم المحق منه، ويكون معه، وأن يفارق المبطل منهم ويضلله، لأنه لو خطر بعقله هذا كان عليه أن يعلم أن الساعة آتية، وأن الله يحي الموتى، وأن الله يبعث من في القبور.
ولو لم يسمع بذكر ذلك من ذاكر، ومن أثر، ولا من اختلاف المختلفين، فالحجة قائمة عليه من عقله في ذلك، ولا يجوز له الشك في ذلك، ولا الوقوف.
فانظر في هذا، فإنه كما لا يجوز له الشك في حجة الله التي تقوم من العقول ومخالفتها ومفارقتها، كذلك لا يجوز له الشك في حجة الله التي تقوم بها الحجة من السماع، ولا مخالفتها، ولا مفارقتها، فبعد أن يجعل الله شيئا حجة في دينه، فلا يجوز مخالفتها ولا مفارقتها.
والأثر الشاهد السائر أنه لا يسع الشك في كفر المستحلين لما حرم الله، ولا الشك في كفر المحرمين لما أحل الله، فكل من علم حلالا من دين الله من كتابه، أو سنة رسوله، أو إجماع أمته، أو حراما من دينه، فيسمع من يستحل ذلك الحرام، أو يحرم ذلك الحلال، (4/238)
صفحة 1357
فقد قيل: إنه لا يسع الشك في ضلاله، ولا في باطله، وإن الحجة تقوم على من علم ذلك من عقله، وسواء اختلف المختلفون في ذلك، أو لم يختلفوا، وسواء كان المختلفون ضعفاء أو علماء، فإنه لا يسع الشك في ضلال المبطل من المختلفين، ولا في حق المحقين.
فإن كان المختلفون من العلماء، لم يجز الوقوف عنهم، ولا عن بعضهم، وعليه الكون مع المحقين، والمفارقة للمبطلين.
وانظر الفرق بين هذه الاختلافات، لئلا يحتمل ذلك كله على معنى واحد، ويجعل الحكم في المختلفين فيما يسع جهله، وفيما لا يسع جهله وفي من تقوم به الحجة، وفي من لا تقوم به الحجة سواء، ويسوي بين الأحكام في ذلك.
وهذا الأثر عند الذين يبرءون من موسى بن موسى، وراشد بن النظر شبه المجتمع عليه، لأنه يوجد أن موسى وراشد بن النظر كانا مستحلين لما حرم الله عليهما، وأنه لا يسع جهل كفرهما، ولا الشك في ضلالهما، وإن كان قد قال: إنه يسعه الشك في ضلال المستحلين، فإن القول الأول هو الأكثر، ولا يخطأ من قال بهذا.
فانظر في جميع ما كتبته، وتدبره ولا تأخذ منه إلا بما وافق الحق والصواب.
وكذلك يوجد عن أبي محمد في كتاب المبتدأ مختصر منه.
فإن قال: أفكل المقرين حجة؟
قيل له: بل يلزمه أن لا يأخذ تفسير ما تعبده الله به من المتهمين في دين الله، وأن لا يأخذ ذلك إلا من أهل الستر والعفاف، والعلم بما تعبده الله به، لأن الله يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} (البقرة:143). (4/239)
صفحة 1358
والشهداء الذين هم الحجة لله عليهم في الدنيا والآخرة، ولا يكونون إلا عدولا مرضيين.
فإن قال: فإذا وجد أهل العدالة المنسوب إليهم العلم مختلفين في تفسير شيء مما جاء من عند الله، لحادث وقع عنهم في تفسير شيء مما جاء من عند الله، وكل فرقة تخطئ الأخرى؟
قيل له: عليه أن يستدل ويجتهد في طلب المحق من المبطل، وفي حكم ما اختلفوا فيه فإذا اجتهد لله فيه، وناصح نفسه في الطلب، والاستدلال على الحق، فلابد له أن يهجم على بغيته وحاجته.
فإن قال: أفكل حادث يكون -نسخة- كان بينهم أو حدث فيهم هذا حكمه؟
قيل له: الحوادث على ضربين، فضرب منها يكفر به فاعله، ويجمع المسلمون على البراءة منه به، ويلزمه البراءة من أهل العلم بحكمه، وتكون العامة تبعا للعلماء، مصوبة لهم، دائنة لله تبارك وتعالى بالولاية لهم على ما دانوا به فيه.
وفي كل حادث لم يبلغ علمهم المعرفة بحكمه، وقصرت أبصارهم عن ذلك، والضرب الآخر الحادث، هو كلما اختلف فيه أهل الحق، وتنازعوا في حكمه حتى يؤدي ذلك إلى تخطئه بعضهم بعض، ولا يجوز أن يكونوا مع هذا الاختلاف والتخطئة منهم لبعضهم بعضا مصيبين، وإن اسم العدالة تجمعهم، والولاية ثابتة لجميعهم، فهذا فرق بين الحوادث التي لا تكون، -وفي نسخة- التي يكون الحق فيها واحدا.
فإن قال: فما الواجب على الضعيف الذي لم يعلم حكم ما ختلفا فيه، ولم يعلم المصيب منهم من المخطئ، وقد شاهد هذا الحال منهم؟ (4/240)
صفحة 1359
قيل له: الواجب عليه أن يقف عنهم لجهله بالمخطئ من المصيب منهم، وعليه السؤال عنهم، والبحث عن حكم ما اختلفوا فيه إلى أن تقوم الحجة لله بصحة الحكم عنده، فيدين فيهم لله بعلم.
قال غيره:
عندي أن معنى قول أبي محمد هذا أن الحادثة التي يكفر بها راكبها إن وجد المسلمين مجتمعين على البراءة من فاعلها، فالعامة تبع للعلماء، ولا يكون في هذا وقوف ولا سؤال.
وإن وجدوا مختلفين في حكمها، يخطئ بعضهم بعضا فالواجب على الضعيف الذي لم يعلم حكم ما اختلفوا فيه، ولم يعلم المصيب من المخطئ، أن يقف عنهم، وعليهم السؤال عن ذلك إلى أن تقوم الحجة له بصحة الحكم عنده، فيدين لله فيهم بعلم.
فانظر كيف جعلهم أبو محمد حجة الله في دينه ما لم يختلفوا، وإذا اختلفوا لم يكونوا حجة، وجاز الوقوف عن المحق منهم وعن المبطل وساوى بين المحق والمبطل في الوقوف، وفي ترك ولايتهم.
وكذلك ساوى بينهم في ترك قبول قول المحق منهم، وفي ترك قبول قول المبطل منهم، ثم لم يجعل لذلك غاية، وأجاز له الإقامة على شكه إلى أن تقوم الحجة له بصحة الحكم عنده، فيدين لله فيهم بعلم، وما لم يعلم ذلك، وتقوم له الحجة بصحة الحكم عنده، فهو سالم مسلم، مؤمن ولي لله، والله أعلم.
هكذا يبين لي أنه يخرج من معاني قوله: وكذلك يوجد فالله أعلم أنه عن أبي الحسن البسياوي أو غيره، وأحسب أنه عنه والله أعلم.
وأما ما اختلف فيه المسلمون من الدين، وما لا يكون الحق إلا في واحد منه بين المختلفين، وتظاهروا بالبراءة من بعضهم بعضا، فعلى (4/241)
صفحة 1360
كل من علم حكم ما اختلفوا فيه، أن يبرأ من المبطل، ولا يحل له أن يقف عن المبطل بعد قيام الحجة عليه، ولا يجوز له ترك ولاية المحق من أوليائه إذا علم استحقاقهم، وعدل ما قالوا.
وأما من لم يعرف عدل ما قالوا، ولا حكم ما اختلفوا فيه، وهم يبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضا، ولم تقم عليه حجة من كتاب الله، ولا سنة ولا إجماع، أو كان ضعيفا لا يعلم ذلك، فإن له أن يقف، وعليه السؤال عنهم، والبحث عن حكم الاختلاف، وطلب الحجة منهم ومن غيرهم من العلماء، بدليل الكتاب والسنة، والإجماع من الأمة، حتى يعلم المحق فيتولاه، والمبطل فيبرأ منه، ولا عذر له إلا بالسؤال والطلب.
لأن الذي حفظناه عن ذوي الألباب أن كل ما اختلف الناس فيه من شيء مما لا يكون الحق إلا في واحد بين المختلفين، أن السؤال فرض واجب، ولا يسع الشك فيه.
فإن قال قائل: لم أجزت له أن يقف عن المحقين وإن لم يعلمهم أنهم محقون، ولا يسعه الوقوف عنهم؟
قيل له: يقف عنهم وقوف تبيين وسؤال، وطلب معرفة المحق بالدلالة التي وصفناها، والدليل على ذلك قوله الله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات:6) وأحدهما فاسق، ولم يعلم من هو منهم.
قال غيره:
يوجد أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليجبي صدقاتهم، فرجع من الطريق بخبر قبيح وقال: إنهم أرادوا قتلي، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يغزوهم، فنهاهم الله عن ذلك، وأنزل الله: (4/242)
صفحة 1361
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} أي بخبر من بني المصطلق {فَتَبَيَّنُوا} أي فتثبتوا حتى يتبين لكم ما جاء به أصدق هو أم كذب، {أَن تُصِيبُوا قَوْماً}، أي تقتلوا قوما {بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ} أي بقتلهم {نَادِمِينَ} هكذا يوجد في بعض الكتب، والله أعلم.
وكذلك يخرج من عندي أن ليس كل فاسق يترك قوله، فمن ذلك لو أن فاسقا أتى قوما وهم عند بعض مواقيت الحج، فقال لهم: إن هذه ذات عرق، أو يلملم، أو بعض المواقيت، وعرفهم بذلك الموضع، فقد قال بعض المسلمين: إن عليهم تصديقه والإحرام من ذلك، وليس لهم أن يجاوزوه إلا وهم محرمون.
ويوجد معنى هذا القول عن محبوب بن الرحيل، فإذا ثبت هذا في المواقيت، ثبت ذلك في جميع ما تعبد الله به من الفرائض، من قبلة، أو وقت صلاة أو تفسيرها، أو زكاة، أو غسل جنابة، أو غير ذلك من الفرائض، وقد قال بذلك من قال من المسلمين.
وكذلك لو أن فاسقة غير متهمة فيما أخبرت به، أخبرت برضاع بين رجل وامرأة قبل تزويجه بها، فقد قيل: لا يجوز له تزويجها ولو كانت هذه المخبرة من أهل الشرك.
وكذلك في كثير من الأحكام يكثر تعديده.
وانظر أيضا، فهب أيضا أنه كذلك، فلما أمر الله بالبين عند خبر الفاسق، فلم لا يكون ذلك خاصا في الفاسق المبطل فيما أخبر به من دين الله، دون المحق فيما أحدثه مما لا يسع المخبر به جهله، ولا قصدي بهذا معارضة، ولكن ليعلم المعاني في ذلك فانظر فيه رجع إلى قوله.
وقال: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فأمرنا بالسؤال لأهل الذكر، إذا كنا لا نعلم، فعلينا أن نسأل أهل الذكر فيما أشكل علينا. (4/243)
صفحة 1362
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن وقاف» فعلينا الوقوف فيما لا نعلم، حتى نعلم ونسأل، ونتبين المحق من المبطل، ونطلب من أمرنا الله باتباعه لقوله: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} (الأعراف:181)، فعلينا طلب الأمة الذين يهدون بالحق وبه يعدلون.
وقال: {وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ} (الأعراف:180) ولا تكون معرفة ذلك إلا بالطلب والسؤال والتبين، كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} (الشورى:10)، أي كتاب الله، {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} (النساء:59) يعني إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
فعلينا أن نتبين من جميع ذلك من كتاب الله، وسنة نبيه، حتى نعلم أهل الحق من أهل الباطل، فنتبع أهل الحق ونذر الملحدين، ونطلب الأئمة الذين يهدون بالحق وبه يعدلون.
وقال: {لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} (الممتحنة:13) ولم يعلمهم من جملة المختلفين.
قال غيره:
يخرج في معاني قول من جعل العلماء المحقين حجة الله على من علم بأصل اختلافهم، ومن العلماء المبطلين أن العلماء المحقين هم حجة الله على من خالفهم من العلماء المبطلين، وهم حجة الله على من علم بأصل اختلافهم من الضعفاء والعوام، وأنه لا تبطل حجج الله بمخالفة المبطلين لهم، ولا لجهل الجاهلين بحقهم، وهم أهل الذكر الذين أمر الله بسؤالهم، وهم الأمة الذين يهدون بالحق وبه يعدلون.
وهم الذين أمر الله بالرجوع إليهم عند التنازع والاختلاف، وهم أولوا العلم، وهم الذين أمر الله بولايتهم، والمبطلون هم الذين أمر (4/244)
صفحة 1363
الله بترك ولايتهم، وهم الذين غضب الله عليهم، وهم الذين أمر الله بتركهم وبمخالفتهم وبمعاداتهم.
فانظر في هذا فإنه هكذا يخرج في قول من جعل العلماء حجة الله في دينه وهم أولياء الله وحزبه، وهم الصادقون الذين تلحقهم جميع الأسماء الحسنة الجامعة لأولياء الله إلا ما خص به أحد من أولياء الله أو من أحد صنوفهم.
فانظر في ذلك، ولا تأخذ منه إلا بما وافق الحق والصواب.
ومن الجواب: وأما قول أبي سعيد في العدلين اللذين اختلفا، إنه إن برئ من المحق منهما برأي أو بدين هلك بذلك، ولا تلزمه الدينونة بالسؤال يلزمه فيما يلي به حتى يعلم المحق من المبطل.
قال غيره:
انظر في قوله هذا: فإن الذي يرى من المحق قد ابتلي، وقد حل محل الهلاك، وكفر وضل، فهذا من أشد البلوى، وقد عرفت أن الدينونة بالسؤال تلزمه في كل شيء كان حالا فيه محل الهلاك فيما كان تقوم به الحجة من السماع، وفيما كان من الفرائض التي لها وقت يفوت وينقضي، وما أشبه هذا.
وإذا برئ من العالم برأي أو بدين، فعندي أنه هالك، وقد حل محل الهلاك، وهذا ما لا يشك فيه عندي أنه إذا برئ من العالم المحق بدين من أجل قوله بالحق أنه هالك، وإذا كان هالكا فعندي أن عليه الدينونة بالسؤال، لأنه كافر ضال، فعليه الدينونة بالسؤال ليخرج من كفره ذلك وضلاله.
وهكذا القول في جميع ما كفر الإنسان من أجله مما تقوم به الحجة (4/245)
صفحة 1364
من السماع، وهذا فصل واسع يدخل فيه جميع المحرمات التي تقوم به الحجة من السماع.
وكذلك كل فريضة كان لها وقت يفوت وينقضي، كصلاة الهاجرة والعصر والمغرب، وفرائض الصلوات، وكالغسل من الجنابة، والوضوء للصلوات، وما أشبه هذا، فإن عليه إذا تعبده الله بشيء من ذلك فعليه القيام به، فإن جهل شيئا من ذلك وكان بحضرته أحد من المعبرين، فعليه سؤاله، فإن لم يكن بحضرته أحد فعليه الدينونة بالسؤال عما لزمه من ذلك، وتعبده الله به، والخروج في طلب علم ذلك، وإذا قدر على الخروج ليقوم بما تعبده الله به من ذلك.
وكذلك إذا ارتكب شيئا من المحرمات في دين الله، من جميع وجوه المحرمات كلها، من ولاية أو براءة أو وقوف، أو مأكل أو مشرب، أو نكاح، أو غير ذلك من جميع ما حرمه الله، فعليه السؤال عن علم ذلك إن كان بحضرته أحد من المعبرين، وإن لم يكن بحضرته أحد من المعبرين فعليه الخروج في طلب علم ذلك إذا قدر، وإن لم يقدر على الخروج فعليه الدينونة بالسؤال عن علم ذلك، ليقوم بما تعبده الله به من ذلك فيه.
فانظر في هذين الفصلين اللذين يلزم فيهما الدينونة بالسؤال، والخروج في طلب علم ذلك، وهو كل فريضة تعبده الله بها من فرائض الله التي لها وقت يفوت وينقضي به.
وكل محرم في دين الله ركبه، وأقام عليه ولم يتحول عنه بتوبة فيه بعينه، أو في شريطة، أو ما أشبه ذلك، فهذان الفصلان واسعان، يطول ذكرهما، ولا أحصي عددها فافهم ذلك.
وقد اختلف في المستحل لما حرم الله في كتابه، أو في سنة نبيه، (4/246)
صفحة 1365
أو في إجماع أمته، أو المحرم لما أحل الله في كتابه، أو في سنة نبيه أو في إجماع أمته.
فقال من قال: إن كل من علم أن ذلك الشيء محرم من كتاب الله، أو من سنة نبيه، أو إجماع أمته، فعلم من يستحل ذلك بمشاهدة أو بغير ذلك، مما تقوم به عليه حجة العلم، فعليه أن يعلم كفره وضلاله، أو مفارقته لدين الله، أو ما أشبه هذا، وأنه لا يسعه جهل علم كفره، وأن الحجة تقوم عليه في ذلك من عقله، ولا عذر له في جهل ذلك، ولو خرج في طلب علم ذلك، ودان بالسؤال عن علم ذلك.
وليس في هذا الموضع سؤال، وإنما فيه العلم، فإن علم سلم بالعلم، وإن جهل هلك بالجهل، ومن حيث علم بسؤال أو بخاطر، أو بما يؤدي إليه علم ذلك نفعه العلم، وسلم به، وما لم يعلم ولو دان بالسؤال، وخرج في طلب علم ذلك ليله ونهاره، ولو عمر في ذلك مائة ألف سنة فما فوق ذلك، ولا غاية له، فما لم يعلم فهو هالك.
وعلى معنى هذا القول يخرج معنى القول الذي يضاف إلى أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب، والجماعة الحاضرين معه، الموصوفين في تلك السيرة، التي أولها الحمد لله، التي تضاف إليه، فيوجد فيها أنه لا يسع جهل علم كفر حدث موسى بن موسى، وراشد بن النظر، ولا يسع الشك في ضلالهما من علم أصل حرمة فعلهما، أو ما أشبه هذا مما هو موجود فيها. رجع.
وقال من قال: إنه يسع جهل علم كفر المستحل لما حرم الله في كتابه، أو سنة نبيه، أو إجماع أمته، ولو علم حرمته من أحد هذه الوجوه حتى يعلم كفره، أو ضلاله، أو باطله، أو مفارقته لدين الله، وما لم يعلم هذا أو أحده، أوما أشبهه فهو معذور عن علم ذلك وواسع له جهله. (4/247)
صفحة 1366
وقد يوجد عن بشير أنه يسع جهل كفر المستحل ما لم يعلم كفره، حتى تقوم عليه الحجة، ونحو هذا، يوجد عنه وعلى هذا القول، فلا يلزم هاهنا سؤال وهو معذور بترك السؤال، إذا ذلك مما يسعه جهله، وكل شيء وسعه جهله من دين الله فلا سؤال فيه.
وقال من قال: واستحب اعتقاد السؤال في هذا بغير دينونة ولا خروج، لأن الخروج يشتغل به عما هو أفضل منه من الفضائل -نسخة- الأعمال، وتتعطل به اللوازم.
وقولنا ومحبتنا أن نعتقد السؤال في هذا بغير دينونة، لئلا يقيم على شك، قد قال أكثر الفقهاء: إنه يهلك بشكه فيه، وأن لا يعتقد الدينونة بالسؤال عن ذلك، فيكون قد دان بشيء مختلف فيه.
فانظر في هذا القول في المستحل لما حرم الله، أو ما أشبه ذلك من المحرمات، والمحرم لما أحل الله، أو ما أشبه ذلك من المحللات واحد، وقد مضى ما يستدل به عليه، وأما إذا علم حرمة شيء ولم يعلم حرمته، أهي من كتاب الله، أو من سنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم أو من إجماع أمته المحقين، أو من غير ذلك مما قد اختلف المسلمون فيه بالرأي، وكان حرمة ذلك الشيء من كتاب الله، أو من سنة رسول الله، أو من إجماع أمته، فرأى من يستحل ذلك:
فقال من قال: إنه يسعه جهل علم ذلك، ولا يلزمه في هذا الموضع سؤال بدينونة ولا بغيرها، وهو أكثر القول، والشاهد في الآثار، وهو في هذا كالراكب لتلك الأشياء، وهو محرم لها أو غير مدع في ذلك تحليلا ولا تحريما، وأكثر القول في هذا الموضع أنه يسع جهل علم كفره.
وقال من قال: لا يسع جهل المحرمين كما لا يسع جهل المستحلين. (4/248)
صفحة 1367
قال أبو سعيد: معي أنه قيل لا يسع جهل المحرمين، كما لا يسع جهل المستحلين، لأنهم يخالفون أصل الدين، والمحرمون كالمستحلين، والمستحلون كالمحرمين، وعليه في المحرمين كما عليه في المستحلين، ولكل هذا تأويل معنى يخرج في الحق.
ومن الحجة في قول من قال: إنه لا يسع جهل المحرمين، كما لا يسع جهل المستحلين من ذلك، لمن يتولاهم أن يتولى من تولاهم بدين، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا منهم، أو ممن تولاهم برأي أو بدين، أو يقف عنهم برأي أو بدين، أو يبرأ من ضعفاء المسلمين، أو يقف عنهم بدين من أجل براءتهم منهم، أو ممن يتولاهم بدين.
كذلك القول في الاختلاف في المستحلين، الذين يقول: إنه قد يسع جهلهم، إنما هو على شريطة هذا، والذي يوجب علم ضلالهم، فليقض بما في يده من دينه بالادعاء على الله من استحلال حرامه، أو تحريم حلاله، وإذا ثبت هذا مع صاحبه في المستحلين إذا خالفوا الدين، فلعله يثبت في المحرمين والراكبين بغير ادعاء في الدين، إذا انتهكوا حرمة الدين، وركبوا محرماته، وتركوا لوازمه.
فالمحرم عنده كالمستحل ولا يسع جهله في الأصل، كما لا يسع جهل المستحل في الأصل. انقضى قوله.
وأما إذا علم حرمة شيء من كتاب الله، أو من سنة رسوله، أو من إجماع أمته المحقين، فرأى من يرتكب ذلك وهو محرم لذلك، أو غير مدع على الله في ذلك تحريما ولا تحليلا، فقد قيل: إنه يسعه جهل علم كفره ما لم يتوله بدين، أو يتولى من تولاه بدين، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقف عنهم برأي أو بدين، أو يقف عن (4/249)
صفحة 1368
أحد من ضعفاء المسلمين بدين، أو يبرأ منهم بدين، وهذا هو أكثر القول.
وكذلك القول في المستحلين إذا علم بحرمة ما استحلوه من كتاب الله أو جهل أنها من كتاب الله، فعلى قول من قال: يسعه جهل علم كفره، إنما هو ما لم يتوله بدين، أو يبرأ من العلماء على نحو ما ذكرنا، أما إذا علم حرمة الشيء، لم يعلم حرمة ذلك الشيء أنها من كتاب الله، ولا من سنة رسوله الله، ولا من إجماع الأمة، ولا مما اختلف العلماء فيه بالرأي، غير أنه قد علم حرامه، ولم يعلم فيه غير ذلك، وكان حرمة ذلك من الرأي.
فرأى من يستحل ذلك من العلماء فقد قيل: إنه لا يسعه أن يبرأ منه، ولا يضلله، ولا يقف عنه برأي ولا بدين، فإن فعل شيئا من ذلك هلك، ولو لم يعلم إلا حرام ذلك الشيء، ولم يسمع قط بتحليله، حتى رأى العالم يحل ذلك فلا يجوز له، ولا يسعه البراءة، ولا الوقوف عنه، ولا التضليل له.
وكذلك لو ركبه ضعيف لم يجز له أن يبرأ منه بدين، ولا يضلله ولا يكفره، وانظر في الجاهل لهذه الأحكام، لو أنه رأى العلماء ولو كثر عددهم مختلفين في شيء، فبعضهم يقول: إنه حلال، وبعضهم يقول: إنه حرام، وهو لم يعلم أن ذلك الشيء محرم قط، ولا يسمع بذلك، وإن كان ذلك الشيء محرما في كتاب الله لم يجز لهذا العالم أن يجمع بينهم في ولاية، ولا في براءة، فيكون يبرأ منهم جميعا بدين ويتولاهم جميعا بدين.
ولا أعلم في ذلك بين أبي سعيد ولا أبي محمد اختلافا في هذا.
وأما إن وقف عنهم جميعا، فلم يتول أحد الفريقين، ولا برئ منهم فيخرج في معاني قول أبي محمد بن بركة، أن ذلك جائز له، (4/250)
صفحة 1369
ولازم له، حتى يعلم المحق من المبطل، ولم يز له أن يجمع بين الفريقين في ولاية، ولا في براءة، إذا كانوا يخطئون بعضهم بعضا.
وكذلك قول أبي الحسن البسياني، كنحو قول أبي محمد، وأنكر على أبي سعيد قوله في ذلك، وقد تقدم ذكر ذلك في كتابي هذا.
وأما أبو سعيد فيقول: إنه لا يسعه الوقوف عن الفرقة المحقة من العلماء، ولا ترك ولايتهم لأنهم هم الحجة في ذلك على من خالفهم، وعلى من جهل حقهم، وهم حجة الله القائمون بدينه، الذين جعلهم الله شهوده وحكامه في ذلك الشيء، وأنه لا تزول حجة الله لمخالفة من خالفها، وأن المخالفين لهم كفار ضلال سفهاء، يعلم ذلك الله وأولوا العلم بذلك الشيء من غير المختلفين فيه، وقد تقدم القول في ذلك.
ومما يؤيد قول أبي سعيد أنه لو أن هذا الجاهل رأى العلماء مختلفين في شيء، فبعضهم يقول: إنه حلال، وبعضهم يقول: إنه حرام، وهو لم يعلم أن ذلك الشيء حلال ولا حرام، أو علم أن ذلك الشيء محرم، ولم يعلم بتحليله قط حتى سمع العلماء يختلفون في تحليله وتحريمه، وكان ذلك الشيء مما قد سبق فيه الاختلاف بين العلماء بالرأي:
فبعضهم يقول: إنه حلال، وبعضهم يقول: إنه حرام، فقد قيل: إنه ليس لهذا الجاهل العالم باختلافهم أن يقف عن هؤلاء العلماء المختلفين، ولا يترك ولايتهم، ولا يضللهم، ولا يخطؤهم، وعليه أن يجمع بينهم في الولاية والتصويب.
وانظر الفرق بين هذين الحكمين ما أدقه وأخفاه عند جهل الحكم فيه، وانظر الفرق البعيد بين حكمهما، لأن قول أبي محمد وأبي الحسن أن الجاهل لا يقدر أن يعرف المبطل من هؤلاء المختلفين ولا المحق منهم، إذا كانوا كلهم علماء، فرأينا الجاهل لا يعرف كثيرا من أحكام الله لأجل جهله، ولم نرهم عذروه بتضييع شيء من دين الله (4/251)
صفحة 1370
يلزمه القيام به، ما لم يعلمه، بل ألزموه القيام بكل شيء من دين الله يلزمه القيام به، علمه أو جهله، وليس لهذا الجاهل أن يجمع بين حكم هذين الأصلين، فيحكم في هذا الأصل بما حكم به في الأصل الآخر مما هما فيه مفترقان.
قال أبو سعيد: معي أنه قد قيل في الفتيا: إن كل من قام بشيء من دين الله من عالم أو ضعيف، أو مؤمن أو كافر، أو بار أو فاجر، فهو حجة، كما أن المسلم العالم حجة، لأنه إنما كان حجة بقيامه بالحق نفسه الذي لا يختلف فيه الرأي الذي لو اختلف فيه المختلفون من جميع الثقلين، كل يدعي فيه لنفسه قولا، ما كان الحق فيه إلا في واحد، وهو الشيء الذي قام به من قام من القائمين، وقال به من قال من القائلين، وإنما كان حجة بنفسه، ولا تجوز مخالفته، ولا الاختلاف فيه.
فكل قائم فيه في الفتيا فهو حجة، كان مما يسع جهله أو مما لا يسع جهله في موضع لازم، أو في غير موضع لازم، فالقائم بالحق حجة، والقائل حجة إذا كان الحق حجة بنفسه، فافهم هذا الفصل، وهو فصل ثابت صحيح، وله تأويل، ومن صحة تأويله أنه من حجة القائم بالحق، أنه إذا ثبت في شيء من دين الله لم يتعر، ولم ينكر أن يثبت في جميع دين الله، وكما ثبت في الجملة.
وفي تعبير الجملة فيما لا يختلف فيه، ويثبت في شيء من تفسير الجملة، عند لزوم العمل والانتهاء، وكذلك لا يتعرى ولا ينكر أن يثبت، ويلزم في جميع تفسير الجملة من اللازم في الدين، لأن كل لازم في الدين فهو لاحق في موضعه فيما لا يسع مخالفته، وفيما تقوم حجته بمنزلة الجملة في موضعها، ولا يسلم من خالف الحق في شيء من وظائفها، كما لا يسلم من خالف الحق في الجملة، فافهم معاني الحق كيف لم يخرج من بعضه بعض، ولا يخالف بعضه بعض وبعضه من بعض، وبعضه داخل في بعض، ولا يختلف في معانيه بتأويل الحق. (4/252)
صفحة 1371
ومن أعظم حجج الله من في دينه من جميع من قام به أنه إذا قام به قائم كائنا من كان، فأقل ما يكون من حجة الله أنه لا يسعه الرد، ولا التكذيب له، وقد كان قبل ذلك زائلا عن من لم يبلغ علمه إلى ذلك كلفه علم ذلك بعينه، وكلفه التعبد فيه، فإن لم يكن القائم بالحق حجة فيما يسع جهله، لم يسع ولم يجز أن يكون حجة فيما لا يسع جهله، ولكن القائم بالحق حجة إذا قام به من طريق الفتيا فيما يسع جهله، وفيما لا يسع جهله.
ومن حجة المحق إذا قام بالدين، فيما يسع جهله، ألا يرد عليه ما جاء به، ولا ينكر عليه الحق الذي جاء به، ولو كان في غير ذلك مبطلان وأن لا يخطئ فيما جاء به، ولو كان في غير ذلك مخطئا، وأن يقبل منه عدل ما جاء به إذا بان علمه في الإجماع، وفي الاختلاف، فهو حجة فيما يسع جهله، كما كان حجة فيما لا يسع جهله لثبوت حجة الحق في جميع ذلك، من وجه واحد لا تختلف معانيها في أصل العدل.
ومن كتاب المعتبر: وإذا كان في ولايته مع المسلمين رجل، ثم دخل في شيء أخرجه من ذلك، فزعم رجل من المسلمين ثقة من بعد موته، أنه تاب من ذلك، قبل المسلمون قوله وشهادته بذلك، وتولى المسلمون الهالك بولاية وليهم هذا الحي.
قال غيره:
معي أنه قد قيل في هذا باختلاف:
قال من قال: فيما أحسب يجوز فيه شهادة الواحد بالتوبة في كل شيء من المعاصي، كان ركبه الراكب مستحلا أو محرما، أو جاهلا أو عالما، أو شاهرا أو مستبرءا، كان من حقوق الله أو من حقوق العباد، فالشاهد الواحد من المسلمين له بالتوبة من ذلك مقبولة له من حقوق الله، ويرجع إلى الولاية بشهادته. (4/253)
صفحة 1372
وقال من قال: فيما أحسب لا تجوز شهادته وحده، في وجه من الوجوه من ذلك، ولا يقبل إلا شهادة اثنين، وأحسب أنه قيل: تجوز شهادته وحده له بالتوبة إذا كان الحق في ذلك الذنب الذي أذنبه لله تبارك وتعالى وحده.
وأما إن كان من حقوق العباد، لم يقبل شهادته وحده، وأحسب أنه قيل لا تجوز شهادته وحده بالتوبة، إذا كان الحق في ذلك الذنب الذي أذنبه لله تبارك وتعالى وحده، وأما إذا كان من حقوق العباد لم تقبل شهادته وحده، وأحسب أنه قيل: ولا تجوز شهادته وحده إذا كان من حقوق الله فيما كان ذنبه فيه شاهرا.
وأما إذا كان من المعاصي التي ليست شاهرة جازت الشهادة فيه من الواحد، وأحسب أنه قيل يجوز في حقوق الله، وحقوق العباد، إذا كان المحدث مستحلا، لأنه لا تبعة عليه إذا تاب بعد التوبة من ما أتلفه من مال الناس، ولا ما ضيع من حقوق الله، فالتوبة تجزيه إذا تاب عن ضمان ذلك كله، وعن القيام بما قد ضيع من حقوق الله على الدينونة.
ومعي أنه إذا اختلف القول فيه، إذا لم يقبل الشهادة له، فقيل: هو على البراءة، وقيل: هو على الوقوف لا يتولى ولا يبرأ منه لسبب شهادة الواحد، وأما إذا علم منه أحد من المسلمين ذنبه ذلك، ثم علم منه الولاية بعد ذلك الذنب الذي قد علمه منه، فأحسب أنه قيل: إنه يتولى بولايته أيضا، ويحسن فيهما الظن جميعا أن المتولي له لم يتوله إلا بعد التوبة.
وأحسب أنه قيل يبرأ من الأول، ويتولى المتولي له، لأن المحدث الأول لم تصح توبته بشهادة، فهو على حكم الصحيح فيه، والمتولي له على ولايته التي كانت له، لأنه لم يعلم أنه تولاه بباطل، ويمكن فيه هذا، فهو على ولايته. (4/254)
صفحة 1373
وأحسب أنه قيل: يوقف عن المحدث الأول لمعنى ولاية المسلم له، ويتولى المتولي له على معنى الذي وصفت لك.
وأحسب أنه قيل: يبرأ من الأول، ويوقف عن المتولي له، لدخول الإشكال عليه، إذا صح حدث الأول، وصح ولاية المتولي له على غير صحة توبته، وأمكن فيه الحق والباطل على الأصل الذي قد صح، ولم يصح زواله، فيوقف عنه للإشكال فيه.
وأحسب أنه قيل يوقف عنهما جميعا، فيوقف عن البراءة من الأول، لموضع ولاية الثاني لهن فدخل في البراءة منه بالشبهة، والبراءة تدرأ بالشبهة.
وأحسب أنه قيل: يبرأ منهما جميعا، من الأول بصحة الحدث فيه، ومن الآخر بولايته لمن قد صح حدثه، ولم يعلم أنه علم بتوبته، وكان في الحكم محجورا عليه ولاية الظالم، كما كان محجورا عليه البراءة من المسلم في الظاهر، فالمتولي للظالم كالمتبرئ من المسلم، مع من يتولى هذا، ويبرأ من هذا، لأن ذلك كله محجور من ولاية الظالم، والبراءة من المسلم.
ويعجبني في هذا كله في الشهادة، وفي الولاية له ممن يعلم علمه بحدثه، أنه إذا تولاه وهو يبصر الولاية والبراءة أن يتولى بولايته، أعني المحدث، وكذلك إذا شهد له بالتوبة من حدثه الذي أحدثه المعروف منه، وهو يبصر أحكام الولاية والبراءة، وأحكام التوبات مأمون في ذلك، بصير بأحكامه ووجوبه، ووجوب حقوقه من مستحله وحرامه، وحقوق الله فيه، وحقوق العباد، وأن يقبل منه ذلك، ويتولى بولايته، كائن ما كان المحق في الحق من حقوق الله، أو من حقوق العباد، مستحلا أو محرما، سريرة أو شاهرا، أن يتوليا جميعا. (4/255)
صفحة 1374
وإن لم يكن المتولي للمحدث بعد علم منه بحدثه مأمونا على مثل هذا الذي وصفته لك، بصيرا به، ثم تولاه وهو ضعيف لا يؤمن على معرفة الأحكام، ليخاف أن يدخل عليه الإشكال، ويلحقه الاختلاف في الولاية والوقوف.
وأما البراءة منه، فلا تعجبني على كل حال، ومعي أن الشاهد له بالتوبة، إذا لم يتوله حتى يشهد له بالتوبة من ذلك الحدث الذي به برئ منه، فلا أعلم أن أحدا قال فيه بوقوف ولا براءة، أعني الشاهد بالتوبة للمحدث من أي وجه كان الحدث.
ومعي أنه إذا كان يبصر أحكام ذلك أو لا يبصر، فإنما هو شاهد بالتوبة، والتوبة معروفة من ذلك الحدث، فإذا شهد له بالتوبة من ذلك الحدث فقد شهد له بالتوبة، وكان مأمونا على قوله في ذلك، ولا يلحقه فيما أعلم مع أحد منهم براءة ولا وقوف.
ومعي أنه لو كان المتولي لهذا المحدث ممن يبصر الولاية والبراءة، ولم يعلم بحدثه، ثم تولاه ولم يشهد له بالتوبة من الحدث، وهو ممن لا يعلم أنه يعلم بحدثه، فإنه لا يبين لي أن يتولى بولايته على حال، لأنه يحتمل أن يكون تولاه قبل أن يحدث الحدث، فتكون ولايته له جائزة، ولا يوجب ذلك خروج المحدث من حدثه، إلا أن يكون المحدث شاهرا بشهرة تجب عل أهل الدار معرفة كفره.
فإن كان على هذا، ثم تولاه هذا المتولي الذي يبصر الولاية والبراءة، تثبت ولايته معي في قول من يثبت الولاية بقول الواحد كائنا ما كان المحدث معنا من المستحلين، أو المحرمين من الأئمة، أو من العامة، أو من العلماء ما لم يقع هنالك تنازع تتكافأ فيها أقاويل العلماء في صاحب الحدث الشاهد من الأئمة أو من العامة. (4/256)
صفحة 1375
فإن أهل الأحداث الشاهرة التي تجب على أهل الدار والآفاق والأمصار شهرة حدثه ولا يختلف فيها من شهرة حدثه المكفر، ولو اختلف المختلفون في ولايته والبراءة منه بالباطل والحق، فليس اختلاف المبطلين مما يوقع الاختلاف فيما تجب به البراءة من أحداث المحدثين، إذا خرجت الشهرة للأحداث مخرج أحكام الأحداث التي ليس فيها محتمل الحق، أو خرجت الأحداث محتملة للحق والباطل، إلا أن الحكم قاض عليها من حكم الإجماع من الشاهدين له من الحكام عليه وله من المسلمين بباطل الحدث.
فإنه إذا خرج الحدث في حكم الإجماع فيه أنه مجتمع على باطله، لم ينفع الاحتمال فيه أنه مجتمع على باطله، لم ينفع الاحتمال فيه للحق والباطل لمن غاب عنه صحة الحدث في سريرته.
وكذلك إذا خرج الإجماع في الحدث المحتمل للحق والباطل بالصواب، لم يضر الاحتمال ولا جاز الاختلاف في الحدث الثابت عليه حكم الإجماع بإزالة حكم الإجماع بالمخالفة لحكم الإجماع من ولاية أو براءة لإثبات الحكم بذلك وبالدينونة على مخالفة الإجماع.
وكذلك إذا ثبت الإجماع على حكم الحدث المحتمل للحق والباطل، بغير صحة حكم باطله، ولا صحة حكم صوابه، وحقه لم يجز لمن غاب عنه صحة الحدث بحقيقته في سريرته أن يحكم فيه بالدينونة بحقه ولا بباطله، وخرج فيه حكم الاحتمال عند كل من غاب عنه صحته في سريرته كيف كانت، وكيف جرت، لمن شاهد عصره ومصره، أو لمن غاب عن مصره ووقت عصره، أو جاء بعد عصره من أهل مصره، أو من غير أهل مصره، وليس لأحد غاب عنه صحة الحدث أن ينقض الحكم المجتمع فيه بمخالفته بالدينونة من عالم أو ضعيف من شاهد أو غائب من مشاهد لعصره، أو حادث بعد عصره، فلا يجوز له نقض حكم (4/257)
صفحة 1376
مجتمع عليه بحكم الاختلاف بالدينونة إلى الإجماع، ولا بالرأي إلى إجماع.
وكذلك ليس له أن ينقض حكم مجتمع عليه بحكم الإجماع، إلى حكم الاختلاف بالدين ولا بالرأي بالقول من ضعف عن بصر الأحكام المجتمع عليه إجماعها من مختلفاتها، فتولى أحدا من أهلها برأي ما لم يخالف أحدا من المحقين من يتولى بحق، أو يبرا بحق في أصل الإجماع الذي جهل صحة حكمه، وضعف عنه بوقوف من عالم محق برأي أو بدين، أو عن ضعيف بدين أو براءة من أحدهما برأي أو بدين فلا يضيق عليه ذلك معنا.
وكذلك إن وقف عن الولاية والبراءة لأهل الأحداث الثابتة في الأحكام المجتمع عليها، على غير مخالفة المحقين بولاية أو ببراءة بوقوف عن عالم برأي أو بدين، أو عن ضعيف من المحقين بدين، أو براءة من أحدهما برأي أو بدين فهو سالم ولا نعلم في ذلك اختلافا من أحد من المسلمين. (4/258)
صفحة 1377
ذكر اختلاف أحكام الدعاوى
من أحكام البدع
وكل اختلاف خرج على أحكام الدعاوى من جميع الأحداث، على غير تصريح من أحكام البدع من استحلال المحرمات، وتحريم المحللات الشاهرات الظاهرات من جحود بإنكار أو بضلال تأويل مع الإقرار، فهو خارج على حكم المحتملات للحق والباطل الجائز فيه، الثابت له حكم الإجماع بحقه وباطله ومحتمله على حاله التي جرت عليه إذا ثبت الحكم في الإجماع بأحد ذلك ثبت في حكم الظاهر ما يثبت في الحكم المجتمع عليه، ولو كان الاجتماع ممن أجمع عليه كان في سريرتهم مخالفين لعدل الله وصوابه في ذلك الحكم وكانوا مبطلين.
فإن حكمهم في هذا الوجه بأي وجه ثبت منه الحكم بتحقيق الحدث أو باطله، أو بإثباته على حاله، فهو حجة لجميع من غاب عنه صحة باطلهم، وعلى جميع من غاب عنه صحة باطلهم ممن شهدهم، أو غاب عنهم.
فافهم هذا الأصل، وكل حدث خرج على حكم البدع، وشهر ذلك، وظهر خارجا على صحيحات أحكام البدع، فليس في ذلك احتمال، ولا يكون الحكم فيه لمن شاهده مزيلا لما شهر منه من حق أو باطل بخلاف ما شهر من أحكام البدع، ولو أجمعوا على باطل حقه، ولن يجمعوا، ولو أجمعوا على تحقيق باطله ولن يجمعوا، فليس للحاكم في إزالة حكم البدع عن سبيل ما صحت عليه حجة، ولا منهم حجة، ولا بهم حجة.
وعلى كل من ورد عليه الحكم من غائب أو شاهد أو محاضر أو حادث أن يكون حاكما لنفسه، وعليها في صحة أحكام أحداث البدع عنده، (4/259)
صفحة 1378
وفي صحة أحكام البدع، وعلى الحاكمين بمخالفة الحكم في البدع، وللحاكمين بموافقة الحق للموافقين للحكم في أحكام البدع، وبين أحكام البدع وأحكام الدعاوى الخارجة على سبيل أحكام احتمال الحق والباطل من الأفعال المحتملة للحق -نسخة- للهدى والضلال في حكم الشريعة فرق بعيد بعيد.
واختلاف الحكم في ذلك، وتفاوته مع أهل العلم المحقين ذلك شديد شديد، فلا يحمل ذلك كله على معنى واحد، فإن ذلك فاسد فاسد.
وعلى كل حال معنا فإذا شهد الشاهد مع علماء المسلمين لأحد من أهل الأحداث، كانت الأحداث خارجة على أحكام البدع، أو على أحكام الدعاوى بالتوبة من حدثه الذي كان منه على أحد الوجهين، وهو ممن يبصر أحكام الولاية والبراءة والتوبات، فتولاه على ذلك بعد شهادته له بالتوبة، وهو ممن لم يصح منه مخالفة للمسلمين بوجه من الوجوه للدين، فهو جائز الشهادة لذلك المحدث، وجائز قبول قوله بذلك من علم الحدث ممن شاهده، أو غاب عنه من حاضر أو حادث، ما لم يعلم كذب العالم الشاهد بذلك، ولم يصح معنا كذبه إلا أن يكون المحدث قضت الشهرة عليه بالموت على الإصرار على حدثه، أو حكمت عليه بذلك الجماعة بالإصرار.
وصحة الإصرار غير صحة الحدث، فإنه إذا صح الحكم عليه بالإصرار، أو بالشهرة، أو بأنه مات مصرا بشهرة أو إجماع -نسخة- أو حكم إجماع، ثبت حكمهم عليه بذلك، فإنه لا تقبل من أحد بعد ذلك شهادته بتوبته، ولو شهد له جميع الثقلين بالتوبة، ولن يشهدوا جميعا بذلك ما قبل منهم، كما أنه لو شهد له جميع الثقلين ولن يشهدوا بأنه لم يكن منه ذلك الحدث الذي قد صح في الشهرة باطله فيه، أو في الإجماع على باطله منه ما قبل منهم ذلك، وما كانوا فيه حجة، وما كانوا كلهم في ذلك مدعين في حكم الحق ما به يشهدون. (4/260)
صفحة 1379
ولن تقبل شهادة مدعي على الأبد في حكم ما يكون فيه مدعيا في حكم الدين، ولا في حكم الدنيا، فافهم ذلك إن شاء الله.
ومن تولى هذا المحدث الذي قد صح حدثه لأحد هذين الوجهين جميعا في حكم إجماع أو حكم شهرة بباطله من أحداث البدع، أو من أحداث الدعاوى مع من صح معه ذلك من المحدث من غير شهادة منه له بتوبة، وهو من علماء المسلمين الذي لم يصح منه مخالفة لهم في أصل الدين، وصح له موافقتهم في ظاهر حكم الدين، والمحدث من الأئمة أو من العامة إلا أنه خارج بهذه المنزلة.
فمعي أن هذا الذي يختلف فيه، وأما الأول فلا أعلم فيه اختلافا أنه في الولاية إذا شهد له بتوبة محتملة، كما وصفت لك.
وأما إذا تولى على غير شهادة بتوبة تقدمها، فعندي أنه يلحقه حكم الاختلاف في الولاية والوقوف والبراءة منه ومن المحدث، وفيه وفي المحدث، ويعجبني إذا كان عالما بصيرا كما وصفت لك، وكان عالما بالحدث، أو كان الحدث شاهرا يقضي أنه قد علمه أنه يتولى هو والمحدث جميعا، وإن لم يكن عالما بالحدث، أو احتمل أن لا يعلمه أن يتولى هو، ولا يقف عنه برأي ولا بدين ما لم يعلم باطله، ومن حكم البراءة ما لم يشكل ذلك من علم العالم فيه، أعالم بحدثه أم غير عالم بحدثه، وأشكل ذلك.
فيعجبني الوقوف عن المحدث في هذا الفصل والولاية للعالم، وإن كان هذا المتولي ضعيفا من ضعفاء المسلمين، والشاهد الذي وصفته لك من ضعفاء المسلمين أعجبني أن لا تقبل شهادته في هذا الموضع للمحدث، ويكون المحدث على حالته، ويتولى الشاهد إذا احتمل صدق شهادته على ما وصفت لك، ولا أعلم أن أحدا قال في الشاهد إذا احتمل صدق شهادته بوقوف ولا براءة، ولا ترك ولاية بأي حالة كان عالما أو ضعيفا. (4/261)
صفحة 1380
ولا أعلم أنه قال أحد بولاية المحدث إذا تولاه من لا يعلم بحدثه بأي حال كان المتولي، عالما أو ضعيفا، فافهم هذين الفصلين اللذين لا أعلم فيهما اختلافا.
قال غيره:
انظر فيما ذكره هاهنا من أحكام البدع، وأحكام الدعاوى، والفرق بين ذلك، وأردت أنا أن أقرب الفرق بينهما ليفهمه من أراد النظر فيه، والذي عرفت أن البدع هو كل من استحل ما حرمه الله في كتابه، أو في سنة رسوله، أو أجمع المسلمون على تحريمه، أو حرم ما أحله الله في كتابه أو في سنة نبيه، أو أجمع المسلمون على تحليله، فكل من صح عليه أنه استحل حراما، أو حرم حلالا، فهو مبتدع.
وعلى كل من صح معه حدثه ممن شاهده، أو من غاب عنه ممن كان في عصره، أو كان في غير عصره، أن يبرأ منه، وأن يحكم عليه بالباطل إذا علم الحكم في ذلك، فإن اختلف العلماء في حقه وباطله، فحكم له بعضهم أنه محق، وحكم عليه بعضهم أنه مبطل، فالحاكم عليه بالباطل هو المحق، وهو الحجة على كل من خالفه، ولا يجوز لأحد تضليل المحق ولا تخطئته، ولو كانت أمة واحدة فلا يجوز لأحد تخطئتها ولا تضليها ولو فارقها وخالفها جميع الثقلين من الجن والإنس، من العلماء والضعفاء، والعوام وسائر الخلق كلهم.
ولا يجوز لأحد تصويب المبطل كائنا من كان، ولو أن جميع أهل الأرض كلهم صوبوا المحدث المبطل، وأجمعوا على صوابه، وأجمعوا على صواب من صوبه، ما جاز لأحد أن يعينهم على باطل، ولا يقبل إجماعهم ولا تصويبهم، ولا يكون الحق في ذلك إلا مع أحد الفريقين المختلفين ولا يكون الحق في ذلك إلا في واحد اختلف فيه أحد، ولم يختلف فيه أحد. (4/262)
صفحة 1381
فالمحق في ذلك من وافق الحق فيه، والمبطل منهم من وافق الباطل، ولا يستحيل المحق منهم أبدا عن حقه، ولو أجمع على باطله جميع أهل الأرض من الثقلين، وجميع العلماء من الجن والإنس، ولا يستحيل المبطل منهم أبدا عن باطله إلا بترك باطله، وخروجه منه، ولو أجمع على حقه جميع الثقلين من الجن والإنس وجميع العلماء كلهم.
ولا يكون الإجماع من العلماء، ولا الشهادة للمبطل ولا عليه زائدا في أحكامه، ولا ناقلا لها عن حكمها، فافهم هذا.
وأما الدعاوى المحتملة للحق والباطل فهو كل شيء كان يحتمل في دين الله حلاله وحرامه، وحقه وباطلهن فالأكل للميتة والدم المسفوح، أو لحم الخنزير، أو ما أشبه هذا، فإن كان الأكل مضطرا كان حلالا له، وكان حقه، وإن كان غير مضطر كان حراما عليه، وكان مبطلا، وكذلك المتزوج لأمه، أو ابنته، أو أخته، أو غير هؤلاء من جميع ما حرم الله عليه، فإن كان المتزوج جاهلا بنسبهن فحلال له تزويجهن، وإن كان عالما بنسبهن فحرام عليه تزويجهن، وكذلك ما أشبه هذا.
وكذلك التارك لصوم شيء من شهر رمضان، والتارك لصلوات الفرائض وما أشبه هذا من حقوق الله، فإن كان من عذر فهو محق، وكان ذلك حلالا له، وإن كان من غير عذر كان مبطلا، وكان ذلك حراما عليه.
وكذلك القاتل لوليه، أو لغير وليه، من أهل القبلة، وجميع من حرم الله عليه قتله مما أشبه هذا، وكذلك وطء الفروج والأحداث في الأبدان، مما يجب فيه القصاص، وغير ذلك من حقوق العباد مما يشبه هذا، مما يحتمل الحق والباطل، والحلال والحرام، فالفاعل لهذا محتمل حقه وباطله، وحلاله وحرامه، ولا يحكم على الفاعل لشيء من هذه الأشياء أنه مبتدع حتى يصح أنه مبتدع. (4/263)
صفحة 1382
فأما الآكل للميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أشبه ذلك، فإذا صح أكله لذلك أو لشيء منه، فإن كان وليا كان على ولايته، وإن كان موقوفا عنه كان في حال الوقوف عنه، وإن كان يبرأ منه كان في حال البراءة منه، ولا يبرأ منه بأكله هذا، لأن هذا يحتمل حلاله لهم، وأنهم مأمونون على دينهم، ولا تجوز البراءة منهم بذلك حتى يعلم أنهم أكلوا ذلك حراما، فإذا علم أنهم أكلوا ذلك حراما برئ منهم، ففي بعض القول بعد استتابتهم، وفي بعض القول قبل استتابتهم، ولا يكونون مبتدعين، ولو أكلوا ذلك حراما حتى يستحلوا ذلك، ثم يكونون مبتدعين.
فانظر في هذا الفصل، فإنه تجتمع فيه ثلاثة أحكام، لأنه إذا صح أنه أكله ولم يعلم أنه أكله حراما أو حلالا كان على حاله من الولاية، أو الوقوف، أو البراءة، وإذا صح أنه أكله حراما كان منتهكا لما يدين بتحريمه، وكان من أهل الدعوة، ومن أهل نحلة الحق ما لم يصح أنه مستحل لذلك، أو يدعي على الله في ذلك تحليلا، فإذا صح أنه مستحل لذلك كان مبتدعا، وكان خارجا من دين الله، ومن أهل دعوة الحق، ومن أهل نحلة الحق، فانظر في هذا، فإنه لا يكون مبتدعا إلا حتى يصح أنه أكله، وأنه أكله حراما، وأنه أكله مستحلا لأكله.
فإذا اجتمعت فيه هذه الثلاثة المعاني، كان مبتدعا، وما لم تجمع فيه هذه الثلاثة المعاني وما أشبهها، كان من أهل نحلة الحق، ومن أهل دعوة المسلمين.
وكذلك المتزوج لأمه أو ابنته، أو غيرهما مما حرم الله عليه تزويجهن، فإذا صح أنه تزوج أمه أو ابنته أو غيرهما مما حرم الله عليه تزويجهن، كان على حاله من الولاية، ولا يجوز أن يبرأ منه، ولو شهد عليه شاهد عدل أنها أمه مثل محمد بن محبوب، أو أبي بكر الصديق، أو عمر بن الخطاب، فلم يترك زواجها لم تجز البراءة، (4/264)
صفحة 1383
وكان على ولايته إذا لم تقبل شهادته، لأنه لا تقوم عليه الحجة في ذلك بشهادة واحد حتى يعلم بنسبهن، أو تقوم عليه الحجة بشاهدي عدل بنسبهن أو ما أشبه ذلك، ولا يكون هذا مبتدعا إلا باجتماع ثلاثة معان: حتى يصح أنه تزوج أمه، وأنه عالم بنسبها، وأنه مستحل لذلك، أو دائن به.
لأنه إذا صح أنه تزوج بها كان على حاله الذي كان عليه قبل تزويجه بها من الولاية، أو الوقوف، أو البراءة, فإذا صح أنه تزوجها، وأنه عالم بنسبها، كان مرتكبا لكبيرة، ولما حرم الله عليه، وكان من أهل دعوة الحق، ومن أهل دين الحق، وكان منتهكا لما حرم الله عليه، ولما يدين بتحريمه، حتى يصح أنه مستحل لذلك، ثم يكون حينئذ مبتدعا مفارق لدين الله، لأن المبتدع مفارق لدين الله، ولنحلة الحق، ولدعوة المسلمين.
والمنتهك لما يدين بتحريمه من أهل دعوة الحق، ومن أهل دعوة المسلمين، وكذلك ما أشبه هذا من ترك الصلوات والصيام، وما أشبه هذا من حقوق الله إلا باجتماع ثلاثة معان: حتى يصح تزويجه بها، وحتى يصح أنه عالم بنسبها، وحتى يصح أنه مستحل لذلك، ثم يكون حينئذ مبتدعا.
وكذلك جميع ما أشبه هذا من المحرمات التي من حقوق الله، فإن اختلف العلماء من المسلمين في من تزوج أمه: فقال بعضهم: إنه تزوج أمه وهو عالم أنها أمه، وأن تزويجه لها حرام وبرءوا منه.
وقال آخرون: إن تزوج بها وهو لا يعلم أنها أمه، وتولوه على ذلك، كان المختلفون كلهم في الولاية عند من يتولاهم قبل ذلك ما لم يظهر تخطئة لبعضهم بعضا أو براءة من بعضهم بعض عند من يتولاهم، أو قذف لمن لا يجوز لهم فيه قذفه، وما أشبه ذلك، ثم حينئذ يكون المبتدئ منهم بالتخطئة، أو بالبراءة، أو بالقذف مبطلا، ويبرأ منهم (4/265)
صفحة 1384
بذلك، لأن هؤلاء المختلفين كلهم على دين المسلمين، ومن أهل دعوة الحق، ونحلة الحق، لأن كل فريق منهم يدعي دعوى إن كان صادقا فيما يدعيه فهو محق، وهو موافق لدين الله، لأن الفريق الذين قالوا إنه تزوج أمه، وهو عالم بنسبها أنها أمه، وأن تزويجه بها حرام وبرئوا منه بذلك فقد وافقوا دين الله، إن كانوا صادقين، ولأن الذين قالوا: إنه تزوجها وهو جاهل بنسبها أنها أمه، وأن تزويجه بها حلال له وتولوه على ذلك، فقد وافقوا دين الله إن كانوا صادقين.
فكلا الفريقين يدعي دعوى إن كان صادقا فيما يدعيه فهو محق عند من علم باختلافهم، وخفي عليه سرائرهم، أو تخطئتهم، وأما من علم المبطل منهم من المحق، ووقف على سرائرهم، فعليه أن يبرأ من المبطل منهم، ويتولى المحق منهم، ولا يجوز لمن علم سرائرهم أن يبرأ من المبطل منهم عند من يتولاهم، ممن خفي عليه سرائرهم، أو تخطئتهم أو يقذفهم، وعلى المحق من الفريقين أن يبرأ من الفريق المبطل، ولا تجوز لهم ولايتهم، ولا موافقتهم، ولا إظهار البراءة منهم، ولا التخطئة، ولا القذف عند من يتولاهم ممن خفي عليه سرائرهم، ويجوز لهم إظهار البراءة منهم عند من علم باطلهم.
ويجوز لمن علم باختلاف هؤلاء العلماء، أن يتولى المتزوج لأمه، ويتولى العلماء المختلفين، ما لم يصح منهم تخطئة أو قذف أو براءة عند من يحرم عليهم فعل ذلك معه، لأنهم لما اختلف العلماء في المتزوج، تكافأت شهادتهم ودعاويهم، وبطلت حجتهم، وصاروا كلهم خصماء لبعضهم بعضا، والخصم مدع، والمدعي لا تقبل شهادته، ولا حكمه، ولا حجته على خصمه فيما يدعيه.
فإن أجمع العلماء من المسلمين على حق المتزوج حلال تزويجه بها، على حرام تزويجه بها وباطله، كان إجماعهم حجة، ولم يجز (4/266)
صفحة 1385
لأحد ممن لا يعلم كذبهم فيما أجمعوا عليه مفارقتهم، ولا تخطئتهم فيما أجمعوا عليه، والبراءة منهم، ولا ولاية المتزوج، إذ أجمعوا على حرام تزويجه بها وباطله، وعلى من علم بكذبهم فيما أجمعوا عليه أن يبرأ منهم سريرة، ولا يجوز له إظهار البراءة منهم عند من لم يعلم بكذبهم، ويجوز له إظهار ذلك عند من علم بكذبهم ممن لم يعلم الحكم في ذلك، فافهم هذا.
وأما إن خالف العلماء المحقين فيما أجمع عليه الضعفاء من المسلمين، أو العلماء من المبتدعين لم يكن مخالفة الضعفاء، ولا العلماء المبتدعين مزيلة لإجماع العلماء المحقين، ولا مكافئة لإجماعهم، ولأنهم خصماء مدعون والعلماء من أهل دعوة الحق هم الحجة على الضعفاء من أهل دعوة الحق، وعلى العلماء من المبتدعين وأئمة الضلال، وكان إجماعه العلماء هو الحجة، فإنما يبطل إجماع العلماء من أهل دعوة الحق إذا اختلفوا هم بينهم، ولا يصح منهم إجماع على الشيء عند اختلافهم فيه.
وأما غيرهم من الضعفاء والمبتدعين، فلا يزيل إجماع العلماء من أهل دعوة الحق، هكذا قيل، والله أعلم.
وإنما قلنا: إن المنتهك الراكب لما يدين بتحريمه أنه من أهل دعوة الحق، لأن دينه أن ذلك الذي ركبه حرام، ودين المسلمين أن ذلك الذي ركبه حرام، فدين الراكب لذلك الحرام، ودين المسلمين في ذلك الحرام دين واحد، ولا فرق بينه وبينهم، فهو من أهل دعوة الحق، وأهل نحلة الحق، ودينه دين المسلمين.
وأما المستحل لذلك الحرام، فدينه غير دين المسلمين، لأن دينه أن ذلك الشيء حلال، ودين المسلمين أن ذلك الشيء حرام، فاختلف دينه ودين المسلمين، فليس هو من أهل دين المسلمين، ولا من أهل (4/267)
صفحة 1386
دعوة الحق، ولا من أهل نحلة الحق، وقد قال الفقيه في مثل هذا شعرا:
* دين هذا خلع هذا وهما مفترقان *
انظر في جميع ذلك، ولا تأخذ من قولي إلا بما وافق الحق والصواب ...
ومن كتاب المعتبر:
وعن رجلين برئا من رجل فسألا على ما برئا منه قالا: لا نفسر.
قال أبو عبد الله: إن كانا من العلماء الذين تقوم بهم الحجة، لم يسألا، وقبل قولهما، وبرئ من الرجل ببراءتهما، وإن كانا ممن لا تقوم بهما الحجة، لم يقبل قولهما حتى يفسرا، فإن قالا: إن استتبناه فلم يتب قبل قولهما عليه، وإن لم يسألا حتى ماتا، وكان للرجل ولاية، ثبتت ولايته وولايتهما إن شاء الله.
قال غيره:
وهذا من مجملات الأثر التي لا يصح معنا إلا في حكم المعتبر، وذلك أن البراءة في الإطلاق تخرج على وجهين، وجه منهما الخلع والبراءة بغير تسمية من أسماء الكفر والضلال، والنفاق والفسق، وأشباه هذه الأسماء، فهي أسماء دالة على من يستحق البراءة من المتسمين بها، وهي براءة في التسمية إذا سمي بها، والبراءة بغير تسمية هي اللعن.
وقوله: قد برئت من فلان، أو فلان برئ من الإسلام، أو برئ من الله، أو خليع عن الإسلام، أو أنا أبرأ من فلان وأشباه هذا، فهذا خلع وليس بتسمية، ولا يكون معنا في هذه الألفاظ كلها صحة شهادة على المقذوف بها من جميع من قذفه بها، كان ذلك من المسمى له بها على وجه الشهادة، أو على وجه القذف، ولا يخرج شيء منها (4/268)
صفحة 1387
معنا شهادة إلا قوله فلان برئ من الإسلام، أو خليع من الإسلام ونحوه على وجه الشهادة، فإنه يشبه معنى الأسماء الدالة على البراءة، وأما سائرها فقذف خارج معنا كله ومصرح من البراءة والقاذف من جميع عباد الله، ومن جميع خلقه من المتعبدين من الثقلين من الجن والإنس، من عالم أو ضعيف، خارجة مخرج الدعاوى من جميع المتبرئين، ومن جميع القاذفين، ولا يقبل منهم ذلك، ولا يجوز اتباعهم عليه، ولا تقليدهم فيه، بأن يخلع كخلعهم، ويبرأ كبراءتهم، ولا يكون في ذلك حجة لمن اتبعهم، ولا حجة على من سمعهم، ولو كانوا علماء كثير، وبشر كثير إلا الأنبياء صلوات الله عليهم جميعا وسلم تسليما فإنهم مقبول قولهم في جميع ما قالوا من الشهادة لازم أن يشهد كشهادتهم، ويبرأ كبراءتهم.
ويقال كقولهم، ويصدقوا في جميع ما أخبروا به من جميع ما خرج على سبيل الدعوى من غيرهم، والشهادة من غيرهم، فالتقليد من غيرهم لهم في ذلك فيما قيل واجب جائز.
وأما سائر الخلق، فمعنا أنه قيل لا يجوز التقليد لهم في جميع ما خرج مخرج الدعوى، ولا يجوز أن يشهد في ذلك كشهادتهم، ولا في شيء منه، ولا يقال كقولهم، ولا يبرأ كبراءتهم على القطع والتصديق لهم فيه، ومن قلدهم في ذلك كانوا قليلا أو كثيرا، عالما أو ضعيفا، مسلمين أو كافرين، مقرين أو منكرين، فهو مخطئ صال عن حكم الدين.
وكذلك ما كان من أسماء الكفر الموجبة للبراءة على صاحبها المسمى بها البراءة والخلع من الأسماء المكفرات، فإذا كان تسمية بها من المسمى بها للمسمى بها، أو بشيء منها الأصل في ذلك، والمراد به القذف والخلع والبراءة، لا يراد بها الشهادة على المحدث على أنها واجبة عليه، محدثة على معنى الشهادة، وإنما هي على معنى القذف، فهي من جميع المتسمين بها بجميع من سمي بها ممن لا يستحقها فيما مضى عند (4/269)
صفحة 1388
من سمي بذلك معي بمنزلة القاذف، لا بمنزلة الشاهد، والقاذف في الإجماع معنا يخرج مخرج المدعي إذا لم يكن المقذوف الذي قذف وليا للذي سمعه يقذفه من جميع الخلق إلا مع من يعرف منه ما قد عرفه من الأسماء، فإنه موافق له على ذلك، والقاذف مع هذا مدع ومتبرئ بالقذف، والدعوى فيما قيل إنه لا تجوز شهادته.
وكذلك في الإجماع أن المدعي لا تجوز شهادته في جميع ما كان مدعيا فيه وبه، ولا نعلم في ذلك اختلافا أنه يرجع مقبل شهادته فيما كان فيه مدعيا، وثبت فيه حكمه مدعيا، أو يكون قاذفا خالعا لمن يتولاه الذي سمعه من المتعبدين، فيكون القاذف لوليه معه مخلوعا ومدعيا، مبيحا من نفسه البراءة، لا تجوز شهادته فيما يدعيه أبدا، وسواء كانوا علماء كما وصفت لك، أو ضعفاء قليلا أو كثيرا، فلا فرق في ذلك، والقول كله سواء، والحكم فيه سواء.
ولا يجوز قول مدع، ولا شهادة خليع، والفقهاء والعلماء في أحكام الدعوى والقذف، وجميع الأحكام والاختصام، سائر الناس من الضعفاء، سواء من المقرين والمنكرين، والمسلمين والكافرين، ولا فرق بين علماء المسلمين، ولا بين غيرهم في الأحكام، ولا الدعوى، والاختصام فرق، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وذلك معنا في حكم الإجماع، ولا فضل لعلماء المسلمين على سائر العالمين إلا فيما جعل لهم من الحجة في الفتيا في أمر الدين، أو فيما جعل لهم من التسليط فيما جعلهم حكاما فيه على العالمين لشرائع أصول الدين.
وأما سائر الحكومات، فهم وغيرهم سواء، كانوا علماء في دين الله أو أئمة منصوبين للمسلمين، فكلهم سواء في الأحكام في الدين، الذي يكونون فيها خصماء أو مدعين أو مدعى عليهم في أحكام الدين.
وأما الأسماء الموجبة للبراءة مما وصفت لك، وما أشبه ذلك فإذا كان تسميه بها مسمى من المسمى على وجه الشهادة بالاسم الموجب (4/270)
صفحة 1389
عليه البراءة، فمعي أنه قيل: إن ذلك خارج على وجه الشهادة، وقيل: إنه قذف على حال، لأن الشهادة لا تكون إلا على الحدث، ولا تكون بالاسم، وإنما سمى الله تبارك وتعالى بهذه الأسماء في كتابه، وشهد عليهم بذلك تبارك وتعالى، بعد أن قص عنهم أفعالهم وأخبر بها، وشهد عليهم بها، ثم سماهم بالأسماء الخبيثة عليها.
ومعي أنه قيل: إنها تكون شهادة ممن شهد بها من العلماء، البصراء بأحكام الولاية والبراءة والتوبات، واختلاف ذلك، وثبوت معانيه، لأنه مأمون على أنه لا يسمى بهذه الأسماء إلا من استحقها معه في علمه وأمانته.
ولا تكون شهادة من الضعفاء الذين لا يعبرون ذلك، ولا يؤمنون على معرفة الأحكام الموجبة للأسماء على الأحداث، وعلى قول من يقول: إنها تكون شهادة، على أنها تكون شهادة على الإطلاق، يدخل عليه العلة في الضعيف، إذ لا يؤمن على الأحكام في ذلك ومعرفتها، ولا يثبت ذلك له إلا على التفسير فيمن يخرج ذلك منه، وإذا لم يكن ذلك يخرج على وجه الشهادة الثابتة، لم يتعر من أن يكون الشاهد بذلك إذا لم تجوز شهادته أن يكون قاذفا مدعيا.
ويعجبني على الاختلاف في ذلك، أنه إذا كان في العلماء خارجا مخرج الشهادة فيمن تجوز عليه الشهادة منهم أن لا يحتاج منهم إلى تفسير، وأن يقبل قولهم في شهادتهم على المشهد عليه بلا اسم الموجب للبراءة، ولو لم يسموا بها يستحق ذلك الاسم من الأحداث، وأن لا يقبل من الضعيف الشهادة بذلك إلا حتى يسمي ما كان حدثه فيراه المسلمون أنه مكفر، ويكونون هم الحكام فيه بالاسم والبراءة.
ومعي أنه قد قيل: لا يقبل من الضعيف ذلك، ولو سمى مفسرا حتى يشهد الشاهدان منهم على تفسير الحدث، وأنهما استتاباه من ذلك فلم يتب، ثم هنالك يقبل منهما، ويحكم بشهادتهما. (4/271)
صفحة 1390
ومعي أنه قد قيل: إنه لا يقبل من الضعيفين الشهادة على الأحداث، ولو فسرا وشهدا على أنه لم يتب بعد أن استتاباه فلم يتب، وإنما يقبل في أحكام البراءة شهادة من يبصر الولاية والبراءة، كما لا يقبل في الولاية إلا قول من يبصر الولاية والبراءة، والبراءة أعظم جرما وأشد حكما، وأحسب أنه قيل: إن الضعيفين إذا شهدا بالاسم، وقالا: إنهما استتاباه من حدثه فلم يتب، أنه يقبل منهما، ولو لم يفسر، لأن الإصرار على جميع الأحداث الصغار منها والكبار موجب للكفر والفسق، والأسماء الخبيثة التي يسمى بها المحدثون فيهما مأمونان على هذا بخروج صحة حكمه في قولهما، بشهادتها على الحدث.
وأحسب أنه قيل: لا يؤمنان على ذلك، لأن الضعيف لا يدري الفرق بين الأحداث حقها من باطلها، أو بدعها من دعاويها المحتمل فيها الصواب والخطأ، ولا مستحلاتها من محرماتها، وهو غير مأمون في قبول المحتمل على حال إلا بالتفسير.
ويعجبني في الضعيفين أنهما إذا شهدا باسم الكفر على وجه الشهادة، ولم يفسرا الحدث ألا يقبل منهما على من شهدا عليه، كان المشهود عليه له ولاية أو لم تكن له ولاية حتى يبينا الحدث، فإذا بينا الحدث، وشهدا به على القطع على المعاينة والسماع، وهما وليان من المسلمين، أعجبني قبول ذلك من شهادتهما إذا كان الحدث مكفرا لمن ركبه، ولو لم يقولا: إنهما استتاباه ولم يتب، لأنهما قد وصفا وفسرا ما يكفر به المحدث إن كان كفرا، أو ما يستتاب منه المحدث إن كان صغيرا، وعلى المشهود عليه، وله ما يجب عليه في الحكم في المشهود عليه من الصغير والكبير، الذي يصح بشهادة الشاهدين إلا على العلماء في الدين من المسلمين، والأئمة المنصوبين.
فإنه لا يعجبني أن يقبل عليهم إلا بشهادة العلماء، إلا أنه يعجبني (4/272)
صفحة 1391
فيهما إذا شهدا على عالم أو إمام وشرحا وفسرا ماذا أتى العالم أو الإمام، فلم أقبل شهادتهما عليه، وقد قاما في الشهادة، ولا أبرأ منهما، ولا أقف عن ولايتهما، ولكنني لا أجعلهما حجة على من فوقهما من المسلمين، ولا أترك ولايتهما إذا شهدا بما يجب عليهما في أحكام المسلمين، وكذلك إذا شهدا بالاسم على الضعيف، أو على من لا ولاية له، ولو لم يفسرا أن لا تقبل شهادتهما في ذلك للعلة التي وصفت لك، ولا تترك ولايتهما إذا ثبت ذلك شهادة منهما، وأدرأ عنهما البراءة والوقوف لواجب حق الإسلام الذي لهما، ولا يعجبني أن يقبل منهما إذا قالا إنهما استتاباه فلم يتب، إذا لم يفسرا الحدث للعلة التي وصفت لك، ولا أترك ولايتهما، وليس كل منزلة يشهد فيها الشاهد، فلم يقم بشهادته لعلة عرضت في ذات نفس استحق بذلك ترك الولاية ولا البراءة معنى إذا ثبت له حكم الشهادة، إلا أنه لا تقبل شهادته لأجل أنه ليس بمأمون ولا عدل في ذلك.
كما أنه لو شهد أربعة غير عدول على مقر بالزنا، وجاءوا على وجه الشهادة، لم يكونوا قاذفين في الحكم، ولا وجب عليهم معنى الحد ولا التفسيق، لأن الشاهد غير القاذف، وليس على أهل التعبد، ولا لهم أن يكتموا علم ما تعبدهم الله بالشهادة به، وعليه إذا جاز لهم ذلك حتى يعلموا أنهم حجة، وأنهم يقبل منهم ذلك، وليس عليهم علم ذلك معنا، وعليهم القيام بالعدل بالشهادة التي وجبت عليه، فإن قبلت فقد أداها، وإن لم تقبل فقد أداها.
وكذلك لو كان الشهود على ذلك عبيدا مسلمين، أو من قد شهد بالزور ثم تاب، فجاء على وجه الشهادة، فتشهد بحدث من المكفرات، أو بزنى على أحد ممن لم تجز شهادتهم عليه للعلة التي عرضت له في الإسلام أن لا تقبل شهادته من أجلها، لم يكن بذلك معنا قاذفا ولا خالعا، وإنما هو شاهد لم تقبل شهادته لما عرض له، ليس (4/273)
صفحة 1392
لتعديه وجه الحق والصواب في ذلك، فافهم ذلك إن شاء الله، والله أعلم بالصواب.
ومن غير كتاب المعتبر أحسبه من كتاب الاستقامة:
وأجمع أهل العلم أنه لا تجوز شهادة العدول من قومنا الذين يدينون بخلاف ديننا على أحد من المسلمين في الحدود، ولا فيما يوجب عليهم الكفر، أو الخروج من ولاية المسلمين إلى عداوة، أو وقوف أو براءة، لأنهم خصماء للمسلمين في ذلك، ولا يجوز قبول قول مدع، ولا شهادة خصم، بذلك جاء الإجماع من أهل العلم من المسلمين.
واختلفوا فيما بعد ذلك:
فقال من قال: لا تجوز شهادته عليهم في شيء من الأحكام، لأنهم غير مرضين، لأن الله تعالى قال: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} (البقرة: 282) فهم غير مرضيين، لأنهم خائنون لدين الله.
وقال من قال: تجوز شهادتهم في الحقوق ما كان ذلك متعلقا في الأموال الخاصة، مثل الديون والإقرارات، والوصايا والمواريث، ولا تجوز في الأبشار، ولا الفروج، مثل الطلاق والعتاق، والعدد وما يشبه هذا مما يدخل فيه أحكام الفروج.
وقال من قال: تجوز شهادتهم في كل ما وافقوا فيه المسلمين بالدينونة فيه، ما عدا ما يكفر به المسلمون والحدود.
وقال من قال: تجوز شهادتهم في كل ما وافقوا فيه هم المسلمين، ولا يدينوا بخلافهم، حتى إنه قد قيل: إنه قد قيل: إنه تجوز شهادتهم عليهم في القود والقصاص، ويقاد بشهادتهم المسلم، ويقتص منه وهو على ولايته، لأن ذلك يخرج مخرج الحقوق، ولا يخرج مخرج الحدود. (4/274)
صفحة 1393
وقال من قال: لا تجوز شهادتهم عليهم، لا في ذلك ولا فيما يتعلق به الحدود من الحقوق، مثل السرق والمحاربة التي يجب بها القطع والغرم.
وقال من قال: تجوز شهادتهم في ذلك في الحقوق، ويغرمون المال المتعلق به الحد، ولا تقام عليهم الحدود بشهادتهم، لأن الحدود من المكفرات، وأجمع المسلمون أنه تجوز الشهادة من العدول من قومنا على بعضهم بعضا في جميع الحدود والحقوق، والقصاص وجميع الأحكام الجارية بين أهل القبلة، وكل فرقة منهم تجوز شهادتهم على بعضهم بعضا، وعلى سائر الفرق من الروافض والشيع والقدرية والمرجئة والخوارج، وجميع من دان بخلاف دين المسلمين، لأنهم أهل ملة واحدة، وكفر ونفاق، يجمعهم اسم الملة، واسم الكفر والنفاق.
وأجمعوا أن الشهادة العدول من قومنا جائزة على جميع ملل أهل الشرك من عبدة الأوثان والنيران، من أهل العهد، وأهل الكتاب في جميع الحقوق، وما يثبت عليهم من الحدود، إذا كان في ذلك ثبوت حق الله، أو للعباد من حق أو حد.
وأما شهادة أهل نحلة الحق والدعوة فعلى ضروب:
فأما العلماء فشهادتهم جائزة على بعضهم بعضا في كل شيء، وعلى ضعفائهم من المسلمين، وعلى سائر أهل الدعوة، وعلى جميع قومنا، وعلى جميع المشركين في جميع ما قاموا به من الشهادة ما لم ينزلوا منزلة دعوى، أو قذف أو خصومة في وجه من الوجوه، ولا نعلم في هذا اختلافا.
أما شهادة الضعفاء من المسلمين، ممن تثبت ولايته فجائزة على جميع أهل نحلة الحق من العلماء والضعفاء وغيرهم من أهل نحلة الحق (4/275)
صفحة 1394
في جميع الأحكام، إلا فيما يجب به الكفر على أهل الولاية، فقد قيل فيه باختلاف.
وأما أهل الثقة والعدل من المقرين بالنحلة، ما لم تثبت لهم ولاية، فقد قيل: إن شهادتهم جائزة على نحو ما تجوز شهادة الضعفاء، ممن تثبت ولايته في الأحكام ما سوى المكفرات، وما ينتقل به المشهود عليه عن الإيمان إلى الكفر، أو عن حال الوقوف إلى البراءة.
وقال من قال: لا تجوز شهادة أحد منهم إلا من ثبتت ولايته، وإنما العدل هو الولي.
وقال من قال: إن أهل العدل والثقة من أهل نحلة الحق، هو كل من كان معروفا بالأمانات في ظاهر أمره، من أداء الفرائض، والانتهاء عن المحارم، ولا يعلم أنه مواقع لكبيرة، ولا مصر على صغيرة، ولا تتظاهر عليه تهمة فيما يدين بتحريمه من دين المسلمين، وظهرت أخلاقه وسيرته، وأعماله موافقة لقول أهل النحلة، غير أنه لم يستحق الولاية بصحة الخبرة بما يقع به حكم الموافقة.
فأهل هذه الصفة تجوز شهادتهم على العلماء من المسلمين، والضعفاء وغيرهم من أهل نحلة الحق، في جميع ما يخرج مخرج الأحكام، دون الحدود والمكفرات، لأنهم وإن لم يستحقوا الولاية فليسوا بأدنى منزلة من الثقات في دينهم من قومنا.
وقد قال من قال من أهل العلم: إن شهادة العدول من أهل النحلة تجوز على المسلمين في جميع الأحكام من الحقوق والحدود والمكفرات، ولا يخرج ذلك من جملة أحكام العدل لثبوت حكمهم في جملة أهل الاستقامة في التدين، ونحب أن تجوز شهادتهم على أمثالهم من أهل النحلة، وعلى فساق أهل النحلة، وعلى جميع قومنا من علمائهم (4/276)
صفحة 1395
وثقاتهم وغيرهم، وجميع أهل الملل في جميع الأحكام من الحدود والحقوق، وجميع أهل الإسلام في الأحداث وغير ذلك.
ونحب أن تجوز شهادتهم على جميع أهل الاستقامة في جميع الحقوق، وما يخرج مخرج الحكم في الأموال، وجميع الحقوق دون الحدود والمكفرات من الأحداث من ضعفاء المسلمين وغيرهم، ما دون الحدود والمكفرات، وأن لا تجوز شهادتهم على أحد ممن تثبت له ولاية من علماء المسلمين، ولا من ضعفائهم في شيء من الحدود، ولا في شيء من المكفرات، فيكون اسم أحد قد ثبت له الإيمان والولاية، ينتقل عن حكم الولاية والإيمان إلى الوقوف، أو براءة بشهادة من لم يثبت له اسم الإيمان، ولا حكم الولاية لثبوت قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون يد على من سواهم» ولقول الله تبارك وتعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} (التوبة:91)، {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} (النساء:141).
فمن لم يصح له الإيمان فلا يكون له معنا سبيل على أهل الإيمان فيما يزول به عنه الإيمان، وتثبت عليهم بشهادته حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، ومعنا أن أهل العدل والثقة من أهل نحلة المسلمين، ولو لم تجب لهم ولاية أعظم منزلة وأعلى درجة في وجوب الشهادة من علماء قومنا وأفاضلهم، لأن أحكامهم أحكام أهل الاستقامة، إلا ما اختلجهم من جهل العالم بهم بمنزلة ما تجب به الموافقة من القول، وثبتت له به عقد الولاية، ونحب له أن تجوز شهادة العدول من قومنا الثقات في دينهم في جميع ما وافقوا فيه أصول دين المسلمين في جميع الحقوق، وما يتعلق حكمه في الأموال خاصة، ولا تجوز شهادتهم في المكفرات والحدود، والفروج والعتق الذي تتولد منه أحكام الفروج.
وأما شهادة الضعفاء من المسلمين على الأحداث المكفرات فقد قال (4/277)
صفحة 1396
من قال من أهل العلم: إنه لا تجوز شهادتهم في ذلك، وإنما تجوز في ذلك شهادة العلماء، كما أنه لا تجوز شهادة الضعفاء في الولاية، وفي رفع الولاية، ولا يجوز في ذلك إلا قول العلماء البصراء بأحكام الولاية والبراءة.
فكذلك لا تجوز شهادتهم فيما يوجب البراءة، والبراءة أعظم خطرا، وأشد حذرا، أن لا يقلد أمرها إلا العلماء البصراء.
وقال من قال: تجوز شهادتهم على المسلمين في كل شيء من جميع الأحكام، وجميع الحدود، والحقوق والمكفرات، ولا تجوز شهادتهم بالمجمل من الكفر والنفاق والفسق، مثل أن يشهدوا أنه كافر أو منافق، أو فاسق أو ضال، أو ما أشبه هذا من الأسماء المجملة، ولا تجوز شهادتهم بذلك حتى يبين الشاهدان شيئا يكفر به المشهود عليه، وأنهما استتاباه منه فلم يتب، فهنالك تجوز شهادتهما عليه.
وقال من قال: تجوز شهادتهم في الأحداث المكفرات على الضعفاء الأولياء وغيرهم من أهل النحلة، ولا تجوز شهادتهم على العلماء، ولا على الأئمة المنصوبين، ولو وصفوا أحداثهم، وأنهم استتابوه فلم يتب.
وقال من قال: إذا بينوا حدثهم، ووصفوه على ما ذكرنا، جازت شهادتهم على جميع ما شهدوه عليه ممن تثبت الشهادة عليه، إذا كانوا من أهل الولاية، ونحب أن تثبت شهادة الضعفاء من أهل الولاية، على الضعفاء من أهل الولاية، ومن هو دونهم من أهل نحلة الحق، وعلى جميع أهل القبلة، وأهل الملل في جميع الأحكام والحدود، وجميع الأحداث، إذا بين الشاهدان الحدث، وأنهما استتابا من ذلك فلم يتب.
وأما على الأئمة في الدين، وعلماء المسلمين، فلا نحب أن تجوز الشهادة عليهم إلا من العلماء فيما يكفرهم، أو ينتقلون به عن ولاية (4/278)
صفحة 1397
إلى براءة أو وقوف، وإنما يكون عليهم حجة في ذلك العلماء الذين يبصرون الولاية والبراءة، ويكونون حجة في رفع الولاية فافهم هذا.
ومن الكتاب:
وأما العلماء الذين يبصرون الولاية والبراءة، ويكونون حجة في رفع الولاية، فشهادتهم جائزة في الأحداث المكفرات، وفي الحدود، وفي جميع ما تجوز فيه الشهادة على العلماء، وعلى الأئمة وعلى الضعفاء وغيرهم من أهل نحلة الحق، وعلى جميع أهل القبلة، وعلى جميع أهل الملل في جميع الأحكام، ممن تكون فيه الشهادة جائزة.
وأما الأئمة في الدين فإذا كان الإمام من العلماء جازت شهادته فيما يجوز فيه شهادة العلماء، وإن كان من الضعفاء جازت شهادته فيما تجوز فيه شهادة الضعفاء، وضعفت فيما ضعفت فيه شهادة الضعفاء.
وأما الشهادة عليه فلاحقة معنا بالشهادة على العلماء، ولو كان من الضعفاء، لأنه قد عظمت منزلته في الإسلام، ولحقت بدرجات الأئمة في الدين.
وأما شهادة النساء مع الرجال فيما تجب به أحكام البراءة في الأحداث، جائزة في أكثر القول من أهل العلم من المسلمين إلا في الزنى فلا تجوز شهادتهن فيه.
وقال من قال: لا تجوز شهادتهن مع الرجال في شيء من الحدود، وتجوز في الحقوق، والأكثر من قول أهل العلم أنه تجوز شهادتهن في جميع الأحكام مع الرجال إلا في الزنى، ولا نعلم أن أحدا قال من أهل العلم أن شهادة النساء وحدهن تجوز في شيء من الأحكام إلا فيما (4/279)
صفحة 1398
لا يمكن اطلاع الرجال عليه، مثل الشهادة في العذرة والرتق، والعفل في فروج النساء، وقد قيل ذلك في الرضاع.
وشهادة القابلة، وكل ذلك لمعنى ما لا يطلع عليه من الرجال إلا الرضاع فإنه جاء فيه الأثر: أنه تجوز شهادة المرضعة وحدها على الرضاع، وعلى فعلها من ذلك خاص ذلك من شهادة النساء والرجال إلا ما شاء الله من ذلك، مما هو يشبه ذلك، فلما أن جازت شهادتهن في ذلك الموضع، مالا يطلع عليه غيرهن من الرجال، لم تجز شهادتهن في الزنى خاصة لموضع ما لا يطلعن عليه من ذلك، والله أعلم.
ولأنه قال عز وجل: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء} (النور:13)، والشهداء مذكرون، وهم الرجال أربعة، ولم يستثن الله في ذلك النساء، فكان هذا خاص في الزنى مستثنى من سائر الأحكام، ولم يأت في الحدود من السرق والخمر والمسكر وغير ذلك من الحدود ما أتى في الزنى، فكان سائر الحدود داخلة في سائر الأحكام، جائزة فيه شهادة الرجلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، كما قال الله عز وجل.
وقال من قال: إن شهادة المرأة وحدها جائزة في رفع الولاية على قول من يقول: إنه يجوز رفع الرجل الولاية، ولو كان واحدا، وفي ذلك اختلاف، ولا نعلم أن أحدا قال: إنه لا يجوز رفع الولاية من المرأة، وتجوز من الرجل، وتجوز شهادة النساء في الأحداث المكفرات مع الرجال، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان.
ولا تجوز شهادة النساء وحدهن في الأحداث ولا في شيء منها.
وأما شهادة العبيد فجائزة في الولاية خاصة في رفع الولاية، ولا تجوز في أكثر قول أهل العلم في شيء غير الولاية.
وقد أجازوا من العبد رفع الولاية، ومن الأئمة وحدها إن كانا (4/280)
صفحة 1399
ممن يبصر الولاية، ولا نعلم في ذلك اختلافا على القول الذي نجيز فيه رفع الولاية من الواحد من الرجال الأحرار.
وقد اختلف في ذلك فقال من قال: يجوز رفع الواحد الولاية.
وقال من قال: لا يجوز حتى يكونا اثنين.
وأما الأعمى فقد اختلف في رفعه للولاية، فقال من قال: لا يجوز منه رفع الولاية.
وقال من قال: يجوز رفعه للولاية، ويجوز قوله في الولاية.
وأما في سائر الأحكام فلا يجوز إلا فيما اختلف فيه من الشهادة على النسب بالصفة، لا على العين وما أشبه ذلك، ولا تجوز شهادته في شيء من الحدود، ولا الطلاق ولا العتاق، ولا شيء من الأفعال، وكذلك لا تجوز معنا شهادة العميان على شيء من الأحداث، ولا شيء من الحدود، ولا في شيء من الأفعال مثل الشراء والبيع وغير ذلك من الأفعال، لأن شهادتهم تخرج معنا مخرج الظنون، ولا يجوز معنا ذلك على وجه من الوجوه فيما علمنا من قول أهل العلم، ولو عظمت منزلتهم.
وأما شهادة العبيد والإماء من الأصحاء الأبصار، فيخرج معنا ذلك مخرج الاختلاف، فالذي يجيز شهادة العبيد في الأحكام يجيز شهادتهم في الأحداث من الزنى وغيره، والإمام في ذلك مثل النساء الحرائر.
ومن أجاز شهادة العبيد والإمام فلا نعلم دليلا يبطل قوله، لأنهم داخلون في جملة المتعبدين، وفي جملة المسلمين.
وأما شهادة العلماء البصراء بالولاية والبراءة على من يجوز عليه الشهادة، فقد قيل: إنها تجوز على إيقاع الاسم عليه من الكفر (4/281)
صفحة 1400
والنفاق والفسق، وأشباه ذلك من الأسماء الموصوفة، المستحق بها المسمى البراءة، ويكونون حجة، ويجوز قبول قولهم في شهادتهم، والبراءة ممن شهدوا عليه بذلك، إذا شهدا عليه بذلك عالمان فصاعدا.
وقال من قال: إن الشهادة على الاسم تقع موقع القذف، ولا تكون شهادة لأنهم يسمونه بالفسق والكفر والنفاق، وذلك إنما هو اسم لمعنى ما أتى، وليس هو شهادة على ما أتى، مما يكفر به ويفسق به، وإنما تكون شهادة إذا شهدوا على الحدث الذي يكفر به، ويفسق به، فإذا شهدوا عليه بذلك، وقالوا: إن ذلك مما يكفر به أو أنهم يبرءون منه بذلك الفعل، أو أن المسلمين يبرءون منه على ذلك الذي أتاه كانوا بذلك حجة في الشهادة والفتيا.
وهذا القول هو أقوى، والقول الأول ليس بوهن في الحق، لأن العالم لا يلحقه أن يشهد بالكفر إلا على أهله المستحقين له، وليس ذلك براءة منه، وإنما هو شهادة على اسم سمى به المشهود عليه، وهو حجة في ذلك لموضع علمه بمواضع الأسماء بماذا يقع من الأحداث، وأما الضعفاء من المسلمين، فلا تجوز شهادتهم على الأسماء، كما جازت شهادة العلماء على الأسماء، وإنما تجوز شهادتهم على الأحداث.
فإذا شهدوا على ما أتى من الأحداث، وإنهما قد استتاباه من ذلك الذي أتى فلم يتب، جازت شهادتهما.
وإذا شهد الضعيفان على الاسم، فإن كانا شهدا عند من يتولى المشهود عليه كانا قاذفين له، وخصمين لمن يتولاه، وإن كانا شهدا عند من لم يتول المشهود عليه، كانا مدعيين، ولا تجوز شهادة قاذف ولا خصم، ولا مدعي، لأنه من لم يكن حجة في شيء كان مدعيا فيه أو خصما، فإذا لم تقم الحجة على المشهود عليه في الإجماع بتلك الشهادة كان خارجا مخرج القذف لمن شهدا عليه عند من يتولاه وعند من لا يتولاه بمنزلة الدعوى. (4/282)
صفحة 1401
وأما إذا شهد العلماء على الحدث، وإنما ذلك من يكفره أو يوجب البراءة منه، أو أن المسلمين يبرءون منه على ذلك، أو بذلك أو ما أشبه هذا من الشهادة والفتيا جميعا، فذلك حجة، ولا نعلم في ذلك اختلافا أنهم لا يقومون في ذلك مقام القاذف، بل هم في ذلك مقام الشهداء فيما علمنا بالإجماع من أهل العلم.
وأما الضعفاء من المسلمين إذا شهدوا على الحدث المكفر، ولم يبرءوا ممن أتاه على ذلك، ولم يفسقوه ويكفروه، فهم حجة على المشهود عنده، فإن علم كفر المشهود عليه برئ منه، وإن جهل الحكم ثم علم بعد ذلك برئ منه.
وأما إذا برئوا من المشهود عليه أو فسقوه أو كفروا عند من يتولاه، وهم يعلمون أنه يتولاه، فإن علم الحكم برئ منه، وإن جهل الحكم فهم قذفة عنده، لأنهم ليس هم بحجة في تفسيقه ولا تكفيره، وله أن يبرأ ممن قذف وليه على هذا برئ منهم برأي كان ذلك الحدث لا يوجب على وليه البراءة أو الكفر أو الفسق، وله أن يتولى وليه هذا بالرأي لأنه إذا شهد الضعفاء على الكفر والفسق والنفاق وما أشبه هذا من الأسماء من غير تفسير لما أحدث المحدث، كانوا بذلك في حد القذف، وأحكام القذف في الأولياء، وفي حد الدعوى في غير الأولياء.
ولا تجوز شهادة قاذف، ولا قول مدع، ولا حجة منهم في ذلك بوجه من الوجوه لأن الضعفاء لا تقوم بهم الحجة في تفسير الأسماء فافهموا ذلك إن شاء الله.
واختلف في ثبوت الشهادة على المشهود عليه، فقال من قال: لا تجوز الشهادة على الأحداث إلا بحضرة المشهود عليه، كائنا من كان الشاهدان، وتفسير من الشاهدين أنهما عاينا ذلك الحدث من المحدث بأعينهما، أو سمعا ذلك منه بآذانهما، ويفسران ذلك على ما لا يرتاب فيه، كمثل ما قد نثبت في الحد في الزنى أنه لا تجوز الشهادة فيه (4/283)
صفحة 1402
حتى يشهد الشهداء بأنهم رأوا ذلك من الزاني عيانا يقينا كالميل في المكحلة فإن لم يفسر ذلك الشهود كائنا ما كانوا، وكائنا ما كان الزاني، لم يكونوا في ذلك حجة عليه، ولا جازت شهادتهم في وجوب الحد عليه.
وكذلك في الخمر حتى يفسر الشهود.
وكذلك في القذف أن القاذف قذف هذا بالزنى، وأنه سمع ذلك من القاذف يقذف هذا بالزنى بلفظ يصفه الشاهد بحضرة من المشهود عليه، ثم يقام عليه الحد بحضرة الشهود، فلعلهم يرجعون عن شهادتهم قبل أن يقام عليهم الحد، ولعل المشهود عليه يأت بحجة يدرأ عن نفسه ما شهد عليه به الشهود، أو يوجب هنالك شبهة فيدرأ عنه الحد بالشبهة.
وقال من قال: تجوز شهادتهم على المحدث بحضرته إذا علم أنهما أدركا الوقوف الذي يشهد أن عليه فيه أنه أحدث ذلك الحدث فيه، وإن لم يفسر الوقت جازت شهادتها عليه إذا شهدا قطعا عليه بالحدث، ولم يصفا ذلك إلى شهرة، ولا تقبل شهادة عن شهادة، وكان المشهود عليه حاضرا لا يدرأ عن نفسه بسبب يبطل شهادتهما أو يضعفا بقول، أو يوقفهما عن شهادتهما، لأن الشهود إذا شهدوا بالقطع أحسن بهم الظن، ولم يتهموا في شهادتهم، وقلدوا ذلك.
واختلفوا في الشهادة على المشهود عليه في غير حضرته: فقال من قال: لا تجوز الشهادة عليه إلا في حضرته، حيا كان أو ميتا، عالما أو ضعيفا، إماما أو عاميا من الرعية.
وقال من قال: لا تجوز على الحي الغائب، ولا تجوز على الميت كائنا من كان الحي والميت.
وقال من قال: يجوز على الضعيف من المسلمين الحي، ولا يجوز على العلماء ولا الأئمة إلا بحضرتهم، كان الشهود علماء أو ضعفاء. (4/284)
صفحة 1403
وقال من قال: إذا كان الشهود علماء، والمشهود عليه ضعيفا، أو من لا تثبت له ولاية أو عداوة، جازت شهادتهم على الحي، ولم تجز شهادتهم على الأموات.
وقال من قال: تجوز الشهادة على الحي الغائب، ولا يبرأ منه حتى يلقى ويسمع حجته، فإذا سمعت حجته فلم يدرأها بشيء برئ منه هنالك، كان عالما أو ضعيفا، إماما أو عاميا.
وقال من قال: إنما يجوز ذلك في الضعفاء ومن لا تثبت له ولاية، وأما العلماء والأئمة فلا يجوز ذلك عليه حتى يكون ذلك بحضرته.
والذي نختاره من هذا كله، أنه لا تقبل الشهادة على العلماء، من صحت له حجة العلماء، ولا على الأئمة المنصوبين كانوا علماء أو ضعفاء إلا بحضرتهم، وتفسير حدثهم على عيان ما أتوا، أو سماع ما أتوا إن أفصحوا عن ذلك أو لم يفصحوا، وشهدوا قطعا ولم يدرأ عن نفسه في ذلك الحجة يقبل منه برئ منه على ذلك، ولا يقبل على الأئمة والعلماء إلا شهادة العلماء بحضرتهم، ولا يقبل عليهم في مغيبهم.
وأما الضعفاء، ومن يثبت له ولاية، فنختار فيه أن تقبل عليه الشهادة من العلماء على ما وصفنا وفسرنا، ومن الضعفاء إذا فسروا ما أحدث، وأنهم استتابوه من ذلك فلم يتب، ولا نحب أن يبرأ منه ما أحدث، وأنهم استتابوه من ذلك فلم يتب، ولا نحب أن يبرأ منه حتى تسمع حجته، فإذا سمعت ولم يدرأ عن نفسه برئ، ولو لم يكن الشهود بالحضرة حين ذلك.
وأما الشهادة على الميت بالأحداث، فقد اختلف في ذلك إلا على العلماء من المسلمين والأئمة في الدين الذي قضت لهم الشهرة بثبوت الولاية، وصحة العقدة، حتى ماتوا على ذلك، ولم ينتقل أمرهم (4/285)
صفحة 1404
عن ذلك بكفر ولا وقوف، ولا أمر يدخل عليهم فيه ريب، ولا شبهة عند من عرف منهم ذلك، فإن الإجماع من قول أهل العلم أنه لا تجوز الشهادة على هؤلاء في الأحداث التي توجب البراءة، ولا فيما تنتقل أحكامهم فيه إلى براءة أو وقوف، ولا نعلم في ذلك اختلافا.
واختلفوا فيما سوى هؤلاء، فقال من قال: لا تجوز الشهادة على الأموات في الأحداث فيما ينتقل أمرهم عن حال ما هم عليه إلى براءة أو وقوف عن ولاية، وكل من مات فقد ماتت حجته، والحجة عليه غير قائمة في الأحكام المتعلقة عليه في نفسه، والبراءة حكم خاص في النفس، وسواء ذلك كائنا من كان الميت.
فمن لم يصح معه كفره وحدثه بعيان أو سماع، أو بشهرة لا تدفع ولا شك فيها فقد ثبت أمره معه على كل حال على ما هو عليه، ويتولى المسلمين على براءتهم ممن برئوا منه، أو شهدوا عليه بحدث مكفر، ولو كان المشهود عليه من الأئمة الضلال، الذين صح ضلالهم مع غيره بعيان أو سماع أو شهرة، ممن سلف ومات ولم يجب عليه حكم كفره بالبينة في حياته، وهذا القول معنا هو أصح ما علمنا أنه قيل في أمر الشهادة على الأحداث على الأموات، وسواء ذلك معنا كان الميت ممن شهد عليه بخلاف الدين مما يدين به، أو بانتهاك لما يدين بتحريمه، أو كان من الأئمة المبتدعين، أو من الأئمة الفاسقين فيما يدينون بتحريمه فالقول فيه كما وصفنا.
وأما بصحة شهرة حدثه قبل موته، أو بعد موته سواء، ولا فرق في صحة الشهرة عليه بحدثه في حياته ولا بعد موته.
وقال من قال: إنما يجوز ذلك في الأئمة الضلال من جميع الأئمة في الدين الفساق، الذين فسقوا في دينهم، وهم أئمة، أو كانوا أئمة دعاة إلى دين الضلال، ولا يجوز في غير هؤلاء. (4/286)
صفحة 1405
وقال من قال: يجوز ذلك في جميع من لم تثبت له ولاية مع المشهود عليه بذلك الحدث، ممن تجوز شهادته عليه.
وقال من قال: تجوز ذلك في الجميع إلا في الأئمة في الدين وعلماء المسلمين، فإنه لا يجوز ذلك في هؤلاء، ولا نعلم في ذلك اختلافا، فلما أن صح الإجماع أنه لا تجوز الشهادة على الأئمة في الدين، وفي علماء المسلمين، والأموات السالفين، أشكلت الشهادة في الجميع إلا من المشهود عنده -نسخة- عليه أنه ليس من علماء المسلمين، ولا من الأئمة في الدين، فإذا لم يعلم أهو منهم أو ليس منهم حجر عليه قبول الشهادة عليه في الإجماع.
ولو قال الشاهدان: إنه ليس من العلماء، ولا من الأئمة في الدين، لم يقبل قولهما لأنهما مدعيان أنهما تجوز شهادتها عليه بالحدث، ولأنهما خصمان له حتى قالا عليه بالكفر والحدث، ومما يؤيد هذا أنهما لو شهدا على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما عند من لا يعرفهما، وقالا إنهما ليسا بإمامين، لم يجز له أن يقبل قولهما، ولا شهادتهما على أبي بكر وعمر، لأنهما إمامان عند من علمهما أو جهلهما، ولأن الشاهدين ولو كانا من أفضل العلماء لم يجز له أن يحسن ظنه بهما، وأمانته لهما، أن يقلدهما، وقد كفرا أو يشهد لهما بالعصمة فيما غاب عنه أنهما لن يكذبا، ولن يشهدا أبدا زورا، وإنما يشهدا بالعصمة لمن صحة رسالته أو نبوته، أو حقيقة إيمانه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يشهد لهم بالعصمة على كل حال لا يعصون أبدا، وإنما يشهد لهما بالعصمة أنهم لم يموتوا على معصية، ولا يجوز له تقليد الشاهدين فيما لا يجوز أن يكونا فيه حجة ولو جهل ذلك.
و ليس له الحسن ظنه بهما أن يبطل ما قد أجمع عليه المسلمون عليه، أنه لا تجوز الشهادة عليهما. (4/287)
صفحة 1406
وكذلك القول في العلماء والأئمة في الدين، من لدن أبي بكر وعمر وجابر بن زيد، وأبي معاوية عزان بن الصقر، ومن هو مثلهم أو دونهم، إلى الإمام سعيد بن عبد الله العماني، وكذلك الأئمة والعلماء المهتدون، من حضرموت، وجبال نفوسا وخراسان وغير ذلك من الأمصار، كالقول في أبي بكر وعمر، ولأنه قد تقوم الحجة من بعض العلماء، ولو كانوا أقل منزلة من أبي بكر وعمر بدرجات كثيرة على من صح عنده علمهما، ولا تقوم عليه الحجة بأبي بكر وعمر إذا جهلهما، كما تقوم عليه الحجة بمن علمه من العلماء، ولأن ليس على الناس كلهم معرفة أبي بكر وعمر، ويسع جهلهما من لم يعرفهما، ولأن ليس كل من لم يعرف من الناس أنه من العلماء، أو من غير العلماء، حكم عليه أنه ليس من العلماء، لأن الناس منهم علماء ومنهم غير علماء، فليس له أن يتعاطى علم الغيب، ويحكم بغير علم.
كما أن الناس منهم الولي ومنهم العدو، فليس له أن يحكم على أحد أنه عدو أو ولي بغير علم، فيكون حاكما بالزور، وعليه الوقوف حتى يعلم أنه ولي أو عدو، فيحكم بعلم فلأجل هذه العلل، وأكثر منها أشكلت الشهادة في جميع الأموات عند من جهلهم، ولم يجز قبولها لمن جهل أمر المشهود عليه، ولأن العلماء بالولاية والبراءة لا يتوصل إلى علم ذلك من الشخص بنفس الشخص، فيكون الشخص نفسه دليا على إيمانه وكفره، أو على علمه أو جهله، عند من جهل ذلك الشخص، ويجوز أن يتحرى الجاهل لذلك الشخص أنه ولي فيتولاه، أو عدو فيبرأ منه، أو أنه جاهل فيقبل الشهادة عليه، أو عالم فلا يقبل الشهادة عليه، ويكون سالما بتحريه هذا إذا وافق بتحريمه ذلك الولي أو العدو، أو الجاهل العالم في بعض القول.
كما قد قيل: إن الجاهل للأشياء المباحة والمحجورة من المأكولات، الدالة على نفسها كالخنزير والقرد، والميتة والمعز والضأن والبقر والإبل، وغير ذلك أنه إذا تحرى الحلال فوافق الحلال كان سالما في (4/288)
صفحة 1407
بعض القول، لأنه ليس الدال على نفسه، وتدرك معرفته بشخصه، كمن لا تدرك معرفته بشخصه من إيمانه وكفره وعلمه وجهله إلا بدليل من غيره، وهو الإيمان والكفر، والعلم والجهل، وبين ذلك فرق عند من علمه والله أعلم.
هكذا عندي أنه يخرج في معاني ما وجدت والله أعلم.
ولكل زمان رجال، ولكل قوم هاد، يهديهم إلى سبيل الرشاد، ويمنعهم عن سبيل الغني والفساد.
ومن نزل بمنزلة يكون حجة لله فيما قام به لله على أهل زمانه، من نقل الشريعة، وتظاهرت له شواهد الأمانة والعلم، كان على من عرفه، وقامت عليه حجته، بمنزلة أبي بكر وعمر فيما قاما به من الحق، ولكل درجات مما عملوا، وعلى الكافة أن يسيروا بالعدل فيمن عرفوا أو جهلوا.
وأما الشهادة على الشهرة في الأحداث، على الأحياء والأموات، فقد قال من قال: إنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من الأحداث، في شيء من المكفرات، ولا تكون الشهادة إلا على العيان أو السماع أو القطع.
وقال من قال: يجوز ذلك على سبيل ما تجوز الشهادة على العيان، والسماع في جميع من تجوز الشهادة عليه.
وقال من قال: لا تجوز الشهادة على الشهرة في جميع الأحداث، إلا على أئمة الضلال، وأما على العامة فلا يجوز ذلك.
ومعنا أن القول الأول هو أصح أن الشهادة على الشهرة لا تجوز في جميع الأحداث، والحدود والقصاص والقود، ولا جميع الحقوق إلا ما قد خص ذلك من إجازة الشهادة على الشهرة في النكاح والأنساب، والموت، ولا نعلم وجها رابعا قيل فيه إنه تجوز الشهادة على الشهرة (4/289)
صفحة 1408
فيه، إلا ما يتولد من أسباب الموت، مثل الغرق والحرق، والهدم والفقد، وما يخرج مخرج الموت، فإنه لاحق بأحكام الموت، فقد قيل: إن الشهادة على الشهرة فيه جائزة.
وكذلك ما يخرج مخرج النكاح من شهرة الأصهار، والرضاع، وما أشبهه.
وكذلك الشهادة على الولاء الشاهر، فإنه لاحق ملحق الأنساب، وأشباه هذا مما هو لاحق بما يشبه الموت، والنكاح والأنساب، فالموت وما أشبهه، والنكاح وما أشبهه، والأنساب وما أشبهها، فقد قيل: إنه تجوز فيه الشهادة على الشهرة، وأما الشهادة على ما يوجب الحدود والقود والقصاص فلا نعلم في ذلك اختلافا أنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من ذلك، وكذلك ما أشبه هذا فهو لاحق به ومثله.
وكذلك الشهادة على الشهرة في القتل والضرب، وما يتعلق حكمه حكم الأنساب، فلا يثبت بذلك قود ولا قصاص ولا دية، ولا نعلم في ذلك اختلافا.
وكذلك الشهادة على الحقوق في جميع الأحكام من الطلاق والعتاق، والإقرار والوصايا، والبيوع والشراء، وما يتولد من جميع الحقوق، فلا نعلم أن أحدا أجاز الشهادة على الشهرة فيه إلا ما خص هذه الثلاثة الوجوه التي ذكرناها وما أشبهها وما يتولد منها.
والبراءة معنا بالحدود أشبه من النكاح، والموت والنسب، لأنه قد أجمع أهل العلم أنه لا تجوز شهادة قومنا على أحد من المسلمين في الأحداث الموجبات للكفر، ولا في شيء من الحدود، واختلفوا في شهادتهم عليهم في الموت والنسب والنكاح، فأجاز أكثر أهل العلم شهادة (4/290)
صفحة 1409
العدول منهم على المسلمين في ذلك، فكانت الحدود والبراءات بمنزلة واحدة فيما أجمعوا عليه من القول في ذلك.
وجاء الأثر المجتمع عليه: أنه إذا وقع شيء ليس فيه حكم منصوص ثابت من كتاب الله، أو سنة الرسول، أو إجماع المسلمين، فاختلف في ذلك أنه ينظر أشبه الأشياء بذلك، فيلحق به حكمه، ولا نعلم شيئا يشبه البراءة مثل الحدود، لأنها خارجة من الحقوق كلها، ولا يشبهها شيء من الأشياء، وإنما تخرج في جميع أمورها مخرج الحدود.
والإجماع من قول أهل العلم أنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من الحدود، ولا شيء من الحقوق إلا في النكاح والموت والنسب وما أشبه ذلك، فقد بطلت الشهادة على الشهرة في جميع الحدود والقصاص، وعامة الحقوق، ولا نعلم شيئا من أحكام الإسلام يعدو معنيين: إما حد، وإما حق.
فالبراءة بالحدود لاحقة، وعلى شبهها خارجة، ولا ينكر أحد ذلك فيما علمنا، إلا أن يكون على المكابرة، فشهادة الشهرة معنا على الأخبار في البراءة ضعيفة من أجل هذه العلل وغيرها، ولا تقدر على إجازتها، ولا الأخذ بها، غير أن لا نخطئ أحدا من المسلمين، ولا نرد عليه ذلك، فافهم هذا.
فإن شهد الشاهدان على أحد بحدث ممن تجوز شهادتهما عليه، وبينا أن ذلك من طريق ما صح معهما من الشهرة لحدثه، فلا يجوز ذلك معنا على ما قد بيناه وأخبرناه، وإن لم يبينا أنه من طريق الشهرة، وشهدا عليه قطعا فإن كان حيا جازت شهادتهما عليه، وإن كان ميتا لم تجز شهادتهما عليه، وقد مضى القول في جواز الشهادة على الأحياء والأموات وحجرها، وكيف تجوز ممن تجوز ما فيه كفاية، وحيث لم تجز الشهادة إلا على الأحياء، (4/291)
صفحة 1410
ولا على الأموات، فالشهادة على الشهرة في ذلك أضعف عندي، والله أعلم.
وأما الشهادة عن الشهادة على الأحداث في البراءات، فقد عرفنا أن ذلك لا يجوز عمن أخذنا عنه، ولا نعلم أن أحدا قال: إن ذلك يجوز نصا إلا ما يدل على إجازة ذلك من معاني قولهم في بعض القول، لأن الشهادة عن الشهادة معنا في هذا أشبه من الشهادة على الشهرة، لأنه قد قيل إن الشهادة عن الشهادة جائزة في جميع الحقوق، والنكاح، والطلاق والعتاق، والموت، والأنساب، والإقرارات، وجميع الحقوق، ولا نعلم أن أحدا من أهل العلم، قال في ذلك بخلاف هذا، فأجمعوا فيما نعلم أنه لا تجوز الشهادة عن الشهادة في الحدود كلها، ولا نعلم في ذلك اختلافا.
واختلفوا في الشهادة عن الشهادة في القتل الموجب للقود، والجروح الموجبة للقصاص، فقال من قال: لا يجوز ذلك.
وقال من قال: إن ذلك جائز لأنه يخرج مخرج الحقوق، ولأنه قد أجاز ذلك بعض من أجازه من شهادة قومنا على المسلمين، ولا نعلم أن أحدا من أهل العلم قال إن ذلك تجوز فيه الشهادة على الشهرة، فلما أن قيل في الشهادة على الشهرة بالاختلاف، دل ذلك معنا أن الاختلاف فيه أقرب، والشهادة فيه عن الشهادة أوجب، وإن كنا لا نعرف ذلك نصا وحفظا، كما عرفنا الاختلاف في شهادة الشهرة نصا وحفظا، مع أن اختيارنا وما نحبه أنه لا تجوز الشهادة في الأحداث عن الشهادة في الأحداث في الأحياء وفي الأموات، ولا في أئمة الضلال، ولا في حال من الحال.
لأن البراءة معنا حد من الحدود، وضرب منها، وليس معنا لها شبه إلا الحدود فما جاز في الحدود من الشهادة، جاز فيها مع أنه قد جاء فيها من التشديد ما لم يأت في الحدود، لأنه قد قيل: إنه لا تجوز الشهادة في الأحداث إلا من العلماء على الجميع من العلماء (4/292)
صفحة 1411
وغيرهم، ولم يقل ذلك أحد فيما علمنا في الشهادة على الحدود من الزنى والسرق والخمر وغير ذلك من الحدود، فلما أن وجدنا الشهادة على البراءة في جميع الأشياء، يلحق ملحق الحدود، بل يعلموا عليها وتزيد، ووجدناها لا تتعلق إلا متعلق الحدود، بل هي أشد من الحدود، لم نحب أن نترك فضل ما عرفنا، وعدل ما أبصرنا فيما لزمنا، أو لزم من التمس ذلك منا، ويتعلق بالأقاويل التي لا يبصر لها أصولا، كما أبصرنا لهذا، ولا يجب أن تقبل الشهادة عن الشهادة، ولا الشهادة عن الشهرة في أمر البراءة في أحد من الناس كائنا من كان الشاهد، وكائنا من كان المشهود عليه من الأحياء والأموات، والحاضرين والأغياب، والشهادة عن الشهادة لما قد بيناه من أمرهما في هذا الكتاب.
قال غيره:
فيما قيل في الشهادة في هذا الكتاب، فإن فيه قوة عظيمة، واتساعا للضعفاء في أمر وجوب البراءات عليهم، وزوالهم عنهم، وأن لا يتكلف الضعفاء لزوم ما لا يلزمهم منها، أو يضيقوا على أنفسهم ما قد وسع المسلمون لهم.
ومن الكتاب:
وأما الشهادة على إقرار المحدث بحدثه، ممن تجوز شهادته عليه مواضع ما وصفنا، فشهادة الشهود عليه بإقراره أنه أحدث ذلك الحدث، فذلك جائز عليه ما لم يرجع عن إقراره، فإذا رجع عن إقراره، وتاب من كذبه، رجع عن البراءة منه، ولا نعلم في ذلك اختلافا.
ولا تجوز الشهادة عليه بإقراره إلا في مواضع ما تجوز الشهادة عليه بالعيان والسماع، والقطع على ما وصفنا وبينا، وأما الحدود إذا رجع عن إقراره بما يوجبها عليه، ففيه اختلاف ما لم يقع عليه أول (4/293)
صفحة 1412
الحد، ففي بعض القول أنه لا يدرأ عنه الحد بعد إقراره، ولا ينفعه إنكاره بعد إقراره، أقر بذلك عند الحاكم، أو شهد عليه بذلك الشهود، وإذا وقع عليه أول الحد من رجم أو جلد، ثم رجع عن إقراره بحدثه كان إقراره عند الحاكم، أو شهدت عليه البينة، فلا تنفعه الرجعة بعد ذلك، ويثبت عليه الحد، وإن تاب هذا الذي وجب عليه الحد قبل أن يقام عليه الحد، رجع إلى ولايته، وإلى حالته الأولى إن لم يكن يتولى قبل ذلك.
فإن قال قائل: فلم لا تقبلون الشهادة عن الشهادة، ولا الشهادة على الشهرة في الأئمة السالفين، الذين قد أجمع المسلمون على تضليلهم، وتتابع على ذلك قولهم، وسيرهم وأخذوه عن بعضهم بعض، لأنه لا تدرك أبدا في عصرنا، ولا يبلغ إلى معرفته إلا من الشهادة على الشهرة، أو الشهادة على الشهادة؟
قلنا له: لا يقبل ذلك لما قد بيناه وأوضحناه من العلل التي تضعف الشهادة على الشهرة، والشهادة على الشهادة، فيما تقدم ذكره في كتابنا، ولا يخطئ من قبل ذلك، ولما قد بيناه أيضا، وأوضحناه من الشهادات على الأحداث كيف تجوز في الأحياء وفي الأموات، وكيف لا تجوز، وأوضحنا العلل الداخلة في ذلك، وبيناها، ولما قد بيناه من أمر البراءة، واحتججنا له، وأوضحناه أنها مشبهة للحدود، بل تعلو عليها وتزيد.
ولما قد أجمع العلماء من المسلمين، أنه لا تجوز شهادة قومنا على أحد من علماء المسلمين، ولا أحد من ضعفائهم، ولا من أهل دعوتهم من عوامهم، فيما يوجب البراءة منهم، ولا فيما يوجب الحدود عليهم، فاستوت البراءة والحدود هاهنا، واختلفوا في شهادتهم عليهم في غير هذا.
ولما قد قال بعض علماء المسلمين: إنه لا تجوز الشهادة فيما توجب (4/294)
صفحة 1413
البراءة إلا من علماء المسلمين، ولا تجوز من ضعفائهم ولا غيرهم، وأجازوا الشهادة في الحدود من غير علماء المسلمين، فزادت البراءة هاهنا على الحدود، ولأن الحدود والبراءة هما حقان لله لا تخيير لأحد، ولا حجة لمخلوق في إزالة ما وجب منهما ولزم، ولا ترك الحكم بهما، فإن تركه كفر إذا لم يكن له عذر في تركه، وإذا كان له عذر لم يلزمه القيام بهما، فلأجل هذه العلل اخترنا لأنفسنا، واحتطنا في ديننا بترك قبول الشهادة منهما.
ولكنا نجامع المسلمين ونتولاهم على براءتهم من الأئمة السالفين الضالين، ومن جميع العاملين ما لم يصح معنا أن أحدا منهم برئ ممن لا تجوز له البراءة منه، أو برئ من أحد ممن قد وجبت علينا ولايته بوجه من وجوه الحق، فإذا توليناهم على براءتهم ممن برءوا، فقد جامعناهم ووافقناهم في أصل الدين، وإن لم نوافقهم في لفظ البراءة نفسها فنبرأ ممن برئوا منه كبرائهم أو نشهد عليهم قطعا، كما شهدوا كشهادتهم عليهم، لأن الأثر المجتمع عليه أنه من وقف عن أحد من المحدثين، وتولى ممن برئ منه من المسلمين، فقد برئ من ذلك المحدث في أصل الدين، وأنه ممن وقف عن أحد ممن تولاه المسلمون، وجبت ولايته في أصل الدين وتولى من تولاه من المسلمين، فقد تولى ذلك المسلم في أصل الدين، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من أهل العلم من المسلمين.
ولا يجوز لنا أن نبرأ كبراءة المسلمين من أحد، ولا نشهد عليه قطعا كشهادتهم من غير أن يصح معنا منه ما صح معهم منه، ونعلم منه كما علموا منه، لأن المتبرئين إن كانوا برئوا من أحد عند من يتولاه، وقد علموا أنه يتولاه، فقد قيل إنهم قذفة، ولا يجوز لهم قبول قولهم، وهم خصماء له أيضا، ولا تقبل شهادة خصم، وقد قيل: إنه إذا برئ العالم من ولي لأحد عند من يتولاه، فإن كان العالم يعلم أنه ولي له جاز لوليه أن يبرأ من العالم الذي برئ من وليه، (4/295)
صفحة 1414
وإن لم يعلم أنه ولي له فأعلمه أنه يتولاه واستتاب العالم فلم يتب جاز له البراءة منه.
وقد قيل: إن العلماء إذا برئوا من أحد عند من يتولاه، كانوا مدعين، ولا تجوز شهادة مدع، وقد اختلف العلماء إذا سموا أحدا بالفسق أو الكفر أو غير ذلك من أسماء الضلال، وقصدوا بذلك الشهادة، ولم يقصدوا البراءة منه بذلك، فقال من قال: إنهم شهود.
وقال من قال: إنهم قذفة.
وإن كان المسلمون بذلك من الضعفاء لم يكونوا شهودا، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وقد تقدم ذكر هذا في هذا الكتاب، فينظر فيه من موضعه من أراد ذلك.
والتسمية بالفسق والنفاق، والكفر والفسق، أهون من البراءة قطعا، وكان أبو معاوية فيما وجدت عند يذهب إلى أن ذلك قذفا، فعلى قول من يقول: إنه قذف فلا يجوز قبول ذلك من القاذفين، وإذا لم يجز قبول قول هؤلاء لم يجز قبول قول المتبرئين، لأن المتبرئين مدعون، وليس في ذلك اختلاف، وأما المسمى لإنسان أنه كافر أو منافق فقد قيل: إنه شاهد عليه، وقيل: إنه قاذف له، ليس بشاهد.
وقد عرفت أنه من برئ من أحد من أئمة الضلال السالفين من أجل إذا برئ المسلمون منه، من غير أن يعلم منه مثل ما علم المسلمون منه، أو إذا شهر معه أن المسلمين يبرءون منه، أو إذا قد شهدت معه البينة أن المسلمين يبرءون منه، أو أجمعوا على البراءة منه أنه لا يجوز له ذلك ولا يسعه. (4/296)
صفحة 1415
ومن الكتاب:
مختصر منه، أو ما يخرج من معناه، فإن قال: فما تقولون فيمن برئ، وقبل هذه الشهادة على الأئمة السالفين، الذين أجمع المسلمون على البراءة منهم؟
قلنا له: إما إن قبل الشهادة على الشهرة، أو الشهادة على الشهادة، على قول من يجيز ذلك فلا يضيق ذلك عليه معنا، وإن كانت له ولاية معنا لم تترك ولايته، وهو معنا على حال إن شاء الله، ولا نأمره بذلك إن استرشدنا، على سبيل العدل في ذلك.
وأما إن برئ من الأئمة السالفين، ولم يعلم الحدث الذي برئ المسلمون منه به، وإنما برئ منهم إذ قد صح معه، أو شهر معه، أو شهدت البينة معه أن المسلمين يبرءون منهم، أو قد أجمعوا على حال البراءة منهم، فقد قيل: الباطل معنا، ولا يسعه معنا البراءة على الصفة، ولا نتولاه على هذه الصفة، وأقل ما تفعل فيه نترك ولايته، وإنه لتحقيق بالبراءة منه، وقد قيل أنه يبرأ منه.
فإن قال: فقد تركتم إجماع المسلمين إذ أجمعوا على البراءة منهم؟
قلنا له: ما أحسنت النظر لولا ذلك ما قلت: أنا تركنا إجماع المسلمين، ونحن على الإجماع من قول المسلمين، لأنا لو وافقناهم على البراءة ممن أجمعوا على البراءة منه من غير أن يصح معنا الحدث الذي أجمعوا على البراءة من المحدث من أجله، لكنا لهم مخالفين، وغير موافقين لهم، ولكانوا يجمعون على البراءة منا، لأنهم مدعون خصماء، ولا يجوز قبول قول مدع، ولا شهادة، خصم ولا مدع، وهذا ما لم نعلم فيه اختلافا أنه لا يجوز قبول قول مدع ولا شهادة، ولا خصم.
ولا فرق بين العلماء والعوام وسائر الخلق إلا فيما أفتوا به من الدين، وقالوا بالحق فيه، وما قاموا بالحق فيه، مما جعلهم الله حجة فيه من جميع الدين، ولو في براءة من محدث عند من علم حدثه، (4/297)
صفحة 1416
وجهل الحكم فيه، فإذا برئ العلماء من محدث من أجل حدثه عند من علم حدثه، فهم حجة فيه عليه.
وأما عند من لم يعلم بحدثه فهم مدعون، لأنهم لو برئوا منه عند ولي له، لم يعلم بحدثه وقد علموا أنه يتولاه، فهم قذفة، وجاز لوليه أن يبرأ منهم، لأنهم لو كانوا شهداء أو حجة في براءتهم منه، ما جاز له أن يبرأ منهم، وإذا برئوا منه عند من لم يعلم بحدثه، كانوا مدعين خصماء، لأنه لو أتاهم وليه فقال: أصحوا عندي بما برئتم من وليي، لكان عليهم أن يصحوا ذلك من شهادة غيرهم، ولا تجوز شهادتهم ولا قولهم في الشيء الذي برئوا منه من أجله، ولكان عليهم التوبة من براءتهم من وليه، إذا احتمل له ولايته بوجه حق، ولو صح فسقه عند غيره من المسلمين، أو من العوام، فإن لم يتوبوا من براءتهم منه، جاز لوليه أن يبرأ منهم، ومن كان بهذه المنزلة لم يكن حجة، وكان خصما مدعيا، ولا فرق بين العلماء وسائر الأنام في جميع الأحكام كلها إلا فيما قالوا به من الحق، وقاموا به من العدل، مما جعلهم الله حجة في دينه، وفي غير ذلك، فهم وغيرهم سواء.
ففي موضع ما يكونون شهداء فهم شهود حيث كانوا مدعين، فهم مدعون، وحيث كانوا خصماء فهم خصماء، وكانت خصومتهم في دين أو دنيا، وحيث كانوا قذفة فهم قذفة، ولو قذفوا منافقة حرة بالغة بالزنا لكان عليهم الحد، فإن ترك الحاكم الحد عنهم كفر، فالعلماء وغيرهم سواء في جميع الأحكام إلا فيما قد وصفنا، فافهم هذا.
وكذلك لو أن العلماء أجمعوا على دعوى ردهم أو أقل أو أكثر، ولو كانوا بمنزلة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، ولو كان المدعى عليه مثل أبي جهل، وأبي لهب أو غيرهما من المنافقين والمشركين، لما جاز قبول دعواهم، ولو كانوا مائة ألف من العلماء، أو أقل أو أكثر لما جاز قبول دعواهم، ولا شهادتهم لأنفسهم في ذلك ولا غيره، من حيث لا تجوز شهادتهم، فإن قبل أحد دعواهم أو شهادتهم لحسن ظنه (4/298)
صفحة 1417
بهم أنهم لا يدعون عليه إلا الحق، ولا يقولون عليه الباطل في هذا القدر القريب، لكان مبطلا.
ولو أن حاكما حكم لهم بدعواهم، أو بشهادتهم لأنفسهم كان مبطلا كافرا، أو هذا ما لا أعلم فيه اختلافا.
وفلما كان لا يجوز هذا في الدعاوى في أحكام الدنيا، لم يجز فيه أيضا قبول دعواهم ولا شهادتهم على دعواهم في أحكام الدين، والدعاوى في أحكام الدين عندي أشد من الدعاوى في أحكام الدنيا، وكل ذلك لا يجوز قبوله، فافهم هذا.
فلما كان لا يجوز قبول دعوى العلماء في أحكام الدنيا، لم يجز الحكم لهم بذلك، ولو أن حاكما من خيار أهل عصره حكم لألف عالم، أو أقل أو أكثر بدعواهم، وهم خيار أهل عصرهم، لكان على العلماء أن ينكروا عليه ذلك، فإن لم يقبل كان عليهم عندي أن يبرءوا منه بذلك، ولكان عليهم أن يضللوه، وكذلك لو أجمعنا على البراءة ممن أجمع المسلمون على البراءة منه في موضع ما يكونون مدعين أو قذفة، لكان عليهم أن ينكروا علينا البراءة بمن قد وافقناهم في البراءة ممن قد أجمعوا على البراءة منه، ولكنا لهم مخالفين، ولم نكن لهم موافقين في الدين، ولو برئنا كبراءتهم، فافهم هذا والله أعلم.
فشهرة البراءة والخلع، أو المفارقة، وكل ذلك يخرج مخرج الدعوى، وعلى من علم ذلك من العلماء أن يتولاهم على براءتهم أو فراقهم، أو خلعهم لذلك الذي برئوا منه، أو خلعوه أو فارقوه في دينهم، ولا يسمى ذلك إجماعا لأنه دعوى، والدعوى لا تكون إجماعا، وسواء قل العلماء أو كثروا، سمع ذلك منهم أو شهر عنهم، فلا يجوز قبول قول ذلك منهم، لأنه دعوى، والدعوى كلها في أحكام الدنيا أو أحكام الدين لا يجوز قبولها، ولا التقليد لمن ادعاها، ولا الحكم بها له، ولا الشهادة معه بها على أهلها، ولا نعلم (4/299)
صفحة 1418
في ذلك اختلافا من قول أهل العلم، وإنما الذي يسمى إجماعا في بعض القول إذا كان حدثا مما يحتمل الحق والباطل، فأجمعت العلماء على كفر المحدث، أو على ضلاله أو ما يشبه هذا من أسماء الكفر، وخالفهم في ذلك من ليس هو بحجة من ضعفاء المسلمين، أو من علماء أهل الضلال، فلا يجوز قبول قول من خالفهم، وإجماع العلماء هو الحجة عليهم.
ولو كانوا قد أجمعوا في سريرتهم بالباطل، وحكموا في سريرتهم بالباطل، وحاشاهم من ذلك، لأن العلماء لو شهدوا على إنسان بالكفر أو بالضلال أو بالفسق، أو ما أشبه هذا من أسماء الكفر، كانت هذه شهادة جائزة منهم، وكانوا حجة على المشهود عليه في بعض القول، لأنهم يعرفون ما يوجب الكفر والضلال والفسق، وهم مأمونين على معرفة ذلك، ولا يخاف أنهم يجهلون معرفة ذلك، والضعفاء لا يؤمنون على معرفة ذلك، وعلماء أهل الضلال، ولو علموا أحكام ذلك فلا تجوز قبول شهادتهم على أهل الدعوة، بما يوجب الكفر.
ولو شهدوا على الحدث مفسرا فكيف إذا شهدوا على الأسماء الموجبة للكفر بغير تفسير حدث، فلما كانت شهادة علماء المسلمين في ذلك جائزة في أكثر القول، عند من سمع منهم ذلك، ولم تكن دعوى ولا قذفا، فكذلك إذا شهر ذلك عنهم، لم يكن ذلك دعوى ولا قذفا، وجاز قبول تلك الشهرة في الشهادة عنهم، ولم يكن ذلك دعوى ولا قذفا، وجاز قبول تلك الشهرة منهم بها حجة على قول من يجيز شهادتهم بذلك.
وقد مضى ذكر الاختلاف بجواز الشهادة بالأسماء الموجبة للكفر، فإن اختلف علماء المسلمين في حق هذا المحدث وباطله، أو إيمانه وكفره، وهداه أو ضلاله، بطل حكم الإجماع، وكان الحدث بحاله، ولا يصح فيه إجماع إذا اختلف حكمهم فيه، وتكافأت شهادتهم فيه، ولا بصحة حكم البعض منهم، ولا شهادة البعض منهم، وكانت العلماء كلهم من أهل دعوة الحق، وأهل نحلة الحق، ولا يجوز (4/300)
صفحة 1419
تخطئتهم ولا تخطئة بعضهم، ولا البراءة منهم، ولا البراءة من بعضهم، وجائز ولايتهم كلهم لمن كان قد ثبت عليه ولايتهم، ولا ينتقل حالهم ولا يتغير اسمهم، ولا يتبدل حكمهم، وهم مسلمون مؤمنون في أحكام الظاهر في دين الله.
ولو تظاهروا بالبراءة من المحدث والولاية له، والتخطئة للمحدث والتصويب له، وحق المحدث وباطله ما لم يخطئ بعضهم بعضا على ذلك، أو يقيم بعض على الآخر حجة يبطل بها حجته، وينخلع عن الإسلام، فإن برئوا من بعضهم بعض على ذلك، فإن علم المبتدئ بالبراءة منه، والمتبرئ منه بعد ذلك إذا أظهر البراءة منه في الولاية، لأنه له في الحكم أن يبرأ ممن برئ منه، وهو ببراءته منه محق عند من غاب عنه أمرهما، والمبتدئ بالبراءة من صاحبه منهما هو المبطل في حكم الظاهر.
وإن لم يعرف المبتدئ منهم بالبراءة من صاحبه على ذلك، إلا أنهم تظاهروا بالبراءة من بعضهم لبعض، وقد كانوا مختلفين في الحدث الذي يحتمل صواب كل واحد منهم، لموضع ما غاب من أمره، أو لاحتماله، أو لا نعلم منهم اختلافا في شيء حتى تظاهروا بالبراءة من بعضهم لبعض، فإن علم المبتدئ فهو المبطل، وإن لم يعلم المبتدئ فالكل بحال واحد.
وقد قيل فيه: إنهم جميعا في الولاية حتى يعلم المحق منهم من المبطل، بمنزلة المتلاعنين.
وقد قيل: إنهم في الوقوف حتى يعلم المحق منهم من المبطل.
وقد قيل في البراءة، وهو قول ضعيف شاذ من الأقاويل، وأصح الأقاويل في الحكم ولاية الجميع، ثم الوقوف عنهم. (4/301)
صفحة 1420
وأما البراءة منهم جميعا فشاذ عندنا من أصول قول أهل العلم من المسلمين.
ومن الكتاب:
وإن كان اختلاف العالم والضعيف فيما يجوز فيه الاختلاف، أو قد تقدم فيه الاختلاف، أو هو مما يجوز فيه الاختلاف، فالقول فيه واحد بين العالم والضعيف، والعالمين وكلاهما محقان، فإن برئ العالم من الضعيف على ذلك، كان مبطلا، وكانت البراءة منه بدين.
وكذلك إن برئ الضعيف من العالم على ذلك، فالمبتدئ منهما بالبراءة من صاحبه هو المبطل، ولا حجة من أحدهما دون الآخر، والمخلوع من ابتدأ بالبراءة من صاحبه على الرأي.
فإن جهل ذلك السامع لهما، ولم يعلم الحكم فيهما، وسعه أن يتولى المحق منهما بالدين إذا عرف ذلك، وإن لم يعرف ذلك، وكان المحق هو الضعيف، وسعه أن يتولاهما بالرأي، ويقف عنهما برأي، وإن تولى العالم بالرأي إذ هو مبطل، أو برئ منه برأي، إذا قذف وليه وسعه ذلك.
وكذلك إن برئ منه بدين وسعه ذلك، إذ هو مبطل في الأصل، ولا حجة لمبطل.
وأما إن كان المبطل منهما هو الضعيف، والمحق هو العالم، والمبتدئ بالبراءة منهما هو الضعيف، فلا يسع الوقوف عن العالم برأي ولا بدين على هذا، وهو على الولاية، ولا تسع الولاية للضعيف على هذا بدين، ويسع بدين، ويسع الولاية له على هذا بالرأي، والبراءة منه بالرأي لموضع الخلع لوليه.
وحكم القذف مما يسع جهله، ما لم يتول القاذف بدين، وتجوز (4/302)
صفحة 1421
ولاية القاذف بالرأي، والبراءة منه بالرأي، إذا كانت له ولاية متقدمة، وإن لم تكن له ولاية متقدمة، جازت البراءة منه بالرأي، وهو على حال الوقوف بالدين.
وإن اختلف الضعيفان في الحدث الذي يحتمل الحق والباطل، أو في مجهول لا يعلم على ما اختلفا فيه، أو في الرأي فيما يجوز فيه الاختلاف، فبرئ أحدهما من الآخر على ذلك، فالبراءة من القاذف منهما بالرأي، والولاية لهما جميعا بالرأي، والوقوف عنهما بالرأي واسع، فإن تولى المقذوف المحق منهما بدين وسعه.
وإن تولى المبطل منهما برأي وسعه، وإن تولاه بدين على غير عقد براءة الشريطة لم يسعه ذلك.
فإن لم يعلم على ما اختلفوا، ولا كيف كانوا عليه حتى قذف أحدهم الآخر، وبرئ منه، فبرئ المقذوف من القاذف، وجعل العالم منهم ذلك وحكمه، فالبراءة من القاذف بالرأي، والوقوف عنه بالرأي، ولا تجوز الولاية له بالدين إلا على عقد البراءة في الشريطة.
ولا يجوز الوقوف عن المحق بالدين، ولا تجوز البراءة منه بالرأي، ولكن تجوز البراءة منه بالشريطة، والولاية له بالدين، والوقوف عنه بالرأي.
وإن لم يعرف حكم الاختلاف، ولا على ما اختلفوا، ولا المبتدئ منهم بالبراءة من صاحبه، إلا أنه برئ الضعفاء بعضهم من بعض، ولا يعرف أصل ذلك، فهم في ذلك بمنزلة العلماء، والاختلاف فيهم واحد، والولاية لهم في بعض القول، الوقوف في بعض القول، والبراءة على ما وصفنا، والولاية لهم أحب إلينا، ثم الوقوف، ولا نقول بالبراءة منهم، ولا يصح معنا ذلك على مذاهب المسلمين، وهذا كله إذا كان قد وجب عليه الحكم بولاية العلماء من المسلمين والضعفاء، وثبت عليه ذلك بحكم الحق، فالقول فيه على هذا. (4/303)
صفحة 1422
وأما إذا لم تقم عليه شواهد الحجة للعلماء بعلمهم، ولا بولايتهم، وكان لا يعرف منهم ما تقوم به شواهد الحجة في العلم، وقد ثبت عليه ولايتهم في الحكم، فحكم العلماء عند هذا العالم باختلافهم حكم الضعفاء من المسلمين الذين قد ثبتت ولايتهم، وقد بينا الحكم في ذلك، ولو كان العلماء قد صحت منزلة علمهم عند الله، وعند عامة الناس، إلا هذا الإنسان.
وإذا قامت عليه شواهد الحجة بعلم العالم وفضله وأمانته، وموافقته للحق، فليس له أن يجهل ما لزمه من حجته، وعليه أن يسير فيه بسيرته عند شواهد الحجة عليه في ولايته، وقيام الحجة عليه في الفتيا منه، وما لم تقم عليه شواهد الحجة فليس عليه في ذلك ضيق، وإذا قامت عليه شواهد الحجة لزمته الحجة، ولو جهلها فلا عذر له في جهله بها، وإلا فهو معذور والحكم عليه بعلمه.
ومن الكتاب:
وإذا صح حدث من إنسان يحتمل ذلك الحدث الحق والباطل، فاختلف علماء المسلمين في حق ذلك الإنسان وباطله، أو لم يصح منه حدث، إلا أنهم اختلفوا في حقه وباطله، أو كفره وإيمانه، أو في ولايته، أو البراءة منه، فالعلماء المختلفون كلهم في الولاية، وكلهم من أهل دعوة الحق، ومن أهل نحلة الحق، وكلهم في حكم الظاهر مسلمون حتى يعلم باطل أحد الفريقين، وما لم يعلم باطل أحد الفريقين فكلهم مسلمون، ثابتة ولايتهم على من لزمته ولايتهم، ولو تظاهروا بالبراءة من ذلك الإنسان وولايته وباطله وحقه، ما لم يخطئ بعضهم بعضا على ذلك، أو يقيم بعضهم على بعض حجة تبطل بها حجتهم، وينخلعون عن الإسلام.
فإن برئ بعضهم من بعض، وعلم علم المبتدئ منهم بالبراءة من صاحبه، كان هو المبطل المخلوع القاذف في حكم الظاهر، ويبرأ منه، (4/304)
صفحة 1423
والمتبرئ منه بعد ذلك إذا أظهر البراءة منه في الولاية، لأن له أن يبرأ ممن برئ منه في حكم الظاهر، وإن لم يعرف المبتدئ منهم بالبراءة من صاحبه، فقد قيل: إنهم كلهم في الولاية.
وقيل: إنهم كلهم في الوقوف.
وقيل: إنه يبرأ منهم كلهم.
ومن الكتاب:
وإذا صح الحدث الذي لا يحتمل الحق والباطل، وكان الحدث باطلا لا مخرج لمحدثه من الباطل، فاختلف العلماء في حقه وباطله، فالموافق منهم للحق والصواب هو الحجة، وقوله هو الإجماع، ولو كان واحدا، والمخالف له هو المدعي والقاذف، ولا يقبل قول مدع، ولا يصدق قاذف، وليس لمبطل حجة على محق، ولا يتكافأ الحق والباطل، ولا حجة لمبطل على محق.
وعلى من امتحن بعلم ذلك من المحدث، والمختلفين أن يتولى منهم المحق منهما، ولا يجوز له أن يقف عن العلماء المحقين من أجل قولهم بالحق، ولا من أجل حكمهم بالحق، ولا من أجل قيامهم بالحق، ولو خالفهم في ذلك من يظن هو أنه يظهر لهم، وحجة عليهم ممن هو مثلهم في العلم والفضل، فالمحق هاهنا هو المحق، والمبطل هو المبطل.
فأما المحق فلا يجوز ترك ولايته، ولا الوقوف عنه، ولا البراءة منه برأي ولا بدين، فإن فعل ذلك فهو هالك، ولا عذر له في ذلك.
وأما المبطل منهم، ففي أكثر القول أن قول المحق المخالف للمبطل من العلماء إذا قام بالفتيا على الجاهل للحكم، العالم باختلاف المختلفين (4/305)
صفحة 1424
من العلماء، حجة على الجاهل، وعليه أن يعلم من حينه ضلال الضال، وباطل المبطل بحجة الفتيا من العالم المحق، لأن المحق حجة في ذلك.
وقد قيل: إنه لا يضيف عليه إذا أشكل عليه أمر الاختلاف، وله أن يقف عن المبطل ولا يتولاه بدين، وإن تولاه برأي وسعه ذلك، وكذلك إن كان الحدث لا يتمل باطلا، وإنما هو خارج مخرج الحق، فاختلف العلماء فيه، وفي حكمه، فالحق منهم من وافق الحق وهو الحجة على من خالفه، وعلى من علم باختلافهما، وقول العالم حجة عليهما في الفتيا في ذلك، وعلى من عرف منه ذلك أن يقبل منه الحق، ولا يلوي عنقه عن ذلك، وأقل ما يلزمه أن يتولى المحق والعالم، أو لا يجوز له الوقوف عنه، ولا البراءة منه برأي ولا بدين، فإن فعل ذلك هلك.
وأقل ما يلزمه في المبطل، ولو كان علاما ممن كان تقوم به الحجة أن يتولاه برأي لا بدين، فإن تولاه بدين بغير شريطة براءة في الجملة هلك بذلك.
وإن كان المبطل ضعيفا، والعالم محقا، والحدث مما الحق فيه في واحد، فهو أضيق على الجاهل العالم باختلافهما، ويسعه ذلك في بعض القول على ما وصفنا من الاختلاف.
وإن كان المبطل هو العالم والمحق هو الضعيف من المسلمين، والحق في واحد، والحدث لا يحتمل إلا معنى واحدا، فلا حجة لمبطل على محق، ولكن إن لم يبرأ الضعيف من العالم إلا أنهما اختلفا في ذلك، فلا تبعة على الضعيف، ولا تجوز ولاية العالم المبطل بدين إلا على اعتقاد براءة الشريطة منه في بعض القول، فإن تولاه برأي وسعه ذلك، والضعيف على ولايته، فإن وقف عنه بدين، أو برئ منه برأي أو بدين هلك. (4/306)
صفحة 1425
لكن إن وقف عنه برأي وسعه ذلك، فإن برئ الضعيف من العالم المبطل من أجل باطله، ولم يعلم الجاهل صواب ذلك بصواب ذلك من خطئه، جاز له أن يبرأ من الضعيف هاهنا برأي لموضع إذا قذف وليه، ولم تقم عليه به حجة بفتياه، ولو برئ العالم المبطل من الولي الضعيف المحق، وقد اختلفا في ذلك الذي الحق فيه في واحد، والمحق منهما هو الضعيف، والمبتدئ منهما بالبراءة هو العالم المبطل، ثم تخالعا على ذلك، كان المبطل منهما على حال، وهو العالم، وهو القاذف، وعليه البراءة لازمة من أجل القذف، وتكون البراءة منه بدين إن علم وجه صواب ذلك، وإن برئ منه برأي وسعه ذلك، وإن ضاق عن ولاية الضعيف على هذا فتولاه برأي، أو برئ منه برأي من أجل براءته من العالم، لم يضق عليه ذلك، وإن برئ منه بدين هلك، وإن برئ من العالم بدين في الحال الذي يكون فيه مبطلا في جميع الحال فهو سالم.
وإن اختلف الضعيفان جميعا في الحدث الذي لا يحتمل مخرجا من الباطل، أو فيما يكون الحق فيه واحدا، وليس المختلفون من العلماء ولا أحدهما، فالمحق منهما هو الموافق للحق والمبطل منهما هو الموافق للباطل، وتجوز الولاية فيهما جميعا بالرأي، والوقوف عنهما بالرأي، وتجوز البراءة من المبطل بالدين إن عرف ذلك، وإن عمي عليه فالولاية فيهما بالرأي، والوقوف عنهما بالرأي إن برئ المحق منهما من المبطل على باطله، كانت البراءة في المحق لموضع القذف، إذ هو ضعيف بالرأي، ولا يجوز بالدين، والوقوف عنه بالرأي، والولاية له بالرأي، والولاية للمبطل من الضعيفين بالرأي، ولا يجوز فيه بالدين، ولا تستقيم فيه البراءة للضعيف فطعا بالرأي إلا على الشريطة إن كان مبطلا.
وأما القاذف فيبرئ منه بالرأي، إذا كان قاذفا من لم يقم بكفره على ولايته في الحجة به، ولا بغيره من العلماء، ولأن الضعيف فيما يسع جهله ليس حجة في الفتيا، والعالم حجة فيما يسع جهله في الفتيا، (4/307)
صفحة 1426
وإذا كان الاختلاف في الدين، وفيما الحق فيه في واحد فيما لا يسع جهل علمه، فكل من عبر له ذلك من المعبرين، فوافق الحق كان عالما أو ضعيفا من أهل الولاية، أو ممن لا ولاية له، أو من المنافقين، أو من الجاحدين، أو كان صبيا أو معتوها، فكل من عبر له ما لا يسعه جهل علمه في حين ما لزمه فيه علمه، أو مما تعبده الله بعلمه، فالمعبر لذلك حجة على من سمعه، وعليه قبول ذلك، فإن شك في ذلك هلك، وإن كان الاختلاف فيما لا يسع جهل علمه من الدين الذي الحق فيه واحد بين من له ولاية، أو لا ولاية له، وبين من وجبت عداوته من أهل الخلاف، أو من فساق أهل الدعوة، فكل ذلك مما يسعه جهل علمه، وغير متعبد فيه بعينه بشيء ما لم يتول على ذلك مبطلا بدين، أو بحدث لمحق في ذلك بعينه، ممن لم يلزمه له ولاية أو براءة، أو وقوفا عنه بدين من أجله غير وقوفه عنه في الجملة، أو بحكم فيه على محق فيه بباطل من أجله.
ولو كان في غير مبطلا، فلا يجوز له، وإن جهل ذلك أن يخطئه في صواب ما قال من أجل صواب ما قال، ولا يحدث له بخطئه غير ما كان قد لزمه من أجله، وهو في هذا كله ما لم يقبل باطلا أو يرد حقا، أو يخطئ محقا، أو يصوب مبطلا، أو يتوله بدين على ذلك في حال جهله بالأشياء كلها التي يسع جهلها، وجهل علمها فهو في جميع الأشياء من ذلك ما لم يرد حقا، أو يقبل باطلا، أو يتول مبطلا بدين، أو يقف عن محق ضعيف بدين، أو عن عالم محق قد وجب عليه معرفة علمه وفضله برأي، أو بدين بباطل لجهله أو يصوب مبطلا على باطله، أو يخطئ مصيبا على صوابه.
ولو كان قد تقدم خطأ المصيب في ذلك بغيره، أو تقدم صواب المخطئ قبل ذلك، فهو سالم أبدا على هذا إلى أن تقدم الحجة عليه بعلمه من أي الوجوه بلغ على علم ذلك وأبصره، فإذا أبصره (4/308)
صفحة 1427
وعرف عدله وخطأ ذلك من صوابه، لم يجز له أن يرجع بعد العلم إلى الجهل، ولا بعد اليقين إلى الشك، وهو برجوعه عن ذلك وشكه غير معذور بل مقطوع عذره وحجته في ذلك.
ولو تقدم إليه علم الذي مما يسع جهل علمه من لسان معتوه، أو صبي أو مشرك، أو من حيث لا يعلم من أين علم ذلك ولا من أين اكتسب علمه، أو من إلهام، فمن أي الوجوه بلغ إليه علم ما يسع جهله من دين الله الذي تعبد به عباده، ثم لزمه حكم في ذلك، كان ذلك العلم دالا على ذلك الحكم، فعليه الاستدلال بعلمه ذلك، وعليه العمل بعلمه ذلك والولاية بعلمه ذلك، والبراءة بعلمه ذلك، والمحاربة والمسالمة، والأمر والنهي وجميع ما تعبده الله به في حين ما لزمه التعبد به، وليس له مع ذلك، وإن لم يلزمه تعبد يكون ذلك العلم، وإلا عليه أن يرجع إلى الشك في نفس العلم، فإن فعل ذلك فضيع ما يلزمه العمل به ما يكون علمه ذلك حجة عليه أن لو علمه من كتاب الله، أو من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أو عن لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، أو عن أفاضل العلماء فسواء ذلك، وعلمه هذا وهو حجة عليه، كما هذا حجة عليه، وحجة له كما هذا حجة له في جميع ما يكون العلم حجة له وعليه، ولا نعلم في هذا الفصل من أهل العلم اختلافا بين أحد من أهل المسلمين، ولا يستقيم الاختلاف في هذا، لأن الحكم على هذا العالم بحد خطئه وتضليله برجوعه عن هذا العالم من حجج العقول، لأنه متى وسع ترك العلم في شيء من دين الله بعد علمه، وقيام الحجة بعلمه، وسع ذلك في جميع دين الله، وبطل العلم في دين الله، وبدين الله.
وإذا لم يسع ترك العلم في شيء من دين الله كائنا ما كان، لم يسع في جميع دين الله، وإذا علم جميع دين الله، أو في شيء من دين الله، وهذا ما لا يغيب على ذي لب إن شاء الله. (4/309)
صفحة 1428
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف:
انقضى ما وجدته من هذه السيرة بخط مؤلف الكتاب، ووجدت في بعض كتب المسلمين هذه السيرة بنفسها، ويذكر أنها عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم المؤلف لهذا الكتاب، وترجمها بسيرة الدعاوى والبدع، فلما بلغ إلى منتهى ما بلغناه من هذه السيرة، كتب:
تمت سيرة البدع والدعاوى، تأليف الشيخ أبي عب الله محمد بن إبراهيم، ومكتوب أيضا عرضت على نسختها، والله أعلم بصحتها، وهكذا وجدتها بنفسها في نسختين، إحداهن من كتاب الكفاية، إلا أنها غير مترجمة بسيرة الدعاوى والبدع.
قال الناسخ لهذا الكتاب:
وهو هاشل بن راشد المسكري الأبروي: وجدت مكتوبا هذا في الحاشية.
وهو: تمت معارضة السيرة في مجالس آخرها يوم السبت، تسع ليال خلون من شهر محرم، سنة اثنتي عشرة وستمائة سنة، بحارة الحرمة من نزوى.
والمعارض الشيخ الأجل الثقة الورع العالم النبيه شيخ المسلمين وقدوة الكافة من عمان في الدين أبي محمد عثمان بن محمد بن أحمد.
ولقد أصلح كثيرا من فاسدها، وأقام الأود من مقاصدها إلا ما شاء الله، وأبقاه، وكتب سعيد بن أحمد بن محمد بيده: (4/310)
صفحة 1429
بسم الله الرحمن الرحيم
جواب للقاضي أبي بكر أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحي وفيه: رد الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم السمدي النزوي رحمه الله، وكذلك السؤال سؤاله، أعني أبا عبد الله محمد بن إبراهيم، وهو مبين كل شيء من ذلك في موضعه إن شاء الله.
قال: ما تقول رحمك الله: هل يجوز بالعالمين عزل الإمام كما جاز بهما عقده، ويكونان حجة عليه في العزل، كما كان حجة في العقد إذا لم يستتر في ذلك برأيهما دون من حضرها، كما كان بالعالمين تنعقد الحقوق التي تتعلق للعباد من الديون والضمان، وغير ذلك من الأحكام والفروج، والحدود غير الزنى، حقوق الله من صيام شهر رمضان وإفطاره، والحج، وفي دين الله، مما يسع جهله، ومما لا يسع جهله، وكما تقوم بهما الحجة على الإمام الحي، والعالم الحي إذا شهدا عليهما بما يوجب كفرهما، وغير ذلك مما لم تذكره، أم لا يجوز ذلك، وهو خطأ وضلال فبكم أقل ما يثبت به عزل الإمام؟
وكذلك يكون للغائبين من العلماء حجة على الحاضرين من العلماء، إذا عقدوا للإمام أو عزلوه حيث يجوز فعلهم؟
الجواب:
الذي عرفت أنه لا يجوز عزل الإمام بالعالمين، ولا بأكثر من ذلك إلا بكفر شهر منه في مملكته، أو يصير في حال يضعف فيه عن إنفاذ الأحكام، وإقامة الحدود، ونكاية العدو، ويشهر منه أيضا ذلك في مملكته.
قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم حفظه الله: يحتمل أن يكون (4/311)
صفحة 1430
معنى هذا القول، هو أن يشهر ذلك في جميع مملكته، حتى لا يبقى منها موضع من مسافيها، ولا قراها، ولا بدوها، ولا حضرها، إلا وقد شهر فيه ذلك، فهذا يحسن عندي عند الأمن من وقوع باطل، لأن فيه السلامة من وقوع التنازع، وقطع مواد مطامع الشيطان من وجود التلبس والفرقة.
كما يوجد أن شبيبا تابع موسى لما اختلفا في أمر القاتل خوف الفرقة، وإن لم يكن ذلك موضع فرقة، لأن العلماء لا يضلل بعضهم بعضا في موضع الصواب، ولا تفترق في موضع الاجتماع، ولكن لا يؤمن من كيد الشيطان، وإذا خيف فوت شيء من العدل.
ووقوع شيء من الباطل لم يحسن عندي أن يترك ما أمر الله به من القيام بالقسط عند من أمره الله به، وجعله حجة فيه عند فسوق هذا الفاسق، حتى يشهر فسقه في جميع مملكته، ولا أن يكون هذا القول إجماعا ودينا لا تجوز مخالفته، ويحتمل أن يكون معناه أن يشهر ذلك في الموضع الذي هو فيه من مملكته، ولو لو يشهر ذلك في جميعها كما يقول القائل: دخلت عمان واليمن ومصر، وهو إنما دخل موضعا منها، فأطلق اسم الدخول على الكل بدخوله البعض.
وقد يوجد أن عثمان لما شهرت أحداثه سار إليه المسلمون من أطراف الأرض، وعرفوه بمعاصيه، وتاب منها، وقبلوا منه، وجامعوه، فلما تفرق الناس عنه، وجدوا كتابا إلى عامله بمصر بقتل بعض المسلمين، وعقوبة بعض، فاتهموه أنها منه، فرجع إليه الواجدون للكتاب، فسألوه عنها فلم يقر لهم أنها منه، ولا أقر لهم رسوله أنها منه، فأمروه بالاعتزال من إمامته، وحوصر ومن معه في الدار، وكان آخر أمره أن قتلوه، لم يكن جميع ما كان بينهم وبينه مذ رجعوا إليه، وحاصرو وقتلوه بحضرة جميع أهل مملكته، وقد كانوا يطالبونه بشيء بعد شيء، ويتركون شيئا طلبوه بعد أن طلبوه، ويطالبونه بحكم ما يحدث منه، ولم يبلغا عنهم، ولا وجدنا في سير المتقدمين أنهم لم يكونوا (4/312)
صفحة 1431
يرون أخذه بما يجب عليه إلا بعد شهرة ذلك في جميع مملكته، حتى لا يبقى أحد من رعيته يسعه ولايته.
رجع إلى الكتاب:
فأما الكفر فينقسم قسمين: فقسم لا يسع جهله، وقسم يسع جهله، فالقسم الذي لا يسع جهله، فالخارج عليه حجة من الواحد فصاعدا كائنا ما كان.
وأما الكفر الذي يسع جهله فقال قوم: العالم حجة.
وقال قوم: حتى يكونا عالمين.
وقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم: هكذا قيل إن الكفر ينقسم قسمين: فقسم يسع جهله، وقسم لا يسع جهله، وكذلك في جميع دين الله، فكل ما لم يمتحن المتعبد بلزومه من دين الله، ولم تنزل به كلفة التعبد به فهو مما يسعه جهله، كان مما تقوم به الحجة من العقل من تفسير التوحيد، وإثبات الوعد والوعيد، وما أشبه ذلك، أو ما تقوم به الحجة من السماع من الأمر والنهي، وما أشبه ذلك، وما نزل به كلفة التعبد به كان مما تقوم به الحجة من العقل أو السماع، فهو مما لا يسع جهله، فكل من لزمه التعبد بشيء من دين الله لم يسعه جهله، ولا يسع أحدا أن يلزم أحدا ما لم يلزمه للزوم ذلك غيره، ولا أن يحط عنه ما لزمه إذا لم يلزم غيره، إلا أن ينزلوا بمنزلة غيره، بمنزلة واحدة، فكل متعبد فهو مخصوص بحكم ما لزمه من دين الله، ومعذور عما لم يلزمه، وجميع كفر الإمام كان مما يسع جهله، أو مما لا يسع جهله، كان مما تقوم به الحجة من العقل، أو السماع، فلا يسع من علم من رعيته كفر جهله إلا أن عليهم طاعته ونصرته، والخروج إليه مما يجب له عليهم إذا أطاع الله، وعليهم (4/313)
صفحة 1432
معصيته إذا عصى الله، وطاعتهم له في حال طاعته لله طاعة لله، وطاعتهم له في حال معصيته لله معصية لله، فإذا دانوا بطاعته فيحال معصيته، فقد دانوا بمعصية الله، وليس لهم أن يدينوا بمعصية الله بجهل ولا علم، وهذا مما نزل به كلفة التعبد به.
وقد يوجد عن أبي المؤثر: وإنما كانت الطاعة للأئمة على طاعة الله، وعلى ذلك كانت بيعتهم، فكيف تكون لهم الطاعة على نقض ما عليه بويعوا، وإنما يسع الرعية من جهل كفر الإمام ما لم يعلموا به، والذي لا يعلمونه لا يعزلونه به، وإنما يعزلونه بكفره الذي يعلمونه.
وقد يوجد في كتاب عبد الله بن أباض إلى عبد الملك بن مروان في أمر عثمان بعد أن عدد عليه أحداثه، فعلم المؤمنون أن طاعة عثمان على ذلك طاعة إبليس، ولا تكون طاعة إبليس طاعة لله. رجع إلى الجواب.
وأما الضعيف فليس بالمجتمع عليه على إجازة عزله، ولو شهر في مملكته ولعلك قد علمت الاختلاف فيه.
وقال أبو عبد الله: اختلف في ذلك، واختيارنا أن يجوز عزله إذا عجز عن القيام بالدولة، وإنفاذ الأحكام في الرعية، والمنع لهم ممن ظلمهم وتقديم غيره ممن يرجا فيه للقيام بالأمر، لأن جميع الفرائض التي أوجب الله فعلها، فقد عذر عن فعلها عند العجز عن ذلك، ولا يحسن عندي أن يضيع أمر الله، ويعطل حدوده، وتبطل حقوقه، وحقوق خلقه، لعهد عبد قد عذره الله عن الوفاء به.
فأحببنا إذا أعدم منه القيام بالحق لم يكن عليهم التمسك له بذلك العهد، لأن العهد إنما هو معلق بالقيام بالحق، فإذا عدم القيام بالحق حسن عندي زوال لزوم ذلك العهد، لأنه لو ترك القيام بالحق عند قدرته عليه، لم يكن عليهم التمسك له بذلك العهد، فأحببنا أن يكون كذلك العجز، لأن العلماء المتقدمين كانوا هم القائمين بالحق عند (4/314)
صفحة 1433
عجز الإمام، ولم يكن أمر الله ضائعا بينهم، فإذا قدر غيرهم على القيام بالحق عند عجز الإمام أعجبني لهم التمسك بإمامته، كما تمسك المتقدمون بإمامة إمامهم عند عجزه وقدرتهم، وإذا ضاع أمر الله عند عجزه، وظهر الجور في رعيته، أعجبني عزله، والقيام بأمر الله، رجع إلى الجواب.
وليس ذلك كغيره مما ذكرته من الحقوق التي تتعلق بالعبادات بها من الديون والضمانات، وغير ذلك من الأحكام والحدود، وحقوق الله تعالى، من الصيام وغيره مما ذكرته، فإن هذه أصول مختلف أحكامها قد يكون الواحد حجة في حال وغير حجة.
وكذلك الاثنان والثلاثة والأربعة، ولكل أصل من هذا شرح يضيق به عن هذه الدفعة، فلا يجوز حمل بعضها على بعض، وإنما يجوز حمل الفروع على الأصول بعلة جامعة بينهما، ولا تنكسر في شيء منها.
قال أبو عبد الله: الذي عرفت هو ما نطق له كتاب الله أو السنة، أو الإجماع بحكم، فلا يجوز لأحد مخالفة ذلك برأي، ولا بدين، ولا بجهل ولا بعلم، فلا يجوز أن تحمل هذه الأصول بعضها على بعض، ولا يقاس بعضها ببعض، فيحكم في واحد بحكم جميعها، أو في جميعها بحكم واحد، أو في بعضها بحكم بعضها، ولا يجوز تحويل ذلك عن موضعه، ولا إزالته عن حكمه، وذلك عندي مثل يمين الظهار، ولم يجعل الله في كفارتها تخييرا، وجعل في كفارة الأيمان المرسلة التخيير، فلا يجوز لأحد أن يجيز في الظهار، والتخيير كما جاز في المرسلة أو لا يجيز في المرسلة التخيير، كما لم يجز في الظهار إذ كل ذلك أيمان.
وكذلك في ميراث الأم من الثلث والسدس، فيجيز الثلث في موضع السدس، أو السدس في موضع الثلث، وكذلك ميراث الزوج والزوجة (4/315)
صفحة 1434
وما أشبه هذا مما قد حكم فيه الكتاب أو السنة أو الإجماع، فلا يجوز مخالفة ذلك الحكم الذي قد ثبت فيها، ولا يجوز أن تقاس هذه الأصول بعضها ببعض، ولا يحمل بعضها على بعض.
وأما إذا أتى بشيء من فروع هذه الأصول، ما لم ينطق فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع، فإن وجد لذلك الشيء شبه في ذلك الأصل حكم فيه بحكمه، وما أشبه الشيء فهو مثله، وهكذا عرفت فيما قيل.
وإن لم يجد له فيه شبها خرج إلى غيره من الأصول، وقيس عليها، كما يوجد في جامع أبي محمد أنهم قاسوا حرمة الحائض إذا وطئها زوجها متعمدا في الحيض، على ميراث القاتل المتعمد، فلما كان القاتل ممنوعا ميراثه بارتكابه ما نهاه الله عنه من قتله، كان الواطئ في الحيض متعمدا ممنوعا عن زوجته بارتكابه ما نهاه الله عنه، من وطئها في حيضها، فبارتكاب النهي في هذين الأصلين استوى الحكم فيهما في هذا المعنى، وإن كان حكمهما في كثير من أمورهما مختلفا، كذلك يوجد في جامعه أيضا أن الواطئ في الدبر يفرق بينه وبين زوجته، كما يفرق بين الزاني وزوجته، لأن أهل اللغة يسمون الدخول في المضيق زنى، والواطئ في الدبر داخل في المضيق، فبدخوله في المضيق استحق اسم الزنى، واستوى الحكم فيهما في الفرقة.
ويحتج بقول الشاعر:
ولست بزان في مضيق لأنني ... أحب وساع العيش والخلق الرحبا
فانظر كيف قاسوا الشريعة بعضها ببعض، ثم لم يقنعوا بذلك حتى تعلقوا باللغة.
وكذلك يوجد عن أبي المؤثر في كتاب البيان والبرهان، وإنما مثلهم في عزلهم للإمام، وخروجهم وتقديمهم عليه إماما، ثم قالوا: تبين حدثه، كقوم قتلوا رجلا، فلما قتلوه قالوا: نحن نشهد عليه أنه ارتد (4/316)
صفحة 1435
عن الإسلام، فلا قود علينا، أو قالوا: قتل أخانا فإنا لا نقبل شهادتهم عليه، ولو جاز لهم ما ادعوه على الإمام لجاز للقاتلين دعواهم على المقتول، فانظر كيف قاس الإمامة على غيرها، وانظر أيضا في القاتلين وإن لم يقبل دعواهم أنه قتل أخاهم هل تجوز ولايتهم في بعض قول المسلمين، ويحتمل صوابهم.
وكذلك يوجد منه أيضا في كتاب الأحداث والصفات: إنكم لما توليتم الأمر، وعزلتم صلتا رجعتم ترسلون عليه أن يبرأ من الإمامة، فهذا منكم جهل وعنف، كرجل تزوج امرأة رجل، ثم أرسل عليه -نسخة- أن يطلقها، فلا جبر له في تزويجها إن طلقها أو لم يطلقها، فانظر كيف قاس الإمامة على غيرها، وانظر كيف الحكم في ولاية هذا المتزوج عند من علم أنه تزوجها قبل أن يطلقها زوجها، ثم أرسل عليه -نسخة- أن يطلقها، وعند من لم يعلم أنه طلقها، أو لم يطلقها، وعند من علم أنه طلقها.
وقد يوجد عن بعض المسلمين، وهو عن أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب في أمر الصلت، وبعد فما في اعتزاله في منزله دليل على براءته من إمامته، أرأيتم لو أن رجلا جمعه وزوجته منزل، ثم ظهر اعتزاله بجميع آلته عنها إلى منزل غيره، وقطع جميع ما يلزمه لها، هل كان هذا الفعل منه يدل على فراقها، فانظر كيف قاس الإمامة على غيرها، وقد قاس أيضا غيره الإمامة بالتزويج، فقال: لما كانت المرأة لا تجوز إلا لرجل واحد، ولا يجوز تزويجها لرجلين في وقت واحد، فكانت الإمامة لا تجوز إلا لواحد، ولا تجوز لرجلين في وقت واحد في موضع واحد.
وكذلك المتزوج بامرأة لها زوج قبل أن يطلقها زوجها، محرم على المتزوج والمزوج، والأولياء، وجائز لهم ذلك بعد طلاقها، وانقضاء عدتها، وكان المعقود له الإمامة على إمام ثابت الإمامة محرم على المعقود له والعاقدين، وجائز لهم ذلك بعد زوال إمامة هذا الإمام (4/317)
صفحة 1436
وفراقه لها، فلما كان هذا المتزوج لهذه المرأة التي معلوم أن لها زوجا محتمل صوابه عند من لم يعلم أنه عقد له بعد زوال إمامة الإمام، أو قبل زوالها حتى يصح باطلهم بنكير أو غيره، ولم يقصد السائل في سؤاله قياس أصل بأصل، مما قد وصفنا من كتاب بكتاب، أو سنة بسنة، أو إجماع بإجماع، فيقيس أصلا بأصل، وتحمل الأصول بعضها على بعض، فيخالف الحق في ذلك، لأن الأصول هي الدين، والدين هو الأصول، والدين حكمه ما عدا الرأي، والرأي حكمه ما عدا الدين.
ولا يجوز أن يحكم بالرأي في موضع الدين، ولا بالدين في موضع الرأي، ولما لم يأت حكم من الكتاب، ولا السنة، ولا الإجماع في العزل بتحديد عدد خرج من حكم الدين إلى حكم الرأي، وكان من الفروع، وجاز أن يقاس بغيره كما قد تقدم ذكره من القياس، ولم يجز لأحد عندي أن يمنع القياس في هذا الموضع، ولا يمنع القول فيه بالرأي ويجعله من الأصول التي لا يجوز أن يقاس بعضها ببعض، لأنه لم يأت في العزل حكم من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، بتحديد عدد فيكون ذلك دينا وأصلا، ولا يجوز لأحد أن يخالفه، ولا أن يقيسه بغيره، فيجيز فيه غير ما قد ثبت فيه من حكم الكتاب أو السنة أو الإجماع.
وقد وجدت أن بالعالمين يجوز عزل الأئمة، ويجوز إذا لم تقم عليهما حجة في وقت فعلهما بقطع عذرهما، أو تتكافأ الدعاوى فيهما، فيشكل أمرهما وما أشبه ذلك، ويكونان حجة عليه في العزل كما كانا حجة عليه في العقد، وإنما وجب له السمع والطاعة على الرعية بالعالمين، فهو حجة من حجتهما، وعمل من عملهما، وهما مقدماه، وهما مؤخراه، وهما مزيفاه، وهما معدلاه، حيث يجوز ذلك منهما، وإذا ثبت العزل بالعالمين فبالأكثر أثبت فالعلماء ورثة الأنبياء وكتابه، وهم (4/318)
صفحة 1437
حجة الله على عباده وغيوثه في أرضه وبلاده، وهم خلفاؤه وشهوده، ويقومون مقام أنبيائه عند عدمهم، وهم حجة على الأئمة والرعية.
وبالعالمين تقوم الحجة في جميع دين الله، مما يسع جهله، ومما لا يسع جهله، وينفذ أن جميع الأحكام التي تنفذ بالأئمة، ويكونان في ذلك حجة، ويقيمان الحدود في بعض القول عند عدم الأئمة والحجة في ذلك فيما قيل أن الخطاب ورد في الأحكام والحدود عاما من الله قوله في الأحكام: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} (النساء:58)، وفي الحدود: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} (النور:2)، فإن ثبت أن العلماء ينفذون الأحكام عند عدم الأئمة، وكذلك الحدود، وإن بطل في الحدود بطل في الأحكام هكذا قيل.
وقد يقع اللفظ بخطاب الجماعة ويقوم الاثنان في ذلك مقام الجماعة.
وقد يوجد في كتاب عبد الله بن أباض إلى عبد الملك بن مروان في أمر عثمان بن عفان، والمؤمنون شهداء الله، ناظرون في أعمال الناس، وكذلك قال الله: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} (التوبة:105) وكذلك يوجد في سيرة هلال بن عطية الخرساني، فلما رأى المسلمون ما نزل به عثمان من المعاصي والمسلمون ناظرون لله في كل زمان، شهود الله في الأرض، يعرضون أعمال الناس على كتاب الله.
وكذلك في سيرة خلف بن زياد البحراني، فإنهم كانوا خيرة الله يومئذ من أهل الله، وشهداء عليهم، وولاة أمره وعيونه فيهم، وبأنهم كانوا هم أول من أبصر الفتنة حيث وقعت، فالعلماء هم حجة الله على الأئمة وغيرهم إلى الجواب وعزلهما كشهادتهما، اعلم أن شهادة الشهود أعلام منهم بفعل غيرهم، وكذلك جازت شهادتهم، والعزل منهم ادعاء منهم على غيرهم، والمدعي شهادته ساقطة فيما يدعيه بإجماع الأمة. (4/319)
صفحة 1438
قال أبو عبد الله حفظه الله: ليس كل معلم بفعل غيره مقبول قوله، إذ هو بفعل غيره، لأنه لو شهد لابنه أو عبده أو شريكه على فعل غيره لم يقبل قوله في ذلك، ولو كان معلما بفعل غيره، وكذلك إذا كان وحده، وقد يقبل قوله، ولو أعلم بفعل نفسه كالحاكم وما أشبهه، وإنما يقبل قوله فيما أعلم به من فعل غيره في موضع ما يقبل قوله في ذلك، ولو كان إنما العلة في جواز شهادته، وقبول قوله، إذ هو معلم بفعل غيره لوجب قبول كل من أعلم بفعله غيره، كان من أهل الشرك، أو الإقرار أو الإيمان، أو النفاق، إذ هم معلمون بفعل غيرهم، ولو كان كل عازل مدعي لم يقبل من أحد، ولو كان من جميع أهل الأرض إلا رجل واحد لم يجز له قبول ذلك منهم، لأنه لا يجوز قبول قول المدعين، ولا شهادتهم فيما ادعوه كائنا ما كانوا إلا الأنبياء صلوات الله عليهم، فإنه لا يرد قولهم، وليسوا كغيرهم في ذلك فيما قيل، والله أعلم.
ولكن العازلين منهم، المدعون ومنهم الحاكمون، فالمدعون مردود فعلهم حيث يردوا، والحاكمون مصدق قولهم مطرق فعلهم.
رجع إلى الجواب:
وأما ما ذكرته من حجة الغائبين من العلماء على الحاضرين، اعلم أن الإمام إذا ثبتت إمامته، فقد تعلق على جميع رعيته حقوق له من طاعته ونصرته وولايته، وإنفاذ أحكامه على أنفسهم وولاية من والى، وعداوة من عادى، وأداء المفروضات التي أوجب الله عليهم أداءها، ولا سلامة لهم عند خالقهم إلا بها، والخارجون مدعون على إمامهم بدعوى لم تصح عند الغائبين إلا بهم، فعند ذلك كان عليهم في دين الله أن يثبتوا على أمر دينهم، ولا يقطعون المفترض عليهم بدعوى يمكن صدقها وكذبها، فلذلك لزم الغائبين البراءة من الحاضرين، لأن دعوى الحاضرين تلزم الغائبين الانقياد لهم، والدخول فيما دخلوا فيه، فلما كان ذلك كذلك كان حكمه ما ذكرت لك، والله أعلم. (4/320)
صفحة 1439
قال أبو عبد الله حفظه الله: أما الرعية إذا ثبت عليها بتلك الحقوق للإمام بثبوت إمامته من الطاعة والنصرة وغير ذلك، فكذلك تزول عنهم تلك الحقوق بزوالها إلا ما استحقه الإمام عليهم، أو على بعضهم بتوبة بعد زوال إمامته، فلا عذر لهم في إزالة ما قد ثبت له عليهم بغير الحق، وكما جاز ثبوتها له بالحق، فكذلك يجوز زوالها عنه بالحق، وكما لم يجز ثبوتها له بالباطل، فكذلك لا يجوز زوالها عنه بالباطل.
وأما الخارجون فقد قيل إن منهم المبتدعين وهم المضادون لدين الله بجحود، أو نفاق باستحلال لما حرم الله، أو بتحريم لما أحل الله، لأن الله يقول: إن هذا الشيء حلال، فيقول هذا إنه حرام فهو مضاد لقول الله بقوله، مفارق لدين الله -نسخة- بفعله، لا يحتمل صوابه في دين الله بوجه من الوجوه، يشهد على باطله في ذلك الله ودينه، وملائكته وأنبياؤه والعلماء، وقوله ذلك يشهد على نفسه أنه باطل، وعلى قائله أنه مبطل، فهو بنفسه حجة على نفسه، وعلى قائله وقابله.
فلو أجمع جميع الخلق، ولن يجمعوا أن ذلك حق، ويشهدوا على صوابه وصواب قائله وقابله ما كان إجماعهم ذلك، ولا شهادتهم مزيلين لباطله، ولا قابلين لحكمه، ولا قامه بهم حجة على أحد، ولا لأحد، ولا كانت منهم في ذلك حجة، ولا يستحيل ذلك الباطل حقا بوجه من الوجوه، وعلى كل من ورد إليه ذلك أن يكون حاكما لنفسه، وعليها فيه، ولا عذر له فيه إلا بموافقة الحق فيه، وفيمن شهد له بالحق، وعليه بالباطل، أو التسليم للمسلمين، أو السؤال على ما يجب من ذلك وتفسيره يطول.
ومنهم المحرمون وهم الخارجون مع تحريمهم لذلك، ومنهم المدعون وهم الذين يدعون موافقة دين الله، ولا يضادون الدين بادعائهم، وإنما يدعون صفة هي جائزة في دين الله، فإن كانوا صادقين فهم (4/321)
صفحة 1440
محقون موافقون لدين الله، ولا تقوم لهم حجة من أنفسهم إذا وقع التنازع فيهم.
ومنهم الحاكمون، وهم الذين ليس لمن غاب عنهم أن يخالفهم، فهم بأنفسهم حجة على الأئمة وعلى الرعية، فهم هكذا قيل، وليس حكم الخارجين واحدا فيما قيل.
وقد يوجد أن معاوية كاتب علنا وسرا في الحكومة، فرضي علي بذلك، فلما علم المسلمون خرجوا مفارقين له، فنزلوا أرضا بالكوفة يقال لها حروراء، فخرج إليهم فأظهر لهم التوبة فقبلوا منه، ثم عاود معاوي بالكتاب سرا، فلما بلغ ذلك المسلمين خرجوا مفارقين له، فنزلوا النهروان، فأرسل إليهم ابن عباس فناظروه وحجوه، وعقدوا لعبد الله بن وهب إماما، ولا يعقدون إماما عليه إلا وقد خلعوا طاعته، وأوجبوا على أنفسهم تركها، وصار عندهم علي من الرعية، كان عليه وعلى من معه الدخول في طاعتهم.
وقد يلحق عندي اسم الخروج عليه، فلم يكن الذين خرجوا على عليّ مدعين عند رعيته، ولا جاز لمن لم يعلم كيف خرجوا عليه البراءة منهم، ولو كان يجب عليهم في دين الله البراءة منهم عند من لم يعلم كعلمهم من الرعية، لكانوا مبطلين في خروجهم، لأن من أوجب عليه الدين البراءة فهو مبطل، ولما جاز لهم الخروج عليه إلا بعد أن يعلموا أن رعيته قد علموا كعلمهم لئلا يبيحوا البراءة من أنفسهم، لأن الأحكام لا تنفذ بالظنون، وكانت المكاتبة بينهم سرا، فكلما علم المسلمون ذلك، وشهر معهم أنكروا عليه، وقاموا لله بما يجب عليهم، لأنهم هم الحجة عليه.
ولم نجد في السير أنهم كانوا إذا علموا منه ذلك لا يفارقونه عليه إلا حتى يعلموا أن جميع رعيته قد علموا منه ذلك كعلمهم، وقد خرج عليهم علي فقتلهم فلم يكن حكم خروجهم كحكم خروجهم. (4/322)
صفحة 1441
وقد خرج عليّ على عثمان بعدما تاب من أحداثه الشاهرة منه، وحاربوه وقتلوه، وكانوا يطالبونه بشيء بعد شيء، ويتركون شيئا طلبوه بعد أن طلبوه، ويأخذوه بما يجب عليه، فيما كان يحدث بينهم.
ولم نجد أنهم كانوا لا يأخذونه بما يجب عليه إلا حتى يعلموا أن جميع رعيته قد علموا كعلمهم، وقد برئ المسلمون من عثمان، وتولوا قتلته، فانظر في حكم الخروج على عثمان، والخروج على عبد الله بن وهب، فإن حكم ذلك مختلف وكله خروج.
ومن الجواب:
وما تقول في جماعة منهم العلماء والضعفاء والفسقة خرجوا قاصدين إماما حتى انتهوا إليه، ولم يحدثوا حدثا أيحكم عليهم بالبغي أم لا يحكم عليه بذلك؟ كما قد قيل في الجماعة التي قصدت بلدا وخاف أهله منهم، وهم معروفون بانتهاك المحارم والسلب، أيحكم عليهم بالبغي، وتجوز محاربتهم أم لا يحكم عليهم بذلك إلا بحدث يستحقون به ذلك؟
الجواب:
الذي عرفته أنه لا يحكم عليهم باسم البغي إلا بحدث يستحقون به اسمه، والله أعلم.
رجع إلى الجواب.
أرأيت إن عزل العلماء من هذه الجماعة هذا الإمام، وعقدوا إماما غيره ممن يجوز عقده، وأجمع أهل الدار على تصويبهم، أيكون واسعا لأهل الدار ذلك في حكم الظاهر، ويحتمل صوابهم وصواب العاقدين والعازلين، والمعقود أم لا؟ (4/323)
صفحة 1442
الجواب:
الذي عرفت أن عزل الإمام لا يجوز إلا بما وصفت لك في المسألة الأولى، وأما إجماعهم على صواب العازلين، فإن كان إجماعهم على كفر الإمام المعزول أو ضعفه عن إقامة الحق، ونكاية العدو، وعزلوه على ذلك كان إجماعهم هذا صوابا، وكان حجة على من غاب أو حضر، ومن شاه ومن تأخر، وإن كان إجماعهم وتصويبهم بغير علم منهم بتصويب من لا يجوز لهم تصويبه بجهل منهم بحكمه، كان هذا إجماعا غير جائز من أهل هذه الدار، وكان الرجوع من الواجب عليهم، والله أعلم.
قال أبو عبد الله حفظه الله: إنما أراد السائل إذا علم الإجماع، ولم يعلم على أي وجه وقع الإجماع منهم، أيحتمل صوابهم عند من خفي عليه إجماعهم، كيف وقع إجماعهم أم لا؟ أرأيت إن اختلف أهل الدار بعد إجماعهم، فادعى بعضهم صواب العازلين والعاقدين والمعقود له، وادعى بعض خطئهم كيف الحكم عند من لم يعلم إجماعهم إلا أنه علم اختلافهم، فلم يعلم أنه بعد إجماع أو قبل إجماع وكيف الحكم عند من نشأ من بعدهم؟
الجواب:
الذي عرفت أنه إن كان اختلافهم بعد إجماعهم الذي هو حجة، وهو وجه الحق الذي بينته لك في المسألة التي قبلها، فمن خالفهم فهو مخطئ، وعلى كل من علم بالرجوع منه أن يخطئه بمخالفته إذا علم حكم ذلك.
وإن كان اختلافهم بعد إجماعهم الذي لا يجوز، كان الراجع عن إجماعهم مصيبا، لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
وأما إن كان اختلافهم في حدث أحله بعضهم، وحرمه بعضهم (4/324)
صفحة 1443
كان على من جهل حكم اختلافهم السؤال عن حكمه كان ناشئا أو مشاهدا بعد علمه باختلافهم، والله أعلم.
قال أبو عبد الله: إنما أراد السائل إذا لم يعلم كيف أصل إجماعهم، ولا على أي وجه وقع إجماعهم.
رجع إلى السؤال: وما تقول في إمام كان مجتمعا على إمامته، ثم إن جماعة خرجوا حتى انتهوا إليه، أو في قرية وفي هؤلاء الجماعة ناس من العلماء، ظهر من العلماء عقد لإمام غير هذا الإمام، ولم يظهر من الإمام الأول نكير على الإمام الأخير، ولا على العاقدين له، ولا ظهر من أعلام أهل الدار الذين لم يدخلوا في عزل هذا الإمام وعقد الإمام الآخر إنكار على الإمام الأول باعتزاله، وترك إمامته، ولا على الإمام الآخر بتقديمه، ولا على العاقدين والعازلين، أيجوز لأولياء هذا الإمام الآخر والعاقدين له تحسين الظن بهم، وإثبات ولايتهم على حالهم الأول، كما جاز للأولياء أكل لحم الخنزير والدماء المسفوحات، ونكح الأمهات والبنات وغيرهم من ذوات المحارم.
والمتقاتلين والمتضادين حتى قتل كل واحد منهما صاحبه، والمتلاعنين والمتبرئين من بعضهم بعضا إذا لم يعلم المحق منهما من المبطل بحسن الظن بهم، وإثبات ولايتهم لهم، لأن الله قد حرم أكل الخنزير والميتة والدم المسفوح، وجعله من الكبائر، وبارتكاب الكبيرة الواحدة يستحق راكبها البراءة والكفر والعقاب، وكذلك القتل من كبائر الذنوب، وقد قال الله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} (النساء:93)، ولا يكون الولي إلا مؤمنا، وقد يكون الولي من العلماء الذين تقوم بهم الحجة في دين الله فيما يسع جهله، وفيما لا يسع جهله، وإذا جاز ولاية القاتل لواحد، جاز ولاية القاتل لاثنين والعشرة، إذا احتمل في الجميع ما احتمل في الواحد، وتقبل هذه الجماعة إذا كانوا من العلماء تزول أحكام كثيرة من شهاداتهم وأماناتهم، والديون التي لهم وعليهم، وفتواهم فيما (4/325)
صفحة 1444
يسع جهله، وفيما لا يسع جهله، وغير ذلك مما لم نذكره، والقاتل مأخوذ بجميع ما وجب عليه من قود ودية وغير ذلك، وإن امتنع جازت محاربته، وفي الإجماع أن المقتول ولد من بطن أمه، وليس متعلق عليه لهذا القاتل ما يوجب له قتله، فلما كان يأتي على الفاعل بجميع ما ذكرناه حالة يكون صوابه فيها، حسن به الظن، وأثبتت ولايته.
فكذلك الإمام لما كانت تأتي عليه حالة يجوز عزله فيها، فهل لا جاز لأولياء العازلين والعاقدين تحسين الظن بهم، وإثبات ولايتهم، أم لا يجوز ذلك، وبين لنا الفرق القتل والعزل عند احتمال صواب ذلك، أنت مأجور إن شاء الله؟
الجواب:
الذي عرفت أن كل إمام ثبتت إمامته بإجماع، فلا تزول إلا بإجماع، فإذا كانت لا تزول إلا بإجماع، فالمعترض على الإجماع مخطئ، وكل من قدم عليه فقد حل دمه، ووجب خلعه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ظهر إمامان في مصر فاضربوا عنق أحدهما»، والمعلوم عند أهل العلم أنه لا يجوز ضرب عنق المحق منهما، لأن الأول على إمامته ما لم يجمع على زوالها بوجه من الوجوه متفق عليه أو مختلف فيه.
قال أبو عبد الله: أما قوله كل إمام ثبتت إمامته بإجماع فلا تزول إلا بإجماع، فإذا كانت لا تزول إلا بإجماع فالمعترض على الإجماع مخطئ، فإن نفس هذا اللفظ لا يدل على أنه إجماع، لأنه لو قال قائل: إن كل إمام ثبتت ولايته بإجماع فلا تزول، ووقف عن تمام الكلام، كان هذا خطابا تاما معروف معناه، وليس فيه دليل على أنه إجماع.
وإن قال، ووقف عن تمام الكلام لم يكن هذا خطابا تاما، (4/326)
صفحة 1445
وعلم أن معنى قائله أنها لا تزول إلا بإجماع كما يقول القائل: إنها لا تزول إلا بحد يصيبه أو بمكفرة يستتاب منها، فيصر عليها، وليس فيه دليل على أنه إجماع، وإنما معنى قائل هذا أنها لا تزول إلا بإجماع.
فإن صح وثبت أن هذا القول إجماع لم يجز لأحد أن يزيلها إلا بإجماع، ولم يجز لأحد أن يجيز زوالها إلا في موضع الإجماع، لأن الإجماع دين ولا تجوز مخالفة الدين بدين، ولا برأي بجهل ولا بعلم، وكلما لم يجز فعله لم يجز لأحد أن يجيز فعله، لأن كلما حرمه الله في كتابه أو سنة رسوله، أو إجماع الأمة، لم يجز لأحد أن يحل ذلك، فيقول: إن ذلك حلال فيكون مضادا للدين، وضد الدين هو غيره.
وإذا كان غيره كان باطلا، لأن الله قد حرم أكل الميتة والخنزير والدم وجميع ما ذكره في الآية على الإطلاق، فقال جل ذكره: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} (المائدة:3)، فلا يجوز لأحد أن يقول: إن لحم الخنزير والميتة حلال مطلق بتحليل ذلك، كما أطلق الله تحريمه فيكون مضادا لقول الله بقوله، لأن الله تعالى يقول إنه حرم هذا، فيقول هذا إنه حلال فهو مضاد لقول الله بقوله إلا أن يستثني القائل أن ذلك حلال للمضطر، كما استثنى الله، فلا يجوز، ويكون حينئذ مضادا لقول الله.
فكذلك إذا حرم الإجماع زوال الإمامة إلا بإجماع، لم يجز لأحد أن يحل زوالها في غير موضع الإجماع، فيكون مضادا للإجماع، مفارقا للدين، لأن الإجماع هو دين، وقد جاء الأثر عن بعض العلماء بإجازة زوال الإمامة بشيء خالفه غيره من العلماء، فلم يجوزوا لها بذلك، وإذا وقع الاختلاف بينهم في شيء لم يكن ذلك منهم إجماعا فيه، وإذا لم يكن إجماعا كان المجيز زوالها فيما قد خالفه غيره فيه يجيز زوالها في غير موضع الإجماع. (4/327)
صفحة 1446
فإن صح أن ذلك القول إجماع لم يجز لهذا القائل أن يجيز زوالها في غير موضع الإجماع، وإذا جاز لقائل هذا القول قوله لم يكن هذا إجماعا هكذا عندي والله أعلم.
وقد أزيلت إمامة عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب من غير إجماع من جميع أهل مملكتهما على زوال إمامتهما، وكانت إمامتهما ثابتة بإجماع.
وقد حارب عثمان وعلي بمن معه من أهل مملكتهما حتى قتلا المفارقين لهما فلم يكن الذين حاربوا معهما من أهل مملكتهما مجمعين على زوال إمامتهما في حكم الظاهر.
وقد يوجد في سيرة خلف بن زياد البحراني، فطلبوا إلى عثمان وأشياعه أن يعطوا من أنفسهم حقا مما يقدرون به، وأن يرجعوا عن حرمة ما يدينون بتحريمه، ويعطوا حد ما وجب عليهم، فامتنعوا وأبوا فلم يفعلوا، فلما عاودوا في حرمة ما نهوا عنه من ذلك فيه، فلما تمادوا في حرمة ما نهوا عنه من ذلك قتلوا في على أهواء أنفسهم، واتباع شهواتها، فقد كان عثمان وأتباعه محاربين لمن أراد إزالة إمامته.
وقد يوجد في سيرة هلال بن عطية أن أهل الشام، معاوية ومن معه، خرجوا لحرب علي، طالبين بدم عثمان، متولين لعثمان، راضين بالأمر الذي كان عليه، وقد كان معاوية من ولاة عثمان، ومن كتبة الوحي، وكان معه عمرو بن العاص ممن أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجيش، وليس يضار من استعملهما وهما في حال أمانتهما ما حدث بعد ذلك من فسقهما، وهما في حال أمانتهما بمنزلة غيرهما من الأمناء، وفي حال فسقهما من الفساق.
وقد حارب علي ومن معه من أهل مملكته الإمام عبد الله بن وهب الراسبي ومن معه من أهل النهروان وقتلهم، فإن كان كل إمام ثبتت (4/328)
صفحة 1447
إمامته بإجماع فلا تزول إلا بإجماع، وأن هذا إجماع وكل من قدم عليه فقد حل خلعه، لأن الإمام الأول على إمامته ما لم يجمع على زوالها بوجه من الوجوه، متفق عليه أو مختلف فيه، كما ذكرنا في الجواب، فقد وجب خلع الإمام عبد الله ابن وهب الراسبي، وحل دمه ومن معه من أنصاره، لأن إمامة علي كانت ثابتة بإجماع، وقد تقدم عبد الله عليه قبل أن يجمع على زوال إمامته جميع أهل مملكته.
وكان عبد الله بن العباس فقيه الأمة أرسله علي إلى عبد الله يدعوهم إلى طاعته، وأما قوله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ظهر إمامان في مصر واحد فاضربوا عنق أحدهما»، والمعلوم عند أهل العلم أنه لا يجوز ضرب عنق المحق منهما، وكذلك عندي إذا عرف المحق منهما، لأنه ليس كل إمامين ظهرا عرف المحق منهما.
لأنه إذا ظهر إمامان كل منهما يدعي لنفسه صفة دعوى ثبتت بها إمامته في دين الله إن كان صادقا، وهما مستقيمان في جميع دينهما، لا يخالفان دين الله في شيء، ولم يعلم السامع لاختلافهما صحة صدقهما، ولا كذبهما، فيما ادعياه، ولا كيف أصل إمامتهما، ولا قامت على السامع لاختلافهما صحة يعرف بها حق المحق منهما، ولا باطل المبطل، ولا بلغ علمه إلى ذلك بوجه من الوجوه، لم يجب عليه ضرب عنق أحدهما، والله أعلم.
وانظر كيف الحكم في هذين الإمامين عند من تقدمت ولايتهما معه، ولم يبلغ إلى معرفة المحق منهما من المبطل بوجه من الوجوه بسؤال ولا غيره، إذا لم يقف على أصل ما اختلفا فيه، ولا قامت عليه حجة بعلم ذلك.
وانظر كيف الحكم في المختلفين إذا ادعت كل فرقة صواب أحدهما وخطأ الآخر عند من تقدمت ولايتهم معه. (4/329)
صفحة 1448
رجع إلى الجواب:
وليس ترك النكير من الإمام على العاقدين له، والمفقود له يوجب صواب العاقدين والمفقود له، لأنه إن كان تركه في حال مقدرته فقد هلك وهلكوا، وإن كان تركه للنكير في حال ضعفه، فقد اختلف في ذلك، فقال قوم: يسعه، وقال قوم: لا يسعه فعل من عرف منه ترك النكير في حال مقدرته البراءة منه، كما أن عليه البراءة من الخارجين عليه، ولا يجوز له إظهار البراءة من الإمام الأول، مع من لم يعلم كعلمه، وعلى من لم يعلم بمقدرته في ترك النكير أن يحسن به الظن، ولا يجوز أن يسيء بإمام المسلمين الظن في حال الاحتمال له.
قال أبو عبد الله: قد قيل إن إساءة الظن بالمؤمنين من الكبائر كان إماما أو غير إمام، وأنه لا يجوز أن يساء بهم الظن فيما احتمل فيه صوابهم، وقد قيل: إن كل ما احتمل فيه صواب المؤمن بوجه من الوجوه فهو على ولايته.
وقد قيل: إن الولي إذا ظهر منه ما يثقل القلوب بلا تهمة، ولا استرابة، ولا ركوب كبيرة، ولا إقامة على صغيرة، وإنما تثقل القلوب منه لما يرى من سوء أخلاقه وما لا يستحسن في الأولياء أنه يسع ترك ولايته، لأن الولاية إنما هي اصطفاء والاصطفاء لا يكون مشوبا بالكدر.
وقال من قال: هو على ولايته ما لم يتهم أو يشكل أمره، أو يركب محرما، وقد قيل: إن الإمام إذا صار متهما جاز عزله.
وقد أمروا عثمان بالاعتزال من إمامته لما صار منعهم تهيما، ولم يحسنوا به الظن.
وقد كان بعض يقف عن الإمام الصلت بن مالك عندما كان من عقد موسى لراشد عليه، ولا يتولى من تولاه إلا أن يكون لعذر عرفه منه، (4/330)
صفحة 1449
أو توبة قبلها عنه، فلو حسن به الظن لم يقف عنه، ولم يكن يشترط أنه لا يتولاه من تولاه إلا أن يكون لعذر أو توبة، رجع إلى الجواب.
فيحال الاحتمال له القول قوله مع من لم يعلم بمقدرته، وليس لترك النكير من الأعلام حجة لهم أيضا، لأن ترك النكير من الأعلام إنما هو حجة فيما يسع جهله دون ما لا يسع جهله، فكل إمام ثبتت إمامته بإجماع فلا يسع جهله، ولا جهل الخارجين عليه، ولو كان ترك النكير حجة لهم فيما لا يسع جهله لجاز ولاية المستحلين والمحرمين بركوبهم، مع ترك النكير، فلما كان هذا لا يجوز كان هذا حكمه.
قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم: قد تقدم القول في الجواب أن الكفر ينقسم على قسمين: فقسم يسع جهله، وقسم لا يسع جهله، وقد مضى ذكر ذلك، وقد قيل: إنه يسع جهل المستحلين من لم يعلم أصل حرمة ما ارتكبوه، ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه، أو يبرءوا من العلماء إذا برءوا من راكبه أو ما أشبه ذلك.
وإذا علموا أن الله حرم ذلك قرءوا من يستحل ذلك لم يسعهم جهل علم كفره في أكثر القول، وكذلك يسع جهل المحرمين، ويسع جهل ما حرمه الله ما لم يركبه، أو يكون منه في ذلك ما يهلك من ولاية راكبه بدين أو ما أشبه ذلك، فجميع الكافرين كان مما يسع جهله، أو مما لا يسع جهله، مما لا يحتمل صواب راكبه في وجه من الوجوه، فلا يكون ترك النكير من العلماء على راكبه حجة له، فيستحيل باطله ذلك حقا، وكفره ذلك إيمانا، وضلاله هدى.
كذلك إذا أتى العبد شيئا من الإيمان مما يسع جهله، أو مما لا يسع جهله، مما لا يحتمل ذلك الشيء إلا الإيمان، ولا يحتمل كفرا ببينة بوجه من الوجوه، فلا يكون إظهار النكير من العلماء على فاعل ذلك الشيء حجة عليه، فيستحيل إيمانه ذلك كفرا، وهداه ذلك ضلالا، وإنما يكون إظهار النكير، وتركه ممن له النكير من العلماء حجة فيما كان (4/331)
صفحة 1450
من الأشياء المحتملة للكفر والإيمان، أو الهدى والضلال، أو الحق والباطل، وما كان لا يحتمل إلا معنى واحدا من إيمان أو كفر، فلا يكون ترك النكير من العلماء في ذلك حجة فيستحيل الإيمان كفرا، أو الكفر إيمانا كان ذلك الكفر والإيمان مما يسع جهله، أو مما لا يسع جهله، لأن جميع دين الله راجع إلى أصلين: أصل يسع جهله، وأصل لا يسع جهله هكذا قيل، والله أعلم.
وقد يوجد عن أبي المنذر بشير أن ترك النكير حجة، وفعله هكذا كذلك، ومعنى ذلك والله أعلم، أن ترك النكير ممن له النكير، فلم ينكر فهو حجة لمن لم ينكر عليه، إن أنكر عليه فهو حجة للمنكر على من أنكر عليه.
وقد وجدت في بعض الآثار هذا الأثر، وقد كان ينبغي للمهاجرين والأنصار إذ قتل أمير المؤمنين بين أظهرهم أن يغضبوا لله، ويقتلوا من قتله، وقد كان ينبغي لعليّ أن يكون أولى الناس بدم عثمان، لأن الإمام العدل أولى الناس بدم إمام العدل يقتل من قتله ويطلب دمه، وهذا دليل على أن عثمان قتل ظلما إذ قتل بين أظهر المسلمين فلم ينكروا قتله، بل تولوا قتلته واتخذوهم أئمة، وقيل شعرا:
عجبا للهاجرين والأنصار في قتل قائد الأحزاب
في ثلاثين راكبا أقبل القوم إليه من مصر فوق الركاب
يتعاطونه ثلاثة أيام قتلا معرضا للكلاب
وهم تسعة وعشرين ألفا أو يزيدون من رواة الكتاب (4/332)
صفحة 1451
فلئن لم يوقفوا قاتلوه ... للذي كان منهم للصواب
إن للخاذلين منهم لخطا ... علم الله من أليم العذاب
وهذا من أوثق حجج المسلمين على من تولى عثمان.
قال أبو عبد الله: فانظر كيف جعل ترك النكير ممن له النكير دليل أن عثمان قتل ظالما، وإذا كان ظالما كان الذي قتله مصيبا، فانظر كيف كان ترك النكير على الفاعل دليل على صوابه، وحجة له، لأنه قد قيل: إن إزالة الإمامة ليست من الأشياء التي لا يحتمل إلا الإيمان أو الكفر، فيكون ترك النكير وإظهاره ليس بحجة كما وصفنا، وأنه قد قيل: إن إزالة الإمامة من الأشياء المحتملة للإيمان والكفر، لأنه يحتمل أن يكون الإمام مستحقا لزوال بكفر، أو حد، أو عجز، أو بعض الآفات المجيزة زوالها.
ويحتمل أن يكون غير مستحق لزوال إمامته، ويكون المزيل لها متعديا عليه مبطلا، فلأجل هذه المعاني احتمل أن يكون المزيل لإمامة الإمام محقا، والإمام مبطلا كافرا إذا أزالها ببعض ما يكفر الإمام، والدليل على هذا إزالة إمامة عثمان، وعلي بن أبي طالب على قول من يقول بذلك، وقد كانا إمامين ثابتة إمامتهما بإجماع.
ويحتمل أن يكون المزيل لها كفرا، والإمام محق، والدليل على هذا إزالة إمامة عبد الله بن وهب الراسبي.
ويحتمل أن يكون المزيل للإمامة والإمام كافرين جميعا، وهو أن يبعد المزيل الإمامة في إزالتها، ويترك الإمام النكير عليه.
ويحتمل أن يكونا جميعا مؤمنين وهو أن يزيلها من له إزالتها من (4/333)
صفحة 1452
العلماء ببعض الآفات من عجز أو صمم أو خرس أو ما أشبه ذلك، وسلم الإمام الإمامة إليهم، فلما كانت إزالة الإمامة من الأشياء المحتملة للحق والباطل، والكفر والإيمان، كان ترك النكير وإظهاره ممن له النكير في ذلك حجة، ولو كانت من الأشياء التي لا تحتمل إلا الكفر والإيمان، لم يكن ترك النكير ولا إظهاره حجة، فيستحيل الكفر إيمانا، والإيمان كفرا.
وقد يوجد في سيرة هلال بن عطية الخراساني، فإن زعم أهل الشك أنهم لم يشهدوا قتل عثمان، ولم يرضوا، وأن محمد بن أبي بكر في عصبة من أصحابه، وعامة المسلمين كارهون، أو كان يسع المسلمين أن يقتل خليفة الله بين أظهرهم، ولا يمنعونه ولا يؤازرونه، ولا ينصرونه لعمري لقد اجتمع رأي المسلمين على قتله، فانظر كيف جعل ترك النكير حجة للفاعل.
وقد وجدت أن من حضر قتل عثمان، فترك النكير على من قتله مع قدرته على النكير أنه قاتل، وأنه محارب بتركه النكير، وأنه كقاتله ومحاربه، وأنه لهم منصور وحاكم لهم عليه بما فعلوه فيه، وقابل لشهادتهم عليه، وسامع لدعواهم عليه بترك النكير، وأن الخاذل كالقاتل. رجع إلى الجواب.
وأما ما ذكرته في التوسع لولاية آكل الخنازير والدماء المسفوحة، ونكاح الأمهات وغير ذلك من ذوات المحارم والمقتتلين المتضادين حتى قتل كل واحد منها صاحبه، والمتلاعنين والمتبرئين.
اعلم أن هذه الأصول وإن كان موسعا في حال الولاية لراكبها يخرج الاحتمال له، فإن أحكامها مختلفة، أما الخنازير والميتة والدم المسفوح، وإن كان الله قد حرمه في حال فقد أحله في حال الاضطرار، ولم يجعل الله علم الاضطرار إلى أحد غير المضطر، وعلمه حجة له مع غيره، فلما كان علمه حجة له مع غيره لفعله، كان حكمه هذا غير حكم غيره، (4/334)
صفحة 1453
وكذلك نكاح ذوات المحارم مما قد ذكرته، فإن جهل المرتكب لنسبه حجة له مع غيره، فلما كان ذلك كذلك كان الفرق بينه وبين غيره من عدل الأئمة.
وأما المقتتلان والمتلاعنان والمتبرئان، فإنما جازت ولايتهما لموضع الشبهة، وعدم صحة صدقهما من كذبهما مع احتمال الخطأ لهما، ولا يحتمل الصواب لهما حقا، لأن هذا موضع الاحتمال.
قال أبو عبد الله رحمه الله: ليس الشبهة والخطأ الذي هو كفر مما ثبتت به الولاية، لأن بالشبهة يجب الشك، كل مشكوك موقوف، لأن كل متعبد إما مؤمن وإما كافر لا شك في ذلك، وقد أوجب الله ولاية أوليائه وعداوة أعدائه، فلما اشتبه أمر هذا فلم يعلم أنه مؤمن ولا كافر، وهو في الحقيقة إما مؤمن وإما كافر، وقف عنه، فبالشبهة وجب الوقوف لا غير ذلك فيمن لم تتقدم له ولاية ولا براءة، وبالخطأ الذي هو كفر يجب البغض والعداوة والبراءة، لا شك في ذلك، وبالإيمان تجب الولاية والمحبة، فإذا كان الحدث لا يحتمل إلا الكفر، فليس في البراءة من المحدث شك ولا ريب، وإذا لم يحتمل إلا الإيمان لم تجز إلا ولايته، ولا شك في ولايته، ولا ريب إذا كان مستحقا للولاية في المتقدم، وليس تترك ولايته أو يبرأ منه من قبل إيمانه هذا.
وإذا لم يحتمل في المتقاتلين والمتلاعنين والمتبرئين إلا الشبهة والكفر، فقد ثبت أنه لا مخرج لهم من الكفر، وسواء اجتمع الشبهة والكفر فيهم، أو كان الكفر وحده، فإن كان لا مخرج لهم من الكفر ولا احتمال لصوابهم، وليسه موضع احتمال، فليس في البراءة منهم شك ولا ريب.
والذي عرفت أنه إنما جازت الولاية لهم لاحتمال الصواب لهم، لأنه وإن لم يحتمل صوابهما معا على الاشتراك، فمحتمل صواب كل واحد منهما على الانفراد، فلما كان يحتمل صواب كل واحد منهما على (4/335)
صفحة 1454
الانفراد حكم فيه بحكم الانفراد، فإذا ثبتت ولايته إذا كانت متقدمة له، وكانت هي اليقين فيه لم تترك ولايته للشبهة فيه، أو الشك أنه كفر فيكون الشك فيه مزيلا لليقين فيه، لأنه لو علم خطأه وصوابه حكم له وعليه بذلك، وزالت الشبهة والاحتمال فيه، فلما لم يعلم أنه محق ولا مبطل، احتمل حقه وباطله لم يحكم فيه بالظن، ورجع إلى الأصل فيه، فكان الأصل فيه هي الولاية له، فلما كان اليقين معه أنه ولي لم تزل ولايته التي هي الأصل فيه التي متيقن أنها ثابتة له بالشبهة فيه والشك، ولم يثبت له من أثبت ولايته أنه محق معه من غير أن يصح معه حقه، ولا يبرأ منه من برئ منه أنه مبطل من غير أن يصح معه باطله، فيكون حاما بالظن، شاهدا بالزور، إذ كل ذلك مغيب عنه، وكل شاهد يغيب فهو شاهد زور هكذا قيل.
ولو كان هذا لا يحتمل إلا الباطل لا غير ذلك لم تجز ولايته، والله أعلم.
وقد ذكر في الجواب بعد ما عدد من الخنزير والدماء المسفوحة، ونكاح الأمهات، والمقتتلين والمتلاعنين، والمتبرئين فقال: اعلم أن هذه أصول، وإن كان موسعا في حال الولاية راكبها بخروج الاحتمال له، فأثبت هاهنا الاحتمال لهم.
وقال بعد ذلك: وأما المتبرئان والمقتتلان والمتلاعنان، فإنما جازت ولايتهما لموضع الشبهة، وعدم صحة صدقهما من كذبهما، مع احتمال الخطأ لهما، ولا يحتمل الصواب لهما معا، لأن هذا موضع الاحتمال، فبقي الاحتمال فيهم هاهنا، والله أعلم بالصواب. رجع إلى الجواب.
لأنك إذا أحسنت الظن بهما، فقد أسأت الظن بالآخر، وإنما الاحتمال أن يخرج الصواب بجميعهما، فذلك موضع الاحتمال، ألا ترى إذا برئ وليك، لكان عليك في دين الله أن تبرأ منه، ولو كان يحتمل (4/336)
صفحة 1455
صدقه، إذا كان في حسن الظن به إساءة الظن بالآخر، وإساءة الظن لا تجوز في الأولياء.
قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: الذي عرفت أنه إنما برئ منه لأنه محرم عليه أن يظهر البراءة من ولي عند من يتولاه، وإذا علم أنه يتولاه كان المتبرئ صادقا أو كاذبا، كما أن القاذف محرم عليه أن يقذف غيره بالزنى عند من لم يعلم كعلمه، كان صادقا أو كاذبا، فبارتكابه المحرم عليه من القذف استحق البراءة، كذلك إذا برئ من ولي عند وليه كان محرما عليه ذلك، واستحق البراءة بارتكابه المحرم عليه من إظهاره منه.
رجع إلى الجواب:
وللاحتمال وجوه يعرف بها، ومجار يستدل عليه بها، وإنما ثبتت ولاية المقتتلين والمتلاعنين والمتبرئين عند الصحة بخطأ المخطئ، وصواب المصيب، وإنما عدمت الصحة عندي بخطئهما وصوابهما لاحتمال ذلك لهما، لأنه لو كان الفعل شاهدا مع من بلغه على ولايتهم قبل فعلهم.
قال أبو عبد الله حفظه الله: أرجو أن في هذا دليلا على بيان ما ذكرته من الاحتمال، لأنه لم يكن الفعل شاهدا مع من بلغه على -نسخة- أحد بخطأ، ولا لأحد بصواب عدمت الصحة بخطأ المخطئ، وصواب المصيب، وإنما عدمت الصحة عندي بخطئهما وصوابهما لاحتمال ذلك لهما، لأنه لو كان الفعل شاهدا مع من بلغه على أحدهما، أو عليهما أو لأحدهما أولهما بخطأ أو صواب المصيب فيه.
وكان ذلك موجودا، ولم يكن فيه احتمال، وقد عرفت أن كل فعل احتمل في دين الله معنيين، حجر وإباحة، أو حلال وحرام، أو حق وباطل، أو نحو هذا كالأكل للميتة والخنزير، والنكاح لذوات المحارم، والإفطار في شهر رمضان في وطنه، والقتل وما أشبه ذلك، فهو موضع (4/337)
صفحة 1456
الاحتمال للحق والباطل، لأن السامع بذلك لا يحكم على الفاعل بحق ولا باطل إلا بصحة، لأن ذلك محتمل له في دين الله معنيين، وإن كانت الأحكام في ولاية الفاعل لما عددناه مختلفة، فمنه ما لا يجوز إلا إثبات ولاية الفاعل ما لم يصح باطله إذا كانت متقدمة له.
وإن كان بعض يقول بالوقوف عنه إذا استريب، فليس بالمجتمع عليه، ولا تجوز البراءة منه.
ومنه وقد جاء الاختلاف فيه بالولاية والبراءة، وليس ذلك بمزيل للاحتمال، لأن الأصل فيه إن كان فعل احتمل في دين الله الحق والباطل، فهو موضع الاحتمال إلا أن تقوم فيه حجة تزيل الاحتمال فيه، وكل فعل لم يحتمل في دين الله إلا الحق أو الباطل، فليس فيه احتمال لغير الحق أو الباطل.
فهذا الفعل بنفسه إما حقا لا غير ذلك، وإما باطلا لا غير ذلك، ويعرف ذلك من صح معه الفعل، وأبصر الحكم فيه فلا يحتاج إلى صحة من غير نفس الفعل والفعل الآخر، لا نعلم حقه ولا باطله من نفس الفعل إلا بصحة من غير الفعل، لأنه محتمل لمعنيين في دين الله حقا وباطلا، والفعل الآخر لا يحتمل إلا معنى واحدا إما حق وإما باطل لا غير ذلك. رجع إلى الجواب.
وأما القتل فإن كان الله قد حرمه فإن له أحكاما تتسع معانيها وشرحها، تتفرع حرمه وهي على ثلاثة أقسام: عمد أو خطأ وشبه العمد.
ثم ينقسم العمد على قسمين: قسم هو المحرم، والقسم الآخر هو المباح والمأمور به.
وينقسم المباح أيضا على قسمين: قسم يكون القاتل والمقتول فيه (4/338)
صفحة 1457
مصيبين، وقسم يكون المقتول مخطئا، والقاتل مصيبا، والخطأ وإن كان غير مباح فغير آثم فاعله إلا بعد الإصرار عليه، والامتناع من أداء الحق فيه.
قال أبو عبد الله: الذي عرفت أن قتل الخطأ غير محرم، ولا يأثم قاتل الخطأ إلا أن يضيع ما يلزمه مما يجب في ذلك، وليس أن الله أمر بقتل الخطأ، ولكن حجر الاعتماد على القتل وعفا عن الإثم في الخطأ، هكذا عرفت، فإذا كان غير محرم ولا آثم فاعله فلا يبين لي أن في ذلك إصرارا، ولا تجب منه توبة، والله أعلم. رجع إلى الجواب.
وهو فعل واحد، فاختلاف أحكامه تجري باختلاف مقاصده، فإن كان في الفعل شيء بخلاف الأخير، غير أن اختلاف الأحكام معلقة بالقصد لا بالفعل، ولها شرح يتسع ويشتغل به عن غيره، فلما كان فيه معان يخرج بالاحتمال للجميع القاتل والمقتول، مثل قاتل الخطأ بعذر عليه إعلامه في وقت فعله إن فعله، ذلك كان على وجه معذور فيه، وكان عند نفسه أنه سالم عند الله خالقه، وعند من علم كعلمه جاز الاختلاف فيه بالرأي، وكان حكمه غير حكم المتقدم من الميتة والخنزير. الرد.
قال أبو عبد الله: إن كانت العلة في جواز اختلاف بالرأي في القاتل والمقتول، هو أن يحتمل لهما الصواب، ولا يحتمل لهما الخطأ، فليس بالصواب تجب البراءة، وإنما تجب البراءة بالخطأ لا بالصواب، وإن كانت العلة هو أن الفعل محتمل للخطأ والصواب للقتل إذا لم يعرف كيف أصله، فكيف يكون فيه معاني تخرج بالاحتمال للجميع القاتل والمقتول، فكذلك الخنزير والميتة فيهما معان تخرج بالاحتمال للجميع، لأنك لو رأيت رجلا يطعم رجلا لحم ميتة أو خنزير، احتمل في ذلك صواب المطعم والآكل، وخرج من الاحتمال لهما جميعا، أو احتمل أن يكونا جميعا مخطئين، واحتمل أن يكون أحدهما مخطئا فإن كانت العلة في جواز اختلاف الرأي في القاتل، وإن كان في القتل معان تخرج في الاحتمال للجميع القاتل والمقتول، وكان عند نفسه (4/339)
صفحة 1458
أنه سالم عن خالقه، وعند من علم كعلمه، فكذلك الخنزير والميتة فيهما معان تخرج بالاحتمال للجميع، لأنك لو رأيت رجلا يطعم رجلا لحم ميتة أو لحم خنزير احتمل في ذلك صواب المطعم والآكل وهما عند أنفسهما أنهما سالمان عند خالقهما، وعند من علم كعلمهما، فينبغي أن يكون الحكم في القتل والخنزير والميتة سواء في هذا المعنى لاستواء العلة فيهم.
فإن كانت العلة في القتل غير ما ذكره فينبغي أن لا يجعل غير العلة علة، والذي عرفت أن الحكم في ذلك مختلف لاختلاف عللهم، والذي عرفت أنه إنما جاز الاختلاف بالرأي في القتل، لأن الحق فيه لله وللعباد، والقاتل محجوج في ظاهر الحكم، ولا تقبل له دعوى ولا حجة من نفسه على المقتول، إلا أن يقيم على ذلك بينة من غيره، وقول المقتول وحجته مقبولة على القاتل من نفسه، إلا أن يقيم القاتل بينة على بطلان ذلك، فلما لم يكن من القاتل حجة على المقتول في حين القتل ينقطع بها عذره، ولم يكن من القاتل حجة تصح صوابه، وتكافأت عند ذلك حجتهم بترك النكير في ذلك، وكان الفعل محتملا للحق والباطل.
فقال من قال بولايته، لأن فعله ذلك محتمل للحق والباطل، فلا تترك ولايته، ويحكم عليه بالكفر من غير أن يصح عليه حجة ينقطع بها عذره، لأن ترك ولايته هاهنا إنما هو بالشك أن فعله ذلك باطل، والولاية له كانت على اليقين، ولا يزول اليقين إلا بيقين مثله.
وقال من قال: بالوقوف عنه لما أشكل عليه من أمره، إذا احتمل حقه وباطله في فعله، وكل مشكوك موقوف.
وقال من قال: بالبراءة منه بما ظهر من فعله الذي هو محجور عليه إلا بحله، لأنه لا تقبل له حجة من قوله على خصمه إلا ببينة يقيمها من غيره، وحجة خصمه مقبولة عليه من قوله، فهو محجوج مظهر على نفسه (4/340)
صفحة 1459
ما هو به مخلوع، ولم يبرأ منه من برئ على أنه مبطل في فعله ذلك، ولم يبرأ منه من برئ على أنه مبطل في فعله ذلك، ولم يتوله من تولاه على أنه محق في فعله ذلك.
ولكنه لما كان فعله محتملا للحق والباطل، لم يحكم عليه بأحد ذلك من غير صحة، فيكون حاكما وشاهدا عليه بالغيب والزور.
ورجع المتولي إلى الأصل فيه، وهو الولاية، ولم يزل عن اليقين فيه بالشك فيه، وبرئ منه بما قد تقدم ذكره، وقد قيل: إن الأصل في هذا أن كل من دخل في أمر يكون عليه فيه أحد من الناس حجة أن لو قام عليه في ذلك الحجة، ويكون الداخل في ذلك محجوجا، ويكون لا يصح قول ولا دعوى من نفسه إلا ببينة يقيمها من غيره على دعواه، ويكون قول خصمه عليه حجة فهو في هذا محجوج، والمحجوج لا عذر له أن يبيح من نفسه البراءة فيما لا يكون له فيه سلامة إلا بحجة يقيمها من غيره. رجع إلى الصواب.
لأنه في هذا مدع، فلما كان سالما عند ربه بصحة دعواه عند نفسه، جاز ذلك، وعلى من علم كعلمه أن يتولاه، ولا يجوز له منه البراءة في قول أحد من المسلمين فيما علمت، ولا يشبه هذه الأصول التي ذكرتها ولا بشيء منها عزل الأئمة، الرد:
قال أبو عبد الله: إنما أراد السائل مع علمه باختلاف تلك الأصول، وعللها لما كان الولي مثبتة ولايته عند ارتكابه كل محرم، ولا مخرج له من الكفر والهلاك في ظاهر دين الله، إلا بخروج الاحتمال له في جميع المحرمات والكبائر التي يأتي عليها حالة يجوز له ركوبها فيه، كان ذلك من الفرائض التي العباد مؤتمنون عليها كالصلاة والصيام وما أشبه ذلك، إذا كان من المحرمات التي الحق فيها لله وحده، كالميتة والخنزير وما أشبه ذلك، أو كان ذلك من المحرمات التي الحق فيها لله وللعباد كالقتل والفروج وأكل أموال اليتامى، (4/341)
صفحة 1460
والبلغ وما أشبه ذلك، فلما كان الراكب لتلك المحرمات التي لا مخرج له من الكفر والهلاك إلا بخروج الاحتمال له أنه ركبها في حال ما يجوز له ركوبها فيه، ثبتت ولايته وتجوز وكان الإمام تأتي عليه حالة يجوز عزله فيها لعجز أو صمم أو غير ذلك، هل لا ثبتت ولاية عازله إذا كان ممن يجوز عزله للأئمة كما ثبتت ولاية راكب جميع تلك الأحداث المحرمات التي أوجب الله في ركوب واحدة منهن عقابه وسخطه والبراءة منه. رجع إلى الجواب:
لأن الإمامة إذا ثبتت بإجماع فلا تزول إلا بإجماع.
الرد:
قال أبو عبد الله: وجدت هذا الأثر عن غير واحد، ولعل كل واحد يذهب في ذلك إلى مذهب والذي يحسن عندي في تأويله أنه إذا ثبتت إمامة الإمام بإجماع، فأراد بعض العلماء عزله بشيء قد اختلف في جواز عزله به، وامتنع غيرهم عن عزله به، وتمسكوا بإمامته أو كانوا من أهل الرأي، فاختلفوا برأيهم في عزله وادعى عليه بعضهم دعوى يجوز عزله بها وأنكر غيرهم ذلك، أو نحو هذا فلا تزول إمامة الإمام بهذا إلا بإجماع منهم، وقد وجدت أن الإمام إذا صم أو عمي أو عجز ببعض الآفات ما صح عقله، ولم يحدث حدثا مختلف في زوال إمامته بذلك، وقد قيل: إذا لم يجمع علماء أهل الدار على عزله، وتمسك هو بقول بعض لم يكفر بذلك، ولم تكن لهم محاربته بما تمسك بقول من أقاويل أهل العدل. رجع إلى الجواب:
وبثبوتها تجري الدينونات على أهل مملكته بها صغيرهم وكبيرهم، وأبيضهم وأسودهم، وعالمهم وجاهلهم، من أداء الزكاة وصلاة الجماعات، وإنفاذ الحكومات والولايات، والبراءات والنصرة والمحاربات، وهم فيها مشتركون لا ينفرد أحد بها دون صاحبه. (4/342)
صفحة 1461
الرد:
قال أبو عبد الله: لا أعلم معنى هذا القول، فإن كان أراد أن الإمامة ثابتة على جميع أهل المملكة ولازمة لهم لا ينفرد أحد منهم بثبوتها ولا لزومها دون صاحبه ثبت على الجميع بثبوتها على الواحد، وثبتت على الواحد بثبوتها على الجميع، وهم فيها شركاء لا ينفرد أحد دون صاحبه فيها، فقد عرفت أن الإمام إذا ركب كبيرة، وأصر عليها بعد استتابة له منها، فقد انخلع من إمامته عند من علم ذلك من رعيته، وزالت إمامته معهم بذلك، ومن لم يعلم بذلك من الرعية فهو ثابت الإمامة معهم، وواجب له حق الإمامة عليهم، وسواء عندي بذلك -نسخة- علم بذلك جميع أهل المملكة إلا واحدا أو لم يعلم بذلك إلا واحدا من جميع أهل المملكة، وكل مخصوص بما تعبده الله من ذلك فليس لمن زالت عنه في حكم سرا أو جهرا يثبتها على نفسه لثبوت ذلك على غيره في موضع ما ليس له إثباتها، وليس لمن ثبت عليه أن يزيلها عنه لزوالها عن غيره إلا بما يجوز زوالها به.
وكذلك طاعة الإمام كل متعبد بما يلزمه من ذلك، فجميع أهل المملكة مشتركون في الإمامة، حيث يجب عليهم في دين الله الاشتراك، وينفردون حيث يجب عليهم الانفراد فيها.
وقد عرفت أن الإمامة غير مشتركة، ولذلك تأويل يخرج عدله عندنا من تأويله فوافق الحق فيهز
رجع إلى الجواب:
وكل من قام على الإمام فهو مدع عليه من جميع أهل المملكة، لأنه إذا ثبتت الإمامة فلا يسعهم جهله، ولا جهل الخارجين عليه ويسعهم جهل بعضهم لبعض. (4/343)
صفحة 1462
الرد:
قال أبو عبد الله: إذا كان الخارجون على الإمام مستحلون لما حرم الله عليهم من ذلك، فلا يسع جهل علم كفرهم من علم أصل حرمة ذلك، وإن كانوا محرمين أو مدعين في ذلك تحليلا، ولم يضيع هذا العالم بخروج هذا الخارج الجاهل بباطله حقا، يجب عليه في دين الله لهذا الإمام من نصرة عند قدرته، أو التزام لطاعته، أو غير ذلك، أو عصى الله بخروج من طاعة هذا الإمام، أو براءة منه، أو تصويب الخارج عليه، أو ما أشبه هذا من الأفعال التي يهلك بها، فلا يضيق عليه عندي جهل علم كفر هذا الخارج عليه، لأن الإنسان دائن بحرمة جميع ما حرمه الله عليه من زنى أو ربا أو غير ذلك من جملته التي هي أصل دينه.
ولو كان جاهلا بحرمة ذلك، فلما رأى من يركب ما هو دائن بتحريمه فيما تعبده الله به من أحكام جملته، غير أنه جاهل بحرمة ذلك بعينه فواسع له جهل علم كفره كذلك إذا رأى من يركب ما هو دائن بحرمته في جملته، إلا أنه جاهل حرمة ذلك من خروج على الإمام بالباطل أو عصيان له، فواسع له جهل علم كفره ما لم يكن منه فهو فعل يهلك به من تضييع شيء قد تعبده به، ولا فرق عندي فيما دان بحرمته من زنى أو ربا، أو خروج على الإمام أو غيره، فرأى من يركبه فجهل كفره.
وأيضا فإن الله قد أمره بالصلاة كما أمره بطاعة الإمام وهو دائن بطاعته فيما أمره به من الصلاة، كما حرم عليه تضييع طاعة الإمام فيسعه عندي جهل كفر من يراه يضيع طاعة الإمام بخروج عليه كما يسعه جهل من يراه دائن بطاعته فيما أمره به من طاعة الإمام بخروج عليه، كما يسعه جهل من يراه دائن بطاعته فيما أمره به من طاعة الإمام، (4/344)
صفحة 1463
وقد حرم عليه تضييع الصلاة إذا جهل حرمة ذلك، ولم يكن منه هو فعل يهلك به من تضييع شيء يجب عليه في ذلك، والله أعلم.
وأما إذا كان الخارجون على الإمام بالحق، وكانوا هم الحجة عليه وعلى رعيته فيه، فلا يسعه تخطئة الخارجين عليه ولا تضليلهم، ولا تصويب الإمام ولا نصرته، ولا يسعه أن يعصي الله في إمام ولا خارج، وليس له عذر في مخالفة الحق فيهم.
وقد خرج عبد الله بن وهب الراسبي على عليّ وفارقه، فلا يجوز تضليل عبد الله، ولا البراءة منه بخروجه على عليّ، ولا تصويبه في قتل عبد الله في قول أهل عمان ممن شاء الله منهم، فلو أن ناشئا أو غائبا شهر معه أن عبد الله بن وهب الراسبي خرج على علي بالباطل وأنه غاصب لإمامته، متعمد عليه في خروجه، وأن عليا كان ثابت الإمامة بإجماع، وأنها لا تزول عنه إلا بإجماع، وأن عليا محق في قتله عبد الله، ولم يسمع هذا الناشئ والغائب غير هذا الخبر قط، ولا اختلف فيه عند ووجد عليه إجماع الكلمة من أهل الدنيا إلا من شاء الله منهم لم يجز لهذا الناشئ والغائب قبول هذه الشهرة ولا تصديقها وتصويبها، لأنها شهرة دعوى وشهرة زور وكذب، وقد شهر ما ادعته الشياطين على سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم من السحر، وما ادعته اليهود والنصارى على المسيح بن مريم من القتل، فأكذب الله تلك الشهرة، وكان غير جائز قبولها إذ هي كذب، ولا يجوز لأحد أن يحقق الكذب فيقول: لما لم يكن أنه كان كاذبا، كذلك لو صحت الشهرة من أهل الدعوى لم يجز قبولها، ولو كانت في الأصل حقا، لأن المدعي لو سمعته بأذنيك يدعي دعوى لم يجز لك قبولها، ولو كان صادقا إذا لم يعلم صدقه فكيف يجوز قبول ذلك إذا شهر عنه.
كذلك لو شهر وصح من هذا الناشئ والغائب أن عبد الله محق في خروجه على عليّ بصفة قد كانت في الأصل صحيحة من خبرهم لم (4/345)
صفحة 1464
يسعه ترك قبولها، ولم يجز له تكذيبها، لأنها شهرة بحق وصدق، والشهرة يختلف أحكامها، وقد وجدت أنه لو نشأ ناشئ فسمع بفضائل علي بن أبي طالب التي هي في الأصل صحيحة، فشهرت معه وصحت، وارتفع الريب من قلبه، كان عليه قبولها، ولم يجز له تكذيبها، وإذا شهر معه أنه محق في قتل عبد الله لم يجز قبول تلك الشهرة والله أعلم.
رجع إلى الجواب:
فإن قال قائل: كذلك الأعلام لا يسع جهلها، قيل له: فإن كان لا يسع جهله فإنه يستغنى ببعضهم عن بعض، ولا يجوز أن يستغني بالأعلام عن الإمام، ويجوز أن يستغنى به عنهم إلا من قامت عليه حجة بولاية أحدهم، فذلك لازم له حكمه وهو مخصوص فيه بعلمه. الرد.
قال أبو عبد الله: قد يستغني بعض عن الإمام والأعلام جميعا، ولا يستغني بعض عنهم جميعا، وقد يحتاج إلى الأعلام، ولا يحتاج إلى الإمام، ويحتاج إلى الأعلام، وذلك مبصر غير محتاج إلى تفسيره.
رجع إلى الجواب:
فإذا كان ذلك كذلك من يعلق الديانات التي وصفناها، لم يجز لمن يعلم من الإمام كعلم العازلين التسليم إليهم، والانقياد معهم، إلا بعلم كعلمهم كان عليه في دين الله البراءة منهم، وعلى من علم كعلمهم النصيحة والاستتابة عن فعلهم من إباحتهم لأعراضهم وتحليل دمائهم، وذلك على من ثبتت ولايتهم معه، فإن قبلوا منهم وإلا لزمهم البراءة منهم. الرد:
قال أبو عبد الله: الذي عرفت أنه لا يجوز التسليم ولا الانقياد لأحد في شيء يجب عليه النصيحة والاستتابة له من ذلك الفعل، فإن قبل منه وإلا لزمته البراءة منه، لأنه لا يبرأ منه إلا بالكفر، ولا يجب عليه وتلزمه التوبة إلا من معصية الله، ولا يجوز لأحد أن ينقاد لأحد، ويسلم لأحد من فعل يكفر به ويلزمه أن يستتيبه منه، فإن تاب منه (4/346)
صفحة 1465
وخرج وإلا برئ منه، فيكون واجبا عليه الدخول معه فيما يجب عليه إخراجه منه، وإذا ثبت وصح أن عليه الانقياد لهم إذا علم كعلمهم فعليه ولايتهم في حال ما يكون عليه الانقياد لهم هكذا عندي، والله أعلم.
وأما ما إن كان إنما حجر قبول عزل الإمام، ولزمت البراءة من عازله بسقوط الديانات الواجبة للإمام عن القاتل لعزله، فكذلك أيضا يجب حجر كل فعل تسقط به الديانة عن أحد، ويلزمه البراءة من المزيل لتلك الديانة عنه، وقد تتعلق الديانات على الغير بغير الإمام مثل المملوك لسيده، والمرأة لزوجها، فإذا كانت العلة إنما هي زوال تعلق الديانات، فحيث وجدت هذه العلة في شيء، ولو تفاوتت الأشياء، فعظم خطر بعضها، وكبر وتضاءل الآخر عنها وصغر، كان حكمها في ذلك المعنى واحدا لوجود العلة فيها، وهكذا يوجد أنه إذا وجدت العلة في شيئين ولو تفاوتا في الكبير والصغير أن حكمها في ذلك المعنى واحد والله أعلم.
رجع إلى الجواب:
لأن على من لم يعلم كعلمهم المحاربة لهم، وسفك دمائهم وهو عند أنفسهم في دين الله حلال لهم، ولو كان الإمام كافرا في علمهم أعني الخارجين، ولو بقي من أهل الدار ممن تسعه ولاية الإمام من واحد فصاعدا، فعليه نصرته وتخطئة من خالفه إذا أمكن نصرته، فهذا الفرق بين هذا الفصل والأصول المتقدمة، وهو الذي حضر في ذكره وتيسر لي تبيينه وشرحه، فما كان من خطأ فأنا أستغفر الله منه، وما كان من صواب فهو من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم. انقضى جواب الشيخ أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحي.
الرد: قال أبو عبد الله: كل من أحل دين الله دمه في حال خروجه (4/347)
صفحة 1466
أو محاربته فهو مبطل محارب لله عدو لله، وإذا كان لا يجوز الخروج على هذا الإمام بكفره وإزالة ظلمه وجوره، لا تقوم لله عليه حجة في ذلك ما بقي واحد من أهل الدار إن لم يعلم بكفره، لأن من علم بكفره لم يسعه ولايته لم يجز لأحد الخروج عليه، حتى يعلم أنه لم يتق أحد من رعيته تسعه ولايته، ويصح ذلك معه في كل واحد من رعيته بعينه، لأنه قد صح معه كفر الإمام، لأن الأحكام لا تنفذ بالظنون، فإن فعل قبل ذلك كان قد أباح من نفسه ما هو محرم عليه إباحته من البراءة منه والقتل، فلا يجوز أيضا الخروج عليه، ولو شهر كفره في جميع مملكته حتى يعلم أن كل واحد من رعيته قد شهر معه كفره، ويصح ذلك مع الخارجين عليه، لأن الشهرة لا يحكم على أحد ببلوغها إليه وصحتها عند إلا حتى يعلم أنها قد بلغته، وصحت معه، وقامت عليه الحجة بصحتها، وهو ارتفاع الريب عنه فيها.
وكل من ادعى أنه لم تبلغه الشهرة لم يصح معه فقوله مقبول، لأن هذه الشهرة في الأصل كانت غير مشهورة، فكل من ادعى أنها لم تشهر معه فقوله مقبول.
وقد يوجد في سيرة أبي المنذر بشير قلنا: قد ثبت عندنا وعندكم أن المشهور لم يكن مشهورا في أول أوقاته مع من لم يعاينه، وفي ذلك الادعاء منكم لشهرته على مخالفتكم، فإن قالوا لا يجوز إلا أن يكون قد علمه، ولو بعد أوقات كثيرة؟
قلنا: أنت في ذلك مدعون لمغيب عنكم، وإذا صح وثبت أنه لا يجوز الخروج على هذا الإمام الكافر ما بقي واحد من أهل الدار تسعه ولايته، فكذلك إذا ملك الدنيا كلها لم يجز الخروج عليه بكفره ما بقي واحد من أهل مملكته يسعه ولايته، وترك هذا الخيار في جوره وفسقه وظلمه، فلم تقم لله حجة عليه في إزالة جوره ما بقي من رعيته واحد (4/348)
صفحة 1467
تسعه ولايته، فإن كان هذا القول إجماعا لم يجز مخالفته، وإن كان غير إجماع لم يجز تخطئة من قال بغيره من أهل الدار.
وقد يوجد في سيرة هلال بن عطية الخرساني، فلما رأى المسلمون ما نزل به عثمان من المعاصي والمسلمون نضارون في كل زمان شهود لله في الأرض، يعرضون أعمال الناس إلى -نسخة- على كتاب الله، فما وافقه أخذوا به، وجامعوه عليه، وما خالفه فارقوا عليه وساروا إليه من أطراف الأرض، وعرفوه بما ركب من المعاصي، فذكر أنه يتوب، فرضي المسلمون بما أنفاهم به من الاعتراف بالذنب، والتوبة إلى الله سبحانه، فجامعوه عليه وقبلوا منه.
فلما تفرق الناس عنهم، نكث عما عاهدهم عليه، وكتب في آثارهم إلى عماله إن قدموا عليكم ليلا فلا يصبحون، وإن قدموا عليكم نهارا فلا يمسون، فأظهر الله المسلمين على رسوله ومعه كتابه، فرجعوا إليه فقالوا: إنا كنا نتهمك في دين الله ودمائنا، فاعتزل أمرنا فزعم أنه لا يخلع سربالا سربله الله إياه، يعني الملك، واستجاش بخيله ورجله وأهل بيته، فلم يكن من المسلمين إليه عجلة، وكرهوا أن يبدؤوه بالقتال حتى بدأهم به هو وأصحابه، فرموا رجلا من المسلمين يقال له دينار بن عياض، فطلبوا إليه أن يقيد لهم بصاحبهم، فأبى وامتنع ببغيه، فلما رأى المسلمون أنه قد بغى عليه، وامتنع ببغيه فحملوا عليه، فهزم الله أولياء عثمان فقتلوهم حتى خلصوا إليه فقتلوه وكان لذلك أهلا.
قال أبو عبد الله حفظه الله: انظر في قول هلال، كيف جعل منزلة المسلمين، وجعل الأمر في الأئمة والناس إليهم، لا يشترط في ذلك شرطا لأنهم هم حجة الله، وأمناؤه وعيونه وخلفاؤه، وحكامه وشهوده، وورثة كتابه وأنبيائه، وانظر كيف كان المحاضرون لعثمان ينفذون عليه حكم ما يحدث منه، ويطالبونه بما يجب عليه في حال محاضرتهم له، إذا علموا ذلك منه. (4/349)
صفحة 1468
ولا يشترط هلال في ذلك الشهرة في جميع مملكته حتى لا يبقى أحد منها تسعه ولاية عثمان، وقد سار المسلمون إلى عثمان وعرفوه بأحداثه الشاهرة منه في مملكته، وقبلوا منه ما اتقاهم به من الاعتراف بالذنب والتوبة إلى الله، وجامعوه وقبلوا منه، ولا يجوز لهم أن يقبلوا منه الباطل، ولا يجامعوه إلا على الحق، ثم نكث بعد ذلك، فخرجوا عليه بما حدث منه لا على ما جامعوه عليه، لأنهم لو خرجوا عليه بما جامعوه عليه كانوا بين حالتين: إما أن يكونوا جامعوه على الباطل، أو يكونوا جامعوه على الحق.
فإن كانوا جامعوه على الحق، ثم خرجوا عليه وحاربوه بما جامعوه عليه بعينه لا غير ذلك فهم مبطلون. رجع إلى السيرة، وعن مشورة جميع من شهد من المسلمين كان قتله.
قال أبو عبد الله أبقاه الله: انظر كيف ذكرنا هلال من حضر من المسلمين، ولم يذكر من غاب من أهل مملكته حتى لا يبقى منهم أحد تسعه ولايته. رجع إلى السيرة:
فجعل معاوية يكاتب عليا سرا دون المسلمين، فكتب إلى معاوية من علي أمير المؤمنين، فكتب إليه معاوية -كما بلغنا- أني لو علمت أنك أمير المؤمنين لم أقاتلك فامح اسم أمير المؤمنين ففعل، فبلغ ذلك المسلمين فقالوا له: ما حملك يا عليّ على أن تخلع نفسك من اسم سماك الله -نسخة- به المسلمون، فتب مما صنعت، فتاب من ذلك، ثم إن معاوية جعل يكاتبه سرا في أن يحكما الحكمين فما حكما من شيء رضي به كلا الفريقين، فرضي بذلك علي، فلما أن بلغ ذلك المسلمون فارقوا عليا، وعابوه عليه أمره، فنزلوا أرضا من الكوفة يقال له حروراء لم يبق أحد من أهل الشرف في الدين والفقه كما بلغنا إلا فارقه، ويعيب عليه أمره، فخرج عليهم عليّ فأظهر لهم التوبة فقبلوا منه، ثم عاود معاوية بالمكتب سرا، وأخذ أمر الحكمين وعاودا إلى الذي تاب منه، فلما رأى ذلك (4/350)
صفحة 1469
المسلمون خرجوا مفارقين لعلي يعيبون عليه أمره، فبعث إليهم عبد الله بن عباس، فأتاهم يطلب إليهم أن يراجعوا عليا ويدخلوا تحت طاعته.
قال أبو عبد الله حفظه الله: انظر في قول هلال، إنما كانت المكاتبة بين معاوية وعلي سرا، فلما علم المسلمون ذلك قاموا لله عليه بما يجب عليه، لا يشترط في ذلك أن المسلمين لا يرون القيام عليه لله بما يجب عليه إلا بعد شهرة ما كانوا يفارقونه عليه في جميع مملكة عليّ حتى لا يبقى أحد من أهل مملكته تسعه ولايته.
ومن سيرة سالم في أمر عثمان: فساروا إليه من كل أرض ليقاتلوه، فلما نزل به أولهم وأيقن أنهم وافقوه، أرسل إلى المؤمنين من المهاجرين والأنصار: إني أتوب إلى الله فقبلوا منه ذلك، فرجع الجيش عنه وكتب برؤوس المسلمين حين رجعوا عنه إلى عامل مصر، فمنهم من أمر بقتله، ومنهم من أمر بقطع يده ورجله من خلاف، وكتب إلى معاوية: أن ابعث إليّ أهل الشام على الصعب والذلول، فإن أهل المدينة قد كفروا، وخلعوا الطاعة، فظهر المسلمون على كتابه إلى عامل مصر، فرجعوا إلى عثمان بالكتاب فقالوا: ألم تزعم أنك ستتوب؟ قال: بلى، قالوا: فما هذا الكتاب؟ قال: لا أدري، قالوا: إن كنت صادقا بريئا فسل كاتبك لمن كتب، فقد عرفنا خطه، وانظر من أعطيت خاتمك يختم به على هذا الكتاب، فسل هذا البريد من بعثه، وسل صاحب ظهرك من أمره، فلما ضاق عليه المعاذير إلا أن ينوء على نفسه، قال: لا أعلم بهذا كله.
ومن غير السيرة، وقد قال القائل: في عدد الواصلين إليه من مصر شعرا:
في ثلاثين راكبا أقبل القوم ... إليه من مصر فوق الركاب (4/351)
صفحة 1470
رجع إلى السيرة: فلما تبين للمؤمنين أنه صاحبه وأبى أن يقر به، قالوا: ستعرض عن هذا إن أقمت الحدود، ورددت المظالم، وأمرت علينا من لا يتهم ولا نخاف على دمائنا فأبى عليهم، فقالوا: فاردد علينا أمرنا فإنه ليس بميراث ورثته من أحد من أهلك.
وأنه قد تولى الرجل الشيء من أموال اليتامى، فإذا هو لم يوفر عليهم أموالهم واتهموه، نزعت منه، وأنك قد وليت أمر أمة محمد وهو أكبر من أموال اليتامى عليهم، فبينما هم يراجعونه رمى رجل من آل كبير الصلت رجلا من المسلمين من أسلم يقال له دينار بن عياض فقلته، فأرسلوا إليه أن يقيده لهم فقال: لا علم لي بقاتله، قالوا: نحن نقيم على قاتله البينة فأبى عليهم ذلك، فلما أعذر المؤمنون في طلبهم الحق فمنعهم إياه فقاتلوه فقتله المسلمون.
قال أبو عبد الله أسعده الله: انظر في قول سالم، كيف جعل الحكم في إمامة عثمان إلى من حضره من المؤمنين دون جميع أهل مملكته الغائبين عنه، لأنهم كانوا يطلبون منه شيئا بعد شيء، ويتركون شيئا طلبوه بعد أن طلبوه، وآخر أمرهم أن قتلوه ولم يذكر أن جميع أهل مملكته لم يبق منهم أحد إلا كان حاضرا يعرف ما كان يجري منه، ولا أنهم كانوا لا يفعلون فعلا، لا يطالبون منه شيئا إلا بعد علم جميع أهل مملكته.
ومن كتاب عبد الله بن أباض: فساروا إلى عثمان من أطراف الأرض، واجتمعوا في ملأ المهاجرين والأنصار وعامة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فأتوه فذكروه وأخبروه الذي أتى من معاصي الله، فزعم أنه يعرف الذي يقولون، وأنه يتوب إلى الله منه، ويراجع الحق، فقبلوا الذي اتقاهم به من اعترف الذنب والتوبة، والرجوع إلى أمر الله، فجامعوه وقبلوا منه، وكان حقا على أهل الإسلام إذا أتوا بالحق أن يقبلوه ويجامعوه ما استقام على الحق، فلما تفرق الناس على (4/352)
صفحة 1471
الذي اتقاهم به من الحق، نكث على الذي عاهدهم عليه، وعاد فيما تاب منه، وكتب في أدبارهم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فلما ظهر المؤمنون على كتابه ونكثه على العهد الذي عاهدهم عليه، رجعوا فقتلوه بحكم الله.
قال أبو عبد الله أبقاه الله: انظر في قول عبد الله بن أباض كيف جعل الأمر والحكم في الإمام إلى المؤمنين، وأنهم ساروا إليه من أطراف الأرض، وأخبروه بمعاصيه الشاهرة منه في مملكته، فاتقاهم بالحق، فجامعوه وقبلوا منه، وكان حقا عليهم إذا اتقوا بالحق أن يقبلوه ويجامعوه ما استقام على الحق، ولا يقبلوا منه ويجامعوه، ولا يكون مستقيما على الحق ويثبتونه على إمامته إلا بعد التوبة من معاصيه، وليس لهم عزله بعد التوبة بما قد تاب منه، ثم نكث بعد أن تفرق الناس على ما اتقاهم به من الحق، وعاد فيما تاب منه، فرجعوا فقتلوه بحكم الله.
وكان قتلهم له, ومحاربتهم له، على ما حدث منه بعد التوبة من معاصيه الشاهرة منه، التي قبلوها منه، وجامعوه عليها إلا على ما قد تاب منه، لأن الأئمة لا تقتل ولا تحارب ولا تعزل بذنوب قد تاب منها، وقبلت توبتهم فيها.
وقد يوجد عن أبي المؤثر في أمر الأئمة، فإن أبوا إلا تماديا على غيهم، ومضيا على كفرهم، وشهر ذلك في مصرهم، وقامت الحجة على الرعية بكفر إمامها، وصارت الدار عندهم دار كفر، ولا يتولى فيها أحد لم يتقدم مع المسلمين ولايته إلا من أظهر للمسلمين تكفيره، ولا يكون من تولاه هالكا بولايته، فإن كان المسلمون هم الأكثرين، وهم أولياؤه الأقلون، سأله المسلمون الاعتزال عن أمرهم، والترك لإمامتهم، فإن فعلوا قبلوا أمرهم وولوا على أنفسهم من يقوم بأمر الله، ويأمنوه على (4/353)
صفحة 1472
أمر الله، وإن أبى أن ينخلع عن الإمامة، وحارب المسلمين حاربوه وقاتلوه كافرا، حلال الدم.
وقد مضت بذلك سنة المسلمين في عثمان، فهذا عن أبي المؤثر فيما وجدت عن غيره، ولم أجد عن هلال ولا سالم ولا عبد الله بن أباض فيما ذكروه من أمر عثمان وعليّ والقائمين عليهما، المزيلين لإمامتهما، أن إمامتهما مشتركة بين جميع رعيتهما في ذلك المعنى الذي ذكروه، لا ينفرد واحد بها دون صاحبه، وإنما جعلوا العلماء في ذلك هم الحجة، وجعلوا الأمر في الأئمة إليهم، والله أعلم.
قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: فمن قرأ كتابنا هذا، أو قرأ عليه، أو بلغه علم جميعه، أو بعض ما فيه فليتدبره حرفا حرفا، ولا يأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
كل شيء خالفت فيه الحق فيما هو في هذا الكتاب، أو في غيره فأنا تائب إلى الله منه، ومستغفر له عنه، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما.
تم الكتاب بعون الله وحمده، وأنا أستغفر الله من الزيادة والنقصان.
جواب إلى أبي عبد الله محمد بن روح رحمه الله، وكتبه من النسخة بغير خط الشيخ محمد بن إبراهيم، مؤلف الكتاب. (4/354)
صفحة 1473
بسم الله الرحمن الرحيم
فأنت رحمك الله أسأل الله لك كما سألت لنا، وأن يزيدك وإيانا رحمة من لدنه وفضلا ومننا، والحمد لله رب العالمين كثيرا.
وصلى الله على محمد رسول الله وآله وسلم.
ذكرت رحمك الله بأنك قد سألت عن أمر موسى بن موسى، وراشد بن النظر، وعزان بن تميم، فكتبت إليه هذا الكتاب، فأجبت معرفتي رأي فيهم، وما عندي في هؤلاء المنسوبين في هذا الكتاب، وبما أدين لله فيهم.
فاعلم رحمك الله أن الحق واحد، وكل إلى الحق عائد {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} (النجم:31)، وقد سمعت ما قرأ علي في هذا الكتاب، فرجوت أن جميع ما فيه صواب، إلا أنه دخل في نفسي سبب من وصف عقد إمامة عزان بن تميم، إذ وصف صاحب الكتاب في كتابه بأن عزان ابن تميم قد كان إماما، ولم يصح معنا، ولا شهر معنا أن إمامته كانت حقا ولا باطلا، إلا أنها كانت أيام فتنة، فدخل في نفسي من قول صاحب الكتاب، لأنها كانت أيام فتنة أن يتوهم متوهم من الضعفاء أن لا تقوم حجة عقدة الإمامة، وتثبت في أيام الفتنة، بل نحن نقول: إن عقدة الإمامة تثبت في أيام الفتنة، كما تثبت في أيام العدل، وإن الأئمة لا يسع جهلها في عصرها عند أهل مملكتها ومصرها، ولا ينفك أهل مملكتها في زمانها فيهم من أحد أمرين: إما أن يدينوا لله بولايتهم، وإما أن يدينوا لله بعداوتهم، ولا يحل وقوف إمام مع رعيته وأهل مملكته، ولو كانت الإمامة إنما تثبت على الناس، وتثبت ولاية الأئمة على الناس من طريق معرفتهم كمعرفة عدالة أهل البلد بقول المعدلين. (4/355)
صفحة 1474
إذا ما ثبت إمامة إمام عدل إلا مع من أن من يتولاه قبل عقد إمامته حتى يصح معه بعد عقد إمامته عدل أمره، وصحة عدالته، إذا كانت رايته إذا قدمت إلى مصر جاز لأهل ذلك المصر أن يحاربوها حتى يصح معهم عدالته، بل حكم الأئمة في ثبوت ولايتهم على خلاف حكم ثبوت ولاية الرعايا، لأن الرعايا ليس لك أن تتولاهم إلا بعد خبرك بهم، أو ترفع إليك ولايتهم من يجوز لك أن تتولاهم برفع ولايته إياهم إليك.
كذلك الرعايا ليس لك أن تبرأ من أحد منهم، وإن سمعت أولياءك يبرءون منهم حتى يصح معك ما يبرأ به أولياؤك وذلك عليك في دينك أن تتولى أولياءك، ولا تنكر على أوليائك براءتهم من أحد من الرعايا، إلا أن يكون الذين يبرءون منه وليا لك، فعليك أن تنكر على أوليائك براءتهم منه حتى يصحوا لك ما يقوم لهم به العذر عندك في ذلك، ولا يقوم لهم عندك عذر في ذلك بشهادتهم على وليك من بعد أن أظهروا البراءة منه على الحدث الذي قد برءوا منه، إذا كانت شهادتهم من بعد أن أظهروا البراءة منه بذلك الحدث، لأنهم في هذه المنزلة مدعون مخلوعون عندك في دينك، قلوا أو كثروا، ولا يحل لك أن تقبل قول مدعي ولا شهادة خليع.
وهذا باب دقيق يجهله كثير من الناس، وأما الإمام إذا كنت في مملكته وفي عصره، فلا يحل لك أن تقف عنه, ولا تنفك رقبتك في حكم الشريعة في أمر هذا الإمام من أحد أمرين: إما أن تتولاه، وإما أن تبرأ منه، ولا يحل لك أن تتولى أحدا من أوليائك إذا علمت منه أنه يبرأ من هذا الإمام.
والإمام إمامان: إمام كفر، وإمام طاعة، فإمام العدل والطاعة لا يسع أهل مملكته جهل إمامته، وإمام الكفر لا يسع أهل مملكته إلا البراءة منه، وأما من لم يكن في مملكة هذان الإمامان، ولم تبلغه دعوتهما، ولم يكن من رعيتهما، فيسعه جهل الولاية والعداوة فيهما (4/356)
صفحة 1475
حتى يصح معه ذلك، وتقوم عليه به الحجة في علم ما يلزمه من أحكام الشريعة في ذلك، ولولا ذلك حتى يلزم الناس فيمن مضى من الأئمة، ولم يدركوا زمانهم، كما يلزم في أئمة زمانهم المالكين لأمرهم، القابضين على مصرهم، والمشاهدين لهم في عصرهم، إذا قام مسلم بذلك، ومحال أن يكون في حكم الشريعة ما لا يقوم به مسلم، فكما لا يحصى عدد ورق الأشجار، كذلك لا يحصى عدد الأئمة من فاجر وبار، وإنما أنكرنا على أهل زماننا في موسى، وراشد لله رب العالمين إذا أنزلوهما، فإنه لا يسع جهلهما من لم يدرك زمانهما، إذ قد برئ منهما من قد برئ من المسلمين، وزعموا أنهما بغيا على الصلت بن مالك، ونحن ندين الله بالبراءة ممن بغى على أحد من الناس بغير الحق إلا أن يتوب.
وإنما أنكرنا على الفاسقين عن الحق ببدعتهم إذا لزموا الناس من لم يدركوا من الأئمة، كما يلزمهم في الحق فيمن أدركوه من الأئمة، وبين ذلك فرق بعيد يعرفه أهل الحق، ويجهله أهل الباطل، وألزمنا أنفسنا الإنكار على من أظهر البدعة لله رب العالمين، هربا من لعنته، ودينونة بطاعته، وتعرضا لرحمته، إذ سمعنا عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ظهرت البدع في أمتي فلم يظهر العالم علمه فعليه لعنة الله»، ونحن هاربون إلى الله من اللعنة بإنكارنا له البدعة عن أهل الفتنة، وندين لله بتحريم التجسيس عن عورات الناس، البار منهم والفاجر، والمتقدم منهم والمتأخر، إذ نقول لأهل الفتنة سل عن دينك، ويتأولون آثار الحق، وآثار أئمة الهدى تأويل الضلالات، إذ يلزمون الناس أن يسألوا عن فسق من لم يعرفوا فسقه، وعن بغي من لم يدركوا زمانه، وهذا نحن لله له منكرون ومبدلون ومغيرون، ولو لزم الناس هذا للزمهم أن يبحثوا ويسألوا عن الذين لا يعلمهم إلا الله إذ جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم، وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به، وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب. (4/357)
صفحة 1476
فليس فسق من بغى على إمام عدل ممن لم يدرك زمانه من أهل قبلتنا، وأبناء أهل نحلتنا بأعظم فسقا ممن كذب برسل الله، وقال لهم: إنا كفرنا بما أرسلتم به، فلم ينكر على أهل زماننا شيئا مما يوافق آثار الحق، بل أنكرنا عليهم ذلك، ووجب علينا التوبة لله من إنكارنا ذلك عليهم بل أنكرنا عليهم ما خالفوا فيه الحق ودانوا فيه بالفسق، وما يلجئ ذلك إلى أحد من أهل المعرفة بالحق من أهل دعوتنا ونحلتنا، والمحقين من أهل قبلتنا، وما يلجئ ذلك إلا إلى أهله الفاسقين به عن الحق وعدله، برأنا الله منهم في الدنيا والآخرة بتوبة وهداية إنه هو التواب الرحيم.
فتبين رحمك الله الفرق والتمييز في الحكم بالحق بين الأئمة السالفين، وبين غيرهم من الأئمة المشاهدين من المحقين المهتدين، أو الجائرين المفسدين، فإن من أبصر الحق في ذلك أبصر ضلالة أهل هذه البدعة التي وصفت لك.
ونحن نعلم أن من برئ من موسى بن موسى، وراشد بن النظر على علم منه بحدث منهما استحقا به البراءة عنده، فلزمه في دينه أن يبرأ منهما ممن له علم بأحكام الولاية والبراءة، وصدق وورع في دينه، فنحن نشهد أنه يبرأ ممن ألزم الناس الذين لم يدركوا زمانهما البراءة منهما على غير الصحة عندهم ببغيهما إلا من أجل من برئ من المسلمين، لأنه لا يجوز التقليد في البراءات، وإنما يلزم كل واحد في نفسه البراءة من أهل الحدث إذا صح معه حدثهم من طريق الشهرة، كما صح معه أن أمه ولدته، وأنه كان في بطنها، وإن كان لا يفعل ذلك منظر عينيه، ولا شيء من حواسه فإن عليه أن يعلم بأنه ابن أمه، وأن أمه ولدته على ضرورة لازمة لا يسعه الشك شيء في ذلك العلم، ولا الريب فيه.
فذلك علم الشهرة، وعلم الشهرة يصح في قلوب العميان والعبيد، (4/358)
صفحة 1477
ولا تجوز شهادتهم، كذلك لا تجوز البراءة بشهادة شاهدين على الشهرة، كما لا تجوز شهادة العميان والعبيد.
ومما جاء في الأثر: أنه تجوز شهادة الشهرة في النسب والتزويج والموت، شهدنا بالشهرة بأن فلانا مات ولم يره ميتا، وكذلك شهد بقتله ولم يره يقتل، ولم يره مقتولا.
وجاء الأثر: أنه يقتل بالشهرة، لأنه قتل أحدا من المسلمين من أجل قيامهم بالحق، ومن أجل دينونتهم بالحق، ولم يجز في الشهرة أن يقاد أحد في القصاص بشهادة الشهرة، ولو جازت شهادة الشهود على موته في أمر ميراثه، وتزويج نسائه.
وكذلك جاء الأثر: أن الأعمى تجوز شهادته على النسب، ولا تجوز في غير ذلك.
وكذلك جاء الأثر: أن المملوكة تجوز شهادتها وحدها في الرضاع، ويحكم الحاكم شهادتها وحدها بالفرقة بين الزوجين في الرضاع، وبحكم الحاكم.
وجاء الأثر: أنه لا تجوز شهادة أهل ملل الكفر على ملة الإسلام.
وجاء الأثر: أن شهادة اليهودية والنصرانية والمجوسية جائزة في الرضاع، كما جازت شهادة المملوكة، وليس كلما جاء به الأثر في وجه مخصوص به جاز للناس أن يحكموا به في كل الوجوه، وأحكام الإسلام تخص وتعم حتى في الصلاة وغيرها على المسلمين والمسلمات الصلاة إلا الحائض والنفساء فإنهما لا صلاة عليهما، والوصف في هذا.
كذلك البراءة من راشد أن ما تلزم البراءة منه مع من صح معه حدثه. (4/359)
صفحة 1478
ومن جوابه رحمه الله: وذكرت أن أعلمك ما صح معي في راشد، فاعلم أنه صح معك وصح معي، أن الصلت كان قد كبرت سنه حتى كان يمشي على قناة معروضة على أكف الرجال، وهو يتكئ عليهما، ومن كان بتلك المنزلة حقت أن يكون أضعف من العرجان الذين حط الله عنهم فرض الجهاد، ومن حط الله عنه فرض الجهاد بعاهة نزلت به، لا يرجى له منها صحة، رأيت للمسلمين عزله، ولا يحل البغي عليه، ولا الخروج عليه بغير الحق، ولا اغتصاب الإمامة وأخذها منه بغير الحق، فمن صح معه أن راشدا بغى على الصلت، وأخذ منه الإمامة بغير الحق، فعليه أن يبرأ من راشد، ومن الشادين على عضد راشد في ذلك، ولو كان هذا الذي صح معه وليّ لي ثم لم يبرأ من راشد دنت لله بخلع ولي عن ولايته عندي بتركه البراءة من راشد، إذا كان ممن يعلم أن البغي مهلك لأهله في الدين.
فإن كان ولي هذا ضعيف لا يعلم ذلك ألزمته الدينونة بالسؤال عما يلزمه في حكم البراءة، والولاية في هذا البغي الذي قد صح معه في راشد إذا أفتاه الفقيه بذلك من بعد علم الضعيف ببغي راشد.
ولا يحل لأحد ممن لم يدرك زمان راشد، وزمان الصلت أن يسأل دانيا عن بغي راشد، فيسأل أكان راشد باغيا على الصلت، أم كان محقا؟ هذا عندنا من التجسس الذي نهى الله عنه، وقال الله {ولا تجَسَّسُواْ} وإنما أنكرنا على من ألزم الناس التجسس الذي نهى الله عنه.
وأنكرنا على من ألزم الناس أن يدينوا بما يلزمهم.
وأعلمك أنه صح معي تقدم راشد على الصلت والصلت حي لم يمت، ولم يصح معي أن الصلت تبرأ من الإمامة، ولا عزله المسلمون عنها بحق، ولا صح معي أن راشدا بغى على الصلت، ومنزلة راشد عندي فيما قد صح معي من تقدمه على الصلت إماما في حياته بمنزلة من (4/360)
صفحة 1479
رأيته يأكل في شهر رمضان نهارا، ولم يصح معي أنه مسافر، ولا مقيم، ولا ناس ولا متعمد للأكل من غير عذر، فعلى من علم أنه متعمد للأكل من غير عذر البراءة لله منه، وعلى من علم أنه يأكل لعذر يجوز له في الإسلام أن يتولاه إذا كان له وليا، ولو كان وليه هذا أكل متعمدا في وطنه، وهو صحيح البدن، ذاكرا للصوم، والله يعلم بعمده وتمرده، فقال: إنما أكلت ناسيا لكان يلزم وليه الثبات على ولايته ولا يحل له ترك ولايته ولو كان عند الله عدوا حتى يعلم أن وليه أكل متعمدا هذا ما لا أعلم فيه اختلافا.
لأن المسلم مؤتمن على دينه، ولولا أنه مؤتمن على دينه للزم الحاكم أن يعاقب المرأة على الإفطار، وعلى ترك الصلاة، حتى يصح معه أنها حائض، وليس كل من لم يعلم أنه محق في شيء لزمنا أن نعلم أنه فيه مبطل، ولو كان ذلك يلزم للزمنا أن نشهد عليك بالباطل على ما لم تملكه، قد كنا نعلم أنه قد كان لغيرك قبلك، ونحن ممن لا يجوز لنا أن نشهد لك على ذلك الذي كان يملك المال قبل إزالته، لأنا لم نعلم أنه أزاله، ونحن لا يحل لنا أن نشهد أن ذلك المال أخذته بغير حق.
كذلك إذا تزوجت امرأة كنا نعلم أنها كانت تحت رجل قبلك، ونعلم أنك تزوجتها في حياته، ولم نعلم أنه قد طلقها، فلا يحل لنا أن نشهد عليك أنك وطئت فرجا حراما، حتى يصح معنا أنك تزوجتها على غير الحق.
كذلك حال راشد لموضع ما صح عندي، فإنه لم يشهر من المسلمين إنكار عليه في تقديمه على الصلت إماما في حياته، كما شهر معي تقدم راشد إماما عليه، ولو شهر معي إنكار الأعلام من أهل المصر على راشد في تقديمه على الصلت إماما في حياته فقهرهم بغلبته، كما قهر اليحمد راشدا بغلبتهم إياه، فغلبتهم لجنده من أهل سمد نزوى وسلوت، لدنت لله بالبراءة من راشد، لأنه جاء الأثر أن ترك النكير حجة، وإظهار (4/361)
صفحة 1480
النكير حجة، ولولا ذلك كذلك للزمنا أن نبرأ ممن قتل عثمان، ولبرئنا ممن حارب عائشة وقتل طلحة، ولكنا وجدنا أعلام الحق غير منكرين ذلك حين ذلك، فصح معنا ذلك أنهم تركوا النكير عليه، كما صح معنا أنهم أظهروا النكير على من طلب بدم عثمان وغيره من أمر حكومة الحكمين وغير ذلك.
ولولا ذلك كذلك للزمنا البراءة من موسى بن أبي جابر رحمه الله، ومن وارث بن كعب رحمه الله، في خروجهم على محمد بن أبي عفان.
وقد جاء الأثر: أن المدعي لا يقبل قوله على فعله.
وجاء الأثر: أن الحاكم جائز فعله في قوله على من حكمه عليه.
وجاء الأثر: أن الإمام حاكم على رعيته، مؤتمن على حكمه، وإن ادعى المحكوم عليه أنه مظلوم.
وجاء الأثر: أن أعلام الدين من أرض الإمام حكام على الإمام، جائز حكمهم عليه، كما جاز حكم الإمام على رعيته، فكانت يثرب حجة الله على عثمان، وكانت البصرة والشام مدعيتان، وقول الحاكم جائز على قول المدعي.
كذلك كانت عمان حجة على محمد بن أبي عفان، إذا كان أعلامها القائمون عليه، وراشد وابن عفان والصلت، ووارث، وجميع الناس في الحكم سواء، ولا يمال إلى أحد بهواء مما يخالف حكم التقوى، وإذا جاز قول المدعي على أحد مثل راشد وغيره، جاز قول طلحة والزبير، إذا ادعوا أن عثمان قتل مظلوما بعد إذ كانا ناظرين عليه، وكان طلحة يصلي بجماعة المسلمين، وعثمان محاصر في داره، ومنع طلحة بيت مال الله عن سفهاء أهل القبلة، ولم يمنع الإمام عن القتل، والحق عند أهل الحق أوضح من ضوء الشمس في يوم لا غيام فيه. (4/362)
صفحة 1481
تدبر ما وصفت لك، ولا تأخذ من قولي إلا ما وافق الحق والصواب وما خالف مني الصواب فأنا دائن لله بالتوبة منه.
والحمد لله رب العالمين كثيرا، وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليما.
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن روح رحمه الله، إلى عمر بن محمد بن عمر رحمه الله: وأما ما ذكرت من اختلاف الناس في الولاية والبراءة، فما الناس بأجمعهم في ذلك إلا صنفان: صنف لحقوق الله واعٍ، وصنف في سقط الله ساعٍ من رعى الله حقوقه فقد استمسك بالعروة الوثقى، ولا يرعى ذلك إلا العلماء وأتباع العلماء، ولا يخالفهم إلا أهل العمى الذين اتبعوا الأهواء، وخالفوا سبيل التقوى، فلا حجة ولا برهان يقوم لهم في شريعة الإيمان، وذلك أن من حقوق الإسلام ما هو خاص وعام، فأهل العمى والجهال ينكرون جميع ذلك كله بحال، وأهل العلم والمعرفة يعرفون ذلك بأوضح الصفة على ما ميزه الله وصنفه، وأهل العلم يرون الاتفاق من حيث يرى الجاهل أنه افتراق ومخالفة في الدين وشقاق.
وسأبين لك من ذلك إن شاء الله ما يعقل شرحه كل عاقل، ولا يجهله إلا الجاهل، وذلك عند الله هو الحق المبين.
وإن اختلف الناس فيها بأفعال والترك، وكانوا على منازل مختلفة، وأحوال فإنهم متفقون للحق في ذلك موافقون، وإن اتفقوا فيها كلها بالأفعال على دينونة دانوا بها بالباطل، وذلك في أمر الطاهر والحائض في أمر الصلاة، والمسافر في إتمامها وقصرها، كذلك حرمة الصيد في البر على المحرم، وإحلاله للمحل والوصف في هذا يطول، كذلك البراءة والولاية، وفي بعض ما وصفنا كفاية لمن من الله عليه بالهداية.
وكذلك البراءة والولاية قد تجب على بعض المسلمين البراءة من إنسان بعينه، وتجب على بعض إخوانهم في الدين والإسلام الولاية في (4/363)
صفحة 1482
ذلك الإنسان بعينه، وهم كلهم في الحق متفقون، وفي حكم الولاية والبراءة في ذلك مفترقون.
وذلك مثل رجل قد كان له في الإسلام قدم، وله في ولاية المسلمين اسم، ثم اطلع بعضهم عليه بأنه قد ركب كبيرة فعليه أن يبرأ منه سريرة ولا يبرأ منه علانية إلا أن يكون معه من الحجة ما يحل له عند إخوانه في الدين أن يظهر إليهم البراءة بهذه الحجة عندهم في هذا الذي يتولونه هم لأنه لا يحل لمسلم أن يظهر أمرا يستحق به في دين المسلمين إباحة البراءة من نفسه عندهم في دينهم، ولو كان هو في ذلك الأمر صادقا، وفي براءته من أهل ذلك الأمر للحق موافقا بما علم منهم من ركوب المعصية، وإنما يبرأ منهم سريرة، ولا يبرأ منهم علانية، وذلك مثل ما وصفت لك ممن تعلم أنت منه أنه قد ركب كبيرة، وهو ولي للمسلمين في الحكم الظاهر في الدين، والمسلمون يبرءون ممن ركب تلك الكبيرة، ولكن لا يعلمون أن وليهم هذا ركبها، فعليهم أن يتولوه، ولهم أن يظهروا ولايته عندك وعند غيرك علانية، وأنت يلزمك أن تبرأ منه سريرة، ما صح عندك من ركوبه لتلك الكبيرة، فإذا صح عندك بأنه قد صح ولا يحل لك أن تبرأ منه عند أوليائه علانية حتى يصح عند أوليائه مثل عندهم أنه قد ركب تلك الكبيرة، فلك أن تبرأ منه عندهم علانية، ولا يحل لهم أن ينكروا عليك ذلك، ولا يخالفوك فيه.
ووجه آخر ربما يكون المسلمان مختلفين في رجل واحد يعرفانه جميعا أحدهما يتولاه، وأحدهما يبرأ منه، وعليهما أن يتوليا بعضهما بعضا على ما قد علما من بعضهم بعضا في هذا الرجل بعينه، فإن أحدهما يتولاه، وأحدهما يبرأ منه، ولا يحل لهما أن ينكرا على بعضهما بعض ذلك، إذ لكل واحد منهما الحجة على صاحبه فيما يدين به في أمر هذا الرجل في أمر ولايته أو براءته، وذلك مثل أنهما قد كانا متوليان هذا الرجل، ثم علما منه بعد أن كانا يتوليانه أنه قد ركب كبيرة، وعلما منه جميعا بأنه قد ركب تلك الكبيرة وبرئا منه جميعا من أجل إذ قد علما أنه (4/364)
صفحة 1483
قد ركب تلك الكبيرة، ثم إن أحدهما قد علم من راكب تلك الكبيرة بأنه قد تاب ورجع إلى ولايته، وذلك الواجب عليه في دينه، وأحدهما لم يعلم أن راكب تلك الكبيرة تاب، فله أن يبرأ منه حتى يعلم أنه تاب، أو تصح معه توبته بشاهدي عدل، فعلى هذه الصفة جاز لهذين الرجلين أن يتوليا بعضهما بعضا على علم منهم، أن أحدهما يتولى هذا الرجل، وأحدهما يبرأ منه، ولا يحل لهما أن ينكرا على بعضهما بعضا، ذلك أن لكل واحد منهما الحجة في دين الله على صاحبه فيما يدين به في أمر هذا الرجل من ولاية أو براءة عل ما وصفت لك، لأن المتولي لهذا الرجل يتولى على ادعاء منه أنه تاب.
وليس على المدعي التوبة بكذب عند المسلمين في دينهم، حتى يعلموا أنه كاذب فيما ادعى، في قول بعض الفقهاء، لأن التوبة بالواحد مقبولة، ولو كان الذي رفع في التوبة عبد أو أمة، وفي بعض قول الفقهاء بأن البراءة غير محجورة على من عرف حدث المحدثين حتى يصح معهم توبتهم، كما صح معه حدثهم، ولا يصح معه حدثهم إلا بأحد ثلاثة وجوه: إما بمعاينة من المتبرئ لحدثهم معاينة من رأى وشاهد وعاين، وإما شهادة شاهدي عدل على حدثه بشهادة من رأى وعاين، وإما شهرة فعل حدثه لا تدفع في الدار ولا تذكر.
واعلم أن الشهرة بأفعال المحدثين إذا صحت أفعالهم المكفرة في الدار بالشهرة، ولم يرتب القلب في صحة ذلك، فعلى من صح معه ذلك أن يبرأ من أهل ذلك الحدث المكفر بما صح في قلبه من صحة شهرة حدثهم، ولو كان أهل ذلك الحدث ممن عرف في الطوفان على عهد نوح صلى الله عليه وسلم، ثم إني أعلمك أن طوائف من العماة في الدين، جعلوا شهرة الادعاء للحدث كشهرة فعل الحدث، فخالفوا في ذلك الأثر، ودانوا في ذلك بدين من كفر، فبعدا للقوم الفاسقين، إذ كانوا لآثار الحق مفارقين، ولم يرضوا بمفارقتهم لآثار المسلمين، حتى زعموا أن مفارقتهم لدين المسلمين هي دين المسلمين، ومن لم يوافقهم على (4/365)
صفحة 1484
مفارقتهم لآثار المسلمين كان عندهم بزعمهم من الظالمين، وقالوا بزعمهم: إنه مفارق للمسلمين، فنعوذ بالله من ضلالهم، ونبرأ إلى الله من انتحالهم الذي خالفوا فيه الحق بجهالتهم.
واعلم أنه لو كان شهرة الادعاء للمحدث مما يصح به إذا أمر بصح قتل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم إذا اتفقت أمتان في الدين على دعاويهما لقتله، وهم اليهود والنصارى، ومن أصح الأمور في الدعاوى اتفاق الأضداد فيها، فقد اتفق معناه متداعيان على الادعاء لقتل عيسى بن مريم فلم يصح، بل صح أنهم كاذبون في ادعائهم.
ثم جاء الأثر: بأن المدعي لا يقبل قوله في ادعائه، ولو كان ثقة مسلما.
ثم جاء الأثر: بأن الابتداء بالبراءات ممن ظهر منه الابتداء بالبراءات لا يجوز شهادته على من برئ منه بالحدث، الذي قد برئ منه إذا ظهر البراءة منه من قبل أن يشهد عليه، وقل من يميز الأمور في زمانك إلا من هداه الله للحق فيها، لأن المبتدئ بالبراءة لا يقبل قوله ولا شهادة على من أظهر البراءة منه بالحدث الذي قد برئ منه به، كما أنه لا تجوز شهادته على من يبرأ بقذفه بالزنى، إلا أن يشهد غيره على القذف بالزنى ولو كان القاذف ثلاثة نفر، فافهم ما وصفت من قول المسلمين في أنه لا يقبل قول المبتدئ، ولا قول القاذف فيما وصفت لك، ولا تجوز شهاتهما في ذلك.
ثم إن هؤلاء العماة دانوا لله بالبراءة من عباده على مخالفة آثار المسلمين، وعلى غير علم منهم بأحداث المحدثين، إلا أنهم إنما برءوا من عباد الله من أجل إن صح معهم أن بعض المسلمين يبرءون منهم، ومن أجل أن صح معهم أن بعض فقهاء المسلمين يبرءون، فبرءوا هم منهم اتباعا للذين يبرءون منهم من المسلمين، وتقليدا للفقهاء الذين قد عرفوا أنهم يبرءون منهم على مخالفة الحق -نسخة- الآثار، وحكم الأبرار. (4/366)
صفحة 1485
فبعدا لمن رضي لنفسه بالخسار، وقلد في دينه الربانيين والأحبار، على مخالفة لحكم الآثار، كسبيل من خلا قبلهم من الفجار، وقال الله عز وجل: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ} (التوبة:31) فجاء في التأويل أنهم لم يتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ولا آلهة مع الله، ولكن قلدوهم دينهم، واتبعوا قولهم فيما لا يحل لهم أن يتبعوهم فيه، فخالفوا في اتباعهم لقول أحبارهم ورهبانهم الحق في ذلك، واستحقوا عند الله عز وجل أن سماهم الله بأنهم قد {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ}.
ثم لم يرض هؤلاء العماة على مخالفتهم لدين المسلمين إذ برءوا من الناس بغير حق اتباعا وتقليدا لبعض المسلمين، إذا علموا أنهم يبرءون منهم حتى قالوا: من لم يفعل كفعلنا فهو مخالف للمسلمين، ممن ضل كضلالهم، فهو موافق للمسلمين نبرأ لله من هذا، وننكره لوجه رب العالمين.
واعلم أنه حرام عليك أن تبرأ من أبي جهل بن هشام لعنه الله باسمه وعينه، وأنت لا تعلم أنه مشرك من أجل إذ سمعت طوائف من المسلمين يبرءون منه، ومن أجل إذا علمت أنهم يبرءون ويشهدون عليه بأنه كان مشركا، وبأنه كان محاربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأنه قتل يوم بدر على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لك في الأثر أن تقبل شهادة من برئ منه من بعد أن سمعته يبرأ منه على الحدث الذي برئ منه.
ولا يحل لك أن تبرأ من أبي جهل عدو الله باسمه وعينه على هذه الصفة من غير علم منك بأنه مشرك إلا اتباعا وتقليدا لمن برئ منه من المسلمين، ولكن عليك أن تبرأ من المشركين ومن طبقة المشركين، ومن جميع المشركين مجملا في جملتك، ولا يحل لك أن تبرأ من أبي جهل لعنه الله بهذه الصفة حتى تعلم أن أبا جهل مشرك، وأنه قتل يوم بدر في (4/367)
صفحة 1486
حربه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نبرأ من أبي جهل باسمه وعينه، إذ صح معنا ذلك بشهرة تحقيق في قلوبنا صحة ذلك بلا شك ولا ريب، وليس لك أن تبرأ منه من أجل براءتنا منه، ولا من أجل براءة المسلمين منه بغير علم منك بحدث كفره، فافهم ما وصفت لك، وإياك ومخالفة الآثار في الدين، فتكون في دينك من المعتدين.
وهؤلاء العماة على ما بلغني يأتي أحدهم إلى المرأة المستورة في أهل بيته وأهله فيقول لها: أتبرأين من فلان وفلان، أبرئ منهم، فإن المسلمين يبرءون منهم من غير منها بحدثهم، فيكون داعيا لزوجته بذلك إلى النار، إذ دعاها إلى أن تدين بمخالفة الآثار، وقد قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} (التحريم:6) والوقاية في هذه الآية أن يأمر المؤمن أهله باتباع الحق، وهؤلاء يأمرون أهلهم بمخالفة الحق، ويحتجون عليهم بأن فلانا الفقيه وفلانا المسلم، وفلانا العالم، وفلانا الصالح، كلهم يبرءون من فلان، فابرءوا أنتم منه، لأن المسلمين يبرءون منه.
فصل
من قال بهذا من حيث رأى بجهله أنه اهتدى، بأن البراءة من محدث بعينه، إنما تلزم من عرف حدثه أو صح معه، ولا يحل له أن يبرأ منه من أجل براءة المسلمين منه على غير علم منه أن ذلك الذي برئ المسلمون منه أحدث ذلك الحدث الذي برئ منه المسلمون، كما أنه لو رأى جماعة من المسلمين يأكلون صيد البر في أرض الحل، وهو قد أهل بالحج وأحرم به، ما حل أن يأكل عندهم من ذلك الصيد، لأن ذلك يحل لهم دونه حتى يحل هو من إحرامه.
كذلك البراءة من هذا المحدث يحل للمسلمين الذين قد علموا بحدثه المكفر البراءة منه، ويلزمهم ذلك في دينه دون غيرهم من المسلمين الذين (4/368)
صفحة 1487
لم يعلموا بحدث ذلك المحدث، كذلك لو أنك رأيت جماعة من المسلمين من غير أهل بلدك يقصرون الصلاة في بلدك ويفطرون في شهر رمضان في بلدك ووطنك، ما حل لك في دينك أن تفعل كفعلهم حتى تكون كمثلهم بمنزلة المسافر، فقد وصفت لك ما في بعضه كفاية لمن أبصر واهتدى، وبآثار المسلمين اقتدى.
ولا نعلم أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ضل من ضل منها عن سنة الإسلام إلا في الخاص والعام، إذ تأولوا الأمر على خلاف تأويله، وجعلوا الأمر على غير سبيله، ولو أن الأمة حكموا في كل الأمور على موافقة الآثار والسنة، ما دخل على أحد منهم في دينه فتنة، ومن الضلالة التي تأولها العماة في زماننا على مخالفة آثار أهل ديننا أنهم يأمرون الضعيف المتمسك فيقولون له: أتبرأ من فلان المسلمين يبرءون منه، فاذهب سل عنه و‘ن أفعاله وعن حاله عند المسلمين، فإن علمت أن المسلمين يبرءون منه فابرأ أنت منه، وسل عن حدثه الذي لم تعلم أنت أنه أحدثه، فإن المسلمين الذين يتبرءون منه سيخبرونك بحدثه.
فيأمرونه أن يتجسس عن عورات قوم أموات وهو لا يحل له أن يتجسس عن عورات الأحياء، ولا عن عورات الأموات، لأن الله نهى عن التجسس، كما نهى عن الغيبة، وكما لا تحل الغيبة، كذلك لا يحل التجسس، لأن الله عز وجل قال: {وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} (الحجرات:12) وإنما يلزم السؤال في آثار المسلمين عمن تلزمك أن تبرأ منه في آثار المسلمين إذا صح معه حدثه المكفر، أو علمت أنه أحدثه ثم لم تعلم أنت ما يلزمك في حكم البراءة والولاية فيما قد علمت أنه أحدث ذلك الحدث، وصاحب ذلك الحدث، ممن كنت تتولاه، فعليك أن تسأل المسلمين (4/369)
صفحة 1488
عما يلزمك فيه على ما قد علمت منه من حدثه في ذلك، وصح معك، فهذا يلزم السؤال فيه، إذا علمت الحدث المكفر ممن تتولاه أنت، فافهم ما وصفت لك.
فهؤلاء العماة بجهلهم إذ سمعوا في آثار المسلمين بأن على المسلم أن يسأل عما يلزمه في دينه، ويسأل عما يلزمه في أمر الولاية والبراءة، إن ألزم الناس السؤال عما وضعه الله عنهم، وعما نهاهم الله عنه، عن أن يبحثوا عنه، وعن أن يتجسسوا عنه، فأوجب هؤلاء الجهال على الناس أن يسألوا عما نهى الله عنه، فهم يرون بجهلهم أنهم على الصواب، وقد خالفوا في ذلك السنة والكتاب، فاعتبروا يا أولي الألباب.
وأما من حكيت عنه قبح الحكاية ففي ظنوننا به من الكفاية ما لعله أحد عندنا من الرواية وحرام علينا، ولا يحل لنا أن نحكم على الناس بسوء ظننا من كان منهم بغيضا، أو خبيثا أو مريبا أو غريبا، وقد قال الله عز وجل: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة:8)، ولا نعرفه من التقوى ما كان من مضلات الأهواء أن يبغض أحدا من البشر على ما لا يستحقه في حكم الأثر، وهذا ديننا وعليه نحيا وعليه نموت إن شاء الله، وعلى غيرنا مثل ما علينا، وله مثل ما لنا إن كان بدين الحق مستمسكا، ولسبيل الحق سالكا، وحسبنا أنفسنا.
وكذلك قال ربنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (المائدة:105)، والهداية هاهنا أن يوافق السنة والآثار في جميع الحالات والإقرار، ولا يخالف الحق في شيء مما حكم به الأثر، وصح فيه البصر، والخبر فمن حكم على أحد بفعل أو قول أو معتقد على سبيل مخالفة الآثار، ولم يجعل نفسه -نسخة- يعجل نفسه عن ذلك بالاستغفار، ومات على ذلك موتة الإصرار، فإن مصيره لا محالة إلى النار، أعاذنا الله وكل مؤمن ومؤمنة منها، وزحزحنا عنها وإياهم بمنه وعونه إنه رؤوف رحيم. (4/370)
صفحة 1489
وأما ما ذكرت عمن ذكرت أنه قال: إن أبا محمد أصلحه الله وعصمه، عبد الله بن محمد أن الصلت إمامه، فقد أبتم بأخ من إخواننا في الدين، ولا نحب لأحد من المسلمين أن يخالف المسلمين من حيث يرى بجهله أنه قد وافقهم، لأنه إذا خالف حكم شيء من آثارهم في شيء من دينه، كان للمسلمين مخالفا، وعلى سبيلهم صادقا، ولو رأى بجهله أنه لهم في ذلك موافق، بل هو لهم في ذلك مفارق، ولدينهم في ذلك مشاقق، وإني أذكر كل من بلغه نصيحتي من جميع المسلمين، أن يتقوا الله في أمر الخاص والعام، على شبه ما قد وصفت لك من زيغ تأويل الزائغين عن الحق بتأويلهم، والهالكين بتقليدهم لمن خالفهم في ذلك، وتضليلهم وهم أحق بالضلال والتضليل من استقام على سواء السبيل، رزقنا الله وكل مؤمن ومؤمنة الاستقامة والسعادة يوم القيامة، تدبر ما وصفت لك، ولا تأخذ من قولي إلا ما وافق آثار المسلمين، وما خالف آثار المسلمين فلا تقبله مني ولا من غيري، ولو كان الذي خالف الأثر ممن تعلم أنت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من أهل الجنة، وأنه رفيقه في الجنة، فعليك أن تشهد بسعادته، وليس لك أن تصوبه في ضلالته.
فمن سؤال من الناس على هذا ديننا كما أن جميع المسلمين لا يحل لهم أن يصوبوا أباهم آدم صلى الله عليه وسلم في أكله للشجرة، وإن لله وليا، وكان مخلصا نبيا، ولا يحل لهم أن يقتدوا به في معصية الله، وإنما يلزمهم أن يقتدوا به في طاعة الله فيما ثبت في شريعتهم من ذلك، ولا تقتدوا به فيما نسخ وحرم في شريعتهم من أمره، وإن كانت طاعته لله كمثل تزويج الأخوات بالإخوة وما أشبه ذلك.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نصيحة وكلام للأزهر بن محمد بن جعفر لأهل الدين: (4/371)
صفحة 1490
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول أخوكم أزهر بن محمد بن جعفر: أسأل الله يا أولي الألباب، ويا أهل العلم والآداب, ويا أهل السنة والكتاب، ويا حملة القرآن، ويا أهل سورة البقرة وآل عمران، ويا المنظور إليه من أهل عمان، لا تقركم الدنيا، ولا يغلبكم الهوى، وأن يمن عليكم بحسن الأداء، ويرضاكم له أنصارا، ويملأ صدوركم أنوارا، وأسألكم أن تفهموا أقوال ربكم: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} إلى آخر الآية.
وفاتحة الكتاب أولها التوحيد، ثم الدعاء، وأول الدعاء: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}، والسلامة أبدا لا تدرك إلا بالاستقامة، ومن كان على بدعة، وزل طن الطريق، فليس إلا عذاب الحريق.
وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما الدين النصيحة، إنما الدين النصيحة، إنما الدين النصيحة»، وقيل إنه كان إذا أكد شيئا ردده فكان يقول: «إنما الدين النصيحة، إنما الدين النصيحة»، ومن لم يهتم بالإسلام وأهل فليس من أهل الإسلام.
والذي حدث في عمان بين الإخوان فينبغي أن يؤجل القلوب، وتبكي العيون، وتملأ الصدور، وتكدر السرور، ولا يرجى أن يرتفع العذاب إلا بحسن المتاب، وبالقلوب السليمة، والوجوه المستقيمة، وأنا قد انقضى عمري، ودعيت إلى قبري، وعندي معرفة بهذا الذي حدث في عمان، وفرق بين الإخوان، وكنت صاحب القوم جميعا في الليل والنهار، وعندي علم بتلك الأخبار، وقد رأيت أن أبذل للمسلمين نصيحتي، وأأدي معرفتي، وأبلغ حجتي، فألفت في هذا الكتاب من الآثار، عن العلماء الأخيار، ورجوت أن ينتفع بها أهل السماع والأبصار، ومن يطلب الجنة والنجاة من النار، ويذهب عنكم -نسخة- عنهم الخيار. (4/372)
صفحة 1491
وأعلمكم أن هؤلاء المشايخ الذين وقع بينهم ما وقع، وجرى فيهم الاختلاف، وكانوا هم الأئمة والقواد، وأعلام البلاد، والعلماء والعباد، وأهل الاجتهاد، حتى عرض لهم ما يعرض لأهل الدنيا من المحن، وعوارض الفتن، ثم رجعوا والحمد لله قبل موتهم إلى رأي المسلمين، وإلى الاستغفار، فلا ينبغي أن يستخف بهم، وينزلوا منازل الكفار، وأولهم الصلت بن مالك، فصار إلى حد الضعف والزمانة، والعجز في القيام بالإمامة، وخاف المسلمون ذهاب دولتهم، وزوال نعمتهم.
وكان موسى بن موسى في وقته، هو شيخ المسلمين، وإمام أهل الدين، فاجتمع إليه أجله، وساروا إليه لينظر للمسلمين فيما فيه عز الإيمان، فلما صاروا بفرق مكثوا بها، وكانت الرسل والمشايخ فيما بينهم وبين الإمام، فقال: ما تطلبون؟ فقالوا: قد صرت إلى حد الزمانة والضعف، ويخافون ذهاب الدولة، ويسألونك أن تعتزل حتى يقوم رجل يحيي به الله عز وجل هذا الدين، ويجد أمن المسلمين أو نحو هذا من الكلام.
فقال: أنظر في ذلك، فبقوا أياما ينتظرون رأيه، ثم عزم على الاعتزال، وحول ما في المنزل -نسخة- منزله إلى المنزل الذي تحول إليه، وأرسل إليهم أني قد تحولت، فنظروا للمسلمين، وممن أرسل إليهم الحسن بن سعيد، وحضر حوله من شاء الله من الشراة أيضا، وشهدوا أنه أرسل الحسن بحضرتنا غير مجبور ولا مقهور.
ثم خرج على الناس، فودعهم وداع تارك الإمامة -نسخة- للأمر، معتزل نفسه عن ما كان فيه، وأمرهم بحفظ العسكر إلى أن يصل القوم، وقال من قال: إلى أن يجيء موسى.
وقال من قال: إلى أن يجئ إمامكم.
وكان عنده في العسكر خلق كثير فناظره منهم من ناظره، وقالوا (4/373)
صفحة 1492
له: تترك إمامتك فزعق بهم على ما بلغنا، ولم يلتفت إلى قولهم، فعند ذلك انقلب من شاء الله من الناس، الذين كانوا معه إلى موسى إلى فرق، وجاء إلى موسى رسوله وكتاب عزان بن تميم بخطه يستحثهم على العسكر على التعجيل إلى العسكر، فعند ذلك أقاموا راشد بن النظر إماما، ودخل العسكر، وأرسلوا إليه في طلب ما يريدون وهو يبعثه إليهم، فكان أمره وأمرهم على حد المسالمة، وهو يحاورهم إلى أن مات.
وهو ممن شهد ببراءته من الأمر حسن بن سعيد، ومحمد بن القاسم بن مسبح، وشهد غيرهم من القوام مع الاعتزال الشاهر الظاهر، وقد نسب في الذي دخل إلى الصلاح والكرم وحمد والحمد لله، ولم يذم.
وإن قال قوم: إنه لمن دخل عليه أنه يقوم بالأمر، فقد أعلمنا من شاء الله من المشايخ أنه إنما كان ذلك إنكارا لقيام راشد، ليس أنه ينكر الاعتزال، وقال: إنما اعتزلت لأن يقدموا رجلا صالحا، فأقاموا هذا فهذا خبر الإمام الصلت بن مالك، ثم قام راشد بن النظر، ولم يكن له نظر نافذ في الفراسة، ولا تجربة في السياسة.
فرجع موسى ينكر عليه كما كان ينكر على غيره، حتى غلط الأمر بينهما، وخرج موسى أيضا بمن معه من المسلمين للنظر بأمره، فهو يفرق أو قبل أن يصل، وقد ثار الناس براشد وتعاوروه، وكانت حرب قتل فيها عدة من أصحابه، وضرب هو وحبس، ودخل موسى، وقد ملك العسكر عليه، واشتدت الحركة، فكان من نظره للدولة أن قام عزان بن تميم حتى سكنت الحركات من بعد أن استغفروا ربهم، وقبل بعضهم من بعض، وأقام عزان موسى للقضاء، فكان عزان الإمم، وكان موسى القاضي، وأمرهما واحد، وهما من بعضهما بعض سنة بعد سنة، ثم خاف بعضهما من بعض. (4/374)
صفحة 1493
وكان لما سبق في علم الله من زوال أمر أهل عمان، ففي هذا معتبر لأهل الفهم والنظر، كيف كانت الولاية والاتفاق والأخوة بين موسى بن موسى، وعزان بن تميم، وعزان هو عالم القوم وكبيرهم، وأولاهم بالصلت بن مالك، وأعرفهم بالأسباب التي جرت قبل ذلك، فهذا أمر الأئمة، وكنت مخالطا لهم كلهم، والمشايخ الذين كانوا أيامهم، فهم مشايخ أهل عمان وعلماؤهم في أيامهم، وكنت مخالطا لهم أيضا وأناظرهم في هذه الأمور، فمنهم من كان مع موسى ورأيه كرأيه، ومنهم من كان واقفا، ولم تكن البراءة تعرف من أحد منهم حتى مضى أولئك بورعهم وتوقفهم.
وخلف من بعدهم قوم، فاستحقوا ولم يرعوا، والله سائلهم عما إليه أسرعوا، ولعلهم يدعون أنهم أخذوا الدين الذين قالوا به، عن بشير بن محمد بن محبوب، وأبي المؤثر، وكنت أنا أحدث بأبي المؤثر، وأقرب عهدا بأبي المنذر، وكنا جميعا بمكة، وكان يلقاني وألقاه، ونلتمس النظر في هذا ونطلب الآثار.
وقال لي هؤلاء الذين يدعون رأيا ليس عندهم معرفة بما أنا عليه، وأنا أضعف أن أقول فيما دون هذا، فكيف أقول في هذا، وما أنا إلا واقف ملتمس للحق، وهذا الذي في أيدي هؤلاء الناس، إنما أخذوه عن أبي المؤثر، فهذا بشير رحمه الله.
وكان إلى التوقيف والورع، فإن كان أحد أخذ منه غير هذا فقد رجع ومات بعد أن فارقته من مكة بقليل رحمه الله.
وأما أبو المؤثر فلست أدري ما كان بينه وبين هؤلاء، إلا أني أعرف يقينا أن أبا المؤثر كان ممن يكاتب أبا علي، وينكر مناكر كانت بصحار، ثم قدم من صحار، وقد قدم راشد، فكان يختلف ويلقى والدي في تلك الأسباب، وقال لوالدي، وأنا أسمعه قال لي أبو علي: إنه أراد أن (4/375)
صفحة 1494
يكون بفرق ولو شهرين حتى يتفق الأمر في الصلت بن مالك، واعتزل برأيه.
وقال أبو المؤثر: أنا أحفظ هذا عن الصلت بن مالك، قد خرج من الإمامة حيث اعتزل ورد الخاتم، ولكن راشدا لم يقم بعده الظن مني أنه أراد لم يقم لعقده إلا موسى وحده، فانظر كيف كان موسى خليلا، فقال له والدي، فيرسل إليه محمد بن المنذر فاستضعفه، فقال له راشد بن المنذر، فقال: نعم فرآه ورآه موضعا للعقد، فهذا الذي أحفظه وأستيقن عليه منه.
ثم كان بعد ذلك مخالطا لراشد ما شاء الله، ثم وقع سبب لعله غضب على أبي علي، وجرت الأعتاب بينهم، وأنا قد دخلت في سبب بعد سبب مع هؤلاء الأئمة، وأنا كنت أدخل فيما كنت أستحله وأدين به، ولم أعلم أني دخلت في شيء أحرمه والحمد لله.
ولما انقضت تلك الأمور بما فيها، ورأيت اختلاف الناس، رأيت الوقوف أولى بي، ورجعت إلى الاستغفار والمتاب، من كل ما أخطأت فيه من تلك الأسباب، وجميع الأسباب، رأيت الوقوف أولى وأسلم، وأوثق وأحزم، وقوف تبين وسؤال واجتهاد في طلب الصواب، وقولي في هذا قول المسلمين، ديني فيه دينهم، إليه أدعو جميع المسلمين، ومن يخاف مقامه بين يدي رب العالمين.
اعلموا أن الورع هو ملاك، ولا دين لمن لا ورع له، وقيل: أول الورع وأوسطه وآخره أن تدع ما يربيك إلى ما لا يربيك، وما حاك في الصدر -نسخة- في صدرك فدعه، وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير دينكم الورع» قيل له: وما الورع؟ قال: «الوقوف عن الشبهة». فالله الله في أنفسكم ولحومكم ودمائكم، أن يحملوها على عظيم الخطر، والحذر ثم الحذر أن تستخفوا بأئمتكم ومشايخكم وعلمائكم وأعلامكم، وتسرعوا إلى بغضهم وعداوتهم بلا ذنب (4/376)
صفحة 1495
يصرون عليه ولا يثوبون، وقد قال الله عز وجل: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} (النور:15)، والداعي إلى هذا أعظم وأعظم، لأنه يحمل وزره وأوزار من يتبعه، وإن تاب لم يكن له توبة إلا بالرجوع إلى أولئك الذين أزلهم، وكذلك الذين دعاهم، ويرجع عن ما كان دعاهم إليه.
وفي الحديث: «إن داعيا كان على غير السبيل، ثم رجع إلى التوبة فأوحى الله تبارك وتعالى لو كانت ذنوبه فيما بيني وبينه لغفرتها له ما كانت، ولكن كيف بالذين ماتوا على الضلالة التي دعاهم إليها».
وقيل: إن رجلا وقع في مسلم عند بعض العلماء، قال له: غزوت الهند؟ قال: لا، قال له: غزوت الديلم؟ قال: لا، حتى ذكر له أربع فرق من المشركين، قال له: سلم منه هؤلاء الأعداء الأربع، وأخوك المسلم لم يسلم منك، إنا لله وإنا إليه راجعون.
فليس بعد الله حق أعظم من حق المسلم، فانظروا فيما دعاكم -نسخة- دعوناكم إليه، وفيما يدعو إليه غيرنا من قال: العنوا وقاتلوا أولا، ومن قال تثبتوا ولا تعجلوا، ففيما نصحنا وشرحنا إنذار وإعذار، ولله سوابق الأقدار، فاتقوا الله، ثم اتقوا الله عباد الله، فإنه اللحم والدم والعقوبة لمن اعتدى نار جهنم ....
وصلى الله على النبي محمد المصطفى وآله وسلم تسليما.
هذا نسب الإسلام لأهل الاستقامة من المسلمين. (4/377)
صفحة 1496
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، ذي القدرة والملكوت، وآله تفرد بآلاء لهوت، ليس معه إله معبود، ولا له شريك موجود، يقضي في جميع خلقه بمشيئته، وينفذ فيهم بحكمه وقضيته، ليس لهم في ذلك اختيار، ولا عنه فرار.
نحمد على ما هدانا للإسلام، وبين لنا الشرائع والحلال والحرام، ومنّ علينا نبينا محمد عليه السلام.
أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى اصطفى الإسلام دينا ورضيه لنفسه، وتعبد به عباده، واختار له صفوته من خلقه، رسلا مبشرين به ومنذرين، وذلك قوله عز وجل: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (الشورى:13)، وقوله: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} (البقرة:130)، وقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران:19)، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران:85).
فلا يقبل الله أعمال من تعبده بدينه إلا بالاستقامة عليه، ولا تغفر ذنوبهم إلا بالإنابة منها إليه.
ومن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، شهادة الإخلاص، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وأن جميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله فهو الحق المبين، كما جاء به مجملا ومفسرا، والإيمان بالله حق، وبملائكته وكتبه ورسله، وجميع أنبيائه، واليوم الآخر، (4/378)
صفحة 1497
والبعث والحساب، والجنة والنار، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنه يحي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
وأن الجنة لمن أطاع الله، والنار لمن عصاه، والاجتهاد لله في أداء جميع لوازمه، والانتهاء عن جميع محارمه، وأقام الصلاة لوقتها مع النية لله في أدائها بالوضوء التام أو ما أشبهه بجميع ما يلزم فيها، ولها من فرائض وسنن، واستقبال القبلة لها مع الخشوع لله فيها، والإقبال عليها، والقيام بها عند الضرورات على ما يجب في دين الله، وصلاة الجمع، والقصر في السفر، واتقاء النجاسات، والاغتسال من الجنابة والحيض، وإيتاء الزكاة بحقها وصدقها، وقسمها على أهلها، وتسليمها إلى مستحقها، وصيام شهر رمضان، بالحلم والعفاف والنية لله في تأديته، وصدقة الفطر على من وجبت عليه، وحج البيت الحرام على من استطاع إليه سبيلا.
والجهاد في سبيل الله عند وجوب فرضه، والقيام بالسنن والجماعات عند لزوم ذلك إلا من عذر، والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات من الفضائل والنوافل والوسائل وما أشبه ذلك، والوصية للأقربين على من ترك خيرا، وكفارة الأيمان والنذور على من وجب عليه ذلك، والوفاء بالنذر في طاعة الله، ولا نذر في معصية الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند القدرة على ذلك، والتعاون على البر والتقوى، وصلة الأرحام، وبالوالدين إحسانا، وبذي القربى واليتامى والمساكين، والجاري ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا.
وحفظ الفروج عن الفواحش من الزنى وما أشبهه، واتقاء النساء في المحيض كما قال الله تعالى: {حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} (البقرة:222)، واجتناب وطئهن في الدبر، وغض البصر عن الحرام (4/379)
صفحة 1498
وتحريم الفراء (1)، والقذف للمحصنين والمحصنات وغيرهم، ممن لا يجوز قذفه، ولين الجانب، وحسن الصحبة، ونقض كل عهد في معصية الله، وستر الزينة التي أمر الله بسترها إلا ما ظهر منها، والاستئذان على البيوت، والتسليم على أهلها، والتحية للمسلمين، والرد عليهم كما أمر الله بأحسن منها أو مثلها، والتسليم على أهلها، والتحية والتسليم على النفس منها عند دخول البيوت، كما قال الله: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} (النور:61)، والاحتفاء بأهل الذمة، والقصد في الشيء، وترك الخيلاء والرياء في كل شيء والتزيي بزي أهل الصلاح والإيمان، ومجانبة زي أهل الجهل والعصيان، وبذلك النصائح وقبولها، والورع في الدين، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، كما قال الله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران:134).
وأدوا الأمانات، وترك الخيانات، والصدق في الحديث، وترك الكذب إلا فيما يجوز، وذكر اسم الله عند الذبيحة والصيد، كما أمر الله، والسنة في الختان والنكاح بكتاب الله، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وبالفريضة والبينة العادلة، أو بما يجوز من الشهود في دين الله، ورضا المرأة، وإذن الولي، أو من يقوم مقامه في ذلك والإمساك بالمعروف، والتسريح بالإحسان، والطلاق كما أمر الله ورسوله والرد بالشهود عن الخلع والطلاق، كما يجوز في دين الله، والعدة والمواريث بالكتاب والسنة والإجماع، ورأي المسلمين في ذلك، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب في النكاح.
وتحريم شرب الخمر، وكلما أشبه ذلك من المسكر، وما نزل بمنزلته وتحريم ما حرم الله من المحارم من المطاعم، والمشارب والملابس، والمناكح، وتحريم الربا، وتحريم الغرر، والإبهام عند البيع، وتحليل
__________
(1) الفراء: جمع فرية. (4/380)
صفحة 1499
البيع، والوفا في الكيل، والعدل في الوزن، وتحريم مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، وتحريم أموال الناس إلا بحلها، والوفاء بالعهد والوعد إلى جميع الناس البار منهم والفاجر، والوقوف عن كل شبهة، والقيام بالشهادة، والحكم بالعدل، والحق في جميع الناس بالسواء، ولا يمال إلى أحد بهوى، والشهادة على أهل الضلال بضلالهم، والبغض لهم، والبراءة منهم، والحب لأهل طاعة الله على طاعتهم له، والولاية لهم، وأن لا يصر على معصية صغيرة ولا كبيرة، ولا يدين لله بمعصية، ولا يدعي الغفران من الله على العصيان، ولا يوئس من رحمة الله في شيء من الأمور، ولا يغتر بعقوبته في شيء من الأمور، ولا يخادعه في شيء من الأمور في سريرة ولا علانية.
وأن لا يقطع رحما، ولا يؤذي جارا، ولا يكره عدلا، ولا يرد عدلا، ولا يرد المعذرة، ولا يغتنم العثرة، ولا يتحسس العورة، ولا يغتب بعض بعضا، ولا يسعى بالنميمة، ولا يأخذ بالظن والتهمة، ولا يحب أن يشيع الفاحشة، ولا يسخر قوم بالناس، ولا يعتدي عليهم، ولا يعتل عليهم، ولا يظلمهم حقوقهم، ولا يدخل في ديننا من لا يكتم سرنا، ولا يرعى غيبتنا، ولا يقول قولنا، ولا يرضى رضانا، ولا يسخط سخطنا، ونتهمه في جميع أمورنا، ولا يعادي عدونا، واعتقادنا في جميع الأشياء كلها، دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل:90)، فنحن لما أمر الله به مطيعون، ولما نهى عنه مزدجرون، ولدين نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مقتدون، ومن سلك سبيله من أمته متبعون.
ولمن عصى الله ورسوله والمؤمنين مفارقون، ومع هذا فإنا دائنون لله بالتوبة، والاستغفار من جميع ما لزمنا الدينونة، والاستغفار منه في دينه من كل قول وعمل ونية، خالفنا في جميع ذلك أو في شيء منه (4/381)
صفحة 1500
رضاه من جميع حقوقه وحقوق خلقه، تعمدنا لذلك أو أخطأنا، نسيناه أو ذكرناه، علمناه أو جهلناه، دنا به أو رأيناه، كنا مستحلين له أو محرمين أو متأولين، ونادمون على جميع ما سلف منا من المعاصي، ومعتقدون أن لا نعود إلى ذنب أبدا، ومعتقدون الخلاص من كل حق وجب علينا لله أو لعباده، دائنون لله تعالى بجميع دينه الذي ألزمنا الدينونة به في جميع الأشياء كلها من حقوقه وحقوق خلقه، ودائنون لله بالسؤال عن جميع ما لزمنا الدينونة بالسؤال عنه في دينه من جميع حقوقه وحقوق خلقه، ومعتقدون السؤال عن جميع ما لزمنا لله فيه اعتقاد السؤال عنه في دينه من جميع حقوقه وحقوق خلقه، ودائنون لله موالاة جميع أوليائه وعداوة جميع أعدائه من جميع العالمين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين.
ودائنون لله بولاية جميع ما ألزمنا الدينونة بولايته في حقيقة أو حكم ظاهر أو حكم شريطة.
ودائنون لله بالوقوف عن كل من وجب علينا فيه الدينونة بالوقوف عنه من جميع خلقه، ومعتقدون الوقوف في كل حدث أشكل علينا أمره، واحتمل عندنا حق فاعله وباطله في دين الله، ولم يتضح معنا صحته وحقيقته على اعتقاد ولاية المحق، والبراءة من المبطل على ولايتنا لعلماء المسلمين على حكمهم في ذلك.
ودائنون لله بدين نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ودين أهل الاستقامة من أمته، منهم أبو بكر الصديق، وأبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ودين معاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري رحمهم الله، ودين عبد الله بن وهب الراسبي إمام أهل النهروان.
والمرداس بن حدير الإمام، وعبد الله بن يحي طالب الحق الإمام، رحمهم الله. (4/382)
صفحة 1501
ودين جابر بن زيد، وعبد الله بن أباض، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة من علماء المسلمين وأئمتهم في الدين رحمهم الله.
ودين وائل بن أيوب، ومحبوب بن الرحيل، ومحمد بن محبوب، والربيع بن حبيب من علماء المسلمين وأئمتهم في الدين رحمهم الله.
ودين منير بن النير، وبشير بن المنذر، وهاشم بن غيلان من علماء المسلمين، من أهل عمان رحمهم الله.
ودين الجلندى بن مسعود، والوارث بن كعب، وغسان بن عبد الله من الأئمة المنصوبين من أهل عمان رحمهم الله.
ودين موسى بن علي، ومحمد بن محبوب، وعزن بن الصقر من علماء المسلمين من أهل عمان رحمهم الله.
ودين محمد بن الحسن، ومحمد بن روح بن عربي، وأبو سعيد محمد بن سعيد من علماء المسلمين، والأئمة في الدين رحمهم الله، ورضي عنهم جميعا، وجزاهم عن الإسلام وأهله خيرا.
فهؤلاء الذين وصفناهم من العلماء وغيرهم، ممن لم نذكره في كتابنا هذا من أهل الاستقامة في الدين من العلماء المهتدين، ممن ينتحل نحلة هؤلاء، ويدين بدينهم أئمتنا في الدين، وعلماؤنا وأولياؤنا ديننا دينهم، وولينا وليهم، وعدونا عدوهم، وحربنا حربهم، وسلمنا سلمهم، ومذهبنا مذهبهم، ورأينا رأيهم، وقولنا قولهم، وديننا في الأحداث التي جرت والفرق التي افترقت بعد النبي صلى الله عليه وسلم من لدن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ومن خالف بعدهم دين الله إلى انقضاء أيام هارون بن اليمان، وعبد الله بن طارق، ومن اتبعهما على مخالفتهما لدين الله، قولهم ودينهم. (4/383)
صفحة 1502
وقولنا وديننا في الأحداث التي جرت بعمان من لدن الصلت بن مالك وموسى بن موسى، وراشدا إلى انقضاء أيام عزان بن تميم، والحواري بن عبد الله قولهم ودينهم.
وقولنا في الأحداث التي جرت بعمان أن كلا من أهل الدار ومن جميع المسلمين مخصوص فيهم بعلمه من ولاية، أو براءة أو وقوف وأن من خصه شيء من أمرهم لم يكن له حجة على غيره في ذلك، ولو ثبت عند جميع الخلق صحة أفعالهم، ولم يصح عند غيرهم ما صح عندهم، ولو واحد وحده لكان الواحد سالما في حكم ما قد صح معهم وخصهم وعليهم هم الحكم بما يلزمهم في ذلك الذي قد صح معهم كذلك، لو ثبت عند واحد وحده صحة أفعالهم، ولم يصح عند غيره من جميع خلق الله، لكان جميع خلق الله سالمين من حكم ما قد صح معه، وعليه هو الحكم بما يلزمه في ذلك، لأن أصل أحداثهم وأفعالهم كلها عندنا خارجة على أحكام الدعاوى، لا على أحكام البدع، ولا على الانتهاك لما يدينون بتحريمه، لأن عندنا أن بين أحكام الدعاوى، وأحكام البدع فرق بعيد، فلا يحمل كله على معنى واحد، فإن ذلك فاسد، فمن أقر معنا بهذه الجملة التي وصفناها ووافقنا عليها، أو صح عليه معنى الدينونة بها كان ولينا، ووجب حقه علينا، ومن دان بخلاف هذه الجملة التي وصفناها، أو صح معنا على أحد المخالفة لهذا أو لشيء متدينا بذلك كان لنا معاديا، ولديننا مجانبا، ونحن له مفارقون، ولدين ربنا وأهل نحلتنا مستمسكون.
وأكثر ما يقع الريب والشبهة، وتجب المحنة والخبرة في عصرنا هذا ومصرنا، في الأحداث التي جرت في عمان، والاختلاف فيها إذا الدار فيها يومئذ دار اختلاط، فلا يصح لأحد معنا الولاية والموافقة إلا بالبراءة له من مخالفة الحق فيهم في الفرق بين أحكام الدعاوى، وأحكام البدع، أو يصح منه ولاية لأحد من أهل العلم الذين ثبتت لهم (4/384)
صفحة 1503
البراءة من مخالفة الحق معهم في الفرق بين أحكام الدعاوى من أحكام البدع بعد هذا الاختلاف، مثل أبي عبد الله محمد بن روح بن عربي، وأبي الحواري محمد بن الحواري، وأبي إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر الأزكوي، وأبي الحسن محمد بن الحسن، وأبي سعيد رحمه الله أو غيرهم من أهل العلم من سلف بعدهم من أهل نحلتنا، مثل أبي محمد عبد الله بن محمد بن زنباع، أبي بكر أحمد بن محمد بن الحسن السعالي وأبي بكر محمد بن سعيد بن أبي بكر بن الفقيه، ومحمد بن أحمد السعالي، وولده أبي بكر أحمد، ومحمد ابن الحسن بن الوليد، ومحمد بن أبي راشد، والشيخ أبي الحسن علي بن عمر بن أبي الحسن بن أبي الأشهب المنحي، وأبي علي الحسن بن أحمد بن محمد بن عثمان رحمهم الله، والولاية في يومنا هذا للشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم حفظه الله، أو من صح له الاتباع لمذهبهم الذي بينوه أو من يتولاهم على ذلك.
وإنما وقف الواقعون من أهل هذه الأحداث على اعتقاد ولاية المحق منهم، والبراءة من المبطل، إذ خفي عليهم حقيقة أمرهم، وصح أصل فعلهم ودعاويهم على بعضهم بعض، فأشكل لذلك معهم أمرهم، واحتمل حقهم وباطلهم عندهم، وإذا لم يكن في متقدم الأمر وجب عليهم ولاية أحد منهم، والبراءة من أحد منهم، فاستضاقوا على أنفسهم أن يقطعوا على أحد منهم باسمه وعينه ببراءة، ولا بإثبات ولاية على الحقيقة منهم بغير حجة من غير شك منهم في البراءة من أهل البغي من المستحلين لما حرم الله، والمحرمين لما أحل الله، وجميع من عصى الله بركوب كبيرة، أو إصرار على صغيرة، ولا تخطئة من الواقفين عنهم لمن تولاهم، أو تولى أحدا منهم، ومن برئ من أحد منهم، أو وقف عنهم، أو عن أحد ما لم يعلم أن المتولي أو المتبرئ (4/385)
صفحة 1504
أو الواقف تولى أو برئ أو وقف بغير حق يسعه في دين الله، ولو أنهم وقفوا على باطن أمرهم، وصحة أصل فعلهم، لعرفوا المحق منهم والمبطل، ولم يجهلوا الحكم فيهم، ولكنهم خفيت عليهم سريرتهم وباطن أمرهم، واحتمل معهم فيما ظهر من فعلهم وحقهم وباطلهم، فرأى الوقوف على اعتقاد ولاية المحق منهم، والبراءة من المبطل منهم.
وترك الحكم فيهم بولاية، أو براءة بغير حقيقة أسلم وأوسع في دين الله، والله أسأله التوفيق لما فيه رضاه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
فمن بلغه كتابي هذا من ضعفاء المسلمين وغيرهم، أو انتهى إليه فقرأه أو قرئ عليه، أو بلغه علم حقيقته أو بعض ما فيه، فليتدبره وينظره نظر مشفق على نفسه، ولا يجرمنه شنآن قوم عن إغماض النظر فيه، والأخذ بما وافق الحق منه، وكل من خالف الحق في شيء، فلا عذر لمن قبل ذلك منه، ولا حجة له، ولو كان من أنبياء الله صلوات الله عليهم، فكيف إذا قبل من غيرهم، ولا عذر لمن رد حقا من جميع ما جاء به، ولو من أبي جهل وفرعون ونمروذ لعنهم الله، ولا حجة له في رده وجحده، لا شك معنا في ذلك، ولا ريب، وأنا أستغفر الله وتائب إليه من جميع ما خالفت فيه الحق والصواب، من كل قول وعمل ونية، مما هو في هذا الكتاب أو في غيره اعتمدت عليه، أو جهلته ذكرته أو نسيته، أخطأت فيه أو تأولته، دنت به أو رأيته، فأنا تائب إلى الله من جميع ذلك كله، ومستغفر له عنه.
عرض هذا الكتاب على إمام المسلمين في الدين من أهل عمان أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان، تولاه الله وحفظه وأبقاه، ومن النار برحمته نجاه، وصح إن شاء الله، وقال: إن جميع هذا عندي أنه صواب والحمد لله رب العالمين. (4/386)
صفحة 1505
وصلى الله على محمد نبيه ورسوله محمد المصطفى المختار وسلم تسليما.
* مسألة:
عن أبي سعيد، قال أبو سعيد رحمه الله: الحكم في حدث أهل عمان مشكل، ويجوز فيه الولاية والبراءة والوقوف، وهذا خارج من حكم الكتاب والسنة والإجماع، قال: فالذي يتلى يقال -نسخة- يقول: إنه من كانت له ولاية، فهو على ولايته، حتى يصح فيه ما ينقله عنها إلى البراءة.
قال: والذي يقول بالبراءة يقول إنه يبرأ بالظاهر، وليس يبطل حكم الظاهر الاحتمال.
قال: فمن أبصر الحكم في ذلك في أحد الوجهين، فذلك له، ومن لم يبصر الحكم في ذلك، فأقل ما يكون يقف لجهله بالحكم، وهذا شيء قد جاء وثبت، ولا ينقل أبدا عما هو عليه، وقد ثبت فيه الاختلاف بالإجازة للولاية والبراءة والوقف -نسخة- والوقوف، وكل وجه من هذه الوجوه له أصل في الكتاب والسنة والإجماع.
فإذا ثبت هذا كهذا فالتعبد من ذلك من مقولي أو من تبرئ أو واقف.
قال: لأن الأمر لم يصح فيه حكم يقضي بأحد هذه الفصول تقوم به الحجة على الجميع، وينقطع به عذر من أتى بغيره في ولاية ولا براءة، ولا وقوف، لأن المتولي يتولى بما يحتمل، والمتبرئ يبرأ بما يحتمل في الظاهر، والواقف كذلك ليس من أظهر منهم الولاية والبراءة إلى غيره، كان مقطوع العذر ما لم يكن يبرأ من وليه. (4/387)
صفحة 1506
قال: ولو كان يبرأ من وليه كان أولى به السكوت على معنى قوله.
* مسألة:
قال أبو سعيد رحمه الله: سئل أبو الحسن رحمه الله عن ولاية قال: إذا لم أتول أبا الحوار ي فمن أتول، صحبته ستين سنة لم نعلم منه هفوة.
* مسألة:
قال: وسألته عن محمد بن روح رحمه الله فقال: ذلك أباضي حقا.
* مسألة:
قال: من أثق به من الإخوان إنه سمع أبا سعيد محمد بن سعيد بقرية نزوى، وقد جرى بينه وبين رجل أسباب في أمور أهل عمان.
قال أبو سعيد: أنا أتولى عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر، الذي كان ببهلا، ومحمد بن روح الذي كان بسمد، وأبا إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر الذي كان بأزكي.
قلت له: فعبد الله بن محمد بن أبي المؤثر كان يبرأ من موسى وراشد، ويتولى الصلت أم يقف عنه؟
قال: معي أنه كان يبرأ من موسى بن موسى، وراشد ويقف عن الصلت إلا أنه كان يتولى من يقف عنهما.
قلت له: وعندك أنه كان يتولى من يتولاهما؟
قال: لم يكن حدث له في هذا مقايسة إلا أنه لا يجوز فيه إلا ذلك، لأنه مأمون على دينه. (4/388)
صفحة 1507
قلت له: ومحمد بن سعيد بن أبي بكر الذي كان بأزكي كان يتولى موسى بن موسى وراشدا؟
قال: إنه كان يقف عنهما، ويتولى من يتولاهما، وقد قيل: من تولى المتولي فقد تولاه، ومن تولى المتبرئ فقد برئ.
قلت له: فهذا الواقف الذي يتولى تولى أولياءه المتولين والمتبرئين والواقفين يكون متوليا لهذا الشخص، متبرئ منه واقف عنه؟
قال: هكذا معي أنه يلزمه ذلك بالحق.
* مسألة:
فيما أحسب عن أبي سعيد رحمه الله، وعن الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم، قلت: هل يسع جهلهم أم لا يسع جهلهم إذا عرف هذا الجاهل محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يعرف غيره من الأنبياء؟ قلت: هل يسعه ذلك؟
فعلى ما وصفه فالذي عرفنا إذا آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين صلى الله عليهم أنه رسول الله ونبي الله، وأن جميع ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله فهو الحق المبين بعد معرفة الله، بأنه واحد ليس كمثله شيء، ومنفي عن جميع الصفات بائن بذاته عن جميع الذوات، لا يجوز عليه السكون ولا الحركات عليه، فإذا أقر بتوحيد الله وآمن بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما جاء به أنه عن الله فهو الحق المبين.
فقد وسعه جهل ما سوى ذلك من الإيمان بالملائكة والنبيين والمرسلين، لأنه قد آمن بجميعهم في جملته التي أقر بها أنه آمن بجميع (4/389)
صفحة 1508
الملائكة والنبيين والمرسلين وولاية المسلمين وعداوة الظالمين حتى تقوم عليه الحجة بمعرفة الفرض عليه أن يؤمن بجميع النبيين والمرسلين، فإذا قامت عليه الحجة بذلك من كتاب الله، فعليه الإيمان بجميع الملائكة والنبيين والمرسلين.
فإن لم يعرفهم بأسمائهم لم يكن عليه أن يؤمن إلا بجملتهم، كما قد قامت عليه الحجة بمعرفتهم جملة، فمن عرف منهم باسمه فعليه أن يؤمن باسمه وعينه، فإن شك في ذلك بعد قيام الحجة عليه بذلك هلك.
قلت: وكذلك هل يسع جهل الفاسقين مثل فرعون وإبليس وغيره أم لا يسع جهلهم؟
فالوجه في ذلك على ما حفظنا وعرفنا أنه إذا عادة لله جميع من عصاه، وخالف رضاه، ووالى لله جميع من أطاعه، فقد دان بفرض الولاية والبراءة حتى تقوم عليه الحجة بمعرفة عاص الله بعينه، فيعاديه لله، أو يصح معه مطيع لله بعينه، فيواليه من كتاب الله أو سماع أذنه هو، أو يبصر عينه أو بشهادة البينة، أو شهرة صحة الأخبار، فافهم ذلك.
وإذا أقر لله بالجملة، ودان له بها، فقد والى له وعادى له حتى تقوم عليه الحجة بوجه ما تجب عليه له البراءة، والله أعلم بذلك، وأنا أستغفر الله من جميع ما خالفت فيه رضاه وتائب إلى الله من جميع الذنوب والمعاصي، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (4/390)
صفحة 1509
قال المحقق
ثم كتاب السير والأصول من كتاب بيان الشرع وهو الرابع من أجزاء كتاب بيان الشرع والحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على رسوله وعبده سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.
الجمعة التاسع والعشرون من شهر شعبان سنة 1403هـ
العاشر من شهر يونيو سنة 1983م
وقد عرضناه على نسختين الأولى بخط محمد بن ناصر بن محمد بن عامر الخصيبي من نسخها عام 1218هجرية.
والثانية بخط هاشل بن راشد بن علي بن محمد المسكري فرع منها عام 1241هجرية.
سالم بن حمد سليمان الحارثي (4/391)
صفحة 1510
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الخامس
1404هـ/1984م (5/1)
صفحة 1511
[صفحة بيضاء] (5/2)
صفحة 1512
بسم الله الرحمن الرحيم (5/3)
صفحة 1513
[صفحة بيضاء] (5/4)
صفحة 1514
كلمة المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
قد انتهى بعون الله وحسن توفيقه مراجعة وتحقيق الجزء الخامس من كتاب بيان الشرع الجامع للأصل والفرع تأليف عالم عصره ووحيد دهره الإمام القدوة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي.
ويبحث هذا الجزء الثمين فضل الاستغفار والتوبة من المعاصي، وفي أحكام الإصرار عليها، وفيمن يعمل طاعة وهو مصر على ذنب، وفي ذنوب الأنبياء.
وفي شيء من أخبار الصحابة والأئمة الصالحين، وفي الملائكة الكرام، وفي الزهر والورع، وفي فضل الأعمال، وفي التفكر والعبادة.
وفي إجابة الدعاء وصفته، وفي الخوف والرجاء، وفي الغضب وما يورث قساوة القلب.
وفي الطيب والزينة وفي لبس الحرير، وفي السنن والتواضع، وسنن الفطرة.
وفي أحكام الختان والجار وابن السبيل، وفي صلة الرحم، وفي آداب دخول المنازل، وتحية أهل الذمة ومخالفتهم، وفي الاستئذان في البيوت، وفي المساكنة والسلام ورده في المحارم والأرحام ومعاني ذلك.
وكان الفراغ منه في غرة ذي القعدة الحرام سنة 1403هـ
بقلم
سالم بن حمد بن سليمان الحارثي (5/5)
صفحة 1515
[صفحة بيضاء] (5/6)
صفحة 1516
سم الله الرحمن الرحيم
باب
في الاستغفار
قال أبو أيوب: ما من مسلم يقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، ثلاث مرات، إلا غفر له ذنوبه، ولو كانت أكثر من زبد البحر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افصلوا بين حديثكم بالاستغفار»، وقال علي بن أبي طالب: العجب لمن يهلك والنجاة معه: فقيل ما هي؟ فقال الاستغفار.
* مسألة:
وإذا لم تكن للتوبة علامة في الجوارح أسرع رجعتها.
* مسألة:
قال: لكل شيء نور، ونور المذنبين قول: أستغفر الله، وإذا سكن الاستغفار اللسان (1) غشي القلب الحياء من الله.
توبة مختصرة:
أستغفر الله من كل شي كان عند الله مكروها.
* مسألة:
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم
__________
(1) في نسخة "للإنسان". (5/7)
صفحة 1517
يستغفر الله كل يوم مرتين فقد ظلم نفسه، مرة بالغداة ومرة بالعشي».
قال الشاعر:
فلو أن فرعون لما طغى ... وقال على الله إفكا وزوراً
أناب إلى الله مستغفرا ... لما وجد الله إلا غفورا
فصل
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أصر من استغفر الله، ولو عاد في اليوم سبعين مرة»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: «من قال عشرا حين يصبح وعشرا حين يمسي: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه، غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل رمل عالج». (5/8)
صفحة 1518
باب
في قبول التوبة في الحكم
ومن غير الكتاب من الزيادة المضافة إليه:
مما أحسب أنه عن أبي القاسم سعيد بن محمد بن صالح: الحمد لله الذي جعل التوبة صلاحا لأمته، ومفتاح لأبواب رحمته، ومصباحا تهديهم أضواؤه إلى مغفرته، وجناحا يتوصلون إلى رضوانه وكرامته، فاستنقذهم بها من عوارض الآثام، وأسلمهم بسببها الوثيق من غوامض الحرام، وأخرجهم من عملية المسالك، وخبايا المعاطب والمهالك، ومد عليهم من رحمته ظلا ظليلا، ونعمة ذللت قطوفها تذليلا.
وهي منال الفوز لمن وفقه الله لفعلها، وشعار النجاة لمن تمسك بحبلها، فاعتقادها فرض لا يحال، وغنم لمن وفق وحسن منطقة ومآله، فلا وسيلة عند الله أقرب منها إلى النجاة من النار، ولا وديعة ذريعة أشفع منها إلى التخلص من دار البوار، فيها تمحيص الكبائر من الذنوب، والصغائر المرتكبة من المأثم والحوب (1)، فهي الحجاب المانع من العذاب، والباب الشارع للرحمة عند الانقلاب.
فمن وفقه الله لاعتقادها سلم من المهالك، ومن رزقه الله حسن اعتمادها أدرك البغية غاية الإدراك، واستمسك بالعروة الوثقى، وارتقى في درج الفوز إلى أشرف مرقى، واغتنم رضا خالقه يوم القضا والفصل، وفاز بالظفر والعطاء الجزل.
__________
(1) الحوب (بالضم): الإثم، ومنه في القرآن الكريم: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} من الآية الثانية من سورة النساء. (5/9)
صفحة 1519
ولله على من لزمه التكليف وعمه الجهل والتسويف، نعمة صغرت في جنبها النعم، وقسمة استحقرت عندها العطايا والقسم، إذ كانت تقدست أسماؤه، وتعالت كبرياؤه، وتكفل بقبولها من العباد، ووعدهم بالغفران بها يوم المعاد، وجعلها ممحاة لسيئاتهم ومنماة لعلوّ درجاتهم.
وأنزل في ذلك آيا موجبا لهم العفو عما كانوا من السيئات يعملون، وقال: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (الشورى:25)، وكان فيما تفضل به عليهم في هذه الآية من القبول لتوباتهم، والعفو عما فرط من سيئاتهم، لهم كفاية ومقنع، ووقاية ومستمتع، في عفو الله عنهم فيما فعلوه، ومحو ما أتوه من الذنوب واكتدحوه، لأن اللفظ ونفس الآية المنزلة مجمل، وحكم الكبائر والصغائر فيها داخل، فقص لهم عز وجل في كتابه بما هو أقرب إلى رحمته، وأوسع في رجائهم لعفوه ومغفرته.
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران:135) فذكر في هذه الآية جميع الفواحش، والظلم والإصرار، الذي هو رأس الإثم بما أتوه من ذلك، وارتكبوه على الخطأ والعمد، واجترحوه واختفيوه، ثم أتوا بالتوبة التي جعلها الله للذنوب كفارة، وللسيئات عطاء وقارة، ولمراقي الشرف أصلا وإمارة، ولنيل التحف من الله سفارة، وبها يلجئون إلى رحمة الله ورضوانه، ويسكنون في رحمة الله ودار أمانه.
أماطت عنهم أذى السيئات، وحطت ثقل الفواحش والمظالم المهلكات، وخطوا بها عند الله من سخطه وعقابه، وفازوا بفعلها من ناره وأليم عذابه، وكان لهم بما أنعم عليهم من هذه المواهبة كفاء عما خصهم ه في حكم كتبه، من قبول التوبة عما أوجب عليهم فيه الوعيد، والضعف واللعن والتخليد، والعذاب الدائم الشديد، وتضعيف العذاب لهم والإهانة به على التأبيد، من الشرك به، وقتل الذي نهى عن ارتكابه، (5/10)
صفحة 1520
والزنى المحرم في كتابه: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} (النساء:93).
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} (الفرقان: 68 - 69).
ثم وعدهم بالمغفرة والرحمة، وتداركهم منه تعالى بالنعمة والعصمة، في قبول التوبة عنهم عن كل هذه المحارم، وارتكاب هذه الكبائر والعظائم، التي أوعدهم عليها الإدمان في النار، والخلود في دار الخسار، حيث قال: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ} وأخرج التائب بلطفه من هذه الأصناف، والمنيب من هذه الأصناف من سوء الوعيد، وإهانة العذاب والتخليد، واستنقذه بالتوبة إلى رحمته، وجعلها مرقاة له إلى مغفرته وثوابه، بقوله عز وجل: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} (الزمر: 53 - 54).
فخاطبهم الله عز وجل بلفظ الخطأ، وعاتبهم وأمرهم بالإنابة إليه، والانقلاب له، قبل تحقيق العذاب، ووعدهم أفضل العدة والنعمة، وحرم عليهم القنوط من الرحمة، إذ وعدهم غفران ذنوبهم عموما لها، ومحو جميع سيئاتهم إذا حلها.
فكأنه قال عز وجل: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم بالسيئات واجترحوا الخطيئات، وارتكبوا الآثام، وانتهكوا الحرام، وأتوا الكبائر، احتملوا الجرائر، وأقاموا على حالهم، ذلك على الإصرار، وباءوا بتحمل الأوزار، وبارزوني بالعصيان وأسرفوا في تحمل المظالم التي توردهم سخطي وعذابي، وتحمل بهم أليم نكالي وعقابي، وركبوا جميع ما نهيتهم عن ركوبه من السيئات، والزنى والقتل والقذف والسرقة (5/11)
صفحة 1521
والربا، وجميع ما نهيتهم عنه من المحرمات، والأمور العظيمة المكفرات، من صغير الذنوب وكبيرها، وعظيم السيئات وحقيرها، لا تقنطوا من رحمتي، ولا تيأسوا من مغفرتي، فإنكم إذا رجعتم وأنبتم، قبلت توبتكم، وارتضيت أوبتكم، غفرت لكم زلتكم، ومحوت بالتوبة خطيئتكم ولم أبعدكم من رحمتي ولم أجنبكم دار كرامتي.
فأنا ألطف بكم يا عبادي منكم بأنفسكم، وأراكم في متقلبكم ومحتسبكم، فتوبوا إليّ واستغفروني، فأنا البر اللطيف، الرحيم الرؤوف.
ثم حذرهم أشد التحذير، وخوفهم عدم المجير من العذاب لهم، والنصير منه تعالى بهم، واستمالة لمذنبهم لتشملهم رأفته، ويعمهم لطفه ورحمته.
قال الله عز وجل: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ}، وأمرهم بالإنابة قبل حلول العذابن والاستسلام إليه قبل وجوب العقاب، وقال: {ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} أي أنهم لا يجدون من دونه نصيرا، ولا من عذابه مجيرا، فهذا أشد التخويف والتحذير والتنبيه، والدعاء للرأفة على رحمته، والأوبة إلى مغفرته.
فلما كانت التوبة عمادا من الخطايا والجزاعة، وزماما من الكبائر والصغائر، فكانت لب الطاعات، وأنفس البضاعات، تعود إلى رحمة الله التي على نفسه كتبها، وجعلها لعبده وأوحيها، ووسعت له جميع الأشياء من مخوفاته، إلا من خرج منها على الإصرار من مكفراته، جعلتها وسيلتي إلى الذي تعبدني بفعلها، واستنقذني من الآثام بحملها، واعتقدتها نية وقولا وعملا، وأرجو بها من الله فوزا وفضلا، فها أنا إذن أستغفر الله من جميع ما كان سيئة عن الله مكروها. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/12)
صفحة 1522
باب
في قبول التوبة في الحكم أيضا
ومن لفظ بلفظة فأشكلت على من سمعها منه، وهي صواب عنده، فسأله السامع أن يتوب منها، فلا يجوز له أن يتوب من حق يعتقده، إلا أن يعتقد فيقول: إن كان خطأ فأنا أستغفر الله منه، فيسعه ذلك، ولكن لا يجوز للسامع أن يقبل منه هذا إذا كان يدين به إذا علم أنه خطأ، وإن لم يعلم أنه خطأ فله أن يحسن به الظن، ويجزيه هذا القول، وما يتكلم به المتكلم مما يعتقده دينا، فله أن يقول: إني أستغفر الله منه إن كان خطأ إذا كان إنما قاله برأيه.
* مسألة:
وكل حال لزمه السؤال فيه عن أمر قد ركبه، وهو حال فيه غير خارج منه بانتقال منه عنه، أو بزوال وقت ذلك عنه، إلى غيره من الأوقات، وكان كل من عبر له علم ذلك حجة عليه، فلا براءة له من الخروج في طلب علم ذلك بالمقدرة، حتى يخرج من حال ما ركب من ذلك، أو يتوب هو من ذلك، بعينه منه أو في جملته، ما لم تقم عليه حجة العبارة التي توجب عليه علم ذلك بعينه.
فإذا تاب منه بعينه لما حسن في عقله التوبة منه، فوافق الصواب في ذلك، أو عدم العبارة في ذلك، وتاب من حدثه في الجملة، أو عبر له ذلك معبر، فتاب منه بعينه في شريطته، إن كان ذلك مخرجا من أحكام جملته، فإذا تاب من ذلك في جملته التي دان بها لخالقه، فتاب من ذلك على شريطة، فكل ذلك مجز له، إذا خرج بالتوبة ولم يكن فيه عمل ما بدا عليه في جملته. (5/13)
صفحة 1523
فإذا تاب من ذلك في جملته، ثم علم بذلك من المعبرين له، فعليه التوبة منه بعينه.
وأما إذا تاب منه في شريطته، إن كان تلزمه منه التوبة في جملته، فقد تاب من ذلك، ويجزيه ذلك عن توبته منه بعينه، إذا علم ذلك، ما لم يكن مقيما عليه بدين في نيته وإرادته وولايته للمحدث بجهل أو علم، كان الحدث باستحلال أو تحريم، فهو من الحدث الحال فيه، وعليه طلب علم ذلك، واعتقاد السؤال عنه والخروج في طلب علم ذلك، على ما وصفنا من قدرته على ذلك، إلى أن تلقاه الحجة والحجة عليه في ذلك جميع المعبرين، وعليه السؤال في ذلك بجميع المعبرين، ولا مخرج له من ذلك إلا بتوبة منه بعينه، أو عدم المعبرين، فيتوب من جملته، أو يتوب من ذلك في شريطته، مع عدم المعبرين له علم ذلك، ما لم تكن له ولاية للمحدث، على اعتقاد الشريطة في البراءة منه.
فإذا كان على الشريطة خرج من حد الضيق إلى السعة، وكان مسلما بذلك في بعض قول أهل العلم، وكذلك براءته من العلماء على براءته من المحدث بالحدث، كان بالتحليل أو بالتحريم، أو وقوفه عن العلماء من أجل ذلك حدث حال فيه، ولا مخرج له منه إلا بالتوبة منه.
وعليه طلب علم ذلك بالخروج مما يقدر عليه، ولا غاية له في ذلك بعد القدرة على الخروج، حتى يخرج من ذلك بتوبة منه بعينه على ما وصفناه، في جملة أو شريطة عند عدم المعبرين، أو بتوبة منه بعينه باستحسان.
ولو لم تقم عليه الحجة بالعبارة فيه، فإن ذلك يجزيه ويخرج من حال الضيق إلى السعة، إذا تاب من ذلك في شريطته، إن كان تلزمه منه التوبة أو تاب من ذلك بعينه، بما استحسن من ذلك وخطر بباله، ولو لم يسمع بذكر ذلك، فذلك مجز له عن التوبة. (5/14)
صفحة 1524
وأما توبته في الجملة فغير مجز له، إذا علم بالعبارة، إلا أن يتوب من ذلك بعينه.
ومن غيره:
* مسألة:
ومن سيرة الشيخ أبي قحطان خالد بن قحطان رحمه الله، وكذلك في الحق عليهم ألا يردوا التوبة على أهلها، لأن في دين المسلمين أن من أصاب الدماء والأموال بدين منه، يرى أنه مصيب فيه، ثم يتبين له انه مبطل وأنه كان على باطل، ورجع وندم وأقلع وتاب، لم يكن عليه سوى ذلك، إلا أن يكون في يده مال قائم بعينه، فإنه يؤديه إلى أهله.
ومن أصاب الدماء والأموال وهو يدين بتحريم ذلك، ويرى أنه يرتكب حراما، كان عليه التوبة من ذلك والإقلاع والندم، وإعطاء الحقوق إلى أهلها، ولا يجزيهم إلا إعطاء الحقوق، ولا يهدر عنهم ما أصابوه.
فمن هنالك تولى المسلمون عائشة، وقبلوا توبتها من غير عطية حق إذا كانت تدين بذلك، وترى أنها على الحق، فلما بان لها ضلالها استغفرت الله، ورجعت عن فعلها، وتولاها المسلمون رحمها الله. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة:
ومن تاب من قومنا بعد إهراقه الدماء، وجر القتال إلى أهل القبلة والتوحيد، فإن كان مستحلا لذلك ممن أصاب منه، يدين به في دينه الذي ينتحل ويدعو إليه، ثم ترك دينه ذلك، وراجع الرشد والهدى، وترك ما كان عليه من الزيغ والضلال، وأقر بحكم القرآن وآراء المسلمين (5/15)
صفحة 1525
هدر عنه ما أصاب في سيرته تلك، ودينه الذي كان يدعو إليه، ويدين به، وتقبل توبته ورجوعه إلى العدل، ووسع المسلمين مجامعته على ما رأوا من رجوعه إذا كان مناصحا صادقا في توبته، فله المودة والاستغفار، والصلاة في المحيا والممات.
وإن كان مرائيا منافقا مستخفا بالإسلام وأهله، وقفوا عنه، وأرخوا أمره، وكفوا عنه الاستغفار والصلاة في المحيا والممات.
ومن كان من قومنا وقد أصاب دماء وأموالا من المسلمين، يرى يومئذ أنها حرام فركبها، وهو يومئذ يدين بتحريمها، وهي واجبة عليه، يرد المال إلى أهله، ويقيد نفسه بالجهد إلى أهل الدم، وذلك أنه كان يدين بتحريمه وبالقصاص، فمن أين أصابه ويعلم أنه عليه حرام فركبه فتوبته أن يرد ما أصاب من المال إلى أهله، ويعطي من نفسه بما أقر به، وأقام عليه ذلك شاهدا عدل من حق أو حدّ.
فإذا رضي بحكم كتاب الله، وبرأي المسلمين أقر في جماعتهم، ونظروا فيه فإن كان مناصحا صادقا، تائبا مجتهدا في الطلب والمخرج مما وجب عليه، ويؤديه إلى أهله، ويطلبه بجهده وماله، كان له ما للمسلمين من حق، واستغفروا له، وصلوا عليه.
وإن كان مرائيا مستخفا للإسلام وأهله، متوانيا في أداء ما قبله من الحق حتى يدركه الموت، أرخوا أمره، وكفوا عنه الاستغفار والصلاة في المحيا والممات، كذلك كان يفعل الأول من المسلمين في قومهم.
ويقال: إنه من لم يجد وليا لما أصاب منه دما أو مالا فليعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينا، ويرد المال الذي أصاب به إلى بقية القوم الذين قاتلهم إن كانوا أهل قرية، أو بادية، فيرد عليهم جملة إن لم يقدر على أهل المصيبة، أو على أوليائهم. (5/16)
صفحة 1526
* مسألة:
عن أبي سعيد قال: وقال: من عمل بمعصية يستحق بها الكفر بحضرة جماعة، وشهر عند جماعة كفره، مثل العشرة أو أقل أو أكثر، أنه فيما عندي يستوجب البراءة معهم، فإن ندم في نفسه فقد تاب وسلم، وإن لم يظهر التوبة معهم فهو سالم معهم، وهم مصيبون معه في براءتهم منه، وهو سالم وهم سالمون.
وأما إذا ندم في نفسه، ولم يستغفر ربه، ويتب إليه، فلا يجزيه الندم دون التوبة والاستغفار.
وأما إذا ندم واستغفر ربه، وتاب إليه، فذلك الذي يلزمه، وكذلك فرض الله عليه تبارك وتعالى فقال: {وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} (التحريم:8)، فخاطب الله المذنبين بالتوبة إليه، والاستغفار له، لا لغيره، إلا لمن لزمه له حق يجب عليه في دين الله أداؤه إليه، ولا نعلم دليلا يوجب عليه أن يتوب إلى الخلق ممن هو مثله، إلا بأداء ما يلزمه لهم، والتوبة إلى الله.
وأما من علم منه ما يجب عليه به فعليه أن يصوبه في البراءة منه، لأنه مصيب في براءته منه، حتى يعلم منه ما ينقل به عن البراءة، فالتائب سالم بالتوبة إلى الله في دينه مع المسلمين، والمتبرئ من المحدث سالم ببراءته على علمه.
وأما أن يكون المحدث سالما مع المتبرئ منه في حكم الظاهر، فلا يستقيم ذلك فيما عرفت من قول أهل العلم، ولكن هو في شرائطهم سالم بالتوبة، ولو لم تعلم توبته، لأنهم يتولونه في الشريطة بتوبته، ويبرءون منه في حكم الظاهر على معصيته. (5/17)
صفحة 1527
* مسألة:
ومن جواب أبي محمد عبد الله بن أبي المؤثر رحمه الله:
وصل كتابك تذكر فيه رجلا كان مقيما على ذنب يعمل به، وكان كلما واقع ذلك الذنب تاب إلى الله، واستغفره من ذلك الذنب، ثم يرجع فيواقعه، ثم يراجع التوبة إلى أن حضره الموت، وقد واقع الذنب وتاب منه، هل تقبل توبة هذا الرجل، وتثبت ولايته إذا كانت له ولاية متقدمة، أو هو هالك عند الله، ولا يجتزئ بهذه التوبة على هذه الصفة؟
فعلى ما وصفت، فليس هذا بمقيم، وإنما المقيم المصر، فأما ولايته إذا تاب فيرجع إلى ولايته إذا كانت له ولاية متقدمة.
وأما قبول توبته، أو هلاكه، فذلك علمه عند الله، يفعل ما يشاء، وليس لنا ولا لأحد أن يعلم فيما لم يظهر الله علمه إلى خلقه شيئا، وهذا إذا تاب في مرضه قبل أن يعاين نزول الملائكة.
وذكرت أنه تاب حين حضره الموت، فأما إذا كان ثابت العقل بحد ما تجوز وصيته وإقراره بالحقوق، ثم تاب فهو كما وصفت أنه يرجع إلى الولاية، وأما إذا كان تغرغر في الموت، وصار في حد من لا يجوز إقراره ولا وصيته، ثم تاب في ذلك الوقت لم يرجع إلى ولايته على هذه الصفة، والله أعلم.
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن روح، رحمه الله:
واعلم أنه لا يتعاظم ذنب عند الله على صدق توبته من أهله منه إلى الله، ولا يصغر ذنب عند الله على إصرار أهله عليه، وامتناعهم عن الدينونة بالحق فيه إصرار وإدبار، ولو كان مثقال ذرة. (5/18)
صفحة 1528
ولو أن رجلا بلى من القتل بما لا يحصى ذكره، من النفس التي حرم الله قتلها، ثم علم الله منه صدق النية والتوبة من ذلك، وعلم منه صدق الدينونة بالإنصاف من نفسه في جميع ذلك، ثم مات قبل أن يؤدي شيئا من ذلك على صدق هذه النية، وصدق التوبة إليه من كل معصية، لكان هذا وليا للمسلمين يدينون لله بولايته، ومن دان المسلمون بولايته على أمر، فهو سالم في ذلك الأمر من الهلكة في الآخرة، إن شاء الله.
وقد بلغنا عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله أنه قال في قوم أصابوا دماء وأموالا، ثم قال بعضهم لبعض: إنا أصبنا دماء وأموالا، وإنما أصبناها برأي، ولم نصبها بدين، وديننا فيها دين المسلمين، ثم قتلوا بعد هذا القول منهم من غير أن يعلم أنهم أدوا شيئا من الحق الذي يلزمهم في تلك الدماء وتلك الأموال.
فقال: إنهم في الولاية، وإذا عجز هذا القاتل للنفوس، والسالب للأموال عن أداء ذلك من قبل العدم والعسرة، والله يعلم منه صدق التوبة من جميع ذلك، وصدق الدينونة منه بالإنصاف من نفسه من جميع ما يلزمه من ذلك لم نره هالكا، وقد قال الله تعالى في أكل الربا: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (البقرة: 280) فقد عذرهم الله تعالى في الدنيا من قبل العسرة، ومن عذره الله في الدنيا رجونا أن يعد بره في الآخرة إن شاء الله.
وأكلة الربا يستحقون الهلكة، كما قد استحق سفكة الدماء بغير حق، وقد قال الله عز وجل: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} (الإسراء:25).
وجاء الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، فيجب علينا وعلى جميع الناس، ممن كانت منه المعاصي وغيرها أن لا ييأس من رحمة الله. (5/19)
صفحة 1529
فينبغي لهذا المبتلى بهذه الدماء، وهذه الأموال أن يعلم الله منه صدق التوبة بصدق الندم، وصدق النية أنه لا يعود إلى معصية، وصدق الدينونة منه بالإنصاف من نفسه من جميع ما يلزمه في جميع ذلك بالغ ما بلغت إليه قدرته، ووصلت إليه طاقته، فإنه إن مات على هذه مات إن شاء الله سعيدا.
* مسألة:
ومن جواب منه آخر:
ولا هلاك إلا على مصر، ولا ينفك المصر قضاء دينه بعد موته، وإن وجب على الورثة أن يقضوه عنه، فإنه يلزمهم يقضون على أنفسهم من مال الميت ما يلزمهم في ذلك بحكم الحق، وإن كان لا ينفع الميت ذلك إذا مات مصرا.
وكل من يدين بالإسلام، وبما يلزمه من حقوق الإسلام ديانة الصادقين، فهو غير مصر، ولو لم يوص بذلك، لأنه لعله نسي، أو لم تمكنه الوصية، فإن كان له ولاية في الدين مع أحد من المسلمين، فهو على ولايته، ولو كان تلزمه دية نفس مؤمنة فما سوى ذلك.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
وتوبة من جبر على فعل معصية ففعلها مما يلزم في ذلك الفعل الذي جبر عليه حق للعباد من دم فما دون ذلك الخروج إلى من له حق من فعل تلك المعصية إعطاء الحق على ما يلزمه إلا أن يعلم أن الذي جبره لذلك قد أعطى الحق من نفسه، فإن على هذا التوبة إلى الله، والندم والاستغفار. (5/20)
صفحة 1530
* مسألة:
ومن غير الكتاب من الزيادة المضافة إليه:
من تقييد إلى محمد رحمه الله عن أبي مالك رحمه الله: وسألت عمن أخد مالا، وسفك دما حراما، ويدين بجوازه، ويرى أن الله تبارك وتعالى تعبده بما فعل من ذلك، وهو إمام أو غير إمام ما حاله، وقد كانت له ولاية متقدمة عند المسلمين؟
قال: يبرأ منه على ذلك.
وكذلك يوجد عن أبي عبيدة رحمه الله قال: وإن أصابه بتأويل وهو يرضى بحكم كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو على ولايته.
قلت له: فما الفرق بين الراكب للذنب إذا كان مستحلا له، ومحرما لما فعل؟
قال: المستحل قد ركب المحرم المحظور عليه علمه أو جهله، وادعى مع ذلك على الله تبارك وتعالى أن أباحه إياه وتعبده، فقد أعظم الفرية على ربه.
والمحرم قد أصاب ذنبه وهو معترف لربه بخطئه، ومؤمل التوبة منه، ويسأل ربه المعونة على توبته وتوفيقه لذلك.
قلت: فما الدليل على العلم بالمستحل من المحرم؟
قال: الفرق بينهما، والعلم بذلك، أن المستحل يضلل من يخالفه في فعله ويخطئه والمحرم لا يخطئ من خطأه ولا يصوب فعل نفسه. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/21)
صفحة 1531
باب
في التوبة
عن بشير بن المنذر: أن العبد لتقبل توبته حتى يتغرغر بالموت.
قال: فتنازعوا في ذلك بصحار والإمام غسان رحمه الله بصحار، وتماروا في ذلك.
قال: فجاء عمر بن الفضل بشاهدين على بشير بن المنذر، أحدهما: مالك بن جليد والآخر ظنتت أنه قال ابن سراح.
* مسألة:
من الأثر قال: إذا لم تكن للتوبة علامة في الجوارح، أسرع في رجعتها، والتوبة أن يكون العبد نادما على ما مضى، مجمعا على أن لا يعود، وجل القلب فيما بين ذلك يكون من ذنوبه على يقين.
ومما أخذت من الأثر: على وجل لا يدري أمقبول منه أم مضروب به وجهه.
وقال: ليس بين العبد وبين العلم إلا أن يسكن التقوى قلبه، فإذا أسكن التقوى القلب نزل العلم إلى وعائه، إلا أن لكل شيء وعاء، ووعاء العلم التقوى.
وتفسير التقوى: القيام بأمر الله، والانتهاء عما يكرهه الله.
وقال: ولو أيقن الناس باليقين الشافي أن لله نارا يعذب بها العصاة لما عصوه فرقا، ولتوسلوا إلى رضاه بتلهف النفوس. (5/22)
صفحة 1532
* مسألة:
وعن عبد أبق من مواليه فلبث سنين واكتسب مالا، ثم أقبل تائبا فوجد مواليه قد ماتوا جميعا لم يقدر على وارث هل له توبة؟
فنقول والله أعلم: إن هذا العبد عبد لمواليه الهالكين، فهو مال لهم، وماله مثل ذلك، فيسأل عن ورثتهم من البلاد ويجتهد، فإن وجد لهم وارثا أو رحما كان العبد وماله لوارثهم أو رحمهم، وإن لم يجد لهم وارثا فإن وضع في الفقراء لم نر بأسا، والله أعلم.
* مسألة:
وعن رجل علم من ولي كبيرة من الكبائر مستحلا لها أو محرما لها، وبرئ منه على ذلك، ثم سمعه يستغفر الله من جميع ذنوبه ويتوب، هل يرجع إلى ولايته وتسقط عنه البراءة؟ والله أعلم.
ومن غيره:
قال: أما إذا كان مستحلا لذلك يدين به فلا تنفعه التوبة في الجملة في الحكم حتى يتوب من ذلك بعينه، ولا يرجع إلى الولاية إلا على ذلك.
وأما إذا كان محرما لذلك فقد قال من قال: إن ذلك ينفعه في الجملة ويرجع إلى الولاية.
وقال من قال: حتى يتوب من ذلك بعينه ويرجع إلى الولاية.
* مسألة:
وسألت أبا عبد الله عن المولى عن الزحف، هل له توبة؟
قال: يستغفر الله ويتوب إليه. (5/23)
صفحة 1533
* مسألة:
وسألته عمن يتوب فقال: أستغفر الله من جميع ما دنت بشيء من الباطل ومن جميع ما خالفت فيه الحق، أيجزيه ذلك إن كان قد دان بشيء من الباطل أو تولى عدوا أو عادى -وفي نسخة- عادى وليا؟
قال: لا يجزيه ذلك إذا كان تدينه من وجه خطأ وقذف.
وقال من قال: لا يجزيه في هذا وإن كان تدينه بشيء من البدع والضلالات فذلك لا يجزيه حتى يتوب من ضلالته بعينها إلا أن يكون قد نسيه وقد تاب من جميع ذلك، فإن ذلك يجزيه فيما بينه وبين الله.
* مسألة:
من غير الكتاب والزيادة المضافة من منثورة الشيخ أبي الحسن:
وعن رجل ارتكب ذنوبا منها ما هو مستحل ومنها ما هو محرم، وتوانى عن التوبة ما يكون حاله، ويكون الخلاص له من ذلك؟
قال: تارك التوبة حاله الهلاك والخلاص إنما ينفع بعد التوبة، فإذا تاب وتخلص من كل حق يعلمه وما لا يعلمه اعتقد ودان لله بالخلاص من كل تبعة عليه أو حق لأحد من خلقه مع اعتقاده أيما علم خرج منه إلى أربابه أجزاه ذلك، ولا عليه علم الغيب إلا أن يكون عليه حقوق يعلمها، وقد نسي أربابها فدان لله بالخلاص منها على ما أمره به المسلمون بفعل ما أوجبه الحق من ذلك مع الاجتهاد في طلب هذه الحقوق والندم والتوبة، والله أعلم. (5/24)
صفحة 1534
* مسألة:
من الزيادة من كتاب الأشياخ، عن أبي الحسن البسياني:
إذا كان الرجل لا يتقي المحارم ولا يجتنبها وتلزمه ضمانات كثيرة من أموال الناس، ثم أراد التوبة ولم تصح عند الضمانات التي تلزمه لمن هي من الناس، كيف الخلاص؟ وكيف تصح التوبة من ذلك؟
قال: التوبة تصح له إذا ترك الفعل وندم عليه، واعتقد أن لا يعود يرجع إليه، واستغفر من ذلك بلسانه، واعترف بالحقوق لأهلها وأعطاهم إياها، ومن لم يعلم منهم تصدق بمثل ذلك على الفقراء، وأوصى لهم إن عرفوا دفع إليهم من ماله وإن هو لم يمكنه الخلاص فاعترف لهم، وسعى في ذلك واجتهد ونوى ردها متى وجد، فتلك توبته، وقد صحت له مع صدق نيته وصحة سريرته وعلانيته، وإن لم يعرف مقدار الضمانات احتاط على نفسه حتى يخرج من الشك الذي فيه.
*مسألة:
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خيار أمتي الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا».
قلت: فأي حال تقبل توبة العبد؟
قال: ما لم يحضره الموت لقول الله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} قبل أن ينزل بهم الموت، لقوله: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} (النساء: 17 - 18).
والتوبة مقبولة ما لم يحضر الموت، وقد روي في الحديث أقاويل في التوبة، وأقرب ما قيل: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يتغرغر بالموت، وأما المصر ما لم يتب فهو ظالم. (5/25)
صفحة 1535
قلت: فما الإصرار؟
قال: الامتناع من التوبة والإقامة على الذنب، وقد روي عن أبي عبيدة أن المصر هو الذي لا يرجع ولا يندم ولا يتوب.
* مسألة:
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه، من منثورة قديمة عن الشيخ ثاني بن خلف:
وقد روي في التوبة روايات، وقال محمد بن محبوب رحمه الله: قيل في التوبة حتى يتغرغر العبد بالموت، ووجدت عن أبي الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر نفسه»، ووجدت في كتب قومنا أن التوبة مبسوطة ما لم يؤخذ بكضمه.
* مسألة:
ومن منثورة الشيخ ثاني بن خلف:
قلت لهاشم، أنا وغيري: ما تقول في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما.
وقال: وأخبرت بشيرا بذلك، وسألته عمن قتل مؤمنا متعمدا، هل له توبة؟
قال بشير: إن قاد نفسه فقتل أو عفي عنه فإن له التوبة.
فقلت لهاشم: فإذا فعل ذلك تولاه المسلمون؟
قال: نعم، قال: حدثنا أبو عبيدة، قال: حدثنا أبو اليماني، عن جرير بن عثمان، عن عبد الرحمن بن عوف عن عثمان الثقفي صاحب (5/26)
صفحة 1536
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليقبل التوبة من عبده قبل موته بسنة، وإن الله ليقبل التوبة عن عبده بشهر قبل موته، وإن الله ليقبل التوبة من عبده قبل موته بفواق ناقة.
قيل له: ما فواق؟
قال: ما بين الحلبتين.
واعلم أبها العبد أن الجنة مبذولة لعبد أحسن إلا من أبى منها والأبي هو المقيم على ذنبه، الشارد على ربه كالبعير النافر برحله، الشاردعن أهله.
رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة:
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
قلت لبشير: فإن أصاب الرجل صغيرة من الذنوب، وفي نيته أن يتوب غدا أو بعد ذلك ومن دينه التوبة من ذلك إلا أنه ذلك الوقت لم يتب؟
قال: اختلف في ذلك:
فقال من قال: الإصرار هو أن يعزم أن لا يتوب، فإن مات قبل ذلك هلك، وإن تاب قبل الموت سلم.
قال: وقال بعضهم: عليه أن يتوب من حين ما واقع الصغيرة، ولا يؤخر ذلك، فإن أخر ذلك فقد أصر وهو أشد القولين والآخر أفسح منه.
قال محمد بن أبي الحسن: كله صواب، وقال: أحبّ إليّ الأول وهو أرفق. (5/27)
صفحة 1537
* مسألة:
وعن رجل يتوب من ذنبه، ثم يرجع، ثم يتوب، ثم يرجع مرارا أيقبل منه؟
قال: نعم، الله تعالى يقبل التوبة عن عباده ما لم يحضرهم الموت.
* مسألة:
قال أبو عبد الله رحمه الله: وفي رجل سار مع فئة باغية متعمدا إلى فئة يرى أنها هي المبغى عليها، فمضى على ذلك حتى قاتل وقتل، ثم صح معه بعد ذلك أن الذين سار معهم محقون، والذين قاتلهم مبطلون؟
قال الناظر: فعليه التوبة من أجل نيته، والله أعلم.
وقال في رجل أتى حاكما فقال له: إن هذا الرجل قتل أخي فقتله الإمام بغير بينة، ثم قام عليه بعد قتله ببينة عدل أنه قتل أخاه؟
إن عليه التوبة والاستغفار، وعلى السائر مع الفئة الباغية وعلى الآكل في شهر رمضان وكانت من شوال.
* مسألة:
وتوبة من ينبش القبور أن يرد مثل تلك الثياب أو قيمتها في كفن ميت ويتوب.
* مسألة:
الفضل بن الحواري قال: قال: إن المحادد الذي يعصي الله ثم يصر عليها. (5/28)
صفحة 1538
* مسألة:
من الزيادة المضافة وكتاب الرهائن:
وسألته عمن عق والديه وجفاهما إلى أن مات كيف تكون توبته؟
قال: يستغفر الله من ذلك ويندم على ما فرط من برهما وترك الواجب عليه، وأمره إلى الله تعالى وهو الغفور الرحيم.
قال المضيف: وأرجو أني عرفت من بعض الآثار أنه يستحب له مع التوبة والندم أن يبرّ عمته وخاله وخالته وهو حسن إن شاء الله.
* مسألة:
في التوبة: قال الله عز وجل: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور:31)، والتوبة في اللغة بمعنى الرجوع، تقول العرب: تاب، أي رجع، والتائب إلى الله هو الراجع عن نهي الله إلى أمره، وعن معصيته إلى طاعته، وعما يكره إلى ما يرضى، وعن غير الله إلى الله.
فالعبد التائب إلى الله، والله تائب على العبد.
قال الله عز وجل: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة:118)، وقال لعباده: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً} وبلغنا عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التوبة من الذنب الندم والاستغفار».
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله عز وجل: «إذا تاب عبدي أنسيت جوارحه عمله وأنسيت البقاع وأنسيت حفظته حتى لا يشهدوا عليه يوم القيامة». (5/29)
صفحة 1539
وقال أبو الحواري: إن الرجل ليذنب الذنب فلا يزال نادما حتى يدخل الجنة، فيقول الشيطان: يا ليتني أوقعه فيه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها»، وقال ابن عباس: التوبة مقبولة إلا من ثلاثة: إبليس لعنه الله رأس الكفر، وقابيل قاتل هابيل -نسخة- قتل أخاه هابيل، ومن قتل نبيا من الأنبياء.
وقيل: مكتوب في بعض الكتب: إن الله تعالى يقول: "يا ابن آدم عليك الجهد وعليّ الوفاء، وعليك الصبر وعليّ الجزاء، وعليك الشكر وعليّ الزيادة، وعليك السؤال وعليّ العطاء، وعليك الإملاء وعليّ الكتابة، وعليك الدعاء وعليّ الإجابة، وعليك التوبة وعليّ القبول".
وروى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن إبليس حين أهبط إلى الأرض قال: وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده فقال: قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا أمنعه التوبة ما لم يغرغر بنفسه»، لعله بالموت.
قال شقيق: هلاك الناس في ست خصال بما يعملون: الذنب رجاء أن يصلوا إلى التوبة، ويستوفوا عن التوبة، رجاء في طول العمر، وقال ابن حازم: نحن نحب أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى يموت. (5/30)
صفحة 1540
* مسألة:
من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه:
يذكر أنه مكتوب في الحاشية بلفظ الشيخ الفقيه محمد بن عبد الله ابن مداد، ومن منثورة الشيخ الولي ثاني ابن خالف، وقد روي في التوبة روايات، وقال محمد بن محبوب رحمه الله: قيل في التوبة: حتى يغرغر بالموت.
ووجدت عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل التوبة من عباده ما لم يغرغر بنفسه» قال شعرا:
تسوفت بالتوبة ما لم تشب ... فالآن قد شبت فما تنتظر
أبعد شيب الرأس لا ترعوي ... وبعد فوت العمر لا تزدجر
يا عجبا أنك ذو حيرة ... تنظر ما تلقى فما تعتبر
فإذا تبتم فاسألوا الله تعالى أن يقبل توبتكم، فإن القبول مشكوك فيه كما قيل لأبي حفص النجاري: لم يبغض التائب الدنيا؟
فقيل له: لأنه قد باشر فيها الذنوب.
فقيل له: ففيها درك التوبة؟
قال: هو من ذنوبه على يقين، ومن قبول توبته على خطر.
فينبغي أن يكون العبد بعد التوبة أشد انكسارا وخشية منه قبلها، فإنه إذا أعجب العبد بتوبته أبطل العجب توبته، وبقيت الذنوب في ذنبه.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: " {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} قال: يتوب من الذنب ثم لا يرجع إليه". (5/31)
صفحة 1541
وروي عن معاذ بن جبل قال: التوبة النصوح هو أنه يخرج من الذنب ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن إلى الضرع بعد الخروج منه.
وروى الكلبي عن ابن عباس أنه قال: التوبة النصوح ثلاثة أشياء: الإقرار باللسان، والإضمار أن لا يعود إلى ذنب هو أن يخرج من الذنب ثم لا يعود فيه، كما لا يعود اللبن في الضرع بعد الخروج عنه والإقصار عنه بالجوارح.
قيل: التوبة النصوح هو أن تنصح فيها نفسك، وتنصح جميع من سواك، وتحب أن يتوب الجميع من ذنوبهم شفقة، كما أن رجلا من آل فرعون قال: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} (يس: 26 - 27).
وعن أبي بكر الرقاش المصري قال: التوبة النصوح علامتها ثلاثة أشياء: خوف أن لا تقبل، ورجاء أن تقبل، وإدامة الطاعة.
وعن يحي بن معاذ قال: علامة التوبة النصوح ثلاثة أشياء: فله الطعام، وقلة المنام، وقلة الكلام، وقال الله عز وجل: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} الآية (الزمر: 54).
بلغنا عن سهل بن عبد الرحمن أنه قال: الإنابة إلى الله هو الرجوع عن الغفلة إلى أن يذكر لعله مع طهارة القلب.
وقال القاسم: إنابة العبد أن يرجع إلى ربه بنفسه وقلبه وروحه، وإنابة النفس أن يشغلها بخدمته وطاعته، وإنابة القلب أن يخليه -نسخة- أن يخلي مما سواه، وإنابة الروح دوام الذكر حتى لا يذكر غيره، ولا يتذكر إلا فيه.
وسئل سهل بن عبد الرحمن عن قوله تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} أي ارجعوا إليه بالدعاء والتضرع والمسألة، وقوله: {وَأَسْلِمُوا لَهُ} أي فوضوا الأمر إليه. (5/32)
صفحة 1542
وقيل: الإنابة تورث البها في الوجه، والنور في القلب، والقوة في الجوارح، والأمن والعافية والمحبة في قلوب العباد.
وقيل: الإنابة أبلغ من التوبة من منثورة قديمة.
أول التوبة الندم على ما سبق منك، لقوله عليه السلام: «الندم توبة» وقيل يوجد في الأثر فيمن توانى في التوبة حتى نسي، وكان يلزمه في ذلك الذنب حق لله تعالى وللعباد، يجب قضاؤه، ثم تاب واستغفر في الجملة أنه غير معذور، لأنه ركب ما كان محظورا عليه، ثم سوّف التوبة حتى نسي.
قال أبو الحسن رحمه الله لعله، والله أعلم بهذا القول: قال الله تبارك وتعالى: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران:135)، فإنما ذمهم بالإصرار مع العلم لا مع النسيان، لأنه قال: {لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي الخطأ والنسيان»، وأرجو أني سمعت محمد بن الحسن النزواني يقول: أحب أن أنسى ذنوبي، وكان فقيها زاهدا، وأرجو أن الشيخ كان يقول: إن التائب من جميع ذنوبه، وعليه ذنب لا يعلمه أنه لا ذنب عليه حتى يعلم أن عليه ذنبا، ثم لا يتوب منه، ثم إن الله تبارك وتعالى وعد على التوبة تبديل السيئات حسنات وهو قوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (الفرقان:70)، وهو أن يبدل لك بالمعصية الطاعة، وبنسيان الله ذكر الله، وبالرياء الإخلاص، وبالكبر التواضع، وبالحسد النصيحة، وبالرغبة الزهد، وبالغضب الحلم، وبالجهل العلم، وبالشك اليقين، وبالحرص القناعة، وبالجزع الصبر، وبالطمع الإياس من الناس، وبخوف الرزق الأمن بما يتكفل، وبحب الدنيا حب الآخرة، وبالأنس من المخلوقين الأنس بالله، وبالتهاون بطاعة الله تعالى التشمير، وبمخالطة الفاسقين مخالطة المتقين. (5/33)
صفحة 1543
فأولى صاحب الإنابة بهذه الكرامة والزيادة عليها، وقيل علامة الإنابة الحياء من مولاك أن يراك حيث نهاك، وأن يفقدك حيث أمرك، وقد وعد الله عز وجل أن يبشر المنيب من عباده لقوله تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ}، {وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} (الزمر:17) الآية، قال:
أبصر الرشد فتاب ... إذ علا الشيب الشبابا
والفتى يسهو فيلهو ... فإذا شاب أنابا
واعلم أن الذنب شؤم لأن فيه المخالفة، ولو أن عبدا عمل ألف نافلة، والآخر لم يعمل شيئا إلا أنه ترك معصية واحدة، فإن هذا أفضل من الأول، لأنه أدى فريضة، وهو ترك معصية، وأتى بترك النافلة الفريضة في الفضيلة.
وقيل: كل سفلة يعمل الطاعة، ولكن الكريم من ترك المعاصي.
وقيل: عجبا ممن يحتمي من الطعام مخافة الداء، كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار.
عن سفيان الثوري قال: ترك الذنوب أيسر من طلب التوبة.
وعن أحمد بن الحواري قال: بينما أنا في طرقات البصرة إذ سمعت صعقة فأقبلت نحوها، فرأيت رجلا قد خر مغشيا عليه، قلت: ما هذا؟ فقيل كان رجلا حاضر القلب، فسمع آية من كتاب الله عز وجل فخر مغشيا عليه، فقلت: وما هي؟ قال: قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} (الحديد:16). (5/34)
صفحة 1544
وقيل: هذه الآية كانت سبب توبة الفضيل بن عياض، وذلك ما حكي عن إبراهيم بن الأشعث قال: كان مبتدأ توبة الفضيل بن عياض أنه خرج عشية مقطعة، وكان يقطع الطريق، فإذا هو يقوم معهم حمر عليها ملح، فسمع بعضهم يقول: مروا مروا لئلا يفاجئنا الفضيل، فيأخذ متاعنا فسمع ذلك فضيل فاغتم، وتكفر وقال: يخافني هذا الخلق الخوف العظيم، فتقدم وسلم عليهم فقال لهم: وهم لا يعرفونه: تكونون الليلة عندي وأنتم آمنون عن الفضيل، قال: فاستبشروا وفرحوا فأنزلهم وخرج ليصلح لهم علفا فرجع فسمع قائلا يقرأ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} فصاح ومزق ثيابه على نفسه فقال: بلا والله قد آن فكان هذا أول توبته.
وقال ابن عمر: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أسمعه مرة ولا مرتين، قال: «كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت، فقال: ما يبكيك أكرهتك على ذلك؟ قالت: ولا ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملتني إليه الحاجة، قال: أتفعلين هذا ولم تفعليه قط ثم تركها وقال: اذهبي والدنانير لك، ثم قال: والله لا يعصي الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه كفر الله للكفل».
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن العباد لم يذنبوا لخلق الله تعالى عبادا يذنبون فيغفر لهم إنه هو الغفور الرحيم».
قال: «أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام يا عيسى ابعث للتائبين من بني إسرائيل ورغبهم في التوبة» ولو علم أهل الأرض مقام التائبين عندي لاستقاموا مقامهم، لأنهم قد عرفوا في الملكوت والملائكة تستحي منهم، فإذا نادوني كشفت ضرهم، وإذا سألوني سمعت قولهم. (5/35)
صفحة 1545
يا عيسى: ليس من قال: إني تائب كان عندي تائبا، والتائب المبغض للمعصية كما أحبها النائح على ذنبه، النادم على فعله، الحزين على صنعه، المنكس رأسه لدى الخاضع عند ذكره، الوجل القلب عند تلاوة القرآن، يظن أن ذنوب العالمين كلها عليه، وأن معاصي الخلق اكتسبها وحده.
إذا ذكر خشي، وإذا وعظ انتهى، وإذا سئل استحى، وإذا أنعمت عليه استحى، قصيرة ألسنتهم، خاشعة أبصارهم، متقاربة خطاهم، ذليلة أنفسهم، معلقة قلوبهم، مقشعرة جلودهم، كأن القيامة خلقت لهم وحدهم، وكأن النار أعدت لهم، كأنما قيل لهم أنتم في النار وهم الخائفون المشفقون.
يا عيسى! أولئك في كتابي ممدوحون وتحت العرش مشهورون، وفي الملكوت معروفون، فبعزتي أقسمت لا أدع في قلوبهم حاجة إلا قضيتها، ولا طلبة إلا أعطيتهم إياها، أسهل لهم الأهوال يوم القيامة حتى يقولوا: ربنا لو علمنا أن القيامة سبب القدوم عليك أولئك أهل الله.
يا عيسى! رغب بني إسرائيل في التوبة فإن التائبين -في نسخة- التائب إذا ناداني لبيته، وإذا سألني أعطيته، سهلت لهم الطريق، وأقمت لهم المنهاج، أولئك أهل رضاي، وأهل منازل التقوى.
يا عيسى! أقسمت بعزني أن أغفر لهم ولو أتوني بذنوب كأمثال الجبال عظما أولئك من الساعة مشفقون. (5/36)
صفحة 1546
توبة
بسم الله الرحمن الرحيم
أنا أستغفر الله تعالى، وتائب إلى الله توبة نصوحا من جميع ذنوبي كلها، قليلها وكثيرها، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، سرها وجهرها، ما علمت منها وما لم أعلم منها، منذ يوم احتلمت إلى ساعتي هذه –نسخة- ساعة فراغي من كلامي، هذا ما عملته جوارحي أو تكلمته بلساني، أو اعتقدته بقلبي، وبطشت به يداي، أو سعيت إليه بقدماي، أو نظرته بعيني، أو سمعته أذناني، أو رضيت به، أو ساعدت فيه كان ذلك مني على العمد أو الخطأ أو النسيان، أو التحلال أو التحريم، أو التدين أو التأويل، صغير ذلك وكبيره، وعلانية ذلك وسريرته.
ودائن لله تعالى بأداء جميع ما لزمني لله تعالى ولعباده المخلوقين من الفرائض والحقوق، ومعتقد أن لا أرجع إلى ذنب أبدا، وإن عملت بذنب بعد هذه التوبة فهو داخل فيها، والله تعالى شاهد علي بها، وكفى به شهيدا، وأن دين محمد صلى الله عليه وسلم دين المسلمين من الأولياء المذكورين، فهو مذهبي، عليه أحيا، وعليه أموت، وعليه ألقى الله غدا، وأتولى من تولاه ورسوله والمسلمون، وأبرأ ممن برئ منه الله ورسوله والمسلمون، ودائن بالسؤال عن جميع ما يلزمني السؤال عنه في ديني. رجع. (5/37)
صفحة 1547
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك من كل ما ينبغي لي أو علي من الاستغفار، والتوبة إليك به من قول وعمل ونية، وترك واعتقاد دينونة، واعتقاد وسيلة، ومما يدخل في ذلك من فعل وترك وندم وسؤال وإخلاص لك، وإخلاص إليك من حقوقك وحقوق عبادك على هذه الشروط المشروطة بما لا أخالفك اللهم فيه، ولا أتعدى رضاك إلى غيره، راغبا راهبا خائفا راجيا شاكرا أفضل شكر، صابرا أجمل صبر، مستحلا لك أن أقوم بطاعتك لأمرك، مستعينا بك على ذلك.
فأكون في أفضل منزلة عندك ينبغي لي أن أسألك اللهم وفقني لما يرضيك من اليقين والعصمة، والحكمة والخلاص والإخلاص والاجتهاد.
فصل
اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك من كل ما ينبغي لي أو عليّ الاستغفار لك، والتوبة إليك منه، من قول ونية وفعل وترك، وندم، وسؤال، واعتقاد، ودينونة، ووسيلة، وإخلاص لك، وخلاص إليك، على ما لا أخالفك فيه، ولا أتعدى رضاك إلى غيره.
وأسألك اللهم أن تعينني على ما يبلغني زلفى إليك، وتوفقني لما تريد في قربي لديك، إنك جواد كريم، غفور رحيم، وصل الله على محمد رسولك وعلى آله وعلى جميع أنبيائك وملائكتك، صلاة تكون لك لي بها مثوبة عندك، ووديعة إليك، إنك أنت أرحم الراحمين. (5/38)
صفحة 1548
* مسألة:
من منثورة قديمة عن الولي ثاني بن خلف رحمه الله: قال أبو المؤثر: يقول الرجل: لا إله إلا الله، سبحان الله، إني كنت من الظالمين، وإني عملت سوءا وظلمت نفسي وإن لم تغفر لي ربي وترحمني لأكونن من الخاسرين.
لا إله إلا الله، تبت إلى الله، وأستغفر الله من كل ما كان سيئة عند الله مكروها.
قال أبو المؤثر: إذا قال هكذا فقد تاب من جميع ما علم منه ولم يعلم. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة:
وسألته عن التوبة ما هي؟
قال: الندم على ما كان منه، وترك الفعل المحرم، واعتقاده أن لا يرجع إليه، والاستغفار باللسان.
قلت: هل من ذنب لا يغفر؟
قال: ما لا يتاب منه.
قلت: فما الإصرار؟
قال: الامتناع من التوبة، والإقامة على الذنب إصرار.
قلت: ما توبة المحرم لما ركب؟
قال: هو ما وصفت لك من ترك الفعل، والاعتقاد أن لا يرجع إليه، والندم والاستغفار بلسانه. (5/39)
صفحة 1549
قلت: فإن كان ذنبه شاهرا؟
قال: يظهر توبته شاهرا لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «أحدث مع كل ذنب توبة، السريرة بالسريرة والعلانية بالعلانية».
قلت: فإن كان ذنبه مستحلا لما ركب كيف تكون توبته؟
قال: هو ما وصفت لك، ويوقفه على ذنب، ويقال له تب من كذا وكذا.
قلت: فإن كان في معصيته حق للعباد؟
قال: المستحل لا غرم عليه إذا كان متأولا دائنا بذلك، وأما المحرم فعليه الرد والاستحلال، فإن كان دمه في العمد القود، وفي الخطأ الدية.
قلت: فإن كان لا يقدر على لقائهم؟
قال: يدين بكل ما يلزمه من حق العباد والخروج إليهم منه، ويدين بلقائهم.
قلت: فإن ماتوا؟
قال: لابد من التوبة والدينونة، والميت لا حكم له، وإنما يدين بلقاء الحي.
قلت: فالمحرم إذا قال: أستغفر الله من ذنوبي أيجزيه؟
قال: نعم ما لم يكن فيه حق للعباد، فإنه يتخلص على ما وصفت لك. (5/40)
صفحة 1550
قلت: فكيف تكون توبة شارب الخمر والزاني والقاذف، وما لم يكن فيه حق للمخلوقين؟
قال: التوبة التي وصفت لك تجزيه إلا أن يكون كان زنى على الجبر فعليه الخلاص.
قلت: فإن كان علم بذنبه أحد من الناس؟
قال: يعلمه بتوبته، ويعلن توبته عند من علم بذنبه، كان مستحلا أو محرما.
قلت: فتوبة القتل؟.
قال: عتق رقبة.
قلت: فإن لم يجد؟
قال: فصيام شهرين مع الندم والاستغفار، والاختلاف في كفارة قتل العمد، منهم من لم يوجد في العمد كفارة، والدية واجبة في الخطأ مع التوبة.
قلت: فمن قتل مؤمنا متعمدا هل له توبة؟
قال: نعم إن كان قاد نفسه فقتل، أو قبل منه الدية، فإن له توبة على قول بعضهم، وكذلك إن منوا عليهم، قال الله تعالى: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} (المائدة:45)، {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (الشورى:40).
قلت: فالتائب يكون كن لا ذنب له؟
قال: نعم. (5/41)
صفحة 1551
قلت: فإن عمل المعصية ثم تاب، ثم عمل المعصية ثم تاب، هل تقبل توبته؟
قال: نعم ما لم يصر.
قلت له: فمن قتل عشرة، ثم أراد التوبة كيف يفعل؟
قال: يقتاد لهم بحضرة الحاكم، فإما العفو وإما القصاص، وإما الدية فإن أراد القصاص وكلوا واحدا يقتله لجميعهم، وما بقي لهم من الدم دية في ماله.
قلت: فمن دعا إلى الضلال؟
قال: يتوب إلى الله ويعرفهم أن الذي دعاهم إليه ضلال، وأنه تائب من ذلك.
قلت: ومن ظلم مالا فظلم هو مثل ذلك، هل ينجو لا له وكل عليه؟
قال: لم أعلم ذلك في قول أصحابنا، وقد قال الله تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}، وقال: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء:89)، سليم من الذنوب، وقال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران:19) قيل هو الإخلاص.
قلت: فمن كانت ذنوبه تتابعا على العمد والخطأ؟
قال: كل ذلك مضمون لأربابه ما كان فيه حق لمخلوق، وإنما الخلاص إليه ولمن لا يعرفهم تصدق به على الفقراء، وأوصى لهم إن عرفوا دفع إليهم وعليه مع التوبة الاعتقاد والخروج من كل حق، والخلاص منه كما يجب في حكم المسلمين.
قلت: وإن حضره الموت؟ (5/42)
صفحة 1552
قال: يوصي به فإن اشتغل بكرب الموت، ولم تمكنه الوصية، أو أخذه موت الفجاءة، أو الحرق أو الغرق أو القتل، فمات وهو دائن بالحقوق؟
قال: إذا كان مجتهدا في قضاء ذلك وأخذه ما وصفت، وقد يعلم الله صدق نيته، وأن لو قدر أنصف خلقه من نفسه، فأرجو أن الله يعفو عنه لأنه تعالى قال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} (طه:82).
وإنما هلك المصرون، وقال الله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} (طه:111) أي من مات مصرا.
قلت: فالتوبة ما هي؟
قال: الندم والرجوع إلى الحق، والإقلاع من المعصية.
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة:
من منثورة عن الولي ثاني بن خلف:
قلت لهاشم أنا وغيره: ما تقول في رجل قتل مسلما متعمدا؟
قال هاشم: إنا نرى في سيرة موسى أن من قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه وأعد له عذابا عظيما.
قال: فأخبرت بشيرا بذلك وسألته عمن قتل مؤمنا متعمدا هل له توبة؟
قال بشير: إن قاد نفسه فقتل أو عفي عنه فإن له التوبة. (5/43)
صفحة 1553
فقلت لهاشم: فإن فعل ذلك تولاه المسلمون؟
قال: نعم فهذه الزيادة نقلتها من الحاشية مع الكتاب. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة:
وأما الذي زنى وتوقى البشر من الغسل ولم يغتسل، وهو يقدر على الغسل حتى فاتته الصلاة؟
فقد باء بغضب من الله على غضب، ولا يحرم الله توبته أحدا، ويستغفر ربه من الزنى، وليتب توبة نصوحا من تركه الصلاة، وليتطهر وليصل وليكفر بصيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا، أو عتق رقبة، فكل شيء استعمل العبد نفسه في فكاك رقبته ومرضاة ربه، فقليل ذلك إذا نجا بنفسه.
* مسألة:
قال أبو الحسن: ولو كان من نسي ذنوبه ثم تاب يكون غير معذور؟
لم يسلم أحد إلا من شاء الله، لأن هذا لا يخرج طبع بني آدم منه، ولأن الناس يركبون الذنوب وينسونها، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} (طه:115)، فالعباد على طبع أبيهم في النسيان، إلا أن العبد لا يؤمر بترك التوبة والتسويف عنها حتى ينسى، بل علينا التوبة في كل حال ووقت، فإن أصر هلك لقوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران:135).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلك المصرون والتائب من الذنب كمن لا ذنب له»، والله أعلم، وقال أيضا: وقد كنت عرفت (5/44)
صفحة 1554
عن الشيخ من كان عليه ذنوب، ثم تاب واعتقد التوبة لكل حق يلزمه لله تعالى، وللمخلوقين أن توبته مقبولة، والله أعلم، وجدته في منثورة.
* مسألة:
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
وعن أبي إبراهيم فيمن كان عليه غشور مثل صلوات وإيمان لا يدري كم هي وغير ذلك، فأراد التوبة فتاب وندم.
ورفع ذلك عن موسى بن علي، أن التوبة تجزيه، وأنا يعجبني أن يكفر شهرين كفارة لما عليه.
* مسألة:
سألت أبا سعيد حفظه الله عن رجل لزمه لأحد من الناس حق، فكان يتأمل قضاءه والخلاص منه إلى أن تمادت به الأيام حتى نسيه نسيانا لم يذكره حتى مات، أو صار بحد لا يقدر على الوصية، إذ لا يجد من يوصي إليه به ما يكون حاله في ذلك؟
قال: معي أنه إن كان مخلصا لله في عبادته وطاعته، ولم يكن عليه من الذنب إلا هذا فأرجو له السلامة على ما قيل في أمر الناس لمثل هذا، فإنه معفي عنه إذا كان من المؤمنين، وإنما العفو للمؤمنين من الله تبارك وتعالى.
ومعي أنه قيل: لو كان مصرا على هذا الذنب، وعلى هذا الحق أنه لا يؤديه فمضى على ذلك، ثم نسي ذلك، وكان تائبا في جملته ودائنا بأداء لوازمه، إلا أنه قد نسي هذا الذنب الذي قد أصر عليه.
فمعي أنه في بعض القول أنه لا تنفعه التوبة في الجملة في مثل هذا، لأنه عزم على الإصرار، وكأنه يشبه معنى الدينونة بالضلال (5/45)
صفحة 1555
إذا تاب التائب الدائن بالجملة، وهو يدين بشيء من الضلال لم تكن توبته له من المعاصي، لأنه يدين بها ويتقرب بها إلى الله، فلا نرى له التوبة منها، وإنما التوبة في مخالفتها حتى يتوب من ذلك بعينه، ويرجع عن تصويب الباطل.
وقال من قال: إن المصر لا يشبه الدائن، لأن المصر أصر على ما يعلم أنه باطل، فلو ذكر ذنبه في نسيانه هذا له لكان ممن يدين بالتوبة منه، فلما نسيه تاب في الجملة، فكان ذلك مجزيا له حتى يذكره فيصر عليه، أو يتوب منه بعينه، فهذا القول عندي أقرب إلى معنى الصواب إن شاء الله تعالى، وأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، ووسعها طاقتها، وطاقتها ما تقدر عليه، ولا يقدر الناسي أن يذكر كما لا يقدر الأعمى أن يبصر، وكذلك عندي لو نسي المستحل الدائن بشيء من الضلال ما استحله ودان به، وتاب في الجملة من جميع ما عصى الله به من قول أو عمل أو نية، بعلم أو جهل، بدين أو برأي، وكان هذا اعتقاده في توبته، ونسي ذلك الشيء بعينه، فإن هذا عندي يجزيه من التوبة في الجملة حتى يذكر ذلك الشيء بعينه فيدين به بحالته، أو يرجع فيتوب.
وكذلك لو خطر بباله شيء مما يدين به فشك فيه فرجع عن العزيمة عن الدينونة به فتاب منه إن كان قد دان فيه بضلال، ولم يتبين له خطأ ما دخل به فيتوب منه بعينه، إلا أنه شك فيه فتاب منه على هذه الجملة، وهذه الصفة وكان مما يسع جهل معرفة صوابه أو خطئه من الدين، ومما لا تقوم فيه الحجة إلا بالسماع كان عندي هذا ضربا من التوبة كالمستحل إذا لم يكن قد أتى في دينونته تلك في ذلك الشيء أمرا يلزمه فيه أكثر من التوبة.
فإن بان له خطأ ما أتى تاب منه بعينه، أو خطأ ما أتى مما كان يصوبه أو صوب ما كان يخطئه من الصواب بعينه، إذا بان له ذلك فإذا (5/46)
صفحة 1556
رجع عن الدينونة فيه، ووقف عما دخل فيه، وتاب من ذلك إن كان قد أخطأ لم يبن لي عليه دينونة سؤال عن ذلك، إذا لم يلزمه في ذلك إلا التوبة.
قلت له: وسواء كان هذا الذي قد لزمه الحق لأحد من الناس فقصر في الخلاص من ذلك، وهو يقدر على صاحب الحق، أو كان صاحب الحق غائبا إلا أنه تأمل الخروج إليه أم بينهما فرق؟
قال: معي أنه سواء إذا كان دائنا بأداء ما يلزمه في ذلك، ولم يضيع شيئا مما يقدر عليه مما يلزمه، ولا يبين لي أن يكون في توانيه وتقصيره ذلك عاصيا إلا أن يطلب إليه ذلك فيلد (1) فيه، أو تقوم عليه الحجة والفضيلة إلا أن يثبت عليه ولا يقبل.
* مسألة:
ونوع آخر من صغائر الذنوب التي يكفر بالإصرار عليها، ولا يكفر بركوبها، وذلك مثل الرفسة، والدفرة، والنخسة، والركضة، والوجبة، والنضرة، والكذبة، ما لم يكن بها إنكار حق لأحد، والنية للمعصية أو الحب لها، والرضا بها، والآمر بها ما لم يفعلها المأمور بها، فهذا وما كان مثله مما كان من هذا الذي وصفناه بينه وبين العباد، فإنما هي حقوق العباد.
فما كان فيه من أرش أداه إليهم، وما لم يكن فيه أرش فعليه أن يخرج منه إليهم بأرش، أو توسع، وحل منهم، أو يرضيهم بما قدر عليه حتى يخرج من ذلك مع التوبة إلى الله، وما كان منه بينه وبين الله تعالى، فليستغفر الله منه، ويتوب إليه منه، ونرجو له المغفرة.
__________
(1) يلد: أي يخاصم. (5/47)
صفحة 1557
فهذا ومثله إنما يكفر صاحبه بالإصرار عليه، ولا يكفره فعله، فمن أصر عليه وضع التوبة وادعا المغفرة على ترك التوبة، وهو عالم به وكفره إصراره، ومن نسي ما بينه وبين الله وهو عالم مما وصفنا، وهو يدين بالتوبة، وتاب واستغفر في الجملة أجزاه ذلك.
ونوع آخر منها في الأموال مثل من أخذ من مال غيره حبة أو حطبة، أو خلالة أو نباتة، أو لبس ثوبا، أو ركب دابته، أو استعمل خادمه عملا يسيرا أو كثيرا، أو استعار شيئا، فاستعمله بغير ما استعاره له، أو وطئ في حرث قوم، فأتلف شيئا منه بوطئه، أو قعد على سرير غيره، أو كتب من دواة غيره أو قلمه أو قص بمقص غيره، أو رقعة قرطاسه، أو استقى بدلو غيره، أو هاس بهيسه، أو زجر على دابته، أو شرب من إنائه.
فكل هذا وما أشبهه مما أصابه معرفون بالمنع له من صغائر الذنوب، وإنما يكفر فاعلها بالإصرار عليها، لا يركبوه كل هذا من حقوق العباد، وعليه الخروج إليهم، والخلاص منه إليهم إلا ما كان فيه من الإدلال الذي يجري بين الناس بعضهم لبعض، من رجل يدل على صديق أو أخ في الله، أو الأهل أو غيرهم في أموالهم لا بأس بذلك، وذلك فيما لو رأى صاحبه يفعله لم تكن تستحي من ذلك، وتعلم أن ذلك يسره منك، ويفرح به، وإن ذلك يباح بينهما، فقد رخص الفقهاء في الإدلال على هذه الصفة.
وأما غيرهم فعليهم الخروج من جميع ذلك إليهم، فتوبة من فعل شيئا من ذلك الاعتراف به لمن هو له، وإعطاء ما لزمه من حق في ذلك على ما لزمه في مثل أو قيمة أو أجرة، فإن نسي شيئا من ذلك وهو يدين بالتوبة، وتاب إلى الله في الجملة، فأرجو له السلامة إن شاء الله، ونحن نرجو أن تكون هذه الذنوب التي سميناها مما يغفرها الله للمسلمين على التوبة، ولسنا نأمن العذاب عليها بها، والفريضة على المسلمين الرجاء من الله أن يغفرها على التوبة، وأن تكون من (5/48)
صفحة 1558
السيئات التي قال الله تعالى فيها: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} (النجم:32) فليس لأحد أن يأمن من عذاب الله عليها، ولا ييأس من مغفرة الله عند التوبة منها، وأما من أقام عليها وأصر كفر بإصراره، وضل وخسر وبطل بالكبر عليها.
* مسألة:
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه:
قلت: قال الله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} (النساء: 17 - 18) فقد قال الله تعالى في أول الكلام: يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب قبل نزول الموت.
ويوجد في باب التوبة أن الله ليقبل توبة عبده ما لم يتغرغر بالموت، وكل إذا وقف على ذلك الحال يتوب كرها ويرجع كرها فأحب له لو شرحت معاني أول المسألة إلى آخرها شرحا كافيا لمن أراده وابتغاه؟
قال: قد عرفت أن الخبر صحيح، وأن التوبة مقبولة ما لم يغرغر العبد بالموت وتغرغره به هو معاينته إياه، لأن عند معاينته الموت لا تقبل توبته.
وأما السوء فهو الذنب في هذا الموضع، لأن السوء على وجوه كثيرة، وأما السيئات فهو ما دون الكبائر من الذنوب، والله أعلم وبه التوفيق. (5/49)
صفحة 1559
قلت: فالعبد إذا كان يعمل السيئات والحسنات ثم يتوب أيحسب له الحسنات اللاتي فعلها خلال السيئات ويردها الله عليه أم لا يحسب له إلا ما عمل من حسنة بعد التوبة؟
قال: قد عرفت أن السيئة تبطل الحسنة وتحبطها، فإذا تاب وعمل صالحا رد الله عليه حسناته، والله أعلم.
قلت: قال الله تعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (الفرقان:70) هل في وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب رحمه الله تعالى خاصة، ولا يستحق هذا الاسم سواه من تاب وعمل صالحا أم هي منتحلة عامة لمن أتى بهذه الشريطة من كل مؤمن ومؤمنة أم ماذا عندك في ذلك؟
قال: الذي عرفت أنها في كل من عمل مثل عمل وحشي، وهي في جميع الناس، إلا قول من قال: إن قاتل المؤمن والداعي إلى الضلالة إذا أجيب فلا توبة لهما، وبالله التوفيق. (5/50)
صفحة 1560
باب
في توبة الإمام راشد بن علي
من الزيادة المضافة من غير الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
عمل القاضي أبي علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري أنا أستغفر الله وتائب إليه من جميع ذنوبي كلها، قليلها وكثيرها، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، ما علمت منها وما لم أعلم منها، كان ذلك مني على العلم أو الجهل، أو الخطأ أو النسيان، أو التدين أو الاستحلال أو التحريم، كنت متأولا فيه أو دائنا به، أو مما ارتكبته وأمرت به، أو مما عملته بجوارحي، أو تكلمته بلساني، أو اعتقدته بقلبي.
وتائب إلى الله تعالى من السيرة التي سرتها بغير العدل مخالفا، وفي كل خطأ مني، وفي إلزام أهل النواحي الخروج منها، ومن ترك النكير على نجاد بن موسى بعد علمي بالسيرة التي سارها مخالفة للحق والعدل، ومن ولايتي له على ذلك، وتوليتي إياه بغير حق بعد علمي أحداثه وفعله.
ومن الجنايات التي أمرت بها بغير حق، وأنفقت في غير أهلها ومستحقها، ومن العقوبات التي عاقبت بها بغير حق، أو تعديت فيها بغير الواجب، وأمرت بذلك من فعله ومن إخلافي لكل عهد عاهدته ووعد وعدته، ولم أوف به، ورجعت عنه، ولكل عهد عاهدته ثم نقضته، ومن تقصيري عن القيام بما يلزمني من الحق والعدل، ودائن لله تعالى بما لزمني في الأحداث التي أحدثت في القرى على أهل (5/51)
صفحة 1561
القبلة من الخراب، والحرق وأخذ الأموال وعقر الدواب والأحداث في تخريبها، وما جرى من العساكر التي أخرجتها، ومن كل حرب حاربتها، وأسفكت الدماء فيها بأمري، وملزم نفسي ذلك ما لزمني من حق وضمان، ودية وأرش وغير ذلك.
فأنا دائن لله بالخروج منه، والخلاص إلى أهله ومستحقه، وقائل قول المسلمين، وراجع إلى قولهم، وقابل نصحهم، ونادم على ما سلف مني من تخويفي أحدا من المسلمين، أو عقوبته بغير ما يلزمه، ومعتقد أني لا أرجع إلى ذنب أبدا، وإن علمت بذنب بعد هذه التوبة، ولم أتب منه فهو داخل في هذه التوبة، وهذه التوبة لازمة لي إلى الممات، ومن كل تولية وال وليته، ولم يكن لي أن أوليه شهد الله وكفى بالله شهيدا، ومن حضر من المسلمين.
وكانت هذه التوبة من الإمام راشد بن علي بحضرة القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى، والقاضي أبي علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري، والشيخ أبي بكر أحمد بن عمر بن أبي جابر، ومحمد بن عمر بن أبي جابر، وعلي بن داود، وعبيد الله بن أبي إسحاق السعالي وغيرهم من المسلمين.
وكانت هذه الشهادة يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة اثنين وسبعين وأربعمائة.
جواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
جواب من القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى رحمه الله إلى الإمام راشد بن علي فيما سأله عن هذه التوبة، وما رد عليه فيها، سألت عن التوبة التي دعاك الجماعة إليها، والكتاب الذي كتبته فيها: (5/52)
صفحة 1562
فاعلم أني نظرت في ذلك على قدر ضعفي، وقلة بصيرتي، فرأيت الكتاب يشتمل على معاني كثيرة يطول شرحها، غير أني أذكر لك من ذلك ما يسر الله، وبالله التوفيق لذلك.
أما توبتك من السيرة التي سرتها بغير العدل، مخالفة للحق، كان ذلك قد جرى منك على الاستحلال والتصويب لنفسك فلا أرى هذه التوبة تكفيك، ولا تصح لك، ولا يقبلها المسلمون منك، حتى تفسر ذلك تفسيرا غير هذا وتتوب منه بعينه، على التفسير.
وإن كان منك ذلك على التحريم، والتعمد لمخالفة الحق عند فعلك، فما كان فيه من تلف نفس أو مال، فعليك الضمان والخلاص من حقوق العباد في الأموال والأنفس مع التوبة، وإن كان ذلك منك جهلا بحرمته، وظنا منك أنه واسع لك من غير تعمد للحرام، ولا قصد لمخالفة الحق، والاستحلال لذلك بديانة وتأويل، فقد يوجد في مثل هذا أنه يخرج مخرج التحريم، وقد يقع القول في المحرم وما يلزمه من الضمان في الأموال والأنفس، والخلاص من ذلك.
وأما توبتك من الجبايات التي أمرت بها وجبيت بغير الحق، وأنفقت في غير أهلها ومستحقها، فالأمر فيه على نحو ما تقدم من الكلام في المحرم والمستحل، فإن كان ذلك على وجه الاستحلال لما حرم الله، فلا أراك تكتفي بهذه التوبة، ولا يصح لك حتى تفسر تفسيرا غير هذا، وتتوب منه بعينه على التفسير.
وإن كان منك على وجه التحريم، فقد تقدم الكلام في المحرم، وعليك الخلاص من جميع ما أتلفته من جميع الأموال والأنفس.
وإن كان ذلك على وجه العمى والظن أنه واسع لك، فقد تقدم القول في ذلك أنه يخرج مخرج التحريم. (5/53)
صفحة 1563
وأما توبتك من العقوبات التي عاقبت فيها بغير الحق، فإنها تجري مجرى القول به والجواب واحد.
وأما توبتك من كل حرب حاربتها، وسفكت الدماء فيها بأمرك، فإن كنت حاربت حربا بعد حرب منها ما هو بالحق، ومنها ما هو الباطل فتبت من جميع ذلك فلا يجوز لك أن تتوب من الحق، وعليك التوبة من توبتك من الحق أيضا، وعليك التوبة من الحرب التي حاربتها بالباطل، وإن كان على الاستحلال فقد تقدم الكلام في المستحل، وإن كان على التحريم فقد تقدم أيضا الكلام في المحرم، وما يلزم في ذلك من الضمان في الأموال والأنفس، فإن كنت مخطئا في جميع محاربتك من أول إلى آخر فقد أصبت في التوبة منها.
وأما الضمان، فهو على ما تقدم به من الكلام في المستحل والمحرم، وأما توبتك من ولايتك لصاحبك، فإن كنت علمت منه حالا تحرم به ولايته عليك، أو توليته على أول وجه لا يجوز لك أن تتولاه عليه، فقد أصبت في توليك من ولايته، وإن كنت توليته من أجل وجه يجوز لك ولايته عليه، ولا تعلم منه حدثا مكفرا، فقد أخطأت في توبتك من ولايته بغير حجة، وعليك أن تتوب من توبتك من ولايته.
وإن كان قد صح عندك عليه حدث مكفر بشهرة لا دافع لها، أو شهادة عدلين مع تفسير الحدث، أو شهادة عالمين بالحدث بتفسير أو غير تفسير، أو شاهدت أنت منه حدثا مكفرا، أو أقر عندك بذلك، وتوليته من بعده، فقد أصبت في توبتك من ولايته على هذا الوجه، ولكن استتبه من ذلك، فإن تاب وكان مستحلا فقد قيل إنه يرجع إلى حاله الأولى من الولاية، ولا نعلم في ذلك اختلافا.
وإن كان محرما ففي أكثر القول أنه يرجع إلى ولايته، وقيل قول آخر ولا أرى لك أن تهمل أمره، ولا أن تترك استتابته ولا الإنكار (5/54)
صفحة 1564
عليه، إذا قدرت على ذلك فإن لم تفعل ولم تستتبه فأخاف أن تكون أتيت خلاف ما عليه أهل الحق والعدل من المسلمين.
وأما توبتك من توليتك إياه بعد علمك في أحداثه وفعله، فإن كنت علمت منه حدثا مكفرا ووليته على ذلك أمر الرعية فجار عليهم في أنفسهم وأموالهم، وأنت محرم لذلك فأخاف عليك ضمان ذلك في أحداثه من تلف شيء من أموال الناس وأنفسهم، فإن كنت مستحلا لذلك فقد تقدم من الكلام في المستحل والمحرم والجاهل ما فيه كفاية إن شاء الله.
وأما قولك وملزم نفسك ما لزمك للعباد من حقوق وضمانات ودية نفس وأرش، وأنك دائن بالخلاص منه، فهذا هو الصواب إن صدقته بفعل وقيام في خلاص نفسك في حقوق الله، وحقوق العباد، فأما القول وحده بلا فعل ولا قيام ولا جهاد في خلاص، فما النفع في ذلك وقد قيل: لا ينفع التكلم بالحق إلا بإنفاذه.
وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف: 2 - 4)، وإن كنت محقا في هذه الفصول كلها والمعاني التي دعاك الجماعة إلى التوبة منها، ولم يكن منك خطأ في ذلك في الظاهر ولا في الباطن، فثبت من الحق ليرضوا عنك فلم يكن لهم أن يدعوك إلى التوبة من الحق، ولا لك أن تجيبهم أن تتوب من الحق، فإذا فعلتم ذلك جميعا كان عليك وعليهم التوبة.
ولو أن الجماعة عند استتابتهم لك سلكوا بك مسلكا غير هذا المسلك الذي حملوك، وحملوا أنفسهم عليه، ربما كان أسلم لك ولهم أخف وأسهل عليك وعليهم، فلولا مخافتي أن لا يسعني السكوت ولا التغافل عن جوابك فيما سألتني عما يلزمك في تلك التوبة فأستصعب الإمساك عن رد جوابك. (5/55)
صفحة 1565
وقد ذكرت لك ما قد ذكرته على قدر ضعفي، وقلة بصيرتي، فإن كان حقا فهو من الله تعالى فخذ به، وإن كان فيه مخالفة للحق فلا تأخذ به، وأنا أستغفر الله من كل ما خالفت فيه الحق والصواب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة (1):
خبر حسن من الزيادة المضافة:
ووجدت في حديث أن رجلا مضى إلى متطبب وكان ذا فهم، وهو يصف للناس الأدوية فقال له: ما دواء الذنوب؟
فأطرق المتطبب ساعة ثم قال: خذ عروق الفقر، وورق الصبر، واهليلج التواضع -نسخة- الجوع واهليلج الخشوع، فضعه في هاون التوبة ثم اسحقه بدستبخ التقى، ثم ضعه في طنجير العمل، وصب عليه ماء الحياء، وأوقد عليه بنار المحبة، وحركه بسطام العظمة، حتى يرغى زبدة الحكمة، وضعه في منخل التفكير، وصبه في جام الرضا وروحه بمراوح الحمد، ثم انقله إلى قدح المناجاة، وامزجه بماء التوكل، والعقه بملاعق الاستغفار، وتمضمض بماء الورع، ولا تعودن إلى معية أبدا، وبالله التوفيق.
__________
(1) في نسخة هذه المسألة وهذا الخبر في الباب الذي قبل هذا. (5/56)
صفحة 1566
باب
في التوبة والإصرار
كل مقر مُصّر كافر، ومن أصر على حبة واحدة مما ظلم وجبت له النار، والمقام على الذنب من غير استغفار ولا توبة هو إصرار، قال: الله تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} (النجم: 32).
فأما اللمم: فهو ما لَمَّ بالقلب من تلك المعصية والهم بها، والنية للعمل بها، إن ربك واسع المغفرة لمن تاب من ذلك اللممم، ومن العمل بما نهى الله عنه.
والفواحش: وهي الزنى، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ} (آل عمران:135) إنما كان نظرا أو مسا.
وأما السيئات: فكل ما عصى الله به من صغير أو كبير فهو من السيئات، والمقام على الكبائر، والإصرار على الصغائر، تصير الأعمال هباء، يغضب الله على أهلها، ومن توانى في التوبة حتى نسي ذنبه، وكان يلزمه ذلك الذنب حق لله يجب عليه قضاؤه، أو حق للعباد، ثم تاب واستغفر في الجملة، فذلك غير معذور، ومن وعد معروفا ثم أخلف وهو يجده فهو منافق، ومن لم يتب من الذنوب فقد أصر.
* مسألة:
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله في قول الله تعالى: {إلاَّ اللَّمَمَ} قال: هو ما دون الكبائر من الذنوب التي تكون بين العباد وبين الله تعالى، مثل الغمزة واللمزة، والنظرة، وما كان أهله يدينون بالتوبة منه والاستغفار، فذلك هو اللمم، وكل ما لَمَّ بالقلب من ذكر (5/57)
صفحة 1567
المعصية، والهم بها، والنية والعمل من غير شتم المسلمين، ولا وقوع في أعراضهم فهذا إذا نسي أن يستغفر الله منه لقول الله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} هذا إذا كان يدين بالتوبة منه، ومما نهاه الله عنه أجزاه.
* مسألة:
والإصرار: هو المقام على الذنب بلا توبة، وقال هاشم عن جرير بن نافع أبو هاشم الخراساني رحمه الله، ذكر عن أبي أيوب عن أشرس عن أبي عبيدة أنه سئل عن المصرِّ؟
فقال: الذي لا يتوب ولا يرجع ولا يندم.
* مسألة:
عن الفضل بن الحواري فقال: قيل إن المحاد الذي يعصي الله ثم يُصّر عليها.
* مسألة:
قال أبو عبد الله في قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً} (النساء:31)، فذلك ما دون الكبائر يكفرها الله عمن تاب، وأما من أصر عليها فهو كافر.
والكبائر: ما أوجب الله على فاعلها حدا في الدنيا، وأعد لهم عليها عذابا في الآخرة.
والسيئات: ما دون الكبائر، والذي ذكر الله في تكفيره لها على التوبة منها لا على الإصرار عليها، والسيئات التي يكفرها الله ما دون الكبائر من الذنوب التي بينه وبين عباده التي يدين العبد بالتوبة منها في (5/58)
صفحة 1568
أصل ما دان به، ولا يدين بالإصرار عليها، ولا الاستحلال لها، مثل اللمسة والقبلة وذلك يكفره الله.
وأما الحقوق التي للعباد فلا يكفرها إلا بأدائها إلى أهلها.
قال أبو المؤثر: روي عن ابن عباس أنه قال: كل ذنب ذكره الله في أول سورة النور إلى قوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور:31)، قال: يروى عن ابن مسعود: كل ذنب ذكره الله من أول سورة النساء إلى قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً} فهو من الكبائر على قول عبد الله بن مسعود.
قال أبو مودود حبيب بن حفص بن حاجب، ومن دين المسلمين أن كل عامل كبيرة من المعاصي، أو مقيم على صغيرها، أو قائل على الله بخلاف الحق الذي أنزله في كتابه، أو في سنة نبيه، أو في سنة أوليائه وما دانوا به ضال كافر حتى يتوب.
وقال محبوب: ومن دين المسلمين أن من عصى الله بكبيرة أو صغيرة أصرّ عليها متهاونا، ولم يتب حتى مات عليها مستكبرا أدخله الله النار، ومن جاء بذنب لعله بذنوب أمثال الجبال وتاب منها تاب الله عليه.
* مسألة:
والإصرار كفر، وهو ما كان من إبليس وسببه لعنه الله، حين أمره بالسجود لآدم فأبى، فعاتبه الله في ذلك فأبى التوبة، وتمادى في الخطيئة، وعزم أن لا يقلع من المعصية، فجعله الله بذلك شيطانا، وأزال عنه اسم الإيمان، والأسماء الحسنة من الإسلام والبر والتقوى، وأوجب عليه الأسماء القبيحة من الفسق والكفر والضلال، فمن فعل مثل ذلك من الناس فهو كافر كفر إبليس لعنه الله. (5/59)
صفحة 1569
* مسألة:
والكبائر: ما أوجب الله -نسخة- ما أوعد الله على من عمل بها النكال في الدنيا، وأوعد الله العامل بها النار، فتلك من الكبائر وما سواها من الذنب يغفرها الله ما لم يصر عليها المصر.
والكبائر: الشرك بالله، والكذب على الله، وقتل النفس المؤمنة والفساد في الأرض، والزنى والسرق، ورمي المحصنات، وشهادة الزور، وأكل أموال اليتامى ظلما، وعقوق الوالدين، وترك صلة الأرحام، وأشباه ذلك مما أوعد الله من عمل بها النار، فتلك الكبائر يتوب منها الناس متابا ناصحا.
وفيها إقامة الحدود، ومن أقيم عليه حد أو كان صاحب حد ولم يقم عليه لا تجوز شهادة المحدود، ومن شهد بالزور مرة، أو نزع ماله بشهادته ظلما فلا توبة له حتى يغرم المال أو مثله لأهله، ولا تجوز شهادته أبدا وإن تاب.
ومن كذب في حديث فهو منافق، يستغفر الله ويتوب إليه، ومن حلف على مال وهو يعلم أنه كاذب، أو يحلف على شيء حتى يناله فلا توبة له حتى يرد المال أو مثله لأهله، ليس كما يقول العماة: أحلف ثم أكفر بالصيام والإطعام، إنما ذلك فيمن يحلف كاذبا في غير تناول ما ليس له من أموال الناس.
ومن وعد معروفا ثم أخلف وهو يجده فهو منافق حتى يتوب إلى الله ويستغفره، من أؤتمن بأمانة فخانها فهو منافق حتى يرد الأمانة إلى أهلها.
ومن أصر على ذنب وهو يذكره مصرا عليه، لم يقبل الله منه صوما ولا صلاة ولا حجا، والمصر على المحقرة أعظم ذنبا من التائب من الكبائر، (5/60)
صفحة 1570
ولا يصر عليها، ومن لم يتب من الذنوب فقد أصر، والمصرون هم أهل النار، والتائبون هم أهل الجنة، لقول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة:222)، وقال لأهل الذنوب والخطايا الذين أحاطت بهم ذنوبهم وخطاياهم: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
* مسألة:
وقال: ما أشبه الكبير أو قاربه من الذنوب فالكبير أولى به، وأنزله المسلمون منزلته وإذا عذب الله قوما على شيء عذب بما هو أعظم منه جرما، وإن لم يأت فيه بوعيد.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
كل من ركب ذنبا صغيرا فأصر عليه فهو هالك حتى يتوب ويرجع ويندم عند ذلك.
وقيل: من عمل شيئا من الكبائر ولم يعلم أن ذلك حرام ومات عليه عذبه الله، ولا عذر له، وهو هالك. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة:
وعن أبي معاوية: في رجل على دين عيسى فدعا رجلا إلى دين عيسى، ولم يكن المستجيب على دين ولم يبلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قد سمعت ابن معروف: الداعي مسلم والمستجيب كافر، وقال أبو عبيدة: الداعي مسلم والمستجيب مسلم والذي قال المستجيب كافر فهو كافر وهو بالكفر أحق. (5/61)
صفحة 1571
* مسألة:
والإيمان شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله، وإنما جاء به هو حق من عند الله، كما جاء به من فرائضه، وما نهى عنه من محارمه مجملا ومفسرا كما هو عند الله، وكفى بالله شهيدا.
فمن أقر بهذه ولم يكن منه بالحدث ثم لم يتول أهل المعصية، ولا يبرأ ممن برئ منهم من المسلمين ثبتت ولايته، والإيمان قول وعمل ونية، مجتمع غير مبغض يزيد ولا ينقص، والكفر قول وعمل ونية مجتمع فمن ابتلي بشيء من الكفر أخرجه الله من الإيمان لا يسمى مؤمنا إلا بالتوبة والرجعة والرضا بحكم كتاب الله عليه.
* مسألة:
ولو سمع أن إنسانا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن عيسى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وأن ما جاء به حق من عند الله لم يثبت له الإيمان بذلك عندنا، وكان العدل فيه الكف عنه لأنه لا يسمع منه إيمان يتولى عليه، ولا كفر يبرأ منه، فإذا سمع منه مع ذلك الإقرار برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه هو الدعوة والحجة على الناس، عرف بذلك أنه أقر بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وحكمه.
كذلك الناس اليوم، من سمع منه الإقرار بتلك الشهادة ولم يسمع منه معرفة الحدث الذي به كفر في ذلك، كان العدل الكف عنه، لأنه لم يسمع منه كفر يبرأ منه عليه، ولا إيمان يتولى عليه به، فإذا سمع منه معرفة كفر المستحلين والبراءة منهم، والولاية لأهل طاعته مع الشهادة الأولى عرف بذلك إسلامه وثبت بذلك ولايته. (5/62)
صفحة 1572
فإن قال قائل: فالولي ذلك يدعو الخوارج وجميع من قطع عذر الجاهل بكفر المستحلين، فأما من علمنا حدثه بعينه، فإنما يدعوه إلى ترك الذي كفر به عندنا، وإلى ذلك يدعو كل قوم إلى ترك ما كفر.
وأما من لم تعلم ما هو فإنما يدعوه إلى معرفة كفر المستحلين والبراءة منهم، وممن جهل كفرهم والولاية على ذلك لأهل الإسلام، لأن كفر المستحلين ظاهر مع من سمع منه من الإقرار بالشهادة الأولى التي وصفناها.
* مسألة:
وقال: إن عبد الله بن طريف الحضرمي طلب إلى عبد الله بن يحي تزويج ابنته، فلم يفعل وكان عبد الله ابن طريف من الموالي، وعبد الله بن يحيى من العرب، فخالف قول المسلمين وكان يقول: إن من ركب ذنبا صغيرا أو كبيرا من أخذ حبة فما فوق ذلك حراما فهو كافر حين ارتكب ذلك.
وقال المسلمون: يكون كافر حين يركب الكبائر، فإذا ارتكب شيئا منها فقد كفر، ويبرأ المسلمون منه إن كانت له معهم ولاية ويستتاب، فإن تاب قبلت توبته، وأما إن ارتكب من الذنوب شيئا دون الكبائر، مثل قذفه لرجل، أو أخذ حاجته حراما، أو عرك أذن يتيم أو نحو ذلك، أو كذب فهذا لا يوقف عنه، ولا يبرأ منه، ولا يكفر بذلك حتى يستتاب، فإن تاب قبل منه ذلك وإن أصر فهو كافر.
* مسألة:
سألت أبا جعفر عن الصغيرة ما هي؟
فقال: ما دون الكبائر، قال: وقال أبو عبد الله أصل ما دنى به أن من ظلم حبة فما فوقها فهو كافر. (5/63)
صفحة 1573
* مسألة:
وسئل أبو زياد أبا عبد الله عن الوسوسة التي تعارض الرجل المسلم من المعاصي التي لا يرضى بها ولا يفعلها؟
فقال أبو عبد الله: أخبرنا المهلب بن سليمان أنه جاء في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له بعض أصحابه: يا رسول الله إن الشيطان قد يوسوس لنا الشيء حتى يبلغ بنا الكفر في ذات الله أن الله خلق كل شيء فمن قال ذلك ماذا عليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك محض الإيمان».
* مسألة:
ووجدت أن الرجل إذا أعجبه ما مدح به كان آثما ويدافع ذلك بذكر الموت والقبر والحساب، ووجدت: من تكلم بكلمة بيان فقبلت منه كان منافقا إذا فرح بذلك.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
قد حفظنا عن أبي عبد الله محمد بن روح رحمه الله أنه قال: في الإسلام فضائل لا يكون التارك لها هالكا إلا أن يخطئ من فعلها، ويستخف بفعلها وثوابها، كما أن في الذنب صغائر لا يكون الراكب لها هالكا إلا بعد الإصرار عليها، وهذا الذي وصفته لا يكون إلا مستخفا بحقوق الإسلام، لأنه إن كان مضيعا فينبغي أن يندم على التضييع ولا يظهر حمد نفسه على ترك فضائل الإسلام. (5/64)
صفحة 1574
* مسألة:
أبو سعيد رحمه الله: ومن كان في جماعة يتذاكرون بشيء من الصواب، فأخذ برأيه ففرح به فلا شيء عليه إلا أن يفرح بقبول الحق نفسه لا لرأيه إذا كانت إرادته ذلك فلا بأس إن شاء الله.
* مسألة:
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
وعن الذي يجب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا فهذا منافق حتى يتوب منه.
* مسألة:
ومنه: وعن رجل يعرف بالكذب ويعد ويخلف، فمن كانت فيه إحدى هاتين الخصلتين سقطت ولايته إلا أن يكون له في ذلك عذر وحجة إلا أن يتوب.
* مسألة:
وعن الرجل يحمل النميمة بين الناس، فهذا من أخلاق النفاق، ولا ولاية له إذا صح ذلك منه بعد أن يستتاب فلا يتوب.
* مسألة:
وسألت أبا سفيان عن المكروه قال: إن الله تبارك وتعالى أحل حلالا، وحرم حراما، وأمسك عن أشياء لم يجيء فيها بيان فكرهها فقهاء المسلمين وعلماؤهم، فليس لأحد أن يزعم إنما كرهه فقهاء المسلمين حلالا. (5/65)
صفحة 1575
* مسألة:
وقيل: الضحك في الذنب شر من الذنب، والتهاون بالذنب والاغترار، والإصرار على الذنب.
وقال ابن عباس:
من عصى الله وهو يضحك ... دخل النار وهو يبكي
غيره:
يا نفس لا تضحكي لذنب ... فرب ذنب أتى بهلكي
من أضحكت سنه الخطايا ... دخل النار وهو يبكي
وهذا من سير المسلمين وقولهم، وإنا نخبركم: إن كل مقر بالله وبرسوله وبما جاء به، مطيع لله إذا كان سالما من الحدث، وليس على شيء مما ينهى الله عنه من ترك الفريضة، ولا راكب الحرام في كتابه أو في سنة نبيه، أو مجتمع على تحريمه فقهاء المسلمين، ولا قائلا على الله بخلاف الحق في كتابه أو سنة نبيه، فهو مسلم عندنا على هذه المنزلة التي وصفنا.
ومن خالف الله في قول يقول به عليه خلافا لما شرع في دينه، وما جاء في سنة نبيه، أو مجتمع عليه من قول فقهاء المسلمين، فهو ضال كافر، وإنما ضللت الجبارة بالعلم بالمعاصي لله في ظلمهم للعباد، وجورهم وادعائهم، فإنما أتوا حلالا فصاروا عالمين بمعاصي الله، مدعين الكذب على نبيه، وصار من تولاهم، وأثبت لهم الإسلام والإيمان مثبتا لهم ما قد أزاله الله عنهم، مكذبا لله، رادا عليه أمره، كاذبا عليه (5/66)
صفحة 1576
بقوله غير الحق في كتابه، فبرئ من سوء أعمالهم ومعاصيهم ولم يبرأ من ولايتهم، ورد الحق على من قال الحق فيهم، والصدق المنزل في كتاب الله، ودان من خالف المسلمين بخلاف دين المسلمين فيهم.
فهؤلاء الذين يدعون أنهم على الجماعة، وهم أهل الفرقة مختلفون في قولهم، وقد بينا لك كذبهم على الله.
وكذلك دانت المعتزلة على الله بالكذب، وأخطئوا صفة الحق، لأنهم دانوا بالبراءة من الجبابرة وغيرهم ممن ركب الكبائر، وعمل بها حتى يرجعوا ويتوبوا، وتأولوا ذلك من كتاب الله وزعموا أنهم يعرفون عدله وبيانه من كتاب الله، فقالوا بوجه الحق والعدل في ذلك، وأصابوا في تأويل القرآن فيه، ثم لم يستكملوا العدل فيه، ولم يتموا عليه، ولم المسلمين، وذلك أنهم زعموا أن القائل بخلاف ما دانوا به من الحق في الجبابرة من أهل الكبائر، والراجع عن عدله بعد الإقرار به، وادعاء المعرفة له من كتاب الله أنه مسلم عندهم.
وإن جحد بعد ما قالوا في ذلك، أو رجع عنه بعد معرفته له، وأعظم من ذلك نفاقهم وضلالهم، إن دانوا بأن دين المسلمين ضلال بإثبات ذلك على الجبابرة وأهل الكبائر، وهم يدعون بأن ذلك من العدل فبرئوا من المسلمين إذ لم يقولوا مثل قولهم في توسيع من الرجعة من عدل ما قالوا جهلا منهم، وطاعة للشيطان، ودانوا بذلك، لا يتوبون ولا يرجعون عنه، قد دانوا بالمقام على خلاف دين الله، وأصروا واستكبروا عن أمره بترك التوبة في حال المباشرة والموافقة له.
وليس كما زعم المخالفون لنا أن الله يغفر من الذنوب ما لا يتاب منه وأن الإيمان يثبت للناس على جهل ما دانوا به هم في فراق العاصين، (5/67)
صفحة 1577
وذلك أنهم زعموا أن من أقر بالله ورسوله، وما جاء به رسوله مسلم، فقلنا لهم: فيمن لم يقر بما يدينون به من البراءة من الجبابرة وغيرهم من العاصين بالله من أهل الكبائر ولم يجحد بذلك غير أنه سأل عنكم وعمن تبرأتم منه جهلا منه بما ادعيتم من ضلالهم في كتاب الله؟
قالوا: هذا مسلم على هذا القول نتولاه.
قلنا لهم: فنراكم لم تنصبوا دينا تكفرون من جهله وشك فيه فما تقولون أعدل ما دنتم لله به من البراءة من الجبابرة والخوارج وغيرهم من أهل البدع والأحداث؟
قالوا: نعم هو عدل ندعيه من قبل الله، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
قلنا لهم: فما تقولون فيمن دعوتموه واحتججتم عليه ما يشك فيه من قولكم بكتاب الله وسنة نبيه أيضل بوقوفه وشكه فيما قلتم، ودعوتموه إليه من الحق؟
قالوا: لا يضل عندنا من لم يبرأ أو يتولى من برئنا منه، فإن وقف عنا وعنهم وشك فلا بأس عليه.
قلنا: لم تجعلون لكتاب الله، ولا علماء المسلمين المأخوذ عنهم العدل والعلماء بتأويل كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، حجة على الجهال للحق في التسليم لهم فيه، وجعلوه مسلما على المتوهمة لهم في العدل، والوقوف عنهم والنظر منه بأن قد كذبوا على الله فيما هم فيه، مارقون عليه، وأنهم مبطلون عند الجهال فيما قد وافقوا الحق عند الله؟ (5/68)
صفحة 1578
فللجاهل في جهله نحو ما قالوا أن يقف عنهم، ولا يتولاهم عليهم ولايته لله والتوسع عليه، فخالفوا أهل الفضل في قولهم، وأثبتوا الإسلام لمن لم يعرف إسلامه وتولوه، وكذلك القول منهم في كل أمر يعرفون عدله من كتاب الله ويثبتونه، ويزعمون أن من لم يثبت له الإسلام بالإقرار بالله، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إليه على شيء وسعه جهله من علم الدين، فإنه أوسع له الوقوف عن العلماء بما جهل ... (1) عليهم بكتاب الله ودينه بالحق حجة على الجاهل في التسليم فيما دانوا به من العدل، فهذا بيان غير ثابت مما خالفوا فيه العلماء.
وقال أبو عبيدة: الشاك هالك، والسائل معذور إذا تولى الفقهاء العلماء الذين يرون ما لم يعلم الضعيف، ما يبلغ به فعله وعلمه الفقهاء، فليس له أن يقف عنه.
* مسألة:
من كلام محبوب بن الرحيل: ومن ذلك أن الله تبارك وتعالى غير معذب ولا قاطع عذر من كان على دين أنبيائه ممن لم يحدث حدثا في دينه الذي تقبله عن أنبيائه، وأنه مقطوع عذره جاءته رسالة الرسول الذي بعد نبيه أو لم تأته أخبار فهو هالك معه مقطوع عذره.
ومن لم يقبل دينا عن نبي من الأنبياء، ومن لم تأته أخبار الأنبياء وأنباؤها فلم يعبد غير الله، ولم يكذب داعيا دعا إلى عبادة الله، وخلع ما سواه من الآلهة، وأقر أن من عبد غير الله أنه معاقب، وأن من عبد الله فهو مثاب.
__________
(1) بياض في ثلاث نسخ. (5/69)
صفحة 1579
وأن من لم يحرم حلالا، ولم يحل حراما، ولم يدن بغير حجة ولا برهان أنه غير هالك أبدا ما لم ينقض شيئا مما وصفنا، ولم يسمع بأحد كان على هذه المنزلة، ولم ير هو أن من لم يقبل عن الأنبياء دينا، ولم تأته أخبارها وأنباؤها فعبد مع الله غيره، أو كذب داعيا دعا إلى عبادة الله، أو حرم حلالا، أو أحل حراما أو دان بدين بغير حجة ولا برهان أنه هالك مقطوع العذر، مع أنه لم يسمع بأحد، ولم ير من لم تأته أخبار الرسل وأنباؤها. (5/70)
صفحة 1580
باب
فيمن فعل طاعة وهو مقيم على معصية وفي الطاعة والمعصية
والشرك وما يجب على من فعل المعصية وما أشبه ذلك
وقال أبو سعيد رحمه الله، في قول الله تبارك وتعالى: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} (البقرة:238)، قال: المعنى ذلك عندي مطيعين، لأن الصلاة طاعة هي فلا يستقيم أن يأتي بالطاعة على غير طاعة الله تعالى في جميع أموره، لأن القبول إنما يرجى عند كمال الطاعة.
وقد جاء الأثر: أنه لو صلى مصل شيئا من الفرائض على غير توبة منه من معصية قد واقعها بالاختلاف.
فقال من قال: إن الصلاة منه على حال الإقامة على المعصية لا تقع، ولا ينتفع بها، ولا يثاب عليها، تاب إلى الله أو لم يتب، لقول الله تعالى: {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} وإنما له من عمل الطاعة فيما عمل في حال التوبة والإقلاع.
وقال من قال: إن الصلاة منه في حال المعصية قبل التوبة تقع إلا أنه غير مثاب عليها، وتكون الصلاة بحصول العمل منه لها في التسمية، وكذلك ما عمل من الحسنات في حال المعصية.
فقال من قال: لا ينتفع بذلك، ولا يثاب عليه، تاب أو لم يتب.
وقال من قال: إن تاب رد الله عليه صالح عمله، وهذا المعنى من قوله. (5/71)
صفحة 1581
* مسألة:
قال: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يقول: إذا هم عبدي بحسنة فإن عملها كتبتها له عشرا إلى سبعمائة، وعند الله أضعاف كثيرة، وإن لم يعملها كتبتها واحدة، وإذا هم عبدي بالسيئة فإن عملها كتبتها واحدة وإن لم يعملها لم أكتبها»، وقال أبو المؤثر: وقد يقال: إن الأضعاف الكثيرة ألف ألف.
* مسألة:
في قول الله تعالى: {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} (الأعراف:46) كان ابن عباس يقول: إن الأعراف حائط بين الجنة والنار، يعرفون أهل النار بسواد وجوههم وأهل الجنة ببياض وجوههم، وأهل الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، والله أعلم.
* مسألة:
قال بشير، عن الفضل بن الحواري: جرت مسألة عن أبي عبد الله في الفاسق يعمل بالحسنات في وقت فسقه، ثم يتوب، هل يثيبه الله عليها إذا تاب.
قال: نعم.
قال بشير: وأما المشرك فلا؟
قال: إن المشركين لا يكتب عليهم لعله لهم، وقد قيل: إنه يثاب على ذلك ويبدل الله سيئاتهم حسنات، ولا يضيع الحسنات لعله حسنات ذي الإحسان. (5/72)
صفحة 1582
* مسألة:
ومن نوى أن يعمل كبيرة ثم مات ولم يتب من تلك النية، ولو لم يكن عملها لكان هالكا، وقد قال المسلمون: الإيمان عمل وقول ونية، وذلك معي مثل رجل نوى أن يقتل فلانا، أو يشرب خمرا مما أعد الله على فعله النار، فإن مات على نيته مات هالكا.
قال غيره:
وقد قيل: العزم على الطاعة طاعة، والعزم على المعصية ليس بمعصية حتى يعملها، وأما قوله: الإيمان قول وعمل ونية، والكفر قول وعمل ونية، هو اعتقاد الإيمان بالتصديق، واعتقاد الكفر بالتكذيب والعمل بذلك على التعمد.
* مسألة:
سألت بشيرا عن العبد يهم بالمعصية يفعلها كيف يصل إبليس إلى علم ذلك إن كان يصل؟
قال: اختلف في ذلك، فأما المعتزلة فيقولون: إن إبليس إنما يصل إلى علم ذلك بالآلة مثل الرجل يتناول بالرمح وغيره.
وقول آخر غير ذلك: أنه قال: وأصح ما سمعت أن قلب ابن آدم مثل القارورة في جوفها نار، أو قال نور ينظر من خارجها، فإذا هم بالحسنة سطع ذلك النور إلى دماغه فيتفرق إلى ثلاثة أقسام، والشهوة مركبة في ابن آدم وهي طبع فيه على قدر الجوع، فإذا كان ذلك أطل إبليس على ذلك النور وأعان الشهوة حتى يضعف ذلك النور ويغلب الشهوة. (5/73)
صفحة 1583
* مسألة:
قلت: هل يجوز أن يقول: إن الله حال بين المؤمنين وبين الكفر؟
قال: نعم أمرهم بالإيمان ونهاهم عن الكفر.
* مسألة:
وعن ظالم وقع على ظالم، فهويت قتل ذلك الظالم حيث أراح الله منه؟
فعلى ما وصفت فلا نفرح بالظالم إن كان قتل بغير حق، ولكن بانتقام الله منه وبالراحة منه، وقد قيل عن الله عز وجل أنه قال: ينتقم من الظالم بالظالم ثم انتقم منهما جميعا.
* مسألة:
فمن عمل من الحسنات في حال إصراره هل يقبل منه؟
قال: إنما يتقبل الله من المتقين.
قلت: فما عمل من الحسنات ثم عمل بالمعصية ثبتت له أم تحبط؟
قال: المعصية تحبط العمل لقول الله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (الزمر:65)، وقال الله تعالى: {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (الحجرات:2).
قلت: فما الذنوب التي لا يقبل معها عمل؟
فقال: ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر، لا يقبل معها عمل لقول الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (المائدة:27)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هلك المصرون». (5/74)
صفحة 1584
قلت: فما الكبائر؟
قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى ظلما، وأكل أموال الناس بالباطل، وانتهاك الحدود، وارتكاب المحارم، وقذف المحصنات، والزنى، وشرب الخمر على العمد، وكل ما وجب فيه حد في الدنيا وعذاب في الآخرة، فهو من الكبائر.
قلت: فما الهدى؟
قال: الهدى هدى البيان، بين لهم قوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} (فصلت:17)، أي بينا لهم، ومن الهدى هدى السعادة لقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام:90)، والغفران هو التغطية والستر على الذنوب كما سمي مغفر الحديد أي يستر، كذلك المغفر للذنوب الستر عليها.
* مسألة:
معي أنه اختلف في المنافق والمشرك:
فقال من قال: لا تكتب لهم حسنات مما أحسنوا في حال النفاق والشرك.
وقال من قال: يكتب الجميع.
وقال من قال: يكتب للمنافق ولا يكتب لأهل الشرك. (5/75)
صفحة 1585
باب
في الشعر والشاعر
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
ونهى عن الشعر ومجالسة الشاعر، قال: إن صح النهي فذلك يتوجه معناه إلى من شتم الناس أو مدح بالكذب، فأما من قال حقا بغير مدح كذب ولا شتم ذلك لا تضر مجالسته، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن من الشعر لحكمة»، وقال لحسان: «اهج المشركين وجبريل معك»، وفي بعض الحديث أنه قال: «اللهم أيده بروح القدس».
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه مر على حسان وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه فقال: قد كنت أنشدت فيه عند من هو خير منك يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* مسألة:
وسألته عن الرجل يعلم من نفسه أعمالا مكفرة فإذا توضأ للصلاة دعا لنفسه وهو على الأعمال المكفرة مقيم، أينتقض وضوءه أم لا؟
الجواب، والله أعلم: إن الدعاء فرض من الله على كل مؤمن وكافر، والقبول على وجهين: قبول رضا، وقبول أداء فرض، فما أرى أن وضوءه ينتقض، والله أعلم بالصواب. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/76)
صفحة 1586
باب
القول في ذنوب الأنبياء والملائكة
سألت أبا سعيد: هل يجوز أن يقال -نسخة- يقول إن الأنبياء كانت منهم المعاصي على العمد أم لا؟
قال: معي أنه يقال في الأنبياء ما قال الله فيهم، ويبرءون مما برأهم الله منه اتباعا للكتاب، وتصديقا له، ويعلم أنهم أولياء الله وصفوته، وأنهم من أهل الجنة على جميع ما عصوا فيه، وأنهم لم يموتوا على معصية الله أبدا.
قلت له: فقول الله فيهم على ظاهر ما أخبر الله عنهم يقتضي على العمد حكم خطاياهم على التعمد؟
قال: معي أنه يقتضي حكم خطاياهم على العمد لما أخطئوا ولما عصوا الله به، وإن لم يخرج على معنى التعمد لمعصية الله لأنه كل عاص لله فإنما أعطاه بما تعمد لما عصى الله به.
قلت: فمن سمع آية من كتاب الله فيها ذكر معصية أحد من الأنبياء ولم يعلم هو أنه نبي ما يلزمه في ذلك، هل عليه أن يسأل عن الحكم فيه؟
قال: إذا علم أنه من كتاب لزمه أن يعلم أنه صدق، ولا يشك فيه، وإن شك فيه هلك ولا ينفس في السؤال مع الشك في كتاب الله إلا أن يكون شيئا مما يحتمل التأويل فلم يبصر وجه تأويله، وصدق تنزيله، فلا يضيق عليه ذلك حتى يعلم وجه تأوله إلا أن يكون تأويله مما لا يسعه فيه، وتقوم الحجة عليه من حجة العقل، وعرف معنى ذلك، والمراد به لم يسعه (5/77)
صفحة 1587
الشك فيه عندي، وليس عليه إذا وافق الصواب السؤال لغيره، ويجتزئ بعلمه.
قلت: فمن برئ من نبي في حين ما سمع منه أنه قد واقع شيئا من الكبائر، وقصد ببراءته منه لأجل المعصية، قلت: هل يسعه ذلك إذا لم يعرف الحكم فيه ولا يعرف المعاصي؟
قال: معي أنه إذا قصده إلى البراءة من المعاصي أو من أهل صفة المعصية فأخطأ بالبراءة من النبي قصده غير النبي، فقد وافق ما وسعه، وإن برئ من النبي صلى الله عليه وسلم على القصد منه إلى البراءة من النبي بجهل منه، فيما يلزمه من أمر النبي لم يسعه ذلك عندي، وكان هالكا عندي بذلك.
قلت: فمن كان في علم الله أنه من أهل الجنة، ثم واقع شيئا من المعاصي مثل الشرك وغيره، ما يكون الحكم فيه أيكون وليا عند الله أم عدوا؟
قال: إذا سئل ما يسمى به ولي أم عدو أنه قد قيل في ذلك باختلاف:
فقيل: إنه ولي على كل حال تولى نفسه، ويبرأ من معصيته من جميع المعاصي التي يستحق بها البراءة.
وقيل: إنه تولى نفسه على الحقيقة ويبرأ منه في حال ما يواقع الكبيرة بمواقعته للكبيرة حتى يتوب.
وقيل: إنه لا يوالي نفسه على الحقيقة ولا يتولى في حكم الظاهر بما يستوجب الولاية من الاستغفار وهو ولي لا يوالى، وعدو لا يعادى.
قال: ولا يسعه أن يقف عنه وقوف شك في ولايته المتقدمة في (5/78)
صفحة 1588
السعادة التي صحت له، وسمعته يقول: المشرك غير الذي يعمل بالشرك، والمشرك هو مشرك أبدا من أهل الشرك عندي أنه أراد النار، وكذلك العاصي غير الذي يعصي، والعاصي هو عاص أبدا من أهل النار، والذي عصى هو المواقع للمعصية، ولا يجوز أن يسمى عاصيا إلا على معنى مواقعته للمعصية من غير أن يحقق بالعصيان على الأبد.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
ولا يجوز لأحد أن يقول: إن أحدا من الملائكة عصى الله، وإن هاروت وماروت لم يعصيا الله، وليس القول فيما على ما تقول العامة.
ولا يجوز أن يقال: إنهما ارتكبا المعصية، فإن الملائكة منزهون عن ذلك لقول الله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم:6)، وكذلك الأنبياء أيضا لا يظن فيهم ظن السوء.
* مسألة:
وقد روي أن إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم وعلى أنبياء الله أجمعين إنما فعلوا في يوسف ما فعلوا ولم يبلغوا على قول بعض الناس.
وقال آخرون: فعلوا فيه ذلك ولم يكونوا بعد أن استنبئوا، وإنما استنبئوا بعد ذلك فلا تجوز أن يوصف الأنبياء بالمعاصي، وقد أرضاهم الله واصطفاهم، وجعلهم حجة على عباده، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والله أعلم. (5/79)
صفحة 1589
* مسألة:
ومن جامع أبي محمد: اختلف الناس في ذنب آدم عليه السلام، وذنوب سائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، مع إجماع أهل العلم على أنها كلها كانت صغائر، وأن الأمر فيها لم يكف على ما يأتي به الجهال من القصص، ولا يرونه أهل الحديث، ومن جهل من أهل الكتاب -نسخة- الحديث:
فقال قوم: إنها كانت عمدا مع الذكر المنهي إلا أنه كان معهم عليهم السلام من الخوف والوجل والإشفاق ما لا يكون عند مثلهم، قالوا: ولو لم يكن عمدا لم يكن ذنوبا، قالوا: والدليل على ذلك أن إبليس قد ذكره النهي حين قال: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} (الأعراف:20)، فقالوا: كيف يكونان ناسيين وهو يذكرهما؟ واحتجوا بقول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} (طه:115)، يجوز أن يكون نسي وعدا دون النهي.
وقال قوم: كان ذنبه على قصد للأكل، ولم يكن كالرجل يريد الشيء فيفعل غيره على طريق السهو، ولكنه كان غافلا عن النهي وناسيا له، قالوا: وقد ذكره إبليس النهي فلم يواقع الذنب في ذلك الوقت، بل لما وافق دعاءه وغروره مع ما كان آدم عليه السلام محتاجا له، مائلا إليه بطبعه الذي هو طباع البشر سرى في ذلك في نفسه واستغرقه حتى غفل عن النهي ونسيه.
واحتجوا بقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} قالوا: ذلك كالرجل يكون صائما يشتغل بضرب من الشغل، حتى يغلب عليه فيستغرقه فيأكل ويشرب من غير قصد لذلك، إلا أنه ساهٍ عن الصوم، قالوا: وهذا الضرب من السهو والإغفال مرفوع عن المسلمين. (5/80)
صفحة 1590
وقد يجوز أن يؤاخذوا به وليس بموضوع عن الأنبياء صلوات الله عليهم، لأنهم حملوا ذلك لعظم أخطارهم، وارتفاع قدرهم، وعلو درجاتهم، ولما شاهدوا من الآيات والبينات، ولأنهم هم القدوة والأئمة ما وضع عن غيرهم، وقد قال الله جل ذكره: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء} (الأحزاب:32)، ثم قال: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} (الأحزاب:30) وذلك لعظم أخطارهن ولم يشاهدنه.
وقال صلى الله عليه وسلم: «إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قالوا: وهذا الضرب من السهو والغفلة يمكن التحفظ منه، وليس مما يخرج عن قدرة العباد، إلا أن الله وضعه بلطفه ورحمته عن المؤمنين، كما وضع سائر الصغائر عنهم، ولو أخذهم بها كان ذلك عدلا.
وقال بعضهم: بل كان ذنب آدم عليه السلام من جهة الغلط في التأويل، وحين اجتهد فأخطأ، وكذلك سائر الأنبياء صلوات الله عليهم، كأنه كان قيل له عليه السلام: لا تأكل من هذه الشجرة، وأريد بذلك من جنس تلك الشجرة أو كله، كما يقال للمريض: لا تأكل من هذا اللون من الطعام للون بين يديه يشار إليه، فإنما يراد الأكل إنما هو جنس ذلك اللون، فتأول عليه السلام إنما نهى عن تلك الشجرة التي أشير إليها دون ما هو مثلها ومن جنسها، فأكل من غيرها وهو يرى أنه غير منهي عن ذلك.
قالوا: وكان الواجب عليه أن يتحفظ ولا يتقدم حتى يتعلم لأن الوحي كان يأتيه، قالوا: وليس للأنبياء صلوات الله عليهم أن يجتهدوا في الحوادث إن كان الوحي غير منقطع عنهم ولغيرهم من بعدهم أن يجتهد لانقطاع الوحي، ولعدم الرسول أو غيبته.
وقال بعض: لهؤلاء الأنبياء صلوات الله عليهم أن يجتهدوا فيما لم يأت بعينه أمر ولا نهي، فأما ما أتى فيه النهي فعليهم أن يتوقفوا (5/81)
صفحة 1591
ويتحفظوا -نسخة-يتحققوا على الذي اجتهد فيه آدم عليه السلام، ولم يكن مما خاف فوته كأمور الحرب وما أشبه ذلك، وإنما كان أمر مال إليه بطبعه، وعلمت فيه الشهوة له، ولو أخر ما قدم عليه إلى أن يستأمر ويتعلم ما كان في ذلك ضرر ولا مكروه.
قالوا: فقد يجوز أن يباح للأنبياء صلوات الله عليهم الاجتهاد في الحوادث وفي الفتيا، فأما ما يشبه قصة آدم عليه السلام مع نزول الوحي فكان الواجب الانتظار.
قالوا: فإن قال قائل: إنكم أردتم تحسين قصة آدم عليه السلام فزدتموها قبحا، وذلك أنكم جعلتم الذنب ذنبين، فأجزتم أن يكون اجتهد فيما لم يكن له أن يجتهد فيه مما أكل مما نهى عن أكله؟
قلنا له: إن سؤالنا إنما أردنا أن نزيل عنه أن يكون ذاكرا لنهي ربه في وقت إقدامه على ما أقدم عليه، وهو وإن كان جمع بين الأمرين الذين ذكرتموهما فلم يأت واحدا منهما وهو ذاكر لنهي ربه إياه عنه، وليس بمنكر أن يكون ألف ذنب من هذا الوجه أيسر وأصغر من ذنب واحد مع الذكر، وللنهي عنه في وقت الإقدام عليه.
قالوا: وأي أمر أقبح من أن يكون نبي من الأنبياء قد رفع الله درجته، وائتمنه على وحيه، وجعله خليفة عباده وبلاده، ويسمع ربه يناديه ألا تفعل، فإنك إن فعلت عصيته، فمضى مقدما مختارا للذته، قاصدا لقضاء شهوته، غير منقلب إلى نهي ربه، ولا منزجر عن وعيده.
قال: وإن قال: كان آدم صلى الله عليه وسلم عالما بأن ليس له أن يجتهد فيه، وقد كان يقدم إليه في ذلك.
قيل له: فقد يجوز أن لا يكون أتاه في أمر من جهة السمع، وإنما (5/82)
صفحة 1592
كان يجب عليه لفكره ونظره، ففكر ونظر، فعدل على الواجب كما يخطئ الناظر المجتهد.
وأما الكلمات التي تلقاهن آدم عليه السلام من ربه، فالذي وجدت في الرواية عن ابن عباس أنهن: أي رب إني تب إليك وأصلحت.
فجاءه الجواب: إذن أرجعك إلى الجنة، فاستغفر آدم ربه فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم.
ويروى عن الضحاك قال: الكلمات هن قول الله تعالى: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف:23).
ووجدت عن مجاهد وسعيد بن جبير والحسن، قالوا: هن: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} والذي عنده، والله أعلم على ما يدل عليه ظاهر الكتاب، وفي بعض الروايات ما يدل عليه ظاهر الكتاب أن الله عز وجل كان أوحى إلى آدم قبل ذلك، أن من أذنب صغيرا أو كبيرا ثم ندم على ما فاته، وعزم أن لا يعود، واعتقد على أنه ظالم لنفسه فيما ضيع، وأنه قد خسر وخاب إن لم يغفر له ذنبه، وعلمت صحة جميع ذلك منه، فإني أتوب عليه.
فتلقى آدم ذلك من قول ربه، وعمل به صلوات الله عليه.
ويدل على هذا ما أخبر الله عز وجل في كتابه حاكيا عنهما أنهما قالا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وفي الحديث من صغير المعاصي وكبيرها، وذلك أن الله جل ذكره أهبط نبيه عليه السلام من جنة كان أنعم بها عليه من أجل صغيرة من الصغائر، فيكف بمن اجترأ عليه، وارتكب كبائر ما نهى عنه، والله نسأله العصمة والتوفيق. (5/83)
صفحة 1593
* مسألة:
قال: والذي رفع إلينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما حدثوا به أنفسهم وما أكرهوا عليه»، وتفسير ذلك أنه من أخطأ فزل لسانه، فتكلم بشيء من الكفر، لم يكن عليه إثم.
وقد ذكر لنا أن رجلا أراد أن يقول: اللهم أسكني الجنة، فقال: اللهم أسكني النار، فاشتد ذلك عليه، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا بأس عليك لك ما نويت».
وأما من أخطأ فقتل فعليه الدية والكفارة كما قال الله في القتل، وليس بمأخوذ كما يؤخذ المتعمد.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «وما أكرهوا عليه» فقد كان المشركون يكرهون عمار بن ياسر على الشرك، ولم يكن عليه إثم بالتكلم بالشرك، وقلبه مطمئن بالإيمان.
كذلك قال المسلمون: إنه لا إثم على المؤمن إذا أكره على الكلام بالشرك، أو بخلع المسلمين، أو بتكذيب النبيين إذا كان مصدقا.
وأما إذا أكره على الزنى والقتل وشرب الخمر، فليس له فعل ذلك ولا يعذر به.
وقد ذكر لنا أن عبيد الله بن زياد أكره رجلا من المسلمين حتى قتل رجلا، ثم تاب وندم فاشتدت ندامته، فهجره المسلمون وجفوه وطردوه، فكان يلقي نفسه عليهم فلم يقبلوه، ولم يستقيدوا منه، فبلغنا أن قارئا يقرأ آية فيما ذكر النار ففاضت نفسه، فقال أبو عبيدة: فيما ذكر لنا إني أرجو أن لا يعذبك الله وذلك مما رأى من حرصه توبته، والله أعلم.
وأما النسيان فمن نسي شيئا من حقوق الله فلا إثم عليه، فمن (5/84)
صفحة 1594
ذكر فليؤديه مثل من نسي الصلاة، ثم لم يذكرها حتى مات فلا إثم عليه، وإن ذكرها فليؤديها فهذا وأشباهه من الفرائض الواجبة.
* مسألة:
وجاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عفي لأمتي الخطأ والنسيان وحديث النفس وما أكرهوا عليه»، وجاء الأثر في تأويل ذلك: أن النسيان هو أن ينسى العبد شيئا من فرائض الله التي أوجب الله عليه فعلها في الوقت الذي أوجب عليه فعلها، فهو سالم لنسيانه ذلك في جميع الفرائض من صلاة أو زكاة وغير ذلك.
فلو أن رجلا نسي صلاة في وقتها لم يذكرها حتى انقضى وقتها، ثم ذكرها، لكان سالما من الإثم في إجماع الأمة، غير أنه مأمور بأدائها وبدلها، ولو أنه نسيها إلى أن يموت كان سالما عند الله في دينه، وكذلك لو نسي شيئا من الزكاة كان سلاما على هذا، ولو نسي حتى أكل في شهر رمضان نهارا فهو سالم من الإثم بلا اختلاف بين أحد من الفقهاء.
وأما البدل إذا ذكر ذلك في حينه أو بعد ذلك.
قال من قال: عليه بدل يومه.
وقال من قال: لا بدل عليه.
وكذلك لو تولى عدوا لله، أو برئ من ولي الله، أو أفتى في مسألة بغير وجهها فخالف فيها الكتاب والسنة، فجهل ذلك في حين ارتكابه له، ولم يكن في ذلك متدينا في ذلك بخطأ، وإنما هو مجتهد في إصابة الحق على سبيل الحق فهو هالك بخطئه ولا عذر له من جهالته، فإن تاب إلى الله من جميع ذنوبه وهو عالم بذلك الذي ارتكبه، ولو كان على حد الجهالة فيما لزمه فلا عذر له في ذلك، لأنه لا تكون التوبة مع العلم بالذنب مجزية إلا أن يتاب منه بعينه، ولكن لو نسي ذلك الذنب، (5/85)
صفحة 1595
وكان ممن يدين بتحريمه إلا أنه أخطأ بجهالته، ثم تاب في الجملة وهو ناس للذنب بعينه كان هذا مرفوعا عنه من نسيانه، ولو أنه أرتكب الذنب على أنه لا يتوب منه، وأصر عليه، ثم نسي ذلك الإصرار، وذلك الذنب، ثم تاب في الجملة فقد اختلف في هذه المسألة:
قال من قال: إنه تجزيه التوبة في الجملة، لأن الإصرار وإن كان ممتنعا عن التوبة ومحاددة الله، فإنه ذنب أيضا والله يغفر الذنوب جميعا، والنسيان يأتي على جميع ذلك.
وقال من قال: لا تجزيه التوبة في هذه الجملة، لأنه نسي وهو على عزيمة الإيباء عن التوبة والإقامة على الذنب، فلحق بأحكام المستحلين، لأن المستحلين لا تجزيهم توبتهم في الجملة، لأنهم يتقربون إلى الله بمعاصيه، ويتوبون إلى الله من طاعته، فكلما ازدادوا من التقريب إلى الله بمعصية اجتهاد ازدادوا من الله قصوا وابتعادا، وكلما قرب عمره كان أشد حجاه وتمسكه بضلالته، وكذلك هذا المصر فهذا فيما كانت فيه الحقوق لله.
وأما إذا كانت الحقوق للمخلوقين، فلو نسي حتى أكل مال رجل، أو ضربه أو قتله، أو طلق امرأته، أو أعتق عبده، وما كان من هذه الأشياء فهو متعبد بأدائها إلى أهلها في وقت علمه بذلك، وذكره لذلك، وإن نسي أيضا ذلك، وكان على وجه التحريم فتاب في الجملة، ودان بجميع ما يلزمه، علم بذلك أو لم يعلمه كان ذلك مجزيا له في جملة التوبة، فهذا أصل هذا ويأتي على جميع ما كان من مثله هذا من صغار الذنوب أو كبيرها، إذا كان على وجه التحريم، والله أعلم بالصواب.
فهذا في النسيان، وأما الخطأ الذي هو مرفوع عن المسلمين، فتفسير ذلك أنه يريد الحق فيخطئ بغيره، وذلك أنه يريد أن يقول: لا إله إلا الله، فيقول إن الله ثالث ثلاثة، أو يريد أن يقول: إن المسلمين من أهل الجنة، فيقول: إنهم من أهل النار، أو يريد أن يقول (5/86)
صفحة 1596
لزوجته: هي بارة، فيقول: إنها طالق، وكذلك عبده فكل هذا مرفوع الخطأ فيه، وغير متعبد به في الخطأ، ولا إثم عليه به إلا أنه مأمور أن يظهر التوبة إن ظهر ذلك إلى الناس مما يكفر به في ظاهر الأمر عند المسلمين.
وأما فيما بينه وبين الله فلا إثم عليه، ولا طلاق على زوجته، ولا عتاق، فإن حاكماه وجب عليه أن يستسلم لحكم الحق إذا صح لفظه ذلك مع حكام أهل العدل وحكموا عليه بالعدل، فليس عليه أن يخالف الحق الظاهر عليه، لأن الحكم فيه لغيره.
وجاء الأثر مما يحقق هذا مما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا كان يدعو فقال في دعائه: اللهم أدخلني النار، فاشتد على الرجل ذلك، قيل: ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لك ما نويت»، وهذا ما يتسع فيه القول، وهذا من خطأ القول.
وأما لو أخطأ فقتل رجلا أو أتلف عليه مالا، أو جرحه على سبيل الخطأ لم يكن ذلك مرفوعا عنه ما تعبده الله به من أحكام الخطأ من الكفارات في قتل الخطأ، وتسليم ما لزمه من ضمان الأصول في حال القدرة عليها إذا كان ذلك لازما في أحكام العدل.
وأما في مواقعة الخطأ في مثل هذا فلا يكون آثما في الوقت بمواقعة الخطأ، ولو كان ذلك في قتل نفس فما فوقها، فإنما يكفر بتضييعه ما لزمه من أحكام الخطأ عند قدرته على ذلك.
وأما ما أكرهوا عليه فقد جاء الأثر في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مما أكرهوا عليه» فقال: في القول دون الفعل، وهو أن يكره حتى يتولى أهل الضلال أو يصوبهم، أو يبرأ من المسلمين أو يخطئهم، أو يحل حراما أو يحرم حلالا، أو يشرك بالله، فكل هذا (5/87)
صفحة 1597
قد جاء فيه الأثر المجتمع عليه أنه مرفوع عن المكره عليه إذا توسع في ذلك برخصة الله تبارك وتعالى وقلبه مطمئن بالإيمان كاره لما جبر عليه.
وأما إذا أكره على شيء من الأفعال بمعصية الله من إتلاف مال، أو قتل نفس، أو ارتكاب محرم من زنى أو شرب خمر، وقال من قال في الخمر: بالوقوف عن كفره.
وأما كلما يجوز عند الضرورة مما أحله الله للمضطر، فقد قال بعض المسلمين: إنه غير آثم في مواقعته على الجبر، لأن الجبر من حال الضرورات إذا كانت التقية في هذا الموضع على النفس، وكذلك الخمر، فقد قال بعض المسلمين: إنه لا يجوز عند الضرورة أن يشرب الخمر لأنه لا عوض فيه عن الجوع.
وقال بعض: إن كان فيه عوض يرجو فيه نجاة نفسه فذلك يوقف عنه عند الجبر على شربه.
وأما في أكل ما لا يجوز الضرورة فهو آثم بمواقعته، ولو كان على حد الجبر فالإجماع من المسلمين في ذلك أنه محجور عليه ذلك، وأنه لا يسعه ارتكابه على حال، فإن ارتكبه فهو آثم ظالم ضامن لما أتلف ظالم ضامن لما أتلف مما ارتكب من ذلك مما فيه الضمان، فهو متعبد بأدائه إلى أهله إذا قدر على ذلك، وما ارتكب في ذلك من الحدود التي تلزمه في الإسلام على الجبر فالاختلاف في إقامتها عليه.
فقال من قال: عليه الحد فيما ارتكب من جميع ذلك، ولا عذر له فيه.
وقال من قال: إنه آثم، ويدرأ عنه الحد بالشبهة لموضع الجبر.
وأما إن كان فيه قود: فقال من قال: إن عليه القود. (5/88)
صفحة 1598
وقال بعض: عليه الدية والكفارة ولا قود عليه، وذلك على قول من يقول: إن القود حد، وإنه لا تجوز فيه الشهادة عن الشهادة، وأنه لا تجوز فيه شهادة قومنا على المسلمين، والقول الأول الذي يرى عليه صاحب القول الأول القود، يقول: إنه حق من حقوق العباد وهو متعبد به، وتجوز فيه الشهادة عن الشهادة، وتجوز فيه شهادة قومنا على المسلمين، ويقاد المسلم بشهادة قومنا، ويكون على ولايته.
وأما ما حدثتهم به أنفسهم، قالوا: هذا هو الخاطر الذي يخطر بالقلب من غير تحقيق منه بالخاطر، ولا اعتقاد منه لذلك، وإنما يلم به ذلك فيحدث نفسه بشيء من المكفرات، أو بشيء من عظيمات الكفر في أمر التوحيد، وفي صفة الله عز وجل وغير ذلك، وكلما حدثته به نفسه من ذلك وألم بقلبه منه فهو في محنة يعارض بها، وهو محض الإيمان فيما قيل، فما لم يحقق ذلك ويعتقده ويرضى بذلك ولا ينكره فهو سالم، ولا يكون الحديث أكثر من السماع والرواية من الكفر والمعاصي.
فإذا أنكر ذلك الذي رآه وسمعه تعبد به على ما تعبد فيه فهو سالم إذا وافق اعتقاد السلامة، والله الموفق للصواب.
وخاطر القلب متعبد به الإنسان كما تعبد بسمعه وبصره، وشاهد ذلك من كتاب الله تبارك وتعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} (الإسراء:36)، فهو مسؤول عما اعتقد بقلبه، وقد صح شاهد ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى فيمن قال بقلبه، وأسر في نفسه، ولم تلفظ به لسانه، فقال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} فقد كان هاهنا قول في النفس بغير حركة باللسان أوجب الله عليه العذاب، فقال: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (المجادلة:8).
وجاء الأثر اجتمع عليه في قول المعرفة من المسلمين، ولعل ذلك يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: الإيمان قول وعمل ونية وموافقة (5/89)
صفحة 1599
السنة، ولا يكون الإيمان إلا بأربع، والكفر قول وعمل ونية ومخالفة السنة، والإيمان متقدم بأحد الأربع، والله أعلم بالصواب.
* مسألة:
عن أبي سعيد: وجاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عفى الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدثوا به أنفسهم وما أكرهوا عليه» فلو أن عبدا ارتكب الذنب على أنه لا يتوب منه، وأصر عليه ثم نسي ذلك الإصرار وذلك الذنب، ثم تاب في الجملة فقد اختلف في هذه المسألة:
فقال من قال: تجزيه التوبة في الجملة، لأن الإصرار وإن كان مانعا عن التوبة ومحاددة الله، فإنه ذنب أيضا والله يغفر الذنوب جميعا، فالنسيان يأتي على جميع ذلك.
وقال من قال: لا تجزيه التوبة في هذا في الجملة، لأنه نسي وهو على عزيمة الإيباء عن التوبة، والإقامة على الذنب، فلحق بأحكام المستحلين، لأن المستحلين لا تجزيهم توبتهم في الجملة، لأنهم يتقربون إلى الله بمعاصيه، ويتوبون إلى الله من طاعته، فكلما ازدادوا من التقرب إلى الله بمعصيته اجتهادا ازداوا من الله قصوا وإبعادا، وهذا فيما كانت الحقوق لله، وأما إذا كانت الحقوق للمخلوقين، ولو نسي حتى أكل من مال رجل أو قتله أو ضربه، وما كان من هذه الأشياء فهو متعبد بأدائها إلى أربابها في وقت علمه بذلك وذكره لذلك.
فإن نسي أيضا وكان على وجه التحريم فتاب في الجملة، ودان بجميع ما يلزمه علم ذلك أو لم يعلمه، كان ذلك مجزيا له في جملة التوبة، فهذا أصل يأتي على جميع ما كان مثل هذا من صغائر الذنوب وكبائرها، إذا كان على وجه التحريم، والله أعلم بالصواب. (5/90)
صفحة 1600
وكذلك عندي لو نسي المستحل الذي يدين بشيء من الضلال ما استحله ودان به فتاب في الجملة من جميع ما عصى الله من قول أو عمل أو نية بعلم أو بجهل، برأي أو بدين، وكان هذا اعتقاده في توبته، ونسي ذلك الشيء بعينه، فإن هذا عندي لا تجزيه التوبة في الجملة حتى يذكر ذلك الشيء بعينه، فيدين به بحالته أو يرجع فيتوب.
* مسألة:
ومن جامع أبي محمد: الدليل على أن المعصية لا تكون إلا من قاصد إليها، قول الله جل ذكره: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} (الأحزاب:5).
* مسألة:
ومن سيرة أبي الحواري: وقد ألزموا ضعاف المسلمين الولاية لمحمد بن يزيد، قيل ذلك ببيعتهم له على الأمانة، فإن قالوا فهل لهم توبة من ذلك؟
قيل لهم: تكون التوبة على جميع من عرف ببيعتهم لمحمد بن يزيد وإمامته، لأن إمامته قد تثبت على الناس ببيعتهم إياه، وكذلك بلغنا عن المسلمين أنهم قالوا لهلال بن عطية: أن يرجع إلى بلاده فيرد من كان قد استجاب له إلى دعوته على دين الصفرية.
وكذلك قالوا لأبي المؤرج فيما بلغنا: أن يرجع إلى أهل قدم أن يرد من دخل في دعوته من الشعبية.
وأما هلال رحمه الله فرجع إلى بلاده ففعل ما أمره به المسلمون، وكان معهم في الولاية. (5/91)
صفحة 1601
أما أبو المؤرج فبلغنا أنه مات قبل أن يصل فوقف عنده المسلمون وأما نحن نتبع ولا نبتدع.
* مسألة:
ومن غيره:
وسألت عن رجل ارتد عن الإسلام وقبح أمر المسلمين إلى الناس، وشيع أمرهم وقال: إنهم على ضلالة، ودعا ذلك الناس، فاستجاب له من استجاب، ثم إنه ندم ويريد التوبة أله؟
قال أبو عيسى: توبته أن يذهب إلى الذين دعاهم إلى الضلالة، وإلى الناس الذين قبح عندهم أمر المسلمين، وشيع عندهم فيقول لهم: إني كنت دعوتكم إلى غير الحق، وإن الذي قلت على المسلمين قلت كذبا وزورا، وإن المسلمين خيار الناس وإنه ليس على ظهر الأرض خير المسلمين، وإني أستغفر الله وأتوب إليه مما قلت عليهم، فإن فعل فحينئذ تكون له توبة، وإن لم يفعل فلا توبة له.
وقال: وكان في زمان الربيع ووائل رجل من الصفرية، ووقع بخوارزم، أراد أن يتوب، فقالوا: تبين لك الإسلام ولكن لا تكون لك عندنا ولاية حتى يأتي إلى قومك الذين دعوتهم، لأنك كنت داعيا تدعو الناس فتبين لهم أني كنت أدعوكم إلى غير الحق، وأني قد تبت من ذلك، وقد رجعت فاعلموا ذلك يا قوم، قال: فذهب فأخبرهم فبلغني أنه جاء إليهم بعد ذلك فعرضوا عليه الإسلام.
* مسألة:
ومن قتل مؤمنا كانت له عند الله ولاية فقتله عمدا، فليس له عند الله ولاية -نسخة- توبة، وفيما بينه وبين الله توبته أن يعطي بيده، (5/92)
صفحة 1602
ويمكن من نفسه، إما الدية وإما القود أيما شاء أولياء المقتول، وإما عند الله فليس له مخرج ولا توبة.
* مسألة:
وقال: من ابتدع بدعة ودعا الناس إليها فأخذوا عنه، وعملوا بتلك البدعة، ومات من أتباعه نفر على تلك البدعة، ثم ندم فليس له توبة عند الله، وأما فيما بينه وبين الناس فعليه أن يأتي القوم الذين دعاهم إلى بدعته فيخبرهم أنه قد رجع عن ذلك، وأن دينه دين المسلمين.
قال غيره:
التوبة مقبولة إن شاء الله، وكفى حجة بأن التوبة مقبولة توبة عائشة رضي الله عنها هكذا وجدته في آثار المسلمين، والله أعلم.
* مسألة:
وقال: ومن حلف عند سلطان يقطع مال الناس عمدا، فليس له عند الله توبة، ولا مخرج له من ذلك اليمين فيما بينه وبين الله، وأما فيما بينه وبين الناس فليرد مال من جحد وحلف عليه وليكفر يمينه.
* مسألة:
نسخة من كتاب محمد بن سعيد بن محرز، من نسخة كتاب محمود بن نصر الخراساني رحمه الله، وكان يقول: توبة كتوبة إدريس، وذلك أن إدريس قد كان خالف المسلمين في شيء، ثم رجع تائبا نادما ملقيا بيده، فقيل له: هل كنت تبرأ من أبي عبيدة وحاجب.
فقال: نعم أنا أستغفر الله وأتوب إليه. (5/93)
صفحة 1603
فقال حاجب: توبتك توبة إدريس.
وقال أيضا: من أئمة المسلمين يأمرون صوبه؟
فقال: يا معاشر المسلمين لم أقل هذه المقالة، فإن كنت قلتها فأنا أستغفر الله وأتوب إليه قبلت توبته، وفي الأنفس ما فيها إذا قال: نعم، والله لقد قلت هذه المقالة وأنا أستغفر الله منها، وأتوب إليه، فهذه التوبة صحيحة تقبل، وليس في الأنفس منها شيء.
وبلغنا عن ضمام رواية جابر بن زيد رحمه الله، وكان فقيها عالما دخل عليه رجل من المسلمين له فضل وقدر ومنزلة عند ضمام، فذكر الرجل الداخل عليه رجلا من المسلمين فقال: فلان لا خير فيه.
فقال ضمام: برئ الله منك، فقال الرجل وهو يبكي وينتفض: أتبرأ مني يا ضمام؟
فقال له ضمام: برئ الله منك، أنت حملتني على ذلك، تبرأ من أحد من المسلمين بين يدي ولا أبرأ منك.
فقال الرجل: أنا أستغفر الله.
فقال له ضمام: يغفر الله لك، فالبراءة عند الله عظيمة، من برئ فقد قتل.
* مسألة:
ومن غيره:
وذكر لنا أن عائشة اشتهرت توبتها فإنها كانت تظهر توبتها إلى من أتاها حتى صارت توبتها شهرة، وقد نادى المسلمون بتوبتها. (5/94)
صفحة 1604
* مسألة:
عن أبي الحسن محمد بن الحسن: فيما عندي في الرجل يريد أن يستتيب وليه من أمر قد لزمه منه التوبة من الصغائر، أو من الكبائر، فتكون مخاطبتها على ذلك الذنب، فيقول له: أستغفر ربك من كذا وكذا، فيقول الآخر: أستغفر الله؟
فقال: إن ذلك جواب لكلامه ويجزيه ذلك عن تفسير الذنب، ويرجع إلى ولايته.
قلت له: فإن قال له: أستغفر الله ربك من كذا وكذا مما قد لزمه منه التوبة عند المسلمين، فسكت ولم يقل شيئا ولعله استغفر في نفسه هل يكون حكمه حكم المصرين ويبرأ منه؟
قال: نعم، إذا استتابه به ولم يسمع منه التوبة برئ منه حتى يسمع منه التوبة.
قلت له: فهل عليه أن يراجعه من بعد ذلك؟
قال: إذا استتابه به فلم يتم لم يكن عليه أن يراجعه، وإن راجعه فحسن إلا أنه لا يلزمه ذلك كما يلزمه أن يستتيبه أول مرة، وهو يبرأ منه حتى يرجع إليه هو، فيتوب من ذلك.
قال أبو معاوية: أو يوجد عن أبي معاوية رحمه الله أنه قال: إذا علم الرجل من وليه ذنبا فسمعه من بعد ذلك يقول: أنا أستغفر الله من كل ذنب، فإن ذلك يجزيه ويرجع إلى ولايته، لأن كل الذنوب داخلة في ذلك، وذلك مما كان يعلم أنه يدين بتحريمه، فإذا علم أن وليه ممن يدين بتحريم ما يأتي من الذنوب فإنما يكون ذلك زلات وعثرات. (5/95)
صفحة 1605
فإذا سمعه يقول: أستغفر الله من كل ذنب كان ذلك على قول أبي معاوية.
وأما إذا علم منه أنه يدين باستحلال ما يأتي من الذنوب والمكفرات والسيئات فلا يجزيه ذلك حتى يعلم منه التوبة من ذلك، والرجعة عن الدينونة بخلاف المسلمين في ذلك، ثم لا يجري عليه ولا شيء من بعد ذلك إن كان من أهل ذلك.
* مسألة:
ومن دعا إلى دعوة كفر وضلال فاتبعه ناس وماتوا على ذلك الضلال، ثم أراد الداعي التوبة بعد موتهم، هل له توبة، وهل يرجع إلى ولاية المسلمين؟
فأقول: نعم، إن له التوبة إن شاء الله، وديني دين المسلمين، وكفى حجة بأن التوبة -لعله- أراد مقبولة توبة عائشة عليها السلام زوج النبي صلى الله عليه وسلم. (5/96)
صفحة 1606
باب
في ذنوب الأنبياء عليهم السلام
عن أبي الحواري: وعن العزير: ما هو نبي أو ما هو؟
فقد سمعنا في العزير أخبارا فمنها والذي يعتمد عليه، والله أعلم أنه قيل: كان نبيا فسأل ربه عن القدر، وأحسب أنه فيما روي عنه أنه قال: يا رب إنك لا تحب أن تعصى، وأراك تعصى، وكلام كثير يطول به الكتاب.
فأزال الله عنه النبوة بذلك، وذلك أنهم قالوا: إن الله تعالى قال فيما خاطبه: تسألني عن سري، إلا أنا نرجو أنه عبد صالح إن شاء الله.
*مسألة:
وروي أنه عليه السلام قال يوم الخندق وهو ينقل التراب: «والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، والمشركون قد بغوا علينا» وقال يوم حنين وقد انهزم أصحابه: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» قال، وقد عثر بحجر فدمت أصبعه فقال: «هل أنت إلا أصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت» وقال يوم حفر الخندق وروي أنه المغيرة: «اللهم إن الخير خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة». وقال يوم الفتح بمكة: «عزت قريش بالسماحة والندا والجود تحت عمائم الأنصار».
وقد اجتمع أهل العلم على أن هذا ليس شعرا، ولو كان شعرا ما أحسنه النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى قال: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ (5/97)
صفحة 1607
الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} (يس:69).وأما قوله: عزت، قيل: بمعنى أنه قلت، والشيء اذا قل عز، والله أعلم.
ومن غير الكتاب من الحاشية وهو هذا.
قال غيره:
في هذا الكلام نظر، لأن في صحته تكذيبا لكتاب الله عز وجل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني بلوت اليهود فوجدتهم قد كذبوا على أخي موسى، وبلوت النصارى فوجدتهم قد كذبوا على أخي عيسى» ولعله قال: «ستروى عني روايات فاعرضوها على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلوه، وما خالف كتاب الله فانبذوه، فإني لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن».
ومن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الشعر فقد رد كتاب الله، واتخذ آيات الله هزؤا، وما الله بغافل عما يعمل الظالمون، والله أعلم.
* مسألة:
من جواب محمد بن محبوب رحمه الله: وعن الأنبياء صلوات الله عليهم ما كانوا عند الله إذ كانوا رجالا غير مسلمين؟
قال: فالأنبياء لا يجوز هذا القول فيهم، وهم أنبياء الله لم يزالوا عند الله مسلمين، وهم له أولياء لا يسع أحدا يقول: إن أنبياء الله ورسله كانوا عند الله في شيء من الحالات كفارا ولا ضلالا، وهم أصفياء الله قبل أن يخلقهم، وكذلك أخبرنا الله تبارك وتعالى فقال: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} (آل عمران: 33 - 34)، صفوته إياهم قبل أن يخلقهم. (5/98)
صفحة 1608
وأما قول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى} (الضحى: 6 - 7)، يعني بذلك ضالا عن النبوة لم تأته بعد.
وكذلك يوجد في صفة موسى وفرعون -نسخة- موسى من فرعون إذ قال لموسى: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (الشعراء: 18 - 19)، قال موسى عليه السلام لفرعون: {فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} يعني عن النبوة، {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (الشعراء: 20 - 21).
* مسألة:
من الزيادة المضافة عن أبي الحواري من كتاب الأشياخ:
هل يلزمنا أن نصلي على الملائكة والنبيين والمرسلين كنحو ما يلزمنا من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟
قال: من حيث اللازم فلا، والمأمور به ذلك، ولكن الدعاء للأنبياء واللازم عليها كما قال الله تعالى.
قلت: فالصلاة على آله كالصلاة عليه؟
قال: الذي وجدنا الناس عليه يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله والصلاة عليه قلت من ....... (1) رجع إلى كتاب بيان الشرع.
__________
(1) بياض في الأصول. (5/99)
صفحة 1609
باب
في أخبار المسلمين وفضائلهم وما أشبه ذلك
قال أبو سفيان: حدثني وائل، لقد أدركت رجالا إن كان الرجل منهم لو ولي على الدنيا لاحتمل ذلك في عقله وحلمه وفهمه وورعه.
خبر ذكر لنا أن أبا الحر كان جالسا في المسجد في حلقة فقدم أخوه الحسن من العراق قال: فأقبل يريده حتى جاء إلى الحلقة، قال: فلم يقم إليه وأخذ أخوه بيده وهو جالس، قال: ولم يكن رآه مذ زمان، قال: فبينما هم كذلك إذ طلع رجل من أهل عمان قال: فلما نظر إليه أبو الحر قام قائما، وخرج من الحلقة، فتلقاه واعتنقه، وقبل جوانب عنقه ورحب به، قال: فأسقط في يد أخيه، قال: فقالوا: إن مودة هذا على غير مودتك، وتودد هذا على الدين وأنت على النسب.
فصل
قال أبو سفيان: كان أبو الحرّ في جواره بمكة يخاف الشهرة، قال: فإذا دخل البيت عمد إلى السارية المقابلة للباب، فصلى إليها كأنه يرى أن ليس حلقة تركها.
قال أبو سفيان: سمعنا أن أبا طاهر يقول: ذكر الربيع عند أبي عبيدة فقال: ثقتنا وأميننا خبر وقد كان عبيد الله بن زياد حبس المسلمين، ثم أمر المولى أن يقتلوا العرب منهم، ويخلي سبيلهم، وإلا قتلهم، فكرهوا ثم أمر العرب أن يقتلوا الموالي ويخلي سبيلهم ففعلوا، فخلى سبيلهم فكانوا يأتون بعد ذلك مجالس المسلمين ودورهم، وكان شاب منهم مات من ذكر النار. (5/100)
صفحة 1610
قال أبو عبيدة وهو يرفع رأسه: أرجو أن لا يعذبك الله، وذلك أنهم أعطوا الحق من أنفسهم، وقادوا أنفسهم إلى أولياء المقتولين فكرهوا أن يقتلوهم، فمن أجل ذلك قال أبو عبيدة ما قال.
* مسألة:
خبر طواف: قال ما كان من خبر طواف أنه أتى ذات يوم إلى إخوته وهم في بيت، فأخذ بعضادة الباب، ثم قال: يا إخوتي -لعله- يا إخوتاه لِمَ تعينوا الشيطان على أخيكم، أمالي توبة مما أتيت؟
قال له مرداس: توبتك أن تخرج سيفك إلى هذا الطاغية.
فخرج طواف بن المعلا وهو أحد أعمام كرزم في نفر على ابن زياد فقتلوا، فقال مرداس: إني لأرجو أن يكون طواف قد سن فينا سنة حسنة باقية.
وقال أبو سعيد: إنهم قاتلوا ثلاثة أيام إلى جنب جدار فلم يقدروا لهم على شيء حتى هدموا عليهم الجدار فماتوا تحته.
وفي ذلك يقول بعض الخوارج:
ما كان في دين طواف وصحبته ... أهل الجدار احتراث الحث والعنب
الناقدين على منهاج أولهم ... من الخوارج قبل الغل والشغب
وقال:
يا رب هل لي الشرا والصدق في ثقة واكف المهم فأنت الرازق الكافي (5/101)
صفحة 1611
حتى أبيع التي تغنى بآخرة ... تبقى على هدى مرداس وطواف
وكهمش وأبي الشعثا إذا نفرا ... وابن المسيح وجواب وزحاف
ما راقهم باطل الدنيا ولذتها ... ولا الترفل في خز وأفواف
كم فيهم من علام العلم ذي ثقة ... ومن خطيب لدين الله وصاف
أولئك البائعون الله أنفسهم ... بجنة الخلد والمنقوص بالوافي
فصل
من كتب أبي عبيدة رحمه الله:
ولقد وجدت عليّ لكم في مسألتي عن بعضكم، فأخبرني أنه لم يلقه، فعجبت لتقصيرنا، ترون أن من نعمة الله علينا وعليكم أن نرجو أن تصل مودتنا إلى أصحاب الكهف وأصحاب الأخدود، وإلى أنبياء الله الأولين القدماء، فكيف تقصر مودتنا في إخواننا وشركائنا في حب الله، وأعواننا على ذكره بالبر والتقوى، ولم تعلموا ما سبق به أولكم إن كنتم صادقين لحزنتم طويلا، ولتهجدتم بالليل كثيرا، ولبكيتم كما بكى الذين من قبلكم من المسلمين.
لقد كان أبو بلال رحمه الله يبكي في جوف الليل حتى لا يطيق أن يقوم، ولقد كان من شوقه إلى إخوانه أنه يخرج من عند أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله بعد العتمة، ثم يأتيه قبل الصبح فيصلي معه، (5/102)
صفحة 1612
فيقول له جابر: يا أخي شققت على نفسك! فيقول: والله لقد طال ما هبت نفسي بلقاك شوقا إليك حتى آتيك، وإن كان من رحمته ليتبع المملوك وعليه قربته فيدعوه إلى الإسلام، ويبين له حق الإسلام، حتى إذا دنى المملوك من منزل أربابه رجع، أو بلال ولا أفطر قط حتى يعزل من فطره شيئا للسائل يسأل مسكينا أو يتيما من قومه، أو من كان، ثم قال يوم قتل: يا ليت لي نفسين نفس تقاتل في سبيل الله، ونفس تقوم بأمر المسلمين.
ولقد كان يصيح فيقول: هل أجاب الله اليوم من أحد؟
فيقال له: نعم.
فيقول: ائتوني بأنصار الله على حقه، فيقول لهم: أنعم الله بكم عينا إلى الله تحولتم، وملائكته وكتبه ورسله وأوليائه أجبتم، ألم تسمعوا أن الله يقول في كتابه: {لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (المجادلة:22)، فيقرأ عليهم الآية كلها، ثم يقول: خير لكم من آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وعشيرتكم، ألا تسمعون أن الله يقول: {لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} (المائدة:68) فيقرأ الآية عليهم.
ثم يقول: ألا ترون أنكم بهم تتولون أنا على الإيمان ولا تقيمون الكتاب، والله يقول: {لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} ثم قال: لقد ذهب اللحم والجلد، إذا أقبل عليه أو أن أثر السجود ألقى عظم وجهه، وكان يقول: ما أتيت على آية فيها ذكر خطيئة عملت بها إلا استغفرت الله منها، وإني لأحفظ كل شيء تكلمت به مذ أصبحت مخافة أن أخطئ، ولقد كان أول من حكم بالكوفة رحمه الله، وبارك عليه، فكونوا بأولئك تقتدون، وفيهم تفكرون. (5/103)
صفحة 1613
أسأل الله لنا ولكم هداه ومغفرته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والسلام على المرسلين.
فصل
من الزيادة المضافة:
قال: أرسل عبيد الله بن زياد إلى غلام لعروة بن أسود بعد ما قتل عروة كان يخدمه، فقال: ويحك حدثني عن عروة.
فقال: أجمل أم أفسر؟
فقال: بل أجمل.
فقال: ما جعلت له طعاما يوما بنهار قط، ولا فرشت له بليل قط.
قال: حسبك. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
وروي لنا، عن زاهد كان يتعاهد بالوصول إلى موسى بن علي رحمه الله بأزكي، حتى ولي القضاء، فلما ولي القضاء، انقطع عنه الزاهد، ورجع يواصل سعيد بن جعفر بعد في أزكي فقيل للزاهد في ذلك فقال: ذلك قد دخل في الدنيا وأمور الناس.
فأرسل أبو علي إلى سعيد بن جعفر أن يكون ينظره الزاهد معه حتى يصل موسى إليه، فامتنع الزاهد عن ذلك، فلم يزل سعيد بن جعفر بالزاهد إلى أن أجب إلى ذلك.
فوصل موسى بن علي إليه، واجتمع الزاهد وموسى بن علي وسعيد بن جعفر، فلما أراد الزاهد الانصراف سلما إليه دريهمات فلم يقبلها إلا بعد مسألة عنها فقبضها، وخرج من عندهما، فخرجا في أثره ينظرانه فلم ينظرانه إلى أن لقي رجلين معهما حمار، فوقف الزاهد معهما كأنه (5/104)
صفحة 1614
يكلمهما، فوقف موسى وسعيد إلى أن وصل إليهما الرجلان، فسألاهما عن وقوف الزاهد معهما فقالا لهما: إنه سألهما عن الحمار الذي معهما لمن هو منهما، فعرفاه أنه لأحدهما فسلم الدريهمات إلى الذي اعترف أن الحمار لصاحبه.
وروي لنا أن هذا الزاهد كان يصل في أيام الإمام، يدخل مسجد نزوى الجامع يصلي فيه، ولا يدخل السوق، ولا يصل إلى مجلس الإمام فيشرف على السوق فيقول: يا أهل الغفلة، يا أصحاب المكيال والميزان ثم ينصرف.
* مسألة:
قال أبو سعيد: اللكع يخرج من طريق البلاهة، وقال: روى لنا الشيخ أبو إبراهيم أنه كان رجل يحب التخادم لبعض أهل العلم، ويقضي حوائجه، فاستقضى ذلك العالم بعض أرحامه في أن يحضره كوز ماء ليشربه، فقام ذلك الرجل إلى العالم فقال له أعصبية؟ فقال له العالم: يا لكع وهذا عصبية، إنما العصبية أن تحبه على المعصية أو تعينه عليها.
فصل
قال أبو سعيد: معي أنه يوجد أن الصالحين يجزءون الليل على ثلاثة أجزاء:
الثلث الأول: يكونون في أداء الفرائض من الصلوات والذكر لله وما يحتاجون إليه.
والثلث الثاني: ينامون فيه. (5/105)
صفحة 1615
والثلث الثالث: يقومون للذكر والعبادة فيما أحسب أنه قيل، والله أعلم.
فصل
وروي لنا أن الحتات بن الكاتب المشهور بالفقه من فقهاء المسلمين، وقيل: إنه كان من توام، وكان فيما قيل إنه كان ينزل بسمد نزوى من عمان.
فصل
من الزيادة المضافة:
قيل لما أن قتل علي بن أبي طالب أهل النهروان أمر بعيابهم فجمعت فإذا هي مصاحف وترائس، فذكر أنه أصيب في عسكرهم أربعة آلاف مصحف إلا مصحف، فبكى علي حتى كادت نفسه تخرج، ويقال أنه دخل على ابنته أم كلثوم وهنأته بالظفر بهم، فقال علي: أصبح أبوك من أهل النار إن لم يرحم الله.
فصل
وأخبرني أن رجلا من المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مر تحت جذع عروة، فقال: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، فانطلق الحرس، قال: فأخبر زيادا فأرسل إليه فلما جاءه قال: أخبرني كيف معاوية؟
فقال: بل أخبرك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه وقضاؤه وعداوته وولايته.
قال: لا أخبرني كيف كان معاوية؟ (5/106)
صفحة 1616
قال: أراك سفيها أخبرك عن رسول الله فتقول لا أخبرني عن معاوية، أتريد أن تعلو بذكر معاوية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا أعلمك كلمة حتى أموت.
قال: فعذب بكل عذاب فأبى، فجاءه أناس من أشرف الناس فقالوا: سبحان الله رجل من المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصلبه!
قال: فقولوا له: يكلمني ثم يذهب، فجاءوه.
فقالوا: غفر الله لك إن هذا جبار لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر كلمه يسرحك.
قال: لا يبر، وهو آثم، فأبى أن يكلمه، فأمر به فأخرج إلى الجبانة، ثم جعل حوله حزم قصب، ثم أحرقه بالنار. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
فقال أبو الحسن رحمه الله: إن ثلاثة إخوة في الله أصابتهم كلامة في وقعة القادسية، فأوتي لأحدهم بإناء فيه ماء فقال للذي أتى به إليه: اذهب به إلى أخي فلان فعله أحوج مني، فمر به فقال له الآخر مثل ذلك، فذهب به إلى الآخر فقال له أن يرجع به إلى الأول وقال له مثل ذلك، فوصل إلى الأول فوجده قد مات، ثم وصل إلى الثاني والثالث فوجدهما قد ماتا، فلم يشربوا منه شيئا.
فسأل سائل أبا الحسن: هل يلزمهم في هذا إثم؟
قال: لا، لأن هؤلاء آثروا إخوانهم على أنفسهم، ثم تلى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (الحشر:9) إلى آخر الآية. (5/107)
صفحة 1617
ومن غيره:
ومن مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ} يقول: الرجع مطر بعد مطر، {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} يقول: إذا انصدعت للنبات، وهذا قسم آخر {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} يقول: يفصل به قول الباطل.
خبر قال: بينما المشركون بفناء الكعبة وهم يتذاكرون أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ومعهم يومئذ لبيد ابن ربيعة العامري، وهو ينشد من شعره القصيدة التي يقول فيها:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
قال: فسمعه عثمان بن مظعون، وكان عثمان من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت إلى لبيد بن ربيعة وقال: كذبت، إن نعيم الجنة لا يزول.
قال لبيد: يا معاشر قريش ما هذا الذي حدث فيكم؟ ما ظننت جليسا منكم يؤذيني، فقال له رجل من المشركين، لا عليك فإنه سفيه من سفهاء بني جمح.
قال عثمان بن مظعون: أنت أحق وأولى بالسفه مني.
فقال ذلك المشرك: والله يا ابن مظعون لولا أنك في جوار الوليد بن المغيرة لعلمت ما يترك بك في يومك هذا.
فقال عثمان بن مظعون: والله إني في جوار الله، وجوار محمد عليه السلام، وجوارهما خير من جوار الوليد ابن المغيرة. (5/108)
صفحة 1618
قال: فغضب الوليد بن المغيرة وكان حاضرا، فقال: يا معاشر قريش إن هذا قد رد عليّ جواري فشأنكم به، قال: فوثب إليه ذلك المشرك فلطمه على عينه لطمة فذهبت بها عينه.
فقال له الوليد بن المغيرة: كيف ترى يا ابن أخ أما والله كنت في ذمتنا لقد كانت عينك عما أصابها غنية.
فقال عثمان بن مظعون: والله إن عيني الأخرى لفقيرة إلى ما أصاب أختها وإني لفي جوار من هو أعز على الله منك.
قال: ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخبره بقصته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شئت دعوت الله فيرد عليك عينك صحيحة كما كانت وإن شئت عوضك الله بها الجنة».
فقال عثمان بن مظعون: الجنة يا رسول الله أحبّ إليّ من عيني.
خبر حبيب بن الحارث:
بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم وهو في جماعة من المهاجرين والأنصار: «يا معاشر المهاجرين والأنصار أيكم يأتي مكة يؤذن فيها فيكون سيد الشهداء يوم القيامة؟».
فقال حبيب بن الحارث الأنصاري: أنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: «أنت لها».
فخرج حبيب حتى أتى مكة، فلما دخل المسجد أذن فيه، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، خرج إليه أبو سفيان بن حرب في نفر من قريش، فقال: اقتلوا هذا الصابئ، فلما (5/109)
صفحة 1619
أتوه بخشبة ليصلبوه قال لهم حبيب: دعوني أسجد سجدتين، قالوا له: افعل ما شئت فإنا لابد قاتلوك وصالبوك.
فركع ركعتين ثم قال: اللهم إنك تعلم أن رسولك أرسلني، وإني لا أجد من رسول إلى رسولك فأقرئ محمدا وأصحابه مني السلام، فلم يلبث النبي صلى الله عليه وسلم إذ هبط عليه جبريل عليه السلام وهو متكئ في جماعة من المهاجرين والأنصار فقال: يا محمد إن العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول لك: إن حبيب بن الحارث الأنصاري يقرئك السلام وأصحابك فرد النبي صلى الله عليه وسلم السلام ثلاث مرات.
فقال المهاجرون والأنصار: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبكيك وعلى من ترد السلام؟
فقال: يا معاشر المهاجرين والأنصار أخوكم حبيب يقرئكم السلام.
فلما رفع حبيب على الخشبة قال له أبو سفيان بن حرب: هل لك أن تقول كلمة ندعك فإنا لا نصنع بقتلك شيئا؟
قال: وما هي؟
قال: اكفر بالله.
قال حبيب: هيهات لا أكفر بالله وفيّ من الروح شيء.
فقال: فقل كلمة أخرى.
قال: وما هي؟
قال: اكفر بمحمد.
قال: سواء عليّ كفرت بالله أو كفرت بمحمد فأبى، ثم قال: (5/110)
صفحة 1620
فإني سمعت في كتاب الله عز وجل: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} (النساء:80).
قال: فقل كلمة أخرى.
قال: وما هي؟
قال: قل ليت محمدا مكاني.
قال: والله ما يسرني أن تقع شوكة في رجل محمد صلى الله عليه وسلم.
فلما أبى عليهم جمعوا رجالهم ونساءهم وقالوا: هذا ممن كان أشرك في دماء آبائكم فرموه حتى كسروا فاه، فلما نظر إليهم قال: اللهم احصرهم حصرا، وأحصهم عددا، وبددهم بددا، ولا تبق منهم أحدا.
فلما أقبلوا يقذفونه بالحجارة قال: اللهم إن كنت تعلم أن ما عندك خيرا لي فاستقبل بي القبلة، فاستدارت به الخشبة حتى وجهته إلى القبلة فمات رحمه الله.
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه مما وجدت:
أخبرني أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبي الأشهب المنحي: أنه كان بقرية منح رجل عفيف له نخلة واحدة، فكان يغدو إلى خارج البلد يصلي ما شاء الله، فإذا أراد العودة إلى البلد حمل قفيزا من السماد فطرحه تحتها، فكان ذلك دأبه فإذا حملت وأدركت عد ثمرتها وقسمها على عد السنة، وجعل لكل يوم شيئا منها على الأجزاء، وكان يأكل ذلك لا غيره بلا إدام ولا خبز، ولا يطعم غيره، وكان صائما حتى مات رحمه الله. (5/111)
صفحة 1621
وبلغني أن النخلة بقيت إلى أيام الخليل بن شاذان، وأنه من كرمها بلغت الجزرة الأولى منها اثني عشرة جذعا. انقضى ما وجدته من ذلك، والله يضاعف لمن يشاء وهو على كل شيء قدير.
فصل
في عدد أولياء الله عز وجل عن الخضر عليه السلام، وجدت ذلك مكتوبا قال:
إنه لما قبل محمد صلى الله عليه وسلم، شكت الأرض إلى الله جل اسمه: إني يا رب بقيت لا يمشي عليّ نبي إلى يوم القيامة.
فأوحى الله إليها أني سأجعل في هذه الأمة رجالا مثل الأنبياء، قلوبهم على قلوب الأنبياء.
قلت كم هم؟
قال: ثلاثمائة وهم الأولياء، وسبعون وهم النجباء، وأربعون وهم الأوتاد، وعشرة وهم النجباء، وسبعة وهم العرفاء، وثلاثة وهم المختارون، وواحد وهو الغوث.
فأما الغوث اختير من الثلاثة، فيجعل في مرتبته، ويختار من السبعة واحد فيجعل في الثلاثة، ويختار من العشرة واحد، فيجعل في السبعة، ومن الأربعين إلى العشرة، ومن السبعين إلى الأربعين، ومن الثلاثمائة إلى السبعين.
ويختار من أهل الأرض واحد إلى الثلاثمائة هكذا إلى يوم القيامة، منهم من قلبه مثل قلب موسى، ومنهم من قلبه مثل قلب نوح، ومنهم من قلبه مثل قلب إبراهيم، ومثل قلب جبريل عليه السلام، ومثل قلب داود وسليمان وأيوب وعيسى. (5/112)
صفحة 1622
أما سمعت الله جل اسمه يقول: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام:90) قال: فما من نبي إلا وعلى طريقته رجل من هذه الأمة إلى يوم القيامة، فلو أن الأربعين اطلعوا على قلوب العشرة لرأوا قتلهم ودماءهم حلالا، فكذلك العشرة لو اطلعوا على قلوب الأربعين لرأوا قتلهم ودماءهم حلالا، أما ترى ما كان من قصة موسى.
فصل
معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث خصال من كن فيه فهو من الأبدال الذين هم قوام الدنيا وأهلها: الرضا بقضاء الله، والصبر عن محارم الله، والغضب في ذات الله».
فصل
قال أبو سعيد: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يوجد عنه أنه قال: «من أحب أن يتمثل الناس له قياما فليتبوأ مقعده من النار».
فصل
قيل: طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه، وطيب الرجال ما خفي لونه وظهر ريحه.
* مسألة:
قال أبو سعيد: يروى عن عمر بن الخطاب: من علامة المؤمن كلما جاء كان أخيره، والمنافق كلما جاء كان أشره. (5/113)
صفحة 1623
* مسألة:
قال أبو سعيد: قد قيل من علامة المنافق أن يكون عند الناس أحسن أحواله وأنشطه.
* مسألة:
قال أبو سعيد: قد قيل، والله أعلمك إن الله إذا أحب عبدا زوى عنه الدنيا كما يزوى الأب الشفيق عن ولده المساوئ، وإذا أحب عبدا تعاهده بالبلاء والفقر كما يتعاهد الأب الشفيق ولده بالتحف، وهذا على معنى الكلام ليس على معنى الرواية كلها بحروفها.
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أراد الله بعبد خيرا جعل رزقه كفافا وقنعه به».
من الزيادة المضافة إليه:
قال أبو سعيد: قد قيل الأبدال هم أربعون رجلا لا تخلو الأرض منهم إلى يوم القيامة.
قلت له: فالأبدال ما صفتهم؟
قال: معي أنه المعنى، فإن من صفتهم أنهم من أفضل أهل زمانهم في دينهم، البدل للشيء هو الخلف له، بدلا عنه، والخالف له بمثله، ومكانه يقع لي في هذا المعنى، والله أعلم. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة:
قال أبو سعيد: يروى عن أبي عبيدة أنه كان إذا عناه أمر من جليسه قال له: تنصفني وإلا دعوت عليك بملء بيتك ذهبا وفضة. (5/114)
صفحة 1624
قال أبو سعيد: ويروى أن بعض أهل العلم أنه كان إذا عرض لأحد من إخوانهم شيء من أمور الدنيا قال لإخوانه: تعالوا حتى نصل أخانا وكأن ذلك مصيبة.
قال أبو سعيد: يروى أن المنافق يأكل أهله بشهوته فيتشنها عليهم المعاش، فهم يأكلون بشهوته، والمؤمن يأكل بشهوة أهله يتشهون هم الشيء فيعلمونه فيأكل هو معهم، ولا يكلفهم ولا يزجرهم عن تعب أنفسهم في ذلك، وإن يقصروا أنفسهم على ما يجزيهم من المعاش يعينهم على أمر دنياهم قيدت هذا المعنى وعرضته.
فصل
قال أبو سعيد في قول الله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ} (الجاثية:14)، قيل: إنه لما نزلت: {وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} قال بعض اليهود: احتاج رب محمد إلى القرض، فلما سمع ذلك عمر بن الخطاب سل سيفه وخرج يريد اليهودي ليقتله إنكارا لله وغضبا لله.
فلما نزلت: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أين عمر بن الخطاب، فلم يجدوه، فقال: التمسوه، فالتمس حتى وجدوه متكتفا وسيفه مجذوب، فجاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية، فقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله لا يزال الغضب في وجهي حتى ألقى الله»، ورأيت أبا سعيد يبكي عند ذلك لقول عمر رضي الله عنه.
* مسألة:
سئل أبو سعيد عن السحاب، هو يحمل الماء فيسير به فيمطر أم السحاب إنما هو آية وإنما يخرج الماء من السماء؟ (5/115)
صفحة 1625
قال: أحسب أنه قد سمعنا أنه إنما هو آية، والماء يترك من السماء، وأحسب أن بعضا قال: إنه يحمل الماء ويسير به فيمطر حيث شاء الله أو نحو هذا من كلامه.
* مسألة:
وسئل عن الأصل والفصل؟
فقال: الأصل القلب، والفصل اللسان.
فصل
وقيل: إن الراحة في العزلة، والحظ في الجماعة، إذا قام بالعدل فيهم.
* مسألة:
عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول: لقد حج الروحا سبعون نبيا حجاجا عليهم ثياب الصوف، مخطمين إبلهم بحبال الليف، ولقد صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا.
* مسألة:
يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشكر الله من لا يشكر الناس.
* مسألة:
قال أبو سعيد: روي عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه قال: لقد جهدت أن أكون عابدا تاجرا فلم أطق ولو جمعهما الله لأحد جمعهما (5/116)
صفحة 1626
لي الله لما أعطاني الله من القوة، ولكن رأيت الآخرة هي الباقية، والدنيا فانية، فآثرت الباقية على الفانية.
* مسألة:
قال أبو سعيد: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو يسكت».
فصل
وقيل: إن المستنصح بالخيار إن شاء نصح وبذل مجهوده في النصيحة، وإن شاء سكت على معنى قوله. (5/117)
صفحة 1627
باب
في الروايات عن الملائكة عليهم السلام
وبلغنا أن ملكا بالمشرق ينادي كل صباح: ليت الخلق لم يخلقوا، فيجيبه ملك بالمغرب يا ليتهم إذا خلقوا تفكروا وأبصروا.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
قال المصنف: وقد وجدت في بعض الكتب: أنه ما من صباح إلا وملكان أحدهما بالمشرق ينادي فيقول: اللهم أعط منفقا خلفا، وأحدهما بالمغرب يقول: اللهم أعط ممسكا تلفا، والله أعلم بذلك.
فصل
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله ملكا ينادي كل يوم وليلة إلى طلوع الشمس: يا أهل الدنيا مهلا من الدنيا مهلا، فإن لله سطوات ونقمات، فلولا رجال خشع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، وشيوخ ركع، لصببنا عليكم العذاب صبا صبا، ولرضضناكم في العذاب رضا رضا، ولكان فيكم خسف وقذف ورجف». رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/118)
صفحة 1628
باب
في توديع الملائكة عليهم السلام
تقرأ عند الشروق وعند الغروب، تقول عند الغروب، عند غروب الشمس في وداع لملائكة النهار: مصاحبين مصاحبين مصاحبين، يا أيها الملائكة الكرام الكاتبون اكتبا من قولي شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وأن ما جاء به محمد بن عبد الله من عند الله فهو الحق المبين، مجملا ومفسرا، وإنه صادق فيما قاله، وبما أمر به ونهى عنه صلى الله عليه وسلم تسليما، اشهدا عليّ بالتوبة من جميع ما كتبتماه علي في هذا اليوم مما خالفت الحق فيه من القول والعمل من جميع ما عصيت به الله، واشفعا لي عند ربكما بخير.
فصل
وملائكة الليل تقول: مرحبا مرحبا يا أيها الملكان الحافظان الشاهدان، السميعان المطيعان، اكتبا من قولي شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وأن ما جاء به محمد من عند الله فهو الحق المبين، مجملا ومفسرا، وإنه صادق فيما قاله، وبما أمر به ونهى عنه صلى الله عليه وسلم تسليما، اشهدا عليّ بالتوبة من جميع ما كتبتماه علي من الليل والنهار، مما خالفت الحق فيه من القول والعمل وجميع المعاصي، واشفعا لي عند ربكما بخير.
وكذلك عند الشروق، وأنا أستغفر الله من مخالفة الحق من كل قول وعمل ونية، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما. (5/119)
صفحة 1629
باب
في الورع
من الزيادة المضافة:
وقال عمر بن الخطاب رحمه الله: لا يغرنكم صلاة امرئ ولا صيامه، من شاء صام ومن شاء صلى، ولكن انظروا إلى حديثه إذا تحدث، وإلى أمانته إذا ائتمن، وإلى ودعه إذا أسفا (1).
قال: والورع إذا رابك شيء تركته.
وقال بن المبارك: أشد الورع في اللسان.
وقال أبو موسى الأشعري: لكل شيء حد، وحدود اللسان أربعة: الورع وهو ملاك الأمر، والتواضع وهو شرف المؤمن، والصبر على الشدائد وبه النجاة، والشكر على الرخاء وبه الفوز في الجنة، قال الشاعر:
ما البر جملته في صوم أدهار ... ولا صلاة المصلي عند أسحار
لكنه الورع الحامي جوارحه ... عن المحارم إشفاقا من النار
وصفوة القلب في صدق اللسان وفي ... رعي الأمانة قيراط وقنطار
__________
(1) كذا في الأصل. (5/120)
صفحة 1630
وأن يكون إذا ما الليل جن له مثل النهار وإعلان كإسرار
وكان يقال: افطم نفسك عن بعض الحلال لكيلا تطمع في شيء من الحرام. رجع.
* مسألة:
قال أبو سعيد: قد قيل فيما يروى أنه أوحى الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أن الله خيره بين أن تسير عنده مثل جبال تهامة حيث شاء ذهبا وفضة، أو يجوع يوما ويشبع يومين، أو يشبع يوما ويجوع يومين، فأومأ إليه جبريل أن تواضع، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يجوع يوما ويشبع يومين، أو يشبع يومين ويجوع يوما.
وقيل: إنه عاتبه ذات يوم بعض أزواجه، وأحسب أنها عائشة أنها قالت له: يا رسول الله لو سألت الله أن يفرج عنا هذا الضيق، أو هذا الفقر، فعسى أن يفرج الله عنا.
قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «مضى لي على هذا إخوان فلا أحب أن ألقاهم وأنا منتقص الحالة عنهم»، وقيل: إنه لم يتخذ حلتين في اللباس، وإنما كان لما يدخل به ويخرج به ولعله ما ينام به يصلي به على معنى ما قيل، وليس اللفظ كله.
قال غير المضيف والمؤلف: نعم إنه قد قيل إنه كان ما ينام به يصلي به، والذي يجامع فيه من الثياب يصلي به. رجع. (5/121)
صفحة 1631
باب
في الزهد والزهاد
أول الزهد أن لا تريد سوى الله، وأن تقطع طمعك من المخلوقين، ثم تمسك لسانك وجوارحك، أن لا تغتاب أحدا، وأن لا تقول إلا خيرا، ثم تعلم أنه ما كان لك فلا يخطئك، وما لم يقدر لك فلا حيلة لك فيه، ولا تجزع على ما فات، ولا تجزع من الذل، ولا تحب إلا الله، وخافه أشد المخافة، فإنك موقوف بين يديه.
واعلم أن ذكر الله عند الزهاد أحلى من الشهد والعسل، والصبر عند الزهاد على الحق بالسراء والضراء، وعلى الضراء بالفرح، والصبر على الصلاة بالخشوع، والصبر على الصيام بالتفضل كأنه طاعم، والصبر على الذل بطيبة نفسه.
وقيل: أتم الزهاد أسخاهم نفسا، وأسلمهم صدرا، وأكمل الزهاد أكثرهم يقينا، وموت القلب أن يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ومن علامة الزهد أن لا يكون في قلبه موضع للحسد.
ومبتدأ الخوف أن يلهم قلبه ذكر الله، وذكر الموت حتى يتوفى، والخشية لله، والحذر والفرق كأنه يراه، فإذا مضى به يوم واحد وهو في الزهادة زاده الله من المهابة.
والشوق إلى الجنة ونعيمها وحورها، ولا يكون ورعا حتى يكون عابدا، ولا يكون عابدا حتى يكون ورعا، ولا يكون ورعا حتى يكون عالما.
قال: ولا تطمع بالسمنة مع الشبع، ولا في الحزن مع كثرة النوم، (5/122)
صفحة 1632
ولا في الخوف مع الرغبة في الدنيا، ولا في حب الله مع حب المال والشرف، ولا في لين القلب مع جفا الأرملة واليتيم والمسكين، ولا في رقة القلب مع كثرة الكلام والفضول، ولا بالأمر المعروف والنهي عن المنكر إلا من بعد الإياس مما في أيدي الناس.
* مسألة:
قال أبو سعيد: يروى أنه قيل: عليكم بالزهاد فإنهم يلقنوا الحكمة.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
قال الأصمعي: سمعت أن المهلب قال لأعرابي زاهد: ما رأيت ازهد منك، ولا أصبر منك.
فقال: أما ما رأيت من زهدي فهو رغبة كله، وأما ما رأيت من صبري فهو جزع كله.
فقال له: قلبت المسألة عليّ ففسرها لي.
قال: أما صبري فلجزعي من النار، وأما زهدي فرغبة في أعظم من هذا القدر، واستقلالي للغاتي، ورغبتي في همتي في الباقي الجزيل.
فصل
وقيل: لقي عالم من العلماء راهبا فقال: يا راهب كيف ترى الدهر؟ (5/123)
صفحة 1633
قال: يخلق الأبدان، ويجدد الآمال، ويباعد الأمنية، ويقرب المنية.
قال: فما حال أهله؟
قال: من ظفر به نصب، ومن فاته تعب.
قال: فما المغني عنه؟
قال: قطع الرجاء منه.
قال: فأي الأصحاب أبر وأوفى؟
قال: العمل الصالح والتقى.
قال: فأيهم أضر وأبلى؟
قال: النفس والهوى.
قال: فأين المخرج؟
قال: في سلوك المنهج.
* مسألة:
قيل: متى يعلم العبد أنه من صفوة الله؟
قال: إذا خلع الراحة، وأعطى المجهود في الطاعة، وأحب سقطوط المنزلة، واستوى عنده المحمدة والمذمة. رجع. (5/124)
صفحة 1634
باب
في صفة ابتداء الدخول في الزهد
كيف تسألني الأدب وهو مبتدأ الدخول في الزهادات والصفة التي يفوز بها من أخذها ودام عليها، فنعم الكرامة، وأنا واصف لك ذلك إن شاء الله تعالى:
اعلم رحمنا الله وإياك، أن مبتدأ الدخول في الزهادات بعد أن تجاهد جميع النفس بقطع فضول الشهوات عنها من الطعام والشراب، واحملها على القوت الكافي دون الشبع بالليل والنهار، حتى يصير الجوع لها شعارا، والعطش لها دثارا لمن أراد الدخول في ذلك، ولا قوة إلا بالله.
ويجعل لنفسه طعاما معلوما، وليطرح عند موته الإدام، وليجعل طعامه معلوما يكون الكثير إن شاء الله غداء وعشاء، وإن شاء عشاء وسحورا إذا أراد الصوم، والصوم أقوى وأسرع به في السير.
ولا يجعل طعامه أكلة واحدة إذا جمع قوت يوم وليلة في مقعد طال نومه، وغلبه ليله، وليس به جوع فتنقطع النفس في تلك الحالة إلى فضول الشهوات، ويتمناها، ويثقل جسده باجتماع الطعام في بطنه، وامتلاء جوفه، فيشتغل جسده عن العبادة والصلاة، ولكن ليجوع نفسه حتى يشتغل بالجوع من القطع في فضول الشهوات والتمني لها، فإنه إن أكل في النهار في ثلث بطنه أو نصف بطنه لم تزل نفسه تشتهي الطعام، وتشتغل عن غيره إلى الليل إذا أكل الليل كما هو أكلها بالنهار، فاشتغلت به شهوة الطعام إلى الصباح، فلا يتمنى الفضول من الشهوات، ولا يطلع عليها. (5/125)
صفحة 1635
وينبغي له أن لا يأكل من الطعام إلا في ثلث بطنه، وليجعل الثلث الثاني للشراب، والثلث الثالث للنفس والتسبيح والقراءة، وأكلتان أقوى من أكلة واحدة، وأكلة أعظم -نسخة- وأعظم للجسد، فإن شهوة الفضول ظلمة حب الدنيا، فإذا مضى به يوم وقد علم الله منه صدق النية، وصدق اليقين، أخرج من قلبه طائفة من ظلمة حب الدنيا، وأدخل مكانها نور الزهد، وإذا مضى به يوم آخر وهو على ذلك يروض نفسه ويوريها لتقطع شهوة الفضول، أخرج من قلبه أيضا طائفة من ظلمة حب الدنيا، وأدخل مكانها نور الزهد، وينسى ذكر الفضول وشهوتها، فلا يزال كل يوم يمر عليه وليلة يخرج الله من قلبه ظلمة ويدخل مكانها نورا حتى يأتي عليه أربعون يوما فإذا أتم أربعين يوما لم يبق في قلبه شيء من الظلمة إلا أخرجها الله، وجعل مكانها نورا فيصير قلبه نورا يزهر، قد تمكن فيه الزهد وهو حينئذ الزاهد في الدنيا مكانها فلا يطلبها مع الطالبين، ولا ينافس فيها مع المتنافسين، ليس له في نعيمها أرب ولا له إليها طرب وهانت عليه، فهي مطروحة لديه، قد استراح من تعب الطلب، وأراح نفسه من أنواع التعب، فليس تلقاه إلا فرحا نشطا مع قليل الغم -نسخة- الهم، عظيم الحلم على وجهه بها، وفي قلبه نور الزاهدين، فليس له في الدنيا شيء يهم به، ولا حاجة وهو خير من غيره فهذه منزلة نبيلة جميلة.
فإذا صار هكذا فإن شاء فليدم خيره، وإن شاء فليتنزل منزلة الخوف مع الزهد، فإن كثيرا من الناس من يجمع منزلة الخوف مع الزهد، ثم يحرزهما مع أن الهد والخوف أخوان، لا يتم واحد إلا بصاحبه، وهما كالروح والجسد مقرونان، لأن الزاهد لا يكون (5/126)
صفحة 1636
زاهدا إلا بالخوف من الله تعالى، فلا يلزم العبد الزهد الذي يدخل فيه حتى يلزمه الخوف، فإذا لزمه الخوف لزمه الزهد، فصار هذا حقا عليه نور الخوف في قلبه نور الزهد.
ومبتدأ الدخول في الخوف أن يلهم قلبه ذكر الموت فيذكره حتى يرق له قلبه، ويلزم قلبه الخشية لله، والحذر والفرق حتى يخافه خوفا كأنه يراه، فإنه إذا مضى يوم واحد وقد أخذ في رياضة نفسه وأدبها لطلب منزلة الخوف يقربه الله إليه، وإذا علم منه صحة النية فألزمه شيئا من المهابة، وأسكن قلبه نور الخوف، فإذا مر يوم واحد وهو على ذلك زاده الله مهابة وزيادة في قلبه، حتى يتم له أربعون يوما، فإذا مضى أربعون يوما لحمل نور الخوف في قلبه مع نور الزهد فصار نورا واحدا كملت المهابة على وجهه، فإذا بلغ الغاية فهابه القريب والبعيد والأهل والخادم والأخ والولد، والصغير والكبير، والقريب والبعيد، ومن عرفه ومن لا يعرفه، وهو حينئذ الخائف الحزين، الذليل المسكين، لا يلهو مع اللاهين، ولا يسهو مع الساهين.
الدائم البكاء، الكثير الدعاء، قليل النوم، كثير الهم، قد نحله الخوف، وقرح الخوف جلده آمن كره غير خائف من شره، فلست تلقاه إلا مهموما حزينا، خائفا كئيبا، مغموما مكروبا، لا ينفعه العيش من شدة الخوف وكثرة الحزن، وهو مجتهد ذائب، ليس يغتر عن الذكر، ولا يقصر عن الشكر، قد طرد خوفه الكسل، وذهب عنه الفشل، لا ينام ولا يفتر، ولا يمل ولا يضجر.
فإذا صار هكذا قد نزل منزلة جسيمة عظيمة عند العامة والخاصة، لأنهم لا يعرفون غيرها، ولا يبصرون ما وراءها، وهي عند المبصرين (5/127)
صفحة 1637
أكبر المنازل، فإن شاء فليدم عليها إلى الممات، وإن شاء فلينزل منزلة الشوق إلى الجنة، ثم يجود بها من غير أن يكون فارقه منزلة الخوف، ومنتهى الخوف في الشوق على الجنة أن يفكر في نعيم الجنة ولذتها، وما أعد الله فيها لساكنيها من أنواع الكرامة والألطاف والخدم، ويشوق نفسه إلى الحور العين والنعيم الدائم المقيم.
فإن مضى به يوم واحد وهو يكابر نفسه إلى الشوق، ويريدها إلى الجنة وما فيه، نظر الله إليه إذا علم منه النية الصحيحة في الاجتهاد، فأسكن قلبه شيئا من نور الشوق إلى الجنة، حتى إذا تم له أربعون يوما كمل نور الشوق في قلبه، وصار الغائب عليه وأنساه الحزن الذي كان في قلبه من الخوف من غير أن يكون نقص من نور الخوف، ولا فارقه فهو حينئذ المشتاق الصب، الشديد الحب، الكلف الهائم، العاشق العائم، الغريب المعروف، الدائم الإحسان، لا تشغله الأشغال، ولا تحزنه المصائب، ولا تمرضه النوائب، الصادق المشتاق، فلست تلقاه إلا مستبشرا مسرورا بما في قلبه، غير بخيل ولا منان، ولا هتاك ولا لماذ، ولا لئيم ولا نمام.
هو الصوام القوام، الذي لا يميل به السرور ولا يغره الغرور، فإذا صار هكذا فقد نزل منزلة هي أعظم وأشرف من منزلة الخوف إذا شاء، فليدم عليها حتى الممات، وإن شاء فليترك منزلة المحبة، فإن كثيرا من الناس جازوا منزلة الزهد والخوف والشوق إلى الجنة، وصاروا في منزلة محبة لله، وليس كل واحد وصل إلى هذا الحب، ولا يصير في هذه المنزلة إلا الصادق العقال الفايق المطهر من الذنوب، المبرأ من العيوب. (5/128)
صفحة 1638
فإذا رفعه الله إلى هذه المنزلة، صار في قلبه نور المحبة لله عز وجل، فغلبت عليه من غير أن يكون فارقه نور الزهد والخوف والشوق إلى الجنة، ولا ينتقص منها شيء فيصير قلبه قد امتلأ حبا لله، وشوقا إليه، ونسي ما كان فيه من الخوف، والشوق إلى الجنة كرامة من الله ورحمة وثوابا وإنعاما بين يديه، وأجهد نفسه في ذلك فيصير ولا شيء أحب إليه من رضا الله، واتباع محبته، والعمل بين يديه، وأجهد نفسه في ذلك.
فإذا مضى به يوم واحد وهو يروض نفسه ويؤديها في محبة الله، نظر الله إليه ورحمه، وألقى الله عليه المحبة، فإذا مضى به يوم آخر وهو على ذلك، زاده الله محبة حتى يصير حبه في قلوب الملائكة، وفي قلوب العباد ذلك في تمام الأربعين يوما، فإذا خلصت نيته فهو حينئذ القريب المكرم، العفيف السهل، الكريم، الكثير الخير، القليل الشر، البهي الجميل، الكثير الصلاة، الباذل الزكاة، المتجافي عن الفراش، الزاهد في الرياش.
فلست تلقاه إلا مبتسما حليما مكرما، مهذهب الأخلاق، طيب المذاق، لا يضن بما لديه من مال، ولا ينسى ربه في حال، ليس بالعابس الغضوب المتجهم القطوب، حسن البشر، طيب الخير، مجانب للذنوب، مبغض للكذوب لا يسعى إلا فيما يحبه الله ويرضاه، فدل من سمع به أو زاره ذلك لحب الله إياه، فمثل نور الزهد والخوف في قلب العبد، كمثل كوكب طلع ينظره إليه وهو مضيء ويتلألأ، فبينما أنت تنظر إذ طلع القمر، فأطفأ نور الكوكب من غير أن ينقص من نور الكوكب شيء، ولا يبرح مكانه، وكذلك الشوق إلى الجنة يغلب نور الزهد.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (5/129)
صفحة 1639
فصل
بلغنا أن عبد الله بن مسعود قال لعلقمة بن قيس: انطلق بنا نزور حتات بن الحارث، فلما نظر إلى عبد الله بن مسعود قال لعلقمة بن قيس: انطلق بنا نزور حتاتا آخر، فبكى، فقال ما يبكيك أليس قد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، أو ليس قد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض!.
قال: أبكاني عهد عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال له: وما هو؟
قال: «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب، وأنا أخلف ما يرى».
قال: فتسابقا البكاء هو وعبد الله، قال: علقمة فنظرنا إلى ما في بيته فقومناه فبلغ عشرين درهما.
* مسألة:
قال عمر بن الخطاب رحمه الله لأويس القرني بعد كلام جرى بينهما، يا أويس أين الميعاد حتى آتيك بنفقة من رزقي، وكسوة من عطائي؟
فقال له: ليس بيني وبينك ميعادا ما ترى طمريّ جديدين، ونعلي مخصفين، ومالي أربعة دراهم، وعلى القوم لي حساب، فمتى آكل هذا، وأبلي هذا، سيجزي من المؤمنين، أصعد لعبة كؤد لا يقطعها إلا كل ظام مهزول، مهدب من الذنوب.
قال: فأخرج عمر بن الخطاب الدرة من كفه فرمى بها وقال: واعمراه من يقبل الخلافة بما فيها. (5/130)
صفحة 1640
باب
زهد النبي صلى الله عليه وسلم
بلغنا، والله أعلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام، لونه كالثلج، وشعره كالمرجان، على فرس من خيل الجنة، عليه قطيفة استبرق، وسرج من ذهب.
فقال جبريل عليه السلام: «يا محمد ربك يقرئك السلام، ويقول لك: إن شئت جعلت لك جبال الأرض ذهبا وفضة تسير معك حيث توجهت، ثم لا تنقص يوم القيامة مثقال حبة من خردل».
قال: «لا ولكن أجوع ثلاثا وأشبع يوما حتى إذا جعت تضرعت إلى الله، وإذا شبعت حمد الله».
فقال جبريل عليه السلام: «أما إنه قد قال ذلك إسرافيل»، وقيل، والله أعلم: بينما جبريل عليه السلام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال له جبريل عليه السلام: هذا ملك قد نزل من السماء لم ينزل قبلها، استأذن الله في رؤيتك، فلم يلبث إذ جاء ملك فقال: السلام عليك يا رسول الله إن الله يخيرك إن شئت أعطاك خزائن كل شيء، ومفاتيح كل شيء ما لم يعط أحدا قبلك ولا يعطي أحدا بعدك من غير أن ينقص شيئا.
قال: «لا ولكن اجمعوه لي في الآخرة»، قال الله تبارك وتعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} (الفرقان:10).
وبلغنا أن عائشة أم المؤمنين قالت: لقد كنا ننظر ثلاثة أهلة ما نوقد (5/131)
صفحة 1641
في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نارا، وما كنا نرى الدخان إلا من بعيد.
فقيل لعائشة: ما كنتم تعيشون؟
قالت: على الأسودين الماء والتمر.
وبلغنا، والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يأكلون الشعير غير منخول.
وقيل، والله أعلم: إن عائشة قالت: ما شبع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متتابعة من خبز بر حتى فارق الدنيا، ولو شئنا لشبعنا، ولكن نؤثر على أنفسنا.
عن أبي هريرة قال: ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه.
ويقال، والله أعلم: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد يوما بيوم»، وروي أن الله عز وجل أوحى إلى موسى عليه السلام: أنه ما يتصنع المتصنعون إليّ بشيء مثل الزهد في الدنيا باتباع ما أمرت، ولا يتقرب المتقربون إليّ بشيء في الدنيا مثل الورع، أما الزاهد في الدنيا فأفتح له الجنة في الآخرة يتبوأ منها حيث شاء. (5/132)
صفحة 1642
باب
في فضائل الذكر
وبلغنا عن عيسى بن مريم صلوات الله عليه قال: من قال: الحمد لله الذي تواضع كل شيء لعظمته، والحمد لله الذي ذل كل شيء لعزته، والحمد لله الذي استسلم كل شيء لقدرته، والحمد لله الذي خضع كل شيء لملكه، كتب الله له بها عشرة آلاف ألف ألف حسنة، ومحى عنه عشرة آلاف ألف ألف سيئة، ورفع له بها عشرة آلاف ألف ألف درجة، وسبعون ألف ملك يستغفرون لقائلها إلى يوم القيامة.
وقيل: اسم الله الأعظم، يا حيّ يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، وقيل: هو الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وقيل: يا رب.
قال غير المؤلف والمضيف إلى الكتاب:
وقيل: اسم الله الأعظم هو الله، وقيل يا رب. رجع إلى الكتاب.
وبلغنا أن أبا هريرة قال مرة: «يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، وأنا أغرس غرسا من هذه البقول.
فقال: يا أبا هريرة هل أدلك على غرس هو خير لك من هذا؟
فقلت: بلى يا رسول الله صلى الله عليك وسلم.
قال: الحمد الله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد يغرس الله لك بكل كلمة شجرة في الجنة»، وأهل الجنة يلهمون التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، كما ألهموا النفس (5/133)
صفحة 1643
في الدنيا، ولا يكون العبد مؤمنا بلسانه، شاكا في قلبه، لأنه لا يكون إيمان بغير خشية، ولا يكون شكر بغير معروف، ولا يكون دين بغير شريعة، فمن دين الله الورع عن محارمه، والوفاء بعهده، ولزوم فرائضه واستكمال دينه، فأعرضوا أعمالكم على كتاب الله صباحا ومساء فمن كان علمه موافقا لمرضاة الله على إحسانه إليه واصطناعه إليه المعروف عنده طلب من الله المزيد، ولم يأمن مع ذلك مكر الله، ولم يوجد لنفسه الجنة، وكان على ما قسم له من ذلك خائفا وجلا.
ومن كان مخالفا بعمله كتاب الله بصر وأبصر، وشكر وراجع التوبة واستغفر الله من الخطيئة قبل نزول الموت وانقطاع العمل، وانقضاء العدة وذهاب الحيلة.
فصل
قيل: كان في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «اذكر الله عند كل حجر ومدر وشجر، وكل رطب ويابس يشهدون لك يوم القيامة».
فصل
وقال: «أحبكم إلى الله أكثركم له ذكرا»، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا عليّ فإن صلاتكم عليّ زكاة وسلوا الله لي الوسيلة، فإنها أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل أرجو أن أكون أنا هو».
وقيل: من قال في كل ليلة جمعة: اللهم رب البيت الحرام، والركن والمقام، ورب الحل والحرام، أقرئ على محمد مني السلام، دخل في شفاعة محمد يوم القيامة. (5/134)
صفحة 1644
فصل
وقيل: كان بعضهم يقول: ما قال عبد الحمد لله إلا وجبت لله عليه نعمة لقوله الحمد لله، وما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول: الحمد لله جاءت نعمة أخرى فلا تنفد نعم الله.
فصل
قد جاء في الرواية أنه من صلى صلاة الغداة، ثم جلس يذكر الله ثم صلى ركعتين كان أفضل من إعطاء الجياد في سبيل الله.
ومن صلى صلاة الغداة، ثم جلس يذكر الله حتى تشرق الشمس، ثم صلى ركعتين كان أفضل من إعطاء الجياد في سبيل الله.
ولو أن رجلين صليا صلاة الغداة، ثم جلس أحدهما يعطي المال بكلتا كفيه إلى أن تشرق الشمس، ثم صلى ركعتين، وأحدهما جلس يذكر الله تعالى إلى أن تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كان الذي يذكر الله أفضل.
فصل
عائشة قالت: كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر شيء أو غمه يقول: «يا واحد» وقال: «اسم الله الأعظم يا رب».
فصل
عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الحامدون الذين يحمدون الله في السراء والضراء»، وقال عليه السلام: «أفضل الدعاء الحمد لله لأنه يجمع ثلاثة أشياء: ثناء على الله، وشكر الله وذكرا له، وأبلغ الشكر أن يقول العبد: الحمد لله الذي أنعم علينا وهدانا للإسلام». (5/135)
صفحة 1645
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مر عبد عبد قال: الحمد لله حمدا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده ثلاث مرات إلا أدرك عمل الملائكة المقربين»، وقيل له: قد هبطت الملائكة الكتبة الحفظة.
قال: سئل ابن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف»، وجدت في بعض الكتب أنه من قال في كل يوم بعد صلاة العتمة سنة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له: سبحان الدائم القائم، على كل نفس بما كسبت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الحي القيوم، سبحان الله وبحمده، سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، سبحان العلي الأعلى، سبحانه وتعالى.
وقيل: سيد الاستغفار أن يقول العبد في سجوده: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، تبوء بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
قال: أربع خصال من منّ الله عليه بهن في يوم واحد مخلصا وجبت له الجنة، من صام وتصدق بصدقة، وأعاد مريضا، وشيع في جنازة مسلم.
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصلاة عليّ نور الصراط، ومن صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشرا، وكتب له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ومن صلى عليّ عشرا صلى الله عليه مائة، ومن صلى عليّ مائة صلى الله عليه ألفا، ومن صلى عليّ ألفا يوم الجمعة مخلصا له لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة». (5/136)
صفحة 1646
قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه:
هذه الرواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشرا»، الرواية. رجع.
الاستغفار في الصحيفة نور يتلألأ، وقيل: أفضل الكلام قول: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهن الباقيات الصالحات من قالهن مرة واحدة مخلصا كتب الله له مائة ألف حسنة وأربعة وعشرين ألف حسنة، ومحا عنه مائة ألف سيئة، وأربعة وعشرين ألف سيئة، ورفع له مائة ألف درجة وأربعة وعشرين ألف درجة، ومن قالهن مائة ألف مرة صادقا غفرت له ذنوبه فيما يقال، ولو كانت كزبد البحر.
وقيل: فيما أوحى الله إلى موسى بن عمران عليه السلام أتحب أن تكون من العابدين؟ فأمس وأصبح ولسانك رطب بذكري.
وأفضل العبادة أن يمسي العبد ويصبح ولسانه رطب بذكر الله تعالى.
وأفضل ما يتقرب به إلى الله ويكفي عنده القليل من التعبد الورع وهو ملاك الدين، وإليه تنتهي الأمور، وبعد ذلك الصلاة وهي رأس العبادة وأفضلها بعد القرآن في جوف الليل العابر، وذلك هو الشرف الأعظم، وبعد الصلاة قراءة القرآن، وبعد القرآن الذكر لله تعالى، وهو من القرآن، والصدقة هي الفكاك، وبها النجاة من كل هلكة -نسخة- هلاك.
وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: «تداركوا الهموم والغموم (5/137)
صفحة 1647
بالصدقة تكشف عنكم»، وقال صلى الله عليه وسلم: «داووا مرضاكم بالصدقة وارفعوا أمواج البلاء بالدعاء».
فصل
بلغنا أن ليلة الجمعة تفتح أبواب السماء، وينادي مناد من السماء: هل من داع فيستجاب له دعوته، هل من سائل فيعطى سؤله، هل من مستغفر فيغفر له، هل من تائب فيتاب عليه. (5/138)
صفحة 1648
باب
في الذكر
قال غير المؤلف والمضيف:
لعله من باب تفاضل الأقوال والأعمال -نسخة الأفعال- ودرجاتها وهو الباب الثاني، وقيل: قراءة القرآن أفضل من الصلاة.
* مسألة:
قال أبو سعيد: قيل فيما يروى أن الصلاة أفضل من القراءة، والقراءة أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم، والصوم فرض مجزاه.
فما الأفضل مذاكرة العلم أم الصلاة؟
قال: معي أنه تعليم العلم والمذاكرة فيه تعليم، وفائدة أفضل من الصلاة ولا نعلم شيئا فيما قيل بعد أداء الفرائض أفضل من تعليم العلم من الفضائل، وقد قيل: إن أعمال البر كلها عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر كتفلة في بحر.
والفضائل كلها والأمر المعروف، والنهي عن المنكر مع الجهاد في سبيل الله كتفلة في بحر، وأعمال البر كلها والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، مع تعليم العلم كتفلة في بحر.
وقيل: من تعلم بابا من العلم وعمل به أو لم يعمل به أي لم يعمل به صاحبه، ولم يعنه به إلا تعليمه أفضل من سبعين دفعة في سبيل (5/139)
صفحة 1649
الله، وهذا كله إذا كان فضائل، وأما الفرائض فمقدمة على جميع الفضائل ما كان من الفرائض، فأداؤها أفضل من جميع الفضائل من أي وجه كانت الفرائض من أي وجه كانت الفضائل، فأداء الفرائض مقدمة على الفضائل.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء صقالة، وصقالة القلوب ذكر الله تعالى»، ويقال: كل نفس تخرج من الدنيا عطشانة إلا ذاكر الله، وقال الفضل: الذاكر ناعم غانم سالم بالذكر، سالم من الوزر، غانم بالأجر.
ومما أضافه غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه.
قال غيره:
ليست هذه الإضافة واقعة على معنى هذا الباب.
* مسألة:
قال محمد بن محبوب رحمه الله: الصدقة أفضل من صلاة التطوع، وقيل: الاستغفار أفضل من الدعاء.
* مسألة:
عن أبي عبد الله محمد بن محبوب: وسألته أيما أفضل من تعلم آية من كتاب الله أو يعلمها أو من يصلي عشرين ركعة؟ (5/140)
صفحة 1650
فقال: من تعلم آية من كتاب الله أفضل.
قلت: من تعلم آية من كتاب الله أفضل، أو من تصدق بمائة درهم؟
قال: كل ذلك حسن.
قلت: أيما أفضل من يقوم الليل من بعد صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر ولا يصلي الفجر في جماعة أفضل أو من يصلي الفجر في جماعة؟
قال: من يصلي الفجر في جماعة أفضل، رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/141)
صفحة 1651
باب
في أي الأعمال أفضل
وعمن يجب أن يرابط ويخرج في الشذا، فإذا ركب البحر شغله عن التعليم ولم ينشط للتعليم، وإذا رابط كان أوسع له أن يتعلم من المسائل.
وقلت: قد قيل إن الركوب في الشذا أفضل من الرباط بدما؟
فنرى أن التعليم والرباط بعد أفضل فالشذا، فالذي يقول، والله أعلم: وقد سمعنا من المسلمين في ذلك ما قد سمعنا، فلم نسمع بشيء من الأعمال فضلا يعدل فضل طلب العلم، والذي نقول إن الحجاج والعمار والمجاهدين والمرابطين والمجتهدين وجميع أعمال البر حسنة من حسنات العلماء، لأنه لا يقوم حج الحاجين، ولا عمرة المعتمرين، ولا غزو الغازين، ولا رباط المرابطين، ولا أداء الفرائض على جهتها، ولا يترك الحرام، ولا يعمل بالحلال، ولا تنفذ أحكام العدل إلا بالعلم، ففضل العلم لا شك فيه إن شاء الله.
* مسألة:
ويوجد أن أداء فرضه أوجب أداء الفرائض، والقيام بنفله أفضل الفرائض هكذا أرجو أني عرفت معنى هذا.
* مسألة:
من الزيادة المضافة من الأثر:
قلت: ما أفضل الحج أم الصدقة؟
فكل فضل إن كان من النفل وإن كان فرضا فأداء الفرائض أولى من (5/142)
صفحة 1652
الفضل، وأحسب أنه قد قيل: إن الصدقة أفضل من الحج النافلة، ويعجبني ذلك ولا سيما إذا كان في أهل الحاجة من المسلمين.
* مسألة:
قلت: وكذلك ما أفضل القناعة أو الالتماس والصدقة؟
فمعي أن الزهد والقناعة أفضل إذا كان ذلك من النفل، ويعجبني في حال ذلك من الالتماس للدنيا والصدقة بفضلها.
* مسألة:
وكذلك ما أفضل شراء العبيد وعتقهم أو صدقة ما يشترون به؟
فأحسب أنه قيل: العتق أفضل إذا كان ذلك من النفل، ويعجبني إذا كان العتق يقع على من يستحق ذلك من أهل العفة من أهل العبيد، وإن كان العتق لا يقع إلا على من لا يستحق ذلك أعجبني الصدقة في الحاجة في فقراء المسلمين أفضل عندي.
* مسألة:
قلت له: وكذلك ما أفضل الالتماس أفضل بعد القوت اليسير والصدقة بالبر أو صلة الأرحام والإخوان؟
فمعي أن صلة الأرحام والإخوان أفضل.
* مسألة:
قلت له: فما أفضل الالتماس والتزويج أو العزوبة والصبر؟
فمعي أنه إذا خاف العنت على نفسه فالتزويج، فإن رجا السلامة وكان تفرغه عن ذلك أقوى منه على أمر آخرته كان ذلك أفضل. (5/143)
صفحة 1653
باب
فيما أفضل عمل السر من الجهر أفضل أو الصدقة وأشباه ذلك
وعن رجل أراد أن يبر رجلا بشيء من ماله يتصدق عليه به، فأحب أن يعلم ذلك الإنسان الذي أراد هذا أن يتصدق من وجه دخول المسرة عليه، وأحب أن لا يعلم بذلك المتصدق عليه لسلامة قلبه من الوسواس، ما أفضل له على هذه الصفة أن يخبره أو يستر عنه؟
قال: معي أنه ينظر ما كان أبر بقلبه في هذا يعمل به.
قلت له: قال: وقد يوجد أن عمل السر يضاعف على عمل العلانية بسبعين ضعفا، وعمل العلانية يضاعف على عمل السر بسبعين ضعفا؟
قال: ومعنى ذلك عندي أنه ما كان من الأعمال التي في إظهارها التأسي بها، والمعونة للغير فيها، كان إظهارها عندي أفضل.
ولحقه هذا المعنى فيما معي ثم قال: ومما يشبه ذلك صلاة القيام في شهر رمضان، ربما قد طلب الإنسان صلاة القيام ليصلي، فإذا لم يجدها عجز أن يصلي وحده، وغير هذا مما يشبهه يكون إظهاره أولى من ستره.
وأما الذي ستره أفضل فهو عندي ما لم يكن فيه تأسي فسترها عندي أولى وأفضل بصدق إخلاصه لله.
قال: وهذه الصفة في الصدقة ليس عندي، لأن فيها تأسي فسترها عندي أولى وأفضل، إلا أن يكون الذي يتصدق عليه بذلك لا يأخذ من عند كل من تصدق عليه، أو أهدي إليه، ولا يطيب له ذلك، وإنما هو (5/144)
صفحة 1654
يأخذ من عند أخ له، وكان إذا ظهر له ذلك فرح عنه إذا دخل عليه السرور، وطابت نفسه بذلك، فإذا أخبره كان ذلك عندي وجه فضل إن شاء الله على معنى قوله.
* مسألة:
وعن رجل وجبت عليه زكاة فأخرجها وأراد تفريقها ما أولى بها أن يبعث بها من يفرقها عنه إذا أراد لذلك الستر أو يليها هو بنفسه؟
قال: معي أنه سلمها إلى المستورين وأهل العفاف فهو أستر لها.
* مسألة:
وسألته عن رجل طلب إلى آخر حاجة فقضاها له حياء منه، وهو كان لذلك، ولم يكن يتقيه، هل يكون له في هذا أجر؟
قال: معي أنه إذا أراد بذلك لله، وأمر الآخرة فله الثواب إن شاء الله، ولو كره ذلك وجبر نفسه على الطاعة، وأما إن كان يريد رياء وسمعة أو ثناء أو شيئا من أمور الدنيا فلا يجوز له ذلك عندي.
* مسألة:
ومن جامع أبي محمد اختلف أصحابنا في فضل الصدقة الواجبة:
فقال بعضهم: الفضل للمتصدق إذا أخفى صدقته، ولم يعلن بإخراجها، واحتج من ذهب إلى هذا الرأي بقول الله تعالى: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ} (البقرة:271)، وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند ذكر المتقربين إلى الله بالأعمال الصالحة: «رجل تصدق بصدقة تخفي شماله ما أعطت (5/145)
صفحة 1655
يمينه»، وبما روى النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن قسم الصدقة بحضرة الفقراء.
واحتج من قال بأدائها والإعلان بها أفضل، وكذلك سائر الطاعات أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الجداد في الليل، وأنه نهى عن الحصاد في الليل، وهو الصرام، لأن الفقراء كانوا يحضرون الثمار ليأخذوا الصدقة عند الجداد، فنهى عليه السلام عن الجداد في الليل لئلا يخفى على الفقراء، وربما كان ذلك فرارا من الصدقة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبعض أصحابه: «لك من دنياك ثلاث: لك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو عملت فأبقيت»، فرغب النبي صلى الله عليه وسلم في إبداء العمل الصالح إذا لم يقل فأخفيت.
ولعمري إن العمل إذا أقر به عامله بالنية والاحتراز من سوء ظنهم به لئلا يأثم الناس في نفسه، لئلا يؤثم علامته في الإنسان بما يبدأ منه، والمسلمون شهود الله على عباده، وهذا الرأي أشيق إلى نفسي إذا كان الفاعل قصده في فعله ما ذكرنا، والله أعلم. (5/146)
صفحة 1656
باب
في الفكرة وفضلها
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقربكم مني يوم القيامة أكثركم جوعا وتفكرا»، وروي عنه عليه السلام أنه قال: «التفكر نصف العبادة والجوع العبادة كلها».
وروي عن أبي ريحانة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقبض من بعض غزواته، فلما انصرف إلى أهله تعشى ودعا بوضوء فتوضأ ثم قام إلى المسجد فقرأ سورة ثم أخرى، فلم يزل كذلك كلما فرغ من سورة افتتح الأخرى، حتى أذن المؤذن في السحر، فخرج عليه ثيابه، فأتته امرأته فقالت: يا أبا ريحانة غبت في غزوتك ثم قدمت، ولم يكن لي منك نصيب ولا حظ».
فقال: والله ما خطرت على بالي ولا ذكرتك، ولو ذكرتك لكان لك حق.
قالت: قلت: فما الذي شغلك؟
قال: لم يزل قلبي يهوى فيما وصف الله تبارك وتعالى في جنته، من أزواجها ولباسها، ونعيمها ولذاتها، حتى سمعت المؤذن.
عن الحسن أنه قال: من أفضل العمل الورع والتفكر، ومن لم تكن حياته في تفكر خطيئاته فليحتسب حياته.
وروي عن بعض العلماء أنه قال: إن لله أقواما أنعم عليهم فعرفوه، وشرح صدورهم فأطاعوه، فتوكلوا عليه فسلموا الخلق والأمر له، (5/147)
صفحة 1657
فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين، وبيوتا للحكمة وتوابيت للعظمة، وخزائن للقدرة، فهم بين الخلق مقبلون ومدبرون، وقلوبهم تجول في الملكوت، وتلوذ لمحجوب الغيوب، ثم ترجع وحقها من لطيف الفوائد ما لا يمكن واصفا أن يصفه، فهم في باطن أمورهم كالديباج حسنا، وفي الظاهر مناديل، مبذلون لمن أرادهم تواضعا.
وهذه طريقة من الفكرة لا يبلغ إليها بالتكلف، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
* مسألة:
وروي أنه قيل: لو علم الإنسان التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ولم يعلم هذه الخمس لم يزد علمه إلا بعدا.
أولهن يقول: لا أدري أعملي مقبول مني، أو مردود عليّ.
والثانية: لا أدري أني قد عملت عملا أستحق به عند ربي به السخط أم لا.
والثالثة يقول: لا أدري أتوبتي مقبولة مني أم مردودة علي.
والرابعة أن يقول: لا أدري أمختوم لي بخير أم بشر.
والخامسة أن يقول: لا أدري أمكتوب بين عينيَّ أشقي أم سعيد.
* مسألة:
قيل: أفضل المال ما قضى به الدين، وأفضل العبادة التفكر، وأفضل الصدقة جهد مقل إلى معسر. (5/148)
صفحة 1658
* مسألة:
كل صمت في غير التفكر فهو سهو، وكل كلام في غير ذكر الله فهو لغو، وكل نظر في غير اعتبار فهو لهو.
* مسألة:
من تفكر في العواقب دمعت عيناه وجف قلبه، ومن تفكر في السوابق دمع قلبه وجفت عيناه.
قال غير المؤلف والمضيف:
قيل: إن الفكرة مرآة المؤمن تريه حسناته وسيئاته، وقيل: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، والتفكر ثقيل على القلب يخففه الله على من يشاء من عباده.
ومن غير الكتاب شعرا:
تفكر تجد في الفكر ما يكشف العمى ... ويبعث منه هاديا ونصيحا
وفي الفكر مرآة تريك جميل ما ... أتيت جميلا والقبيح قبيحا
رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/149)
صفحة 1659
باب
في أخبار قس بن ساعدة الأيادي
قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا ومعه أصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله قسا ما كان أحسن إيمانه»، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم رأيت قس بن ساعدة الإيادي في سوق عكاظ، وهو على جمل أورق، وهو يتكلم بكلام له حلاوة، وما أحسن حفظه.
فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله إني رأيت قسا في سوق عكاظ وهو يقول: يا أيها الناس اجتمعوا، واسمعوا وعوا، إن من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وذاهب وآت، وآباء وأمهات، وآيات بعد آيات، شقي وسعيد، ومسيء ومحسن، أين القرون الماضية؟ تلك ديارهم خاوية، والأوزار على ظهورهم باقية، طمعوا في البقاء والخلود، بل هو الله الواحد القهار، أبدأ وأعاد، وإليه المعاد، يا معاشر الناس: أين ثمود وعاد، أين الآباء والأجداد، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، أسقفا مرفوعا أم مهادا موضوعا، أم بحارا تسجر أم نجوم تزهر، مال أرى الناس يمرون فلا يرجعون، أرضوا هنالك بالمقام فقاموا، أم تركوا كما هم فناموا، أقسم قس قسما حقا صدق فيه ولا إثم فيه، إن لله دينا قد وصلكم زمانه، وأدرككم أوانه، فطوبى لمن أدركه وآمن به، والويل لمن لم يدركه وخالفه، وأنشأ يقول شعرا:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر (5/150)
صفحة 1660
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأصاغر والأكابر
لا الماضين براجعين ... ولا الذي يأتي بغابر
أيقنت أني لا محالة ... حيث صار القوم صائر
قال: ثم سكت الرجل، وسمعت آخر فقال: يا رسول الله إني رأيت قس بن ساعدة الإيادي في ظل شجرة، وعنده عين ماء باردة، وقد وردت السباع الكثيرة تريد الماء، فكل ما ورد سبع جاء آخر بعده تقدم الماء ضربه قس بقضيب في يده وقال له: ارفق حتى يشرب من جاء قبلك، فذعرت من ذلك ذعرا شديدا، فنظرني وقال لي: لا تجد ألم تعلم أنه من أطاع الله أطاعه كل شيء، ومن خاف الله خافه كل شيء، وإذا أنا بقبرين عظيمين بينهما مسجد.
فقلت: ما هذان القبران؟
فقال: هما أخوان كانا يعبدان الله معي في هذا المكان، وقد بنيت بينهما مسجد أعبد الله فيه حتى ألحق بهما وأنشأ يقول شعرا:
خليلي هبا ما قدر قد تما أجد كمالا تقضيان كراكما
أرى الموت بين العظم والجسم مكمنا لعل الذي يسقي العقار سقاكما (5/151)
صفحة 1661
سأبكيكما حتى الممات وما الذي ... يرد على ذي عولة إن بكاكما
فلو جعلت نفس لنفس فداءها ... لجدت بنفسي أن تكون فداكما
ألم تعلما أني بسمعان مغرد ... ومالي فيه من حبيب سواكما
مقيم على قبريكما لست باقيا ... طوال الليالي أو أجيب صداكما
ومما أضافه غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه من أخبار قس بن ساعدة الإيادي.
قال: كان قس بن ساعدة الإيادي أحد المعمّرين، وكان من فصحاء العرب وخطبائها، وهو أول من خطب على عصاه، وهو أول من قال أما بعد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكأني أنظر إليه وهو بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يخطب الناس ويقول: معاشر الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا وتفهموا، أما بعد: فإن من عاش مات، ومات فات، وكل ما هو آت آت، آباء وأمهات، ومطر ونبات، وآيات في إثر آيات، أين القرون الماضية، تلك ديارهم خاوية، والأوزار على ظهورهم باقية، عمروها عمارة من لم يرد الظعن عنها، فنقلوا عنها والقلائد في الأعناق، وعلى الظهور الأوزار، كلا بل هو الله الواحد القهار، أعاد وأبلى، وإليه المعاد.
أما بعد: يا معاشر إياد أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد، وأين الغرف التي لم تسكن، وأين الظلم التي لم تنكر، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا، أسقف مرفوع، أم مهاد موضوع، ونجوم (5/152)
صفحة 1662
تغور، وبحار تمور، أقسم قس بالله قسما لا آثم ولا حنث إن لله لدينا هو راضيه، ما هو بدين نحن عليه مالي أرى الناس يمرون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فقاموا، أم تركوا فناموا، كلا إن لهم ليوما يعيدهم فيه من أبداهم».
قال: ثم أنشد شعرا لم يحفظه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رجل من وفود إياد: حضرت ذلك اليوم، وحفظت ذلك الشعر، قال: أنشدنيه، فأنشد:
يا باعث الخلق والأموات من جدث ... عليهم من بقايا بزهم خرق
حتى يحولون حالا بعد حالهم ... لخلق مضوا ثم ما بعد ذاك بقوا
ذرهم فإن لهم يوما يصاح بهم ... كما تنبه من روعاته الصعق
منهم حفاة عراة في ثيابهم ... منها الجديد ومنها الدارس الخلق
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هيهات هيهات يبعث الناس حفاة عراة»، قالت فاطمة: واسوأتاه من ذلك اليوم يا أبتاه! قال: «يا بينة كل مشتغل بنفسه في ذلك اليوم عن العورات»، وقال رجل من وفود إياد: أنا حضرت ذلك اليوم وحفظت شعرا، قال: فأنشدنيه، فأنشد:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر (5/153)
صفحة 1663
لما رأيت لنا مواردا ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قمي نحوها ... يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي ولا ... أحد من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالة ... حيث صار القوم صائر
تم الخبر وما وجدته بخط الفقيه أبي عبد الله محمد بن سليمان السمدي.
ومن بعض أخباره: يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لبني عبد القيس: يا بني عبد القيس هل فيكم من يحفظ لنا من أخبار قس بن ساعدة الأيادي شيئا؟ فقام إليه رجل منهم، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت كثيرا مما أسأل عن خبره وأبحث عن أثره، كان قس بن ساعدة الإيادي سبطا من أسباط العرب عاش من العمر ستمائة عام عاش منها خمسا في الفيافي والقفار، لا يظله ظلال، ولا يكنه بنيان، ينطق بالتسبيح على دين المسيح، يشرب من ماء الرهام ويعيش في ورق العلم والثمام، أحفظ له يا رسول الله يوما وقد وقف بسوق عكاظ، وهو يقول شعرا:
ذكر القلب إذ براه ادكار من أمور نهارهن نهار (5/154)
صفحة 1664
وقصور مشيدات عوالي ... شامخات وآخرات قصار
ونجوم تنور في ظلم الليل ... تراها في كل يوم تدار
وفطيم ومرضع كبير ... أشمط الرأس في الثرى توارى (5/155)
صفحة 1665
باب
المواعظ والوصايا والحكم
من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه:
مما وجدته بخط مؤلف الكتاب الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أنه مأخوذ من كتاب يعرف بكتاب: حاور بن جرد بن سعيديار الملك أبوان شهر.
من الله المبتدأ، وإليه المنتهى، وبالله التوفيق، والله المحمود، من عرف الابتداء شكر، ومن عرف الانتهاء أخلص، ومن عرف التوفيق خضع، ومن عرف الأفضال أناب بالاستسلام والموافقة.
أما بعد: فالأولى: أن أفضل ما أعطى العبد في الدنيا الحكمة، وأفضل ما أعطى في الآخرة الرحمة، وأفضل ما أعطى في نفسه الموعظة، وأفضل ما ينال لنفسه العافية، وأفضل ما قال العبد لا إله إلا الله.
الثانية: رأس اليقين المعرفة، وملاك المعرفة العمل، وملاك العمل السنة، وملاك السنة لزوم القصد، الدين شعبة كالحصن بأركانه، فمتى تداعى واحد منها تتابع بعدها سائرها.
الثالثة: أعمال البر أربع: شعب العلم، والعمل، والزهد، وسلامة الصدر بأمانة الجسد.
الرابعة: جماع أمر العبادة في أربع: العلم، والحلم، والعفاف، والعدل.
فالعلم: بالخير للاكتساب، وبالشر للاجتناب. (5/156)
صفحة 1666
والحلم: في الدين للإصلاح، وفي الدنيا للكرم.
والعفاف: في الشهوة للرزانة، وفي الحاجة للصيانة.
والعدل: في الرضا والسخط للقسط والاستقامة.
العلم على أربعة أوجه: أن يعلم أصل الحق الذي لا يقوم إلا به، وفرعه الذي لابد منه، وقصده الذي لا يقع إلا فيه، وضده الذي لا يفسده إلا هو.
العلم والعمل قرينان كمقارنة الروح والجسد، لا ينفع أحدهما إلا بصاحبه، الحق يعرف من وجهين: ظاهر يعرف بنفسه، وغامض يستنبط بالدليل، وكذلك الباطل أربعة أشياء يقوى بها على العمل: الصحة والعفاف والعزم والتوفيق.
الخامسة: طريق النجاة في ثلاث: سبيل الهدى، وكمال التقى، وطيب الغذا يعني الحلال.
العلم روح، والعمل بدن، والعلم والد والعمل مولود، وكان العمل بمكان العلم، ولم يكن العلم بمكان العمل.
السادسة: الغنية في القناعة، والسلامة في العزلة، والحرية في رفض الشهوة، والمحبة في ترك الرغبة، وأن المتمتع في أيام طويلة يؤخذ بالصبر على أيام قليلة.
الغناء الأكبر في ثلاثة أشياء، قلم عالم تستعين به على دينك، وبدن صابر في طاعة ربك تتزود به ليوم فقرك، والقناعة بما رزق الله مع الإياس من الناس.
أخرج الطمع من قلبك تحل القيد من رجلك وتزيح بذلك، الظالم مذموم نادم وإن مدحه الناس، والمظلوم سالم وإن ذمه الناس. (5/157)
صفحة 1667
القانع غني وإن جاع وعرى، والحريص فقير إن ملك الدنيا، حد السماحة سعة الصدر والإقدام على الأمور المتلفة، وحد الصبر احتمال المكاره المؤلمة، وحد السخاء سماحة النفس ببذل الرغائب الجليلة، وحد الحلم ترك الانتقام مع إمكان القدرة، وحد الحزم انتهاز الفرصة.
السابعة: أيها الملك إن الدنيا دار عمل، والآخرة دار ثواب، واعلم أن زمام العافية بيد البلاء، ورأس السلامة تحت جناح العطب، وباب الأمن مستور بالخوف، ولا تكونن في حال من هذه الثلاثة غير متوقع لأضدادها، ولا تجعل نفسك غرضا للسهام المهلكة، فإن الزمان عدو ابن آدم، فاحترز من عدوك لغاية الاستعداد، وإذا فكرت في نفسك وعدوها استغنيت عن الوعظ، أجل قريب في يد غيرك، وسوق حثيث في الليل والنهار، وإذا انتهت المدة حيل بينك وبين العدة، واحتل قبل المنع، وأكرم أجلك بحسن صحبة السابقين.
الثامنة: إذا آنستك السلامة فاستوحش من العطب، وإذا فرحت للعافية فاحزن للبلاء، وإليه تكون الرجعة، فإذا بسطك الأمل فاقبض نفسك تحت الأجل، فهو الموعد وإليه المورد.
الحيلة خير من الشدة، التأني أفضل من العجلة، والجهل في الحرب خير من العقل، والتفكر في العاقبة مادة الجزع.
التاسعة: أيها المقاتل احتل تغنم، ولا تتفكر في العاقبة فتهزم، إذا لم يصل سيفك فصله تلقاء خوفك، التأني فيما لا تخاف عليه، الفوت أفضل من العجلة إلى إدراك العمل، أضعف الحيلة من أقوى الشدة، وأقل التأني أجدى من أكثر العجلة، والدولة رسول القضاء المبرم، وإذا استبد الملك برأيه عميت عليه المراشد.
العاشرة: محرم على السامع مع تكذيب القائل إلا في ثلاث هو: غير الحق صبر الجاهل على مضض المصيبة، وعاقل أبغض من أحسن (5/158)
صفحة 1668
إليه، وحماه ثلاث لا يستصلح فسادهن بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في الملوك، وثلاث لا يستفسد صلاحهن بنوع من المكر: العبادة في العلماء، والسخاء في ذوي الأخطار، والقنوع في المستبصرين.
الحادية عشرة: ثلاث لا يشبع منهن: الحياة والمال والعافية، إذا كان الداء من السماء بطل الدواء، وإذا قدر الرب بطل حذر المربوب، ونعم الدواء الأجل، وبئس الداء الأمل.
ثلاث سرور الدنيا وثلاث غمها: فأما السرور: فالرضا بالقسم، والعمل بالطاعة في النعم، ونفي الاهتمام برزق غد، وأما الغم: فحرص مسرف، وسؤال ملحف، وتمن لا يلهف.
الدنيا أربعة: البناء والنساء والطلاق، والغنى. أربعة من جهد البلاء: كثرة العيال، وقلة المال، وجار السوء، وزوجة خائنة.
شدائد الدنيا في أربعة: الشيخوخة مع الوحدة، والمرض في الغربة، وكثرة الدين مع القلة، وبعد الشقة مع الرحلة.
الثانية عشرة: المرأة الصالحة عماد الدين، وعمارة البيت، وعون على الطاعة، وليس بكامل من تزوج بامرأة ولم يبن بها، أو بنى بناء لم يكمله، أو زرع زرعا لم يحصده.
ثلاثة ليس للعاقل أن ينساها: فناء الدنيا، وتصرف أحوالها، والآفات التي لا أمان منها.
ثلاث لا تدرك بثلاثة: الغنى بالمنى، والشباب بالخضاب، والصحة بالأدوية. (5/159)
صفحة 1669
الثالثة عشرة: أربع خصال إذا أعطيتهن لا يضرك معها ما فاتك من الدنيا: عفاف طبيعة، وحسن خليقة، وصدق حديث، وحفظ أمانة.
ستة أشياء تعدل الدنيا: الطعام المرئ، والولد البرئ، والزوجة الصالحة الموافقة، والسيد الرؤوف، والكلام المحكم.
الرابعة عشرة: صقلك السيف وليس عن صحة جوهر خطأ، وبذرك الحب في الأرض السبخة قبل أوانه جهل، وحملك الغضب المثير على الرياضة عناء.
سئل الحكيم: ما الدليل الناصح؟
قال: غريزة الطمع.
قيل: فما القائد المشفق؟
قال: حسن المنطق.
قيل: فما العيي المعي؟
قال: تطبع من لا طبع له.
سئل: ما الداء العياء؟
قال: رعونة مولودة.
قيل: فما الجرح الداء؟
قال: المرأة السوء.
قيل: فما الحمل الثقيل؟
قال: الغضب. (5/160)
صفحة 1670
ثلاثة أشياء حسنة في ثلاثة مواضع: السماحة في الجوع، والصدق في السخط، والعفو في الغضب.
العاقل لا يعنف برجائه، ولا يضمن ما يتقي بالقدرة عليه، ولا يسأل ما يخاف منعه.
ثلاثة ليس معها غربة: حسن الأدب، وكف الأذى، واجتناب الريب.
الخامسة عشرة: ثمان خصال من طبائع الجهال: الغضب في غير شيء، والإعطاء في غير حق، وإتعاب البدل في الباطل، وقلة معرفة الرجل بصديقه من عدوه، ووضعه السر في غير أهله وموضعه، وثقته بمن لم يجربه، وحسن ظنه بمن لا عقل له ولا وفاء، وكثرة الكلام لغير نفع.
السادسة عشرة: من ظلم المملوك فقد خرج من كرم الملك والحرية، وقد صار إلى دناءة الشر والمعصية، ويشبه بالعبيد والرعية، إذا ذهب الوفاء نزل البلاء، وإذا مات الاعتصام عاش الانتقام، وإذا ظهرت الخيانات استحقت البركات، الهزل آفة الجسد، والكذب عدو الصدق، والجور مفسد العدل، إذا استعمل الملك الكذب ذهبت هيبته، وإذا استصحب الكذب استخف به، وإذا أظهر الجور فسد سلطانه.
السابعة عشرة: انتهاز الفرصة، وترك الوفاء مما يخاف عليه الفوت، الرياسة لا تتم إلا بحسن السياسة، ومن طلبها صبر على مضضها باحتمال الموت، بحسب السؤدد بالأفضال يعظم الأخطار، وبصالح الأدب تزكوا الأخلاق، وإذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه، ضاعت الأمور.
الثامنة عشرة: على الملك أن يعمل بخصال ثلاث: تأخير العقوبة في (5/161)
صفحة 1671
تأخير العقوبة إن كان العفو، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان، المسارعة بالطاعة من الرعية، وفي الأناة انفساح الرأي، واتضاح الصواب.
التاسعة عشرة: الحازم فيما يسكل عليه من الرأي الخاص، بمنزلة من أضل لؤلؤة فجمع ما حوى مسقطها من التراب فنخلة حتى وجدها، كذلك الحازم جامع جميع الرأي في الأمر المشكل مما يخلصه ويسقط بعضه حتى يخلص منه الرأي الخالص، لا ضيعة مع حزم، ولا شرف مع عجز، الحزم مطية النجح، والعجز يورث الحرمان.
أربع خصال ضيعة في الملوك والعظماء والأشراف: التعظيم، ومجالسة الأحداث والصبيان والنساء ومشاورتهن، وترك ما يحتاج من الأمور أن يعملها بيده، أو يحضرها بنفسه أن لا يعملها.
العشرون: لا يكون الملك ملكا حتى يأكل من غرسه، ويلبس من طرازه، وينكح من تلاده، ويركب من نتاجه.
أحكام الأمور بالتدبير، والتدبير بالمشورة، والمشورة بالوزراء المستجمعين الرأي، واستظهر على من دونك بالفضل، وعلى نظرائك بالإنصاف، وعلى من فوقك بالإجلال تأخذ بوثائق أزمة التدبير.
يجب على العاقل من حق الله التعظيم والشكر، ومن حق السلطان الطاعة والنصيحة، ومن حقه على نفسه بالاجتهاد في الخيرات، واجتناب الذنوب، ومن حق الخلطاء الوفاء بالود، والبذل للمعونة، ومن حق العامة كف الأذى، وحسن المعاشرة.
الحادية والعشرون: لا يكون الرجل إلا بأربع، قديم في شرف، وإخطار عند مال، وحديث في نفس، وصدق عند الناس.
من لم يبطره الغنى، ولم يشك في القافة، ولم تهده المصائب، ولم يأمن الدوائر، ولم تنس العواقب، فذلك الكامل. (5/162)
صفحة 1672
الكمال في ثلاث: الفقه في الدين، والصبر على النوائب، وحسن التقدير في المعيشة. يستدل على تقوى الرجل بثلاث: حسن التوكل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر على ما فات.
الثانية والعشرون: ذروة الإيمان أربع خصال: الصبر للحكم، والرضا بالقدرة، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب.
ليس للدين عوض، ولا للأيام بدل، ولا للنفس خلف، ومن كانت مطيته الليل والنهار سارا به وإن لم يسر.
الثالثة والعشرون: من جمع السخاء والحياء فقد أجاد الإزار والرداء، ومن لم يبال من الشكاية فقد اعترف بالدناءة، ومن استرجع في هيبته فقد استحكم اللؤم.
أربعة أشياء القليل منها كثير: الوجه، والفقر، والنار، والعداوة، من جهل قدر نفسه فهو بقدر غيره أجهل، ومن أنف من عمل نفسه اضطر إلى عمل غيره.
الرابعة والعشرون: من استكف من أبويه فقد انتفى من الرشد، من لم يتصنع عند نفسه لم يرتفع عند غيره، واذكر مع كل نعمة زوالها، ومع كل بلية كشفها، فإن ذلك أبقى للنعمة، وأسلم من البطر، وأقرب إلى الفرج.
الخامسة والعشرون: إذا لم يكن العدل غالبا على الجور، لم يزل يحدث ألوان البلاء، والآفات التي لا أمان منها، وليس شيء لتغيير نعمة، وتعجيل نقمة، أقرب من الإقامة على الظلم.
الأمل قاطع من كل خير، والطمع مانع من كل خوف، والصبر صائر إلى كل ظفر، والنفس داعية إلى كل شر. (5/163)
صفحة 1673
السادسة والعشرون: باستصلاح المعاش يصلح أمر العباد، وبصدق التوكل يستحق الرزق، وبالإخلاص يستحق الجزاء، وبسلامة الصدر تورث المودة في القلب، وبالكف عن المحارم ينال رضا الرب، وبالحكمة يكشف غطاء العلم، ومع الرضا بالقضاء يطيب العيش.
السابعة والعشرون: بالعقول تنال ذروة الأمور، وعند نزول البلاء تظهر فضائل الإنسان، وعند طول الغيبة تظهر مواساة الإخوان، وعند الحيرة تستكشف عقول الرجال، وبالأسفار تختبر الأخلاق، ومع الضيف يبدو السخاء، وبالغضب يعرف صدق الرجل، وبالإيثار على النفس تملك الرقاب، وبالأدب يفهم العلم.
الثامنة والعشرون: يترك الخطأ يسلم المرء من التخليط، وبالزهد تفهم الحكمة، وبالتوفيق تحرز الأعمال، وعند الغايات تظهر قوائم العزائم، وبصاحب الصدق يتقوى على الأمور، وبالملاقات ازدياد المودات، ومع الزهد في الدنيا تثبت المؤاخاة في الله، ومن الوفاء دوام المواصلة، ومن الغرر ركوب البحر.
التاسعة والعشرون: ومن قبول رشد العالم ركوب مطية العلم، ومن استقامة النية اختيار صحبة الأشرار، ومن عز النفس لزوم القناعة، ومن سلطان اليقين النخلة على من يطمع في دينك، ومن الدخول في الصدق الوقوف على من لا تعرفه العامة، ومن حب الجنة الانقطاع عن الشهوات، ومن خوف النار الانصراف عن السيئات، ومن طلب الفضول الوقوع في البلاء، ومن لم يجد للإساءة إليه مضضا لم يجد للإحسان عنده موقعا، قطيعة الجاهل تعدل فضل العاقل، المحسود لا يسود، منازع الحق مخصوم، أولى الناس بالقصد أعودهم بفضله، أعود الأشياء على تزكية العقل التعلم.
الثلاثون: العلم يرشدك، وترك الدعابة ينفي عنك الحسد، والمنطق تبلغ به حاجتك، الصمت يكسبك المحبة، وأنت في الاستماع (5/164)
صفحة 1674
أكثر فائدة، أحسن الأدب أن لا يفتخر الإنسان -نسخة- المرء بأدبه، ولا يظهر القدرة على من لا قدرة له عليه، ولا يتوانى في العلم إذا طلبه.
ثلاثة لا يستوحشون في الغربة، ولا يقصر بهم عن مكرمة: الشجاع حيث ما توجه، فإن بالناس حاجة إلى شجاعته وبأسه والعالم فإن بالناس حاجة إلى علمه وفهمه، والحلو اللسان، الظاهر البيان، فإن الكلام منه تجود حلاوة لسانه، ولين كلامه، فإن لم يعطوا في أنفسهم رباط الجأش، وجراءة الصدر، فلا يفوتنكم العلم، وقراءة الكتب، فإن فيها أدبا وعلما، وقد قيدها لكم من كان أحسن النظر فيها قبلكم.
تم ما وجدته بخط الشيخ محمد بن إبراهيم بن سليمان من ذلك. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/165)
صفحة 1675
باب
فيما يرجى معه زوال الفقر وحدوث الغنى
جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الفقر فقال له: «عليك بالاستغفار» فقال له الأعرابي: يا رسول الله إني كثير ما استغفرت الله فلا ينفعني؟ فقال له: «وكيف تستغفر الله؟»، قال: أستغفره كما يستغفره غيري. فقال له: «قل كل يوم: اللهم إني أستغفرك من كل ذنب قوي عليه بدني بعافيتك، أو نالته قدرتني بفضل نعمتك، أو بطشت إليه يدي بسابع رزقك، أو اتكلت فيه عند خوفي على أمانك، أو وثقت فيه بحلمك، أو عولت فيه على كرم عفوك.
اللهم إني أستغفرك من كل ذنب خنت فيه أمانتي، أو بخست فيه نفسي، أو احتضنت فيه على بدني، أو قدمت فيه لذتي، أو آثرت فيه شهوتي، أو استعنت فيه بغيري، أو استعونت فيه من معي، أو أحلت عليك فيه يا مولاي فلم تغلبني على فعلي، أو كنت كارها لمعصيتي، لكن قد سبق فيه علمك فحلمت عني، ولم تدخلني فيه جبرا، ولم تكن تحملني عليه قهرا، ولم تظلمني فيه شيئا يا أرحم الراحمين».
فانصرف الأعرابي وعاد بعد سنة فقال له: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، لقد رزقني الله مالا وإبلا وغنما كثيرة، ومالي موضع أرعى فيها لكثرتها.
فصل
دعاء لعيسى عليه السلام: اللهم إني أسألك يا فارج الغم، يا منفس الهم، مذهب الأحزان، (5/166)
صفحة 1676
مجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أن ترحمني برحمة تغنيني بها عمن سواك، فإنك رحماني ورحمن كل شيء، يا أرحم الراحمين.
من قالها فتح الله عليه رزقه، وقضى عنه دينه.
وروي عن عيسى على هذه النسخة:
يا فارج الغم، يا منفس الهم، يا مذهب الأحزان، يا مجيب دعوة المضطرين، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أنت رحماني ورحمن كل شيء، أسألك أن تصلي على محمد وأن ترحمني رحمة تغنيني بها عمن سواك، يا أرحم الراحمين.
من قالها فتح الله عليه رزقه.
* مسألة:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الفقر خير من الغنى» رددها ثلاث مرات.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا معاشر الفقراء طيبوا أنفسنا اللهم أحيني فقيرا، وأمتني فقيرا، واحشرني في زمرة الفقراء»، ثم قال: «ألا أخبركم بأشقى الأشقياء؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة». (5/167)
صفحة 1677
باب
فيما يرجى به إجابة الدعاء
قال سعيد بن المسيب: إني لأعرف موضع آية لم يقرأها أحد فسأل الله عز وجل إلا أعطاه قل: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (الزمر:46).
فصل
عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو أن لعبد من الذنوب بقدر قطر المطر، وورق الأشجار، ثم دعا بما تيسر وقال عقب دعائه خمس مرات: اللهم قد علمت فاغفر، وقد سمعت فاستجب، وما أنت له أهل فافعل آمين رب العالمين، استجاب الله له دعاءه وبدل سيئاته حسنات».
فصل
وقيل: لما قال بنو يعقوب: يا أبانا استغفر لنا مما عرضناك له من الحزن.
قال: سوف يكون مني في أموركم ما تحبون.
قالوا: ما أجبتنا إلى هذا إلا أنك لا تريد أن تفعل لنا.
قال: بلى أفعال ولكن أأخركم إلى الساعة النفيسة الطاهرة التي يتحرك فيها قلوب أولياء الله، ويعلوا نحيبهم واستغفارهم. (5/168)
صفحة 1678
قال غيره:
الساعة التي تقدس فيها الملائكة لدى الجبروت والملكوت، وهي الساعة التي تشتاق فيها الحور العين إلى أولياء الله، حتى تقول كل حوراء للتي تليها: كيف كان نعت ولي الله الليلة في طلبك، فتقول: بات ولي الله تعبا نصبا وقد زادني الله إليه بذلك تشوقا.
قالوا: يا أبانا أعلمنا بهذه الساعة.
قال: هي الساعة التي إذا أدبر الليل، وانتكست النجوم، ودنا السحر ما بين فجاءة الصبح إلى الدلجات.
فأين كنت يا مغرور عن تلك الساعة، لقد كنت مشغولا بنعاسك، والقوم يذرون العبرات لذي العطايا والهبات.
خبر ذكر عن وهب بن منبه: أن رجلا عبد الله تسعين سنة تمر سأل الله حاجته فلم يعطها، فرجع إلى نفسه فجعل يلومها ويقول: من قبلك أوتيت، لو كان فيك خير لقضيت حاجتك، فأتاه آت فقال له: إن ساعتك هذه التي أزريت فيها على نفسك أفضل عندي من عبادتك تسعين سنة، وقد قضيت لك حاجتك.
فصل
وأي دعاء أفضل من الاستغفار، وأعظم بركة، وأفضل من أوقات الاستغفار بالأسحار، وإنما قال يعقوب لبنيه: سوف أستغفر لكم ربي يوما، قالوا: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين في انتظار السحر وتأخير الاستغفار إلى طلوع الفجر. (5/169)
صفحة 1679
فصل
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يكاد أن يقوم من مجلس إلا دعا بهذه الدعوات: «اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما يبلغنا رحمتك، ومن اليقين بك ما يهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكثر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا».
ومما كان يدعو به ابن مسعود رحمه الله: اللهم وسع عليَّ في الدنيا، وزهدني فيها، ولا تزوها عنيِّ، وترغبني فيها.
وقيل: إن جبريل عليه السلام كان ذات يوم عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أبو ذر الغفاري مجتازا فقال جبريل، عليه السلام، للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا محمد هذا أبو ذر الغفاري مجتازا»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: «يا حبيبي يا جبريل وأنتم تعرفون أبا ذر؟» فقال جبريل: «يا محمد إن أبا ذر الغفاري اسمه في السماء أكبر من اسمه في الأرض، وإن الملائكة في السماء يدعون بدعاء أبي ذر الغفاري».
فلما مضى جبريل أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي ذر فدعاه فقال: «يا أبا ذر أخبرني ما الدعاء الذي تدعو الله به؟» فقال: يا رسول الله أدعو الله بعشر كلمات. فقال: «وما هي؟» قال: أقول:
اللهم إني أسألك قلبا خاشعا، وأسألك رزقا واسعا، وأسألك دينا (5/170)
صفحة 1680
راجحا، و علما نافعا، وأسألك يقينا صادقا، وأسألك العافية من كل بلية، وأسألك دوام العافية، وأسألك تمام العافية، وأسألك الشكر على العافية، وأسألك الغنى عن أشرار الناس.
وقيل، والله أعلم: إن الله لا يحرم السائل الإجابة، وإن من سأل ربه أعطاه، ولكنه إذا أراد سبحانه أن يستجيب للإنسان ألهمه الدعاء، وإذا أن يحرمه أنساه الدعاء، فيكسل الإنسان عن الدعاء، ولا يدعو الله ومن لم يدعه لم يستجب له. وقيل شعرا:
الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب
وقال آخر:
لا تسأل شيئا واغد معتصما ... بالله فيما الذي أملت من أمل
فالناس يغضبهم أما سألتهم ... والله يغضبه إن أنت لم تسل
فصل
روي عن علي بن طالب أنه قال: تلقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا علي ألا أهدي إليك هدية قد أهدانيها جبريل عليه السلام؟» فقال: نعم. بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: «قل: يا رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك في أدبار الصلوات».
*مسألة:
وقال أبو هريرة: إن أبواب السماء تفتح عند نزول الغيث، وعند إقامة الصلاة المكتوبة، وعند زحف الصفوف في سبيل الله، فاغتنموا (5/171)
صفحة 1681
الدعاء، والدعاء سلاح المؤمن، وهو رحمة من الله، فتحها على عباده، وأمرهم به فقال: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف:55)، وقال: {وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف:56).
فينبغي للداعي إذا دعا أن يتواضع ويتخشع ويتضرع، وأن يخلص النية في دعائه، ويقبل بقلبه على ما يدعو به، ويستجيب في الدعاء الإلحاح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يستجاب لكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي وإذا دعوت فسل كثيرا فإنك تدعو كريما».
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقل اللهم اغفرلي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن لتعزم على المسألة فإنه مكروه له»، وقال أبو سليمان الداراني: إن من أراد أن يسأل حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل حاجته وليختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل شعرا:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... تأمل ويك ما صنع الدعاء
سهام الليل ما تخطأ ولكن ... لها مدد وللمدد انقضاء
وقال صلى الله عليه وسلم: «من لم يصلّ عليَّ لم يدخل في شفاعتي»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى عليَّ في كتاب لم تزل الملائكة يستغفرون له ما دام اسمي في ذلك الكتاب».
وروى محمد بن الريان يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلَّى عليَّ كل يوم خمسا وعشرين مرة كتب من الأبدال الذين تقوم بهم الأرض» انقضى. (5/172)
صفحة 1682
قال غير المؤلف والمضيف إلى الكتاب:
وجدت هذا الدعاء للشيخ الأجل أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان المؤلف للكتاب، فأحببت أن يكون في كتابه فأضفته إلى هذا الباب، مضمنا لكتابه وهو هذا:
اللهم إني عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، لا أملك لنفسي شيئا من الأشياء، الأمر لك وحدك، مالك الملك اللهم وأنت أعلم بجميع ما في نفسي من نفسي، فأسألك أن تقضي لي جميع حوائجي، حوائج الدنيا والآخرة، وإن تصرف عني جميع الشر كله وأن تصلح لي شأني كله.
اللهم وأنت أعلم بما أنا فيه من وسواس الشيطان ومعارضته، والشكوك التي أشغلتني، أسألك اللهم أن تصرف عني جميع ذلك كله، وتنجني منه فإنك على ذلك قدير.
اللهم ذا الجلال والإكرام، أسألك أن ترزقني الهدى والتقى، والعفو والرحمة، والرضا والخير، والسعد والعلم، والرشد والعصمة، والتوفيق والتسديد، والبهجة والحبور، والغنى، واكفني جميع الشر كله، والمعاصي والكفر، والفقر والبخل، والجبن والحسرة، والندامة والذلة، والمسكنة والخضوع، والفاقة.
اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل ذي شر، ومن شر ما أخاف وأحذر، ومن شر كل سقم وألم وهم وغم وندم إنك على كل شيء قدير.
انقضى دعاء الشيخ محمد بن إبراهيم. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/173)
صفحة 1683
باب
في الرجاء من الله وحسن الظن به
قال جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل».
قال الفضيل: ما دمت حيا فلا يكونن عندك شيء أخوف منك إلى الله عز وجل، فإذا أنت احتضرت فلا يكونن عندك شيء أرجى عنك من الله عز وجل.
قال ابن مسعود: والذي لا إله غيرك ما أعطى عبد قط مثل حسن الظن بالله، والذي لا إله غيره لا يحسن العبد الظن بالله إلا أعطاه الله ظنه، وذلك أن الخير بيده.
ويروى أن الله عز وجل يقول: «أنا عند ظن عبدي بي»، قال الله عز وجل: {وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة:195)، قيل: حسن الظن بالله، وحسن الظن بالله فريضة على العبد المتعبد بها، ودليل حسن الظن بربه حسن العمل له.
ويروى أن عيسى بن مريم، ويحي بن زكريا عليهما السلام: كانا إذا التقيا عيسى بن مريم يبسم ويحي يبكي فقال يحي: تلقاني ضاحكا كأنك آمن! قال عيسى: تلقاني باكيا كأنك آيس! فأوحى الله إليهما أن أحبكما إلي أحسنكما ظنا بي. انقضى. (5/174)
صفحة 1684
باب
في البعث والحساب والجنة والنار
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
وعن الجنة والنار سئل هل هما مخلوقتان؟
قال: نعم.
قلت: فما الجنة؟
قال: قول الله عز وجل: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} والجنة والنار شيء.
قلت له: فالله سبحانه قد ذكر الحساب فهو مخلوق أم يخلق يوم الحساب؟
قال: أليس يقال: إن أصحاب الجنة مذ يفارقون الدنيا فمصيرهم إلى الجنة، وإن أصحاب النار مذ يفارقون الدنيا فمصيرهم إلى النار، فهذا يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن الحساب مخلوق، والله أعلم.
قلت: فجميع ما خلق الله يبعث مع الخلق من شجر أو دواب أو طير يبعث يوم القيامة؟
قال: سمعت عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله، إنما يبعث الروحاني ذوات الأرواح ووقف عن السقط فيما سمعت. (5/175)
صفحة 1685
* مسألة:
وسألت عن أرواح المؤمنين إذا ماتوا، وأرواح الكافرين؟
فقد كثر اختلاف الأحاديث إلا أنا نقول كما جاء في كتاب الله: إن أرواح المؤمنين تكون في أيدي ملائكة الرحمة، الذين يقبضون أرواح المؤمنين، وأرواح الكافرين تكون في أيدي ملائكة الغضب الذين يقبضون أرواحهم.
* مسألة:
قال يحي بن معاذ: ذكر الجنة موت، وذكر النار موت، فيا عجبا لنفس تحيا بين موتين، أما الجنة فلا صبر عنها، وأما النار فلا صبر عليها، وعلى كل حال فوت النعيم أيسر من مقاسات الجحيم.
* مسألة:
من كتاب الأشياخ:
سبع مجالس يوم القيامة، يسأل العبد عن الإيمان، فإن جاء به مخلصا جاز إلى الثاني، فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز بها إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصيام، فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحج، فإن جاء به تاما جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة، فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم فإن لم يكن ظلم أحدا جاز إلى الجنة، وذلك قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} (الفجر:14)، يعني يرصدون العباد في هذه المواضع السبع، يسألون عن هذه الخصال السبع، ولا يقبل العمل إلا بالإيمان. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/176)
صفحة 1686
قال: وإنما دخل من دخل الجنة بعفو الله ورحمته، ومنّه ومغفرته، ثم بأعمالهم الصالحة التي علم الله أنهم سيعملونها، ولا محالة عما علم الله، وإنما دخل من دخل النار بأعمالهم التي علم الله أنهم سيعملونها، ولا محالة عما علم الله.
وقيل: دخل عبد الله بن العباس على عمرو بن العاص وهو في السياق فقال: يا أبا عبد الله، قد كنت كثيرا مما أسمعك تقول: وددت لو أني لقيت رجلا عاقلا، أو قال لبيبا، فأسأله عن حاله عند الموت، وأنت ذلك العاقل، فما تجد؟
فقال: أجد السماء على الأرض كأنها مطبقة، وأجد نفسي تخرج من ثقب ابرة فلا أقوى، فأبصر ولا أرى، فأعتذر فلا إله إلا الله وفارق الحياة.
وذكر للشيخ عن معنى قوله: أرى فأعتذر كيف يعتذر إذا كان برئيا، ومم يعتذر مع البراءة؟
فقال: قد ينبغي للإنسان أن يعتذر من ذنب قد علمه الناس منه، وإن كان قد تاب منه، لأن يتبين أمره مع الناس، وذكر اعتذار الخضر مع مفارقة موسى عليه السلام، وذكر أيضا أن على الإمام أن يبين للناس أمر عقدته إذا كانت مشكلة أو أشياء نحو ذلك.
* مسألة:
وسألت الشيخ عما يجب على الناس في وقت الفترات من الرسل؟
فقال: عليهم أن يكونوا على شريعة النبي الذي كان قبلهم، فإذا جاءهم رسول ثان انتقلوا إلى شريعة النبي الثاني، وتركوا ما كانوا عليه من شرائع الأنبياء قبله، صلوات الله عليهم أجمعين، مع أن على الناس الإيمان بتصديق جميع الرسل، والإيمان بما جاءوا به من عند الله جل ذكره، وإنما الشريعة الأولى شريعة الرسل. (5/177)
صفحة 1687
باب
في الروايات وذكر صفات الأبدال وعلاماتهم
يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له».
فصل
وقال بعضهم: لا تخلو الأرض من سبعين صديقا وهم الأبدال، أما والله ما كانوا أبدالا بكثرة الصلاة والصوم، ولكن بالسخاء وصحة القلوب، والرأفة للإخوان.
فصل
قيل: فيما أوحى الله إلى موسى -نسخة- عيسى عليه السلام أن في الأرض أبدالا أقيم بهم الأرض، كلما مات منهم الميت أبدلت مكانه مثله، وهم أربعون رجلا.
قال وهب: بلغني أنه من قال حين يصبح: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، وحيهم وميتهم، شاهدهم وغائبهم، قريبهم وبعيدهم، إنك تعلم متقلبهم ومثواهم، خمسا وعشرين مرة حين يصبح، وخمسا وعشرين مرة حين يمسي، كتبه الله من الأبدال إذا كان مؤمنا.
وقال أبو الدرداء في الأبدال: لم يفضلوا بكثرة صلاة ولا صيام ولا خشوع، ولكن بصدق الورع، وحسن النية، وسلامة الصدر لجميع (5/178)
صفحة 1688
المسلمين، والنصيحة لهم ابتغاء مرضات الله بصبر ثخين، ولب حليم، وتواضع غير مذلة، اصطفاهم الله بعلمه، قلوبهم على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن، وهم الذين لا يلعنون شيئا، ولا يؤذونه، ولا يعقرونه، ولا يتطاولون، ولا يحسدون أحدا بدنياهم، أطيب الناس خيرا، وألينهم عريكة.
أسخى الناس أنفسا علامتهم السخاء، وسجيتهم البشاشة، وصفتهم السلامة من دعوى الناس قلبهم، ولا يخلف حالهم، مداومين على أحوالهم الظاهرة فيما بينهم وبين ربهم، لا تدركهم الرياح العواصف ولا الخيل المجراة، إنما قلوبهم تصعد في السقوف العلى ارتياحا إلى الله، واشتياقا إليه، ودررا في الخيرات {أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة:22).
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. (5/179)
صفحة 1689
باب
الروايات في الغضب
وروى لنا أبو سعيد قال: الناس أربعة: فخيارهم بعيد الغضب سريع الرضا، وشرارهم قريب الغضب، بعيد الرضا، وأوسطهم بين ذلك أن يكون سريع الغضب سريع الرضا، فهو أشبه بالخيار، ومن كان بعيد الغضب، بعيد الرضا فهو أشبه بالأشرار.
* مسألة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل».
وقال رجل: يا رسول الله أي شيء أشد غضبا؟
قال: «غضب الله».
قال: فما يبعدني من غضب الله؟
قال: «لا تغضب».
قال أبو الدرداء: أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خصلتان ليس فوقهما شيء من الشر: الشرك بالله، والضر لعباد الله، وخصلتان ليس فوقهما من الخير شيء: الإيمان بالله، والنفع لعباد الله»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه». (5/180)
صفحة 1690
فصل
قال أبو هريرة: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أكرم الناس حسبا؟ قال: «أتقاهم لله عز وجل».
روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأعرف آية لم أخذ الخلق بها لكفتهم {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} (الطلاق: 2 - 3).
وعن قتادة: مخرجا من شبهات الدنيا، والكرب بعد الموت، وإفزاع القيامة، وقال بعضهم: ومن يتق الله بأداء الفرائض والطاعات، يجعل له مخرجا من ذل المعصية، ويرزقه النجاة من النار، من حيث لا يحتسب.
وقال سفيان الثوري: عند الصباح يحمد القوم السرى، وعند الممات يحمل القول التقى. (5/181)
صفحة 1691
باب
فيما يورث قساوة القلب
وقيل: ما نام على الحجر، وأكل خبز الحجر، وشرب ماء يجري على الحجر، قسا قلبه، وإذا ثبت هذا فهو على الإدمان عليه، وعن بعضهم قال: ومن أكل من شجر نبت على الحجر.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أربع ينبتن الجفا في القلب كما ينبت الشجر على جانب الماء: سكن البادية، واتباع الصيد، واستماع اللهو، ولزوم السطان»، وكان يقال: إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب.
* مسألة:
قيل: حب الراحة، وحب الطعام، وحب النوم، يورث القساوة في القلب، هكذا وجدت.
وقيل: إن رجلا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قساوة قلبه فقال له: «عد المرضى وشيع الجنائز، وأشرف على لحود القبور». انقضت الإضافة رجع إلى الكتاب. (5/182)
صفحة 1692
باب
روايات في معاني شتى
يوجد عن أبي ذر الغفاري قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بست خصال: النظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، أوصاني أن أصل رحمي وأن أكترث مني، وأوصاني أن أقول الحق ولو كان مرا، وأوصاني أن لا أخاف الله لومة لائم، وأوصاني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن غيره:
قال النبي صلى الله عليه وسلم للفضل بن العباس: «لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت أو حرقت، ولا تترك الصلاة متعمدا فإنه من تركها متعمدا فقد برئت منه ذمة الله وأطع أبويك وإن أمراك أن تخرج من كل شيء هو لك فاخرج، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر، ولا تنازع الأمر أهله، ولا تفر من الزحف وإن أصاب الناس موت وأنت معهم فأقم فيهم».
*مسألة:
قيل: العجب كل العجب من أربع، من عرفهن ثم تركهن: قوله تعالى: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (غافر:44).
وقال تعالى: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَاب} (غافر:45). (5/183)
صفحة 1693
وقوله تعالى: {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء:87).
وقال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} (الأنبياء:88).
وقوله سبحانه وتعالى: {وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} (آل عمران: 173 - 174).
وقوله عز وجل: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} (الكهف:39).
فلو قالها ما رأى في جنته ما يكره.
وكان بلال ابن سعيد يقول: يا عباد الله إن الرجل منكم ليقول قول مؤمن فما يدعه حتى ينظر كيف عمله، فإن كان قول مؤمن وعمل مؤمن لم يدعه الله حتى ينظر كيف ورعه، فإن كان قول مؤمن وعمل مؤمن وورع مؤمن لم يدعه حتى ينظر ما نوى فيه، فإن صلحت النية صلح ما سوى ذلك، وإن فسدت النية فسد ما سوى ذلك.
فصل
بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا على من أكب على الدنيا بشغل لا فراغ له، وبفقر لا غنى له، وبهم وحزن لا انقطاع له، وروي أنه أوتى بتمر فقال: «انثروه على خضيض الأرض فإن محمدا عبد يأكل كما يأكل العبد فلو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء».
وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت الدنيا همه وسدمه، لها يشخص، ولها يغضب ويطلب، جعل الله فقره بين عينيه، وشقت عليه ضيعته ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن (5/184)
صفحة 1694
كانت الآخرة همه وسدمه، ولها يشخص، ولها ينصب ويطلب، جعل الله غناه في قلبه، وتجمع ضيعته، وأتته الدنيا وهي راغمة».
* مسألة:
قال أبو سعيد: جاء في بعض الرواية أنه: ما ادخر العبد شيئا لدهره من الدنيا إلا سأله الدهر إياه، ولا استغنى عنه إلا أغناه الله بسواه، ويقال: الخير كله عادة، والشر كله لجاجة.
* مسألة:
وذكر وهب: أن حواء امرأة آدم عليه السلام أهبطت بجدة، وجدة ساحل مكة، وأن الله حرم عليها دخول الحرم، والنظر إلى مكة من أجل خطيئتها التي أخطأ، وإن كان أول عتب في آدم وولده، وعتب امرأته، فلم ينظر إلى شيء منه حتى قبضت، وكان آدم صلى الله عليه وسلم إذا أرادها ليمرأها للولد، خرج من الحرم كله حتى يلقاها في الحل، فولدت لآدم صلى الله عليه وسلم مائة وعشرين بطنا، كل بطن ذكر وأنثى، ولم يزل آدم بمكة وقبره في مسجد الخيف وقبر حواء بجدة.
فصل
بلغنا، والله أعلم: أن أبا ذر الغفاري يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله كم النبيون؟
قال: «يا أبا ذر مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي».
فقال: يا نبي الله كم الرسل؟
قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولا». (5/185)
صفحة 1695
قال: يا نبي الله كم العرب منهم؟
قال: «خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل وأنا».
فصل
عن أبي الحسن بن أحمد: وما تقول في الأطفال الصغار يكون بعثهم يوم القيامة صغارا كما ماتوا أو كيف ذلك؟
الله أعلم بذلك، وقد قال الله تعالى: {يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً} (المزمل:17)، فلعلهم أن يكونوا ولدانا، والله أعلم.
وكذلك إذا تكلم الرجل بالذكر وبما لا يجوز في نفسه أترفعه الحفظة بالعرف أو بغير ذلك؟
فقد قيل: إن الحفظة تشتم العرف الطيب إذا ذكر الرجل في نفسه وقد قيل: إنهم يجدون شيئا لم يكتبوه مما لم تعلم الحفظة، والله أعلم.
فصل
وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في نفسه مثقال حبة من خردل كبر» قال له رجل: يا رسول الله إني لا أحب الجمال حتى في علاقة سوطي، وقال يعلى قال: أترضى بالحق؟ قال: أرضى بالحق، إنما ذلك لمن يترك الحق ويتغمط الناس.
* مسألة:
عن أبي سعيد، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». (5/186)
صفحة 1696
فصل
وروي أن عبد الله بن العباس، وعبد الله بن مسعود اختلفا في الرجل يقول: أنا مؤمن حقا عند الله، فقال عبد الله بن مسعود: أنا مؤمن حقا عند الله، وقال عبد الله بن العباس: أنا مؤمن حقا عند نفسي ولا أقول عند الله، فأرسل عبد الله بن العباس إلى عبد الله بن مسعود: إنك إذا قلت: إنك مؤمن حقا عند الله فقل إنك في الجنة، لأن الله يقول: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} الآية.
فقال له عبد الله بن مسعود: إذا لم تعلم أنك مؤمن حقا عند الله فأنت شاك في دينك، ويقول ابن عباس رضي الله عنه: يقول محبوب رحمه الله: قال أنا مؤمن حقا عند نفسي ولا أدري ما حالي عند الله، وبذلك قال أبو محمد رحمة الله عليه. (5/187)
صفحة 1697
باب
في الطيب
إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف بالطيب، ويدخن بالعود القماري، ولما تزوج علي بفاطمة أمر بالطيب المسك العنبر فقال: إنها غالية وجرى اسمها بذلك.
فصل
سألت محبوبا رحمه الله عن شراء المسك وبيعه وشمه والتطيب به؟
فقال: لا بأس به، ليس بين الفقهاء فيه اختلاف.
وقال محبوب: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدي إليه مسك فقسمه بين أصحابه، ثم مسح يده التي كان بها يعطي المسك فسمح بها وجهه ورأسه وقال: «يا لك من ريح الجنة».
* مسألة:
من كتاب الأشراف:
واختلفوا في الانتفاع بالمسك:
فمن رأى الانتفاع بالمسك أبو عمر، وأنس بن مالك، وروي ذلك عن علي وسليمان، ورخص فيه سعيد ابن المسيب، وابن سيرين وجابر بن زيد، ومالك، والليث بن سعيد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. (5/188)
صفحة 1698
وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والحسن، وعطاء بن أبي رباح أنهم كرهوه، ولا يصح ذلك إلا عن عطاء.
وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد جيد أنه كان له مسك يتطيب به، وروينا عنه أنه قال: «إن أطيب الطيب المسك» وكذلك نقول.
قال أبو سعيد: لا يبين لي في قول أصحابنا معنى كراهية المسك، ولا يخرج عندي إلا شبه الاتفاق من قولهم إنه طاهر.
* مسألة:
من كتاب عثمان بن موسى بخطه وتأليفه، ولا بأس إن وضع الرجل على رأسه وبدنه طيبا من زعفران وغيره، ويروى ما ظهر لونه، وبطن ريحه للنساء، وما ظهر ريحه وبطن لونه للرجال، لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا وطيب النساء لون لا ريح له، وطيب الرجال ريح لا لون له». (5/189)
صفحة 1699
باب
الزينة للرجال
وعن رجل يهدب ثوب، أو يحف وجهه، أو يحلق رأسه، أو يلبس ثوبا مصبوغا أو يتحنى وأشباه ذلك من الزيون، هل يكره له ذلك إذا أراد به زينا أو لم يرد به زينا؟
فالهدابة للثوب فلا بأس بذلك، وكذلك الثوب المصبوغ قد بلغنا عن بعض الفقهاء أنه كان يلبس الثوب المصبوغ، وأما الخف فإنه مكروه، وقد سمعنا من يقول: إن حلق الرأس مكروه إلا بمنى (1)، ومن حلق في غير منى فلا بأس عليه.
وأما الحناء فقد قيل إنه لا يظهر على القدمين، وأما الزين فإنه مكروه للرجال وكذلك الحناء في اليدين للرجال فإنه مكروه لهم ذلك، وإن حنا لحيته ورأسه فلا بأس بذلك.
* مسألة:
ومما يوجد أنه معروض على أبي عبد الله رحمه الله في الصبغ، كان جابر يصفر رأسه ولم ير بالزينة والصبغ بأسا ما لم يدخله فيه الخيلاء فلا بأس.
* مسألة:
قال أبو سعيد: سمعت، والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم
__________
(1) المشهور أن الحلق من السنة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم له وكونه بمنى ذلك واقعة حال. (5/190)
صفحة 1700
لم يكن يستعمل في الكسوة حلتين للباس، وإنما كان كلما أبلى حلة جدد أخرى على معنى الرواية.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
عن عمران بن الحصين أن رسول الله قال: «لا أركب الأرجوان ولا ألبس المعصفر ولا ألبس القميص المكفف بالحبر»، سئل عن ثوب فيه تصاليب: فكره لبس المصلبة. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/191)
صفحة 1701
باب
في الحرير والديباج والخز والثياب وما يجوز لبسه
وجائر الجلوس على مخدة الحرير والديباج، وإنما نهي عن لباس ذلك، ولا ينبغي للمؤمن أن يلبس شيئا من زي الفساق والجبابرة وأهل الذمة، ولا يتزيا بذلك لئلا يتهمه من يراه.
ويجب على المستور من الناس أن لا يفعل فعلا يتهم من أجله، كما لا يجوز مجالسة المتهوكين في المواضع الوعرة، وكما لا يجوز للمؤمن أن يتشبه بأهل الذمة في زيهم، ولا يؤثم الناس بفعله بنفسه لأنه يصير متهما والله أعلم.
وقال بعض المسلمين: لا يجوز للمسلم أن يصادق منافقا وإن كانت الصداق تقية لأنه ربما غر بذلك غيره، قال الله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} (هود:113).
* مسألة:
قال بعض المسلمين: واجب على كل من استمسك بالدين أن لا يعدل عن آثار المسلمين، ولا يرى في حيز المنافقين.
* مسألة:
ولباس الحرير لا يحل للمحرم ولا غيره من الرجال ولو قعد عليه محرم أو غيره لم يلزمه شيء بقعوده عليه. (5/192)
صفحة 1702
* مسألة:
لباس الحرير حرام على الرجال من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وبذلك ورد الشرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة إلا بعد التوبة والإصلاح، ولا نعلم أن أحدا من فقهاء الأمة قال يجوز ذلك.
* مسألة:
ثوب مصبوغ بشوران أو ورس أو زعفران أيجوز للرجل أن يصلي به الفرائض والسنن أم لا؟
ما علمت في ذلك تحريما على الرجال، والبياض أحسن في لباسهم.
* مسألة:
عن الرجل هل يحزم رأسه بخرقة حرير ويصلي بها، أو يشدها على يده أو رجله ويصلي بها؟
فإذا كان ذلك لعلة فلا بأس.
* مسألة:
عن الرجل هل يرقع بخرقة حرير أو بخيط حرير؟
فأما الخيط فلا بأس، وأما الخرقة فإن كانت أقل من أصبعين فلا بأس وإن كانت أكثر فلا.
* مسألة:
وسئل عن تذييل القميص والسراويل هل على من فعل ذلك إثم؟ (5/193)
صفحة 1703
قال: معي أنه قيل لي القميص والسراويل مثل الإزار، لأنه يوجد في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما نهى عن تذييل الإزار، ومعي أنه قيل في تشمير القميص عيب هكذا حكي لنا إلا أن يريد صاحب القميص والسراويل في تذييلهما الفخر والخيلاء فمعي أن ذلك لا تجوز في نيته ولا إرادته في ذلك. (5/194)
صفحة 1704
باب
الانتفاع بالأواني
وجائز الشراب بآنية الزجاج والنحاس والصفر وإنما نهي عن آنية الفضة.
وقال آخرون: الذهب والفضة.
* مسألة:
من جامع أبي محمد:
اتفق الناس على جواز استعمال الآنية الغالية من الجواهر كلها، سوى آنية الذهب والفضة:
فذهب بعض إلى تحريم استعمالها.
وذهب آخرون إلى تحريم الشرب فيها وإباحة الأكل فيها وغيره من الانتفاع بها.
وقال بعضهم: يكره ذلك وليس بالحرام للرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة كأنما يجرجر في جوفه نار جهنم».
وذهب بعض القائسين: إلى أن الخبر ورد في الشراب وحده لا الأكل والانتفاع فيها، ووجدت أصحابنا يمنعون من ذلك، والله أعلم، منع تحريم أو منع كراهية.
ولعلهم في ذلك أن ورد الخبر لأجل التكبر والخيلاء، وليبينوا بأوانيهم عن سائر الناس، وهذه علة عندي أنها تنكسر علينا، وذلك أنهم (5/195)
صفحة 1705
أجمعوا مع مخالفيهم أن الشرب بقدح بلور قيمته ألف درهم جائز، وامتنعوا عن قد فضة قيمته عشرة دراهم، ولو كان طريقه طريق الخيلاء والتكبر وليبينوا بأوانيهم عن سائر الناس بأوانيهم لما جوزوا الشرب في قدح بلور قيمته ألف درهم.
والعلة معنا موجودة والتحريم مرتفع، وبطل أن يكون النهي بهذه العلة، والله أعلم بوجه قولهم، وقد يرد الشرع بتحريم الأخف وإباحة الأعظم منه، فإن كان الخبر صحيحا فيجب الامتناع من الشرب دون غيره، ويكون النهي عن ذلك مخصوصا من جملة ما أبيح استعماله من الآنية، والله أعلم.
وفي الرواية عن عمر بن الخطاب رحمه الله: أوتي بقدح مضبب بفضة وفيه ماء فوضع شفتيه بين الضبتين وشرب، والمضبب بالفضة غير واقع عليه اسم آنية الفضة.
* مسألة:
أنس بن مالك: أن قدحا للنبي صلى الله عليه وسلم انصدع فجعل مكان الصدع سلسلة من فضة، ومن اشترى إناء فيه صورة فلا بأس، وإن غيره فهو أحب إلي وقال: إذا كسر رأسه فلا بأس.
* مسألة:
من كتاب الأشراف:
قال أبو بكر: روينا عن علي بن أبي طالب أنه توضأ في طست.
وقال الحسن البصري: رأيت عثمان يصب عليه من إبريق وهو يتوضأ. (5/196)
صفحة 1706
ورأى أنسا يتوضأ في طست، ورخص كثير من أهل العلم في ذلك، وبه قال ابن المبارك، والثوري، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور.
وما علمت أن أحدا كره الوضوء في آنية الصفر والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك وبه نقول.
وقد روي عن ابن عمران كان يتوضأ في الصفر والأشياء على الإباحة، وليس يحرم ما هو مباح بوقوف ابن عمر عنه، وكان الشافعي وإسحاق، وأبو ثور يكرهون الوضوء في آنية الذهب والفضة، وبه نقول، ولو توضأ فيه متوضئ أجزاه وقد أساء.
وحكي عن النعمان أنه كان يكره الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، ولا يرى بأسا بالمفضض، وكان لا يرى بالوضوء منه بأسا.
قال أبو هريرة: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغطية الإناء للوضوء، قال أبو بكر: يستحب ذلك تأديبا لا فرضا.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لا بأس بالتأني بجميع الأواني الطواهر للوضوء وغيره إلا الذهب والفضة، فإنهم قد كرهوا التأني بالذهب والفضة، ولعل ذلك يخرج من طريق الإسراف، ولا ينبغي أن يتخذ ذلك للتأني ويجزي دونه إلا أن يكون على وجه التحلي، فإن توضأ متوضئ من آنية الذهب والفضة لم يبن لي عليه في ذلك فساد في وضوئه، وإن كان من ضرورة فلا بأس به على حال.
* مسألة:
ومن غير الكتاب:
ومن بعض الآثار عن أم سلمة أو عن صفية قالت: سمعت رسول (5/197)
صفحة 1707
الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الذي يشرب بآنية الذهب والفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم».
* مسألة:
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
عن علي بن محمد: وسألته هل يجوز أن يكحل بمكحل الفضة، أو يقص بمقص فضة؟
قال: أظن قد سألت عن مكحل الفضة فقيل لي جائز، وأما المقص فلا أحفظ فيه شيئا، وكذلك المكحل لا أحفظ فيه من الأثر شيئا والله أعلم. (5/198)
صفحة 1708
باب
في مسائل منثورة
وقال: من نظر إلى ساق أمة ممن تتخذ للفراش أو للخدمة فلا بأس عليه في وضوئه وللرجل إذا أراد يعترض جارية أن ينظر من ركبتيها إلى قدميها، ومن سرتها إلى رأسها، قال: وقد فعل ذلك ابن عمر، وقد أراد أن يشتري جارية من النخاسين.
وروي عن أبي المؤثر، وأبي عبد الله في الذي يصلي وسرته مكشوفة؟
أنه لا نقض عليه.
قال: هل هي من العورة؟
قال: نعم.
أبو سفيان: سمعت المعتمر بن عمارة عن رجل أخذه السلطان فقال له: إن صليت قتلتك؟
فقال: يومئ.
قلت: فإن قال له: إن حركت رأسك قتلتك؟
قال: يكبر خمس تكبيرات.
قلت: فإن قال: إن كبرت قتلتك؟
قال: يكبر في نفسه وإن كان على غير وضوء أحب إليّ أن يعيد إن قدر على ذلك. (5/199)
صفحة 1709
* مسألة:
وقال أبو عبد الله: المحتكر هو الذي يشتري الطعام من السوق ثم يحبسه ينتظر به.
* مسألة:
قال أبو عبد الله: قال الله له الحمد: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر:7)، فما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو فرض معمول به، وما نهى عنه فهو حرام معروف.
فصل
وسألت أبا سفيان عن المكروه؟
فقال: إن الله تبارك وتعالى أحل حلالا، وحرم حرما، وأمسك عن أشياء لم يجيء فيها بيان، فكرهها فقهاء المسلمين وعلماؤهم فليس لأحد أن يزعم أن ما كرهه فقهاء المسلمين حلال.
* مسألة:
وقال أبو عبد الله: إن أقذر الذنوب ظلم المرأة صداقها، وظلم الأجير أجرته، وكله عند الله عظيم، وقال: ويستحب أن يعطى الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه.
* مسألة:
سئل أبو عبد الله: عن امرأة رميت بالزنى ثم إن أناسا علموا منها خيرا، هل للرجل أن يتزوجها. (5/200)
صفحة 1710
قال: إن خاف أن يكون ما قيل حقا فيتحول إلى غيرها، وقال أبو عبد الله: لا بأس بتزويجها ما لم تكن محدودة على الزنى.
* مسألة:
وسئل أبو عبد الله عن رجل أدخل إصبعه في دبر امرأته متعمدا هل تفسد عليه؟
قال: ولا يستغفر ربه.
* مسألة:
وعن رجل تزوج امرأة فإذا هي تبول في الفراش؟
قال: ذلك إليه إن شاء أمسك وإن شاء طلق، وليست الحرة في هذا بمنزلة الأمة، وإن كان أهلها قد علموا بذلك فقد غروه وكذبوا وأثموا.
قال أبو عبد الله: من غسل لبناته فروجهن وهن صغار ولم تحضره شهوة عند غسلهن فأرجو أن ذلك لا يفسد عليه امرأته وليس له أن يفعل ذلك، ومن فعل ذلك فليستغفر ربه.
* مسألة:
قال الفضل بن الحواري: إذا كان الرجل يشرب نبيذ الجر، وهو يدين بتحريمه، ثم تاب من ذلك فعليه بدل تلك الصلوات التي صلاها في حالة شربه النبيذ، وإن كان ممن يستحل شربه بديانة ثم تاب لم يكن عليه بدل تلك الصلوات، وأما الجاهل الذي كان يصلي فلا يعيد الصلاة ولا يأتي بها على جهتها، ثم تاب لم يكن عليه بدل الصلوات. (5/201)
صفحة 1711
* مسألة:
وعن أبي عبد الله: سألته عن رجل فسدت عليه صلاته، وعلم بذلك في وقت صلاته فلم يبدل حتى فات وقت تلك الصلاة؟
قال: أراه غير معذور، وعليه كفارة التغليظ.
* مسألة:
وعن أبي عبد الله: قلت: فإن قال: سمع الله لمن حمده الله أكبر ناسيا؟
فلا نقض عليه، وأما إذا كان متعمدا فعليه البدل لأنه تقدم على خلاف السنة.
* مسألة:
وعن رجل منع رجلا الصلاة حتى ذهب وقتها، أو جبره على الإفطار؟
فأما الممنوع فلا نرى عليه بأسا إلا الصلاة إذا أمكن له ذلك، وأما المانع فلا نعرف عليه إلا الوزر، وأما الإفطار فإن كان في شهر رمضان وخاف القتل فلا نرى عليه بأسا والوزر على من جبره.
* مسألة:
وعن رجل فقير حلف ببدنه أو أكثر من ذلك؟
قال: يكفر ما استطاع، فإن شاء عذبه الله وإن شاء رحمه. (5/202)
صفحة 1712
* مسألة:
ومن جعل ماء في إناء لرجل؟
جاز للرجل أن يكفأه إذا لم يكن برأيه.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
قلت لبشير: يبلغني من الرجل الشتم والأذى فأشكو إلى الناس؟
قال: الشكوى إنما هو يستروح به، وليس عليه فيه إثم إن شاء الله، قال: وأفضل من ذلك الصبر، لأن الله تعالى يقول: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} (آل عمران:134).
وسألته عن الحسد ما هو؟
قال: الحسد أن تحسد أخاك المؤمن ما في يده، وتود أن يزول عنه ما في يده من شيء ليكون ذلك لك أنت دونه، وأما إذا أحببت أن يكون في يدك مثل ما في يده من نعمة فلا يكون حسدا.
قلت: فحسد الكافر؟
قال: حسد الكافر لا إثم فيه، بل فيه الثواب.
قلت: فالغبطة ما هي؟
قال: أن يغبط الإنسان المؤمن ما في يده من نعمة تود أن يكون في يدك مثل ولا تحب أن يزول ماله ويتلف. (5/203)
صفحة 1713
باب
في السنن
من الزيادة المضافة من كتاب الرهائن:
وقيل: في الإنسان عشر سنن: خمس في الرأس، وخمس في البدن.
فاللواتي في الرأس: فرق الشعر، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب.
واللواتي في الجسد: الاستنجاء، والختان، وحلق العانة, وقص الأظافر، ونتف الإبطين.
* مسألة:
قيل: الكحل سنة، والسلام سنة، وخلط الزاد في السفر سنة، والانفراد به لؤم. (5/204)
صفحة 1714
باب
في التواضع
والعبادة، والهدية لله في طلب الجنة، وجدناه منقطعا فكتبناه على المعنى، والله أعلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بحديث يكون زيادة في أبدانكم في التواضع والعبادة؟» قال: قلنا: نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «اعلموا أنه إذا كان يوم القيامة، قمت لكم على الصراط، فلا يجاوزني أحد من أمتي إلا بهدية، فمن أتاني بهدية جاز على الصراط، وكنت له شافعا عند ربي، وإذا نظرت إلى أمتي قال: قلت: يا أمة محمد أكرمكم عليّ فهل أتيتموني بهدية؟ فمن وجد عنده هدية أكرمه بكرامة الأنبياء وتوجب له الجنة يدخلها بغير حساب.
وإذا وقفت أمتي على باب الجنة، قال لهم رضوان خازن الجنة: يا أمة محمد عليكم السلام، أين هدية الجنة، فمن وجد عنده هدية تفتح له أبواب الجنة حتى يدخلها، فإن لم توجد عنده هدية حبس على بابها».
قالوا: قلنا: يا رسول الله فما هذه الهدايا حتى نجتهد جهدنا لعل الله يرزقنا هذه الهدايا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما هديتي أنا فأقول لكم: هل قطعكم أحد فوصلتموه؟ وهل منعكم أحد فأعطيتموه؟ وهل عاداكم أحد فصادقتموه؟ وهل ظلمكم أحد فصبرتم عليه؟ وهل شتمكم أحد فقلتم جزاك الله خيرا؟ وهل اغتابكم أحد فقلتم غفر الله لك؟ وهل لقيتم الفقراء واليتامى؟ وهل تعاهدتم الأرامل (5/205)
صفحة 1715
والضعفاء؟ وهل شكى أحد إليكم الجوع فواسيتموه من بعض قوتكم؟ وهل سترتم أحدا ببعض خلقانكم؟ وهل أصابتكم مصيبة في أموالكم وأبدانكم فصبرتم عليها وقلتم: خير يكون لنا في الآخرة خاصة، هذه هدية أطلبها منكم على الصراط، فمن وجدت عنده هذه الهدايا فهو مني وأنا منه».
قال: قلنا: فما هدية الله عز وجل؟ قال: «يقول الله عز وجل: يا أمة محمد هل عصيتم فذكرتم غضبي؟ وهل ظلمكم أحد فذكرتم عقوبتي؟ وهل قيل لكم: اتقوا الله قلتم أحسن ما تقول فتركتم الغضب؟ وهل رأيتم أحدا على فاحشة فسترتموها عليه؟ وهل رحمتم أحدا حتى أرحمكم اليوم؟ وهل تعاهدتم فرائضي التي فرضتها عليكم في أبدانكم وأموالكم؟ وهل عرفتم حق الشيخ الكبير؟ وهل رحمتم الصبي الصغير؟ وهل أديتم حق الأبوين». فهذه هدية الله عليكم فمن وجد هذه الهدايا معه أمر به إلى الجنة مع النبيين بغير حساب».
قال: قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما هدية الجنة؟ قال: يقول لكم يا أمة محمد هل تركتم نعيم الدنيا لنعيم الآخرة؟ وهل صبرتم على ما أصابكم؟ وهل تركتم الحرام والشبهات لنعيم الجنة؟ وهل ذكرتم نعيم الجنة فغنمتم لذلك؟ وهل قلتم بجهد هذا النعيم؟ وهل صبرتم على الأوجاع لحال نعيم الجنة؟ وهل كسيتم الخلق الجديد لحال نعيم الجنة؟ وهل صليتم بالليل لحال الحور العين؟ وهل عملتم الخير لحال نعيم الجنة؟ فهذه الجنة يطلبها منكم رضوان خازن الجنة، فمن وجد معه هذه الهدايا دخل الجنة وإلا حبسه رضوان على باب الجنة حتى يأذن الله له». (5/206)
صفحة 1716
قال غير المؤلف والمضيف:
لم أجد هذا الخبر بخط مؤلف الكتاب، ولعله مضاف أو غير مضاف فالله أعلم، وهو خبر فما يجب على المرء النظر فيه، واعتباره أمره لأنه يذكر فيه إن لم يقم المرء ليله حبس على باب الجنة، وقيام الليل غير فرض، إنما هو مفروض على النبي صلى الله عليه وسلم دون أمته، ومنه أشياء تحتاج إلى تفسير، فينظر فيه لأنه يحتاج إلى عالم فقيه يشرح أمره. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/207)
صفحة 1717
باب
في نتف الإبط وأخذ الشارب واللحية وسائر الشعر
قال أبو سعيد: كان الشيخ أبو إبراهيم يقول: إن حفّ الشارب عيب في المؤمن، لأن السنة جاءت بجزه كله، وقيل عن أبي المؤثر: إنه يجز كل أسبوع.
* مسألة:
أبو سعيد: اختلف في الوقت الذي يؤمر بجز الشارب:
فقال من قال: يراعى به حلق العانة وهو على أربعين يوما.
وقال من قال: إنها على كل شهر.
وقال من قال: إذا فضل عن حد الشفة ودخل في حد الفم.
وقال من قال: في كل أسبوع.
وقال من قال: إذا قبح وصارفي حد يخرج من زي المسلمين.
وقال من قال: يؤمر بجزه ولا يؤمر، ولا يحلق حلقا، ولكن يجز بالجاز وهو ما خرج في معنى المقصين وأشباههما.
* مسألة:
والذي عرفت أن من نتف شاربه يريد بذلك حف الشعر عند فجائز.
وقال بعض: إن نتف الشارب عذاب المنافقين في الدنيا. (5/208)
صفحة 1718
* مسألة:
ولا يأخذ الرجل من لحيته طرفها إلا أن يسويها، ولكنه إن شاء أخذ من عرضها.
* مسألة:
واللحية لا يؤخذ منها شيء، وقد أجاز بعض من الأطراف من إعفائها، وروى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حفوا الشوارب واعفوا اللحى».
* مسألة:
عن الرجل هل يكره له نتف الشارب؟
فنعم يكره له ذلك إلا أن ينتفه كله، فإذا نتفه كله فلم نسمع في ذلك كراهية، وقد قيل: إن الله تعالى عذب المنافقين في الدنيا بنتف الشارب وشرب النبيذ.
* مسألة:
عن رجل تولع بنتف لحيته أو بعضها، هل تقبل شهادته؟
قلت: وكذلك إذا أكل الطين أو لبس ثوبا مصبوغا؟
فلا يبلغ به هذا كله إلى سقوط شهادته، ونتف اللحية هو عندنا أشد وينهى عن ذلك، وأما الطين والثوب المصبوغ فمن فعل ذلك فليس نقول إنه آثم، ولا تسقط شهادته. (5/209)
صفحة 1719
* مسألة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قصوا الشوارب واعفوا اللحى» أي امتنعوا عن قصها والتعرض لها.
وقال أبو محمد: إن قص اللحية من كبائر الذنوب إلا ما أجازه بعض الفقهاء من أخذ الفاضل منها عند الإحلال والزينة، فأما ما عدا ذلك فغير جائز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الأخذ منها.
وقال بعض الفقهاء: لا يجوز أن يقص منها قليل ولا كثير، وقصها من كبائر الذنوب بإجماع الأمة إلا ما رواه بعض مخالفينا أن عمر بن الخطاب رحمه الله أمر بقص ما فضل بعد القبضة من أسفل اللحى لأجل رجل قتل من المسلمين، وكان من مشاجيعهم، وكان ذا لحية طويلة فتناولها بعض أعلاج المشركين فأوثقه فقتله، فلأجل هذا زعموا أن عمر أجاز قطع ما فضل من بعد القبضة من أسفل اللحى، وينظر في هذا الخبر.
* مسألة:
وقال أبو سعيد: في حلق العانة في شهر رمضان فهو من أفضل الطاعة، وكل ما كان من الطاعة في غير شهر رمضان فإذا فعل ذلك فيه أحسب أنه قيل اثنا عشر ضعفا وأرجو أنه أكثر ما قيل.
* مسألة:
وسئل عن رجل يطيل شعر رأسه، هل يؤمر أن يقصر إلى شحمة أذنيه؟
قلت: فإن لم يقبل ولم يقصر من شعره، هل له ولاية؟ (5/210)
صفحة 1720
قال: لا أترك ولايته إذا كان لا يخالف المسلمين في غير هذا.
قلت: فإن أطال إزاره أسفل من الكعبين، هل يؤمر أن يرفعه؟
قال: نعم.
قلت: فإن لم يفعل، هل له ولاية؟
قال: لا أترك ولايته، ولكن ما أحسب أن أحدا يطيع المسلمين في كل شيء إلا في تطويل الإزار، وتطويل الشعر.
قلت: إن هو ترك الفرق أو امرأة تركت الفرق؟
قال: هكذا عندي، قد ترك السنة وقد يخرج به الصدر.
قلت: أفتتولاه؟
قال: قد خالف السنة، ولا أتولاه، ولا أبرأ منه إذا لم يكن منه خلاف المسلمين غير ذلك، والذي يؤمر به الرجل أن لا يجاوز الأربعين حتى يحلق عانته، والمرأة إلى عشرين يوما.
* مسألة:
وذكرت فيمن لم يحلق عانته وتركها أتفسد عليه صلاته ويأثم أم لا؟
فعلى ما وصفت، فحلق العانة من السنة التي في البدن من السنن، وقد جاءت السنة بحلقها، وقد يوجد فيما رفع عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن تركها، قولا شديدا فلا يتركها متعمدا، فمن تركها متعمدا من غير عذر له في تركها، وهو يمكنه في حين طولها، ويعجل ذلك لها فقد خالف السنة وأثم في ترك السنة، فإن تاب ورجع فلا بدل عليه في (5/211)
صفحة 1721
صلاته، وإن تركها إذا لم يمكنه إلى وقت يمكنه، أو عذر بين من غير ترك استخفاف، ولا تضييع السنة اللازمة فهذا إذا كان له عذر لم يأثم إن شاء الله، ويعجل في حلقها على ما يمكنه، ولا يضيع السنن اللازمة، وقد يقال في طولها إذا طالت اتخذها الشيطان مخابيا، والله أعلم بالصواب.
* مسألة:
وذكرت فيمن يغير رأسه بالحناء وهو شائب؟
فالذي يجب أن يترك الشيب بحاله، فإن غير بالحناء فإن كانت الرواية التي تروي في ذلك على حسب ذلك صحيحة فلا بأس بذلك، ونقول على حسب الرواية إن تركه أفضل، فإن غيره بالحناء لم نر بذلك بأسا، وأما بغير الحناء من السواد فلا نجيز ذلك، والله أعلم بالصواب في هذا وفي غيره.
*مسألة:
قال علي بن عزرة: أنا رأيت بشيرا يحلق شاربه.
وعن أبي الحواري وسألته عن قص الشارب وحلق العانة ونتف الإبط وقلم الأظافر هل فيه حد؟
فقال: ليس في ذلك حد إلا على ما أمكن من ذلك.
*مسألة:
عمن لم يمكنه استعمال النورة هل يجزيه أن يزيل العانة بموسى أو بمقص، ويكون ذلك مجزيا له عن النورة إن أمكنه استعمالها أو لم (5/212)
صفحة 1722
يمكنه أم لا يجوز له ترك استعمال النورة على الإمكان وكيف الوجه في ذلك؟
قال: معي أن السنة جاءت في حلق العانة بالنورة، وقيل: لا يقصد إلى مخالفة ذلك ما وجدت النورة، فإن لم توجد النورة واحتاج المسلم إلى إزالة ذلك بغير النورة فأشبه ذلك الحلاقة، ثم المقص عندي.
*مسألة:
قلت له: يؤخذ من الشارب من أسفله وأعلاه ويترك خيط في وسطه أفضل، أم يجز بالمقص، أم يحلق بالموسى حلقا؟
قال: قد قيل: إن السنة فيه جزه كله، وقد أدركنا أهل الفضل والعلم يفعلون ذلك.
* مسألة:
وسئل عن رجل كثير الشعر في بدنه وصدره، وظهره وركبته ويديه، هل له إذا يتنور أن يحلق شعره كله أم إنما عليه أن يحلق موضع العانة وحدها؟
قال: معي أنه قد قيل يؤمر بالتطهر من جميع ذلك وأما ثبوت السنة المؤكدة وما جاء به الأثر من حلق موضع الفرجين وما بينهما إلى ما أقبل إليهما من الأليتين على الأنثيين من الرجل، وما جاء به الأثر أنه ينتقض مس الوضوء، فهو عندي يشبه بالفرجين فقد قيل: هذا إنه مما ينقض الوضوء.
وقد قال من قال: ما مس الذكر والأنثيين من الفخذين فهو مما ينتقض الوضوء، فإذا ثبت هذا أشبه عندي بحلق العانة. (5/213)
صفحة 1723
قلت له: فإن تنور الرجل أو المرأة يلزمه غسل بعد النورة أم لا؟
قال: معي أنه قيل ليس عليه غسل.
* مسألة:
وسئل عن المرأة ما حد عانتها في الطهارة بالنورة؟
قال: معي أنها مثل عانة الرجل، الفرجين وما أقبل إليهما، وما بينهما وما سمج وقبح من سائر بدنها عليه شعر لزمها في معنى ذلك حسب ما يلزم الرجل عندي من الطهارة، فيخرج من حال القبح إلى حال الحسن.
قلت له: فتحلق صدرها إن كان به شعر؟
قال: هكذا عندي.
وقد قيل: إن بلقيس أمرت أن تحلق ساقيها.
* مسألة:
وعن الرجل يحلق رأسه بالنورة بلا علة؟
قال: لا يجوز له ذلك.
قال أبو سعيد رحمه الله: أما في الدين فمعي أنه لا يضيق عليه، وأما هو فقد فعل غير فعال الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقلم أحدكم ظفرا، ولا يقص شعرا إلا وهو طاهر».
* مسألة:
ولا يجوز للمحرم حلق رأسه إلا أن يكون به أذى من رأسه، فإن (5/214)
صفحة 1724
كان به أذى منه فجائز له حلقه، وعليه الفدية من ذلك، وأرجو أن للمرأة عند الضرورة ما للرجل في ذلك، قال أصحابنا: ليس للمرأة ما للرجل عند الضرورة أن تحلق رأسها.
* مسألة:
وسئل أبو سعيد رضيه الله عن الشارب على كم يتعاهد قصه؟
قال: معي أنه قد قيل فيه باختلاف:
قال من قال: يراعى به حلق العانة وهو على أربعين يوما.
وقال من قال: في كل شهر.
وقال من قال: إذا فضل عن حد الشفة ودخل في حد الفم.
وقال من قال: في كل أسبوع.
وقال من قال: إذا قبح وصار في حد يخرج من زي المسلمين.
قلت له: فيحلق بالموسى أم يقص بالمقص؟
قال: معي أن السنة جاءت في ذلك بالجز، والجز عندي لا يكون إلا بالجازّ، والجازّ اسم من أسماء المقص.
قلت: فيجز من الشعر من حدود الوجه غير الشارب؟
قال: معي أنه يكره جز ما اتصل باللحية من شعر الوجنتين، وفي بعض ما قيل: إنه أمر بإعفاء اللحى فما خرج من حد اللحية فلا بأس بإخراجه، ولعله يؤمر بذلك للتطهير في بعض القول، لأنه ضرب مما يشبه (5/215)
صفحة 1725
الشارب، لأنه في الوجه، وكذلك ما حايل الشارب مما سفل من الشفة السفلى ما لم يدخل اللحية فلا بأس به.
قلت له: فما سفل من اللحية من الشعر مما يلي الحلق أو يحلق أو يتركه أو لا؟
قال: معي أنه ما كان في الحلق وخرج من حد اللحية وسمج تركه كان إخراجه يشبه معنى الطهارة، وبما أزيل من حلق أو قص فلا بأس به وما لم يسمج تركه فلا بأس بتركه.
قلت له: فما حد اللحية عندك التي لا يجوز أن يقص منه شيء من الشعر من أعلى الوجه وأسفله؟
قال: معي أنه حدود اللحى الأسفل وما حايله مما يلي الحلق الذي عليه حد اللحى غير خارج إلى حكم الحلق.
قلت له: فالأظافر على كم تقص؟
قال: معي أن القول فيها كالقول في الشارب.
* مسألة:
قال أبو سعيد: قال الشيخ أبو إبراهيم الأزكوي: إن حف الشارب في المؤمن عيب، لأن السنة جزه كله، وقال: قيل عن أبي المؤثر السنة في جزه كل أسبوع.
* مسألة:
ومن جواب محمد بن روح رحمه الله: وعمن ترك حلق العانة سنة أو أقل أو أكثر هل تفسد صلاته؟
فما معي في فساد صلاته حفظ، والذي يؤمر به الرجل أن لا يجاوز (5/216)
صفحة 1726
الكتاب: بيان الشرع
المؤلف: محمد بن إبراهيم الكندي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر للأجزاء 1 - 17: 1402 - 1405هـ / 1982 - 1985م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) الأربعين يوما حتى يحلق، وأما المرأة فإلى عشرين يوما، وأما فساد صلاته فلا أقدم عليه.
قال محمد بن سعيد رضيه الله: معي أنه قد جاء فيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع العانة من الرجال فوق الأربعين يوما، ومن النساء فوق العشرين يوما».
ويوجد في معنى القول أنه مما يوجد أنه معروض عليه الكتاب، والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال القائل في ذلك: إنه قد يوجد هذا، ويروى هذا، وقد قال بعض أهل العلم: إنه يؤمر بتعجيل ذلك، وليس في ذلك حد محدود إلا التعجيل، فكأنه يقول: إن تأخير ذلك لا يخرج على معنى الرواية، لأنه إذا كان المعنى اللزوم، أنه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفعل كذا وكذا خرج في التأويل على معنى الفرض.
كما يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو يسكت» فكان هذا على معنى اللزوم، أن الصمت عن الكلام لازم إلا أن يكون الكلام خيرا، فلو كان المعنى في الرواية يخرج على معنى اللازم، أو إن خرج على معنى اللزوم كان التارك لذلك تاركا للازم.
وقد يوجد عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه قال: لا يدع حلق العانة إذا قدر على ذلك أكثر من شهر إلى أربعين يوما، لا فرق في ذلك بين رجل ولا امرأة.
وقال بعضهم: لا يدعه أكثر من شهر، والإجماع على الأمر بتعجيله، والنهي عن تأخيره، وفي معنى ما يخرج في بعض القول أنه ما لم يخرج في ذلك إلى معنى التشبيه بأهل الشرك لم يكن بذلك كافرا، (5/217)
صفحة 1727
فإذا خرج على معنى التشبيه بأهل الشرك كان ذلك عاصيا بمعنى الكفر، ويعجبني هذا المعنى، ولا يسع ترك سنن أهل الإسلام على معنى الجهل ولا التجاهل إلا أن يخرج إلى معنى التشبيه بأهل الشرك والخروج من جملة أهل الإسلام.
* مسألة:
قيل إن الشارب إذا تعدى الحد الذي يخرج من زي المسلمين به إلى زي المشركين جزه فرض على معنى ما قيل.
* مسألة:
وعن رجل رأسه بالنورة بلا علة؟
قال: لا يجوز ذلك.
قال أبو سعيد رحمه الله: أما في الدين فمعي أنه لا يضيق عليه وأما هو فقد فعل غير فعال الناس.
* مسألة:
وعن رجل ينتف عانته أو يجزها، هل له ذلك؟
قال: معي أنه قد خالف السنة، وأخاف عليه الاثم، لأن السنة جاءت بحلق العانة ونتف الإبطين وجز الشارب.
قلت له: فإن حلق عانته بغير النورة، هل يكون قد خالف السنة؟
قال: إنه إذا وجد النورة وحلق بغيرها فقد خالف السنة على معنى قوله. (5/218)
صفحة 1728
قلت له: فإن وجد شيئا غير النورة مما أشبهها يطلي به العانة ويحلقها مثل النورة، ووجد النورة أيضا، هل يكون مجبرا في ذلك بأيهما شاء حلق عانته؟
قال: هكذا معي أنه إذا وجد ما يشبهها كان مثلها عندي على معنى قوله.
قلت له: فإذا لم يجد النورة ولا ما يشبهها ما أولى به أن يجزها أو ينتفها أو يحلقها بالموسى؟
قال: معي أنه إذا عدم النورة وما يشبهها فالحلق أولى به في العانة.
* مسألة:
وقال أبو سعيد: معي أنه قيل: يستحب حلق العانة للرجل في كل شهر، وقيل: على أربعين يوما أكثر ما يكون، والمرأة على عشرين يوما على معنى قوله.
قلت: إن لم ينتف الإبط ولكن حلقه أو جزه بالمقص؟
قال: لا بأس.
* مسألة:
عن أبي عبد الله محمد بن روح فيما أحسب: عمن ترك حلق العانة سنة أو أقل أو أكثر، هل تفسد صلاته؟
فما معي في فساد صلاته حفظ، ولا أقدم على فسادها. (5/219)
صفحة 1729
* مسألة:
وعن الشارب، هل يجوز أن ينتف، كما يجوز أن ينتف الإبط، وهل قيل في ذلك كراهية؟
فمعي أنه قد قيل إن ذلك مكروه، وفيما قيل: إن الله عجل للمنافقين العذاب بنتف الشارب وشراب النبيذ.
* مسألة:
وسئل أبو سعيد: عن حد عانة المرأة المأمور بها أن تطهرها؟
قال: معي أنه قيل: مثل عانة الرجل الفرجين وما أقبل إليهما، وما يليهما، وما سمج وقبح من سائر بدنها عليه الشعر، لزمها في معنى ذلك حسب ما يلزم الرجل عندي من الطهارة، فيخرج من حال القبح إلى حال الحسن.
قلت له: فتحلق صدرها إن كان به شعر.
قال: هكذا عندي وقد قيل: إن بلقيس أمرت أن تحلق ساقيها.
قلت: فلا أمر؟
غيره: قال: معي أنه إن كان قبيح منها في الشعر دون غيره على معنى قوله. (5/220)
صفحة 1730
باب
في الختان
وعن صبي اختتن فقطع منه أكثر قلفته، هل يجزي ذلك؟
قال: معي إنه قيل إذا قطع أكثر القلفة، وظهر أكثر الحشفة أجزأ عنه، وأحسب أنه قيل: حتى يقطع كلها.
قلت له: فإن قطع نصف القلفة، هل يجزي ذلك؟
قال: معي أنه قد قيل: لا يجزي حتى تظهر أكثر الحشفة، ويقطع أكثر القلفة.
قلت له: فإنه يوجد عن أبي الحواري رحمه الله أنه قال في قطع نصف القلفة: إنه يجزئ ذلك هل يخرج ذلك عندي؟
قال: عندي أنه يخرج على معنى التنافي والتكافي للشيئين، فإذا تنافيا بطل حكم الفاسد منهما عندي.
* مسألة:
من جامع ابن جعفر:
ولا بأس بكراء الحجام، وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام.
ومن غيره:
قيل: لا تجوز مقاطعة الحجام، وقيل: إن مقاطعة الحجام قبل (5/221)
صفحة 1731
العمل من السحت، ولكن إذا فرغ من عمله كان له أجر مثله إذا اختلفا، وإن لم يختلفا فما رضي به جاز بلا مقاطعة إلا أنه يقال له: إذا سلم إليه قد رضيت هذا بعملك، فإذا رضي أو قال: نعم فلا بأس بذلك.
* مسألة:
ومن غيره:
قيل: فالصبي إذا لم يختتن حتى يصير رجلا هل يجوز ذلك؟
قال: معي أن له ذلك ما لم يقع عليه الخطاب بذلك.
قلت له: فعلى والده أن يجبره على ذلك؟
قال: إن جبره على ذلك قال معي أن له ذلك إذا أراد بذلك مصالحة، ولم يكن الجبر إلا عن صلاح له، لا عن سبب يوجب ترك ذلك، فإذا كان على هذا لم يعجبني عليه شيء.
قلت له: فإن تعدى الحجام فعل مثله، هل على الوالد ضمان؟
قال: معي أنه إذا كان مأمونا على ذلك لم يكن على الأب ضمان، وكان الضمان على الحجام.
* مسألة:
وسألته عن الرجل هل عليه أن يختن عبده؟
قال: هكذا عندي إذا بالغا، وإن كان صبيا فليس عليه إلا أني أحب له ذلك.
قلت له: فعليه أن يختن ولده؟ (5/222)
صفحة 1732
قال: لا يبين لي ذلك بالغا ولا صبيا إلا أني أحب له ذلك من طريق الوسيلة.
* مسألة:
وسألت أبا الحسن محمد بن الحسن عن الصبية اليتيمة، هل تأمر أمها بختانها أو من يقوم بأمرها ويختنوها وهي صبية يتيمة؟
قال: نعم.
قلت له: فإن ماتت اليتيمة من ذلك، هل يلزم من أمر بختانها ممن يقوم بأمرها بشيء من ذلك؟
قال: لا.
قلت له: أفليس قالوا: الختان في النساء مكرمة وليس بواجب؟
قال: نعم، ولكن يختنوها وليس عليهم في ذلك شيء.
* مسألة:
من الضياء: ولا يسع الرجل أن يختن ولده حتى يبلغ إلا من عذر والمأمور أن يختن ولده كفعل المسلمين في أولادهم، فإن كان ختنه وهو طفل يرضع فلا يسعه حتى يقدر على الختان كما يفعل المسلمين في أولادهم، فإن مات الصبي في ذلك الختان فإن ختنه في حال يختن مثله من الأطفال لم يلحقه شيء ولا إثم عليه، ولا ضمان، والله أعلم.
* مسألة:
وعن رجل يحتسب في يتيم فيختنه فينزح حتى يموت؟
فعلى ما وصفت فإن كان له ولي أو وصى ففعل ذلك بغير مشورتهم (5/223)
صفحة 1733
فهو ضامن لذلك، وعليه الدية في ماله، فإن فعل احتسابا ولا وصي لليتيم ولا ولي، واليتيم ممن يحمل ذلك ويقدر عليه، وكان ذلك من مصالحه في الحد الذي يتعارف أن مثله يختن، فأحسب أن حفظنا أنه لا ضمان عليه.
ولعل بعضا يذهب أن الصبي غير متعبد بذلك، وإنما تكون الحسبة في ضرر اليتيم واقع في حينه لليتيم، وأما مالا ضرر عليه فيه فلا أحسبه فيه، والضرر ما تبين ضرورة في نفسه من الحادثات الظاهرة التي يرجى بتلك المعالجة إزالة ضرره وإزالة أذاه في حينه ذلك فهذا الاختلاف فيه.
ومعنا أنه تجوز فيه الحسبة إذا لم يكن له وصي ولا ولي يقوم بذلك، وأن المستحب في هذا إذا قام بما يتعارف أنه لا يكون فيه متعديا لفعل مثله ممن يقوم بذلك أنه لا ضمان عليه في ذلك إن شاء الله.
* مسألة:
وعن الحجامة: أتحجم المرأة الرجل؟
فما أحب إلينا أن لا تحجمه إلا من ضرورة وليحضرها من حضره.
* مسألة:
وإذا أمر ولي بالختان فختنه، ثم استبأس به ذلك، هل عليه شيء؟
فعلى ما وصفت فإذا لم يزد الختانة الصبي أو ذهب النكاح، فإن كان زاد متعمدا فعليه القود إذا مات الصبي من قبل ثلاثة أيام، فإن كان من بعد ثلاثة أيام فعليه الدية في ماله، وإن كانت الزيادة خطأ من الختان كانت الدية على عاقلته. (5/224)
صفحة 1734
* مسألة:
قال أبو المؤثر: على الخنثى أن يختن موضع الذكر منها، والختان على الرجال فريضة، وهو على النساء مكرمة.
* مسألة:
سألت أبا عبد الله عن الرجل يبقى من ختانته شيء لم يكن أتى عليه أيكون أقلف أم لا؟
قال: إن كانت الحشفة ظاهرة أو شيء منها فليس هو أقلف، وإن كانت الحشفة غير ظاهرة فهو أقلف.
قلت: فإن كان يلزمه إعادة الختان فكيف بصلاته التي كان صلاها وهو على هذه الحال؟
فأقول: إن عليه بدل تلك الصلوات التي صلاها وهو أقلف مذ بلغ رجلا، وأما رمضان فلا أرى عليه إعادة.
وذكر مخلد بن الوليد أن بشير بن المنذر أجاز ختان من بدا حشفته نحو النصف.
وقال أبو عبد الله: من ترك الختان من الرجال فأمر به فلم يفعل فإنه يقتل ولا يقتل حتى يبالغ في التأني له.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
وجدت بخط أبي زكريا: إذا عدم الرجل من يختنه وعدمت المرأة من يختنها من النساء؟ (5/225)
صفحة 1735
فأما الرجل فلا يختن المرأة، لأن ذلك ليس بلازم فتكون ضرورة، وأما المرأة فتختن الرجل.
قلت له: فإن جهلوا ختن الرجل المرأة برأيها، هل يجب عليه صداقها أم قد حرمت عليه بمسه موضع الختان؟
لم يبن لي عليه صداقها ولا أحب أن يتزوجها إذا كان ذلك على العمد.
فإن تزوجها أيفرق بينهما؟
قال: نعم إذا كان عمدا ذلك منها. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة:
وعن علي قال: خلق الله آدم وأحد عشر رجلا من ولد مختونين وهم: شيث، وإدريس، ونوح، وسام، ولوط، ويونس، وموسى، وسليمان، وزكريا، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم أجمعين. (5/226)
صفحة 1736
باب
في السواك
أحسب عن أبي علي الحسن بن أحمد: وعن السواك في أي وقت يكون، ومتى لا يسع تركه، ومن لم يستعمله ما يكون حاله وما يجزي منه، وكذلك فرق الشعر؟
قال: فلم أعرف أنه قيل: لا يسع تركه، وأما في أي وقت يكون فقيل: عند كل صلاة، وقيل: وعند كل قيام من نوم، وقيل: لصلاة الفجر، وأما فرق الشعر فلم أعرف له وقتا دون وقت وهو من السنة، والله أعلم.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
قال المضيف: وجدت عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: إن في السواك اثني عشرة فائدة: مطهرة للفم، ومرضاة للرب، ومسخطة للشيطان، ومحبة للحفظة، ويشد اللثة، ويطيب النكهة، ويقطع الصفراء ويقطع البلغم، ويحد البصر، ويزيد في الفصاحة، ويزيد الوجه صباحا، وصلاته سبعون هكذا حفظت.
* مسألة:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لولا أخاف أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، وقال صلى الله عليه وسلم: «شيئان لم يفرضا على أمتي السواك وقيام الليل». (5/227)
صفحة 1737
* مسألة:
عن علي أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ... (1) الفراق فيطفوها ... (2) «كلما ازدادوا سواكا ازداد ... (3)».
* مسألة:
قال أبو المؤثر: السواك من دان بتركه ... (4) السنة، وقد ... (5) وسع ترك التطوع.
* مسألة:
عن معاذ بن جبل أنه قال: "من أحب أن يحبه الله فليكثر السواك والتخلل فالصلاة بهما مائة صلاة".
__________
(1) هنا بيان في الأصل.
(2) هنا بيان في الأصل.
(3) هنا بيان في الأصل.
(4) هنا بيان في الأصل.
(5) هنا بيان في الأصل. (5/228)
صفحة 1738
باب
في الجار وابن السبيل
وذكر شيء من صلة الأرحام
* مسألة:
قال: إنه ليس من حق الجار أن تكف عنه أذاك، ولكن من حق الجار أن تحتمل أذاه إذا آذاك، وتستر عليه مساوئه، وتنكر عليه فيما بينكما.
* مسألة:
قال: قيل: يا رسول الله ما حق الجار على جاره؟ قال: «إن استقرضك أقرضته، وإن داك أجبته، وإن مرض عدته، وإن استغاثك أغثته، وإن أصابته شدة عزيته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مات شهدته، وإن غاب حفظته ولا تؤذه».
* مسألة:
سألت أبا الحواري وأبا علي: ما حق الجار لجاره، وما يلزمه؟
فقال أبو الحواري: يلزمه له إن طبخ قدرا مثل أرز أو غيره وعلم جاره فيطعمه، وإن لم يعلم فليس عليه، وإن عرف أن ليس معه شيء فيطعمه.
* مسألة:
وقيل: إن صلة الجيران مثل صلة الأرحام لازمة على ما يلزم من صلة الأرحام. (5/229)
صفحة 1739
* مسألة:
وعن صلة ابن السبيل قلت: لمن يكون ولمن يلزم؟
قال: هي لازمة للمؤمن، لكل مسافر عن بلده، وعلم به، وقدر على صلته، كان بارا أو فاجرا أم هي لازمة لأحد دون أحد؟
فمعي قيل: إن ابن السبيل هاهنا الضيف خاصة، ولولا ذلك كذلك خرج من معنى الطاقة، وما خرج من معنى الطاعة خرج من معنى التكليف.
قلت: وكذلك ابن السبيل أهو كل مسافر وصل من سفره إلى غير بلده خاصة ثم يقع اسم ابن السبيل حينئذ عليه؟
فمعي أنه قد مضى القول في هذا، ولا يقع لي إلا في الضيف الخاص للإنسان، أو يقع له معنى يكون ضيفا عاما في حكم اللزوم فيما يلزم من وجوب حقه في مخصوص أو معموم فإنه قد تقع المحنة في المعموم عندي بمثل ما تقع في المخصوص.
* مسألة:
وعن جار لك فاسق يعرف أنه فاسق هل يسعك السكوت مخافة أن يقع عليك إن قلت لا تفعل كذا وكذا؟
فنعم كف عن اللفظ بما يلزمك الحد له إذا عجزت بيانه.
وهل عليك بأس في قطيعته أو ترك كلامه؟
فما نحب لك أن تقطع كلامه ولا جوازه وإن كان فاسقا فبغضه لله على فسقه. (5/230)
صفحة 1740
* مسألة:
ومن جواب أبي الحواري عن حق الصاحب متى يجب؟
فالله أعلم وليس معنا في ذلك حد، إلا أنه إذا خرج من المنزل والتقى هو وصاحبه فأسبقه فقد صار صاحبه ولزمه الحق لصاحبه.
* مسألة:
وسألته عن صلة الرحم الجار؟
قال: واجبة.
قلت: إلى كم من بيت؟
قال: إلى أربعين بيتا.
قلت له: فيعد بالخطا أربعين بيتا من بابه الذي يبرز منه؟
قال: هكذا عندي.
قلت له: فإن كان بيته وحده أو قربه بيوت أقل من أربعين بيتا؟
قال: معي أنه يختلف في ذلك:
فقال من قال: إنه يعد في الخراب قدر أربعين بيتا، فإن انقطع مقدر أربعين بيتا في الخراب دون العمار فقد انقطع الجوار، ويوجد معنى ذلك عن أبي معاوية عزان بن الصقر رحمه الله.
وقال من قال: لا ينظر في الخراب، ولكن يعد في الخراب، ويعد في العمار أربعين بيتا يصل أهلها. (5/231)
صفحة 1741
ومعنى أن هذا كان يذهب إليه الشيخ أبو الحسن رحمه الله.
قلت له: فعلى قول من يقول إنه يعد في الخراب أربعين بيتا، أرأيت إن عد تسعة وثلاثين بيتا، ومن العمار بيتا واحدا أكمل أربعين بيتا، فليس عليه أن يصل من ذلك العمار إلا ذلك البيت وحده الذي كملت به الأربعون من عدده في الخراب إلى العمار؟
قال: هكذا عندي يخرج على هذا المعنى.
قلت له: فالعبد تجب صلته على مولاه مثل غيره من الأحراب بحق الجوار؟
قال: هكذا عندي إذا كان قد بوأه سيده منزلا يسكنه.
قلت له: ويصل المرأة من جيرانه وأرحامه، ويدخل عليها إذا كانت ممن يدخل عليها مثله؟
قال: هكذا عندي.
قلت: ولا بأس عيه إن دخل عليها في مرضه وهي نائمة مستترة؟
قال: معي أنه لا بأس بذلك، فإن لم يكن يدخل عليها كلها من وراء الباب أو حجاب، وبرئ لما أوصى لها إن لم يكن أوصى بعض من يدخل عليها من خادم أو جار بالسلام، وإعلامها بوصله، وأقل ما يكون يبلغها السلام.
* مسألة:
وما تقول في الغريب إذا سكن بجوار قوم عليه صلتهم؟ (5/232)
صفحة 1742
قال: هكذا عندي، إذا كان موطنا، سواء كان المنزل له أو لغيره، سواء كان يقصر الصلاة أو يتم الصلاة.
* مسألة:
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يصدق الرجل ولده السفيه، أو امرأته على جاره.
أبو هريرة قال: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل وشكى له جارا له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اصبر ثلاث مرات ثم قال له في الرابعة أو الثالثة اطرح متاعك في الطريق».
قال: ففعل فجعل الناس يمرون عليه فيقولون: مالك؟ فيقول آذاني جاري، فجعلوا يقولون لعنه الله، فجاء جاره فقال: رد متاعك، فلا والله لا أوذيك أبدا، وفي الحديث: «من آذى جاره أورثه (1) الله داره» وفي خبر: من آذى جاره ملكه الله دياره، وقيل: إن ركوب البحر خير من مجاورة جار السوء.
* مسألة:
قال محمود الخراساني في جار سوء كره جيرانه جواره، فرأى أن يتقدموا إليه: أن اشتر منا فنتحول عنك، أو نشتري منك فتتحول عنا، أو تدع الشر، فإن أبى فلا أرى بأسا أن يشتروا منزله بما يساوي ولا ينقصوه، ويخرجوه من جوارهم.
__________
(1) في نسخة ملكه. (5/233)
صفحة 1743
* مسألة:
قلت له: فيجب على الرجل صلة مماليكه في الحزن والفرح؟
قال: معي أنه يلزمه ذلك لهم، وهم عندي أوجب حقا من غيرهم.
قلت له: وكذلك تلزمه صلتهم كانوا مماليك جيرانه أو غير جيرانه أنه يلزمه أن يصلهم؟
قال: هكذا عندي.
قلت له: ويسعد ببيوت مماليكه من جملة ما يلزمه من البيوت إذا كانوا في جواره؟
قال: هكذا عندي.
* مسألة:
وسئل عن الرجل: إذا كان له جار لا يعرف ما حاله مستغن أم محتاج، هل يلزمه أن يسأل عنه فإن كان محتاجا واساه وأعطاه، وإن كان مستغنيا عرف ذلك؟
قال: معي أنه يؤمر أن يتفقد حاله، وليس يخرج ذلك عندي إلا أنه من بره له يتفقد حاله.
قلت له: وكذلك رحمه وجاره؟
قال: هكذا عندي.
* مسألة:
وعن قول الله تعالى: {وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ} (النساء:36) فما الصاحب بالجنب وابن السبيل الذي قد وجب الحق لهم؟ (5/234)
صفحة 1744
قال: ابن السبيل ضيفه الذي عليه، والصاحب بالجنب صاحبه من غير قرابة.
قلت: أرأيت الرجل إذا كان مجاورا له مملوكا أتجب عليه صلته؟
فإن كان مملوكا أوجب حقا من غيره.
قلت: فإن أعتقه وصار حرا هل تلزمه صلته؟
قال: معي أنه إذا خرج من ملكه وصار حرا ولم يكن جارا فليس تجب عليه صلته، وقال: القادم يوصل، والخارج يصل أرحامه ويودعهم.
* مسألة:
عن أبي معاوية: وعن رجل أوصى في مرضه وقال: أقسموا في جاري كذا وكذا درهما ما حد ذلك الجوار؟
فحد الجوار معنا أربعون بيتا، وإن كان فيما بين البيوت خراب بقدر أربعين بيتا فهم جيران، وأما البادية فإذا قبس بعضهم من عند بعضهم النار فالجوار معنا أربعون بيتا، وأما البادية على ما اقتبسوا.
ومن غيره:
قال: وقد قيل: الجوار إنما هو العمار، فإن كان عمارا خرب لم ينظر في ذلك، وإنما ينظر في العمار إلى أربعين بيتا، وإن كان خرابا ثم عمر رجع ذلك العمار، وانقطع عن الآخرين فعلى هذا قال من قال.
وقال من قال: يدخل في ذلك أهل الذمة والعبيد إذا كانوا نازلين في بيت يسكنونه حسب بهم وتم بهم الجوار. (5/235)
صفحة 1745
وقال بعض: حد الجوار نبح الكلاب.
* مسألة:
قال أبو عبد الله رحمه الله: ليس من حق الجار أن تكف عنه أذاك، ولكن من حق الجار أن تحتمل أذاه.
قال الوضاح بن عقبة: إذا اشتريت فاكهة فاسترها من جارك وإلا فأنله منها، وإن طبخت قدرا فاخف رائحتها عن جارك وإلا فأنله منها.
وقد ذكر لنا أن نبي الله يعقوب عليه السلام قال: إلهي أذهبت ولدي بصري، أفما رحمتني؟ فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي إني راحمك وراد عليك بصرك وولدك، ولكن بلوتك بهذه البلية أنك شويت جملا فوجد جارك رائحته فلم تطعمه منه.
فكان يعقوب ينادي مناديه: ألا من كان مفطرا فليتغد مع آل يعقوب، فإذا كان المساء نادى مناديه ألا من كان صائما فليفطر مع آل يعقوب، فرد الله عليه بصره وولده كما وعده الله أصدق وعد وأوفى عهد، والحمد لله رب العالمين.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
وقد قالوا: إن من حق الجار والزوجة والأهل أن يظهر لهم أنهم محسنون، ولو كانوا غير محسنين، لأن لهم تقية في حق كرم الإسلام، ولا يظهر عيبهم في وجوههم هكذا وجدنا. (5/236)
صفحة 1746
* مسألة:
قال: وقد قيل: يا رسول الله ما حق الجار على جاره؟ قال: «إن استقرضك أقرضته، وإن دعاك أجبته، وإن مرض عدته، وإن استغاثك أغثته، وإن أصابته شدة عزيته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مات شهدته، وإن غاب حفظته، ولا تؤذيه بقتار قدرك إلا أن تهدي إليه منها».
* مسألة:
وقيل في بعض الحكمة، واعلم أن صلة الأرحام وحسن الجوار يثري المال ويحسن الحال، ويعمر الديار، ويزيد في الأعمار، ومن ترك ذلك تقطعت به الأسباب، وكان أمره إلى تباب.
* مسألة:
وقال أبو الحسن: إن الجار إذا استعان بجاره فيما يجوز له معونته فيه لم يسعه ترك ذلك، وعليه إعانته ومعونته على البر والتقوى في كل شيء من ذلك، والجار أحق من غيره، ولا يعينه على الإثم والعدوان في شيء من الأمور. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة:
وإذا كان جار سوء في هجره صلاح لجاره دينا ودنيا فجائز هجره بغير نية لترك الفرض، ولا إرادة لأذى جاره فيكفره. والله أعلم.
* مسألة:
ومن كان له جار يؤذيه فإن كان منافقا جاز له أن يدعو عليه بالفقر والموت، ولا يجوز أن يدعو على المؤمن. (5/237)
صفحة 1747
* مسألة:
قلت له: كم يجب على الرجل أن يصل من جيرانه؟
قال: معي أنه قد قيل يصل الأقرب فالأقرب إلى أربعين بيتا.
قلت له: فإن لم يكن في جيرانه ما يتم أربعين بيتا.
قال: معي أنه قال من قال: أنه يصل من جيرانه الأقرب، ويعد ما حوله من الخراب مقدار تمام أربعين بيتا، أن لو كانت بيوت.
قلت له: فإن كان منزل فيه سكان منهم من هو في منزل الواحد والاثنين والثلاثة في منزل، هل يستعد بهم كل من سكن منهم فهو جار له ويتم بهم أربعين بيتا؟
قال: معي أنه لا يعده جارا من جهة البيوت إلا أن يكون ساكنا في بيت يكون سكن مثله، ولا يدخل عليه إلا بإذن، وأما إن كانوا سكانا في منزل يجمعهم، وليس لكل واحد منهم سكن عزلا فهو عندي بيت واحد.
قلت: فإذا وصل الواصل إلى رحمه أو جاره ما يستحب له أن يقول له؟
قال: معي أنه يظهر له المعنى الذي وصله فيه، أما أن يكون فرحا فيهنئه أو حزنا فيعزيه.
قلت له: فمتى يجب على الواصل صلة رحمه أو جاره؟
قال: معي أنه يجب عليه الصلة في الفرح والحزن.
قلت له: فإن وصل الواصل إلى هذا المنزل الذي فيه جماعة، كل واحد منهم له منزل لا يدخل عليه إلا بإذن أصحاب بعض أهل المنازل، (5/238)
صفحة 1748
ولم يصب أهل المنازل الأخرى، هل يجزيه وصوله هذا لمن غاب من أهل المنازل؟
قال: معي أنه لا يجزيه حتى يصل إلى أهل كل منزل وجدهم أو لم يجدهم في مسكنهم.
قلت له: فإن كان منزلا يسكنه جماعة ليس لأحدهم منزل يسكنه لا يدخل عليه إلا بإذن فيصل إليه هذا الواصل إليهم، فيجد بعضهم ولم يجد بعضهم، هل يجزيه وصوله هذا لمن غاب منهم؟
قال: معي أنه إذا وصلهم فوجد بعضهم ولم يجد بعضا أعجبني أن يقول لمن وجده أن يعلم من غاب منهم أنه قد وصلهم، ويجزيه ذلك إذا كانوا في مسكن واحد.
قلت: فإن كان الرجل يجب عليه الصلة لرجل أو رحم أو جار فوصل إلى منزله فلم يجده، استأذن ولم يؤذن له أيجزيه ذلك أم يلزمه الرجعة إليه لوصوله؟
قال: معي أنه إذا اعتقد النية لصلته فوصل إلى منزله فلم يجده، واستأذن فلم يؤذن له، فمعي أنه لا تلزمه الصلة إليه ثانية، فإن لقيه أو أرسل إليه أو عرفه أنه قد وصله فمعي أنه يجزيه، وإن رجل إلى صلته ثانية فهو أفضل عندي.
قلت له: فإن لقيه في طريق ولم يصل إلى منزله، وأظهر له التعزية أو التهنئة، هل يجزيه هذا الوصول عن الوصول إلى منزله ثانية؟
قال: معي أنه يجزيه ذلك، وإنما تجب عليه الصلة للرجل نفسه، وليس الوصول إلى منزله واجب عليه إلا أن لا يجده قبل ذلك فيصل إلى منزله، ويرجو أنه فيه. (5/239)
صفحة 1749
قلت: فإن وصل إلى منزله فلم يجده، وقال له قائل من داخل البيت: إنه في موضع كذا وكذا، هل يجب عليه أن يصل إلى ذلك الموضع ويطلبه فيصله.
قال: معي أنه لا يلزمه طلبه من غير منزله، وإذا وصله في مزله فلم يجده فمعي أنه قد وصله، وإن لقيه بعد ذلك عرفه وصوله إليه فعزاه أو هنأه في حين ذلك.
قلت له: فإن كان الرحم أو الجار الذي تجب له الصلة ممن يستتر عمن يصله كيف يفعل الواصل إليه؟
قال: معي أنه يصل إلى منزله، أو يرسل إليه ولده، أو أحد أرحامه، أو خادمه، أو من يبلغه سلامه، ويعرفه صلته له.
قلت له: فإن كان الجار أو الرحم صبيا أو طفلا صغيرا يلزمه الصلة أم لا؟
قال: معي أنه إذا كان الصبي ممن يعقل الخير من الشر، ويعرف ما له وما عليه، ويعرف البر من الجفا ثبتت صلته عندي، واجبة على من تجب عليه الصلة.
وأما إذا كان الصبي في حال لا يعرف هذه الأحوال من الصغر، لم يكن على من تجب عليه الصلة إلا الأمر به، والقيام بما يجب عليه من مصالحه.
قلت له: فإن كان الجار أو الرحم معتوها أو مجنونا أيلزمه صلته؟
قال: معي إنما يجب من وجوب حقه فيما يصرف عنه فيه من الضرر، أو يدخل عليه فيه النفع، فإن كان يعقل فصلته واجبة. (5/240)
صفحة 1750
قلت له: فإن كان الجار أو الرحم رجلا أو امرأة مثل زوجين، أو أخوين، أو أبوين أو غيرهما يسكنان في منزل واحد، أيجزي الوصول إلى أحدهما دون الآخر أو حتى يصلهما جميعا، أو التقى بأحدهما في طريق أيجزيه ذلك عن الوصول إلى الآخر.
قال: معي أنه لا يجزيه لقاؤه بأحدهما دون الآخر في طريق أو ضيعة أو منزل إلا أن يكون يقصد لوصول الثاني منهما، وأما إن قصد لوصولهما جميعا في منزلهما فوجد أحدهما ولم يجد الآخر؟
فمعي أنه يجزيه اعتقاده لوصولهما، ويعلم الذي وجده أنه أراد صلتها جميعا.
قلت له: فإذا كانت المرأة ممن يستتر وتستحي وتجب عليها الصلة لرحم أو جار، فوصلت إلى منزله أو نفسه ولم تحب أن تعرف نفسها، هل يجزيها ذلك عن الصلة؟
قال: معي أنه يجزيها ذلك. انقضى الباب.
* مسألة:
ومن غير الكتاب والمضاف إلى الكتاب من بعض جوابات المسلمين:
قلت: فما تقول في الرجل له جيران كثير ويحصل عنده لحم طير، أو لحم قليل، فيشويه أو يطبخه، فيهيج على جيرانه، أعليه أن يحمل إليهم ذلك من ذلك، ولو كان شيئا قليلا لا يتجزأ عليهم إلا مثل لقمة أو أقل من ذلك، مما لا يحسن حمله إلى أحد، أم يحمل من ذلك إلى واحد دون واحد، أم لا يلزمه في مثل ذلك أن يحمل إليهم شيئه أم (5/241)
صفحة 1751
ليس له أن يصنع مثل هذه القدر في منزله، ويهيجه على طيرانه، حتى يكون شيئا كثيرا، أو يتجزأ عليهم، ويحسن حمله إليهم ويكون آثما أن فعل ذلك أم لا إثم عليه؟
قال: إذا كان شيئا قليلا لا يتجرأ أن يهدي منه لجيرانه فلا إثم عليه، وعليه أن يستر عنهم رائحة ذلك، والله أعلم.
قلت: فإن طبخ في منزله لحما أو غيره ما يكون له ريح ينفخ إلا أنه هو لم يعلم أن جيرانه وصل منه إليهم ريح ذلك أم لا، وهم بالقرب أعليه أن يحمل إليهم أم حتى يعلم أنه هاج عليهم؟
قد عرفت أن من حق الجار أن يواسيه بما يحدث عنده، وأن يعقوب عليه السلام إنما ابتلاه الله عز وجل بما ابتلاه به من فقد ابنه، أولم وليمة ولم يطعم منها جاره، والله أعلم بالصواب.
وأرجو أن في مثل هذا إن لم يعلم بذلك أو لم يهج عليه أنه لا إثم عليه والله أعلم.
قلت له: هل عليه أن يطوف ويعتبر حتى يعلم إلى أي موضع يصل ريح هذا اللحم أم يحمل إلى الأقرب من بيوت جيرانه، ولا يحمل إلى البعيد منها حتى يعلم أن ريح طعامه بلغت إليهم؟
ولم أرهم يوجبون عليه ذلك، ولا وجدت فيما وجدت -نسخة- ذكرت، غير أن عليه أن يواسيه فيما يحدث عنده ولعل الأقرب منهم فالأقرب، أوجب حقا ممن هو أبعد منه، والله أعلم، لم أحفظ في ذلك سوى ما عرفته.
قلت: فإن وجب عليه الاعتبار في ذلك، ولم يتمكن هو أن يطوف حول بيوت الجيران أيجزيه أن يرسل رسولا ولو كان غير ثقة أم لا يجزيه إلا الثقة في مثل هذا وغيره؟ (5/242)
صفحة 1752
قد أوجب الله تعالى حق الجار على مجاوريه، وإنما عليه الاجتهاد في ذلك، وأما ما ذكرته في ذلك فلم أحفظ فيه شيئا، والله أعلم. انقضى.
* مسألة:
قلت: قالوا: نهى أن يصدق الرجل ولده السفيه على جاره، قلت: هذا نهي تحريم أو نهي أدب؟
فهو معي في تصديقه على وجه التحقيق تحريم، وعلى وجه التحقيق نهي أدب، والولد الصبي عندي سفيه على حال فيما قيل، لأنه غير متعبد بشيء ومن البالغين غير حليم فهو سفيه.
* مسألة:
وعن أبي سعيد رضيه الله، وسألته عن صلة الجيران أهي واجبة كصلة الأرحام في كل وقت تجب فيه صلة الأرحام؟
قال: قد قيل إن صلة الجيران كصلة الأرحام، ولكل منهم حق.
قلت له: وإلى كم من بيت تجب صلة الجار بحق الجار؟
قال: قد قيل الجوار إلى أربعين بيتا، وما ثبت للجوار من حق فهو على ما قيل إلى أربعين بيتا.
قلت له: فإن لم يكن في المحلة التي يسكنها أربعون بيتا، وكان دون ذلك، هل تجزيه صلة جيرانه من تلك المحلة التي يسكنها، ولا يكون عليه غير ذلك؟ (5/243)
صفحة 1753
قال: فعندي أنه قد قيل إذا تباعد ذلك بخراب بقدر ما يكون عمارا كان فيه أربعون بيتا، فقد انقطع الجوار بحكم الخراب، وتباعد ذلك.
قلت له: فإن كان بينه وبين بعض المحلات خراب يجيء فيه أربعون بيتا صغيرا، ولو كن كبارا واسعة واستعدت لم تجيء أربعين بيتا أيؤخذ ذلك بالأقل أو بالأكثر؟
قال: عندي أنه يقدر على الوسط إذا عمدت العين من البيوت.
قلت له: فإذا وصل هل يجزيه في إيجاب صلة غيرهم، وهل يجزيه اعتقاده الدينونة إن كان واجبا عليه صلة غير محلته؟
فقد اعتقد لهم الصلة بقلبه.
قلت: فاعتقاده الدينونة على هذه الصلة؟
قال: عندي أنه إذا وقعت الشبهة في الوجوب أو غير الوجوب، فالاحتياط في الخروج بالفعل وإن اعتقد ما يلزمه في ذلك إن كان يلزمه مواصلتهم بالنية في القلب، وتفقد أحوالهم على ما أمكن يجزيه ذلك إن شاء الله.
قلت: فما أوجب صلة الجيران أو صلة من يلقاني من الأرحام إلى خمسة آباء أو أكثر من ذلك؟
قال: فصلة الجيران عندي أثبت من الرحم البعيد إذا خرج من حد ما تجب مواصلته بحكم قرابته، ولم يكن في الجيران، وإن قيل إن الرحم من لقيته أنت إلى أربعة آباء فبعض يقول: بك، وبعض يقول: أربعة آباء غيرك، ولا ينظر فيمن لقيك، لأنه قد يلقاك إلى عشرة آباء، وأنت تلقاه إلى أب فهو رحم عندي، فينظر في هذا الباب، وقد يلقاه إلى أب وأنت تلقاه إلى أربعة آباء. (5/244)
صفحة 1754
قلت له: فصلة الإخوة من الرضاعة والأمهات واجبة؟
قال: قد يوجد ذلك ولا أعلم أنه مجتمع عليه إلا أنهم قد سماهم الله إخوة وأمهات، ولا ينبغي التهاون في شيء من حقوق الأرحام.
قلت له: فإن لم أكن أعرف أرحامي أيلزمني أن أسأل عنهم حتى أعرفهم؟
قال: لا يبين لي أن يلزمك السؤال عنهم ما لم يعلم، وتقم عليك الحجة بذلك مع اعتقاد مواصلتهم ما لم تعلم كاف ذلك إن شاء الله تعالى. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/245)
صفحة 1755
باب
في حد وجوب صلة الأرحام
وسألته عن وجوب صلة الأرحام في حال المسرة والمصائب عليهم، أذلك المعنى واحد بالوجوب به؟
قال: قد قيل: إن صلتهم تجب في حال الغم والفرح، وللحادثة لهم.
قلت له: فوجوب هذه الصلة في هذين الحالين مأخوذ من الكتاب بالنص، أو بالتأويل من طريق السنة؟
قال: أصلها من كتاب الله، وشرح السنة توجب النص.
قلت: فكم توجب للمريض من الأرحام بعد الطريق؟
قال: يختلف فيها وفي معانيها، فقد قيل: إن الصلة بالقلوب كافية عن الأموال والأبدان.
وقيل: لا تجزي الصلة بالقلوب دون أن يظهر مواصلة بمشيه إلى أرحامه ويبرهم بماله بما يدخل عليهم في ذلك وجه المواصلة والبر فيما يجب عليه مواصلة، فإذا قطع نفسه وماله فقد قطع.
ومعي لا يخرج في معنى اللازم أكثر من مرة في كل واجب، والاستدلال على الأشياء اللازمة لغير غاية، لأن المرة منها مجزية، وذلك في أعظم الفرائض منها، مثل التوحيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وولاية المسلمين، فهذا كله يجزي فيه في القيام بالفرائض منه مرة واحدة ما فوق ذلك. (5/246)
صفحة 1756
ولا يخرج القول فيه والعمل إلا على معنى النفل، وهذا مما يجري فيه الاختلاف، فمعي أنه يخرج في بعض ما قيل في مثل التوحيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والاستغفار للمسلمين والمسلمات، واعتقاد ولايتهم أنه يجب تجديده بالاعتقاد كلما سمع بذكرها، وخطر بباله، وكذلك صلة الأرحام داخلة في معنى وجوبها ولزومها مع خطورها بالبال لها، ولذكرها أن يكون عليه جملة المواصلة لهم، لأنه لا غاية لذلك بعد وجوبه إلا قطيعته.
* مسألة:
من منثورة قديمة من كتب المسلمين: وسألته هل يجوز قطع الرحم؟
فقال: لا يجوز ورفع الرواية: ملعون من قطع رحمه، وقال: صلة الأرحام بالنفس وبالهدية والتسليم.
ومنها وسألته عن الأرحام: من قبل الأب أو من قبل الأم؟
فقال: كل القرابة أرحام ما كانوا من قبل الأب أو من قبل الأم. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة:
وسألت أبا الحواري عن صلة الأرحام يصلهم في الرخاء أو كلما أراد؟
فقال لي: يصلهم إذا أصابتهم مصيبة، أو جاء أحد من قرية أو مثل ما يعرض لهم.
ثم سألت عنها أبا علي؟ (5/247)
صفحة 1757
فقال لي: يصلهم كلما أمكنه ولا يقطعهم في الرخاء ولا في الشدائد، ولا عند المصائب، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلة الوالدين لازمة من مسير سنتين، وصلة الأرحام لازمة من مسيرة سنة»، وهذا هو القول وبه نأخذ، وكلما نأخذ، وكلما أمكن من صلة رحمه فيصله ولا يقصره.
* مسألة:
قال أبو محمد: ليس لصلة الرحم حد معروف، ولكن يكون الإنسان على النية والوصول إذا قدر متى كان، والصلة على من قدر بماله ونفسه إذا استطاع ذلك، وإنما يجب عليه في ماله إذا خاف أن يهلكوا جوعا، فذلك عليه فريضة.
وسألته عن صلة الأرحام والجيران فريضة أم سنة؟
قال: معي أنها فريضة لقول الله عز وجل: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (النساء:36)، وقوله عز وجل فيما يذم به العصاة: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (البقرة:27) وقوله تعالى فيما مدح به المطيعون: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} (الرعد:21) وهم معي الأرحام والجيران.
قلت له: فالجار ذو القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، كيف معرفة هؤلاء؟
قال: معي أن الجار ذا القربى هو أن يكون رحما وجارا، ومعي الجار الجنب هو الجار الأجنبي الذي غير رحم، ومعي أن الصاحب (5/248)
صفحة 1758
بالجنب هو الرفيق في السفر، ومعي أن ابن السبيل هو المسافر هكذا عندي.
قلت: فمن كم وجه تجب صلة الأرحام في النسب من قبل الأب والأم؟
قال: معي أنه تجب عليه الصلة لأرحامه من قبل أبيه من أربعة آباء، ومن قبل أمه أربعة آباء بالوصل، وفي بعض القول: إلى خمسة آباء بالوصل، وبأي ذلك أخذ الواصل فقد أخذ بالصواب.
قلت له: وكيف يكون النسب على هذا الوجه من قبل هؤلاء الآباء؟
قال: معي أنه على وجه أربعة آباء من قبل أبيه، أنه يقرب أبو أبي أبيه والواصل الرابع، وأبو أم أبيه والواصل الرابع، وأم أم أبيه والواصل الرابع، وأم أم أبي أبيه والواصل الرابع، وكذلك من قبل أمه على وجه أربعة آباء من قبل أمه، تكون أم أم أمه، والواصل الرابع وأم أبي أمه والواصل الرابع، وأبو أم أمه والواصل الرابع.
فعلى قول من يقول: إن الصلة إلى أربعة آباء بالواصل فإنه يصل هؤلاء الأجداد، وما نسلوا وما سفل من نسولهم ما كانوا علوا أو سفلوا، قربوا أو بعدوا، في السفل، وعلى بعض القول أنه يصل إلى خمسة آباء.
قلت له: فإن كان الرجل لا يعرف نسبه من قبل أبيه وأمه على هذه الصفة، أو يعرف بعضهم ولا يعرف بعضا، أيلزمه أن يسأل ويبحث عن من لا يعرفه حتى يعرفه ويصله، أم ليس عليه المسألة بمعرفة نسبه ليجب عليه صلة من عرفه؟
قال: معي أنه لا يلزمه السؤال والبحث عمن لا يعرفه، وعليه أن يصل من عرف من أرحامه، ولا يلزمه إلا من صح معه نسبه منه. (5/249)
صفحة 1759
* مسألة:
أحسب عن أبي علي الحسن بن أحمد: ورجل سمع من والده أن فلانا من أرحامي، أيلزمه بذلك صلته، ويكون له من وصية الأقارب، أم لا؟
فعندي أنه لا يلزمه ذلك، وقد وجدت أنه إذا قال رجل ثقة: إنه من أقارب الميت دخل في الوصية معهم.
* مسألة:
قلت له: فالذي تجب عليه الصلة لأرحامه وجيرانه إذا كان دائنا بصلتهم، ووجوب حقهم، فلم يصلهم، ثم استحلهم، هل يبرئه حلهم مما قد وجب عليه لهم من الصلة؟
قال: معي أنه إذا كان دائنا بذلك، غير جاحد، وإنما قد صده عن ذلك ما هو فيه من هم الدنيا، فأرجو أنه إذا أحلوه وتاب إلى الله عز وجل توبة صادقة، أن يكون سالما، لأنه إنما هو حق لله عز وجل، أمره به وندبه، وكلفه إياه وليس يتعلق عليه من هذا حق للعباد، ولا مظلمة، فالتوبة في هذا تجزيه مع الدينونة بما قد وجب عليه لأرحامه وجيرانه من الصلة.
* مسألة:
من غير الكتاب من الزيادة المضافة:
وسألته عن صلة الأرحام سنة أو فريضة، وهل لذلك حد في صلتهم وإن كان أحد منهم راحلا عن البلد أيلزمه الوصول إليه أم لا؟
الذي وجدت أن ليس لذلك حد، وكلما أكثر كان أفضل. (5/250)
صفحة 1760
قلت: فالرحم ألقاه في الطريق، والبلد والمجلس، وأكلمه بحوائجي أيكون هذا وصلا أم حتى أقصده في بيته للوصل؟
أرجو أن ذلك مجزئ، والله أعلم.
قلت: والأرحام هو من النسب والقرية؟
الذي حفظت عن حيان بن محمد أن الرحم كل من اشتمل عليه اسم القريب، كان من قبل الأب أو من قبل الأم، والله أعلم.
قلت: وقع بيني وبين رحم لي عتب أو عداوة على شيء من أسباب الدنيا، وهجرني ولم يكلمني أيلزمني أن أصل إليه وأكلمه وإن كان لا يرغب؟
قال: نعم، تصله وتكلمه. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة:
في كمية عيادة المريض:
قال أبو سعيد: يوجد أنه لا يعاد المريض فوق ثلاث مرار إلا من ذهب عقله، فيعاد على الدوام. (5/251)
صفحة 1761
باب
من كتاب المعتبر
في ذكر معنى بر الوالدين، والإحسان، وصلة الأرحام ونحوه
وأما الإحسان وصلة الأرحام، والبر للوالدين، ولذي القربى واليتامى والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم، فمعي أن ذلك من الواجب إذا خص حكم ذلك بعينه، وإلا ففي الجملة الدائن بها، والمقر، من تعبد بذلك يكتفي.
فإذا ثبت شيء من ذلك، ونزلت بليته بمخصوص بعينه، وجب على من يستحق كل منهم من أحكامه على ما ثبت له من أقسامه من خاص ذلك وعامه، ولكل منهم حق ثابت إذ خص الحكم به بما لا يختلف فيه مما يفوت العمل به من وقوع ضرر في تضييع لازم، أو ارتكاب شيء من المآثم، لم يسع ذلك معنا، وكان ذلك لاحقا بحكم ما يجب من العمل له في الوقت الذي لا يجوز ترك العمل به فيه.
وما كان من ذلك إنما هو من البر والمواصلة، فما لم يقع هنالك قطيعة باعتقاد، فأرجو أنه مما يجوز التوسع بذلك، وقد قيل في بعض ما قيل: إن الصلة في جميع ذلك التي أمر الله بها يخرج تأويل ذلك أنه تجزي فيه الصلة بالاعتقاد بالقلوب دون الأعمال بالأبدان واللسان، إلا أن يظهر قطيعة شيء من ذلك.
فعندي أنه لا يجزي إذا ظهر في القطيعة شيء من ذلك إلا الخروج منه بمثله من الفعل والقول إن أمكن ذلك، لثبوت التوبة من الذنوب، السريرة بالسريرة، والعلانية بالعلانية. (5/252)
صفحة 1762
وكذلك معنا هذا إذا ثبتت القطيعة بالفعل أو بالقول لم تثبت معنا الصلة بالرجوع من ذلك بمثله إذا لم يكن في ذلك عذر من تقية أو غيرها في مال أو في نفس أو دين.
وأما ما لم يقع قطيعة فلا يبين لي أن تثبت المواصلة في الإجماع إذا أقمت بذلك الحجة إلا بالاعتقاد للمواصلة لهم على ما أمر الله به، وإذا ثبت معنى غير هذا من المواصلة بالأبدان أو بالمقال فذلك خارج معنا عل معنى أنه قيل: إنما يلزمه مرة واحدة، وأحسب أنه قيل: إنه يلزم ذلك كلما حدث لمن تجب منهم مواصلة فرح أو حزن، وإنما يوصل لوقوع الفرح به والحزن، فيهنئ لفرحه، ويعزى لحزنه، ويشارك في فرحه وحزنه لتعظيم حق الله فيه، وإدخال السرور عليه.
وأحسب أنه قيل: من قطع نفسه وماله فقد قطع، أي أنه تجب المواصلة لمن تجب مواصلته بالنفس أو بالمال، أو أحدهما، وربما كانت المواصلة بالمال أفضل لمن يحتاج إلى المال، ومن وصل بأحدهما معنا فقد وصل إذا أراد المواصلة، وحقوق هؤلاء الذين أوجب الله مواصلتهم والإحسان إليهم، فبعضهم أوجب من بعض، وبعضهم أخص من بعض، وتفسير ذلك يطول، فتجعل لكل ذي حق فيه حقه على وجه ذلك إن شاء الله.
* مسألة:
ومن غيره:
وقال موسى بن مخلد: إنه كان يمشي عند أبي سعيد محمد بن سعيد، يريد أن يصل أرحاما له بنزوى كان يستأذن على الباب ثلاث مرات، فإذا أذن له وإلا انصرف ولم يزد على ثلاث شيئا. (5/253)
صفحة 1763
فصل
وعلى المرء أن يصل رحمه إلا أن يعلم أنه إذا وصله اشتد على رحمه دخوله عليه، وكره ذلك، فليس عليه أن يصله ولا يدخل منزله إذا عرفه بذلك، وقد قيل: لا يكرم بما يكره، ولكن يصله بقلبه، ويبلغه السلام، وإن رجا أن يصله في غير منزله، ويستر بذلك كان عليه ذلك في مخصوصات ما يجب عليه.
* مسألة:
وعمن تلزمه لرحم له صلة، فاستحله من ذلك فأحله، هل ينفعه ذلك الحل وتنهدم عنه الصلة؟
قال: معي أنه ليس في المواصلة حل عن ترك لازمها، لأن الحل في معنى البر، والمواصلة عند الاشتغال أو التواني إذا وقع موقع البر مع اعتقاد المواصلة عند لزومها.
* مسألة:
وعن أبي الحسن فيما أحسب: وعن رجل يقول لرجل: بيني وبينك رحم من قبل الأب والأم.
قال: يلزم هذا الرجل له صلة وحق على قوله؟
فعلى ما وصفت فإن كان هذا الرجل له صلة وحق على قوله فعلى ما وصفت، فإن كان هذا الرجل ممن يقبل قلب هذا الرجل تصديقه فنحب يوجب له على نفسه من الصلة ما يعتقد له من تصديقه فيما قال، فيكون ذلك لله. (5/254)
صفحة 1764
وكذلك إن شهد معه شاهد واحد أو امرأة أو رجل ثقة أو غير ثقة إن كان قلبه يقبل تصديق قولهم فيما شهدوا به وقالوا، ويعتقد من الصلة بمقدار ما يأخذ قلبه من قولهم في غير وجوب حكم عليه، وبالله التوفيق.
* مسألة:
وعن الوالدة من الرضاعة والأخوة، وما كان من قبل الرضاعة، هل تجب لهم الصلة كما تجب للأرحام؟
قال: من قطعهم فقد قطع رحمه فلم نعرف وجوب صلة الرحم إلا في قرابة الأنساب، وأما الرضاع فينبغي أن لا يعتقد قطيعتهم، ومن وصلهم فذلك الفضل، وأما الواجب الذي فيه القطيعة إثم فالرحم من القرابة، والله أعلم بالصواب، ولا نحب أن يقطع الرحم من الرضاع باعتقاد القطيعة.
* مسألة:
وعن القرابة من الرضاعة مثل الأم وغيرها فلم نعلم وجوب صلة لهم، وإنما الصلة للقرابة من النسب.
ومن كان له أرحام وهو يدين بالوصول إليهم إلا أن الأشغال تمنعه عن ذلك فجائز ما لم يقطع النية عن الوصول إليهم، ولا حل في هذا لمن عجز عن الوصول، وإنما هذا لله عز وجل.
ومن أبغضه أرحامه وقدحوا في ذمه، وعزموا على إجلائه من بلده، فوجد عليهم وهجرهم وهم منافقون؟
فعن أبي الحسن قال: أرى له أن يصل أرحامه ويعفو عنهم إن أمن على دمه فقد أمر الله بصلتهم ونهى عن قطيعتهم. (5/255)
صفحة 1765
وفي الرواية: «صلى الله عليه وسلم من قطعك واعف عمن ظلمك»، وإن لم يأمن على دمه فيلاطفهم ويصلهم بسلامه مع رسول أو كتاب أو هدية يسكن بها أنفسهم، وهي أفضل الصلات، وليتق الله تعالى ويصل رحمه.
قال بشير: وسألت عزان، وكنت خرجت من البيت أريد صلة بعض أرحامنا، واعتقدت ذلك، فلما كنت في بعض الطريق خطر في قلبي إنما أصلهم ليرضوا عني، ولأن يعجبهم ذلك أو ما يشبه هذا خلافا للنية التي خرجت عليها من البيت؟
فقال عزان: هذه النية قد حبطت لأجل ذلك الذي حدث. (5/256)
صفحة 1766
باب
في صلة النساء أرحامهن
ومن جواب أبي الحواري: وعن النساء الخوادر في البيوت أعليهن صلة الرحم، والخروج إلى الجنائز، والترحيب بالقادم من المسلمين من الحج وغيره؟
فعلى ما وصفت فأما الصلة للأرحام فذلك عليهن أن يصلن إلى أرحامهن في الصلة الواجبة من المصائب، والقدوم من السفر، فإن كن لا يبرزن للذي تجب عليهن صلته من الأرحام، وصلن إلى المنزل وأرسلن من يبلغهم التعزية والسلام، ولا يظهرن إليهم.
وأما الجنائز والترحيب بأحد من المسلمين إذا قدم من سفر، فليس ذلك عليهن، وإنما عليهن صلة الأرحام كن شواب أو ذات عيال، أو غير شواب أو ذات عيال إلا من عذر بمرض، أو ذهاب البصر وأشباه ذلك.
* مسألة:
وسئل عن امرأة طلبت إلى زوجها أن تصل أرحامها فمنعها، هل يجوز لها أن تمضي بلا رأيه وتكرهه على ذلك؟
قال: معي أنه إذا منعها ذلك فمعي أنه قيل: ليس لها أن تعصيه.
قلت له: فيجوز له منعها عن صلة أرحامها على كل حال؟ (5/257)
صفحة 1767
قال: معي أنه لا يجوز له أن يمنعها عن الطاعة اللازمة لها، ولا يبين لي أن هذا الموضع منها عند منعه لها طاعة تلزمها.
قلت: فيجوز له أن يمنعها عن صوم كفارة لزمتها؟
قال: معي أنه إذا لزمتها كفارة من ذات الله من غير فعلها بنفسها، وإدخالها على نفسها، لم يكن له عندي أن يمنعها عن ذلك.
* مسألة:
وسألت: هل على النساء وصول أرحامهن؟
فقال: واجب عليهن ذلك، ويجب عليهن وصول أرحامهن إذا أمكن ذلك، وإذا حال بينهن وبين ذلك أزواجهن فهن معذورات إذا أرسلن السلام إلى أرحامهن.
* مسألة:
ومن جواب أبي الحسن رحمه الله: وعن النساء من أهل البيوتات والستر، ممن لا يبرزن يكون لهن أرحام رجال واجبة صلتهم، هل لهن عذر عند الله في ترك صلتهم؟
فعلى ما وصفت فلا يعذرن بقطيعة أرحامهن فيما يجب عليهن الصلة في ذلك، ولا يبرزن له يصلن إلى المنزل ويبلغن السلام، فإن لم يكن ذلك وحجبن عن ذلك، ولم يوسع لهن في ذلك من قبل الأم أو من قبل الأب، فإنما القطيعة أحرى لهن إذا كن معتقدات صلة أرحامهن، ودائنات بذلك بالصدق في سريرتهن، ولم يعتقدن من ذلك قطيعة على ما يوجب الحرام، فنرجو لهن العذر إن شاء الله إذا منعن عن ذلك، إن شاء الله، ويبلغن السلام وهن في منازلهن إن قدرن على ذلك، إذا لم يوسع (5/258)
صفحة 1768
لهن في الخروج، وإن لم يقدرن وكن في حديقة فالله أولى بالعذر إذا علم الصدق، واعتقاد القلوب بالبر وتطهيرها من الفجور والله أعلم بالصواب.
* مسألة:
وعن رجل منع امرأته من صلة أهلها وأمها؟
فليس له ذلك، وليتبع ما أمر الله به من صلة الأرحام. وعن المخدرات صلة الأرحام عند المصائب، والقدوم من السفر، فإن كن لا يظهرن للذي يجب عليهن صلته وصلن إلى منزله، وأرسلن من يبلغه السلام والتهنئة والتعزية.
وأما الترحيب بالقادم من السفر من المسلمين فليس عليهن ذلك، ولا تشييع الجنائز، وإنما عليهن صلة الأرحام كن شابات أو ذات عيال، إلا من عذر مرض أو ذهاب بصر، وأشباه ذلك.
* مسألة:
ومن وصل إلى امرأة من أرحامه، ولم يجدها في بيتها فأوصى إليها بالسلام عليها أجزاه، فإن رجع إليها فحسن، وإن كانت ممن تظهر وهو يستحي أن يدخل عليهن فيصل إلى الباب ويرسل إليهم بالسلام، فذلك تجزيه إن شاء الله.
وإن وصل ولم يجد بالباب أحدا يدخله ولا يرسل إليهم فليرسل إليهم بعد ذلك من يعلمهم وصوله، وإن رجع إليهم فحسن.
* مسألة:
قلت له: وتصل المرأة من جيرانه وأرحامه ويدخل عليها إذا كانت ممن يدخلن عليها مثله؟ (5/259)
صفحة 1769
قال: هكذا عندي.
قلت: فلا بأس إن دخل عليها في مرضه وهي نائمة مستترة؟
قال: معي أنه لا بأس بذلك فإن لم يمكن أن يدخل عليها كلمها من وراء الباب أو حجاب، وبرئ لما أصابها، وإن لم يمكن أوصى بعض من يدخلن من خادم أو جار بالسلام، وإعلامها بالوصول وأقل ما تكون تبلغه السلام.
* مسألة:
وعن رجل تجوز شهادته كانت بينه وبين أخته خصومة إلى أن غضب وغضبت، فكره أن يصلها فسأله أهل التعديل عن صلة أخته فقال: إني حلفت يمينا غليظا لا أقدر على كفارتها إن دخلت منزلها، فإن لقيتها في غير منزلها كلمتها، أو قال: حلفت يمينا لا أدخل لها منزلا أيكفر يمينه ويدخل على أخته ولا يحنث أو لا يدخل عليها؟
فإن كان يقدر على كفارة يمينه فليكفرها ويدخل إلى أخته، وإن كان لا يقدر على كفارتها فليقف ببابها ويرسل إليها حتى تأتيه فيصلها أو سلم عليها، وإن جاء يريد صلتها فلم تجبه وكرهت رأيت ذلك عذرا عند الله.
* مسألة:
قلت له: فإذا كانت المرأة ممن يستتر ويستحي، ويجب عليها الصلة لرحم أو جار، فوصلت إلى منزله أو لقيته ولم تحب أن تعرفه نفسها، هل يجزيها ذلك عن الصلة؟
قال: معي أنه يجزيها ذلك وأحب أن ترسل إليه في حين ذلك من يعرفه أنها قد وصلت إلى منزله ولقيته واصلة له كان ذلك الوصول في فرح أو حزن. (5/260)
صفحة 1770
قلت له: فإن وصلت إلى منزله وفيه ناس كثير فجلست في آخر المجلس، ولم يعلم أنها وصلته، هل يقع لها موضع الصلة ويجزيها؟
قال: معي أنه يقع لها ذلك، وليس يلزمها أن تتخطى رقاب الناس إلى صاحب المصيبة أو الفرح، غير أنها ترسل إليه في حين ذلك من يعرفه وصولها إليه.
قلت له: فهل للمرأة عذر أن لا تدخل منزل الذي تجب عليها له الصلة، كان رجلا أو غيره؟
قال: معي أنها إذا وصلت إلى منزل الرجل وخافت أن تدخل عليهم مشقة في الدخول عليهم والاستئذان، أو تخاف من ذلك مشقة من زوج لها أو أب أو غير ذلك من المشقات أنها لها عذرا في ذلك، وترسل إليهم من يعرفهم وصولها.
قلت له: المرأة المخدورة هل لها عذر في صلة الأرحام والجيران بوجه في رأي المسلمين؟
قال: ليس لها عذر إلا من تقية من خوف أو منع شيء يمنعها، مثل زوج، وأما الوالد فمنعه عندي لها عذر لها إلا أن يكون هنالك نظر أولى من وصولها من الخوف على نفسها أو دينها، فتجهل هي ذلك، فيكون هو القائم عليها بذلك، فيكون عليها له الطاعة في ذلك.
قلت: فيجوز للزوج والوالد منعها ويسلمان؟
قال: معي أن الزوج إذا منعها لمعنى لا يقصد إلى قطعها عن أرحامها، ويأمرها بقطعه، ولا معونة على ذلك، وإنما يلزمها طاعته، ولا تخرج من طاعته فأرجو أن لا يكون عليه في ذلك إثم وأما الوالد فقد تقدم من الشريطة في منعه ما ذكرت. (5/261)
صفحة 1771
باب
في دخول المنازل وفي سكن المنازل
مع من يجوز له السكن معه والنظر في المنازل ونحو ذلك
وعن رجل أحل رجلا أن يدخل عليه بلا إذن، هل يجوز له أن يدخل عليه بلا إذن؟
قال: عندي أنه يختلف في ذلك:
فقال من قال: يجوز له.
وقال من قال: لا يجوز له، ويعجبني إذا كان في المنزل من تجوز له مساكته إجازة ذلك له.
قلت له: فإن قال له: قد أسكنتك في منزلي هذا؟
قال: معي أن ذلك جائز أن يدخل بلا إذن، والسكن أقرب عندي من الحل.
قلت له: والإدلال مثل الحل في الإجازة في الإذن؟
قال: عندي أنه ليس مثله إلا على معنى ما يخرج في اعتبار الداخل في حينه ذلك ووقته إن كان المدخول عليه في حاله فارغا ليس عنده من يجب أن يستتر عن الداخل، فأحب أن يجوز ذلك على حسب الاطمئنانة.
* مسألة:
قلت له: فما تقول في رجل رفع على رجل وادعى أنه دخل منزله بغير إذن منه، فأنكر المدعى عليه، فطلب المدعي يمينه، هل يحلف له؟ (5/262)
صفحة 1772
قال: نعم.
قال: كيف يحلف؟
قال: يحلف ما دخل منزله بغير إذن منه، فإن لم يحلف عاقبه بما يرى من الحبس.
* مسألة:
عن أبي الحسن بن أحمد: وحفظ في رجل له امرأة، تخدمه امرأة حرة في بيته عنده، هل عليها إذن الليل والنهار؟ وكذلك هو يدخل أي وقت شاء؟
إن ذلك جائز ويؤمر من أراد أن يدخل منزله وفيه امرأة أجنبية أن يتنحنح أو يعلم بدخوله.
* مسألة:
وإذا كان جماعة يسكنون في بيت واحد؟
فليس عليهم استئذان من بعضهم على بعض.
* مسألة:
وإذا كن نساء في بيت جميعا فإذا خرجت إحداهن قدام البيت، فتسلم حتى تعلم من في البيت ولا تستأذن، وإن خرجت في حاجة تطلبها من القرية ثم رجعت فلتستأذن.
* مسألة:
عن الشيخ أبي الحسن محمد بن الحسن السري: وعن من أباح امرأة في الدخول عليه بغير إذن في الليل أو في النهار، هل يسع المباح فعل ذلك؟
الجواب:
الذي عرفت من رأي المسلمين أن إباحة في دخول المنازل على أهلها إلا بإذن حين الدخول وبالله التوفيق. (5/263)
صفحة 1773
قلت: فمن كان ساكنا هو وذو محرم من النساء في منزل، هل لهما الدخول على بعضهما بعض إذا اتفقا على ذلك؟
الجواب:
فيما عرفت إذا كان المنزل لهما فليس عليها إذن في الدخول، وأحب إلي في الإذن أن يبدأ في دخوله بالنحنحة، لئلا يفاجئ منها نظر عورة مما عليه حرام نظرها.
* مسألة:
وعن رجل طلب إلى قوم أن يجعلوا له السكن في منزلهم، والمنزل فيه نساء تسكن، ليس هن منه بمحرم، هل يجوز لمن له السكن أن يدخل بغير إذن؟
قال: لا يجوز له ذلك، لأنه لا يجوز له السكن مع النساء اللاتي ليس بمحرم منه.
قلت له: وكذلك المرأة إذا جعل لها رجل ليس بمحرم منها سكنا في منزله أيجوز لها أن تدخل إلا بإذن؟
قال: هكذا معي أنه لا يجوز ذلك، وأما النساء مع النساء، والرجال مع الرجال، فإذا جعل الرجال للرجال السكن معهم جاز لهم ذلك عندي.
* مسألة:
وليس في الليل تعارف في دخول منازل الناس، وإنما ذلك بالنهار يدخلون بالتعارف مع الإباحة أيضا المتقدمة.
* مسألة:
ومن استأذن فسمع من في البيت صوتا بأن يقال له: ادخل؟ (5/264)
صفحة 1774
فله أن يدخل من غير أن يعلم منه من أذن له من صبي، أو بالغ، أو مالك، أو غير مالك.
* مسألة:
والغرف التي تكون في الأسواق يدخلها الناس بطعامهم يأكلون فيها، جائز دخولها من غير استئذان على أهلها، لأنها كالمنازل المأذون للناس الدخول فيها، ولا يجوز دخولها ليلا بغير استئذان، والفرق بينهما أن النهار وقت لدخول الناس، وإذن من أهلها لهم، وليس في الليل تعارف لإجازتهم للناس الدخول إليهم، إلا أن تستوي إباحتهم للناس في الليل، كإباحتهم في النهار، فيجوز الدخول إليهم في الليل، وإنما قلت: يجوز الدخول إليهم في الليل لأنه ليس في ذلك تعارف ولا عادة.
* مسألة:
ومن اشترى طعاما وأتى به غرفة، وفيها قوم يأكلون لا يعرفهم، فأراد الدخول إلى هذه الغرفة، ويقال: إنها للغرباء يأكلون فيها؟
فهذا يعرف بالعادة إن كان مباحا دخل بلا استئذان وإلا لم يجز إلا بأمر أهلها، لأن البيوت لا يجوز الدخول إليها إلا ما كان مباحا.
* مسألة:
وسألته عن رجل دخل منزل رجل، فأمره بموضع يقعد فيه فقعد في غيره، هل يكون آثما؟
قال: لا إلا أنه يستحب من طريق الأدب أن يقعد حيث أمره صاحب المنزل، لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فليجلس حيث أمره رب البيت فإن المرء أعرف بعوار داره». (5/265)
صفحة 1775
* مسألة:
ومن جواب أبي الحواري رحمه الله: وعن الرجل يغيب عن منزله عن خوف أو حاجة عرضت له، هل يسع أحدا من المسلمين أن يسكنه؟
فلا يجوز لأحد أن يسكن ذلك المنزل إلا برأي صاحب المنزل، فإن سكنه ساكن بغير رأي صاحب المنزل كان عليه أجر ما سكن ذلك المنزل سكنه قليلا أو كثيرا فعليه الخلاص من ذلك، إلا أن يكون منزلا قد خربه أهله، ونزعوا الأبواب منه، ولا حاجة لهم إليه في ذلك الوقت، فلا نرى عليه بأسا في ذلك إذا سكنه على حد الاضطرار إليه.
ولا يتخذ ذلك حجة على صاحب المنزل، ولا اختيارا لسكنه ورده إلى ذلك الاضطرار.
وقد قال ذلك بعض الفقهاء في منزل لا يسكنه أهله، فصار خرابا، فلا بأس بقضاء الحاجة فيه كما قال الله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} (النور:29) أي فيها حاجة لكم.
* مسألة:
وعن السلطان يسير إلى القرى فيبني فيها منازل، ويعرش فيها عرشا، فيسكن ما شاء الله، ثم يرتحل عنها ويدعها خالية كما هي، هل يجوز لأحد من الناس أن ينزلها من بعده أو يسكنها؟
فعلى ما وصفت، فإن كان ذلك في أموال الناس، فمن كان ذلك في ماله فهو أولى به، وللسلطان قيمة ما بناه، وإن أراد ذلك صاحب المال قال: للسلطان ينزع بناءه فله ذلك، وإن أراد أن يقلعه من أرضه (5/266)
صفحة 1776
ويخرجه منها، فله ذلك، فإن تركه السلطان خرابا ولا حاجة لأهلها بها، واضطر إليها الساكن لم أر بذلك بأسا إن شاء الله.
وليس له أن يتخذها سكنا إلا برأي أهلها، وإنما يجوز مثل الميت على الاضطرار، والمقيد، والنزول على معنى المسافر، وإن كان ذلك البناء في غير أموال الناس، ثم خرج السلطان وودعها خرابا، وأراد ساكن أن يسكنها لم أر بذلك بأسا إن شاء الله ما لم يرجع إليها الذي بناها، فيمنعه منها، أو يكون رماًّ فيمنعه أهل الرم، فلا يسعه أن يسكنها إلا برأي أهل الرم الجباة منهم، وإن لم يمنعه أهل الرم فلا بأس بالسكن فيها ما لم يتخذها حجة أو دارا يقيم فيها.
* مسألة:
وعن البيوت إذا خربت وتحول أربابها عنها، وبقيت خرابا، هل لأحد من الناس أن يعرشها ويسكنها، وهل يجوز أن يمر فيها أو يتكنف فيها؟
فعلى ما وصفت، فليس لأحد أن يعرش فيها ويسكنها إلا برأي أهلها، لأن ذلك حجة، وأما أن يمر فيها أو يتكنف فيها فلا بأس بذلك.
* مسألة:
وعن رجل بينه وبين قوم شركة في بيوت له أكثر منهم جميعا، هل له أن يسكن أو يسكن من يشاء برأيه أو حتى يستأذنهم؟
قال: ليس له ذلك إلا برأيهم.
* مسألة:
وسألته عن منزل في يد رجل له حجرة، لقوم غياب فيها حصة (5/267)
صفحة 1777
قليلة، فكتب إليهم وأرسل أن يقاسموه أو يخلصوه، فلم يفعلوا، هل له أن يحيط على الحجرة بجدار ويسكن فيها، فإذا جاءوا كسر جداره الذي بناه وأعطاهم كان لهم؟
قال: نعم، لا بأس عليه إذا كان إنما فعل ذلك ليسكن بيته، فإذا قدم القوم أخرج لهم حصتهم فلا بأس، ويهدم الذي بناه إلا أنه إن خاف ورثته أنهم يسحجون (1) الموضع فيشهد شهودا عدولا أن لبني فلان في هذا الموضع كذا وكذا.
* مسألة:
وسألت عن بيوت لرجل فيها لقوم حصة قليلة، وهو يسكن البيوت بلا إجارة، وعن رأي أصحاب تلك الحصة، هل عليه إثم؟
قال: لا يسكن البيوت إلا عن رأيهم.
قلت: فيقول للذين أسكنهم: إنما أسكنتكم حصتي، وأما حصة بني فلان فلا؟
قال: إذا فعل ذلك فقد سبب للساكن فيما قال للقوم، وقد بلغني أن موسى بن علي أتاه رجل فقال له: يا أبا علي اجعلني في الحل من حصتك من سدرة بني فلان، فقال له أبو عليك استحل شركاؤنا، فالذي عندنا بيدك، فذهب الرجل فقال له قائل: يا أبا علي لم توسع للرجل؟ فقال: لا أجعل له على سدرة القوم سبيلا.
* مسألة:
في النظر إلى المنزل من جامع ابن جعفر: وفي رجل نظر في بيت قوم من كو، أو ثقب، فرماه صاحب البيت ففقأ عينه؟
__________
(1) السحج الكسح وأخذ ما على وجه الأرض، ولعله من هذا الباب. (5/268)
صفحة 1778
أنه لا شيء على صاحب البيت.
قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: رمى رجلا بمشقص وقد رآه ينظر إليه من كوّة فأخطأه فقال: «لو أصبت عينك لهدرت دمك» والمشقص السهم.
* مسألة:
وأما الذين أسكنهم السلطان في منزل لا يعرفون لمن هو، فإن احتمل عندهم بوجه من الوجوه أن ذلك السلطان أو شيء يجوز لهم فيه التصرف فلا بأس بذلك على حال، لأن ذلك إذن منه ما لم يحدثوا غير السكن لا يسعهم.
وإن لم يحتمل ذلك إلا أنه مغصوب فمعي أنه قيل: الاضطرار إلى ذلك يوجب السعة من الكينونة على غير اعتقاد سكن له ما لم يحدث حدثا من ذاته.
قلت: وإن رأوا في فرشهم وثيابهم من الدراهم أو غيرها، إلا أنه من عندهم، وقد زال حكم ذلك المنزل عن ذلك الموضع؟
فهو عندي يخرج مخرج اللقطة إذا لم يعرف لأحد بعينه منهم، ولم يخرج في جملة ماله، ومن جملة رحله الذي حكم له به.
وأما المنزل ينقسم فأعجز أحد الشركاء مقاسمته بامتناع شركائه، أو لمعنى من المعاني، صار في حال يجوز له أن يسكن في حصته، فإن أسكن غيره ممن يأمنه على حصص شركائه أنه لا يتعدى مثل ما يجوز له هو أن يفعله، فلا فرق عندي بين سكنه وإسكانه على هذا النحو، وإذا صار هذا الحد يعلم من المسكون بذلك من الحال الذي يسع السكن فيه، أو كان المسكن ممن يؤمن على مثل ذلك أنه لا يدخل إلا فيما يسعه، فأرجو أنه جائز على نحو هذا من الشريطة. (5/269)
صفحة 1779
* مسألة:
وعن الذي يقول لرجل: اسكن في منزلي هذا أيكتفي بذلك أم حتى يجعل له السكن في منزله؟
فمعي أنه إذا قال له: اسكن في منزلي هذا فقد أسكنه فيه، إلا أن يرجع عليه فيما أسكنه.
* مسألة:
وقيل: لا بأس أن تسكن المرأة مع الأعمى، ولو كان غير ذي محرم منها.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
دار لا يعرفها مالكها يجوز سكنها أم لا؟
قال: إذا كان الدار ليس لها رب ونزلها فقير وسكنها فلا شيء عل من يسكنها، وإن كان الذي يسكنها غني كان عليه الأجرة يدفعها إلى الفقراء الذين هم أولى بالأموال التي لا أرباب لها، وللغني سكنها.
فمن أخذ شيئا من أخشابها ما يلزمه؟
قال أقول: إن عليه دفع ذلك فيها وفي عمارتها، وإن تلف ولم يقدر على المثل فقيمته للفقراء. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
قلت له: وما تقول في رجل ينزل في قرية، ومعه أصحاب، فسمع قوما يتآمرون بينهم أن ينزلوهم هو وأصحابه في بيت فلان، ثم مروا (5/270)
صفحة 1780
حتى أدخلوهم البيت، وهم يقولون: إنه بيت فلان، هل لي أن أنزل في ذلك البيت على هذه الصفة؟
قال: إذا احتمل عندك أن فلانا هو في الحاضرين الذين يتآمرون بينهم جاز ذلك لك.
قلت له: فإنهم يقرون أن فلانا غائب، هل لي أن أنزل في ذلك البيت على هذا؟
قال: لا إلا أن يطمئن قلبك أنهم لا يفعلون إلا ما يجوز لهم جاز ذلك.
قلت: فإن نزلت؟
قال: استغفر الله ولا يلزمك في ذلك تبعة ما لم تعلم أنهم فعلوا ذلك من غير ما يسعهم.
* مسألة:
وإذا خرج السلطان إلا بلد فابتنى فيها عريشا ومنازل، ثم خرج وترك ذلك البناء، وذلك في غير أموال الناس، وأراد ساكن أن يسكنها؟
لم أر بذلك بأسا إن شاء الله، ما لم يرجع إليها الذي بناها فيمنعه منها، أو يكون بني في أرض أحد أو لأحد.
* مسألة:
وقيل في بيوت الجبابرة: إذا فتحت التي لا يمكن الاستئذان لعظمها أو بعدها على من احتاج، فله أن يدخل عليهم بلا إذن على (5/271)
صفحة 1781
اطمئنانه النفوس أنهم لا يفتحون أبوابهم إلا لدخول الناس عليهم إلا من منع الدخول عليهم.
* مسألة:
قال الله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} (النور:29) قيل: هي الحانات على طريق الناس فيها متاع لكم من الحر والبرد.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
قلت: هل لأحد أن يجئ بالصدقة يريها بها إلى الفقراء، فيقرع باب الضعيف، أو يفتحه، أو ينقحم على البيت وهو ناعس؟
قال: أما من طريق السكن فلا يعجبني ذلك، وأما معنى إدخال البر عليه وإباحته مما يدخل عليه من الكراهية بمعاينة، فأرجو أن ذلك جائز إن شاء الله، فلم أر أن عليه إثما في ذلك.
* مسألة:
سئل عن رجل طلق زوجته، وله منها بنون، ولا رجعة بينهما، وهو يدخل عليها، هل على من رآه أن ينكر عليه إذا قدر عليهما؟
قال: معي أنهما إن كانا مسترابين في دخوله عليها وتلحقهما التهمة في ذلك، أنكر عليهما، وإن كانا لا تلحقهما التهمة في ذلك ريب في الدخول على وجوه.
قلت له: وإن لم تكن تلحقها التهمة إلا أنه يساكنها، هل يمنع ذلك؟ (5/272)
صفحة 1782
قال: معي أنه يمنع مساكنتها، وتمنع مساكنته، إذا كان لا يحتمل أنها في حين مساكنتها له يحل له ذلك منها، ولا لها منه.
قلت: فإن كان بيته فيه ساكنان ومقطوع بينهما بجدار أو حظار، وكانت هي في أحدهما وهو في الآخر، غير أنهما يدخلان ويخرجان من باب واحد، هل يجوز تركهما على ذلك؟
قال: معي أنه لا يجوز ذلك على غير معنى الضرورة إذا كان الباب يجمعهما، إلا على ما يسع المساكنة.
قلت له: فما الضرورة التي يكون فيها العذر، وكيف تسع المساكنة؟
قال: لا تسع المساكنة في الضرورة ولا غير الضرورة، ولا اعتقاد المسكانة، ولكن الدخول بمعنى الضرر مضطرا أو خوف في ليل أو نهار، وإن جاز ذلك فلا يجوز إلا بالاستئذان على بعضهم بعض مما يجوز له مساكنة، وإنما هذا قضاء حاجة من الريبة في ذلك فلا بأس بذلك عندي.
قلت له: فإن لم يكن لها إلا ذلك المنزل، أتجبر على التحول منه، ويحكم عليهما بذلك؟
قال: معي أنهما يمنعان المساكنة، ويقال له: أن يخرج بابا على الطريق إذا أراد السكن في ذلك المنزل، ويمتنا جميعا عن مساكنة بعضهما بعضا في ذلك.
قلت: فالمطلقة والأجنبية في هذا سواء، ولو لم تحلقها تهمة؟
قال: معي أنه سواء إلا أن المطلقة قالوا: إنهما أوحش لوضع ما قد عرفا من بعضهما بعض. (5/273)
صفحة 1783
قلت له: فإذا علم منهما ذلك يحتاج عليهما أم يرفع عليهما إلى الحاكم بغير حجة؟
قال: معي أنه يحتج عليهما إذا كان المحتج من أسباب الحاكم الذي قد جعل له الاحتجاج، أو يحتج عليهما بشهادة عدلين، فإن لم ينتهيا انتهى أمرهما إلى الحاكم حتى يعاقبهما ويلحقهما معنى الريب ما لا يجوز به المساكنة.
* مسألة:
وسئل عن أخوين عند أحدهما زوجة وهما ساكنان في منزل؟
قال: معي أنهم يمنعون من ذلك كانوا مسترابين من قبل ذلك، أو غير مسترابين، وعندي أنهم إذا كانوا متساكنين فهم مسترابون.
* مسألة:
عن أبي معاوية: وسألته عن أخوين بينهما سكن فيه بنيان أو حائط ولكل بيت من البيتين باب إلى الحائط، ومن الحائط باب إلى الطريق، وعند كل واحد منهما زوجة، وكل رجل منهما يسكن بيتا من البيتين، وحائطهما واحد، هل ينكر عليهما ذلك، أو يأمر أن يقطع بينهما بجدار أو بحضار؟
قال: نعم.
قلت: فإن كرها ذلك يجبران؟
قال: يؤمر أن يسترا بينهما، فإن لم يفعلا أمرا أن يدخلا إلا بإذن، فإن لم يفعلا شد عليهما في ذلك حتى يدخلا بإذن أو يسترا بينهما. (5/274)
صفحة 1784
قلت: وكذلك السكان الذين يسكنون بأجر؟
قال: نعم، إلا يكونوا في سفر مثل مكة وغيرها، ولا يمكنهم إلا ذلك. انقضى الباب من كتاب بيان الشرع.
ومن غيره: ومما أضافه غير مؤلف الكتاب والمضيف إليه. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/275)
صفحة 1785
باب
في تحية أهل الذمة والسلام عليهم والمصافحة لهم، وكناياتهم
ومخاطبتهم وما يجوز من ذلك وما لا يجوز
وعن اليهودي والنصراني والمجوسي والصابئ، إذا لقيم المسلم، كيف يحييهم؟
قال: معي أنه بما حياه غيركم من المسلمين، وهو التسليم مما لم يكن في اللفظ ولاية فهو جائز إن شاء الله، مثل: كيف أمسيت، وكيف حالك، وما أشبه ذلك.
قلت له: فيلزم المسلم تحية على كل حال أم لا؟
قال: معي أنه يلزمه الاحتفاء به، وأن لا يلقاه إلا بمثل ما يلقى به المسلم مما يجب له من الاحتفاء، لأن لكل حقا.
* مسألة:
الحسن في قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا} (النساء:86)، قال: لأهل الإسلام أو ردوها لأهل الشرك.
* مسألة:
وقيل: لا بأس أن تقول لليهودي رحمك الله، والمعنى في ذلك النعمة الظاهرة، مثل صحة البدن والرزق وأشباه ذلك. (5/276)
صفحة 1786
* مسألة:
وقال بشير: لا يقال لأهل الذمة هداك الله إلى الخير، ولا أهل الإقرار، فإن قلت لهم رحمك الله ونجاك من النار تعني بذلك نجاة رحمة الدنيا، ونار الدنيا، فلا بأس، ويستر ذلك من الجهال لا يظنون أنه ولاية بينك وبينه.
* مسألة:
ويقال لليهودي: عافاك الله. إذا قال المشرك السلام عليك، فرد وعليك، فإن الله هو السلام.
* مسألة:
قال أبو عبيد: قلت لعبد الرحمن بن يزيد: كيف أسلم على أهل الذمة؟
فقال: قل: اندراتم. وهي كلمة فارسية معناها ادخل، ولم ترد أن تخصهم بالاستئذان بالفارسية، ولكن كانوا قوما من المجوس من الفرس، فأمره أن يسلم عليهم بلسانهم.
* مسألة:
جواب هاشم بن غيلان إلى موسى بن علي رحمهما الله:
وقولك: إن لقيت الذمي فتقول له مرحبا وأهلا عافاك الله فما تحب أن تقول له هذا، وأما العافية فإن صرفها إلى عافية بدنه فما نرى بأسا.
* مسألة:
جواب عن أبي عبد الله رحمه الله: وعن أهل الذمة، هل يدعون بالكناية؟ (5/277)
صفحة 1787
فلا أرى ذلك على ما وصفت.
ومن غيره:
وقد قيل: بإجازة ذلك.
* مسألة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبدءوا أهل الكتاب بالسلام ولا تصافحوهم إذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق مكان بمصافحتكم».
وقال بشير: لا تبدءوهم بالسلام، وإن سلموا فقل عليكم السلام، ولا تقل عليك السلام.
* مسألة:
وعن التسليم على الناس؟
قال: أحب إفشاء السلام على أهل الصلاة، وأما أهل الذمة فإن سلموا عليكم فقل وعليكم.
* مسألة:
أبو الحواري: وقال في الذمي: إذا خاطبته في الكلام فقل له في مخاطبتك إياه نعم يا أخي، فقال: يلزمك الاستغفار.
فقال له: هل يدعى الذمي بالكنية؟
قال: نعم لا بأس. (5/278)
صفحة 1788
ومن غيره:
وقال من قال: لا يكنى الذمي ولا يدعى بالكناية، ولا بأس أن يقال يا أخ، لأن الله يقول: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً}، {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} وأشباه هذا.
وإذا كان له نية يصرفها إلى أحد غيره من ولد آدم وأنه أخوه من وجه أنه من ولد آدم جاز ذلك، وإلا فلا يجوز له ذلك.
* مسألة:
ومن جامع أبي محمد: أجمع علماء أصحابنا فيما علمت على المنع من مصافحة أهل الذمة، وأن لا يعادوا إذا مرضوا، وأن لا يكنوا إذا خوطبوا، وأن لا يبدءوا بالسلام إذا لقوا، والنظر لا يوجب ذلك إلا من قصد إلى تعظيمهم والإجلال لهم بذلك.
ألا ترى أن الله جل ذكره يقول: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة: 8 - 9). انقضى الباب من كتاب بيان الشرع.
ومن غيره:
مما أضافه غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/279)
صفحة 1789
باب
الاستئذان في دخول المنازل
قال أبو المؤثر: إذا أراد الرجل أو المرأة الدخول على قوم فليقوموا على الباب، ولا يدخلوا يدا ولا بصرا حتى يقولوا: السلام عليكم، فيقول أهل البيت: وعليكم السلام، ثم لا يدخلوا حتى يقولوا له: أندخل جملة، وهذا هو الاستئذان بعد التسليم وهو الاستئناس.
فإذا قال أهل البيت: ادخلوا فيدخلوا، وإن لم يقل أهل البيت ادخلوا فلا تدخلوا.
وقال بعض: ويقال في بعض التفسير إن الاستئناس في بيوت أهل الذمة، لأنهم لا سلام عليهم، فمن أراد أن يدخل عليهم إلا بإذنهم، فإذا وقف بأبوابهم فليقل من هاهنا ادخل، فإن قالوا: ادخل وإلا فلا يدخل.
وقيل: إذا استأذنت عليهم فقل: يا أهل البيت، وأما الاستئذان على أهل الإسلام فقل السلام عليكم يا أهل البيت.
* مسألة:
قوله عز وجل: {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} (النور: 61) قال أبو معاوية: هذا أدب من الله وتعليم، فإذا دخل رجل بيت نفسه فليقل السلام علينا من ربنا، فإن تركه تهاونا واستخفافا بأدب الله تعالى هلك.
فإن كان في بيته نساء يتحدثن عند امرأته، وهن متجردات؟ (5/280)
صفحة 1790
فجائز له الدخول أيضا بغير إذن لأن البيت والمرأة له ليس لهن إشغال بيته عليه، فإن سلم فذلك.
* مسألة:
وقال محمد بن محبوب: لم يرخص في الدخول بغير استئذان هذا فريضة من الله تعالى، وأجاز غيره أن الرجل يدخل منزله بغير إذن.
* مسألة:
وللسيدات أن يدخلن منزل عبده بلا استئذان إذا كان العبد وحده، وإن كان له زوجة فلا.
* مسألة:
قال علي بن أبي طالب: قرعت الباب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من هذا، فقلت: أنا فقال: أنا! كأنه كره قولي: أنا.
وعن عيسى بن حاضر قال: أتيت يوما باب عمرو بن عبيد فقرعته فقال: من هذا؟ فقلت: أنا، فقال: ما نعرف أحدا يسمى أنا، فمن أنت؟ فلم أقل شيئا فأقمت عنه أياما ثم أتيت الباب فقرعته عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: عيسى بن حاضر، فقام وفتح لي الباب.
* مسألة:
ومن الأثر: عن الذي يسلم على أهل البيت، ولم يردوا عليه، فإذا علم بأنه قد أسمعهم فيكفيه مرة واحدة أو اثنتين، وإذا ظن أنه لم يسمعهم قال: ثلاث مرات. (5/281)
صفحة 1791
* مسألة:
وأما قول الله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ} (النور:58) فهم أبناؤكم الذين قد عقلوا ولم يبلغوا الحلم، وهم الغلمان والجواري يستأذنون على آبائهم قبل الفجر، حين يقيلون في البيوت وقت الهاجرة، وبعد صلاة العشاء، وهي التعمة.
وإذا بلغوا الحلم فليستأذنوا كما استأذن إخوانهم من قبل إذا كانوا رجالا أو نساء، يستأذنون على آبائهم حتى الساعة، أي ساعة ما دخلوا، ويستأذن الرجل والمرأة على أهل البيت مرة أو مرتين أو ثلاث مرات، فإذا أذنوا له دخل وإن لم يأذنوا له انصرف.
* مسألة:
سألت أبا محمد عبد الله بن عمرو أبا سعيد عن امرأة لا تسلم في بيوت غيرها، ولا تستأذن، هل تهلك وماتت على ذلك؟
فقال: إذا لم تكن تترك السلام تهاونا.
* مسألة:
وعن رجل أسكن عبده أو أمته بيتا، هل له أن يدخل عليه، بلا إذن منه؟
فإذا كان لأمته زوج ولعبده زوجة لم يدخل عليهم إلا بإذن، وإن لم يكن أزواج فلا يدخل عليهم حتى يكون منه ما يعرفون بدخوله فيستتروا منه إلا أن تكون أمة يحل له وطؤها، فإن تلك يدخل عليها كلما شاء. (5/282)
صفحة 1792
* مسألة:
ومن جواب أبي الحسن رحمه الله: وذكرت رحمك الله فيمن يدخل بيت قوم بلا إذن أيكفر من دخل بيوت الناس بلا إذنهم، وقد ركب كبيرة من الذنوب لقول الله تعالى: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} (النور:27)، وقال تعالى: (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} النور: 28)، والكبائر ما سمى الله فيه حدا في الدنيا، وعذابا في الآخرة، وما دون ذلك فهو من الصغائر.
فعلى ما وصفت فإذا لم يتعمد التعدي لنهي الله فذلك إنما يكفر بالإصرار عليه إذا فعل ذلك بجهالة، أو التهاون بذلك، فإن تاب وإلا كفر بإصراره وامتناع التوبة.
والكبائر ما قلت، وقد يكون شيء من الكبائر له العذاب في الآخرة، وليس له حد في الدنيا.
ومن غيره:
قال: وقد قيل: إذا أتى ذلك على الاستخفاف به والتهاون به فذلك يكفره من حينه، وقد قال من قال: إن ذلك لا يسعه أن يأتيه على الجهل، ولا غير ذلك.
* مسألة:
قال ابن عباس: ترك الناس من كتاب الله آيات لا يعملون بهن، من ذلك قوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ} (النور: 58) الآية، {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} (النور: 59)، يعني كلما دخلوا. (5/283)
صفحة 1793
* مسألة:
لا بأس أن يؤمر الخادم أن يستأذن على مولاه، وليس في ذلك إثم على من فعله، ويدخل بإذن الخادم.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
وعن دار فيها مساكن أأستأذن على باب الدار، أو على باب البيت الذي أريد دخوله؟
قال: على الدار الذي تريد دخوله إلا أن يكون قبل ذلك منازل فيها سكان، فعليك أن تستأذن إلا أن يكون على تلك المنازل ستور فلا بأس أن تدخل بلا إذن.
قال المضيف: حتى يأتي المنزل الذي يريد الدخول فيه.
* مسألة:
الصبي إذا بلغ، وكان مع أبيه لا يأذن عليهم في الدخول، أيجوز له ذلك؟
قال: لا يجوز له ذلك، لأن هذا خطاب قاصد والتعبد عليه في ذلك أن لا يدخل إلا بإذن، فإذا دخل بلا إذن فقد ترك ما أوجب الله عليه من الإذن في ذلك، قال الله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} (النور: 59). انقضى الباب من كتاب بيان الشرع.
ومن غيره:
ومما أضافه غير المؤلف والمضيف إليه رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/284)
صفحة 1794
باب
في التسليم على النفس والأهل عند دخول المنازل
قال أبو سعيد: إن الرجل يستحب له إذا دخل منزله أن يسلم على نفسه، وهو أن يقول: السلام علينا من ربنا، والحمد لله رب العالمين.
قلت له: فإن ترك ذلك؟
قال: إذا لم يكن مستخفا بذلك ولا متهاونا بذلك، فكأنه لم ير عليه إثما، ولم يستحب له ترك ذلك إذا كان عالما بذلك، فإن كان جاهلا بذلك فكأنه لم يلزمه شيئا.
قيل له: فإذا ذكر ذلك أنه لم يقل ذلك، وهو في البيت، أعليه أن يفعل ذلك؟
قال: معي أنه إذا كان قعد في البيت قال: عليه عندي ذلك، قال: وذلك أدب أدّب الله به عباده على معنى قوله. قال: وإن كان قد خرج من البيت فلم ير عليه شيئا بعد أن خرج من المنزل.
* مسألة:
وفي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك: «وسلم على أهلك إذا دخلت إليهم يكثر خير بيتك ولا تسلم على قوم وهم يصلون». (5/285)
صفحة 1795
* مسألة:
ومن الزيادة المضافة:
وعن المسجد هل يجب على من دخله السلام على نفسه مثل المنازل في ذلك؟
فأما المسجد فقد قيل: إن عليه أن يسلم على نفسه فيه، وهذا من أفضل البيوت، وقد قال الله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} (النور: 61)، والمساجد من أفضل البيوت، وقد سماها الله تعالى بيوتا، وقد قال سبحانه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} (النور: 36)، فهي عندنا أفضل، والسلام منها على نفسه أوجب.
وكذلك منزله الذي يسكن فيه، فأما منزل غيره إذا استأذن على من يسكنه وسلم عليه، فقد سلم ما أوجب الله عليه من السلام، وإن سلم على نفسه فذلك حسن إن شاء الله، فإن اعتل معتل فأدخل عليه التسليم على نفسه لم يخرج ذلك من الصواب، لأن الله تعالى قد جمع في هذه الآية البيوت جميعا وكذلك نحب له، لأن هذا البيت من البيوت أيضا، وإنما استثنى الله تعالى التسليم على السكان في البيوت المسكونة، فقد أجمل التسليم على النفس لقوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} فهذا البيت لا يخرج في التسمية من البيوت. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
* مسألة:
وقال أبو سعيد، في قول الله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ}، قال: هذا أدب من الله تعالى وتعليم، وهذا إذا دخل الرجل منزل نفسه فيقول: السلام علينا من ربنا، فإن تركه تهاونا واستخفافا هلك، وقال: إذا دخل رجل على امرأته فيسلم عليها، والله أعلم. (5/286)
صفحة 1796
باب
فيمن يدخل على ساكن في منزل غيره وما يجوز للمكتري
وعن رجل يكتري غرفة، هل يجوز لأحد أن يدخل عليه؟
أما الدخول فلا بأس، وأما السكن فلا.
ومن غيره:
قال: وقد قيل: إنه يجوز للداخل ما يجوز للمكتري بأمره، لأن السكن للساكن فما جاز له جاز بأمره.
* مسألة:
وعن أبي عبد الله: وسألته عن الرجل يكتري المنزل أله أن ينام فوق ظهر المنزل، ولم يشترط ذلك؟
قال: ليس له ذلك، ولا له أن يؤتد في الجدار.
قلت له: فإن كان في الجدار وتد، هل له أن يعلق به أو ينتفع به؟
قال: لا إلا برأي صاحب المنزل.
قلت له: فإن كان في البيت تنور أو موقد أيحمم في التنور ويوقد الموقد؟
قال: أما التنور فلا يخبز فيه إلا برأي صاحب المنزل، وأما المرقد فإن كان موضعا اعتاد أن يوقد فيه من غير الخبز فله أن يوقد فيه.
قلت له: فإن كان في جدار البيت كوي أله أن ينتفع به؟ (5/287)
صفحة 1797
قال: نعم.
قلت له: فالبئر أن يستقي منها.
قال: نعم.
قلت له: فإن اشترط جميع هذا عند الإجارة وسعة الانتفاع به؟
قال: نعم، بعد أن اشترط ذلك على صاحب المنزل.
ومن غيره:
مما قيد عن أبي الحسن: أن للساكن في منزل غيره بأجر، أو بغير أجر، مثل ما لرب المنزل من غير ضرر بين في المنزل، وله أن يربط دابته، ويستقي من البئر، ويخبز في التنور، ويوقد النار في الموقد، ويبول ويتغوط وينام، وليس له أن يحدث فيه حدثا إلا برأي رب المنزل، وللمستأجر أن يقفو ما كان يفعل رب المنزل في ذلك المنزل، ولا يحدث فيه موقدا، ولا يحدث فيه تنورا، ولا يعلو فوق ظهره، يعني عالي البيت إلا برأي صاحبه.
وعنه: وسألت عن الساكن في بيت غيره أله أن يكسحه بغير رأي صاحبه وينصحه؟
فأجاز له أن يكسح ما أحدث فيه، ولا يكسح غير ذلك إلا برأيه، ولم يجز له أن ينضحه ولا يكسحه من والجه، ولا من على ظهره إلا برأيه، ولا يوزره، ولا يفري ما فيه من الخروق من على ظهره من قبل أن يأتي الغيث، فإن جاءه الغيث ووقع عليه الضرر جاز له أن يعمله بلا رأيه.
ولم يجز أن يركب عليه بابا إلا برأي صاحبه، وأجاز له أن يركب عليه الصلة ويجددها عليه ويصلحها إذا كانت بغير رأيه، وأجاز له أن (5/288)
صفحة 1798
يوقد في الموقد، ويدق في الموقعة الحجر ويستعمله، ويستعمل من حجارته ما ليس يدخل على الحجارة من عمله ضرر.
وأجاز أن يستعمل الأعذية التي وجدها في البيت، والأوتاد، والكوى الذي في الجدار التي في البيت، ما لم يحدث في البيت والجدار حدثا، ولم يجز للساكن أن يحدث في البيت والجدار حدثا، ولم يجز للساكن أن يحدث في البيت مصلى، ولا يصلح مصلى القديم إن كان قد غاب إلا برأي صاحب البيت.
وأجاز للساكن أن يعلق دلوه وقربته بالنصب التي في البيت لصاحب البيت، مثل نصب الحجر ما لم يكن في ذلك ضرر على صاحب البيت، ولا يحدث في البيت وتدا يوتده في الجدار، ولا يحدث في البيت حدثا لم يكن.
* مسألة:
وعن أبي الحواري: وسألته عن الرجل يكتري المنزل أنه أن ينام فوق ظهر المنزل، ولم يشرط ذلك؟
قال: ليس له ذلك، ولا له أن يوقد في الجدار.
قلت له: فإن كان في البيت تنور أو موقد أيحمم في التنور ويوقد في الموقد؟
قال: أما التنور فلا يخبز فيه إلا برأي صاحب المنزل، وأما الموقد فإن كان موضعا اعتاد أن يوقد فيه غير الخبز فله أن يوقد.
قلت: فإن كان في جدار البيت كوى أله أن ينتفع بهن؟ (5/289)
صفحة 1799
قال: نعم.
قلت له: فالبئر له أن يستقي منها؟
قال: نعم بعد أن يشترط ذلك على صاحب المنزل.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
وإذا سكن رجل رجلا بيتا له؟
فليس له أن ينام على ظهر بيته، وقيل: له ذلك على العادة.
قلت: فإن كان السكان في ذلك الموضع بعضهم ينام على ظهر البيوت في الحر بالليل، وبعضهم لا يفعل لمن يلحق حكم ذلك؟
قال بالأغلب من أمور الناس في ذلك، وما عليه الأكثر ممن هو مثله.
* مسألة:
وسألته عن اليتيم إذا كان له منزل يسكنه خائنا أو لا أعلمه خائنا غير أنه ليس ثقة، وليس لليتيم وكيل ولا وصي، هل يجوز لي أن أدخل على ذلك الساكن في ذلك المنزل؟
قال: نعم.
قلت له: يجوز لي أن آخذ منه ما أعطاني من ذلك المنزل؟ (5/290)
صفحة 1800
قال: نعم.
قلت له: أيجوز لي أن أخبز في تنور ذلك المنزل؟
قال: نعم، ما لم تعلم أنه خائن سكناه في ذلك الموضع.
قلت: انقضى الباب من كتاب بيان الشرع. ومما أضافه إليه المضيف.
ومن غيره مما أضافه غير المؤلف والمضيف إليه رجع إلى كتاب بيان الشرع. (5/291)
صفحة 1801
باب
في السلام ورده
وعمن سلم عليه ظالم فيرد عليه السلام يسعه ذلك أم لا؟
قال: السلام تحية للمسلمين، وقد أمر الله برد التحية مثلها أو أحسن منها، وجائز، وفيه قول، فانظر في ذلك.
* مسألة:
روي عن النبي أنه قال: «السلام تطوّع والرد فريضة».
* مسألة:
ومن جواب أبي الحواري: عمن يرد السلام تسقط ولايته أم لا؟
فالذي عرفنا من قول المسلمين، أن التسليم طاعة، والرد فريضة فإذا لم يرد السلام فقد ترك الفريضة، ومن ترك الفريضة سقطت ولايته، ولا ولاية له.
* مسألة:
رجل مر به صبي غير بالغ فسلم عليه، أيجب عليه رد السلام مثل البالغ إذا سلم أم لا؟
فذلك واجب عليه رد السلام على من حياه بتحية الإسلام بظاهر (5/292)
صفحة 1802
الآية، وسواء حياه مكلف أو غير مكلف، ألا ترى إلى ما قيل في أهل الذمة إذا سلموا على المسلمين أن يردوا عليهم السلام.
* مسألة:
قلت: فواجب عليك رد السلام من البار منهم والفاجر، وهل في ذلك نية، وكذلك بدو السلام منك عليهم؟
فقد قيل: إن التسليم من أهل القبلة على أهل القبلة إلا من خصه أمر منعه ذلك، فقد قيل: إنه من كان على منكر لم يسلم عليه في حينه ذلك، والعاكف عليه ولو كان من أهل القبلة، وأما إذا سلموا عليه فالرد عندي أنه يرد السلام على من يسلم علي، لقول الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا} (النساء:86) مع أن النية في ذلك التسليم، إحياء للسنة، وفي الرد إلى أداء الفريضة على ما قيل، والله أعلم.
* مسألة:
من جامع ابن جعفر وقال: يسلم القليل على الكثير، والصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والماشيان أيهما بدأ بالسلام فهو أفضل.
* مسألة:
ومنه وقيل: إذا سلم الرجل على الجماعة، ورد أحدهم فقد أجزأ عنهم.
وقيل: غير ذلك وهذا أحبّ إليّ. (5/293)
صفحة 1803
* مسألة:
ومنه: وفي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك: «وسلم على أهلك إذا دخلت عليهم يكثر خير بيتك، ولا تسلم على قوم وهم يصلون، ولا على المشركين، فإن سلم مشرك فقال: السلام عليك، فقل: وعليك، فإن الله هو السلام».
* مسألة:
وعن العبيد الغتم وغيرهم يجلسون على الطريق، أو قدام البيوت، ويخطف الناس عليهم، أو تلقاهم في الطريق، هل يلزم التسليم عليهم، ومن لم يفعل ذلك ما يلزمه؟
فلا يلزمه ذلك من طريق اللزوم، فأما أن يسلم عليهم فقد وجدنا ذلك عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة، والله أعلم انظر في ذلك، ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
* مسألة:
وسألت عن رجل يسلم عليه آخر فقال له: سلام عليكم، فقال: وعليكم مثله، هل يكون قد حياه مثل ما حياه؟
قال: معي أنه لم يحيه حتى يقول وعليكم السلام.
قلت: فإن قال: عليكم فكأنه رأى أنه يجزيه.
* مسألة:
وقال: لا تقل سلام الله عليكم، أو سلام الله على فلان إلا للوالي، وأما غيره فتقول عليك وعليه السلام. (5/294)
صفحة 1804
* مسألة:
وعن روح بن رزيق قال: قالوا: يا أبا عبيدة يسلم الرجل على الرجل، فيرد عليه، فيقول وعليك السلام ورحمة الله، وهو لا يتولاه؟
فقال أبو عبيدة: ليس بهذا بأس ولبس، ومن رحمة الله أن ألبسهم العافية ورزقهم وكساهم.
* مسألة:
وعن التسليم على الناس، قال: إن إفشاء السلام على أهل الصلاة، وأما أهل الذمة فلا تبدأهم فإن سلموا عليك فقل: وعليكم.
* مسألة:
ومن بعض الجوابات: وسألت عن الرجل في الصلاة فمر به رجل فسلم عليه أيرد عليه؟
قال: أخبرك أن رده عليه استماعه.
* مسألة:
سألت أبا عبد الله عن الرجل يقول: السلام عليكم ورحمة الله، فأرد عليه أقول وعليكم السلام، هل يجزي ذلك؟
قال: نعم.
* مسألة:
ومن جواب أبي الحواري: وعن السلام أهو فريضة أو نافلة؟ (5/295)
صفحة 1805
فقد قالوا: إن السلام طاعة، والرد فريضة، وقالوا: تسلم على المرأة إذا عرضت، وإن لم تسلم عليها فلا بأس.
وكذلك الصبي، وكذلك المملوك، وأما أهل الريب فإذا رآهم في منكر فلا يسلم عليهم ولا كرامة لهم بل المقت لهم، والإعراض عنهم أولى بهم.
* مسألة:
وعن الذي يجهل التسليم على الناس، ورد السلام والتسليم على نفسه إذا دخل بيتا وهو دائن بجميع ما يلزمه في دين المسلمين، هل يكون سالما إذا لم يسلم على نفسه، أو يسلم على الناس، أو يرد السلام على ما وصفت لك؟
فعلى ما وصلت فالتسليم على الناس من أهل القبلة طاعة، والرد فريضة، وأما ترك الرد فلا عذر له في جهالته، وما ترك السلام متعمدا فهو تارك الطاعة والفضل، وهو كغيره من المضيعين، وإن كان ساهيا أو ناسيا، وليس ذلك اختياره ولا اعتقاده، فإذا ذكر سلم وهو دائن بالجملة من اللازم والناسي، معذور ونرجو أنه سالم.
وأما تسليمه على نفسه وعلى أهله فذلك شيء مع كثير من الناس متروك، ومن صح اعتقاده إلا أنه يسهو ويغفل، وذلك طبعه بلا اعتقاد تضييع وصية الله، وذلك من فعلنا إلا أن يمن الله، فنرجو إذا صدقت توبته إلى ربه أن يغفر خطاياه، ويتجاوز عنه بإحسانه، وينبغي الوصية من الله في كل أمر وعظ به، أو أدب به، أو فريضة أو سنة بالاعتقاد، وتصدق النية بالدينونة لله في كل ذلك، والتوبة إليه من جميع ما ضيع العبد في غفلته وفي اعتقاده وفي خطيئته، وفي كل ما تحرك به حركاته، وسكن عليه سكونه فيما يعلمه أو يجهله من تضييع اللازم، ركوب المحارم واقتراف المآثم. (5/296)
صفحة 1806
فإذا صدق العبد في سريرته، وعلم الله بصدق توبته، نجاه بمنه ورحمته، والله رؤوف رحيم.
* مسألة:
وسألته عن تسليم الناس على المصلي فإذا فرغ قال: عليكم السلام ورحمة الله مرة واحدة ويرد عليهم كل واحد؟
قال: مرة واحدة عليهم كلهم يجزي عنك.
* مسألة:
وسألته عن رجل سلم عله رجل ومضى، فأراد أن يرد عليه كيف يرد؟
قال: معي أنه يرد عليه بقدر ما يسمع من مكانه الذي سلم عليه إن كان حاضرا.
* مسألة:
وسئل عن جماعة مروا في طريق فلقوا إنسانا، على من يجب أن يبدءوا بالسلام منهم؟
قال: معي أنه قيل إن على الأقل يسلم على الأكثر.
قلت له: فالواقف القائم يسلم على الماشي، أو الماشي يسلم على الواقف القائم؟
قال: معي أن الماشي يسلم على الواقف القائم. (5/297)
صفحة 1807
قلت له: فالراكب يسلم على الماشي أو الماشي يسلم على الراكب؟
قال: معي أنه قيل: يسلم الراكب على الماشي.
قلت: فإن كان الراكب واقفا أيهما يسلم؟
قال: معي أن الماشي يسلم على الراكب إذا كان واقفا.
قلت له: أيسلم الحر على العبد، أم العبد يسلم على الحر؟
قال: معي أنه قيل أيهما يسلم لم يكن في ذلك فرق وسبيلهما في السلام كما وصفنا.
* مسألة:
وسئل عن رجل يقول لرجل: فلان يسلم عليك كيف يرد عليه؟
قال: معي أنه قيل: يقول عليك وعليه السلام.
قلت له: وهذا السلام إذا حمله رجل إلى رجل يكون أمامه أم لا؟
قال: معي أنه قد قيل بذلك من غير استثناء فهو عندي بمنزلة الأمانة، ويؤديها متى قدر على ذلك.
فصل
قال أبو سعيد: معي أنه قيل: يكره أن يقول: عليك السلام، يرد بذلك إلا للولي، ولكن يقال: وعليكم السلام يعني بذلك رد التحية والسلام على الحفظة من الملائكة الذين معه، وعلى المسلمين، لأن أفراد السلام إنما خص الله به رسوله وعباده المؤمنين. (5/298)
صفحة 1808
قال سبحانه: {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} وقال: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ} (مريم:15) إلا أنه إن عنى رد السلام والتحية التي أمر الله بها أن يحيي بها من حياه أو أحسن منها على وجه رد التحية، لم يضف عليه، ورحمة الله عندي أمرها أوسع في الحجة من السلام المفرد به المسلم عليه، إلا أن يصرف ذلك إلى شيء يريده من أمر الدنيا دون أمر الآخرة.
* مسألة:
وقيل: إذا سلم الرجل على الجماعة فرد أحدهم فقد أجزأ عنهم، وكذلك إن كان جماعة فسلم أحدهم فقد أجزأ عنهم، وقبل: غير ذلك، وهذا أحب إلي.
* مسألة:
قال أبو عبد الله: إذا سلم عليك من لا تتولاه، أو من أنت واقف عنه، فقل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فلا بأس.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
رجل مر بجماعة فسلم عليهم، فرد السلام صبي فيهم أيكون الفرض قد سقط عن البالغين أم لا؟
لا أرى فرض التحية ساقطا عن المكلفين برد من لا تكليف عليه.
* مسألة:
وعمن يسلم على مصل يصلي يأثم أم لا؟ (5/299)
صفحة 1809
قال: ليس هذا موضع السلام، وإن سلم عليه لم يأثم. رجع.
* مسألة:
رجع إلى كتاب محمد بن جعفر: ولا يسلم على المصلي وهو في الصلاة، فإن سلم عليه مسلم فليحفظ ذلك، فإذا قضى صلاته فيستحب له أن يرد عليه السلام حضر أو لم يحضر.
* مسألة:
من كتاب الأشراف:
اختلف أهل العلم في التسليم على المصلي، فكره عطاء والشعبي وإسحاق بن راهويه، وقال جابر بن عبد الله: لو دخلت على قوم وهم يصلون ما سلمت عليهم، ورخصت فيهم طائفة.
سلم ابن عمر على مصل، وكان مالك لا يكره ذلك، وحكى عنه: أنه لم يكن يعجبه ذلك، وفعل ذلك أحمد بن حنبل.
قال أبو سعيد: عندي يخرج في معاني قول أصحابنا أنهم يكرهون التسليم على المصلي لمعان، لما هو فيه من شغل الصلاة، ولا أعلم في قولهم غير ذلك، ولا يشبه ذلك عندي معنى الحجر، ويشبه معنى الأدب من حسن الأدب أحب إليّ، فإن سلم فجائز عندي ما لم يرد بذلك شيئا يخرج من معاني الطاعة والفضل إلى غيره في إرادته.
* مسألة:
واختلفوا في رد المصلي السلام:
فرخصت طائفة فيه، فممن كان لا يرى بذلك بأسا سعيد بن المسيب والحسن البصري، وقتادة. (5/300)
صفحة 1810
وقال إسحاق: إن فعله تأولا جازت صلاته.
وروينا عن أبي هريرة أنه أمر المصلي برد السلام، وكرهت طائفة ذلك، وكان ابن عمر، وابن عباس، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور لا يرون السلام على المصلي.
وفيه قول ثالث: وهو أن يرد عليه إذا فرغ من صلاته، ويروى هذا القول عن عطاء والنخعي.
وقد روينا عن النخعي قولا رابعا وهو أن يرد في نفسه، وقال النعمان: لا يرد السلام ولا يشر.
قال أبو بكر: وهذا خلاف السنة، وقد أخبر صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على الذين سلموا عليه بالإشارة.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن المصلى لا يرد السلام إذا سلم عليه في صلاته، لأن السلام خارج من معنى الصلاة، وفي قولهم إنه إذا سلم عليه فيؤمر بحفظ ذلك، فإذا قضى صلاته رد على من سلم عليه، ولا أعلم في قولهم أنه يرد في نفسه وهذا ليس بشيء، لأن الرد لا يكون في النفس، وهذا مخالف للسنة بمعنى الرد.
* مسألة:
قلت: والسلام على الناس فريضة أم سنة؟
قال: معي أنه سنة فيما قيل.
قلت له: فالرد فريضة أم سنة؟ (5/301)
صفحة 1811
قال: معي أنه قد قيل إنه فريضة فيما قيل. انقضى الذي من كتاب الأشراف.
قلت له: فأين موضع فرضه من كتاب الله؟
قال: معي أنه قد قيل قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا} (النساء:86).
* مسألة:
فإن سلم عليه فرد أهلا وسهلا، فقد رد على غير ما أمر، قال الله تعالى: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا} فإذا قال بغير ما أمر لم يكن ردا على الأمر.
* مسألة:
ويجوز في رد السلام على الولي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأما بركاته فلا تجوز للمنافق في رد السلام ولا غيره، وإن قيل ذلك على الخبر فجائز، ومعناه أن الله قد بارك له في رزقه.
* مسألة:
فإن قال: السلام على المسلمين، وجب عليه الرد، وعلى المسلمين السلام، ومن سلم على يهودي أو نصراني ولا يعلم فلا بأس عليه.
* مسألة:
وسألته عن رجلين مرا على قوم فسلم أحدهما، هل يجزئ الآخر تسليم هذا؟ (5/302)
صفحة 1812
قال: معي أنه قد قيل يجزئ تسليم أحدهما عن الجميع إذا كانا كذلك مجتمعين.
قلت: وكذلك الرد هو مثل التسليم؟
قال: معي أنه قيل: إنه مثل التسليم من الجماعة، وإنه يجزئ رد الواحد عن الجماعة، وقد قيل: لا يجزئ في الرد الواحد عن الجماعة، وعلى الجماعة أن يردوا، ويعجبني في القاعدين أن يردوا جماعتهم إذا سلم عليهم، ويعجبني في المشاة إذا سلم عليهم أن يجزي رد الواحد لما هم فيه من الشغل.
قلت: فإن سلم عليهم وقالوا له: مرحبا، هل يجزئ ذلك عن التسليم؟
قال: معي أنه قد قيل: لا يجزيهم ذلك.
قلت: فإن قالوا: وعليكم، هل يجزيهم؟
قال: معي أنه قد قيل لا يجزيهم ذلك.
قلت: فرجل مر على قوم وهم بعيدون منه، فرفع يده لهم، هل يجزيه ذلك عن التسليم؟
قال: إذا كان حيث لا يسمعونه أن لو سلم عليهم أجرته الإشارة، وكان ذلك من الفضل، وإظهار البر، وإن كان من حيث يسمعونه فيسلم عليهم، ولا يترك التسليم إلا من عذر، فإنه قيل: يورث الجفاء بين الناس.
قلت: فإن كان يحييهم برفع يده، وعرف أنه لو سلم عليهم لم يسمعوه، وهم مشتغلون، هل يجزيه ذلك؟ (5/303)
صفحة 1813
قال: إذا أشار إليهم بالتسليم لموضع ما عنده أنهم لا يسمعونه لبعد أو شغل كان ذلك كله سواء.
* مسألة:
قال أبو سعيد: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تصافحوا تسلوا ما في قلوبكم»، وقيل أيضا: المصافحة تزيل الأعتاب، وذلك شيء كأنه موجود في القلوب.
وقد يروى عن الصحابة كان الاثنان منهم يتسايران في الجماعة أو الواحد فتفرق بينهما الشجرة، أو الشيء الذي يغيبهما عن بعضهما بعض فيلتقيان عن ذلك الشيء فيتصافحان. (5/304)
صفحة 1814
باب
ذوي المحارم ومن يستحق أن يكون محرما وما أشبه ذلك
ومن كتب محمد بن محبوب التي بعث بها أبو صفرة عرضة أبو صفرة إلى محمد بن محبوب، وسألت عن الرجل، هل يكون محرما لأم امرأته؟
قال: نعم، وهو محرم لها في السفر والحضر، ولا يكون محرما لأخت امرأته لأنها قد تحل له في بعض الحالات.
* مسألة:
وسألته ما تطهر أم امرأة الرجل بين زوج ابنتها؟
قال: تستر محاسنها، فإن ظهر منها قدم أو شعر فلا بأس عليها من ذلك.
ومن الكتاب:
وسألته عن امرأة: هل لها أن تخرج مع ابنها وهو يهودي أو نصراني أو مجوسي؟
قال: هو محرمها لا بأس بخروجها معه، وأما التزويج فليس له أن يزوجها، وليس لها أن تزوج حتى تستأمره وتولى أمرها رجلا من المسلمين.
وكذلك إذا كانت ابنة أخيه، أو بنت ابنه، فهو محرم لهن. انقضى الباب. (5/305)
صفحة 1815
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه:
فيمن زنى بامرأة، هل يكون بناتها من ذوات محارمه بمنزلة ربائية؟
قال: يخرج أنه يحرم عليه نكاحهن، ولا يحل له منهن ما يحل من الربائب، لأن الربائب ثبتت حرمتهن بالحلال لا بالحرام، ولا يثبت الحرام بالحلال، وقد يفسد الحلال الحرام في معنى قولهم
* مسألة:
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه:
ومن مرَّ على امرأة قائمة مستحية سلم عليها ولا بأس بالتسليم بالنساء إذا لقين في الطريق.
* مسألة:
وإذا مر الرجل بالمرأة وهي جالسة على بابها، أو لقيته في الطريق فلم تستر عنه وجهها؟
فلم أر بالسلام عليها بأسا.
* مسألة:
فإن قال لها حياك الله بدلا من رد السلام، وعنى به الرد فقد سلم عليه، لأن التحية هي السلام، ولكن لا يقال لغير مسلم، حياك الله على الإطلاق، وجائز ذلك للولي.
* مسألة:
فإن قال: السلام والرحمة فلا يلزم الرد عليه إلا أن يقول: عليك السلام والرحمة فحينئذ الرد عليه. (5/306)
صفحة 1816
باب
في مصافحة النساء وما يجوز النظر والمس منهن
وما لا يجوز والخلوة بها والمفاكهة بذلك
وسئل عما جاز إليه النظر من المرأة إذا كانت غير ذات محرم، هل يجوز مسه؟
قال: قد قيل في ذلك باختلاف:
قال من قال: ما جاز النظر إليه جاز مسه.
وقال من قال: لا يجوز المس، ويجوز النظر.
قيل له: فما يجوز إليه النظر من المرأة؟
قال: الوجه والكفان.
قلت: فظاهر الكفين مثل باطنهما في هذا؟ قال: قد قيل ذلك، وقيل: إنه مخالف ولا يجوز النظر إليه.
* مسألة:
قال أبو سعيد: نهى الرجل عن الخلوة بالمرأة التي غيرت ذات محرم منه، ثقة كان أو غير ثقة، قال: لأنه قيل: إن القلوب تحيا وتموت.
قيل له: فما تقول في امرأة قالت لرجل ادع لي فلانا، هل له أن يدعوه لها في ليل كان أو نهار؟ (5/307)
صفحة 1817
قال: معي أنه إذا كان في الليل فلا يدعى لها إلا المأمون، إلا أن يكون يدعي إليها إلى جماعة أو موضع لا تلحقهما فيه ريبة ولا خلوة، وكذلك النهار عندي مثل الليل في هذا.
* مسألة:
ومن سيرة منير بن النير: وإدناء الجلابيب على النساء، ورفع الخمر فوق الأذقان، وستر النواصي، وسائر الزينة إلا الوجه والبنان فما وراء ذلك، فهو حرام على من أبداه من النساء، أو نظر إليه من الرجال شهوة، والنطاق من تحت الدرع إلا فقيرة لا تقدر على درع سابغة فلها أن تتزر فوق درعها.
* مسألة:
ونهي النساء عن الجلوس في السكك، والخروج في يوم المطر أو ريح عاصف، ورفع ذيول الرجال، وتقصير أشعارهم إذا سبغت على العواتق، والإنكار على أهل القبلة أن يتشبهوا بهدي أهل الذمة، والإنكار على أهل الذمة أن يتشبهوا بهدي أهل الإسلام، ونهي الرجال أن يبدوا ما فوق الركب.
* مسألة:
قال هاشم بن غيلان: سئل أبو عبيدة عن نساء تهامة ونحوها التي لا يستترن، ويتبرجن؟
فقال: هي مثل الإماء.
فقيل: ذلك لبشير؟
فقال: لا لعمري الإماء مال، فأما الحرائر غض ما استطعت. (5/308)
صفحة 1818
* مسألة:
وسمعنا أنه يجوز إذا كان للرجل ضيف فدعا خادمه أن يغمز رجل ضيفه إذا كان ذا إعياء ما لم يحس الضيف من نفسه شهوة.
* مسألة:
وقال: إذا سقطت المرأة في بئر فلا بأس أن يحملها الرجل ولو كانت عريانة، ويغض عنها بجهده.
قال غيره:
نعم، وإن أمكن أن يلف عليها شيئا من الثياب حتى لا يمسها، ولا ينظر إليها لزمه ذلك.
* مسألة:
وكان أبو سعيد يقرأ كتابا فيه، فقال أبو معاوية: لا ينبغي للمرأة أن تطيب وتخرج من بيتها، ولا ينبغي لها أن تلبس مشهورا، وتخرج من بيتها، وسئل هو عن ذلك؟
فقال: معي هو كذلك إذا كان خروجها لأجل ذلك الطبيب، ولم يكن في حاجة لابد لها منها، فإن كانت حاجة يمكنها تركها إلى وقت يذهب عنها ذلك، أحببت لها تركه إلى وقت يخرج منها ذلك.
* مسألة:
وقال أبو سفيان: لقي جابر امرأة من المسلمين فسلم عليها فوافقها ساعة يكلمها وتكلمه، فلما أراد أن يفترقا فقال: إني أحبك، ثم انطلق غير بعيد، قال ففكر في قوله: إني أحبك، قال: فانصرف إليها فقال لها (5/309)
صفحة 1819
في الله، فقالت: أو يظن الأعور حملت ذلك على غير الحب في الله، أي والله في الله.
* مسألة:
وقيل: لا بأس على من اشتم رائحة الطيب من المرأة، لأن الطيب مباح، وإن عفي عن ذلك فهو أزكى.
* مسألة:
وسألته عن مس المرأة الحرة فوق الثياب تعمدا لشهوة أهو كبيرة أم لا؟
قال: يشبه عندي معاني الكبيرة.
قلت له: فإن مس شعرها من فوق الثياب لشهوة هل يكون ذلك كبيرة من الذنوب؟
قال: هكذا عندي.
* مسألة:
وسئل عما جاز النظر إليه من المرأة إذا كانت غير ذات محرم، هل يجوز مسه؟
قال: قد قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال: ما جاز النظر إليه جاز مسه.
وقال من قال: لا يجوز المس ويجوز النظر.
قيل له: فما يجوز النظر إليه من المرأة؟ (5/310)
صفحة 1820
قال: مثل الوجه والكفين.
قلت له: فظاهر اليدين مثل باطنهما في هذا؟
قال: قد قيل ذلك.
وقيل: إنه مخالف له ولا يجوز النظر إليه.
* مسألة:
وهل للرجل أن يقبل ابنته أو أخته أو أمه أو خالته أو عمته، أو لهن أن يقبلنه؟
فكل ذلك جائز للمحارم من النساء والرجال إذا كان للكرامة والرأفة لغير شهوة.
* مسألة:
وعن النظر للمتبرجات فلا يجوز ذلك النظر إلى المتبرجات من الحرائر، فلا يجوز له أن ينظر إلى ما لا يسعه منها، ولا يحل له، والمتبرجات في الحرمة مثل المستورات.
فمن نظر إلى محرم امرأة متعمدا انتقض وضوؤه متبرجة أو غير متبرجة، وعن المرأة هل يجوز لها أن تبرز للرجال الذين ليس بمحرم؟
فنعم يجوز لها ذلك إذا سترت محارمها.
* مسألة:
وعن الرجل يبرز فخذه؟ (5/311)
صفحة 1821
فقد قيل: إن الفخذ من العورة، كذلك جاءت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد قيل: من أبداه بغير عذر يقع موقع الكبيرة.
وأما الركبة فقد قال من قال: إنها عورة.
وقال من قال: العورة إليها وليس هي من العورة، والله أعلم.
* مسألة:
ومن سيرة الإمام الإمام المهنا بن جيفر إلى معاذ بن حرب، وأما أمر البعولة والزينة فقد نهى الله عن إظهارها وإبدائها إلا للبعولة والآباء والأبناء، فأما البعولة فقد أمرهم، وليس يخرج عليهم النظر إلى أزواجهم من الزينة أو غير ذلك مما لا يحل إظهاره من أحد من الناس إلا لهم.
وأما غير البعولة من ذوي المحارم مثل آباء النساء وآباء بعولتهن وأبنائهن وأبناء بعولتهن أو إخوانهم أو بني إخوانهم أو بني أخواتهن أو أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن، أو التابعين غير أول الإربة من الرجال.
أو يقال: إنهم البله الذين لا عقول لهم، والطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء، فهؤلاء الذين لا تبدي المرأة زينتها من سوار في ساعد، أو دملوج في عضد، أو خلخال في رجل، أو قرط في أذن إلا لهم، فهذا ما أباحه الله تعالى لهن، ولا يسعهن أن يبدين ذلك، ولا يظهرنه إلا لمن سماه الله، وكذلك أشباه هؤلاء من قبل الرضاع، لأن الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ويحل منه ما يحل من النسب». (5/312)
صفحة 1822
وحرم عليهن أن يبدين من زينتهن لغير هؤلاء، إلا ما ظهر من الزينة، فقد جاء الأثر: أن الظاهر من الزينة خاتم في أصبع، أو كحل في عين لا يسعهن أن يظهرن غير ذلك، فهذا ما جاء في ذلك لا يتعدى ولا يرغب عنه إلى غيره إلا جاهل ظالم خارج من الإسلام إلى النفاق، لا إلى الشرك إلا أن يتوب.
* مسألة:
ومن غيره:
وعن قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء} الآية إلى قوله: {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} (النور:60) ما هذه الثياب؟
فقيل: هو الجلباب.
قلت: وكيف تكون هذه المرأة؟
فقال: المرأة الكبيرة التي لا تريد الرجال ولا تراد، وقد انقضت شهوتها منهم.
قلت: فعند من يسعها وضع الجلباب عند الكلام ذلك خاص؟
قال: لا أعلم في ذلك فرقا إلا أنه يعجبني ذلك أن تضعه عند المتهمين وقوله: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} عن وضع الجلباب، والله أعلم.
* مسألة:
وقيل: يجوز أن يقعد الرجل مع المرأة من جيرانه وأرحامه، ولو كانت غير ذات محرم منه ما لم ينظر منها ما لا يجوز له أن ينظر منها، وليس عليه أن يقول لها أن تكون من وراء الباب، أو وراء جدار (5/313)
صفحة 1823
إذا خشي أن يدخل عليها من ذلك مكروه أو مشقة، فإن فعلت هي ذلك فذلك هو حسن أن يكون في خلف جدار أو باب.
* مسألة:
وقيل: يرحب الرجل بالمرأة ولو كانت غير ذات محرم منه من على الثوب، فإن رحب بها أو صافحها من تحت الثوب جاز له ذلك، لأنه يجوز له أن ينظر من المرأة كفها داخله وخارجه إلى الرسغ، وباطن قدمها، ويجوز له أن يمس ذلك منها على التعمد ما لم يحس شهوة.
قيل: وينكر على المرأة إخراج يدها من على الرسغ على الرحم، وغير الرحم ولا يسع ترك الإنكار على الرحم إذا قدر على ذلك، ولكن بالمعروف والرفق من القول، ويريه أنه محسن، ويدعو له، كأنه يريد أن يجوز له أن يدعو له، المعنى لغيره، وذلك في الرحم والجار والصاحب والصديق، وذلك من مكارم الأخلاق، ومكارم الإسلام.
* مسألة:
وقيل: في الرجل يدخل على غير ذات محرم منه من أرحامه أو جيرانه، فتخرج له يدها من أعلى الرسغ أو شيئا مما لا يجوز لها أن تخرجه أنه عليه أن ينكر عليها ذلك، إلا أن يكون يحتمل معه أن معها أنه ذات محرم منها من الرضاعة، فإذا احتمل ذلك معه فليس عليه أن ينكر ذلك عليها، وعليه هو أن يغض عنها حتى يعلم أنها ذات محرم منه.
* مسألة:
وعن مفاكهة الطفل للمرأة، هل يجوز ذلك للمرأة؟
قال: معي أنه إذا أرادت بذلك معنى المفاكهة والتلذذ بالشهوة لم (5/314)
صفحة 1824
يجز ذلك ممنوعا عندي للمرأة وأما الصبي، فإذا لم يكن يعقل فلا يخرج له في ذلك كراهية، وإن كان يعقل كان مكروها له عندي.
وقال: معي أن المرأة ممنوعة من التلذذ والمفاكهة بمعنى قضاء الشهوة والبلوغ إلى ذلك، لمعنى الشهوة وإنزال النطفة إلا من زوجها، كما أن الزوج ممنوع ذلك إلا من زوجته، أو ما ملكت يده، ولو كان ذلك بأنفسهما.
فصل
وسألت عن المرأة المتقية يدخل عليها الرجل الواحد من صديقها؟
فلا بأس.
* مسألة:
قلت: فقوله تعالى: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (الأحزاب:33) هذه مخاطبة للحرائر والإماء أم للحرائر دون الإماء؟
قال: أما تبرج الجاهلية فيدخل على الحرائر والإماء، وأن الجهل لا يجوز، ولا أخلاق الجاهلية التي يستوجبها اسم الجاهلية، وكل مخصوص فيما تعبده الله به.
قلت: وما كان تبرج الجاهلية الذي نهى الله عنه؟
قال: الله أعلم بذلك فيما كان تعبد الله بذلك فخالفوه، وأما ما عرفنا مما يلزم النساء في شريعة دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقال من قال من أهل العلم: إن ذلك ما عدا كف المرأة فصاعدا من يدها ووجهها فهو عورة منها، وإبداؤه لغير عذر تبرج الجاهلية. (5/315)
صفحة 1825
واختلف في ظاهر كفها من قول أصحابنا:
فقال من قال: هو عورة.
وقال من قال: هو تبع لباطنه ويسعها ذلك.
وقالوا في قول الله تبارك وتعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (النور:31)، قالوا: هو الكحل في العين، والخاتم في اليد، والدليل على أن الخاتم في اليد لا يكون إلا من ظاهر وباطن، وما سوى هذا فهو حجر في إبداء الزينة.
وأما الإمام فقد قالوا فيهن بترخيص إخراج الرأس واليدين والرجلين إلى الركبتين.
وقال من قال: إن العورة من السرة إلى الركبة بمنزلة الرجال، فإذا تعدت ما أذن الله بها كانت في دين الله متبرجة تبرج الجاهلية الذي نهى الله عنه، لأن من تعدى سبيل الهدى دخل في سبيل الضلالة والجهل، وقال الله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} (يونس:32) فليس هناك شيء غيرهما.
قلت: فهذه الإباحة للإماء في إخراجها الرأس واليدين والرجلين إلى الركبتين كانت من الكتاب أو السنة، أم أجمعت على هذا فقهاء الأمة؟
قال: لم أعلم أنه قد قيل في ذلك بتفسير هذا في الكتاب بشيء مخصوص، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغنا أن هذا هو المعروف من فعال الإماء في الجاهلية، وفي الإسلام.
فأحسب أن ذلك كان من الحرائر في أول الإسلام إبداء الرأس وكشفه حتى كان من بعض المفسدين في الأرض في المدينة اعتراض الحرائر إذ لا فرق بينهن وبين الإماء، يعرف بذلك، فأمر الله الحرائر (5/316)
صفحة 1826
بإدناء الجلابيب، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} (الأحزاب:59) فقالوا هذا في الحرائر خاصة، وأقرت الإماء على ما هن عليه فرقا بينهن وبين الحرائر، وعلى ذلك مضت سنتهن حتى إنه بلغنا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مضت عليه أمة متجلببة فعلاها بالدرة وقال: تتشبهين بالحرائر ونهاها عن ذلك.
ولم نعلم أن أحدا قال: إن على الإماء ستر رؤوسهن، بل يؤمرون بكشف رؤوسهن لما قد مضى من السنة، ثم إنه جاء الأثر المجتمع عليه، لا نعلم بينهم فيه اختلافا أن كسوتهن ثوب على سيدها، فإن الثوب قميص، بل حكم الجلباب.
وإن كان إزارا بطل حكم الجلباب، ولا يجوز أن يكون جلبابا، لأن في ذلك خلاف السنة، فهذا مما يدل على ثبوت بدو رأسها.
قلت: وهل قال أحد من أهل العلم بإجازة النظر إلى جميع بدنها ما عدا الفرج؟
قال: لا أعلم هذا صحيحا من قولهم، ولعل قد يوجد هذا في الآثار، وهذا لا يستقيم عندي، والله أعلم.
قلت له: فهل يجوز المس منها للرجل، كما يجوز النظر فيه لهم، قال: قد قيل ذلك لغير شهوة إذا كان ذلك لغير معنى.
وقال محمد بن محبوب: من نظر إلى فخذ الأمة المملوكة ورأسها لم ينتقض ذلك وضوؤه.
قال أبو سعيد: معي أنه قد قيل في الأمة إنه من سرتها إلى ركبتها عورة على الرجل وعلى المرأة إلا على سيدها الذي يطؤها أو زوجها. (5/317)
صفحة 1827
* مسألة:
وعن المرأة يقمل رأسها ويوجعها وتخاف المرض، هل لها أن تقصه؟
فمعي أنها إذا خافت الضرر ورجت في ذلك نفعها وفي تركه الضرر رجوت أن يسعها ذلك، ويكره للمرأتين أن تتحدثا على الغائط.
* مسألة:
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب: سألت عن رجل يمد يده إلى امرأة يسلم عليها من تحت الثوب، أيجوز له ذلك أم لا؟
فما نرى بذلك بأسا إلا أن يحس في نفسه شهوة فلا يمد يده إليها، وترك ذلك أحب إليّ ولا أقول إنه حرام.
* مسألة:
وعن المرأة يجوز أن يكون عندها الرجل ينظر بدنها أو يمسه أو يخرج بها إلى سفر؟
قال: لا إلا أن تضع رجلها على رقبته فوق الثوب.
ومن غيره:
يعني إذا أرادت الركوب على رقبته على الراحلة.
قلت: فما يحل النظر إلى المرأة غير ذات محرم؟
قال: الوجه والأصابع.
* مسألة:
وعن قول الله: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء} إلى قوله: {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} (النور:60). ما الثياب؟ (5/318)
صفحة 1828
فزعم العلاء والمسبح والحواري بن محمد وغيرهم الجلباب.
قلت للعلاء ومسبح: كيف تكون تلك المرأة؟
قال: الكبيرة التي لا تريد الرجال، وانقطعت شهوتها منهم.
وقال من قال: التي لم ترد الرجال ولا تراد.
* مسألة:
وعن أبي الحسن: وقال الله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (النور:31) فمن أبدت من النساء زينتها فقد كفرت وارتكبت كبيرة، وتبرئ منها من حينها إذا كان ذلك منها، وهذا إنما تكفر إذا أصرت.
رجل قدم من سفره أله أن يعانق الأم والبنت والأخوات والعمات والخالات ويضمهن إلى نفسه؟
قال: نعم إن شاء إلا أن يريبه من نفسه شيء، وقال: يجوز للرجل أن يمس محارمه من النساء وتمسه.
* مسألة:
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
ونهى أن تدخل المرأة الحمام، قال: قد سمعنا ذلك، لأن هذا موضع التبرج وإبداء العورات، ودخول الرجال، والمرأة مستورة فنهانا عن ذلك.
وقد وجدت في بعض الكتب: أن نساء من الشام دخلن على عائشة فسألتهن فقلن: نحن من الشام، فقالت: لعلكن صاحبات الحمامات، فنكسن رؤوسهن، ودخل عليها نساء من أهل عمان فقربتهن. رجع (5/319)
صفحة 1829
إلى كتاب بيان الشرع من كتاب محمد بن جعفر: والركبة والسرة في الأثر من العورة، فإن أبرزهما رجل لعلة أو لغير علة فلا أبصر عليه بأسا، ولا ينبغي، وليس على من أبصر ذلك من رجل نقض وضوء حتى ينظر الفرج، قيل: إنه كان يدخل على موسى بن علي رحمه الله وسرته بادية.
* مسألة:
وسألته عن النظر إلى وجوه النساء الحرائر التي تستحي والتي لا تستحي أكلهن سواء أم لا؟
قال: معي أنه قيل: إن النظر إلى وجوه النساء مباح إلا لشهوة أو لمعنى ريبة، وسواء عندي كانت ممن تستتر أم ممن لا تستتر إذا قصد إلى معنى المباح.
قلت له: فهل يجوز النظر إلى محاسن النساء المرأة الحرة على العمر والخطأ كله سواء؟
قال: معي أنه لا يجوز النظر إلى محاسنها من مواضع العورات على العمد لشهوة أو لغير شهوة، وقد قيل في اللواتي لا يسترن ما ظهر من مواضع زينتهن، ومعروفات بالتبرج: إن النظر إليهن على غير الاعتماد، والنظر إلى المحارم إلا على معنى ما أباحت من نفسها.
وقال من قال: إنهن كلهن سواء في ذلك إذا كن من الحرائر، وأحسب أنه يروى عن بعض أهل العلم أنه قال: إنما أمرنا أن نغض عمن استتر عنا أو عمن استحيت منا.
* مسألة:
وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (5/320)
صفحة 1830
«العورة من السرة إلى الركبة» وثبت بذلك القول مع المسلمين فيما عرفنا، ثم اختلفوا في السرة:
فقال من قال: إن السرة من العورة.
وقال من قال: إنها ليست من العورة، وإنما العورة من أسفل منها إلى الركبة.
ووجدنا أكثر القول في السرة هذا القول الآخر أنها ليست من العورة، وإنما العورة ما سفل منها إلى الركبة، وأما الركبة فأحسب أن في ذلك اختلافا أيضا:
قال من قال: إنها من العورة.
وقال من قال: إنها ليست من العورة.
وأكثر القول معنا أنها من العورة، ولعل المختلفين في ذلك يذهب كل واحد منهم إلى معنى تأويل به قول النبي صلى الله عليه وسلم: «العورة من السرة إلى الركبة».
وأما من يقول: إنها من العورة فعلته في ذلك قول الله تعالى: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} (المائدة:6) فثبت في عامة قول الفقهاء، ولعل على ذلك الإجماع من المسلمين، أن الكعبين والمرافق داخلة في الوضوء، وقد قال من قال: إن الوضوء إلى المرفقين، وليس المرفقان من حدود الوضوء الداخلة، فوجدنا أكثر عامة قول الفقهاء والمتفقهين يذهبون إلى المرافق والكعبين داخلة في الوضوء.
فلذلك أحببنا أن تكون الركبة من العورة لقول رسول الله صلى الله (5/321)
صفحة 1831
عليه وسلم: «العورة من السرة إلى الركبة»، المعنى في ذلك على تأويل، فمن تأول ذلك يقول: السرة، وشاهد ذلك من كتاب الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} (النساء:2) المعنى في ذلك لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم، ولا يخرج في المعنى إلا على هذا، ولعل من علة من يعتل بأن الركبة ليست من العورة قول الله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} (البقرة:187)، قالوا: فالعلة بالليل هاهنا حد وغاية، إنما العورة إلى الركبة، وليست الركبة من العورة.
وإذا جاءت الأخبار بالاختلاف أمكن من بلي بذلك نظره في ذلك، فما وجد أقرب إلى الحق من الصواب امتثله تقربا إلى الله، والله أعلم.
فكأنا نجد أشبه إلا بهذين المعنيين ما قال عامة الفقهاء: إن الوضوء إلى الكعبين، وإن هذا أشبه بهذه العلة.
* مسألة:
ويكره أن ترفع المرأة ذيلها من عقبها، وأن تعصب رأسها بردائها الذي هو جلبابها.
وأمروا نساءكم بلبس الخمر الصفاف وأن يضربن بها جيوبهن، ثم الجلباب من فوق ذلك عند كل ذي محرم أو ابن أخ، وعند كل داخل، الذين وصف الله، ثم انصحوا لهن في الإسلام، وارفقوا بهن، واستغفروا الله واستعينوا واصبروا على طاعة الله، وكونوا مع المتقين.
* مسألة:
وعن امرأة سباها العدو، هل يجب عليها جلباب؟ (5/322)
صفحة 1832
قال: ما استطاعت فلتستتر حتى تمنع ذلك، فإذا منعت فلا لوم عليها.
* مسألة:
من جواب أبي الحواري: وعن امرأة تجعل جلبابا رقيقا ينظر من ذلك نحرها، أو ما شاء الله من صدرها، فلا يجوز ذلك لها، ولا لمن ينظر إليها، إلا أن يكون ذا محرم منها، فإن فعلت ذلك ونظر إليها الناس فهي آثمة في ذلك منافقة.
وهل يجوز للنساء أن ينظرن إلى أبدان النساء وأرجلهن؟
فنعم يجوز ذلك للنساء أن تنظر المرأة من المرأة من السرة فصاعدا، ومن الركبة فهابطا، ولا يكن لهن التبرج إلا مع أزواجهن.
* مسألة:
ومن صافح ابنة عمه، أو ابنة خاله، أو غيرهن من فوق الثياب، لم تقبض يدها بيدها، وكان باسطا أصابعه جاز له، وقد شدد الفقهاء في ذلك من تحت الثوب، ومس يدها.
ويجوز للشاب مصافحة الشابة إذا كانا واثقين بأنفسهما.
* مسألة:
ولا يجوز للمرأة أن تصافح ذا محرم منها قد عرف بالفسق في فرجه.
وقال أبو عبد الله: إذا كانت لا تخافهم على نفسها فلا بأس، وإن كانت تخافهم فلا تصافحهم، وقد أجازوا في ترحيب الرجل بالمرأة أن يعطيها يده من فوق الثوب إذا كانت امرأة مدبرا، وأما الشابة فلا. (5/323)
صفحة 1833
ولا يرحب الرجل بالمرأة من غير ثوب بين كفيهما، وقيل: لا بأس أن تسكن المرأة مع الأعمى، ولو كان غير ذي محرم منها.
* مسألة:
وسألت أبا سعيد رضيه الله: عن الأمة إذا عتقت، هل يجوز لمن اعتقها أن ترحب به، وأن ينظر إليها سوى النظر إلى العورة أم لا يجوز له، ويكون حكمها في الستر والتبرج حكم الحرة، وهل يلزم من رآها متبرجة أن ينكر عليها كان ذلك الذي أعتقها أو غيره، وتؤمر بما تؤمر به الحرة من الستر أم لا؟
قال: معي أن أحكامها أحكام الحرة في جميع ما يجوز منها، وما يحجر منها، على من أعتقها، وعلى غير من أعتقها، وينكر عليها ما أظهرت من التبرج مما لا يسعها.
قلت له: وكذلك العبد إذا أعتق أحكامه أحكام الحر في جميع ما يجوز منه، وما يحجر منه، على من أعتقه من النساء.
* مسألة:
وذكرت في رجل يرحب بامرأة كبيرة، والمرأة ترى الرجل شبه الولد تلقاه يرحب بها، فيعطيها يده، وليس على يده ثوب، ولا على يد المرأة قلت: هل في ذلك بأس، وإن كان على وضوء، هل عليه نقض وضوئه؟
فعلى ما وصفت فإذا كانت المرأة غير ذات محرم منه بنسب أو رضاع، ورحبت به فلا يضع يده على يدها إلا من على الثوب، فإن مس يدها على غير الثوب وهو على وضوء فيعيد وضوءه.
وقد قيل: إن أبا عبيدة رحمه الله مد يده إلى امرأة يريد أن يرحب (5/324)
صفحة 1834
بها، ولعلها تكون من أهل الفضل المسلمات، وأحسب أنها من الخراسانيات، والله أعلم، أو من غيرهن الحديث، فنحن نساء لا يرحب بنا الرجال على حسب هذا رفع لنا الشيخ أبو الحواري رحمه الله في جوابه.
* مسألة:
وعن المرأة تنظر من الرجل وهو غير ذي محرم منها خلاف السرة إلى الركبة تعمدا أو لشهوة، هل يحرم ذلك عليها؟
فأما حرام فلا نقول: إنها قد ركبت حراما، ولا ينبغي لها أن تملأ عينيها من غير زوجها، ولا من غير ذي محرم منها، لا لشهوة ولا لغير شهوة إلا أن يكون لمعنى لابد لها منه من غير معصية.
* مسألة:
عن أبي الحواري: وعن رجل تزوج امرأة ولها ابنة أخت بالغة، هل يجوز له أن تغمزه الجارية أو يحملها إلى بلد، ويرفعها على الدابة للركوب، وهل يجوز لها أن تواكله وتبرز له؟
فنقول: إن هذا ليس لها بمحرم، لأن نكاحها له حلال إذا بانت منه خالتها، ولا يجوز مسها ولا مسه، ولا يحملها إلى القرى إلا بولي غيره.
وإنما هذا له أربع نسوة، وحرام عليه النساء من بعد ذلك، فلا يجوز له أن يمس امرأة ولا تمسه، وقد لا يجوز له نكاحها في ذلك الوقت، ولا تحل له حتى تبين منه واحدة من نسائه.
وأما المواكلة والمبارزة فلا أرى بذلك بأسا إذا لم ير منها ما لا يحل لغيره منها، ولا يمسه، والله أعلم بالصواب. (5/325)
صفحة 1835
* مسألة:
وسألت محبوبا: عن رجل دخل على امرأة يشتري منها، أو يبيعها شيئا أو يتكلم معها، أو ينظر إليها لا يرد يد بذلك شهوة ولا قبيحا؟
قال: ليس عليه في لك شيء إذا كانت مستترة.
وقال هاشم: ولا يخلو بها فإنه يكره كره ذلك ونهي عنه.
* مسألة:
وكره أن تنزع المرأة الشعر من وجهها ليعرض وجهها أو جبهتها، وقال: إن شاءت نزعت الشعر من لحيتها.
* مسألة:
وقال: يجوز لامرأة الابن تغمز للأب ويخرج الأب الريبة من قلبه.
وقال: لا يجوز لأخت الرجل أن تدهن أخاها.
قال غيره:
يجوز ذلك.
ومن غيره:
امرأة حلقت شعرها بغير مؤامرة زوجها؟
قال: لا يلزمها شيء إلا أنها آثمة فيما صنعت. (5/326)
صفحة 1836
* مسألة:
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما تعدى الكفين من المرأة فصاعدا فهو في النار»، أي ما أبرزت من كفيها فصاعدا في النار.
وهذا الحديث موجب للبراءة إذا فعلت ذلك عند من لا يجوز له النظر إليها على تعمد منها في ذلك، وأحب إلينا أن تستتاب.
* مسألة:
وعن امرأة احتاجت أن ينظر لها رأسها من القمل، ولم يكن عندها بنت ولا خالة ولا عمة، هل يجوز لها أن تقملها امرأة غريبة؟
فنعم يجوز لها أن تنظر لها رأسها امرأة من أهل القبلة، كما قال الله تعالى: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} قيل إنه نساؤهن المسلمات.
* مسألة:
وعمن اغتال إنسانا امرأة أو رجلا، وهو في المطهرة أو في بيته، وتلاوصها وأبصر منها محرما، ثم تاب إلى ربه، يلزمه أن يعرفه ما فعل ويسأله الحل، أم يلزمه سواء؟
فمعي أنه تجزيه التوبة دون الحل، ويستر على نفسه ما ستر الله عليه، ولا يحتاج أن يستحله.
ومن منثورة الشيخ أبي الحسن: وعن الرجل والمرأة، هل يجوز لهما أن يتعريا بخادمهما أو أحد من خدمهما؟ (5/327)
صفحة 1837
قال: لا.
* مسألة:
وعن المرأة لها أن تخرج شعر رأسها أو بدنها بالنساء للغلاية أو غيرها؟
قال: لا لم أر الشيخ يجيز ذلك إلا الوجه والكف.
* مسألة:
عن المرأة التي محرم يحرم وجهها أو بدنها إلى الكفين، ورجليها إلى الكعبين، ولا تستتر وهذا فعلها، وهل يجوز لي النظر إليها على غير شهوة، ولست أستغني عن النظر إليها، وهي لا تستتر مني، ما يجوز لي من النظر إليه منها؟
قال: اعلم أن هذا مما يختلف فيه:
بعض قال: يغض نظره عنها، وعن كل ما لا يحل له متبرجة، أو غير متبرجة.
وبعضهم لم ير للواتي يتبرجن ويخالطن الرجال من الحرمة ما لغيرهن من المستترات، ولم ير بأسا على من نظر إلى شيء من أبدانهن إلا الفرج، وما أحب النظر إليهن على التعمد.
قلت: والنظر إلى الكفين والأثرين ما ظهر منهما وما بطن جائز أم لا؟
قال: الكفان جائز، والأثران فلا يجوز. (5/328)
صفحة 1838
* مسألة:
عن أبي الحواري: وعن امرأة تكون تغسل في الفلج أو على بئر وقد تعدت هل يجوز لأختها أو لابنتها تنزل معها في ذلك الفلج، أو على تلك البئر نهارا تكونان خالعتين ثيابهما أو رجل وأم له، أو رجل وولد له بالغ؟
فعلى ما وصفت، فلا يجوز لأحد أن ينظر إلى عورة أحد على بئر ولا فلج، إلا أن يكون لا ينظر بعضهم على بعض، ولا يبصر بعضهم بعضا، كان الولد بالغا أو غير بالغ، إذا كان عاقلا.
* مسألة:
ولا بأس بالتسليم على النساء إذا لقين في الطريق.
* مسألة:
وسئل عن المرأة الفحلة التي لا تستتر، هل يصلح أن ننظرها؟
قال: إنما أمرنا أن نغض عمن أمر بالاستتار.
قال أبو عبد الله: على الرجل أن يغض عنها وإن لم تستتر، لأن الله قد أمرها بالاستتار.
* مسألة:
وقال هاشم بن غيلان: سألني وارث عن الإماء، هل عليهن الخمار والرداء؟
فقلت: فليس عليهن ذلك، وقد كان سأل غير قبل ذلك فقال مثل قولي، فأنكر ذلك وارث، ثم سألني فقلت له هكذا. (5/329)
صفحة 1839
* مسألة:
ومن كتاب أبي علي: ويقال: ليس على النساء نقاب، ولا بالنظر إلى وجوههن من غير شهوة، ومن نظر لشهوة فليكف ويغض نظره.
* مسألة:
ومما عرض على أبي عبد الله: وعن المرأة تضع جلبابها في ظلمة الليل عند رجل ليس بمحرم منها لها؟
فلا بأس بذلك ما لم يستبن منها شيئا.
* مسألة:
وسئل عن ذيل المرأة؟
قال: كره أن ترفع المرأة ذيلها عن عقبيها، وأن تعصب رأسها بردائها الذي هو جلبابها، ويكره لبس الطيلسان للمرأة.
* مسألة:
وسئل: هل يكره في يوم مطير أن ترفع إزارها ونعليها الخفين؟
قال: نعم، إلا أن تتخذ المرأة خفين واسعين تحشوهما بالصوف يصفان القدمين.
* مسألة:
قال أبو المؤثر: حدثنا الوضاح بن عقبة، فرفع الحديث، أن أبا عبيدة عبد الله بن القاسم جاء إلى سوق الرقيق فضرب بيده على (5/330)
صفحة 1840
يد جارية، وقال: اشتروا باسم الله، يريهم في ذلك الرخصة أنه لا بأس بمسهن.
والذي أقول أنا: لا يجوز مسهن لشهوة، وإن مسهن ليريد أن يشتري فلا بأس، ما لم يكن لشهوة في قلبه بمسهن.
وقد سمعت عن بعض الفقهاء أنه قال: لا بأس بالأمة أن تغمز لغير سيدها -نسخة- مولاها، مثل الرأس والرجلين ما برئ صدره من الشهوة.
* مسألة:
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه:
من بعض جوابات المسلمين، وذكرت أنك وجدت في الأثر: قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يخلون بامرأة لا يملكها إلا من ذي محرم رحم منه، فمن فعل ذلك كان في سخط الله.
قلت: فهذا نهي تحريم، أو نهي أدب.
وقلت: فإن كان أدبا فكيف يكون في سخط الله؟
فإذا صح هذا كان عندي لا يكون أدبا ما عليه في سخط الله، وهذا عندي يخرج في الخلوة في معصية الله من التلذذ والريبة؟
قلت: قالوا: ونهي أن تفاكه المرأة من كان من الناس طفلا، فما حده فإن القلب يرتع أو يعد كثير، قلت فهذا نهي تحريم أو أدب؟
فإذا كان في غير ريبة فهو عندي من الأدب، وإن كان في الريبة فذلك عندي غير أدب. (5/331)
صفحة 1841
قلت: قال: ونهي أن يصغي الرجل إلى حديث امرأة لا يملكها، وإن كان من وراء جدار، فإن زيغ القلب محتضر العقل ومداواته الأجساد، قلت: فهذا نهي تحريم أو نهي أدب وهذا ما كان محرما أو غير محرم؟
فمعي أن هذا يجوز في الجميع على الأدب في غير الريبة والشهوة، وفي التحريم على الريبة والشهوة، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حولوا بين أطفالكم من النساء وعن محادثة الرجال، وحولوا بين أطفال الغلمان وبين محادثة النساء فإن القلوب تحيا وتموت ولو من بعد حين».
قلت: هذا أمر لازم أو أمر أدب، وهذا حال في حديث الأطفال، وذلك عام؟
فمعي أن ذلك في موضع الريب والمسترابين من أطفال المراهقين لازم من المنكرات، وكذلك أطفال الرجال من المسترابات من النساء، وأطفال النساء مع الرجال المسترابين. (5/332)
صفحة 1842
باب
النظر في فروج النساء
وسئل أبو سعيد: عن فروج النساء، هل يجوز الوقوف عليها لمعنى الشهادة لما يحدث فيها من العيوب؟
قال: معي أنه يختلف في ذلك:
فقول: لا يجوز ذلك، ولا القصد إليه إلا من زوج أو سيد يطأ، وما حدث من الأحكام في ذلك فالأيمان بينهم على حكم ما يوجب حكم المدعي، والمدعى عليه.
ومعي أنه قيل: يجوز ذلك إذا أوجب الرأي من أهل العلم لمعنى ذلك من النساء الثقات في دينهن، أو من حكم حاكم بأمر بذلك من يكون له حجة.
قلت له: فعلى قول من يجيز ذلك إذا أوجب النظر من أهل العلم، هل تجزي شهادة الواحدة من النساء في ذلك؟
قال: معي أنه إذا كان على معنى الشهادة فقد قيل تجزي واحدة إذا كان لا يطلع عليه إلا النساء مثل المرضعة والقابلة، وقيل: لا تجزي إلا شهادة الاثنين، إذ لا تجوز الشهادة إلا من شاهدين، وأقام المرأة مقام الرجل فيما لا يجوز شهادتهما فيه.
وقيل: لا تجوز إلا من أربع لا يقيم كل اثنين عن شاهد إذا كان شهادة النساء امرأتين عن رجل. (5/333)
صفحة 1843
باب
في التجرد
وجائز التجرد للرجل بين يدي من لا يرى ذلك قبيحا، ولا إثم عليه، ولو تجرد عند من لا يعقل فهو آثم، ولو كان ميتا ولو أنه تجرد بين يدي مجنون لم يكن أيضا بأس إذا كان زائل العقل.
* مسألة:
ولا نرى يجوز للرجل أن يصيب عليه الماء جارية امرأته إذا اغتسل، لأنه لا يتجرد الرجل إلا عند امرأته أو جاريته.
ولا يتجرد الرجل عند من يراه قبيحا ولو كان ميتا.
* مسألة:
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتصب الرجل عريانا ليتناول ثوبه، أو لغير ثوبه، ليلا كان أو نهارا قال هذا أدب.
* مسألة:
ونهي عن التعري بالليل والنهار، قال: معنى هذا أن يظهر عورته للناس نهارا أو ليلا في النار، وأما في الظلام وحيث لا يراه الناس فليس ذلك بتحريم، ولكنه نهي تأديب، لأنه قيل له: يا رسول الله عورتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يراها».
فقال السائل: إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: «فالله أحق أن يستحى منه»، فهو تأديب وبحضرة الناس حيث يرونه تحريم. (5/334)
صفحة 1844
وقد قيل: إنه قال: «استر عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك».
ومن جواب أبي الحواري: وعن رجل ضعف يعمل للناس، فإذا طلع النخل اشتد ثوبه حتى تبرز ركبتاه أو فخذه فلا يجوز له ذلك إلا في موضع لا يراه أحد من الناس، ولا عذر له في بروز ركبتيه أو فخذه عن الطلوع، ولا في العمل.
قال غيره:
الفخذ عندنا من العورة، كذلك جاءت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قيل: إن أبداه من غير عذر يقع موقع الكبيرة.
وأما الركبة فقد قال من قال: إنها عورة.
وقال من قال: العورة إليها وليس هي من العورة، والله أعلم.
* مسألة:
قال أبو سعيد: يجوز للرجل أن يتعرى من ضرورة إذا آذاه الحر إذا لم يكن عنده من لا يجوز النظر إليه، وقال: إنه نهي عنه على غير الضرورة نهي أدب.
* مسألة:
وموضعان لا بأس على الرجل أن يتجرد فيهما: عند سريته وزوجته.
قال غيره:
إن تجرد عندهما أو عند أحدهما فلا بأس. (5/335)
صفحة 1845
* مسألة:
وذكرت أنه سئل موسى، هل يصب الغلام على مولاه في النهار؟
قال: نعم.
وقلت: هل يطليه؟
قال: نعم. وبلغنا أن غيره كره ذلك، والله أعلم.
* مسألة:
ومن كتاب الأشراف:
قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن ما يجب ستره في الصلاة: القبل والدبر، واختلفوا فيما سوى ذلك، وكان الشافعي وأبو ثور يقولان: عورة الرجل من سرته إلى ركبته، وليست سرته ولا ركبتاه من عورته.
وقال عطاء: الركبة من العورة.
وقالت فرقة: ليست بعورة من الرجل الذي تحت سرته إلا القبل والدبر. (5/336)
صفحة 1846
قال أبو بكر: وأجمع أهل العلم على القول الأول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج بمعاني الاتفاق من قول أصحابنا أن على الرجل أن يستر في الصلاة من سرته إلى ركبته إلا من عذر لا يطيق ذلك، ومعي أنه يصح في قولهم معنى الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العورة من السرة إلى الركبة» ومعي: أنه يختلف من قولهم العورة في السرة والركبة مع اتفاقهم أن ما بينهما عورة.
وقال من قال: ما كان بينهما من العورة.
وقال من قال: ليستا من العورة، وإنما العورة ما قيل في: من السرة إلى الركبة.
وقال من قال: الركبة من العورة وليست السرة من العورة، لقوله: «من السرة إلى الركبة»، فيخرج في معنى القول في السرة مع الركبة كما قال تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} (المائدة:6).
وقال من قال: المرفقان والكعبان مما عليه الغسل.
وقال من قال: لا غسل عليهما.
* مسألة:
وسألت عن العبيد والحبش وغيرهم المماليك وغير المماليك أحكمهم في الستر والنظر إليهم وهم عراة؟
وقال: نعم في النظر إلى عوراتهم. ومن نظر إلى عوراتهم كمن نظر إلى عورات الأحرار، وإنما العورات المأمور بسترها فلا تحل من الذكور والإناث. (5/337)
صفحة 1847
* مسألة:
وسئل أبو عبد الله: هل يجو للمرأة أن تصب عليها جارتها الماء أو أمها وهي عريانة، أو ابنتها أو أختها، وكذلك الرجل؟
فلا يجوز للرجل ولا للمرأة إلا أن يكون على الرجل أو على المرأة ميزر يستر به عورته، لأنه قد جاء الأثر: أنه لا يجوز أن يتجرد الرجل إلا مع زوجته أو سريته، ولا يجوز للمرأة أن تتجرد إلا مع زوجها، والتجرد معنا ترك ستر العورة من اللباس بقدر ما يستر به العورة بينهما.
قلت: فإن قال الرجل لوالدته: صبي عليَّ الماء وهو متجرد، ويقول غضي مني؟
فلا يجوز ذلك إلا في الليل، ولا أرى بذلك بأسا في الليل، ومن لم يخش من نفسه سواء.
هاشم بن غيلان: وعن الرجل يمرض أبوه أو ابنه ولا يقدر على الاستنجاء أيتولى منه ذلك؟
قال: نعم.
* مسألة:
من الزيادة المضافة:
قال الشيخ أبو محمد، قال الشيخ أبو مالك: وقد كنا تذاكرنا في الرجل يصب عليه غلامه الماء بالنهار متجردا، فقال سليمان بن سعيد: إنه جائز، قال: فسألنا عن ذلك عبد الله بن محمد بن محبوب رحمه الله فلم ير ذلك، فروى له إبراهيم بن حجاج العوتبي، عن المفضل بن عمر، (5/338)
صفحة 1848
عن ابنه عمر بن المفضل، أنه كان له غلام علج يصب عليه وهو متجرد، فقال له أبو عبد الله: بالنهار؟ قال أبو معاوية: وكنا نظر أن ذلك لا يجوز حتى وجدنا إجازته في الأثر عن موسى بن أبي جابر.
قال الشيخ أبو محمد: الذي ذكره سليمان بن سعيد من إجازة ذلك يحتمل أن يكون في الليل دون النهار، وكذلك ما رواه أبو معاوية مما ذكر أنه وجده في الأثر عن موسى بن أبي جابر، لأن الخبرين لم يذكرا الليل من دون النهار، ولا النهار من دون الليل. والله أعلم. (5/339)
صفحة 1849
قال المحقق
تم ما وجدته من الجزء الخامس في الزهد والتوبة، وفضائل الأعمال والسنن، من كتاب بيان الشرع، ويتلوه الجزء السادس في النية وفي مسائل السفر، وراكب البحر، وأحكام الجبابرة من كتاب بيان الشرع.
يوم الاثنين الثالث عشر من شهر ذي القعدة سنة 1403هـ
الثاني والعشرون من شهر أغسطس سنة 1983م
وقد عرضناه على نسختين:
الأولى بخط راشد بن عبد الله بن سعيد الفليتي انتهى منها عام 1076 معروضة على الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي.
والثانية بخط الشيخ ناصر بن بخيت بن حريز الرحبي فرغ منها عام 1313هجرية.
وكتبه سالم بن حمد بن سليمان الحارثي (5/340)
صفحة 1850
الفهرس
الصفحة
كلمة المحقق ... 5
باب في الاستغفار ... 7
باب في قبول التوبة في الحكم ... 9
باب في قبول التوبة في الحكم أيضا ... 13
باب في التوبة ... 22
باب في توبة الإمام راشد بن علي ... 51
باب في التوبة والإصرار ... 57
باب فيمن فعل طاعة وهو مقيم على معصية وفي الطاعة والمعصية والشرك وما يجب على
من فعل المعصية وما أشبه ذلك ... 71
باب في الشعر والشاعر ... 76
باب القول في ذنوب الأنبياء والملائكة ... 77
باب في ذنوب الأنبياء عليهم السلام ... 97
باب في أخبار المسلمين وفضائلهم وما أشبه ذلك ... 100
باب في الروايات عن الملائكة عليهم السلام ... 118
باب في توديع الملائكة عليهم السلام ... 119
باب في الورع ... 120
باب في الزهد والزهاد ... 122
باب في صفة ابتداء الدخول في الزهد ... 125 (5/341)
صفحة 1851
باب زهد النبي صلى الله عليه وسلم ... 131
باب في فضائل الذكر ... 133
باب في الذكر ... 139
باب في أي الأعمال أفضل ... 142
باب فيما أفضل عمل السر من الجهر أفضل أو الصدقة وأشباه ذلك ... 144
باب في الفكرة وفضلها ... 147
باب في أخبار قس بن ساعدة الإيادي ... 150
باب في المواعظ والوصايا والحكم ... 156
باب فيما يرجى معه زوال الفقر وحدوث الغنى ... 166
باب فيما يرجى به إجابة الدعاء ... 168
باب في الرجاء من الله وحسن الظن به ... 174
باب في البعث والحساب والجنة والنار ... 175
باب في الروايات وذكر صفات الأبدال وعلاماتهم ... 178
باب للروايات في الغضب ... 180
باب فيما يورث قساوة القلب ... 182
باب روايات في معاني شتى ... 183
باب في الطيب ... 188
باب في الزينة للرجال ... 190
باب في الحرير والديباج والخز والثياب وما يجوز لبسه ... 192 (5/342)
صفحة 1852
باب الانتفاع بالأواني ... 195
باب في مسائل منثورة ... 199
باب في السنن ... 204
باب في التواضع ... 205
باب في نتف الإبط وأخذ الشارب واللحية وسائر الشعر ... 208
باب في الختان ... 221
باب في السواك ... 227
باب في الجار وابن السبيل ... 229
باب في حد وجوب صلة الأرحام ... 246
باب من كتاب المعتبر: في ذكر معنى بر الوالدين والإحسان وصلة الأرحام ونحوه 252
باب في صلة النساء أرحامهن ... 257
باب في دخول المنازل وفي سكن المنازل مع من يجوز له السكن معه
والنظر في المنازل ونحو ذلك ... 262
باب في تحية أهل الذمة والسلام عليهم والمصافحة وكناياتهم ومخاطبتهم
وما يجوز من ذلك وما لا يجوز ... 276
باب الاستئذان في دخول المنازل ... 280
باب في التسليم على النفس والأهل عند دخول المنازل ... 285
باب فيمن يدخل على ساكن في منزل غيره وما يجوز للمكتري ... 287
باب في السلام ورده ... 292 (5/343)
صفحة 1853
باب ذوي المحارم ومن يستحق أن يكون محرما وما أشبه ذلك ... 305
باب في مصافحة النساء وما يجوز النظر والمس منهن وما لا يجوز
والخلوة بها والمفاكهة بذلك ... 307
باب النظر في فروج النساء ... 333
باب في التجرد ... 334
رقم الإيداع: 5900 لسنة 1984
مطابع سجل العرب (5/344)
صفحة 1854
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء السادس
1404هـ/1984م (6/1)
صفحة 1855
[صفحة 2 بيضاء] (6/2)
صفحة 1856
[صفحة 3 بيضاء] (6/3)
صفحة 1857
[صفحة 4 بيضاء] (6/4)
صفحة 1858
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء السادس
1404 - 1984م (6/5)
صفحة 1859
[صفحة بيضاء] (6/6)
صفحة 1860
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الأول
في الاعتقادات مؤلف من آثار المسلمين
ألفه الناسخ أقرب للمطالعة وأسرع للحفظ
وعن الشيخ محمد بن سليمان العيني في اعتقاد النية على الجملة يقول من أراد أن يعتقد النية جملة: اللهم إني قد نويت واعتقدت في مقامي هذا في ساعتي هذه أن كل صلاة صليتها، وفريضة فعلتها من جميع الفرائض، أو صوم صمته، أو عطية أعطيتها، أو نفقة أنفقتها، أو صدقة تصدقت بها، أو ذكر لله تعالى ذكرته، أو قول قلته، أو فعل فعلته، أو خروج خرجته، أو حركة تحركتها كانت في قيام أو قعود أو مشي في حاجة أو غير حاجة، أو ضيافة أو نظر أو سمع أو أكل أو شرب أو جماع، أو نوم، أو أمر، أو نهي، أو تغافل عن لازم، أو استحباب، أو غير ذلك من جميع ما أمر الله عز وجل به ورسوله في جميع العبادات، وسائر الطاعات من فرض وسنة وندب، واستحباب وأدب وغير ذلك، وقد اعتقدت ونويت أنه ما كان منه فرض فهو أداء للفرض طاعة لله وقربة، وما كان سوى ذلك من سنة ونافلة وغير ذلك فيما قد ذكرته وشرطته أو لم أذكره في اعتقادي هذا فهو قربة لله تعالى، فيه يوجب عقابا وما كان غير ذلك مما فيه يوجب حسابا فأنا تائب إلى الله سبحانه وتعالى منه وداخل في اعتقادي كنت ذاكرا لهذه النية عند مباشرتي لكل ما ذكرته في هذه النية والاعتقاد لها أو كنت ناسيا أو ساهيا، أو في حال غفلة مني أو اشتغال فقد اعتقدت النية على ما كان أو يكون مني في دار الدنيا إلى انقطاع عملي وانقضاء أجلي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (6/7)
صفحة 1861
اعتقاد دينونة: وجدتها يذكر أنها بخط الشيخ محمد عبد الله بن مداد: اللهم إن يكن الندم توبة فأنا أول النادمين، وإن يكن الترك إنابة فأنا أول المنيبين، وإن يكن الاستغفار من الذنب خطأ فأنا لك من المستغفرين، اللهم إني أنا عبدك المسيء الظالم العواد بالخطايا والذنوب وأنت ربنا الرؤوف الرحيم، العواد بالفضل والعطايا أبلغ من خطئي أن لا يسعني حلمك، وأبلغ من عذري أن لا يسعني عفوك، اللهم هل ينتصر الضعيف إلا بالقوي، وهل يستجير الفقير إلا بالغني، غرني حلمك فتعدلت وتعودت فضلك فاحترفت، فارحمني يا مولاي فأنا فقير إلى رحمتك فلا تمقتني بترك طاعتك فأنت الغني عن طاعة عبادك.
يا رب أنا العاجز المعصي الظالم المسيء لا تعاجلني بالعقوبة فإني لأعذك أني عصيتك وكفاني عقوبة إخلاق وجهي عندك فإنك راء على ما كرهت مني فلا تؤاخذني يا مولاي دينونة أخرى، اللهم كل مال أو دم أو فرج أو غير ذلك ارتكبته وهو باق في ملكي أو خارج منه ثم نسيت وكيف كان ركوبي له فأنا دائن بالتوبة منه، ودائن بتركه، ودائن بأدائه إلى أهله متى صح علم حرامه وعلمت وقدرت على الخلاص منه، وإن شئت قلدتني علمت أن ذلك حرام.
فصل: عن أحمد بن محمد بن صالح رحمه الله فيمن كانت عنده أمانة ليتيم أو غيره ثم هلك ولم يعلم له وارثا ورجع إلى حكم الأمانة أن تفرق على الفقراء أو كان قد تعلق شيء من الأمانة على المؤتمن في الذمة، اللهم اعتقادي في جميع ما فرقته على الفقراء من مال فلان بن فلان صدقة عنه وخلاصا لي واتباعا في ذلك لقبول الرخصة على اعتقاد ودينونة مني لك متى قامت علي حجة حق لوارثه بأداء ماله من مالي هذا إن اختار الغرم فإن كان قد صار شيء من هذا المال في الدية أو كان عليه أرش من بدنه كان هذا الاعتقاد بعينه غير أنه يكون قضاء عن نفسه وصدقة عنه. تم ما وجدته من هذا المعنى لفظ إقرار وعقيدة ودينونة.
بسم الله الرحمن الرحيم
أقر عندنا فلان بن فلان وهو بمكان كذا وكذا وأشهدنا على نفسه في صحة عقله وبدنه وجواز أمره وفعله طائعا متبرعا أن عليه ضمانا لمن لا يعرفه ولمن يعرفه ولا يعرف مكانه أو عرف مكانه وعجز عن التوصل إليه مما يلزمه عند الله تعالى من الأروش والحقوق التي تثبت عليه بفعله فيمن لا يجوز له أن يفعل فيه ذلك ويلزمه (6/8)
صفحة 1862
أداؤه عند الله تعالى إلى مستحقه وعلى ما يلزم في قول المسلمين وخفي عليه الأمر في ذلك واعتقد الدينونة بأداء ما يلزمه من ذلك إلى أربابه والخلاص منه إليهم في قلته وكثرته.
وكذلك قد لحقه ضمان ممن لا يعرفه من جهة العقور التي قال المسلمون بها على من فعل ذلك ووطئ من لا يجوز له وطؤه بقهر أو بمطاوعة ممن لا تكون مطاوعته حجة عليه وألزمه الخلاص من ذلك إلى من لزمه له ودان لله تعالى بتسليم ما لزمه على ما يجب ويلزم في قول المسلمين الذين هم حجة عند الله أنه قد احتاط على نفسه لمن استحق ذلك عليه ووجب عليه من الأروش والعقور والحقوق بكذا وكذا درهما فضة، وأن يفرق عنه ذلك من ماله بعد موته على الفقراء الذين هم مستحقون لذلك في قول المسلمين مع الدينونة به فيه بتسليم ما وجب عليه من ذلك إلى مستحقه عند القدرة منه على ذلك ومعرفته بذلك.
أشهد الله تعالى على نفسه والشهود المسلمين في آخر هذا الكتاب وذلك بعد أن قرئ عليه جميع ذلك فأقر بفهمه ومعرفة ما فيه حرفا حرفا كله، وألزمه نفسه طالبا راغبا كان ذلك ثابتا أو غير ثابت، وذلك في يوم كذا وكذا لليلة بقيت من الشهر الفلاني من شهور سنة كذا وكذا وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم والحمد لله وحده.
ويروى عن خلف بن زياد قال: فيما يجب على العبد من اعتقاد النيات مع الأعمال فقال: لا تذهب أعمالكم بينكم وبين الله هباء أو ضياعا بترك النيات، فينبغي للمؤمن أن يعتقد في نيته أن تكون أعماله كلها لله يصرفها لله حيث شاء، وأنه دائن لله في كل ما وافق من المعاصي التوبة فيثاب على ما وافق من طاعة وينفعه هذا الاعتقاد للتوبة ما وافق من معصية إذا لم يعرف أنه وافق المعصية فينفعه هذا الاعتقاد في الجملة إلا أن يعلم بالمعصية فيتوب منها إلا أن يتعلق عليه شيء من حقوق العباد ويذكره فعليه الخلاص منه.
وأما إذا نسيه أجزته التوبة في الجملة لفظ اعتقاد من كتاب التقييد: "اللهم نيتي واعتقادي في كل طاعة مننت بها علي ووفقتني لها من صلاة أو زكاة أو صيام أو حج أو جهاد أو صلة رحم أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو بعلم حلال أو حرام، أو صدقة أو ضيافة، أو طلب رزق أو غير ذلك من جميع المفترضات، أو المباح ذكرت ذلك أو نسيته، أداء لما فرضت علي طاعة لك ولرسولك محمد عليه أفضل الصلاة والسلام". (6/9)
صفحة 1863
دينونة واعتقاد: عن عثمان بن أبي عبد الله الأصم: أنا أستغفر الله تعالى ودائن إليه من جميع ذنوبي كلها ما علمت منها وما لم أعلم، أنا أستغفر الله وتائب إليه من كل قول وعمل ونية خالفت في ذلك أو في شيء منه الحق والصواب، وديني في جميع الأشياء كلها دين الله ودين رسوله ودين أهل الاستقامة من أمته، وأتولى الله ورسوله والمسلمين، وأبرأ ممن برئ منه الله ورسوله والمسلمون، وديني في جميع الأشياء كلها دين الله ودين رسوله - صلى الله عليه وسلم - ودين أهل الاستقامة من أمته.
اعتقاد في توحيد الباري: إنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وتنفى عنه صفات المخلوقين أجمع، فإذا قالوا هذا بألسنتهم واعتقدوه بقلوبهم فقد سلموا عند الله يوم القيامة إن شاء الله تعالى.
ونضيف إلى ذلك: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن ما جاء به محمد بن عبد الله مجملا ومفسرا فهو الحق المبين، كما جاء به ولا شك في ذلك ولا ريب.
اعتقاد في البعث: أن يعتقد العبد أن الله تعالى لما خلق الخلق وابتدأهم من لا شيء اخترعا كذلك، قادر أن يعيدهم وهم رميم فيجزي المكلفين منهم كل نفس بما كسبت من جميع المكلفين من الجن والإنس أجمعين، والله تعالى يحشر كل ذوي روح من الملائكة والبشر والجن والدواب والطير والهوام.
اعتقاد الجملة: وتفسير قول الله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} (النحل:60)، وجدته بخط الشيخ محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرح يرفعه عن الشيخ عمر بن أحمد بن معد، وعن قول الله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} هو قول: لا إله إلا الله، هي المثل الأعلى، وهي الجملة التي إذا أقر بها ثبت له جميع دين الله كله، ويثبت له الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله، وثبت له التصديق بوعد الله ووعيده، وثبت له توحيد الله، وثبت له ولاية جميع أولياء الله كلهم من الملائكة، والنبيين والأئمة والرعايا والإنس والجن وغيرهم من جميع الخلق، وثبت له البراءة من جميع أعداء الله كلهم من المشركين والمنافقين، وأئمة أعداء الله من المشركين والمنافقين الذين حاربوا أنبياء الله، وحاربوا الأئمة المقربين بأنبياء الله من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وثبت له كل شيء من دين الله مما ذكرته، ومما لم أذكره، وكان المقر بالجملة وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن (6/10)
صفحة 1864
ما جاء به محمد فهو الحق، فهذه هي الجملة التي إذا أقر بها الإنسان كان مؤمنا مسلما، سعيدا عالما سالما، وواسعا له جهل جميع دين الله كله حتى يتعبده الله بشيء منه ثم لا يسعه جهله، وليس عليه بالسؤال عن معرفته شيء من دين الله بعينه ما لم يتعبده الله به فيجهله، إلا أنه قد قيل أن عليه أن يعتقد الدينونة بالسؤال عن جميع ما تلزمه الدينونة بالسؤال عنه في دين الله أو دين محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو دين المسلمين، أو دين الله ودين النبي، ودين المسلمين، بأي وجه اهتدى كذلك إذا خطر بقلبه أنه يجد من يدله، وقد قيل: إن دين الله كله يرجع إلى أصلين: أصل يسع جهله، وهو جميع ما لم يتعبده الله من دينه دينه، وكل شيء وسعه جهله طرفة عين وسعه جهله إلى أن يموت، ما لم تأت عليه حالة تعبده الله فيها من عمل أو علم أو ترك، أو وصية، أو قول، أو غير ذلك، وإذا أتت
عليه حالة تعبده الله به فيها فعليه القيام بما تعبده الله به منه، وقد قيل: إن دين الله كله راجع إلى ثلاثة أصول: علم وعمل وترك، وعندي أن القائل بهذا يدخل الإقرار والنيات في هذه الأصول.
مسألة: من كتاب بيان الشرع وما تكلم به المتكلم مما يعتقده دينا فله أن يقول: إني أستغفر الله منه إن كان خطأ إذا كان إنما قاله برأيه ومنه.
مسألة: وأما إذا تاب منه في شريطته إن كان تلزمه منه التوبة في الجملة فقد تاب من ذلك ويجزيه ذلك عن توبته منه بعينه إذا علم بذلك ما لم يكن مقيما عليه بدين في نيته وإرادته.
مسألة: وكذلك لو خطر بباله شيء مما يدين به فشك فيه فرجع عن العزيمة إلى الدينونة به فتاب منه إن كان قد دان فيه بضلال أو لم يتبين خطأ ما دخل فيه فيتوب منه بعينه إلا أنه شك فيه فتاب منه على هذه الجملة وهذه الصفة، وكان مما يسع جهل معرفة صوابه وخطئه من الدين، ومما لا تقوم فيه الحجة إلا بالسماع، كان هذا عندي ضربا من التوبة للمستحل إذا لم يكن أتى في دينونته تلك في ذلك الشيء أمر يلزمه فيه أكثر من التوبة، فإن بان له خطأ ما أتى تاب منه بعينه، وخطأ ما أتى مما كان يصوبه أو صوب ما كان يخطئه عن الصواب بعينه إذا بان ذلك، فإذا رجع عن الدينونة فيه ووقف عما دخل فيه وتاب من ذلك إن كان قد أخطأ فيه فلم يبن عليه دينونة.
سؤال: عن ذلك إذا لم يلزمه في ذلك إلا التوبة.
قلت: له سواء كان هذا الذي لم قد لزمه الحق لأحد من الناس فقصر في (6/11)
صفحة 1865
الخلاص من ذلك وهو يقدر على صاحب الحق غائبا إلا أنه يأمل الخروج إليه أم بينهما فرق، قال: معي أنه سواء إذا كان دائنا بأداء ما يلزمه في ذلك ولم يضيع شيئا مما يقدر عليه مما يلزمه، ولا يبين لي أن يكون دائنا في توانيه وتقصيره ذلك عاصيا إلا أن يطلب إليه ذلك فيلزمه فيه أو تقوم عليه الحجة والفضيلة التي لا يثبت عليه ولا يقبل. (6/12)
صفحة 1866
الباب الثاني
من غير الكتاب
من غير الكتاب وأحسبه عن الشيخ أبي محمد رحمه الله، وإذا أراد الإنسان أن يتطهر للصلاة فيعتقد في نفسه النية قبل أن يتمضمض أنه لصلاة كذا وكذا وإن قال بلسانه الساعة لصلاة كذا وكذا فحسن، وإذا قام يتطهر للجنابة يقول أتطهر لغسل الجنابة طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإذا نوى لغسل الجنابة فإنه يقول: أغتسل من الجنابة فريضة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومن لم يجد ماء ولا ترابا نوى الطهارة في نفسه وصلى، وقال آخرون: ينوي التيمم ويصلي، وليس على المتيمم أن ينوي بالتيمم فريضة ولا صلاة تطوع، ولكن ينوي به طهارة للصلاة أو لرفع الحدث، وإذا أراد المصلي أن ينوي لصلاته فإنه يقول: أصلي في مقامي هذا الفريضة التي افترضها الله عليّ وهي صلاة كذا وكذا ركعة إلى الكعبة فريضة لله ولرسوله.
فإذا أراد أن المؤذن أن يقيم للصلاة ويعتقد الإقامة في صلاته فإنه ينوي أن يقيم لصلاة الجماعة التي أعتقد أن يصلي بها ما كانت الصلوات، فإذا أراد الإمام أن يصلي بمن خلفه من الجماعة صلاة الجمعة أو غيرها فإنه ينوي ويقول: أصلي الفريضة التي افترضها الله عليّ وهي صلاة الجمعة أو غيرها كذا وكذا ركعة إلى الكعبة فريضة، طاعة لله ولرسوله إماماً لمن يصلي بصلاتي ولمن يأتي.
وأما المأموم فإنه ينوي ويقول: أؤدي الفريضة التي افترضها الله عليّ وهي صلاة الجمعة أو غيرها بصلاة الإمام إذا كان وليا، وإن كان غير ولي نوى أن يصلي بصلاة الجماعة، والمسافر ينوي في صلاة الجمعة وغيرها من الصلوات أنه يصلي بصلاة الإمام.
وإذا أراد المسافر تأخير الصلاة الأولى إلى الآخرة في السفر فإنه يقول: قد أخرت صلاة الظهر الحاضرة إلى صلاة العصر الآخرة اقتداء برسولك، وإحياء لسنتك واتباعا لرخصتك وقبولا للحق، وإذا حضرته الأولى وهو في حال السفر وأراد أن يصلي (6/13)
صفحة 1867
الظهر في وقتها ويجر إليها صلاة العصر فإنه يقول: أصلي في مقامي هذا صلاة الظهر الحاضرة ركعتين وأضيف أو أجر إليها فريضة صلاة العصر الآخرة أصليهما جمعا صلاتي سفر إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله، وإذا نوى تأخيرها وصلاها وقت الآخرة يقول: أصلي في مقامي هذا فريضة صلاة الظهر الفائتة ركعتين وأضيفها إلى صلاة العصر الحاضرة، أصليهما جمعا صلاتي سفر إلى الكعبة الفريضة طاعة لله ولرسوله، ويقدم الأولى، وكذلك في صلاة المغرب والعشاء الآخرة على هذه الصفة والله أعلم.
وأما إذا أراد الإمام أن ينوي في صلاة الجنازة بمن خلفه فإنه يقول: أصلي على الجنازة صلاة السنة التي أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إماما بمن يصلي بصلاتي أربع تكبيرات إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وينوي المأموم، ويقول: أصلي على هذا الميت صلاة السنة اتباعا للإمام، أصلي بصلاته طاعة لله ولرسوله، وينوي المصلي صلاة العيد بصلاة الإمام، أصلي بصلاته طاعة لله ولرسوله، ثم يوجه ثم يكبر، وإذا كان إماما فإنه ينوي ويقول: أصلي سنة صلاة العيد ركعتين إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله إماما لمن يصلي بصلاتي، وينوي المصلي إذا أم في صلاته قيام شهر رمضان ويقول: أصلي قيام شهر رمضان أداء للسنة إماما لمن يصلي بصلاتي إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله، والمأموم يقول: أؤدي لسنة قيام شهر رمضان اتباعا للإمام أصلي بصلاته.
مسألة: والصائم إذا أراد أن يعقد النية لصيام شهر رمضان كله فإنه ينوي من أول شهر رمضان أصوم شهر رمضان المفترض علي صومه من أوله إلى آخره، واستغراق طرفي المفترض منه فريضة واحدة كما أمر الله، هذا على قول من يقول: إن شهر رمضان فريضة واحدة، وتكون النية من أول الشهر وتكفيه في بعض القول، وأما من يقول إن كل يوم فرض جديد فإن النية يجددهما في كل ليلة، ويستحب أن تكون عند السحور قبل الفجر، فإنه يقول: غدا إن شاء الله أصبح صائما الفريضة من شهر رمضان طاعة لله ولرسوله من طلوع الفجر إلى الليل، فمن عقد النية لصيام الشهر أول ليلة ثم نسيها عقد النية بعد ذلك ليلة من الليالي وأصبح صائما بالنية الأولى فهي مجزية والله أعلم، ومن لزمه بدل شهر رمضان والكفارة وأراد أن يقضي البدل والكفارة فإنه ينوي غدا إن شاء الله أصبح صائما ما لزمني من فساد شهر رمضان طاعة لله ولرسوله. (6/14)
صفحة 1868
مسألة: من منشورة قديمة، وسئل عن الرجل إذا وجبت عليه فريضة كيف تكون نيته إذا أراد أن يؤديها؟ قال: معي أنه تكون نيته يؤديها لله مخلصا له في ذلك لعبادته في الفريضة والنافلة تعويضا لرحمته وخوفا من عقوبته، والعبادة على وجهين فرض ونفل، قال: وإن أدى ذلك ولم يحضر له نية واعتقد أن الله أجزاه ذلك على معنى قوله، قال أبو سعيد: وهذا يدخل في كل عبادة بفرض أو نفل على معنى قوله، ثم قال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة: 5)، قال: والصلاة والزكاة في كل شريعة كانت قبل شريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. (6/15)
صفحة 1869
[صفحة بيضاء] (6/16)
صفحة 1870
الباب الثالث
من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه
مما زاده الناسخ لنفسه من الآثار في ذكر النيات وأحكامها،
وذكر ما جاء فيها من فضيلة من جميع الطاعات وسائر العبادات مما هو موجود في الأثر
ومنه ما أثره المصنف على ما أخذ فيه نظره
مع ذكر النية في صلاة السفر والضحى والنافلة وغير ذلك
وقيل: من حسنت نيته استقامت طريقته، ونزه نفسه، وملك هواه، وقيل: من ملك هواه فهو الرجل، ومن فضيلة النية ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يؤتى بالعبد يوم القيامة ومعه من الحسنات أمثال الجبال، فينادي مناد: من كان له على فلان مظلمة فليجئ فليأخذ فيجيء ناء فيأخذون حسناته حتى لا يبقى له شيء من الحسنات، فيبقى الرجل حيران، فيقول له ربه: إن لك عندي كنزا لم أطلع عليه أحدا من ملائكتي ولا أحدا من خلقي، فيقول: يا رب ما هو؟ فيقول: نيتك التي كنت نويتها من الخير كتبتها لك سبعين ضعفا».
ومن حديث آخر: «يؤتى بالعبد يوم القيامة فيعطى كتابه بيمينه فيقرأ فيه الحج والجهاد والزكاة والصدقة وغير ذلك نواه ولم يعمله، فيقول العبد في نفسه: ما عملت من هذا شيئا وليس هذا كتابي، فيقول الله تبارك وتعالى: إقرأ كتابك عشت دهرا وأنت تقول: لو كان لي مال لحججت، ولو كان لي مال لجاهدت وغزوت، وفعلت، وعرفت (6/17)
صفحة 1871
ذلك من نيتك صادقا فأعطيتك ثواب ذلك كله»، وذلك أن الله تبارك وتعالى بفضله على عبده يثيبه الله على الخير وإن لم يعمله ولا يثاب على عمل بلا نية، وكل عمل خلا فيه من النية فهو هباء.
وكان الحسن يقول: "إنما يخلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالنيات" وهكذا قال بشير، وقال بعض الحكماء: "القصد بالقلوب أبلغ من حركات الجوارح"، ويروى أنه "من فتح على نفسه باب حسنة فتح الله عليه سبعين بابا من التوفيق، ومن فتح على نفسه باب سيئة فتح الله عليه سبعين بابا من الخذلان، وباب الحسنة حسن النية، وباب السيئة سوء النية"، وقيل: "من لم يقرن سبعة بسبعة فهو يعمل في غير معمل، الخوف بالحذر، والرجاء بالطلب، والنية بالقصد، والدعاء بالجهد، والاستغفار بالندامة، والعلانية بالسريرة، والعمل بالإخلاص"، وقال يحي بن معاذ: العمل يراد به ثلاثة أشياء حتى يسلم لك العمل قبل بدئه بالنية: والنية في أوله، والصبر في وسطه، والإخلاص عند فراغه.
ومن كتاب التقييد أن من الواجب على كل مسلم إقدام النية في كل عمل من لازم أو فضيلة أو مباح يخلص له الإخلاص في جميع أعماله وعبادته، قال الله تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (غافر:14)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وعنه عليه السلام: «أن لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسنة له»، والحجة في وجوب النية قول الله تبارك وتعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نية المؤمن خير من عمله» ومعنى ذلك والله أعلم، إن نية المؤمن خير من عمل بلا نية .. الدليل على ذلك قول الله عز وجل ذكره: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} (القدر:3). لا ليلة قدر فيه، وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «عمل الفاجر خير من نيته»، وفي خبر: «نية الفاجر شر من عمله»، ومعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات» إنه لعظم الثواب بالنيات وشرف الأعمال بها فإذا كان بلا نية فهو عمل كما قال الرجل بقومه والإنسان بعشيرته والمرء بنفسه وهو رجل وإنسان وإن لم يكن له عشيرة ولا قوم، والخبر أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها كانت هجرته إلى ما هاجر إليه».
فصل: والنية فرض في أعمال الطاعات كلها، والنية عقد بالقلب وعزيمة على (6/18)
صفحة 1872
الجوارح، وهي لب العمل، فيجب على العبد إحكامها، والنية هي القصد إلى الفعل طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: إن النية مستدامة، والعمل ينقطع، والنية لا يدخلها الرياء، والعمل يدخله الرياء، وكل عمل خلا من النية فهو باطل ولا يصح عمل شيئا في الطاعات إلا بتقديم النيات.
والنية إذا انفردت لم يجب بها حكم، وكذلك الفعل إذا انفرد ولم يجب به حكم فإذا عقب بالفعل الموضوع لذلك المعنى وقع موقعه، ولا تنازع بين أهل العلم في وقوع الحكم إذا اجتمع القول والنية، وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به ويعملوا» فالإنسان إذا اعتقد شيئا ولم يلفظ به لم يلزمه حكمه إلا الكفر بالله، وإن الدليل على الاعتقاد للشيء الذي وضع وقوعه بفعل أو كلام غير محكوم به أن الإنسان لو تكلم به في نفسه في الصلاة لم تبطل صلاته باتفاق، وكذلك لو نوى القذف ولم يقذف يجب عليه الحد والقائل إن النية توجب حكما إذا انفردت من القول والفعل يحتاج إلى دليل.
فصل: الحسن قال: إن الله تعالى يعطي على نية الآخرة ما يشاء من الدنيا ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا ثم قرأ: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} (الشورى:20).
مسألة: والواجب على الإنسان استصحاب النية للعبادات إذا أراد فعلها واستصحابه لها هو أن لا ينقلها عما يدخل فيه إلى غيره وأما عزوف النية من غير أن يكون هو الناقل لها فلا يعرج في الاستصحاب، ولا أعلم في ذلك خلافا والله أعلم. ولا يجوز عمل شيء من الفرائض إلا أن تتقدمه النية، فمن عمل عملا لم يحضر له نية فعليه بدله، وكل فعل أوجبه الله تعالى على أحد من عباده فمحال أن يكون خارجا منه إلا بأدائه وليس بمؤد من لم يقصد إلى أداء فرضه والله أعلم.
مسألة: كل عمل أمر الله تعالى به عباده مما تعبدهم بفعله فلم يقصدوا إلى أدائه بالنية له فإن العبادة عليهم باقية، وكل عمل بغير نية فهو هدر من فاعليه ولا يقبل الله جل ذكره من عباده عمل تعبدهم به إلا أن يقصدوا بفعله لأداء ما تعبدوا به لمن تعبدهم، قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ} والإخلاص ما يعقده القلب، ويؤيد ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
وقوله - صلى الله عليه وسلم - لصعصعة بن ناجية لما أسلم وذكر له ما كان يفعله من ابتياع الموءودة واستحيائها وقال: أفينفعني ذلك اليوم، فقال عليه السلام: «لا ينفعك ذلك لأنك لم (6/19)
صفحة 1873
تبتغ به وجه الله تعالى، وأن تعمل في إسلامك عملا صالحا أثبت عليه فلا تضيعوا أعمالكم ولا تبطلوها بإهمال النية فيها فإن المؤمن لا يمشي في الأرض يتعب نفسه بغير نية ولا يتقلب على فراشه إلا بالنية، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يرفعها إلى فيه» لأن المؤمن من يأكل ليقوى على طاعة ربه، وينام ليريح جسمه لداء ما تعبده الله تعالى به من أوامره ونواهيه وما يتقرب به من نوافل الأعمال.
وكذلك في المنكح وغيره ويدخل على ما قلنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات» الأعمال تشرف بالنيات، والحسنات ما سلمت من الآفات بما يحيط ثوابا مواقع السيئات، قال الله جل ذكره: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى} (البقرة:264) فأخبر جل ثناؤه أن الصدقات تبطل ثوابها مع نفع الفقراء بالتمنن على فعلها والتأذي عند دفعها إلى مستحقها والله أعلم.
ونحو هذا قال خلف بن زياد في سيرته عندما أمر به وجب عليه، وقال: ولتحضركم مع ذلك نياتكم ابتغاء الوسيلة إليه والتجاء عبده في أداء حقوقه واتقاء نهيه لأن الله عز وجل لا يقبل الطاعة إلا على ذلك من النية.
مسألة: الأفعال لا تصح من فاعلها إلا بتقديم النية لها لأن صورة الفعل وهيئته لا تدل على طاعة ولا معصية إنما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا أضيفت إليه النية، الدليل على ذلك قول الله تعالى عز وجل: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً} (الإنسان: 8 - 9)، فمدحهم الله بإنفاقهم أموالهم إذا كانت المقاصد له عز وجل، وقال أيضا في موضع آخر: {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ} (النساء:38) فذمهم بالإنفاق لأنهم لم يقصدوا الله جل ذكره، وقد استوى الإنفاق في الظاهر هذا منفق وهذا منفق، حصل أحدهما طائعا للإخلاص والقصد لله عز وجل، والآخر عاصيا بتعريه من هذا الحال مع تساويهما في الإنفاق، وأيضا فإن الإنسان لو أصبح غير ناوٍ للصوم واشتغل عن الأكل والشرب والمنكح حتى غربت الشمس لم يستحق اسم صائم ولا يسمى مطيعا معرى مع الإمساك من النية وما أتاه فهو صورة الصوم ولو تقدم هذا الإمساك نية من الليل لسمي طائعا واستحق اسم طائع، وإذا كان هذا هكذا فقد صح أن هيئة الفعل وصورته لا تدل على معصيته طاعة ولا معصية، وقد قال الله تبارك وتعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} فالإنسان إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار لم يسم مطيعا وإنما سمي المطيع مطيعا أن يراقب أمر المطاع فيأتيه امتثالا لأمره فحينئذ يستحق اسم مطيع، والله أعلم. (6/20)
صفحة 1874
الباب الرابع
في النية وأحكامها
النية مشددة، وقد قيل فيها بالتخفيف، قال الشاعر:
فأصبحت همي في الجهاد ونيتي
وما فسدت لي يعلم الله نية
حنقك بلا نيتي علتي ... فلله ما صومي ولله ما حجي
عليك ولكن خنتني فاتهمتني
غير وما نيتي لك بالخافية
والنية من النوى وهو المصدر مشددة وقال:
وصدع بين الحي أسباب نية ... وأي جميع كان لا يتصدع
والنية والنوى واحد والنوى: التحول من دار إلى دار أخرى كما كانوا يبنون منزلا بعد منزل، والفعل الأنتوى والأنتيا الأفعال من النأى والمنتأى الموضع الذي ينوي إليه، أي يذهب إليه، قال الشاعر:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المتأى عنك واسع
والنوى البعد والقرب، يقول: نويت نوى وقال الطرماح:
فيا للنوى لا بارك الله في النوى ... وهم لنا فيها كهمّ المداهن
ويقول في الشعر نوى القوم انتووا.
فصل: قيل في قوله الله تعالى عز وجل: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} (الإسراء:84)، أي على نيته، وفي قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} (التوبة:46) قيل النية. (6/21)
صفحة 1875
[صفحة بيضاء] (6/22)
صفحة 1876
الباب الخامس
في النية
النية مشددة، وقيل فيها بالتخفيف وقال في أمر التشديد: "وما فسدت لي" (البيت).
مسألة: وسألته هل يسع الإنسان يهمل النية عن الجهاد لأنه ميؤوس من ذلك؟ قال لا, والفرض عليه تجديد النية ولا ييأس فيهلك بتركه النية للفرض وكذلك إن كان فقيرا لا يستطيع الحج فلا يهمل النية عن الحج ليأسه من الاستطاعة للحج. فقال نعم وعليه أن يجدد النية أنه متى وجد الاستطاعة إلى الحج فإنه يحج ولا يكون مهملا نيته عن الحج.
قلت وكذلك لو كان أميالا يرجو تعليم القرآن أو فقيرا عاجزا عن تعليم القرآن فأهمل النية إياسا منه لأنه ليس في مقدرة من تعليم القرآن من وجه الفقراء ومن قد أيس من التعليم قال لا يسعه ترك النية لتعليم القرآن، وقال تعليم القرآن فريضة، فإذا تعلم بعض الناس القرآن وحفظه سقط الفرض عن الباقين.
قلت: وكذلك عليه نية التعليم للعلم وإن كان في منزلة من قد أيس قال نعم، قلت: وكذلك لو كان له أرحام لا يعرفهم أو في موضع لا يمكنه الوصول إليهم فقطع النية عن الوصول إليهم إياسا منه لأنه لا يجد من يعرفه إياهم وإنه لا يستطيع الوصول إليهم، قال: لا يسعه ترك النية عن صلة أرحامه فيكفر وعليه الاجتهاد وتجديد النية.
فإن كان حلف بالحج لا يصل إلى أرحامه فعليه أن يحنث ويصل أرحامه. فإن لم يفعل كفر، قلت: وكذلك لا يجوز له أن يقطع النية عن التزويج، قال نعم، وليس بفرض، قلت: فإن كانت عنده زوجة واحدة فعليه أن يزداد تزويجا، قال لا، (6/23)
صفحة 1877
قال: وإنما يريد بالتزويج ليحصن، وهذا قد أحصن بواحدة.
قلت: وكذلك لا يجوز له أن يقطع النية عن جميع أبواب البر من النفل والتطوع والسنن وإن كان هو بمنزلة لا يرجو ذلك لعجزه عنه في الوقت، قال: عليه أن ينوي كل أبواب الطاعة ولا يقطع نيته لأن ذلك قد أيس منه لا يعزب على الله أن يرزقه إياه ويأتيه من لطيفة يستطيع بها جميع ما يرجوه والله على كل شيء قدير، فإذا أيس فقد أساء ظنه بالله ولكن عليه أن يجدد النية ويأمل فعل جميع الطاعات ويسأل الله التوفيق على الاجتهاد وفعل الطاعة، وعليه أن يجدد كما يستقبل من كل فعل يلزمه في حال يأتيه بقدرة الله على فعلها، ويلزمه إياه من فرض أو سنة أو تطوع مما أمر الله به وارتضى فعله من عباه ووعدهم المجازاة عليه، فعلى الإنسان ألا يقطع نيته عن كل ما يرضي الله وإن كان عاجزا عنه في الوقت فإن الله قادر أن يوجده أو يأتيه من حيث لا يحتسب فلا يقطع من رجائه لفضل الله ويحسن ظنه بالله، ومتى لم يحسن ظنه بالله هلك.
مسألة: قال أبو سعيد: معي أنه قد قيل: إن على العبد أن ينوي لو قدر على أن يملأ الأرض عدلا وأن لا يعصي الله أحد إلا أخذ على يده وهذا عليه فرض إذا خطر ذلك بباله وعرف معنى ذلك والمراد به فإن جهل النية لذلك وعرف أن عليه أن يقوم بالعدل إذا قدر عليه فأرجو أن يجزيه ذلك.
مسألة: قال بشير لا أعلم أن أصحابنا اختلفوا في الذي يعمل شيئا من الفرائض أنه يقدم نية في ذلك، قال غيره: نية المسلم متقدمة في أداء الفرائض فإن حدث له ذكر ذلك حين قيامه على عمل ذلك ودخوله فيه فعليه تقديم النية وتجديدها وإن لم يحدث له ذكر ذلك كانت النية المتقدمة مجزية له عن ذلك هذا.
وقال غيره: نعم الأعمال لا تقوم إلا بالنيات إلا أن نية المسلم في أداء الفرائض وعمل الطاعات وهو عليه نية ما لم يحولها أو يذكر ذلك، وكذلك فالنية فرض في جميع الطاعات كلها.
مسألة: ويروى (والله أعلم) أن النية الصالحة أحب إلى الله من العمل ومن نية المؤمن أن لو قدر لملأ الأرض عدلا ولم يدع أن يعصى الله طرفة عين، وهذا عندي من النية الواجبة عليه إذا عرف معناه، قال أبو سعيد رحمه الله: إن من نية المؤمن أن لو قدر يملأ الأرض عدلا ولم يعص الله أحد طرفة عين إلا أخذ على يده، قيل له: فإن جهل اعتقاد النية، في هذا قال: معي إنه إذا عرف لزوم ذلك أن عليه أن يعتقد ذلك (6/24)
صفحة 1878
في حال قدرته كله فكما خطر بباله من الإيمان مما عليه اعتقاده والعمل به أن لو قدر عليه كان عليه اعتقاد النية إذا علم معنى اللزوم من القدرة، قلت له: فهو معذور بجهل اعتقاد النية إذا لم يعلم، قال: معي إنه إذا كان مؤمنا فهو في حال الاعتقاد ما لم يمتحن بذلك وتنزل بليته.
مسألة: وسألته عن النية في صوم شهر رمضان، فإن قالوا إنه ينوي في كل ليلة من شهر رمضان، قلت له: فهل تجزئ النية في أول ليلة من شهر رمضان لصيام الشهر كله، قال: نعم، قلت: وكذلك لو أن رجلا أصبح في يومه نوى أن كل شيء عملته في يوم هذا فهو لله أتجزيه هذه النية؟ قال: نعم، قلت: فما تقول إن نوى كل شيء عملته من أبواب البر ما دمت حيا فهو لله تجزيه هذه النية؟ قال: نعم.
مسألة: وعن رجل أخذ من رجل شيئا وهو يرى أن ذلك الشيء لغيره وأنه عليه حرام وأصر عليه فلم يتب حتى مات ولم يعلم به الذي أخذه منه، وكان الشيء الذي أخذه هو له حلال، أيكون هالكا أم لا؟ فالذي معنا أنه مات على نية السوء والله أعلم.
وقال أبو عبد الله: عليه التوبة والاستغفار، فإن مات ولم يتب تركت ولايته، قلت: أرأيت إن صلى صلاة حين وجبت ثم ذكرها بعد ذلك في وقتها فلم يذكر أنه صلاها في أول وقتها أواسع له ذلك أم يكون هالكا بهذه النية أم لا؟ فإني أرجو ألا يكون هالكا إن شاء الله لأنه قد صلاها، وليست عليه، فهذا ما حضرنا والله أعلم.
وقال أبو عبد الله: فيمن عليه دين لرجل وقد قضاه إياه ثم نسي فاعتمد على أن يظلمه إياه حتى مات على ذلك، قال: قد عزم على نية السوء، قلت: فلو نوى أن لا يحج وليس في يده قوة إلا أنه ينوي أن لو كان معه قوة ألا يحج أو نوى ألا يصلي، قال: النية في ألا يفعل أشد عندي من النية في أن يفعل، قلت: وكذلك لو نوى، وقد بلغه أن رجلا يأتيه ينتصف فنوى أن لا ينصفه، قال: قد عزم على نية كفر بها لأن الذي عزم على الاعتداء مثل هذا.
مسألة: ومن سيرة خلف بن زياد البحراني فاتقوا الله بحقه الواجب الذي أخذ عليه ميثاقكم وأقررتم له فيه بالسمع والطاعة فأدوه إليه منكم طوعا قبل أن يستأديه منكم كرها ولتحضركم في ذلك نياتكم باتقاء عذاب الله العظيم بسخطه في (6/25)
صفحة 1879
التضييع لحقه ولتحضركم في ذلك نياتكم بابتغاء الوسيلة إليه والنجاة عنده في أداء حقوقه إليه وفي اتقاء نهيه فإن الله لا يقبل الطاعة إلا على ذلك من النية فلا تذهبن أعمالكم هباء بينكم وبين الله، ولا يصل إليه منكم بل زكوا فيها نياتكم وأحكموها بقلوبكم ثم أخلصوها له يصل إليه منكم ما يرضيه عنكم فاتقوه في محارمه الذي اعتقد عليكم لنفسه للبيعة والعهد الوثيق في تركها، ولتحضركم نياتكم في ذلك فأحكموها لالتماس رضوان الله وولايته في الدنيا وتحقيق الفوز عنده، وإيجاب الكرامة منه بإحسانها، ولتحضركم مع ذلك نياتكم في اتقاء مقته والمخافة لعقوبته في انتهاكها فإن الله لا ينفع بترك المعصية إلا مع ذلك مع النية، فاتركوا ما تركتم منها لوجه الله تكرمة له ونحلة وذلك جماع أمر التقوى، فإنه لذلك منكم أهل وإنه هو أولى بطاعتكم وأحق بعبادتكم لما تولاه من خلقكم والنعم التي هي لكم مع أن في حضور النية منكم لكم للذي خصصتم عليه من الطاعة وفيما نهيتم عنه من المعصية دركا لما تطلبون من ثواب الطاعة والنجاة مما تتخوفون من العقوبة من المعصية.
فاعقلوا ذلك ثم انتفعوا بما عقلتم منه ولا تكونوا فيما عقلتم منه كمن لا يعقله فهذا والقوة لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم ليكن ما تتقونه به وتتقونه فيه طلب المخرج لأنفسكم من شبهات الأمور والعرفان بنور البرهان من لبس الفتن بالتبيين والتثبيت في الدين، فإن فيه غير واحد من الناس ولا واحدة من الملل فاحذروا الزلل في الدين فإن مهاوي من زل فيه في نار جهنم.
فصل: نيتي واعتقادي أن جميع ما أديته من الفرائض واجتنبته من المحارم الفريضة عليّ اجتنبابها وكل شيء قمت به من دين الله فرض الله عليّ القيام به فجميع ذلك لله ربي ورب العالمين وإني مبتغ بذلك النجاة عنده والفوز عنده ورضاه وجنته والوسلية عنده، وإني هارب بذلك من سخطه وعذابه وعضبه ومتق بذلك سخطه وعذابه، وأن كل شيء فعلته من الطاعة النوافل والوسائل فهو لله مبتغ بذلك رضاه والتقرب إليه، والوسيلة عنده وأن يبلغني بذلك إلى ما يرضيه عني في الدنيا والآخرة، وأن ينفعني به في الدنيا والآخرة، وأن يصرف به عني كل شر ويرزقني به من كل خير إنه جواد كريم سبحانه وتعالى علوا كبيرا.
فصل: نيتي واعتقادي أن كل شيء فعلته من الطاعات فهو لله وحده لا شريك له. (6/26)
صفحة 1880
فصل: نيتي واعتقادي أن كل شيء فعلته من جميع الطاعات كلها علمتها أو جهلتها فهو لله رب العالمين.
فصل: وهذا مما كتب إلى أهل عمان في زمن أبي عبيدة فاتقوا الله بحقه الواجب الذي أخذ عليه ميثاقكم وأقررتم له فيه بالسمع والطاعة فأدوه إليه طوعا قبل أن يستأديه منكم كرها ولتحسن نيتكم ولتعظم رغبتكم بابتغاء الوسيلة بطاعته والنجاة عنده بأداء حقه والوجل منه وتعظيم سخطه في تضييع حقه فإن الله لا يقبل الطاعة إلا على ذلك فلا تذهبن أعمالكم هباء بينكم وبينه لا تصل إليه، وأخلصوا له ثم اتقوه في محارمه واجتنبوها باتقاء مقته ومخافة عقوبته والتماس رضوانه وتحقيق ولايته في الدنيا واستحباب الفوز عنده والكرامة منه في الآخرة باجتنابها فإن الله لا ينفع بترك المعصية إلا في ذلك فاتركوا ما تركتم منها لوجهه تكرمة له فإنه لذلك منكم أهل وإنه هو أولى بطاعتكم وأحق بعبادتكم لما ولي من خلقكم والنعم التي هي لكم.
مسألة: مما سئل عنه القاضي أبو سليمان هداد بن سعيد وما تقول هل يجوز أن يذكر الله تعالى بلا معنى ولا اعتقاد أو يفعل فعلا بلا اعتقاد أو فعل أو تكلم بغير نية يأثم أم لا؟ قال: لا يجوز أن يلفظ بشيء لا معنى له فإن ما لا معنى له يكون لغوا لا طاعة، وما لم يكن طاعة فقد قيل يكون سيئة والله أعلم.
وفي موضع آخر قال: لا يكون الذكر إلا بنية فإن عرى من النية فالله أعلم أيكون طاعة أم معصية غير أن قد لقيت في بعض المواضع أن المؤمن تكون أفعاله تبعا لاعتقاده، فعلى هذا المعنى أن ذكر الله تعالى نيته كان أفضل وإن لم تكن نيته لم يكن عاصيا والله أعلم، النية مشددة وقد قيل فيها بالتخفيف. قال الشاعر:
وما فسدت لي (البيت)
فصل: قيل في قول الله عز وجل: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} (الإسراء:84) أي على نيته، وفي قول الله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} (التوبة:46) قيل: النية، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسنة له»، نسخة خشية له، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى».
والحجة في وجوب النية قوله تبارك وتعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: 5)، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نية المؤمن خير من عمله»، معنى ذلك والله (6/27)
صفحة 1881
اعلم أن نية المؤمن في العمل خير من عمل لا نية فيه، الدليل على ذلك قول الله جل ذكره: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} (القدر:3)، لا ليلة قدر فيه، وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «عمل الفاجر خير من نيته» وفي خبر: «نية الفاجر شر من عمله» ومعنى ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات» لعظم الثواب بالنيات وشرف الأعمال بها فإذا كان بلا نية فهو عمل كما يقال الرجل بقومه، والإنسان بعشيرته، والمرء بنفسه وهو رجل وإنسان وإن لم يكن له عشيرة ولا قوم ولجيرانه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها كانت هجرته إلى ما هاجر إليه».
فصل: والنية فرض في جميع أعمال الطاعات كلها، والنية عقد بالقلب وعزيمة على الجوارح وهي لب العمل، فيجب على العبد إحكامها، والنية هي القصد إلى الفعل طاعة الله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة: وقيل: النية مستدامة والعمل ينقطع، والنية لا يدخلها الرياء، والعمل يدخله، وكل عمل خلا من النية فهو باطل، ولا يصح عمل شيء من الطاعات إلا بتقديم النيات، والنية إذا انفردت لم يجب بها حكم، وكذلك الفعل إذا انفرد لم يجب به حكم، فإذا عقب النية بالفعل الموضوع لذلك المعنى وقع موقعه ولا تنازع بين أهل العلم في وقوع الحكم إذا اجتمع القول والنية.
مسألة: يوجد أنه من خرج من نيته بغير نية فهو كبيرة والله أعلم، ووجدت في موضع: إذا مات مات هالكا إذا خرج بلا نية ولا معنى.
مسألة: ومن أكل فلينو بذلك أن يتقوى على طاعة الله، ومن جامع امرأته فلينو بذلك أن تنكسر نفسه عن غيرها من النساء، ومن نام نوى أن يريح نفسه ليقوى على طاعة الله، وللقيام بفرضه وكذلك في مشيه وجلوسه وقيامه وجميع أموره ينوي بذلك نية تكون في طاعة الله عز وجل، لأن هذه الأجساد إنما خلقت ليطاع الله بها ولا يعصى، وبالله التوفيق.
مسألة: ومن نوى ألا يحج وليس في يده شيء ولا في جسده قوة إلا أنه ينوي أن لو كان معه قوة ألا يحج، أو نوى أن لا يصلي فالنية في ألا يفعل أشد من النية في أن يفعل. (6/28)
صفحة 1882
مسألة: ومن نوى أن يقتل غدا رجلا ولم يفعل فقد أثم بالإرادة والحكم بالفعل مع الإثم أيضا.
مسألة: ومن أصاب صغيرة من الذنوب وهو على نية أن يتوب غدا أو بعد ذلك، ومن ديونه التوبة من ذلك إلا أنه لم يتب ذلك اليوم، فيختلف فيه، فإذا مات قبل ذلك هلك، وإذا تاب قبل الموت سلم، وقال بعضهم: عليه أن يتوب حين واقع الصغيرة ولا يؤخر ذلك، فإن أخر ذلك فقد أصر وهو أشد القولين والآخر أفسح منه.
مسألة: ومن كان عليه حق من دية عمد أو خطأ ولم يقر به وصاحبه يطالبه فلا يدين بحقه ويعرف أنه عليه ثم نوى أن يؤدي الحق فلم يؤده حتى مات فهو هالك لأنه مات مصرا على الذنب وإنما كان ينوي التوبة والنية ليست بتوبة.
مسألة: ومن كان عليه دين لرجل فقضاه إياه ثم نسي فاعتمد أن يظلمه إياه حتى مات على ذلك فقد عزم على سوء، وكذلك لو نوى وقد بلغه أن رجلا يأتيه ينتصف ألا ينصفه وقد عزم على سوء، وكذلك لو نوى وقد بلغه أن رجلا يأتيه ينتصف منه ألا ينصفه وقد عزم على نية كفر، والذي عزم ألا يحج عندي على مثل هذا من الأثر إن سلمت حقا على كيف أقول عند دفعي لذلك أو زكاة أسلمها إلى فقير كيف اللفظ عند تسليم ذلك أو النية تجزيه، قال: النية تجزيه في ذلك والله أعلم.
النية لشرب الماء من الزيادة المضافة رفع إلى أنه يستحب لشارب الماء أن يشرب ثلاثة أنسام مع كل نسم حمد ونية، فالنسم الأول ينوي به هضما للطعام، والنسم الثاني ينوي به مرضاة الرب، والنسم الثالث ينوي مسخطة للشيطان، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا شربتم فاسأروا» أي فسوروا من الماء في الإناء، والله أعلم.
مسألة: ومن كان عليه دين وأراد قضاءه كيف تكون نيته، إنه فرض أو طاعة لله كيف ذلك أو ليس عليه، قال: أظن ينوي أداء ما عليه طاعة لله تعالى والله أعلم، وكذلك لو أراد أن يفعل شيئا من الطاعات ما تكون نيته أن يطعمه لماذا وما يريد بذلك؟ قال: ينوي بأفعال الطاعة القربة إلى الله تعالى، وإما إطعامه لأحد فهو على وجوه، إما قربة إلى الله، وإما لمكافأة عن شيء منه إليه، وإما لتقية منه له، وإما على وجه الضيافة، وكل شيء من هذا فله نية، ولا تخلو هذه النية من ابتغاء رضاء الله عز وجل والله أعلم. (6/29)
صفحة 1883
مسألة: مما سأل عنه القاضي أبو سليمان هداد بن سعيد أبا المنذر سلمة بن مسلم، وما تقول ما يكون نية الإنسان في الأكل والشرب والجماع والنوم والمشي والقيام معه والقعود وفعل الفرائض والنوافل والطاعات، والأكل والشرب النية في إحياء النفس، والجماع للولد، قال غيره: وقد سمعت إزالة العلة وابتغاء الولد رجع، والنوم للراحة، والمشي للحاجة والقيام والقعود على قدر ما يعرض للإنسان، والنية في الفرائض أداؤها طاعة لله فيها، والنوافل طلب الثواب والقربة عليها، وكذلك الطاعات بهذا المعنى، والله أعلم.
مسألة: وما تقول فيمن أراد أن يقرأ القرآن ما تكون نيته، وكذلك الخطيب والمتمثل ببيت شعرا أو مثل؟ أما القرآن فالنية فيه عبادة وتدين وثواب، وأما الخطبة فتذكير وعظة وثواب، وأما الشعر والمثل فتنبيه واستدلال على فائدة معنى والله أعلم.
مسائل في النيات: من سؤال القاضي أبي سليمان هداد بن سعيد، ومن أراد أن يفعل شيئا من الطاعات ما تكون نيته في ذلك؟ وكذلك من دعا رجلا إلى طعام ما تكون نيته في ذلك؟ وكذلك إنه يطعمه لماذا وما يريد بذلك؟ قال: ينوي بأفعال الطاعات إلى الله تعالى، وإما إطعامه لأحد فهو على وجوه، إما قربة إلى الله، وإما لمكافأة له عن شيء كان منه له، وإما لتقية منه له، وإما على وجه الضيافة، وكل شيء من هذا فله نية ولا تخلو هذه النية من ابتغاء رضى الله عز وجل، والله أعلم.
مسألة: من أراد أن يقرأ كتاب علم أو قرآن ما تكون نيته في ذلك؟ تكون نيته التعليم لذلك ليعمل به ونيته طاعة لله.
مسألة: من أراد أن يمضي إلى المسجد ما تكون نيته في ذلك؟ تكون نيته زيادة له والله أعلم.
مسألة: قال أبو المؤثر: ذكر لنا أن رجل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني أقاتل في سبيل الله وأحب أن أحمد، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألست تقاتل لأن تكون كلمة الله هي العليا؟ فقال: بلى يا رسول الله، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فأنت إذا شهيدا»، وقال: «فلك الأجر».
مسألة: من كتاب الأشياخ لو أن رجلا أصبح في يومه فنوى أن كل شيء (6/30)
صفحة 1884
عملته في يومي هذا هو لله أتجزيه هذه النية؟ قال: نعم، قلت: فما تقول إن نوى كل شيء عملته من أبواب البر ما دمت حيا فهو لله، أتجزيه هذه النية؟ قال: نعم.
فصل: من كتاب المجالس في النية، وقيل: إن صدق النية إنما يهيج من نقاوة القلب، ونقاوة القلب إنما تحصل بست عشرة خصلة بعضها على بعض، فأولهن الإنابة إلى الله تعالى، ثم ترك التزين، ثم ترك التصنّع للناس، ثم الرغبة في ترك الشهوات، ثم الزهد، ثم ترك الدنيا، ثم معاداة الشيطان، ثم الاستعداد للموت، ثم الاعتزال عن الخلق، ثم الإقبال على الله تعالى بالكلية، ثم حسن الخلق، ثم الشفقة على جميع خلق الله، ثم الرّضى بالقضاء، ثم اليقين بوعد الله، ثم المواظبة على ذكر الله، ثم الصبر على البلايا، ثم الأنس بالله، فإذا حصلت هذه الخصال في قلب عبد تمت صفاوته ونقاوته وهاج منه صدق النية.
فصل: منه قال بعضهم: لا يصلح العمل إلا بثلاث: تقوى الله والخشية والنية، ودعي نافع بن جبير إلى جنازة فقال للذي دعاه: كما أنت حتى أنوي، وقال وفكر ساعة ثم قال: امض بنا، وعن الليث قال: كنا نختلف إلى طاووس اليماني ولا نسأله فيحدثنا وربما نسأله فلا يحدثنا، فقلنا له ذات يوم في ذلك، فقال: تسألونني ولا تحضرني فيه نية، أيأس من شيء أن أملي عليكم شيئا بلا نية.
فصل: قال بعضهم: نية المؤمن خير من عمله، فقيل: إن العمل يلحقه الرياء والنية لا يدخلها الرياء، لأنه لا يطلع عليها إلا الله، وقيل: نية المؤمن أن يقوم الليل ويصوم النهار فلعله غير ذلك من الطاعات فلا تشايعه نفسه عن ذلك فنيته أبلغ من عمله، وقيل: نية المؤمن خير من عمله.
فصل: عن المؤلف والمضيف: هذا فصل أضفناه إلى باب النيات في القول بتثبيت الاعتقادات بالألفاظ للنيات وإن كان مؤلف الكتاب ومن وافقه من أصحابنا إنما يرون النيات بالقلب مجزيا عندهم دون اللفظ بالكلام والتقوية بما يعتقدونه من ذلك، فالاعتداد به يوما أفضل من تركه وسقطه من الكتاب وتركه شاذا ومنه خاليا وهو ذو الفضل عند الجميع، وذلك مما ألفه الشيخ الأجل الفقيه الأفضل إمام المسلمين وشيخ الفرقة المرضية من عمان أجمعين أبو محمد عثمان بن أبي عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله أسعده الله وسدده ووفقه للخير وأيده، ولقبه كتاب أحكام النيات جملة وتفصيلا. (6/31)
صفحة 1885
[فقرة لم ترقن]
مسألة: من بعض آثار المسلمين من كتاب عمرو بن علي بن عمرو المعقدي العماني عن الفقيه أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى، أما بعد: فإن الواجب على العبد استصحاب النية جملة وتفصيلا وتخرج أعماله مخرج الطاعة ولا يسعه أن يعمل عملا من واجب وجائز إلا بنية، وأما النية في الجملة فإنه يقول اللهم إن نيتي واعتقادي في كل طاعة مننت علي بها ووفقتني لها من صلاة أو زكاة أو صيام أو حج أو جهاد أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو صلة رحم أو صدقة أو ضيافة أو تعليم علم أو قراءة قرآن أو غير ذلك من واجب أو مباح فهو طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وقربة إليه.
فصل: وأما النية على التفصيل وكل معنى على قدر ما يجب فيه من واجب أو فضيلة أو مباح فكله واجب، فإن النية فيه تأدية المفترض أو تأدية لما تعبد الله به، وأما الفضيلة فالنية بالقرب فيها إلى الله، وأما المباح فالنية فيه الشكر لله والتقوى على طاعته مثل الأكل والشرب والنكاح والنوم والمشي والقعود وما أشبه ذلك.
النية للوضوء والطهارات للصلاة يقول: أرفع بطهارتي هذه جميع الأحداث وأتوضأ للصلاة طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -. النية للتيمم: أرفع بتيممي هذا جميع الأحداث وأتيمم للصلاة طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان طاهرا من الأحداث كفاه أن يقول أتوضأ للصلاة طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -.
النية للصلاة: أصلي الفريضة الحاضرة صلاة الظهر أربع ركعات متوجها إلى الكعبة الفريضة متحريا لها إماما لمن يصلي بصلاتي ولمن يأتي طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -. فإن كان مسافرا يصلي خلف مقيم قال: أصلي الفريضة الحاضرة صلاة الظهر بصلاة الإمام أو الجماعة وأضيف وأجر إليها صلاة العصر ركعتين صلاتي جمع (6/32)
صفحة 1886
صلاة سفر طاعة لله ولرسوله.
وإن كان يقدم الظهر في وقت العصر قال أصلي الظهر ركعتين وأضيف إليها العصر بصلاة الجماعة صلاتي جمع صلاة سفر طاعة لله ولرسوله، لا يذكر في هذين الموضعين تماما ولا قصرا، النية لتأخير الصلاة يقول: قد أخرت صلاة الظهر الحاضرة إلى وقت صلاة العصر الآخرة اقتداء بالسنة وأخذا بالرخصة طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وإن شاء المسافر أن يصلي مع الجماعة كل صلاة في وقتها فجائز له ذلك وينوي أنه يصلي بصلاة الجماعة لا ينوي قصرا ولا تماما، النية في صلاة النافلة مثل الشروق والضحى والقيام وغير ذلك، أصلي كذا قربة إلى الله تعالى في النية لصلاة الجنازة أصلي السنة التي أمر الله بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا الميت بأربع تكبيرات إماما لمن يصلي بصلاتي متوجها إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -.
النية لصلاة الجماعة يقول: أصلي فريضة الظهر صلاة الجماعة بصلاة الإمام متوجها إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -.
النية للأكل غذاءً للجسم وشكرا لله وأتقوى بذلك على طاعته.
النية للنكاح كسرا للنفس وإحصانا للفرج وطلبا للولد طاعة لله ولرسوله.
النية للنوم راحة للجسم ليقوى بذلك على طاعة الله.
النية للتعلم يقول: أتعلم العلم تعبدا لله واستعدادا لما يغنيني قبل أن يعنيني ولما يلزمني قبل أن يلزمني ولإرشاد من قدرت على إرشاده وهداية من قدرت على هدايته طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -.
ورفع أيضا عن الربيع أن النية في تعليم العلم نفيا للجهل عن النفس، النية لقراءة القرآن ينوي بقراءته أنها عبادة وتدبر وتفهم نسخة واعتبارا وتذكرا وتبركا طاعة لله ولرسوله- صلى الله عليه وسلم -.
وعن الشيخ محمد بن سليمان العيني في اعتقاد النية جملة: اللهم إني نويت واعتقدت في مقامي هذا في ساعتي هذه أن كل صلاة صليتها أو فريضة فعلتها من جميع الفرائض أو صوم صمته أو عطيته أو نفقة أنفقتها أو صدقة تصدقت بها أو ذكر لله تعالى ذكرته أو قول أو فعل فعلته أو خروج خرجته أو حركة تحركتها كانت في (6/33)
صفحة 1887
قيام أو قعود أو مشي في حاجة أو غير حاجة أو ضيافة أو نظر أو سمع أو أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو تغافل عن لازم أو استحباب أو غير ذلك من جميع ما أمر الله به ورسوله في جميع العبادات وسائر الطاعات من فرض وسنة وندب واستحباب وأدب وغير ذلك من جميع ما أمر الله ورسوله.
وقد اعتقدت ونويت أنه ما كان منه فرض فهو أداء للفرض وقربة له، وما كان سوى ذلك من سنة أو نافلة أو غير ذلك فيما قد ذكرته مما كان نافلة فهو قربة لله تعالى كنت ذاكرا لهذه النية عند مباشرتي لكل ما قد ذكرته من هذه النية أو كنت ناسيا أو في حال غفلة مني أو اشتغال فكر فقد اعتقدت النية على ما كان أو يكون مني في دار الدنيا إلى انقطاع عملي وانقضاء عمري ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن الكتاب: ذكر القول عند القيام للصلاة والنية لها والاعتقاد لها يقول عند قيامه قد قمت في مقامي هذا بين يدي رب كريم أو عظيم ثم يقول عند قيامه منتصبا للصلاة أنا منتصب للخدمة أؤديها بينة العبودية مقر له بالربوبية ثم يقول: أصلي صلاة الظهر الفريضة الحاضرة الواجبة اللازمة أصليها وأؤديها بجميع فرائضها وسننها من أولها إلى آخرها بتكبيرة الإحرام الفريضة متيمما بها الكعبة التي هي بمكة شطر المسجد الحرام قد نصبت الكعبة بين عيني وهي قبلتي وإليها أصلي وقد نويتها وتحريتها وكأني أراها وليس بيني وبينها شيء ولا رب لي سواك ولا إله غيرك ثم الإقامة.
ومن هذا الكتاب مكتوب ومن غيره وعمن كان عليه بدل صلاة، وكذلك رمضان فإنه يقول: أبدل وأقضي وكذلك إذا أراد القضاء، وكذلك إذا لم يدر ولم يعلم كيف هيئة الصلاة، فهذا كله يشتمل على ذلك إن شاء الله.
غيره: أنا معتقد تأدية ما كتبه الله عليّ من صيام شهر رمضان ومستفرغ طرفيه من أوله إلى آخره فريضة واحدة طاعة لله ولرسوله.
النية لصلاة العيد: وينوي في صلاة العيد إذا كان غير إمام أداء لسنة صلاة العيد بصلاة الإمام طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم يوجه ثم يكبر، وإن كان إماما فإنه ينوي ويقول: أصلي سنة صلاة العيد ركعتين إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله إماماً لمن يصلي بصلاتي.
النية لصلاة قيام شهر رمضان: وينوي المصلي إذا أم في قيام شهر رمضان فيقول: (6/34)
صفحة 1888
أصلي قيام شهر رمضان أداء السنة إماما لمن يصلي بصلاتي إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله، والمأموم يقول: أؤدي السنة قيام شهر رمضان اتباعا للإمام أصلي بصلاته.
النية لصيام شهر رمضان: والصائم إذا أراد أن يعتقد النية لصيام شهر رمضان كله فإنه ينوي من أول الشهر أصوم رمضان الفرض أصومه من أوله إلى آخره واستغراق طرفي المفترض منه فريضة واحدة كما أمر الله، وهذا في قول من يقول: إن شهر رمضان فريضة واحدة، وتكون النية من أول الشهر ويكفيه في بعض القول، وأما من يقول إن كل يوم فريضة جديدة فإن النية يجددها كل ليلة ويستحب أن يكون عند السحور قبل الفجر فإنه قول: غدا إن شاء الله أصبح صائما الفريضة من شهر رمضان طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - من طلوع الفجر إلى الليل، فمن اعتقد الصيام لصيام شهر رمضان أول ليلة ثم سها عن النية بعد ذلك ليلة من الليالي وأصبح صائما بالنية الأولى فهي تجزيه والله أعلم، النية لبدل شهر رمضان والكفارة: ومن لزمه بدل شهر رمضان والكفارة وأراد أن يقضي البدل أو الكفارة فإنه ينوي ويقول: غدا إن شاء الله أصبح صائما بدل ما لزمني من فساد صوم رمضان طاعة لله ولرسوله.
وأما الكفارة فإنه ينوي أن يقضي كفارة من شهر رمضان الذي ضيعه علي أي حال أراد من صيام أو عتق أو إطعام.
النية في بدل الصلوات الفائتة والفاسدة: ومن كان عليه بدل صلوات وأراد أن يقضي البدل الذي عليه من تلك الصلوات فإنه ينوي ويقول: أصلي بدل ما لزمني من صلاة فائتة أو فاسدة وهي صلاة كذا وكذا ركعة إلى الكعبة الفريضة طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
النية للمتعلم: أتعلم العلم تعبدا لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - واستعدادا لما يعنيني قبل أن يعنيني ولما يلزمني قبل أن يلزمني ولإرشاد من قدرت إرشاده وهداية من قدرت على هدايته طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -.
النية لمن يزرع: يكون نيته أن يزرع لنفسه بذلك ليقيم بذلك عياله ويسد به فاقته وليقضي به ما عليه من حق الله أو لعباده طاعة لله ولرسوله.
النية في طلب الرزق وفي السعي في طلب التجارة: نيتي واعتقادي في كل سعي كان مني في طلب رزق أو شيء من فضل الله من تجارة أو غيرها أن أوسع به على (6/35)
صفحة 1889
عيالي وأقضي به ديني ووصاياتي وتبعاتي وأصل به رحمي وإخواني وما عليّ فيه من حق الضيف والسائل والمحروم والفقير والمسكين، وأتقرب به إلى ربي إن شاء الله وحده.
النية للبيع: يكون بمعنى طلبا للقوت وكسبا على عياله من الحلال طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
النية في الخروج إلى المسجد: يكون لمعنى الزيارة وتأدية العبادة طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
النية للعتق عن الظهار: اشهدوا نسخة أشهدت أني قد أعتقت غلامي هذا لوجه الله تعالى عن كفارة لزمتني في الظهار.
النية لغسل التحلّل يكون بمعنى أن يعيش بها ويعيش بها الناس بعده، النية لصلاة السفر عن أبي الحسن علي ابن سليمان يقول: أصلي فريضة صلاة الظهر والعصر جميعا إلى الكعبة الفريضة ولا يحتاج أن يقول سفرا ولا قصرا، أو يقول: أصلي فريضة صلاة المغرب والعشاء الآخر والوتر إلى الكعبة الفريضة.
النية في كفارة الصبي: وهي لمن كان عليه عشور من كفارات صلاة وصيام وأيمان ونذور وكان منه الترك لذلك في صباء وتسمى هذه الكفارة كفارة الصبي وهي كافية على قول بعض المسلمين عن كل ما ذكرته وكفارة شهر رمضان إذا اعتقد لجميع ذلك نية واحدة وهو كاف إن شاء الله، يقول من أراد ذلك واعتقد أنا أصبح غدا إن شاء الله صائما هذين الشهرين ونيتي أن أصومهما متتابعين تكفيرا عن كل كفارة لزمتني لله تعالى، ومن كل حق عليّ لله من جميع العشور عن جميع الواجبات والمفترضات التي لزمتني على الترك لها والتضييع من صوم وصلاة ونذور وأيمان مغلظة كانت أو مرسلة بنية واحدة واعتقاد واحد كل يوم من كل شهر منه أصبح صائما من طلوع الفجر إلى الليل أبتغي بذلك ما عند الله من ثوابه، وأتقي به أليم عقابه، وتكفيرا لما ارتكبته من معاصيه طاعة لله ولرسوله ثم المأمور به أن يقول كل ليلة قبل طلوع الفجر أنا غدا إن شاء الله أصبح صائما من طلوع الفجر إلى الليل طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
النية لمن أراد أن يصلي الظهر مع العصر في وقت الظهر يقول: أصلي في مقامي هذا فريضة صلاة الظهر الحاضرة ركعتين، أجر وأجمع إليها فريضة صلاة العصر الآخرة ركعتين أصليهما جمعا أربع ركعات صلاتي سفر أصليهما وأؤديهما إلى الكعبة (6/36)
صفحة 1890
الفريضة متحريا لها طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -. وكذلك إذا أراد أن يصلي الظهر مع العصر في وقت العصر فإنه يقول: أصلي في مقامي هذا لله تعالى فريضة صلاة الظهر ركعتين أضيفها وأجمعها إلى فريضة صلاة العصر الحاضرة ركعتين أصليهما جمعا أربع ركعات صلاتي سفر بتمام النية وهكذا في صلاة المغرب والعشاء الآخرة.
النية في حلق العانة وغيرها من حلق الشارب والإبطين: أنا علي تأدية ما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حلق العانة والشارب والإبطين وفرق الشعر إن كان عليه شعر طاعة لله ولرسوله.
وفي الخروج إلى الجبان لصلاة العيد: اللهم إن نيتي واعتقادي في خروجي هذا إلى الجبان امتثالا لما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصلاة العيد طاعة لله ولرسوله. قال المؤلف: تأمل هذا اللفظ تأملا شافيا.
مسألة: في بعض آثار المسلمين في النية لصلاة العيد أداء السنة طاعة لله ولرسوله. ولا يسع الإنسان إهمال النية لفعل الطاعة.
والنية هي القصد والإرادة وهي اعتقاد بالقلب وعزيمة على الجوارح، وكذلك إذا لزمه كفارة الصلاة فإن النية تكون أن يقضي كفارة ما لزمه من الصلوات التي ضيعها على أي حال والله أعلم.
النية لصلاة الكسوف: فإذا صلى الرجل صلاة الكسوف فإنه ينوي أن يصلي السنة صلاة الكسوف والله أعلم، وإذا أراد الإنسان أن يتطهر للصلاة أعتقد في نفسه النية قبل أن يتمضمض أنه يتطهر لصلاة كذا وكذا طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإن قال بلسانه: أتطهر الساعة لصلاة كذا وكذا فحسن.
النية لغسل الجنابة: وإذا قام يتطهر من الجنابة يقول: أتطهر لغسل الجنابة طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا نوى الغسل من الجنابة فإنه يقول: أغتسل من الجنابة الفريضة طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، النية لمن لم يجد ماء ولا ترابا، وإذا أراد أن يتطهر بالماء ويصلي وليس على المتيمم أن ينوي بالتيمم فريضة ولا صلاة تطوع ولكن ينوي به طهارة للصلاة ولرفع الحدث.
وقال بعض: يقول: أرفع به الحدث وأؤدي به الفرض، وإذا أراد المؤذن أن يقيم (6/37)
صفحة 1891
لصلاة الجماعة ويعتقد الإقامة لصلاته: فإنه ينوي أن يقيم لصلاة الجماعة التي اعتقد أن يصليها ما كانت من الصلوات.
وإذا أراد الإمام أن يصلي بمن خلفه من الجماعة صلاة الجمعة أو غيرها: فإنه ينوي ويقول: أصلي الفريضة التي افترض الله عليّ وهي صلاة الجمعة أو غيرها كذا وكذا ركعة طاعة لله ولرسوله إماما لمن يصلي بصلاتي ولمن يأتي.
وأما المأموم فإنه ينوي ويقول: أؤدي الفريضة التي افترض الله عليّ الجمعة أو غيرها بصلاة الإمام إذا كان وليا وإذا كان غير ولي نوى أن يصلي بصلاة الجمعة.
قال: والمسافر ينوي في صلاة الجمعة أو غيرها من الصلوات أنه يصلي بصلاة الإمام، وليس عليه أن ينوي إلا أنه يصلي بصلاة الإمام، وإذا أراد المسافر تأخير الأولى إلى الآخرة في السفر فإنه يقول: قد أخرت صلاة الظهر الحاضرة إلى صلاة العصر الآخرة اقتداء برسوله وإحياء لسنته واتباعا لرخصته وهي الحق، وكذلك يقول في صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وإذا حضرته الأولى وهو في حال السفر وأراد أن يصلي في وقتها ويجر إليها صلاة العصر فإنه يقول: أصلي في مقامي هذا صلاة الظهر الحاضرة ركعتين وأجر إليها فريضة صلاة العصر ركعتين أصليهما جمعا صلاتي سفر إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا نوى تأخيرها وصلاها في وقت الآخرة فإنه يقول: أصلي في مقامي هذا صلاة الظهر الفائتة ركعتين وأضيفها إلى فريضة صلاة العصر الحاضرة أصليهما جمعا صلاتي سفر إلى الكعبة الفريضة طاعة لله ولرسوله، ويقدم الأولى، وكذلك في صلاة المغرب والعشاء الآخرة على هذه الصفة.
النية للغسل من الحيض: أغتسل من دم الحيض غسل الفريضة أؤدي الفرض وطهارة من كل نجاسة طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: هي بالخيار إن شاء بدأت بالغسل بالماء ثم بالغسل، وإن شاءت بدأت بالغسل ثم بالغسل بالماء، وكذلك بعد أن تزيل النجاسة من تبدي بذلك أولا ثم بعد ذلك هي بالخيار كما ذكرت.
وقد قيل: إن على الثيب أن تحمل الغسل وتطهر به وتتبع به موضع مخرج الدم وعلى البكر أن تطهر به ما ظهر أعني بالغسل من غير تحمل واستحسنت هذا القول. من غيره من الأقاويل: النية في غسل النفساء: أغتسل من النفاس أداء للفرض وطهارة من كل نجاسة من دم وغيره من جميع النجاسات طاعة لله ولرسوله، وقيل: إن (6/38)
صفحة 1892
الغسل من النفاس سنة، وفي موضع آخر أنه فرض.
وقد وجدت أن من كانت به نجاسة ما كانت من النجاسات وحضرت الصلاة كان عليه في ذلك أن يعتقد الطهارة لها فرضا، وفي غيره حضور الصلاة فيها اختلاف، وإن كان قد جاء الاختلاف في النجاسة في طهارتها أنها تكون بنية أو بغير نية فأحببت هذا القول عن غيره وأحب إلي أن يكون بنية، وقيل: غسل النجاسة فريضة مع وجود الماء.
وإذا أراد المسافر أن يصلي كل صلاة في وقتها قصرا فإنه ينوي أن يصلي صلاة كذا وكذا قصرا صلاة سفر.
النية في غسل الميت: هذا الميت أداء للسنة وطهارة له من كل نجاسة طاعة لله ولرسوله.
النية في تسليم الزكاة: قد سلمت إليك هذا من الزكاة الفريضة التي وجبت عليّ واستحققتها لفقرك أداء لما عليّ من فرضها طاعة لله ولرسوله.
وإن كان قد قيل فيها بغير هذا، فرأيت عندي هذا أحب إليّ من غيره إذ الفرض لا يزول إلا بقصد ونية مع التلفظ بها والله أعلم.
النية في عدة المتوفى عنها زوجها: فقد قيل: إن كل ذي هالك عنها زوجها أن تعتقد النية مذ وقت ما تفارق روحه جسده فتقول: اللهم إني قد اعتقدت ونويت من وقتي هذا في ساعاتي هذه أداء ما عليّ من عدة زوجي فلان الواجبة عليّ وهي أربعة أشهر وعشرة أيام طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان قد قيل فيها غير هذا فرأيت أنا ذلك وكذلك القول في عدة المطلقة فتقول: اللهم إني قد اعتقدت ونويت أداء ما عليّ من فرض عدة المطلقة فتقول: اللهم إني قد اعتقدت ونويت أداء ما عليّ من فرض عدة زوجي فلان بن فلان التي تعبدني الله بها وهي ثلاث حيض طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة: وجدت في الأثر: في رجل طلق امرأته فحاضت ثلاث حيض ثم تزوجت من غير أن تعتقد لذلك الحيض عدة أيكون تزويجها جائزا أم لا؟ قال: لا، قال الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} (البقرة:228)، والتربص لا يكون إلا (6/39)
صفحة 1893
بالقصد، ونية التربص، وقد قال بعض الفقهاء في امرأة غاب عنها زوجها وطلقها في غيبته وحاضت ثلاث حيض ثم علمت بطلاقه بعد ثلاث حيض أنها تعتد عدة أخرى حين بلغها ثلاث حيضات بقصد ونية.
النية: طهارة البول والغائط والطهارة لكل نجس أن يقول: أتطهر من الغائط طهارة الفريضة أزيل بها النجاسة، وهكذا يقول في البول وفي كل نجاسة وإن كان القول في هذا يقع فيه الاختلاف غير أني أحببت هذا القول الذي ذكرته واخترته من الأقاويل.
النية لقراءة القرآن: تكون نيته بقراءته بمعنى عبادة الله وتدبرا أو تفهما لكتابه طلبا لثوابه وخوفا من عقابه طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
النية في الاحتياط في الزكاة يقول في ذلك: نيتي واعتقادي أن كل شيء أخرجته من مالي أو أخرج بإذني على الفقراء فهو مما يجب علي الزكاة فإن لم يكن علي منها شيء فهو مما يجب الفطرة، فإن لم يجب علي فمن ضمان يلزمني مما لا أعرفه مما مرجعه إلى الفقراء صدقة عن ربه وخلاصا عن نفسي طاعة الله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
اعتقاد الإفطار عند الليل في شهر رمضان: يقول اللهم إنك أمرت بصيام النهار فصمناه، وأطلقت لنا الإفطار في الليل فأفطرناه، فلك صمنا، ورضاك طلبنا، وعلى رزقك أفطرنا فتقبل صومنا، واغفر لنا ذنوبنا، وبلغنا صيام شهرنا كله، إنك سميع مجيب.
لفظ العتق عن كفارة صلاة أو غيرها يقول: قد أعتقتك عن كفارة صلاة لزمتني ولاقتحام العقبة ولأن يعتق بكل عضو منك عضوا مني من النار، وإذا أردت أن تعتق عبدا عن جميع الكفارات من صلاة وصيام وأيمان ونذور تقول: قد أعتقتك عن كفارات عليّ من صلاة وصيام ونذر وأيمان، وعن جميع الحقوق التي لزمتني لله تعالى مذ يوم بلغت الحلم إلى يومي هذا ولاقتحام العقبة، ولأن يعتق الله بكل عضو منك عضوا مني من النار.
اعتقاد الصيام عن كفارة صيام شهر رمضان وكفارة العشور يقول: أصبح غدا إن شاء الله صائما هذين الشهرين، ونيتي أن أصومهما متتابعين كفارة عن كل حق (6/40)
صفحة 1894
عليّ لله ولجميع العشور من جميع الواجبات والمفترضات التي لزمتني وضيعتها من الصوم والصلاة والنذر، وكفارة الأيمان، وعن كل حق لزمني لله كل يوم من طلوع الفجر إلى الليل طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
نية العتق عن الظهار يقول: أشهدوا أني قد أعتقت غلامي هذا لوجه الله عن كفارة لزمتني في الظهار.
مسألة: وعن أبي إبراهيم فيمن كان عليه عشور مثل صلوات وأيمان ولا يدري كم هي وغير ذلك فرفع ذلك عن موسى بن علي أن يفكر شهرين كفارة لما عليه والله أعلم.
مسألة: وعن أبي بكر قلت: ما تقول فيما يوجد في الأثر فيمن تكون عليه كفارات من أيمان وصلوات ونذور وعشور لا يعرفها أنه يجزيه عن ذلك صوم شهرين وهو حسن صحيح وهو عدل من القول لمن عمل به.
قال أبو بكر: هذه توجد في الأثر على هذه الصفة وهذا القول قول أبي الحواري: وجدت في الأثر عن القاضي أبي سليمان هداد بن سعيد أن المسلمين اختلفوا يمن يحلف بحجج لا يقدر عليها مثل مائة حجة أو أكثر، فقال بعضهم: عليه الحج ولا يجزيه غير ذلك، وقال بعضهم: يصوم لكل حجة شهرين، وقال بعضهم: يصوم لجميع ذلك شهرين، وقال بعضهم: لا شيء عليه إلا التوبة لأن الله تعالى لا يكلف الإنسان ما لا يطيق، وهذه مسألة مستورة عن الجهال، وقال بعضهم: يصوم ثلاثة أيام.
مسألة: وسألته عن رجل أصبح صائما أول يوم من شهر رمضان بغير نية قال: هذا يسمى صائما ممسكا عن الأكل وليس بمؤد للفرض لأن الأعمال بالنيات إلا أن يكون أصبح صائما ونيته رمضان فقد نوه وأجزاه.
مسألة: ومن ضيع صلاته سنين فإنما عليه بدل ما قدر ولا يكلفه الله ما لا يقدر وأسقط عنه الكفارة بعضهم هذا بعد التوبة والرجوع إلى الله والإنابة.
النية في بدل الصلوات: وإذا قال المصلي: أصلي لله تعالى في مقامي هذا صلاة الهاجرة أو غيرها بدلا عن صلاة مثلها فائتة أو منتقضة فأرجو أن يجزيه ذلك والله أعلم.
النية لتأدية الصلاة: وإذا أراد أن ينوي الصلاة قال: أصلي لله مولاي في هذا (6/41)
صفحة 1895
المقام كذا وكذا ركعة من أي صلاة أراد أن يصليها طاعة لله ولرسوله مستقبلا القبلة التي في المسجد الحرام في مكة هي قبلتي كأني أراها وأصلي إليها وقد نويتها وتحريتها.
النية في السواك: أنا عليّ تأدية ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من السواك طاعة لله ولرسوله.
النية في المشي والدخول والخروج يكون بمعنى قضاء الحاجة.
النية في الخطبة: يكون بمعنى الموعظة والتنبيه والتذكرة.
النية في الجهاد: تكون نيته أنه يجاهد من أمر الله بجهاده ويقاتل من أمر الله بقتاله لإقامة دعوة الله تعالى وإماتة الباطل وإنه فرض عليه الجهاد في سبيله كما أمر الله به وإنه قد باع نفسه لله كما أمر طلبا لثوابه وللشهادة طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
لفظ الاعتقاد عن الفقيه أحمد بن عبد الله بن موسى أنا واقف وقوف سؤال لا وقوف شك ولا اعتقاد ولا أخطئ المسلمين فيما دانوا به من قول ولا عمل ولا أشتم أعراضهم ولا أسفه أحلامهم وأنا سائل طالب الحق حيث وجدته وديني واعتقادي في جميع فيه الأمة دين الله تعالى ودين رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث حيا إن شاء الله.
مسألة: عن الشيخ أبي عبد الله بن إبراهيم بن سليمان ودائن لله تعالى بالسؤال من جميع ما يلزمني في دين الله ما تعبدني به ودائن بالتماس جميع ما يلزمني في دين خالقي وما يوجب علي الوعيد في تركه وما يوجب لي الوعد لأؤديه ومعتقد أني راجع إلى الله من جميع ما تركت من دينه الذي تعبدني بالعمل به أو جميع ما تعبدني بتركه وارتكبته بجهلي أو بعلمي.
وسألته كيف يكون اعتقاد الإنسان من أداء الفرائض وعمل الطاعات لله تعالى؟ قال: يكون اعتقاده في ذلك طلب رضاه وخوف سخطه على معنى قوله انقضى.
ومن بعض آثار المسلمين النية فيمن شك في صلاته وأراد بدلها .. إذا شككت في صلاتك وأردت بدلها تقول عند اعتقادك: اللهم إن كانت صلاتي التي (6/42)
صفحة 1896
صليتها وهي صلاة الظهر الحاضرة قد تمت لي وهذه الصلاة أصليها عن صلاة فائتة وإن لم يصح لي فأيهما أحب إليك وأرغب وأزكى وأطيب فهي صلاتي الحاضرة الواجبة طاعة لله ولرسوله. انقضى.
قال المؤلف: سل عن ذلك وارغب فإنه لا يجوز فإني ضعيف المعرفة وقد كتبت كما وجدت وفي تركها كفاية غيرها عنها، ومن بعض آثار المسلمين فيمن يتخلص من شيء عليه لمن لا يعرفه تكون نيته يسلم الشيء قضاء عن نفسه وصدقة عن ربه ويوصي أنه متى صح للحق رب خير بين الأجر وبين أخذ الحق.
مسألة: هذا ومن جامع أبي جابر محمد بن جعفر بالزيادات قال بشير: لا أعلم أن أصحابنا اختلفوا في الذي يفعل شيئا من الفرائض أنه يقدم نية في ذلك، واختلفوا في شهر رمضان فقال بعضهم: كله فريضة واحدة، وقال بعضهم: كل يوم منه فريضة، واحتجوا بالسحور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحث على السحور لتأكيد الاعتقاد للصوم في كل ليلة، قال غيره: نعم الأعمال لا تقوم إلا بالنيات إلا أن نية المسلم في أداء الفرائض وعمل الطاعات وهو على نيته ما لم يحولها أو يذكر ذلك.
ومن الكتاب يذكر أنه من جامع الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة .. قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل» فأجاز تقديم النية في الصيام والطهارة كذلك عندي والله أعلم.
وكذلك النية للصلاة والزكاة والحج من الفعل، وكذلك النية للصيام وقتها أبعد وكان التقدير في الصيام كغيره، غير أن الصيام وقته طلوع الفجر وهو وقت لا يتهيأ لأكثر الناس ضبطه ولأن أكثر الناس فيه نيام، الحجة على وجوب النية للصوم قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة:5). والنية عقد بالقلب وعزيمة على الجوارح، وقال أبو محمد: من أهمل النية من الصوم والصلاة وسائر الفرائض ففعله باطل، وإن أهمل النية في صوم رمضان فعليه القضاء والكفارة.
مسألة: والنية للصائم أن يعتقد النية للصيام قبل الفجر يقول: أصبح غدا إن شاء الله صائما الفريضة من شهر رمضان طاعة لله ولرسوله، من طلوع الفجر إلى الليل، وقيل: إن اعتقد للشهر كله نية واحدة أجزته، وإن عقد لكل يوم نية فحسن. (6/43)
صفحة 1897
ومن الكتاب يذكر أنه من كتاب الرهائن قلت: فإن صام الشهر كله على غير نية يجوز له ذلك أم لا؟ قال: لا يجزيه، قلت: فهل يلزمه لترك النية؟ قال: لا ينفع عمل الفرض بغير نية وألزم إعادة العمل الذي تجب به النية، قلت: فإن عقد بعض النية وأدركه الصبح قبل تمامها ما يلزمه؟ قال: وهذا من المحال إذا عقد بعض النية كيف ينقسم له وأرجو أن صومه يثبت له إن قدم أنه يصوم قبل الصبح، قلت: وكذلك صوم الكفارة يجزي عنه صوم نية واحدة أم لكل يوم نية؟ قال: المعنى واحد، وقد قيل: نيته تجزي كذلك إن شاء الله.
مسألة: وهل يجوز أن يذكر الله بلا معنى ولا اعتقاد ويفعل فعلا بلا معنى ولا اعتقاد، وإن فعل أو تكلم بلا نية يأثم أو لا؟ قال لي: لا يجوز أن يلفظ بشيء لا معنى له فإن الذي لا معنى له يكون لغوا لا طاعة وما لم يكن طاعة فقد قبل سيئة والله أعلم.
مسألة: وسألته كيف يكون اعتقاد الإنسان في أداء الفرائض وعلم الطاعات لله تعالى؟ قال: فيكون اعتقاده في ذلك طلب رضاه وخوف سخطه على معنى قوله.
مسألة: كل فريضة فالنية فيه تأدية المفترض أو تأدية لما تعبده الله به، وأما الفضيلة فالنية فيها التقرب إلى الله، وأما المنام فالنية فيه الشكر لله والتقوي على طاعته مثل الأكل والشرب والنكاح والنوم والمشي والقيام والقعود وما أشبه ذلك.
مسألة: وقيل: النية إنما هي اعتقاد بالقلب وعزيمة على الجوارح وتلفظ باللسان، فإذا كان هذا هكذا واجتمع في عمل شيء من الواجبات فقد خرج من حكم الاختلاف. جوابات الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان إلى من (6/44)
صفحة 1898
سأله، وسألت أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان أكرمه الله عز وجل إذا قصد الإنسان عند فعل الفرائض مثل الصلاة والوضوء وغير ذلك كيف تكون نيته في ذلك، وفي استقبال القبلة عند الصلاة؟
الجواب: إذا قصد الإنسان عند فعل الفرائض إلى اللازم له أو إلى رضى الله أو إلى طاعة الله أو رضى خالقه أو رضى محدثه أو غير ذلك من أسماء الله أجزاه ذلك إن شاء الله. انقضى. ومما وجدته بخطه من آثار المسلمين.
مسألة: ورجل في نيته أن يؤدي لله كل فريضة وجبت عليه ثم وجبت عليه فريضة فأتى بها على وجهها ولم يحدث عند القيام إليها نية إلا ما تقدم قلت هل يكون مؤديا؟ فمعي أنه يكون مؤديا إذا ترك تجديد النية لنسيان أو عذر بوجه من الوجوه.
وقلت: لو لم يكن له نية إلا أنه دائن لله في اعتقاده بأداء كل فريضة إذا وجبت كان كذلك هل يكون القول واحدا؟ فمعي أن القول واحد، وقلت: لو لم يعتقد نية ولا دينونة قبل ذلك ثم أتى الفرض بنفسه على غير نيته لتأدية أو نية فعل غيره مثله هل يكون مؤديا؟ فمعي أنه ما لم يضيع اعتقاد العبادة لله بطاعته وأداء فرائضه وكان مقرا بجملة دينه كان دائنا بذلك، وإذا أداه على وجهه فقد أداه، وإن كان منكرا لذلك أو دائنا بتركه أو معتقدا عبادة غير الله بذلك فذلك عندي لا يجزيه ذلك، وقلت: إن كان لا يجزيه في حين الفعل أو القيام إلى الفعل وهو مثل الصلاة أو غيرها فقام إليها ونسي الاعتقاد ولم يكن تقدمت له نية ولا دينونة إلا أنه كان في نيته إذا قام نوى ذلك فنسي وكان عالما بلزومه عند القيام، فلما صلى بعض صلاته أو شيئا منها أو قضاها أو غيرها من الفرائض ذكر واعتقد في صلاته التي صلاها إنما يريد بها الفريضة التي عليه أو ذلك الفرض هل يكون مؤديا؟ فإذا كان مقرا بأداء الفرائض لله على ما يلزمه في دينه وقام بها على وجه فعلها في وقتها ونسي تجديد الاعتقاد لها ولم يعلم أنه أراد غيرها ولا أراد بها لغير الله ثم ذكر ذلك فلا شيء عليه وصلاته تامة، وكذلك ما كان من الفرائض مثلها.
وقلت: ولو نسي حتى خلا لذلك قليل أو كثير بعد وجوب صلاة أخرى وفريضة أخرى أو أكثر، ذكر اعتقاده هل يجزيه ذلك إذا اعتقد حين ذكره؟ فإذا لم يعلم أنه أراد بذلك لغير ما يجوز له فقد جاز ذلك بصحة الاعتقاد منه بالتعبد لله على ما ألزمه (6/45)
صفحة 1899
في ذلك فيما معي، ورجل بالغ الحلم صحيح العقل قادر على معبري الصلاة حان عليه وقت صلاة وهو لا يعرف جميع حدودها التي لا تقوم إلا بها فعلا أو جاهل شيئا لا يقوم إلا به وهو يعلم ذلك أو لا يعلم وهو عنده أنه عالم بذلك أو غير عالم وعليه أن يعلم ويعتقد عند القيام إليها أن تلك الصلاة وجملتها واجبة عليه وإنه إنما يريد بصلاته هذه مؤديا ما أوجب الله عليه فيها أم يعتقد أن ما علم من تلك الصلاة فهو واجب عليه وإنه إنما يريد يؤدي ما أوجب الله عليه أم كيف يكون اعتقاده؟ فمعي أنه يكون اعتقاده أن يؤدي جميع ما لزمه في تلك الفريضة إذا كان ذاكرا لذلك عالما به، فإذا أدى ذلك بجملته علمه أنه يجزيه أو لم يعلم إلا على هذه النية فإن ذلك يجزيه لاعتقاده الدينونة لأداء ذلك في جملة اعتقاده وما علم من ذلك اعتقده بعينه إذا كان ذاكرا لذلك.
قلت: وكذلك لو كان عارفا بصلاته، وما لا تقوم إلا به إلا أنه لا يعلم أنه عالم ما يلزمه فيها علمه أو جهله، وما علمه اعتقده بعينه وما لم يعلمه اعتقده في جملة ولا يضره إذا لم يعلم أنه عالم، إذا لم يجهل العمل لها ولم يضيع شيئا منها، وقلت: وكذلك جميع الفرائض عند القيام إليها، فمعي أنه يعتقد أداء تلك الفرائض بجميع ما يلزمه فيها في دين خالقه علمه أو جهله، ويعتقد إذا ما علم من ذلك بعينه.
قلت: ولو كان جاهلا بشيء من صلاته مما لا تقوم الصلاة إلا به وهو يعلم جهله له وعارف به ولا يعلم وعنده أنه جاهل شيئا من صلاته، فلما جاء وقت الصلاة اعتقد أنها عليه وأنه يقوم يؤدي هذه الفريضة التي عليه واعتقاده هذا عند القيام إليها أو قل ذلك ثم أتى بالفعل من غير إحداث نية هل يكون مؤديا وسالما في اعتقاده أنها عليه فريضة؟ فمعي أنه يؤدي إذا لم يترك شيئا مما لا تقوم إلا به ولم يتحول عن نيته المتقدمة إلى غير ذلك.
وقلت: لو أحدث نية عند القيام إليها أنه يؤدي الفريضة التي عليه وله أن يعتقد ذلك إذا هداه الله لاعتقاد ذلك وعليه ذلك إذا علمه وخطر بباله وذكر، وقلت: لو كان لا يعلم من صلاته شيئا وهو قادر على معبريها أو لا يقدر وحان عليه وقتها وقد عرف أنها أربع أو أقل فاعتقد أنها عليه فريضة وهي كذلك وأداها على ما حسن في عقله هل له ذلك؟ فإذا اعتقده وأداه بإلهام أو عبارة جاز ذلك، وكان سالما وليس له أن يقوم على اعتقاد الشهادة على علم وبأي وجه وصل إلى ذلك من الوجوه جاز له ذلك ولزمه. (6/46)
صفحة 1900
قلت: وكذلك يعتقد عند العلم بوقتها أن عليه منها فريضة ما بلغ علمه أو ما علمه وأنه مؤد منها ما عليه هكذا بلا اعتقاد للجملة منها أنها عليه فريضة وغيرها من لازم علمه أو جهله جاز ذلك إذا أداها على وجهها ولم ينقص منها شيئا ولم يخالف الدين في اعتقاد ولا فعل فيها بمخالفة الحق.
وقلت: لو كان لا يعلم من صلاته شيئا وهو قادر على معبريها أولا فحان عليه وقتها وقد عرف أنها أربع فاعتقد أنها فريضة وهي كذلك وأداها على ما حسن في عقله هل له ذلك أو عليه ويكون سالما؟ فمعي أنه إذا أداها على وجهها بأي الوجوه بلغ إلى علمها فقد أدى ولو قدر على غير ذلك من علمها، قلت: وكذلك لو علم أن عليه صلاة في ذلك الحين ولا يعرف كم هي فاعتقد أنها عليه فريضة وأداها كما قدر بعبارة أو بحسن عقل هل له ذلك أو عليه، ويكون سالما؟ فمعي أن له ذلك وعليه إذا وافق العدل في ذلك.
وقلت: لو سأله غيره من البالغين الأصحاء العقول القادرين على المعبرين وهو لا يدري صلاته أم لا عن اعتقاد نية عند القيام إليها كيف تقول له أن يعتقد؟ فمعي أنه إذا بلغ إلى علم أن يقول له ما يقول له العلماء، وفي ذلك كان ذلك له وعليه وإلا فيدله على ما بلغه الله إليه من علم ذلك من العقول والصواب.
وقلت: وكذلك لو كان علمها في وقت صلاة أعليه وله أن وقت تلك الصلاة على كل بالغ صحيح العقل قادر على معبريها رآه أو لم يره دون الحائض ويأمر بصلاته على وجه اللزوم حتى يعلم أنه معذور عليه أم ليس له ذلك حتى يعلم أنه يعلمها حين وقتها سامع ويعلم منها شيئا فيعتقد أنه عليه ويأمر بأدائه؟ فمعي أنه ليس عليه ذلك ولا له على العموم من وجه اللزوم حتى يخصه العلم بذلك في أحد بعينه.
وقلت: وكذلك لو لم يكن عند المعبرين وقد حان وقت صلاته فعلم بها أو لم يعلم وقد علم هذا بها أعليه وله أن يعتقد أنها قد وجبت على كل بالغ صحيح العقل حيثما كان، ويأمره بذلك حتى يعلم أنه معذور أم ليس له ذلك ولا عليه حتى يعلم أنه عالم بوقتها وعالم بشيء منها أو بكاملها؟ فمعي أنه ليس عليه ذلك على اللزوم حتى يبلغ إلى علم ذلك في شيء من أحكام الخصوص أو العموم على وجه التعبد للجميع إلا من خصه عذر. (6/47)
صفحة 1901
قلت وكذلك جميع الفرائض الغائب وقتها أم كيف يكون اعتقاده؟ فإذا بلغ إلى علم فريضة يعلم أنها عامة لجميع المتعبدين إلا من خصه عذر كان عليه اعتقاد ذلك في الجملة حتى يخصه حكم ذلك في أحد بعينه.
قلت: وعليه وله أن يأمر بها ويعتقد لزومها لغيره من الأصحاء العقول البالغين ممن حضر مثله في الرواية حتى يعلم أنه معذور أم ليس له ذلك ولا عليه حتى يعلم أنه واجب بلا اختلاف؟ فمعي؛ أن ذلك مما يسع جهل علمه حتى يبلغ إلى علم ذلك بأحد وجوه العلم ثم عليه ألا يجهل ما وجب عليه من علم من أحكام العموم. (رجع: إلى كتاب بيان الشرع). (6/48)
صفحة 1902
الباب السادس
في الشك المعارض في الأشياء الحلال
وفي أخذ المال بقول الغير ..
وعمن اشترى مالا فأكله ثم شك فيه فلم يدر أكان شراؤه على ما لا يجوز ويثبت أو كان على غير ما يثبت، وكذلك في التزويج إذا عارضه الشك في عقدة التزويج من بعد ذلك ولم يدر أكان صوابا أو كانت على غير ما يثبت.
قال محمد بن سعيد: فعلى ما وصفت في هذا الحال إذا نصب نفسه إلى علم ما مضى من أموره وغاب عنه صورة ذلك الأمر بجميع ذكره وكان يعرف نفسه أنه لا يدخل في شبهة ولا يتعمد في بيعه وشرائه ونكاحه إلا سبيل الحق بذلك يعرف نفسه وكان في يده مال قد أكله وكان في ملكه فرج قد ارتكبه على ما عنده أنه من الحلال ثم عارضه الشيطان بوسواسه ليضيق عليه أمر ماله ويكدر عليه الصافي من حلاله الذي لا يذكر هو كيف كان أمره ولا يحضره في حاله هذا ذكره فهذا لا يلتفت إلى هذا الشك ولا إلى هذه المعارضة ولا شبهة عليه في هذا إن شاء الله، لأنه إما أن يكون قد أخذه بوجه حلال فتركه للحلال ضرب من الضلال إذا تركه على وجه التحريم على نفسه لما يعلم حقيقة حرامه.
وإما أن يكون قد دخل فيه بباطل قد غاب عنه علمه ونسيه فقد وجب له عذر النسيان إذا دان بالتوبة والخلاص في جملة ما يلزمه لله من التوبة والخلاص وكان داخلا في ذلك إذا أخذه على وجه التحريم فعلى هذا أن يكون اعتقاده إذا عارضه هذا الخاطر الوحش أنه ارتكب هذا الفرج حراما أو أخذ هذا المال حراما وهو لا يعلم ذلك إلا أنه يتهم نفسه فليس عليه أكثر من الاعتقاد أنه كان ذلك حراما فهو دائن لله (6/49)
صفحة 1903
بالتوبة منه ودائن لله بتركه إلى الله لله بأدائه إلى أهله متى ما بلغ إلى ذلك علمه وبلغ إلى ذلك قوته وصح ذلك معه بما يوجب عليه ترك ذلك.
مسألة: ولما رجعت من الحج وسوس لي الشيطان أنك لم تقض حجتك على الوجه فكفاك الله مخافته وذلك أنك جئت من منى لطواف الزيارة فوقفت عند الركن ثم نويت أنك تطوف بالبيت سبعة أشواط طاعة لله ولم تنو طواف فريضة الزيارة، وكذلك نيتك في جميع المواقف ولم تذكر أنك نويت فريضة، وكذلك وقوفك بعرفات غير أنك كنت تنوي عند كل أنه طاعة لله، وقد وفقت للخير إن شاء الله طاعة لله إذا نويتها فإنما طاعته فيما أمر به من الحج الواجب.
وإن كنت خرجت تريد أن تؤدي حجة الإسلام إلا أنك لم تقل ولم تنو إلا طاعة لله فقد أجزاك نيتك التي قصدت بها وقد أديت حجة الإسلام وأداؤها طاعة لله مما أمرك لأنما على العبد أن يحرم بالحج فإذا أحرم به ونواه طاعة لله فقد دخل في الفريضة التي أمر باتباع طاعته وهذا يجزيك لكل فعل، إنما تنوي أن تحج حجة الإسلام، فإن كان قولك طاعة لله فذلك الحج إنما هو طاعة لله فيما أمر به لأن نيتك في إحرامك بالحج يجزيك وقد فعلت جميع فرائض الحج، وقد سقط عنك والحمد لله رب العالمين.
ألا ترى أن من نوى أن يصلي فريضة فأقام الصلاة ثم أحرم وقرأ وركع وسجد، أن جميع ذلك فرائض في الصلاة وقد أجزاه نيته الأولى أنه يصلي الفريضة طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ولو لم تحضر نيته عند الإحرام والقيام والقراءة والركوع والسجود، وأن نيته الأولى مجزية له وصلاته تامة يثاب عليها، وكذلك أنت إن كنت أحرمت بالحج ونويت طاعة لله فقد أجزاك حجتك، ألا ترى أن من أدى الفريضة وقضاها ثم شك من بعد أنه لم ينو فريضة أنه قد قضى ولا يرجع إلى الشك في شيء من ذلك من وضوء أو صلاة أو حد من حدودها، وكذلك من تزوج امرأة ثم شك كيف كان تزويجه أنه لا يرجع إلى الشك، وكذلك لو لفظ بلفظ من طلاق ثم شك فيه أنه لا يحكم على زوجته بالطلاق ولا يرجع إلى الشك حتى يستيقن.
مسألة: من الزيادة المضافة، وقال محمد المختار في بيدار بيده مال وماء فقال: هذا المال لفلان وأنت لا تعرف المال إلا بقول البيدار جاز لك أن تشتري وتتصرف من ذلك المال من عند من أقر له به أو ورثته، قلت: فإن قضى صاحب المال مال زوجته أو (6/50)
صفحة 1904
غيرها والمقتضي لا يعرفه فقال البيدار: إن هذا هو مال فلان كان للمقتضي أخذ ذلك المال بقول البيدار، قال: هكذا عندي، قلت: فإن كان البيدار أو غير ثقة قال: نعم.
مسألة: من كتاب الأشياخ: وعن رجل وسوس له الشيطان في صلاته وفي طاعته لربه بوسواسه مثل زوجة يتزوجها أو كلمة يحتج بها أو قوته الذي يقتات فيه أو الحق الذي عليه كيف يخرج منه ثم ذلك عادته وديدنه في ليله ونهاره إلا ما شاء الله كيف يكون هذا عند ربه وبماذا يداوي قلبه، قال: الواجب عليه أن يقبل إلى ربه ويهمل ذلك الوسواس الذي وصفت ويشغل قلبه بذكر الموت ونزعه وشدائده وأوجاعه والقبر وأهواله والحساب وما يلقى به ربه، وأي مصير يصير إليه إما جنة وإما نار، ويشغل قلبه بحساب نفسه من حسناته وسيئاته قبل أن يحاسب فإنه إذا داوى قلبه بهذا أو اشتغل بذكر الموت وعلم، قيل إن له أجلا لا يعدوه هو آتيه غدوا أو مساء وأشعر نفسه بذكر الموت رجوت أن قلبه يثبت ويرجع عما ذكرت، لأن من اشتغل بذكر الموت بما ذكرت لم يسأل عن تلك الأشياء التي قلت أنها يوسوس له إذا علم أن له رزقا لا يعدوه ولا يفوته رزق هو آتيه لا يعدوه، وعلم أن رزقه الذي رزقه الله هو آتيه ولا ينقصه منه شيء، وما كان في علم الله أنه يأكله لم يفته ولم يغلب عليه وأن الله هو مسبب الأرزاق لعباده من أبواب الحلال فجعل هذا همه وأشعر قلبه ذكر الموت؟ رجوت أنه يثبت.
وأما إن لم يذكر هذا وإنما ذكره فيما قد وصفت وشعاره ما عددت فهذا همه دنياه وهو عند ربه كما ربه عنده، كما روي أنه من أراد أن يعلم ما عند الله له فليعلم ما عنده لله من الوفاء والبر والتقوى، فهذا يجزيه إن شاء الله مع إني ضعيف النظر كثير الخواطر واللهو في أمثال هذا إن لم يمن الله بفضله ولا جعلنا ممن وعظ ولم يتعظ، ولا ممن أمر ولم يأتمر ولا ممن زجر ولم يزدجر ولا ممن علم ولم يعمل ولا ممن ترك وأهمل، ونسأله منا القبول والصدق فيما نقول والتوبة إلى الله من كل ذنب. انقضت الزيادة المضافة (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (6/51)
صفحة 1905
[صفحة بيضاء] (6/52)
صفحة 1906
الباب السابع
فيمن أخذ شيئا باطمئنانة ثم عارضه الشك
وعن رجل خرف من ثمره نخلة لا يعرف لمن هي غير أن أهله أو رجلا من أهله كان يقول أن تلك النخلة له ولهم ثم سأل عنها بعد ذلك واستصح خبرها فلم يعلم لها ربا وأراد الخلاص فعلى ما وصفت والخارف لهذه النخلة؟ إذا كان دخل في ذلك بخبر من يطمئن إليه قلبه ولا يرتاب فيه حين دخل إلا أنه كما ذكر له ثم عارضه الشك بعد ذلك فليس عندي فيه بأس في حكم الاطمئنان إذا كان قد دخل في حكم الاطمئنان إلا أنه يصح باطل ما دخل فيه بعلمه أو بينه عدل، فإذا صح معه ذلك كان عليه الخلاص من ذلك إلا من صح له أنه دخل فيما لا يجوز ولم يعرف له ربا وأيس من معرفة ربه فهو بالخيار إن شاء فرقه على الفقراء وإن شاء دان به إلى أن يقدر على ربه، وإن دخل المجهول أو شيء لا يطمئن إليه قلبه من الأخبار الشاذة فعليه الخلاص من ذلك على ما وصفت لك حتى تأتي حالة عليه يطمئن قلبه إليها أن دخوله ذلك كان بسبب حق أو واسع له.
مسألة: وعن رجل في يده مال يثمره ويحوزه ويقول الناس: إنه له أو لا يقولون ذلك ولزم رجلا من ذلك المال تبعة واحتاج إلى طلب الخلاص منه فقال له ثقة: إن هذا المال ليس هو لهذا أو شيء منه فيأخذ بقول الثقة ويطلب الخلاص إلى من يقول الثقة أنه له أو يطلب الخلاص إلى من المال في يده ومن يقول الذين غير ثقاة أنه له ولا يتحدث الناس ولا يقولون أنه له ولا لغيره فعلى ما وصفت فإذا كان هذا المال في حد هذا يحوزه ويثمره ويدعيه لنفسه ولا يغير ذلك عليه أحد ولا ينكر إلى أن لزمته هذه التبعة أو اشترى شيئا منه أو دخل في أمره بوجه من الوجوه ثم قال بعد ذلك قائل (6/53)
صفحة 1907
غير ذلك لم يقبل هذا منه في الحكم وعليه أن يتخلص مما عليه إلى من في يده ذلك المال على ما وصفت لك إلا أن يصح خلاف ذلك ببينة عدل وذو اليد حجة كان ثقة أو غير ثقة، والشاهد الواحد ليس بحجة كان ثقة أو غير ثقة فافهم معاني الحكم والحجة إلا أن يحتاط لنفسه فيخرج من ذلك إلى ذي اليد وإلى من قال له الثقة جميعا فذلك إليه وهو وجه احتياط وحسن ذلك إن شاء الله ما يكرم ذلك لنفسه إلزام وجوب، والله أعلم بالصواب. (6/54)
صفحة 1908
الباب الثامن
في أخذ الرجل حقه إذا اختلط ماله بمال غيره
وسئل عن رجل طالبه السلطان بخراج فأعطاهم فأخذوه منه ومن غيره ووضعوه في موضع ثم إنهم ردوا عليه بقدر ما أخذوا منه بعد أن خلطوه بمال غيره هل يجوز له أخذه؟ قال: معي أنه قد قيل ليس له أن يأخذ من هذا شيئا أكله إلا عن لأي الشركاء المخلوط مالهم في ذلك إذا عدم الحكم وما أخذ من ذلك فهو مضمون عليه لجملة الشركاء إلا بمقدار ما كان له في المال، وقيل: يأخذ من ذلك مثل جنس ماله إن قدر عليه ولا يأخذ فوق ذلك ولا دونه إذا أخذ فوق ذلك علم أنه قد أخذ غير حقه، وكذلك إذا أخذ دونه.
وقيل: يأخذ مثل ماله ودونه ولا يأخذ فوقه، لأن المال قد حكم عليه بالاشتراك، وقد بلغ هو إلى مقدار ما يحكم له به أو دونه عند صحة الحكم، ومعي أنه قيل إن له مثل ماله من هذا المال الذي صح فيه الاشتراك، فإن لم يبلغ من ذلك إلا إلى فوق مثل حقه، وكان له ذلك بالصرف لأنه كذلك يحكم به الحاكم عند اختلاط الأموال أن يوفى كل واحد منهم بقدر حصته من جملة المال بالتراضي فيما بينهم في تفاصيلها عند عدم صحة كل مال منهم بعينه وصحة اشتراكهم فيها.
مسألة: وسئل عن رجل أخذ منه السلطان حبا وخلطه على حب غيره حبوب الناس آخرين قد أخذ منهم ظلما هل يكون القول فيه كالقول في الدراهم إذا بلغ إلى الأخذ؟ قال: عندي أنه يشبهه إن لم يكن أشبه بالإجازة لتواطؤ بعضها بعضا.
مسألة: وعن رجل له عشر خشبات في مائة خشبة ليس لذلك الخشب (6/55)
صفحة 1909
علامة يعرف بها وإنما يعرف بمواضعه من السفينة وإن السفينة كسرت فلم يدرك من خشبها إلا سبعين خشبة فرأيت أن الخشب بينهم على الحصة المقل بقلته والمكثر بكثرته إذا لم يعرف خشب القوم بعضه من بعض.
مسألة: وأما الثلاثة الذين وجه إليهم ثلاث صرر دراهم لكل واحد منهم صرة فأخذ اللصوص صرتين وبقي صرة واحدة لا يعرف لمن هي منهم فمعي أنه يخرج في معاني بعض القول أنه إذا لم يعرف ذلك كانت بينهم على قدر مالهم في الأصل إن كانوا مستوين في الوزن كانت بينهم، وإن كان مالهم مختلفا فعلى قدر كل واحد منهم وماله يقسم بينهم بالأجزاء، وقيل: لا يحكم لهم ولا عليهم فيها بشيء حتى يتفقوا هم على شيء أو يصح بالبينة لمن هي منهم.
مسألة: وإذا أخذ السلطان حبوب الناس فجمعها وخلطها فأجاز أبو الحواري رحمه الله لمن كان له فيها حب أن يأخذ بمقدار ماله فيها، وكذلك الماء الذي غصبوه من الفلج أجاز لمن كان له ماء في الفلج أن يسقي من تلك الجنورة التي غصبوها بمقدار ما يقع له منها.
مسألة: وعن رجل دفع إلى جبار حبا فخلطه في حب مغصوب فقال من قال: يأخذ منه قدر حبه، وقال من قال: لا يأخذ منه إلا أن يحكم له حاكم عدل، وقال من قال: لا يأخذ منه ويأخذ من غيره، وإن أخذ كان ضامنا للمغصوبين حتى يتفقوا في قسمه والله أعلم.
مسألة: وعن أبي الحواري أن ما غصبه السلطان من مياه الناس فهو مثل السيل وهو على الجميع والله أعلم.
مسألة: وعن أبي الحواري: وعن صاحب السفينة يحمل للناس التمر والأمتعة التي يشبه بعضها بعضا ثم تكسر السفينة في البحر فتذهب بعض الأمتعة ويبقى في يده بعضها فتختلط علامات الناس فلا تعرف علامة كل رجل فيعطيه ماله كيف العمل في ذلك؟ فعلى ما وصفت فنقول إن اتفق أصحاب هذا المتاع على شيء بينهم وتراضوا على ذلك وإلا فكان هذا المتاع موقوفا حتى يتفقوا على شيء أو يفرق على الفقراء وذلك أنه قد قيل في الراقب الذي يكون حفيظا على سنبل الناس فتهيج الريح فيختلط السنبل بعضه ببعض ولا يعرف الراقب سنبل أحد بعينه، وكذلك (6/56)
صفحة 1910
أصحاب السنبل لا يعرفون سنبلهم، فقال من قال من الفقهاء: إن اتفق أصحاب السنبل على شيء وإلا فرق ذلك السنبل على الفقراء فعلى هذا أجبنا في المتاع على سبيل السنبل، فإن اتفقوا على شيء وإلا كان المتاع موقوفا أبدا حتى يتفقوا على شيء أو يفرق على الفقراء.
مسألة: من الزيادة المضافة عن القاضي أبي علي، وعن دراهم كانت أمانات للناس فاختلطت، فإن اتفقوا عليها فهو ما اتفقوا عليه، وإن لم يتفقوا كانت أبدا موقوفة حتى يتفقوا على قسمها والله أعلم.
مسألة: وإذا كانت دراهم لمسجد أو لمن لا يعرفها فاختلطت كانت موقوفة حتى يعلم لمن هي، والله أعلم.
مسألة: مما سئل عنه القاضي أبو سليمان هداد بن سعيد مكوك حب حرام جعل في قفير حب حلال كيف يعمل صاحب القفيز يتحرى قدر ذلك المكوك ويخرجه من حبه أو يحرم عليه الجميع، وكذلك لو اختلط كف حب أو كف تمر في جراب تمر يحرم عليه الجميع أو يتحرى قدر ذلك يخرجه ولا بأس عليه في الباقي فأما الحب فيحرم كله وأما التمر فإن عرف موضعه أخرج، وإن لم يعرف حرم كله والله أعلم.
مسألة: ومن خلط حبه في حب غيره هل يجوز له أن يأخذ من الحب مقدار حبه بالكيل من غير حضور شريكه أم لا، وكذلك الدراهم إذا اختلطت هل له أخذ دراهمه بالوزن ويترك الباقي لصاحبه ويصح أم لا؟ لا يصح ذلك له لأنه لا يتميز أحدهما من الآخر والله أعلم.
مسألة: من كتاب الرهائن أعناب متدانية لجماعة ناس ثم اشتبكت يجوز لكل واحد منهم أن يأخذ من العنب الذي في أرضه وماله إذ قد اشتبكت بعضها ببعض أم لا؟ قال: لا يجوز ذلك إلا عن تراض منهم بذلك إن كانوا بالغين لأن لكل واحد عنبة وإذا لم يتفقوا فكل واحد أولى بماله وإن أراد صرف ما أناف من عنب غيره فعلى الآخر صرف ذلك عنه ولكل واحد ما حمل عنبه، ومن أخذ منه ضمن لربه. انقضت الزيادة المضافة (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (6/57)
صفحة 1911
[صفحة بيضاء] (6/58)
صفحة 1912
الباب التاسع
في المشي والجري ورفع الصوت
وعن الرجل تعرض له الحاجة فيجري إليها ولا يمشي هل يكره له ذلك؟ قال: الجري من أفعال الجفاء لما يدركه إذا مشى وإن كان يخاف فوت ذلك أو يلحقه ضرر إذا مشى في تعرض، وهو في مسجد أو بول يكربه، أو يخاف فوت الشيء عنه فجرى إليه لم يكن من الجفاء، وكذلك إذا خاف على نفسه العطب أو خاف على غيره من قبل غرق أو حرق أو أكل دابة أو شاة ذلك فجرى لم يكن ذلك من الجفاء بل كان ذلك الجري من الإحسان، وقلت: وكذلك إذا دعا أحدا بالناس أو غلامه بأعلى صوته فلا تعلم في ذلك كراهية، وقد سمعت أنا رجلا من مشايخ المسلمين من أهل المعرفة ينادي شيخا آخر قد كان من المسلمين بصوت رفيع من مكان لعله بعيد فأجابه الآخر بصوت رفيع.
مسألة: وسألته عمن تعرض له حاجة من أمر الدنيا مثل ماء يفوت أو شيء من قوت أصحابه أو شيء يفوته ويخشى فوته من أمر معانيه وما يصلحه هل له أن يجري في ذلك أو يمشي فوق هيئته؟ فقال: قد أجازوا له في مثل هذا على نحو هذا الذي وصفت، قلت له: ولا يسرع في أمر ما يفوته من الجماعة، مثل هذا قال لا، قالوا: يمشي على هيئة ويصلي ما أدرك ويبدل ما فاته.
مسألة: من الزيادة المضافة: وجدت بخط أبي زكريا ولا يبرز العبد لغير حاجة معنى، ألا ترى أن بعض المسلمين قال: إن ذلك معصية إذا أبرز لغير حاجة. انقضت الزيادة المضافة. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (6/59)
صفحة 1913
[صفحة بيضاء] (6/60)
صفحة 1914
الباب العاشر
في الخطار والقمار واللعب وما أشبه ذلك
وعن رجال تطارحوا السهم فيما بينهم فمن وقع عليه السهم أعطى كذا وكذا هل عليهم إثم في ذلك؟ وهم يحلون لبعضهم بعضا ويأكلونه فيما بينهم أو غير علين فلا يحل لهم ذلك وهذا من القمار.
مسألة: ومن قال لرجل: إن أخرجت من رأسي قملة فلك دينار، فإن كان على حد الخطار أن ليس في رأسه قملة وإنما هي مخاطرة أو كان الأذى في رأسه فهذا معنا خطار.
مسألة: ومن رأى صبيانا يلعبون بالجوز ويقمرون بعضهم بعضا وأطعموه منه فلا يجوز ذلك ولو كان فيهم ولده، وكذلك لو كانوا بلغا لا يجوز وهو حرام، والقمار لم يجزه أحد.
مسألة: وقال عليه السلام: «لا جلب ولا جنب ولا شغار ولا سعاد» قال أبو المؤثر: الجلب: قالوا هو خرم الأنف، والجنب هو الرهان أن يستبق الخيل فمن سبق فرسه كان له القمار شيء يجعلونه بينهم وهذا كله حرام، والشغار أن يقول الرجل للرجل زوجني بأختك وأزوجك بأختي ويجعل كل واحد منهما صداق أخته بنكاحهما ولا يفرضون لها صداقا سوى ذلك، قال أبو محمد: يكون صداق هذه بصداق هذه فهذا لا يجوز، وأما السعاد فهو تقارض البكاء إذا عنت أهل البيت مصيبة بكا معهم ناس آخرون، فإذا عنت أولئك مصيبة قضوهم هؤلاء فبكوا معهم، قال هذا قد نهى عنه - صلى الله عليه وسلم - فهو حرام. (6/61)
صفحة 1915
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الرهائن، وعن رجال وصبيان يتعالجون فتضاربوا وتعالجوا يلزمهم في ذلك شيء ويسعهم أم لا؟ قال: لا يسع الرجال ذلك وعليهم دية ما أصابوا والدية أيضا بين الصبيان ولا إثم عليهم. (انقضت الزيادة المضافة، ورجع إلى كتاب بيان الشرع). (6/62)
صفحة 1916
الباب الحادي عشر
في الرزق
روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأصحابه: «هل يستطيع أحد أن يهرب من الموت؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: وكذلك لا يستطيع أن يفر من الرزق، فإن الرزق يتبعه كما يتبعه الموت، واعلم أن غيرك لا يأكل رزقك ولا أنت تأكل رزق غيرك». وحكي أن أبا يزيد صلى خلف إمام فلما سلم الإمام نظر إليه وقال له: من أين تأكل؟ فقال له: حتى أعيد الصلاة التي صليتها وراءك ثم أخبرك بأنك لست تعرف رازق الخلق، وجاء رجل إلى الشبلي فشكا إليه كثرة العيال فقال له: ارجع إلى بيتك فمن علمت منهم أن رزقه ليس على الله فاطرده عنك.
وقال الجنيد: علامة اليقين ترك الاهتمام بما تكفل الله من الرزق، وقال الحسن: لعن الله أقواما أقسم لهم ربهم برزقهم فلم يصدقوه، وعن أويس القُرنيّ لوائل لو أنك عبدت الله عبادة أهل السماوات والأرض لا يقبل الله منك حتى تصدقه، قيل: وكيف تصدقه؟ قال: تكون آمنا بما تكفل لك من الرزق، ويقال: إن ابن آدم لو خاف النار كما يخاف الفقر لنجا منهما جميعا، وانظر إلى لطف الله تعالى كيف خلق الفرخ في البيض ويغذوه بصفرة البيض ويكنه من الحر والبرد بقشر البيض، وكذلك الجنين في بطن أمه يشبعه من الجوع ويدفئه من البرد ويكنه من الحر إلى وقت خروجه فإذا أخرجه من بطن أمه انغلق باب الرزق من وجه واحد وفتح له الرزق من بابين وهما الثديان يخرج منهما لبن صاف سائغ للشاربين.
مسألة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصا على إيمان أمته فقال الله عز وجلّ: (6/63)
صفحة 1917
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} الآية، (القصص:56)، وقال الله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (الشعراء:3)، قال سهل بن عبد الله في هذه الآية: لعلك مهلك نفسك باتباع المراد في هدايتهم وإيمانهم، وقد سبق منا الحكم في إيمان المؤمنين، وكفر الكافرين فلا تغيير ولا تبديل،، وقال سهل أيضا: لعلك شاغل نفسك عنا بالاشتغال لهم حريصا على إيمانهم ما عليك إلا البلاغ فلا يشغلك عنا مالنا فإذا كان حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إيمان أمته لم يرض الله منه ذلك الحرص لأن فيه ترك الرضى بالقضاء ورد المقدور، فكيف رضي من غيره الحرص على الدنيا الدنية التي هي متاع الغرور ومعدن الآفات والشرور؟
مسألة: قال الله عز وجل: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} الآية، (هود: 105) اعلم أن السعادة والشقاوة حكمان من أحكام الله تعالى عز وجل لا مدخل للعباد فيهما ولا سبيل لأحد إلى ردهما، والعبد متعبد بخوف الشقاوة ورجاء السعادة وهما من أحكام الغيبة فإنهما لو لم تغب لارتفع الخوف والرجاء من قلوب الخلق لتحقق السعيد بسعادته ويتيقن الشقي بشقاوته.
مسألة: وسألته عن صفة الرزق هل يكون من أظهر حاجته وأبداها إلى الناس ولم يستطع أن يكتم ذلك ساخطا لرزقه؟ قال: لا.
مسألة: وسألته هل يسع الإنسان أن يظن أنه لم يعلم أن رزقه لا يأتيه، قال: لا يسعه ذلك، قلت: أفليس هو رزقا مقسوما لا زيادة فيه ولا نقصان؟ قال: نعم، وعليه أن يطلبه، قلت: فإن ترك العمل وتوكل على الله في طلب الرزق، قال: إن الله قد فرض له رزقا فلا يرزق أحدا سواه وأنه لا يفوته شيء من رزقه أيكون مخطئا؟ قال: لا.
مسألة: وروى لنا أبو صفرة قال: رأيت في كتاب من بعض الكتب لأن اضرب في الأرض أبتغي من فضل الله أعود به على عيالي أحب عليّ من أن أضرب بسيفي في سبيل الله.
مسألة: عن الأشياخ النفقة على العيال فضل ثم على والديه ثم على أرحامه ثم في سبيل الله. (6/64)
صفحة 1918
مسألة: قال أبو سعيد: يقال والله أعلم من أراد الله به خيرا جعل رزقه كفافا وقنعه به.
مسألة: وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت»، قال بعضهم: أمر الرزق يطلبك وأمرت بطلب الجنة فذهبت إلى ما أمرت بطلبه فضيعته وإلى ما أمر بطلبك فطلبته.
مسألة: قال عمر بن الخطاب رحمه الله: ما من عبد إلا بينه وبين رزقه حجاب فإن هو اقتصد ساق الله إليه رزقه وإن هو اقتحم الحجاب وهتك الستر لم يزد في رزقه.
مسألة: قال أبو سعيد: في رجل قال لك: إن الله يرزق الحرام أو لا يرزق الحرام قلت ما جوابه؟ فأقول: إن جوابه: إن الله هو الرازق ولا يرزق أحد سواه كما لا يخلق أحد سواه، وكل رازق سواه، فمن رزقه فلا يحسن أن يقال: مرزق الحرام، ويقال: خير الرازقين كما سمى نفسه تبارك وتعالى كما أنه كل شيء من قضائه ولا يحسن أن يقال: قضى السوء، ويقال: يقضي الحق وهو خير الفاصلين، فسمى نفسه فأحسن وقال: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ} (الأعراف:180)، وليس من الأسماء الحسنى أن يقال: قاضي الشر، ولا رازق الحرام فافهم ذلك.
مسألة: من الزيادة المضافة: ومن كان عنده من الطعام ما يكفيه وعياله أشهرا وهم مغتم بالنقصان، فإن كان غمه أن الله لم يرزقه لم تجز له وإن كان همه في طلب المعاش لم يلزمه شيء.
مسألة: وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كثرت همومه فليكثر من الاستغفار، ومن أبطأ عليه الرزق فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومن ألبس نعمة فليكثر من قول الحمد لله»، وكان يقال: الاقتصاد في المعيشة يذهب عنك نصف المؤونة. (6/65)
صفحة 1919
[صفحة بيضاء] (6/66)
صفحة 1920
الباب الثاني عشر
في التمني
عن ابن مسعود: الخير ثقيل مري، والشر خفيف وبي، وقال رحمه الله: لأن أعض على جمرة فتحرق ما أحرقت أحب إليّ من أقول ليت لم يكن كان أو ليت ما كان لم يكن، وقال الله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} (النساء:32)، ليس هذا بنهي محرم إنما هو أدب من الله تعالى ذكره إنما قالت أم سلمة وغيرها: يا ليتنا كنا رجالا فجاهدنا وغزونا وكان لنا مثل أجر الرجال، فأنزل الله تبارك وتعالى الآية، وقد جاء لا يتمنى أحدكم مال أخيه ولكن ليقل: اللهم ارزقني، اللهم أعطني، معنى التمني أن التمني يسر لي أن أفعل ويفعل.
مسألة: وفي تفسير الضبي التمني، قال في الدنيا: من دادٍ أو دابة ذلك فيقول: اللهم أعطني ما أعطيت فلانا فإنه لا يدري لعل ذلك ليس هو خيرا له ولكن ليهلكه به فينبغي أن يقول أعطني من فضلك وجاء في الحديث: «لا يتمنين أحدكم مال أخيه بعينه ولكن ليقل: اللهم أرزقني من فضلك»، ومن قال: يا ليت كان كذا وكذا ولو كان كذا فهذا تمني أن يفعل الله به الخير، والتمني المكروه أن يتمنى ما رزق غيره من المسلمين أن يرزق مثله فجائز، والدليل على إجازته قول مريم: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} (مريم:23)، وجاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر قوما غزو فقتلوا فقال: يا ليتني غودرت مع أصحاب النحض نحض الجبل، أي ليتني تركت معهم شهيدا، والنحض أصل الجبل وسفحه.
مسألة: قال أبو سعيد: وحدث عن الحسن بن أبي الحسن رواية قال: لا ينبغي للعبد أن يكون في منزلة أو حالة فيتمنى على الله غيرها، فإنه لا يدري إذا وصلها (6/67)
صفحة 1921
ما تكون حالته فيها، ولكن ينبغي له أن يصبر على الحالة التي هو فيها ويسأل ربه الخير.
مسألة: وروي عن بعضهم أنه قال: لأن تقع في فمي جمرة تأكل ما أكلت أحب إليّ مما أن أقول لما لم يكن يا ليته كان، وهذا المعنى من قوله. (6/68)
صفحة 1922
الباب الثالث عشر
في الملق والمداراة والمداهنة والمكر والخديعة
والتعمق والهوادة وما أشبه ذلك
وقال أبو سعيد: إن الملق يكون في ثلاثة: الإمام العدل، والوالد، والعالم، قلت له: فإن أظهر إلى هذا العالم البراءة من رجل زعم العالم أنه يبرأ منه فأظهر إليه هذا البراءة منه في نيته وفي نيته أنه إنما يريد بذلك أنه موافق في ذلك ليتقرب وليستعيد منه، وفي نيته أنه واقف عنه لأنه لا يعرف منه ما زعم العالم أنه عارف منه، قال: معي أنه لا يجوز له ذلك ما لم يجر بذلك إليه ما ليس له من مال العالم، قلت: ولا يكون اسمه مثل اسم الرجل الذي أراد إظهاره والبراءة منه إلى العالم جاز له ذلك إن عرف وإن لم يعرف ذلك قال: وكذلك الأب والإمام يظهر إليهما ما يرضيهما، قلت له: ولا يكون هذا باب تقية من الإمام فلم نر أن ذلك من باب التقية إن أراد بذلك التقرب إلى الإمام وأداء حقه وتقويته على أداء حقه، قال: لأنه إذا قربه وأدناه كان أقوى على تأدية حقه، وكذلك الوالد على معنى قوله.
مسألة: قال أبو سعيد: الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أسباب اقتراب الساعة أن يكون الملك في الأشرار، والمكر في الكبار، والمداهنة في الأخيار، والعلم في الصغار»، قال أبو سعيد: فمعنى قوله: المداهنة في الأخيار، قال: الأخيار ليس عندهم مداهنة ولكن هم أخيار مع أهل أزمانهم لأن معهم من أشر منهم، قال: والمداهنة هي المصانعة يزين له فعاله ولا يأمره بمعروف ولا ينهاه عن منكر، قال: وكل هذا من أمور الدنيا، قال: ويكون العلم في الصغار، فالصغير لا يسمع له قول، وأقل ما يكون يكف عنه أن لا يضرب على قوله على معنى قوله، قال: والمكر في الكبار هو (6/69)
صفحة 1923
الخديعة والمكر بالباطل، وهو المكر السيئ، وقد قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (الأنعام:123).
ثم قال في بعض كلامه: أهل زمانك بين رجلين، فرجل إن دعوته إلى خير ونصحته لم يقبل ولم يكتم عليك، وإن استنصحته غشك، وإن تبعته لم تأمن على نفسك، وإن أردت أن تقوده لم ينقد لك، قال: وإنما يتابعك على ما يهوى، قال: وإن أنت لا تعرف ما يهوى كل واحد منهم وإنما تعرف لما قد عفرته من دين الله فتنصحه، وأما هواه فأنت لا تعرفه فتشير به عليه، قال: وأنت لا تأمنه على نفسه، فكيف تأمنه على نفسك؟ ثم قال: الكل ولا استثنى أحدا، وكان هذا التقييد يوم الأربعاء ثالث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أحد وستين وثلاثمائة سنة.
مسألة: ومن غيره قال: إن التصنّع إلى الذمي والسلطان وغيره جائز إذا كان يدعو إلى التقوية على الآخرة، وأقضي حاجة أستعين بها على أمر الدنيا، وقال الحواري بن محمد: إنه سمع أبا علي وهو يقول: لا تعمق في الإسلام ولا تنطّع، فسألت أبا جعفر رحمه الله عن التعمق فقال: إن التعمق بلغني أن أهل اليمن يضعون الغزل في الموضع الذي يكون فيه البول وأشباه ذلك، فإذا عملت ثيابا فبلغني أن قوما لا يصلون بها لحال ذلك وهي قد طهرت بالماء، وقلت له: إن من التعمق أن يستنكف الإنسان أن يأكل البقل والبصل، فقال: وذلك من ذلك:
مسألة: الهوادة الرخصة، قال تأبط شرا:
لجامعه امرؤ ليس فيه هوادة ... ولا غصة إذ ليس فيه تنازع
الهوادة: السكون، وقيل: الرخصة، وغصة أي منقصة واستحياء. وقال إياس بن سهم بن أسامة:
والسنة بالغيب ثم ارده ... أخا حين ألقاه حبيبا مكرما
الألسن الخديعة، والملق يقول أقول فيه بالغيب كلاما إذا بلغه رده إلى صحبتي، وودي إذا لقيني.
مسألة: قيل لسهل بن عبد الله: ما الفرق بين المداهنة والمداراة؟ فقال: كل (6/70)
صفحة 1924
شيء ينقص من دنياك فتحملته فهو مداراة، وكل شيء ينقص من آخرتك فتحملته فهو مداهنة، قيل له: فما الفرق بين الظن واليقين؟ قال: إذا عقل عن الله العبد فلم يمازجه بهواه فهذا يقين، وإذا مازح هواه بما عقل وجد العدو سبيلا، ثم قال: طوبى لمن رزق الإخلاص، وأقل شيء في الأرض الإخلاص وليس يؤتى الناس فيه إلا من ضعف اليقين، وأدنى اسم يفسر به اليقين ثقة العبد بالله.
فصل: وسئل بعض العلماء عن التوكل ما صفته؟ قال: التوكل غنى النفس، وصيانة الدين، وانتظار جميل الصنع، قيل ليوسف بن أسباط: ما غاية الزهد؟ قال: لا تفرح على ما أقبل، ولا تأسى على ما أدبر، قيل له: فما غاية التواضع؟ قال: أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحداً إلا رأيت أنه خير منك، وقيل ليوسف بن عبيد: ما غاية الورع؟ قال: الخروج من كل شهوة ومحاسبة النفس عند كل طرفة، قال أبو عبد الله: المراقبة ثلاث خصال: إن كنت فاعلا نظر الله إليك، وإن كنت قائلا فانظر سمع الله إليك، وإن ساكتا فانظر علم الله فيك.
مسألة: من الزيادة المضافة، قيل: من أرجل الرجال؟ قال: من غلب جده هزله، وقهر برأيه هواه، وغير ما في ضميره، فعله ولم يخدعه رضاه عن كيده ولا غضبه عن حقه.
مسألة: ويقال: عاملوا أحرار الناس بالمودة محضا فإنهم لا يحتملون إلا ذلك، وعاملوا العامة بالرهبة والبشر وسوسوا السفلة بالمخافة صراحا.
مسألة: قال أبو عبد الله رحمه الله: يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تألُ في اصطناع المعروف، فإن عجز الناس عن مكافأته فإنه فالله ملي بمجازاته». (انقضت الزيادة المضافة، رجع إلى كتاب بيان الشرع). (6/71)
صفحة 1925
[صفحة بيضاء] (6/72)
صفحة 1926
الباب الرابع عشر
في العتب والعفو عنه من الزيادة المضافة
وقلت: ما أفضل؟ قطع المعرفة على عتب الدنيا أم الصبر على ذلك ومواصلة المعرفة؟ فمواصلة المعرفة عندي أفضل، قلت: وما أفضل الصفح عن المذنبين وأهل العتب على الدنيا أو التماس عذرهم ورجوعهم إلى الرضا عنهم، فمعي أن الصفح أفضل من الإقامة على الأعتاب إذا أريد بذلك الله تعالى ولا يطلب شيئا سواه من أمور الدنيا، وإذا كان المعتوب عليه بعده أسلم للدين وأهله، فإغفال أمره عندي أفضل ما لم يلزم أمره بالرجعة والانطراح، فإذا كان ذلك لم يكن بد من قبوله لواجب الحكم، وإذا كان المعتوب عليه في رجعته صلاح في الدين ولأهل الدين وقوة ورجية فالتماس رجعته عندي والجد في ذلك أفضل.
قلت: وما أفضل العفو عن المذنبين والمخطئين عند نزولهم بأهل العدل أم الإغضاء عنهم أفضل؟ فمعي أن العفو أفضل إذا لم يكن في ذلك ضرر على الإسلام وأهله وتضييع لازم وارتكاب مأثم.
قلت: ما أفضل التجهم عند لقاء من لا تحبه أم التلطف له إلى أن ينصرف؟ فمعي أنه إذا كان يرجى في التجهم بلوغ إلى ما لا يرجى في التلطف من إعزاز أهل الحق وإذلال أهل الباطل وإحياء الحق وإماتة الباطل من يلزم بلقائه كان ذلك أفضل، وقد قيل في بعض الحكمة: والتجهم في وجوه الظالمين.
قلت: ما أفضل البشر أم الكشر في اللاتي في معصية الله؟ فالكشر في موضعه أفضل من البشر، والبشر في موضعه أفضل، وموضع الشدة لا يجوز فيه اللين، وموضع (6/73)
صفحة 1927
اللين لا تجوز فيه الشدة، ولكن يخلط الشدة باللين هذا في موضعه وهذا في موضعه، ولكن لا يحل إلا لذي تقية، ومن بذل معروفه ولم يتوسع بالتقية كان أفضل إذاً من حلول الفتن في الشدة (انقضت الزيادة المضافة). (6/74)
صفحة 1928
الباب الخامس عشر
في المحبة والبغض وما يجوز منهما وما لا يجوز
من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ: وعن علي بن محمد، وقيل: من أحب قوما حشر معهم، صف لنا ما هذه المحبة كيف تكون السلامة منها والنجاة؟ قال: من أحب قوما على باطلهم وصوبهم فيه، وأعانهم على ظلمهم كان مثلهم، وحشر أيضا معهم، فأما على غير ذلك فلا يضره، وإذا كان مفارقا لهم في باطلهم وضلالهم ولم يعنهم على ظلمهم لم يحشر معهم.
مسألة: وكيف هذا الخبر كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا لخائن ما معنى هذا؟ قال: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا لخائن في خيانته ويحفظها معه ويحفظها له ويأمنه عليها ما كانت من الخيانات قلت أو كثرت، فعلا أو أمانة أو معونة في خيانته.
مسألة: قال بشير: اختلفت أنا وموسى بن مروان في الرجل يقتل الكافر فيعجب ذلك المسلم، فقال موسى: الذي يعجبه ذلك ويفرح به آثم، ثم قال: وكنت أنا أقول لا يأثم إذا كان إنما يريد لإراحة الناس من كفره ومن ظلمه لهم وأما إن أعجبه أن يعصي الله فلا.
مسألة: منه قلت: وكذلك حب الكافر لأجل إحسانه لا لأجل عصيانه لله، قال: نعم فيما أحسب، قلت: وكذلك بغض المسلم لأجل فعل فعله بي من حيث لا يأثم المسلم فأمسك، وقال: ينبغي على المسلم أن لا يمنع أخاه من شيء يمكنه أن يفعله. انقضت الزيادة المضافة. (6/75)
صفحة 1929
[صفحة بيضاء] (6/76)
صفحة 1930
الباب السادس عشر
في السر
وسألته عن رجل يحدث آخر بحديث فإذا فرغ من الحديث قال له: هو عندك سرا أو أمانة، أو قال: هو معك ولم يقل سرا هل يجوز للذي قدم عليه أن يحدث بذلك الحديث حتى يقدم عليه قبل أن يحدثه؟ قال: فليس له ذلك إذا علم أنه يجب أن لا يخبر به قدم عليه أو لم يقدم عليه، قال: وإذا حدثه ولم يقدم عليه وعلم أنه ليس يجب أن يخبر به ثم أخبر به كان آثما، وإذا قدم عليه وإن قدم عليه قبل الحديث أو بعده أنه لا يخبر به فسكت ولم يعقل بذلك ولا قال لا كان قد غره بذلك.
مسألة: الوضاح بن عقبة عن بشير أنه قال: إذا استسر معك أخوك بسر وأنت تعلم أنه لا يحب إظهاره ولم يقدم عليك في إظهاره فأظهرته فأنت آثم، وإذا قدم عليك فأظهرته فهو نفاق.
مسألة: من الزيادة المضافة: وما تقول فيمن قرأ كتابا بالسلطان فيه ظلم يلزم القارئ ضمان أم لا؟ قال: لا ضمان عليه والله أعلم.
مسألة: أحسب عن أبي سعيد قلت له: فإن كان لا يخبر بسره على التصريح منه بنص ما أصر به وإنما يأتي بنحو ذلك الكلام ويعرض حتى يستبدل بذلك منه على ما عنده مما حمله من السر هل يكون هذا مضيعا لسره مرتكبا للحرام في ذلك أم لا؟ قال: معي أنه إذا كان قصد إلى ذلك لحقه معاني ذلك إذا أفشاه.
قلت: فإن أفشاه إلى من يأمنه على ذلك ويثق به أنه لا يخبر به ولا يخاف من قبله على صاحب السر بأسا هل يكون مخبرا بسره بمنزلة المضيع له أم لا؟ قال: معي أنه إذا (6/77)
صفحة 1931
تقدم عليه إلى غيره معنى الثقة، قلت: فإذا سأله أحد عن ذلك وقد تقدم عليه أن لا يغشيه هل يسعه أن يحاول وينكر بما لا يكون ولا يلحقه اسم الكاذب أم لا؟ قال: معي أنه إذا حاول لغير معنى التصريح بالكذب فدفع عن نفسه أمر ما لا يسعه كان ذلك ضربا من الصدق لا من الكذب، قلت له: أرأيت إن خاف إن لم يصرح بالكذب استدل على ما عنده من السر من أجل إظهاره المحاولة هل يسعه أن يصرح بالكذب إذا خاف ذلك ولا يكون كاذبا ولا آثما، قال: لا يجوز له أن يقصد إلى الكذب ولكن قصده إلى دفع ما لا يسعه ولو على غير صحة اللفظ إذا صح المعنى غير موجب عندي للكذب، قلت له: فإن قصد إلى الكذب لإخفاء سره وجهل معنى النية في المحاولة هل ينتقض وضوؤه على ذلك؟ قال: إذا كان قصده إلى كتمان سره الذي لا يسعه إفشاؤه ولو جهل سعة ذلك رجوت أن يجزيه إذا وافق الأصل الذي به يسلم ولا يكون كاذبا وإن قصد إلى الكذب على الاعتماد فأخاف عليه ثبوت ذلك إذا حصل عليه الكذب. (انقضت الزيادة المضافة). (6/78)
صفحة 1932
الباب السابع عشر
في العطاس
قلت لأبي سعيد: الرجل إذا عطس ما عليه أن يقول: قال: معي أنه يقول: الحمد لله رب العالمين، وإن زاد بعد ذلك شيئا من تحاميد الله فهو حسن، وقد يوجد في الخبر أنه يستحب أن يفرد اسم الله في ثلاثة مواطن: عند العطاس، وعند النكاح، وعند الذباح، قلت له: فما العلة في هذا لا يذكر مع اسم الله غيره في هذه الثلاثة المواطن؟ قال: معي أنه لا يستحب أن يذكر مع اسم الله اسم غيره مثل التسمية لاسمه فيقول: باسم الله، واسم رسوله، أو اسم الله وباسم أنبيائه وملائكته، قلت له: فإذا عطس رجل وعنده أحد ما يقال له؟ قال: معي أنه إذا قال الذي عطس الحمد لله، قال الذي عنده: الحمد لله رب العالمين، وإن قال العاطس: الحمد لله رب العالمين، قال الذي عنده: يرحمك الله، قلت له: فإن العاطس لم يقل الحمد لله ولا الحمد لله رب العالمين؟ قال: معي أن الذي عنده يقول الحمد لله، ويقال: إن الرد على العاطس يسمى تشميتا، وقال بعض المسلمين: شمت العاطس يوم الجمعة والخطيب يخطب، قلت له: فما يقول العاطس إذا قال له يرحمكم الله؟ قال: معي أنه يرد عليه يهديكم الله ويصلح بالكم.
مسألة: وعن تشميت العاطس كيف هو؟ قال: معي أنه إذا عطس يشمته يقال له: يرحمك الله، قلت له: فيجوز أن يقول ذلك للولي وغير الولي؟ قال: معي يقول ذلك للولي وغير الولي، قلت له: فإذا عطس العاطس والإمام يخطب يوم الجمعة هل يجوز أن يشمت؟ قال: معي أنه يجوز تشميته، وقال من قال: لا يشمت ولا يستحب له ذلك، قلت له: فعلى قول من لا يرى له أن يشمته إن شمته هل تفسد عليه الصلاة أم لا؟ قال: معي أنه لا يفسد عليه صلاته. (6/79)
صفحة 1933
مسألة: من منثورة الشيخ أبي الحسن قلت: إذا عطس رجل غير ولي يجوز أن أقول له يرحمك الله أم لا؟ قال: نعم يجوز، قلت: كيف تعزية الميت الولي وغير الولي؟ قال: يقول عظم الله أجرك. (6/80)
صفحة 1934
الباب الثامن عشر
في الاعتذار
وقال: من لم يقبل عذرا من معتذر لم يرد حوض النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال الشيخ، أحسب أبا إبراهيم بن محمد بن سعيد بن أبي بكر: يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من لم يقبل عذر معتذر صادقا كان أو كاذبا لم يرد حوضي يوم القيامة».
مسألة: روى أبو سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس منا من لم يقبل معذرة من اعتذر إليه كان صادقا أو كاذبا». (6/81)
صفحة 1935
[صفحة بيضاء] (6/82)
صفحة 1936
الباب التاسع عشر
في هجر الولي
عن أبي أيوب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، والصدّ والإعراض، يقول صدّ عنّي بوجهه صدوداً، وأما قول الله عز وجل: {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} (الزخرف:57) فقيل: معناه يضجون، يقولك صد يصد صدودا وهو شدة الضجيج في حلبة الخيل، وقرئ بضم الصاد وكسرها، فمن ضم معناه (يعدلون) ومن كسر فمعناه (يضجون).
مسألة: وأما الذي وجد على وليه فهجره أياماً لا يكلمه فقد جاء الأثر أنه إذا هجر أخاه فوق ثلاثة أيام فلا ولاية له، وكذلك إذا قصده بالهجران والقطيعة واعتقد قطيعته، وأما إن ترك كلامه على وجه العتب وهو مؤد حقوقه معتقدا مواصلته وولايته فذلك شيء لا نحبه له ولا تزول بذلك ولايته وهو على ولايته ولو لم يكلمه أكثر من ثلاثة أيام إذا كان على وجه المعاتبة فذلك شيء لا يعدم من الإخوان والخاصة في هذا الزمان والله هو المستعان.
وليس للمسلم أن يهجر المسلم ولا رحمه ولا جاره ولو كان رحمه وجاره عاصياً لله فعليه مواصلته بما ألزمه الله من مواصلته والقطيعة كفر، وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة:8)، وقال الله لنبيه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف:199) فتأول ذلك المسلمون، فالرّواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صل من قطعك، وأعط من منعك، وأنصف من ظلمك، وأعف عمن شتمك»، وهذا كله من الحق وبالحق وللحق. (6/83)
صفحة 1937
وقد قال من قال من المسلمين: من عصى الله فينا أطعنا الله فيه، فلا يكون إلا هكذا والله الموفق للصواب، قال أبو زياد: إذا هجر الرجل أخاه المسلم فلم يكلمه ثلاثة أيام فإن كلمه بعد ثلاث وإلا فلا ولاية له مع المسلمين ويبرأ منه حتى يكلمه ويتوب من ذلك، فإن مات وهو على ذلك الحال لم يتوله.
مسألة: من الزيادة المضافة قال: وجدت جواز قطيعة المنافق وهجرانه. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: عن أبي الحسن: وذكرت في رجل له من الرضاعة قريب الجوار ثم إنه اطلع عليه بأمر بينه وبين عمته امرأة أبيه أنكره عليه وكان يتكلم فيها، فلما رأى أخوه هذا منه ذلك إلى عمته مقنة عليه من غير أن يرى فاحشة بعينها ولكنه رأى دون ذلك ما يدل على التهمة فلم يتمالك إلى أن أنكر عليه فهجره فاتخذه عدواً ودام على ذلك، قلت: أيسع هذا أن يهجر على مثل ذلك ويمقته ولا يبالي به أو لحال الجوار والإخاء يكلمه ولا يسعه أن يهجره فعلى ما وصفت فلا يهجر أخاه وجاره فيما يلزمه له وينزله منزلته ويقال: ما كافأنا من عصى الله فينا بمثل أن نطيع الله فيه، ولا يهاوده على معصية يعلى إنكارها عليه، وقال الله عز وجل فيما أخبر عن لقمان عليه السلام: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان: 17) فلا يهوله في الله هجرانه ولا يكافئه إلا بما يستحقه من عداوته بما يستحق ويؤدي من حقه بما يلزم ولا توفيق إلا بالله. (6/84)
صفحة 1938
الباب العشرون
في الغيبة والنميمة
ومن جامع أبي محمد: وغيبة المؤمن من كبائر الذنوب لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «غيبة المؤمن تفطر الصائم وتنقض الطهارة»، ولا ينقص الطهارة ويفطر الصائم وهما أكبر طاعات المؤمنين إلا كبائر الذنوب، وهذه الغيبة التي نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي الغيبة للمؤمنين، ألا ترى إلى قوله عليه السلام: «أذيعوا ذكر الفاسق»، وقال عليه السلام: «يذكر الفاسق بما فيه يعرفه الناس»، وروي عنه عليه السلام أنه قال: «ما لكم تورعون عن ذكر الفاسق اذكروا الفاسق»، وقال الله تبارك وتعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} (مريم:38) أي بصر بهم وسمع، ففي ما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعريف الفاسق إعلام الناس إياه والإذاعة به وبأخباره لئلا يغتر به أحد من المسلمين دليل على أنه إنما نهى عن غيبة المؤمن دون غيبة الفاسق، ويدل على ذلك أيضا ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تتبعوا عورات إخوانكم»، فهذا يدل من قوله على أن الأمر بالستر على زلة المؤمن وغفلته، وأن يحذر من الفاسق ويعلن بخبره على جهة النصح للمسلمين لئلا يغتر به أحد من المسلمين ويحسبه من جملة من يستأمن إليه في أمر الدين والدنيا، والله أعلم.
مسألة: ومن غيره: وسألته عن الغيبة فقال: هو أن يقول الرجل في أخيه من ورائه ما لا يستطيع أن يقوله في وجهه، وقال: إذا عير بذنب قد تاب منه أو أفشاه عليه بعد التوبة فهو أيضا من الغيبة، وقال محبوب رحمه الله: إذا قال ما هو فيه فقد اغتابه، وإذا قال ما ليس فيه فقد بهته، وقد فهمت عنك ما سألت من أنك تحب رأيي.
مسألة: في شهادة من اغتاب المسلمين، فمن اغتاب المسلمين فلا شهادة له (6/85)
صفحة 1939
وهو قولي والجهد مني.
مسألة: ومن جواب أبي عبد الله فيما أحسب: واتق الله وألزم شأنك، واحفظ لسانك إذا ذكرت إخوانك، وإلا فإن الصّمت لك أسلم، وإن بليت بكلام فيهم فاعرف كيف تكلم إذا ذكرتهم فاذكرهم بما فيهم من الأخلاق الحسنة الشريفة، وأعرض عما سواها فإني سمعت من يقول: من قال في أخيه المسلم ما هو فيه فقد اغتابه، ومن قال ما ليس فيه فقد بهته، ولعله إنما عنى أن لا يذكره بما فيه من الأخلاق المذمومة، وإن كانت ليست بمعصية لله فأحسن الثناء عليهم بما فيهم إذا ذكرتهم، واحفظ غيبتهم بما حفظ الله، وأعنهم على البر والتقوى كما أمر الله عسى الله أن يجمع بيننا وبينهم حين يدوم البقاء ويحمد عواقب التقوى إخوانا على سرر متقابلين، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
مسألة: من الزيادة المضافة: هل يجوز للرجل أن يسمع غيبة نفسه من بيت قوم أو بين اثنين أم لا؟ قال: لا بأس عليه إذا استمع ذلك، ذلك لأنه ليس من فعله والله أعلم.
مسألة: من اغتاب مسلماً يلزمه أن يستحله أم لا؟ لا يلزمه ذلك وإنما يلزمه التوبة والله أعلم، يقال: إن الغيبة فاكهة الفساق. انقضت الزيادة المضافة. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (6/86)
صفحة 1940
الباب الحادي والعشرون
في الكذب الجائز وغير الجائز
وما أشبه ذلك من التعريضات وغيرها
قلت له: فما تقول فيمن أحال الكلام متعمدا لأحد من الناس يريد بذلك إثبات حق أو إصلاح أو إزالة شيء من الباطل هل يلحقه اسم الكاذب ويكون آثماً، قال: عندي أنه لا يكون آثما؟ على صفتك ويجوز له ذلك ولا يلحقه اسم الكذب لأنه لم يرد باطلا، فقد قال يوسف صلوات الله عليه: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} (يوسف:70)، وهو يعلم أنهم ليسوا بسارقين، وإنما أراد الحيلة على أخذ أخيه فجعل السقاية في رحل أخيه كما قال الله وحكى عنه ذلك، وقد قالت امرأة فرعون: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ} (القصص:9) وإنما أرادت ألا يقتله فرعون، وقال إبراهيم: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} (الأنبياء:63).
مسألة: من جواب القاضي أبي زكريا إلى أهل حضرموت: ولكم سعة في الذي بليتم به من جور الظلمة على أموال الأيتام إذا أتاكم الخارص منهم يخرص نخلة اليتيم أن هذه النخلة للمسجد أو للسبيل أو لغير ذلك من الكذب وما جرى هذا المجرى مما هو مثله، ومهما ابتليتم به من الجبابرة في الذي تخافون منه أن تتقوهم بالقول، ولا تجوز التقية بالفعل، ولكن لكم أن تعرضوا بالكلام الذي يسعكم القول به ولو لم تتقوهم لقول عمر بن الخطاب رحمه الله: لكم في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب، والمندوحة السّعة.
وقال ابن عباس: ما أحب بمعاريض الكلام حمر النّعم، وحمر النعم هي الغرار من الإبل، وهي أفضل ما يكون منها، وهذه لفظة تقولها العرب في شيء تجله وتعظمه، وقد (6/87)
صفحة 1941
جاء التعريض في القرآن، قال الله حكاية عن موسى إذ قال: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} (الكهف:73).
عن ابن عباس قال: لم ينس ولكنه من معاريض الكلام، أراد ابن عباس أنه لم يقل: إني نسيت فيكون كاذبا ولكنه قال: لا تؤاخذني بما نسيت، فأوهمه النسيان تعريضا ولم ينس ولم يكذب، ومنه قول إبراهيم: {إِنِّي سَقِيمٌ} (الصافات:89) أي سأسقم، لأن من كتب عليه الموت لابد أن يسقم، ومثله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} (الزمر:30) أي سيموتون وستموت، فأوهم القوم بمعاريض الكلام أنه عليه وإن لم يكن عليلا ولا كاذباً، وكذلك قوله حين خاف على امرأته "إنها أختي" لأن بني آدم جميعا يرجعون إلى أبوين فهم أخوة لأن المؤمنين إخوة، وكذلك قوله تعالى: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} (الأنبياء:63) أراد فعله الكبير إن كانوا ينطقون، فجعل النطق شرطا للفعل إن كان ينطقون، فقد فعله الكبير وهو لا يفعل ولا ينطقون، ومن ذلك قول الله: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} (يوسف:88)، يقال: هذا من معاريض الكلام لأنه لم يكن عندهم أنه على دينهم فلذلك لم يقولوا: إن الله يجزيك بصدقتك، وقد استعمل المسلمون معاريض في غير التقية وأجازوها، ومن ذلك قول عبد الله بن رواحة حين اتهمته امرأته بجاريته فقالت: إن لم تكن فعلت فاقرأ فإن الجنب لا يقرأ فقال:
شهدت بأن وعد الله حق
وإن الماء تحت العرش طام ... وأن النار مثوى الكافرينا
وفوق العرش رب العالمين
فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فضحك فقال: «رحم الله نساءكم يا معاشر الأنصار»، وروي أن جابر بن عبد الله الأنصاري أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني قمت إلى جارية لي في بعض الليل واتهمتني المرأة فقلت: إني لم أفعل شيئا، قالت: فاقرأ ثلاث آيات من كتاب الله إن كنت صادقا فأنشأت أقول:
وفينا رسول الله يتلو كتابه
يبيت يجافي في جنبه عن فراشه ... كما انشق معروف من الصبح ساطع
إذا استثقلت بالمشركين المضاجج
فقال: أما إذا قرأت ثلاث آيات فأنت صادق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله ابنة عمك فقد وجدتها فقيهة في الدين»، وروي هذا الحديث عن عبد الله (6/88)
صفحة 1942
بن رواحة وأنها لما أنشدها قالت: آمنت بالله وكذبت بصري، قال عبد الله بن رواحة: وأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فضحك حتى بدت نواجذه فجعلا كلامهما عرضا فرارا من القراءة، وهكذا معنى المعاريض، وقال الله: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} الآية (ص:21)، إنما هو مثل ضربه الله تعالى له ونبهه على خطئته وكنّى عن النساء بذكر النعاج وكنّى عنترة بذكر الشاة عن المرأة فقال:
يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت عليه وليتها لم تحرم
فعرض بجارية يقول: أي صيد أنت لمن حلت له فأما أنا فإن حرمة الجوار قد حرمتك عليّ فتدبر وما كتبته لكم ولا تأخذوا منه إلا ما وافق الحق وعرفتم عدله.
والمعاريض أكثر من أن نحصيها في كتابنا هذا فاحتسبوا الله صبركم وما بلاكم به واحضروا عنده نياتكم وعقائدكم وتوكلوا على الله، وعلى الله فليتوكل المتوكلون.
مسألة: ومن غيره: ومن جواب أبي سعيد، وذكرت فيمن اطلع على وليه أنه كذب كذبة أو سرق شيئا قليلا أو كثيرا ما حاله عنده فعلى ما وصفت فإذا أبطل الكاذب بكذبه حقا أو أحق باطلا أو أحل حراما أو حرم حلالا فذلك من الكبائر ويبرأ منه من حينه ثم يستتاب فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن أصر مضى على البراءة منه.
وأما إذا كذب في حديثه فيما يجري من الحديث فقد قال من قال في المجمل أنه من كذب كذبة فهو منافق إلا أن يتوب، وقال من قال: ما لم تكن الكذبة على ما وصفت فهي صغيرة يستتاب منها الولي فإن تاب رجع إلى ولايته وإن لم يتب برئ منه على ذلك على كل حال، وأما الذي يقول إنه منافق فيقول: إنها كبيرة كائنة ما كانت إلا في تقية أو في إصلاح بين الناس أو ما يخرج في كذبه على وجه الصلاح من غير اعتماد على ذلك بلا أن يحق باطلا ولا أن يبطل حقا.
فالكذب يخرج على ثلاثة وجوه: وقد وصفناها لك، وأما السارق فما أخذه على وجه المكابرة والمحاربة والمغالبة قليلا كان أو كثيرا فهو بذلك مرتكب للكبيرة بالمحاربة والمكابرة، وكذلك ما يأخذه في نحس ميزان أو مكيال كان قليلا أو كثيرا فذلك كبيرة، وكذلك لو أعان ظالما متعديا على ظلم حبة فما فوقها كان كبيرة، وأما من أخذ على التخلص والتلصص فقد قيل: كل ما خرج من حد ما يتعارف بين الناس أنه حرام وإنه لا يؤخذ، فقد قال: كل من خرج من حد التعارف بين الناس أنه لا يخرج إلا على الحرام (6/89)
صفحة 1943
والباطل، فهو كبيرة كان قليلا أو كثيرا لأن للآخذ لذلك عازم على الباطل فيه والحرام مرتكب للآثام بمعصية الله.
وقال من قال: إذا لم يكن ذلك أربعة دراهم أو قيمتها فذلك لا يكون كبيرة، ولا يبرأ منه حتى يستتاب، والقول الأول أصح عندي والله أعلم، وأما مثل من أخذ حبة بر أو ذرة أو ورقة حشيش أو شيء من مثل هذا الذي يتعارف بين الناس أنه ليس على وجه القصد ولا إلى الغصب فذلك لا يبرأ منه على ذلك بحال حتى يصير على ذلك، وأما ما يأخذه على وجه القصد إلى الحرام وأنه لا يتوب من ذلك أو يأخذه من وجه الاستحلال أنه له حلال فهذا يأتي على جميع مسألتك إن شاء الله في الكذب والتسرق.
مسألة: من الزيادة المضافة: من أراد أن يتكلم بكذب فبدأ بأول الكلام ثم أمسك يكون قد كذب ويفسد عليه وضوءه أم حتى يتم الكلام الذي يريده، قال: إذا لم يتم الكلام لم يفسد عليه وضوءه.
مسألة: من كتاب الأشياخ: وسألته عن رجل وعد رجلا وعدا ثم خفه ما يلزمه؟ قال: إن أتلف بخلفه للرجل مالاً أو نفسا فهو ضامن.
مسألة: سألت عن تفسير قول عمر بن الخطاب رحمه الله لكم في سائر الكلام مندوحة عن الكذب ما تأويله؟ قال: الله أعلم بتأويل ذلك، ومعي أنه يقع موضع المخرج كأنه يقول لكم في سائر الكلام مخرج من الكذب ذلك أن يحتال الكلام إلى غير معاني الكذب، وأحسب أنه يوجد عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه قال: عجبت لمن يكذب، وفي الكلام مندوحة له عنه كأنه يقول له مخرج منه هكذا، والله أعلم. انقضت الزيادة المضافة. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (6/90)
صفحة 1944
الباب الثاني والعشرون
في الصدق والكذب
من الزيادة المضافة: الصدق نقيض الكذب، يقول للرجل الشجاع وللفرس الجواد أنه لذو صدق (صادق)، ويقال: صدقت القوم إذا قلت لهم صدقا، وقال: الصدق ينفي -عنك- الوعيد.
فصل: واشتقاق المصادقة من صدق المودة والنصيحة.
فصل: عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا»، وقال المهلب: ما السيف الصارم في يد الشجاع بأعز من الصدق.
فصل: وقال جعفر بن محمد: من أحب أن يشرك أصحاب النعيم في نعيمهم وأصحاب الأموال في أموالهم فعليه بالصدق إذا حدثهم، قال معاوية بن أبي سفيان للأحنف بن قيس: لم لا تتكلم في أمر يزيد؟ قال: نخافكم إن صدقنا ونخاف الله إن كذبنا، قال موسى بن عيسى وهو يومئذ أمير الكوفة لأبي شيبة مالك: لا تأتي، فقال: أصلحك الله إن أتيتك فقربتني فتنتني، وإن باعدتني أحزنتني، وما عندي ما أخافك عليه، وما عندك ما أرجوك له، قال: فما رد عليه جوابا وقال:
لا يكذب المرء إلا من مهانته
لبعض جيفة كلب خير رائحة ... أو عادة السوء أو من قلة الأدب
من كذبة المرء في جد وفي لعب (6/91)
صفحة 1945
انقضت الزيادة المضافة (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: وعن أبي عبد الله فيما يوجد، وعن قول الله عز وجل: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} قال: اللمز أن يلقي الرجل بالبشر واللطف، وإذا أدبر عنه طعن فيه وتكلم فيه من خلفه فذلك اللمز، وقوله: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ} (الحجرات:11)، قال: ما كان الرجل يعمله في الشرك أو في جهله ثم تاب وعرف الإسلام وترك ذلك الشيء فيعيره الناس بذلك العمل الذي كان يعمله في شركه أو جهله، فنهى الله عن ذلك وهو التنابز بالألقاب، وعن التجسس ما هو؟ قال: هو أن يبحث الرجل عن مساوئ المسلمين ويبحث عن ذنوبهم فيفضحهم بذلك.
مسألة: ما الهمز وما اللمز وما الرمز وما النبز؟ الهمز الكلام في غيبة الإنسان، واللمز في وجهه، والرمز كلام غير مفهوم، والنبز كاللقب المكروه للناس، والله أعلم. (6/92)
صفحة 1946
الباب الثالث والعشرون
في السفر
وعن رجل يطلب المعيشة أو يريد أن يجمع مالا عظيما فيركب البحر في السفر فابتلاه الله بالغرق هل له عذر عند الله؟ قال: أما البحر فكان الفقهاء يكرهون ركوبه في طلب المعيشة إلا في الحج أو في الجهاد، ولابد من طلب المعيشة في سوى البحر.
مسألة: قال رجل لأبي عبد الله: يا أبا عبد الله: أردت الخروج إلى الشذا وهذا أخي لم يأتي يسلم عليّ، قال: أبو عبد الله: أنت أحق أن تسلم عليه، فإذا قدمت فعليه أن يسلم عليك، فألزم المسافر السلام على أقاربه، وألزمهم السلام عليه إذا قدم.
مسألة: وقلت: والرجل يكون في جماعة في سفر فيذهب الناس وقد تأخر منهم رجل ولم ينظروه وفيهم رجل عليه دين ويخاف أو ليس عليه دين ويخاف على نفسه أن يخلف ويبقى وحده هل يلزمه هو وحده أن ينتظر هذا المتأخر وحده وهو يخاف من الطريق أو لا يخاف؟ فإن كان قد لزمته صحبة هذا الرجل فلا يدع صحبته حتى يأتي حال لا يقدر عليه، وإن ضيع ذلك سائر الأصحاب، فإذا خاف هذا على نفسه أن يخلف معه أن لا يقوم له مقاما في الحاجة التي خافها من هذا الطريق ويقع التلف عليهما جميعا على حال، وكان هذا هو الأغلب من أمر الطريق لم أر عليه في الصحبة أن يهلك نفسه لأن الصحبة إنما هي أمانة الله، والله تبارك وتعالى لا يكلف عباده في أمانته فوق طاقتهم في شيء من طاعته فافهم ذلك.
مسألة: وسألت أبا سعيد عمن سافر في معصية ثم اضطر هل له ما للمسافر من أكل لحم الميتة والخمر وقصر الصلاة والإفطار؟ قال: لعل بعضا يقول ذلك. (6/93)
صفحة 1947
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر، وقال: في رجل يريد أن يخرج في طلب معيشة بالأجرة والعمل بيده أو بالتجارة أو غير ذلك، إن كان معه ما يجعل مع عياله ما يقوتهم إلى أن يرجع إليهم فليخرج وإلا فلا يخرج ما دام يقدر لهم في بلده ذلك على قوت يوم بيوم إلا أن يجد شيئا أو يخاف على نفسه وعليهم إن لم يخرج فإنه يخرج يلتمس ويرجع إليهم من حين ما يقدر على ما يقوتهم به أو يرسل إليهم ما أمكنه إن قدر على ذلك.
قلت: فإنه إن كان يخاف على نفسه من السلطان هل له أن يتولى بعياله ويخرج أو يحملهم؟ قال: يفعل لهم ما هو أرفق بهم إن كان تركه لهم أرفق بهم تركهم، وإن كان حملهم أرفق بهم حملهم، وإن تركهم فيتعاهدهم إن أمن عليهم بمجهوده من طاقته ويصل وقت ما يأمن على نفسه في الليل أو في وقت مأمنه على نفسه. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: ومن جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمهما الله إلى أهل المغرب، وعن الحجاج إذا خرجوا إلى مكة فهل للإمام أن يولي عليهم عاملا وإن جميع سفرهم يومان في منزله حتى يقدم مكة في أمصار أهل الجور؟ فإن كان ذلك جائزا فهل له أن يمنع من أراد الترحيل قبل أن يأمر العامل بالرحيل من الموضع الذي نزله الناس؟ وإن كان ذلك له فهل له أن يمنع من الضيق إلى وقت أمر به فهل له أن يقهره على ذلك أو يضر به ويغرق متاعه؟ فإذا ولّى إمام المسلمين رجلا على رعيته فإن ذلك عندنا جائز للإمام وعلى الرعية أن تسمع له وتطيع، فإن استعصى عليه أحد فليس نرى له أن يتعدى عليه في الضرب ولا إتلاف متاع لأنه ليس يركب من ذلك أمرا يستحق به الضرب وإتلاف المال، وإذا صاروا إلى الإمام في موضعه وحيث يجوز حكمه رأى الإمام في ذلك رأيه بوجه العدل، ومن زعم أن ذلك جائز للوالي أن يركب من ذلك أمرا لا يحل فليس يبلغ به ذلك عندنا إلى البراءة.
مسألة: ومن الجواب: وعن قوم خرجوا في رفقة في سفر فهل عليهم أن يولوا رجلاً يكون عليهم في سفرهم ذلك يملك نزولهم ورحالهم، ويعقدوا له أم ليس ذلك لهم؟ وإن كان ذلك لهم جائزا فهل له أن يقهر من أبى عليه ذلك وأراد أن يسير وحده أو يقيم، كرهوا ذلك هل لهم أن يعتزلوه عمن كان بهذه المنزلة؟ وهل له أن يبسط يده بالضرب إلى من أبى ذلك عليه، فهذا عندنا ليس من المواضع التي تلزم المسلمين تقديم والٍ عليهم ولا لأحد أن يقهر أحدا على نفسه أن يسير معه أو يجتمع من غيره لأن (6/94)
صفحة 1948
الناس أملك بأنفسهم إلا أن يتراضى جميع القوم أن يضعوا أمر مصالحهم في سفرهم إلى رجل منهم ويطيعوه برأيهم فأما أن يقهرهم على شيء يكرهونه في مسير أو غيره فليس نرى ذلك عليهم، وإن نال أحدا منهم يضرب فعليه أن ينصفهم من نفسه وإنما تكون الولاية بحكم المسلمين للوالي بتقديم إمامهم الوالي، فأما إذا خرجوا بحكمهم فلا نرى أن ينال أحدا منهم بضرب ولا غيره حتى يرجعوا إلى دار حكم المسلمين.
مسألة: وسئل هل يجوز سفر المرأة والرجل جميعا وهو ليس زوجها ولا ذا رحم منها؟ قال: لا قد نهى عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة: وقلت: ما تقول في رجل وليّ سافر مع امرأة ليست له بمحرم من بلد إلى بلد مسيرة يوم أو أكثر أهو على ولايته؟ فعلى ما وصفت فإذا غاب أمره في ذلك واحتمل أن يكون ألجأه إلى ذلك الاضطرار وإنما لحقته بغير إذنه ولا رأيه فهو على ولايته في ذلك، والمؤمن محمول على حسن الظن ما وجد له مخرج، فإذا لم يكن له في ذلك محتمل مما يمكن فيه مخارج الحق فقد جاء الأثر بكراهية ذلك أن يخلو الرجل بغير ذات محرم منه في سفر ولا حضر، وجاء الأثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي أن تسافر المرأة ثلاثا إلا مع ولي من أوليائها.
وجاء الأثر من المسلمين أنه ينكر ذلك عليه فإن لم يتب من ذلك فأيسر ما يكون من أمره أن يوقف عن ولايته لأنه ليس له أن يسافر مع امرأة غير ذات محرم منه إلا مع جماعة، وكذلك لا يساكن امرأة غير ذات محرم منه إلا من الضرورة، وجاء فإن الضرورة من ليس فيها اختيار.
وقد جاء الأثر في الضرورة بالسعة فيما هو أكثر من المساكنة والمسافرة وذلك مثل اضطرار المرأة إلى الرجل، والرجل إلى المرأة عند الغرق والحرق والجوار من السلطان الجائر، وغير ذلك والمؤمن في حال سعة مع المسلمين ما كان محتملا له.
وقد قيل: إن للمرأة أن تسافر مع الجماعة ولو لم يكن معها وليّ ولو كانوا جماعة غير ثقات والجماعة معنا من الاثنين فصاعدا، وقال من قال: ثلاثة فصاعدا، فهي وإن كان الأثر قد جاء بالكراهية لها أن تسافر إلا مع وليّ، والنهي عن ذلك.
مسألة: قلت: وهل يجوز للرجل إذا أراد سفرا وصار في الطريق أن تصحبه (6/95)
صفحة 1949
امرأة في الطريق وهو وحده أو معه ثان وهل يجوز لهما أو لأحدهما أو يجوز لها هي وليس هما بوليين لها صحبة المرأة فإن كانا اثنين فصاعدا فقد أجاز ذلك بعض أهل العلم أن تصحبهم المرأة غير ذات المحرم وأجازوا ذلك على المكنة والاختيار، وأما في حال الاضطرار والضرر حتى يوصلها إلى مأمنها أو حيث يأمن عليها من الضرر ثم لا يصحبها بعد ذلك إلا بواجب فافهم ذلك. (6/96)
صفحة 1950
الباب الرابع والعشرون
في سفر المرأة
وسئل هل يجوز للمرأة السفر مع غير ذي محرم؟ قال: إذا كان السفر ثلاثة أيام فما دونها فجائز لها أن تسافر مع غير ذي محرم لها وأما فوق الثلاث فلا يجوز لها أن تسافر إلا مع وليّ.
قلت: لم افترق معناهما؟ قال: لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قلت: وكيف ذلك؟ قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر لا يحل لها أن تسافر فوق الثلاث مع غير ذي محرم لها». قلت الثلاث ولياليها؟ قال: نعم. قلت: فيوجد لأصحابنا أنهم قالوا جماعة المسلمين محرم؟ قال: نعم قد قالوا بذلك والله أعلم. قلت: فيحل لها أن تسافر مع رجلين أو أكثر إذا كانوا غير أولياء، لأن اسم الجماعة واقع عليهم، قال: لا.
مسألة: وإذا سافرت المرأة مع رجلين لم تلزمهم عقوبة وإن كان رجلا واحدا عوقب هي وهو.
مسألة: وعن المرأة قلت: هل يجوز لها أن تحج بغير ولي؟ فمعي أنه قيل: ليس لها ذلك ولا عليها، وقيل: لها ذلك أن تخرج في جماعة المسلمين وليس عليها ذلك، وأحسب أنه قيل إذا لزمها الحج كان لها وعليها أن تخرج مع الجماعة المؤمنين لأن المسلمين وليّ من لا ولي له، وأما المرأة مع المرأة فقالوا: لا تقوم مقام الولي لأنها امرأة مثلها، وكذلك الأمة، وأما عبدها الذكر فمعي أنه قيل: يكون وليها ويعجبني ذلك إن كان مأمونا ولا أعلم أنه قيل على أحد أن يحج بأحد وإن كان ثابتا عن النبي - صلى الله عليه وسلم – أنه (6/97)
صفحة 1951
قال: «على الرجال أن يحجوا بنسائهم» فيخرج تأويل ذلك على أنه على نسائهم من ذلك إذا لزمهن ما عليهم، وإذا لم يكن كذلك وثبت عنه في ظاهر الأمر على الرجل أن يحج بامرأته إذا وجب عليه الحج، ولا يجوز له الحج إلا بنسائه، وهذا لا يحسن ثبوته والله أعلم. (6/98)
صفحة 1952
الباب الخامس والعشرون
مسائل في أسباب البحر
وعن أبي الحسن رحمه الله وجدته بخط محمد بن سعيد وأرجو أنه قد نظره هكذا وجدته أنه في هذا الكتاب قلت له: فما تقول في الرجل إذا أراد ركوب السفينة ولا يعرف صاحب السفينة إلا ما يخبره من لا يعرفه من الناس هل يجزيه قول من يقول من الناس أنه صاحب السفينة أن لو سأله عن ذلك ويخاف أن يسأله عن ذلك خوف الأذى والاستخفاف بهم له هل يجزيه قول من يقول من الناس هذا صاحب السفينة؟ قال: فيقول: إن المعرفة في هذا المشهور المعروف الذي تعقله العقول في موضع الحاجة وتطمئن إليه القلوب إطمئنانة الأخذ به لأن المعروف قيل ما عرفت العقول واطمأنت إليه القلوب، والمنكر ما أنكرته العقول وحرجت به الصدور، وذلك من قول الله تبارك وتعالى في تأويل قوله وهو أعلم بتأويله: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج:78)، وحرج التأويل فيه أحسب من ضيق.
وهذه الأمور منها ما ذكرت أنت من أمر السفينة وذلك سعة منهن بعد ذلك ما لا تحصيه ولو عددناه إلا ما شاء الله من ذلك لا تدري حاله إلا بشاهد من قلبك لا يخالجه شك ولا يضيق به صدرك ولا تدركه معرفتك ببينة ولا شهرة خبر إلا شهرته في موضعه، وما قد جرت به أحكام الحق أنه في مكانه أنه كذلك قد جرى بأثر قد مضى وقضى عليه من قضى، فعلى هذا شأن ما ذكرت إن احتجت إليه واطمأن قلبك إليه مما قد شهر في الموضع مما لا يشك فيه اعتمدت ذلك بما اطمأن قلبك إليه مما لا ينكره عقلك بالمعروف بهذا المركب والمبرز جماله وجهازه وللمقاطعة على كراء المتبلغين فيه مما لا ينكره في موضعه ولا يدفع، وهذا حكم المشهور في جميع الأمور.
وكذلك مذ تخرج من منزلك مسافرا واطمأن إليه قلبك مما يحتاج إليه من ما (6/99)
صفحة 1953
اشتمله من أيدي الناس بثمن أو بغير ثمن، فإنما هو على التعارف معهم في موضعهم وهذا يطول به الشرح، ومن المشهور الذي لا يدفع وهو أقوى من البينة لأن البينة تحتاج إلى العدالة والبحث عن السؤال، فهذا لا يحتاج فيه إلا إلى اطمئنان ضميرك من ذلك، وفي قلبك ومن ذلك أنك تكون في بلدك من الأطفال الذين لا يعقلون حالاً من حال، وقد هلك والداك وخلفا بعدهما مالاً كثيرا في يدك لا تعقل منه قليلاً ولا كثيرا فلما بلغ بك الحال إلى حال البالغين من الرجال تقدمت إلى ذلك المال فأخذته أخذ الحلال بلا بينة من النساء ولا من الرجال، وإنما شهدت بذلك معك ما عقلته ولم يدفع، وهكذا سبيل المشهور فقس عليه واهتد به ولو عارضك معارض في ذلك المال وصرت إلى حكم اليمين حلفت أنه لك فميز أنه لك من شاهدك الذي في قلبك مما لا يدفع في بلدك فهكذا تجري المشهورات.
وقد قيل: إذا رأيت وليك يأكل مال غيرك فقد غفر الله لك، وإن أطعمك فلا تأكل، وقال بعض: ولعل ذلك قد يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - استفت قلبك فإن اطمأن إلى قوله فكل وإن لم تطمئن إلى قوله فلا تأكل، وهذا سبيل هذا، وقد روي عن عمر بن الخطاب رحمه الله: دع الرّبا والريبة، فعلمنا أن الريبة ما حرج به الصّدر وحاك في القلب، وقد قيل: إن أصل الدين الورع وأول الورع وأوسطه وآخره أن تدع ما تشك فيه وتقول هذا الشك فهو الشك الذي لا يعرف أن أصله حلال فجائز فيه مخالطة الحرام، فهذا المودوع بالورع، وأما أصل تعرفه صحيحا فعارضك الشيطان ليضيق عليك حلالك ويكدّر عليك مالك واحتال عليك بأعوانه وأنت على يقين من أمرك، فهذا شك باطل فلا يلتفت إليه ولا يلام عليه فليس هذا موضع ورع إلا ورع الزاهدين في الحلال مخافة الحرام، وقيل: هذا زهد النفل، وأمّا الزهد الذي يحمل على أهل النحلة فهو الزهد في الحرام.
وقيل: بين الحلال والحرام شبهات فيها هلك كثير من الناس كالراعي إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه ولا توفيق إلا بالله.
قلت له: فإذا قاضى الرجل في المركب على ما قد وصفنا ووضعوا له المركب في البحر في المكلى هل له أن يركب أو حتى يستأمرهم بالدخول؟ قال: يشاور من قضى فإذا أذن له في الدخول دخل عن رأيه على ما يطمئن إليه قلبه، وسبيل ذلك أنه لا يمنع ولا يدفع.
قلت له: فإذا دخل السفينة أيقعد من حيث يدخلها يقعد في أولها وله أن (6/100)
صفحة 1954
يتخطى الناس والقماش حيث أراد هو حتى يقعد حيث يريد، قال: فإذا دخلها استأذن من قاضاه أن يقعد فإذا أذن له أن يقعد في موضع مضى إليه من غير أن يؤذي أحدا.
قلت له: فإن لم يشاور لمن قاضاه في حينه ذلك أو كان من قاضاه في البر وقد أذن له بالدخول ويقعد حيث يريد هو حتى يجيء من قضاه أو كيف ذلك؟ قال: فيقول إذا اضطر على القعود قعد حيث أمكنه القعود إلا أن يحوله من قاضاه إلى موضع سواه تحول عنه أو يبيح له المركب يقعد حيث أراد بلا أن يؤذي أحدا إلا أن يقع الاضطرار غير الاختيار.
قلت: فإذا قعد في موضع قد أقعده فيه قعد هو فيه على ما وصفت من الاضطرار ثم أراد التحول من ذلك الموضع بنفسه وقعد في غيره يستظل من الشمس أو يقعد في الشمس من البرد، هل يكون له ذلك؟ قال: فهذا له أن يشترط على من قاضاه أنه يقعد فيه حيث أراد ويتحول فيه إلى متاعه حيث أراد، وكيفما عمل فيه فقد أباح له ذلك، فإذا أباح له ذلك وفعل ما ليس فيه مضرة في الاختيار فجائز إن شاء الله.
قلت له: فإن لم يتجه إلا أنه هو لا يؤذي أحدا في ذلك الموضع أو استأذن بعض الركاب أن يقعد معه على فراشه في موضعه بلا أن يضر أحدا ولا يقعد على القماش الذي يخاف من القعود عليه مضرّة.
قال: فنقول: إذا أقعده في مكان من المركب وهو في حد الاختيار لم يتخذ مكانا سواه إلا عن رأيهم في معانيه التي لابد منها أو يقع عليها الضرر، فلابد من التحول إلى ما هو أرفق به من غير ضرر عليهم ولا على سواهم أو يصل إلى أحد في مكانه فيقعد معه على فراشه، وكذلك جميع حوائجه في المركب إلا أن يحجروا عليه فيما لا يقوم أمورهم إلا به لأنهم هم أعلم بعورات مركبهم منه، وهذا الراكب في البحر لعله أراد يحتاج أن يعلم أنها سفينة والصبر واليقين، فإن ركبه فقد صحب الهم والبلى فهو له مقارن، وخوف البحر كخوف البر ليس بينهما فرق إلا من ضعف يقينه ورق دينه.
وإنما خاف أهل البحر لما قد جربوه بالغرق وكل الخوفين واحد ولو أراد الله جل وعز أمشاهم على الماء وحملهم عليه كما أمشاهم على الأرض وحملهم عليها ولكن كان من إرادته أن يريهم من علامات تدبيره وبراهين آياته ما يزدادون به يقينا، وقد أمشى عيسى - صلى الله عليه وسلم - على الماء، ولو شاء لحمله على الهواء، وكل الأمر لله في خلقه ليس معه (6/101)
صفحة 1955
شريك، والخوف واحد لأن المخوف واحد حيثما أراد فليس مانع يمنع ولا دافع يدفع، وكما أن ذا النون - صلى الله عليه وسلم - لم تنكسر سفينتهم ولم يخرق ولكن أحاط بهم أمر الله ولم يكن لهم سبيل الجواز حتى طرحوا منها - صلى الله عليه وسلم - وصار إلى بطن الحوت بقدرة الله الحيّ القيوم الذي لا يموت، ثم سرحت بهم سفينتهم، وكذلك سبيل القضاء والمقدر، ومن أيقن به من المتيقن فهو السّرور من شك فيه من الفاسقين والمنافقين فهو المغرور ولا توفيق لخير أبدا إلا بالله.
قلت له: فهل للراكب في السفينة أن يتوضأ بالدلاء الموضوعة على السناديس بلا أن يستأمر في ذلك أحدا؟ قال: نعم كلما كان معروفا في السفينة أنه مباح لراكبها مثل الدلاء وغيرها فليس عليه في ذلك مشورة، وهذا من الأمور الشاهرة.
قلت له: فإذا تنجس ثوبه في البحر هل يجزيه أن يعلق به حبلا ثم يطرحه في الموج يضر به حتى يرجو أنه قد نظف ويجزيه ذلك؟ قال: فإن كان ذلك يقوم مقام العرك أجزا ذلك إن شاء الله، وإن كان لا يقوم مقام العرك فيعرك إن أمكنه ذلك، وإن لم يمكنه إلا كما وصفت واطمأن قلبه لذلك أجزاه، ويقول: إن أمكنه أن يرفعه فيعركه ثم يرده إلى البحر حتى يغمره الماء فيفعل ذلك ثلاثا أجزاه ذلك إن شاء الله.
قلت له: ويجوز له أن يعرك ثوبه على الخشب المعروض في السفينة المقدم في البحر، قال: فنقول: فليستأذن في ذلك فإذا أدنوا فعل لأنه لعله عليهم فيه مضرة إلا ما هو معروف في المركب من السناديس وسواء للخشب للوضوء والغسل فلا بأس بذلك أن ينتفع به بلا رأيه لأن ذلك قد أباحوه إن كان معروفا بذلك على ما وصفناه.
قلت له: فالدلاء الموضوعة على السناديس إن وقع من استقائه بلا تعمد منه هل عليه في ذلك تبعة؟ قال: فنقول: لا نرى عليه تبعة إذا لم يتعمد والله أعلم بالصواب.
قلت له: فحكم ما في المركب الأدوات والأمتعة إذا أحدث فيها أحد من الركاب حدثا لمن حكم ما في السفينة من المتاع كله وإلى من يتخلص هذا المحدث فيه من الناس؟ قال لي: المعروف بالسفينة والمنسوبة إليه أنها له إلا أن يقر بشيء منها، ومن متاعها لأحد من الناس فذلك لمن أقر له به، وإن عجز ذلك تخلص منها إليه. قال: له أن يتخلص منها إلى من أقر له بها.
قلت له: فإن أراد أحد من الركاب شراء شيء من الطعام أو شراء شيء من (6/102)
صفحة 1956
المتاع في السفينة وأراد أحد غير صاحب السفينة أن يبيع أو يهب له ويقول ذلك الرجل إنه له هل له أن يصدقه في ذلك ويأخذ منه بما أعطاه أو وهب له؟ قال: فإن كان في يده فهو أولى به، وإن كان يستخرجه من السفينة وهو لا يعلم أنه له فيطالع فيه صاحب المركب، فإن أقر له به اشتراه منه وإن تناكر أودعه إلى سواه.
قلت له: فإن كان هذا الرجل يخرج هذا المتاع من تحت فراشه أذلك كله سواء أو كيف الوجه الذي يعرف فيه من يكون في السفينة إنه ذو يد فيه؟ قال: فإن كان هو يعرفه مثل من قد ركب معه من أصحابه أو غيرهم قد عرفوا له منسوبا إليه، وإن كان لا يعرف أنه له فذلك كما وصفنا إلا أن يكون من ثيابه التي هي على بدنه أو شيئا من السلع محزوما فيها فذلك ذو يد فيه، وأما سائر ذلك مما يراه يستخرجه من المركب ولا يعلم أنه له فلا يكتفي برأيه إلا عن رأي صاحب المركب.
قلت له: فإنه يرى الرجل قاعدا على فراش في المركب ويقول فراشي ويجيء ويذهب ويخاصم عليه هل يكون هذا ذا يد فيه؟ قال: فليس هذا له إلا كما وصفنا والله أعلم بالصواب، ويقول إلا من باب واحد ولم يحاكمك فيه أحد أن يكون القاعد على الفراش والآتي إليك بالسلعة رجلا ثقة في دينه لا يشك في أمانته ويطمئن قلبك إلى قوله، فهذا يجوز لك أن تشتري منه ما لم يعارضك فيه معارض ممن يستحق ما في المركب بالحكم لأن الأمين لا يفعل إلا ما هو له ودعواه في الحكم عند من لا يعرفها غير مقبولة إلا ببينة عادلة فصار الحكم في الظاهر غير الحكم لك أنت بالسرائر فافهم الفرق في ذلك، وهذا الفرق في الأمين، والله أعلم بالعدل.
قلت: أفليس له أن يمضي إلى الوضوء والتنور والفنطاس والقنبار إذا احتاج إلى الوصول إلى الناخذ أو إلى صاحب له يوصيه بحاجة أو يأخذ من عنده حاجة حيث أمكنه لأنه ليس في السفينة طريق معروف؟ قال: فيجوز له أن يقوم في حوائجه ويمر إليها بلا ضرر فيما لم يحجر عليه صاحب المركب من بعض ما هو فيه ألا يطأ عليه فيتحرى سوى ذلك فيما لم يحجر عليه ولم يتعمد هو مضرة فلا أرى عليه بأسا إن شاء الله، وهذا مما يضطر إليه أو ما لابد له منه، وإن كان له منه بد فالسلامة أولى به من المخاطرة فيما هو مستغن عنه، والله أعلم بالصواب.
قلت: فلمن حكم الماء الذي في الفنطاس إن استحل صاحب المركب أن يشرب منه كلما أراد يجوز له ذلك، قال: فحكم الماء للشاربين منه لأنهم شركاء فيه، ولا (6/103)
صفحة 1957
ينبغي لهم أن يتأثروه بحيلة من الحيل إلا عن رأي الجميع لأنه يدخل ضرر ذلك على الجميع، والله أعلم.
ومن غيره: وقال من قال: إن الماء الذي في الفناطيس لصاحب المركب، وعلى صاحب المركب القيام للراكبين بسقيهم لأنهم على ذلك حملهم، ولا بأس على من آثره صاحب المركب بشيء من ذلك ما لم يتعمد هذا إلى ضرر، وليس لصاحب المركب أن يتأثر به وعليه العدل فيه.
قلت له: فإن تبع أحد من الركاب تبعة من الماء وزاد على ما يسقاه غيره وهل يجوز له أن يتخلص إلى صاحب المركب ويجزيه ذلك عن استحلال القوم كلهم؟ قال: فنقول إن لم يدرك ذلك من الركبان وكان ذلك برأي صاحب المركب فالذي يختار من هذا أن يستحل صاحب المركب وأن يتحرى بمقدار ذلك للفقراء، وقال: لو أن رجلا أصابه الظمأ وخشي عليه أصحابه الموت كان عليهم أن يلتمسوه بما يشاورون في ذلك على أصحاب المركب كلهم.
قلت: فهل يشاور في ذلك الجباه أو ابن الجباه وهم حاضرون، ومن غيره قال: نحب في هذا قول من قال: إن الماء حكمه حكم صاحب المركب وإن صاحب المركب عليه العدل في ذلك لأنه لا يشاركه في ذلك أحد في الملك وإنما الشركة في هذا في العدل، ولولا ذلك كذلك لكان كل من انقحم من الركبان أو مات أو غاب لم يكن لسائر الركبان ولا لصاحب السفينة أن يشرب من الماء لأن فيها غائبا ولا يشتمل عليه اسم الشركة في التسمية في القسم وجه الإيثار به فيقع منه الضرر على بعض الركبان ويتأثر واحد، وقد جاء الأثر أن على الوالد أن يقسم بين أولاده في المحيا والممات وأن لا يؤثر بعضهم على بعض في ذلك ذلك، ثم إنه جاء أنه من أعطاه والده عطية ولم يعط غيره من أولاده فإن ذلك إثمه على الوالد إن كان خاف في ذلك، وذلك جائز للولد ولو علم ذلك، وإنما الإثم على من فعله كذلك من يلي قسم شيء مما قد ائتمنه الله عليه فعليه التسوية بالمناصفة، فإن أعطى أحدا أكثر من أحد لم يستحقه ولم تكن القسمة أصلها باستحقاق ميراث أو شراء أو وجه ملك أو غنيمة وإنما هي لمن حضر من أهلها فعلى القاسم التحري وليس له قصد الضرر ولا إثم على من أعطاه وهو واسع له في الأصل، وعنه قال في كراء الركبان في السفينة إلى البر ومن البر إلى السفينة أنه على سنة المركب في ذلك. (6/104)
صفحة 1958
قلت: أرأيت هذا الراكب في السفينة قاربا وقد أرادوا النزول إلى المواضع وقالوا للناس انزلوا هل لهذا الرجل أن ينزل في هذا القارب بهذا القول؟ قال: فإن تيقن هذا الرجل أن الأمر بالنزول للجميع وهو منهم نزل، وإن لم يبن له ذلك استشار صاحب القارب في النزول فيه فإن أذن له نزل وإن لم يأذن له لم ينزل إلا برأيه.
قلت له: فهل لصاحب السفينة أن ينزل إلى ساحل من السواحل غير الساحل الذي قاضاه عليه الركاب لمعانيه ولجهازه وتجارته إن أبى عليه الركاب إلا جد السّير هل يحكم عليه بجد السير عن الميل إلى السواحل؟ قال: فنعم إذا كان ذلك الميل مما يضل بهم ويقطعهم عن قضاء حوائجهم ويعوقهم عن بلاغهم لم نر له عليهم ذلك إلا أن يشاطرهم على ذلك، فإذا شرط عليهم ذلك كان عليه وعليهم مما يشارطهم على ذلك، فإذا شرط عليهم ذلك كان عليه وعليهم مما شارطهم عليه مما يسعه ويسعهم في شرطهم وفي شرطه إلا أن يكون لأصحاب المركب سنة معروفة مشهورة في ذلك لا يحتاج الراكب فيها إلى الشرط أنه كذلك بسيرهم، وكذلك نزولهم، وكذلك جرت به آثارهم والآخر عن الأول كذلك أدركوه فلهم ما لغيرهم مما قد جرت به سنتهم، وإنما يركب الراكب معهم على ذلك ما يغير ما هو لهم عليه إلا أن يشترط في وقت دخوله في مركبهم ورضوا بشرطه وحملوه عليه فعليهم له الوفاء إلا أن يأتي حال مما لهم فيه عذر من الاضطرار فقد زال عنهم حكم ذلك الشرط لما نزل لهم من المقدور وعاقهم في مسيرهم، ومن شاء قعد معهم حتى يأتي الفرج من بلاءهم بعافيته ويوفوا له بشرطه، وإن شاء أخذ منهم بقية كرائه وخرج عنهم حيث قدر الله له الخروج، والله أعلم بالصواب.
قلت له: أرأيت العدو في البحر أراد السفينة وسلبها وسباها وعزم أهل المركب على الاستسلام أو أن يلقوا بأيدهم إليهم جميعا خوفا على أنفسهم ورجاء أنهم إذا استسلموا أسلمت أنفسهم هل للمسلم أن يقاتل وحده، ولعله يدخل عليهم الفتنة أو ما ترى له من ذلك؟ قال: فيقول إن خاف هذا المسلم أن يهلك الجميع بقتاله لم نأمره بذلك إذا كانت السلامة للجميع بكف يده لأنه قد يوجد في الأثر من قول أهل البصر أن الحرب إذا لم يرج نفعها تركت، وقد يروى فيما سمعنا من روى ذلك عن أبي المؤثر رحمه الله أنه قيل والله أعلم، سئل عن ذلك أو شوور في ذلك أو ذكر ذلك له والمعنى فيه خروج المسلمين في الأربعين، فقال: أحسب في معنى جوابه لا يجب أن يكونوا جزرا (6/105)
صفحة 1959
للكلاب، وقالوا له أو قال له القائل: فقد فعلوا، قال: على معنى قوله فلهم أو لم يقل لهم جنان الفردوس ونعيم لا يزول، والمعنى معناه لهم، فليس قولنا إنا نأمر هذا ألا يقاتل إلا كما قد روي عنه في الحياط عليهم، ولعل ذلك أوفر حظا لأن الله يقول في إحياء النفس التي قد أشرفت على الهلاك: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} (المائدة:32) فإن كان هذا الرجل إذا أخر نفسه عن القتال رجا بذلك سلامة هؤلاء جميعا فهذا إن صدقت نيته وطهرت سريرته وعلانيته وشكر الله له ذلك، فأرجو أن له حظا في الفريقين لأن الله قد علم أنه لا يؤخر نفسه عن قتال عدوه توفيرا لنفسه ولكن التماس ما يرجو من فضل الله عليه أنه أوفر عليه وعلى جماعة المسلمين الذين معه، فهذا الذي قلناه إذا كان هو دون جميع من في المركب يريد القتال وحده والبحر غير البر اخترنا له ما قلناه، وإن كانت الحرب قد وقعت بينهم واستسلموا كلهم وهم في حال المحاربة فمر على ذلك وعلى سبيل الشهادة رأيناه قد حاز الغنيمة والصفقة الحسنة الكريمة لأنه قد يروى عن بعض ما عني بذلك قال لهم بعد ذلك، ولعله في حد الموت، ولعله قد عزم على القتال أنه قال: ما
أفلح من ندم لعله معنى قوله من ندم على ما لأمره عليه في القتال أما في البر فغير هذا.
قلت له: أرأيت إذا عزم أصحاب السفينة على القتال وألبسوا السفينة وبرزوا السلام في موضع القتال على دفات السفينة، وكذلك جعلوا هنالك الحجارة وليست تلك الحجارة في يد أحد ولا ذلك السلاح في بد أحد هل للمسلم أن يقاتل بذلك السلاح ويرمي بتلك الحجارة أو ليس له ذلك؟ قال: فإذا أباحه ذلك من أهله، وإنما برزوا للقتال، ومن أجله قاتل به وإن ارتاب في ذلك لم يقاتل به إلا بإذن أهله وذلك مما يصح عنده في وقت المحاربة لما أبرزوه بالشاهر من ذلك.
قلت له: فالسلاح يرمي به العدو مثل الحراب وأشباهه هل له أن يقاتلهم بذلك؟ فنعم له أن يقاتلهم بسلاحهم ويستعين به عليهم ولا ضمان عليه فيما تلف في حين المحاربة، والذي نختاره لمن بلي بذلك عند المخالفين لدينه لا يقاتل بسلاحهم حين يستأمر من علم أن السلاح له أو كان في يده ولم يعلم أنه لغيره أو يؤمروا خاصة مع من يؤمرون أن يقاتل بسلاحهم، وهذا اختيار منا لأهل الورع في مخالفتهم.
قلت له: فإذا جاءت البوارج، وقال أهل المركب أن هذه بوارج الهند ولم يرتب المسلم في ذلك وغنمهم أهل المركب هل للمسلم أن يأخذ من تلك الغنيمة أو يأخذ (6/106)
صفحة 1960
من أموالهم شيئا؟ قال: فإذا كان ذلك معروفا بالمشهور في ذلك الموضوع فيما تقدم إلى يومه ذلك ورأى علامات ذلك في أهل البوارج مما يطمئن به قلبه أنهم هم العدو، والذين ينتحلون الشرك ويقطعون السبيل في البحر، واجتمع على ذلك أهل المركب ولم يدفع ذلك أحدا منهم فهذا معنى مقام الصحة لأن ذلك معنى معروف مشهور معنا لا يدفع أن أهل البوارج من المشركين هم الذين يقطعون السبيل في البحر في شطنا هذا مما يلي عمان، وهذا معنا شاهر، وأما بعد هذا الموضع فلا يعرف من يقطعه فإن كان خارجا في عُمان يريد إلى اليمن فلقيته البوارج من حد عمان إلى حد عدن وهم معنا في الشاهر هم العدو من المشركين، إلا أن يلقى أحدا من شط عمان من جهال مهرة أو من غيرهم من الفساق إلى حد عدن من ناحية البر من ناحية عمان فأولئك معنا إذا لم يستيقن أنهم من الهند من المشركين فهم معنا على حكم البغاة من أهل الصلاة فهذا كله لم نقله إلا بما قد شهر معنا في هذا الموضع، وكذلك الذي يبدأ بهذا وأخذه بالمشهور عمل بالحكم في أهل النحلة التي لقيتهم على ما يجب من الحق فيهم.
قلت له: فإذا لم يكن هنالك قائد على الحرب مرسول من الإمام إلاّ كلّ يقاتل فكل من غنم شيئا كان له إذا لم يكن قائد على الحرب مرسول من الإمام أو كيف تكون القسمة في هذا؟ قال: فنعم إذا لم يكن سرية يقودها قائد من الإمام أو غيره من القوام بالحق فمن قاتل من ينتحل الشرك وغنم من ماله شيئا فهو له غنيمة، وإن اعتمد جماعة على أنهم يقاتلون من لقيهم من المشركين وأنهم ما غنموا من غنيمة فهي بينهم كان ذلك لهم على ما تعاقدوا على أن يخرجوا خمس الغنيمة والباقي بينهم على ما تشارطوا عليه ويكون الخمس على قسمة السهم من الخمس لأهله، والله أعلم بالصواب.
مسألة: من الحاشية بخط الشيخ العالم الفقيه أحمد مراد، من كتاب المصنف وعن أبي محمد رحمه الله إذا خاف النواخذا أعلى المركب التلف وطرح المتاع برأيه ففي الضمان عليه اختلاف قول إذا طرحه مخافة على المركب كان له ذلك أن يفدي النفوس بالمال ويكون ضمان ما طرح على جميع الركاب، وقول لا ضمان على الركاب وإنما الضمان عليه خاصة أنه يحملهم بالكراء، وأما إذا طرحه الربان برأيه فذلك عليه ولا ضمان على الركاب، والله أعلم. (6/107)
صفحة 1961
مسألة: من الحاشية أيضا بخط الشيخ الفقيه أحمد بن مداد قال الشيخ أبو الحسن: جائز للركاب أن يلقوا من الحمولة إذا خشوا على أنفسهم والضمان على جميع الركاب لأنه طرح ذلك لسلامة الجميع، والله أعلم.
مسألة: وإذا جاء الخب في البحر وطرح التجار أمتعتهم فللمضارب أن يطرح من المتاع الذي في يده بالحصة إذا كان في الطرح سلامة الأنفس، ولا يضمن ذلك لرب المال والله أعلم، وقول إن عليه ضمان القيمة قيمة ما طرحه من المتاع الذي عنده مضاربه والله أعلم.
مسألة: من الحاشية عن أبي معاوية: وإن كان صاحب المتاع ومن متاعه من غير مراضاة كانت بينه وبينهم وسلموا كان له عليهم ضمان المتاع على عدد رؤوسهم، وإن كان الحاكم يحكم له عليهم بذلك والله أعلم.
مسألة: وعن أبي سعيد رحمه الله: وسئل عن المركب إذا خافوا عليه أن يغرق ويهلك ما فيه من الخب وفساد البحر هل يجوز لصاحب المركب أن يطرح أمتعة الناس أم لا؟ قال: معي، أنه إذا كان في ذلك صلاح لهم جميعا ورجاء النجاة من الهلكة كان له أن يفدي الأنفس بالمال ولو كره أصحاب المتاع، ويعجبني أن يكون بعد الحجة عليهم.
قلت: فيطرح من متاعهم جميعا أو متاع من أراد صاحب المركب؟ قال: معي أنه إذا كان النفع لهم جميعا لزمهم كلهم دفع المضرة عن أنفسهم، فإن طرح متاع أحدهم دون الآخر ضمنوا كلهم وكانوا فيه شركاء بالحصص، قيل له: فيضمنون ذلك على قدر أمتعتهم في قلتها وكثرتها أم على رؤوسهم؟ قال: معي أنه إن كان النفع وصرف الضرر إنما هو المتاع كان الضمان على قدر المتاع، وإن كان النفع والدفع عن الأنفس كان الضمان على الرؤوس كلهم بالسوية عندي، قيل له: فإن ذلك من المنفعة ورجاء النجاة للجميع من أنفس وأمتعة، قال: يشبه عندي أن يكون الضمان على الأمتعة والرؤوس، وهذا إنما هو على معنى قوله.
قلت له: فإن كان فيهم صبيان غير بالغين هل يلزمهم ضمان ذلك في أموالهم؟ قال: معي أنه إذا كان المضرة عليهم جميعا وكان النفع لهم جميعا أشبه عندي أن يلزمهم جميعا إن كان من طريق الحكم، وإن كان من طريق الحجة فالصبيان ليس عليهم حجة. (6/108)
صفحة 1962
قلت له: فيلزم هؤلاء الركاب خلاص إلى من طرح متاعه أم حتى يحكم عليهم بذلك؟
مسألة: والراكب في السفينة له أن يشرب من الماء الذي في الفناطيس بغير أمرهم إذا احتاج، فإن فضل معه عن الذي يجزيه رده ولا يضيعه.
مسألة: ويجوز للركاب في المركب أن يصانعوا وكيل الماء الذي على الفناطيس حتى يسقيهم.
مسألة: والراكب في السفينة له أن يشرب الماء الذي في فنطاس السفينة بغير أمرهم إذا احتاج ويرشو من يسقيه وإن فضل معه عن الذي يجزيه فعليه رده ولا يضيعه.
مسألة: والخيار إذا كان في السفينة فخبر فحملت الريح النار فأحرقت السفينة فلا أرى عليه ضمانا لأنه مأذون له بالوقيد فيها.
مسألة: ومن ساح في البحر في مركب كسر على موضع فيه يتيم عنده قوت يوم ورمى ذلك الموضع طعام سائح في مكاسير المراكب لا يعرف لمن هو وقد أضر به الحال فله أن يأكل من الطعام الذي من الكسر لأنه قد صار في حد التلف والذهاب عن أربابه ولا ضمان عليه فيه على قول لأنه من اللقطات التي قد صارت في حد التلف عن ربها ولا يرجع في طلبها، وقال آخرون: هي لقطة مضمونة إن عرف صاحبها تخلص إليه وإن لم يعرف تصدق بمثل ذلك على الفقراء، وذلك أحبّ إليّ من أكل مال اليتيم الذي إنما عنده قوته ويضر به إن أكله.
مسألة: وإذا أغصب المشركون قوما ثم أطلقوهم ومعهم مركب لأحد من الناس فجائز لهم أن يركبوا في هذا المركب ويخلصوا أنفسهم من الهلكة وفتنة الشرك ويضمنوا لأرباب المركب، كما أن من خاف على نفسه أكل من مال غيره إذا لم يجد حلالا وضمن كذلك إن أخذه الظالمون وفتنوه على نفسه فافتدى منهم بما قدر عليه ولو بمال غيره، وهذا مثله والله أعلم.
فإذا ركبوا فيه ووصلوا إلى بلدهم فإن كان له ربان حافظ له ومن يده ركبوا فيه فلهم تركه في يده وتخلصوا من التّبعة إليه، وإن لم يكن له ربان ولا وكيل ولا مالك كان عندهم شبه الأمانة وعليهم ضمان الكلأ لأربابه حتى يجدوا ثقة يوصل ذلك إليهم أو (6/109)
صفحة 1963
يوصلوه إليهم ويتخلصوا من الواجب إن عرفوا أهله وإلا كان ذلك أمانة في حفظهم والحقوق عليهم لأربابه قدر كراء ما ركبوا فيه، ولا يجوز لهم بيعه على وجه الحفظ لربه إلا أن يخاف تلفه.
فعلى قول لهم بيعه وحفظ الثمن، وإن ضاع الثمن لرمهم على قول.
وقال قوم: لا ضمان إذا كان ذلك طلب حفظ لهم، فإن كسر في البحر قبل أن يصلوا إلى بلدهم أو بعد أن وصلوا فإن كان أخذهم له على وجه التعدي ضمنوه وإن كان بلا تعد وكان بوجه من وجوه الإجازة لم يضمنوه.
مسألة: والفقهاء يكرهون ركوب البحر لطلب المعيشة إلا في حج أو جهاد، ولابد من طلب المعيشة في غير البحر، وقد كره المسلمون ركوب البحر.
مسألة: جواب موسى بن علي والأزهر بن علي إلى الإمام عبد الملك بن حميد رحمة الله عليهم، وعن رجل اغتصب العدو سفينته وصارت في أيدهم وبلادهم وصاحبها يقدم على التجار ألاّ يشتروها من أيدي العدو، وإن رجلا من التجار اشتراها وخرج بها إلى عدن فاشتراها منه رجل من أهل اليمن، ثم إن اليمين قدم بها على عمان وزعم أنه اشتراها العدني بمائة وخمسين دينارا ولم يعلم سبيلها وأقام وكيل المغتصب بينة بالتقدمة على التجارة على المشتري ولم يعرف الشهود بكم اشتراها المشتري من أيدي العدني، وقد صحّ الغصب والتقدمة على المشتري الأول والبائع لا يدري في أي بلاد هو فنرى -والله أعلم- أن صاحب السفينة المغتصبة هو أحق بسفينته والمشتري الآخر راجع إلى من اشترى منه وأنت الناظر في ذلك.
مسألة: وعما يلقي أهل السفن من الفضة والذهب والمتاع ويعجزون عنه قال: خذه فكله، قلت: أرأيت إن قدمنا قرية فطلبوا إلينا الذي لهم؟ قال: رده ولك فيه حق. قال هاشم: وله فيه أجر مثله ولا يأخذ أموالهم، قال أبو سعيد: يعجبني قول هاشم فيما يتركونه ضرورة ولا يقدرون عليه مما لا يرجع إلى مثله في ذلك فيعجبني فيه القول الأول.
مسألة: وعن صاحب السفينة يحمل الناس متاعهم من الأمتعة التي يشبه بعضها بعضا ثم تكسر السفينة في البحر فتذهب بعض الأمتعة ويبقى في يديه بعضها تختلط علامات الناس فلا يعرف علامة كل واحد فيعطيه ماله كيف العمل في ذلك؟ فعلى ما وصفت فنقول: إن اتفق أصحاب هذا المتاع على شيء بينهم وتراضوا على ذلك (6/110)
صفحة 1964
وإلا فكان هذا المتاع موقوفا حتى يتفقوا على شيء ويفرق على الفقراء وذلك أنه قد قيل في الرّاقب الذي يكون حفيظا على سنبل الناس فتهيج الريح فيختلط السنبل بعضه ببعض ولا يعرف الراقب سنبل أحد بعينه، وكذلك أصحاب السنبل لا يعرفون سنبلهم، فقال من قال من الفقهاء: إن اتفق أصحاب السنبل على شيء وإلا فرق ذلك السنبل على الفقراء، فعلى هذا أجبنا في المتاع.
مسألة: ومن الأثر عن أبي زياد قال حفيظ بن محبوب أن موسى بن علي مقيدا عن مسعدة بن تميم أن السفينة إذا طرح متاعها فإن اجتمعوا على طرح المتاع كان على عدد الرجال الذين أمروا بطرحه، وإن طرح أحد والباقون سكوت ولم يأمروا كان على من طرح أو أمر به غيره، وإن أذن إنسان بطرح متاعه فذلك إليه.
مسألة: ومن الأثر: وجدت متصلا بآخر هذه المسألة، وذكرت أنه قال: المحافرة ومكتوب أنها من جواب أبي مروان، وأرجو أن المسألة التي في السفينة من جواب أبي مروان أيضا، والله أعلم.
مسألة: ومن الأثر: عن رجل قاضى صاحب السفينة أن يحمله بكذا وكذا فحمله صاحب السفينة ودخل سفينته وأدخل جوالق فيه بر ومتاع لم يعده على صاحب السفينة ولم يكن سماه من المقاضاه يوم قاضاه، ثم أصاب السفينة خب في البحر فألقى ربان السفينة الجوالق فيما ألقى ثم طلب صاحب الجوالق الحق فأقام بينة عدل بإدخاله الجوالق وبما فيه وشهدت شهوده أن صاحب السفينة أمر بطرح المتاع، غير أنهم لم يسمعوا أنه أمر بطرح غير هذا المتاع فإنما يلزم من أمر بطرح المتاع المنازعة بين الآمر والطارح وأما بينة صاحب السفينة أنه أمر بمتاع سوى الجوالق فإن بينة صاحب الجوالق عندنا أولى.
مسألة: وسألت عن الغريق في البحر إذا انكسر به المركب هل له أن يتعلق بما أمكنه من المركب أو غيره إلى أن ينجو من الغرق عليه، قال: نعم له أن يتعلق بما أمكنه.
قلت له: فهل عليه ضمان ما تعلق؟ قال: ليس عليه ضمان ذلك، قلت: فإن طرح الذي تعلق به معه إلى الساحل وتجاهل يضمنه؟ قال: نعم، إذا سلم ونجا إلى البر ضمنه، قلت: فلمن يكون ضمانه؟ قال: لمن عرفه، قلت له: فإن عرف أنه من المركب هل يكون لصاحب المركب؟ قال: هو لصاحب المركب. قلت له: فإن لم يعرف من أين هو؟ (6/111)
صفحة 1965
قال: هو بمنزلة اللقطة.
مسألة: قلت: وكذلك النوخذا صاحب السفينة يوجه المتاع يحمله بالكراء أو بلا كراء فعناهم الخب في البحر أله أن يطرح من متاع الرجل الغائب؟ قال: نعم.
مسألة: قلت: فإن طرح من متاع رجل واحد أو من متاع نفسه ثم طلب أن يحاصصوه من كان له مال إذا كان إنما طرح من الخب الشديد المخوف، قلت: فيحاصصوه من كان له مال في السفينة بقدر الأموال أم الركاب في السفينة فإن لم يكن لهم أموال؟ قال: فعليهم المحاصصة فيما بينهم على أهل الأموال بقدر أموالهم.
مسألة: مما يوجد أنه عن سعيد بن محرز رحمه الله وعمن تنكسر سفينته فيذهب ماله في البحر، فقال صاحب المال: من استخرج شيئا من المال فهو له، فاستخرج من استخرج شيئا من المال ثم رجع إلى صاحب المال يطلب ماله، قال: يعطي المسخرج أجرا مثله، وإن قال: من استخرج شيئا فله نصفه فعليه ما شرطه على نفسه.
مسألة: وسألته عمن ركب في سفينة أو حمل فيها شيئا مستتراً وأراد البراءة من ذلك إلى صاحب المركب، قال: اجعلني في الحل إلى بهار أو قيمته أو عشرة أمنان أو قيمتها أو ما أردت، فإذا جعلك في الحل فأرجو أنك قد برأت.
مسألة: ومما يوجد عن أبي رحمه الله وقال في رجل ركب مع أهل السفينة فليس له أن يستأثر عليهم في الماء إذا أراد صاحب الفنطاس أن يؤثره ولا يشرب برأيه إذا كان سقيهم واحدا فلا يزيد على أهل السفينة ولا يستأثر عليهم ولو عطش.
مسألة: وسئل عن رجل يحمل الطعام فيضمن الملاح، قال: ليس له زيادة ولا عليه نقصان إذا ائتمنوه إلا أن اتهم فيستحلف بالله، وقال: إذا غرقت السفينة أو جاءها ريح أو شيء لا يمكنه فليس على الملاح ضمان إذا فيها خرق أو شيء من الملاح فهو ضامن.
مسألة: وسئل عن السفينة تكسر السفينة الأخرى؟ قال: إذا كانت سفينة فيها ركاب فكسرت سفينة واقفة فالتي فيها الركاب ضامنة، وإذا لم يكن فيها أحد فليس على واحدة منهما ضمان، وإن كانتا تسيران جميعا فأدركتها من خلفها فكسرتها فهي ضامنة وإن انكسرت هي فلا ضمان على المتقدمة، فإن كانتا تسيران فاستقبلت إحداهما الأخرى فانكسرتا جميعا، قال: هما ضامنتان. (6/112)
صفحة 1966
مسألة: أحسب عن أبي علي الحسن بن أحمد في السمك الذي يتعالى من البحر يقع في المركب أهو لصاحب المركب أو لمن أخذه أو يكون سبيله سبيل المباح لمن لقطه؟ قال: لا أحفظ فيه شيئا، وأحب أن يكون لمن لقطه بمنزلة المباح والله أعلم. وقال في السفينتين التقتا في البحر فانكسرتا لا يضمن صاحب واحدة منهما إلا أن يكون ضيع أو تعمد فإذا جاء لا يملك فليس عليه ضمان.
مسألة: قال بشير: سألت عزان بن الصقر رحمه الله عن رجل في يده مال لغيره مضاربة فأخذه السلطان به، وقال: إن لم تدفعه إلي قتلتك أن ليس له أن يدفعه إليه، قال بشير: قلت له: فلو أنه كان في سفينة وفي يده مال لغيره مضاربة فجاء الذي يخاف منه الهلال هل له أن يطرح هذا المال رجاء السلامة؟ قال: نعم.
قلت له: وكيف اختلفا؟ قال: الأول لسلامة نفسه وحده وهذا لسلامته وسلامة غيره جائز، قلت أنا لأبي سعيد: ما تقول في هذا؟ قال: لا يبين لي أن سلامة غيره أوجب من سلامة نفسه ولكنه إن ثبت معنى هذا فمن طريق أن البحر جاء أمره من الله، وإذا ثبت الخوف على الأنفس من طريق ما جاء من الله من غرق أو حرق أو شيء مما يشبه هذا فترك تارك ما يقدر عليه من القيام في استنقاذ الأنفس من الهلاك لزمه الضمان، فإذا ثبت أن من سبب هذا المال يخاف الهلاك على الأنفس بالسفينة وطرحه يرجو السلامة جاز استبقاء الأنفس بالأموال بالتزام الضمان فيها بمجهود الأنفس فأثبت معنى الاختلاف في المعنيين فمن هاهنا عندي.
وقد قيل: إذا كان على مثل هذا كان ما طرحه من الأموال لإزالة المضرة ثابت على جميع من تصرف عنه المضرة على رؤوسهم، وإن كان على أموالهم فعلى قدر أموالهم على قلتها وكثرتها، وهكذا إذا اجتمع معنى الصلاح في شركة لا يعدم، وكما لا يعد إزالة ضررها كان إزالة ضررها من رأس المال. (6/113)
صفحة 1967
[صفحة بيضاء] (6/114)
صفحة 1968
الباب السادس والعشرون
فيما جاء في السلطان الجائر وعماله من الروايات
والأخبار وما لهم من العقاب ولأعوانهم وما أشبه ذلك
مسألة: وكان جابر يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يحشر الظلمة وأعوانهم ومن أعانهم ببري قلم أو بمداد دواة إلى النار»، وكان جابر يقول: إن السلطان الجائر عقوبة فإن قويت عليه فرده إلى الحق، وإن خفت أن يذلك فعليك بالدعاء والتضرع. وذكر جابر أن عمر بن الخطاب رحمه الله قال: عمال الناس على قدر أعمالهم إن صلحوا صلح عمالهم وإن فسدوا فسد عمالهم، وذكر لنا أنه يوجد في بعض الكتب كتب الله: "إنا أنا الله لا إله إلا أنا، من انتهك بعضا من محارمي محرما سلطت عليه من ينتهك من حرماته بقدر ما انتهك من حرماتي عدلا بلا ظلم ظلمته"، وبلغنا أن (بختنصر) حين ظهر على بني إسرائيل وخرب بيت المقدس وقتلهم لقي نبيا كان فيهم قال: لم سلطني الله على بني إسرائيل وفيهم النبوة والكتاب؟ فقال له النبي: لعظم خطيئتك (خطايا بني إسرائيل).
وفي بعض الكتب كتب الله: "إني أنا الله لا إله إلا أنا أنتقم من الظالم بالظالم" ثم ينتقم منهما جميعا.
وبلغنا أنه كان فيمن كان قبلنا أمة إذا أرادوا أن يخرجوا على ملكهم وكان يسومهم سوء العذاب فأتوا نبيا كان فيهم فقالوا: إنا أردنا أن نخرج على هذا الملك فأردنا أن نستطلع رأيك وأن تعيننا على أمرك، فقال لهم النبي: إني لست أقاتل الظالم مع الظالمين، اذهبوا فانزعوا الظلم فيما بينكم وتعالوا فارجعوا، فلما ذهب عنهم ثلث الظلم فيما بينهم إذا ملكهم قد عطف عليهم بثلث العدل، فلما ذهب عنهم نصف الظلم فيما بينهم إذا ملكهم قد عطف عليهم بنصف العدل، فلما ذهب عنهم الظلم (6/115)
صفحة 1969
أجمع إذا ملكهم قد عطف عليهم بالعدل أجمع، قال: فلقوا بينهم، فقال مالكهم فقالوا لا نريد به بدلا، فقال لهم: إنما أوتيتم من قبل ذنوبكم فقد ينبغي لك يا ابن آدم أن تصلح نفسك قبل أن تصلح لصلاح غيرك.
وذكر لنا أن النبي عليه السلام قال: «يد الله على هذه الأمة ما لم يعظم أبراهم فجارهم، وما لم يرض خيارهم بشرارهم، وما لم يمل قراؤهم إلى أمرائهم، فإذا فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم وسلط عليهم جبابرتهم يسومونهم سوء العذاب وقذف في قلوبهم الرعب وأنزل بهم الحاجة».
فصل: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء ظلمة ووزراء كذبة، وعرفاء فجرة، وأمناء خونة، وقراء فسقة، فيتهوكون تهود اليهود الظلمة سيماهم سيما الأخيار، وقلوبهم قلوب الذّئاب الضواري، قلوبهم أمر من الصبر، يتعلمون لغير الدين، ويتفقهون لغير العمل، طلبوا الدنيا بعمل الآخرة» يقول الله تعالى: "بي يغترون يحلف الله لأتيحن لهم فتنة أترك الحليم فيها حيران" وقال: "سيكون عليهم أمراء يعضون بالحكمة على منابرهم ينزع عنهم إذا نزلوا أما ما ليس لهم فيأخذون، وأما حقهم فيمنعون".
فصل: قال أبو سعيد: يروى أن بطنا يولج فيه طعام السلطان فهو جندي وذلك على المعنى أن من أحب قوما فهو منهم.
مسألة: ومن جامع أبي جعفر قال محمد بن جعفر: واعلم أنه يقال: إن الفتن على أبواب الجبابرة كمبارك الإبل أو كقطع الليل المظلم، وقد نهى أن تأتي السلطان الجائر ولو ظننت أنك تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، مخافة أن تختلجك الفتن دون ذلك، والذي نحب إن غفل عنك هذا السلطان الجائر ولو إن كنت بعيدا منه أن لا تقربه ولا تصانعه ولا توسل إليه، فإني أخاف عليك إن تعرضت لمخالفة هواه أن تكون قد تعرضت من عقوبته لما لا تقوى عليه، وأما أن تطلب رضاه بما يظهر لك من البشر والمودة والتصنع له فترضيه من ذلك بما يسخط الله، وقال الله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} (هود:113)، وأعظم من ذلك تعينه على بعض أمره فتشركه في معصية الله، فأسلم الأمور لك وأولاها بك البعد من هذا إن قدرت على ذلك ولا قوة إلا بالله.
وإن كنت في ملك هذا الجبار وبليت بقرب داره من دارك وخفت أن لا يغفل (6/116)
صفحة 1970
عنك، وأن تدهاك منه داهية في نفسك ومالك وأهلك وجيرانك وأوليائك، قربته ولقيته وصانعته بمالك ورفق مقالك بما ترجو أن تدفع به من جوره وظلمه ما تقوى عليه وأنت في ذلك مبغض له في الله، وكل ذلك حرام عليه فأرجو أن تكون أنت سالما مع الله، ومع ذلك فكن مجتنبا بجهدك عند مقالك وفعالك أن تنزلق في بعض المهالك التي يهلك بها عند الله في الدنيا والآخرة، واستعن بالله فإنه لا ينجيك منه سواه مثل ذلك.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ: سئل عن الجبابرة أنهم قال لا فأعدت عليه المسألة قال لا، وكذلك عن مسلم بن أبي كريمة (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (6/117)
صفحة 1971
[صفحة بيضاء] (6/118)
صفحة 1972
الباب السابع والعشرون
في التقية
ومن جامع ابن جعفر: وكل من أخذه السلطان الجائر والجبابرة الذين يعرفون بالظلم وسفك الدماء أن يبرأ من أحد من المسلمين أو يتولى أحدا من الظالمين أو يقول قولا مما يدخل به في بعض أديان الشرك أو الكفر فإنه إذا خاف على نفسه جاز له أن يعطي ذلك بلسانه وقلبه كاره لذلك وإنما تجوز له التقية بالقول لا بالفعل، لأنه لو أمره الجبار أن يقتل نفسا أو يشرب خمرا أو يأكل لحم ميتة أو لحم خنزير ولم يجز له ذلك، وأما القول فقد جاء الأثر بإجازته، قال أبو المؤثر: لا تجوز التقية في قتل النفس التي حرم الله إلا في الزنا، وأما أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر فالله أعلم، قال أبو سعيد: ويوجد عن أبي معاوية أنه قال: يجوز له على الجبر ما يجوز له في حال الاضطرار من ذلك.
ومن غيره: وأما الخمر فلم يأت فيها استثناء، وقد حرم الله الخمر، بلغنا عن بعض أهل العلم أنه كان يجزيها للمضطر إذا كانت تعصم من الجوع، وقد استثنى الله الميتة والدم ولحم الخنزير، وقال في موضع: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (الأنعام:119)، وقال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ} (المائدة:3) بقول غير متعمد لإثم، وقد جاء الاستثناء في موضع المضطر من الجوع، وقد جاء في موضع للمضطر عن غير تفسير.
والمستكره للعقل مضطر والله أعلم، وقولنا في هذا قول المسلمين، ولا يجوز له أن يتكلم بشيء من الكفر إلا أن يستكره عليه كما قال الله تعالى، وقال محمد بن جعفر، وقيل إن عمّار بن ياسر رحمه الله لما أخذه المشركون لم يقبلوا منه حتى قال إن الله ثالث ثلاثة. (6/119)
صفحة 1973
وقال الله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} (النحل:106)، ولكن من شرح بالكفر صدره فعلى ما في قلبه وأنزل عذره، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وقال: «يا عمار بن ياسر أخذوك حتى قلت ما قلت فإن زادوك فزد»، وقال ابن مسعود: ما من كلمة تدفع عني ضربتين بسوط يسألونه إلا تكلمت به، وليس الرجل بأمين على نفسه إذا عذبت أو قيدت أو ضربت أو وعدت أو جوعتن أو خوفت، وبايع الناس لعله يريد إذا اتقى لم يبايع من لا يستحق البيعة، وبلغنا عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ذلك وهو في المسجد فقال: ما أبالي مسحت هذه الاسطوانة بيدي أو بيده، إنما البيعة بالقلب وليست باللسان.
مسألة: ومن غيره قلت له: أيسعه أن يعطي السلطان الجائر الحابول وهو يعلم أنه يخرف أموال الناس القرامطة أو غيرهم؟ قال: لا يسعه ذلك وهذا لا تسع فيه التقية.
مسألة: وليس لأحد أن يركب معصية الله وإن جبر عليها إلا أن يكون قولا باللسان من غير أن يشرح به صدرا فله أن يقول وذلك أن المسلمين قالوا: إنما التقية بالقول لا بالفعل وذلك عندنا إذا أخذ المجبور قهرا ولم يجد عن القول محيدا ولا مفرا وخاف على نفسه أن يعطب أو على بدنه أن يعذب أو ماله أن يسلب وخاف الحبس أو القيد أو الضرب أو رأي من فعل ذلك به فدعوه إلى الحلف بالطلاق والعناق والصدقة، فحلف بهذه اليمين مخافة من تلك العقوبة على نفسه حينئذ جاز له المقال ما لم يكن في قوله سفك دم ولا إتلاف مال فأرجو أن لا حنث عليه إذا كان مغصوبا نفسه وأما فعل المعصية فهو حرام في كل حال.
وقد قيل: إن عزان بن الصقر أجاز ما يجوز في الاضطرار من أكل الميتة، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حنث على مغصوب»، فتوبة من جبر على فعل معصية ففعلها مما يلزم في ذلك الفعل الذي جبر عليه حق للعباد من دم فما دون ذلك الخروج إلى من لزمه له حق من فعله تلك المعصية أو إعطاء الحق على ما يلزمه إلا أن يعلن أن الجائر له على ذلك قد أعطى الحق من نفسه ودان به إلى من يلزمه من حق لأحد من قبل هذه المعصية المجبور هذا عليها وليس على المجبور إلا الاستغفار والندم والتوبة إلى الله من ذلك. (6/120)
صفحة 1974
مسألة: وعن جبار استكره رجلا على وطء امرأة بالقتل فغشيها قال عليه عقرها ولا حد عليه، وكذلك فيما استكره من أموال الناس قال عليه ما جنى بيده ويهدر عنه ما كان من حق الله فيما قد رأى الجبار يقتل من لا يفعل ويقوم عليه والسيف مخترط.
مسألة: وقال أبو عبد الله: التقية بالقول لا بالفعل، وقال أبو معاوية: كذلك غير أنه أجاز ما يجوز في الاضطرار من أكل الميتة، وقال أبو معاوية: وكذلك إن كانت الخمر تعصم.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: قلت له: فإن كانوا مغتصبين بيننا فجبروا رجلا على أن يبني لهم بناء في ذلك البيت أو يركب لهم أبوابا أو شيئا من ذلك، أو يبني لهم صلة أو يزيد لهم في الدار أو يستحدث فيها بناء هل تسعه التقية في ذلك؟ قال: لا.
قلت: فإنه قد فعل، وكان ذلك من مصالح الدار وكانت غير مغتصبة فأدى عليه التوبة من ذلك والحل ويستحل أصحاب الدار فيه ضررا مثل ما إنه يفتح بابا أو يسد بابا أو يبني دكاكين ليست هي من مصالح الدار أو شيئا لا يحتاج إليه أصحاب الدار ولابد لهم من تغييره أو كان إليهم أو شيئا ما لهم فيه حاجة في الموضع من الدار بيتا فإنه ضامن لما أحدث من ذلك كله.
قلت: فإن كان في الدار يتيم وقد أحدث ما وصفت لك مما ليس فيه على الدار مضرة ولا على أهلها وهو من مصالحها؟ قال: أرى عليه التوبة واعتقاد النية أنه يستحل اليتيم إذا أدرك، قلت: فإن جبره سلطان فحبسه في تلك الدار شهرا هل يسعه ذلك؟ قال: نعم، قلت له: وكذلك إذا حضرته الصلاة أله أن يتيمم من تراب الدار؟ قال: نعم.
مسألة: من كتاب الأشياخ: في الحداد إذا أمره الجندي، قال: لا يبرأ مما تقدم من تقييده للرجل لأنه ليس له أن يقيده بأمر الجندي، فأما سن السلاح ونعل الفرس فلا شيء على الحداد إلا أن يكون في وقت مسيرهم إلى حرب المسلمين فليس للحداد معونة على شيء من ذلك بكراء ولا غيره، فإن عمل له حربة فلقي إنسانا فقتله فلا ضمان على الحداد إلا أن يكون مسيره حربا للمسلمين فلا آمن عليه الضمان. (رجع إلى كتاب بيان الشرع) ومن جامع ابن جعفر. (6/121)
صفحة 1975
[صفحة بيضاء] (6/122)
صفحة 1976
الباب الثامن والعشرون
في التقية وإعطاء المحبة
ومن جامع أبي محمد رحمه الله وأنه أخذ بعض الجبابرة والكفار بالله العظيم مسلما فقال له: لم تصوبني أو تقر بأن ديني صواب قتلتك، وكان من عادته أن يقتل على مثل ذلك أو يقتل من رد عليه أمره، وغلب على ظنه أنه إن لم يفعل ذلك قتله، فإن له أن يظهر له ما أراد منه بلسانه ويكره ذلك بقلبه، وكذلك إن خاف منه أن يضربه الضرب الشديد الذي يؤدي إلى تلف نفسه، فإن خاف الحبس دون القتل والضرب وأمن فيه العطش والجوع اللذين يؤديان إلى التلف فليس له أن يقول ذلك ولا يصوبه ولا يزكيه في فعله.
فإن قال قائل: فإن خاف أن يأخذ ماله أو كان من عادة الكفار ذلك أو الجبار هل له أن يقول ذلك ليخلص ماله منه ويسلم به؟ قيل له: إن كان ما يأخذه من ماله يؤدي به إلى هلاكه أو هلاك عياله فله أن يقول، وإن كان ما يأخذون منه لا يضره كثير الضرر وله ما يقيته ويقيت عياله أو يرجع إلى كفايته وسلامته فليس له أن يصوب الكفر لأجل المال، فإن قال: فلم يجوز للمؤمن أن يصوب الكفار ويظهر الرضى بدينهم ليخلص به المال.
قيل له: لو جاز تصويب الكفار ليخلص به المال لجاز لمن له دين على الكافر أو أحد من ملل المشركين لا يقدر على استخراجه من أيديهم أن يظهر لهم الموافقة في دينهم وأن يقول دينكم هو الحق ودين من خالفكم هو الخطأ يستخرج بذلك ماله منهم، وهذا ما لا أعلمه يجوز في قول أهل العلم.
فإن قال: أليس قد أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للحجاج بن عياض لما استأذنه في (6/123)
صفحة 1977
الذهاب إلى مكة ليقول في النبي ما يرضي به الكفار ويستخرج ماله من أيديهم ودينه الذي كان له عليهم فأذن له على ذلك.
قيل له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن للحجاج في القدح في الرسول ولا بالقدح في الإسلام ليستخرج بذلك ماله عليهم وإنما أذن له بأن يرضيهم بالقول في النبي عليه السلام إذا خاف على نفسه منهم القتل إذا وصل إليهم ليستخرج ماله.
فإن قال: فإن كلفه الجبار ليجبي له الخراج من الناس، قيل له: عليه أن يهرب منه إن قدر على فعل ذلك، فإن فعل شيئا من ذلك كان ظالما شاذا على عضده.
فإن قال: فإن الجبار أمره بضرب رجل أو قتله وقال له: إن لم تقتله قتلتك هل له أن يحيي نفسه بهذا الفعل؟ قيل له: ليس له أن يحيي نفسه بتلف غيره ولا يفدي النفس بمثلها وإنما يجوز أن يفدي بدونها.
فإن قال: فإن أخذه الجبار بشرب الخمر أو الميتة أن يأكلها هل له فعل ذلك؟ قال: نعم، إذا خاف على نفسه لأن الله جل ذكره قد أباح ذلك في الاضطرار بقوله عز وجل: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ} (المائدة:3)، قال عز وجل: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}.
فإن قال: فإن كلفه أن يقذف المحصنات أو يقول في أحد من المسلمين ما ليس فيه هل يجوز له ذلك؟ قيل: نعم إذا خاف على نفسه القتل والضرب الشديد المؤدي إلى الهلاك.
فإن قال: ولم أجزتم قذف المحصنات عند الاضطرار، والقدح في المسلمين؟ قيل له: إن قذف المحصنات هو كذب عليهم، وكذلك القول في المؤمن بما ليس فيه، ولا يشبهه هو كذب، وقد أباح الله جل ذكره عند الاضطرار الكذب بقوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} (النحل:106)، فعذره في هذه الحال، وهو يقول: {إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} (المائدة:73) وهذا أعظم لأنه كذب على الله تعالى، والكذب على المسلمين أيسر من الكذب على الله إذا لم يعرف المعاريض، فأما إذا عرف المعاريض فليس له أن يقول، إذا قدر على ذلك، ألا ترى أنهم لو قالوا له إن محمدا يكذب على الله وهو يعرف محمدا آخر يكذب على الله في تنزيل أو تأويل، فقال: محمد كذاب، وهو يعني محمدا الكذاب.
فإن قال: فإن كلفه الزنا وخاف القتل لم يفعل، قيل له: لا يجوز له ذلك لأن الزنا ظلم للمرأة، فليس له أن يظلم غيره لينجي نفسه، فإن قال: فإن كانت المرأة راضية (6/124)
صفحة 1978
بذلك مطاوعة له هل له ذلك؟ قيل له: لا يجوز له أيضا ذلك وهو طاوعته لأنه ظلم لها لما يكلفها من العار والعيب القبيح والإثم العظيم عند الله عز وجل، وإن كانت بذلك راضية لأن الله جل اسمه لم يأذن لها بأن ترضى به فرضاها بما لم يجعل الله الترضي لها به كلا رضى لأنه يصير ظلما منه لها كما لو رضي رجل بأن يقتله هذا المؤمن ليخلص به نفسه إذا أكرهه الجبار على أن يقتله ولم يكن له ذلك لأن الله لم يجعل له الرضى بذلك.
فإن قال: فإن أكرهت المرأة على الزنا قبل له عليها أن تمسك جوارحها وليست هي كالرجل، لأن الفعل منه، فالمرأة لها فعل ولا يحرم عليها إلا المطاوعة وترك الاضطرار وليس سبيلها كسبيل الرجل.
فإن قال: فخبرني عن مؤمن أخذه الجبار بمال كثير يطلبه منه وعلم أنه إن لم يدفع إليه المال أنه يقتله بالجور أن لا يدفع ذلك إليه وهو يقدر عليه، قيل له: لا يجوز أن يدفعه إليه إذا كان عنده أنه يقتله إذا لم يدفعه إليه، وعليه أن يفدي نفسه بالمال وإلا كان عاصيا لربه، فإن قال: ولم يفعل ذلك؟ قيل له: إن الله أوجب عليه أن يكون نفسه آثر عنده من ماله وأن ينفق ماله في صلاح نفسه فلا صلاح لنفسه أكثر ولا أولى من أن يفدي نفسه من القتل، وأيضا فإنه لم يكن عليه أن يفدي نفسه بماله لم يكن له أن يفدي نفسه بدرهم واحد، وإن كان ماله كثيرا إذا كان الفداء بالمال غير واجب، وإن كان وجب فداء النفس بالمال كان بالقليل والكثير، ألا ترى أن الفقهاء جميعا أوجبوا عليه أن يشتري الماء بالثمن الكثير مع وجود البدل وهو الصعيد، فإذا امتنع بالغلاء لم يكن عليه وغلاؤه أن يدفع في ثمنه ما يخاف أن يضره إخراجه من ماله، فإحياء نفسه أولى، وكذلك لو وجده بملكه كله للشرب وخاف على نفسه الموت من العطش أنه يشتريه بجميع ماله ولا يقتلها وهو يقدر على فدائها، وكان على صاحب الماء أن يرد عليه فضل قيمة الماء في موضعه.
فإن قال: فإن كانت نجاته من هذا الجبار بجميع ملكه هل له أن يدفعه إليه؟ قيل له: نعم عليه أن يحيي نفسه بما لا يقدر عليه.
فإن قال: أرأيت إن كان بعض المسلمين في يد عدو وقد أسره وطلب فداء عليه أكان على المسلمين تخليصه بشيء من مالهم؟ قيل له على الإمام أن يخلصه من بيت (6/125)
صفحة 1979
المال، فإن لم يكن إمام فعلى المسلمين تخليصه إلا أن يكون المال الذي يطلبه إذا دفعوا إليه أضعفهم وقوي به عليهم واستولى به على جميعهم أو ضعفوا عن عدو لهم فهو أشد ضررا منه عليهم فحينئذ لا يدفعون إليه شيئا ولا يلزمهم لأن قتل واحد أيسر على المسلمين من جميعهم وذهاب الحق من أيديهم.
فإن قال: ولم أوجبتم عليه تخليصه بالمال؟ قيل: لأن عليهم أن يخلصوه بأنفسهم بأن يقاتلوا عنه ليخلصوه إذا رجوا ذلك وكان الغالب على ظنهم أن يقدروا على تخليصه فتخليصهم إياه بالمال أيسر، فإن قال: ولم أوجبتم على المسلمين أن ينفقوا أموالهم في صلاح غيرهم؟ قيل له: على المسلمين أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر إذا رأوا القدرة على ذلك بأنفسهم وسلاحهم ودوابهم وهذا إجماع من الناس.
فإن قال: فإن أخذه الجبار بمال ولم يكن عنده إلا وديعة لغيره هل كان عليه أن يفدي نفسه بها؟ قيل له: نعم، ويضمن.
فإن قال: فهل له أن لا يسلمها حتى يقتل؟ قيل له: ليس عليه أن يقاتل عليها إذا كان عنده أنه لا يتخلص من القتل ويؤخذ فلا يبقى ولا تبقى هي أيضا وإنما يجوز له أن يقاتل عليها وعلى ماله إذا كان بين الخوف والرجاء، فأما إذا كان العدو عشرة وهو وحده، وليس من عادته القتال أن يغلب عند القتال اثنين منهم كانت محاربته إياهم قتلا منه لنفسه.
فإن قال: فإن طولب بمال ولم يجده إلا مالا لغيره هل يقصد إليه فيأخذ منه ويخلص به نفسه؟ قيل له: نعم وعليه الضمان، فإن قال: ولم أبحتم له أخذ مال غيره لينجي به نفسه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطينة نفسه»، قيل له: على صاحب هذا المال إذا علم بظلم الجبار له وأنه يريد قتله وقدر على تخليصه به كان عليه أن يخلصه من القتل بهذا المال كما قلنا فيما تقدم من كلامنا في هذه المسألة، وأيضا فلا خلاف بين أهل العلم لو أن رجلا لو كان في سفر أو حضر وعدم الطعام وخاف على نفسه الهلاك من الجوع ولم يجد ما يأكله إلا مال رجل مسلم أنه يأكل منه بغير رأي صاحبه ويضمن ويحيي نفسه من الموت ولا أعلم في هذا اختلافا بين أهل العلم.
واختلفوا فيه إذا وجد الميتة وهو يقدر على أكلها ووجد طعاما لرجل مسلم فقال أكثر الفقهاء: يأكل من المال ويضمن، ولا يأكل من الميتة فإذا كان الإجماع من الناس على أن للإنسان أن يحيي نفسه بمال غيره من الطعام الذي هو مال بغير رأي (6/126)
صفحة 1980
صاحبه كان إحياء نفسه بمال غيره من الطعام جائزا وعليه أن يضمن.
وقال بعض فقهاء مخالفينا: ولعل ذلك قول الجميع منهم ووافقهم على ذلك أبو معاوية عزان بن الصقر وغيره من الفقهاء من أهل عمان في قوم ركبوا في سفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك لشدة الخب أن لهم أن يلقوا ما فيها من حمولهم وأموالهم ليخلصوا أنفسهم من الموت إذا رجوا ذلك بإلقاء أموال الناس في البحر ويضمنوا القيمة.
ويوجد في الأثر عن أبي معاوية أيضا، وإن كان صاحب المتاع رمى بمتاعه من غير مواطاة كانت بينه وبينهم فسلموا كلهم له عليهم ضمان المتاع على عدد رؤوسهم وأن الحاكم يحكم له عليهم بذلك، فإن قال: فإن أمن القتل بالسيف وخاف الضرب الشديد قيل له الضرب قد يأتي معه بالقتل، فإن قال: فإن خاف الحبس وأمن القتل والضرب قيل له: إن كان الحبس فلا يدفع من أموال الناس شيئا ولا من وديعته إلا أن يخاف على نفسه الهلاك من شدة البرد والحر وما يؤديه الحبس إلى تلف النفس، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقيل في أسير في أيدي أهل الشرك دعي إلى النصرانية، وقالوا له: إن لم تتنصّر قتلناك ففعل فأكل لحم الخنزير وشرب الخمر، فإن ذلك لا يحل له لأن التقية تجوز في القول ولا تجوز في الفعل والعمل، وقد قال الله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}، قيل: نزلت في عمار بن ياسر لما عذبه المشركون حتى قال: إن الله ثالث ثلاثة فأعطاهم الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان فأنزل الله عذره.
وعن الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم، قال: وتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فخلّى سبيله وكان يقبل ذلك من الناس، ثم قال للآخر: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم صلى الله على رسول الله، فتشهد أني رسول الله؟ قال الرجل: إني أصم، قال: فأعادها عليه: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، نعم، قال: فتشهد أني رسول الله؟ قال: فإني أصم، قال: فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أما المقتول فمضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلة ربه فهنيئا له، وأما الآخر فقبل رخصة ربه فلا تبعة عليه».
مسألة: ومن جواب القاضي إلى أبي زكريا يحي بن سعيد إلى محمد وأحمد (6/127)
صفحة 1981
ابني النعمان بن محمد ومن قبلهما من الإخوان بحضرموت ولكم بحمد الله ومنه سعة في استعمال التقية في أماكنها، وقد قيل: إن التقية جنة المؤمن ومن لا تقية له فلا دين له، وقد قال الله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} (آل عمران:28)، فأباح الله التقية ولعلكم قد علمتم ما كان من عمار بن ياسر حين أكرهه المشركون على الكفر فأعطاهم الرضى بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان وعذره الله، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن عادوا فعد» وبلغنا أن أصحاب الكهف كانوا يظهرون الكفر إلى قومهم، ويسرون الإيمان فيما بينهم فيؤجرون على ذلك ويؤتون أجرهم مرتين، وقال بعضهم شعرا:
فعلت تقاة ما فعلت وإنني
واضمر دينا غير ما أنا مظهر ... أقول تقاة ما أقول وأفعل
كذلك حقا يفعل المتأول
وقيل: من علم الرجل أن يكون عالما بالتقية في أحوالها وأوقاتها وأفعالها، وقد وجدنا في الكتب أن الحجاج ابن عياض كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استفتح خيبر وعرس بصفية بنت حيي بن أخطب، وكان للحجاج مال بمكة مع المشركين، قال الحجاج بن عياض للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن لي مالا بمكة فما أقول يا رسول الله لأستخرج مالي؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قم فأت مكة فقل للمشركين إن محمدا هزم هزيمة قبيحة وقد أسروه وهو أسير في أيديهم حتى يصيروه إليكم»، وأردت أخذ مالي أبادر بالتجارة لأشتري من مغانمهم، ففرح المشركون بذلك وجعل يستخرج ماله حتى توافى إليه ماله وقبضه فأرسل إليه العباس وشق ذلك على العباس فأسر إلى العباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي هزمهم وخلفته معرسا بابنة رئيسهم، قال: فكان هذا مما يجوز فيهم الكذب، ووجدنا لأبي محمد قولا في هذا الخبر لم نكتبه والله أعلم.
والتقية على ثلاثة وجوه: منها وجه فريضة، ووجه توسع، ووجه لا يسع، فأما وجه الفريضة فهو أن يخاف على دينه فليس له إلا أن يتقي على دينه، وهو فرض عليه، وأما تقية التوسع فهو أن يخاف على نفسه وعلى ماله فإن شاء مضى على حقيقته ولم يعط من نفسه ما يطلب منه، فإن ناله شيء جاز الفضل وإن سلم صبر على العدل، كما جاء من حديث مسيلمة الكذاب واسع له الصبر على نفسه والمضي على حقيقته وواسع له قبول الرخصة من ربه إذا خاف على نفسه أو ماله فهذه تقية تخرج على هذا. (6/128)
صفحة 1982
وأما التقية التي لا تسع فهو أن يخاف على منزلته الانتقاص وعلى عرضه الشتم وأن ينتقص به، فهذا ليس له فيه تقية وما ألزم نفسه على التقية من هذا ومثله مما يتولد منه فهو لازم له وآثم في فعله فافهموا منازل التقية، وقد حفظنا من قول المسلمين أن التقية، وقد حفظنا بعض المسلمين أن التقية واسعة للإمام، والحجة له قول الله: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} (آل عمران:28)، فلم يخص إماما دون إمام غيره، ومهما ابتليتم به من الجبابرة في الذي تخافون منه أن تتقوهم بالقول ولا تجوز التقية في الفعل.
مسألة: وهذا من قول المسلمين، والتقية إنما تكون باللسان فأما القلب فإنه ينبغي أن يكون مضمرا على الحق، ولا يحل تركه معرفة الحق في حال التقية بقلبه فهو هالك لأن الله يقول: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل:106).
مسألة: وقال أبو عبد الله: إن التقية بالقول لا بالفعل، وقال أبو معاوية: كذلك غير أنه أجاز ما يجوز في الاضطرار من أكل الميتة، وقال أبو معاوية: وكذلك إن كانت الخمر تعصم، انقضى.
ومن غير الكتاب والإضافة إليه مما وجدت في كتب المسلمين وآثارهم في التقية والرخصة قال الله تعالى: ومن غير الكتاب والإضافة إليه مما وجدت في كتب المسلمين وآثارهم في التقية والرخصة قال الله تعالى: وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج:78)، وقال: {لاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} (النساء:29)، وقال: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} (آل عمران: 28)، وقال تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}، الآية، فقيل للثوري: ألا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فقال: إذا انفتق البحر فمن يقدر أن يسكره، وقيل للفضل: ألا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فقال: إن قوما أمروا فكفروا، وذلك أنهم لم يصبروا على ما أصيبوا، وقيل: لما دخل أبو إسحاق الفزاري على هارون كتب إليه يوسف بن أسباط: إنك قد دخلت على هذا الرجل ولم تأمره ولم تنهه، وقد رأيت ما أظهروا من الحرير والديباج، قال: وكتب إليه أبو إسحاق: إنك لم تنكر في الإسلام إلا الحرير والديباج فأين الدماء والأموال والفروج؟ إنه كان يقال: إذا خاف العالم فهو في سعة ما لم يسأل، وإني لم أسأل عن شيء. (6/129)
صفحة 1983
ومن الكتاب قال: من الأثر قلت: وكذلك يكون الإمام في عسكره وأعوانه وهن وهم عضده ممن يظهر المنكر أتسعه التقية فيهم رجاء أن يعينوه على صرف منكر أشد من منكرهم أو لا تسعه التقية فيهم وينصف من عسكره ولو لم يصل عدله إلا في منزله؟ فمعي أنه قد قيل في الإمام بالاختلاف وعليه أن يبذل نفسه حتى يقتل أو يقتل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال من قال: إن الإمام بمنزلة غيره وتسعه التقية كما تسع غيره، فليس ما لزم نفسه من الإمامة أكثر مما ألزمه الله في طاعته وله ما لغيره من التقية.
ومن الكتاب: يذكر أنه من كتاب الضياء لم تختلف الأمة أن الأمر بالمعروف مع المكنة والقدرة واجب على من شاهد ذلك من فاعل أو سمعه من قائله، وإنما اختلفوا في وجوب ذلك على منكريه هل وجب عليهم بالعقل أو بالشرع فذهب بعض المسلمين إلى أن وجوب ذلك بالعقل وذهب آخرون إلى وجوب ذلك بالشرع دون العقل فأما إذا كان في ترك إنكاره مضرة لاحقة وجب إنكاره بالعقل أو بالشرع على القولين جميعا، فأما إن لحق المنكر مضرة من إنكاره ولم تلحقه مضرة بتركه بإقراره لم يجب عليه الإنكار بالعقل ولا بالشرع.
ومن الكتاب: قال: ومن غيره وفي بعض الأخبار قال: ما أنت صانع إذا كنت عند أمراء إن أطعتهم أهلكوك، وإن عصيتهم قتلوك، قال: ما تأمرني به أن أصنع؟ قال: لا تكن لهم خازنا ولا شرطيا ولا عريفا ولم تعلم أنه قال: لا أنكر عليه لو تقلك أو عذبك ولا قال له أخرج من بلاده ومملكته، ولعلهم قد أجمعوا على جواز التقية للرعية، واختلفوا في جوازها للأئمة، فإن قال قائل: إنما تجوز التقية إذا لم يكن فيها وهم عند الناس إنها تصويب للمتبقي من يتسمى بالإمامة ويخفي باطله على الناس وليس سبيل هذا سبيل الجبار المشهور باطله في التقية، قيل له: فما الدليل على ذلك لأن الرخصة في التقية قد وردت على العموم، فمن ادعى فيها التخصيص كان عليه إقامة الدليل، وقد قال الله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} , وفي ولاية من استحق البراءة الوهم الكثير عند من لا يعرف كفر المتولي وضلاله ولا صوابه ورشده، ويخفى عليه أمره، فإذا سمع هذا يتولاه ربما توهم أنه على الحق والصواب، وأنه يستحق الولاية، وأيضا يوجد في الأثر أنه إذا اجتمع قوم على عقد إمام ممن ليسوا بحجة في عقد الإمامة وخطبوا له بالإمامة، وكان في العسكر علماء فسكتوا ولم يعلن منهم رضى ولا كراهية أن سكوتهم حجة عليهم، ويثبت العقد للإمام في الظاهر عند الناس إلا أن (6/130)
صفحة 1984
يكون سكوت العلماء عن إنكار العقد وإظهار الكراهية لعقده، فإذا كان كذلك لم يكن سكوتهم حجة عليهم ولا حجة للذي عقد له الإمامة، فلو كانت التقية لا تجوز إذا كان فيها الوهم عند الناس أنها تصويب للمتقي منه لكانوا يجيزون للعلماء السكوت لما عندهم من الكراهية لتقديم هذا الإمام الذي عندهم أنه غير أهل للإمامة وأنه لا يجوز تقديمه إماما، وهذا لعله في الوهم من غيره.
ومن الكتاب: قال: ومن الأثر وليس الرّجل بأمين على نفسه إذا عذبت أو ضربت أو جوعت أو خوفت، وبايع الناس لعله يريد إذا اتقا أن يبايع من لا يستحق البيعة، وقد بلغنا عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ذلك وهو في المسجد فقال: ما أبالي مسحت هذه الاصطوانة بيدي أم بيده، إنما البيعة بالقلب وليست باللسان مكتوب انقضى، وقال: وفي البيعة لمن ليس لها بأهل أعظم الوهم، وقيل: إن طلحة والزبير بايعا علي ابن أبي طالب ثم احتجا من بعد، إنما بايعها من وجه التقية، ولو كان هذا لا تجوز فيه التقية لما يقع فيه من الوهم عند الناس من تصويبهم لعلي بن أبي طالب لعلهما لم يكونا يحتجان بذلك على عهد الصحابة والعلماء، ولم نعلم أحدا قال إنهما احتجا بما ليس لهما بحجة أن لو كانا صادقين فيما ادعيا من التقية، وإنما خطؤوهما في نكثهما عليه ومحاربتهما له باحتجاجهما بالتقية في مبايعتهما له.
وكذلك قيل: إن موسى بن موسى احتج في مبايعته لعزان بن تميم إنما كان ذلك من وجه التقية، ولا نعلم أن أحدا من المسلمين قال: إنه لا تجوز التقية في البيعة، وفي البيعة أعظم الوهم عند الناس في تصويب الذي يبايع.
وقيل: إن عثمان بن عفان سار بالحق والعدل ست سنين ثم بدل ست سنين، وقيل: إن أحداثه كانت غير ظاهرة شاهرة عند الناس، وإنما كان يعرفها من يعرفها من الخواص ثم شهرت أحداثه من بعد أن خلى ما شاء من الزمان، ولم نجد في الآثار ولا سمعنا في الأخبار أنه كان من اطلع على أحداثه انقطع عنه وهجره ولم يلقه ولم يجتمع معه في مجلس قبل أن تشتهر أحداثه ولا من بعد أن شهرت، ولا سمعنا أنهم عابوا ولا أنكروا على الوصول إليه والسلام عليه، ولا أخذ العطاء من عنده، ولو كان شيء من هذا لعله كان يذكر كما ذكر غيره مما هو له أقرب.
وقيل: لما ذهب أمر راشد الجلنداني وصار أمر عمان إلى المسلمين في زمان موسى بن أبي جابر وبشير بن المنذر وغيرهما، وحضر العسكر رجال رؤساء من أهل عمان خاف موسى منهم الفساد إذ ولي أمر المسلمين وغيرهم فقيل: إنه كان ولى كل واحد منهم على جانب من عمان حتى تفرقوا ثم ولّى غيرهم وعزلهم، وفي توليته إياهم (6/131)
صفحة 1985
على النواحي والبلدان لا يؤمن أن يقع الوهم الكبير في تصويبه، وقيل: إنه إنما فعل ذلك مخافة من فسادهم، وقد جاءت الرخصة في التقية من الكتاب والسنة، وإذا جازت التقية يوما أو يومين جازت الشهر والشهرين وأكثر، ولا أعلم أن أحدا من المسلمين أنكر على موسى ذلك.
وقيل: إن بشير بن المنذر قال: كنا نرجو أن ما يسرنا فرأينا ما يسوءنا والحمد لله، ولعل بشيرا لم يكن يرى ذلك من طريق الرأي، ولا نعلم أنه خطّأ موسى ولا أنكر عليه ولا فارقه، ولو كانت التقية لا تجوز لأحد من المسلمين في أمر يخاف فيه الوهم في تصويب المتقي منه لم يكن لموسى بن أبي جابر أن يفعل ذلك إلا ما شاء الله، وأيضا إن سعيد بن زياد لما جرى منه ما جرى من الأحداث في بلاد بني نجو لا أعلم أن أحدا من المسلمين صوبه فها ولا تولاه عليها، وإن جهل حكمها من جهله من ضعفاء المسلمين.
وقيل: كان الباعث له إلى بلاد بني نجو محمد بن أبي عفان في زمان موسى بن أبي جابر، وموسى قيل هو الذي قدم ابن أبي عفان ولا ظهر إلينا أن ابن أبي عفان شهر منه إنكار على سعيد بن زياد في أحداثه، ولا نعلم أن موسى بن أبي جابر شهر منه إنكار عليه، والإنكار على ابن أبي عفان في ترك الإنكار على سعيد بن زياد، ولعل موسى خاف إذا شهر منه إنكار عليهما وقع فساد في الدولة والعسكر أكثر من ذلك فنظر موسى للمسلمين وللدولة ما هو أصلح، وقد جاءت الرخصة في التقية.
وقيل أيضا: إن ابن أبي عفان كانت تظهر منه أشياء لا يرضاها المسلمون، وقيل: إن بعض علماء المسلمين كان يقول: إن ابن أبي عفان ليس بإمام إنما كان جبارا، قيل: إن موسى هو الذي قدمه ولا نعلم أن موسى شهر منه إنكار عليه، ولا نعلم أن أحدا من المسلمين أنكر على موسى ولا عابه إذ لم يشهر منه الإنكار على ابن ابي عفان ولا شهر منه المباينة ولا المقاطعة له ليزيل عن نفسه سوء الظن.
وقيل: إنها كانت أيام ضرورة، ولعله خاف على الدولة وعلى المسلمين ما هو أكثر وأشد فأمسك نظرا للمسلمين ولدولتهم حتى أمكنه تقديم إمام مرضي وهو وارث بن كعب فحينئذ عزل ابن أبي عفان وقدم وارثا إماما.
فإن قال قائل: فإن موسى عزل الذين ولاهم من الرؤساء وعزل محمد بن أبي عفان، وعزله لهم يقوم مقام إنكاره عليهم، قيل له: أرأيت لو كان موسى لا يخاف منهم فسادا قبل أن يوليهم ولا خاف مع إنكاره على سعيد بن زياد فسادا وكان قادرا على الإنكار عليهم وهم يقبلون منه أكان يسعه أن يوليهم على النواحي ويدع الأمر (6/132)
صفحة 1986
بالمعروف والنهي عن المنكر من غير تقية ولا عجز عن ذلك مع بينة عزلهم من بعد؟ فإن قال: لا إلا أن يخاف منهم فاسدا، قيل له: فقد اتفقنا على أن العلة والحجة لموسى على ما يوجد في الآثار أنه فعل ذلك لعله لما خاف منهم الفساد، وإن كان في ذلك ما يخاف أن يقع عنده الوهم أنه مصوب لهم من قبل أن يعزلهم، وإذا جاز لموسى التقية في هذا مع عظم منزلته وجماعة الناس له كان غيره ممن هو دونه أقرب إلى الجواز والسعة في مثل ذلك؟
ويوجد في الأثر عن محمد بن محبوب والوضاح بن عقبة وبشير بن المنذر كانوا يبرأون من المهنا بن جيفر سريرة فأرادوا إظهار الحجة عليه عند الناس، وكانوا هم الحجة التامة عليه، ثم خافوا إن فعلوا ذلك أن تقع فتنة وفساد فوقفوا وأمسوا عن إظهار ما عندهم فيه حتى مات.
مسألة: ومن جواب أبي سعيد قلت له: فإذا جاءني أحد من جباة الجبابرة مثل فارس أو راجل أو زنجي أو غيره فقال لي: اكتب لي كتابا إلى قرية كذا وكذا له على فلان لعله مسبب له على أحد أو سبب ظلم وخشيت إن لم أكتب له أن يعاقبني أو يضربني في شيء من مالي هل يجوز لي أن أكتب له على هذا؟ قال: فإذا كان من أسباب الظلم الذي يثبت وتبين ذلك أنه ممن يثبت بقوله المظالم ويظلم بها العباد فقد قيل: إنه لا تجوز التقية في الفعل ولو خاف على نفسه أو ماله، فإن فعل فعليه التوبة وعليه ضمان ما أخذ بكتابه فيما عندي على معنى ما قيل، وإن هو مضى على بصيرته حتى يعاقب أو يسلم من العقوبة عندي فيما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مثله مما لعله يسع التقية إلا أنه المبتلى لذلك لم يأخذ بالتقية ومضى على الحق وصبر لأمر الله حتى قتل في ذاته، فسئل عنه النبي فيما قيل فصوره، وإن توسع هذا بالتقية ودان بما يلزمه وتاب وأدى الحق إن لزمه وسعه إن شاء الله على هذه الصفة بعد التوبة وأداء الحق إذا لم يقدر على الأنصار، وفي الأصل: غير واسع له إلا على وجه الدينونة بأداء الحق.
قلت: فإن كتب له ذلك الكتاب ورسم له فيهما ما أملاه عليه، ولعله يسبب فيه وتبين فيه بسبب الظلم ومضى بكتابه ولم يعلم هذا ظلم أحدا من العباد بذلك الكتاب هل سلم من الضمان حتى يُعلم أنه ظلم بخطفه ذلك أحد من العباد؟ قال: فمعي أنه إذا تاب من ذلك ودان بما يلزمه في ذلك أنه سالم حتى يعلم أنه قد لزمه من ذلك شيء في الحكم، قلت له: فعليه أن يوصي أنه قد كتب له تلك الكتابة، فإن تبين له أنه ظلم به أحدا من العباد أدى عنه أم ليس عليه إذا حضره الموت، قال: فإن فعل ذلك فهو عندي احتياط، وأما لزوم فلا يبين لي ذلك، أن يضمن له شيئا معروفا من الأملاك (6/133)
صفحة 1987
الجائزة ملكها لغير تقية ولا غلط في القول أمر من يضمن عنه، والضامن حر بالغ الحلم صحيح العقل والبدن (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الرهائن، وعن رجل يأمره الجبار أن يتولى بعض أعماله المغتصبة فتولاها ويكون فيها قاعداً لا يأمر ولا ينهى يسعه ذلك أم لا؟ قال: لا يسعه ذلك، قلت: فإن كان قعوده في المال المغتصب يأمر وينهى ولا يقبض منه شيئا أهو ضامن أم لا؟ قال: نعم هو ضامن لما أمر ونهى في ذلك.
مسألة: من كتاب الأشياخ: ومن جبر على سكن منزل أيجوز له أن يجعل فيه طعامه لمدة شهر وأمتعته وثيابه وكتبه وآنيته التي أكل فيها ويشرب ويأمر بالدخول إليه فيها بالتخيير في موضع يقعد فيه منها، ويأمر من يقعد معه فيها والاستبراء بترابها وحيطانها أم لا؟ قال: لا بأس عليه فيما جعل فيها من طعامه وشرابه وآنيته وكتبه التي يتقوى بها على طاعة الله ليحرز ماله الذي يخاف عليه فيها، ولا ضمان عليه في ذلك، وضمانه على من جبره، فإن كانت غير مغصوبة فأحب أن يستحل أربابها، ولا يجوز الحل في المغتصب وإلا فلا ضمان عليه، وإن طلب أحد الدخول إليه أذن له لأن هذا ما لا غنى للناس عنه إذ هو مقهور يحتاج إلى ذلك ما لم يأمر بالسكون معه فيها من هو مطلوق من ولد أو غير ذلك، وأما الاستبراء والتيمم بترابها المغصوب فلا يجوز منه أخذ شيء ولا يضر بها فإن ذلك لا يسعه.
مسألة: قلت: فيمن خشي على نفسه من الضرر الذي يؤدي به التلف إن لم يحمل الرؤوس المقطوعة أو يعلق مقتولا فذلك لا يجوز أن يفعله، فإن فعل شيئا من ذلك بحد التقية كان ضامنا لما يحدث في ذلك بفعله، وحرمة الأموات كحرمة الأحياء بالسنة، والتقية فلا تسع في العمل وإنما تسع أن يدفع الظلم بالقول لا بالفعل. انقضت الزيادة المضافة. (6/134)
صفحة 1988
الباب التاسع والعشرون
في سجن الجبابرة وفداء الأسارى منهم والمصانعة للولاة وغير ذلك
وقال أبو سعيد في السلطان: إذا حبس رجلا في منزل رجل وحضرت الصلاة أنه يتوضأ من الماء الذي في منزل الرجل ويصلي في أقر مضرة من مواضع المنزل مما يؤدي به فرضه، فإن لم يمكنه إلا بمضرة صلى على ذلك وكان عليه الضمان على معنى قوله.
قلت: فإن صلى على بساط في المنزل ولم يكن في ذلك مضرة هل عليه ضمان؟ قال: عندي أن الصلاة عليه استعمال له في الحكم، وأما في الاطمئنان فإذا لم يحوله من مكانه ولم يضره باستعماله فأرجو أن لا ضمان عليه، وقال: إن الصلاة والقعود على البساط استعمال له وتحويله من موضعه ويصلي مكانه ثم يرده في موضعه وهو مأمن فلا يشبه ذلك معنى الاستعمال عندي.
مسألة: وسألت محبوبا عن رجل تاجر يعامل الناس فيقع له على الناس شيء فيلزمونه على ما يكره، وهل يجوز له أن يعطي شيئا للوالي حتى يأمر غرماءه أن يعطوه حقا إذا قدمهم إلى الوالي؟ قال: لا أرى أن يعطي أحدا من السلطان شيئا على أن يظلم له أحدا.
مسألة: وعن رجل أخذه السلطان فأراد قتله فأتى به إلى أهل بلد فقال: إن لم تعطونا كذا وكذا قتلناه وهم قادرون على أن يعطوهم ذلك هل عليه ضمان ذلك؟ قال: أرى عليهم ذلك إذا كانوا يقدرون على ذلك، قلت له: وما حد قدرتهم في ذلك؟ (6/135)
صفحة 1989
وهل عليهم أن يبيعوا أصول أموالهم؟ قال: إذا كانوا إذا باعوا من أصول أموالهم وفدوه بقي لهم من أصول أموالهم ما تقوم غلته بعولهم وعول من يلزمهم عولهم رأيت عليهم ذلك.
قلت: فإن لم يفعلوا ذلك وتركوه وهم بهذه المنزلة أتراهم آثمين؟ قال: لا أبرئهم من الإثم، قلت: أترى عليهم الدية؟ قال: ما أبرئهم من الدية إذا كانوا قادرين.
مسألة: من كتاب الأشياخ عن أبي الحسن وعن والي السلطان إذا نزل في منازل الناس هل يجوز الدخول عليه والقعود معه على السطوح وفتح الأبواب أم لا؟ وكيف الحيلة والسلامة من ضمان ذلك؟ قال: إذا كان مأخوذا بشأن حتى يدخل في ذلك الموضع فلا شيء عليه ولا يتعرض لغير ذلك ولا يدخل لغير معنى.
قلت: أرأيت إن كان صاحب المنزل غائبا أو يتيما؟ قال: لا ضمان على الداخل المكره ولا من يسأل حاجته وينصرف بلا فتح باب ولا غيره.
مسألة: من كتاب الأشياخ: وعمن سخره عون السلطان فكسح منزلا مغصوبا فالذي عرفت إن أحدث حدثا يلزمه فيه ضمان فعليه الضمان والله أعلم. انقضت الزيادة المضافة.
مسألة: وعن السلطان يسخر الناس يعملون له عملا بأنفسهم وخدمهم ودوابهم وحديدهم فيعملون له طائعين أو كارهين فالخلاص من ذلك أن يستحلوا أصحاب الأرض إذا كان هذا في أموال الناس وفي رمومهم فعليهم الخلاص في ذلك، وأما الصّوافي فعليهم التوبة والندم ولا غرم عليهم في الصوافي القديمة. (6/136)
صفحة 1990
الباب الثلاثون
فيما أخذ السلطان من أموال الرعية
وعن جبار نزع من رجل دابة فدفعها إلى بعض أصحابه، قال: أبو عبد الله رحمه الله: إن كان الجبار مستحلا لما أخذ فليس في ماله شيء، وإن كان محرما لذلك فعليه في ماله قيمة هذه الدابة، فإن لم يقدر صاحبها على شيء من ماله وقد علم الذي دفعها إليه الجبار أنه غصبها فهو ضامن لها لربها.
مسألة: عن أبي الحواري، وعن السلطان يسخر الناس يعملون عملا بأنفسهم وخدمهم وعبيدهم ودوابهم وحديدهم فيعملون له طائعين أو كارهين، فالخلاص من ذلك أن يستحلوا أصحاب الأرض إذا كان هذا في أموال الناس أو في رمومهم فعليهم الخلاص من ذلك، وأما الصوافي فعليهم التوبة والندم والاستغفار، ولا غرم عليهم في الصوافي القديمة.
مسألة: من جواب أبي الحواري أيضا، وعن السلطان يسير إلى القرى فيبني فيها منازل ويغرس فيها غرسا فيسكنها ما شاء الله ثم يرتحل ويدعها خالية كما هي هل يجوز لأحد من الناس أن ينزلها من بعد أو يسكنها؟ فعلى ما وصفت فإن كان ذلك في أموال الناس فمن كان ذلك في ماله فهو أولى به وللسلطان قيمة بنائه إن أراد ذلك صاحب المال، وإن أراد صاحب المال قال للسلطان ينزع بناءه فذلك له، وإن أراد أن يقلعه من أرضه ويخرجه منها فله ذلك، وإن تركه السلطان خرابا ولا حاجة لأهلها به فاضطر إليها ساكن لم أر بذلك بأسا إن شاء الله، وليس له أن يتخذها سكنا إلا برأي أهلها، وإنما يجوز الميت للاضطرار والمقيل والنزول على معنى السافر، وإن كان ذلك البناء في غير أموال الناس ثم خرج السلطان وودعها خرابا فإن أرد ساكن أن يسكنها لم نر عليه بذلك بأسا إن شاء الله ما لم يرجع إليها الذي بناها فيمنعه منها أو (6/137)
صفحة 1991
يكون رما فيمنعه أهل الرم فلا يسعه إلا برأي أهل الرم أهل الجباه منهم، وإن لم يمنعه أهل الرم فلا بأس بالسكن فيها ما لم يتخذها حجة أو دارا يقيم فيها.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: قال: وقد أجازوا الصلاة في المسجد المغتصبة أرضه والاغتراف من النهر المغتصب والبئر المغتصبة بدلوه، وكذلك يجوز له أن يصلي في الأرض ولو كانت غير أرضه ولا يتخذها مسجدا.
مسألة: قلت له: وكذلك إن جبر السلطان رجلا أن يحمل إلى بيت الجباية مما يظلمه هل يجوز له ذلك؟ قال: نعم، وإنما يحمله هو إليهم ليس إلى البيت ولا يجعله في البيت المغتصب، قلت له: فإنه هو حمله في البيت على ثويه ويكيلونه لهم ويدخلونه بيت الجباية هل عليه هو في ذلك تبعة؟ فلم نر عليه في ذلك تبعة؟ قلت: فإنه يهاديهم على وجه التقية فيجعله في ذلك البيت على وجه الهدية، فلم نر عليه في ذلك بأسا إذا كان على وجه التقية.
مسألة: من كتاب الأشياخ: وقال: من حمل على دابة رجلا وسلاحا لفئة باغية لم يجز له ذلك وكذلك لا يبيع للفئة الباغية طعاما ولا سلاحا، وإن سخرت دابته فاتبعها إلى الموضع الذي يريدونه فهو سالم من الضمان مما أصابوه من دم أو مال ما لم يعنهم أو يحارب معهم أو يدلهم أو يرضى بفعلهم. انقضت الزيادة المضافة.
مسألة: من منثورة أبي محمد: ومن أمره سلطان مغتصب لدار يبني فيها بناء وفي الدار ليتيم حصة، وليس في البناء الذي يريده مضرة ولا على أهلها وهو من مصالحها؟ قال: يعتقد أنه يستحل اليتيم إذا أدرك، فإن اضطر إلى اليتيم من ترابها جاز له ذلك. (6/138)
صفحة 1992
الباب الحادي والثلاثون
في الخارص وما أشبه ذلك ومعونة السلطان وحمل كتبهم
وعن الخارص الذي يخرج على الناس، قلت: هل يبرأ منه بذلك ولو لم يعلم أنه أخذ بخرصه من أحد من الرعية شيئا؟ وهل يكون خرصه على الناس أموالهم من كبائر الذنوب قبل أن يؤخذ بخرصه إذا خرصه للظالمين أم لا؟ فمعي أن الخرص الذي يشهر من الظالمين من هؤلاء السلاطين الذين هم أهل ظلم لا مخرج له منه إلى غيره من العدل، وكل من ثبت عليه اسم في المعونة فيه وجب عليه حكم البراءة لأنه من أعوان الظالمين، والحكم بالبراءة عندنا جار على من يثبت عليه إثم في المعونة على الظلم بأي وجه تثبت المعونة منه.
قلت: وكذلك من سأله الخارص عن أرض فقال المسؤول وهو من الرعية هذه الأرض لزيد يقول للخارص ثم لم يعلم خرصها الخارص أم لا هل يبرأ من هذا الدال من حينه أم حتى يصح أن الخارص خرصها؟ وهل يلزمه ضمان ذلك حتى يعلم أنه لم يظلم بدلالته أحدا أم لا يلزمه؟ فمعي أنه إذا فعل ذلك معينا على الظلم برئ منه من حين معونته على الظلم عمل به أو لم يعمل له، وأما الضمان فلا يبين لي عليه ضمان إلا أن يعلم أنه أخذ بدلالته إذا تاب من ذلك واستغفر ربه من المعونة على الظلم.
وكل من ظهر منه المعونة على شيء من الظلم كان حكمه سواء لمعونته للظالمين على ظلمهم، وهو من الكبائر لقول الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2)، قلت: وكذلك الكاتب إذا خرج من الكتبة وطلب أن يرد إليها هل يسع المشايخ أن يطلبوا له إلى السلطان أن يرده إلى عمله الذي كان فيه أو سواه؟ فإذا كان على الظلم أو شيء من الباطل فلا يسعهم ذلك، لأن ذلك من التعاون (6/139)
صفحة 1993
على الظلم والعدوان.
مسألة: وعن رجل أخذه عامل السلطان أن يحمل له كتابا إلى السلطان من قرية إلى قرية وهذا الحامل لا يعرف ما في الكتب، قلت: له يسعه ذلك ما لم يعلم أن فيها ظلما؟ فلا يعجبني أن يحمل للسلطان الجائر الكتب إلى بعضهم بعضا إذا كان معروفا أنهم يكتبون إلى بعضهم بعضا بالظلم فيما تعارف بذلك وينفذ ذلك بينهم بالكتب، فإذا كان هكذا كان الحامل معينا لهم إذا عرف ذلك، وأما ما لم يعرف ما في كتبهم ولا شهر ذلك معه حين ذلك منه فأرجو أن لا يضيق عليه إن كان يحتمل أن يكون فيها غير أمور الجور والظلم، وإن لم يحتمل ذلك لم تسعه ذلك عندي المعونة على الظلم.
مسألة: وعن شريك في أرض ونخل إنما يقسم بالقفيز ووقف فيها الجازم فأبرأني من حصتي مما يخرج فيها من الغرم وأشهد لي وكتب على شريكي نصيبه ثم خرج الجازم فخرج منها غرم أأؤدي مع صاحبي أم لا؟ قال: نعم لا براءة لك، قلت: فقد أبراني الجازم وإنما هو ظلم وحرام، وقال: وما ذلك ليس للجازم من ذلك شيء وبراءته إياك ليست بشيء، قال غيره: حسن ما يقول، وما أحسن التعاون فيما ينوب من ذلك، وقد قال من قال: إن ذلك على من يطالبه بذلك الظالم ولا غرم عليه لشريكه لأن ذلك ظلم.
مسألة: وسئل أبو سعيد عن رجل دعا الخارص إلى أرضه ليخرصها عليه فخرص عليه وخرص على جاره هل يضمن؟ قال: معي أنه إذا وقع باستدعائه الخارص على معنى الدلالة له على أرض جاره لزمه الضمان إذا أثبت معنى الدلالة لأن الدال ضامن، وإن كان إنما قصده إلى ما يسعه من الدلالة على مال نفسه وموضع جاره ظاهر لا يطلب عليه دلالة أن لو طلب أو قصد إليه لم يكن عليه عندي في هذا ضمان.
مسألة: وذكرت أنه إذا قدم الخارص ربما دخل في ذلك من يزيد على الناس فهل يجوز أن يتولى ذلك من يثق به مخافة الزيادة على الناس، وكذلك إن كانت بضعة دنانير يقسطها بالعدل بحال السوية بين الناس، فكل هذا من اعتزله وسلم عنه كان أسلم له، ومن بلي بذلك وكان الذي كتب عليه هذا قسط بالغين وكان برأيهم فأرجو أن لا يأثم إذا عنى بذلك إن شاء الله، وأما الدخول في أمر لم يشهد ولم يرض والأيتام فلا أحب ذلك، قال أبو الحواري: لا يسعه ذلك ولا توبة له من ذلك إلا أن يرد على كل من أخذه منه شيئا بلا طيبة من نفسه. (6/140)
صفحة 1994
مسألة: ومن جوابات أبي سعيد: وسئل عن رجل أخذ رقعة فيها أسماء الناس من عقد عون من أعوان السلطان فأبصر منها أسماء وردها إليه أله ذلك؟ قال: معي أنه قيل: له ذلك في مثل هذا من نظر الجريدة ولم يجعلوه كالمعونة في مثل هذا ومثل الأمانة التي قد أؤتمن عليها ثم أتى بها فيكون معينا في ذلك الشيء الخاص فلا يقدر على الامتناع منه في وقت وأراد بذلك قضاء حاجة، قال غيره: إذا عرف ما عليه من الجريدة جعلها في الأرض ولا يعطي الجبار من يده والله أعلم.
رجع: قلت له: فعندك أن بعضا يلزمه الضمن في ذلك؟ قال: لا يبين لي ذلك.
مسألة: وعن رجل يتبع خراصا فتعلق به أهل قرية في طلب حسبة أيجوز له أن يقول للخراص اطرح عنهم كذا وأثبت عليهم كذا وكذا؟ أيجوز له أن يأمره يثبت عليهم بقوله شيئا، فإنه يجوز له أن يقول اطرح عنهم كذا وكذا أو اثبت عليهم كذا وكذا فلا يجوز له.
ومن الكتاب: وعن رجل يتبع الخراص فسألوه عن اسم قرية أيجوز له أن يخبرهم باسم القرية فلا يجوز له أن يخبرهم باسم القرية، فإن أخبرهم باسم القرية لم نز عليه ضمانا وعليه التوبة والندم والاستغفار، وكذلك إن أخبرهم باسم الحائط أو باسم الرجل إلا أن يدلهم على القرية أو على الحائط أو على الرجل، فإذا وصلوا إلى ظلم أحد بدلالته كان عليه الخلاص من ذلك الغرم والاستحلال لمن أصابه بدلالته شيء من الظلم إلا أن يكون هذا الدليل مستحلا لما فعل دائنا بذلك فعليه التوبة والاستغفار ولا غرم عليه.
مسألة: من الزيادة المضافة من جوابي أبي الحواري: وعن رجل نسخ جريدة للجند نقلها من قرطاس ثم تقاضوا بكتابه الذي كتب ما يلزمه فيه؟ فإذا كان هو لا يلي الأخذ من الناس ولا يأمر بذلك فلا نرى عليه إلا الاستغفار من ذلك ولا غرم عليه، وقلت: إن كتب برأي أهل البلد وسلمه إليهم وسلمها أهل البلد إلى السلطان وأراد هو التوبة ما يلزمه، فأما من كتب ذلك الكتاب برأيه فعلى هذا الكاتب التوبة من ذلك ويستغفر ربه وما كتب من أسماء الناس الأغياب واليتامى والأرامل وعمل بكتابه فعليه الخلاص والغرم.
مسألة: وسئل عمن يكون عند جابي السلطان فيقوم الجابي يطعن على أحد الرعية وهذا يومئ له برأسه ويضحك له تقية منه ثم جار على كل من يطعن عليه في حينه ذلك أو أخذ منه من الخراج أكثر مما يعود بأذى أو نحوه ذلك، هل على الذي (6/141)
صفحة 1995
يومئ للجابي ضمان لإيمائه وبشاشته لذلك الجابي في حين طعنه على الرجل؟ قال: عندي أنه إذا لم يكن يقدر على الإنكار ولم يكن له تطرق على إعانة الجابي فيما يكون يومئ إليه فيه ولا كان من أهل من يقبل منه فيجاوز على أحد بسببه فأحب أن لا يلزمه ضمان إلا التوبة.
مسألة: من كتاب الأشياخ: وقال بشير: إن الخارص إنما هو مقوم ليس عليه ضمان إلا أن يكون يكتب أسماء الناس ويرفع ذلك إلى السلطان فيكون حينئذ دالا وعليه الضمان، قلت له: والعامل دال عليه الضمان، قلت له: فعون العامل؟ قال: قبض الضامن فعليه الضمان ولا أدري العامل اجتزى عنه العون.
مسألة: وقال أيضا في رجل دل على رجل أن عليه خراجا فأخذ منه بدلالته، قال: عليه الضمان، قال: فإن أرسل المأخوذ بالخراج إلى الوالي ولم يقبض الوالي من المدلول عليه فلا ضمان عليه، وإن أرسل الدال رسولا من عند غير عون السلطان مثل ولده أو غيره إلى المدلول عليه فأعطى رسوله فلا ضمان على الدال وإنما الضمان على الدال إذا قبض هو أو قبض السلطان بدلالته. (6/142)
صفحة 1996
الباب الثاني والثلاثون
في التوكل للجبابرة والخدمة لهم ونحو ذلك
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه: وجدته بخط الشيخ أبي محمد عثمان بن أبي عبد الله بن أحمد حفظه الله، ومن جواب لأبي سعيد محمد بن سعيد: وعن الرجل هل يجوز له أن يتوكل لأمين الجبابرة ويقوم بجميع حوائجه أم لا يجوز أن ينفعه وهو في حال ظلمه للعباد؟ فأما على الاحتياط فلا أحب ذلك لمن أشفق عليه خوف تولد الفتن عليه، وأما في الحكم فإذا لم يعنه على ظلم ولا معصية وكان المال له ولا يعلم حرامه فلا يضيق عليه ذلك عندي ما لم يخرج من حق إلى باطل أو أمر طاعة إلى معصية إن شاء الله.
قلت: وكذلك هل له أن يعلف له الخيل وهو يتقوى على حرب المسلمين؟ فأرجو أنه ما لم يكن في حاله ذلك حربا للمسلمين في حال محاربتهم فهو أهون، وإني لأكره معونته على أمر الخيل والسلاح على حال لأنها من الآلة التي هي عضده على باطله.
قلت: إن كان يرسل إليه الجند ويأمره أن يسلم إليهم من ماله هل يجوز للوكيل ذلك؟ فذلك عندي أوسع ما لم يبن له أن يعطيهم ما لا يسعه أن يعطيهم إياه.
قلت: إن كانت نية المتوكل أنه إنما يقوم بذلك من أجل ما يدخل عليه من نفع الأمير ولا ينوي هو بنفعه الأمير له أن يعينه على معصية الله هل يسعه أن يقوم له بجميع ما وصفت لي على هذه النية؟ قال: فمعي أنه له ذلك على ما وصفت لك. (6/143)
صفحة 1997
[صفحة بيضاء] (6/144)
صفحة 1998
الباب الثالث والثلاثون
في تشييع الخراج وغشه
فعلى ما وصفت فالذي وجدنا عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه لم يجر تشييع الخراج ولا حمله إلى السلطان إلا أنا نقول: إن كان خراج قوم معروفين ليس فيهم يتامى وكان حمل ذلك الخراج برأيهم لم نر على حامله بأسا إن شاء الله، وإن كان خراج بلد فيه يتامى وغيرهم فلا يجوز حمل ذلك الخراج ولا تشييعه، فمن فعل ذلك وبلغه إلى السلطان وهو يعلم أن فيه أموال الناس واليتامى وغيرهم وقد جبروا على ذلك، فعلى من جمعه وحمله وبلغه إلى السلطان غرم ذلك وأنه لحقيق بذلك حتى يؤديه إلى أهله، وإن كان لا يعلم أن هذه الدراهم من الخراج إلا بالظن فنقول: يستغفر الله من ذلك ولا غرم عليه والله أعلم بالصواب.
مسألة: ومن الحاشية: ومن سيرة محمد بن محبوب رحمه الله إلى أهل المغرب، وعن الرجل إذا كان من أهل الدعوة كبير القبيلة والكورة عاملا أو غير عامل، وإذا جبى عامل الجبابرة الجزية التي يأخذونها من أهل التوحيد تبعا إلى ذلك الرجل من أهل الدعوة أن أقدم بمن معك من أهل رأيك يشيعون هذا المال حتى يقدم ماضيه عند الأمين، يعني أمين الجبابرة هل لهم أن يسارعوا في ذلك رجاء اتخاذ الأيادي عندهم أو على المداراة لهم مخافة ظلمهم وغشمهم وما بلغت منزلة اتخاذ من أمر بالمسارعة في ذلك وهو كان مطاوعا في قومه، أيبرأ منه على ذلك أم لا؟ وقلتم: إن كان عاملا هل يعزل بذلك أم لا، فإن التعاون على الإثم والعدون فمن أعان الظلمة على ظلمهم وقوامهم على جورهم فقد أعان على غير حق، وهذا من فعله متخذا به الأيادي فهو معين على باطل، ولا ينبغي للمسلمين أن يولوا مثله أمانتهم والأمر بالمسارعة في ذلك أمر بمعونة أهل الجور، ومن أعان على منكر بأمر أو فعل فقد دخل في المعونة عليه، وعليه التوبة فإن (6/145)
صفحة 1999
تاب وإلا سقطت ولايته عند المسلمين والله أعلم.
مسألة: وقال محمد بن جعفر في الشريكين في مال أحدهما غائب فطلب السلطان إلى الحاضر الخراج فأعطاه من جملة المال فإن أعطاه برأيه فليس ذلك على الغائب، قال أبو المؤثر: الله أعلم أحب لشريكه أن يشاركه في الغرم، قال محمد بن جعفر: وإن أخذه السلطان برأيه فذلك بينهما وكذلك العامل.
مسألة: وذكرت في أقوام باعوا جملة أموالهم من بلد وهربوا لجماعة من الناس وكتب للسلطان أسماء المشترين وطلب يزيد على بعضهم وينقص بعضهم فقال له أحدهم: أحسب ما يلزم كل نخلة بعينها أو أنا أعطي ما يلزم ما مكتوب على من النخل ففعل الجابي ذلك وحسب، فإذا هو على ذلك يلزمه ضمان عليه، فمعي أنه إذا كان لسبب قوله أخذ من غيره الخراج على معنى الدلالة لهم على ما أخذوا أو المعونة أو الأمر المقبول المطاع كان معي عليه الضمان، وإن كان على غير هذا فينظر في ذلك.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري: وعن رجل قال لك أن تحسب ما يقع علي من الخراج حتى أعطي فحسب له برأيه كان ذلك بمحضر من الجابي أو بلا محضر منه، فعلى ما وصفت فلا نرى عليك بذلك بأسا إذا كان برأيه، وأما ما ذكرت من أمر العامل الذي قال لك أحسب ما يقع على فلان حتى أعطي عنه فلا تفعل ولا نرى ذلك جائزا.
ومن الجواب: وعن الجابي إذا طلب إليك قرطاسا هل يجوز لك أن تعطيه؟ وكذلك إذا طلب إليك ميزانا أو مكيالا فلا تدري ما يريد به؟ فعلى ما وصفت فإن قدرت على أن تمنعه فهو أقرب إلى السلامة، وإن سلمت إليه وأنت لا تعلم ما يريد لم نر بذلك بأسا، وإن علمت أنه يزن به خراج الناس ويكيل به حب الناس للخراج فأعطيته على ذلك فمن فعل ذلك فعليه التوبة والندم، ولا يرجع إلى ذلك، ولا نرى عليه غرما فيما فعل، وكذلك القرطاس إذا لم يل ذلك بنفسه.
مسألة: في الخراج: وعن رجل سأل رجلا أن يحول اسمه من الخراج عليه فقال له: لا أحول اسمك من الخراج على نفسي وكل ما طالبني به السلطان من الخراج من اسمك هذا فهو عليك لي، فقال: نعم، ففعل له ذلك وطالبه السلطان باسمه هذا الذي حوله على نفسه، قلت: فهل يلزم الأمر للمأمور ضمان ما قبل له مما طالبه السلطان؟ فمعي أنه إذا قيل له بذلك وعلى ذلك ضمن وجب عليه ما قد ضمن على نفسه إذا قبض منه السلطان بسبب ضمانه ذلك الذي قد أدخله فيه ما قد ضمن له به، وقلت له: (6/146)
صفحة 2000
وكذلك إن قال له اسمي عندك، فقال له: كل ما طالبني به السلطان من قبل هذا الاسم فهو لي عليك، قال: نعم، هل يثبت عليه هذا بهذا اللفظ؟ فمعي أنه قيل يثبت عليه إذا أدخله في أمر الضمان على هذا مما قبضه من السلطان.
مسألة: وقيل: إذا أمر رجل رجلا أن يكتب اسمه مع السلطان الجائر في الخراج وأذن له بذلك جاز له ذلك أن يملي اسمه ويكتب برأيه ولا ضمان عليه في ذلك، وكذلك إن أذن له أن يكتب نخلة هي باسم الآمر كان له ذلك إذا كان له أن يكتب عليه ما أراد من ماله كان له ذلك، وليس عليه ضمان، وقيل: اختلف في هذا كله، فقال من قال: لا يجوز، وقال من قال: يجوز ذلك وبه نأخذ.
مسألة: فإن خشي على البلد من ظالم يغصبها أو يفعل فيها الجور أيجوز أن يؤخذ من مال اليتيم والغائب والحاضر لسلامة البلد وأموال هؤلاء؟ قال: لا أرى أن يؤخذ من أموالهم بغير حق على الخوف وخشية الظلم قبل وقوعه لأن الله قادر أن يزيل ذلك بأسرع من طرفة عين ويحيل في سير الظالم قبل وصوله، والله أعلم.
مسألة: ومن كان عنده للجبار عشرة دراهم فطالبه في الخراج فله أن يسلم العشرة التي عنده مما يأخذ منه في الخراج وليس له أن يعرفه، والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة ما معنى قول الله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} (المؤمنون:72)، ما هذا الخراج؟ قال بعض المفسرين: الخراج الرزق، والله أعلم.
مسألة: من باع ماله أو أقر به لغيره ثم طولب بخراجه فقال: بعته على فلان أو صار إلى فلان وطولب فلان بالخراج يلزمه شيء أم لا؟ عليه ضمان ما أخذ من الرجل، والله أعلم.
مسألة: من كتاب الرقاع: وعمن يطالبه السلطان بعشرة مكاييل حنطة فيخلط فيها حب الترمد ليغشه هل يجوز له ذلك؟ قال: لا يجوز له ذلك لأنه غش يتوصل إلى المسلمين من غير أن يعلموا، وقد نهى عن العش، قلت: فإن خلط فيه الشعير؟ قال: لا يجوز له ذلك.
قال المضيف: وقد رفع إليّ من أثق به عن محمد بن أحمد بن أبي غسان أنه يجوز له نيته أن يفعل ذلك في ماله من غير قصد إلى الغش نفسه، وفي نفسي من ذلك أنه ممنوع من إتلاف ماله إلا أن يريد بذلك تخفيفا عن نفسه ليكثر بذلك، والله أعلم.
مسألة: وقال: اختلف أهل العلم في أداء الخراج، فقال من قال: يؤدى قبل أن يطالب، وقال من قال: حتى يطلب، والأول أصح عندي لخوف الفتن لعله لا يدري إذا عورض في ذلك أن يسلم في دينه أو لا يسلم، وقال بعض هي في بعض كلامه: كن (6/147)
صفحة 2001
عارفا لزمانك حافظا للسانك، فإنه من لم يحفظ لسانه ولم يعرف زمانه خفت أن يكون هالكا مفتونا.
وقال: إن بعض المسلمين من أهل العلم كان يعطي الجبابرة، وقد سوغ له تسويغا فلم يهمل الحذر والتقية من أجل ذلك، وجعل يهيئ خراج كل ثمرة عود يؤدي خراجها ويختم على الكيس ويطرحه في المبايحة إلى أن عاد السلطان بعد ذلك بسنين رجعوا إليه فأداها إليهم فانظر إذ صنع الحزم كيف نجا من الفتن ومعارضة الجبابرة في غش الخراج، وسئل عمن يؤدي الخراج هل يجوز له أن يعطيه الصفر والرصاص وما لا يجوز في النقود إذا قبلوا ذلك منه؟ قال: عندي أنه اختلف في ذلك وأحب إلي أن يجوز لأن ذلك ليسه بحق ثابت عليه لهم.
مسألة: من كتاب الأشياخ: عن أبي الحسن علي بن محمد قلت: من عليه خراج هل يجوز له أن يغشهم ويسلم إليهم مما يطالبونه به وهم يظلمونه؟ قال: له غشهم بما يدفع ظلمهم عنه مما لا يكون فيه ضرر ولا غش على المسلمين، فأما أن يكون يغش الدراهم ثم يؤديها إليهم فلا، قلت: وكذلك الحب يضعه في الثرى إلى أن يمزر أو يصب فيه التراب أو يغشه بما رأى، وكذلك التمر يصب عليه الماء أو يطرح في الوعاء حجارة فيغشهم بذلك جائز أم لا؟ قال: ليس له أن يغش الحب والتمر بغش ينفي في الحب أو التمر فيتوصل إلى المسلمين ذلك لأنه إذا وضع في التمر الحجارة والحشف ثم كنزه إذا تحول ذلك إلى المسلمين بوجه فوجدوه على ذلك لم يجز له لأنهم لم يعلموا بالغش حتى وقعوا فيه، وكذلك الحب إذا جعل في الماء حتى يزيد ثم يترك بعد قضاهم في البيوت والاندرات فإنه يرجع إلى حاله الأول ولا يكون بعد ذلك الغش بعد.
وأما إن خلط فيه ما يفسده ولا يخرج منه لم يجز لأن ذلك يلقى على المسلمين كرها أو بيعا طوعا من غير علمهم بالغصب فيبيعون ذلك لمسلم فيصل إليه الغش فلا يحل لمن فعل، قلت: فإن خاف على نفسه منهم القتل أو الضرب وليس يمكنه ما يؤدي إليهم ولم يقرضه أحد شيئا هل يجوز له غشهم؟ قال: قد مضى في أول المسألة أن له غشهم ودفعهم عنه بما يرضيهم إلا ما قد قلنا أنه ليس له أن يغشهم بغش يتوصل إلى المسلمين على ما قدمنا. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: وسئل عن رجل أراد أن يشتري من رجل سلعة فمد إليه دراهم وقال له: هذه من الخراج غير أنه من الرعية الذين لا يأخذون الخراج بعينه، هل يجوز لهذا أن (6/148)
صفحة 2002
يبايعه بها؟ قال: معي أنه إذا لم يكن من أصحاب الخراج الذين يأخذون الخراج الحرام واحتمل الخراج فمعي أنه لا بأس بذلك لأن الخراج ينصرف على وجوه مثل الغلة تسمى خراجا، والتمر خراجا، ونحو ذلك، وإن كان لا يحتمل ذلك إلا أنه هذا من الخراج الذي يأخذه السلطان من ذلك على سبيل الجبر، فمعي أنه لا يطلب أن يبايعه بها في الحكم، وإذا احتمل ذلك في الاحتياط والأخذ بالثقة وما يذهب إليه القلب فلا يجوز ذلك، وأما في الحكم فلا أقوى على فساده ولا تحريم ذلك في الحكم.
ولو كان ذلك الذي قال له من قبل السلطان الذين يأخذون الخراج، وقال له: هذه من الخراج، فمعي أنه يحتمل في الحكم حلاله لأن ذلك يحتمل من قوله أيضا، وقد مضى معنى الاطمئنان في أول الكلام، قلت: فإذا ثبت ضمان ذلك عليه بحكم أو اطمئنانة فقبضه لها ثم أراد الخلاص هل له أن يردها عليه ويبرأ؟ قال: معي أنه قد قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال: إنه يجوز له أن يردها عليه وترجى له البراءة بذلك إذا ردها بعينها، وقال من قال: لا يبرأ بذلك لأن هذا قد أقر بها أنها لغيره ويكون حكمها حكم المال الذي لا يعرف له رب.
قلت له: أرأيت إن أتلفها القابض لها ثم أراد الخلاص ما خلاصه؟ قال: معي أنه قد قيل: إن حكمها حكم المال الذي لا يعرف له رب، وقد اختلف في ذلك، وإن فرقها على الفقراء فلعل ذلك من أحد ما قيل فيه.
قلت له: أرأيت إن قال: هذه دراهم الخراج هل يكون مثل قوله هذه الدراهم من الخراج؟ قال: معي أن الدراهم الخراج؟ ودراهم خراج يخرجان على معنى الصفة ولا يوجب قوله ذلك على أنها من الخراج الحرام.
قلت له: إن كان ذلك لا يحتمل من لغة أهل الموضع إلا أن الخراج هو الحرام في التعارف ولا يخرج ذلك عندهم من اللغة هل يحتمل في الحكم حلال ذلك إذا كان يخرج معنى الخراج أنه من الغلة في غير لغة أهل الموضع؟ قال: معي أنه يشبه أن يثبت كل قوم أحكام لغتهم فيما يتعارفون أنه لا يحتمل غيره.
قلت له: أرأيت إن قال له: هذه الدراهم من التسبب أهو كقوله من الخراج؟ قال: هكذا عندي، وعندي أنه أشد من ذلك في هذا العصر، وعلى حال عندي فهو يحتمل في الحكم إذا كان يحتمل ذلك في الخراج فيما يشبه عندي.
قلت له: أرأيت إن كان الذي يشتري من عند هذا الرجل صبي، وقال الصبي: هذه الدراهم من الخراج، والصبي من جهة السلطان الجائر، ومن يتصرف لهم في (6/149)
صفحة 2003
خدمتهم هل يكون إقراره في هذا مثل البالغ؟ قال: أما في الحكم عندي فليس هو مثل البالغ، وأما في معنى ما تستيقنه العقول فذلك إلى المبتلى بذلك.
قلت له: وكذلك إن كان أحد من عبيدهم بالغا فيكون مثل الصبي، قال: هكذا عندي، قلت له: فإن كان منهم حرا بالغا ممن قد تعود لأخذ الخراج إذا كان قد قبض السلعة من المشتري ثم أراد أن يزن له فقال: هذه الدراهم من الخراج هل يسع البائع أن يأخذها ويعتقدها لفقره إذا كان من الفقراء ولا يعلم الجندي إذا كان يتقيه على قول من يقول إنها للفقراء؟ قال: معي أنه إذا اعتقد ذلك ودان بالخلاص منه حتى صح له رب علي ما قد جاء في مثل ذلك جاز له ذلك عندي على قول من يقول: إن اللافظ ينتفع بلقطته لموضع فقره وأشباه هذا.
قلت له: فإن حضره الموت وقد قبضها على هذه النية هل عليه أن يوصي بها بذلك لعله يصح لها رب أو ليس عليه وصية في ذلك، قال: معي أنه على مثل ما قيل في مثل هذا بأن عليه الوصية بالصفة من أقرب ما يرجو درك معرفة ذلك من الصفات.
قلت له: فإن قبضها على غير اعتقاد ولا نية كما يؤمر به أيكون عليه الوصية بها للفقراء على هذه الصفة؟ قال: معي أنه مثل الأول على الصفة وعليه التوبة من ترك النية.
مسألة: من الزيادة المضافة: وعن رجل يملي نخل الناس على الخارص قلت: هل يجوز أن نبرأ منه على المقام إذا لم يكن لك وليا أو تنزله على حسن الظن أنه يمكن أن يكون قد أمره صاحب النخل ويتدلل على بعض أقاربه أو أصدقائه؟ أو كيف الوجه في ذلك؟ فعلى ما وصفت فقد قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال: إذا رأيت من يفعل ما هو باطل مع الناس من أكل أموالهم وسفك دمائهم وظلمهم فعليك أن تبرأ منه حتى تعلم أنه كان في ذلك محقا وأنه فعل ذلك بما يسعه، وقال من قال: إذا كان يحتمل أن يكون في ذلك محقا في وجه من الوجوه لم تجز البراءة منه، وكلا القولين من قول المسلمين، والقول الآخر أحب إلينا وبه نأخذ إلا أن يكون الفاعل لذلك من أهل الباطل، والقول الأول في مثل هذا أحب إلينا وبه نأخذ.
مسألة: وعمن يأخذ دراهم الناس ويسلمها بأمرهم في الخارج هل عليه ضمان؟ قال: لا ضمان عليه، قلت: فإن أخذها هو ودفع عنه مثلها في الخارج من ماله؟ قال: لا يجوز له ذلك وعليه رد ما أخذ منه لأنه خالف أمره. (6/150)
صفحة 2004
مسألة: وعمن له تسويغ فقال له رجل: ادفع لي من تسويفك خراجي، وأنا أسلم إليك مثل ما ترفع عني ففعل هل يلزمه ضمان؟ قال: لا يجوز له ولا ضمان عليه إذا لم يزن عنه من ماله شيئا وإنما دفع له ظلما من ظالم يظلم لو أخذه. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (6/151)
صفحة 2005
[صفحة بيضاء] (6/152)
صفحة 2006
الباب الرابع والثلاثون
فيما يكون في يد السلطان
وعن السلطان إذا كان معسكرا في بلد قوم وبانيا فيه بناء ومتخذا فيه إسكانا ولم يعلم أهو مغتصب هذا الموضع وهذا المال أو هو للسلطان ما يكون الحكم فيه أنه مغتصب؟ حتى يعلم أنه ملك له إذ هو معروف بالاغتصاب والظلم أم هو غير مغتصب حتى يعلم أنه مغتصب، قال: ما كان في أيدي الناس من بار أو فاجر أو عادل أو جائر فهو له عندي في الحكم حتى يصح انتقاله عنه بوجه من الوجوه، قيل له: فإذا لم يصح اغتصابه لذلك الموضع فخرج منه السلطان وهدمه رجل هل يضمن؟ قال: معي أنه إذا ثبت أنه ملك لم تجز إزالته، والمزيل لذلك ظالم إلا أن يوجب الحكم إزالته بوجه من وجوه الحق، وقد قيل: إن السكن يد في العمارة وما فيها فإذا صح ذلك ولم ينقل ذلك حكم غيره اشتبه أن يكون الساكن ذا يد في العمارة حتى يصح غير ذلك. (6/153)
صفحة 2007
[صفحة بيضاء] (6/154)
صفحة 2008
الباب الخامس والثلاثون
في السكن في البلد إذا كان فيه الجور
ومن جامع أبي محمد أجمع أصحابنا على جواز الإقامة للمسلم في بلد قد غلب عليه الجبابرة وأن يعمر فيه الأموال وتزرع فيه الزرائع ويغرس فيه الأشجار مع علمه بأنهم يأخذون منه الأموال على سبيل الخراج من غير أن يستحقوا ذلك المال وأنهم يستعينون به على ظلمهم وبغيهم، فإن قال قائل: أليس في ذلك تقوية لهم وشد على أعضادهم فأنكرتم أن لا تجوز الإقامة معهم للمسلمين لما ينالون منهم من المنافع والأموال التي يستعينون بها ولولا ما يأخذون من زرائع المسلمين ومواشيهم وثمارهم لم تكن لهم إقامة معهم وهلا قلتم: إن إقامتهم على الظلم في هذه البلدان بسبب من أقام معهم من المسلمين لما يأخذون منهم؟ قيل له: قد يجوز للمسلمين الإقامة في أملاكهم وفي المواضع التي لم يأت في سكنها حظر من قبل الله عز وجل، ويزرعون فيها ويعمرون الأموال ويغرسون الأشجار، وإن كانوا يعلمون أن الجبابرة يأخذون منهم بسببها أموالا تؤدي إلى تقويتهم على ظلمهم إذا كانوا إنما يزرعون ويعمرون لنفع أنفسهم وستر عيالهم وصلاح أحوالهم، وللمسلمين أيضا ولكن إن كانوا يزرعون ويعمرون وينوون بذلك تقوية الجبابرة والمعونة منهم لهم فهم عصاة لله في فعلهم، فأما إذا كانت نياتهم أن يزرعوا لأنفسهم ولنفقة عمالهم وصلاحا للمسلمين فلا إثم عليهم.
وأيضا فلو كان ما يزرعه الناس ومرادهم في ذلك الصلاح وقصدهم فيه الخير يكونون آثمين بذلك إن علموا أن أحدا يظلمهم ويأخذ منهم بسببه شيئا يقوى به على ظلمه لكان الله تبارك وتعالى يقطع الغيث ولا ينزله ولا ينبت به العشب إذا كان يعلم أن الكفار يزرعون به ويكثرون عليه أموالهم وتسمن به مواشيهم ويزيد عددهم (6/155)
صفحة 2009
وفي ذلك قوتهم على عدوهم من المسلمين، ألا ترى أنه لو قطع عنهم المطر لهلكوا في بواديهم.
فإن قال: من أين جاز للمسلم أن يقيم في بلد يعلم أنه يظلم فيه ويناله بسبب إقامته الذل والظلم؟ قيل له: لا يحرم على المسلم أن يفعل فعلا تناله به منفعة جزيلة وينجو به من الذل والفقر، وإن كان يعلم أنه يناله به بعض الظلم والذل إذا كان يعلم الذي يناله من عز الغنى أكثر مما يجوز للمسلم أن يعمل لأهل الذمة إذا احتاج إلى عمل يناله به عزا يرفعه عن الفقر مسألة الناس، وإن كان في ذلك إذلال النفس واحتمال المكروه، وما لا يخفى به على ذي لب فيجوز للمؤمن أن يحتمل بعض الظلم والمكروه الذي هو دون غيره إذا كانت نيته أن يزرع لمنفعة نفسه وستر عياله ولو لزم هذا لكان لا يجوز للمسلمين تخليص أسراهم من يد عدوهم بمال إذا قدروا على ذلك لأن في ذلك تقوية لهم وإعانة لهم على أنفسهم، وقد أباح الله جل ذكره معاداة المشركين في كتابه فقال: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} (محمد:4) وقد فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ورجع قوم منهم فحاربوه ولم يكن نيته عليه السلام تقوية منه لهم ولا تقوية على محاربته، وإنما كانت إدارته منهم، التوبة التي كان يرجوها منهم.
فإن قال: فلم منعتهم من حمل السلاح والطعام إليهم؟ قيل له: أما في غير المحاربة فلسنا نمنع من ذلك إلا أن يكون الحامل ينوي بذلك المعونة لهم به وتقويتهم فحينئذ لا يجوز ذلك، وأما في وقت الحرب فلا يجوز ذلك للإجماع من الأمة ولولا الإجماع لكان جائزاً، ومع ذلك فإن منع الإمام يوجب ترك الركوب والانتهاء إلى أمره ومخالفته حرام.
فإن قال: أفيجوز للمسلم أن يقيم لهم ويبايعهم؟ قال له: نعم ما لم يعلم أنه غصب أو حرام أو أنهم يكرهونه على تصويب الباطل ليبلغوا به إلى إظهار شيء من الباطل.
فإن قال: أفيجوز للمسلم الغو معهم؟ قيل له: نعم لأن الله عز وجل أمر بذلك في كتابه أمرا عاما بقوله: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} (التوبة:29)، وقال جل ذكره: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (التوبة:5)، وقال تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ} (التوبة:123)، وأيضا فإن القتال بغير إمام جائز والله أعلم.
مسألة: ومن غير كتاب أبي محمد: ومن كلام لعلي بن أبي طالب: وما كنت (6/156)
صفحة 2010
لاظطلم لأحد ولا سكت لمتظلم منه على معند ولا لأسكن معه في بلد، ولو سكنت معه لكنت لنفسي ظالما، وفي ظلمها عند الله آثما، وذلك قول الله حيث يقول: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً} (النساء:97).
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ويكره أن ينقل الرجل أهله إلى أرض الحرب، وقال بعض: وكذلك إلى الأعراب، غيره عندي أن أرض الحرب هي أرض المشركين مثل بلاد الهند وبلاد الزنج والصين، وما أشبه ذلك من بلدان الشرك الذين ليس بينهم وبين المسلمين ذمة.
مسألة: من الزيادة المضافة: قلت له: هل يجوز للمسلم أن يأمن مع المشركين ويقر في بلادهم إذا أعطوه الأمان ولو كانوا حربا للمسلمين في حالهم ذلك أو لا يجوز ذلك؟
قال: إذا كان مضطرا إلى ذلك ومحتاجا إليه فلا يضيق عليه ذلك وإلا فلا يبين لي أن يتخذ دار المشركين دارا على سبيل الاختيار.
قلت له: فهل يكره له أن يتجر في بلادهم ويشتري منهم ويبيع عليهم من غير اضطرار؟ قال: إذا كان اختيارا منه فأكره له الإقامة في دارهم قليلا أو كثيرا، قلت له: فإذا أمن معهم بوجه لا يضيق عليه الأمان هل يجوز له أن يعين المسلمين عليهم وهو في أمانهم أم لا يجوز له إعانة المسلمين عليهم؟ قال: إذا حاربهم المسلمون بحق جاز له أن يحاربهم معهم. انقضت الزيادة المضافة. (رجع إلى كتاب الشرع). (6/157)
صفحة 2011
[صفحة بيضاء] (6/158)
صفحة 2012
الباب السادس والثلاثون
في مصانعة السلطان
وللرعية إذا أشرف عليهم هؤلاء الجبابرة وخافوهم على أنفسهم وأموالهم أن يعطوهم السمع والطاعة بألسنتهم، وأن يصانعوهم على أنفسهم بما يدافعون عنهم به من أموالهم، وذلك على الجبار حرام وهو جائز لهم إذا علم الله منهم البغض له ولفعله، وكان ذلك على حد التقية.
مسألة: قال غيره: وأما الزكاة فلا يجوز لهم أن يعطوه إياها.
مسألة: ومن الكتاب: قال محمد بن جعفر: وليس لأحد أن يعينهم بمؤنة إلا أن يخافوا على البلاد والرعية فلا بأس على من قام بذلك وطلب الاستبقاء على البلاد وأهلها واستخراج لهم الخراج الذي وضعوه على أهل البلاد ممن أعطى برأيه وطابت بذلك نفسه ولا نحب أن يتعرض من قام بذلك بمال غائب ولا يتيم، وقال أبو المؤثر: مثل ذلك، وإن كان هذا الجبار محاربا لأحد من المسلمين طالبا لهم فلا نرى لأحد من المسلمين أن يعينه في وقت محاربته على خراج يأخذه من الناس ولا بمال ولا بشيء مما يقوى به على محاربة المسلمين.
قال أبو المؤثر: لا يجوز لأحد من المسلمين معونة الجبابرة سلما كانوا أو حربا، فإن خافوا هلاك البلاد فللمسلمين أن يدافعوا عن أنفسهم وبلادهم وأموالهم بما دفعوا إليه من أموالهم، ولا بأس عليهم إن شاء الله، ولا على من أخذ من الناس الأحرار البالغين برأيهم وطيبة أنفسهم مالا ودفعوه إلى الجبابرة على ما وصفنا من الخوف على حريم المسلمين وأموالهم ودمائهم ولو كانوا في حد مناصبة لعسكر من عساكر المسلمين، لأن هذا هو أهون على المسلمين مما يصابون به منهم، والله أعلم. (6/159)
صفحة 2013
قال أبو سعيد: إذا كان السلاطين غالبين على الرعية وأخذوا أموالهم وخافوا على الحريم ودفعوا عن أنفسهم بشيء من أموالهم لم يقع ذلك موقع المعونة ووقع موقع الدفع، ومن جواب لأبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي حفظه الله: ما تقول رحمك الله في رجل كلفه السلطان أن يطحن حبا من عنده ويحمله إلى نزوى أو حيث أراد في محاربة أو غيرها أيجوز له ذلك أم لا؟ وكذلك إن كان الحب من عند غيره وأباحه في طحنه وحمله أيجوز له ذلك أم لا؟ وقفت على ما ذكرت في مسألتك والذي يبين لي أن من ألزم أن يطحن حبا من ماله أو من مال من أباحه في ماله وتسليمه على الجبر منه إلى من لا يقدر على الامتناع من أمره، ولم يبن له عند تسليمه قدرة على ظلم أحد بسببه، فأرجو أنه سالم غير آثم وأنا ضعيف عن مثل هذه المسألة فانظر فيها وتدبرها، ولا تأخذ منها إلا ما وافق الحق إن شاء الله.
مسألة: ومن جواب لأبي سعيد في رجل أراد أن يصانع عون السلطان الحائر يتقي شره أو من جهة أنه يخفي قطعة لا تخرص أو من سبب شيء من جورهم يندفع عنه به فسلم إليه جري حب ويقول العون للذي يسلم إليه الحب ارفع هذا الحب لي معك فيرفعه معه ويموت العون، قلت: هل على من في يده الحب الذي هو من عنده أن يسلمه إلى ورثة هذا العون أو هو له دون ورثة هذا العون من جهة أنه سلمه إليه ليندفع شره؟ فمعي أنه إذا كان على سبيل التقية لدفع شره فلا يجوز له ذلك وهو عليه حرام، وهو لمن يسلمه إليه مضمون له عليه، فإذا كان في يده بعينه فعمي أنه لا يجوز له أخذه، ومعي أنه ولو لم يقدر عليه بعينه كان له أن يستوفي من ماله.
مسألة: ومن كتاب الموازنة عن أبي محمد كما زعمت هذه الفرقة أن الصلت تفادى إليهم بالخاتم والكمة لظهور شرهم والخوف على نفسه منهم مع ما يحتمل أن تكون الكمة والخاتم ملكا له، والظاهر يوجب ذلك لأن حكم ذلك مضاف إليه محكوم له به حتى يعلم أنه لغيره، وللمسلم أن يفدي نفسه بماله وأن تكون عند نفسه أكرم جميع ملكه، وإن كانت هذه الكمة والخاتم ليستا بملك له فللمسلم أن يفدي نفسه بمال غيره إذا رجا في ذلك السلامة لها وأن يأخذ من أمانته ويصانع بها عدوه إذا رجا لنفسه السلامة من الهلكة من الجوع، وما يؤدي إليهما، والدليل على هذا ما أجمع عليه أهل القبلة أن على المسلم إذا خاف على نفسه الهلكة من الجوع أن يفديها بمال غيره وأن يأكل مال الغير إذا خاف على نفسه، واختلفوا في الضمان، فقال كثير من الناس: لا ضمان عليه لأن عند صاحب هذا القول أنه كان على رب المال أن يجيء هذا المسلم بماله وأن لا يدعه يهلك بين يديه وهو قادر على نجاته ولو تركه مع لك حتى يهلك كان (6/160)
صفحة 2014
ضامنا لدينه، فإذا قدر هو على ما كان على صاحبه أن يفديه به فعل ذلك هو لنفسه بحكم الله له به على صاحب الطعام والمال وبالله التوفيق.
وقد أخبرنا بعض شيوخنا أن المسلمين من أهل عمان كانوا يحملون إلى بني عمارة في كل عام أموالا ليدفعوا بها شرهم وما يحاذرونه على المسلمين منهم والله أعلم كان ذلك من صلب أموالهم أو من بيت مال المسلمين، فإن كانوا دفعوا ذلك من أموالهم فجائز لأن على المسلمين أن تكون نفسه آثر عنده من ماله، وأن ينفق ماله في صلاح نفسه ودينه، وقد أمر الله بذلك في غير موضع من كتابه.
وإن كانوا دفعوا هذه الأموال إليهم من بيت مال الله على سبيل ما يدفع إلى المؤلفة فجائز ذلك، وقد فعل ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتأسي برسول مباح، وقد أمر الله بأن يصرف إلى المؤلفة من الأموال التي في يد الأئمة من الصدقات ما تأتلف به قلوبهم وأن يصرف بذلك شرهم عن أذى المسلمين والقدح في دولتهم ولا نعلم أن أحدا قال: إن سهم المؤلفة الذي فرضه الله في السهام المذكورة في الصدقات منسوخ، وأيضا فإن خازم بن خزيمة لما خرج في طلب شيبان فوجد أهل عمان قد قتلوه فطلب إلى الجلندى بن مسعود تسليم خاتمه وسيفه وأن يخطب لسلطان بغداد ويعترف بالسمع والطاعة فاستشار الجنلدى العلماء من أهل زمانه ومعه يومئذ هلال ابن عطية الخراساني وشبيب بن عطية العماني وخلف بن زياد البحراني وغيرهم من المسلمين فأشاروا عليه أن يدفع سيف شيبان وخاتمه وما يرضيه من المال ويضمن لورثة شيبان قيمة السيف والخاتم ويدفع بذلك عن دولة المسلمين فأبى خزيمة إلا الخطبة والطاعة فرأوا أن ذلك لا يجوز في باب الدين أن يدفع عن الدولة بالدين وإنما يدفع عنها مع الرجاء بالمال.
مسألة: من الحاشية مسألة عن بعض آثار المسلمين: وإذا اجتمع أهل البلد ودفعوا زكاتهم إلى ثقة ودفعها ذلك الثقة إلى السلطان أو إلى من يخافون منه الضرر على البلد أو صرفوا في وجه دولة أقبلت إلى بلادهم لقتال عدوهم ليحموها من السبي والخراب فجائز لهم ذلك وتسقط عنهم الزكاة في هذا كله، ولو استأجروا بها الشراة لقتال عدوهم ومنع بلادهم جائز لهم هذا على قول بعض أهل العلم ولو رضي بعض أهل البلد وكره بعض فالحجة حجة جباة البلد، وإن خاف اغتصابه لهم وظلم جهله فغير جائز أن يؤخذ من مال اليتيم والغائب والحاضر، ويدفع به هذا (6/161)
صفحة 2015
الظالم قبل وقوع أمره، لن الله قادر على أن يزيل ذلك بأسرع من طرفة عين ويمنع من وصول الظالم.
مسألة: من الزيادة المضافة قلت: فإن خشي على البلد من ظالم يغصبها أو يفعل فيها الجور أيجوز أن يؤخذ من مال اليتيم والغائب والحاضر سلامة للبلد وللأموال هؤلاء؟ قال: لا أدري أن تؤخذ أموالهم بغير حق على الخوف وخشية الظلم قبل وقوعه لأن الله قادر أن يزيل ذلك بأسرع من طرفة عين ويحيل في سبيل قتل الظالم قبل وصوله.
مسألة: وعن أهل قرية اجتمعوا على أن يضمنوا بالخراج عن أهل قريتهم لما يرجون من مصلحة هل يسعهم ذلك؟ وهل في ذلك رخصة؟ قال: لا. انقضت الزيادة المضافة (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (6/162)
صفحة 2016
الباب السابع والثلاثون
في طلب عامل إلى السلطان أن يجعله فيهم
وسئل عن أهل بلد ضمنهم الجبار خراج بلدهم وولي عليهم عاملا وظلمهم ظلما أزعجهم عن أوطانهم وطالب الجبار من حضر إليه منهم بخراج البلد فاحتجوا بجور العامل وأنه لو عزل عنهم بغيره حتى يرفق بهم فيرجع الناس إلى أوطانهم ويقوموا بخراجهم فقال لهم الجبار: هذا ضمانكم فاختاروا له عاملا ممن تطمعون أنه أرفق بالرعية وأقل جورا ليستنفذوا به من بعد العامل الجائر الذي عندهم، قال: معي أن الذي عرفته في هذا أو مثله أن ليس لأحد أن يطلب ويثبت على نفسه شيئا من الجور ولو قل، وإنما له أن يطلب الإحسان وإزالة الشدة بلا مطلب في أحد بعينه ولا اختيار، فإن أجابهم السلطان إلى ما يصلح لهم لم يمتنعوا منه، وإن كان غير ذلك امتنعوا حتى يجيبهم إلى ما فيه الهون والصلاح ولا يطلبوا ظالما بعينه ولو كان أهون جورا لأن ذلك من المحدود في الظلم.
مسألة: في والي السلطان وقلت: إذا أشار في أول يوليه ليدفع أهل الجهل ورأيتم إنسانا هو أصلح للبلاد وأحمى لها فأرجو أن في هذا إن قال إن ولاية فلان أحب إليه من ولاية غيره أو أنه لا يكره اليوم ولايته وأرى أنه أقسط للبلاد ونحو هذا من القول أن لا يكون عليه بأس، وأما أن يأمر بولاية من لا يثق به أو يطلب ذلك فلا نحب هذا إلا أنه إنما يلي على غيره، قال أبو الحواري: لا يعرض بولاية الجندي ولا ولاية من لا يثق به من الناس فليس كل يقدر يمنع نفسه ممن لا يثق به إذا كان له الطول على البلاد. (6/163)
صفحة 2017
[صفحة بيضاء] (6/164)
صفحة 2018
الباب الثامن والثلاثون
في شيء من أموال السلطان وأعوانهم
قال أبو سعيد: في رجل حضر مع السلطان فذكر السلطان رجلا بسوء فقال هذا الرجل الحاضر عند سؤال السلطان ذلك الرجل هو معروف بذلك أنه إن كان أراد بذلك الدلالة عليه والتحريف كان شريكا للسلطان فيما أصاب الرجل منهم من قتل وغيره، وإن أراد أن يقول ما علم فيه وشهد بذلك على ما عنده من الحق فمعي أنه يختلف في ذلك فقيل: إنه يلزمه معنى الضمان إذا جار السلطان على ذلك الرجل، وقال من قال: لا يلزمه شيء لأنه قد قال الحق إذا كان قصده الحق ولم يرد به إغراء.
وقال: إذا قصد إلى الكلام ثم لام نفسه إن ذلك بمنزلة الشهادة عليه فيما يخرج من معاني القول في ذلك، وأما إذا أراد كلاما غير الشهادة فأخطأ فشهد بذلك فأرجو أنه لا يلزمه في ذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي الخطأ والنسيان».
مسألة: وسألته عمن يكون السلطان فبذكر السلطان في رجل من الناس شيئا يتوعد له الشر في كلامه فيقول هذا الرجل الحاضر: فلان أمره جليل ثم إن السلطان أخذ ذلك الرجل الذي كان يتوعد له بالشر فوصل إليه منه نكاية على هذا الرجل أن يستحل ذلك الرجل، قال: نعم.
قلت له: وهذا يكون قد حرف فيه؟ قال: نعم، قلت له: فيلزمه له أرش في هذا المعنى، قال: لا، فإن قال لما تكلم السلطان فلان معروف بذلك ثم أصاب الرجل من السلطان جراحة عليه أرش ذلك الجراحة، قال: نعم هذا قد شهد عليه الأرش والخلاص من ذلك. (6/165)
صفحة 2019
مسألة: أحسب عن البسياني وسألته عن رجل أخذه السلطان فحمله رأس رجل من الناس فحمله خوفا على نفسه أتسعه التقية أم لا؟ قال: لا تسعه، قلت: أرأيت إن حمله ونوى في حمله أنه إن قدر على دفنه فهو سواء أم ليس له عذر؟ قال: ليس له عذر في ذلك أن يعينهم على الظالم وأما نيته في دفنه فذلك عليه واجب إلا أن يخاف أن يقتل لم يحل بنفسه.
مسألة: وعن أعوان سلطان جائر يجوز أن أؤجر أحدا منهم على رجل في طلب حاجة ويسعني أن يشتري لي شيئا أرخص مما يشتري أو مثله فعلى ما وصفت فإن كنت تعلم أن الذي ترسله عليه تقية أو يخاف ذلك أن يجر لك أن ترسله عليه فيما ليس لك عليه وكذلك في الشراء، إذا كان البائع يتقيه فأعطاه أرخص مما يعطي الناس لم يجز لك ذلك، وإن باع له كما يبيع للناس جاز له ذلك.
مسألة: من الزيادة المضافة وعن رجل حضر فجلس السلطان ثم أحضر رجل فضرب فصودر على ألفي درهم فلما انفصل أمره دفع السلطان إلى ذلك الرجل قرطاسا، وقال: اكتبوا على هذا الرجل قبالة بما قد ضمن فكتب ذلك الرجل بأمر الرجل المصادر هل يلزمه ضمان؟ قال: لا يأمن على نفسه فيما يثبت بكتابه من ظلم الرجل (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: وعن رجل وضع مع رجل تمرا فلما جاء ليحمل تمره خاف هذا أن يعاقبه السلطان فأعلمه أن فلانا جاء ليحمل تمره من عندي فذهب إلى السلطان فمنع الرجل أن يحمل تمره فقدر الله أن الرجل حمل تمره ولم يأخذ السلطان منه تمرا ولا غيره، وذهب الرجل فلما خلا له ما شاء الله رجع إلى البلد فأعطى السلطان منه تمره ولا غيره وذهب الرجل فلما خلا له ما شاء الله رجع إلى البلد وأعطى السلطان الخراج فعلى ما وصفت، فإذا كان صاحب التمر قد نجا بتمره ورجع إلى البلد برأيه وأعطى السلطان الخراج برأيه بلا طلب من السلطان إليه في رجعته ولا خوفه من منزله بدلالته هذه فلا أرى على الدال شيئا من الغرم، وعليه التوبة إلى الله من دلالته للسلطان على أموال الناس، وإن كان الرجل إنما أعطى الخراج بشيء عناه من دلالة هذا الرجل فعليه الغرم والتوبة، وقلت: إن كان الرجل لم يحمل تمره حتى ضمن للسلطان أو رهن في أيديهم رهنا فهذا على الدليل الغرم للرجل لما أخذوا منه بدلالته وإن أحله من ذلك جاز له وعمن يبتلي بجور هذا السلطان فيضمن ماله من عندهم لنفسه خاصة ثم يقبل السلطان إلى أهل القرية فيحمل عليهم الخراج على نحو ما (6/166)
صفحة 2020
ضمن ذلك الرجل ماله هل هو آثم فيما فعل السلطان في غيره من الظلم؟ فعلى ما وصفت فلا نرى هذا آثم فيما فعل.
مسألة: وقال محمد بن جعفر: وقلت: هل لدليل الجبار المقهور على الدلالة أن يزلهم عن الطريق حتى يهلكوا أو يهلك دوابهم؟ وهل يجوز للمسلمين أن يغتالوهم بالقتل أشتاتا أو مجتمعين بالسيف أو ينقص الآفات وكذلك دوابهم؟ فأقول: إنهم لا يبدأون بشيء من ذلك حتى يدعوا إلى الحق فإذا امتنعوا وحاربوا استحل ذلك منهم جميعا في محاربتهم فإذا لم يكن محاربة وكانوا في قرية كما ذكرت فلا نحب أن يغتال أتباعهم إلا بعد الحجة والصحة وأما أميرهم فإن كان قد دعاه أحد من المسلمين إلى الحق فقتله فقد أحل المسلمون أن يقتل ويغتال والله أعلم. وقال أبو المؤثر: لا أرى قتل الجبابرة ولا قتل أحد من أعوانهم فتكا إلا من بعد الحجة والمناصبة أو يبدأوا بالقتال فيقاتلوا إلا أن يكونوا قتلوا أحدا من المسلمين على دينه فإنه يقتل فتكا من المسلمين على دينهم ويقتل إمامهم وقائدهم إذا قتل بأمره أو بيده أحد من المسلمين على دينهم ويقتل من أعوانه من تولى قتل المسلمين بنفسه وأعان على ذلك.
مسألة: قال أبو المؤثر: وإن سار الجبار إلى قوم يريد ظلمهم فما أرى على الدليل بأسا أن يغويهم حتى يهلك الجبار ومن معه.
مسألة: ومن غيره: وأما الذي دل الجبار على قتل رجل فيقتل أو يضرب بدلالته أو يسلب فمعي أنه قد قيل: إن الدال على شيء من هذا بالباطل ضامن آثم وعليه أداء الحق من ذلك، ومعي أنه يجب على الدال القول إذا قتل بدلالته، وإذا أخبر من يجبر هؤلاء الفاعلين من الظالمين يريد بذلك الدلالة فهو سواء عندي إذا كان على الظلم، وإذا قصد إلى الدلالة على الباطل قصد إليها إلا أنه ناس لما يلزمه فيها أو سهوا عن ذلك فأخاف أن لا يزيد ذلك الضمان عنه وإن كان سالما من الإثم إن كان ناسيا صحيحا في ذلك.
مسألة: عن الأزهر بن محمد بن جعفر فيما عندي وعن الذي يزرع الطوي وله فيها شركاء فأتاه الخارص فأعلمه بالشركاء حتى أخذ منهم فقال من قال: إن ذلك لا يجوز وعليه الغرامة وأما أنا فواقف عن ذلك والقول فيه، والله أعلم.
مسألة: جواب أبي الحواري: وعن رجل يصح عليه أنه بغى على رجل إلى سلطان جائر فأخذ ذلك الجبار شيئا من ماله مثل ثوب أو عبد أو حب أو تمر ثم أخذ (6/167)
صفحة 2021
الرجل للباغي نوعا مثل النوع الذي أخذه له الجبار فعلى ما وصفت فإذا صح ذلك على الباغي بالبينة العادلة كان للمبغى عليه أن يأخذ من مال الباغي ما أخذ منه السلطان لأن على الباغي غرم ذلك، وكذلك إن ناله السلطان بضرب أو جراحة فللمبغى عليه أن يأخذ من مال الباغي أرش ضربه وجراحته، وأما القصاص فلا نرى له قصاصا في ذلك وإنما عليه الأرش والله أعلم بالصواب إلا أن يكون بغى عليه أن يقتل فإذا قتل ببغيه كان عليه القود إلا أن يقبل الأولياء الدية منه فله ذلك.
مسألة: وعن رجل بغى على رجل إلى السلطان فأخذه بغرمه أو بقطع ماله هل على الباغي غرم ما تلف من مال الذي بغى عليه؟ وهل يجوز للرجل أن يأخذ من مال الباغي بقدر ما ذهب من ماله أو يحتج عليه، فإن أنصفه وإلا أخذ من مال الباغي بقدر ما ذهب منه، فنقول: نعم على الباغي ضمان ما أصاب هذا المبغى عليه في نفسه وفي أهله وماله ويحكم بذلك عليه حكام المسلمين، فإن لم يكن حاكم وقدر هذا المبغى عليه أن يأخذ من مال الباغي بقدر ما أصابه من بغيه جاز له ذلك بعد الحجة عليه. (6/168)
صفحة 2022
الباب التاسع والثلاثون
فيمن يدل الجبار على أموال الناس
من الزيادة المضافة عن الشيخ أبي محمد، وقال: من أخذه جبار على أنه يدله على مال رجل فلا يجوز له أن يدله ولو توعده بالقتل وقتله على ذلك، فإن جبره ودله كان عليه الإثم والضمان، ويسمى ظالما، وأما إن عرضه للقتل على أن يعطيه كذا وكذا ولم يقدر على الذي طلبه منه وخاف القتل فأخذ من مال غيره وفدى نفسه من القتل فلا إثم عليه وعليه الضمان، لأن هذا أحيا نفسه من القتل وكان جائزا له ذلك أن يحيي نفسه إذا أمكنه، قال محمد بن سعيد: معي إن كانت الدلالة على النفس حتى قلت أو فعل فيها ما لا يسع من الظلم. فمعي أن الضمان بذلك مما لا يختلف فيه وأشبه ذلك عندي أنه لا يختلف من إثمه وأما القود ومعنى الحدود التي تتعلق عليه بتلك الدلالة في نفسه فأحسب أن بعضا يدرأ عنه ذلك بالشبهة ولمعنى الخبر لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
ويعجبني أن لا يبرأ منه إذا ثبت معنى الجبر حتى يستتاب فإن تاب رجع إلى حاله وإن لم يتب من بعد أن خرج من حال الجبر وأصر على سيئته كان عليه عندي البراءة لهذا المعنى، وأما الجبر على الدلالة على الأموال فإذا أصر إلى حد التقية بما يسعه فيه معنى التقية فدل على ذلك الحال على مال حتى أخذ.
فمعي أنه يلزم بمعنى الاتفاق ضمانا لذلك المال، ويختلف في تسميته بالظلم عندي في بعض القول أنه لا تسعه التقية وهو ظالم، وفي بعض القول أنه يوقف عن تظليمه للشبهة لأنه كان يسعه إذا خاف على نفسه أخذ ذلك المال وفدى نفسه به فإذا كان فداؤه لنفسه بذلك المال الذي كان يسعه عند الاضطرار أخذه وفدى نفسه به (6/169)
صفحة 2023
استحال على حكم التصريح بالظلم إلى حال الشبهة إذا دخل فيما يمكن فيه باطله في معنى النظر، وعندي أنه يخرج في بعض القول أن يكون أخذه على حالته وولايته إلا أنه إنما أتلف في حال التقية ما كان يسعه في حال الضرورة أخذه وفدا نفسه بأخذه وفدى نفسه به إذا لم يكن يقدر على فداء نفسه إلا به، وأما إذا اضطر إليه فأخذه على دينونة وفدى نفسه به لعدم سواه من ماله أو من مال من يسلمه إليه عن رضاه فلا يبين لي معنى الاختلاف في تأثيمه ولا تظليمه، وهو عندي خارج عن حالته التي كان عليها في الحكم من الولاية.
مسألة: من كتاب الأشياخ: وسألته عن رجل مضى به رجل فسأله عن رجل فأرشده عليه وكان المسترشد جائرا فقتل الرجل أو أخذ شيئا من ماله، قال: الضمان على الذي أرشده، قلت: فإن قتله؟ قال: عليه الدية وهو في نفسه دون العاقلة، قلت: فإن كان المسترشد ممن لا يعرف بالجهل والظلم ثم أرشده هذا المسؤول، قال: لا ضمان عليه. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (6/170)
صفحة 2024
الباب الأربعون
في دلالة السلطان وغيره
وسألته عن السلطان الجائر خرج يريد بظلمه أهل قرية أو يجوز على أحد من الناس فطلبوا دليلا يدلهم على مورد ماء أو يطعمهم شيئا من الطعام هل لأحد أن يدلهم على ماء أو يطعمهم شيئا من الطعام؟ قال: لا يجوز أن يدلهم على ماء أو يطعمهم شيئا من الطعام إذا كانوا يريدون مظلمة الناس ولو ماتوا عطشا وجوعا.
قلت له: فإنهم ليس حربا ولا الحرب قائمة بينهم وبين المسلمين غير أنهم خارجون في غزو قرية لظلمهم؟ قال: نعم كذلك إذا كانوا في تلك الحال فلا يطعمون ولا يسقون ولا يدلون على ماء ولو ماتوا عطشا.
قلت له: فإن أطعمهم أو سقاهم أو دلهم هل يكون بذلك ضامنا لما ضمنوا؟ قال: لا وعليه الاستغفار، وأما الضمان فليس عليه ضمان إلا أن يدلهم.
قلت له: فإنهم يريدون ذات مهر فطلبوا من رجل الدلالة إلى كدم وهم إذا بلغوا كدم استدلوا على ذات مهر هل يكون دالا؟ قال: نعم، قلت: ويضمن؟ قال: الدال ضامن، وأرى عليه ضمانا، قلت له: فهل يجوز لرجل أن يملي لهم اسم رجل إذا أمره أن يملي اسمه في الضمان على أهل القرية؟ قال: لا يجوز له ذلك أن يملي اسمه في الضمان ولو أمره بذلك.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري رحمه الله: وعن رجل جبره سلطان وأخذه دليلا على بلد فلما دخل السلطان البلد قتل أهل البلد وأحرق وأراد هذا الرجل التوبة فما خلاصه من ذلك؟ فعلى ما وصفت بأن هذا الدليل يلزمه جميع ما أصاب (6/171)
صفحة 2025
السلطان من ذلك البلد بدلالته من القتل والحرق وجميع ما أصاب السلطان من ذلك البلد وأهله ولا توبة له إلا بأداء ذلك كله ولا عذر له في الجبر، ولا نعلم أن أحدا من المسلمين قال بعذر الجبر في الفعل وإنما قالوا بالعذر في الجبر بالقول، وأما في الفعل فلا نعلم أنهم جعلوا له في ذلك عذرا.
مسألة: ومن الجامع قال محمد بن جعفر: وأعلم أنه ليس لأحد أن يدل الظلمة على المسلمين ولا على أموالهم، ومن فعل ذلك فهو شريك لهم في ظلمهم، وقلت: إن طلب الجبار إلى رجل الدلالة إلى قرية فدله فقتل في أهل القرية وأخذ أموالهم فنقول: إن كان هذا الدليل قد علم أن الجبار يريد أن يقتل أهل هذه القرية ويأخذ أموالهم ظلما ثم دله عليهم وعلى مالهم فهو شريك هذا الجبار فيما حدث فيهم والله أعلم، وإن دله عليهم وهو لا يعلم أنه يريد ظلمهم فقد أساء ويستغفر ربه ونرجو أن لا يؤاخذه الله بما فعل الجبار، وقال أبو المؤثر: في هذا الذي مضى مثل قول محمد بن جعفر، ومن غيره: وأما نحن فلا نرى لأحد أن يدل الجبار على أحد لا يعلم ما يريد منه ولا على قرية لا يعلم ما يريد منها إذا كانت عادة الجبار استباحة الحريم وأخذه الظلم، وطلب الخراج معروف ذلك، والله أعلم. (6/172)
صفحة 2026
الباب الحادي والأربعون
فيمن يلزمه للسلطان شيء وكان السلطان يظلمه ونحو ذلك
وقال أبو سعيد: لزمني تباعة لجابي من جباة السلطان الجائر وسألت أبا عبد الله محمد بن روح بن عربي رحمه الله عن ذلك فقال لي: ألم يكن الجابي يظلم أباك شيئا مما يتقاضاه من الخراج؟ قلت له: بلى، قال: فاسأل أباك أن يكون يجعل لك مما ظلمه ذلك الجابي بقدر التبعة التي عليك وقاصصه، وأظن أن أبا سعيد قال: ففعلت ذلك، وهذا على معنى ما سمعت عنده فتدبر ذلك من نظره بفكرة صحيحة لعلي لم أحسن الوضع، وأما المعنى فأرجو أنه صحيح إن شاء الله.
مسألة: قلت: فالسلطان الجائر إذا خرجوا وتركوا أمتعتهم ما يكون حكم ما في دار أميرهم من المتاع يكون له أم لسائر رعايا عسكره وخاصتهم، قال: الله أعلم بالغيب إلا أنه على ظاهر قولك فما كان منازلهم فهم أولى به إذا كانوا يسكنونها في الحكم بذا السكن.
قلت له: فمن كان ظلمه الأمير بظلم فيما له أو نفسه ثم خرج الأمير ووجد هذا المظلوم في بيت الأمير مالا أيجوز له أن يأخذ منه بقدر ما ظلمه الأمير ويحكم لنفسه في ذلك؟ قال: معي أنه إذا كان في سكنه وحكمه فهو مال له إذا لم يحتمل أن يكون من غير ماله أو مال مماليكه الذين هم له أملاك، وإذا كان مال له فلا يضيق عليه عند عدم الحكم له بماله الذي يستحقه أن يأخذ من ماله بقدر حقه.
قلت له: وكذلك من كانت عليه تبعة لهذا الأمير هل يجوز له أن يجعل له هذا المظلوم جزءا مما ظلمه الأمير ويقاصص هو الأمير بالتبعة بما جعله المظلوم أم لا يجوز؟ قال: أحسب أن في بعض ما قيل: إنه إذا أمن الذي له الحق أنه إذا جعل له ذلك (6/173)
صفحة 2027
وقاصص نفسه من حق الجبار لم يرجع يأخذ من مال الجبار ولا يطالبه به من بعد أن جعله له، ولا يطالب به فأرجو أنه قد قيل ذلك وأحسب أنه في بعض ما يخرج أنه لا يجوز له ذلك ولا يخرج هذا عندي إن كان للآمر حكم الاطمئنان لا حكم القضاء والله أعلم.
قلت له: فالجبار ما ظلم الناس من جباته وولاته وقادته أن يكون ضامنا لما ظلم هؤلاء دونهم أم عليهم الضمان جميعا؟ قال: عندي أن عليهم جميعا كل ظالم في ذات نفسه مما ظلم فهو ضامن، والجبار ما فعل بأمره فهو ضامن فيما عندي أنه قيل.
قلت له: فحكم أمر الجبار أن يجيش إلى القرى لجيوشه والولاية والجباية أنه أمر أم حتى يأمر بلسانه ويقول: أجبوا من الناس وخذوهم بأداء الخراج ثم حينئذ يكون أمرا أم كيف حتى يثبت أنه أمر؟ قال: أما في الحكم الظاهر الشاهر فمعي أنه يخرج أنه أمر إن لم يكن بلسانه فأمر من يأمرون أما في حكم القضاء فلا يبين عندي إلا بصحة ذلك بالبينة في كل شيء بعينه على ما يجري فيه من ثبوت الأحكام عليه عند حكم القضاء. (6/174)
صفحة 2028
الباب الثاني والأربعون
في شكاية عُمان الجبابرة إليهم
وسألته هل تشكو الرعية عمال الجبابرة إليهم إذا تعدوا عليهم وظلموهم؟ قال: اختلف أصحابنا في ذلك فقال بعض: لا يجوز أن تشكو إلى أصحابهم لأنهم يتعدون عليهم ويعاقبونهم بما لا يستحقون من العقوبة.
قلت: فأصحاب هذا القول يوجبون على أهل الشكاية ضمان ما نال العمال من أصحابهم لهم؟ قال: نعم إذا كان يعرفهم بذلك، قلت: ولو لم يزيدوا عليهم في الشكوى على فعلهم وظلمهم إياهم، قال: نعم، قال: وقال قوم: يجوز أن يشتكوا إلى أصحابهم ويرفعوا إليهم جور عمالهم عليهم إذا كان قصدهم في ذلك أن يزيلوا ذلك عنهم ولا يزيدوا عليهم في القول والشكاية ما لم يكن منهم من الفعل الذي يستحقون به الشكوى فما لحقهم من أصحابهم فلا شيء على الشاكي من الضمان، والضمان عند أصحاب هذا القول على من زاد عليهم من الشكاية ما لم يكن منهم في الفعل.
قلت: وإلى من يشكو؟ قال: إلى من هو أعلى منهم يدا وأقوى عليهم أو من يرجع أمرهم إليه. قلت: فهل يجوز لمن هو في القرية من الناس من الغرباء ومن أهل القرية ممن لم يجر عليه منهم ظلم وليس له مال فيلحقه جور منهم بسببه أن يصحب من يشكو ويكون مع الناس وتكثروا به؟ قال: لا.
قلت: أرأيت إن وصل معهم فأخبرهم بما يعلم من هؤلاء العمال من الجور على الرعية على سبيل الشهادة أوجه الاحتساب والغضب لله تبارك وتعالى على نسيان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأرجو أنه قال: إن هذا جائز، قلت: أرأيت إن لم يعلم صحة (6/175)
صفحة 2029
ما يشكو أصحابه من هؤلاء العمال ولم يعلم هو ما يجوز له أن يشهد به ويخبر، وكان في جملتهم ولم يتكلم بشيء هل يجوز له ذلك؟ قال: أكرهه له.
قلت: لم؟ قال: لأنهم يتكثرون به ويكون معينا لهم على فعل لا يعلم صحته إلا أنه قال: أخبرني إبراهيم بن إسماعيل بن هود أن أبا محمد عبد الله بن محمد بن محبوب رحمهم الله أجاز له اتباع أهل لوى في شكاية عاملهم في سلطانهم المولى عليهم ولا يتكلم، ولعله قد عرفه بما قد علم منه.
ويوجد عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله اختلاف في ذلك، والدليل على إجازة الشكاية لهم قول الله تعالى يحكي عن يوسف صلى الله عليه وعلى نبينا محمد حين قال للملك: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} (يوسف:26)، ويوسف - صلى الله عليه وسلم - فلا يقول ما يكون به مأثوما، وقول الله تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ {41} إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} (الشورى: 41 - 42)، وذلك إذا لم يزيدوا في شكايتهم.
مسألة: وذكرت هل يجوز لك أن تشكو أعوان السلطان إليهم؟ فإن كنت تعلم أنك إذا شكوت إليهم عاقبوهم بما يعاقبون به المسلمون من الحبس والقيد والتعزير، وكذلك رد ما أخذوا من الناس عليهم جاز ذلك إن شاء الله.
مسألة: وقلت في جند وقعوا على رجل ظلموه هل يجوز له أن يشكوهم إلى القائد؟ فنعم لأنه ليس يدفع ظلمهم عنه إلا القائد، ولابد لهذا أن يدفع ظلمهم بما وجد من غير أن يرضى بباطل أن صنع فيهم.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: وقال في رجل أحدث على رجل حدثا مثل سرق أو جرح أو غير ذلك من الأحداث وهو في زمان سلطان جائر فشكا ذلك وأذاعه إلى الناس وبلغ ذلك إلى السلطان فأحدثوا على المحدث حدثا يضمن ذلك الشاكي وهو لم يذكر ذلك إلى السلطان غير أنه قد أظهر ذلك بالشكوى؟ فقال: إن كان يريد أن يشكو ذلك أن يبلغ إلى السلطان فهو ضامن لما حدث عليه السلطان، وإن كان إنما شكا ذلك ليكف الظالم عنه ظلمه وينتهي عنه أو لغيره ذلك ولا يريد إذاعة ذلك ليبلغ السلطان فلم نر عليه في ذلك ضمانا. (انقضت الزيادة المضافة).
مسألة: وسألته عن رجل يقتل الناس ويظلمهم فأخذه السلطان فحبسه هل يجوز لأحد أن يطلب فيه ويخرجه من حبسهم؟ قال: إذا كان السلطان حبسه عقوبة (6/176)
صفحة 2030
بفعله، فالسلطان بمنزلة الرعية ليس له أن يحبس، قيل: فجائز أن يخرجه من الحبس بمن طلب فيه، وإن كان السلطان إنما حبسه ليمنعه عن ظلم الناس وقتلهم فليس لأحد أن يطلب فيه ليطلقه على الناس والله أعلم. (6/177)
صفحة 2031
[صفحة بيضاء] (6/178)
صفحة 2032
الباب الثالث والأربعون
في الشفاعة إلى السلطان
وعن رجل من أعوان السلطان أخذه فحبسه أو طلب إليه مالا ظلما هل يسعك أن تطلب إلى السلطان في أمره أن يخرجه من الحبس ولا يأخذ منه ماله؟ فعلى ما وصفت فإن كان حبسه على أن يكلفه ما ليس عليه فلا بأس عليك أن تكلم السلطان في إخراجه من الحبس ولا أن يأخذ ماله، وإن كان قد أخذه جاز لك أن تكلم السلطان في رده عليه، وليس كل ظالم يحل ظلمه، وإنما يدفع ظلم الظالم بالحق.
مسألة: وفي جماعة وصلوا إلى السلطان يسألونه الإحسان فتعونوا برجل يسأل لهم السلطان الإحسان إلى شيء قد سموه له من الخراج والإعشار على مقاطعة قد أرادوها، فقال للسلطان أن يجعله كذا وكذا من الحب، وكذا وكذا من الدراهم مثل ما طلب من حضر من أهل القرية أو أقل من ذلك على وجه النفع لهم ويبين لهم الإحسان بسببه.
قلت: هل يلزمه فيما أخذ السلطان منهم بعد ذلك ضمان من هذه المقاطعة؟ فمعي أنه إذا كان أمر بإثبات شيء من ذلك ولو قل، ولو كان فيه الإحسان كان ضامنا لذلك إذا ثبت بقوله وسببه، وإن كان سأل الإحسان عن شيء مما كان فليس عليه في ذلك ضمان إذا لم يأمر بإثبات شيء، وما أخذ بسبب إثبات ذلك عنه ما دام ثابتا. (6/179)
صفحة 2033
[صفحة بيضاء] (6/180)
صفحة 2034
الباب الرابع والأربعون
في أخذ العطايا من الجبابرة وأخذ ديونهم وما أشبه ذلك
من كتاب (الأحداث والصفات) وخرج معه السفيه عبيد الله بن سعيد فسار بناس من اليحمد فساروا بأخلاط إلى أن بلغوا إزكي فأخذوا فيما بلغنا حبا كان جمعه والي إزكي ووالي إمطي من الصدقة فيما ذكر لنا فأنفقوه على جيشهم مما ذكرلنا فإن لم يكن الصلت معهم إماما لم تزل أمانته وإنما ساروا إليه ناصحين فقد حرم عليهم غلوله وأخذ ما جمعوا إليه، وقد خرج المرداس رحمه الله على عبيد الله بن زياد الفاسق فمر بالمرداس مال للسلطان فلم يستحل أخذه إلا من كان له عطاء من أصحابه، فقد أمرهم بأخذ أعطياتهم ثم خزن المال وختمه وسلمه إلى من كان في يده فقيل: إنهم وزنوه فما نقص منه شيء إلا ما أخذ أصحاب المرداس من أعطياتهم، فقد استحل موسى وأصحابه ما لم يستحل المرداس كيف يستحل المرداس من عبيد الله بن زياد فإن زعم موسى أنه منع المرداس من أخذ المال أنه أصله كان حراما لأنه من جمع الجبابرة فقد جهل موسى على المرداس كيف يستحل المرداس أن يأمر أصحابه أن يأخذ أعطياتهم من مال حرام ولو كان لهم عليه ديون ما استحلوا أخذ ديونهم من المال الحرام بل كان حلالا وما أخذوا أعطياتهم إلا من الحلال وهم كانوا أيسر ورعا وأكثر علما، ومن عابهم فهو أولى بالعيب منهم ما كانوا يستحلون غصب مال من سلطان ولا من غيره، وهذا من خطأ موسى وأصحابه، ولو كان لموسى علم بآثار المسلمين وبصر بسيرتهم لم يستحل ما قد استحله.
وإن زعموا أن الوالي أعطاهم إياه فما كان ذلك جائزا للوالي وهل يجيزون هم اليوم لبعض ولاتهم أن يعطوا جباية ثمرة قرية ولو فعل ذلك لعسى أن يعاقبوه ويعافوا (6/181)
صفحة 2035
من أعطاه لأنه لا يجوز لوالي إمام يدين بطاعته يقوى بما في يده من مال الله من خرج محاربا للإمام ولكن هذا الجهل وقلة العلم، وإن زعموا أن الصلت لم يكن إماما لم يحل لهم أخذ ما جمع ولاته وهم في محاربته كما لم يستحل المرداس أخذ مال السلطان.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري وبلغنا أن المرداس رحمه الله مر به مال من جباية الجبابرة محمولا إلى عدوهم الذي خرجوا عليه فأخذ من المال عطاءه وقال لأصحابه: من كان له عطاء فليأخذ عطاءه ولم يعرض لما بقي من المال.
مسألة: ومن تفسير قصيدة أبي المؤثر: زعمت الشعبية أن عطاء السلطان لا يحل، وقد كان جابر بن زيد رحمه الله يجري عليه العطاء من عندهم في كل سنة ستمائة درهم، وقد كان المرداس رحمه الله مر به مال مرفوع إلى السلطان فقال لأصحابه: من كان له عطاء فليأخذه من هذا المال ولم يستحل قطعة ولا غصبه.
مسألة: وهذا من كتاب عمر بن محمد بن عمرو قال: إن المسلمين إذا ظهروا على سلطان جائر ووجدوا مالا قد كان جمعه قال: إذا صح أنه مما يجمعونه ويحبونه من الناس فأراه للمسلمين حلالا ويأخذونه حتى يعلموا أنه حرام.
قلت: ولو كان السلطان معروفا بجباية الحرام وبأخذ أموال الناس ظلما؟ قال: نعم، وإن وجد مالا لا يصح أنه مما جبوه فلا يعرض له المسلمون، قال: وقيل: إن المرداس رحمة الله عليه اعترض مالا يحمل إلى عبيد الله بن زياد من عند بعض عماله فأخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه وترك الباقي لعله حيث لم يكن أظهر أمره بعد، وإنما أخذ عطاء كان لهم في مال الله.
مسألة: وسئل عن جائزة السلطان؟ قال: لا بأس بجائزتهم ما لم يعلم حراما بعينه أخذها غصبا وظلما والرشوة في الحكم كفر.
مسألة: وجائز أخذ نفقة الجبابرة وما أولهم من بيت مال الله ولا بأس بجائزتهم ما لم يعلم حرامه.
مسألة: وقد أخذ ابن عباس عطايا معاوية وهو عنده ظالم، وقد قبل جابر بن زيد رحمه الله جائزة الحجاج وكان يحبسه ويطلقه فجاز عند المسلمين أخذ ذلك من الجبابرة من حيث لم يعلموا حرامه ولا غصبه. (6/182)
صفحة 2036
مسألة: ولا بأس بالشراء من عند الجند ومبايعتهم بالطعام وغيره، ونحن نأخذ النفقة من السلطان ودراهم وأمرهم في ذلك واحد.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ولا بأس بأخذ جائزة الجبابرة وقبول هديتهم وأكل طعامهم ولبس ثيابهم وركوب دوابهم برأيهم مالم يعلم أن ذلك حرام، فإن علم أن ذلك مما سلبوا من أحد من الناس فهو عليه حرام، وعليه أن يرده إلى أهله، وإن لم يعرف أهله عرفه، فإن لم يقدر على صاحبه تصدق به على الفقراء، فإن جاء صاحبه خيره بين الأجر أو الغرم يغرمه له، والله أعلم.
ومن الكتاب: قال محمد بن جعفر: وسألت محمد بن محبوب عن الذي يولي دبره عن المشركين هل له توبة؟ قال: نعم يستغفر ربه.
قلت: هل يجوز للمسلمين أن يأخذوا من الجبابرة الظلمة العطاء والنفقة وما أولوهم من بيت المال؟ قال: نعم، قال أبو المؤثر: في هذا الذي مضى مثل قول محمد بن محبوب رحمه الله.
مسألة: وعن أبي الحسن وعن الرجل يدخل في عمل السلطان يعطونه على عملهم أجرا، قلت: هل عليه إذا أراد التوبة أن يرد ما أخذ منهم إذا كان الذي يعطونه على القيام والعون لهم في مظالم العباد؟ فقال: إن كان هذا الرجل مستحلا لما دخل فيه فليس عليه رد ما أخذ وعليه التوبة من ذلك، وإن كان محرما للدخول في عملهم والنصر لهم في مظالم العباد كان عليه رد ما أخذ من هذا السلطان وذلك مثل النائحة إذا أرادت التوبة كان عليها رد ما أخذت إذا قوطعت على ذلك، وأما إذا أعطيت النائحة بغير شرط فإنما عليها التوبة ولا رد عليها لما أخذت على من أعطاها، وكذلك هذا الرجل الداخل في عمل هذا السلطان إن كان دخل في عملهم وقطعوا له على ذلك العمل أجرا وهو يرى في دينه أن ذلك العمل الذي دخل فيه حرام، وقد قطع السلطان لهذا الرجل على هذا العمل أجرا مسمى ثم أراد التوبة فعليه رد ما أخذ من هذا السلطان من ذلك الأجر، وأما ما أعطاه السلطان بغير أجر معروف ولا شرط معروف فإنما عليه رد ما أخذ من العباد المظلومين، وليس عليه رد ما أخذ هذا من السلطان إذا كان إنما أخذ يغير شرط ولا أجر مسمى.
قال غيره: وهذا معنا في الحكم في بعض القول، وفي بعض القول أنه إذا كان الدخول في الديوان إنما هو على الظلم للعباد والمعونة على ذلك فأخذ على ذلك أجرا (6/183)
صفحة 2037
وأخذ ذلك الأجر على الدخول في الظلم والمعونة على الظلم فعليه رد ذلك.
ومن غير الكتاب والإضافة إليه: مما وجدته من آثار المسلمين في قبول الهدية وأخذ العطاء من الجبابرة وغيرهم، قال محمد بن جعفر: لا بأس بأخذ جائزتهم يعني الجبابرة، وقبول هديتهم وأكل طعامهم، وركوب دوابهم، ما لم يعلم أن ذلك حرام، وهذا قول أبي المؤثر، وقيل عن ابن عباس كان يأخذ العطاء من عند معاوية ابن أبي سفيان، وقيل: إن جابر بن زيد كان يأخذ الجائزة من عند الحجاج بن يوسف.
فإن قال قائل: إنما يجوز هذا من عند الجباية والمشهور بالظلم، وأما من عند من يتسمى بالإمامة وهو من عند من يأخذ عطاءه أنه غير إمام أو واقف عنه سريرة فلا يجوز له أخذ عطائه ولا قبول هديته لأنه فيه يخاف وقوع الوهم أنه إمام عدل وأنه على الحق والصواب؟ قيل له: قد قيل إن عثمان بن عفان كان إماما وأنه سار بالحق والعدل ست سنين ثم بدل من بعد ذلك ست سنين، وقيل: إن أحداثه لم تكن من قبل شاهرة وإنما كان يعرفها من الخواص ثم شهرت أحداثه من بعد ما خلا ما شاء الله من الزمان، وقيل: كان المسلمون يأخذون أعطياتهم من عنده ولم نسمع أن أحدا من المسلمين امتنع من أخذ العطاء من عنده من قبل أن تشتهر أحداثه ولا بعد أن اشتهرت ولا بعد أن اشتبهت، ولا نعلم أن أحدا من المسلمين عاب ذلك ولا أنكره، وإنما قيل: إنهم عابوا على عثمان وعددوا عليه جملة أحداثه ومساوئه قطعه عطاء من قطع عليه من المسلمين.
وقيل: إن عثمان كان قد قطع على عبد الله بن مسعود عطاءه حتى مات عبد الله بن مسعود، وقيل: إن الزبير بن العوام كان قد قضى ابن مسعود وأنه قبض من عثمان عطاء ابن مسعود الذي كان قطعه عليه وإنه كان يزيد على عشرة آلاف درهم، ولا نعلم أحدا من المسلمين عاب ذلك على الزبير ولا أنكر عليه، فإن احتج محتج بما يوجد في الأثر، ولا أحب لأحد قبول هدية من يتولاه ولا يجاب إلى طعامه في موضع إذا كان يتوهم أنه يتولاه، قيل له: إنما قال لا أحب ولا أعلم أنه قال لا يجوز، ولا يسع ولأنه حرام، وطريق الاستحباب والتنزه والاحتياط غير طريق اللازم في المحرمات والمحجورات، ويقال له أيضا عادة الناس الأكل من عند أرحامهم وجيرانهم وأصحابهم ممن لا يتولونهم ممن هو مشهور باطله وغير مشهور باطله أو يتوهم الولاية أو لا يتوهمها، ولا نعلم أن أحدا من المسلمين قال إنه حرام، ولو كان لا يجوز لأحد أن يقبل هدية ولا يأكل طعاما من عند من لا يتولاه إذا كان المهدي والمطعم يتوهم أن القابل لهديته (6/184)
صفحة 2038
والآكل لطعامه يتولاه ضاق ذلك على كثير من الناس، ولعل تحريمه كان شاهرا معروفا لكثرة البلوى به من الناس.
ولعل الذي يوجد في الأثر مما تقدم ذكره إنما هو على نحو ما يوجد أيضا لا يؤخذ عطاء الجبابرة ولا يذكرون إنه إذا كان الجبار يتوهم أنه يتولاه، ولعل هذا كله من وجه التنزه والاحتياط ومن وجه التحريم، وقد قال الله تعالى: {وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ} إلى قوله: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ} (النور:61)، ولم ترد الآية بذكر ولي ولا غير ولي ولا من يتوهم الولاية ومن لا يتوهمها، ولا من هو مشهور باطله ولا جبار ولا إمام عدل، ولا من هو موقوف عنه، والنص إذا ورد عاما فقيل إنه على عمومه ولا يخص إلا بحجة، ومن ادعى فيه التخصيص كان عليه إقامة الدليل، وإن كان كثير من المسلمين وأهل الزهادة والفضل منهم يستعملون الانقباض عن الناس ويجتنبون أخذ عطيتهم من أوليائهم وغير أوليائهم من طريق التنزه والاحتياط والأخذ بالفضل لا من وجه التحريم، لأن اجتناب المطامع والعزلة عن الناس والانقباض عنهم أسلم وأحوط وأنزه غير أن طريق التنزه والاحتياط غير طريق اللازم في المحجورات وللمسلمين درجات بعضها فوق بعض، وإن كان الكل منهم على الحق في المحجورات والصواب. (6/185)
صفحة 2039
[صفحة بيضاء] (6/186)
صفحة 2040
الباب الخامس والأربعون
في الجن وإبليس لعنه الله
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ذرية إبليس أكثر من ذرية آدم»، وقال: «الملائكة أكثر من ذرية إبليس»، وقال: «والدجال من ولد آدم وأمه من ولد إبليس وهم على دين اليهودية». والله أعلم.
وعن الجن هم من ولد إبليس أم لهم أب سوى إبليس؟ فمعي أنهم ولد إبليس فيما سمعنا، وأنه قيل لا يولد ولد من ولد آدم إلا ولد مثله من ولد إبليس، قال من قال: سبعة أجزاء، وقال: عشرة أجزاء، ولعل أكثر القول يدور على عشرة أجزاء، وكذلك قيل: لا يموت المولود إلا مات من أولئك الذين ولدوا لولادته وولد إبليس وولادته من ولد إبليس، ولم نعلم أنه معمر معه من ولده أحد إلا هو والأبالسة والشياطين ليس فيهم أحد مطيع على ما قيل وإنما الصالحون من الجن.
مسألة: ومن جواب أبي سعيد: وعمن أخطأ من قال: إن الجن يرون ما حاله، قال: فيعجبني الإمساك عن هذه المسألة وإغلاق أمرها وترك التكلف فيها، وقولنا فيها قول المسلمين ومن جوابه: ومن قال: إن الجن يتصورون في صور الدواب فمعنا أن ظواهر الأخبار أن الجن قد يكون منهم ذلك يتشبهون بصورة الإنس والدواب والطير، وأنهم يطيرون على معنى الطير في معنى صور الطير والله أعلم بذلك، ولا معنى يدل على عدم ذلك لأن الله يفعل ما يشاء في خلقه وبخلقه ولخلقه، وكذلك قد يروى هذا في بعض الإنس ممن يضاف إليه السحر ممن يكون منهم نحو هذا، وليس ذلك عندي بمعدوم من الإنس كما ليس بمعدوم من الجن ولا فيهم إلا أنا لسنا ممن يدعي ذلك على الحقيقة ولا يتقيه على الحقيقة إلا أن يثبت ذلك معنا.
مسألة: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ذرية إبليس أكثر من ذرية آدم، والملائكة أكثر (6/187)
صفحة 2041
من ذرية إبليس»، قال: «والدجال من ولد آدم وأمه من ولد إبليس وهم على يدن اليهودية» والله أعلم.
مسألة: من الحاشية: وسألت عن القول في المؤمنين من الجن ألهم ثواب كثواب الآدميين أم لا؟ الجواب: فنعم لهم الثواب كما للمؤمنين من الجن والإنس، والعقاب للكافرين من الجن والإنس، والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة: وسئل عن إبليس أكان من الملائكة؟ قال: لا، لم يكن من الملائكة، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وإنما ذكر الله في كتابه أنه كان من الجن ولأنه خلقه من نار السموم، ولا يجوز لأحد أن يقول إن أحدا من بني آدم يرى إبليس لأن الله تبارك وتعالى قال: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} (الأعراف:27)، والملائكة فإنما خلقهم الله من الريح كما أن بني آدم أصلهم من الطين.
قال المضيف: قد وجدت في إبليس اختلافا فمنهم من زعم أنه من الملائكة واحتج بقول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} قالوا: لولا أنه منهم ما استثنى منهم وقالوا (الآية) إنه كان من الجن ولاستكباره عن السجود لآدم، ومنهم من قال: إنه من الجن، واحتج بالآية: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ}، ويقول الله عز وجل: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم:6)، والله أعلم.
مسألة: من كتاب الأشياخ: عن إبليس والعباد كيف يظفر بالعباد من المشرق إلى المغرب، قال: قد ذكر الله أن له قبيلا وهم أعوانه، وقد سمى الشياطين أعوانه، قلت: وهل على الجن له دخول وسلطان كما على الإنس؟ قال: العصاة كلهم له عليهم السلطان، فأما القرآن فلم يأت بفرق ذلك.
مسألة: وعن القول في الدجال أحق أم باطل؟ قال: لم يجيء في كتاب الله له شيء يعرف به وأما الأحاديث والروايات فقد جاءت به وذلك ما لم يتعبدنا الله فيه بشيء يجب علينا علمه والعمل به إلا البراءة من كل ظالم سمعنا به ونحن دائنون لله بالبراءة من أهل تلك الصفة، والدجال مما يسعنا جهله إلى أن نعلم أنه حق أم باطل، وقولنا فيه قول المسلمين، والدجال من الجبابرة الظالمين إن كان حقا، وهؤلاء الجبابرة الدجاجلة، والمفارقة لهم واجبة، ولا ندري ما يأتي الله في عصرنا ولا بعدنا وذلك إلى الله، والناس مختلفون فيهم فأنكره قوم وأثبته آخرون. انقضت الزيادة المضافة (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (6/188)
صفحة 2042
الباب السادس والأربعون
في الساحر والساحرة
وعن رجل سحر امرأة حتى وقع عليها فأخبرك أن معاوية كتب في ذلك إلى المدينة وأجمع رأي ابن عباس وابن عمر على قتل الساحر وتترك المرأة، ومما يوجد عن جابر بن زيد رحمه الله، وعن رجل أدرك امرأة بها الضبع ما يصنع الرجل بامرأته هل يرثها ولا ترثه إذا حرمت عليه.
مسألة: وعن رجل رأى امرأة على ضبع هل يحل له أن يتزوجها؟ قال: لا، قلت له: فهل يحل له قتلها؟ قال: لا أرى ذلك، قال غيره: الله أعلم. ولا يصح بركوبها الضبع أنها ساحرة فتحرم عليه إلا أنه إن ترك ذلك تنزها فحسن وهو موضع تهمة.
مسألة: ومن جواب العلاء بن أبي حذيفة وسألته عمن أظهر سحره هل يحل قتله فيحل دم من أشرك بالله وقتل بسحره، وسألت عن امرأة يركبها الضبع هل يحل دمها؟ فإنه لا يحل دمها، لأنه ربما حملت عليه كرها.
مسألة: قال أبو سعيد يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اقتلوا الساحر والساحرة» فاختلف أهل العلم في تفسير ذلك، فقال من قال: إنه يقتل الساحر والساحرة إذا صح عليهما ممن كان من أهل الشرك أو من غيرهم من أهل الإقرار، وقال من قال: لا يقتل إلا أن يكون من أهل الشرك، وقال من قال: من أهل الشرك والمجوس.
مسألة: وعمن خطأ من قال ما في الدنيا سحر ما تكون حالته؟ فلا أعلم معنى في كتاب الله ولا سنة ولا إجماع يدل على خبر يثبت أن السحر موجود في وقت من الأوقات، وفي شخص بعينه ولا في مجمل ولا يوجب نفي ذلك وعدمه والمتكلف لإثبات ذلك أو لنفيه عندي متكلف بما لا يدركه بصحة دليل إلا أنه نفا أنه لا سحر (6/189)
صفحة 2043
كان بذلك عندي مبطلا.
وإن قال: إنه لا سحر اليوم كان بذلك مقلدا بما قال، فإن خطأ من قال إنه سحر فعندي إنه مبتدئ بالتخطئة لما لا حجة له فيه وهو أولى بالتخطئة إذ يوجب الخطأ بالتخطئة على ما هو أولى بها منه في ظهور معاني ثبوت ما يستدل به على أن السحر قد يثبت في الناس وما يثبت فيهم لا يزول عنهم إلا بدليل يوجب ذلك. (6/190)
صفحة 2044
الباب السابع والأربعون
في الطيب وما أشبه ذلك
وسألته عن امرأة سقطت في بئر هل لرجل أجنبي أن ينحدر عليها فيخرجها؟ قال: نعم هذا موضع الضرورة ويخلصها كيف أمكنه ذلك؟ قلت: فلو عسر عليها الميلاد أكان يجوز له أن يولدها إذا عدم من النساء؟ قال: لا.
مسألة: قال أبو سعيد: في المرأة إذا كان معروفة بشيء من مداواة العلل للناس معي أنه لا يجوز لها أن تمس الرجل إلا من ضرورة إلا أن لا يوجد غيرها ممن يحسن ذلك إذا كانوا غير محارم لها، قال: قد قيل إن الرجل يباح له من المرأة من المس والنظر ما لا يجوز للمرأة من الرجل لأنه يجوز له اللمس والنظر إلى وجهها وكفيها ما لم يكن بشهوة، وقال من قال لا يجوز إلا لمعنى، وأما النظرة المشهوة والمس لا يجوز ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من الله الداء فتداووا عباد الله» وإنه دخل على مريض يعوده فقال عليه السلام: «إن الله لم ينزل داء إلا وأنزل له دواء»، العليل يهوى شيئا قبل أن يموت وكذلك السراج يشتد ضوؤه قبل أن يطفأ وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى المرأة أن تملأ عينها من الرجال إلا لمعنى.
مسألة: أحسب عن أبي سعيد وسألته عن المرأة البالغ هل يجوز للحجام الصبي أن يحجمها وهو كغيرها؟ قال: معي إنه إذا كان صغيرا لا يعقل عورات النساء وبرئت من الشبهة على ذلك، قلت له وكذلك الصبية يحجمها البالغ هل له ذلك؟ قال: معي إنه قيل إذا كانت لا تشتهى ولا تستتر وبرئ هو من الريبة والشهوة فكان يجيز له وكأني رأيته يجعله هو أشد من المرأة البالغ والصبي على معنى قوله.
مسألة: وعن المرأة انكسرت وكرهت أن يداويها رجل، فأمرها أن يداويها رجل (6/191)
صفحة 2045
إن لم تجد امرأة، وقال: ليس على المضطر جناح، وعلى الماخض إن استطاعت أن لا تنظر إليها القابلة فلتفعل إلا أن تضطر إلى ذذلك.
مسألة: ومن الأثر: حدثنا أبو علي رحمه الله أن امرأة جابر بن زيد رحمه الله عناها وجع في كبدها فإنها أرادت أن تكتوي في ذلك الموضع فأبى عليها جابر وكره ذلك، وإن جابرا خرج إلى موضع ثم رجع فإذا المرأة قد عوفيت، فقال جابر: فعلت؟ قالت: نعم، وإن جابرا هجرها وخرج إلى مكة وخرجت امرأته أيضا، وإن المرأة أتت ابن عباس فشكت هجر جابر لها فأرسل ابن عباس إلى جابر فقال: ما فعلت هذه المرأة؟ فقال: هذه لم تتوكل على الله، وقد فعلت ما فعلت، وقال الله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} قال: ثم وقف جابر فقال ابن عباس لجابر: أتم الآية، قال: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} (الطلاق:3).
مسألة: وعن المرأة تحتاج إلى قطع العرق هل يجوز لها أن تبرز للطبيب شيئا من بدنها حتى يمسه بيده أو يداويها، فقد أجازوا ذلك ويكون ذلك بحضرة زوجها ووليها.
مسألة: وعن امرأة عرض لها وجع قريب من فرجها هل يجوز لها أن تريه الطبيب فيداويه؟ قال: نعم، قال أبو عبد الله: يخرج ذلك الموضع وحده ويعالج والولي معها وإن تولى ذلك الولي فهو أحب إلي.
مسألة: وعن المطبب إذا قطع لرجل عرقا فمات المقطوع له العرق أعلى المتطبب ديته؟ قال: إن زاد على ما يقطع الناس فعليه الدية وإن لم يزد فلا دية عليه، قلت: فإذا قال ورثة الميت إنه قد زاد أكثر مما يقطع الناس، وقال هو: لم أزد أكثر مما يقطع الناس، القول في ذلك قول من قال من القول قوله وعلى ورثة الميت البينة أنه زاد أكثر مما يقطع الناس، وكذلك لو قال المتطبب إنه لم يمت، وقال ورثته: إنه مات أن عليهم البينة أنه قد مات، وكذلك إن قال إنه لم يقطع شيئا، وقال ورثته: إنه قطع له أن عليهم البينة أنه قطع له وعليه اليمين، قيل له: وكذلك إن سقاه دواء فمات، قال: إذا سقاه دواء يعرف فلا ضمان عليه، وإن سقاه دواء لم يعرف فعليه ديته.
مسألة: ومن الأثر: عن رجل يداوي ويغمر الحلق، قال: لا يغمر الحلق فإنه كان ينهى عن ذلك.
مسألة: وإذا قطع المطبب لرجل عرقا فمات المقطوع له العرق فإن زاد المتطبب على ما يقطع الناس فعليه الدية، وإن لم يزد فلا دية عليه، وإذا قال ورثة الميت: (6/192)
صفحة 2046
تقدم القول فيها.
مسألة: وإذا استأجر الرجل أجيرا فليس عليه ضمان ما هلك وزعم عفير أن جابرا دخل على طبيب وابنته توجع كبدها فأخذت تذكر له وجعها، قال لها الطبيب: وما علمي في كبدك حتى تستلقي فأمسها وأنظر، فقال جابر: صدق استلقي فاستلقت فمس كبدها من وراء درعها ونظره.
مسألة: من الزيادة المضافة: قيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لسعته عقرب فدعا بملح وماء وجعل يمسح على موضع اللدغة ويقرأ المعوّذتين وقل هو الله أحد فاتخذها الناس رقية العقرب، وكان إذا اشتكى المعوذتين ونقل فيها ثم ردها على وجهه قالت عائشة: جمع وما كان يشتكي شيئا إلا فزع إلى الحجامة (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: ومن جواب موسى بن علي إلى هاشم: سألت عن رجل له أخت تسحر وتصيح وأنه جعل لرجل خمسين درهما على أن يعالجها حتى تصح من ذلك الذي يعنيها وأنه عالجها في ذلك الوقت الذي أصابها فصحت وقامت ثم إنه راجعها الذي كان يعنيها، وأن الرجل طلب حقه، وقال: إنها صحت في الوقت الذي كان عنها فيه وأنا آخذ حقي، وقال أخ المرأة: فليس لك شيء حتى تصح وتبرأ مما كان يعنيها، فعلى ما وصفت فما أقول إن للرجل شيئا حتى تصح المرأة وتبرأ مما عناها والله أعلم. وإن اختلف القوم فالحق يسعهم.
مسألة: وفي امرأة تداوي الناس وترفع لهم حلوقهم قال أبو سعيد: فمعي أنه لا يجوز ذلك على حد الاضطرار إلى ذلك منها، قلت: وما يجوز لها أن تمسه من الرجال في حال التداوي عند الاضطرار أو غير الاضطرار، فمعي أنه لا يسعها أن تمس من غير ذات محرم منها شيئا من بدنه إلا لمعنى الاضطرار إلى ذلك ومسه لوجهها وباطن كفها لمعنى من غير شهوة معي أهون من مسها هي ذلك منه.
مسألة: من الزيادة المضافة: ويوجد عن أبي المؤثر رحمه الله أنه قال: أربع نفخات مكروهات: نفخة في الطعام، ونفخة في الشراب، ونفخة في الرقية، ونفخة في الصلاة، قال غيره: وسمعت قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جعل شفاء أمتي في ثلاث: في شرطة من حجام، أو آية من كتاب الله، أو تفلة من راق»، معنى الرواية ليس اللفظ بعينه فينظر في هذه التفلة مأمور بها في معنى الرواية إن صحت ومكروهة في الرواية التي عن أبي المؤثر، فالله أعلم بذلك. (انقضت الزيادة المضافة). (6/193)
صفحة 2047
[صفحة بيضاء] (6/194)
صفحة 2048
الباب الثامن والأربعون
في الختان والحجام والمتطبب كان حرا أو عبدا
وروي عن إبراهيم عليه السلام أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة، وقال قوم: مائة وعشرون سنة، واختتن ابنه إسماعيل وهو ابن سبع عشرة سنة، واختتن ابنه إسحاق وهو ابن ثمانية أيام، وكذلك في يوم واحد، والله أعلم.
مسألة: وأما الذي حلق لرجل رأسه برأيه فجرحه، معي أنه قد قيل: ليس عليه ضمان إن لم يتعد فعل مثله، وكان ذلك هو اجتهاده، ومعي أن بعضا يلزمه الضمان في ذلك، ويكون بمنزلة الخطأ، وكذلك الصبي واليتيم والعبد إذا فعل ذلك في الأصل بشيء يسعه في الأصل ولم يتعد مثل ذلك، وكذلك الحجام إذا أختن صبيا بوجه يسعه فأصاب منهم مثله وإنما قطع مثلما يقطع مثله ولم يتعد القلفة ومات فليس عليه في ذلك ضمان خطأ وإن عمدا، وإن تعدى ذلك خطأ كان ضامنا لذلك على وجه الخطأ، وإن كان عمدا كان على سبيل العمد، وكذلك المتطبب إذا فعل في الأصل ما يسعه ولم يتعد فعل مثله فهو مثل الحجام، وأما فعله ذلك في العبد برأي سيده فذلك جائز وهو بمنزلة الأحرار، وأما إن كان بغير رأي سيده وكان يمكن أخذ رأي سيده في ذلك فليس له ذلك عندي وهو ضامن فيما أحدثه من ذلك، وأما الصبي فيكون ذلك برأي والده، واليتيم برأي وصيه أو وكيله أو وليه إن أمكن في ذلك مشورتهم، وإن خيف الضرر عليهم في ذلك وفعل بهم ذلك رجوت أن ذلك جائز إن شاء الله إذا خيف الضرر ولم تكن المشهورة ويكون كما وصفت لك إن شاء الله. ومن أبصر ذلك وكان عالما به أو كان إنما يفعله بعلم كما يفعله المتطبب بعلم فهو بمنزلة المتطبب، وإن كان بغير علم لم يسعه ذلك وكان ضامنا فيما عندي أنه قيل.
مسألة: والذي طلب من يغمز له بدنه فغمز له فكسر منه ضلعا أو كسر منه (6/195)
صفحة 2049
شيئا من أعضائه فمعي أنه إذا لم يتعد في ذلك إلى غير فعل مثله في مثل المغموز له من ضعفه وقوته، ولا ضمان عليه في بعض القول لأن ذلك كان له محتاجا، وقيل: يكون خطأ على العاقلة لأنه لم يؤذن له بالكسر وإنما أذن له بالغمز.
مسألة: وعن الحجام إذا حجم إنسانا أو قصه فأعطاه قليلا أو كثيرا ثم قال له: مضيت، قال: نعم وهو مملوك بالغ أو صبي هل يجزيه ذلك؟ فلا يبين له أنه يجزيه ذلك؟ إلا أن يعطيه أجر مثله في المتعارف في البلد أو في موضعه ذلك من في البلد أو يكون حرا بالغا ويرضى عنه في ذلك بشيء قليلا كان أو كثيرا أو يبرئه من ذلك فذلك جائز عندي في ذلك.
وقلت: إن أراد أن يحجمه فشاور عليه كم يحجمه ثلاثا أو أقل أو أكثر، فقال: بشيء هل يكون مقاطعة؟ فأرجو أن هذا لا يقع موقع المقاطعة وإنما هذا عندي شيء يتفقان عليه مما يصنعه له من صنع مثله فيما يختلف الناس في صنع مثله من قلة ذلك وكثرته من غير مقاطعة على شيء من العمل بشيء من الأجر.
مسألة: وعن المقاطعة أهي حرام في الإجماع؟ قلت: إن في ذلك اختلافا فالله أعلم، وقد قيل: إن مقاطعة الحجام من السحت، ولا أدري من أي وجه جاء ذلك ولا يبين لي فيه حرام من وجه يصح في النظر إلا ما قد قيل فالله أعلم.
وقلت: إن كان حراما من أحد الوجهين فذلك على الحجام خاصة أم عليهما جميعا؟ فمعي أنه يخرج إذا كان ذلك حراما ولا يبين لي إلا أنه عليهما جميعا لأن مطعم السحت مثل آكله بذلك جاء الأثر، وقلت: إن كان عليهما جميعا فكيف يصنع هذا الذي قد حجمه أعليه شيء أم لا؟ فمعي أنه إذا لم يكن صار إليه من مقاطعته أكثر من أجر مثله فإنما أحب لهما التوبة من دخولهما في المقاطعة على الجهالة من العمل، وإن وقفت مقاطعتهم على أكثر من أجر المثل لم أحب للحجام أن يأخذ ذلك على سبيل المقاطعة، ولم أحب للمحتجم أن يسلم ذلك إليه على سبيل المقاطعة، وإن أعطاه ذلك عما يلزمه من أجرته لم يضق عليه ذلك عندي، وإن سلمه إليه على سبيل المقاطعة أحببت له التوبة من ذلك وإعلامه بكراهية ذلك، فإن رد عليه ذلك الفضل عن أجر مثله كان ذلك أحب إلي لهما، وإن لم يفعل لم يضق ذلك عندي على المحجم ولو أقطع على الحجام بأنه أكل السحت بذلك.
وقلت: إن كان الحجام مملوكا بالغا أو صبيا فاستحل مولاه فأحله مما يلزمه من حق إلى قيمة تأتي على أجر الحجام ولم يعلمه به أو أعلمه هل يجزيه؟ فمعي أنه يجزيه ومال العبد لسيده إلا أن يكون الحجام مخروجا من سيده بضريبة على شيء من عمله (6/196)
صفحة 2050
برأي سيده، فلا أحب أن يبرأ السيد إلا من قدر صحته من أجرة العبد من جملة الضريبة ولا يبرأ من حصة العبد التي قد أخرجه له ورضي له بها وسقط بها حق نفقته وكسوته.
وقلت: إن كان هذا يدل على سيد الحجام مثل ذلك أن لو أخذ ذلك من ماله مثله أو يحجمه الحجام فاعتقد أنه قد أخذ ذلك من ماله، وقد أبرأ نفسه مما يلزمه له من حق هل يكون قد برئ؟ فمعي أنه إذا كان مثل ذلك الذي فعل في ماله من البراءة والمقاصصة يخرج معه في حكم الاطمئنان أنه يرضي رب المال وتطيب نفسه له بذلك فأرجو أن ذلك جائز في حكم الإدلال.
وقلت: إن كان معه لو أنه أخذ من ماله ذلك لطابت نفسه به وأما على هذا فلا يدري هل له أن يبرئ نفسه منه بلفظ أو يعتقد حتى يعلم أن نفسه لا تطيب به؟ فمعي أنه لا يجوز ذلك حتى تطمئن نفسه ويسكن قلبه إلى أن رب العبد يرضيه ذلك وتطيب نفسه به خاصة أو بمثله من ماله على سبيله ذلك وأما على الريب في ذلك فلا.
وقلت: ولو استأذنه في استعمال عبده أو دل عليه فيه كان هو يعمل معه شيئا إلى أن سدعه سدعة آلمت العبد فيما مع هذا هل يكون سالما من هذه الساعة؟ فمعي أنه إذا كان السدعة مما لم تؤلم فليس في ذلك إدلال، ومعي أنه ضامن للسيد إلا أن يخرج معه في الإدلال أن تطيب نفسه إن أبرا نفسه من أرش ذلك فأبراها على ذلك فأرجو أنه يسعه.
وقلت: إن كان السدعة خطأ هل يكون سالما؟ فمعي أنه يلزمه ضمان ذلك في حكم ما يلزم من أرش الخطأ في أحكام الأرش في ماله لأنه ليس في العبد عقل، والعقل هاهنا الدية وهو بفتح العين.
وقلت: إن كان يلزمه له شيء فكم هو؟ فالله أعلم والسدعة يختلف أحكامها فربما وقعت موقع الضربة، فإذا كانت كذلك في النظر فلها أرش الضربة وإن أثرت فلها نصف سدس عشر الدية وإن لم تؤثر فلها ربع سدس عشر الدية، وفي العبد مثله من قيمته، وفي الوجه مضاعف ذلك ويكون لها إذا أثرت في الوجه سدس عشر عشر الدية، وإذا لم تؤثر فنصف ذلك، وفي العبد مثل ذلك من قيمته، فإذا كانت دون الضربة في النظر سميت في الحر سوما ثم كان في العبد مثله من قيمته، والحر مثل العبد في ذلك عندي كان في عمل بأجر أو بغير أجر، ولا تختلف أحكام السدعة، لأن السدعة (6/197)
صفحة 2051
غير مباحة كإباحة العمل بأمر العامل أو سيد العبد، ولا يجوز الإدلال عنه استباحة السدعة ولكن إن لزم في ذلك حق من أجل الأرش من السدعة أو غيرها فخرج من حكم الدلالة إباحة ذلك بينهما أن لو أبرأ نفسه من ذلك لطابت بذلك نفس رب المال من سيد أو حر في ذات نفسه، فأرجو أن ذلك جائز على هذا الوجه، ويعجبني أن يبرئ نفسه باللفظ ولا أحب أن يدع ذلك على الاعتقاد لأنه معنى حق قد لزمه ولا يتحول عنه إلا بأداء أو حل من ربه أو منه هو على ما يقوم مقام الحل من ريع بحكم الدالة عليه فيه يرضى به.
مسألة: وقيل في الحجام المملوك إذا كان خارجا بحرفته في السوق أو في القرية فذلك حكمه حكم الخروج لتلك الضيعة التي هو فيها ولمن أراد أن يستعمله ويعطيه أجره، وقيل: إذا كان مخروجا للصياغة فعمل عملا لا يحتاج فيه إلى إنفاق من العامل والمعمول له جاز ذلك من المملوك على هذه الصفة.
مسألة: وعن ابن عباس سئل عن كسب الحجام؟ فقال: احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعطى أجر الحجام ولو كان حراما لم يفعل، عن أنس أنه سئل عن كسب الحجام فقال: احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام وكلم أهله أن يخففوا عنه.
مسألة: وعن حجامة المرأة للرجل هل تجوز؟ فمعي أنه لا يجوز إذا كانت حرة غير ذات محرم منه إلا من ضرورة، وكذلك إذا كانت مملوكة ومولاها مبرزها للحجامة هل يجوز أن تحجم الرجال؟ فمعي أنه إذا برئ من الشهوة وسوء النية فالأمة أرخص فيما قيل.
مسألة: وعن الحجامة تحجم الرجل فما أحب إلينا أن تحجمه إلا من ضرورة وليحضرها من حضر.
مسألة: من الزيادة المضافة ما عرفت في حجامة الظهر كراهية وحجامة الجمعة فوجدت فيها نهيا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم وجدت عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله كان يضعف النهي عن ذلك.
مسألة: رفع إلي أن من اختتن ثم نبتت الجلدة حتى وارت الحشفة أن عليه أن يختتن ثانية والله أعلم. (انقضت الزيادة المضافة). (6/198)
صفحة 2052
الباب التاسع والأربعون
في دواء المجانين والزائلي العقل
وفي ذاهب العقل من المجانين وغيرهم إذا وصف له شيء من سعوط الأدوية أو شربها هل يجوز لأحد أن يفعل ذلك أو يترك ذلك أسلم؟ قال: معي أنه إذا لم يكن دواء معروفا بأنه ينفع ولا يضر ويتعارف ما ذلك بلا شك فيه فترك الإقدام عليه أحب إلي ما لم يتبين له صوابه وعدله؟ قيل له: وكذلك إذا عرض لذاهب العقل مرض من جهة هذا السعوط أو من جهة هذا الدواء الذي يرجى له نفعه، وقد عولج به بغير رأيه وإنما عولج برأي وليّه هل المعالج هاهنا ضامن؟ قال: معي أنه إذا كان هذا الدواء معروفا بالنفع بلا مضرة فلا شك في ذلك، والمعالج له بذلك من أهل المعالجة معروف بذلك أهو ممن يحسن ذلك ويعرفه ولم يتعد فعل مثله في ذلك فأرجو أن لا ضمان عليه في مثل هذا إذا كان على ما وصفت، وكذلك هل يجوز للراقي أن يربط إبهامي ذاهب العقل بغير رأيه لشيء من معالجته ترجى بذلك صحته؟ قال: معي أنه إذا كان متعارفا أنه مما يدرك به النفع له في معالجته بلا مضرة له في جسده جاز ذلك إن شاء الله إذا جازت معالجته وكان فيها النفع له. (6/199)
صفحة 2053
[صفحة بيضاء] (6/200)
صفحة 2054
الباب الخمسون
في شرب المرأة الدواء وهي حامل وأن تسقي ولدها الدواء
ومن جواب أبي الحواري رحمه الله وعن المرأة سقت ابنها دواء فمات من ذلك الدواء، ولم ترد به إلا الشفاء فما يلزمها في ذلك؟ فعلى ما وصفت فلا يلزمها في ذلك شيء.
مسألة: قال أبو المؤثر: في الفاجرة إذا حملت ثم شربت دواء فطرحت ولدا ميتا فإنها تتوب إلى الله وتستغفر الله وتؤدي إلى أرحام الولد من قبلها دية على قدر ميراثهم منه ولا شيء لها من الدية.
مسألة: قال أبو المؤثر: وأقول: لو أن امرأة شربت دواء لتطرح ولدها فطرحته حيا ثم مات فلا قود فيه وفيه الدية.
مسألة: وعن امرأة شربت دواء وهي حبلى فطرحت ما في بطنها، فإن كانت شربت الدواء لتقتل ولدها فخرج حيا ثم مات فديته لورثته ولا شيء لها منه، وإن كانت شربت الدواء ولم تعلم أنها حبلى فخرج حيا ثم مات فهو خطأ وديته على عشيرتها، وإن خرج ميتا فغرة عبد أو أمة، وعندنا أنها إن شربت دواء مما يشرب الناس تريده للشفاء ولا تعلم أنه مما يقتل فطرحت ولدها أنه لا دية عليها ولو علمت أنها حبلى، وكذلك يوجد عن أبي علي رحمه الله، وقال: ما أرى بأسا أن تصوم شهرين.
مسألة: وعن امرأة شربت دواء المشي فطرحت ولدها من ذلك الشراب فعن أبي علي رحمه الله قال: ما أرى بأسا أن تصوم شهرين ولا دية عليها لأنها أرادت الشفاء، وعن امرأة سقت ابنها دواء فمات في ذلك الدواء فما تحسب أن عليها من ذلك شيئا لأنها أرادت الشفاء.
ومن غيره: وقيل في المرأة إذا شربت دواء مما هو معروف مع الناس أنه من (6/201)
صفحة 2055
الأدوية وهي حامل فألقت ما في بطنها فلا شيء عليها في ذلك، وإن شربت دواء ليس معروفا مع الناس فعليها الدية خطأ على عاقلتها، وكذلك إذا سقت ابنها دواء فعلى هذا أيضا، وإن شربت تريد به طرح ولدها فالدية عليها، وإذا كان ذلك الدواء مما يعرف أنه للشفاء فهو على العاقلة، وإن كان مما لا يعرف وأرادت بذلك طرح ولدها فهو عليها في مالها دون العاقلة، وإن شربت دواء لا يعرف إلا أنها أرادت به الشفاء وهي لا تعلم أنها حامل فألقت فلا شيء عليه، وإن كانت شربت دواء لا يعرف تريد بذلك الشفاء فألقت فهو خطأ على عاقلتها إن كانت قد علمت بحملها.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري: وعن امرأة شربت دواء لتقطع الولد عن نفسها هل عليها بأس؟ فعلى ما وصفت فلا بأس عليها في ذلك كله إذا لم يكن هناك حمل قد ظهر، فإن شربته فطرحته نطفة أو علقة أو مضغة فعليها أرش ذلك كله. (6/202)
صفحة 2056
الباب الحادي والخمسون
في شرب الدواء وما يجوز أن يداوى به
ومن تداوى دواء غير محظور إنه أنه مجرب معروف أن من شربه زال عقله فشرب ذلك الدواء رجل فأغمي عليه لما شربه فذهب عقله ثم أفاق من ذلك وقد فاته صلوات كثيرة ما ترى عليه وما يلزمه فيما أضاع من الصلوات؟ الذي أقول به أنه ليس بمباح شراب ما يسكر وتزول منه العقول، وعلى من فعل ذلك التوبة والإصلاح وقضاء ما ترك من الصلوات، واجب أن يكفر عن صلواته إذا كان يعلم أن من فعل ذلك يذهب عقله ولم يقض ما أمره الله بقضائه وبالله التوفيق.
مسألة: وعمن شرب شرابا يريد به قتل نفسه فيقتل ويموت ما حالته؟ وهل يصلى على من قتل نفسه فهو آثم إذا شرب ما يتعارف أنه يريد به قتل نفسه؟ فهو هالك في دينه، وقد قيل: لا يصلى عليه ولكنه يغسل ويقبر بغير صلاة، وأما أنا أحب أن يصلى على جميع أهل القبلة بارهم وفاجرهم من غير مخالفة مني للأثر، وقد جاء بذلك ما يصح به هذا القول لأن القاتل نفسه والمقتول في الزحف باغيان والمرجوم على الزنا وهو مصر، ومن قد قيل إنه لا يصلى عليه إنما هو منافق معنا، وهو من أهل القبلة، وقد جاء الأثر العام الصلاة على أهل القبلة ثابتة ولازمة فالصلاة معنا على أهل القبلة جائزة ما لم يخص أحد من أهل القبلة بدليل يخرج من أهل القبلة وإنما هذا معنا آثار خاصة وعامة والله أعلم بالصواب.
مسألة: وعن رجل وزوجته اتفقا على أن تشرب دواء لأن تحمل فشربت هل لهما ذلك؟ قال: معي أنه إذا كان لا يضرها واتفقا على ذلك فأرجو أن لهما في ذلك الثواب إن شاء الله، غير أن الدواء لا ينفع بشيء لأنه ما علم الله أنه كائن فهو يكون لا محالة. (6/203)
صفحة 2057
مسألة: وعن التمر هل يغسل به اليدين؟ قال: لا، قلت: فيصيبني وجع أضع عليه التمر؟ قال: لا بأس.
مسألة: وعن رجل أصابته جرح في جسده هل يجوز له أن يداوي بالبول أو يداوي دابته أو يضعه على الطلاء؟ قال: لا، ومن غيره قال: نعم قد قيل هذا، وقال من قال: إذا لم يكن يؤكل ولا يشرب وكان موضعا يقدر على غسله وانتفع به وغسل فلا بأس بذلك، وأما ما يؤكل أو يشرب من الأدوية فلا يجوز ذلك.
مسألة: وعمن وصف له شيء من الحرام وهو معتل في أكله أو شربه فأكل أو شرب فبرئ من علته ما يلزمه؟ وهل يجوز له هذا الذي وصفت وليس فيما حرم الله الشفاء، وأقول: عليه التوبة في الوجه الذي يلزمه في ذلك في وجه التوبة.
مسألة: من الزيادة المضافة عن قتادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحمى كنز من كنوز جهنم»، فنحوها وفي نسخة: «فأطفئوها عنكم بالماء البارد»، قال: بلغنا أنه كان بالماء البارد. انقضت الزيادة المضافة. (6/204)
صفحة 2058
الباب الثاني والخمسون
فيما يجوز للإنسان فعله في بدنه
وعن رجل يخرج به الناسور أيجوز قطعه؟ قال: لا، قال أبو المؤثر: ما نرى بقطعه بأسا إلا أن يكون مخوفا عليه إذا قطعه له من يحل له النظر إليه مثل زوجته أو جاريته التي يطأها، قلت لأبي المؤثر: فيجوز قطع العروق؟ قال: نعم، وقد قطع العروق من يثق به عزان بن الصقر.
مسألة: وسئل أبو سعيد وأنا عنده عن عبد فيه جرح وورمه وقد زاد عليه أمرها وقد جمعت مدة هل يجوز أن تقطب بالنار إذا كان ذلك مما يرجى أنه صلاح؟ قال: معي أنه يجوز إذا كان مما يرجى صلاح له، وهذا عندي أهون من المعالجة بالنقش بالسلاح على المعنى.
مسألة: وسألته عن رجل لدغته دابة فأراد أن يبط موضع اللدغة هل له ذلك؟ قال: إنه إذا كان ذلك متعارفا أنه له فيه شفاء لم يمنع ذلك عندي إن أراد ذلك.
مسألة: وروي أن رجلا كانت به علة فأشير عليه بالكي فأحسب أنه شاور النبي - صلى الله عليه وسلم - فنهاه ثم راجعه المشورة فنهاه عن ذلك ثم كرر عليه ثالثة فنهاه، ففي معنى الحديث أن الرجل فعل ذلك برأيه وأي خفا وعافية فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ففي معنى الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له على وجه الإنكار لنفع ذلك كانت العافية والنار يستبقان إلي بذلك فوافقت العافية النار أو نحوها، هذا كان المعنى فيه من قوله أن لو لم يفعل ذلك كانت العافية قد أقبلت إلي بذلك، ويوجد في بعض الحديث أن امرأة كانت لجابر بن زيد رحمه الله عرضت لها علة فوصف لها الكي فشاورته في الكي فنهاها.
وفي بعض الحديث أنه غاب في بعض حاجاته فاكتوت في غيبته فعوفيت ورجع (6/205)
صفحة 2059
فأخبرته بذلك فوجد عليها وهجرها إذ فعلت ذلك، واتفق له خروج إلى الحج وخرجت معه فقيل: إنه لم يكلمها وكان مهاجرها في سفره ذلك كله على فعلتها حتى بلغا إلى مكة وشق ذلك عليها في هجرانه وعتبه عليها فأرسلت عليه عبد الله بن العباس وكان منه بموضع فاستعطفت عليها وسأله لها، ففي معنى الحديث أنه قال: إن هذه لم تتوكل على الله أو نحو هذا من قوله، وقرأ الآية: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} فقال ابن عباس: أتم الآية، كأنه يقول: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} (الطلاق:3). فأحسب أنه كان بعد هذا رجع جابر إليها وكان رضاه عنها.
مسألة: قلت لأبي سعيد: ما تقول فيمن كوى نفسه برأيه ما حاله؟ قال: معي أنه على معنى الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يلزمه معنى التوبة ولا يرجع إلى مثل ذلك، وأرجو أنه في بعض معاني القول أنه إذا كان يؤمن شر ذلك ويرجى خيره في معنى التعارف مما قد جرت به العادة لم يضق ذلك وكان ذلك كغيره من المعالجات بالأحداث في الأبدان من قطع العروق والفصد الذي في الأصل محجور في البدن مثله إلا لالتماس الصلاح بذلك، فإذا ثبتت الرخصة ولم يتفق على معنى التهم فأرجو أن لا يأثم في ذلك إذا أتاه على وجهه، قلت له: فالجرح الذي يتفجر بالنار ويكون مثل هذا أم لا؟ قال: معي أنه إذا كان في موضع غير مخوف وكان الجلد قد مات ورجا النفع بلا ضرر فأرجو أن لا بأس بذلك.
مسألة: عبد الله عن الأوزاعي قال: حدثني هارون بن ديات عن غزوان وأبي موسى الأشعري كانا في بعض مغازيهما فكشفت جارية فنظر إليها غزوان فرفع يده فلطم عينه حتى فقرت فقال: إنك للخاطية إلى ما يضرك ولا ينفعك فلقي أبا موسى فسأله، فقال: ظلمت عينيك استغفر الله وتب إن لها أول نظرة وعليها ما بعد ذلك، فقال الأوزاعي: وكان غزوان ملك نفسه فلا يضحك حتى مات، قال غيره: معي أنه ليس له أن يلطم عينه ولا خده لطما يؤلمه لأن ذلك محجور عليه من نفسه على نفسه كما محجور على غيره لأن فيه الضرر فلا نفع وإنما يجوز له في بدنه ما يرجو نفعه ولو كان قد نظر نظرا يجوز له ولكن عليه التوبة والاستغفار والندم، ولا يجوز له أن يضر نفسه بشيء من الأشياء ولو حدا من حدود الله، ولا حقا من حقوق الله، يقيمه عليه الحاكم إذا صح عليه أو أقر به ولا مما يأخذه منه العباد، وعليه الاعتراف للعباد بحقوقهم التي تلزمه والتوبة إلى الله والستر على نفسه في جميع حقوق الله.
مسألة: ومن اكتوى بالنار فمات في يومه فعلى من كواه الدية خطأ على العاقلة كائنا صورته وزاد الكي فيها. والله أعلم. (6/206)
صفحة 2060
الباب الثالث والخمسون
فيما يجوز للإنسان أن يفعل في نفسه
وعن رجل لم يسمح قلبه بترك أمه أو أبيه ففداه بنفسه هل يسعه ذلك أم لا؟ قال: ليس له أن يظلم نفسه عن ظلم غيره ولا يظلم غيره عن ظلم نفسه إلا أن يأتي إنسان برأيه فلا عليه.
مسألة: من جامع أبي محمد، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه متوشحا بها في نار جنهم خالدا فيها أبدا».
مسألة: من الحاشية: ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في كفه يتحساه في نار جهنهم خالدا مخلدا فيها أبدا.
مسألة: ومن الزيادة المضافة من كتاب الرقاع: وعن رجل يؤجر نفسه لرجل يقعد عنه في الحبس يسعه ذلك أم لا؟ يسعه ذلك ولا يجوز له أن يظلم نفسه عن ظلم غيره.
مسألة: قلت: فمن دخل في الحريق فأكلته النار أهو سالم من إثم نفسه أم لا؟ قال: أقول إنه سالم إذا لم يتعمد لإلقاء نفسه في الحريق وإنما أراد نفعا وإزالة مال أن يتلف وهو مثاب ولا إثم عليه، وإن ألقى نفسه في الحريق متعمدا لتأكله النار كان كافرا ولا يصلى عليه والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
مسألة: وعمن يقيد بقيد ثقيل فطلب أن يقيد بقيد خفيف أخف منه فيجاب على ذلك يسعه أم لا؟ قال: إذا طلب أن يخفف عنه جاز له وإن طلب قيدا غيره لم يجز ذلك له، وكذلك لا يجوز له أن يطلب أن يثبت عليه شيء من الظلم والجور ولكن يجوز أن يطلب التخفيف، وعمن أركز إلى القتل مظلوما فيقول لقاتله: اضربني (6/207)
صفحة 2061
ضربة واحدة فيضربه ضربة فقتله يكون ظالما لنفسه أم لا؟ قال: لا يجوز له هذا القول والله ولي حسابه يفعل به ما يشاء. والله أعلم.
قال المحقق: قد انتهى والحمد لله استعراض هذا الجزء السادس من كتاب بيان الشرع على نسختين الأولى فرغ منها عام 1384هـ والثانية قديمة تم نسخها عام 1076هجرية والحمد لله رب العالمين. (6/208)
صفحة 2062
كلمة المحقق
{بسم الله الرحمن الرحيم}
لقد تم بعون الله وحسن توفيقه تحقيق ومراجعة الجزء السادس من كتاب بيان الشرع الجامع للأصل والفرع، ويبحث هذا الجزء أحكام النيات والاعتقادات والأخلاق والسنن وما يحل من الكلام وما يحرم، وفي المحبة والرزق والكسب والعطاس، والاعتذار، والغيبة والنميمة، والصدق والكذب، وأحكام السفر وفي ركوب البحر ومعاني ذلك، وفي معاملة الجبابرة والأخذ بأيديهم والأخذ مما في أيديهم، وفي الشفاعة إليهم وأخذ عطاياهم، وفي الجن وإبليس، وأحكام الساحر والساحرة، وفي الطب والطبيب، والختان والحجامة، وفي الدواء وشرب المرأة الحامل له، وما يجوز للإنسان أن يفعله في بدنه ومعاني ذلك، والحمد لله رب العالمين.
كتبه سالم بن حمد سليمان الحارثي
حادي عشر محرم سنة 1404هـ
6/ 10/1983م (6/209)
صفحة 2063
[صفحة بيضاء] (6/210)
صفحة 2064
ترتيب الأبواب
الصفحة
الباب الأول:
في الاعتقادات ... 7
الباب الثاني:
من غير الكتاب ... 13
الباب الثالث:
من غير الكتاب والزيادة في النيات ... 17
الباب الرابع:
في النية وأحكامها ... 21
الباب الخامس:
في النية ... 23
الباب السادس:
في الشك المعارض في الأشياء الحلال وفي أخذ المال بقول الغير ... 49
الباب السابع:
فيمن أخذ شيئا باطمئنان ثم عارضه الشك ... 53
الباب الثامن:
في أخذ الرجل حقه إذا اختلط ماله بمال غيره ... 55 (6/211)
صفحة 2065
الباب التاسع:
في المشي والجري ورفع الصوت ... 59
الباب العاشر:
في الخطار والقمار واللعب وما أشبه ذلك ... 61
الباب الحادي عشر:
في الرزق ... 63
الباب الثاني عشر:
في التمني ... 67
الباب الثالث عشر:
في الملق والمداراة والمكر والخديعة والتعمق والهوادة وما أشبه ذلك ... 69
الباب الرابع عشر:
في العتب والعفو عنه من الزيادة المضافة ... 73
الباب الخامس عشر:
في المحبة والبغض وما يجوز منهما وما لا يجوز ... 75
الباب السادس عشر:
في السر ... 77
الباب السابع عشر:
في العطاس ... 79
الباب الثامن عشر:
في الاعتذار ... 81 (6/212)
صفحة 2066
الباب التاسع عشر:
في هجر الولي ... 83
الباب العشرون:
في الغيبة والنميمة ... 85
الباب الحادي والعشرون:
في الكذب الجائز وغير الجائز وما أشبه ذلك من التعريضات ... 87
الباب الثاني والعشرون:
في الصدق والكذب ... 91
الباب الثالث والعشرون:
في السفر ... 93
الباب الرابع والعشرون:
في سفر المرأة ... 97
الباب الخامس والعشرون:
مسائل في أسباب البحر ... 99
الباب السادس والعشرون:
فيما جاء في السلطان الجائر وعماله وما ورد فيهم ... 115
الباب السابع والعشرون:
في التقية ... 119
الباب الثامن والعشرون:
في التقية وإعطاء المحبة ... 123 (6/213)
صفحة 2067
الباب التاسع والعشرون:
في سجن الجبابرة وفداء الأسرى منهم، والمصانعة للولاة وغير ذلك ... 135
الباب الثلاثون:
فيما أخذ السلطان من أموال الرعية ... 137
الباب الحادي والثلاثون:
في الخارص ومعونة السلطان ... 139
الباب الثاني والثلاثون:
في التوكل للجبابرة والخدمة لهم ... 143
الباب الثالث والثلاثون:
في تشييع الخراج وغشه ... 145
الباب الرابع والثلاثون:
فيما يكون في يد السلطان ... 153
الباب الخامس والثلاثون:
في السكن في بلد فيها الجور ... 155
الباب السادس والثلاثون:
في مصانعة السلطان ... 159
الباب السابع والثلاثون:
في طلب عامل إلى السلطان أن يجعله فيهم ... 163
الباب الثامن والثلاثون:
في شيء من أموال السلطان وأعوانه ... 165 (6/214)
صفحة 2068
الباب التاسع والثلاثون:
فيمن يدل الجبار على أموال الناس ... 169
الباب الأربعون:
في دلالة السلطان وغيره ... 171
الباب الحادي والأربعون:
فيمن يلزمه للسلطان شيء وكان السلطان يظلمه ... 173
الباب الثاني والأربعون:
في شكاية عمال الجبابرة إليهم ... 175
الباب الثالث والأربعون:
في الشفاعة إلى السلطان ... 179
الباب الرابع والأربعون:
في أخذ العطايا من الجبابرة، وأخذ ديونهم وما أشبه ذلك ... 181
الباب الخامس والأربعون:
في الجن وإبليس لعنه الله ... 187
الباب السادس والأربعون:
في الساحر والساحرة ... 189
الباب السابع والأربعون:
في الطبيب وما أشبه ذلك ... 191
الباب الثامن والأربعون:
في الختان والحجام والمتطبب كان حرا أو عبدا ... 195 (6/215)
صفحة 2069
الباب التاسع والأربعون:
في دواء المجانين والزائلي العقول ... 199
الباب الخمسون:
في شرب المرأة الدواء وهي حامل وأن تسقي ولدها الدواء ... 201
الباب الحادي والخمسون:
في شرب الدواء وما يجوز أن يداوى به ... 203
الباب الثاني والخمسون:
فيما يجوز للإنسان فعله في بدنه ... 205
الباب الثالث والخمسون:
فيما يجوز للإنسان أن يفعل في نفسه ... 207 (6/216)
صفحة 2070
طبع بمطبعة عُمان ومكتبتها
القرم ص. ب. 7252
مطرح - سلطنة عمان
1984م - 1404هـ (6/217)
صفحة 2071
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء السابع
1404هـ/1984م (7/1)
صفحة 2072
[صفحة 2 بيضاء] (7/2)
صفحة 2073
[صفحة 3 بيضاء] (7/3)
صفحة 2074
[صفحة 4 بيضاء] (7/4)
صفحة 2075
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء السابع
1404 - 1984م (7/5)
صفحة 2076
[صفحة 6 بيضاء] (7/6)
صفحة 2077
[صفحة 7 بيضاء] (7/7)
صفحة 2078
[صفحة 8 بيضاء] (7/8)
صفحة 2079
الباب الأول
في النجاسات
قال أبو محمد: يُجزي صب الماء على بول الشاة ما لم ييبس، فإذا يبس بالمكان لم يُجزِ إلا بإجراء الماء عليه بمر اليد. والله أعلم.
مسألة: والصبي إذا دسع على ثوب وهو يرضع أفسده، ويجزي أن يصب الماء عليه وينغض ولا يعرك، قال أبو محمد: يجزي صب الماء عليه ما لم ييبس، فإذا يبس لم يجز إلا بإجراء الماء عليه باليد، والله أعلم.
مسألة: وإذا أقلس الصبي على أمه وهي ترضع، فأصاب ثيابها من دسعه وصلت بها قبل أن تغسلها، فعليه غسله، وإعادة الصلاة، لأنه مفسد، والصبي إذا كان مراهقا في حال البلوغ غير مختتن وأقر في وقت البلوغ فهو نجس.
مسألة: والصبي يغسل من الآنية ما يعرف الناس بينهم أن مثله ينظف ويزيل عين النجاسة منه مثل الآنية في المنزل ونحوها وما لا غنى للناس عنه وذلك عادة الناس مثل سكون النفس، وأما الثياب فلا.
مسألة: ومن صب عليه ماء في أيام النيروز فهو طاهر، حتى تعلم نجاسته.
مسألة: ومن قطع بحديدة نجسة شيئا طاهرا أو كان الشيء نجسا والحديدة طاهرة وكلاهما يابسان فجائز.
مسألة: ومن أحمى حديدة بالنار وجعلت على الدابة للعلامة ولم يخرج دم فهي طاهرة. (7/9)
صفحة 2080
مسألة: ومن استعمل بئرا بما يلحق منه المضرة مثل الخل وكناز التمر، فلا يقبل من أخبر بتنجسها إلا أن يكون ثقة، وإلى هذا القول أيضا يذهب أبو الحواري.
قال المضيف: وقد وجدت عن أبي سعيد في هذا الكتاب أنه لا يقبل ممن قال بتنجسها حتى يفسر صفة ذلك، والله أعلم.
مسألة من الضياء: إذا كان بالموسى دم سنه بالمسن فزالت عين النجاسة طهر كان بالمسن أو غيره، أو بماء أو بريق، قال: فيمن تكون في يده نجاسة لا عين لها مثل بول وغيره ثم نسيها فصب في يده دهنا على تلك النجاسة ودهن به، أنه لا ينجس ما مسه من ذلك الدهن، وقال: إن الدهن لا يمنع تلك النجاسة، وإنه يلصقها في موضعها، وقال من قال أيضا في مثل الدم وغيره مما له عين من النجاسات: إن الدم أيضا لا يمنع تلك النجاسات إلا أن يراها قد ماعت منه فحينئذ ينجس ما مسه، وقال من قال: إن ذلك قد فسد، ويفسد ما مس ماله عين وما ليس له عين.
مسألة من كتاب (الأشراف): قال أبو بكر: واختفوا في الكيمخت، فقال من قال: يوقف عن الجواب فيه، وقال أحمد: هو ميتة ولا يصلى فيه، وقال قائل: هو يختلف منه ما هو ميتة ومنه ما هو جلود ما يؤكل لحمه، فإذا اشترى منه رجل شيئا رجع أمره ولم يحرم بيعه ولا شراؤه، قال أبو بكر: إذا كان الأمر كما ذكره هذا القائل واحتمل الكميخت ما قال لم يجز أن يحرم بيعه، والورع الوقوف عن المشكلات في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات -اليسيرة معنى أنه أراد التماس البينة لدينه وعرضه- ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه».
قال أبو سعيد: لا أعلم في قول أصحابنا في الكميخت قولا مجردا بفساد ولا طهارة، والله أعلم بذلك، إلا أنه يقتضي فيه القول عندي ما يضاف إلى أبي كبر ما لم يعرف حلاله ولا حرامه، فأولى به الوقوف على معنى التنزه والخروج من الشبهات.
ومعنى الرواية عند أصحابنا يخرج عندي أنه قال: الحلال بيّن والحرام بيّن وبين ذلك شبهات هلك فيها كثير من الناس، كالراعي حول الحمى، يوشك أن (7/10)
صفحة 2081
يقع فيه، ألا وإن لكل شيء حمى، وحمى الله محارمُه، وما لم يصح حلاله لم يقم في العقل الإقدام عليه.
مسألة: من الزيادة المضافة: وجدت في كتاب (الضياء) وقال محبوب: لا خير في نصاب العاج ولا مكحلة العاج، وقال غيره: لا بأس به وبالكميخت كذا وجدت في الضياء، والله أعلم. (7/11)
صفحة 2082
[صفحة بيضاء] (7/12)
صفحة 2083
الباب الثاني
أشد النجاسات
قال أبو المؤثر: قال محمد بن محبوب: البول والغائط أشد من الجنابة، والجنابة أشد من الدم.
مسألة: وسئل عن بول البشر، أهو أشد نجاسة من جميع الأبوال؟ قال: هكذا عندي، الذين يأكلون الطعام من البشر، قيل له: ثم ما بعده؟ قال: معي إنه الخنزير والقرد، والخنزير أشد، والدليل على ذلك أنه محرم كله، قيل: فمن أين كان بول البشر أشد نجاسة من بول الخنزير وغيره من النجاسات؟ قال: معي إنه إذ هو لا يجوز أكل لحمه في حال ضرورة وغيرها، ولا في حال من الحال، قيل له: ثم ما بعد الخنزير والقرد؟ قال: ثم الكلب معي لثبوت مجراه عندي على جلده وهو نجس بمعنى الاتفاق، ودخوله في سائر السباع فزاد بمعنى النجاسة في جلده عندي. (7/13)
صفحة 2084
5
[صفحة بيضاء] (7/14)
صفحة 2085
الباب الثالث
فيمن بال في الماء، أو طرح فيه نجاسة، وطار به منه
قلت له: فرجل بال في الماء الذي ينجس، هل يكون الموضع الذي بال فيه حكمه حكم الماء حتى يصح عليه البول، وما طار به لا بأس به؟ قال: هكذا عندي لأن حكم الماء هو الأغلب، وكنت عنده على ساقية نتوضأ للصلاة فقال: حتى ترفعه هكذا -وأشار بكفه- فتجده غالبا، فهذه هي حد الغلبة التي تفسد الماء.
قلت له: فإن أرى موضع البول من الماء أصفر متغيرا على حال الماء، إلا أني لا أعرف يغلب جوهر البول جوهر الماء أم لا؟ وهل يكون ذلك الموضع طاهرا حتى يعلم أنه على غير الماء ولا تضره تلك الصفرة من البول؟ قال: معي إنه يكون كذلك حتى يصح أنه قد غلب عليه بطعم أو لون، لأن الحكم عندي حكم الأكثر، وقد يكون الماء كدراً وهو يسمى ماء ولا يكون بذلك خارجا من الماء ويكون صفرة وكدرة، قلت له: أيكون ذلك عندك بمنزلة الماء إذا وقع به الورق من الشوران وغيره مما يصفر الماء ويكون لون الماء أصفر، فإذا رفع في الكف كان حكم الماء هو الغالب، أيكون هكذا في البول؟ قال: هكذا عندي.
قلت له: فما طار به في غير موضع البول في الماء، أيكون ذلك طاهرا حتى يعلم أنه من البول؟ قال: هكذا عندي إذا كان الماء هو الأغلب والأكثر من بعد أن يمازجه ويخالطه.
مسألة: قلت له: فرجل تنجس فمه يغسل في الوقت وكان البصاق النجس يمس شفتيه ثم راب عليهما ثم أراد غسل فمه هل يجزيه غسله غسل مثله، ولو لم (7/15)
صفحة 2086
يزل ذلك من شفتيه وما صبغه من البصاق في حين النجاسة أم لا تطهر شفتاه وما صبغه حتى بزوال ذلك البصاق الرائب منه بالغسل؟ قال: معي إنه إذا غسل الفم والموضع الذي فيه البصاق غسل النجاسة ولم يكن ذلك الرائب عين النجاسة وإنما هو جوهر طاهر تعارضه النجاسة فيغسل ذلك الموضع غسل النجاسة، وتأتي الطهارة على الفم وما فيه من جوهر النجاسة المعارض له، كأن النجاسة لم تغلب عليه ويصير جوهر النجاسة.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب (الأشياخ) وسألته عن رجل رمى بحجر نجس في ماء جارٍ فطار به من ذلك الماء، قال: قد سمعت فيه اختلافا. (7/16)
صفحة 2087
الباب الرابع
في غسل العقور والجراحة وما أشبه ذلك
قلت له: فرجل كان في رجله شق أو جرح غسله من ظاهره، ولم تصل اليد إلى والج، فخرج الدم كله من والجه وخارجه، وهو يقدر على الغسول من والجه، هل يكون قد طهر كله بلا أن يعرك الوالج، فإذا خرج الدم بحركة من صب الماء وعركه بحركة الشق في بعضه بعضا فأرجو أن يجزيه إن شاء الله ولو قدر على عركه باليد، فإن جميع الحركات بغير اليد تشبه حركة اليد، وتزيل مثلها تلك النجاسة مع أن صب الماء عندي مثل حركة اليد، قلت له: فإن غسل خارج الشق، وترك والجه وهو يقدر على إخراجه بلا أذى؟ هل يكون ما خرج من الشق طاهرا ما لم يغير الماء على قول من يقول بذلك؟ قال: فمعي أنه ما لم يكن فائضا من الشق، فإنه يلحقه عندي غير فائض معنى لم يفض كله، ولو كان قد فاض منه شيء فحكم ما فاض فائض وحكم ما لم يفض في معناه عندي، والله أعلم.
مسألة: وسئل عن رجل كان به جرح يسيل منه الدم، فغمسه في الماء الجاري من قبل أن ينقطع، وغسل ثلاثا غسل الجنابة، ثم رفع الجرح فم ير شيئا من الدم أيكون قد طهر؟ قال: نعم هكذا عندي.
مسألة: أحسب عن أبي الحسن قال: وكان أبو الحواري رحمه الله يقول: كان أبو المؤثر رحمه الله إذا غسل أحد شيئا من جسده من الدم فإذا اغتسلوا قال: لا ترجعوا تنظروا إليه ودعوه، وكان مذهبه أنه إذا غسل موضع النجاسة من ذلك الذي يخاف أن يكون يرجع تخرج منه النجاسة أنه ليس عليه يرجع (7/17)
صفحة 2088
ينظر إليه وقد طهر.
مسألة: وقال أبو الحسن في السلاءة إذا وقعت في رجل إنسان، فدخلت في رجله، ثم رجع نقشها أو أخرجها بلا نقش، وقد كانت قد دخلت في رجله أنها إن لم يخرج عليها دم، فإنها طاهرة حتى يكون فيها دم، قلت له: فإن خرجت هي ثم أتبعها الدم غير أنه لم ير فيها دما فقال: هي طاهرة حتى يكون فيه دم.
مسألة: وقال أبو الحسن: كان أبو الحواري رحمه الله يقول: كان منير رحمه الله يقول: إذا غسلت الحجامة أو الجرح فرجع يخرج منها دم إن ذلك الدم يبس يفسد ولا نعلم أن أحدا قال بذلك إلا هو، قال: والذي نأخذ به يفسد إذا كن دما عبيطا، أما الصفرة والحمرة بعد الغسل فلا بأس به.
مسألة: وعن الذبيحة، هل يغسل لحمها إذا كانت فيها دم؟ قال: إذا غسل المذبحة فلا بأس فيما سواه وذلك جائز إذا لم يغسل، قلت: فيغسل المذبح حتى يخرج الماء صافيا، قال: لا يمكن ذلك ولكن يغسل بقدر ما يغسل الدم العبيط.
مسألة: عن رجل كان فيه عقر في رجله فغسله وتمسح، وبعد أن صلى رأى دما خارجا منه تم خروجه ورجله رطبة هل يكون في الحكم لا ينجس عليه إلا الدم الذي رآه يابسا في موضعه؟ قال: معي أنه إذا احتمل أن يخرج بعد الصلاة ويجف إلى ذلك الوقت الذي رآه فلا يبين لي عليه حكم بنجاسته حتى يعلم ذلك أو لا يعلم أحكام الشبهة أنه لا يحتمل ذلك، قلت له: فإن كان يحتمل خروجه بعد أن خلع نعليه، ولا يحتمل خروجه بعد الصلاة، هل تفسد صلاته ولا بأس على نعليه؟ قال: هكذا عندي في الحكم، قلت له: وإن وقعت الشبهة فما أولى به؟ قال: إن وقعت الشبهة أحببت أن يعمل على الأغلب مما يقع له أن يكون ذلك عنده أغلب والاحتياط أحب إلي، والخروج من الشبهة. (7/18)
صفحة 2089
الباب الخامس
في نجاسة الفم، والبصاق، والمخاط، وما أشبه ذلك
وسئل عمن فاض دم من خيشومه إلى فيه، ولم يغير بصاقه هل يكون بصاقه طاهرا ولا يفسد ما طار به حتى يغلب على البصاق النجاسة على قول من يقول: إن البصاق يطهر النجاسة؟ قال: معي أنه يخرج كذلك، وقال من قال: إن ذلك ليس بمنزلة الدم حتى يغلب على البصاق وأنه يفسد، ولا يفسد الدم البصاق حتى يفسد عليه، ومعي أن القيء والدم معنى واحد، لأنه كله نجاسة، قلت له: فيعجبك لمن ابتلي بشيء من ذلك وعمل بهذا المعنى أنه ما لم يضر القيء البصاق أنه لا بأس عليه إلى الحاجة إليه وشفوقه الأخذ بالاحتياط، قال: يعجبني أن لا يكون عليه في ذلك بأس إن شاء الله، على معنى ما يخرج من ذلك، قلت له: فإذا غسل الإنسان فمه من نجاسة دم أو غيره، هل يكون الماء الذي قد تمضمض أول مرة طاهرا ما لم تغلب عليه النجاسة؟ ولو كان في الفم بعدُ على قول من يقول إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه؟ قال: هكذا عندي أنه كذلك، قلت له: فإذا فاضت جشوته إلى فيه هل يكون حكم البصاق طاهرا حتى يعلم أن النجاسة علبت على البصاق؟ قال: معي أن البزاق ليس له حد معروف وإنما يكون قليلا وكثيرا وإنما يخرج على معنى المشاهدة والاعتبار في الوقت إذا صح هذا المعنى الذي أسست عليه هذه المسألة.
مسألة: قال بشير: سألت الفضل بن الحواري عن رجل شرب ماء نجسا ثم مضمض فاه مرة واحدة هل تجزيه؟ فوقف ثم قال: مرة واحدة؟ قلت: نعم، (7/19)
صفحة 2090
قال: أرجو أنه يجزيه، قال: وشبه بشير نبيذ الجر بذلك، قال غيره: كل ما لم يكن له ذات تبقى أو غير تبقى، فوقع عليه غسل واحد بعرك أو مضمضة أو خضخضة فقد حصل غسله وصحت طهارته لأنه قد ثبت له حكم الغسل وإزالة العين.
ورخص بشير في رجل في فيه دم حتى ذهب نفس الدم أنه لا غسل عليه.
قال غيره: نعم فقد قيل هذا، وقد قيل: لا يطهر إلا بالغسل.
قال بشير: كذلك من غسل دما من ثوب ببصاق حتى يسيل البصاق في الأرض، مثل ما لو غسله بالماء أنه يجزيه، وشبه النجاسات مثل الدم في هذا المعنى، قال: وكذلك إن غسله بالدهن وبالخل وباللبن وبالنبيذ أنه يجزيه وشبه الدهن أيضا بذلك.
قال غيره: نعم قد قيل هذا، وقيل: لا يطهر إلا بالماء، قال بشير: لا بأس أن يأخذ الدرن للعجين من عند غير ثقة إذا قال إنه من إناء يجوز فيه الشراب للنبيذ، قال غيره: وقد قيل: لا يأخذ إلا من ثقة إلا أن يقف هو على الإناء الذي يأخذ منه الدرن ويراه موكا من الأديم من المعز والضأن.
وأما النجاسات من الفم وغيره فقد قيل: لا يطهرها إلا الماء، ولا يطهرها البصاق ولا غيره، وكذلك قد قيل: لا يطهر الفم إذا تنجس بالبصاق ولا يطهر إلا بالماء، قلت له: ما ظهر من الشفتين إذا استد الفم هل يجزيه جري الماء عليه ويطهر من النجاسة ويكون بمنزلة الفم في الطهارة أم ذلك كسائر البدن ولا يجزيه إلا العرك؟ وكيف الحق في ذلك؟ قال: ما طهر من الفم مما لا تجري عليه المضمضة فهو عندي بمنزلة ما طهر من البدن ويجب فيه عندي الغسل أو صب من الماء يقوم مقام الغسل.
مسألة: في الصبي إذا قاء ثم رضع مرة واحدة نظف فمه أم لا؟ فقال: بلى.
مسألة: ومن كتاب الأشياخ ومن جامع ابن جعفر: ومن غسل منخريه أو فمه من رعاف فإنما عليه ما ظهر منه غسله من ذلك ثم لا يفسد عليه (7/20)
صفحة 2091
ما خرج من منخريه بعد ذلك من مخاط ولا ما خرج من صدره، قال أبو محمد: الذي ذكره من غسل الفم من القيء والأنف من دم الرعاف فعليه أن يغسله ما أمكنه غسله من غير أن يعرض نفسه، والظاهر من غسل الفم والأنف، وما لم يمكن وصول الماء إليه بغير ضرر، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ومن خرج من فيه دم فبصق حتى بقي الدم، هل يحل له أن يغرق ريقه إذا لم يحضر ماء تمضمض فاه وهو في قرية أو سفر؟ قال: نعم يحل له وهو نجس إن طار به شيء من البصاق قبل أن يمضمض فاه أفسده.
ومن غيره وقد قيل: لا يفسد، ويوجد ذلك عن محمد بن محبوب رحمه الله وولده بشير رحمه الله.
قال غيره: قد يوجد هذا ويخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا تنجس فوه بشيء من الدم خرج منه ما يكون نجسا فبصق حتى خرج الريق صافيا وكان صائما أو مفطرا أن له أن يصرط ريقه، ولا حرج عليه في ذلك من طريق الإثم، ولا من نقض الصوم، ولا أعلم في هذا يخرج في معاني قولهم اختلافا في هذا الفصل أنه جائز، وإنما يخرج الاختلاف في معاني قولهم في طهارة الفم في ذلك، فمعي أنه من قولهم: إنه لا يطهر الفم إلا بالغسول، وما مس من ريقه من ثوب أو بدن أو شيء من الطهارات أفسده كان في حال عدم الماء، أو لم يكن في حال عدم الماء، فهو في معنى النجاسة ما لم يغسل.
ومعي، أنه يخرج في معاني قولهم، إنه إن كان في حال عدم الماء، كان ذلك طهارته في حالة العدم، فإذا وجد الماء غسله ولزمه غسله، ويفرق بين عدم الماء ووجوده، فعلى معنى هذا القول لموضع ثبوت زوال النجاسة بمعنى ما يشبه الطهارة من الماء، وعدم الماء كان ذلك عذرا وخارجا من النجاسة طهر، فإذا وجد الماء لزمه حكمه. وقبل أن يجد الماء فهو بحال الطهارة.
ومن مش مامش ما طهره من ثوب أو بدن أو طعام، فإذا كان في حال وجود الماء فلم يغسله فما كان واجدا للماء في حاله تلك، تاركا لغسله وهو قادر على غسله كان حكمه نجسا منجسا لما مس حتى يغسله في حاله تلك. (7/21)
صفحة 2092
ومعي، أنه يخرج في معاني قولهم إذا بصق حتى خرج الريق صافيا أن تلك طهارة الفم عدم الماء أو وجده لمعنى ما يثبت من قول من قال: إنه ما لم يكن الدم أكثر من الريق أو غالبا عليه أنه لا ينجسه فيثبت معنا بمعنى ما يثبت في الماء في الشبه، فكما كان لا ينجسه الدم حتى يغلب عليه أو يكون أكثر منه، وكذلك إذا زال الدم وزال حكمه عن حكمه كان مزيلا لحكمه طاهرا لنفسه بمنزلة الماء إذا تغير بالنجاسة، وغلبت عليه كان نجسا، فإذا زال التغيير عنه بزوال عين النجاسة وغلبتها عليه وزال حكمها عنه زال حكم نجاسته وطهر بنفسه، ولا يثبت له الحكم حتى يشبه ثبوت هذا الحكم فيه.
ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل: إنه إذا خرج الريق صافيا وزالت عين النجاس عنه لم يطهر إلا حتى يبصق بعد ذلك ثلاث مرات يمضمض بالبصاق فاه بمعنى الطهارة بالماء من النجاسة، ويجعل الريق في هذه بمنزلة الماء كان مشبها له فيما سواه في ثبوت هذا المعنى فيه أنه لا ينجس حتى يكون الدم أكثر منه، أو غالبا عليه، فذلك الماء هو بهذا الحكم، وإذا هو مشبه الماء في السيلان وإزالة النجاسة من المكان بمعنى ما يصح بحكم العيان فليس الماء بزائد عليه إلا بالاسم، وأما الشبه والفعل فقد ثبت معناه فيه كمعنى الماء.
ومعي أنه يخرج في معنى ما قيل: إنه إذا خرج الريق صافيا ثم مضمض فاه بالريق مرة واحدة طهر بمنزلة الماء.
ومعي أنه قيل: إنما يطهر الريق بهذا المعنى بأحد ما يخرج بين هذه الأقاويل الدم وسائر النجاسات فلا يطهرها، لأن معنى الدم فيه فيما قالوا بمعنى النجاسة في الماء حتى يكون أكثر منها أو يغلب عليها فكان فيها وفي معانيها بمزلة الماء في النجاسة وبمنزلة النجاسة في الماء وليس كذلك سائر النجاسة فيه.
ومما يخرج من معاني قولهم أن لو كان نقيا قليلا أو كثيرا كان مفسدا لفمه وريقه كان له عين قائمة في الريق، أو لم تكن عين ولا أثر إذا ثبت معنى القيء، وكذلك سائر النجاسات مما يعارض الفم من غير الدم من بول أو غيره، فما كان من ذلك من قليل أو كثير، فيخرج في معاني قولهم بما يشبه معاني الاتفاق أن ذلك مفسد للفم والريق الذي في الفم قليله وكثيره، فإذا ثبت معنى هذا كان خلافا للدم في أحكامه في الفم، وإذا ثبت معاني الاختلاف تلك في ثبوت النجاسة ولم يتعر من الاختلاف (7/22)
صفحة 2093
ذلك في وجوب التطهر من الريق كسائر النجاسات من الفم فيما شق الدم بمعنى ما ثبت فيه من التشابه فيهما والتساوي بالماء في الحكم ولمخالفة ذلك من سائره، وإذا ثبت هذا في الفم في الريق في حكم الدم للشبه له، ومعنى تساويه لم يتعر من ثبوت ذلك بمثله في الأنف والمخاط ومعنى طهارة منه إذا غلب عليه بالمخاط إذا غلب عليه وخرج صافيا لأنه كذلك قيل فيه في معاني الاختلاف بما يشبه الريق في الفم في معاني ممازجته للدم، فالقول فيهما واحد في معاني ما قيل.
وإذا ثبت في معنى التساوي في التطهر للنجاسة على حسب ما ثبت، وقيل في الريق لأنهما متساويان في هذا المعنى في معاني الاختلاف فيما معي أنه قيل، ولا أعلم أن أحدا قال بذلك في الريق فأخرجه في المخاط في الأنف بل هما مستويان معي في الاختلاف في قولهم، ومعي أنه قد قيل: إن الريق يطهر الفهم من سائر النجاسات إذا تنجس معنى شبهه في الماء في معاني ما وضعنا من أشباهه له في السيلان، وإزالة عين النجاسة في الفعل، وإذا ثبت ذلك في الريق لم يبعد ذلك من المخاط أن يكون بمعناه لتشابههما وتساويهما معاني ذلك، فإذا ثبت هذا مطهرا ثبت هذا مطهرا كل واحد منهما في موضعه على ما كان حكمه في موضعه مشبها له، ولما كانا جميعا مشبهين للماء متساويين له.
ومعي أنه قد قيل: إن الريق مطهر للنجاسة من حيثما كانت من الفم وغيرهم من الأبدان والثياب، وسائر ذلك من الأشياء كلها من سائر الطهارات إذا تنجست فغسلت النجاسة بالريق حتى زالت النجاسة بالغسل بالريق، وثبت معنى ذلك في معاني الغسل بالريق كما ثبت بالماء فهو سواء، وإن ثبت ذلك في الريق لشبه لما في هذا المعنى في هذا فكذلك المخاط مثله، وإذا ثبت هذا ثبت المخاط مطهرا للفم، والريق مطهرا للأنف من الدم ومن جميع النجاسات، ولا أعلم أن أحدا قال: إن الريق والمخاط بأنهما ماء، ولا أنهما أشبه بالماء من غيرهما من الطهارات من السائلات المزيلات للنجاسة بمعنى المشبهات للماء في الفعل والمعنى، فمن هنالك قيل: إن النجاسة تطهر بجميع ما أزالها من الخل والنبيذ، أو الأدهان أو اللبن وماء الأشجار.
ومعي أنه قد قيل: في هذا كله وما أشبهه بمثل ما قيل في الريق، ويخرج معانيه سواء في معاني الاختلاف في حال عدم الماء، وفي حال غير عدمه وما جرى معي في القول في الريق على ما قد مضى من الاختلاف فمعي أنه قد قيل في هذا (7/23)
صفحة 2094
مثله، وإن لم يكن في هذا عندي في غير أحكام الفم أشبه من الريق، وأكثر من الخل والنبيذ الطاهر وماء الأشجار، لم يكن بدونه في معاني فعله وأشباهه للماء.
مسألة: قال أبو سعيد: كل ما يولج في الإنسان من الطعام وغلب عليه حكم الريق فهو عندي مثل الريق على عقب الدم وله أن يغرق ريقه بعد زوال الدم، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وأما طهارة الفم فتختلف في ذلك عندي.
مسألة: وعن أبي الحواري: وعمن توضأ للصلاة ثم طعم طعم الدم في فيه ثم بصق فنظر فإذا في البصاق شيء من الدم يسير غير أن البصاق الأمص معه الغالب على حمرة الدم، فإذا كان البصاق أكثر من الدم لم يفسد ذلك الدم وضوءه ووضوؤه تام وصلاته، ولا يفسد ذلك البصاق ما مس من ثوب وغيره، وكذلك الصفرة لا تفسد. (7/24)
صفحة 2095
الباب السادس
في غسل النجاسات بغير الماء
مثل الخل وماء الأشجار، والنبيذ والبصاق واللبن
وما أشبه ذلك في الطهارات للصلاة وما أشبه ذلك
وعن أبي سعيد، وسئل عن الخل والنبيذ هل يكونان مثل الريق وماء الأشجار في ثبوت التطهر بهما للنجاسة والوضوء عند عدم الماء على قول من يرى ذلك؟ قال: أما على إطلاق العمل فلا يعجبني، وإما على التشبيه واتفاق المعنى يشبه الألوان معي أنه كذلك يلحقه معاني الاختلاف.
مسألة: قال بشير: كذلك من غسل دما من ثوب ببصاق حتى يسيل البصاق في الأرض مثل ما لو غسله بالماء أنه يجزيه، قال: وكذلك لو غسله بالدهن وبالخل وباللبن وبالنبيذ أنه يجزي له وشبه الدهن أيضا بذلك، قال غيره: نعم، قد قيل هذا، وقيل: لا يطهر إلا بالماء ومن غيره، وأما النجاسات من الفم وغيره فقد قيل: لا يطهرها إلا الماء ولا يطهرها البصاق ولا غيره.
مسألة: قلت له: ماء الورد والدهان وماء الأشجار هل تقوم مقام الماء أو لم يكن في جميع الطهارات من النجاسة وغيرها مما لا تقوم إلا به؟ قال: فمعي أنه قد قيل في جميع ما ذكرت أنه لا يطهر النجاسات عند وجود ولا عدم، وإنما يطهرها الماء الطهور الذي سماه الله طهورا، وهذا ماء طاهر ليس بمطهر، وأحسب أن بعضا قال: إنه يجزي عند الاضطرار والعدم للماء المطهر، وأحسب أن بعضا قال: يجزي ذلك (7/25)
صفحة 2096
على كل حال لأن هذا مثله، ومثل الشيء منه، ويعجبني القول الأول، وإن استعمل عند العدم فهو أحب إلي، وإن وجد الماء الطهور استعمل عند الوجود ولم تثبت أحكام ذلك، هكذا أحب.
قلت له: فإذا استعمل غير الماء الطهور في حال العدم ثم وجد الماء الطهور هل عليه غسل ما كان غسل من النجاسة بغير الماء الطهور؟ قال: هكذا يعجبني على ما قلت لأن ذلك يستعمله في حال العدم فيقوم مقام الطهور في حال العدم عندي، فإذا وجد الطهور استعمل في حال وجوده.
قال المصنف: ولعل الجامعة بين الماء والريق في السيلان والمنع وإزالة عين النجاسة فلذلك شبهوا الريق بالماء، وشبهوا الخل والورد وغيره من المائعات بالماء هكذا وجدت معناه عن أبي سعيد محمد بن سعيد. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (7/26)
صفحة 2097
الباب السابع
في الانتفاع بالطاهر إذا عارضته النجاسة
ومن جامع أبي محمد: قال أصحابنا باستعمال السمن الذائب إذا حكم له بحكم النجاسة للسراج، لأن ما عرض فيه من النجاسة لم يحرم عين السمن وإنما منع استعماله للأكل لاختلاط النجاسة به، فإن قيل: لِمَ لا يكون محرما الانتفاع به لنجاسته لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها؟» قيل لهم: الشحم حرمه الله عليهم، فعينه محرمة عليهم، والسمن والشحم الحلال المعترض عليهما النجاسة ليس كذلك بل إنما عرض فيهما من النجاسة، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن كان مائعا فأريقوه، وإن كان جامدا فألقوها وألقوا ما حولها»، ولو جاز الانتفاع به ما أمر بإراقته وهو ينهى عن إضاعة المال، ألا ترى إلى سؤر الكلب لما لم يجز الانتفاع به أمرنا بإراقته، ولما مر بشاة مولاة لميمونة وهي ميتة لم يجوز الانتفاع بها في الحال بوجه من الوجوه لنفي المعنى الذي به يتوصلون إلى الانتفاع به مع حصول النجاسة في الحال الثاني وهو الدباغ، فلو كان للسمن وجه يجوز الانتفاع به مع حصول النجاسة منه لما أمرنا بإراقته، قيل له: إن الأمر بإراقته لا يوجب ترك الانتفاع به من قبل أن إراقته استهلاك، وقد يقع فيه استهلاك بوجه وينتفع به لمثل الدباغ والسراج وغيره، وأيضا فإن الذي أفادنا الأمر بإراقته هو المانع من أكله، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمرنا بالاستصباح به من طريق عليٍّ، وإذا كان الأمر على هذا حملنا على الوجه الذي يقع الانتفاع به، وإن كان استهلاكا إذا لم يكن ذلك الانتفاع بالأكل، وإذا جاز الانتفاع به بعد الدباغ وإن كان نجسا أباح ما كان ممنوعا من أجله، والله أعلم. (7/27)
صفحة 2098
[صفحة بيضاء] (7/28)
صفحة 2099
الباب الثامن
في البئر وطهارتها ونجاستها، وما أشبه ذلك
وعن قملة وقعت في بئر وهي حية فعن أبي إبراهيم، أنها لا تفسد حتى يعلم أنها ماتت فيها.
مسألة: من كتاب الأشراف: واختلفوا في البئر تقع فيها النجاسة فروينا عن علي أنه أمرهم بنزحها حتى تغلبهم، وروي ذلك عن الزبير، قال الحسن في الإنسان يموت في البئر: تنزح كلها، وذكر أبو عبيد أن هذا قول الثوري وأصحاب الرأي.
وفيه قول ثانٍ قاله عطاء في الجود قال: ينزحون عشرين دلوا وإن تفسخت نزحوا منها أربعين.
وقال النخعي في الفأرة تقع في البئر: ينزح منها أربعون دلوا.
وقال الشعبي في الدجاجة تموت في البئر: يستقي منها تسعون دلوا.
وقال الأوزاعي في ماء معين وجد فيه ميتة لم تغير الماء قال: ينزح منها دلاء وإن غيرت ريح الماء أو طعمه نزح حتى يصفو الماء وتطيب، وكذلك قال الليث بن سعد.
وقال النعمان في العقور والفأرة تقع في البئر لم تخرج حين ماتت، قال: يستقي منها عشرون دلوا أو ثلاثون، فإن كانت سنورا أو دجاجة فاستخرجت حين ماتت، فأربعون دلوا أو خمسون، وإن كانت شاة فحتى يغلبك الماء، وإن كان شيئا من ذلك قد انتفخ أو ينفسخ فانزحها. (7/29)
صفحة 2100
وقال سفيان الثوري في الوزع تقع في البئر: يسقي منها دلاء.
وفي قول الشافعي ومن قال بالقلتين: وإن كان قلتين ولم تغير للماء طعما ولا لونا ولا ريحا، فالماء طاهر، وإن كان الماء أقل من قلتين، فسد الماء في بئر كان الماء، أو غير بئر.
وأما قول من لا يرى قليل الماء ينجس بحلول النجاسة فيه إلا أن يغير طعم الماء ولونه أو ريحه، فالماء طاهر بحاله بوقوع ذلك وقع فيه وبه نقول.
قال أبو سعيد: لا أعلم فيما قالوا شيئا في قول أصحابنا يشذ عما يخرج معناه في أحكام الطهارات في الماء عندي في معاني تواطؤ الأمور في ذلك، وبعض هذه الأقاويل إلى معاني قول أصحابنا أقرب أشباها، وبعضها أبعد، وليس هنالك عندي بعد يخرج إلى معنى شذوذ عن حسن القول في ذلك، والله أعلم.
مسألة: ومن غيره: وعن بئر وجد لها ريح فأدخلوها صبيا، وزعم أنه وجد فأرة، فأخذها بخشبة، ووضعها في الدلو فسقطت في البئر، قال أبو الحواري: إنما عليهم أن يحفروا على الطين بقدر ما يروا أنهم قد وصلوا حيث وصلت الفأرة، ثم ينزفونها أربعين دلوا ثم طهرت -إن شاء الله- إلا أنه إن وجد لها ريح فيحفرونها وينزحونها حتى تذهب تلك الريح، ثم قد طهرت، إن شاء الله.
مسألة: وعن قملة وقعت في بئر وهي حية، فعن أبي إبراهيم أنها لا تفسدها حتى يعلم أنها ماتت فيها.
مسألة: وقال أبو الحسن في رجل علم من رجل أن بئرا نجسة، وذلك الرجل صاحب البئر من أهل القبلة، وغاب عن البئر ثم رجع إليها فأتاه بماء من تلك البئر فقال: إن كان صاحب البئر قد علم بنجاستها فله أن ينتفع بتلك البئر، وإن لم يكن علم بنجاستها لم ينتفع بها حتى يعلم أنها نزحت.
قال غيره: نحب إذا علم بالبئر أنها نجسة لا ينتفع بها حتى يعلمه من يأتي أنها نزحت إلا أن يكون الذي علم بنجاستها ثقة مأمونا ويجيء هو بالماء إليه فذلك جائز، ولو كان من تلك البئر، وما لم يأته به العالم بنجاسة البئر فلا يصلح له الانتفاع به حتى يعلم طهارتها، لأنها نجسة حتى يعلم أنها طاهرة.
مسألة: وقيل في البئر إذا وجد فيها ميتة أو نجاسة ولم يعلم متى وقعت فيها (7/30)
صفحة 2101
فقال من قال: إنه يحكم بنجاستها من بعد أن يعلم بنجاستها إلا أن يتغير طعمها أو عرفها، فإذا تغير ثم وجدت فيها النجاسة التي بها تلك الرائحة وذلك التغيّر فإن حكم بنجاستها منذ تبين تغيّرها فقال من قال: عليهم أن يبدلوا آخر صلاة صلوا منها منذ وجدوا فيها النجاسة؛ لأنهم لم يعلموا متى وقعت فيها النجاسة.
وقال من قال: إن عليهم خمس صلوات منذ وجدوا فيها النجاسة، وهذا إذا لم يتغير طعمها ولونها وإنما تغير عرفها.
قال المصنف: أحسبه أراد، إذا تغير عرفها ولونها قام تغيّر عرفها ففي ذلك اختلاف، فقال من قال: إن ذلك مما يدل على نجاستها، وقال من قال: ليس العرف مما يغلب على الطهارة، وإنما يغلب عليها تغيير اللون والطعم.
مسألة: وعن أبي الحواري: وعن رجل كان بدنه نجسا فنسي حتى توضأ من بئر ونجسها ولعله لم يكن له أن ينزحها فقال لقوم من جيران البئر أو غيرهم فإني قد نجست هذه البئر فأحب أن تنزحوها فوعدوه ذلك ثم لم ينزحوها هل يسلم عن ذلك أو حتى يعلم أن البئر قد طهرت؟ فنقول: إذا أنعموا له بذلك فنرجو أن يسلم إن شاء الله؛ لأنه قد قال من قال من الفقهاء: إذا قال صبي أو أمه إن هذه البئر قد فسدت صدقا على ذلك، إذا كان الصبي حافظا على الصلاة، فإذا صدق على فسادها صدقا على صلاحها.
وكذلك إن أمر ثقة أن يأمر من ينزحها فقبل له الثقة بذلك فهو سالم إن شاء الله، وكذلك إن قيل له غير الثقة ينزحها جاز له ذلك حتى يعلم أنها لم تنزح إذا كانوا يدينون بذلك.
وعنه وعن بئر وقعت فيها نجاسة وهي يستقي منها بدلو ثم أراد صاحب البئر أن ينزح البئر بذلك الدلو ولم يغسل، وقد كان مس ماء البئر قبل أن ينزح فعلى ما وصفت فإذا كان نزح من البئر أربعين دلوا فقد طهرت البئر ولا بأس بمس الدلو ماء البئر قبل أن تنزح، فإن غسل الدلو والرشاء فلا بأس بذلك وحسن إن شاء الله، وإن لم يغسل فلا بأس بذلك إن شاء الله، وما أصاب حجارة البئر الذي يقدر على غسلها غسلت، وإن كانت الحجارة لا يقدر على غسلها إلا أن يعود الماء في البئر لم يكن عليهم غسلها.
مسألة: وعن فأرة وقعت في بئر وماتت فيها وخلا لها مذ وقعت فيها سنة أو (7/31)
صفحة 2102
أكثر أو أقل، والبئر ماؤها كثير لم يقدر أحد يغوص عليها يخرج ما أدرك منها، قلت: هل يجوز أن ينزح من هذه البئر أربعون دلوا؟ فمعي أنه قد قيل: إذا كان ماؤها كثيرا لا ينزح أو قدر قامتين أو فيها قدر أربعين قلة إنه لا يفسدها من النجاسة إلا ما غلب على طعمها أو لونها أو ريحها في بعض القول، وفي بعض القول معي إنه لا يفسد بما غلب على ريحها، فإذا فسدت بأحد هذه الوجوه وهي مما لا يفسد بها فإنما يجب النزح فيها إلى أن يتحول عنها حكم ما غلب عليها ولو كان ذلك بأقل من أربعين دلوا أو أكثر، ولا يضرها عين النجاسة فيها، ولو كانت باقية إذا كانت كثيرة الماء إذا لم تتغير أحكامها بأحد ما وصفت لك، فإذا أزال ذلك فلا يضرها كينونة النجاسة فيها، وإذا كانت تفسد من قلة مائها ولو لم يغلب عليها حكم النجاسة، فهذه هي التي قيل: ينزح منها أربعون دلوا عند من قال بذلك لفساد الماء منها بغير التغير.
وقلت: وما حد هذا الدلو؟ فمعي أنه قيل: بدلو البئر إلا أن يخرج عن حال تسمية الدلو عن التعارف في الصغر، فإنه يكون بدلو وسط، وكذلك إن خرج عندي عن حال التعارف في الكبر رجعت عندي إلى الوسط إلى الدلاء من دلاء مثلها، قلت: وكيف هذا النزح وما رجع من الدلو في البئر، وكانت الدلو فيها انخراقا فكان يرجع منها إلى البئر؟ فمعي أنه قيل: إنه لا يضر ما رجع من الدلاء حال النزح في البئر لأن ذلك ما لا يمتنع منه وإذا تم النزح بأربعين دلوا فقد تم منها طهارة البئر في معنى ما قيل، قلت لأبي سعيد: فإن تحرك الدلو في حين النزح فخرج منه شيء، هل يكون ذلك مجزيا؟ قال: معي أنه ما لم يخرج ذلك من حركة النزح مخرج شيء أو لشيء غير معنى حرمة النزح بشيء عرض له أن ذلك لا يضره شيء، وقال أبو سعيد رحمه الله: إن البئر إذا كانت قامتين أو قدرهما أو أكثر فقد قيل: إن هذا حكمها ولو كانت تنزح كما وصفت لك في التي لا تنزح وإذا زال حكم الغالب عليها من نجاسة فلا بأس بها، ولو كانت حالة فيها النجاسة بعد ممازجة لها كانت أو غير ممازجة من الذات أو غير الذات.
قال أبو سعيد رحمه الله: إن البئر إذا كانت لا تنزح فلا تنجس إلا أن يغلب عليها حكم النجاسة بلون أو عرف أو طعم، فإذا غلب عليها حكم النجاسة ينزح منها من الماء بغير ما غلب عليها من حكم النجاسة ليس لذلك حد في قلة ولا كثرة إلا (7/32)
صفحة 2103
زوال ذلك الغالب ولو بدلو واحد أو ألف دلو.
مسألة: وعن الدلو الذي تنزح به البئر النجسة ويكون هو نجسا من غير نجاسة البئر فقال من قال: إنه مجز ذلك ويطهر الدلو إذا طهرت البئر وذهبت النجاسة في ذلك، وقال من قال: إن ذلك لا يجزئ وأنها نجسة حتى يطهر الدلو ثم تنزح به بعد ذلك.
مسألة: وإذا كانت البئر لا تنجس وماتت فيها القملة فمعي أن في بعض القول أنها تنزح وليس عليهم أكثر من ذلك، وقيل: يجف ظاهر طينها ثم تنزح ويجزيها ذلك، وأحسب أن في بعض القول أنها لا تطهر بمثل هذا إذا كان فيها شيء من النجاسة من الذات ثم لم يوجد فيخرج حتى تدفن كلها ويغلب الطين على مائها كله فيستهلكه ثم تحفر حتى يقع الحكم أنها قد خرجت لا محال في الطين ثم تنزح.
مسألة: وعن أبي معاوية قلت له: في بئر تزجر ويستقي منها للشرب بدلو غير دلو الزجر فبم تنزح؟ قال: بدلو الزجر إلا أن تتكون لا تزجر وإنما هي للشرب والوضوء فتنزح بدلوها أربعين دلوا، قلت: فما تقول فيمن يزجر عشرين دلوا بالغداة وعشرين بالعشاء؟ قال: لا يجزيهم إلا أن يزجروا منها أربعين دلوا في مقام واحد إلا أن يكون ماؤها قليلا فتنزح منها عشرون دلوا ثم ينزح ماؤها فيعودها حتى تجم فذلك لا بأس أن ينزحوا منها كذلك، قلت: فهل تغسل الدلو إذا نزح منها أربعون دلوا؟ قال: لا، ولكن يغسل الحبل إن كان مسه من مائها شيء قبل أن تنزح منها أربعون دلوا، وأما الدلو فهو نظيف إن شاء الله.
مسألة: وسألته عن الشاة إذا وقعت في الطوي هل تنزح؟ قال: اختلف في ذلك، قال أبو زياد: تنزح منها لأن فيها مجاري البول، وقال محمد بن محبوب: لا تنزح، لأن الشاة طاهر وإن بالت ويبس موضع البول فيها طاهر إلا أن يعلم بها بول رطب وقت وقعت فيها فيفسد. (7/33)
صفحة 2104
وقد قيل عن بعض الفقهاء عن أبي عبيدة -رحمه الله- قال: إذا كان الماء أكثر من البول لم يفسده البول، والله أعلم.
ومن غيره وكذلك يوجد عن أبي معاوية يرفع ذلك عن بعض المسلمين أنه إذا كان الماء أكثر من البول فلا يفسد الماء.
مسألة: من الزيادة المضافة، وسألته عن الطوي إذا كان فيها عين تطرح فيها كلما حفرت أصيبت تلك العين، هل تكون هذه الطوي إذا كان فيها كلما حفرت أصيبت تلك العين، هل تكون هذه الطوي جارية لا ينجسها شيء؟ قال: إذا صح أنها كذلك تدخلها عين معروفة فهي جارية لا ينجسها إلا ما غلب عليها، قلت: فما العلة في البئر إنها إذا تنجست يخرج منها أربعون دلوا ثم قد طهرت ولم ينظر على قلة الماء ولا كثرته وإنما ينظر إلى تمام أربعين دلوا؟ قال: أما في قول أصحابنا فلا أعلم لهم علة إلا قولهم هكذا جاء الأثر، وأما في قول قومنا فوجدنا بعضهم يعتل أنه كان واقعا في زمزم رجلا أسود فمات فيها فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد إخراجه منها ثم اختلفوا ثم اختلفوا في النزح منها، فقال من قال وهو الشافعي: ينزح ماؤها كله، وقال من قال: ينزح منها خمسون دلوا، وقال من قال: سبعون دلوا، وقال من قال: أربعون دلوا وأحسب أن بعضهم قال: ينزح ماؤها كله ثم تغسل بماء طاهر ولم أجد في روايتهم إجماعا على نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما ينزح منها إلا ثبوت الأثر بالنزح من مائها.
مسألة: من الأثر، واختلفوا في نزح البئر، فقال قوم: التي لا تنزح هي التي لا ينقص ماؤها من النزح من نزع الماء منها ولو اختلفت عليها الدلاء أو دامت.
وقال قوم: ولو نقصت ما لم يفرغ ماؤها فهي مستبحرة وذلك ليس بنزح، وإنما النزح الفراغ والنقصان المضر.
وقال قوم: ولو كان ينقص حتى يخرج الدلو نصفه أو ثلثه فذلك ليس بنزح، وتلك مستبحرة ما لم تفرغ إذا أمسكت على ذلك، وأما إذا خرج من الدلو أقل من نصفه فذلك ليس مستبحرا، وقال قوم: إذا نزع منها أربعون دلوا ولم يفرغ ماؤها فراغا لا ينتفع به إلا بالمضرة فهو بحر.
مسألة: وعن الطوي النجسة إذا نزحت بدلو نجسة تطهر أم لا؟ فإن استقى (7/34)
صفحة 2105
منها بلا نية ما يزيد على الأربعين تطهر أم لا؟ قال: لا تطهر في كلا الوجهين والله أعلم.
مسألة: من الضياء، وقيل: إن موسى بن علي توضأ يوما من بئر وكان كثير الشكوك فلما انصرف وقارب ليدخل المسجد اتبعه رجل فقال: إن البئر وجدت فيه ميتة، فقال: لعلها سقطت بعدنا، قال: فإنها متفسخة، قال: لعل طيرا اختطفها وألقاها في البئر.
مسألة: ومنه: ومن بات في بيت قوم وكان جاهلا بالموضع فأخذه البول فدخل خلاء لقوم وفيه بئر فبال في البئر ثم أنكر الموضع فأمسك وتحول إلى غيره ثم غدا ولم يعلمهم حياء فلا شيء عليه حتى يعلم أن البول وصل إلى البئر وأنه ينجسها ما وقع فيها من البول، وهنالك عليه إعلامهم وهي على الطهارة حتى يصح فسادها، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع أبي محمد، فإذا وقع في بئر أو غيرها إنسان فمات فيها أخرج ونزح ماؤها كله أو مقدار ما فيها من الماء إذا لم يقدر على نزح مائها كله لما روي عن ابن عباس وابن الزبير أنهما نزحا زمزم من زنجي وقع فيها فمات، والتقدير عند أصحابنا في نزح البئر النجسة أربعون دلوا وخمسون دلوا إنما هو مقدار ما فيها من الماء قبل أن يزيد ماء العيون، هكذا ظني أن قصدهم هذا، والله أعلم.
وقد روي عن ابن عباس وأبي هريرة وجابر بن عبد الله أن الجنب إذا اغتسل في الماء أفسده والميت أولى بفساد الماء إذا مات فيه.
ولا يجب غسل جوانب البئر إذا نزحت بالإجماع على ذلك، لأن الذي يلاقي جوانب البئر من الماء النجس يزيله ما يقع من جوانب البئر لأنه ماء جار ويرده إلى الماء الراكب فيها، وأما الراكد فيها فلا يبقى على جوانبها نجاسة ولا تشبه الآبار مما وصفنا الأواني لأن ما يلاقي جوانب الأواني لا يزيله إلا الغسل عنها إذ لا منبع من جوانبها، وفي الرواية أن الصحابة اختلفوا في فأرة ماتت في بئر فأمرهم أن ينزح منها أكثر مما أمر به الآخر، واتفقوا على نزحها، وإنما الاختلاف بينهم في قلة الماء وكثرته ولم ينقل مقدار الماء الذي كان فيها، ومثل هذا يحتمل التأويل قلة الماء وكثرته، ومع وجود الطعم والرائحة، والله أعلم. (7/35)
صفحة 2106
ومن الكتاب: قال بعض أئمتنا ممن يذهب إلى تنجيس البئر إذا حل بها النجاسة القليلة وهي تمد زاجرها أنها تنزح خمسون دلوا بدلوها بعد أن يكون الدلو طاهرا وتطهر الدلو بعد فراغ النزح بها فإن كانت النجاسة مستنجسة لها عين قائمة في البئر لم يطهرها النزح الذي ذكرناه إلا بعد إخراجها من البئر، قال: وإن وقعت الدلو في بئر أخرى قبل أن تغسل، نزحت البئر الثانية أيضا خمسون دلوا بعد أن يطهر الدلو، وكل بئر فهذا سبت لها، وإذا بقي فيها دلو واحدة من الخمسين لم تنزح في ذلك اليوم وأخرت على اليوم الثاني واستقبل نزحها من أوله، وقد كان يجب على أصله أن لا يوجب إخراج غير تلك الدلو الباقية التي يتم بها نوح وتطهر به لأن بقاءها في البئر قبل إخراجها لم يجب إخراج غيرها، كذلك إذا عات إليها لم يحدث حكما لم يكن في حال كونه في الماء، والله أعلم.
وأما أبو حنيفة فقال: لو استقى من طوي نجسة وصب في طوي طاهرة حكم للطوي بالنجاسة، قال: وإذا نزح منها مقدار ما صب فيها من الطوي النجسة عادت إلى طهارتها ولم يوجب إخراج غير ما صب فيها من الطوي، وفرق الشافعي بين الوارد على النجاسة من الماء المورود عليه ثم ناقض من قبل قال: في القلتين من الماء: إذا وردتا على النجاسة أو وردت النجاسة عليهما فسواء في هذا الموضع بين الوارد والمورود عليه، وكذلك في أقل من قلتين كذا نقول والله نسأله التوفيق.
ومن الكتاب: اختلف السلف في الفأرة ونحوها إذا ماتت في بئر، كم ينزح منها ومع اختلافهم في ذلك أجمعوا على أن ينزح بعضها وطهر الباقي منها وذلك أن الميتة أول ملاقاتها للماء لا يلحقه منها إلا أجزاء خفيفة من ظاهرها ليس من شأنها الاختلاط بالماء بل تعلوه وما كان هكذا فسريع الانحدار إلى الدلو إذا كانت الأجزاء يسيرة، وإذا كانت الأجزاء يسيرة لم يحتج على كثير نزح، فإذا زادت الأجزاء زيد في النزح منها بقدرها، فإذا كثرت وغلبت ينزف ماؤها كله إن قدر على ذلك فإن لم يقدر على ذلك فبقدر مائها، كما روي عن ابن عباس وابن الزبير في زمزم لما انفسخ الزنجي فيها نزفوا ماؤها كله بعد إخراجه وإخراج ما قدر عليه منه وأمر بسد العيون بالخرق وغيرها، والقياس أن الماء فسد كله كما لو كان في الأواني ولكن رأوا أن ذلك يؤول إلى مشقة في باب العبادة.
مسألة: عن أبي الحواري وعن بئر وقعت فيها ميتة أو عذرة فتركها أصحابها كما هي ولم يخرجوا منها الميتة ولا العذرة وهجروها ما شاء الله إلى أن أصاب الغيث (7/36)
صفحة 2107
وكثر ماؤها، هل يجوز أن يستقي منها للوضوء والصلاة؟ وقلت: ما تقول إن قل ماؤها بعد ذلك هل يجوز أن يتوضأ منها ويشرب منها؟ فعلى ما وصفت فإذا استبحرت جاز لهم أن يستقوا منها وإن قلت بعد ذلك فقد طهرت أو يستقي منها إلا أن يتغير ماؤها بطعم أو ريح إلا أن تكون الميتة قائمة بحالها والعذرة فإذا قلت فسدت وإذا كثرت البئر طهرت، فإن كانت العذرة والميتة قد هلكا لم تضرها القلة بعد الكثرة.
مسألة: قال أبو عبد الله في أهل بيت أخبرهم مخبر أن في بئرهم لغا ميتا فطلبوه فلم يجدوه، فقال: إن كانوا لا يتهمونه بكذب فلينزحوها وإن كانوا يتهمونه بكذب فلا بأس عليهم ما لم يشموا لها ريحا فإن ذلك لها مفسد حتى يخرج اللغ إلا أن يكون البئر بحرا. (7/37)
صفحة 2108
[صفحة بيضاء] (7/38)
صفحة 2109
الباب التاسع
باب في نجاسة البئر إذا كانت بقرب كنيف أو غيره
من الزيادة المضافة من الأثر: وسألته عن الطوي إذا كانت تحتها كنيف وبالوعة من الحد الذي تنجس منه الطوي إذا كانت مما يتنجس، قال: إذا كان الكنيف أو البالوعة فوق ستة أذرع إلى سبعة فليس عليهم في ذلك فساد الطوي إن لم يتغير طعمها أو ريحها إلا أن يعلموا أن ذلك التغير من الكنيف من النجاسة. وأما إذا كانت دون ذلك فتغير عرفها أو طعمها فإنها تفسد إلا أن يعلموا أن ذلك التغير من غير ذلك من الطهارات مما لم يغير عرفها أو طعمها فليس فيها بأس ولو كانت قريبة من الكنيف. قلت له: وكذلك قرب الطوي موضع مسمود عذرة فإذا سقى تغير طعم الطوي أهو في هذا مثل الكنيف؟ قال: إذا كان الماء إذا بقي فيه العذرة وما يتنجس فهو بمنزلة الكنيف، قال: والبعد على معنى قوله.
مسألة: من الضياء: وإذا تنجست بئر وأراد صاحبها حفر بئر إلى جانبها فإذا دفن البئر النجسة فليحفر بقربها حيث شاء وإن لم يدفنها فليحفر على أقل ما يكون من النجاسة على عشرة أذرع، وقال أبو محمد: اختلف في مقدار المسافة بينهما، فقال قوم: يحفر عنها ستة أذرع ما دارت، وقال آخرون: من حفر في الشمال أو الجنوب فسح عنها ستة أذرع، وإن كان في أعالي الماء ترك أربعة أذرع، وإن حفر أسفل عند نزول الماء حفر عنها بقدر ثماني أذرع لأن جري الماء إلى المشرق، وقال بعض: يبعد عنها خمسة عشر ذراعا من حيث حفر، وقال بعضهم: لا يجعل للمسافة عنها حدا ولكن تعتبر بالقطران وبما يقوم مقامه مما يدل على اختلاط مائهما مما يؤدي طعمه في البئر (7/39)
صفحة 2110
الأخرى، فإن استحل بذلك على وصول الماء النجس واختلاطه بماء البئر الطاهرة كانت هذه أيضا نجسة ويبعد عنها.
مسألة: ومنه وقال في موضوع آخر: إن البالوعة إذا كانت جنبها بئر وحذر من مجاورتهما أن ذلك يطلب معرفته بالغير والقطران فإن ذلك بطعم أو رائحة في ماء البئر انتقل عنها وإن لم يؤد لم يزل حكم الطاهر عن مائها وليس لتحديد القرب والبعد معنى لأن السنة لم ترد بذلك ولا أجمعت الأمة عليه. (7/40)
صفحة 2111
الباب العاشر
ما خرج من والج الفرج من ماء وقيح، وما أشبه ذلك
قلت: له ما تقول: في المرأة إذا غسلت موضع الجماع وأدخلت يدها فأنقته ثم إنها احتاجت أن تدخل يدها فيه لدواء تحتمله أو لغير ذلك، فأدخلت يدها في موضع الجماع أتكون يدها طاهرة أم نجسة؟ قال: تكون طاهرة، لأنها إذا أنقته فهو طاهر حتى تعلم أنه نجس، قلت له: فإذا جامعها زوجها فأدخلت يدها وغسلت موضع الجماع ثم قامت تصلي وبعد ذلك خرج عليها ماء من الفرج من والج؟ قال: قالوا: ما جاء من ذلك الموضع فهو نجس إلا أن تعلم هي أن ذلك يحتقن من الماء في موضع الطهارة فهو طاهر.
مسألة: أحسب عن أبي بكر أحمد بن محمد وفيمن يخرج منه قعاده ثم لا ترجع إلى موضعها ويتوضأ للصلاة ثم يجد منها رطوبة وهو يصلي وتمس الرطوبة ثيابه ما حال صلاته وثيابه فعلى هذه الصفة إذا احتمل أن هذه الرطوبة من الماء الطاهر كان حكمه طاهرا إن شاء الله.
مسألة: ومن غيره أحسب عن أبي إبراهيم، وقيل: في المرأة إذا تطهرت ثم خرج من فرجها من موضع ما تناله الطهارة ماء مما يحتمل أن يكون يبقى من الماء الطاهر فهو ذلك، وذلك ما لم يكن متغيرا وكان ليس فيه تغير بمنزلة ما يخرج من الفرج، وأما غير ذلك فيما أتى من الفرج من غير الماء الذي يمكن أن يكون يأتي في موضع الطهارة من الطاهر فهو نجس.
مسألة: وعن امرأة استنجت بالماء فأمسكت على فرجها بخرقة صغيرة وبعض (7/41)
صفحة 2112
الخرقة داخل في الفرج فلما صلت نظرت فإذا رأس تلك الخرقة التي كانت مدخلة في الفرج رطبة، هل عليها إعادة الوضوء والصلاة أم لا؟ قال: الله أعلم (سل).
قال أبو سعيد: معي أنه إن كان ذلك في موضع الطهارة حيث تبلغ الطهارة من فرجها وكانت الرطوبة لا تحتمل أن تكون من الطهارة باقية بالخرقة فعليها إعادة الوضوء، وأما الصلاة فإن احتمل أن يكون ذلك حدث بعدما صلت وقضت صلاتها فيخرج عندي أنه لا بدل عليها حتى تعلم أنه كان في الصلاة ويخرج أن عليها البول حتى تعلم أنه حدث من الصلاة، ويعجبني أن لا بدل إذا احتمل من بعد الصلاة، وإذا ارتابت فلم تعلم ما تلك الرطوبة من طهارة أو نجاسة حادثة فاحتمل هذا وهذا، فقد قيل بنجاسته حتى تعلم طهارته، وقيل: بطهارته حتى تعلم نجاسته فيما يقع لي، وعندي ويعجبني أن تحمل نفسها على الأغلب مما يقع لها وإلا تحمل نفسها على ريب في هذا.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الرهائن: وسألته عمن يخرج من قضيبه قيح ينجسه أم لا؟ قال: إن خرج من موضع مجرى البول نجسه وإن كان غير ذلك لم ينجسه. (7/42)
صفحة 2113
الباب الحادي عشر
في نجاسة الثياب
ومن جواب أبي الحسن، وعن رجل قاعد فلما قام وجد ثقب القضيب انطلق من الثوب ميره، كأنه كان عالقا فلما نظر ذلك لم ير بللا ولا شيئا في الثقب ولا في الثوب، فإن كان يصح معه أنه كان التزاقه من رطوبة طهرت منه فيغسل ذلك الموضع من الثوب وذلك أحب إلينا، وإن كان لم يصح معه ذلك فحتى يعلم أنه قد مس ذلك الثوب وذلك أحب إلينا، وإن كان لم يصح معه ذلك فحتى يعلم أنه قد مس ذلك الثوب منه رطوبة فاسدة والله أعلم بالصواب.
وقلت: ما ترى في ثوبي إذا كنت قد شككت فيه ثم نسيت حتى صليت به صلاة أو أكثر؟ قلت: يلزمك النقض أم لا؟ فعلى ما وصفت فليس الشك من أمر الدين في شيء مّا كنت عالما بطهارته حتى تصح معك نجاسته فهذا في الحكم ليس يوجب عليك نقضا حتى يتبين لك فساد ذلك الثوب الذي صليت به، وأما من يستريب القلب من شكه فليس ذلك محروم به إلا من تبرع بكل ذلك بفضله والله أعلم بكل ذلك وعدله.
مسألة: أحسب عن أبي الحسن وأما ما ذكرت فيمن يتوضأ في ثوب نجس أو غسل ثم لبس ثوبا نجسا فهذه مسألة نحن لا نعمل بها ولا فخطئ من عمل بها، وقد وجدنا فيها أنها مسألة متروكة ووجدنا أنه جائز ووجدنا من يجيز ذلك، والذي أحسب أن الشيخ أبا الحواري قال لي في معنى قوله: إنه لا يعمل بها ولا يخطئ من عمل بذلك، ويوجد في الأثر أنه جائز، والله أعلم بالصواب. (7/43)
صفحة 2114
قال غيره: نأخذ بقول أبي الحسن وأبي الحواري -رحمه الله- وهو أحوط.
من كتاب شرح جامع ابن جعفر وبلغنا أن بشيرا -رحمه الله- لم يكن يرى بأسا أن يلبس الرجل الثوب وفيه جنابة يابسة وجسده رطب، ولعله كان يذهب إلى أن الرطب لا يأخذ من اليابس، واليابس يأخذ من الرطب ذكره غيره، ذلك ورأى من كرهه أحب إلي.
ومن غيره قال محمد بن المسبح: قال محمد بن محبوب -رحمه الله-: هذه مسألة متروكة، قال أبو محمد بن بركة تفسير الذي ذكره عن بشير لا نراه عدلا لخروجه عما يعرف من عادة الطاهر والنجس إذا التقيا وأحدهما رطب، وأما قوله: إن اليابس يأخذ من الرطب فهذا يجوز في مدة يسيرة، وأما إذا تطاول الوقت بتجاوزهما والتصاق أحدهما بالآخر، فإن كل واحد منهما يأخذ من صاحبه، وفي الأثر أنهم أجمعوا أن الفأرة إذا وقعت في السمن المائع وهي ميتة ولو كانت يابسة أن السمن يراق بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك لو غمس في سمن أو دهن قطعة عذرة يابسة غمست فيه غمسة واحدة ثم أخرجت إنما ألقيت فيه محكوم فيه يحكم النجاسة، والله أعلم.
مسألة: وعن الثوب إذا أصابه فيه الجنابة ووقعت فيه أينجس ما تحته؟ قال: يروى عن أبي المؤثر -رحمه الله- أنه قال: إذا كان طاقا واحدا نجس الثاني وأما الثالث فهو طاهر حتى يعلم أن النجاسة مسته، قال: وأما الشيخ أبو الحسن فرفع عن أبي الحسن رحمهما الله أنه قال: إذا وقعت في الثوب النجاسة فالثاني طاهر حتى يعلم أنه مسته النجاسة، قال: إلا أن محمد بن خالد كان يقول أن يتهمه أنه مسته النجاسة فيغسله.
مسألة: وعن أبي الحسن محمد بن الحسن: وسألته عن رجل تكون يده نجسة من استبراء أو غيره، ويأتي إلى الماء ليتوضأ ومعه نسخه ويعرف من نفسه أنه لا يمس ثيابه إلا من بعد أن يغسل يده وينقيها ثم سدع ثيابه بيده وهي رطبة وفيها رسم الغسل فقال: إذا كان يعرف نفسه بذلك وجاء إلى الماء ليتطهر ثم سدع بيده شيئا من الطاهرات فذلك طاهر حتى يعلم أنه لم يغسل يده، قال: وكان أبو الحواري -رحمه الله- يقول: كان أبو المؤثر -رحمه الله- غسل شيئا من الدم فإذا اغتسلوا قال لهم: لا ترجعوا أنظروا إليه ودعوه، وكان مذهبه أنه إذا غسل موضع النجاسة من (7/44)
صفحة 2115
ذلك الذي يخاف أن يكون يرجع يخرج من النجاسة أنه ليس عليه أن يرجع ينظر إليه وقد طهر.
مسألة: سألت أبا الحواري -رحمه الله- عن الثوب إذا وقع على الموضع من الأرض وهو ثري من البول هل يفسد الثوب؟ قال: لا يفسد الثوب حتى يعلم أنه أخذ من الثرى فعند ذلك يفسد.
مسألة: وعن امرأة استنجت وأمسكت على فرجها بخرقة صغيرة وبعض الخرقة يدخل في الفرج فلما صلت نظرت فإذا بعض رأس الخرقة التي كانت مدخلة في الفرج رطب هل عليها إعادة الوضوء والصلاة أم لا؟ قال: الله أعلم سل قال محمد بن الحسن -رحمه الله- أنه إن كانت الخرقة إنما تبلغ حيث يبلغ الاستنجاء من فرجها فلا إعادة عليها حتى تعلم نجاستها، لأنها إنما بلغت إلى موضع قد طهرته بالاستنجاء والله أعلم بالصواب.
ومن غيره قال: هكذا قيل في هذه المسألة إن كانت تبلغ يدها الاستنجاء والطهارة فالرطوبة طاهرة حتى تعلم أنها نجسة، وإن كانت تبلغ إلى حيث لا تناله الطهارة فالرطوبة من ذلك الموضع نجسة حتى تعلم أنها طاهرة. (7/45)
صفحة 2116
[صفحة بيضاء] (7/46)
صفحة 2117
الباب الثاني عشر
باب في البول والغائط ودخول الخلاء وما أشبه ذلك
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد حاجته أبعد في المذهب، وثبت أنه إذا أراد البول بال ولم يتباعد، وأن يستتر من أراد الحاجة على الناس روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لرجل: «إحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك»، وليقل عند دخول الخلال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، كذلك السنة، وثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولكن أشرقوا أو أغربوا»، وقد اختلف أهل العلم في هذا
الباب فقالت طائفة: بظاهر هذا الحديث منهم سفيان الثوري.
وقال أحمد: يعجبني أن يتوضأ في الصحراء أو البيوت فيه، وكذلك قال عروة بن الزبير، وقال: أين أنت منها؟ وحكى ذلك عن ربيعة.
وقال قائل الأخبار في هذا
الباب جاءت مختلفة يجب اتفاقها وترك الإباحة كما كانت.
ورخصت فرقة في استقبال القبلة للبول والغائط في المنازل ومنعت من ذلك في الصحاري، هذا مذهب الشعبي وبه قال الشافعي وإسحاق، واحتج محتج في النهي عن ذلك بخبر أبي أيوب، وفي الرخصة بخبر ابن عمر وبه نقول.
قال أبو سعيد: معي أن هذا كله يخرج على معنى الأدب في المبالغة في حفظ (7/47)
صفحة 2118
العورة وسترها في جميع الأحوال، ومعي أنه مما يدل على ذلك كراهية إظهار العورة عند جميع ذوات الأرواح من معاني الأدب، وأما استقبال القبلة فيخرج عندي أن ذلك تعظيم للقبلة لأنها أشرف المجالس ما تستقبل فيه القبلة إلا بمعنى يرجى فيه ما هو أفضل من استقبالها في كل حال لأنها وجهه، وأحسب أن الذي يذهب إلى هذا من كراهية استقبال القبلة عند الغائط إنما ذلك في الصحاري، وظواهر الأرض، وأما إذا كان في الستر فذلك أهون على حسب ما قيل.
ومن (الكتاب) قال أبو بكر: اختلفوا في البول قائما فثبت عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما، وروي ذلك عن ابن مسعود أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم، وقد روي ذلك عن الشعبي، وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائما وفيه قول ثالث وهو أن البول إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس، وإن كان في مكان يتطاير عليه منه شيء فهو مكروه، وهذا قول مالك، قال أبو بكر: تبول جالسا أحب إلي والبول قائما مباح وكل ذلك ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال أبو سعيد: كل ما قيل في هذا فهو خارج معي على معنى المبالغة في الأدب وثبوت ما يحسن من الأخلاق، وكلما بالغ الإنسان وذهب بنفسه إلى حسن الأخلاق لله كان أرجى له أن يتم الله عليه نعمه ويصرف عنه نقمه.
وأما قول من قال: لا تقبل شهادته فلا يخرج عندي إلا على مخصوص من الأمور، وقد يجوز ذلك على معنى الاعتبار في أحد بعينه قال فيه فيما يتولد عليه من ذلك من الأمور التي تعينت عن غيره وشاهدها من قال بها.
من كتاب (الأشراف) قال أبو بكر: روينا عن ابن عباس أنه قال: أكره أن أذكر الله على حالين: الرجل على خلائه والرجل يواقع أهله، وممن كره ذلك معبد الجهني وعطاء بن أبي رباح، وقال مجاهد: يجتنب الملك الإنسان عند غائطه وعند جماعه، وقال عكرمة: لا يذكر الله وهو على الخلاء بلسانه ولكن بقلبه، وقال إبراهيم النخعي: لا بأس أن يذكر الله في الخلاء، وسئل ابن سيرين عن الرجل يعطس في الخلاء؟ قال: لا أعلم بأسا أن يذكر الله على كل حال، قال أبو بكر: يقف عن ذكر الله في هذه المواطن أحب إلي ولا أؤثم من ذكر الله فيها.
قال أبو سعيد: ذكر الله معنا جائز وفضل في كل موطن وعلى كل حال أنت (7/48)
صفحة 2119
من الأحوال، وإنما يكره ذكر الله معنا في هذه الأحوال بالقرآن فلا تقرأ القرآن في هذه المواطن إلا أن تكون متطهرا، وهذه المواضع ليست مواضع طهارة وإنما كره في هذه الأحوال الكلام بغير ذكر، ومعنى ذلك -فيما قيل- أن الحفظة عليهم السلام إذا كشف المرء عن عورته في أحد هذه المواضع غضوا عنه أبصارهم، فإذا أقبلوا عليه ليحفظوا عليه فإذا كان منكشفا كان ذلك مما يؤذيهم لأنهم كرام الأخلاق، وأما جميع ذكر الله فلا يكره في أي موضع كان، وأما الذي يدخل الخلاء ورجله يابسة ويرجع ورجله رطبة فإن احتمل بوجه من الوجوه أن تلك الرطوبة التي لحقت رجله طاهرة فرجله على طهارتها وإن لم يحتمل إلا أنها نجسة فعليه طهارة رجله لما يجب من ذلك.
مسألة: وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تستقبل القبلة بغائط أو بول.
مسألة: ومن جامع أبي محمد الذي نختاره للمسلم إذا أراد التطهر والبراز في الأرض أن يقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فعله والاتباع لأمره ولينتهي عما نهى عنه في آدابه وعزمه وأن لا يستقبل القبلة بغائط ولا بول، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان من آدابه أنه لا يكشف إزاره إذا أراد حاجة الإنسان حتى يقرب من الأرض، وروي عنه من طريق عبد الله بن عمر أن رجلا مر به - صلى الله عليه وسلم - وهو يريد البول أو في حال يبول فسلم فلم يرد عليه السلام، فينبغي لمن رغب في الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آدابه أن لا يسلم على أحد وهو مشتغل ببول ولا غائط، ولا يرد البائل أيضا السلام، وقد قال بعض أصحابنا: إن عليه أن يرد السلام إذا فارق الحال التي كان عليها.
وكذلك قالوا في المصلي إذا سلم عليه الداخل إن عليه أن يرد السلام إذا فرغ من صلاته، وفي الرواية ما يدل على سقوط رد السلام في تلك الحال وبعدها لأنه ليس في الرواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد السلام على المسلم بعد ذلك، لأن رد ذلك السلام فرض، والفرض لا يجب إلا أن يوجبه ما يوجب التسليم له، ولسنا نوجب ذلك إلا أن يوجبه اتفاق أو سنة، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الغائط والبول في الأحجرة، وفسر ذلك بعض أهل العلم فقال: إنما نهى عن ذلك عليه السلام لأنها مساكن إخوانكم من الجن، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه»، ففي هذا دليل أنه قد نهى عن الاستنجاء من البول والغائط باليمين، ومن الكتاب، والاستنجاء مأخوذ من النجو وهو ما ارتفع عن الأرض، وكان الرجل إذا أراد قضاء حاجته استتر بنجوة يقال: ذهب ينجو كما قالوا ذهب يتغوط إذا أتى الغائط وهو الموضع المطمئن من الأرض ثم سمي الحدث نجواً باسم الموضع واشتق (7/49)
صفحة 2120
اسم الحدث باسم المكان الذي ينتهي إليه به كما يسمى المتمسح بالأحجار الماسح بها مستجمرا لأن الحجارة الصغار تسمى جماراً كما تسمى الحجارة العقبة جمارا، ومنه الحديث: «إذا توضأت فاستجمر وإذا استجمرت فأوتر».
مسألة: من الزيادة المضافة عن قتادة إن جن نصيبين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا زودنا، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن كل روثة لكم خضر وكل عظم لكم لحم»، فقالوا: إن بني آدم نجسوه علينا فنهى - صلى الله عليه وسلم - أن يستنجى بروثة أو عظم.
مسألة: من (الضياء) روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا أراد الدخول إلى الخلاء قدم رجله اليسرى قال: بسم الله، ولم يكشف حتى يقرب من الأرض، ومنه ويقول عند قعوده: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإذا خرج منه النجو قال: الحمد لله الذي أطعمني طعاما أذاقني شهوته وأذهب عني أذاه، وفي الخبر أن قول الله تعالى في مدحه لنوح عليه السلام أنه كان عبدا شكورا يخبر أن هذا كان فعله، وفي بعض التفسير فلينظر الإنسان إلى طعامه يعني بذلك الغائط أنه كان طعاما ثم رجع إلى هذا الحال ليعتبر بذلك، قال ابن عباس: إذا قضى حاجته نظر إلى حدثه، وقال أبي بن كعب: إن الله تعالى أولع الإنسان بذلك لينظر ما يحل به إلى ما صان الحسن قال: ملك موكل بابن آدم إذا جلس في خلائه ثنى ذقنه حتى ينظر إلى ما يخرج منه.
مسألة: منه وقيل: إن كان على فص خاتمه اسم الله تعالى فيجعله في فيه أو في جيبه، وقيل: يدير فصه إلى ناحية كفه ويقبض عليه والله أعلم.
مسألة: منه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخلتم منازلكم فقولوا بسم الله أعوذ بالله من الرجس النجس الخبث المخبث الشيان الرجيم، فإنه مأواهم، فإذا جلستم على خلائكم فشمروا ثيابكم وجنبوها القذر»، ومنه واعتمدوا في الخلاء على شقكم الأيسر وانصبوا الساقات ذلك أسرع لقضاء حاجتكم ولا تتربعوا على الثوب فإن ذلك يورث الوسوسة، ولا تنظروا إلى ما يخرج منكم فإن ذلك يورث الباسور، ولا تنظروا إلى فروجكم، ولا تقوموا حتى تعلموا أنكم قد قضيتم حاجتكم، واتخذوا الخف» والله أعلم.
مسألة: ومنه وقال أبو عبيد في حديثه - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج يريد حاجته فاتبعه بعض أصحابه فقال: تنح فإن كل بائلة أفيح، وقال أبو زيد: الإفاحة الحدث من خروج (7/50)
صفحة 2121
الريح خاصة، ويروى عن أبي ذر أنه بال رجل قريب منه فقال: يا ابن أخي قطعت لذة بيلتي كأنه استحى من قربه فمنعه ذلك التنفس عند البول.
مسألة: منه وقال أبو علي: من كان يبول أو يستنجي أو يغتسل فما نرى بأسا أن يكلم غيره إذا كلمه أو يبتديه أو يتكلم بحاجة إذا غسل والله أعلم.
مسألة: منه: وفي الحديث: اتقوا الملاعن وأعدوا النبل -النبل- بضم النون وفتح الباء وهي الحجارة للإستنجاء، والملاعن قيل المواضع التي لعن من يبرز فيها، وفي حديث آخر: الملاعن الثلاث وهي الموارد، والطرق، والظل. (7/51)
صفحة 2122
[صفحة بيضاء] (7/52)
صفحة 2123
الباب الثالث عشر
في نجاسة البول والمني والمذي والودي
جاءت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إثبات نجاسة البول وبه قال عوام أهل العلم منهم مالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق من أصحاب الرأي، وغيرهم والشافعي وأصحابه وكل من حفظت عنهم من أهل العلم وكذلك قوله.
واختلفوا في البول اليسير مثل رؤوس الإبر يقول في البول ينتضح على الثوب مثل رؤوس الإبر، ليس هذا بشيء، وبه قال الحسن، وبالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي أن قول أصحابنا يشبه ما قال في القول الأول الذي عليه عوام الناس، ولا أعلم بينهم تفريقا في قليل البول وكثيره إلا أنه مفسد إذا ثبت فساده يفسد قليله وكثيره لمعاني قولهم عندي.
ومن الكتاب: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل المذي من البدن، وقال أبو بكر: فإذا أوجب غسله من البدن وجب غسله من الثوب الذي يريد أن يصلي فيه لئلا يصلي إلا في ثوب طاهر.
وممن أمر بغسل المذي عمر بن الخطاب وابن عباس وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي ثور وإسحاق وكثير من أهل العلم غير أحمد بن حنبل.
وقال إسحاق بن منصور: حكي عنه أنه قال في المذي: أرجو أن النضح يجزيه والغسل أعجب إليّ.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج معاني الاتفاق في قول أصحابنا على القول (7/53)
صفحة 2124
الأول، ولا أعلم بينهم اختلافا إلا أن فيه الغسل من البدن والثوب قليله وكثيره وأنه نجس ما كان من قليل أو كثير.
ومن الكتاب: روينا عن أم قيس ابنة محصن أنها جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - بابن لها صغير لم يأكل الطعام فأجلسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبال عليه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله، وروينا عنه أنه قال في بول الرضيع يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام، فقال قتادة: فهذا إذا لم يطعم فإذا طعم غسلا جميعا.
واختلفوا في هذا
الباب فقالت طائفة: ينضح من بول الغلام ما لم يطعم الطعام ويغسل من بول الجارية، وروي هذا القول عن على بن أبي طالب وعطاء والحسن البصري وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وممن رأى أن يغسل ذلك كله النخعي، وقال الثوري في بول الغلام والجارية يصب عليه الماء.
قال أبو المؤثر: يغسل بول الغلام والجارية، وإن ثبت حديث الزبير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان جائزا في بول الغلام، وقد روينا عن الحسن البصري قولا ثالثا وهو أن بول الغلام والجارية ينضحان جميعا ما لم يطعما، قال أبو سعيد: معي أنه يشبه معاني الاتفاق من قول أصحابنا في الترخيص في الصب على بول الرضيع ما لم يطعم ويخلط الطعام، ولا أعلم في ظاهر قولهم معنا تفريقا بين الصبي والصبية، وقد يوجد هذا الحديث بالفرق بين الصبي والصبية والصب على بول الصبي، والغسل لبول الصبية، فإذا ثبت عندي الغسل في بول الصبية فالصبي مثله، وإذا ثبت الصب على بول الصبي فالصبية مثله في الاستدلال فمن هنالك أشبه معاني الاختلاف في ثبوت الغسل في بول الصبي طعم أو لم يطعم، والصب عليه ما لم يطعم، والعجب من قولهم في الترخيص في بول الصبي ما لم يطعم مع إجماع القول فيه من الأمة على أنه نجس لولا ذلك لم يثبت فيه معنى الغسل والصب وإثباتهم الغسل في بول بهائم الأنعام ولو لم يطعم، وقالوا: لا يجزي في ذلك الصبي ويجزي في هذا الصب، وهذا عندي إذا ثبت الصب في بول الصبي الذي يطعم بهذا المعنى ففي بول البهائم ما لم يطعم أقرب، وإذا ثبت معنى الغسل في بول الأنعام ما لم تطعم فبول الصبي أولى وأثبت.
ومن الكتاب: واختلفوا في طهارة المني فممن غسله من ثوبه عمر بن الخطاب وأمر بغسله جابر بن سمرة وابن عمر وعائشة وابن المسيب، وقال مالك: غسل (7/54)
صفحة 2125
الاحتلام من الثوب أمر واجب مجمع عليه عندنا، وهذا على مذهب الأوزاعي والثوري، غير أن الثوري يقول بقدر الدرهم، وفيه قول ثان أنه طاهر يفرك من الثوب فممن رأى أنه يفرك من الثوب سعد بن أبي وقاص وابن عمر، وقال ابن عباس: يمسحها بإذخرة أو خرقة ولا تغسله إن شئت.
وقال ابن المسيب: إذا صلى فيه لم يعد، والمني عند الشافعي وأبي ثور ليس بنجس، وقال أحمد يفركه، وقال أصحاب الرأي: المني إذا جف فمثه الرجل يجزيه، وقال أبو بكر: المني طاهر.
واختلفوا في المني يصيب الثوب يخفي مكانه، فكان عمر بن الخطاب يغسل ما رأى وينضح ما لم ير.
وقال ابن عباس: ينضح الثوب، وبه قال النخعي وحماد وعطاء.
وقالت عائشة: إن رأيته فاغسله وإن لم تره فانضحه.
وكان ابن عمر وأبو هريرة والحسن البصري يقولون: إذا أخفي مكانه غسل الثوب كله.
وفيه قول ثالث: وهو أن الفرك يجزيه فإن كان لا يدري مكانه فرك الثوب كله وهو قول إسحاق بن راهوي.
وفيه قول رابع: أنه طاهر وهو قول الشافعي وأبي ثور، فعلى هذا القول يجزيه إن لم يفركه.
قال أبو سعيد: معاني الاتفاق من أصحابنا يخرج معي أن المني نجس قليله وكثيره في البدن والثوب، وكل هذه الأخبار التي حكيت ونقلت عن أهل العلم يحتمل فيها عندنا معنى أن يكون ذلك تزويرا عليهم، ومنها أن يكون ذلك منهم قبل تكامل السنة في معنى الطهارات، لأن السنن في معاني الطهارات ثبت في كثير منها نسخه لبعضه بعضا ونسخه لكتاب الله، وهذا الفصل من أعجب ما ذهب إليه قومنا، واتفقوا على معناه على مخالفة ما يشبه حكم كتاب الله تبارك وتعالى، إذ ثبت في حكم كتاب الله تعالى الغسل على الجنب من جماع أو احتلام، وثبت مثله بكتاب الله على الحائض، ومثله في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النفساء، ومعاني الإجماع والاتفاق، ويخرج أن البدن قبل ذلك كان طاهرا إلا لعلة فيه توجب الغسل حتى عرض للحائض الحيض، وللجنب الجنابة، وللنفساء النفاس، فثبت معنا الحيض والنفاس فيما يوافقون فيه بأجمعهم أنه نجس، وأنه إنما ثبت الغسل عليها بمعناه (7/55)
صفحة 2126
وخالفوا في نجاسة المني وهو الجنابة وهو مشبه، ومثل للحيض والنفاس في معنى ما يثبت به حكم الغسل والطهارة، ولا يقوم في معنى العقول أن تلزم الطهارة إلا من معنى النجاسة.
ومن كتاب (الأشراف) دلت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن أبوال بني آدم نجسة، يجب غسلها من البدن والثوب الذي يصلى فيه، إلا ما روينا عنه في بول الغلام الذي لم يطعم الطعام.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن بول الغلام والذي يطعم فاسد نجس ولا مخرج له من حكم بولهم، وإنما اختلف في تطهيره، ولم يثبت الإجماع على تطهيره، إلا وأنه نجس، ولكن تطهيره بمعاني الاختلاف، ما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندي يشبه السنة في طهارة النجاسات في غير الذات مما يشبه في النظر أنه يجزي فيها ما يجزي فيه من النضح والصب، لأن الصب والنضح بالماء الطهور إذا ثبت على النجاسة في غير الذوات ثبت مستهلكا لها؛ لأنه مزيل لها في الاعتبار إذا ثبت طهورا.
ومنه، اختلفوا في بول ما يؤكل لحمه ولا يؤكل، فقالت طائفة: ما أكل لحمه فلا بأس ببوله هذا قول عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي والثوري، ورخص في أبوال الإبل والغنم الزهري ويحي الأنصاري، ورخص في ذرق الطائر أبو جعفر والحكم وحماد، وكان الحسن البصري لا يرى على من صلى في ثوب فيه خرق الدجاج إعادة، وقال حماد: أفركه، وكان الشافعي يقول: الأبوال والأرواث لحمها نجسة عنده، وقال الحسن البصري: البول كله يغسل، وقال حماد بن أبي سليمان في بول الشاة يغسله، وقال مالك: لا يرى أهل العلم أبوال ما أكل لحمه وشرب لبنه من الأنعام نجسة وكذلك أبعارها وهم يستحثون على غسلها ويكرهون أبوال ما لا يؤكل لحمه في الدواب وأرواثها الرطبة أن يعيد ما كان في الوقت، وحكى ابن القاسم عن مالك أنه كان لا يرى بأسا بأبوال ما أكل لحمه ما لا يأكل الجيف وأرواثها إن وقع في الثوب، وقال في الطائر: الذي يأكل الجيف والأذى يعيد ما كان في ثوبه منه شيء صلاته في الوقت ولا يعيد إذا خرج الوقت.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن أبوال الأنعام كلها وما أشبهها مما هو مثلها من اسمه أو جنسه أن أبوال ذلك كله مفسد لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك، وأما أبعارها وأرواثها فأكثر معاني قولهم يخرج أنها طاهرة إلا بما عارضها من العلل لمعنى غيره، وكذلك أبوال جميع الدواب من البغال (7/56)
صفحة 2127
والحمير والخيل وما أشبه ذلك، فلا أعلم في قولهم ترخيصا في أبوالها، وهي عندي أشد من أبوال الأنعام للاتفاق على كراهية لحمها والإجماع على طهارة لحوم الأنعام.
وأما أرواث الحمير وما أشبهها فيشبه عندي من قولهم أرواث الأنعام وأبعارها وإن كان عندي يلحق ذلك من الكراهية، وأما أخباث السباع من الدواب والنواهش من الطير من ذوات الناب والمخالب فيخرج عندي في الاتفاق في معنى قول أصحابنا أن ذلك مفسد كله أخباثه وأخراقه وأبواله، وذلك عندي معلول من طريق إذا ثبت غداؤه النجاسات مما هو قول أصحابنا على طهارة خرقه والاختلاف في بوله إذا ثبت معنى الاختلاف طهارة لحمها فقد كان يشبه ذلك في الأنعام وإذا لم يشبه ذلك عندي في الأنعام في هذا المعنى ومثله في هذا الجنس من الطير في أبواله أما سائر الذوات مما يثبت نواهشا وإلا روعي للنجاسات على الأغلب من أحواله، مثل الفأر وما أشبهه فيخرج عندي في قولهم في أبعار ذلك اختلاف، وكذلك يشبه عندي في أبواله عندي أوحش وأقل ما يلحق بأبوال الأنعام إن لم يكن أوحش في النظر، أما الدجاج الأهلي فهو وإن كان من الطير الطاهر فإن الأغلب من أحواله أكل النجاسات فلذلك لحق خزقه معاني الاتفاق من قول أصحابنا أنه نجس، وإذا ثبت منه شيء على غير تلك الحال في الاعتبار لم يخرج عندي عن سائر الطير الطاهر لحمه، وما أشبهه من الطير فهو مثله بما يلحقه معاني العلة بالمرعى كمثل ما يلحقه.
مسألة: من كتاب الأشياخ عن أبي الحسن وعرفني عن المذي والودي والمني قال المذي شيء رقيق يخرج عند الانتشار ليس له عرف، والمني هو الجنابة وهو الذي يجد الشهوة ويضطرب القضيب ويقذف، وهو غليظ له رائحة كالطلع.
مسألة: والمذي هو التبع الذي يخرج من بعد الجنابة.
مسألة: من كتاب الضياء: الجنابة عندنا نجسة، فإن قال قائل: إنها طاهرة ولو كانت نجسة ما خلق الله منها محمدا - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء صلوات الله عليهم قيل له: نجسة، لأن الله تعالى خلق منها الخنازير والكلاب والمشركين وهؤلاء أنجاس، الدليل على ذلك أن الله أوجب فيها الغسل كما أوجب من الحيض والاتفاق أن الحيض نجس والله تعالى خلق الأنبياء من الجنابة فإن جميع بني آدم إذا استحال من الدم إلى حال البشرية كان طاهرا، والاتفاق أنه في حال العلقة نجس.
فصل: يقال: أمنى يمني ومنى يمني والألف أجود، ويقال: مذى يمذي وأمذى يمذي والأول أجود، ويقال: ودي يدي وأودي يودي والأول أجود. (7/57)
صفحة 2128
[صفحة بيضاء] (7/58)
صفحة 2129
الباب الرابع عشر
في أرش الحدث من البول والغائط
ومن الأثر: في رجل ضرب رجلا حتى أحدث من قبله ودبره، قال: إنما عليه سوم عدلين من المسلمين وليس فيه قصاص.
مسألة: وعن رجل ضرب رجلا حتى أحدث البول والغائط، فقد قال من قال: فيه سوم للبول وللحدث الغائط سوم عدل، وقال من قال: للحدث الغائط أربعون درهما، وللبول أقل من ذلك، وإن أعطى للبول عشرين درهما فلعل ذلك قول من الأقاويل.
وقد قيل: لكل ضربة إذا أثرت عشرة دراهم، وإذا لم تؤثر فخمسة دراهم.
وقد قال من قال: له الأوفر إن كان أرش الضرب أكثر فله الأكثر وإن كان أرش البول والغائط أكثر فله ذلك.
وقال من قال: أرش البول وأرش الحدث وأرش الضرب جميعا وكل ذلك صواب. (7/59)
صفحة 2130
[صفحة بيضاء] (7/60)
صفحة 2131
الباب الخامس عشر
في الدم وفيمن يرى في ثوبه دما، وما أشبه ذلك
ومما يوجد أنه جواب أبي محمد عبد الله بن محمد -رحمه الله- وفيمن يرى في ثوبه شيئا من الدم ما يعرف ما هو وهو في الصلاة؟ قال: هذا عليه أن ينقض صلاته فإن كان صلى بذلك الثوب والدم الذي رآه مثل الظفر، فعليه أن يعيد آخر صلاة صلاها في ذلك الثوب، وإذا رأى الرجل في ثوبه نقطة لا يدري ما هو دم بعوض أو غيره، فإن كان معه أنه دم بعوض وإلا غسله.
قال غيره: قد اختلف في الدم الذي يرى في الثوب ولا يعرف ما هو من الدماء؛ فقيل: إنه بمنزلة المسفوح يفسد قليله حتى يعلم غير ذلك.
وقيل: إنه طاهر حتى يعلم أنه نجس.
قال غيره قيل: إنه بمنزلة الشائع ويفسد منه ما يفسد من الدماء النجسة ولا يحكم عليه بأنه مسفوح ويحتذي به حكم الدم الشائع.
مسألة: وهل يكون غسالة المذبحة مما يطهر لحمها؟ فقد اختلف في ذلك المسلمون منهم من قال: إذا نظفت المذبحة وغسلت من الدم طهرت فلا بأس بأكل لحمها، ومما وجدت عن أبي المؤثر -رحمه الله- أنه إذا غسلت المذبحة والأوداج وهو الدم الذي يحتقن في الودج فلا بأس بأكل لحمها، وما خرج من دم من بعد ذلك من غير المذبحة والأوداج فلا بأس.
وقال من قال منهم: إن كل دم عرق خرج من الذبيحة فهو نجس، وبقول أبو المؤثر نأخذ، وأما دم الفؤاد والرئة والكبد، فلا بأس بدمهن، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أجاز ذلك. (7/61)
صفحة 2132
قال غيره، وقال من قال: لا بأس بدم العروق.
ومن الزيادة المضافة من كتاب (الأشياخ) وعن دم البعوض يكون في الثوب منتثرا، أنام في ثوبي في الليل وهو ليس به شيء فيصبح به دم منتثر وأنا لم أره بعوضا يكون حكمه حكم البعوض أم حتى أراه يخرج من البعوض نفسه أم كيف يكون حكمه؟ قال: بلغني عن الوضاح بن عقبة كان يصلي وفي ثوبه دم كثير قيل له، في ثوبك دم بعوض، قال: لا بأس به.
مسألة: من (الضياء) الرجل له دم واحد وهو دم نفسه، والمرأة لها أربعة دماء، دم حيضها، ودم استحاضتها، ودم نفاسها، ودم نفسها، والحيض أربعة أشياء: الدم العبيط والحمرة والصفرة والكدرة ودم الجارية ودم الغلام سواء في النجاسة.
مسألة: منه، اختلف أصحابنا في الدم المسفوح، فقال بعضهم: ما انتقل من مكانه بسفح ولو لم يظهر على فم الجرح.
وقال آخرون: هو ما انتقل من مكانه وسفح إلى غيره، وأما ما كان ظهوره لا يتعدى الجرح الذي يخرج منه فليس بمسفوح، ولو امتلأ فم الجرح الذي خرج منه وكثر.
مسألة: ومنه: ومن لقي رجلا حاملا لحما فمسه منه دم، فحكمه نجس حتى يعلم أنه غسل المذبح، وأما إذا باع عليه فحكمه الطهارة، لأنه إذا حمله فيحتمل أن يكون لم يغسله وإذا باعه فلا يجوز إلا أن يكون حكمه طاهرا، لأنه متعبد بأن لا يبيع إلا طاهرا قد غسل مذبحته والله أعلم.
مسألة: من كتاب (الأشراف) قال أبو بكر: واختلفوا في الدم الذي تعاد منه الصلاة، فكان ابن عباس يقول: إذا كان كثيرا أعاد، وبه قال ابن المسيب وأحمد بن حنبل، وحكي ذلك عن مالك وبه قال أبو ثور.
واختلفوا في مقدر الدم الفاحش، فقال أحمد: إذا كان شبرا في شبر، وحكي عنه أنه قال: شيء كثير.
وقال قتادة: موضع الدرهم فاحش، وقال مرة: مثل الظفر.
وقد روينا عن النخعي أنه قال: إذا كان مقدار الدينار والدرهم يعيد الصلاة منه وقال أحمد: مثل موضع الدرهم يعيد الصلاة منه، وبه قال الأوزاعي. (7/62)
صفحة 2133
وقال سعيد بن جبير: إذا كان أكثر من قدر الدرهم فانصرف، وكذلك قال حماد وبه قال ابن الحسن وقد ثبت عن ابن عمر، كان ينصرف من قليل الدم وكثيره، وقد روينا عن ابن عباس وابن مجاهد أنهما قالا: لا ليس على ثوب جنابة نجاسة، وبه قال سعيد بن جبير والنخعي، وقال الحارث العلكي وابن أبي ليلى: ليس في ثوب إعادة، ورأى طاووس دما كثيرا في ثوبه وهو في الصلاة فلم يباله، وسئل سعيد بن جبير عن الرجل يرى في ثوبه الأذى وقد صلى قال: إقرأ الآية التي فيها غسل الثياب.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج من معاني قول أصحابنا أن الدماء معهم ثلاثة ضروب:
ضرب منها مفسد قليله وكثيره وهو الدم المسفوح، فيخرج في معاني قولهم بما يشبه الاتفاق أن الدم المسفوح مفسد قليله وكثيره في البدن والثوب بمعنى الصلاة، وأن المصلي به في بدن أو ثوب قليلا أو كثيرا على عمد أو نسيان أو علم أو جهل أن عليه الإعادة في صلاته، أن صلاته لا تتم.
والمسفوح في معاني قولهم يخرج بمعنى الاتفاق منهم فيه أنه ما قطع الحديد من الأبدان الصحيحة، من جميع ذوات الأرواح البرية، من ذوات الدماء الأصلية، من بشر أو دواب أو طير.
وفي بعض قولهم: إنه كل دم خرج من جرح طري من هذه الأبدان من هذه الأشياء كلها فهو المسفوح لاحق بما قطع الحديد.
وقال من قال: ليس بمسفوح إلا ما قطع ولا معنى يدل على الفرق فيما قطع الحديد وغيره من الجروح الطرية.
وفي بعض قولهم: إن الدم المسفوح من الذبائح دم المذبحة من الأنعام من جميع المحللات من الصيد وغيره، ذلك من الدم فهو غير مسفوح، وقال من قال: إن دم الأوداج مسفوح وما سوى ما خالط اللحوم من غير هذين فغير مسفوح.
ويخرج من معاني قولهم: إن ما دون الدم المسفوح من الدماء المفسدة يفسد قليله وكثيره في البدن والثوب على التعمد في الصلاة فيه، وأما على النسيان للصلاة في الثوب يختلف فيه إذا كان دون مقدار الظفر أو الدينار أو الدرهم المشبهين بظفر (7/63)
صفحة 2134
الإبهام من اليد، وإذا كان مقدار الظفر فصاعدا على العمد والنسيان في الثوب والبدن.
وقد قيل في بعض قولهم: إنه مفسد في البدن قليله وكثيره، وليس حكمه في البدن على النسيان كحكمه في الثوب، وقد قيل: إنه واحد لا يختلف حكمه في هذا الفصل في البدن والثوب.
والذين لا يفسدون الصلاة به في الثوب والبدن إذا كان أقل من ظفر على غير علم يختلفون فيه إذا علم به في ثوبه ثم نسي وصلى فيه، فمنهم من يقول: عليه الإعادة إذا كان علم، ومنهم من يقول: لا إعادة عليه ويتفق معنى قولهم: إنه إذا لم يعلم أنه قبل ذلك ولا في وقت الصلاة حتى صلى ثم علم أنه لا إعادة عليه.
ويخرج من معاني الاتفاق من قولهم عندي إذا علم بهذا الدم في بدنه أو ثوبه قليلا كان أو كثيرا في صلاته وباقي عليه منها حد لم يتمها أو أكثر من ذلك أن عليه الإعادة وليس عليه أن ينصرف ويأتي بصلاته بغير ذلك الحكم الذي دخل به في الصلاة.
والدم الثالث: معهم دم لا يفسد قليله ولا كثيره، وهم في معاني ذلك يختلفون فمن ذلك دم السمك واللحم ففي أكثر قولهم: إنه لا يفسد قليله ولا كثيره ويخرج من معاني قولهم في كل ذات دم من ذوات الأرواح البرية من غير ذوات الدماء الأصلية، فإنها مجتلبة للدم إنما دم كل شيء من هذا النحو يختلف فيه من قولهم إنه لا يفسد.
واختلفوا في دم البراغيث والبعوض، فرخص في دم البعوض عطاء والحسن البصري والشعبي والحكم وحماد وطاووس وحبيب بن أبي ثابت والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أحمد: ليس هو دما مسفوحا، وقال الشعبي والحكم وحماد وحبيب بن أبي ثابت ببول الخفافيش ودم البق ورخص عروة في دم الذباب، والحسن البصري في دم السمك، وقال مالك في الثوب تصيبه الخنفساء: لا يقطع صلاته.
وقد روينا عن النخعي أنه قال في دم البراغيث: اغسل ما استطعت، وقال في دم البراغيث: إذا كثر وانتشر فإني أرى أن يغسل.
وقال أبو بكر: دم السمك إذا كثر ففحش لا يصلى فيه. (7/64)
صفحة 2135
وقال أصحاب الرأي: إن كان أكثر من الدرهم فصلى فيه فإنه يعيد الصلاة، وإن كان أقل لم يعد، قال أبو سعيد: معي إنه يخرج شبه ما مضى في معاني الاختلاف من قول أصحابنا إلا قوله في بول الخنافيش فلا أدري ما أراد فإن كان بقوله الخنافيش فمعي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا إنه لا بأس به، وإن كان عنى ببول الخفافيش من الطير فمعي أنه يخرج في بعض قول أصحابنا: إن بول جميع الطير مفسد ما أفسد خزقه و لم يفسد خزقه، وفي بعض قولهم: إنما أكل لحمه من غير النواهش، وفي نسخة النواشر وما أشبهها فخزقه طاهر، وإن كان الخفاش ما يخرج من خزقه طاهرا في الشبهة فيخرج عندي في بوله اختلاف وإن خرج في معاني الشبهة للنواشر من الطير فلا أعلم في خزق ذلك الطير ولا في بوله اختلافا إلا أنه نجس في معاني قول أصحابنا.
مسألة: من غير الكتاب: أحسب عن أبي الحسن محمد بن الحسن وسألته عن القيح واليبس من الجراحة إذا كان فيها الدم هل يكونان نجسين؟ قال: إذا كان الدم مختلطا بالبوش أو بالقيح لم يكن نجسا حتى يكون الدم أكثر من القيح أو اليبس وإن كان شيء من الدم متواجدا عن البوش أو القيح فهو نجس يفسد ما مس.
مسألة: ومن جامع أبي محمد ودم الرعاف نجس عند أصحابنا لا خلاف بينهم فيما علمنا لأنهم يقولون بتنجيسه ووافقهم على ذلك أبو حنيفة فقال بتنجيسه قياسا على دم الاستحاضة، وقال مالك: دم الرعاف لا ينقض الطهارة، لأن علة نقض الطهارة عنده المخرج فدم الاستحاضة مخرجه مخرج النجاسات، ومخرج دم الرعاف ليس مخرج النجاسات ولا مخرجا ينقض الطهارة، وقال أبو حنيفة: إن العلة نجاسته فكل دم هذا حكمه دم رعاف أو غيره.
والنظر يوجب عندي المستحاضة لما كان دمها ينقض الطهارة بإجماع إذا كان مخرجه مخرج النجاسات وأنه أذى فإنه دم عرق لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيجب أن يكون هذا أولى وأقوى في باب الاحتجاج، فكل دم عرق فهو نجس، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نبه عن نجاسة الدم بقوله عليه السلام أنه دم عرق وهو نجس وناقض للطهارة وإذا كان القياس على أصلين أو ثلاثة أصول فهو أقوى من التعلق بأصل واحد والسنة تؤيده وحكم الشريعة يوجبه كان الراجع لقياسه إلى أصلين أعم لعلته والله أعلم. والقياس لا يصح إلا على أصل مجتمع عليه وكل القياسين ومن تعاطى الحكم (7/65)
صفحة 2136
بالقياس ورام الحكم به ورجع إلى أصل بقياسه واستنباط علته وما اختلف فيه فلا يكون أصلا ولا يقاس عليه.
ومن الكتاب اختلاف الناس في دم الرعاف هل هو حدث ينقص الطهارة فقال مالك: لا ينقص الطهارة؟ فقال مالك: لا ينقص الطهارة، وقال أبو حنيفة: ينقص الطهارة وعلة أبي حنيفة في نقض الطهارة من دم الرعاف أن دم الاستحاضة يزيل الطهارة بالإجماع، فلما كان دم الاستحاضة ينقض الطهارة بالإجماع كان دم الرعاف مثله في نقض الطهارة وعلة مالك أن دم الاستحاضة ينقض الطهارة بمخرجه، ودم الرعاف ليس بمخرج، ينقض الطهارة، والعلة لأصحابنا أن دم الرعاف ينقض الطهارة لأن دم الاستحاضة دم عرق لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وكل عرق نجس ينقض الطهارة» كما قال - صلى الله عليه وسلم - أن دم الاستحاضة من عرق، فكان في هذا الخبر توقيفا منه أن خروجه من العرق علة لإزالة الطهر، وبالله التوفيق، فكل قد قاس على أصل متفق عليه.
والحكم عند القائمين حكمان: حكم بأصل موقف عليه بعينه وحكم لفرع بقياس، فحكم الفرع مستخرج بأصله، وحكم الأصل موقف عليه بعينه ولو كان الأصل مستخرجا وحكم الفرع مستخرجا كان لا فرق بين الفرع وأصله وكان يكون الفرع أصلاً والأصل فرعا، ويلزم مالكا والشافعي لما قالا: إن دم الرعاف ليس بنجس ولأن مخرجه غير نجس فيجب أن يحرما الوطء في دم الاستحاضة، لأن الله جل ذكره حرم دم الحيض، وحرم الوطء فيه بقوله تعالى: {هُوَ أَذًى} ودم الاستحاضة أذى والمخرج واحد، ولا يعتل مالك بخروج الدم من مخرج غير نجس وبالله التوفيق.
ودليل آخر لنا أن دم العرق نجس فكل دم (من عرق أو غيره) فهو نجس لوقوع الاسم عليه، وإذا تعلقنا بأصلين: أحدهما، أن دم الحيض نجس فكل دم فهو نجس ودم الاستحاضة دم عرق، فكل دم عرق أو غير عرق فهو نجس لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ما قام دليله. (7/66)
صفحة 2137
الباب السادس عشر
في الخنزير والميتة وجلود السباع
ومن جامع أبي محمد: الخنزير مجموعه محرم، ولا يجوز الانتفاع بشيء منه، فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون الخنزير إنما وقع على ما ذكر في الآية فلم لا يكون الشحم منه مباحا إذ ظاهر الآية خص اللحم منه بالتحريم؟ قيل له: إن الله تبارك وتعالى حرم شحم الخنزير وغيره، ومن وجوه أحدها الإجماع وكفى به حجة ووجه آخر أن الخنزير محرم بكليته حتى شعره لأن الله جل ذكره قال: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً} (الأنعام:145) فرد الكناية إلى أقرب مذكور وهو الخنزير، ألا ترى إلى قوله أو لحم خنزير؟ فأتى بذكر الخنزير بعد اللحم فرد الكناية إليه فقال: فإنه رجس، وهذا موجود في اللغة مجوز أن تقول العرب أكرم غلام زيد فإن له علي حقا، يريد بذلك زيدا، وإن كان يجوز أن يريد العبد لأن زيدا أقرب المذكورين، وإذا كان هذا في اللغة جائزا وجب القول به عموما، ووجه آخر أنا لا نتوصل إلى شحم الخنزير إلا من وجهين إما بعد قتله أو في حياته، فإن أخذناه في حياته فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المأخوذ منه ميتة لقوله: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة» وكذلك لو أخذنا شحم الشاة في حياتها كان محرما، وإن أخذنا ذلك بعد إتلافه فالذكاة فيه غير لاحقة به لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرج الخنزير من جنس ما لا يذكى وجعله في حيز ما وجب قتله وإتلافه حيث قال عليه السلام: «بعثت بكسر الصليب -نسخة- الأصنام»، وقتل شحمه من طريق لا سيما ميتة، وفي الإجماع كفاية عما ذكرناه وبالله التوفيق. (7/67)
صفحة 2138
ومن كتاب (الأشراف): قال أبو بكر: قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ}، وأجمع أهل العلم على تحريمه، والخنزير محرم بالكتاب والسنة والإجماع، واختلفوا في استعمال شعره ليخترز به فرخص فيه الحسن البصري ومالك والأوزاعي والنعمان، وكره استعمال شعر الخنزير ابن سيرين والحكم وحماد وإسحاق.
قال أبو بكر: لا يجوز استعماله لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الانتفاع بشحوم الميتة وشعر الخنزير في معناه، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى الاختلاف بالانتفاع بشعر الخنزير كنحو ما ذكرنا من الاختلاف من قولهم في شعر الميتة، ويخرج ذلك عندي لثبوت التحريم في لحمه خاصة وليس شحمه مثل شعره لأن الشحم من اللحم، وليس الشعر من اللحم ولا من الشحم، والشعر على الجلد وهو غير الجلد أيضا في الاعتبار، وإهاب الخنزير مشبه عندي بإهاب الميتة وشعره كشعرها لثبوت التحريم في لحمه خاصة. (7/68)
صفحة 2139
الباب السابع عشر
في خزق الطير وسؤره وبوله وما أشبه ذلك
وقيل في الخزق إذا وجد: إنه يحكم بنجاسته وأنه مفسد لما مسه، وبعض يراه طاهرا لأنه يحتمل أن يكون من خزق العصافير، وبعض يعتبره بالموضع ويحمله على الأغلب من طير ذلك الموضع مثل الباطنة يرى فيها الأغلب هو الغراب فعلى هذا يخرج الحكم فيه، والله أعلم.
ومن كتاب (الأشراف): ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل ذي ناب من السباع، واختلف أهل العلم في هذا
الباب، فكان الشافعي يقول: يتوضأ في جلود الميتة كلها إذا دبغت، وجلود ما لا يؤكل لحمه من السباع قياسا عليها إلا جلد الكلب والخنزير، فإن النجاسة فيهما وهما حيّان قائمة، ووافق أصحاب الرأي في جلود الخنزير فقالوا: لا بأس بجلود السباع كلها بعد الدباغ ما خلا الخنزير، واحتج بعضهم بخبر وعلة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، ومنعت طائفة الانتفاع بجلود السباع قبل الدباغ وبعده مذبوحا وميتا، هذا قول الأوزاعي وابن المبارك وإسحاق وأبي ثور ويزيد بن هارون، قال أبو بكر: قد احتجت هذه الفرقة حججا إحداها أن الله قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} الآية، فذلك عام على جميع الميتة ليس لأحد أن يخص من ذلك إلا بخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأما الخنزير ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإباحة الانتفاع بجلود ما يؤكل لحمه من الميتة بعد الدباغ فأبحنا ذلك وبقيت جلود السباع محرمة بالتحريم العام، وقد ذكرت باقي الحجج في غير هذا الكتاب. (7/69)
صفحة 2140
قال أبو سعيد: معي أنه قد مضى القول في نجو ما يستدل به على شبه هذا، وإذا ثبت الدباغ طهارة إهاب الميتة وإهاب الخنزير، فلا أجد معنى بحجر ذلك في جلود السباع لثبوت النهي عن أكله لأنها ليست بأشد من الخنزير والميتة، وإنما جاء النهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، فلو ثبت تحريم ما لعلة ما وقع إلا اللحم، لأن المخاطبة إنما تخرج في أكل اللحوم، وأما جلد الكلب فلا أجد معنى يستحيل في الدباغ في معاني ما يشبه القول في، لأنه إنما جاء القول بنجاسة جلده فإذا ثبت معنى ذلك لم يستحل عندي بعد النجاسة إلى طهارة بوجه إذا كان نجسا لعلة الذوات في الأصل.
ومن كتاب الأشراف: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن جلود السباع، واختلف أهل العلم في جلود الهر والثعالب والنمور وغير ذلك من السباع فممن روينا عنه أنه كره أن ينتفع بشيء من جلود السنانير أو يؤكل لحمها وأثمانها، عطاء وطاووس ومجاهد، وكره عبيدة السلماني جلود الهر وإن دبغت، وكره الشافعي جلود السباع، وكره الحسن وعمر بن عبد العزيز جلود النمور، ورخصت فرقة في جلود السباع إذا دبغت، روي ذلك عن جابر بن عبد الله وإبراهيم النخعي.
وقد روينا عن ابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والحسن البصري، أنهم رخصوا في الركوب على السروج المنمرة، ورخص الزهري في جلود النمور، وقال الليث بن سعد: لا بأس ببيع جلود الميتة إذا دبغت أو ملحت.
واختلفوا في الصلاة في جلود الثعالب، فروينا عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب أنهما كرها الصلاة فيها، وكره ذلك أحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال يزيد بن هارون: يعيد من صلى في جلود الثعالب، وكره الأوزاعي الصلاة في جلود السباع، وأباح الشعبي والحسن البصري وأصحاب الرأي الصلاة فيها إذا دبغت، وكره سعيد بن جبير والحسن البصري والحكم ومكحول الصلاة فيها، ورخصوا في لبسها.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول جلود السباع كلها معنى الكراهية بغير تحريم، ما عدا جلد الكلب، فإنه يخرج في معاني قولهم: إنه نجس عندي، ولعله قد يحتج في معاني قولهم فساد جلود السباع بمعنى النهي عنها على قول (7/70)
صفحة 2141
من لم يذهب عنه إلى الأدب، وذهب به إلى التحريم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن كل ذي ناب من السباع، وإذا دبغت فإنه معي في بعض معاني قولهم: إن ذلك أهون من جلود الميتة.
وقد اختلفوا في جلود الميتة، وقد تقدم ذكر ذلك قبل هذا الفصل، فالسباع عندي أهون في قولهم بمعنى الاختلاف من الميتة ومن المحرمات بالنص، ومن السباع عندهم شيء أهون من شيء، ومعي أنه في بعض قولهم إن الضبع صيد، وقول: سبع، وقول: لا يتوضأ بسؤرها لأنها أسبع السباع وأقذرها دابة، بعر الظباء يغسل به الثياب وليس يغسل بعد الماء ولا بأس. (7/71)
صفحة 2142
[صفحة بيضاء] (7/72)
صفحة 2143
الباب الثامن عشر
في جلد الميتة وطهارته
ومن جامع أبي محمد: أجمع الناس على جواز استعمال الجلد المذكى والمطهر، والتطهر بما فيه من الماء وإن لم يكن مدبوغا، وتنازعوا في استعمال جلد الميتة إذا دبغ فاختلف أصحابنا أيضا على قولين: فجوز بعضهم استعماله بعد الدباغ، وقال آخرون: الميتة لا يطهرها الدباغ، وحجة من لم يجوز قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء»، والحجة لمن أجاز الانتفاع به بعد الدباغ قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، وظاهر هذا الخبر يبيح استعمال كل جلد محرم علينا استعماله قبل الدباغ إذ العموم يوجب ذلك إلا ما قام دليله، وهذا الذي نذهب إليه ونختاره إجازة الانتفاع بجلد كل ميتة بعد الدباغ إلا جلد الخنزير فإن قائل: لم تركت الخبر ولم تستعمل عمومه والظاهر يوجب استعمال العموم؟ قيل له: قد قام الدليل على تخصيص الخبر، فإن قال: وأي شيء خصه؟ قيل له: القياس خصه، فإن قال: وأي قياس خص ذلك العموم؟ قيل له: إن الخنزير نجسا بعينه، وإذا كانت النجاسة بعينها محرمة لم يصح فيها طهارة والعين قائمة والميتة كانت غير نجسة ثم تنجست بالتحريم، فلما نقلنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - من نجاسة إلى طهارة لم يدخل فيها ما لا يوجب الطهارة فيه والله أعلم.
فإن احتج محتج لمن لا يجوز الانتفاع بجلد الميتة إذا دبغ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء»؟ قيل له: هذا خبر ضعيف قد تكلم فيه بعض حملة الأخبار، ولو كان ثابتا لم تكن فيه دلالة على ما ادعيت؛ لأن من شأن أهل العلم أن (7/73)
صفحة 2144
يعتبروا الخبرين إذا وردا فإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا اعترضا بالأخص على الأعم، ولا يعترضون بالأعم على الأخص، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» لا يفيد أكثر مما أفاد الله في الآية، وهو قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} ومن شأن العلماء أن يطلبوا الخبر الذي فيه زيادة وفائدة، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» فقد خص بعض تلك الجملة وأدخلها في خبر الإباحة، وإذا كان هكذا، وجب أن يعترض بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، على قوله: «لا تنتفعوا بشيء من الميتة»، لأن هذا عام وذلك خاص.
فإن قال بعض من يحتج لمن يجوز الانتفاع بالإهاب بعد الدباغ، فقال: هاهنا خبر ورد لا عموم فيه وصمد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الجلد بعينه «لا ينتفع من الميتة بشيء» بإهاب ولا عصب، فالتعارض قد وقع، فإن تعارض الخبران وجب أن يوقفا، ورجعنا إلى قول الله جل ذكره: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} الآية، فوجب تحريم الميتة من جميع جهاتها، فلما كان (خبركم) يبيح الجلد وخبرنا يمنح منه علمنا أن هذا طريقه الخصوص والعموم، يقال له: هذا خبر تكلم فيه بعض أهل النقل، ولو كان ثابتا ما لزمنا ما ألزمت وذلك أن خبرك ورد بتحريم الإهاب ونحن فلا نبيح استعماله مع استحقاقه اسم الإهاب ولا نجيز استعماله حتى يزول عنه اسم الإهاب؛ لأن العرب إنما تسمي الجلد إهابا قبل أن يدبغ، فإذا دبغ سموه أديما فنحن لم نبح استعماله إلا بعد زوال الإهاب عنه، والدليل على صحة ما قلنا قول الشاعر حيث عاب رجلا ووضع منه وعيّره إذ كان فقيرا ثم استغنى ببيت من شعر قال شعرا:
قد كان نعلك قبل اليوم من أهب ... فصرت تخطر في نعل من الأدم
فهذا يبين ما قلنا وبالله التوفيق.
واتفق أصحابنا فيما علمت على استعمال صوف الميتة وشعرها وريشها، وخالفنا الشافعي في ذلك، فحرم الشعر والوبر والصوف، والعظام، واحتج بقول الله عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} قال: فاسم الميتة مشتمل على جميعها، ولا فرق بين شعرها وصوفها ولحمها لعموم الآية، يقال إن الله -تعالى- لم يشر إلى عين بعينها وإنما تركنا مع الاسم، وكل ما وقع اسم ميتة فهو محرم بتأويله ما لم تقم الدلالة على استحقاقه اسم الميتة والتحريم غير واقع عليه، وقد تنازع الناس (7/74)
صفحة 2145
في وقوع اسم الميتة على الشعر والوبر، ولا دليل على وقوع اسم الميتة عليه، ومن تعلق بعموم الآية قوبل بعموم مثله وهو قول الله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} (النحل:80)، ولم يخص بعد هذا العموم الميتة ولا غيرها.
فإن قال: من أصوافها وأوبارها وأشعارها إذا لم يكن ميتة، قيل له: حرمت عليكم الميتة إلا الصوف والشعر والوبر ويكون كل منا متعلق بالعموم يطلب به، والصحيح ما قال أصحابنا، والدليل على صحة مقالتهم إن الشعر والوبر والصوف والعظم والقرن لم يدخل في ذلك التحريم عند قوله: حرمت عليكم الميتة، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مر بشاة لمولاة لميمونة وقد كانت أعطتها من الصدقة وقد ماتت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه وانتفعتم به»؟ فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتة، تعلقوا بما تعلق به الشافعي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الأمر كما وقع لكم إنما حرم أكلها»، فرد التحريم إلى ما يؤكل دون ما لا يؤكل، فهذا يبين على أن التحريم لم يقع على ما جوزه أصحابنا، وإنما وقع على ما يؤكل منها والله أعلم.
ودليل آخر يدل على صحة هذه المقالة قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت»، وأجمع الكل على أن لو قطع عضو من أعضائها وقع عليه اسم الميتة ولو جز شعرها ووبرها وصوفها لم يسم ميتة وكان في إجماعهم دلالة على تفريقهم بين ما يؤكل وما لا يؤكل.
والعظم عندي على ضربين: عظم يؤكل وعظم لا يؤكل، فالعظم الذي يؤكل داخل في حيز الحظر والعظم الذي لا يؤكل فخارج من حيز الحظر، فإن قال قائل: ما العلة في النهي عن استعمال إهاب الميتة إلا بعد الدباغ، وإنما يوضع به ملح أو رماد أو تراب ويجعل في الشمس، وأما الذي نقل هذا من غير ما نهي عنه؟ قيل له: التعبد قد ورد بذلك وقد يرد الشرع على إيجابه، فمنه ما يعقب بألفاظ، ومنه لا يعقب بألفاظ، وما عقب بألفاظ قد يكون علة فأما ما يكون علة فقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} (الجمعة:9)، فكان ما عقب به من ذكره (خير لكم) علة لما رغب وقد لا يعقب الخطاب لذكر شيء، والعلة قد نعلمها، لأنها للمصلحة من فعل الحكيم وما يعقب بألفاظ قد لا يكون، ولا يكون الحكم معلقا به، وإنما يجري بطيب النفس بالسبب لمحث على فعله والمرغب فيه، لأن الإنسان يحب النظافة ويختارها، وفيما أمر عليه السلام من دباغ الإهاب وتغيره عن حاله الأولى ضرب مما تميل إليه النفس وتختاره (7/75)
صفحة 2146
حتى يكون ذلك مما يشتمل عليه إثباته.
والدليل على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فقال يا رسول الله أوصي بمالي، قال: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث: قال: «الثلث والثلث كثير، فإنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم»، فأراه - صلى الله عليه وسلم - أنه فيما نهاه عنه صلاحا لمخلفيه وعيالهم ليسهل عليه ما أمره به ولم يعلق الحكم بغناء الورثة ولا بفقرهم، ويدل على هذا أيضا أن لو كان للإنسان ألف دينار وكان له ورثة لم يجز له أن يزيد على الثلث في الوصية حبة، ولو لم يكن في الحبة غنى للورثة، وبالله التوفيق، وأجمعوا أن لو خلف درهما واحدا ووارثه يملك ألف دينار لم يكن أن يزيد على الثلث حبة واحدة وإن لم يكن في الحبة غنى لوارثه، وبالله التوفيق.
وإن احتج محتج بأن إهاب الخنزير إذا دبغ طهر، واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، فقال: هذا عموم يشتمل على كل ما وقع عليه اسم إهاب، يقال له: وكذلك قال الله تعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} (المائدة:3)، وهذا عموم يدخل فيه الخنزير وغيره، فإن قال: إلا الخنزير يقال له: الإهاب الخنزير، وبالله التوفيق.
مسألة: من غير الكتاب: عن أبي الحواري وعمن دبغ جلد ميتة وعمل من ذلك الجلد جفن سيف؛ أيجوز له أن يصلي وهو متقلد ذلك السيف؟ فلا بأس بالصلاة بذلك السيف والذي جاء عن الفقهاء أن دباغ جلد الميتة ذكاته وهو حلال.
مسألة: من الزيادة المضافة؛ وقال المصنف: يبين لي أن في قول الفقهاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في شاة مولاة ميمونة: «هلا انتفعتم بإهابها» إنما حرم أكلها دليل على تحليل ما لا ينهى عن أكله كالجلد والعظم لأنه - صلى الله عليه وسلم - نبه على ذلك والله أعلم. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (7/76)
صفحة 2147
الباب التاسع عشر
في الميتة
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بشاة لمولاة ميمونة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما على أهل هذه الشاة لو أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به»، واختلفوا في الانتفاع بجلود الميتة قبل الدباغ وبعده، فنهت طائفة عن الانتفاع بها قبل الدباغ وبعده، وهذا قول أحمد بن حنبل، ومن حجة من قال به، وقال بقوله أخبار رويت عن عمر وابن عمر وعمران بن حطان وعائشة أم المؤمنين، وأباحت طائفة الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ وهي حية، وممن قال بذلك عطاء بن أبي رباح والحسن البصري والشعبي والنخعي وقتادة ويحي الأنصاري وسعيد بن جبير والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان الثوري وأهل الكوفة وابن المبارك وإسحاق، واحتج بعضهم في ذلك بخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مذكى، وبأخبار عن عمر وابن عباس وابن مسعود وعائشة في ذلك، وقد احتج بعضهم بهذا القول بأن الله حرم الميتة في كتابه على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع أهل العلم على القول به فلما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أباح أن ينتفع بإهاب بعض ما يجوز أكل لحمه مذكى إذا مات بعد الدباغ كان ذلك وما في معناه من جلود الأنعام مباح الانتفاع بها بعد الدباغ، وكل مختلف فيه بعد ذلك فمردود إلى جملة تحريم الميتة في كتابه وعلى لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو هذا الاختلاف، وأحسب علة من أجاز الانتفاع بإهاب الميتة بعد الدباغ ذهب إلى هذا الحديث أو نحوه في هذه الميتة والذي لم يجز ذلك ذهب إلى حديث أو أحاديث تروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه (7/77)
صفحة 2148
قال: «لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب»، وفي حدي آخر أنه «بإهاب ولا بعصب»، والمعنى واحد، ولو ثبت معنى الاختلاف لم يبعد ذلك من طهارته بالدباغ لثبوت أصله حلالا قبل الميتة وأن الميتة معارضة له وداخل معنى النجاسة على الطهارة في الأصل على الاعتبار، فأما اللحم نفسه فلا معنى إلى تحويله من جوهره لاحتيال إذا ثبت محرما، وأما الإهاب فقد يخرج في الاعتبار معنى طهارته لأصلها قبل معارضة النجاسة له، وكذلك يخرج في الشبه لذلك إهاب الخنزير والقرد وما أشبههما من المحرمات وإنما يثبت لمعاني في كتاب الله تحريم لحم الخنزير ولم يأت النص على جلده وإن كان جلده يقتضي حكمه في معنى، فإن التحريم وقع على الميتة كلها وعلى تحريم لحم الخنزير دونه كلها فلا يبعد أن يكون يشبه جلد الميتة لأنه إنما يقع على النجاسة المعارضة من قبل التحريم.
ومن (الكتاب) واختلف أهل العلم بالانتفاع بشعور الميتة وأصوافها وأوبارها فأباحت طائفة الانتفاع بذلك كله، وممن أباح ذلك الحسن البصري وابن سيرين وحماد بن أبي سليمان وأصحاب عبد الله كذلك قالوا: إذا غسل، وبه قال مالك والليف بن سعيد والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وقال بعضهم: يغسل، وكره ذلك عطاء ونهى عنه الشافعي.
قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن الشاة والبعير والبقرة إذا قطع من أي ذلك عضو وهو حي أن المقطوع منه نجس، وأجمعوا على أن الانتفاع بأصوافها وأوبارها وأشعارها جائز إذا أخذ منها وهي حية ففيما أجمعوا عليه من الفرق بين الأعضاء وبين الشعر والصوف والوبر بيان على افتراق أحوالها ودل على أن الذي يحتاج إلى الذكاة هو الذي مات قبل أن يذكى حرام، وإن ما لا يحتاج إلى الحياة ولا حياة فيه طاهر أخذ ذلك منه وهي أحياء أو بعد موتها، فأما عطاء فإنه كره الشيء فإذا وقف عليه لم يحرمه، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا معاني الاختلاف بحسب ما قيل في هذا الفصل، وأحسب أن بعضا أجاز ذلك بعد الغسل، وبعض أجزه قبل الغسل وبعد الغسل، وبعض أجازه إذا جزه أو لم يجزه إذا نتف نتفا، ومعنا أنه قيل: إذا لم يحتمل شيئا من الجلد متبينا فيه ولا من الرطوبة فلا بأس، وهذا على قول من يجيز الانتفاع به، وإذا ثبت أنه لا يجوز حتى يغسل لم يجز إذا غسل لأن الميتة لا تتحول، ويعجبني قول من أجاز الانتفاع به وحسن ما اعتل له. (7/78)
صفحة 2149
ومنه قال أبو بكر: عندي لأن ذلك في الحياة لا يختلف فيه ولا يختلف فيه معهم إذا خرج منها شيء من الجلد أو اللحم الحي إلا أنه نجس قبل ذكاتها إذا ثبت أنه في خروجه منها طاهر بمعنى الاتفاق ثبت أنه غيرها في الحكم لثبوت نجاسة ما خرج منها في حياتها من الحي في معاني من قولهم.
ومن (الكتاب) قال أبو بكر: واختلفوا في الانتفاع بعظام الفيلة وأنيابها؛ فكره ذلك عطاء بن أبي رباح، وقال الحسن البصري وطاووس وعمر بن عبد العزيز: جائز بيع عظم العاج، وقال الشافعي: لا تباع عظام الميتة، ورخص ابن سيرين وغيره وعروة بن الزبير.
وروينا عن الحسن رواية ثانية وهو أن لا يبيع العاج بأنياب الفيلة، وكان النعمان لا يرى بأسا .. ببيع العاج وما أشبهه، وقال أصحاب الرأي: لا بأس بعظم الميتة إذا غسل، وقال الليث بن سعيد: لا بأس بعظم الميتة أن ينتفع بها للأمشاط والمداهن، وقال أبو بكر: حرم الله الميتة في كتابه وعلى لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وعظم ما لا يقع عليه الذكاة للأكل ميتة يدل الكتاب على ذلك، لأن الله جل ذكره أعلمنا أن في العظم الحياة، قال الله: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} (يس:78).
وروينا عن الحسن أنه قال لبعض أصحابه وقد سقط ضرسه: أشعرت أن بعضي مات اليوم؟ فأما إباحة الكوفي الانتفاع بشعر الخنزير ومنعه الانتفاع بشعر بني آدم، فمن أعجب ما حكي عنه أنه خارج من باب النظر والمعقول، قلت: الجواب لمحرم ما يحرمه موجود في الكتاب والسنة، وأباح ما دلت السنة على إباحته وكان مصيبا.
وقال أبو سعيد: معي أن بعضا يقول فيما يخرج في معاني قول أصحابنا يمنه ما كان من الميتة من شعر أو سن أو ظلف أو عظم أو قرن، وبمعنى ما ذهب إليه أنها ميتة وجميع ما فيها، ومن بعض قولهم أنه لا بأس بالانتفاع منها بالسن والقرن والظلف الميت منه غير الحي المحتمل اللحم، لأنه لو خرج منها شيء في حياته لم يكن نجسا وذلك يلحق معنا هذا القول في عظامها إذا ذهب اللحم والودك، وحصلت إلى حكمها هي، لأنها كانت في الأصل طاهرة وعارضها معنى النجاسة من الميتة، فإذا زايلها ما عارضها زال عنها معنى النجاسة، وأما إذا كانت موجودة ولا يعلم أنها ميتة من عظام فيل أو غيره مما أصله حلال إذا ذكي، فإذا كان من حيث يقضي لذلك (7/79)
صفحة 2150
بالذكاة في ظاهر الأمر والذكاة طاهرة، فحكم ذلك خارج على معنى الذكاة، وأنه من ذكى حتى يصح أنه من غير ذكى، وإن كان ذلك حيث لا تجوز ذكاة أهله من أرض الشرك، فظواهر ذلك معلول لا مخرج له من حكم الميتة في ظاهر الأمر حتى يخصه حكم ذكاة طاهرة لأنه كان مذكى أو ميتة، فكله بمعنى الميتة لفساد الذكاة.
مسألة: ومن جامع أبي محمد، وجائزة الصلاة بالسدة إذا كانت من شعر الميتة أو صوفها أو وبرها لقول الله عز وجل: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} (النحل:80)، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: في شاة لمولاة ميمونة إنما حرم أكلها، وشعر الخنزير محرم استعماله لأن التحريم وقع عليه بكليته لأنه أقرب المذكورات إلى الكناية، وإنما اختلف الناس في أبعد المذكورات إلى الكناية، والخنزير أقرب المذكورات، والإجماع على ذلك، وهو كاف إن شاء الله، فإن قال قائل: ما معنى قول الله عز وجل: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ}؟ إذا لم يكن التحريم مقصور على اللحم؟ قيل له: قد يمنع الإنسان من الشيء لأجل الشيء، ألا ترى أنك تقول لمن تجب عليه طاعتك أكرم غلام زيد، فإن له علي حقا، وأقرب المذكور إلى الكناية زيد فليس بمستنكر أن نقول أو لحم خنزير، فإن الخنزير رجس والله أعلم.
مسألة: وقال أبو الحسن: أحسب محمد بن الحسن فيما وجد من العظام الدنسة التي فيها الودك في البرية، أو في القرية من حيث لا يستحيل الميتة مثل عمان، فإن تلك طاهرة حتى أعلم أنها ميتة ويكون بها ودك.
مسألة: وقد جاء الأثر أن دباغ جلد الميتة طهوره مرسلا ثم قال: وقال أبو الحواري: ذلك إذا دبغت فهو ذكاتها مرسلا لم يميز في ذلك تمييزا، قال: ويوجد في بعض الآثار أنه يدبغها له غيره، ولا يدبغها لنفسه، قيل له: فيخبره أنها ميتة إذا أعطاه إياه الدباغ، قال: نعم، قيل له: فإن أراد أن يبيعه من بعد أن دبغ هل عليه أن يخبر أنه إهاب ميتة؟ قال: لا. قال: ويجوز الانتفاع بشعر الميتة ويكون جزا ولا يمرط مرطا، قلت: فإن مرط مرطا هل يجوز ذلك؟ قال: ما لم يخرج فيه شيء من جلدها لم أر به بأسا، قيل له: ففسل الشعر والصوف من الميتة هل ينتفع به؟ قال: نعم، قيل له: فإن انتفع به ولم يغسل، قال: لا بأس بذلك، قلت له أنا: وكذلك جلد الخنزير والقرد وشعرهما أيكون بمنزلة الميتة؟ قال: هكذا عندي، قلت: فللرجل أن يخرج الجلد من على الميتة إذا طرحها أهلها؟ قال: نعم، قلت له: فإن طلبه أهل الميتة بذلك؟ قال: أقول كما قال بعض الفقهاء: إن فقيها من إبرا حطب من نخلة (7/80)
صفحة 2151
رجل حطبا فطلب صاحب النخلة أن يأخذ الحطب فأبى عليه الحاطب، فقال الفقيه: والله إن هذا لهو الحلال الطيب، قال: وكذلك أقول أنا إن هذا لهو الحلال لمن أخرجه من على الميتة، وليس صاحب الميتة من بعد أن يطرحها ويتركها شيء منها، قال أبو الحسن: من أراد أن يبيع شعر الميتة أو صوفها فيخبر أنه شعر ميتة أو صوفها، قلت له: فإن لم يخبر به فلم نر عليه في ذلك بأسا، قلت له: فما دامت في يده فهو أملك بها، قال: نعم، ما لم يتركها.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ، عن أبي الحسن البسياني قلت: فأرة ماتت في جرة خلية تنجس الجرة أم لا؟ قال: ينجس الموضع الذي ماتت فيه الفأرة.
قال المصنف: وفي ذلك نظر؛ لأنه لعله أراد إذا وقع في الجرة شيء من رطوبات الميتة، وأما إذا كانت يابسة فلا يبين لي أنها تنجس بموتها فيها؛ والله أعلم. (7/81)
صفحة 2152
[صفحة بيضاء] (7/82)
صفحة 2153
الباب العشرون
في شعور بين آدم من غير الكتاب
والزيادة المضافة من كتاب الأشراف
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، ثم ناوله شقه الأيسر فحلقه، فنالوه أبا طلحة فقسمه بين الناس، وقد اختلف الناس في شعر بني آدم، وكان عطاء وجماعة لا يرون به بأسا ويرون أنه طاهر في قسم من قسم شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - بين على طهارة الشعر، وأخذ الناس بهذا القول، ومن استدل بأن المني طاهر بقول عائشة كنت أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى أن من قال: إن من مس عضوا من أعضاء زوجته عليه الوضوء، وليس على من مس شعرها طهارة، وكان الشافعي يرى شعور بني آدم نجسة، وقال النعمان ويعقوب: لا خير في بيع شعور بني آدم ولا ينتفع به.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا الاتفاق، من قول أصحابنا: إن شعور أهل القبلة من بني آدم طاهرة، كانت فيهم أو زايلتهم إلا ما عارضتها من ذلك نجاسة، وأشعارهم تبع لهم، ولا معنى في نجاستها إذا زايلتهم في الحياة ما لم يلحق شيء من جلد أو لحم فيكون بذلك ما مسها نجسا، وأما بيعها فإنه يكره ذلك من وجه أنه لا ينتفع به، ولا يجوز البيع لشيء لا ينتفع به، لأنه من الباطل، وإن ثبت لشيء من شعورهم منفعة بعد زواله، لم يجز معنا كراهية بيعه، وأما شئت معنى كراهيته، لأنه لا ينتفع به. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (7/83)
صفحة 2154
[صفحة بيضاء] (7/84)
صفحة 2155
الباب الحادي والعشرون
في القمل
وأما من تراه يأخذ القمل أكثر نهاره ولا تراه يغسل يده فإذا لم تر في يده نجاسة واحتمل من ذلك لا تمسه من ذلك نجاسة فيده طاهرة حتى يعلم بنجاستها، وإذا رأيت في يده وقد عرف بها، وقد غاب عنك بقدر ما يحتمل غسلها، ثم مس بعد ذلك شيئا من الطاهرة فلا بأس في طهارته لأن أصلها طاهرة، ما أمكن طهارتها، لأنه قد يحتمل أن يكون قد طهر يده، والناس في أغلب أمورهم على ذلك.
مسألة: أحسب عن أبي إبراهيم وعنه أيضا فيمن أخذ قملة بيده، ثم مس الخل قبل أن يغسل يده من القملة قال: الخل طاهر حتى يعلم أنه مس بيده من القملة رطوبة.
مسألة: من الزيادة المضافة، عن رجل مس قملة ميتة يابسة، قال: ينقض وضوءه.
مسألة: وفي كتاب (الضياء) أن في رمي القملة حية معصية، وفي قتلها طاعة، وفي الحديث «إن نبذ القمل يورث النسيان»، وفي حديث آخر: «إن الذي ينبذ القملة لا يكفي الهم»، ومنه يقال للقملة الكبيرة: الهرعة، وقيل: بل هي الصغيرة، ويقال للكبيرة: الحكمة والحيتخة والهريع، وتكنى أم عقبة، والقمل يتوالد من كثرة أكل التين الرطب واليابس، وكثرة التين يورث الحكة، والعود مما يولد القمل وأرفع العود وأجوده وأبقاه على النار وأعتق بالثياب العود الهندي، وهو من الرائحة ولا يولد القمل كما يولد المندلي والقماري والصيني والسندوري لشدة (7/85)
صفحة 2156
حلاوة رائحته فإن هذه الحلاوة تولد القمل في الثياب.
ومنه، وحكم القملة حكم الإنسان وما يخرج منها من ذرق ودم حكمه، لأنها لا توجد في موضع مفارقة له فهي مقاربة له، ومما تقاربه من الثياب وغيره وذرقها نجس، وأما ما يوجد في الثوب من ذلك السواد فلم أرهم اجتنبوه.
قال المصنف: وفي المختصر قال: وذرقها نجس، ولا بأس به في الثياب، ولعل ذلك يريد به الذرق ولا يقدر على الامتناع منه فرخص فيه للضرورة والله أعلم، ولعله أراد لا بأس في الثياب يعني القمل، لأنه قال على أثر ذلك وإن مات فيها أخرج منها، وإن مات فيها وهي رطبة غسل موضعه، والله أعلم.
رجع: إلى كتاب بيان الشرع: وعن أبي محمد أنه مكروه قتل القمل على الجندل لأنه ينجسه، وقال أبو محمد: إنه يكره أن يجعل الإنسان على الجندل البول والغائط ولا بأس به قلت لم؟ قال: لأنه ينجسه، ولا يطهره إلا بالماء والناس يستنفعون به.
ومن كتاب (الأشراف): ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بذنوب من ماء فصب على بول الأعرابي، واختلفوا في موضع البول تصيبه الشمس ويجف، فكان الشافعي وأحمد وأبو ثور يقولون لا يطهر إلا بالماء، وفيه قول ثان وهو أن يصلى عليه إذا جف وذهب أثره، ولا يصلى عليه إذا لم يذهب أثره، ولا يجوز أن يصلى على بساط عليه بول وإن ذهب أثره، هذا قول النعمان ومحمد، وقال: الشمس تزول النجاسة إذا ذهب الأثر عن الأرض، وروينا عن أبي قلابة أنه قال: جفوف الأرض طهورها، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج شبه ما مضى في معاني قول أصحابنا في هذا الفصل. (7/86)
صفحة 2157
الباب الثاني والعشرون
في عرق الدواب وحرتها وأرواثها وأبوالها
وسؤرها وخزقها، وما كان يفسد منها وميتتها
عن أبي المؤثر، قال المسلمون: إن الدواب من البقر والحمير والغنم، وأمثالها من الخيل والبغال والبراذين، أرواثها وأعراقها وفيها لا تنجس ما أصاب كان الإنسان متوضئا أو غير متوضئ، وقد روي أن أبا عبيدة وطئ على روث في الطريق ودخل المسجد فصلى ولم يتوضأ، وأما الجمل الهارم فإن مزق ولم يمس البول مزقه، لم يكن نجسا، وأما إن مس المزق البول فهو نجس، فإن وطئ أحد في زلة فإن دمها نجس، وما خرج منها من رطوبة وجده في الطريق لم أره نجسا، والله أعلم.
وقال بعض المسلمين: لا يفسد شيء من عرق الدواب إلا ما مسه البول وبهذا القول نأخذ، وقد قال بعض الخراسانيين: إن روث البقرة الأنثى تفسد بحسب أنهم يريدون أنه يجري على موضع البول، ولا أعلمه مجتمعا عليه، والله أعلم. وأما الأبوال من جميع الدواب فهو نجس، ولم ير المسلمون بأسا بسؤر السنور، ولا بأكل لحمه، ولا بأكل لحمه، وكذلك الثعلب، وأقول: الأرنب والضبوب بمنزلة الثعلب لا بأس بأكل لحمها، وما حل أكل لحمه لم يفسد سؤره إلا أن يكون رآه أكل نجاسة ثم مس الماء قبل أن يأكل شيئا أو يغيب عنه.
وأما الكلب فإنه نجس مكروه لحمه، والأسد والذئب مكروه لحميهما، وأما النجاسة منهما، فالله أعلم.
والطير الذي يؤكل لحمه لا يفسد خزقه إلا أن الحقم الأهلي قد اختلف فيه، فمنهم من قال: يفسد، ومنه من قال: لا يفسد، والرخم والغربان والسنور يفسد (7/87)
صفحة 2158
خزقه ولحمه مكروه، وأما بعر الخناز، فالله أعلم، قال: السنور والكلب والضبع وجميع القشات يفسد، قال: فإذا ماتت الضفدع في الماء لم تنجسه، وإذا ماتت في غير الماء نجسته، وإذا جاءت من عند الماء لم يفسد بولها، وإذا جاءت من البركان بولها مفسد، قال ذلك محمد بن محبوب: وقال غيره: تنجسه، وبقول محمد بن محبوب نأخذ، والخناز إذا ماتت في الدبس أو في السمن أو أشباه هذا فسد إلا أن يكون الدبس جامدا فإنه يجف ما مس منه ويطرح ولا بأس بأكل الباقي.
والذباب لا ينجس ما وقع عليه منه، وكذلك بعره لا يفسد، ودم البعوض لا يفسد، قالوا: كل دم مجتلب لا يفسد، والحية سؤرها نجس، وكذلك إذا ماتت في ماء غير جار ولا يكون أربعين قلة فإنها تنجسه، وأما العقرب والدبي فإنه لا يفسد الماء ولا ينجسه إذا مات فيه، وكذلك كل دابة ليس فيها دم فإنها لا تنجس ما ماتت فيه، قال: والصراخ لا بأس بأكله ولا يفسد بوله، وأما القملة فإن دمها نجس، وما خرج منها من رطوبة فهو نجس، وأما الصوب الذي لا دم فيه فلا أراه نجسا.
قال: والدجاج لا يفسد سؤره إلا أن يرى في منقاره نجاسة، وبعر الفأر لا أحفظ فيه شيئا، وقد حدثنا الوضاح بن عقبة عن عبد الله بن النصر الخراساني أنه قال: إن قوما طبخوا أرزا فوجدوا فيه بعر فأر فرفعوا ذلك إلى نصر بن سليمان فلم ير به بأسا، والقراد والضمج والحلم إن كان دمهن أصليا فهو يفسد وإن كان مجتلبا لم يفسد.
مسألة: وعن خبث السنور إذا أصيب في الحب هل يفسد وهل يفسد بوله أو بول الفأر؟ قال: نعم يفسد ما مس ذلك من الحب، قال أبو المؤثر: معنا سخلة فوقفت في الطوي وأخرجت منه حية قال: سألت محمد بن محبوب فقال: إذا تغير ما خرجت به في نتاجها ولمظتها أمها حتى يبس فلا بأس بها، وقال: مهما مس من الدواب من النجاسة ثم تغير أثره وامحى فمسه أحد برطوبة لم ينجسه، وقال في سقاء علق في بطن الحمار وهو رطب فسدع السقاء بطن الحمار حتى علق شعر الحمار بالسقاء، فقال: فلا بأس به ولا ينجسه، وكان يقول: إذا وقعت الشاة وأشباهها في بئر ثم خرجت حية لم تنزف البئر، وأما وضاح بن عقبة فقد حدثني من حدثني عنه أنه قال: ينزف البئر منها لأن فيها مجاري البول، وبقول أبي عبد الله محمد بن محبوب نأخذ. (7/88)
صفحة 2159
مسألة: وعن روث الدواب وفي الجمال هل فيه نجاسة، قال: لا. قال أبو المؤثر: حدثنا الوضاح بن عقبة عن العباس بن زياد أنه قال: في البعير أنه لا يفسد. وحدثنا محمد بن محبوب ورفع الحديث إلى أبيه محبوب ابن الرحيل أنه قال في رجيع الأنعام أنه ما خرج من أدبارها لا يفسد، وهو أفصح فكيف يفسد ما خرج من أفواهها، وحدثني محمد بن خالد ورفع الحديث إلى أبي عبيدة أن قوما قدموا إليه يريدون أن يسألوه عن روث الدواب فبلغه ذلك قبل أن يسألوه فمشى إلى المسجد وهو معه فمر بروث رطب فخلع نعليه ثم قصد إليه فوطئ فيه وهم ينظرون إليه، ثم مث رجله ودخل المسجد فعلموا أنه لم يكن يرى به بأسا.
مسألة: وسألته عمن يطأ في موضع ثري، قال: كل أثر السباع على هذا الحد نجسة.
مسألة: وسألته عن دسع الجمل، قال: فيه اختلاف، وقال محمد بن محبوب رخص فيها.
مسألة: وعن الفرث، فرث الدواب الذي يخرج من بطونها إذا ذبحت هل يفسد ذلك أم لا؟ قال: معي أن بعضا يفسده وبعضا لا يفسده.
مسألة: مما يؤخذ عن بشير بن محبوب قال: ما يقول في السخل من مسه ويده رطبة.
قال غيره: الذي معنا أنه أراد من مسه ويده رطبة من بعد أن جف شعره وهو كذلك إذا يبس وتغير لون النجاسة منه رجع من بعد أن جف شعره، قال: أرجو أن لا بأس بذلك.
مسألة: وعن أبي إبراهيم في سؤر السنور فلم ير به بأسا، وقال: مخطمه مفسدة.
ومن غيره: وقال من قال: إن مخطمه وسؤره طاهران جميعا على حال، وقال من قال: نجسان على حال، وقد روي القول الأوسط عن أبي الحواري -رحمه الله- أنه لا بأس بمخطمه وسؤره، وروي هذا القول الآخر عن أبي علي أنه كرهه وأحسب أن الفضل بن الحواري كان يذهب إلى رأي أبي علي -رحمه الله-.
مسألة: وسألته عن ثوب قرضه الفأر هل تجوز الصلاة فيه قبل أن يغسل (7/89)
صفحة 2160
بالماء؟ قال: لا؛ حتى يغسل، قلت له: فإن وجدت ثوبا فيه قروض وعارضتني فيه الشكوك أن ذلك القروض، وقد صليت فيه، قال: حتى يصح أن تلك القروض من الفأر.
ومن غيره: وقد قيل: إنه لا يصلي فيه حتى يغسل، وذلك على قول من يقول: إن سؤره نجس، وقال من قال: إن سؤر الفأر لا بأس به فعلى ذلك فإن صلى بالثوب قبل أن يغسل من قرض الفأر فصلاته تامة، والله أعلم.
مسألة: وفيمن أخذ قملة بيده ثم مس بيده الخل قبل أن يغسل يده من القملة قال: الخل طاهر حتى يعلم مس يده من القملة رطوبة.
قال غيره: هو كذلك إن مس يده منها رطوبة فإن علم ذلك وكانت الرطوبة من رأسها فقد اختلف في ذلك، فقال من قال: لا بأس به، وقال من قال: إنه نجس.
فعلى القول الأول: فإن مس من الخل بيده وفيها تلك الرطوبة فلا بأس بذلك؛ وعلى القول الآخر فالخل فاسد، فإن مس يده رطوبة من دبرها وعلم ذلك مما خرج من دبرها فهو فاسد، ولا اختلاف في ذلك فيما عرفنا، والله أعلم.
مسألة: وعن فأرة أصيبت في الحب ميتة فأرجو أني كتبت إلى أبي الحواري أسأله عن ذلك فكتب إلي أن تغسل ما مست الميتة من الحب.
قال غيره: وإذا لم يمس الحب منها رطوبة فلا بأس ولا غسل عليه، وإن مسته منها رطوبة غسل ما مسته منها بذلك.
مسألة: من كتاب (الأشراف) في سؤر الهر، قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن سؤر ما يؤكل لحمه طاهر يجوز شربه والتوضؤ به، واختلفوا في سؤر الهر فكان ابن عمر يكره أن يتوضأ بسؤر الهر، وكره ذلك يحي الأنصاري وابن أبي ليلى، وكان أبو هريرة يقول في سؤر الهر يغسل مرة أو مرتين، وبه قال ابن المسيب، وقال الحسن وابن سيرين يغسل مرة.
وفيه قول رابع قاله طاووس قال: يغسل سبع مرات بمنزلة الكلب، وقال عطاء: بمنزلة الكلب.
وفيه قول خامس قال عوام أهل العلم من أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل (7/90)
صفحة 2161
الشام وهو أن لا بأس بسؤره، ومما قاله الأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيدة وأصحاب الرأي إلا النعمان، فإنه يكره سؤره، وقال: فإن توضأ به أجزاه، وكان ربيعة يقول: لا يأمر به إلا أن يخاف أن يكون به دم، وبه قال مالك، قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الهر ليس ينجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات»، وبه نقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يختلف فيه من قول أصحابنا ويخرج فيه ما قد قيل في هذا
الباب على معاني ما يستدل به من القول وأثبت ذلك عندي من قولهم طهارة سؤره لثبوت طهارة الشيء من الماء وغيره، فإذا ثبتت طهارة الشيء بمعنى أصل طهارته ولم يستحل إلى حكم النجاسة إلا بما لا مخرج له من حكم النجاسة بمعاني الحكم.
ومن الكتاب أيضا: قال أبو بكر وثبت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات»، وبه قال أبو هريرة وابن عباس وعروة بن الزبير وطاووس وعمر وابن دينار ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور، وفيه قول ثان وهو أنه قال: يغسل ثلاث مرات، هكذا قال الزهري، وقال عطاء: قد سمعت سبعا وخمسا وثلاث مرات.
وقال قائل: يغسل الإناء من ولغ الكلب كما يغسل من غيره.
قال أبو بكر: وبقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نأخذ؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الماء الذي ولغ فيه الكلب، فقالت طائفة: الماء طاهر يتطهر به للصلاة ويغسل الإناء كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وقال الزهري إذا لم يجد غيره توضأ، وقال مالك والأوزاعي: روينا عن عبيدة بن أبي لبابة، قال: يتوضأ ويتيمم بعده، وبه قال عبد الرحمن وعبد الملك الماجشون وابن سلمة، وقال الشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي: الماء الذي ولغ فيه الكلب نجس، يراق ويغسل الإناء سبعا أولاهن وأخراهن بالتراب.
قال غيره: قول أبي سعيد في ذلك، يأتي بتمامه في باب سؤر الهر فيما بعد ثلاث أوراق.
مسألة: ومن جامع أبي محمد، اختلف أصحابنا في رجيع الأنعام فحكم (7/91)
صفحة 2162
بنجاسته بعضهم، ولم ير ذلك آخرون، ويوجد عن أبي عبد الله أن رجيع الخيل والحمير وما لا يجتر فلا بأس برجيعه، وقال العباس والمغيرة أن رجيع ما لا يؤكل لحمه من الخيل والحمير وأما أشباههما أولى أن يكون نجسا، وما يؤكل لحمه هو أشبه بالجواز في حكم التطهر؛ لأن الناس اختلفوا في بول ما يؤكل لحمه، ولم يختلفوا في بول ما لم يؤكل لحمه.
ومن (الكتاب) اختلف الناس في أبوال الدواب، واتفقوا على أن بول الخنزير وبول بني آدم نجس، وعندنا أن الأبوال كلها نجسة بدليل قوله تعالى: {يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} (الأعراف:157}، والأبوال كلها مما تجتنب وتستقذر وهي في حيز الخبائث.
فإن قال قائل: لم حكمتم بتنجس بول ما يؤكل لحمه، وقد خالفكم بعض العراقيين من أصحاب أبي حنيفة؟ قيل له: قد وافقونا على أن بول جميع السباع والبهائم التي لا يؤكل لحمها أنه نجس، وادعوا طهارة بول ما يؤكل لحمه، ولا فرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه، إذ الأبوال كلها سواء في المعنى، الدليل على ذلك أنا رأينا فيما لا يؤكل لحمه شيئين ماء يغيره أحدهما الدم والآخر البول فلما اتفقوا اتفقنا جميعا على أن حكم دم ما يؤكل لحمه كحكم دم ما لا يؤكل لحمه كان البول بالبول أشبه في باب القياس والله أعلم.
واختلف الناس في بول الغلام قبل أن يطعم الطعام، واتفقوا على أن بول الجارية نجس قبل أن تطعم الطعام، واتفقوا عندنا أنهما سواء في النجاسة، لما روي عن علي بن أبي طالب سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بول الرضيع فقال: «ينضح بول الصبي بالماء، ويغسل بول الجارية»، وفي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغسل بول الجارية وهي لا تطعم الطعام، دليل على أن بول ما يؤكل لحمه نجس.
مسألة: ومن (الكتاب) وروث ما يؤكل لحمه غير نجس، الدليل على ذلك ما روي أن الجن شكوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قلة الزاد فقال عليه السلام: «كلما مررتم بعظم ذكر اسم الله عليه فهو لكم لحم غريض، وكلما مررتم بروث فهو علف لدوابكم»، فقالوا: يا رسول الله؛ إن بني آدم ينجسونه علينا فعند ذلك نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستنجى بالروث والرمة، فلو كان نجسا لم يقولوا إن بني آدم ينجسونه علينا وينهى هو - صلى الله عليه وسلم - عن تنجيسه عليهم، والله أعلم. (7/92)
صفحة 2163
مسألة: وقال أيضا: حدثني خليد بن محمد بن رياسة حدثه أن أبا صفرة وصل إليه فقال له: إن معنا طعاما لا نأكل منه لولا ذلك قربناه إليك، فقال أبو صفرة ولم؟ قال: لأن السنور أكل منه، فقال: قدم الطعام، قال محمد: فقدمته إليه قال: أرني حيث أكل السنور، قال: فأريته فبدأ منه فأكل منه ثم أكل.
مسألة: سألت أبا سعيد عن سؤر الكلب من الماء إذا لعق بلسانه ولم يمسه شيء من شربه هل ترى به بأسا؟ قال: سؤر الكلب نجس هكذا قال.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر، قلت: أرأيت الدبرة تكون في الحمار فيمسها الرجل وهي رطبة؟ قال: لا بأس بذلك مالم يكن فيها دم، قلت: أرأيت الحمار يربط بالحبل في رأسه أو في رجله وهو يبعر ويبول هل يفسد ذلك الحبل؟ قال: إذا لم يعلم أنه مسه بول ولا نجاسة فلا بأس بذلك.
مسألة: من كتاب (الضياء)؛ والحبوب التي تبول عليها البقر في الجنور، فإن ما أصابه البول نجس، الدليل عليه ما أجمعوا عليه، أن الدواب لو بالت على الحب وقد صفي أنه يحكم له بالنجاسة، وإنما قالوا إنما كان في حال الدوس لا يحكم بنجاسة الحب لعدم العلم بأن بولها قد مس الحب لاختلاط التبن به وعلو التبن عليه، أو من شأن التبن الارتفاع والحب النزول، وإذا كان هذا هكذا كانت الدواب ترش البول على التبن ويجوز أن ينال الحب أيضا منه، ولكن لما لم يعلموا ذلك يقينا لم يحكموا بتنجيسه، والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة، والرجيع معناه أنه رجع عن حالته الأولى إلى غيرها لأنه كان طعاما أو علفا، وكذلك كل ما رجع فيه من قول أو فعل فهو رجيع عند العرب كقول الشاعر:
ليت الشباب هو الرجيع على الفتى ... والشيب كان هو النذير الأول
مسألة: من جواب أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي سألت عن مسك الضب والودل إذا جعل فيها السمن أو الدهن فلا بأس بذلك على ما عرفت. (7/93)
صفحة 2164
[صفحة بيضاء] (7/94)
صفحة 2165
الباب الثالث والعشرون
في البيض في نجاسته وطهارته
مما يؤخذ عن بعض أهل العلم معروض على أبي الحواري -رحمه الله-، وسألته عن بيض الدجاج، وبيض النعام إذا طبخ قبل أن يغسل وأكل لحمه، قال: لا بأس بذلك، وأما البيض إذا لم ينشق في القدر ولم يدخل الماء فيه فلا بأس إذا لم يدخل ماؤه فيه، قلت: فالماء الذي يطبخ به نجس، قال: نعم.
مسألة: والدجاجة إذا ماتت فوجد فيها بيض سالم فلا يجوز أكله، قال أبو علي: إن كان البيض جامدا غسل وأكل، وإن كان غير جامد فلا يجوز أكله.
وعنه فيما أحسب عن الدجاجة إذا ماتت فوجد فيها بيض هل يؤكل؟ فقال: إذا كان جامدا أكل، قيل له: فإن وجد في بطنها بيض بالغ، قال: معي أنه يجوز أكله ما لم يكن دما أو شيئا من النجاسات خارجا من الطهارة لأنها هي حكمه كان قد صار بيضا لأنه لا ذكاة عليه.
مسألة: وكذلك قيل في معاني الطير وفي بيضه أنه ما أفسد خزقه كان بيضه نجسا بمعنى خزقه، وما كان خزقه طاهرا كان بيضه طاهرا، فثبت معنى البيض بمعنى الخزق.
مسألة: والطير الذي يفسد زرقه، بيضه مفسد حتى يغسل، والذي لا يفسد زرقه لا يفسد بيضه إلا أن يكون في البيض شيء من الدم فإنه مفسد؛ والله أعلم.
مسألة: وكذلك يختلف في بيض الطير، فقول نجس كبيض الدجاج، وقول: بيضه طاهر من جميع ما كان من الطير خارجا بهذه السنة من غير النواسر؛ والله أعلم. (7/95)
صفحة 2166
[صفحة بيضاء] (7/96)
صفحة 2167
الباب الرابع والعشرون
في ذكر المسك وطهارته
من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه من كتاب (الأشراف) قال أبو بكر: واختلفوا في الانتفاع بالمسك فمن رأى الانتفاع بالمسك ابن عمر وأنس بن مالك وروي ذلك عن علي وسليمان، ورخص فيه سعيد بن المسيب وابن سيرين وجابر بن زيد ومالك والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد والحسن وعطاء بن أبي رباح؛ أنهم كرهوه ولا يصح ذلك إلا من عطاء، وقد روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد جيد أنه كان له مسك يتطيب به، ورينا عنه أنه قال: «إن الطيب المسك» وكذلك نقول.
قال أبو سعيد: لا يبين لي في قول أصحابنا معنى كراهية المسك، ولا يخرج عندي إلا شبه الاتفاق من قولهم: إنه طاهر. (7/97)
صفحة 2168
[صفحة بيضاء] (7/98)
صفحة 2169
الباب الخامس والعشرون
باب في لبن الشاة إذا حلبت دما والبيض واللبن
وسألت أبا سعيد عن الشاة إذا حلب من ضرعها لبن غلب عليه الدم الفحت؛ أيكون الشخب الثاني إذا خرج لبنا وليس فيه دم طاهر أم نجس؟ قال: ليس أقول: إنه نجس وأحب ألا ينتفع به حتى يجلب بعد ثلاثة أشخاب.
مسألة: روي عن أزهر: أن سائلا سأله عن عسالة وقعت في بئر فشرب منها وسقيت منها شاة أن ذلك الماء حرام وتستبرأ الشاة يومين، ثم بعد ذلك يؤكل لبنها، ويغسل من الثياب ما أصابه الماء.
قال غيره: وذلك إذا ماتت العسالة في البئر وهي مما تنجس، وقد قيل: لا يفسد لبن الشاة على حال.
مسألة: وعن البيضة إذا كانت فيها حمرة دم، فإذا تحولت البيضة عن حالها التي كانت فيها حمرة دم، فإذا تحولت البيضة عن حالها التي كانت فيه إلى الحمرة فلا تؤكل.
قال غيره: إذا صارت دما أو لحمة لم تؤكل حتى يكون فيها فرخ حي ويذكى، وأما الحمرة، فالله أعلم. (7/99)
صفحة 2170
[صفحة بيضاء] (7/100)
صفحة 2171
الباب السادس والعشرون
في نجاسة ما يخرج من البطون وطهارتها
أحسب عن أبي الحسن محمد بن الحسن وسألته عن دابة أكلت حبا كثيرا ثم إن الدابة ماتت، شاة كانت أو غيرها، فأخرج ذلك الحب من بطنها؛ هل لهم أن يغسلوه ويأكلوه؟ قال: نعم، قالوا: يغسل ثم يروح حتى ييبس ثم يجعل في الماء الطاهر بمقدار ما لبث في بطنها ميتة ثم يؤكل.
مسألة: وقال أبو الحسن فيما يطرح إبل السلطان وغيرها من الإبل: تسلخ فيخرج فيه حب إن ذلك الحب من طرق ومن منازلهم التي كانوا ينزلونها حلال لمن أخذه وأكله، قال غيره: إلا أن يعلم أن الحب الذي أكلته الجمال مغتصب وهو ذلك الحب الذي خرج منها. (7/101)
صفحة 2172
[صفحة بيضاء] (7/102)
صفحة 2173
الباب السابع والعشرون
في نجاسة الكلب والهر
قلت لكلب مس شيئا منه ماء أو رطوبة ولم يعلم من ماء ينجس أم لا؛ ولم يعلم أنه قام له ذلك مقام الغسل أم لا؟ هل يكون ذلك الماء والرطوبة طاهرا حتى يعلم أنه مما ينجس؟ قال: معي إنه إذا كان فيه نجاسة فأحكامه النجاسة؛ لأنه نجس حتى يعلم أنه ليس بنجس.
قلت له: أرأيت لو وقع في ماء ولم يقم له ذلك الوقوع مقام الغسل وهو مما لا ينجس؛ هل يكون ما بقي في بدنه طاهرا، أو لا يفسد ما مسه؟ قال: فعندي أنه إذا لم يقم مقام الغسل من حركة الخوض أو ضرب الماء أنه معي نجس بموضع نجاسته هو في الأصل.
قلت: فهل يخرج عندك في بعض القول أنه لا ينجس إذا كان وقوعه في الماء لا ينجس؟ قال: فلا يبين لي ذلك إذا لم يصح له ما يكون به حكم الطهارة أن لو كان تطهر في الأصل مما وصفت لك.
قلت له: فإن قام له ذلك الحوض أو ضرب الماء مقام الغسل أيكون ما مس طاهرا إذا كان في ماء لا ينجس؟ قال: قد قال بعض ذلك فيما عندي، وعندي أن بعضا لا يرى ذلك على حال الأصل نجاسته، قلت له: فما العلة في قول من يقول إنه إذا قام ذلك مقام الغسل لم يفسد، وإذا لم يقم له مقام الغسل أفسد فما العلة في ذلك، وكله من بدن الكلب؟ قال: فعندي إن صاحب هذا القول (7/103)
صفحة 2174
يذهب فيه إلى التشبيه بالذمي إذا تطهر أنه يطهر ولعله يشبه بذلك، وبعض قال: لا يطهر.
قلت: فعلى قول من يقول: إنه لا يطهر؟ يقول: إنه بمنزلة الميتة، قال: فلا أعلم أنه يخرج عندي بمنزلة الميتة لأن الميتة لا تتحول أبدا وهذا يتحول بالإسلام إن كنت تعني المشرك من أهل الذمة، وإن كنت تعني الكلب فما أشبه الكلب عندي بالميتة والكلب عندي أشد من الذمي في أمر النجاسات.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: وعن شعر الكلب هل ينجس؟ قال: نعم، وكذلك إن قص منه شعرة وهو حي فهو نجس، قال: نعم، قلت: فإن غسل؟ قال: الله أعلم، وقد اختلف في شعر الخنزير إذا زال عنه ثم غسل، فقال من قال ينتفع به، وقال من قال: لا ينتفع به، وكذلك شعر الكلب مثله، والذي أحب أن يكون شعر الكلب لا يطهر إذا غسل ولو كان زائلا عنه.
مسألة: وعن الكلب إذا وطئ في الطين هل ينجسه؟ قال: نعم، إذا كان الطين رطبا. (7/104)
صفحة 2175
الباب الثامن والعشرون
في سور الهر
قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن سؤر ما يؤكل لحمه طاهر، يجوز به والوضوء به، واختلفوا في سؤر الهر، وكان ابن عمر يكره أن يتوضأ بسؤر الهر، وكره ذلك يحي الأنصاري وابن أبي ليلى وكان أبو هريرة يقول في سؤر الهر يغسل مرة أو مرتين وبه وقال ابن المسيب وقال الحسن وابن سيرين يغسل مرة، وفيه قول رابع قاله طاووس يغسل سبع مرات بمنزلة الكلب، وقال عطاء: بمنزلة الكلب، وفيه قول خامس قاله عوام أهل العلم من أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل الشام، وهو أن لا بأس بسؤره، وممن قال به الأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وأصحاب الرأي إلا النعمان فإنه كان يكره سؤره وقال: فإن توضأ به أجزأه، وكان ربيعة يقول: لا نأمر به إلا أن يكون به دم، وبه قال مالك، قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن الهر لا تنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات وبه نقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يختلف فيه من قول أصحابنا ويخرج فيه ما قد قيل في هذا
الباب على معاني ما يستدل به من القول وأثبت ذلك عندي من قولهم طاهر سؤره لثبوت طهارة الشيء من الماء وغيره. فإذا ثبت طهارة الشيء بمعنى أصل طاهر لم يستحل إلى حكم النجاسة إلا بما لا مخرج له من حكم النجاسة بمعاني الحكم.
مسألة: من كتاب الأشراف قال أبو بكر: وثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات». وبه قال أبو هريرة وابن عباس (7/105)
صفحة 2176
وعروة بن الزبير وطاووس وابن عمر ودينار ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور. وفيه قول ثاني وهو أنه قال: يغسل ثلاث مرات، هكذا قال الزهري، وقال عطاء: سمعت سبعا وخمسا وثلاث مرات. وقال قائل: يغسل الإناء من ولغ الكلب كما يغسل من غيره. قال أبو بكر: وبقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نأخذ. قال أبو بكر: واختلفوا في طهارة الماء الذي يلغ فيه الكلب؛ فقالت طائفة: الماء طاهر يتطهر به للصلاة ويغسل الإناء كما أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم -. وقال الزهري: إذا لم يجد غيره توضأ. وقال مالك والأوزاعي: وروينا عن ابن أبي لبانة قال يتوضأ به ويتيمم بعده، وبه قال عبد الرحمن وعبد الملك الماجشون و ابن سلمة، وكان الشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون: الماء الذي بلغ فيه الكلب نجس يراق ويغسل الإناء سبعا أولاهن وأخراهن بالتراب.
قال أبو سعيد: يواطئ قول أصحابنا معنا أن سؤر الكلب نجس، وقد جاء هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحديد غسل سؤر الكلب سبع مرات فإن صح ذلك فلعل ذلك في مخصوص من الأمر قد شاهده النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر به، وإلا فلا معنى يدل على إخراج طهارة سؤر الكلب من سائر النجاسات، وطهارة سؤر الكلب كطهارة سائر النجاسات والمبالغة في الخروج من النجاسات إلى الطهارات أحب إلينا في كل وجه، وإذا ثبت نجاسة الإناء من سؤر الكلب من وجه الماء الذي فيه لم يحسن معنا أن يكون الماء طاهرا وما مسه نجس فمعناه يخرج معنا إما أن يكون نجسا والإناء نجسا، وإما أن يكونا طاهرين جميعا لمعنى إن لم يغلب على الماء حكم النجاسة فإن خرج على هذا فهذا الذي يحسن معناه، ويجوز في الاعتبار، إلا أن يكون قد ثبت المس من الكلب الإناء دون الماء فقد نجس، هذا الذي قيل في نجاسة الإناء وطهارة الماء لثبوت حكم الطهارة وثبوت حكم الإناء نجسا ولم يكن الماء مطهرا للإناء بالغسل، ولم يكن الماء متنجسا بنجاسة الإناء إلا حتى تغلب عليه النجاسة على معنى قول من قال بذلك.
مسألة: من كتاب الأشراف، قال أبو بكر: واختلفوا في سؤر الحمار والبغل، فكره ابن عمر والنخعي والشافعي والحسن وابن سيرين سؤر الحمار، وبه قال الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي، وحكي عن إسحاق أنه كرهه وحكي عنه أنه قال: يتوضأ بسؤر الحمار والبغل إذا كان من ضرورة، قال حماد: وأحب إلي أن يعيد الصلاة إذا توضأ بسؤر الحمار والبغل، وقال الحكم: لا يعيد، وكره سؤر (7/106)
صفحة 2177
البغل النخعي والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، ورخص طائفة في الطهارة بسؤر الحمار والبغل، ورخص في الوضوء بفضل الحمار الحسن البصري وعطاء والزهري ويحي والأنصاري وبكر بن الأشج وربيعة وأبو زياد ومالك والشافعي، قال الشافعي: لا بأس بأنثار الدواب كلها ما خلا الكلب والخنزير، ورخص في الوضوء بفضل البغال والحمير يحي بن سعيد وبكر بن الأشج ومالك والشافعي، وقال الثوري: إن لم إلاّ سؤر الجمل والبغل فأحب إلينا أن يتوضأ به ثم يتيمم، وقال النعمان: جميع ما لا يؤكل لحمه من الدواب والطير والسباع فسؤره مكروه، وقال في سؤر الكلب وجميع السباع إذا توضأ به متوضئ لم تجز صلاته وعليه إعادتها وإن لم يجد المتوضئ ماء غير سؤرهما يتيمم ولم يتوضأ به إلا السنور فإن توضأ به فقد أساء فصلاته جائزة، وقال في سؤر الحمار والبغل: إذا توضأ به رجل فعليه أن يعيد الوضوء والصلاة، فإن لم يجد ماء غير سؤرهما توضأ به ويتيمم بجمعيهما ... احتياطا. قال أبو بكر: الوضوء بأسآر الدواب جائز. وروينا عن عمر بن الخطاب أنه توضأ من ماء نصرانية في جرة نصرانية، وممن كان لا يرى بسؤر النصراني بأسا الأوزاعي والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. ولا نعلم أن أحدا كره ذلك إلا أحمد وإسحاق فإنهما قالا: لا ندري ما سؤر المشرك.
قال أبو سعيد: يواطئ قول أصحابنا يخرج عندي على تطهير أسآر الدواب كلها من الأنعام والخيل والبغال والحمير من الماء وغيره من الأشياء وما يشبه هذه الدواب كلها من الأنعام وخرج مخرجها، فهذا عندي يخرج على ظاهر قولهم، وقد يخرج عندي كراهية سؤر الخيل والحمير وما أشبهها لموضع كراهية لحومها، لأنه كل ما فسد لحمه ففي الاعتبار أنه مفسد سؤره، وكل ما كره لحمه فكذلك يخرج في الاعتبار كراهية سؤره، وأما السباع فيخرج في معاني قولهم: كراهيتها من غير فساد بمعاني الاتفاق، وقد قيل: إن آسارها فاسدة، ولعل ذلك يخرج على معنى قول من يفسد لحومها للنهي عن ذوات الناب من السباع، وإذا ثبت طهارة لحمها مع من ثبت معه ذلك فسؤرها عندي مثل لحمها لا يعدوه إلا أن يصح نجاستها لمعارضة غيرها بمعاني الحكم، أو في حين ما يشبه ذلك.
ومن كتاب الأشراف: وأما عرق الحمار فقد حكي عن مالك والثوري أنهما كانا لا يريان به بأسا، وبه قال النعمان والشافعي، وقال أيوب: لعاب الحمار طاهر، وقد اختلف فيه عن النعمان في عرق الحمار، وقال أحمد في عرق الحمار: لا (7/107)
صفحة 2178
يعجبني أن يتوضأ به.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا معاني الاختلاف في عرق الحمار ما لم يصن، فإذا صين فلا أعلم بينهم فيه اختلافا إلا أنه طاهر والسائر طهارته بمعنى الحكم حتى يصح فيه نجاسته ولعابه مثل عرقه عندي إلا أني لا أعلم من قولهم فساد ذلك يخرج عندي كراهيته.
مسألة: ومن غير كتاب الأشراف: قال أبو المؤثر: خزق النعام المؤنس أهون من خزق السباع، وأما النعام الوحشي فلا أرى بخبثه بأسا.
مسألة: وعن أنفحة السطور فلم نر به بأسا ما لم يكن فيها فرث، وأما الأرانب فعن أبي إبراهيم في سؤر السنور فلم نر به بأسا، وقال: مخطمه مفسد.
مسألة: وسألته عن بول الأماحي وسؤرهن وبعرهن أنجس أو ليس بنجس، قال من قال: إنه ليس بنجس، وقال من قال: إنه نجس، قلت: فما تقول أنت؟ قال: أقول: إنه ليس بنجس، وقال من قال: إنه نجس؟ وما كان فيه الدفق بالسائل فهو أحب إلي، قلت له: وكذلك الحيات مثل الأماحي قال: نعم كرهوا سؤر الحية من أجل خوف المضرة، وسأله سائل إذا ماتت الأمحاة في البئر هل تنجسها قال من قال: إنها تنجسها؟ وقال من قال: إنها لا تنجسها، قلت له: وكذلك الحية، قال: نعم.
مسألة: وقال أبو الحسن في بعر الضب: أنه يرجو أنه لا بأس به، قلت له: فبعر الثعلث فما فوقه من السباع أهو مفسد؟ قال: نعم.
مسألة: قال في بول السحل حين ما نتج يفسد، وأما الأنفحة فلا بأس بها حتى تأكل الشجر وتصير كرشا، وأرجو أن لا بأس بسؤره؟ قلت: كذلك بعره مثل سؤره، قال: أرجو أنه كذلك إما الأم تكون من السباع.
مسألة: وسألته عن سؤر الفيل طاهر أو نجس؟ قال: فلا أعلم فيه شيئا، قلت: فهل يشبه عندك سؤر الأنعام؟ قل: فلا يشبه ذلك عندي لأنه ليس معي أنه من الأنعام إلا أنه فيما أحسب أن شبهه إلى الإبل من الأنعام أقرب إلى شبهه من سائر الدواب من السباع التي علمناها وما أشبه الشيء فهو مثله عندي إذا لم يأت فيه نص بحكم المفرد، قلت له: فما أشد عندك سؤر الفيل أم سؤر السباع؟ قال: معي أن (7/108)
صفحة 2179
سؤر السباع أشد، قلت له: فلحمه عندك بمنزلة لحم السباع أم بمنزلة لحم الأنعام؟ قال: فليس هو عندي بمنزلة لحم الأنعام إلا أن يكون يشبه الأنعام، قلت له: ويعجبك أن يكون بمنزلة لحم السباع؟ قال: لا، يعجبني فيما لا أعلم أن أقول شيئا، قلت له: فما تقول في بعر الفيل أهو عندك بمنزلة سؤره؟ قال: الله أعلم ولا أقول فيه شيئا.
من الزيادة المضافة: وجدت في الضياء أن سؤره وروثه طاهر، قال بعض في لحمه: إنه من الأنعام، وقال بعض: إنه يكره ذلك وكذلك الخيل، رجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: وسألته عن سؤر الأرنب طاهر أم نجس؟ قال: معي أن الأرنب ليس من السباع، وأرجو أنه لا بأس بسؤره، قلت له: وكذلك بعره مثل سؤره، قال: أرجو أنه إذا لم يكن من السباع فلا بأس ببعره لأنه عندي من الصيد، قلت له: وكذلك فرثه الذي في الكرش بمنزلة فرث الغنم عندك؟ قال: معي أنه ما كان من الصيد لم يكن من السباع، فهو عندي يشبه الظبي، والظبي عندي يشبه الغنم.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء قال أبو محمد: عندي أن الكلب لا ينتقل عن صيانة أهله عن حكم الكلاب من أن يكون سبعا وأنه يقطع الصلاة وينجس سؤره والله أعلم، وعنه في موضع آخر قال: لا بأس بسؤر الكلب المكلب ولا يقطع الصلاة ولا تنجس ميتته وسؤره، الدليل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من اقتنى كلبا لا لزرع ولا لضرع نقص من أجره كل يوم قيراطان»، فلما توجه الوعيد منه - صلى الله عليه وسلم - بالإحباط لعمل من اتخذ كلبا لغير هذين المعنيين مع قول الله تبارك وتعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ} (المائدة:4) الآية، علمنا أن سبيله سبيل الأنعام، وأنه مخصوص من جملة الكلاب والله أعلم بأصحهما عنه.
مسألة: منه، العلة الموجبة لطهارة سؤر الهرة لأنها لا يستطاع الامتناع من سؤرها، لقول النبي- صلى الله عليه وسلم -: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات». وقال النبي- صلى الله عليه وسلم -: «إنها من ساكني البيوت»، فمن وجدت هذه العلة فيه لم ينجس سؤره. (7/109)
صفحة 2180
[صفحة بيضاء] (7/110)
صفحة 2181
الباب التاسع والعشرون
في تطهير النجاسات
من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: الطهارة اسم يقع على معنيين: أحدهما إزالة نجاسته والأخرى إنفاذ عبادة، والنجاسة تجري مجرى الديون في إزالتها ويصبح اسم التطهير منها بزوال عينها بماء أو بما يقوم مقامه ويرتفع حكمها بما ذكرنا لغير نية وقصد ممّن فعل ذلك، ألا ترى أن الدين الذي شبهناه بها لو أدى غير ما لزمه ذلك الدين بأمره أو غير أمره سقط الأدى عن متضمنه، وكذلك يجب أن تكون النجاسات إذا أزالها من لزمته في نفسه أو في ثوبه فتولى إزالة ذلك عنه غيره بأمره أو غير أمره أن ذلك يكون مزيلا عنه فرض الطهارة منه؟ وأما الطهارة التي هي إنفاذ عبادة المحدث بالنوم أو بخروج ريح فإسقاط فرض الطهارة عنه لا يكون إلا بفعله والقصد لذلك منه بدليل قول الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة:5)، فأمر جل ثناؤه من تعبد بعبادة يتعلق فعلها بذمته أن يقصد قصد إليها وينوي فعلها لأن الإخلاص لا يكون إلا بالقلب في جميع العبادات التي طريقها ما ذكرنا، ولا يسقط فرض أدائها إلا من طريق المقاصد والله أعلم. (7/111)
صفحة 2182
[صفحة بيضاء] (7/112)
صفحة 2183
الباب الثلاثون
غسل النجاسات
ومن جامع أبي محمد، وسؤر السباع وسائر النجاسات كالبول وغيره مما لا عين له قائمة، فإنها تطهر بثلاث غسلات، ما روى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا لا يدري أين باتت يده»، احتياطا من كل نجاسة أصابتها في حال نومه نحو كلب لحسها أو بال عليها، أو وقعت على نجاسة أو في نومه عما يتوهم أصابتها في حال نومه، وأبو هريرة روى الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا»، وروى الخبرين جميعا، ثم فتواه في ولوغ الكلب ثلاث غسلات ثم لا يختلف عند من خالفنا أن سؤر الكلب وبول الإنسان وغيره من النجاسات المائعات في الهر حكمها واحد في باب التطهر وموافقتهم لنا في باب تطهير البئر يدل على صحة قولنا إذا لم يختلف، واختلف قول من خالفنا والله أعلم.
ومن الكتاب: غسل الدم وغيره من الأنجاس عندنا واجب قليله وكثيره ولا يجد فيه حدا، لما روت أسماء بنت أبي بكر أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت يا رسول الله: إن دم الحيض يصيب منه القليل والكثير، وهذا الخبر صحيح مع أهل الخلاف لنا في نقلهم، ومن خطئهم فيما ذهبوا إليه من تحديدهم النجاسة قدر الدرهم أو الدينار والكف واللمعة أن هذا المقدار لا بأس به عندهم مع العلم بكون النجاسة، وفي ظاهر هذا القول منهم من الوحشة ما يغني عن ذكره وحكايته عن الاحتجاج على قائله (7/113)
صفحة 2184
وردع الألباب عن التشاغل به وإظهار فساده وبالله التوفيق.
مسألة: وسألت أبا سعيد: عن الحلول إذا غسل فيه الثوب النجس، أيطهر إذا طهر الثوب؟ قال: نعم إذا غسل الثوب بثلاثة مياه، فقد طهر الثوب، والماء الثالث والإناء الذي غسل فيه الثوب، وقال من قال: يطهر الثوب وحده والماء الثالث والإناء الذي غسل فيه الثوب نجسا، والرأي الأول أحب إلينا.
مسألة: وسئل عن آخر، ماء زالت به النجاسة طاهر أم نجس؟ قال: معي إنه قيل: طاهر، وقيل: نجس، قيل له: فعلى قول من يقول إنه طاهر يكون طاهرا مطهرا لغير تلك النجاسة أم يكون مستعملا؟ فالذي معي أن الطهور غير الطاهر والطاهر قائم بنفسه.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ: وسألته عن دم وقع في طست إن صب عليه الماء صبا من غير عرك أيجزيه ذلك؟ قال: نعم، قلت: فإن كان قدح؟ قال: لا بأس بذلك.
مسألة: منه قلت الحصير تصيبه النجاسة وهو في المسجد ثم يصب عليه الماء ويغسل وتزول العين وهو في موضعه ما القول في الماء الذي قد جرى تحت، وما حكم الأرض التي قد لقيها الماء والنجاسة تجزيه هذا أم حتى يخرج من موضعه ويغسل باطنا وظاهرا؟ قال: الذي عرفت أن فعل ذلك يجزي، وإن كان الماء غالبا على النجاسة فلا حكم للنجاسة إذا يبس الموضع من المسجد طهر، ولو أخرج لكان أبلغ وأحوط والله أعلم. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (7/114)
صفحة 2185
الباب الحادي والثلاثون
في تطهير النجاسة بالنار
وإذا مس اليهودي الذهب والفضة برطوبة ثم أدخله النار وأحماه فقد نضف.
مسألة: وقال أبو الحواري في الخشب إذا مسته النجاسة مثل البول والدم، ثم أوقد بالنار أنه لا بأس برماده، وقال: إن النجاسة قد أكلتها النار، وكذلك أرجو أني قد سألته عن التنور إذا مسه ماء نجس فحمم فقد نضف فهذا عندي مثل الحلي.
مسألة: وقال في اللحم إذا كان نجسا ثم شوي فإنه يطهر على معنى قوله وهو أقرب من العجين إذا خبز وهو نجس.
مسألة: وعن الحطب النجس هل ينتفع به وبرماده؟ فقد قالوا إذا أحرقته النار فلا بأس برماده، وكذلك من أراد أن يخبز به فلا بأس به إذا أكلته النار إذا خبز بجمره أو بحموه.
قال غيره: ونعم، قد قيل ذلك إذا كانت النجاسة من غير الذوات، وقد قيل أيضا في الذوات.
مسألة: وعن التنور والبيرزان إذا خبزت فيها عجين نجس، فقد بلغنا عن موسى بن علي أنه أجاز أكل ذلك الخبز، وقال: قد ذهبت النار بذلك الماء، وكذلك قد طهر التنور والبيرزان على ما قال موسى بن علي -رحمه الله- فلا غسل عليهما.
مسألة: من حاشية الكتاب، يذكر أنها من الضياء، والطين النجس إذا وقد (7/115)
صفحة 2186
عليه النار فإنها تطهره، والتنور إذا عمل من طين نجس حمم مرتين: مرة تطهره ومرة يخبز عليه بها، والتنور إذا شوي فيه ميتة فعلق فيه دسم فمختلف فيه؛ فقال قوم: يكسر، وقال قوم: يغسل، وقال قوم: يحمم بنار حتى يذهب، والاختلاف يكثر، وإذا حميت حديدة بالنار وجعلت على الدابة للعلامة ولم يخرج دم فهي طاهرة، وفي تطهير النار لما كان نجسا ففيه اختلاف، وإذا وقعت فأرة في تنور قد طرح فيه خبز رطب لم ينضج وثار غبار الفأر فأخاف أن يفسده لأن الخبز رطب ويعلقه الدخان رجع.
مسألة: من الزيادة المضافة والعود إذا أسهم بعسل نجس فلا بأس أن يبخر به الثياب ما لم يؤثر فيها، والأثر منه السواد، وإن كان الثوب رطبا فجائز أن يبخر من هذا العود، وسبيله سبيل الثوب اليابس ما لم يؤثر فيه، وقيل دخان النجس نجس وما ذلك به نجس، وقال الفضل: لا بأس برماد الحطب النجس، رجع إلى كتاب بيان الشرع. (7/116)
صفحة 2187
الباب الثاني والثلاثون
في غسل النجاسة بغير ماء
ومن جامع أبي محمد: النجس اسم يقع على معنيين: أحدهما يكون نجسا لعينه، والآخر نجسا لنجاسة حلته، فما كان نجسا لعينه فزوال اسم النجس عنه غير جائز ما كانت عينه قائمة، كالدم والعذرة والبول ونحو ذلك، والضرب الثاني يسمى نجسا بحلول نجاسة فيه، فزوال ما صار به متنجسا يرفع اسم النجس عنه، ويدل على ذلك أن بعض أصحابنا كان يذهب إلى أن النجاسات أعيانا مرئية فحكم بتنجيس ما لاقته في حال تعلقها به وظهورها عليه، وإذا كانت عين النجاسة قائمة شيء تقدمت له الطهارة انتقل إلى حكم ما لاقاه من النجاسة، فإذا زالت عين النجاسة عنه بماء أو غيره وذهبت عين النجاسة منه عاد إلى حكم ما كان عليه من حكم الطهارة، والاسم الأول قبل حدوث النجاسة فيه، ألا ترى إلى قولهم في الأرض يصيبها البول أو غيره من النجاسات فحكم المكان نجس به حتى يصب الماء عليه أو تذهب عينه بغير ماء، وكذلك قالوا في الفعل والخف يطأ بهما في النجاسة فهما نجسان، فإذا ذهبت عين النجاسة عنهما صارا طاهرين، وكذلك ما ذكر محمد بن جعفر في الجامع أن البيض إذا كان رطبا وحمله المصلي في ثوبه أن صلاته تفسد بحكم نجاسته بالرطوبة التي تخرج بها من المخرج النجس، فإذا صلى به وقد جف وليس عليه أثر من رطوبة إن صلاته جائزة، وكذلك قالوا في الدواب يضعن أولادهن ما نتجن بالدماء وغيرها من الأنجاس، فإذا جف ما ظهر على أبدانهن من النجاسة بشمس أو تراب أو لحس أو فذهبت عنه عين النجاسة صار حكمه حكم الطاهر، وكذلك قالوا في الشاة وغيرها من الدواب تأكل النجاسة بفمها أو تشرب النجس (7/117)
صفحة 2188
وتتقلب ببدنها (بضرعها) في البول، فإذا ذهبت عينه بتراب أو شمس أو ريح أو غير ذلك عاد إلى حكمه من الطهارة، وكذلك ما يعاين على منقار الدجاجة من العذرة والجلالة من الحمير والبقر وأكل السنور للفأر وظهور الدم بفمه، فإذا غابوا ثم عادوا في مدة قصيرة ولم يعاينوا عليهم من تلك
النجاسة شيئا حكموا لهم بحكم الطهارة وصار سؤرهم طاهرا، وكذلك قالوا في عظم المشرك وعظم الميتة وقنح نجس في حال الرطوبة النجسة به فإذا جفت وزالت الرطوبة صار طاهرا عندهم ونحو هذا من قولهم كثير، ويدل على صحة هذا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، فلما كان إهاب الميتة يطهر بالملح أو بالشمس أو التراب أو الرماد أو ما تذهب منه التي هي عين النجاسة وجب أن تكون عين النجاسة إذا زالت عن الشيء صار طاهرا والله أعلم، فإن قال قائل: إن النعل تأكلها الأرض فتذهب عين النجاسة وما لاقته النجاسة؟ قيل له: هذا إغفال ممن احتج به، وذلك أن النعل قد يطأ بها في المائع من النجاسات كالبول والماء والنجس والدم وما جرى مجراه فتنشف النعل منه حتى ينتهي إلى ظاهرها أو دون ظاهرها فلا يؤمر صاحبها أن يجتنبها إذا تطهر للصلاة ثم لبسها حتى تأكل النعل الأرض إلى منتهى ما بلغت النجاسة إليه أو تفنى، فلما أجازوا له الصلاة فيها ولبسها والقدم رطبة إذا زالت عين النجاسة عنها علمنا أن هذه علة تكلفها بعض المتأخرين، لقول من ذكرنا قوله من المتقدمين والله أعلم، وبالله التوفيق، فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون هذا من قولهم في غير الإنسان المتعبد؟ فأما من لا عبادة عليه فلا لأنهم لم يقولوا بمثل هذا فيما مس البدن والثوب والحصير والأواني فلما لم يقولوا إلا بتطهير ذلك بالماء كان هو الدليل على إنما يطهر بغير الماء، إنما خص به من لا عبادة عليه، قيل له: هذا غلط من قبل إنا متعبدون بأن نجتنب الأنجاس، وإنما ذكرنا تعبدنا فيه بأن لا نمسه ولا نستعمله ولا نباشره في حال طهارتنا، وإنا ما لاقانا منه فحكمه النجاسة وعلينا العبادة منه بالطهارة، ألا ترى أن العلة لهم غير ما توهمت أنهم قالوا: إن رعف أو قاء أو خرج منه دم إن زوال عين النجاسة عمن لحقه ذلك حكمه حكم الطهارة من غير تطهير بالماء؟ وكذلك ما روى محمد بن جعفر في
الجامع، إن من توضأ وعلى بعض الجوارح الوضوء منه بنجاسة قائمة العين نحو الدم أو غيره فمسحه بحجر أو مسحه له غيره وبنى على مسحه، ولم يأمر بغسله بالماء، وكذلك ما ذهب إليه بعضهم من جواز أكل الخبز إذا عجن بماء نجس فأذهبت النار عين الرطوبة منه فهذا يدل على ما قلنا دون ما توهمت والله أعلم. (7/118)
صفحة 2189
مسألة: ومن غيره سألته عن المسحاة والقراز يتنجسان ثم يستعملان بالتراب الطاهر حتى يبرأ أثر النجاسة منهما هل يطهران؟ فقال: على قياس النعل أرجو أن يطهرا، قال: وهما أقرب عندي إلى ذلك في القياس، وإنما ذكرته في استعمالهما في التراب الطاهر.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر، وعن السماد إذا أبرز من المرابط والأزراب ثم ضربته الشمس وهاجت عليه الريح حتى لم يبق فيه أثرا لبول هل يطهر بذلك أم لا؟ قال: نعم، يطهر إن شاء الله ولا بأس على من مسه برطوبة. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (7/119)
صفحة 2190
[صفحة بيضاء] (7/120)
صفحة 2191
الباب الثالث والثلاثون
في المشرك يجب عليه عند إسلامه
غسل أم لا وكذلك إذا أشرك بالخطأ
ومن كتاب الأشراف: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر رجلا أسلم أن يغتسل ... واختلفوا في الكافر يسلم فكان مالك بن أنس يرى أن يغتسل وأوجب ذلك أبو ثور وأحمد بن حنبل وقال الشافعي: أحب أن يغتسل فإن لم يكن جنبا أجزاه أن يتوضأ، قال أبو بكر: الأول أصح، واختلفوا فيمن ارتد عن الإسلام وقد كان توضأ قبل أن يرتد، فكان الأوزاعي يقول: يستأنف العمل ويعيد حجه إذا كان حج لما حبط عمله، وقال أصحاب الرأي كقول الأوزاعي في الحج، وقالوا: أهو على وضوئه وتيممه، وقال مالك: إذا حج ثم ارتد عن الإسلام ثم أسلم عليه حجة أخرى، وقال أبو ثور: إذا تيمم ثم ارتد عن الإسلام ثم رجع إن التيمم لا يجزيه.
قال أبو سعيد: معي أن معنى الاتفاق من قول أصحابنا يخرج معناه على أن جميع من أسلم من مشرك من كتابي أو غيره من جميع المشركين الغسل لثبوت قول الله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (التوبة:28)، وكذلك عندي يخرج معني قولهم في المرتد بقول أو عمل ما يشبه الاتفاق على ثبوت الغسل عليه إذا أسلم بعد ردته لأن ذلك ما لا ينساغ غير أنه إذا ثبت غي المشرك النجس بكثير فالقليل منه ولو طرفة عين، وأما من ارتد في نفسه فمعي أنه مما يخرج فيه معاني الاختلاف من قولهم، فأحسب أن من قولهم إن عليه الغسل، ومنه إن عليه الوضوء ولا غسل عليه، ومنه إن وضوءه لا ينتقض ولا مخرج له عندي من الغسل إذا ثبت مشركا لأنه سواء عندي إذا أشرك شركا يكفر به فبأي المعاني أشرك فهو نجس، وعليه إذا أسلم الغسل لمعنى ثبوت الشرك فيه، وإذا ثبت أنه لا ينتقض وضوؤه في هذا المعنى في هذا القول فتيممه عندي مثله. (7/121)
صفحة 2192
[صفحة بيضاء] (7/122)
صفحة 2193
الباب الرابع والثلاثون
فيمن ارتد وهو متوضئ
ومن كتاب الأشراف: واختلفوا فيمن ارتد عن الإسلام وهو طاهر ثم رجع إليه، فكان الأوزاعي يقول: يستأنف الوضوء ويعيد الحج إن كان حج ويستأنف العمل، وقال أصحاب الرأي كقوله في الحج، ولم يوجبوا عليه إعادة الوضوء، قالوا: على تيممه إن كان متيمما ووافق ذلك مالك والأوزاعي في الحج، وقال أبو ثور: إذا ارتد ثم أسلم لم يجزه التيمم، وعليه أن يتوضأ أو يتيمم والغسل أحب إلي.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أن المشرك عليه الغسل وإن المرتد مثله ولا أعلم عنهم اختلافا في ثبوت الغسل على المشرك إذا ارتد بقول أو فعل، وأما من ارتاد باعتقاد أو نية فأرجو أنه قيل فيه باختلاف، وأرجو أنه قيل لا غسل عليه، وقيل: عليه الوضوء، وقيل: عليه الغسل إذا ثبت شركه وردته فلا فرق في ردته عندي، بقول ولا بنية وهو مشرك ويلحقه معاني ثبوت الغسل عندي.
ومنه: فإذا تيمم ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام فقال أصحاب الرأي: هو على تيممه ما لم يجد الماء ثم يحدث، وكذلك إن توضأ ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام، ولو توضئ نصراني أو اغتسل ثم أسلم فهو على طهارته وغسله، وإن تيمم ثم أسلم لم يجزه التيمم ولا يكون التيمم إلا بنية، هذا قول النعمان ومحمد، وقال يعقوب: يجزيه وهو متيمم، وقال أبو ثور: إذا تيمم ثم ارتد عن الإسلام ثم رجع لم يجزه ذلك التيمم وعليه أن يتوضأ ويتيمم، وإن اغتسل كان أحب إلي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر رجلا أن يغتسل بماء وسدر.
قال أبو سعيد: معنى الاتفاق من قول أصحابنا يخرج أن وضوء النصراني لا (7/123)
صفحة 2194
ينعقد وأن ذلك باطل وعليه إذا أسلم في معنى الاتفاق من قولهم الغسل والوضوء وكذلك المرتد بقول أو فعل، فمعي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قولهم إن عليه الغسل، ويختلف فيه معهم إن ارتد بشك أو بنية بدون الفعل أو القول فبعض قال: عليه الغسل وبعض يرى عليه الوضوء، ولعل بعضا لا يرى عليه شيئا من ذلك وضوء ولا غسلا، ويحتمل معاني ذلك، وأثبت ذلك عندي ثبوت الغسل لثبوته مشركا.
مسألة: ومن جامع أبي محمد اختلف الناس في المشرك إذا أسلم؛ قال بعضهم: يؤمر بالاغتسال استحبابا لملامسته الأنجاس، وقال بعضهم: لا غسل عليه ولا يؤمر بذلك إلا أن يعلم أنه به نجاسة، فإذا لم تكن على بدنه نجاسة ظاهرة ولا عينا مرئية من نجاسة كان له حكم الطاهر، وأصحاب هذا القول لا يأمرونه بالغسل إذا خرج إلى الإسلام إيجابا ولا استحبابا، وقال قوم: الغسل عليه واجب لقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} فظاهر الآية له اسم النجس، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة أن رجلا أسلم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمره بالغسل، وهذا القول يذهب إليه أصحابنا، وإذا ثبت هذا الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو أقوى لأصحابنا، فإن قال قائل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المسلم بالاغتسال ولم يعرفنا لماذا أمره إيجابا واستحبابا أو لعلمه بنجاسة كانت عليه، قيل له: الأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ورد فالواجب استعماله وإباحة الأمر به واتباع الرسول فيه حتى تقوم دلالة بغير ذلك، وعلى من ادعى غير الوجوب إقامة الدليل وبالله التوفيق.
والحجة لأصحابنا أن المشرك إذا توضأ في حالة شركه أو كان جنبا فاغتسل ثم أسلم أنه على حدثه وعليه الاغتسال من جنابته وحدثه باق على جهته لأنه لم يغتسل ولم يتطهر على الدينونة لله تعالى بذلك لأنه لم يكن تعبده بتلك الطهارة أن يأتي بها إلا بعد خروجه إلى الإسلام، وإنما فرض الله الوضوء، والغسل دينا وتقربا إلى الله بهما لأن الطهارة إنما جعلها الله للصلاة لأنه لم يكن يدين في حال كفره بطهارة ولا صلاة ولا تعبده بها في حال شركه، فيقعان منه موقع العبادة والقربة إليه، فكما لا تجزيه صلاة في حال شركه بترك الطهارة فكذلك الغسل والطهارة، لأن الغسل لو كان طهارة في تلك الحال لجازت به الصلاة، إذ كان الله تعالى إنما جعل الوضوء ولتجوز بهما الصلاة فعليه إذا أسلم وقد كان جنبا أن يعيد غسله، وكذلك إن كان (7/124)
صفحة 2195
توضأ في حال كفره بالله العظيم أن يعيد الوضوء، إذا كان بذلك متقربا إلى معبوده إذا كان الوضوء كالصلاة في التعبد والله أعلم، فإن قال قائل: فما تقولون في المسلم إذا توضأ ثم ارتد؟ قلنا له: كفره حدث ينقض طهارته، فإن قال قائل: ولم وقد فعلها في حال وقت كانت مقبولة منه؟ قيل له: لما كانت عملا من أعمال المسلمين يوقع به الصلوات ما كان مسلما فلما كفر حبط هذا العمل منه، لقول الله جل ذكره: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (المائدة:5) فلما كان خاسرا لأعماله بكفره لم تثبت له مع الكفر طهارة وغيرها من أعماله، ودليل آخر قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} (التوبة:28)، فهو نجس بقول الله تعالى جل ذكره، ومن يثبت له اسم نجس لم يكن متطهرا ولم يستحق اسم متطهر مع استحقاقه اسم النجس والله أصدق المسمين وبه التوفيق، وفيما أجمعوا على أن المرتد لو عقد على امرأة نكاحا وهو في حال ردته أن نكاحه باطل، وكذلك لو عقد عليها في
حال إسلامه ثم ارتد إن نكاحه يكون باطلا أيضا سواء كان في بدوه في الكفر أو كان في الإسلام، وكذلك عقد للطهارة في الكفر يبطل وبالارتداد يكون باطلا والله أعلم.
مسألة: ومن حفظ أبي معاوية وعن أبي عبد الله وقال في الذي يكون عنده الخمر والحرام ويسلم، قال: إن كان ذلك بعينه فلا يجوز له وإن كان قد حوله إلى غيره فهو جائز، قلت له: وكذلك الذي يستحل مال أهل القبلة ويغنمهم إذا حاربهم ثم يسلم ويتوب وذلك قد حوله في شيء غيره، قال: لا، هذا خلاف ذلك، وهو وما حوله إليه حرام عليه ويرده إلى أهله.
مسألة: وعن أبي الحسن وقلت: وما تقول: فيمن تكلم كلاما يلحقه فيه الشرك هل يلزمه فيه غسل وهل تفسد عليه امرأته إن جامعها قبل أن يتوب ويغسل إن كان يلزمه فيه غسل فإن كان ذلك ليس هو اعتماده ولا إرادته وإنما عليه من أهل تلك الصفة وتلك الأحداث إذا عرف ذلك التوبة بلسانه والرجوع من خطئه، ولا بأس عليه في زوجته ولا غسل من غير اعتماد والله أعلم بالصواب.
ومن غيره: قال الله أعلم، والذي معنا لا يسعه جهل ارتكاب ما جهل من الشرك ولا من حرمة زوجته في حال الشرك إذا كان يعرف وذاكرا ما كان من الشرك أو ذاكر بعد ذلك ما كان منه من الشرك، وأما إذا كان ذلك على الخطأ ثم نسي ذلك (7/125)
صفحة 2196
وتاب في الجملة، ولم يكن ذلك اعتماده ولا يدين به فإذا تاب في الجملة مع النسيان بعد إحداث التوبة باعتقاد التوحيد والحق بالجملة مع النسيان لذلك إلى أن يمت على ذلك والله أعلم بالصواب، وليس الخطأ بمرفوع في كل معاني الحق وإنما الخطأ الذي يرفع إذا أراد أن يقول شيئا من الحق والعدل فأخطأ فقال شيئا من الشرك فهذا لا يقع به شرك، وأما إذا قصد إلى معنى الشرك وجهل ذلك فلا يسعه جهل ذلك إلا أن يكون أراد غيره فأخطأ به. (7/126)
صفحة 2197
الباب الخامس والثلاثون
في رطوبات اليهودي ويابسته
وعن رجل مصلي أعطاه يهودي خاتمه الذي يعلقها هل يجوز لهذا المصلي أن يصلي بتلك الخاتم إذا غسلها أم لا؟ قال: أرجو أنه إذا غسلها جاز له ذلك، قلت له: وكذلك ثوب اليهودي إذا غسله المصلي هل تجوز له الصلاة فيه مثل الخاتم؟ قال: هكذا عندي، قلت له: فإن لم يغسل الثوب والخاتم ولم يعلم أن بهما نجاسة ولا أن اليهودي عرق فيهما، هل يجوز له أن يصلي بهما في الحكم حتى يعلم بنجاسته؟ قال: معي إنه إذا كان من لباسه فقد قيل إنه لا تجوز له الصلاة به حتى يعلم أنه طاهر، قلت له: فإن قال له اليهودي: إنه قد غسله ولم يلبسه بعد غسله، هل يجوز له أن يصلي به إذا أمن اليهودي على ذلك؟ قال: لا يبين لي ذلك لأنه غير مأمون على النجاسة وهو نجس أعني اليهودي، قلت له: فما الفرق بين المأمون الثقة في دينه من أهل الكتاب وبين الفاجر من أهل القبلة الذي يؤمن ويجوز أن يؤمن على النجاسة؟ ولم يجز أن يؤمن اليهودي على النجاسة بشركه؟ قال: لا يؤمن على النجاسات عندي وهو نجس وأحكامه أحكام النجاسة.
مسألة: وسئل عن البرين وأشباهه يصوغه اليهودي فثقبت البرة فيدخل فيها الماء ويخرج، ما حكم الماء؟ قال: معي إنه طاهر. (7/127)
صفحة 2198
[صفحة بيضاء] (7/128)
صفحة 2199
الباب السادس والثلاثون
في زوال النجاسة بعد الغسل
ومن جواب أبي سعيد إلى دمشقي بن راشد، ورد كتابك في رجل تنور بنورة نجسة فغسلها وبقي في بدنه بياضها لا تخرج وقد عركها، فعلى ما وصفت فإذا يبس بدنه ثم ظهر بياض النورة، فإذا كانت النورة نفسها نجسة من ذاتها فليس النجاسة فيها محدثة فإذا ظهر بياضها غسل ذلك البياض إذا كان غسله خرج فذلك نجاسته وإن لم يخرج فذلك زوال ولا نجاسة فيه ولا إعادة عليه إن كان قد صلى، وإن كانت النجاسة إنما هي محدثة في النورة فإذا غسل النورة غسل النجاسة فما بقي من البياض بعد ذلك فهو طاهر على حسب هذا عرفنا، والنورة معنى النجاسة حادثة فيها وليست النجاسة أصلية فيها لأنه إذا تنجست النورة وهي يابسة، ثم عملت بالماء فإنما النورة نفسها طاهرة والنجاسة حادثة، وكذلك إن عملت بالماء ثم تنجست بشيء من النجاسات من قبل الماء والبول فافهم ذلك، وإن كانت النورة فيها شيء من الذوات النجسة مثل العذرة والدم وغير ذلك من النجاسات صار ذلك بمنزلة النورة، واختلط فيها وصار مثلها في ذاتها وفيها فهذا الذي يكون نجسا والقول فيه ما وصفناه وكذلك الغسل والحرض فيغسل البدن والثوب وجري الغسل على الغسل والحرض في البدن والثوب فغُسل غسل النجاسة فما بقي من الحرض والغسل على البدن والثوب فذلك طاهر لأن الطهارة قد أتت عليه وإنما هو أصلُه طاهر والنجاسة فيه مجتلبة والطهارة تأتي عليه كما تأتي على البدن والثوب فافهم الفرق في ذلك، ولولا القياس في مثل هذا لكان القياس على الثوب إذا تنجس فلا يطهر أبدا لأنه نجس، وكذلك كل شيء من الطهارات الأصلية والنجاسة فيها مجتلبة والقول فيه أنه يطهر إذا غسل والله أعلم بالصواب. (7/129)
صفحة 2200
مسألة: وأما المسك الذي دهن بشحم نجس فقال من قال: إنه إذا غسل وبولغ في غسله وتغير لون النجاسة منه فتلك طهارته، وقال من قال: إنه لا يطهر حتى يجعل في الحمدة التي تذهب بلون النجاسة ودنسها حتى لا يبقى منه شيء، وأنا أقول: إن كان هذا الشحم شحم ميتة أو خنزير أو من ذبائح المجوس أو أهل الحرب أو ما يكون مثل ذلك مما تكون ذاته نجسة، وليست النجاسة مجتلبة فإن ذلك لا يطهر حتى يذهب الماء بلون النجاسة ودنسها، وآخذ في هذا بالقول الآخر.
وأما إن كانت النجاسة إنما هي مكتسبة من الشحم والدهن وأصل ذلك طاهر وكل نجاسة مكتسبة فإذا بولغ في غسلها فذلك طهارتها ولو كان جوهر الطهارة التي اكتسبت النجاسة قائمة بعينها لأن الماء يذهب بالنجاسة من الطهارة، وآخذ في هذا بالقول الأول.
ومنه، ومن جامع أبي محمد واختلف الناس في الثوب يصيبه الدم فيبقى أثره بعد الغسل، فقال قوم: لا يطهر إلا بزوال أثره.
وقال آخرون: إذا غسل فزال الطعم والرائحة فقد طهر.
وقال آخرون: إذا بولغ في تطهيره حتى يتغير عن حاله وإن بقي له أثر فقد طهر وهو قول أصحابنا، ولعمري إن غسل ذي اللون لا يوصل إلى تطهيره إلا هكذا، ولو كان يجب غسل النجاسة حتى يذهب بزوال أثرها أو طعمها أو رائحتها على قول من يذهب إليه من مخالفينا لوجب على المختضبة بالحناء النجس إنه لا تطهر منه حتى يسلخ جلدها وكان على الخاضب لحيته ورأسه بالحناء إذا حلته النجاسة أن يحلق لحيته ويقطع جلده.
فإن قال قائل: فإن الله تبارك وتعالى لم يأمر بحلق اللحية إذا حلتها النجاسة وإنما أمر بغسلها لأنه حرم حلق اللحى؛ قيل له: ولم يأمر بقطع الثوب وإنما أمر بغسله ونهى عن إضاعة المال، فإن قال: قطع الثوب ليس فيه كثير ضرر، قيل له: لم يبح لنا إدخال الضرر في المال والنفس، والله أعلم.
وفي كتاب الضياء: فإن قال: فقد روي أن ابن عمر كان يقطع مكان أثر الدم بجلمين، قيل له: إن صح ذلك عن ابن عمر فما صح أن فعله هذا عن إجماع ولا سنة ثابتة فيلزم العمل به. (7/130)
صفحة 2201
مسألة: من الزيادة المضافة: وسألت عن اللوح إذا كتب فيه بحبر نجس ثم غسل بالماء فلم يخرج ذلك الحبر من اللوح والكتاب بحاله أو تغير منه شيء قليل أو لم يتغير ثم سيك على ذلك اللوح قرطاس فعلق القرطاس من ذلك الحبر الذي في اللوح من حيث يساك عليه وقد غسل الحبر من اللوح فلم يخرج ذلك الحبر، قلت: هل يكون ذلك القرطاس طاهرا ولا يضره ما مسه من الحبر؟ فإذا بولغ في غسل ذلك فلم يخرج وصار بمنزلة الذوك، فقد قيل في ذلك باختلاف؛ فقيل: إنه نجس، وقيل: إنه طاهر وهو أحب إلي، وما خرج منه بعد ذلك فهو بمنزلة ما يخرج من الصبغ النجس إذا بولغ فيه وفي غسله ثم رجع يخرج منه بعد ذلك ما يشبه جنس الصبغ من السواد والحمرة والصفرة. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (7/131)
صفحة 2202
[صفحة بيضاء] (7/132)
صفحة 2203
الباب السابع والثلاثون
في تطهير الأواني التي تنشف بالماء
وعن جرة وقعت في أعلاها من داخلها نجاسة فيبست النجاسة وكان يصب فيها الماء من أسفل ولا يصل الماء إلى ذلك الموضع، هل تكون كلها طاهرة من أعلاها وأسفل إلا ذلك الموضع؟ قال: هكذا عندي.
قلت له: فإن وقعت فيها نجاسة فلبثت فيها وهي مما تنشف أو كان ماء نجس ثم كفي منها الماء ولم تغسل ثم وضع فيها ماء طاهر بقدر ما قعد نسخة وقع فيها الماء النجس، ثم غسلت؟ هل تكون قد طهرت؟ قال: فلا يبين لي ذلك وتزداد رجسا إلى رجسها لأنها تنشف الماء النجس إذا كانت مما تنشف.
قلت: وكذلك لو كانت النجاسة قائمة في الماء فكفي منها الماء وتغيرت النجاسة بغير غسل، ثم وضع فيها ماء طاهر بقدر ما قعدت فيها النجاسة ثم غسلت هل تكون قد طهرت؟ فلا يبين لي ذلك حتى تغسل غسلا ثانيا.
وقد قيل: يجعل فيها الماء الطاهر من بعد جفافها بقدر ما قعدت فيها النجاسة التي حلت فيها مثل ماء أو خل حتى يجاوز كينونة النجاسة فيها سبعة أيام فإن جاوزت ذلك فقد قيل إنها تسع ولا يجعل فيها أكثر من ذلك.
قلت له: أرأيت لو كانت النجاسة قائمة بعينها بلا ماء والجرة مما تنشف الماء فوقع فيها ماء طاهر، والنجاسة فيه بقدر ما فقدت به النجاسة وحدها، ثم غسلت مرة واحدة حتى زالت النجاسة هل تكون قد طهرت؟ قال: فعندي أنه لا يجوز ولا يكون هذا طهارة لها على ما وصفت.
قلت له: أرأيت إن غسلت ثلاث مرات أو سبع مرات في وقت واحد أو في أوقات في يوم أو في كل مرة بعد أن كفي بالماء النجس والنجاسة الذين كانا مستنقعين (7/133)
صفحة 2204
فيها؛ هل تكون قد طهرت؟ قال: فإذا كانت مما تنشف النجاسة، وكانت النجاسة التي فيها مما ينشف فقد قيل: لا يجزيها الغسل وحده حتى ينقع فيها الماء بقدر ما استنقعت فيها النجاسة بعد الغسل، أو يكون أكثر من سبعة أيام فتسع، وليس عليها أكثر من ذلك.
قلت: فكيف يكون تسبيعها؟ قال: فإذا كانت هذه الجرة تنشف النجاسة واستنقع فيها الماء النجس أو النجاسة ستة أيام أو سبعة أيام فقد قيل فيما عندي: إنه يجزيها أن يجعل فيها الماء سبعة أيام، ويبالغ حتى يزول أثر النجاسة منها وتكمل طهارتها ثم تجفف فإذا يبست صب فيها الماء الطاهر حتى يأتي على مواضع ما كان يأتي عليه النجاسة منها؛ وقيل في بعض القول: إنه يطرح فيها الطفال مع الماء ولعل بعضا يقول الماء وحده سبعة أيام بلياليها ثم يغسل وذلك طهارتها، وعندي أن بعضا يخلف فيها الماء الطاهر ثلاثة مياه سبعة أيام تجري السبعة الأيام وكلما أخرج منها الماء النجس غسلت وأخذت لها ماء طاهرا جيدا.
قلت: أرأيت إن وقعت النجاسة في إناء ينشف ثم أخرجت النجاسة من الإناء وقعد الإناء خاليا زمانا بعد زوال النجاسة بغير غسل؛ هل يجزيه أن يغسل مرة واحدة في الوقت ويستنقع به؟ قال: فلا يبين لي ذلك، وليس بين إبطال النجاسة عنه جافا ولا يبين قرب عهدها به عندي فوق؛ والله أعلم.
قلت له: فإن تغيرت النجاسة بغير غسل بعد أن جف الإناء؛ هل يجزيه الغسل غسل النجاسة مرة واحدة في الوقت ويستنقع؟ قال: إن كان مما ينشف فلا يجزيه ذلك إلا على ما وصفت لك، وإن كان مما لا ينشف فعندي أنه يجزيه إذا غسل غسل النجاسة.
قلت له: أرأيت إذا لبثت النجاسة في إناء ينشف سبعة أيام أو أكثر ثم وضع الإناء في ماء سبعة أيام فزالت النجاسة فلما كان في اليوم السابع أو بعد اليوم السابع غسل الإناء غسل النجاسة مرة واحدة في الوقت، هل يجزيه ذلك الغسل؟ قال: إذا غسل غسل النجاسة في وقت واحد فذلك عندي أجزاه.
قلت له: أرأيت لو كانت وقعت فلبثت قائمة بعينها ثم تغيرت بغير الغسل ثم وضع فيها ماء طاهر بقدر ما قعدت فيها النجاسة بغير غسل ثم غسلت، هل تكون (7/134)
صفحة 2205
قد طهرت؟ قال: لا يبين لي ذلك؟ لأن هذا مما يزيده نجاسة إذا كان الماء يتنجس وكان الإناء مما ينشف فكلما لبث فيه كان نجسه عندي.
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء، وإذا تنجست أواني الطين اعتبر حالها فإن كانت النجاسة حلتها وهي رطبة أو في الماء أو لم تمكث النجاسة فيها قدر ما يتولجها أو تجتذبها أطراف الوعاء إلى نفسه فإنها تغسل كما يغسل وعاء الرصاص والزجاج وما لا يجتذب إلى نفسه النجاسة إذا كان ما فيها من الرطوبة يدفع عنها كما يدفع ما ذكرنا من الرصاص والزجاج، وإن مكثت النجاسة فيها مدة ما يعلم من طريق العادة أنها قد اجتذبت إلى نفسها من النجاسة وتولجت فيها واحتاج صاحبها إلى استعمالها غسلها وصب عليها الماء الطاهر، حتى يرتفع عن موضع النجاسة بقدر ما يغلب على ظنه أنها لا ترشح إلى ذلك المكان ثم تدع الماء فيها قدر ما يبلغ إلى مبالغ النجاسة ثم قد طهرت إن شاء الله.
مسألة: منه إذا وضع إناء خزف في ماء نجس وفي الإناء ماء فحكم الماء الذي فيه الطهارة حتى يصح بلوغ النجاسة إلى الماء الذي في الإناء، وأما الإناء فهو نجس من ظاهر أسفله والله أعلم.
رجع إلى كتاب بيان الشرع: ومن جامع أبي محمد في أواني الطين إذا أصابتها نجاسة وهي رطبة غسلت بالماء وقد طهرت، وإن أصابتها وهي يابسة فتولجتها ودخلت النجاسة فيها لم تطهر بغسل ظاهرها.
واختلف أصحابنا في تطهير ما كان هذا وصفه وحلت النجاسة حتى خالطت جسمه قال: قوم تطهر بثلاثة أموال كل ماء يبقى فيه يوما وليلة ثم يراق الماء منه.
وقال بعضهم: بثلاثة أمواه أيضا يكون كل ماء ينقع في الليل وفي النهار يصب الماء منه، ويقام في الشمس فيكون الليل فيه الماء والنهار في الشمس فارغا من الماء ثلاثة مرات على هذا ثم تطهر.
وقال بعضهم: يطهر بماء واحد يكون فيه يوما وليلة.
قال بعضهم: لا أجد لذلك حدا ولكني أعتبر الوقت وحال الإناء إذا حلته النجاسة وفيه ماء رطب أو يابس فارغ من الماء فأمر بصب الماء منه ثم احكم له بحكم الطهارة بقدر ما يغلب على ظني أن الماء الطاهر قد بلغ إلى حيث انتهت إليه (7/135)
صفحة 2206
النجاسة قياسا على بول الأعرابي لما بال في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأمر بصب الماء عليه وحكم بطهارته وهذا هو عندي يوجبه النظر ويشهد بصحته الخبر والله أعلم. وإذا كان جف الإناء وسائر أواني الطين بشمس أو طين أو ريح أو مدة أو ذهبت منه عين النجاسة ورطوبتها فإنه يصير طاهرا بغير ماء قياسا على ما اتفق عليه أصحابنا من الأرض إذا حلتها النجاسة فذهبت عينها بشمس أو ريح أو مدة طويلة أن حكم ذلك الموضع يصير طاهرا؛ وكذلك أواني الطين إذ هي من الطين هذا سبيلها والله أعلم.
وأما الذي نجده لأصحابنا أن أواني الطين لا تطهر إلا بالماء فلم أعرف لهم فرقا فيما حكمه في الظاهر واحد والله يشهد به لما يقرب إليه.
مسألة: عن أبي سعيد وسئل عن الأوعية التي تنشف كيف يفعل فيها إذا أريد طهرها إذا كانت قد نشفت النجاسة؟ قال: معي أنه يختلف في ذلك، ومعي أنه في بعض القول أنه لا ينتفع بها وتترك إذا لم تبلغ إلى طهارتها وتطهر وينتفع بها في غير رطوبات أو تكسر، وفي بعض القول أنها تغسل غسل النجاسة على حكم الظاهر وينتفع بها؛ وفي بعض القول أنها تطهر ثم يجعل فيها الماء الطاهر بقدر ما قعدت فيها النجاسة التي تنشفها، فإن كان سبعة أيام أو أكثر سبعت وإن كان دون ذلك فبقدر ما قعدت فيها النجاسة.
قلت: فما صفة التسبيع لها على قول من يقول بذلك؟ قال: معي أنه قيل تغسل غسل النجاسة ثم تجفف في بعض القول، وفي بعض القول مجملا إذا غسلت ثم يجعل فيها الماء الطاهر سبعة أيام ثم تغسل بعد ذلك وهو معنى تسبيعها.
وقال من قال: يجعل فيها الماء والطفال على نحو ذلك سبعة أيام ثم تغسل، وقال من قال: تغسل في السبعة الأيام ثلاث مرات ويخلف فيها الماء، أو الماء والطفال على قول من يقول بذلك ثم تغسل وقال من قال: إنه يجعل فيها سبعة أيام على نحو هذا الاختلاف، وقيل: تكون هذه الأوعية في الشمس عند تسبيعها، وقيل: ولو كانت في الظل بلا شمس تجزي. (7/136)
صفحة 2207
الباب الثامن والثلاثون
في غسل الثياب
قال أبو المؤثر: سألت أبا عبد الله محمد بن محبوب -رحمه الله- عن الزنجية غتماء تغسل الثوب النجس هل يصلى فيه؟ فأفتاني فيها مرتين على وجهين فقال لي مرة: لا بأس بالصلاة فيه، وقال لي مرة: كانوا إذا غسلت الأمة الغتماء الثوب النجس يعصرونه ثم يصبون عليه الماء صبا، والذي أقول أنا إنها إذا كانت قد علمت كيفية الغسل وعرفت الغسالة وعرفت الثوب النجس فغسلته وجاءت به مغسولا ولم ير فيه أثر النجاسة فلا بأس بالصلاة فيه، وإن كانت لا تحسن الغسالة ولا تعرف كيف تغسل إلا أنها دفع إليها الثوب، وقيل لها: اذهبي اغسليه وهي غتماء لا تعرف كيف الغسالة فلا أرى أن يصلى فيه إذا دفع إليها وهو نجس حتى يعاد غسله، وإن دفع إليها الثوب تغسله من الصبية فغسلته فلا بأس بالصلاة فيه إذا لم تكن فيه نجاسة.
مسألة: ومن قال: الغسالة طهري هذا الثوب فجاءت به مغسولا فليس عليه أن يسأله عن طهارته وإنما يسأله إذا لم يقل طهره.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: وإذا غسل ثوب نجس غسلا جيدا بلا نية من النجاسة فجائز أن يصلى به.
ومنه: وغسل الثوب النجس من النجاسة إذا لم يرد صاحبه استعماله غير لازم له والله أعلم.
مسألة: ومنه، وقال الفضل بن الحواري: من سلم إلى عبد أو أمة ثواب نجسا ولم يعلمه أنه نجس فأتاه به مغسولا، وأثر الغسالة به فله أن يصلي فيه ولو لم يسأله عن شيء إذا كان الذي غسله بالغا.
ومنه: وغسالة الصبي للثياب لا تجوز. (7/137)
صفحة 2208
مسألة: من الضياء، ومن نجس ثوبا لرجل أو غيره لزمه غسله فإن لم يغسله فليعرفه أنه كان نجسا فإن كان الرجل قد غسله فليستحله من تنجيسه إياه ويعطيه غرم ما غسل من تلك النجاسة، وإن كان الثوب مصبوغا فنجسه عمدا فإنه يلزمه قيمة ما ذهب من صبغه مع كراء من يغسله وأما الخطأ؛ فالله أعلم. (7/138)
صفحة 2209
الباب التاسع والثلاثون
في غسل الثياب من الدم وسائر النجاسات
قال الله تعالى جل ذكره: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (المدثر:1 - 4)، فقال غير واحد من أهل العلم في معنى قوله: وثيابك فطهر من الإثم، وكذلك قال ابن عباس والنخعي وعطاء، وقال ابن عباس: لا يلبسها على غدر ولا على معصية، وروينا عن سعيد بن جبير أنه قال: إذا كان الرجل في الجاهلية غدارا قالوا: فلان دنس الثياب، وقال مجاهد وأبو ثور: زين عملك وأصلحه، وروينا عن الحسن أنه قال: خلقك فحسنه، وكان ابن سيرين يقول: هو الغسل بالماء، وكان الشعبي أقبل في ثياب طاهرة، وقيل غير ذلك.
والقول الأول أولى لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يغسل دم المحيض من الثوب، وقيل: إن معنى قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي قلبك فطهر، واحتج غيره بقول عنترة العبسي:
فشككت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنى بمحرم
قال أبو سعيد: معي أنه قد قيل نحو ما مضى في معاني تأويل هذه الآية أنه قال من قال: إن الثياب هاهنا إنما أراد به القلب فأمره أن يطهره من الكذب والمعاصي، وإذا ثبت معنى ذلك ثبت أن يكون القلب والبدن جميعا لأن المعاصي يدخل حكمها على نجس القلب والبدن.
وقال من قال: إنه أراد بالآية تطهير الثياب من النجاسات، وكذلك ثابت في معنى (7/139)
صفحة 2210
السنة والاتفاق بثبوت غسل النجاسات من الثياب لمعاني الصلاة كما النجاسات من البدن، فتعم الآية المعنيين جميعا في ثبوت غسل النجاسات من البدن والقلب من المعاصي، ومن البدن والثياب من النجاسات، ويصح التأويلان جميعا بمعاني الاتفاق مما يختلف فيه من ثبوت المعنى ولو لم يتفق عليه القول.
مسألة: من الزيادة المضافة وعن رجل على ثوبه نفك وذلك النفك نجس هل يجتزي بنفضه ولا يغسله، فإذا خرج بالنفض أجزاه ذلك؟ وقلت: ما تقول إن نفضه والثوب أبيض والنفك أبيض، وفي الثوب شعر منه فلم يدر خرج ما علقه من القطن النجس أم لا؟ فإذا كان القطن نجسا وفي الثوب شيء منه لم يخرج فهو عندي فاسد حتى يخرجه كله أو يغسله. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: من كتاب الأشراف: واختلفوا في الثوب تصيبه النجاسة ويخفى مكانه، فقالت طائفة: ينضحه كذلك، قال عطاء وبه قال الحكم وحماد، وقال أحمد في المذي ينضحه، وقال ابن سيرين يتحرى به ذلك المكان فيغسله من البول، وفيه قول ثالث وهو أن الثوب يغسل كله، هذا قول الشافعي وروي ذلك عن النخعي، وقال ذلك في المني والوذي أو البول يصيب الثوب ولا يصيب موضعه تغسل تلك الجهة من الثوب.
وقال أبو بكر: يغسل الثوب كله؛ قال أبو سعيد: معي أنه يشبه معاني الاتفاق من قول أصحابنا في معنى النص ما قال أبو بكر أن يغسل الثوب كله، وأما في معاني اعتبار قولهم فقد يجوز أن يتحرى موضع النجاسة إذا لم يثبت الثوب كله نجسا، فيغسل ذلك المتحري من الثوب أنه موضع النجاسة ويجزي ذلك؛ لأنه في بعض قولهم إنه لو مس من ذلك الثوب موضع شيء من الطهارات لم يفسد ذلك ما مس حتى يعلم أنه مس موضع النجاسة وأما النضح على الثوب من النجاسات من الذوات فلا أعلمه أنه يخرج في معاني قولهم إلا أن يصح في النظر أن ذلك الصب والنضح مزيل لتلك النجاسة فلا يبعد ذلك عندي في مخصوص الأمور.
ومن الكتاب: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يغسل الحيضة من الثوب فغسل دم الحيضة يجب من الثوب إذا أراد الصلاة فيه وحكم سائر الدماء كحكم الحيض ولا فرق بين قليل ذلك ولا كثيره. (7/140)
صفحة 2211
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في جميع الدماء المجتمع على نجاستها أنه ثابت الغسل منها من الثوب كان قليلا أو كثيرا، وأن لا يتعمد على الصلاة في الثوب ما كان منها فيه قليلا أو كثيرا إلا لمعنى يوجب العذر في ذلك.
ومنه: واختلفوا في دم يغسل ويبقى أثره في الثوب، فرخصت في ذلك عائشة أم المؤمنين، وصلى علقمة في ثوب فيه أثر دم قد غسل، هذا قول الشافعي، وكان ابن عمر إذا وجد في ثوبه دم فغسل لم يخرج فدعا بمقص فقطع مكانه، قال أبو بكر: بالقول الأول نأخذ.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج هذا في معاني ما أشبه أثر الزوك من أثر الدم إذا صار ذلك بحد ما لا يرجى خروجه بمعاني الغسل لمثله من الدم، فإذا ثبت أن ذلك زوك لا عين قائمة خرج في معانيه الاختلاف عندي بنحو ما قال، وقال من قال: إنه طاهر وذلك ليس بعين ولا أثر وإنما ذلك زوك الشيء ليس الشيء بعينه.
وقال من قال: هو مفسد إلا أن يغير أثره فيستحيل ولو غير بشيء من الطهارات استحال في معنى هذا القول مثل شيء من الصبغ أو سواه.
وقال من قال: إنه نجس على حال، وما بقي حتى يخرج وتخرج من الثوب.
ومن كتاب المعتبر: فإن أمكن طهارتها بوجه من الوجوه في غيبته عنه ولو لم يعلم أنه لا يفسده ما مسه منه بذلك الموضع من بدنه أو ثيابه برطوبة مسه الصبي أو مس هو الصبي إذا لم تكن النجاسة قائمة بعينها أو ما يدل على أنها قائمة بعينها لم تغسل بما لا يرتاب فيه بمعنى ثبوت أصل الطهارة من الإنسان من بدنه أو ثوبه حتى يعلم نجاسته بما لا يشك فيه، وهو على أصل طهارته حتى يعلم أن الذي مسه الصبي أنه نجس لا شك فيه.
ومعي، أنه يخرج هذا في معنى البالغين من أهل القبلة الذين قد تعبدوا بالطهارة والتطهر من النجاسة، فإذا رأى من أحد من البالغين في بدنه أو ثيابه نجاسة ثم غاب عنه بقدر ما يغسلها، علم بذلك صاحب النجاسة أو لم يعلم ثم مسه بشيء من الرطوبات من ذلك الموضع من ثوبه أو بدنه لم يضره حتى يعلم بموضع أصل الطهارة فيه هو.
ومعي، أنه يخرج أنه لو علم صاحب النجاسة بنجاسة في ثوبه أو بدنه كان على هذا يخرج معناه؛ وإن لم يعلم فالنجاسة بحالها في الحكم حتى يعلم طهارتها (7/141)
صفحة 2212
بحكم واطمئنانة، ولا يلحق ذلك في الصبي بحال، لأن الصبي غير متعبد بالطهارة من النجاسة ولا طهارة عليه، وما ثبت فيه من النجاسة فهو في الحكم نجس حتى يعلم طهارتها.
ومعي؛ أنه يخرج من حيث ما علم حكم النجاسة في موضع من المواضع من بدن أو ثوب في بالغ أو صبي من أهل القبلة فهو بحاله على حال نجاسته ما لم تصح طهارته بحكم أو اطمئنانة علم بذلك صاحب النجاسة أو لم يعلم ما لم تصح طهارة ذلك بحكم أو اطمئنانة.
ومعي؛ أن هذا الاختلاف كله إنما يخرج على غير معاني الحكم وإنما هو على معاني الاطمئنانة والشبهة، وهذه المعاني كلها تخرج عندي في معاني الحكم على أنه كل ما صح أنه نجس فاسد فهو فاسد نجس في الحكم حتى تصح طهارته بحكم أو ما لا يشك فيه بحكم الاطمئنانة إذا علم حكم الاطمئنانة على معاني الحكم من طهارة ذلك؛ وكل شيء صحت طهارته وثبتت فهو في الحكم طاهر حتى تصح نجاسته بما لا يشك فيه من حكم أو اطمئنانة فلما ثبت هذان الأصلان كانت هذه الأقاويل كلها داخلة بينهما في معنى النظر فيما يقرب حكم الاطمئنانة ويبعدها بحكم القضاء وتضاد الأحكام فيها.
فإذا ثبت طهارة العالم بهذه النجاسة من غيره من صبي أو غيره في ثوب أو غيره ثم غاب ذلك بقدر ما تمكن طهارته في الحكم ثم مسه من بعد ذلك شيء من الرطوبة فيما يسعه من مس ذلك له ثبت في معاني أسباب طهارته، هو من وضوء أو ثوب أو بدن على حالها في الحكم حتى يعلم أن الذي مسه من ذلك نجس إذا كان قد غاب ذلك عنه بقدر ما يمكن طهارته فهذا على الأصل؛ وعلى الأصل المحكم به على أن النجاسة بحالها من حيث ما كانت فمتى مس موضعها شيء من الطهارات ما لم يعلم طهارتها فهو نجس حتى يعلم طهارته ذلك بالحكم، فهذان الأصلان اللذان هما العمل والاختلاف في ذلك في الصبي والبالغ علم البالغ أو لم يعلم كل ذلك يخرج على معاني ما يقرب إلى الاطمئنانة ويبعد عنها.
ومعي؛ إنه يخرج أنه لو احتاج إلى ذلك الثوب بعينه الذي قد علم منه النجاسة وقد غاب عنه على صبي أو بالغ ثقة أو غير ثقة إلا أنه من أهل القبلة للناس أولادا فريضة به وغاب عنه طهر ذلك الثوب أو لم يطهر وقد علم فيه النجاسة أن هذا فصل (7/142)
صفحة 2213
يأتي؛ وأن هذا معي يخرج أنه ليس له أن يستعمل ذلك بأسباب الطهارة على الانفراد من أداء فريضة أو استعماله بطهارة إلا أن يعلم طهارته بحكم أو اطمئنانة فإن كان لا يخلو عندي على حال من دخول الاختلاف فيه لثبوت فيه لثبوت حكم الطهارات أنها على أصلها ولزوم أداء الفرائض بها وأن لا تدع أداء الفرائض لشبهة إلا بالحقيقة.
ويعجبني في هذا إن لم يجد إلا هذا الثوب الذي قد علم منه هذا من حكم واحتمل طهارته في غيبته بوجه من الوجوه أن يكون له الصلاة به وعليه الصلاة به وأن لا يصلي عاريا ولا يصلي بثوب نجس على الحقيقة لا يحتمل له طهارة بوجه من الوجوه وأنه إذا كان على هذا الوجه من حال الضرورة إليه أن الصلاة به جائزة لثبوت أداء الفريضة، واحتمال وجوب الطهارة فيه لغيبته بقدر ذلك، وزوال ما كان عاين من النجاسة فيه، وإن كان يحتمل أن يكون قد زال بغير الطهارة مما لا يطهره، فإنه لهذا المعنى كان معي له الصلاة به على هذا الوجه، ولا يخرج عندي حكمه حكم النجس في ثبوت التيمم له في هذا المعنى، لما أشبه عندي أصل وجوب الفرض بالطاهر والاحتمال الطهارة فيه، وأن تيممه كان أحب إلي على الاحتياط.
ومما يقرب إلى حكم الاطمئنانة في هذا الثوب أن لو علم من صاحبه أنه قد علم نجاسته ثم غاب عنه بقدر ما يطهره وهو ممن لا يتهم بانتهاك النجاسة ثم سأله ثوبا يلبسه فأعطاه هذا الثوب فلم ير فيه تلك النجاسة، فإن كان سأله أن يصلي فيه فأعطاه إياه، فهذا عندي أقرب أن يكون أن لا يعطيه ثوبا نجسا يصلي فيه.
ويخرج في حكم الاطمئنانة طهارته، وكذلك في اللباس إذا سأله أن يلبسه فأعطاه إياه، فقد يخرج في معنى الاطمئنانة أن لا يعطيه ثوبا نجسا ولا يعلمه، فعلى حسب ما يقع له من معاني الاطمئنانة، من المعاني في الاطمئنانة في هذا ويقرب إليه جاز له من ذلك، وبمقدار ما يبعد عنه معاني الاطمئنانة في ذلك، وقد علم الأصل أنه نجس، فهو على حال الحكم حتى يثبت معاني طهارته بحكم أو اطمئنانة.
وعلى كل حال فإذا كان قد صح معه نجاسة فلا يخرج حكم طهارته لشيء من هذه الأسباب إلا بعلم، ذلك لو سأله أن يعطيه ثوبا يصلي فيه وكان ثقة أو مأمونا -أعني صاحب الثوب- فقد يمكن أن يعلم بنجاسته وينساها ويسلم إليه الثوب على سبيل النجاسة، وهو سالم إذ هو بالنجاسة غير عالم.
وكذلك عندي يخرج في هذا الثوب أنه نجس في الحكم سلّمه إليه ليصلي فيه (7/143)
صفحة 2214
وقال إنه طاهر وهو ثقة أو مأمون فلا يخرجه هذا من حكم النجاسة بالحكم إلا بالاطمئنانة لقول الفقيه، لأنه يمكن أن يكون ناسيا النجاسة التي قد علمها هذا وقال له إنه طاهر لما عنده في الحكم أنه طاهر، فيكون على حال نجاسته.
ولا يخرج عندي من حكم النجاسة بحكم الطهارة إلا أنه يعلمه أنه قد طهره من تلك النجاسة، وأنه قد طهر من تلك النجاسة التي قد علمها ويكون ثقة مأمونا، فمعي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن قول الواحد الثقة المأمون حجة في قوله في طهارة نجاسة قد تنجست يمكن طهارتها، ونجاسة طهارتها تمكن نجاستها.
ومعي، أنه يخرج أنه يكون حجة في طهارة النجاسة ولا يكون حجة في نجاسة الطهارة، لأن الطهارة أولى من النجاسة، ولأن الإسلام أولى من الكفر، ولأن أصل الأشياء طاهرة حتى يعلم نجاستها، ولأن النجاسة في الطهارات حادثة والطهارات أصلية.
ومعي؛ أنه يخرج في معاني ما قيل إنه لا يقبل قول الواحد ولا يكون حجة في شيء من ذلك في تطهير نجاسة أو تنجيس طهارة في معاني الحكم، ولا يكون ذلك إلا بشاهدين في جميع ذلك، ومعي أنه يخرج في بعض ما قيل أنه لا يقبل قول الواحد في أسباب ما معنا من نجاسة الطواهر بمعنى ما يلزم من بذل الصلوات وتنجيس الطهارات فيما مضى، ويقبل قول الواحد فيما يستقبل من تطهير النجاسات، فهذا يخرج عندي في جميع ما كان أصله طاهرا فهو طاهر حتى تعلم نجاسته، وما كان أصله نجسا فهو نجس حتى تعلم طهارته، وإنما يخرج عندي ما دون هذا من ثبوت القول بثبوت النجاسات أو بتنجيس الطهارات بما دون الشهادة التي تقوم بها الحجة في الحكم بمعاني الاختلاف في أحكام الاطمئنانات لا في أحكام القضاء الذي لا يسع اختلافها.
وكذلك يخرج عندي قوله من قبول قول الخدم الغتم بغسل الثياب -ولو كانوا غير ثقات- إذا كانت نجسة، فمعي أنه قد مثل ذلك إذا أمنوا على مثل ذلك وعلى معرفة طهارته، ومعي أنه قيل: ولو لم يؤمنوا على معرفة طهارة النجاسة، فإذا علموا ذلك ووصف لهم ولم يتهموا في مخالفة مثل ذلك، قبل قولهم في ذلك إذا أمروا به وعرفوا أن الثوب نجس وقالوا إنهم قد غسلوا من النجاسة على حسب ما (7/144)
صفحة 2215
يؤمنون فيه، قبل قول الواحد منهم في مثل ذلك إذا كان قد أعلم بذلك أنه نجس وقال إنه قد غسله من النجاسة.
ومعي؛ أنه قيل ولو لم يقل أنه قد غسله إذا كان قد علم بنجاسته وأتى به عليه آثار الغسول، بمعنى ما يطمئن إليه القلب أنه قد غسله من النجاسة، ومعي؛ أنه قيل: ولو لم يقل أنه قد غسله بمعاني ما يطهر، جاز ذلك ولو لم يسأل، ولو كان غير ثقة إذا لم يكن متهما في معاني ذلك الذي قد أمن عليه.
ومعي؛ أنه قد قيل: إنه لو كان غير ثقة ولو كان مأمونا ولم يكن أعلم بنجاسته فقال إنه قد غسله من النجاسة لم يقبل قوله، وإن كان ثقة قبل قوله ولو لم يعلم بنجاسته قبل ذلك أنه قد غسله من النجاسة، وإن كان غير ثقة لم يقبل قوله إلا أن يكون قد أعلم وقيل: له أن يغسله من النجاسة.
ومعي؛ أنه يخرج في معاني ما قيل أنه إذا لم يتهم في ذلك، وكان ممن يؤمن على مثله في تطهيره في المعرفة والأمانة في قوله أنه لا يقول خلاف ما يفعل في مثل ذلك أن قوله مقبول، ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل أنه ولو لم يعلم بنجاسته، ولم يقل أنه غسله إلا أنه يخرج في معاني الاطمئنانة أن غسله الذي وقع لمثل تلك النجاسة مزيل ومطهر، على معنى ما يتعارف من غسله ذلك، ويثبت على الثوب علامات الغسل الذي يخرج في معاني الاطمئنانة أنه يطهر مثل تلك النجاسة، كان علم الغسال بذلك أو لم يعلم أن ذلك يجزي ويخرج طهارته في معنى الاطمئنانة.
ومعي؛ أنه يخرج في جميع تطهير ما عرض من النجاسات بشيء من الطهارات في بدن أو إناء أو شيء من الأشياء الطاهرة، أو في صبي صغير أو كبير، فالقول في معاني تطهير ذلك خارج على معنى ما قد مضى في الثوب، في الحكم في موضع الحكم وفي الاطمئنانة في موضع الاطمئنانة، وإن اختلفت معانيها فكل ذلك مما عدا الحكم فهو خارج مخرج الاطمئنانة.
وكذلك معي نزح البئر إذا تنجست خارج معي نزحها في الحكم والاطمئنانة على معنى ما قيل فيما مضى في طهارة الثوب، ومعي أن الحر والعبد في مثل هذا سواء، ويقبل قول الثقة منهم والمأمون ومن لا يتهم بمعنى واحد من معاني الاطمئنانة، ولا يبين منهم في معاني الحكم، ومعي أن الذكر والأنثى في ذلك سواء، في معاني الحكم والاطمئنانة في الأحرار والعبيد والإناث والذكران، ويجب (7/145)
صفحة 2216
بقول الاثنين معي منهم معاني الحكم وبالواحد الاطمئنانة.
ومعي؛ أنه قد يخرج في بعض ما قيل أن بالواحد في معاني هذا يثبت معاني الحكم ويكون حجة، وقد مضى القول في ذلك، ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل أن يكون الصبي والبالغ في ذلك سواء إذا كان الصبي عاقلا بمعاني ذلك، مأمونا على ذلك بالعلة أو الثقة.
مسألة: أحسب عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر في النجاسة إذا كانت في بدن الرجل البالغ وغاب ولم يعلم أنه أزالها، فالذي اتضح من قول أصحابنا: إنه إذا علم بها الذي هي في بدنه وغاب بقدر إزالتها، أنه يكون في الحكم أنه قد طهرت إذا كان ممن يدين بنجاستها، وأما إذا لم يعلم أنه قد علم بها فلم أحفظ فيه شيئا، غير أن بعض أصحابنا قال: إنه وجد إذا خلا له ثلاثة أيام كان حكم النجاسة أنها قد زالت والله أعلم.
وأما الثوب فقالوا: إن حكمه حكم النجاسة حتى يصح زوالها منه، لأن صاحبها له الخيار في إزالتها في الوقت أو بعد الوقت، وأما الصبي فقالوا: حكمه غير حكم البالغ لأنه غير متعبد بإزالة النجاسة، وأما قول والدته إنها قد أزالتها فيعجبنا أنه يقبل قولها إذا سكن إلى ذلك والله أعلم.
مسألة: وقال أبو الحسن في ثوب نجس أطي غسالا وأخبر أن الثوب نجس، والغسال ثقة أو غير ثقة ثم جاء بالثوب فيه أثر الغسل متغيرا عما كان، قال: إن لم يسأل عن النجاسة فلا بأس بذلك إذا أخبر حينما أعطى الثوب فليس عليهم أن يسألوه كان ثقة أو غير ثقة. (7/146)
صفحة 2217
الباب الأربعون
في موت الدواب في طعام أو في ماء
من كتاب الأشراف
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ولغ الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه سما والآخر شفاء»، وقول عوام أهل العلم: إن الماء لا يفسد بموت الذباب والخنفساء وما أشبه ذلك.
وكذلك قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور، وروى ذلك معنا عن النخعي والحسن وعكرمة وعطاء، ولا أعلم في ذلك اختلافا إلا ما كان من أحد قول الشافعي، فإن قال: فيهما قولان، أحدهما بياض بالأصل، والثاني القليل يموت ذلك فيه، وبالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي؛ أن كل ما ليس له دم أصلي من الدواب والطير ولا مكتسب دما ليس الدم من ذاته فيخرج في شبه معاني الاختلاف من قول أصحابنا.
ومعي أنه ما لم يصح اكتسابه للدم من جميع ذلك فهو على أصله حتى يصح اكتسابه بما يحيله، وأكثر معاين قول أصحابنا أنه إن كان مكتسبا وليس ذلك من ذوات الدماء الأصلية من جميع الدواب أو الطير البرية وهو بحاله ولا يغيره اكتساب ذلك عن أصله.
ومما يستدل عندنا في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في إحلال ميتة الجراد، إنما هي من ذوات الأرواح البرية فكل ما أشبهه فهو مثله.
مسألة: ومن الكتاب قال أبو بكر: واختلفوا في السمك والسرطان والضفدع يموت في الماء، فكان مالك يرى أن ذلك لا يفسده، وبه قال أبو عبيدة، (7/147)
صفحة 2218
كذلك وقال الشافعي في الحوت والجراد أن ذلك لا ينجسه، وقال الحسن في الضفدع والسرطان يموت في الماء كذلك، وبه قال النعمان فيهما وفيها، السمكة تموت في الماء قال ابن المبارك في الضفدع تموت في البئر ثم ينزح ماء البئر كله، وقال يعقوب كما قال ابن المبارك، قال أبو سعيد.
مسألة: معي؛ أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا عندي، أنه كل ما عاش في الماء ولم يعش في البئر بحال من الأحوال في مالح من الماء أو عذب فميتته طاهرة لثبوت ما يشبه ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إحلال ميتة السمك.
وأما كل ما يعيش في الماء والبر جميعا أو في أحدهما على حال وتمكن له الحياة في جميعهما من دابة أو طير يخرج في معاني أصحابنا أن ميتة هذا مفسدة لجميع الأشياء إلا الماء إذا كانت من ذوات الماء الأصلية فإنه يختلف في ميتتها في الماء، فبعض يفسده لميتته في مثل ذلك وبعض لا يفسده.
ومن كتاب الأشراف ثبت أن فأرة وقعت في سمن فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ألقوها وما حولها وكلوه».
هذا؛ ورواية عن ابن عباس رضي الله عنه في حديث عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الفأرة تقع في السمن قال: «إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه»؛ أثبت البيان على الانتفاع به لا يجوز بوجه من الوجوه.
قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا مسته نجاسة جامدة لا تميع أنه يفسد ما مسها، وما سوى ذلك فهو طاهر، ومنه، واختلف في السمن المائع إذا سقطت الفأر فيه، فروينا عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن عمر وأبي موسى الأشعري أنهم رخصوا في الانتفاع به، وبه قال عطاء والليث ابن سعيد وسفيان والشافعي، وكره عمر وابن دينار أن يدهن به.
وروينا عن عكرمة أنه قال: أمر أن يراق دهن مات به برص، قال أبو بكر: هذا أصح استدلالا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان مائعا فلا يقربوه، قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا إذا تنجس شيء من الطهارات بما لا يغلب عليه من النجاسات حتى يستهلكه، أنه يختلف في الانتفاع به فيما لا يؤكل مثل الدهن به ويغسل، والانتفاع به فيما سوى ذلك مما لا يدخل في الأكل وشبهه من الطهارات. (7/148)
صفحة 2219
مسألة: وعن أبي الحواري وعن فأرة وقعت في عسل وخرجت منه حية وبقي في العسل شيء من شعرها فإذا أخرجت حية فشعرها لا يفسد.
مسألة: من الزيادة المضافة وعمن فتح جرابه فوجد فيه فأرا ميتا يفسد كله أم لا؟ قال: لا أعلم لي بفساد ما ذكرت إلا ما مس من التمر والظرف من الميتة فإنه يقلع الفأر وما حوله من التمر ولا بأس بالباقي من الجراب، ولا بأس بما سال منه من عسل واختلط غيره من الجراب فلا فساد في ذلك والله أعلم.
مسألة: قال المضيف: وجدت في كتاب الضياء أن مجاورة النجس للطاهر على ضربين: فما كان نجسا لذاته نجس الطاهر بمجاورته، وما كان نجسا لنجاسة مثله -ج- حلته فلا ينجس الطاهر بمجاورته.
قال: والدليل على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن فأرة ماتت في سمن جامد فقال: «ألقوها وما حولها»، فما حولها نجس لمجاورته للميتة ولا ينجس ما حول المستنجس بمجاورة النجاسة.
رجع إلى كتاب بيان الشرع: ومن جامع أبي محمد وما يقع في الماء فيموت فيه فما ليس له دم سائل كالعقرب والدبي والنحل ونحو ذلك وليس بمفسد للماء.
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فألقوه»، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - من طريق نواس أنه قال: «فاملقوه ثم أخرجوه ثم أملقوه»، فإن كان الخبر صحيحا فمعلوم أن بعضا يموت من ذلك، ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا أنه حكم بإفساد طعام مات فيه مثل هذا كدود الخل والبعوض والدبي وما أشبه ذلك، وأما الضفدع ونحوه كالسلحفاة التي تعيش في الماء وتموت فيه فلا يفسد هذا الماء بموتها كالسمك الذي في البحر موته فيه ذكاته كذكاة صيد البر الذبح، ويدل على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: الطهور ماؤه والحل ميتته، يعني أنه لا يفسد الماء، فإنما يفسده لو مات فيه ما لا يعيش فيه والله أعلم، ولولا أن معناه ما ذكرنا لم يكن لذكره مقرونا بحكم الماء معنا والسؤال لم يقع عنها.
مسألة: وسألته عن الفأرة واللغ أو شيء من الدواب يقع في الماء أو في الدبس أو شيء من الطهارات فيخرج منه وهو يتحرك بعد لم يمت، فيموت من حين ما أخرج أو هو طاهر؟ (7/149)
صفحة 2220
قال: نعم، ما لم يمت فهو طاهر ليس فيه بأس، قال له قائل: ولو تحرك منه جارحة أو شيء ولو لم يتحرك كله، قال: نعم؛ ما لم يمت فهو طاهر ولا بأس بما وقع فيه إذا كان هؤلاء ينجس حتى يموت.
مسألة: وسألته عن الفأرة إذا انقطع ذنبها أو شيء من جوارحها فبان عنها ناحية منها وهو يتحرك بعد، وسدع شيئا من رطوبات الطهارة، أو مسه متوضئ وهو يتحرك ولم يمسه مما يلي الدم، أهو عندك بمنزلة الميتة أو هو حي حتى تبرد حركته.
قال: هو ميت إذا بان منها عضو فهو ميت، قلت: فما دام متعلقا فيها فحكمه حكم الحي حتى يموت، قال: نعم، قال غيره: فما دام يتحرك ففيه عندي حكم الحياة ولم يمت.
مسألة: وسألته عن الدابة إذا انقطع رأسها وبقي جسدها يتحرك، ما يكون الرأس وما يكون الجسد؟
قال: إذا بان الرأس فهو ميت، والجسد ما دام يتحرك إذا كان متصلا فهو بمنزلة الحي.
قال غيره: إذا بان الرأس ناحية والبدن ناحية؛ فما دام يتحرك فهو حي، فإذا كان ما يلي الرأس أكثر سائر البدن ميتا نجسا في أحكام النجاسة، وكذلك ما اتصل بالرأس إلى أن يكون البدن نصفين.
قلت له: فإن بان من الدابة رجلاها جميعا وبقي سائر جسدها والرجلان يتحركان، قال: ما دامتا تتحركان فهما حيتان حتى تموتا.
قال غيره: قد مضى القول في هذا ومثله ومعنى هذا واحد.
قلت له: فإذا بانت كل واحدة أو عضو، فهو ميت ولو كان يتحرك بعد، قال: نعم، ما دام يتحرك كان رجلا أو رجلين فهو سواء عندي، قلت له: وما بقي من موضع البدن ولو بان الرأس فهو بمنزلة الحي إلى أن يموت في حكم النجاسة؟ قال: نعم ما لم تبن جارحة وحدها، وقال: ما بان من الشاة أو البقرة بضربة فبان منها رأسها، قلت: أيكون ميتا؟ قال: نعم. (7/150)
صفحة 2221
مسألة: وسأله سائل إذا ماتت الإمحاة في البئر هل تنجسها؟ قال من قال: إنه تنجسها، وقال من قال: إنه لا تنجسها، وكذلك قلت أنا، وكذلك قال: الحية، قال: نعم. (7/151)
صفحة 2222
[صفحة بيضاء] (7/152)
صفحة 2223
الباب الحادي والأربعون
في أكل الطعام إذا تنجس
والزرع إذا سمد بعذرة
وعن لبن نجس هل يطعم بهيمة؟ قال: فلا يجوز أن يطعم البهائم شيئا وهو نجس، قال غيره: وقد قيل بإجازته.
مسألة: وعن الشجرة إذا نبتت في عذرة خالصة هل تؤكل ثمرتها فإذا كانت لا تصل إلى الأرض وإنما تعيش في النجاسة؟ فقد قالوا: لا تؤكل ثمرتها، قال غيره: وقد قيل: لا بأس بذلك في ذوات الثمر، وأما البقول فهو أشد.
مسألة: ومن كتاب الأشراف ... واختلفوا في العجين إذا عجن بالماء النجس، فقالت طائفة: يطعمه الدجاج، روي هذا عن مجاهد وعطاء، وبه قال الثوري وأبو عبيد ... وقال الحسن بن صالح: يطعم ما لا يؤكل لحمه، وقال أحمد: لا يطعم شيئا ما يؤكل لحمه، وحكي عن مالك والشافعي أنهما قالا: يطعمه البهائم، قال أبو بكر: إذا كان الماء الذي عجن به العجين نجسا لم يطعم ما يؤكل لحمه، ولا ما لا يؤكل لحمه للثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن شحوم الميتة يدهن بها السفن والجلود وينتفع بها الناس؟ فقال: «لا هي حرام».
قال أبو سعيد: معي أنه قد قيل في مثل هذا باختلاف وبهذه الأقاويل مشبهة فيما عندي أنه قيل غير خارج منها شيء منها، عندي شيء عما معي أنه قيل ومعي أنه قيل أيضا أنه لا يجوز إطعام ذلك الأطفال الذين لا حجر عليهم ولا ثابت تعبد بترك ذلك، ولا يكون المطعم لهم معينا على مأثم وليس ذلك كله عندي إلا فيما كان من الطهارات فعارضتها النجاسة، وأما ما كان أصله نجسا فلا يلحقه معي هذا المعنى، وليس قول أبي بكر في شحوم الميتة مما يخرج عندي فيما قيل في هذا ومثله أن (7/153)
صفحة 2224
شحم الميتة المحرم ليس مما عارضته النجاسة من الطهارات.
مسألة: مكتوبة في الحاشية محمد بن محبوب -رحمه الله-، وعمن يزيل بستانه من النخل والكرم وغير ذلك من الأشجار بأرواث بني آدم وغير ذلك من الأنجاس يزعم أن ذلك مصلحة لأرضه، أيصلح ذلك أم لا؟
فلا بأس بذلك وكلا فعل ذلك المسلمون عندنا، ولا بأس بأثمارها وكلا ذلك عندنا سواء زبلها عند بذرها أو بعد نباتها ويكره بيع عذرة بني آدم.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: وإذا كانت أوعية فنجست، وفيها شيء من المأكولات لا يدري أيها فإن كان الطعام مما يمكن غسله غسل وأكل، وإن كان مما لا يمكن غسله مثل الخل وغيره مما يكون مائعا فإنه إن تحرى النجس وتركه وأكل الباقي فجائز، وإن تنزه عن الجميع كان أحوط له، وأما الحكم فحتى يعلم النجس منها، فإن كان صحيحا معه أن أحدهما نجس أن لا محالة ولا يعلم ذلك ولا يقدر أن يتحرى الطاهر فيأكله ولا النجس فيتركه ولا يقدر طهره فيغسله، فإن من طريق الورع ترك الجميع أولى به من ارتكاب الشبهة في الحرام، وهذا القول يجزيه لما أرجو السلامة إن شاء الله والله أعلم. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (7/154)
صفحة 2225
الباب الثاني والأربعون
في غسل الطعام والحبوب والنيل وما أشبه ذلك
ومن جامع أبي محمد وروي عن ابن عباس في برمة لحم وقع فيها طائر فمات، أنه قال: يؤكل اللحم ويراق المرق، والذي عندي أن الخبر لم ينزل مفسرا، والواجب أن يعتبر، فإن كان الطير مات فيها وقد سكن غليان البرمة أكل اللحم بعد أن يغسل ويصب المرق، فإن كان مات في حال نضجه حين غليان البرمة لم يؤكل اللحم ولا المرق ولأن النجاسة قد تداخلت في اللحم والله أعلم.
مسألة: من كتاب المعتبر: ومن بعض الآثار يضاف إلى أبي علي أنه جواب له إلى الوليد بن مسعدة ذكر طهارة الجراب إذا تنجس والمطبوخات ونحوها، وفي دابة أو بشر بال على جراب فإن علم أن البول قد صار إلى شق الجراب وغسل تمره بالماء وأكل (خ) فليؤكل.
وعن جراب كنز بماء وقع فيه ميتة، أو كان عجن به التمر حين كنز، فأقول إنه يغسل ذلك التمر غسلا يرون أنه قد طاب من ذلك التمر، وكذلك الذي نضح بالماء الذي فيه الميتة يغسل وينضح عليه الماء وعجين التمر نجس، وفي جواب له إلى محمد بن هاشم في خناز وقع في سمك في برمة ثم مات، فالماء الذي في الجرة فيراق، وأما السمك فإن بلغوا فيه الغسل بالماء حتى يبلغ حيث بلغ الأول أن يكون يؤكل.
قال غيره: أما الجراب فإذا سال عليه البول ففي ظاهر الحكم إنما يغسل ما ظهر حتى يصح أنه مس شيئا من ذلك ما استتر إن أمكن ذلك في المعتبر، وإن لم يكن إلا مسه للتمر في معاني النظر، فمعي أنه قد قيل يغسل ما أمكن غسله من الجراب ثم يصب عليه من الماء بقدر ما يبلغ حيث بلغ البول في الاعتبار وتلك طهارة، لأن هذا ما يشبه موضع الضرورة إلى مثل هذا. (7/155)
صفحة 2226
ومعي؛ أنه يخرج في بعض معاني ما قيل أنه يخرج بمعنى طهارة ما ظهر من الجراب إذا خرج في النظر أن ذلك يصل بما استتر كان طهارة ما ظهر يأتي على طهارة ما استبرأ إذا كان مثل ذلك الماء في النظر يبلغ حيث بلغ الماء النجس أو البول على معنى ما قيل في السمة أو الحصير إذا تنجس ظاهر ذلك بالبول فغسل ظاهره وعرك فسال الماء حتى بلغ حيث بلغت النجاسة من الجانب الآخر، ففي بعض ما قيل أن تلك طهارته كله ما ظهر وما بطن.
وفي بعض ما قيل أنه حتى يغسل حيث بلغ البول أو النجاسة، ولا يجزيه بلوغ الماء إليه إلا بماء جديد وغسل جديد ويصب عليه صبا يقوم مقام العرك أو الغسل.
ومعي؛ أنه قد قيل: لو كانت النجاسة إنما كانت في ظاهر الجراب في النظر فغسلت النجاسة من ظاهر الجراب فأولج الماء المغسول به من النجاسة في الجراب، في الاعتبار والنظر أن طهارة ما ظهر فهو طهارة ما استتر، ولا يبين لي في معنى هذا الآخر اختلافا، وكذلك فيما يشبه هذا مما هو مثله فالقول فيه على حسبه وحذوه.
ومعي؛ أنه قد قيل: إنه إذا تنجس الجراب بمثل هذا أنه يغسل ظاهره ثم يقطع عن الموضع النجس من التمر في موضعه من الظرف حتى يطهر ثم يصب عليه الماء حتى يكون أكثر من النجاسة، ويبلغ في النظر حيث بلغت النجاسة.
ومعي؛ أنه قد قيل: يغسل ما ظهر من التمر إذا انكشف فتلك طهارته، وأحسب أنه يقع في التمر المكنوز الضرر، ولا يعجبني إدخال الضرر مع ما وجد إلى طهارة ذلك من سبيل بغير ضرر.
وأما التمر الذي قد كنز فأضحى أو كنز بالماء النجس، فمعي أنه قد قيل ينكل ويفتت بحسب ما يرجى أنه يبلغ إذا صب عليه الماء مبالغ ما بلغت إليه النجاسة، ثم يصب عليه الماء صبا حتى يكون أكثر من النجاسة، ويبلغ حيث بلغت في الاعتبار.
ومعي؛ أنه قد قيل: إذا نكل وقت غسل غسلا كنحو ما قيل في الجراب من الاختلاف، ويعجبني من ذلك كل ما لم يدخل فيه ضرر في معاني الحكم، وأما في الاحتياط والتنزه فذلك إلى صاحبه، وكذلك عندي يخرج في معاني التمر والحب إذا أصابته النجاسة، والتمر غير مكنوز أنه قد قيل أنه تجزي فيه الطهارة أن يصب (7/156)
صفحة 2227
عليه صبا إذا كان الماء أكثر من النجاسة وبلغ حيث بلغت في الاعتبار، وذلك في السح من التمر والحبوب كلها.
ومعي؛ أنه قد قيل: أنه لا يجزي في ذلك إلا بالغسل والعرك أو التقلب الذي يقوم مقام العرك، ويعجبني في ذلك إذا لم يكن فيه ضرر على التمر ولا سقوطه يؤدي إلى ضرر أن يغسل غسلا وإن كان ثم ضرر أو ما يؤدي إلى ضرر، وأعجبني ما وسع بغير ضرر لمعاني ما قد جاء في الماء أنه مطهر لما مسه إذا لم يبق ثم عين ولا أثر، لأنه الطهور معنا والمطهر، ولا أعلم أنه يخرج في معاني الجراب إذا وقعت عليها النجاسة من ظاهرها أن يلزم فيها نكل تمرها إلا أن يخرج ذلك في معنى المشاهدة بوجه من الوجوه، ما يوجب حكم ذلك في الاعتبار، وكل شيء خصه حكم لزمه معانيه في مخصوصه ومعمومه بحكم المشاهدة والصفة التي تدل على المعرفة.
وأما التمر إذا عجن بالماء النجس فيخرج عندي في معاني ما قيل في بعض القول أنه نجس وكله المعنى فيه واسع أنه لا يبلغ به إلى طهارة ولا غسل ومعناه معنى المتروك الثابت فيه النجاسة على الأبد ومنتقل إلى ذات النجاسة بمعنى هذا القول.
ومعي؛ أنه قد قيل: إنه إن نكل وفتت وجعل في الشمس بقدر ما تبلغه الشمس، أو حموها مفرقا في الشمس حتى يجف وتزول عنه أحكام رطوبات النجاسة في معاني الاعتبار والنظر، وتذهب الشمس والريح بمعاني رطوبات النجاسة منه؛ إن تلك الطهارة طهارته لأنه لا يبلغ إلى غسله إلا بالمضرة ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وعند الضرورات تزول الأحكام؛ ويتبدل الضيق سعة والاختيار غير الاضطرار.
وإذا لم يثبت معاني مثل هذا لزوم الاضطرار لم يثبت معاني ما قيل في الدواس والزواجر وشرر بول الإبل عند التزاحم، ولم يثبت معنى ما قيل من طهارة الأرض بالريح والشمس وأشباه ذلك، ولم يثبت معنى ما قيل من طهارة الخبز إذا كان العجين قد تنجس أو الدقيق أو الحب بمعاني ما كان من النجاسة من غير الذوات لأن هذا كله معنا واحد.
وقد قيل في ذلك أعني الخبز إذا تنجس العجين باختلاف فمعي أنه قيل: لا يطهر على حال وهو متروك وأحكامه أحكام النجاسة، وقيل: إنه يغسل ويؤكل، وإذا ثبت معاني غسله عندي لم يلزمه غسل يضره وكان إذا صب عليه الماء صبا بقدر ما (7/157)
صفحة 2228
يأتي عليه كله دواخله وخوارجه كان ذلك معنى طهارته وكذلك إذا غمس في الماء الذي لا ينجس بقدر ما يبلغ الماء إلى جميعه في الاعتبار، كان ذلك عندي معنى طهارته.
ومعي؛ أنه قد قيل: خبزه بالنار طهارته بجميع ما خبز في تنور أو طائح أو حصي، ومعي أنه قيل: إن ذلك إنما هو في خبز التنور دون الحصي والطائح وأشباهه، ومعي أن ذلك كله سواء، وإذا ثبت معنى زوال رطوبة النجاسة بأي وجه من المذهبات من أسباب النار فهو سواء ويثبت معنى طهارته على هذا المعنى عندي.
وأما السمك المحتور فمعي أنه قيل إذا تنجس بشيء من النجاسات بعد أن صار بحد لا ينشف من النجاسات شيئا لأنه قد شرب من الماء الطاهر ما لا يحتاج إلى زيادة من الماء النجي فإنه يخرج في معاني القول فيه أنه يغسل من حينه ويخرج معاني طهارته بذلك الغسل، وأما إذا كان يخرج في معاني الاعتبار له أنه قد شرب من الماء النجس وما ولج فيه بقدر ما لا يبلغه في الاعتبار ذلك الغسل في الوقت، ولا يبلغه الماء الطاهر عند غسله فإنه يخرج في معاني غسله أن يغسل ثم يجفف بالشمس أو يشوى بالنار حتى تزول عنه معاني رطوبات النجاسة.
ثم بعد ذلك فإن كان لا مضرة في غسله غسل وتلك طهارته، وفي بعض ما يخرج من القول، وفي بعض ما يخرج من القول أنه يجعل في الماء الطاهر إن كان لا مضرة عليه بقدر ما يبلغ الماء الطاهر حيث بلغت النجاسة في الاعتبار، وتلك طهارته إذا صب منه ذلك الماء.
وفي بعض القول أنه يصب منه ذلك الماء ويغسل ثم تلك طهارته، ومعي أنه إن أمكن أن يشوى بالنار حتى يذهب بمعاني رطوبات النجاسة منه كان ذلك بمرة واحدة من الشواء يخرج معاني طهارته على حسب ما قد قيل، ولعله يخرج في بعض القول أن هذا بمنزلة المطبوخ من السمك وهو نجس متروك، وإذا كان قد تنجس بنجاسة ينشفها، والقول عندي في المطبوخ كالقول في هذا إذا أمكن في هذا من جميع الأشياء التي أصلها طاهر وإنما عارضتها النجاسة، فهذا عندي خارج من جميع الأشياء إذا احتملت هذه المعاني من اللحوم والسمك والحبوب من الباقلا واللوبيا والأرز. (7/158)
صفحة 2229
وجميع ما خرج مخرج هذا فكل معناه عندي واحد إذا أحسن النظر فيه وفي تطهيره بأحد معاني ما قد قيل فيه من هذه الأقاويل ولا يختلف ذلك عندي في شيء يخرج مخرجه، ويخرج في هذه المعاني كلها عندي في جميع المطبوخات المستنجسات بمعاني الطبيخ منه أو من غيره، إن ذلك متروك بنجاسته ولا طهارة فيه ولا له، وكذلك الخبز يلحقه معنى ذلك، ولعله أكثر ما قيل أن هذه الأشياء كلها إذا تنجست وما أشبهها وما خرج بمعناها أنه لا وجه إلى تطهيرها، ويدفن ولا يطعم شيئا من الدواب ولا أحدا من الناس صغيرا ولا كبيرا ولا يباع، ولعله يخرج في معاني ذلك، ولا يذهب إذا ثبت أنه لا ينتفع بها بوجه يبطل بيعها وهبتها وكانت لا تقع عليها الأملاك وهي باطلة.
ومعي أنه قد قيل إنها وإن تنجست، وثبت أنه لا وجه إلى طهارتها أو ما كان منها إلا وجه طهارته، فقد قيل إنه يطعم الدواب ولو كان نجسا لأن الدواب لا إثم عليها، وليس هي في أكلها متعبدة ولا آثمة، وكذلك المعين لها على ذلك غير معين على إثم ولا عدوان، ومعي أن الذي يقول إنها لا تطعم الدواب يخرج من معاني قوله إن ذلك إثم محرم ولا تطعم المحرم أحدا من الخلق، وإن كانت الدابة ليست بآثمة ولا النجاسة عليها محرمة، فإن الإنسان محجور عليه الإثم والحرام أن ينتفع به وأن يعين على الانتفاع به.
ومعي أنه يخرج في معاني القول أنه يجوز أن يطعم ذلك الدواب والأطفال من الناس وكل من لا إثم عليه، إن ذلك يقع لهم موقع النفع وليس معي عليهم فيه مضرة ولا إثم عليه، ولا يبيعه البالغ ولا ينتفع بثمنه ولو أخبر بذلك وبنجاسته، وإذا ثبت أنه لا يبيعه فلا يبيعه لأهل الذمة، ولا لأهل الإسلام، لأن ذلك مخالط للحرام ولا يجوز بيع الحرام والحلال بصفقة واحدة، ولأن بيع الحلال والحرام في صفقة واحدة أنه كله حرام.
ومعي أنه قد قيل: إنه يجوز أن يباع إذا علم بذلك المشتري وإنما ذلك عيب عارض الحلال وليس هو في الأصل من المحرمات، وإنما النجاسة له معارضة، ويجوز الانتفاع به إذا ثبت طعمه للدواب والأطفال، وجاز ذلك ولو كان لا يجوز الانتفاع به بوجه من الوجوه الحلال، ولا يجوز في الأصل في اعتبار معانيه، لم يجز بيعه بحال، ولو تراضيا على ذلك البائع والمشتري وعلما به لأن في ذلك إدخال الضرر (7/159)
صفحة 2230
من المشتري على نفسه، وكل شيء من الضرر فهو غرر باطل ولا يجوز بيعه وهو من السّحت.
وأما إذا كان يخرج في معانيه أنه يلحق منه الانتفاع بما يجوز في الأصل، ويدرك في بعض القول تطهيره أو ينتفع به لإطعام دواب أو أطفال، ويلحق الانتفاع به في أكل أو شرب في بعض ما يجوز من قول أهل العلم، فالبيع له جائز والشراء له جائز والبائع والمشتري فيه سواء، وهذا يخرج عندي إذا ثبت معاني الانتفاع به في أكل أو شرب لشيء من الدواب أو لشيء من الأطفال أو لمعنى من المعاني بحال من الأحوال.
كما قد قيل في العذرة إنها بحال من الحرام من ذوات النجاسة ولا يخرج في معاني ذلك اختلاف، وأنها إذا اختلطت بالتراب أو غيره من الطواهر من روث أو رماد أو بعر أو شيء من الظواهر أن يمسها في جملة ذلك حلال جائز، لأن معنى الانتفاع بها ثابت في معنى الاعتبار، وأن الشراء لها لا يقع موقع الضياع، ولا إضاعة المال وإنما تشترى للانتفاع بها، بمعاني الجائز والحلال.
ومعي أنه قد قيل إنه لا يجوز بيعها على حال في شيء مخلوطة فيه من الطواهر لمعنى الصفقة من البيع أنها واقعة على حلال وحرام، ورجس وطاهر، وهي صفقة واحدة وهذا كله باطل إذا اتفق.
ومعي أنه إذا ثبت معنى إجازة بيع العذرة لمعنى الانتفاع بها، مخلوطة في غيرها وأن معاني الاتفاق بها في الجائز والحلال على الانفراد ثابت ولو لم يخالطها شيء غيرها، فإذا كان منتفعا بها لمعاني ما يراد الانتفاع بها وحدها جائز الانتفاع بها وحدها، ثبت معناها إذا كانت ملكت لمعاني الانتفاع بها كانت ملكا محجرا وإذا كانت ملكا محجرا ثابت الانتفاع بها في الجائز والحلال، ولم يبعد أن يجوز بيعها وحدها بمعنى ثبوتها بنفسها نافعة جائز الانتفاع بها، مخلوطة بغيرها أو وحدها إذا كانت في معاني الأملاك.
وهذا ما لم يزل عليه الناس أن يتخذوا ذلك من البواليع، والكنف، وينتفعون بها، ولا يخرج ذلك عن معاني الإباحة بغير متخذه ومالكه في معاني التعارف بينهم حتى يخرج منه مخرج الإباحة أو الترك.
وأما ما خرج معناه من الأشياء أنه لا ينتفع به من المحرمات إلا لمعاني الاسم أو (7/160)
صفحة 2231
في حال الضرورات، فلا يجوز بيعه ولا شراؤه، وذلك محجور محرم معي بمعاني الاتفاق من كل ما كان أصله حراما أو رجسا، وليس الرجس معارضا له من رجس غيره، ولا أعلم في بيع مثل هذا ولا شرائه اختلافا، وذلك مثل الخمر والخنزير والميتة وكل ما كان أصله حراما رجسا لا يقع به معاني الانتفاع في الجائز إلا بمعاني الضرورة أو الإثم لأنه لو أن مضطرا اضطر إلى مثل ذلك ليحيي به نفسه من الميتة وأشباهها مما لا يجوز التملك فيه لأهل القبلة، ما جاز لأحد منهم أن يبيع شيئا من ذلك، ولو كان في يده لمضطر يجوز له ولا لغيره، لأنها على غير الضرورة لا يجوز، وعلى معنى الضرورة لا يجوز حجره ولا منعه، فمن هنالك لم يجز بيعه، فهذا عندي في كل شيء أصله حرام رجس من جميع ما لا يقع به الانتفاع في معنى الجائز، مثل ما قد جاء من العذرة من الاختلاف ومما أشبهها به ووقوع موقعها فهو مثلها عندي، ويلحقه ما يلحقها من معاني ما يخرج فيها من الاختلاف.
وأما ما كان أصله طاهرا فعارضته النجاسة فلم يخرج مخرجه مستهلكا فيها ويغلب عليه أحكامها حتى لا يكون له حكم فيها، فيخرج عندي معناه معنى الاختلاف في بيع ذلك والانتفاع به من إطعام الدواب والأطفال والانتفاع به فيما يجوز من جميع ذلك، ولا يجوز عندي أن مثل ذلك من الاختلاف في مثل الخمر والميتة ولحم الخنزير وما أشبهه أن يطعم شيئا من الدواب ولا شيء من الأطفال، ولا يباع ولا ينتفع به بحال إلا في حال ما خصه من الضرورات، وكل شيء من الطواهر عارضها شيء من النجاسات، إلى أن يثبت بها حكم نجاستها في معاني الاتفاق، إلا أن أصلها من الطواهر، فلزمت الضرورة للبالغين من الرجال والنساء إلى شيء من ذلك أن يجيء منه نفسه وإلى شيء من المحرمات التي أصلها حرام رجس.
فمعي أن الحلال الطاهر في الأصل بكل حال ما بقي له اسم غير مستهلك في النجاسة فهو أولى من المحرمات في الأصل، ويجيء المضطر من ذلك نفسه دون المحرمات في الأصل، عندي ما لم يغلب المحرم على المحلل فيستهلكه فيصير حكمه حكمه وينتقل إليه معناه واسمه، فهنالك يكون عندي مثله، فإذا صار مثله فبأيها شاء أحيا نفسه به إذا كان مما يحيي ويعصم وهو من النجاسات المجتمع عليها، فلا يجوز في حال اضطرار ولا غيره لأنه إنما جاز المحرم للانتفاع به، ولإحياء النفس به، فإذا كان لا يعصم ولا يحيي فهو على جهله هذا التحريم. (7/161)
صفحة 2232
ومعي أنه قد قيل: إنه إذا وجد المضطر شيئا من المحرمات شيئا من المحرمات مما يعصم ويحيي، وشيئا من أموال الناس الحرام التي لا تحل له بوجه من الوجوه الحلال، من بيع ولا هبة ولا إدلال أنه يحيي نفسه من المحرم المباح من الميتة والدم ولحم الخنزير، وما يشبهه ولا يأكل من أموال الناس لأن هذا مباح، ولا يلزمه الضمان، وهذا يلزمه فيه الضمان وجميعهما محجوران إلا عند الضرورة، فهذا عند الضرورة مباح لا يتعلق عليه فيه حكم، وهذا يتعلق عليه فيه حكم والضمان.
ومعي أنه قد قيل مخير إن شاء أحيا نفسه من هذا ولا تبعة عليه، وإن شاء أحيا نفسه من هذا ودان بما يلزمه من الضمان، ومعي أنه قد قيل ليس له أن يأكل الرجس المحرم إذا وجد الطاهر الحلال، فلم يعارضه في ذلك معارض ولا حجة تمنعه بكفره مخالفتها، لأنه لو وجد أرباب الأموال فباعوا له من أموالهم ما يحيي به نفسه ويتعوض به من الضرورة بعدل السعر، أو بأكثر من عدل السعر، لم يكن له أن يأكل من المحرمات الرجس، وكان عليه أن يشتري بقدر ما يحي به نفسه، ولا يثبت عليه في حال الضرورة إلا عدل السعر ولو اشترط عليه البائع في حال الضرورة فباعه بأكثر من عدل السعر بنقد أو نسيئة، كان ذلك مردودا إلى عدل السعر في الحكم، وكان ذلك محجورا على البائع أن يشتط في حال الضرورة ويحتكر ماله حتى يؤخذ منه بأكثر من عدل السعر، لأنه قد جاء الأثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن الاحتكار وبتحريم الاحتكار، وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم -: «أن التاجر ينتظر الرزق والمحتكر ينتظر اللعنة».
وجاء الأثر أن الحكرة المحرمة داخلة في جميع الضرر، وكل حال ضرورة فلا يجوز فيها الحكرة ولا تثبت فيها معاني الزيادة فوق عدل السعر عند خوف الهلاك والضرورة إلى شيء مما يرجى به الفكاك، من مطعوم أو مشروب أو مركوب بنقد ولا نسيئة، وليس عند خوف الهلاك والضرورة إلى شيء من هذا أو مثله يجوز الاحتكار بالمال، ولا بشيء من الأملاك، والمحتاج إليه من ذلك بالخيار إن شاء بذل ماله ومجهوده من فضل قوت بدنه بطاقته، ومن فضل بذل ملكه من بعد إحياء نفسه وأمنه عليها من ترك ملكه، ثم بعد ذلك على هذه الصفة داخل عليه فيه الحكرة والحجر عندنا، ويلحقه فيه الرواية واللعن في منعه الاحتكار به، وعليه بذله إن شاء لوجه الله، فعلى الله أجره، وطوبى لمن كان أجره على الله، وإن شاء بعدل السعر من بيع ذلك أو إكرائه بأجره من نفس أو مركوب أو عبيد أو ما يقدر عليه من بذل المجهود في (7/162)
صفحة 2233
إحياء النفس الخوف عليها الهلاك المحرم قتلها من جميع البشر، من أهل الولاية أو من أهل الإقرار أو من أهل العهد والذمة، من أهل الشرك أو من جميع من يثبت له أمان من أهل الشرك، فكل هؤلاء سواء.
ولا يجوز قتل شيء من هذه النفوس المحرمة عند هذه الحالات اللازمة، فإن لم يفعل ذلك بغير عذر يكون له في الإسلام في جميع هذه النفوس من البشر ممن آمن منهم أو كفر، ما لم يكن في حال الحرب من أهل البغي من أهل القبلة، ومن أهل الحرب من المشركين الذين حلال دماؤهم وقتلهم حيثما قدر عليهم ويقفوا الممتنعين عن الحق بالباطل الذين يجوز قتلهم بالسيف فما فوقه وما دونه من جوع أو عطش أو بينة، أو بما قدر عليه منهم.
فإذا كان على غير هذه الصفة واضطر إلى ما يحيي به نفس من شيء من المهالك اللازمة التي بها الهلاك، وقدر بها قادر على أنه يحييه من ذلك الهلاك من غرق أو حرق أو جوع أو ظمأ أو انقطاع في مفازة في الانقطاع فيها الهلاك، ولزوم ذلك لازم خصه حكم ذلك من قليل من الناس أو كثير يعلم منهم بذلك، وقدر ذلك المخصوص بحكم ذلك على إحياء تلك النفس فلم يحييها حتى هلكت، لزمه معنى من معاني أحكام الكتاب والسنة والإنفاق، وحكم قتلها وأنه هو الذي قتلها ولزمه في معاني حكم الإثم فيما لا أعلم فيه اختلافا أن عليه إثما من قتلها، ولا يبرئه ذلك عندي بثبوت الحكم عليه أن يلزمه ديتها والكفارة عن قتلها، في جميع ما يلزم في الحكم من أسباب قتلها.
وإن قصد إلى تركها حتى يموت قاصدا إلى ذلك يريد بها ذلك، لم يبعد عندي من ثبوت القود فيها وبها إن كانت ممن يلزمه القود بها، ولزمه في ذلك معاني حكم ما قال الله تعالى إنه: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} (المائدة:32)، وأنه لو أحياها عن الهلاك، كان محييا لها في الحكم في معاني ثبوت الأحكام، وكان بذلك كأنما أحيا الناس جميعا.
وعلى حسب هذا ونحوه ثبت الحكم على بني إسرائيل من الله وهو ثابت في معاني حكم كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعاني حكم الاتفاق من قول المسلمين وتأويل قول الله تبارك وتعالى: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}. (7/163)
صفحة 2234
فمن لقي الله بقتل نفس غير تائب منها فهو في عداوة الله وسخط الله عليه، وعقوبة الله له، مستحق من ذلك كله كمثل ما لو أنه قتل الناس جميعا، وإن كان لكل ضعف فإنهم سواء بهذه المعاني.
كذلك من لقي الله تعالى بهذه الحسنة التي قد أحسنها من إحياء هذه النفس على هذا المعنى فهو مؤمن لم يلبس إيمانه بشيء من الظلم من تضييع لازم أو ركوب محرم، أصر على ذلك فكأنما أحيا الناس جميعا بما يستوجب من رضى الله وولايته وثوابه، وإن كان لكل ضعف ودرجات مما يعلمون.
ومعي أنه كل ما كان أصله من الطواهر فعارضته النجاسة فثبت نجسا من ماء أو غيره من المأكولات والمشروبات من الأمتعة والأطعمة، فكله تجري فيه معاني الاختلاف من جميع ما يدرك طهارته بحيلة، أو لا يدرك طهارته ما لم يثبت متنقلا من الاسم والحكم عن معنى الطهارة إلى أن تستولي عليه أحكام النجاسة فينتقل اسمه وحكمه، وأنه يجوز في ذلك ما لم يصر بهذه الحال وما قد قيل في الاختلاف في التوسع وسقيه وإطعامه لمن لا يلحقه إثم من الدواب والأطفال، وأن يتوسع به البالغون عند الضرورة دون المحرمات في الأصل.
ويعجبني أنه إن لزمت الحاجة بمعنى الضرورة إلى إطعام الأطفال والدواب المحرمات في الأصل، جاز ذلك بمعنى ما يخافون عليهم من الضرر في ترك إطعامهم لذلك وسقيهم له، ولو لم يلزمهم ذلك في حال الضرورة في ذات أنفسهم، وكان معهم ما يقوتهم من الحلال وليس فيه شبهة للأطفال، أعجبني أن يكون البالغون يتعظون بالحلال ويستغنون من الحلال، ويتوسعون بإطعام الأطفال من المحرمات في الأصل، إذا لم يكن في الحلال فضل لهم من الرجال والأطفال.
وأما ما عارضته النجاسات من الطواهر فمعي أن ذلك يخرج فيه القول: إنه يطعم الأطفال والدواب على غير الضرورة، وفي حال السعة بالحلال ومن الحلال الطاهر، وليس ذلك في حال الضرورة، فأما في حال الضرورة فيقع ذلك عندي موقع ما لا يختلف فيه، ومعي أنه قد قيل إنه كل ما كان يعصم من المحرمات ويغني من الضرورة، جاز للمضطر في حال ضرورة أن يأكل منه أو يشرب بقدر ما يحيي به نفسه، فأما في الميتة ولحم الخنزير وما أشبه ذلك، فيقع عندي موقع الإجماع عليه أنه جائز، وذلك جائز في حكم كتاب الله. (7/164)
صفحة 2235
أما ما سوى ذلك الذي لم يأت فيه نص من كتاب الله ولا ما أشبهه، فمعي أنه قد قيل فيه كله: إنه محجور إذا لم يأت فيه ترخيص وإذ هو على جملة التحريم ليس مستثنيا فيه في ضرورة ولا في غيرها وذلك مثل الخمر والأبوال والعذرة وأشباه هذا من المحرمات، والرجس، فقال من قال: لا يجوز ذلك في ضرورة ولا غيرها من جوع ولا ظمأ، وقال من قال: كل ما رجا المضطر من ذلك أن يعتصم به ويحيا به من جوع أو ظمأ، يخاف منه على نفسه الهلاك، ويرجو لنفسه منه الحياة فهو مثل المحرمات.
ولا يعجبني الإقدام على شيء من ذلك، إلا على معنى قد عرف أنه يحي ويعصم، وإلا فهو على معنى الحجر والتحريم، ومعي أنه قد قيل: إن المذكى من المحرمات، بمعنى الميتة من المحللات، فبأيهم شاء المضطر إحياء نفسه منه، وأما ميتة المحرمات أشد من ميتة المحللات، وأنه لا يجوز أن يأكل من ميتة المحرمات إذا وجد ميتة المحللات وكذلك يعجبني.
ومعي أنه قد قيل: إن المحرمات إذا ألزمه حال الاضطرار أكل من الميتة ولم يأكل من لحم الصيد، وكذلك من يأكل من لحم الخنزير ولو كان ميتا، ولم يأكل من لحم الصيد لأن هذا يلزمه فيه ارتكاب المحرم ولزوم الفداء، وهذا لا يلزمه فيه شيء عند الضرورة، ولم أعلم في ذلك اختيارا له بين الأكل من لحم الصيد وسائر المحرمات.
ومعي أنه لو اضطر المحرم إلى أكل الصيد ولم يجد غيره، لم يزل عند حكم ما يلزمه من الفداء ولم يضق عليه أكل لحم الصيد في حال الضرورة ولأنه يعوض ويحي ويعصم، وهذا مما يشبه قد أطلق وأبيح عند الضرورة من الميتة.
ويعجبني أن تكون ميتة الحلال من الأنعام إذا أمكنت، وميتة غيرها من الدواب من الخيل والبغال والحمير وأشباهها، أن يقدم ميتة الأنعام وما أشبهها من الصيد على ميتة الخيل والبغال وأشباهها، فإن أحيا نفسه من ميتة البغال والحمير وأشباهها، وترك ميتة الأنعام وما أشبهها، فمعي أنه جائز له ذلك لأن المعنى فيه متقارب.
وكذلك ميتة هذه الدواب من الخيل والبغال والحمير وما أشبهها إذا أمكنت، وميتة السباع كانت عندي مثل ميتة الحمير وما أشبهها، مقدمة على ميتة السباع فإن (7/165)
صفحة 2236
أحيا المضطر نفسه من ميتة السباع دون ميتة الأنعام والحمير وما أشبهها لم يلزمه في ذلك إثم عندي ولا تعد، والذكية من جميع السباع من الدواب والنواسر من الطير أولى وأجوز من ميتة الأنعام ومن جميع الميتة عندي.
وعندي أنه يخرج ذلك في معاني الاتفاق أنه لا يقع ذكي ذلك موقع التحريم في معاني الاتفاق وجميع الميتة من ذوات الأرواح من الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية، يقع موقع التحريم بمعاني الاتفاق والذكي من جميع ذوات الأرواح من الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية، ما سوى الخنزير والقرد وما أشبههما أولى من ميتة جميع هذه الدواب البرية، من ذوات الدماء الأصلية، فما كان من ذكيها من جميع الأشياء من الصيد على المحرم، ومن جميع الميتة من المحرمات والمحللات، وجميع الأنجاس المعوضات عند الضرورة، يخرج عندي فيه معاني السعة في الضرورات بمعاني الاتفاق والاختلاف، ولا يخلو كله من ثبوت معاني الاختلاف فيه ما سوى لحوم البشر، فإن لحوم البشر قد جاء في معاني تحريمها في حال السعة والضرر الصحيح من منصوصات الخبر والثابت من محكمات الأثر، ولا أعلم في ذلك اختلافا، فإنه لا يجوز أكل لحوم البشر، في سعة ولا في اضطرار، ممن آمن منهم أو كفر ممن أنكر منهم أو أقرّ، من الصغار منهم والكبار كان مباحا قتله أو محجورا، فإنه لا يجوز أكل لحومهم فيما قيل في سعة ولا في اضطرار ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومعاني أحكام الدليل في ذلك على تحريمه أنهم هم المخاطبون بمعنى التحليل والتحريم في جميع المحللات والمحرمات فيما سواهم، ولا يجوز ولا يحتمل في معاني حجج العقول إطلاق المتعبدين لبعضهم بعضا بوجه من الوجوه، ولا معنى من المعاني، إذا كان كل منهم مخاطب بنفسه ومحجور عليه التطرق في نفسه لنفسه، ولا لغيره بغير ما أوجب الله منه في معنى الحقوق الثابتة، ولا أعلم في شيء من الأديان، ولا مع أحد من أهل الأديان، من أهل الشرك ولا من أهل الإيمان، استجازة أكل لحوم الإنسان.
ومعاني الاتفاق من شواهد العقول وأحكام الكتاب وسنة الرسول وإجماع جميع أهل العقول يتواطأ معي على هذا أن أكل لحوم البشر من الأحياء والأموات محجور محرم في جميع الساعات والضرورات، ولا أعلم في ذلك سعة ولا مساغا من (7/166)
صفحة 2237
قول أحد من أهل البصر فافهم معاني ذلك والله أعلم، الموفق بمنه وفضله لا بما لا يستحقه العبد فيما تقدم له في حكم قضاء الله وعدله.
مسألة: أحسب عن أبي علي الحسن بن أحمد، وقال في صبغ النيل إذا تنجس أن له أن يصبغ به ويغسل وهو رطب، ورأيته يرخص فيه أن يغسل بعد أن ييبس.
مسألة: ومن غيره: وسأله سائل عن بيض طبخ في أرز، فلما أن نضج الأرز غرف منه في إناء غير القدر ما عرف، وغرف بيضة من البيض في المغروف فإذا هي منشقة وفيها فرخ، قلت: ما يكون هذا الأرز الذي قد غرف في الإناء ما يكون حكمه؟ قال: حكمه طاهر حتى يعلم أنها انشقت البيضة في القدر قبل أن يغرف هذا الأرز الذي قد غرف.
قلت: فما حال سائر الأرز الذي في القدر؟ قال: أما في الحكم فإنه طاهر حتى يعلم أن البيضة قد انشقت مذ هي في القدر ولم تنشق في المغرف، وأما فيما يذهب إليه القلب أن هذا الذي في القدر أقرب إلى الفساد.
مسألة: سئل عن رجل يطبخ بماء نجس فغلى به الماء حتى نضج كيف يصنع به حتى يطهر؟ قال: معي أنه قيل يغسل غسل النجاسة ثم يجفف بقدر ما يذهب الماء الذي إلى به أو يجفف ثم يغسل ثم يغلى بماء طاهر بقدر ما يدخله منه مثل ما دخله من الأول ثم يغسل غسلا ثانيا ويجزيه ذلك.
مسألة: من الزيادة المضافة: وسئل عن سنور بال على جراب هل يجزيه أن يصب عليه الماء صبا كان البول رطبا أو يابسا حتى يلج الماء حيث بلغ البول؟ قال: عندي أنه قيل ذلك في الرطب، وأما اليابس فحتى ينكل، وقال من قال: إنه إذا كان يابسا وغسل من الجراب ما أدرك غسله من خارج ويصب الماء على الجراب من خارج حتى يلج الماء في التمر إلى حيث يبلغ البول، وليس عليهم أن ينكلوه، والله أعلم بالصواب.
مسألة: من كتاب الأشياخ: قلت: سنورة تنتج في حب فلا أدري وقع فيه منها شيء أم لا، هل يجب (7/167)
صفحة 2238
شيء على طهارته؟ قال: لا. قلت له: إنه لم يطهر إلا أنه طحن وخبز وأكل، هل ينجس من أكله أو مسه، وكذلك التنور الذي خبز به؟ قال: لا حتى يعلم أنه نجس.
مسألة: من الضياء: وإن أصاب بول سنور ظرفا فيه حب؛ أخرج ما علم أن البول أصابه وغسل ولا بأس بالباقي، وقد قيل: إن الحب يحل عند الغسل حتى يدخل الماء الطاهر مداخل النجس، لأن الحب ينشف الماء. (7/168)
صفحة 2239
الباب الثالث والأربعون
في الكنيف والبواليع وما أشبه ذلك
إنها عن أبي عبد الله محمد بن محبوب: وعن رجل أراد أن يحدث بالوعة قرب دار رجل فدفعه الرجل عن ذلك واحتج بمضرة البالوعة بداره، فقال المحدث للبالوعة: إنما أضعها في أرضي ولك أنت أيضا بالوعة قرب جداري فأعزلها فإنها مضرة لي، وقلت: إن تلك البالوعة قديمة وقد مات الذي أحدثها على صاحبه وقد خلا لذلك واحتج صاحبها بالذي سبق من مضرتها بالموضع الذي هو له، وأما ما كان من البواليع حفرها أهلها وماتوا، فتلك لا تخرج من أمكنتها ولو كانت مضرة لمن طلب، وأما من أراد أن يحدث شيئا فليس له أن يحدث شيئا إذا وقف العدول فرأوه مضرة، وأما إذا لم يكن مضرا لجاره فلا يمنع أن يصنع في ملكه ما أراد إذا لم يكن مضرا بجاره.
مسألة: قال أبو سعيد -رحمه الله- في الخلاء على الطريق إذا مات محدثه، فالذي عندي أنه قيل: ليس على الورثة إزالته وكذلك إذا أدركوا باب الخلاء مفتوحا إلى طريق لم يكن عليهم سده ما لم يعلم باطله، ولكنه قيل عندي أن عليهم إزالة ما أحدث فيه منهم من الأذى على الطريق، وإن شاءوا أن سدوا
الباب فذلك إليهم ولا يحكم عليهم بسده، وإنما يحكم بصرف الأذى، وإن كان هذا الخلاء على الطريق ومحدثه قد مات وكان يطرح فيه التراب والناس يدخلونه، كان عندي لورثته أن يقفوا ما وجدوا الهالك يفعله من طرح التراب في الخلاء، ولا يحكم عليهم بإزالة الرائحة عن الطريق، إذا لم يكونوا هم الذين يحدثونها، قلت: فإن ظفر بأحد أنه يدخل هذا الخلاء ويتنفس فيه والاستراحة، هل يحكم عليه بصرف الأذى؟ قال: معي أنه إذا كان معروفا بذلك على الإدمان أخذ بذلك، وإن كان لابد من ذلك أمر أن لا يعود إذا كان يتولد من فعله مضرة على المسلمين في طريقهم. (7/169)
صفحة 2240
مسألة: وسئل عن رجل له خلاء قرب منزل رجل فأراد رب المنزل أن يجعل في منزله مصلى وطلب صرف المضرة عنه فنظر فإذا الخلاء ليس فيه مضرة إلا على المصلي وحده فهل يحكم على رب الخلاء أن يبني جدارا يستره لحال مصلى جاره ودفع كم يحكم عليه أن يبني؟ قال: معي أنه إذا كان الخلاء سابقا ولم يكن فيه مضرة يجب صرفها إلا من طريق حدوث المصلى، لم يكن عندي على صاحب الخلاء أن يبني، وصاحب المصلى بالخيار بين أن يبني لنفسه سترة أو يدع ذلك.
قيل له: وكذلك إن كان خلاء قرب منزل رجل والفأر يحمل منه العذرة إلى منزل الرجل، هل يحكم بإزالته؟ قال: معي أنه يحكم عليه بإزالة المضرة المحدثة على جاره وإن كان محدثا لها، فإن لم يكن عليه مضرة إلا حمل الفأر العذرة لم يكن ذلك عندي مضرة من المحدث، لأن حمل الفأر لا يمنع ذلك، وعلى رب المنزل أن يحتال لنفسه في صرف المضرة من ذلك بما أمكنه أو يدع ذلك عنه.
قيل له: وكذلك إن كان يشم رائحة الخلاء من منزل الرجل ومن حائط منزله هل يحكم عليه بإزالة هذا الخلاء عنه؟ قال: معي أنه إذا لم يكن فيه مضرة إلا الرائحة أمر بصرف أذى الرائحة إذا أحدث لغيرها بما شاء حتى يصرفها عن جاره، فإن كان فيه مضرة غير ذلك صرفت المضرة، قيل له: فإن كان محدث هذا الخلاء قد مات وثبتت مضرته على جاره، هل يحكم على وارث هذا الخلاء أو مشتريه بصرف هذه المضرة من هذا الخلاء عن جاره؟ قال: معي أنه لا يأخذ المشتري ولا الوارث بما حدث من فعل غيره ولكن يمنع من إدخال المضرة من فعله وما تولد من فعله، كان عليه صرف المضرة ما يحدث من فعله.
مسألة: قلت له: فما تقول في الخلاء إذا أحدثه الرجل في ماله إلى جنب الطريق وجعل بابه إلى الطريق هل يصرف ذلك؟ قال: معي أنه قد قيل ذلك، قلت له: فإن كان بابه في ماله مدبرا عن الطريق ولم يكن منه رائحة هل يصرف ذلك ولو كان بجنب الطريق؟ قال: معي أنه لا يحكم بصرفه إذا لم تكن مضرة على الطريق منه، قلت له: فإن كان يهيج منه رائحة ولو كان مدبرا عن الطريق، هل يحكم بإزالته؟ قال: معي أنه يصرف الأذى عن الطريق إذا كان جائزا أو غير جائز إذا طلب أصحاب الطريق ذلك، قلت له: فإن لم يكن الطريق جائزا؟ قال: معي؛ أنه لا يعترض لذلك إلا أن يطلب ذلك أصحاب الطريق. (7/170)
صفحة 2241
مسألة: وإذا دعا الرجل واحتسب لمسجد واحتج أنه يوجد أذى كنيف ورائحة في المسجد وصح ذلك، أمر صاحب الكنيف أن يعزله إلا أن يأتي بشاهدي عدل أن الكنيف كان قبل المسجد ومن غيره، قال: نعم، وذلك في المسجد وأما في الأموال بين الناس فحتى يصح أنه أحدثه إلا أنه تصرف الرائحة.
مسألة: ومن جواب القاضي أبي زكريا يحي بن سعيد، وما تقول في الخلاء إذا صح إحداثه على الطريق أو منزل وله أذية، هل يصرف الخلاء أم إنما تصرف الرائحة؟ قال: الذي عرفت من آثار المسلمين أن الخلاء إذا لم يكن بابه على الطريق أو المنزل فإنما يؤخذ محدثه بصرف الأذية عن الطريق وعن المنزل إذا طلب أهله، وأما أنا فوجدت في الأثر أنه إذا صح إحداثه على الطريق والمنزل وله أذية عليهما أنه مزال عن الطريق والمنزل، إذا طلب ذلك أرباب المنزل والله أعلم، فينظر في ذلك وفي عدله.
وما تقول كم على الرجل أن يفسح عن الطريق إذا أراد أن يحدث في ماله خلاء قربها في الذرع في ماله، فقد قيل: يفسح خمسة عشر ذراعا، وقيل: ما يضر رائحته بالطريق والله أعلم.
مسألة: وقال أبو سعيد: يجوز لمن أراد أن يحدث كنيفا في ماله تجنب الطريق إذا بنى عليه جدارا بمقدار البسطة، ولا يمنع ذلك، وليس له أن يجعل في الجدار كوي فيما دون البسطة، وليس له أن يفتح بابا إلى الطريق لإخراج السماد من الكنيف، ويحكم عليه أن يسده سدا لا يفتح أبدا فإن حدث من الكنيف رائحة أمر بدفن الرائحة لا يؤذي الطريق، فإن أدرك للكنيف بابا إلى الطريق وقد مات محدثه، ترك بحاله ولم يكن يحكم بإزالته إلا أن يحدث من ذلك رائحة مؤذية، فإنه يخير إن شاء أن يزيل الرائحة التي تحدث بسببه، وإن شاء فليسد
الباب لئلا يؤذي الطريق هكذا يعجبني، والله أعلم.
مسألة: الذي عرفت أن الخلاء إذا كان قرب الطريق عليه جدار رفعه قامة وبسطة وليس له باب إلى الطريق لم يحكم بإزالته إلا أن يتولد منه رائحة فإن على صاحبه أن يزيل الرائحة، وأما إذا كان له باب إلى الطريق أخذ صاحبه على هذا
الباب إذا كان قريبا من الطريق تؤذي رائحته، وأحسب أني سمعت أقل من خمسة عشر ذراعا، وأما بقرب المساجد فالذي عرفت أن الخلاء إذا آذى المسجد أزيل (7/171)
صفحة 2242
الخلاء كان محدثا أو قديما، إلا أن يصح أن الخلاء كان قبل المسجد، وفرق صاحب هذا القول بين المسجد والطريق والثاني للخلاء يؤخذ بإزالة حدثه ولو أقر أنه لغيره.
مسألة: مكررة عن أبي الحسن. قلت: فما تقول فيمن تكلم كلاما يلحقه فيه الشرك هل يلزمه فيه غسل؟ وهل تفسد عليه امرأته إن جامعها قبل أن يتوب ويغتسل إن يلزمه فيه غسل؟ فإن كان ذلك هو اعتماده إرادته فإنما عليه من أهل تلك الصفة، وتلك الأحداث إذا عرف ذلك التوبة بلسانه والرجوع عن خطاياه، ولا بأس عليه في زوجته ولا يلزمه غسل من غير اعتماد، والله أعلم بالصواب.
ومن غيره قال: الله أعلم، والذي معنا لا يسعه جهل ارتكاب ما جهله من الشرك، ولا من حرمة زوجته في حال الشرك إذا كان يعرف وذكر ما كان منه من الشرك، أو ذكر بعد ذلك ما كان منه من الشرك، وأما إذا كان على الخطأ ثم نسي ذلك وتاب في الجملة، ولم يكن ذلك اعتماده ولا يدري دان به لعله ولا يدين به، وإذا تاب في الجملة مع النسيان بعد إحداث التوبة باعتقاد التوحيد والحق في الجملة مع النسيان لذلك إلى أن يموت على ذلك والله أعلم بالصواب، ليس الخطأ بمرفوع في كل معاني الحق وإنما الخطأ الذي يرفع إذا أراد أن يقول شيئا من الحق والعدل فأخطأ فقال شيئا من الشرك، فهذا لا يقع به الشرك، وأما إذا قصد إلى معنى الشرك وجهل ذلك فلا يسعه جهل ذلك إلا أن يكون الرد غيره فأخطأ به. (مكررة، قد تقدمت على ما يوجبه النظر إن شاء الله تعالى) رجع إلى كتاب بيان الشرع. (7/172)
صفحة 2243
الباب الرابع والأربعون
في تطهير الأرض وما أنبتت والجندل والصفا
وما أشبه ذلك إذا دخلته النجاسة
كيف يطهر وما يكره من ذلك؟
وسئل عن البول النجس والماء النجس إذا ضربته الشمس ويبس هل يطهر؟ قال: معي؛ أن الماء إذا يبس ولم يتغير الأثر فقد طهر، والبول لا يطهر حتى يزول أثره ولو يبس، وبينهما عندي فرق، قلت له: فما حد زوال أثر البول؟ قال: معي؛ أنه إذا لم يبق للبول أثر مما يعرف بعلاماته المعروفة بها.
مسألة: وكذلك النجاسة إذا كانت في الأرض وضربتها الشمس والريح فقد طهرت إذا محي أثر النجاسة.
مسألة: وفي بول في الأرض صبت عليه ماء ينظف من حينه فإذا صب عليه ماء أكثر ثم نشفت الأرض الماء فقد طهرت، وكذلك الحصى بمنزلة الأرض يجزيه صب الماء، قال غيره: إذا صب عليه من الماء أكثر منه، فقد طهر هو والماء، جف الماء أو لم يجف، وقد قيل: إن الحصى لا يجزيه صب الماء ولكن الحصى يقلب والصفا يعرك، والتراب والسمة يجزيهما الصب.
مسألة: وسألت أبا الحسن عن جدار بني بطين نجس متى يطهر ذلك الجدار وهو في والج البيت، قال: إذا جف منه الماء طهر إذا يبس منه الماء وصار يابسا، قلت له: فإن وقع من ذلك الجدار شيء في شيء من الطهارات أهو طاهر؟ قال: نعم.
مسألة: وروى أبو سعيد عن أبي الحسن أنه قال في الجدار إذا بني من طين نجس أنه إذا يبس فقد طهر داخله وخارجه. (7/173)
صفحة 2244
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء والجندل وسائر الخشب إذا تنجس ثم زالت عين النجاسة ثم ضربته الشمس والريح، فحكمه حكم التراب ولا فرق معي في ذلك.
مسألة: ومنه ومن غزل قطنا أو كتانا نجسا وصار غزلا يطهر فعن أبي الحسن أنه يطهر، وقال بعض: إنه لا يطهر.
مسألة: منه أبو جعفر محمد بن علي أنه قال: "زكاة الأرض يبسها" يريد طهارتها من النجاسة والذكاة الحياة، وأصلها من ذكت النار تذكو ذكاءً أي اشتعلت فكانت الأرض إذا تنجست بمنزلة الميتة فإذا جفت أو صب عليها الماء ذكت أي حييت، وعنه أن الأرض يطهر بعضها بعضا، يعني أن اليابس منها يطهر من نجاسته الرطب، والطيب منها يطهر الخبيث، وشبه يبس الأرض إذا كان يطهرها ويحل للمصلي الصلاة عليها كالذكاة للذبيحة إذا كانت تطيبها وتحللها.
مسألة: ومنه: وذهاب عين النجاسة عن الأرض أو ما عارض من النعال والأخفاف أنه يحكم له بالطهارة، لما روى أبو نعامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى وهو منتعل بعض صلاته ثم ذكر أنه وطئ بنعله في نجاسة فخلعها ثم نظر إليها فلم ير عليها شيئا من القذر فأتم صلاته بهم، وفي الرواية أنهم خلعوا نعالهم لما رأوه خلع نعله فأخبرهم بعد صلاتهم أنه إنما خلعها لأجل نجاسة كان وطئ فيها.
ومن كتاب الشرح في الجامع أن خبر أبي نعامة هذا فيه نظر، غير أن كتاب الشرح آخر الكتابين. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (7/174)
صفحة 2245
الباب الخامس والأربعون
في النجاسة إذا أصابها الغيث
وهي على بيت أو غيره
قلت لأبي سعيد: فبيت على ظهره عذرة أو غيرها من الذوات القائمة فأصاب الغيث فوقع على العذرة وغيره، فلم يزل الغيث حتى روى البيت كله وسال منه ماء جار فما يكون حال الماء الذي سال على العذرة، طاهرا أم نجسا؟
قال: هو عندي طاهر ما لم يغلب عليه العذرة، قلت: أرأيت إن انقطع الغيث وبقي الماء متصلا يجري، ما يكون في حاله هذا طاهرا أم نجسا؟
قال: طاهر عندي، قلت: أرأيت إن كان ينزل الغيث وكان في أول وقعه قطرا كبارا، ثم كان آخر وقعه قطرا صغارا، هل يكون طاهرا ما لم تغيره العذرة إذا كان الماء متصلا؟
قال: هو معي؛ طاهر إذا كان جاريا ما لم تغيره النجاسة وتغلب عليه.
مسألة: وفي سمة فيها نجاسة مثل جنابة أو غيرها ضربها الغيث حتى ذهب أثر النجاسة فقد طهرت وقد قالوا إن ضرب الغيث يجري عن العرك. (7/175)
صفحة 2246
[صفحة بيضاء] (7/176)
صفحة 2247
الباب السادس والأربعون
في نجاسة الموتى وطهارتهم
ونقض وضوء من مسهم
وعن رجل يتوضأ في وسط ماء فساحت عليه عذرة فمسته في وسط الماء ولم يلحقه شيء، هل يتم وضوؤه.
قال: قد قيل يفسد وضوؤه، وقيل: لا يفسد وإن كانت مست بدنه وهو خارج من الماء وهي خارجة وهي رطبة ولم يعلق بدنه شيء، فوضوؤه فاسد، ولا اختلاف في ذلك.
قلت له: فإن كانت ميتة في الأول والثاني ما يكون؟
قال: قد قيل: إن الميتة إذا كانت رطبة أو يابسة من الميتة التي تفسد فإنها تفسد الوضوء ميتتها فعلى هذا سواء إن كانت في الماء الجاري أو غيره إذا مست المتوضئ، فقد فسد عليه عندي وضوؤه، وأحسب أن بعضا قال: إنها لا تفسد إلا أن تكون رطبة، فعلى هذا عندي مثل العذرة على ما مضى، ويعجبني في الميتة إذا كانت مما تفسد إذا كانت رطبة أو يابسة.
قلت له: فهذه الرطوبة منها أو من ذاتها؟
قال: معي أنها إذا كانت مما لا تطهر إذا طهرت فسواء كانت الرطوبة منها أو من غيرها، وكذلك إذا كانت تطهر أن لو طهرت، قال غيره: لعله أراد إذا كانت النجاسة تطهر لو طهرت فلم تطهر ومستها رطوبة من غيرها من الطهارات فإنها لاحقة لها وإنما إذا كانت تطهر إذا طهرت فطهرت فمست برطوبة من ذلك من تلك الطهارة أو من غيرها من الطهارة التي تمسها من بعد أن طهرت فلا تفسد بذلك، (7/177)
صفحة 2248
وإنما قيل: إن تطهر الموتى من أهل القبلة وإنما سائر ذلك من الميتة من الدواب وأهل الشرك من ذوات الأرواح التي تفسد ميتها، فلا أعلم أنها تطهر بالتطهير.
وقد قيل في أهل الولاية عندي بقولين: أحدهما أنهم طاهرون ولو لم يطهروا، ولا يفسد منهم من مسهم إلا موضع النجاسة، وقد قيل حتى يطهروا بمنزلة أهل القبلة.
قلت له: فما علة من يقول: إنهم لا يطهرون حتى يطهروا؟ قال: العلة في ذلك حصول حكم الموت فيهم والإجماع في أهل القبلة وغيرهم أنهم لا يطهرون إلا بعد التطهير.
قلت له: فالإجماع حكمهم في المحيا أنهم بمنزلة واحدة في الطهارة، قلت له: فما علة من قال بأنهم طاهرون ولو لم يطهروا؟ قال: فذلك عندي لانتقال حالهم عن حكم التعبد والأشباه لأهل القبلة في الحياة إلى حصول أحكام الولاية.
مسألة: ومن غسل ميتا توضأ لحال مسه إياه وذلك على قول من رأى النقض في مس الميت، ومن كتاب الشرح، الذي ذكره من انتقاض وضوء من مس الأذى أو من مس الفرج إذا غسل المريض الجنب فهو كذلك، وأما من مس الجنب حيا أو ميتا فلا ينقض الطهارة على من مسها أو غسلهما، وقد قال أكثر أصحابنا: إن من غسل الميت أو مسه لغير غسل أن طهارته منتقضة، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أوجب على من مس الميتة نقض الطهارة، والإنسان إذا مات فاسم ميتة يقع عليه.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: واختلف الناس في حكم الميت هل هو نجس بعد الموت أو طاهر؟ فقال أصحابنا: نجس حتى يطهر، وقال بعض مخالفيهم: هو طاهر وغسله ليس يطهره لأنه نجس وإنما هو عبادة على الأحياء، روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا»، فإن كان الخبر صحيحا فحلول الموت فيه لا ينتقل حكمه عما كان عليه قبل ذلك والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء: ومن مات على فراش أو وضع بعدما مات فلا يغسل بالماء ويستعمل وهو طاهر. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (7/178)
صفحة 2249
الباب السابع والأربعون
في نجاسة الجلبة والإجالة وإجلة النخلة
ونجاستها وأكل الزراعة منها
ومن جامع ابن جعفر قلت: والنجاسة التي تكون في إجلة النخلة مثل العذرة وغيرها إذا سد الماء فحكمه الطهارة، فإذا نقص حتى يصير بحد ما تنجسه النجاسة تنجس.
وقال آخرون: لا يكون نجسا إلا موضع النجاسة وما حولها ثلاثة أذرع إذا كانت النجاسة قائمة العين.
مسألة: وعمن يسمد السماد ويمسه بيده وثيابه، ويعفر به الزرع وهو رطب، هل ينجسه؟ فإذا كان السماد فاسدا ومسه وهو رطب فإنه يفسد ما مسه منه، قال: والسماد الفاسد مثل الدروس والروث والكنف، وأما ما يكسح من المنازل ويجمع، فإن كان يعلم أنه نجس فهو مثل ذلك، وإن كان لا يعلم أن فيه فسادا فهو طاهر حتى يعلم أنه نجس، قال غيره: وقد قيل: الروث من الدواب والدروس لا بأس بها إلا أن يعلم أن في ذلك بولا، وقد حفظ ذلك عن بعض أهل العلم.
مسألة: وسئل أبو سعيد عن الجلبة إذا عفرت بتراب نجس ثم سقيت ماء واحدا هل تطهر، قال: معي أنه قد قيل إذا عفرت بسماد نجس، فقال من قال: إنها قد طهرت، وقال من قال: لا تطهر حتى تسقى بمائين، وقال من قال: ثلاثة أمياه، وهذا على المعنى من قوله. (7/179)
صفحة 2250
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وسألت أبا سعيد عن الإجالة إذا سدت بطين نجس ثم ضربتها الشمس والريح حتى يبس خارجها وبقي داخلها ثري هل تطهر كلها؟ قال: أما ما يبس وضربته الريح والشمس منها فأرجو أنه يطهر على قول من يقول ذلك معي، وأما ما لم تضر به الشمس ولا الريح أو لم يبس مما ضربته فلا يبين لي طهارته على هذا المعنى الذي قيل به في ضرب الريح والشمس وزوال الأثر، قلت له: داخلها يابسا مثل الظاهر غير أنه لم ينله ضرب الشمس والريح، قال: معي؛ أنه بحاله حتى تضر به الشمس والريح، قلت له: وكذلك الجلبة إذا سقيت بماء نجس ثم يبس ما ظهر منها وضربته الشمس والريح، هل يطهر؟ قال: معي أنها يطهر في بعض القول، قلت له: فإن بقي داخلها ثريا هل يكون حكمه حكم العالي والطاهر وتطهر بطهارته، قال: لا يبين لي ذلك على معنى قوله.
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء: ومن لقح نخلة ثم بال على حملها فإذا زادت الثمرة وتقلبت حالا إلى حال حتى تكبر وتدرك فهي طاهرة وقد ذهب ذلك في أول أوقاته. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (7/180)
صفحة 2251
الباب الثامن والأربعون
في أكل الزراعة إذا سمدت بنجاسة
وما أشبه ذلك
وعن الشجرة تنبت في العذرة الخالصة وتثمر هل يؤكل ثمرها، قال: معي أنه جائز في بعض القول إذا كانت من ذوات الثمرة، قلت: فإن كان مثل بصل أو غيره من مثل الأشجار التي تؤكل ولا يؤكل ثمرها هل تؤكل؟ قال: معي أنه يختلف فيه، قال من قال: حتى يشرب ثلاثة أمياه طاهرة، وقال من قال: ماء طاهر، وقال بعض: إنه طاهر ويؤكل إلا ما مسه من النجاسة يغسل.
مسألة: من حاشية الكتاب من الضياء مسائل من
الباب: وإذا شرب شجر من بئر فيها ميتة مثل قثاء أو قرع أو بقل أو فجل أو تين أو عنب فلا بأس بأكله إن شاء الله، وقيل في البقل والبصل وما يؤكل شجره اختلاف، منهم من قال: لا يؤكل حتى يجز وينظر من الأرض، وقال قوم: يغسل ويؤكل والله أعلم، وأما القرع والبطيخ وأشباه ذلك فقال بعض وهو الأكثر: إنه يؤكل، وقال آخرون: لا يؤكل وهو شاذ. رجع إلى الكتاب.
مسألة: وعن بعض الآثار: وعن ميتة وقعت في طوي والزرع المزروع عليها قثاء، قلت: هل يفسد؟ قال: لا، قال غيره: معي إنه قد قيل إن الزرع إذا سقي بماء نجس كان هو وما فيه من الثمرة وما أثمر من قبل أن يسقى ثلاثة مياه طاهرة نجسا كله، ومعي أنه قد قيل: حتى يسقى مائين، وقيل: حتى يسقى ماء طاهرا غير النجس، ومعي أنه قيل طاهر كله إلا ما مسه من ذلك الماء النجس فهو نجس بمعنى ما يشبه النجاسة له، حتى يسقى بماء طاهر ويغير أثر النجاسة وتضربه الريح (7/181)
صفحة 2252
والشمس على قول من يقول بذلك.
ومعي أنه على قول من يقول بذلك في الزرع فإذا والثمرة ما أثمر من بعد النجاسة أو من قبلها، وما لم يسق من الماء ما يطهر به، فمعي كله نجس ومعاني الاختلاف في ذلك قد مضى، ومعي أنه على هذا القول يخرج في ذلك أن ذلك في جميع الأشجار مثل العنب والقرع والاترنج، والباذنجان والموز وجميع هذا من المزروعات مثل القثاء وأشباهه من جميع المثمرات ما سوى النخل وأشباهها من الأشجار الكبار من السدر والتين والرام ونحو ذلك مما يخرج على معنى هذا فيخرج في جميع هذه الأشجار التي تخرج لمعنى الزرع أنه نجس كله على نحو ما مضى من الاختلاف في الزرع وفي ثمرته حتى يجري عليه حكم الطهارة على ما وصفت لك بأحد ما قيل.
ومعي أنه يخرج في هذه الأشجار خاصة أنه يفسد ثمرتها حتى يصح طهارتها، ومعي أنه قد يخرج على هذه القول في ثمار الأشجار الكبار التي تشبه النخل وفي ثمرة النخل، ولا أعلمه يخرج في النخل ولا في هذا الشجر الكبار.
ومعي أنه يخرج في معاني الأحكام أن ذلك كله طاهر في جميع الزرع والشجر منها والثمار، وفي جميع الأشجار الصغار والكبار، وفي جميع ما يخرج منها من الثمار، وفي النخل، وكل ذلك طاهر في معاني الأحكام لأن كل شيء من ذلك على حكمه ولن ينتقل إلى حكم غيره على حال ما لم ينتقل حكمه بلونه وتغلب عليه النجاسة، وذلك ما لا يستقيم بحكم المشاهدة.
ومعي أنه يخرج أنه لو لم تكن هذه الزراعة ليس لها سقي إلا الماء النجس على الأبد أنه يلحقها معاني الاختلاف، ولا يلحقها معاني الإجماع على نجاستها بمنزلة الجلالة من الدواب، ولا ينتقل إلى معنى ذلك على معاني الاتفاق، وأصح ما تخرج من أحكمها عندي الطهارة إلا بما مس النجاسة من ذلك بعينه من ثمرة أو شجر أو أصل أو جذع، بشيء ينجس من ذلك ما مسته النجاسة لا غير ذلك، وإذا ضربت الريح والشمس من جميع ما مسته النجاسة من ثمر أو غيره مدرك من الثمار أو غير مدرك، فضربته الشمس والريح حتى غيرت النجاسة وذهبت بلونها، فمعي أنه قد قيل إن ذلك مما يطهرها، وفي ذلك اختلاف وقد مضى ذكر ذلك.
وكذلك معي أنه قيل: إنه لو نبت شيء من الزرع أو من الأشجار في شيء من (7/182)
صفحة 2253
النجاسات من العذرة أو غيرها لكان من حين نباته وثبوته شجرا يخرج معناه طاهرا من حين ما يزايل حال النجاسة ومعنى النجاسة إلى معنى حكم الشجر بلونه واسمه في معاني الأحكام، وأما في معنى التنزه والخروج من الشبهة فقد يلحق معناه أنه ما دام بتلك الحال ولم تزايله النجاسة، ولو شرب مياها كثيرة فهو بمعنى النجاسة، لأنه لم تزايله النجاسة ولم تزايله.
فمعي شربه للماء نجسا ما دامت النجاسة لم تزايله، فإذا زالت النجاسة وطهر أصله ومنبته وشرب ماء طاهرا أو لم يشرب لحقه معاني الاختلاف، وكذلك قبل أن تزايله النجاسة كان يلحقه معاني الاختلاف، كما ذكرت لك.
وإذا أثبت معاني هذا الحق مثله في الأرض التي فيها الزراعة والشجر إذا شربت ماء نجسا إنها تكون نجسة ما دامت لم تغب عنها معاني النجاسة من رطوبتها وثراها، فإذا غاب ذلك عنها وضربتها الريح والشمس، لحقها معاني الاختلاف في طهارتها فليحقها حكم الطهارة على معنى قول من قال بذلك، ويلحقها أنها نجسة حتى تشرب ماء طاهرا مرة.
وقال من قال: مرتين، وقال من قال: ثلاثا، وإذا شربت ثلاث مرات ماء طاهرا فلا أعلم في طهارة الأرض في هذا اختلافا.
ومعي أنه إنما يدرك هذا بمعاني الاعتبار، وأحسب أنه قيل في مثل هذا أنه ما دام الماء الجاري يدخل الموضع الذي فيه العذرة أو لشيء من ذوات النجاسة فجميع ذلك الماء الذي فيه ذلك الموضع قليلا أو كثيرا في الاعتبار طاهر، فإذا انقطع عنه حكم الماء الجاري فما دام الماء الراكد بحال ما لا يتنجس من الكثير فجميع الماء من حيث ما كان في هذا الموضع طاهرا، فإذا صار إلى حد ما يتنجس من القليل وفيه شيء من النجاسة قائمة، لم تستهلك ويغيب عنها قبل أن ينقطع حكم الماء الجاري أو يصير الماء الراكد إلى حد ما يتنجس من القليل، ثبتت لهذا المعنى نجاسة هذا الماء الراكد كله حيث ما بلغ من ذلك الموضع كان قليلا أو كثيرا إذا كان في الاعتبار يتنجس من قلة وقرب جنبا به التي يتحرك جنبا به كلها يتحرك أقصاها، فإذا كان هذا هكذا فمن حيث بلغ هذا الماء النجس الذي ثبتت نجاسته فموضعه من الأرض نجس كما وصفت لك ما دامت رطوبته وثراه حتى يأتي عليه حكم الطهارة. (7/183)
صفحة 2254
ومعي أنه قد قيل في نحو هذا وما أشبهه من العذرة يوجد على الأرض وقد كان عليها الماء، أحسب على نحو هذا من آثار المطر ولا يوجد شيء من العذرة إلا في موضعها، وقد عرف أن الماء كان عليها العذرة، وأنها كانت في الماء ولم تعرف ما كان أحكام الماء فيها ولا عليها، فأحسب أنه قيل إن هذا الطين والثرى من حولها يخرج معناه نجسا إلى ثلاثة أذرع ما دار بها.
ففي معنى ما يخرج من القول أن موضعها نجس وما حولها إلا ثلاثة أذرع من الطين والثرى ولا يبين لي هذا إلا على معنى الاحتياط لا على معنى الحكم لأنه لا يخرج عندي أن حكم الثرى من موضع النجاسة من بعد انقطاع الماء ينهد بعضه إلى بعض من معنى حكم النجاسة إلا ثلاثة أذرع، فإن خرج ذلك في حكم الاعتبار في معنى المشاهدة لمثل ذلك أن ثرى تلك النجاسة بنفسه يسقي ويتبع الأرض إلى ثلاثة أذرع، خرج ذلك في معنى الحكم.
وأما ما لم يخرج ذلك في معنى الاعتبار على معنى هذا الوجه فحكم الأرض الطهارة حتى يغلب عليها أحكام النجاسة في الحكم بما لا شبهة فيه، أو بمعنى ما تغلب عليه الشبهة فيلحقه معنى الاسترابة. (7/184)
صفحة 2255
الباب التاسع والأربعون
في الرجل يمشي في النجاسة وهو حاف أو منتعل
ويمس النجاسة ثم يمس بعد ذلك الطهارة
وعمن يدخل الكنيف ثم يمشي إلى المجازة وطريق المجازة يلاقي طريق الكنيف فيتوضأ ولا ينتعل وهو يطأ في الطريق ولا يرى فيها نجاسة إلا أنه يطأ فيها ورجلاه كانتا في النجاسة، هل عليه بأس في وضوئه؟ فلا بأس عليه ما لم يكن وطئ في تلك الطريق نجاسة رطبة أو تكون رجله رطبة والطريق نجسة أو تكون الطريق رطبة ورجله نجسة، فإذا كان ذلك فسدت الطريق فإذا مسها برطوبة فسد وضوؤه، قلت: فإن كان ثرى؟ قال: إذا كان لا يعلق فلا بأس.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: ومن وطئ بنعله في نجاسة فلم تلصق النجاسة بالنعل فإذا خطا بها سبع مرات طهرت وإن لصقت النجاسة طهرت بالماء ما دام بها عين قائمة، وعلة من قال بتطهير النعل بغير غسل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، وقال عليه السلام: «الشمس والملح دباغ»، قالوا: فإذا يبست بالشمس فقد طهرت. (رجع إلى كتاب بيان الشرع». (7/185)
صفحة 2256
[صفحة بيضاء] (7/186)
صفحة 2257
الباب الخمسون
في الجلد وغسله والصلاة به وعليه وما أشبه ذلك
ورفع إلي عن أبي بكر الموصلي أنه حدث عن حصين بن أبي وديعة السدوسي كنت أقود أبا عبيدة إلى المسجد فوطئ بنعله قذر إنسان فلما دخل المسجد أراد أن يصلي بنعليه فقلت له يا أبا عبيدة إنك كنت وطيت قذر إنسان فرفع إحدى رجليه إلي ثم قال: أترى شيئا في النعل؟ قلت: لا، ثم رفع الأخرى فقال لي: أترى شيئا؟ فقلت: لا، فصلى بنعليه، ثم عرضت هذا الحديث على أبي عبد الله محمد بن محبوب فقال: نعم، إذا سحقته الأرض وأرخصه في الخفين.
مسألة: وأما المسك الذي دهن بشحم نجس فقد قيل في ذلك باختلاف فقال من قال: إنه إذا غسل ذلك المسك وبولغ في غسله وتغيرت لون النجاسة منه فتلك طهارته، وقال من قال: إنه لا يطهر حتى يجعل في الحمأة وهي الحمأة التي تذهب لون النجاسة ودنسها حتى لم يبق منه شيء، وأما أنا أقول في ذلك إن كان هذا الشحم شحم ميتة أو خنزير أو شيء من الأشياء مثل ذبيحة المجوس أو ذبائح أهل الكتاب في الحرب أو ما يكون مثل ذلك فما يكون ذاته نجسا، وليست النجاسة فيه مجتلبة، فإن ذلك لا يطهر حتى يذهب الماء بلون النجاسة ودنسها وآخذ في هذا بالقول الآخر.
وأما إذا كانت النجاسة إنما هي مكتسبة في الشحم أو في الدهن وأصل ذلك طاهر فكل نجاسة مكتسبة فإذا بولغ في غسلها فذلك طهارتها ولو كان جوهر الطهارة التي اكتسبت النجاسة قائمة بعينها لأن الماء يذهب بالنجاسة من الطهارة، وآخذ في هذا بالقول الأول.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل يطأ بخفه أو بنعله القذر الرطب فقال الأوزاعي: يجزيه أن يمسحه بالتراب ويصلي فيه، قال: (7/187)
صفحة 2258
والقدمان لا يجزيهما إلا غسلهما بالماء.
وقال في السيف يصيبه الدم فيمسحه وهو جائز أن يصلي به إذا لم يبق فيه أثر، وقال إسحاق في الأقدام: جائز مسحها في الأرض إلا أن يكون غائطا أو بولا، وقال أبو ثور في الخف والنعل: يجزيه أن يمسحه بالأرض حتى لا يجد له رائحا ولا أثرا والغسل أحب إلي.
وقال الثوري في رجل توضأ ثم اغتمست رجله في نتن ولم يجد ماء؟ قال: يتيمم، هو بمنزلة رجل لم يتم وضوءه إذا أصاب شيئا من مواضع الوضوء نتن مسحه بالتراب كان بمنزلة الماء، وفيه قول ثان أن النجاسات كلها تطهر بالماء ولا تطهر بغير ماء فهذا قول الشافعي، وقال النعمان في الخف يصيبه الروث والعذرة والدم والمني فيبس فحك يجزي، وإن كان رطبا لم يجزه حتى يغسله والثوب لا يجزيه حتى يغسله، وإن يبس إلا في المني، وقال محمد: لا يجزيه في اليابس حتى يغسل موضعه من الخف وغيره إلا في المني خاصة، وقال محمد في المني يصيب الخف: لا يجزيه حتى يغسله وإن يبس.
قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا عندي أن الخف والنعل وما أشبهها إذا تنجس وسحق بالأرض وهو التراب، أو سحقته الأرض حتى استحال إلى ذهاب العين والأثر والعرف، وما كان من النجاسات إن ذلك يجزي عن تطهيره بالماء، وقد قيل: لا يطهر إلا بالماء كل شيء من الأشياء، ولعل القول الأول أقرب إلى قولهم، وأما الأبدان والثياب فلا أعلم في قولهم أنه يطهر بغير الغسل، إلا أنه إذا عدم الماء فإزالة النجاسات من البدن والثوب بما قدر عليه من تراب أو غيره ثابت في معنى ما يشبه الاتفاق من قول أصحابنا، لأنه إذا عدم الماء ثبت معنى التيمم عن حكم الطهارات في الوضوء ولمعنى الطهارة من النجاسات مع إزالتها بما يمكن، لأن ذلك كان وجه التعبد فيه، لا يستحل فيه عنه إلا بما لا يقدر عليه وما أعدمه ولا تكلف القيام بشيء مما يعدم القيام به في شيء من دينه.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: أجمع الناس على نجس استعمال الجلد المذكاة والتطهر بما فيه من الماء وإن لم يكن مدبوغا، وتنازعوا في استعمال جلد الميتة إذا دبغ، فاختلف أصحابنا أيضا على قولين، فجوز بعضهم استعمالها بعد الدباغ، وقال آخرون: الميتة لا يطهرها الدباغ. (7/188)
صفحة 2259
الباب الحادي والخمسون
فيمن كانت فيه نجاسة ثم نسيها
فلم يدر غسلها أم لم يغسلها
ومما يوجد أنه من جواب أبي محمد عبد الله بن محمد -رحمه الله- وعن رجل أصابته الجناية وكان قبل ذلك قد جاء من الغائط فذهب واغتسل من الجنابة ونسي الغائط حتى قام يصلي فلم يدر أغسل الموضع أو لم يغسله؟ قال: فالذي وجدت في الأثر عن أبي المؤثر -رحمه الله- أنه قال: من كانت به نجاسة فدخل الماء الجاري وهو ذاكر لما فيه من النجاسة وإنما دخل بعد ليغتسل من تلك النجاسة وغيرها فلما قام شك فلم يدر غسل تلك النجاسة أو لا، قد لبس ثيابه، قال: لا بأس في ثيابه.
وكذلك أقول في وضوئه إذا كان قد توضأ إلا أن يرى أثرا من النجاسة فيه فإنه يعيد الوضوء وما مس ثوبه من تلك النجاسة وهي رطبة فسد ثوبه، قال غيره: إذا دخل الماء هو ذاكر للنجاسة ويريد غسله وذكر أنه قام إلى الماء يريد غسلها أو ذهب ليغسلها ثم لم يعلم أنه نسي ذلك، فلما خرج من الماء أو قام من الماء نسي ذلك فهل على أحكام الطهارة والقيام إليها حتى يعلم أنه نسي ذلك وأهمل ذلك وتركه أو رجع عن نيته تلك من القيام إلى الطهارة.
وإن كان دخل الماء ولم يعلم أنه كان ذاكرا للنجاسة حتى قام من الماء ولبس ثيابه فهذا عليه أن يغسل النجاسة ويغسل ما مس ثوبه من تلك النجاسة ويعيد الوضوء، وهذا عندي مثل ذلك، ولكن أقول يعيد الوضوء.
وأما موضع النجاسة إذا كان قد عركها عركة واحدة في الماء الجاري مع ذهاب أثر النجاسة يجزي، وأما أبو المؤثر -رحمه الله- فقال: لا يجزي من بعد ذهاب أثر النجاسة في الماء الجاري إلا ثلاث عركات، فإذا كان موضع الغائط قد غسله من النجاسة (7/189)
صفحة 2260
بقدر ما امتحى أثره وعركه بعد ذهاب أثره عركة واحدة أو ثلاثا ولم يبق من النجاسة شيء وكان ذلك في الماء الجاري، وقد كان توضأ للصلاة بعد الغسل رجوت أن صلاته تامة.
قال غيره: إذا غسل النجاسة ثلاثا في الماء الجاري وزالت بالثلاث فقد طهرت ولو كان لم تزل إلا بالثالثة وزالت العين، وكذلك قد قيل في غسل النجاسة في غير الماء الجاري أجزاه ذلك ثلاث صبات وثلاث عركات.
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء: ومن أصاب أحدا بنجاسة بغير قصد منه لذلك فعليه أن يعلمه فإن لم يعلمه كان عاصيا بذلك. (7/190)
صفحة 2261
الباب الثاني والخمسون
فيمن تراه يمس نجاسة أو يقر أنه مس نجاسة ولم تعلم أنه غسلها
كيف الحكم في ذلك؟
أو تكون به نجاسة فلمس غيرها طاهرا، أو يخبرك أن فيك نجاسة،
وفي الطاهر إذا وقع على نجاسة
ونجاسته غير ظاهرة وما أشبه ذلك
سألت أبا المؤثر عمن أقر أنه أكل لحم كلب أو شرب نبيذ الجر أو مس نجاسة أو أكلها هل يتنجس به إذا أقر بما فعل؟ قال: ليس على من سمعته يقول إنه تنجس إلا أن يقول إنه فعل ذلك في ساعته التي يخبره فيها، ولو أنه أقر أنه يتوضأ بالبول ما كان يتنجس به حتى يراه يمس البول إلا أن يكون يدين أن البول غير نجس.
مسألة: وعن رجل ثقة يخبرني أن فلانا يشرب نبيذ الجر هل علي أن أتنجس به؟ قال: نعم إذا كان يشرب وقت ما قال الثقة فليتنكبه، وأما إن كان رآه قبل ذلك الخبر فلا أرى أن يتنجس به، قلت: فإن أخبرني غير ثقة، قال: لا يقبل قوله إذا كان الرجل منكرا لذلك.
مسألة: وسألته عن رجل أعلم رجلا أن فيه نجاسة، أعني هذا الذي أخبر، (7/191)
صفحة 2262
أيكون حجة عليه؟ قال: معي أنه قد قيل إذا كان ممن يدين بتحريم النجاسة وكانت النجاسة حيث لا يراها متصل الخبر بها أنه يكون حجة عليه، وأرجو أنه قد قيل إنه ليس بحجة حتى يكونا شاهدين ممن يجوز قولهما في ذلك.
قلت: فإن كان المخبر الذي أبصر النجاسة هو إمام يصلي خلفه فأعلمه بها فلم يلتفت إلى قوله، وأخذ بقول من يقول: إنه حتى يكونا شاهدين، هل يسع الإمام أن يؤم بالذي أخبره قبل أن يغسل تلك النجاسة إذا غاب هو عن الآخر بقدر ما يغسلها، وتسعه الصلاة خلفه والإمام لم يغسلها بعد، هل يسعه أن يؤم به على هذا؟ قال: لا يبين لي أن على الإمام شيئا في هذا إذا لم يكن حجة.
مسألة: وقال فيمن يكون في يده نجاسة لا عين لها مثل بول وغيره ثم نسيها فصب في يده دهنا على تلك النجاسة ودهن به أنه لا ينجس ما مسه من ذلك الدهن، وقال: إن الدهن لا يمنع تلك النجاسة وأنه يلصقها في موضعها، وقال من قال أيضا في مثل الدم وغيره مما له عين من النجاسة إن الدهن أيضا لا يمنع تلك النجاسة إلا أن يراها قد ماعت منه فحينئذ تنجس ما مس، وقال من قال: إن ذلك قد فسد ويفسد ما مس وما ليس له عين.
مسألة: قلت له: فدواة له طاهرة قرب دواة له نجسة، ووقع الذباب على صوفة النجسة وهي رطبة، ثم وقع على صوفة الطاهرة وهي رطبة، هل ينجسها؟
قال: معي أنه لا ينجسها لأنه يمكن ألا يأخذ شيئا منها، قلت: وكذلك إن وقع الذباب على شيء من النجاسات الرطبة أو البول ثم وقع على شيء من الأبدان أو الثياب أو شيء من الطهارات رطبة أو يابسة هل يكون مثل الأول؟ قال: معي أنها مثلها ما لم ير شيئا بعينه مما يلصق بالطهارة من النجاسة، قلت له: فعليه أن ينظر بعينه.
قال: معي أنه ما لم ير على الذباب شيئا من النجاسة لم يكن عليه نظر في ذلك عندي.
مسألة: وعن قوم يستقون من بئر كلهم جميعا فمس واحد منهم البئر ويده (7/192)
صفحة 2263
نجسة فاغتسل وأعلم القوم بالنجاسة وأمرهم أن يغسلوا فكرهوا أن يغسلوا، كيف يصنع هو وهم يدينون بتحريم النجاسة، ولكنهم تركوا ذلك تهاونا منهم بذلك وتغافلا.
قلت: هل يأكل طعاما؟ قال غيره: الذي معنا أنه أراد: هل يأكل من طعامهم ويصلي حيث يصلون وهم يقرون له أنهم لم يغتسلوا فلا يمسهم برطوبة ولا يمس ما مسوه برطوبة حتى يغتسلوا من ذلك؟
مسألة: وإذا علمت من وليك أنه أكل طعاما نجسا فلا تصلّ خلفه أياما فيما يستحب لك، وعليك أن تتولاه على مباح له ولا تترك ولايته، لأنه إذا لم يعلم أنه نجس فهو مباح له أكله.
قال أبو سعيد: معي أنه يستحب أن يتنكب الصلاة خلفه ثلاثة أيام ولا يبين لي ذلك في الحكم وإنما هو احتياط عندي.
مسألة: وسألته عن رجل رأى رجلا يمس شيئا نجسا رطبا، فقال له: إنه نجس فلم يقبل منه، ثم غاب عنه ساعة، هل يقع عليه حكم الطهارة كان ثقة أو غير ثقة، إن عاد مسه بالموضع الذي رآه يمسه بالنجاسة؟
قال: أما في الحكم فلا يبين لي ذلك، وأما في الاطمئنانة فذلك إلى ما يقع له من أحكام الاطمئنانة في ذلك ويسكن إليه، قلت له: فإن لم يطمئن قلبه إلى طهارة ذلك منه، هل يجوز له أن يصف في الصلاة في الصف الذي قد كان صف فيه هذا إذا كان ما بين النجاسة مما يلي الإمام في الصف؟
قال: معي أنه يتنكب ذلك منه فيما قيل ثلاثة أيام في مثل هذا الذي يدخل عليه الفساد من لا يصلي خلفه ولا يمسه منه وأشباه هذا مما يدخل عليه من أحكام تلك النجاسة التي قد قامت عليه الحجة بعلمها، ولا أعلم بعد الثلاثة أيام عليه أن يزيل النجاسة إلا الاطمئنانة أيضا، إلا أنه عندي أن الثلاثة الأيام تطاول فيما أرجو أنه يأتي فيه الغسل على ذلك الموضع، ولو لم يقصد على ما تجري عليه العادة والله أعلم.
قلت له: وإن كان هذا الذي يمس النجاسة قائما في الصف عن قفا الإمام سواء والصف من الجانبين خلى ما أحب إليك أن تصلي جماعة وتصف في جانب الصف (7/193)
صفحة 2264
من يمين وشمال، أم يصلي فرادى لأجل هذا الذي رآه في الصف حتى تخلو ثلاثة أيام.
قال: فإن وجد هذا صلاة جماعة غير هذا كان أحب إلي ويصلي فيها، وإن لم يجد إلا هذه الجماعة فما أحب ترك صلاة الجماعة ما لم تكن النجاسة قائمة بعينها تمسه إذا صلى، لأن هذا يحتمل أن يكون قد طهرت عندي، ويحتمل أن يكون لم يطهر، فإذا لم يكن احتمل ذلك لم أترك له الفرائض.
قلت له: فإن وجد جماعة غير هذا وصلى مع ذلك اختيارا منه وصف في الصف الأول والذي مس النجاسة قائما عن قفا الإمام هل ترى صلاته تامة؟
قال: معي إنها تامة ما لم يعلم أنه نجس بحال وتمسه موضع النجاسة إلى احتمل طهارتها فيما غاب عنه، قلت: وكذلك إذا رأى في ثوبه نجاسة أو نعله من حيث تمس رجله أهو مثل بدنه إذا غاب عنه واحتمل طهارته ونجاسته أم بينهما فرق؟
قال: معي أن بعضا يقول: إن في ذلك فرقا، وأحسب أن بعضا يقول: إن في بعض القول أن ليس في ذلك فرق، ومعي أنه لا يبين لي في ذلك فرق إذا احتمل طهارة ذلك ولم ير بعينه وكان التعبد بطهارة ذلك على غيره وغاب عنه ذلك واحتمل طهارته ..
قلت له: فإن كانت النجاسة التي رآه يمسها أو مسته ليس لها ذات وغاب عنه بقدر ما يحتمل طهارته ذلك ونجاسته، هل يكون ذلك كل سواء في الذات وغير الذات؟
قال لي: إن ذلك سواء ما لم تر بعينها، قلت له: فإن كان الذي عن قفا الإمام في الصف الأول فيه نجاسة في بدنه أو ثوبه، وهذا يعلم أنها فيه فصلى معهم في الصف الأول بحذائه، هل ترى صلاته تامة.
قال: معي أن بعضا يقول: إن صلاته تامة لأنه قائم في الصلاة، وليس هو إمام فتفسد صلاته بصلاته، ولامس منه ما تفسد منه صلاته، وأحسب أنه في بعض ما قيل إنه لا يرى صلاته تامة لأنه شبه الفرجة إذا لم تتم صلاته.
قلت له: فعلى القول الذي لا يرى أن صلاته تامة إذا صلى، هل يجيز له الدخول في الصلاة على ذلك قبل أن يدخل فيها؟
قال: يقع لي أنه إذا كانت صلاته معه فلا تمنعه صلاة الجماعة لمعنى لا يضره (7/194)
صفحة 2265
عند إذا لم يمكنه غير ذلك، فإن أمكنه فالذي يقع لي أنه لا يأمره بذلك على التعمد، إذا أمكنه غير ذلك هل يكون سالما من الإثم؟
قال: لا يبين لي عليه ثم إذا قصد إلى الجماعة وأدائه فوافق بعض ما يسعه من قول أهل العلم من العدل.
قلت له: أرأيت إن كان رأى النجاسة في رجل في بدنه أو نعله أو ثوبه ثم غاب عنه بقدر ما يحتمل طهارة ذلك ونجاسته، هل يجوز له أن يصلي خلفه بصلاته ويكون إماما له قبل ثلاثة الأيام وجد جماعة وغيرها أو لم يجد؟
قال: أما نعلاه وثوبه فإذا احتمل أن يكون ذلك ثوب غيره أو لا يمس النعل برطوبة، فأحب أن يصلي خلفه ولا يدع الصلاة، وإذا لم يحتمل له مخرج من النجاسة كنجاسة بدنه فيعجبني إن وجد صلاة الجماعة ألا يصلي خلفه وإن لم يجد صلاة الجماعة لم أحب له أن أمنعه الجماعة إذ هي واجبة، وإذ ذلك محتمل طهارة ذلك ونجاسته فيما غالب عنه، إلا أني أحب له أن يصلي الجماعة ثم يبدل فرادى للاحتياط لئلا يفوته فضل الجماعة ولا يدخل في شبهة.
قلت له: صلى الجماعة ولم يبدل كما أحببت له، هل يسعه ذلك وتتم صلاته وجد جماعة غيرها أو لم يجد؟ قال: معي أنه إذا احتمل طهارة ذلك ونجاسته فيما غاب عنه، وصلى على هذا الاعتقاد إذا لم ير نجاسة تمنعه عن الصلاة، فلا يبين لي عليه ضيق على ما يخرج عندي في مثل هذا.
قلت له: فعلى ما يخرج معك أن صلاته تامة ولا يضيق عليه ذلك إذا علم أن الإمام قد علم بالنجاسة ولا يضيف عليه علم الإمام فيه نجاسة أو لم يعلم أعلم هو الإمام بالنجاسة أو لم يعلمه كيف ذلك؟
قال: إنما يخرج من عندي إذا علم الإمام بالنجاسة أعلمه هو أو غيره.
قلت له: فوجوده للجماعة عند غير هذا الإمام أم يطلبها هو إذا كانتا حاضرتين.
قال: معي إذا كانت جماعة معروفة في موضع طلبها منه في المسجد الذي معروفة أنها تكون فيه. (7/195)
صفحة 2266
قلت له: فإن خاف ألا يدركها هل له أن يصلي على ما يخرج عندك أنه لا يضيق عليه إذا لم يجد إلا هذه الجماعة؟
قال: معي أنه إذا صلى على اعتقاده أنه يخاف ألا يدرك الجماعة غيرها فأرجو أنه لا يضيق عليه ذلك فيما يخرج عندي.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: وسألته عن رجل كان عنده لرجل أمانة مثل الخل والحل أو شيء من الطهارات فقال له الأمين: إنه نجس أو وقعت فيه نجاسة، قلت له: هل يفسد عليه ماله ذلك بقوله؟
قال: إن كان ثقة كان حجة عليه في ذلك، وإن كان غير ثقة فليس له أن يصدقه، قال المضيف: لعله فليس له عليه أن يصدقه، قلت له: فإن كان ثقة فهل له أن لا يصدقه؟ فلم نر له ذلك إلا أن يصدقه.
وقال: قول الثقة حجة عندي في مثل هذا، وأما في تحريم الأموال فيشهد عليه بتحريم ماله قد أخذه من وجه حلال فلا يكون ذلك حجة عليه إلا أن يشهد عليه عدلان بذلك.
قلت له: فإن أعار رجلا ثوبا من أهل القبلة ثم أخبره المستعير أن الثوب نجس ما يلزمه في ذلك؟
قال: فرأيته يحبّ أن يصدقه في ذلك كان ثقة أو غير ثقة في نجاسة الثوب خاصة.
قلت له: وإنه قد صلى فيه صلاة أو صلوات وأخبره وهو غير ثقة فلم نر عليه أن يصدقه فيما مضى من صلاته، وأحسب أنه أحب أن يصدقه فيما يستأنف في غسل الثوب (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (7/196)
صفحة 2267
الباب الثالث والخمسون
في الاحتشاء
ومن جامع أبي الحسن: ومن كان يحتشي في ذكره القطن فخرج من شيء حتى رطب القطنة من داخل فلا بأس عليه حتى يظهر شيء مما يخرج منه، وإن كان شيء من القطنة من ظاهرها ليس رطبا وترطب داخلها فلا بأس حتى يعلم أن تلك الرطوبة قد ظهر منها شيء، لأن الإنسان إنما يغسل ما ظهر وليس عليه أن يغسل ما في جوفه ولا ما في جوف الذكر.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ومن كان يحتشي بقطن في ذكره فخرج منه شيء حتى ترطبت القطنة التي في ذكره فلا بأس عليه حتى يظهر شيء مما يخرج منه (ح) مما خرج منه، وإن كان شيء من القطنة ظاهرا ليس برطب وترطب داخلها فلا فساد عليه حتى يعلم أن تلك الرطوبة التي في باطن القطنة قد دخلت في الذي ظهر منها، وكذلك قال من قال من أهل الفقه: وبلغنا عن بعض الفقهاء أنه كان إذا احتشى غسل رأس ذكره أيضا، وفي ذلك رخصة بلا أن يكون ذلك عليه ومن غيره، قال أبو صفرة: قلت لمحبوب في الاحتشاء، قال: يلوي القطنة في خشبة ثم يدخلها في الإحليل ويجذب الخشبة، قلت له: فإن أدخلت الخشبة في الإحليل بالقطنة فيبقى بعض القطنة خارجا، قال: لا بأس.
قلت: فإن كان في أصل القطنة من داخل الذكر بول والخارج نظيف، قال: لا بأس لا ينتقض عليه وضوؤه، ومن غيره: وسأله سائل عن القطنة إذا انقلعت من موضع الاحتشاء من البول؟ فقال: يعيد الوضوء، قال غيره: ومعي أنه قيل: ما لم يصر إلى موضع الطهارة فلا ينتقض.
مسألة: وعن رجل احتشى من المذي ثم بال فلم يخرج الحشو مع البول كيف (7/197)
صفحة 2268
يصنع، أيتوضأ ويصلي كما هو أم يعالج الحشو حتى يخرج، فعلى ما وصفت بل يعالج الحشو حتى يخرجه.
وقد سألت أبا المؤثر عن رجل بال ثم احتشى ثم استنجى ونسي أن يخرج الحشو وصلى، قال: صلاته تامة، وقال رجل: من ابتلي بالاحتشاء أنه قد استعمل حشوا كثيرا من أصناف الشجر فلم يجد شيئا من الخشب أصلح في ذلك من الأسل والعبل.
ومن كتاب الشرح: وأما قوله ومن كان يحتشي في ذكره بقطن فخرج منه شيء حتى ترطبت القطنة التي في ذكره فلا بأس عليه حتى يظهر شيء مما خرج منه، وإن كان شيء من القطنة طاهرا ليس برطب وترطب داخلها فلا بأس عليه حتى يعلم أن تلك الرطوبة التي في باطن تلك القطنة قد دخلت في الذي قد طهر منها.
كذلك قال من قال من أهل الفقه الذي ذكره في أمر القطنة فإنها إن ترطبت وهي باطنة في الذكر فحكمها حكم محلها، وإن ترطبت وهي ظاهر الذكر ورطوبتها مما يخرج من الذكر فهي نجسة، وإن كان بعضها ظاهرا وبعضها باطنا فما كان في الباطن منها فحكمها حكم محلها، وما كان ظاهرا منها فحكمه حكم الظاهر إن كان ظاهرا أو نجسا والله أعلم.
وأما قوله: وبلغنا عن بعض الفقهاء كان إذا احتشى غسل ذكره، أيضا في ذلك رخصة فلا يكون عليه، قد تقدم جواب هذه المسألة، قال غيره: عندي أنه قد تقدم في فصل فيمن يجد بللا في ذكره.
مسألة: أحسب عن أبي الحسن محمد بن الحسن، قال في رجل يرى في رجل نجاسة في موضع من جسده وقد علم الرجل الذي فيه النجاسة بالنجاسة التي فيه ثم غاب عنه ذلك الرجل بمقدار ما يغسل تلك النجاسة ثم لقيه فمسه برطوبة من ذلك الموضع الذي رأى فيه النجاسة من جسده، فقال: إن كان من أهل القبلة ممن يدين بتحريم تلك النجاسة ولم يعلم أنه ممن لا يبقي النجاسة ولا يبالي بها، فإذا كان كذلك وهو من أهل القبلة ممن يدين بتحريم تلك النجاسة فإنه طاهر إذا غاب عنه بمقدار ما يرجو أنه قد طهر تلك النجاسة، ما لم ير هذه النجاسة بعينها، وأما إذا لم يعلم هذا الذي رأى منه هذه النجاسة أنه هو قد علم بتلك النجاسة، فإنه عنده نجس حتى يعلم أنه طهر، وكذلك إن كان ممن لا يدين بتحريم تلك النجاسة أو ممن لا يتقي النجاسة فإنه نجس حتى يعلم أنه طاهر. (7/198)
صفحة 2269
قال: وكذلك إذا تنجس شيء من آنيته أو ثيابه وهو عالم بنجاستها يعني صاحبها ثم غاب هذا عنه بمقدار ما يطهرها ثم سقاه بتلك الآنية أو مسه من ثوبه ذلك رطوبة أو أعاره إياه لصلاة فهو طاهر إذا لم ير فيه النجاسة وكان على هذه الصفة ممن يدين بتحريم النجاسة ويتقي ولم يعلم منه أنه ينتهك النجاسة ولا يبالي بها.
مسألة: وعن رجل علم من رجل أن في بدنه ونعليه وثوبه نجاسات أو أحد ذلك ولم يعلمه بذلك ولا أعلم أنه قد علم بذلك، قلت: هل يجوز لهذا الذي قد علم بنجاسة ثياب الآخر أن يصلي خلفه إن غاب عنه على اعتقاد أنه قد غسل تلك النجاسة أو أمكن أن يكون قد لبس نعلين غير الأوليين أو ثوبا غير الثوب الأول وهل للمعاين في هذا عذر وليس هو حجة على الإمام في قوله أنه عاين منه النجاسة أو فيه.
فمعي أنه إذا احتمل أن يكون ذلك الثوب غير الثوب والنعل غير النعل أن ذلك جائز، وإذا لم يكن إلا هو فلا يبين لي عذر في ذلك ما لم يعلمه أو يطمئن قلبه أنه قد أتى على ذلك الطهارة بوجه يحتمل عنده والله أعلم، تدبر ما وصفت لك ولا تأخذ من قولي إلا بما وافق الحق والصواب. (7/199)
صفحة 2270
[صفحة بيضاء] (7/200)
صفحة 2271
الباب الرابع والخمسون
فيمن شك أنه خرج من ذكره شيء أم لا
ومن جامع ابن جعفر: ومن وجد في ذكره بللا أو انتشارا وظن أنه قد أفسد ثوبه، وكان إذا عناه ذلك فنظر وجد شيئا قد خرج وربما لم ير شيئا وربما قد خرج، وإذا نظر وجده قد خرج منه فعناه ذلك ولم يعلم أخرج منه في هذه المرة شيء أو لم يخرج، فلا بأس حتى يعلم أنه قد خرج منه في هذه المرة ما قد أفسد عليه.
وكذلك عندنا عن محمد بن محبوب -رحمه الله- ومن كانت به رطوبة من غسل أو استنجاء ثم وجد رطوبة ولم يعلم مما هي وشك أنها خرجت منه فهي تلك الرطوبة الأولى حتى يعلم أنها قد خرجت منه من بعد، ومن غيره قال: وكذلك إذا كانت الرطوبة في وقت يمكن أن تكون باقية إلى ذلك الوقت والله أعلم.
ومن الكتاب: وقد بلغنا أن بعض من كان عنده علم أنه كان يرطب عمدا وفي نسخة متعمدا لحال الشك، ووجدنا ذلك في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفعل ذلك، قال غيره: أما الذي يجد كالشيء يخرج من إحليله ولم يستيقن على خروج شيء من ذلك وقد كان ربما وجد إذا نظر وربما لم يجد إذا وجد شيئا مثل ذلك، فيخرج عندي في معاني الحكم أنه إذا كان طاهرا على وضوء أن حكمه الطهارة حتى يعلم أن ذلك خرج منه شيء، ولو كان إذا وجد شيئا من ذلك وأبصر أو وجد شيئا قد خرج على أكثر ما يعنيه أو في حالاته إلا أنه لم يستيقن في حاله هذا على خروج شيء بوجود بلل ولا شك فيه، فهو على حكم الطهارة وثوبه على حكم الطهارة المتقدمة حتى يعلم بنجاسته لا شك فيها، وهذا على معنى الحكم.
ومنه: ومعي أنه إن نظر بعد ذلك أو كان وجد ذلك فلم ينظره في وقت ما وجده ومضى ثم نظر بعد ذلك فوجد شيئا خارجا لم يعرف متى خرج، ففي معنى (7/201)
صفحة 2272
الحكم على قول من يقول: ليس عليه النظر ولا المس حتى يستيقن أنه خرج منه شيء، فإذا أمكن أن خروج ذلك الذي وجده خارجا كان بعد تمام صلاته إن كان في صلاته، أو لمعنى من المعاني مستحيل عن حكمه خارجا في وقته على ما عاينه وأبصره، فليس عليه في حكم ما مضى شيء وصلاته تامة حتى يستيقن أن ذلك كان خرج في حين ما وجده، وهذا صحيح في معنى الحكم.
ومعي أنه يخرج على قول من يقول: إن عليه النظر والمس فإذا لم ينظر أو يمس في وقته ما كان .. يجده يخرج أو ينزل من إحليله حتى أبصر بعد ذلك فإذا هو خارج، فمعي أنه قيل: إن عليه فساد صلاته إن كان في مصلاه حتى يعلم أنه إنما خرج من بعد تمام صلاته ولو أمكن ذلك لما قد تقدم من دخول ذلك عليه، ولو لم يكن نظر ذلك، فلما فرغ من صلاته نظر وإذا هو خارج منه مثل ذلك لمعنى المسألة الأولى لم يكن عندي في القولين عليه إعادة في صلاته حتى يعلم أن ذلك خرج في صلاته، وفرق صاحب هذا القول القائل فيه بالاحتياط بين وجوده لذلك في هذا المعنى وبين إذا لم يجد.
ويخرج ذلك عندي في معنى الاحتياط، وأما في معنى الحكم فسواء لأن ذلك يخرج من المعارضة من أمر الشيطان مما يزيد به اشتغال الإنسان مع ثبوت حكم طهارته، ومنه والأخذ بمعنى الحكم أقوى عندي في معارضة الشيطان والأخذ بالاحتياط ما لم يخف في ذلك دخول الشك والوسواس عليه إلى ما يخرجه من معنى الحكم والاحتياط لا بأس به، ولعله أحوط ولكنه ربما كان من ترك الحكم وطلب المبالغة في الخروج من مثل هذا تولد الشكوك والوسواس حتى يخرج صاحب ذلك إلى معنى مفارقة الحكم والاحتياط من ترك الفضائل في وقتها، والجماعات مع أهلها، وفاته لذة ما أدرك غيره ممن أخذ بالحكم واستقام عليه وإن استعمل مستعمل معاني الاحتياط في مواضع ما ترجى الفسحة في مواضع الاختيار، فليس ذلك بضار بأن يستعمل الاحتياط عند الاختيار، ما لم يخف تولد المضار والحكم عند الاضطرار وخوف تولد الأضرار.
ومن نال الحكم فقد أدرك حكم الأصول، ومن أخذ بالأصول واستقام عليها كاد أن يقدر به على كثير من أموره، والله الموفق للصواب، ومنه وأما إن تعمد المتوضئ أو الغاسل إلى النضح بالماء لما تم من مواضع المخارج من النجاسة وما يليها (7/202)
صفحة 2273
من ثوبه أو بدنه، فمعي أنه قد قيل عن بعض أهل العلم أنه كان يفعل ذلك ويأمر به.
والمعنى في ذلك التقوى به على الشيطان عند معارضته مما توهمه أنه يخرج منه من النجاسة ويجدد الرطوبة فتكون هذه الرطوبة التي قد قدمها مما يدفع عنه الشك ويترك ما يجد من الرطوبة هنالك أنها تلك الرطوبة الظاهرة، ومعي أن بعضا لا يأمر بذلك بالقصد إلى هذا خوفا أن يكون هنالك نجاسة صحيحة، فيدعها لتلك الرطوبة التي قصد إليها.
ويخرج هذا القول عندي على معنى الاحتياط، والأول على معنى الحكم والاحتياط لا على معنى ثبوت الحكم، ويعجبني ذلك لمن كان يعرف نفسه بالشك ووساوس الشيطان ومعارضته فيفعل ذلك، ويعجبني ترك ذلك لمن عرف نفسه بالشكوك، وإن فعل ذلك فهو وجه على ما يقوى على أمر الشيطان، وما صح على معاني الأصول ما يشبهها فهو عندي أقوى والميل إليه آكد وأولى في معنى الإلزام ومعنى الاحتياط أن يكون على معاني الاختيار.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: ومن وجد بللا في ذكره أو شيئا وظن أنه أفسد ثوبه وكان إذا عناه ذلك فنظر فرأى شيئا وربما لم يره وقد خرج، وإذا نظر وجده فعناه ذلك، ولم يعلم أخرج أو لم يخرج؟ فلا بأس فيه حتى يعلم أنه قد خرج منه ما قد أفسد عليه ثوبه.
ومن كانت به رطوبة من وضوء أو غسل أو استنجاء ووجد رطوبة ولم يعلم ما هي وشك أنها خرجت منه فهي من الرطوبة الأولى حتى يعلم أنها خرجت منه لأن الشك متروك والطاهر على طهارته حتى يصح فساده.
ومن كتاب الشرح، وأما قوله: ومن وجد بللا في ذكره أو انتشارا وظن أنه قد أفسد ثوبه، وكان إذا عناه ذلك فنظر فلم ير شيئا وربما قد خرج منه، وإذا نظر وجده قد خرج منه فعناه ذلك، ولم يعلم أخرج منه في هذه المرة شيء أو لم يخرج منه؟ فلا بأس عليه حتى يعلم أنه قد خرج منه في هذه المرة ما قد أفسد عليه، وكذلك عندنا عن محمد بن محبوب الذي ذكره هو الواجب من طريق الحكم والاحتياط. (7/203)
صفحة 2274
وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أجوبة مختلفة:
فمنهم من أوجب الاحتياط لأن الدين بني على الاحتياط.
ومنهم من بناه على الحكم الظاهر.
ومنهم من أوجبه من طريق العبادة -نسخة العادة- منهم وألزم الحكم بالإعادة أو تركها للأغلب من عادة الإنسان وما يعرفه من نفسه إذا وجد ذلك حتى أمره صاحب هذا القول بالتوقف عن الصلاة إذا كان فيها، والنظر إذا أمكن النظر وكان في النهار أن يكشف عن عورته وينظر إليها، وإن كان في ليل أجرى يده على موضع من فخذه بعد أن يجري رأس ذكره على ذلك الموضع ويحكم بما تؤدي إليه حاسته، ثم يعود إلى صلاته، وإن تطاول الوقت وتراخت به المدة ثم بنى على صلاته إن لم يتقين على حدث، وهذا ما عليه العمل في هذه المسألة على ما تناهى إلينا والله أعلم.
وما قوله: ومن كانت به رطوبة من غسل أو استنجاء ثم وجد رطوبة ولم يعلم ما هي وشك أنها خرجت منه فهي تلك الرطوبة الأولى حتى يعلم أنها قد خرجت منه، الذي ذكره في هذه المسألة كما قال لأن الحكم يوجب ذلك ولكن إن كان الذي يجد الرطوبة تخرج منه في العادة الجارية فعليه أن يحتاط ويأخذ بما كان في أغلب عادته على ما ذكرنا في المسألة الأولى.
وأما قوله: وبلغنا أن بعض من عنده علم كان يرطب عمدا لحال الشك، ووجدنا ذلك في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفعل ذلك الذي ذكره عن بعض أهل العلم أنه كان يفعل هذا الذي ذكره حكاه عنه لا أعرف وجه فعله إن كان الخبر صحيحا، لأن الصفة التي تليق بأهل العلم أن يكونوا محتاطين على دينهم محافظين على طهارتهم لا يدفعون بالماء عادة يعرفونها من أنفسهم.
وأما ما روه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفعل ذلك، فما علمت أن أحدا من أهل الحديث وأصحاب السير وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأبردة ولا سلس البول لو كان فيه بعض ما ذكره لوردت السير بحكم ذلك عنه، قول منه وعمل عنه منقولا كما روي عن فعل غيره مما لا يبلغ درجته درجة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يقاربهما من الصحابة.
كما روي عن علي بن أبي طالب بعث إلى النبي عليه السلام يسأله عن المذي والودي ما حكمها؟ وقال للرسول أكتم علي الرسالة فإني أستحي من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن ابنته زوجتي. (7/204)
صفحة 2275
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن ينضح الاثنين بالماء البارد، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر من غسل واستنجى ثم وجد رطوبة ومن كتاب المعتبر: ومن وجد بللا في ذكره وانتشارا فظن أنه قد أفسد ثوبه، وكان إذا عناه ذلك فنظر وجد شيئا قد خرج، وربما نظر فلم ير شيئا فعناه ذلك فلم يعلم خرج منه شيء في هذه المرأة أو لم يخرج منه، فلا بأس حتى يعلم أنه خرج في هذه المرة ما قد أفسد عليه.
وكذلك عندنا عن محمد بن محبوب -رحمه الله- ومن كانت به رطوبة من غسل واستنجاء ثم وجد رطوبة لم يعلم ما هي، وشك أنها قد خرجت منه وهي من تلك الرطوبة الأولى حتى يعلم أنها قد خرجت من بعد.
وقد بلغنا عن بعض من كان عنده علم أنه كان يرطب متعمدا لحال الشك، وكذلك من كان يحتشي بقطن بقطن في ذكره فخرج منه شيء حتى ترطبت القطنة التي في ذكره فلا بأس عليه حتى يظهر شيء مما يخرج منه، وإن كان شيء من القطنة ظاهرا ليس برطب، وترطب داخلها فلا بأس عليه حتى يعلم أن تلك الرطوبة التي في باطن تلك القطنة قد دخلت في الذي ظاهر منها.
وكذلك قال من قال من أهل الفقه: وبلغنا أن أحد الفقهاء كان إذا احتشى غسل رأس ذكره أيضا في ذلك رخصة لمن غسل ذكره وهو يحتشي ولم يغسله لم يكن ذلك عليه.
قال غيره: أما الذي يجد كالشيء يخرج من إحليله ولم يستيقن على خروج شيء من ذلك، وقد كان ربما وجد إذا نظر وربما لم يجد، إذا وجد شيئا مثل ذلك فيخرج عندي في معاني الحكم أنه إذا كان طاهرا على وضوء أن حكمه الطهارة حتى يعلم أن ذلك خرج منه شيء ولو كان إذا وجد شيئا من ذلك وأبصر قد خرج على أكثر ما يعينه أو في حالاته إلا أنه لم يستيقن في حاله هذا على خروج شيء بوجود بلل لا يشك فيه، فهو على حكم الطهارة وثوبه على حكم الطهارة المتقدمة حتى يعلم بنجاسة لا يشك فيها، وهذا على معنى الحكم.
وأما ما يخرج على معنى الاحتياط، فإنه معي أنه قد قيل عليه أن ينظر إذا وجد مثل هذا فإن لم يمكنه النظر أو كان في ليل أو في صلاة أو غير ذلك أو خشي من النظر (7/205)
صفحة 2276
والمس أن يتولد عليه شيء من نقض طهارته أو كان في صلاة، فإنه يضرب بيده على الذكر من فوق الثوب فيمسح به على فخذه أو على ما يليه من بدنه مما أمكن من ذلك، فإن جد بللا استيقن عليه لا شك فيه أنه خارج حادث ليس من طهارة متقدمة، كان قد خرج من الشبهة والريب وإن لم يجد شيئا لم تكن عليه وكان قد احتاط.
ومعي أنه قد قيل: إنه ليس عليه هذا إلا أن يجد سبيلا لأن ذلك وخروجه مما لا يشك فيه، وهذا القول عندي يخرج على معنى الحكم، والأول على الاحتياط.
ومعي أنه يخرج في معنى القولين جميعا وعند من قال بهما جميعا، أنه لو لم ينظر ولم يمس بنحو ما وصفت لك من هذه الأمور ومضى على ما هو عليه ولم يصح معه علم ذلك بما لا يشك فيه من وجود بلل خارج مفض إلى موضع الطهارة يماسه شيء من بدنه أو ثوبه حتى يستيقن على شيء من ذلك، أنه ليس عليه فساد في وضوء ولا ثوب ولا صلاته إن كان في صلاة.
ومعي أنه قد قيل: إن نظر طهر بعد أن كان وجد ذلك فلم ينظره في وقت ما وجده ومضى ثم نظر بعد ذلك فوجد شيئا خارجا لم يعرف متى خرج، ففي معنى الحكم على قول من يقول ليس عليه النظر ولا المس حتى يستيقن أنه خرج منه شيء فإذا أمكن خروج ذلك الذي وجده خارجا، كان بعد تمام صلاته إن كان في صلاة أو لمعنى من المعاني مستحيل عن حكمه خارجا في وقته على ما عاينه وأبصره، فليس عليه من حكم ما مضى شيء وصلاته تامة حتى يستيقن أن ذلك كان خرج في حين ما وجده وهذا صحيح في معنى الحكم.
ومعنى أنه يخرج على معنى قول من يقول: إن عليه النظر والمس فإذا لم ينظر أو يمس في وقت ما كان يجده يخرج أو ينزل من إحليله حتى أبصر بعد ذلك فإذا هو خارج.
فمعي أنه قيل: إن عليه فساد صلاته إن كان صلاة حتى يعلم أنه خرج من بعد تمام صلاته، ولو أمكن ذلك لما تقدم من دخول ذلك عليه ولو لم يكن وجد ذلك لما فرغ من صلاته نظر وإذا هو خارج منه مثل ذلك معنى المسألة الأولى لم يكن عندي في القولين عليه إعادة في صلاته حتى أن ذلك خرج في صلاته.
وفرق هذا القول القائل فيه بالاحتياط بين وجوده لذلك في هذا المعنى وبين إذا (7/206)
صفحة 2277
لم يجد، ويخرج ذلك عندي في معنى الاحتياط، وأما في معنى الحكم فسواء لأن ذلك يخرج من المعارضة من أمر الشيطان مما يريد به اشتغال الإنسان مع ثبوت حكم طهارته حتى يعلم نجاستها وتمام صلاته حتى يعلم فسادها بما لا يشك فيه.
ومعي أنه إذا ثبت هذا القول في حكم الاحتياط في معنى فساد الصلاة ولو احتمل خروجه من بعد بمعنى وجوده، والفرق في ذلك بين أنه إذا وجد وبين إذا لم يجد عند احتمال الحق ذلك عندي معنى الاختلاف في الثوب إذا كان لا مخرج له من مماسسة النجاسة، في حين ما وجد ذلك ولو لم يجد حين الخروج مماسسة لموضع مخرج النجاسة الذي إذا صار إليه البلل فسدت به صلاته، فذلك عندي أنه لا مخرج لذلك الموضع من الثوب من مماسسته النجاسة بمعنى ما فسدت به الصلاة لأنه لا فرق في ذلك عندي، وإذا ثبت هذا على الثوب فلم يوجد موضع النجاسة خرج في الاحتياط على غسل ما دخل عليه الإشكال إلى ما يرتاب فيه، بمعنى الاحتياط كما وجب في الصلاة.
ومعي أن بعض من قال بفساد الصلاة بمثل هذا لا يوجب في الثوب في مثل هذا فسادا حتى يعلم أنه مسه شيء من النجاسة إذا احتمل ذلك، وإذا ثبت عنده الفرق في هذا لزمه عندي في الصلاة لذلك كما يلزمه في الثوب إلا أن يخرج هنالك نظرة في الفرق بين ذلك عند المشاهدة.
ويعجبني معنى الحكم في هذا ما لم يقع هنالك ما يشبه اليقين.
وكذلك عندي يخرج في مثل هذا بذلك ويصير المبتلى بذلك إلى معنى مدافعة اليقين، وكذلك عندي يخرج في مثل هذا إذا وجد شبه طعم الدم في فيه أو عرفه في أنفه أو كالريح يخرج من دبره لمعنى سواك كان ذلك يستاك أو غيره، ولم يستقن يقينا على ذلك في ليل كان أو في نهار، فيخرج عندي على معنى الحكم في جميع ذلك أنه على طهارته وعلى معنى حكم الطهارة من وضوء أو غيره، حتى يصح معه من ذلك ما لا يشك فيه، وليس عليه إذا أحس من ذلك معارضة الشيطان بمثل ذلك، ولم يستيقن على شيء أن يشغل نفسه في ذلك بنظر ولا مس، ويمضي على ما هو عليه حتى يستيقن.
وعلى معنى قول من يقول في ذلك باستعمال الاحتياط أن يطلب لنفسه الخروج من ذلك ما يحب يرجو أنه يدركه حتى يخرج من تلك المعارضة مما يستيقن على البراءة (7/207)
صفحة 2278
منها، وكذلك عندي لو بلي بشبه ذلك من دبره أو امرأة من قبلها، فمعي ذلك سواء، ويخرج في معنى القولين والأخذ بمعنى الحكم أقوى عندي في معارضة الشيطان، والأخذ بالاحتياط ما لم يخف في ذلك دخول الشك والوسواس عليه إلى ما يخرجه من معنى الحكم والاحتياط لا بأس به، ولعله أحوط ربما كان من ترك الحكم وطلب المبالغة في الخروج من مثل هذا يولد الشكوك والوسواس حتى يخرج صاحب ذلك إلى معنى مفارقة الحكم والاحتياط من ترك الفرائض في وقتها والجماعات مع أهلها، وفاتته لذة ما أدرك غيره ممن أخذ بالحكم واستقام عليه، فإن استعمل مستعمل معاني الاحتياط في مواضع ما ترجى الفسحة في مواضع الاختيار فليس ذلك بضار إن استعمل الاحتياط عند الاختيار ما لم يخف تولد المضار، والحكم عند الاضطرار وخوف تولد الأضرار، ومن نال الحكم فقد أدرك حكم الأصول، ومن أخذ بالأصول واستقام عليها كان دان بقدرته على كثير من أموره إن شاء الله، والله الموفق للصواب.
وأما الذي يجد الرطوبة والبلل ويستيقن عليه في مثل هذه المواطن، وقد كان ثم متقدم بلل من وضوء أو من غسل أو من وجه من الوجوه من تلك الطهارة فاحتمل ذلك البلل الذي يجده أن يكون حادثا من شيء من النجاسات من قبل، أو دبر واحتمل أن يكون من ذلك البلل المتقدم، ففي معنى الحكم أنه على الطهارة حتى يستيقن ويعلم بما لا يشك فيه، أنه قد حدث له ذلك الوقت من غير الطهارة المتقدمة أو تصير تلك الرطوبة طاهرة إلى حال لا يمكن ثبوتها إلى ذلك الوقت، فإن لم يكن ثبوت تلك الطهارة الظاهرة بوجه من الوجوه، ووجد الرطوبة بما لا يشك فيه خارجة من مواضع مخارج النجاسات فحكمها نجس ما لم يحتمل أن يخرج من ذلك طهارة بوجه من الوجوه من الرطوبة من شيء مخرجه من موضع الطهارة، فإذا احتمل ذلك فالطهارة أولى به من معنى الحكم ما لم يدخل عليه من الإشكال من معنى ذلك ما يخرجه عن معنى الإطمئنانة إلى أن ذلك من الرطوبة من الطهارات.
ومعي أنه قد قيل في المرأة الثيب يخرج من فرجها الماء من بعد وضوئها أو من غسلها من جنابة أو حيض، وقد يعرف أن الماء الطاهر يدخل في فرجها عند التطهر فيخرج ذلك الماء منها فلا تعرفه، ففي بعض ما قيل أنه إذ هو مخرج النجاسة فهو نجس حتى تستيقن أنه كان من الماء الباقي من الماء الطاهر، وفي بعض القول إنه ما احتمل أن يكون باقيا من الماء الطاهر فهو طاهر حتى يخرج متغيرا عن حال الماء (7/208)
صفحة 2279
الطاهر أو لا يمكن أن يكون من الماء الطاهر المحتقن في الفرج من حيث تبلغ الطهارة من ذلك الوضوء الذي قد توضأته وتطهرته.
وهذان القولان كل واحد منهما يشبه عندي معنى أصل، فقول من قال بنجاسته لمخرجه من موضع مجرى النجاسة في أكثر العادة، وقول من قال بطهارته حتى يعلم أنه نجس ما احتمل فلموضع ثبوت الطهارة حتى يصح ما يفسدها ويخرج هذا القول عندي إذا كان خروج هذا الماء على أثر طهارة منها قد غسلت فيها الفرج وطهرت داخله، وأما على غير ذلك من الاستنجاء كمثل أنها تستنجي من غائط أو بول ولا تدخل يدها في الفرج لطهارته في ذلك، ووجد الناسخ في جوابات بخط أبي خليفة الأزكوي في الماء الذي يخرج من الفرج بعد الوضوء إن كان الماء باردا فهو مكتسب من النهر، وإن كان ساخنا فهو من والج الفرج والله أعلم، لمعنى ثم خرج منها هذا الماء، وهذا عندي أقرب بلا أن يثبت فيه معنى النجاسة على حال حتى يعلم أنه طاهر قد دخل من ذلك الاستنجاء من ماء طاهر.
ومعي أنه قد قيل لو أنه أدخل رجل يده في فرج زوجته وهي ثيب فمسته رطوبة من هنالك إنه إذا كان إنما أدخل يده في موضع ما تناله الطهارة من الجماع والحيض المحكوم عليه فإنه قد طهر مما لزمه حكمه من النجاسة أن يده طاهرة من تلك الرطوبة حتى يعلم أنها نجاسة، أو نجس تلك الرطوبة بمعنى ما لا يكون رطوبة الطهارة من السخونة واللين الذي يدل على أن ذلك إنما هو من النجاسة، فإذا ثبت هذا المعنى فلا يخرج عندي إلا على معنى الاختلاف، وأنه يخرج على معنى النجاسة وأنه مخرج مجرى النجاسة، وأنه نجس ما مس من هنالك مما عدا موضع الجماعة من والج الفرج فهو نجس، فإذا ثبت معنى الاختلاف في هذا في هذه الرطوبة ومسها من زوجها أو منها لم يبعد عندي تساوي ذلك فيما يخرج من الماء إن احتمل أن يكون ذلك الماء طاهرا أنسفته حين استنجت من الماء الطاهر وبقي هنالك حتى خرج فيشبه ذلك عندي معنى الاختلاف على حال هذا الوجه.
ومعي أنه لو خرج مثل هذا الماء من بكر كان في معنى الحكم إن ذلك الماء نجس، ولا يخرج له عندي معنى طهارة لأنه خرج مجرى النجاسة الذي لا يبلغ إليه حكم الطهارة في الحكم وهو في الحكم نجس لا يخرج به في معاني الاعتبار في هذا الماء أنه لو كان دخل من الماء الطاهر واحتمل أن تنشفه كان دخوله إلى موضع مجرى النجاسة التي لا تبلغها الطهارة في الاعتبار ولا في الحكم فهو خارج بمعنى النجاسة (7/209)
صفحة 2280
عندي كان داخلا من الماء الطاهر، أو كان خارجا من الرحم، فهو بحكم النجاسة عندي لا يبين لي فيه موضع الاختلاف، وإذا ثبت معنى هذا الماء وهذه الرطوبة من فرج الثيب أنها طاهرة بمعنى الطهارة، أو هي طاهرة بطهارة الموضع الخارجة منه، فلو ثبت على هذا خروج شيء من الطهارات من موضع الطهارة، مثل أنه قرحة تكون في الرحم حيث تدرك طهارته، فلو خرج منها قيح أو يبس أو ما لا يكون حكمه نجسا إن لو خرج من قرحة خارجة في البدن، لكان هذا عندي من هذه القرحة ومن هذا الجرح طاهرا، ما لم يعلم أنه مسه شيء من النجاسة، أو جاء من موضع النجاسة من حيث لا تبلغه الطهارة.
ولا يشبه هذا عندي إذا صح أنه قيح أو يبس من هذه القرحة التي في موضع الطهارة معنى خروج الماء لأن الماء يحتمل أن يكون من الماء الطاهر، ويحتمل أن يكون خارجا من الماء النجس، لأنه قد يخرج من المرأة الماء النجس الصافي ولا كدر، ولا يكون خروجه في الاعتبار فيما جاءت به معاني الأخبار، من حيث تنال الطهارة، إنما يأتي من موضع الولد أو غيره من والج الرحم، حيث لا تناله الطهارة وهذه القرحة إذا ثبت أنها قرحة في موضع الطهارة، وإنما خروجها من قرحة إلى موضع الطهارة، فإنما يخرج عندي معناها كأنها في ظاهر البدن إذا صح طهارة الرحم بمعنى هذا، ولابد أن يكون موضع الجماع من والج الرحم، حيث يدرك الطهارة من الثيب بمنزلة خوارج البدن الذي ثبتت به الطهارة، وعليه فيكون حكمه الطهارة إذا طهر حتى يعلم نجاسته في الحدوث شيئا مما ينجسه فيه، أو يكون من دواخل البدن التي لا يصح له طهارة ولا يلزم فيه طهارة، ولو طهر لم يكن بمعنى تطهيره طاهرا إذا كان حكمه من دواخل البدن، ويكون ما خرج منه نجسا على حال بمنزلة الدبر الذي ليس عليه طهارة.
وحكم ما جاء منه مما عدا الحلقة نجس، ولو صح أنه قيح أو يبس من قرح داخل، وقد استيقن على ذلك الخارج منه والمبتلا به.
ومعي أنه يخرج في معاني الاختلاف في غسل داخل فرج الثيب عليها، ففي بعض القول إنه عليها أن تغسله وتبالغ في غسله ما لم يضر ويؤذي موضع الولد من الحيض والجنابة، وفي كل غسل لزمها معناه بمنزلة غسلها كسائر بدنها.
ومعي أنه في بعض أنه إنما عليها أن تنجي الفرج من الجماع إذا نزل الماء في (7/210)
صفحة 2281
فرجها وليس عليها ذلك في الحيض، ويخرج معنى هذا القول أنه ليس عليها ذلك أيضا في الغسل من الوطئ إذا لم ينزل فيها الماء الدافق، ولا من مائها هي إذا كان ليس عليها ذلك من الحيض، فمعنى إنزالها الماء منها هي بمنزلة الحيض، لا فرق في ذلك عندي بينهما في ثبوت الغسل من الحيض ونجاسته، بل قد يخرج في بعض المعاني أن الحيض أشد على قول من يقول: إنها إذا أنزلت الماء الدافق من غير الجماع أنه لا غسل عليها مثل الاحتلام وأشباهه، فإذا كان لا غسل منه والغسل ثابت من الحيض والاستنجاء عليها بإدخال يدها في الفرج من الحيض، فمما لا يلزمها فيه الغسل، أحرى أن يكون عليها ذلك في الجماع، وصاحب هذا القول لا يستقيم له عندي أن يلزمها ذلك في الجماع مع الإنزال فيها، ولا يلزمها ذلك في الحيض وكل الموضع واحد، وقد ثبت نجاسته إن كان بمعنى النجاسة، وقد ثبت غسله إن كان بمعنى الغسل، لأنه نجس من الوجهين جميعا، فإن كان معنى النجاسة فهو سواء، وإن كان من معنى الغسل فهو سواء.
ومعي أنه قد قيل: لا غسل عليها في الفرج من حيض ولا جنابة، ولعل صاحب القول يذهب أنه من دواخل البدن الذي غير متعبدة بغسله بمنزلة الدبر.
ولا يبعد ذلك عندي لمعاني الاتفاق أنه لا غسل عليها في حيض ولا استحاضة، إذا لم يفض الدم في خارج الفرج، وإنما كان مكمنا في الرحم في والج الفرج.
ولا أعلم في هذا الفصل اختلافا وكذلك لا غسل عليها في الجماع ما لم تغب الحشفة فيها.
وكذلك قيل لا غسل عليها ولو وجدت الشهوة ما لم تنزل الماء الدافق ظاهرا على الفرج، وفي المعنى أنه لو كان قد خرج من موضع الجماع ولم يظهر لم يكن من ذلك غسل على قول من يقول يلزمها الغسل في الاحتلام، فما لم يفض فلا يوجب عليها الغسل به، كما لا يوجب عليها في الحيض بمثله إذا لم يفض الدم ويخرج، فكل هذه معي أحكام متساوية متشابهة ولو كان الموضع خارجا من البدن للزم حكمه في هذه الأشياء كلها، ولم تختلف معانيها فيه ومنه.
ولو كانت الدواخل من البدن يلزم غسلها، ما أدرك منها، كان الدبر يلزم غسله لأنه قد يدرك إدخال اليد فيه بغير مضرة، ولا يخرج معي في هذا كله إلا أحد (7/211)
صفحة 2282
معنيين، إما أن يكون عليها غسله من كل نجاسة ومن كل غسل لازم، ويكون معناه معنى حكم الطاهر من بدنها، وإما أن يكون لا غسل عليها فيه في شيء من معنى نجاسة يتنجس بها أو لغسل يلزمها.
ومعنى ثبوت غسله أحب إلي، ويخرج عندي على معنى الاحتياط إلا على معنى الحكم، ومعنى الحكم عندي في أشباه المعاني أنه لا غسل عليها فيه بمنزلة القبل والدبر، ولو أمكنها إدخال يدها فيه لأنه لا شك أنه من دواخل بدنها، وهما الفرجان القبل والدبر مستويان في الاسم والمعنى والظاهر والباطن والمدخل والمخرج، وكلاهما يجب بهما الجماع في الغسل والحد، وكلاهما ينتقض الوضوء بما خرج منهما، وإذا ثبت أنه من دواخل بدنها كان كلما أمكن فيه ولم يفض من موضع الجماع خارجا من دم أو دماء أو صفرة أو كدرة فليس يحدث مما ينقض الطهارة، بمعنى الاتفاق، أنه لا يكون حيضا ولا استحاضة إلا بخروج الدم منه خارجا.
وهذا القول عندي أشبه بمعاني الأصول في هذا الوجه لتساوي هذه المعاني منه واتفاقها، وإذا ثبت معنى هذا كان موضع نجاسته، ولو ظهر وكان كلما خرج منه وظهر في خارج الفرج فهو نجس ناقض للطهارة من ماء أو صفرة أو كدرة ولا يكون ناقضا للطهارة ما لم يظهر، وكذلك يكون نجسا ما خرج منه من قيح أو يبس ولو صح إنه إنما هو حيث تبلغ الطهارة، وإنما يخرج ما ذكرنا من تلك المعاني كلها على قول من يثبت عليها غسله لأنه لا يستقيم أن يثبت عليها غسله وهو نجس، فيكون هذا عبثا من القول، لا يجوز أن يكون في الفقه عبثا بل لا يثبت عليها غسله إلا لمعنى أن يطهر، وأنه موضع طهارة، وإذا ثبت غسله وأنه موضع طهارة، فلا يفسد ما كان فيه إلا ما صح أنه من النجاسة الأصلية، ما يكون نجاسة من الفرج وغيره، فافهم هذه المعاني إن شاء الله ولا أعلم اختلافا يوجب في البكر أنه ما خرج منها من ماء أو غيره ولو صح أنه كان مما دخل من الماء الطاهر إلا أنه نجس ما خرج من والج الفرج إلى خارجه.
كذلك عندي لو ثبت معنى ما يصح أنه دخل في الدبر ماء طاهر، أو في الذكر، يتعدى موضع الطهارة ثم خرج، كان نجسا لا يبين لي في ذلك اختلاف، لأنه موضع النجاسة وموضع ما لا تبلغ إليه الطهارة، وكذلك قيل ما خرج من داخل الدبر من قيح أو يبس أو ماء، ولو استيقن أنه ليس من معنى الغائط، ولا من الجوف (7/212)
صفحة 2283
من مواضع الطعام ولا الشراب، ولو أدرك ذلك باليد وطهر موضعه، لكان عندي سواء، ولا ينقله حكم ما ثبت عليه.
وكذلك على هذا القول أن لو طهرت بالماء داخل فرجها كان موضع نجاسة على حال، وكان ما يخرج منه نجسا، ولو صح أنه من الطهارة لأنه موضع نجاسة ومن دواخل الفرج من البدن، لمعاني ما مضى ذكره من أحكامه أنه داخل ليس بخارج، فينظر في معاني ما قلنا من هذا كله، ويعمل بحسب صوابه، ولا يدع باطله ومشكله إن شاء الله.
وأما تعامد المتوضئ أو الغاسل إلى النضح بالماء لما تم مواضع المخارج من النجاسة وما يليها من ثوبه وبدنه، فمعي أنه قد قيل عن بعض أهل العلم أنه كان يفعل ذلك ويأمر به، والمعنى في ذلك ليتقوى به على الشيطان عند معارضته بما يوهمه، إنه يخرج منه من النجاسة ويجد كالرطوبة فتكون هذه الرطوبة التي قدمها مما يدفع عنه الشك، ويترك ما يجد في الرطوبة هنالك أنها تلك الرطوبة الطاهرة، ولو وجد الرطوبة حتى يعلم أنه خرجت منه رطوبة مما يفسد عليه.
ومعي أن بعضا لا يأمر بذلك بالقصد إلى هذا خوفا أن يكون هنالك نجاسة صحيحة، فيدعها لتلك الرطوبة التي قصد إليها، ويخرج هذا القول عندي على معنى الاحتياط، والأول على معنى الحكم والاحتيال على معنى ثبوت الحكم.
ويعجبني ذلك لمن كان يعرف نفسه بالشك ووساوس الشيطان ومعارضته فيفعل ذلك، ويعجبني ترك ذلك لمن يعرف نفسه بالشكوك، وإن فعل ذلك على حال فهو على ما يقوى على أمر الشيطان، وما صح على معاني الأصول وما يشبهها فهو عندي أقوى والميل إليه آكد وأولى في معنى الإلزام، ومعنى الاحتياط يكون على معنى الاختيار.
وأما الاحتشاء فمعي أنه قد قيل فيه مجملا من القول، إنه لو احتشا بعد أن يبول، ثم استنجى ولم يخرج الاحتشاء، إن له ذلك.
ومعي أنه يخرج في معاني بعض ما قيل أن له أن يفعل ذلك وليس عليه إخراج الاحتشاء ويدعه، ومعي أنه قيل له ذلك حتى يستنجي، فإذا استنجأ احتشا لأنه إذا احتشى قبل أن يستنجي كان الاحتشاء مانعا للطهارة. (7/213)
صفحة 2284
ومعي أنه قيل إن كان الاحتشاء أو شيئا منه يبلغ إلى موضع ما تناله الطهارة فيحول بينه وبين الطهارة، لم يجز له ذلك، وإن كان إنما هو حيث لا تناله الطهارة، كان له ذلك قبل الاستنجاء وبعد الاستنجاء.
ومعي أنه في معنى الحكم لا أجد مانعا يمنع ذلك قبل الاستنجاء وبعد الاستنجاء، وإن كان في موضع يمنه الطهارة من حيث تبلغ الطهارة وتجب، فحال بين ذلك وبين الطهارة خرج معنى ذلك عندي على قول من يقول بمنعه قبل الاستنجاء إلا أن يخرجه إذا أراد الاستنجاء، وإن كان الاحتشاء كله لا يحول بين شيء من موضع الطهارة وبين الغسل فليس عليه إخراجه في معنى الحكم ولو كان يعلم أنه قد تنجس، وكان يقدر على إخراجه، لأنه لا مانع يوجب منعه، وليس هو في موضع ما يجب فيه التعبد بالطهارة.
وإذا كان كذلك كان بمنزلة مجرى البول في معنى الحكم إذ لا يمنع النجاسة وإذ لا تبلغه الطهارة ولا متعبد بغسله وطهارته، وإذا كان إنما يجعله لمعنى ما يمتنع به عن النجاسة يأمر طهارته وطهارة ثيابه.
ومعي أنه يخرج في بعض ما قيل إنه إذا كان الاحتشاء في موضع يقدر على إخراجه وقد علم أنه ينجس وأنه نجس، فعليه إخراجه لأن عليه إزالة النجاسة كلها مما يقدر عليه بلا معنى مضرة، كما كان إن عليه أن يستبرئ مما هو غير خارج من البول حتى يخرجه، وعليه الاستبراء مما هو غير خارج من المني بالبول حتى يخرجه.
كذلك هذه النجاسة التي يقدر على إخراجها بغير مضرة فهو بمنزلة الطاهر من بدنه كما ثبتت عليه هذه المعاني في الطهارة، فأما إذا كان لا يقدر على إخراجه إلا بالبول فلا أعلم أنه قيل إن عليه أن يبول حتى يخرج الاحتشاء، وإنما يخرج ذلك عندي أن عليه إخراجه إذا تنجس وقدر على إخراجه بالمعالجة من ظاهره.
وإذا ثبت أن عليه إخراجه إذا قدر عليه إذا تنجس، لم يخرج ذلك عندي من ثبوته عليه أن يخرجه بالبول، كما أنه قد ثبت عليه فيما عليه إخراجه بمعنى ما لزمه إخراجه من المني بالبول ولا فرق في ذلك.
ولما أن لم يكن هذا الاحتشاء في موضع الطهارة ولم يكن يحول بين شيء وبين ما تجب طهارته ولم يكن له معنى ما يمنع الاحتشاء به كان معنى ذلك أنه شيء كمجرى البول في موضعه إذا هو نجس من داخل بدنه وليس عليه إخراج الدواخل (7/214)
صفحة 2285
في بدنه بمعالجة إذا لم يكن في موضع ما تجب عليه طهارته ثم تنجس الاحتشاء بعد ذلك.
فمعي أنه في بعض القول على قول من يقول: إن عليه إخراجه وكان لو أخرجه بغير معنى البول الذي ينقض طهارته ولم يخرجه وصلى كان كأنه قد صلى بنجاسة فيه ما ينقض طهارته ويخرج هذا عندي على هذا القول إذا ثبت معناه أنه سواء تنجست القطنة من داخل أو من خارج في بعض القول أنه ليس عليه ولو علم بنجاستها من داخل ولم تظهر الرطوبة على خارجها إن ما ظهر منها يستر ما بطن وليس عليه إخراجها ولا يفسد عليه إذا كانت في غير موضع الطهارة لأن بعض الطهارة إنما تقع بما ظهر سمة الذكر، ومعي أن المعنى كله سواء أن كان عليه إخراجها في موضع نجاستها فسواء تنجست كلها أو بعضها على قدر إخراجها من ظاهر أو بباطل ببول أو غيره لأن هذا معنى حكم ما يجب إخراجه أن يحتال عليه بكل ما يقدر عليه وما لا يجب إخراجه بوجه قدر عليه أو لم يقدر.
وليس كلما حط الله عنه كلما يقدر عليه لزمه العمل به على معنى الوجود ولو كان فيه معنى فضل في معنى الحكم إلا على معنى الفضيلة ما لم تشغل الفضيلة عن لازم أو عما هو أفضل منها ولا معنى يوجب إخراج الاحتشاء كان قبل الاستنجاء أو بعد الاستنجاء، فينجس ما لم يكن يبلغ إلى موضع الطهارة فيحول بينها وبين الطهارة أو شيء منها ولو قدر على إخراجها ما لم تصر النجاسة إلى موضع ما ينقض الطهارة، فينقض الطهارة إن كانت رطبة، وإن كانت يابسة وجب إخراجها على حال لأنها قد صارت في موضع من ظاهر بدنه، ولا يجوز للمصلي أن يصلي وفي شيء من ظواهر بدنه نجاسة رطبة ولا يابسة إلا من عذر أو لمعنى، وليس ما يقدر عليه المحتشي من إخراج الاحتشاء بمعالجة إذا لم تنله بطهارة عندي في معنى إخراج النجاسة منه بمنزلة الثيب وإدخال يدها للغسل في والج فرجها، لأن الثيب تقدر على طهارة ذلك بيدها أو بالماء، وهذا لا يقدر على طهارة ذلك بالماء في موضعه.
فمعي هذا غير معنى الثيب، ومعي أنه لو بلغ الاحتشاء إلى موضع الطهارة متنجسا بنجاسة رطبة، نقض ذلك الطهارة إذا كان تنجس ذلك مما يخرج من رطوبة من بول أو مذي أو ودي أو مني، وعليه الاستنجاء بغسل ما مس من موضع الطهارة، وغسل ما ظهر من الاحتشاء وثالثة الطهارة، وليس عليه عندي إخراجه (7/215)
صفحة 2286
بمعنى الاتفاق، ولو كان ما بقي منه نجسا لأنه لا يمكنه غسله، ولا يصل إليه، وليس عليه إخراج ما لم يمكنه غسله، وليس عليه إخراج ما أمكنه غسله، وإنما عليه غسله إذا أمكنه غسله، وما بلغ إلى غسله من خارج منه أو داخل فيه مما جعله هو أو مما خرج منه إلى أن يجعله أو مما جعله فيه غيره، فعليه غسل ما أمكنه غسله من ذوات النجاسة أو من المتنجسات من ذوات الطهارة، وليس عليه إخراج ذلك إذا أمكن طهارته، وإذا لم يقدر على طهارة شيء من ذلك ولو كان شيء واحد، فإنما عليه غسل ما قدر على غسله منه وليس عليه إخراجه، ولو كان عليه إخراجه إذا قدر على إخراجه إذا لم يبلغ إلى غسله أو غسل شيئا منه لكان يجب عليه إخراج ما قدر عليه من دبره من داخل جوفه، وغسل ما هنالك إذا قدر عليه وليس عليه ذلك بمعنى الاتفاق، وإنما عليه غسل ما ظهر ولو كان يناله بيده ويشهد العقل أنه متصل بما ظهر وهذا مما لا يجب ولا يحسن وجوبه ولا لزومه كذلك، إنما عليه عندي غسل ما أدرك غسله، كان كله أو شيء منه، ولا فرق في ذلك كان الشيء نجسا فغسل منه ما قدر عليه، أو قدر على غسله كله.
وما لم يقدر على غسله فلا غسل عليه، كان كله أو بعضه، فليس بوجوب غسله بعضه أو كله أو إخراج ما لم يقدر على غسله، وإن كان الاحتشاء قد بلغ إلى موضع الطهارة وهو يابس بعد أن ينجس بما قد خرج فيه من النجاسات، فليس عليه عندي نقض الوضوء لخروج ما خرج من الإحليل إلى موضع الاحتشاء فنجسه إذا خرج الاحتشاء بعدما يبس وجف منه ذلك بقدر ما لا يرطب سمة الذكر من حيث ما تجب الطهارة فإن شاء أخرج الاحتشاء اليابس النجس ولا غسل عليه في ذلك في الإحليل والاستنجاء ولا نقض طهارة، وإن شاء وأمكنه غسل ما ظهر من الاحتشاء النجس دون ما لم يظهر إن أمكنه أن يغسله بغير أن يمس ذكره فما جرى أو ما يشبهه مما لا ينجس أو لا ينجس حتى يطهر.
وكذلك عندي إذا ثبت معنى فرج الثيب أنه لا غسل عليها فيه فاحتشت احتشاء لا يظهر إلى ظاهر الفرج ليمسك عنها ما تخاف فساده عليها من وضوئها أو ثيابها أو ظاهر بدنها، فما لم يظهر ذلك إلى ظاهر الفرج الذي يجب عليها غسله بمعنى الاتفاق فهو في ذلك بمنزلة الاحتشاء من الذكر من الرجل، وإذا لم يجب عليها غسله في موضعه إذ لا يجب عليها غسل ما فيه من النجاسة، فلا يجب عليها إخراجه ولو تنجس كله أو بعضه ما لم يبلغ إلى موضع الطهارة من خارج الفرج، وإذا بلغ منه (7/216)
صفحة 2287
شيء نجس يابس أو رطب خرج عندي مخرج الاحتشاء في الذكر على نحو ما مضى من ذكر اليابس والرطب.
وأما البكر فلا يبين لي من أمرها إلا أنها في ذلك مثل احتشاء الرجل في ذكره ولا يبين لي في ذلك اختلاف.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: اتفق أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ومالك بن أنس على إجازة سؤر الكلب وطهارة فضل مائه وكذلك سائر السباع وأكل لحومها، وضعفا الخبر المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تحريم لحوم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وطعنوا في بعض رجاله.
والخبر ينقل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويكون صحيحا عند من علمه دون من لم يعلمه، وقد يكون صحيحا عند بعض آخرين إلى أن تقوم حجة الفاسد أو الصحيح، كالشاهد يكون عدلا عند معدل، ساقط الشهادة عند معدل آخر والله أعلم.
الدليل لمن قال يتنجس سؤر الكلب ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «طهروا إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبع مرات أولهن بالتراب وآخرهن بالتراب»، فهذا الخبر منقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة، وأما ما روى معقل والثامنة بالتراب، والزيادة عند أصحاب الحديث معمول بها إذا صحت في أحد الخبرين كانت عندهم فائدة.
قالوا: والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسمي طهور الإناء وهو طاهر، وقالوا أيضا: وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال، وقد أمرنا بإراقة الماء من ولغ الكلب، فلو لم يكن نجسا لم يأمر بتضييع ما أمر بحفظه.
واحتج بعض من احتج بقول أبي عبيدة ومالك أن الله سمى الجنب طاهرا وأمره أن يتطهر بالماء الطاهر، فقال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا»، قالوا: والتضييع لا يكون إلا لما لا عوض له عاجلا أو آجلا، ألا تراه أمر بالطهارة للصلاة من كان طاهرا، وفي ذلك إراقة الماء وإتلافه.
وكذلك الزكاة أمرنا بإخراج المال وقد أمر بحفظه، ويقال: طهر الرجل أعضاءه (7/217)
صفحة 2288
وتطهر للصلاة، والطهور يقع على اسم الطاهر والنجس.
وأما داود بن علي فيؤخذ عنه أن الإناء يغسل عند ولوغ الكلب، والماء عنده طاهر يجوز استعماله، وغسل الإناء من ولوغ الكلب على الاختلاف بين الناس اتفاق قبل استعماله، ولا يلزم غسله على من لم يرد استعماله باتفاق من الناس على ذلك، وكذلك على من لم يرد استعمال الثوب وغيره من الأواني والله أعلم.
مسألة: اختلف الناس في سؤر الهر فقال بعضهم: سؤره نجس كسؤر الكلب، وقال آخرون: سؤره طاهر، واحتج هؤلاء بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصفي بالإناء إلى الهر ليشرب، وقال بعضهم: يغسل الإناء من ولغ الهر مرة أو مرتين، وقال داود: الحيوانات كلها طاهرة إلا المشرك فإنه نجس عنده وسؤره طاهر معه، وقال الشافعي: سؤر الحيونات كلها طاهرة إلا الكلب والخنزير، وقال أبو حنيفة: سؤر المشرك طاهر، وروي عن مالك في سؤر المشرك قولان: أحدهما أنه نجس والآخر أنه طاهر، وقال أبو حنيفة: سؤر المشرك طاهر وسؤر الكلب نجس.
والمشرك عندي أنه كلب نجس من قبل أن الله سماه نجسا بقوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}، وسما المشركين قردة وخنازير، وسما الكافر كلبا، فقال: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ}، وقال: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (الأنفال:55)، وقال عز وجل: {أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ}، فأخبر جل وتعالى أنه لا أحد مما خلق الله أشر من الكافر، والله يشهد به لما يحبه ويرضيه.
سؤر السباع ولحمها عند أبي عبيدة حلال، وضعف خبر من روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خبر من تحريم لحوم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير والحمر الأهلية، ووافقه على ذلك مالك بن أنس، وكانا في عصر واحد.
وأما ما ذهب إليه أصحابنا من أهل عمان من كراهيتهم لأكل لحومها وأن أكل آكل منهم لم يخطئوه، فلا يعرف في قصدهم لذلك وجها، لأن الناس على قولين، منهم من قال بقول أبي عبيدة في جوازه أكلها وطهارة سؤرها، ومنهم من قال بالخبر وصحة الإسناد وحرم به الأكل والسؤر، والنظر يوجب عندي صحة الإسناد لأن إسناده ثابت ورجاله معهم عدول، وانتشار الخبر في المخالفين وقولهم به كالمشهور فيهم.
وعندي أن لحم جميع السباع حرام وسؤرها نجس إلا السنور فإن سؤره ليس (7/218)
صفحة 2289
بنجس لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات»، فخص النبي - صلى الله عليه وسلم - السنور من جميع السباع، وأنه كان يصفي إليه بالإناء ليشرب، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الماء يكون في الفلاة وما يؤويه من جميع السباع، فقال: إذا زاد الماء على قلتين لم يحمل الخبث، ومعلوم أن سؤر السباع لم ينجس شيئا من الماء لم يكن للتفريق بين ما زاد الماء على القلتين وما دونهما معنا والله أعلم.
ودليلنا على من وافقنا في التحريم للحوم السباع وخالفنا في سؤرها، أيضا أن سؤرها نجس إنا لما رأينا الخنزير حراما لحمه ولبنه وسؤره نجس بالإجماع، وجب أن يكون كل ما حرم لحمه ولبنه من السباع سؤره نجس، فإن احتج محتج فقال: إنكم تجوزون سؤر السنور وتحرمون لحمه وهو سبع، ونحن أيضا حرمنا لحم السباع وجوزنا سؤرها، قيل له: ليس يلزمنا هذا في السباع لأن السباع لا يلوي علينا بها ولا يكاد يبتلى بها كالسنانير الذي خففت المحنة عنا به لأجل البلوى به والله أعلم، وسؤر السباع وسائر النجاسات كالبول وغيره مما لا عين له قائمة فإنه يطهر بثلاث غسلات لما روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا انتبه أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها فإنه لا يدري أين باتت يده»، احتياطا من كل نجاسة في حال نومه نحو كلب لحسها أو بال عليها، أو وقعت على نجاسة في نومه مما يتوهم إصابتها في حال نومه.
وأبو هريرة روى الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «طهروا إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه يغسله سبعا»، وروى الخبرين جميعا ثم فتواه في ولوغ الكلب ثلاث غسلات، ثم عند من خالفنا أن سؤر الكلب وبول الإنسان وغيره من النجاسات المائعات في الهر حكمها واحد في باب التطهير، وموافقتهم لنا في باب تطهير البئر يدل على صحة قولنا إذا لم يختلف، واختلف قول من خالفنا والله أعلم.
وأما سؤر ما لا يؤكل لحمه كالحمار الأهلي وما لا يؤكل لحمه من الطير، ورخص فيه أشياخنا لأجل أنه لا يمتنع منه في البيوت كنحو الفأر والسنور وما جرى مجراها، وأيضا فإن الطير يأخذ الماء بمنقاره فلا يتيقن اختلاط لعابها بالماء، ولا تأخذ بألسنتها مثل السباع والله أعلم، وذكاة البهائم طهارة لإهابها، ودباغ جلد الميتة ذكاته وطهارة له، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، فإن قال قائل: فعموم هذا الخبر يوجب تطهير جلد الخنزير، قيل له: إن الخنزير لا تصح فيه الذكاة، والسباع والميتة تصح فيها الذكاة، فكان تحريم السباع كالميتة لقول الرسول عليه (7/219)
صفحة 2290
السلام: «إنما حرم أكلها»، والخنزير قرد لقوله عز وجل: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} ورد الخبر فيه إلى جميعه لقوله عز وجل: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ}، رده إلى العين بكليتها لأنه أقرب المذكور والله أعلم.
ولم يختلف أصحابنا فيما تناهى إلينا في جواز صوف الميتة والوبر منها والشعر في حياتها وبعد مماتها، وليس ذلك جائزا من الخنزير والله أعلم.
مسألة: من كتاب المعتبر: ولا بأس بسؤر الخيل والإبل والبقر والحمير والغنم من الماء وغيره وأرواثها، ولا نعلم أنه مفسد، من ذلك إذا كانت حية إلا بولها أو قيئها، وقد رخص من رخص في قيئها، ودم المذبحة إذا ذبحت وما في كرشها، وعرق الجمال والحمير التي تحبس ولا تصان مفسد، وأما ما يصان من الحمير فلا يفسد عرقه، قال أبو الحواري: قد أجاز من أجاز قيئها ولم ير به بأسا، ولا في عرق الجمال ولا عرق الحمير، وقد رخص من رخص في قيء البعير، أخبرني بذلك مبشر بن سعيد عن هاشم بن غيلان، وفي قيء البعير وقال ماء وشجر، وقد رخص من رخص في الكرش لا تفسد والأمعاء، وقيل: إن دسع البعير ودسع الشاة بأنه يفسد ويعيد الوضوء، وقال محمد بن المسبح: ليس الدسع بأشد من الخزق، ودسع البعير والجرة لا تنقض، وقيل: وعرق الجمال والحمير التي لا تحبس ولا تصان مفسد، وقد رخص من رخص في الجمال والشرر الذي يطير من بولها ما لم يسبغ، وقال محمد بن المسبح: إن بول الإبل مفسدة إلا أن يجد كالبرودة والحس فلا بأس بذلك حتى يستيقن على شيء مما لمسه بكفه خضب، لأنهم قالوا عن بشير كل غالب شرار لما روي عن الربيع ما رواه محمد بن محبوب في الخضب ما لم أره يتمسك بذلك، وقال من قال كل ذلك مفسد، والقدم أي يربطه كله، وقال من قال: القدم أن يبين فيه الشرر، وقيل إنما ذلك في القوافل الواسعة التي لا تمنع الناس منها في الطريق مثل طريق مكة ونحو ذلك، قال غيره: أما سؤر الدواب من الأنعام وما أشبهها من الأملاك وغيرها من الأهلية والوحشية، والخيل والبغال والحمير وما أشبهها من الأملاك وغير الأملاك من الأهلية والوحشية فإن أسوارها ولعابها وما خرج من أفواهها ومناخرها وصدورها، وجميع ما خرج من رطوباتها من مثل هذا أو شبهه، فمعي أنه خارج في معاني الاتفاق فيه أن ذلك منه طاهر، بمعنى سائر ما يخرج منها من أفواهها ومناخرها، ولا يبين لي في ذلك اختلاف في قول أصحابنا، لأنهم لا يفسدون شيئا
منها من أرواثها ولا من ما في أمعائها ولا جميع ما خرج منها من جوفها في حياتها إلا (7/220)
صفحة 2291
أبوالها ولا من بعد ذكاتها من معاني ما في جوفها من غير أسباب دمها، وأما ما كان من ذوات الجرة والأكراش والفروث من الأنعام وما أشبهها فيخرج في معاني أسباب قيئها وفرثها من اختلاف وكذلك جرتها وهي خارجة بمعنى الفروث من جوفها، ومعي أنه إذا ثبت ذلك فقيئها مما أشبه معاني فرثها وجرتها هو مثل فرثها، ولا فرق فيه عندي لأنه هو في المعنى والشبه سواء، فالذي يذهب إلى فساد فرثها يلزمه أن يفسد جرتها وقيئها، والذي لا يفيد فرثها يلزمه ويجوز له أن لا يفسد قيئها ولا جرتها والذي يفسد أحدهما يلزمه فساد الجميع منها، وأما فرثها فمعي أنه يختلف في نجاستها، وأحسب أن الذي يذهب إلى نجاسته يحتج بقول الله تبارك وتعالى: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً} (النحل:66)، فمعي أنه يقول: إن الفرث مثل الدم إذا كانا مشبههن في هذا المعنى.
ومعي أنه من قول من قال بطهارة الفرث وما في الكرش بقول أنه إنما كان معنى قوله تبارك وتعالى: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً} شيئين مختلفين كل واحد منهما لون لأن ذات اللبن إنما هي محشاة دما في عروثها وفرثها في جوفها، واللبن إنما يخرج من بين ذلك، كلما كثر الفرث مزر البدن وكثر الدم واحتلب اللبن من بين شيئين مختلف لونهما، أخرج لبن خالص مخالف لهما في اللون والطعم، وإنما ذلك مما يذكرهم الله من نعمته تبارك وتعالى ويلزم من قال بفساد الفرث أن يفسد الروث لأنه منه ومخالط له ومتصل به ومتنقل من حاله إليه.
ويلزم في الاعتبار أن يكون ما خرج من الدبر من الروث أشد مما خرج من الفم لأنه أبطأ في حال النجاسة، وأعتق إن كان نجسا وإلا فلا معنى في انتقاله في حال إلى حال أن يطهر به في حال الانتقال من هذا الوجه وهذا المعنى لأنا وجدنا حال معاني الاتفاق، ويقضي على كل من أفسد فيه أفسده خرج منه من دبره أثبت في معاني الاتفاق في قول أصحابنا وقومنا مما يطول، والأنعام معنا يشبه معاني أحكامها، وقول أصحابنا أن جميع ما فيها في حياتها مما يخرج منها طاهر إلا بولها ودمها، وكذلك بعد ذكاتها يشبه معاني ذلك فيها، وأما في قول قومنا وفيما شاء الله منه أن يذهب إلى طهارة جميعها إلا الدم المسفوح منها في حياتها، وبعد ذكاتها من بولها وفرثها وجميع ما فيها، وأما قول أصحابنا فيخرج على معاني الاتفاق أن أبوالها مفسدة ومعنا أنه .. لا يتفقون إلا على صواب قد وفقهم الله له.
فأما ما يخرج في الاعتبار فإنا لم نجد شيئا من الدواب يفسد بولها من ذوات (7/221)
صفحة 2292
الأرواح البرية والدماء الأصلية إلا وأفسدوا روثها بمعاني الاتفاق من الجميع، وقد ثبت أن جميع ما في الأنعام في معاني قولهم وإن اختلف أنه طاهر إلا الدم والبول، والدم قد جاء تحريمه في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ويخرج معاني إجماعهم اتفاق أن بول الإنسان وغائطه نجسان، وكذلك جميع الذوات المنجس بولها في الاتفاق منجس روثها روثها من السباع وأشباهها من الدواب المجتمع عليها، وقد قال الله تبارك وتعالى في الأنعام: {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} (المؤمنون:21)، ولا يكون قوله المنافع مضارا، ولولا ما قد سبق من قول أصحابنا في اتفاق معاني قولهم على فساد بول الأنعام لأشبه أن يكون كلها في حياتها وبعد ذكاتها منافع وطهارة في معاني ثبوت (ح) بثبوت طهارتها في معاني الاجتماع إلا بكتاب الله، ومن جميعها وهو الدم واتفاق ومشبه ما اتفقوا عليه بالطهارة منهما جميعا من غيرها، ولم نجد في قولهم ما يشبه هذا في غيرها، وإنما وجدناهم يفسدون البول من موضع ما يفسدون الروث، ويفسدون الروث من موضع ما يفسدون البول، من جميع الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية إلا في هذه الدواب التي تكون في الرياح والنحر ذكية فوجدناهم قد اتفقوا على التفريق بين أبوالها وأرواثها وأبعارها، فطهروا أبعارها وأرواثها وأفسدوا أبوالها من الأنعام وما أشبهها والخيل والبغال والحمير وما أشبهها.
وأما في القياس فقد يلزم أن يكون مثل غيرها من الدواب من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية من جميع ما يكون بالذبح ذكية ما عدا المحرمات الأصلية كانت ذكية أو غير ذكية، في شبه ما يلحقها من اتفاقهم من فساد أبوالها وأرواثها بمعاني الاتفاق، وأما أن تعزل منها إذا كانت معزولة بمعانيها فتكون أبوالها وأرواثها سواء كما لا فرق بينها وبين غيرها من الدواب بالاتفاق في فساد أبوالها وأرواثها، فتكون هذه كلها طاهرة، ولكن ندع القياس ونتبع معاني اتفاقهم على الانقياد في إثبات الدين رأيا ولا الرأي دينا بوجه من الوجوه جهل ذلك لأن ذلك ما لم يأذن الله به.
وأما عرق الدواب فمعي أنه يخرج على معاني الاتفاق من القول ما لا يبين فيه الاختلاف ولا شبهة أن كل جسد من الأجساد من الدواب من البشر وغيرهم أن كل جسد عرقه تبع له في طهارته أو نجاسته، فإذا كان طاهرا فعرقه طاهر وإذا كان نجسا فعرقه نجس لأنه شيء من ذاته حتى أنه قيل في عرق الحائض والجنب أنه طاهر. (7/222)
صفحة 2293
والاستدلال على حكم الاتفاق أنه يقضي لهذه الدواب التي تجتمع على طهارتها من الأنعام وما أشبهها من الخيل والبغال وما أشبهها أنها طاهرة بمعاني طهارة الإنسان، ومشبهة للإنسان في كل شأن، في معاني الطهارة وأكثر وزيادة على الإنسان في طهارة أرواثها وقيئها، وإن خرج معنى الاختلاف في قيئها فإنه لا يخرج معاني الاختلاف في قيء الإنسان، وثبت معاني الاتفاق أن طهارة جميع هذه الدواب إذا تنجست بشيء من النجاسات كائنا ما كانت زوال النجاسة منها إذا كانت من الدواب ويبوس غير الذوات وتغير أثر ذلك.
ولا أعلم أنه يخرج في معاني طهارتها غسل على المتعبدين في ذلك فيها وفي أمرها، ومعي أنه يخرج معاني الاختلاف من قول أصحابنا في عرقها أو عرق شيء منها، فقال من قال بفساده، وقال من قال: إنه طاهر ما لم يعلم بنجاسته في الموضع الذي جرى عليها العرق من بدنها فيكون العرق نجسا بمعنى النجاسة.
ومعي أنه من معاني من قال بفساد أعراقها لموضع النجاسات المعارضة لها في أبدانها وهو موافق مع ذلك أن طهارتها من النجاسة المعارضة لها يبوس النجاسة وزوال عينها وأثرها بأي وجه كان، ليس في ذلك حد محدود تزول به، لا شيء من الأشياء دون شيء فثبت في معاني ما يقع عليه أعراقها طاهرة ما لم ير فيها نجاسة حين في الأصول فيها فإن هذا القول الثاني بإخراج بياض فساد عرقها من جملتها خارج معنا قوله على سبيل التنزه لا على سبيل الحكم، لأنه كل ما لم يصن منها أو مما حد منها ونجس وموافق أن الذي يصان ويحبس طاهر، وقد يلحق المصون والمحبوس حكم غيره من حدوث النجاسة فيه بعد الحبس والصيانة وحقوقها وحدوث العرق فيها، ويلحقها ما يلحق غيرها مما لا يحبس ولا يصان من فساد عرقها، ومعي أنه إذا ثبت معاني الفساد في عرق شيء منها، لم يخرج ثبوت ذلك عن جميعها لأنها سواء في الطهارة وسواء في الاسترابة في معارضات النجاسة لها، وأما دماؤها في حياتها، فمن حيث ما خرج منها دم عبيط فهو مفسد، بمعنى دم الإنسان في مسفوحه وغير مسفوحه، وقد مضى ذكر ذلك فيما مضى من ذلك الجزء في ذكر الدماء المسفوحة وغيرها، وأما دم المذبحة من هذه الدواب كلها فخارج في معاني الاتفاق أنه نجس بمعنى المسفوح من الدماء وما سوى ذلك من دمائها بعد ذكاتها فيخرج فيه معاني الاختلاف بفساده كله في بعض القول، ما عدا ما تبع اللحم من دمائها، وما لم يكن له حكم بنفسه. (7/223)
صفحة 2294
وقد مضى ذكر ذلك، وقد مضى ذكر أرواثها وأبعارها، ولا أعلم أنه يخرج في أرواثها وأبعارها معاني الاختلاف من ذوات البعر والروث أنه نجس، بل يخرج في معاني الاتفاق أنه طاهر من قول أصحابنا، إلا أنه في بعض قولهم أنه يفرق بين خثو البقر الأنثى وبين الذكر بمعنى مجرى ذلك على موضع البول، ولا يخرج ذلك في معاني الحكم فلا يبعد من الخوف والاسترابة، وإذا ثبت ذلك في البقر الأنثى ثبت فيما سواها أما سلح البعير فهو لاحق بسواه من ذات الأنعام.
ومعي قد قيل: إن ما مس من ذنبه من سلحه فإنه مفسد لمعنى مس الذنب للبول، فيما أحسب أنه قيل، ويخرج عندي في معاني الحكم أن ذلك كله طاهر لأصل طهارته، حتى يعلم في شيء منه نجاسته في وقته ذلك.
ومعي أنه قد جاء في مثل هذا في بعض ما قيل فيه إنه طاهر الذنب وغيره حتى يعلم نجاسته، ومعي أنه قد قيل إنه ما مس منه شيء من الطهارة فلم يعلم أنه مسه من الذنب أو غيره، فهو على معنى الطهارة حتى يعلم أنه مسه من الذنب على قول من يقول بإفساد الذنب.
ومعي أنه إذا ثبت فساد ما في الذنب ثم مسه ذلك ولم يعلم ذلك من الذنب أو غيره لم يخرج من معاني الاسترابة لثبوت الذنب فيه، ولحقه معاني الاحتياط لغسله.
وأما أبوال الخيل والبغال والحمير وما أشبهها ذلك ما هو مثله، ومعي أنه يخرج مخرج الاتفاق، أنه فاسد من قول أصحابنا وأرجو أنه من قول قومنا وأحسب أن في بعض قول قومنا يذهب إلى فساد أرواثها، وأحسب أن ذلك على قول من يذهب إلى تحريم لحومها، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يروى عنه أنه نهى عن أكل لحوم الأهلية منها، فذهب بعض فيما أحسب بالرواية إلى معنى التحريم، فإذا ثبت التحريم في لحومها ثبت نجاسة كل شيء من أعراقها وأرواثها وأسوارها وجميع ما خرج منها من الرطوبات.
ومعي أن بعضها يذهب بالرواية إلى الكراهية لأكل لحومها، وأحسب هذا يخرج في معاني الخبر، فإذا ثبت هذا على قول الوجه فهي بمنزلة الاتفاق لأحكام في الأرواث والأسوار وغيرها من الأبوال وجميع أحكامها، ومعي أنه ذهب من ذهب بمعنى الرواية إلى الكراهية في أكل لحومها لموضع الأدب واستكراه ذلك لهم، فإذا (7/224)
صفحة 2295
ثبت معنى هذا ثبت معنى كراهية أسوارها وأعراقها وأرواثها لأن كل مكروه فمكروه جميع ما خرج منه، وأما أبوال الأنعام فلا أعلم من قول أصحابنا فيها ترخيصا إلا بما خرج معناه بمعنى الضرورة، بنحو ما قيل في بول الدواس والزواجر، وما قيل في الشرر من بول الإبل في معاني ما خرج بنحو ذلك في حال الضرورات والحاجات، وقد مضى ذكر ذلك واختلافهم فيه ما لم يصبغ القدم في معاني الضرورة والحاجة إلى مثل ذلك في معاني ما لا يمكن إلا مثل ذلك وينقل ما سواه.
ومعي أنه قد قيل في إصباغ القدم أنه ما لم يعلم ظاهرة رطوبة بمعنى إسباغ الوضوء، ومعي أنه قيل ما لم يبن فيه البول ولو وجد بالكف إذا أجريت عليه، ومعي أنه قيل إذا كان أجري عليه الكف من ظاهرها وجد رطوبته فذلك حد إصباغه ومعنى إفساده وما دون ذلك، ولو صح أنه وقع في عليه فتبين له ذلك فلا يضر إلا حتى يصبغ بأحد هذه الأقاويل في معنى إصباغه.
وأحسب أن بعضا ذهب إلى فساد ذلك كله من قليل وكثير، وإذا ثبت من ذلك في أبوال الإبل بهذا النحول بمعنى من المعاني أو بوجه من الوجوه لضرورة أو لغيرها كان مثله عندي في سائر أسوار الأنعام لأنها كلها سواء في جميع الأحكام فلا تخرج من أحكام بعضها بعض، ويخرج بعض عن بعض.
ومعي أنه يخرج في بعض القول في فساد أبوال الأنعام كلها، قليلها وكثيرها بحال الضرورات وغير الضرورات ويكون كغيره من النجاسات قليله وكثيره في جميع الأحوال من جميع المواطن في حال الزجر والدياس وغيره، ولا يفرق في ذلك بين نجاسة ولا في طهارة إذا تنجس في جميع الأحوال فطهارته بمعنى واحد في الزجر وغيره من الضرورات وغيرها. (7/225)
صفحة 2296
[صفحة بيضاء] (7/226)
صفحة 2297
الباب الخامس والخمسون
في ذكر الجلاّلة ونحوها من الدواب
ومعي أنه قيل في الجلالة من الدواب فهي التي تعتلف النجاسات لا تخلط معها غيرها من الطهارات، فإذا ثبت معنى شيء من الدواب جلاّلا، فمعنى أنه خارج معنى أحكامه بمعنى المحرمات من الدواب في بيعه وشرائه وأكل لحمه ولبنه والانتفاع به.
ومعي أنه يخرج معنى الجلاّلة من الدواب في أسوارها وأرواثها وأعراقها وجميع ما خرج منها أنه نجس بمعنى المحرمات، من الدواب من القرد والخنزير ... ومفسد كل ما كان منها من الرطوبات وما عارضتها من الرطوبات أفسدتها من الطهارات كانت الجلالة من الأنعام أو غيرها ومثلها أو من الخيل والبغال وشبهها ومثلها فما ثبت حكمه جلالا فهو بمعنى واحد معنا في معاني ما يخرج من هذا كله.
ومعي أنه قد قيل: إذا أكلت الدابة من الأنعام النجاسة قليلا كان أو كثيرا؛ فلا يؤكل لحمها حتى تحبس بقدر ما ينقضي ذلك منها، ولا يجوز أكل لبنها في تلك الحال.
وقيل: يؤكل لبنها ولا يستقيم معي مع ثبوت فساد اللحم، وكذلك يفسد اللبن من الدابة التي يفسد لحمها فإذا ثبت فساد لحمها كانت في تلك الحال الذي قد فسد لحمها فيه خارجة مخرج الجلالة عندي في فساد جميع ما كان منها من لحم أو لبن أو روث أو عرق، أو ما خرج من فم أو منخر بمنزلة الجلالة، وإلا فلا يفسد منها شيء من اللحم ولا غيره حتى تصير بمنزلة الجلالة، ولا يستقيم معي شيء حتى يكون محرما في حال تكون رطوباته طاهرة؛ فإن كان من وجه التنزه عن لحمه فكذلك (7/227)
صفحة 2298
يلحقه التنزه عن رطوباته؛ وإن كان في حد الحكم في التحريم في لحمه فمثله في رطوباتها، وأما معنى قوله لكل غالب شرر في معاني الترخيص كأنه يقول في معنى الترخيص أن كل شرر خرج من غالب من النجاسة لم يضر الشرر، إذا لم يغلب على معاني الطهارة، ويتبين ذلك بمعنى الأصباغ في معنى ما قيل في أبوال الإبل لعله يخرج معنى الترخيص في ذلك كله.
ومعي أنه قد قيل: إن شرر الدم المسفوح لا يفسد! ولعل ذلك يخرج في معاني الضرورات، وإذا ثبت في معنى من المعاني من النجاسات شيء بمعنى أو لمعنى فلا تبعد إجازة ذلك من جميع النجاسات إذا خرج لعله معنى ما جاز فيه فيخرج ذلك في معنى الطهارات، أنه ما لم يغلب عليها كان في الماء لا يفسده ما لم يغلب عليه؛ لأن الطهارة من المائعات من دهان وغيرها من الحل ليس بخارج في ذلك في معنى الاختلاف أنه ما لم يغلب عليه الدم، أو يكون أكثر منه لم يفسده وكان مستهلكا فيه.
فإذا ثبت هذا في هذا مع معاني الاتفاق أنه ليس بماء ولا من الماء، وإنما هو ما أشبه الماء وكذلك هذا يشبه للماء في هذا المعنى، وهذا في معنى الطهارات من النوع المائعات قد ثبت فيه ما يشبه هذا في غيره وفي البدن ما قد قيل في إصباغ القدم وما يجري من الاختلاف في صفة ذلك، وإذا ثبت نجاسة بول الإبل، وثبت هذا منها في حال، لم يبعد أن تكون من غيرها من النجاسات، مثلها ما كان خارجا مخرجها ثابتا في معناها.
وإذا ثبت ذلك في القدم فلا معنى في افتراق ذلك في غير القدم، وإذا ثبت ذلك في البدن ففي الثوب أقرب بمعنى ذلك، ولا يبعد أن يشبه ذلك كله، وإذا ثبت ذلك في حال الضرورة على اللزوم، ولم يبعد أن يكون مثله في غير حال الضرورة وما خرج مخرجه، لأنه لم يشترط في ذلك شرطا أنه ما دام في حال الضرورة، ولعل في بعض القول الإطلاق في ذلك والإرسال.
وإنما يشترط ذلك بعض أنه على الضرورة ومعنى الرواية على غير شرطية، وأما الصوب من هوام الإنسان فيخرج في معاني الاتفاق أنه طاهر وأنه لا بأس به حيا ولا ميتا.
ومعي أنه يخرج معانيه في حياته أنه ليس من ذوات الأرواح في حال حياته (7/228)
صفحة 2299
وأحسب أنه يخرج مخرج البيضة من القمل وبمعنى ذلك منها، وقد ثبت طهرته حيا وميتا لأنه ليس من ذوات الدماء، ولا من ذوات الأرواح التي أصلها من ذوات الدماء، وإن كان بيضا للقمل على ثبوت معانيه أنه طاهر، فيخرج في النظر أنه يشبه ذرق القمل، لأن بيض الشيء فيما ظهر منه بمنزلة ذرقه، وكذلك قيل في معاني الطير وفي بيضه أنه ما أفسد خزقه كان بيضه نجسا بمعنى خزقه، وما كان خزقه طاهرا كان ظواهر بيضه طاهرا، فثبت معنى البيض بمعنى الخزق، وأحسب أنه قد قيل في ذرق القملة من الإنسان أنه مفسد إلا ما يخرج من معاني اختلاف القول فيه في الثياب والبدن.
وكذلك يخرج معي أن كل ما أفسد بوله من الدواب التي تكون منها أولاد على شبه الميلاد، فجميع ما كان بوله فاسدا كان طاهرا ولده في حين ذلك، وما خرج عليه من رطوبة فذلك كله فاسد بمعنى بوله، وكلما خرج من أرحام الدواب المفسد بوله من جميع الأشياء فهو مفسد بمعنى بوله لثبوت الشبه فيه من معاني الإنسان المفسد بوله، وما خرج من موضع أرواثها وأبعارها من أدبارها فهو بمعنى الأرواق في الطهارة ما لم يكن دما عبيطا أو شيء من النجاسة، ولا أعلم يخرج منها من ذلك الموضع، إن كان إلا الدم، فما سوى الدم من جميع ما خرج من أدبار الدواب التي لا تفسد أرواثها هو بمعنى أرواثها في حكم الطهارة، خرج من والج جوفها أو من خارجه إلى ما خرج من أدبارها، فكل ذلك بمعنى واحد ما لم تكن نجاسة غيرها قائمة من النجاسات القائمة. ومن (الكتاب). (7/229)
صفحة 2300
[صفحة بيضاء] (7/230)
صفحة 2301
الباب السادس والخمسون
في ذكر سلح الإبل
وقد رخص من رخص في قيء الجمال والشرر الذي يطير من أبوالها ما لم يصبغ القدم، ما ضربت به الجمال بأذنابها من سلحها فهو مفسد، فمن طار به شيء من ذلك ولم يعلم أنه مما ضربت بأذنابها فلا فساد عليه حتى يعلم.
ومن غيره: وفي بعض الآثار أنه لا يفسد ما مجت بأذنابها حتى يعلم أنه مس ذلك البول؟ لأن أصل ذلك طاهر غير نجس حتى يعلم أنه قد فسد.
والقول الأول هو الأكثر، وينظر في هذا فإني أقول: إنه مخالف للحق وله حجة حق، وما يخرج من منخر الجمل سوى الدم لا ينقض، قال غيره: إلا أن يكون جلاّلا، وقال محمد بن المسبح: عرق الجمل لا يفسد إلا حيث ضرب بذنبه إذا أخطر.
وأما الحمير فإنها أفسدت لتمرغها في أبوالها، فإذا صينت وحبست لم يفسد عرقها، قال: والبعير يفسد من عرقه ما بلغ خطره يعني ما بلغ ذنبه، قال غيره: إن كان القول الأول فيما ضربت الإبل بأذنابها من الهرم فمس من سلحها من أذنابها أكثر قول أصحابنا، فإن الحكم يقضي للآخر منها بموافقته معاني الأصول، لأن كل شيء أصله طاهر فهو على معنى طهارته في كل شيء منه بعينه، حتى تصح نجاسته، وأصل سلح البعير طاهر في معاني الاتفاق حتى تصح نجاسته بمعاني الاتفاق .. ولن يصح ذلك على سبيل الاسترابة إلا في كل شيء بعينه.
ومعي أن في بعض قول من قال في عرق الإبل أنه مفسد حيث بلغ خطره بذنبه وضربه، فإنما يخرج معنى ذلك أنه يفسده، وأن ذلك فاسد منه من حيثما يبلغ ومس، وذلك على قول من يقول بنجاسته على الاسترابة، وأما على معاني الحكم (7/231)
صفحة 2302
فحتى تصح نجاسته من حيث ما وجد؛ أعني سلح البعير على معاني ما قيل بذلك، وعلى قول من يقول إنه نجس فما دام قائم العين في موضع من الجمل حيث يبلغ خطره وضربه بذنبه، فإنه يخرج بمعنى الاسترابة، لأنه قد يمكن أن يكون مسه ذلك من غير الذنب، وإنما هو لما قرب من الاسترابة لحقه حكم الاسترابة في هذا، وخصه صاحب القول بفساد عرقه من ذلك الموضع، دون سائر ظهره وبدنه، والاسترابة قد تلحقه في بدنه كله.
والحكم قد يقضي له بطهارة بدنه كله، ما لم يعاين في حين ذلك فيه نجاسة لا مخرج لها من لزوم النجاسة، فإذا ثبت ذلك فسد عرقه الماس لتلك النجاسة إلا لمعنى عرق البعير، وكذلك قوله في الحمير إنه إنما أفسد عرقها لموضع تمرغها في أبوالها، وكذلك الخيل والبغال والبقر والغنم وقد يلحقها هذا كله في مرابطها ومعاطنها ودروسها وزروبها وجميع الدواب من الأنعام وغيرها ما لا تتعرى في الاسترابة من هذا، وأما ما خرج من مناخر الأنعام كلها والدواب، فقد مضى فيه القول، وهو طاهر بمعناها، وأما الجلاّلة منها فكما قال معنا ويلحقها معه حكم النجاسة في جميع رطوباتها مما خرج من منخرها وفمها وأعراقها وأرواثها وجميع ما خرج منها، قال المضيف: وجدت في كتاب العين أنه يقال للبازي خزق ولسائر الطير ذرق. (7/232)
صفحة 2303
الباب السابع والخمسون
في ذكر أسوار الطير وخزقه
وكذلك سؤر الطير جميعا وخزقه لا نبصر فيه فساد إلا الحمام الأهلي، وقد شدد أكثر الفقهاء في خزقه وخزق العقاب والأجدل، ورخص من رخص من الفقهاء في العفاف وذلك أحب إليّ.
وقال من قال: لا بأس بخزق العقاب وبوله إذا وطئ عليه الرجل وهو متوضئ.
ومن غيره، وقال من قال: لا بأس بخزق الحمام الأهلي ولا العفاف ولا الأجدل وبه نأخذ، وأما خزق حمام الحرق الأهلي فلا بأس به على حال، والحمام الأهلي كره خزقه لما يرعى مثل الدجاج، وأما الطائر منه فلا بأس بخزقه وقد أسكنه الله حرمه فلا أهل آهل من ذلك.
قال غيره: معي، إن جميع الطير البري من ذوات الدم الأصلي من جميع ما خرج صيدا حلالا ما دون النواسر والنواهش من الطير، ما لم يأت فيه نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه إنه من النواسر من ذوات المخالب من جميع الطير، فإنه خارج عندي بمعاني الاتفاق من قول أصحابنا، لعل أنه من غيرهم أنه بمنزلة الذوات الطاهرة من الأنعام وما أشبهها، وإلى شبه الأنعام أصح لمعاني الاتفاق من إحلال لحومها وذكاتها وطهارتها، لأنه قد يلحق الحمير وشبهها ما يلحقها، وهذا الجنس من الطير لا يلحقه معنى شبهه ولا ما يشبه ذلك، وأنه مشبه من جميع حالاته من الطهارة للأنعام من الدواب في أسوارها، وجميع ما خرج من رطوباته من مناقيره من سائر بدنه وخزقه فمنزلة أرواث الأنعام وأبعارها، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وهذا النحو من الطير وهو شبه هذا النحو من الدواب على الأرض في جميع (7/233)
صفحة 2304
أحوالها، وإن ثبت لهذا الجنس من الطير بول وكان يبول وله بول كان عندي بمنزلة بول الأنعام لشبهه له.
ومعي أنه قد قيل: إن بول هذا النحو من الطير وما لم يفسد خزقه طاهر بمنزلة خزقه، وقد كان يعجبني ذلك أن يكون في الأنعام لموضع طهارتها، وإذ قد قيل في هذا الجنس من الطير مما معي أنه من قول أصحابنا كان ذلك مما يعجبني فيه لموضع طهارته.
ولو جاء عن أصحابنا في الأنعام ترخيصا في بولها لكان ذلك أحب إليّ مما قد قيل بنجاسته.
ومعي أنه يخرج القول في هذا الطير في بوله أنه مفسد بمعنى بول الأنعام، وكذلك عندي أنه يختلف في بيضه، فأحسب أن في بعض القول أنه نجس ظاهره بمنزلة بيض الدجاج، ومعي أن بعضا يذهب إلى طهارة بعض هذا الطير كله من جميع ما كان من الطير خارجا بهذا الشبه مما خرج على هذه الصفة من غير النواسر على ما تقدم ذكره أن جميع ما كان منه من خزقه وبيضه وبوله ورطوبته أنه طاهر لمعنى طهارته في الأصل كله.
وأما الحمام الأهلي الذي يرعى مرعى الدجاج مما يدخل عليه الريب من الأنجاس في رعيه فمعنى أن بعضا يفسد خزقه، ويخرج ذلك عندي على وجه الاسترابة من الأنجاس، ومعي أنه في أصل من أمره على معاني ما يخرج حكم الأصول فيه أنه طاهر ما لم يثبت معناه جلاّلا لا يخلط مع النجاسة غيرها من الطهارة، فإذا ثبت ذلك فيه كان سؤره وخزقه وجميع ما خرج من رطوباته ولحمه في معنى واحد من النجاسة معي؛ وأما إذا صح أنه أكل شيئا من النجاسة فهو خارج بمعنى الأنعام والدواب ما لم تكن جلاّلة، وإذا ثبت فاسدا لحمها لمعنى ذلك كانت في ذلك الحال فاسدا لحمها، وجميع ما كان منها، بمعاني ما يخرج من الحكم.
وقد قيل: لا يفسد إلا لحمها وهو من العجائب، وهذا الطير عندي مثله ما لم يكن جلاّلا وما لحق من الطير الذي أصله يكون وحشيا اسم الاستئناس حتى يكون مثل هذا الحمام بمثل هذا الطير الطاهر في الأصل فهو عندي مثل الحمام، وأما الأجدل والعفاف، وما خرج مخرجهما وشبههما، فمعي أنه يختلف في خزقهما وسؤرهما، فأحسب أن بعضا ذهب بذلك الجنس من الطير إلى أحكام هذا الطير (7/234)
صفحة 2305
الطاهر لأنه ليس من النواسر ولا من ذوات المخالب، وهو في معنى الطير الطاهر لأنه ليس من النواسر فخزقه وسؤره طاهر.
ومعي، أن بعضا يذهب به إلى معنى التشبيه للفأر لأنه ليس من ذوات المناقير بمنزلة الطير وشبهه إلى الفأر، وما أشبه الشيء فهو مثله، وسؤر الفأر وبعره في بعض ما قيل في أنه نجس، وفي بعض ما قيل من أن لحمه طاهر، وليس مراعي العفاف الأجدل كمراعي الفأر، ولا هو من الدواب التي تشبه الفأر، ومعي أن كل شيء أصله طاهر، فالطهارة أولى به حتى تعلم نجاسته بمعاني هذا الطير كله، ما لم يخرج في النواسر، فأحكامه طاهر بمعنى الأنعام من الدواب، والصيد من الوحش مما خرج على شبه الأنعام من الضباء والأوعال، وما أشبه ذلك، ومن الكتاب. (7/235)
صفحة 2306
[صفحة بيضاء] (7/236)
صفحة 2307
الباب الثامن والخمسون
في ذكر الدجاج والجعل
وخبث الدجاج مفسد وأما سؤره فلا نرى به بأسا حتى يكون على مناقيرها قذر عند شربها من الماء وأكلها، وكذلك الجعل قال أبو الحواري: لم ير بعض الفقهاء بأسا بخزق ما يؤكل لحمه من الطير، وقال محمد ابن المسبح: وخزق الطير غير مفسد إلا النواسر منه فإن خزقها مفسد، والدجاجة أخذوا فيها بالرخصة والتنزه منها أحسن إذا كانت جلاّلة ترعى الأقذار، قال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا معي يشبه الاتفاق على خزق الدجاج الأهلي بأنه مفسد، وعلى سؤرها لأنه طاهر حتى يعلم فيه نجاسته ومعاني قولهم أن كل شيء من الطير يؤكل لحمه فلا يفسد خزقه، والدجاج معنا من الطير الذي يؤكل لحمه فلا يفسد خزقه، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومعي أنه يخرج معاني الاتفاق قولهم على ذلك من أجل أنها ترعى الأقذار والنجاسات، ولا أعلم أنها من النواشر التي تنشر الجيف، ولا يضاف إليها وإنما هي من الرواعي، وقد ترعى الأنعام والدواب الطاهرة المواضع القذرة وتأكل القذر، وما لم تكن جلاّلة فلا يفسد لحمها ولا روثها إذ هي طاهرة في الأصل، وإن كانت الدجاجة جلاّلة فلا يجوز أكل لحمها ما كانت في حال الجلاّلة، ولحمها نجس وسؤرها وجميع ما كان منها، وإن كانت ليست بجلالة فلا يخرجها من سائر الأنعام الخالص أكل لحمها من سائر الطير الجائز أكل لحمه مثلها في خزقها إلا دليل يوجب عليها دون غيرها، وإن كانت من جهة الاسترابة فالاسترابة لا توجب تحويل الأحكام، وأحسب أنه قد يوجد في بعض قولهم أن خزقها لا يفسد، وأن فيه ترخيصا.
ومعي أنه قد قال بعض أهل العلم فيها أنها لو حبست عن مرعى الأقذار كان (7/237)
صفحة 2308
خزقها طاهرا، وإذا ثبت هذا المعنى فيها أنه إنما فسد خزقها من جهة المرعى والاسترابة لها فيه.
وكذلك قد يكون الشيء من الأنعام مسترابا برعيه الأقذار وأكل العذرة، ويعرف بذلك على الدوام، إلا أنه يخلط معه غيره من الطهارات، فلا يتحول بذلك حكمه في روثه ولا في سؤره حتى يكون جلاّلا يخلط مع النجاسة غيرها من الطهارات، وكل شيء على أصله من الطهارة حتى يصح نجاسته، ومن النجاسة حتى يصح طهارته، وما كان أصله نجسا فهو نجس على الأبد.
ولو أن شيئا من السباع مما أصله نجس خبثه حبس عن النشر وعن أكل الأنجاس وأطعم ما تطعم الأنعام لا يخلط معها غيرها من الأسد والنمور وأشباه ذلك لكان خبثها مفسدا على أصله.
وكذلك الخنزير لو تغذى بالطهارات من المعيشة لم يكن ذلك محولا لحكمه عن التحريم إلى التحليل ولا إلى طهارة خبثه والدجاج معنا مشبه للطير، وهو طير مجتمع على إجازة أكله وطهارته، فلا نحب أن يعدل حكمه عن سائر الطير الطاهر إلا بشاهد ودليل، وإن لحقه فساد خزقه من طريق الاسترابة فعلى غيره ما يشبه معاني الأصول في حكمه معنا، وما يشبه من معاني الأصول إثباته في جملة الطير الطاهر لحمه من الرواعي ليس من النواشر ولا النواهش، ويلحق كل اسمه وحكمه وقولنا قول المسلمين، وإنما يراعى مذاهبهم ونرد مشابهم وبالله التوفيق. وينظر في هذا ولا يؤخذ من قولنا إلا بما وافق الحق والصواب.
وأما الجعلان وما أشبهها من الخنافس ومثلها مما لا دم فيه من الطائر والدواب فإن معاني أحكامه خارجة على معاني الاتفاق على ما يشبه الشبه، إن كل ذلك طاهر لا بأس بسؤره ولا بما مس حيا لا ميتا ولو عرف بحمل النجاسات وأكلها ولو لم يعرف ما أكل غيرها ولا موضع من المراعي سواها، فإن ذلك لا يحول حكمه ولا ينتقل اسمه ما لم يعاين فيه نجاسته بعينها في طهارة، وهو طاهر في الحكم حتى يعلم نجاسته بشيء فيه قائم بعينه ومعنى طهارته من النجاسة وزوالها عنه بأي وجه كان في معاني ما يخرج من حكمه في قول أصحابنا في الدواب الطاهرة.
كذلك ما كان من مثل هذا من الدواب مما أصله لا دم فيه ولا دم له فهو بهذا المعنى ولو عرف بهذا السبيل من المرعى والمأكل، ومن الكتاب. (7/238)
صفحة 2309
الباب التاسع والخمسون
في ذكر السباع من الدواب والنواهش من الطير وغير ذلك
وشدد به من شدد من المسلمين في سؤر الرخم والغراب، وبلغنا أن محمد بن محبوب لم ير به بأسا، وقال غيره: مكروه، وأما السباع كلها غير الصيد ففسد سؤرها، ومن مسها إلا الكلب المكلب فإنه قيل لا يفسد سؤره ولا ما مسه وهو رطب.
قال غيره: سؤر السباع ما سوى الكلب والخنزير والقرد، قيل: إنه يكره وليس بنجس، وهو بمنزلة الرخم والغراب من الطير؛ قال غيره: معي؛ أنه يخرج في معاني أحكام الدواب كلها أنها خارجة على ثلاثة أصناف، ما سوى النشر.
فمنها محرم بكتاب الله أو سنة رسوله أو بالإجماع، وذلك معنا الخنزير والقرد وجلد الكلب، فأما الخنزير فبكتاب الله محرم، وأما القرد فمعنا أنه مشبه للخنزير ومساير له في بعض كتاب الله، ومعي أنه قيل: إن تحريم القرد ثبت من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجلد الكلب معنا أنه خارج بمعاني الاتفاق أنه رجس، فيخرج معاني أحكام هذا الصنف من الدواب أنه مفسد سؤره رجس وأعراقه وجميع ما خرج منه من رطوبة من فم أو منخر وأبواله وأخباثه، فأما القرد والخنزير فمعي تحريمه كله، وأما الكلب فجميع ما خرج منه من رطوبة وسؤر فمعنى نجاسة جلده وفساده في معاني الاتفاق، وأما بوله وخبثه فلمعنى ثبوته في جملة السباع من ذوات الناب منها وأنه من السباع النواهش.
ويخرج في معاني الاتفاق أن جميع النواهش من السباع من ذوات الناب أنه مفسد بوله وخبثه، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وما عدا هذا الصنف الذي قد مضى ذكره وما أشبهه من الخنزير والقرد والكلب من سائر السباع النواهش من ذوات الناب، فيخرج معاني أحكام ما يكون منها من سؤر أو عرق أو رطوبة، من فم أو (7/239)
صفحة 2310
أنف، وما كان من رطوبة ما سوى خرج منها من بول أو خبث أو قيء أو دم على ثلاثة أحوال، وثلاثة أقوال.
فحال منها أنها في جملة الطواهر في جميع هذا؛ لأنها لم يثبت تحريمها وهي حلال في الأصل، لمعنى قول الله تبارك وتعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} (الأنعام:145) (الآية كلها) وقوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ} (النحل:115).
وإنما كان معنى تحريم هذا وإحلاله في الدواب من المطاعم ليس أنه لم يحرم الله إلا هذا من المحرمات فقد حرم غير هذا من المناكح والربا أو غير ذلك من المحرمات، وإنما المعنى في تحريم هذا المستثنى من جميع الدواب والطير أنه محرم وما سوى ذلك من اللحوم من جميع الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية، إذا كانت مذبوحة ذكية، بوجه من الوجوه التي يصح ذكاتها من نحر أو صيد أو ذبح، وكل ما كان أصله حلالا كان جمعي ما كان فيه من ذاته طاهرا، وما مسه طاهرا حتى يصح تحريمه ونجاسته بوجه يخرجه من حال صحة الاستثناء عن المحرمات والخروج منها، فهذا معنى قول من قال: معي إن أسوار هذه الدواب من السباع وهذه النواشر من الطير من ذوات المخالب ومن ذوات الناب أنها كسائر الدواب من الطاهرات إلا ما ثبت لمعنى النشر والتبش المحرمات من الميتة، ومثلها من أكل الدواب لغير ذكاة وعرف بذلك فثبت فيها لمفارقتها للطواهر من الأنعام وما أشبهها، والخيل والبغال وما أشبهها فساد أبوالها وخبثها، وأما سائر ذلك من معانيها فكسائر الطواهر من الدواب.
ومعي أنه يلحق هذه السباع من الدواب والنواسر من الطير من معاني الديب للإدمان منها على أكل النجاسات، وإن كان لا يعدم أن يأكل شيئا من الطهارات، ولا يصح عليها معاني أكل النجاسات وحدها إلا أنه يكاد على أكثر الحال أن يكون ذلك أكلها من النجاسات، فلما لزمتها الريبة من هذا الوجه ولو صح عليها معنى أكل النجاسة لا تخلط معها غيرها للزمها حكم الجلاّلة والتحريم للحمها والرجس لجميع ما فيها من معانيها من رطوباتها وجميع ما مست أو مسها من رطوبات وكل مستراب يلزمه حكم الأشكال، وكل مشكوك موقوف حتى يعلم ما يخرجه عن حال الإشكال إلى طهارة لا شك فيها ... أو نجاسة لا شك فيها فيثبت له (7/240)
صفحة 2311
حكم ما يصح فيه؟ فيلزم هذه الدواب وهذا الطير من هذين الصنفين من الدواب والطير في هذا الحال حكم الإشكال والوقوف والكراهية لأكل لحومها، وفي جميع رطوباتها على معاني الترك لها إلى ما هو أصح منه في حال الطهارة والتحليل من غير أن يحكم عليه بنجاسة ولا تحريم، فإذا لم يوجد الطاهر الحلال بعينه، ووجد هذا المشكل في هذا الحال والمحرمات النجاسات بعينها، كان هذا الوقوف أولى من المحرمات وأطيب، وأولى أن يستعمل في معانيه دون المحرمات النجسات.
ومعي أنه يخرج بمعاني هذه الدواب من السباع والنواسر من الطير معنى التحريم والنجاسة من وجهين، من وجه أنها في أغلب أحوالها وأكثره أن أكلها النجاسة والحرام، وقد ثبت في بعض القول قول أهل العلم أنه لو أكل شيء من الأنعام شيئا من النجاسة قليلا أو كثيرا كان لحمها نجسا، حتى تحبس للطهارة عن ذلك، ولا يستقيم في المعاني أن يكون لحمها نجسا وما فيها من الرطوبات طاهرا، ولا يستقيم إلا أن تكون كلها نجسة إذا كان لحمها نجسا، إلا أن يستبرئ أحوالها من النجاسة إلى حال الطهارة.
فإذا ثبتت طهارة لحمها ثبتت طهارة سؤرها حينئذ وجميع ما كان من رطوباتها، وهذا في أكل نجاسة واحدة فكيف من الأغلب من أكله النجاسات؟ ولا يكاد أن يأكل إلا نجاسة، فهذا من وجه.
ووجه ثان أنه قد جاء النهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، فذهب من ذهب فيما قيل بهذا النهي إلى التحريم وأنه حرام لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه، وذهب من ذهب فيما قيل إنه نهي أدب وليس بتحريم، فإذا ثبت معاني التحريم فيها في ظاهر النهي كانت كلها نجسة وجميع ما كان فيها وما مست مثل القرد والخنزير.
ومعي أن بعض من قال بهذا القول يفرق بين أشياء من هذه السباع في التحريم، فلا نراه حراما لمعاني ثبوت اسمه في الصيد، وإن الصيد لا يكون حراما، ومن ذلك الضبع والثعلب، ولعله غير هذا، ولا أعلم مؤكدا في هذا القول فيما خص ذكره إلا هذا.
ومعي أن بعضا يقول: إن كله سواء لثبوت الرواية فيه في النهي عنه، ومعي أن عامة قول أصحابنا يخرج في هذه الدواب وهذا الطير إلى كراهيته من طريق (7/241)
صفحة 2312
الأدب، وإلى كراهية سؤره بمعنى الاسترابة، ولا أعلم أن أحدا منهم قال بطهارة خزقها ولا خبثها ولا شيء من ذلك منها.
وأما سائر رطوباتها وأسوارها فيخرج على معاني الاختلاف في القول فيها، وشبه معاني ذلك الكراهية في أكثر قول أصحابنا بلا تحريم لها ولا تنجس لسؤرها ولا رطوباتها، وإذا ذكيت بذبح أو صيد على معنى ما يجوز من ذلك من الصيد، كان لحمها مكروها كراهية الأدب.
وكذلك عندي لحم الكلب صائدا أو غير صائد فهو مثلها في بعض ما قيل في اللحم، وأما نجاسة سؤره ورطوباته ما سوى لحمه إذا كان ذكيا، فمعنى أنه بمنزلة المحرمات في النجاسة، وأما المكلب من الكلاب الصائد فمعنا أنه يختلف في نجاسته وقطعه للصلاة، ولا أعلم معنى يفرق بينهما لأنه إنما جاء الأثر بفساد جلده لا لمعنى أكله للنجاسة فيما قيل، لا على معنى دخوله في جملة السباع، في حال ما ذكرت لك من ذلك القول. (7/242)
صفحة 2313
الباب الستون
في ذكر السنور والفأر ونحوهما
وقد اختلف في سؤر السنور والفأر، فبعض كرهه وأحب ترك ذلك إلى غيره .. وبعض لم ير به بأسا، وبما آخذ به من رأي الفقهاء فهو جائز، ويؤخذ عن أبي علي -رحمه الله- في سؤر السنور من الماء أنه أحب تركه، وأما من الصباغ والطعام فأجازه، ومن غيره وقال من قال: لا بأس بذلك كله، ولا نقض على من مس المخطمة منه، وقال من قال: إن مس مخطمة السنور ينقض.
وعن محمد بن محبوب -رحمه الله- في فأرة وقعت في خل، وأخرجت منه حية، قال: إنها لقذرة ولا أتقدم على تحريم.
وكذلك قيل عنه إذا دخلت في الماء وأخرجت حية، ولعل سؤرها عندهم أشد، وكذلك إذا أقرضت الثوب فهو مثل سؤرها، ومن غيره: كل ذلك لا بأس به.
قال محمد بن المسبح: لا بأس بسؤر الفأر، ولا قرضه الثياب، وإذا ماتت في شيء أفسدته إلا أن تموت في شيء جامد مثل سمن أو عسل أو غيره فإنه يقلع ما مسه، ولا بأس بالباقي، وحفظ الثقة أن أبا عبد الله سئل عن فأرة وقعت في إناء أو في بئر أنها تفسد لموضع البول منها، قال أبو الحواري: الذي نأخذ به إذا وقعت الفأرة في ماء أو في غيره وأخرجت حية أن ذلك الشيء لا يفسد، قال غيره: السنور والفأر معي من جملة الدواب الثابت لها الخروج بالاستثناء من جملة المحرمات، وفي جملة الطواهر بمنزلة سائر الدواب، مما ذكرنا من تأكيد كتاب الله تبارك وتعالى في ذلك، إلا ما عارض كل شيء من جميع المستثنيات من جميع الدواب من معنا يلحقه معنى تحريم أو شبهه بسبب يوجب ما يشبه حكم الكتاب أو السنة أو الإجماع، وإلا فجميع ما خرج من عما سماه الله محرما من جميع الدواب من ذوات الدماء الأصلية فحكمه حكم التحليل والطهارة في المحيا والممات، وقد جاء في السنور فيما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (7/243)
صفحة 2314
قال من متاع البيت، ومتاع البيت لا يكون إلا طاهرا، وقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - فيما يروى أنه قال فيه إنه من الطوافين عليكم ومن الطوافات، يعني أنه من العيال لمعنى قول الله تبارك وتعالى: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} (النور:58)، (القصة كلها)، ثم قال: طوافون عليكم بعضكم على بعض، وقد ثبت في العيال في معاني الإجماع أن أولاد المسلمين على الطهارة حتى يعلم نجاستهم.
ويروى عنه - صلى الله عليه وسلم - في السنور أنه كان يأتي إليه وهو يتطهر أحسب وضوء الصلاة إلا أنه يأتي إليه وهو يتطهر من الإناء لعله يتعرض للماء، فقيل: إنه كان يميل إليه الإناء أي يحرفه إليه لينال الشرب منه ويصل إليه فيشرب السنور من مائه - صلى الله عليه وسلم - ثم يتطهر من ذلك الماء.
وهذا في السنور هو الثابت في معاني جميع الدواب ما خلا المحرمات بكتاب أو سنة أو إجماع، ولا نعلمه مما جاء فيه شيء منصوص من أحد هذه الوجوه بتحريم إلا أنا وجدناه مشبها للنواهش من السباع في أكل الميتة معاني الميتة من الفأر وغيره من ذوات الأرواح البرية، والدماء الأصلية التي حرام ميتتها وفاسدة إذا لم تكن ذكية، وأكله لها حية كأكله ميتة، وذلك نجس فاسد، ووجدنا هذا منه شبه المعروف من عاداته بمعنى السباع مخرجا بهذا الوجه لأن السباع وإن أكلت الميتة من كبارها وعرفت بذلك، فإن السنور معروف بأكل صغارها، وصغارها مثل كبارها، وبالإدمان على ذلك إذا وجدها، وإنما تتخذ في البيوت لها فهو معروف بذلك على شبه الإدمان، فقد ثبت بمعاني السباع ومشبه للسباع النواهش، إلا أنه معروف أنه يخلط الطاهر مع النجس، والحلال مع الحرام في أكثر عاداته وأحواله، وليس بمعروف أنه يعتلف ذلك وحده، بل صحيح أنه يخلط معه غيره.
والسباع البرية أقرب إلى الاسترابة في أنها أقل ما تخلط من الطاهر في معيشتها، وإن خلطت فذلك غالب من حكمها، فهو وإن أشبه السباع في معنى النهش، وأكل الميتة فإنه لا يشبهها في معاني استرابتها لقلة الخلط للطهارات مع النجاسات.
والسباع وإن كانت مسترابة فما لم يقض عليها بالحكم بأنها لا تخلط مع الحرام شيئا من الحلال، ولا مع النجاسة شيئا من الطهارة فإن أصلها الطهارة في جملة المستثنيات في الطاهرات، ويلحقها من الاسترابة بهذا المعنى أكثر من غيرها من (7/244)
صفحة 2315
الدواب، وقد مضى ذكر السباع وثبوت الاختلاف فيها، وثبوت العلة في طهارتها، ومن أي وجه لحقتها النجاسة على ما ذهب من ذهب فيها، ومن أي وجه لحقتها الكراهية، وإذا ثبت معاني ذلك فيها لهذه العلل لم يبعد معنا أن يلحق مثل ذلك السنور لما ثبت فيه ما يشبهها ولما لحقتها من معانيها، لأنه إذا ألحق الشبه لمعنى فقليله مثل كثيره، وهو معنا أقرب منها لما قد ذكرنا فيه، مما يخرج به منها من التعارف بأنه يخلط مع النجاسة غيرها من الطهارة، مما يشهد له في أكثر أحواله وعاداته، ولا يشهد بمثل ذلك السباع معنا، كما يشهد له في التعارف للسنور.
فلهذا الحال خرج معنا من معنى السباع في جملتها وكان أهون منها ما يلحقه معنى حكم الطهارة مثلها والنجاسة والكراهية، ولما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ثبوت الأصل لها في الطهارة مع مفارقتها للسباع بهذا الوجه، أحببنا أن يكون في معنى الطهارة كلها إلا ما قد ثبت نجاسته منها، فسؤر السنور معنا ورطوباته وجميع ما خرج من فمه ومنخره وعرقه معنا الطهارة فيما نحبه من أمره، وأما فيه وبوله وخبثه فهو معنا بمعنى السباع لثبوت ذلك فيها بمعاني الإجماع وشبهها لها في معاني ما لحقها الحكم بإخراجها من معاني الأنعام وما أشبهها والخيل والبغل والحمير وما أشبهها.
وأما مخطمة السنور فقد جاء فيها في قول بعض أصحابنا خاصة أنها نجسة، وأن مسها ينقض الطهارة، وأحسب أنهم يذهبون في ذلك إذ هي رطبة في عامة أحوالها، وأنها يلحقها الريب إذا تنجست في ذلك إذ هي رطبة في عامة أحوالها، وأنها يلحقها الريب إذا تنجست أنها لا تزال نجسة لأنها لا تيبس ولا يفارقها معنى النجاسة لموضع رطوبتها على الأبد، ومعنا أن مخطمة السنور كسائر بدنه وفمه، وكذلك لأنه يخرج من معاني قول أصحابنا لعله على معنى الاتفاق أنه إذا تنجس شيء من الدواب أن طهارته تغير حال النجاسة منه بأي وجه تغيرت، وأن طهارة أفواهها إذا تنجست أن تغيب بقدر ما تأكل شيئا أو تشرب شيئا أو تأكل وتشرب في الحضرة، فإن طهارة أفواهها أن تأكل أو تشرب أو تغيب بقدر ما تأكل وتشرب.
ولا أعلم في معاني هذا بينهم اختلافا، فلو كانت النجاسة لا تظهر من الدواب حتى يطهر لم يكن شيء من الدواب طاهرا، وإذا ثبت أن طهارة الدواب إذا تنجست زوال النجاسة منها كان في الاعتبار لا يخرج معاني الدواب أن يخلو من المواضع الرطبة منها والمواضع اليابسة؛ وأن زوال النجاسة يأتي في الاعتبار في معاني (7/245)
صفحة 2316
الحكم من المواضع الرطبة منها كما يأتي على اليابسة لثبوت حكم معنى الرطوبة أنها من ذات الطهارة لا من ذات النجاسة منها.
ولم يكن معنى الرطوبة في المخطمة من السنور من ذوات النجاسة ولا دوام النجاسة ولا من أسباب النجاسة، وإنما ذلك من معنى الطهارة الأصلية من ذات السنور، فزوال عين النجاسة من المخطمة ولو كانت رطبة هو طهارتها، كما كان زوال عين النجاسة من الموضع اليابس من السنور هو طهارته، ولا فرق في ذلك ولا معنى يوجب لذلك فرقا إلا بدليل على معاني الحقيقة إن لم تكن المخطمة أقرب إلى الطهارة من سائر البدن، لمعنى ثبوت الطهارة فيها على الأبد من ذات السنور، وعليه معنى الطهارة من الدواب من الطهارات وقد ثبت أنه مضاهي للنجاسات من الريق والمخاط على مخالطة الدم له، ولثبوت ذلك في بعض القول أنه يطهر النجاسات إذ هو ضرب من الطهارات يزيل معناه عين النجاسات فكان معنى المخطمة إذ هو ضرب من الطهارات يزيل معناه عين النجاسات فكان معنى المخطمة من السنور لعلة معنى الطهارات فيها على الأبد إلا أن يكون أطهر ما يكون من السنور إن لم تكن هي وسائر السنور سوى أقل ذلك، ولا يوهن قول أحد من المسلمين ولا يضعف ولا يخطئ في شيء من قوله ولا تعنف.
ومع ثبوت معنى فساد سؤره لمعاني ما يلحقه من الريب تثبيت وتقوية لمعنى فساد مخطمته لأنها رطوبة، والرطوبة منه إذا فسد سؤره مفسده، لأنه لا يكاد أن تجف من الرطوبة فمعنى مسها ثبوت لمس الرطوبة، والرطوبة مفسدة للوضوء وللطهارات الرطبة منها واليابسة، والنجاسة لا تفسد إلا الطهارة الرطبة ولا تنقض وضوء المتوضئ إلا أن يمسها برطوبة، ولا يستقيم أن يفسد سؤره، وينقض مس مخطمته لمعنى الرطوبة إلا وسائر رطوباته مفسدة، ولكنه لم يطلب في فساد وضوء المتوضئ مس المخطمة إلا لمعنى رطوبتها على الدوام فإنه كلما مسها وهي رطبة، والنجاسة تفسد الرطب واليابس، وتنقض وضوء المتوضئ كان رطبا أو يابسا، فلهذا المعنى معي وقع على مخطمة السنور خصوص نقض الوضوء من سائر السنور، إذ لا ينقض بالعموم مسه إذ هو لا يحكم عليه في العموم برطوبة فينقض على العموم، ولا يكون هذا على العموم في المخطمة، إلا وهو كذلك في الخصوص في سائر بدن السنور على معاني هذا القول، إلا أنه حتى يعلم برطوبته أو يكون المتوضئ رطبا بمقدار ما يرطبه برطوبته ويأخذ منه.
وأما الفأر فلا يثبت عليه معاني أحكام النواهش من السباع على الأغلب من (7/246)
صفحة 2317
عاداته، ولكنه يلحقه شبه السنور في معاني شبه خلقه ويلحقه الاسترابة من طريق المراعي لا من طريق المحرمات من أكل الميتة وشبهها وإن كان لا يتعرى من ذلك فإنه ليس الأغلب في حاله مثل السنور، وغيره خارج من أحوال الريب من سوء المراعي للنجاسات وغيرها وأكلها مما عرف به فلم يخلو من أشباه السنور لشبهه له في الخلق وشيء من الأخلاق من سوء المراعي.
ولم يخرج من حال الشبه لسائر الطهارات من غير النواهش من السباع والطير بخروجه من حال النواهش في العموم والنواسر من السباع والطير، فلم يخل من شبه هذا ومن شبه هذا في تعلق القول فيه فيلحقه أن يكون نجسا مفسدا سؤره وبوله وبعره، وحرام لحمه لمعنى شبهه لما يثبت فيه ذلك، ولا يخلو أن تلحقه الكراهية بغير تحريم لما قد ذكرنا في جميع سؤره ورطوباته وبعره.
وقد قيل في بوله أنه مثل بعره، وقيل: إن بوله فساد على حال لأنه لا يكون أهون من الأنعام، وقد مضى معاني القول في الأنعام ولا يخلو أن يلحقه معاني طهارة ذلك كله وهو أشبه به معنا حتى يعلم نجاسته لثبوته في جملة الدواب الطاهرة إلا بوله وبعره فإنه يلحقه معنى الاختلاف.
ويعجبنا معنى طهارة بعره لمعنى طهارة روث الأنعام، ولما قد ثبت فيها إذ هي طاهرة في الأصل حتى يعلم نجاستها، وكذلك كل طاهر في الأصل من الدواب والطير لم يلحقه حكم معنى النواهش والنواسر، أعجبنا أن يكون مشبها للأنعام وغيرها من الدواب الطاهرة، في أبوالها وأرواثها منم جميع ما يكون من الدواب، إذا ذكي كان طاهرا، وأما جميع ما كان من الدواب والطير وإن ذكي كان نجسا بمنزلة الميتة، فإن ذلك مفسد معنا كل ما كان منه في المحيا والممات.
ومعي أن الذين يختلفون في بعر الفأر منهم من يقول أنه لا يفسد رطبه ولا يابسه قليله ولا كثيره، ومنهم من يقول يفسد رطبه ويابسه إذا كان مثل الطهارة من الطعام أو الدهن والماء أو ما كان من الطهارات، ولا يفسد ما دون ذلك كان رطبا أو يابسا ما لم يكن مثل الطهارة، ومنهم من يقول: إنه لا يفسد رطبه ولا يابسه ما لم يكن مثل الطهارة، ومنهم من يقول: إنه لا يفسد رطبه ولا يابسه قليله ولاكثيره، ومنهم من يقول: يفسد رطبه حتى يكون أكثر من الطهارة.
ويعجبنا أن لا يفسد يابسه إذا كان مثل الطهارة من الطعام أو الدهن والماء، (7/247)
صفحة 2318
أو ما كان من الطهارات ولا يفسد ما دون ذلك كان رطبا أو يابسا ما لم يكن مثل الطهارة، ومنهم من يقول: إنه لا يفسد رطبه ولا يابسه حتى يكون أكثر من الطهارة.
ويعجبنا أن لا يفسد قليله وكثيره، ومنهم من يقول: يفسد عند أحكام الاختيار والمكنة في هذه الأحوال واختلاف الفساد فيها، ولا تفسد عند الضرورات، وإن تنزه متنزه وأخذ بشيء من ذلك في غير تخطيه لأحد، فمن قال بغيره من القول فغير بعيد ما قيل كله بمعاني ما قد مضى من القول فيه، وإذا أثبت طهارته أعني الفار فكله طاهر من سؤره ورطوباته وقرضه الثوب وجميع سؤره من جميع هذه الأشياء من الرطوبات واليبوسات، وإذا فسد وقوعه في الماء والطهارة إذا خرج حيا ثبت أنه كله نجس وفسد سؤره، وإن كان من مجاري طريق البول منه.
وكذلك الأنعام فيها مجاري البول فيلحق ذلك معناها أنها إذا وقعت في شيء من الطهارة أفسدته لموضع البول.
ومعي أنه قد قيل ذلك في الشاة إذا وقعت في البئر يفسد ماؤها أنه قد قيل إنها يفسدها لموضع مجاري البول فيها، وقيل: لا يفسدها حتى يعلم أنه كان فيها حين وقعت شيء من البول أو نجاسة قائما بعينه، فإذا ثبت هذا في الشاة فلعل الفأرة مثلها وأقرب إلى ذلك الموضع للاختلاف في سؤرها، ولأنه اختلاف في سؤر الشاة، ثم والاختلاف في سعر الفأرة، والاختلاف في بعر الشاة، والفأرة عندي أشبه بمعاني الفساد إذا وقعت في الماء أو في غيره من الرطوبات المائعة من الجل وغيره مثل اللبن والسمن وأشباه ذلك، ولو خرجت حية لمعنى ذلك الذي فيه منها، ولا يختلف فيه من الشاة، وإذا أثبت في الشاة أنها تفسد البئر إذا وقعت فيها وخرجت حية لموضع معنى مجاري البول فغير البئر من الطهارات مثل البئر إذا وقعت فيها.
وأما ميتة السنور والفأر فإن ذلك يخرج في معاني الاتفاق أن ذلك فاسد نجس حرام، لأنهما من الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية، وسواء ماتا في الطهارة أو ماتا ناحية ثم وقعا في الطهارة فهما مفسدان لما مسا من الطهارة وهما ميتان أو ماتا فيه من الرطوبات المائعات.
وأما ما كان من جميع الطهارات الجامدة غير المائعة فمات فيه شيء من الدواب (7/248)
صفحة 2319
المفسدة أو ماتت ثم وقعت فيه وهي ميتة فإنه إنما تفسد من تلك الطهارة ما مس الميتة ولصق بها.
وأما ما لم يمس الميتة ويصل إلى بشرتها في مماستها فلا يقع عليها حكم فساد كانت الطهارة أصلها من الجامدات أو جمد بعد أن كان مائعا، فإن كان جامدا جمودا لا يمنع فيأخذ من بعضه بعضا، ولا يتساقا في بعضه بعض، فإنه إنما يفسد من جميع ذلك ما مس الميتة، ولو خرج شيء من الطهارة على الميتة إذا خرجت من الطهارة الجامدة قد احتملته الميتة، فإن ذلك معنا لا يفسد منه إلا ما مس نفس البشرة الميتة من الطهارة.
وأما غيره فلا يفسد ولو احتمل على الميتة حين يخرج، ولو كان كلما خرج على الميتة مفسد الموضع إذ هو مماس للنجاسة التي قد تنجست نفس الميتة، لكان في الاعتبار يخرج أن جميع الطهارة التي وقعت فيها الميتة نجسة، لأنها مماسسة لبعضها بعض متصلة بعضها ببعض.
ولكن إنما يخرج في الاعتبار والتطهر نجاسة ما مس نفس الميتة فقط لا غير ذلك، خرج معها أو لم يخرج معها، وإذا ثبت نجاسة ما خرج معها ما لم يمسها لمعنى مماسسة بعض ذلك لبعض، ثبت فساد ذلك كله لمعنى المماسسة فافهم معنى ذلك.
وإذا ثبت ذلك في السمن الجامد والعسل الجامد، فمعي أنه قد جاء في معاني ما يشبهه ذلك السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفأر تقع في السمن الجامد، وثبوت معاني هذا فيها أنه إنما يفسد من السمن الجامد ما مس الفأرة الميتة.
وجاء مؤكدا في الأثر في العسل الجامد مثل السمن الجامد ولعله شبه به، وإذا لم يكن السمن والعسل مائعا، فمعي أحكامه الجامدة لأنه إما أن يكون جامدا وإما أن يكون مائعا، فإذا كان مائعا فسد كله، وإذا كان جامدا فإنما يفسد منه ما مس الميتة أو النجاسة الحالة فيه مما يشبه الميتة أو ما يشبه ما لا يمنع فيها ولا يخالطها بذاتها، فإنما يفسد من ذلك ما مس النجاسة.
ومعي أنه ما أشكل من ذلك في الاعتبار فما لم يصح حكمه جامدا أو مائعا وقد مسته هذه النجاسة على هذه الصفة، فأصله من المائعات حتى يستحيل في معاني أحكامه إلى الجمود. (7/249)
صفحة 2320
فمعي أنه يخرج على معاني أصل أحكامه أنه مائع حتى يعلم أنه قد جمد، والنجاسة أشبه به في معاني أصل حكمه ما لم يخرج إلى معاني يطمئن القلب إلى حال جموده، وإنه لا يمنع في بعضه بعض، وإذا كان أصله من الجامدات فأصل أحكامه أولى به حتى يصح أنه مائع أو أنه قد ماع وصار إلى حد المائع واللبن عندي مثل السمن وأصله مائع، وإذا صار إلى حد الجمود، وما صار منه إلى ذلك الحد وأشبه السمن في جموده كان مثله ولحقه حكمه.
وكذلك جميع ما لحقه حكمه ولو كان من الماء الجامد في البرودة، وكل ذلك حكمه واحد، ومعناه واحد، لمعنى تساويه وتشابهه، وكذلك ما كان من الأطعمة والطهارة الرطبة الجامدة من التمر المكنوز أو المعجون أو الطحين المعجون إذا كان عجينا جامدا ليس بمائع، وكذلك ما كان من الأطعمة الجامدة الرطبة من الحلوى، وغير ذلك من الأرز المطبوخ الجامد الرطب وما أشبهه من الأطعمة المعمولات بالنار من الحلاوات وغيرها، وكذلك الثريد المثرود، وكل ما كان من هذه الأسباب وإن اختلفت أنواعها، فإذا استوت معانيها في الجمود فحكمها في هذا المعنى سواء، وما كان أصله من جميع ذلك جامدا في الاعتبار وإنما هو مستحيل إلى حد المائع من جميع ما ذكرنا وأشبه معناه، ولم يصح ميعانه في حكم نظر الاعتبار له ممن يبصر ذلك، فأصله أولا به حتى يعلم أنه مائع، إلا أن يغلب الشبهة والارتياب عليه بميعانه، فالأغلب من الأمرين أولى في حكم الاحتياط والخروج من الريب والشبهة.
وإن وقعت الميتة في شيء من هذا كله وهو احد فيه شيء جامد وفيه شيء مائع مماس كله، فإن وقعت في الجامد منه فالقول واحد، وإنما يفسد ما مس الميتة من ذلك، وما بقي من الجامد والمائع الذي يمس الجامد ولا يميع فيه ولا يميعه، طاهر جميع ذلك معنا في الاعتبار ولو كان كله في إناء واحد أو في موضع واحد، ما لم يمس المائع منه الميتة أو ما مس الميتة بعينه، مما يقع عليه حكم النجاسة من الجامد بحد المائع لمماسسته المائع.
وإذا أثبت حكم المائع نجسا فهو فاسد ولو جمد بعد ذلك بمعنى من المعاني، ما لم يستحيل حكمه إلى الطهارة بمعنى من المعاني فيما قيل، ومعاني ذكر ذلك يتسع ويطول، ولعله يأتي في موضع من المواضع نجس ذكر ذلك بذكر معاني طهارته إذا تنجس كل شيء بعينه. (7/250)
صفحة 2321
الباب الحادي والستون
في ذكر الحيات والأماحي والخنازير
وما أشبه ذلك
والحيات والأماحي والخنازير مفسد سؤرهن وما متن فيه وخبثهن، وكذلك خبث الفأرة مفسد، وقال من قال من الفقهاء: لا بأس ببعر الفأر اليابس إذا طبخ مع الأرز وغيره، وحفظ لنا الثقة أنه إذا كان بعر الفأر والدهن يكون البعر نحو النصف أو النصف من ذلك، والدهن النصف لأنه لا يفسد؛ قال غيره: الحيات والأماحي وما أشبه ذلك مما هو مثله من الخنازير وما أشبه ذلك من جميع الدواب، وإن اختلف أسماء ذلك في لغات الناس، وهي متفقة في شيء واحد.
وكذلك لو اختلف أجناس ذلك من الدواب مما هو مثل مما لم يثبت في جملة التحريم بكتاب الله أو سنة أو إجماع، فهو خارج من جملة الدواب المحللات الطاهرات، إلا ما لحقه من ذلك منها حكم استرابة تؤديه إلى نجاسة أو كراهية، فلكل شيء من ذلك حكمه وخارج ذلك عليه لمعناه إذا ذكر فيه، مما يجب فيه من حكمه ومعنى اسمه، فأما الحيات والأماحي وما أشبه ذلك، فإن ذلك يخرج عندي في التشبيه لمعاني الذوات النواهش المحرمات من الميتة وأشباه ذلك، لمعنى السباع في معاني ما يعرف معنا من الأغلب ما أمرها أنها تلسع وتنهش، وهي خارجة معنا في هذا الوجه لمعنى حكم السباع، ويلحقها معنى السباع في هذا الوجه إلا أنها تخرج في حال هذا المعنى معنا عن شبه السباع في ثبوت معانيها أنها من ذوات الماء، ومما تعيش في الماء، وليس السباع من ذوات الماء ولا مما تعيش في الماء.
فمعي أنه يخرج ويلحق حكم معاني هذه الأشياء لا تشابه لها في هذا، فعلى قول من يقول بنجاسة سؤرها وفساد رطوباتها، ويلحق هذا الجنس من هذه (7/251)
صفحة 2322
الدواب ما يلحقها تشبها لها، وكذلك معاني بعرها على هذا المثل يشبه خبث السباع، وأما بمخالفة هذه الأجناس من الدواب من الحيات والأماحي وما أشبهها فإنها مخالفة للسباع، فمعنا أنها تعيش في الماء وأنها من ذوات الماء، وأنها تعيش في البر وفي الماء، وليس كذلك السباع في شيء من معانيها، فلما أن ثبت هذا لهذه الدواب لم يلحقها جميع الشبه في جميع معانيها للسباع في أشياء من أحكامها، فكذلك عندي فيما أحسب قيل: إن بعر هذه الدواب وأبوالها لا يفسد، بمعنى سائر الدواب الطاهرة في معنى شبه أرواثها وأبعارها، ولمعنى شبه دواب الماء في أبوالها على معاني ذلك فيها.
ومعي أنه يخرج في هذا أنه يفسد أبوالها ولا يفسد أبعارها، ويخرج أنه يفسد كل ذلك منها من أبوالها وأبعارها ولا تفسد أسوارها، وأنها تكون طاهرة الأسوار في قول من يقول بذلك من السباع والدواب والنواسر من الطير.
ويخرج في بعض معاني القول أنه يفسد بعرها وبولها وسؤرها ويخرج في بعض معاني القول أنه يفسد أبوالها وأبعارها وأسوارها، ويخرج سائر رطوباتها وأسوارها بمعنى الكراهية عن الطهارة دون النجاسة والتحريم، بمعنى الاسترابة.
ومعي أنه يخرج في بعض معاني ما قيل أنه لو مات مثل هذا في الماء لم يفسده، إذ هو يعيش في الماء في البر جميعا، بحسب ما قيل في الضفادع إذ هي تعيش في البر وفي الماء جميعا، فتختلف عندي في ميتتها في الماء.
وأما في سائر الطهارات فإن ميتته في مثل هذا كله من الضفادع والحيات والأماحي وما أشبه ذلك مما هو مثله، فمفسد جميع ذلك جميع الطهارات مثله، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وأما ما سوى الحيات والأماحي وما أشبه ذلك من الخنازير والسلم وأشباه ذلك من الدواب التي تشبه الخنازير، وأسماء ذلك تختلف ومعناها واحد من العسال والألفاغ وأشباه ذلك من الدواب فإن ذلك كله معنا خارج بمعنى الطهارات من الدواب في جملة ما هو خارج من المستثنا في الطهارات لعلة الطاهرات؛ إلا ما لحقه من ذلك الاسترابة بوجه من الوجوه من طريق المرعى والنهش لشيء من الميتة والحرام.
وأحسب أن هذه الأشياء لا يلحقها معنى أشباه الحيات والأماحي من طريق أكل الدواب الميتة ولا ما يشبهها، وإنما يلحقها الاسترابة من طريق المراعي عندنا (7/252)
صفحة 2323
وشبه ذلك، وكل ذلك مستراب ولا يبعد من معاني ما يلحقه من أحكام الاسترابة من النجاسات.
فمعي أنه يخرج في معاني بعض القول أشباه ذلك كله لمعنى الحيات والأماحي في جميع ما مضى من القول من فساد أسوارها وأبوالها وأبعارها ولحومها وجميع رطوباتها لجميع ما ذكرنا من الاسترابة وأشباهها لبعضها بعضا لمعاني النجاسات، وإن اختلفت النجاسات فمعانيها واحد.
ومعي أنه قيل: يفسد أبوالها وأبعارها ويخرج في جميعها من معاني الاختلاف ما يخرج في الحيات والأماحي وأشباه ذلك، إلا أنه لا أعلم اختلافا أن ميتة هذا من الدواب مفسد لكل ما مست من الماء وغيره ولا يلحقها معاني الاختلاف في حكم ميتتها خاصة إلا أنها تفسد جميع ما مست من ماء أو غيره وسائر ذلك من أحكامها، فيلحق القول فيها ما يلحق القول في الحيات والأماحي، وقد مضى عندي معنى القول في ذلك وذكر ما حضر من الاختلاف في معاني ذلك.
ومعي أن بعضا يذهب في فساد مثل هذا كله، ففي معنى المكنة والاختيار ويوسع فيه عند معاني ما يشبه الاضطرار، وما يخرج في حال المكنة وحال الاختيار فهو مشبه في بعض معانيه بمعنى الاضطرار. ومن الكتاب. (7/253)
صفحة 2324
[صفحة بيضاء] (7/254)
صفحة 2325
الباب الثاني والستون
في ذكر العقرب والدبي ونحوه والضفادع
وما ليس فيه دم من جميع الدواب
وأما العقارب والدبي والذباب وكل دابة لا دم لها، فلا تفسد حية ولا ميتة، والضفادع مفسد بعرها وبولها إذا جاءت من البر، وأما إذا جاءت من الماء فلا يفسد بولها، ولا يفسد ما ماتت فيه من الماء، لأنها من ذوات الماء، وأما إن ماتت في طعام أفسدته، وأما إن ماتت في البر ثم وقعت في طوي أو في وعاء فيه ماء وهي ميتة؛ قال محمد بن المسبح: لا تفسد إلا أن تكون جاءت من الأقذار، وإن ماتت في خل فإنها تفسده لأنها ليست من ذوات الخل.
قال غيره: أما العقارب والدبي ... وكل ما لا دم فيه في الأصل ولا دم فيه مجتلب من جميع الطائر والدواب، فيخرج في معاني أحكام الاتفاق وما يشبه السنة أنه طاهر حيا وميتا، ولا يفسد منه شيء لما ثبت من السنة في ذلك أنه مشبه للجراد ولما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أحل ميتة الجراد وإنما هو شيء من الطائر من ذوات البر لا من ذوات الماء.
ولا يستقيم في معاني ما يصح في أحكام الإسلام أن يكون طاهرا ميتا يلحقه شيء من النجاسة في الحياة من سؤر أو بول أو بعر أو شيء من الأشياء، مما خرج منه ويشبه معاني الاتفاق من القول، ما يشبه السنة أن كل شيء من ذوات الأرواح البرية من الطائر والدواب من غير ذوات الدماء الأصلية إذا لم تكن مجتلبة لشيء من جميع الأشياء أنها طاهرة في الممات والأحياء، وأن جميع ما خرج منها فهو تبع لها من فم أو دبر من بول أو بعر وما أشبه ذلك، ولا يثبت ولا يستقيم في هذا النوع من ذوات الأرواح، معنا معنى الاختلاف. (7/255)
صفحة 2326
وأما ما كان من جميع ذلك مما ليس له أصل دم من جميع الدواب والطائر فاجتلب دماً فكان فيه دم مجتلب، فيخرج في معاني ذلك منه اختلاف القول عندي، ففي بعض القول أنه ميتة وأحكامه بمنزلة سائر الدواب من ذوات الدماء الأصلية.
وإذا ثبت معاني ذلك فيه أفسد ما خرج ذرقه ولأنه مشبه لمثل ما قيل فيه من الدواب على معاني الاختلاف فيه، وكذلك إن ثبت لشيء من ذلك بول أشبه فيه معاني الاختلاف في بوله على قول من يقول بذلك في الدواب، مما يخرج هذا على شبه، والأبوال أقرب إلى معاني التشديد من جميع الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية لثبوت فساد بول الأنعام في قول أصحابنا، وقد مضى ذكر تكرير مثل هذا في ما ذكرنا من ذلك.
وإذا ثبت فساد ميتة مثل هذا لم يتعر أن يلحقه سائر أحكام الدواب التي تفسد ميتتها من جميع ذلك لأنه تلحقه الاسترابة من طريق معيشته من الدم النجس فيما يتعارف من أمره، فإذا لم يثبت له أصل حكمه أنه من غير ذوات الدماء، وقد لحقه حكم ذوات الدماء في هذا فهو مما يشبه المسترابات في معاني ذلك، وهذا يلحق حكمه والأشباه منه وفيه جميع ذوات الأرواح من الدواب والطير والبراغيث والقردان والحلم وأشباه ذلك، والذباب والبعوض والكتكت وأشباه ذلك كله مما يخرج حكمه أنه مجتلب للدماء، ويخرج فيه حكم ذلك.
وأما ما لا يلحق فيه حكم معاني ذلك، ويخرج فيه حكم ذلك من اختلاف الدماء من الدواب والطائر مما لا دم فيه، فذلك ثابت معاني أحكامه أنه طاهر في المحيا والممات، وجميع ما خرج منه وجميع أسبابه. (7/256)
صفحة 2327
الباب الثالث والستون
في ذكر الضفادع ونحوها
وأما الضفادع فإنه يخرج معاني أحكامها عندي أنها من ذوات الأرواح والدماء الأصلية، ويلحقها أحكام الدواب البرية في عامة أحكامها، وقد يشبه فيها معاني أحكام الدواب المائية، فأما سؤرها فلا أعلم فيها قولا بالكراهية إلا أنها خارجة عندي في حال الاسترابة إذا جاءت من البر، لأنها في البر يلحقها معاني الاسترابة من مراعي الأقذار، فإذا جاءت من البر فلا يبعد عند معاني أحكامها أن يلحقها فساد سؤرها ورطوباتها وكراهيته على معاني الاختلاف في غيرها من الدواب البرية المسترابة، وإذا لحقها معاني ذلك لم يبعد أن يلحقها معاني الاختلاف في لحمها وجميع رطوباتها لمعنى الأشباه لها في سائر الدواب في معنى الاسترابة، وأما أبوالها فمعي أنه يختلف فيها إذا جاءت من الماء أو كانت في الماء أو في معاني ما يقرب من الماء ويخرج ذلك عندي، وحد ذلك فيها عندي ما لم تصر من الماء يجد ما يلحقها معاني الاسترابة في المرعى من ذوات الماء، فإذا كانت في الماء أو في قرب الماء أو من الماء بنحو ما لا يلحقها من ذلك الموضع الذي هي فيه حكم الاسترابة ينقلها عن أحكام طهارتها بحكم الماء، فيعجبني أن يحكم لها على هذه الصفة في أحكامها المائية، كان مجيئها من الماء إلى البر أو من البر إلى الماء، ما لم يلحقها حكم الاسترابة بما يعلم أو بما يغلب من الشبه لذلك، فإذا ثبت لها معاني حكم ذلك على هذه الصفة، فقد قيل في بولها في هذه المنزلة من منازلها باختلاف، فقيل: إنه مفسد، وقيل: إنه ليس بمفسد.
ومعي أنه يلحقها معاني الاختلاف بمنزلة سائر الدواب في أبوالها وإن لم تكن أقرب في ذلك من غيرها فليست بأبعد، وإذا ثبت معاني طهارة بول الحية والأماحي وأشباه ذلك فالضفدع عندي أقرب أن يلحقها حكم طهارة بولها من أي وجه جاءت، وكانت فيه بمعنى الاختلاف، ومعي أنه قد قيل في بعر الضفادع أنه مفسد على (7/257)
صفحة 2328
حال، وقيل: إنه ليس بمفسد على حال من أي موضع كانت ومن أي موضع جاءت، ومعي أنه قيل ليس بنجس إلا أن من مواضع الأقذار ويعرف منها ذلك، ويخرج عندي أنه يلحق ذلك بولها وأنه قد قيل ذلك أنها جاءت من الأقذار فهو مفسد ولا يفسد ما لم تكن كذلك، ويلحق ذلك معاني ما وصفنا من حالها وشبه ذلك بمعنى أنها من ذوات الماء، وذوات الماء طواهر وطاهر ما جاء منها إلا ما ثبت حكمه محرما بكتاب أو سنة منصوص أو بإجماع، وهي ما لم تنقل عن حال الطهارة بمعنى حكم أو استرابة، فهي على حال الطهارة وعلى أصل الطهارة، وإذا ثبت أنها قد انتقلت عن حال الطهارة إلى ثبوت حكم الأقذار عليها والاسترابة بذلك ولحقها حكم ذلك حتى تتحول وتنتقل إلى الماء، ويرجع حكمها حكم المائية.
ومعي أن بين الضفادع وبين الحيات والأماحي وما أشبه ذلك في هذا فرقا لأن الضفادع إنما هي من ذوات الماء، وإنما حكمها والتعارف من أمرها أنها تجيء ويكون معنا ابتداؤها في الماء بمنزلة صيد الماء، وأنها لا تعيش في حيز ذلك إلا بالماء، فمتى فارقت الماء هلكت في التعارف وفي حكم القضاء عليها وفي أصلها من ذوات الماء الأصلية، فيخرج عندي في حكم القضاء لها وعليها أنها ما دامت بهذه الحالة بمنزلة صيد الماء، وأنها لا تفسد ما دامت بتلك الحال ميتة ولا حية، ولا يفسد بولها ولا جميع ما كان منها من بعر، ودمها بمنزلة دم صيد الماء ولا تفسد ميتتها للماء ولا في غيره من معاني حكم النظر بالاعتبار لأمرها بصحة الحكم فيها أنها من ذوات الماء بغير اختلاف، وإذا انتقلت إلى حال ما تعيش في البر والماء لحقها حكم الاختلاف عندي بما يلحق ذوات البر من غير أن يلحقها استرابة في سوء المرعى بما يصح لها ذلك والخروج من ذلك بما لا شك فيه من أنها لا تبلغ في حالها ذلك إلى مثل الاسترابة.
أعجبني في هذا الحال منها أن لا يفسد بعرها بمعاني الإجماع، كما ثبت معاني الإجماع في أبعار الأنعام وأرواثها أنها طاهرة، وأعجبني ثبوت الاختلاف في بولها في هذه الحال، وكان ذلك أحب إلي أن لا يفسد بولها لمعنى أنها لم تنتقل عن ذات الماء بحكم ريبة، وأن لا يشبه في ذلك الأنعام في حكم الأبوال، لأن الأنعام من ذوات الدماء الأصلية الفاسدة، ومعيشتها من بعد أن تنتقل إلى ذوات الأرواح من معاني معيشة أمهاتها وهي من ذوات الدماء الأصلية من الدواب البرية، فاختلف معانيها عندي في هذا النحو، فإذا انتقلت عن هذه الحال إلى حال استرابة المرعى، فجاءت (7/258)
صفحة 2329
من حال البر من حيث يلحقها معاني الاسترابة ولا يلحقها حكم ذلك بعلم ولا ما يشبه ذلك من الشبه، خرج عندي الاختلاف في فساد أبوالها وأبعارها.
وأعجبني في هذا الموضع قول من يفسد بولها، ولا يعجبني أن يفسد بعرها إلا أن تكون تأتي من مواضع الأقذار بعلم من ذلك أو بما يغلب عليه من الشبه، فإذا ثبت من حال ذلك من مواضع الأقذار بعلم أو بما يشبهه من الشبه لم يخل عندي من الاختلاف في فساد أبوالها وأبعارها، ويعجبني فساد أبوالها وأبعارها في هذا الموضع، وأبعارها أقرب عندي ما لم تصر إلى معاني الجلالة، وأبوالها عندي أشد إذا ثبتت راعية برية لمعاني ثبوت فساد ذلك من الأنعام الطاهرة، فافهم معاني ذلك، وإذا صارت الضفادع إلى حال ما يكون برية وثبت معيشتها في البر وتخرج من حال ما لا تعيش إلا في الماء فإن ميتتها عندي على ما يخرج من معاني أحكامها أنها مفسدة لجميع الطهارات ما سوى الماء، فإن ميتتها في الماء كان الماء قليلا أو كثيرا في بئر أو في إناء أو في غيره من المواضع، فإنه يخرج عندي معاني الاختلاف في فساد ميتتها للماء إذا ثبتت برية مائية تعيش في البر والماء، وأما غير الماء فلا يبين لي في فسادها له ميتة معاني الاختلاف، ولا وجه اختلاف لأنها قد ثبت حكمها أنها من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية، ويعجبني ما لم يلحقها الريب في المرعى ولو ثبت عيشها في أكثر البر ما لم يلحقها الريب من سوء المرعى فيعجبني أن لا يفسد ميتتها الماء إذا ماتت فيه على حال فإذا لحقها الريب أعجبني قول من يفسد ميتتها في الماء، وخاصة إذا جاءت من الأقذار، في حين ذلك ثم ماتت في الماء، فهنالك أقرب بمعاني ثبوت فسادها عندي ما لم تخرج جلاّلة، فإذا ثبت معناها جلالة أفسدت على حال وكانت فاسدة مفسدة حية وميتة ومفسدة ميتتها حيثما ماتت وإنه مفسدة جميع ما خرج منها رطوبة أو بول أو بعر، وكذلك ما ثبت حكمها من جميع الدواب جلالا من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية من طائر أو دابة، خرج عندي معنى حكمه إذا ثبت معناه واسمه جلالا أنه بهذه المنزلة حرام مفسد لحمه وسؤره ورطوباته وخبثه وميتته في
جميع ما كان ومن حيثما كان، وأما الحيات والأماحي وأشباه ذلك فمعي أن أصل مبتدأ ذلك يخرج من البر وفي البر ومعيشة ذلك في البر وإنما يلحقه بعد أن يصير من ذوات الأرواح حكم معاني الدواب البرية والدماء الأصلية، من جملة الدواب الطواهر غير النجاسات والحلال غير المحرمات فأحكامه قبل أن يثبت له معاني معيشته في الماء أحكام الدواب البرية بجميع أحكامه ولو مات في الماء في ذلك (7/259)
صفحة 2330
الحال لكان مفسد للماء، ولم يخرج عندي في معاني اختلاف، فإذا صار في حال يعيش فيه في الماء والبر ولحقه معاني ذلك، لم يبعد عندي ذلك أن ينتقل إليه ويلحقه معاني الاختلاف، كما انتقلت الضفادع من حال ذات المائية وحكمها إلى معاني حكم البرية بمعيشتها في البر والماء، وما لم تثبت لذوات الأرواح البرية حكم معيشته في الماء بما لا يرتاب فيه من ثبوت معاني ذلك وقربه، كما ثبت على الضفادع حكم ذلك في انتقال أحكامها، فكل شيء على أصل حكمه حتى ينتقل عنه بحكم علم أو غالب من الأمر يأتي عليه بما لا يشك فيه من الاطمئنان إليه والاسترابة فيه.
ويعجبني على كل حال إفساد ميتة الحية والأماحي وأشباه ذلك للماء وغيره من جميع الطاهرات في جميع الطاهرات لأن أصل ذلك بري لا مائي، ومعي أنه إذا أثبت معاني ميتة ذوات الماء أنها لا تفسد الماء من الضفادع وما أشبهها مما يعيش في البر والماء، ويلحق فيه معاني الاختلاف في ذلك، وكذلك ميتتها في الماء فأحسب أنه قيل إنها إذا ماتت في الماء بأي حال وعلى أي حال لم تفسده، ما لم يكن فيها شيء من النجاسة بعينها.
ومعي أنه قيل إنها تفسد على كل في ثبوت حكمها برية ومعيشتها في البر، ومعي أنه قيل أنها لا تفسده حتى تنتن فيه وتغيره، فإذا غيرته أفسدته، فعلى هذا المعنى فإذا غيرت بلون أو طعم أو ريح أفسدته، وما لم تغيره لم تفسده.
ومعي أنه قيل: إنها ماتت في غير الماء ثم وقعت في الماء أفسدته على كل حال لأنها كأنها ميتة من ميتة البر، وميتة البر تفسد الماء على معاني قول من يقول بذلك ما لم تغيره، ومعي أنه قيل لا تفسده حال ولو ماتت في غيره وقعت فيه إلا على معاني الاختلاف، ومعي أنه قيل لا يفسد على حال وإن غيرته، وإنما تغييرها له خارج بمعنى تغييره بشيء من الطهارات ما لم ينتقل اسمه عن اسم الماء ويكون مضافا، بمعنى أنه على قول من يقول بهذا أو يختلف فيها في معنى ميتتها في الماء، فنقول: لو أنها وقعت في ماء يطبخ فيه شيء من الأطعمة مما لا يخالطها الطعام، ويكون منفردا باسمه إلا أنه من الماء المضاف مثل ماء الباقلا واللوبيا ونحوه فوقعت في ذلك الشيء فماتت فيه، ففي بعض ما قيل إنها تفسد ما في الماء من الباقلا واللوبيا وما أشبه ذلك، ولا يفسد الماء ويكون الماء طاهرا وما فيه من جميع ذلك نجسا.
ومعي أنه قيل إن جميع ذلك نجس لأنه طعام وليس من الماء في شيء .. وإذا (7/260)
صفحة 2331
ثبت معاني طهارة لهذا المعنى لم يلحق عندي أحكام طهارة النجاسة ما في الماء الطاهر، وإنما تنجس بمعناه لأنها لو ماتت في الباقلا وهو يابس وهي يابسة لم تفسده إلا أن يمسه منها رطوبة من ذاتها أو يمسها منه مما ينجسه، وإذا ثبت معنى طهارة هذا الماء بهذه العلة لم يلحق عندي ما فيه حكم النجاسة، إلا أن ينفرد شيء منه بشيء منها فيفسده بغير معنى مما مسه الماء الطاهر، فهذا عندي لا يستقيم إلا أن يكون طاهرا أو كله نجسا، وأما ما خرج عندي بمعنى الطعام أو بمعنى المتحول عن حال الماء من الأشياء مثل الحساء ولو كان رقيقا، ومثل الخل والنبيذ ولو كان رقيقا، ومثل السوج ولو كان رقيقا، وجميع ما تحول وانتقل عن اسم الماء المضاف أو غير المضاف، فخارج عندي من حكم معاني الاختلاف، ويلحقه عندي فساد ميتة الضفادع وأشباهها إن كان يشبهها شيء بمعنى الاختلاف فيه وما لم يختلط الأرز بالماء فينقل الأرز اسم الماء المضاف إليه فلا يتعرى عندي عن شبه الاختلاف فيه، لأنه يلحقه إضافة الماء لأنك تقول ما الأرز وماء الباقلا وماء اللوبيا وماء الماش، ولا تقول للحساء ماء، ولا لشيء من الطعام وإن كان رقيقا كالماء ولا ماء النبيذ ولا الخل، وإنما يشبه معاني الاختلاف ما لحقه من المياه المضافة ويشبه عندي معاني الاختلاف في مثل ذلك أن لو ماتت في مثل ذلك في معنى النار لا لمعنى موتها هي بمعنى الموت بغير النار، وإن كان كله موتا فلعله يخرج في معاني الاختلاف أنها إذا ماتت في شيء من هذا معنى النار أفسدت على كل حال للماء وغيره لهذه العلة لأنها ليست من ذوات الماء والنار ولأن هذا ماء ونار، ولو ماتت في الماء ثم أغلي بها الماء بالنار وهي ميتة، كانت عندي بمعنى الاختلاف، لأنه قد ثبتت ميتة بغير معنى النار ولا يحول معنى النار بعد الموت.
ومعي أنه يخرج من معاني الاختلاف أنه فرق فيهما ماتت في الماء بغير موتها بالنار والماء الساخن والماء المغلي أو بغير ذلك، إذا كانت ميتتها في الماء فلا فرق فيه، ويخرج عندي معاني ذلك أن موتها في الماء كله سواء، من الماء العذب أو المالح من البحر أو الفرات، لأن جميع ذلك معي من المياه بمعنى واحد وهي من ذوات الماء إلا أن يخرج معناها في التعارف أنها لا تعيش بماء البحر لمعنى قد عرفت بذلك وأنها خارجة من معاني دواب الماء من البحر فلا يبعد عندي على هذا المعنى أن يلحقها بحكم ذلك فيما خصها من ذلك إذا كان ذلك مما لا يشك فيه أنه كذلك. (7/261)
صفحة 2332
[صفحة بيضاء] (7/262)
صفحة 2333
الباب الرابع والستون
في ذكر الغيلمة وما أشبه ذلك
من دواب الماء وطعامه
ومعي أنه قد قيل في الغيلمة من ذوات البحر أنه يلحقه في بعض معانيه أحكام دواب البحر، من ذلك أنه قيل أنها لا تحل إلا بالذكاة، وذلك ما أعلم فيه اختلافا لأنه لا يحل لحمها إلا بالذكاة على سبيل دواب البر، وإذا ثبت هذا فيها وهي من ذوات الدم الأصلي كانت ميتتها فاسدة مفسدة لجميع ما مست منه ما لم يذك، إلا أنها تخرج معانيها شبهها في هذا بمنزلة الضفادع في ميتتها في جميع الأشياء إلا في الماء فإنه يلحقه عندي الاختلاف، بمعنى لك إذ هي من ذوات الماء والبر، واختلاف معانيها عندي في الماء العذب إن لم تكن تعيش فيه كما تعيش في البحر لمعنى الضفدع على حسب ما ذكرنا إن كانت لا تعيش في ماء البحر كما تعيش في الماء العذب، فهي له مفسدة إذا ماتت فيه ولا يلحقها معاني الاختلاف فيه، وكذلك الغيلمة إن كانت لا تعيش في الماء العذب كما تعيش في البحر وكما تعيش في البر، فيخرج عندي أنها مفسدة له إذا ماتت أو بمعنى الميتة لأنها ليست من ذاته، وكذلك جميع ما أشبه الضفادع من ذوات الماء البرية التي تعيش في الماء العذب إن كانت لا تعيش في ماء البحر، فميتتها في ماء البحر كميتتها في سائر الطاهرات، ولا يلحقها معاني الاختلاف، وكذلك ما أشبه الغيلمة من دواب البحر التي تعيش في البر من ذوات الدماء فهو عندي لاحق بمعنى الغيلمة.
وأما جميع ما كان من ذلك ما لا يعيش في البر ولو كان يلحق ذوات البر وما أشبه ذوات البر، فهو بمنزلة السمك وصيد البحر ولا ذكاة فيه ولا عليه، وجميع ما كان في البحر ولو أشبه خلق دواب البر، فلا يلحقه معنى التحريم ولو كان شبه القرد والخنزير والكلب وما أشبه السباع لأنه قد قيل إن لكل دابة في البر أشبه في البحر (7/263)
صفحة 2334
تسمى باسمها وتشبهها بلوها، فقيل: إن جميع ذلك بمعنى واحد وأنه بمنزلة صيد البحر لا ذكاة عليه ولا تحريم، ولا يفسد دمه إلا على معاني ما قيل في دم السمك المسفوح، ولا أعلم ذلك مجتمعا عليه، وأكثر القول أن جميع دم السمك طاهر لا بأس به، وأن جميع دواب البحر حل لقول الله تبارك وتعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} (المائدة:96) ولا نعلم فيه استثناء في وجه من الوجوه ولا في شيء من الأشياء.
ومعي أنه قد قيل على معنى الأشباه أن قرد البحر وخنزيره وما أشبه منه من المحرمات من دواب البر لحقه معنى التحريم بالشبه والاسم، وإن كان ذلك ليس بصيد، وكذلك ما أشبه المكروهات من دوابّ البر منه لحقه معنى الكراهية وما أشبه المحللات منه من دواب البر كان محللا، وإذا ثبت هذا القول في هذه المعاني أنه إنما يلحقه معاني الشبه في التحريم والكراهية والتحليل لحقه عند ذلك من معاني الشبه في الذكاة وفساد الدم ومعاني الميتة لأن ما تشابه بمعنى هذا تشابه في الأحكام، فإذا أثبت ذلك كان ما أشبه الأنعام بمعنى أحكام الأنعام، وما أشبه سائر الدواب من المحللات أو المحرمات أو المكروهات أشبه ذلك في معاني جميع أحكامه، وأما ما كان من طير الماء الذي يعيش في البر والماء العذب فإنه بمنزلة طير البر في الصيد على المحرم وفي قتله وفي فساد ميتته إلا في الماء، فإنه يخرج معاني الاختلاف فيه بمعنى الاختلاف في الضفادع عندي، ويخرج معاني دم ذلك أنه فساد مفسد بمعنى دم سائر الطير البري إلا أن يكون لا يعيش في البر بحال، وإنما يعيش في الماء، فهو بمنزلة صيد الماء ولا تفسد ميتته، ولا دمه إن كان له دم، وهو بمنزلة صيد الماء في دمه وفي جميع أحكامه من صيد الماء العذب إن كان من ذوات الماء العذب.
وكذلك ما كان لا يعيش إلا في الماء في بحر أو عذب فهو بمنزلة صيد البحر من السمك وما كان أشبه ذلك من صيد البر إن أشبه شيئا منه من طير أو غيره من المحرمات أو المكروهات إن ثبت شيء من ذلك مشبها لشيء من دواب البر في ماء عذب أو بحر من العيون أو الآبار أو شيء من عذب البحار، فسواء ذلك عندنا إذا كان من دواب الماء ولا يعيش إلا في الماء مما أشبه الدواب، فكله من الماء العذب أو المالح من البحر خارج عندنا بمعنى واحد، ويلحق فيه معاني الاختلاف لثبوت الشبهة ولصحة تحليل ذلك في الجملة، لأنه ليس ببري، وإنما وقع التحريم في ذوات البر من مسما أو ما شبه له إلا من صيد البحر وطعامه.
ولا فرق في الماء العذب ولا المالح ولا البحر ولا الغيول ولا غير ذلك من المياه (7/264)
صفحة 2335
من الآبار والأنهار، فمعي ذلك كله سواء.
وأما كلما عاش في البر والبحر أو في الماء العذب، والبر من طير أو دواب فأشبه شيء من ذلك محرما أو محللا أو مكروها من الدواب البرية، فمعي أنه لا مخرج له من لحوق الشبه وثبوت الحكم في معاني ذلك فيما يلحق من التحليل والتحريم والكراهية والدماء والميتة من ذلك، واستواء ذلك وتشابهه في معاني ذلك ما يشبهه ويتساوى، ولا يختلف معاني شيء من هذا في وجه من الوجوه عندي إذا اشتبه إلا في معاني ميتة ذلك في الماء، خاصة إذا ثبت أنه يعيش في البر والبحر أو الماء العذب والبر، فإنه يلحق ميتة ذلك الاختلاف بمعنى ما قيل في الضفادع وما أشبهها والغيلم وما أشبهه ومعاني ذلك واختلافه في حياته في العذب دون البحر، وفي العذب دون العذب من الماء، فما ثبت أنه يعيش في البر والعذب من الماء دون البحر كان ميتته في العذب من الماء بمعنى الاختلاف، ولا يلحقه معاني الاختلاف ميتته في البحر الأجاج، إلا أنه معي مفسد له إذا كان لا يعيش فيه.
وكذلك ما كان يعيش في البحر الأجاج والبر ولا يعيش في العذب الفرات من غيل أو بئر أو بحر أو نهر من دابة أو طير، فهو متشابه في الحكم بذوات البر إلا ميتته في الماء العذب الذي لا يعيش فيه، فإنه مفسد له كفساده لسائر الطهارات في معاني ما يخرج أحكامه في ذلك على حسب ما ذكرنا.
ومعي أنه قيل في دم الغيلم إنه مفسد بمعنى دم الدواب البرية، ومعي أنه قيل إن دمه لا يفسد بمنزلة صيد البحر والسمك إذ يلحقه معنى ذلك من وجهين ولا يبين لي أنه يخرج من معنى الفساد والتحريم لموضع ثبوت التذكية فيها، وأشباهها معاني الدواب البرية، وأقل ما يكون يفسد عندي من دمها أو ما أشبهها مما هو مثلها من دم مذبحتها الذي لا يكون ذكية إلا به، وأما سوى ذلك من دمها مما يجري فيه الاختلاف من دم الأنعام والدواب البرية فلا يتعرى من الاختلاف في ذلك ولحوق الشبه لها بعضها بعضا.
وإن قال قائل: إنه ليس شيء من دمها نازل بمنزلة المسفوح وإنما هو نجس لغير معنى المسفوح، لم يبعد ذلك عندي، وأعجبني ذلك لمعنى اختلاف أحكامها والبريات التي لا تعيش في الماء بحال، ولا تعيش إلا في البر، فإن قال قائل: فإنها في ذلك بمنزلة الدواب البرية والطير البرية مما يلحقها المسفوح وغير المسفوح لم يبعد من ذلك ولا يبعد لثبوت حكم معاني البرية فيها وما أشبهها من الطير والدواب، وخرج (7/265)
صفحة 2336
بمعناها فانظر في هذا ومعانيه وما يشبه منه وما يختلف إن شاء الله.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن قول من قال: إن شرر بول الإبل لا يفسد إلا أن يخضب القدم ما حد هذا الإخضاب؟
قال: أحسب أن بعضا يذهب حتى يرى لو تيقن أنه وجد مسه حتى يبصره، وأسباغه حتى يبصره موجودا، ومعي أن بعضا يذهب إذا أجرى يده عليه وجده فقد أسبغ وأفسد، وأحسب أن بعضا يذهب حتى يسبغ، يعني حتى يرطبها، والإسباغ العلو على الشيء، وكان هذا عندي لا يبعد إذا ثبت معنى ما قيل فيه.
وما عندي أنه قيل في موضع الضرورات في القوافل التي لا يستطيع الماشي أن يخرج من جملتها كما قيل في الضرورات في الدياس والدائسات من الإبل والبقر لأنه لا يمكن إخراجها وليس عندي أن الأثر مجتمع عليه، وأحسب أن فيه اختلافا أعني بول الإبل، قلت له: وكذلك هو البدن والثوب مثل القدم، والقول في ذلك واحد. قال: هكذا عندي إذا ثبت.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ: عن سعيد بن قريش وعن الغول إذا وقع في البئر وأخرج حيا هل ينسجها؟
قال: قد قيل إنه ينجسها.
مسألة: منه أما ضمح الباطنة طاهر، وأما ضمح الجبال فمختلف فيه، قيل له: فما الفرق بين ضمح الجبال وضمح الباطنة؟
قال: كذا روي عن الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة رحمهم الله تعالى.
مسألة: من الضياع: وأما العنكبوت والعقرب والذباب وما لا دم له ودم اللحم كل هذا لا يفسد.
مسألة: إنما كتبت هذه المسألة لأجل العنكبوت لأنها غثت، فسألت من له معرفة فلم يحفظ فيها شيئا. (7/266)
صفحة 2337
مسألة: وعن أصحابنا أن لبن ما لا يؤكل لحمه من الحيوان الطاهر كالأتن ونحوها طاهر، والناس مختلفون في لبن السباع والله أعلم.
مسألة: والذي يسميه الناس نتاج الجن الذي في الثياب أحمر شبه الدم لا بأس به والله أعلم.
تم الجزء الأول من الطهارات وهو الجزء السابع من كتاب بيان الشرع ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى والحمد الله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
* * *
الأحد في السادس والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 1403هـ
الرابع من شهر سبتمبر سنة 1983م.
وقد عرضناه على نسختين
الأولى بخط مجهول وتاريخه في أول القرن الثاني عشر للهجرة
والثانية استعرناها من الشيخ أحمد ناصر البوسعيدي
وذلك بتاريخ كذلك لم يذكره ناسخه
انتهى والحمد لله (7/267)
صفحة 2338
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المحقق
قد انتهى بعون الله وحسن توفيقه تحقيق ومراجعة الجزء السابع من كتاب بيان الشرع، ويبحث هذا الجزء في أحكام الطهارات والنجاسات ومعاني الطاهر والنجس، وتفصيل المياه من الأنهار والآبار، وصفة نزحها إذا سقطت فيها النجاسة، وفي نجاسة الأرض والثياب والأشجار والأثمار وطهارتها، وفي نجاسة الموتى وطهارتهم، وفي أحكام الحيوان، والطاهر منه والنجس، وفي الجلاّلة وفي سلح الإبل، وروث الحيوان وفي الطير والسباع، والحيّات والعقارب والضفادع، وفي حيوان البحر ومعاني ذلك، والحمد لله رب العالمين، وذلك بتاريخ حادي ذي الحجة الحرام 1403هـ الموافق العاشر من سبتمبر 1983م
سالم بن حمد بين سليمان بن حميد الحارثي (7/268)
صفحة 2339
ترتيب الأبواب
صفحة
الباب الأول: ... 9
في النجاسات
الباب الثاني: ... 13
أشد النجاسات
الباب الثالث: ... 15
فيمن بال في الماء أو طرح فيه نجاسة، وطار به منه
الباب الرابع: ... 17
في غسل العقور والجراحات وما أشبه ذلك
الباب الخامس: ... 19
في نجاسة الفم، والبصاق، والمخاط، وما أشبه ذلك
الباب السادس: ... 25
في غسل النجاسات بغير الماء مثل الخل وماء الأشجار، والنبيذ
والبصاق واللبن وما أشبه ذلك من الطهارات للصلاة وما أشبه ذلك
الباب السابع: ... 27
في الانتفاع بالطاهر إذا عارضته النجاسة
الباب الثامن: ... 29
في البئر وطهارتها ونجاستها وما أشبه ذلك (7/269)
صفحة 2340
الباب التاسع: ... 39
في نجاسة البئر إذا كانت بقرب كنيف أو غيره
الباب العاشر: ... 41
ما خرج من والج الفرج من ماء وقيح، وما أشبه ذلك
الباب الحادي عشر: ... 43
في نجاسة الثياب
الباب الثاني عشر: ... 47
في البول والغائط ودخول الخلاء وما أشبه ذلك
الباب الثالث عشر: ... 53
في نجاسة البول والمذي والوذي
الباب الرابع عشر: ... 59
في أرش الحدث من البول والغائط
الباب الخامس عشر: ... 61
في الدم وفيمن يرى في ثوبه دما، وما أشبه ذلك
الباب السادس عشر: ... 67
في الخنزير والميتة وجلود السباع
الباب السابع عشر: ... 69
في خزق الطير وسؤره وبوله وما أشبه ذلك
الباب الثامن عشر: ... 73
في جلد الميتة وطهارته (7/270)
صفحة 2341
الباب التاسع عشر: ... 77
في الميتة
الباب العشرون: ... 83
في شعور بني آدم من غير الكتاب والزيادة المضافة من كتاب الأشراف
الباب الحادي والعشرون: ... 85
في القمل
الباب الثاني والعشرون: ... 87
في عرق الدواب وحرتها وأرواثها وأبوالها وسؤرها وخزقها، وما كان
يفسد منها وميتتها ومسها
الباب الثالث والعشرون: ... 95
في البيض وفي نجاسته وطهارته
الباب الرابع والعشرون: ... 97
في ذكر المسك وطهارته
الباب الخامس والعشرون: ... 99
في لبن الشاة إذا حلبت دما والبيض واللبن
الباب السادس والعشرون: ... 101
في نجاسة ما يخرج من البطون وطهارتها
الباب السابع والعشرون: ... 103
في نجاسة الكلب والهر
الباب الثامن والعشرون: ... 105
في سؤر الهر (7/271)
صفحة 2342
الباب التاسع والعشرون: ... 111
في تطهير النجاسات
الباب الثلاثون: ... 113
غسل النجاسات
الباب الحادي والثلاثون: ... 115
في تطهير النجاسة بالنار
الباب الثاني والثلاثون: ... 117
في غسل النجاسة بغير ماء
الباب الثالث والثلاثون: ... 121
في المشرك يجب عليه عند إسلامه غسل أم لا، وكذلك إذا أشرك بالخطأ
الباب الرابع والثلاثون: ... 123
فيمن ارتد وهو متوضئ
الباب الخامس والثلاثون: ... 127
في رطوبات اليهودي ويابساته
الباب السادس والثلاثون: ... 129
في زوال النجاسة بعد الغسل
الباب السابع والثلاثون: ... 133
في تطهير الأواني التي تنشف بالماء
الباب الثامن والثلاثون: ... 137
في غسل الثياب (7/272)
صفحة 2343
الباب التاسع والثلاثون: ... 139
في غسل الثياب من الدم وسائر النجاسات
الباب الأربعون: ... 147
في موت الدواب في طعام أو في ماء من كتاب الأشراف
الباب الحادي والأربعون: ... 153
في أكل الطعام إذا تنجس والزرع إذا سمد بعذرة
الباب الثاني والأربعون: ... 155
في غسل الطعام والحبوب والنيل وما أشبه ذلك
الباب الثالث والأربعون: ... 169
في الكنيف والبواليع وما أشبه ذلك
الباب الرابع والأربعون: ... 173
في تطهير الأرض وما أنبتت والجندل والصفا وما أشبه ذلك إذا دخلته النجاسة
الباب الخامس والأربعون: ... 175
في النجاسة إذا أصابها الغيث وهي على بيت أو غيره
الباب السادس والأربعون: ... 177
في نجاسة الموتى وطهارتهم ونقض وضوء من مسهم
الباب السابع والأربعون: ... 179
في نجاسة الجلبة والإجالة وأجلة النخلة ونجاستها وأكل الزراعة منها
الباب الثامن والأربعون: ... 181
في أكل الزراعة إذا سمدت بنجاسة وما أشبه ذلك (7/273)
صفحة 2344
الباب التاسع والأربعون: ... 185
في الرجل يمشي في النجاسة وهو حاف أو منتعل ويمس النجاسة ثم
يمس بعد ذلك الطهارة
الباب الخمسون: ... 187
في الجلد وغسله والصلاة به وعليه وما أشبه ذلك
الباب الحادي والخمسون: ... 189
فيمن كانت فيه نجاسة ثم نسيها فلم يدر غسلها أم لم يغسلها
الباب الثاني والخمسون: ... 191
فيمن تراه يمس نجاسة أو يقر أنه مس نجاسة ولم تعلم أنه غسلها
كيف الحكم في ذلك؟
أو تكون به نجاسة فلمس غيرها طاهرا أو يخبرك أن فيك نجاسة،
وفي الطاهر إذا وقع على النجاسة ونجاسته غير ظاهرة وما أشبه ذلك
الباب الثالث والخمسون: ... 197
في الاحتشاء
الباب الرابع والخمسون: ... 201
فيمن شك أنه خرج من ذكره شيء أم لا
الباب الخامس والخمسون: ... 227
في ذكر الجلاّلة ونحوها من الدواب
الباب السادس والخمسون: ... 231
في ذكر سلح الإبل (7/274)
صفحة 2345
الباب السابع والخمسون: ... 233
في ذكر أسوار الطير وخزقه
الباب الثامن والخمسون: ... 237
في ذكر الدجاج والجعل
الباب التاسع والخمسون: ... 239
في ذكر السباع من الدواب والنواهش من الطير وغير ذلك
الباب الستون: ... 243
في ذكر السنور والفأر ونحوهما
الباب الحادي والستون: ... 251
في ذكر الحيات والأماحي والخنازير وما أشبه ذلك
الباب الثاني والستون: ... 255
في ذكر العقرب والدبي ونحوه والضفادع وما ليس فيه دم من جميع الدواب
الباب الثالث والستون: ... 257
في ذكر الضفادع ونحوها
الباب الرابع والستون: ... 263
في ذكر الغيلمة وما أشبه ذلك من دواب الماء وطعامه. (7/275)
صفحة 2346
تصويب
الخطأ ... الصواب ... السطر ... الصفحة
ووضوؤ ... ووضوؤه ... 8 ... 24
الظوي ... الطوي ... 26 ... 34
الوطء ... الوطء ... 18 ... 66 (7/276)
صفحة 2347
[تم بحمد الله] (7/277)
صفحة 2348
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الثامن
1404هـ/1984م (8/1)
صفحة 2349
[صفحة 2 بيضاء] (8/2)
صفحة 2350
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الثامن
1404 - 1984م (8/3)
صفحة 2351
[صفحة 4 بيضاء] (8/4)
صفحة 2352
الباب الأول
في الأمواه
من كتاب الأشراف
ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في البحر: «هو الطهور ماؤه والحل ميتته»، وممن روينا عنه قال: (ماء البحر طهور) أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعقبة بن عامر، وبه قال عطاء وطاووس والحسن البصري ومالك وأهل المدينة وسفيان الثوري وأهل الكوفة والأوزاعي وأهل الشام والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد روينا عن ابن عمر أنه قال في الوضوء من ماء البحر أن التيمم أحبّ إليّ منه، وعن عبد الله بن عمر أنه قال: لا يجزي من الوضوء ولا من الجنابة، التيمم أعجب إليّ منه.
قال أبو سعيد: معي، إن معاني الاتفاق يوجب في قول أصحابنا إثبات إجازة التطهر بماء البحر، وإنه من الماء الطهور المطهر، ولا معنى للمعارضة للقول في ماء البحر، لأن الماء كله ماء ما لم يثبت ما مضى.
قال غيره: معنى المياه فإن كان لمعنى إضافة إلى البحر، فكذلك ماء النهر مضاف إلى النهر.
ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: الماء المسخن داخل في مياه، وممن روينا عنه أنه رأى الوضوء بالماء المسخن عمر بن الخطاب وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك، وبه قال كل من يحفظ من أهل المدينة وأهل الكوفة، وكذلك قال (8/5)
صفحة 2353
الشافعي وأبو عبيدة، وقال: هو قول أهل الحجاز والعراق جميعا غير مجاهد فإنه كره الوضوء بالماء الساخن.
قال أبو بكر: وليس لذلك معنا ما نقف عليه.
وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوضوء غير جائز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر، ولا يجوز الطهارة إلا بماء مطلق، عليه يقع اسم الماء.
قال أبو سعيد: إذا وجد الماء الطهور فهو أولى من المياه المضافة ومياه الأشجار وغيرها، وإذا لم يوجد الماء الطهور ووجد الماء المشبه للماء الطهور، بمعنى يستبدل به أنه يزيل معنى ما يزيل الماء الطهور أو يقوم مقامه في غسل نجاسة أو وضوء، فلا معنى لتركه بعد وجوده لأنه قد أشبه بالاسم والمعنى والمراد، ويلحقه في ذلك عندي معاني الاختلاف أن يكتفي به دون التيمم أو يستعمل مع التيمم، ويعجبني في الاحتياط أن يستعمل مع التيمم.
ومن الكتاب: كان الشافعي يقول: إذا خالط الماء الطعام والشراب وكان الماء مستهلكا فيه لم يتوضأ به، وبه قال أحمد وإسحاق، قال الشافعي: وإن لم يكن الماء مستهلكا فلا بأس أن يتوضأ به، وذلك أن يقع في الماء النار والقطران، وكذلك قال إسحاق: قال مالك: لا يتوضأ بالعسل الممزوج بالماء ولا بالماء الذي يبل فيه الخبز.
فصل: قال الزهري في كبش بال في الماء فغير لونه أو لم يتغير لم يتوضأ به، قال أبو بكر: كما قال الشافعي نقول قال أبو سعيد: معي إنه لم يكن الماء الطهور مستهلكا فيما عارضه من الطهارة حتى يكون مضافا إليه أو مزيلا للونه واسمه، فهو ماء طهور والوضوء به جائز، فإذا كان يجد المضاف أو كان مستعملا فالماء الطهور الذي على غير هذه الصفة أولى، وإن لم يوجد الماء الطهور، ووجدت هذه المياه كان استعمالها جائزا بالاستبدال لشبهها بالاسم أو المعنى، ويلحقها معاني الاختلاف، وبعضها في الاعتبار أولى من بعض، وكل ما لحق الشبه بالماء الطهور كان أولى بالتعبد، ثم وجد معه غيره ما لم يكن منتقلا في الاسم إلى غيره.
ومن الكتاب: أجمع كل من نحفظ قوله على أن الوضوء بالماء الآجن من غير (8/6)
صفحة 2354
نجاسة حلت جائز، غير أن ابن سيرين ممن كان لا يرى بالوضوء به بأسا والحسن البصري، ومالك، وابن المبارك، والشافعي، وأبو عبيدة، وإسحاق، قال أبو عبيدة: الآجن الذي يطول مكثه بالمكان حتى يتغير طعمه أو ريحه، وكان ابن سيرين يكره الوضوء بالماء الآجن وبقول الحسن نقول.
قال أبو سعيد: ما ثبت اسم الماء وجوهره على ما وصفنا فلا يضيره إبطاؤه في الإناء ولا غيره من البقاع، وهو ماء طهور لأنه اعتراض لقول يزيله عن حكمه بذلك من المعاني ولا لغيرها.
ومن الكتاب: قال أبو بكر: اختلفوا في الإناء تسقط في أحدهما النجاسة ثم يشكل ذلك، فكان الشافعي يقول: يتوضأ بالأغلب منهما أنه طاهر عنده، وقال أبو ثور: لا يتوضأ بواحد منهما، وكذلك قال الثوري: قال عبد الله بن الماجشون: يتوضأ بأحدهما ثم يتوضأ بالآخر ثم يصلي، هكذا مذهب مسلمة، غير أنه قال يغسل بالذي يلي الأول ما أصابه من الأول، وفيه قول رابع وهو أن يتوضأ بهما أو بكل واحد منهما إذا لم يغير الماء هذا قول القطان وابن مهدي وابن أقول.
قال أبو سعيد: معي أن هذا كله مما يخرج عندي في قول أصحابنا مذكرو إلا قوله: "إذا لم تغيره النجاسة" فذلك عندهم في طهور قولهم: إذا كان الماء كثيرا.
مسألة: من كتاب الأشياخ: وعمن أخذ أن الماء لا ينجسه إلا ما غلب عليه أهو عدل لمن اضطر إلى ذلك أم غير عدل عندك؟
قال: بل هو عدل؛ لأن السنة دالة عليه إن الماء لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو عرفه، فعلى هذا جائز لمن أخذ بذلك مع الاضطرار، وقد أخذوا بذلك مع الاختيار.
مسألة: من كتاب أبي محمد: قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} الآية (المائدة:6)، فغرض الطهارة بالماء من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأما من الكتاب فقوله عز وجل: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} (الفرقان:48)، يعني: مطهرا؛ لأن الطهور في اللغة: هو الفعول للطهارة، ومن السنة فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، فكانت هذه الصفة منه عليه السلام مضارعة للآية. (8/7)
صفحة 2355
وفي رواية أخرى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الماء الطهور (1) لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه»، والاختلاف بين الناس في تأويل هذا الخبر، والاتفاق حجة والاختلاف منهم رأي، واتباع الحجة أولى من اتباع الرأي الذي ليس بحجة، والماء الطاهر هو المطهر باتفاق الأمة ماء السماء وماء البئر وماء العيون وماء البحر، إلا في قول عبد الله بن عمر وابن العاص في ماء البحر وحده، واتباع السنة أولى من قول عبد الله بن عمر، وابن العاص، ولما روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم - عن رجل سأله عن ماء البحر فقال: يا رسول الله إنا نركب على أدمات لنا وتحضرنا الصلاة وليس عندنا ماء إلا ماء لشفاهنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «الطهور ماؤه والحل ميتته» والأرماث (1) جمع رمث وهي الخشب المضموم بعضها إلى بعض، ويدل على ذلك قول جميل شعرا:
تمنيت من حبي بثينة أننا ... على رمث في البحر ليس لنا وكر
وماء طاهر لا يجوز التطهر به للصلاة والماء المستعمل، والماء المضاف على صفة لا يعرف إلا بها مما لا يتميز منها ولا يقع عليه اسم ماء مطلق كنحو ماء الباقلا وماء الزعفران وماء الورد ونحو ذلك مما هو طاهر في نفسه غير مطهر إلا أحداثا لا تزول إلا به.
ومن الكتاب: قال الله عز وجل: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} (الفرقان:48)، فالطهور هو الذي يطهر الشيء وهو الفعول للطهارة، ولو تركنا الطاهر كنا نحكم بتطهير كلما لاقاه الماء الذي سماه الله طهورا، غير أن أدلة قامت في بعض المواضع فامتنعنا لذلك عند قيام الأدلة، وكل موضع تنازع المسلمون فيه فطهارته حاكمة بما قلنا، وقد تنازع المسلمون في القليل من الماء إذا حلته النجاسة فلم تغير له لونا ولا طعما ولا ريحا، فقال قوم: الماء نجس مع ارتفاع أعلام النجاسات، وقائلون: الماء الطاهر طاهر إذا لم يكن فيه شيء من أمارات النجاسة، والقرآن قد ورد أن الماء طهور، فهذا الطاهر يوجب أن يكون القول قد طهر بغلبة الماء عليه مع ارتفاع أعلام التي حلت، وأن الله عز وجل قلّب عينه لأن الله جل وعلا يجعل الماء بولا والبول ماء، فالقائل إن الماء غير مطهر في هذا الموضع يحتاج إلى دليل، ودليل آخر
__________
(1) وهو المشهور في كتب الحديث كما في أحمد وأبي داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري. (8/8)
صفحة 2356
أن الله عز وجل قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً}، والطهور في لغة العرب هو الفعول للطهارة وهو الذي نعرفه منه تطهير الشيء بعد الشيء، والماء الذي لا يطهر الأشياء لا يستحق هذا الاسم لأن الإنسان إذا عرف من عادته من غذائه المتعارف ومن شرابه المتعارف لم يسم أكولا ولا شروبا، وإنما يسمى أكولا إذا أكثر الأكل، ومن يسمى شروبا إذا كثر شربه فظاهر الآية أن الماء الذي سماه الله ماء طهورا إذا لاقى شيئا من النجاسات طهرها بتسميته إياه ماء طهورا، فالواجب إجراء العموم على ظاهره، إلا ما قام دليله.
ووجه آخر: أجمع المسلمون جميعا أن الماء قد يحكم بحكم الطهارة وإن حلته النجاسة ما لم يتغير له لون ولا طعم ولا رائحة، وإنما اختلفوا في الحدود والنهايات فالحدود لله تعالى، وليس لأحد من الأمة أن يضع حدا يوجب بوضعه في الشريعة حكما إلا أن يتولى وضع ذلك الحد كتاب ناطق أو سنة ينقلها صادق عن صادق، أو يتفق على ذلك علماء أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن قال قائل: إن الماء لا تنجس عينه وإنما يمتنع من استعماله من طريق المجاورة، إذ لا يصل إلى استعماله إلا ومعه جز من النجاسات، لأن الماء لا ينجس عينه، لأن الماء جسم والبول جسم والأجسام لا تتداخل، وإنما تتجاوز، فلذلك قلنا: يقال لمن ذهب إلى هذا وجعله دليلا لنفسه، واعتمد عليه بمذهبه واعتقاده حجة لنفسه، أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - قاض في فساد قولكم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه»، فخبر إنما تغير لونه أو طعمه فيحسه وليس للعقول مجال عند ورود الشرع، لأن المطهر للماء والمنجس له على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - إذ الطاهر والنجس اسمان شرعيان فالواجب علينا تسليم ما ورد الشرع به وبالله التوفيق.
ثم نقول له: هب أنا سلمنا لك ما زعمت فخبرنا عن حد هذه المجاورة ينتهي عن استعماله على ذلك الموضع وتمثيله ما هي؟ ونقول: خبرنا عن نقطة بول وقعت في البحر ما حد هذه المجاورة التي يمنع فيها؟ فإن قال حيث بلغت الحركة لأنا نتيقن أن النجاسة تسري غلى موضع الحركة، قيل له: لم تبين لنا شيئا، إذ الحركات مختلفة، فبين لنا إحدى هذه الحركات ما هي أحركة قوي أم ضعيف أم صغير أن كبير أم سقوط بعرة أو ما يكون في؟ فإن قال: ليست الحركة ما ذهب إليه، وإنما الحركة وقوع واقع فيه، قيل: المسألة قائمة لأنا نحتاج أن نعلم الواقع مأمور به صغيرا أم كبيرا؟ ونحتاج (8/9)
صفحة 2357
أن نعلم المسافة التي تقع فيها، كم مقدارها؟ فهذا لا يضبط ولا نجد إلى بيان ذلك سبيلا.
ثم نقول له: نسلم لك ما ادعيت، لِمَ أثبت المجاورة إلى إحدى الحركات؟ فمن قوله إنا نعلم أنها لا تسري من المحل التي حلت إلا إلى مقدار الحركة، قلنا له: خبرنا عن آخر الحركة، هل ثبتت النجاسة فيه؟ فمن قوله نعم، قلنا: فإذا حركنا آخر الحد، ثم لا تثبت إلى آخر الحركة الأخرى، فإن قال: إنا قد علمنا أنها إذا سرت من محلها إلى آخر حد الحركة لم يبق فيها من القوة ما تسري إلى آخر حركة ثانية، قيل له: فهلا زعمت هذا في النجاسة الأولى فإن كانت النجاسة قليلة من النملة بحد ألا يثبت حركتها إلى آخر حدّ حركة الأولى، لأنا نعلم أن ليس فيها من القوة ما تسري إلى آخر حدّ الحركة، فيجب أن يقول إذا كانت النجاسة قليلة لا يجعل الحركة حدها، وإذا كانت كثيرة ثبتت حركات فلما أن سويّت بين قليل النجاسات وكثيرها، وضعيفها وقويها، بطل اعتلالك لضعف النجاسة.
والاعتماد على ما تقدم ذكرنا له من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه».
ومن الكتاب: وقد تنازع الناس في التطهر بماء البحر، فقال بعضهم: لا يتطهر به إلا إذا ألجئ إليه ولم يكن معه غيره. وقال بعضهم: التيمم أحبّ إلي منه، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال الجمهور من الناس: جائز عندهم التطهر بماء البحر، والعذب المطلق عليه اسم الماء، والصواب ما قالت هذه الفرقة إذ السنة وردت بصحة قولها، لما روى أبو هريرة قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل يا رسول الله: إنا نكون على أرماث لنا في البحر وليس معنا ماء إلا لشفاهنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته». (8/10)
صفحة 2358
الباب الثاني
في الماء المستعمل
قال أبو بكر: واختلفوا في الوضوء بالماء المستعمل، فكان مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي لا يرون الوضوء بالماء الذي توضئ به، واختلفوا فيه عن الثوري فقيل كقول هؤلاء، وقيل: إنه قال: لا يجزئ أن يأخذ من بلل لحيته فيمسح به رأسه، وكان أبو ثور يجيز الوضوء بالماء المستعمل، ويروى عن علي وابن عمر وأبي أمامة وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري والنخعي ومكحول، والزهري أنهم قالوا فيمن ينسى مسح رأسه فوجد في لحيته بللا ويجزيه أن يمسحه بذلك البلل، وهذا يدل على أنهم كانوا يرون استعمال الماء المستعمل، وبه نقول.
قال أبو سعيد: يواطئ قول أصحابنا يخرج في الماء المستعمل في الغسل من الجنابة والوضوء للصلاة، وما أشبه هذا من المراد به الفرائض فكان بالاعتبار مستهلكا في ذلك أنه لا يجوز استعماله بعد ذلك لأداء الفرائض من وضوء ولا غسل ولا تطهير نجاسات، وهو طاهر يجوز شربه واستعماله في الطهارات، ولا أعلم في هذا الفصل اختلافا إلا أنه لا يستعمل إذا وجد غيره من الماء الطهور، فإذا عدم الماء الطهور ووجد الماء المستعمل، فعندي أنه يخرج فيه معاني الاختلاف من قولهم، فبعض يجيز استعماله مع التيمم وبعض يجيز استعماله عند عدم الماء، وأرجو أنه لا يوجب معه تيمما، ولعل في بعض القول لا يرى استعماله باستهلاكه ويرى التيمم أولى منه.
مسألة من كتاب الأشياخ: وعن محمد بن محبوب -رحمه الله- فيمن نسي مسح برأسه حتى جف وضوؤه أن عليه إعادة الوضوء والصلاة، وإن كان شيء من وضوئه (8/11)
صفحة 2359
لم يجف فإنما عليه أن يمسح رأسه، فإذا كان في لحيته ماء فأخذ منه ومسح رأسه أجزأه، وكذلك إن كان في جارحة من حدود الوضوء موضع لم يصبه الماء وكان في بدنه شيء من الماء فرطبه أجزأه.
قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة: أما أخذ الماء مما قد استعمل به المتوضئون فإن استعماله لما ينساه أو لجارحة أخرى، فبين أصحابنا في جواز ذلك خلاف.
قال أبو معاوية فيما روي عنه أن ذلك مستعمل ولا يجوز استعمال الماء المستعمل، ومن جوّزه منهم جعل الماء المستعمل على ضربين، فضرب يباين الجسد لا يجوز استعماله ثانية للتطهير، والضرب الثاني أنه يجوز استعماله ما لم يباين الجسد كالماء المأخوذ الذي يستعمل به بعض جوارحه ثم يجري ذلك الماء على سائر الجارحة، فيستعمل باقي الجارحة بالماء الذي استعمل به أولها، وهذا هو الذي تعلق به من أجاز الماء المستعمل من اللحية أو اليدين لما نسيه المتوضئ والله أعلم.
ومن الكتاب من جامع أبي جعفر: وكل ماء استعمل فلا يجوز أن يستعمل للغسل ولا للوضوء مرة أخرى.
قال عبد الله بن محمد بن بركة: هو كما قال الماء المستعمل هو الماء المضاف إلى غيره، وهو ماء الكافور وماء الباقلا وماء الورد وماء الزعفران ونحو ذلك مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق حتى يضاف إلى ما يعرف به، لأن الله تبارك وتعالى لم يأمر أن يتطهر بالماء بقوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} والله أعلم، فالمطهر هو الماء الذي يعرف بغير إضافة إلى غيره، فإذا لم يعرف إلا بما أضيف إليه لم يكن الماء المطلق الذي أمر الله تعالى بالتطهر به، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: وماء طاهر لا يجوز التطهر به للصلاة، والماء المستعمل والماء المضاف إلى صفة لا يعرف إلا بها مما لا يتميز منها ولا يقع عليه اسم ماء مطلق، كنحو الباقلا وماء الزعفران وماء الورد ونحو ذلك مما هو طاهر في نفسه، غير مطهر للأحداث إلا أحداثا لا تزول إلا به.
ومن الكتاب: وكلما وقع اسم ماء مطلق فالتطهر به جائز، كدرا كان أو صافيا، راكدا كان أو جاريا، سخينا كان أو باردا، لأن هذه صفات كلها للماء، وكل ما وقع في الماء من كافور أو ريحان أو دهن فاعتبره، فإن كان ناقلا للماء عن (8/12)
صفحة 2360
اسمه ومغير له عن حاله ووصفه، لم يجز التطهر به، فإن قال قائل: لم منعتم من التطهر بالماء المضاف، وقد أجمع الناس على التطهر بماء البحر، قيل له: التطهر بماء البحر مخصوص بسنة النبي عليه السلام: «الطهور ماؤه والحل ميتته»، فأخذنا في هذا بقول الرسول عليه السلام، وأخذنا في الأول بكتاب الله عز وجل.
وكل ماء وجد متغيرا ولم يعلم أن تغيره من نجاسة فهو محكوم له بحكم الطهارة لأنا على يقين من أنه طاهر، ولسنا على يقين من أنه قد صار نجسا، وليس شكنا في زوال الطهارة عنه بموجب لثبوت النجاسة فيه، فكذلك كل ما كان على يقين من تمام طهارته ثم شك في فسادها لم يجب عليه إعادتها، وكذلك من تيقن أنه قد أحدث ثم شك أنه قد تطهر فشكه غير مزيل ليقينه.
ومن الكتاب: والأمواه ثلاثة، فماء مضاف إلى الواقع فيه، وماء مضاف إلى الخارج منه، وماء مضاف إلى مكان يقوم به، فالماءان المتقدم ذكرهما لا يجوز التطهر بهما وإن كانا طاهرين إذ اسم الماء لا يقع عليه ماء مطلقا، فالماء الذي ورد الشرع به هو الذي استحق اسم الماء مطلقا، ألا ترى إلى قول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ}، وماء لا يخرج عن حد الماء المطلق، إذ الماء لا يقوم إلا في محل، فإن قال قائل: إن الطاهر يوجب استعمال كل ما وقع عليه اسم ماء مقيدا كان أو مطلقا إذ تقييده لا يخرجه من استحقاق اسم الماء، قيل له: لا أعلم أن أحدا أجاز التطهر بما ذكرت، وإنما الخلاف بين الناس في الماء المستعمل، فأما ما ذكرنا فلا خلاف فيه فيما علمنا، فإن قال: فإن أصحاب أبي حنيفة يجوزون التطهر بالنبيذ، قيل له: إنهم لم يبيحوا ذلك لاستحقاق اسم الماء، وإنما أجازوا ذلك بسنة ادعوها، والكلام بيننا وبينهم فيها، والدليل على أنهم لم يبيحوا ذلك من طريق الاسم وأنهم قالوا: التطهر بالنبيذ واجب عند عدم الماء، ففي ذلك دلالة أنهم لم يجيزوه من طريق الاسم، والدليل على ما قلناه أن الله عز وجل خاطبنا بما تعقل العرب في لغتها، والعرب تعقل المقيد ما لا تعقله بالمطلق، وتعقل بالمطلق ما لا تعقل بالمقيد، الدليل على هذا قول الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} (المائدة:64)، فأخبر أن اليهود قالت وأطلق القول إطلاقا ولم يضف كيف ولا الوجه الذي استحق القول به هذا الاسم، إلا أن الإطلاق يوجد في اللغة أن القول هو قول باللسان واعتقاد بالقلب.
وقال في موضع آخر: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} (آل عمران:167)، فلم يطلق (8/13)
صفحة 2361
هذا القول حتى قيده لئلا يتوهم أحد أنه أراد بالقول كما خبر عن اليهود فقيده ولم يطلق، وقال في موضع آخر: {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ} (المجادلة:8) فسمى اعتقاد الضمائر قولا ولم يطلق إذ قال لحكمنا أنهم قالوا بألسنتهم واعتقدوا بقلوبهم، فلما أراد القول الذي لا يرد بورود الإطلاق قيده.
ولما كان القول المطلق معقولا في اللغة وهو قول باللسان واعتقاد بالقلب لم يحتج إلى شرحه وتبيينه عندما خبر عن اليهود بما خبر، وإذا كان هذا هكذا ثبت أن المطلق يعقل به ما لا يعقل في المقيد، وأن المقيد يعقل به ما لا يعقل بالمطلق وبالله التوفيق.
ومن الكتاب: قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ} (الزمر:21)، فالماء المطهر ما نزل من السماء، وما خرج من الأرض لا خلاف بين الناس في ذلك قبل أن يخلط بغيره أو يضاف إلى شيء يعرف به.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن ماء البحر فقال: «الطهور ماؤه والحل ميتته»، وهو داخل في جملة ما تلونا من كتاب الله عزّ وجل، فكان ما أنزل من السماء وجد على وجه الأرض أو نبع من موضع فهو الماء الذي جعله الله طهورا، عذبا كان أو مالحا، خالطه ماء مرّ عليه أو لم يخالط كالماء الجاري على السبخة أو الحمأة ونحو ذلك ما يخرجاه من عموم الآية، ولا يجوز التطهر بماء الورد وماء الزعفران وما كان من نحوهما لأنه خارج من عموم الآية ولأنه استحال عن الماء المطلق الذي هو طهور بغير إضافة، ولا يجوز أيضا الطهور بماء الباقلا والحمص لأنه في جملة المأكولات ولا يجوز التطهر بالنبيذ ولأن الخلّ لا يجوز التطهر به وهو أطهر منه، فأما الماء الذي قد توضئ أو اغتسل به فإن التطهر به لا يجوز، لما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى الجنب أن يغتسل في الماء الدائم، فقيل له: يا أبا هريرة وكيف نفعل؟ قال: نتناوله تناولا فلولا أن غسله فيه من الجنابة يؤثر فيه تأثيرا يمنع من استعماله لم ينه عنه، ولا يجوز صرفه عنه إلا بمعنى يوجب التسليم والله أعلم.
هذا القول يدل على المنع من استعمال ماء قد استعمل لطهارة الصلاة، ولقول عمر رضي الله عنه لأسلم مولاه، يأكل من الصدقة يأكل من أوساخ الناس: أرأيت لو توضأ إنسان بماء أكنت شاربه؟! ولقول ابن عباس: إنما يفسد الماء أن تقع فيه (8/14)
صفحة 2362
وأنت جنب، فأما إن اغترفت منه فلا بأس كما قال أبو هريرة حين روى الخبر، وروي عن علي وابن عمر أنهما قالا: خذوا للرأس ماء جديدا، وروي نحو ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا ترى لو غسل يديه إلى المرفقين ثم رده إلى الأصابع لم تعده الأمة متوضئا مرتين.
ويدل على ما قلنا أن رجلاً لو كان في سفر ولا ماء عنده وعند رفقائه ماء فمنعوه منه لم يبح له أحد من الفقهاء أن يتطهر بغسالتهم وفضل ما تطهروا به مما لاقى يديه، قيل له: تيمم وأبطلوا جواز الوضوء به، ولولا ذلك لم يجز تيممه به، ويجوز استعمال الماء المستعمل في إزالة الأنجاس لأنه يزيل النجاسة لطهارته في نفسه، فأما التطهر به من غير نجاسة في الإنسان فإنما ذلك لإنفاذ العبادة في الظاهر والله أعلم.
ومن الكتاب: الدليل على أن الماء المستعمل لا يجوز التطهر به للصلاة ولو كان في نفسه طاهرا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الوضوء بفضل ماء المرأة، والفضل في اللغة البقية الفاضلة، فاحتمل أن تكون البقية من مائها الذي فضل عنها واحتمل أن يكون فضل ما لاقاه يدها بعد استعمالها إياه، فلما ثبت أنه كان يتنازع هو وعائشة من إناء واحد الماء للطهارة، تقول له أبقِ لي ويقول لها أبقي لي، كان الوجه الآخر هو الصحيح وهو الذي استعمل والله أعلم، فإن قال قائل: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصّ المرأة بذلك فلم أدخلتم الرجال مع النساء إن صحّ وسلم لكم خصومكم مع طعن في الخبر من المتفقهة وهو - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن فضل المرأة والنساء لا يدخلن مع الرجال ولا يدخل الرجال مع النساء، وأن المؤنث إذا انفرد لم يدخل المذكر فيه، فإذا أخبر عن المذكر دخل المؤنث فيه، قيل له: إن الرجال والنساء يدخل بعضهم مع بعض في الخطاب والأمر والنهي.
وقد ثبتت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أعتق شخصا في عبدٍ قوّم عليه، فكانت الأمة في معناه بإجماع، وإن كان الذكر في العبد دون الأمة، وكذلك ما روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا مسّت المرأة فرجها انتقضت طهارتها»، فكان الرجل مع النساء، ويدل على صحة هذا التأويل قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (النور:4)، وكان المحصنون في معناهم ويجب على قاذف المحصنين ما يجب على قاذف المحصنات من الحكم، فإذا كان الذكر خص به المحصنات، وكذلك قال جل ذكره: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} (النساء:25)، فكان العبد في حكم الأمة باتفاق، وإن كان الذكر خص (8/15)
صفحة 2363
به دون العبد، وأما أبو يوسف صاحب أبي حنيفة فكان يرى الماء المستعمل نجسا وهذا من عجائبه كما قيل في الخبر (حدث عن بني إسرائيل ولا حرج).
مسألة: وعن أبي الحواري: وعن رجل يتوضأ أو يغسل بماء قد استعمل لجارحة أخرى أو بماء قد غسل به جرجرا ووضع فيه غزل نسج به أو إناء غسل به من طعام أو غيره أو ماءٍ قد طبخ فيه بسر أو ماء وزق فيه خوص أو غضف ولم يجد ماء غيره أو قد وجد غيره وتوضأ به وصلى، فعلى ما وصفت فلم يجيزوا أن يتوضأ بالماء المستعمل مثل الذي يقطر من الوضوء بذلك، فمن توضأ من ذلك وصلى كان عليه إعادة الصلاة، وأما الماء الذي وزق فيه الغزل والجرجر والخوص والغضف، فمن توضأ بشيء من هذا وصلى تمت صلاته، وما نحب له أن يفعل، فإن فعل فقد تمّت صلاته وجد غيره أو لم يجد، لأن هذا على حاله، وهو عندنا مثل الماء المستعمل، فمن وجد ماءً مستعملا مثلما وصفت من طبيخ البسر وغسل الإناء، فمن لم يجد ماءً غير هذا قلنا يتوضأ به ثم يتيمم ثم يصلي، فأما الذي يجد الماء الذي قد قطر من المتوضأ أو من الغاسل، فإنه يتيمم ولا يتوضأ بذلك الماء لأن ذلك ماء قد هلك.
مسألة: من الإضافة: وسألته عن الماء إذا كان فيه بعر غنم أو روث كثير أو بسر أو نبق أو خوص وكان ذلك غالبا طعمه ولونه، هل يجوز أن يتوضأ به؟ قال: يجوز أن يتوضأ به إلا أن يصير الماء إلى حد يكون مستهلكا بالذي يكون فيه كماء العشرق أو الباقلاء، ويصير مضافاً إلى الذي هو فيه.
مسألة: ومن جواب أبي سعيد -رحمه الله-: وعن رجل مريض أو صحيح وهو جنب أو غير جنب إلا أنه نجس فأغلي ماء وطرح فيه شجراً يريد بذلك دواءً أو لا يريد دواء فغير ذلك الشجر الماء قلت هل يطهر ذلك الماء النجاسة وهل يغسل به من الجنابة؟ فإذا غلب عليه لون ذلك حتى يصير مضافا إلى مثل ماء الباقلاء أو ماء الأرز أو ماء اللوبيا أو العشرقة أو أشباه هذا فذلك لا يطهر من النجاسة ولا يغسل به من الجنابة، وأما إذا كان أراده ليكسر رائحة الماء وطيبه يترك بذلك فلم يغلب عليه كما وصفت لك فذلك جائز إن شاء الله.
قال: وقد وجدت في كتاب الأشياخ: عن أبي الحسن البسياني قال: التطهر به للصلاة والجنابة لا يجوز لأنه مستعمل بالريحان والنار فلا يؤدي به الفرائض، وأما غسل (8/16)
صفحة 2364
الميت فالله أعلم، وأقول: إن ذلك يجوز في الميت لأنه ليس عليه أداء فرض والله أعلم، هكذا وجدت.
مسألة: البسياني ما تقول في الماء المستعمل: هل يزيل النجاسة؟ قال: نعم، يزيل النجاسة وهو طاهر ما لم يستعمل بماء يكون به نجس. (8/17)
صفحة 2365
الباب الثالث
في الماء
وسألته عن الماء القائم شرب منه أو مسه هل ينجسه؟ قال: لا، إلا أن يرى فيه نجاسة، وكذلك إن توضأ منه للصلاة فلا بأس ألا يرى فيه نجاسة، قال: الماء طاهر حتى يعلم أنه نجس.
مسألة: قال: قد قال محمد بن محبوب في الكلب إذا دخل ماءً نظيفا مثل فلج جار أو خبة ماء غزيرة لا ينجسها شيء ثم برز منها فانتفض وطار بإنسان من مائه أنه لا بأس عليه في ذلك، فيها نظر، وعندنا أنه نجس.
مسألة: وعن أبي إبراهيم فيمن وجد ماءً منقطعاً في ساقية فشخب من واحدة فلما جرى الماء قصد إليه فتوضأ منه، قلت: هل يجوز له ذلك؟ قال: نعم، قال غيره: وكذلك لو لم تكن إلا خبّة واحدة في ساقية فشحبها حتى جرت جاز له أن يستنجي فيها فيما قيل، وإن كان ماءً مجتمعاً قدر خمس قلال فقد يوجد عن بعض أهل العلم -وأحسب أنه سعيد بن محرز رحمه الله- أن ذلك لا ينجسه إلا ما غلب عليه من النجاسة بلون أو طعم أو رائحة على معنى قول أبي جعفر -رحمه الله-، وقال من قال: لا بأس في الرائحة وهو العرف والله أعلم.
مسألة: وسألت أبا سعيد محمد بن سعيد عن جلبة فيها زرع أم لا دخلها الماء فكان فيها ثم نزل من أعلاها وفاض من أسفلها بعد السدّ بلا أن يفتح أيكون هذا ماء جارياً؟ قال: هو عندي ماء جارٍ، قلت له: أرأيت لو أن هذه الجلبة لو تركوها فسدّ عليها وبقي الماء الذي فيها يجري في جوانبها أو في الجانب الذي لم ينله الماء (8/18)
صفحة 2366
أيكون هذا جاريا، قال: نعم هو عندي جارٍ، قلت له: أرأيت لو أن رجلا جاء إلى ماء في ساقية أو غيرها في الحصى فلم يره يجري إلا أنه متّصل ففسح الحصى عنه فتركه فجرى هل يكون هذا بمنزلة الجاري؟ قال: نعم، قد قيل ذلك، قلت له: وكذلك لو أنه كان ماء قائما منقطعا ففسح الحصى عنه فجرى إلى بعضه بعضا فتوضأ به فلما فرغ انقطع، أيجوز له ذلك ولا ينجس عليه في حين انقطاعه؟ قال: معي أن ذلك جائز، ولا ينجس ما دام جارياً ما لم تغلب عليه النجاسة.
قلت له: فرجل بال في ماء لا ينجس فغلب البول على الماء بلونٍ أو طعم فخلا لذلك قليل أو كثير ثم صفا الماء بحركة منه له أو نزح عليه أو تركه بحاله حتى صفا أتراه قد طهر؟ قال: إذا غلبت النجاسة على الماء كله وهو مستنقع ليس له مادة فهو نجس أبدا عندي إلا أن يداخله في الماء أكثر منه وغلب عليه، فمعي أنه يرجع إلى حال الطهارة، وأما إن كان الماء كثيرا لا ينجس فغلب على موضع حكم النجاسة وليس هو الأكثر منه، فعندي أن الموضع عليه النجاسة منه نجس، فإذا اختلط به الماء الطاهر بمعنى من المعاني فغلب عليه واستهلك عين النجاسة فقد صار عندي في حال الطهارة.
قلت له: فإن كان في ذلك الموضع شيء من بدنه أو ثوب في حين النجاسة وزالت عين النجاسة وصفا الماء بحركة أو نزح أو غيره ثم أخرج الثوب أو بدنه ولم يخصّه بالعرك ولا بغسل، أترى ثوبه وبدنه طاهراً على هذا؟
قال: معي أنه إذا حل في الموضع في النجس أو مسّه منه شيء أنه نجس وأحكامه النجاسة حتى يغسل، قلت له: أرأيت لو كان الماء غزيراً فتغير لون الماء مما يلي الأرض من أسفل وأعلى الماء صافٍ وكله موضع واحد ما يكون هذا الصافي الذي نزل النجاسة منه إلى أسفل طاهرا؟
قال: هكذا معي أنه طاهر، وإنما يفسد من الماء الكثير ما غلب عليه حكم النجاسة بعينها ونفسها من ذلك الماء.
قلت له: أرأيت إن كان الماء متصلاً في الحصى وجبا منقطعة إلا أنه لو كان متصلاً فوق الحصى لم ينجس، هل يكون هذا بمنزلة الجاري؟
قال: نعم هو عندي متصل إذا لم يبن ذلك من أمره، فإن كان ماء قائم في (8/19)
صفحة 2367
موضع وهو قليل فدخله ماء جار من أعلى ولم يصل إلى آخره ولم يجد من آخره هل يكون الماء كله في حين ذلك بمنزلة الجاري؟
قال: فإذا غلب عليه الماء الجاري أو جرى من أجل حكمة فقد صار عندي طاهراً، وأما ما دام لم يغلب عليه وهو بعينه نجس وإنما دخله الماء الجاري دخولا لم يغلب عليه ولا جرى بحكمه، فلا يبين لي طهارة ذلك الماء إذا كان في الأصل كله نجساً.
قلت له: فإن لم يكن الماء القليل الذي دخله الماء الجاري نجساً في الأصل وإنما عارضته النجاسة في حين دخول الماء فيه قبل أن يصل إلى آخره ويجري من أسفل، هل يكون ذلك الماء طاهراً ما لم تغلب عليه النجاسة؟
قال: نعم هو عندي كذلك.
مسألة: قال أبو سعيد: إذا كان قدر أربعين قلة لم يفسده شيء، قلت له: فما حدّ الجرار؟ قال: من أوسط الجرار، وقال من قال: إذا كان يتسع قدر خمسين مكوكا، وقال من قال: جرى.
مسألة: وعن شبكة في وادي وماؤها تشرب من تحت الحصى، قلت له يستنجي فيها؟ قال: لا حتى يفيض من فوق الحصى.
مسألة: وقيل: إذا كان الماء تستبين جريته قليلا كان أو كثيرا إذا استبان مشيه وجريه جاز أن يتوضأ منه ويستنجي فيه.
مسألة: وقد قيل عن بعض الفقهاء عن أبي عبيدة -رحمه الله- أنه قال: إذا كان الماء أكثر من البول لم يفسده البول والله أعلم.
ومن غيره: وكذلك يوجد عن أبي معاوية يرفع ذلك عن بعض المسلمين أنه إذا كان الماء لعله أكثر من البول فلا يفسد الماء.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ: وعن رجل توضأ في ماءٍ واقف هل يصح وضوؤه؟ قال: إذا كان الذي يقطر منه ويتمسح به من الثلث فما دونه فقد صح وضوؤه.
مسألة: وقال: قالوا في الماء الراكد يدخله ماء جار أن في ذلك اختلافا، قال من قال: إنه ماء جار ولو قال، وقال بعض: حتى يكون ماء كثيرا لا ينجسه شيء، وذلك (8/20)
صفحة 2368
إذا كان بصفاة أو صاروج لا ينشف، وأما إذا كان يخرج منه ولا يدخله فحكمه حكم الجاري ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومن جامع أبي محمد: وإذا وقعت نجاسة في ماء وظهر فيه طعمها، أو ريحها، أو لونها، نجس ما وصلت إليه قليلا كان الماء أو كثيرا، إلا أن يعلم أن ما وقع منها في طائفة لم يصل إلى بقيته فتكون هذه البقية مما يجوز التطهر بها لزوال النجاسة عنها؛ ألا ترى أنه ناحية منه تكون متغيرة والأخرى غير متغيرة، فلذلك قلنا إن الناحية التي فيها النجاسة لا يجوز التطهر منها والأخرى طاهرة يجوز التطهر منها لأن الله حرم النجاسة، فلما علم كونها فيه فشربه واستعماله حرام، ولا يشبه الماء الراكد الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة، لأن الماء الراكد لا يدفع النجاسة من حيث حلت، والجاري فما دونه يدفع النجاسة عن موضعها حتى لا يعلم مكانها، فما لم يُر لها أثر ولم يعلم موضعها يغلب ذلك بالماء الجاري حتى يرى أثر النجاسة فيه أو يغلب ذلك في الرأي فتقوى صحته في النفس والله أعلم.
والماء الجاري على ضربين؛ فضرب فيه نجاسة مستجسدة لا ينجس بها منه إلا ما طابقها ولقيها من أجزائه بأحدها دون سائره ثم صح إذا تنقلت دفعت مادة الماء مكانه فطهرته، والضرب الثاني من الماء الجاري أن يكون النجاسة فيه مما حلته تفرقت أجزاؤها وصار على سبيل المجاورة فحكمه التنجيس إلا أن يكون عليها الماء فيصير منه كالشيء المستهلك، فحكم ذلك الطهارة لئلا (1) تبين النجاسة فيه والله أعلم.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ منه»، قال أصحاب الظاهر: ولغير البائل الممنوع أن يتوضأ منه يوجب عندي أن النهي عن التوضؤ منه لقلته، لأن الراكد من الماء قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا، ويدل على ما قلنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حكمي على الواحد منكم حكمي على الجميع»، لقول الله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ} (سبأ:28)، وليس إذا كثر ذكر واحد بمنع أو إباحة لم يذكر معه غيره في باب العبادة والحال بينهما واحد والله أعلم.
والماء الراكد على ضربين، فراكد قليل، أو راكد كثير، وقد روي من طريق آخر أنه قال عليه السلام: «الماء الدائم»، فالخبر إذا سلم طريقه وصح نقله، فالنهي
__________
(1) كذا في الأصل (8/21)
صفحة 2369
عن القليل الذي لا يحمل النجاسة لقلته، ويؤيد ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الماء لا ينجسه شيء لكثرته وغلبته للنجاسة».
ومن الكتاب: وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ منه»، قال داود: ولغيره أن يتوضأ منه، يقال له: إن الراكد قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا، فما ينكر أن يكون أراد عليه السلام الماء القليل، فإن قال: هذا عموم وكل ما وقع عليه اسم راكد، فالبائل فيه ممنوع من التطهر منه بظاهر الخبر، قيل له: ما تنكر أيضا أن يكون غيره ممنوعاً منه وإن خصّ البائل فيه بالذكر دون غيره لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حكمي على الواحد منكم حكمي على الجميع»، فإن قال: إن البائل قد خصّ بهذا الحكم، قيل له: عليك إقامة الدليل والظاهر معنا والعموم أيضا، ويقال له: ما ننكر أن يكون قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا وجدت الماء فامسسه بشرتك»، إن التعلق بهذا العموم واجب، فيكون هذا خطابا لكل محدث من جنابة قد كان تيمم ثم وجده إلا من منع منه بنجاسة، فإن احتج بخبر ذؤيب الخزاعي، قيل له: إن الإجماع منعنا من مشاركة غيره معه، وإذا ورد لم يكن للنظر حظ معه وبالله التوفيق.
وقد روي من طريق عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن إلقاء النجاسات في الماء، ولم يذكر راكدا ولا غيره، ففي هذا الخبر دليل أن حكم البول في الماء والمتغوط سواء، وقد فرق داود بينهما في الحكم والله الموفق للصّواب.
ومن الكتاب: احتج بعض المتأخرين لأبي عبيدة في طهارة الماء لغلبته على النجاسة الواقعة فيه بأن قال: وجدت الله تعالى تعبد بعبادات عرّف المتعبدين بعضها توقيفا عليها بعينها، ودلهم على بعضها بأسمائها، فنهى عن البول وأمر باجتنابه، فكل ما وقع عليه اسم بول فقد دخل في حكم النهي عنه إلا أن تقوم دلالة بتخصيص شيء منه، فينقل حكمه، وكذلك أمر بالتطهر بالماء وجعله طهارة للمتعبدين.
فكل ما استحق اسم ماء فجائز التطهر به إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له، فإذا اجتمع ما أمرنا باجتنابه من البول وأبحنا منه لطهارته، وهو الماء اعتبرنا حكمه بالأسماء والعلاقات الدالة عليه، فما استحق من اسم كان فحكمه ما دخل تحت اسمه، ولله تعالى أن يجعل البول ماءً ويجعل الماء بولاً، ألا ترى إلى ما اجتمع عليه أهل دعوتنا إنما كان في الكرش نجس وهو الفرث وهو مجتمع الطعام الطاهر والماء والعلف، فإذا اجتمع هذان الطاهران في قرار واحد وتجاورا نقل الله (8/22)
صفحة 2370
حكمهما قبل ذلك وانتقل اسم الطهارة عنهما إلى اسم النجس ثم يفترقان من محلهما، فيلقى الكرش البول إلى المثانة فيكون له حكم النجاسة، ويلقي الفرث إلى الأمعاء فيصير له حكم الطهارة.
وكذلك نقلت أحوال عصير العنب من تحليل إلى تحريم، ثم إلى تحليل، والجوهر واحد، وإنما تتغير أحكامه بتغير أسمائه وانتقالها لتغير أوصافه والله الموفق للصواب.
وقد كان هاشم بن عبد الله الخراساني يقول بقول أبي عبيدة في الماء ويوافقه فيه بغلبة الاسم، ووجدت في الأثر قال وضاح بن العباس: سألت والدي عن قدر الماء الذي يغسل فيه الجنب، قال: خمس جرار، وقال سليمان بن سعيد بن مبشر: سألت والدي سعيد بن محرز عن قدر الماء الذي يستنجي فيه الرجل، قال: نحو قربتين من الماء، وقد قيل لأبي عبد الله: أنأخذ بذلك؟ قال: نعم، يعني خوض أبي عبيدة ذلك الماء، قيل له: فهل يجوز الوضوء من مثل ذلك الماء الذي خاضه أبو عبيدة؟ قال: لا، قلت: فإن مسّ ثوبا رطبا فطار به منه هل نجسه؟ قال: ما أبلغ به إلى فساد صلاته، ويدل على أن صبّ الماء بغير إجراء اليد عليه غسل يكفي على قول أبي علي موسى بن علي في جراب كنز بماء نجس، أنه ينكل ويصبّ عليه الماء صباّ، وكذلك قال في بول الصبي صب عليه الماء صباً، وقال في جراب تبول عليه الشاة إن صبّ الماء على ظاهره يكفي ولم يشترطوا إجراء اليد عليه.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري: وعن الفلج إذا كان مرفوعا في أرض حنطة فقعد رجل يستنجي فيه أو يغسل من نجاسة فبينهما هو كذلك إذا طرح من الماء الحنطة في ساقية حنطة فرجع الماء يجري إلى خلف ما ترى عليه في ذلك فلا بأس عليه في ذلك، وكيف ما جرى فهو جار جرى خلفه أو أمامه.
مسألة: عن أبي سعيد: وسألته عن الثوب إذا أصبغ بشوران أو زعفران نجس، والنجاسة الحالة في الصبغ من الدواب أو غير الدواب، فغسل ذلك الصبغ في ماء جار فغلب الصبغ على الماء، أيكون الماء الذي غلب الصبغ من الموضع غالبا عليه طاهرا أو نجساً؟ قال: لا يبين لي نجاسته إذا كان مما لا ينجس حتى تغلب على البنج والنيل والسم هو مثل الشوران والزعفران. (8/23)
صفحة 2371
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: وقيل: إن أبا عبيدة الكبير مضى يريد المسجد وقد أصاب غيث استنقع منه في الطريق ماء وقد بالت فيه الدواب وقد ذهب بصره يومئذ فأعلمه أن في الطريق ماء وفيه بول قامض، فمضيا وخاص به ذلك الماء، فلما صعد باب المسجد طلب ماء فغسل رجله من الطين وصلى ولم يتوضأ، قيل لأبي عبد الله: أفتأخذ بذلك؟ قال: نعم.
وقال أبو عبد الله: لا يجوز الوضوء من مثل الماء الذي خاضه أبو عبيدة ومن مسّ منه أو أصاب إنساناً في ثوبه أو بدنه فما أبلغ به إلى فساد، وأحسب أنه قال: لو توضأ منه وصلى لم أبلغ به إلى فساد صلاته، قال أبو عبد الله: فلو أخذ آخذ بذلك لم أر عليه بأس.
مسألة: وسألته عن شبكة في الوادي فيها ماء ويطمئن القلب أن ماءها يجري من تحت الحصى، هل يجوز أن يغسل فيه نجاسة؟
قال: نعم في حكم الاطمئنانة وأما في الحكم فلا تجوز.
وقال أبو سعيد: الحكم حكمان: حكم اطمئنانة وحكم الظاهر.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: أجمع أهل العلم على أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيّرت النجاسة الماء طعماً أو لونا، أو ريحاً، أنه نجس ما دام كذلك، ولا يجزي الوضوء ولا الاغتسال به، وأجمعوا على أن الماء الكثير مثل الدجل من البحر، ونحو ذلك إذا وقعت فيه النجاسة فلم تغيّر له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً، أنه بحاله يتطهر منه، واختلفوا في الماء القليل تحل فيه النجاسة ولم تغير للماء طعماً ولا ريحاً ولا لوناً، فقالت طائفة: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً، وروي ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور، وفيه قول ثان وهو أن الماء إذا بلغ أربعين فلا ينجسه شيء، وروي هذا القول عن عبد الله بن عمر وبه قال أحمد بن المنكدر، وفيه قول ثالث أن الماء إذا كان كثيرا لم ينجسه شيء، روي ذلك عن مسروق، وقال محمد بن سيرين: كذا لم يحمل الخبث، وفيه قول رابع وهو أن الماء إذا كان ذنوبين لم يحمل الخبث، وروي هذا القول عن ابن عباس، وقال عكرمة: ذنوباً أو ذنوبين، قال: من نظر في الذنوب في لغة العرب الدّلو وفيه قال الشاعر: (8/24)
صفحة 2372
إنا إذا نازعنا شريب ... له ذنوب ولنا ذنوب
قال غيره: نعم في هذا الموضع الذنوب هو الدلو عندنا، وقد يخرج في لغة العرب أن الذنوب النصيب، وذلك قول الله تبارك وتعالى: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} (الذاريات:59)، فقيل في ذلك فيما عرفنا أنه (نصيبا) مثل نصيب أصحابهم والله أعلم بتأويل كتابه.
وفيه قول خامس: وهو أن الماء إذا كان أربعين دلوا لم ينجسه شيء.
وفيه قول سادس: وهو أن الماء الراكد إذا كان في موضع إذا حرك منه جانب اضطرب الماء وخلص اضطرابه إلى الجانب الآخر، فما وقع فيه من نجاسة نجس وقوعها فيه، وإن لم تتبين النجاسة وإن يكن كذلك لم ينجسه ما وقع إلا أن يتغير طعمه، أو لونه، أو ريحه، حكي ذلك عن أصحاب الرأي.
وفيه قول سابع: وهو أن قليل الماء وكثيره لا ينجسه شيء إلا أن تغلب عليه النجاسة، أو لون، أو ريح، هذا قول القطان وعبد الرحمن بن مهدي.
وقد روينا عن الأوائل أخباراً توافق هذا القول وروينا عن ابن عباس، وروينا عن ابن المسيب والحسن البصري وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء وعبد الله الرحمن بن أبي ليلى وجابر بن زيد، وروينا عن حذيفة أنه قال: الماء لا يخبث.
قال أبو بكر: واختلف الذين قالوا إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً في قدر القلة الحديث الذي ذكر عن ابن جريج، قال: رأيت قلال هجر فإذا القلة تسعُ قربتين وشيئا.
وقال الشافعي: الاختيار أن تكون القلة قربتين ونصفا بالقرب الكبار، وقال أحمد: مرّة القلة مرتين، وقال: من القلة القلتين خمس قرب ولم يقل بأي قرب، وقال إسحاق: مما يعني القلتين نحو ست قرب، قال أبو ثور: خمس ليس بأكبر القرب ولا بأصغرها.
وفيه قول سادس: من أنها الجناب وهي قلال هجر معروفة مستفيضة ولم يجعل لذلك حدا، هذا قول أبي عبيدة، وقال عبد الرحمن بن مهدي ووكيع ويحي بن آدم: القلة الجرّة ولم يجعل لذلك حداً. (8/25)
صفحة 2373
قال أبو بكر: قد يقال للكور قلة، ذكر قبيصة أن الثوري صلى خلفه في شهر رمضان ثم أخذ نعله وقلة معه وخرج.
وفيه قول سابع: وهو أن القلة مأخوذة من استقل فلان بحمله وأقله إذا أطافه وحمله، وإنما سميت الكيزان قلالاً لأنها تقل بالأيدي وتحمل ويشرب فيها، قال هذا بعض أهل اللغة، قال أبو بكر: وبالقول الأول الذي قاله ابن عباس ومن وافقه أقول ذلك لحجج أحدها قول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ} فكل ماء فالطهارة تجوز به إلا ما منع منه كتاب أو سنة أو إجماع.
والثانية: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي.
والثالثة: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الماء لا ينجسه شيء».
والرابعة: إجماعهم على أن الماء قبل أن تحل فيه النجاسة طاهر، واختلفوا فيما حلت فيه النجاسة لم تغير له طعما ولا لوناً ولا ريحاً، وغير جائز إفساد ما أجمعوا على طهارته إلا بإجماع مثله أو خبر لا معارض له، والحجج في هذا مذكرة في غير هذا الموضع.
قال أبو بكر: فأما مالك بن أنس فلم يكن يوقت في الماء الذي يحمل النجاسة توقيتاً يوقف عليه، وكان الأوزاعي يقول: ورجل توضأ من قلة فيها فأرة ميتة لا يعلم بها ثم علم فلم يجد رائحة ولا طعما، قال الأوزاعي: مضت صلاته.
وقال الثوري: في الحية الخفيفة تقع في الماء ما لم تغير ريحاً ولا طعماً فتوضأ منه.
قال أبو سعيد: خارج جميع ما قالوه في هذا
الباب على معاني ما لا يخرج من الصواب وبعضه أحسن من بعض، وأحب إلي استعمال به من غيره على الاختيار لمعاني الاحتياط، وأما في معنى الحكم لطهارة الماء الطهور فخارج جميع ما قالوه على الحسن من القول إن شاء الله.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: ومن كان بحضرته ماء نجس وهو عطشان وحضرته الصلاة وهو محدث محتاج له جاز له أن يشرب منه إذا كان مضطرا إليه، لأن الله جل ذكره قد أمره بإحياء نفسه وليس له أن يتطهر منه للصلاة لأنه ليس من الماء الذي يجوز أن يتطهر به إذا كان غير متميز مما قد نهى عن التطهر به ولا منفصل منه، (8/26)
صفحة 2374
والله تعالى إنما أمره أن يتطهر بالماء دون غيره.
ومن الكتاب: وإذا كان عند إنسان ماء يخاف على نفسه استعماله من برد أو عطش يلحقه فيتلفه وهو محدث وقد أمر بالصلاة فلا يحل له أن يستعمله للطهارة، فإن استعمله لذلك كان عاصيا لربه، وكذلك المغتصب للماء فالسارق له أيضاً لأن الطهارة عبادة وفعلها ثواب يستحق من فعل تلك العبادة التي أمر بها، فإذا فعل ما نهي عنه كان فعله معصية، لا يكون طاعة ولا يثاب عليه فاعلها.
ومن الكتاب: وإذا كان عند رجل ماء واجتنب رجل وطهرت امرأة من حيضها ومات إنسان كان بعض أصحابنا يذهب إلى أنه يجود به على من شاء منهم، والنظر يوجب عندي أن يغسل به الميت أو يدفعه إلى من يغسله به، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أغسلوا أمواتكم»، وهو داخل في الغرض بالأمر، ولم يخاطب في الجنب والحائض بشيء، وإن كان هو الجنب فهو أولى به، وليس له دفعه إلى غيره لأنه مخاطب بالطهارة إذا كان قادرا عليها بالماء، وهو قادر على ذلك والله أعلم، وإن كان الماء للميت فهو أحق به وليس لأحد أن يأخذه لنفسه إلا أن يخاف على نفسه العطش فله إحياء نفسه ويضمن لورثته بالثمن في قول أصحابنا والله أعلم بعدل ذلك.
ومن الكتاب: اختلف أصحابنا فيمن نسي ماء في رحله وهو مسافر وحضرت الصلاة ولم يعلم به فيتمم وصلى، ثم وجد الماء وعلم به بعد فراغه من الصلاة، فقال بعضهم: عليه الإعادة، وقال بعضهم: لا إعادة عليه.
الحجة لأصحاب هذا القول الأخير لأن الله تبارك وتعالى أوجب عليه التيمم عند عدم الماء لأنه علق التيمم بعدم الوجدان لا بعدم كون الماء، وقد لا يوجد الشيء وهو في موضعه، ولم يقل الله جل ذكره فإن لم يكن ماء فتيمموا، وإنما قال: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ} وقد يكون الشيء المطلوب في موضعه ولا يجده من يطلبه، فإذا لم يجده فقد حصل الشرط الذي به يجوز التيمم وصلى كان مصلياً كما أمر ولا إعادة عليه والله أعلم.
والحجة لأصحاب الرأي الأول أن العبادات إذا لزمت الأبدان فليس جهل وجود الماء بمسقط فرض ما وجب من فرض الصلاة، ذلك مثل رجل يحتلم فينسى الاحتلام ويتوضأ ويصلي فإذا علم بجنابته وجب عليه الإعادة وكانت غفلته ونسيانه لا يسقطان عنه ما وجب عليه من فرض الاغتسال، وكذلك الصغير إذا وجب في (8/27)
صفحة 2375
ماله الزكاة وهو لا يعقل ثم بلغ وعلم ما وجب عليه من إتيان الزكاة على أصول أصحابنا، وهو اتفاق بينهم، وجهله لم يسقط عنه فرض ما وجب عليه من الزكاة، قالوا: وكذلك جهله بالماء وهو في رحله لا يسقط عنه فرض الطهارة بالماء بل عليه إتيانه عند علمه، وهذا عندي أنظر، وذلك أنهم أجمعوا وأرجو أنه إجماع من مخالفيهم أيضا أن رجلاً لو لزمه كفارة عن ظهار فلم يعلم بأن الرقبة كانت في ملكه، أن عليه أن يرجع فيعتق الرقبة، ولم يكن نسيانه بكونها في ملكه بمسقط لزومها له، وكذلك المأمور بطهارة الماء إذا جهل كون موضعه من رحله لا يسقط عنه ما أمر بإتيانه، وأيضاً فإن اتفاقهم في الرقبة هو أصل ينبغي أن يرجعوا إليه عند الاختلاف، وحكم القائسين أن يرجعوا عند التنازع إلى الأصل المتفق عليه، فهذا القول بأصولهم أشبه، والله أعلم وبه التوفيق.
ومن الكتاب: وأجمعوا أن الإنسان إذا كان في موضع يعلم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت أن عليه قصد الماء وليس له أن يتيمم.
ومن الكتاب: وإذا تيمم ثم وجد الماء في رحله بعد أن صلى كانت صلاته ماضية، لأنه فعل ما أمر به، وكان غير واجد للماء، وليس وجدانه له في حالة ثانية ما يوجب أنه كان واجدا للماء مثل وجدانه إياه، ألا ترى أن الإنسان قد يضيع منه الشيء فيطلبه فلا يجده وهو موجود في العالم فيسمي غير واجد له، وليس كونه في الدنيا بموجب أن يكون واحدا له ولو كان الأمر على ما ذكره بعض أصحابنا من إعادة الصلاة، كان من ضاع له شيء غير جائز أن يقال غير واجد له لأنه موجود في العالم، والوجود هو القدرة على الشيء المأمور باستعماله، وقد يقدر عليه ويمنع من استعماله إلا أن الواجد قد يحصل له سوى استعماله.
ومن الكتاب: وقال بعض أصحابنا: من نسي الماء ولم يعلم مكانه، وهو عنده أو في رحله وتيمم وصلى ثم علم بمكانه أن لا قضاء عليه لأنه غير واجد للماء، وقال بعضهم: عليه القضاء، والنظر يوجب هذا لأن الناسي للرّقبة في ملكه لا يجزيه الصوم الذي هو بدل منه، وكذلك من صلى بثوب نجس ولم يعلم ثم علم أو نسي نجاسته وصلى على غير طهور وهو ناسٍ لحدثه فعليه القضاء وهذا باتفاق منهم، وبالله التوفيق.
ومن الكتاب: وإذا نسي المأمور بالصلاة الماء في رحله في حال السفر حتى صلى (8/28)
صفحة 2376
بالتيمم، قال بعض أصحابنا: يجزيه ولا إعادة عليه إذا تيمم وذكر الماء بعد فراغه من الصلاة أن صلاته تامة لعدم القدرة على وجود العذر وهو في السفر، فإن قال قائل: فما تقول في الناسي للقراءة في الصلاة؟ أليس هو غير قادر عليها كحال النسيان ولم يسقط ذلك عندكم فرض القراءة؟ قيل له: هذا غير لازم وذلك أنا لم نقتصر على عدم القدرة فقط بل ضممنا إليها معنى آخر وهو العذر، ألا ترى أن المكفر عن الظهار لما نسي الرقبة أنها في ملكه وصام أنه لا يجزيه لأن الإنسان بتجرده لا يسقط الفرض حتى ينضم إليه معنى آخر والله أعلم.
ومن لزمه عتق رقبة ولم يجد إلا نصفاً سقط عنه فكان عليه الصوم، ومن لزمه فرض الطهارة ولم يجد إلا ما يكفيه لبعض أعضائه للطهارة كان عليه أن يتوضأ بما معه من الماء ويتيمم لما بقي من أعضائه.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقيل في جنب لم يجد الماء إلا في المسجد أنه يتيمم ثم يدخل المسجد فيخرج الماء ويغسل به، فإن كان عينا صغيرة ولا يستطيع أن يغرف منها، فقال: يتيمم ولا يقع فيها فيفسدها على نفسه وعلى غيره.
وقال محمد بن المسبح: إلا أن يقدر على الماء فيناله إذا كان كفّاه نظيفتين فيغسل الأذى من نفسه ثم يقع في الماء فيغسل، حدثنا هاشم بن غيلان بذلك ولا ينجس على الناس مواردهم.
قال غيره: وذلك عندي إذا لم تكن العين تجري وكانت قليلة الماء مما تنجسه النجاسة.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقيل إذا أتى الرجل إلى ماء لا يقدر عليه فإن أمكنه أن يأخذ منه بثوبه ثم يعصره في موضع ويستنجي أو يتوضأ أو يغسل فليفعل، فإن لم يمكنه فليتمم إذا لم يقدر على الماء.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: ومن وجد ماءً قليلا لا يستطيع أن يغرف منه، وإن وقع فيه أفسده تيمم لأنه بمنزلة المعدوم ولا يقع فيه فيفسده على نفسه وعلى غيره لأن الحديث جاء النهي عن الغسل في الماء الدائم، وقد قيل: الماء الراكد والله أعلم بذلك.
ومن جاء إلى ماء لا يمكنه أن يأخذ منه بثوبه ولا بغيره فليتيمم إذا لم يقدر عليه؛ لأنه إذا كان لا يقدر عليه كان بمنزلة من لم يجد. (8/29)
صفحة 2377
ومن كتاب الشرح: وأما قوله: وفي جنب لم يجد الماء إلا في المسجد أنه يتيمم ثم يدخل المسجد فيخرج الماء ويغسل به، فالذي يوجد في الأثر ما ذكره ولا أعرف وجه قوله أنه يتيمم ثم يدخل المسجد، والذي عندي من طريق النظر أن المنع للجنب من دخول المسجد إلا بعد تيمم لا وجه له من طريق الإيجاب، وإن كان من حيث الاستحسان أو الاحتياط ففيه أيضاً نظر، لأن الجنب طاهر كما أن المحدث طاهر، والمحدث من نوم أو خروج ريح لا يمنع من دخول المسجد، وكذلك الجنب لا يمنع من دخول المسجد إلا أن يكون به جنابة ظاهرة، فإن المستحب له ألا يدخل المسجد وبه نجاسة، وكذلك البائل والمتغوط تعظيماً للمسجد، وليس واحد منهم يقع عليه اسم نجس، وأيضاً فإن الجنب لو كان نجساً وكان ممنوعاً من دخول المسجد إلا بعد طهارة لم يكن التيمم طهارة له وهو مقيم في بلده والله أعلم.
وأما قوله: وإن كانت عينا صغيرة ولا يستطيع أن يغرف منها فقيل: يتيمم ولا يقع فيها فيفسدها على نفسه وعلى غيره، فهو كما قال: إن لم يكن يجد غيرها ولم يجد السبيل إلى الاحتيال على استخراج مائها، فإن سقوطه فيها يمنع غيره الانتفاع بها للطهارة، وربما كانت بالجنب نجاسة ظاهرة تؤثر في الماء القليل لا ينتفع بذلك الماء من نجاسة ولا يكون به متطهراً ويمنع غيره من استعمال ذلك الماء، وإذا كان ممنوعاً من استعماله لما ذكرنا وهو بمنزلة من عدم الماء وفرض طهارته بالتراب، والله أعلم.
وأما قوله: وقيل: إذا أتى الرجل إلى ماء لا يقدر عليه فإن أمكنه أن يأخذ منه بثوبه ثم يعصره في موضع ويستنجي ويتوضأ أو يغتسل فليفعل وإن لم يمكنه فليتيمم إذا لم يقدر على الماء، هكذا ينبغي أن يفعل كما قال إذا لم يجد ماء سواه، فإن أمكنه أخذ الماء بغير الثوب فلا ينبغي أن يأخذه بالثوب ثم يعصره منه فيكون كالماء المستعمل، لأنه في معناه، ولكن ينبغي له إذا لم يقدر على استخراجه إلا بالثوب نوى بحمله الماء بالثوب أن يكون الثوب وعاءً للماء، فهذا عندي أحوط عند العدم لغيره، والله أعلم.
وأما قوله: وقيل: من أتى إلى آنية فاسدة فيها واحد طاهر لا شك فيه ولم يعرفه وهو فاسد البدن أنه يتطهر من أحدها ثم يمسك عن ثوبه حتى يجف بدنه من الماء ثم يصلي بثوبه ثم يرجع يفعل ذلك بالثاني والثالث حتى يستكملها، فلابد أن يكون قد تطهر بالطاهر منها وصلى في أول ذلك وآخره، وعلى هذا الرأي أيضاً أن يتطهر بماء طاهر لأنه يخاف أن الآخر منها هو النجس وقد كان غسل بدنه به، الذي (8/30)
صفحة 2378
نجد لأصحابنا في هذه المسألة ثلاثة أقاويل، منهم من أمر بما ذكر على غير ما رأيت، وبعضهم أوجب التحرّي في الثلاثة واستعمال ما وقع عليه غالب الرأي أنه الطاهر، والقول الثالث: أنه يتيمم، فالذي ذهب إلى ما ذكره من طريق الاحتياط فقد يمكن في بعض الأوقات لضيق الوقت وعند قصر النهار، وفي يوم الغيم وما يلحق الإنسان من المشقة، وخاصّة فيما يوجبه سبق الصحبان له والخوف على نفسه بعدهم، فإن أمكن هذا الفعل في وقت من الأوقات فليتطهر بالأول كما ذكر وليتوقّ ثوبه أن يمسّه ذلك الماء أو شيء منه، وليقف حتى يجف الماء عنه ولا يعلق ثوبه منه ثم يصلي فإذا عاد إلى الماء الثاني اغتسل منه وغسل المواضع التي أصابها الماء الأول الغسل الذي يطهر النجاسة ولا يمس الماء الطاهر بيده قبل أن يغسلها، ولا يطيّر في الإناء مما لاقى بدنه في الماء الأول لأنه يغسله كأنه نجس ثم يقف حتى يجف بدنه، ثم يأخذ ثوبه ويصلي ثم يرجع إلى الماء الثالث فيغسل به الماء الثاني ويتوقاه من يده قبل أن يغسلها أو يطيّر فيه ما مسّه الماء الأول، حتى تصح له الطهارة إن كان الثالث هو الطاهر، ثم ليصلّ بعد أن يجف بدنه ولا يعلق بثوبه منه شيء، ويعتقد عند كل طهارة يقصد إليها أنها هي طهارته للصّلاة وبعد أن يحصل طاهراً من الماء الأول الذي كان قبله، وكذلك ينوي عند كل ما قام إلى الصلاة أن ذلك الغرض هو الذي عليه، وإنما يقصد إلى إسقاطه عن نفسه بالفعل الذي قصد إليه والطهارة التي فعلها، ثم مع ذلك هو تحسن في
حكم نفسه عند صاحب هذا الرأي إلى أن يتطهر بماء يعلمه طاهراً؛ وأما من قال بالتحري في الثلاثة الأواني واستعمال الواحد منها وهو أيضا فيه نظر.
والقول الثالث الذي ذهب إليه من أوجب التيمم هو عندي أنظر وأشيق إلى النفس لأن الله تعالى أمره بالطهارة في أحد شيئين ماء طاهر فإن لم يجده فالصّعيد بدله، لأن كل واحد من هذه الأمواه الثلاثة ليس بمحكوم له حكم الطهارة في عينه، وإذا كان كل منهما إذا قصد إليه لم يحكم له بحكم الطهارة، كان في حكم ما منع منه أكثر، وإذا كان ممنوعا من كل واحد منهما مأموراً بالتطهر من ماءٍ طاهر إذا وجده، وإذا عدمه عدل إلى التراب الطاهر، فهذا القول أعدل، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقيل: من أتى إلى آنية فاسدة فيها ماءان أحدهما طاهر لا شك فيه ولم يعرفه وهو فاسد البدن أنه يتطهر من أحدهما ثم يمسك عن ثوبه حتى يجف بدنه من الماء ثم يصلي ثم يرجع يفعل ذلك كذلك في الثاني والثالث (8/31)
صفحة 2379
حتى يستكملها، فلابد أن يكون قد تطهر بالطاهر منها وصلى في أول ذلك واحدة، وعليه على هذا الرأي أن يتطهر من بعد بماء طاهر لأنه يخاف أن يكون الآخر منها هو النجس وقد كان غسل بدنه به، وإن تحرّى الطاهر منها وتوضأ وصلى ولا يعلم الفاسد رجوت أن يجزيه وينظر فيها.
ومن غيره: قال أبو الحواري: يصبّ من كل الماء في الآخر حتى يستيقن أنها فاسدة كلها ثم يتيمم ويصلي ولا يتوضأ بشيء منه.
ومن غيره: ومعي أن في هذه المياه قولا رابعاً وهو أنه يتيمم ويصلي ولا يستعمل شيئا منها للطهارة لوضوء ولا غسل إذا أشكل أمرها، وسواء كانت كلها طاهرة إلا واحداً لا يعرفه أو نجسة كلها إلا واحداً لا يعرفه ولعل هذه القول يخرج في أكثر ما يذهب إليه أصحابنا في معنى المشكلات، وقولهم أن كل مشكوك موقوف.
ومن غيره: وإن عمل بأحد المائين على أنه طاهر ما لم يعلم نجاسته بالحقيقة، فهو قول صحيح لأن الماء طاهر حتى يعلم أنه نجس، وكل واحد منهما على الانفراد طاهر حتى يعلم أنه هو النجس في الأحكام، وأما على قول من يقول: إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه فإذا وجد هذه المياه غير متغيّرة ولا متغيّر شيء منها فكلها في الحكم طاهرة حتى توجد متغيّرة أو يصح فسادها بقول من يكون قوله حجة.
ومن جامع أبي الحسن: ومن كان معه إناءان أحدهما طاهر والآخر نجس لا يعلمه ولم يتحرّ فيهما ويخلطهما ثم يتيمم فأما إن كان أواني أحدها نجس لا يعلمه تحرى الطاهر في غالب ظنه وتوضأ به، وهذا هو قول من يرى الحكم على الأغلب، فأما من رأى الاحتياط فإنه يجب أن يخلطها حتى لا يشك أنها نجسة ثم يتيمم، فأمّا من توضأ بواحد بعد واحد فهذا فيه تعب، وإذا توضأ بالنجس تنجس ما طار ببدنه فيجب أن يغسل يده في كل مرّة يتوضأ، ويحتمل استعمال مالا يقدر عليه، والله أعلم.
وعن أبي محمد: ولو كان أحدهما نجساً صلى صلاتين بمسحتين من كل واحد منهما مرّة بعد أن يغسل بالماء الأخير مواضع الماء الأول منه.
ومن الكتاب: وإن كان عنده ماءان أحدهما مستعمل وهو في السفر فأراق (8/32)
صفحة 2380
أحدهما ولم يعرف الباقي أنه يتوضأ بالباقي منهما ويتيمم، فإن كان الماء الباقي هو المستعمل وقع التيمم موقعه من الطهارة، وإن كان الباقي هو الذي له أن يتوضأ به وقع موقعه من الطهارة وخرج به من العبادة وأداء الفرض الذي عليه، ولم يدخل التيمم عليه ضرراً، والله أعلم. (8/33)
صفحة 2381
الباب الرابع
الوضوء بالنبيذ
وعن رجل لم يجد ماءً يتوضأ منه هل يتوضأ بنبيذ أو بلبن؟ قال: أما اللبن فلا، وأما النبيذ فقد زعموا أنّ ابن عباس كان يقول: ثمرة طيبة وماء زلال.
مسألة: وأما ما ذكرت من رجل خلط اللبن والخل بالماء أله أن يتوضأ به والماء غالب عليه، أو كان اللبن والخل مثل الماء وأكثر من الماء؟ قال: إنما جوّز، وإذا كان الماء أكثر من اللبن يتوضأ به وضوء الصلاة إلا الاستنجاء فلا يجوز له، وأما الخل فلم نسمع له والله أعلم.
مسألة: من كتاب الأشراف: أجمع أهل العلم على أن الوضوء بالماء جائز، وأجمعوا على أن الاغتسال والوضوء لا يجزي شيء من الأشربة سوى النبيذ، واختلفوا في الطهارة بالنبيذ عند عدم الماء، فقالت طائفة: لا يجزي الوضوء إلا بالماء خاصة، فإن لم يجد الماء تيمم، لا يجزيه غيره، هذا مذهب مالك، وكذلك قال الشافعي وأبو عبيدة وأحمد بن حنبل ويعقوب، وكره عطاء الوضوء باللبن، وكره أبو العالية الاغتسال بالنبيذ.
وعن ابن عباس أنه قال: لا يتوضأ باللبن إذا لم يجد أحدكم الماء فليتيمم، وقد روينا عن علي وليس إثباتا عنه أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ، وبه قال الحسن البصري والأوزاعي، وقال عكرمة: النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء، وقال إسحاق بن راهويه في الوضوء بالنبيذ: حلو أحبّ إلي من التيمم، وجميعهم أحب إليّ منه، وفيه قول رابع وهو أن الوضوء لا يجزي بشيء من الأشربة إلا بنبيذ التمر، هذا قول النعمان، وقال محمد: يتوضأ به ثم يتيمم. (8/34)
صفحة 2382
قال أبو بكر: الطهارة لا تجزي بغير الماء لقوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، ففرض جل ذكره الطهارة بالماء وفرض على من لم يجد الماء من المرضى والمسافرين التيمم بالصعيد، وروينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد ماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خيرا».
قال أبو بكر: والحديث الذي ذكر فيه الوضوء بالنبيذ حديث ابن مسعود ليس ثابتا لأن الذي رواه أبو زيد وهو مجهول لا يعرف بصحّة عبد الله.
قال أبو بكر سعيد: معنا أنه ما أشبه الماء باسم أو معنى لم يتعدّ من ثبوت أشباهه في أحكام معانيه، فأما إذا لم توجد المياه المضافة كان النبيذ وما أشبهه من الخل مشبها للماء في المعنى، وإن لم يشبهه ويلحقه مع ذلك معنى الاختلاف كما وصفنا في المياه المضافة عند عدم الماء الطهور وإن نزل اللّبن بمنزلة ذلك في الاعتبار لم يتغير من شبهه ولحوق معانيه لأنه ما أشبه الشيء فهو مثله عند عدمه، وإذا كان ذلك أعجبنا مع الاحتياط استعمال ذلك مع التيمم.
ومعنا أنه جاء عن ابن عباس أنه سئل عن الوضوء بالنبيذ؟ فقال: ماء زلال وتمر حلال، وكان معنا إجازة الوضوء بالنبيذ.
مسألة: من كتاب شرح جامع ابن جعفر: وقيل: من لم يكن معه إلا نبيذ توضأ به وتيمم أيضاً، قال أبو محمد: هذا موضع الفكرة، وقد أحلت النظر فيما ذكره من إيجاب المسح بالنبيذ والتيمّم بالتراب مع عدم الماء، والله تبارك وتعالى لم يوجب العدول إلى التراب إلا في حال عدم الماء، وهذا إيجاب فرضين مع عدم الماء، فإن كان النبيذ مطهرا لأنه يقوم مقام الماء فلا حاجة له إلى التيمم بالتراب، وإن كان عدم الماء يوجب العدول إلى التراب فما معنى التمسح بالنبيذ، وأيضا فإن المسح بالماء المستعمل لا يجوز والمسح بالنبيذ أبعد الجواز، وأيضاً فالنبيذ لا يقع عليه اسم ماء مطلق ولا مقيد ولا يقع عليه اسم صعيد، فلا أرى لأمره التطهر بالنبيذ وجهاً، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: وذكر محمد بن جعفر إجازة التطهر بالنبيذ لمن عدم الماء وتيمم أيضا، والذي عندي أن الواجب عليه التيمم بالصعيد لأن صاحب هذا النبيذ لا يخلو أن يكون واجداً للماء أو عادما له، فإن كان عادماً فالتيمم طهارة له، وإن كان واجدا له فالنبيذ غير مجز له عنه لأنه أبعد في الإجازة من الماء المستعمل. (8/35)
صفحة 2383
مسألة: ومن الكتاب: فإن قال: فإن أصحاب أبي حنيفة يجيزون التطهر بالنبيذ، قيل لهم: لم يبيحوا ذلك لاستحقاقه اسم الماء، وإنما أجازوا ذلك بسنة ادعوها، والكلام بيننا وبينهم فيها، والدليل على أنهم لم يبيحوا ذلك من طريق الاسم وأنهم قالوا: التطهر بالنبيذ واجب عند عدم الماء، ففي ذلك دلالة لم يجيزوه من طريق الاسم.
ومن الكتاب: فأما ما ادعى أصحاب أبي حنيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من إجازة التطهر بالنبيذ، فلو ثبت قولهم لم يكن فيما ادعوه دلالة على أن التطهر بغير الماء جائز، وذلك أن النبيذ أصله المنبوذ فنقل من مفعول إلى فعيل، كما يقال: مقتول وقتيل، ومجروح وجريح، واسم النبيذ فقد يقع على الماء الملقى في الطرق وإن لم يماع التمر في الماء، الدليل على ما ذكرنا قول الله عز وجل: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ} (الصافات:145)، أي ألقيناه، ويدل على ذلك قول بعض الشعراء:
يخبرني من كنتُ أرسلتُ أنما
نظرتَ إلى عنوانه فنبذتُه ... أخذتَ كتابي معرضاً بشمالكا
كنبذك نعلاً أخلقت من نعالك
وإذا كان اسم النبيذ واقعاً على الماء والتمر من قبل أن يمتزجا لم يكن فيما ادعوه دلالة على صحة ما اعتقدوه، والدليل على أن التمر لم يماع في الماء قول الرسول عليه السلام عند مشاهدته له: «تمرة طيبة وماء طهور»، فأثبت - صلى الله عليه وسلم - أن في الإداوة ماء وتمراً ولو انماع لم يستحق اسم الماء واسم التمر، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الحكم بين المختلفين ولو ثبت التطهر بالنبيذ في زمن من الأزمان كان منسوخاً لأن ليلة الجن التي روي الخبر فيها عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت بمكة، ونزل فرض التيمم بالمدينة، وكان التيمم عند عدم الماء ناسخاً للنبيذ، والمنسوخ قد ارتفع حكمه والحكم به غير واجب، والله أعلم. (8/36)
صفحة 2384
[صفحة بيضاء] (8/37)
صفحة 2385
الباب الخامس
في شراء الماء
ومن جامع أبي محمد: وإذا تيمم ثم وجد الماء في رحله بعد أن صلى كانت صلاته ماضية لأنه فعل ما أمر به.
ومن الكتاب: فإذا وجد الماء بثمن وكان الثمن يجحف به من ذهاب نفقة أو راحلة أو خشي عند إخراج ذلك الثمن من يده على نفسه لم يكن عليه شراء الماء ويتيمم، وهذا ما لا تنازع فيه بين الناس فيما علمنا، فإذا وجده بالثمن وكان الثمن غير مجحف به وجب عليه شراؤه، لأن القادر على الثمن قادر على الماء، فإذا وجده بثمن يجحف مثل ذلك الماء بدون ذلك الثمن، لم يكن عليه شراؤه ويعدل إلى الماء الذي بدون ذلك الثمن إذا كان الوقت قائما، فأما إذا لم يكن إلا ذلك الماء فالواجب عليه شراؤه لأن الثمن المطلوب منه حيث لا ماء غيره، وكذلك لو جاء إلى بئر ليس عنده حبل ولا دلو وجب عليه شراء حبل ودلو ليتوصل إلى الماء إذا وجد السبيل إلى شرائهما والله أعلم.
ومن الكتاب: وإذا امتنع الماء بغلائه وبلغ فوق ثمنه وكان في شرائه غلاء من عدمه كثير ضرر جاز له التيمم والاستبدال به عنه والاستغناء بالتيمم، وليس له أن يتلف جزءاً من ماله يضر نفسه الدليل على ذلك أن ثوبه لو كانت عليه نجاسة فغسلها فلم يخرج أثرها لم يكن له قطعة ولا إخراج جزء من ماله ولا إتلافه.
مسألة: من كتاب الأشراف: وقال أصحاب الرأي: لا يشتري بثمن كثير واختلف فيه الأوزاعي والشافعي وإسحاق إذا لم يجد الماء إلا بالثمن يشتريه ثمن مثله فإن لم يبع بثمن مثله تيمم، وقال أصحاب الرأي: لا يشتري بثمن كثير (8/38)
صفحة 2386
، واختلف عن الثوري فحكى العدل عنه كقول هؤلاء، وقال الحسن البصري: إن لم تجد الماء إلا بمالك كله فاشتره، وقال مالك: إن كان قليل الدراهم ولم يجد الماء إلا بثمن عال تيمم، وإن كان واسعاً اشتراه ما لم يستطع عليه في الثمن، وقال أحمد: إن كان مستغنياً اشترى، وإن خاف على نفقته فلا بأس.
قال أبو سعيد: أما شراء الماء للوضوء فيخرج عندي في قول أصحابنا في بعض ما قيل أنه ليس له أن يشتريه بأكثر من ثمنه وقيمته، وفي بعض قولهم أنه إذا كان يقدر على ثمنه ولا يخاف الضرر على نفسه كان عليه أن يشتريه إذا وجده للوضوء والغسل، فأما إذا خاف على نفسه الضرر لم يكن عليه أن يشتريه في معنى قولهم وجده بثمنه وأقل من ثمنه وتيمم. (8/39)
صفحة 2387
الباب السادس
في تطهر الرجل بفضل المرأة وتطهر المرأة بفضل الرجل
ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلم لا ينجس»، واختلف أهل العلم في تطهر كل واحد من الرجل والمرأة بفضل طهر صاحبه، وروينا عن أبي هريرة أنه قال: لها أن يغسل الرجل والمرأة من إناء واحد، وروينا عن عبد الرحمن بن جبير أنه قال: تتوضأ المرأة وتغسل بفضل طهور الرجل وغسله، وذكر الحسن وابن المسيب أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة وفيه قول ثابت، وهو أن لا بأس بفضل طهور المرأة، ولا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة ما لم تخلُ به، روي هذا القول عن الحسن وغنيم بن قيس، وكان ابن عمر يقول: لا بأس بالوضوء من فضل شرب المرأة وفضل وضوئها ما لم تكن جنبا ولا حائضا فإذا حلت به فلا تقربه، وقال أحمد: إذا حلت فلا تتوضأ منه، وفيه قول رابع وهو أن لا بأس أن يتطهر كل واحد منهما بفضل طهور صاحبه ما لم يكن الرجل والمرأة جنباً، هذا قول الأوزاعي، وقال الأوزاعي: وما يتوضأ به إذا لم يجد غيره ولا يتيمم فيه قول خامس وهو إباحة اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وبه قال مالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.
وبهذا نقول للأخبار الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدالة على ذلك، قالت عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد.
قال أبو سعيد: معاني الاتفاق يخرج في معاني قول أصحابنا عندي على قول أبي بكر في قوله في آخر الأقاويل، ولا علة تدخل على الماء الطهور فساداً ولا شيئاً يحيله عن أحكامه ما لم تصح نجاسته، ولكن ما أتى في قول أصحابنا أنهم كرهوا للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء الحائض وغسلها، وأما إن كانت جنبا وفي سائر أحوالها فلا أعلم (8/40)
صفحة 2388
في قولهم في ذلك كراهية، وإنما هذه كراهية ليست بحجر ولا معنى لهذه الكراهية إلا على معنى التنزه.
ومن الكتاب قال أبو بكر: واختلفوا في الوضوء بسؤر الحائض والجنب فمن كان لا يرى بالوضوء بسؤرها بأسا؛ الحسن البصري ومجاهد والزهري ومالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وأبو عبيدة والنعمان ويعقوب ومحمد.
وروينا عن النخعي أنه يكره شرب الحائض لا يرى بفضل وضوئها بأسا. وروينا عن جابر بن زيد أنه سئل عن سؤر المرأة الحائض هل يتوضأ منه للصلاة؟ فقال: لا. وبالقول الأول نقول الثابت عن رسول لله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المؤمن ليس بنجس».
قال أبو سعيد: معي أن الماء حكمه طاهر حتى يعلم أنه نجس وقد كره بعض أصحابنا فضل وضوء الحائض، ولا أعلم ذلك يدل على إفساده، ولعله تنزه إلا أن يكون مخصوصا معنا من الجنب به والقائل فلعل ذلك يخرج على المخصوص، وأما عموم الأمر فإن الماء طاهر حتى يعلم أنه نجس بوجه لا يكون له مخرج من النجاسة.
مسألة: وعن رجل يتوضأ أو يغسل بفضل المرأة الحائض فلا يجوز أن يتوضأ بفضل وضوئها.
قال غيره: وقد قيل في ذلك بالكراهية من غير حجر وقيل في ذلك بالإجازة لا بأس بها. (8/41)
صفحة 2389
الباب السابع
في استنجاء المرأة والرجل من الغائط والبول
قلت له: فالرجل إذا استنجى عليه أن يدخل إصبعه في دبره مبالغةً منه للطهارة أم لا؟ قال: معي أنه قيل ليس عليه وإنما عليه أن يغسل ما ظهر من الحلقة الظاهرة وما يليها من خارج ما أدركته حواسه، قلت: فالمرأة إذا استنجت عليها أن تدخل إصبعها في قبلها، قال: معي أنه قيل: إن الثيب عليها أن تدخل إصبعها في الفرج من الحيض والجماع والجنابة، وأما إذا استنجت من الماء فليس عليها أن تدخل إصبعها، فإذا امتسحت من الحيض والجنابة فلا تؤذي الولد إن كانت حاملاً، قلت: فالبكر كيف تستنجي؟ قال: معي أنها تغسل ما ظهر من الفرج من جميع للطهارة.
مسألة: وسألته عن المرأة إذا اغتسلت من الجنابة أو الحيض هل عليها أن تولج إصبعها في الفرج تغسل ما هناك من حيض أو جنابة أم لا؟ قال: معي أنه قد قيل إن عليها ذلك إذا أمكنها أن تولج الغسل حيث نال ذلك إصبعها أو جارحة وتؤمر أن لا تؤذي موضع الولد ولا تضر به، قلت له: فإن كانت محتملة دواءً في قبلها وجامعها زوجها وأرادت أن تغسل وطلبت الدواء فلم تجده وبالغت في الغسل هل عليها فساد في غسلها لذلك الدواء الذي احتملته قبل الجماع أو بعده وفي وقت حيضها؟ قال: معي أنها تبالغ في الغسل على نحو ما تؤمر به من المكنة وليس عليها ما لم تجد أن ذلك يمكن عندي إن كان مما يذوب أن يذوب، وإن كان مما لا يمكن أن يخرج في بعض الأحوال، قلت له: فإن خرج هذا الدواء بعد غسلها من الجنابة بعد أن غسلت، هل عليها إعادة الغسل؟ قال: معي أن غسلها تام ولا أعلم عليها إعادة في غسل. (8/42)
صفحة 2390
ومن كتاب شرح الجامع: وليس على من استنجى من غائط أو بول أن يدخل يده في كوّ الذكر والدّبر وإنما عليه أن يغسل ما ظهر منه، وقال بعض أهل العلم: إنه يجب إذا استنجى أن يكون ثقب الذكر مشتداً.
قال أبو محمد: هذا الذي ذكره كما ذكر لأن الإنسان يتعبّد بتطهير ما ظهر دون ما بطن، والمستحب له أن يرتخي عند الاستنجاء لتكون الطهارة أبلغ وليس بواجب ذلك عليه، وأما قوله قال بعض أهل العلم إنه يجب أن يكون ثقب الذكر مشتداً، فلا أعرف وجه قوله في ذلك، ولم نحفظ فيه سنة ولا أثراً من أهل العلم.
ومن جامع ابن جعفر: وما طار من الماء من الاستنجاء من بعد ثلاث عركات فلا فساد فيه.
قال: النجاسة لم يبن لي عليه غسل ذلك الموضع، لأنه متعبد بغسل ما ظهر من النجاسة دون ما بطن، وأما قوله: وحفظ لنا الثقة عن موسى بن علي -رحمه الله- قال: الاستنجاء من الغائط عشر مرار والاستنجاء من البول خمس مرار، وأما الذي ذكره عن موسى بن علي فلا نحفظه عنه ولا عن ثقة يرفعه إلينا وهذا تحديد يدل على إغفال صاحبه عن وجه التعبد بطهارة النجاسة.
وقال غيره: ثلاث مرار ولم يجعل من الغائط حدا حتى يطهر، لأن طهارة ذلك تختلف لحال القليل والكثير، وأما محمد بن محبوب -رحمه الله- فقال: إن قعد في نهر وعرك موضع الغائط ثلاث مرار ولا يعلم أنه بقي من الأذى شيء أجزاه ذلك، قد قلنا: إن غسل الغائط والبول فيه عبادة وطهارة، فالعدد الذي حدده للغائط لا وجه له من قبل أن الطهارة للعبادة إزالة النجاسة مع كمال العدد الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستنجاء وفي غسل اليد عند إصابتها للحدث في حال النوم، فإذا طهر المكان وزالت عين النجاسة بدون الثلاث، لم يكن بد من استكمال العدد الذي تعبّدنا به، ففرض الطهارة باق إلى أن ينتهي بذلك إلى تطهير النجاسة، ولا نهاية للعدد في ذلك والله أعلم.
وأما ما بقي في اليد من العرف الباقي فيه قال ابن بركة: إن أراد استنجاء فهو كما قال لأن الطهارة لما يمس له عين بنجاسة ثلاثا، وما له عين قائمة فهو ثلاث إن زالت عين النجاسة وإن لم تزل عين النجاسة ففوق ذلك إلى منتهى زوال عينها فإن أراد أنه ما طار من استنجاء الغائط فلا أعرف وجه هذا القول لأن الغائط تختلف (8/43)
صفحة 2391
أحواله في الكثرة والقلة والثخانة والرقة، وقد تزول عينه بالثلاث وقد لا تزول بأكثر من ذلك، فلا أرى لهذا التحديد وجهاً، لأن النجاسة ما كانت قائمة العين أو مدركة ببعض الحواس، فحكمها باق فما انفصل منها في ماء فلاقى شيئاً نجسه إذا كان ذلك بالمقدار الذي لا يحمل النجاسة فالله أعلم.
مسألة: وسألته عمن يريق البول هل عليه غسل الفرجين جميعاً مثل ما يلزمه من غسلهما عند غسل الجنابة؟ قال: لا ليس عليه أن يغسل إلا موضع البول إذا لم يكن منه غير البول، قلت: فإن خرج من رجل ريح هل عليه من ذلك استنجاء؟ قال: لا.
مسألة: من كتاب الشرح: وأما قوله وعنه وعنه فيمن أراق البول ولم يفض بوله على سمة ذكره أنه لا استنجاء عليه، وكذلك إن خرج الغائط بلا أن يفيض منه شيء فهو كما قال إذا رمى رمياً فلم يظهر ولم يبق له على ظاهر البدن شيء من النجاة لم يبن في الثوب أو البدن أو غيره إذا صحّت الطهارة ولم يكن اللون والرائحة شيئا من حكم النجاسة لأن النجاسات أجسام والأجسام لا تنجس.
ومن الكتاب ومن جامع ابن جعفر: وقيل: لسان الماء السائل من الاستنجاء يفسد وما سال بعد ذلك فلا بأس به.
قال أبو محمد: الذي ذكره من لسان الماء وما انفصل معه من النجاسة وامتزج به منها والماء قليل فأما لسان الماء الذي فيه شيء من نجاسة الاستنجاء ويبالغ الماء بعده حتى كثر، فحكم النجاسة يرتفع بغلبة الماء الطاهر عليه إذا كثر، ولو كان لسان الماء يكون نجساً في ابتدائه، وفي حال تكاثر الماء الطاهر عليه لوجب أن يكون نجساً، ولو دفع السيل خلفه أو بلغ من قرية إلى قرية، ولا أظن هذا يقول به قائل من أهل العلم.
مسألة: ومن غيره: وقد بقيت خصال أربع كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استنها والمسلمون يفعلونها، ولا يترك الاستنجاء بالماء من الغائط وغسل الذكر والمضمضة والاستنشاق سنّة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وكان رجل من الأنصار من أهل قباء قبل أن يستن به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله فيه: {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (التوبة:108)، فكان عطاء وأنس بن مالك يقولان سنة لا يتركان، وكان أبو حنيفة وسفيان الثوري لا يوجبانه في الوضوء، ويوجبانه في الغسل، ويقولان من تركه في الوضوء وصلى فصلاته تامة، وإن تركه في الغسل أعاد (8/44)
صفحة 2392
وليس ينبغي لأحد من المسلمين أن يترك هذه الخصال وهو واجد للماء، وكان الربيع يقول: لو أن رجلا بال ونظف نفسه بالحجر أو غيره تنظيفاً حسناً ونسي أن يغسل ذكره وتوضأ وضوء الصلاة وصلى أجزاه ذلك، ولم يعد الوضوء ولا الصلاة.
قال غيره: الظاهر من قول أصحابنا أن عليه الإعادة للوضوء ومنه، وأما الغائط والبول فإنه كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يفعل هذا أدّب غيره كان يأمر أصحابه إذا أتوا الغائط ألا يستقبلوا القبلة بفروجهم ولا يستدبروها ولكن يشرقوا أو يغربوا، ولا يستنجوا بأيمانهم ولا يستنجوا برجع ولا بعظم، والرجع الروث والعذرة اليابسة والحجر الذي فيه العذرة، فهذا من الأدب في إتيان الغائط، وأمرهم أن يستنجوا بثلاثة أحجار، وكان يجعل ذلك طهورهم من الغائط وفريضة عليهم واجبة، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد في الاستنجاء أدباً وتنظيفاً مع هذه، فغسل آثار الغائط والبول بعد طهوره بالحجارة وأمر أصحابه بذلك من الرّجال والنساء، وحدّث بذلك معاذ عن عائشة أنها قالت: مروا أزواجكن أن يغسلن أثر البول فإن نبي الله كان يفعل ذلك.
وقد بيّنا الأبواب الأربعة التي استسنّ بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر به أصحابه أن يفعلوه ولا يتركوه، وقال الله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر:7).
مسألة: ومن غير الكتاب: وعمن يستجي من ماء فيمس ثوبه لسان الماء وهو يستنجي ثم مرّ عليه بعد ذلك الماء الطاهر، فروي عن بعض الفقهاء أنه قد طهر، قال: وأنا يعجبني أن يغسله.
مسألة: قال المضيف: وقد وجدت عن الربيع بن حبيب أن الماء الذي يصيب ثوب الرجل وهو يستنجي فلا بأس، ولم ير أبو عبد الله على من توضأ واستنجى ثم وقع ثوبه في الماء الذي يستنفع من استنجائه بأسا؛ لأنه إذا استنجى أكثر من ثلاث نضحات، كان هذا الماء المؤخر طهور الأول ولو كان الماء مستنقعاً.
مسألة: وقيل على المرأة أن تدخل يدها في فرجها للاستنجاء من الجنابة والحيض، وأما البول فليس عليها ذلك من البول.
مسألة: وعن شيخ زمن أو رجل مريض هل تطهره أو تنجيه ابنته أو أخته أو الرجل الغريب أو القريب أو من حرم عليه نكاحه، هل يجوز له أن يطهره وينجيه أحد من هؤلاء؟ (8/45)
صفحة 2393
قال: أحفظ عن جعفر وأظنه كان يرويه عن أبي يزيد قال: لا ينجي الرجل إلا امرأته أو أمته، ولا ينجي المرأة إلا زوجها وهذا أحب إليّ، وقال أبو عبد الله: إذا كان مضطرا فلا بأس بذوات المحارم أن ينجين ويوضئن وكذلك الآباء.
مسألة: قال أبو معاوية: غسل البول والغائط واجب بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الناس على غسل الأذى الذي يكون في الإنسان قبل الوضوء والبول أو الغائط من أشد الأذى.
مسألة: وعن رجل ترك الاستنجاء في الوضوء ولا يستنجي ويزعم أنه من السنة وإن لم يستنج، فلا أبالي فما حاله في ذلك، أتجوز صلاته أم لا؟ قال نصر بن سليمان: لا صلاة له بغير استنجاء.
مسألة: قلت له: فالاستنجاء فريضة أو سنة؟ قال: معي أنه قد قيل سنة ولعل بعضا يقول: إنه فريضة، قلت له: فالذي يقول: إنه فريضة من أين ثبت فرضه من كتاب الله؟
قال: معي أنه من قول الله فيه: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}، وقال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً}، هذا كله متساو في الاسم، وهذا فيما قيل ما أثناه الله تعالى على أهل مسجد قباء إلى الاستنجاء من غير أمرً أمروا به، وأثنى الله عليهم فيما أحسب وذلك أنهم كانوا يستنظفون بالماء من البول والغائط أحسب في وقت ما كان يجوز ذلك أن يستنجي المحدث من البول والغائط بثلاثة أحجار، فهدى الله أهل مسجد قباء إلى أمر أمروه به، وأثنى الله عليهم فيما أحسب ونسخ الاستنجاء بالأحجار، وثبت الاستنجاء بالماء وبالسنة والدليل من الكتاب وذلك عندي إذا وجد الماء، فإن لم يجد الماء فالاستنظاف بالأحجار ثابت عندي لإزالة الأذى من جميع النجاسات بما قدر عليه من إزالته إلا ما عدمه من الإزالة بالماء لأن ذلك عندي ثابت في المخاطبة من جملة الاستنظاف والتطهر.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: والمستحب الاستنجاء بالشمال لما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اليمين لما علا والشمال لما سفل».
قال المضيف: لعله يعني لما علا للأكل ولما سفل للاستنجاء والله أعلم.
رجع: ويستحب في الاستنجاء أن يبدأ بالقبل قبل الدبر وإن بدأ بالدبر قبل القبل فجائز. (8/46)
صفحة 2394
وفي موضع: ومن شك في غسل البول وهو في غسل الغائط لم يجاوزه حتى يحكمه لأن الاستنجاء واحد لأنه بما شاء بدأ بها.
مسألة: ومن شك في الاستنجاء أنه لم يحكمه أو لم يغسل فلا يرجع إلى الشك.
مسألة منه: ويجوز أن يوضئ المريض ولده وأخوه ولا ينجيه إلا ولَيهُ بخزقة، وقال من قال: لا ينجيه وليه ولا الأجنبي ويمسحوه.
ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بثلاثة أحجار للاستنجاء وممن كان يستنجي بثلاث أحجار ابن عمر والحسن وسعيد بن المسيب، وروينا ذلك عن خزيمة بن ثابت وأنكر الاستنجاء حذيفة وسعيد بن مالك وابن الزبير، وقال سعيد بن المسيب: ويفعل ذلك إلا النساء، وكان الحسن البصري لا يغسل بالماء وروينا عن عطاء أنه قال: غسل الدبر محدث، وكان سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يرون الاستنجاء بالحجارة، قال مالك: فمن استنجى بالأحجار ولم يستنج بالماء لا يعيد، وقال ابن عمر: الاستنجاء بالماء بعد أن لم يكن يراه لنافع جربناه فوجدناه صالحاً وهو مذهب رافع بن خديج، وروي ذلك عن حذيفة، روي عن ابن عباس أنه كان يستنجي بالخوص، وثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار»، وبه نقول، وإنما يجزي ثلاثة أحجار إلا إذا لم يعدم الأذى المخرج، فإن عدا المخرج لم يجزه فيما عدا المخرج إلا الماء، وهذا على مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه، قال قائل: يجزي فيما قارب المخرج وهذا أقل من يقول، والنجاسات في غير موضع الاستنجاء لا تزال إلا بالماء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل دم الحيض، وأزيل الدم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم جرح بأحد بالماء.
وروينا عن محمد بن سيرين أنه قيل له رجل صلى بقوم فلم يستنج، قال: لا أعلم به بأساً فإن كان أراد ابن سيرين من خرج منه ريح فهو كما قال، وإن أراد خروج الغائط فهو قول فاسد لا معنى له.
قال أبو بكر: الاستنجاء بثلاثة أحجار إذا نقاه يجزي لا شك فيه، وكان عطاء يقول: إني لا أستنجي بالأذخر، وقال طاووس: أحجار ثلاثة أو ثلاث حثيات من تراب أو ثلاثة أعواد، وكذلك يجزي عند الشافعي، وكذلك إن كانت أجرات أو (8/47)
صفحة 2395
مقايس أو خزف، فهذا على مذهب إسحاق وأبي ثور، وأجاز مالك الاستنجاء بالمدر، وكان الشافعي يقول: إن وجد حجراً لها ثلاثة وجوه فامسح بكل واحدة مسحة كانت كثلاثة أحجار، وبه قال أبو ثور وإسحاق.
قال أبو بكر: إذا أمر الناس بعدد شيء لا يجزي أقل منه لا يجوز أن يرمي الجمار بأقل من سبع حصيات، وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار كفاية»، ودفع ظاهر هذا الحديث غير ممكن، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الاستنجاء بالروث والعظام، وقال سفيان الثوري: لا يستنجي بروث ولا برجيع، ويكره أن يستنجي ما قد استنجى به، وقال إسحاق وأبو ثور: لا يجوز الاستنجاء بعظم ولا غيره مما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال الشافعي: لا يستنجي بعظم ذكي ولا ميت ولا بمحجمة، ويستحب أن يقول المرء عند الخروج من الخلاء: غفرانك.
قال أبو سعيد: يواطئ قول أصحابنا أن الاستنجاء بالأحجار عند وجود الماء، وإنما يخرج معاني ثبوت الاستنجاء بالأحجار عند عدم الماء لإزالة ما أمكن إزالته من النجاسات وحسن إن فعل بأمر بالاستنجاء بالأحجار وغسل بالماء بعد ذلك، والاستنجاء بالأحجار منسوخ من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثبوت الاستنجاء عنه بالماء لقول الله تبارك وتعالى فيه: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}، فثبت أنه كان ذلك منهم كانوا يمرون على مواضع البول والغائط قبل أن يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ويستسنه، فلما زالت سألهم عن ذلك فيما قيل فوجدهم على ذلك فأمر به، وأثبت وثبت من سنته وصار الاستنجاء بالأحجار منسوخاً بالكتاب والسنة إلا عند عدم الماء، وإنما نسخها وجود الماء، وإذا ظهر البول والغائط في موضع ما يدركه بالاستنجاء بالأحجار ثبت غسله بالسنة والكتاب. (8/48)
صفحة 2396
[صفحة بيضاء] (8/49)
صفحة 2397
الباب الثامن
في المقرن والمسترسل البول من كتاب الشرح
وعن موسى بن علي قال: إذا كان الرجل يقطر بوله ولا يحتبس فيجعل كيساً أو شيئاً يجعله فيه ثم يتوضأ ويصلي.
قال أبو محمد: الذي سمعنا أن الواجب على من لم يستمسك بوله أن فرض الطهارة الماء له لازمة، وإن قطر بوله فإنه يكون متطهرا مع تقطير البول، إذ لا يستمسك بوله، فإن أمكنه أن يصون ثيابه شيء عنه، فالواجب عليه فعل ذلك والله أعلم.
ومن جامع أبي جعفر: وثلاثة لا يطهرهم الماء الحائض والمقرن والأقلف المقرن الذي يتبعه البول والغائط.
قال أبو محمد: إن الطهارة لا تصح من الحائض، فهو كذلك لأنها لا تكون متطهرة بالماء، واسم التطهر لا يحصل لها إلا بعد ارتفاع حيضها وانقطاع الدم عنها، وأما الذي يتبعه البول والغائط فإن الطهارة لا تصح في حال ظهور الغائط والبول، فأما إذا ارتفعا فإن الطهارة تصبح منه لأن من كان البول والغائط لا يفتر خروجهما منه فإنه مأمور بالتطهر للصلاة مع دوام خروجهما، ولا يجوز أن يكون مأموراً بالتطهر، ولا يصح له ما أمر بفعله، فإذا كان مأموراً بفعل ذلك ففعل ما أمر به وامتثله، فقد استحق اسم المتطهر والله أعلم.
مسألة: وقيل: ثلاثة لا يطهرهم الماء الأقلف والحائض والمقرن، قلت له: المقرن ما هو؟ قال: الذي يزدحمه الغائط والبول جميعاً، وقال حيان: كأنه مصرور في ثوبه.
قال غيره: وقد قيل: المقرن الذي يدافع البول والغائط مدافعة يشغله ذلك عن (8/50)
صفحة 2398
حفظ صلاته أو شيء منها فذلك المقرن.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ: وقال: من أراق البول وكان عادته الاستبراء فلم يستبرئ وتوضأ وصلى كان عليه إعادة الصلاة، وإن لم يكن له عادة الاستبراء لم يكن عليه في ذلك بأس والله أعلم. (8/51)
صفحة 2399
الباب التاسع
فيمن كان معه قليل لا يجزيه لغسل نجاسته
أو لغسل ثيابه أو جنابته ووضوئه وما أشبه ذلك
وقال النعمان ومحمد: إذا كان المسافر معه ماء قليل قدر ما يتوضأ به وفي ثوبه دم، غسل بذلك الماء الدم وتيمم، وهذا على قول الشافعي، وحكى النعمان عن حماد أنه قال: يتوضأ ولا يغسل الدم.
قال أبو بكر: يغسل الدم، واختلفوا فيمن كان على بدنه نجاسة ولا ماء معه فكان الثوري والأوزاعي وأبو ثور يقولون: يمسحه بتراب ويصلي، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي.
قال أبو بكر: وقول الشافعي المعروف من قوله بمصر أن التيمم لا يجزي على البدن ويعيد ما صلى.
قال أبو سعيد: مما في قول أصحابنا يخرج عندي لمن كان معه ماء قدر ما يتوضأ به وثوبه نجس، فإن غسل ثوبه لم يبق له ما يتوضأ به، وإن توضأ به لم يبق له ماء يغسله، أنهم يختلفون في ذلك، فبعض يتوضأ وييمم ثوبه ويصلي، وبعض يقول: يغسل ثوبه ويتيمم ويصلي.
ويعجبني غسل الثوب للإجماع على تيمم البدن والاختلاف في تيمم الثوب، وكذلك النجاسة في البدن من الغائط أو غيره، وكان الماء يجزي غسل النجاسة والوضوء ويجزي أحدهما، فالاختلاف فيه من قولهم واحد، ويعجبني الاستنجاء وغسل النجاسة من البدن والتيمم للوضوء لثبوت ذلك مجتمعا عليه والاختلاف في النجاسات، ولأنه لا ينعقد الوضوء ولا التيمم إلا بعد إزالة النجاسات بما قدر عليه (8/52)
صفحة 2400
من إزالتها، وكذلك في معنى التيمم عند عدم الماء في معاني قولهم أن عليه أن يزيل ما قدر على إزالته من النجاسات من بدنه وثوبه بحك أو مث أو كس اليابس منه ثم يتيمم بعد ذلك وييمم ثوبه ويصلي.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: وإذا كان عند الرجل ماء وهو محدث من غائط أو بول ولا يكفيه لغسل حدثه وطهارة أعضاء بدنه كان عليه في قول أصحابنا الاستنجاء .. فإذا حصل طاهرا ولم يجد ماء لأعضائه تيمم وكان عند أصحاب هذا القول مخاطبا بالآية: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ}، وقال بعضهم: عليه إماطة النجاسة وتنقيتها عن بدنه ثم يستعمل الماء لأعضائه التي خوطب بتطهيرها بالماء عند قيامه إلى الصلاة.
والنظر يوجب عندي أنه مخير في استعماله لأيهما شاء لأنهما فرضان، غسل الأعضاء بالماء فرض عند وجوده، وغسل النجاسة فرض بالماء عند وجوده، وإذا لم تقم دلالة على أحدهما كان مخيراً في استعمال الماء بأيهما شاء والله أعلم.
فإذا كان محدثاً ولا نجاسة في بدنه وعنده من الماء ما لا يكفيه لغسل أعضائه المأمور بغسلها إذا أراد الصلاة، كان المأمور به استعمال الماء على ما يكفيه من أعضائه ويتيمم لما بقي منها.
وقال بعض مخالفينا أبو حنيفة وداود أن عليه أن يتيمم ولا يستعمل الماء لأن الله عز وجل ذكره لم يتعبد بطهارة واحدة بالماء وبالتيمم، واحتجوا بقول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ} يتطهرون به وهذا ماء غير مطهر لنا، قال: وإذا لم يكن عنده ماء ما يكفي إلا لبعض أعضائه فهو غير واجد للماء الذي أمر بالطهارة به، فالواجب عليه التيمم وليس عليه استعمال الماء الذي لا يطهر والذي قلنا أشبه بالسنة وأولى بالحجة، وذلك أن الله جل ذكره أوجب غسل كل عضو على انفراد، ولم يقل إذا عجزتم عن غسل بعض أعضائكم فلا تستعملوا الماء، فالواجب أن يستعمل ما قدر على استعماله، الدليل على ذلك قول الله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر:7)، والدليل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، فهذا يقدر أن يغسل بعض أعضائه فعليه إتيان ما استطاع.
ودليل آخر أنه لا يجوز له العدول إلى التراب ولو واجد للماء قول الله تعالى: (8/53)
صفحة 2401
{فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ}، فجعل شرط التيمم بعد عدم الماء، والماء موجود فليس عليه أن يعدل إلى التراب يفنيه، فيدخل في قوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ} ولم يقل الله فإن لم تجدوا ماء يكفي أعضاءكم، فإذا كان هذا هكذا أوجب عليه استعمال الماء، فإذا عدم الماء وبقي من أعضائه شيء عدل إلى التراب بظاهر الآية والله أعلم.
ومن الكتاب: ومن لزمه عتق رقبة في الظهار ولم يجد إلا نصف رقبة سقط عنه وكان عليه الصوم، ومن لزمه فرض الطهارة ولم يجد إلا ما يكفي بعض أعضائه للطهارة كان عليه أن يتوضأ بما معه من ماء وتيمم لما بقي من أعضائه، الفرق بينهما أن الرقبة لو قطع بعضها لم تجز عن العتق ولو قطع بعض الأعضاء كان الفرض باقيا في بعضها لم تجز عن العتق ولو قطع، ودليل آخر أن الفرض في كل عضو دون الآخر فإذا توضأ بما معه من الماء لبعض أعضائه التي قد انفرد كل عضو منها بالأمر بغسله بقي الأمر بوضوء باقيه، فإن وجد الماء لبقاء الخطاب في باقيه وإلا تيمم والله أعلم.
وقال بعض مخالفينا: إن فرض الطهارة يسقط عنه لأنها تجزي عنه ويتيمم.
ومن الكتاب: ولو كان رجل محدثا ومعه ماء قليل وليس عنده غير ثوب نجس والماء لا يكفيه لحدثه وطهارة ثوبه كان له أن يستعمله لحدثه إن شاء، وإن شاء لطهارة ثوبه لأن تطهير الثوب للصلاة فرض لقول الله تبارك وتعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (المدثر:4)، فالطهارة من الحدث بالماء فرض عند وجوده لقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} الآية، وقال أصحابنا: إنه يستعمل الماء لحدثه ويصلي بالثوب.
مسألة: من الزيادة المضافة: وإن كان جماعة ليس معه ماء إلا ما يكفي واحداً فإن كان لهم إمام لصلاتهم فليدفعوه إليه وبالله التوفيق. (8/54)
صفحة 2402
[صفحة بيضاء] (8/55)
صفحة 2403
الباب العاشر
في الوضوء
ومن جامع أبي محمد: الفرائض في الطهارة للصلاة ست خصال: الماء الطاهر والنيّة وغسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل القدمين.
والحجة في وجوب النية قول الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة:5)، والنية عقد بالقلب وعزيمة على الجوارح والحجة في وجوب التطهر بالماء الطهور قول الله عز وجل: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} (الفرقان:48)، والحجة في وجوب غسل الأعضاء قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} (المائدة:6).
والسنة في الوضوء للصلاة ست خصال التسمية وغسل اليدين والاستنجاء والاستنشاق والمسح للأذنين.
والحجة في التسمية قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه»، والفائدة في هذا ما لا ينصرف الإنسان من الطاعات فأرشدنا - صلى الله عليه وسلم - أن الاعتصام بذكر الله في تصرفنا فيما أردناه من الطاعات لله عز وجل.
والحجة في غسل اليدين قوله عليه السلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الماء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده».
والحجة في الاستنجاء بظاهر التنزيل وهو ما أثبته من المدح لأهل قباء قول الله تعالى فيه: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (التوبة:108).
والحجة في قول المضمضة والاستنشاق وهو ما نقل عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم – من (8/56)
صفحة 2404
فعله مواظبا عليه أنه كان يبدأ بهما قبل الأعضاء، فهذه سنة منقولة إلينا عنه عملاً في الليل والنهار.
والحجة في مسح الأذنين مستنبط من الإجماع وهو أنهم أجمعوا جميعا أن الماسح عليهما لأنه يجزيه من المسح على رأسه والمحرم لا يجزيه الأخذ من شعرهما عن تقصيره في إحرامه، فدل هذا أن حكمهما خارج من حكم الرأس وحكم الوجه، وقد أجمعوا بعد إجماعهم على أن ليس على المتيمم أن يمر يده عليهما مع مسح الوجه، فالإجماع يدل على خروجهما من حكم الرأس وحكم الوجه، فصارتا بهذا الدليل سنة على حياتهما وبالله التوفيق.
مسألة من الزيادة المضافة: قال الشافعي: الوضوء يجمع فرضٌ وسنة وهيئة، فالهيئة غسل اليدين قبل إدخالهما الماء، والتسمية وتسمى هيئة لأنها سبب الطهارة والله أعلم.
مسألة منه: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أردتم الوضوء فضعوا الإناء عن أيمانكم وأفيضوا منه على يساركم واغسلوا أيديكم ثلاث مرات وقولوا بسم الله العظيم الحمد لله على الإسلام».
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقال الله تبارك وتعالى في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} (المائدة:6).
وقيل: لا يحافظ على الوضوء منافق، ولا تقبل صلاة بغير طهر، والوضوء أن يذكر اسم الله عليه ثم يبدأ بكفيه فيغسلهما ثم يتمضمض ثم يستنشق ثم يغسل وجهه ثم يغسل يديه إلى المرافق ثم يمسح برأسه ثم أذنيه ثم يغسل رجليه إلى الكعبين كل عضو ثلاثا، وإن زاد أو نقص فلا بأس إذا أسبغ الوضوء.
ومن غيره: قال: لا تقبل صلاة بغير طهر، ويروى ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صلاة لمن لا طهور له»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الوضوء نصف الإسلام»، وبلغنا أن الطهور من السرائر، وبلغنا أنه لا يحافظ على الوضوء منافق، حدثنا أن رجلا توضأ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وترك موضع درهم من رجله ثم صلى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الوضوء نصف الإسلام، فإذا توضأت فأسبغ وضوءك»، ثم أقبل على أصحابه فقال: «وأنتم فأسبغوا وضوءكم أجمعين»، فتوضأ الرجل وأعاد صلاته. (8/57)
صفحة 2405
وبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «من لم يسبغ الوضوء بعث الله عليه يوم القيامة عقارب وحيات ينهشن ويلدغن ما ترك في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد»، وقال: «ما من شعرة لا يمر عليها الماء إلا استقلت يوم القيامة»، ويروى أن ذلك في الغسل من الجنابة.
وبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «خللوا أصابعكم قبل أن تخلل بمسامير من النار»، ويقول: «ويل للأعقاب من النار»، ويقال: لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
مسألة: من الزيادة المضافة: قال أبو سعيد: قد قيل: لا تثجوا الماء ثجاً وبثوه بثاً، قيل: وما تفسير البث؟ قال: هو عندي أنه يؤخذ ماء قليل فيبث على الجارحة لمسحها وغسلها، ويقال: السويق المبثوث إذا كان مبثوثا بالعسل، ولا يقال المبسوس لأن البس للشيء هو تفريقه.
مسألة من الضياء: وما من مسلم كان على وضوء إلا سبحت أعضاؤه واستغفر له ملك وكان في عبادة وأحبته الحفظة، وقيل: الطهارة قرة عين المسلم، وفي الخبر أن المؤمنين يوم القيامة يكونون غراً محجلين وذلك علامة لموضع وضوئهم.
وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت الغر المحجلون من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته بالماء فليفعل»، معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يطيل غرته بالماء»، يريد إسباغ الوضوء، وإسباغ الوضوء في اللغة هو المبالغة فيه وأن يعم الجارحة بالوضوء. ومعنى قوله: «الغر» يعني البيض، فإن الله تعالى حشرهم وقد بيّض وجوههم وجعل مواضع الطهور لها فضلا في الحسن والبياض.
مسألة: وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أول من علمني الوضوء جبريل - صلى الله عليه وسلم -».
مسألة منه: ويستحب الاقتصاد في الماء، ويكره السرف فيه، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مر برجل وهو يغرف من النهر ويسرف، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسرف، فقال يا رسول الله ومن النهر أيضا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ومن النهر».
ولا بأس بقلة الماء إذا عم الجوارح، فقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتوضأ، قال المضيف: لعله أراد كان يتوضأ بماء لا يبل الثرى، وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «اعلموا أن أحب (8/58)
صفحة 2406
الوضوء إليّ ما خف، وأكره إليّ ما ثقل، وإتمام الوضوء وإسباغه في مواضعه، وخيار أمتي الذين يتوضأون بالماء اليسير فإن الوضوء يوزن وزنا فما كان منه بتقدير وسنة رفع وختم تحت العرش فلا يكسر إلى يوم القيامة، وما كان منه بإسراف أو بدعة لم يرفع وتوضأوا بالمد واغتسلوا بالصاع». (8/59)
صفحة 2407
الباب الحادي عشر
في النية للطهارة
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وكان ربيعة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور يقولون: لا يجزي وضوء من لم ينو الطهارة، وقال الثوري وأصحاب الرأي: يجزي الوضوء بغير نية ولا يجزي التيمم إلا بنية، وقد حكى الأوزاعي أنه قال: إذا علم الرجل التيمم وإن لم يتيمم لنفسه يجزيه كالوضوء، وبه قال الحسن بن صالح، وبقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقول، قال أبو بكر: وإذا توضأ ينوي طهارة من حدث أو طهارة لصلاة فريضة أو نافلة أو قراءة قرآن أو صلاة على جنازة فله أن يصلي بهذه المكتوبة في قول الشافعي وأبي عبيدة وإسحاق وأبي ثور وغيرهم من أصحابنا.
وكذلك نقول: قال أبو سعيد: التواطي من قول أصحابنا على أنه لا تجوز الأعمال إلا بالنيات، وأن الوضوء عمل مما يلزم فيه النية مع العمل، وقد أتى من معاني قولهم أنه من توضأ الوضوء التام بعمله التام إلا أنه لم ينوه الوضوء اختلاف، ففي بعض قولهم أنه وضوء لثبوت العمل مع تقدم النية، لأن المؤمن متقدم بنيته بأداء المفروضات عليه وعمل الطاعات، وقد كان منه العمل الذي هو إيمان ولن يضيع إيمانه لنسيانه لإحضار النية عند الوضوء، فإن ذكر ذلك تصرف ذلك العمل إلى غيره ولم يعتقد أو اعتقد غيره، لم يثبت العمل في ذلك ولم ينعقد الوضوء.
وفي بعض قولهم أنه لا ينعقد إلا أن تحضر النية في وقت العمل، فهذا في ثبوت الوضوء، وأما من توضأ لغير الفرائض مما لا يقوم إلا بالوضوء، فمعي أنه يخرج من قولهم أنه لا يصلي به الفرائض لأنه ليس بفرض، والفرض لا يقوم إلا بالفرض، وفي بعض قولهم أن يصلي به إذا حفظه. (8/60)
صفحة 2408
وأما التيمم فيخرج عندي مخرج الوضوء إذا وقع موقعه حيث ينعقد التيمم، فإنما ينعقد التيمم عند عدم الماء وحضور المخاطبة وبلوغ الإجازة به في الحد الذي يكون مطهرا، فإذا وقع ذلك التيمم في هذا الحال خرج عندي مخرج الوضوء لثبوت نية المؤمن المتقدمة، وأنه لا يضيع عليه إذا وقع موقعه في موضعه.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: والذي ينبغي للإنسان إذا أراد الوضوء للصلاة بأن يذكر اسم الله قبل أن يدخل يده في الماء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه»، والذكر قد يكون بالقلب فمن أراد بوضوئه لله تعالى أو لشيء مما يقرب إليه فقد ذكر اسم الله عليه، وهذا يدل عليه وعلى صحته قول النبي عليه السلام: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى»، وإن كان بعض أصحابنا قد أطلق إجازة الطهارة بغير نية إذا أتى بصيغة الفعل المأمور بها وأثبتها له، وأظن أصحاب هذا القول يذهبون إلى أن الأمر بالنية من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته، ترغيباً لهم في نيل الثواب لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، فلما كان جار المسجد إذا صلى في غير المسجد مؤدياً لفرضه بإجماع الأمة، وكذلك عندهم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا عليه وضوء لمن لم يذكر اسم الله»، إنما أراد به تضعيفاً لثوابه، فعندهم أن هذا من الرسول عليه السلام حث وترغيب لأمته فيما يشرف أعمالهم به.
وعندهم أيضاً أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات»، أنه عمل وإن لم تكن نية لأنه ليس في الخبر لا عمل إلا بنية، كما تقول العرب الرجل بعشيرته، المرء بقومه، والإنسان بنفسه، وإن لم تكن له عشيرة، وهذا على تأكيد الخبر وبالمجاز، والذي نختاره نحن أنه لا يكون متطهراً لوضوء صلاة أو لغسل إلا بنية وقصد؛ لأن الوضوء فريضة والفرائض لا تؤدى إلا بالإرادات وصحة العزائم ونحوها.
قال خلف بن زياد البحراني في سيرته: عندما أمر به وحث عليه، قال: وليحضركم مع ذلك نياتكم بابتغاء الوسيلة إليه والنجاة عنده في أداء حقوقه واتقاء نهيه، لأن الله عز وجل لا يقبل الطاعة ممن أطاعه إلا على ذلك من النية، لأن كل فعل أوجبه الله على أحد من عباده، فمحال أن يكون خارجاً منه إلا بأدائه، وليس بمؤد له من لم يقصد إلى أداء فرضه.
ومن الكتاب: ويستحب للمتطهر إذا أراد أن يغسل يده للطهارة من حدث ألا يدخلها في الماء حتى يغسلها ثلاثا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من نومه (8/61)
صفحة 2409
فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده».
وهذا عندنا على الندب لا على الفرض، ويدل على ذلك ما روي في خبر أنه قال عليه السلام: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، منه إشفاقا فإن تكن قد وقعت على موضع نجس من بدنه، وهذا كان قبل وجوب الاستنجاء بالماء.
وقد خالفنا في تأويل الخبر داود ومتبعوه وذهبوا إلى أن غسل اليد على الفرض بظاهر الخبر، وحكم الجنب والحائض والنفساء حكم الطاهر في الاسم، لما روي أن حذيفة بن اليمان لقيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلم عليه فمد يده ليصافحه فقبضها وقال: إني جنب، فقال النبي عليه السلام: «المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً»، أو قال: «المؤمن لا يكون نجساً».
مسألة: ومن الكتاب قال الله جل ذكره: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، وأجمع المسلمون أن التطهر عبادة تعبد الله بها خلقه فلا تجوز إلا بنية، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، فإذا لم تكن له نية لم يكن له إلا ذلك العمل.
ووجه آخر: وهو أن صورة الفعل وهيئته لا تدل على طاعة ولا معصية، وإنما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا انضافت إليه النية، الدليل على ذلك قول الله عز وجل: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} (الإنسان: 8 - 9)، مدحهم الله تعالى بإنفاقهم أموالهم إذا كانت المقاصد لله عز وجل، وقال في موضع آخر: {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ} (النساء:38)، فذمهم بالإنفاق لأنهم لم يقصدوا الله جل ذكره بها، وقد استوى الإنفاق في الظاهر وهذا منفق وذلك منفق حصل أحدهما طائعاً للإخلاص والقصد إلى الله عز وجل، والآخر عاصيا لتعريه من هذا الحال مع تساويهما في الإنفاق.
وأيضا فإن الإنسان لو أصبح غير ناوٍ للصوم، واشتغل عن الأكل والشرب والمنكح حتى غربت الشمس لم يستحق اسم الصائم، ولا يسمى مطيعاً لأنه تعرى مع الإمساك من النية، وما أتاه فهو صورة الصوم، ولو تقدم هذا الإمساك نية من الليل لسمي مطيعا، واستحق اسم صائم، وإذا كان هكذا فقد صح أن هيئة الفعل وصورته لا تدل على طاعة ولا معصية، وقد قال الله تبارك وتعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}، فالإنسان إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار لم يسم مطيعاً، وإنما (8/62)
صفحة 2410
يسمى المطيع مطيعاً أن يرقب أمر المطاع فيأتيه امتثالاً لأمره فحينئذ يستحق اسم مطيع.
وقد أجاز أبو حنيفة الطهارة بغير نية مع إجازته للقياس والقول به، والأولى لمن قال بالقياس ألا يجيز الطهارة إلا بالنية، لأن التيمم عنده بدل من الطهارة، وقد قامت الدلالة عنده أن هذا البدل لا يجوز إلا بقصد ونية، فالذي أبدل منه أولا لا يجوز إلا بنية وإذا كان هكذا وجب إحضار النية للطهارة وسائر العبادات بظواهر الأدلة التي ذكرناها وبالله التوفيق.
فإن احتج محتج لأبي حنيفة فقال: إن التيمم قد نزل النص فيه بالنية والطهارة بالماء معراة من هذا التقييد، ألا ترى إلى قول الله عز وجل: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، والتيمم هو القصد في اللغة.
قيل له: فيما أوردت دلالة صحة على مقالتك وذلك أن الله تعالى أوجب عليه قصد التراب، وليس في أمره لقصد التراب دلالة أن التيمم يفتقر إلى النية، لأن الإنسان قد يقصد التراب، فإذا وجده وصار إليه يأتي بالتيمم بغير نية، ولو كان أمره جل وتعالى بقصد التراب لوجوب النية في التيمم أمره بطلب الماء يوجب النية للطهارة، فإن قال: إن الأمر بطلب الماء لا يوجب النية، قيل له: وكذلك أيضاً أمره بقصد التراب لا يوجب النية وبالله التوفيق.
ومن الكتاب: والواجب على الإنسان استصحاب النية للعبادات إذا أراد فعلها، واستصحابه لها هو ألا ينقلها عمن عمل هو فيه إلى غيره.
وأما عروب النية من غير أن يكون هو الناقل لها ولا يقدح في الاستصحاب، فلا أعلم لذلك خلافا والله أعلم وبه التوفيق.
ومن الكتاب: وإذا نوى فتوضأ ثم عزبت نيته أجزته نية واحدة ما لم ينقلها فيحدث مع الفعل أنه يتبرد بالماء أو يتنظف به، فإن قال قائل: إذا كان الوضوء عندكم لا يجزي إلا بنية فلم لا يحتاج الإنسان إلى دوام النية إلى أن يفرغ من الفعل الذي له ينوي، وما الفرق الذي بين أوله وآخره؟ فقيل: إذا نوى الطهارة في حال مباشرة الفعل لها فليس عليه ذكر ذلك إلى أن يفرغ منها لأن يتوقى النسيان إلى أن يفرغ منها من الفرض، لا يمكن ويلحق فيه مشقة، ألا ترى أن الصوم لا يجزي إلا بنية ثم ينسى صاحبه وينام، ويأكل ناسياً ولا يضره ذلك. (8/63)
صفحة 2411
وكذلك لا يجوز له الدخول في الصلاة إلا بنية ثم قد ينسى ويسهو ولا يضيره ذلك إذا عرض له ما ذكرنا باتفاق، لأن استدامة ذلك إلى أن يفرغ من الغرض ليشق ويؤدي إلى بطلان الفرائض والله أعلم.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صيام لمن لم يثبت الصيام من الليل»، فأجاز تقديم النية في الصيام والطهارة كذلك عندي والله أعلم، غير أن نية الطهارة مع الدخول فيها وكذلك النية في الصلاة والزكاة والحج مع الفعل لذلك والنية للصيام وقتها أبعد، وكان التقدير في الصيام كغيره، غير أن الصيام وقته طلوع الفجر، وهو وقت لا يتهيأ لأكثر الناس ضبطه، ولأن أكثرهم فيه نيام، فلو أخذوا أن يكونوا في ذلك الوقت منتبهين لشق عليهم مراعاة وقته ولحقهم في ذلك ضرر شديد، فإذا نوى فهو على نيته وعليه استصحاب النية، واستصحابه لها لا ينقلها إلى غيرها دخل فيه ونواه وبالله التوفيق.
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء: قال: وجدت في الأثر عن رجل توضأ وضوء الصلاة ولم يحضر نية لوضوئه ذلك، قال: فسألت عمر بن المفضل عن ذلك، فقال: إذا أحكم وضوءه وحافظ عليه وحضرت الصلاة فليصل.
قال أبو محمد: هذا قول العراقيين، والمسلمون يذهبون إلى خلاف قولهم في هذا، فإن شك أحد من أصحابنا فوافق مخالفنا، فقوله متروك.
مسألة: النية في الطهارة تقول بسم الله أرفع بطهارتي جميع الأحداث للصلاة، وأتوضأ لصلاة كذا وكذا طاعة لله ولرسوله. (8/64)
صفحة 2412
[صفحة بيضاء] (8/65)
صفحة 2413
الباب الثاني عشر
في ترك ذكر اسم الله عند الوضوء
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور»، وجاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه».
وقد اختلف أهل العلم في وجوب التسمية عند الوضوء، فاستحب كثير منهم أن يسمي الله عند وضوئه، وقال قوم: إن تركه عامدا فلا شيء عليه، كذلك قال الثوري والشافعي وأحمد وأبو عبيدة وأصحاب الرأي، وكان أحمد بن حنبل يقول: لا أعلم فيه حديثا له إسناد جيد، وقال إسحاق: إذا تركه ساهيا فلا شيء عليه وإذا تعمد أعاد.
قال أبو بكر: لا شيء عليه، قال أبو سعيد: أما ثبوت الطهارة للصلاة فذلك مما لا يدفع، وثبوت ذلك من كتاب الله نبيه وإجماع الأمة إلا من شذ في غير ترك إلا المخالفة في شيء لا حجة له فيه. وأما ترك التسمية على الوضوء فمعي أنه قد جاء الاختلاف في انعقاد بترك التسمية مع تواطؤ الأمر على الوضوء. وصحة الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بذلك وفعله، ومع صحة ذلك عنه فلا ينعقد الوضوء على تركه إن كان الأمر واجبا .. وإن كان أدبا فقد ينعقد على تركه لم يأت فيه خبر أنه أمر وجوب، فلعله من أجل ذلك اختلف فيه.
مسألة: من كتاب الشرح: ثم قال: والوضوء أن يذكر اسم الله عليه الذي ذكره من التسمية على الوضوء هو التأكيد على النية لأن الوضوء لا يقبل بغير نية.
وقد روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه». (8/66)
صفحة 2414
والذكر على ضربين ذكر باللسان وذكر بالقلب، فذكر اللسان يتبع ذكر القلب بذكر الله عند وضوئه بقلبه، فقد ثبت ذكر الله لأن الوضوء فريضة إلا بالإرادات فأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يكون المتوضئ قاصداً لإنفاذ العبادة، لأنه لا يكون خارجاً بما تعبد به، ولم يقصد إلى فعله.
ومن الكتاب: وأما قوله: فإن ترك اسم الله على وضوئه فقد ترك ما ينبغي، ولا نبصر ذلك مما ينقض وضوءه، فإن كان أراد التسمية التي باللسان فهو كما قال: إذا ذكر ذلك بقلبه، وإن أراد لم يذكر الله الذي هو بالقلب فلا يجزيه ذلك الوضوء ولا يكون متطهرا.
مسألة: من الزيادة المضافة: فإذا قال المتوضئ بسم الله تطهر جسده كله، فإذا لم يسم الله تعالى لم يطهر إلا ما مسه.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وإن ترك اسم الله عند وضوئه فقد ترك ما ينبغي له، ولا نبصر ذلك مما ينقض وضوءه.
قال غيره: ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه، فمن ذكر الله بقلبه أو أراد به الله تبارك وتعالى فقد ذكر اسمه»، وهذا القول عنه - صلى الله عليه وسلم - تأكيد على النية عند الوضوء والله أعلم.
ومن غيره: وأما ذكر اسم الله عند افتتاح وضوئه فقد جاء بذلك التأكيد، والأمر أحسبه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه كان يفعل ذلك ويأمر به، ومعي أنه قد قيل في ترك ذلك على التعمد ينقض الوضوء إذا كان ذلك على القصد إلى مخالفة السنة، ولعله يخرج على التعمد إذا تعمد ترك ذلك لأن ذكر اسم الله تبارك وتعالى قد جاء فيه التأكيد أن يكون فاتحة لكل شيء من طاعة الله، ولا نعلم شيئا من طاعة ولا شيئا من الأمور التي تضاف إلى أمر الطاعة وأمر الحلال إلا مؤكداً فيه السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر الله تبارك وتعالى، وهو أهل لذلك وكل شيء لم يذكر فيه اسم الله ولا ذكر عليه اسم الله فلا يرجى له معنا صلاح ولا يدرك به معنا فلاح ولا نجاح.
وأحسب أنه قد أنسي ولا نقض عليه في تركه ذكر اسم الله على الوضوء، وأحسب أنه يخرج معنا فساد صلاة بترك اسم الله إذا لم يقصد بوضوئه الله على ما خوطب به من التعبد، فهو ذلك من اسم الله، أي من ذكر الله، في قصده إلى ذلك له وهو حسن، إلا أنه قد يخرج العذر في النسيان للقصد إلى ذلك مع تقدم النية في (8/67)
صفحة 2415
جملة التعبد، كتبت آخرها على ما بان لي فينظر في ذلك ولا يؤخذ منها إلا بما وافق الحق إن شاء الله.
ومن غيره: قال أبو زياد: فيمن توضأ ولم يقل بسم الله متى ما ذكر، قال: قال الله: {وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} (الكهف:24)، وقد جاء الاختلاف في الوضوء والنية، فقال من قال: لا يجزيه اعتقاد الوضوء للصلاة إلا مع ابتدائه، فإذا اعتقد الوضوء لصلاة بعينها أو لصلوات صلى بذلك الوضوء تلك الصلاة أو الصلوات حتى يعلم أنه انتقض، وأما إذا لم ينو لصلوات فإنما يصلي به ما نوى أن يصلي به من الصلوات، وأما ما لم ينو فلا يصلي به.
وقال من قال: لو لم ينو أن يصلي به صلاة معروفة فإذا علم أنه لم ينقض وضوءه ولو لم ينو أن يصلي به تلك الصلاة عند الوضوء، وقال من قال: لا يصلي به إلا ما نوى أن يصلي به.
وقال من قال: يجزيه الاعتقاد للوضوء ما لم يتم الوضوء كله ولو بقيت جارحة، فإذا فرغ من وضوئه كله لم يجزه الاعتقاد بعد ذلك، وكان القول فيه على ما مضى من الاختلاف، وقال من قال: إذا توضأ لصلاة فإنه يصلي به تلك الصلاة فإن نوى أن يصلي به صلاة أخرى قبل أن يصلي تلك الصلاة التي نواها لها أو في دبرها قبل أن يهمل وضوءه أجزاه، وكذلك أن يعتقد لصلاة بعد صلاة في وقت واحد أو أوقات مختلفة.
وقال من قال: إذا توضأ وضوء الفريضة ولم ينوه لصلاة معروفة إلا أنه اعتقد وضوء الفريضة لصلاة الفريضة فإنه يصلي بهذا الوضوء ما لم يعلم أنه انتقض، فإن كان نوى صلاة فريضة بعينها كان الاختلاف فيه كما مضى، وقال من قال: إذا توضأ لصلاة فريضة صلى به ما كان من الصلوات المفروضة ما لم يعلم أن وضوءه انتقض، وقال من قال: ولو توضأ لنافلة أو نسك أو لشيء من الطاعات فإنه يصلي به الفرائض وغير ذلك حتى يعلم أن وضوءه انتقض، وكل هذا من قول المسلمين ويخرج على مذاهب الحق إن شاء الله.
مسألة: من جواب أبي سعيد: وعمن توضأ للهاجرة ولم ينو لغيرها فصلاها في مصلى أو مسجد فلم يزل في المصلى أو في المسجد حتى حضرت فأحب أن يصلي بوضوئه للهاجرة صلاة ولو لم يكن اعتقده بعد الهاجرة أنه يصلي به العصر، قلت: هل يجوز له ذلك حتى يعلم أنه أحدث؟ (8/68)
صفحة 2416
فمعي أنه قد قيل: له ذلك حتى يعلم أنه انتقض لأنه على طهوره في الحكم حتى يعلم أنه انتقض، وقد قيل: ليس له ذلك حتى يعلم أنه لم ينتقض ثم يصلي، وقيل: ليس له ذلك حتى يكون نوى ذلك، لذلك لو علم أنه لم ينقض وكل ذلك عندي يخرج على الصواب إن شاء الله.
قال غيره: قد قيل هذا كله، وقال من قال: لو توضأ هكذا بالماء ولو لم ينو به لشيء أنه يصلي به الفريضة.
وقال من قال: حتى ينوي به لنسك أو طهارة، وقال من قال: حتى يكون لصلاة فريضة أو نافلة، وقال من قال: يصلي النافلة بوضوء الفريضة ولا يصلي الفريضة بوضوء النافلة.
وقلت: إن كان يجوز له فصلى العصر واعتقده للمغرب والعتمة هل يجوز له أن يصلي به المغرب؟ فمعي أن ذلك كله سواء وقد مضى القول في الاختلاف، قلت: فإن لم يعتقده بعد وقعد في مصلاه أو مسجد حتى حضرت المغرب، هل يجوز له أن يصلي به إذا لم يعلم أنه أحدث حتى يعلم أنه لم ينقض؟ فمعي أنه قد قيل ذلك وهذا معي مثل الأول والاختلاف فيه واحد معي، قال: هكذا أحفظ عن أبي سعيد.
مسألة: وسألته عن رجل توضأ لصلاة فريضة فلما أن صار في بعض وضوئه اعتقد لصلاة ثانية، فرفع أبو سعيد عن أبي الحسن -رحمه الله- أنه قال: ما لم يتم وضوءه لما اعتقده لما يريد من الصلوات وجاز ذلك إن شاء الله.
وقال أبو سعيد عن عبد الله بن محمد بن بركة أنه قال: العمل معنا عليه أن من توضأ لصلاة فريضة فهو يصلي بوضوئه ذلك حتى يعلم أن وضوءه انتقض، فعلى معنى قوله وإن توضأ لنافلة صلى بوضوئه ذلك حتى يعلم أن وضوءه انتقض.
مسألة: من كتاب الشرح: ومن توضأ لنسك أو لطهارة أجزاه ذلك لصلاة الفريضة ولو لم يرد به الصلاة إن أراد بقوله لسنك أو لطهارة أنها قربة إلى الله وأنه يرفع به الأحداث، فذلك جائز كما قال إذا كان على ما شرطنا، وأما قوله: ومن توضأ ولم ينو لمعروف أعاد الوضوء للفريضة، فهو كما قال لأنه لم ينو به رفع الأحداث والقربة بذلك إلى الله تعالى.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: ومن غسل بعض جوارحه ثم نواه للطهارة (8/69)
صفحة 2417
أبنى على مسحه لم يجزه لأنه قدم عمله على نيته ولا تكون الطهارة إلا بتقديم النية بأسرها.
ومن الكتاب: وإذا تطهر الإنسان للنافلة جاز له أن يصلي به الفريضة، الدليل على ذلك أنه المتطهر لم يوجب عليه أن يصلي بالطهارة صلاة بعينها، وإنما أمر أن يعتقد طهارة لرفع الأحداث، فإذا اعتقد رفع الأحداث صار طاهراً لما يوقع من الصلوات، فإذا أتى بكمال الطهارة فحصوله طاهراً عند اعتقاده لرفع الأحداث، وإذا كان هكذا جاز له أن يصلي بتلك الطهارة ما شاء من الصلوات إلى أن يحدث مقيد، ودليل آخر أن الإنسان لا يخلو من أن يكون طاهراً عند تطهره أو مبقيا على حدثه، ولا يجوز أن يكون طاهرا من جهة فإذا كان هذا هكذا فحصول الطهارة برفع الأحداث إذا كانت الأحداث مرتفعة فالصلاة مقبولة بالطهارة التي حصلت.
ومن الكتاب: وإن توضأ لنافلة أو لقراءة في مصحف أو لجنازة أو لسجود قراءة قرآن أجزاه أن يصلي به فريضة، وهذا باتفاق منهم فيما علمت، فإن قال قائل: لم قلت إنه إذا اغتسل للجمعة لم يجزه للجنابة، وقد أحسبت له وضوءه للنافلة من الفرض، وما الفرق في جميع ذلك؟ نقول: قيل له الفرق بين هذه الأشياء والغسل للجمعة أن من عليه الطهارة أن ينوي رفع الأحداث، أو ينوي ما يؤدي بتلك الطهارة الفرض والنوافل فتغني عن نية رفع الحدث، فإذا صح ذلك ثم توضأ لنافلة فالنافلة لا تؤدى إلا بعد رفع الحدث، وكذلك سجود القرآن لا يأتي به إلا متطهرا لأن ذلك عندنا صلاة، وأما المصحف فلا يمسه إلا متطهرا، ومسه محرم بقول الله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} الواقعة: 77 - 79)، فلا يمس المصحف إلا طاهراً، وكذلك في الحيض فصار معنى ذلك معنى النافلة التي لا تجوز إلا برفع الحدث ولو أراد أن يصلي فرضا أو نفلا وقراءة القرآن أو سجود قرآن لما ندب إلى أن يتوضأ ثانية لأن المقصد في ذلك رفع الحدث، وقد رفع بطهارته الحدث، فلا معنى في الأمر بإعادته، وأما غسل يوم الجمعة فإنما القصد في ذلك تحديد الفعل من أجل الوقت لأنه لو دخل عليه يوم الجمعة وهو مغتسل لما أجزاه ولا احتاج أن يغسل ثانية. (8/70)
صفحة 2418
[صفحة بيضاء] (8/71)
صفحة 2419
الباب الثالث عشر
باب آخر في الوضوء
قال أبو بكر: جاءت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ مرةً مرة، وجاءت أنه توضأ مرتين مرتين، وتوضأ ثلاثا ثلاثاً، فالوضوء يجزي مرةً ومرتين تجزي وثلاثا أحب إليّ، وروينا عن عمر بن الخطاب أن قال: الوضوء ثلاثا واثنان يجزيان، وكان ابن عمر يتوضأ مرتين ومرارا ثلاثا، وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: غسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا إلا غسل الرجلين فإنه ينقيهما، والشافعي يستحب الوضوء ثلاثا ويجزي عنده واحدة.
وقال أصحاب الرأي: يتوضأ ثلاثا ثلاثاً إلا المسح بالرأس فإنه مرة ويجزي واحدة سابقة عندهم، وكان مالك يوقت في ذلك مرة ولا ثلاثا، قال: إنما قال الله: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} واختلفوا في المتوضئ يزيد على ثلاث في الوضوء، وبه نقول بحديث عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الوضوء ثلاثا فقال: «ومن زاد على هذا فقد أسى وتعدى وظلم».
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج كما قيل في معاني قول أصحابنا أو ما يشبهه أو ما هو داخل فيه، وإن لم يكن يأتي فيه هذا النص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه من زاد على الثلاث فقد ظلم وتعدى، ولكنه قيل عنه فيما يخرج من قولهم أنه قال في الوضوء واحدة لمن قل ماؤه واثنتان للمستعجل وثلاث فسرف وأرفع فسرف، والسرف معنا خارج إلى حال التعدي، وقيل عنه كثرة الوضوء من الإسراف ويخرج معاني ذلك عندي على معنى ما يشبهه في التأويل، وليس من احتاط على نفسه كان ذلك إسرافا ولكنه من الإسراف مخالفة السنة على العمد أو على الاستنقاض لها، ومن ذلك الاشتغال معنى الوسيلة في الوضوء وترك أداء الفريضة في وقتها حتى يفوت أو حتى يذهب الفضل على معاني العادة من أمره، فهذا يخرج من التعدي والإسراف وما (8/72)
صفحة 2420
أشبهه، ولا نعلم أن شيئا من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثبت ولا روي عنه إلا وله معنى يدل على فائدة.
ومن الكتاب: واختلفوا في التمسح بالمنديل بعد الوضوء، فممن روينا عنه أنه أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان بن عفان والحسن بن علي وأنس بن مالك وابن سيرين وأبي مسعود، ورخص فيه الحسن وابن سيرين وعلقمة والأسود ومسروق والضحاك بن مزاحم، وكان مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي لا يرون به بأسا، وروينا عن جابر بن عبد الله قال: إذا توضأ فلا يمسح بمنديل ذلك عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن المسيب والنخعي ومجاهد وأبو العالية، وروينا عن ابن عباس أنه كره أن يمسح بالمنديل من الوضوء، ولم يكرهه إذا غسل من الجنابة ورخص الثوري فيهما الوضوء والجنابة جميعا.
قال أبو بكر: مباح كله.
قال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا يخرج بكراهية مسح مواضع الوضوء على التعمد له وأكثر ذلك له، وأكثر ذلك بالمنديل، وفي معنى قولهم أن الوضوء نور وأثره يبقى على الجسد نور، فلا يستحب إزالة ذلك بثوبه الذي يصلي به بغير المنديل، فهو أيسر معهم في الكراهية، وكل ذلك يخرج على معنى الفضيلة لا على معنى الحجر.
قال المضيف: قال أبو عبد الله: أما بمنديل فلا يجوز له وأما ثوبه الذي يصلي فيه فلا بأس، وروي أن ابن عباس كرهه ولم يكره من الاغتسال من الجنابة وكرهه غيره في الوضوء والجنابة معا، وقال بعضهم: ذلك مباح كله والله أعلم.
ومن الكتاب: واختلفوا في تفريق الوضوء والغسل، فقالت طائفة: لا يجوز حتى يتبع بعضه بعضا، كان قتادة والأوزاعي يقولان: إذا ترك غسل شيء من الأعضاء حتى جف الوضوء أعاد، وكره ربيعة تفريق الوضوء.
وقال محمد: من تعمد لذلك فأرى عليه أن يعيد الغسل، وبه قال الليث، واختلف عن مالك في هذا
الباب، فقال أحمد: إذا جف وضوؤه يعيد وقد ثبت أن ابن عمر توضأ بالسوق فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ثم دعي لجنازة فمشى على خفيه ثم صلى عليها، وكان عطاء لا يرى تفريق الوضوء بأسا وهو قول النخعي والحسن، وروي معنا ذلك عن سعيد بن المسيب وطاووس وهو مذهب الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وبه يقول لأن الله عز وجل أمر المتوضئ بغسل أعضائه، فمن أتى (8/73)
صفحة 2421
بغسل ما أمر به متفرقا أتى بذلك نسقاً متتابعاً فقد أتى بما أمره الله به.
قال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا يخرج عندي إن اشتغل المتوضئ بأسباب وضوئه من الماء ونحوه مما يدخل في معاني الوضوء فيفرق ذلك غسل أعضائه حتى جفت أو لم تجف أن ذلك سواء، ولا بأس ووضوؤه تام، بنى على ما كان اشتغاله بمعنى وضوئه وبقي عليه من أعضائه شيء حتى جف ما مضى أن عليه إعادة ما مضى مع ما بقي من أعضائه، ويبني على ما مضى على كل حال، وكان يعجبني هذا القول لثبوته عملاً وأنه لا يضيعه بعد ثبوته، ولعل أكثر قولهم القول الأول والله أعلم.
ومن الكتاب: قال أبو بكر: واختلفوا في تقديم المرء عضواً قبل عضو فروينا عن النبي أنه قال: «ما أبالي أن أتممت وضوئي بأي عضو بدأت»، وعن أبي مسعود أنه قال: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك للوضوء، وكان الحسن البصري وسعيد بن المسيب يروي ذلك، وروينا عن علي بن أبي طالب وعطاء والنخعي ومكحول والزهري والأوزاعي أنهم قالوا: من نسي مسح رأسه فرأى في لحيته بللا أنه يمسح رأسه ويستقبل الصلاة ولم يأمره بإعادة غسل الوضوء، ويجزي في قول الثوري وأصحاب الرأي أن يمسح الرأس ولا يعيد الوضوء، قال مالك: فمن غسل ذراعيه قبل وجهه وصلى لا يعيد، وكان الشافعي وأحمد وأبو عبيدة وأيوب يقولون: يعيد حتى يغسل كلا في موضعه.
قال أبو بكر: يجزي ذلك.
قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما ذكر من جميع ما مضى الترتيب في قول الله بعض الأعضاء على بعض على كل حال إلا على ما في الترتيب في قول الله تبارك وتعالى، ومعي أنه في بعض قولهم أنه لا يجوز على التعمد، فإن فعل على النسيان جاز وثبت، وفي بعض قولهم أنه لا يجوز إلا على إرادته لمخالفة السنة، ولعل أكثر قولهم هذا إن فعل ذلك على غير مخالفة السنة ثبت.
مسألة: من كتاب الشرح: قال ابن جعفر: من قدم غسل يديه قبل وجهه أو رجليه قبل يديه فلا نقض عليه ما لم يرد خلافاً للسنة.
قال أبو محمد: الأدلة قد قامت بجواز الأعضاء بعضا على بعض، فقوله: إن ذلك يجوز ما لم يرد خلافاً للسنة، فلا أرى له وجهاً لأن اعتقاد المعصية بفعل لا يرفع حكم ما يجوز فعله في غيره والله أعلم. (8/74)
صفحة 2422
مسألة منه: وإن مسح المتوضيء وجهه أو غيره من حدود الوضوء بثوب نظيف حتى يبس فلا أرى ذلك مما ينقض وضوءه.
قال أبو محمد: هو كما قال لأن الطهارة قد صحت له بما حكم له به من التطهر لا يرفعه الأحداث ومس الطاهر من الثوب ومس الوجه به ليس بحدث يرفع الطهارة والله أعلم.
ومن كتاب الشرح، ثم قال: ولا يحافظ على الوضوء منافق فهو كما قال لأن المنافق يحتاط على دينه الذي دخل فيه واستتر به كما يحتاط عليه المؤمن المراعي لأمر دينه، ثم قال: ولا تقبل صلاة بغير طهور، فهو كما قال لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تقبل صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور».
ومن الكتاب: ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرافق ويمسح رأسه وأذنيه ثم يغسل رجليه إلى الكعبين كل عضو ثلاثا، الدليل على أن الواحدة فريضة قول الله جل ذكره: {اغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} فالمأمور بذلك إذا غسل واحدة فقد خرج مما أمر به، وكذلك سائر الأعضاء المأمور بغسلها أو مسحها لا يلزم تضعيف العمل على الشيء الواحد إلا من طريق التوقف من كتاب أو سنة رغب النبي - صلى الله عليه وسلم - حين علم أصحابه الوضوء فمسح واحدة، ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الصلاة إلا به، ثم ثنى فقال: من ضعف ضعف الله له، ثم غسل ثلاثا فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، فالذي نختاره للمؤمنين أن يأتوا بما رغب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه، وأخبر أنه فعله من العدد وألا ينقص عن ذلك إلا من عذر ولا نختاره من الزيادة فوق ذلك فيكون قد تجاوز إلى ما يخالف نبيه عليه السلام، فإن فعل ولم يرد مخالفة النبي عليه السلام بذلك، فأرجو ألا يكون مأثوما، وأقل ما في أمره ألا يؤجر على إتعاب نفسه في مخالفة فعل الرسول عليه السلام.
ومن الكتاب: وأما قوله، وقيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر الوضوء قال: واحدة لمن قل ماؤه، واثنتان لمن استعجل، وثلاث عليهم الوضوء، فهذا خبر لم نعرفه في الرواية والنظر يوجبه والسنن تشهد بفساده؛ لأن في إثباته فرض التحديد، وأن من قل ماؤه لا يجب أن يتجاوز الواحدة وإن كان في مائه فضل، لأن قليل الماء يقع على ما يغسل به ثلاثا أو أكثر، وقد يكون مما يقع عليه اسم قليل عند بعض كثير، ولو كان الخبر صحيحاً لبين الرسول عليه السلام مقدار القليل والكثير ولم يجهل الأمر بذلك، كما بين عدد المفروض في المسح من المسنون والله أعلم. (8/75)
صفحة 2423
وكان من استعجل لا تجزئه الواحدة وإن زاد على الثنتين فهو مخالف، وأما قوله ثلاث عليهن الوضوء لا أدري ما أراد به أنه واجب عليه أو غيره واجب، وفي حال الاستعجال وغير الاستعجال وعند الأمن والخوف وكثرة الماء وقلته أو غير ذلك والله أعلم بوجه مراده.
وأما قوله: من توضأ واحدة فأحكم بها الوضوء وصلى فصلاته تامة ولو لم يكن ماؤه قليلا أن يؤمر بذلك ولا يجب عليه إلا من عذر يدل على ما قلناه، فلا أعرف وجه هذا الكلام لأنه قال لأن الفعل به جائز والصلاة به تامة، وأنه لا يؤمر به مع جوازه وتمام الصلاة به إلا أن يكون من عذر، فالعذر إنما يجب لمن يكن له الفعل المأمور به مع جوازه، فإذا وجد العذر أن يقع ما يوجب بوجوب الفعل، والله أعلم.
ومن الكتاب ومن جامع ابن جعفر: كثرة الوضوء من الشيطان، فإن أراد بقوله كثرته من الشيطان أنه يحدث لكل صلاة تطهراً ويحتاط عند كل شيء تطهرا مبتدأ أو يفعل ذلك قربةً إلى الله، فليس هذا من عمل الشيطان، بل يجب أن يكون لطيفة وقعت له من الرحمن، وإن أراد كثرة الوضوء أنه يقيم في الماء ويردد على العضو الواحد الماء الكثير ليعلم أنه قد أجرى عليه مرة واحدة، فهذا يجوز أن يكون بأمر الشيطان ليؤذيه بذلك ويقطعه عن طاعات أخبر بفعلها لو خالفه وربما أدى ذلك إلى تضييع الصلاة أو فرائض غيرها، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: اختلف الناس في غسل الأعضاء فقال بعضهم: يجوز تقديم ما تأخر ذكره في تلاوة الآية، وقال بعضهم: لا يجوز إلا على الترتيب الذي ذكره في التلاوة، وذهب أصحابنا إلى جواز التقديم والتأخير ما لم يقصد المتطهر بذلك الفعل مخالفة السنة.
والنظر عندي يوجب أن يكون على الترتيب الذي ذكر في الآية لأن قول الله عز وجل: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ}، قالوا: هاهنا واو النسق، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «على الصفا ابدأوا بما بدأ الله به»، فدلنا بسنته عليه السلام على أن فعل ذلك يكون متوالياً فإن عارض معارض بقول الله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج:29)، فقال: أرأيت لو قدم الطواف أو أتى الأول من المذكور في الآية، أليس كان جائزاً فما أنكرتم أن يكون هذا مثله؟ يقال له: إن الذي عرفت به لا يلزم، وذلك أن المذكور هاهنا فرض فلا بأس بتقديم بعضه على بعض لأن (8/76)
صفحة 2424
الطواف بالبيت فرض، فالواجب تعجيله، فإن أخر ما ليس بفرض مما ليس له وقت معلوم، فلا بأس بذلك، فإن احتج محتج بقول الله: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} (آل عمران:43)، فقال: أليس هي مأمورة بالسجود قبل الركوع، وعليها الركوع قبل السجود، وإن كان ذكر السجود هو المتقدم؟ قيل له: الانفصال من ذلك قريباً إن شاء الله، وذلك أن التعبد كان لمريم عليها السلام خاصة في خاصة نفسها، فكان ذلك التعبد لأهل ذلك العصر، والتعبد علينا خلافه لأن الله جل ذكره قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} (الحج:77).
ووجه آخر: من الدليل أن العرب تسمي الركوع سجوداً والسجود ركوعاً وهو ما قال الله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} (ص:24)، فالركوع هاهنا السجود أي خر ساجداً، وكذلك قوله: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}، أي اسجدي مع الساجدين والله أعلم.
والعرب تقول للشيخ إذا انحنى من الكبر سجد، وتقول للنخل إذا مالت نخل سواجد، وسجد الجمل إذا خفض رأسه وهو معروف في اللغة، ويدل على ذلك قول لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي
أخبر أخبار القرون التي مضت ... لزوم العصا تحني عليها الأصابع
أدب كأني كلما قمت راكع
والعرب تسمي السجود ركوعاً والركوع سجوداً.
ومن الكتاب: والمستحب للمتوضئ للصلاة أن يتوضأ ثلاثا ثلاثا لكل عضو مأمور به، فإن توضأ واحدة فهو الغرض إذا عم الجارحة بها، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ واحدة ثم قال: «هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به»، ثم ثنى فقال: «من ضاعف ضاعف الله له»، ثم أعاد الثالثة ثم قال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي».
ومن الكتاب: وأكره أن يكون الوضوء متفرقاً لأن من نقل عنه كيفية الوضوء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق وضوءه، ولا أعلم أحداً منهم فرق الوضوء إلا في موضع واحد، وقوله عليه السلام: «هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به»، مع فعله في موضع واحد، يدل على ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مقتدى به في فعله وقوله، ومن زعم أن تفرقة الوضوء جائزة صعب عليه إقامة الدليل، وأوجب الله تعالى الطهارة على (8/77)
صفحة 2425
المحدثين، فإذا أراد الإنسان القيام إلى الصلاة وهو محدث أتى بالطهارة التي خوطب الله بها المحدثين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ}، معناه والله أعلم إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، وقيل أيضا: إن معنى قوله جل ذكر إذا قمتم إلى الصلاة يريد من مضاجعكم من النوم، والذين خوطبوا بالتيمم هم الذين خوطبوا بالماء عند وجدانهم له، فالمتطهر لم يدخل في هذا الخطاب، فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون كل قائم إلى الصلاة واجبا عليه التطهر سواء كان محدثاً أو متطهراً؟ قيل له: هذا سؤال لا يصح لأحد لأن هذه الآية لو حملت على ظاهرها لاشتغل الإنسان بالطهارة دهره عن الصلاة لأنه إذا تطهر ثم أراد القيام إلى الصلاة لزمه التطهر، وإن كان متطهرا فلا يتوصل إلى الصلاة واشتغل، فإذا بطل هذا الوجه صح أن الخطاب للمحدثين، ولو كان الخطاب لكل قائم إلى الصلاة لم يكن في قوله فائدة: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} فدل ما عقب به من الكلام أن الله جل وعلا لم يرد كل قائم إلى الصلاة وإنما أراد المحدثين دون المتطهرين، فإذا ثبت للإنسان طهارة جاز له أن يصلي بها ما شاء من الصلوات إلى أن تزول طهارته.
ودليل آخر أن الإنسان له حالان، حال خوطب فيها بالطهارة، وحال خوطب فيها بالصلاة، فلا يخاطب بالصلاة إلا من سقط عنه فرض الطهارة والله أعلم.
ومن الكتاب: وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بمد من ماءٍ والمد قيل أنه رطل وثلث برطل زماننا هذا.
ومن الكتاب: والواجب على المتطهر للصلاة أن يأتي بها على ترتيب القراءة وعلى ما عليه عمل الناس وليس بمفروض عليه ذلك في الكتاب ولا في السنة والله أعلم.
وكان الشافعي لا يجيز طهور الأعضاء للصلاة إلا على ترتيب قراءة آية الطهارة، وأنكر على من خالفه في ذلك، وأجاز هو غسل اليسرى قبل اليمنى وأن يبتدئ المتوضئ من المرفقين إلى الكعبين مع قول الله جل ذكره إلى المرافق وبالله التوفيق.
ومن غيره: مسألة: ومن كتاب المعتبر: قيل إن جابر بن زيد -رحمه الله- كان لا يتوضأ (8/78)
صفحة 2426
وضوء إلا مسح وجهه بثوب لا يتهمه، قال: وقد قيل إن الربيع وقف على رجل وهو يتوضأ فوقف وهو ينظره، فلما أراد الرجل ليمسح رأسه حمل الماء بكفيه ثم نفضهما، فقال له الربيع: يا هذا حملت الماء لتتوضأ ثم رددت الطهور ورجعت عن وضوئك.
قال غيره: أما مسح الوضوء فقد مضى فيه القول ويجزي في ذلك اختلاف، وأقصى ما قيل في ذلك بالكراهية، ولا أعلم في ذلك نقضاً إذا مسح مواضع وضوئه أو شيئا منها بشيء من الثياب الطاهرة، وأما نفض الماء من يديه بعد أن أخذه لمسح رأسه أو لشيء من غسل جوارحه لوضوئه، فأما الوضوء فلا يقع بمثل ذلك عندي لأنه إنما يقع موقع المسح والمسح لا يقوم مقام الوضوء في الغسل؛ وأما في المسح فإن كان باقيا في يديه شيء من الماء ما يمسح به رأسه ويثبت به في ذلك مسح رأسه بماء موجود في يديه فقد قصر، وأرجو أنه يجزيه ذلك وإن لم يكن ثم ماء مدروك إلا رطوبة، فإن كانت الرطوبة تبل ما مسها أو ما مسته من الرأس حتى يكون ثم ماء أو ما يقوم مقام الماء فأرجو أنه يخرج في بعض ما قيل أنه يجزيه وإن كان ليس ثم ماء ولا رطوبة تبل وإنما هي رطوبة لا يؤخذ منها شيء ولا ينحل منها شيء، يبين لي في ذلك أنه يجزيه لمسح ولا لوضوء، ويخرج عندي ذلك باطلا في المسح والوضوء ولا يجزي.
ومن الكتاب: وإذا أراد المتوضئ للصلاة أن يمسح وجهه بخرقة فإذا فرغ فليفعل فإنه لا بأس، كما أنه إذا اغتسل من الجنابة فلا يضره أن يمسح جسده بثوب إذا أفرغ، وبلغنا أن معاذ بن جبل أنه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح وجهه بطرف ثوبه وآثار وضوئه، ووافقنا على ذلك الحسن البصري وأبو حنيفة، وكان إبراهيم يقول: لا بأس أن يمسح الرجل وجهه إذا توضأ.
قال غيره: قد مضى القول في مثل هذا.
مسألة: وحدثنا أبو الوليد عن موسى بن أبي جابر قال: ورفع الرواية إلى علي بن أبي طالب أن علياً توضأ فتمضمض واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ويديه ثلاثا ثلاثا، ومسح رأسه اثنين وغسل رجليه حتى أنقاهما، ثم بقي في إنائه ماء فشربه وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع.
مسألة: وإذا أراد المتوضئ للصلاة أن يمسح وجهه بخرقة فإذا فرغ فليفعل (8/79)
صفحة 2427
فإنه لا بأس بذلك كما أنه إذا اغتسل من الجنابة فلا يضره أن يمسح جسده بثوب إذا فرغ، وبلغنا عن معاذ بن جبل أنه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح وجهه بطرف ثوبه وآثار الوضوء، ووافقنا على ذلك الحسن البصري وأبو حنيفة، وكان إبراهيم يقول: لا بأس أن يمسح الرجل وجهه إذا توضأ.
مسألة: وعن أبي عبد الله وسألته عن الوضوء فقال: ثلاثا ثلاثا واثنتان وواحدة سابغة تجزي، وقال: بلغني عن والدي -رحمه الله- أنه قال: إذا كان الرجل مبتوراً أجزأته مرة واحدة، وأما أهل خراسان فإن منهم من قال: الوضوء ثلاثا ثلاثا، فمن زاد عليه كمن نقص منه، ولا نأخذ بهذا القول، وقال: غسل الرجلين أن يعركهما في أول غسلة إذا خرج آخر الماء صافياً من غير عرك.
مسألة: قال: وكان يقال: إن كثرة الوضوء من الشيطان، وكان يقال: إن في كل شيء إسرافا حتى في الوضوء وإن كنت على شط الماء.
مسألة: أحسب عن أبي الحسن علي بن عمر وقال: إن المتوضئ للصلاة ليس له أن يمسح أعضاءه أكثر من ثلاثة كأنه يقول: أكثر من ذلك خلافاً للسنة.
مسألة: وسألت أبا سعيد عما أفضل حفظ الوضوء، أو الوضوء لكل صلاة حضرت.
قال: معي أن بعضا يذهب إلى أن حفظ الوضوء أفضل، وبعض يذهب إلى الوضوء لكل صلاة لتجديد نية الصلاة، والذي أدركنا عليه ممن أدركنا أنهم كانوا يذهبون إلى حفظ الوضوء، وإذا كان متوضئاً كان أحرزه لدينه فيما يجزي من الأمور الحادثة والانقباض عن القبيح من الكلام وغير ذلك من الأعمال ومقيما على فريضة محافظاً عليها، فهو عندي أحب إلي، وقد قيل: الطهور على الطهور نور على نور كأنه يعني لو حفظ وضوءه ثم توضأ كان فضلا على فضل.
مسألة من الزيادة المضافة: وعن الذي يؤمر به في الوضوء أهو أن يأخذ الماء بكفيه جميعا أم بكف واحدة فيما علمت أنه يؤمر أن يفرغ الماء في وضوئه إلا بكفه اليمنى، وكذلك أدركنا عليه أشياخنا يفعلون، ولكن إذا فرغ الماء بكفه اليمنى على وجهه عرك بكفيه جميعا.
مسألة من كتاب الأشياخ: وعمن قطع كفاه وقدماه كيف يعمل في طهارته؟ قال: (8/80)
صفحة 2428
الله أعلم إن وجد من يمسح له ما بقي من جوارحه المقطوعة ويغسل له وجهه وجميع أعضاء وضوئه فذلك أرجو له من الله القبول فإن لم يجد من يفعل له ذلك ولا قدر على الوضوء ولا التيمم، نوى الطهارة في نفسه وأدى صلاته كما أمكنه وقدر عليها. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
ومن كتاب الشرح، شرح جامع ابن جعفر: قال الله عز وجل في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} (المائدة:6).
شرح ذلك على ما تناهى إلينا من أصحابنا أن هذه الآية وقد قام القوم من مضاجعهم، فنزل فرض الطهارة بهذه الآية، وكان بدؤه على ما بلغنا في ذلك الوقت وكأنه قال تبارك وتعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} -وأنتم محدثون- {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} الآية، ثم قال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، فقال بعض: إن الجنب مأمور بطهارتين، طهارة الحدث وطهارة حدث الجنابة، فالأمر بفعلها واجب؛ ولا يخرج المأمور بذلك إلا بإنفاذهما، ففرض طهارة الجنابة لا يرفع فرض طهارة الحدث من النوم أو غيره، فأوجب أصحاب هذا الرأي أن يطهر الأعضاء الأربعة ثم يغسل للجنابة.
وقال أصحاب الرأي الآخر: إن غسل الجنابة كاف عن غسل الأعضاء لأنه داخل في غسل الجنابة، وأنه مأمور عند حدث الجنابة بالتطهر منها وحدها لأن غسل الأعضاء للحدث إذا لم يكن حدث من جنابة، فإذا كان الحدث من الجنابة انتقل فرض الطهارة إلى الاغتسال بقوله جل ذكره: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، فكأنه قال: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون من غير جنابة فافعلوا ما أمرتكم به من غسل الأعضاء، وإذا كان الحدث من جنابة فاطهروا أي اغتسلوا، فأمرهم بالتطهر للصلاة من هذا الحدث هذه الطهارة، وكل واحد من القولين محتمل للتأويل.
والنظر يوجب أن فرض الطهارتين واجب لأن عموم الأمر بفعلهما يوجب إنفاذ الأمر بهما، والتخصيص لا يكون إلا بتوقيف والله أعلم.
وأما المضمضة والاستنشاق فمتفق على فعلهما وأنهما فرض في طهارة الجنابة عند أصحابنا، وفي غير الجنابة سنة ثلاثا فعلهما عن رسول الله عليه السلام مواظبا (8/81)
صفحة 2429
عليه في الليل والنهار، فإن قال قائل: فلم لم يوجبوا لهما فرضين وأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - على الوجوب، كما أن أوامره على الوجوب إلا ما بينه - صلى الله عليه وسلم - مخصوص به دون أمته، قيل له: الدليل على ذلك أنه قال للسائل له عن الطهارة: «توضأ كما أمر الله»، فأمره بما هو عليه واجب بالكتاب ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره به هو الواجب عليه وهو الذي في الكتاب مما أمره الله به والله أعلم.
وقوله: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} (المائدة:6)، قال والله أعلم، إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون أصحاء أو مرضى أو كنتم في حال سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق الآية، لأن المرض والسفر ليسا بحدثين ينقضان الطهارة، ثم قال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، أي اغتسلوا {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ}، فالآية في خطابها تقديم وتأخير، وقوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء} طهارة لهذه الأحداث كلها والله أعلم.
والغائط ليس بحدث ينقض الطهارة هو مكان للحدث فكنّى عن الحدث باسم المكان، والغائط هو ما اطمأن من الأرض فأجري على الحدث اسم الموضع كما يسمى الحدث النجو، والنجو مأخوذ من النجوة، والنجوة من الأرض ما ارتفع، فكأنه استتر للنجوة من الأرض إذا أراد الحدث، ثم سمي الحدث باسم المكان.
مسألة: وروى أبو سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مر برجل يتوضأ وهو يصب الماء صباً، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لكل آفة وآفة الماء ثجه فلا تثج الماء ثجا ولثه لثاً».
قال أبو سعيد: أجمع علما الأمة مع ثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يجزي للوضوء مدّ من الماء وهو ربع الصاع، ويجزي الغسل من الجنابة صاع من الماء. (8/82)
صفحة 2430
[صفحة بيضاء] (8/83)
صفحة 2431
الباب الرابع عشر
في البدء بالميامن في الوضوء
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه التيمن من استطاع في رجله ونعله ووضوئه، وثبت أنه بدأ فغسل يده اليمنى ثم اليسرى في وضوئه، وممن قال يبدأ المتوضئ بيمناه قبل يسراه مالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والأوزاعي وأهل الشام والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو عبيدة وأصحاب الرأي، وأجمعوا أن لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه، روينا عن علي وابن مسعود أنهما قالا لا نبالي بأي ذلك بدأت.
قال أبو سعيد: ظواهر الأمر من قول أصحابنا في عامة ما يأمرون به من صفات الوضوء أن يبدأ باليدين قبل مسح الرأس، وبالوجه قبل اليدين على الترتيب، ولا نحب مخالفة ذلك على العمد. (8/84)
صفحة 2432
[صفحة بيضاء] (8/85)
صفحة 2433
الباب الخامس عشر
في غسل اليد عند الوضوء
قال أبو بكر ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، واختلفوا في الماء يدخل في اليد قبل الغسل إذا انتبه من النوم، فقال الحسن البصري: يهريق ذلك الماء، وقال أحمد: أعجب إلي أن يهريق ذلك إذا كان من قيام الليل، والماء طاهر لا يهراق في قول عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأبي عبيدة.
واختلفوا في المستيقظ من نوم النهار ففي قول الحسن البصري نوم النهار ونوم الليل واحد في غمس اليد، وسهل أحمد في نوم النهار ونهى عن ذلك إذا كان نوم الليل.
قال أبو بكر: في غسل اليد سنة في ابتداء ليس بفرض.
قال أبو سعيد: معي أن غسل اليد من سنن الوضوء في الأدب إلا أن تكون نجسة ولو ثبت أن النبي- صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل اليد قبل أن تدخل في الإناء عند الوضوء، فكان ذلك واجبا لما لحق الماء عندنا في ذلك فساد إلا بصحة الطهارة للماء، حتى يعلم أنه نجس، ولكان التارك لذلك مخالفا للسنة أن لو ثبتت واجبة، وسواء ذلك كانت واجبة أو أدبا فلا علة في الماء عندنا. (8/86)
صفحة 2434
[صفحة بيضاء] (8/87)
صفحة 2435
الباب السادس عشر
في فضائل تقال عند الوضوء
ومن جامع ابن جعفر: فإن قال إذا فرغ من وضوئه: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فحسن وذلك يستحب.
قال أبو محمد بن بركة: هو حسن كما قال، وإن زاد في الدعاء فأفضل.
مسألة من كتاب ابن جعفر: وهذه فضيلة واضحة في ذكر الله عند الوضوء، فإذا مسح وجهه قال: اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه، وإذا غسل يده قال: اللهم اعطني كتابي بيميني، وإذا مسح رأسه قال: اللهم حللني رحمتك، وإذا مسح أذنيه قال: اللهم سمعني فتوح أبواب جنتك، وإذا غسل قدميه قال: اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم، ويمسح برقبته قبل رجليه ويقول: اللهم فك رقبتي من النار، وهذه زيادة عما قال محمد بن جعفر من الكلام عند الوضوء.
قال محمد بن المسبح: وإذا غسل شماله قال: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري، وإذا مسح رأسه قال: اللهم توجني تاج رحمتك في جنتك، قال محمد بن المسبح: وإذا مسح أذنيه قال: اللهم سمعني زبور داود في جنتك.
قال أبو الحواري: إذا مسح أذنيه قال: اللهم احش سمعي وبصري إيمانا بك، قال أبو الحواري: وإذا غسل قدميه قال: اللهم ثبت قدمي على صراطك المستقيم وثبتني بالقول الثابت في الدنيا والآخرة.
مسألة من الزيادة المضافة: فإذا فرغت من الوضوء فقل: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأستغفرك وأتوب إليك، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، واجعلني صبورا شكورا، واجعلني أذكرك كثيرا وأسبحك بكرة وأصيلا. (8/88)
صفحة 2436
[صفحة بيضاء] (8/89)
صفحة 2437
الباب السابع عشر
في المضمضة والاستنشاق
وسألت عن المضمضة والاستنشاق، فقال: سنة في الوضوء، وأما في غسل الجنابة فهما فريضة، فقلت: لم فرقت بين الوضوء والغسل من الجنابة، قال: الدليل على أنهما فريضة في غسل الجنابة إجماع الأمة على غسل داخل الأذنين وباطن اللحى في غسل الجنابة وأنهما فريضة بالإجماع.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ينثره»، واختلفوا في ترك المضمضة والاستنشاق في الجنابة والوضوء فكان الزهري وابن أبي ليلى وحماد وإسحاق يقولون: يعيد إذا تركهما في الوضوء، قال الحسن البصري وعطاء آخر قوليه والزهري والحكم وقتادة وربيعة ويحي الأنصاري ومالك والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي: لا يعيد، وأما أحمد يعيد في الاستنشاق خاصة ولا يعيد من ترك المضمضة، وبه قال أبو عبيدة وأبو ثور، وفيه قول رابع وهو أن يعيد من تركهما في الجنابة ولا إعادة إن تركهما في وضوء، هذا قول الثوري وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: بقول أحمد أقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا جميع ما مضى من القول إذا كان ذلك على النسيان والاختلاف فيه، وعامة قولهم أنه إذا ترك ذلك في غسل الجنابة أن عليه إعادة الصلاة إذا صلى على ذلك، وقد قيل لا إعادة عليه، وفي عامة قولهم من غير الجنابة أنه لا إعادة عليه في الصلاة وأما إذا ترك ذلك على التعمد، فمعي أنه يخرج في معاني قولهم في الجنب أن عليه إعادة الصلاة، وفي عامة قولهم إذا ترك ذلك في الوضوء على التعمد أن عليه إعادة الصلاة، ويخرج في معاني (8/90)
صفحة 2438
قولهم إذا ترك المضمضة والاستنشاق من جنابة أو غير جنابة إنما عليه إعادة المضمضة والاستنشاق على النسيان، وكذلك إذا ثبت عليه إعادتهما، وفي بعض قولهم أن عليه الاستنشاق والمضمضة وإعادة الوضوء.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: وتنازع الناس في الاستنشاق، فقال قوم: واجب ولا تصح الطهارة إلا به واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صبرة: «إذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائما»، قالوا: والأوامر على الوجوب.
وقال قوم: واجب، واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للسائل عن الطهارة، قال: «توضأ كما أمر الله»، فرد ذلك إلى القرآن.
والذي يوجبه النظر عندي أن الطهارة لا تتم إلا به لقول النبي عليه السلام للقيط بن صبرة وقوله لغير لقيط: «إذا توضأت فضع في أنفك ماء ثم استنشق»، والاستنشاق واجب بالسنة ووجوب سائر الأعضاء بالقرآن، قال الله جل ذكره: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} (النساء:65)، وقوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} (النساء:80)، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم:3 - 4).
ولو صح اعتراض المعرض لقول الرسول عليه السلام كما أمر الله يوجب زوال وجوب الاستنشاق، وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمره به وفعله، لكان قول من تعمد لهذا المذهب، ويقول به يرى إجازة المسح على الخفين بالسنة التي ذكرها، لكان مسح الخفين باطلا أيضا عنده على مذهبه.
ومن الكتاب: والاستنشاق مأخوذ من النثرة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لرجل: «ضع في أنفك ماء ثم استنثره»، والنثرة في اللغة الأنف.
مسألة: وعن رجل نسي المضمضة والاستنشاق حتى صلى، هل عليه إعادة؟ ففيه اختلاف، منهم من رأى عليه أن يبدل صلاته، وقال من قال: جازت صلاته على النسيان إلا أن يكون نسي المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة فإنه يبدل صلاته.
ومن غيره، قال: نعم قد قيل إنه ذكر ذلك من نسيان المضمضة والاستنشاق أو أحدهما قبل أن يدخل في الصلاة فعليه البدل، فإن دخل في الصلاة فليس عليه إعادة، وقال من قال: عليه الإعادة ما لم يتم صلاته على النسيان، وقال من قال: (8/91)
صفحة 2439
عليه الإعادة ولو أتم صلاته، وقال من قال: إذا نسي فلا شيء عليه ولا إعادة.
قال غيره في القول في نسيان المضمضة والاستنشاق والاختلاف فيها وعلى قول من يقول بالإعادة لهما فهما مثل سائر الجوارح.
مسألة: ومن غيره قلت له: وكذلك إن استنشق فأجرى الماء على ما ظهر من منخريه ولم يولج الماء إلى حيث يصل الاستنشاق أن لو بالغ فيه وصلى بذلك هل تتم صلاته؟ قال: معي لا يكون مستنشقا إذا غسل ما ظهر، قلت: فإن ترك الاستنشاق وحده وتمضمض وصلى متعمدا أو جاهلا هل تتم صلاته؟ قال: أما على العمد فلا أعلم ذلك وأما على الجهل فأرجو أن يلحقه الاختلاف في تمام صلاته ونقضها، قلت له: وكذلك إن تركها جميعا على الجهل أهو كالتارك لأحدهما؟ قال: معي أن مثله في الوضوء.
مسألة من الزيادة المضافة: وأصل الاستنشاق الشم كأنه إذا دخله في أنفه فقد شمه، قال جرير:
قالت فدتك مجاشع واستنشقت ... من منخريه عصارة الكافور
مسألة: قال أبو عبد الله: من تمضمض ولم يدخل يده في أنفه فلا بأس عليه إلا أن يكون جنبا.
وقال غيره: أحب أن يدخل الرجل إصبعه في فيه إذا توضأ يدلك أسنانه، وقال: إن أهل عُمان يدخلون الأصبع اليمنى واليسرى.
وقال أبو بكر الموصلي: الإصبع اليسرى وكره اليمنى، وقال محبوب: أظن الربيع كان يدخل اليمنى واليسرى، وقال بعض: يجزي المتوضئ في المضمضة بغير إيلاج الأصبع ولو كان جنبا، وقال هاشم: يجزي في المضمضة بغير إيلاج الأصبع، قال: وأما أنا فلا تطيب نفسي حتى أولج الأصبع، وفي الأثر عن أبي إبراهيم فيما أظن أنه لا يدخل المتمضمض والمستنشق أصبعه في فيه ولا في أنفه إلا أن يشاء ذلك.
ومن كتاب الشرح شرح جامع ابن جعفر: ومن نسي مسح أذنيه أو المضمضة أو الاستنشاق حتى صلى فلا إعادة عليه إلا الجنب فإنه إذا نسي المضمضة والاستنشاق (8/92)
صفحة 2440
حتى صلى يتمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة، وإن لم يدخل إصبعه في فيه ومنخريه لذلك فلا بأس ولو كان جنبا.
قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة: الذي ذكره من إعادة الصلاة من نسيان المضمضة والاستنشاق في الجنب فهو كما قال لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بلوا الشعر وأنقوا البشر، فإن تحت كل شعرة جنابة»، فالواجب على الجنب أن يتبع من بدنه شعرا وبشرا فيوصل الماء إليه إذا أمكنه ذلك، والأنف والفم وداخل الأذن يمكن الجنب أن يوصل الماء كما يمكنه أن يوصل الماء إلى سائر جسده ولجميع ما يمكنه أن يوصل الماء إليه مفترض غسله مأمور به، ومن ترك شيئا أمر بفعله فلم يفعله كما أمر كان بمنزلة من لم يفعل، وأما من غير الجنابة فإن أصحابنا اختلفوا في تارك ذلك ناسيا، فقال بعضهم: صلاته جائزة، وقال بعضهم: تجوز صلاته ما لم يتمها فإن ذكر وقد بقي عليه شيء أو لم يصل فعليه إعادة ما نسي واستقبال فعل الصلاة، وقال آخرون: لا تتم الصلاة إلا بالمضمضة والاستنشاق نسي ذلك وتعمد كان قد صلى أو لم يصل، وهذا قول يدل على وجوب فرض المضمضة والاستنشاق.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للقيط بن صبرة: «إذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائما»، وأوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - على الوجوب إلا أن تقوم دلالة، وقال بعض مخالفينا بوجوب فرض الاستنشاق ومن ترك شيئا مفروضا من طهارته حتى صلى فصلاته باطلة والله أعلم بالأعدل من قولهم.
مسألة: وقيل: من تمضمض فأجرى الماء على لسانه ولو لم يولج إصبعه فإنه يجزيه إن شاء الله، والاستنشاق بالماء دون اليد. (8/93)
صفحة 2441
الباب الثامن عشر
في غسل الوجه في الوضوء
قال أبو بكر: واختلفوا في تخليل اللحية، فكان سفيان الثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي لا يرون تخليل اللحية واجباً، ومذهب أكثرهم أن ما مر عليه ظاهر اللحية يجزي، وكان عطاء ابن أبي رباح يرى بل أصول اللحية، وقال سعيد بن جبير: ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها، وكان أبو بكر يوجب الإعادة على من ترك غسل أصول الشعر، وقال إسحاق: إذا ترك التخليل عامدا أعاد.
وممن روينا عنه أنه كان يخلل لحيته علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن بن علي وابن عمر وأنس بن مالك وابن أبي ليلى وعطاء بن السائب ومجاهد وابن ميسرة.
وممن روينا عنه أنه رخص في ترك تخليل اللحية ابن عمر والحسن بن علي وطاووس وأبو العالية والشعبي ومحمد بن علي ومجاهد والقاسم، وقال سعيد بن عبد العزيز والأوزاعي: ليس عرك العارضين وتشبيك اللحية بواجب.
قال أبو بكر: غسل ما تحت شعر اللحية في الوضوء غير واجب إذ لا حجة تدل على وجوب ذلك.
قال أبو سعيد: إنه يخرج في معاني قول أصحابنا شبه ما مضى كله ويدل عليه، وأكثر من وجدنا يؤكدون في غسل ما أقبل إلى الوجه من اللحية لثبوته من الوجه عندي قبل أن تنبت فيه اللحية، وكذلك الفنيك وهو عندهم فيها معي طرف اللحية وأشده مما أقبل. (8/94)
صفحة 2442
مسألة: ومن جامع أبي محمد: وحد الوجه المفترض غسله من أول منابت شعر الرأس إلى أصل الأذن، ومما أقبل من الوجه إلى الذقن، الدليل على هذا قول الله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} (البقرة:144) الآية، فالوجه في لغة العرب ما واجه الشيء، فإن قال قائل: فإن مقدم الأذنين مواجه لهما، قيل له: الأذن وإن واجه بها الإنسان فلا يعرفها الناس وجها ولو كانت وجها لأنها مما يواجه به لكان الصدر أيضا يجب غسله مع الوجه لأنه يواجه به.
مسألة: ومن الكتاب: والوجه ما واجه به الإنسان لأن العرب لا تعقل الوجه إلا ما ظهر لها وواجهها، وإنما خوطبت بما تعرفه في لغتها وليس انكشاف الشعر من مواضعه بزائد في طهارته وغسل مواضع اللحية لأنه مواجه به إذا لم يكن هنالك شعر، فإذا ظهر فيه شعر ستره ولا يمكن وصول الماء إليه إلا بماء جديد وذلك شديد أو غيره شديد لم يجب غسله، لأن اسم غسل قد زال عنه.
وليس يصح عندي ما قاله بعض أصحابنا في إيجاب تخليل اللحية ولا قول من أمر بذلك استحبابا ومن فعله فهو عندي غير ملوم، ومن تركه فليس بمأثوم، ولا أعلم اختلافا بين أحد من الناس أن الوجه الذي أمر الله بغسله بالماء هو الوجه الذي أمر بمسحه بالصعيد، ولا أعلم خلافاً أن المتطهر بالصعيد لا يجب عليه تخليل لحيته ولا يؤمر بذلك استحبابا، واتفاقهم على أن تاركه مؤديا لفرض ماسحا لجميع وجهه دليل على أن ذلك اسم الوجه غير لاحق بالمواضع التي يواريها شعره.
مسألة: وحد الوجه من منابت شعر الرأس إلى الذقن إلى الأذنين سواء إن كان المتطهر ذا لحية أو بدون لحية والمنشأ داخل في الوجه وهو البياض الذي بين العارض والأذن، وليس عليه إيصال الماء إلى أصول شعر اللحية، الدليل على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «توضأ واحدة واحدة»، وليس في وسع الإنسان بطاقته إيصال الماء إلى أصول الشعر إذا كان كثيفا بمرة واحدة، فإن قال قائل: يلاقي وسعه أن يبتل البلة إلى أصول الشعر، قيل له: هذا دعوى تدعيه والمشاهدة خلافه، ولو كان الأمر على ما ذكرت لم يكن لك فيه دلالة لأن الموصل البلة إلى أصول الشعر لا يسمى غاسلا، وإنما يسمى ماسحا والوجه آخذ فيه الغسل لا المسح، وإن بطل أن يسمى غاسلا فالمسح غير واجب في الوجه إذ الغسل معنى والمسح غيره ويدل على ذلك تفرقة الله جل وعلا بين الغسل والمسح فجعل محل الغسل وجها ومحل المسح رأسا، وإذا كان هذا هكذا فأكثر ما في
الباب أن يسمى ماسحا عند إيصاله البلة إلى أصول الشعر (8/95)
صفحة 2443
والغسل ساقط والكلام بيننا في الغسل لا في المسح وبالله التوفيق.
ومن الكتاب: فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون باطن الأذنين من الوجه لأنهما مما يواجه به الإنسان، قيل له: هذا غلط من الاعتلال وذلك أن الوجه ليس مأخوذا من المواجهة إذ لو كان مأخوذا من المواجهة لسمي الصدر وجها لأنه مما يواجه به، وقد يواجه غير الوجه أيضا فلا يستحق اسم وجه والله أعلم.
ومن الكتاب: ويكره لطم الوجه بالماء عند الطهارة.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اشربوا أعينكم الماء»، ومنه وليس أرى على من توضأ أو غسل أن يفتح عينيه ولا يتعمد على أن يغمضهما.
ومن غير الجامع: قال محمد بن المسبح: إلا أن يكون جنبا فيبللهما بالماء.
مسألة: وسألته عن رجل توضأ وهو يغمض عينيه فما أرى بذلك بأسا.
مسألة: سألت أبا سعيد عن الرجل إذا أخذت لحيته شيئا من وجهه هل عليه إذا أراد أن يتمسح أن يدلك الشعر المتصل من اللحية بوجه حتى يصل الماء الجلد من تحت الشعر، قال: معي أن عليه ذلك في جميع ما كان من وجهه كان فيه شعر أو لم يكن فيه، قلت له: أفعليه أن يبل الجلد من تحت لحيته من غير الوجه، قال: معي أن بعضا يقول ذلك وبعضا يقول يمسح اللحية من فوق الشعر، قلت: وحد الوجه عندك إلى أين من اللحية؟ قال: معي أنه ما أقبل إلى اللحى الأسفل وأحب أن يكون من الوجه في الوضوء.
مسألة: قلت له: أرأيت أن تمسح للصلاة وغمض عينيه متعمداً لذلك وصلى بذلك الوضوء هل تتم صلاته؟ قال: معي أنه إذا بالغ في غسل ما ظهر فقد يؤمر أن يُشرب عينيه الماء ولا يتعمد لفتحهما ولا لسدهما فإن سدهما فلا يبين لي عليه فساد صلاته.
مسألة: وسألت الوضاح بن عقبة عن غسل الوجه فقال: من الأذن إلى الأذن ويرخي عينيه، وليجر يده على عارضيه من لحيته ويخلل ذقنه ويمسح الرأس ثلاثا والأذنين بماء عبيط.
مسألة: ومن كتاب الشرح: وحد الوجه المأمور بغسله هو ما يوجه صاحبه (8/96)
صفحة 2444
، فحده من أعلى منتهى تقبض جبينه عند الإشكال من رأس الأقرع أو من ارتفع شعره من وجهه، وأما من شعره في أماكنه فغسل وجهه إلى شعر رأسه ومن أسفله إلى ذقنه ثم يعود بالماء ما خرج من شعر لحيته إلى أذنيه، وإنما انتهينا بذكر الغسل إلى الأذنين للاختلاف بين الفقهاء في منتهى الوجه إليهما أو إلى دونهما، فقال بعضهم: الوجه إلى الأذنين، وقال بعضهم: مقدمهما من الوجه، وقال بعضهم: يغسلان مع الوجه، وقال بعضهم: المنشأ ليس من الوجه ولا ما بين صحفة الأذن وصحفة الوجه، وقال بعضهم: الوجه إلى العظم الناتئ دون الوجه لعله الأذن وهذا يوجد لمحمد بن محبوب من حدّ الوجه عند الاختصاص، وقد قام الدليل بأن الأذنين ليستا من الوجه لما رأينا من إجماعهم على ترك الأمر لمن ترك غسلهما عند غسل الوجه فدل على أنهما ليستا من الوجه ووجه استيعاب ما دخل في الاختلاف بغير دليل.
ومن الكتاب: وأما قوله: يخلل لحيته ويخلل أصابع يديه ورجليه عند الوضوء، هذا يستحب كما قال، ولا يبين لي وجه قوله إلا استحبابا في تخليل اللحية لأنها ليس من وجه الطهارة والوجه المأمور بغسله هو المأمور بمسحه عند التيمم، وأجمعوا أن اللحية لا تخلل بالتراب عند التطهر به فيجب أن يكون عند الطهارة بالماء لا يخلل أيضا وهما طاهرتان وكيف افترقتا والله أعلم.
مسألة: ويخلل المتوضئ لحيته وكان بعضهم يخلل ما يلي الوجه منهما وكل ذلك جائز.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ويخلل لحيته ويخلل أصابعه من يديه ورجليه عند الوضوء، وفي نسخة ويخلل لحيته ويخلل بين أصابع يديه ورجليه، ومن غيره: وقال بعض الفقهاء: يمسح على لحيته مسحا، وكان بعضهم يخلل ما يلي الوجه منها، وكل ذلك جائز إن شاء الله.
ومن الكتاب: واللحية ليست من مواضع الطهور إلا أنه يستحب أيضا أن تخلل، فإن لم يفعل فلا نقض عليه ويؤمر أن يرطب الفنيك وهو ظاهر اللحى الأسفل من اللحية.
مسألة من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: وليس على الناس أن يخللوا الحاجبين ولا العنقفة، ولكن يجري عليها الماء، وكان بعض المسلمين يخلل الذقن وهو الموضع الذي فيه الشعر أسفل من العنقفة، وكان سليمان بن عثمان يخلله. (8/97)
صفحة 2445
الباب التاسع عشر
في غسل اليدين عند الوضوء
واختلفوا في وجوب غسل المرفقين مع الذراعين، وكان عطاء والشافعي وإسحاق يقولون: يجب ذلك، وقال مالك: الذي آمر به أن يبلغ المرفقين، وذكروا عن زُفر أنه قال: لا يجب غسل المرفقين.
قال أبو سعيد: معي أن عامة قول أصحابنا يخرج بغسل المرفقين ولعله يجزي في ذلك اختلاف، وأحسب أن معنى قول من قال لا غسل على المرفقين أنهما غاية من الذراعين لقوله إلى المرافق، فكان قوله إلى المرافق غاية كقوله: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} (البقرة:187)، ومعنى قول من قال بغسلهما أنه أمر بغسلهما في قوله كما قال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} (النساء:2)، يعني مع أموالكم، كذلك قال: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (المائدة:6)، ولعله قد قيل يستحب بغسل ما بعد المرافق بغير وجوب منه.
قال أبو بكر: واختلفوا في تحريك الخاتم في الوضوء فممن روينا عنه أنه حرك خاتمه في الوضوء علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وابن سيرين وعمر وابن دينار وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والحسن وابن عتبة وأبو ثور، ورخص فيه مالك والأوزاعي، وروي ذلك عن سالم، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة وأحمد بن حنبل إن كان ضيقا يحيله ويدعه إن كان سلسا، وكذلك نقول.
قال أبو سعيد: على حسب هذا يخرج في معاني قول أصحابنا من الأتم في الخاتم وتحريكه كان هو في أمر ما يجري عليه من الحركة في حد الوضوء يبلغ الماء إلى ما تحته مع حركته على الموضع بما يجيز أنه من الغسل أجزى ذلك عندي، وإن لم يكن كذلك فموضعه ما يثبت عليه الغسل فلابد من حركته حتى يصح لموضعه الغسل في معاني الاعتبار في موضعه. (8/98)
صفحة 2446
مسألة: ومن كتاب الشرح: وغسل اليدين إلى المرفقين كما قال الله عز وجل: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}، والمرفقان داخلان في الغسل بالإجماع، والدليل أنهما حد جنس المذكور.
ومن الكتاب: أما قوله: ويخلل لحيته ويخلل أصابع يديه ورجليه عند الوضوء هذا يستحب كما قال، وأما قوله: وقيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أشربوا أعينكم الماء عسى ألا ترى ناراً حامية، وخللوا أصابعكم قبل أن تخللها النار»، فالخبر إذا صح فهو على الندب لأن الإجماع من الأمة يوجب إجازة مسح من لم يشربهما ولم يخلل الأصابع، ولولا الإجماع لكان هذا الخبر يوجب فرض العمل بذلك عند من يثبت الخبر بذلك والله أعلم.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: الحجة في غسل المرفقين مع اليدين قول الله عز وجل: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}، فإن قال قائل: لم أوجبتم غسل المرفقين وهما حدان والحد لا يدخل في حد المذكور؟ قيل له: لما خاطبنا الله تعالى بغسل اليدين إلى المرفقين وهما حدان اعتبرنا ذلك فرأينا الحد يدل على معنيين، أحدهما أن يكون داخلا في حكم المذكور وهو غسل اليدين والآخر داخل فيه، ورأينا المحدودات على ضربين فحد من جنس المحدود وحده داخل فيه، فأما المحدود الذي يدخل في جنسه فهو كما قال الله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}، أي مع أموالكم، وكذلك قوله عز وجل: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ} (آل عمران:52)، أي مع الله، وأما المحدود إلى غير جنسه فحده لا يدخل فيه، فهو كما قال الله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ}، فذلك حد انتهاء، وكذلك قوله جل ثناؤه: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً} (مريم:85)، أي ركبانا، فلما كان المرفقان حدين من جنس ما أحد إليه وجب أن يدخلا معه في الغسل، وأيضا فإن غسل المرفقين مع اليدين واجب بإجماع الأمة، وهو أقوى حجة عند النظر وبالله التوفيق.
ومن الكتاب: وتخليل الأصابع في المسح غير واجب بإجماع، وإن كان اتصال الماء إلى مواضع التخليل واجباً، وفي هذا دليل على ما أصابه الماء من مواضع الوضوء والتطهر من الجنابة إذا لم يمر الإنسان يده عليه مع الماء أن يجزيه إذا جرت اليد على الأكثر منه في قول من رأى إمرار اليد مع الماء واجبا في الطهارة.
مسألة: ومن الكتاب: وإذا قطعت يد المتعبد من المرفق وجب عليه أن (8/99)
صفحة 2447
يغسل موضع القطع لأنه ظاهر موضع الوضوء، فإن قال قائل: ما أنكرتم ألا يلزمه غسل ذلك من قبل أن هذا الموضع لما كان باطنا في الابتداء قبل القطع ولم يلزمه غسله أن يكون بعد القطع كذلك؟ قيل له: هذا خطأ من قبل أنه لو أصابته في ساعده جراحة لها غرز فبرأ منه، لزمه غسل الموضع، وكذلك لو ذهب جلده وزال لزمه غسل ذلك الموضع، وإن كان باطنا قبل ذهاب الجلد والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء: وقيل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغ المرفقين أدار الماء عليهما والله أعلم. (8/100)
صفحة 2448
[صفحة بيضاء] (8/101)
صفحة 2449
الباب العشرون
في مسح الرأس في الوضوء
وحفظ الثقة أن أبا عثمان قال: المسح للرأس ضربه بالماء وتردد ذلك على رأسك ثلاث مرات.
مسألة: وقال الثقة أبو عثمان قال: لا يمنع الرجل مضمضته فاه وهو صائم.
مسألة: ومن كتاب الإشراف: كان الحسن البصري وعروة بن الزبير يقولان يجزي المرء أن يمسح رأسه بما فضل من البلل في اليد عن فضل الذراع، وكذلك قال الأوزاعي، ولا يجزي ذلك في قول الشافعي، وشبه ذلك قول الكوفيين.
قال أبو بكر: يجزيه ويأخذ ماءً جديداً أحب إليّ.
قال أبو سعيد: معي أن معاني الاتفاق من قول أصحابنا يخرج على أن المتوضئ أن يأخذ ماءً جديداً لمسح رأسه إلا أن يكون ما أخذ ذراعيه، يكون في الاعتبار فيه فضل عن غسل الذراع، حتى لا يكون مستهلكا، ويبقى من ذلك بقدر ما يمسح الرأس غير مستهلك في غسل الذراع، فلعله يخرج هذا فيما يشبه قولهم على هذا النحو، وعلى هذا المعنى يكون الأمر، وأما الإطلاق بالاختلاف فيه على التعمد فلا أعلمه يخرج معي إلا أن يكون يشابه مسح رأسه حتى يفارق الماء فقد قيل في بعض قولهم إن وجد في لحيته بللا أو جسده بقدر ما يمسح به أجزاه، وقيل: لا يجزيه على حال إلا بماء جديد على النسيان وغيره.
ومنه: واختلفوا في صفة مسح الرأس، وكان مالك والشافعي وأحمد يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بيده إلى مؤخر رأسه ثم يردها إلى مقدمه، على حديث عبد الله بن زيد، وكان ابن عمر يمسح رأسه مرة يضع يده على وسط رأسه ثم يمسح إلى مقدم (8/102)
صفحة 2450
رأسه، وقال الأوزاعي: إن مسح مقدم الرأس يجزي ويعم رأسه أحب إليّ.
وقال أبو بكر: بحديث عبد الله بن زيد أقول هو يجزي مسح بعض الرأس، واختلفوا في عدد مسح الرأس، ففي قول ابن عمر وطلحة بن مصرف والحكم وحماد وعطاء وسعيد بن جبير وسالم بن عبد الله والحسن البصري ومجاهد وأحمد وأبي ثور يمسح رأسه مرة ويجزي ذلك عند الشافعي وثلاثا أحب إليّ، وقال أصحاب الرأي: يمسح برأسه وأذنيه مرة، وروينا عن ابن سيرين أنه مسح برأسه مسحتين.
قال أبو بكر: المسح على ما جاء في حديث علي بن أبي طالب يمسح رأسه بيديه معاً، فإن مسح بيد فلا شيء عليه، واختلفوا فيمن مسح رأسه بإصبع واحدة، فقال الثوري: يجزي أن يمسح رأسه بأصبع، ويجزي ذلك عند الشافعي، وإن مسحه ببعض أصبع، وقال الثوري: إن لم تصب المرأة إلا شعرة واحدة أجزأها، وقال أحمد: يجزي المرأة أن تمسح بمقدم رأسها، وقال الأوزاعي: مثله، وقال الحسن البصري: يجزي مسح بعض الرأس، ومسح ابن عمر رأسه اليافوح قط، وقال مالك: فيمن مسح مقدم رأسه قال: يعيد الصلاة، أرأيت لو غسل بعض وجهه أو ذراعيه أو رجليه؟ وفيه قول ثالث وهو أن يمسح رأسه بثلاث أصابع أجزأه، وإن مسحه بأقل من ذلك لم يجزئه، هذا قول أصحاب الرأي.
وقد حكي عن النعماني وزفر ويعقوب أنهم قالوا: لا يجزيه إن مسح أقل من ثلث رأسه، وفيه قول رابع هو إنما ترك إن كان خفيفا، والخفيف الثلث أو شبهه، أجزأ عنه، وإن كان أقل من ذلك كأن لم يمسح برأسه، وهذا قول محمد بن سلمة.
وقال أبو سعيد: معي أن عامة قول أصحابنا يخرج عندي مما عليه العمل قولان، أحدهما يمسح الرأس كله ولا يجزي دونه، وأحدهما أن يجزئ مقدم رأسه دون مؤخره، وقد يخرج في معاني القول أنه يجزيه مسح مؤخر رأسه كله مع ما يليه ولو كان أكثر رأسه، وإذا ترك مقدم رأسه وأثبت المسح في الرأس من أول مقدم الرأس فصاعدا، ومن ترك لم يثبت له المسح ولو مسح غير أكثر رأسه وبما مسح فقد ثبت معنا مسحه من أصبع أو أكثر.
وقد جاء في معاني الاختلاف في ذلك قول أصحابنا كنحو ما ذكر وما معنى يدل عندي في كثرة الأصابع في المسح ولا قلتها إذا ثبت معنى المسح، وسئل (8/103)
صفحة 2451
أبو سعيد عمن نسي رأسه حتى صلى هل تتم صلاته؟ قال: لا يبين لي ذلك في بعض القول.
مسألة: ومنه: وسأله سائل عمن شك في مسح رأسه وهو يمسح أذنيه هل له أن يمضي على وضوئه، قال: نعم، في حكم الاطمئنانة وأما في الحكم فلا قول له، وكذلك من كان يغسل وجهه فشك في المضمضة والاستنشاق هل له أن يمضي على وضوئه؟ قال: معي أنها مثل الأذنين، قلت له: فإذا صار في حد ثالث ثم شك في الأول هل له أن يمضي على وضوئه في الحكم؟ قال: هكذا عندي ثم رجع عن ذلك بعد أن عرضه عليه، وقال: إن كان هذا حكم، وكذلك إذا خرج إلى الثاني لا فرق في ذلك عندي ولا يعجبني هذا، قلت له: فما دام في الوضوء ولو في آخر جارحة فشك في الأولى، قال: فخرج أنه لا يرجع إليه على الاطمئنانة، قال: هكذا عندي لأنه يعد في حال الوضوء، قلت: فإذا فرغ من الوضوء فشك في جارحة من وضوئه من آخر جوارحه أو من أول جوارحه وقد خرج من حال الوضوء لم يكن عليه أن يرجع في الحكم، قال: هكذا عندي.
ومنه: وسألته عمن نسي مسح رأسه ثم ذكره وقد يبس وضوؤه كله هل يجزيه أن يعيد مسح رأسه من غير أن يعيد الوضوء؟ قال: معي قد قيل يبتدئ الوضوء.
مسألة من الزيادة المضافة: ولا يجوز لماسح رأسه في الوضوء إذا بكفيه أن ينقضه منها فمن فعل ذلك لم يجزه عن المسح والله أعلم.
مسألة: وقال ابن عمر: إنه كان يرفع عمامته فيمسح رأسه إذا توضأ وهي عليه.
مسألة: ومن كتاب الشرح: ومسح الرأس فيه اختلاف بين أصحابنا والذي نختاره يمسح جميعه، وأما اللغة فيوجب مسح البعض ويوجب مسح الجميع، وذهب بعض أصحابنا إلى مسح مقدم الرأس للرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح بناصيته وهذا خبر إن سلم طريقه فهو محتمل للتأويل والله أعلم.
ومن الكتاب: وأما قوله: وقيل: من مسح رأسه بأصبع واحدة أو بأصبعين لم يجزئه، وإن مسح بثلاث أصابع أجزأه لأنه مسح بالأكثر من أصابعه، وإذا مسح لوضوئه مقدم رأسه أجزأه، وإن مسح قفاه وترك مقدمه لم يجزئه، فقد بينا في مسح الرأس لهذا المعنى ما فيه مقنع لمن أراد جوابنا إن شاء الله، وأما قوله: إن مسح بأصبع (8/104)
صفحة 2452
أو أصبعين لم يجزئه، فالذي يوجبه النظر إجازة ذلك لأنه مأمور بالمسح، فإذا مسح بما يقع عليه اسم ماسح فقد خرج مما أمر به، وحصل ماسحا والله أعلم، إذ ليس في الخبر المسح بالكف ولا بأكثر، فإن كان عنده أن المسح لا يجوز إلا بالكف فإجازته بأكثر الكف أو بثلاث أصابع من الكف، وإن كان الأمر بالمسح ليس فيه تحديد لمراعاته اسم المسح وجود الاسم الذي علق به ذكر المسح وبالله التوفيق.
ومن الكتاب: وأما قوله: وبلغنا عن أبي عبيدة عن جابر أنه توضأ قال: ولا أحسب إلا أنه ذكر أن عليه كمةً أو عمامةً، قال: فأخر الكمة أو العمامة عن رأسه وأخذ بإحدى يديه ثم مسح مقدم رأسه ثم أعاد العمامة أو القلنسوة، وقد بينا هذا فيما تقدم وشرحناه بما انتهى إلينا من الخبر فيه.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: ومسح جميع الرأس واجب في الطهارة عند بعض أصحابنا، والنظر عندي يوجبه، والحجة لمن ذهب إلى هذا الرأي قول الله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج:29)، فأفاد بهذه الآية أن الطواف بالبيت العتيق جميع البيت.
وكذلك قوله في التيمم: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً}، إنه جميع الوجه باتفاق الأمة، فهذان دليلان لأصحاب هذا الرأي.
وقال أكثر أصحابنا: إن مسح الرأس من مقدمه يجزي للماسح، والحجة لهم على ما روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح بناصيته، والناصية بعض الرأس وهو مقدمه.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح بعض رأسه، ففي هذين الخبرين مع أصحاب الحديث ضعيف، ولهم دليل آخر أن الماء المذكور يقع على الكل وعلى البعض في اللغة، فإن العرب تسمي البعض باسم الكل، كقوله عز وجل: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} (الأحقاف:25)، ولم تدمر الكل، وكذلك يسمى بعض الماء باسم الماء، ويسمى بعض النار، ولأصحاب هذا الرأي أيضا أدلة غير هذا كثيرة، منها قول القائل: مسحت يدي بالمنديل لا يريد الكل، وكذلك مسحت يدي بالأرض معقول لأنه يريد الكل، ومسحت رأس اليتيم بيدي لا يريد كل الرأس، ونحو هذا والله الموفق للصواب.
ومن الكتاب: وتنازع الناس في مسح الرأس فقال قوم: يمسح جميعه، وقال آخرون: الربع، وقال آخرون: الثلث، وقال آخرون: بالناصية، وقال (8/105)
صفحة 2453
آخرون: أقل ما يقع عليه اسم ما مسح.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ثم يمسح رأسه ثم أذنيه.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: يمسح برأسه وأذنيه.
ومن الكتاب: وقيل: إن مسح المتوضئ رأسه بأصبع واحدة أو بأصبعين لم يجزئه ذلك، وإن مسح بثلاث أصابع أجزأه لأنه مسح بالأكثر من أصابعه.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: إن مسح رأسه بأصبع أو أصبعين أجزأه وبجميع الكف أحب إلينا.
ومن الكتاب: وإذا مسح مقدم الرأس أجزأه وبجميع الكف أحب إلينا.
ومن الكتاب: وبلغنا عن أبي عبيدة عن جابر رحمهما الله أنه توضأ قال: ولا أحسب إلا أنه ذكر أن عليه عمامة أو كمة أو قلنسوة، قال: فأخر الكمة عن رأسه أو العمامة أو القلنسوة بإحدى يديه ثم مسح مقدم رأسه ثم أعاد العمامة أو الكمة أو القلنسوة.
مسألة: قال الحواري بن محمد بن جيفر: ينزل بسمد الشأن عن محمد بن إبراهيم في رجل توضأ ونسي أن يمسح رأسه قال: إن كان في لحيته بلل أو قال ماء أخذ من لحيته ومسح رأسه ولا يصلي بذلك الوضوء تلك الصلاةز
ومن غيره قال: وقد قيل: يأخذ لرأسه ماء غير مستعمل مبتدئا لذلك، وقال من قال: يمسح رأسه من لحيته ويصلي ولم يقل لا يصلي به إلا تلك الصلاة ولا يأخذ لغير رأسه من أعضائه إلا ماء مبتدأً، وقال من قال: يأخذ لجميع ما نسي من بدنه إن وجد شيئا. (8/106)
صفحة 2454
[صفحة بيضاء] (8/107)
صفحة 2455
الباب الحادي والعشرون
في مسح الأذنين
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح ظاهر أذنيه وباطنهما، واختلفوا في الأذنين، فقالت طائفة: الأذنان من الرأس، روينا ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأبي موسى، وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز والنخعي وابن سيرين وسعيد بن جبير وقتادة ومالك والثوري وأحمد والنعمان وأصحابه، وقال الزهري: من الوجه واختلف فيه ابن عمر، وقال الشافعي: ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس، ومال إسحاق إلى هذا القول واختاره.
وفيه قول رابع وهو أنهما ليستا من الوجه ولا من الرأس ولا شيء على من تركهما، هذا قول الشافعي وأبي ثور، وكان مالك والشافعي وأحمد يرون يأخذ المتوضئ ماء جديدا لأذنيه.
قال أبو بكر: وهذا الرأي قالوا غير موجود في الأخبار في حديث ابن يسار عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين وخالف بإبهامه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما، واختلفوا فيمن ترك مسح الأذنين، فكان مالك والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون لا إعادة عليه، وقال إسحاق: إن ترك مسح أذنيه متعمداً لم يجزه، وقال أحمد: إن تركه متعمدا أحببت أن يعيد.
قال أبو سعيد: معي أنه قد جاء نحو هذا في معاني قول أصحابنا مع ثبوت مسح الأذنين في الوضوء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا وأمرا فيما أحسب، ولا يجوز تركهما عندنا على التعمد لثبوت التأسي بالنبي، فمن تركهما على التعمد ففي أكثر القول معنا أن (8/108)
صفحة 2456
عليه الإعادة للصلاة، ولعله قد يشبه لا إعادة عليه وفي تركهما على النسيان معاني الاختلاف، ولعل أكثر القول أن لا إعادة عليه في الصلاة ناسيا.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: اختلف الناس في حكم الأذنين، قال قوم: هما من الرأس، وقال بعضهم: هما من الوجه، وقال آخرون: ظاهرهما من الرأس وباطنهما من الوجه، فمن ذهب إلى أنهما من الوجه غسلهما مع الوجه، ومن ذهب إلى أن ظاهرهما من الرأس وباطنهما من الوجه مسح ظاهرهما مع الرأس وغسل باطنهما مع الوجه.
والنظر يوجب عندي أن مسحهما غير واجب ولست أنكر أن يكونا من الرأس وإنما تنازع أهل العلم أنهما من الرأس والمأمور بمسحه أم لا، والوجه أيضا من الرأس، ألا ترى أن الرجل المطاع إذا أمر أن يؤتى برأس إنسان أنه يوجب على المأمور أن يأتي بالرأس المركب على العنق والوجه معه، وإن خص باسم منفرد به، ويدل على أن الأذنين ليستا من الرأس المأمور بمسحه، وأن الناس يتنازعون في مسح الرأس، فمنهم من أوجب مسح جميعه، ومنهم من أوجب الثلث، ومنهم من أوجب الربع، ومنهم من أوجب القليل منه ما لم ينقص عن مقدار ثلاث شعرات، فقال الموجب للكل: لو مسح بأجمع رأسه وترك أذنيه أجزاه ذلك، فمن قوله ليستا من الرأس المأمور بمسحه، ومن قال بالثلث أو الربع قال قوم: الثلث أو الربع بالأذنين لم يجزه ذلك فدل من قولهما أنهما ليستا من الرأس المأمور بمسحه، ومن قال: يجزيه مسح أقل القليل قال: لو مسح أذنيه لم يجزه ذلك، فكان فيما ذكرناه دلالة أنهما ليستا من الرأس المأمور بمسحه، فهذا يدل على أنهما سنة على حيالهما مرغب في إثباتهما إلا أن ذلك واجب.
ويدل على ما قلناه أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب على المحرم يوم النحر أن يقصر من رأسه أو يحلق، وأجمعوا أنه لو كان على أذنيه شعر كثير فأخذ منهما لم يكن محلا بذلك، ولو كانتا من الرأس لأجزى ذلك عنه، وأجمعوا أنه لو حلق رأسه كله وترك الشعر الذي على أذنيه يسمى حالقا رأسه كله، ولم يقل أحد فيما علمنا أنه ترك بعض شعر رأسه، وإذا كان هذا هكذا كان القول ما قلنا دون ما ذهب إليه مخالفونا، فإن قال قائل: ما ننكر أن يكون باطنهما من الوجه لأنهما مما يواجه به الإنسان، فيجب إذا كان الوجه مأخوذا من المواجهة وباطنهما مما يواجه به الإنسان فيجب أن يدخل في جملة الوجه؟ قيل له: هذا من الاعتلال وذلك أن الوجه ليس مأخوذا من المواجهة، وإذا كان (8/109)
صفحة 2457
مأخوذا من المواجهة لسمي الصدر وجها لأنه مما يواجه به، وقد يواجه غير الوجه أيضا فلا يستحق اسم وجه والله أعلم.
مسألة: ومن توضأ وسها عن الأذنين حتى قضى صلاته فما نقول أن عليه إعادة.
مسألة من الزيادة المضافة من الضياء: والخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأذنان من الرأس ضعيف، لأن رواية شهر ابن حوشب قد طعن فيه أصحاب الحديث، يقال إنه سرق خريطة من بيت المال، فقال الشاعر:
لقد باع شهر دينه بخريطة ... فهل يؤمن القراء بعدك يا شهر
مسألة: ومن كتاب الشرح: وقال بعض: لا يغسل الأذنان مع الوجه.
ومن الكتاب: ويؤخذ للأذنين ماء خالص لما دل أنهما سنة على حيالهما.
ومن كتاب الشرح: وأما الناسي لمسح أذنيه فقد تقدم فيما شرحنا من ذكرهما ما فيه كفاية من إعادة ذكر حكمهما في العمد والنسيان إن شاء الله.
وقد يوجد لبعض أصحابنا وهو رايش بن يزيد أنه قال: إذا توضأت لم أحتج إلى مسحهما، لأنهما إن كانتا من الوجه فقد غسلته، وإن كانتا من الرأس فقد مسحت رأسي.
وهذا القول أيضا فيه نظر، وقد اختلف الناس في حكم الأذنين، فقال قوم: هما من الوجه ويغسلان معه عند الطهارة لأنهما مما يواجه بهما، وقال قوم: هما من الرأس ويمسحان معه، وقال قوم: مقدمهما من الوجه ومؤخرهما من الرأس، فصاحب هذا القول يوجب غسل مقدمهما مع الوجه ويؤمر بمسح مؤخرهما مع الرأس.
والذي يذهب إليه أصحابنا والنظر يوجبه أنهما سنة على حيالهما ويؤخذ لهما ماء جديد ولا يجتزئ بمسحهما عن مسح الرأس ولم يجمعوا أن غسلهما من فرض غسل الوجه دل أنهما سنة على حيالهما والله أعلم.
ويدل على هذا أن المحرم لا يحل له من شعرهما ولو كان أقرع الرأس، ولما كان شعر الرأس من أعلاهما أو خلفهما غير متصل بهما، خرج أن يكونا منه، ولما كان (8/110)
صفحة 2458
شعر الوجه غير متصل بهما دل على ألا يكونا منه، ووجب أن يكونا عضوين على حيالهما والله أعلم، فإن تركهما في صلاته ناسيا حتى صلى فصلاته ماضية لأنهما ليستا فرضا من طهارته فيما بينا والله أعلم.
مسألة: قيل له: فالأذنان أهما عندك من الوجه أو من الرأس؟ قال: معي أنه قد قيل إنهما من الرأس في الوضوء، وقيل إنهما من الوجه، ومعي أنه قيل ما أقبل منهما من الوجه وما أدبر من الرأس في أمر الوضوء، ومعي أنه قد قيل لا هما من الرأس ولا هما من الوجه في أمر الوضوء.
قلت له: فالذي يقول إنهما من الوجه يوجب عليه غسلهما لغسل الوجه أم لا ترى عليه إلا غسل الوجه إليهما؟ قال: معي أنه يوجب ذلك مع غسل الوجه.
قلت له: فالذي يقول: إنهما لا من الوجه ولا من الرأس لا يوجب غسلهما عند الوجه ولا يمسحهما عند الرأس، قال: معي أنه كذلك فيما قيل. (8/111)
صفحة 2459
الباب الثاني والعشرون
في وضوء الرجلين
قال أبو بكر: ثبتت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على الخفين، وممن مسح على الخفين من أصحابه أو أمر بالمسح على الخفين عمر وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عباس وجرير بن عبد الله وأنس وعمرو بن العاص وعبد الله بن الحارث وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة وعمار بن ياسر وأبو زيد الأنصاري وجابر بن سمرة وأبو مسعود الأنصاري والبراء بن عازب.
ووجدنا عن الحسن أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على الخفين، وبه قال عطاء ومن معه من أهل مكة والحسن وأهل البصرة وعروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار ومن تبعهم من أهل المدينة ومكحول وأهل الشام، وبه قال مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي.
وقد روينا عن ابن المبارك أنه قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، وذلك أن كل من روي عنه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كره المسح على الخفين، وقد روي عنه غير ذلك.
قال محمد بن سعيد العماني: التواطؤ من قول أصحابنا يخرج عندي أن المسح على الخفين مما نسخه ثبوت الوضوء بالماء وغسل الرجلين بالماء على النص من كتاب الله وأنهما سنة منسوخة، والعجب كيف يساغ لهم مع إقرارهم بفرض الوضوء غسل الرجلين. (8/112)
صفحة 2460
وكل ما رووه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من الأمر الفصل فممكن ذلك عندنا قبل نسخه، وغير ممكن بعد نسخه إلا أن يفعل فاعل على معنى الضرورة من البرد أو ما يشبهه من العلل، فلعل ذلك ينساغ في بعض قول أصحابنا أن يغسل سائر أعضائه ويمسح على خفيه بالماء ولا يخرجهما لمعنى الضرورة.
وفي بعض قولهم يتيمم مع ذلك، وفي بعض قولهم أنه لا يتيمم والاستنجاء بالحجارة والمسح سنتان منسوختان عند وجود الماء مع المكنة لذلك على غير معاني ثبوت الضرورات.
ومن الكتاب: قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المسح على الخفين ثلاثة أيام للمسافر ويوما للمقيم، واختلفوا في ذلك فقالت طائفة بظاهر هذا الحديث، كذلك قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس وأبو زيد الأنصاري وشريح الكندي وعطاء والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وهو آخر قول الشافعي، وكان مالك لا يوقت في المسح على الخفين وقتا، واختلفوا في قوله في المسح في السفر والحضر، فقال الليث بن سعد: يمسح المقيم والمسافر ما بدا له، وأكثر أصحاب مالك يروي أنه يمسح المقيم والمسافر ما كما شاء، وفيه قول ثالث وهو أن المسح على الخفين من غدوة إلى الليل، هذا قول سعيد بن جبير، وروينا عن الشعبي أنه قال: لا يثبت في خفي لابس خمس صلوات أمسح عليها.
قال أبو سعيد: قد مضى القول وإذا ثبت معي الضرورة التي يجوز بها المسح على الخف لم يخرج ذلك عندنا له غاية لقليل ولا كثير، ما لم يزل معنى الضرورات التي بها جاز المسح، وهذا كله من قولهم إن احتمل من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فقبل النسخ، ولا يبعد ذلك إذا كان جائزا وقته أن يكون فيه قول ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومن الكتاب: قال أبو بكر: قال قائل: إن الغسل أفضل من المسح لأنه المفروض في كتاب الله، والمسح رخصة.
وروينا أن عمر بن الخطاب أمرهم أن يمسحوا على خفافهم وخلع هو خفيه وتوضأ، وقال: حبب إليّ الوضوء، وقد روينا عن ابن عمر أنه قال: إني لمولع بغسل قدمي ولا يقتدى بي، وقال آخرون: إن المسح أفضل.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب أن يقبل رخصه»، وما خير رسول (8/113)
صفحة 2461
الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وهذا مذهب الشعبي والحكم وإسحاق.
قال أبو بكر: لا يبين لي تقديم المسح على الغسل، وكل من أتى بمسح أو غسل فقد أدى الواجب عليه.
قال أبو سعيد: كل هذا لا معنى له إلا على ما وصفنا من وجوب الضرورة بعد ثبوت النسخ، وإذا ثبت معي الضرورة وجواز الرخصة بشيء في دين الله فقد يخرج في معنى قولهم من الاختلاف أن من قبل الرخصة لها كان كمن اجتهد بالأخذ بالشديد في دين الله ما لم يحمل على نفسه في ذلك ضرورة، فإن الضرورة مصروف وقبول الرخصة على هذا أفضل.
مسألة: ومن كتاب الشرح: وأما القدمان فالآية قد دلت على مسحهما وعلى غسلهما وهما قراءتان صحيحتان بالنصب والخفض، فمن نصب غسلهما ومن خفض مسحهما، ونحن نختار غسلهما لأن العمل على ذلك من الناس حتى صار كالإجماع، والكعب من القدم، وقال قوم: هو مفصل القدم دون العظم الناتئ في جنبه، وقال قوم: الكعب هو ذلك العظم، ونحن نقول بهذا ونأمر بإدخاله في الغسل وإن كان في الآية من جنس المحدود إليه، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: الحجة في وجوب غسل القدمين فإن الغسل أولى من المسح عليهما، وإن كانا في التلاوة سواء، لأن بعض القراء قرأ وأرجلكم (بالنصب) وبعضهم قرأ وأرجلكم (بالخفض) فمن قرأ بالنصب فصّل بين المسح والغسل بالإعراب، وكل ذلك ليسه بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وبأمره لأمته لأن المنقول إلينا عنه فعل الغسل.
وما نقل إلينا من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للعراقيب من النار»، فهذا نهي يوافق ما أوجبت القراءة التي تذهب إليها على أن الأغلب من القراء على ما نذهب إليه فيخرج مع الأغلب منهم، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلزوم الجماعة، ودليل على ذلك الإجماع أنهم أجمعوا جميعا على أن من غسل قدميه فقد أدى الفرائض التي عليه، واختلفوا فيمن مسح عليهما فنحن معهم فيما اتفقوا عليه والإجماع حجة والاختلاف ليس بحجة.
ومن الكتاب: ولما رأيت الناس تنازعوا في وجوب مسح القدمين أوجبت غسلهما أو مسحهما أن يؤتى في مسح الصلاة والطهارة لها بموجب القراءتين فإن أتى بغسل يشتمل على المسح أجزاه ذلك، وقد اتفقوا على صحة القراءتين وأن الآية قرأها (8/114)
صفحة 2462
الصحابة بالنصب والخفض، فالخفض يوجب المسح لأنه معطوف به على الرأس، والنصب يوجب الغسل لأنه معطوف به على الوجه واليدين.
وأجمع الكل على أن القراءتين صحيحتان فصارتا بمثابة الآيتين، والآيتان إذا وردتا ولم يكن في واحدة دفعا للأخرى وأمكن استعمالهما، وجب إتيان ما تضمنتا، وإذا كان هذا هكذا فالواجب أن يأتي المتوضئ بغسل يشتمل على مسح ليكون في ذلك استعمال القراءتين، فإن قال قائل: أما ما ذكر من الخفض لا يوجب مسحا، ألا ترى أن العرب قد تكلموا بمثل هذا، يقول قائلهم: تقلدت سيفا ورمحا وأكلت خبزا ولبنا وعلفت الدابة تبنا وماء، ومعلوم أن الرمح لا يتقلد والماء لا يعلف واللبن لا يؤكل.
وإذا كان هذا هكذا كان قوله عز وجل: {وَأَرجُلَكُمْ} لا يوجب مسحا وإنما يوجب غسلا، ألا ترى إلى قول العرب جحر ضب خربٍ فخفض من طريق المجاورة لأنه معطوف على ما يقتضي في الحكم، قيل له: لسناً ننكر أن نرد هذه اللفظة في باب العطف فلا يراد بها أن يكون حكمها ما عطف عليها عند قيام الدلالة وإنما يُنقل ذلك عند الضرورات، فلو أمكن لنا لتقلدنا الرمح ولعلفنا الدواب الأمواه لم ينقل عن موضع العطف، نقل ذلك ضرورة وليس بمستنكر أن يرى من يمسح الرجلين إذ ذلك جائز فيهما بحكم المعطوف، أن يكون على ما تقدم من المذكور، وأن يكون حكمه حكمه، ألا ترى إذا قال العربي ضربت زيداً وعمرا فالضرب ممكن فيهما، يوجب أن يحكم أنهما مضروبان، وإن كانت اللغة يقال ضربت زيدا وعمرا أكرمت لأن الظاهر من اللفظ ما قلناه، وإن كان ذلك كذلك وجب على المتوضئ أن يأتي بغسل يشتمل على مسح لا يجزي أحدهما عن الآخر بموجب القراءتين والله أعلم.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ويخلل بين أصابع يديه ورجليه.
ومن الكتاب: وقيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أشربوا أعينكم الماء لعلها لا ترى ناراً حامية، وخللوا بين أصابعكم قبل أن تخللها النار»، وفي نسخة قيل: «أن تخلل من نار».
مسألة: ومن غيره: وبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «خللوا أصابعكم قبل أن تخلل بمسامير من النار يوم القيامة»، وبلغنا أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى عائشة (8/115)
صفحة 2463
السلام كانت تقول: خللوا أصابعكم بالماء قبل أن تخلل بالنار، وتقول: ويل للأعقاب من النار.
مسألة: وقال: غسل الرجلين أن يعركهما في الماء أو عركة غسلة فإذا خرج آخر الماء صافيا من غير فرك.
مسألة من الزيادة المضافة: وحد نقاء القدمين إذا صببت عليهما الماء فانصب منهما ماء صاف بغير عرك، فقال أبو إبراهيم: من غمس رجليه في الماء غمسا بلا عرك ولا دلك أو لم يخلل أصابع رجليه أو لم يمسح على عرقوبيه أن صلاته تفسد وطهارته حتى يتوضأ جيدا، ومن صب الماء على رجليه صبا ولم يغسلهما لم يجزه إلا أن يكون ممن يرى المسح يجزي معه لأن المسح لا يكون إلا باليد.
مسألة من الزيادة المضافة: وأما المسح فوق الخفين من غير غسل الرجلين فلا يجوز عند أصحابنا لأنه عندهم بدعة ولا يرون للماسح عليهما صلاة ولا الصلاة خلفه، ومن مسح على الخفين إلى أن مات فهو هالك، كذا وجدت في الضياء. (8/116)
صفحة 2464
[صفحة بيضاء] (8/117)
صفحة 2465
الباب الثالث والعشرون
فيمن يتوضأ عاريا
ومن جامع أبي الحسن: ومن قعد في ماء وتوضأ فيه ولم يره أحد فلا بأس، وبعض شدد في ذلك.
ومن جامع ابن جعفر: لا يتوضأ المتوضئ وهو عريان ولا قائم فإن فعل فلا نقض عليه إلا ألا يمكنه القعود، وإن كان في ماء وتوضأ فيه فلا بأس.
ومن غيره: قال أبو الحواري -رحمه الله-: إن توضأ قاعدا فهو أحسن، وإن توضأ قائما فهو جائز.
ومن كتاب الشرح: وأما قوله: لا يتوضأ المتوضئ وهو عريان ولا قائم، فإن فعل فلا نقض عليه إلا ألاّ يمكنه القعود، فإن كان في ماء وتوضأ فيه فلا بأس الذي ذكره أنه لا يتوضأ وهو قائم ولا عريان، فهذا النهي عندي على وجه الاستحباب والأدب وليس بواجب ذلك، ألا ترى إلى قوله: فإن فعل فلا نقض عليه يدل ما قلناه وقوله: إلاّ ألاّ يمكنه القعود.
وعندنا أنه إن أمكنه القعود أو لم يمكنه فإن الطهارة تصح منه على أي حال فعلهما قاعدا أو قائما، ويحصل بفعلها متطهرا، وأما من طريق الأدب فإنه يؤمر ألاّ يتطهر إلا وهو جالس مستتر بثوب ساتر لعورته في ليل كان أو نهار.
وقد قال بعض الفقهاء: وأحب أن يكون على عاتق المتوضئ في حالة تطهره ثوب أو خرقة، فهذا الذي ذكرناه مما يستحسنه الفقهاء والله أعلم. (8/118)
صفحة 2466
[صفحة بيضاء] (8/119)
صفحة 2467
الباب الرابع والعشرون
في الوضوء قائما أو عاريا
ومن جامع أبي جعفر: ولا يتوضأ المتوضئ هو عريان ولا قائم، فإن فعل فلا نقض عليه إلا ألاّ يمكنه القعود، وإن كان في ماء وتوضأ فيه فلا بأس.
قال أبو الحواري -رحمه الله-: إنه من توضأ قاعدا فهو أحسن وإن توضأ قائما فهو جائز.
قال غيره: معي أنه أراد لا يتوضأ الإنسان قائما وضوء الصلاة ولا عاريا، فأما وضوؤه قائما إذا كان لابسا ساترا عورته فيخرج عندي نهي الأدب، ولا أعلم فيه حجرا ولا نقضا إلا أن القعود عندنا أحسن من القيام، وقد بلغنا أن بعضا أتى بعض أهل العلم ليسأله عن الوضوء قائما فوجده يتوضأ قائما، وأرجو أنه سأل عما أراد أن يسأله عنه فقال له: تراني قائما وتسألني أو نحو هذا.
فأما الوضوء للصلاة عريان فمعي أنه أشد كراهية إلا أن يكون في موضع مستتر يأمن فيه على نفسه، فمعي أنه يخرج في معاني ما قيل أن وضوءه تام إذا كان في موضع ستر يأمن فيه على نفسه أنه لا يراه من لا يجوز له النظر إليه في موضع وضوئه، ولا إذا قام ليلبس ثيابه لم يبصر عورته من هنالك، فإذا كان على هذا فمعي أنه قيل إن وضوءه تام حيث ما كان على هذه الصفة في ليل أو في نهار، وأما إذا كان في موضع منكشف إلا أنه يأمن أنه لا يمضي عليه في ذلك الوقت أحد لاعتزاله عن كثرة المار والجاري والذاهب في القرى وفي البراري، فمعي أنه يختلف في ذلك، ففي بعض القول أنه لا يجوز وضوؤه ولا ينعقد في النهار إذا كان عاريا في هذا الموضع، إذا لم يكن في مأمن ستر على ما وصفت للأمن سكن أو سترة أو في غير سكن. (8/120)
صفحة 2468
وفي بعض القول أنه ما لم يبصره أحد في هذا الموضع ممن لا يجوز له النظر إليه حتى توضأ فاستتر تم وضوؤه، وإن أبصره أحد في حال وضوئه كان عليه الإعادة في وضوئه، ولا يتم له إلا أن يكون كما وصفت لك حتى يتوضأ أو يلبس ثيابه، وإذا كان في موضع مخاطرة ليس في موضع يأمن على نفسه في الوقت الذي يتوضأ فيه في النهار، فمعي أنه في أكثر ما قيل أنه لا يجوز وضوؤه هنالك عاريا في النهار ولو لم يره أحد إذا كان في غير مأمن.
ومعي أنه يخرج في بعض ما قيل أنه ما لم يبصره أحد ممن لا يجوز له النظر إليه حتى أتم وضوءه أن وضوءه تام وهو مقصر في ذلك إلا أن يكون في ضرورة.
عندي في ذلك ومعي أنه يخرج بمعنى الاتفاق أنه إذا توضأ في الليل أو في موضع مستتر في النهار أن وضوءه تام حيثما توضأ على هذا كان في ماء جار أو من إناء أو كان على جانب الماء الجاري وهو عارٍ، فكيفما توضأ في هذا الموضع في الليل أو في الستر من مسكن أو غيره ما لم يبصره أحد ممن لا يجوز له النظر إليه، أن وضوءه تام ولا يجوز له أن ينظر إليه في ذلك الحال على هذا، إلا زوجته أو سريته التي يطأها.
ولا يجوز للمرأة في ذلك إلا زوجها، والمرأة والرجل عندي في هذا الوجه في أمر الوضوء سواء، وإذا ثبت هذا المعنى أن الوضوء ينعقد بمعنى الاتفاق عاريا، كان في موضع ستر أو في الليل إذ هو لباس، فمعي أن ذلك إنما هو على هذا السبيل من طريق الإثم لا من طريق أنه لا يثبت الوضوء عاريا، ولو كان من طريق التعري لم يجز في ليل ولا في نهار في ستره ولا غيره، كما أنه إذ لا يجوز الصلاة إلا باللباس الذي يستر العورات فلا يجوز في ليل ولا في نهار في ستره ولا غيره، وحكم ذلك في الليل حكمه في النهار، وفي المساكن والمساتر كغيرها من المواضع، فإنما يخرج عندي في هذا الفصل أنه إنما لا يجوز الوضوء من هذا الوجه من أجل إثم المتعري، وإذا ثبت هذا ولا يصح عندي فيه إلا من أجل هذا المعنى الاتفاق أنه جائز في الليل أو في موضع الستر في النهار أو عند من يجوز نظره إليه، ولأجل هذا ثبت أنه إنما فسد من طريق الإثم، فإذا توضأ المتوضئ وأتم وضوءه على هذا في أي موضع إذا لم يره أحد ممن لا يجوز له النظر إليه حتى يتم وضوءه، خرج عندي أن وضوءه تام ما لم ينظر إليه من يأثم بنظره إليه على هذا المعنى، ولو كان في غير مأمن ما لم يكن له نية في (8/121)
صفحة 2469
قعوده في ذلك الموضع، لا يسعه ويأثم فإذا كان كذلك خرج عندي معنى الاختلاف في وضوئه.
وإذا ثبت أنه مما إنما نقض وضوءه من طريق الإثم بالنظر إليه من لا يسعه النظر إليه، خرج عندي نقض وضوئه بذلك مما يجري فيه الاختلاف في قول أصحابنا لأني لا أعلم معنى ما ينقض الوضوء في قولهم بمعنى الإثم بغير نظر الفروج وأشباهها من المتوضئ إلا وفي نقض وضوئه بذلك معاني الاختلاف ولا يلحقه معنى الاتفاق من قولهم كائنا ما كان مما يأثم به إلا الشرك إذا أشرك بالجحود بشيء من الكلام أو الفعل، مما يرتد به إلى الشرك، فإني لا أعلم في هذا الفصل من قولهم اختلافا في نقض وضوئه، بل يخرج عندي معنى الاتفاق من قولهم بنقض وضوئه على هذا الفصل، وأما إن ارتد في نفسه بغير قول أو فعل، فمعي أنه يختلف في نقض وضوئه بذلك، وأما سائر المآثم ففيها عندي أنه في نقض الوضوء بذلك كان من القتل للنفس أو السرقة بما يجب به القطع أو سائر ذلك من الكبائر أو الكذب المتعمّد عليه، ففي معاني ذلك كله في نقض الوضوء اختلاف في قول أصحابنا.
ولعل الاتفاق من قول قومنا أو أكثر قولهم أنه لا ينقض الوضوء شيء من ذلك إلا من الأحداث من أمر النجاسات وما أشبهها، لا من طريق الإثم بغير معنى ذلك وما أشبهه من الأحداث من أمر الفرجين والملامسة، ولا نعتمد قول قومنا ولا نقبل منه إلا ما وافق العدل، وكذلك ينبغي أن يكون جميع ما جاء لا يقبل منه إلا ما وافق العدل، ولا فرق بين قول القائلين من الجميع، فمن وافق قوله العدل فهو العدل وإياه نعتمد وبه نأخذ وإليه نستند، ومن خالف قوله العدل فلا يجوز فيه قبول غير العدل منه لما تقدم منه من العدل في غير ذلك الذي قاله من غير العدل، ولا نقول إن أحدا من المسلمين من العلماء المهتدين يقول في الدين بغير ما يوافق العدل ولا ما يخالف العدل، إلا أن يكون منه ذلك على وجه الغلط وأن له ثبوتا منها أو يحرف معنى ما قيل عنه ممن نقل عنه ذلك، أو من الأثر الذي جاء عنه في ذلك.
وقد يكون من علماء قومنا الصحيح من القول وما يوافقون فيه أصحابنا في معنى الدين والرأي، ولا يرد على أحد من الخليقة شيء من العدل ولا يجوز ذلك من أمر الدين فيما يكون أحكامه أحكام البدع وتحليل الحرام أو تحريم الحلال، أو ما يكون حكمه حكم الدعاوى، وكل ذلك غير جائز قبول باطل منه ولا رد حق بما يخالف حكم العدل يعلم بباطل ذلك أو يجهل. (8/122)
صفحة 2470
وإذا ثبت معنى وضوء المتوضئ عاريا في موضع لا يجوز بمعنى الاتفاق أو الاختلاف، فسواء عندي كان يتوضأ في الماء قاعدا فيه أو قائما إلا أن القعود عندي أحسن في معنى الأدب والستر، وأما في معنى اللازم فسواء كان قائما أو قاعدا أو نائما إذا أحكم وضوءه في موضع وضوئه في موضع لا يجوز.
ومعي أنه في بعض القول على معنى قول من يقول إذا كان في موضع الستر ثبت وضوؤه عريان أنه إذا كان في الماء وكان الماء ستر سرّته إذا قعد أن وضوءه فيه تام ولو كان في غير ستر ولعله يذهب أن الماء في ذلك ستره، ويخرج هذا القول في الرجال لا في النساء في نظر الرجال إليهم.
وكذلك عندي إذا ثبت معناه في الرجال من نظر الرجال إليهم، فمثله عندي في النساء ومن ذوات محارمهن من الرجال، وقد يكون الماء سترة ما لم يتقرب الناظر إلى القاعد في الماء، فإذا تقرب منه وصفا الماء القاعد فيه لأن الصافي يصف العورة ولا يسترها إلا من بعيد، ولكن إذا كان الماء كدرا لا يصف العورة ولا يبصر منها، كان عندي سترة على معنى ما قيل في هذا القول عندي مطلقا إذا كان يستر السرة من القاعد فيه ولا يذكر فيه تفسير في قيام المتوضئ إلى ثيابه ليلبسها، كان معناه إذا كان في موضع سترة إلى أن ينعقد وضوؤه وهو مستتر، فقد ثبت وضوؤه وقيامه إلى لبس ثيابه حال آخر لا يدخل في معنى الوضوء، فإن توضأ وقام إلى ثيابه فلبسها ولم ينظر إليه أحد ممن لا يجوز له النظر إليه نظرا يأثم فيه المنظور إليه من التبرج إليه بغير عذر لحقه عندي معنى الاختلاف في نقض وضوئه على هذا القول، لأنه قد توضأ وهو مستتر وقيامه إلى لبس ثيابه غير معنى وضوئه، وإنما دخل حدث يدخل على وضوئه إن لم يسلم منه وإن سلم منه إلى أن يلبس ثيابه، ولا يدخل عليه في ذلك ما يؤثمه، تم وضوؤه على معنى هذا القول.
وهذا القول عندي أشبه بمعنى الأصول في انعقاد الوضوء أنه ينعقد إذا لم يأثم، في حين الوضوء إذا ثبت أنه إذا لم ينعقد الوضوء من أجل الحدث فيه، فإذا كان الماء يستره إلى تمام الوضوء فمعناه ينعقد الوضوء وقيامه إلى لبس ثيابه حال آخر، ويخرج عندي في القول الأول أنه لا ينعقد الوضوء له حتى يكون في موضع ستره في حال وضوئه إلى أن يلبس ثيابه التي يسلم بها من الإثم على معنى ما قيل في المجامع في الليل في شهر رمضان، أنه لا يجوز له أن يجامع في آخر الليل إلا أن يكون من الليل في وقت يجامع فيه ويتطهر من الجنابة قبل أن يصبح، وإنما منع في الأصل في الجماع (8/123)
صفحة 2471
في النهار فقد تولد عليه من معنى الخوف أنه لا يغسل قبل الصبح منع الوطء معنى إذ لا يخرج من حكم الوطء في وقت الإباحة له الوطء، لأن الواطئ لا يكون خارجا من أحكام الوطء حتى يخرج بالطهارة من أحكام الوطء، كما لا تكون الحائض خارجة من أحكام الحيض ولو طهرت من الحيض إلا بالتطهر من الحيض في معنى انقضاء العدة وإطلاق الفرج للوطء.
وحكم الصلاة والحائض بعد طهرها في معاني أحكام ما يصح منها وما لا يصح في الحيض بمنزلتها قبل أن تطهر، وكذلك معنى حجر الوطء في معنى النهي في الوقت الذي لا يخرج الواطئ فيه من أحكام الوطء بالتطهر وهو مشبه معناه إذا لم يكن يخرج فيه من جماع قبل الصبح، لأن كمال الجماع التطهر، كذلك يشبه معنا ما قيل في أنه لا يتم الوضوء بستر العورة في حال مستتر، وإلا فلم يكن له ثبوت معنى حكم الستر على هذا المعنى.
وإذا ثبت هذا المعنى فإنما يخرج على معنى هذا القول أن يكون الماء الذي يتوضأ فيه يستر سرته إذا قام للباس ثيابه حتى لا ينظر له عورة حتى يلبس ثيابه، ومعنى القول الثاني أنه إذا كان مستترا في حين عقد الوضوء، فليس يضره ما بعد ذلك في معنى عقد الوضوء إلا أن يحدث حدثا في غير معنى الوضوء، ومن ذلك ما يخرج في معاني الاتفاق أنه لو توضأ في موضع الستر الذي يستره وينعقد له الوضوء ثم أنه تبرج بعد فراغه من الوضوء في موضع يجوز له التبرج فيه في موضع لا ينظر إليه أحد نظرا يأثم فيه أن هذا التبرج لا يضر وضوءه في معنى الاتفاق، إذ قد انعقد وضوؤه ولم يعص في معنى تبرجه فإذا لم يدخل الوضوء في حال العصيان حتى انعقد فإنما ينقضه الحدث بأي وجه كان، وليس خروجه من الوضوء بعد تمامه مما يدخل عليه حكم نقضه إذ قد انعقد إلا بحدث مما ينقض الوضوء وليس تبرجه في موضع ما لا ينظر إليه أحد، ولو كان في غير ماء من إذا لم ينظر إليه أحد في وقت تبرجه، ذلك نظرا لا يسعه في وقت تبرجه ذلك، فليس ذلك عليه نظر في أمر الدين في معنى الإثم لا في معنى الأدب إذا كان في غير عذر، فقد يكره للإنسان في معنى الأدب إبداء عورته في كل حال ولو كان خاليا إلا لمعنى يخرج له فيه معنى عذر.
وقد قيل إنه ينهى أن يقوم الإنسان منتصبا من مغتسله للبس ثيابه أو لمعنى عاريا إلا من عذر لا يمكنه إلا ذلك، وكذلك ينهى عن إبداء شيء من عوراته ولو كان خاليا في منزله إلا من عذر، وهذا كله يخرج عندي على معنى الأدب لا معنى المحارم والمآثم. (8/124)
صفحة 2472
[صفحة بيضاء] (8/125)
صفحة 2473
الباب الخامس والعشرون
في وضوء الشباك والصياد والحطاب
وجناة الشوع والرعاة والراصدين وما أشبه ذلك
وسألته عن الشباك إذا حضرت الصلاة وهو في شباكته هل له أن يتيمم ويومئ في عنته كان ذلك معاشه أو لم يكن؟ قال: معي أنه إذا كان ذلك معاشه وتركه ينقص من معاشه ويخاف بطلان ما هو فيه من أجل ذلك، فمعي أنه قد قيل: له ذلك.
وإذا لم يكن على هذه الصفة فمعي أنه قد قيل: ليس له ذلك إذا كان يخاف ما لم يقع في يده بعد، وأما إذا خاف ما قد حصل في يده من ماله أو الضرر فيه إن ترك ذلك، فعندي أن له ذلك على حال إذا خاف فوق ماله أو شيء منه أو الضرر من محصوله كان من معاشه أو لم يكن.
مسألة: ومن خرج من بلده يريد الحطب لأهله ولا يعرف حد القصر أو يشتبه عليه فإذا أتى على الفرسخين فليقصر وما اشتبه عليه من ذلك فليتم الصلاة حتى يستبين له حد الفرسخين.
مسألة: وقال الربيع: الراعي وطنه غنمه ويصلي أربعا.
مسألة: أحسب عن أبي عبد الله قال: والراعي إذا كان يرعى في منزله أكثر من فرسخين فإنه يقصر الصلاة.
مسألة من الزيادة المضافة: وعن محمد بن محبوب في قوم من الشراة رصدت لقوم من الأخواف على مورد فحضرت الصلاة فخافوا إن ذهبوا إلى الماء أن يعلم بهم (8/126)
صفحة 2474
القوم تصعدوا وصلوا والماء قريب منهم فلم ير عليهم الكفارة.
قال غيره: وقد قيل في مثل هذا عليهم الإعادة بالوضوء لأنهم ليسوا بخائفين على أنفسهم.
مسألة: وقد بلغنا عن موسى بن علي في شباك يشبك الطير وقد مدّ شبكة في خيمته وهو في القرية وحضرت الصلاة وهو ليس متوضئا وخاف إن خرج من خيمته إلى الماء ذهب الطير تيمم وصلى في خيمته، قال موسى: إن كانت تلك مكسبته فصلاته تامة بالتيمم.
مسألة من كتاب الأشياخ: وسألته عن رجل خرج في طلب عبد آبق أو دابة له ذهبت، هل يجوز له أن يتيمم وهو يخاف أن يفوته؟ قال: لا ولكن يتوضأ بالماء ويصلي.
منه: وعن أبي عبد الله في راعي الغنم أو جمال حمل على جمله حمالا أو غير حمال أو خاف الراعي على غنمه أن تذهب أو تفسد على الناس وهو في البلد أو خاف صاحب الجمل أن يطرح دابته، هل له أن يتيمم ويصلي وهو في القرب من البلد والماء؟ قال: نعم هذا إذا خاف الفوت. (8/127)
صفحة 2475
الباب السادس والعشرون
فيمن أراد أن يصلي بوضوء
ولم يعلم أنه انتقض أم لا
وقال: أحسب بشير عن والده أن من توضأ فهو على وضوئه يصلي بوضوئه ذلك ما شاء حتى يعلم أنه قد أحدث، وقال الفضل: لا يصلي حتى يعلم أنه طاهر.
قال غيره: نعم قد قيل هذا مجملا، وقيل: إذا توضأ لفريضة صلى بذلك الوضوء ما لم يعلم أنه أحدث، وقيل: ولو توضأ لنسك أو نافلة صلى به ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يعلم أنه أحدث.
مسألة: ومما يوجد أنه عن أبي الحواري معروضة عليه سألت أبا الحواري عن رجل توضأ للصلاة وصلى الأولى ثم ذهب يعمل صنعة له في بعض معانيه حتى حضر وقت الآخرة أيصلي هذه الصلاة بهذا الوضوء الأول أو يرجع يتوضأ لكل صلاة؟
قال: إن كان نوى أن يصلي بهذا الوضوء صلاة أخرى صلى بذلك الوضوء ما دام ينويه صلاة بعد صلاة حتى يعلم أنه انتقض، وإن كان لم ينو أن يصلي به صلاة أخرى وأهمله من بعدما صلى أن عليه أن يتوضأ للصلاة الأخرى.
وقد قال من قال: إذا علم أن وضوءه لم ينتقض صلى به الصلاة الآخرة فإذا نوى أن يصلي به صلاة بعد صلاة فهو يصلي بذلك الوضوء حتى يعلم أنه انتقض، وإذا لم ينو أنه يصلي به من بعد صلاته الأولى صلاة بعد صلاة، فإنه يصلي به ما لم يعلم أنه انتقض فافهم الفرق بينهما، وكذلك إن أراد أن يصلي بوضوئه ذلك صلوات أيجزيه ذلك الوضوء الأول، فله ذلك ما دام حافظا لوضوئه ذلك. (8/128)
صفحة 2476
قال غيره: نعم قد قيل في الوضوء بالاختلاف، فقال من قال: أنه لايجزئه اعتقاد الوضوء لصلاة إلا مع الوضوء مع ابتداء به، فإذا اعتقد الوضوء لصلاة بعينها أو لصلوات صلى بذلك الوضوء تلك الصلاة أو الصلوات حتى يعلم أنه انتقض، وأما إذا لم ينوه لصلوات فإنما يصلي به ما نوى أن يصلي به من الصلوات، وأما ما لم ينو فلا يصلي به، وقال من قال: ولو لم ينو أن يصلي به صلاة معروفة، فإذا علم أنه لم ينتقض صلاها به ولو لم ينو أن يصلي به تلك الصلاة عند الوضوء.
وقال من قال: لا يصلي به إلا ما نوى أن يصلي به، وقال من قال: إنه يجزئه الاعتقاد للوضوء ما لم يتم الوضوء كله ولو بقيت جارحة، فإذا فرغ من الوضوء كله لم يجزه الاعتقاد بعد ذلك، وكان القول فيه على ما مضى من الاختلاف.
وقال من قال: إذا توضأ لصلاة فإنه يصلي به تلك الصلاة وإن نوى أن يصلي به صلاة أخرى قبل أن يصلي به تلك الصلاة التي نواه لها أو في دبرها قبل أن يهمل وضوءه أجزأه ذلك أن يعتقد لصلاة بعد صلاة في وقت واحد أو أوقات مختلفة.
وقال من قال: إذا توضأ وضوء الفريضة واعتقد وضوء الفريضة ولم ينو به صلاة معروفة إلا أنه اعتقد وضوء الفريضة لصلاة الفريضة، فإنه يصلي بهذا الوضوء ما لم يعلم أنه انتقض، وإن نوى صلاة فريضة بعينها كان الاختلاف فيه كما مضى.
وقال من قال: إذا توضأ لصلاة فريضة صلى به ما كان من الصلوات الفريضة ما لم يعلم أن وضوءه انتقض، وقال من قال: ولو توضأ لنافلة أو لنسك أو لشيء من الطاعات فإنه يصلي به لفرائض وغير ذلك حتى يعلم أن وضوءه انتقض، وكل هذا من قول المسلمين ويخرج على مذاهب الحق إن شاء الله.
الباب السابع والعشرون
في المتوضئ إذا شك أن وضوءه انتقض
من كتاب الأشراف: قال أبو بكر: وإذا أيقن المرء في الطهارة ثم شك في الحدث فهو على طهارته، وهذا مذهب الثوري وأهل العراق والشافعي وأصحابه والأوزاعي وأصحاب الرأي، وبه قال أحمد وعوام أهل العلم، وروي عن الحسن أنه قال: إن شك في وضوئه قبل أن يدخل في الصلاة فإنه يتوضأ، وإن شك وهو في الصلاة مضى في صلاته، وفيه قول ثالث قاله مالك في الذي شك في الحدث إن كان ذلك يستحكه كثيرا وهو على وضوئه فإن كان ذلك لا (8/129)
صفحة 2477
يستحكه فعليه وضوؤه.
وبالقول الأول نقول استدلالاً بخبر عبد الله بن زيد أنه قال: شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل نحيل إليه الشيء في الصلاة فقال: «لا ينقل حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا».
قال أبو سعيد: التواطؤ من قول أصحابنا أنه إذا ثبت الوضوء فلا يزيله الشك بالأحداث المعارضة له حتى يستيقن المتوضئ أنه قد أحدث حدثا به انتقض وضوؤه.
وأما إذا شك في الوضوء أتوضأ أو لم يتوضأ، فمعي أنه في بعض قولهم أنه ما لم يدخل في الصلاة فعليه الوضوء ولا يدخل في الصلاة إلا بوضوء على يقين، فإذا دخل في الصلاة ثم شك أتوضأ أو لم يتوضأ، فمعي أنه يخرج من قولهم أنه لا وضوء عليه لدخوله في حكم الصلاة وموجب له الحكم أنه لا يدخل في الصلاة إلا بحكم وضوء.
ومعي أنه من قولهم أنه ما لم يتم الصلاة وبقي عليه حد شك أتوضأ أم لم (8/130)
صفحة 2478
يتوضأ ولم يثبت له على ذلك فعليه الوضوء وإعادة الصلاة.
مسألة من كتاب الشرح: وأما قوله: ومن شك في عضو أنه لم يحكم وضوءه من بعد أن خرج منه إلى العضو الثاني فلا نرى عليه أن يرجع إليه إلا أن يستيقن أنه لم يغسله، وكذلك إذا شك في وضوئه كله بعد أن فرغ منه فلا إعادة عليه، وكذلك حفظ لنا الثقة عن موسى بن علي -رحمه الله-.
قال أبو محمد: إذا خرج من فرض كان قد دخل فيه بعلم وإنما يوجب العلم الظاهر من الاستدلال على ذلك، وقد كان قصد بذلك وأراده وهو يتحرى موافقته والتدين بفعله ثم اعترض الشك عليه فيه، لم يرفع الشك ما ثبت حكمه بما ذكرنا والله أعلم.
وأما قوله: وعن محمد بن محبوب -رحمه الله- فيمن خرج من الماء من غسل جنابة أو نجاسة ثم شك أنه لم يغسل شيئا من بدنه أو لم يحكم الاستنجاء فقال: إذا لبس ثوبه فلا إعادة عليه ولا يرجع إلى ذلك حتى يستيقن ولو لم يكن لبس ثوبه.
قال أبو محمد: الذي ذكره عن محمد بن محبوب وعن موسى بن علي معناهما واحد، وقد تقدم بيان هذا.
ومن جامع أبي محمد: ومن تيقن حدثا ثم شك أتطهر أم لم يتطهر كان على حدثه، ومن تيقن طهارته ثم شك أحدث أو لم يحدث فهو على طهارته، الدليل على ذلك أن التيقن لا يرتفع بالشك لأنه يقين بعلم، وما شك فيه فغير معلوم، والمعلوم فلا يرتفع بغير معلوم، ووجه آخر هو أن الله عز وجل قد أوجب علينا إتيان الطهارة، فإذا تقين الحدث فقد ارتفعت الذمة بالطهارة، لا يجوز أن يرفع ما تيقن وجوبه بالتحري والواجب عليه أن يأتي ما يكون به على يقين من أداء ما افترض عليه، فإذا كان هذا هكذا فشك فيما أمر به أوقعه أو لم يوقعه لا يزيل عنه ما تيقن وجوبه.
ومن الكتاب: وقال بعض أصحابنا: من تطهر لصلاة بعينها ثم شك في طهارته أنه لا يصلي بتلك الطهارة حتى يتيقن أنه لم يحدث، وهذا قول عندي فيه نظر لأن الطهارة مأمور بها من كان محدثا، فإذا حصلت له وتيقنها كان له أن يصلي ما شاء بتلك الطهارة ما لم يحدث، فإذا تيقن ثبوت الطهارة لم يكن شكه فيها هل أحدث (8/131)
صفحة 2479
أم لم يحدث بدافع لما قد تيقنه.
ووافق أهل هذا الرأي الذي حكيناه أهل المدينة واحتجوا بأنه إذا شك في الحدث لم تجزه صلاته حتى يتيقن الطهارة، وليس له أن يبقى على اليقين الأول، وكما لا تسقط عنه الصلاة إلا بقين وكذلك الطهارة التي يدخل بها الصلاة لا تجزيه إلا بيقين.
الجواب عن هذا، أن الخبر قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالثبات على اليقين المتقدم في الطهارة، بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا شك أحدكم فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يشم ريحاً»، فلما جعل عليه السلام البناء على الصلاة مع وقوع الشك في الطهارة فلا فرق بينهما وبالله التوفيق.
وإذا ثبت الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس إلا اتباعه، وقد وافقنا الشافعي في هذا، وقال: من ثبت له حكم يقين في شيء لم يزل الحكم عنه إلا بيقين ثان ثم لم يمض على قوله واستقامته في هذا
الباب حتى قال في رجل وحد رجلا ملفوفا في ثوب فضربه بالسيف فقطعه على نصفين أنه لا شيء على القاطع حتى يعلم أن الملفوف كان حيا والحياة قد تقدمت بيقين فلا يجب أن يزيل ما تيقنه من حكم الحياة للشك المعترض هل حدث فيه موت.
ومن الكتاب: ومن توضأ لفريضة أو نافلة أو صلاة بعينها فهو على طهارته ما لم يحدث، وهذا القول يدعي فيه مخالفونا الإجماع عليه من الصحابة.
فصل من الزيادة المضافة: وقيل: على الماء شيطان يقال له الولهان يولع الناس به لكثرة استعمال الماء عند الوضوء، واستعمال الشكوك مكروه ومتروك لأنه من عوارض الشيطان، ويقال: كثرة الوضوء من الشيطان، ورأى أبو محمد -رحمه الله- رجلاً يتوضأ ويطيل المضمضة والاستنشاق وهو يتشكك في وضوء الصلاة، فقال له: أراك تتشكك، ولو كان في التشكك مكرمة يتقرب بها إلى الله تعالى لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سبق الناس إلى التشكك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن الإسراف في الماء، ثم قال: حلال وحرام وشبهات بين ذلك فدع ما يشتبه إلى ما لا يشتبه.
مسألة: ومن شك في المضمضة وهو في الاستنشاق أو في يده اليمنى وهو يغسل اليسرى فليس عليه أن يرجع لأنه قد جاوز ذلك الحد إلى غيره. (8/132)
صفحة 2480
[صفحة بيضاء] (8/133)
صفحة 2481
الباب الثامن والعشرون
فيمن نسي بعض وضوئه
أو تشاغل أو ترك حتى جف وضوؤه
ومن جواب أبي علي الأزهر بن محمد بن جعفر: وعمن نسي المضمضة والاستنشاق أو جارحة من جوارح الوضوء حتى دخل في الصلاة، فأما المضمضة فلا نقض على من نسي ذلك إلا أن يكون جنبا، وأما جوارح الوضوء فلابد منها ولا تتم الصلاة إلا بها، وإن كان وضوؤه قد جف فيعيد الوضوء، وإن كان لم يجف كله أعاد وضوء تلك الجارحة وابتدأ الصلاة.
مسألة: وعن رجل توضأ حتى بقي قدماه واستعمل في كلام أو ضيعة حتى جف الوضوء، أيجزيه أن يغسل قدميه أم يعيد الوضوء؟ فإنه يجزيه إن شاء الله.
وقد قال من قال: إذا اشتغل بشيء حتى يجف وضوؤه أنه يعيده.
مسألة: على أثر مسألة عن الحسن وقتادة ومن توضأ ونسي أن يمسح رأسه وقد دخل في صلاته قيل أن يتم صلاته ولا ينفتل، وإن كان وضوؤه قد جف فإنه يستقبل الوضوء، وإن لم يكن جف مسح رأسه واستقبل صلاته.
قال غيره: الذي معنا أنه أراد إن كان قد دخل في الصلاة أعاد الوضوء والصلاة، وإن لم يكن دخل في الصلاة فيمسح رأسه إن لم يكن وضوؤه جف، وإن كان جف أعاد وضوءه، وقد قيل ذلك، وأما لا يعيد صلاته فليس ذلك في قول أصحابنا فيما علمنا، وعن قتادة والحسن والنخعي وحماد إذا ترك عضوا ناسيا فإنما يغسل ذلك العضو، وقال قتادة: إذا جف وضوؤه استأنف. (8/134)
صفحة 2482
مسألة: ومن غير الكتاب: روي عن أبي سعيد وسألته عمن ينسى مسح رأسه ثم ذكره وقد يبس وضوؤه كله، هل يجزيه أن يعيد مسح رأسه من غير أن يعيد الوضوء؟ قال: معي أنه قد قيل ذلك، وقيل: يبتدئ الوضوء، قلت له: فإن مسح بعض وضوئه ثم تشاغل بغيره من أمور الدنيا هل يجزيه أن يبني على وضوئه من غير أن يبتدئ؟ قال: معي أنه قد قيل يبتدئ الوضوء إذا جف وضوؤه، وقيل: يبني على وضوئه. (8/135)
صفحة 2483
الباب التاسع والعشرون
فيمن نسي بعض وضوئه أو تركه
ومن كتاب الشرح ومن جامع ابن جعفر: ومن نسي غسل جارحة من حدود وضوئه ثم ذكرها من بعد أن فرغ أعاد غسلها وحدها.
قال أبو محمد: هو كما قال لأنه مأمور بغسل كل عضو فما أتى به سقط عنه فرضه وما بقي عليه ففرضه باق إلى أن يأتي به.
ومن الجامع: ومن توضأ بعض وضوئه ثم شغله أمر عن تمام وضوئه بنى على وضوئه ما لم يكن وضوؤه الأول يبس، فإن كان وضوؤه الأول يبس فإنه يبتدئ وضوءه إلا أن يكون ذلك في طلب الماء.
قال أبو محمد: الذي ذكره من إعادة الماء على الأعضاء التي قد وضأها لعجزه عما رام من تدارك الماء على جميع أعضائه لا أعرف له وجها، وقد قال فيمن لزمه فرض طهارة من حدث الجنابة أنه إن فرق غسله أجزأه وعليه أن يغسل ما بقي من أعضائه التي لم يغسلها، وإن تعمد لذلك وجف الماء عما غسل والله أعلم لم فرّق؟ وهما طهارتان للصلاة في غير واحدة من حدثين كل واحد منهما يوجب الطهارة للصلاة، والمحدث من الجنابة طاهر والمحدث من غيرها طاهر وهما مأموران بالتطهر، إذا قاما إلى الصلاة، ونحن نطلب الفرق له بين المسألتين إن وجدنا إلى ذلك سبيلا.
ومن الجامع: وعن محمد بن محبوب فيمن نسي مسح رأسه حتى جف وضوؤه أن عليه إعادة الوضوء والصلاة، وإن كان شيء من وضوئه لم يجف فإنما عليه أن يمسح رأسه، فإن كان في لحيته ماء فأخذ منه ومسح رأسه أجزاه، وكذلك إن كان في (8/136)
صفحة 2484
جارحة من حدود الوضوء موضع لم يصبه الماء وكان في بدنه شيء من الماء فرطبه أجزأه.
قال ابن بركة: أما أخذ الماء مما قد استعمل به المتوضئ فإن استعمله لما نسيه أو لجارحة أخرى، فبين أصحابنا في جواز ذلك خلاف.
قال أبو معاوية: فيما وجدنا عنه أن ذلك ماء مستعمل، ولا يجوز استعمال الماء المستعمل، ومن جوّزه منهم جعل الماء المستعمل على ضربين، فضرب باين الجسد لا يجوز استعماله ثانية للتطهر، والضرب الثاني أنه يجوز استعماله ما لم يباين الجسد كالماء المأخوذ الذي يستعمل به بعض جوارحه ثم يجري ذلك الماء على سائرها فيستعمل باقي الجارحة بالماء الذي استعمل به أولها، وهذا هو الذي تعلق به من أجاز الماء المستعمل من اللحية أو اليدين لما نسيه المتوضئ والله أعلم.
مسألة: وسألت أبا سعيد عمن يمسح للصلاة بعد الوضوء ثم اشتغل بشيء من أمور الدنيا حتى يبس وضوؤه، هل له أن يبني على وضوئه من غير أن يبتدئ؟ قال: معي أنه قد قيل يبتدئ إذا كان اشتغاله في غير أمر وضوئه بغير عذر، وأحسب أنه قد قيل يبني، ولعله أقل ما يوجد إلا على معاني إجازة ذلك، قلت له: فإن نسي مسح رأسه فذكر بعد أن دخل في الصلاة، هل له أن يمضي على صلاته؟ قال: لا أعلم ذلك، قلت له: فإن صلى على ذلك ثم ذكر وباقي في بدنه رطوبة من مواضع الوضوء أو غيرها، هل يجزيه أن يأخذ منها ويمسح رأسه؟ قال: أما رطوبة فلا أعلم، وأما إن كان باقي ماء بمقدار ما يمسح به فمعي أنه قد قيل ذلك، وقيل: لا يجوز، قلت له: وكذلك إن نسي جارحة من وضوئه مثل اليد أو الرجل والوجه ثم ذكر ووجد في بعض وضوئه ماء، هل يجوز أن يمسح بذلك ويكون مثل الرأس؟ قال: فأحسب أنه قد قيل ذلك، وقيل: لا يجوز، ومعي أنه أكثر القول في الجوارح أنه لا يجوز لأنه غسل والغسل لا يكون إلا بماء.
قلت له: وأكثر القول معك أنه لا يجوز في الرأس، قال: يقع لي ذلك أنه أكثر القول إذا كان ماء مدركا لأن المسح غير الغسل، قلت له: فإن لم يجد ماء في بدنه ووجد رطوبة في بدنه ما الأولى أن يبل تلك الرطوبة أو يبل بريقه؟ قال: معي أنه يبل بما أمكنه من الرطوبة وتيمم لرأسه إذا لم يدركه مسحه بالماء، قلت له: فإن مسحه (8/137)
صفحة 2485
بريقه ولم يبل بالرطوبة وتيمم وصلى هل تتم صلاته؟ قال: أرجو أنه إذا لم يكن ماء له حكم قائم فلا يبين لي أن له حكما يفرق به غير الريق، قلت له: فإن كان ماء له حكم قائم وجهل ومسح بالريق وصلى، هل تتم صلاته؟ قال: أخاف ألا تتم صلاته ويعجبني الإعادة. (8/138)
صفحة 2486
[صفحة بيضاء] (8/139)
صفحة 2487
الباب الثلاثون
فيمن توضأ وفيه نجاسة أو مسته نجاسة
وإذا كان الرجل متطهرا ثم أصاب ظاهر يده نجاسة فعلق به منها شيء نقض طهارته، فإن قال قائل: لم حكمتم عليه بنقض طهارته وألزمتموه إعادتها وقد كان متطهرا قبل الحدث، وما أنكرتم أن يكون حدوث الحدث به لا يوجب زوال طهارته المتقدمة له ولو لم يأمروه بإماطتها عن بدنه أو يغسلها بالماء ويكون على أصل من تقدم من طهارته، قيل له: هذه معارضة فاسدة ومطالبة غير لازمة، وذلك أن الله تبارك وتعالى لم يجعل له إذا أراد أداء فرض الصلاة ولم يجز له الدخول فيها إلا أن يجتمع له اسمان أحدهما الطهور والآخر التطهر، والطهر يكون من النجاسة، والتطهر يكون بالماء لأنا قد أجمعنا وإياكم لو أن رجلا لو كان طاهرا من النجاسة وغير متطهر بالماء وصلى لم يكن مؤديا لفرضه حتى يجتمع له اسم الطهر والتطهر، فلما كان هذا المتطهر إذا أصابته النجاسة لا يسمى في حالة ذلك إلا متنجسا غير متطهر، وجب زوال حكم ما عليه بحدوث ما به زوال حكم ما كان عليه قبل ذلك.
قال: قد قال فإذا غسله فقد حصل له اسم طاهر ومتطهر؟ قيل له أيضا هذا غلط منك وذلك أن اسم التطهر لا يصح له بعد ذلك اسم الطهر، والدليل عليه أن الأمة أجمعت أن رجلا لو تغوط وبقي أثر الغائط على بدنه لم يطهر للصلاة وغسل سائر أعضائه ثم رجع إلى الاستنجاء من الغائط أنه لا يكون متعبدا بذلك التطهر الذي فعله قبل الاستنجاء، ولا فرق بين أن يكون الغائط ظاهرا هناك منه أو على رأسه إذا كان ذلك على جسده.
فإن قال: لم فرّقت بين الطهر والتطهر وما أنكرت أن يكونا اسمين ومعناهما (8/140)
صفحة 2488
واحد، قيل له: إن الله تعالى ذكر في كتابه الطهر والتطهر وجعل لكل واحد منهما حكما لقوله: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} فإذا تطهرن من الحيض النجس وتنقى ثم قال: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} (البقرة:222)، ولو أنها نقيت وغسلت موضع الدم كان سائر جسدها طاهرا ولا يجوز لزوجها مع ذلك مجامعتها حتى تطهر بالماء.
وهذا تأويل أكثر أصحابنا ووافقهم عليه أبو حنيفة، واحتجوا بقول الله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ}، قالوا: فليس يخلو كلام رب العالمين من فائدة، فلما ذكر الطهر ثم ذكر التطهر علمنا أنه قد أفادنا وجعل لكل واحد منهما حكما، وقد قال بعض أصحابنا بغير هذا التأويل ونحن نذكره بعد هذا الموضع إن شاء الله. (8/141)
صفحة 2489
الباب الحادي والثلاثون
في المتوضئ إذا توضأ وفيه نجاسة أو مسته نجاسة
ومن شرح جامع ابن جعفر: قال بعض أهل الرأي: من كان في بدنه من حدود الوضوء دم أو غيره مما ينجس أنه إذا توضأ ثم وصل إليه غسله له غيره أو غسله هو بحجر أو غيره ثم أتم وضوءه ولم يمسه أنه لا بأس بذلك، قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة: هذا قول لا يشبه قول أصحابنا فإن يكون أراد قول مخالفينا من العراق فليس بنا حاجة إلى تخطئتهم والاشتغال بهم والاحتجاج عليهم في ذلك، لأن عجائبهم أكثر من هذا، وإن حكاه عن أحد من المسلمين فلا نعرف هذا القول لأحد منهم ولا يشبه أصولهم فالله أعلم بصحة هذه الحكاية وبالله نستهدي وإياه نسأل التوفيق.
وأما قوله: وقال غيره: يغسله ثم يبتدئ الوضوء، وهذا الرأي أحب إلي، قال أبو محمد: الذي ذكره ممن خالف هذا الرأي الذي كرهناه هو الرأي السديد الملائم لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاتفاق الجميع على أن المتغوط لا تصح له الطهارة مع قيام الغائط به حتى يستنجي ويزيله عن نفسه ثم يبتدئ بالتطهر بعده، وسواء كانت النجاسة هناك منه أو على رأسه أو على موضع من مواضع وضوء الصلاة حتى يكون تطهير ذلك النجس قبل ابتدائه بطهارة الأعضاء المأمور بتطهيرها للصلاة والله أعلم.
مسألة: عن أبي المؤثر عن أبي عبد الله محمد بن محبوب فالذي يكون فيه شيء من حدود الوضوء أو غيره من النجس فيتوضأ الإنسان حتى إذا صار إليه ولم يمسه بيده أو غسله غيره أن وضوءه تام، وروى ذلك عن أبيه محبوب رحمهم الله.
مسألة: ومن كتاب المعتبر: ذكر معنى ما يثبت به إضافة هذه الأشياء (8/142)
صفحة 2490
المذكورة طهارة، ومعي أنه إنما يخرج معنى هذه الأشياء المذكورات أنها من الطهارات وتسميتها، وإن كان يذكر فيها ومعها النجاسات فإنما سميت كتب الطهارات وأبواب الطهارات ولم تسمّ أبواب النجاسات لمعنى الفرق بين الطهارة والنجاسة منها، فثبت أنه يذكر النجاسة من ذلك ثابت معنا ذكر الطهارة لأنه لا يحسن تقديم النجاسة على الطهارة، كما لا يحسن تقديم الكفر على الإيمان كما ذكر الإسلام، والإيمان هو المقدم وهو الثابت وقد يجري في ذكر الكفر، ويقال: نسب الإسلام ويجري فيه ذكر الكفر والإسلام والحلال والحرام، وإنما ذكر الحرام ليفرق عن أحكام الحلال والكفر ليعزل على الإيمان والإسلام ظواهر الأمور من ذلك إنما يضاف في المجتمعات من ذلك والمجموعات إلى الحسن من ذلك لا إلى القبيح، فيخرج معنى ذكر هذه الأشياء من الطهارات والنجاسات المذكورات بأنها طهارات، ومن الطهارات من هذا الوجه، ويخرج ذلك كله معنا بأسره مشتق من معنى الطهارة في الإنسان لطهارته بمعنى الإيمان وطهارة الأبدان بالماء من الإنسان، لأن الإيمان طهارة وطاهر ومطهر والكفر رجس ومرجس، وما كان منه وأسبابه من المحرمات فهي للإيمان وأسبابه من جميع الطهارات مفسدات في معاني المخصوصات والمعمومات، وما كان من الكفر بأسره من الإقرار والإنكار والإصرار على الصغار والكبار وجميع ما كان من أسبابه مما يباعد من الجنة ويقرب إلى النار فهو رجس وبمنزلة الرجس في معاني الإيمان في الإنسان، وأنه مفسد لجميع أسباب الإيمان لأنه لا يتفق في المعنى الواحد ضدان، والكفر والإيمان فهما متضادان، فإذا ثبت حكم أحدهما بطل الآخر من الإنسان على الموضع والمكان.
وكذلك عندي معنى الطهارة مما يثبت معنى طهارته بالماء ويثبت في الإنسان من طهارة الوضوء للصلاة، ولا يصح في معاني الاعتماد لتضاده وشيء من النجاسة في الأبدان قبل الوضوء كانت تلك النجاسة أو بعد ثبوت الوضوء فلا يثبت معاني الطهارة بكمال الوضوء للصلاة إلا بكمال الطهارات من النجاسات الحادثة في الإنسان من جميع النجاسات كانت منه أو من غيره.
وجميع ما يثبت نجسا من جميع ما ذكرنا ومضى ذكره في هذا الكتاب ابتداء من ذكر ما ينقض الوضوء مما جرى ذكره أو ما أشبهه مما هو مثله مما يخرج معنا مجتمعا على نجاسته من كتاب أو سنة أو إجماع أو رأي عدل يشبه ذلك في موضع من جميع النجاسات فمس شيء من ذلك البدن فلا يثبت طهارة الوضوء للصلاة عليه بمعاني (8/143)
صفحة 2491
التعمد والقصد إليه أكثر من معاني ما قيل أو جاءت به الآثار وصح عن ذوي الأبصار.
وكذلك ما عارض البدن من جميع ذلك وما أشبهه من النجاسات خرج معناه حسب ما ذكرنا أنه ناقض للوضوء، ويخرج معاني ذلك على التعمد والقصد بما لا يشبه فيه اختلاف من قول أصحابنا على حسب ظواهر ما جاء عنهم من أكثر قولهم، وإن كان قد يأتي عنهم أو عن بعضهم مما يضاف إليهم أشياء تأتي في الآثار مما يأتي على حسب الاطمئنانة أنه عنهم أو مما يضاف إليهم مما يقرب ويسوغ في أشياء تأتي في آثار قومنا، ومن قولهم من ذلك ما جاء: يروى عن أبي عبد الله محمد بن محبوب -رحمه الله- على حسب ما يوجد أنه يرفعه عن والده محبوب -رحمه الله- أو ممن يروى هو عنه، ولعله عن غيره مما يوجد في آثار أصحابنا بنحوه ونحو معانيه، أنه لو كان في أحد جوارح الوضوء من الإنسان نجاسة فتوضأ وتلك النجاسة فيه حتى أتى إلى موضع النجاسة من جوارحه غسله له غيره أو غسله هو بحجر أو غيرها إلا أنه لم يمسه حين غسله أن وضوءه الماضي ويمضي على وضوئه، ولا يذكر في ذلك أنه كان في أول جوارحه ولا آخرها، وإذا ثبت ذلك جاز لو كان لو مضى غسل جوارحه كلها ومواضع وضوئه كلها وكانت النجاسة في قدمه الأيسر الذي يكون غسلها في وضوئه مؤخرا كان يستقيم ويجوز أن يكون وضوؤه قد تم كله على النجاسة التي في بدنه، ولا يذكر من يروي ذلك ويقول به تفسير عمد في ذلك ولا نسيان، وإذا ثبت معاني الأثر وحكمه والقول به لم يتعر من القول فيه على التعمد لتسليم الأثر به، ومعي أنه قد شبه من شبه ذلك معاني القول به أن لو كانت النجاسة في غير مواضع الوضوء ففعل فيه ذلك بعد الوضوء وغسله له غيره أو غسله هو ولم يمسه بشيء من جوارحه عند الغسل، أن ذلك سواء ويتم وضوءه وذلك غير بعيد عند ثبوت معاني القول في هذه، إلا أنه لا فرق في ذلك في مواضع كانت النجاسة لعله في مواضع الوضوء أو في غير مواضع بل في مواضع الوضوء أشد وأحرى وأولى أن يفسد الوضوء، ما مس جوارح الوضوء من النجاسة، لأن مواضع الوضوء أقرب الأشياء من البدن
إلى ثبوت الوضوء بطهارتها وثبوت نقض الوضوء بنجاستها لأنه قد جاء فيما قيل مما يخرج على معاني الاتفاق من قول أصحابنا أنه لو مس الرجل فرجه بشيء من غير مواضع وضوئه لم ينقض ذلك وضوءه، وإذا مسه بمواضع وضوئه نقض ذلك وضوءه، وكذلك قد قيل في أكثرها عندي أنه من قولهم أنه لو مس فرج زوجته أو سريته بغير (8/144)
صفحة 2492
مواضع الوضوء من بدنه على غير معاني الشهوة أنه لا ينقض وضوءه، ولو مسه بفرجه ما لم تغب الحشفة في فرجها مجامعا، وإذا مس فرجها بشيء من مواضع وضوئه انتقض وضوؤه فهذا مما يدل على أن سائر بدنه غير مواضع الوضوء منه أهون وأقرب في مواضع نقض الوضوء بمس ما ينقض الوضوء من الأشياء المفسدة له، كذلك مس النجاسة لمواضع الوضوء يشبه أن يكون ذلك أقرب إلى فساد الوضوء، وإذا ثبت معاني هذا أن الوضوء يشبه أن يكون ذلك أقرب إلى فساد الوضوء، وإذا ثبت معاني هذا أن الوضوء يثبت على شيء من النجاسة في البدن في موضع الوضوء وفي غير موضع الوضوء لم يتعر ولم يبعد أن يكون كذلك إذا مس المتوضئ شيئا من النجاسة أو جارحة منه أو شيء من جوارحه ثبت معنى ذلك فيه بالمعارضة له بعد الوضوء إذا خرج بمعنى ذلك أن يطهره له غيره أو يطهره هو بغير شيء من جوارحه بحجر أو ما أشبهها أو في ماء جارٍ أو في ماء لا يتنجس في بعض معاني ما قيل أن المتوضئ إذا غسل شيئا من النجاسة في الماء الجاري فلم يلصق به شيء من النجاسة أن وضوءه لا ينتقض، وأحسب أنه قيل أنه ينتقض لأنه قد مس النجاسة رطبة وإنما يخرج معنى هذا عندي أن وضوءه لا ينتقض على معنى القول أن تلك المماسسة منه في الماء الجاري أنها لا تنجسه، ولا تنجس شيئا من بدنه، وأما على هذا القول فإنه يخرج أنه بمعنى مماسسة النجاسة لبدنه لا ينتقض به وضوؤه إذا طهره له غيره أو طهره بغير أن يمسه بشيء من بدنه إذا غسله بحجر أو بما أشبه ذلك، فإذا كان كذلك فغسله في الماء الجاري مشبه لذلك من غسل غيره له أو غسله هو له بحجر أو بما
أشبهها، وقد يوجد نحو هذا.
ومما يدل عليه مما يروى عن هاشم بن غيلان أنه لو مس المتوضئ دما في غير مواضع وضوئه فغسله له غيره ففيما يستدل به من معنى قوله أنه لا ينتقض وضوؤه بذلك، وليس ذلك ببعيد إذا ثبت هذا وإذا ثبت معنى هذا الأول أن النجاسة تكون في مواضع الوضوء وينعقد عليها الوضوء أو شيء من الوضوء، فهذا من حدوث النجاسة في المتوضئ من بعد الوضوء، وتمام الوضوء أقرب وأحرى أن يجوز فيه هذا إذا غسله له غيره أو غسله هو بحجر أو بما أشبه ذلك، لأنه قد قيل في المتوضئ أنه إذا خرج منه شيء من بدنه من مواضع الوضوء أو من غيرها مجملا، ففي بعض القول ولعله الأكثر أنه ما كان من الدم قليل أو كثير من جرح طرأ أو غيره ولم يفض كان الجرح صغيرا أو كبيرا أن وضوءه لا ينتقض بذلك، وأنه تام ما لم ينتقض (8/145)
صفحة 2493
وضوؤه ذلك بسوى ذلك الدم، فإذا انتقض وضوؤه بسوى ذلك الدم ولزمه الوضوء للصلاة لزمه بعض ما قيل عندي أن يغسل ذلك الدم، وأنه لا يثبت وضوؤه إذا توضأ وضوءا جديدا قبل أن يغسل ذلك الدم الذي لم يكن أفسد الوضوء الأول عندي حتى يفيض ويفسد عنده هذا الوضوء الجديد المبتدأ، وكان عنده عند تساوي الأمرين في معنى واحد أن تجديد الوضوء على النجاسة المتقدمة أشد، ولا يجوز إلا بعد طهارتها ولم يكن مفسدا للوضوء المتقدم، وكذلك هذا الدم الحادث أو النجاسة الحادثة على الوضوء المتقدم على هذا المعنى أولا وآخرا ألاّ يفسد الوضوء إذا مسه من غيره لأنه لا اختلاف في معنى النجاسة إذا ثبتت منه ولا من غيره في معاني أسباب نقض الوضوء في أصول أصحابنا، وكذلك على قول من يقول أنه إذا لم يكن الدم الفائض مسفوحا وكان أقل من ظفر عند من لا يفسد به الوضوء إذا كان أقل من ظفر، فيخرج عندي في معنى القول على نحو هذا أنه لا يفسد الوضوء المتقدم ولا يقوم عليه الوضوء الجديد حتى يطهر في معاني قول من قال بذلك من أصحابنا، فثبت من معاني القول أن معارضة النجاسة قبل الوضوء الجديد،
وذلك شيء مفهوم أن معاني النقض في عامة الأشياء أقرب من بناء الأصول على الفاسد، وبناء الأصل على الفساد يلحق معاني الإجماع بفساده أكثر من معارضات الفاسدة له بعد ثبوته والعمل به على المستقبل من أموره وذلك فيما لا يحصى، لعله أنه حكم ما مضى يدرك فيه من الترخيص أكثر من حكم ما يستقبل من ذلك، أنه مما يقع بمعاني الاتفاق من قول أصحابنا أن العامل بالطاعة مع شيء من ركوب المعاصي به أنه محبط لا يقع معنى العمل به إلا بعد التطهر من جميع المعاصي صغارها وكبارها، ومن التحول عن أحكام ما يوجب إصرارها، فإذا ثبت الإيمان للعبد كان ثبوت الإيمان له في الأحكام لاجتناب كبائر الآثام معفيا له ومكفرا عنه سيئات المعاصي ثابتا له الإيمان باجتناب الكبائر واعتقاد التوبة من الصغائر والكبائر، وثبوت أحكام ما يأتي من السيئات مما كان مكفرا عنه بالإيمان واجتناب الكبائر فغير معفي له ولا مكفر عنه تلك السيئات مع غير كمال الإيمان واجتناب الكبائر، بل مأخوذ بجميع ذلك في حكم الدين في معاني قول رب العالمين لأنه من لم يجتنب الكبائر لم يثبت له في معاني قول الله تبارك وتعالى تكفير السيئات من الصغائر، كذلك أشياء كثيرة تخرج معانيها أن تقدم الطهارات والأعمال بالأشياء من الفرائض واللوازم، والارتكاب للأشياء المكروهة مما يشبه المآثم يثبت معاني القول فيها وبها أنه ما مضى من الأمور معفى عنه، ولا يؤمر فيما يستقبل بالعمل بذلك، وليس الماضي كالمستقبل في كثير من أحكام الإسلام مما يجري (8/146)
صفحة 2494
فيه الاختلاف أو مما لا يجري فيه الاختلاف، فأسباب ما مضى توجد معانيه أقرب مما يستقبل، كذلك هذا عندنا يخرج معاني معارضة ما ينقض الوضوء من جميع الأشياء بعد تقدم الوضوء أقرب وأسهل مما يخرج معاني استقبال الوضوء عليه لمعاني ما قد ذكرنا مما يشبه ذلك ويقتضيه.
ومعي أنه قد قيل في كل ما لم ينقض الوضوء من الدم الحادث الذي لم يفض في قول من يقول بذلك أنه لا غسل فيه مع استقبال الوضوء وتجديد الوضوء إذا انتقض الوضوء الأول بغير معاني ذلك من أسباب نقض الطهارة ولو كان في مواضع الوضوء، ويوضئ جوارح الوضوء ويمر الماء في الغسل على معاني قول من قال بذلك، وليس عليه غسل الدم ولا تنقيته ولا يفسد ما جرى عليه من الماء من موضع ذلك الدم من سائر الجسد، كان من مواضع الوضوء أو غير مواضع الوضوء، إلا أن يخرج ذلك الماء الجاري على مواضع الدم متغيرا قد غيرته النجاسة وغلبت على لونه وصار بحد المتغير، فهناك عندي على معنى ما قيل يفسد ما مس ذلك الماء، ولعله هنالك يثبت غسل ما مس ذلك الماء المتغير ويلزم غسله وتنتقض الطهارة به على معنى ما قيل من ذلك.
وعلى جملة القول فيما يقتضي قول هذا القائل أن مواضع الدم التي لم يفض منها الدم وهو بها أو قد انتقل عنها بالغسل وجرى الماء عليها ليس عليه غسل ولو كان الدم بها باقيا غير فائض، فانظر إلى معاني القول كيف فسد الماء إذا تغير من هذا الدم الذي هو غير فائض ووجب غسله وأفسد الطهارة، وهذا الدم القائم الذي فسد منه ذلك الماء لا غسل فيه ولا إفساد فيه للوضوء، وإذا ثبتت معاني هذه الأشياء كلها فلا فرق في مس النجاسة لشيء من بدن المتوضئ من غير جوارح وضوئه أو من جوارح وضوئه، المعنى في ذلك واحد لمعنى تساوي ذلك ولما قد ذكرنا أنه أقرب وأهون من المتقدم، وبمعنى القول المذكور عن بعض أصحابنا الذي قلنا أنه يروى عن محمد بن محبوب عن والده في النجاسة تكون في شيء من مواضع الوضوء فيوضئ الإنسان شيئا من جوارحه حتى إذا أتى إلى ذلك غسله له غيره أو غسله بحجر أو ما أشبه ذلك وتم وضوؤه المتقدم والمستقبل، وتلك الجارحة على هذا، فمعنا أن معارضة النجاسة للمتوضئ بعد كمال وضوئه لشيء من جوارح وضوئه خارج بمخرج تقدمها قبل الوضوء أن يكون المعارض على ما ذكرنا أقرب وأيسر وأشبه، بل هو معنا كذلك إذا ثبتت هذه الأشياء والمعاني التي ذكرت، وإذا ثبت ذلك كله وحسن معناه لم يبعد (8/147)
صفحة 2495
من ذلك أن يكون غسله لنفسه ذلك بيده، وغسل غيره له وغسله له بغير يده، أن يكون ذلك كله سواء إذا كان آخر ذلك طهارة النجاسة وثبوت الوضوء لأن النجاسة إذا ثبتت أنها لا تفسد الوضوء في مواضع الوضوء، ولا في غير مواضع الوضوء وهي مماسسة لشيء من جوارح الوضوء أو غير جوارح الوضوء أو في بعض جوارح الوضوء، ثبت معاني الوضوء أنه تام عند استتمام طهارة الإنسان من جميع النجاسات، بعد أن يقوم إلى الصلاة طاهرا ولا يضره شيء من مماسسة النجاسة من جوارحه بغسل ولا غير غسل، بل للغسل أولى وأحرى أن يكون موسعا له ذلك لأنه إذا لم يفسد وضوؤه بمماسة النجاسة له ولبدنه من وجه لم يفسده من وجهين إذا كان
بمعنى واحد، وإذا لم يفسده من وجهين لم يفسده من ثلاثة ولا من أربعة ولا من عشرة ولا من أكثر.
والمعنى في ذلك كالمعاني والمعاني كالمعنى معنا، وإذا احتمل هذا وثبت في الموضع الواحد من جوارح وضوئه ثبت أن يكون في جوارحه كله ما لم يثبت في جارحة من جوارحه لأنه لا فرق في ذلك، وإذا لم يثبت في جارحة من جوارح الوضوء لم يثبت في شيء من بدنه من غير جوارح الوضوء، وإذا لم يثبت في شيء من جوارح الوضوء وإذا لم يثبت في شيء من ذلك إذا غسله بيده وهو في الأصل مما يفسد الوضوء لم يثبت إذا لم يغسله بيده ولو غسله بغير يده بحجر أو بغيرها من الأشياء أو غسله في ماء جارٍ في هذه الأشياء كلها عندنا بعضها من بعض، فإذا ثبت فيها معنى هذا الأمر وهذا القول أثبت ذلك هذه المعاني كلها التي ذكرناها، وخرجت كلها بعضها من بعض، وإن بطل شيء من هذه المعاني بطل هذا الأثر، ومع ثبوت هذا الأثر بمعناه فيتولد من معانيه وأسبابه معي أنه إذا قام المصلي إلى الصلاة طاهرا من النجاسات، فقد ثبت له حكم الوضوء بمعنى العمل بإجراء الغسل على مواضع الوضوء تقدم ذلك نجاسة أم لم يتقدمها، حدثت في المتوضئ نجاسة بعد ذلك أو لم تحدث ما لم يأت فيه اجتماع أنه ناقض للوضوء على حال مما لا يجري فيه اختلاف، وإذا قام المتوضئ إلى الصلاة وليس به شيء من النجاسة وقد ثبت له أحكام الوضوء أن وضوءه تام وصلاته تامة، وإذا لم يثبت هذا المعنى على هذا الوجه فانتقض شيء منه، فهذا القول باطل بجميع معانيه إلا في وجه واحد من هذه الوجوه، وهذا أن يكون موضع المضمضة من الإنسان نجسا فإنه إذا كان موضع المضمضة نجسا من الإنسان فتمضمض فأنقاه فقد ثبت حكم المضمضة بثبوت (8/148)
صفحة 2496
طهارة الفم، وكان مطهرا لفمه متمضمضا وكان بغسله لهذا الموضع من مواضع وضوئه من النجاسة ثابتا له به حكم الوضوء ولو كان فيه نجاسة، وقد دخل في الوضوء لأنه بمعنى استكمال طهارة النجاسة ثبتت المضمضة واستقبل سائر جوارح وضوئه طاهرا
فيثبت له جميع وضوئه بالطهارة، وإذا استقبله متطهرا وثبتت المضمضة بثبوت طهارة النجاسة من موضع المضمضة ولو كانت النجاسة في موضع الاستنشاق فيمضمض الموضع على ذلك، ثم استنشق وطهر موضع الاستنشاق من النجاسة فقد ثبتت له الطهارة من النجاسة، ولا يثبت له المضمضة وهو بمنزلة من ترك المضمضة، فإن كان عامدا لذلك فهو بمنزلة من ترك المضمضة عامدا، وإن كان ناسيا لذلك فهو بمنزلة من ترك المضمضة ناسيا، ولا تحصل له المضمضة من وضوئه على هذا لأنه تمضمض وفيه النجاسة في موضع الاستنشاق.
ولا تصح المضمضة ولا شيء من الوضوء على شيء من النجاسة على أصل هذا القول، وكذلك إن كانت النجاسة في وجهه فتمضمض واستنشق على نسيان أو تعمد ثم غسل وجهه حتى نظف، فقد ثبت له بذلك غسل الوجه في معاني الوضوء، وهو بمنزلة من ترك المضمضة والاستنشاق على التعمد أو على النسيان.
وقد مضى القول في ترك المضمضة والاستنشاق على التعمد وعلى النسيان، والاختلاف في ذلك فيقع القول في هذا في الوضوء على هذا الترتيب في معاني أكثر ما يصح عليه قول أصحابنا أن الوضوء لا يصح على نجاسة، كانت قبله في البدن على عمد ولا على نسيان وعلى النسيان أشبه أن يشبه معاني قولهم مما إن ثبت على العمد، وإذا ثبت معاني ما وصفنا من قولهم أنه يروى عن بعضهم أو جاء عن بعضهم، فليس في ذلك فرق في عمد ولا نسيان، فإذا كانت النجاسة في أحد اليدين بطل غسل الوجه، وإذا بطل فريضة من فرائض الوضوء وبطل أحكامها في الوضوء، فليس يخرج في معاني قول أصحابنا في ذلك اختلاف على عمد في معاني هذا، وإن رجع بعد أن غسل مواضع الوضوء كلها إلى الوجه فغسله من بعد ثبوت الطهارة له وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين أو من بعد طهارة النجاسة وغسل اليدين أو شيء من جوارح وضوئه.
فلو رجع بعد ذلك إلى غسل وجهه الذي قد بطل إذا وقع على النجاسة فغسله ومضى على تمام وضوئه أو رجع إلى المضمضة والاستنشاق وغسل وجهه ومضى على وضوئه ولم يعده كان قد أتم وضوءه كله، أو أتمه بعد رجعته إلى غسل وجهه أو ما قد (8/149)
صفحة 2497
وقع من وضوئه وفيه النجاسة، وقع معاني ذلك عندي موضع الاختلاف على سبيل ما قيل في الوضوء في الترتيب، أو على غير الترتيب في النسيان والعمل ومخالفة السنة، فإذا لم يكن أراد مخالفة السنة فيجزيه أن يرجع إلى ما كان من وضوئه، وقد وقع وفيه النجاسة ويتم له ما مضى من وضوئه إن كان أتمه، ويجزيه أن يبني على ما مضى من وضوئه، وعلى قول من لا يجيز ذلك ولا يجيز له إلا أن يرجع إلى إعادة وضوئه كله، ولا يقع له ما توضأ من بعد الطهارة.
ومعي أنه قد قيل أنه لا يخرج معنى ثبوت الوضوء في العضو لثبوت طهارته من النجاسة معا، وإن كانت طهارة النجاسة من العضو قبل غسل سائر العضو فذلك معنا ثبوت طهارته من أحكام العضو قبل غسل سائر العضو فذلك معنا ثبوت طهارته من أحكام الوضوء لأن حكم طهارة النجاسة يقوم مقام الطهارة في الوضوء لأنه لازم ذلك كله، وبمعنى الطهارة ثبت فرض الغسل للعضو في أحكام الوضوء، كما كان غسل العضو من الجنابة إذا ثبت غسله لفرض الجنابة كان ذلك ثابتا للوضوء ولو لم يقصد به للوضوء لأنه لازم.
وهذا لازم، وإذا وقع أحد اللازمين قام مقام صاحبه إذا قام بمعناه في اعتبار حاله فيه ومعه معذور، وربما قام غسل النجاسة بأكثر مما يقوم فرض الوضوء من قلة الغسل، لأن فرض الوضوء وغسل الجنابة يقوم في الاعتبار بالغسل الواحد في معاني الاتفاق وربما لم يكن كذلك طهارة النجاسة لأن طهارة النجاسة وربما لم يصح بالغسل الواحد في جميع النجاسات من الذوات.
وغسل العضو للوضوء وللجنابة يخرج في معاني الاتفاق بالغسل الواحد ويصح بالغسل الواحد فربما قام غسل الوضوء والجنابة بغسل النجاسة وربما لم يقم بذلك وغسل النجاسة إذا حصل من جميع النجاسات من الذوات وغير الذوات قام مقام غسل الوضوء، وغسل الجنابة على ما يخرج من معاني الاتفاق إذا لم يقم شيء منه عن شيء إلا بالقصد إليه، ولعل ذلك قد قيل في بعض ما قيل، ويخرج هذا عندي لعله على أكثر ما قيل فانظر في ذلك وفي معانيه.
مسألة: ومما يوجد أنه من كتب أبي محمد الحواري بن محمد (وأما الذي ذكرت في رجل مس قملة وهو متوضئ أعليه أن يتوضأ)، فلا، وأما البول والدم فإنهم اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال أغسله ولا طهور عليك إلا مما يخرج منك، ومنهم (8/150)
صفحة 2498
من يقول يطهر إذا مسه، والطهور أذهب للريبة وأطيب للنفس.
مسألة: وسألته عمن أصابته نجاسة في شعر رأسه وهو طويل ولم يمس شيئا من بدنه، هل ينتقض وضوؤه.
قال: معي أن وضوءه ينتقض، قلت له: فإن قطع الشعر الذي أصابته النجاسة وصلى بوضوئه وظن أنه جائز له هل ترى عليه الإعادة؟ قال: معي أن عليه الإعادة لوضوئه وصلاته، قلت له: وكذلك إن كان جنبا فغسل بدنه كله إلا شيئا من أطراف شعره لم يمسه الماء وصلى بذلك، هل تتم صلاته؟ قال: معي أنها لا تتم صلاته على التعمد منه لذلك كان قليلا أو كثيرا، قلت له: فإن جهل ذلك وظن أنه يسعه، هل تتم صلاته؟ قال: معي أنها لا تتم، قلت له: فإن كان ناسيا لذلك حتى صلى به، هل تتم صلاته؟ قال: معي أنه قد قيل لا تتم على حال كان قليلا أو كثيرا، وأحسب أنه قيل إذا كان أقل من ظفر في القدر فتركه على النسيان لم يضره، وإن كان مثل الظفر أو أكثر فمعي أنه قد قيل عليه الإعادة.
مسألة: وحدثني خالد بن هارون عن موسى بن أبي جابر سأله عن رجل توضأ ثم مر في مكان قذر فقال: اغسل رجليك، قال غيره: إن كان الموضع نجسا فعليه إعادة الوضوء وإلا فليس عليه غسل رجليه إلا استحبابا.
مسألة: أحسب عن أبي الحسن محمد بن الحسن: وسألته عن رجل يكون متوضئا ووضوؤه رطب، وموضع سجوده قال: أما أنا فأحب أن يعيد وضوءه وأما على القول الذي يقال إن الرطب لا يأخذ من اليابس فإن لم يعد وضوءه فصلاته تلك فاسدة التي صلى في الموضع النجس، وأما وضوؤه فلا نقض عليه ما لم تلصق به النجاسة، قال له قائل: ولو علق التراب في جبينه ونفضه، قال: نعم ما لم يلصق به وكان مذهبه أنه يجب أن يعيد وضوءه. (8/151)
صفحة 2499
الباب الثاني والثلاثون
فيما ينقض الطهارة من الفروج
وما أشبهها من الزيادة المضافة
من منثورة الشيخ أبي محمد: وعمن تكون مقعدته تخرج فتطهر للصلاة بعد أن تطهر وهي خارجة بعد أن طهرها ويصلي والمقعدة خارجة وقد طهرها، قال: يجوز، ويجوز أن يصلي والمقعدة خارجة، قلت: وإن كان طهرها وهي خارجة وتوضأ للصلاة وقام يصلي وعادت فخرجت انتقضت طهارته؟ قال: يطهرها ويربط عليها بتفار ويصلي ويكون مثله مثل المستحاضة، قلت: فإن كان صائما ولم تدخل إلا بالدهن أو بالماء في النهار، أيجوز ذلك؟ ... (سقط).
مسألة: ومن غيره: وسئل بعض الفقهاء عن رجل يخرج من ذكره الدود وهو متوضئ، فقال: عليه إعادة الوضوء.
قال المضيف: وذلك عندي إذا خرج من موضع البول والله أعلم.
مسألة من الضياء: وروي أن قوما كانوا في مجلس عمر ففاحت ريح، فقال عمر: من كان منكم قد أحدث فليقم يتوضأ، وكان فيهم جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: كلنا نقوم يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما عرفتك منذ أسلمت إلا بمكارم الأخلاق، واستحسن منه ما قاله.
وإنما أراد جابر بما قاله الستر على المحدث لأن في قيام الكل سترا عليه. ولعمري لقد قال قولا ورأى رأيا جميلا. (8/152)
صفحة 2500
[صفحة بيضاء] (8/153)
صفحة 2501
الباب الثالث والثلاثون
فيما ينقض الوضوء من مس الدواب والبشر
الأحياء والأموات والقول فيهم وما أشبه ذلك
وإذا مس الإنسان القملة وهو متوضئ فتخرج منها رطوبة انتقض وضوؤه، وإن لم يخرج منها شيء لم ينتقض وضوؤه، وسألته عن رجل كان متوضئا فيمس دابة شاة كانت أو ثورا أو حمارا أو شيئا من الأنعام، هل ينتقض وضوؤه؟ قال: لا، إلا أن يكون يرى نجاسة بعينها.
قلت: فولد الأنعام الصغير الذي يرضع، هل يفسد الوضوء إذا مسه الرجل؟ قال: إذا كانت أمه قد لحسته ويبس أثر ذلك القذر وإنما معي فلا بأس وإن كان به أثر فسد وضوؤه.
مسألة: وعمن يمس القملة أو يطرحها أو يقتلها وهو متوضئ أو في الصلاة، هل عليه بدل أو نقض وضوئه، فإذا لم يصبه منها بلل فلا يفسد وضوؤه، وإن أصابه منها بلل غسله وأعاد وضوءه، وإن قتلها في الصلاة أعاد الصلاة ولو لم يصبه منها شيء، وأما الوضوء فلا ينتقض حتى يصيبه منها بلل.
قال أبو المؤثر: وإن طرحها في الصلاة فعليه الإعادة إلا أن تؤذيه في جسده فلا بدل عليه إذا ألقاها.
مسألة: وسألته عن رجل قال: لا بارك الله فيك من دابة أو من مال أو قال هجس بك أو قبح أو لعن وهو متوضئ هل ينتقض وضوؤه؟ قال: لا ويستغفر ربه. (8/154)
صفحة 2502
مسألة: وسألته عن رجل قبح رجلا أو لعنه وهو متوضئ هل ينتقض وضوؤه؟ قال: لا وقد أثم ويستغفر ربه.
مسألة: عمن قال: لم أوجبت على من كذب متعمدا أن وضوءه ينتقض، ما جوابه؟ فجوابه أن الوضوء من الإيمان وأن الكذب ينقض الإيمان، وقد جاء الأثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كذب كذبة فهو منافق إلا أن يتوب»، وكل ما نقض الإيمان من القول نقض الطهارة؛ لأن الوضوء من الإيمان فلا يكون الإيمان ينتقض، وتثبت الطهارة إذا كان الإيمان انتقاضه من جهة القول باللسان فهذا من الجواب عليه، وحفظت عن أبي سعيد أسعده الله أنه قال: الذي يقول إن المعاصي تنقض الوضوء يقول إن الكذب ينقض الوضوء.
وقد وجدت أنا في الأثر أن الأكثر من قول المسلمين أن المعاصي لا تنقض الوضوء، وقد وجدنا أيضا أن الكذب المتعمّد عليه لا ينقض الوضوء ولا الصيام، وقد وجدنا أيضا في بعض القول أنه ينقض وهو أكثر القول فيما عرفنا، فإن كذب كاذب وصلى ولم يتمسح وهو يعلم أن الكذب ينقض الوضوء فقد وجدنا في هذه المسألة أن عليه الكفارة، والكفارة على ما وجدنا فيه وعرفناه عن أبي سعيد عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، مخيرا في ذلك فيما عرفنا والله أعلم بالصواب.
مسألة من الزيادة المضافة: النقض إفساد كل عمل من بناء أو غيره، والنقض اسم البناء المنقوض يعني اللبن إذا خرج منه.
قال الشاعر:
لا يأمنَنَّ قوي نقض مرّته ... إني أرى الدهر ذا نقض وإمرار (8/155)
صفحة 2503
الباب الرابع والثلاثون
فيما ينقض الوضوء من مس الفروج أو نظرها
أو ذكرها وما لا ينقض، وكذلك ما كان معناها
وما يخرج منها من عذرة أو بول
وقال: إذا مس الرجل فرج امرأته انتقض وضوؤه دونها، وكذلك إذا مست المرأة فرج الزوج انتقض وضوؤها ولا بأس على وضوئه هو وإنما النقض على الفاعل فقط، وليس في هذا إجماع ولكن هذا اتفاق من أصحابنا، الدليل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أفضى بيده إلى فرجه انتقض وضوؤه».
مسألة: روى الشيخ أبو محمد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا يستحي من الحق إذا فسا أحدكم فليتوضأ».
مسألة: وسألته عن الفرج فقال: الفرج من المرأة موضع الجماع، وفرج الرجل ما يقع عليه اسم فرج.
مسألة: وسألته عمن ينظر إلى فرج صبية أو يمسه بيده وهو متوضئ وهل ينتقض وضوؤه، قال: إذا نظر إلى جوف الفرج انتقض وضوؤه، وإن مس الفرج انتقض وضوؤه.
مسألة: قال أبو المؤثر: قد سمعنا أن رجلا ذكر فرج أتان بالاسم الذي أوله زاي فرأى عليه الربيع أن يعيد الوضوء.
مسألة: عمن ذكر العذرة وهو متوضئ هل ينتقض وضوؤه؟ قال: إذا قال (8/156)
صفحة 2504
لأحد: يا فاعل يعني به العذرة انتقض وضوؤه، وأما من ذكرها فلا.
مسألة: وسألته عمن ينظر في فروج الدواب متعمدا أو يمسه وهو متوضئ انتقض وضوؤه؟ قال: لا إلا أن يمس منها رطوبة، وقال: لو أن رجلا كان متوضئا ثم أمسك ذكر حمار أو بغل أو فرس فأهداه إلى موضع الجماع من الدواب لم ينتقض وضوؤه إلا أن يمس منه رطوبة.
مسألة: وسألته عمن مس أنثييه متعمدا هل ينتقض وضوؤه؟ قال: قد قال من قال: إنه ينتقض وضوؤه، وقال من قال: لا ينتقض حتى يمس الثقب، وقال من قال: حتى يمس الحشفة، وقال من قال: حتى يمس القضيب، وأنا أقول: لا بأس عليه في مس أنثييه حتى يمس القضيب، قلت: فإن سرع القضيب حتى يتعمد على مسه، هل يفسد وضوءه؟ قال: لا.
مسألة: وسألته عن امرأة وجدت ريحا خرجت من قبلها وهي متوضئة هل ينتقض وضوؤها؟ قال: بلغنا أن الربيع سئل عن هذا فلم ير عليها إعادة الوضوء.
مسألة من غير الكتاب: ومن جواب لمحمد بن الحسن -رحمه الله- ذكرت أن رجلا نظر إلى عورة نفسه ونظر إلى فرج زوجته عامدا وهو على وضوء، قلت: عليه نقض وضوئه؟ فليس عليه نقض وضوئه على ما وصفت.
مسألة: وعن رجل مس بدن أخته لشهوة أو لغير شهوة، قلت: هل عليه نقض وضوئه؟ فعلى ما وصفت فإذا مس من بدنها من الركبة إلى السرة لشهوة أو لغير شهوة نقض وضوءه، وإن مس من سائر بدنها لغير شهوة لم ينقض ذلك وضوءه، وإن مس لشهوة نقض وضوءه، وكذلك من نظر إلى من لا يجوز له نكاحه من حد السرة إلى الركبة متعمدا نقض وضوءه وعليه التوبة، وإن نظر إلى سائر بدنها متعمدا من غير شهوة لم ينقض ذلك وضوءه، وإن نظر لشهوة متعمداً يعيد الوضوء ويستغفر ربه إن كانت شهوته له للحرام، وإن كان لها نظر إليها اشتهى غيرها للحلال فليس عليه بأس من شهوة غيرها للحلال والله أعلم بالصواب.
قال غيره: نعم قد قيل أنه من السرة إلى الركبة عورة من الرجال، ولا يحل للنساء أن يظهرن ذلك ولأن إلى ذلك حد إلا لزوجين خاصة، وحرام ذلك على ما وراء الزوجين من النساء والرجال أو أمة يطأها سيدها، فمن نظر إلى ذلك غير (8/157)
صفحة 2505
الزوجين أو أمة يطأها سيدها انتقض وضوؤه، وإذا نظر إلى ذلك متعمدا.
مسألة: وعمن يفاكه امرأة أو يحدثها ويستحلي كلامها بلا شهوة ولا فساد، قلت: هل عليه في ذلك توبة؟ فعلى ما وصفت فقد يوجد فيما يروى عما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يحبس الرجل امرأة لا يملكها فيملأ عينيه منها وإن كان ينظر من فوق ثيابها، ونهى أن يجالسها إلا مضطرا لغير شهوة، قالوا: ونهى أن يخلو بها وليس بينهما امرأة متبعة أو ذي محرم.
قال غيره: أما المصافحة إذا لم تكن لشهوة ولا من أسبابها فقد قيل إن ذلك جائز لأنه يجوز النظر إليه من غير شهوة، أعني إلى الكف نفسه.
ومن الجواب: وكذلك قولنا إن محادثتها من غير حاجة لابد أن تكلمه بها، وكذلك هو ولو كان من غير شهوة لعل ذلك مما يمرض القلوب لأن الله جل وعز يقول: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (الأحزاب:53)، وحديث النساء ومجالستهن من غير معنى مما لا يكاد القلب أن ينجو من فتنته ولو من بعد حين لأنه قد قيل إن القلب يحيا ويموت، وأما نقض الوضوء والتوبة فلا يكون ذلك إلا من مجالسة الحرام وشهوته والله أعلم بصواب هذا وغيره.
وقد ذكر لي عن رجل كان من أهل بهلا ممن يذكر بالزهادة في أهل زمانه وعظم فضله وشأنه أنه ألجأه المطر إلى إخداع كن معه باقيات في منزله أحسب والله أعلم فاتت امرأة لتستكن عنده فيهن من المطر، فقال على حسب ما روي لي وهو ينهاها ألا تدخل عنده في حين ذلك الاضطرار ويقول لها أحسبت إبليس أين هو أين إبليس نحو هذا اللفظ والقول يختلف إلا معنى ما حدثت، فانظر إلى أهل الحذر ما عندهم من حسن النظر، ليس كأهل الغرور من غلبة الحمق والبطر وما توفيقي إلا بالله.
مسألة: وعمن نظر إلى امرأة بشهوة، قلت: هل عليه توبة أو نقض وضوئه؟ فنعم إذا نظر إليها بشهوة الحرام، فيعيد وضوءه ويستغفر ربه إذا كان نظر إلى بدنها من تحت الثياب، إذا نظر متعمدا لشهوة أو لغير شهوة نقض وضوءه، ولزمته التوبة إلا أن ينظر إلى كفها أو وجهها متعمداً فلا نقض على وضوئه إن شاء الله، قال: نعم بلا شهوة. (8/158)
صفحة 2506
مسألة: قلت: من نظر إلى امرأة فأعجبته صورتها وحسن وجهها بلا شهوة، قلت: هل ينقض ذلك وضوءه؟ فلا ينقض ذلك وضوءه معنا.
مسألة: وعمن نظر رأس مملوكة أو بدنها عامدا، قلت: هل عليه نقض؟ فلا نقض عليه في ذلك النظر إلا أن يكون نظر إلى الفرج أو بشهوة والله أعلم بالصواب.
قال غيره: الذي عندنا أن من حد سرة الأمة إلى ركبتها بمنزلة الرجل والله أعلم.
مسألة: وعمن نظر إلى ركبة رجل أو فخذه أو سرته عامدا هل عليه نقض؟ فعلى من نظر السرة متعمدا نقض، وأما الركبة والفخذ فقد يوجد، أحسب في ذلك اختلاف، ولعل بعضهم لم يوجب النقض وبعض يوجب النقض على من نظر التعمد، فانظر ما كتبنا به إليك ولا تقبل إلا ما وافق الأثر في قول أهل البصر، فما خالف الحق فهو منا ونستغفر الله من خطايانا.
قال غيره: وعندنا أن بعضا فرق بين الركبة والفخذ، فألزم النقض بنظر الفخذ ولم ير ذلك في الركبة.
قال المضيف: قال بشير -رحمه الله-: فالذي حفظنا عمن حفظ عنه أن الركبة والسرة ليستا بعورتين ولا يؤثم النظر إليهما ولا كشفهما، والنظر للمحرم عنده ما جاز من حد منابت الشعر إلى مستغلظ الفخذين.
مسألة: أحسب عن أبي إبراهيم: وسألته عن رجل نظر إلى كف امرأة متعمدا وهو على وضوء، هل عليه نقض وضوئه؟ قال: لا، قلت: فإن مس كفها أترى أن عليه نقض وضوئه، قال: لا، قال: وكل شيء جاز النظر إليه جاز مسه.
مسألة: عن أبي إبراهيم فيمن قال وهو على وضوء هذا بول هذا الصبي أو بول فلان أراد بذلك الشتم، قال: عليه الوضوء.
ومن غيره: وعمن مس إحليله وهو على وضوء، قال أبو إبراهيم: حتى يمس الثقبين، وهو رأي موسى بن علي -رحمه الله-، وأما غيره فقد قال غير ذلك.
ومن غيره: وقال من قال: إن مس الثقبين خطأ لم ينقض عليه، وإن مس (8/159)
صفحة 2507
الثقبين متعمدا نقض، والاختلاف في ذلك فيما قيل في قول أصحابنا والله أعلم.
مسألة: وسئل عن رجل نظر إلى فرج امرأته فلما عرف أنه فرج غض نظره ثم نظر ثانية لينظر استترت أم بعد، ما تكون هذه النظرة الثانية خطأ أو عمد؟ قال: معي أنها خطأ.
مسألة من الزيادة المضافة: وقيل كان الربيع يرى أنه إذا نظر إلى جوف الفرج فعليه الوضوء، وإن نظر إلى ظاهره فلا وضوء عليه.
مسألة: متوضئ مس فرج زوجته بفرجه من غير إيلاج. قال: على قول لا ينقض إلا مس اليد.
ومن جامع أبي الحسن مسألة: وعمن غسل ميتا يتوضأ لحال مسه إياه وذلك على قول من رأى النقض في مس الميت.
ومن جامع ابن جعفر: وقيل من غسل المريض الجنب فعليه الوضوء وذلك عندي إن مس الأذى فأما إذا لم يمس شيئا من الأذى وغسله فلا نقض على وضوئه.
ومن كتاب الشرح: وأما قوله فأما من غسل المريض الجنب فعليه الوضوء وذلك عندي إن مس الأذى. فأما إذا لم يمس شيئا من الأذى وغسله فأرجو ألا ينتقض وضوؤه الذي ذكره من انتقاض وضوء مس الأذى أو مس الفرج، فهو كذلك. وأما مس الجنب حيا أو ميتا فلا ينقض الطهارة على مسها أوغسله. وقد روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم - أوجب الاغتسال على من غسل الجنب، ولم يتلق هذا الخبر العلماء بالقبول. وإذا اختلفت الأخبار لم تقم بها حجة ولم ينقطع العذر بصحتها. وقد قال أكثر أصحابنا: إن من غسل الميت أو مسه لغير غسل أن طهارته منتقضة لما روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه أوجب في مس الميت نقض الطهارة، والإنسان إذا مات فاسم ميتة يقع عليه.
مسألة: من سماع محمد بن خالد وقال هاشم: ومن وضع في ثيابه طيرا ثم قام يصلي فمات الطير أن عليه إعادة الوضوء والصلاة وغسل ثيابه.
ومن غيره: قال: أما الصلاة فعليه إعادتها وأما الوضوء فما لم يمس شيئا من بدنه فلا نقض على وضوئه ولو كان في ثيابه أو ثيابه، وأما غسل الثياب فقد قيل ما لم يمس الثياب من ذلك رطوبة فلا فساد عليه. (8/160)
صفحة 2508
مسألة من الزيادة المضافة: عن أبي عبد الله: وفي رجل نظر إلى دابة تغشى دابة أينقض ذلك وضوءه؟ قال: لا، قلت: فإن نظر إليه شهوة، قال: لا بأس.
مسألة: ومن قبل امرأة لم يفسد وضوؤه ولا صومه لما روي عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل بعض نسائه ثم يخرج فيصلي ولا يتوضأ.
وعن عروة قال: قلت: ما هي إلا أنت فضحكت، وقال الشافعي: "المباشرة باليد المس وبالرجل دوس وبالفرج وطء وبالفم بوس" والله أعلم.
مسألة: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من نظر في كتاب إنسان فكأنما ينظر في النار»، وكان يقال من غض بصره التماس ثواب الله أتاه عبادة يجد طعمها أو قال لذتها، وقيل: إنما كره أن يطلع في الفروج إلى داخلها، فأما إلى ظاهرها من الزوجين فلا بأس، وقيل: إن معنى قول عائشة ما نظرت إلى فرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي ولم تقل عائشة أنه لم ينظر، ولا أنه نهى عنه ولا أنه كره ذلك، إنما قالت لم أفعله أنا، وقد كانا يغسلان من إناء واحد والله أعلم.
مسألة: وقال أبو عبد الله في نساء تهامة ونحوها التي لا تستتر وتتبرج أنهن مثل الإماء، وقال بشير: لا لعمري الإماء مال، وأما الحرائر فغض ما استطعت، ويقال: ليس على النساء نقاب ولا بأس بالنظر إلى وجوههن من غير شهوة.
مسألة: وقال عمر بن المفضل: يتوضأ من مس كل ميت فقيل ذلك لهاشم بن غيلان، فقال: رأيت عبد الله بن نافع يحشو فم ابن أبي قيس بالنفك وقد فغر فاه ثم قام وصلى ولم يتوضأ، قال أبو الحسن: حجة من لا يرى النقض على مس الميت المؤمن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن لا يكون نجسا»، وفي خبر آخر لا ينجس حيا ولا ميتا، وحجة من رأى النقض قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مس الميت ينقض الطهارة».
قال المضيف: وجدت أنه لا نقض على من مس عانته.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: وقيل: كان الربيع يرى أنه إذا نظر إلى جوف الفرج فعليه الوضوء، وإن نظر إلى ظاهره فلا وضوء عليه.
مسألة: متوضئ مس فرج زوجته بفرجه من غير إيلاج قال على قول لا ينقض إلا مس اليد. (8/161)
صفحة 2509
رجع مسألة: من كتاب الأشراف فيه نظر وعليه أن يعيد الوضوء، هذا قول النعمان ويعقوب، وقال محمد: لا وضوء عليه حتى يخرج منه مذي أو غيره.
وفيه قول خامس: وهو إن قبل حلالا فلا إعادة عليه وإن قبل حراما أعاد الوضوء، روي هذا القول عن عطاء، واختلفوا فيمن مس من وراء ثوب، فقال مالك: إن كان ثوبا رقيقا توضأ، وقال ربيعة، إن قبل امرأته أو غيرها من تحت الثوب أو من ورائه توضأ، وقال الشافعي: لا وضوء عليه.
قال أبو سعيد: معي أن معاني هذه الأقاويل كلها خارجة على معاني التواطؤ لقول أصحابنا إلا لقول الذي قيل أنه لا ينقض مس الفرج من زوجته على شهوة ولا على غير شهوة، ذلك عندي شاذ عن قول أصحابنا، وأما ما سواه فخارج على تواطؤ قول أصحابنا فيما قيل في هذا كل، وبعضه أحسن من بعض، والوضوء من المذي واجب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الوضوء من المذي والغسل من المني»، والطهارة واجبة منه باتفاق الأمة، وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لو جرى فسال على فخذي لم أقطع منه الصلاة، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضية عليه.
ومن الكتاب: وإذا لمس الرجل المرأة أو غيرها بيده وهو متطهر كان على طهارته، فإن قال قائل: إن ذلك ينقض الطهارة، واحتج بقول الله تبارك وتعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} قيل له هذا غلط منك في تأويل الآية لأن اللمس في هذا الموضع هو الجماع، وإنما ذكر اللمس وأراد الجماع فكنّى عنه باسم غيره على مجاز اللغة، والدليل على ذلك قول الله جل ذكره: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} وهذا طريقه طريق التفاعل والتفاعل لا يكون إلا من فاعلين، فإن قال: فقد قرئ أو لامستم النساء يوجب التفاعل أو لمستم يوجب وقوع الفعل للّمس وحده ولا يوجب التفاعل، قيل له: قد دلت الآية الأخرى على المراد وهو قوله جل ذكره: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}.
وقد أجمعوا أن المس هنا هو الجماع دون غيره، ولا فرق بين الطاهرين، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أنهما قالا: اللمس المذكور في القرآن هو الجماع، وأما ابن مسعود فروي عنه أنه قال: اللمس دون الجماع في قول الله تبارك وتعالى: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ} (النساء:43)، عن علي وابن عباس قالا: هم المسافرون. (8/162)
صفحة 2510
ومن الكتاب: واختلف أصحابنا في المتوضئ يمس الفرج وهو ناس، فقال بعضهم: إذا مس ذلك وهو ناس لم تنتقض طهارته لأن الناسي لا لوم عليه، وكأنه في التقدير غير فاعل إذا لم يقصد إلى الفعل، وقال بعضهم: عليه النقض للطهارة في المس ناسيا كان أو عامدا، والنظر يوجب عندي إعادة الطهر على من مس عامدا أو ناسيا، فإن احتج محتج ممن أسقط عن الناس الطهارة، وإن كان القاصد إلى المس ممنوعا من ذلك بخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ووجب إعادة الطهر عليه لركوبه للنهي بالقصد إلى فعل ذلك، والناسي فليس بقاصد إلى فعل خالف فيه نهيا، يقال له: ما أنكرت أن يكون نقض الطهارة يجب في العمد بالخبر ويجب نقض الطهارة على من مس ناسيا بالدليل، فيكون الخطأ والعمد في ذلك سواء، لاتفاقنا على أن خروج الريح من الدبر ينقض الطهارة بالعمد والقصد لإخراجها، وخروجها بغير قصد وعمد ينقض الطهارة أيضا، فنقض الطهارة يجب بالعمد والسهو جميعا، وكذلك الجنب أوجب الله عليه الغسل وأوجبه الرسول عليه السلام أيضا، خروج المني ناقض للطهارة بالاختيار والاحتلام الذي يخرج بغير اختيار.
وكذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في الصلاة فينفخ بين اليتيه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا»، وقد علم أن ذلك إذا خرج فليس باختيار من المصلي، وكذلك قد أوجب الرسول - صلى الله عليه وسلم - على النائم نقض الطهارة، وخروج الريح من النائم ليس باختيار منه.
وقد أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - على المستحاضة الطهارة للصلاة وإن اختلف الناس في حكم طهارتها وما يخرج من المستحاضة فليس باختيار منها فهذا يدل على أن ما أوجب الوضوء فهو في العمد والسهو سواء، والله أعلم وبه التوفيق.
ومن الكتاب: وملامسة النساء باليد لا توجب الوضوء لما روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقبل نساءه ويصلي ولا يتوضأ، وبهذا القول كان يقول علي وابن عباس، ألا ترى أن الله جل ذكره ذكر لمس النساء عند الأمر بالتيمم بدلا مما في ابتداء الآية فكنى باللمس عن الجماع والله أعلم.
مسألة من كتاب الأشياخ: وعن رجل مس فرجه بظاهر كفه أنه لا نقض على وضوئه، قال: وهذا أكثر القول عند الفقهاء، قال: وإنما عندهم المس ما مسه بباطن كفه. (8/163)
صفحة 2511
قال: وكذلك القدم هو بمنزلة ظاهر الكف وفيه قول غير هذا، والقول هو الأول، وقال: من مس فرج امرأته بيده أو بخشبة فكل ذلك سواء.
مسألة: وعن رجل يتوضأ في وسط ماء فساحت عليه عذرة فمسته في وسط الماء ولم يلحق شيء، هل يتم؟ قال: قد قيل يفسد وضوؤه، وقد قيل لا يفسد، وإن كانت مست بدنه وهو خارج من الماء وهي خارجة وهي رطبة ولم يعلق بدنه شيء فوضوؤه فاسد ولا اختلاف في ذلك معي.
مسألة: وأما ما ذكرت هل يفسد وضوء الرجل إذا مس فرج صبي قبله أو دبره وهو مغسول؟ فإذا كان الصبي صغير لا يستر لم يفسد ذلك وضوءه إذا مسه وهو غير رطب.
مسألة: وقال بشير عن أبيه: والله لا يستحي من الحق إذا فسا أحدكم فليتوضأ.
مسألة: وسألته عن رجل مس يد امرأة أو رجلها خطأ، هل يأثم أو ينتقض وضوؤه، قال: لا.
ومما يوجد عن موسى أنه لا ينقض الوضوء على الإنسان من مس جسده إلا موضع البول والغائط ونحو ذلك عن أبي نوح.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: وقد روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، وهذا خبر له تأويل وشرح طويل ولن يخفى على خواص أصحابنا إن شاء الله؛ لأن الكتاب لهم جميعا وإياهم قصدنا، لأن المرجوع إليهم والمعول عليهم.
ومن الكتاب: الذي ينتقض الطهارة بإجماع الأمة خروج الغائط والبول أو أحدهما إذا كان ينقطع وقتا ويعود وقتا، وخروج الريح من الدبر وغيبوبة الحشفة في الفرج والنوم مضطجعا وزوال العقل بجنون أو سكر أو مرض والمذي والودي والمني ودم الحائض ودم النفاس، واختلفوا فيما سوى ذلك.
مسألة: ومن جواب العلاء بن أبي حذيفة إلى هاشم بن الجهم: وسألت عما ينقض الوضوء من ذكر العورة، فقد قال الناس ذكر الدبر على السين وما يخرج من هنالك، قال قائلون: حتى يقصد بذلك الشتم. (8/164)
صفحة 2512
مسألة: وعن أبي عبد الله محمد بن محبوب، وسئل عمن نظر إلى خف امرأة متعمدا، وهل عليه إعادة الوضوء، قال: لا، وقال غيره: عليه إعادة الوضوء.
مسألة: عن أبي الحواري: وعمن مس فرجه من أي موضع ينتقض الوضوء، فقد قالوا في ذلك بأقاويل كثيرة، والذي نأخذ به إذا مس الكف من الدبر من حيث يخرج الغائط نقض وضوءه، وإن مسه من فوق الثوب أو حكه من فوق لم ينقض وضوؤه، وإن كان في صلاة فمسَّه لمعنى لم تنتقض صلاته، وإن أمسكه في الصلاة للبول حتى يذهب عنه انتقضت صلاته وليس له أن يعالج الأخبثين البول والغائط في الصلاة.
مسألة: وحفظ محمد بن جعفر عن عمر بن محمد عن موسى بن علي أنه من وجد ريحا تخرج من دبره وهو على وضوء ثم اشتبه عليه ذلك أنه لا ينقض ذلك وضوءه حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا وإلا فوضوؤه تام.
مسألة: قال: ومن توضأ ثم سرق انتقض وضوؤه.
قال غيره: وقد قيل لا نقض عليه وعليه التوبة.
مسألة: وفي الرجل يمس الميت فقال: إن كان رطبا فعليه إعادة الوضوء، وإن كان يابسا فلا بأس عليه.
قال غيره: وهو أبو سعيد: فيما عندي وقد قيل ينقض كان رطبا أو يابسا. (8/165)
صفحة 2513
الباب الخامس والثلاثون
في نقض الوضوء بالمأكولات وما مسته النار
وعن الطعام المطبوخ والشراب وأشباه ذلك، فقال: لا بأس عليك فكله مطبوخا وغير مطبوخ، فإن ابن عباس كان يقول لمن يكره أن يصلي وقد أكل شيئا قد مسته النار حتى يتوضأ، فقال: كيف تكرهون ذلك وأنتم تتوضأون وتغتسلون بالماء المطبوخ بالنار، وكيف تكرهون الطعام ولا تكرهون الماء وكله قد أصابته النار، وقد بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زار يوما حيا من أحياء الأنصار وكان لا يزال يزورهم فأتته امرأة بكتف شاة مشوية وهو قاعد فأكلها وتعرقها ثم قام فصلى ولم يتوضأ منها.
مسألة: سئل عن لبن الحليب شربه رجل أو مسه بدنه وهو متوضئ، أيعيد طهوره إذا أراد أن يصلي أو يغسل ما مس يده؟ قال: لا بأس به فإنه حلال طيب لا ينقض الوضوء، أخبرك أن رجلا من الفقهاء قال: كيف لا ترى بشرب الحليب بأسا إذا شربه الرجل نرى أن لا وضوء عليه منه والله يقول: {نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} فإنما خرج من بين الفرث والدم وأنت لا ترى على من شربه وضوءا؟ فقال له ابن عباس: قال الله: {لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} (النحل:66)، ألا ترى أنه خلص من ذلك كله، قال: فسكت الرجل فما استطاع أن يقول شيئا وأقر له.
وكان ابن عباس فيما بلغنا لا ينازعه أحد من الفقهاء في شيء، ففارق ابن عباس حتى يقر له ويفلح عليه ويرجع ذلك عن قوله إلى قول ابن عباس، وكان جابر بن زيد يسميه البحر، وقال: لم ألق مثل ابن عباس، وكان يقول: سيد الفقهاء، وقال جابر بن زيد: أدركت سبعين رجلا فليس رجل منهم قعدت معه إلا كنت أستنظف ما وراء ظهره إلا ابن عباس. (8/166)
صفحة 2514
[صفحة بيضاء] (8/167)
صفحة 2515
الباب السادس والثلاثون
نقض الوضوء مما مست النار وغيرها
واختلفوا في الوضوء مما مست النار، فممن روي عنه أنه توضأ مما مست النار وأمر الوضوء منه ابن عمر وأبو طلحه وأنس بن مالك وأبو موسى الأشعري وعائشة وزيد بن ثابت وأبو هريرة، وروي ذلك عن عمر ابن عبد العزيز، وأبي مخلد وأبي قلابة ويحي بن معمر والحسن البصري والزهري، وكان أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وأبيّ كعب وأبو الدرداء ومالك وأهل المدينة وسفيان الثوري وأهل الكوفة والأوزاعي وأهل الشام وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي لا يرون منه وضوءا.
وكذلك نقول ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ.
قال أبو سعيد: قول من قال: إن مس ما مسته النار ينقض الوضوء شاذ عندنا في معاني الاتفاق وثبوت الكتاب والسنة، لأن الأشياء طاهر أصلها أن النار لا تغيرها ولا تحيلها إلى النجاسة بحال، بل يرجى في معاني كثيرة أن النار تطهر النجاسات إذا ذهبت بها من الطهارات المعارض لها النجاسات، وهذا لا معنى له، والعجب ممن يذكر في معاني الفقه ولعله ثبت في معاني الاتفاق من قولهم أنهم أجازوا التطهر بالماء المسخون، ولعل ذلك ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: والوضوء لا يجب مما مسته النار، فإن قال قائل: فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «توضأوا مما مست النار»، قيل له: الوضوء في لغة العرب (8/168)
صفحة 2516
مأخوذ من النظافة، الدليل قول الشاعر:
مساميح الفعال ذوو أناة ... مراجيح وأوجههم وضاء
يريد من النظافة فقد يمكن أن يكون المراد بالوضوء النظافة في هذا الموضع وهو غسل اليد استحبابا لا إيجابا، فلسنا نوجب فرضا بغير دليل ولو كان موجبا للوضوء الذي للصلاة، كان ما روي من غير هذا الموضع معارضا له وذلك أنه أتى بكتف مؤربة، والمؤربة هي الموفرة فأكل منها ولم يتوضأ، والمؤربة هي الموفرة غير الناقصة في اللغة، ويدل على ذلك قول بعض الشعراء:
(وكان لعبد القيس عضو مؤرب)، يعني غير ناقص، وروي - صلى الله عليه وسلم - أتى بسويق فشربه ومضمض فاه وصلى، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا وضوء من طعام أحل الله أكله»، والوضوء بفتح الواو اسم الماء الذي يتوضأ به، والوضوء بضم الواو اسم الفعل، وكذلك السحور بضم السين اسم الفعل، وكذلك الوَقود بفتح الواو اسم الحطب، والوقود بضم الواو اسم اللهب.
وقال الله جل ذكره: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} (التحريم:6)، يريد حطبها والله أعلم.
ومنه قول الشاعر:
فأمسوا وقود النار في مستقرها ... وكل كفور في جهنم صار
يريد أمسوا حطبها، وقال آخر:
أحب الموقدين إلى موسى ... وجذْباً لو أضاء لها الوقود
بضم الواو يريد أضاء اللهب، والله أعلم.
وأما الوضوء مما مست النار على ما جاءت به الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بالوضوء مما مست النار، وهو عندنا غسل اليد والفم، وكانت الأعراب لا تغسل منه وتقول: فقد الطعام أشد علينا من ريحه، فأفادنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغسل الأيدي مما (8/169)
صفحة 2517
مست النار من الأطبخة والشواء من الزهومة، يقولون: إذا غسلوا أيديهم وأفواههم من الأطعمة توضأنا، هكذا نعرف في اللغة والله أعلم.
وروي عن الحسن البصري أنه قال: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقد، وبعده ينفي الهم، وفي نسخة ينفي اللمم والوضوء مأخوذ من الوضاءة من النظافة والحسن، منه قيل: وضّأ الوجه أي نظفه وحسنه، وكان الغاسل وجهه وضاًّ أي نظفه وحسنه، ومن غسل عضوا من أعضائه فقد وضأه، والوضوء الذي في كتاب الله هو الغسل، والمتوضئ يقول مسحت المسح خفيف الغسل لأن الغسل للشيء تطهير بإفراغ الماء، والمسح له تطهير بإمرار الماء، وقد كانوا يجتزون بالقليل من الماء ولا يسرفون، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بمد من الماء، والمد قيل أنه رطل وثلث برطل زماننا، وهذا يدل على أنه يمسح أعضاءه وهو لها غاسل، والغسل عند أصحابنا هو إفراغ الماء وإمرار اليد على البدن وهو قول مالك وابن علية، وأما غيرنا فصب الماء عندهم بظاهر اللغة.
ومن الكتاب: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق بلال قال: حدثني مولاي أبو بكر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يتوضأ أحدكم من طعام أحل الله أكله»، فإن ثبت الخبر الذي رواه مخالفونا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالوضوء مما مست النار فإنه يحتمل أن يكون أمرهم بتنظيف أيديهم من الدسم لأن الوضوء في كلام العرب مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة والحسن، ومنه يقال: فلان وضئ الوجه أي حسن نظيف.
والأمر إذا ورد بالوضوء كان ظاهره يوجب على المتعبد أن يأتي بفعل يسمى به متوضئاً، وإذا وضأ يده من الزهومة سمي بذلك متوضئاً وخرج مما تعبد به إلا وضوءا أجمعوا أنه لا يجزئ إلا هو.
ومن الكتاب: وليس من المأكول والمشروب وضوء لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ، ولما روي عن جابر بن عبد الله أن آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار ولو كان فيه وضوء لكان ذلك أظهر وأشهر من حكم الغائط لكثرة البلوى به. (8/170)
صفحة 2518
[صفحة بيضاء] (8/171)
صفحة 2519
الباب السابع والثلاثون
في نقض الوضوء بالدماء
واختلفوا في الوضوء من الرعاف، فكان ابن عمر إذا رعف انصرف فتوضأ ثم رجع فبنى على صلاته، وممن رأى أن في الرعاف الوضوء سعيد بن المسيب وعلقمة وقتادة وعطاء بن أبي رباح، وهو مذهب الثوري وأحمد وأصحاب الرأي، وقال طاوس وأبو جعفر وسالم لا وضوء فيه، وقال مكحول: لا وضوء إلا على ما خرج من جوف أو دبر، ومن مذهبه أنه لا وضوء في الرعاف يحي الأنصاري وربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور.
وفيه قول ثالث: وهو إسقاط الوضوء في الدم يخرج، روينا عن أبي أوفى أنه بصق دما ثم قام فصلى، وعن ابن عباس أنه قال: إذا كان الدم فاحشا فعليه الإعادة، وقال أحمد في الدم يسيل من الجرح فقال: حتى يفحش في خروجه، واحتج أن ابن عمر عصر بثرة فخرج دما فمسحه وصلى ولم يتوضأ، وقال سعيد بن جبير في الخدش يظهر منه الدم: لا يتوضأ حتى يسيل، وقال مجاهد: يتوضأ ولو لم يسل ولا وضوء في الحجامة، وفي قول مالك وأهل المدينة والشافعي وأبي ثور ويغسل أثر المحاجم في قول ابن عمر والحسن البصري والنخعي وربيعة ويحي الأنصاري ومالك والشافعي وأبي ثور، وقال مالك: لا أزيد على تنقية المحاجم، وأصحاب الرأي يرون منه الوضوء، وقال أحمد: يتوضأ منها ومن الرعاف، روينا عن ابن عمر والحسن وقتادة أنهم كانوا يرون منه الوضوء وغسل أثر المحاجم، وقد روينا عن قول واجد أنهم لا يغسلون من الحجامة، وروي ذلك عن علي وابن عباس، وكان مجاهد يفعل ذلك، وقال أبو بكر: لا يوجب الرعاف ولا الحجامة وضوءا، ويغسل (8/172)
صفحة 2520
أثر المحاجم لني لا أعلم لمن أوجب الوضوء في شيء من ذلك حجة، وقال مجاهد وعطاء وعروة والشعبي والزهري وقتادة والحكم والليث بن سعد: القيح بمنزلة الدم، وقال الحسن البصري: ليس في خروج القيح والصديد وضوء، كذلك قال عطاء في ماء القرح ليس فيه شيء، وقال الأوزاعي في قرحة سال منها كفسالة اللحم ليس بدم ولا قيح ولا وضوء فيه، وقال أحمد بن حنبل في القيح والصديد: هو أيسر من الدم، وقال إسحاق: كلها سواء الدم لا يوجب الوضوء.
قال أبو سعيد: يخرج على معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن كل دم سائل فائض من موضعه قليلا كان أو كثيرا قد ثبت فيه حكم السيلان من رعاف أو جرح أن ذلك كله ناقض للوضوء، وأما ما لم يفض من جميع الدماء الحادثات في البدن فيخرج في ذلك معاني الاختلاف من قولهم ينقض الوضوء كان قليلا أو كثيرا، وأما ما خالط ذلك غيره من ريق أو مخاط أو شبه ذلك فصار في ذلك إلى موضع تدرك طهارته في فم أو منخرين أو زائل ذلك فكل ذلك مما يختلف فيه معهم في نقض الطهارة به ما لم يغلب على الطهارة من ذلك مما خالطه، فإذا غلب عليه وصار مستهلكا نقض معهم في معاني الاتفاق كان قليلا أو كثيرا.
ومن غير كتاب الأشراف: وذكرت في الذي يخرج من وسط أنفه الدم وليس بظاهر إلا إذا أدخل إصبعه في وسط أنفه خرج الدم، قلت: هل يفسد عليه صلاته ووضوءه؟ فعلى ما وصفت فإذا كان الدم في أنفه حيث يبلغ الاستنشاق كان يفسد للوضوء والصلاة، وإذا كان حيث لا يصل الاستنشاق فأرجو ألا يفسد حتى يصل إلى موضع الاستنشاق.
مسألة: وسألته عن الجرح إذا كان طوله راجبة في رجله أو بدنه فدمى الجرح من أعلاه وسال في الجرح إلى أسفله ولم يفض من الجرح إلى الجلد الحي، هل يكون غير فائض وهل يخرج من أحكام الجرح إلى غيره من البدن الصحيح ولا يفسد الوضوء حتى يفيض كذلك؟
قال: معي أنه ما لم يفض من الجرح فهو عندي غير فائض ويجري فيه أحكام الدم الذي غير فائض من الجرح الطري، قلت له: فإن كان قديما أو طريا فكله سواء؟ قال: معي أنه في بعض القول كله سواء، وفي بعض القول أنه مختلف، قلت له: (8/173)
صفحة 2521
فالذي يقول إنه مختلف يقول: إن الطري أشد أم القديم أشد؟ قال: معي أنه يقول إن الطري أشد.
مسألة من الزيادة المضافة: وسألته عن المخاط إذا خرج فيه دم فكان المخاط هو الغالب، هل ينقض الوضوء؟ قال: قد قال بعض أنه لا ينقض الوضوء، قلت له: وكذلك البصاق، قال: نعم. (8/174)
صفحة 2522
[صفحة بيضاء] (8/175)
صفحة 2523
الباب الثامن والثلاثون
في نقض الوضوء بما يخرج من الجوف والفم
واختلفوا في نقض الوضوء من القيء وكان ابن عمر يأمر بالوضوء منه، وروي ذلك عن علي عن أبي هريرة وقول عطاء والزهري والأوزاعي وأحمد وأصحاب الرأي، وقال مالك والشافعي وأبو ثور لا يوجبون منه وضوءاً، وبه قال ربيعة، واختلفوا في وجوب الوضوء من القلس فكان عطاء بن أبي رباح والنخعي والشعبي وقتادة والحكم وحماد والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز يوجبون منه الوضوء، وقال إسحاق: يعيد الوضوء من قليل ذلك وكثيره، وكان الحسن البصري ومالك والشافعي وأبو ثور لا يوجبون منه وضوءا، وكان حماد بن أبي سليمان يقول: لا وضوء في قليله وإذا كان كثيرا توضأ، واختلف فيه عن أحمد فقال مرة: إذا كان قليلا فلا وضوء، وإذا كان كثيرا حتى يكون ملء الفم فنعم، وقال مرة: عليه الوضوء، قال أبو بكر: لا وضوء عليه، وثبت حديث ثوبان لم يوجب ذلك فرضا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بالوضوء.
قال أبو سعيد: يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن كل ما خرج من الجوف من طعام أو شراب أو ما أشبه ذلك من ماء أو شبهه متغيرا وغير متغير ففاض على اللسان من فم الإنسان من قليل أو كثير وكان على مقدرة من لفظه بغير معالجة بتنحنح أو ما أشبهه، أن ذلك كله ناقض للوضوء من قولهم في معاني الاتفاق أن ذلك نجس وأن جميع ما خرج من النجس من مجراه من الأدبار والأقبال من الفروج أنه ناقض للوضوء لمعاني اتفاقنا وإياهم فلا معنى لاختلاف ذلك ولا الفرق بينه وهو متساوٍ في النجاسة. (8/176)
صفحة 2524
مسألة: ومن غير كتاب الأشراف: وأما الريق الذي يخرج من فم الناعس فحفظ لنا الثقة عن محمد بن محبوب أنه لا ينقض ولا بأس به.
قال غيره: معنا أنه قد مضى ذكر الريق من الإنسان، ويخرج معاني ذلك على شبه الاتفاق بطهارته، ولا فرق في ذلك عندنا بين الناعس واليقظان، وكل ما جاء من الإنسان من رطوباته مما خرج من فمه أو مناخره من حلقه أو رأسه أو صدره ما لم يأت من جوفه أو من قبله أو من دبره من غير الدم وما أشبه فذلك كله من الإنسان من جميع أهل الإقرار من الصغار منهم والكبار والحائض والجنب، فكل ذلك يخرج على معنى الطهارة ما لم يخصه حكم معنى شيء من النجاسة بحكم أو غلبه حال شبهة وارتياب.
مسألة من الزيادة المضافة: وعن ابن جريج عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أصابه قيء أو قلس أو مذي أو رعاف في صلاته فليتوضأ». (8/177)
صفحة 2525
الباب التاسع والثلاثون
في نقض الوضوء بالأعمال ومس الأشياء
ومن كتاب الأشراف: وليس على من مس أبطه ومغابنه وضوء، روينا عن ابن عباس أنه قال فيمن مس إبطه لا شيء عليه، وبه قال أحمد والحسن البصري والحارث العالي ومالك بن أنس والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا يثبت عن عمر ما روي عنه لأنه عن رجل مجهول عنه، وحديث ابن عمر رواه ليث بن مجاهد وليس واحدٌ منهما ثابتا، وليس على من ذبح ذبيحة وضوء، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر بمنى ثلاثة وستين بدنة ولم نعلم أنه أحدث لذلك طهارة، وهذا قول عامة أهل العلم في جملة ما يحسب به أن من تطهر فهو على طهارته إلا أن تنقض طهارته كتاب أو سنة أو إجماع.
قال أبو سعيد: أما مس الإبط من البدن ما سوى العورات فلا معنى للنقض به، كذلك جميع الأفعال المباحة من الذبح وغيره ما لم تعارض البدن نجاسة، فلا معنى لنقض الطهارة به، وأما من توضأ بحكم الكتاب والسنة والاتفاق فقد ينقضه في معاني الاختلاف في قول أصحابنا غير المجتمع عليه من الكتاب والسنة والإجماع من الاختلاف من قول أهل العلم من طريق الرأي، وأما في أحكام الدين فكما لا ينقضه إلا أحكام الدين وهو حكم كتاب أو سنة أو إجماع.
ومنه: وإذا تطهر الرجل ثم قص أظفاره وأخذ من شعره فهو على طهارته، كذلك قال الحسن البصري والحكم والزهري ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي والنعمان ومن بزمرتهم ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «للفطرة خمس (8/178)
صفحة 2526
الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط».
وقد روينا عن مجاهد والحكم وحماد أنهم قالوا من قصر أو جز شاربه وليس ذلك يخلو من قولهم من أحد معنيين، إما أن يكونوا قالوا استحبابا فليس ذلك يجب، وإما إن كانوا قالوا من جهة الإيجاب فليس يدل على ذلك حجة، وقال عطاء والنخعي والشعبي: يمسه الماء.
قال أبو سعيد: معي أن هذا كله يخرج على معاني قول أصحابنا كما قيل، وأوسط قولهم في هذا أن يمسح مواضع ذلك الماء، وفي بعض القول يستحب له، وفي بعض القول عليه، وقيل ليس عليه.
ومنه: روينا عن علي بن أبي طالب أنه خاض في طين المطر ثم دخل المسجد فصلى ولم يغسل رجليه، وعن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا: لا يتوضأ من وطئ، ووطئ عمر وهو حافي بمنى ما وطئ رجلاه ولم يتوضأ، وممن رأى أن لا وضوء عليه ولا غسل الرجلين إذا خاض طين المطر علقمة والأسود وعبد الله بن معقل بن معروف والمسيب والشعبي، وقال الحسن: إمسحهما وصل، وبه قال أحمد وأصحاب الرأي وهو قول عوام أهل العلم، وقد روينا عن عطاء أنه كان يغسل رجليه.
قال أبو بكر: ويشبه أن يكون هذا منه استحبابا لا إيجابا، وعملا بقول أهل العلم نقول قال أبو سعيد: هكذا عندي أنه يخرج على معاني العدل إن شاء الله، وسمعنا أن من دخل على قوم وهو متوضئ بغير إذن انتقض وضوؤه ولو كان أولئك القوم قد أباحوا له ذلك.
مسألة من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: ومن توضأ وعليه ثوب نجس أو مسه وهو رطب نقض وضوءه، وإن كانت النجاسة في موضع منه لا يعرف فمنهم من قال حكمه نجس ينتقض وضوء من مسه، وقال آخرون: الحكم على الأغلب ولا ينتقض وضوء من مسه حتى تقع يده منه على النجاسة ولا ينتقض وضوؤه على الظن لأن كل طاهر على طهارته حتى يصح فساده، وإن كانت النجاسة متفرقة فيه فمنهم من قال جائز التطهر فيه لأن الحكم على الأغلب حتى يصح بعلم أن نجاسة قد مسته، وفيه قول آخر لا عمل عليه أنه جائز التطهر بالثوب النجس. (8/179)
صفحة 2527
مسألة: وعن بشير: من سرق سرقة انتقض وضوؤه، وكذلك عن أبي إبراهيم وأبي الحسن، وقال سليمان بن الحكم ومحمد بن هاشم: لا نقض عليه إذا تاب ورد ما سرق، وقال أبو زياد: إن من سرق انتقض وضوؤه في وقته الذي سرق فيه ولا ينتقض بعد ذلك وإن كانت السرقة معه والله أعلم. (8/180)
صفحة 2528
[صفحة بيضاء] (8/181)
صفحة 2529
الباب الأربعون
في نقض الوضوء بما كان من أرواث الدواب
وعن رجل توضأ ووطئ على أرواث الدواب وقدمه رطبة، قال: يغسل قدمه ثم يصلي، قلت: أرأيت إن كان قدما جافا والأرواث رطبا، قال: يغسل قدمه، قلت: أرأيت إن صلى ولم يغسل قدمه من الأرواث أعليه إعادة الصلاة؟ قال: لا.
قال غيره: هذا معنا في أرواث الدواب التي غير نجسة من الأنعام والخيل والبغال وأشباه ذلك مما يخرج من غير النجاسات، وغسل ذلك يخرج معنا على وجه التنزه لا على وجه اللازم، وأحسب أن نحو هذا يروى عن أبي عبيدة الكبر أنه غسل رجله من نحو هذا أو أمر بغسل هذا.
مسألة: وسئل عمن قتل قملة وهو على وضوئه، قال جابر: يقول من قتل قملة بيده فليعد الوضوء، ومما يوجد أنه من كتب الحواري بن محمد: وأما الذي ذكرت من رجل مس قملة وهو متوضئ أعليه أن يتوضأ؟ فلا عليه. (8/182)
صفحة 2530
[صفحة بيضاء] (8/183)
صفحة 2531
الباب الحادي والأربعون
فيما ينقض الوضوء من إزالة الشعر والجلد
والأظفار وغسل النجاسة منه وفي نجاسة ذلك
وعمن توضأ للصلاة ثم قلم أظفاره أو نتف إبطه أو احتف أو أخذ شاربه هل ينتقض وضوؤه؟ وإن كان صلى فما يلزمه فإن لم يخرج دم فلا بأس عليه وصلاته تامة، وقد كان ينبغي له أن يمسح موضع الأظفار والحف والشارب بالماء قبل أن يصلي.
مسألة: قال أبو المؤثر: إن من كان في ثوبه نجاسة من دم أو غيره ثم أدخلها الماء الجاري فغسلها في وسطه وهو متوضئ لم ينتقض وضوؤه إلا أن يلصق بيده.
مسألة: قلت: فما تقول في رجل قص أظفاره فألحم في قصه وأوجعه، هل يكون ما قصه وأوجعه، هل يكون ما قصه على ذلك من بدنه إذا زايل البدن نجسا بمنزلة الميتة أم لا؟ قال: أما الظفر فلا أعلمه مما قيل فيه ذلك، وأما ما كان من الجلد الحي واللحم فمعي أنه يلحقه معنى ذلك، قلت له: فلو انقلع الظفر كله وهو حي أيكون طاهرا إلا ما لحقه من اللحم؟ قال: هكذا عندي والظفر الحي عند كالشعر الحي.
مسألة: ومن شرح جامع ابن جعفر: ومن نزع شعرة أو جلدة أو ظفرا من حدود الوضوء فيبل ذلك بالماء وليس عليه إعادة الوضوء، فإن لم يفعل ولم يبله فلا أرى عليه نقضا، قال أبو محمد: هذا يوجد لأصحابنا جوازه وهو ما لم يحدث مع خروجه دم، كالشعرة والشعرتين أو الشيء اليسير أو الجلدة الميتة والأظافر ولي فيه نظر وبالله التوفيق. (8/184)
صفحة 2532
وأما قوله: وعن أبي زياد قال: كتب إليّ موسى، سألت له عمن توضأ ثم أخذ له من شعره ونسي أن يمسحه بالماء حتى صلى أنه يعيد الصلاة وأنا شاك أنه يعيد الصلاة والوضوء أو يعيد الصلاة ويمسح ما أخذ له من شعره، فهذا غلط من قوله لأنه قد حصلت له الطهارة قبل أن يؤخذ شعره، وأخذ الشعر ليس بحدث ينقض الطهارة ولا الصلاة والله أعلم.
وأما قوله: وأنا أحب ألا يكون عليه في هذا نقض صلاة ولا وضوء لأنه قد مسح بلا مخالفة مني لأهل الرأي، فهو كما قال، وقد دخل جواب هذا في جواب المسألة الأولى.
مسألة من الزيادة المضافة: من الأثر: وعن رجل كان وضيئا فأخرج جلدة من يده أو رجله بضروسه، هل ينتقض وضوؤه؟ فإذا كانت الجلدة ميتة فقد قال من قال من الفقهاء: لا ينتقض وضوؤه ويبل مكانها بالماء، وإن كانت حية وهي رطبة ومسها بيده انتقض وضوؤه، وإن كانت يابسة فيبل مكانها ولا ينتقض وضوؤه.
ومن غيره: قال: وقد قيل إن الجلدة الحية من البدن بمنزلة الميتة فإذا مسها انتقض وضوؤه، كانت رطبة أو يابسة، وقال من قال: حتى تكون رطبة.
مسألة: قال أبو مروان: من قطع شيئا من أظفاره بضروسه وهو متوضئ فقد انتقض وضوؤه، ومن قلمها بالمقص وأخذ شاربه وهو على وضوء غسل موضع الأظفار والشارب ولا ينتقض وضوؤه.
ومن غيره: قال: نعم، وقد قيل إن قطع ذلك بأضراسه أو بمقص فلا نقض عليه وعليه أن يبل موضع ذلك، وقال من قال: يغسله، وقال من قال: يستحب له أن يبله وليس بواجب بماء أو بريق إن لم يجد ماء.
قال غيره: وقد قيل: لا بلل عليه في ذلك. (8/185)
صفحة 2533
الباب الثاني والأربعون
في نقض الوضوء بالكلام السيء والإثم
من الزيادة المضافة من كتاب الضياء
وقال من قال: إنما ينقض الطهارة أشياء معروفة مثل الكذب والسرقة والنظر إلى ما لا يحل، فأما ما يكون من المعاصي بعد طهره فإنه لا ينقض طهره، وكان ينبغي على القول الأول أن كل معصية تنقض الوضوء ولكن لم يقولوا كذلك.
مسألة: ومن لعن عبده فالذي لا يجيز ذلك يلزمه نقض الوضوء، وإن لعن نفسه أو قبح وجهه فعليه التوبة لا غير حتى يحلف به.
مسألة: ومن دعا محمدا محمودا أو سعيدا سعيدوه أو لقبه باسم لا يغضب منه وكان ذلك تعريفا له وبه يجيب فلا نقض على وضوئه، ومن قال لرجل، هذا إبليس انتقض وضوؤه، وإن قال له: هذا شيطان أو من الشياطين وكان الرجل من المترفين المتمردين لم ينتقض وضوؤه لأن الله تعالى يقول: {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} (الأنعام:112).
مسألة: ومن قال امرأته كأنها الشمس، أو قال لشاة سمينة كأنها الزبد، أو قال لامرأته كأنها الجدار فقيل له لا بالشمس.
قال المضيف: لعله أراد لا بأس بالشمس والشاة، وكره تشبه المرأة بالجدار.
مسألة: وعن أبي المؤثر: ومن قال هناك من الجراد قارعة أو وقعة لم نر عليه نقضا، ومن قال: إن هاجت الريح على هذا السماد ذهبت به كله، أو قال لرجل حمارك هذا بغل أو نحو هذا، أو يقول ذرة كالحمص أو شعير كالبر، ومثله نحب له أن يتوضأ حتى يكون ذلك كذلك. (8/186)
صفحة 2534
مسألة: ومن قال: لقيت الناس كلهم وأبصرت من الناس ما لا يحصى فإنه لا يكون كذبا، وكذلك لو أن رجلا أراد بيع سلعة فقال: لا أبيعها إلا بعشرة فباعها بأقل لم يكن كذبا، ومن أومأ إليه ليتقدم بالناس في الصلاة فامتنع وقال: لا أفعل ثم فعل فلا يكون هذا كذبا، وقد فعل ذلك أبو محمد فيما يوجد عنه.
مسألة: ولو أن رجلا قال: هدمت وضوئي أو صلاتي لم ينقض ذلك عليه، ومن قال: غدا يجيء الغيث أو السمك أو كذا وكذا ولم يستثن انتقض وضوؤه إذا حكم على غيب.
مسألة: ومن ضرب مثلا فقال: ما فلان إلا بحر أو برق فلا نقض عليه لأن هذا من المجاز إلا أن يكون أراد بذلك شتما له أو استنقاصا به.
مسألة: ومن حدث بحديث لم يضبطه فزاد فيه ونقص فلا ينتقص وضوؤه إذا زاد أو أنقص مخطئا وأتى بالمعنى إلا أن يتعمّد الزيادة، فذلك كذب، والكذب ينقض الوضوء، والكذب المتعمد عليه هو أن يتعمّد على قول يتقوله من تلقاء نفسه ولم يكن فهذا هو الكذب، ومن قص خبرا على أنه معه صدق فبان له أنه كذب فلا نقض في وضوئه.
مسألة: وإذا توضأ المنافق ونوى بوضوئه لصلاتين فصلى الأولى ثم سكت ولم يتكلم إلى حضور الصلاة الثانية فوضوؤه ثابت وجائز له به الصلاة، فإن تكلم فلا يؤتمن على كلامه لأن المنافق متى تكلم انتقض وضوؤه، وقيل عن أبي قحطان أنه كان يتوضأ لكل صلاة ولا يؤتمن المنافق على وضوئه للصلاتين، وقال أبو محمد: إذا نوى بوضوئه الصلاتين وحفظه وغض بصره وأمسك لسانه ولزم موضعه أو طريقه ما أبلغ إلى وضوئه بفساد والله أعلم.
مسألة: ومن أنشد شعرا من قول غيره لم ينتقض وضوؤه إلا أن يشتم به أحدا من المسلمين، وإن كان فيه إفراط في الذم والمدح أو شيء من الكذب لأنه هو لم يفتر ذلك وإنما افتراه غيره، وإن كان شعرا من قوله وكان منه كذب انتقض وضوؤه، ومن قرأ الشعر والحديث الجاهلي والفخر والهجاء فلا بأس عليه في ذلك والله أعلم.
مسألة: ومن قال لغير أمه يا أمه أو لغير ابنه يا بني فعن أبي معاوية أنه كره ذلك، وأنا أحب هذا القول لقول الله تعالى: {مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} (المجادلة:2)، فنفى عز وجل أن تكون أمه. (8/187)
صفحة 2535
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأنس: يا بني، فإن صح الخبر فهو حجة في إجازة ذلك.
قال المضيف: ونفسي إلى القول الثاني أميل من طريق المجاز والاستعارة، وقد يوجد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تبني زيد ابن حارثة، والفعل أشد من القول لو ضاق ذلك ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا أقوى حجة من الأول إذ محتمل في الآية نفي الحقيقة وإطلاق المجاز والله أعلم. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (8/188)
صفحة 2536
[صفحة بيضاء] (8/189)
صفحة 2537
الباب الثالث والأربعون
في نقض الوضوء بالكلام القبيح
وزعم أنه كل شيء قبح من الكلام فهو ينقض الوضوء، قلت: فإن لم يرد به شتم أحد؟ قال: إذا ذكر شيئا من العورات باسمه وأشباه ذلك، قال غيره: يخرج معنا في تأويل قوله أنه أراد بمعنى الخبيث من الكلام من ذكر الفروج بأقبح أسمائها وما يخرج منها، والخبيث من الكلام أنه ينقض الوضوء ولو لم يشتم أحدا ولم يرد به شتما، وقد يخرج معنا هذا في بعض ما قيل، وقد مضى ذلك ذلك، ومن جواب العلاء بن أبي حذيفة إلى هاشم ابن الجهم، وسألت عما ينقض الوضوء من ذكر العورة، فقد قال الناس ذكر الدبر على السين وما يخرج من هنالك، وقال قائلون: حتى يقصد بذلك إلى الشتم.
قال غيره: معي أنه قد مضى معاني القول في هذا وإنما أحببنا ذكر هذا مرفوعا في مواضعه مذكورا بمعانيه، ومعنا أنه خارج على معاني قول أصحابنا كلها، فقد قيل وأشباهه ويخرج معنا في قبح هذا كله من أسماء الفروج وما يخرج منها بأقبح ذلك أنه مفسد بمعنى ذكره، ويخرج أنه لا يفسد الوضوء بمعاني ذكره حتى يراد به الشتم أو يخرج معناه شتما في اللفظ.
قال المضيف: وبذلك كان يقول أبو علي فيما وجدت عن عمر بن محمد، ويخرج في بعض معاني قولهم أنه إذا خرج شتما أو شتم به ولو كان بأحسن أسمائه أنه يفسد الوضوء.
مسألة: وعن الكذب هل ينقض الطهور؟ قال: هو أشد من الريح التي تخرج وعليه الوضوء. (8/190)
صفحة 2538
وزعم ابن المعلى أن الربيع قال: يفطر الصائم إذا بهت أخاه المسلم وينقض الوضوء، وكذلك إذا اعتمد على الكذب وزعم أنه كل شيء خبث من الكلام فهو ينقض الوضوء، قلت: فإن لم يرد به شتم أحد إذا ذكر شيئا من العورات باسمه وأشباه ذلك.
مسألة من الأثر: وزعم أبو الوليد هاشم أنه سأل موسى عن ذكر البول فقال: كل شيء ذكرت منه فتوضأ منه.
وقال غيره: وقد قيل إن ذكر البول لا ينقض الوضوء إلا أن يشتم به أحدا فإنه ينقض، قال: حدثني محمد ابن عمر بن خالد وكان صالحا فيما علمنا أنه سأل موسى عن ذكر النيك أينقض الوضوء؟ قال: فقال: لا، قال غيره: معنا أن ذكر النيك من أقبح أسماء الجماع وينقض الوضوء، وذكر قبيصة بن بهار أنه قال: سألت محمد بن عبد الله بن جساس عمن ذكر الخبث باسمه قال: لا ينقض حتى يذكر عذرة رجل باسمه.
قال المضيف: كل قول المسلمين صواب غير أن الذي يعجبني أنه لا ينقض الوضوء نفسه إلا لمعنى يريده المتكلم مما يكره له أو يضيق عليه، إذ لو كان ينقض بنفس الاسم بغير معنى لا ينقض وضوء من مر به في المسائل وتكلم به إذ كان بنفس الاسم ينقض والله أعلم. (8/191)
صفحة 2539
الباب الرابع والأربعون
فيما ينقض الوضوء بالكلام والضحك من كتاب الأشراف
أجمع أهل العلم أن الضحك في غير الصلاة لا ينقض الطهارة ولا يوجب وضوءاً، وأجمعوا على أن الضحك في الصلاة ينقض الوضوء.
قال أبو سعيد: هذا يخرج عندي على قول أصحابنا في هذين الشيئين.
ومنه: واختلفوا في نقض طهارة من ضحك؛ فقالت طائفة على من ضحك في الصلاة الوضوء، روي ذلك عن الحسن البصري والنخعي، وبه قال الثوري وأصحاب الرأي، وقالت طائفة: لا وضوء على من ضحك في الصلاة، كذلك قال عطاء بن أبي رباح والزهري وعروة بن الزبير ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وكذلك قال الأوزاعي آخر قوليه، وقال ذلك جابر بن عبد الله وأبو موسى الأشعري، وكذلك نقول لأنا لا نعلم مع من أوجب الوضوء على الضاحك في الصلاة حجة وخبر أتى عليه مرسل، والقذف في الصلاة عند من خالفنا لا يوجب وضوءاً، والضحك أولى بأن يوجب الوضوء.
قال أبو سعيد: الضحك في قول أصحابنا على وجهين منه التبسم وهو ناقض للصلاة في قولهم ولا ينقض الوضوء بمعاني الاتفاق من قولهم معي، وأما القهقهة من الضحك فيخرج في معاني الاتفاق من قولهم أنه ناقض للوضوء والصلاة، وقد جاء ما يشبهه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن على الضاحك القهقهة في الصلاة نقض الوضوء والصلاة والضحك في الصلاة مزايل لمعنى الصلاة.
ومنه: وأجمع من يحفظ عنه من علماء الأمصار على أن القذف وقول الزور والكذب والغيبة لا يوجب طهارة ولا ينقض وضوءا، وممن هذا مذهبه المدني (8/192)
صفحة 2540
والكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق، وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء في الكلام الخبيث، وكذلك عندنا استحباب ممن أمر به لأننا لا نعلم حجة توجب من يسيء الكلام وضوءا بل ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حلف باللات فليقل لا إله إلا الله»، ولم يأمر في ذلك بوضوء.
قال أبو سعيد: أما الكذب المتعمّد عليه ما لم يحل بذلك إلى الشرك بالله فيخرج في معاني قول أصحابنا الاختلاف بنقض الطهارة، والعجب من ذلك كيف افترق معناهما، فإذا ثبت ذلك بالغيبة بالاتفاق فالكذب مثله.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يشبه نقض الوضوء بالغيبة ونقض الطهارة أقرب من نقض الصوم بمعنى ذلك، والكذب مثل الغيبة، وما أشبه ذلك من كلام الكفر على العمد من جميع ما يكفر ويكفر كفر النعمة لا كفر شرك فهو خارج معي على معنى هذا.
ومن غير الكتاب: وعن سعيد بن محرز فيمن يكشر في الصلاة فإنه تنتقض صلاته، ومن قهقه انتقض وضوؤه وصلاته، قلت له وما القهقهة؟ قال: إذا علا الصوت واهتز البدن وسألت أبا سعيد -رحمه الله- عن القلب إذا تحرك بالضحك في الصلاة ولم يبتسم المصلي ولم يقهقه.
قال معي: إن بعضا يقول: إذا تحرك القلب الضحك هو من الضحك، قلت له: فعلى قوله هذا يفسد الصلاة والوضوء أم الصلاة وحدها؟ قال: معي أنه يقول من القهقهة لأنه حركة في حسب ما يذهب إليه ورأيته يومئ أن بعضا يقول: إن حركة القلب ليس بشيء حتى يقهقه هو أو يبتسم وعرفته، قال: هكذا معي أن بعضا يذهب إلى هذا.
مسألة: وحفظ محمد بن جعفر عن عمر بن محمد عن أبي علي أنه إن ضحك المصلي في صلاته ما دون القهقهة وكشر الأسنان فلا نقض عليه في صلاته ولا وضوء.
ومن غيره: وعمن يعنيه ضحك في الصلاة فسد فاه سدا شديدا من شدة الضحك حتى لا يبرز من أضراسه شيء فلا نقض عليه في صلاته.
وعن رجل عرض له في الصلاة ضحك فأمسك عن الصلاة وبقي لا يضحك (8/193)
صفحة 2541
ولا يصلي حتى يذهب الضحك ثم مضى في صلاته ولم يضحك ولم يبتسم أنه لا بأس عليه ما لم يضحك أو يبتسم، قلت: فإن بقي ممسكا في الصلاة واقفا فيها، فقال: لا بأس عليه.
ومن غيره: وحدثنا عن أبي عثمان أنه قال: من كذب وهو متوضئ فليستغفر ربه ويصلي.
قال غيره: وقد قيل عليه الوضوء.
مسألة من الزيادة المضافة: وقال الشيخ أبو محمد -رحمه الله- وقال: لا يجوز لرجل أن يلعن عبيده ولا يقبحهم ولو كان يلحقهم اسم الفسق وعليه نقض الوضوء على بعض القول، قال: لأنه إن لعنهم فكأنه يقول: (اللهم أبعدهم من الخير) وهذا معنى اللعن، وإذا قبحهم فكأنه يقول: (اللهم شوه بخلقهم) ولا يجوز له أن يسأل ربه أن ينقض ما له والله أعلم (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (8/194)
صفحة 2542
[صفحة بيضاء] (8/195)
صفحة 2543
الباب الخامس والأربعون
فيما ينقض الوضوء والصلاة من بكاء أو ضحك أو قي
أو رعاف أو نظر وجه امرأة أو ما أشبه هذا مما يكون
معنى الوجه من فم أو عين أو منخر
ذكر أبو صالح أن المنازل بن جيفر قال في الرجل يشرب الماء فيجده يطلع إلى فيه فلا ينقض عليه وضوءه إذا طلع من حينه، قال أبو المؤثر: ما خالط الجوف فهو مفسد، وما لم يصل إلى الجوف وإنما هو مرتفع في الصدر إلى الحلق فلا يفسد.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: والقهقهة في الصلاة تنقضها وينقض الطهارة تعظيما لشأن الصلاة، ولا تنقض الطهارة في غير الصلاة، ولا يذكر مثل هذا في الشرع، ولا نحب أن يقاس على غيرها، وهي سنة على حيالها ولكن إن وجدت حادثة في معناها جاز أن يقاس عليها، ألا ترى أن النوم مضطجعا ينقض الطهارة، والنوم في حال القعود لا ينقضها، ولو نام إنسان على وجهه في السجود انتقضت طهارته إذ لم يكن في الصلاة، ولو كان نومه في حال السجود للصلاة لم تنتقض طهارته، ومثل هذا في الشرع لا ينكر.
مسألة: ومن غير الكتاب والإمساك عن الضحك في الصلاة مفارق للضحك.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ: عن أبي الحسن: وعمن ضرب مثلا فقال: ما فلان إلاّ بحر أو قال برق أينتقض وضوؤه أم لا؟ قال: هذا من (8/196)
صفحة 2544
المجاز إلا أن يريد بذلك شتما له واستنقاصا له.
مسألة: وسئل أظن الربيع عن الكذب الفاحش والخيانة والحلف على الكذب، فقال الربيع: سألت عن ذلك مجاهدا فقال: قال ابن عباس: الحدث حدثان حدث من فيك وحدث من أسفل منك.
ومن غيره: ويوجد أن أبا عبيدة كان في الصلاة فسمع من رجل ما يوجب الضحك فأمسك على شفتيه بيده لكيلا يكشط، وذلك أنه لما ازدحم الناس في مسجد البصرة دفع الناس بعضهم بعضا فقال قائل: إن دمنا على هذا وقعنا في البحر، أو قال: وقعنا في الماء كما قال، فسمع ذلك أبو عبيدة جاءه الضحك فأمسك على شفتيه بيده وهو في الصلاة ومضى على صلاته.
سمعت أبا المؤثر يحدث بذلك، فإذا كان على هذا، فإذا سفر الوجه وتحرك القلب واللحى لم تنتقض صلاته والله أعلم.
مسألة: وحفظ محمد بن جعفر عن عمر بن محمد عن موسى بن علي أن من ضحك وقهقه في صلاته انتقض وضوؤه وصلاته، ومن ضحك حتى يكشر عن أسنانه انتقضت صلاته ولا ينتقض وضوؤه، ومن ضحك ما دون هذه القهقهة وهذا الكشر الذي وصفنا لم ينقض ذلك وضوءه ولا صلاته، ومن غيره عن أبي المؤثر فيما أحسب وقال: إن أبا عبيدة -رحمه الله- كان في الصلاة فسمع من رجل كلاما فوجد الضحك أبو عبيدة فأمسك على شفتيه بيده لكيلا يكشر وهو في الصلاة، وذلك أنه لما ازدحم الناس في مسجد البصرة دفع الناس بعضهم بعضا، فقال قائل: إن دمنا على هذا وقعنا في البحر، أو قال: وقعنا في الماء، أو كما قال، فلما سمع ذلك أبو عبيدة جاءه الضحك فأمسك على شفتيه بيده وهو في الصلاة ومضى على صلاته، سمعت أبا المؤثر يحدث بذلك فإذا كان على هذا، فلو أسفر الوجه وتحرك القلب واللحى لم تنتقض صلاته حتى تبدو أسنانه.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: والقهقهة في الصلاة تنقض الطهارة والصلاة جميعا لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق إبراهيم النخعي وكان يفتي بذلك، وكذلك روى الحسن وأبو العالية، وروي عن محمد بن سيرين أنه قال: كنا صبيانا إذا ضحكنا في الصلاة نؤمر بإعادة الطهارة والصلاة، ومعلوم أن الأمر بذلك كان في أيام الصحابة، وكان ذلك ظاهرا فيما بينهم، ولم يفت هؤلاء الرواة بروايتهم إلا بعد ثبوتها (8/197)
صفحة 2545
عندهم والرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي العالية أنه قال: أمرنا بإعادة الصلاة والطهارة من القهقهة في الصلاة، والقصة في ذلك مشهورة، وهي أن أعمى جاء يريد الصلاة وبادر إلى الجماعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس في الصلاة معه، فتردى في بئر، فضحك بعضهم، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة الطهارة والصلاة على من قهقه.
وحدثنا محمد بن علي الداودي عن ابن الأعرابي أحمد بن زياد عن محمد بن عيسى المدائني عن الحسن بن قتيبة عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري عن عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قهقه في الصلاة أعاد الطهارة والصلاة».
ومن الكتاب: أجمع أصحابنا فيما تناهى إلينا عنهم أن القهقهة في الصلاة تقطعها وتفسد الطهارة، واختلفوا في القيء والرعاف في الصلاة وقال بعضهم: ينقض الطهارة ولا يقطع الصلاة، والذي عندي أنه حدث أنه ينقض الطهارة ويقطع الصلاة كالقهقهة المتفق عليه، قال مالك: إن القهقهة لا تنقض الطهارة ولا الصلاة، وكذلك قوله في الرعاف لأن من أصله أن قطع الصلاة والطهارة لا يكون إلا من حدث متفق عليه ثم ناقض، فقال: إذا دخل المتيمم في الصلاة ثم وجد الماء انتقضت طهارته ولا تثبت الصلاة بغير طهارة، وهذا ليس بحدث مجتمع عليه، وله قول آخر يضادّ هذا القول وهو أن المتطهر بالتيمم إذا تمت صلاته انتقضت طهارته، وهذا ليس بحدث عليه وإن كان حدثا، وعاب أبو حنيفة على مالك إذ جوز الصلاة مع زوال الطهارة، وقال: إن الصلاة لا تثبت مع زوال الطهارة، وهو لا يثبت الصلاة مع زوال الطهارة بالرعاف، يقول: ينصرف فيتوضأ ويرجع يبني على ما قد صلى فدخل فيما عاب على غيره، وقد كان ينبغي أن يمضي على أصله ويوجب قطع الصلاة لأن الحدث عنده يوجب قطع الصلاة كما قال في القهقهة، ورؤية الماء في الصلاة لمن كان متيمما، وعاب على مالك وعند مالك أن الرعاف ليس بحدث يقطع الصلاة فكان بالعيب أولى والله نسأله الهداية والتوفيق.
ويلزم أبا حنيفة ومن قال بقوله أن يجيز التيمم إذا انتقضت طهارته لوجود الماء وهو في الصلاة أن يخرج ويتوضأ، ويبني كما زعم أن الذي زالت طهارته بالحدث في الصلاة يخرج ويتوضأ لا سيما وهو رجل يقول بالقياس فتارة يزعم أن خروجه من الصلاة بغير حدث يفسد الطهارة، وتارة يقول خروجه منها بحدث لا يفسد الصلاة. (8/198)
صفحة 2546
وقال الشافعي: ورؤية الماء قبل الدخول في الصلاة تنقض طهارة المتيمم ورؤية الماء بعد الدخول في الصلاة لا ينقض الطهارة ولا الصلاة وعنده أن رؤية الماء في غير الصلاة حدث ينقض الطهارة، فإن كان رؤية الماء حدثا ينقض الطهارة قبل الصلاة فَلِم لا يكن هذا الحدث ينقض الطهارة في الصلاة وهو حدث واحد.
ومن غير الكتاب: وعن رجل خاف على نفسه الضحك في صلاته فسلّم في غير موضع التسليم ليسلم له وضوؤه إذا فسدت صلاته بالضحك وضحك، فقال أبو عبد الله -رحمه الله-: أخاف أن يفسد وضوؤه مع صلاته، قال أبو زياد: أرجو أن يسلم له وضوؤه مع أنه قد سلم متعمدا قبل أن يضحك (رجع) أبو عبد الله وقف عن نقض وضوئه.
مسألة: ومن قهقه بالضحك في الصلاة انتقض وضوؤه وصلاته، وحفظ لنا الثقة عن أبي علي موسى بن علي -رحمه الله- أن القهقهة هي التي يتحرك منها القلب والبدن في الصلاة، وقال بعض الفقهاء: إن قهقه قبل أن يحرم في الصلاة أو بعد ما قضى التحيات الآخرة فلا نقض على وضوئه ولا صلاته.
مسألة: سألت أبا سعيد عمن سمى ذكر الرجل بالزاي والباء وهو متوضئ هل ينتقض وضوؤه؟ قال: معي أن عليه النقض، قلت: فهل يحلقه الاختلاف أنه لا نقض عليه، قال: أما شيء منصوص فيه بعينه فلا أعلم ذلك، وأما ما في جملة ما قالوا فيه من الاختلاف وقول من قال: إن الكذب والمعاصي لا ينقض الوضوء، فمعي أنه مثله يلحقه الاختلاف في الجملة على هذا، ولا يبعد عندي من ذلك. (8/199)
صفحة 2547
الباب السادس والأربعون
فيما ينقض الوضوء من النعاس
وما يؤلمه من بدنه
قال أبو المؤثر: فقد اختلف الفقهاء في الناعس وهو جالس أو متكئ، فقال محمود بن نصر: إذا استوْسنَ ناعساً وهو جالس فقد انتقض وضوؤه، وقال غيره: لا ينقض وضوؤه إلا أن يكون متكئاً مسترخياً، وقال آخرون: لا ينتقض وضوؤه ولو نعس حتى يكون رأسه على وسادة على الأرض، وقد ذكر لنا في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعس وهو جالس حتى غط أي تحرثم انتبه فقال له بعض أزواجه: يا نبي الله إنك نعست حتى غططت وأنت متكئ، فقال: «إن النائم ما لم يكن جنبه على الأرض فهو يعقل بما يحدث على الأرض ثم صلى بوضوئه»، وبهذا القول نأخذ إذا نعس الناعس وجنبه على الأرض متوضئ فعليه أن يعيد الوضوء، ولا أنظر في رأسه كما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة: قلت له: فرجل توضأ ثم أصابه شيء مما يؤلمه ولا يدميه مثل جدار يصدمه أو خشبة تصدعه هل ينتقض وضوؤه؟ قال: لا أعلم أن هذا ينقض بمعنى الألم.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: والنوم من الاضطجاع ينقض الطهارة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الوضوء على من نام مضطجعا»، كما روي عن ابن عباس عنه - صلى الله عليه وسلم -، وكان أبو موسى الأشعري لا يرى النوم ينقض الطهارة على كل حال، ومن طريق ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد فنام حتى غط فنفخ فصلى، فقلت يا رسول الله قد نمت، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الوضوء على من نام مضطجعا»، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العينان وكاء (8/200)
صفحة 2548
السه»، والوكاء هو الخيط الذي يشد به رأس القارورة، فجعل - صلى الله عليه وسلم - العينين وكاء الدبر من طريق المجاز، لأن السه في اللغة هو حلقة الدبر على ما يرى العرب، وسمي أصل كل شيء اسّه.
ومنه: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوكاء والعقاص قال في اللقطة: «فليعرف عقاصها ووكاءها» يريد بذلك الخيط، والعقاص والوعاء فجرى هذا المعنى من النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم الذي ينقض الطهارة منه في معنى قول الله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما حرم أكلها» فصار المحرم منها مخصوصاً، كذلك النوم الذي ينقض الطهارة منه مخصوص بالاضطجاع والله أعلم.
ومن الكتاب: قال أكثر أصحابنا: من نام متكئاً وزالت مقعدته عن موضع استواء جلوسه انتقضت طهارته، وقال بعض من لا عمل على قوله منهم أن طهارته لا تنتقض حتى يضع جنبه نائما، وهذا القول من قلة استعمالهم له عندي أنظر لأن السنة تشهد بصحته لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتكأ نائماً حتى نفخ فقام وصلى فقيل له: إنك نعست، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «تنام عيني ولا ينام قلبي»، ولم يعد الطهارة، فقال: من ذهب إلى نقض طهارة من نعس متكئاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس كغيره لقوله عليه السلام: «تنام عيني ولا ينام قلبي»، يقال لهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - مستو هو وغيره في حكم البشرية إلا فيما أخبرنا أنه مخصوص به، وكيف وقد نام حتى طلعت الشمس عليه، ولو لم ينم قلبه لم يؤخر الصلاة عن وقتها حتى يذهب وقتها ويصليها في غير وقتها هو وأصحابه والله أعلم بتأويل هذا الخبر الذي يعتمدون عليه.
ومن الكتاب: ألا ترى أن النوم مضطجعاً ينقض الطهارة والنوم في حال القعود لا ينقضها، ولو نام إنسان على وجهه في السجود انتقضت طهارته إذا لم يكن في الصلاة، ولو كان نومه في حال السجود لم تنتقض طهارته، ومثل هذا في الشرع لا ينكر.
ومن الكتاب: وفي الرواية عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينام متكئاً حتى ينفخ ثم يقوم يصلي، فقلت: يا رسول الله إنك قد نمت، فقال: «إنما تنتقض طهارة من نام مضطجعا»، فهذا يحتمل أن يكون في كل حال صلاة أو غيرها.
مسألة: من الزيادة المضافة: وعن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا نام العبد في السجود باهى الله تعالى به الملائكة». (8/201)
صفحة 2549
الباب السابع والأربعون
في الاستجمار
ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بالاجتمار، والاجتمار إزالة النجو بالحجارة الصغار أيضاً، وتسمى حصى أو تسمى جمار مكة حصى لصغرها، ألا ترى إلى قول الشاعر:
هي الشمس إلا أنها تسحر الفتى
رمت بالحصى يوم الجمار فليته ... ولم أر شمساً قبلها تحسن السحرا
بعيني وأن الله صيّره جمرا
ويقال للمستنجي بالحجارة استطاب الرجل، ومنه قيل استطاب فهو مستطيب إذا استنجى يريد بذلك أنه طيب نفسه بإزالة الأذى عنها، وإذا وجد الإنسان الماء لم يكن له استعمال غيره لأن فيه غاية الاستطابة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد بالاستنجاء الاستطابة، وبالماء أبلغ الاستطابة والتنظيف، وسواء تعدى النجو المخرج أو لم يتعده لعموم اللفظ، والقائل أن الاستنجاء بالحجارة أو غيره للمتغوط الذي تعدى الغائط مخرجه محتاج إلى دليل، فإن قال قائل: لم قلتم إن استعمال الماء عند وجوده لا ينفي غيره، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحجارة وأجاز الاستنجاء بها؟ قيل له: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك وأراد الطهارة، ألا ترى أن الشافعي أجاز الاستنجاء بحجر واحد إذا كان له ثلاثة أحرف مع روايته للأعداد ثلاثة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقامه مقام ثلاثة أحجار وعدل عن المنصوص، وكذلك قال داود أنه يكفي المستنجي بما ينقيه ولم يخص بالذكر حجراً من غيره ولم يذكر عدداً ولا حجراً يوصف ولا غيره، وقال: ولو نقَّى بحجر واحد أجزأه، وكذلك قال: لو عدل عن الحجارة إلى الخزف أو الخزف أو (8/202)
صفحة 2550
الكتاب: بيان الشرع
المؤلف: محمد بن إبراهيم الكندي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر للأجزاء 1 - 17: 1402 - 1405هـ / 1982 - 1985م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) الخشب أن ذلك يجزيه، وقال أبو حنيفة: عليه أن يزيل ما عدا المخرج، فإجماعهم يدل على أن المراد التنظيف.
وبعد فقد أجمع مخالفونا على تصويبنا باستعمال الماء ولم نوافق أحداً منهم إذا عدل عن الماء بالحجارة إجازة ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خيّرهم في أي هذه الطهارات شاءوا فعلوا، وقد أمر الله تعالى باجتناب الخبائث وأوجب إزالة النجاسات عن الأبدان والثياب للصلاة ولأن لا يقربه المخاطب بها إلا بعد طهارة، فالواجب على المتعبد إزالتها، وقد عرضنا أن الماء الطهور يعني مطهراً فهو مطهر لنا لقول الله جل ذكره: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} (الفرقان:48)، وقوله: {لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} (الأنفال:11)، وعلى من ادعى إجازة غيره إقامة الدليل.
ومن الكتاب: وفي الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا استنجمرت فأوتر»، وقد استجمر بثلاثة أحجار في رواية ابن مسعود.
وغيره: فأما الشافعي فجوز الاستجمار بحجر واحد إذا كان له ثلاثة أحرف، فزعم أنه قد استعمل المعنى من العدد وأتى بالاسم فكان يجزينا بثلاث مدرات أو ثلاثة أحجار، وأما أنتم فما يسعكم إلا الغسل لأنا كنا من قلة الطعام نبعر كما يبعر البعير وأنتم تثلطون ثلط البعير (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (8/203)
صفحة 2551
الباب الثامن والأربعون
في المتوضئ إذا كان فيه جرح أو كسر أو جدري
وعن رجل طلى جرحه بطلاء فأراد الوضوء، قال: يغسل الطلاء ثم يتوضأ إلا أن يكون جرحاً يخاف عليه، وقال محمد بن هاشم عن أبيه: أما الجرح بعينه فلا يغسل ولكن يغسل ما حوله.
مسألة: من كتاب شرح جامع ابن جعفر: ومن قطعت يده أو غيرها من جوارح الوضوء فإن بقي من تلك الجارحة شيء من حدود الوضوء غسله وإلا فإنما عليه ما بقي من جوارح الوضوء، قال أبو محمد: كما قال لأنه غير مأمور بتطهير ما لا يصل إليه وما أعدم منه، وأما قوله: ومن كان في جارحة من حدود وضوئه جرح أو كسر عليه جبائر ويخاف إن مسه الماء أن يزداد عليه فليس عليه أن يمسه الماء ويوضئ بقية الجارحة ويجري الماء حوله، وإن استفرغ تلك الجارحة توضأ لبقية جوارح الوضوء وتيمم أيضاً فالذي ذكر من سقوط فرض التطهر عما لا يقدر عليه إلا أن يعرض جرحه للازياد هو كما قال، ويغسل ما قدر عليه من بقية الجارحة فتفرقته بين الجارحة إذا استفرغها الجرح أو بقي منها ما يطهره، والنظر يوجب التسوية بينهما وتفرقته بين حكميهما لا وجه له عندي لأن العذر بالبعض كالعذر بالكل، بل العذر بالكل أولى لأنه مأمور بطهارة الأعضاء، ومنهي عن تطهيرها عند الخوف على نفسه من تطهيرها أو تطهير شيء منها لقول الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} (النساء:29)، كأنه قيل له تطهروا إذا كنتم على ذلك قادرين، فما عجز عن تطهيره كان بمنزلة من أعدم منه أو لم يؤمر بتطهيره، ويدل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا نيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، فما كان المأمور بتطهير الأعضاء قادرا عليه كان عليه فعله، وما عجز عنه كان بمنزلة من نهي عن (8/204)
صفحة 2552
فعله أو لم يؤمر بفعله فالملزم له بظاهر التيمم مع العذر ووجود الماء محتاج إلى دليل، وبالله التوفيق.
مسألة: وعن الكسر إذا كان في يد الرجل في موضع فجبر ولا يمكن أن يطلق الجبائر ويتوضأ، كيف يفعل؟ قال: يمسح من فوق الجبائر بالماء، فإن خاف أن يضره الماء مسح ما بقي من يده ولم يمسح الجبائر بالماء، وإن لم يبق من يده شيء توضأ ثم تيمم لتلك الجارحة التي لم يمسها الماء، وكذلك إن كان جرحاً في مواضع الوضوء لا يستطيع أن يمسه الماء أو عليه دواء، وكذلك يفعل كما وصفت، هذه المسألة أحسبها عن أبي الحواري.
مسألة: ومن جامع أبي محمد، وممن كان أقطع اليد أو ممتنعة لعدم كان الفرض عليه فيما بقي وسقط فرض ما عدم إذا امتنع بالعذر، ولا يجب عليه التيمم مع ذلك، وإن كان قد خالفنا فيه بعض أصحابنا، فأوجب المسح بالماء والتيمم بالصعيد في وقت واحد، فأوجب أحد الفرضين مع القدرة والوجود، وألزم مع العدم والعذر فرضين، فيجب أن ينظر في ذلك.
مسألة: عن أبي الحواري: وعن رجل في يده جرح في موضع الوضوء والماء يؤذيه فيجنبه الماء ولا يغسله، هل يجوز له ذلك؟ فنعم يجوز له ذلك إذا كان الماء يضره ويغسل ما حوله ولا يمسه الماء، وكذلك الجبائر فإذا كانت جارحةً تامةً لا يمكنه أن يغسلها كلها غسل سائرها من البدن والجوارح وتيمم بالصعيد لتلك الجارحة إذا كان جنبا، فإن لم يكن جنبا فكذلك يغسل سائر الجوارح ويتيمم لتلك الجارحة للوضوء.
مسألة: من الزيادة المضافة: واختلف في الولد ينجي والده أم لا؟ فمنهم من أجاز، وقال: لا ينظر عورته وينجيه بخرقة، ومنهم من قال يتيمم بالتراب.
مسألة: والمسح على الجبائر والعصابة على الجرح في الموضع يجزي، ولا إعادة على المصلي بهذا الوضوء، والدليل على ذلك ما روي أن عليا كسرت إحدى يديه يوم أحد فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بوضع الجبائر عليها والمسح فوقها ولم يأمر بإعادة الصلاة ولا بوضع الجبائر والعصابة على الطهارة (1.هـ).
قال المحقق: قد انتهى عرض هذا الجزء الثمين معروضا على ثلاث نسخ: (8/205)
صفحة 2553
الأولى بخط محمد بن سالم بن محمد ابن علي بن مسعود الوردي، فرغ منها سنة 1180هجرية.
الثانية بخط سليمان بن ماجد بن ناصر الحضرمي، فرغ منها 344/هـ.
الثالثة بخط ناصر بن عبد الله بن عامر بن ماجد ولد سعد امبوعلي، فرغ منها عام 1183هجرية والحمد لله رب العالمين.
وكتبه سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
15 محرم سنة 1404هـ
21/ 10/1983م (8/206)
صفحة 2554
كلمة المحقق
{بسم الله الرحمن الرحيم}
قد انتهى بعون الله وحسن توفيقه القيام بتحقيق الجزء الثامن من كتاب بيان الشرع، ويبحث هذا الجزء أحكام المياه والطاهر منها والنجس، والمستعمل وغير المستعمل، وما يصلح للوضوء والطهارة وما لا يصلح، وفي أحكام الوضوء وصفته وفضائله وسننه، وما ينقضه من قول وعمل وحدث وضحك، وفي الاستجمار، ومعاني ذلك والحمد لله رب العالمين، وذلك في اليوم الخامس عشر من شهر محرم سنة 1404هـ، الموافق 21/ 10/1983م.
سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي (8/207)
صفحة 2555
ترتيب الأبواب
الصفحة
الباب الأول: ... 5
في الأمواه
الباب الثاني: ... 11
في الماء المستعمل
الباب الثالث: ... 19
في الماء
الباب الرابع: ... 35
في الوضوء بالنبيذ والخل واللبن وما أشبه ذلك
الباب الخامس: ... 39
في شراء الماء
الباب السادس: ... 41
في تطهر الرجل بفضل المرأة وتطهر المرأة بفضل الرجل
الباب السابع: ... 43
في استنجاء الرجل والمرأة من الغائط والبول
الباب الثامن: ... 51
في المقرن والمسترسل للبول (8/208)
صفحة 2556
الباب التاسع: ... 53
فيمن كان معه ماء قليل لا يجزيه به لغسل نجاسته أو لغسل ثيابه ووضوئه
الباب العاشر: ... 57
في الوضوء
الباب الحادي عشر: ... 61
في النية للطهارة
الباب الثاني عشر: ... 67
في ترك ذكر اسم الله عند الوضوء
الباب الثالث عشر: ... 73
باب آخر في الوضوء
الباب الرابع عشر: ... 85
في البدء بالميامن في الوضوء
الباب الخامس عشر: ... 87
في غسل اليد عند الوضوء
الباب السادس عشر: ... 89
في فضائل تقال عند الوضوء
الباب السابع عشر: ... 91
في المضمضة والاستنشاق
الباب الثامن عشر: ... 95
في غسل الوجه عند الوضوء (8/209)
صفحة 2557
الباب التاسع عشر: ... 99
في غسل اليدين عند الوضوء
الباب العشرون: ... 103
في مسح الرأس في الوضوء
الباب الحادي والعشرون: ... 109
في مسح الأذنين
الباب الثاني والعشرون: ... 113
في وضوء الرجلين
الباب الثالث والعشرون: ... 119
فيمن يتوضأ عارياً
الباب الرابع والعشرون: ... 121
في الوضوء قائماً أو عارياً
الباب الخامس والعشرون: ... 127
في وضوء الشباك والصياد والحطاب وجناة الشوع والرعاة والراصدين
الباب السادس والعشرون: ... 129
فيمن أراد أن يصلي بوضوء ولم يعلم أنه انتقض أم لا
الباب السابع والعشرون: ... 131
في المتوضئ إذا شك أنه انتقض وضوؤه
الباب الثامن والعشرون: ... 135
فيمن نسي بعض وضوئه أو تشاغل أو ترك حتى جف وضوؤه (8/210)
صفحة 2558
الباب التاسع والعشرون: ... 137
فيمن نسي بعض وضوئه أو تركه
الباب الثلاثون: ... 141
فيمن توضأ وفيه نجاسة أو مسته نجاسة
الباب الحادي والثلاثون: ... 143
في المتوضئ إذا توضأ وفيه نجاسة أو مسته نجاسة
الباب الثاني والثلاثون: ... 153
فيما ينقض الطهارة من الفروج وما أشبهها
الباب الثالث والثلاثون: ... 155
فيما ينقض الوضوء من مس الدواب والبشر والأموات والأحياء
الباب الرابع والثلاثون: ... 157
فيما ينقض الوضوء من مس الفروج أو نظرها أو ذكرها وما يخرج منها
الباب الخامس والثلاثون: ... 167
في نقض الوضوء بالمأكولات وما مسته النار
الباب السادس والثلاثون: ... 169
في نقض الوضوء بما مست النار وغيرها
الباب السابع والثلاثون: ... 173
في نقض الوضوء بالدماء
الباب الثامن والثلاثون: ... 177
في نقض الوضوء بما يخرج من الجوف والفم (8/211)
صفحة 2559
الباب التاسع والثلاثون: ... 179
في نقض الوضوء بالأعمال ومس الأشياء.
الباب الأربعون: ... 183
في نقض الوضوء بما كان من أرواث الدواب
الباب الحادي والأربعون: ... 185
فيما ينقض الوضوء في إزالة الشعر والجلد والأظفار
الباب الثاني والأربعون: ... 187
في نقض الوضوء بالكلام السيء والإثم
الباب الثالث والأربعون: ... 191
في نقض الوضوء بالكلام القبيح
الباب الرابع والأربعون: ... 193
في نقض الوضوء بالكلام والضحك من كتاب (الأشراف)
الباب الخامس والأربعون: ... 197
في ينقض الوضوء والصلاة من بكاء أو ضحك أو قيء أو رعاف أو نظر
وجه امرأة أو غيرها مما يكون من معنى الوجه من فم أو عين أو منخر
الباب السادس والأربعون: ... 201
فيما ينقض الوضوء من النعاس وما يؤلمه من بدنه
الباب السابع والأربعون: ... 203
في الاستجمار
الباب الثامن والأربعون: ... 205
في المتوضئ إذا كان فيه جرح أو كسر أو جدري (8/212)
صفحة 2560
[صفحة بيضاء] (8/213)
صفحة 2561
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء التاسع
1404هـ/1984م (9/1)
صفحة 2562
[صفحة 2 بيضاء] (9/2)
صفحة 2563
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
- ترقيم الصفحات موافق للمطبوع -
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء التاسع
1404 - 1984م (9/3)
صفحة 2564
[صفحة 4 بيضاء] (9/4)
صفحة 2565
{بسم الله الرحمن الرحيم}
الباب الأول
في الغسل من الجنابة
ومما يوجد أنه من جواب أبي عبد الله رحمه الله
وعن رجل أجرى ذكره على فرج امرأته وهما نائمان من غير أن ينزل هل عليهما غسل؟ فإذا لم تغمض الحشفة في الفرج ولم يكن منهما إنزال النطفة فلا غسل عليهما، ومن أنزل النطفة منهما فعليه الغسل وإن لم تغمض الحشفة في الفرج، وقلت: كيف التقاء الختانين إذا أجرى عليه من خارج أم إذا ولج الرأس؟ فهو عند الفقهاء إذا أغمض الحشفة ففيه واجب الغسل ولم ينزل النطفة.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: اختلف أهل العلم فيمن جامع امرأته ولم ينزل فقالت طائفة: لا غسل عليه، وقال بعضهم: الماء من الماء، ممن روينا عنه علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس ورافع بن جريج وأبي أيوب الأنصاري، قال زيد بن حماد الجهمي: سألت خمسة من المهاجرين كلهم قالوا: الاغتسال من الماء، وروي ذلك عن عروة بن الزبير وأوجبت طائفة الاغتسال إذا جاوز الختان ولو لم ينزل ذلك.
وروينا عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وشريح والشعبي وعبيدة السلمي، وبه قال مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن تبعهم، ولا أعلم بين أهل العلم اختلافا، وبه نقول وذلك الثابت عن (9/5)
صفحة 2566
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا جلس بين شعبيها والتزق الختان بالختان فقد وجب الغسل».
وقال أبو سعيد: هذا القول عندي مما يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا عليه، ومعي أن ذلك القول الأول لا معنى له لثبوت الاغتسال بكتاب الله تبارك وتعالى بالملامسة ولثبوت الملامسة من الجماع الذي يجب له الحد في الزنا والعدة في الطلاق، وكثير من المعاني التي يجب بها حكم الجماع أنه بالتقاء الختانين ومغيب الحشفة، وكذلك يخرج عندي في معاني الاتفاق بين أصحابنا أنه إذا غابت الحشفة مجامعا في ذكر أو أنثى من قبل أو دبر الأنثى أن الغسل لازم للجميعين الناكح والمنكوح، وأحسب أنه يخرج كان خطأ أو عمدا، وكذلك مغيب الحشفة في فروج جميع الدواب مما معنا أنه يجب به منه الغسل ولو لم ينزل، ومعي أنه معاني ثبوت السنة تثبت في معنى من معاني قولهم في مثل هذا ومنه واختلفوا في الجنب يغسل فيحدث قبل أن يتم غسله فقال عطاء وعمرو بن دينار والثوري يتم غسله ويتوضأ وهذا سبيل مذهب الشافعي، وقال الحسن البصري: استئناف الغسل الأول أصح.
قال أبو سعيد: معي أن أكثر قول أصحابنا أن الأحداث لا تنقض طهارة الاغتسال من الجنابة وأنه إذا ثبت الغسل لشيء من الجوارح على أنه حال لا يلزم إعادتها من الحدث ولا غيره ولا يبعد عندي ما قال لمعنى قول من قال منهم أنه إذا غسل الجنب بعض جوارحه وانشغل عن تمام غسله حتى جف أن عليه الإعادة وإذا ثبت معنى هذا لهذا المعنى كان بالحدث أقرب عندي، ولعل الذي ذهب إلى هذا يشبه الغسل بالوضوء للمخاطبة به جملة والمخاطبة بالوضوء جملة.
ومن الكتاب: واختلفوا في الجنب يخرج منه المني بعد الغسل فروينا عن علي وابن عباس وعطاء أنهم قالوا: يتوضأ وبه قال الزهري ومالك والليث بن سعد والثوري وأحمد وإسحاق، وقال سعيد بن جبير: لا غسل إلا عن شهوة، وقال الحسن البصري والأوزاعي: إن كان بال قبل أن يغسل فلا إعادة عليه ويتوضأ، وإن كان لم يبل حتى اغتسل أعاد الغسل، وفيه قول ثالث وهو عليه أن يغتسل خرج منه ذلك قبل أن يبول أو بعد، هذا قول الشافعي، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا جميع ما قال أنه قيل إلا أنه لا يخرج على النص أنه إذا لم يكن بال واغتسل ثم خرج شيء بعد ذلك أنه لا غسل عليه، وعامة قولهم أنه إن لم يكن بال واغتسل ثم خرج منه بعد ذلك مني أن عليه الغسل إلا أن يعلم أنه نطفة ميتة، فإن (9/6)
صفحة 2567
قولهم يختلف فيمن خرج منه نطفة ميتة فمنهم من يقول عليه الغسل لأنها نطفة خارجة من معنى المذي والودي إلى شبه المني، ومنهم من أنه يقول لا غسل عليه في ذلك، ومعي أنه يختلف في قولهم إذا اغتسل ولم يبل ثم خرج منه مذي أو ودي ما دون المني فقيل عليه الغسل وقيل لا غسل عليه، إن في بعض قولهم إن لم يبل لمعنى أنه لم يحضره بول وغسل على ذلك، إن ذلك أعذر ولا غسل عليه إن خرج منه بعد ذلك مني، وقيل: عليه الغسل على حال، وكان يعجبني أن يكون عليه غسل على حال، وإذا اغتسل بال أو لم يبل لأنه أجد معنى يدل على ثبوت المتعبد في حكم الظاهر على مسه لم يخرج منه ولم يفض باستنجاء فكيف بالغسل؟
ومن كتاب الأشراف: أجمع عوام أهل العلم أن عرق الجنب طاهر، وثبت عن ابن عباس وابن عمر وعائشة أم المؤمنين أنهم قالوا ذلك، وبه قال عطاء وسعيد بن جبير والحسن البصري والشعبي، وكانت عائشة والحسن البصري وغيرهما يقولون عرق الحائض طاهر، وهذا كله قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي والأحوط عن غيرهم خلاف قولهم، قال أبو بكر: عرق اليهودي والنصراني عندي نجسان، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن عرق المشرك نجس مفسد، واليهودي والنصراني معهم مشركان، ومما يدل على طهارة الجنب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي هريرة أن المؤمن لا ينجس، ويدل على طهارة عرق الحائض قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: «إن حيضتك ليست في كفك».
قال أبو سعيد: أما الحائض والجنب فمعي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن عرقهما طاهر إلا ما مس بنجاسة.
مسألة: من غير كتاب الأشراف: وعن رجل يكون في فمه دم أو تصيبه الجنابة ثم يغسل ويتوضأ ويصلي ثم بعد الصلاة يخرج من بين أضراسه لغظة من السواك أو من الطعام أو لعلها تكون نجسة، قال أبو المؤثر: إن خرج من فيه بعد الغسل والصلاة مقدار ظفر فعليه الوضوء والصلاة، قال: وكذلك الجنب إن غسل ثم رأى في بدنه مقدار الدرهم لم يمسه الماء، قال: يعيد الغسل.
مسألة: والغسل من المني ولا غسل من المذي والودي والوضوء من المذي.
مسألة: قال أبو معاوية: قال من قال: إذا اغتسل الرجل قبل أن يبول ثم خرج منه شيء أن عليه إعادة الغسل والصلاة، وقال من قال: إنما عليه إعادة الغسل إذا (9/7)
صفحة 2568
خرجت منه جنابة، وأنا أرى أحوط أن يغتسل في كلا الوجهين، وأرجو أنه لا يلزمه إعادة الصلاة.
ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إذا لم يرق البول واغتسل لم ينتفع بغسله حتى يريق البول إلا أن يكون خاف فوت الصلاة فشحط ذكره حشاَ ثم اغتسل وصلى ثم إذا وجد إهراق البول وغسل جانبه أخبرني وضاح ابن عقبة أن عبد الله بن محمد أخبره عن سليمان بن عثمان أنه برز عليهم؛ فقال: من غسل ولم يرق البول لم ينفعه غسله، وأما المرأة فليس عليها أن تريق البول لأنها تبلع والرجل يدسع.
ومن جامع أبي الحسن: والمأمور به الجنب أن لا يغتسل حتى يستبرئ، فإن اغتسل ولم يرق البول فخرج منه شيء من جنابة فعليه إعادة الغسل وإن لم يخرج جنابة فلا إعادة عليه.
ومن كتاب الشرح: وأما قوله: وينبغي للجنب أن يريق البول قبل أن يغتسل، فإن اغتسل ولم يرق البول ثم خرج منه شيء من مني بعد ذلك فعليه إعادة الغسل وإن لم يخرج منه شيء فلا إعادة عليه، فالذي ذكره من الأمر للجنب أن يريق البول قبل الاغتسال فهذا على المبالغة للطهارة وليس بواجب ذلك على الجنب، ألا ترى أنه لو فعل ذلك متعمدا ولم يكن بال في وقت الغسل أنه قد خرج من العبادة، وزال عنه فرض التطهر.
وقوله: فإن خرج منه بعد الاغتسال جنابة أعاد الغسل ولو بعد الصلاة على ما قلنا؛ لأن خروج المني يوجب الاغتسال إلا أنه ذكر في موضع آخر أنه لا غسل على من خرجت منه جنابة بغير حركة، إنها ميتة ولا غسل منها وأوجب الغسل إذا خرجت منه بعد الاغتسال فهذا خرجت أيضا بغير حركة، فإن احتج لهذا القول محتج فقال: إن هذه بقية من جنابة يخرج بعضها بحركة، قيل له: ومن أين لك ذلك أن ما خرج بعد الاغتسال هو بعض ما خرج قبل الاغتسال وما أنكرت أن الله تعالى أحدثها منه في حال ما وجدت كما أحدث الذي ذكره هو أنها ميتة.
فإن جاز له أن يقول: إن هذه التي خرجت بعد الاغتسال من جنابة كانت (9/8)
صفحة 2569
خرجت بحركة جاز لغيره أن يقول إن التي ذكر إنها خرجت بغير حركة إنها بقية جنابة خرجت من حركة، فإن قال: لم تجد التي أسقطنا الاغتسال منها إلا بغير حركة، قيل له: ولم تجد التي خرجت بعد الاغتسال إلا بغير حركة فيجب أن تستوي بين حكمهما وإلا فما الفرق، وإذا كان الله تبارك وتعالى أمرنا بالاغتسال من خروج المني فنحب ألا يسقط الاغتسال منه خروج بحركة أو بغير حركة لأن فرض الاغتسال منه ليس فيه إذا خرج بحركة أو بغير حركة لقول الله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} (المائدة:6)، والله أعلم.
مسألة: وعن الجنب يجامع أو تصيبه الجنابة ثم يغتسل ولا يريق البول فلا يرجع يخرج منه شيء ثم يريق البول بعد ذلك، فعلى ما وصفت فإذا أصابته جنابة من جماع أو احتلام ثم يغسل ولم يرق البول، فسألت أبا المؤثر عن ذلك فقال: قال من قال إذا أراق البول بعد ذلك فخرج منه مذي فعليه الغسل وإعادة الصلاة فإن كان لم يخرج مع البول شيء فغسله تام وصلاته تامة، وقال من قال: غسله تام حتى يخرج مع البول جنابة، فإن بال فخرجت جنابة مع البول فعند ذلك يجب عليه الغسل، وإعادة الصلاة، فقلت أنا له: فإن أراق البول في الليل ولم يعرف حتى يعلم أنه خرج مع البول شيء، وأنا أقول حتى يعلم أنه خرج مع البول جنابة ثم يجب عليه الغسل من بعد ذلك، فإن لم يعلم أنه خرج مع البول جنابة ثم يجب عليه الغسل من بعد ذلك فإن لم يعلم أنه خرج مع البول شيء فلا غسل عليه.
مسألة: وذكرت في رجل أصابته الجنابة، ولم يجد بولا فغسل بدنه من الجنابة وصلى ثم وجد شهوة باضطراب فخرجت نطفة من غير مجامعة؛ قلت: هل عليه بدل الصلاة والغسل فمعي أنه إذا كان ذلك من شهوة حادثة، فعليه الغسل ولا إعادة في الصلاة التي قد صلاها، فإن كانت لغير شهوة حادثة وكانت نطفة فمعي أنه قيل عليه الغسل وإعادة الصلاة، ومعي أنه قيل عليه الغسل ولا إعادة في الصلاة.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقيل في جنب لم يجد الماء إلا في مسجد أنه يتيمم ثم يدخل المسجد فيخرج الماء ويغتسل به فإن كانت عين صغيرة ولا يستطيع أن يغرف منها؛ فقيل يتيمم، ولا يقع فيها فيفسدها على نفسه وعلى غيره، قال محمد بن المسبح: إلا أن يقدر على الماء فيناله إذا كان كفاه نظيفتين فيغسل الأذى من نفسه ثم يقع في الماء فيغسل، حدثنا هاشم بن غيلان بذلك ولا ينجس على الناس مواردهم، قال غيره: وذلك عندي إذا لم تكن العين تجري وكانت قليلة الماء مما تنجسه (9/9)
صفحة 2570
النجاسة، وقيل: إذا أتى الرجل إلى الماء الذي لا يقدر عليه فإن أمكنه أن يأخذ بثوبه منه ثم يعصره في موضع ويستنجي به أو يتوضأ أو يغسل فليفعل وإن لم يمكنه فليتيمم إذا لم يقدر على الماء.
ومن جامع أبي الحسن: من وجد ماءً قليلا لا يستطيع أن يغرف منه وإن وقع فيه أفسده يتيمم لأنه بمنزلة المعدم ولا يقع فيه فيفسده على نفسه أو على غيره لأن الحديث جاء في النهي عن الغسل في الماء الدائم، وقد قيل: الماء الراكد والله أعلم بذلك.
ومن جاء إلى ماء لا يمكنه أن يأخذ منه بثوبه ولا بغيره فليتيمم إذا لم يقدر عليه لأنه إذا كان لا يقدر كان بمنزلة من لم يجد.
مسألة: ومن كتاب الشرح: وأما في قوله في جنب لم يجد الماء إلا في المسجد أنه يتيمم ثم يدخل المسجد فيخرج الماء ويغتسل به، قال أبو محمد: الذي يوجد في الأثر ما ذكره ولا أعرف وجه قوله أنه يتيمم ثم يدخل المسجد، والذي عندي من طريق النظر أن المنع للجنب من دخول المسجد إلا بعد التيمم لا وجه له من طريق الإيجاز وإن كان من حيث الاستحسان أو الاحتياط ففيه أيضا نظر لأن الجنب طاهر كما أن المحدث طاهر والمحدث من نوم أو خروج ريح لا يمنع دخول المسجد إلا أن يكون به جنابة ظاهرة فإن المستحب له ألا يدخل المسجد وبه نجاسة، وكذلك البائل والمتغوط تعظيما للمسجد، وليس واحد منهم يقع عليه اسم نجس، وأيضا فإن الجنب لو كان نجسا وكان ممنوعا من دخول المسجد إلا بعد طهارة لم يكن التيمم طهارة له وهو مقيم في بلده والله أعلم.
مسألة: أجمع المسلمون لا نعلم بينهم اختلافا فإنه إذا غابت الحشفة في قبل أو دبر من ذكر أو أنثى، أو حيوان، قال المصنف: أما قوله حيوان أو غيره لعله يعني من جامع شيئا من الحيوان في حال الموت والله أعلم.
رجع: أو غيره من ذوات الأرواح أنه يجب الغسل ولو لم ينزل، وكذلك على المنكوح من المتعبدين ن ذلك الغسل.
مسألة: سألت أبا معاوية -رحمه الله- عن رجل عبث بامرأته ولم يقذف النطفة، ثم قام فلما أصبح إذ في فخذه بلل ولم يعرف أنه قذف، فقال: ينظر تلك (9/10)
صفحة 2571
البلة ويشمها فإن لم تكن جنابة فلا غسل عليه، وإن كان ريحها ريح جنابة فعليه الغسل وإن لم يخرج منه شيء.
مسألة: وجدت في بعض الكتب هذه المسائل من كتاب دفعه إليّ محمد بن سعيد بن أبي بكر وذكر أنه عن أبي علي موسى بن علي -رحمه الله-، عن الرجل الذي يرى ما يرى النائم أنه جامع وأنزل إلا أنه لم يَر شهوة فانتبه ولم ير شيئا إلا بلة قليلة فظن أنه مذي أعليه الغسل والرجل ممذ وليس بممذ فالغسل حبب إلينا إلا أن يستيقن أنه مذي وما ترى إن رأى أنه جامع أو أنزل إلا أنه لم ير شهوة وانتبه ولم ير شيئا ولم ير بلة فلبث قليلا فرأى بلة قليلة وظن أنه مذي والرجل ممذ ليس بممذ؟ فأنا أرجو أن لا يكون غسل، وما يرى أنه إذا رأى أنه جامع وأنزل ورأى شهوة فانتبه فلم ير شيئا إلا بلة قليلة وظن أنه مذي، والرجل ممذ وليس بممذ، فالغسل أحب إلينا حتى يستيقن على المذي.
مسألة: وعن رجل رأى في المنام أنه جامع أهله ودفع الماء فلما استيقظ لم ير ماء دافقا، ورأى بلة قليلة، أيجب عليه الغسل أم لا؟ قال: إن كانت البلة من الماء الدافق فعليه الغسل، وإن كانت من المذي فلا أرى عليه غسلاً والله أعلم.
مسألة: وعن رجل اغتسل من الجنابة ثم خرج من ذكره بعدما اغتسل بقية من المني، قال: ليعد الغسل، قال غيره: وقد قيل إذا بال فلا إعادة عليه إذا كان قد بال، وإن لم يكن بال قبل الغسل بعد الجنابة ثم خرج منه مني فقد قيل عليه إعادة الغسل وأما المرأة فليس مثل الرجل في هذا، وإنما عليها التنظيف لأن الذي يخرج منها إنما هو نطفة الرجل، قال المضيف: وقد وجدت في كتاب الضياء أن عليها أن تريق البول، وعندي أن في ذلك نظرا ولعله من معنى الطهارة لئلا يخرج بعد ذلك والله أعلم.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: والأحداث التي تنقض الطهارة وتوجب الغسل بالكتاب والسنة والإجماع ثلاث: خروج الماء الدافق من الرجل الذي له رائحة كرائحة الطلع وهو الثخين الأبيض، وقد يصفر من علة إلا أن الرائحة تنقلع عنه وهو الذي عند خروجه توجد اللذة وتنقطع بعده الشهوة ويفتر الذكر عن هيئته الأولى سواء كان خروجه في نوم أو يقظة خرج ذلك لعلاج أو بغير علاج، يوجب الغسل، للآية وهو قول الله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، ولا تنازع بين أهل العلم فيما ذكرنا. (9/11)
صفحة 2572
ومن الكتاب: وفي التقاء الختانين اتفاق من أصحابنا وكثير من مخالفينا أن الغسل يجب بذلك ولو لم يكن إنزال الماء، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا قعد الرجل من المرأة بين شعابها الأربع وأجهد نفسه فعليه الغسل أنزل أو لم ينزل»، ولما روت عائشة قالت: كنت أفعله أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - تريد الاغتسال من التقاء الختانين، وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا التقى الختانان وجب الغسل أنزل الرجل أو لم ينزل»، والتقاء الختانين اسم لا يصح إلا بعد غيبوبة الحشفة ويلتقي ختانه وختانها، وقد روي أن في الأكسال الغسل وهو هذا المعنى الذي ذكرناه، والأكسال هو انكسار الذكر قبل الإنزال كذا ذكر ثعلب في كتاب خلق الإنسان.
قال بعض الشعراء:
ولست بخوان لجاري وإن ناي*ش*
ألا إن في الأكسال حدا درأته*ش* ... فحافظه مني وإن غاب جاريا
يزكيه إجلالاً لمن قد ترائيا
يريد إن البغية من الوطء للإنزال فقد أفعل فلا أتمكن من اللذة إلا بالإنزال، والحد قد وجب والله أعلم.
مسألة: من كتاب المعتبر: ومن جامع ابن جعفر، وينبغي للجنب أن يريق البول قبل أن يغتسل فإن اغتسل ولم يرق البول ثم خرج منه شيء من مني بعد ذلك فعليه إعادة الغسل، وإن لم يخرج منه شيء فلا إعادة عليه، قال غيره: معي أنه قد قيل إن الجنب من الرجال يؤمر بإراقة البول قبل الغسل لاستنظاف مادة المني مما يتبقى في مجرى البول، لأن ذلك فيما عندي من المبالغة في الطهارة في النظر، وإن لم يأت في ذلك فيما أعلم أنه سنة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه قد جاء فيه عنه - صلى الله عليه وسلم - فيما يشبه ذلك من الأمر بالاستبراء من البول، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - حتى أنه جاء عند التحديد في ذلك بثلاث نثرات لمعنى ما يثبت في الطهارة من الغائط بثلاثة أحجار ولا يخرج في معاني الاعتبار ثبوت الاستبراء لما يأتي في غير ما هو في الإحليل، لأن ذلك مما لا يخرج في النظر يخرج ذلك في المبالغة في التطهر، وقطع مادة النجاسة، وعندي أنه يخرج من فضائل سنن النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن الاستبراء من البول لأنه يخرج في معاني الاتفاق عندي أنه لو لم يستبرئ الرجل من البول إلا أنه استنجى وتوضأ وصلى ولم يعلم أنه بقي شيء من بعد الاستنجاء في ظاهر الثقب من الإحليل حيث يبلغ الاستنجاء، ويلزم ولا يتبع شيئا من ذلك إلا أن يظهر هنالك حتى صلى أن صلاته تامة، ولا (9/12)
صفحة 2573
أعلم في ذلك اختلافا، فلما أن كان هذا يخرج معنى الاستبراء من الرجال من فضائل السنن لا من فرائضها ولما أن ثبت معنى الاستبراء من البول من معنى ما لم يطهر إذا كان الاستبراء مما يستبرأ به معاني اتصال البول في الإحليل كان مثله معنى استبراء المني من الإحليل بالبول إذا كان ذلك مما يخرجه ويكون طهارة له، ويشبه ذلك بعضه بعضاً وتساوى فيخرج معي معنى الاتفاق من قول أصحابنا إلا من المجنب بالبول قبل الغسل لمعنى هذا على ما يشبه ويساويه، إلا أن لا يقدر على ذلك ولا يمكنه فإن لم يمكنه
ذلك ولم يحضره فعندي أنه معذور في معنى قولهم بما يشبه معاني الاتفاق، فإن لم يرق البول واغتسل وصلى ثم خرج منه بعد ذلك مني فيخرج عندي في معاني قول أصحابنا بما يشبه معاني الاتفاق من قولهم على أن عليه إعادة الغسل إذا لم يرق البول قبل الغسل لغير عذر، وأما إذا ترك ذلك لعذر إذا لم يحضره، وخاف فوت الوقت واغتسل وصلى فعندي أنه يخرج في معاني ذلك الاختلاف في لزوم الغسل له، ومعي أن الذي يوجب عليه الغسل لهذا المعنى إذا خرج منه المني بعد الغسل ولو لم يكن أراق البول قبل الغسل أن بعضا يوجب عليه إعادة الصلاة وإنما يوجب عليه الغسل بحدوث خروج المني فصلاته تامة، ويعجبني ذلك لاتفاقهم أنه لو لم يخرج منه شيء من المني أن غسله ذلك تام وصلاته تامة ولو أراق البول بعد ذلك، فلم يخرج منه مني قبل البول ولا بعده فإذا ثبت أن البول منظف ومطهر له، فإذا أراق البول من بعد ذلك الغسل الذي لم يكن أراق قبله البول قبل أن يخرج منه شيء من المني، ثم خرج منه بعد ذلك مني من بعد البول، خرج عندي قاطعا لمعنى المادة التي يلزم بها ثبوت الغسل لترك البول والغسل قبله.
وثبت أن هذا المني حادث من النطفة الميتة لأن البول قد خرج منظفا للمادة التي يجب بها الغسل إذا كان استبراء لها، ويخرج عندي في معنى هذا المني اختلاف في لزوم الغسل منه، ويعجبني قول من لا يوجب فيه غسلا، وكذلك إذا ثبت معنى الاختلاف في الغسل عليه إذا ترك البول لعذر، ثم خرج منه المني بعد ذلك قبل أن يريق البول من بعد الغسل، فيعجبني قول من لا يوجب عليه غسلا، لأنه لم يفرط وقد كان له عذر، والمعذور معذور فلا يلزمه حكم التفريط في معنى من المعاني، لأنه قد صلى على السنة، ولم يجد موضعا يصلي فيه المصلي على العذر به، وقد ثبت العذر في ذلك، على معنى إلا بدّ وإذا ثبت معنى الاختلاف في الإعادة للصلاة التي صلاها بذلك الغسل الذي لم يرق فيه البول، ثبت معنى ذلك أنه لم (9/13)
صفحة 2574
يكن جنبا حين صلى ولو كان جنبا لم يكن معذورا عن الصلاة، وإذا لم يكن جنبا في حال لم يجب عليه بعد ذلك الحال حكم الاغتسال، بمعنى قد زال عنه حكم الجنابة فيه لمعنى حدوث خروج المني، ولا يخرج عندي حدوث خروج المني من بعد فتور الشهوة، وانقضاء معنى خروج الماء الدافق قبل البول، ولا بعد البول، ما لم يكن متصلا خروجه في الوقت؛ إلا بمعنى خروج النطفة الميتة لأن معنى خروج النطفة الميتة إذا خرجت بغير شهوة، أو متصلة لمعنى خروجها مع الشهوة، لمعنى الماء الدافق.
وقد اختلف في الغسل من النطفة الميتة إذا ثبت حكمها ميتة وثبوت حكمها ميتة إذا خرجت بغير شهوة حاضرة لمعنى الماء الدافق في جماع أو احتلام أو غيره مما يشبه ذلك، وأكثر القول عندي من قول أصحابنا؛ أنه ليس في النطفة الميتة غسل، ولا يبين لي هذا خروج النطفة من بعد انقطاع اتصالها من الماء الدافق، لا بمعنى النطفة الميتة، بمعنى الاتفاق من قولهم أنه لو وجد الشهوة بمعنى ما ينزل الماء الدافق فلم ينزل الماء الدافق في حين ذلك، حتى فترت الشهوة وسكن الاضطراب من الإحليل، ثم خرجت بعد ذلك أن ذلك حكم الميتة، لأن حياتها الشهوة، وموتها زوال الشهوة، كذلك خروجها من بعد انقطاع اتصالها بالماء الدافق، والنطفة الحية وزوال حكم الشهوة وانقضاء حال ذلك بمثل ما يخرج معه الاستبراء من البول مما يتصل في الإحليل منها وبها في معنى النظر والاعتبار، فإنما يخرج ذلك تبعا له من بعد انقطاع الشهوة من ميت النطفة، ولا يثبت عندي في الحكم في معنى الاستبراء من بول ولا نطفة لما يأتي من غير ما هو متصل في الإحليل من البول والنطفة، ومعنى ذلك عندي لا يخرج في النظر إلا أن يدوم في الإحليل من المتصل بالبول والنطفة أكثر من انقطاع ذلك والاستبراء عنه من بعد انقطاعه بثلاث نثرات، وأما بعد ذلك فلا يخرج عندي إلا حادث غير المتصل بالإحليل بالبول والماء الدافق بعد ثبوت انقضائهما، فلا يثبت الاستبراء عنهما بأكثر من ذلك، وما خرج من ذلك عندي خرج لمعنى الحادث غيرهما، وغير حكمهما ليس من ذلك عندي خرج لمعنى الحادث غيرهما وغير حكمهما، ليس من معناهما ولا مما يستبرأ عنه منهما، وقد كان يعجبني ألا يجب عليه غسل، ولو لم يرق البول إذا كان قد انقطع مادة الماء الدافق واستبرأ عنه واغتسل من معنى ذلك في النظر ومواده المتصلة به، ولا أعلم أنه يوجد من قول أصحابنا في ذلك قول مصرح به، أنه لا غسل عليه. (9/14)
صفحة 2575
وأما فيما يوجد في عامة قول قومنا أنه لا غسل عليه، ويعجبني ذلك من غير مخالفة لقول أصحابنا لمعنى اتفاق قولهم أنه لو لم يستبرئ من البول ويستنجي ويتوضأ وصلى ولم يعلم أنه بقي شيء مما يجب الغسل به في ظاهر الثقب حيث لا يجب الغسل أنه لا إعادة عليه في الصلاة، ولمعنى اتفاقهم أنه لو غسل وصلى ولم يرق البول أن صلاته تامة ما لم يأت بعد ذلك مني، ولا يكون المني بعد هذا إلا حادثا في معنى الاعتبار، ولا يجوز أن يكون يصلي وصلاته تامة وهو في معنى الجنب، ولا يخرج عندي هذا الحادث إلا على ما وصفت لك من حكم النطفة الميتة، وقد مضى القول في ذلك وينظر فيه.
ومعي أنه قد قيل إن عليه الغسل إذا لم يرق البول، واغتسل إن خرج منه بعد ذلك مني أو ودي، وقيل: لا غسل عليه إلا في المني، وهو معي أشبه أن يلحق فيه معنى الاختلاف.
وأما في المذي والودي، فيخرج عندي شاذ من القول لمعنى الاتفاق، أنه لا غسل عليه في ذلك، ولمعنى الاتفاق أنه إذا غسل ولم يرق البول أن غسله تام إذا لم يحدث منه شيء فلا يكون الحادث يوجب حكما قد ثبت ضده من الطهارة بمعنى الاتفاق بما قد ثبت أنه لا غسل منه بمعنى الاتفاق، فإن كان وجوب الغسل من جماع بولوج الحشفة من غير إنزال نطفة ولا حضور شهوة توجب معنى إنزال الماء الدافق، فلا يبين لي على الجنب بهذا إراقة البول، إلا أنه لو خرج منه شيء بعد ذلك لم يكن حكمه حكم الميت من النطفة الحادثة، ومن المذي والودي الذي لا غسل منه، ولا أعلم أنه قيل إن عليه من المذي والودي بولا بل قد قيل إنه لا شيء عليه في ذلك، أعني أنه ليس عليه أن يريق البول من المذي والودي، ولا من أحدهما، ولا من النطفة الميتة، على قول من يقول: لا غسل منهما، وعلى قول من يقول: إن منهما الغسل، فعندي منه يشبه معاني ثبوت ذلك على معنى الاستبراء.
ومعي أنه قيل: إنما يؤمر بإراقة البول الرجال دون النساء، في الجنابة، إراقة بول، لأن مجرى البول منهن ليس من مجرى الجنابة، ولا من موضع الجماع، وليس لثبوت ذلك عليهن معنى بوجه من وجوه الاستبراء مما يخرج منها، ولا ما يلج من نطفة الرجال، فلا يجب عليها ذلك بغير معنى.
ومن الكتاب: وكل من أولج الحشفة في الفرج حتى يلتقي الختانان فقد لزمه (9/15)
صفحة 2576
الغسل وإن لم يقذف الماء، وما كان دون ذلك فلا غسل عليه في ذلك، ولا فيما يخرج منه من المذي، قال أبو سعيد: معي أن ثبوت الغسل بمعنى الجماع إذا غلبت الحشفة في جميع ذوات الأرواح من الدواب، والبشر من أنثى أو ذكر، في قبل أو دُبر، أن على المجامع من الرجال في ذلك على هذا بهذا المعنى الغسل، ولو لم ينزل الماء الدافق، وقد جاء في معنى ثبوت الغسل في ذلك ما يشبه معاني الاتفاق من قول أصحابنا، وأرجو أنه من قول قومنا ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومعي أنه جاء عن الأثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يوجب ثبوت الغسل بمعنى الجماع، ولو لم ينزل المجامع النطفة، ولا المجامع من ذكر أو أنثى، وأما في مغيب الحشفة والتقاء الختانين بالنص من القول، وأما في الدبر فإن لم يكن ذلك بالنص فبمعنى ما يشبه ذلك أو ما هو مثله، فإذا غابت الحشفة في الدبر ولو لم يكن ثم ختان وجب معنى الغسل بوجوب ثبوت الجماع، ومعنى ثبوت الاتفاق، أن الجماع يوجب الغسل من كتاب الله تبارك وتعالى، وسنة محمد - صلى الله عليه وسلم -، واتفاق قول أهل العلم وهو قوله: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} فصح التأويل أن الملامسة بالتسمية، لقوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، والقصة كلها أو لامستم النساء، فالجنب هاهنا يثبت عليه معنى الغسل بكل ما كان جنابة وبالملامسة، يجب الغسل ولو لم يثبت ثم حصول جنابة إلا بمعنى الجماع، فإنه قد صار حكما مشبها للجنب في ثبوت الغسل بالكتاب والسنة والإجماع، فلما أن ثبت بمعنى الاتفاق أن الجماع هو الذي يوجب الغسل ويوجب الحد في الزنا ويوجب العدة ثبوت على المجامعة بالنكاح هو أن تغيب الحشفة ويلتقي الختانان في القبل من المرأة، ثبت معنى ذلك أنه بمغيب الحشفة يحصل معنى الجماع في الدبر من ذكر أو أنثى، بما يوجب حد الزنا والغسل، لأنه له معنى لالتقاء الختانين، وإنما صح أنه لما غابت الحشفة في القبل؛ كان ذلك ملتقى الختانين، لأن الختان من المرأة لا يلقاه الختان من الرجل، وإنما هو يساويه ويصير بحده منه من حيث لا يمسه في الجماع، ولا تغيب الحشفة حتى يلتقي الختانان بالتساوي، ولا يلتقي الختانان حتى تغيب الحشفة فثبت بمغيب الحشفة، وجب الغسل والحد، لا لمعنى التقاء الختانين، لأنه يخرج في معاني الاتفاق أنه لو مس الختان الختان بوجه من الوجوه المماسسة من الفرجين والتقيا على هذا من غير أن تغيب الحشفة في الفرج، لم يكن ذلك التقاء الختانين في الجماع، ولا موجب للغسل
في معنى (9/16)
صفحة 2577
الجماع، ولا موجب للعدة، ولا للحد من الزنا، فلما أن ثبت هذا كذا كان مغيب الحشفة في الدبر من ذكر أو أنثى من البالغين، أو الصغار موجبا لثبوت الجماع من المجامع والمجامَع، وموجبا على البالغين منهم الغسل والحد في الزنا، على معنى من يوجب في ذلك حد الزنا.
وأما الصغار فإذا كان المجامع للصغير بالغا أو كان الصغير من يعقل الصلاة، فمعي أنه قد قيل في الغسل عليه باختلاف، فقال من قال: عليه الغسل لثبوت الغسل للصلاة، وأنه لا صلاة إلا بغسل وطهور، إذ جاء الأثر أن الصلاة على من عقل؛ والصوم على من أطاق، فلا صلاة إلا بطهور، ومعي أنه قد قيل إنه ليس على الصغير غسل من جماع، لأنه ليس من المتعبدين كان مجامعا أو مجامَعاً، وكذلك عندي أنه قيل إذا كان المجامع بالغا والمجامَع صغيرا غير بالغ إلا أنه بحد من يجب عليه الغسل في الاختلاف فيلحق المجامع البالغ في ذلك معنى الاختلاف ويعجبني قول من لا يوجب على البالغ من جماع الصغير غسلاً لأنه قيل إن ذكر الصبي مثل أصبعه في معنى الجماع فيما يوجب الحد والعدة ويحل المطلقة ثلاثا ويفسد النكاح من الممسوس، ويخرج في معاني الاتفاق أنه لو أدخل بالغ أصبعه في فرج بالغ من قبل أو دبر من ذكر أو أنثى أن ذلك مما ليس يوجب حكم الجماع في وجه من الوجوه مما حكمه من غسل أو حد في زنا أو عدة، فلما أن ثبت هكذا كان لا معنى لإدخال ذكر الصبي في الفرج في معنى ما يوجب الجماع إذا كان كأصبعه في بعض القول، ولعله إذا صار بحد من يشتهي الجماع ورأى هو ذلك لحقه معنى الاختلاف في دخول الشبهة في وجوب ذلك، وأما الرجل إذا جامع صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى فغابت الحشفة منه في قبل أو دبر، فقد لزمه معنى الجماع وثبت عليه حكمه من وجوب الغسل والحد على التعمد، ووجوب الحرمة فيما يوجب ذلك في النكاح، ومعي أنه قد قيل إذا غابت الحشفة خطأ أو عمدا؛ فقد وجب الغسل، وكذلك عندي يجب بذلك معنى الفساد في النكاح والعدة
في الطلاق وإحلال المطلقة ثلاثا، وأما في وجوب الحد في الزنا فلا أقول ذلك أنه يجب بالوطء خطأ والله أعلم.
لأن الخطأ لا يوجب معاني العقوبة في معنى التوبة، وقد يوجب معاني ما يثبت من الأحكام في غير معاني العقوبة، وإذا ثبت معنى الوطء بمغيب الحشفة في القبل والدبر من الرجال والنساء أو الصغار أو الكبار، من الناس يثبت ذلك عندي مثله إذا غابت الحشفة مجامعا في شيء من الدواب من قبل منها أو دبر لقول النبي (9/17)
صفحة 2578
- صلى الله عليه وسلم - فيما يروى عنه أنه قال: «اقتلوا البهيمة وناكحها»، وإذا اختلفت معاني ما يجب في حكم ذلك في الحد فلا مخرج له من وجوب ثبوت النكاح والوطء، وإذا ثبت ذلك وطأ وجماعا فلا مخرج له من ثبوت الغسل إنزال الماء الدافق أو لم ينزل لثبوت الجماع، من ذلك بما يوجب الحد ولا يوجب الحد إلا الجماع.
وكذلك ثبت عندي معنى هذا في مجامعة الإنس للجن من ذكرانهم وإناثهم إذا ثبت ذلك عندي وصح بالمشاهدة والمعرفة على البالغين من الجن في ذلك عندي، وعلى البالغين من الإنس، وذلك إنما يكون في الفرجين من المتعبدين، أو من الدواب كلها، مما يقع عليه اسم البهيمة وثبت له معنى الفروج فالجماع فيها من القبل والدبر بمغيب الحشفة، عندي يجب الغسل على المتعبدين، ويوجب الحد في الزنا على العمد، وإذا ثبت معنى هذا كله من الدواب أنه يكون بمعنى مجامعتهن، يجب معنى ثبوت الغسل والحد، وكذلك من الوطء نفسه من المتعبدين، من ذكر أو أنثى شيئا من البهائم، من الذكران من قبل أو دبر، ثبت عليه بذلك عندي الغسل في معنى التشابه، وينظر في ذلك فإنه قد يخرج معنى زوال ذلك على ثبوت قول من يقول: إن فرج الصبي كأصبعه وذلك لمعنى زائل عنها التعبد وخروج معنى الاتفاق، إن المجامع للصغير يثبت عليه حكم الجماع، ومعي أنه لو غابت الحشفة في غير الفرجين يريد بذلك الجماع وقضاء الشهوة في شيء من المناسم، من ذكر أن أنثى، من زوجة أو غيرها، أو غير ذلك من الأماكن، لم يكن بذلك معنى ثبوت الجماع فيما يوجب به الغسل، كما يكون ذلك في الفرجين، ومعي أن ثبوت معنى الغسل بحصول الجماع على الذكر والأنثى من البالغين أشبه بثبوت الاتفاق عليهم.
من غيره من معاني ما يثبت ذلك بمعنى الختان في النساء وأما في الرجال فكل ذلك عندي يتساوى فيهم لثبوت معناه بما لا يشبه فيه اختلاف، وأما المذي والودي وما دون المني، فلا أعلم أنه يجب بذلك الغسل فيما معي أنه لا يجب بذلك الغسل إلا لمعنى ثبوت الجماع، أو من المني إلا أنه قد يوجد في المرأة إذا لامسها زوجها بما دون الجماع أو غيره من الرجال، فيخرج منها رطوبة أو بلل أو نحو هذا، أن عليها الغسل من ذلك، وهذا عندي يشبه معنيين: إما أن يريد بذلك أن الرطوبة هي الماء الدافق منها فذلك ما يشبه معنى ما قيل، وأما أن يريد به القائل لذلك ما كان من الرطوبات؛ فيخرج هذا على هذا المعنى شاذا من القول، لأن الرطوبة منها مما هو دون الماء الدافق يخرج عندي مخرج المذي، والودي من الرجل، ولا أعلم أن (9/18)
صفحة 2579
الغسل يلزم إلا بجماع أو جنابة، وذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، فثبت معنى الجنابة بما لا أعلم فيه اختلافا أنه من الماء الدافق، أو من جماع، ولو لم يكن منه ماء دافق، لقول الله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء}، فلا أعلم الغسل يلزم إلا بأحد هذين، ذكرا أو أنثى، من الرجال والنساء، فأما في الرجال فلا أعلم في ثبوت الغسل عليهم من هذين الوجهين اختلافا، وأما النساء فمعي أنه يجري في لزوم الغسل لهن من معاني الجنابة ما يشبه الاختلاف، وأرجو أن ذلك يأتي في موضعه إن شاء الله.
مسألة: ومن غير الكتاب: وسألته عن رجل تصيبه الجنابة في البرد الشديد، ولا يصيب إلا فلجا باردا فيشق به عليه الغسل مشقة شديدة، غير أنه لا يخاف الموت من ذلك، ولكنه يصيبه من الماء ألم شديد، هل له أن يؤخر الغسل إلى أن يرتفع النهار وتهون برودة الماء؟
قال: معي أنه إذا لم يخف ضررا من ذلك، وكان يطيق المشقة التي يتحملها، فلا يبين لي عذر له في ذلك، وإن كان لا يقدر المشقة أن يتحملها في الوقت، أو يخاف تولد الضرر، فأرجو أن له ذلك.
مسألة: ومن غسل جارحة من جوارحه مثل رأسه أو غيره، ثم خرج لشيء عناه، فليس عليه إلا غسل ما بقي من بدنه.
مسألة: من كتاب المعتبر: وسألته عن رجل اغتسل من جنابة ونسي أن يدخل يديه في أذنيه حتى فرغ من غسله؟ قال: يغسل أذنيه وليس عليه بدل الغسل، قال غيره: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج عندي في أكثر ما قيل إن الغسل معناه غير معنى الوضوء، في معنى الترتيب، ولا معنى للتفريق له، وأكثر ما عندي أنه قيل: إن الغسل يقع على التفريق على التعمد والنسيان، وأنه أي شيء من بدنه ثبت له الغسل من أي موضع منه، ثم ترك الغسل عامدا، أو ناسيا لعذر، ولغير عذر حتى جف غسله، أو لم يخف بعد ذلك، أو قرب نام عن ذلك أو لم ينم، ثم رجع فغسل بقية غسله، إن ذلك يجزيه وإنما عليه غسل ما بقي كان ما غسل من بدنه الأقل أو الأكثر كان قد طهر فرجه، وموضع الأذى من جسده، أو لم يتطهر، ومعي أنه يخرج في بعض ما قيل: ألا يقع الغسل بالتطهر، إلا من بعد غسل الأذى من البدن، وأنه إذا غسل شيئا من بدنه قبل أن يتطهر، كان عليه إعادة غسله ذلك إذا تطهر، ولعل (9/19)
صفحة 2580
ذلك إذا وقع اسم تطهير لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، وأحسب أنه يخرج في بعض ما قيل أنه إن فعل ذلك عامدا أو ناسيا فهو سواء.
ومعي أنه يخرج أنه إن فعل ذلك ناسيا فلا إعادة عليه، وإن فعل متعمدا كان عليه الإعادة، ومعي أنه قيل: إنه إن غسل شيئا من جوارحه ثم اشتغل عن كمال غسله بغيره من الأسباب حتى جف ما غسل، أن عليه إعادة الغسل لما جف مع الغسل لما بقي من جسده، ولعل صاحب هذا القول يشبه الغسل بالوضوء، ولا أعلم أن أحدا يشبه الغسل بالوضوء، في معنى الترتيب على معنى اللازم، وقد قيل ذلك على معنى ما يؤمر به في الأدب.
ومعي أنه يخرج في بعض معاني ما قيل أنه لو نسي شيئا من غسل جسده وتوضأ وصلى أن عليه إعادة ما نسي غسل ذلك ويصلي ولا إعادة عليه في الوضوء، ومعي أنه قد قيل أنه يعيد الغسل والوضوء والصلاة، إذا كان قد صلى على ذلك، وأثبت ما يكون عندي في هذا قول من يقول: إن الغسل يقع متفرقا على العمد والنسيان، جف أو لم يجف، صلى أو لم يصل، فإنما عليه إعادة غسل ما نسي أو ترك ما غسله وصلى فإن كان على وضوء لم يكن عليه إلا غسل الذي ترك وإعادة الصلاة، وكذلك لو لم يصل حتى ذكر ذلك، ورجع إلى غسل الذي ترك وإعادة الصلاة، وكذلك لو لم يصل حتى ذكر ذلك، ورجع إلى غسله فغسله، فقد ثبت له حكم الوضوء، جف وضوؤه وغسله أو لم يجف، قرب ذلك أو بعد، فإنما عليه غسل ما بقي من بدنه والصلاة إن لم يكن صلى، وإعادة الصلاة إذا كان صلى على ذلك، إلا أن يكون الذي تركه من غسل بدنه هو شيء من جوارح الوضوء، فلم يقع عليه حكم الغسل، فإن ذلك يقع ذلك عندي موقع من ترك شيئا من الوضوء.
وقد قيل فيمن ترك شيئا من وضوئه ناسيا أو عامدا حتى جف وضوؤه، أن عليه إعادة الوضوء، وقيل: عليه الإعادة في العمد وليس عليه في النسيان؛ إلا غسل ما ترك ما لم يدخل في الصلاة، فإذا دخل في الصلاة كان عليه إعادة الوضوء كله في العمد والنسيان، وقيل: لا إعادة عليه ولو دخل في الصلاة ولو صلى إلا غسل ما ترك، والصلاة ويعجبني في النسيان أن تكون الإعادة عليه إلا في غسل ما ترك، ما لم يدخل في الصلاة، فإذا دخل في الصلاة كان عليه إعادة الوضوء، إلا أن يكون في وقت الصلاة ويخاف فوت الوقت إذا أعاد الوضوء كله، وأن يدرك الصلاة في الوقت غسل ما كان ترك، وصلى، أعجبني أن يغسل ما ترك ويصلي. (9/20)
صفحة 2581
وأما في العمد فإذا تركه على القصد بغير معنى يعرض له من أسباب ما يكون له فيه حتى جف وضوؤه، أعجبني أن يعيد وضوءه، وسواء ذلك عندي كان جنبا، أو غير جنب.
ومعي أنه لو ترك من موضع وضوئه في الوضوء، قليلا أو كثيرا على العمد لتركه، لو لم يترك الجارحة كلها، ولو ترك أقل من مقدار ظفر أنه بمنزلة من ترك جارحة من وضوئه.
في معنى ما يختلف فيه، والتارك لشيء من جوارحه من جوارح الوضوء، عندي لتارك الجارحة كلها، ولو ترك على النسيان من جارحة من جوارح الوضوء أقل من مقدار ظفر ناسيا حتى صلى، فمعي أنه قيل: لا إعادة عليه فيما مضى من الصلاة، وقيل: عليه الإعادة للصلاة، ترك قليلا أو كثيرا، فإذا ثبت معنى إعادة الصلاة بتركه قليلا أو كثيرا، ثبت بمنزلة التارك لشيء من وضوئه على حسب ما مضى ذكره في لزوم الإعادة فيه، وأما إن ذكر ذلك قبل الصلاة فمعي أنه يخرج في معنى الاتفاق أن عليه غسل ذلك الذي تركه كائنا ما كان، ولا يصلي إلا بعد غسله، وإذا ثبت معنى ذلك لحقه معنى الاختلاف في إعادة الوضوء لترك القليل والكثير، على معنى ما قيل في إعادة الوضوء إذا نسي ذلك، حتى جف وضوؤه كله، ومعي أنه في تركه لشيء من جوارح الوضوء كان جنبا أو غير جنب، سواء في معنى ما يجب من الإعادة وما لا يجب، ومعي أنه إذا ترك شيئا من غسل بدنه في غير مواضع الوضوء، هو بمنزلة ترك ذلك في مواضع الوضوء فيما يلزم به إعادة الصلاة، إذا صلى على ذلك، أو لم يصل حتى ذكره فإن كان ذلك أكثر من مقدار ظفر فنسيه حتى صلى فعليه الإعادة، إلا إن كان أكثر من مقدار ظفر فصاعدا، أو لا أعلم في ذلك اختلافا إذا كان أقل من مقدار ظفر، فنسيه حتى صلى، ففي الإعادة لصلاته اختلاف.
وإن ذكر قبل الصلاة كان غسل ذلك بمعنى الاتفاق، ولا يصلي إلا بعد غسله، إلا من عذر خوف فوت الوقت أو عدم ماء، ولا يعجبني أن يجب عليه إعادة شيء من الوضوء ولا الغسل في تركه لشيء من غسله بعد أن ثبت له شيء من غسله، وبعد أن يثبت له وضوؤه بعد طهارة النجاسة منه ووقوع حكم الغسل له، ترك ذلك عامدا أو ناسيا، صلى على ذلك أو لم يصل، فيما ثبت وضوؤه فإنما عليه عندي غسل ما ترك، عامدا أو ناسيا، من غسل بدنه من غير مواضع الوضوء، كان قليلا أو كثيرا، فإنما عليه عندي غسل ذلك وحده، وإعادة الصلاة إن كان صلى (9/21)
صفحة 2582
وكان مما تجب به العبادة، أو غسله والصلاة، ولو كان إنما غسل موضع الأذى والفرجين، ثم توضأ وضوء الصلاة، أو غسل مواضع الوضوء من جسده، أو ترك جسده كله حتى جف وضوؤه كله، أو لم يجف عامدا أو ناسيا لعذر أو لغير عذر، فإنما عليه أن يغسل ما بقي عليه من جوارحه ويصلي إن لم يكن صلى، وإعادة الصلاة إن كان قد وقع لثبوت معنى الغسل مجملا غير مفسر بترتيب ولا يجمع.
وأما قوله: إنه إذا لم يكن يدخل الغاسل يده في أذنه أن عليه غسل أذنه وليس عليه إعادة الغسل، فمعي أنه كذلك إذا لم يثبت للأذن غسل ببلوغ الماء الطاهر منها مما يناله الغسل بأحد ما قيل من بلوغ الماء إليه، بحركة من الماء أو من الغاسل أو بوجه من الوجوه على قول من يقول بذلك ولا يبلغ إليه البلل من الماء لمماسسة البشرة للماء، على قول من يقول بذلك أنه يجزئ بلوغ الماء إلى البشرة إذا ابتل البدن بالماء الطهور الذي سماه الله طهورا ومطهرا، فإذا لم يثبت للأذن أو غيره من البدن حكم الغسل بأحد المعاني الثابت حكمها، فهو كذلك وعليه غسل ما لم يثبت غسله، وإذا ثبت غسل ذلك بأحد الوجوه فلا غسل عليه ولو لم تنله اليد بالفرك إذا ثبت له الغسل بأحد ما قيل من الوجوه، مما يشبه العرك، ويقوم مقام العرك.
ومن الكتاب: وعن رجل يغسل من جنابة لا ينال بعض عرك ظهره، هل يجوز أن يفيض على ذلك الموضع الماء؟ فيجتهد في عرك ما نال من ظهره ومن جسده، وما لم ينل من عرك ظهره رجوت أن يجزيه إفاضة الماء عليه إن شاء الله.
قال غيره: معي أنه قيل إنه إذا كان صب الماء له من الحركة على الجسد بقدر ما يقع موقع العرك الذي يثبت معنى الغسل، وهو ما كان من العرك الذي يقع عليه اسم العرك، ولو جف بوقوعه فهو موجب حكم العرك، فإذا وقع الصب موقع العرك فلا أعلم اختلافا أنه مجزي للغسل، ولو أمكن عركه باليد، أو بغير صب، وأنه إذا ثبت معناه على الجسد، ثبت معنى الغسل به على الاختيار، وإن صب الغاسل الماء وعرك كان ذلك أفضل، وإنما يخرج الصب عندي مجزيا إذا لم يكن الغاسل عرك شيئا من جسده، فصب الماء عليه فصب الماء عليه صبا بغير معنى حركة تقوم مقام العرك أن ذلك مجزي إذا لم يقدر على العرك، إلا أن الماء يجزي صبه على الجسد بدون العرك، وقد قيل: ليس على من لم يقدر على عرك شيء من بدنه لعذر أو لم تنله يده، أن الصب يجزيه وليس عليه أن يغسله له غيره إن لم (9/22)
صفحة 2583
ينله، وليس عليه أن يحركه بغير يده بخشبة ولا ثوب ولا غيره، ولا يعركه بشيء إذا لم يمكنه غسله بنفسه بيده، ويجزيه صب الماء عليه على حال، ولو لم يكن صب الماء له حركة تقوم مقام العرك، ويكون مباشرة الماء للجسد، فإنما يقوم مقام العرك في هذا الفصل.
ومعي أنه قد قيل: إن ذلك يجزي لمعنى عذر، ولغير معنى، وقد مضى ذكره فيما مضى من هذا الجزء.
مسائل في الوضوء مع الغسل ونحوه من كتاب المعتبر
قال بشير عن أبيه: إن من غسل من الجنابة، إن عليه أن يتوضأ، ومن غيره فيما يوجد أنه عن أبي عبد الله -رحمه الله- قلت: فالرجل يريد أن يغسل في نهر من الجنابة، ويريد أن يكون وضوؤه غسله؟
قال: إذا دخل الماء استنجى وغسل موضع الجنابة، فإذا أنقاه تمضمض واستنشق، ثم يغسل ويعرك، وألاّ يمس فرجه، فإذا فعل ذلك اجتزى به عن الوضوء، قلت: فإن لم يتوضأ؟ قال: إذا لم يتوضأ لم يدن عليه، قلت: إن كان جنبا يعرك ولا يمس فرجه، فإذا مس فرجه وأراد أن يغسله فليعد فليمضمض ويستنشق، ثم يفيض على بدنه، أو يدخل في جوف الماء حتى يدخل بدنه كله، ثم يقوم ولا يمس فرجه، ويصلي، قلت: فإن كان غسله من الإناء فكيف يصنع فلا يفيض على كفيه فيغسلهما ثم يستنجي ويتوضأ وضوء الصلاة، ثم يغتسل، ولا يمس فرجه ويصلي ولا وضوء عليه؟
قلت: فإن لم يتوضأ واستنجى واغتسل، ولم يمس فرجه؟ قال: يعيد الوضوء إذا فرغ من غسله، قلت: فإن هو استنجى ثم توضأ فغسل وجهه وبدنه، ثم غسل ولم يمس فرجه، فإذا فرغ من غسل قدميه أيجوز له أن يصلي على هذا النحو؟ قال: نعم.
قال غيره: معي أن القول الذي يضاف إلى بشير عن أبيه هو بشير بن محمد بن محبوب -رحمه الله- وأما قوله: إن الجنب إذا غسل من الجنابة فعليه أن يتوضأ، ويخرج عندي ذلك على معنيين أحدهما: أنه يوجب عليه الوضوء، وضوء الصلاة (9/23)
صفحة 2584
قبل الغسل، ولا يغتسل حتى يتوضأ وضوء الصلاة، وقد قيل ذلك فيما يؤمر به المغتسل يتوضأ وضوء الصلاة بعد الاستنجاء، وعلى حسب هذا يخرج معاني صفة الغسل في عامة ما يؤمر به من قول أهل العلم، ولعله يشبه الاتفاق من القول، والأخذ بهذا القول يخرج عندي على معنى الأدب في الغسل، والمبالغة في الطهارة، ولا أجده يخرج عندي في معنى اللزوم، ويجوز عندي الغسل ويقع وينعقد حكمه بمعنى الاتفاق إذا أراد الغسل فغسل شيئا من بدنه، من أي موضع، ولو لم يتوضأ وضوء الصلاة، ولم يستنج، وإنما يخرج هذا القول على هذا المعنى عندي في وضوء المغتسل قبل الغسل بمعنى الأدب والمبالغة في الطهارة.
قال المضيف: يبين لي أن الأمر للغسل من الجنابة بالوضوء شبه الأمر لقارئ القرآن، والعامل بشيء من المناسك بالوضوء لمنى أن تلك الطاعات على الأبدان خاصة، يشبه الصلاة على البدن خاصة، فكان فعلهما على الطهارة أفضل والله أعلم، فانظر في ذلك، وإنما كتبته تذكرة لئلا أنساه.
رجع: والمعنى الآخر عندي من المعنيين ألاّ يجزيه الغسل عن الوضوء للصلاة، ولو اغتسل من بعد الاستنجاء، فلم يمس من فرجه من بعد بشيء من جوارح وضوئه، لأنه قد قيل ذلك أنه لا يجزي المغتسل غسل الجنابة بذلك عن الوضوء للصلاة، وقد قيل إنه يجزيه عن ذلك، لأن غسل الجنابة فريضة فإذا وقع حكم الغسل من بعد الطهارة من النجاسة من بدنه، ولم يمس بعد غسل جوارحه أحد فرجيه، فقد وقع الغسل والوضوء جميعا اعتقد الوضوء في الغسل أو لم يعتقده، وقد قيل إنه الوضوء الأكبر.
ومعي أنه قيل: لا يجزيه ذلك إلا أن يعتقد الغسل والوضوء جميعا، وإذا اعتقد ذلك كله في معنى الغسل وخرج معنى الغسل وخرج معنى الوضوء بعد التطهر من النجاسة، ولم يمس فرجه، جاز له ذلك وثبت له الوضوء والغسل، ومعي أنه قد قيل ولو اعتقد الوضوء في الغسل لم يجزه وعليه أن يتوضأ على الانفراد لأن الفريضة لا تدخل في فريضة على بعض ما قيل، وذلك على قول من يقول: إن غسل الحيض لا يدخل على غسل الجنابة، وإنما عليه غسلين للجنابة غسلا وللحيض غسلا، ومعي أنه إذا غسل موضع الأذى والنجاسة من بدنه، ثم توضأ وضوء الصلاة ونوى ذلك ثم غسل سائر بدنه واغتسل من الجنابة، أنه يخرج ذلك بمعنى الاتفاق أنه يجزيه، ما لم يمس في غسله أحد فرجيه، ولو كان وضوؤه للصلاة وهو جنب غير (9/24)
صفحة 2585
متطهر، وإذا غسل الأذى من بدنه وكان وضوؤه من بعد غسل الأذى ولا تضره جنابة بدنه لأنه طاهر.
ومعي أنه يثبت معنى غسله على غير الترتيب من وضوئه، على معنى التعمد لذلك، لم يجز ذلك الوضوء على قول من يقول: إن الوضوء لا يقع إلا على الترتيب، وعلى قول من يقول إنه يجزيه الغسل عن الوضوء، ولعل في بعض القول لا ينظر في الترتيب في الغسل لمعنى الوضوء، وأنه إذا غسل الجنابة بعد أن يغسل موضع الأذى والنجاسة من بدنه أن ذلك يجزيه للغسل والوضوء لأنه لا يختلف عندي في الغسل أنه واقع وثابت ولو لم يكن على معنى الترتيب وأنه واقع فريضة، وإذا ثبت غسل الفريضة على جوارح الوضوء وثبت غسلا ووضوءا إلا أنه فريضة وهذا القول يعجبني على حال لأنه إذا وقع غسل الجنابة بعد طهارة النجاة ويمس المغتسل فرجه بعد غسل شيء من جوارح وضوئه أن ذلك يقوم مقام الغسل اعتقد الوضوء أو لم يعتقد، أتى بالغسل على ترتيب الوضوء، أو لم يأت بذلك.
وأما تفريقه بين الغسل من الإناء أو النهر وأنه يجزيه الغسل عن الوضوء من النهر، ولا يجزيه من الإناء، إلا أن يعيد الوضوء ويتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل، وبعد الطهارة من النجاسة، فلا يبين لي وجه التفريق بين ذلك من أي وجه، ومعي أنه سواء اغتسل من نهر أو من إناء، إلا أنه في النهر أقرب إلى اليسر في معنى الأدب، وإذا ثبت وضوؤه بالغسل من النهر والماء الذي يقوم مقامه إذا كان في وسطه أو على جانبه فالإناء مثله عندي يفرق بين ذلك، ومعي أنه سواء على حسب ما مضى فيه القول من معاني الاختلاف، كان من نهر أو من إناء في وسط النهر، أو على جانبه، ويعجبني من ذلك في الإناء مثله في النهر، وإن ذلك يجزيه وأنه لا فرق فيهما ولا بينهما، إذا ثبت معنى ذلك على ما مضى من القول في الوضوء إذا دخل في الغسل لموضع يثبت فيه الوضوء من البشر.
وأما قوله: إذا مس فرجه من بعد غسل جوارحه، أنه يرجع يتمضمض ويستنشق، ثم يفيض الماء على بدنه ويدخل الماء حتى يبتل جميع بدنه، يجزيه ذلك عن الوضوء فهذا مما يدل من قوله عندي، أن وضوءه كان قد انتقض بمس فرجه، وإن صب الماء على بدنه وسائر جوارح وضوئه يقوم عند مقام الوضوء، وكذلك يخرج في معنى قوله عندي، إنه إذا دخل الماء حتى يبتل جميع بدنه أن ذلك يقوم مقام (9/25)
صفحة 2586
الغسل والوضوء، وهذا دليل أن مماسسة الماء لبشرة الجنب إذا ابتل يقوم مقام الغسل ويجزيه، وقد يوجد نحو هذا مؤكدا.
وإذا ثبت في الغسل وهو فريضة فليس يعيد أن يثبت في الوضوء ومثله لا بلوغ الماء إلى البدن موجب للطهارة، لأنه طهور، ومعنى الطهور لأنه مطهر، فبلوغ الماء الطهور إلى البدن الذي ليس فيه نجاسة، تبقى في الاعتبار بعد بلوغه، وإنما الغسل فيه تعبد للوضوء وغسل جنابة أو حيض، أو نجاسة لا تبقى.
مسألة: ومن الكتاب المضاف إلى أبي جابر محمد بن جعفر، والغسل من الجنابة فريضة في كتاب الله تبارك وتعالى، لا عذر لمن جهلها وهي أمانة يسأل عنها العبد يوم القيامة، وقال غيره: معي أنه لا يختلف في لزوم فرض الغسل من الجنابة، وثبوت فرضه في كتاب الله تبارك وتعالى، قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، بعد أمره تبارك وتعالى بالوضوء للصلاة، وكان أمره بالتطهر من الجنابة فرضاً ثابتاً، غير معنى ثبوت فرض الوضوء، وكذلك قوله: {لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ} (النساء:43)، فثبت لزوم الغسل من الجنابة من كتاب الله نصا ومن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرا وفعلا، وثبت في معاني الاتفاق من قول الأمة من جميع أهل القبلة لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك، وهي أمانة كما قال، ومعنى الأمانة في ذلك أن العبد مؤتمن عليها فيما بينه وبين نفسه، ليست من ظواهر الأعمال التي يطلع عليها في عامة الأحوال غيره وإن كان الدين كله أمانة لله تبارك وتعالى يسأل العبد عنه كله وما لزمه وخصه وجوبه فإنه يشبه ما يكون العمل به ظاهرا من الطاعة، ويظهر على العباد، وتركه ظاهرا مما يظهر على العباد فيكاد من لا يعمل ذلك لله باعتقاد صدق ونية حق، وعمل ذلك على وجه الموافقة للعباد ورجاء الموافقة لهم، وخوفا منه على نفسه من عقوبات الله من العباد، وهذه الأمانة هي في سرائره التي لا يكاد أن يعمل بوجوبها عليه ولا بأدائه لها فكانت من سرائر أمانة الله في دينه على العبد، وقد قيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الوضوء للصلاة من السرائر»، والوضوء يكاد أن يكون أظهر وأشهر من أفعال العباد في عامة أحواله في تعاهده له وجوبه عليه في كثير من أحواله، فإذا ثبت أنه من السرائر، كان الغسل من الجنابة أولى، لأنه أبعد من الظهور في
علم وجوب ذلك وتأديته من العبد.
ومنه فكان ذلك من الأمانات والسرائر، وأما قوله: لا عذر لمن جهلها فإنه (9/26)
صفحة 2587
يخرج في معاني القول أنه لا عذر لمن جهلها، إلا أن يكون يجهل العمل بها وهو قادر على العلم لها وطلب عملها، فلا يطلب علم ذلك مع جهله له ولا يعمل به، ولا يعتقد طلب علم ذلك حتى ينقضي وقت صلاة حاضرة مما يلزم أداءها بالطهارة، أو يصليها بغير طهارة، وينقضي وقتها على ذلك، أو يترك العمل بها وتأديتها لجهله بذلك، وهو يقدر على علم ذلك.
وفي بعض ما قيل إنه إذا حضر وقت العمل بها لم يسعه إلا علم وجوبها، والعمل بها بعد العلم بوجوبها، وفي بعض القول أنه إذا عمل بها قصداً منه إلى طاعة الله بها، أو عبادة الله، أو عمل بها في جملة ما هو معتقد للطاعة لله، جاز له ذلك وكان معذورا من علم لزومها، وكذلك الصلاة على هذا والوضوء للصلاة، فالقول في ذلك على حسب هذا.
ومن جامع ابن جعفر: والغسل من الجنابة فريضة من كتاب الله عز وجل لا عذر لمن جهلها وهي أمانة يسأل عنها العبد يوم القيامة، قال أبو محمد: أظنه أراد بقوله غسل الجنابة فريضة في كتاب الله، أنه عبادة كسائر العبادات التي تعبد الله بها عباده في كتابه لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، أي اغتسلوا، وقوله: لا عذر لمن جهلها، أنه من علم بجنابته فجهل أن عليه الاغتسال منها أنه لا عذر له بذلك عند الله.
إذا كان تلاوة القرآن تطرق سمعه بأمر الاغتسال، والاغتسال من تفسير ما أمر به في الجملة، وهو ممكن من السؤال، والمفسرون موجودون، وقوله: إنها أمانة أي أنه ينفرد بفعلها، ولا خصم له فيها كالمؤتمن على الأمانة، ينفرد بحفظها وهو مصدق في أدائها وضياعها فشبهها بالأمانة من هذا الوجه، على جهة المجاز والتوسعة، والله أعلم.
وأما قوله: يسأل عنها العبد يوم القيامة، فإنه يسأل عنها يوم القيامة كما يسأل عن الصلاة وغيرها من سائر العبادات إن كان أداها بحقها أو قصر فيها، وقد قال الله تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} (الأحزاب:8)، فأخبر أنه يسأل المطيعين، فمن صدق في فعله أو قوله فيما كلفه دليل على أن من لم يصدق في فعله وقوله أولى بأن يسأل كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة من يسيء الملكة»، وملعون من ضار مسلما أو غيره لا يدل على سقوط اللعنة عمن ظلم غير مؤمن، وكما قال جل ذكره في (9/27)
صفحة 2588
الوالدين: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} (الإسراء:23)، لا يدل على سقوط الوعيد عنه إذا أجاعهما أو ضربهما، بل النهي له أن يقل لهما أف يدل على ما كان فوق ذلك من الأذى لهما أن النهي أولى أن يلحقه، وأن الوعيد له على ذلك، وكذلك قوله عز وجل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} وهي: رجب وذي القعدة وذي الحجة والمحرم، {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} {التوبة:36}، فدل على إباحة الظلم في غير هذه الأربعة الأشهر المذكورة من الشهود والله أعلم.
ومن جامع ابن جعفر: وقيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يجزي الغسل من الجنابة صاع من ماء»، قال أبو محمدك أما قوله، إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يجزي للغسل من الجنابة صاع من ماء» فهذا خبر لم أحفظه والذي جاءت الأخبار ونقلته جملة الآثار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ بمد من ماء، واغتسل من الجنابة بصاع، هكذا جاءت الأخبار، فإن كان ذهب ابن جعفر إلى ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله فهو أمر به فغلط من التأويل، لأن الرواية عنه عليه السلام أنه قال: يجزي الصاع غير الرواية عنه أنه اجتزى بصاع، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، وفي الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه: «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
وأما الزبير بن العوام فإنه قال: والله ما سمعت النبي يقول متعمداً، وإنما قال من كذب عليّ تبوأ مقعده من النار، والكذب هو الإخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ما هو به، فالواجب على المسلم أن يتورع عند رفع الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن الإخبار عن أفعاله، وأن يقل كل شيء منه على صفته ولفظه، وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز أن يظن فيه أنه يأمر بالصاع لكل من لزمه الاغتسال مع علمه باختلاف أحوال الناس، وفيهم من يحسن الاقتصاد في صب الماء، وفيهم من درايته بذلك أقل، وفيهم قليل البدن، وفيهم غليظ البدن، وفيهم من عليه الشعر الكثير، وفيهم الأجرد، ومن لا شعر له على رأسه، وفيهم النساء، وقد روي من عائشة أنها قالت: اغتسلت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصاعين ونصف، كنا نتنازع الماء من إناء واحد، كل واحد منا يقول لصاحبه: إبق لي فهذا يدل على أن الماء الذي يتطهر به غير موقت مقداره ولو كان مؤقتا لكان المتجاوز لذلك مخالفا لسنة الرسول عليه السلام، والله أعلم. (9/28)
صفحة 2589
ومن جامع ابن جعفر: وقيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يجزي للغسل من الجنابة صاع من ماء».
ومن غيره قال أبو عبد الله -رحمه الله-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: اغتسل بصاع من ماء من الجنابة، واغتسل هو وعائشة بصاعين ونصف من ماء.
ومن غيره قال أبو بكر -رحمه الله-: إن الإنسان يلزمه أن يعلم أن الصاع يجزي للغسل فإذا كان عنده صاع من ماء كان عليه أن يتعلم كيف يغتسل به، وقال: إنه يحفظ ذلك عن الشيخ أبي سعيد، ومن جامع أبي الحسن.
وروي عن عائشة أنها قالت: اغتسلت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصاعين ونصف كل واحد منا يقول: ابق لي، فذلك يدل على أنه جائز أن يغتسل اثنان من إناء واحد.
ومن الكتاب: وقد يجزي الماء القليل لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ بمد من ماء وهو ربع الصاع ويغتسل بصاع والله أعلم، على هذا الحساب أن المد رطلان والصاع ثمانية أرطال والله أعلم.
وقد روي عن عائشة أنها أخذت عسا فحزرته قدر ثمانية أرطال فقالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل بمثل هذا، والذي أقول به أن تحديد الماء للغسل والوضوء غير لازم، لأنه يختلف لاختلاف دراية الناس، ومعرفة من يحسن الغسل وممن لا يحسن، وقد يجزي الماء القليل بلا سرف.
ومن الكتاب: وسألته عن الغسل من الجنابة، أهو فريضة؟ قيل له: نعم، غسل الجنابة فريضة في كتاب الله، وإنما يجب في شيئين: الجماع وإن لم ينزل الماء إذا التقى الختانان، أو أجازا في ذلك وجب الغسل من الجنابة، يجب الغسل وإن لم يجامع ولو كان احتلام، أو غيره كما قال الله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، يعني إذا أصابتكم جنابة فاغتسلوا بالماء، وقال: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ} وقال: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ}، فدل بأول الآية على أنه أمر بالغسل مع الوجود للماء، وفي آخر الآية التيمم مع العدم.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يغتسل الجنب في الماء الدائم، فلولا أن غسله فيه من الجنابة يفسده لم يكن ينهى عنه، وروي عن ابن عباس أنه قال: إنما يفسد الماء أن تقع فيه وأنت نجب، وذلك إذا كان الماء غير جار. (9/29)
صفحة 2590
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه النساء، وكانت عائشة تصلي في الثوب الذي تحيض فيه من غير أن تغسل الثوب، فإن رأت في الثوب لعله دماً أو بولاً غسلت ذلك الموضع، وعن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى أثر الجنابة حكها، ثم غسلها بالماء، وإذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب عليهما الغسل لرواية عائشة وغيرها.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن الأحكام مضمنة بالتقاء الختانين دون الإنزال كما يجب كمال الطهر، وفي الحل للزوج الأول، وفساد الحج، ووجوب الكفارة، وفساد الصوم، وكذلك الغسل.
ومن جامع فيما دون الفرج فأنزل فيه فعليه الغسل، وإن جامع في الفرج فإن عليه الغسل وإن لم ينزل، فأما ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الماء من الماء يجب أن يكون في غير الجماع، وفي غير الفرج، فيكون الخبر في كل من خرج منه الماء جامع أو لم يجامع، فإذا أنزل لزمه الغسل، وإن لم ينزل فلا غسل عليه.
ومن احتلم فأنزل الماء من امرأة أو رجل فعليه الغسل، كذلك روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأم سليم حين سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل، وقد قيل أنه قال لها: نعم، إذا رأيت الماء.
وفي بعض الحديث قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا رأت كما يرى الرجل؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، وفي جامع أبي محمد، وقد قيل: إن امرأة أتته - صلى الله عليه وسلم - قالت: يا رسول الله برح الخفاء المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل وتنزل هل عليها غسل؟ قال: نعم.
رجع: وإذا عبثت المرأة بنفسها، أو عبث بها زوجها، فأنزلت الماء، فإن الغسل يلزمها لذلك، وكذلك الرجل إذا عبث بنفسه فأنزل، يلزمه الغسل.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: ولا بأس على الجنب أن يعرك بدنه بيده، ويردها إلى الماء، ولا بأس بما طار من الماء من غسل يده إذا كان قد بقي الأذى، قبل أن يغتسل، ولا بأس بما وقع في إنائه من الماء الذي قد غسل به وتوضأ منه، وهذا مما لا يختلف فيه إلا من الغسل المستعمل المنفرد، لئلا يستعمل مرة أخرى، فلا يتوضأ بالمستعمل، وأما إذا وقع في ماء آخر لم يفسده ولم يغيره عن أحكام طهارته، والله أعلم بالصواب، وبه نستعين. (9/30)
صفحة 2591
ومن جامع ابن جعفر: فإن غسل الرجل وامرأته من إناء واحد يتنازعان الماء للجنابة فلا بأس، وقيل: يبدأ الرجل أولا، وقال محمد بن المسبح: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعائشة يغتسلان من ماء واحد.
ومن كتاب الشرح: وأما قوله: فإن غسل الرجل وامرأته من إناء واحد يتنازعان الماء للجنابة فلا بأس، وقيل: يبدأ الرجل أولا، وقوله: يبدأ الرجل أولاً قبل المرأة ليغرف الماء عندي أنه استحباب من قاله، فلا أعرف في ذلك سنة، ولهما أن يغسلا من إناء واحد يتنازعانه، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وعائشة يفعلان ذلك، تقول له: إبق لي، ويقول لها: إبقي لي.
مسألة: وعن رجل أصابته جنابة ولم يعلم بها، فذهب فاغتسل، كما يغتسل الرجل يوم الجمعة، فقد قالوا: يجزيه ذلك الغسل، كذلك قال لنا أبو المؤثر، عن محمد بن محبوب -رحمه الله-.
ومن غيره: قال: قد قيل إذا غسل ولم ينو به للجنابة ولم يعلم أنه جنب لا يجزيه، وإذا علم بأنه جنب ونسي الجنابة أجزاه إذا غسل وهو ناس الجنابة، وقد كان علم بها، وقال من قال: إنه لا يجوز في كلا الوجهين، إلا على النية لغسل الجنابة، وقال من قال: إنه لا يجزيه على كل ذلك، ويجزيه أن لو كان في موضع لا يجد ماء فيتمم للصلاة أن ذلك يجزيه على الجهل والنسيان، وقال من قال: لا يجزيه على الجهل، ويجزيه على النسيان، وقال من قال: لا يجزيه على كل ذلك بالاعتقاد التيمم للجنابة.
مسألة: ومن كتاب المعتبر: ومما يوجد أنه معروض على أبي معاوية -رحمه الله- قال مالك بن أنس: وأهل الحجاز والشافعي وأهل مكة، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل العراق وأهل البصرة: لا اختلاف بين العلماء أعلمه من أهل الأمصار، إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، وكل هؤلاء الذين ذكرنا يخبر بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تنازع بينهم فيه ولا اختلاف.
ومن غيره قال: وكذلك عن أصحابنا، لا نعلم بينهم اختلافا أنه إذا غابت الحشفة في قبل أو دُبر، من جماع في ذكر أو أنثى أو دابة، من جميع ذوات الأرواح، أنه يجب الغسل، وكذلك قال الشافعي: وكذلك من تلوط، أو أتى (9/31)
صفحة 2592
بهيمة حتى توار الحشفة، فقد وجب الغسل، ولم يقل هذا أبو حنيفة، وأبو يوسف.
وقال أبو معاوية -رحمه الله-: إذا غابت الحشفة في جماع، فقد وجب الغسل، قال غيره: قد مضى عندي ذكر هذا ولا يحتاج إلى إعادة شيء منه، وإنما أردنا ذكر المسألة وثبوتها في موضعها.
من كتاب المعتبر: ومما أحسب عن أبي علي -رحمه الله-، وعن رجل عبث بامرأة حتى نشر ذكره، ثم تركها، فلما سكن ذكره أنزل عليه غسل؟ فنعم، أرى عليه الغسل، لأنه عن شهوة أنزل، ومن غيره معنا أنه إذا ثبت معنى خروج الجنابة منه بأي وجه في يقظة أو منام، من شهوة أو غير شهوة، إلا أنه يصح أنها جنابة ليس هي من المذي، ولا الودي، فإذا لم يكن ذلك من الماء الدافق مع حضور الشهوة، واضطراب الذكر قبل السكون، فمعي أنه يختلف فيه، فقال من قال: كل جنابة حية أو ميتة ففيها الغسل بثبوت اسم الجنابة، وقال من قال: إنما عليه الغسل من الماء الدافق مع الشهوة مع الاضطراب والانتشار، ومعي أنه يشبه معنى ذلك خروج النطفة مع الشهوة في خروجها، ولو كان بعد السكون من الذكر، أو غير اضطراب، ولا انتشار إذا كان ذلك الماء الدافق خرج مع الشهوة، كان في يقظة أو في منام، مع معالجة ومع غير معالجة، مع احتلام أو مع غير احتلام، فإذا خرج معنى الماء الدافق بالشهوة فهذا الفصل عندي مما يشبه معاني الاتفاق في وجوب الغسل لأنه قد ثبت معناه فسواه كان بانتشار واضطراب، أو غير ذلك، وهو معنى الشهوة وأشد سائر هذا بعد هذين الفصلين، خروج النطفة بعد سكون الاضطراب وفتور الشهوة التي بها ومعها ينزل الماء الدافق إذا كان مع الاضطراب وحضور الشهوة أو مع حضور للشهوة ولو لم يكن اضطراب، ممسكا مجرى الماء الدافق بيده، أو بغير ذلك مما يمسكه، ويحتمل إمساكه به من شدأ وحبس، أو وجه من الوجوه، فلما زال ذلك الإمساك خرجت النطفة معا، ويحتمل أن يكون لم تخرج النطفة مع الشهوة إلى المجرى من ذلك الذي يحبس فيه النطفة عند الإمساك، فإن كان يحتمل هذا وهذا عنده مما يجزي به العبادة، كان هذا أقرب عندي إلى معنى الشبهة إذا كان ذلك بعد حضور الشهوة التي ينزل بها الماء الدافق، ومن بعد سكونها، ويعجبني في هذا الموضع لزوم الغسل له للأغلب من الأحوال، إن مع حضور الشهوة ينزل الماء الدافق، وقد كان
ثم حائل يحول بينه (9/32)
صفحة 2593
وبين الخروج، فلما نزل ذلك خرج، فهذا أقرب عندي إلى ثبوت حياة النطفة، ثم من بعد هذا عندي إذا خرجت النطفة مع اضطراب، ولو لم يكن هناك حضور شهوته، لأنه قد كان مع ذلك ما يقرب إلى خروج النطفة الحية، فإن كان بعد الانتشار والاضطراب من غير حضور الشهوة، سكن الإحليل عن الاضطراب، ثم من بعد سكونه خرجت النطفة، فذلك عندي أبعد وأشبه بالمذي والنطفة الميتة.
وإذا كان مذيا فلا غسل فيه، ثم من بعد هذا الفصل أقرب من الشبهة أن تحضر الشهوة التي بها نزول النطفة مع الاضطراب، ويكون ذلك كله ثم يسكن الاضطراب، وتفتر الشهوة ويزول ذلك كله، ثم يخرج النطفة، فهذا عندي أقرب إلى معنى الحياة ودخول الشبهة في ثبوت الغسل، لأنها أقرب إلى الحياة، وهذا كله عندي مما يشبه عندي معنى الاختلاف، وإذا لم يكن إنزال مع حضور الشهوة والاضطراب الذي ينزل به الماء الدافق، وإنه إن كان كذلك؛ فهو الذي يخرج فيه عندي معنى الاختلاف، كان خروج ذلك في يقظة أو منام لمعالجة أو باحتلام، أو بوجه من الوجوه، فذلك فيه ثبوت معنى الغسل بمعنى الاتفاق عندي، مع أنه إذا ثبت خروج النطفة منه بوجه من الوجوه، ولو كانت ميتة فقد قيل في ذلك باختلاف، وكل ما كان أقرب إلى الشبهة، كان أقرب من معنى لزوم الغسل.
ومعي أنه يخرج في بعض معاني القول عن بعض أهل العلم، وقد سئل عن المذي والودي والمني، فقال: أما المذي أو فقال المذي، أو فقال: المذي نطفة، غير أنه يخرج من الرجل بعد سكون الانتشار، والودي نطفة بيضاء، تخرج من غير شهوة ولا انتشار على أثر البول، وقبل البول، أو كيف خرجت على معنى قوله.
وأما المني: فنطفة بيضاء تخرج من الرجل عند الاضطراب وحضور الشهوة، فقد سمي هذا كله نطفة وإذا ثبت مع النطفة، فالنطفة هي: الجنابة لقول الله في خلق الإنسان: {مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ}، وقال الله: {مِن مَّاء دَافِقٍ}، وذلك كله يجتمع في اسم الجنابة، فعلى قول من يقول في النطفة الميتة أن فيها الغسل، فعند صاحب هذا القول أن هذا كله نطفة، لا يتعرى أن يثبت عنده معنى الغسل من جميع ذلك لثبوتها نطفة وجنابة، وماء دافق، لأنها مجتمعة في الأسماء، مع أن أكثر القول من قول أصحابنا في المذي والودي مجرد فيه القول أنه لا غسل فيه، وأن المني مجرد فيه القول، إن منه الغسل، وإن النطفة الميتة يلحق (9/33)
صفحة 2594
فيها معنى الاختلاف في الغسل، فينظر في ذلك كله، ومعنى ثبوت النطفة ما هي؟ وإذا ثبت الفرق بين المذي والودي والمني، بحال آخر من النطفة الميتة، كان ذلك عندي خارجا على معنى ما وصفت لك من تلك الفصول، واختلاف معاني قربها وبعدها.
وثبوت معاني الاختلاف فيهما من الأحوال من حضور الاضطراب والشهوة، وكذلك إذا خرجت نطفة بيضاء من غير حضور شهوة ولا اضطراب، لحقها عندي حكم الاختلاف، وهو أبعد ما يكون عندي من معاني الشهوة إذا خرجت لغير أسباب اضطراب ولا شهوة، وهي النطفة الميتة الصريحة عندي بلا شبهة، وما أشبهها فهي مثلها وفيها معنى الاختلاف بثبوت الغسل، بمعناها وما خرج من شيء بعد ذلك من أبيض أو أغبر، ليس بغليظ يلحق شبه الماء الدافق في البياض والغلظ، فما كان منه أغبر فهو عندي المذي ولا غسل فيه، وما كان منه أبيض دون النطفة في الغلظ، مما يشبه الماء الدافق في أي وجه خرج، فهو الودي، فلا أعلم اختلافا في الودي والمذي، أن فيهما وجوب الاغتسال، ولو خرج المذي والودي اللذان هما دون الماء الدافق في الشبهة في البياض والغسل على اضطراب أو شهوة، لم يكن ذلك موجبا للغسل إذا صح أنه مذي، أو ودي، ولا يصح اختلاف الأحكام، إلا في اختلاف المعاني، وأما المذي والودي كيف ما خرجا، فلا غسل منهما، ولا فيهما، فلا أعلم في ذلك اختلافا.
في معنى النص من القول: والنطفة الميتة وهي البيضاء الغليظة يلحقها معنى الاختلاف، والنطفة الحية وهي البيضاء الغليظة الخارجة مع الشهوة الحاضرة مثلك هي الماء الدافق والجنابة والنطفة التي بها وجوب الغسل بمعاني الاتفاق عندي، فافهم معاني الاختلاف في ذلك، أو خلافه في أوقاته وألوانه وشبهه، وما خرج على معنى الرطوبات مما يشبه البول، فذلك خارج عن معنى النطفة، وعن المذي والودي إلى معنى شبه البول، ولا يشبهه في ذلك عندي في وجوب الغسل، وإنما فيه الاستنجاء بمنزلة البول عند خروجه، فهو ينقض الوضوء بمنزلة البول، والمذي والودي، والنطفة الميتة على قول من يقول لا غسل فيها، وفيها الاستنجاء والوضوء منها. (9/34)
صفحة 2595
الباب الثاني
في كيفية الغسل
ومن جامع ابن جعفر: ومن اغتسل من إناء فيبدأ أولاً بغسل كفيه، ثم ليغسل الأذى، ثم ليتوضأ وضوء الصلاة، وإذا طهر الأذى فلا بأس أن يمس بدنه ويعركه بيده ويردها إلى ذلك الماء، فإن وقع في نهر فبدأ بالغسل، قيل: الوضوء فلا بأس، ولو فعل ذلك إذا اغتسل من الإناء، ثم أبصر فساداً، وقد يكون ما يؤمر به إذا أمكنهن وأحبّ إليّ لمن يغسل من الجنابة أن يبدأ بعد المضمضة والاستنشاق بغسل رأسه، وفي نسخة بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ووجهه، وعنقه، ثم يده اليمنى وما يليها، ثم اليسرى وما يليها، ثم ظهره وصدره، ثم رجليه، وفي نسخة؛ اليمنى ثم اليسرى، ويعرك بدنه، فإنه قيل: تحت كل شعرة جنابة، وإن قدم جارحة قبل الأخرى فلا بأس.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: يغسل كفيه، ثم الأذى، ثم يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يغسل وجهه، ثم ذراعيه، ثم يفيض الماء على رأسه، ثم على بدنه، وغسل المرأة من الحيض والجنابة سواء.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: وسئل عن كيفية الغسل من الجنابة: فإنه يبدأ فينوي الغسل من الجنابة، ثم يذكر اسم الله ويغسل يده ثلاثا احتياطا من كل نجاسة في بدنه، ثم يستنجي ويغسل كل ذي نجاسة عليه علمها، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الماء حتى يغسلها ثلاثا»، وقد قيل إنه قال: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه، وقد قيل أنه قال: لا يدري أين باتت يده، ثم يتوضأ وضوء الصلاة غير قدميه، هكذا رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم يفيض الماء على رأسه، وسائر جسده، مع إمرار يده على مواضع (9/35)
صفحة 2596
الغسل، وإن لم تصب اليد على موضع منه، فإن الماء يجزيه، لأن الله تعالى جعل الماء طهورا فهو مطهر لما أصاب منه.
كذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه إذا أفاض الماء على رأسه وسائر جسده»، وقوله عليه السلام: «إذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك»، والمأمور به يقتدى لمن أراد الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد الغسل أن يبدأ بذكر اسم الله، ثم يغسل يده ثلاثاً، وكفيه قبل أن يدخلهما الماء ثم يستنجي ويغسل كل نجاسة فيه، وما يتخوف أنه أصابته نجاسة، ثم يتوضأ وضوء الصلاة كأحسن ما يتوضأ به للصلاة، وإن كان في موضع قذر لم يغسل قدميه فإذا توضأ للصلاة بدأ فأفاض الماء على رأسه، وغسل عنقه وحلقه، وخلل لحيته، ثم أفاض الماء على جسده يمينا وشمالاً، يبدأ بيده اليمنى، وما يلي ذلك من جنبه، وظهره وصدره، ثم الشمال ثم رجله اليمين، ثم الشمال ويعرك بدنه لما جاء في الحديث أنه: «تحت كل شعرة جنابة»، ثم ننحى فغسل قدميه، وإن بدأ بالغسل قبل الوضوء أجزاه ولا نقض عليه، وقد جاز غسله لأن الله تعالى قال: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ}، ولم يأمر بأكثر منه، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وجدت الماء فامسسه بشرتك»، ولم يأمر بغيره ومن قدم جارحة قبل الأخرى فلا بأس، وغسل المرأة من الحيض والجنابة سواء.
مسألة من كتاب جامع ابن جعفر: وأما قوله فليبدأ بيديه فإنا نأمره بغسل يديه كان مغتسلا من إناء أو غير إناء إذا كان بيده شيء من النجاسة، وإن لم يكن بيديه شيء، فليس عليه غسلهما، أدبا ولا فرضاً، إلا أن يكون قام من نوم الليل، فإنا نأمره بغسلهما ولو كانتا طاهرتين، وأما نوم النهار فلا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت منه».
فإن قال قائل: لم أمرته بغسلها من نوم الليل، ولم تأمره بغسلها من نوم النهار؟ قيل له: لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: فإنه لا يدري أين باتت منه يده، والبيتوتة لا تكون إلا من نوم الليل، وغسل اليدين ليس بواجب.
وفي رواية أخرى أنه قال: لا يدري أين باتت يده منه إلا أن تكون بهما نجاسة، فإن قال قائل: قد زعمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسلهما، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم – عندك (9/36)
صفحة 2597
على الوجوب، فقل: إن غسلهما واجب، قيل له: لو تركنا وظاهر الخبر لكان واجبا، ولكن قامت الدلالة على أن غسلهما غير واجب، وإن السبب لغسلهما ما كان عليه المسلمون في صدر الإسلام قبل نزول فرض الاستنجاء بالسنة فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بغسل أيديهم استطابة لئلا تكون أيديهم وقعت على شيء من النجاسة على شيء في حال نومهم، لأن النائم تنتقل يده في حال نومه على سائر جسده، وحيث تكون النجاسة به.
ويدل على ذلك ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإنه لا يدري أين باتت منه يده»، وأما قوله: ثم يغسل الأذى فهو كما قال، لأن غسل النجاسة واجب قبل غسل طهارة الصلاة لقول الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (المدثر:4)، فأمره بتطهيرها قبل فعل الصلاة، ونحن ندخل معه في كل أمر أمرَ به، أو نهي نهى عنه، إلا ما بينه عليه السلام أنه خص به دوننا.
وأما قوله: ثم يتوضأ وضوء الصلاة فذلك واجب مع الغسل، فإذا فعل ذلك فقد خرج من العبادة وحل له الدخول في الصلاة، وأما قوله: إذا طهر الأذى، فلا بأس أن يمس بدنه ويعرك بيده ويردها إلى ذلك الماء، فهو كما قال: لأن الجنب ليس بنجس، وإنما النجاسة فيه حيث حلت فيه الجنابة من ظاهر جسده، فإذا طهر النجاسة حصل ظاهرا وبقي عليه فرض التطهر بالماء والاغتسال الذي عليه عباده.
لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لحذيفة وقد اعتذر بجنابته: «المؤمن لا يكون نجساً»، وأما قوله: ثم يعرك بدنه فإني لا أعرف وجه ذلك لأن الناس في الاغتسال على قولين فمنهم من ذهب إلى أنه من صب على نفسه ولم يمر يده على بدنه فقد ثبت له اسم مغتسل، واللغة توجب ذلك، واحتجوا لصاحب القول الأول بقول لبيد شعرا:
وبتنا جميعا ناعمين بلذة
وجاءت سحاب فاغتسلنا بقطرها ... تحدثي طوراً وأنشدها الغزل
وما عملت كفي عركا لمغتسل
والقول الآخر قول لأصحابنا ومالك بن أنس وابن عليّة: إن الاغتسال صب الماء وإمرار على البدن، فأما العرك فلا نعرفه إلا في غسل النجاسة القائمة العين وهو مع هذا يقول في كتابه إن وقف في غيث، ولم يعترك أجزاه عرك، وأما قوله: وإن وقع في نهر فبدأ بالغسل قبل الوضوء فلا بأس، ولو فعل ذلك إذا (9/37)
صفحة 2598
اغتسل من الإناء، لم أبصر فسادا وترك ما يؤمر به إذا أمكنه، وقوله: لا بأس إذا اغتسل من غير مسح، فإنه يصح لمن لم يرد الصلاة بتلك الطهارة، إلا أن يكون أراد بقول من ذهب من أصحابنا إلى أن الاغتسال من الجنابة طهارة للصلاة كافية تامة، لا يحتاج معها إلى المسح، واحتجوا بقول الله جل اسمه: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، في نسق الآية.
والذي نختاره نحن ونراه واجباً، ما ذهب إليه أكثر أصحابنا وعليه عملهم أن الجنب إذا قام إلى الصلاة مخاطبا بفرضين، فرض المسح، وفرض الاغتسال، الدليل على ذلك قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} (المائدة:6)، يعني بذلك والله أعلم: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون قد قيل إنهم خوطبوا بهذه الآية، وقد قاموا من نومهم، فكأنه قال: إذا قمتم من مضاجعكم وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم إلى قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، أي فاغتسلوا، فدل بهذا الخطاب على أنهم إذا قاموا إلى الصلاة وهم محدثون أن يغسلوا ما أمرهم بغسله من الأعضاء، بعد أن يغسلوا ما عليهم من الأنجاس التي فرض عليهم غسلها بما قدمناه {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} فالأمر بالاغتسال لا يسقط عنهم الأمر بالغسل للأعضاء لأنه أمر بفعلهما جميعا، فالمأمور لا يسقط عنه فرض العبادة مما أمر به إلا أن يفعل ذلك، أو تقوم دلالة بإسقاط أحد الفرضين، فإذا لم تقم دلالة فالفرضان باقيان، وعلى المأمور بفعلهما أن يأتيهما، وبالله التوفيق.
وأما قوله: وأحب إليّ لمن يغتسل من الجنابة، أن يبدأ بعد المضمضة والاستنشاق، بغسل شق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ووجهه وعنقه، ثم يده اليمنى وما يليها، ثم اليسرى وما يليها، ثم ظهره وصدره ورجليه، كذلك يعرك بدنه فإنه قيل: تحت كل شعرة جنابة.
وأما الذي ذكره في ترتيب الاغتسال، فأنا كذلك نقول؛ لأن الخبر ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا يبدأون بميامنهم في الاغتسال، وأما قوله: تحت كل شعرة جنابة، فإن ذلك عندنا على معنى الحكم، لا على أن هنالك محل الجنابة، ولو كانت تحت كل شعرة جنابة لوجب غسل كل موضع من ذلك كغسل الشيء النجس، لأن الجنابة عندنا نجسة، وإنما أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يبالغ إلى كل موضع في إيصال (9/38)
صفحة 2599
الماء إلى كل موضع من الجسد، كما قيل: قال عليه السلام: فبلوا الشعر وأنقوا البشرة، وإن ترك الترتيب المستحب وعم بدنه الاغتسال، فقد خرج مما أمر به ولا ينبغي أن يدع الترتيب الذي أمر الفقهاء به.
ومن الكتاب: وأما قوله: وقيل: إن لم تنتقض المرأة ضفائر شعرها وتعركها كذلك أجزأها، ويبلغ الماء صب الشعر فهو كما قال، لأن المراد من غسلها أن يصل الماء إلى أصول الشعر إجراء اليد عليه، أو يلاقي ما تلاقيه اليد على إجراء في حال الغسل فهذا كان مع وصول الماء إلى جميع ظاهر البدن، ومن أمكن أن يصل به المغتسل الماء إلى سائر جسده إلى المواضع التي لا يصلها إلا بادي منه، فإن ذلك لا يلزمه، والغسل صب الماء على المواضع التي المأمور بغسلها هكذا في ظاهر اللغة دون إمرار اليد مع الماء على البدن.
وأما الذي نعرفه من قول أصحابنا؛ قول مالك بن أنس وابن عليّه فإنهم لا يعرفون الغسل إلا صب الماء، وإمرار اليد على ما يؤمر به المغتسل، وأنهم أخذوا ذلك عملا من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة من بعده، والله أعلم.
وأما المسح؛ فهو خفيف الغسل، وليس بصب الماء، وكذلك يقال لمن أمر بالطهارة من الحدث في الصلاة، إذا أراد القيام إليها يمسح، وكذلك يقول قائلهم: تمسحت للصلاة، وهو غاسل الأعضاء إذا فعل ما أمره الله به لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}، فكان المتمسح منا غاسل الأعضاء به، ويقال لغاسل الأعضاء قد مسح، ويقال: قد وضأ الوضوء، مأخوذ من النظافة وكان المتمسح نظف وجهه وحسنه، والوضوء في اللغة مأخوذ اسمه من الوضاءة، يقال للوجه الحسن؛ وجه وضيء لحسنه، وكان غاسل الأعضاء نظفها وحسنها إذا فعل ذلك والله أعلم.
مسألة: ومن كتاب المعتبر.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وغسل المرأة في الحيض والجنابة سواء، وقيل: إن لم تنقض ضفائر شعرها وعركتها، وكذلك أجزأه، ويبلغ الماء أصول الشعر، وقال محمد بن المسبح: إلا أن تكون عاقدة شعرها بخيط فلتحله ليصله الماء.
قال غيره: ومعي أنه قد قيل في المرأة؛ إذا كانت ضافرة شعرها ولزمها الغسل اللازم من جنابة أو حيض أو نفاس، أن عليها أن تنقض ضفائرها، وقيل: إنه (9/39)
صفحة 2600
ليس عليها ذلك إذا كانت إذا دلكته بالماء بلغ الماء إلى داخل الضفائر، وإلى أصول الشعر في معنى الاعتبار، فإن ذلك يجزيها على هذا الوجه، والقول الأول يخرج إذا لم تدلك شعرها على هذه الصفة، وهذا القول يجزي إذا كان يخرج معها على هذا الوجه.
وكذلك قول من قال: إنها إن كانت عاقدة على ضفيرتها بخيط أو بغيره فإذا كان في الاعتبار يحول بين الماء وبين الشعر حتى لا يبلغه من ذلك من المماسسة ما يقوم مقام الغسل كان عليها عندي أن تحل العقد، لأن الشعر كله يلزم غسله طال أو قصر، من أصوله إلى أطرافه، كما يلزم بشرة البدن كله لأن جميع ما حمل البدن من ذاته يلزمه معنى الغسل من شعرها، أو غيرها إلا ما عارضه من غير ذواته، إلا أنه إن كان من عذر ذلك المعارض من غير ذواته، وكان يحول بين البدن أو الشعر من البدن، فقد قيل: إن لم يخف من الضرر أجزى الماء والغسل على ذلك المعارض بقدر ما يبلغ الماء إلى موضع الغسل بالبلل، وإن لم يقدر إلى بلوغ الحركة إليه مع البلل، وإن قدر على بلوغ الحركة إليه مع البلل، وإن قدر على بلوغ الحركة إليه مع البلل، وجب ذلك على قول من يقول به أنه لابد منه مع بلوغ الماء.
ومن الكتاب: وأما المرأة فإذا رأت كمثل ما يرى الرجل في نومها حتى قذفت فلا غسلها عليها.
قال غيره: وقد يوجد أن عليها الغسل من ذلك.
وقال غيره: وعن أبي معاوية -رحمه الله- قال: اختلف الناس في ذلك؛ فبعض قال: عليها الغسل، وبعض قال: ليس عليها، ومنه ومن عبث بها زوجها فيما دون الفرج أو عالجها هو أو غيره، أو عبثت هي بنفسها، حتى قذفت الماء الدافق، فإن الغسل عليها.
من غيره: وقد يوجد أن لا غسل عليها إلا من جماع أن تولج، أو تكون ثيبا فيصيب الماء على فرجها.
وقال غيره: معي أنه قد قيل هذا وشبهه في المرأة، وأحسب أن الذي يذهب بإزالة الغسل عنها في الاحتلال، لأن الاحتلام للرجال، وبه يجب معنى حكم بلوغهم، والحيض للنساء، فيذهب أنه لا يجتمع عليهن حكمان، حكم الغسل من الاحتلام، وحكم الغسل من الحيض، وكل من المتعبدين مخصوص بالغسل (9/40)
صفحة 2601
الرجال والنساء بما خصه حكمه، وإذا ثبت هذا المعنى أشبه عندي جميع ما أصابها حكم ذلك في اليقظة، بمعنى ثبوت ذلك بمعنى الاحتلام وما لم يجب عليها حكم الجماع الذي وقع عليها فيها حكم الإجماع، لأنه ليس بين حصول خروج المني منها في اليقظة وبين خروجه منها في المنام فرق، لأنها تكون بهذا جنبا وبهذا جنبا، وقد قال الله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، وليس أحد يدفع أنها ليس بجنب إذا أصابتها الجنابة في يقظة أو في منام، فإن ثبتت المخاطبة على الرجال دون النساء بقوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} وإذا وقع الجماع عليهم في ذلك فلا يفرق بين المرأة في حكم الجنابة أصابتها في يقظة ولا في منام، وإن لزمها في حكم ذلك إذا أصابتها في اليقظة لمعنى في معنى من المعاني، فلا مخرج لها في ذلك من ثبوته عليها في المنام، لثبوتها جنبا إذا أصابتها الجنابة، ولمعنى الاتفاق أن الذي يخرج منها هو المني، لقول الله تبارك وتعالى في تسمية ذلك كله من الرجال والنساء بمعنى واحد: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} (الطارق: 5 - 7)، فقيل إنه مما يخرج من الصلب هو ماء الرجل، وما يخرج من الترائب هو ماء المرأة.
وقال تبارك وتعالى في خلق الإنسان: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ} (الإنسان:2)، أي هو من نطفة مختلطة في معنى ما قيل، والأمشاج المختلط، وهو اختلاط نطفة المرأة ونطفة الرجل، هما الأبوان، فقد سماه الله كله نطفة، وسماه الله كله ماء دافقاً، فقد وقع معنى الاتفاق أنه إنما لحق اسم الجنابة، وكان جنبا بمعنى هذا الذي هو متفق في الاسم والمعنى من الرجل والمرأة، فإن لزم المرأة الاسم بخروج الجنابة منها أنها جنب في معنى النطفة، فمثله في المنام، وإن لم يلحقها ذلك في حكم المنام فمثله عندي في اليقظة ما لم يصح ويثبت عليها معنى الجماع الذي وقع عليها وعلى الرجال فيه حكم الإجماع أن عليها الغسل في الجماع لقول الله: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} وكل ذلك بمعنى واحد عندي إن لم يكن في اليقظة أقرب عذرا لها، وإذا جاز أن يفرق بينها وبين الرجل في حكم الجنب، وقد استويا في الاسم والمعنى، فيلزم الرجل من ذلك ما لا يلزم المرأة.
وقد قال الله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} ولو لم تكن هذه عامة للرجال والنساء في معنى قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} إذ يخرج في ظاهر الأمر مخاطب بها الرجال والنساء في معنى قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، إذ فكذلك مثله عندي {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء}، إنما مخاطب به الرجال وإنما خوطب هذا، وهذا (9/41)
صفحة 2602
في معنى واحد وإذا استقام هذا في الصلاة إنها على الرجال دون النساء، وإذا استقام هذا بطل التعبد عن النساء، وبطل اسمهن من الإيمان، لأن المخاطبة للمؤمنين فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، القصة كلها على أصل المخاطبة في الذين آمنوا، فلا أحد يدفع هذا فلا يقدر على دفعه فيخرج النساء من جملة أهل الإيمان، ولما أن لم يثبت هذا وبطل وثبت أنهن في جملة المخاطبين في الصلاة، والطهارة للصلاة ثبت أنهن من المخاطبين بالتطهر من الجنابة، بمعنى واحد هُنّ والرجال، وأنه ما خص الرجال من ذلك فهن مثلهم، وما عمهم من ذلك فهن مثلهم بمعنى أصل المخاطبة، وقد كان إذا كان على هذا لئلا يكون عليهن غسل في الوطء، وإنما يكون على الرجال إذا كن غير مخاطبات بذلك، فلما وقع الاتفاق أن عليهن الغسل من الجنابة من الجماع، وكانت المخاطبة سواء لم يكن لهن مخرج من المخاطبة في الغسل في الجملة من حكم الجنابة.
إذا كانت المخاطبة واحدة لم يستقم أن يخرجهن في شيء، ويدخلهن في شيء بغير دليل واضح فلما أن ثبت الإجماع عليهن الغسل بالجماع كان مثله في الجنابة، ولما أن ثبت الإجماع أن الجنب إنما يلحقه اسم الجنابة بمعنى خروج المني منه والماء الدافق كسائر ذلك من الأحداث من الحيض، والاستحاضة والنفاس، والبول والغائط، فبخروج الحدث وحصوله بأي وجه كان يقظة أو منام، ثبت حكمه ومعناه، ولحق اسمه لا يختلف معنى ذلك ولا حكمه ولا اسمه، ولما أن ثبت ذلك في الرجل بأية حال كان منه خروج المني والماء الدافق، أشبه ذلك في المرأة إذا كانت في جملة المخاطبين لجميع ذلك.
ومعي أنه أكثر القول أن عليها الغسل إذا كان ذلك منها في اليقظة بوجه من الوجوه، وإنما أكثر ما يختلف في ذلك منها إذا كان في المنام على وجه الاحتلام لمعنى ما جرى ذكره من تعبد الرجال بمعنى الاحتلام وتعبدها هي على معنى الحيض وليس هذا عندي بمعنى حجة والله يحكم ما يشاء، وقد خص الله بإلزام الغسل الجنب وقد ثبتت هي في جملة أهل الجنابة من المؤمنين، وقد خص الله الحائض بالغسل، وكان ذلك خارجا على النساء دون الرجال بما لا يختلف فيه بمعنى ظاهر حكم الله تبارك وتعالى من الكتاب بوجوب الغسل على الجنب بأي حال استحق الجنب الجنابة، وبوجوب بالجماع بأي وجه وجب عليه معنى الجماع من المتعبدين، ولو لم يحصل عليه اسم الجنب فحكم الجنابة غير حكم الجماع في معنى الاسم. (9/42)
صفحة 2603
وإن كانا متشابهين، ومتساويين في الحكم والمعنى، وليس لمن وجب عليه الغسل معناه بمعنى الجماع، ولو لم يكن منه جنابة أن يقرأ القرآن، ولا يدخل المسجد لموضع ما يثبت حكمه ومعناه مشبها لمعنى الجنب، ومعناه وإن لم يسم جنبا أثبت عليه حكم الجنب عليه، لأنه مشبه له وما أشبه الشيء فهو مثله، وإذا لم يكن من المرأة والرجل، ولا كان منه معنى جماع، ولا جنابة، فلا نجد له في حكم الاتفاق، ولا عليه موضعا يجب عليه به الغسل إلا بجنابة أو بجماع، أو ما أشبه ذلك فإنه ما أشبه الشيء فهو مثله، وإذا لم يحصل من المرأة أو الرجل، ولا كان منه معنى جماع ولا جنابة، فلا نجد له في حكم الاتفاق، ولا عليه موضعا يجب عليه الغسل إلا بجنابة أو جماع وما أشبه ذلك فإنه ما أشبه الشيء فهو مثله.
ومعي أنه مما يشبه معنى الجماع على المرأة، أن يقذف الرجل الماء الدافق على فرجها يلج فرجها، فإذا ولج في فرجها من معنى الجماع أشبه ذلك معنى الجماع في معنى ما قيل إنه إذا تعمد إنزال النطفة في فرجها فولجت في فرجها موضع الجماع حيث يكون بحصول الجماع فيه يجب عليه الغسل، كان عليه الغسل، كان عليها في ذلك الغسل، وإن كانت حائضا كان مجامعا على سبيل التعمد، وإن كانت ليست بزوجته كان بمنزلة الجماع لها وأنه المجامع لها، وخرج في معنى في قول أصحابنا أنها تفسد عليه بمعنى ذلك.
وأما في الغسل وثبوته عليها فلا أعلم أنه يحضرني ذلك معنى اختلاف بقول منصوص في حكم وطئه فيما يفسد عليه الوطء به، فمعي أنه يخرج في أكثر القول أنها تفسد عليه إذا كانت حائضا على قول من يقول بفسادها عليه في الوطء في الحيض على التعمد.
ومعي أن بعضا لا يوجب بمعنى ذلك وطئا يوجب به معنى الفساد إذا كان الوطء المجتمع عليه أنه وطء وهو أن تغيب الحشفة مجامعا ويلتقي الختانان فذلك الوطء الذي يوجب الحد والعدة والغسل ويحل المطلقة ثلاثا، وإذا وجب أن هذا وطء يحرم الحائض وغيرها بمعنى ولوج النطفة في الفرج ثبت معنى ذلك أنه يوجب الحد وتلزمه منه العدة وتحل منه المطلقة ثلاثا وفي جميع الأحكام فلما إن لم يكن كذلك على الاتفاق أشبه فيه معنى الاتفاق في جميع أحكامه من معنى وجوب الغسل على المرأة وفسادها عليه وألا يكون لها عليه رجعة في العدة وأشباه هذا كله يخرج بمعنى واحد. (9/43)
صفحة 2604
فأما في العدة وإحلال المطلقة ثلاثا ووجوب الحد عليها فلا أعلمه مما قيل في الاتفاق والاختلاف ولا يشبه ذلك عندي معنى الاختلاف فيه إلا في العدة أن يشبه ذلك فإن ذلك يحسن عندي أنه يشبه بمعنى الاختلاف ولا يشبه ذلك.
ومما يشبه ذلك أنه قيل لو حملت منه على ذلك كان عليها العدة منه، وأدركها ما لم تضع حملها ولا يبين لي في ذلك اختلاف لقول الله: {وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (الطلاق:4)، وقد ثبت معناها أنها حامل منه، وإذا ثبت أنها حامل منه فلم تحمل منه إلا من تلك النطفة فقد تثبت النطفة بثبوت ما أوجبت العدة على السنة، وإن كان يدخل عليها العدة إذا كان إنما ثبت بمعنى الحمل ومعي أنه يختلف في الفساد في الحيض وما أشبهه بهذه النطفة إذا ولجت في الفرج على التعمد في الحيض بمعنى النص.
وإذا ثبت معنى ذلك أشبه ذلك عندي في النص ويعجبني قول من يأمره في ذلك بالغسل لأنه يشبه معاني الجماع في معنى ثبوت الغسل، وإذا ثبت معنى الغسل بإنزال النطفة في الفرج وبنزولها في الفرج فصب الماء على فرجها وأجرى الماء على فرجها فلم تعلم ولج في فرجها أو لم يلج وقد جرى الماء على فرجها فمعي أنه قيل أما إذا كانت ثيبا كان عليها الغسل لأنها تنشف، وإذا كانت بكرا لم يكن عليها غسل حتى تعلم أنه ولج في فرجها.
ومعنى قول القائل في ذلك أنها لا تنشف إذا كانت بكرا، وتنشف إذا كانت ثيبا ويخرج معنى قول القائل في ذلك أنها لا تنشف إذا كانت بكرا وتنشف إذا كانت ثيبا.
ويخرج معنى قول القائل في ذلك أنه ولو لم يعلم أن الماء ولج في الفرج لا يلزمها في ذلك معنى الاسترابة والشبهة لا معنى الحكم لأنه قد يمكن أن تلج النطفة ولا يمكن ألا يلج، وإذا ثبت معنى دخول النطفة في الفرج لم يكن ثم عليه في بكر ولا ثيب، ولا بنشوف ولا غيره ولم يخرج معنى ثبوت لزوم الثيب لما لا يلزم البكر إلا لمعنى الاسترابة أن يدخل الماء موضع الجماع من فرجها من حيث تفسد الجماع ويجب عليها الغسل بوجوب الجماع إليه.
فإذا ثبت ذلك في الثيب بمعنى الاسترابة لم تتعر البكر عندي من ذلك لأنها قد يخرج منها الحيض وهي بكر ولا يمتنع موضع الخروج أن يدخل فيه بقدر ما يخرج منه (9/44)
صفحة 2605
وما يشبه ما يخرج مثله مما هو مثله، وكأني أحسب أنه قد قيل ذلك أنه إذا قذف الماء على فرجها كان عليها الغسل ثيبا كانت أو بكرا.
وليس ذلك عندي يبعد بمعنى الاسترابة ودخول الشبهة ومعي أنه قد قيل فيما أحسب أنه ليس عليها غسل كانت بكرا أو ثيبا، حتى تعلم أنه ولج فيها الماء الدافق وليس ذلك عندي يبعد على معنى الأحكام ما لم يغلب معنى الاسترابة عليها في المشاهدة منها لأمرها، فإذا غلب معنى الاسترابة والشبهة أعجبني الخروج من الريب إلا ما لا ريب فيه، وينظر في معاني هذا كله إن شاء الله ولا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
ومن كتاب المعتبر (بياض بالأصل) الغسل أنها لا تنشف ولم يقولوا بدخول النطفة فيها و (بياض) ويعجبني على قول من يقول لأنه لا تفسد المرأة على زوجها بإنزال النطفة على التعمد في فرجها في موضع الجماع وألا يلحقها في ذلك غسل أيضا لأنه لو كان جماعا لكانت تفسد بذلك، وقد يخرج عندي أن ذلك ليس بجماع لأنه لو فعل بها ذلك حراما ولم تغب الحشفة لم يكن بذلك عليهم الحد عندي ولا أحدهما، وكذلك لو فعل ذلك بها وهي زوجته ولم يولج أول وطء ثم طلقها ولم يوجب ذلك عليها عدة له يدركها كانت بكرا أو ثيبا، وكذلك معي أنه قيل أنه لو تعمد لإنزال النطفة في فرجها فنزلت وكانت ثيبا لأنه لا عدة عليها له يدركها فيها ولا يوجب ذلك الحد ولو فعل ذلك على وجه الزنا، وإذا لم تجب في ذلك العدة بمعنى الوطء ولا الحد بمعنى الوطء حراما، وقد ثبت أنه بولوج الحشفة والتقاء الختانين وجوب العدة في النكاح والحد في الزنا فإذا لم يثبت بهذا المعنى الوطء في هذا فليس يبعدان ولا تفسد عليه بمثل ذلك في الحيض والنفاس إذا تعمد لذلك إذا لم يكن وطئا في معنى ما يوجب الأحكام.
مسألة: أحسب عن الشيخ أبي إبراهيم قلت: فما تقول هل على الصبية غسل؟
قال: قالوا تؤمر بالغسل، قلت: فإن لم تغسل؟ قال: سمعنا أنها تؤمر بالغسل.
مسألة: وسألته عن امرأة جنب صبية تغسل ولا تنقض ضفائر شعرها، قال: تضرب رأسها بالماء حتى يبلغ أصول الشعر.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: اختلف أصحابنا في المرأة تجامع ثم تحيض قبل (9/45)
صفحة 2606
الاغتسال، فقال بعضهم: إذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للجميع وهو قول أكثرهم.
وقال بعضهم: عليها غسلان وهو الذي يختاره لأن الله تعالى أوجب على الجنب التطهير بقوله جل ذكره: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، فهذه لفظة مشتملة على الذكور والإناث، فعليها الاغتسال من الجنابة بأمر الله تعالى لها بذلك، وقد أمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند إدبار الحيضة بالاغتسال بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي»، فعليها أن تغسل بالكتاب والسنة غسلين، فإن قال قائل ممن يخالف هذا القول: أليس إذا عدمت الماء كان لها أن تتيمم تيمما واحداً باتفاق وكذلك أن يكون حكم المبدل منه، قيل له: ومن سلم لك ذلك والحسن يقول: عليها طهارتان والطهارة تكون بالماء والتيمم أيضا، ولا يجوز أن يكون باتفاق قول قبل الحسن ويقول بعده بخلافه هكذا أظن نسخة تظن به مع علمه واطلاعه على معرفة الخلاف والله أعلم.
مسألة: ومن الكتاب: وإذا اجتنبت المرأة ثم حاضت لم يجب عليها الغسل من الجنابة من قبل أن الاغتسال ليس بواجب بعينه وإنما يجب لغيره من العبادات به في الصلاة وقراءة القرآن وهذا المعنى ساقط عنها بالحيض فلذلك سقط عنها الغسل من جهة الجنابة ومن الكتاب واختلف أصحابنا في المرأة تجنب ثم تحيض قبل الاغتسال فقال بعضهم: إذا طهرت اغتسلت غسلين لأن فرض كل واحد منهما غير الفرض الآخر وهي مأمورة بالتطهير ومن كل حدث منهما، فلا تخرج مما أمرت به إلا بفعله.
وقال آخرون: يجزيها غسل واحد للجميع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطوف على نسائه في الليلة ثم يغتسل كذلك غسلا واحدا.
ومن غيره: ومن كتاب الفضل أحسب في المرأة هكذا مكتوبا قلت: فإن عبثت بها امرأة فأنزلت أعليها غسل؟ قال: نعم، قلت: وكذلك لو مسها زوجها بفرجه أو بيده فأنزلت، قال: هذه عليها الغسل، قلت: فالتي تعبث بالصبي فتدخل ذكره في فرجها وهو لا يشتهي ذلك ولا يريده، وهي التي تفعل ذلك أعليها غسل أنزلت أم لم تنزل؟ قال: فإذا أنزلت فعليها الغسل، قلت: فإن كان ذلك في شهر رمضان هل يفسد عليها صومها؟ لعله قال نعم، وأما التي ترى في المنام فلا فساد على صومها، وأما التي تعبث بنفسها أو يعبث بها زوجها أن ترى شيئا مما تشتهي فتزيد في (9/46)
صفحة 2607
ذلك حتى تنزل، والتي تعبث بذكر الصبي أو بأصبعه أو بيدها أو عبثت به امرأة حتى تنزل فأرى عليها فساد صومها والغسل.
مسألة: ومن غير الكتاب والزيادة المضافة من كتاب الأشراف، روينا عن عائشة وأم سلمة أنها قالتا ليس على المرأة نقض رأسها للاغتسال من الجنابة والحيض وبه قال عطاء والزهري والحكم ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال النخعي في العروس: تنقض شعرها كله لغسل الجنابة، وقال أحمد بن سليمان: إن كانت ترى أن الماء أصاب أصول شعرها فقد أجزأ عنها وإن كانت ترى أن الماء لم يصبه فلتنقضه، وقد روينا عن الحسن وطاووس أنهما فرقا بين الجنب والحائض فقالا في الحائض: تنقض شعرها إذا اغتسلت، وأما من الجنابة فلا، قال غيره: المعنى أنه أراد فلا نقض، قال أبو بكر: ليس بينهما فرق وقد ثبت أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني أشد ضفيرة رأس فأنقضه لغسل الجنابة، فقال: «لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات ثم تفيضي عليه الماء فتطهري»، أو قال: «فإذا أنت قد طهرت»، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج على حسب ما قال من الاختلاف في قول أصحابنا أن بعضا يأمر الجنب والحائض بنقض شعرها في الغسل وبعضا لا يأمرها بذلك ويجزي معه أن تدلكه بالماء حتى ترى أنه قد عمه وبلغ أصوله، وأما الصب عليه بغير تدليك فلا أعلمه يخرج في قولهم إلا أن يخرج في الاعتبار معها أن حركة الصب تعم جميع الشعر داخله وخارجه فلعله يخرج على هذا المعنى، أو على معنى من يقول أن مماسسة الماء للمتطهر مطهر له، ولو لم تكن حركة توجب معنى الغسل ولا أعلم بينهم فرقا بين الحائض والجنب في هذا المعنى.
رجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر من كتاب المعتبر، ومن لم يعلم بجنابته وغسل بدنه حتى طهره جميعا لغير الجنابة فهو مكفي ولا غسل عليه غير ذلك، وإن غسل بدنه كله وعركه ثم صلى ولم يتوضأ أجزاه أيضا، قال محمد بن المسبح: ما لم يمس الفرجين من بعد الغسل.
ومن غيره: مما يوجد عن أبي الحواري وعن رجل أصابته الجنابة ولم يعلم بها فذهب واغتسل كما يغتسل الرجل يوم الجمعة وكمثل ما كان في ضيعة أو كان عليه غبرة أو تبرد لحر أصابه وتوضأ وصلى ثم علم بعد ذلك أنه كان جنبا فقد يجزيه ذلك (9/47)
صفحة 2608
الغسل إذا اغتسل ولو لم يعلم أنه أصابته الجنابة ثم علم بعد ذلك أنه أصابته الجنابة ثم دلك الغسل كذلك، قال أبو المؤثر عن محمد بن محبوب ومن موضع آخر، ومن جواب أبي عبد الله رضي الله عنه، قلت: فرجل أصابته الجنابة في الليل ولم يعلم بها حتى أصبح فقال فاغتسل من حر أو غير ذلك ولم ينو به من الجنابة ولم يكن علم بها وصلى الفجر، فلما كان في النهار علم أن الجنابة كانت أصابته في الليل ونسيها ثم قام واغتسل ولم ينو بذلك الغسل للجنابة ثم ذكر بعد ذلك أن الجنابة كانت أصابته أيجزيه ذلك الغسل للجنابة؟ قال: لا يجزيه ذلك وعليه إعادة الغسل بالنية أنه للجنابة وعليه إعادة تلك الصلاة لأنه لا يصلح ذلك إلا بالنية، قلت له: فإن كان اغتسل ونوى به يجعله وضوء الصلاة نافلة أيجزيه ذلك للجنابة قال: لا، قال: ولو أن رجلا تصدق بخمسة دراهم على الفقراء ثم نظر فإذا له مائتا درهم قد حالت حولا، لم يكن ذلك يجزيه للزكاة، وعن أبي عبد الله محمد بن محبوب -رحمه الله- وحفظ عنه في الرجل تعنيه الجنابة ولا يعلم بها ثم يغسل ولا يريد به الجنابة، قال: فيها اختلاف من الفقهاء منهم من قال: يجتزي به ومنهم من قال: لا يجتزي به.
قال غيره: قال المضيف: أرجو أنه أبو سعيد معي أنه قد جاء هذا في معنى الاختلاف في معاني قول أصحابنا، فمعي أنه في بعض ما قيل أنه إذا اغتسل غسلا مثل ما يجزيه للغسل من الجنابة أن لو قصد إليه أجزاه ذلك لأنه قد حصل الغسل الذي كان مخاطبا به، من ذلك أن يقصد إلى الغسل إذا لم يعلم بذلك وهو معذور فيما لم يعلم، ومعي أنه قيل إن كان قد علم بالجنابة ثم نسيها فغسل هذا الغسل أجزاه لأنه كان قد علم وكان مخاطبا بذلك، والناسي معذور، ولا يجزيه إذا لم يكن علم بالجنابة وفرق صاحب هذا القول بين من لم يعلم بجنابته وبين من علم بها ثم نسيها لمعنى ما مضى من ذكره لها، ومعي أنه قيل يجزيه ذلك الغسل على الوجهين جميعا، لأنهما كلاهما معذوران، وقد حصل لهما العمل الذي يقع أداء الواجب ومعي أنه قيل لا يجزيه ذلك الغسل على الوجهين جميعا من وجه أن الغسل من الجنابة عمل لا يقوم العمل إلا بالنيات فإذا وقع على غير النية لم يتم، ومعي أنه يخرج في معنى القول أنه لا يجزيه ذلك إذا كان قد علم ونسي ويجزيه إذا لم يكن علم على ما يشبه ما قيل فيمن تيمم وفي رحله ماء فلما صلى وجد الماء في رحله حاضرا ولم يكن يطلب الماء، ففي بعض القول يجزيه على الوجهين جميعا، علم به ثم نسيه أو لم يكن عالما به (9/48)
صفحة 2609
لأنه لم يجد الماء، وفي بعض القول أنه لا يجزيه لأن الماء بحضرته ولو طلبه لوجده وعليه أن يعيد.
وفي بعض القول إن كان عالما فنسيه لم يجزه التيمم وإن لم يكن عالما أجزاه التيمم، والذي لم يعلم أشبه عندي بالعذر في معنى ما يشبه هذا لأنه قد قيل فيمن صلى إلى غير القبلة ناسيا بالقبلة ثم ذكر أنه عليه إعادة الصلاة في الوقت أو غير الوقت، ومن جهل القبلة فتحراها فوافق غير القبلة ثم علم أنه لا إعادة عليه وقد تمت صلاته علم ذلك في الوقت أو في غير الوقت ولا أعلم في هذين المعنيين اختلافا.
ويخرج عندي في قول أصحابنا أن هذا عليه الإعادة في النسيان في الوقت ولا غير الوقت، وهذا ليس عليه إعادة في الوقت ولا في غير الوقت ولعله يخرج في قول أصحابنا بمعنى الاتفاق أنه لو علم ذلك في الصلاة بنى على ما مضى من صلاته وتحوّل فأتم صلاته إلى القبلة ويعجبني من هذا كله في الغسل أنه إذا حصل للجنب نيّة أو بغير نيّة أنه يجزيه وقد حصل له ذلك وأتى بما وجب عليه لأن الغسل لا يستحيل إلى غير الغسل كما أن الجنابة لا تستحيل إلى غير الجنابة إلا بالغسل فكما كانت الجنابة معارضة للبدن، لا تستحيل إلى الطهارة إلا بطهارة فكذلك الطهارة إذا أتت عليها فقد أحالتها أتت عليها بنية أو بغير نية كما أن الجنابة أتت بنية أو بغير نية بقصد أو بغير قصد فهي معارضة البدن كسائر المعارضات من النجاسات.
ويخرج عندي في معاني الاتفاق أنه لو عارض البدن شيء من النجاسات مما يلزم غسله بسنة أو كتاب أو إجماع، فغسله المبتلى بذلك على غير قصد منه إلى غسله ناسٍ للجنابة أو غير ناس عالما بنجاسة أو غير عالم حتى على ذلك ما يطهر في الاعتبار ويطهر في المعاينة والتطهر في المعاينة أن ذلك طاهر بمعنى الاتفاق لا أعلم في ذلك اختلافا، لأنه معارض يزول بالمعارضة بغير قصد، ومعي أنه لو أن صاحب النجاسة غسلها وهو قاصد إلى ذلك لا يغسلها به ولا يقصد إلى غسلها ويريد بذلك العبث أو غسل غيرها من بدنه أو غسل ما عليه من بدنه دونها كانت إرادته تلك مستحيلة إلى ما حالها من تقصير أو غير تقصير وثبوت الغسل على موضعها بحصول طهارتها بمعنى الاتفاق في الاعتبار كان ذلك في بدن أو ثوب أو غير ذلك من الأشياء المعارضة لها حكم النجاسة كذلك غسل الجنابة عندي مشبه لغسل النجاسات (9/49)
صفحة 2610
ومعارضتها مشبهة لمعارضة النجاسات وزوالها وانتقالها مشبه لزوال حكم النجاسات وانتقالها.
ولا يستحيل ذلك إلى غيرها بحصولها في الاسم والمعنى، ولو قصد به إلى الغير على العلم بالجنابة فقصد لغسله ذلك الذي يقوم مقام غسل الجنابة إلى شيء من الأشياء من غسل أو عبث أو معنى من المعاني أن الطهارة والغسل تثبت للبدن إذا ثبت عليه وفيه الطهارة التي بها تطهر لأن الله قد طهره بها وإن كان قد قصد في نيته وليس غسل الجنابة عندي من المعاني التي تشبه ولا تصح إلا بنية لأن الحكم يقع على نفس المعنى من الطهارة بحصول الغسل فغير مستحيل إلى غيره وليس الغسل من الجنابة في البدن مثل الزكاة لأن الزكاة تكون نفلا وفرضا، فالنفل على حياله والفرض على حياله متفرقين ولم يصحا إلا بنية جميعا إذا لم يكن العمل وقع على نفس الشيء، فإذا وقعت العطية من المال على وجه ما تكون الزكاة داخلة فيه من جملة المال الذي فيه الزكاة ولو كانت العطية وقعت في موقع أن لو جعلت فيها الزكاة بالقصد إلى ذلك جازت العطية، فأعطى المال كله الذي وجب فيه الزكاة كان ذلك قد وقع موقع الزكاة إذا صار المال كله الزكاة، وغيرها في موضع الزكاة ولم يستحل ذلك إلى غير الزكاة إلا أن يحال بالنية فإن النية هاهنا تحيله، وأن يجعل في غير موضع الزكاة وضم جملة المال فيكون ذلك متنقلا عن حاله وليس معنى الزكاة مما يشبه معنى الطهارة ولكنه إنما أرى لذلك ذكرا جرى ذلك بمعنى ما يصح فيه مما لا يصح، ولو أعطى من المال الذي أوجب فيه الزكاة بعينه فقيرا أربعين درهما على غير القصد إلى الزكاة من بعد وجوب الزكاة فيه كان غير نية تستحيل ألا يجوز أن يجعل فيها الزكاة.
ولو قصد بذلك إلى الصدقة عليه أو الهبة أو صلته أو بره بأي وجه من الوجوه يكون به واصلا له على غير وجه أن يكون ذلك يقع جنة لما له أو لنفسه مما يلزمه أو مما يريد به المواصلة أو المكافأة بالمال أو يحيله عن أمر الزكاة أن ذلك ليس من أموال الزكاة بالقصد أن ذلك ليس من أمر الزكاة فإن ذلك كله يقع موقع الزكاة ويكون مؤديا للدراهم من زكاة ماله زكاة ما أعطى وسلم، كذلك لما حصل الغسل للبدن والطهارة ثبت له معنى ما قد حصل له ولم يستحل عنه إلى غيره ولا يلحقه استحالة إلى غيره بما قد حصل له ولن يستحيل ذلك عندي في حال من الأحوال إلى غيره عمل بالقصد إليه أو بالقصد إلى غيره أو إلى غير القصد فمن المحال عندي أن يستحيل إلى غيره كما لم يستحل غسل النجاسة المعارضة لشيء من الطهارات إذا (9/50)
صفحة 2611
حصل غسلها بوجه من الوجوه وطهارته بوجه من الوجوه، وطهارته بوجه من الوجوه قصد إلى طهارتها أو إلى طهارة غيرها أو لم يقصد إلى طهارة شيء إلا أن يحصل له معنى ما يكون طهارة له وطهر به فقد ثبت له حكم الطهارة ولن يستحيل ذلك إلى غيره بحال من الحال.
ومعي أن الوضوء للصلاة أشبه بألا يقع إلا بالقصد إليه على معنى اعتقاده والإرادة له وبه للصلاة لأنه مخاطب لها لقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} وكان شيئا مؤكدا بالمخاطبة به لصلاة الفريضة فقد ثبت على معنى ما يشبه الاتفاق إلا ما شاء الله أن لو توضأ المتوضئ بشيء من الوسائل أو مما يخرج من الفضائل أنه يصلي به الفريضة مع الاتفاق أنه قد كان مخاطبا بالوضوء للفريضة وإنما ينهى الله تبارك وتعالى أن يأتي الصلاة جنبا، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ} (النساء:43)، وقد اغتسل هذا الجنب ولم يأت الصلاة إلا مغتسلا فكيف إذا غسل يريد به الوضوء لصلاة النافلة إلا أن يجزئه على ما قال عن غسل الجنابة إذ هو نافلة وقد أجزأه وضوء النافلة عن صلاة الفريضة وعن وضوء الفريضة، وإذا كان غسله لوضوء نافلة أو لوضوء شيء من المناسك من قراءة أو غيرها أو لطهارة كان ذلك عندي أثبت لغسله لثبوت صلاة الفريضة بوضوء النافلة وما كان من الوضوء لشيء من النسك الذي لا يقوم بالوضوء مع أنه قد قيل أنه لو غسل مواضع الوضوء غسل الوضوء ولم يقصد بذلك إلى وضوء ولو لم يصرفه إلى غير الوضوء أنه يجزيه ذلك ويكون وضوء ويصلي به الفريضة والغسل عندي أقرب من الوضوء وإن كانا متقاربين فإن الغسل أقرب إلى ثبوته لغير نية من الوضوء بالمخاطبة للوضوء بالقصد إليه والنهي عن الصلاة إلا حتى يغتسلوا فيخرج عندي هذا أنه غير الوضوء، ولا يشبه الغسل من الجنابة شيء عندي إلا غسل النجاسات.
فإن قيل: فقد قال الله تبارك وتعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} وقال: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} فذلك كله سواء.
قيل له: وإن كانا سواء في اللفظ فليس هما سواء في المعنى، وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}، فثبت غسل النجاسة من الثوب للصلاة في هذا الخطاب وتطهيره للقلوب من المعاصي والشك والارتياب. (9/51)
صفحة 2612
وغسل الثياب كله بمعنى الأمر في لفظ واحد وبمعنى واحد وثبت معنى الاتفاق أنه بأي وجه حصل غسل النجاسة من بدن أو ثوب أو ثبوت طهارتها أن ذلك جائز بغير قصد بالنية إلى طهارتها، وقد خرجت بمعنى الأمر وخروج تطهيره القلوب من الذنوب بالقصد والإرادة والنيات، ولا يكون إلا بذلك وكل ذلك أمر واحد، ومعي أن لو أن جنبا وقع في ماء وهو مجنون أو مغمى عليه ضائع العقل فجرى على بدنه غسل مثله من الماء بالحركة وطهارة فرجه من الأذى كان ذلك غسلا مجزيا له عن غسل الجنابة لأنه قد طهر مما كان معارضها له، وليس ذلك يقع في الوضوء ولا ينعقد له وضوؤه على هذا الحال لأنه لو كان متوضئا لنقض الجنون وذهاب عقله وضوءه بمعنى الاتفاق وليس كذلك الغسل في معنى الاعتبار ولا فيما يخرج في معنى الأحكام عندي وكذلك لو غسله غاسل وهو ذاهب العقل من زوجته أو غيرها كان ذلك غسلا بمعنى الاتفاق، إذا قصد الغاسل له إلى ذلك ولا يبين لي في هذا الموضع لحوق الاختلاف لأن هذا فعل من فاعل بالقصد إليه وليس كذلك الوضوء لو وضأه موضئ وقصد إلى وضوء لما كان الوضوء ينعقد بمعنى الاتفاق عندي، لأنه لو كان متوضئا بطل وضوؤه فكذلك لا ينعقد في موضع ما هو يبطل فيه أن لو كان وضوءا متقدما، فليس الغسل في معنى النيات يقع عندي موقع الوضوء.
ومن الدليل عندي أنه ليس كالوضوء ولا كغيره من الأعمال التي لا تقوم إلا بالنيات أنه لا يفسده شيء من المعارضات، ولا يبطله شيء من نجاسة ولا تقديم ولا تأخير من بعد أن يجب فيما يدان من طهارة البدن ولو كان فيه النجاسة ثبت ما وقعت عليه الطهارة ولو كان مبقيا فيه النجاسة من جنابة أو غيرها ولا يضره تقديم ولا تأخير في الجوارح ولا أن يغسل شيئا بعد شيء في وقت بعد وقت ولو تفاوت في أوقاته كان في وقت صلاة أو في غير وقت صلاة ولا يقطعه شيء ولا ينقضه شيء فليس هو بمنزلة الوضوء عندي في ابتدائه ولا في عمله ولا بعد كماله ولا يخرج معناه ولا يشبهه عندي في شيء من الفرائض ولا اللوازم من السنن إلا ما هو مثله من الغسل من النجاسات وما أشبهها وأشبهه من أمور الغسل كذلك يخرج عندي جميع الغسل من النجاسات ومن الحيض والنفاس وكل غسل لازم ولو كان الغسل لا يقع إلا بالنيات ما وقع وثبتت في الأموات، فالغسل في الأحياء كالغسل في الأموات، ويقع بمحصول الفعل دون النيات ولو كان الغسل لا يقع إلا بالنيات من اللازم فيه من الواجبات لكانت المرأة المجنونة إذا طهرت من الحيض فغسلت واغتسلت وأتى عليها معنى ما (9/52)
صفحة 2613
تطهر به من الغسل لم تحل لزوجها أن يطأها وكانت بحالها على سبيل الحائض وتقطع الصلاة على قول من يقول إنها تقطع الصلاة وليس ذلك كذلك عندي.
ولا يستقيم هذا والغسل واقع بنفسه من فعل المغتسل أو فعل غيره به أو من الماء الواقع فيه، وقد قالوا لو أن جنبا وقع في ماء له حركة مقدار ما يقوم مقام الغسل أو أصابه مطر مثل ذلك كان ذلك غسلا له.
والغسل إنما هو طهارة بنفسها واقعة.
والكلام في هذا يتسع، وفي بعض ما مضى كفاية ولو كان الغسل لا يقع إلا بالنية لكان الختان مثله، لا يقع إلا بالنية، وهذا عندي أجده شيئا لا يصح الغسل إلا بالنية والله أعلم.
وإذا ثبت هذا أن الغسل لا يقوم إلا بالنية له والقصد إليه ولا يقوم بغسل يراد به الوضوء للنافلة كما قال صاحب القول الأول فلا يقوم عندي شيء من الغسل ولا يدخله في شيء من الغسل إلا أن يكون غسل فريضة ولا أعلم شيئا من الغسل فريضة إلا غسل الحيض.
وقد قيل في بعض ما قيل أنه لو اجتمع على المرأة حيض وجنابة أن عليها أن تغسل لذلك غسلين لوجوب كل واحد منهما على حياله.
وقيل: إنما عليها غسل واحد للحيض والجنابة إذا اتفق حكمهما في معنى واحد وهذا القول أصح في معنى الأصول، ولعل الأول يخرج قياسا والأصل أولى من القياس وإنما أوجب الله عليها الغسل وقد غسلت والغسل في موضع ما يجب الغسل ولو كان اختلف في معاني ما يجب فيه كل واحد على الانفراد لمعنى وجوب الوضوء من الأحداث التي تنقض الوضوء بكتاب أو سنة أو إجماع فبالواحد من الأحداث ينتقض الوضوء ويجب منه إعادة الوضوء على الانفراد.
فلو كان ذلك كذلك كلما وجب به الوضوء من حدث فتوالت الأحداث على المحدث كان عليه لكل حدث طهارة من الوضوء، لكان هذا شيئا قبيحا ولا أعلم أن أحدا قال بهذا ولا ينساغ القول به وإذا لم يصح هذا ولم ينساغ فمثله في الغسل إن لم يكن الغسل عندي أهون وأقرب.
ولو اجتمع على المرأة عندي وأمكن أن يجتمع عليها غسل من شرك وحيض (9/53)
صفحة 2614
ونفاس وجنابة أو أكثر من ذلك لما كان في معنى الأصول يخرج عليها إلا غسل واحد ولو كان هذا هكذا إذا وجب الغسل من وجه ثم جاء مثله من وجه آخر يخرج بمعناه وجب غسل ثان لكان الإنسان كلما جامع امرأة أو أصابته جنابة مرة بعد مرة لكان يجب عليه لكل مرة من الجماع غسل ما لم يغسل وكل مرة من الاحتلام وهذا لا ينساغ ما لم يغسل وكل مرة من الاحتلام وهذا لا ينساغ ويقبح معناه ولا فرق بينه عندي وبين تزاحم الأصناف فيه من الأحداث الموجبة للغسل أن لو كانت على حبالها، لأن المعنى فيه واحد فإذا ثبت أنه لا يصح الغسل إلا بالنية لغسل الجنابة لم يخرج عندي على معنى هذا القول أن لو غسلت المرأة من الحيض وقد كانت جنبا لم تعلم أو نسيت جنابتها حتى غسلت للحيض على قول من يقول لهذا غسل ولهذا غسل أو على قول من يقول أنه له كله غسل كل ذلك فريضة وقصد بها إلى الفريضة الداخل فيها فريضة أخرى مجزى لها عن الداخلة، وأيّهما قصدت إليه بالنية على علم بالآخر أو نسيان أجزاها ذلك على هذا القول ولا أعلم أنه يخرج عندي غير هذا إلا أنه جائز وثابت لها غسلها عنهما جميعا بقصدها إلى أحدهما.
وأما على قول من يقول إن لكل واحد منهما غسلا، ويقول إن الغسل لا يقع إلا بالنية فلا يصح لها إلا ما قصدت إليه، ولا أعلم أن أحدا قال إن في الجنابة وإن اختلفت من احتلام أو جماع أو كان ذلك مرة بعد مرة إلا غسل واحد فلو أنه أصابته الجنابة ولم يعلم بها أو علم ثم نسي ثم أصابته الجنابة بعد ذلك أو جامع فغسل بالقصد إلى ذلك والنية كان هذا الغسل واقعا عندي بمعنى الاتفاق من القول أنه يجزيه.
وأما ما سوى هذا الفصل فلم نعلم أنه يخرج إلا لمعنى الاختلاف من القول كان الغسل فريضة أو سنة أو وسيلة فقصد إليه على هذا الوجه لم يخرج عندي لمعنى الاتفاق من القول مجزيا له على غسل الجنابة إلا من وجه الجنابة إلا على معنى الاختلاف، والاختلاف في هذا كله عندي مدخول عليه ولا يثبت له عندي معنى يحسن لقول من قال بثبوت الغسل بأي وجه حصل ووقع والله أعلم بالصواب.
وأما ثبوت الوضوء بغسل الجنابة بنفس الغسل ولو قصد الغاسل إلى غسل الفريضة على علم منه بذلك ونية ولم يقصد بذلك إلى الوضوء فمعي أنه يخرج في معاني ما قيل في مجمل من القول أنه إذا غسل من الجنابة كان ذلك يقوم له مقام الغسل والوضوء. (9/54)
صفحة 2615
وقال بعض أهل العلم: إنه الوضوء الأكبر يعني غسل الجنابة، ومعي أنه قيل: ولا يجوز في تأويل قول أصحابنا إلا نحسبه على أكثر ما قالوه أنه إنما يقوم الغسل من الجنابة مقام الغسل والوضوء إذا كان قد غسل موضع الأذى أو الموضع الذي ينقض الطهارة مسها من عورته ثم غسل من بعد ذلك ولم يمس شيئا مما ينقض الوضوء من بعد أن أجرى الغسل على موضع الوضوء من جسده من غسل بدنه ومسح رأسه ورجليه مما لا يجوز تركه من الوضوء ولا يقوم الوضوء إلا بغسله ومسحه فإن أجرى يده أو شيئا من مواضع وضوئه بعدما غسل شيئا من مواضع وضوئه موضع ما ينقض الوضوء من عورته ثم غسل من موضع بعد ذلك ولم يمس شيئا مما ينقض الوضوء من بعد أن أجرى الغسل على موضع الوضوء من جسده بطل حكم ذلك الوضوء حتى يعيده من أوله، ولعل في بعض القول أنه لو غسل شيئا من جوارح الوضوء في الغسل ثم مس فرجه ثم أتم ما بقي من بدنه ومن جوارح وضوئه وقد زال حكم النجاسة عنه، ثم رجع فأجرى الغسل إلى مواضع وضوئه التي غسلها قبل أن يجزيه الوضوء إلا أن يكون إذا لم يقصد به إلى الوضوء للصلاة وإنما قصد به إلى الغسل فإنما يكون ذلك نفلا على معنى القول لأن غسل الجنابة والفرض قد حصل في الأول، وهذا على قول من يجيز الوضوء على غير ترتيب، ومعي أنه يخرج ألا يجزيه الغسل للوضوء ولا ينعقد وضوء إلا أن ينعقد الغسل غسلا ووضوءا ولا يمس شيئا من المواضع التي تنقض الوضوء من بعد حصول الوضوء.
إذا أتى بالوضوء على معنى ما يثبت في الترتيب ويثبت الوضوء والغسل كله بفعل واحد مع اعتقاد الفرضين جميعا، ومعي أنه يخرج على معنى ما قيل أنه لا يقوم الغسل بفرض الغسل وفرض الوضوء جميعا على قول من يقول: إن للحيض غسلا وللجنابة غسلا، وأنه لا يقوم بها غسل واحد إذا ثبت هذا في الغسلين أنه لا يقوم بهما جميعا مع اعتقادهما وفي الوضوء أقرب أن لا يجزي إلا أن الوضوء في معنى هذا أن لو اعتقد الوضوء عن غسل الجنابة لأنهما فريضتان على الانفراد، ومعي أن الفريضتين جميعا يصحان جميعا بغسل واحد ويكونان جميعا مؤديتين وثابتتين بعد طهارة النجاسة منه، فإن اعتقد الوضوء لجوارحه لفرض الوضوء قام ذلك مقام فرض الوضوء ومقام فرض الغسل وكان مؤديا للفريضتين بعمل واحد.
فإن قصد إلى الغسل من الجنابة بعد الطهارة من النجاسة فأتى بالغسل على (9/55)
صفحة 2616
جوارح الوضوء على معنى ما يصح به الوضوء أنه لا يكون مؤديا للفريضتين جميعا بمعنى واحد ويثبتان له، وكذلك لو اتفق عليه أكثر من ذلك من الفرائض أو من السنن للوازم التي تقوم مقام الفرائض كانت كلها داخلة في بعضها بعض وكان بالفعل الواحد والقصد إلى فعل واحد تأدية لتلك الفرائض له ثواب تأدية تلك الفرائض كلها، في الفعل الواحد كما أنه لو عصى الله بمعاصي كثيرة من القول والعمل ثم تاب إلى الله واستغفره في مقام واحد باستغفار واحد ولو كانت معاصيه ألوفا مؤلفة كانت توبته واحدة واستغفار واحد يأتيان على تلك المعاصي كلها إذا اعتقد التوبة من جميع معاصي الله أو مما عصى الله به مع اعتقاد النية ألا يرجع إلى معصية وتجديد ذلك كلما خطر بباله معصية مما مضى.
والفرائض داخلة في بعضها بعض إذا دخل حكمها في بعضها بعض ومن أصح ذلك عندي أحكام الطهارة لأن حكمها متفق في الاسم والمعنى، والعجب كيف انساغ مع أهل العقل الاختلاف فيها.
ومعي أنه لو غسل من الجنابة وهو يريد بذلك الوضوء لصلاة نافلة أو قاصدا إلى الغسل من الجنابة يريد به الطهارة لنافلة فأتى بالغسل على ما وصفت لك، قام الغسل عندي والوضوء مقام الفرض لأن قصده إلى الغسل من الجنابة ليصلي نافلة قصدا منه إلى الفريضة وليس قصده لصلاة نافلة مع قصده إلى الغسل من الجنابة يستحيل قصده إلى النافلة، ومعي أنه لو قصد إلى غسل الجنابة يعتقد أنه نافلة لكان مستحيلا في بعض ما قيل إلى الفريضة وكان يقع موضع الفريضة لأن الفريضة واجبة فيه بنفسها والغسل الواقعة عليها بمثل غسل الفريضة أن لو قصد إليه هو الواجب فيها ولن يستحيل إلى غيره بالنية.
وإذا ثبت معنا هذا وهو معنى ثابت حسن قام الغسل مقام الوضوء الفريضة وكان معتقدا للوضوء في جوارح الوضوء معنا غسل الفريضة وطهارة الفريضة على معنى قول من يقول بذلك.
وكذلك لو لم يعلم بجنابة أو علم بها فغسل ثم نسيها فغسل وأجرى الغسل على بدنه غسلا يقوم مقام الفريضة أن لو قصد إلى ذلك كان مؤديا في ذلك للفريضة ومعتقدا له غسل الفريضة ووضوء الفريضة لأنه مستحيل عندي أن يكون غاسلا ويجزيه الغسل إلا بثبوت الفريضة إذا كان الغسل فريضة فبأي وجه من الوجوه وقع (9/56)
صفحة 2617
كان مجزيا في معنى قول من أقاويل ثبت معناه فريضة وليس لذلك وقت من الأوقات فيكون حد لا يجزي إلا فيه ويكون أو يعمل له فإنما هو من حين ثبت فيه حكم الجنابة، ثبتت عليه الطهارة فرضا لا يستحيل إلا بالفريضة فبأي وجه صحت طهارة فريضة تقوم مقام الفريضة في معانيها، وقد قيل فيمن أصبح صائما يوما من شهر رمضان يعتقد ذلك نافلة وهو عالم بأنه من شهر رمضان فقصد إلى صوم ذلك اليوم بنية النافلة.
فمعي أنه قيل إن نيته مستحيلة عن النافلة إلى الفريضة وهو صائم الفريضة ولا بدل عليه لأنه قد صام ذلك اليوم الذي قد أمر بصومه وقد ثبت صومه على ما أمر به ولن تحول له نيته معارضة.
ومعي أنه قيل إن عليه بدل يومه والقول الأول عندي أبين وأثبت لأنه لم يستحل عن حال الصوم في ذلك اليوم ولن يقع صوم الفريضة نافلة أبدا ويكون تحولا لحكم الله لأن الله قد حكم بصوم ذلك اليوم فريضة، فإذا صامه الصائم فقد صام الفريضة التي أوجبها الله وللغسل عندي على حال أثبت حجة من الصوم لأن الصوم قد يستحيل إلى الإفطار لمعنى من معاني من مرض أو سفر فيكون مفطرا في شهر رمضان ويستحيل صوم شهر رمضان إلى غيره من الأيام.
وفرض غسل الجنابة والغسل لازم لا يستحيل إلى غيره معناه إلى طهارة فهو جنب حتى يتطهر فإذا تطهر وطهر ثبت له الطهارة التي بها خرج من حد الجنابة لن يستحيل إلى غير ذلك.
وطهارته تلك حكمها لازم في الفريضة واقع معناها يثبت على معنى الفريضة على كل حال من الأحوال، ومعي أنه قد ثبت في معاني القول أنه لو قصد إلى الغسل من الجنابة وضوءا للنافلة في جملة نيته لكان يقع الغسل فرضا والوضوء نافلة، لأن الوضوء قد يقع موضع الفريضة وموقع النافلة، وتقع به النيات لأنه لا يقع فريضة إلا للفريضة، فإذا قصد به للنافلة وقع نافلة لأن ذلك أكثر أحواله أن يكون نافلة إلا في وقت الفريضة أو يعتقده لفريضة ولو كان في غير وقتها أو يعتقد وضوء الفريضة والغسل لا يقع إذا كان على البدء واجبا لسنة أو فريضة إلا على ما هو عليه لن يستحيل وقد مضى في معنى هذا ما فيه كفاية إذا كان ثابتا صحيحا.
ومن الكتاب: ومن وقف في غيث للغسل من الجنابة فضربه الغيث حتى تطهر (9/57)
صفحة 2618
أجزاه، ومن وقع في ماء له حركة أو موج وحركة تضرب بقدر ما تنظف أجزاه وإن لم يعترك.
قال غيره: معي أنه قد قيل في هذا وثابت معنى عندي بحصول الطهارة بمعنى ثبوت مماسسة الماء للبدن مع الحركة التي تقوم مقام العرك في الغسل من وقوع الماء على البدن أو من حركة البدن في الماء، ومعي أنه قد قيل أنه يجزيه مماسسة الماء لبشرة البدن إذا بلغ منه حيث يجب الغسل وبل البدن كله بالماء فجرى ذلك في الغسل لبلوغ الماء الطهور من البدن إذا كان طهورا مطهرا، ومعي أنه قد قيل إن ذلك يجزيه ولو لم يرد به الغسل إذا حصل له ذلك وثبت معناه مع الإرادة للغسل به والتطهر به ولا يجزيه إذا وقع ذلك على غير نية على قول من يقول إنه لا يثبت الغسل إلا بالنية والقصد إليه.
ولا أعلم اختلافا يبين لي أنه إذا حصل له معنى الغسل بالحركة التي تقوم مقام العرك كان من فعله أو من فعل غيره أو من حركة الماء عليه مع قصده إلى إرادة الغسل به أن ذلك يجزيه إذا كان قصده ذلك الغسل من الجنابة.
ومن غيره: من اللازم ولعله يختلف ذلك فيه إذا وقع ذلك موقع الغسل أن لو قصد إليه به ولا أجد فرقا بين ذلك إذا حصل معنى الغسل ولو فعل به ذلك أو ألقى في الماء مجبورا فثبت عليه من الحركة في الماء حين ألقي فيه ما يجزيه وتقوم به الغسل وقد مضى في مثل هذا ما أرجو أن فيه كفاية عن إعادته وإعادة ذكره.
ومن الكتاب: وعن رجل يغسل من الجنابة لا ينال عرك بعض طهره هل يجوز أن يفيض على ذلك الموضع الماء؟ فليجتهد في عرك ما نال من ظهره ومن جسده، وما لم ينل من عرك ظهره رجوت أن يجزيه إفاضة الماء عليه إن شاء الله، قال غيره: معي أنه قيل إذا كان صب الماء من الحركة على الجسد بقدر ما يقع موقع العرك الذي به يثبت معنى الغسل، هو ما كان من العرك الذي يقع عليه اسم العرك ولو جف وقوعه فهو موجب حكم العرك، فإذا وقع الصب موقع العرك فلا أعلم اختلافا أنه مجزي للغسل ولو أمكن عركه باليد أو بغيرها وأنه إذا ثبت معناه على الجسد ثبت معنى الغسل به على الاختيار، وإن صب الغاسل الماء وعرك كان ذلك أفضل، وإنما يخرج الصب عندي مجزيا إذا لم يكن الغاسل عرك شيئا من جسده فصب الماء عليه صبا بغير معنى حركة تقوم مقام العرك أن ذلك مجز إذا لم يقدر على العرك ولو لم يثبت للصب معنى حركة تقوم مقام العرك ولا أعلم في ذلك اختلافا، عند عدم العرك أن (9/58)
صفحة 2619
الماء يجزي صبه على الجسد بدون العرك.
وقد قيل: ليس على من لم يقدر على عرك شيء من بدنه لعذر ولم تنله يده أن الصب يجزيه وليس عليه أن يغسل له غيره إذا لم ينله وليس عليه أن يعرك بغير يده بخشبة ولا ثوب ولا غيره ولا يعركه بشيء إذا لم يمكنه غسله بنفسه بيده، ويجزيه صب الماء عليه على حال ولو لم يكن صب الماء له حركة تقوم مقام العرك وتكون مباشرة الماء للجسد قائما مقام العرك في هذا الفصل.
ومعي أنه قد قيل إن ذلك يجزي لمعنى عذر أو لغير معنى عذر وقد مضى ذكره فيما مضى من هذا الجزء.
ومن كتاب المعتبر: وسئل هاشم وموسى عن رجل تصيبه الجنابة فيخزق الدلو وقد غسل بعض جسده أو ينقطع الدلو ولا يجد الماء حتى جف هل يجزيه ما غسل من قبل؟ قال: نعم، إذا كان لم يكن يشغله عن عرض الدنيا، وكذلك زعم في الوضوء للصلاة إذا توضأ بعض وضوئه ثم انقطع دلوه وإهراق ماؤه حتى جف وضوؤه الأول، فإذا أصاب الماء فإنما عليه ما بقي من وضوئه وإن كان توانيه بشيء من عرض الدنيا فليس يجزيه الوضوء.
قال غيره: قد مضى معنى ذكر هذا في الغسل والوضوء جميعا في جزء الوضوء وفي الغسل في جزء الغسل لما يتجزي عن إعادة ذكره لما قد مضى بتبيين أمره وإنما أحببنا ذكر المسألة بعينها في موضعها إذا لم يكن في الغسل ذكر معنى المسألة وإنما هو رفع معنى الاختلاف.
وأكثر القول معنا في الغسل أنه ليس كالوضوء في مثل هذا والوضوء أشد وإن كان ذلك كله مما يختلف فيه ويحسن فيه معنى الاختلاف. (9/59)
صفحة 2620
[صفحة بيضاء] (9/60)
صفحة 2621
الباب الثالث
في حد الماء الذي يغسل به من الجنابة
وفي صفة الغسل من الجنابة وما أشبه ذلك
أبو المؤثر: وسألته عن حد غسل الجنابة كم هو؟ فقال: إذا أجرى الماء على كل عضو ثلاث مرات مع كل مرة عركة، قلت: فهل تجد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يجزي للوضوء مد من الماء وللغسل صاع»، قال: نعم.
مسألة: وسألته عن امرأة تغسل من الجنابة وشعرها مضفور أيجزيها ذلك أم حتى تفك ضفائرها؟ قال: إذا دلكت الضفيرة بالماء حتى يدخلها الماء اجتزت بذلك وليس عليها أن تفك ضفيرتها وهو قول عائشة فيما ذكر لنا.
مسألة: وعن غسل الجنب قال: يبدأ بفرجه ثم رأسه ثم يحدر الماء بعد ذلك.
مسألة: قال بشير عن أبيه أن من غسل من الجنابة أن عليه أن يتوضأ.
قال غيره: فإذا غسل من الجنابة فلا وضوء عليه إلا للصلاة ويجزيه الغسل بغير وضوء، وقد قيل: إذا غسل الفرجين وموضع الأذى ثم غسل من الجنابة أجزاه ذلك الوضوء للصلاة، وقد قيل ذلك الوضوء الأكبر.
مسألة: ويجوز الغسل من الجنابة في ماء مجتمع قدر خمس جرار إلا غسل الأذى.
قال غيره: نعم وإذا كان ماء قدر ما يغسل به أن لو غسل به صبا جنب ويفضل منه ولا يكون مستهلكا له فإذا كان كذلك جاز الغسل به إلا الأذى، واغتسل (9/61)
صفحة 2622
بشير -رحمه الله- بصاعين من ماء من الجنابة.
قال غيره: وقد قيل عن بعض أهل الفقه أنه اغتسل بنحو الصاعين من الجنابة للغسل.
مسألة: ومن جاء إلى ماء راكد فاغتمس فيه ولم يتعرك فإنه لا يجتزي بذلك الغسل للجنابة.
قال غيره: وقد قيل يجزيه ذلك ولا إعادة عليه إذا طهرت النجاسة.
مسألة: وسئل جابر عن رجل معه ماء يسير وهو لا يخاف الظمأ كيف يصنع وقد أصابته الجنابة؟ قال: إن كان الرجل إذا كان ذلك غسل مذاكيره وتوضأ وضوء الصلاة، وقال بعضهم: ويصلي.
مسألة: وعن رجل انتهى إلى ماء مستنقع ليس بكثير فاغتسل فيه من جنابة ثم أتاه قوم وقد علموا ذلك ولم يجدوا غيره فلا نرى عليهم بأسا إذا لم يجدوا غيره، والماء لا ينجسه شيء غير أنه يستحب لمن بلي بذلك أن يغسل موضع الجنابة ثم يقع فيه من بعد.
مسألة: وسألته عن جنب اغتسل ونسي أن يمسح تحت خاتمه، قال: لم أجد أحدا اغتسل أو توضأ وعليه خاتم إلا وقد ابتل تحته.
مسألة: وسألته عن رجل يغسل من الجنابة ولا يمس الكوين بعد الغسل هل يجزيه أن يصلي به عن الوضوء؟ قال: معي أنه إذا تنظف من النجاسة وجعل الغسل على مواضع الوضوء بعد ذلك من غير أن يمس فرجه بشيء من مواضع وضوئه بعد ذلك أنه قيل يجزيه ذلك، قلت له: فإن غسل موضع النجاسة والوضوء والأذى ثم غسل رجليه وأجرى الغسل على مواضع الوضوء ثم مس أحد الكوين بعد ذلك ثم غسل بدنه ورأسه ويديه هل يجزيه ذلك الغسل للصلاة أم عليه أن يغسل رجليه ثانية؟ قال: معي أن عليه أن يعيد من غسل جوارحه من الجوارح ما مس أحد فرجيه من بعد غسله من مواضع الوضوء إذا أراد بغسله الوضوء وليس عليه أن يغسل غير ذلك إذا كان قد غسله من النجاسة وللجنابة، قلت له: فإن غسل بغسل من غير جنابة ولا نجاسة أو من نجاسة وأراد بغسله أن يصلي به هل يجزيه ذلك عن وضوء الصلاة؟ قال: فإذا أراد بغسله الوضوء للصلاة ولم يمس من جوارحه من (9/62)
صفحة 2623
بعد ذلك أحد فرجيه، وقد استنقى من النجاسات فمعي أنه جائز له ذلك، قلت له: فإن لم ينو بغسله ذلك أن يصلي به إلا أنه قد أعم بذلك كله غسلا مع جوارحه، فلما فرغ من غسله أراد أن يصلي به هل له ذلك، قال: إن كان ذلك من غسل الجنابة أجزاه ذلك وإن لم ينوه، وأما غير ذلك فلا يجزيه أن يصلي به حتى يريد به الوضوء حين بدأ بالغسل أو يغسل جوارح الوضوء، قلت له: وما الفرق بين غسل الجنابة وغسل غيرها للطهارة وللنجاسة من غير جنابة؟ قال: فمعي أن الفرق أن غسل الجنابة فريضة وإذا للنجاسة وإن كان لازما فإنه يقوم بنفسه كان
من نفس النجاسة فإذا طهر طهرت النجاسة لم تقم به عندي طهارة غيرها وإذا كان الغسل من غير الجنابة ولا من النجاسة يقع موقع الوسيلة، اختلف أصحابنا في الجنب يغسل الجمعة فقال بعضهم: يجزيه بذلك للنجاسة ويكون بذلك متطهرا، وقال بعضهم: لا يجزيه بذلك عن طهارته للصلاة من الجنابة وهذا هو القول عندي والنظر يوجبه والسنة تؤيده وإن توضأ لنافلة أو لقراءة في مصحف أو لجنازة أو لسجود أو قراءة قرآن أجزاه أن يصلي به فريضة، وهذا باتفاق منهم فيما علمت، فإن قال قائل: لم قلت أنه إذا اغتسل الجمعة لم يجزه للجنابة وقد احتسب له وضوؤه للنافلة من الفرض وما الفرق وجميع ذلك نفل؟ قيل له: الفرق بين هذه الأشياء والغسل للجمعة أن عليه الطهارة أن ينوي دفع الأحداث أو ينوي ما نوى بتلك الطهارة الفرض والنوافل فيفنى ذلك عن نية رفع الحدث فإذا صح ذلك ثم توضأ لنافلة فالنافلة لا تؤدى إلا بعد رفع الحدث كما لا يؤدى الفرض إلا بعد رفع الحدث وكذلك سجود القرآن لا يأتي به إلا متطهرا لأن ذلك عندنا صلاة.
وأما المصحف فلا يمسه إلا متطهرا، ومسه محرم لقول الله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة: 77 - 79)، فلا يمس المصحف إلا طاهر متطهر، وكذلك في الخبز فصار معنى ذلك معنى النافلة التي لا يجوز إلا برفع الحدث ولو أراد أن يصلي فرضا أو نفلا أو قراءة قرآن أو سجود قرآن لما ندب إلى أن يتوضأ ثانية، لأن المقصد في ذلك رفع الحدث، وقد رفع بطهارة الحدث فلا معنى في الأمر بإعادته، وأما غسل يوم الجمعة فليس القصد في ذلك رفع الحدث وإنما القصد في ذلك تجديد الفعل من الوقت، الدليل على هذا أنه لو دخل عليه يوم الجمعة وهو مغتسل لما أجزاه ذلك الغسل ولا جناح عليه أن يغتسل ثانية فهذا يدل على أن المقصد في ذلك رفع الحدث كما ذلك فيما ذكرنا والله أعلم. (9/63)
صفحة 2624
ومن الكتاب: وواجب غسل الفم وداخل الأنف من الجنابة، الدليل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فبلوا الشعر وأنقوا البشرة»، فلما كان داخل الفم وداخل الأنف يباشران الفعل وجب غسلهما لاستحقاقهما اسم البشرة والله أعلم، وأيضا فمن خالفنا على في هذا فقد وافقنا على غسل داخل الأذن وداخل الأنف كداخل الأذن، فإن احتج بشعر الأذن، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا ببل الشعر، قيل له: فيجب غسل داخل الأنف للشعر الذي فيه ولا فرق في ذلك والله أعلم.
مسألة: فيما يوجد عن أبي عبد الله -رحمه الله- قلت له: فالرجل يريد أن يغسل في نهر من الجنابة ويريد أن يكون وضوؤه في غسله، قال: إذا دخل الماء استنجى وغسل موضع الجنابة، وإذا نقاه تمضمض واستنشق ثم يغسل ويعترك ولا يمس فرجه، فإذا فعل لك اجتزئ به من الوضوء.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ومن لم يعلم بجنابته وغسل بدنه حتى طهره جميعا لغير الجنابة فهو مكلف له ولا غسل علي غير ذلك.
قال غيره: وقيل: عليه إعادة الغسل ولا يجزيه ذلك لأنه لا عمل إلا بنية، ومنه: وإن غسل بدنه كله وعركه وصلى ولم يتوضأ أجزاه ذلك أيضا.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: ما لم يمس الفرج من بعد الغسل، قال غيره: إن صلى ذلك على الحال فعليه إعادة الصلاة لأنه لا صلاة إلا بطهور ولا طهور إلا بنية.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن والذي غسل بدنه ولم يعلمه بجنابته فإذا هو جنب فلا يجزيه ذلك وعليه الغسل ويعيد ذلك بقصد ونية، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات»، وقد قيل إنه يجزيه، وإن غسل بدنه كله وصلى ولم يتوضأ أجزاه إذا نوى ذلك للصلاة فأما إذا لم ينوه لمعروف ولا لصلاة لم يجزه، فإذا غسل من الجنابة ونوى ذلك للغسل والصلاة أجزاه ذلك إن شاء الله.
مسألة: ومن كتاب الشرح: وأما قوله ومن لم يعلم بجنابته وغسل بدنه حتى طهره جميعا لغير الجنابة فهو مكف له ولا غسل عليه غيره فهذا قول فيه إغفال من قائله لأن الجنب طاهر والأمر للجنب بالاغتسال عبادة والعبادات لا تؤدى إلا بمقاصد وإرادات، وهذا يصح له لو كان يعتقد الجنب نجسا لأن الطهارة من النجس تصح بغير إرادة، فأما الأمر بتطهر الطاهر فهو عبادة لا يخرج منها المتعبد بها إلا أن يكون (9/64)
صفحة 2625
قصد إلى إنفاذها، قال الله عز وجل: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة:5)، والإخلاص بالقلب وهو ما يقصد إليه بالقلب كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك والله أعلم، وأما قوله: إن غسل بدنه كله وعركه ثم صلى يتوضأ أجزاه أيضا، فهذا قوله قد قال به بعض أصحابنا ويسوغ لمن اعتقده واحتج بصحته ونظره لأن الجنب بالاغتسال يسمى متطهرا، وقد أمر الله المحدث إذا قام إلى الصلاة أن يقوم إليها وهو متطهر، وهذا متطهر إذا لم يكن به نجاسة، وقال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} (يعني وأنتم محدثون) {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} الآية، ثم قال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} فإذا اغتسل وهو جنب فقد حصل متطهرا، والذي نختاره قول من ذهب من علمائنا أن الجنب عليه فرض الطهارة من الحدث وفرض الاغتسال من الجنابة فلا يخرج منهما إلا بفعلهما لأنه متعبد بإتيانهما إذا قام إلى الصلاة وأراد فعلهما وإن كان مأمورا بإنفاذ عبادتين قد خوطب في الكتاب بفعلهما لم يكن مؤديا لهما إلا بإتيانهما لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} (يعني وأنتم محدثون)، وقيل: نزلت هذه عند قيام المؤمنين من مضاجعهم، {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} الآية، ثم قال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً
فَاطَّهَّرُواْ}، فعلى أحد الفرضين لا يسقط فعل فرض الآخر المأمورية والله أعلم.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ومن وقف في غيث للغسل من الجنابة فضربه الغيث حتى نظفه أجزاه ذلك إن لم يتعرك، ومن وقع في مال له حركة تضرب بقدر ما يتنظف أجزاه، ومن وقع في ماء له حركة أو موضع يضرب بقدر ما يتنظف أجزاه ذلك وإن لم يتعرك، ومنه: ومن غسل جارحة من جوارحه مثل رأسه أو غيره ثم خرج في أمر عناه فليس عليه إلا غسل ما بقي من بدنه.
ومن جامع أبي الحسن: وإن غسل الجنب جارحة من جوارحه ومضى في أمر عناه فليس عليه إلا غسل ما بقي من بدنه لأن المعنى في ذلك غسله فقد غسل منه شيئا ويتم ما بقي لم يغسل لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا أخذت الماء فأمسسه بشرتك»، وقول الله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، فقد تطهر كما أمر في مرتين، ومن وقف في غيث للجنابة حتى ينظفه أجزاه لأن الماء قد مس بشرته كما جاءت السنة.
مسألة: ومن كتاب الشرح: وأما قوله: ومن وقف في غيث للغسل من الجنابة فضربه الغيث حتى نظفه أجزاه، ومن وقع في ماء له موج أو حركة فضرب بقدر ما (9/65)
صفحة 2626
يتنظف أجزاه ذلك وإن لم يتعرك، الذي تقدم من جوابنا قبل هذا الموضع يدل على جواز هذا بما ذكرنا أن طهارة الجنب عبادة ولا يسقط فرضها إلا بقصد وإرادة فإن كان الجنب قصد بوقوعه في الغيث حتى يضربه الاغتسال مما أمرنا بالاغتسال منه وعم ضرب الماء سائر جسده المأمور بغسله من فمه وداخل أنفه وتحت إبطه وجميع المواضع يغسلها، وفي نفسي من جواز هذا على ما شرطنا شيء لأنه لم يفعل الغسل الذي أمر به لأن من أمر بفعل شيء من طريق العبادة لم يكن له أن يولي غيره ذلك الفعل الذي خص به نفسه إلا ما قام دليله، وهو الحج الذي يفعله الغير عنه بأمره عند عجزه عن فعله.
وأما قوله: من وقع في ماء له موج وحركة يضرب بقدر ما يتنظف وإن لم يتعرك فقد بينا أن الساقط في الماء والمغتسل لغير جنابة لا يكون مغتسلا الغسل الذي أمر به لأنه لم يقصد إلا إنفاذ العبادة التي أمر بفعلها، وأما قوله: ومن غسل جارحة من جوارحه مثل رأسه أو غيره ثم خرج في أمر عناه فليس عليه إلا غسل ما بقي من بدنه، هذا الذي قاله من تفريقه الطهارة موجودة جوازه في قول أصحابنا وغيرهم غير أنه لم يمر على هذا الأصل حتى خالف بينه وبين الطهارة من الحدث فقال: وإن ظهر بعض جوارحه ثم أخر الباقي حتى جف ما طهر وإنه يبتدئ للطهارة وجوز ذلك في الطهارة من الجنابة وهما طهارتان من حدثين، فمن أين وجب افتراقهما عنده؟
مسألة: وسمعته يقول في رجل كان فيه الغبرة ثم غسل من تلك الغبرة وهو جنب ناسٍ لجنابته، فقال: إن كان ذلك الغسل مثله ينفي من الجنابة فقد أجزاه.
مسألة: وسألته عن رجل اغتسل من جنابة ونسي أن يدخل يده في أذنيه حتى فرغ من غسله، قال: يغسل أذنيه وليس عليه بدل الغسل.
مسألة: وعن رجل يغسل من جنابة ولا ينال عرك بعض ظهره هل يجوز أن يفيض على ذلك الموضع الماء فليجتهد في عرك ما نال من ظهره ومن جسده وما لم ينل من عرك ظهره رجوت أن يجزيه إفاضة الماء إن شاء الله.
مسألة: وعن الجنب يغسل فخذيه من النجاسة حين أصابته قبل أن يتوضأ وضوء الصلاة هل يجوز له ألا يغسل ذلك العضو الذي غسله بغير الوضوء؟ فعلى ما (9/66)
صفحة 2627
وصفت فلا بأس بذلك ويجزيه ذلك الغسل، وفي نسخة الأول لذلك كذلك الوضوء في أول مرة.
مسألة: وسألته عن رجل أصابته الجنابة فدخل البحر أو النهر فاغتسل وغمس فلم يغسل الجنابة يطهر؟ قال: حتى يغسل الجنابة النجاسة، قلت: فإن غسل النجاسة ولم يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل قال: لا بأس بذلك، قلت: خرج ولم يتوضأ وضوء الصلاة أيجزيه عن الوضوء؟ قال: لا ولكن إن غسل غسلا آخر غير غسل الجنابة ولم يتوضأ وضوء الصلاة أجزاه إن شاء الله.
قال أبو الحواري: يجزيه غسل الجنابة عن الوضوء ما لم يمس فرجه بعد الغمسة الأخيرة، قال محمد بن جعفر: حفظ لي الفضل بن خلف عن سعيد بن محرز أنه قال: إن الجنب إذا غسل من الجنابة ولم تنل يده ظهره فيعركه صب الماء عليه في الموضع الذي لا تناله يده ثلاث مرات وأجزاه ذلك عن العرك، قال: نعم هكذا وجدنا في جواب من الشيخ أبي الحواري -رحمه الله- على نحو هذا من القول أنه يجزيه.
مسألة: وسئل عن رجل في سفينة أصابته الجنابة فلم يمكنه أن يغتسل إلا أن يتدلى في البحر فتدلى فيه بحبل ثم انغمس حتى ترطب جميع جسده أيجزيه؟ فإن كان ليس بشديد فلا يجزيه إلا أن يتعرك.
مسألة: وسئل موسى وهاشم عن رجل تصيبه الجنابة فينخزق الدلو وقد غسل بعض جسده وينقطع الدلو ولا يجد الماء حتى يجف هل يجزيه ما غسل من قبل؟ قال: نعم إذا كان لم يشغله شيء من عوض الدنيا، وكذلك زعم في الوضوء للصلاة فإذا توضأ بعض وضوئه ثم انقطع دلوه وأهرق ماؤه حتى يجف وضوؤه الأول، فإذا أصاب الماء فإنما عليه ما بقي من وضوئه، وإن كان توانيه بشيء من عرض الدنيا فليس يجزيه الوضوءز
مسألة: وسئل عن الجنب إذا غسل وتمضمض واستنشق ولم يدخل إصبعه في أذنه ولا في أنفه ناسيا أو متعمدا، قال: غسله تام.
مسألة: قال بشير: عن أبيه أن من غسل من الجنابة أن عليه أن يتوضأ.
مسألة: وإذا غسل الجنب وبقي شيء لم ينظفه من الجنابة فعليه إعادة (9/67)
صفحة 2628
الوضوء وإن كان من سائر البدن فإنما عليه غسل المواضع.
ومن غيره: وعن أبي الحواري قال: وكذلك الجنب إن غسل ثم نظر فإذا في يده موضع مقدار الدرهم لم يمسه الماء؟ قال: يعيد الغسل كله.
ومن غيره: قال: وقد قيل إنما عليه أن يغسل ذلك الموضع ويصلي، وقال من قال: يغسل ذلك الموضع ويتوضأ ويعيد الصلاة، وقال من قال: يعيد ذلك وحده ما لم يجف الغسل، وقال من قال: عليه إعادة الغسل والوضوء.
مسألة: ومن جامع أبي محمد وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بمد من ماء والمد قيل إنه رطل وثلث برطل زماننا فهذا يدل على أنه يمسح أعضاءه وهو لها غاسل، والغسل عند أصحابنا هو إفراغ الماء وإمرار اليد على البدن، وهو قول مالك وابن عليّه وأما غيرنا فصب الماء عندهم بظاهر اللغة، واحتج من ذهب إلى هذا المعنى بقول لبيد:
وبتنا جميعا ناعمين بلذة
وجاءت سحاب فاغتسلنا بقطرها ... تحدثي طوراً وأنشدها الغزل
وما عملت كفي عراكا لمغتسل
ومن الكتاب: ويكره لطم الماء بالوجه عند الطهارة، وإذا مسح بدنه بالماء فقد غسله، إلا أن الجنب إذا غسل ثم ذكر عضوا من أعضائه لم يصبه الماء أنه يمسحه من بلل بدنه، وفي الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اغتسل من جنابة فرأى في بدنه لمعة لم يصبها الماء فعصر جمته عليها فغسلها ومسحها فهذا يدل على أن الماء المغتسل إذا لم يباين الجسد يجوز استعماله لباقي الجسد الذي فاتته الطهارة.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجزي للغسل من الجنابة صاع من ماء، قال غيره: معي أنه قد قيل هذا ولا أعلم في معنى الرواية وثبوتها اختلافا، وخارج معنى ذلك أنه إذا أمكن الصاع من الماء وجب الغسل به على من لزمه الغسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس إذا كان مثله وكذلك كان غسل لازم وليس المعنى في ذلك عندي أنه يجزي على معنى الدلالة، لأنه قد يجزي دون ذلك لمن أبصر ذلك وإنما يخرج معنى القول إن كان ذلك يلزم به كما الغسل إذا حضر وأمكن الصاع أن يعمّ به غسل جميع جوارحه وبدنه بكماله وعليه أن يعمل بذلك ولا يتركه لا (9/68)
صفحة 2629
يترك شيئا من بدنه ولا من جوارحه لجهل منه بلزوم ذلك أو لتضييع منه للماء دون كمال ذلك أو لشك منه وضيق صدر عن جواز ذلك وكنانته له، فافهم معنى القول أنه يجزي للغسل صاع من ماء.
وكذلك الوضوء للصلاة مد من ماء وقد مضى معنى ذكر ذلك والاستدلال على لزومه فيما مضى من ذكر الوضوء وإذا لم يسعه ترك شيء بجهل ولا تجاهل لأنه لا يكون إلا بكماله ولا يتم إلا بتمامه.
ومن كتاب الأشراف: واختلفوا في الجنب والمحدث حدثا يوجب الطهارة عن انغمسا في الماء ينويان الطهارة ولا يمران أيديهما على أبدانهما، فقال طائفة: يجزيه، هذا قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي والشعبي وحماد الكوفي والأوزاعي والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي إذا قام في المطر واغتسل بما أصابه من المطر وتمضمض واستنشق وغسل فرجه يجزيه، وكان مالك يقول: لا يجزيه حتى يمر يده إلى بدنه، وقال عطاء في الجنب يفيض الماء عليه، قال: لا بل يغسل غسلا، قال أبو العالية: يجزي الرجل الغسل من الجنابة أن يغوص غوصة في الماء غير أنه يمر يده على بدنه، قال أبو سعيد: على نحو هذا يخرج عندي قول أصحابنا إلا أن له في قولهم أن نفس مس الماء للبدن الجنب والحائض أو النجاسات من غيرهما فإن ذلك المس له حركة يثبت بها معنى حركة الغسل بمثل ما يجزي في ذلك المعنى من اغتسال الغاسل له أجزا ذلك عندهم، وإن لم يكن له على هذا النحو في الاعتبار لم يكن بد من الغسل لثبوت اسم الغاسل عليه وهذا عندي من أوسط ما يخرج من قولهم، وقد يخرج أنه لا يجزيه إلا الغسل لثبوت اسم الغسل فلا يكون الغسل إلا بالعرك باليد وما أشبهها.
وقد يخرج عندي أنه يجزي بمماسسة الماء لثبوت الماء مطهرا، لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} (الفرقان:48)، والطهور هو المطهر فإذا ثبت أنه مطهر فالمطهر هو الغاسل ولو لم يغسل به لأنه مشتق من التطهر، فإذا زالت النجاسة بمماسسة المطهر وثبت معنى سبوغ البشرة وعمومهما بالماء فقد ثبت بهذا المعنى الغسل والتطهير.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: والواجب على الجنب أن يتطهر للصلاة قبل الاغتسال ثم يغتسل لأنه مخاطب عند قيامه للصلاة بالطهارتين جميعا إذا كان جنبا بظاهر الآية، والله أعلم. (9/69)
صفحة 2630
وقد قال بعض أصحابنا أن عليه إحدى الطهارتين غسل الأعضاء إذا كان محدثا من غير جنابة وغسل سائر البدن إذا كان جنبا، والواجب على المغتسل من الجنابة أن يتبع الماء سائر جسده؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة أنه قال: «بلوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة»، يعني بذلك والله أعلم من الحكم لأن هنالك موضعا لها ولا حالة فيه ولا يجزيه إلا إمرار اليد على سائر بدنه مع إفراغ الماء عليه إلا أن الاغتسال لا يفعل عنه إلا هكذا يقال غسلت ثوبي لا يعقل عنه إلا باليد وغسلت النجاسة وطهرت الثوب والإناء كل ذلك باليد، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وأنقوا البشرة» فيه دليل على ما قلناه والله أعلم.
وليس للمقيم ولا للمسافر التطهر بالماء عند الخوف منه لشدة البرد إذا خافا على أنفسهما الهلاك منه أو ما يؤدي إليه لما روي عن عمرو بن العاص اجتنب وهو أمير على جيش في غزوة ذات السلاسل فخاف من شدة برد الماء فتيمم وصلى فلما قدم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبره أصحابه عنه بذلك فقال: «يا عمرو لم فعلت ذلك» أو قال: «من أين علمت ذلك»، فقال يا رسول الله إني سمعت الله يقول: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} (النساء:29)، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد عليه شيئا.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ومن غسل من إناء فيبدأ بغسل كفيه ثم ليغسل الأذى ثم ليتوضأ وضوء الصلاة فإذا طهر الأذى فلا بأس أن يمس بدنه ويعركه بيده ويردها إلى ذلك الماء وإن وقع في نهر فبدأ بالغسل قبل الوضوء فلا بأس ولو فعل ذلك إذا غسل من الإناء ثم أبصر فسادا وقد ترك الماء يمر به إذا أمكنه وأحب إلي لمن يغسل من الجنابة أن يبدأ بعد المضمضة والاستنشاق بغسل شق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم وجهه وعنقه ثم يده اليمنى وما يليها ثم يده اليسرى وما يليها، ثم ظهره وصدره ثم رجليه ويعرك بدنه فإنه قيل تحت كل شعرة جنابة، وإن قدم جارحة قبل جارحة أخرى فلا بأس، قال محمد بن المسبح: يغسل كفيه ثم الأذى ثم يتمضمض ثم يستنشق ثم يغسل وجهه ثم ذراعيه ثم يفيض الماء على رأسه ثم على بدنه وغسل المرأة من الجنابة والحيض سواء، وقد قيل إن لم تنقض ضفائر شعرها وعركتها لذلك أجزاها ويبلغ الماء أصول الشعر.
قال محمد بن المسبح: إلا أن تكون عاقدة ضفيرتها بخيط فلتحله ليصله الماء، ومن غيره معي أنه قد يؤمر بنحو هذا. (9/70)
صفحة 2631
ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا من الترتيب في الغسل من الجنابة أنه كان يفعله إذا غسل من الإناء على نحو ما حكي من صفة الغسل من الإناء وذلك حسن، وإن فعل ذلك في الغسل من النهر في البئر كان ذلك حسنا وهو من أدب الغسل، وأما ظواهر الأمر وعموم صفة الغسل أنه إذا ثبت الجسد وعليه التطهير بإجراء الماء عليه وبلوغه العرك أو بما يقوم مقامه إلى ظواهر بشرة الإنسان وحيث يلزمه غسله من جسده بأية حالة كانت قد ثبت الغسل من جنابة كانت أو حيض أو نفاس وليس في ثبوت الترتيب في الغسل قول مؤكد في لزوم ذلك باتفاق ولا اختلاف إلا على معنى الأدب عندي في ذلك ولو أن الغاسل غسل جسده كله قبل أن يغسل موضع الأذى منه ويستنجي على الترتيب الذي وصف أو على غير الترتيب أو غسل بعض جوارحه ثم استنجى كان ذلك مجزيا له في معاني الاتفاق عندي من معنى اللازم، وإن كان تاركا لما يؤمر به من الأدب، وقد قيل في غسل اللازم من الجنابة والحيض والنفاس من غير مواضع الأذى من الجسد أنه لا يجزي الغسل في ذلك دون الثلاث عركات في النهر، ومن الإناء ثلاث عركات مع كل عركة صبة من الماء، ولعل القائل لذلك يذهب إلى معنى ما قيل في الوضوء أنه أقل ذلك ثلاثا في الوضوء للصلاة ويخرج عندي في معنى الاتفاق أن الغسل اللازم من غير النجاسات الذوات منها القائمة أن ذلك يخرج معناه على ما يخرج معنى الغسل في الوضوء للصلاة بمعنى الاتفاق، أن الغسل اللازم من غير النجاسات من الذوات إنما هو تعبد كالتعبد بالوضوء وقد ثبت في لزوم الغسل في الوضوء بالتسمية والوجوب كما ثبت ووجوب في غيره من الغسل اللازم وظواهر أحكام ذلك متفقة أنه ما أجزى في شيء من ذلك أجزى في جميعه وما لزوم في شيء من ذلك لزم في جميعه لموضع اتفاقه في اللزوم والتسمية والمعنى فبالغسل الواحد والمرة الواحدة في الغسل في جميع اللوازم يقع معنى تأدية الفرض وهو أقل ما يجزي في الفرض وما فوق ذلك يخرج على معنى
الاختلاف بين القول في ذلك لمن قل ماؤه ولمن استعجل، ومعاني ما قيل في ذلك وذكر في أمر الغسل للصلاة وقد مضى ذكر ذلك والاستدلال عليه في أمر الوضوء وجميع الغسل اللازم مثل وخارج بمعناه في غير النجاسات من الذوات القائمة العين والأثر، وكذلك النجاسات التي من غير الذوات مشبهة لذلك ومساوية لها لثبوت الغسل لها وبه عدم وجودها والحكم عليها في معنى الاعتبار بزوالها، وقد قيل أن بلوغ الماء إلى بشرة الجنب بمعنى ما كان من الحركات من حركته في الماء أو حركة الماء عليه حتى يصل ذلك عليه إلى معنى ما تعبد (9/71)
صفحة 2632
بغسله من جسده يقوم ذلك مقام الغسل بما كان من الحركات ولو قام الصب مقام ذلك من ثبوت حركته كان ذلك مجزيا موجبا للغسل، ولعله في بعض القول أن بلوغ الماء نفسه إلى البشرة الواجب غسلها بغير معنى النجاسة إلا معنى التعبد مع الإرادة للغسل بذلك بثبوت معنى الغسل لبلوغ الطهور من الماء إليه لأن الماء الطهور مطهر فبثبوت معنى بلوغه إلى الجسد معنى طهارة الجسد لأنه مطهر له إذ هو طهور والمبالغة في الغسل على غير معنى تضييع غيره بالاشتغال من اللازمات من الوضوء للصلاة والغسل اللازم من الفضائل وترك الفضائل عند اللزوم من الواجبات، وأما قوله: تحت كل شعرة جنابة، فقد جاء هذا على معنى الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أحسب ومخرج المعنى في ذلك أن البدن كله جنب ما كان فيه من البشرة وشعره ليس أن الجنابة بعينها تحت كل شعرة جنابة، ولو كان ذلك كذلك كان البدن كله نجسا لأن الجنابة تخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أنها نجسة وليس البدن كله من الجنب ولا شيء منه بنجس في معنى الاتفاق إلا موضع ما مسته النجاسة. (9/72)
صفحة 2633
الباب الرابع
فيمن شك أنه غسل من الجنابة أو لم يغسل
وقال: إذا كان الرجل جنبا ثم صلى صلاة أو صلوات ثم لم يعلم أنه كان غسل ولم يستيقن أنه لم يغسل فهو قد غسل حتى يعلم أنه لم يغسل ولم يستيقن أنه لم يغسل إذا تعدى صلاة إذا كان من أهل القبلة ويدين بغسل الجنابة ولا يعرف نفسه بترك غسل الجنابة.
مسألة: وإذا نزل الجنب في الماء وهو ذاكر الجنابة أو ناس ثم خرج من الماء فشك أنه غسل غسل الجنابة أم لا، ويمضي على ذلك من الشك فصلاته وصيامه تامان إن شاء الله، إلا أن يستيقن أنه ترك شيئا مما يلزمه فيه الغسل للجنابة أو كان في يديه جنابة لم يكن عركها ولا نضف موضعها، وإنما معي أنه أراد إرسال الماء إلى موضعها إرسالا فذلك عليه إعادة غسل ما ترك وعرك موضع الجنابة الذي لم يعركه فليعد الوضوء وأما الصيام فلا فساد عليه إن شاء.
قال غيره: وقد قيل إذا لم يذكر الجنابة قاصدا لغسلها فعليه إعادة الغسل حتى يتيقن أنه غسل، وأما إذا غسل وبقي شيء لم ينظفه من الجنابة فعليه إعادة الوضوء، وإن كان من سائر البدن فإنما عليه غسل الموضع.
قال غيره من كتاب المعتبر: ومما يوجد أنه عن أبي الحسن -رحمه الله- وقال: إذا كان الرجل جنبا ثم صلى صلاة أو صلوات ثم لم يعلم أنه كان غسل أو لم يستيقن أنه لم يغسل فهو قد كان غسل حتى يعلم أنه لم يغسل إذا كان قد تعدى صلاة أو صلوات إذا كان من أهل القبلة ويدين بغسل الجنابة ولا يعرف نفسه بترك غسل الجنابة. (9/73)
صفحة 2634
قال غيره: معي أن هذا يخرج على معنى حكم الاطمئنانة ولو كان ممن يدين بغسل الجنابة وليس الغسل من الجنابة عندي مثل الوضوء لأن الوضوء عندي يخرج في أكثر حالات الإنسان أن يصلي إلا بوضوء، وأنه على حال إذا لم يكن على علم منه ألا يصلي حتى يتوضأ وليس غسل الجنابة كذلك عندي، وكذلك يخرج عندي في الحكم في الغسل أنه يجزي عليه معنى النسيان، وإذا علم أنه جنب فقد لزمه حكم الغسل وهو عليه حتى يعلم أنه قد غسل فإذا ذكر أنه كان ذاكرا لغسله حتى مضى إلى الماء فوقع فيه ليغسل أو مضى ليغسل أو عرف بذلك أو ذكر شيئا من هذا كان هذا مما يزيد في معنى الاطمئنانة، وإذا كان قد صلى أو مضى عليه وقت الصلاة لم يعلم أنه لم يصلها إلا أنه إذا مضى عليه وقت الصلاة أو حان حكم وقتها ثم شك فيها صلاها أو لم يصلها فقد قيل ليس عليه أن يصليها حتى يعلم أنه لم يصلها وما دام في وقتها فشك فلم يعلم صلى أو لم يصل فقيل: إن عليه أن يصلي حتى يعلم أنه قد صلى، وأرجو أن هذا المعنى يخرج على معنى الحكم لا معنى الاطمئنانة، لأنه ليست الصلاة في زوال وقتها كمثل الغسل لأنه ليس للغسل وقت معروف ولا يخرج في أكثر العادة أن لا يصلي إلا بغسل كما لا يصلي إلا بوضوء فيخرج عندي معنى الوضوء والصلاة أنه إذا صلى صلاة ثم شك في وقتها صلاها بوضوء أو بغير وضوء كان في وقتها أو في غير وقتها إلا أنه قد علم أنها صلاها، فيخرج عندي في معنى الحكم مما يشبه ذلك معي أنه لا إعادة عليه حتى يعلم أنه صلى بغير وضوء، وإذا فات وقتها فشك أنه صلاها أولم يصلها خرج عندي على معنى الحكم أنه لا إعادة عليه فيها حتى يعلم أنه لم يصلي، وكذلك إن شك صلاها بوضوء أو بغير وضوء خرج عندي أنه لا إعادة عليه بمعنى الحكم حتى يعلم أنه صلى بغير وضوء أو لم يصل.
ويفترق عندي معنى الغسل من وجه النظر، ومعنى الوضوء لما ذكرت لك من هذا وإن كان يحسن ذلك عندي في معنى الاطمئنانة، وليس هذا من مذهب المصلي أن يصلي بالجنابة حتى يغسل إلا من عذر، ولا نعلم أن أحدا من أهل القبلة يقول بترك الغسل من الجنابة بدين ولا رأي إلا منتهكا لدينه، فإذا كان يعرف نفسه بانتهاك الغسل من الجنابة وأنه يصلي بغير غسل كان هذا عندي على أصل ما يعرف نفسه به من أمر صلاته يشبه ذلك معنى الحكم حتى يعلم أن لا غسل، وأما إذا لم يكن كذلك وكان يدين بالاغتسال من الجنابة ولا يعرف نفسه بترك الغسل من الجنابة بل يعرف نفسه به لعله ألا يصلي إلا بالغسل إذا ذكر فمضى عليه وقت الصلاة بعد أن (9/74)
صفحة 2635
علم أنه قد أصابته الجنابة أو جامع ثم لم يعلم أنه غسل أو لم يغسل فيخرج عندي في معنى الاطمئنانة أن ليس عليه غسل إلا أن يعلم أنه كان ناسيا لجنابته وأنه لم يغتسل ولا ثبت ذلك عندي على معنى الحكم والله أعلم.
وينظر في ذلك لأنه كلما تعلق عليه حكمه وكان لازما له فهو عليه حتى يعلم أنه قد أداه إذا لم يكن عليه عمل ذلك في وقت معروف، وأنه لا يسعه تركه في ذلك الوقت حين تصيبه أو حينما يقع فيه أو حينما يلزمه، وإنما العمل له بغيره وليس هو مما لا يجوز ذلك العمل إلا به في وقت على كل حال، والغسل عندي من مثل هذا يخرج إذا علم أن عليه قد وجب شيء من الحقوق من حقوق العباد وأشباهها مما ينعقد عليه حكمه ولا يكون هالكا بترك أدائه في وقت دون وقت ثم لم يعلم بعد ذلك وشك فيه أداه أو لم يؤده فيخرج عندي في معنى الحكم أنه لم يؤده حتى يعلم أنه أداه إلا أن يكون يعلم أنه قد دخل في معنى أداه سبب من الأسباب من خروج إليه أو وصول إليه أو دخول فيه، أو انصراف منه على معنى أداه فإذا كان هكذا خرج في معنى الاطمئنانة أنه مؤد له حتى يعلم أنه لم يؤده أو لم يعلم أنه ترك منه شيئا لم يؤده بكماله ويخرج ذلك عندي في الحج والزكاة من حقوق الله وفي الحج أثبت ذلك إذا وجب عليه ثم شك أداه أو لم يؤده ففي الحكم عليه أنه لو لم يؤده حتى يعلم أنه أداه لأن ذلك ليس عليه في وقت واحد ولأنه ليس مما تجري به العادة أنه كل عام يحج وأنه لا يجب عليه الحج إلا حج في عامه ذلك والزكاة عندي أقرب إذا كان يعرف نفسه بأنه يزكي في كل عام إذا كان من الورق وفي الثمار في وقتها وأنه لا يترك الزكاة في وقتها فإذا كان يعرف نفسه بهذا ثم شك في ذلك بعد انقضاء وقته وكان في أكثر عاداته هذا بأداء الزكاة خرج عندي في معنى الاطمئنانة أنه لا شيء عليه حتى يعلم أنه لم يزك.
وأما في معنى الحكم فلا يخرج عندي براءة له من ذلك لأن وقت ذلك ليس كوقت الصلاة إذ لا يسع تركها في وقتها حتى ينقضي بوجه من الوجوه إلا بما يزول عليه العمل لها في وقتها وبعد وقتها، وليس كذلك الزكاة، لأن الزكاة قد يجوز تأخيرها بعدم ويلزمه أداؤها من بعد ذلك وقد يجوز تأخيرها على غير العدم باعتقاد النية لأدائها بعد وقت وجوبها فإذا صح وجوبها في الحكم وصحة العلم لم يزل حكم وجوبها بعد لزومه بصحة علمه إلا بأدائها بالعلم ونما يشبه من معاني الاطمئنانة في حكم الاطمئنانة وزكاة الفطر عندي أقرب في معنى حكم الاطمئنانة إذ إخراجها في (9/75)
صفحة 2636
وقتها من عادات الناس أغلب وأنهم لا يؤخرون ذلك كما يؤخرون الزكاة ولو شك في تأديتها بعد وقتها وهو انقضاء يوم الفطر. وقد كان يعرف نفسه بأداء ما يلزمه فيها وهو ممن يلزمه إخراجها أعجبني أن يكون في أغلب معاني الاطمئنانة ألا يجب عليه إخراج ذلك حتى يعلم أنه لم يخرجه ولا يخرج عندي ذلك على حال في معنى الحكم إذ لا يكفره تأخيرها، وإذ عذر في الوقت عن أدائها وهو مؤسر بها لم يكن ذلك العذر مما يزيل عنه حكم إخراجها كمثل ما لو عذر عن الصلاة في وقتها وزال حكم العمل بها، أنه لا بدل عليه بعد فوت وقتها إذا كان في حين وقتها معذورا، وإذا لا يكفره ترك العمل بها على غير عذر ولا يثبت عليه في الحكم عندي أن يكون تاركا ما يكفره تركه في دينه ولا يحمل عليه حكم النسيان له إذا تعدى وقته وكذلك صوم شهر رمضان إذا كان فيه مقيما غير مرضي ولا كان له عن صومه عذر محتمل فيه عنده أن يتركه لعذر ويكون فيه سالما فشك من بعد انقضاء وقته صامه أو لم يصمه بكل حالة كان فيها لا يخرج معه أن يترك صومه لعذر يعذر فيه، خرج عندي معنى صومه له في معنى الحكم بمنزلة الصلاة، وإن كان يعرف من نفسه أنه كان في حالة يحتمل فيها أن يصوم ويحتمل أن يسعه ترك الصوم إلا أنه إنما يشك في ذلك صام أو لم يصم من بعد خروجه من حاله تلك من بعد
انقضاء شهر رمضان أو انقضى ما مضى منه من الأيام التي شك فيها في الإفطار أو الصيام فيلحق عندي معاني الاحتمال في مثل هذا ويعجبني أن يصح له حكم صوم ما مضى في معنى الحكم إلا أن يغلب عليه حكم الارتياب لأن وجوب صوم شهر رمضان في وقته ولا يسع تركه إلا لعذر ولا يأتي عليه حال بعذر بإفطاره إلا أن يصح العذر، ولو صح العذر كان فيه مخيرا، وقد قيل إن الصوم أولى في الحالات كلها بثبوت فرضه حتى يعلم أنه أفطر أو أنه نوى الإفطار ولو كان من المرضى أو السفار، فمن هنالك أعجبني أن يكون له في شهر رمضان ما يكون له في الصلاة عند شكه في ذلك بعد انقضاء وقته في كل يوم مضى فحكمه عندنا ما مضى ولو كان في الشهر، فإذا ثبت عليه حكم البدل لشهر رمضان أو للصلاة وزوال وقت ما قد وجب عليه بدله والعمل به فهما عندي بمنزلة سائر الواجبات إذا شك فيهما أبدلهما أو لم يبدلهما وعليه بدل ما وجب عليه حكم معنى الاطمئنانة لا يشك فيها، وما كان من حقوق العباد مما لزم ووجب أداؤه من الديون والتبعات والديات والنفقات وجميع ما يصح معه لزومه له ثم يشك في أدائه مما لا يجب أداؤه في وقت (9/76)
صفحة 2637
معروف، ولا يسعه تركه وشك في أدائه إذا لم يؤده فهو عندي في الحكم بحالة أنه أداه أو بمعنى اطمئنانة لا يرتاب فيها، فإذا ثبت له معنى الدخول في أدائه وخروجه من ذلك على معنى الأداء له ثم شك في شيء منه إن لم يحكمها وأنه جهل أحكامه ويعجبني أن يكون له في هذا الموضع في حكم الاطمئنانة أن يكون مؤديا حتى يصح معه أنه لم يؤد بحكم، وما كان من ذلك يؤدي في كل يوم أو في كل شهر أو كل سنة في التعارف في معنى الأغلب مثل الكسوات والنفقات للنساء وغيرهن ممن يلزمه كسوته ونفقته فشك في أدائه بعد انقضاء وقته الذي يؤدي فيه في الأغلب من الأحوال وفيما يعتقده ويلزمه نفسه ما قد ثبت عليه في الحكم فشك في أدائه بعد انقضاء وقت أدائه كان ذلك عندي من هذا النوع مثل الزكاة التي تجب عليه فيشك فيها
بعد انقضاء وقتها، ويعجبني أن يكون له في معنى الاطمئنانة أن يكون مؤديا لذلك حتى يعلم أنه لم يؤده أو يأخذه في ذلك الحكم الذي يوجب عليه أداؤه من أحكام أهل العدل الذي يجب عليه حكمهم ولا يسعه الخروج منه.
وأما في الحكم فلا يبين لي براءة له من هذا النوع ولو كان شكه فيه بعد انقضاء وقته لأنه قد يكون له تركه من وجه العذر له ومن وجه التوسع له ما لم يطلب بذلك طلبا، ولا يسعه تركه ولا يزيل ذلك عنه ما قد لزمه منه وكل شيء من الأشياء من أمر دين الله وحلاله وحرامه وحقوقه وأحكامه جارية على أصولها المثبتة عليها، فإذا ثبت فهي ثابتة حتى يزيلها أصل مثلها فإذا زالت فهي زائلة حتى يثبتها أصل مثلها وقد يخرج في معنى الاطمئنانة والتعارف وما تجري به العادات ما يشبه معنى الحكم الثابت في الأصول وربما يزيل مثل معنى ذلك من الأحوال أثبت الأصول من ذلك لو أنه ثبت بين رجل وامرأة معاشرة ومساكنة على معنى ما يشبه التزويج وهو يعرف نفسه أنه لا يساكن تلك المساكنة ولا يعاشر تلك المعاشرة بقليل منها ولا بكثير إلا من تجوز له مساكنته ومعاشرته بزوجة أو رحم أو نسب أو صهر أو رضاع فعارضه الشك في زوجته فلم يعرف حين ذلك أنها زوجته في الحكم بعلم منه كان التزويج ولا من أي وجه ولا من زوجه بها ولا كيف كان عقد التزويج بما يجوز وبما لا يجوز، ولا أعلم أنه شهد معه من تجوز شهادته على الرضاع أن هذه أخته من الرضاعة ولا أمه، وكذلك سائر ذوات محارمه، كان هذا عندي شك معارضة، فإن كان موضع حكم لأنه في الأصل محكم عليه باعتزال النساء في المعاشرة لهن والمساكنة والجماع حتى يصح منهن ما يجوز له ذلك وإلا فهن محجورات كلهن في الأصل لأنهن حرمة على (9/77)
صفحة 2638
الرجال حتى يصح ما يجوز يحل به شيء منهن مثل زوجة أو أمة يطأها أو غيرها فكان حكم الأغلب والتعارف والاطمئنانة فيما تجري به عامة أمور الناس هو الأغلب والجائز والمعمول به دون ثبوت الأحكام عليهم في مثل هذا، وكذلك ما
أشبهه وترك بمنزلة من جميع الأحكام والحقوق من الأموال التي في يده إذا نص نفسه إلى معرفتها من أين اكتسبها فأصلها بعد أن لم تكن في يده لم يعرف من أين كان ذلك، وفي الأصل محجور عليه ذلك إلا بحله وكان الأغلب في التعارف في مثل هذا ثبت من حكم القضاء وترك البيوع التي يعرف أنه دخل فيها ولا يعرف حلالها من حرامها، وهو يطأ بها الفروج ويتمتع بها ويأكلها أو يعرف أنه إنما اكتسبها بالبيع والشراء من أيدي الناس ويعرف أنها كانت لغيره قبله في معنى الحكم ثم حازها إليها على وجه التملك ولا يعرف كيف صارت إليه ببيع أو عطية أو غصب أو هبة أو هدية، وكان في يده وحوزه بمعنى التملك عند نفسه على معنى الاطمئنانة ولو لم يعلم في الحكم أين صار إليه ذلك بعد أن علم أنه كان لغيره أولى من الحكم ولو كان في الأصل قد صارت إليه بمعنى غير ثابت ونسي ذلك وغاب عنه لم يضره ذلك إذا كان قد نسي الأصل، ولو كان من الربا أو الغصب أو التزويج الفاسد، وكذلك لو علم الأصل الذي تزوج عليه زوجته أنه حلال جائز ثم بانت بوجه من الوجوه مما تثبت عنده أنها تحرم عليا في حين ما تركها وفارقها فلما طال ذلك عنده مدة زوجته يعقب أمر ذلك الذي بانت بأي وجه فلم يعرف ذلك وغاب عنه لم يكن عندي في حكم الجائز والمحجور يجيزها له إذا لم يعلم الأصل الذي بانت منه وتركها له طول المدة ولو كان ذلك إذا تعقب الأمر فيها علم حقيقة التزويج ولم يعلم حقيقة الفرقة إذا كان قد تركها وبانت منه على سبيل ما معه أن ذلك يحرمها عليه ولو كان في الأصل لم يكن يبيحها ولا يحرمها عليه ولو كان حكم الاستبراء هاهنا أولى من حكم القضاء، وأما إن كان إنما وقع بينهما كلام أو سبب مما يدخل عليه فيه الريب ولم يعلم ذلك الأمر بحقيقة إذا تعقبه ولم يكن تركها على وجه ما تحرم به عليه وإنما وقع ذلك الأمر ثم التمس معرفة ذلك من نفسه فغاب علم بقية علم ذلك فنسيه فلا يقف على معنى صورة ذلك من قول أو فعل وقد
كانت زوجته في معنى الحكم أو ما لا يشك فيه من معنى الاطمئنانة في الأصل فهي زوجته على معنى الأصل الذي كانت عليه في معنى ما يسعه ويجوز له، ولو كان في الأصل من ذلك المعنى الذي عارضه من فعله أو قوله مما يحرمها عليه إذا نسي ذلك وغاب عنه علمه، والأصل في هذا المعنى أولى به فيما يسعه من المعارضة بما لم يثبت به حكم القضاء أو حكم استرابة ثبت معنى حكمها بثبوت (9/78)
صفحة 2639
العمل بها والترك لها.
وكذلك الأموال في الحوز لها والتسليم والحوز من غير غلبة وحوزة على غيره أو من غير يد من طريق ميراث أو بسبب لا يعرف أصله ولم يكن ذلك له ولا في يده فكل ذلك معناه واحد بمنزلة الزوجة والجارية التي يطأها والعبيد الذين يملكهم فيستخدمهم فكل ذلك سواء على معنى ما وصفت لك فانظر في معاني الأحكام كيف يثبت في معنى القضاء والاطمئنانة بتحليل الحلال والاسترابة والإشكال في معنى الحرام كيف حل الحرام في مواضع وحرم الحلال في مواضع على غير معنى ارتكاب الحرام ولا تحريم الحلال وجواز ذلك في معنى أحكام الإسلام إذا أتى ذلك من وجه معناه وليس كل الأمور محمولة على هذا وجهل علم الأصول ونسيانها أهون وأوسع من جهل أحكامها إذا كان ذاكرا أو عالما بأصولها لأن جهل الحكم أشد من جهل الأصل الذي يوجب الحكم فافهم معاني ذلك إن شاء الله.
مسألة: عن محمد بن محبوب فيمن خرج من غسل الجنابة أو نجاسة ثم شك أنه لم يغسل شيئا من بدنه أو لم يحكم الاستنجاء، قال: إذا لبس ثيابه فلا إعادة عليه ولا يرجع إلى ذلك حتى يستيقن ولو لم يكن لبس ثيابه.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر اختصرته فيمن أصابته الجنابة في ثوب ثم لم يطلبها من الثوب حتى بات فيه ليلة أخرى ثم رأى فيه جنابة؟ قال: الذي عرفنا أنه إذا لم يعرف متى أصاب الثوب الجنابة ثم رأى في ثوبه جنابة فإن حكم تلك الجنابة من آخر نومة نامها في ذلك الثوب، قلت: فهذا قد أصابته الجنابة ولم يطلبها من الثوب أول يوم حتى رأى فيه الجنابة من الغد، قال: نعم حكم هذه الجنابة حكم آخر نومة نامها في ذلك الثوب إلا أن يتقرر في قلبه هو أن تلك الجنابة التي رآها في الليلة الأولى.
مسألة من الضياء: ومن أعار رجلا ثوبا في أول الليل أو آخره فلما أصبح إذا به جنابة؟ فعليهما الغسل جميعا المعير والمستعير إن ناما فيه تلك الليلة جميعا يصدق بعضهما بعضا. (9/79)
صفحة 2640
[صفحة بيضاء] (9/80)
صفحة 2641
الباب الخامس
فيمن يرى الجماع ولا يقذف أو ينتبه
ولم يدر قذف الجنابة أو لم يقذفها
وعمن يرى في النوم أنه يجامع ثم ينتبه قبل أن يقذف إلا أنه يجد شهوة شديدة لحال الجماع وليسها الشهوة التي يقذف فيها فيخرج منه مذي كثير هل يجب عليه الغسل وإن وجب عليه الغسل فلم يغسل ما يلزمه؟ فليس عليه غسل.
مسألة: وسئل أبو سعيد عن رجل يرى عن رجل يرى الجماع في المنام ويستيقن على ذلك فيلمس من حينه فلم يجد بلالا؟ قال: لا غسل عليه، فإن نعس بعد أن رأى بقدر ما يجف أن لو كان خرج فلمس فلم يجد كان عليه الغسل عندي فيما قيل وهو عندي احتياط.
مسألة: ومن كتاب الأشراف وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن من احتلم أن يغسل، وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، قال أبو سعيد: معي أنه إنما يجب الاغتسال من الاحتلام من الجنابة إذا نزل الماء الدافق عند الاحتلام وما أنزل الماء الدافق وهو المني بثبوت الغسل كان في الاحتلام أو في منام أو في يقظة بجماع أو غيره لثبوته جنبا، وهذا ما لا يخرج عندي فيه اختلاف، وليس لمعنى الاحتلام يجب الغسل ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومن كتاب الأشراف: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللا أن لا غسل عليه، قال أبو سعيد: هذا إذا لم يجد بللا في الوقت وأما إذا لم ينتبه أو انتبه فلم ينظر ولم يلتمس بقدر ما يمكن جفوف ذلك بعد خروجه ثم لمس بللا فقد وقع عليه الإشكال ولزمه الغسل (9/81)
صفحة 2642
عندي فيما قيل، ويخرج ذلك عندي على الاحتياط لا بمعاني الحكم.
ومنه: واختلفوا فيمن يرى بللا ولم يذكر احتلاما فقال طائفة: يغسل، وروي هذا عن عائشة وعطاء والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، وقال أحمد: أعجب إليّ أن يغسل إلا رجل به أبرده، وقال إسحاق: الغسل إذا كان بلة نطفة، وروينا عن الحسن البصري أنه قال: إن كان انتشر إلى أهله من أول الليل فوجد من ذلك بلة فلا يغسل، وإن لم يكن كذلك اغتسل، وفيه قول ثالث وهو أنه لا يغسل حتى يدفق الماء الدافق هكذا قال محمد وهو قول قتادة، وقال: يشبه يعني إن شك وقد قال مالك والشافعي ويعقوب يغسل إذا علم بالماء الدافق، قال أبو سعيد: أما البلة وحدها إذا تنبه بغير أن يرى جماعا، ولا ما يشبهه من اللمس فمعي أنه يخرج في قول أصحابنا نحو ما مضى فيه من الاختلاف، ولبعضهم فيه قول ثالث إذا أشكل عليه فقيل أنه يشمه فإن وجد به رائحة المني اغتسل وكان عليه الغسل وإن لم يكن فيه رائحة المني لم يكن عليه غسل، وأما إذا وجد البلة بعد رؤيته الجماع عقب ذلك فمعي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قولهم أن عليه الغسل إلا أن يعلم أن ذلك غير المني من البلل، ولا يخرج عندي هذا على حال معاني الحكم إلا في معاني الاحتياط إلا أن يثبت منيا بعين أو رائحة فهنالك يجب عندي بمعاني الحكم ثبوت الغسل.
مسألة: ومن غير كتاب الأشراف: ومن جواب أبي الحواري فيما أحسب سألت -رحمه الله- عمن رأى في منامه أنه يجامع وأن الجنابة تخرج منه ثم انتبه فمس أو نظر فلم يجد رطوبة أو نظر فلم ير شيئا هل عليه غسل، فعلى ما وصفت فليس عليه غسل وذلك حلم، ولقد سألت أبا المؤثر عن ذلك فلم ير عليه غسلا، وكذلك سألت عن الذكر إذا اضطرب ثم سكن الذكر ثم خرجت الجنابة بعدما سكن الذكر، قال: لا غسل عليه، قلت: فإن اضطرب الذكر ثم أمسكه بيده حتى سكن ثم خرجت منه الجنابة؟ قال: تلك جنابة ميتة ولا غسل عليه.
مسألة: وسئل عمن رأى الجماع ورأى الإنزل وتوضأ ولم يلمس؟ قال: يعجبني الاحتياط للغسل، وإن رأى الإنزال والجماع ومس فلم يجد شيئا فلا غسل عليه، وإن وجد البلل ولم ير الجماع ولا الإنزال فقد قيل إنه لا غسل عليه حتى يعلم أنها جنابة، وقيل: عليه الغسل، وقيل: يشمه فإن وجد عرف الجنابة فعليه الغسل، وإن لم (9/82)
صفحة 2643
يجد عرف الجنابة فلا غسل عليه، وهذا كله على الاحتياط وأما الحكم فحتى يعلم أنها جنابة.
مسألة: وسئل أبو سعيد -رحمه الله- عن رجل استيقظ من نومه فوجد رطوبة في إحليله فلم يعرف ما هو هل عليه الغسل؟ قال: قد اختلف في ذلك فقال من قال: لا غسل عليه حتى يعلم أنها جنابة، وقال من قال: عليه الغسل حتى يعلم أنها ليست جنابة، وقال من قال: يشمها فإن وجد فيها ريح الجنابة فعليه الغسل فإن لم يجد رائحة الجنابة فلا غسل عليه، قلت: وسواء رأى أسباب النساء في النوم أو لم يره؟ قال: فالاختلاف واحد على ما وصفت لي، قال: أحسب أن هذا إنما هو إذا لم يكن رأى، وفي نسخة من أسباب الجماع شيئا.
مسألة: ومن كتاب المعتبر: من جامع ابن جعفر: فإن عبث بذكره أو عنته شهوة فقذف الماء الدافق فقد لزمه الغسل كان ذلك في نوم أو يقظة، ومن رأى في منامه أنه يجامع ولم يعلم أنه قذف ولا رأى بللا فلا عليه إلا أن يرى الجماع ويرى بللا أو شيئا من ذلك في بدنه أو ثيابه فعند ذلك يلزمه الغسل، وكذلك في الذي تخرج منه النطفة الميتة، وحفظ لنا الثقة عن بعض أهل الفقه أنه لا غسل على من خرجت منه النطفة الميتة بلا شهوة ولا انتشار.
ومن غيره: وعن أبي معاوية عزان بن الصقر -رحمه الله- أنه قال: لا غسل من الجنابة الميتة، وقال: إن الجنابة الميتة أن الرجل يرى أنه يجامع ويضطرب الإحليل ويبرد ويخرج من ذلك جنابة فهذه هي الجنابة الميتة فلا غسل فيها، قال محمد بن المسبح: إذا رأى الجماع في منامه بانتشار الإحليل واضطرابه ثم استيقظ من نومه ولم يمس في ثقب الإحليل بللا فلا غسل عليه، فإن سكن من اضطرابه ثم خرجت منه رطوبة فعليه الغسل إذا وجد الشهوة كأنه نطفة باضطراب الإحليل وارتعاش البدن فالشهوة لاحتيابها في البدن فإذا أنزل الإحليل في حينه أو بعده فعليه الغسل.
قال غيره: معي أنه يخرج في معاني الاتفاق وعلى ما يشبهه حكم الكتاب والسنة أن الغسل لازم لكل من خرج منه المني من الرجال في يقظة أو في المنام، بمعالجة أو غير معالجة من حضور الشهوة له في اليقظة أو بمعنى الاحتلام في المنام لقول الله تبارك وتعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} وثبت أن الجنابة في معاني الاتفاق هي الماء (9/83)
صفحة 2644
الدافق وهي المني، وأن ذلك يخرج في معاني الاتفاق مما خرج على معنى الشهوة والاضطراب من الإحليل أو مع حضور الشهوة، فإذا كان على هذا الوجه في يقظة أو منام بأي وجه من الوجوه كانت فتلك جنابة وكان المبتلى بها جنبا بمعاني الاتفاق من الرجال ولا أعلم في ذلك اختلافا، وقد قال الله تبارك وتعالى فيما يدل على ثبوت حكم الجنابة بخروجها بالاحتلام: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ} (النور:59)، فثبت في معنى ذلك أنهم إذا بلغوا الحلم بإنزال النطفة ولولا ذلك لما كان يتعرى الصبي من الاحتلام وهو صبي ولما كان ذلك الاحتلام دليلا على أنه يوجب عليه ثبوت الأحكام بل ثبت أن ذلك الاحتلام هو الذي يوجب عليه الأحكام من البلوغ بإنزال النطفة في يقظة أو منام، فإذا ثبت خروج الماء الدافق من الرجال بوجه من الوجوه في يقظة أو منام بمعالجة أو عبث أو تشهي أو تغلبه الشهوة له حتى خرج منه المني فهو جنب بكتاب الله تبارك وتعالى وعليه الغسل على ما يخرج في معاني الاتفاق من تأويل ذلك، وأما إذا وجد الشهوة واضطراب الإحليل للشهوة ثم يسكن الاضطراب وزالت الشهوة التي يكون مع خروج المني من الماء الدافق، ثم خرج منه وبعد ذلك نطفة فتلك نطفة ميتة، وقد يلحقها اسم الجنابة في الشبهة للجنابة، ويختلف في لزوم الغسل منها، فقال من قال: إنه يلزمه منها الغسل.
وقال من قال: لا يلزمه وهو أحب إليّ، لأنه وإن شبهت الجنابة فليست هي من الماء الدافق الذي تقع به الأحكام لثبوت الاحتلام، ويخرج ذلك لحضور الشهوة في اليقظة والمنام، وتلك نطفة لا يجب بها الغسل وإن شبهت الماء الدافق، كما لا يجب بدم الاستحاضة ترك الصلاة، وإن أشبهت دم الحيض، ولا تنقضي به العدة، ولا يترك به الصوم، وإن كان دم كدم الحيض، فإن الجنابة المحكوم بها، هي الماء الدافق، كما أن الدم المحكوم به هو دم الحيض، وليس كلما أشبه الشيء بمعنى أشبهه في جميع المعاني.
والنطفة الميتة تشبه المني في ثبوت الاستنجاء ونقض الوضوء ولا يشبه في ثبوت الغسل، ولا لزوم الأحكام في البلوغ، كما أن دم الاستحاضة يشبه دم الحيض في نقض الوضوء، والاستنجاء منه، والاغتسال في بعض القول، ولا يشبهه في جميع الأحكام، وإذا خرجت النطفة بحضور الشهوة التي يكون بها خروج الماء الدافق من بعد سكون الاضطراب أو فيه، فتلك هي الجنابة ولو خرجت بمعنى الشهوة التي يكون بها ذلك خروج الماء الدافق من بعد سكون الاضطراب، أو فيه (9/84)
صفحة 2645
فتلك هي الجنابة، ولو خرجت بمعنى الشهوة التي يكون بها على غير اضطراب، ولا انتشار، كان ذلك هو الماء الدافق ولو خرجت في الانتشار والاضطراب بغير حضور تلك الشهوة، كان ذلك عندي حكمه حكم النطفة الميتة، وإن كانت نطفة، وإلا فهو من المذي.
ولا يكون خروج المني الذي يوجب حكم الجنابة إلا الماء الدافق، الذي يخرج بالشهوة، وسواء ذلك كان ذلك في يقظة أو منام، إذا وجد الشهوة، الذي يكون بها خروج المني، والماء الدافق في اليقظة، ثم سكنت تلك الشهوة، ثم خرج من بعد سكونها وزوالها فذلك من النطفة الميتة، مما يخرج بغير شهوة في وقت خروجه كان ذلك في اليقظة أو في المنام إلا أن يمسك ذلك بيده، أو شي مما يختص به في الإحليل، حتى تفتر الشهوة وتسكن، ثم خرج بعد ذلك نطفة فهي في معنى الحكم يدخلها معاني الريب، ويحتمل بها الميتة والحية، لأنه لا يمكن أن تكون قد خرجت بالشهوة، فاحتبست للإمساك عليها مجرى الخروج حتى خرجت بعد زوال الشهوة، فالاغتسال عندي هاهنا أحوط، وأحرى أن تلحق بمعاني الريب، أن تكون نطفة حية، وكان خروجها بمعنى الشهوة التي يكون بها الماء الدافق، وما فضل إلى الإحليل من أحكام النطفة بمعنى الشهوة التي تكون بها الماء الدافق فهو الماء الدافق وليس حبسه في الإحليل مما يزيل حكمه إذا ثبت خروجه بالشهوة، وإن كان قد يمكن إلا أن يكون خروج ذلك لتلك الشهوة، وأن تكون فترت على غير خروج، فلما أن كان المخرج ممسوكا لحق النطفة معنى الأغلب في الاسترابة أنها حية.
وأما إن فترت الشهوة ولم يكن ثم عارض بمعنى خروج الماء الدافق، حتى زال معاني أحكامه ومخرجه، ثم جاءت النطفة، كان حكم ذلك ومعناه معنى الميتة لموت الشهوة وزوالها، وسواء ذلك كان في يقظة أو منام، أقرب إلى أن يدرك مثل هذا لأن الاحتلام قد يوجد غير الحقيقة في معنى ثبوت وجود الشهوة، وليست بالشهوة التي هي على الحقيقة، لأن الرؤيا ليس بالحقيقة، ولما أن ثبت الاحتلام ثبت في معنى الأحكام، فأشبه اليقظة على حال إذا خرجت أحكامه على معنى أحكام اليقظة، وهذا يخرج عندي على معنى الأحكام في ثبوت الغسل بالجنابة، في اليقظة أو المنام.
وأما إذا رأى الجماع في المنام ووجد الشهوة أو لم يجدها، ثم انتبه من (9/85)
صفحة 2646
نومه فوجد بللا في حين انتبه، ولم يعلم ذلك نطفة أو مذي أو ودي، أو غير ذلك فمعي أنه قيل: إن عليه الغسل إذا رأى الجماع أو ما يشبهه، ثم انتبه فوجد بللا على حسب ما يوصف لك، ومعي أن هذا الفصل مما يشبه القول فيه بمعنى الاتفاق، بما يوجب الغسل فيه في هذا الموضوع، ويخرج عندي على معنى الاحتياط، لا معنى الحكم، حتى يعلم أن ذلك نطفة خرجت في حال الشهوة، حين ما رأى ذلك، أو استيقظ بالشهوة، وذلك يخرج معي في حكم ما يخرج المني، والماء الدافق، لأنه يمكن أن تكون تلك الرطوبة وذلك البلل خرج من بعد ذهاب الشهوة، فتكون نطفة ميتة، أو يكون مذيا أو غيره من البلل، فلما أمكن هذا وهذا ولم يعرف ما هو على الحقيقة ثبت معنى الخروج من الشبهة على الاحتياط، وهو إن كان يخرج على معاني الاحتياط فهو يشبه بالأحكام، لأني لا أعلم في هذا النحو اختلافا من قول أصحابنا إلا أن يلزمه الغسل، وإن وجد الشهوة مع ذلك، كان أقرب من دخول الشبهة عليه وأولى بالخروج من الريب، وإن وجد مع ذلك عرفا يشبه رائحة النطفة لذلك البلل، كان ذلك أقرب من الريب ودخول الشبهة، وما لم يصح بالحقيقة فلا يخرج إلى معنى الحقيقة بالحكم اللازم، وربما يخرج من معنى الاحتياط ما يشبه معنى الحكم من تفاوته في التساوي والتشابه، وهذا عندي مما يشبه ذلك إذا ثبت معنى حكم الاحتلام في المنام، وإذا لم ير في المنام شيئا من الاحتلام بجماع، أو يشبهه من المس، أو ما يقرب إلى معاني الشهوة إلا أنه انتبه من نومه فوجد بللا لم يعرف ما هو نطفة أو غيرها.
فمعي أنه قيل: إن عليه الغسل حتى يعلم أنه ذلك ليس بجنابة، وقيل: إذا لم ير شيئا من الاحتلام، ولا وجد شهوة في المنام، بنحو ما وصفت لك فليس عليه غسل حتى يعلم أن تلك الرطوبة جنابة، ومعي أنه قيل: إن كان لتلك الرطوبة رائحة مثل رائحة النطفة، كان عليه الغسل، وإن لم يكن لذلك رائحة النطفة، لم يكن عليه غسل حتى يعلم أنها جنابة.
ومعي أنه وإن كانت لها رائحة النطفة أن لا غسل عليه، لأنه قد تكون النطفة ميتة، ولا غسل منها في معنى الاحتلام، ويخرج هذا الغسل عندي كهل بمعنى الاسترابة والاطمئنانة لا على معنى الحكم بلزوم شيء من ذلك في الغسل، ولا بزواله.
وأما إذا رأى الجماع أو ما يشبهه من المس، وما يقرب إلى معاني الشهوة، (9/86)
صفحة 2647
ووجد الشهوة أو لم يجدها، ثم انتبه في حين ذلك فلمس فلم يجد شيئا، ثم خرج منه من بعد ذلك شيء من البلل لا يعلم أنه ماء دافق؟ فمعي أنه يخرج في هذا الفصل أنه لا غسل عليه ولا أعلم في ذلك اختلافا، إلا أن يكون يدرك الشهوة بعد يقظته التي بها يخرج المني، فلمس في حين ذلك فلم يجد شيئا، ثم يكون خروج ذلك في الشهوة، أو في شيء بقية الشهوة التي أدركها بمعناها يخرج الماء الدافق، فمعي أن عليه في هذا الفصل الغسل، فلا يبين لي في ذلك اختلاف.
فأما إذا انتبه من حين ذلك، فلم يلمس فمعي أنه: يخرج أن عليه الغسل لموضع الاحتياط، لأنه لو مس فوجد بللا، كان لك قد دخل عليه معنى الاتفاق في الفصل الأول، وأن عليه الغسل وإن كان يخرج بمعنى الاحتياط على ما ذكرنا، فلما لم يلمس حين ذلك احتمل أن يكون قد خرج منه شيء أو لم يخرج، فلزمه حكم الريب، وأرجو أنه قد يخرج أنه ليس عليه غسل في معنى الحكم، إذا لم يجد ما يجب به الغسل، وهذا الفصل عندي أقرب منه من الفصل الذي لمس فوجد، لأن الوجود آكد وأجب من الإمكان أنه يجد.
ومعي أنه كذلك قيل لو انتبه بقدر ما يمكن أن يخرج منه شيء، ويجف ثم لمس فلم يجد شيئا أنه قيل: إن عليه الغسل، وهذا عندي يخرج على معنى الفصل الذي لم يلمس، ويخرج فيه عندي ما يشبه الاختلاف، ويعجبني قول من يأمر بالغسل في ذلك على الاحتياط، وكل هذا عندي يخرج على معاني الاحتياط.
وإذا ثبت معنى هذا أنه إذا استيقظ فلم يلمس بقدر ما يجف، أن لو كان خرج ثم لمس فلم يجد بللا، أن عليه الغسل للشبهة والخروج من الريب، فيشبه ذلك عندي أن لو مضى في نومه ولم يستيقظ، ولم ينتبه بذلك، فيلمس أو لا يلمس يقدر ما لو كان خرج منه شيء جف بنحوه إلى أن يستيقظ فاستيقظ، فتلمس ولم يجد شيئا، أشبه ذلك عندي هذا الفصل، لأنه قد دخل عليه معنى الشبهة في إمكان خروج ذلك وجفوفه، وسواء كان ذلك عندي يكون جفوف ذلك في يقظة أو منام، وإذا ثبت هذا المعنى ثبت أنه نام بعد ذلك، ولم يستيقظ به حين ذلك فيلمس أو لا يلمس، إلا أنه لم يعرف ما نام بعد ذلك قليلا أو كثيرا.
ويمكن أن يكون نام بعد ذلك بقدر جفوف ما يخرج، ويمكن أن يكون أقل من ذلك، لم يبعد عندي من دخول الشبهة عليه، ووجوب الخروج من (9/87)
صفحة 2648
الاسترابة، لإمكان ذلك وثبوت معانيه إذا لم يخرج من ثبوت ذلك بالحقيقة، أو ما أشبهها من الاطمئنانة، مع علمه ما نام بعد ذلك، والمنام عندي في مثل هذا ما يشبه اليقظة على نحو ما وصفت لك من دخول الشبهة والاسترابة، لثبوت حكم الجنابة بالاحتلام في المنام، فكان تباعد ذلك وقربه في المنام مثل ذلك في مثل ذلك في اليقظة، لما يدخل الريبة عليه في ذلك، وفيما يخرجه في الاطمئنانة.
وكذلك عندي إذا رأى الجماع أو ما يشبهه، ثم وجد بعد يقظته نطفة في شيء من بدنه مما يمكن أن يخرج فيه الاحتلام منه بمعنى من المعاني في الاحتلام، الاحتمال أو في نومه الذي نام فيه، فمعي أنه قد قيل: إن عليه الغسل من مثل هذا، وإذا رأى الجماع أو ما يشبهه، ثم رأى مثل هذا رطبا، أو يابسا فيتبين أنها نطفة، خرج عندي وجوب الغسل عليه، بمعنى ما لا يبين لي فيه اختلاف بما يقارب معنى وجوب الأحكام بذلك، ولا يخرج عندي من معنى الاحتياط على حال ما احتمل ذلك بوجه من الوجوه، أو يكون ذلك من غيره، أو نطفة ميتة، ولم يثبت أنها نطفة، وأما إذا لم ير في منامه في الجماع وما لا يشبه ذلك، ثم رأى في شيء من بدنه أو ثوبه نطفة يحتمل أن تكون منه، ويحتمل أن تكون من غيره، ففي معنى الاحتياط أن يلزمه الغسل على معنى العرف والعادة أن مثل ذلك لا يكون من غيره إلا في التعلق بمعنى الحكم.
ومعي أنه قد قيل: في مثل هذا الفصل، أن عليه الغسل إذا رأى مثل هذا، وبدل الصلوات من آخر نومة نامها في ذلك الثوب الذي رآها فيه، وهذا كله عندي يخرج على معنى الاحتياط، لا معنى الأحكام، وبعضه أقرب من بعض من معاني الأحكام، وفيما يخرج في الاعتبار مع المبتلا بذلك.
ومنه: وهذه المعاني، فإن خرجت على معاني الاحتياط، فمعي أن القول فيها يشبه معنى الاتفاق بوجوب الغسل عليه، فثبوت حكم العرف والعادة في ذلك أنه لا يكون إلا منه إلا ضعف معنى الحكم بأن يكون من غيره واستولى عليه حكم الاحتياط، فأشبه معنى الاتفاق أن عليه الغسل، فافهم معاني ذلك إن شاء الله.
ومن الكتاب: وقال أبو عبد الله الشافعي: لا يوجب على أحد الغسل حتى (9/88)
صفحة 2649
يرى الماء الدافق، وحتى يرى المني من الماء الغليظ، نائما كان أم مستيقظا.
وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا استيقظ فوجد بللا اغتسل، قال أبو معاوية -رحمه الله-: إذا رأى في النوم احتلاما ثم انتبه فرأى بللا فعليه الغسل، وإن لم ير ذلك فلا غسل عليه إلا أن يرى المني.
ومن غيره: وعن رجل رأى في المنام أنه يجامع أهله ودفع الماء، فلما استيقظ فلم ير ماء دافقا ورأى بلة قليلة أيجب عليه الغسل أم لا؟ قال: إن كانت البلة من الماء الدافق فعليه الغسل، وإن كان من المذي أو الودي فلا أرى عليه غسلا، والله أعلم.
قلت: فإنه قد رأى أنه يجامع، وقد دفق الماء، فلما استيقظ لم ير بلة ولم ير شيئا؟ قال: ليس عليه غسل، وقال الوضاح بن عقبة: إنه حفظ أن من انتبه في الليل فوجد البل أن عليه الغسل لأنه لا يعلم ما هو، قال أبو حنيفة: قال بعض الفقهاء: إن كان رأى في منامه شيئا من النساء كان عليه الغسل، وإن لم ير في منامه شيئا من النساء فلا غسل عليه إلا أن يعلم أنها من الجنابة.
ومن غيره: وسألت أبا الحسن -رحمه الله- عن الرجل إذا انتبه من نومه فوجد بللا لا يعرف ما هو على رأس الذكر أعليه غسل أم لا؟ قال: إن كان رأى في منامه شيئا من النساء مثل مس أو جماع أو كلام مما يبين به الشهوة، أو شيء من ذلك مما يقرب إلى الشهوة، ثم انتبه فوجد بللا فعليه الغسل، فإن لم ير جماعا ولا شيئا فلا غسل عليه حتى يعلم أن تلك الرطوبة نطفة، قلت له: فإنه قد وجد لها ريحا يشبه ريح الجنابة؟ قال: إذا لم يكن أن يكون جنابة ميتة فعليه الغسل إذا علم أنها جنابة حية، فإذا علم أنها جنابة حية فعليه الغسل، فإن لم يعلم فلا غسل عليه، قلت له: فإنه قد رأى شيئا من الجماع حتى انتشر القضيب ثم انتبه فلمس فلم يجد شيئا، ثم جاء من بعد ذلك ماء هل عليه غسل في ذلك؟ قال: إذا جاء الماء من بعد فتور الشهوة فلا غسل عليه، إلا أن ينتبه فيذكر حين الشهوة قبل أن يقذف، فيلمس فلم يجد شيئا وهو في حال القذف وشهوة القذف، ثم قذف من بعد ذلك فعليه الغسل.
وسألته، عن الذي يجد النطفة في ثوبه، فينظر فيظن أنه إذا لم ير احتلاما ليس عليه غسل، ولم يغسل وصلى على ذلك ما يلزمه في صلاته وصيامه إن كان (9/89)
صفحة 2650
نائما؟ قال: أما غسل الجنابة فلا يسع جهله، وأما إن ظن هذا الظن ولم يكن رأى الجماع أنه ليس عليه غسل، فأقول أن عليه البدل، ولا كفارة عليه، وأما صيامه فعليه بدل ما مضى من صومه، قلت: له فإن رأى الجنابة في ثوبه هل له أن ينزلها نطفة ميتة، وليس بغسل؟ قال: لا عليه الغسل.
وقال: النطفة البيضاء الميتة التي تأتي بغير جماع، ليس منها غسل، وتلك ميتة، قال غيره: معي أنه قد مضى في هذا الفصل ما أرجو أن فيه كفاية عن إعادته، وإنما أردنا إثبات المسائل في مواضعها، ومعي أنه ما لم يثبت حكم الإمناء وخروج الماء الدافق مع خروج الشهوة لما لا شك فيه في يقظة أو منام أو يقع حكم الجماع وتغيب الحشفة مجامعا، ففي ما سوى ذلك معاني الاحتياط في ثبوت الغسل، ويلحقه معاني الاختلاف عندي، وإذا احتمل أن يكون ما وجد من النطفة من بدن أو ثوب أو على رأس الذكر رطبا كان أو يابسا، كان له رائحة أو لم تكن له رائحة، وإذا احتمل أن يكون ذلك نطفة ميتة تخرج منه فلا غسل عليه في ذلك على قول من يقول: إنه لا غسل فيهما.
وعلى قول من يقول: إن فيه الغسل خرجت مع شهوة أو مع غير شهوة، فهو أشد في هذا المعنى في ثبوت الغسل ما لم يحتمل أن الموجود من ذلك في ذلك أو بدن أو ثوب شيء غير النطفة، من مذي أو ودي أو رطوبة من البول، أو غير ذلك من غير أسباب الجنابة، فإذا احتمل ذلك بوجه من الوجوه لم يكن يلزم عندي الغسل بمعنى الحكم، ما لم يصح حكم خروج الماء الدافق في يقظة أو منام أو جماع، وهذه الاختلافات كلها تخرج على معنى الاحتياطات، ومعي أنه ما لم يثبت معنى حكم وجوب خروج الماء الدافق، وإنما كان لزوم الغسل بمعنى الاحتياط، فكان ذلك في شهر رمضان فلم يغسل من عناه ذلك لما يظن أنه ليس عليه غسل، مثل أنه يرى الجنابة في ثوبه أو في بدنه فلا يغسل إذا لم يكن يرى جماعا، فيخرج عندي في قول من يلزمه الغسل، ولا يجعل له في ذلك عذرا بالاحتمال أنه كمن ترك الغسل عامدا، وقد قيل فيمن ترك الغسل عامدا، وهو صائم أن عليه بدل ما مضى من صومه، إلا أن يكون له عذر بالجهالة.
ومعي أنه قد قيل: إن عليه بدل ما مضى من صومه، ولا يعذر بما يظن من الظنون التي يحسب أن له فيها عذرا في مثل هذا، ومعي أنه في بعض القول أنه إنما في مثل هذا الذي له فيه التأويل والظن بدل يومه ما لم يترك ذلك متعمدا أو بجهل. (9/90)
صفحة 2651
وليس المتأول والظان كالجاهل، ولا المتجاهل، ومعي أنه يخرج في بعض القول في مثل هذا أنه لا شيء عليه في صومه، كما لم يكن عليه كفارة في صلاته، وكل منزلة لم يكن عليه كفارة في صلاته في مثل هذا إذا صلى بذلك، فكان في مثله معنى الصوم في ثبوت البدل، لأن التارك للغسل في صومه إذا لم يجامع في النهار، وإنما هو ترك الغسل عن جنابة صحيحة من جماع أو احتلام، أو عبث، فأكثر ما قيل فيه: إن عليه بدل ما مضى من صومه، وقد يلحقه أنه إنما عليه بدل يومه، وقد قيل فيما يشبه معنا أنه تلحقه الكفارة، ولعله شاذ من القول، وإن كان لا يشذ بل يحتمل ويلحق معاني ذلك كلما ذكرت لك من هذه المعاني مما يلزمه عندي، على قول من يقول بالكفارة في الصلاة على هذه المعاني مما يلزمه عندي على قول من يقول بالكفارة في الصلاة على الجهل، أنه إذا صلاها المصلي بنجاسة جاهلا أو جنبا جاهلا، فليس الصوم بأهون عندي من الصلاة إذا ثبت أنه لا يقوم على الجنابة، كما لا تقوم الصلاة على النجاسة، وإذا كان صلى بما لا تقوم الصلاة عليه جاهلا، كان عليه الكفارة، أشبه ذلك عندي في الصوم، أنه إذا صام على ما لا يقوم الصوم عليه جاهلا أن تلحقه الكفارة.
وكذلك إذا ترك الصلاة في موضع ما تلزمه الصلاة لموضع ما يظن أنه ليس عليه ذلك، فلا يكون عليه في ذلك إلا البدل بمعنى ظنه أنه ليس عليه ذلك، فلا يكون عليه في ذلك إلا البدل بمعنى ظنه، فكذلك مثله في الصوم، ولو ترك الصوم لمعنى ذلك بتأويل، فظن أنه يسعه لا على سبيل التجاهل ولا الجهل، فلا يبعد عندي مثل ذلك في الصوم، وإذا جاز أن يكون إذا وجد النطفة خارجة منه، ولها رائحة النطفة فاحتمل عنده أن تكون ميتة، فجاز له بمعنى ذلك ترك الغسل لوجود ذلك ناسيا في ثوبه أو بدنه أو ذكره، إذا احتمل أن تكون ميتة، فكذلك عندي أقرب أن يجوز منه عند وجودها عند القيام من المنام، لأنه قد قيل: إنه إذا انتبه من نومه فوجد بللا لم يعرف ما هو، فقيل: إن عليه الغسل حتى يعلم أنه ليس بجنابة، وقيل: لا غسل عليه ما لم يكن رأى جماعا، أو ما يشبهه، أو يعلم أنها جنابة من الماء الدافق، ويجد لذلك رائحة الجنابة، فإذا كان هكذا فوجد رائحة الجنابة، فاحتمل عندي أن تكون نطفة ميتة فكان له في ذلك عذر حتى يعلم أنها من الماء الدافق، فمثل ذلك عندي وأهون إذا وجدها يابسة على ذكره، أو فخذه، أو أي شيء من بدنه أو ثوبه، واحتمل أن تكون ذلك ميتة أن يلحقه (9/91)
صفحة 2652
حكم ذلك، ويكون له العذر في معنى الحكم حتى يعلم أن ذلك من الماء الدافق خرج منه، وكذلك إن احتمل عند وجوده لذلك في ثوبه، أو شيء من بدنه أن يصيبه ذلك من غيره، وأنه يحتمل أن يكون من غير خروجه، ولحق معنى ذلك في الاحتمال بوجه من الوجوه في معنى الاعتبار، كان هو عندي مما له فيه العذر عن ثبوت الحكم عليه بوجوب الغسل.
وكذلك كلما أشبه هذا وخرج مثله، كان عندي له فيه العذر، وعن وجوب العذر عن جوب الحكم بالغسل إلا على معنى الاختيار، وكلما وجد محتملا في الاعتبار عند أهل العلم أن لو اعتبروه ونظروه، فمعنى ذلك من لا يحسن الاعتبار، ولا النظر فتركه على غير نظر ولا اعتبار، ولا تعمد للباطل فيه فيأثم بنيّة، كان عندي موافقا لما يسعه، لأنه ليس على الناس أن يكونوا بما لا يلزمهم حكم العمل به، علماء كعلم الفقهاء بذلك ما لم يخالفوا الحق بما لا يسعهم سواه ما لم يركبوا محرما بترك لازم، لا يسعهم تركه، وركوب شيء من المحارم لا يسعهم ركوبه ويوجد عن أبي الحواري.
سألت رحمك الله عن رجل رأى في منامه أن يجامع، وأن الجنابة تخرج منه ثم انتبه، فمس فلم يجد رطوبة، أو نظر فلم ير شيئا، هل عليه غسل؟ فعلى ما وصفت فليس عليه غسل وذلك حلم، وقد سألت أبا المؤثر -رحمه الله- عن ذلك فلم ير عليه غسلا، وكذلك سألته عن الذكر إذا اضطرب ثم سكن، ثم خرجت الجنابة منه بعدما سكن الذكر؟ قال: لا غسل عليه، قلت له: فإن اضطرب الذكر ثم أمسكه بيده حتى يسكن، ثم خرجت الجنابة، قال: تلك الجنابة ميتة، ولا غسل عليه.
مسألة: سألت أبا معاوية -رحمه الله- عن رجل عبث بامرأة ولم يقذف النطفة، ثم قام فلما أصبح إذا بفخذيه بلل ولم يعلم أنه قذف؟ فقال: ينظر تلك البلة ويشمها، فإن لم تكن تلك جنابة فلا غسل عليه، وإن كان ريحها ريح جنابة فعليه الغسل.
مسألة: وجدت في بعض الكتب هذه المسائل من كتاب رفه إلي محمد بن سعيد بن أبي بكر، وذلك أنه عن أبي علي موسى بن علي -رحمه الله- وعن الذي يرى فيما يرى النائم، أنه يجامع فأنزل إلا انه لم ير شهوة، فانتبه فلم ير شيئا إلا بلة (9/92)
صفحة 2653
قليلة، وظن أنه مذي، أعليه غسل؟ والرجل ممذي، أو ليس بممذي، فالغسل أحب إلينا إلا أن يستيقن أنه مذي، وما ترى إن رأى أنه يجامع وأنزل، إلا أنه لم ير شهوة فانتبه فلم ير شيئا، فلا غسل عليه، إلا أن يرى بللا ولم ير بلة فلبث قليلا فرأى بلة قليلة فظن أنه مذي، والرجل ممذي، أو ليس بممذي؟ فإنا نرجو ألا يكون عليه غسل.
وما ترى أنه رأى جامع وأنزل فانتبه فلم ير شيئا، ولم ير بلة فلبث قليلا فرأى بلة قليلة بعد ذلك وهو ممذ وليس بممذ، وهو مثل الأول.
فصل: ومن جامع ابن جعفر: وكل من أولج الحشفة في الفرج حتى يلتقي الختانان، فقد لزمه الغسل، وإن لم يقذف الماء، وما كان دون ذلك فلا غسل عليه في ذلك، ولا فيما يخرج منه من المذي، فإن عبث بذكره أو عنته شهوة حتى قذف الماء الدافق، فقد لزمه الغسل كان ذلك في نومه أو يقظته.
ومن الكتاب: وإن رأى في نومه أنه يجامع، ولم يعلم أنه قذف، ولا رأى بللا، فلا غسل عليه إلا أن يرى الجماع، أو يرى بللا أو أشباه، وفي نسخة شيئا من ذلك في بدنه أو في منامه، فعند ذلك يلزمه الغسل، وكذلك في الذي يخرج منه النطفة الميتة، وحفظ لنا الثقة عن بعض أهل الفقه أنه لا غسل على من خرجت منه النطفة بلا شهوة ولا انتشار.
ومن غيره؛ فيما أحسب عن أبي علي -رحمه الله- عن رجل عبث بامرأته حتى نشر فاهتز ذكره، ثم تركها فلما سكن ذكره أنزل، أعليه غسل؟ قال: نعم، أرى عليه الغسل، لأنه عن شهوة أنزل.
ومن غيره: فإذا أمسك القضيب من بعد حضور الشهوة ولم ينزل النطفة حتى فتر، ثم خرجت النطفة فعليه الغسل، وقد قيل: عليه بدل يومه، وهذا في الذي عارضته الشهوة وهو يستبرئ من البول.
ومن جامع أبي الحسن: ومن رأى في نومه أنه جامع ولم يقذف، ولا رأى بللا فلا غسل عليه، إلا أن يرى الجماع، أو يرى بللا، أو شيئا من ذلك أو جنابة في بدنه أو ثيابه، أو منامه، فعند ذلك يغسل.
ومن غيره: واختلفوا فيمن تخرج منه النطفة الميتة، فأجب قوم الغسل ولم يوجب آخرون. (9/93)
صفحة 2654
ومن كتاب الشرح: وأما قوله: ومن أولج الحشفة في الفرج حتى يلتقي الختانان، فقد لزمه الغسل، وإن لم يقذف الماء، وما كان دون ذلك فلا غسل عليه في ذلك، ولا فيما يخرج منه المذي، فإن عبث بذكره أو عنته شهوة حتى قذف الماء الدافق، فقد لزمه الغسل.
مسألة: وإن لم يقذف الماء وكان دون ذلك، فلا غسل عليه في ذلك ولا فيما يخرج منه من المذي، وإن عبث بذكره، أو عنته شهوة حتى قذف الماء الدافق، فقد ألزمه الغسل الذي ذكره من إيجاب الغسل على من أولج الحشفة في الفرج، فهو ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق عائشة أنها قالت: إذا قعد الرجل من المرأة بين شعابها الأربع، فقد وجب الغسل، قالت: فعلت ذلك أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي رواية أخرى من طريق ابن عمر وابن عباس، أظن وغيرهما من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا التقى الختانان وجب الغسل»، وأما ما رواه عثمان بن عفان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الماء من الماء»، فالذي روينا عنه يدل على نسخ ما رواه، وعلى ترك قوله: عمل أكثر الناس، وأما قوله: وإن عالج نفسه حتى أنزل الماء فعليه الغسل، وإن كان دون ذلك فلا شيء عليه، فهو كما قال في خروج الماء الدافق، يجب الغسل بما قدمنا ذكره إذا خرج بحركة، أو بغير حركة، من جماع أو غير جماع، ألا ترى أن النائم إذا انتبه وفي ثوبه جنابة أو على بدنه أو علم بخروجها منه أن عليه الاغتسال، وإن لم يعلم أنها خرجت منه بحركة أو بغير حركة، وصاحب الكتاب يوافقنا على إيجاب الغسل على هذا، ولو كان كما ذكره، كان لا يجب الغسل حتى يعلم أنها خرجت بحركة، لأن الأصل الاغتسال، ولو كان الاغتسال من الجنابة لا يجب إلا أن يكون معها حركة، لوجب على النائم أن لا يغسل حتى يعلم أنها خرجت بحركة، فلما وافقنا على هذا صح ما قلناه، وكان ما قاله فيه نظر والله أعلم.
وأما قوله: وإن رأى في نومه أنه يجامع ولم يعلم أنه قذف، ولا رأى بللا، فلا غسل عليه إلا أن يرى الجماع، ويرى بللا أو شيئا من ذلك في بدنه، أو في منامه، فعند ذلك يلزمه الغسل الذي ذكره أنه رأى في منامه الجماع، ولم ير بللا فلا غسل إليه لعله عليه، فهو كما قال لأنه ليس يجب من خروج مني، ولا من التقاء الختانين، وقوله: رأى الجماع ورأى بللا فعليه الغسل، والنظر يوجب عندي أن عليه الغسل، وعندي أن الأمر بذلك من طريق الاحتياط في الدين، وقوله: عليه (9/94)
صفحة 2655
الغسل إلزام فرض، فالله أعلم بوجه قوله، لأن فرض الغسل يجب بالشيئين اللذين ذكرناهما وهو: خروج المني والتقاء الختانين، والله أعلم.
وأما قوله: فالذي تخرج منه النطفة بلا شهوة ولا انتشار فهذا قد بينا شرحه قبل هذا الموضع، وأما قوله: وحفظ عن بعض أهل الفقه أنه لا غسل على من خرجت منه النطفة الميتة بلا شهوة.
مسألة: وعن أبي معاوية عزان بن الصقر -رحمه الله- قال: لا غسل من الجنابة الميتة، وقال: إن الجنابة الميتة من الرجل يرى أنه جامع ويضطرب الإحليل ثم يسكن ضربان الإحليل ويبرد، ثم يخرج من ذلك جنابة، فهذه جنابة ميتة.
قال محمد بن المسبح: إذا رأى الجماع في منامه بانتشار الإحليل واضطرابه، ثم استيقظ من نومه ولم يمس في ثقب الإحليل، فلا غسل عليه، وإن سكن من اضطرابه ثم خرجت منه رطوبة فعليه الغسل.
إن وجد الشهوة في اليقظة باضطراب الإحليل وارتعاش البدن بالشهوة لإخفائها من البدن، فإذا نزل الإحليل في حينه أو بعده فعليه الغسل. (9/95)
صفحة 2656
[صفحة بيضاء] (9/96)
صفحة 2657
الباب السادس
تيمم الجنب لصلاته وفي صلاته
قال أبو سعيد: اختلف في الجنب إذا كان لا يجد الماء وحضرت الصلاة فقال من قال: يجزيه تيمم واحد، وقال من قال: لا يجزيه إلا تيمم للغسل من الجناب، وتيمم للوضوء.
مسألة: ومن جامع أبي محمد -رضيه الله- وإذا عدم الجنب الماء أجزاه التيمم في الحضر وفي السفر، فإذا وجد الماء اغتسل ولم يكن عليه إعادة ما صلى بالتيمم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي الدرداء: «الصعيد الطيب طهور يكفيك ولو إلى السنين، فإذا وجدت الماء فامسسه جلدك»، وفي خبر آخ فإنه خير.
فإن قال قائل: لم أنكرتم أن يكون الاغتسال ندبا دون أن يكون واجبا؟ لقول النبي فإنه خير، قيل له: ليس في هذا دليل على أنه ندب بل الأمر إذا ورد أو ورد بالفعل فهو على الوجوب إلى أن يقوم دليل بخلافه، وقال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (الجمعة:9)، فليس هذا مما يدل على أنه فرض ولا ندب، والله أعلم.
ومن الكتاب: قال الله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} (المائدة:6)، الدليل على أن للجنب أن يتيمم إذا لم يجد الماء لأن الله جل ذكره ذكر في ابتداء الآية بأنواع الطهارات بالماء، فلما قال: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ}، أراد أن تكون طهارة التيمم مقام طهارة الماء، والله أعلم، فوجب أن يكون قوله: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} كناية عن الجماع، فيقول ذلك مقام قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، ويؤكد ذلك ما روي عن عمار أنه (9/97)
صفحة 2658
أجنب فتمعك بالتراب، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما يكفيك هكذا»، ومسح بكفيه وجهه ويديه.
ومن طريق أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الجنب: أيتيمم؟ قال: «التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته»، وظاهر الخبر يدل على أن الغسل باليد ليس بواجب، والله أعلم، والتيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين.
ومن الكتاب: ومن أجنب ولم يجد من الماء ما يكفيه لغسله وهو في سفر تيمم لأن الله عز وجل قال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، فمن لم يدخل في هذه الجملة، فمن أجنب دخل في قوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، فإن هذا غير واجب لما أمر به، والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة، وسئل عن الجنب في السفر هل يجزيه تيمم واحد أم عليه تيممان؟
قال: معي أنه يختلف فيه، قلت له: فعلى قول من يقول إن عليه تيممين، أيكون ذلك ثابتا على الأبد ما لم يصب الماء؟ أم ليس عليه ذلك إلا في صلاة واحدة؟
قال: معي، أنه صلاة واحدة ما لم يجد الماء، لأن أحكام الأول قد ذهب بالتيمم الأول، قلت له: فإن كان صائما رمضان فتيمم لإحراز صومه، فلما أصبح فلم يجد الماء حتى آواه الليل، ثم عاد أصبح من الغد هل عليه تيمم يأتي صومه، ثم كذلك على الأبد ما لم يصب الماء؟
قال: لكل جنابة تيمم واحد في الصلاة، وليس عليه أكثر من ذلك ما لم يجد الماء.
رجع إلى كتاب بيان الشرع
مسألة: من كتاب الأشراف: قال الله تبارك وتعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} وثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا»، واختلفوا في تيمم الجنب، فكان علي بن أبي طالب يرى أن الجنب يتيمم ويصلي، وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور وإسحاق وأصحاب (9/98)
صفحة 2659
الرأي، وهو قول عامة الفقهاء، وقد روينا عن عمر بن الخطاب وابن مسعود قولا، معناه منع الجنب أن يتيمم وبالقول الأول يقول: أبو سعيد التيمم على الجنب عند عدم الماء، ولما ثبت له من العذر ثابت في كتاب الله تبارك وتعالى لعموم الآية: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} (الآية)، {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، وكل من لم يجد الماء وخوطب بفرض، أو بواجب لا يقوم إلا بالطهارة من الوضوء، والغسل، كان التيمم بالصعيد ثابتا عليه بدلا عن الطهارة عندنا بكتاب الله وسنة نبيه، وإجماع المسلمين.
ومن الكتاب: قال أبو بكر: واختلفوا في غشيان من لا ماء معه من المسافرين، فروينا عن ابن عمر وابن مسعود لمن هذه صفته أن يجامع، وبه قال الزهري، وقال مالك: لا أحب له أن يغشى أهله، إلا ومعه ماء، وقد روينا عن ابن عباس أنه أباح له أن يغشى ويتيمم ويصلي، وبه قال جابر بن زيد، والحسن البصري، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وأصحاب الرأي وبه نقول: وذلك إنما هو مباح لا يجوز المنع منه إلا بحجة، وفيه قول ثالث قال عطاء في المسافر لا يجد الماء إذا كان بينه وبين الماء أربعة أميال فأكثر، فليصب أهله، فإن كان ثلاث فما دونها فلا يصيب أهله.
وقال الزهري: إن كان في سفر لا يقربها حتى يأتي الماء، وإن كان مقربا فلا بأس أن يصيبها، وإن لم يكن ماء وعنده ماء، قال أبو سعيد: لا أعلم في قول أصحابنا شيئا يدل على منع الجماع من طريق عدم الماء، وهو جائز عندنا في أنه حال على كل مسافر أو مقيم، إذا كان لا علة تمنعه عند عدم الماء بكتاب الله تبارك وتعالى حيث يقول في معنى التيمم: {{أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، لم يكن عند عدم الماء في المخاطبة منع الجماع بل يدل على الإطلاق في كل موضوع.
ومن الكتاب: قال أبو بكر: واختلفوا في الجنب يخشى البرد على نفسه إذا اغتسل، فقال عطاء: يغسل وإن مات لم يجعل الله له عذرا، وبه قال الحسن البصري، والقول الثاني: أن يتيمم ويصلي ويعيد الصلاة، وكذلك قال الشافعي، والقول الثالث: أن يتيمم ويصلي ولا يعيد، هذا قول مالك والثوري، وبه قال النعمان، وفيه قول رابع: وهو أن يجزيه ذلك في السفر، ولا يجزيه إذا كان مقيما، هذا قول يعقوب ومحمد، وكما قال مالك والثوري وبه (9/99)
صفحة 2660
أقول ... وذلك لقول الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} الآية، وإن عمرو بن العاص فعل ذلك، وذكره للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليه ذلك، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا كان معه ماء وخشي العطش أنه يبقي ماء للشراب ويتيمم، روينا هذا القول عن علي وابن عباس والحسن البصري وعطاء ومجاهد وطاووس وقتادة والضحاك، وبه قال مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي.
قال أبو سعيد: معنى أن كل ما مضى من القول، يخرج عندي في معاني قول أصحابنا كما حكي من الاتفاق، والاختلاف وأشدها ما قال: إن عليه الغسل ولو مات، وهذا ما لا يخرج عندي على معنى الأصول، لأن الله تبارك وتعالى لم يكلف أحدا فوق طاقته وهذا يقتضي أنه حمل عليه فوق طاقته.
ومن الكتاب: قال أبو بكر: واختلفوا في المسافر الجنب لا يجد الماء إلا قدر ما يتوضأ به، فكان عطاء والحسن البصري والزهري وحماد وابن أبي سليمان ومالك وعبد العزيز بن أبي سلمة وأحمد وأصحاب الرأي يقولون: يتيمم وليس عليه غسل أعضاء الوضوء، وهذا مذهب مالك وفيه قول ثان وهو أن يجتمعا كذلك، قال عبيدة بن أبي لبابة معمر صاحب الرزاق، وحكى ذلك عن أحمد وقد اختلف عنه فيه، وقد روينا عن عطاء أنه قال: إذا كان معه من الماء قدر ما يغسل وجهه وفرجه غسل وجهه وفرجه، ومسح كفيه بالتراب، وفيه قول رابع وهو: إن المسافر إذا كان عنده من الماء ما يتوضأ به ولا يستطيع أن يغسل تيمم ولا يتوضأ بذلك الماء، فإن فعل وصلى الظهر ثم أحدث وحضرت الصلاة وذلك الماء عنده فلا يتيمم، ولو توضأ بذلك الماء لم يجزه لأنه طاهر وعنده الماء قدر ما يتوضأ به، فإن توضأ وصلى العصر ثم مر بالماء بعدما صلى الظهر فلم يغسل ثم حضرت المغرب وقد أحدث وعنده من الماء قدر ما يتوضأ به ولا يستطيع أن يغسل تيمم ولا يتوضأ، لأنه حين أبصر الماء عاد جنبا، هذا قول أصحاب الرأي.
قال أبو بكر: يتيمم وليس عليه أن يتوضأ، قال أبو سعيد: معاني الاتفاق من قول أصحابنا يخرج عندي أنه على الجنب إذا وجد الماء عليه أن يغتسل به، ولا يجزيه التيمم دون الغسل، وكذلك يغسل ما أمكنه من بدنه من قليل أو كثير لثبوت الغسل على جميع البدن قليله وكثيره، ويتيمم لما بقي من جسده، لثبوت التيمم على الجنب إذا لم يجد الماء لجميع جسده فهو في ثبوت التيمم عليه، كمن ل (9/100)
صفحة 2661
يجد الماء، وإذا وجد الماء لبعض جوارحه فهو كمن وجد الماء لجميع جوارحه في معنى ثبوت الغسل.
ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: إذا أصاب الرجل الجنابة فلم يعلم بها فتيمم يريد به الوضوء وصلى، ثم عاد بالجنابة بعد ذلك ففي قول مالك وأبي ثور: عليه يعيد التيمم، ويعيد الصلاة، لأن التيمم كان كالوضوء لا الغسل، وقال الشافعي ومحمد بن مسلم: يجزيه لأنه لو ذكر الجنابة لم يكن عليه أكثر من التيمم، وبه قال الثوري.
قال أبو سعيد: وأما الجنب إذا لم يعلم بجنابته فتيمم للصلاة وصلى، ثم علم بجنابته فيختلف في ذلك عندي من قولهم، فقال من قال: يجزيه التيمم للوضوء وللجنابة والوضوء، وقال من قال: لا يجزيه ذلك، وذلك يخرج عندي في قول من يقول منهم: إن للجنابة تيمما، وللوضوء تيمما إذا علم بذلك، وقال من قال: إن كان علم بجنابته ثم نسيها وتيمم للصلاة أجزاه، لأنه قد كان علم ثم نسي ذلك، وأما إذا لم يكن قد علم بالجنابة فلا يجزيه وفرق هذا بين نسيانه للجنابة وجهله لها، وكل ذلك يتواطأ عندي في قول من يقول: إنه يجزئه لكل ذلك تيمم واحد على العلم.
مسألة: ومن خرج مسافرا وكان قد احتلم في الحضر قبل خروجه في السفر، غير أنه نسي فلما بلغ حد السفر الذي منه تقصر الصلاة كان معه ماء قدر ما يتوضأ، فتوضأ وهو ناسٍ لاحتلامه، ثم دخل المفازة فلم يجد الماء فتيمم للصلاة وهو ناس لاحتلامه، وصلى بالتيمم ثم وجد الماء بعد ذلك أيضا بقدر ما يتوضأ فتوضأ وصلى فإنه يستأنف هذه الصلوات كلها.
عن ابن الحسن بن أحمد: ومن تيمم للصلاتين، وكان جنبا وجهل أن يتوضأ ينوي التيمم للجنابة وللصلاة وصلى، هل يجزيه ذلك؟ الذي عرفت أنه يجزئه ذلك والله أعلم. (9/101)
صفحة 2662
[صفحة بيضاء] (9/102)
صفحة 2663
الباب السابع
في مس الحائض والجنب المصحف
وتعليقهما التعاويذ ومس الدراهم التي فيها اسم الله
ومن كتاب الأشراف: واختلفوا في مس الحائض والجنب المصحف، فكره ذلك ابن عمر وكرهه الحسن البصري، مس الحائض المصحف إلا أن يكون له علاقة، وروينا ذلك عن عطاء وطاووس والشعبي والقاسم بن محمد، ورخص عطاء أن تأتيك الحائض المصحف بعلاقته، ورخص الحكم وحماد لمن ليس بطاهر، وقال: لا بأس به إذا كان بعلاقته، وقال الأوزاعي والشافعي: لا يحمل الجنب والحائض المصحف.
وقال أحمد وإسحاق: ولا يقرأ في المصحف إلا متوضئا، وقال إسحاق: لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقرأ القرآن إلا طاهر»، وكره عطاء والقاسم بن محمد والشعبي مس الدراهم التي فيها ذكر الله من غير وضوء، وكره مالك أن يحمل المصحف بعلاقته، أو على وسادة وهو غير طاهر، وقال: لا بأس أن يحمله في التابوت والخروج والغرارة من ليس على وضوء، وقال أبو بكر: لا يمس المصحف جنب ولا حائض ولا غير متوضئ وذلك أن الله قال: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}، قال: فهذا قول مالك وأبي عبد الله، وقال النعمان: لا بأس أن يحمل الجنب الصرة فيها الدراهم، وفيها السورة من القرآن، ولا نأخذ ذلك في غير الصرة ورخص بعض من كان في عصرنا للجنب، وللحائض مس المصحف، ومن الدنانير والدراهم التي فيها ذكر الله، وقال: معنى قوله: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}، الملائكة لو كان غير ذلك لا يمسه، قال أبو سعيد: أما قراءة القرآن (9/103)
صفحة 2664
على غير طهارة من غير جنب ولا حائض فمعي أنه يختلف فيه من قول أصحابنا.
فقال من قال: منهم بمعنى ما مضى من القول في الجنب والحائض أنه لا يقرأ القرآن إلا متطهرا بوضوء تام إلا لمعنى ضرورة لذلك، وقال من قال: منهم فيما أحسب بالإجازة لذلك إلى غير ضرورة الآية والآيتين لمعنى تذكر أو فتح على أخيه ولا يتعمد لقراءة إلا على طهارة في بعض قولهم أجازه ذلك إلى سبع آيات، أو نحو ذلك، وأرخص ما يخرج في قول أصحابنا في قراءة القرآن على غير طهارة إذا لم يفتتح السورة ولم يختتمها ويقرأ ما بين ذلك، وأما حمل المصحف فلا يخرج عندي من قولهم بمنزلة القراءة، ولا أعلم في قولهم نهيا عن ذلك، إلا الجنب والحائض، وأن يدخلا به الخلاء، ويعجبني أن ينزه المصحف عن حمله ومسه بمنزلة قراءة القرآن، للقول الذي قيل فيه من تأول ذلك لأنه لا يمسه إلا المطهرون الكتاب المكنون، فإذا ثبت في معنى ذلك كان في معنى مسه من الأرض كمسه من السماء، ولا يكون متطهرا، والله أعلم. (9/104)
صفحة 2665
الباب الثامن
في عرق الجنب وريقه ورطوباته وما مس من شيء
ومن جامع ابن جعفر: ولا بأس بعرق الجنب والحائض وما مسها من رطب ما لم يكن في أيديهما شيء من الأذى، ولا بأس بسؤرهما من الوضوء والشراب للوضوء والشراب، إلا أنه كره من كره سؤر الحائض من الوضوء للوضوء، فأما الشراب فلا بأس، قال غيره: قال محمد بن المسبح: كله واحد، الوضوء والشراب لما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ قال لعائشة عليه السلام: «تناولي الخمرة من المصلى فقالت: إني حائض، فقال: ليست بيدك الحيضة»، فلا بأس بها لعله أراد الحيضة، فأرجو أنه يوجد كذلك.
مسألة: من كتاب الشرح: وأما قوله: لا بأس بعرق الجنب والحائض، وما مساه من رطب ما لم يكن في أيديهما شيء من الأذى الذي ذكره من عرق الجنب والحائض، هو عندكما قال: لأنهما طاهران، وإن النجاسة منهما في موضعهما، أو محلها وسائر بدن الجنب، والحائض طاهر، وقد تقدم فيما شرحناه في هذا الكتاب من حكم الجنب بخبر أبي هريرة، وغيره مما يكفي عن إعادة ذكره، وأما الحائض فهي والجنب سواء في الحكم، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعائشة: «ناوليني الخمرة [وهي حصير المصلي] فقالت: إني حائض، فقال: ليست الحيضة في كفك»، والأخبار في هذا المعنى كثيرة يكتفى بهذا عنها لمن وفقه الله وهداه، وأما قوله: ولا بأس بسؤرهما من الوضوء والشراب للوضوء والشراب إلا أنه كره من كره سؤر الحائض من الوضوء للوضوء، وأما الشراب فلا بأس بسؤر الحائض والجنب طاهر لا أعرف وجه الكراهية لذلك، ولا فرق بين سؤرهما من الشراب والوضوء عندي، والله أعلم. (9/105)
صفحة 2666
مسألة: ومن جامع أبي الحسن، ولا بأس بعرق الجنب والحائض، وما مساه من رطب أو يابس ما لم يكن في أيديهما شيء من الأذى، ولا بأس بسؤرهما في الوضوء والشراب، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعائشة: «ناوليني الخمرة فقالت: إني حائض، قال: ليس الحيضة في كفك»، وكان يناوم الحائض من غير جماع، ورخص ما فوق الإزار، يقول عن الفرج.
مسألة: من كتاب المعتبر: ومن جامع ابن جعفر، ولا بأس بعرق الجنب والحائض وما مساه من رطب، أو يابس ما لم يكن في أيديهما شيء من الأذى، ولا بأس بسؤرهما من الشراب والوضوء، إلا أنه كره سؤر الحائض للوضوء، وأما الشراب فلا بأس، قال محمد بن المسبح: كله واحد، الوضوء والشراب، لما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ قال لعائشة عليها السلام: «ناوليني الخمرة من المصلّى فقالت: إني حائض، فقال: ليست الحيضة بيدك»، فلا بأس بها، وإن غسل الرجل وامرأته من إناء واحد للجنابة يتنازعان الماء فلا بأس، قال محمد بن المسبح: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعائشة يغسلان من إناء واحد، وقيل: من غسل المريض الجنب فعليه الوضوء، وذلك عندي إذا مس الأذى فإن لم يمس شيئا من الأذى وغسله، فلا نقض عليه.
ومن غيره عندي: أنه يخرج في معنى الاتفاق من قول أصحابنا، وأرجو أنه من قول قومنا، أن عرق الجنب والحائض وريقهما وجميع ما مسهما من الرطبة أو مساه وما خرج من أنفهما، وجميع ما كان يخرج منهما أنه لا فرق بينه وبين الطاهر في ذلك من الرجال والنساء، إن ذلك منهما كله طاهر إلا ما مس من ذلك شيئا من موضع الأذى من النجاسة من دم، أو جنابة، وكذلك سؤرهما من الماء والطعام من شرابهما ووضوئهما، يخرج عندي في معاني الاتفاق أنه طاهر جائز للشراب منه والوضوء والاغتسال إلا سؤر الحائض من الوضوء عند الاستنجاء والغسل، فمعي أنه قد كره من كره سؤرهما، ومن فضل وضوئهما من هذا الوجه لا من شرابهما للوضوء والغسل، ولم يكن يكره للشراب وغير ذلك من الطهارات، ولا معنى عندي لذلك، ولا فرق بين ذلك عندي في الوضوء ولا غيره، ولا يخرج ذلك عندي إلا على وجه التنزه، ويخرج ذلك عندي إذا كانت تتوضأ وتستنجي من الإناء وهي حائض لم تطهر، لأنها لم تطهر في حين ذلك ولو توضأت ما دامت حائضا، وأما إذا طهرت كانت هي والجنب معي بمنزلة واحدة (9/106)
صفحة 2667
يطهرهما الماء ويتشابهان في جميع الأحوال، وإذا لحقهما في هذا المعنى وفي هذا الفضل كراهية سؤرهما من الوضوء والغسل كان الجنب عندي مثلها ومشبها لها ولكنه إنما يشبه عندي أن تخالفه في هذا الفصل ما دامت حائضا لم تطهر لهذا المعنى، وكذلك يخرج في ظاهر اللفظ أنها حائض لأنها في معنى اللغة إذا طهرت لا تسمى حائضا، ولكنها طاهرة من الحيض، ويكاد يخرج معنى استنجائها ووضوئها ما دامت حائضا إلى معنى الكدورة لأنها لا تخرج لها بذلك طهارة، ولا تقصد فيه إلى التطهر كقصدها إلى ذلك إذا طهرت، فإن أشبه معنى كراهية عندي فلهذا الوجه ولكنه إذا ثبت في الكراهية منه لهذا الوجه ثبت كل شيء من الشراب والوضوء، وغير ذلك من الطهارات، وإن أفرده مفر في معنى الوضوء للصلاة، فليس ذلك ببعيد لتعظيم أمر الصلاة، وقد يأتي في معاني أمر الصلاة وفي أمر التنزه
وتعظيمها ما لا يأتي في الأكل والشرب وسائر ذلك في غير وجه.
قد روي عن أبي علي موسى بن علي -رحمه الله- أنه دعاه ذمي إلى طعام أحسب أنه قيل من الرطوبات الأطبخة وغير ذلك، فمعي أنه قيل: استحى منه أن يرده وأحسب أنه قيل كان جارا له، وكره أن يأكل طعامه، ويخرج عندي على التنزه لا التنجس به، لأنه لو تنجس به معنا لم يستح منه فيما يروى أنه لا يسعه.
وقد بلغنا أنه قال لأصحابه: وقد اتبعه فيما أحسب هو وأصحابه، كلوا واتقوا ثيابكم، يخرج في معاني تأويل الحديث أنه أراد بالاتقاء عن الثياب، بمعنى الصلاة واستجازته في معنى الأكل، فأمر بالصلاة والطهارة لها قد يأتي على أمرها ما لا يأتي في غيرها، وأما تناول الحائض من المصلى الشيء من غير أن تدخله، فمعي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في ذلك اختلاف، فمعي أن بعضا كره لها ذلك لثبوت منعها أن تدخله ولأن دخول يدها فيه أنها قد دخلته، وينبغي أن ينزه المصلى وهواؤه، ومعي أن بعضا لم ير به بأس أن يتناول الشيء من المصلى والمسجد فتجعله فيه، أو تأخذ من غير أن يمسها أعني المصلى والمسجد، ولا تمسها شيء من يدها إلا إدخال يدها في هوائهما، فإن ثبت هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أجاز فهو أولى مما عمل به وأخذ به، وأما غسل المرأة وزوجها بالإناء الواحد، فلا معنى يدل على منع ذلك بل ذلك خارج في معنى الاتفاق أنه جائز من جهة كان غسلهما من جنابة، أو هي من حيض وهو جنابة، لأنهما بمعنى واحد إذا كانت قد طهرت من الحيض، ولأنهما لا معنى بمنعهما عن التبرج لبعضهما بعض إلا من معنى حسن (9/107)
صفحة 2668
الخلق والسترة، فأما إذا كانت هي حائضا ثم تطهرت، كان كلاهما يتنازعان الماء إلا خارج عندي معنى الكراهية على قول من قال بذلك على حسب ما مضى ذكره من معنى التنزه.
وأما غسل الجنب: فلا دليل على نقض وضوء من غسله، لثبوت طهارته بمعنى الاتفاق إلا أن يمس الغاسل له فرجا منه، وتمسه منه نجاسة، أو يمس منه نجاسة، أو ينظر منه فرجا وهو ممن لا يجوز له النظر إلى فرجه أو ينظر منه عورة غير ذلك، وهو ممن لا يجوز له نظر ذلك فإن لحقه معنى نقض الطهارة لأحد هذه المعاني أو ما أشبهها فلعله، وأما معنى غسله للجنب فلا معنى لذلك عندي ولا يشبه من ذلك حالا.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب (الضياء) ولا بأس أن يحك الجنب رأسه ولحيته، والجنب يستاك، وكره من كره لأجل خرس الأسنان.
رجع إلى كتاب بيان الشرع. (9/108)
صفحة 2669
الباب التاسع
في فعل الجنب وهو جنب
سألته عن الجنب، هل يجوز له أن يأكل قبل أن يغتسل؟ فقال: قال محمد بن محبوب: يغسل كفيه، ويمضمض فمه، ثم يأكل، فإن كان فعل ذلك لم يكن عليه خلال، وإن تمضمض لم أر عليه بأسا ويتحلل، فإن غسل كفيه وتمضمض قبل أن يريق البول ثم أكل فعليه أن يتخلل إن خرج منه شيء بعد أن يأكل، وإن لم يخرج منه شيء فليس عليه خلال.
مسألة: سألته عن الجنب هل يطلي بالنورة؟ قال: لا حتى يغسل الجنابة، قال أبو المؤثر: كان محمد بن محبوب يقول: إن أراد أن يطلي قبل أن يغسل فليغسل موضع الطلاء، وأنا أقول: إن آمن ألا يعتري الطلاء على موضع من جسده، فإن فعل الطلاء لم يغسل، فلا بأس عليه إذا عرك مواضع الطلاء حتى ينظف، ولا يبقى شيء من الطلاء على جسده ويمضي إلى غسله الجنابة، ولا بأس عليه.
مسألة: وسألته عن رجل يفتصد وهو جنبا هل عليه شيء؟ قال: يتقي أن يصيب ثوبه، وكان محمد بن محبوب إذا أراد أن يصلي ويفتصد غسل ذلك الموضع بالماء، ثم فعل ما يريد.
مسألة: عن الجنب والحائض؛ هل يجوز له أن يأخذ من المصلي حاجته وهو لا يمس المصلى؟ وكذلك هل يجوز له أن يحمل المصحف بسيره؟ وهل يجوز له أن يقرأ في نفسه ولا يحرك به لسانه؟ قال أبو المؤثر: نعم، يجوز له ذلك، وأرى أن يحمل المصحف بسيره. (9/109)
صفحة 2670
مسألة: من كتاب الأشراف: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوء الصلاة، واختلفوا في ذلك، فقال طائفة بظاهر خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروينا ذلك عن علي بن أبي طالب وشداد ابن أوس وأبي سعيد الخدري وابن عباس وعائشة والنخعي والحسن البصري وعطاء، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق، وكان ابن عمر إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب، توضأ وضوء الصلاة إلا غسل قدميه، قال سعيد ابن المسيب: إن شاء الجنب نام قبل أن يتوضأ، وقال أصحاب الرأي: إن شاء توضأ، وإن شاء لم يفعل، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، قال أبو سعيد: قيل هذا ولا يخرج هذا عندي في معنى اللزوم، لأنه لا معنى يدل على ذلك وإنما يخرج ذلك عندي على معنى التطوع والفضيلة لأن النوم على الطهارة أفضل من النوم من غير الطهارة، النجاسات، وإذا لم يغسل معنا من الطهارات من النجاسات المعينة، ولا أجد معنى يدل على ثبوت الصوم للنوم، ولا للأكل والشرب إذا تمضمض للأكل وأراق البول، إلا أنه من وجه أنه إذا لم يتمضمض فأكل ودخل شيء من الطعام بين شيء من أضراسه أو فيه، ثم غسل وهو كذلك أن عليه بعد خروجه غسل ذلك الموضع فهذا موضع الفائدة، بمعنى اللزوم ما عدي فضيلة عندي.
من كتاب الأشراف: روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا أراد أن يأكل توضأ وضوء الصلاة، ممن روينا عنه أنه قال بهذا الحديث علي وابن عمر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو، وقد روينا عن ابن عمر قولا ثانيا، وهو أنه كان يتوضأ وضوء الصلاة إلا غسل القدمين، وقال محمد والزهري: يغسل كفه، وقال سعيد بن المسيب: يغسل كفيه ثم يتمضمض ثم يأكل، قال مالك: يغسل يديه إذا كان الأذى قد أصابهما، وقال أحمد وإسحاق: يغسل يده وفاه، وقال أصحاب الرأي: يغسل يده ثم يتمضمض، ثم يأكل ولا يصوم.
قال أبو بكر: إذا أراد الرجل أن يأكل توضأ، وإن اغتسل على غسل فرجه وتمضمض لفم، قال أبو سعيد: معي أنه ما عدا إراقة البول والمضمضة لمعنى الأكل فهو خارج عندي في معنى الفقه من الحلال والحرام واللازم، إلا من معاني الفضيلة على ما جرى من القول، إلا من معنى إراقة البول في قول أصحابنا أنه إذا غسل ولم يرق البول ثم خرج منه بعد ذلك جنابة كان عليه الغسل، فلمعنى ذلك ذكرت البول، فأحسب أن يبول الذي يريد الأكل، ثم يمضمض فاه لثبوت (9/110)
صفحة 2671
الطهارة للفم على كل حال، لئلا يكون يبقى فيه شيء من الطعام يحول بين البدن وغسله فيكون هنالك معنى ما لم يجب فيه إزالته.
مسألة: من كتاب الأشراف: سألته عن الجنب، هل ينام قبل أن يتوضأ أو يغسل لحال البرد أو الكسل؟ فأخبرك أنا لم نجد في ذلك رخصة، وأنا عاتب على نفسي في ذلك، فاسأل الله أن يعفو عني ويوفقني للذي هو خير.
ومن جامع أبي الحسن: إن أكل الجنب أو شرب قبل أن يغتسل فلا بأس وإن نام، وقد روى ابن عباس لعله ابن عمر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الجنب ينام قبل أن يغتسل؟ فقال له: اغسل رأسك ذكرك ونم، والذي يأمر بالوضوء قبل الأكل والبروز، والنوم أمره استحبابا لأنه أعقب ذلك بقوله، وإن فعل فأكل ونام فلا بأس عليه، ويستحب له أن يتوضأ، فإن لم يتوضأ غسل فاه وحده فأكل ونام فلا بأس عليه، ولأنه إذا غسل فاه ثم أكل لم يلزمه إخلاله، وإن أكل قبل أن يغسل فاه فإنه يأمره أن يخلل فاه.
مسألة: من كتاب الشرح: أما قوله: وقيل إن الجنب لا يأكل ولا يشرب ولا ينام للنعاس، ولا يخرج إلى الناس حتى يتوضأ وضوء الصلاة، فإن فعل ذلك قبل أن يتوضأ فلا ينبغي له ولا نرى عليه شيئا فهذا عندي أنه قال له من طريق الاستحباب والاستحسان لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغسل غسلا واحدا من الطواف على نسائه، وقد كان من الصحابة من يخرج إلى الجهاد وإلى الحرب، فقيل: هو جنب.
ومن كتاب معروض: على أبي الحواري الفضل بن الحواري، قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: جاء الخبر أن رجلا كان في منزله في المدينة، ثم سمع هيعة قتال المشركين والمسلمين في (أحد) فخرج حتى انتهى إليهم فلم يزل يضارب بسيفه حتى قتل، فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الملائكة تغسله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أرى صاحبكم تغسله الملائكة، فاسألوا أهله، فسألوا أهله، فقالوا: إنه جنب فسمع هيعة القتال فخرج وهو جنب، وفي هذا المعنى أخبار كثيرة، قال المضيف: قال: وجدت في كتاب الإمامة أن غسيل الملائكة حنضلة بن عامر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رأيت الملائكة يغسلونه وآخرون يسترونه»، وفي الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة أنه قال: «لقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فمد يده ليصافحني فقبضت يدي عنه، قلت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني جنب، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا»، وإذا كان نجسا لم يمنع (9/111)
صفحة 2672
الخروج إلى الناس والكلام لهم، ففي حال يكون طاهرا أحرى ألا يمنع من الخروج إلى الناس، والمخالطة أيضا لهم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على أبي هريرة الخروج وهو جنب، والسلام عليه وهو المعلم لأمته، ما ذهب عليهم من واجب أو أدب فهذا يدل على جواز خروج الجنب ولقاء الناس، والكلام لهم، والنوم قبل الاغتسال، والله أعلم.
وأما قوله: فإن غسل فاه وحده، ثم أكل وشرب، فجائز إن شاء الله، قد دخل بهذا في الجواب الذي قبله وغسل الفم لي يرفع نجاسة كانت، ولا يثبت طهارة لم تكن ولا وقعت بعيدا لم يقصد إليه، والله أعلم.
مسألة: سألت أبا عبد الله محمد بن محبوب عن رجل أصاب من أهله، فأراد أن ينام ولم يتوضأ، وأراد أن يأكل ويشرب ولم يتوضأ، وأراد أن يجامع أهله ولم يتوضأ، أله ذلك أم لا؟ حتى يتوضأ وضوء الصلاة؟ قال: إن نام أو راجع ولم يتوضأ.
مسألة: من جامع ابن جعفر، وقيل: إن الجنب لا يأكل ولا يشرب ولا ينام للنعاس، ولا يخرج إلى الناس حتى يتوضأ وضوء الصلاة، فإن فعل ذلك قبل أن يتوضأ فلا ينبغي له ولا نرى عليه بأسا، فإن غسل فاه وحده ثم أكل وشرب فجائز إن شاء الله، قال غيره: قال محمد بن المسبح: جائز ويكره له، ومن غيره: معي أنه يخرج في معنى الأدب لا في معنى اللزوم ولا يخرج عندي في هذا كله معنى فائدة في اللزوم، إلا في الأكل إذا أكل، قبل أن يمضمض فاه خوفا أن يعلق في فيه شيء يحول بينه وبين الغسل بين أضراسه، فإنه قيل: لو أنه أكل قبل أن يمضمض فاه ثم غسل بعد ذلك، ثم دخل بين أضراسه أو شيء من فيه من الطعام يخرج في الاعتبار أنه يحول بين المواضع، وبين الغسل ولا يصله الماء، وكان ذلك مقدار ظفران عليه إعادة غسل ذلك وإعادة الصلاة، ولعله يخرج أن عليه الإعادة على هذا الوجه قليلا أو كثيرا، إذا كان يحول بين الموضوع وبين الماء.
ومعي: أنه قيل: إنه لا إعادة عليه إذا لم يعلم بذلك أنه كان فيه كان قليلا أو كثيرا، إذا كان في الفم بمعنى الترخيص في المضمضة والاستنشاق على النسيان، وذلك أنه في بعض القول أنه لو نسي الجنب بعض المضمضة والاستنشاق في بعض غسله حتى صلى أنه لا إعادة عليه في صلاته، ومعي أنه لو أكل ثم لم يمضمض فاه حتى جامع أو حتى أصابته الجنابة، فهو سواء على ما (9/112)
صفحة 2673
وصفت لك في معنى ما بقي في فيه مما يحول بينه وبين الماء عند الغسل، وكذلك لو غسل فاه ولم يتخلل من بعد أكله، أو يتخلل فلم ينقّ فاه حتى غسله، ثم خرج منه ما وصفت لك فهو على حسب ما ذكرت، وكذلك يخرج عندي بهذا الحسب إن لم يمضمض الجنب فاه، ولم يكن أراق البول، ثم أكل ثم أراق البول بعد ذلك، وغسل وكان باقيا هنا شيء على ما وصفت لك، ثم خرج منه شيء استحال إلى حال يجب عليه الغسل بمعنى، أن لو لم يبل وغسل فاه يلزمه في هذا المعنى إذا كان أكل بعد المضمضة قبل إراق البول ما يلزمه أن لو أكل قبل أن يمضمض، ولو كان أراق البول أو لم يرق البول، فافهم هذا الفصل وما يخرج في معناه من الفائدة في الفقه، وأما الشراب فلا يخرج معناه عندي في الشرب قبل المضمضة من وجه الأدب، وقيل: إن الأكل والشرب قبل الغسل من الجنابة مما يورث النسيان، أو مما يخاف من النسيان، فهذا في معنى الأدب، أو مما يخرج في الفلسفة في الطب، لا على معنى الفقه في الدين، وأما النوم قبل التطهير فيخرج عندي من التقصير في المبالغة في الطهارة، لأنه مما جاء في الحكمة في المبالغة في الطهارة أن يؤمر المؤمن ألا يبيت ولا ينام إلا متطهرا متوضئا وضوء الصلاة، فإذا كان يؤمر ألا ينام إلا متطهرا فأحرى وأجدر أن يؤمر أن لا ينام جنبا، لأن الجنب أشد من غيره ممن ليس بطاهر عليه وضوء الصلاة، وإنما يؤمر المؤمن أن ينام متوضئا وضوء الصلاة، وقد قيل: من إن نام طاهرا فمات كان شهيدا، ووجبت له معنى الشهادة، وذلك المؤمن ولا يكون خير ولا فضل إلا
بفضل الله للمؤمن، لا لغيره في يقظة ولا في نوم في غسل ولا في غيره.
وقد جاء في بعض الحكمة ما يروون عن لقمان الحكيم في وصيته ابنه ولعله غيره نحوه أنه قال: يا بني كل لذيذا، والبس جديدا، ونم شهيدا، أو مت شهيدا يعني به، النوم، فخرج في معنى تأويل القول أن (أكله لذيذا) أن يصوم حتى يأتيه الطعام وهو في لذيذه، و (لباسه جديدا) غسل ثيابه، وإذا كانت طاهرة كانت جديدة في هيئة الحسن والطهارة، وإذا كانت غسيلة مطهرة لم تكن في هيئة الجديدة، ونومه أو موته شهيدا أن ينام متطهرا، وأما حديثه للناس وخروجه إليهم وهو جنب غير متطهر، فذلك عندي إذا أمكنه التطهر فلم يتطهر، لغير معنى يعرض له تقصير في الفضل، لأنه قد قيل: إن التطهر من العبادة ولو لم يرد بالتطهير شيئا من النسك إلا نفس التطهر عبادة وطاعة إذا أراد به (9/113)
صفحة 2674
الله، وأحسب أنه قيل: ما دام المؤمن على وضوئه أو طهارته في عبادته صلى أو لم يصل، قرأ أو لم يقرأ، فتركه الطهارة تركا منه لفضل العبادة إذا كانت الطهارة عبادة فهذا ولو لم يكن جنبا، فإذا كان فأحرى أن يكون أولى به التطهر، فهذا من الفضائل والوسائل، وليس من معنى اللوازم، ومعي: أنه يروى عن فقهاء المسلمين أنه سئل عن النوم جنبا، فكان في جوابه: إنا نعاتب أنفسنا في ذلك، المعنى فيه: أنه يفعل ذلك وينام جنبا، وتعاتب نفسه في ذلك، وهو كذلك عندنا وحال الطهارة فضل، ومن قصر عن الفضل لم يكن كمن نال الفضل، ولا يلحق في معناه إلا أن يكون له معنى أفضل منه في تركه والاشتغال بغيره الذي هو أفضل منه في حاله ذلك، لأنه تعرض ما هو أفضل منه وأوجب منه، فعلى هذا ونحوه يخرج هذه المعاني عندنا.
قال غيره: نعم، إلا أن يكون له عذر، أعني الجنب وغيره من برد مضر أو خوف، أو ما يشبه ذلك، والله أعلم، ومتى عاقه سبب له فيه عذر حببنا له التيمم حتى يمكنه الغسل، والله أعلم.
مسألة: عن أبي زياد، وسألته عن الذي يطلي وهو جنب، فكره ذلك مخافة أن يقع شيء من شعره، وهو جنب في ثيابه، أو شيء مما يدل فيه النقض، وكذلك لا يقص شاربه ولا رأسه، ولا يأخذ شيئا من شعره وهو جنب، ولا يقطع شيئا من لحمه، فإذا أراد شيئا من ذلك فليغسل الموضع الذي يريد قطعه، أو قطع شيء منه غسلا ينظفه حتى يطهر، ثم يفعل ما أراد من ذلك.
مسألة: وقال أبو مروان فيما عندي الجنب يقص شعره ويأخذ أظفاره، ويطلي وهو جنب.
مسألة: وقيل في الجنب لم يجد الماء إلا في مسجد يتيمم ثم يدخل المسجد، فيخرج الماء ويغسل، وإن كانت عين صغير ولا يستطيع أن يغرف منها ولا يقع فيها فيفسدها على نفسه وعلى غيره؟ قال محمد بن المسبح: ألا يقدر على الماء فيناله فإذا كان كفاه نظيفتين فيغسل الأذى من نفسه، ثم يقع في الماء ويغتسل، حدثنا هاشم بن غيلان بذلك ولا ينجس على الناس مواردهم، وقيل: إذا أتى رجل إلى ماء لم يقدر عليه فإن أمكنه أن يأخذ بثوبه ثم يعصره في موضع ثم يستنجي به ويتوضأ ويغتسل وإذا لم يمكنه ذلك تيمم. (9/114)
صفحة 2675
قال غيره: أما إذا كان الماء عينا فلا معنى عندنا يقع عندنا إلا على عين تجري والعين الجارية كانت صغيرة أو كبيرة إذا استبان جريها بمعنى من المعاني برؤية أو اطئنانة، لا شك فيها جاز الاستنجاء فيها من النجاسات، ومن الجنابة، ولا أعلم في ذلك اختلافا ما لم تغيرها النجاسة، أو يكون لا يمكن الاغتسال بحال من الأحوال، من قلة مائها ولو كانت العين الجارية بعد أن يصح جريها، والماء الجاري كله بقدر ما يجري به الغسل من الجنابة وهو قدر صاع من ماء، فإذا كان هكذا مجتمعا أو متصلا طولا في جريه بعد أن يثبت حكمه جاريا فهو جار، ويجوز في معنى الاتفاق أن يغسل فيه جميع النجاسات، ويغسل منه من الجنابة في وسطه ما لم تغيره النجاسة وتغلب على حكمه، أو يكون في الاعتبار مغلوبا عليه بما لا شك فيه من أحكام الاسترابة، ومعي: إنه إذا ثبت حكم الماء جاريا جاز أن يغسل فيه النجاسة، وينتفع به في أسباب الغسل والوضوء، وإذا كان في الوضوء من ماء يجزي للوضوء، وهو قدر مدّ من ماء وللغسل قد صاع من ماء، جاز الاغتسال فيه عندي، والاستنجاء والوضوء للصلاة بقدر المد والاغتسال، بقدر الصاع، وإذا كان جاريا بغير مادة في الاعتبار، وإنما جريه طاهر كله ليس له مادة تمده، لم يعجبني أن يغتسل فيه من الجنابة إذا كان أقل من صاع من ماء، ولا يتوضأ فيه للصلاة في وسطه إذا كان أقل من مد من ماء، ولو كان جاريا إذا كان جريه بغير مادة له تدخله أو تخرج منه، وأما إذا كانت له مادة تدخله أو تخرج منه جارية، فمعي أنه يجوز الوضوء فيه والغسل من الجنابة، ولو كان لا يدرك منه إلا قدر كف من ماء ينتفع به، بقدر ما يغترف منه للانتفاع للغسل والوضوء، ولو كان المجتمع منه أقل من مد من ماء، والمد منه ما بلغ المنفعة به إلى الانتفاع بوجه من الوجوه، ما يثبت جريه ويثبت للانتفاع به شيء من الغسل والوضوء أو غسل شيء من النجاسات، قلت أو كثرت، ما لم تغيره النجاسة أو لا يدرك الانتفاع به
بحال العدم.
ومعي: إذا ثبت جاريا، ولو لم يكن له مادة قليلا كان أو كثيرا، وجاز أن يغسل فيه ما كان من النجاسة ما لم تغيره، أو يغترف للغسل من الجنابة والوضوء، ولو كان في الاعتبار في ظاهره أقل من مد من ماء ما يثبت الانتفاع منه وبه، ما لم يتغير لونه بنجاسة فإن كان في الوضوء أقل من مد من ماء وهو جارٍ فتوضأ فيه، ووضوؤه يرجع فيه، ولا يغترف منه ناحية، وكذلك إن غسل فيه من الجنابة أجزاه (9/115)
صفحة 2676
ذلك عندي، وقد كنت أحب له أن يغترف منه ناحية إذا كان في الوضوء أقل من مد من ماء، وفي الغسل أقل من صاع، فلما أن كان جاري ثبت له عندي حكمه، واستحال عن حكم الراكد في الماء في القليل والكثير، وثبت له حكم الانتفاع عندي بحكم الجاري، ولم يستحل إلى حكم الراكد، أو تغلب عليه النجاسة، والمتصل طولا إذا لم يضرب ويضطرب جنابته كلها يتحرك أقصى جنباته خارج عندي بحكم الجاري في معاني ما جرى ذكره في الجاري، إلا أنه إذا كان أقل من مد من ماء لم يعجبني الوضوء فيه للصلاة، إلا أن يكون المتوضئ يعتبر من أمره أنه لو اغترفه فتوضأ به ناحية عنه، أجزاه لوضوئه ولم يستهلكه في الاعتبار، فيستعمل المستهلك فيه ولو كان أقل من مد فتوضأ فيه للصلاة أجزاه ذلك عندي على هذا الاعتبار، وكذلك لو كان متصلا للوضوء وكان قليلا أقل من مد من ماء أعجبني ألا يتوضأ فيه للصلاة، ويغترف منه ناحية عنه إلا أنه إلا أن يكون في الاعتبار لا من وضوئه أن لو اغترفه ناحية عنه أجزاه ذلك الماء، ولو لم يستفرغه فتوضأ فيه وغسل جوارحه، وكان الماء في إناء أو في أرض، أو في أي موضع كان معي مجزيا له، لأنه في الاعتبار لم يستعمل مستهلكا في بعض ما قيل، ولا يعجبني على حال إذا كان الماء غير جار، أن يتوضأ فيه للصلاة، إلا أن يكون قدر مد أو أكثر، وكذلك لغسل الجنابة حتى يكون قدر صاعين أو أكثر حتى يكون في الاعتبار أن يكون الماء الطهور غير مستهلك فيما يثبت حكمه ولا مغلوب عليه، وأما غسل
النجاسة من الجنابة والاستنجاء وغسل النجاسات في غير الماء الجاري، فلا يثبت معنى ذلك عندي إلا في الماء الذي لا يتنجس على معاني ما قيل، إلا أن يغلب عليه حكم النجاسة وهو الماء الكثير في بعض ما قيل، وقد اختلف في الماء الكثير وقدره، وقد مضى ذكره في هذا الكتاب في جزء الطهارات والاعتلال فيه والحجة عليه بما يجتزي عن إعادة ذكره مشروحا كل قول في موضعه.
ومعي أنه ما قيل وهو عندي يشبه معنى الأصول، أن الماء ما كان منه من الماء الطهور ولا يفسد ما كان من النجاسة إلا ما غلب عليه فيغير لونه أو طعمه أو رائحته في بعض ما قيل، وفي بعض ما قيل، لا يفسده تغيير عرفه ولموضع اتفاقهم أنه إذا كان الماء كثير لا يفسد إلا ما غيره واختلافهم في الكثير وثبوت معنى قولهم أنه إذا غير الكثير من الماء حكم النجاسة فسد لزوم معنى إثبات ذلك من الماء كله ما خرج مستنقعا غير زائل حكمه ولا مغلوب عليه لثبوت لزوم الطهارة بالماء للوضوء (9/116)
صفحة 2677
والغسل من الجنابة بحكم كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ومعاني الاتفاق، وأنه لا يصح التيمم ولا يجوز إلا عند عدم الماء الطهور، واتفاقهم أن هذا الماء هو الماء الطهور، واختلافهم في نقل اسمه وحكمه عن موضع ما يجب به ويجوز منه ولا يزيل عندي معنى الأصول من الاتفاق إلا اتفاق مثله.
فالاتفاق أن على الجنب أن يغسل إذا وجد الماء وعلى المصلي أن يتوضأ إذا وجد الماء، وكذلك قول الله تعالى فما كان من الماء ثابت به حكم الوضوء والغسل مجزيا له فالغسل به والوضوء ثابت حتى يغيره وينقله إلى غيره حكم اتفاق وهو أن يغلب عليه حكم النجاسة أو يكون أكثر منه إلا أنه إن أمكن بحكم الاعتبار لوجود غير هذا الماء لمعنى أقرب منه إلى التنزه والخروج منه إلى معاني الاختلاف فترك هذا إلى غيره تخطيه ولا شك فلا ولاية القائل بذلك، والعامل به فحسن وغير معنف من بالغ في نفسه في أمر دينه لم يجد من الماء إلا هذا قدر ما يجزيه لوضوئه أو غسله ولم يمكنه التطهر من ناحية عنه ولزمه حكم الوضوء أو الغسل بمعنى الاتفاق، لزمه معنا أن يتوضأ ويغسل في هذا الماء ويغسل ما كان فيه من النجاسة للصلاة ما لم يغلب على الماء حكم النجاسة بمعنى يتفق فيه لثبوت حكم ذلك عليه بالاتفاق ولا يزيله عنه إلا حكم الاتفاق فافهم معاني ذلك إن شاء الله.
وكل ما ذكر من أمر الاستنجاء وغسل النجاسة وأخذه بالثوب الماء إن عدم الإناء وكانت يده نجسة فكل ذلك يحسن في المبالغة في أمر حكم الطهارة وإنما يخرج ذلك كله فيما يتنجس من الماء وأما فيما لا ينجس ولا يلزم ذلك فيه باتفاق ولا باختلاف، إلا من أراد أن يفعل ذلك بوجه من الوجوه مما يحسن ويسيغ فذلك إليه، وحكم الرأي كله بمعنى الاحتياط وهو ما يختلف فيه إنما يحسن ويجوز في غير معنى الأصول.
فإذا ثبت معنى الأصول لم ير له معنى الاختلاف والاختيار ولزوم معنى العمل به بحسب الاضطرار.
ومن الكتاب: وقيل: من أتى إلى آنية فيها ماء أحدهما فاسد لا شك فيه ولم يعرفه وهو فاسد البدن أنه يتطهر من أحدها ثم يمسك عن ثوبه حتى يجف بدنه من الماء ثم يصلي ثم يرجع يفعل مثل ذلك في الثاني والثالث حتى يستكملها فلابد أن يكون قد تطهر بالطاهر منها (9/117)
صفحة 2678
وصلى في قول أول ذلك وآخره ولم يتحر به الطاهر منها ولم يعلم الفاسد، رجوت أنه يجزيه وينظر فيها، قال أبو الحواري: يصب كل إناء في الآخر حتى يستيقن أنها فاسدة كلها ثم يتيمم ويصلي ولا يتوضأ بشيء منها.
وقال غيره: معي، أنه قد جاء نحو هذا إذا ثبت معنى أن واحدا من المياه نجس وهو أكثر من اثنين خرج عندي معنى الاحتياط في التطهر منها وبها في معنى الاستعمال الاحتياط على غير معنى قطع الحكم باستعماله باثنين من الماء ويخرج ذلك عندي أن يتطهر من بأحد المياه ثم يتجفف حتى يجف مواضع الماء من جسده لئلا يمس ثيابه التي يصلي فيها إن أمكنه ذلك، ثم يصلي من الماء الثاني ثم يتجفف حتى يجف الماء من بدنه فإذا وجد الماء الطاهر الذي لا شك فيه خرج عندي معنى الاحتياط أن يتطهر منه لأنه لعله تطهر بالماء النجس في آخر مرة فيكون ما مس الماء من جسده كله نجسا، وأما غسله وصلاته فيخرج عندي على معنى الاحتياط أنه قد أجزاه أن يتطهر بما بين من هذه المياه إذا كان إنما نجس منها واحد لأنه إن كان تطهر بالنجس منهن وافقه أول مرة ففي الثانية قد وافق الطاهر لابد من ذلك، وإن كان قد وافق الطاهر في أول مرة فقد تم طهوره به وموافقته للنجس بعد ذلك لا يفسد عليه شيئا مما قد ثبت له.
ولا يخرج في معنى الاحتياط في الماء النجس الواحد إلا بتطهره بما بين لا غير ذلك كان وافق النجس في واحد ما يطهر به، أو وافق طاهرين لابد من ذلك ولابد له من معنى الاحتياط من الطهارة إذا وافق الماء الطاهر الذي لا شك فيه لمعنى الخروج من الإشكال عليه إلا أنه لعله وافق النجس منها آخر مرة، وهذا في الغسل والوضوء وغسل الثياب وجميع النجاسات سواء في معنى واحد، وإن كان النجس من المياه اثنين وسائرها طاهر خارج الاحتياط له في التطهير منها بثلاثة منها على نحو ما وصفت لك.
وإن كان نجسا منها ثلاثة فالرابع يصح له منها الاحتياط، وإن كنت كلها نجسة إلا واحدة لم يصح له الاحتياط إلا على معنى ما وصفت الكتاب أن يتطهر منها كلها على نحو ما وصفت لك وإنما يخرج تأويل قوله أن يتطهر منها كلها إذا كانت كلها نجسة إلا واحد، وإذا كان شيء منها نجسا لا يدري ما نجس منها إلا قل منها الأكثر وفيها شيء طاهر لا يدري ما هو.
فإذا كان على أحد هذين الفصلين لم يصح له الاحتياط إلا بالتطهر بجميعها (9/118)
صفحة 2679
على نحو ما وصفت لك، والتطهر بعد ذلك بالماء الطاهر، وأصل الاحتياط في معنى الدين، والخروج من الشبهة يصح من غير وجه لأنه يلزمه التطهر بالماء الطاهر فيما لزمه، وقد صح أن في هذا المياه الطاهر فهو وإن لم يعرفه بعينه فعليه التحري له حتى يخرج لمعنى لابد أن يكون قد أصابه إن أمكنه ذلك فهذا في معنى الخروج إلى إصابة الصحيح لاستعمال الطاهر، ومعي أنه يخرج في معنى قول من قال بالتحري للماء الطاهر منهن واستعماله دون استعمال الاحتياط يخرج في معنى الحكم على أصل طهارة الماء فيهن أن كل واحدة منهن على الانفراد في الحكم طاهر ما لم يعلم أنه هو النجس فهو أشبه بمعنى حكم الأصول وثبوت الحكم، لأن النجاسة مدعية في كل واحد من المياه على الانفراد فما لم يصح نجاسته بعينه فأصله طاهر، وإذا تطهر من الواحد على الانفراد يتحرى الطاهر مع الإشكال على غير حقيقة أنه طاهر إلا ما يثبت له من الحكم فصلى ثبت له عندي معنى الصلاة في الحكم، فإذا وجد الماء الطاهر على الحقيقة لزمه معنى الاحتياط بالتطهر بعد احتياطه بالتطهر من المياه كلها، إذا كان أحدها نجسا أو كانت نجسة كلها إلا واحدا منها ولو احتاط بها كلها وكانت طاهرة كلها إلا واحدة لزمه عندي معنى الخروج من حكم الإشكال بالتطهير بالماء الطاهر بالحقيقة إذا كان وجده لأنه لا يدري لعله كان النجس منها هو الذي تطهر به آخر مرة فيكون نجسا في حاله هذا ولا يخرج له من ذلك بمعنى الحقيقة، إلا بهذا الاستعمال لتحري الطاهر من المياه، ويستعمل الاحتياط بها، فسواء كان ذلك وسواء كان في الوجهين جميعا كلها طاهرة إلا واحدة، أو كانت كلها نجسة إلا واحدة فيخرج فيها معنى التحري للطاهر على ما وصفت لك والاحتياط على ما وصفت لك والتحري التطهر بالطاهر إذا وجده بالوجهين جميعا على ما وصفت لك.
ومعي أن في هذه المياه قولا رابعا، وهو أن يتيمم ويصلي ولا يستعمل شيئا منها لوضوء ولا غسل إذا أشكل أمرها وسواء كلها طاهرة إلا واحدة لا يعرفه أو نجسة كلها إلا واحدة لا يعرفه، ولعل هذا القول يخرج في أكثر ما يذهب إليه أصحابنا في معنى المشكلات أنهم يذهبون إلى توقيفه والوقوف عنها معنى قطع الأحكام عنها وترك الدخول فيها، إلى ما لا يشك فيه، وهو قولهم أن كل مشكوك موقوف، وترك ما يريبك إلى ما لا يريبك ويخرج من قولهم ما يشبه هذا في المتلاعنين إذا كانت لهم ولاية متقدمة ثم يصح منهم ما لا يشك فيه أن أحدهم فيه مبطل ولا يعرفونه على الحقيقة، فذهب من شاء الله من أهل العلم من أصحابنا إلى ترك ولاية الجميع على (9/119)
صفحة 2680
هذه الصفة والوقوف عنهم كلهم في حكم ولاية الظاهر والبراءة منهم بحكم الظاهر، وهذا الفصل وأشباهه متشابه عندي وهو توقيف هذه المياه واستعمال المياه دونها إذا كان الإشكال لأنه داخل فيها.
وإذا كان دين الله يسر كله، وإنما وجب على من لم يجد الماء التيمم بالصعيد وعلى من وجد الماء التطهر منه مرة واحدة، وليس عليه غير ذلك في معنى الحكم وثبت بمعنى الاتفاق الماء النجس لا يقوم به حكم الطهارة، وأن التيمم أولى منه لأنه صعيد طيب، والطيب هو الطاهر، ولا تقوم الطهارة إلا بالطهارة ولا تقوم النجاسة.
وإذا استعمل التيمم في الوجه كان قد خرج من وجود الإشكال في معنى الحكم إذا لم يجد الماء والماء هو الطاهر فلما لم يكن الطاهر على الحقيقة والحكم ثبت معنى التيمم إذا لم يجد الماء فإذا وجد الماء لزمه معنى الحكم به عند وجوده على الحقيقة.
وقال بعضهم في المتلاعنين وما أشبههما بالولاية لهم في الحكم الطاهر كل واحد منهم على الانفراد وهو أشبه بمعنى الأصول في معنى ما قيل وأصح. وعلى شبه هذا يخرج تحري الطاهر من المياه على نحو ما وصفت لك في اعتقاد البراءة في الشريطة من مبطلهم وولاية محقهم في الشريطة على القصد بذلك فهذه الأقاويل عندي تخرج على هذا المعاني الصحيحة، وأما على قول من قال أنه يخلط كل واحد منهما في جميعهما حتى يعلم أنها كلها نجسة ويتيمم بعد ذلك فهو عندي أشد ما قيل في هذا الوجه عندي من معاني الأصول لأنه لي عليه أن يفسد الطاهر من المياه ولو كانت له وليس له أن يُنجسه إذا كان مباحا فينجسه على غيره لأنه قد تخرج طهارته في معنى الحكم في الضرورة وغير الضرورة، وإذا نجسه كله أبطل حكم الطهارة منه، ويعجبني أن يكون يخرج في معنى الاتفاق خارج من الجائز إذا لم يكن مخاطبا في معنى الاتفاق بحكم الاحتياط واستعمال ذلك كله ولا خارجا بمعنى الاتفاق لزوم التحري منها، وإذا ثبت في معنى الاختلاف حسنا أن يتيمم لموضع الإشكال فيه لم يكن قبيحا على هذه المعاني أن يزيل عن نفسه معنى علة التحري ومعنى علة الاحتياط بالخروج من ذلك كله إلى معنى صحة التيمم بزوال معنى حكم الاحتياط عنه.
وحكم التحري وكما كان له جائزا مباحا أن يتلف ماله في معنى الاختيار، وكما كان له جائزا مباحا أن يتلف ماله في معنى الاختيار، من غير أن يضطر إلى شيء (9/120)
صفحة 2681
في معنى تلفه ما لم يكن معصية من شهوات نفسه وغير شهوات نفسه من أمور الفضائل وما يرجو فيه الطاعة مما لا يلزمه، كذلك ليس بقبيح أن يتلف من ماله هذا الماء، إذا لم يستحل إلى حال الضرورة بتلفه ليزول عنه حكم التحري وحكم الاحتياط بصحة إجازة التيمم له لعدم ذلك عنده.
وكذلك في الماء المباح قد يكون له فيه من معنى الاختيار مثل ما يكون في ماله وليس فساد المياه عنده هو إذا غاب علمها عن غير حجة على غيره إذا كانت طاهرة في الحكم طاهرة حتى تصبح نجاستها فقد يخرج في معنى هذا القول متعلقا حسنا غير قبيح، ولا يثبت بطلانه وقد تنساغ إجازته عندي، ويعجبني استعمال التحري للماء الطاهر منها والتيمم بعد ذلك لثبوت معنى التيمم عند عدم الماء الطاهر، والإشكال من أمر صحة الماء الطاهر، وكذلك استعمال الاحتياط في التطهر من المياه على حسب ما مضى ذكره مما يخرج له في الاحتياط مع التيمم والاحتياط مع التيمم.
والتيمم أحب إلي من التحري من الطاهر مع التيمم من غير أن تخلط المياه في بعضها بعض إلا من خلطها، وليس بقبيح عندي خلطها لمعنى ما وصفت لك فافهم معاني ما قيل في هذه المياه.
وكل هذه الأقاويل عندي إنما يخرج تأويلها على صحة نجاسة الماء عند من ينجسها بوجه مما ينجس به المياه وتخرج هذه مما عندي ما يشبه معناه قول من يقول إن الماء ينجس بمماسسة النجاسة له دون أن تغلب عليه ويستولي عليه حكمها بلون أو طعم أو عرف على قول من يقول بالعرف، وأما على قول من يقول: إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه، فإذا وجدت هذه المياه غير متغيرة ولا متغير شيء منها فكلها في الحكم طاهرة حتى توجد متغيرة أو يصح فسادها بقول من يكون قوله حجة أنه قد دخل فيها أو في شيء منها من النجاسة أكثر من الماء مما يمكن فيه القول أنه يخالطها من النجاسة أكثر منها ولا يغير لونا ولا طعما ولا ريحا، فإذا احتمل هذا فإنه يخرج فيه القول بالشهادة لا على المعاينة، ومعي أنه ما لم يخرج الماء من أحد هذه المياه من غيرها مغلوبا عليه بأحد معاني استهلاكه بلون أو طعم أو عرف على قول من يقول بذلك فلا تصح فيه النجاسة بالاتفاق ولو قال فيه من قوله حجة من الثقات من الاثنين فصاعدا أنه نجس ما لم يفسروا نجاسة بوجه تصح نجاسته من معنى الاتفاق لاختلاف القول في نجاسة المياه، وقد يمكن أن يقول الثقات إنه نجس في معنى ما يذهبون إليه أنه نجس ما لا ينجس في الاتفاق لموضع ما يجوز أن يكون يتنجس ذلك (9/121)
صفحة 2682
الماء مع من قال إنه نجس بمعنى الاختلاف وليس بنجس في الاتفاق فيكون قول القائل إنه نجس صدق معه وحق وليس بلازم الحجة فيه بمعنى الاتفاق لأصل طهارته.
والاختلاف في معاني نجاسته فهو طاهر بمعنى الاتفاق طهور في الأصل حتى يصح أنه نجس أو متنجس أو تنجس يكون بحجة في معنى الاتفاق أنه نجس بذلك أو في معاني الاختلاف، وكذلك عندي كل طاهر في الأصل من جميع الطهارات المحكوم بها بالطهارة في الأصل والشهادة فيه وعليه ممن تقوم الحجة بالقول أنه نجس انتجس أو متنجس فأصله قائم على حكم الطهارة أنه من الطهارات لا يصح القول فيه أنه نجس ولا متنجس بقول القائل فيه إنه نجس أو متنجس أو تنجس أو نجس أو رجس، لموضع احتمال صدق القائل بأنه ينجس بما لا يكون في الاتفاق أنه ينجس ولموضع جواز الاختلاف فيما ينجسه وثبوت ذلك في معاني الحق حتى يفسر القائل بما ينجس فيخرج بمعنى ما يصح نجاسته مع التفسير مع الشهود معه بما يذهب إليه بفساده بمعنى الاختلاف أو يخرج بمعنى الاتفاق نجسا مع التفسير فتقوم به الحجة حينئذ ولا يسع مخالفة حكم الاتفاق إذا صح حينئذ بعلم أو بجهل، وكذلك كل شيء من الحلال من الفروج والأموال شهد فيها الشهود عليها أنها حرام ولم يفسر البينة من أي وجه حرام لم تقم بذلك حجة في معنى الحكم عندي تقطع عذر المشهود عليه ولا محكوم عليه بحرمته ولا بإزالته من يده إلا حتى تفسر البينة ما تلك الحرمة ومن أي وجه حرام لاحتمال حركة ذلك في معنى الاختلاف عند البينة بما يذهبون إليه ولموضع إذ يحتمل أن يكون ذلك حراما على الشاهد بحكم خاص ولا يكون حراما عند المشهود عليه، ولموضع جهل الشاهدين في مواضع الحرمة، وكل شيء على أصله ثابت فيه حكمه من طاهر أو حلال حتى يصح فساده ورجسه وحرمته بوجه من الوجوه ولا يكون فيه احتمال الطهارة ولا حلال بحال من الحال فلا ينتقل في هذه الأشياء حكم الشهود عن حالتهم من ثقتهم وولايتهم وهم على حالتهم، ولا تقوم الحجة بشهادتهم فافهم معاني ذلك كله إن شاء الله.
ولو شهد شاهدان على رجل أن هذا المال في يده حرام وأن زوجته هذه عليه حرام أو وقعت بينهما حرمة ولم تفسر البينة ما هذه الحرمة ولا هذا الحرام لم تكن البينة في مثل هذا حجة في الأحكام ولا قذفه لمن شهدوا عليه بهذه الشهادة والمشهود عليه والشهود في مثل هذا وأشباهه مما يحتمل فيه مخرج الشهود عن القذف ولا المشهود (9/122)
صفحة 2683
عليه عن ثبوت الحجة لاحتمال ذلك بوجه من الوجوه فلا يحكم على المشهود عليه بكفره ولا بإخراج ذلك من يده من زوجته أو مال حتى تفسر البينة كيف ذلك الحال وتقوم بقولهم الحجة مفسرة ويكون الحكم في معنى التفسير من حكم الرأي أو الدين أو الخاص أو العام.
وإذا ثبت معنى هذا في الحرمة المحتمل أمرها ثبت في شهادتهما عليه بطلاقها أنه طلقها أو بارأها عنها أو آلا عنها فإذا لم يفسرا ذلك باللفظ الذي يصح معناه في الحكم على معنى ما يخرج فيه قطع حجته وصحة فساد ذلك وحرمته بما لا احتمال فيه ولا مخصوص من الحكم واللفظ يخرج فيه الاحتمال الاختلاف في ذلك والخاص والعام من الكلام وثبوت الاستثناء في الطلاق الذي يزيله واحتمال جهل الشهود بما يوجب ذلك وخروج قولهم في ذلك بمعنى الصفة للطلاق أو الإيلاء أو الظهار أو البرآن لا القول الشهود عليه الذي يوجب عليه الطلاق وكذلك عندي كل شيء يخرج نحو هذا من هذه الأشياء كلها خارجة عندي سواء في الطهارات والحرمات والبرآن والأشياء على أصولها حتى يصح تحولها بما لا ريب فيه. (9/123)
صفحة 2684
[صفحة بيضاء] (9/124)
صفحة 2685
الباب العاشر
في منع الجنب والحائض والمشرك الدخول في المساجد
وغيرها من قراءة القرآن وما أشبه ذلك
ومن كتاب ابن جعفر: والجنب والحائض والمشرك لا يدخلون المساجد، ولو دخلها أحدهم لم يفسدها، وكذلك المصليات فإن كان جنبا مريضا في مسجد أو شيء له فيه ولابد من أخذه فإن فعل ذلك لم أر عليه بأسا وإن تيمم ثم قضى حاجته من المسجد فهو عندي أحوط.
ومن غيره: قال: وقد قيل: لا يدخله إلا متوضئا أو متيمما إذا لم يجد الماء وكان الماء فيه، وقد قيل: إن أجنب فيه أيضا فيخرج منه فإن لم يمكنه فقال من قال: يتيمم ويقعد، وقال من قال: ليس عليه تيمم فإذا خرج منه فلا يرجع يدخله إلا بعد الغسل والتيمم.
رجع: وكذلك لا يقرأ القرآن إلا الآية أو بعضها ولا يحمل المصحف وإن حمله بسيره الذي يعلق به فلا بأس.
ومن غيره: الذي عرفت أن قراءة القرآن على غير وضوء فيه اختلاف كثير وأرخص ما عرفت أنه يخرج في بعض الروايات وأحسب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا وجدت أنه قال: «اقرأ القرآن بأي حال شئت إلا جنبا وبأي حالة كنت فيها إلا جنبا، وادخل المسجد في أي حال شئت إلا جنبا، واحمل المصحف في أي حالة شئت إلا جنبا»، وكان معنى الرواية يدل على إطلاق هذه المعاني للإنسان إذا لم يكن جنبا، ومعي، أنه قد قال من قال: ما لم يكن على طهر تام ووضوء تام كالوضوء للصلاة فهو بمنزلة المحدث وهذه أنزه ما عرفت والله أعلم. (9/125)
صفحة 2686
وعرفت أن الحائض والنفساء والجنب أن لهم أن يقرأوا الآية أو بعضها ولعله الآيتين يستأنس بذلك عند الوحشة وعند طلب ما يلزمه عمله وأن يتلوه بغير تحرك اللسان.
ومن جامع أبي الحسن: والجنب لا يقرأ القرآن لأن الرواية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يمنع قراءة القرآن إلا إذا كان جنبا فينظر في جميع ما ذكرته ولا يؤخذ منه إلا بالحق والصواب.
مسألة: ومنه وقيل: كره أبو عثمان أن يقرأ الرجل وعليه الثوب الجنب.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر، ومن جواب عزان بن الصقر؛ وعن الرجل الجنب هل يكتب بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لا، ومن جواب قال: وقد قيل إن الكتاب ليس بكلام ما لم يتكلم فلا بأس بالكتاب (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: ومن كتاب المعتبر: وقيل في جنب لم يجد الماء إلا في المسجد يتيمم ثم يدخل المسجد فيخرج الماء ويغتسل.
قال غيره: معي أنه قيل فيما يشبه معنى الاتفاق من قول أصحابنا أنه لا يدخل الجنب المسجد إلا من عذر، وكذلك الحائض والنفساء مثل الجنب في معنى قولهم، وكذلك المصلي المتخذ للصلاة وهو بمنزلة المسجد لا يدخله الجنب ولا الحائض، ومعي أنه في قول قومنا أو في بعض قولهم أنه لا بأس بدخول الجنب المسجد والحائض والمشرك، ومعي أنه جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أدخل المسجد في أي حالة كنت إلا جنبا»، وقال الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} (التوبة:28)، فإذا ثبت أنه لا يدخل المسجد الحرام يعني رجسه وكان ممنوعا ذلك في المسجد الحرام فيخرج في معنى الاستدلال أن غيره من المساجد مثله لثبوته وثبوتها معنى واحد لقول الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} (آل عمران:96)، وقال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} (النور:36)، فثبت في هذه البيوت أنها المساجد، ولا نعلم في ذلك اختلافا، من المسجد الحرام وغيره من المساجد فمعناها واحد في التعظيم، وإن اختلف تعظيمها بمنزلة كل واحد منهما بما عظمها الله فإنها كلها واحدة مرفوعة مطهرة فيخرج في معاني الاتفاق وما يشبه السنة والكتاب أن المشرك ممنوع دخول المساجد كلها، والحرم كله مسجد لقول الله تبارك وتعالى: (9/126)
صفحة 2687
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (البقرة:144)، فثبت أن المسجد الحرام هو الكعبة البيت الحرام، كما قال الله في قبلة لأهل المسجد: لا صلاة لأحد إلا باستقبال الكعبة، وأن المسجد كله قبلة لأهل الحرم كله قبلة لأهل الآفاق وأنه له مسجد لقول الله: {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (المائدة:95)، في جزاء الصيد، فثبت أن الكعبة الحرم كله وأنه حيث ما يجري الجزاء من الصيد والهدايا والضحايا في المناسك في شيء من الحرم فقد بلغ الكعبة وأنه في الكعبة فلا يجوز لأحد من المشركين إلى دخول المسجد الحرام لثبوت قول الله: {فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}، فهي على الأبد، وكذلك حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة قد قيل فيه أنه مثل حرم الكعبة وأن حرم الكعبة البيت الحرام حرم على لسان خليله إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وحرم المدينة حرم الله تبارك وتعالى على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنهما حرمان جميعا بالسواء في تحريم شجرهما وصيدهما والجزاء في ذلك واحد على ما جاء فيه الحديث والخبر عن أهل العلم ومعناه أنه إذا ثبت هذا فما كان من جزاء من صيد الحرمين جميعا وشجرهما فهو هدي بالغ الكعبة، كما قال الله ولا يكون إلى المدينة ولا ينجز في المدينة لقول الله: {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ}، وهذا في الصيد من كتاب الله والشجر من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع أهل العلم في شجر الحرم الكعبة البيت الحرام، وحرم المدينة إذا ثبت حكمه فهو مشبه للحرم والجزاء كله إلى الكعبة ما ثبت، وكذلك ما ثبت هديا في جميع دين الله فإنما هو إلى الكعبة البيت الحرام لا نعلم غير ذلك، وإذا كان الحرمان جميعا حرمين فكل حرم مخصوص بحكمه والهدايا إلى الكعبة وما أشبه كما قال، وإذا ثبت منع المشرك دخول المساجد والاستدلال من كتاب الله وما أشبه ذلك من معاني السنة
والاتفاق كان مثله الحائض والنفساء في نفس المسجد إذ ممنوعان الصلاة، وإذا السنة في التعبد عليهما ترك الصلاة وإذ مشبهات في معنى هذا أمر المشرك إذ ثابت منهما ما لا يطهره الماء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه: «لا يطهرهما الماء» يعني بذلك الحائض، والنفساء مثلها، وإذا ثبت ذلك في الحائض والنفساء لموضع ثبوت الغسل فيهما إذا طهرتا وأنه لا يطهرهما الماء وإذ ممنوعان الصلاة للمعارض لهما أشبه ذلك معنى الأقلف من أهل القبلة في الرجال البالغين إذا ثبت مشبها في هذا الوجه معنى المشركين وأنه لا يطهره الماء لأشباهه أهل الشرك، وقد مضى معنى ذكره والاستدلال عليه من كتاب الطهارات من هذا الكتاب في موضعه، وإذا ثبت هذا في هؤلاء بهذه المعاني أن يكونوا ممنوعين دخول المساجد والجنب مثلهم وإن كان يطهره الماء فإنه نازل بمنزلة الحائض والنفساء إذا طهرتا، ومعنى الاتفاق أن النفساء حكمها في جميع الأشياء حكم الحائض حتى (9/127)
صفحة 2688
يغسل في الصلاة وفي وطء زوجها وفي انقضاء عدتها وفي جميع معاني أحكامها بمنزلة الحائض لا يطلق منها شيء من أحكام الطهارة ولا فيها حتى تغسل والنفساء مثلها بمعاني الاتفاق من قول أصحابنا، فلما أن كان هذا هكذا الحائض والنفساء وطهرتا شيئا وحكمها وحكم الجنب في هذا الفصل إذا طهرتا لثبوت الغسل فيهم كلهم ولمنعهم الصلاة إلا بعد الغسل والتطهر عند وجود الماء أو التيمم عند عدم الماء فنزلوا كلهم في هذا الفصل بمنزلة واحدة في معنى الاتفاق، فلما تساووا في هذه المنزلة اشهدوا فيها معنى الأقلف والمشرك بمعنى ثبوت الغسل فيهم مكان منعهم دخول المساجد إلا من عذر بمعنى يشبه معاني حكم الكتاب والسنة والاتفاق وليس في ذلك وهن من القول عندنا، بل ثابت معاني حكمه لقول الله تبارك وتعالى في المشركين: {فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}.
وقال: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} (الحج:26)، إنما أمره أن يطهره من الأصنام والمشركين للطائفين والركع والسجود وهؤلاء كلهم غير الركع السجود في حالتهم هذا إلا نقض الطهارة ممنوعين ذلك لأن الركع السجود للصلاة ولا صلاة إلا بطهارة، وكذلك الطواف والاعتكاف في المساجد لا يكون ثابتا ولا جائزا من حائض ولا نفساء ولا جنب إلا بعد الطهر والتطهر ممنوعين ذلك فثبت ذلك أنه لا يدخل المشرك ولا الحائض والجنب والنفساء والأقلف من البالغين من الرجال المسجد إلا بعد الطهارة، والمصلي المتخذ للصلاة هو بمنزلة المسجد فهما منزهان مطهران من دخول هؤلاء كلهم وممنوعان ذلك إلا من عذر من خوف ضرر عليهم في نفس أو مال أو دين، فإن ذلك يقع موقع جواز التقية.
ومعي أن من العذر في مثل ذلك ألا يجد الجنب الماء للغسل وللشراب إلا في المسجد، وكذلك الحائض والنفساء إذا كان ذلك لشيء يجب عليهم أو لشيء يلزمهم فيه الضرورة، فإن ذلك جائز ولا يجوز عند عدم الماء شيء مما لا يجوز بالطهارة للماء إلا بالتيمم للصعيد فإذا عدم هؤلاء الماء واحتاجوا إلى دخول المسجد لعذر لم يجز ذلك إلا بعد التيمم بالصعيد في موضع ما يثبت موضع التطهير، وأنه لا يدخله إلا متطهرا فإذا كان الماء في المسجد وأراد الجنب أخذه ليتطهر به ولم يمكنه ما سواه فمعي أنه قد قيل: يتيمم ويدخل المسجد لأخذ الماء للطهارة.
ومعي أنه إذا بلغ إلى الماء وقدر عليه وقدر على التطهر به من غير مانع انتقض تيممه ووجب عليه الغسل، كما ينتقض تيممه بالصلاة إذا قدر على الماء (9/128)
صفحة 2689
بالوضوء وإن كان لا يمكنه الغسل في المسجد إذا وصل إلى الماء لعذر بيّن فاحتاج أن يرجع في المسجد خارجا بالماء أو يجتاز به في المسجد له موضع يتطهر فيه ومنه فمعي أنه يخرج عند العذر أنه على تيممه لا ينتقض تيممه حتى يقدر على التطهر لأن ذلك ما يقدر على التطهر به، وإن وجد الماء كما لم يقدر على التطهر به لوجه من الوجوه، وكان متيمما لمعنى من المعاني فهو على تيممه لا ينتقض تيممه إلا أن يحدث حدثا مما ينقض الوضوء أو يجد ماء يقدر على التطهر منه، فإذا كان منه أحد هذين الأمرين انتقض تيممه لمعناه ذلك الذي قد أراد به له وخوطب به له.
ومعي أنه قيل: لو أنه أصابته الجنابة في المسجد وكان نائما فيه فأصابته الجنابة ولم يعلم بجنايته حتى علم علمه في المسجد أو ثبت حكم جنابته بوجه من الوجوه أنه ليس له أن يقعد في المسجد ولا ينام ولا يلبث فيه وعليه الخروج منه إلا من عذر يكون له في ذلك من خوف على مال أو نفس أو دين أو ضرر يخاف من ذلك من برد أو حر أو مطر أو وجه من وجوه الضرر.
ومعي أنه قيل: لا بأس أن يقعد في موضعه ولو لم يكن ثم عذر ما لم يكن يمشي في المسجد فإذا أراد المشي في المسجد والتحول عن موضعه ولم يكن له ذلك حتى يتيمم إذا لم يجد الماء ولم يقدر على التطهر، ومعي أنه قيل ولو أراد الخروج لم يكن عليه تيمم إذا لم يجد الماء، وإنما عليه التيمم إذا لم يجد الماء إذا أراد الدخول في المسجد، وليس عليه ذلك إن أراد الخروج منه، ومعي أنه قيل: ليس عليه تيمم إذا أراد الدخول مسجد مختارا لا يريد القعود فيه، عابر سبيل بمعنى قول الله: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ} ففي بعض التأويل أن الصلاة هاهنا دخول المسجد نازل بمنزلة الصلاة فيها عن الصلاة ودخول المسجد إلا عابري سبيل فيه وكان دخول المسجد بمنزلة الصلاة، وكان الدخول فيه كالقعود إلا عابري سبيل فيه.
ومعي أنه قيل: إن هذا في الصلاة خاصة وأن دخول المسجد لصلاة أو لغير صلاة أو لقعود أو غير قعود سواء ولا يدخله ولا يقعد فيه ولا يمشي داخل فيه ولا خارجا منه جنب ولا حائض ولا نفساء ولا مشرك ولا أقلف إلا من عذر حتى يتطهر من حال ذلك الذي هو مانع لهم من دخوله، فإن لم يقدر أحد منهم على معنى الطهارة ممن هو متعبد بالطهارة وتنفعه الطهارة فعدم الطهارة في وقته ثبت عليه معنى التيمم بدلا من الطهارة بالماء عند عدم الماء لقعوده في المسجد أو لخروجه منه أو (9/129)
صفحة 2690
لدخوله فيه أو لنومه فيه أو استقراره فيه لوجه من الوجوه لعذر، وأنه لا يثبت له شيء من ذلك فيه إلا بعذر ولا مع العذر إلا التيمم إن أمكنه ذلك إلا من عذر يمنعه عن التيمم بوجه من الوجوه إذا كان لا فرق في ذلك في دخوله ولا خروجه منه ولا قعوده فيه بعد أن لزمه ذلك فيه ولا بعد أن لزمه في غيره ودخله ناسيا أو لم يعلم به حتى دخله ومن حين ذلك وجب عليه ذلك كان عندي مخاطبا بالخروج منه إلا من عذر، فإذا كان له عذر لزمه مع العذر التيمم عند عدم الماء للطهارة لئلا يستقر فيه إلا طاهرا وكذلك إن أراد الخروج منه بعد أن علم بذلك أو عرض له ذلك فيه لزم التيمم لئلا يسلك في شيء منه إلا متطهرا.
ومعي أنه لو حاضت المرأة في المسجد وقد دخلته طاهرا أو تنفست فيه وقد كانت طاهرا أو احتاجت إلى الدخول فيه لعذر أو لوجه من الوجوه أو كان لهما عذر في القفول فيه إن حدث لهما ذلك فيه أنه زائل عنهما حكم التيمم وواسع لهما تركه، فإن توسعا بدخولهما فيه للعذر وقعودهما فيه للعذر بغير تطهر ولو وجدا الماء فيه أو في غيره وأمكنهما التطهر به أو لم يمكنهما الماء وأمكنهما التيمم، إذا كانا غير مخاطبين بالتطهير في حين ذلك وإذا لو أنهما تطهرتا لم ينفعهما التطهر بالماء ولم تطهرا فإذا كان لهما عذر في دخولهما له أو في قعودهما فيه كان لهما ذلك بغير تطهر للعذر العارض ما لم تتطهرا من الحيض والنفاس فإذا طهرتا من الحيض والنفاس كانتا بمنزلة الجنب في معاني ما مضى كله الذي ذكرناه وإنما زال عنهما حكم التطهر والتيمم لموضع أنهما لا ينفعهما التطهير ولا يطهرهما الماء عن حال حكمهما وكان لا معنى لطهارتهما ولا تيممهما وكانتا ممنوعتين من دخول المسجد إلا من عذر، فإذا ثبت لهما العذر لم يلزمهما حكم التطهير إذ لا ينفعهما، وأما المشرك والأقلف فعلى قول من يقول إنه يطهرهما الماء في حالهما وينقلان إلى معنى الطهارة لطهارة جسدهما إذا تطهرا فمعي أنه يلزمهما معنى التطهير عند دخول المسجد للعذر الذي لهما، وإن لم يمكنهما الماء فالتيمم يقوم مقام الغسل لمعنى ثبوت الطهارة فيهما، ولثبوت العذر لهما في الدخول، وألا يدخلا إلا متطهرين، وإذا ثبت هذا على هذا القول فيهما كانتا بمنزلة الجنب من جميع ما مضى ذكره، فمعي في دخولهما وخروجهما وقعودهما ويعجبني ذلك عليهما لأنهما مخاطبان بالخروج مما هما فيه بالإسلام والختان والتطهر في الوقت والانتقال عن حالتهما ولو أنهما انتقلا عن حالتهما في الوقت بالإسلام والختان لكانا منتقلين به إلى حال الطهارة وكانت الطهارة تنفعهما بعد انتقالهما عن (9/130)
صفحة 2691
حالهما من الشرك إلى الإسلام، ومن القلفة إلى الختان ولأن ذلك من
تركهما لذلك من فعلهما في أنفسهما، ومخاطبان بالخروج من ذلك في دينهما فأشبه معنى ثبوت ذلك فيهما أن يلزمهما عند العذر لهما في الدخول أن يلزمهما حكم التطهر بالماء والتيمم إن لم يمكنهما الماء لاشتباههما في هذا الفصل، الجنب والحائض والنفساء إذا طهرتا من مخاطبتهما بالانتقال عن ذلك الحال ومن ثبوت الطهارة فيهما بالاتفاق عند انتقالهما عن ذلك ومعنى الاختلاف في طهارة بشرتهما بالماء ونقلهما إلى حال الطهارة منهما في حال زوال رجسهما وثبوت الاتفاق أن ذلك ليس كذلك الحائض والنفساء ما لم يطهرا، وكان ذلك في المشرك والأقلف بما يشبه معناه في الجنب والحائض والنفساء إذا تطهرتا دون الجنب ما لم يطهر المعنى ما ذكرنا فيهما عند وجوب العذر في دخوله، ومعي أنه يخرج في المشرك والأقلف على قول من يقول: إن الماء لا يطهرهما ما لم يسلم المشرك ويختتن الأقلف فإذا ثبت ذلك فلا يزيدهما الغسل إلا نجاسة وكلما مسهما من الماء نجساه وكان بمعنى مماسستهما نجسا فيجب أن يمتنعا عن الغسل على هذا القول في حين دخولهما لئلا ينجسا المسجد مع منعهما من دخوله في الأصل، ولو لم يكونا نجساه فيكونا ممنوعين ذلك بوجهين، وعلى هذا القول يثبت عليهما معنى التيمم لدخول المسجد لعذر دون التطهير بالماء لهذه العلة إلا أن يمكن تطهر بهما وجفوفهما عن الرطوبة قبل أن يدخلا المسجد كان ذلك مما يؤمر به فيهما على معنى قول من قال بذلك.
وأما التيمم بالصعيد فمعي أنه يثبت فيهما عند دخول المسجد بمعنى الاتفاق إذا كان ذلك يقوم مقام الطهارة بالماء إذا كان الماء يطهره فإذا لم يكن يطهر بمعنى وثبت معنى المخاطبة فالطهر والتحول منهما إلى حال حكم التطهر فيما يثبت التطهر وكان معنى التطهر بالماء زائلا لعذر ثبت معنى التيمم بدلا عن الماء في معنى التطهر، وليس كذلك في الحائض والنفساء قبل أن يطهرا فافهم معاني ذلك إن شاء الله. (9/131)
صفحة 2692
[صفحة بيضاء] (9/132)
صفحة 2693
الباب الحادي عشر
في دخول الحائض والجنب في المسجد وما أشبه ذلك
من كتاب الأشراف: واختلفوا في دخول الجنب المسجد فكرهت طائفة ذلك وبعضهم أجاز أن يمر فيه مجتازا، ورخص في المرور للجنب فيه ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب والحسن وسعيد بن جبير، وقال جابر: كان يمر أحدنا في المسجد وهو جنب، وقال عمرو بن دينار ومالك والشافعي: يمر فيه، قال مالك والشافعي: عابر سبيل، وقالت طائفة: لا يمر الجنب في المسجد إلا أن يجد بدا فيتيمم ويمر فيه هكذا قال الثوري وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي في الجنب المسافر يمر في المسجد وفيه غير ما يتيمم بالصعيد ويدخل المسجد فيستقي ثم يخرج الماء من المسجد، ورخصت طائفة في دخول الجنب المسجد، وقالت جماعة تأويل قوله ولا جنبا إلا عابري سبيل مسافرين لا يجدون الماء فيتيمموا، روينا هذا القول عن مجاهد وعلي وابن عباس والحسن بن مسلم بن ساق وقتادة وقال زيد بن مسلم: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجنبون وهم جنب في المسجد، وقال أحمد وإسحاق في الجنب إذا توضأ لا بأس في دخول المسجد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن ليس ينجس».
قال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا عندي يشبه الاتفاق من ذلك أنه لا يدخل الجنب إلا لمعنى ضرورة فإن اضطر إلى ذلك مسافرا كان أو مقيما فليتيمم وليدخل المسجد في معاني قولهم وإن لم يمكنه التيمم في حال الضرورة جاز له الدخول لثبوت الضرورة، وأما من أجنب في المسجد فمعي أنه من بعض قولهم أنه لا بأس عليه أن يتم نومه أو قعوده فإذا خرج من المسجد فلا يدخله إلا متطهرا، أو ضرورة على ما مضى من القول، ومن بعض قولهم أنه لا يقعد في المسجد ولو أجنب فيه إلا لضرورة فإن أوجب ذلك فمنهم من يرى عليه التيمم، ومنهم من لا يرى (9/133)
صفحة 2694
عليه وكذلك في جوازه في المسجد خارجا وقد أجنب فيه أحسب أن منهم من يوجب عليه التيمم ولا يجتازه فيه إلا متيمما، ومنهم من رخص له في ذلك ولم ير الخروج منه كالدخول فيه والحائض والجنب شبيهان معنى المشرك في معنى التطهر، وقد قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}، فثبت بمعنى هذا مع أصحابنا أنه لا يقرب المسجد الحرام ولا المساجد كلها ولا يدخلونها إلا بالاستدلال من كتاب الله وكذلك الحائض والجنب يشبهان هذا في معاني قراءة القرآن ودخول المساجد إلا لمعنى الضرورة.
مسألة: ومن غير كتاب الأشراف، روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعائشة: «ناوليني الخمرة من المصلى، فقالت: إني حائض، فقال: ليست الحيضة بيدك فلا بأس بها»، وأرجو أنه يوجد كذلك.
قال غيره: أما تناول الحائض من المصلى الشيء من غير أن تدخله فمعي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في ذلك اختلاف فمعي أن بعضا كره لها ذلك لثبوت منعهما أن تدخله ولأن دخول يدها فيه دخول فيه في بعض ما قيل أنها لو حلفت لا تدخل بيتا فدخلت يدها فيه أنها قد دخلته، وينبغي أن ينزه المصلى وهواءه، ومعي أن بعضا لم ير به بأسا أن يتناول الشيء من المصلى وهوائه والمسجد فيجعله فيه أو يأخذه منه من غير أن يمسهما شيء من يدها إلا إدخال يدها في هوائهما فإن ثبت هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أجاز فهو أولى مما عمل به وأخذ به.
مسألة: أحسب أن أبا إبراهيم وسألته عن رجل تصيبه الجنابة وهو في المسجد كيف يصنع؟ قال: يكون في مكانه إلى أن يبرز يغسل فإن خرج من المسجد وأراد الدخول فيه قبل أن يغسل تيمم ودخل، قال: ويكره أن يكون الثوب الجنب في المسجد.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: واختلف أهل العلم في دخول الجنب المسجد ومقامه فيه فقالت طائفة: لا يدخل جنب المسجد إلا وهو عابر سبيل مار فيه، وروي هذا القول عن ابن مسعود وبه قال ابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار، وقتادة وبه قال مالك والشافعي، وقال مالك: لا تدخل الحائض المسجد، وقالت طائفة: لا يمر الجنب في المسجد ألا يجد بدا فيتيمم ويمر فيه، هكذا قال سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه، ورخصت (9/134)
صفحة 2695
طائفة للجنب أن يدخل المسجد ويقعد فيه، وروينا عن زيد بن أسلم أنه قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجنبون وهم في المسجد ويمرون فيه إذا توضأوا، واحتج من قال هذا القول بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المسلم ليس بنجس»، وروي أنه لقيه حذيفة فأهوى إليه فقال: إني جنب، وجعل من احتج بهذا القول لتأويل قوله ولا جنبا إلا عابري سبيل مسافرين لا يجدون ماء يتيممون ويصلون، واختلفوا في النوم في المسجد فثبت أن ابن عمر أنه قال: كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال عمرو بن دينار: كنا نبيت في المسجد على عهد ابن الزبير ورخص فيه سعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والشافعي.
وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: لا تتخذوا المساجد مرقدا، وروي عنه إن كنت فيه لصلاة فلا بأس، وكذلك الأوزاعي يكره النوم في المسجد، وكان ابن عبد العزيز ينام فيه إذا غلب، وقال مالك: وأما الغرباء الذين يأتون يريدون الصلاة فإني أراه واسعا لهم وأما الرجل خاطرا فلا أرى ذلك، وقال أحمد بن حنبل: إذا كان رجل في سفر وما أشبهه فلا بأس، وأما من يتخذه مبيتا ومقيلا فلا، وبه قال إسحاق بن راهويه وأباح كل من نحفظ عنه من علماء الناس الوضوء في المسجد، وممن حفظنا ذلك عنه ابن عباس وابن عمر وعطاء وطاووس وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابن جريح وعبد الرحمن السلماني وهو قوم عوام أهل العلم، وبه نقول إلا أن يتوضأ الرجل في مكان من المسجد مثله ويبدأ الناس بهذا الطهور فإني أكره ذلك إلا أن يفحص الحصى عن البطحاء كما كان يفعل العطاء بن أبي رباح وطاووس، فإذا توضأ رد الحصى على البطحاء فلا أكره ذلك، واختلفوا في منع الرجل زوجته النصرانية من الكنيسة وكان مالك يقول: ليس له ذلك وكان الشافعي يقول: يمنعها، وبهذا القول نقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أن الجنب والحائض لا يدخلان المسجد ولا المصلى إلا من عذر أو ضرورة إلى ذلك ولا يجدان الماء فإنهما يتيممان ويدخلان المسجد بمعنى الضرورة والحاجة إليه، وقد يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ادخل المسجد في أية حالة كنت إلا جنبا، واقرأ القرآن في أية حالة كنت إلا جنبا»، وقد يستدل على معنى هذا من كتاب الله عز وجل بما يشبه قوله عز وجل: {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة:125)، وهذا يخرج في معنى الاتفاق أنه ممنوع الركوع والسجود إلا بعد الطهارة، وأما النوم في المسجد فمعي أنه إذا خرج (9/135)
صفحة 2696
بمعنى الانتفاع به على وجه السكن واتخاذه سكنا كان ذلك محجورا إلا من حاجة وإن كان مسافرا محتاجا إلى ذلك ودخله لذكر أو لصلاة أو لمعنى ما هو متخذ له مباح فيه واحتاج إلى النوم فيه ووجه الراحة ولو كان غير مسافر وكان له منزل كان هذا جائزا، ويخرج في معنى قول أصحابنا أن المسلم له أن يمنع زوجته الخروج إلا من لازم في دينها لا تقدر عليه في بيتها ولا يحضرها من جميع الأشياء، والنصرانية ليس من الطاعة في دينها التي لا يقدر عليها إلا فيها ولو كان ذلك كذلك ما وجب عليه عندي إلا حكم الإسلام، فإذا ثبت عليها حكم التزويج له لأنها محكوم عليها بكتاب الله إذا حملها حظها على ذلك. (9/136)
صفحة 2697
الباب الثاني عشر
فيمن ترك شيئا من بدنه أو علق به شيء
وما أشبه ذلك بعض الآثار
ومن جامع ابن جعفر: وإن كان قد علق على شيء من بدن الجنب مثل قار أو غيره مما يلزق به حتى يحول بين الماء وبين ذلك الموضع؟ قلع ذلك وغسل موضعه وأعاد الصلاة إن كان صلى، وإن كان لزقا رقيقا بقدر ما يصل الماء إلى ذلك الموضع فلا بأس، وفي بعض الآثار أنه إن كان لزقا أقل من ظفر فلا بأس، والرأي الأول أحب إليّ، قلت: فإن كانت سفطة سمك وقد غسل من الجنابة، أو توضأ للصلاة وصلى ثم وجدها أعليه بأس في صلاته أم لا؟
قال: إن كان جنبا غسل موضعها، وإن لم يكن جنبا فلا بأس عليه.
قلت: فإن علم قبل الصلاة وقد كان جنبا، أو توضأ للصلاة؟ قال: يغسل موضعها ويبدل صلاته.
قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: إن كان موضع القار والسفط أقل من الظفر وغسله فلا بأس ولا نقض عليه في صلاته، كان جنبا أو غيره.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر، وأما قوله: وإن كان قد علق على شيء من بدن الجنب قار أو غير غيره مما يلصق به حتى يحول بين الماء وبين ذلك الموضع قلع ذلك وغسل موضعه وأعاد الصلاة إن كان صلى، وإن كان الذي لزق رقيقا بقدر ما يصل الماء إلى ذلك الموضع فلا بأس، وفي بعض الآثار: إن كان الذي لزق أقل من ظفر فلا بأس والرأي الأول أحب إليّ، قال أبو محمد: الذي قاله في إعادة الصلاة بعد إخراج ما (9/137)
صفحة 2698
حال بين الغسل، وبين الموضع الذي أمر بغسله فهو كما قال: إذا أمكن ذلك لأنه من جملة ما أمر بغسله، فإذا أمكن وجب عليه غسله، ولم تكتمل الطهارة المأمور بها للصلاة إلا بفعل ذلك وإذا لم يمكن ذلك وكان ما لصق على قار أو غيره حتى لم يمكن إزالته عن موضعه كان قليلا أو كثيرا كان في جملة ما لم يؤمر بغسله لتعذر ذلك وعجز المأمور عن فعله لأن الحكيم يتعالى عن الأمر بفعل ليس في وسع المأمور القدرة على فعله، وأما قوله: إن بعض الفقهاء قد أجازوا ترك مقدار أقل من ظفر فهذا على قوله من رأى العفو عن هذا المقدر فيما أمر بغسله من النجاسة، كالدم مع حكم نجاسته.
فما كان في مقدار مما تعبد بغسله، وإن كان غير نجس فهو أولى عند صاحب هذا القول للجواز، والذي نختاره قول من ذهب إلى أن قليل النجاسة وكثيرها من الدم وغيره، مما أمر بغسله سواء كان في القلة والكثرة كنحو دم القملة، وكل نجاسة لها عين أمر به واستدل عل وجودها نجاسة قل ذلك أو كثر، ولا يجعل لذلك حدا، لأنا أمرنا بتطهير أشياء وغسلها، ولم يرد علينا الأمر بتطهيره عفوا عن بعضه، ولا عن قليل منه.
وإذا عدمنا الدلالة على ذلك كنا على الأمر ووجب علينا استفراغ ما عمه اسم أمر به وليس لنا أن نضيع حدا ونهاية في الشريعة ونبيح بعض ما حظر علينا لأن الحد والنهايات إلى من إليه العبادات، يضعها على من يشاء وهو العليم الحكيم. والله أعلم.
مسألة: ومن غيره، وعن رجل يكون في فيه دم أو تصيبه الجنابة، ثم يغتسل ويتوضأ، ثم بعد الصلاة يخرج من بين أضراسه لفظة من المسواك، أو من الطعام، ولعلها أن تكون نجسة.
قال أبو المؤثر: إن خرج من فيه من بعد الغسل والصلاة مقدار ظفر أعاد الوضوء والصلاة، قال: وكذلك الجنب إن غسل ثم نظر فإذا في بدنه موضع مقدار الدرهم لم يمسه الماء قال: يعيد الغسل كله.
ومن غيره قال: وقد قيل: إن عليه أن يغسل ذلك الموضع ويصلي، وقال من قال: يعيد ذلك الموضع، وقال من قال: يعيد ذلك وحده، ما لم يجف الغسل! وقال من قال: عليه إعادة الغسل. (9/138)
صفحة 2699
ومن غيره قال: إذا غسل وبقي شيء لم ينظفه من الجنابة، فعليه إعادة الوضوء، وإن كان من سائر البدن، فإنما عليه غسل ذلك الموضع.
مسألة: ومن كتاب المعتبر: وقد قيل: إن كان قد علق عل شيء من بدن الجنب قارا أو غيره مما يلزق به حتى يحول بين الماء وبين ذلك الموضع، قلع ذلك وغسل موضعه وأعاد الصلاة إن كان قد صلى، وإن كان الذي لزق رقيقا بقدر ما يصل الماء إلى الموضع فلا بأس.
وفي بعض الآثار إن كان الذي يلزق أقل من ظفر فلا بأس، والرأي الأول أحب إليّ، ومن غيره قلت: وإن كان سفطة سمك وقد اغتسل من الجنابة، أو توضأ للصلاة وصلى، ثم وجدها أعليه بأس في صلاته أم لا؟
قال: إن كان جنبا غسل موضعها وإن لم يكن جنبا فلا بأس عليه، قلت: وإن علم بها قبل الصلاة، وقد كان جنبا وتوضأ للصلاة؟ قال: يغسل موضعها ويبدل.
قال أبو الحواري -رحمه الله-: قال بعض الفقهاء: إن كان موضع القار وسفط السمكة أقل من الظفر غسله، فلا نقض عليه في صلاته كان جنبا أو غيره.
وقال غيره: معي أنه قد قيل: في مثل هذا إذا كان يحول بين البدن والغسل على معنى ما وصفت لك في النظر والاعتبار والنظر من قار، أو سفط سمك أو غيره من الأشياء الحائلة بين الغسل وبين البدن على حد ما قيل، أنه يثبت به الغسل فغسل ناسيا لذلك الموضع، ولم يعلم أن عليه شيئا مما يحول بينه وبين الغسل، ثم علم بعد ذلك أو ذكر، فإن كان قد صلى وكان ذلك من وضوء وغسل وكان الموضع أقل من مقدار ظفر، فليس عليه إعادة الصلاة من وضوء أو غسل، من جنابة وسواء كان الغسل من الجنابة في مواضع الوضوء أن عليه هذا مما يستقبل من الصلاة، أو في غير مواضع الوضوء وسواء كان المتوضئ جنبا أو غير جنب، فلا إعادة عليه فيما مضى من الصلاة على هذا، وعليه إخراج ذلك إن لم يكن من عذر وغسل ذلك الموضع إن كان جنبا لما يستقبل من الصلاة وكذلك للوضوء فيما يستقبل من الصلاة، ولا أعلم في ذلك اختلافا، أن عليه هذا فيما يستقبل من الصلاة ولو لم يكن عليه بدل ما مضى مما صلى به إذا كان أقل من مقدار ظفره، ومعي أنه قيل: إن عليه البدل كان ذلك قليلا أو كثيرا، ولم يعلم بذلك أو علم به ثم نسي حين الغسل أو الوضوء؟ (9/139)
صفحة 2700
ومعي أنه قيل: إن عليه البدل كان ذلك قليلا أو كثيرا، إذا كان صلى جنبا وكان ذلك في مواضع الوضوء، وغير مواضع الوضوء، وأما إذا لم يكن جنبا وكان ذلك في مواضع الوضوء وتوضأ بذلك ولم يعلم بذلك، أو ناسيا له حتى صلى على ذلك أنه لا إعادة عليه، ولا يخرج عندي بيان فرق في ذلك في مثل هذا، كان جنبا أو غير جنب إذا كان ذلك في مواضع الوضوء وتوضأ على ذلك، والمعنى في ذلك عندي واحد، وكذلك إن ترك غسل موضع شيء من بدنه وهو جنب أو من مواضع الوضوء في الوضوء ولم يجر عليه الغسل ناسيا لذلك، أو لم يعلم حتى تبين له ذلك من بعد أن صلى، فالقول في ذلك عندي وفي الحائل الذي يحول بين البدن وبين الغسل سواء إذا لم يعلم بذلك حين ذلك، أو كان ناسيا له وهو سواء، والاختلاف فيه واحد عندي
إذا كان أقل من مقدار ظفر عندي بظفر الإبهام.
وقد قيل في مثل هذا بمقدار الدينار أو الدرهم، ولعل ذلك معينا بتواطؤ قدر الدرهم وقدر الدينار، وقدر الظفر من الإبهام، وإن اختلف ذلك فلعله لا يتفاوت في اختلافه، والمعنى يخرج عندي على الوسط من ذلك، وهذا كله إذا علم وذكر لمثل هذا من بعد الصلاة، وأما إذا ذكر شيئا من هذا كله، مما قد مضى في هذا الفصل وعلم به من قبل الصلاة، كان ذلك المتروك قليلا أو كثيرا ولو شعرة من بدنه أو موضعها كان مما يحول بينه وبين الغسل، أو متروكا بغير حائل.
ومعي؛ أنه قد قيل: إن عليه غسل ذلك، ولا يصلي حتى يغسله إن أمكنه غسل لذلك، فإن لم يغسله وصلى فعليه الإعادة، ولا أعلم في ذلك اختلافا، ومعي أنه؛ يخرج في معاني ذلك إذا صلى به على العلم أنه لم يجر عليه غسل، كان جنبا أو غير جنب معاني الاختلاف في الكفارة. وما أشبه ذلك عندي إلا أن يكون له عذر يتناول ذلك عندي، إلا أن يكون بمعنى من المعاني على وجه التعمد. وأما إذا كان ذلك بقدر الظفر، أو الدينار، أو الدرهم، ثم علم بذلك قبل الصلاة وأمكنه غسله، ولم يغسله وصلى على ذلك فهذا الموضع لا شك فيه معاني الاختلاف في الكفارة عليه، ولو كان في ذلك تأول معنى على غير سبيل الرأي ولا الدينونة بمثل ذلك. إلا أنه يظن أن ذلك جائز له لمعنى من المعاني.
وإذا ترك غسل شيء من بدنه وهو جنب، أو من مواضع الوضوء في الصلاة كان جنبا، أو غير جنب، كان قليلا أو كثيرا ما كان دون الظفر، فلا أعلم في ذلك اختلافا أن عليه الإعادة، ويشبه معاني لزوم الكفارة عليه إذا صلى به وثبوت (9/140)
صفحة 2701
ما لا يسعه جهله في مثل ذلك الهلاك في دينه، ومعنى الكفارة وقطع عذره بمثل ذلك في الهلاك في دينه أنه مما يختلف فيه ما كان أقل من قدر الظفر، والدينار والدرهم في معاني ثبوت الاختلاف في هذه المقادير فإذا كان قدر هذه المقادير على معاني اختلاف المختلفين في ذلك فمعي أنه يتفق على معاني ثبوت هلاكه بذلك، وألا يسعه جهله ذلك وثبوت معنى الكفارة على معنى قول من يقول بثبوتها على الجهالة إذا كان جاهلا لذلك، وأما إذا كان متعمدا لترك ذلك بغير جهالة، ولا معنى وكان قدر أحد هذه المقادير، ثبت عليه عندي معنى الاتفاق بثبوت الكفارة بمعنى الصلاة.
ومن كتاب المعتبر: ومن جواب يوجد عن أبي الحوري -رحمه الله- وعن رجل في يده جرح في موضع الوضوء والماء يؤذيه، فجنبه الماء لا يغسله هل يجوز له ذلك؟ نعم يجوز إذا كان الماء يضره ويغسل ما حوله، ولا يمسه الماء، وكذلك الجبائر إذا كانت جارحة تامة لا يمكنه أن يغسلها كلها غسل سائر ذلك من البدن، وتيمم بالصعيد لتلك الجارحة إذا كان جنبا، وإن لم يكن جنبا فكذلك يغسل سائر الجوارح، ويتيمم بالصعيد لتلك الجارحة للوضوء.
وسألت أبا الحسن -رحمه الله- عمن كان في يده جرح لا يقدر أن يمسه الماء وأصابته الجنابة كيف القول في ذلك؟
قال: إن كان الجرح في حدود الوضوء يغسل سائر جسده، وإن كان يأتي الجرح على الجارحة كلها تيمم وصلى، وإن كان لا يأتي على الجارحة فليس عليه تيمم، ويغسل ما أمكنه ويصلي، وإن كان الجرح في غير موضع الوضوء فيغسل ما أمكنه ويصلي، ولا تيمم عليه، ولو أتى على موضع يكون أكثر من جارحة ولا يتيمم عليه إلا أن يكون في حدود الوضوء ويأتي على الجارحة.
وعنه: وفي موضع آخر أنه إذا كان الجرح والجارحة من جوارح في غير الوضوء، كان عليه التيمم، وقال: إنه أصغر جوارح الوضوء عندي، وبمثله يلزم التيمم عنده في معنى قوله هذا في الإذن، لأنها من جوارح الوضوء في معنى قوله.
وقال غيره: قد ثبت في معنى الاتفاق، أن لهذا الغاسل من حيض أو جنابة إذا خاف المضرة في غسل هذا الموضع الذي فيه هذه الجارحة ألا يغسله وأن يميط عنه الماء وأنه معذور في ذلك، وأن عليه أن يغسل من الجنابة إذا وجد الماء ولا عذر له في ترك (9/141)
صفحة 2702
الغسل إذا وجد الماء، إلا من عذر، والبدن كله فريضة واحدة في معنى الغسل، فإذا ثبت عليه الغسل كله، وكان فيه شيء مما يعذر فيه من غسله مما يستحيل ذلك عن ثبوت الغسل عليه، ويجب له العذر عن الغسل ثبت له، وعليه معنى عدم الغسل واستحال لمعنى الاتفاق إلى التيمم كله، وكان بمعنى من لم يجد الماء، وقد جاء في الأثر أن الخائف كمن لم يجد الماء، وقد ثبت العذر معي في المريض فقال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ}، وكان المريض بمنزلة الذي لم يجد الماء، فالمريض الواجب للماء كالمسافر الذي لم يجد الماء في ثبوت التيمم عليه بمعنى العذر فإذا استحال عنه حكم الغسل ففي معنى الاتفاق يجب عليه التيمم، وإذا ثبت عليه معنى الغسل وقدر على شيء منه كان الغسل قائما يجب بحكمه في معنى الاتفاق، فإذا كان في البدن شيء لا يمكن غسله، كان في معنى الاعتبار والنظر أن ذلك خارج على معنيين أحدهما: أنه إذا ثبت عليه الغسل بوجه زال عنه حكم التيمم إذ لا يجتمع عليه حكمان، وإنما هو مخاطب بواحد والآخر أنه لما كان مخاطبا بمعنى الغسل كله من بدنه قليله وكثيره، عند قدرته على ذلك ووجود الماء وغير معذور بتركه، فإذا ثبت له العذر في شيء من بدنه أنه لا يلزمه غسله مما لا يسعه تركه إلا بعذر، كما لا يسعه ترك الغسل كله إلا بعذر، وكان العذر له في القليل من بدنه، كالعذر له
في الكثير من بدنه، وكان الوجوب عليه في القليل من غسل بدنه كالوجوب عليه في الكثير من غسل بدنه، فلما أن ثبت هذا جاز أن يلزمه في كل ما عليه غسله فوجب له العذر فيه أن يلزمه التيمم عنده من قليل بدنه وكثيره، وكما لا يجوز له تركه عند القدرة ووجود الماء لمعنى ما لا يجوز له ترك جميع بدنه، فلا فرق في ذلك في معنى الوجوب ودخول العلة، فإن كان تيمم الجنب لمعنى الجنابة لغير معنى الصلاة فالتطهر للصلاة خرج معنى حكمه عندي على أحد هذين المعنيين: إما أن يلزمه التيمم لكل ما لم يقدر عليه من غسل بدنه، بمعنى ما يلزمه طهارته، وإما ألا يلزمه تيمم إذا ثبت عليه الغسل من جوارحه لمعنى غسل الواجب له والثابت عليه.
ومعي أنه: قد جاء هذا الاختلاف على نحو من هذا أنه قال من قال: إنه من وجب عليه الغسل بوجه ولم يزل عنه حكمه زال عنه حكم التيمم لمعنى أنها فريضة واحدة عندي، ومن وجب عليه حكم التيمم بوجه زال عنه حكم الغسل، وليس هذا معنى يبعد في معنى ثبوت الحكمين الواجبين في كتاب الله لثبوت هذا (9/142)
صفحة 2703
عند زوال هذا، ولكنه إنما يخرج معنى الاغتسال في ثبوت الحكم بمعنى الطهارة للصلاة، وذلك بخاصة في غسل الجنابة، إنما معنى وجوب الغسل للطهارة منه للصلاة وما أشبهها من الطهارة، وإن كان قد يخرج معنى غسل الجنابة لغير معنى الصلاة، كمثل إحراز الصوم وشبهه، ومثل الطواف للحج، وإن كان الطواف للحج إنما هو بمنزلة الصلاة لا يقوم إلا بالوضوء، فلما أن ثبت أنه لمعنى الصلاة أو ما أشبهه لا يخرج معنى التعبد به إلا لذلك كان مشتبها للوضوء للصلاة، ومثله فيما يدخل فيه من معاني الاختلاف والاتفاق، وأشبه بمعنى تساويهما في الطهارة في الاسم والمعنى.
فمعي أنه قد قيل في الوضوء أنه إذا كان في شيء من جوارح الوضوء ما يمنع من غسلها بوجه من الوجوه، فقيل إنه يغسل المتوضئ من جوارحه ما أمكنه غسله، ويصلي ولا يتيمم عليه، وقيل: إنه إن كان أتى على ذلك على جارحة كلها من جوارح الوضوء حتى يستفرغها غسل سائر جوارحه وتيمم لتلك الجارحة إذا كانت كلها، وإن كان يبقى منها شيء غسله ولا يتيمم عليه.
ومعي أنه قيل: إذا أتى على كثير الجارحة كان عليه التيمم، وليس عليه تيمم فيما دون أكثر الجارحة من نصف الجارحة، أو أقل إلا على ما زاد على نصفها، ولا أعلم قولا بأشد من هذا، إلا إذا ثبت معي معنى لزوم غسل جميع الجارحة، وألا عذر في ترك شيء منها كما لا عذر في تركها كلها، وكان المعنى في لزوم ذلك كله، سواء دخل في لزوم القليل من ذلك لزوم التيمم، كما لزم في الجارحة وفي أكثر الجارحة لأنه لا عذر له، وإذا وسع التيمم في أكثر الجارحة ما لم يأت على الجارحة عند القدرة على غسل ذلك.
وإذا وسع وجاز في ترك الجارحة جاز في الجارحتين ما ثبت وضوؤه بالماء وما لم يثبت العذر بزوال جميع الوضوء حتى يلحق معنى التيمم وفرضه بزوال الوضوء وفرضه، وإن كان الوضوء فرائضا متفرقة في معنى الترتيب، فإنما فريضة واحدة في معنى المخاطبة، إلا أنه ما لم تكن الطهارة لم تلزم البدن كله للوضوء، وكانت إنما هي في مواضع منه، ولم يكن بد من الدلالة على تلك المواضع بأسمائها وأعيانها، وفرقت في التسمية ليستدل عليها إذا كانت مستثناه من الجسد، فهي فرائض في الانفراد والتسمية وفريضة في الجملة واحدة، فإذا ثبت في معنى الجارحة الواحدة أنه (9/143)
صفحة 2704
لا يتيمم عليه ما لم يأت الجارحة على جميع الجارحة وهي فريضة على الانفراد لم يبعد ألا يلزمه تيمم ما لم يأت الجارحة على جميع الجوارح التي هي فريضة واحدة في الجملة، وثبت معنى الأقاويل كلها لمعنى ما يستدل عليه من تشابه ذلك وتقاربه بمعنى دلائله من قليل ذلك وكثيره، وجملته فلم يبعد ألا يلزمه تيمم حتى يزول عنه فرض الوضوء بعدمه كله، وألا يبلغ إلى شيء منه ولو يبعد أن يلزمه التيمم مع عدم شيء منه مما هو مخاطب به، ولا عذر له في تركه، إلا بعدم من قليل ذلك وكثيره.
ولم يبعد أن يكون غير مخاطب بالتيمم إلا بعدم ما ترك أكثر من الجارحة، وهو أن يكون قدر الظفر من الإبهام من اليد أو الدرهم، والدينار، أو الدرهم من وضوئه، أو من غسله من الجنابة، أو حال ذلك بينه وبين غسله شيء حائل، حتى لا يعلم حتى صلى على ذلك أنه لا بدل عليه، وإن كان ذلك بقدر الظفر أو الدينار أو الدرهم فتركه ناسيا، أو لم يعلم بذلك حتى صلى أنه لا إعادة عليه في بعض ما قيل.
وفي بعض القول: إن عليه الإعادة في قليل ذلك وكثيره على النسيان أو على غير العلم من الحائل بين ذلك.
ومعي أنه قول من قال: في ثبوت البدل عليه في القليل والكثير لثبوت معنى القول في ترك القليل والكثير على العمد، أنه غير واسع له وأن عليه البدل، وتساوى هذان المعنيان في الوضوء والغسل من الجنابة بمواضع الوضوء، وفي سائر البدن من مواضع الغسل من الجنابة في هذا الفصل، ولم يختلف في معناه فكذلك في ثبوت التيمم عند عدم شيء منها، ووجود شيء منه، ولم يبعد ألا يلزمه التيمم عند وجود شيء من الفريضة والقيام بها ما لم يكن المعدوم أكثرها لمعاني كثيرة، تخرج إلا أن الأكثر من الشيء يأتي حكمه على حكم جملته، وأن الأكثر هو الغالب حكمه فإذا ثبت معنى هذا فيثبت الغسل لغير معنى الصلاة، لحقه حكم هذه المعاني من الاختلاف عندي، لأنه فريضة واحدة إذا لزم معنى العدم لغسل شيء منها، ومنه كما يلزم الصلاة إذا ثبت أنه لا يكون بالغا في حكم ما اغتسل له إلا بالغسل لحقه حكم هذه المعاني من الاختلاف عندي، وحسن عندي أن يكون ما لم يأت الجارحة على أكثر البدن في الغسل متفرقا أو مجتمعا أنه لا تيمم عليه إذا كان ذلك لغير معنى الصلاة، ولا يحسن عندي أن يكون يزول عنه أكثر الغسل، ولا يلزمه (9/144)
صفحة 2705
حكم التيمم بحكم الأكثر والأغلب، وإذا ثبت الغسل لمعنى الصلاة أو لمعنى ما لا يقوم إلا بالوضوء من جميع الأشياء لحقه معنى الغسل والوضوء جميعا وإن كانت الجارحة إنما تأتي على سائر البدن من غير جوارح الوضوء، وجوارح الوضوء كاملة فيها الطهارة، فهو كذلك عندي وإن كان أكثر البدن في الاعتبار زائلا عنه حكم الغسل، حسن عندي ثبوت التيمم مع غسل سائر البدن وكمال طهارة الوضوء، كانت الجارحة في البدن متفرقة أو مجتمعة.
وإن كانت الجارحة إنما تأتي على أقل البدن مع كمال طهارة مواضع الوضوء، حسن عندي أن لا تيمم عليه لثبوت أكثر طهارة البدن مع ثبوت طهارة الوضوء، ولا يقبح عندي ثبوت الغسل في شيء من البدن أن لا تيمم عليه لثبوت الغسل، ولا يقبح عندي حسن ثبوت التيمم مع غسل ما أمكن غسله من البدن، كان ما بقي قليلا أو كثيرا، وقد بينت لك معاني ذلك، وإن كان الجارحة في مواضع الوضوء فلا مجال عندي أنها إذا أتت على جميع جوارح الوضوء ولو لم يكن في شيء من البدن منها شيء أن عليه التيمم مع غسل سائر بدنه لزوال حكم الوضوء كله، وكذلك إن أتى ذلك على أكثر جوارح الوضوء متفرقا أو مجتمعا لم يحسن عندي إلا ثبوت التيمم لمعنى حكم الأكثر من الأقل، وقد قيل: لو أتى ذلك على جارحة واحدة أو أكثرها ثبت معنى الوضوء والتيمم.
ويخرج أنه ما بقي شيء من جوارح الوضوء مما يخاطب بغسله فمنعه مانع من ذلك أن عليه التيمم، وقد مضى ذكر ذلك وينظر فيه وبالله التوفيق.
وأما الغسل من الجنابة لمعنى الصوم وإحرازه فمعي أنه يخرج في أكثر القول أنه إذا غسل فرجيه ورأسه ومواضع الأذى منه أنه قد كمل معنى غسله الذي يحرز به صومه كان ذلك من عذر أو من غير عذر تيمم ذلك أو لم يتيمم، ولو غسل بدنه كله إلا رأسه على معنى هذا القول، أولا فرجه ومواضع الأذى منه لم يكن ذلك يجزيه.
ومعي أنه يخرج في بعض القول أنه ما لم يغسل غسلا تجوز به الصلاة فهو جنب إلا من عذر، ويفسد صومه على معنى هذا القول، وكذلك قيل إذا غسلت المرأة من حيضها من بعد طهرها فرجها ورأسها جاز وطؤها لزوجها، وبانت من مطلقها ولم يدركها إذا غسلت رأسها وفرجها، ويخرج عندي في بعض (9/145)
صفحة 2706
القول أنها ما لم تجز لها الصلاة لم يخرج من حال ما هي فيه من إباحة الوطء لقول الله: {يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} (البقرة:222)، فالتطهر أن تطهر بدنها كله لقوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا}، وكذلك عندي حكمها بقطع الصلاة، قيل إنها لو غسلت بدنها إلا جارحة من جوارحها، ثم مرت قدام المصلي قطعت صلاته، فإذا ثبت هذا فإنما يقطع صلاته الحائض، وأما يفسد عليه وطء الحائض على التعمد على معنى قول من يقول بذلك. (9/146)
صفحة 2707
الباب الثالث عشر
في صلاة من ترك الغسل من الجنابة وصيامه
مسألة: وعن رجل وطء زوجته حتى التقى الختان ولم يغتسل هو ولا المرأة، وذلك أنه لم ينزل الماء الذي يجب به الغسل حتى مضت صلاته، هل عليه كفارة؟ فعلى ما وصفت فلا يسعهم جهل ذلك وعليهم الغسل وإعادة الصلاة والكفارة، وهذا مما لا يسع جهله، وقال من قال: إن عليهم الإعادة في ذلك ولا كفارة عليهم، وعذرهم بجهل لك وكذلك عرفنا.
مسألة: وسألته عن الذي يجد النطفة في ثوبه فيظن أنه إذا لم ير احتلاما أن ليس عليه غسل؟ فلم يغسل وصلى على ذلك ما يلزمه في صلاته وصيامه إن كان صائما؟ قال: أما غسل الجنابة فلا يسع جهله، وأما هذا إذا ظن هذا الظن ولم يكن رأى الجماع، وظن أن ليس عليه غسل، فأقول: إن عليه البدل ولا كفارة عليه، وأما صيامه فعليه بدل ما مضى من صومه، قلت له: فإذا رأى الجنابة في ثوبه هل له أن ينزلها أنها نطفة ميتة وليس عليه غسل؟ قال: لا عليه الغسل.
مسألة: قلت له: فمن تعمد لشيء من بدنه لم يغسله أقل من درهم هل يسعه ذلك؟ قال: لا يسعه ذلك عندنا، ولا نرى عليه كفارة إن صلى بذلك حتى يكون مثل الدرهم، فإن كان مثل الدرهم وصلى بذلك عامدا فعليه الكفارة إذا فات وقت الصلاة.
مسألة: وعن رجل كان مسافرا فأتى إلى مورد عليه زحام كثير وكان جنبا ويطمع بالماء ولا ينال من زحام الناس ويخاف أن تطلع الشمس حتى وقع في يديه الماء، وقد طلعت الشمس فعلى ما وصفت فبئس ما فعل، وكان عليه أن يتيمم (9/147)
صفحة 2708
بالصعيد ويصلي فإذا لم يفعل ذلك حتى نال الماء، وطلعت الشمس فصلاته تامة، ولا كفارة عليه.
مسألة: وعن رجل أصابته الجنابة واغتسل، فلما صلى صلوات فنظر فإذا في فخذه جنابة؟ قال: يغسل أثر ذلك ويبدل صلاته التي صلاها، قال أبو سعيد: هذا يخرج عندي أنه إذا علم أن هذه النجاسة من تلك الجنابة التي كان غسل منها متبقية، وفي قول أصحابنا وإن كان لا يعلم مم هذه الجنابة، ويمكن أن تكون حدثت له في نوم بعد ذلك؟
فمعي: أنه يخرج في قول أصحابنا أنه يؤمر بالغسل، ويبدل ما صلى إلى آخر نومة نامها، أو إلى آخر وقت يمكن فيه ذلك من حدوث الجنابة. (9/148)
صفحة 2709
الباب الرابع عشر
في غسل المرأة من الجنابة
قلت له: فإذا أنزل زوجها الماء الدافق على الفرج ولم يولج أيجب عليها الغسل؟ قال: قالوا: إذا كانت ثيبا وجب عليها الغسل؟ قلت له: والثيب المفتضة، قال: نعم، قلت له: فإنها هي لا تعلم أنه يلج فيها شيء؟ قال: هكذا قالوا: إذا كانت ثيبا لأنها تنشف.
مسألة: وجدت في الأثر لو أن امرأة أخذت بأصبعها نطفة رجل فأولجتها في فرجها لزمها الغسل.
مسألة: ومن احتلم فأنزل الماء من امرأة أو رجل، فعليه الغسل، وإن عبثت المرأة بنفسها، أو عبث بها زوجها فأنزلت الماء فإن الغسل يلزمها لذلك.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر، وغسل الرجل والمرأة من الجنابة، أو الحيض سواء، وقيل: إن لم تنقض المرأة ضفائر شعرها وعركتها، فذلك يجزيها إذا بلغ الماء أصول الشعر.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: إلا أن تكون عاقدة ضفيرتها بخيط فلتحله ليصله الماء.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: وغسل المرأة من الحيض والجنابة سواء وإن لم تنقض المرأة ضفائر شعرها أجزاها إذا بلغ الماء أصول الشعر، لما روي أن أم سلمة زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: «يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفائر رأسي أفأنقضة عند الغسل من الجنابة؟ فروي أنه قال: إنما يجزي أن تصبين عليه الماء، ثم تطهرين (9/149)
صفحة 2710
حتى يبلغ الماء أصول الشعر»، ولم يأمر بنقض الشعر.
ومن كتاب (الشرح) لجامع ابن جعفر: وأما قوله: وغسل المرأة من الجنابة والحيض سواء، فهو كما قال لأنها في حال حيضها كحكمها في حال جنابتها فهي مأمورة بالغسل إذا قامت إلى الصلاة وهي جنب، كما هي مأمورة بالاغتسال إذا قامت إلى الصلاة، وهي قد خرجت من حيضها إلا أن الحائض مأمورة بالطيب إذا خرجت من غسل الحيض وأن تتبع أماكن الدم بماء يغير رائحة الدم وليس بواجب، وأما قوله: وقيل: إن لم تنقض ضفائر شعرها أو عركتها أجزأها ذلك إذا بلغ الماء أصول الشعر، فهو كما قال: لأن المراد من غسلها أن يصل الماء إلى أصول الشعر مع إجراء اليد عليه، ويلاقي ما يلاقيه اليد عند إجراء اليد في حال الغسل، فهذا كاف مع وصول الماء إلى جميع ظاهر البدن، وما أمكن أن يصل به المغتسل الماء إلى سائر جسده إلى المواضع التي يصلها بأذى منه فإن ذلك لا يلزمه، والغسل صب الماء على المواضع المأمور بغسلها هكذا نعرف في ظاهر اللغة دون إمرار اليد على البدن، وأما الذي نعرفه من قول أصحابنا، وقول مالك بن أنس، وابن عليّه فإنهم لا يعرفون الغسل إلا صب الماء وإمرار اليد على ما يؤمر به المغتسل وأنهم أخذوا ذلك عملا من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه من بعده، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر، وأما المرأة إذا رأت كمثل ما يرى الرجل في نومها حتى قذفت فلا غسل عليها.
ومن غيره: وسئل عن المرأة تحتلم وتجتنب هل عليها الغسل؟ قال: عندي أن عليها الغسل، وقد قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها بالغسل، وقيل غير ذلك.
ومن غيره: عن أبي معاوية -رحمه الله- قال: اختلف الناس في ذلك، فبعض قال: عليها، وبعض قال: ليس عليها، قال: والذي أقول أنا إذا كانت شهوة وظهر الماء رأيت عليها الغسل، ومن الجامع وإذا عبث بها زوجها فيما دون الفرج أو عالجها هو أو غيره، أو عبثت بنفسها حتى قذفت الماء الدافق فإن الغسل عليها.
ومن غيره: ويوجد أنه لا غسل عليها إلا من جماع أن يولج، أو تكون ثيبا فيصب الماء على فرجها.
ومن جامع أبي الحسن: ومن احتلم فأنزل الماء من امرأة أو رجل فعليه، (9/150)
صفحة 2711
وكذلك روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأم سليم حين سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل، وقد قيل إنها قال لها: نعم، إذا رأيت الماء، وفي بعض الحديث قيل قالت: «يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة غسل إذا رأت كما يرى الرجل؟ قال: نعم، إذا رأت الماء»، وإن عبثت المرأة بنفسها أو عبث بها زوجها فأنزلت الماء، فإن الغسل يلزمها لذلك، وكذلك الرجل إذا عبث بنفسه فأنزل لزمه الغسل.
ومن كتاب (الشرح): وأما المرأة إذا رأت كمثل ما يرى الرجل في منامها حتى قذفت، فلا غسل عليها، وإن عبث بها زوجها فيما دون الفرج أو عالجها هو أو غيره، أو عبثت بنفسها حتى قذفت الماء الدافق، فإن الغسل عليها، قال أبو محمد: الذي ذكره من الغسل على المرأة إذا رأت الجماع في منامها حتى أنزلت ماءها فقد أوجب بعض أصحابنا الغسل عليها، وهذا القول أشبه لصاحب الكتاب لأنه يوجب الغسل عليها إذا عالجت نفسها حتى نزلت الماء أو يعالجها زوجها فتنزل بغير جماع، وإن كان ظهور مائها بالعلاج منها، أو من غيرها يوجب الغسل عليها، وإن لم يكن جماع، وكذلك إن كان خروجه في حال نومها ينبغي أن يجب الغسل عليها عنده إذا رأت الجماع في منامها، إن كان حكمها حكم الرجل من جهة إنزال الماء بالعلاج فيجب أن يستوي حكمها عنده مع حكم الرجل إذا رأت الجماع في المنام، وإن لم يكن حكم مائها كحكم ماء الرجل، لأن ماء الرجل مني، وماؤها ليس بمني، ولا يقع عليها اسم جنابة، فتجب أن يفرق بينها وبين الرجل في النوم، وغيره يسقط الغسل عنها حتى تستحق اسم جنب ومجامع، والله أعلم.
مسألة: واختلف أصحابنا في التي رأت في نومها الجماع كما يراه الرجل فقال بعضهم: لا غسل عليها، وقال بعضهم: عليها الغسل.
مسألة: وقال أبو الحسن: فيما يوجد عنه إذا تعرض الرجل لزوجته فيما دون الوطء، فوجدت المرأة بللا، فإن كانت في تعرض زوجها بها ووطئه إياها في سائر جسدها أو فوق فرجها، وجدت الشهوة منها وقذفت الماء الدافق لزمها الغسل، وإن لم تقذف المرأة الماء الدافق لم يلزمها الغسل من ذلك البلل حتى تنزل الماء الدافق، كان ذلك الماء في ظاهر الفرج أو باطنه.
مسألة: وعن امرأة اغتسلت من جنابة ثم خرج منها المني وهي قائمة، أو (9/151)
صفحة 2712
قاعدة، قال: ليست المرأة مثل الرجل في هذا ... لأن الذي يخرج من المرأة إنما هو نطفة الرجل فإنما عليها التنظيف.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: والمرأة إذا انقطع حيضها فعليها الغسل بإجماع الأمة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الحيضة: «إذا أدبرت فاغتسلي وصلي»، فإذا ارتفع دم النفاس فالغسل واجب باتفاق (الأمة)، واختلف أصحابنا في المرأة ترى ما يراه الرجل في المنام في الاحتلام فتنزل فقال بعضهم: لا غسل عليها حتى يكون ذلك باختيار منها بعلاج، والنظر يوجب عندي صحة قول من أوجب عليها الغسل إذا أنزلت باختيار منها أو غير اختيار وبعلاج أو غير علاج، وماء المرأة أصفر رقيق وهو يخرج من ترائب الصدر، وماء الرجل أبيض ثخين ويخرج من الصلب، قال الله تعالى جل ذكره: {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} (الطارق:7)، يريد صلب الرجل وترائب المرأة، ولا تنازع بين الناس في ذلك، وقد روي أن امرأة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: «يا رسول الله برح الخفاء، المرأة ترى في النوم ما يرى الرجل؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عليها الغسل إذا أنزلت عليها». (9/152)
صفحة 2713
الباب الخامس عشر
في جنابة المرأة والغسل من الجنابة والتيمم منها
اختلف أصحابنا في المرأة ترى في نومها من الجماع ما يرى الرجل، فقال بعضهم: لا غسل عليها، وقال بعضهم: عليها الغسل، لما روي من طريق أم سليم أنها قالت: «يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة غسل إذا رأت في منامها مثلما يرى الرجل؟ قال: نعم».
مسألة: وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتته امرأة فقالت: يا رسول الله برح الخفاء إنا تصيبنا الشهوة ونقذف الماء علينا بذلك غسل؟ قال: نعم.
مسألة: قال أبو المؤثر: رفع إلينا في الحديث أن رجلا من بني قشير خرج في طلب أبي ذر فسأل عن منزله، فقيل له: ليسه هاهنا فدخل المسجد فإذا هو يرجل فيه، فقال له: أنت أبو ذر، ولم يكن يعرفه قبل ذلك، فقال له أبو ذر: إن أهلي ليقولون ذلك، فقال: الحمد لله الذي أراني إياك، فقال: أتيتني فما حاجتك؟ قال له: فما تقول في الجنب أيكفيه التيمم؟ فقال له أبو ذر: إني اجتويت المدينة فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغنيمة فخرجت بهن في البر فلبثت أتيمم الصعيد أياما حتى خفت أن يكون قد هلكت فشد لي على قعود فركبته وسرت حتى انتهيت إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو نصف النهار، فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم - ونفر من أصحابه في المسجد، فسلمت عليهم فنظر إليّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: سبحان الله أبا ذر، فقلت: نعم يا رسول الله إني اجتنبت فكنت أتيمم بالصعيد أياما حتى خفت أن أكون قد هلكت فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بماء أتاني بعس من ماء فاستترت براحلتي من جانب، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا فسترني من جانب فغسلت، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يجد الماء فالصعيد يكفيه، ولو إلى (9/153)
صفحة 2714
سنين» ويقول: إنه إذا كفاه لسنين فأكثر من ذلك إلى أن يموت ولم يجد الماء، فالصعيد طهور له فإذا وجد الماء وجب الغسل، وذكر لنا أن رجلا من ربيعة قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنا نعرب يعني نبدوا ومعنا الأهلون، وليس عندنا ماء؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من لم يجد الماء فالصعيد كافيه».
مسألة: وعن امرأة وطئها زوجها ثم أتاها الحيض ثم طهرت، أيجزيها غسل واحد أم لا؟
قال: معي أنه قد قيل: ذلك، وقيل: تغسل غسلين، وكذلك المرأة يجب عليها الغسل من الجنابة، ثم تأتيها النفاس قبل أن تغتسل ثم تطهر من نفاسها هل يجزيها غسل واحد أيضا؟ قال: هي عندي مثلها في الحيض.
مسألة: ومن كتاب (الأشراف): واختلفوا في المرأة يخرج منها ماء الرجل بعد الاغتسال، فكان قتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق يقولون: تتوضأ وبه نقول، وقال الحسن البصري: تغسل، وقال أبو سعيد: أما دخول ماء الرجل فرج المرأة فمعي أنه يخرج في قول أصحابنا أن عليها الغسل إذا جاز موضع الختان إلى موضع الجماع، وقد كان يعجبني ألا يكون عليها غسل بمعنى ذلك لأنه ليس بجماع، ولا مني منها، فمن أين يجب عليها؟ فيعجبني قول من قال: لا غسل عليها، وأما خروج نطفة الرجل من فرج المرأة من بعد الغسل؟ فمعي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لا غسل عليها في ذلك ولا أحد يخرج من معاني قولهم بسبب ولو لم تكن غسلت فرجها، أعني ولو لم تكن غسلت فرجها، أعني والجه لأنه لا شيء غير حادث منها.
ومعي أنه قد قيل: لو اتبعت من بعد الغسل كما يتبع الرجل من غير أن يريق البول، لأنه لا غسل عليها بمعنى ما يوجب عليه ذلك.
ومن كتاب (الأشراف) واختلفوا في المرأة تجنب ثم تحيض قبل أن تغسل، فقالت طائفة: تغسل فإن لم تفعل فغسلان عند طهرها، هذا قول الحسن البصري وعطاء والنخعي، وقال أبو ثور: في الجنب عليه أن ينوي بغسله الطهارة من الجنابة، فإن اغتسل للجنابة ولم يتوضأ فعليه أن يتوضأ، وقالت طائفة: يجزيها غسل واحد إذا طهرت من الحيض، وروي ذلك عن عطاء وبه قال أبو زياد وربيعة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
قال أبو بكر: القول القول أفشى والأكثر من أهل العلم على القول الثاني (9/154)
صفحة 2715
والأول أحوط، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج نحو ما مضى في هذا الفصل يشبه من قول أصحابنا وأكثر معاني قولهم أنها تغسل من الجنابة وهي حائض فإن لم تغتسل حتى طهرت فمنهم من يقول: يجزيها غسل واحد، ومنهم من يقول: عليها غسلان، والحائض عندي كالجنب في بعض معاني القول، إلا أنه يعجبني غسلها لبعض معاني ما قيل إنها جنب، أشد منها حائض بمعاني الأكل والشرب والنوم، وما قيل في ذلك في الجنب ولم يقولوا مثل ذلك في الحائض، فلهذا فإنني أحب لها الغسل فإذا لم تغسل فغسل واحد يجزئها، ولا معنى لثبوت الغسلين في وقت واحد إلا بالقياس كما قال.
ومنه، وروينا عن عائشة وأم سلمة أنها قالت: ليس على المرأة نقض رأسها للاغتسال من الجنابة والحيض، وبه قال عطاء والزهري ومالك والحكم والشافعي وأصحاب الرأي.
وقال النخعي في العروس: تنقض شعرها كله لغسل الجنابة، وقال أحمد بن سليمان: إن كانت ترى أن الماء أصاب أصول شعرها فقد أجزى عنها، وإن كانت ترى أن الماء لم يصبه فلتنقضه، وقد روينا عن الحسن وطاووس أنهما فرقا بين الجنب والحائض فقالا في الحيض تنقض شعرها إذا اغتسلت، وأما من الجنابة فلا.
ومن غيره: المعنى أنه أراد فلا نقض، قال أبو بكر: ليس بينهما من فرق وقد ثبت أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني أشد ضفيرة رأس فأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: لا إنما هو يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات ثم تفيضي عليه الماء فتطهر أول فإذا أنت قد طهرت.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج على حسب ما قال من الاختلاف في قول أصحابنا أن بعضا يأمر الحائض والجنب بنقض شعرها في الغسل وبعض لا يأمرها بذلك، ويجزئ معه أن تدلكه بالماء حتى يرى أنه قد عمه وبلغ إلى أصوله، وأما الصب عليه بغير تدليك فلا أعلمه يخرج في قولهم، إلا أن في الاعتبار معها أن حركة الصب تعم جميع الشعر داخله وخارجه فلعله يخرج على هذا المعنى، أو على معنى قول من يقول: إن مماسسة الماء للتطهير مطهرا له ولو لم يكن حركة توجب معنى الغسل، ولا أعلم بينهم فرقا بين الحائض والجنب في هذا المعنى.
مسألة: عن أبي الحسن البسياني فيما أحسب الجواب في المرأة التي عبثت (9/155)
صفحة 2716
بفرجها، أو عبث بها زوجها حتى رأت رطوبة إن أنزلت الماء كان عليها الغسل من ذلك، وقوم قالوا: لا غسل عليها إذا عبثت بنفسها وعليها الغسل من عبث الرجل إذا أنزلت، وأما الرطوبة غير إنزال الماء، فلا غسل فيه على الرجل ولا على المرأة، والله أعلم بذلك وأحكم.
مسألة: وسألته عن رجل تزوج صبية ثم وطئها زوجها هل عليها غسل؟ قال: يؤمر بفعله، ويؤخذ بفعله، وليس بفرض عليها، قلت: فإن لم تغسل هل يلزمها شيء في تركه غير الأدب؟ قال: لا، قلت: فمن أمرها بترك الغسل هل يكون آثما؟ قال: نعم، وكذلك الغلام إذا كان صبيا فهو كذلك.
مسألة: امرأة تزوجها صبي ووطئها أيجب عليها غسل أم لا؟ الذي أقول به إن عليها الغسل في استمتاعها به، والله أعلم، وكذلك الغلام إذا كان صبيا فهو كذلك.
وسئل عن امرأة أصابتها الجنابة ثم جاءها الحيض قبل أن تغسل من الجنابة، هل عليها غسل من الجنابة قبل أن تطهر من الحيض؟ قال: معي في بعض قول أصحابنا يستحب لها الغسل من الجنابة ولو لم تطهر من الحيض، لأنه يفرق بين الحائض والجنب أشياء في الأكل والشرب والنوم، للنعاس والخروج إلى الناس، وكل هذا في بعض القول يكره للجنب، ولا يكره للحائض، لأن الحائض لا يكره لها الأكل ولا الشرب ولا النعاس ولا الخروج إلى الناس، وكذلك شعر الحائض وأظفارها يفرض بعض بينه وبين شعر الجنب وأطفاره، ويرى ذلك من الجنب أشد من الحائض وبعض يجعلها في هذا سواء.
وفي بعض القول، إنها إن أخرت الغسل إلى تطهر من الحيض كان لها ذلك على معنى قوله، قلت له: فإن أخرت الغسل للجنابة حتى طهرت من الحيض أيجزيها غسل واحد لهما جميعا؟ أم يلزمها غسلان؟
قال: معي انه يختلف في ذلك فقال من قال: يجزيها غسل واحد، وقال من قال: تغسل غسلين، على معنى قوله.
مسألة: وسئل عن امرأة جنب أتاها الحيض قبل أن تغسل من الجنابة هل عليها أن تغسل قبل أن تطهر من الحيض؟
قال: معي أنه يخرج في ذلك معنى الاختلاف ففي بعض المعنى أنه يلزمها (9/156)
صفحة 2717
ذلك ويخرج أنها تؤمر بذلك، ولا يلزمها وتخرج أنه لا يلزمها ذلك، هكذا يخرج عندي.
مسألة: وقال: معي، إنه يختلف في المرأة إذا رأت كما يرى الرجل في المنام من الاحتلام وقذفت، وقال من قال: إن ليس عليها غسل من ذلك إذا رأته وقذفت الماء الدافق، لأن الله قد تعبدها بالغسل من الحيض، ولا يجمع عليها حيضا واحتلاما، وقال من قال: إنه يجب عليها الغسل إذا رأت ذلك وقذفت الماء الدافق، لأنها تشبه معنى الرجل في دخول معناها في اسم الجنب وثبوت الغسل لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}.
مسألة: من الزيادة المضافة: والتي تعبث بذكر الصبي، أو بإصبعها أو بيدها هي، أو عبثت بها امرأة حتى تنزل فأرى عليها فساد صومها والغسل، قلت: فإذا أنزلت الماء وخرج منها أم إذا وجدت الشهوة التي تجدها في الجماع؟ وإن لم تطهر؟ قال: إذا خرج الماء، فأما إذا لم يخرج الماء فلا شيء عليها في صومها ولا غسل عليها.
رجع: إلى كتابي بيان الشرع: اختلف أصحابنا في المرأة إذا رأت في نومها من الجماع كما يراه الرجل؟ فقال بعضهم: لا غسل عليها، وقال بعضهم: عليها الغسل لما روي من طريق أم سليم أنها قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة غسل إذا رأت في منامها كما يرى الرجل؟ قال: نعم، وعن عائشة مثل ذلك.
قال غيره: هذه لم تجيء مفسرة وذلك إذا رأت مثل الرجل وتنزل، وأما إذا لم تنزل فليس عليها غسل بلا اختلاف، مكررة.
ومن غيره، وسئل: عن المرأة الجنب ترى الدم من قبل أن تغسل؟ قال: لا تدع الغسل من الجنابة فإن عليها الغسل، وإن حاضت.
مسألة: قلت: وهل على المرأة البالغ غسل إذا جامعها الصبي؟ فالذي عرفنا من قول الشيخ -رحمه الله- في ذلك أنه قال: لا يلزم الصبية الغسل من البالغ، ويلزم البالغة الغسل من الصبي ولو لم ينزل الماء، والذي لا يلزم الصبية الغسل من البالغ لا يلزم البالغة، ويرفع ذلك عن أبي الحواري كلا القولين، وقال الشيخ -رحمه الله-: إنه قال: سأل الشيخ أبا الحواري -رحمه الله- عن ذلك فقال له مرة: (9/157)
صفحة 2718
عليها الغسل، وقال له مرة: ليس عليها غسل على نحو هذا اللفظ كله، والله أعلم بالصواب.
مسألة: وعن امرأة أنزلت من غير أن يفضي إليها عليها غسل؟ فقد كان يقول بعض الأشياخ: إن عليها غسلا، وأنا أحب لها أن تغسل، قال غيره: معي أنه قد قيل بأي وجه أنزلت وخرج منها الماء الدافق فهي جنب وعليها الغسل، وقيل: ليس عليها الغسل إلا من الجماع، وهو أن تغيب الحشفة في الفرج ويلتقي الختانان بمعنى الجماع من زوج أو غيره من زنا، أو من شيء من الدواب، وما يقوم مقام الجماع، وأما المعنى أنزل الماء الدافق فلا غسل عليها في ذلك في يقظة أو منام.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري بن عثمان -رحمه الله- وعن المرأة إذا جامعها زوجها فيما دون الفرج من جسدها، وأنزل النطفة فوق الفرج أو غيره من جسدها؟ قلت: يلزمها الغسل من أن تلج النطفة في الفرج؟ فأقول: لا غسل عليها، ما لم يلج النطفة في الفرج أو الحشفة في الفرج، فأقول: لا غسل عليها، والله أعلم بالحق.
ومن غيره: قال: وقد قيل إن كانت ثيبا فصب الماء على فرجها كان عليها الغسل لأنها تنشف.
مسألة: في الخنثى، وقلت: هل عليه غسل من جنابة؟ فنعم عليه الغسل من الجنابة والحيض، وإذا رأى الحيض توضأ لكل صلاة وصلى فإذا تطهر اغتسل.
مسألة: وعن رجل غشي امرأته من غير أن يطأها حتى أنزل، أترى على المرأة غسلا؟ قال: لا أدري عليها غسلا ما لم يطأها في الفرج.
مسألة: مكررة، ومن جواب أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد مختصر منه، قال: الذي معي أني وجدت في الأثر لو أن امرأة أخذت بإصبعها نطفة رجل فأولجتها في فرجها لزمها الغسل.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري وقد قالوا: إذا أنزل النطفة على فرج البكر فلا غسل على البكر وإن كانت ثيبا فعليها الغسل.
مسألة: قال: وقد قيل: عليها الغسل كانت بكرا أو ثيبا.
مسألة: وسألته عن رجل كان محتشيا فرأى الجماع في النوم فانتبه فلمس فلم (9/158)
صفحة 2719
يجد شيئا هل عليه غسل إذا كان محتشيا؟ قال: ليس عليه غسل حتى يعلم أنه خرج منه الماء الدافق، قال له قائل: فإذا وجد البلل وقد انتبه من نومه هل عليه غسل من غير أن يرى جماعا؟ قال: نعم، لأن ذلك يمكن أن يكون أصابته ولم يعلم، وذلك إذا استيقظ استيقن أن ذلك البلل نطفة فعليه الغسل، قلت له: أرأيت من أصاب النطفة في ثوبه، ولم يعلم أنه أصابته الجنابة في النوم أيلزمه غسل؟ قال: نعم، إذا استيقن أنها نطفة فعليه الغسل، والبدل من آخر صلاة صلاها، ومن آخر نومة نامها.
قلت له: فإن كان ذلك في شهر رمضان ورآها في النهار وظن أن ليس عليه غسل فلم يغسل وتوانى؟ قال: إذا استيقن أنها نطفة فعليه أن يغسل فإن توانى كان عليه بدل ما مضى من صومه.
مسألة: وسألته عن رجل أصابته الجنابة فانتبه من نومه وقد خاف أن تفوته الصلاة صلاة الفجر وهو جاهل بما يلزمه من أمر الغسل وظن الوضوء للصلاة إذا خاف تفوته الصلاة إن أخذ في الغسل أحوط له وأسلم إن توضأ وصلى، فأتته الصلاة ثم اغتسل من بعد ذلك فصلى، فقال: كان الواجب عليه أن يأخذ في الغسل من حيث ما انتبه من نومه في وقت الصلاة ولو فات الوقت قبل أن يفرغ من غسله وصلاته فهو معذور ما لم يقصر، وأما إذا فعل ذلك فإذا توانى عن الغسل بمقدار ما لو أخذ في الغسل من حين أمكنه أن يأخذ في الغسل من قيامه من النوم اغتسل في ذلك الوقت وصلى وتوانى كنحو هذا المقدار وأخذ في الوضوء وترك الغسل، فهذا عندي مضيع وعليه البدل والكفارة، وأما إذا كان الوقت أضيق مما قال قد وصفنا فعليه البدل ولا يرجع لمثل ذلك. (9/159)
صفحة 2720
[صفحة بيضاء] (9/160)
صفحة 2721
الباب السادس عشر
في جنابة الخنثى
من كتاب (المعتبر) قلت: فالخنثى هل عليه غسل من جنابة فنعم عليه الغسل من الجنابة والحيض، وإذا رأى الحيض توضأ لكل صلاة وصلى، فإذا طهر اغتسل.
مسألة: قال غيره: معي أنه يحسن معنى هذا في معنى أمر الخنثى إذا ثبت حكمه حكم خنثى أنه يلزمه معنى حكم الأنثى ومعنى حكم الذكر فيما يجتمع عليه من حكمها مما يثبت مجتمعا، فإن خرج منه المني من خلق الأنثى أعني الخنثى من خلق الأنثى باحتلام في منام أو يقظة بغير معنى جماع فعليه الغسل على قول من يقول بذلك على الأنثى إذا كان من غير جماع، وعلى قول من يقول ليس ذلك عليها أعني الأنثى فليس على الخنثى مثل ذلك بمعنى ما يجب عليها من خلق الأنثى من حكم الأنثى، وإن خرج منه الماء الدافق من المني من خلق الذكر بأي وجه كان باحتلام في منام أو يقظة بملامسة أو غير ملامسة، خرج عندي ثبوت الغسل عليه، لأن ذلك ثابت على الذكر من أي وجه كان منه ذلك ولا أعلم في ذلك اختلافا، ويلزمه من ذلك عندي حكم ما يخصه من حكم الذكر في موضع ما يجتمع فيه وحكم الأنثى في موضع يجتمع فيه أو يختلف فيه، وإن كان جامع الخنثى بخلق الذكر حتى غابت الحشفة منه في ذكر أو أنثى أو دابة، وجب عليه عندي حكم الغسل، وكذلك إن جامعه ذكر أو خنثى حتى غابت الحشفة فيه في قبل أو دبر وجب عليه عندي حكم الغسل بالوطء، لأن ذلك يجب على الأنثى في القبل والدبر، وكذلك إن وطئه ذكر في الدبر حتى غابت الحشفة أو شيء من الدواب، أو وطأ نفسه شيئا من الدواب في قبل أو دبر حتى ثبت عليه حكم الوطء، وجب عليه عندي حكم الغسل بهذه المعاني (9/161)
صفحة 2722
وغسله من الجنابة إذا ثبت عليه حكم الغسل بهذه المعاني، وغسله من الجنابة إذا ثبت عليه حكم خلق الأنثى والذكر سواء من جميع ما مضى ذكره، من غسل الذكر والأنثى من الجنابة، عندي في معنى النسيان أو الجهل، وجميع ما مضى من ذكر الغسل في الذكر والأنثى سواء على ما مضى ذكره في متقدم هذا الجزء
من هذا الكتاب. (9/162)
صفحة 2723
الباب السابع عشر
في غسل النصرانية تكون تحت المسلم وتجنب
من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه من كتاب (الأشراف)، واختلفوا في النصرانية تكون تحت المسلم وتجنب، قال مالك: لا تجبر على الاغتسال، وقال الشافعي في كتاب: تجبر، وقال في كتاب: لا تجبر، وقالا جميعا تجبر على الاغتسال من الحيض، وقال الأوزاعي: نأمرها بالاغتسال من الجنابة والمحيض كما قال مالك.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أن المسلم لا يتزوج النصرانية حتى يشترط عليها الغسل من الحيض والجنابة مما اشترط عليها، فإذا ثبت معنى ذلك ثبت معهم أن عليها له الغسل من الجنابة في الحكم، وأما التعبد عليها فلا هي يخرج إنما هي مجبورة على هذا ولا على هذا إلا أن يكون ذلك في كتابهم، وأما في معاني ما يلزمها في حكم المسلمين فإذا طلب أن تغسل من الحيض ثبت ذلك عليها بحكم الكتاب، لأنه حرام عليه وطؤها (الآية) فهي مأخوذة بالحكم في هذا فهذا عندي يخرج بمعاني الاتفاق أنه عليها والله أعلم. (9/163)
صفحة 2724
[صفحة بيضاء] (9/164)
صفحة 2725
الباب الثامن عشر
في قراءة الجنب والحائض القرآن
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة من كتاب (الأشراف): واختلفوا في قراءة الجنب والحائض القرآن، فمن روينا عنه أنه كره أن يقرأ الجنب شيئا من القرآن عمر وعلي والحسن البصري والنخعي والزهري وقتادة، وروينا عن جابر أنه سئل عن المرأة الحائض والنفساء هل تقرأ شيئا من القرآن؟ فقال: لا.
وقال أبو عبيدة الجنب مثل الحائض لا يقرأ القرآن، وقال جابر بن زيد: الحائض لا تتم الآية، واختلف عن الشافعي في قراءة القرآن، فحكى أبو ثور أنه لا بأس أن تقرأ، وحكي عن الربيع أنه قال: لا يقرأ الجنب ولا الحائض ولا يحملان المصحف، وكان أحمد يكره أن تقرأ الحائض القرآن وذكر الجنب فقال: أما حديث علي فقال: لا ولا حرف، وقال مرة طرف الآية، والشيء اليسير، وكذلك قال إسحاق وأبو ثور عن الكوفي أنه قال: لا تقرأ الحائض، وقال أبو ثور: لا تقرأ الحائض والجنب القرآن، ورخصت طائفة للجنب في القراءة، وروينا عن ابن عباس أنه كان يقرأ ورده وهو جنب، ورخص عكرمة وابن المسيب في قراءته، وقال ابن المسيب: السر في جوفه، وقال مالك: لا يقرأ القرآن الجنب، إلا أن يتعوذ بالآية عند منامه، وقال الأوزاعي: لا يقرأ الجنب إلا آية الركوب، وآية النزول: {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} الآية (الزخرف:13)، {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} الآية (المؤمنون:29).
وفيه قول ثالث: وهو كراهية أن يقرأ الجنب القرآن وإباحة ذلك للحائض، هذا قول محمد بن مسلمة، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج الاتفاق (9/165)
صفحة 2726
من قول أصحابنا أنه لا يقرأ الحائض والجنب القرآن إلا لمعنى الضرورة، أو سبب يوجب ذلك، ومعي أنه قد أتى ما يشبه هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إلا الآية والآيتين يتعوذ بهما، كذلك عندي بهذا وأنهما لا يحملان المصحف، ورخص من رخص لهما في حمل المصحف بسيره والحائض والجنب في معاني قول أصحابنا مشبهان في هذا المعنى بمعاني المشرك، إلا أنه ثابت عليهما الغسل، وقد قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة: 77 - 79)، وقال: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ}، وقال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}، وكذلك الحائض في قوله: حتى يطهرن، فإذا تطهرن فهما غير متطهرين، ومعنى ثبوت الطهارة لهما ولا أعلم بين أصحابنا أن المشرك لا يقرب إلى قراءة القرآن، وقد قال من قال منهم: في هذه الآية: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}، يعني بذلك الصلاة، وهذا معنى مسه في ظاهر أحكام التعبد، وقد قيل غير هذا في غير هذه الآية. (9/166)
صفحة 2727
الباب التاسع عشر
في التيمم
أجمع أهل العلم على من تطهر بالماء قبل دخول وقت الصلاة، أن طهارته كاملة، واختلفوا في الوقت الذي تجزي المسافر في أن يتيمم فيه، فكان الشافعي يقول: لمن لم يجد الماء أن يتيمم في أول الوقت ويصلي وهو الصحيح من مذهبه، وقال إسحاق: يتيمم في أول الوقت إذا لم يكن به مطمع في وجود الماء من قريب، وفيه قول ثان وهو: أن يتأنى فيما بينه وبين آخر الوقت فإن وجد الماء وإلا تيمم وصلى، وروي هذا القول عن علي وبه قال عطاء والثوري وأصحاب الرأي، وقال الزهري: لا يتيمم حتى يخاف ذهاب الوقت، وبه قال مالك، إلا أن يكون بما كان لا يرجو أن يصيب الماء، وقال الأوزاعي: أي ذلك صنع وسعه، قال أبو سعيد: معي
أنه يخرج في معاني قول أصحابنا كل هذا، وإنما يخرج معنى هذا على معاني من يقول في تعجيل المصلي الصلاة إذا لم يجد في أول وقتها والتوسط بها والتأخير فيها، ولعله يخرج في المعنى من الأقاويل أنه من يطلق معاني الصلاة عند عدم الماء، فهنالك يطلق التيمم بالصعيد.
ومن الكتاب: أجمع أهل العلم على أن من تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج وقت الصلاة أن لا إعادة عليه، واختلفوا فيمن صلى بالتيمم ثم وجد الماء قبل خروج الوقت، فكان عطاء وطاووس والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري وربيعة يقولون: يعيد الصلاة، واستحب الزهري ذلك وليس بواجب، وفيه قول ثان فعل ذلك ابن عمر ولم يعد، وبه قال الشعبي والنخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وبه نقول، لأنه لا فرض لزمه فغير جائز أن توجب الإعادة بغير حجة، قال أبو سعيد: معي (9/167)
صفحة 2728
أنه كان يخرج في معاني قول أصحابنا إلا قوله بالإجماع أنه ليس عليه إعادة بعد خروج الوقت فقد يخرج عندي أن عليه الإعادة في بعض ما قيل، وأصحابنا يفرقون في تيممه عن الجنابة وفي تيممه من غير الجنابة إذا وجد الماء في الوقت، وكل ذلك مما يختلف فيه من قولهم.
ومن الكتاب: واختلفوا في الرجل يصلي الصلاتين، والصلوات بتيمم واحد، فقالت طائفة: يتيمم لكل صلاة، روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب، وابن عمر وابن عباس، والنخعي، والشعبي، وقتادة وبه قال ربيعة ويحي الأنصاري ومالك والليث بن سعيد، والشافعي وأحمد وإسحاق، وقالت طائفة: يصلي ما لم يحدث كذلك، قال ابن المسيب والحسن البصري والزهري والثوري وأصحاب الرأي ويزيد بن هارون، وروي ذلك عن ابن عباس وابن جعفر وفيه قول ثالث وهو: أن من صلى صلوات في أوقاتها تيمم لكل صلاة، فإذا فاتته صلوات وتيمم صلاها كلها بذلك التيمم، كذلك قال أبو ثور، قال أبو سعيد: معي أكثر قول أصحابنا أنه لا يثبت التيمم إلا بعد حضور وقت الصلاة إذا عدم الماء بتلك الصلاة فيتيمم لها وأنه لا تجوز معهم الصلاة بالتيمم على معنى حفظه كحفظ الوضوء، وقد يوجد معنى إجازة ذلك في قولهم ولعله ليس بالمعول به، وفي بعض قولهم في الصلوات الفائتة اختلاف، فقال من قال: يصليها بتيمم واحد في وقت واحد ولو كثرت، وقيل: لكل صلاة فائتة تيمم، وأما الصلوات المنتقضة فإذا أراد أن يبدلها في وقت واحد وكان قد صلاها إلا أنها انتقضت فمعي أنه يخرج في معاني القول أنه يجزيه تيمم واحد لتلك الصلوات، ولا أحسب أن في ذلك اختلافا، ولا يبعد عندي ثبوت حفظ التيمم إذا لم يكن يجد الماء بعد أن ثبت التيمم عند عدم الماء، لأنه بدل عن الوضوء وعندي أنه يخرج في معاني الاتفاق إذا وجد الماء انتقض تيممه ولو لم يحدث حدثا ينقضه.
ومن الكتاب: كان عطاء والزهري ومكحول وربيعة ويحي الأنصاري ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي يقولون: يتيمم لصلاة النافلة، ويتيمم لقراءة القرآن ويسجد سجود القرآن وسجود الشكر. وفيه قول ثان وهو: ألا يتيمم إلا للمكتوبة. هذا قول أبي مخرمة وأصحابه، وكره الأوزاعي أن يمس المتيمم المصحف وبالقول الأول أقول، قال أبو سعيد: في قول أصحابنا معنى القول الأول أنه لا يقرأ القرآن ولا يسجد سجدة القرآن ولا ينسك شيئا من المناسك من (9/168)
صفحة 2729
صلاة نافلة، ولا جنازة، ولا شيئا مما يقع موضع الصلاة إلا بوضوء، أو تيمم عند عدم الماء، إلا أن يكون شيئا من ذلك يخاف فوته إذا مضى للوضوء وبه يدركه إذا تيمم، ما ينقضي مثل الصلاة على الجنازة، فإنه قد قيل: يتيمم ولو كان يجد الماء إذا مضى له إذا خاف فوت الصلاة على الجنازة، وما أشبهها، فهو عندي مثلها.
ومعي أنه قد اختلفوا في صلاة العيد إذا خاف فوتها مع الإمام جماعة، فقيل: بالتيمم لها والصلاة مع الإمام جماعة، وقيل: بالتيمم لها والصلاة مع الإمام جائز لازم إن لزم القيام، وقيل: لا يتيمم لها ويتوضأ ويصلي ركعتين أفضل.
ومن الكتاب: أجمع أهل العلم على أن من تيمم كما أمر ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أن طهارته تنتقض وعليه أن يعيد الطهارة ويصلي، واختلفوا فيمن تيمم فدخل المصلى ثم وجد الماء؟ فقالت طائفة: يمضي في صلاته، ولا إعادة عليه، وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور، وفيه قول ثان وهو: أن ينصرف فيتوضأ ويستقبل الصلاة، كذلك قال الثوري والنعمان، وفيه قول ثالث قاله الأوزاعي قال: فيمن تيمم وصلى ركعة ثم جاء إلى الماء ينصرف ويتوضأ ويضيف إلى ركعته التي صلى ركعة فيكون متطوعا ويستأنف المكتوبة.
قال أبو بكر: بقول مالك والشافعي أقول، قال أبو سعيد: معي أن في معاني قول أصحابنا أنه إذا وجد المتيمم الماء وباق عليه من صلاته شيء من حد فصاعدا أن عليه أن يتوضأ ويصلي لثبوت الوضوء، فإن التيمم إنما هو بدل عن الوضوء إلا أن يكون في حد لو أخذ في الوضوء لم يتمه ويصلي إلا حتى يفوت الوقت، فإنه ليس عليه في بعض قولهم أن يتوضأ ويمضي على تيممه ويصلي، فهذا ما يخرج عندي في معاني قول أصحابنا، ولا يبعد عندي ما ذكرت من معاني الاختلاف لثبوت الحكم بالعمل والدخول فيه.
ومن كتاب الأشراف: وقال مالك: يقول إذا لا ينتقل قبل المكتوبة وينتقل بعدها، وقال الشافعي: ينتقل قبل المكتوبة وبعدها وكذلك نقول، قال أبو سعيد: أما الانتقال من موضع الصعيد قبل أن يصلي المكتوبة فلا أعلمه مما يختلف فيه من قول أصحابنا، أنه يجوز الانتقال قبل أن يصليها وأما النافلة: أن يتيمم وينتقل حيث شاء وهو على تيممه ما لم ينتقض تيممه في قول أصحابنا.
ومن الكتاب أيضا: واختلفوا فيمن معه ماء فنسيه، ثم ذكره بعد أن تيمم (9/169)
صفحة 2730
وصلى فكان مالك يقول: يعيد ما كان في الوقت، وقال أبو بكر: يجزيه ونسيانه كالعدم وحكى أبو زيد مثل قوله عن الشافعي والنعمان ومحمد، وقال الشافعي: يمضي وعليه الإعادة، وقال الشافعي: يمضي وإن كان في رحله ماء فأخطأ رحله وحضرت الصلاة تيمم وصلى وإن لم يجد ماء، وقال يعقوب في الناسي: ماء في رحله لا يجزيه، وقال أحمد في الناسي: أخشى لا يجزيه، وهذا واجد للماء، قال أبو بكر: لا فرق بين من نسي الماء في رحله، وبين من أخطأ رحله، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني ما مضى كله على حسب ما عندي من الاختلاف من قول أصحابنا في هذا الفصل.
ومنه، وقال الحسن البصري والثوري والشافعي وأصحاب الرأي: إذا تيمم للمكتوبة في أول الوقت ثم مر بالماء فلم يتوضأ، ثم صار إلى مكان لا ماء به أن عليه أن يعيد التيمم لا يجزيه عن ذلك لأنه حين وصل إلى الماء انتقضت طهارته، ولا أعلم في هذا اختلافا، قال أبو سعيد: معي أنه هكذا في قول أصحابنا إذا مكنه.
ومنه: وإذا مر المسافر بالماء في غير وقت الصلاة، ثم أدركته الصلاة، فقال الأوزاعي: وإن ظن حين مر بالماء يدركه بين يديه فتيمم حين لم يجد الماء وصلى فلا شيء عليه، وإن مر بالماء وهو يعلم أن لا ماء بين يديه، ثم أدركته الصلاة تيمم، فإذا وجد الماء توضأ وأعاد ما صلى، قال أبو سعيد: لا بدل على هذا في معاني قول أصحابنا.
مسألة: ومن جامع الشيخ أبي محمد رضيه الله: ومن لم يجد ماء فعليه أن يتيمم بالصعيد مقيما كان أو مسافرا، لأن ظاهر الآية تدل على ذلك، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن التيمم لا يجب إلا للمسافر دون المقيم وذكر أن الآية التي فيها ذكر التيمم إنما هي على صفة العليل والمسافر ونحن على ظاهر الآية، إذ لم نجد دليلا يدل على خلاف الظاهر.
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء: قال ابن الأنباري: أصل التيمم في اللغة القصد، قال الله عز وجل: {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} (المائدة:2)، فمعناه، ولا قاصدين، وقال الشاعر:
إني كذك إذا ما ساء في بلد
وفي الأظعان آنسة كعوب ... يممت صدر بعيري غيرها بلدا
تيمم أهلها بلدا فساروا (9/170)
صفحة 2731
وقال الرازي: التيمم مأخوذ من أم يؤم، والتيمم الفعل من القصد والام القصد، وقال الشاعر المتلمس:
أم شامية إذ لا عراق لنا ... قوم توهم إذ قومنا شرس
وتيممه معلوم فقصدته، وهو في الأصل تأممته.
مسألة: ومنه قال: وذكر لنا أن سبب التيمم نزل في عائشة، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج في بعض غزواته، وحمل معه عائشة فاستعارت قلادة لأختها تزين بها فنزل - صلى الله عليه وسلم - في منزل مبيت لا ماء فيه، وتأملوا أن يدلجوا ويأتوا الماء عند صلاة الفجر، فلما أرادوا المسير فقدت عائشة القلادة فلم يقدروا عليها، فاستلقى النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجر عائشة وجعل أبو بكر يقول لعائشة: أشققت على المسلمين فلما حضر وقت الصلاة ولم يدر المسلمون كيف يصنعون إذ لا ماء معهم، فأنزل الله آية التيمم رحمةً منه ورخصة، فتيمم النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون وصلوا، فلما فرغوا من صلاتهم وجدوا القلادة عند مناخ البعير، فعرف المسلمون فضل عائشة، وفي خبر أنها قالت: يا رسول الله، نسلت قلادة أسماء من عنقي فبعث - صلى الله عليه وسلم - رجلين يلتمسان فوجداها فحضرت الصلاة فصليا بغير طهور، فلما رجعا قالا: يا رسول الله، صلينا بغير طهور، فأنزل الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} الآية، فقال أسيد: رحمك الله يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه قط إلا جعل الله فيه للمسلمين فرجا.
رجع إلى كتاب بيان الشرع: ومن جامع أبي محمد، الطهارة بالصعيد واجبة عند عدم الماء لقول الله عز وجل: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، والصعيد في كلام العرب هو التراب، وقيل: هو أيضا هو ما صعد على وجه الأرض منها، ومعنى قوله: طيبا الطاهر منها والحلال، والله أعلم.
والتيمم في لغة العرب هو: الطلب وقد يقال: إن معنى تيمموا صعيدا طيبا أي اقصدوا صعيدا طيبا وهو ما تصاعد على وجه الأرض، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم بالتراب، وقد قال للسائل: هو كافيك ما لم تجد ماء ولو إلى سنين، وكان أمره بذلك مضارعا لفعله، وكان الكتاب شاهدا بهذه السنة، واتفقت الأمة أن التراب يؤدى به الغرض عند عدم الماء، واختلفوا فيما سوى ذلك من غير التراب، ونحن معهم على ما أجمعوا (9/171)
صفحة 2732
عليه حتى يتفقوا فيما اختلفوا فيه، والشاهد من اللغة على صحة ذلك أن العرب تسمي التراب صعيدا ولا تسمي ما سوى ذلك صعيدا.
وفرض التيمم أربع خصال: النية، والصعيد الطيب، وضربة للوجه، وضربة لليدين، الحجة لوجوب النية والصعيد الطيب قد تقدم وجوب ذلك، وأما وجوب الضربتين فهو ما رواه عمار بن ياسر وعبد الله بن عمر أنهما قالا: تيممنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضربنا ضربة للوجه، وضربة لليدين، ولا يجوز أن يصلي المصلي صلاتين فريضتين بتيمم واحد إلا في حال جمعهما، فإنهما في الحكم في الصلاة كصلاة واحدة، وقد وجدت بعض أصحابنا البصريين تجويز الصلاتين والثلاث بتيمم واحد، وإن التيمم عندهم بالصعيد طهارة تامة كالماء، فإن عارض معارض فقال: لم أجزتم أن يصلي المصلي التطوع الكثير بتيمم واحد إذا كان في مقام واحد؟ قيل له: أجزنا ذلك كما قلنا في الجمع، لأن التطوع وإن كثر فهو كالصلاة الواحدة إذا كان في مقام واحد، الدليل على الفرق بين صلاة التطوع والصلاة المكتوبة، إن التيمم لا يجوز للفريضة إلا بعد دخول وقتها، والتيمم للتطوع جائز في كل وقت إذا أراد المصلي التطوع وليس للتطوع وقت معلوم، والفرض له وقت معلوم، ووجه آخر هو ما أجمعوه عليه من تكبيرة الإحرام، لا تجوز للمصلي بها فريضتين، ويجوز أن يصلي بها للتطوع ما شاء المصلي في مقامه، هذا فهذا يدل على الفرق في حكمهما، والله أعلم.
ومن الكتاب: إذا تيمم الرجل لصلاة الفريضة فقضى به الصلاة فليس له أن يصلي التطوع حتى يحدث له تيمما غيره بعد أن طلب الماء وأيس منه، كما فعل قبل ذلك لصلاة الفريضة.
ومن الكتاب: وليس للمسافر أن يتيمم للصلاة قبل دخول وقتها، فإن تيمم لها قبل دخول وقتها عند عدمه الماء وإياسه من وجوده له، كان تيممه باطلا، لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، معناه، والله أعلم إذا أردتم القيام إلى الصلاة وهي الصلاة المعهودة، فليس له أن يتقدم بطهارة الماء قبل دخول وقتها على موجب الطهارة، غير أن الأمة أجمعت أن له أن يتقدم بطهارة الماء قبل دخول الوقت فسلم ذلك للإجماع وتنازعوا هل له أن يتقدم بالتيمم قبل دخول الوقت؟ والقرآن ورد بعد دخول الوقت فنحن على موجب الآية عند التنازع، فلما رأينا الأمر بالآية والخطاب (9/172)
صفحة 2733
لها بعد دخول الوقت، كان الواجب استعمال ذلك في دخول وقته بالماء والصعيد، فلما رخص لنا تقديم طهارة الماء قبلنا الرخصة من الله تعالى وعملنا بها، وبقي طهارة الصعيد على حكمها والله أعلم.
فإن تيمم لنافلة أو لجنازة، أو لصلاة وجبت عليه من طريق النذر، أو لصلاة فائتة تركها بنسيان أو غيره، فقد أثبتت الطهارة، فإن دخل وقت الصلاة صار مخاطبا لها بالطهارة فإن لم يجد الماء أعاد التيمم، والله أعلم، وجائز التيمم في أول الوقت أو في وسطه، أو آخر لقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، ولم يشترط في آخر الوقت إذا قمتم في آخر الوقت.
وقد ذهب أصحابنا إلى أن التيمم في آخر وقت الصلاة وليس له التيمم في أول الوقت لما يرجو من وجود الماء، وهذا القول الذي ذهبنا إليه من قول بعضهم انظر لأن الله تعالى عقب ما ذكر الطهارة بالماء، {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} فكان من أراد القيام إلى الصلاة وقد خوطب بفعلها عند دخول وقتها فالواجب الطهارة بالماء فإن لم يجد الماء تيمم، فليس عليه أن يؤخرها إلى آخر وقتها، بل يجب تعجيل الصلاة لما يلحق للتأخير من الأسباب والعوائق، والمخصص لوقت دون وقت محتاج إلى دليل، وأجمعوا أن الإنسان إذا كان في موضع يعلم أن يصلي إلى الماء قبل خروج الوقت أن عليه قصد الماء، وليس له أن يتيمم لأنه داخل في قوله إذا قمتم إلى الصلاة، وهذا يقدر أن يأتي الطهارة التي أمر بها وهي الماء وليس له أن يعدل إلى التراب إذا علم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت، وتنازع بين أحد من أهل العلم في ذلك.
ومن الكتاب: وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا البصريين أن التيمم لا ينقضه إلا وجود الماء، والحدث كطهارة الماء الباقية، ولعلهم يحتجون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فامسه بشرتك»، والله أعلم.
ومن الكتاب: والتيمم لكل مسافر طال سفره أو قصر، لأن عموم الآية وظاهرها يوجب ذلك، وكذلك كل مريض يخاف زيادة المرض بالماء، وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية فيمن به جراح أو قروح. (9/173)
صفحة 2734
ومن غيره: قلت له: أرأيت الرجل إذا لم يجد الماء وأراق البول هل عليه أن يغسله بريقه ويتيمم ويصلي، أم ليس عليه ويتجفف ويتيمم ويصلي؟
قال: معي أنه أن ذلك يغسله بريقه بلا أن يخاف أن ينجس شيئا من بدنه ولا ثيابه فأوجب له على بعض القول أن يستبرئ حتى ينقطع البول ثم يجفف ثم يغسله بالريق إن قدر على ذلك، ثم يجفف ويتيمم، وإن لم يمكن ذلك فأرجو أن يتيمم يجزئه إن شاء الله.
قلت له: وإن أمكنه ذلك فلم يفعل هل يسعه ذلك؟ قال: معي أن له ذلك على بعض القول وهو قول من لا يرى أن الريق لا يطهر على حال، ولعل بعضا يرى عليه الإعادة على معنى قوله: إن الريق يطهر، قلت له: وكذلك جميع ما قيل أنه يطهر النجاسة إذا عدم الماء مثل الخل وأشباهه، القول فيه مثل القول في الريق، قال: هكذا عندي.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: ومن تيمم للصلاة فلم يصل به في الوقت وتكلم وجاء وذهب؟ فقد قيل: إن تطاول ذلك أعاد تيممه لأن عليه في كل وقت طلب الماء، فإذا لم يجد الماء تيمم لأن الماء يحدث في كل وقت.
رجع إلى كتاب بيان الشرع. (9/174)
صفحة 2735
الباب العشرون
في صفة التيمم وضرب اليدين بالتراب وما أشبه ذلك
سئل: هل يجزي ضربة واحدة للتيمم للوجه واليدين؟ قال: قد قيل، يجزيه ذلك، وقيل: لا يجزيه إلا للوجه ضربة ولليدين ضربة.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: واختلف في التيمم، فقالت طائفة: يبلغ الوجه واليدين إلى الأنامل، كذلك قال الزهري، وقالت طائفة: التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، هذا قول ابن عمر والحسن البصري، والشعبي وسالم بن عبد الله ومالك بن أنس والليث بن سعد وعبد العزيز بن أبي سلمة وسفيان الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وفيه قول ثالث وهو: إن التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الرسغين، يروى هذا القول عن علي، وفيه قول رابع وهو: إن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، هذا قول عطاء ومكحول والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وبهذا القول نقول للثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: التيمم ضربة للوجه والكفين.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معان قول أصحابنا جميع ما يشبه ما مضى من القول الأول إلا قول من قال: إن التيمم إلى الآباط فإن هذا لم أسمع به ولا يخرج في معاني ما يثبت من وقوع الاسم على اليدين إلى الإبطين كله يرد في التسمية ولوقوع الاسم للمسح على اليدين بلا تحديد، وأكثر قول أصحابنا معي أن التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لظاهر الكفين إلى الرسغين.
مسألة: ومن غير الكتاب، وسألته: عن الرجل إذا تيمم للصلاة فمسح وجهه وظاهر كفيه بضربة واحدة في الأرض هل يجزيه ذلك؟ (9/175)
صفحة 2736
قال: معي أنه قد قيل ذلك أنه يجزيه، وقيل: لا يجزيه، فإذا قلت: مسح ظاهر أصابعه ولم يمسح الراحتين إلى الرسغ، وجهل ذلك وصلى هل تتم صلاته؟
قال: معي أنه لا يتم تيممه، وعليه الإعادة ولا أعلم في ذلك اختلافا، في التعمد والجهل، إذا ترك قليلا من مواضع التيمم أو كثيرا وكله سواء، وأما الناسي فمعي أنه قد قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال: إذا ترك كموضع الدرهم فلا إعادة عليه، وقال من قال: عليه الإعادة على حال.
ومن كتاب الأشراف: ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ضرب بيده التراب للتيمم نفخ فيها، واختلفوا في ذلك، فكان الشافعي يقول: ينفضهما، وقال مالك: نقضا خفيفا، وقال الشافعي: لا بأس إن نفض منه إذا بقي من يده غبار يماس الوجه، وقال إسحاق: نحوا من قول الشافعي، وقال أحمد: لا يضره فعل أو لم يفعل، وقال أصحاب الرأي: ينفضها، وكان ابن عمر لا ينفض يده وقول أحمد حسن.
وقال أبو سعيد: معي أنه يخرج جميع ما قال فيما يشبه قول أصحابنا ولعل في قول بعض أصحابنا التأكيد بالنفض لليدين، وذلك عندي إذا كان في اليدين من التراب ما يقع به الخشونة على الوجه في المسح وباق في اليدين ما يقع به حكم المسح من ثبوت التراب في اليدين، وقد نهى عن ذلك بعض من نهى عنه لأنه إنما يثبت التيمم بالتراب فإذا نقضه فقد زال حكم ما أراده.
ومن الكتاب: كان الشافعي يقول: لا يجزيه إلا أن يأتي بالغبار على ما يأتي عليه الوضوء، وجهه ويديه إلى المرفقين، وقال سليمان بن داود: وهو بمنزلة مسح الرأس يجزيه أن يصيب بعض وجهه أو بعض كفيه، وقال أصحاب الرأي: إن تيمم بثلاث أصابع يجزيه فإن تيمم بأصبع أو أصبعين لم يجزه.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه لا يجزي التيمم إلا بعموم المسح للوجه على معنى الوضوء، لأنه بدل عن الوضوء ولا أعلم في ذلك اختلافا، وإذا وقع المسح عندي على الوجه عاما بالصعيد فقد ثبت معنى ذلك بما كان من الكف، ولعله يختلف في ذلك على ما قال: يخرج عندي ثبوت ذلك.
مسألة: ومن جامع أبي محمد وفرض التيمم أربع خصال: النية، والصعيد الطيب، وضربة للوجه، وضربة لليدين، الحجة في وجوب الضربتين وهو ما رواه (9/176)
صفحة 2737
عمار بن ياسر وعبد الله بن عمر أنهما قالا: تيممنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضربنا ضربة للوجه، وضربة لليدين.
ومن الكتاب: والتيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين، كما لابد من لكل عضو من ماء جديد، وقد روي مثل ذلك عن عمار أنه قال: تيممنا في سفر عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضربتين، ضربة للوجه وضربة لليدين.
ومن الكتاب: والتيمم ضربتان، أن يضرب بيده على الأرض ويفرق بين أصابعه ولا بأس أن ينفضهما ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب بهما ضربة أخرى فيضع اليسرى على ظاهر يده اليمنى ويمرها على ظاهر الكف، ثم يعمل كفه اليمين على ظاهر كفه الأيسر مثل ذلك، وإن أخطأ شيئا من مواضع الوضوء لم يصبه التراب أجزاه، وليس عليه أن ينوي بالتيمم فريضة، ولا صلاة تطوع، ولكن ينوي به طهارة لصلاة أو لرفع حدث.
ومن الكتاب: قال الله تبارك وتعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}، فالواجب على الإنسان أن يأتي من المسح ما يسمى به ماسحا وجهه ويديه ولو تركنا الظاهر لأجزنا مسح بعض الوجه، لاستحقاقه اسم ماسح غير أن الأمة أجمعت أن عليه أن يأتي بالمسح الذي يستوعب الوجه كله فعدلنا عن موجب اللغة إلى استيعاب الوجه بالاتفاق وهي التنازع بين الناس في اليدين والقول عندنا أن كل من سمي ماسحا بيده فقد امتثل ما أمر به إلا ما قام عليه دليله، فالإنسان إذا مسح كفيه يسمى ماسحا بيديه، فإذا استحق هذا الاسم خرج من العبادة، فإن قال قائل: اليد تسمى إلى المنكب يدا فهلا أمرت باستيعابه؟ قيل له: الواجب على المتعبد أن يأتي بما يسمى به ماسحا يده فهذا الاسم يستحقه، فإن قال: الإنسان يسمى ماسحا يده إذا مسح أصابعه، ألا ترى أن العرب يقولون: قطعت يدي بالسكين إذا قطع أصبعه وإن لم يبنها؟ قيل له: لولا أن الأمة أجمعت أن ما دون الكف لا يجزي لأجزناه ولكن لا حظ للنظر مع الإجماع وكل من سمي ماسحا يده سقط فرض المسح عنه إلا موضع قامت عليه الدلالة، ويدل على ما قلنا إن الكف يسمى يدا ما أجمعت عليه الأمة من أن الدبة في اليد خمسون من الإبل ولو كانت اليد المطلوبة إلى المنكب كان الإمام إذا قطع كف السارق مع الأمر له بقطع اليد أن يكون قاطعا بعض يده، ودليل آخر أن المخالفين لنا الموجبين المسح إلى المرفق والقائلين أن اليد إلى المنكب قالوا: قطع يد السارق من (9/177)
صفحة 2738
الساعد كان عليه ما عدا الكف حكومة ففي هذا دلالة أن اليد المطلوبة الكف وحدها، ألا ترى أنهم أوجبوا دية وحكومة في اليد التي أمر الله بمسحها فهي التي أمر بقطعها في السرقة، وإذا كان على ما ذكرنا كان الكف هو المأمور بمسحها وبالله التوفيق وبقي الدليل على الموجبين المسح إلى المرفقين والموجبين إلى المناكب ولله الحمد والمنة، فإن قالوا
إن التيمم بدل من الطهارة بالماء والبدل ينوب مناب المبدل منه، يقال لهم: هذا غير لازم لنا ولو كان الأمر على ما ذكرتموه لما جاز أن يقتصروا بالتيمم على الوجه واليدين لأن هذا بدل من ستة أعضاء، فلما قلتم أن هذا وإن كان بدلا من الماء فإن بعض الأعضاء ينوب مناب الكل فغير منكر أيضا أن ينوب الكف مناب الذراع، فإن قالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح اليد إلى المرفقين في التيمم، وروى غيرنا لنا مسح المنكبين قيل لهم: رويتم أيضا أنه مسح الكفين ولفظ به فلم اقتصرتم على بعض ما رويتم، ولو لم تعلموا بكل أخباركم ولما تكافت الأخبار ولم يعلم الناسخ منها من المنسوخ ولا المتقدم منها من المتأخر وجب اتفاقهما، وكان المرجوع إلى حكم القرآن بالاستدلال عليه باللغة التي خوطبنا بها، والله أعلم.
ومن الكتاب: وقال أهل المدينة: إذا ضرب المتيمم بيده على الأرض أجزاه علق بيده أو لم يعلق وهذا القول غلط ممن قال به، الدليل على ذلك قوله جل ذكره: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} يعني من الصعيد، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت لي الأرض مسجدا وجعل لي ترابها طهورا»، فمن مسح بغير التراب فلم يمسح بالقصد بالصعيد، والله أعلم. (9/178)
صفحة 2739
الباب الحادي والعشرون
في طلب الماء عند التيمم
من جامع أبي محمد: وإذا تيمم الرجل لصلاة الفريضة فقضى به الصلاة فليس له أن يصلي التطوع حتى يحدث له تيمما غيره بعد طلب الماء وإياس منه، كما فعل قبل ذلك لصلاة الفريضة، فإن قال قائل: لم أوجبتم عليه التيمم الثاني لم ينتقض من تيمم الفريضة؟ قيل له: لما كان مخاطبا بالفريضة لزمه طلب الماء لها فلما أيس وجب عليه فعلها لزمه عند قيامه إليها وطلب الطهارة التي خوطب من أراد الصلاة فلما لم يجد الطهارة المأمور بها للصلاة وهو الماء كان عليه البدل وهو التيمم.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: وإذا صار المسافر في موضع الإياس من الماء ووجوده وحضرت الصلاة، فالمأمور به أن يطلب الماء ويجتهد في بغيته ولابد من الطلب والملاحظة يمينا وشمالا، ويسأل أصحابنا إن كان معه ناس، والطلب فريضة لقول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، فلم يبح التيمم إلا بعد العدم من الماء، والعدم لا يكون إلا بعد الطلب والاجتهاد فإن جهل الطلب من إياسه من وجود الماء وتيمم وصلى فأحرى أن تلزمه الكفارة لتركه المفروض عليه وعدوله إلى ما سواه لغير عذر، ولا يعذر بالتضييع كما أمره الله من طلب الماء مع الإمكان له من الطلب لأن حدوث الماء في تلك الأمكنة جائز في قدرة الله عز وجل أن يحدثه في أماكن الإياس من وجوده إذا كان غير محال منه جل وعلا.
فإذا لاحظ فلم يجد الماء ثم تيمم وصلى ثم حضرت فريضة أخرى فإنه يلاحظ أيضا ويطلب الأحوط له في دينه وإن كان عهده بالملاحظة والطلب قريبا، وموضع الفريضة الثانية هو موضع الفريضة الأولى وقريبا منه، ولا يجوز حدوث الماء في تلك المدة اليسيرة ولا يرى علامات تدل على حدوثه مثل المطر أو نزول أحد من تلك (9/179)
صفحة 2740
الأمكنة فأرجو أن يكون جائزا له التيمم بلا ملاحظة مع هذه الصفة، والله أعلم.
مسألة: وطلب الماء بعد دخول الوقت شرط في صحة التيمم، فقال أبو حنيفة: ليس شرطا فيه، الحجة عليه قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ}، ولا يقال لم تجد بحر إلا إذا طلب فلم يجد، والله أعلم.
مسألة: والمسافر إذا لم يسال أصحابه عن الماء ورآهم تيمموا وصلوا فتيمم هو وصلى فقد كان عليه أن يسألهم فإذا لم يسألهم فعليه بدل الصلاة في الوقت وبعد الوقت.
مسألة: ومن كان عنده قوم فنزلوا على غير ماء فعليه أن يسأل ويطلب الماء من القافلة فإن لم يسأل هو عن الماء ولم يطلب فعليه البدل في الوقت وغير الوقت وعليه أن يسأل ويطلب ويلاحظ الأرض.
مسألة: قال قومنا: من كان في سفر واحتاج إلى الماء لوضوء فرض عليه لزمه قبوله، ولم يجز له التيمم، وقال بعض الشافعية: إن الرجل إذا لزمه كفارة ولم يكن معه ثمن الرقبة فعرض عليه رقبة أو ثمنها لم يلزمه قبول ذلك، الفرق بينهما أن أصل الماء الإباحة كذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان يشرب مع الأنهار مع كون تحريم الصدقات عليه لأنه لم يكن عليه في ذلك غضاضة ولا تلحقه منه. (9/180)
صفحة 2741
الباب الثاني والعشرون
في حد طلب الماء من كتاب الأشراف
قال أبو بكر: روينا عن ابن عمر إن كان يكون في السفر والماء علوتين ولا يعدل إليه، وقال الأوزاعي بثبات الماء في السفر على علوتين من طريقه، قال مالك: كما شق على المسافر من طلب إن عدل إليه فاته أصحابه فإنه يجوز التيمم دونه، وقال إسحاق: لا يلزمه الطلب إلا في موضعه، وذكر حديث بن عمر، وقال الشافعي: إذا لم يقطع به الطلب صحبة أصحابه ولا يخاف على رحله إذا توجه إليه ولا في طريقه إليه ولا يخرج عن الوقت حتى يأتيه فعليه أن يأتيه، وإن خاف بعض ما ذكرنا فليس عليه طلبه، قال أبو بكر: النية للتيمم ومذهبه أن الأعمال بالنية وأن التيمم لا يجزيه إلا بالنية، ربيعة ومالك والليث بن سعيد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور، ومما أحسب مذهب الثوري والنعمان في التيمم إلا كمذهبه وكذلك نقول، قال أبو سعيد: لا أعرف ما أعني به من الحد، وأما معنى ما يخرج فيه من قول أصحابنا أنه ليس على المسافر أن يعدل عن سفره في طلب الماء في جميع ما تلحقه فيه الضرورة من وجه من الوجوه في مال ولا في نفس، وإذا كان غير ذلك وإنما هو على ما يقع عليه من المشقة، ومن التعوق عن سفره فقد يخرج في بعض قولهم أنه يمضي لسفره ولا يعدل في طلب الماء إذا لم يكن يعرفه ولو سمع مثل صوت الزاجرة ولا يعرف أين هي وأما إذا عرف الماء وكان يرجوه بلا مشقة تدخل عليه فيها معنى الضرر فعليه أن يعدل إلى الماء، وأما إذا كان تدخل عليه المشقة عن مضي سفره فليس المسافر كالمقيم، وقد يخرج في معنى قولهم تحديد ذلك في النظر لا على التحديد في المسافة وقد مضى ذكر النية للطهارة قبل هذا. (9/181)
صفحة 2742
[صفحة بيضاء] (9/182)
صفحة 2743
الباب الثالث والعشرون
في التراب الذي يتيمم به من كتاب (الأشراف)
قال أبو بكر: قال الله جل ذكره: {فَتَيَمَّمُواْ}، وقال الثوري: تحروا وتعمدوا، وأجمع أهل العلم على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز، وقال ابن عباس: أرض الحرب، قال الشافعي: لا يقع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار، وقال أحمد: الصعيد.
قال أبو بكر: في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت لي الأرض مسجدا وجعل ترابها طهورا»، دليل على أن التيمم بكل تراب جائز، قال أبو سعيد: معي أن معاني قول أصحابنا يخرج على أن التيمم جائز بجميع التراب إذا كان له غبار وأنه لا يجوز التيمم بغير تراب ذي غبار إذا وجد هذا التراب، أو غيره من التراب الذي ليس بذي غبار فإذا عدم التراب ذو الغبار، فالتيمم بالتراب ولو لم يكن ذا غبار واجب لمعنى ثبوت الصعيد به ومما قالوا أنه: لا تيمم به تراب السبخ من الأرض، لا تثبت إذا وجد غيره من التراب، وكذلك الثرى من آثار الماء ولو كان من غير أرض السبخ فإذا اتفق تراب السبخ والثرى من الماء من الأرض التي ليس بسبخ فأشبهها بتراب الغبار أولى، فإن استوى كان السبخ أحب إلي وأولى، وما لم يستحل التراب عندهم إلى معنى الطين، فالتيمم به ثابت لثبوته في اسم الصعيد.
ومن الكتاب: قال أبو بكر: التيمم بكل تراب جائز سبخ أو غيره على ظاهر قوله، وجعل ترابها لنا طهورا، على مذهب مالك والأوزاعي والشافعي، ومنه قول ثان وهو أن التيمم لا يجوز بتراب السبخة كلك قال إسحاق، وقال أبو سعيد: قد مضى في ذكر هذا ما يجتزئ به عن إعادته عندنا وإذا لم يكن غيره من (9/183)
صفحة 2744
التراب أشبه بمعاني تراب الغبار فلا معنى يمنع التيمم به لثبوته في جملة التراب ولثبوت التيمم بالتراب، ومعي أن في قول أصحابنا أنه إذ لو يعدم الماء فالثلج أنه يتيمم به ولعل ذلك إذ هو مشبه عندهم التراب، وقد ثبت التراب وقد ثبت أنه ليس من التراب بمعاني الاتفاق، واسمه ليس بتراب وليس من الأرض فلما ثبت مشبها بالتراب ثبت به التيمم في بعض قولهم وبعض لا يرى به التيمم.
ومن الكتاب: قال حماد بن أبي سليمان: لا بأس أن يتيمم بالرخام، قال الأوزاعي: الرمل من الصعيد يتيمم به، وقال مالك: يتيمم بالحصى، وقال أبو ثور: لا يتيمم إلا بالتراب أو رمل، وقال أصحاب الرأي: كل شيء تيمم به من تراب أو طين أو حصى أو نورة، أو زرنيخ وما يكون من الأرض يجزي التيمم بذلك كله، وقال الشافعي: أما البطحاء الرفيعة والغليظة والكثيب الغليظ فلا يقع عليه اسم صعيد، قال أبو بكر: التيمم بالتراب جائز ولا يجوز بغير التراب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جعل ترابها لنا طهورا»، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا عدم التراب تيمم بكل ما يوجد منه ولو لم يكن فيه عين قائمة للتراب وأقرب ذلك في النظر بوجود الغبار ومخالطة التراب أولى إذا وجد ذلك من رمل أو حصى أو رخام ومداد أو صفا، وإذا عدم الاختيار من ذلك فكل مما فيه غبار فالتيمم به جائز ثابت مقدم على جميع الأشياء من غير التراب، فإذا وجد التراب الذي أصله من التراب ولو كان قد غيرته النار مثل الآجر وما أشبهه مما أصله من التراب فالصعيد به ثابت وأما النورة وما أشبهها مما هو من الحجارة وليس أصله من التراب فمعي أنه يختلف في التيمم به لاشتباهه بالتراب ولأنه من الأرض والصلاة عليه ثابتة بحكم أشباهه الأرض وهو داخل في جملة معاني الأرض وما كان أشبه منه لمعاني التراب كان أولى منه، وأما الرماد ونحوه فمعي أنه قد قيل: لا يتيمم به لأنه ليس مما يشبه التراب.
ومن الكتاب: واختلفوا في التيمم بالتراب النجس، ففي قول الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لا يجوز التيمم بالتراب النجس، وقال الأوزاعي: وإن تيمم بتراب المقبرة وصلى مضت صلاته، وقال أبو بكر: لا يجزئ التيمم بالتراب النجس، قال أبو سعيد: معي أنه لا يجوز التيمم بالتراب النجس إذا كان لا يختلف في نجاسة وما لم يثبت مجتمعا على نجاسته فالتيمم به للإجماع على لزوم التيمم عندي لأنه لا يزيل الإجماع إلا إجماع مثله. (9/184)
صفحة 2745
ومن غير كتاب (الأشراف): وأما الآجر والصاروج، فأرجو أن يجوز التيمم بهما في الصلاة عليهما لأنهما من الأرض.
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء: ومن كان في طين ولا يجد ماء فإن كان معه لبد لا يعلم به نجاسة نفضه أو سراج وتيمم بغباره، فإن كان في ثوبه غبار نفضه وتيمم بغباره، فإن لم يكن في ثوبه غبار ولم يكن معه لبد ولا سرج فليأخذ من الطين شيئا فيلطخ بعض ثيابه فإذا جف تيمم وصلى به، فإن لم يكن جف ولا ماء ولا صعيد انتظر حتى يجف الطيف، فإن علم أن الطين لا يجف حتى تفوت الصلاة صلى إذا لم يجد فإذا وجد أو جف الطين أعاد الوضوء إذا تيمم لأني سألت أبا عبيدة عن رجل كان في ثلج لا يستطيع الوضوء منه، ولا يجد صعيدا؟ فقال: يضرب بيده على الثلج ثم يمسح به وجهه كما كان يصنع في الصعيد.
رجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: والذي يتيمم به المسافر عند عدم الماء هو الصعيد الذي ذكره الله في كتابه وهو التراب دون ما سواه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت لي الأرض مسجدا وجعل ترابها طهورا»، وقد أجاز بعض أصحابنا التيمم بالتراب وما كان في معناه، ومن ادعى زيادة في الخطاب كان عليه إقامة الدليل.
ومن الكتاب: اختلف الناس فيما يجوز التيمم به فقال بعضهم: يجوز بالتراب والرمل والنورة والزرنيخ وما أشبه ذلك، وقال بعضهم: لا يجوز التيمم إلا بالتراب وحده، ورأيت أصحابنا يقولون: يجوز غير التراب ويقيمونه مقامه، والنظر يوجب عندي أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب وحده دون غيره لأن الخطاب من الله تعالى يدل على ذلك لقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، فدل قوله جل ذكره: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} على أن ما أمر بمسحه من الأعضاء يجب غسله بالماء إذا وجده ولا يجوز التطهر لمن فقده إلا بالصعيد وحده، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور»، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا إيمان لمن صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له»، وقد تعلق مخالفونا بظاهر هذين الخبرين، فقال: فمن لم يجد الماء والصعيد وعدمهما سقط عنه فرض الوضوء ونحن نبين هذا المعنى في موضعه إن شاء الله. (9/185)
صفحة 2746
ومن الكتاب: ولا يجوز عندي إلا بالتراب دون غيره لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت لي الأرض مسجدا وجعل لي ترابها طهورا»، وهذا اللفظ المنقول عنه يوجب صحة ما قلنا.
ومن الكتاب: ولا يجوز التيمم إلا بالتراب دون غيره، وهو الصعيد الذي سماه الله صعيدا، وأمرنا بالقصد إليه، وأما ما جازه مخالفونا من التيمم بالنورة والزرنيخ والرماد فذلك عندنا خطأ، فإن قال بعض من يحتج لمن أجاز التيمم بغير التراب الخالص أن الصعيد مأخوذ مما تصاعد على الأرض وعلاها فالتراب وغيره يستحق هذا الاسم، يقال له هذا إغفال منك إذ ليس اسم الصعيد مأخوذ من الصعيد ولو كان كلما ارتفع من الأرض وعلا يسمى صعيدا لكان الحيوان وما كان في معناه يسمى صعيدا، بل اسم الصعيد اسم علم ليس باشتقاق، ألا ترى إلى قول لبيد:
قوم حنوطهم الصعيد وغسلهم ... نجع الترائب والرؤوس تقطف
ويدل على ذلك أيضا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا».
ومن الكتاب: والتراب النجس هو عندي كالماء النجس، وتراب الآجر والخزف هو عندي كالماء المستعمل لأن اسم التراب قد زال عنه وصار مضافا إلى غيره وتغير بالصيغة الحادثة فيه، كالماء المستعمل الذي قد تغير عن وصفه الأول لحدوث الواقع فيه والخارج منه والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة: وإن تيمم رجل أو امرأة فلا بأس أن يضع غيرهما يده في ذلك الموضع ويتيمم، ولا يتيمم بالتراب الذي وقع منهما، وبالله التوفيق.
مسألة: ومنه لا يجوز التيمم بحكك ولا رماد ولا بجص ولا قمح ولا ملح ولا بتراب بيوت أهل الذمة ولا بتراب قد تيمم به مرة لأنه يكون كالماء المستعمل، وكذلك نهى عن استعماله، وقيل: لا يتيمم الرجل من التراب الذي سقط من ضربته الأولى وأجازوا له الصلاة عليها والله أعلم، ويجوز التيمم على بقعة واحدة بضربتين، والصعيد القذر الذي يكون فيه البول وقد جف فلا يجوز التيمم به فإن صلى أعاد التيمم والصلاة. (9/186)
صفحة 2747
مسألة: قال في كتاب الضياء: وقد رأيت أبا عبيدة مرض مرضا وكان له تراب في شيء موضوع فكان إذا حضرت الصلاة تيمم بذلك الصعيد وهو مقيم بالبصرة. انقضت الزيادة المضافة. (9/187)
صفحة 2748
[صفحة بيضاء] (9/188)
صفحة 2749
الباب الرابع والعشرون
فيمن وجد الماء فتركه فتيمم عنده أو سار عنه
وتيمم بعده وما أشبه ذلك
وعن محمد بن الحسن في امرأة كانت في سفر مع رجال ليس فيهم لها ولي حضر وقت الصلاة ومعهم شبكة فجعل الرجال يتوضأون ولم يمكنها هي أن تتوضأ واستحت أن تسألهم أن يعطوها ماء فتيممت وصلت؟ قال: عليها البدل ولا كفارة عليها، وقال الشيخ أبو إبراهيم: ما آمن عليها الكفارة.
مسألة: وسألته عن المسافر إذا حان عليه وقت الصلاة وهو قد دنا من الماء ويطمع أن يدركه في أول وقت الصلاة أو أوسطها هل يجزيه أن يتيمم في حين ما يحضره وقت الصلاة ويصلي قبل أن يجيء إلى الماء؟
قال: معي أنه قد قيل: ذلك في بعض القول وفي بعض القول أنه ينتظر ما دام يرجو وصول الماء بغير مخاطرة لصلاته، قلت له: فعلى قول من يقول، إن له أن يتيمم ويصلي في أول الوقت يجيز له ذلك إذا كان اختيارا منه من غير خوف ولا علة، قال: هكذا عندي.
قلت له: فإن جاء إلى الماء في أول وقت الأولى وقد كان جمع الأولى والعصر وكان قد صلى وفي بدنه نجاسة، أو كان طاهرا هل عليه بدل الأولى والعصر أو أحدهما؟
قال: أما الأولى فعندي أنه قد قيل في ذلك باختلاف ويعجبني أن لا إعادة عليه ولو كان بالتيمم، وأما الآخرة فيعجبني أن في ذلك اختلافا، ويعجبني أن (9/189)
صفحة 2750
يعيد إذا كان بالتيمم، قلت له: فإن جاء إلى البئر وعليه دلو وقد حضر أول وقت الصلاة وهو مسافر هل يجوز أن يترك البئر ويسير وهو لا يرجو ماء غيره، أم لا يجوز له ذلك؟
قال: معي أنه إذا كان يقدر على الوضوء من البئر بذلك الدلو وقد حضر وقت الصلاة أن عليه الوضوء ولا يدع الوضوء إلا من عذر، قلت له: أرأيت إن ودع الوضوء من غير عذر وسار وهو لا يرجو ماء غيره وصلى بالتيمم هل تتم صلاته؟
قال: معي أن بعضا يقول إن صلاته تامة إذا كان في وقت من الصلاة وفسحة، وبعض يقول عليه الإعادة إذا كان قد وجد الماء فلم يتوضأ على حال فعليه الإعادة، قلت له: فإن كان عند البئر في آخر وقت الصلاة فمضى ولم يعرج على الوضوء منها وهو لا يرجو ماء غيرها فمضى ولم يتيمم، ولم يصل الأولى حتى فات وقتها ثم جمع الأولى والعصر بالتيمم هل ترى صلاته تامة وتكون هذه مثل الأولى؟
قال: معي أنه إذا كان يريد الجمع كان في فسحة من ترك الجمع، ولم تكن نيته في ترك الصلاة في وقت الأولى إلا ما هو فيه مشقة السفر إذ لا يمكنه في السفر ما يمكنه في الحضر، ولم يخف فوت وقت الجمع في مشيه ذلك وتركه الوضوء، فمعي أنها واحد، والقول في ذلك واحد على هذه الصفة، قلت له: فإن كان عند أصحاب له فتوضأوا من البئر في أول وقت الأولى وجمعوا وخاف هو إن توضأ دخل عليه في ذلك المشقة وخاف تولد النجاسة أو أن ينجس الدلو هل له أن يترك البئر ويسير وهو لا يرجو ماء غيره ويتيمم ويصلي، فإن فعل ذلك فهل تتم صلاته على هذا؟
قال: فإن كان في فسحة من الوقت على ما وصفت لك وهو ينوي الجمع أو في وقت من فسحة القصر فالمعنى فيه واحد عندي توضأ أصحابه أو لم يتوضأوا.
وإن ترك الوضوء وهو يقدر عليه لغير معنى ليس له فيه عذر وتيمم وصلى فعليه الإعادة عندي أقل ما يكون، قلت له: فإن كان يخاف المشقة من الوضوء من هذه البئر لأن عليها دلوا صغيرا هل ترى له هذا عذر حتى ترك الوضوء لغير علة ويسير؟
قال: معي أنه ليس له عذر إلا فيما ألا يطيقه في الوقت أو ما يخاف أن يتولد عليه مضرة في مال أو نفس أو دين. (9/190)
صفحة 2751
مسألة: ومن كتاب الأشراف: وقال الحسن البصري والثوري والشافعي وأصحاب الرأي: إذا تيمم للمكتوبة في أول الوقت ثم مر بالماء فلم يتوضأ ثم صار إلى مكان لا ماء فيه أن عليه أن يعيد التيمم ولا يجزئه عن ذلك لأنه حين وصل إلى الماء انتقضت طهارته ولا أعلم في هذا اختلافا، قال أبو سعيد: معي أنه هكذا في معنى قول أصحابنا إذا أمكنه، ومنه وإذا مر المسافر بالماء في غير وقت الصلاة ثم أدركته الصلاة؟ فقال الأوزاعي: وإن ظن حين مر بالماء يدرك من يديه فتيمم حين لم يجد الماء وصلى فلا شيء عليه، وإن مر بالماء يعلم أن لا ماء بين يديه، ثم أدركته الصلاة تيمم فإذا وجد الماء توضأ وأعاد ما صلى، قال أبو سعيد: لا بدل على هذا في قول أصحابنا.
مسألة: ومن غير كتاب الأشراف: والذي أصابته الجنابة على بئر يرجو أن يجد لها دلوا به فقعد وترك الغسل؟ فمعي أنه قيل: إن غدا قبل حضور الصلاة فلا بأس بذلك وإن كان بعد قرب الوقت ويرجو ما يلحقه فلم يبلغه فقد قيل عليه البدل بالماء إذا أدركه وصلى بالتيمم، وإن لم يكن يرجو ماء فهو أشد ولا أعلم عليه كفارة على حال.
مسألة: والمسافر إذا حان له وقت الصلاة وهو عند الماء ولم يخرج حتى يتوضأ فإن جهل ذلك وخرج على غير وضوء ثم تصعد وصلى كان عليه بدل الصلاة في قول أبي الحواري، قلت له: فإن تعمد وخرج على غير وضوء ثم تصعد وصلى فلم نر عليه إلا البدل.
مسألة: وعن رجل مسافر نزل بين مائين مضى على أحدهما فجاوزه ونزل دون الآخر ثم حضرت الصلاة فتيمم وصلى وهو يعلم أنه لو رجع إلى الماء الذي خلفه لأدركه وقت الصلاة، وكذلك لو مضى إلى الماء الذي قد أمه؟ قال: لا بأس عليه ولو مضى إلى الماء لكان أفضل.
مسألة: حفظ الفضل بن يوسف عن أبي المؤثر أن الخائف كمن لم يجد الماء يتيمم بالصعيد في بلد فيه الماء إذا حال بينه وبينه الخوف. (9/191)
صفحة 2752
[صفحة بيضاء] (9/192)
صفحة 2753
الباب الخامس والعشرون
في الذي يجوز له التيمم في عدم الماء وغير عدمه
وفي تيمم أصحاب العلل
والذي سمعنا في أن المسترسل البطن والذي ينطلق به الرعاف والذي ينطلق به القيء فلا يستمسك أنه يتيمم بالصعيد ويومئ إيماء.
مسألة: سألت هاشما، عن رجل لا يستطيع إمساك قطر الدم من أنفه وحضرت الصلاة كيف يفعل؟ قال: يسده بقطنة أو بخرقة ثم يصلي، قلت: أترى له أن يفعل ذلك في أول الوقت وآخره فلم يجب فيه شيئا، قال أبو المؤثر: ينتظر إلى ما يرجو أن يدرك الوضوء والصلاة قبل فوت الوقت ولا ينتظر انتظار مخاطرة، فإن انقطع الدم غسله وتوضأ وصلى وإن لم ينقطع فإن استمسك إن حشى منخريه بشيء ولم يتكرب فليحش منخريه وليغسل الدم وليتوضأ ويصل، فإن لم يمكنه أن يحشي منخريه وغلبه الدم ولم يمكنه أن يتوضأ لكثرة الدم وخاف إن مس وجهه الماء خالط الدم وينجس بدنه وثيابه فليتيمم فإني أحسب أنه قد قال من قال ذلك.
قال غيره: إن الذي يقول إنه يغسل بالماء من حدود الوضوء ما أمكنه وما لم يمكنه فليدعه ثم يتيمم بعد ذلك فإن أمكنه أن يصلي قائما ويضع بين يديه شيئا يقطر فيه الدم فليفعل وليصل وإن لم يمكنه ذلك وخاف أن يطير به الدم فليقعد ويضع بين يديه شيئا يقطر فيه الدم ويطأطئ رأسه ويصلي ويومئ إيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع، وإن جرى الدم على شاربه فلا ينقض ذلك وضوءه ولا تيممه، وقد سألت محمد بن محبوب عن ذلك فقال: لا بأس إن سال على الشارب فإن ذلك (9/193)
صفحة 2754
موضع مجاري الدم، وأنا أقول إن لم يستطع أن يحبسه عن سائر وجهه أو لحيته فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فلا بأس عليه أن يصلي على ذلك الحال، والله أعلم.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: واختلفوا في التيمم للمريض الواجد للماء أو كان غير واجد كمن به القرح والجروح والجدري وخاف على نفسه أن يتيمم ومعه ماء روينا عن ابن عباس في معنى قوله: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} فإذا كانت بالرجل جراحة في سل أو جروح أو جدري فأجنب خاف أن يغسل فيموت تيمم بالصعيد، ورخص مجاهد في التيمم للمجدور، وقال عكرمة: يتيمم الذي به القروح والجروح، ورخص طاؤوس في ذلك للمريض، كذلك قال قتادة وحماد بن أبي سليمان والنخعي للمريض الذي به الجدري وهو قول مالك في المجدور والمحصوب إذا خاف على أنفسهما.
وقال الشافعي: بمصر سمعت أن المريض الذي يتيمم الذي فيه الجراح والقروح والعور كل مثل الجروح، وفيه قول ثان وهو أن الرخصة في التيمم للمريض الذي لا يجد الماء فأما من وجد الماء فليس يجزيه إلا الاغتسال هذا قول عطاء بن أبي رباح، واحتج بظاهر الآية قوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، قال الحسن في المجدور تصيبه الجنابة يسخن له الماء ولابد من الغسل، ولأن عمرو بن العاص احتلم في ليلة باردة فأشفق إن اغتسل أن يعتل فتيمم وصلى فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فضحك ولم يقل شيئا.
وقال الحسن البصري: المريض تحضره الصلاة وليس عنده من يناوله الماء يتيمم ويصلي، وقال أصحاب الرأي: والمريض الذي في المرض الذي لا يستطيع الوضوء لما به من المرض يجزيه التيمم، وقال في المريض الذي لا يقدر على الوضوء بمنزلة المجدور، وكذلك قال إسحاق، قال أبو سعيد: التيمم بالصعيد للمريض ثابت في قول أصحابنا من كتاب الله حيث يقول: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء}، فعدد الأشياء التي تجب بها الطهارة ثم أباح التيمم فقيل، إن المرض مما يجب به العذر لأن من لم يجد الماء فهو مطلق له التيمم بعموم الآية، وإن ما استثنى المريض وأجاز له التيمم لمعنى المرض لا لغيره وإلا فعموم الآية تأتي على من لم يجد الماء، وكذلك يخرج معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن المريض إذا خاف على نفسه أنه لا يطيق الغسل والوضوء أو خاف على نفسه الضرر من ذلك أن له أن يتيمم. (9/194)
صفحة 2755
ومن الكتاب: قال أبو بكر: واختلفوا في المسح على الجبائر والعصائب فممن رأى المسح على العصائب ابن عمر وعطاء وعبيد بن عمير، وكان النخعي والحسن البصري ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور والمزني وأصحاب الرأي يرون المسح على الجبائر وروينا عن ابن عمر أن إبهام رجله خرجت فألقمها مرارة، وقال مالك في الظفر يسقط فيكسوه معيطكا ويمسح عليه، وهذا قول أصحاب الرأي، وللشافعي فيها قولان أحدهما: كقول هؤلاء، والقول الثاني: لا يمسح ويعيد كل صلاة صلاها، والقول الأول يوافق قول سائر أهل العلم وبه أقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه ما عرض شيء من مثل هذا فمنع ذلك بلوغ الغسل إليه بمعنى خوف ضره ضرر أو عدم أن يبلغ ذلك إليه مما قد حال بينه وبينه من قليل ذلك وكثيره من الجارحة أن له أن يوضئ سائر جوارحه، وسائر تلك الجارحة ويمسح على ما بقي ما لم يمكنه غسله إلا أن يأتي ذلك على الجارحة كلها فقد قيل: يتوضأ ويتيمم لتلك الجارحة، وقيل: إنه يوضئ ما بقي من سائر جوارحه ولا تيمم عليه ما كان الباقي من الجوارح أكثر جوارحه، ومعي أنه قيل: يتيمم لكل ما أعدم غسله من جوارحه كان قليلا أو كثيرا من الجارحة، ومعي أنه قيل: إذا كان أكثر الجارحة تيمم وإن كان أقل من أكثرها مسح عليها بالماء إذا أمكن ذلك ولا تيمم عليه.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: والتيمم لكل مسافر طال سفره أو قصر، وكذلك كل مريض يخاف زيادة مرضه بالماء.
ومن الكتاب: ومن صلى وبه جبائر لم يمكنه غسلها صلى ما أمكنه من جبائر أو غيرها، ولا إعادة عليه، ألا ترى أن المستحاضة تصلي مع سيلان دمها. (9/195)
صفحة 2756
[صفحة بيضاء] (9/196)
صفحة 2757
الباب السادس والعشرون
في المتيمم إذا وجد الماء
من جامع أبي محمد: والمتيمم إذا وجد الماء وقد دخل في الصلاة قطعها ولزمه فرض الطهارة بالماء، ووافقنا على هذا أبو حنيفة، وقال الشافعي وداود: إذا دخل في الصلاة ثم رأى الماء مضى في صلاته، ولم يكن رؤية الماء وهو في الصلاة حدثا يوجب قطعها، الدليل على صحة ما قلنا أن التيمم بدل من الماء، فإذا وجد المبدل منه عاد إليه وترك البدل لأن الإبدال كلها هنا سبيلها عندنا وعندهم حدث قبل الصلاة، والأحداث لا تختلف قبل الصلاة، أو بعد الدخول فيها فيجب أن يكون في كل موضع يوجد هذا الحدث في الطهارة بوجوده واجبه لأن الأحداث تختلف أحكامها سواء حدث في الصلاة أو قبلها، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك»، عموم، فوجب استعماله عند وجدانه في الصلاة أو قبلها والله أعلم.
ومن الكتاب: وإذا تيمم المسافر ودخل في صلاته ثم رأى الماء أن عليه أن يقطع الصلاة ويرجع إلى الطهارة بالماء، فإن قال قائل: لم أوجبتم الخروج من الصلاة وقد دخل فيها بأمر الله جل ذكره، وقد تطهر بالطهارة التي أمر الله بها عند عدم الماء، وحصل بها طاهرا وصار مأمورا بالصلاة، قيل له: عليه استعمال الماء قبل وجدانه إياه لعموم الخبر، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو أتى عشر حجج، فإن وجدت الماء فأمسسه جلدك»، ولم يذكر في صلاة من غير صلاة. (9/197)
صفحة 2758
[صفحة بيضاء] (9/198)
صفحة 2759
الباب السابع والعشرون
في المصلي إذا لم يجد ماء ولا صعيدا
من كتاب الأشراف: واختلفوا فيمن حضره الصلاة فقال الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يصلي حتى يقدر على الوضوء أو التيمم، وفيه قول ثان وهو أن يصلي كما قدر عليه ويعيدها، هذا قول الشافعي وأبي ثور، وقال أبو ثور: فيهما قولان أحدهما كما قال الثوري، والقول الثاني: أن يصلي ولا يعيد.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا أنه إذا لم يجد المصلي ماء ولا صعيدا أنه يختلف في قولهم، فمنهم من قال: يتأمل الوضوء بالماء، ويعمل به لأنه إذا عدم الصعيد ورجع إلى معنى ما كان عليه في الأصل، وقال من قال: يتأمل التيمم، فالذي يقول يتأمل التيمم فقيل إنه يضرب بيديه الهواء ويمسح على مواضع التيمم، وكذلك عندي قال: يتأمل الوضوء، فمثله في هيئة أخذ الماء ويمسح على جوارحه لأنه لا يمتنع من العمل وإنما عدم الماء والصعيد ولعله في بعض قولهم يخرج أنه يقدر ذلك في نفسه بغير عمل، والذي يقول بذلك فعلى معنى الاختلاف من تقدير التيمم والوضوء، وإنما يقصده بقلبه ونيته ويصلي ولا إعادة عليه في أكثر قوهم إلا على معنى قول من يقول: إن المتيمم عليه الإعادة إذا وجد الماء ولا يجوز ترك الصلاة على حال في مذهب أصحابنا ولو لم يجد الماء، وهذا من قولهم معنى شاذ عن الأصول ولا أعلم في إجازة ترك الصلاة لمعنى من المعاني.
مسألة: ومن جامع أبي محمد، وإذا خوطب الإنسان بفعل الصلاة وقد حضر (9/199)
صفحة 2760
وقتها فلم يجد ماء ولا صعيدا فإن عليه الصلاة وليس عجزه عن جود ما يتطهر به لها سقط عنه فرضها، كما قال بعض مخالفينا، واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقبل صلاة بغير طهور»، واعتمد على ظاهر الخبر ونفى أن تكون الصلاة مقبولة إذا لم تكن طهارة واحتج أن الله جل ذكره لا يكلف الإنسان صلاة غير مقبولة، وهذا عندنا أنه لمن قدر على الطهارة، والدليل على ذلك أن الصلاة قد وجبت بقول الله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ}، وقد تيقنا ثبوتها، وما تيقنا ثبوته فلا نزيله إلا بدلالة، والخبر الذي تحتج به محتمل ألا يقبل صلاة بغير طهور ممن يقدر عليه، فإذا كان الاحتمال واقعا لم ينتقل حتى تيقناه، فإن قال: وإن من شأننا التعلق بالعموم والخصوص ولا يزيل الطاهر لمن يحتمل من الخصوص إلا بدلالة، قيل له: والآية أيضا محتملة أن تكون وأقيموا الصلاة إن كنتم طاهرين فقد تعلق كل منا بعموم، واحتمل قول مخالفينا التخصيص ومن أمر بفعل شيئين فعجز عن فعل أحدهما لم يسقط عنه فعل ما قدر عليه، وقد أمر بالطهارة والصلاة فعجز عن الطهارة لا يسقط عنه فرض الصلاة، والله أعلم.
ألا ترى إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، وهذا مستطيع للصلاة معذور عن الطهارة ووجدت ابن جعفر يذكر في الجامع أن عليه أن ينوي التيمم ويصلي إذا لم يجد ماء ولا ترابا فلا أعرف وجه قوله في هذا، فإن كان قولا لأحد من علمائنا فسواء إن كان من طريق الإيجاب والاستحباب جاء الأمر بالنية للطهارة، فيجب أن يكون منويا للطهارة بالماء إلا أن التيمم بدل عن الماء والله أعلم.
واختلف أصحابنا فيه إذا وجد الماء وقد خرج الوقت، فقال بعضهم: عليه قضاء تلك الصلاة لأنه صلاها بغير طهارة، والحجة لأصحاب هذا الرأي إنما خص بوقت فخروج الوقت لم يسقطه إلا فعله أو بدلا منه، ألا ترى إلى النائم والناسي خروج الوقت لم يسقط عنهما فرض الصلاة، فإن قال قائل: إن النائم والناسي إنما وجب عليهما بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولولا ذلك لكان سبيله ما لم يرد به فيه وجوب فرض والله جل وعلا أن يفرق بين أحكام المتشابهات، قيل له: قد رأينا من جعل له حكم الإفطار من صومه لعجزه عن البدل وإن خرج الوقت بل القضاء يجب عليه مع القدرة، أحد أدلة من قال بإيجاب البدل عليه إذا وجد الماء وإن خرج الوقت والله أعلم بالأعدل من القولين. (9/200)
صفحة 2761
وقال بعضهم: لا قضاء عليه، وهذا القول عندي أنظر أنه إن صلى كما أمر فوجود الماء بعد خروج الوقت عليه لا يوجب عليه فرضا قد زال في وقته والله أعلم، فنحب لمن صلى بغير طهور لعجزه عن الطهارة، وقد كان معذورا أن يأتيها إذا قدر عليها ولا فرق بين الصلاة والصوم عند من أوجب القضاء على المصلي بغير طهور مع عدم الطهارتين الماء والتراب، والنظر يوجب عندي أن لا قضاء عليه لأن القضاء إيجاب لغرض ثان ولا يجب إلا بخبر يوجبه التسليم لأن الله تعالى قد فرق بين العاجزين في الحكم وأوجب على العاجزين عن الصوم القضاء ولم يوجب على العاجزين عن الصلاة القضاء والقياس يؤيد ما أخبرناه لأن القياس الصحيح أن يشبه الصلاة بالصلاة ولا يشبه الصلاة بالصوم، وذلك أن الله تعالى أوجب على المرأة الصلاة كما أوجبها على الرجل ثم أسقط عنها الصلاة في حال الحيض والنفاس لعجزها عن الطهارة، ثم لا بدل عليها كذلك يجب أن يكون الرجل تسقط عنه الصلاة لعجزه عن الطهارة ثم لا بدل عليه، فممن شبه العاجز بالعاجز بالصلاة أولى لمن شبه الصلاة بالصوم وبالله التوفيق.
مسألة: ومن غير الكتاب: وسألته عن من جهل التيمم في موضع لا يجد الماء وصلى بلا تيمم هل عليه كفارة؟ قال: معي أن بعضا يذهب إلى البدل بلا كفارة وفي السفر إلى الكفارة والبدل. (9/201)
صفحة 2762
[صفحة بيضاء] (9/202)
صفحة 2763
الباب الثامن والعشرون
في تيمم الحاضر إذا خاف فوت الوقت وكذلك المسافر
من كتاب الأشراف: واختلفوا في التيمم في الحضر لغير المريض إذا خاف فوت الصلاة إن ذهب إلى الماء ففي قول مالك أن يتيمم ويصلي، والأوزاعي والثوري ووليد بن مسلم عنهما قال الوليد: قد ذكرت ذلك لمالك وسعيد بن عبد العزيز قالوا: يغسل وإن طلعت الشمس، وقال الحسن البصري في المريض يخاف ذهاب الوقت وليس معه من يناوله الماء: يتيمم ويصلي ولا يجوز في قول الشافعي وأبي ثور للحاضر غير المريض التيمم بحال فإن فعل أعاد.
قال أبو سعيد: عندي أنه يخرج نحو جميع ما قالوا من معاني قول أصحابنا في الاختلاف من قولهم، وأحسن ذلك عندي أنه إذا لم يكن باستعماله الماء ويطلب الماء لمعنى الوضوء والغسل يبلغ به إلى الصلاة في وقتها كان عندي معدما للماء بالمخاطبة للصلاة، وكذلك عليه التيمم والصلاة في وقتها على حال فإن أعاد الطهارة في الوقت أو بعد الوقت فقد قيل ذلك، وإن لم يفعل فقد قيل ذلك إذا خرج معنى الصلاة على هذا النحو.
مسألة: ومن غير كتاب الأشراف: وأما ما ذكرت من أمر المسافر الذي حضرته الصلاة وعلى طريقه ماء فيمضي يريد الماء للصلاة فوصل وقد ضاق وقت الصلاة خاف إن تطهر فاتته الصلاة قبل ذلك فمعي أنه قد قيل: فمن كان الماء بحضرته وحضره وقت الصلاة وخاف إن تطهر فأتته الصلاة وإن تيمم وصلى أدرك وقت الصلاة، أنه قال من قال: يتيمم ويصلي لأن وجوبها في وقتها لا بعد ذلك فمن يقدر على الطهارة حتى يفوت وقتها، فليس ذلك بطهارة لها وهذا كمن لم يجد (9/203)
صفحة 2764
الماء، وقال من قال: إذا كان الماء بحضرته لا يطلبه توضأ وصلى ولو فاته الوقت لأنه واجد للماء وإنما التيمم لمن لم يجد الماء ولعل أثبت المعنيين إذا فرض الصلاة في وقتها بطهارة إذا أمكن وإلا تيمم.
مسألة: عن أبي الحواري: وعن امرأة كانت مسافرة طمعت أن تدرك الماء قبل صلاة الصبح وعميت أن تتيمم عمى منها فصارت إلى الماء وطلعت الشمس، فعلى ما وصفت فلا عذر لهذه المرأة وعليها الكفارة وكذلك قال نبهان بن عثمان في هذه المسألة أن عليها الكفارة إذا لم يتيمم حتى طلعت الشمس.
مسألة: قلت له: فمن صلى في القرية بالتيمم ثم وجد الماء من قبل أن يفوت الوقت وقت الصلاة، هل عليه إعادة؟ قال أبو الحواري -رحمه الله-: فأرجو أنه قال: ليس عليه إعادة فيما سألته، عنه قال: وأما أنا فأحب أن يعيد إذا وجد الماء في وقت الصلاة.
مسألة: وسألته عن رجل كان مسجونا في قرية أو خائفا فصلى بالتيمم ثم خرج من السجن أو من خوفه وأدرك الماء قبل فوت الصلاة هل عليه أن يعيد الصلاة بالوضوء، فرأيته يجب أن يعيد الصلاة بالوضوء، قلت له: فإن لم يعد الصلاة بالوضوء ومضى على ما قد صلى فلم نر عليه في ذلك شيئا وكأنه يجب أن يصلي إذا أدرك الماء في وقت الصلاة.
مسألة: وقال: في الذي يحضر الصلاة ولا ماء معه بحضرته والماء عنده نازح أيذهب إليه أم كيف يفعل؟ قال: قال من قال: إنما عليه أن يذهب إلى الماء إذا كان في موضع يصل إليه فيتوضأ منه ويرجع يصلي في موضعه من قبل أن يفوت وقت الصلاة وإنما هذا في وطنه. (9/204)
صفحة 2765
الباب التاسع والعشرون
فيمن صلى بالتيمم في الحضر ثم أدرك الصلاة قبل الفوت
قلت له: فمن صلى في القرية بالتيمم ثم وجد الماء من قبل أن يفوت وقت الصلاة هل عليه إعادة؟ قال: أما أبو الحواري فأرجو أنه قد قال: ليس عليه إعادة فيما سألته عنه، قال: وأنا أنا فأحب أن يعيد إذا وجد الماء في وقت الصلاة.
مسألة: وسألته، عن رجل كان مسجونا في قرية أو خائفا فصلى بالتيمم ثم خرج من السجن أو أمن خوفه وأدرك فوت الصلاة، هل عليه أن يعيد الصلاة بالوضوء؟ فرأيته يجب أن يعيد الصلاة بالوضوء، قلت له: فإن لم يعد الصلاة بالوضوء ومضى على ما قد صلى فلم نر عليه في ذلك بأسا، وكذلك نحب أن يصلي إذا أدرك الماء في وقت الصلاة.
مسألة: وعن رجل ينام في بلده فيذهب به النعاس حتى يقوم في وقت يخاف فيه فوت صلاة الفجر أو غيرها فيذهب إلى الماء فيخاف أن تفوته الصلاة قبل أن يصل إلى الماء وهو في بلده هل يجوز له التيمم للصلاة ويصلي أم هذا مخالف للسفر وله أن يذهب إلى الماء ويتوضأ ويصلي أي وقت وجد الماء ولو فاتته الصلاة لأنه كان إذا ذهب به النعاس ولم يفرط، فهذا له أن يصلي بالتيمم ولا فرق في ذلك عندنا في السفر والحضر في عامة قول أصحابنا، وقد قيل في ذلك بخلاف هذا ولا نبصر الفرق بين ذلك بوجوب الفرض في وقته ونزول العذر من عدم الماء متصل بما يليه من الوضوء.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: مذهب الشافعية أنه يتيمم في السفر ويعيد، قال الشافعي: وقد قيل: لا يتيمم إلا في سفر يقصر مثل الصلاة، قال أبو سعيد: معنى قول أصحابنا أنه من لم يجد الماء عند حضور الصلاة من (9/205)
صفحة 2766
مسافر أو مقيم ولا يرجو بلوغه في وقت الصلاة أن له وعليه أن يتيمم ويصلي، فإن كان من غير جنابة فمعي أنه في أكثر أن صلاته تامة ولو وجد الماء في الوقت من تلك الصلاة، وقد قيل: يعيد إذا أدرك الوقت، وقد قيل: لا إعادة عليه وقد اختلفوا فيه بعد الوقت جنبا أو غير جنب وذلك لعله مما على غيره أكثر القول وفرق منهم من فرق بين المسافر والمقيم فأثبت الإعادة على المقيم دون المسافر معهم من جاوز الفرسخين من وطنه في معاني الاتفاق من قولهم، وما كان دون ذلك فليس بمسافر.
ومن الكتاب: أجمع أهل العلم على أن من تيمم وصلى ثم وجد الماء بعد خروج وقت الصلاة أن لا إعادة عليه، واختلفوا فيمن صلى بالتيمم ثم وجد الماء قبل خروج الوقت فكان عطاء وطاووس والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري وربيعة يقولون إنه يعيد الصلاة واستحب الزهري ذلك، وقال: ليس بواجب وفيه قول ثان فعل ذلك ابن عمر ولم يعد، وبه قال الشافعي والنخعي وأبو سلمة ابن عبد الرحمن ومالك بن أنس والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وبه نقول، لأنه إذا أدى فرضا لزمه فغير جائز أن يوجب عليه الإعادة بغير حجة.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج كله في معاني قول أصحابنا إلا قوله بالإجماع أنه ليس عليه الإعادة بعد خروج الوقت فقد يخرج عندي أن عليه الإعادة في وقت ما قيل، وأصحابنا يفرقون في تيممه عن الجنابة وتيممه عن غير الجنابة إذا وجد الماء في الوقت وكل ذلك يختلف فيه من قولهم. (9/206)
صفحة 2767
الباب الثلاثون
في قراءة القرآن في الحمام من غير الكتاب
والزيادة المضافة إليه
من كتاب الأشراف: واختلفوا في القراءة في الحمام، فكان أبو وائل والشعبي والحسن ومكحول وقبيصة ابن ذويب يكرهون القراءة في القرآن فيه، وكان النخعي يقول لا بأس بالقراءة في الحمام وبه قال مالك.
قال أبو سعيد: معي أنه قد جاء معاني الكراهية للصلاة في الحمام بمعنى النهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا ثبت معنى ذلك للأصل لا غيره فيشبه ذلك أن يكره فيه القراءة للقرآن كما يكره فيه الصلاة لأن القراءة معناه مستو في الشبه لمثل هذا من معاني الصلاة، كذلك يخرج عندي معنى الكراهية للقرآن ولو كان طاهرا وكان عريانا لا ثوب عليه إلا لمعنى الضرورة، ويخرج هذا عندي لتعظيم القرآن العظيم، وهو عندي إذا كان طاهرا في الحمام أو عريانا، أما ما لم يكن طاهرا فقد مضى القول فيه، وإذا كان عريانا في الحمام كان أشد عندي في الكراهية من الوجهين جميعا ... اهـ.
قال المحقق: تم الجزء التاسع في الغسل من الجنابة والتيمم، وهو الثالث من الطهارات من كتاب بيان الشرع، وكان الفراغ من عرضه في يوم السبت السادس من صفر سنة 1404هـ، الموافق الثاني عشر من شهر نوفمبر سنة 1983م، معروضا على نسختين مخطوطتين الأولى بخط (9/207)
صفحة 2768
عبد الله بن حميد بن سويف الخروصي فرغ منها عام 1303هـ، والثانية بخط سالم بن ساعد بن سالم بن مصبح الذيباني فرغ منها عام 1296هـ.
((سالم بن حمد بن سليمان الحارثي)) (9/208)
صفحة 2769
((كلمة المحقق))
لقد انتهى بحمد الله وحسن توفيقه تحقيق الجزء التاسع من كتاب بيان الشرع ويبحث هذا الجزء أحكام الغسل من الجنابة وكيفيته وفي أحكام الجنب والحائض والنفساء وما يحلها منهما، وأحكام التيمم وصفته وكيفيته والوقت الذي يجب فيه ومعاني ذلك والحمد لله رب العالمين.
سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
5 صفر 1404هـ
13/ 11/1983م (9/209)
صفحة 2770
[صفحة بيضاء] (9/210)
صفحة 2771
ترتيب الأبواب
الصفحة
الباب الأول: ... 5
في الغسل من الجنابة
الباب الثاني: ... 35
في كيفية الغسل
الباب الثالث: ... 61
في حد الماء يغسل به من الجنابة وفي صفة الغسل من الجنابة وما أشبه ذلك
الباب الرابع: ... 73
فيمن شك أنه غسل من الجنابة أو لم يغسل
الباب الخامس: ... 81
فيمن يرى الجماع ولا يقذف أو انتبه ولا يدري قذف الجنابة أو لم يقذفها
الباب السادس: ... 97
في تيمم الجنب لصلاته وفي صلاته
الباب السابع: ... 103
في مس الحائض والجنب المصحف وتعليقهما التعاويذ ومس الدراهم التي فيها اسم الله
تعالى من كتاب الأشرف (9/211)
صفحة 2772
الباب الثامن: ... 105
في عرق الجنب وريقه ورطوباته وما مس من شيء
الباب التاسع: ... 109
في فعل الجنب وهو جنب
الباب العاشر: ... 125
في منع الجنب والحائض والمشرك دخول المساجد ونحوها من قراءة القرآن
وما أشبه ذلك.
الباب الحادي عشر: ... 133
في دخول الحائض والجنب المسجد وما أشبه ذلك من كتاب الأشراف.
الباب الثاني عشر: ... 137
فيمن ترك شيئا من بدنه أو علق به شيء وما أشبه ذلك.
الباب الثالث عشر: ... 147
في صلاة من ترك الغسل من الجنابة وصيامه
الباب الرابع عشر: ... 149
في غسل المرأة من الجنابة
الباب الخامس عشر: ... 153
في جنابة المرأة والغسل من الجنابة والتيمم منها
الباب السادس عشر: ... 161
في جنابة الخنثى
الباب السابع عشر: ... 163
في غسل النصرانية تكون تحت المسلم وتجنب
الباب الثامن عشر: ... 165
في قراءة الجنب والحائض القرآن. (9/212)
صفحة 2773
الباب التاسع عشر: ... 167
في التيمم من كتاب الأشراف
الباب العشرون: ... 175
في صفة التيمم وفي ضرب اليدين بالتراب وما أشبه ذلك.
الباب الحادي والعشرون: ... 179
في طلب الماء عند التيمم
الباب الثاني والعشرون: ... 181
في حد طلب الماء من كتاب الأشراف.
الباب الثالث والعشرون: ... 183
في التراب الذي يتيمم به.
الباب الرابع والعشرون: ... 189
فيمن وجد الماء فتركه فتيمم عنده وسار عنه وتيمم بعده وما أشبه ذلك.
الباب الخامس والعشرون: ... 193
في الذي يجوز له التيمم في عدم الماء وغير عدمه وفي تيمم أصحاب العلل.
الباب السادس والعشرون: ... 197
في المتيمم إذا وجد الماء من جامع أبي محمد رحمه الله. ...
الباب السابع والعشرون: ... 199
في المصلي إذا لم يجد ماء ولا صعيدا من كتاب الأشراف. (9/213)
صفحة 2774
الباب الثامن والعشرون: ... 203
في تيمم الحاضر إذا خاف فوت الوقت وكذلك المسافر من كتاب الأشراف.
الباب التاسع والعشرون: ... 205
فيمن صلى بالتيمم في الحضر ثم أدرك الصلاة قبل الفوت
الباب الثلاثون: ... 207
في قراءة القرآن في الحمام من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه من كتاب الأشراف. (9/214)
صفحة 2775
طبع بمطبعة عُمان و مكتبتها
القرم ص. ب:7252
مطرح-سلطنة عُمان
1984م-1404هـ (9/215)
صفحة 2776
[صفحة بيضاء] (9/216)
صفحة 2777
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء العاشر
1404هـ/1984م (10/1)
صفحة 2778
(صفحة 2 بيضاء ( (10/2)
صفحة 2779
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء العاشر
1404 - 1984م (10/3)
صفحة 2780
(صفحة 4 بيضاء ( (10/4)
صفحة 2781
الباب الأول
في الصلاة
ومن جامع (أبي محمد): قال الله تبارك وتعالى لنبيه: {قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} (إبراهيم:31)، وقال الله عز وجل: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} (البقرة:238)، وقال الله عز وجل: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} (البقرة:239).
ويقال في الخبر: إن أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، وفي الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن عباس بعث معاذا إلى اليمن فقال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله عز وجل افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة»، وقال عليه السلام عام حجة الوداع: «أيها الناس إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاتكم طيبة بها أنفسكم، وأطيعوا ولاة أموركم تدخلوا جنة ربكم»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا خمسكم»، وقول الله تعالى: {والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} يدل على أن الفرض خمس، وأن الوتر ليس بفرض، ولو كان الوتر فرضا لقال - صلى الله عليه وسلم -: «ستا» ولم يكن لقول الله تعالى: {والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} معنىً يعرفه، إذ (الوسطى) لا تكون إلا ما كان قبلها من عدد مساويا لما بعدها، وتسمى متوسطة إذ هي بين شيئين مستويين، فهذا يتهيأ في الخمس.
فإن قال قائل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «زادكم الله صلاة سادسة»، قيل له: قال (زادكم) ولم يقل: (زاد عليكم)، يريد بذلك الثواب والله أعلم. #^* (10/5)
صفحة 2782
قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ} (النساء:43)، وقال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} (النساء:142)، فالذي ينبغي لمن قصد إلى الصلاة أن يقوم إليها بأولى الجهات فيها غير متشاغل بغيرها، ولا يكون متكاسلا، همه أداء فرضها.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق عروة عن أبيه أنه قال: «إذا حضر الخلاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالخلاء»، ويروى عنه من طريق عائشة عليها السلام أنه قال: «إذا وضع العشاء وحضرت العشاء فابدأوا بالعشاء»، فالواجب على المرء أن يلقي علائقه قبل القيام إليها ليكون مقبلا بجوارحه كلها عليها مصروف الهم إليها، منقطع الخاطر عن غيرها، فإذا قام إليها بهذه الصفات التي أمرناه بها فشك فيها أو سها عن بعضها ما لا يكون من فرضها، ولا تتم إلا به من أعمالها، لم يكن خارجا يعترضه للسهو عنها إذ قد تحرى بحسب طاقته، ولم يكلف الله أحدا ما ليس في قدرته.
ومن الكتاب: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن عمر أنه نهى أن يصلي الرجل صلاة في يوم مرتين، وفي هذا الخبر دلالة أن خبر معاذ منسوخ له.
ومن الكتاب: اختلف أصحابنا في بدء فريضة الصلاة كيف افترضت؟ فقال بعض: افترضت في ابتدائها صلاة السفر ركعتين ثم زيد في صلاة المقيم وتركت صلاة المسافر بحالها.
وقال بعضهم: افترضت في الابتداء صلاة المقيم أربعا، ثم حطت عن المسافر ففرضت وتركت صلاة المقيم بحالها.
والذي عندي، والله أعلم أن الصلاة افترضها الله في كتابه القرآن جملة ثم بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الجملة بالسنة وبين أن الفرض في الجملة على المقيم ما هو وهو ما عليه الناس من صلاة المقيم والمسافر، والذي أتوهمه أن أبا المنذر بشير بن محمد بن محبوب كان يقول بهذا من غير يقين مني لذلك، لأني وجدت له قولا في كتابه المعروف (بالخزانة) يدل على هذا قال: إن الله تعالى افترض الصلاة والزكاة جملة (10/6)
صفحة 2783
وفسرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسنة وهكذا القياس.
والأشبه والأقرب إلى النفس لعدم صحة الأصل، ويدل على صحة ما استدللنا به أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قبل نزول فرض الصلاة بالقرآن إنما كانوا يصلون نوافل، فلما جاء فرض الصلاة والأمر بالإلزام في الجملة، وبينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسنة أزاح الشبهة، فلو كان الفرض لازما في الابتداء ركعتين فزيد في صلاة المقيم كانت صلاة المسافر في المغرب ركعتين، وأيضا فلما اجتمعت الأمة أن صلاة المغرب في الحضر والسفر ثلاث ركعات سواء كان المصلي مقيما أو مسافرا دل على أن الذي ذكرناه أولى بالصواب وأشبه بالسنة، وكذلك الجمعة ركعتين، ليس بظهر لمن صلاها مقيما أو مسافرا والله أعلم.
ومن الكتاب: ولا يجوز الإقعاء في الصلاة ولا افتراش الذراعين في السجود، لما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا عليّ إني أحب لك ما أحب لنفسي وأكدر لك ما أكره لنفسي لا تقرأ راكعاً ولا ساجداً ولا تنظر قبل وجهك ولا عن يمينك ولا تصلّ عاقص شعرك ولا تقعدن على عقبيك في الصلاة، ولا تفرش ذراعيك في الصلاة كما يفرش الكلب ولا تعبثن بالحصى في الصلاة».
ويستحب للمصلي أن يجعل نظره أمام وجهه، وأحب إليّ أن يكون موضع سجوده، لأن في ذلك ضربا من الخشوع، ولا يضع المصلي يديه على خاصرتيه في الصلاة لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الاختصار في الصلاة، والاختصار الذي نهى عنه -عليه السلام- هو هذا والله أعلم.
ومن الكتاب: قال الله تعالى جل ذكره: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} وكل من تعبد بالتقرب إليه به فهو حسن لا يدخل في حيّز القبيح، ومن أتى قبيحا أو فعلة فقد تقدم الدليل باستحقاق العقاب على ذلك ولا يدخل في حيز الطاعات، وإن كان الحكم واقعا به من أمر الله -عز وجل- بإتيان الصلاة ليبلونا أينا أحسن عملا؛ وقد قال -جل ذكره-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} (البينة:5).
والأمر قد وقع بإتيان الصلاة، فلا يجوز إتيانها إلا بالإخلاص لله -عز وجل- والمخالف فيها لله -عز وجل- غير مخلص له بها بل قد اتبع الشيطان (10/7)
صفحة 2784
وخالف الرحمن.
ومن الكتاب: والصلاة من طريق اللغة الدعاء قال الله -عز وجل- لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} (التوبة:103)، أي ادع لهم.
وقوله -جل ذكره- لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} أي دعاء الرسول، وأما الصلاة الشرعية فهو ما ضم إلى الدعاء من الركوع والسجود والقراءة وغير ذلك، مما وقف الرسول عليه السلام عليه وبيّنه عن مراد الله لقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} وبذلك على أن الصلاة والركوع دعاء من طريق اللغة، أن الصلاة على الميت دعاء ليس فيه ركوع ولا سجود والله أعلم.
والركوع في اللغة الانحناء، يقال للشيخ إذا انحنى من الكبر: قد ركع ويدل على ذلك قول لبيد شعرا:
أليس وراي إن تراخت منيتي *ش*
أخبر أخبار القرون التي مضت *ش* ... لزوم العصا تحنى عليه الأصابع
أدب كأني كلما قمت راكع
ويجوز أن يسمى الراكع ساجدا غير أنه ليس بمستعمل في الصلاة، وأما جواز ذلك في اللغة فمعروف عند أهلها، ويسمى السجود ركوعا والركوع سجودا والله أعلم.
والسجود مأخوذ من التضامم والميل، يقال للبعير إذا خفض رأسه ليركب سجد البعير وسجدت النخلة إذا مالت، وهذه نخل سواجد أي موائل، ويقال لمن وضع جبهته على الأرض لتضاممه، ويجوز أن يسمى ساجدا لخشوعه وتذلله والله أعلم.
وكل شيء خشع وذل فقد سجد، ومن ذلك سجود الظلال إنما هو استسلامها وانقيادها، وكذلك قول الله تعالى: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} (الرعد:15) الآية، كل ذلك استسلام وانقياد والله أعلم.
ومن الكتاب: والقنوت أصله القيام يدل على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (10/8)
صفحة 2785
قال: «أفضل الصلاة أطولها قنوتا»، أي أطولها قياما، وإنما سمي الدعاء قنوتا لأنهم يدعون به وهم قيام على ما سمي الشيء باسم غيره إذا كان منه سبب.
والقنوت يتصرف على وجوه، قال الله -جل ذكره-: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي} (آل عمران:43)، أي دومي على طاعة ربك والله أعلم، وقوله جل ذكره: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (التحريم:12)، أي من الدائمين على طاعة الله، والله أعلم.
ومن الكتاب: الفرائض في الصلاة خمس خصال بالاتفاق تكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع، والسجود، والجلوس، والتشهد، واختلفوا فيما سوى ذلك.
وقد قيل: إن من الواجب على المصلي الاعتدال بعد الفراغ من الركوع والجلسة بين السجدتين، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والحجة في وجوب فرض تكبيرة الإحرام قول الله تعالى: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} (الإسراء:111)، معناه، وعظمه تعظيما والله أعلم.
وقيل: أيضا قول الله جل ذكره: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} (المدثر:3)، معناه فرض تكبيرة الإحرام، والحجة في وجوب القراءة قول الله جل ذكره: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} الآية، (المزمل:20)، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب».
واجتمعت الأمة أن المصلي وحده إذا صلى بغير قراءة إن صلاته باطلة، والحجة في وجوب الركوع قوله جل ذكره: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} (الحج:77)، وقوله: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} (الفرقان:64).
والحجة في وجوب التشهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم الصحابة التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن فذلك يدل على تأكيده ووجوبه.
والحجة في وجوب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - قول الله جل ذكره: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (الأحزاب:56).
والحجة في وجوب اعتدال الركعة والجلسة بين السجدتين قوله عليه السلام: «اعتدلوا في ركوعكم وسجودكم ولا ينبسطن أحدكم كما ينبسط الكلب».
والحجة في وجوب التسليم قوله عليه السلام: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم». (10/9)
صفحة 2786
ومن الكتاب: الواجب على المرء القائم إلى الصلاة أن يحضرها بقلب خاشع وجوارح خائفة فإنه في مقام عظيم بين يدي رب كريم؛ يناجي فيخفض كلامه من لا يخفى عليه ما ينطوي عليه ضميره.
وروي عن بعض الصحابة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «آمرك بثلاث وأنهاك عن ثلاث، آمرك بصيام ثلاثة أيام في كل شهر، ولا تنام إلا عن وتر وركعتي الضحى، ونهاني عن التلفت في صلاتي التفات الثعلب، وأن أقعى إقعاء القرد، وأن أنقرها نقر الديك»، وأما الثلاث الأوائل فليس بفرض فعل ذلك بإجماع الناس، وأما الإقعاء والنقر في السجود فهما يفسدان الصلاة، وكثرة التلفت الذي يشغل المصلي عن صلاته فهو أيضا مفسد للصلاة، وليس بمفسد للصلاة ما كان دون ذلك من التلفت، ولكن ينقص فضل الصلاة والله أعلم وأحكم.
مسألة: وقال من قال في قول الله عز وجل: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ}، طول القيام في الصلاة وهو القنوت.
وقال من قال: في الخشوع فيها.
وقال أبو عبد الله: الصلاة كلها فريضة إلا أن صفتها تأويل وجملتها تنزيل.
قلت: والوضوء؟ قال: الوضوء فريضة.
قلت له: ومسح الأذنين؟ قال: مسح الأذنين من الرأس.
قلت: فالحج؟ قال: الحج كله فريضة وصته تأويل.
ومن كتاب أبي جابر: وبعد، فإن الصلاة للدين عماد وبها يرضى الله عن العباد، قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} (البقرة:45)، يعني بالصبر بذلك على طلب الآخرة، وقيل: المصلي كأنه قائم على باب الجنة يستفتح ويناديه مناد أيها المصلي لو تدري من تناجي ما انقلبت؛ وركعتان يصليهما المصلي ويحسن إقباله فيهما أفضل من صلوات كثيرة على غير ذلك.
مسألة: ومنه، حدثني أبو مروان أن سليمان بن عبد الرحمن قال: قال الحكم بن بشير: إذا صليت الفرائض فكن فيها موجزا غير مستريح، فإنه أحرى ألا يزلك الشيطان، وإذا صليت النوافل فإن شئت فأطل .. (10/10)
صفحة 2787
مسألة: ومن جامع (أبي الحسن) وقد روي أنه قال لأعرابي: يركع حتى يطمئن راكعا ثم يرفع حتى يعتدل، فيكون ذلك تاما من غير تقصير فيه وما نقصت من ذلك فإنما نقصته من صلاتك، ثم تسجد بتكبيرة حتى تهوي وتمد التكبيرة، ويضع ركبتيه على الأرض قبل يديه إن أمكن ويضع يديه حذاء وجهه عند أذنيه.
وكذلك روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ويمد التكبيرة في حال الخفض والرفع ويضع أولا ركبتيه ثم يديه ثم وجهه ويسبح ثلاثا ويرفع يديه أولا بعد وجهه ثم ركبتيه، ولأن آخر ما يضع إلى الأرض وجهه.
رجع: إلى كتاب (أبي جعفر) فإذا قام المصلي للصلاة بالخشوع والخضوع، فإنه في مقام عظيم بين يدي جبار كريم، وقيل: إن أول أوقات الصلاة أفضلها، ويستحب أن تكون الركعة الأولى من الصلاة أطول من الثانية، ويكون بين قدميه قدر مسقط نعل في عرضها، وإن كان أقل أو أكثر فلا بأس؛ ويكون نظره نحو موضع سجوده ويرسل يديه إرسالا في قيامه فإذا ركع قال: سبحان ربي العظيم، وقال بعضهم: وبحمده فإذا ركع رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده استقام حتى يرجع كل عضو منه إلى مفصله وقال: ربنا لك الحمد أو الحمد لله لا شريك له فما قال من ذلك كفاه مرة واحدة.
وقال من قال: في المصلي إذا قام من التحيات والسجود رفع ركبتيه قبل يديه، وقال من قال: يديه قبل ركبتيه، وهو أكثر القول.
مسألة: مسروق، عن أبي بكر أنه كان كأنه يقعد على الرضف إذا انصرف عن الصلاة حتى يقوم، يعني لا يقعد بعد التسليم وهو قول أبي حنيفة، وقول أسد، إلا في صلاة الفجر والعصر.
ومن غيره، معنا أنه يخرج ذلك في آخر الصلاة بعد الصلوات، ويستحب أن يصلي ما يستحب من السنن على أثر المكتوبات، ولا يقعد عنها إلا في ذكر أو دعاء ولا يقعد فيها لمعنى غير ذلك حتى يقوم لها، وأما صلاة المغرب فلثبوت معنى ركعتيها يستحب تعجيلها قبل الدعاء ليرفعها معها.
مسألة: وبلغنا -والله أعلم- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حافظ على الصلوات الخمس فصلاهن في وقتهن غير مضيع لهن ولا مفرط فيهن حشره الله يوم القيامة مع إبراهيم خليله ومحمد نبيه»، صلى الله عليهما وسلم جميعا، ومن لم يحافظ على الصلوات (10/11)
صفحة 2788
الخمس ولم يصلهن لوقتهن وضيعهن أو فرط فيهن، أو يشبه ما قال: «حشره الله مع أبي بن خلف ومع قارون وفرعون ذي الأوتاد».
وبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الصلوات الخمس إذا حوفظ عليهن فصلاهن لوقتها وأتم ركوعها وسجودها صعدت ولها نور يفتح أبواب السماء تشفع لصاحبها وتقول: حفظك الله كما حفظتني، وإذا ضيّعها وأخرها عن وقتها صعدت وليس لها نور وتغلق دونها أبواب السماء وتلف كما يلف الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني».
وبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء في المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلك الرباط»، وبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «من حافظ على الصلوات كان له نور وبرهان وفلاح يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا فلاح، وجاء يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف».
مسألة: ومن جامع (ابن جعفر) وعن أبي عبد الله أن من قعد في صلاته على قدميه جميعا متعمداً أو يقعد على يمينه متعمدا من غير عذر أو لم يمس أنفه الأرض أو اعتمد على إحدى يديه في ركوعه وسجوده ولم يعتمد على الأخرى ولم يضعها على ركبتيه ولا على فخذيه في ركوعه ولم يضعها على الأرض في سجوده متعمدا، وكذلك الركبتين في السجود والقدمين فلا أبلغ في ذلك إلى فساد ولو فعل ذلك في جميع ركوعه وسجوده متعمداً ولا نحب له ذلك ولا يؤمر به.
وأما إذا جلس مقعيا فلا آمن عليه النقض إلا من عذر، وقال أبو عبد الله: لا تفضل عليه في الإقعاء وقد نهى عنه.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: إذا مس بيده أو برجله الثانية في الركوع والسجود والقدمين، فقد جازت الصلاة.
مسألة: وقال: بنيت الصلاة على أربعة أركان فالوضوء منها سهم، والركوع سهم، والسجود منها سهم، والخشوع منها سهم، والخشوع من التواضع لله عز وجل في الصلاة، والإقبال إليه بالقلوب كلها، فإذا قضى الرجل صلاته وقد أتم (10/12)
صفحة 2789
الصلاة والركوع والسجود والخشوع عرج بها ولها نور عظيم فتفتح أبواب السموات.
ويوجد عن بعضهم أنه قال: ما صليت صلاة قط إلا استغفرت ربي من تقصير فيها، وقال: أخبرنا هاشم ابن الجهم، عن جابر بن النعمان، عن ابن المعلى عن الربيع أنه سئل ما تقول إذا قام الرجل إلى الصلاة؟ قال: اللهم إني أستغفرك مما ضيعت مما أمرتي به، وأستغفرك مما ركبت مما نهيتني عنه، وقال عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اجعلوا لبيوتكم نصيبا من صلاتكم تبتغون بذلك البركة والجماعة أفضل».
مسألة: وعن أبي الحواري في رجل تراه يصلي ولا يعرف كم في الصلاة من ركعة ولا سجدة، ولا يقرأ فيها، ويعلم من ذلك، فقد قال بعض الفقهاء: عليك أن تعلمه إذا رأيته لا يحسن الصلاة.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر، وجاء الأثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا يقبل صلاة العجلان»، فتأول ذلك الفقهاء أنه إذا استعجل عن تمام صلاته ولم يتم ركوعها وسجودها فضيع أو نقص حدا من حدودها، فذلك لا تتم صلاته. (10/13)
صفحة 2790
[صفحة بيضاء] (10/14)
صفحة 2791
الباب الثاني
في الصلاة
عن أبي سعيد محمد بن سعيد وبعد: فإن عماد الدين الصلاة، وبها يستوجب من الله رضاه، إذا راقبه في القيام بها واتقاه وأطاعه في جميع ما أمره ونهاه وخافه في جميع أموره ورجاه، وتوكل عليه في جميع الأمور واكتفاه، واستسلم له في جميع ما قدّره عليه وقضاه، ورضي في نفسه في جميع الأمور وأمضاه، وشكر له على جميع ما أبلاه، وصبر له على جميع ما ابتلاه، ودان له بالتوبة من جميع ما أشخطه فيه وعصاه، وأدى إليه جميع ما تعبده بأدائه، ودان بولاية جميع من أطاع الله ووالاه، وعداوة جميع من أسخط الله وعاداه، وآثر من الله على جميع ما سواه، وأخلص لله بالطاعة وأرضاه، وصدق الله في جميع ما قاله ونواه.
واجتهد لله في العمل بطاعته، وحاز الإيمان بكماله وحقيقته واستقام على منهج الحج وطريقته، وتوجه إلى الله في جميع مذهبه وإرادته، وأشعر قلبه بتقوى الله وخيفته، ومراقبة الله وخشيته، والهرب من سخطه وعقوبته وعلق قلبه بحب الله وطاعته، وثواب الله وجنته، وبرضوان الله ورحمته، والتفرغ إلى مناجاة الله وعبادته.
وأيده بالنصر والعظمة، وأمده بنور الحكمة، وعصمه من زيغ الضلالة، وهداه من العمى والجهالة، وسلك به سبيل الاستقامة، ومنهاج الفوز والسلامة، ومن عرصات يوم القيامة، من تلك الحسرة والندامة، واستوجب من الله الرضوان، وحقت له من الله سابقة الإحسان، وفوزه الله بحلول الجنان، ونعمه بمعانقة الحور الحسان، وأتحفه بالوصائف والولدان، وأكرمه بغاية الإنعام، وعظم الله أجره غاية (10/15)
صفحة 2792
الإعظام، إذ جعل ثوابه الملائكة الكرام، يحيونه تحية السلام، ورضوان الله عنه أجل وأكبر، وعطاء الله له أعظم وأكثر، منّ الله علينا وعلى جميع المسلمين بذلك، وسلمنا وإياهم من جميع المهالك.
واعلم أن الصلاة من الله فريضة لازمة، وشواهد فرضها من فرض الله قائمة، وذلك قوله تبارك وتعالى: حيث يقول: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (النور:56)، وقوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} (البينة:5)، وقوله: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} (البقرة:177)، وقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ} (التوبة:18).
فهذا ومثله مما لعله لا يحضرنا من ذكره مما فيه كثير بيان وإثبات لفرض الصلاة ووجوبها وغير ذلك هذه الآي على مواضع أوقات فرض الصلاة إلا للأمر بها، والحث عليها، والندب بها، وذلك ما لا يرتاب فيه من لزوم فرضها، وقد بين الله مواضع فرض العمل بها في أوقات ما أوجب الله العمل فيها، وفي مواضع فرض العمل بها في غير آي من كتاب الله وذلك قوله: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} (الإسراء:78).
فجاء في التأويل الذي لا نعلم فيه اختلافا، أن معنى قوله: {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} لزوال الشمس وهي صلاة الظهر والعصر، {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} وهي ظلمة الليل، وهي صلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة، {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} صلاة الفجر، {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}، وذلك على ما قيل في التأويل إن لبني آدم ملائكة يحفظونهم في الليل، وملائكة يحفظونهم في النهار، وإذا جاء الليل نزل ملائكة الليل وعرج ملائكة النهار، وإذا جاء النهار نزل ملائكة النهار وعرج ملائكة الليل، ولا تعرج ملائكة الليل حتى تنزل ملائكة النهار، فيشهدوا جميعا صلاة الفجر أو نحو هذا والله أعلم بتأويل كتابه.
فهذا موضع فرض الصلوات الخمس وبيان ذلك في كتاب الله -عز وجل- (10/16)
صفحة 2793
قوله: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ} (الروم:17 - 18)، فجاء في التأويل أن كل تسبيح في القراءة فهو صلاة فقوله: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ}، صلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة، {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} الغداة {وَعَشِيّاً} صلاة العصر، {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} صلاة الظهر.
فهذا في فرض الصلاة وبيان أوقاتها في مواضعها، وكذلك قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ} (هود:114)، {طَرَفَيِ النَّهَارِ} صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر، {وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ} صلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة، وغير هذا من كتاب الله -عز وجل- مما يدل على فرض الصلاة وفرض أوقاتها وإثباتها في مواضعها، ولا يختلف في ثبوت ذلك من الكتاب والسنة وإجماع المحقين من الأمة.
وقد ثبت ذلك على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعله بما لا يرتاب ولا يختلف فيه بما يطول وصفه، ويتسع الكتاب له، مما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ثبوت ذلك في أوقاته والعمل به فيه وإثباته عنه وعن الأئمة المهتدين عنه، وأول ما يخاطب به الله المؤمنين عنه وأول ما خاطب الله به المؤمنين في أمر الصلاة عند حضور وقتها والعمل بها، الطهارة لها بعد إزالة النجاسة منها، والأذى عن البدن وذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} (المائدة:6)، فثبت الأمر في فرض الوضوء للصلاة بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - حثاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صلاة لمن لا طهور له»، فالفرض في الوضوء غسل الوجه باستفراغ حدوده حتى يأتي عليه الغسل كله وأقل ذلك واحدة وهو الفرض الذي لا يقبل الله دونه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد توضأ فغسل مواضع الوضوء واحدة واحدة ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله صلاة بدونه»، ثم توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة ثانية فغسل مواضع الوضوء مرتين مرتين ثم قال: «هذا كاف لمن فعله»، ثم توضأ - صلى الله عليه وسلم - مرة ثالثة فغسل مواضع الوضوء ثلاثا ثلاثا ثم قال: «هذا وضوء ووضوء الأنبياء من قبلي».
وهذه السنة عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تجزئ في الوضوء للصلاة واحدة لمن قل ماؤه واثنتان للمستعجل وثلاث شرف، وأربع سرف، فلا صلاة لمصلي إلا بوضوء إذا وجد (10/17)
صفحة 2794
الماء ولا وضوء إلا بعد إزالة الأذى عن نفسه والنجاسات عن البدن لقول الله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ} والطهارة بالماء من النجاسات غير ما خاطب الله به المؤمنين من الوضوء، وفيما يعقله العالمون بمعاني ما أمر الله به، ومن التطهر بالماء قبل الوضوء ومن النجاسات، ثم قال: وإن كنتم كذلك ولم تجدوا ماء تطهرون به {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ} فإنما فرض الوضوء بعد إزالة النجاسات بالطهارات بالماء ولا يقع حكم الوضوء إلا بعد طهارة الجسد من الأذى والنجاسات، وبذلك جاءت السنة المجتمع عليها من المحقين الذين للسنة موافقين، ولمن خالف الحق بالحق مفارقين، ولا معنى في اتباع من خالف الحق، ولا من قصر دون موافقة الحق وبالله التوفيق.
والفرض في الوضوء غسل الوجه على ما ذكرنا وحسب ما وصفنا وشرحنا فيه؛ لقول الله تعالى: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} فغسل الوجه واليدين إلى المرافق فريضة وهو استفراغ المرفقين، {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ}، وهو تقديم من الكلام وتأخير، أي واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ}، فهذا هو الفرض في الوضوء، وهو أربع فرائض وضوء في الصلاة ولا يجوز تركها ولا ترك شيء منها ولا يسع جهلها ولا جهل شيء منها، إذا وجب العمل بها عند حضور وقت العمل بها، وأقل من ذلك فرض الوضوء في الصلاة بعدما ذكرنا من الواحدة والاثنتين على ما وصفنا من أمر القول في الوجه، وكل ذلك سواء، والقول فيه واحد لا يختلف القول ولا العمل فيه والأمر فيه واحد على ما مضى من القول فيمن ترك الفرض في الوجه وهو هذا، وهذا الذي وصفناه أو شيئا منه بجهل أو عمد فلا عذر له في ذلك ولا يسعه إذا صلى على ذلك تاركا لجارحة من جوارح الوضوء المفروضة، أو الأكثر منها، أو ما يقع عليه اسم الكثير منها وما لا تكون الجارحة كاملة الغسل بتركه، وهو ما يقع عليه مثل ظفر الإبهام أو الدرهم الوازن أو الدينار المثقال.
وقد جاء الأثر المجتمع عليه أنه لا يسعه جهل ترك ذلك على العمد أو على الجهالة، وإن ترك على العمد أو على الجهالة فلا عذر له إذا صلى على ذلك وهذا تاركا لكمال الفرض، وعليه بدل الصلاة بعد إسباغ الوضوء والكفارة على ما وصفنا مما يقع عليه هذا ما يوجبه من لزوم الكفارة، وأما إن ترك شيئا من ذلك دون ما وصفنا مما يقع عليه هذا المثال، فقد قيل: إنه لا يهلك بذلك، وعليه البدل ولا كفارة، (10/18)
صفحة 2795
وليس له ترك شيء من الفرائض، ومتى جاز ترك شيء من الجارحة، جاز ترك الجارحة كلها، ومتى جاز ترك الجارحة، جاز ترك الوضوء كله، فهذا على هذا إن شاء الله.
وأما من ترك الفرض أو شيئا منه وهو يقع عليه هذا المثال على حد الغلط أو النسيان، أو أراد غسل الجارحة، فتبين له أنه قد وقع من دون أحكامها بترك ما ذكرناه مما يقع عليه هذا المثال فهذا عليه إعادة الصلاة إذا صلى على ذلك بعد إحكام الوضوء وكماله، وإن ترك على النسيان أو الغلط أقل مما وصفنا مما يقع عليه هذا المثال حتى صلى، فلا إعادة عليه في صلاته في بعض قول المسلمين.
وقال من قال: عليه الإعادة لأنه لا يجوز ترك شيء من الفرائض على عمد ولا نسيان، وهذا الذي تركه من جارحته وهو فرض وهو كمال الفرض فلا يكون تمام الفرض إلا باستكمال الفرض؛ فافهم ذلك إن شاء الله وبالله التوفيق.
وأما السنة الثابتة في الوضوء المأخوذ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بها، والعمل منه بها، فهو المضمضة والاستنشاق، فلا يجوز ترك ذلك معنا على التدين ولا على العمد، بخلاف السنة، ولا على استخفاف بثوابها، فإن ترك ذلك على العمد أو الجهل على ما وصفنا فلا يسعه ذلك وهو هالك، وإن ترك ذلك على العمد أو الجهل على ما وصفنا من التدين أو خلاف السنة أو الاستخفاف، فقد ترك المأمور به، وعليه الاستغفار من ذلك والرجوع إلى العمل به فيما يستقبل، فإن صلى على ذلك فقد قال من قال: إن عليه البدل.
وقال من قال: لا بدل عليه.
وقول من قال: عليه البدل هو الأكثر وهو المعمول به إن شاء الله، وأما من ترك على الخطأ أو النسيان فقد قيل: لا يجوز ترك السنة على عمد، ولا نسيان، ولا خطأ، وعليه بدل الصلاة إن صلى على ذلك بعد إحكام الوضوء.
وقال من قال: لا بدل عليه وهو القول الأكثر أنه لا بدل عليه.
وأما الأذنان فقد جاء الأثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالندب إلى مسحهما فلا يستحب تركهما، وإن تركهما تارك على عمد أو نسيان ما لم يدن بتركهما، أو يخطئ من عمل بهما، ولم يرد خلاف في السنة في تركهما فلا إثم عليه، وصلاته تامة، ولا نعلم في تمام صلاته اختلافا، واعلم أنه لا ينفع قول وجب القول به ولا عمل وجب (10/19)
صفحة 2796
العمل به من وضوء لصلاة ولا صلاة إلا بعلم إن العمل بذلك لازم للعامل يعمل به وإلا فلا ينفع عمل إلا بعلم بلزوم العمل، فإذا عمل العامل بما يلزمه من العمل من غير علم منه بلزوم العمل ولا نية في أداء العمل من العامل بالعلم منه، فلا ينفع العمل بغير علم ولا نية، فإذا حضرت الصلاة فعلى العبد أن يعلم أنها لازمة له، ولازم له العمل بها، وأنه لا يعذر بتركها ولا بجهلها إذا وجب عليه العمل بها، وأن يعلم أنه لا تجوز إلا بطهور كما أمر الله، وأن الطهور له لازم للصلاة التي قد لزمه العمل بها، ولا ينفعه العمل إلا بعلم منه؛ لأنه لازم له العمل به.
واعلم أنه جاء في الأثر فيما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور وإحرامها التكبير وإحلالها التسليم»، فأول باب يدخله العبد من أبواب الصلاة الطهور، وهو فريضة كما وصفنا على العلم والنية، فإذا أكمل الوضوء بإسباغه قام إلى الصلاة في وقتها بعلم منه بفرضها ولزومها، فيقوم إليها بأربعة فرائض وذلك أنه يأتيها بطهارة من جسده، وكمال وضوئه، وبما يستر عورته من اللباس، وهو فرض لقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (الأعراف:31)، فهو اللباس للصلاة مع طهارة الثياب التي يلبسها في الصلاة مع طهارة البقعة التي يصلي فيها، مع استقبال القبلة فريضة باعتقاد النية للتوجه إلى الكعبة، بعلم منه بلزوم استقبال الكعبة باسمها أو معناها، إذا لم يجد من يعبر له اسمها.
والطهارة فريضة، ولباس الثياب فريضة، والقيام إلى الصلاة فريضة، فإذا أراد افتتاح الصلاة استوى قائما إن أمكن ذلك، فإنه لا يجزئه إلا القيام إن قدر عليه وهو فريضة، وفرضه في كتاب الله في غير موضع من ذلك قوله: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} فالقيام هاهنا في الصلاة، وأما القنوت فقد اختلف في ذلك، فقال من قال: هو القيام لأن القيام القنوت والقنوت هو القيام وإنما المعنى: (قوموا) أي صلوا لله قائمين، أي قوموا في الصلاة، ومن ذلك قوله: {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} (النساء:127)، فالقيام هو العمل، والقنوت هو القيام في الصلاة، ومن ذلك ما يروى عن عائشة -عليها السلام- أنها قالت: أفضل الصلاة أطولها قنوتا، أي أطولها قياما.
وقال من قال: إن القيام هو القيام، والقنوت هو الطاعة، وذلك أن أهل الملل والأديان كانوا يقومون إلى الصلاة وهم على غير طاعة، فلا ينفعهم الله بصلاتهم، فأمر الله المؤمنين أن يقوموا لله في الصلاة مطيعين، فقال: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} أي قوموا لله مطيعين تائبين من كل معصية. (10/20)
صفحة 2797
وقال من قال: إن المسلمين في بدء الإسلام كانوا إذا قاموا إلى الصلاة قاموا وهم يتكلمون ويعملون فيها ما ليس فيها من استعمال أبدانهم وألسنتهم بغير أمر الصلاة، فأمرهم الله (قانتين) مقبلين على صلاتهم، تاركين لجميع الأعمال فيها، وكل هذه الأقاويل صواب تخرج على معاني الصواب، وفي جملة الأقاويل إثبات فرض القيام في الصلاة.
وإنما الاختلاف في القنوت الأقاويل على ما وصفنا، ومن ذلك قوله: {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} (النساء:103)، وقوله: {فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ}، والمعنى في ذلك ما عرفنا (فاذكروا) هو الصلاة، أي صلوا قياما (أو قعودا)، أي فإن لم تستطيعوا القيام صلوا قعودا (وعلى جنوبكم) أي فإن لم تستطيعوا قعودا فصلوا على جنوبكم، وكذلك قوله: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ} (آل عمران:191)، إنما معنى هذا في الصلاة فهذا موضع فرض القيام في الصلاة وغير هذا مما لعله لا يحضرنا كثير من ذكره ويطول ذكره أن لو ذكرنا.
فإذا قام إلى الصلاة الفريضة بدأ بالإقامة وهي مثنى مثنى، كان إماما أو غير إمام، ولا يترك الإقامة وهي سنة واجبة مأمور بالعمل بها، فإن تركها تارك من الرجال على التعمد منه لتركها فقال من قال: لا يسعه ذلك، وعليه إعادة الصلاة.
وقال من قال: لا إعادة عليه ويستغفر ربه من ترك السنة.
والقول الأول أحب إلينا.
وأما إن ترك الإقامة ناسيا، فقال من قال: لا إعادة عليه.
وقال من قال: عليه الإعادة ولا يجوز ترك السنة.
والقول الأول أحب إلينا أنه لا إعادة عليه في النسيان.
وقال من قال: إذا نسي الإقامة في الصحراء وحيث لا يسمع الإقامة فعليه الإعادة، وإن نسيها في المصر حيث تقام الصلاة فلا إعادة عليه، وهذا قول حسن، ووجدنا هذا مما يعرفه أبو المؤثر عن محمد بن محبوب رحمهما الله، وأما النساء فقد قيل في ذلك من الإقامة لهن باختلاف، فقال من قال: لا إقامة عليهن لأن الإقامة إنما هي لصلاة الرجال لموضع الجماعات. (10/21)
صفحة 2798
وقال من قال: عليها بالإقامة إلى (وأشهد أن محمدا رسول الله) ثم توجه.
وقال من قال: عليها أن تقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، وأما إن تركت الإقامة على التعمد أو النسيان فقد أست على قول من يرى عليها الإقامة، ولا إعادة عليها فيما علمنا.
وأما التوجّه فهو سنة واجبة والنساء والرجال فيه سواء، فإن تركه تارك في الصلاة متعمدا فقال من قال: عليه الإعادة، وقال من قال: لا إعادة والقول بالإعادة هو الأكثر.
وأما إن تركه على النسيان فقال من قال: عليه الإعادة، وقال من قال: لا إعادة عليه، والقول الآخر أكثر.
وأما تكبيرة الإحرام فهي فريضة من فرائض الصلاة فلا يجوز تركها على عمد ولا نسيان، فمن تركها عامدا أو جاهلا فلا يسعه جهل ذلك ولا يعذر بذلك، وعليه البدل في النسيان، والبدل والكفارة في الجهل والعمد، وفرضها من كتاب الله حيث يقول: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}.
وإنما سميت تكبيرة الإحرام لأنه إذا كبرها المصلي وقع في الحرام، وإنما الحرام هاهنا تحريم الكلام والعمل كله، إلا ما يأتي في أمر الصلاة، وكل شيء من غير أمر الصلاة فلا يجوز للمصلي أن يأتيه ما كان في أمر الصلاة إلى تمام الصلاة وإحلالها التسليم.
وأما الاستعاذة في الصلاة فقد اختلف فيها، فقال من قال: إنها سنة، وإنها قبل تكبيرة الإحرام.
وقال من قال: إنها فريضة، وصح القول معنا أنها فريضة، وأنها بعد تكبيرة الإحرام، وفي إثبات فرضها قول الله تبارك وتعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (النحل:98)، فجاء في التأويل أن هذا في أمر الصلاة، لم القراءة في الصلاة فريضة وفرضها في كتاب الله حيث يقول: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}، وقوله: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} وهذا في أمر الصلاة، ثم الركوع وهو فريضة، وتكبيرة الركوع إلى الركوع سنة، والتسبيح في الركوع سنة، وقول (10/22)
صفحة 2799
(سمع الله لمن حمده) سنة، وتكبيرة السجود إلى السجود سنة، والتسبيح في السجود سنة، والقيام فريضة وإثبات فرض ذلك قول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} (الحج:77)، فذلك في الصلاة، والقعود في الصلاة فريضة، والتحيات سنة، فهذا ما حضر من ذكر الفرض والسنة واحتضرنا ذلك بغير تفسير وإثبات، كل ذلك فرض في موضعه.
وأما حدود الصلاة فقد قيل: إن تكبيرة الإحرام حدّ والقيام حدّ، والقراءة حدّ، وقال من قال: قراءة فاتحة الكتاب حدّ، وقراءة القرآن فيما فيه القرآن حدان.
وقال من قال: كل القراءة حدّ، والركوع حدّ، والسجود حدّ.
وقال من قال: إن كل سجدة حدّ، وقال من قال: السجدتان كلتاهما حدّ واحد، والقول الأول هو الأكثر.
والقعود للتحيات حدّ في الصلاة كلها حدّ، وتكبيرة الركوع كله في الصلاة كلها حدّ، وقول (سمع الله لمن حمده) في الصلاة كلها حدّ، والتسبيح في السجود كله حدّ، والتسبيح في الركوع كله حدّ، فمن ترك حدا من هذه الحدود عامدا أو جاهلا فلا يسعه جهل ذلك، ولا يجوز ترك حدّ من حدود الصلاة ناسيا أو عامداً، فافهم ذلك وبالله التوفيق والحمد لله حق حمده وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم. (10/23)
صفحة 2800
[صفحة بيضاء] (10/24)
صفحة 2801
الباب الثالث
في النيات في الصلاة
ما يقول الإمام إذا أم في صلاة الجماعة بمن خلفه؟ كيف ينوي ويقول في نيته إذا أراد أن يصلي بهم صلاة الجمعة؟ وكيف تكون نية الذين يصلون خلفه ويقولون في نيتهم.
قال: فإن الإمام ينوي أن يصلي الفريضة التي افترضها الله عليه وهي صلاة الجمعة أو غيرها وكذا وكذا ركعة، طاعة لله ولرسوله إلى الكعبة الفريضة إماما لمن يصلي بصلاتي؛ وأما المأموم فإنه ينوي أن يؤدي الفريضة التي افترضها الله عليه؛ صلاة الجمعة أو غيرها بصلاة الإمام إذا كان وليا وإن كان غير ولي نوى أن يصلي بصلاة الجماعة.
قلت: فإن أراد المصلي أن يصلي بقوم جماعة فكيف يقول في نيته، وكذلك كيف تكون نية الذين يصلون خلفه؟ قال: قد تقدم ما يكتفى به والله أعلم.
قلت: ما تقول في المصلي في قيام شهر رمضان؛ كيف ينوي ويقول في نيته إذا كان إماما؟ وكيف تكون نيته إذا كان غير إمام؟ قال: فالذي عرفت أن قيام شهر رمضان سنة نافلة وينوي أنه يصلي قيام شهر رمضان سنة نافلة، وينوي أن يصلي قيام شهر رمضان أداء للسنة إماما لمن يصلي بصلاته، والمأموم ينوي إتباع الإمام يصلي بصلاته والله أعلم.
قال: ما تقول في المسافر إذا حضرته صلاة الأولى وهو في حال سفره وأراد أن (10/25)
صفحة 2802
يصليها في وقتها ويضيف إليها صلاة الآخرة، وأراد أن يصليها جمعا كيف يبتدئ ويقول في نيته؟ فإذا أراد أن يصلي الظهر في وقتها ويجر إليها الآخرة يقول: أصلي في مقامي هذا فريضة صلاة الظهر الحاضرة ركعتين، وأضيف أو أجر إليها صلاة العصر الآخرة ركعتين، أصليهما جمعا صلاتي سفر طاعة لله ولرسوله؛ وإذا نوى تأخيرها وصلاها في وقت الآخرة يقول: أصلي في مقامي هذا فريضة صلاة الظهر الفائتة ركعتين أضيفهما إلى صلاة العصر الحاضرة أصليهما جمعا صلاتي سفر طاعة لله ولرسوله ويقدم الأولى، وكذلك صلاة المغرب والعشاء الآخرة على هذه الصفة والله أعلم.
قلت: ما تقول فيمن حضر شهر رمضان وأراد أن يعقد النية للشهر كله، كيف ينوي ويقول في نيته؟ وأي وقت تكون النية في أول الليل عند مبيته أو قبل طلوع الفجر؟ قال: فإنه ينوي أصوم شهر رمضان المفترض عليّ صومه من أوله إلى آخره واستفراغ طرفي المفترض منه فريضة واحدة، كما أمر الله هذا في قول من يقول: إن شهر رمضان فريضة واحدة، وتكون النية في أول الشهر في بعض القول، وأما من يقول: إن كل يوم فريضة فإن النية يجددها كل ليلة، ويستحب أن يكون عند السحور، ويقول: إذا إن شاء الله أصبح صائما الفريضة من شهر رمضان طاعة لله ولرسوله من طلوع الفجر إلى الليل والله أعلم، وبه التوفيق للصواب.
قلت: فما تقول فيمن لزمه بدل شهر رمضان والكفارة، وأراد أن يقضي البدل والكفارة كيف يبتدئ ويقول في نيته في صوم البدل؟ وكذلك في الكفارة إذا أراد أن يصومها أو غير ذلك في العتق والإطعام؟ فإنه ينوي أن يبدل ما لزمه من فساد شهر رمضان والكفارة، كذلك ينوي لها أن صومه كفارة شهر رمضان كان لصوم أو عتق أو إطعام والله أعلم.
قلت: ما تقول في الإمام إذا أمَّ في صلاة الجنازة بمن خلفه كيف يبتدئ ويقول في النية؟ وكذلك الذين يصلون خلفه كيف يبتدئون ويقولون في النية؟ وكذلك عليهم أن يأتوا بجميع الدعاء الذي يأتي به الإمام في الصلاة أم لا وإن لم يكونوا عارفين بذلك الدعاء تجزئهم قراءة الحمد وحدها خلف الإمام؟ قال: فإنه ينوي أن يصلي على الجنازة التي أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبلا إلى الكعبة والمأمومون ينوون أن يصلوا على الميت اتباع الإمام، ويعتقدون أنها سنة طاعة لله ولرسوله (10/26)
صفحة 2803
مستقبلين إلى الكعبة، ويقرأون خلف الإمام سورة الحمد، ويأتون بالدعاء كما يفعل الإمام لمن أحسنه، ومن لم يحسنه أجزأه قراءة الحمد، ومن عرف من ذلك والله أعلم.
قلت: ما تقول فيمن كان بدل صلوات وأراد أن يقضي البدل الذي عليه، وتلك الصلوات كيف يبتدئ ويقول في نيته؟ فإنه ينوي بدل ما لزمه من صلاة فائتة أو فاسدة، وهي صلاة كذا وكذا إلى أن يستكمل ما لزمه من ذلك، والله أعلم، تم ما وجدته.
مسألة: في ذكر النية عند الدخول في الصلاة في كل حدّ من حدود الصلاة، فأما النية في الدخول في الصلاة فهي بمعنى العبادة وأنه يرى الصلاة ينهى بها ويتقي بها النار؛ وأما النية في الإقامة بمعنى أداء الفرض وأما التوجه بمعنى الحمد لله، وأما تكبيرة الإحرام فهي بمعنى الإخلاص لله، وأما الاستعاذة فهي بمعنى الامتناع والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأما القراءة فهي بمعنى الدرس كشخص يرى شخصا، وأما النية في الركوع بمعنى التواضع لله والخضوع لله، وأما السجود بمعنى التذلل لله، وأما القعود لقراءة التحيات بمعنى الثناء على الله، وأما التسليم على اليمين بمعنى السلام على الملكين وتمت الصلاة وأريد الانصراف، وأما التسليم على الشمال بمعنى الرحمة على المؤمنين (تمت).
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب (المجالس)، أما الحكمة من بناء الصلاة على الأحوال الأربعة: القيام، والركوع، والسجود، والقعود، أن المخلوقات أربعة أصناف:
صنف قائم، مثل الأشجار والحيطان وما أشبههما.
وصنف راكع، مثل البهائم وذوات الأربع.
وصنف في هيئة الساجدين، كالهوام.
وصنف في هيئة القاعدين كالنبات.
وكلهم يسبح بحمد الله، ألا تراه يقول: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (الإسراء:44).
ولا ثواب لشيء من هذه الأحوال الأربعة على تسبيحه لأنهم مجبرون فيه (10/27)
صفحة 2804
فأمر الله وأمرك الله بصلاة على هذه الأحوال الأربعة ليعطيك بالقيام في الصلاة ثواب القائمات، وبالركوع والسجود والقعود ثواب البهائم والنبات. ومنه شعرا:
كن في المساجد ساكتا متواضعا *ش*
فإذا سجدت فناج ربك واقترب *ش*
واجعل همومك في صلاتك واحدا *ش*
ومن الموسوس فاحترس متيقظا *ش*
متعوذا بالله من نزعاته *ش*
متخشعا فيها وقورا ساكنا *ش*
أقم الصلاة فإنها موروثة *ش*
كم بين راج للقبول وخائف *ش*
وإذا تقبلت الصلاة من الفتى *ش*
فإذا دعوت الله فاضرع وابتهل *ش* ... وابسط إذا صليت ظهرك راكعا
بالقرب منه في سجودك خاشعا
هما يكون لما أهمك جامعا
واعذر سنانا نحو صدرك شارعا
إني رأيت له التعوذ قامعا
للقلب في كل الخواطر نازعا
إن لم تقمها كان سعيك ضائعا
للرد واجعل حسن ظنك شافعا
رزق النجاة فكن لتلك مسارعا
حقت إجابة من دعاه طائعا
ركع إلى كتاب بيان الشرع (10/28)
صفحة 2805
الباب الرابع
الإخلاص في الصلاة
{بسم الله الرحمن الرحيم}
قال حاتم الأصم: يقوم بالأمر، ويمشي بالإحسان، ويدخل بالسنة، ويكبر بالتعظيم، ويقرأ بالتنزيل، ويركع بالخشوع، ويسجد بالخضوع ويرفع بالسكينة، ويتشهد بإخلاص، ويسلم بالرحمة، ثم قال: فإذا قمت إليها فاعرف أن الله مقبل عليك، فأقبل على من هو مقبل عليك، واعلم من جهة التصديق بقلبك فإنه قريب منك، قادر عليك، فإذا ركعت فلا تأمل أنك ترفع، وإذا رفعت فلا تأمل أنك تضع جبهتك بالأرض، ومثل الجنة عن يمينك، والنار عن شمالك، والصراط تحت قدميك، فإذا فعلت كنت مصليا، وقيل: في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «واجعل قرة عيني في الصلاة»، قال: كان إذا قام إليها رأى فيها ما تقر به عينه.
وعن بعضهم قال: إذا قمت إلى الصلاة فتذكر من أنت إليه قائم، وبين يدي من تقف، واعتقد كره ما يجري عليك فيها، فإذا فرغت فاستغفر الله، فإن الله يشكر العقد الأول والأخير ويفضل ما بينهما.
وعن بعضهم: من قام إلى الصلاة ليلا فاستفتح القراءة فوجد لها لذة فلا يركع ولا يسجد، وإذا وجد للركوع لذة فلا يقرأ ولا يسجد، وإذا وجد للسجود لذة فلا يقرأ ولا يركع، والوجد الذي يفتح له فيه فيلزمه، قيل لبعض العلماء: متى تقرب القلوب من الله؟ فقال: إذا كانت قائمة بذكره غير ساهية عنه (10/29)
صفحة 2806
[صفحة بيضاء] (10/30)
صفحة 2807
الباب الخامس
في الصلاة
مما استخرجناه من كتاب محمد بن الحسن الساحري الباجوري، الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على محمد وآله، وبه نستعين، أما بعد: فإن الله تعالى فرض خلقه الصلاة في كتابه في غير موضع، وأثنى على من أدى ما افترض عليه من الصلاة، وحافظ عليها في مواقيتها ولم تلهه تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ثم بين على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - كيف الصلاة إذا صلاها المصلي كان مؤديا لما فرض الله، ثم أمر الخلق بالقبول من نبيه والطاعة والانتهاء عما نهى عنه فقد بين - صلى الله عليه وسلم - لأمته ما فرض الله عليهم.
ثم اعلموا أن في الصلاة فرائض وسنن، وخشوع، وفضائل، يجب علمها والعمل بها إذا كانت لازمة لهم في كل يوم وليلة خمس صلوات لابد منها بكمالها، ولا عذر بجهلها، وروي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر يوما الصلاة فقال: «من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا وأمنه فكاه يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ويأتي يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان»، وروي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خمس من جاء بهن يوم القيامة مع الإيمان دخل الجنة، من حافظ على الصلوات الخمس على وجوههن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من مال طيب النفس بها، قال: فكان لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وصيام شهر رمضان، وحج البيت الحرام إن استطاع إليه سبيلا، وأداء الأمانة»، قالوا: يا أبا الدرداء وما الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة.
قال محمد بن الحسن: نظرت وإذا جميع المسلمين في الصلاة على طبقات: (10/31)
صفحة 2808
فطبقة فقهوا عن الله وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطلبوا علم ذلك فأدركوه.
وطبقة تؤدي الصلاة وتجتهد بغير علم، فقد ضيعوا كثيرا مما يجب عليهم العمل به يمنعهم الحياء عن طلب علم ذلك والبحث عما يلزمهم وما هو بالمحمود.
وطبقة تؤدي الصلاة مجازفة تشهد عليهم جميع العلماء أن الإعادة لأنهم لا يتمون ركوعها ولا سجودها.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: وسيصلي قوم لا دين لهم، قال حذيفة لرجل نظر إليه يصلي لا يتم الركوع ولا السجود، فقال: منذ كم تصلي؟ قال: منذ أربعين سنة فقال: والله ما صليت لو متّ وأنت تصلي هذه الصلاة متّ على غير الفطرة، فطرة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وطبقة لا تصلي الصلاة ولا تبالي بها فمن صلى وقتا فإنما هو خوف من الناس فهؤلاء كفار بتركها، وقال كثير من العلماء: مت ترك الصلاة استتيب فإن تاب وإلا قتل (10/32)
صفحة 2809
الباب السادس
ذكر علم فرائض الصلاة
اعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن للصلاة فرائض لا تتم الصلاة إلا بكمالها، وذلك بدليل الكتاب والسنة، وقول أكثر علماء المسلمين، فأول ذلك الطهارة، ثم اللباس لما يستر العورة في الصلاة، ثم طهارة الثياب، والوقت لكل صلاة، واستقبال القبلة، وأن يصلي المصلي قائما إلا من عذر، وطهارة الموضع الذي يصلي عليه فهي سبعة فرائض، ثم إذا أراد الدخول في الصلاة فالنية للصلاة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الحمد، والركوع، ثم الرفع بعد الركوع، قائما معتدلا، والسجود ثم الجلوس بين السجدتين معتدلا، والتشهد الأخير والصلاة فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - والتسليم من الصلاة فهذه سبعة عشر فرضا لا يجوز ترك واحد منها، فمن ترك واحدا وجب عليه إعادة الصلاة. (10/33)
صفحة 2810
[صفحة بيضاء] (10/34)
صفحة 2811
الباب السابع
ذكر علم سنن الصلاة
وما لم يذكر مع الفرائض في الصلاة فهو من السنن، وذلك مثل الأذان والإقامة، وسائر التكبير سوى تكبيرة الإحرام، ورفع اليدين والافتتاح مثل قولك: سبحانك الله وبحمدك، والتسبيح في الركوع والتشهد الأول، والتورك في التشهد الأخير، فينبغي لكل مصل ألا يترك شيئا من هذه السنن، وبعض هذه السنن أوكد من بعض؛ وذلك أن منها شيئا إن تركه تارك.
وقد اختلف العلماء فيمن ترك شيئا من هذه السنن فمنهم من قال: قد أساء ولا يعيد، ومنهم من قال: عليه الإعادة، قال محمد بن الحسن: الاحتياط أن يعيد، قال محمد بن الحسن: من ترك شيئا من هذه السنن فالاحتياط أن يعيد لأن من ترك السنن عامدا لتركه، فليس يخلو أن يكون مخالفا للسنة، وإن كان مخالفا للسنة فقد روي عن ابن عمر قال: من خالف السنة كفر، فهذا على حال تقضي الصلاة ويتوب إلى الله.
وإن كان جاهلا بعلم الصلاة وما يلزمه فيها مما يصلحها أو يفسدها فهو مؤد للصلاة بما تهوى نفسه لا يلتفت إلى ما ترك فهذا عليه الإعادة، لأن الله -عز وجل- تعبدنا أن لا نخالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن عبد الله -عز وجل- بمخالفة رسول الله فهو عاص مسخف لما يجب عليه من حق نبيه، وأما الناسي لما ذكرنا فلا إعادة عليه.
واعلموا أن الصلاة المفروضة خمس صلوات في كل يوم وليلة، بدليل القرآن والسنة، فأما دليل القرآن {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}، (حين (10/35)
صفحة 2812
تمسون)، صلاة المغرب والعشاء الآخرة، (وحين تصبحون) الصبح، (وعشيا)، العصر، (وحين تظهرون) الظهر.
تعليق المستخدم: ينبغي الإشارة هنا أن سنن الصلاة المذكورة ليست من تأليف الشيخ العلامة صاحب بيان الشرع إنما هو من تأليف محمد بن الحسن الساحري الباجوري كما يتبين ذلك في الباب الخامس حيث قال "مما استخرجناه من كتاب محمد بن الحسن الساحري الباجوري " وهذا متابع لذك فانتبه، ونلاحظ أن الباجوري هذا ليس من أئمة الإباضية ونلاحظ أنه ذكر بعض السنن التي ليس عليها العمل عند أهل الحق والاستقامة مثل "رفع اليدين" ...
وقول آخر من بعد صلاة العشاء وفي غير هذا دلائل كثيرة، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة أسري به قال: «فرض الله عز وجل عليَّ خمسين صلاة فراجعت ربي قال هي خمس»، ولما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذا إلى اليمن فقال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن أطاعوك إلى ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة»، وروي عن طلحة بن عبد الله أن أعرابيا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أخبرني ما افترض الله عليّ من الصلوات فقال: «الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا».
ولم تختلف العلماء بأن الفجر ركعتان، والظهر أربع والعصر أربع، والمغرب ثلاثا، والعشاء الآخرة أربع، ولا تجب الصلاة على من لم يبلغ، فإذا بلغ الصبي والصبية وجبت عليهم الصلاة، وحد البلوغ ثلاثة أشياء: الاحتلام، أو بلوغ خمس عشرة سنة، أو الإنبات، فإذا اجتمعت هذه فهو رجل وإن تفرد بواحدة فهو رجل، وأما بلوغ النساء فهو الحيض، أو خمس عشرة سنة أو الإنبات، وأقول: إن على الآباء أن يعلموا أولادهم الصلاة وهو بنو سبع سنين، فإذا بلغوا عشرا فقصروا عن الصلاة ضربهم عليها بعد الهدي لهم بحسن الأدب والرفق، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «علموا أولادكم الصلاة وهم بنو سبع سنين واضربوهم عليها وهم بنو عشر سنين»، وأقول: إن من قصر عن تعليم ولده للطهارة والصلاة فقد عصى الله عز وجل. (10/36)
صفحة 2813
الباب الثامن
فيمن ترك الصلاة بعد وجوبها عليه
إن من ترك الصلاة قال: لا أصلي، كفر، وواجب على السلطان إذا علم به أن يستتيبه ثلاث أيام، فإن صلى بعد ثلاثة أيام وإلا قتله، وينبغي أن يأمر عبده وقت كل صلاة بالصلاة، فإن لم يصل ضربه ضربا وجيعا، فإذا انقضى ثلاثة أيام فلم يصلّ ضرب عنقه.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة»، وقد قال أصحابنا: لا يرفع عنه الضرب حتى يصلي أو يموت بالضرب. (10/37)
صفحة 2814
[صفحة بيضاء] (10/38)
صفحة 2815
الباب التاسع
فيمن غلب على عقله
فإن الغلبة على وجوه فمن غلب على عقله بجنون دائم ثم أفاق بعد يوم أو بعد سنة فلا قضاء عليه لأن القلم عنه مرفوع، ومن أغمي عليه أوقات الصلاة أو صلاة واحدة، فقد اختلف الفقهاء، هل عليه قضاء؟ فالذي أرى أن عليه الصلاة باتفاق، مثل أن يغمى عليه فلما عليه اختلفوا هل تسقط عنه أم لا؟ فلا تسقط عنه الصلاة بالاتفاق، وقد اتفقوا كلهم لا أعلم بينهم اختلافا أنه إذا أغمي عليه يوما من شهر رمضان أو أكثر إن عليه قضاء الصوم، ومن تداوى بدواء فذهب عقله فلا إثم عليه، وعليه القضاء، ومن شرب مسكرا فذهب عقله عن الصلاة أو صلوات فهو عاص لله عز وجل، وعليه الحدّ وعليه القضاء إذا أفاق افترض عليه أن يتوب إلى الله من شربه، ومن فوت الصلاة، ومن شرب سُمّا فذهب عقله فقد عصى الله، وعليه قضاء الصلوات إذا أفاق، ولا حدّ عليه، ومن وثب وثبة مرحا ولعبا من غير منفعة فذهب عقله فالجواب فيها كشارب السم.
ومن نام عن صلاة أو صلوات فلا إثم عليه وعليه القضاء إذا استيقظ أي وقت استيقظ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة، ومن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ولا كفارة لها إلا ذلك (10/39)
صفحة 2816
[صفحة بيضاء] (10/40)
صفحة 2817
الباب العاشر
في إيجاب الصلاة في الجماعة
وما يلزم المتخلف بغير عذر
اعلموا أن الصلاة في الجماعة واجبة على المسلمين لا يسعهم التخلف عنها إلا من عذر، بدليل القرآن والسنة وأقاويل الصحابة، فمن تخلف عن الجماعة كان عاصيا لله، مستخفا بدينه مذموما عند العلماء، وأما دليل القرآن قول الله عز وجل: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ} الآية، (النساء:102)، فأمر الله المؤمنين أن يقوموا مع نبيه - صلى الله عليه وسلم - فليصلوا جماعة في أعظم الأوقات وأشدها، فصلى بهم في عين أعدائه صلاة الخوف جماعة، وأمّا ما دلت عليه السنة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أثقل الصلوات على المنافقين صلاة الفجر والعشاء في جماعة، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما حبواً»، ثم كان يتفقد الناس ويقول: «أشاهد فلان»، فإذا قيل له: لم يشهد فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم يسمعون: «إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء الآخرة في جماعة»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لقد هممت آمر رجلاً يصلي بالناس ثم آتي قوما يتخلفون عنها، -يعني الجماعة- فأحرق عليهم بيوتهم»، وقال - صلى الله عليه وسلم - لابن أم مكتوم وهو ضرير وقد سأله التخلف عن الجماعة فقال: «أتسمع النداء؟ فقال: نعم، فقال: ما لك من رخصة».
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدوٍ ولا يقام فيها الصلاة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان»، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه افتقد رجلا في صلاة الفجر فجاء إلى بيته في منزله فسأل عنه فقيل له: إنه قام الليل فلما أصبح نام عن صلاة الجماعة حتى فاتته، فقال عمر: ما ضيع أكثر مما حفظ، فما (10/41)
صفحة 2818
ظنكم فيمن تخلف عنها كسلا أو بطرا ولا سيما إن كانت تجارة أو ضيعة، ولا سيما إن كان مقبلا على أكل أو شرب؟ ألم تسمع إلى قول الله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً إِلَّا مَن تَابَ} (مريم: 59 - 60).
وعن ابن مسعود أنه قال: حافظوا على الصلوات في جماعة، فإنها من سنن الهدى ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وإنه لا يتخلف عن الجماعة إلا منافق، وعن ابن عباس أنه اختلف إليه شهرا يسأله عن رجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ولا يشهد جمعة ولا يحضر جماعة، فمات على ذلك، قال: في النار.
وأما العذر عن الجماعة فإن الله -تبارك وتعالى- أباح للمريض التخلف عن الجماعة، وكذلك في الليلة المطيرة والبرد الشديد التخلف عن الجماعة وكذلك عند حضور الطعام لمن احتاج إلى أكله، وكذلك إذا نودي إلى الصلاة والرجل في حاجة الغائط أو البول، فقد رخص له في ترك الجماعة رخصة من الله على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدوا بالعشاء»، وعن عائشة أنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يصلي أحدكم عند حضرة الطعام ولا هو يدافع الأخبثين»، وروي عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر المؤذن إذا كان ليلة باردة ذات مطر ألا صلوا في رحالكم.
كتاب المواقيت للصلاة
اعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن الله فرض على خلقه خمس صلوات في كل يوم وليلة في مواقيتها فمن أداها في وقتها التي افترض الله عليه أجزت عنه، ومن أداها قبل وقتها لم تجز عنه، وعليه الإعادة، ومن أخرها عن وقتها بغير عذر فهو عاص لله عز وجل وعليه قضاؤها، ثم اعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن لكل صلاة وقتين أولا وآخراً إلا المغرب فوقتها واحد، فمن صلى في أول الوقت فجائز، ومن صلى بين الوقتين فجائز، ثم إن أول وقت الظهر إذا زالت الشمس، فاعرف على كل قدم، فالوقت ممدود إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس من الأقدام ذلك اليوم فهو آخر وقت الظهر.
ووقت العصر أول وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدم الذي زالت عليه الشمس، فمن أخر الصلاة عن ذلك الوقت كان مفرطا، صلاها قضاء. (10/42)
صفحة 2819
ووقت المغرب إذا غربت الشمس فمن أخرها حتى تبدو النجوم فقد أخطأ وذلك أن جبرائيل عليه السلام أمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الكعبة كل صلاة وقتين أولا وآخرا في يومين إلا المغرب، فإنه أمّ به حين غربت الشمس في اليومين جميعا.
ووقت صلاة العشاء الآخرة عند غيبوبة الشفق هي الحمرة التي تكون في مغرب الشمس وآخر وقتها إلى ثلث الليل.
ووقت صلاة الفجر إذا طلع الفجر الثاني وهو البياض الذي يطلع من مطلع الشمس، والفجر فجران فجر قبل هذا وهو بياض في السماء على يسار القبلة طويل فذلك البياض لا تحل به الصلاة ولا يحرم به الطعام والشراب على الصائم وآخر الوقت ما لم تطلع الشمس.
وواجب على الأئمة أن يؤذنوا ويصلوا الصلوات على قدر حضور الناس، فإن علموا أن الناس تضيق عليهم الصلاة بغلس أخروا حتى يسفروا، ويكثر الجماعة في المسجد، وهذا أحب إلي أن يؤخروا صلاة العشاء الآخرة بعد غيبوبة الشفق بمدة لتجتمع الناس ولا يؤخروها إلى ثلث الليل فيثقل عليهم الجماعة ويضيق على الناس وثقل جماعتهم ولكن يتوسط بهم (10/43)
صفحة 2820
[صفحة بيضاء] (10/44)
صفحة 2821
الباب الحادي عشر
ما على المتعبد بعلم الوقت للصلاة
والصلاة عند عدم المعبرين لكيفية ذلك، أو عند وجودهم كان عالما لما يلزمه أو جاهلا والاعتقاد لذلك والقصد لفعله، وما أشبه ذلك.
مسألة: ومن الكتاب، والزيادة المضافة إليه، مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان، ورجل حان عليه وقت الصلاة وعلم أنها أربع أو أقل إلا أنه لم يعرف كلها فريضة أو كلها سنة أم فيها فريضة وسنة إلا أنه قد علم أنها عليه، فقام يصلي، وإنما يريد أنه يصلي تلك الصلاة الحاضرة التي عليه، فأتى بها فعلا، قلت: أيكون مؤديا أم لا كان قادرا على المعبرين أم لا؟ فمعي أنه قد قيل: إنه يجزئه ذلك إذا أتى بها فعلا عما يلزمه.
وقلت، ولو علم أنها قد حانت ولم يعلم أنها وجبت عليه أم لا كلها سنة أم كلها فريضة أم لا؟ فقام يصلي تلك الصلاة الحاضرة وأتى بها فعلا، هل يكون مؤديا ما وجب عليه فيها؟ فمعي أنه قد قيل: إنه مؤدٍ.
قلت: ولو كان عالما بلزومها إلا أنه لم يعرف كم وهو قادر على معبّر بها فصلى كما هي أو أكثر وإنما يريد بذلك مؤديا ما وجب عليه فيها، هل يكون مؤديا؟ فمعي أنه إذا وافق ما يسعه أن لو كان به عالما جاز له ذلك إذا أتى به على وجهه، وزاد فيه زيادة لا تفسد صلاته على النسيان أو الاحتياط.
مسألة: ورجل حان عليه وقت الصلاة فلم يعلم أن وقتها قد حان وهو قادر على معبّر له، فصلى على أنه إن كان قد حان وقت الصلاة فهي صلاته التي عليه وصلى كمثلها، أيكون مؤديا أم لا؟ فمعي أنه يكون مؤديا إذا وافق الحق (10/45)
صفحة 2822
وقلت: ولو كان عليه ولم يعلم أهو معذور بجهله ما لم يفت وقت الصلاة فإذا قامت الصلاة لم يسعه تركها ولا شيء عليه في جهل علم الوقت، وإذا أتى بها على تحريه لوقتها كان سالما، ولو جهل معرفة الوقت أم لا يسعه جهل الوقت إذا حان وهو ممن يجب عليه قام إليها أو لم يقم، إذا كان قادرا على تأديتها، فإذا أداها فقد انحط عنه جميع ذلك.
وقلت: إذا كان عليه معرفة الوقت مع الوجوب عند القيام أو قبله، فحان عليه وهو مسافر أو حائض أو معتوه، أعليه أن يعلم الوقت وفرض الصلاة عليه أم لا؟ فمعي أنه إذا لم يكلف أداء ذلك لوجه من الوجوه ولا مكلف علم ذلك، لم يكلف العلم عندي، وإنما كلف العلم لما ألزم العمل به والعلم لما ألزمه علمه، والترك لما ألزمه تركه وهذه هي الأصول كلها فيما معي.
مسألة: ورجل حان عليه وقت الصلاة وهو لا يعلم أن عليه يتم صلاته أم لا، باطمئنان قلبه في الحكم، وهي تامة أم لا؟ فأعتقد أنه يريد أن يصلي الصلاة التي عليه في ذلك الحين أو اعتقد أن الصلاة التي يصليها هي التي عليه في ذلك الحين.
قلت: أكل ذلك اعتقاد واحد ويكون سالما فيه إذا وافق التمام؟ فمعي أن اعتقاده أن يصلي الصلاة التي عليه في ذلك الحين أصح من اعتقاده أن الصلاة التي يصليها هي التي عليه في ذلك الحين، لأن هذا شاهد بغير علم إلا أن يكون بعلم والآخر قاصد إلى ما يلزمه ليخرج منه على حال علمه أو جهله، إذا وافق التمام على هذا الاعتقاد، فهو سالم، ولو جهل ما يلزمه في ذلك بالعلم، وإذا وافق غير التمام فهو غير سالم إذا كان قادرا على علم ذلك فضيعه.
قلت: وكذلك الفرائض التي لا تقوم إلا بالنيات؟ فمعي أن ذلك يصح في جميع الفرائض إذا قصد إليها، وإلى ما يلزمه منها ونحو ذلك، وأما إذا صلاها وهو يعلم أحكامها وكان معه في الحكم أنها تلزمه لعلة تامة، وهي غير تامة في الأصل فيما غاب عنه في علم ذلك، وهو عندي سالم في الحكم حتى يعلم أنها غير تامة، وإذا خرج منها في الحكم في حال لا تكون تامة في الحكم عند أهل العلم فهو غير معذور، ولو كانت في الأصل عند الله تامة، ولا تغنيه مخالفة ما تعبده الله في ظاهر دينه إذا خالفه، وهو يقدر على ألا يخالفه، وكذلك جميع الفرائض فهي عندي على هذا وإنما (10/46)
صفحة 2823
يقصد في جميع ذلك إلى تأدية جميع ما ألزمه الله في دينه أو طاعته إن كان عالما فقطعها بالشهادة به وإن كان غير عالم به، فقصد إلى ذلك على تأدية ما يلزمه من ذلك، وإن كان لازماً وإلى عبادة الله وابتغاء مرضاته، إن لم يكن لازما له في الأصل، وهو سالم بهذا في جميع الفرائض إذا وافق الحق في ذلك ولم يخالفه.
وكذلك جميع الوسائل اللواتي بها على هذا أنها إن كانت لازمة له فقد أدى ما يلزمه وإلا فذلك منه تقرب إلى الله وطاعة له.
قال غيره: قال غير المؤلف والمضيف: قد علقت في باب النيات ما أشبه مسائل هذا
الباب في هذا الجزء الثالث من كتاب بيان الشرع (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (10/47)
صفحة 2824
[صفحة بيضاء] (10/48)
صفحة 2825
الباب الثاني عشر
الأوقات التي لا تجوز الصلاة فيها
نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وهذا الحديث عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وغيرهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والنهي عن الصلاة في هذين الوقتين إنما هو ألا يتطوع الإنسان فيهما، فأما صلاة فريضة نسيها فليصلها إذا ذكرها في هذين الوقتين، وكذلك أيضا الصلاة جائزة على الجنائز بعد صلاة الفجر وبعد العصر، وكذلك إن طاف بالبيت طائف بعد ركعتي الفجر، وبعد صلاة العصر فصلى ركعتين عند المقام دل ذلك على سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان»، ونهى عن الصلاة في هذين الوقتين، فلا ينبغي لمن صلى الفجر أن يصلي صلاة تطوع.
وأما من نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، فإنا نأمرهم أن يتطهروا ويؤذوا إن كانوا جماعة، ثم ركعوا ركعتي الفجر والسنة ثم يقيموا فيصلوا صلاة الفجر، والحجة في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في مسير له فنزلوا فنام هو وأصحابه فلم يستيقظوا إلا بحر الشمس فأمر بلالاً فأذن ثم أمرهم بالطهور ثم ركعوا ثم أمره قام فصلى بهم فقال له قائل: يا رسول الله، نقضيها من غد قال: «لا، ثم قال: ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة، من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها غير ذلك»، وأما من فاته شيء من السنن المؤكدة فليصلها في (10/49)
صفحة 2826
هذين الوقتين فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - انفتل من صلاة الفجر فنظر إلى رجل من أصحابه يقال له: قيس يصلي ركعتين فقال: «ما هاتان الركعتان يا قيس؟ فقال: ركعتي الفجر لم أكن صليتهما فلم يقل له النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا»، ودخل - صلى الله عليه وسلم - على أم سلمة بعد العصر فصلى ركعتين فسألته أم سلمة عنهما فقال: «ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما الوفد فذكرتهما فصليتهما».
ومن نسي صلاة فذكرها وهو في صلاته فإنه يمضي في صلاته فإذا سلّم منها قضى التي نسيها وأعاد هذه الصلاة، كذا روي عن ابن عمر، وقد أسنده قوم عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم.
ومن صلى الظهر أو المغرب أو العشاء الآخرة منفردا وظن أن الناس قد صلوا فمر بمسجد يقام تلك الصلاة فإنا نأمره أن يصلي مع تلك الجماعة وفرضه الأولى، وتكون هذه نافلة والأولى فريضة لفضل الجماعة على المنفرد، وإن كانت صلاة الفجر والعصر فلا يصلي معهم إذا صلى منفردا لم يبح له أن يصلي معهم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس»، ونهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فإن دخل المسجد لحاجة مثل طلب علم أو زيارة أخ أو انتظار جنازة، وأقيمت الصلاة فإنا نأمره أن يصليها معهم، وتكون هذه نافلة والأولى فريضة.
فإن قال قائل: لم يجب عليه في هذه الأوقات أن يصلي ولم يبح له أولا؟ قيل له: لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
روى جابر بن زيد عن الأسود عن أبيه عن جده، قال: شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وصليت معهم صلاة الفجر في مسجد الخيف مسجد منى، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه فدعا بهما ترعد فرائصهما فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: إنا كنا صلينا، قال: فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة». (10/50)
صفحة 2827
الباب الثالث عشر
في الأذان وأحكامه
اعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن الأذان بالصلاة سنة من سنن الصلاة، وللأذان أصل في القرآن، قال الله عز وجلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} (الجمعة:9)، وقال فيما ذم به الكفار: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً} (المائدة:58).
ولا يكون الأذان إلا لصلاة الفريضة، فأما السنن من الصلوات فلا يؤذن لهن وذلك مثل صلاة العيدين والكسوف، وأحب أن يكون المؤذن على طهارة، وإن أذن غير طاهر أجزاه ذلك، وينبغي للناس أن يتخذوا مؤذنا عالما بأوقات الصلاة، قد تعلم الأذان من أهل العلم، ليصلح لسانه، وينبغي للمؤمن أن يكون أمينا صالحا، ولا يجوز أن يؤذن للصلاة إلا بعد دخول الوقت، فإن أذن قبل دخول الوقت لم يجزه، وأعاد الأذان، إلا أن الفجر جائز أن يؤذن لها بليل لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن بلالا ليؤذن بليل فكلوا واشربوا».
ويستحب للمؤذن أن لا يتكلم في أذانه فإن تكلم في أذانه بشيء يسير فيما يعنيه فلا بأس، وإن تطاول به الكلام أعاد الأذان، وينبغي أن يكون قائما ويستقبل القبلة بوجهه، ويضع إصبعيه السبابتين في أذنيه، ويرفع صوته وينظر إلى السماء، فإذا بلغ إلى قوله: (حي على الصلاة مرتين) أدار وجهه عن يمينه، فإذا بلغ (حيّ على الفلاح) أدار وجهه عن يساره، ثم أعاد إلى تمام الأذان تلقاء وجهه.
ومن السنة أن يؤذن في المنارة ويقيم أسفل، فإذا أذن مؤذن الجماعة أجزأ، فمن فاتته الجماعة صلى بغير أذان، والاختيار أن يقيم، فمن صلى ولم يقم فجائز (10/51)
صفحة 2828
وقد ترك الاختيار، ومن فاتته صلاة حتى خرج وقتها فأذن لها وأقام فلا بأس.
والأذان على وجهين: أذان أبي محذورة، وأذان بلال، فأيهما اختار الإنسان فلا بأس، وروي عن أبي محذورة قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة: (الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين، حيّ على الصلاة مرتين، حيّ على الفلاح مرتين، الله أكبر مرتين، لا إله إلا الله مرتين) وأما أذان بلال فهو ما عليه الناس وهو الذي رآه عبد الله ابن زيد الأنصاري في النوم فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالا فأذن به.
وأحب للمؤذن أن يرسل في أذانه فإذا أقام أدرجها إدراجا، وإذا أقام الصلاة فلم يمش حتى يفرغ من الإقامة، ولم يلتفت في إقامته يمينا ولا شمالا، وإن كان المؤذن ضريرا فلا بأس، قد كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - ابن أم مكتوم ولكن لا يؤذن حتى يخبره الثقة أن الوقت قد دخل.
وأحب للمؤذن أن يعتقد في أذانه أن يكون داعيا إلى الله، معظما لذكر الله عز وجل، بقلبه ولسانه، ويرفع من صوته جهده، ويريد بأذانه الله عز وجل، ولا يريد به رياءً ولا سمعة، لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه دعا للمؤذنين والأئمة فقال: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين»، وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال لرجل: فإذا أذنت فارفع صوتك فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يسمعه حجر ولا مدر ولا شجر ولا إنس ولا جن، إلا شهد له يوم القيامة»، روي عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المؤمن يغفر له يوم القيامة مدد صوته»، عن ابن عمر أنه قال: المؤذنون يفضلون الناس يوم القيامة بطول أعناقهم، وينبغي لمن سمع الأذان أن لا يشتغل عنه بشيء، ويكون استماعه للأذان ذاكرا الله معظما لله بجعل استماعه للأذان من أكبر الغنيمة، لأنه إذا ذكر الله عز وجل ذكره، قال الله عز وجل: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} (البقرة:152)، وقال: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} (العنكبوت:45)، روي عن أبي هريرة قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بلالا فأذن فلما سكت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قال مثلما قال يقينا دخل الجنة»، وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليّ فإنه من (10/52)
صفحة 2829
صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا، واسألوا الله الوسيلة فإنها منزلة في الجنة».
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قال حين النداء اللهم رب الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة».
وأحب الدعاء بين الأذان والإقامة، روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة»، قالوا: فما نقول؟ قال: اسألوا الله العافية في الدنيا والآخرة.
ثم اعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن استقبال القبلة من فرائض الصلاة، ولا يجوز للمصلي فريضة ولا نافلة، ولا ساجد سجدة إلا مستقبلا القبلة، إلا من عذر، والعذر في حال شدة الخوف عند المطاردة إن لم تمكنه القبلة فحيث كان وجهه، إلا أن يبتدئ الصلاة بالتكبير مستقبلا القبلة.
ثم اعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن الله عز وجل لما فرض على نبيه الصلاة كانت القبلة إلى بيت المقدس، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يصلي إلى الكعبة، فبلغه الله ما أحب فأنزل الله عليه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (البقرة:144)، فصارت قبلة له ولأمته.
ومن اجتهد في إصابة القبلة يوم غيم أو ليل مظلم، فصلى على الأغلب أنه مصيب ثم علم أنه صلى لغير القبلة، فقد اختلف العلماء فيه فالذي أذهب إليه أنه إن تحرى القضاء إلى القبلة فهو أحوط، وإن لم يقض لم يكن عليه، وروي عن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة، فجعل رجل منا يجعل بين يديه أحجارا فيصلي إليها، فلما أصبحنا إذ نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عز وجل: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} (البقرة:115).
وعن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية فأصابنا غيم فتحرينا واختلفنا في القبلة فصلى كل رجل منا على حده، فإذا نحن قد صلينا لغير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرنا بالإعادة، وقول: إنه إذا صلى على ما ذكرت بعض صلاته على التحري ثم طلعت الشمس فعلم أنه صلى على غير القبلة فإنه ينحرف إلى القبلة فيتم ما بقي عليه (10/53)
صفحة 2830
ومن أراد أن يعلم القبلة والشمس طالعة فحكمه إذا كان بالمدينة مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونواحيها إلى تلقاء العراق وخراسان، وبلد الجبل، والبصرة، وبلدة الجزيرة والشام، ومصر ونواحيها وما حولها وما وراءها فيجعل مشرق الشمس عن يساره والمغرب عن يمينه، فإن القبلة بينهما، وإذا كان باليمن وما حولها وما وراءها فيجعل مشرق الشمس عن يمينه والمغرب عن يساره، فغنه إذا فعل ذلك فقد أصاب القبلة.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، والسنة للمصلي أن يصلي إلى سترة تكون كالقبلة تمنع من يمر بين يديه، والسنة أن يدنوا من القبلة حتى يكون بينه وبينها مقدار ركوعه وسجوده فإن لم يقدر على شيء ينصبه تلقاء وجهه وبين يديه، فليخط خطا في الأرض، والاختيار أن يجعل الخط كالهلال فيكون كأنه قبلة، ثم لا يضره ما مر من وراء ذلك.
وروى طلحة بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا وضع الرجل بين يديه كمؤخرة الرحل فلا يضره ما وراء ذلك، ومؤخرة الرحل هي خشبة تكون على البعير يتكئ عليها الراكب ذراعا أو أقل منه، وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فإن لم يكن معه فلينصب عصا فإن لم يجد فليخط خطا إلا أنه إلى القبلة فالصلاة ماضية وقد أساء»، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت تنصب له العنزة يصلي إليها والعنزة شبه الحربة، والمصلي لا يقطع ما مر بين يديه من رجل ولا امرأة ولا صبي ولا بهيمة، وقد روي عن أبي سعيد الخدري قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأ المصلي عن نفسه ما استطاع، وروي عن زيد بن خالد الجهني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه لكان يقف أربعين خريفا خيرا من أن يمر بين يديه»، في الحديث قال: (لا أدري أربعين خريفا يوما أو شهرا أو سنة).
وقد روى أبو زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود»، وهذا حديث منسوخ عن الحمار والمرأة، وأما الكلب فقد اختلف العلماء فيه فينبغي للمصلي إذا مر بين يديه كلب أسود أعاد الصلاة، ولا يصلي المصلي إلى الجماعة يتحدثون فإنه نهي عنه. (10/54)
صفحة 2831
الباب الرابع عشر
في بناء المساجد
إن الله تبارك وتعالى ذكر المساجد في كتابه فعظم شأنها، وبيّن فضلها، وحث على عمارتها فقال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} (النور:36)، وقال عز وجل: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} الآية، (التوبة:18)، ثم بيّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن المساجد بعضها أفضل من بعض لقوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجد هذا، والمسجد الحرام، ومسجد إيليا»، يعني البيت المقدس، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام».
وميمونة مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: قلت يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس، قال: «أرض المحشر والمنشر إيتوه فصلوا فيه فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره»، قلت: من لم يطق أن يحتمل إليه؟ قال: «فليهد إليه زيتا يسرج فيه فإن الصلاة من أهدى كمن صلى فيه»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن خير البقاع المساجد».
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من بنى مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة»، وروى أبو بكر الصديق عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من بنى مسجدا لله ولو مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة»، وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من بنى لله بيتا يعبد الله فيه بنى الله له بيتا في الجنة».
وينبغي لمن بنى لله بيتا أن يكون جيدا واسعا للصلاة والذكر، ويكره له التزاويق بالخضرة والصفرة والنقوش بالسنادج والجص والشرف، وروي عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت بتشييد المساجد»، قال له ابن عباس: أزخرفها (10/55)
صفحة 2832
كما زخرفتها اليهود والنصارى؟ وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: «ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم»، وروي عن عثمان بن عفان أنه قال: كان في المسجد برحة فقال: ألقوا هذه فإنها تشغل المصلي، وروي عن علي بن أبي طالب أنه مر على مسجد مشرف فقال: هذا بيعة، ومر ابن عمر على مسجد مشرف بالجحفة فأمر بها فألقيت.
فهذا يدل على أن عمارة المساجد ليس هو مما يفعله الناس، وإنما عمارتها أن تصان عن رفع الأصوات بالخصومات وعن البيع والشراء، وعن إقامة الحدود، وعن الصناعات وعن اللغط في الكلام والخوض فيما لا يعني، وعن حضور الصبيان وعن المجانين، وتعمر بالصلاة والذكر والقرآن، ومدارسة العلم، وتكسى وتنظف، ويخرج منها القذى وتكسى الحصر الجياد لمن أحب ذلك، ومن لم يمكنه جعل الحصى فإنه سنة، ويسرج فيها ليلا لصلاة الناس، وتغلق أبوابها إلا عند أوقات الصلاة.
وروي عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «عرضت أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد»، وعن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كنس يوم الجمعة من مسجد ولو ما يقذي العين كان لديه عتق رقبة»، وروي عن مجاهد قال: كسح المسجد مهورا لحور العين، عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أخصبوا مسجدنا من هذا الوادي المبارك»، يعني العقيق، وروي عن أنس بن مالك أنه قال: البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها، عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخاعة في القبلة فشق عليه ذلك حتى رأى في وجه فقام فحكه بيده، وقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته وهو يناجي ربه -عز وجل- فلا يبصق أحدكم في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدميه اليسرى»، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض ثم قال: «أو يفعل هكذا».
وروي عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي في المسجد إذ رأى بصاقا في جداره فحكه أو مسحه ثم جعل مكانه زعفرانا أو طيبا، روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البيع والشراء في المسجد أو تنشد فيه الضالة.
عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقام الحدود في المساجد»، وعن وائلة بن الأشقع قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «جنبوا مساجدكم صبيانكم (10/56)
صفحة 2833
ومجانينكم وشراءكم وبيعكم، ورفع أصواتكم، وسل سيوفكم، وجمروها بالجمع»، فأما الصبي أدخله أهله لقراءة القرآن فلا يمنع، وإذا أفاق المجنون فلا يمنع في الصحة، ومن قال الشعر فيما يذمه العلماء مما يهجوا به أحدا وشعر مكروه فيه ذكر النساء وما أشبه ذلك فينهى قائله عنه، وأما من قال الشعر يمدح فيه الإسلام، أو شعر فيه تشويق الجنة، أو تحذير من النار، أو يحث به قائله على طاعة الله، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن من الشعر لحكمة»، وبنى النبي - صلى الله عليه وسلم - لحسان منبراً يقول فيه الشعر.
عن عمر بن عبد العزيز قال: كانت المساجد فيما مضى على ثلاثة أصناف: صنف في صلاتهم لهم من الله نور ساطع، وصنف في ذكر معروج به إلى الله، وصنف ساكت سالم، فانتقل ذلك إلى خلوف السوء مراقبته الدور ويديه الأشواق إلى مساجدهم، فصارت المساجد معادن خوضهم، ومزاحم صوتهم، يتفكهون الغيبة، ويفيد بعضهم بعضا النميمة.
وينبغي لمن دخل المسجد أن لا يجلس حتى يركع فيه ركعتين، روي عن قتادة قال: دخلت المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ظهراني الناس، فجلست فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ فقلت: بلى يا رسول الله، إني رأيتك جالسا والناس جلوس فقال: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين»، وعن جابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».
فينبغي للمسلم أن يلزم نفسه ذلك ولا يتوانى عنه ثم ليعلم المصلي أنه إذا صلى جمع فيه خصالا شريفة.
منها: أنه تعظيم لبيت الله -عز وجل- إذا لم يجعله كسائر البيوت.
ثانية: طاعة رسول الله فيما أمر به.
وثالثة: لفضل الصلاة وأن المصلي مناج لربه فإذا سجد قرب من مولاه الكريم.
وإن كان دخوله لقضاء حاجة من حوائج الدنيا رجوت له إذا بدأ بالصلاة عجل الله -عز وجل- ويجيب دعوته، ويحسن له الاختيار، وإن كان حاجته من حوائج الآخرة ثم استفتح الصلاة رجوت أن يبلغه مولاه أمله إذا عظم نبيه وأطاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (10/57)
صفحة 2834
[صفحة بيضاء] (10/58)
صفحة 2835
الباب الخامس عشر
البقاع التي لا تجوز فيها الصلاة
ثم إن الله -تبارك وتعالى- أباح لنبيه - صلى الله عليه وسلم - الصلاة حيث أدركتهم إلا في المواضع التي نهى عنها أن لا يصلى فيها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعل لي الأرض طهورا ومسجدا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل»، فعلى الحديث فكل أرض طاهرة من مسجد ومنزل، وسهل وجبل أو في بيعة أو دير، أو كنيسة، فالصلاة فيها جائزة، إلا ما كان من أرض غصب فالصلاة فيها مكروهة من أجل الظلم لأهلها، وكل أرض يصلي عليها المصلي وعليها نجاسة إذا قام عليها المصلي فالصلاة باطلة.
وأما استثناء ما لا تجوز فيه الصلاة، فإنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة»، وإن صلى على غير القبالة لم يضره شيء من الحمام ما جرت المياه للطهارة وغيره، وكل أرض علم أنها مقبرة لم تجز الصلاة فيها، ومن صلى قرب المقبرة لم يضره، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الصلاة في مبارِك الإبل فقال: «لا تصلوا فيها فإن فيها من الشيطان»، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: «صلوا فيها فإنها بركة»، هذا رواه البراء بن عازب.
وروي عن عبد الله بن معقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أدركتكم الصلاة في مراح الغنم فصلوا فيها، وإذا أدركتكم الصلاة في أعطان الإبل فاخرجوا منها»، وإذا ثبت الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجز خلافه إلا بدليل أنه منسوخ أو مجمل وغيره مفسر، فيؤخذ بالمفسر، لأن المفسر يقضي على المجمل، فعلى هذا الحديث لا يصلى في أعطان الإبل، ولا في مراحها، وهو الموضع الذي تأوي إليه وتبيت فيه، وأما موضع وقفت فيه وقفا فلا بأس به. (10/59)
صفحة 2836
وروى المغيرة بن شعبة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على الحصير والفروة المدبوغة، وعن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على بساط، وروى ابن العباس كذلك، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الحبرة، وإن صلى على حصير أو بساط وعليه نجاسة لم يجز وإن كانت النجاسة على جانب منه، والمصلي يصلي على الموضع الطاهر منه لم يضره، وتكره الصلاة على الحرير والديباج للرجال، وجائز للنساء؛ لأنه محرم على الرجال.
ولا ينبغي للعبد أن يتقرب إلى مولاه الكريم بما نهي عنه، وكره الصلاة على بساط فيه تماثيل صورة، ورخص في البسط إذا كان عليها تماثيل، وإنما النهي عن الستور، وإذا كانت الأرض قد أصابها نجس فبسط عليها حصير فصلى عليها فلا بأس.
والستر للباس من فرائض الصلاة، فلا يجوز لمصل أن يصلي عريانا إلا من عذر، وواجب على الرجل والمرأة أن يعلما ما عليهما من ستر عورتهما في الصلاة حتى يصليا بعلم.
وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، فعليه ستر هذا في الصلاة وغير الصلاة، وإن انكشف منه ما دون السرة إلى الركبة ولو كان أقل القليل لم يجزه ذلك، وليست السرة في نفسها عورة ولا الركبة، ولكن ما علا الركبة، وإن صلى الرجل في قميص أجزاه، ولكن يزره، فإن لم يزره لم يجزه، هكذا السنة، فإن كان القميص يشف لم يجزه، وإن كانت تحته سراويل أو مئزر أجزأه، وإن كان القميص لا يشف إلا أن فيه خروقا أو فتقا إذا قام أو ركع تبين منه عورته لم يجزه، وإن كان الخرق في غير موضع لم يضره، وإن صلى الرجل في إزار فاسح أجزأه، وإن اشتمل وأخرج طرفي الأزر من تحت منكبيه وعقدهما إلى عنقه أجزأه وإن كان يشف أو فيه خروق فحكمه حكم القميص على حسب ما ذكرنا لا غيره.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يصلي أحدكم في ثوب ليس على عاتقه منه شيء»، ومحظور على الرجل أن يلبس الحرير والديباج لأنه عليه حرام لبسه، وكذلك لا يحل للرجل أن يلبس الثوب مصبوغا بالزعفران، نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتزعفر الرجل، ولا يحل له أن يتقرب إلى الله بما نهى عنه، ومباح للرجل أن يصلي بالخز والصوف والقز، ويصلي بالثوب الذي جامع فيه أهله، ويصلي في ثوب بعضه عليه وبعضه على غيره.
وجميع ما قلنا يصلي فيه لا يكون إلا طاهرا، فإن كان فيه نجاسة أعاد الصلاة (10/60)
صفحة 2837
إذا علم بالنجاسة أو لم يعلم، فإن كان ثوبا واسعا في بعضه نجاسة فصلى في الطاهر منه والذي في الأرض فيه النجاسة لم يجزه، فإن قال: فقد أبحتَ الصلاة على البساط وعليه النجاسة إذا صلى على الطاهر منه، قيل له: ذلك لا خلاف فيه وهذا يسمى لابسا للثوب يزول بزواله، فهو حامل له، ومن حمل نجاسة في ثوبه لم يجزه، وكره السدل في الصلاة، فإن صلى سادلاً فلا شيء عليه، وسل عنها.
وأما المرأة فعورة كلها إلا وجهها وكفيها، فإن انكشف منها في الصلاة شيء سوى ما ذكرنا ولو أصبع أو شيء من شعرها لم تجزها الصلاة، فينبغي للمرأة أن تصلي في ثوب سابغ يغطي قدميها، وثوب يغطي رأسها لابد من ذلك، وحكمها في الثوب الذي يشف أو فيه خرق حكم الرجل، ولا يجزئها إلا أن يكون عليها ثوب ضعيف، وكل ثوب نسجه مشرك أو خاطه أو لبسه فهو على الطهارة حتى يعلم أنه أصابه نجس، ولو غسلها إنسان كان أحوط لأنهم لا ينتهون عن الأشياء لا تحل لنا فإن لم يفعل، وكان مثل ردائه أو عمامته فلا بأس، وإن كان مما بلى جلده فلابد من غسله.
وإذا غرق قوم فخرجوا عراة صلوا عراة إذا كانوا رجالا أو نساء، ولا إعادة عليهم، فإن صلوا جماعة قام إمامهم وسطهم، فإن كان عند أحدهم ثوب فالاختيار له أن يعيرهم فإن لم يفعل لم يلزمه فإن دفعه إلى واحد منهم ليصلي فيه فلم يأخذه ثم صلى عريانا أعاد الصلاة، ومن لم يقدر على ثوب وقدر على ما يقوم مقام الثوب أي شيء يستر وصلى ولا يجزئه غير ذلك.
وإن كانت معهم امرأة دفع إليها الثوب لأنها أعظم حرمة من الرجل، وإن أمّهم صاحب الثوب كان أمامهم ويغض بعضهم عن بعض.
وقد اختلف العلماء في العريان قال بعضهم: يصلي جالسا، وقال بعضهم: قائما؛ فالذي أقول به: إن فرضه في القيام واللباس فإذا أعدم اللباس لم يسقط القيام والله أعلم.
والصلاة في النعال والأخفاف من سنن المسلمين، صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نعليه وخفيه، وقال: «صلوا في نعالكم وأخفافكم وخالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم»، وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حافيا ومنتعلا، وينبغي لمن خلع نعليه في الصلاة أن يجعلهما بين يديه عند رجليه، وأن يجعلهما عن يساره، وليس على يساره غيره فلا (10/61)
صفحة 2838
* بأس، وإن كان عن يساره غيره فلا يفعل، وإن كان في جماعة فكان على يساره الإمام في حاشية الناس جعلهما عن يساره، وإن كان إماما وضعها عن يساره، وروى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يساره، فيكون عن يمين غيره ولكن يضعهما بين رجليه»، وأقول: من صلى وعليه جلد مما يؤكل لحمه قد ذكي صلى فيه دبغ أم لم يدبغ، وإن كان جلداً مما يؤكل لحمه فمات ثم دبغ صلى فيه، وإن لم يدبغ لم يصل فيه، وإن كان جلدا مما لا يؤكل لحمه لم يصلّ فيه ذكي أم لم يذك دبغ أو لم يدبغ، ومن كان صلى وهو يحمل شيئا من الحيوان مثل الحية والعقرب والفأرة وما أشبه ذلك وهو حيّ لم يضره ذلك، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتته امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله، إن ابنتيّ أصابتهما الحصبة فتمزق شعرها فأصله؟ فلعن الواصلة والموصولة، فلا ينبغي للرجل ولا للمرأة أن يصلا شعرهما بشعر لا يؤكل لحمه، فإن سقطت سنه فردها لم يجز ذلك لأنها ميتة، وإن رد سن شيء من الحيوان مما يحل لحمه فأخذ منه شيئا بعد أن ذكي فلا بأس بذلك، وفرض الصلاة على الناس القيام، وإذا مرضوا فلم يطيقوا القيام صلوا جلوسا فإن لم يقدروا على الجلوس صلوا حيث دل على ذلك القرآن والسنة، قال -عز وجل-: {فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} (النساء:103).
وعن عمران بن الحصين قال: كان بي الناصور فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة فقال: «صل قياما وإلا فقاعدا وإلا فعلى جنب»، وإذا صلى المريض قاعدا ركع وسجد فإن لم يقدر على السجود وضع وسادة يسجد عليها فلا بأس؛ فإن لم يقدر أومأ إيماء وجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يرفع إلى وجهه عوداً ولا غيره يسجد عليه وهذا خطأ.
عن ابن مسعود أنه دخل على أخيه وهو يصلي على عود فانتزعه، وقال: أومئ برأسك إيماء حيث يبلغ؛ ومن كان يقدر على القيام ولا يقدر على السجود ولم يسعه إلا القيام، وإما الركوع والسجود، ومن قدر على بعض القيام ولا يقدر على كل القيام قام ما يقدر عليه، وجلس فأتم القراءة جالسا، ومن كان لا يقدر على لصلاة الجماعة لطول قراءة الإمام لعلة صلى قائما ما يقدر وجلس ما لم يقدر، ومن لم يقدر على الجماعة منفردا، وإن صلى المريض مستلقيا على قفاه نحو القبلة، ويومئ ويجمع المريض بين الظهر والعصر إن شاء وبين المغرب والعشاء على حسب ما يطيق؛ ومن كان في سفر وحضرت الصلاة وجاء المطر وكثر الماء والطين (10/62)
صفحة 2839
فلم يستطع الصلاة بالأرض صلى راكبا، فمن لم يكن راكبا صلى قائما، وركع على حسب صحة الركوع، ثم رفع ثم سجد، ويومئ إلى الأرض خوفا على ثيابه وعلى وجهه من الطين.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان في سفر هو وأصحابه وهم على رواحلهم، والسماء من فوقهم، والبلة من تحتهم، فحضرت الصلاة وأمر المؤذن فأذن وأقام ثم تقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء، ويجعل السجود أخفض من الركوع؛ وعن قتادة قال: سئل جابر بن زيد عن رجل أدركته الصلاة وهو في ماء وطين قال: يومئ أيضا إيماء.
اعلموا -رحمنا الله وإياكم- إن الله عز وجل بفضله أباح للمصلي أن يعمل في صلاته أشياء له فيها رفاهية، إذا عمل لم تنقطع الصلاة دل على ذلك القرآن والسنة وأقاويل العلماء؛ وأما القرآن قول الله -عز وجل- {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ} إلى قوله: {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} (النساء:102)، وأخذ الحذر من عدوهم، وقال عز وجل: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}.
وأما دليل السنة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج على أصحابه يحمل أمامة ابنة بنته زينب فصلى بهم وهي على عاتقه يضعها إذا ركع ويعيدها إذا قام حتى تمضي صلاته، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «اقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في صلاتكم»، وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلون ورؤوس دوابهم بأيديهم وربما انفلتت دابة أحدهم فيمشي حتى يأخذها ولا يقطع ذلك صلاته.
وقد كانت النساء يصلين عند رسول الله وهن يحملن أولادهن ويرضعن في الصلاة، وقد سلم قوم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فرد عليهم إشارة بيده، وقد يصلح للرجل ثوبه في الصلاة، ويقتل البراغيث وما أشبه هذا مما يحتاج المصلي إلى فعله فهو مباح، وإن الله أباح للمسافر أن يقصر الصلاة في سفره خائفا كان أو آمنا بدليل الكتاب والسنة، قال: والاختيار أن يقصر ولا يرغب عما أبيح له؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خياركم الذين إذا سافروا أفطروا وقصروا الصلاة في السفر»، والفطر في رمضان في السفر وأكل الميتة عند الضرورة، وأشباه ذلك إنما هو لكل مسافر مطيع لله -عز وجل- بسفره غير عاص لله إذا كان مثل الحج أو جهاد أو طلب علم أو زيارة أو تجارة أو وكالة أو طلب غريم مؤسر، أو في طلب عبد آبق وولد شرد، وما أشبه ذلك (10/63)
صفحة 2840
وأما من خرج يسعى في الأرض الفساد أو تجارة لا تحل أو شيء من المعاصي، لم يقصر الصلاة ولم يفطر، ولم يأكل الميتة، فإن تاب إلى الله عز وجل، ورجع مما قصد إليه من المعصية قصر وأفطر وأكل الميتة إذا اضطر إليها، قال الله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} (البقرة:173)، وأكل الميتة لا يحل لمن خرج في معصية الله عز وجل.
اعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن الله أباح القصر للصلاة في كتابه، ولم يبين في الكتاب طول سفره ولا قصره، فدل على ذلك السنة وفعل الصحابة على مقدار المسافة التي إذا قصد إليها المسافر قصر.
والمقدار الذي يقصر في مثله الصلاة أربع:
ترك مقدار ثمانية وأربعين ميلا ستة عشر فرسخا قال الناظر في آثار أصحابنا: إذا خرج المسافر من بلده وتعدى فيه الفرسخين جاز له قصر الصلاة والإفطار (رجع). وإنما يقصر من الصلاة ثلاث صلوات الظهر والعصر والعشاء الآخر، وأما صلاة الفجر والمغرب فعلى حالهما.
والمسافر إذا خرج من بلده في حاجة، ولم يقصر في خروجه إلى موضع مقدار ما يقصر فيه الصلاة لم يقصر حتى يصل إلى الموضع الذي فيه القصر، ثم يقصر حتى يرجع إلى بلده، والمسافر إذا خرج من بلده الذي مقيم فيه فإذا جاوزه قصر، صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر في المدينة والعصر بذي الحليفة ركعتين، والرجل إذا قدم قرية يريد أن يقيم بها يومين أو أكثر قصر الصلاة حتى يخرج، والحجة في ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة فقصر الصلاة حتى خرج من مكة، وإذا قام الرجل في بلد أكثر من ثلاث وهو يقول اليوم أخرج غدا ثم تطاول به المقام شهرا أو شهران، فإن هذا يقصر الصلاة وهكذا فعل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وللمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في وقت الأولى منهما أو في وقت الآخرة، وإذا نزل المسافر منزلا فزالت الشمس قبل أن يرتحل فله أن يصلي الظهر، فإذا سلم منها صلى العصر، وليس له أن يجمع إليهما العصر إلا بنية الجمع من قبل أن يسلم وإن سلم ولو ينو الجمع ثم أراد الجمع لم يكن له ذلك؛ وإن ارتحل قبل الزوال فله أن يؤخر الصلاة إلى وقت العصر، وكذلك يفعل في صلاة المغرب والعشاء، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أخذه السير جمع بين الصلاتين، وقال: من جمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما أذن (10/64)
صفحة 2841
وأقام فصلى، ومن أخر الظهر إلى العصر لم يكن عليه أذان وأقام الصلاة، وإذا جمع في وقت الأولى منهما ثم فارق موضعه، واشتغل لم يجز له الجمع، وإن تكلم بكلام كثير لم يكن له الجمع، وإن كان بشيء يسير فلا بأس.
ومن نسي صلاة في السفر فذكرها في الحضر أو ذكر صلاة نسيها في الحضر، فذكرها في السفر أنه يصليها صلاة حضر لا يجوز قصرها بحال، لأن صلاة المقيم أربع فلما نسي وهو مقيم حتى سافر قضى أربعا كما إذا نسي صلاة في السفر فذكرها في الحضر، قيل له: إنما القصر إباحة ما كنت مسافرا؛ فلما بطل السفر كان الصلاة ما لزمه في السفر، ولا يدع المسافر ركعتي الفجر والوتر بحال، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدعهما في حضر ولا سفر، وصلاة السنن والنوافل جائزة على الراحلة وفي المحمل ما كان مسافرا، أوتر النبي - صلى الله عليه وسلم - على الراحلة وصلى - صلى الله عليه وسلم - التطوع وهو متوجه إلى حنين، وأقول له: استقبل القبلة في ابتداء صلاتك مع التكبير ثم صل كيف توجهت بك راحلتك ولا يصلي شيئا من الفرائض على الراحلة، إلا في الموضع الذي رخص الله -عز وجل- في حال شدة الحرب لقوله: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} وإذا كان الرجل والجماعة في السفينة وحضر وقت الصلاة فإن خرجوا إلى الساحل فصلوا فحسن وإن لم يمكنهم صلوا في السفينة قياما فإن لم يطيقوا القيام صلوا قعودا جماعة وفرادى مع القبلة كيف دارت، ولا إعادة عليهم، ويقصروا في السفينة ويفطروا، ومباح الجمع في اليوم المطير وإنما أبيح لهم من شدة المطر. (10/65)
صفحة 2842
[صفحة بيضاء] (10/66)
صفحة 2843
الباب السادس عشر
في الصبي يؤمر بالصلاة من كتاب (الأشراف)
قال أبو بكر: جاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «علموا الصلاة ابن سبع واضربوه ابن عشر»، وقال: هذا مكحول والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وبه نقول.
وقد اختلف فيه، فكان ابن عمر وابن سيرين يقولان: إذا عرف يمينه من يساره، وقال النخعي، ومالك ابن أنس، يؤمر بالسبعة إذا أتقن، وقال عروة بن الزبير: إذا علقهما، وبه قال: ميمون بن مهران.
قال أبو سعيد: معي، أنه قد جاء مثل هذا من الرواية في قول أصحابنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصبي يؤمر بالصلاة ابن سبع سنين، وقال من قال: ابن ثمان، ويضرب عليها ابن عشر؛ وجاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: الصلاة على من عقل، والصيام على من أطاق؛ فإذا ثبت معنى هذا فمتى يستدل به على عقل الصبي إذا عرف يمينه من شماله والسماء من الأرض، وأشباه هذا من معنى ما يراد به من استفهامه في عقله في معنى التجويز الذي أجازه من أجازه منهم، ولا يستقيم أن يؤمر بشيء لا يعقله، فيكلف ما لا يطيق، فإنما يراعى به في التعليم للصلاة، والأمر بها أحوال ما يرجل به عقله بذلك، وأطاقته له، ويؤمر بعقله عند إطاقته.
مسألة: ومن جامع (ابن جعفر)، وقيل: لا يضرب اليتيم على الصلاة، وأما الرجل فله أن يضرب ولده على الصلاة، وقال من قال: إذا كان ابن عشر سنين.
مسألة: وعلى الرجل أن يعلم زوجته وعبده ما يدينون به إذا طلبوا ذلك، (10/67)
صفحة 2844
ومن طريق الأدب أن يبتدئ بهم ويسألهم ويعلمهم، وإذا دعا زوجته إلى ذلك فامتنعت فلا شيء عليه.
ومنهم من قال: عليه أن يعلمهم واحتج في ذلك بقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} (التحريم:6).
مسألة: ومن غيره، وقال: على الوالد أن يعلم ولده وأهله الفرائض وما يجب عليهم فيها؛ الدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}، فأوجب على الإنسان أن يعلم أهله كما أوجب عليه أن يتعلم ما هو يوقي به نفسه من النار.
قال غيره: أرجو أني عرفت أن ذلك في الصبي، وأما إذا بلغ فحتى يسأله ثم عليه أن يعلمه والله أعلم فينظر في ذلك.
مسألة: وعن رجل اشترى عبدا أغتم لا يفهم العربية، هل تطيب له ملكته إذا لم يصل، فعلى ما وصفت فإن كان موحدا كانت له ملكته، ويأمره بالصلاة ويضربه عليها، وإن لم يكن موحدا فقد قيل يبيعه في الأعراب. * (10/68)
صفحة 2845
الباب السابع عشر
فيما يجب تعليم الإنسان من ولده وزوجته
ويوجد عن أبي المؤثر -رحمه الله- وعن الرجل يكون معه ولده هل عليه أن يعلمه الطهارة ويعرفه الأنجاس ويعلمه الصلاة؟ قال: نعم؛ قلت: فإن لم يسأله عن ذلك؟ قال: نعم؛ وقد قال الله -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}، فقال في تفسيرها: (قوا أهليكم)، بالأدب الصالح.
قلت: أرأيت إن كان مع الرجل خادم، أعليه أن يعلمه الطهارة والصلاة؟ قال: قال محمد بن محبوب: الولد يعلم الصلاة، والعبد يؤمر بها؛ وعلى قول محمد بن محبوب: فما أرى على سيد العبد ولكن يأمره باتقاء النجاسات، ويأمره بالصلاة، فإن سأله عن شيء كان عليه أن يعلمه ما علم من ذلك إذا كان العبد بالغا، ولو كان مراهقا يعقل ما يعلم من ذلك ويأتمر وينتهي.
مسألة: ومن جواب أبي محمد عبد الله بن محمد -رحمه الله- في أمر الزنج الصم، ومن أخذ منهم فنعم، لا بأس بخدمتهم، ويؤمرون بالصلاة ويضربون عليها، فكذلك ينهون عن أكل الحرام، وشرب الحرام، وكذلك يؤمرون بالصيام وينهون عن الأكل في رمضان إذا ظهر منهم ذلك.
مسألة: قال أبو سعيد محمد بن سعيد: معي إنه قد قيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الصبي: «يؤمر في الصلاة ابن سبع سنين، أو ثمان، ويضرب عليها ابن عشر سنين».
ويخرج معنا في الأمر في التعليم للصبيان بالصلاة، وللصلاة على معنى (10/69)
صفحة 2846
الوسيلة إذا كان لا فرض عليه لازم يخرج معنى الاتفاق، وإن كان قد قيل: الصلاة على من عقل من الصبيان، والصوم على من أطاق، فقد قيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «القلم مرفوع عن ثلاثة: الصبي حتى يحتلم، والناعس حتى يستيقظ، والمجنون حتى يصح عقله أو يرجع إليه»، هذه الرواية لا نعلم أحدا يختلف فيها، وإن كان في معانيها تأويل وزوال التعبد بمعناها عند أكثر أهل العلم عن الصبي أثبت من لزوم التعبد بالصلاة والصوم على من أطاق وعقل، والحر والعبد عندي في ذلك سواء، والمملوك يشبه الولد في معنى لزوم الحق، إذا كان تبعا لسيده إذا ملكه وهو صبي وقد كان أبوه مشركا وكان تبعا له في الإسلام طاهرا بطهارته، وإذا كان مخاطبا به في جملة المخاطبة مثل ولده من المؤنة والعول، وإذا كان مأمورا به في جملة من أمر به قوله: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}.
ولا يستقيم عندي أن يكون العمل من العامل فضيلة، والأمر به والتعليم من المعلم فريضة، وإنما يخرج هذا الأمر وهذا الأدب والتعليم للصبيان عندي من الفضائل والسنن؛ وكذلك الأمر باتقاء النجاسات وهو داخل في معنى الصلاة والتعليم لها، لأنه لا صلاة إلا بطهارة ولا طهارة إلا بعد اتقاء النجاسات.
وقد يلزم الصبي عندي من الأمر باتقاء النجاسات، والتطهر منها، للمشاركة في معنى الطهارة، لأهل البيت التي يدخل عليهم معنى النجاسات والديب، فيكون ذلك خاصا لهم في أنفسهم ودينهم، فقد يخرج عندي تعليم النجاسات والأمر باتقائها أكثر من أمر الصلاة لهذا الأمر، وهذه العلة، لأن ذلك يخرج على معنى المشاهدة في اللزوم.
وإذا صار الصبي من جميع الناس إلى حد البلوغ، كان متعبداً بنفسه، وكان عليه التماس أمر دينه والسؤال، وزال عندي حال الكلفة عن أهله فيه إلا ما علموا منه مما يأتي لا يجوز له، أو يترك مما لا يجوز تركه، أو جهل مما لا يجوز له جهله فيكون القيام بذلك ممن قدر عليه منهم في صحة مخصوص ما قد قامت به الحجة عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذلك بحال طاقته وقدرته، وكل من وجب عليه حقه من الأقرب، فالأقرب كان أوجب مناصحته والقيام بحقه لقول الله: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ} (الشعراء:214)، مع أمره أن ينذر الجميع فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} (الأعراف:158)، وقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} (الأحزاب: 45 - 46)، فخصه من في الخواص من الإنذار من أقاربه بمعنى غير العامة قال: (10/70)
صفحة 2847
{عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، وكانوا في الخاصة والعامة، وهذا ما لا ينكر فضله ولا يجهل عدله أن المشاهد والمحاضر يلزم فيه ما لا يلزم في الغائب وينعقد منه ما لا ينعقد من الغائب، فهذه الأمور كلها إنما تخرج على الخاص والعام في جميع أحكام الإسلام، فينبغي أن لا يجعل شيئا منها في غير موضعه ولا يعزل شيء منها إلى غير موضعه، وما التوفيق لشيء من العدل إلا بالله.
مسألة: ومن جامع (أبي محمد) وينبغي للآباء والقوام بأمور الأطفال أن يعلموهم الأذان والإقامة والصلاة وشرائع الإسلام إذا صاروا في حال يعقلون ما يراد منهم، لأن لا يذهب طائفة من الزمان عند بلوغهم في التعليم لأنهم إذا كانوا قبل البلوغ عالمين أبواب العبادات عند البلوغ على الفور؛ وهذا من التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به؛ وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها».
مسألة: ومن غير (الكتاب)، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: الصلاة على من عقل، والصيام على من أطاق، والحدود على من بلغ، قال الفضل بن الحواري: يؤمرون بذلك قبل أن يبلغوا ولا يجب عليهم فرض إلا بعد البلوغ، وقال موسى بن علي: إن الصبي تكتب حسناته ولا تكتب سيئاته.
مسألة: وقال أبو سعيد: على الرجل أن يعلم أولاده الصغار وملك يمينه الصلاة والطهارات ولو لم يسألوه عن ذلك، إذ لعله عرفهم في علمهم بالجهالة في ذلك، وأما زوجاته وأولاده الكبار وغيرهم من أرحامه، فهم في ذلك أهون ولا يلزمه اعتراضهم كلزوم هؤلاء إلا أن يرى من أحد منهم منكرا أو يعلموه بتضييع شيء من الفرائض، وينكر عليه ذلك ويدله على الحق إن كان يقدر على الإنكار عليه.
وما سأله عنه من أمر دينه فعليه إرشاده على ما علم منه ومعونته على ما لا يعلم منه، وكل من كان أقرب كان أولى لقول الله -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} (الآية)، المعنى في ذلك والله أعلم بتأويل كتابه (قوا أنفسكم)، بالعمل الصالح، وترك ما نهي عنه (وقوا أهليكم) بالأمر إلى الحق وبطاعة الله لقول الله -تبارك وتعالى-: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، وقال الله -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى (10/71)
صفحة 2848
أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} (النساء:135). فأولى بالمرء نفسه وعلى كل أحد أن يقوم لها وعليها بما يرجو لها به الفكاك، وبما يرجو أن يسلم به من الهلكة، ثم عليه القيام بعد ذلك على أهله وأقاربه الأقرب فالأقرب على ما يبلغ إليه طوله من القيام لهم بالقسط وعليهم ثم بعد ذلك حيث بلغت قدرته ليس لذلك معه غاية ولا له معه نهاية حتى يموت على ذلك إن شاء الله. (10/72)
صفحة 2849
الباب الثامن عشر
في أوقات الصلاة ... في وقت صلاة الظهر
من كتاب (الأشراف): قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر حين زالت الشمس، وأجمع أهل العلم على أن وقت الظهر زوال الشمس، واختلفوا في آخر الظهر فقالت طائفة: إذا صار ظل كل شيء مثله بعد الزوال فجاوز ذلك فقد خرج وقت الظهر، هذا قول مالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور.
وقال يعقوب ومحمد: وقت الظهر حين تزول الشمس إلى أن يكون الظل قامة.
وقال عطاء: لا تفريط للظهر حتى تدخل الشمس صفرة.
وقال طاووس: لا تفوت الظهر والعصر؛ وكذلك قال النعمان.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
واختلفوا بالتعجيل بالظهر في حال الحر، فروينا عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري أن يصلي الظهر حين ترفع أو تزول الشمس، وصلى ابن مسعود حين زالت الشمس؛ وروينا عن جابر أنه قال: الظهر كاسمها، وقال مالك: يصلي إذا كان الفيء ذراعا.
فيه قول ثان: استحباب تأخير الظهر في شدة الحر، هذا قول أحمد وإسحاق، وقال أصحاب الرأي في الصيف يجب أن يبرد، وفيه قول ثالث: قال الشافعي: أن يعجل الظهر في شدة الحر فإذا اشتد الحر أخرها من الجماعة إلى أن تعاب من البعد والظهر، فأما من صلى في بيته وفي جماعة بقياسه فليصلها في أول وقتها (10/73)
صفحة 2850
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر»، ونحوه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو على العموم لا سبيل إلى سبيل من ذلك البعض.
قال أبو سعيد: معي أنه يشبه الاتفاق من قول أصحابنا أن أول صلاة الظهر من حينما يتبين زوال الشمس بقليل أو كثير؛ وأخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله إلا الزوال؛ على نحو هذا يخرج عندي ظواهر قولهم.
ومعي أنه قيل: إن الصلاة لا تصلي بالظل وإنما تصلي بالاعتبار بالشمس، فإذا صارت الشمس على جانب عينه الأيسر بعمان في الشتاء إذا استقبل القبلة، فذلك وقت آخر الظهر؛ وأول وقت العصر؛ وإذا صارت في وجهة إذا كان مستقيما في استقبال القبلة في الحر فذلك آخر وقت الظهر وأول وقت الظهر، وقد جاء في معنى قولهم استحباب للمؤذنين والأئمة أن يبردوا بصلاة الظهر في الحر، ولعل ذلك مما يأتي فيه الرواية بالأمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويخرج معنى ذلك بالرفق بالناس فيما عندي من الإرادة في المعنى، وقد يخرج عندي في ذلك على العموم في الحر الشديد في الجماعة وغير الجماعة إذا صارت الشمس في كبد السماء؛ لأن ذلك وقت في قولهم النهي عن الصلاة فيه، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافا؛ إلا أن بعضهم رخص في ذلك يوم الجمعة إذا ثبت هذا المعنى، فحسن الخروج منه للعامة بالصلاة إلى حال الإبراد، والخروج من الريب فيه.
مسألة: واختلفوا في أول وقت العصر، فكان مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يقولون: إن أول وقت الظهر أول وقت العصر: واختلفوا بعد؛ فقال بعضهم: آخر وقت الظهر أول وقت العصر؛ قال أبو سعيد: يخرج معنا كما قال بغير تمكين أن يكون آخر وقت هذه مع أول وقت هذه ومنه؛ فلو أن رجلين صلى أحدهما الظهر والآخر العصر حين صار ظل كل شيء مثله لكانا مصليين صلاتين.
قال أبو سعيد: لا يخرج هذا القول في معاني قول أصحابنا على العدل، أو في وقتها؛ قال بذلك إسحاق وذكر ذلك عن ابن المبارك؛ وأما الشافعي فكان يقول: أول وقت العصر إذا جاوز الظل كل شيء مثله بشيء ما كان وذلك حين ينفصل من آخر وقت الظهر.
قال أبو سعيد: حسن معي ما قال: ومنه؛ وقد حكي عن ربيعة قول ثالث وهو (10/74)
صفحة 2851
أن وقت الظهر والعصر في السفر والحضر إذا زالت الشمس قال أبو سعيد: لم يخرج له في معنى التأويل بمعنى الجميع فلا يشبه هذا معنى العدل، ومنه، وفيه قول رابع وهو أن وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال، ومن صلى قبل ذلك لم يجزه، هذا قول النعمان، وخالف في ذلك أخبارا ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هي مذكورة في غير هذا الموضع.
قال أبو سعيد: هذا لا يخرج له معنى ثابت لأنه إن كان بالزوال فقد يخرج أنه إذا كان ظل كل شيء مثله غير الزوال كذلك، أول وقت العصر، وأنه إذا كان آخر وقت انحدار الشمس كان الزوال على وقت ما يكون ظل كل شيء مثله، ويكون العصر إذا كان ظل كل شيء مثله غير الزوال، فيكون على هذا إذا صار ظل كل شيء مثله إلا أن يكون في أرض يكون الزوال عليها إذا صار كل شيء مثله، فلعله يخرج هذا ولم يستبن، لأن الفيء يختلف في الأرض على ما قيل.
ومنه، واختلفوا في آخر وقت العصر فكان مالك الثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور يقولون: إن أول وقت العصر إذا كان نسخه صار ظل كل شيء مثله إلى أن يكون ظلك مثلك، وإن صلى ما لم تتغير الشمس أجزأه، وقال الشافعي: ومن العصر حتى يجاوز ظل كل شيء مثله فقد فاته وقت الاختيار، ولا يجوز أن يقال: فأتت العصر مصليها، وفيه قول ثالث: وهو آخر وقت العصر ما لم تصفر الشمس؛ هذا قول أحمد وأبي ثور وينجو ذلك قال الأوزاعي.
وفي قول يعقوب وابن الحسن وقت العصر من حيث أن يكون قامة فيزيد على قامة إلى أن تتغير الشمس؛ وفيه قول إسحاق بن راهويه، وبه قال الشافعي وفي أصحاب القدر؛ وفيه قول خامس، وهو أن آخر وقتها غروب الشمس، روي هذا القول عن ابن عباس وعكرمة.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه آخر وقت العصر إلى غروب الشمس في بعض ما قيل؛ ومنه؛ وفيه قول سادس: وهو أن آخر وقت العصر للنائم والناسي ركعة قبل غروب الشمس هذا قول الأوزاعي، قال أبو سعيد: معنا القول في هذا الثاني في آخره.
ومنه؛ واختلفوا بالتعجيل بصلاة العصر وتأخيرها فقالت طائفة: تعجيلها أفضل أن هذا مذهب أهل المدينة، وبه قال الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، (10/75)
صفحة 2852
* وقد روينا عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبارا تدل على صحة هذا القول، وفيه قول ثان روي عن أبي هريرة وابن مسعود أنهما كانا يؤخران العصر، وروينا عن أبي قلابة وابن سيرين أنهما قالا إنما سميت العصر لتعصر، وبه قال أصحاب الرأي يصلي العصر في آخر وقتها والشمس بيضاء ما لم تتغير في الشتاء والصيف.
والأخبار الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تدل على أفضل الأمرين بتعجيل العصر في أول وقتها والله أعلم؛ قال أبو سعيد: إنه يشبه معاني ما قال عندي يخرج في قول أصحابنا إلا قوله أنه آخر وقت العصر غروب الشمس قبل أن يصلي المرء فيها ركعة، فإن كان يريد هذا إلى آخر وقتها أن يصليها ويبقى من قوتها مثل غروب الشمس قدر ما يصلي قبل ركعة فحسن، وإن أراد أنه بقدر ما يصلي ركعة قبل غروب الشمس هو آخر وقتها فقد يخرج أنه أخر وقتها ولكن إذا لم تتم الصلاة في وقتها فليس ذلك بتمام وقتها في المعنى أنه آخر وقتها بتمامها، وإنما يخرج أنه آخر وقتها إذا صلاها قبل الغروب بتمامها؛ لأنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لو نام عنها أو نسيها أو تركها لمعنى حتى بدأ بها فصلى بعضها وغاب من الشمس بعضها فيخرج في معاني قولهم أنه لا صلاة له بعد ذلك، وأنه يمسك عن الصلاة حتى يستوي مغيب الشمس في بعض قولهم يأتي بها من أولها؛ لأنها قد فسدت بالوقت الذي لا تجوز الصلاة فيه وفي بعض قولهم أنه يبني عليها ويثبت له العمل المتقدم، معي أنه لو بقي عليه حد مما لا تجوز الصلاة إلا به لحقه معنى القول.
جواب: من حاشية الكتاب من أبي عبد الله محمد بن محبوب -رحمه الله- سألتم عن وقت صلاة العصر في الشتاء على كم يكون الظل في أوله وآخره عند منتهاه؟ وكيف تفسير ذلك تعرفونه؟ فاعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن ذلك حفظه لنا الثقة من المسلمين من حملة العلم عن الثقة أيضا من حملة العلم من المسلمين عن سليمان بن عثمان، وكان سليمان من فقهاء أهل زمانه أنه قال: ينقضي وقت صلاة الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال، وقد رأينا في بعض آثار المسلمين عن عمر بن الخطاب -رحمه الله- أنه قال: آخر صلاة الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال، وآخر وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثليه بعد الزوال، فبلغنا ذلك وأخذنا به، وقد قال موسى بن أبي جابر فيما بلغنا لم نر أحدا يقيس الصلاة بالظل، وكان لا يرى وقت الصلاة بقياس، وإنما هو بالتحري والنظر وهو عندنا في الشتاء والحر سواء. (10/76)
صفحة 2853
ويروى عن أصحابنا أيضا أنه يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا زاد الفيء ستة أقدام ونصف قدم بعد الزوال فقد خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر، وهو ثلاثة أرباع النهار، فمن صلى صلاة الظهر بعد ستة أقدام ونصف قدم بعد الزوال وهو ظل كل شيء مثله فإنه صلاها في وقت صلاة العصر. تم الجواب (رجع إلى الكتاب).
ذكر الصلاة الوسطى: واختلفوا في الصلاة الوسطى فروينا عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي أيوب وزيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وابن عباس وعبيدة السلماني، والحسن البصري والضحاك بن مزاحم، أنهم قالوا: الصلاة الوسطى صلاة العصر.
وروينا عن ابن عمر، وعائشة، وعبد الله بن شداد أنهم قالوا: الصلاة الوسطى صلاة العصر.
وقد روينا عن ابن عمر، وابن عباس وعكرمة، وطاووس، ومجاهد، وعطاء أنهم قالوا: إنها الصبح.
وبالقول الأول أقول لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر».
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى القولين جميعا أنه قيل بهما، وفي بعض قولهم إنها صلاة المغرب، ومعي أنه على حسب ما ذهب إليه أبو بكر من صلاة العصر يخرج عندي بأكثر ما قيل والله أعلم.
ذكر صلاة المغرب: أجمع أهل العلم أن صلاة المغرب إذا غربت الشمس، واختلفوا في آخر وقت المغرب، فكان مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي يقولون: الوقت المغرب إلا وقتا واحدا إذا غابت الشمس، وفيه قول ثان وهو أن وقت المغرب إلى أن يغيب الشفق، هذا قول الثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي.
وقد روينا عن طاووس أنه قال: لا تفوت صلاة المغرب والعشاء حتى النهار.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن أول (10/77)
صفحة 2854
وقت المغرب إذا غربت الشمس في موضعها حيث لا توارى بالحجاب من الجبال ونحوها وحين ذلك يطلع الليل بمعاني ما قيل، فذلك أول وقت المغرب، وأول وقت إفطار الصائم.
وقد يوجد في بعض قولهم التأكيد في صلاة المغرب والصلاة لها في أول وقتها هذا وما بعد فقد خرج من الوقت، ويخرج ذلك في معنى الحث عليها لفوت وقتها، وقد يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل بدوّ النجوم»، وفي ذلك تشديد وتأكيد حتى أنهم يروون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن جبريل عليه السلام صلى به الصلوات كلها مرتين فجعل لكل صلاة منها أولا وآخرا إلا صلاة المغرب فإنه صلاها به مرتين حتى غربت الشمس فكان ذلك يخرج دالا على وقتها لا يعدوه.
وأما في معاني قول أصحابنا على معنى أن أول وقتها وقت غروب الشمس وطلوع الليل وآخر وقتها إلى مغيب الشفق، ومنه؛ اختلفوا في الشفق فكان مالك بن أنس وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق ويعقوب ومحمد يقولون: الشفق الأحمر، وقد يروى في ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وقد روينا عن ابن عباس الأبيض، قولا ثانيا، وهو أن الشفق (البياض).
وقد روينا عن ابن أنس وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز ما يدل على أن الشفق (البياض) وبه قال النعمان وأحمد، وقال أحمد: لا يعجبني أن يصلي إذا ذهب البياض في الحضر ويجزئه في السفر إذا ذهبت الحمرة ويجزئه في الحضر والسفر إذا ذهبت الحمرة؛ وفيه قول ثالث: وهو أن الشفق اسم لمعنيين مختلفين عند العرب وهي الحمرة والبياض، قال أبو بكر: الشفق (البياض)، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في الشفق نحو ما حكي من الاختلاف، ويعجبني أن لا يترك المغرب إلى مغيب البياض ولا يصلي العشاء الآخرة قبل مغيب البياض، وإذا ثبت معنى الاختلاف ففي ثبوت وقت المغرب إلى مغيب الشفق لثبوت وقتها إلى مغيب البياض عند من قال به.
والحضر والسفر سواء في القصر والتمام إلا أن الشفق قد يمكن فيه الضيق والعذر، فإن افترق معناه فلمعاني العذر عندي، وأما الجميع، والبياض هو الضوء المعترض من الشفق والفجر ليس ما يبقى مستطيلا ولا ما يتقدم الفجر من مثل ذلك. (10/78)
صفحة 2855
وقت العشاء: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء الآخرة حين غاب الشفق، واختلفوا في آخر وقت العشاء فكان النخعي يقول: آخر وقتها إلى ربع الليل؛ وفيه قول ثان، وهو أن آخر وقتها إلى ثلث الليل.
وكذلك قال عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي.
وفيه قول ثالث: وهو أن آخر وقتها إلى نصف الليل، كذلك قال سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وفيه قول رابع: وهو أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر، وروينا هذا القول عن ابن عباس.
واختلفوا بالتعجيل بصلاة العشاء الآخرة، فروينا عن ابن عباس كان يرى تأخيرها أفضل ويقرأ: {وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ} (هود:114)، وعن ابن مسعود أنه كان يؤخر العشاء، واستحب مالك والشافعي والكوفي تأخيرها، وقال قائلون: تعجيلها أفضل استدلالا بالأخبار التي تدل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن تعجيل الصلاة في أوائل أوقاتها أفضل.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا أن آخر وقت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل، وفي بعض قولهم إلى نصف الليل، ولا أعلم من قولهم إلى ربع الليل، ولا إلى أكثر من نصف الليل، والله أعلم بذلك.
وفي بعض ما يدل من قولهم: إن تعجيل الصلاة في أول وقتها أفضل، إلا أنه قد يخرج في معاني قولهم أنه يستحب في الحر تعجيل العشاء الآخرة، وفي الشتاء تأخيرها، ولعل ذلك على معنى ما قيل طلب الرفق بالناس والفضل، لأن الحر ليله قصير، وتعجيل الصلاة جماعة أخف على الناس لما يعرض لهم من أمور النوم والرباط بين الصلاتين فضل عظيم، فإذا لم يكن هنالك سبب يوجب ضررا فمعي الرباط أفضل، فلهذا استحب من استحب صلاة العشاء الآخرة جماعة، لأنه يرجى في ذلك الفضل أكثر من الضرر وقت صلاة الفجر، ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الفجر حين طلع الفجر، وأجمع أهل العلم على أن أول صلاة الصبح طلوع الفجر، وأجمع أهل العلم على أن من صلى الصبح بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس أنه يصليها في وقتها. (10/79)
صفحة 2856
واختلفوا فيمن أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس، ففي قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق يضيف إليها أخرى ولو لم تفته صلاة الصبح، واحتجوا بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح»، فكان أبو ثور يقول: إنما ذلك لمن نام أو سها ولو علم بذلك رجل لكان مخطئا مذموما عند أهل العلم بتفريطه في الصلاة، وقال أصحاب الرأي: إذا طلعت الشمس وقد بقي على الإنسان من الصبح ركعة فسدت صلاته، وعليه أن يستقبل الفجر إذا طلعت ارتفعت الشمس، فإذا نسي العصر حتى صلى ركعة أو ركعتين حتى غربت الشمس تم صلاته.
وقال أبو سعيد: إنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا: إن أول صلاة الفجر منذ يطلع الفجر إلى أن يطلع قرن من الشمس قليل أو كثير، ويخرج في معاني قولهم عندي: إنه لا صلاة إذا طلع من قرن الشمس شيء من فريضة ولا نافلة، ولا بدل، وأنه من أدرك من صلاته شيئا فصلى قبل أن يطلع من قرن الشمس شيء ثم طلع عليه منها شيء أنه لا صلاة له ذلك الوقت ويلزمه الإمساك عن الصلاة حتى يستتم في مستقيم طلوع الشمس، فإذا تم طلوعها فمنهم من يقول: يبني على ما صلى؛ ومنهم من يقول يبتدئها، ويعجبني أن يمضي على صلاتها ويتمها؛ لأنها قد صلاها على السنة، وقد منعته السنة الصلاة فإنفاذ لها، ولم يخرج من معاني الصلاة إلا بالسنة، فما لم يعمل أو يتكلم بما يفسد الصلاة، ولا يخرج يرى الخروج من الصلاة وكان على نية إتمام الصلاة فأوجب له تمامها بإتمامه لها بعد طلوع الشمس.
ومنه، واختلفوا في التعجيل بصلاة الفجر وتأخيرها، فكان مالك والشافعي وأحمد وإسحاق يرون أن يصلي الصبح بغلس، وقد روي عن أبي بكر وعمر وابن الزبير وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وعمر بن عبد العزيز أخبار تدل على أن الغلس بالصلاة أولى من الأسفار بها، فكان سفيان الثوري وأصحاب الرأي لا يرون الإسفار بالفجر، وبالقول الأول أقول للثابت عن عائشة أنها قالت: كن نساء من المؤمنات يصلين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح وهن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وكان أبو بكر وعمر يغلسان بالصبح بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك دليل على صحة ما قلنا.
قال أبو سعيد: معي أن عامة قول أصحابنا يخرج على استحباب تعجيل (10/80)
صفحة 2857
* الصلوات في أول أوقاتها إلا أنه قد يخرج في بعض معاني قولهم استحباب الغسل لصلاة الفجر في الشتاء أو الرفق بها في الحر في الجماعات، وأحسب أن صاحب القول منهم يذهب إلى أن الرفق لطول ليل الشتاء وقصر ليل الحر، وما يدخل على الناس في ذلك من المشاق والرفق، فيتحرى بهم معاني الرفق في النظر، فإذا لم يكن في الشتاء خوف ضرر عليهم من طريق النوم كان الغلس للصلاة أفضل، والتارك لذلك المعنى لعجز لا لمعنى العدل.
وإذا كان في الحر قصر الليل ومعنى ضيق النوم كان ما يرجى من إجماع الناس للجماعات للرفق بهم أفضل، ولا يعجبني أن يتعدى بذلك على حال وسط الوقت وهو ثلث وقتها الأوسط، عن عروة بن الزبير قال: قالت عائشة رضي الله عنه، قلت يا رسول الله، ما هذه الصلاة؟ قالت عائشة: فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هذه مواريث آبائي وإخواني من الأنبياء فأما صلاة الفجر فتاب الله على أبي آدم عند طلوع الشمس فصلى لله ركعتين شكرا لله فجعلها الله لي ولأمتي كفارات وحسنات، وأما صلاة الهاجرة فتاب الله على داود حين زالت الشمس أتاه جبريل فبشره بالتوبة فصلى لله أربع ركعات فجعلها الله لي ولأمتي تمحيصا وكفارات ودرجات، وأما صلاة العصر فتاب الله على أخي سليمان حين صار كل شيء مثله فأتاه جبريل فبشره بالتوبة فصلى لله أربع ركعات شكرا لله فجعلها الله لي ولأمتي تمحيصا وكفارات ودرجات، وأما صلاة المغرب فبشر الله يعقوب بيوسف حين سقط الفرض وحل الإفطار للصائم ثم أتاه جبريل فبشره أنه حي مرزوق فصلى لله ثلاث ركعات شكرا لله فجعلها الله لي ولأمتي تمحيصا وكفارات ودرجات، وأما صلاة العشاء الآخرة فأخرج الله يونس من بطن الحوت كالفرخ لا جناح له حين اشتبك النجوم وغاب الشفق فصلى لله أربع ركعات شكرا لله فجعلها الله لي ولأمتي تمحيصا وكفارات ودرجات»، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أرأيتكم لو أن نهرا على باب أحدكم فاغتسل فيه في كل يوم خمس مرات هل يبقى عليه من الدرن شيء قالوا لا يا رسول الله قال: فهذه الصلاة تغسلكم من الذنوب غسلا».
ومن كتاب آخر؛ عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمّني جبريل صلى الله عليه مرتين عند الكعبة فصلى بي الظهر من الغد حين مالت الشمس قدر الشراك ثم صلى بي الظهر من الغد حين كان كل شيء بقدر ظله في وقت العصر»، وعن عبادة بن الصابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحد أشد (10/81)
صفحة 2858
تعجيلا للظهر من النبي - صلى الله عليه وسلم - ما استثنت أباها ولا عمر، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أبردوا عن الصلاة في الحر فإن شدة الحر من فيح جهنم».
عن العلاء بن عبد الرحمن قال: دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر فقام يصلي العصر، فلما فرغ من صلاته ذكرنا له تعجيل الصلاة أو ذرها، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين ثلاثا، يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا»، عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر.
عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمني جبريل عليه السلام عند الكعبة مرتين، فصلى بي المغرب حين أفطر الصائم ثم صلى بي من الغد حين أفطر الصائم»، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمني جبريل صلى الله عليه عند صلاة المغرب مرتين فصلى بي المغرب حين غابت الشمس ثم أتاني من الغد ثم أقام للمغرب حين غابت الشمس»، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أسرع الصلاة فوتا المغرب»، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال هذه الأمة على الفطرة ما لم تؤخر صلاة المغرب إلى أن تطلع النجوم»، عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمني جبريل عليه السلام عند الكعبة مرتين صلى بي العشاء حين غاب الشفق ثم جاء من الغد فصلى بي العشاء حين ذهب من الليل ثلثه»، وعن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة: ومن جامع أبي محمد قال: قال الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ} (هود:114)، وقال جل ذكره: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} (الإسراء:78)، فأول وقت صلاة الظهر زوال الشمس لا تنازع بين أهل العلم في ذلك وآخر وقتها إلى أن يصير ظل كل شيء مثله؛ وأول العصر إذا زال الظل على كل شيء مثله ولا يكون آخر وقت الظهر أول وقت العصر إلى ما ذهب إليه بعض مخالفينا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس في النوم تفريط وإنما التفريط في اليقظة أن يؤخر الصلاة إلى أن يدخل وقت الأخرى»، فيجعل - صلى الله عليه وسلم - لكل صلاة وقتا وإنما التفريط ما لم يدخل وقت الأخرى، والتفريط في اللغة هو أن المتقدم في الشيء يسمى مفرطا لأنه قدم اليقظة منه، ومنه قول الشاعر:
استعجلونا وكانوا في حابتنا *ش* ... كما تعجل فراط لوراد (10/82)
صفحة 2859
وآخر وقت العصر إلى أن يدرك المصلي ركعة منها قبل غروب الشمس، وكذلك كل صلاة إذا لحق منها مقدار ركعة والوقت قائم قد أدركها؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة أنه قال: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها».
وأول وقت المغرب إذا غابت الشمس لا تنازع بين العلماء في ذلك، وآخر وقتها إلى أن يغيب الشفق لما روي ذلك عن ابن عمر أنه قال: وقت المغرب إذا غابت الشمس إلى أن يغيب الشفق.
قال الشافعي: وقت المغرب وقت واحد فخالف الناس بقوله هذا لأن الوقت الواحد لا يمكن أن يؤدي الإنسان فيه الصلاة، وقال بعض أصحابه: الوقت الذي أراده الشافعي مقدار ما يتطهر الإنسان ويصلي في عادة الناس، وقال بعض أصحابه: إذا غربت الشمس مقدرا التطهر وصلى ثلاث ركعات فما كان فوق هذا فهو قضاء للصلاة.
وأول وقت العشاء الآخرة من مغيب الشفق إلى نصف الليل، وقال بعض أصحابنا: إلى ثلث الليل؛ وبعد ذلك صلاة الوتر إلى طلوع الفجر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله زادكم صلاة سادسة هي خير لكم من حمر النعم ألا إنها صلاة الوتر ما بين العشاء الآخرة إلى الفجر»، فإن قال قائل: فأي شفق تجب صلاة العشاء الآخرة به وهما شفقان أحدهما أحمر والآخر أبيض، قيل له: اختلف أصحابنا في ذلك، فقال بعضهم: الشفق الأول هو الأحمر، وقال بعضهم: هو الشفق الأبيض الذي بعد الحمرة، ونحن نختار قول من أوجب الفرض بالشفق الأول منهما.
فإن قال قائل منهم: ما الذي دلك على عدل هذا الرأي والعرض إذا كان يجب بالاسم وكل واجب من الشفقين اسم للشفق الذي يراد به الغرض وما ينكر أن يكون من صلى بالأول صلى بغير يقين والفرائض لا تكون إلا باليقين؟ قيل له: لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إلى أن يغيب الشفق»، فتركنا مع الاسم فالاسم هو المطلوب والتعلق بأوائل الأسماء جائزة.
فإذا قيل: غاب الشفق استحققنا الاسم ولو كان مراده - صلى الله عليه وسلم - (الأبيض) دون (الأحمر) لبينه عليه السلام إذ هو المبعوث بالبيان، فكان يقول حتى يغيب الشفقان، فلما لم يقل ذلك تركنا مع الاسم راعينا باستحقاقه والله أعلم.
وأما الصلاة الوسطى فعندي أنها صلاة العصر، وقد روي عن بعض (10/83)
صفحة 2860
الصحابة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بالمحافظة على العصرين، والعصران في اللغة قبل طلوع الشمس، وقيل غروبها، وقد قال الشاعر:
أماطله العصرين حتى يملني *ش* ... ويرضى ببعض الدين والأنف راغم
مسألة: في معرفة الفجر، والشفقين الأحمر والأبيض في السماء، فالأحمر في أفقها والأبيض فوقه، ويغيب الأحمر ويصير الأبيض في محله، وبين غيبوبة الشفق الأحمر كما بين غيبوبة الشمس إلى غيبوبة الشفق الأحمر، فيما سمعنا والله أعلم.
والفجر فجران: فجر يطلع إذا بقي من الليل مقدار الساعة التي يستطيلها الناس في الوقت والساعتين، فيتطاول إلى ربع السماء كذنب السرحان، هكذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والسرحان ولد الذئب وهكذا الفجر لا يكون بياضه أسفل، ويكون أسفله سواد ثم ينحط إلى المشرق ويبقى أصله مثل قيد الرمح في رأي العين طويلا ثم يبدو شبه الخطوط والغبار والسواد الذي أسفل منه حتى يغلب ذلك البياض السواد ثم يختلط بالبياض الفوقاني ويعترض يمنةً ويسرة، وهو الفجر الذي يحرم الطعام به ويوجب صلاة النهار، فإذا أردت أن تعرف ذلك وقفت في موضع تطالع منه طلوع الشمس فإذا طلعت علمت ذلك الموضع، ثم إذا كان الليلة الثانية وقفت في ذلك الموضع، وطلبت الفجر عن يسرته على مقدار ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع في رأي العين، فيتبين لك ما وصفت لك من الفجر بإذن الله.
وإذا كان ليلة قمر فإنه ليس ليبين لك جيدا كما وصفته إذا كانت ليلة مظلمة؛ وإذا أردت أن تعرف زوال الشمس في أي زمان كنت ولم يكن بحضرتك من يعرفك الزوال وقفت في موضع مستو من الأرض قبل أن تزول الشمس فتعلم قدميك والموضع الذي بلغ ظل رأسك ثم تنحى عنه ثم تعود إليه فما دام الظل ينقص فالنهار في الزيادة، فإذا انتهى نقصانه وزاد قليلا فقد زالت الشمس، لأن الفيء في أكثر الزمان باق.
وإذا صار ظل كل شيء مثله من موضع الزوال فهو آخر وقت الظهر ويجب أن تعلم الفيء من الموضع الذي زاد الظل بعد نقصانه، فإذا زاد على ستة أقدام ونصف من الموضع الذي زاد من الزوال فقد دخل العصر.
وغروب الشمس يدرك وقته بالعيان فإذا كان في الليلة غيم أو حائل بينها وبين الشمس نظرت إلى المشرق والذي بحذائها، والشمس إذا انحطت حتى يبقى بينها (10/84)
صفحة 2861
وبين موضع غروبها مقدار ذراع، ابتدأ السواد من المشرق ومقداره قامة في نظر العين، فإذا غاب بعض الشمس صار على السواد حمرة كالعصابة، حتى إذا غابت الشمس كلها فشا ذلك السواد في تلك الحمرة، فإذا لم يبق من الحمرة إلا شيء يسير، وغابت الشمس وتبين ذلك لك في اليوم الذي لا يكون بينك وبين الشمس حائل فتستدل بما قلت لك بتوفيق الله.
وقد قيل إن أحد الدلائل للشفق الأحمر إذا خفي وقته بغيم أو حائل بينه وبين الطالب له إذا ظهرت النجوم الصغار، وبانت وكثرت فقد غاب الشفق الأحمر، وينبغي أن يستدل على صحته بما يقصد إليه الإنسان إلى طلب ذلك في الليلة التي لا غيم فيها ولا حائل بين الشفق والطالب لمعرفته وبالله التوفيق.
ومن الكتاب، والفجر فجران: أحدهما الأول وهو المشكل الذي لا يحرم شيئا ولا يحله، وكانت العرب تسميه الكاذب وهو مستدق صاعد في غير اعتراض وهو كالأشمط، والأشمط من الرجال إذا كان في رأسه سواد وبياض، وكذلك الفجر الأول.
وأما الفجر الثاني؛ هو المستطير وإنما سمي مستطيرا لأنه منتشر في الأرض وكل شيء انتشر في الأرض سمي مستطيرا وهو الفجر الصادق؛ قال جرير:
أراد الظاعنون ليحزنوني *ش* ... فهاجوا صدع قلبي فاستطارا
ومنه قول الله تبارك وتعالى: {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} (الإنسان:7)، أي منتشرا، وأما الفجر الأخير فكانت العرب تسميه الصادق والمصدق وإنما سمته الصادق والمصدق لأنه يصدق عن الصبح ويبينه.
قال أبو ذؤيب الهذلي:
شغف الكلاب الضاريات فؤاده *ش* ... فإذا رأى الصبح المصدق يقرع
وقال آخر:
فلما أضاءت لنا سدفة *ش* ... ولاح من الصبح خيطا أنارا
والسدفة ضوء بدأ يظهر، وقال بعض المفسرين: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وقال بعض: هو بياض النهار من سواد الليل، وكذلك (10/85)
صفحة 2862
جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - السحور غداء لأنه بين الفجرين، قبل أن ينتشر الضوء ويكثر؛ وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسميه الغداء المبارك.
وأما الشفقان: أحدهما أحمر، والآخر بياض، يرى في الغرب والأبيض يكون بعد الشفق الأحمر وبعد سواد يكون بينهما كالظلمة الساطعة، ثم يطغو المغرب فيكون الشفق الثاني؛ والناس مختلفون في مقدار ما بين الشفقين فاختلف الفقهاء في وقت وجوب صلاة العشاء الآخرة.
فقال قوم: إذا غاب الشفق الأول وجبت الصلاة، لأن الصلاة تجب بغيبة الشفق ونحن نراعي وجوب الاسم، وتعلقوا بقول من قال بأوائل الأسماء.
وقال آخرون: لا تجب الصلاة إلا بعد غيبة الشفق الثاني؛ لأنا أمرنا بفعلها بعد غيبة الشفق؛ وما كان الشفق قائما فنحن ممنوعون من الصلاة والله أعلم بالأعدل من القولين.
أداء الفرض في استحباب الأجر
الدليل على صحة قول أصحابنا أن من لزمه فرض فسارع إلى أدائه كان أوفر لثوابه إذ قد يجوز على من أخره أن يحترمه الموت قبل أن يؤديه إلا في الوقت الذي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتأخير الصلاة فيه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم»، وهذا خبر يخص به صلاة الظهر وحدها من سائر الصلوات لأجل العلة التي ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويدل أيضا على فضل تعجيل الصلاة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أول الوقت رضوان الله وآخر الوقت عفو الله وأقل ما للمصلي في أول وقتها أن يكون عليها محافظا ومن المخاطرة بالشغل والنسيان عن الأوقات خارجا ورضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين»، والله أعلم.
مسألة: من كتاب (أبي جابر) وذكروا عن ابن عباس أن أول صلاة فرضت من الخمس الأولى وهي صلاة الظهر، فلذلك سميت الصلاة الأولى؛ قال: جاء جبريل -عليه السلام- إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة حين زالت الشمس فصلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة الأولى والمسلمون خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - يقتدون به والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقتدي بجبريل عليه السلام، ثم جاءه في وقت صلاة العصر فصلى به العصر ووقتها عندنا الذي تدخل (10/86)
صفحة 2863
فيه إذا صار كل شيء مثله غير الزوال، وفي نسخة بعد الزوال إلى أن يغيب قرن من الشمس، ثم جاءه جبريل حينما غابت الشمس فصلى به المغرب؛ ثم جاءه حين ذهب بياض النهار وجاء ظلام الليل وصلى به العتمة، ووقتها عندنا أن يمضي نصف الليل، ثم جاءه حين انفجر الصبح فصلى به الصبح، ووقت صلاة الفجر مذ يطلع الفجر البين إلى أن يطلع قرن من الشمس.
ومن غيره، وسألته عن ميقات صلاة العتمة؟ قال: لا يؤخرها بعد منتصف الليل، وقال جميع من سمعنا من أصحابنا يقول بذلك إلا أبا مهاجر، فإنه قال: إلى ثلث الليل.
ومن غيره؛ وعن قوم يصلون العشاء الآخرة والحمرة قائمة، قال: لا أرى ذلك إلا لمسافر مضطر أو مريض أو أشباه ذلك وهو أحسن وأجمل ألا يخالف، وإن فعله إنسان وقد اشتبكت النجوم فلا أراه إلا قد صلى، ولكن إذا توارى الشفق أجمل.
ومن غيره؛ قال أبو سعيد -رحمه الله-: إن أصحابنا اختلفوا في الظل بعد الزوال، فقال من قال: إذا صار ظل كل شيء مثله بعد الزوال، وقال من قال: من ستة أقدام وثلثي قدم، وقال من قال: ستة ونصف، وقال من قال: سبعة، وإنما قال كل قائل عليها على ما عرف من طوله، لأن الناس يختلفون فواحد يجيء ستة ونصف، وواحد يجيء ستة وثلثي قدم، وواحد يجيء سبعة أقدام.
ومن غيره؛ كان نجمدة بن الفضل النخلي يحتاط بقدم عند القياس فينظر في ذلك.
رجع: وقال الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}، يعني زوال الشمس وهي الأولى والعصر فيما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} يعني ظلمة الليل، يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة، {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ}، يعني صلاة الغداة؛ وقال في موضع آخر: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ}، يعني الفجر وصلاة الأولى والعصر، {وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ}، صلاة المغرب والعشاء، وقال أيضا: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} (الروم:17)، يعني حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون يعني صلاة الغداة، {وَعَشِيّاً} يعني صلاة العصر، {وَحِينَ تُظْهِرُونَ}، يعني الصلاة الأولى، فهذه الصلوات الخمس المكتوبة خاصة، وكذلك (10/87)
صفحة 2864
وجدنا التفسير فيما قدر الله من الآثار والله أعلم بالحق.
مسألة: وعن أبي عبد الله محمد بن محبوب -رحمه الله- وسألته عن الصلاة الوسطى، فقال: قد اختلف في ذلك فقال من قال: صلاة العصر، وقال من قال: صلاة الظهر، وقال من قال: صلاة الغداة.
قلت: فما تقول أنت؟ قال: أما أنا فأقول إنها صلاة الظهر، لأنه قيل: إن الناس لم يكونوا يحضرون النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة الظهر إلا قليل منهم؛ وكانوا يشتغلون ببضائعهم عن المحاضرة لصلاة الظهر فأمرهم الله بالمحافظة عليها وأن لا يتخلفوا عنها.
مسألة: من كتاب (المغازي) فيما وجدنا فيه أنه لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل -رحمه الله- إلى اليمن فكان مما وصاه به أنه قال له: «يا معاذ بن جبل إذا قدمت عليهم فعلمهم كتاب الله وأحسن أدبهم، وعلمهم الأخلاق الصالحة، وأنفذ فيهم ما أمر الله به، وأنزل الناس منازلهم، وعلمهم الأخلاق الصالحة من الخير والشر، ولا تحابين في أمر الله، ولا تخف في الله لومة لائم، وأد إليهم الأمانة من كل قليل وكثير، وعليك بالرفق والعفو في غير ترك الحق، حتى يقول الجاهل قد ترك من حق الله واعتذر إلى أهل عملك في كل أمر خشيت أن يقع عليك منه عتب حتى يعذروك، وأمت أمر الجاهلية إلا ما حسنه الإسلام، وأظهر كبير الإسلام وصغيره، وليكن أكثر همك الصلاة فإنها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين، يا معاذ؛ إذا كان الشتاء فصل صلاة الفجر ثم أطل القراءة على قدر ما تطيق ولا تمهلهم ولا تملهم ولا تكره إليهم أمر الله، ثم عجل الصلاة الأولى بعد أن تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس بيضاء نقية مرتفعة، والمغرب حين تغيب الشمس وتوارى بالحجاب، وعجل العشاء، وأعتم بها فإن الليل طويل، فإذا كان الصيف فأسفر بالصبح، فإن الليل قصير، وإن الناس ينامون آخر الليل ويهمدون، ومهلهم حتى يدركوها، وصل الظهر بعد أن ينقص الظل، وتحرك الرياح فإن الناس يقيلون، فأمهلهم حتى يدركوها، وصل العصر والمغرب على ميقات واحد في الشتاء والصيف، وصل العتمة ولا تعتم، فإن الليل قصير ولا تصليها حتى يغيب الشفق، وذكر الناس بالله واليوم الآخر، وأشبع الموعظة، فإنها أقوى لهم على العمل لما يحب الله، وبث في الناس المعلمين واحذر الله
الذي إليه ترجع، ولا تخف في الله لومة لائم». (10/88)
صفحة 2865
قال معاذ: فقلت يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرأيت ما سئلت عنه واختصم إلي فيه مما ليس في كتاب الله وما لم نسمعه منك؟ قال: اجتهد فإن علم الله منك الصدق وفقك للخير، ولا تقضين إلا بما تعلم، فإن أشكل عليك أمر فوقفه حتى تتبينه أو اكتب إليّ فيه».
مسألة: ومن غيره؛ وقد ذكرنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «لا تزال طائفة من أمتي على الفطرة ما صلوا صلاة المغرب قبل بدو النجوم»، وقد ذكر لنا أن ابن مسعود -رحمه الله- كان يصليها إذا وجبت وعندها كان يفطر إذا كان صائما ثم يقسم عليها قسما لا يقسمه على شيء من الصلوات بالله الذي لا إله إلا هو أن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة ثم يقرأ تصديقها من كتاب الله: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}، وقرآن الفجر صلاة الصبح، وكان يحدث أن عندها يجتمع الحرسان من ملائكة الله، حرس الليل وحرس النهار.
مسألة: وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تزال أمتي بخير ما أسفروا بصلاة الصبح وصلاة المغرب قبل اشتباك النجوم».
قال غيره: لعل المعنى ما صلوا صلاة الصبح والنجوم مشتبكة وصلاة المغرب قبل اشتباك النجوم، والله أعلم فينظر في ذلك إن شاء الله.
مسألة: قال: ومن نام متعمدا قبل صلاة العتمة فلا بأس عليه، ويكره ذلك، وقد كنت بإزكي مع أبي جعفر -رحمه الله- وكان ربما نام ونعس قبل أن يصلي العتمة ثم يخرج وأنا معه فيتوضأ ويصلي.
مسألة: عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمني جبريل عند الكعبة مرتين صلى بي العشاء حين غاب الشفق ثم جاء من الغد فصلى به العشاء حين ذهب من الليل ثلثه».
مسألة: اختلف في وقت العصر بعد الزوال إذا صار الظل بعد الزوال ستة أقدام ونصف فقد حانت العصر، وقال من قال: سبع إلا ثلث، وقال من قال: سبعة، قلت: فما يعجبك أنت؟ قال: يعجبني إذا صار كل شيء مثله غير الزوال.
قال غيره: نعم؛ قد قيل: إنه صار ظل كل شيء مثله غير الزوال فقد حضرت العصر. (10/89)
صفحة 2866
مسألة: ومن جامع (أبي محمد)، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ثم قرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} (ق:39)، وهذا خير له تأويل، وفيه دليل على تفوت العصر إلى قبل الغروب، ويدل على صحة هذا التأويل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس ملأ الله قبورهم نارا»، وقول الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ}، يعني بذلك والله أعلم صلاة الفجر وصلاة العصر، فهذا يدل على بقائها إلى آخر النهار والله أعلم.
ومن الكتاب؛ ومن أدرك من العصر ركعة فعليه قضاء الصلاة بعد خروج الوقت المنهي عن الصلاة فيه لخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومن أدرك من صلاة العصر ركعة فقد أدركها»، يدل على أنه قد نهى عن هذه الأوقات والله أعلم.
فصل: أبو محمد -رحمه الله- القمر يسقط أول ليلة من الشهر على نصف سدس، والثانية على سدس، والثالثة على ربع، وقيل: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي لسقوط القمر ليلة ثلاثة وذلك ربع الليل، وليلة أربع ثلث يمضي من الليل، وليلة خمس لثلث ونصف سدس، وليلة ست لنصف الليل، وليلة سبع لنصف ونصف السدس، وليلة ثمان لثلثي الليل، وليلة تسع لثلاثة أرباع وليلة عشر لسدس يبقى من الليل، وليلة أحد عشر لنصف سدس يبقى، وليلة اثني عشر مع الفجر، ثلاث عشرة لما بين الفجر وطلوع الشمس، وليلة أربع عشرة طلوع الشمس، فيبتدئ بطلوع القمر فيطلع ليلة خمس عشرة لنصف سدس مضى من الليل، وليلة ست عشرة لسدس، وليلة سبع عشرة لربع، وليلة ثمني عشرة لثلث، وليلة تسع عشرة لثلث ونصف سدس، وليلة عشرين لنصف، وليلة إحدى وعشرين لنصف ونصف سدس، وليلة اثنين لثلثي الليل، وليلة ثلاث وعشرين، ثلاثة أرباع، وليلة أربع وعشرين لسدس، يبقى من الليل وليلة خمس وعشرون لنصف سدس يبقى من الليل، وليلة ست وعشرين ما بين طلوع الفجر والشمس، وليلة ثمان (لعله سبع) وعشرون مع طلوع الشمس (10/90)
صفحة 2867
الباب التاسع عشر
في الأوقات التي لا يجوز الصلاة فيها نفلا
ولا فرضا وما يجوز من ذلك
من كتاب (أبي جعفر): ولا تجوز صلاة نافلة بعد صلاة العصر إلى الليل، ولا بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس إلا من أراد أن يقضي صلاة فائتة فإنه يصليها في ذلك الوقت إن أراد أو صلاة جنازة ما لم يطلع قرن من الشمس أو يغيب منها قرن، فإن كان ذلك الوقت فلا يجوز شيء من الصلاة.
ومنه؛ ومن كان في الصلاة ثم طلع قرن أو غاب قرن من الشمس فليقف على حاله حتى يستتم طلوعها أو غروبها ثم يتم صلاته.
وقال من قال: يبتدئ صلاته إذا طلعت الشمس أو غربت.
وقال من قال: إن مغيب القرن منها هو اصفرارها.
وقال من قال: هو مغيب بعضها أو طلوعها وكذلك طلوعها.
ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إذا غاب من القرص شيء، قال غيره: معي أنه يغيب شيء من القرص في موضع مغيبه وهو أصح.
رجع:
مسألة: وقد قيل: من كان عليه بدل صلاة ركعتي الفجر فليبدلهما بعد صلاة العصر إن أراد، ومن غيره: قال محمد بن المسبح: يصلي ركعتي متى ما ذكرهما إلا بعد الفجر وبعد العصر قبل غروب الشمس أو طلوعها. (10/91)
صفحة 2868
[صفحة بيضاء] (10/92)
صفحة 2869
الباب العشرون
ذكر الأوقات التي لا تجوز الصلاة فيها
ومن جامع أبي محمد: أجمع أهل الحديث ونقلة الأخبار من أصحابنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد صلاة العصر؛ وبعد صلاة الفجر، فسر ذلك علماؤنا وقالوا: النهي منه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة النفل وهذا هو الصحيح لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، فالصلاة التي نسيها أو نام عنها يصليها في كل وقت كما قال - صلى الله عليه وسلم - إلا في الوقت الذي نهى عن الصلاة فيه باتفاق وهو عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وإذا كانت في كبد السماء قبل الزوال والأخبار كلها صحيحة، والقول بها جائز، والعمل بها ثابت، ولغلط في التأويل والله أعلم.
وقد روى أصحاب الحديث عن مخالفينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تصلوا بعد صلاة العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة»، وروي عنه أنه كان إذا صلى فريضة صلى بعدها ركعتين إلا صلاة الصبح وصلاة العصر، ورووا عن علي بن أبي طالب أنه صلى بأصحابه في بعض أسفاره صلاة العصر، ثم دخل فسطاطه وصلى ركعتين؛ ورووا أيضا أن عليا روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس»، فانظروا إلى تناقض أخبارهم وتركهم النظر في تأويلها إن كانت صحيحة عندهم كما رووها، وكيف يكون هو علي الذي روى الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهى عن الصلاة في ذلك الوقت ثم هو الفاعل لما روي من النهي عنه.
وهذه الأخبار إن كانت صحيحة فلها تأويل عندنا صحيح إن شاء الله، (10/93)
صفحة 2870
* وذلك أن قوله -عليه السلام-: «لا تصلوا بعد صلاة العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة»، فهو بعد أن تغيب وارتفاعها هو ذهابها كما يقول الناس ارتفعت البركة، وارتفع القحط عن الناس، وارتفع الغلاء عن المسلمين، وهذا يبين معنى الخبر الذي رواه أصحابنا ويؤيده ويدل عليه ما رواه عن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس»، والله أعلم.
وأما ما روي أن عليا صلى بأصحابه في السفر صلاة العصر، ثم دخل فسطاطه فصلى ركعتين فهذا يدل على أنه صلى صلاة كانت عليه ذكرها في ذلك الوقت ألا ترى أنه هو الذي روى الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس»، ولسنا ننكر أخبار مخالفينا فيما تفردوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها لأنا قد علمنا فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم نعلم بفساده أن يكون صحيحا وإن لم ينقلها معهم أصحابنا لما يجوز أن يكون البعض من أصحابه علم بالخبر أو ببعض الأخبار، ولم يستقبوا في الكل علم ذلك الخير، أو لم يشهر بينهم.
وقد تختلف الأخبار بيننا وبينهم لتأويلها أو لانقطاع بعض الأخبار واتصالها، أو قلة ضبط ناقليها، وقد كان بعض الصحابة يصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الرجل يصل إلى الصحابي، وقد ذكر بعض الخبر ومنهم من ينسى من الخبر شيئا فيغير معناه أو يزيد فيه؛ ومنها ما ينتقل عن وجه القصص أو الفائدة أداب ولغيره، والصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع، وكذلك اختلف الأخبار وأحكامها والله أعلم.
وقد روي عن عائشة بلغها أن أبا هريرة روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الشؤم في ثلاثة: الدابة والدار والخادم»، فقالت غلط أبو هريرة، دخل أبو هريرة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: «لعن الله اليهود تقول إن الشؤم في ثلاثة»، فسمع آخر الخبر، ونحو ذلك ما روي عن أنس بن مالك في الحائض حين سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حكمها، فأنزل الله جل ذكره: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} (البقرة:222)، وكانت إذا حاضت عندهم المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها وأخرجوها من البيت، وكانت عند أنس فيما أظن أن الحائض في حال حيضها نجسة حتى نزلت هذه الآية، وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها في حال حيضها أنها كسائر النساء الطاهرات في حال الطهارة؛ ويدل على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (10/94)
صفحة 2871
قال لعائشة: «ناوليني الخمرة، وهي في المصلى، فقالت: إني حائض، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ليست الحيضة في كفك».
مسألة: ومن جامع (ابن جعفر)، ولا تجوز الصلاة نصف النهار في الحر الشديد إلا يوم الجمعة، وكذلك قال موسى بن علي -رحمه الله-.
مسألة: وسألته عن صلاة النافلة نصف النهار والشمس في كبد السماء قبل أن تزول، هل تجوز في ذلك الحين، قال: معي أنه لا تجوز في ذلك الحين في الحر الشديد، ولا أعلم في الحر الشديد في ذلك كراهية لعلة عندي في ذلك، والفرق إذا لم يجز في الحر الشديد وجاز في غيره، قال: الله أعلم ما عندي في ذلك علة اعتمدها إلا ما قالوه فالله أعلم بقولهم. (10/95)
صفحة 2872
[صفحة بيضاء] (10/96)
صفحة 2873
الباب الحادي والعشرون
في المواضع التي يجوز الصلاة فيها
من كتاب (الأشراف): ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «جعل لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا»، وجاء عنه أنه قال: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»، واختلفوا في الصلاة في المقبرة فروينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعبد الله بن عمر وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة فيها، واختلف عن مالك فيه فحكى ابن القاسم عنه أنه قال: لا بأس بالصلاة في المقابر، وحكي عن أبي مصعب أنه قال: لا أحب ذلك، قال أبو بكر: ونحن نكره ذلك ما كره أهل العلم استدلالا بالثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا».
قال أبو سعيد: معي؛ أنه قد جاء معنى الكراهية في الصلاة في المقبرة، وفي بعض قول أصحابنا أنهم لا يأمرون بذلك إلا من ضرورة فإن صلى مصلي هنالك ففي بعض قولهم إن صلاته تامة، وفي بعض قولهم أن عليه الإعادة، وإذا ثبت ذلك فعندي إجازة صلاته لأنها من سائر الأرض، والأرض كلها طاهرة ما لم يعلم نجاستها ما لم يصح فيها معنى يوجب الإجماع على نجاستها، فطهارتها أولى بمعنى الحكم، وأما في المقبرة فذلك إلى الفاعل فإن كانت الصلاة على قبر، فمعي أنه أشبه قولهم أن عليه الإعادة إذا لم يكن من عذر، وقد يخرج عندي إجازة صلاته إذا كان من معنى الميت، فهنالك سترة تحول بينهما، ولو كان طاهرا.
ويعجبني إذا كانت الصلاة على القبر أن يعيد ... ومنه ففي قوله هذا، دليل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة، فقال نافع مولى ابن عمر: صلينا على عائشة، وأم سلمة وسط البقيع والإمام يومئذ أبو هريرة، ورخص ذلك ابن عمر، (10/97)
صفحة 2874
وروينا أن وائلة بن الأسقع كان يصلي في المقبرة غير أنه لا يستتر بقبر، وصلى الحسن البصري في المقابر، وكره عن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك الصلاة في المقبرة والصلاة في معاطن الإبل ومرابض الغنم.
ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة في معاطن الإبل وأذن بالصلاة في مراح الغنم، وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي فإنه قال: لا أكره الصلاة في مرابض الغنم إذا كان سليما من أبوالها وأبعارها، وممن روينا عنه أنه رأى أن يصلي في مرابض الغنم، ولا يصلي في أعطان الإبل جابر بن سمرة، وعبد الله بن عمر، والحسن البصري، ومالك بن أنس، وإسحاق وأبو ثور.
وروينا عن أبي ذرّ أنه دخل في زرب غنم فصلى فيه وعن ابن الزبير أنه صلى في مراح الغنم وصلى ابن عمر في دمن الغنم، ورخص محمد بن سيرين والنخعي وعطاء بن أبي رباح في ذلك، قال أبو بكر: جائزة في مراح الغنم استدلال بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أين أدركتك الصلاة فهو مسجد»، وبه قال عطاء ومالك.
قال أبو سعيد: معي؛ أنه أكثر الكراهية من قول أصحابنا في مواضع الأنعام، معاطن الإبل، ولا أعلم من قولهم بالصلاة فيها ترخيصا عند المكنة لغيرها، وأما مرابض الغنم والبقر فعندي أنه أرخص، ولا أعلم في هذا الفصل أنهم يفسدون شيئا من ذلك بمعاني الاتفاق إلا أن يصح في شيء من ذلك نجاسة من أبوالها لم يأتي عليها حكم الطهارة، ويخرج عندي معنى كراهيتهم للصلاة في معاطن الإبل إذا كان يجول بين المصلي والأرض، وأما إذا كان مثل البعر وأشباهه مما يكون في بعض الأرض ولا يكون في بعضها فلا أجد بين ذلك وبين سائر الأنعام فرقا على كل حال، فلا أعلم منها فساد الشيء من أرواث الأنعام ولا أبعارها وحكم الأرض طاهرة، حتى تعلم نجاستها وكلما كانت أنزه عند المكنة وأبعد من الريب كان أفضل أن يكون هنالك الصلاة.
ومن الكتاب، اختلفوا في الرجل يصلي في موضع نجس، فقال مالك: يعيده ما دام في الوقت، وقال الشافعي: يعيد في الوقت وبعد الوقت، وقال طاووس والأوزاعي ومالك والشافعي وإسحاق في الأرض النجسة: يبسط عليها بساطا يصلي عليه، قال أبو بكر: وحكم التراب يجعل على أن النجاسة كالبساط يصلي عليه. (10/98)
صفحة 2875
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه إذا صلى في موضع من الأرض نجس في حال ضرورة ما لم يكن ينجسه ويلصق به أن صلاته تامة، لأنه قد صلى بما كان مخاطبا به، ولا يبعد ما قال من قولهم إذا أمكن غير ذلك من الأرض أن يشبه لزوم الإعادة على كل حال، وأصل معنى الحكم أنه قد صلى ومنه.
واختلفوا في الصلاة في البيع والكنائس، فكان ابن عباس ومالك يكرهون الصلاة فيها من أجل الضرورة، وقال عمر بن الخطاب لرجل من النصاري: إنا لا ندخل بيعكم من أجل الصور التي فيها، وصلى أبو موسى الأشعري في كنيسة، وروي عن ابن عباس أنه رخص أن يصلى في البيع إذا استقبلت القبلة، ورخص في الصلاة في البيع الحسن البصري والشعبي وعمر بن عبد العزيز والنخعي، ورخص الأوزاعي وسعيد ابن عبد العزيز في كنائس اليهود والنصاري، قال أبو بكر: الصلاة في الكنائس جائزة.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا الكراهية للصلاة في بيع النصارى وكنائس اليهود، وأحسب أن الكنائس عندهم أشد كراهية، ومعي أنه يخرج من قولهم أنه إن صلى في البيعة فلا إعادة عليه، وإن صلى في الكنيسة فأحسب أن بعضا أن في صلاته اختلافا، ولا أجد معنى بحجر الصلاة في الكنائس والبيع، وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} (الحج:40)، فقد ثبت الذكر لله في البيع كما ثبت في المساجد والأرض طاهرة حتى يعلم نجاستها والصلاة في غير البيع والكنائس أحب إليّ لما يلحقها من معاني الريب إذا كانت مواطنا لهم بمنزلة بيوتهم.
ومنه قال أبو بكر: إذا صلى الرجل على مكان نقع أطرافه التي يسجد عليها طهارة وبإزاء صدره نجاسة لا يقع عليها شيء من بدنه أو ثيابه فصلاته مجزئة وعلى هذا مذهب الشافعي وأبي ثور.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا: إن صلاة هذا فاسدة وأنه حيثما نال شيء من بدنه أو ثيابه التي يصلي فيها فهي مسجده الذي يصلي فيه، ولا يجوز في غير طهارة إلا من ضرورة ولو لم يمس ذلك ولا أعلم أنه يخرج ولا يجوز في غير طهارة إلا من ضرورة ولو لم يمس ذلك ولا أعلم أنه يخرج في معاني قولهم في هذا اختلافا والله أعلم. (10/99)
صفحة 2876
ومن غير الكتاب: وسئل عن مسجد مسحوجة أرضه بالجص والناس يصلون عليه بلا حصير يجوز الصلاة به أم لا؟ قال: معي أنه قد قيل: يجوز ذلك لأنه مما أنبتت الأرض، قلت: فما تقول في الصلاة على الصفا، الحصى، قال: قد كره من كره ذلك وأما أنا فلا أرى به بأسا.
مسألة: ومن غيره؛ قال: ولا نقض على من صلى على قبر ولكنه مكروه؛ ومن جامع (ابن جعفر): ومن صلى في خيمة وفي نسخة في قبة أو ما أشبه ذلك ولم يستطع أن يقوم حتى يستقيم في قيامه، فليصل كما أمكن له إذا كان ذلك من عذر غيث أو غيره أو في شمس، ولا يصلي قاعدا.
مسألة: من الزيادة المضافة قال أبو سعيد: عندي أنه يختلف في بيع النصارى وكنائس اليهود فقال من قال: تجوز فيها الصلاة للمسلم، وقال من قال: لا يجوز ذلك، وقال من قال: يجوز في بيع النصارى ولا يجوز في كنائس اليهود، وأما أنداد المجوس التي يعبدون فيها النار فلا تجوز الصلاة فيها، ولا أعلم في ذلك اختلافا، قلت: فلأي علة لا تجوز في أنداد المجوس، قال: من أي علة قطع الصنم الصلاة، قلت: من علة إذا كان يعبد من دون عندك قال نعم، كذلك الأنداد من طريق التعبد فيها بالباطل ليس لهم دين.
رجع: إلى كتاب (بيان الشرع)، ولا تجوز الصلاة في المقبرة والمجزرة ولا على ظهر الكعبة وقارعة الطريق ولا في معاطن الإبل ولا في الحمام ولما روي في ذلك من النهي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد اختلف أصحابنا في جواز هذه المواضع، وجائزة عندنا الصلاة في مرابض الغنم ولا تجوز في معاطن الإبل للرواية الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا حضرت الصلاة في مرابض الغنم فصل، وإذا حضرت الصلاة وأنت في معاطن الإبل فلا تصل»، والله أعلم، ما وجه الحكم في افتراق حكمهما في باب التعبد، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الإبل فقال: «إنها جن من جن خلقت»، ومرابض الغنم قد تكون في حال طاهرة فيجوز أن يكون أمرهم بالصلاة في مرابض الغنم إذا كانت مرابضها طاهرة لعلمه ما يعلمون من نهيه إياهم عن الصلاة في المواضع النجسة.
فإن قال قائل: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للسائل: «حيثما أدركتك الصلاة فصل»، يدل على ما تقدم من قوله، قيل له وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت لي الأرض مسجدا (10/100)
صفحة 2877
وطهورا»، فهذا الخبر معترض على خبره الذي رويته لأن خبر «حيثما أدركتك الصلاة فصل» أعم، وخبر «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، أخص، فالأخص يقضي على الأعم؛ فإذا أخذنا بالخبرين جميعا ولم نسقط أحدهما كان قوله عليه السلام «حيثما أدركتك الصلاة فصل»، إلا في موضع ليس بطاهر.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقيل تكره الصلاة في المجزرة والمنجرة والمقبرة والمزبلة والحمام وقارعة الطريق ومعاطن الإبل، ولا صلاة أيضا على ظهر الكعبة، ولو صلى مصل في الحمام لم أر عليه نقضا، وكذلك في قارعة الطريق ما لم يعلم في الموضع الذي صلى فيه بأسا واضطر إلى ذلك، ومن غيره وقال أبو عبد الله: لا يجوز وأنه ينقض على الاضطرار.
مسألة: ومن غيره وقال: ولا تجوز الصلاة في الكعبة ولا فوق ظهرها ولا في مقدم الحجر، ومن غيره: ولا بأس في الصلاة في ساحل البحر إذا جزر وبقي الموضع جافا يمكن فيه القيام والسجود والقعود فلا بأس بالصلاة فيه.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: وتكره الصلاة على الصفا والمروة، وفي السعي وموضع الطواف بين الركن والمقام، قال أبو المؤثر: لا أرى عليه إعادة، قال غيره: يكره إلا من ضرورة ما لم يعلم نجاسة، قال الناسخ: حفظت أنه لا تجوز الصلاة بين المقام والبيت لأن ثم قبور الأنبياء والله أعلم.
مسألة: وتكره الصلاة في بطن الوادي حيث يقع الحصى برمي الجمار وحيث يقف الناس أمام الجمرتين، قال غيره: فإن صلى هنالك فلا إعادة عليه، وإن طهر ميتا وصلى في ذلك الموضع ولم يغسله لم أتقدم على نقض صلاته، قال غيره: حسن عندي.
رجع إلى كتاب بيان الشرع:
ومن كتاب ابن جعفر: وتكره الصلاة في الطريق، وقال من قال: في ذلك بالنقض ولا أتقدم بالنقض ولا أتقدم على نقض صلاة من صلى في الطريق إذا كان نظيفا من ضرورة، وكذلك قد قالوا إذا اتصلت الصفوف من عند الإمام حتى تأخذه في الطريق أن الصلاة جائزة.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: لا تجوز الصلاة في الطريق إلا أن يكون مثل (10/101)
صفحة 2878
الأودية أو الظواهر التي يمرون فيها حيث شاءوا كلها تسلك، فإن قام الإمام واتصل الصفوف خلف الإمام في مثل ذلك الوادي والظاهر فلا بأس، وأما أن يتحرى الرجل يصلي في الطريق بين أو في سكة من سكك القرى فلا يجوز.
مسألة: من منثورة من كتب المسلمين وقال هاشم: لا بأس في الصلاة في مسجد وغير مسجد يمر الماء من تحته أو طريق يمر الناس فيها فلا بأس والله أعلم.
مسألة: ومنه: ولا بأس بالصلاة على التخت الوثيقة إذا لم تكن تتحرك بتحرك الفريضة عندها، وكذلك الدعن المرفوعة والعريض وإن كان على ذلك حصير فهو أحب إلي، وإن لم يكن فلا بأس، وقد شدد من شدد في الدعن المرفوعة إذا كان متفرقة يصر المصلي الأرض منها وليس أبلغ في ذلك إليّ.
مسألة: وعن أبي الحسن وقلت: ما تقوم بالصلاة مسجوج بالجص؟ قلت: أجائزة الصلاة عليه أم لا؟ فنعم جائزة الصلاة عليه معنا إن شاء الله، وأكثر القول: لا تجوز الصلاة على الجص والله أعلم.
مسألة: أحسب عن أبي إبراهيم: وسألت عمن يصلي في الساحل قال: لا تجوز الصلاة حيث يضرب الموج، وعنه أيضا فيمن يصلي على الشجر قال: إن كان الشجر لاصقا في الأرض فلا بأس، وإن كان الشجر مما يرتفع ويتضع فلا تجوز الصلاة عليه، ومنه؛ فيمن يصلي على الصفاة المتقطع قال: لا تجوز الصلاة عليه.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن الصلاة على الدعن المرفوعة على الجذوع هل تجوز الصلاة عليها إذا كان المصلي يبصر من خلالها الأرض؟ قال: معي؛ أنه قد كره ذلك، ومعي؛ أنه إذا كانت ثابتة فلا يعجبني فساد صلاته إلا أن يكون فرجة عن حال الدعن فلا يعجبني عليها الصلاة.
قلت له: فرجة على حال الدعن وجهل وصلى عليها الصلاة أو تعمد لذلك هل تتم صلاته؟ قال: فيعجبني أنه إذا كان محتاجا إلى ذلك وأمكنه الصلاة عليها لموضع مساجده وثبت في الصلاة عليها حتى أدى صلاته أن لا يكون عليه إعادة ولا يرجع يفعل ذلك بفعل غيره.
قلت له: فإن كان يمكنه أن يصلي على غيره وصلى عليها باختيار منه متعمدا لذلك هل ترى عليه إعادة؟ قال: نعم، معي أنه إذا صلى عليها صلاة تامة (10/102)
صفحة 2879
يمنعه ذلك شيء من حدود صلاته، ولا من صلاته فلا يبين لي فساد صلاته إلا بعلة.
قلت له: وما هذه العلة؟ قال: الله أعلم، وإذا صلى صلاته فهي تامة إلا أن يأتي بشيء ينقضها.
مسألة: وسئل عن السبخ هل تجوز الصلاة عليه؟ قال: معي؛ أنه قد قيل في ذلك اختلاف، فقال من قال: إذا كان سبخا لا ينبت الشجر فلا تجوز الصلاة عليه، وقال من قال: إذا أمكن الصلاة عليه ولم ينخسف فالصلاة عليه جائزة وهذا على الاختيار، وأما إذا لم يجد غيره فلابد من الصلاة حيثما كانت، والذي ينبت من الأرض الجلد أحب إليّ من الذي ينخسف إذا أمكنا جميعا ولم يوجد غيرهما.
مسألة: وقيل في الأثر صلى في قبة أو كهف من غيث أو غيره لا يمكنه القيام التام من ضيق دفع الذي فيه فقيل: إنه يصلي كما استطاع ولو منكبا، وكذلك قال أبو سعيد في ذلك، وقيل: الصلاة في المحمل على الدواب قاعدا ولو قدر على القيام، وقيل: إنه من الإجماع فيما روي، وقال أبو سعيد: كذلك لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى على ناقته قاعدا ولا يبين لي فيه اختلاف، وإنما الاختلاف في السفينة. (10/103)
صفحة 2880
[صفحة بيضاء] (10/104)
صفحة 2881
الباب الثاني والعشرون
في تمييز البقاع المستقذرة للصلاة
من الزيادة المضافة من أثر أحسبه معروضا على أبي المؤثر.
ولا يصلي في مرض شيء من الدواب ولا من البقر ولا من الغنم ولا من الخيل ولا الحمير، وسائر ذلك من الدواب، قال غيره: وقد قيل الصلاة في الأرض كلها جائزة إلا ما صحت نجاسته وغلب عليه الريب، وقد كره الصلاة في الحمام، ولا يصلي في المواضع التي يطرح فيها الكنيف ولا يصلي في السبخ أحسبه السبخ الذي ترسخ فيه القدمان والركبتان والجبهة وكذلك اليدان، ولا يصلي في الماء ولا في الطين الذي يلطخ الوجه والثياب.
مسألة: وإذا لم يجد الرجل موضعا يصلي عليه إلا هذه المواضع فإنه يصلي في موضع نظيف من الحمام، فإن صلى في موضع نظيف من الحمام فلا نقض عليه، وإن لم يجد الحمام فليصل في المقبرة، فإن لم يجد فليصل في قارعة الطريق، فإن لم يجد فليصل في معاطن الإبل، فإن لم يجد ففي مرابض الخيل والحمير والبغال، وكلها سواء فليتحر من هذه المواضع موضعا نقيا من أبوال الدواب، وإذا كان على الكنيف سقف فهو أحب إليّ من مرابض الغنم، وأما على ظهر سقف الكنيف فهذه المواضع كلها أحب إليّ منها إلا أن يكون فوقه بساط فهو أحب إليّ من مرابض الغنم والمزبلة، إذا لم تكن فيها نجاسة أحب إليّ.
قال غيره: معي أنه إذا كان على الكنيف سقف أو سترة كانت الصلاة إليه، وعليه أقرب من مواضع الدواب، وإذا لم يجد لا كنيفا يابسا ولارطبا أو عظام ميتة أو لحمها فليصل فيه قائما ولا يسجد عليه، وكذلك إذا لم يجد إلا دما رطبا إذا سجد (10/105)
صفحة 2882
عليه لصقه فليصل فيه قائما وهو أحب إليّ من الكنيف والميتة إذا كان يابسا.
وإذا كانت الأبوال يابسة من الدواب أو من الناس، ولم يجد غيرها فليصل فيها قائما ويسجد، وإذا لم يجد إلا موضع الجيف أو الكنيف يابسا أو رطبا فليصل في السبخ والسير والماء والطين، فإن أمكنه السجود سجد وإلا فصلى قائما ولا يصلي في الكنيف ولا على عظام الميتة ولا على لحومها ومرابض الدواب التي يمكنه فيها السجود، فإن أمكنه فيها السجود فليصل فيها ولا يصلي في مرابض الدواب ولا في مواضع الأنجاس وصلاته قائما في الموضع أحب إليّ من صلاته في المنحرة، وحيث تجمع النجاسات، وكذلك أبوال الناس ولو كانت يابسة وأبوال الناس اليابسة فلا يصلي فيها. (10/106)
صفحة 2883
الباب الثالث والعشرون
في الصلاة في الموضع النجس
وما لا يجوز الصلاة فيه من المواضع
وفي بيت أهل الذمة وحكمهم
ومن الأثر؛ يوجد أنه عن زياد بن أحمد بن الوضاح قلت: في رجل حبس في موضع ليس بطاهر وحضرت الصلاة فقد قالوا في هذا قولين:
أحدهما، قال بعضهم: لا صلاة إلا في مصلى، ولم يجعل الله الموضع الذي ليس بطاهر مصلى؛ فعليه أن يكف عن الصلاة مع العدم، على أنه متى ما صار إلى الموضع الطاهر فصلى الصلاة فيه.
وقال بعضهم: عليه أن يصلي وجوزوا ذلك له لموضع الاضطرار.
وكذلك إذا حضرت الصلاة وعنده ثوب غير طاهر فقد قال أكثر الناس: له الصلاة فيه إذا كان لا يجد إلى تطهيره سبيلا؛ وضيق عليه آخرون فقالوا: يصلي صلاة من الأمور قاعدا.
مسألة: وسألته هل يصلي في بيوت أهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس؟ قال: إن كان تظهر عليه الشمس والريح ولم ير فيه نجاسة فلا بأس بالصلاة فيه.
قلت: هل له أن يصلي في بيوتهم من حيث لا تظهر عليه الشمس أو الريح؟
قلت: فإنه إن صلى هل عليه البدل؟ قال: لا أقدم على نقض صلاته ما لم (10/107)
صفحة 2884
يعلم أن الموضع الذي صلى فيه نجسا أو مسوه برطوبة؛ لأنهم قد يبيعون الأدهنة ولا يؤمن أن يكونوا قد مسوها، غير أن المسلمين قالوا: ما لم يعلم أنهم مسوه فلا بأس أن يشرى منه، كذلك كان يقول محمد بن محبوب -رحمه الله-.
وقد قالوا: إن الثياب المقطمة تشترى منهم وقد يمسوها بأيديهم غير أنه ما لم يعلم أنهم مسوه برطوبة فلا بأس أن يصلى فليه مثل الثياب المقطمة، وأما الثياب المنشورة والثياب التي قد لمسوها فلا يصلى بها، وقد قال محمد بن النضر، وروي عن سعيد بن محرز أنه قال: لا بأس أن يصلى بثياب اليهود، وذكر ذلك في العسكر من نزوى وجماعة من المسلمين أحفظ أن فيهم محمد بن محبوب -رحمه الله-، وأحسب أن الوضاح بن عقبة أيضا، فلم أرهم يقبلون هذا الرأي وكان رأيهم أن لا يصلى في ثياب اليهود.
وسألته، هل تجوز الصلاة في أنداد الهند؟ (يسمون مواضعهم التي يعبدون فيها آلهتهم الند) قال: لا.
قلت: فمن صلى عليه النقض؟ قال: نعم، وكذلك من صلى في بيت المجوس الذين يعبدون فيه النار فهو سواء.
وسألته عن اليهودي إذا دفع إليّ دراهم من عند هل يجوز لي أن أصلي وهي في ثوبي؟ قال: لا بأس.
قلت: فإن كانت الدراهم في قرطاس؟ قال: لا بأس.
قلت: فإن كانت في خرقة؟ قال: لا يجوز.
قلت: فإن صلى؟ قال: عليه النقض إلا أن يعلم أن الخرقة من غير لباسهم ولا ينجسونها فلا بأس عليه.
مسألة: وحفظت عنه: أحسب أنه أبو سعيد أن الرجل يصلي إلى سترة أولى وأفضل من أن يصلي في موضع الصف خلف الإمام في صلاة النافلة، وصلاة نفسه، ورأيته يحب ذلك على معنى قوله.
مسألة: وسألته عن صفاة منقطعة يسع الناس الإنسان يصلي عليها هل تجوز الصلاة عليها؟ قال: معي أنها جائزة عليها. (10/108)
صفحة 2885
قلت له: فحيث يمد البحر ويجزر هل تجوز الصلاة هنالك؟ قال: معي أنه جائز إن شاء الله.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن الصلاة بين المقام والبيت هل تجوز هنالك؟ قال: فيما رأيته يذهب في ذلك اختلافا فبعض يجيز ذلك، وبعض لا يجيز، وكأني رأيته يذهب إلى الإجازة.
قلت له: فالصلاة على الكعبة هل تجوز؟ قال: أما في قول أصحابنا فلا يجوز ذلك فيما عندي.
قلت: فالصلاة على الحطيم (هو الحجر) هل تجوز؟ قال: معي؛ أنه في قول أصحابنا لا يجوز ذلك؛ لأن شيئا منه داخل في الكعبة فعلى هذا الجواب، وشيء منه فيما قالوا: أنه ليس من الكعبة فلعل فيها اختلافا.
مسألة: وإذا لم يجد المصلي بقعة يصلي فيها من الطاهرات إلا دروس الحمير أو البغال أو الخيل أو البقر أو روث الغنم أو معاطن الإبل، فليس مع الاضطرار اختيار ويتحرى أقلهن نجاسة، وإن بان نجاسة شيء منهن فإن استوت النجاسة فيهن فروث الغنم عندي أقربهن من دروس البقر، ثم معاطن الإبل، والخيل والبغال والحمير كلهن عندي سواء، وهن أشد من الأنعام عندي فالله أعلم.
وإذا صحت النجاسة من أحد هذه البقاع وكانت رطبة تلصق بالمصلي، فقد قيل: إنه لا يصلي في ذلك الموضع، وقيل: يصلي قائما، والصلاة أن تؤدى في وقتها ما أمكن أصح والله أعلم.
مسألة: والذي يفرش حصيرا على عذرة يصلي عليه يجوز ذلك؟ قلت: إن كان فعل ذلك فيما يلزمه فإن كانت العذرة يابسة فلا أرى بأسا وصلاته تامة، ولا يفعل ذلك متعمدا إلا أن يكون يضطر فإن كانت تلطخ في الحصير فإني أرى عليه النقض.
قال غيره: وقد قيل؛ إنه يجوز ذلك على العمد من غير الضرر إذا كانت النجاسة يابسة.
وقال من قال: يجوز ذلك كانت يابسة أو رطبة إلا أن لا يجد إلا ذلك الموضع؛ فإنه يجوز من الضرورة. (10/109)
صفحة 2886
مسألة: من الزيادة المضافة؛ سألت أبا زياد عن المنظف يكون باطنه غير طاهر؟ فقال: لا يصلي عليه، وقال ابنه زياد: مثل ذلك، وقال أبو زياد ذلك يصلي عليه.
مسألة: من كتاب (محمد بن جعفر): وإن وضع فوق العذرة حصيرا وصلى عليه، وفي نسخة على ذلك فسدت صلاته، لأن العذرة تلصق بالحصير وإن لم يظهر مما يلي المصلي، وإن كانت مما لا تلصق فلا فساد عليه إن شاء الله، وكذلك البول الرطب، وإن كانت العذرة يابسة أو بول يابسا فوضع عليه حصيرا وصلى، فصلاته تامة.
قال غيره: وقال من قال: لا يجوز ذلك إلا أن لا يجد إلا ذلك الموضع، فإنه يجوز من الضرورة.
قال محمد بن المسبح: لا يصح يضع بساطا على النجاسة فتجوز فيه الصلاة؛ لأن الصلاة إنما هي على الأرض «جعلت لأمتي مسجدا وطهورا»، وقد روى بعض هذا الذكر بعض الخراسانيين.
قال غيره: الذي معنا أنه إذا أراد بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن «الأرض جعلت لأمتي مسجدا وطهورا».
مسألة: ومن غيره: وسألته عمن فرش حصيرا على نجاسة يابسة من الذوات أو غيرها هل يجوز له أن يصلي عليه؟ قال: معي؛ أنه قد قيل في ذلك باختلاف.
قلت له: وكذلك إن غطاها بالحصى أو بالتراب أهو مثل الحصير؟ قال: معي أنه سواء إلا أن يكون التراب أكثر مما يسترها، وكذلك الحصى، فإن هذا عندي لا يشبه الأول، وهذا عندي أقوى من الأول.
قلت له: أرأيت إن كانت النجاسة رطبة فيسترها بتراب أو حصى حتى توارت عينها، هل يجوز له أن يصلي على موضعها الذي استتر؟ قال: معي أنه إذا كان في الاعتبار أن يكون فوق ما يسترها سترا لا يمسها أن ذلك جائز ما لم يكن كنيفا؛ فإنه حتى يكون سترتين بينهما فرجة فيما قيل.
قلت له: فإن كانت النجاسة يابسة فوضع عليها دعنا تبصر النجاسة من خلل الدعم، هل تجوز الصلاة عليها فوق النجاسة إذا لم تسمه النجاسة ولا ثيابه؟ قال: (10/110)
صفحة 2887
يقع لي أنه لا يجوز له ذلك إذا كان في موضع صلاته ولو لم يمسه.
قلت له: فإن صلى عليها ولم يعلم أن تحتها نجاسة فلما فرغ من صلاته أبصر النجاسة من خلل الدعن هل تتم صلاته ولا يعود يصلي هنالك؟ قال: معي؛ أنه إذا علم أنه صلى على النجاسة أن عليه الإعادة كما عليه إذا علم أنه صلى بالنجاسة.
مسألة: وحفظت عن أبي سعيد في رجل حضرته الصلاة وهو في موضع نجس من خوف أو علة فأراد الصلاة؟ فقال: معي أن بعضا قال: له أن يصلي قائما ويسجد ولو على النجاسة للعذر الذي هو لعلة فيه؛ ومعي أن بعضا يقول: إنه يصلي قائما ويومئ.
قلت له: فهل له أن يقعد مقعيا ويميء للسجود ويقرأ التحيات؟ قال: إن فعل ذلك فحسن.
مسألة: ومن كتاب (ابن جعفر) في المصلي وقد جاء الأثر أنه يصلي في موضع النجاسات إذا عدم موضع الطهارات؟ فإذا جهل الصلاة في موضع ما يلزمه فيه وجوب الصلاة فلم يصل فيه، فعليه الكفارة، وإنما عرفنا من قول الشيخ -رحمه الله- أنه لم يعد.
ومن جهل الصلاة فتركها فلم يصلها عن الكفارة إلا من صار بحد من يصلي بالتكبير؛ مثل الغريق في البحر والمريض الذي قد صار بحد من يصلي بالتكبير؛ وكذلك أحسب في المسايف أيضا، وقال: إن جهل هؤلاء الصلاة فلم يصلوها كان عليهم البدل ولا كفارة عليهم، وأما غير هؤلاء فلم نعلم لهم في ترك الصلاة عذر، فيما علمنا والله أعلم.
ومن غيره: وقال أبو سعيد -رحمه الله- على ما عرفنا من مذهبه على ما عنده أنه إذا لم يجد المصلي بقعة طاهرة يصلي عليها اختلافا، فقال من قال: يصلي قائما على النجاسة يومئ للركوع والسجود قائما.
وقال من قال: يركع ويومئ للسجود.
وقال من قال: يركع ويومئ برأسه إلى موضع المسجد حتى يبقى من السجود إلا ما يمنعه من مماسسة النجاسة إن قدر على ذلك وأمكنه. (10/111)
صفحة 2888
وقال من قال: يسجد حيثما كان لغرض السجود وقدرته عليه بيديه وإذا لم يقدر على زوال النجاسة فقد عدم الطهارة وثبت فرض السجود بحاله.
وقال من قال: إذا لم يجد إلا موضعا نجسا فلا يصلي على النجاسة وليس عليه صلاة على النجاسة حتى يجد موضعا طاهرا، ثم يصلي لثبوت فرائض الصلاة التي ذكرت حتى قيل: وبقعة طاهرة وإنما قيدنا هذا من لفظنا نحن على ما نرجو من مذهب الشيخ أبي سعيد -رحمه الله- لا يؤخذ من هذا إلا ما وافق الحق والصواب.
مسألة: ومن جامع (ابن جعفر): ولا يصلي المصلي على بساط صوف ولا شعر، فإن صلى على ذلك وسجد على غيره مما يجوز فلا بأس؛ وبلغنا عن بعض الفقهاء أنه صلى على بساط كذلك، فلما أراد السجود رفعه وسجد عل الأرض، وأما إن سجد على ذلك من ضرورة فلا بأس؛ وكذلك يسجد قيل على الأدم للضرورة مثل التطوع وغيرها؛ وأما الصلاة في الجلود فجائز ذلك مثل الشعر والصوف يصلي به، ولا يصلي عليه إلا عند الضرورة.
ومن غيره؛ وسألته هل يصلي في بيوت أهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس؟ قال: إن كان تظهر عليه الشمس والريح ولم ير فيه نجاسة فلا بأس بالصلاة فيه.
مسألة: أحسب أنها عن أبي سعيد -رحمه الله-؛ وسئل عن رجل يصلي على حصير، وفي موضع فيه نجاسة، صلاته تامة أم لا؟ قال: معي أنه قيل: إذا كانت النجاسة خلفه في الحصير فصلاته تامة.
قلت له: فإن كانت النجاسة خلفه ومست ثيابه وهي يابسة؟ قال: معي أن صلاته فاسدة إذا مسته النجاسة وهو في صلاته أو مست ثيابه.
قلت له: فإن كانت النجاسة مدبرة من خلفه وقدامه وعن يمينه وشماله، وهو يصلي على الحصير ولا يمسه شيء منها وهي يابسة، قال: معي أنه مختلف فيه.
قال من قال: تفسد صلاته بما كان أمامه من النجاسة فيما دون خمسة عشر ذرعا، وقيل فيما دون ثلاثة أذرع.
وقيل: لا تفسد عليه ما لم تمسه أو شيئا من ثيابه أو يكون في موضع صلاته، ولو لم تمسه. (10/112)
صفحة 2889
مسألة: ومن غيره؛ وسألته عمن فرش حصيرا على نجاسة يابسة من الذوات أو غيرها، هل يجوز له أن يصلي عليه؟ قال: معي قد قيل في ذلك باختلاف.
قلت له: وكذلك إن غطاها بالحصى أو بالتراب أهو مثل الحصير؟ قال: معي أنه سواء إلا أن يكون التراب أكثر مما يسترها وكذلك الحصى فإن هذا عندي لا يشبه الأول، وهذا عندي أقوى من الأول.
قلت: أرأيت إن كانت النجاسة رطبة فيسترها بتراب أو حصى حتى توارت؟ هذه المسألة قد تقدمت في هذا
الباب من هذا الكتاب بتمامها.
مسألة: ومن جامع (ابن جعفر)، وروى أبو عبد الله الهروي أن المسلمين كان منهم جماعة في بيت مقدمه ليس بنظيف، وكانوا يصلون فيه، فكثر الناس وطرحوا على الموضع الذي ليس بنظيف ثوبا فصلوا عليه فأعجب ذلك أبا الوليد.
مسألة: ومنه؛ ولا يسجد المصلي على عود وهو عود الخشب إلا أن يكون عودا قد استوى مع الأرض فإن وقع سجود عليه وعلى الأرض فلا بأس.
ومن غيره؛ قال: معي تأويل هذا القول: لا يسجد المصلي على عود ولا على وساد وهو أن يرفع الوساد إليه ويسجد عليه وإن سجد المصلي على عند أو وساد مما أنبتت الأرض طاهرا فلا بأس.
رجع: وسألته عن رجل يصلي وبين يديه نجاسة من دم أو بول أو عذرة تحاذي صدره ولا تمسه هو ولا شيئا من ثيابه، وهي بين ركبتيه وبين سجوده لا عن يمينه ولا عن شماله، قال: عليه النقض.
ومن غيره: وقال من قال: ما لم تمسه النجاسة فلا نقض عليه. (10/113)
صفحة 2890
[صفحة بيضاء] (10/114)
صفحة 2891
الباب الرابع والعشرون
الصلاة في أرض الناس
وأما الذي تحضره الصلاة لا يقدر عليها إلا في أرض قوم فيها زراعة فإذا اضطر إلى ذلك كان عليه تأدية الصلاة والدينونة بما يلزمه من الضمان في ذلك، وإذا كان يقدر على الخلاص منه كما يلزمه شراء الماء للصلاة، إذا أمكنه الماء وقدر على ثمنه ويكون ذلك برأي العدول في قمته، وإذا لزمه في هذه الصلاة في هذا المال ومن هذا الزرع ولا يدرك أصحابه، وإذا لزمه في هذه الصلاة في هذا المال ومن هذا الزرع ولا يدرك أصحابه، ولا يدرك معرفتهم، فسبيل هذا سبيل الأموال التي لا تعرف أربابها.
وقال من قال: في ذلك؛ إن سبيله إلى الفقراء تسلم إليهم.
وقال من قال: إنه بحالة حتى يصح بالبينة فإن لم يصح بالبينة حتى يحضره الموت أوصى بذلك أو أقر به على الصفة.
مسألة: ومن جامع (أبي محمد) وقال الله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}، وكل من تعبد بالتقرب إليه به فهو حسن لا يدخل في حيز القبائح، ومن أتى قبيحا وفعله فقد تقدم الدليل على عقابه إلا أن يتوب باستخفاف العقاب على ذلك، ولا يدخل في حيز الطاعات، وإن كان الحكم واقعا به وأمر الله -عز وجل- بإتيان الصلاة ليبلونا بها أينا أحسن عملا، وقد قال -جل ذكره-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} (البينة:5)، والأمر قد وقع بإتيان الصلاة، فلا يجوز إتيانها إلا بالإخلاص لله -جل وعز- والمخالف فيها الله تعالى غير مخلص له بها اتبع الشيطان (10/115)
صفحة 2892
وخالف الرحمن؛ وإذا صلى في أرض مغتصبة فقد بارز ربه بمقامه بين يديه، إذ الله قد نهاه عن اللبث فيها وأمره أن لا يأتي الصلاة في بقعة نهاه عنها.
والصلاة على ضربين مع علمنا بهيئتها وصورتها.
فصلاة نهى عن إتيانها، وصلاة أمر بإتيانها.
فالتي نهاه عن إتيانها؛ هي التي فعلها في الأرض المغصوبة؛ لأن الله جل ذكره قال له: لا تصل هاهنا، فإذا وقع هذه الصلاة فقد أتى بصلاة منهي عنها ولا تكون هذه الصلاة المنهي عنها التي أمر بفعلها ولا تسقط هذه الصلاة التي نهى عنها فرض الصلاة المأمور بها، وتعبد بفعلها، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا فمحال أن تكون صلاة واحدة مأمور بها منهي عنها في حال واحدة، ألا ترى أن القيام والركوع والسجود منهي عن جميع ذلك في هذا المكان ويستحق العقاب عليه، والصلاة التي أمر بها هي التي تكسبه الثواب ويكون بها طائعا بفعل واحد والفعل الواحد من فاعل واحد على مكان واحد في وقت واحد لا يكون طاعة ومعصية، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وإن كان الخبر ثابتا والرد لا يقع في الفعل لأن الفعل لا يبغي وقتين وإنما يرد حكمه.
فإن قال قائل: إن الله جل اسمه أوجب أحكاما لوطء محرم وأثبت أموالا به وأنقل الأملاك بالبيعات المنهي عنها وأثبت الحدود بالسوط الذي عصبه الإمام فرددنا هذه الصلاة، وإن كان منهيا عن فعلها من غصب إلا ما ذكرناه من وطء وبيع وإقامة حد قياسا، قيل له: أما ما بعد شبهته عن غير شبهته، لأن من شأن القائسين أن لا يردوا أشياء إلى شيء إلا بعلة تجمع بينهما، ألا ترى أن الشافعي رد الأرز إلى البر، لأنه مأكول وإن كان الأرز غير مذكور في السنة عندما ذكرت تحريمه في باب الأكل والتفاضل في العلة عند الأكل، ورده أبو حنيفة إلى الموزونات والمكيلات إلى الستة الأشياء المنصوص عليها في باب التحريم عند التفاضل من طريق الوزن فخبرنا عن العلة الجامعة بين الصلاة والبيع ما هي والصلاة أصل والبيع أصل.
وليس من شأن القائسين أن يردوا أصلا إلى أصل، ومع ذلك فإنا نسوغك ذلك لعلة تسوغك وتسلمه لك فما العلة الجامعة بين هذين الأصلين فإن البيع الذي حكمنا به مجوز عند ورود النهي عنه وكذلك الصلاة مجوزة مع ورود النهي فيها؟ قيل له: وكأن العلة الجامعة بينهما هو النهي ومن شأنك أن العلة إذا لم تجر في (10/116)
صفحة 2893
معلولاتها بطلت فتحتاج أن تجري النهي في كل شيء وتمضيه فلما كانت هاهنا أشياء منهي عنها لا يمضيها ويحكم بفسادها بطلت العلة، لأنها إذا لم تجر في معلولاتها بطلت، وعندي أن النهي عن بيع الصيد وعن أكله لا تجوز استباحتها لأجل النهي، وكذلك من عقد النكاح على المحرم ولا يجوز لأجل النهي ولا يصح شيء من ذلك.
ثم يقال له: ما الفصل بينك وبين من عارضك؟ فقال: البيع المنهي عنه على ضربين: فضرب مجاز وضرب يجاز، فإن جز ذلك أن ترد الصلاة إلى الضرب المنهي عنه وقد اخترته حكما ودينا لأن علتك النهي وعلته النهي ولما صرت أنت أولى بعلتك منه بعلته، ومن رد الصلاة إلى الصلاة أولى بمن ردها إلى البيع والمكان بالمكان أشبه، والسبب المانع بالسبب المانع أشبه، فلما قلت مع وافقك أن الصلاة على الأرض النجسة غير جائزة، لأن الله جل ذكره نهى المصلي أن يصلي عليها إذا كانت هنالك نجاسة وجعلت النهي دليلا لإبطال صلاته.
وكذلك قال أيضا في المكان الثاني: إن المنع ما دام قائما من رب البقعة فلا صلاة في البقعة ما دامت النجاسة قائمة، فإذا زال السبب المانع جاز للمصلي أن يصلي وزوال الشمس في الأرض النجسة وزوال السبب في الأرض التي لم يأذن ربها في الصلاة فيها وزوال المنع من شبه المكان بالمكان، والنهي بالنهي والسبب بالسبب أولى من رد الصلاة إلى البيع.
فإن قال: فإن الأرض المغصوبة قد أذن سيدها فيها بالصلاة فتجوز الصلاة فيها، قيل له: فإن وقع الإذن زال المنع، والعلة فيها المنع كما أن العلة في الأرض النجسة فتكون النجاسة فلا تعتل مما يزول بسببه على ما لم يزل بسببه.
ووجه آخر؛ إن أئمة العدل لا يوصفون بالغصب والإمام لا ينسب إليه ذلك، لأن الغاصب فاسق والأئمة لا يكونون فسقة، وكأنك قلت: إن إماما أخرج نفسه من الإمامة بالفسق لغصبه السوط، ألا ترى إلى قول الله عز وجل لإبراهيم عليه السلام: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} قال إبراهيم: {وَمِن ذُرِّيَّتِي} أيضا قال الله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة:124)، فلم يجبه أن يجعل من ذريته إماما إذا كان ظالما.
وإذا أخرج نفسه من الإمامة بالإقدام على محارم الله صار رجلا من الرعية، (10/117)
صفحة 2894
وكان رجلا من الرعية تعدى على زان فجلده الحد بين الزاني والرعية إذا جلده واحد منهم وأحب أن لا يسقط عنه ما وجب عليه من الحد وحاشا الأئمة أن توصف بالغصوب بل هم المطهرون المبرأون من الأدناس، غير أن المناظر إذا لم يكن له حجة، وقل دينه لجأ إلى الشغب والتعلق بمثل هذه الأشياء، والطعن على الأئمة وإدخال تجويز ما لا يجوز على مثلها من فعل ما يكفره مع الوصف بالأسماء الشريفة والله ولي التوفيق.
ومن الكتاب: اختلف أصحابنا في الثوب المغتصب والأرض المغتصبة على قولين: فأجازها أكثرهم، ورأوا إنما وقعت طاعة من عاص وإن الفعل وقع موقعه من أداء الفرائض، وعلى المصلي رد الثوب على صاحبه، والخروج عن الأرض المغتصبة منه، فكان ممن يقول بهذا القول وأيده واحتج له أبو محمد عبد الله بن محمد بن محبوب فيما حفظه لنا عنه أبو مالك رضي الله عنهما، وكان ممن يبصر الأجر ويفوته ويستدل على صحته أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب، وهو مشهور من قوله، وكان آخر ما يحتج به أنه قال: رأيت الصلاة طاعة أمر الله بها، ورأيت الثوب المغتصب قد نهى الله المغتصب له في كل حال أن يلبسه، وكان من فرض الصلاة وشرطها وما لا تقوم إلا به الاستتار بالثوب والقرار الذي يكون عليه، فلما كان الثوب الذي يقف فيه الصلاة قد نهى عنهما وقد أمر برد الثوب على صاحبه، والخروج عن الأرض في كل أحواله، لم يجز أن تكون صلاته واقعة منه، أو كانت الصلاة مأمور بها منهيا عنها، لأنها لا تقوم إلا بما قد نهى عنه لم يجز أن يكون طاعة مأمورا بها، والطاعة والمعصية متنافيتان.
ومما يؤيد قوله: إن المصلي مأمور بالصلاة في الأرض الطاهرة من غصب ونجس كما أمر بالصلاة في ثوب طاهر من غير غصب ونجس، فلما كان المصلي في الأرض النجسة مخالفا لما أمر به كانت صلاته فاسدة بالإجماع، وجب أن يكون إذا صلى في الأرض المغتصبة تفسد صلاته لمخالفة الأمر فيها، وكذلك القول في الثوب المغتصب والنجس؛ لأن النهي عن الأرض المغتصبة والثوب المغتصب كالنهي عن الصلاة في الأرض النجسة والثوب النجس، وهذا القول أقرب إلى النفس وأصح دليلا.
مسألة: من كتاب محمد بن جعفر: وقيل من سرق ثوبا وصلى فيه فصلاته تامة وعليه الخلاص منه. (10/118)
صفحة 2895
[الصفحات من ص119 إلى نهاية الكتاب ص152 لم ترقن] (10/119)
صفحة 2896
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الحادي عشر
1404هـ/1984م (11/1)
صفحة 2897
[صفحة بيضاء] (11/2)
صفحة 2898
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الحادي عشر
1404هـ/1984م (11/3)
صفحة 2899
[صفحة بيضاء] (11/4)
صفحة 2900
الباب الأول
في فضل الأذان
قيل: إن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة يلبي الملبي، ويؤذن المؤذن، ويغفر للمؤذنين مد أصواتهم، ويشهد للملبي والمؤذن كل شيء سمع صوته، من شجر، أو حجر، أو مدر، أو رطب، أو يابس، ويكتب للمؤذن بكل إنسان يصلي في ذلك المسجد مثل حسناتهم ولا ينقصون من حسناتهم شيئا، ويعطيهم الله ما بني الأذان والإقامة كل شيء سئل، ما يعجل له في الدنيا ويصرف عنه السوء، ويدخر له في الآخرة، وله ما بين الأذان والإقامة كالمشحط بدمه في سبيل الله، بكل يوم يؤذن فيه مثل أجر خمسين شهيدا، وله مثل أجر القائم بالليل الصائم بالنهار، والحاج والمعتمر، وجامع القرآن والفقه وقائم الصلاة، وصلة الرحم، وأول ما يكسى يوم القيامة إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم ثم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم النبيون والمرسلون، ثم يكسى المؤذنون، وتلقاهم الملائكة عليهم السلام يوم القيامة على نجائب من ياقوت أحمر أزمتها من زمرد أخضر ألين من الحرير، ورجلاها من الذهب الأحمر حافتاها مكللة بالدر والياقوت، عليها جبائر من السندس ومن فوق السندس الاستبرق ومن فوق الاستبرق حرير أخضر، وعلى كل واحد ثلاثة أسورة سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسواء من لؤلؤ، وفي أعناقهم الذهب مكلل بالدر والياقوت، وعليهم التيجان مكلل بالدر والياقوت والزبرجد والزمرد نعالهم من الذهب وشراكها من الدر، ولنجائبهم أجنحة تضع خطوتها مد نظرها على كل واحدة منها فتى شاب أمرد جعد الرأس، له كسوة على ما اشتهت نفسه؛ حشوها المسك الأذفر، لو تناثر مثقال ذرة بالمشرق لوجد ريحه أهل المغرب، أبيض الجسم (11/5)
صفحة 2901
أنور الوجه أصفر الحلي أخضر الثياب، يشيعهم سبعون ألف ملك من قبورهم إلى المحشر يقولون: تعالوا ننظر إلى حسنات بني آدم، وبني إبليس لعنه الله، كيف يحاسبهم ربهم؟ وبين أيديهم سبعون ألف حربة من نور البرق، فذلك قول الله تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً) (مريم:85)، أي ركبانا، (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً) (مريم:85)، يقول عطاشا.
فصل: (من كتاب المجالس) فإن قيل: إذا كان للمنادي للصلاة هذه الفضائل كلها فلم تولى النبي صلى الله عليه وسلم الإمامة ولم يتول الأذان؟
الجواب: منه من وجوه؛ أحدها أنه لو تولى الأذان لأدى ذلك إلى تغيير بعض كلماتها عن مواضعها، وذلك قوله: أشهد أن محمدا رسول الله، فلو ذكر هذه الكلمة على هذه اللفظة أوهم السامعين أنه يشير لغيره بالرسالة، ولو قال: أشهد أني رسول الله كان قد غير بعض كلمات الأذان وذلك غير مستحسن، والثاني أنه كان سيد الأولين والآخرين، وليس من شرف السيادة رفع الصوت.
ومن شرائط الأذان المبالغة في رفع الأذان وغير ذلك تركته.
مسألة: ومن كتاب الضياء؛ اختلف الناس في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة»، فقيل معناه على ظاهره، وإن الله تعالى يحدث من أعناقهم طولا علامة لهم في المحشر وتخصيصه، وقيل: أطول الناس أعناقا أي جماعات؛ يقول هؤلاء عنق من الناس وقال الله تعالى: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) (الشعراء:4)، ألا ترى أنه قال خاضعين ولو كانت الأعناق أنفسها لقال خاضعة أو خاضعات.
رجع: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أذن سبع سنين محتسبا حرم الله لحمه ودمه على دواب الأرض»، عن أبي هريرة قال: إن أطول الناس أعناقا يوم القيامة المؤذنون، قال أبو بكر: (يعني أطول الناس أعناقا بالثواب)، عن محمد بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أذن سبع سنين صابرا محتسبا غفر الله له ذنبه، ومن أذن سبع سنين حرم الله لحمه ودمه على النار»، وعن أبي عمر والشيباني قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: «إنما هذا برئ من الكفر فقال: أشهد أن محمدا رسول الله فقال: «آمن بنيه ولم (11/6)
صفحة 2902
يره»، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نودي بالآذان فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء، ولا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة»، عن أبي هريرة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لم يجدوا أن يستهموا، ولو يعلمون بما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوها ولو حبوا»، وعن أبي طالب قال: كنا في سفر فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا على الفطرة فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: برئ من الشرك فقال: أشهد أن محمدا رسول الله قال: خرج من النار»، فتبعنا الصوت فإذا راع قام حين حضرت الصلاة فبشرناه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤذنين ليعرفون يوم القيامة بطول أعناقهم، وإنه ليغفر له مدى صوته ويشهد يوم القيامة بطول أعناقهم، وإنه ليغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس، وهم يوم القيامة على كثبان من المسك لا تصيبهم شدائد يوم القيامة، ولا يحزنهم الفزع الأكبر، والمؤذن كالشهيد المتشحط في دمه يتمنى على الله ما شاء، وهم أول من يكسى بعد إبراهيم من كسوة الجنة».
عن أبي هريرة وابن عباس قال: من تولى الأذان في مسجد من مساجد الله فأذن فيه صابرا محتسبا حافظا على المواقيت يريد به وجه الله أعطاه الله ثواب أربعين ألفا»، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حوضي يشرب منه أنا ومن آمن بي ومن استسقاني من الأنبياء، ويبعث ناقة ثمود لصالح فيحلبها ويشرب منها ولها رغاء والذين آمنوا به من قومه ثم يركبها حتى يوافي بها المحشر، لها رغاء يلبي عليها، قال معاذ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تركب العضبا؟ قال: لا ولكن تركبها ابنتي فاطمة، أنا أركب البراق اختصصت به من دون الأنبياء»، ثم نظر إلى بلال وقال: «وهذا يبعث يوم القيامة على ناقة من نوق الجنة ينادي على ظهرها بالأذان مخلصا وخفا فإذا سمعت الأنبياء وأمتها أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، نظروا إليه كلهم فيقولون: شهدنا على ذلك، فيقبل ممن قبل ويرد من رد عليه، فإذا فرغ من أذانه استقبل بحلة من الجنة فلبسها وأول من يكسى من حلل الجنة النبيون ثم الشهداء ثم بلال ثم صالح المؤذنين».
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفتح أبواب الجنة لثلاث خصال، لمنادي الصلاة، ولقارئ القرآن، وعند نزول الغيث تستجاب الدعوة، (11/7)
صفحة 2903
وفي الصف عن الصلاة، ولدعوة المظلوم تمرر كشرر النار، لا ترد دعوته دون العرش يقول لها ابشري ابشري انتصر لك عاجلا وآجلا» عن أبي المليح الهذلي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله لي هل تدري فيما اختصم الملأ الأعلى؟ قال: يا رب أنت تعلم به وبكل شيء، قال: اختصموا في الكفارات والدرجات ثم قال: يا محمد هل تدري ما الكفارات؟ وما الدرجات؟ قلت يا رب أنت أعلم قال: أما الكفارات فإسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الخطوات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأما الدرجات فإطعام الطعام، وإفشاء السلام والتهجد بالليل والناس نيام».
عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إسباغ الوضوء من المكروهات».
ومن الكتاب المصنف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث لو تعلم متى مالهم فيهن لضربوا عليهن بالسهام؛ الأذان، والغدو إلى الجمعة، والصف الأول»، وعنه: «إن المؤذنين يحشرون يوم القيامة رقابهم كرقاب الظباء شعورهم من الزعفران». رجع إلى كتاب بيان الشرع. (11/8)
صفحة 2904
الباب الثاني
في الأذان من كتاب (الأشراف)
قال أبو بكر: واختلف أهل العلم في سنة الأذان، فقال مالك والشافعي ومن تبعهما من أهل الحجاز: الأذان أذان أبي محذورة، وهو: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، هذا قول مالك والشافعي لم يختلف إلا في الول وإن مالكا يرى أن يقال: في أول الأذان الله أكبر الله أكبر مرتين والشافعي يرى أن يقال أربع مرات، وهو الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
وقالت طائفة: الاختلاف في هذا القول من وجه المباح إن شاء المؤذن أذن على ما جاء في حديث أبي محذورة، وإن شاء أذن على ما جاء في حديث عبد الله بن زيد مثل المتوضئ بالخيار إن شاء توضأ مرتين وإن شاء توضأ مرة واحدة، وقال أحمد بن حنبل: إن رجع فلا بأس وكذلك قال إسحاق، وإن لم يرجع فلا بأس هما مستعملان حديثا، والذي اختار أذان بلال، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن الأذان معهم في قوله: مثنى مثنى، وليس معهم فيه شيء مفرد إلا قوله: لا إله إلا الله في آخر الأذان، وفي أول الأذان وفي قوله الله أكبر الله (11/9)
صفحة 2905
أكبر أربع مرات مثنى في السنة، ولا أعلم من قولهم فردا في الأذان، غير قوله لا إله إلا الله، وهو معهم ما يروونه أنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو أذان بلال والذي جاء معنى الخبر فيه، أنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فبعض يقول: إنه جاءه جبرائيل عليه السلام، وبعض يقول: إنه رآه في المنام، ومنهم من يروي أنه رآه عمر بن الخطاب، وفي الحديث جاء مسرعا إليه ليخبره وبلال يؤذن أو بلال قد أذن به فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعنى سبقك به جبرائيل، وكذلك قيل: كان على عهد الخلاف -لعله- الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإفراده يخرج في معنى قول أصحابنا محدث.
ومنه؛ اختلفوا في سنة الإقامة، وإفرادها، ففي مذهب مالك وأهل الحجاز والأوزاعي وأهل الشام والشافعي وأصحابه ويحي بن يحي وأحمد وأبي ثور وإسحاق، الإقامة فرادى، واحتجوا بقول أنس: أمر بلال أن يشفع الأذان، ويؤثر الإقامة، هذا مذهب عروة بن الزبير والحسن البصري.
وقالت طائفة: الأذان والإقامة مثنى مثنى، هذا قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي، واختلفوا في الذي يفرد الإقامة في قوله: قد قامت الصلاة، فعن أبي محذورة ومؤذنوا أهل مكة يقولون: قد قامت الصلاة مرتين، وولد سعيد القرطبي يقولون: قد قامت الصلاة مرة واحدة، والأخبار الدالة على صحة مذهب المكيين وممن هذا مذهبه، الحسن البصري، ومكحول والزهري، والشافعي، ويحي بن يحي، وأحمد وإسحاق.
قال أبو سعيد: معي في معنى الاتفاق في قول أصحابنا: إن الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان، ويخرج في معنى قولهم: إن الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان، ويخرج في معنى قولهم: إن ذلك كان المعروف من الإقامة، وكان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى عهد أبي بكر وعمر ومعي أنه على عهد عثمان، وإنما قالوا إفراد الإقامة أنها أفردت على عهد معاوية، وإفرادها معهم حدث لم يكن منها سنة الأذان.
ومنه؛ وجاء الحديث عن أبي محذورة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب فأذن لأهل مكة»، وقال: أذنت بالأولى من الصبح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، وقال أنس بن مالك: ما أشبه أن يقول في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم، وعلى هذا مذهب ابن عمر والحسن البصري وابن سيرين والزهري (11/10)
صفحة 2906
وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وكان الشافعي يقول: إن هو بالعراق ثم وقف عنه بمصر، وخالف النعمان كل ما ذكرنا فقال: التثويب الذي يثوب الناس في صلاة الفجر؛ الأذان والإقامة، حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين حسن. وقال الحسن: التثويب الأول بعد الأذان للصلاة خير من النوم، فأخذ من الناس هذا التثويب، وهو حسن قال أبو بكر: ومما يستعمل روي عن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وهو مستعمل في حرم الله وحرم رسوله يفعله قرن بعد قرن إلى زماننا هذا.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معنى قول أصحابنا: أنه لم يكن في الأذان الأول قول: الصلاة خير من النوم من فعل سالفيهم ولا مشايخهم، وأما ذلك من فعل قومهم على معنى ما يخرج من قولهم، وفي معنى قولهم أن ذلك حدث في فعلهم، ومن الأحداث ما لم يكن، ومن الأحداث ما لا يخرج إلى معنى القبيح، إلا أنه لا يجتمع على معنى ولا يتبع لمعنى إذا كان الأصل على غيره، ومعنى التثويب عند أصحابنا فيما عندي علامة لحضور الصلاة في التعارف معهم أن الأذان يجوز لصلاة الفجر قبل حضور الصلاة، فلما أن ثبت ذلك عندهم في التعارف لم يكن بد أن يفرق بين أذانها وغيرها بسبب يعرف بها من أذان المؤذن أنه أذن في وقتها أو بعد، فجعلوا التثويب في ذلك علامة من المؤذنين، فمن قول أصحابنا في ذلك: أن أذان في وقت الصلاة حث بالصلاة على إرادته وهو التثويب فإذا أذن قبل حضور الصلاة فإذا حضرت الصلاة حث بالصلاة على معنى متعارف بينهم في ذلك، وهذا على معنى سبب التثويب في الأذن لصلاة الفجر دون غيرها من الأذان، ولو كان من المؤذنين في مواضعهم في سنتهم شيء غير هذا مما يعرف به الفرق بين ذلك كان جائزا على معنى التعارف.
ومنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث ولابن عم له: «إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أقرؤكما»، قال أبو بكر: الأذان والإقامة واجبتان على كل جماعة في الحضر والسفر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأذان وأمره على الفرض، واختلفوا فيمن صلى بغير أذان ولا إقامة فروي عن عطاء أنه قال: فيمن نسي الإقامة يعيد الصلاة، وبه قال الأوزاعي: يعيد ما دام في الوقت، فإن مضى الوقت فلا إعادة عليه، وقال: يجزئ أحدهما عن الآخر، وقال مالك: إنما يجب النداء في (11/11)
صفحة 2907
مساجد الجماعة التي تجتمع فيها الصلاة، وقالت طائفة: لا إعادة على من ترك الأذان والإقامة، روينا عن الحسن والنخعي أنهما قالا: من نسي الإقامة في السفر فلا إعادة عليه، وقال الزهري وقتادة: مثله ولم يذكروه، قال مالك وأبو محمد: يستغفر الله، وقال أحمد وإسحاق والنعمان وصاحباه: في قوم صلوا بلا أذان ولا إقامة أن صلاتهم مجزية.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن الأذان سنة في المساجد للجماعات للصلوات المفروضات على ما ثبت، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر من خلفاء المسلمين وأئمتهم، ويخرج معنى ثبوت ذلك عن عامة أهل القبلة، ولا أعلم أحداً يذهب إلى تركه، ولا الترخيص فيه إلا الشيعة، والروافض خلافا منهم ورغبة عن الخير، ولا أعلم أن أحدا من أصحابنا أنه قال فريضة، إلا أنه قد يخرج معناه بما يشبه معنى الفرض؛ لقول الله تبارك وتعالى: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً) (المائدة:58)، كان هذا يدل على معنى ثبوته، كما قيل: إن الجماعة فريضة، لقوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء:219)، فمعنى هذا قال من قال: إن الجماعة فريضة، وقد قيل: إنها سنة، ولعله أكثر ما قيل، وكذلك معنى هذا لا يبعد عندي من احتمال اختلاف القول فيه، وقد قيل: إنها سنة، ولعله أكثر ما قيل فيه ولا أعلم يخرج عندي في قولهم: إن من ترك الأذان لا صلاة له، بمعنى الإعادة، إلا أنه تارك لمعنى الواجب لسنته، وصلاته تامة، وأما الإقامة فيخرج معنى الاختلاف من قولهم في تركها قال المضيف: هكذا عرفنا في المصلي وحده، وإنما الاختلاف عندنا نقض الصلاة في ترك الأذان في صلاة الجماعة في السفر والله أعلم.
رجع، قال أبو بكر: واختلفوا في استدارة المؤذن في الأذان فقال النخعي: إذا بلغ حي على الصلاة لوى عنقه يمينا وشمالاً ولا يحوّل قدمه وبه قال الثوري والأوزاعي والنعمان وصاحباه، وقال الشافعي: يلوي رأسه حي على الصلاة يميناً وشمالاً وبدنه وقدميه مستقبلا القبلة له، وبه قال أبو ثور وذكر ابن سيرين ذلك وأنكره مالك وقال أحمد: لا يدور إلا أن يكون في مداره أن يجمع الناس وبه قال إسحاق، قال أبو سعيد: معي أن هذا يخرج في قول بعض أصحابنا ومنه، روينا عن بلال وأبي محذورة أنهما كانا يجعلان إصبعهما في أذنهما وبه قال (11/12)
صفحة 2908
الحسن البصري وابن سيرين والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق والنعمان وابن الحسن وقال مالك: ذلك واسع، قال أبو سعيد: معي أن معنى ذلك من قول أصحابنا مما يختلف فيه على الاستحباب لا الواجب، ومنه أجمع أهل العلم من السنة أن يستقبل القبلة بالأذان، وكان الشافعي والنعمان وأصحابه يقولون: إن زال ببدنه كله في الأذان فهو مكروه ولا شيء، قال أبو سعيد: هكذا يخرج معي إلا لمعنى، إن كان يريد بذلك اجتماع الناس في المنارات إذا كان أحد أبوابها مدبرا للقبلة، فقد قيل إن له ذلك، أن يجعل شيئا من أذانه في باب من أبواب تلك المنارة، حتى يبلغ بذلك النواحي من يرجو اجتماعه وفعله، في هذا المعنى اجتماع الناس عندي أفضل من استقباله القبلة في أذانه كله، إذا كان لا يبلغ بذلك من يرجو اجتماعه.
مسألة: من الحاشية، وعن رجل يصلي وحده صلاة الفجر هل له أن يؤذن؟ فبلغنا عمن نأخذ بقوله: إنه قال: إن الأذان للجماعة، يروى أنه إذا أذن فحسن، وإن تركه فحسن لم نر عليه أذانا والإقامة تجزئه (رجع).
ومنه؛ أجمع أهل العلم على أن من السنة لا يؤذن للصلاة قبل دخول أوقاتها إلا في الفجر، وأنهم اختلفوا في الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقت الصلاة، فقالت طائفة: يجوز الأذان للصبح مرتين للصلاة قبل طلوع الفجر هذا قول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم»، وقالت طائفة: لا يؤذن لشيء من الصلوات إلا بعد دخول أوقاتها، هذا قول الثوري، وإذا كان للمسجد مؤذنان أحدهما قبل طلوع الفجر والآخر بعد طلوع الفجر فلا بأس أن يؤذن للصبح قبل طلوع الفجر إذا كان هذا هكذا في قول طائفة من أهل الحديث. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لا يؤذن لشيء من الصلوات قبل دخول وقتها إلا صلاة الفجر، فإنه يجوز الأذان لها قبل وقتها في معاني ما يثبت من قولهم، فيخرج ذلك عندي على معنى التعارف من سنة الأذان في البلد وفي الموضع، فإذا كان ذلك عندي معروفا بأنه لا يؤذن لصلاة من الصلوات إلا بعد حضور وقتها، كان ذلك ثابتا والمخالف له محدث، وإذا كان (11/13)
صفحة 2909
شيء من الصلوات يجوز لها الأذان في التعارف قبل وقتها، فلا بأس بذلك؛ لأن الأذان إنما هو دلالة وتنبيه للصلاة.
ومنه؛ ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بعد طلوع الشمس يوم ناموا عن الصبح حتى طلعت الشمس أن يؤذن، فأذن ثم أمره فأقام الصلاة فصلى الغداة، وهذا على مذهب أحمد بن حنبل وأبي ثور، وقال أصحاب الرأي: في رجل نسي صلاة فأراد أن يقضيها من الغد يؤذن لها ويقيم، فإن لم يفعل فصلاته تامة، وفي قول مالك والأوزاعي والشافعي، ويقيم للصلوات الفوائت وإن لم يذكر الأذان، بل قال الشافعي: فإذا جمع بين الصلاتين وقد ذهب وقت الأولى منهما أقام لكل واحدة منهما بلا أذان، وكذلك كل صلاة صلاها في غير وقتها كما وصفت، قال: لكل واحدة منهما بلا أذان، قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين بمزدلفة بأذان وإقامتين، والسنة يجب استعمالها.
قال أبو سعيد: هكذا يخرج في معاني قول أصحابنا وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالأذان كما ذكرنا وقد ناموا في سفرهم حتى أشرقت الشمس، فأمر بلالا بالأذن فأجمع الناس وركعوا ركعتي الفجر، ثم أقام بلال، وصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم فثبت في معنى فعل النبي صلى الله عليه وسلم أن الأذان إنما هو الاجتماع لصلاة الجماعة، وتنبيه وتذكرة لمعنى الصلاة، وإنما يخرج معنا أن ذلك إذا كان القوم كلهم بتلك الحال كان الأذان سواء في وقت الصلاة أو بعد فوتها لأنهم بمعنى واحد، ولو أن مؤذنا نام عن الصلاة حتى فات وقتها ولزمته الصلاة في نفسه كما أمرنا، والأحسن معنا أن يؤذن جهرا بعد فوت وقت الصلاة إلا بمعنى لحقه لغير معنى الأذان للصلاة، وأما الأذان في الجمع فيخرج في قول أصحابنا أن الجمع بأذان وإقامتين، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في الجماعات لازم وفي غير الجماعة فضيلة ووسيلة.
ومنه؛ اختلفوا في الأذان على غير طهارة، فقال عطاء بن أبي رباح: لا يؤذن المؤذن إلا متوضئا روي ذلك عن مجاهد وبه قال الأوزاعي، وكان الشافعي وأبو بكر يكرهان ذلك، ويجزئه إن فعل، قال أحمد: لا يؤذن الجنب، وإن أذن على غير طهارة فأرجو أن لا يكون به بأس، وقال إسحاق: في الجنب يؤذن ثم يعيد الأذان، ولا يؤذن إلا متوضئا ورخص فيه الحسن البصري والنخعي وقتادة وحماد (11/14)
صفحة 2910
بن أبي سليمان، ورخص فيه الثوري، وقال مالك: يؤذن على غير وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء، وقال النعمان: في الأذان والإقامة على غير وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء، وقال النعمان: في الأذان والإقامة على غير وضوء يجزيه ولا يعيد الأذان ولا الإقامة، وقال المضيف: والذي عندي أن النعمان هاهنا في كتاب الإشراف إنما هو أبو حنيفة لأن اسمه النعمان بن ثابت، وقد يكون غيره النعمان بن عباس والله أعلم بذلك. وقال: في الجنب يؤذن أحب إليّ أن يعيد، وإن صلى أجزأهم، قال أبو بكر: يكره ذلك ويجزئه أن يصلي، قال أبو سعيد: إنه يخرج في معاني قول أصحابنا الاختلاف في الأذان على غير طهارة، وأحسب أن من قولهم أنهم إذا أذن على غير وضوء وصلوا بذلك أن عليهم الإعادة، وفي بعض قولهم: إنه لا إعادة عليهم، ومعنى الكراهية من قولهم عندي، أن يؤذن على غير طهارة إلا من عذر، والجنب وغير الجنب في هذا سواء في الأذان لأنه ليس فيه من القراءة شيء، وكذلك إنه عندي، يختلف من قولهم في الإقامة على غير طهارة، وأحسب أن في بعض قولهم أنه لا تجوز صلاتهم على غير ذلك وفي بعض قولهم أنه لا بأس على القوم في صلاتهم، وعلى المقيم الإعادة إذا كان على معنى يجب عليه إعادة الصلاة، وهذا القول عندي أشبه لمعاني قولهم، لأنه لا يكون داخلاً في الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام.
ومنه؛ واختلفوا في الصبي والعبد، فرخص فيه عطاء بن أبي رباح وعبد الرحمن بن أبي ليلى والشعبي والثوري وأبي ثور، وقال الشافعي: يجزئ أذان الصبي، وقال أحمد: يؤذن إذا راهق، وقال أحمد: يؤذن إذا جاوز سبع سنين. وقال النعمان ويعقوب في الغلام الذي قد راهق، أحب إليّ أن يؤذن لهم رجل، وإن أجازوا إقامته وأذانه فيجزيهم ذلك، وكره ذلك مالك والثوري قال أبو بكر: يجزئ أذان الصبي، وأذان البالغ أحب إليّ، قال أبو بكر: إذا أذن عبدٌ أو مكاتب أو مدبر أجزأ في قول الشافعي وإسحاق والنعمان ويعقوب ومجاهد، ولا يحفظ عن غيرهم خلاف قولهم، قال أبو سعيد: عندي أنه في معاني قول أصحابنا أنه لا يؤذن الصبي حتى يحتلم، ويخرج هذا عندي على معنى قول من قال بإعادة الصلاة على الأذان بغير طهارة، وأما إنه على قول من قال: إنه لا بأس عليهم في صلاتهم، فلا معنى عندي يمنع أذان الصبي إذا حافظ على أوقات الصلاة وأذن في الأوقات (11/15)
صفحة 2911
للصلاة، وأحسن ذلك، وكذلك العبد عندي على هذا القول، لا بأس بأذانه، والعبد أحب إليّ من الصبي، ولا أعلم بمنع أذان الصبي في العبد لأنه لا يكون لشيء من ذلك إماماً، وإنما تكره إمامته، إلا على قول من يقول: إنه لو أقام على غير وضوء لم تجز صلاتهم، فهذا عندي أشبه أن يكون معنى الإمامة داخلة عليهم بإمامة المقيم، فإذا ثبت هذا المعنى على قول من لا يجيز إمامة العبد في الصلاة يدخل معه هذا.
ومنه؛ واختلفوا في أذان الأعمى، فرخصت طائفة فيه إذا كان له من يعرفه الوقت، هذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وقال النعمان ويعقوب ومحمد: يجزئ أذانه، وأذان البصير أحب إليّ، وروينا عن ابن مسعود وابن الزبير أنهما كرها أذان الأعمى، وعن ابن عباس أنه كره إمامته وإقامته، قال أبو سعيد: معنى الأذان عندي يخرج على القولين اللذين مضى ذكرهما، فعلى قول من يشبه بمعنى الإقامة ويفسد معنى الصلاة فيدخل معنا في هذا كله على قول من يقول: لا يؤم الأعمى وعلى قول من يجيز إمامته فلا يدخل معه في أذانه ولا إقامته شيء هذا، وكل هذا يخرج عندي على معنى هذين القولين.
ومنه؛ واختلفوا في الكلام في الأذان، رخصت فيه طائفة ورخصه الحسن وعطاء وقتادة وعروة وأحمد بن حنبل، وروي ذلك عن سليمان بن صرد، وكرهت ذلك طائفة، هم النخعي وابن سيرين والأوزاعي، وقال: لم أعلم أحداً يعتد على فعله فعل ذلك، وقال الثوري: لا يتكلم يعني لعله بغير الأذان والإقامة وبه قال الشافعي، استحبابا وقال النعمان ويعقوب ومحمد: لا يتكلم فيهما وإن تكلم يجزئه، وقد روينا عن الزهري قال: إنه إذا تكلم في الإقامة أعاد الإقامة، وقال أبو بكر: ما نحب أن يتكلم المؤذن بين ظهراني أذانه إلا بما كان من شأن الصلاة، كما روي في حديث ابن عباس، أنه أمر مؤذنه في يوم مطير يقول: بعد قوله حي على الصلاة حي على الفلاح، ألا صلوا في الرحال فإن تكلم بما ليس من شأن الصلاة فلا إعادة عليه.
قال أبو سعيد: عندي أنه يخرج في معاني هذا على ما يشبه قول أصحابنا، والإقامة في قولهم أشد، ومعي أن يخرج في معنى قولهم الاختلاف فيمن (11/16)
صفحة 2912
تكلم في أذانه وإقامته، فمعي أنه يخرج على هذا على ما يشبه معانيه قول أصحابنا، والإقامة في قولهم أشد، فعندي أن بعض يأمر بالإعادة في الإقامة ولا يرى عليه الإعادة في الأذان، ويقرب عندي ما قال أبو بكر: إنه يتكلم في خلل ذلك بمعاني أمر الصلاة أو بعد الإقامة كان خارجا من معنى الكلام وإن تكلم بغير ذلك وبغير الذكر لحقه عندي معاني الاختلاف، والإقامة عندي أشد.
ومنه؛ أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن من السنة أن يؤذن المؤذن قائما، وقد روينا عن أبي زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت رجله أصيبت في سبيل الله أنه أذن وهو قاعد، وكره مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي، وقال أحمد وعطاء بن أبي رباح لا يؤذن جالسا إلا من علة، وقال أبو ثور: يؤذن بالناس قاعدا من علة وغير علة، والقيام أحب إليّ قال أبو سعيد: إنه يخرج معنا في هذا كله في معنى قول أصحابنا في الأذان على معنى القولين اللذين مضى معنا ذكرهما فإذا ثبت أنه بمعنى الإقامة وشبهها، فلا يؤم معنا القاعد بالقائمين، كذلك لا يؤذن، ويخرج عندي ولو كان بعذر، وإذا خرج من معنى الإقامة فلا بأس بذلك إذا بلغ وكان هو أهلا لذلك دونهم، وإن أذن غيره فهو عندي أحسن إلا أن يكون أذانه عندي على حال قاعدا أحسن، وأبلغ من غيره قائما فلا بأس بذلك على معنى هذا القول، وهو أحب إليّ.
ومنه؛ ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجلين، إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وأمر بلالا يوم خرج من الوادي بعد طلوع الشمس أن يؤذن ويقيم لصلاة الصبح، وأذن وأقام بمعرفة لما جمع بين الظهر والعصر بمزدلفة، ولما جمع بين المغرب وعشاء الآخر، وممن روينا عنه أنه كان لا يرى الأذان ولا الإقامة في السفر، سليمان وعبد الله بن عمر وابن سيرين وسعيد بن المسيب، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان وأصحابه.
وفيه قول ثان: وهو أن الإقامة تجزئه في السفر، كان ابن عمر يقيم في السفر لكل صلاة إلا صلاة الصبح فإنه يؤذن لها ويقيم، وقال الحسن البصري والقاسم بن محمد: تجزيه الإقامة في السفر، وقالت طائفة: هو بالخيار إن شاء أذن وأقام، وإن شاء أقام، روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وبه قال الثوري، وقد روينا عن (11/17)
صفحة 2913
مجاهد أنه قال: إذا نسي الإقامة في السفر أعاد، قال أبو بكر: يؤذن ويقيم، فإن أقام ولم يؤذن يجزيه ولو ترك الأذان والإقامة لم يكن عليه إعادة الصلاة، وكان مسيئا بترك الأذان والإقامة، قال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا يخرج عندي على الأمر بالأذان في الجماعة في السفر والحضر، والنهي عن ترك ذلك إلا بسبب عذر، إلا أنه يخرج عندي من قولهم، أنه لو ترك الجماعة الأذان في السفر لحقهم معنى التقصير بالإعادة إلا في صلاة الصبح، فمعي يختلف في قولهم في ترك الأذان لها من الجماعة في السفر، فبعض يرى عليهم وبعض لا يرى ليهم إعادة (أعني إعادة الصلاة) ويعجبني أن لا إعادة عليهم، وإذا تركوا الأذان حين يسمعون الأذان في القرية وحيث الأذان والجماعات للصبح ولغيرها، فلا أعلم في ذلك اختلافا، ولعله بما قال: بالإعادة، وفي ذلك اختلاف الحضر والسفر، إلا أن صلاتهم تامة كانوا في السفر أو الحضر، وأما ترك الإقامة على التعمد في السفر والحضر فمعي أنه يختلف في قولهم في ذلك، وأكثر القول عندي أن على تاركها الإعادة جماعة كانوا عندي أو فرادى.
ومنه؛ ثبت أن ابن عمر كان يؤذن على البعير وينزل فيقيم، وممن رأى أن يؤذن راكبا سالم بن عبد الله وربعي بن خراس ومالك والأوزاعي والثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا يقيم وهو راكب، قال أبو سعيد: إنه يخرج في معنى هذا فيما يشبه معاني القول من قول أصحابنا، وأحسب أنه يروى أنه أذن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بذلك في السفر، وهذا يخرج عندي على إبلاغ الصلاة بالجماعة في السفر، ولعله في حد المسير ليقف بعضهم لبعض لمعنى الصلاة، ويخرج هذا عندي من مصلحة القوم في معنى الصلاة، وأما الإقامة فيعجبني فيها أن لا يقيم قاعدا، ولو كان راكبا إلا أن يكون في ذلك معنى يوجب الصلاح إجماع القوم وإشعارا لهم بذلك فلا بأس عندي بذلك على معنى هذا المعنى وقد روينا عن عمر بن الخطاب -رحمه الله- أنه قال للمؤذن: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فأجزم، وهذا مذهب بن عمر، وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور والنعمان وصاحباه، وبه نقول قال المضيف: الذي عندي هما صاحباه محمد بن الحسن وأبو يوسف والله أعلم.
وقال أبو سعيد: معي أنه يخرج على حسب هذا المعنى عنده إذا فعله لم (11/18)
صفحة 2914
يخرج من معاني الحسن وإذا كان سواء فالجزم كما جاء به الأثر، وأنه يخرج على معنى الجزم والإرسال عن إثبات الإعراب في آخر الكلام على معنى القراءة، وأما الجزم عن المد لا عن الإعراب هكذا عندنا في هذا.
ومنه؛ روينا عن أبي محذورة أنه جاء وقد أذن إنسان فأذن وأقام وبه قال أحمد وقال الثوري: كان يقال من أذن فهو يقيم. وقال الشافعي: إذا أذن رجل وأقام آخر إن شاء الله، ورخص فيه قوم، وممن رخص أن يؤذن الرجل ويقيم غيره مالك والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: كل ذلك يجزي. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج معا في هذا على حسب هذا.
ومنه قالت طائفة: له أن يصلي بغير أذانه وإقامته، هذا مذهب الشعبي والأسود وأبي محذور ومجاهد والنخعي وعكرمة، وقال أحمد: يجزيه أذان أهل المصر، وبه قال النعمان وأصحابه، وأبو ثور، وقالت طائفة: يكفيه الإقامة، هذا قول ميمون بن مهران وأقام سعيد بن جبير ولم يؤذن، وقال الأوزاعي: تجزيه الإقامة، وقال الحسن وابن سيرين: إن شاء أقام، وقال مالك: يجزيهم إذا أقاموا ولم يؤذنوا، وقال ابن سيرين والنخعي: يجزيه إلا في الفجر فإنه يؤذن ويقيم، وقال عطاء: من صلى بغير أذان ولا إقامة يعيد الصلاة، إلا ما فاتته، قال أبو بكر: أحب إلي أن يؤذن ويقيم، فإن لم يفعل يجزيه، قال أبو سعيد: معي إنه قد مضى معاني القول بحسب هذا.
ومنه؛ روي عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم، وقال إسحاق: كلما صلين أذن وأقمن، وقال عطاء: عليهن الإقامة، وبه قال مجاهد والأوزاعي ليس عليهن أذان، روينا عن جابر بن عبد الله أنه قيل له: أتقيم المرأة؟ قال: نعم، وقال أنس بن مالك: ليس على النساء أذان ولا إقامة، روي ذلك عن ابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب والحسب البصري ومحمد بن سيرين والنخعي والزهري والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد، وقال مالك: وإن أقامت فحسن فلا بأس، قال أبو بكر: ليس عليهن ذلك، وإن فعلن فقد أحسن، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا اختلاف في ثبوت الإقامة على النساء وأحسب الإقامة ولعل الذي يرى عليهن الإقامة يقول يقلن: إلى (11/19)
صفحة 2915
قوله أشهد أن محمدا رسول الله، وليس عليهن غير ذلك، وقد قيل: إن عليهن مع ذلك، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، ولا أعلم من قولهم إثبات الأذان عليهن، لأنه إنما يخرج معنى الأذان عندهم لصلاة الجماعة في إلزام ذلك والأمر به، ومعي أنه يخرج في قولهم: إنه لا إقامة ولا جماعة عليهن إلا أن يحضرن الجماعة عند الرجال فيصلين بصلاتهم، فذلك جائز وصلاتهن في قولهم في منازلهن فرادى أفضل من الجماعة في المساجد، ومعي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قولهم أنه يصلين جماعة وحدهن في الفريضة أن عليهن الإعادة، وأما الأذان ففضل من غير أن تؤمر المرأة أن تحرض برفع صوتها ما تعدى من منزلها، فإن أذنت بدون ذلك فهو حسن، وفيه الفضل عندي.
ومنه؛ اختلفوا فيمن أراد أ، يصلي في منزله مفردا أله بغير أذان ولا إقامة؟ فقالت طائفة: إن له أن يؤذن ويقيم في نفسه وكذلك فعل أنس بن مالك، وروي ذلك عن سلمة بن الأكوع، وبه قال ابن المسيب والزهري، وقال الشافعي: أذان المؤذنين وإقامتهم كافية، وقال مرة أحب إليّ أن يؤذن ويقيم في نفسه، قال أبو سعيد: لا يؤمر الرجل في معاني قول أصحابنا بترك الجماعة، فإن فعل ذلك من غير عذر وسبب فمعي أنه في المساجد وصلاة الفرائض في منزلة إلا من عذر يخرج في بعض معاني قولهم أنهم كانوا يؤمرون بالأذان في المنزل لكل صلاة، ويحبون على ذلك ومعي، أن بعضا منهم كان يؤذن في منزله لكل صلاة، ويخرج إلى الجماعة، معي أنه يريد بذلك عمارة منزله بالذكر، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجعلوا لبيوتكم حظا ولا تتخذوها قبورا ولا مقامر»، فإذا أذن للفضل في وقته للتذكرة والذكر فهو حسن عندي في كل موضع بالجهر من الرجال.
ومنه وقالت طائفة: يقيم، روي ذلك عن عطاء وطاووس ومجاهد، وبه قال الأوزاعي ومالك والليث، وقالت طائفة: ليس عليه أن يؤذن ولا يقيم، هذا قول الحسن البصري، وروي ذلك عن الشعبي وعكرمة، وبه قال النعمان وأصحابه.
قال أبو سعيد: معي إذا صلى في منزله لعذر وحده فإن أذن وأقام فذلك المأمور به، وإن لم يؤذن ففي معاني قول أصحابنا: إن عليه الإقامة، ولا أعلم أن أحدا يأمره بترك ذلك، فإن ترك ذلك عامدا ففي أكثر قولهم إن عليه بدل (11/20)
صفحة 2916
الصلاة، إلا أني أحسب أن بعضا يقول: إنه إذا كان يسمع الأذان والإقامة، كان أعذر له إذا ترك الجماعة لعذر، وإذا لم يسمع الأذان والإقامة ولا أحدهما، فمعي أنه يخرج في معاني أكثر قول أصحابنا: إن عليه الإعادة للصلاة إن ترك الإقامة متعمدا.
ومنه، ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن العاص: «اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا»، واختلفوا في أخذ الأجرة على الأذان، فكره أخذ الأجرة على الأذان القاسم بن عبد الرحمن، وأصحاب الرأي، ورخص فيه مالك، وقال لا بأس به، وقال الأوزاعي: ذلك مكروه ولا بأس بأخذ الورق على ذلك من بيت المال، وقال الشافعي: لا يرزق المؤذن إلا من خمس؛ الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر: لا يجوز أخذ الأجرة في الأذان.
ومنه؛ وإذا أذن بعض الأذان ثم غلب على عقله، فكان الشافعي يقول: أحب أن يستأنف، وإن لم يكن أقام بنى على أذانه، وقال قائل: يبني على أذانه ولا يجزي أن يتم غيره، وقال أبو ثور: يبني على أذانه، وقال الشافعي: لا يكمل الأذان حتى يأتي على الولأ، وقال بعض أصحاب الرأي كما قال الشافعي، وإن لم يفعل ومضى على أذانه يجزيه، وقال الشافعي والنعمان ويعقوب وابن الحسن: ليس في فعله على العبيد أذان ولا إقامة.
وقال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في الأجر على الأذان، بحسب ما يشبه ما مضى لأنه من الطاعة وفي بعض قولهم: إنه لا يجوز أن يأخذ أجرا على الطاعة، كانت تلك الطاعة فريضة أو وسيلة، وفي بعض قولهم: إنه لا بأس أن يأخذ الأجرة على الوسيلة على الطاعة، لأن ذلك ليس بواجب عليه أن يعمله، إذا لم يكن الأذان واجبا عليه لمعنى يلزمه من عمارة هذا المسجد، خرج فيه معنى الاختلاف، ولا أعلم في قولهم له إجازة أخذ أجرة على طاعة يلزم القيام بها من الفرائض واللوازم، وإنه إن فعل ذلك لم يسعه، وكان عليه رد ذلك مع التوبة، وكذلك إن أخذ أجرا على معصية لا يختلف فيها لم يسعه ذلك، وكان عليه رده مع التوبة في معنى قولهم، وإن كان في بيت مال الله فضل فأجرى منه الإمام على المسلمين، لمعنى ضعفهم في قيامهم بشيء من مصالح الإسلام من أذان أو إقامة فلا (11/21)
صفحة 2917
بأس بذلك عندي، لأن ذلك لهم في بيت مال الله، إذا كان فيه فضل، وإنما فضل بيت مال الله في مصالح الإسلام بعد إقامة الدولة التي يجيء بها الحق ويموت بها الباطل.
مسألة: (ومن غير كتاب الأشراف) قال أبو سعيد: إذا كان وقت الغيم، وتحرى المؤذن للصلاة كان له أن يؤذن، وليس التحري للأذان بأشد من الصلاة، وقال من قال: إنه لا يؤذن إلا عن يقينه لأنه بأذانه يقع معناه دلالة لغيره من الصلوات، فإذا فعل فذلك، وإن لم يصب الصواب، كان قد دل على غير الصواب، وقال في المؤذن: الحث منه للصبح في رمضان، إنه حجة إذا كان ثقة في بعض القول، وقال من قال: لا يكون حجة في ذلك، إلا بالبينة فيما قيل.
مسألة: (ومن جامع أبي محمد) الذي يأمر المؤذن إذا أراد الأذان أن يكون على طهارة للصلاة، ولا يؤذن إلا في أوقات الصلاة، إلا في صلاة الصبح، فقد اتفق الناس على إجازة ذلك، إلا في شهر رمضان، فإنه لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر، لما في ذلك من منع الناس عن الأكل، وخاصة للعوام الذين لا يعرفون الأوقات، وإنما يرجعون في ذلك إلى تقليد المؤذنين، وينبغي له أن يرفع صوته بالأذان، لما في ذلك من الفضل، وفي الخبر أن كل شيء بلغ إليه صوته بالأذان شهد له يوم القيامة.
وقد قيل: يستغفر له، وقد كان بعض الفقهاء يختار أن يكون حسن الصوت عاليا، وقد كان بعض الفقهاء المتقدمين من أصحابنا قد ذكره الشيخ لي أنه يقول: إني أرغب أن أكون مؤذنا وأكره التقدم وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم أفضلكم»، ويستحب أن يكون المؤذن فقيها، عارفا بالأوقات، بصيرا بما يجب على المقيم للصلاة بما يفسدها ويشينها، وقد بلغني أن محمد بن محبوب -رحمه الله- رأى رجلا يقيم الصلاة، ثم أراد أن يتقدم عن موضع الإقامة فأمسكه، ولعل ذلك كان إمام المسجد، لأن محمد بن محبوب يؤكد في الإقامة، قال الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الجمعة:9)، وقال: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً) (المائدة:58)، واتفقوا على أن الأذان المقصود به للصلوات المفروضات، واتفقوا على أن التطوع لا أذان له ولا إقامة، واتفقوا على أن من أدرك شيئا من الجماعة فلا أذان (11/22)
صفحة 2918
عليه ولا إقامة، واختلفوا في تقليد المؤذنين، والصلاة بأذانهم فقال بعضهم: لا تقليد في أوقات الصلاة، وأن الفرض لا يؤدى إلا بيقين، قال الشيخ رضي الله عنه: كان قول ابن عمر كان يقول: إن أخذه عن بعض المتقدمين من أصحابنا والجمهور من الناس يذهب إلى أنهم حجة في أوقات الصلاة، لأن أهل الإسلام حجة في أوقات الصلاة، والدليل على ذلك ما عليه الناس أن القوم يكونون في المسجد ويأتي المؤذن فيؤذن ويقيم ويصلي بهم، أو يكون الإمام غيره، وهو في جماعتهم وقد تقدم قعوده مع الإمام قبل دخول الوقت، وكذلك المرأة تكون في منزلها، أو الرجل والأعمى يسمعون الأذان في مثل الوقت الذي يرجونه ولا يذكرونه، فيصلون بأذن المؤذن، ولا نجد الفقهاء يمنعون ذلك، ولا لهم مع تعليمهم الناس أمر الدين يشترطون عليهم ترك تقليد المؤذنين، وقال كثير من أصحابنا: إجازة الأذان قبل دخول وقت صلاة الجمعة والفجر، ووجه قولهم إن بلالا كان يؤذن بليل، فرد الجمعة قياسا على السنة من فعل بلال فإن قال: لِم لم تردوا غير الجمعة من الصلوات قياسا على الفجر كما رددتم الجمعة؟ وما الفرق بين الجمعة وغيرها من سائر الصلوات من الجماعات وغيرها؟ قيل له: لما نبه النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلة التي أوجبت لإجازة الأذان للفجر قبل وقته لقوله عليه السلام: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، ثم قال في خبر آخر: «إن بلالا يوقظ نائمكم ويرد غائبكم»، فكانت هذه العلة موجودة في صلاة الجمعة، لأن أكثر عادة الناس في أيام النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة الصبح تفوتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: «من سمع بلالا فليجب»، كالجماعة عنده إذا فاتت لم يلحق، وكذلك الجمعة إذا اشتغل الناس عنها بنوم أو غيره والله أعلم.
والقول الثاني لأصحابنا: إن الأذان لا يجوز قبل دخول وقت الصلاة، إلا صلاة الفجر، فهذا القول يوجبه النظر عندي، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما»، فهذا الخبر يوجب ظاهره أنه لا يجوز الأذان إلا بعد دخول الوقت، وهو حضور وقت الصلاة، وكان جواز الأذان للفجر وقته مخصوصا من جملة ما نهي عنه، لأنه أمره بالأذان بعد حضور وقت الصلاة نهي عن ذلك قبل دخول الوقت والله أعلم.
وسألت الشيخ أبا مالك رضي الله عنه فقلت له: أكون في منزل حيث لا أرى (11/23)
صفحة 2919
الشمس ولا أعرف الوقت دخل أو لم يدخل، وأسمع المؤذن يؤذن أفأصلي بأذانه؟ فقال: إن كان المؤذن فقيها، ولعله أراد فقيها بأوقات الصلاة، وهو مع ذلك عدل لأنه لا يستحق اسم الفقيه إلا بأن يجتمع له اسمان، معرفة وورع، لأن اسم فقيه اسم مدح والله أعلم.
واتفق أصحابنا فيما علمت أن عدد الأذان الذي جاءت به الرواية خمس عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة.
فصل: والمؤذنون في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة: بلال وابن أم مكتوم وأبو محذورة، وكان الشافعي يقول في القديم بالتثاوب في أذان الصبح ثم كره ذلك من بعد لأن أبا محذورة لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الأذان، وأما بلال فروى أنه كان يثوب في أذان الصبح ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان وإنما علمه عبد الله بن زيد الأنصاري، والثقة بخبر من علمه النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه وأخذ عنه، أولى بالقبول ممن أخذ عن صحابي غير النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الأذان، أن النبي صلى الله عليه وسلم أهمه الإعلام بالصلاة، وقد كان استشار الصحابة في ذلك فأشار بعضهم بالناقوس، وقال بعضهم: بنصب الأعلام حتى أهمهم ذلك، فرأى عبد الله بن زيد الأنصاري الأذان في منامه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: «علمه بلالا» وقد روي أن عمر نهى بلالا عن التثاوب في الأذان، فكان بلال يؤذن بليل، فإذا طلع الفجر الأخير أذن ابن أم مكتوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرد غائبكم، فإذا سمعتم أذان ابن أم مكتوم فصلوا»، واختلف الناس في الأذان، فقال بعضهم: هو فرض على الكفاية، وإلى هذا ذهب المزني وأبو ثور، وقال مالك: من صلى في بلد لم يؤذن فيه فصلاته باطلة، إلا أن يؤذن هو واحتج من قال: إن الأذان سنة، أن الفرض لا يدعه النبي صلى الله عليه وسلم في حضر ولا سفر، وقد أمر بلالا يوم الخندق، واحتج من ذهب إلى إيجاب فرضه، أنه إنما لم يأمره بالأذان لفوات وقتها، لأن الأذان الإعلام بوجوب الصلاة، فإذا فات وقتها كان فعلها قضاء، فلذلك لم يأمر بالأذان، واحتج من قال: إن الأذان سنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بلالا، وقد طلعت الشمس عليهم أن يؤذن ويقيم، وصلوا جماعة في بعض أسفاره، والقصة في ذلك مشهورة، وقال من ذهب إلى أن الأذان فرض في السفر والحرب، وقد يسقط بعض فرضهما، فلما كان الفرض يسقط بعضه في السفر (11/24)
صفحة 2920
والحرب ووقت المشقة، لم ينكر أن يكون الأذان يسقط في مثل الحال التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، يقال لمن احتج بهذا أن الفرض قد سقط بعضه، ولا يجب سقوطه كله إلا بنسخ ووجوب بدل منه، فإن قال: إن الصوم قد سقط في السفر كله فلا يفعل فلمَ أنكرت إلا أن يكون الأذان مثله؟ قيل: إن الصوم إذا سقط رجع إلى بدل، وكذلك فرض الطهارة بالماء يسقط عنه عدمه ويرجع فيه إلى بدل، وهو الصعيد، ولو كان الأذان فرضاً إذا سقط أعيد منه بدل، فلما لم يقل أحد بإيجاب بدل من الأذان دل على أن الأذان ليس بفرض، وأيضا إن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرف أوقات الصلاة وقال: «ما بين هذين الوقتين» ولو كان الأذان فرضاً لكان الاشتغال به يمنع من الوقت الأول الذي حده النبي صلى الله عليه وسلم من الوقت، فلم كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حد للصلاة وقتاً؟ ثم إن الأذان فرض مع فرض الوقت الذي حده بها، فيكون وقتهما وقتا واحداً، فإن قال: لِمَ أنكرت أن يكون ما ذكرت لا يمنع من القول بفرض الأذان؟ وإنما لما كان من أعمال الصلاة لم ينكر أن يكون لها وقت من أوقات الصلاة كما قلتم في الجنب يغسله في شهر رمضان وقت من الجماع وإن كان أبيح له الجماع والأكل والشرب في الليل كله قيل له: إن الفرائض لها أوقات حاضرة بها مأمور بفعلها فيها ثم وجدنا الأذان يفعل في أوقات مختلفة، في الليل لصلاة الصبح قبل دخول وقت الصلاة، وبعد وجوب الصلاة في النهار علمنا أن سبيله غير سبيل الفرض، ألا ترى أن بلالاً يؤذن بليل، والفرض المأمور به وبفعله إذا لم يكن محضوراً في وقت، ولم يوقف المتعبد عليه لم يمكنه الوصول إلى فعله في الوقت المأمور به، والله أعلم وبه التوفيق.
وقد قال بعض الفقهاء: إن أذان بلال كان للسحور، وقد أجمعوا أن الأذان دعاء إلى الصلاة، وحث عليها وإعلام لوقتها، ولا يجوز أن يعلم بها ويدعوا إليها قبل وقتها، ولما يحضر وقتها، والنظر يوجب عندي أن الأذان ليس بفرض، الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أسنكما»، فلما أجمعوا على أن الأصغر لو تقدم الأسن لجازت الصلاة، دل على أن ذلك توجه إلى التأديب دون الفرض، والله أعلم، وروي عن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الإقامة سبع عشرة كلمة، وروى جماعة من الصحابة، إن بلالا كان يؤذن ويقيم مثنى مثنى، وزيد في الإقامة عند قوله: قد قامت الصلاة، للتفرقة بين (11/25)
صفحة 2921
الأذان والإقامة.
ولا ينبغي للمؤذن أن يؤذن إلا على طهارة فإن أذن على غير طهارة كره له ذلك، كما يكره للجنب أن يدخل المسجد، وليس للمرأة أن تؤذن، فإذا أذنت أحببنا أن يعاد الأذان، لأنها ليست ممن يؤذن لأنها مأمورة بخفض الصوت، ورفع الصوت للرجال ألا ترى أنها تصفق في الصلاة إذا عناها أمر، والرجل يسبح، كذلك لكيلا يسمع صوتها.
ولا يتكلم المؤذن في أذانه؛ لأنه اشتغال بغير ذلك، وإعادة أذانه أحب إليّ، ويؤمر بالأذان والإقامة في الحضر والسفر، وإن ترك المسافر الأذان مخالفة أيسر لأجل ماله من التخفيف في السفر والله أعلم. ويروى أن الشيطان يدبر إذا سمع الأذان فإذا سكت المؤذن أقبل.
ولا يجوز الأذان قبل الصلوات ومن أذن قبل دخول الصلوات أعاد أذانه، هكذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم»، قالوا: والأذان بالليل للعلة المذكورة في الخبر، لا للصلاة ويجلس المؤذن بين كل أذان وإقامة إلا المغرب، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما بين كل أذانين صلاة إلا المغرب»، يعني بغيره المهلة والله أعلم.
ومن الكتاب؛ والأذان والإقامة ليستا بفرض كما قال بعض مخالفينا، ولو كانتا فرضا للزمتا كل إنسان في خاصة نفسه، وعندنا أنها على الكفاية، ولو كانتا فرضا لأوجبهما من قال بوجوب فرضهما على كل مصل، فلما وافقتا من خالفنا أن المنفرد بصلاته لا أذان عليه ولا إقامة صح ما قلنا.
ويستحب للمؤذن أن لا يؤخذ أجرا على الأذان، فإن أخذ أجرا فلا شيء عليه عندنا، وكذلك المعلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوجب لتعليم القرآن عوضا بما بيناه في غير هذا المكان.
ومن غير الكتاب؛ وعن موسى بن علي -رحمه الله- وعن مؤذن مسجد يكذب أيصلي بأذانه؟ فما نحب أن يتخذوه مؤذنا إذا حدث ذلك منه، وفي رأي المسلمين أن الجنب إذا صلى بقوم فعليهم النقض، وكذلك إذا صلى بهم وهو يعلم على غير وضوء، فصلاتهم في أكثر القول منتقضة. (11/26)
صفحة 2922
مسألة: ومن غير كتاب الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم فيما يقال عند أذا نالمغرب؟ وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع أذان الفجر قال: «اللهم إني أسألك عند إقبال نهارك وإدبار ليلك وإحضار صلاتك وأصوات دعاء عبادك أن تتوب عليّ وتغفر لي إنك تغفر الغفور الرحيم، وإذا سمع أذان المغرب قال مثل ذلك، من قال ذلك عندنا فمات من يومه أو ليلته كان له أجر شهيد، وإن عاش عاش مغفورا. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: وعن الصبي هل يجوز أن يكون مؤذنا للمسجد ويقيم للبالغين إذا أحسن الأذان؟ قال: معي أنه قد قيل لا يؤذن الصبي حتى يحتلم، وكذلك عندي، فإن فعل وهو يعقل ذلك، وأقام غيره للصلاة، فلا يبين لي فساد صلاتهم، قلت: فإن أقام هل تفسد صلاتهم؟ قال: إذا أقام هو بهم ينبغي أن يخرج في بعض ما قيل: إن صلاتهم فاسدة، وأرجو أن في بعض الأقاويل: إن صلاتهم تامة، وذلك معي أنه قيل: إنه لا تجوز الإقامة إلا من الثقة، ولعله يذهب أنه إذا لم يكن المقيم ثقة لم تتم الصلاة، وفي بعض المقالات والمذاهب: إنه لو أقام لهم جنب وصلوا بإقامته تمت صلاتهم، وهذا فرق بعيد، لأن الجنب لا صلاة له، وقد تكون الصلاة من الصبي.
مسألة: من الزيادة المضافة قال المضيف: وجدت بخط القاضي أبي زكريا، وثبوت الصلاة إلى بعد حضورها فشيء غير الأذان لإبانة ذلك للناس وإظهاره لهم مما يبينه، ويفرق به بين الأذان قبل حضور وقت الصلاة وبين الحث عليها عند حضور وقتها؟ قلت له: وبأي قول ثوب للصلاة أجزاه أم لا يكون ذلك بقوله الصلاة الصلاة مرتين؟ قال: ما ثاب إليها مما يتعارف له مع أهلها في موضعهما مما يفرق به بين الأذان وبين الحث جاز ذلك عندي على حسب ما أرجو أنه قيل وأذهب إليه، قلت له: والذي يؤذن في الليل في شهر رمضان يريد بذلك حث الناس على السحور يتم الأذان كله أو إلى موضع يقطعه؟ قال: وقد قيل في أذان السحور إلى وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقول: الصلاة يا عباد الله رحمكم الله أو ما فتح الله له من هذا، ثم يرجع إلى تمام الأذان! فيكون فرقا يبين فيه الأذان للسحور. (11/27)
صفحة 2923
مسألة: وعمن يؤذن في المساجد ما أفضل؟ يؤذن في أول الزوال أم حتى يتوسط الوقت؟ قال: حتى يتوسط الوقت وكذلك في العصر أول ما يدخل أم حتى يمضي عن ذلك؟ قال: المأمور به الأذان في أول الأوقات ليقوم الناس إلى الصلاة والطهارة.
مسألة: من -الضياء- التثويب أن يقول: الصلاة خير من النوم، وإنما سمي هذا تثويبا، لأنه دعاء ثاني إلى الصلاة وذلك لأنه حين قال حي على الصلاة، ثم عاد فقال: الصلاة خير من النوم، والتثويب عند العرب معناه؛ يقال: ثاب إلي المرض جسمه أي عاد إليه، ويكون التثويب الجزاء، ومنه: (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المطففين:36)، أي جوزي الكفار، قال المضيف: ولعل الثواب من ذلك. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
قال أبو سعيد: يستحب بعد الأذان وقبل الإقامة ركعتان أو قعدة أو ثلاث تسبيحات، إلا صلاة المغرب فإنه يقيم لها قبل أن يقعد، ولا ينظر فيها ويصلي أفضل لأنه ليس فيها انتظار.
مسألة: قال أبو سعي: قد قيل فيما يروى أنه قيل: كن إماما أو مؤذن الإمام، ولا تكن الثالث فيفوتك فضل الإمامة والأذان، لأن المؤذن قالوا له فضل كل من صلى بأذانه، والإمام له فضل صلاته وفضل كل من صلى بصلاته، ولا ينقص ذو فضل من الفضل شيئا.
مسألة: وقال: لا يؤذن في المسجد وعماره كارهون لذلك، قلت: وما حد الكراهية إنهم كارهون حتى يعلم من ألسنتهم الرضى أو أنهم راضون بذلك حتى من ألسنتهم الكراهية؟ قال: إذا اطمأن قلبه إنهم راضون بذلك كان له أن يؤذن ويصلي على اطمئنانة قلبه حتى يعلم الكراهية منهم بألسنتهم، قلت له: فهل لإمام المسجد أن يقدم غيره في المسجد يؤم بالقوم صلاة القيام في شهر رمضان؟ قال: نعم، إذا رجا أنهم لا يكرهون ذلك.
مسألة: ومن جامع -أبي محمد- وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بين كل أذانين صلاة إلا المغرب»، يريد بالأذانين الأذان والإقامة والله أعلم. فأجرى على (11/28)
صفحة 2924
الإقامة اسم الأذان لدوام صحبتهما.
ومن الكتاب: ويجلس المؤذن بين كل أذان وإقامة إلا المغرب، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما بين كل أذانين صلاة إلا المغرب»، يعني المهلة والله أعلم.
مسألة: عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي قال: «أنت إمامهم واقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا».
مسألة: وعن هاشم بن عروة قال: أخبرني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بالأذان يوم فتح مكة، فصعد على الكعبة فأذن، عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطافوا بالبيت والصفا والمروة وحلوا، فلما حانت الصلاة، أمر بلالا أن يرقى فوق الكعبة فيؤذن، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع ذلك المشركون وضعوا أيديهم على أبصارهم وقالوا: لا ينظر إلى الأسود على الكعبة، لقد أكرم الله فلانا وفلانا لأمواتهم إذ لم يروا هذا الأسود على الكعبة، عن عبد الله بن محمد بن الحنفية قال: انطقلت مع أبي إلى صهر لنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أرحنا يا بلال بالصلاة»، قال: قلت أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فغضب عليّ، وأقبل على القوم يحدثهم أن رجلا ذهب إلى حي من أحياء العرب فلما أتاهم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أحكم في نسائكم بما شئت، فقالوا: سمعاً وطاعة لأمر الله ورسوله، فبعثوا رسولا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إن فلانا جاءنا فقال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحكم في نسائكم بما شئت، فإن كان عن أمرك فسمعاً وطاعة، وإن كان عن غيرك فأحببنا أن نعلمك، قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رجلا من الأنصار فقال: اذهب إلى فلان فاقتله وأحرقه بالنار، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليّ كذبة متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»، ثم أقبل بوجهه فقال: أترى أني كذبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا.
عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤذنون والملبون يخرجون من قبورهم يوم القيامة، يؤذن المؤذن، ويلبي الملبي، ويغفر للمؤذن مدّ صوته، ويستغفر له كل شيء سمع صوته من شجر أو مدر أو حجر أو رطب و يابس، ويكتب للمؤذن بكل إنسان يصلي معه في ذلك المسجد، مثل (11/29)
صفحة 2925
حسناتهم، ولا ينقص من حسناتهم شيئا، ويعطيه الله ما بين الأذان والإقامة ما سأل ربه، إما أن يعجل له في دنياه، أو يصرف عنه شرا، أو يدخر له ما هو أفضل من ذلك، وله ما بين الأذان والإقامة، من الأجر كالمتشحط بدمه في سبيل الله، ويكتب له في كل يوم يؤذن فيه مثل أجر خمسين ومائة شهيد، وله مثل أجر القائم بالليل الصائم بالنهار، وله مثل أجر الحاج والمعتمر، وجامع القرآن والفقه، وله مثل أجر صلاة الخمس المكتوبة، والزكاة المفروضة وله مثل أجر من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وأولى من يكسى من الجنة إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم، ثم محمد صلى الله عليه وسلم ثم النبيون والمرسلون، ثم يكسى المؤذنون، وتلقاهم الملائكة عليهم السلام على نجائب من ياقوتة حمراء أزمتها من زمرد أخضر ألين من الحرير، ورحائلها من الذهب الأحمر، حافتها مكللة بالدر والياقوت، عليها منابر من السندس والاستبرق، ومن فوق الاستبرق حرير أخضر، وعلى كل واحد ثلاثة أسورة من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، وفي أعناقهم الذهب مكلل بالدر والياقوت والزمرد والزبرجد، نعالهم من الذهب وشراكها من الدر ولنجائبهم أجنحة تضع خطوطها مد نظرها على كل واحد منها فتى شاب أمرد جعد الرأس، له كسوة على ما تشتهي حشوها المسك الأذفر» وله تمام القصة في أول الكتاب في الباب من هذا الجزء وهو موضعه إن شاء الله.
مسألة: قال بشير بن فضل: إذا سمعت مناديا للصلاة، وأنت لا تعرف الوقت، فلا بأس أن تصلي إلا أن يكون مؤذنا يعلم أنه يؤذن قبل الوقت، قال غيره: نعم لأن أهل القبلة مأمونون على أوقات الصلوات.
مسألة: ومن كتاب أبي جابر والأذان هو أذان للصلاة، وقيل: إن بدء الأذان أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سمع في نومه بالمدينة مناديا ينادي بهذا الأذان، فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «علّمه بلالا» وكان ذلك بدء الأذان، فمن صلى وحده لم يكن عليه أذان، وإن كان في سفر فيستحب له الأذان لصلاة الفجر، وإن لم يفعل فلا بأس.
مسألة: وسئل عن قوم في سفر وهم قليل أو كثير أيجوز لهم أن يصلوا بغير أذان غير صلاة الفجر؟ فإن أذنوا فذلك أحب إليّ وإن لم يؤذنوا فلا أرى عليهم بأسا، (11/30)
صفحة 2926
وقيل: أرأيت لو تركوا أذان صلاة الفجر في السفر متعمدين؟ فقال: قد قال بعض الفقهاء عليهم النقض، وقال آخرون: لا نقض عليهم، وأنا ممن يأخذ بالقول الآخر، قال المضيف: وهذا عندي إذا كانوا يصلون جماعة، وأما فرادى فلا، وصلاتهم تامة على حالها.
رجع: قال هاشم قال بشير: سألت الربيع متى يكون الأذان لصلاة الغداة؟ قال الربيع: على قدر ما ينتبه النائم الجنب فيغتسل، ويدرك الصلاة مع القوم، وإن نسي شيئا من الأذان فلا إعادة عليه، ويكره الكلام في الأذان وأرجو أن لا نقض عليه إذا تكلم، قال بعض أهل الرأي: إنه يستحب له الإعادة إذا تكلم، ولا يؤذن إلا وهو طاهر، فإن فعل فلا ينقض ذلك الصلاة، وكذلك إذا أذن بثوب غير طاهر فلا ينبغي له، ولا ينقض ذلك الصلاة ولا الأذان.
مسألة: ومنه؛ ويستحب أن يكون بين الأذان والإقامة قعدة، وقيل: إن بين الأذان والإقامة روضة من رياض الجنة، وقيل: إن أبواب السماء تفتح عند إقامة الصلاة وترجى إجابة الدعاء، وقيل: المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة، ويستحب لمن يسمع المؤذن أن يقول على قوله، وفي ذلك أحاديث وفضل، وأجر عظيم.
ومن غير الكتاب؛ وقال المسبح: إذا قال المؤذن حي على الصلاة، قال صلاة مفروضة وسنة متبعة، وقيل: وكذلك حي على الفلاح، قال محمد بن المسبح: إذا قال حي على الفلاح قال قد أفلح من أجابك.
ومن غيره من الزيادة المضافة، وقيل: من قال في الأذان قد قامت الصلاة فلا شيء عليه، ولا يتعمد، وإن نسي المؤذن من الأذان شيئا فلا إعادة عليه، وإذا ذرع المؤذن قيء أو رعاف وهو في الأذان ثم انقطع عنه وتطهر فإنه يستأنف الأذان.
مسألة: واختلفوا في الأذان للصلاة إذا فات وقتها وإن أذن بها وصلى، فعن أبي الحسن أنه لا بأس، وفي الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نام حتى شرقت الشمس أمر بلالا فأذن وأقام وصلى، فإن صح ذلك فقد وافق ما قلنا.
مسألة: ولا يجوز أن يقيم لهم رجل قد صلى، ولا يقيم الصلاة غير الذي أذن إلا لعذر، وذلك يكره. (11/31)
صفحة 2927
مسألة: ولا بأس بالأذان بالسفر على ظهر الدابة، وعن أبي الحسن أنه سمع مؤذنا يؤذن قبل طلوع الفجر فقال: علوج يتبارون تباري الديكة، كلما طرّب ديك طربوا، هل كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد طلوع الفجر؟ فإن بلالا أذن مرة قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد، وعن ابن عمر مثل ذلك، وزاد أمره مع الإعادة أن ينادي على نفسه إلا أن العبد قدوهم وصعد المنبر وقال:
لبيت بلالا لم تلك أمه وابتل من نضح الجبين دمه
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة والمناداة على نفسه بالغفلة دليلا على أنه لم يقع موقع الصحة، قال المضيف: وقد أخبرنا الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد بن صالح بن موسى أحمد المنحي أذن ليلة قبل طلوع الفجر فأمره القاضي أبو عبد الله محمد عيسى السري بإعادة وضوئه والله أعلم.
مسألة: من الحاشية، قال هاشم بن غيلان في الأذان: وسألت هاشما عن الأذان، المؤذن يقول في الأذان الصلاة خير من النوم لم يكونوا، وقال هاشم: إذا أذنت فلا تتكلم حتى تفرغ منه، وكذلك الإقامة. (رجع).
مسألة: وقيل يجوز أذان الأعمى والأصم، إذا كان مع الأعمى ثقة يعلمه بأوقات الصلاة، ولا يجوز أذان المرأة، ولا إقامتها، فإذا أذنت أحببنا أن يعاد الأذان لأنها مأمورة بخفض الصوت. رجع إلى (كتاب بيان الشرع).
مسألة: وسألته عن الرجل إذا لم يكن يؤذن في مسجد هل له أن يؤذن في بيته ويدعو بالصلاة في صلاة الفجر؟ قال: نعم له ذلك، وقد أمر بذلك بعض الفقهاء، وعن الدعاء بالصلاة بعد الأذان لصلاة الفجر قلت: أهو سنة تؤمر به؟ فلا أعلم أنه سنة، ولكنه يؤمر به لفرق ما بين الأذان والإقامة، لأن الصلوات كلها لا يجوز الأذان لها إلا في وقتها، إلا صلاة الفجر، ومن غيره وقال من قال: يجوز الأذان لصلاة الجمعة قبل وقتها حيث تلزم الجمعة، والله أعلم.
مسألة: وسألت أبا سعيد -رحمه الله- عن الأذان إذا قام المؤذن يؤذن أيستقبل القبلة به كله؟ أم يصفح بوجهه في شيء منه يميناً وشمالاً؟ وكيف المأمور به في ذلك؟ (11/32)
صفحة 2928
قال: معي أنه في بعض ما قيل إنه يستقبل به القبلة كله، وفي بعض ما قيل إنه يستحب له أن يصفح بقوله حليّ على الصلاة يميناً، وحي على الفلاح شمالاً.
ومعي؛ أنه قيل: يصفح بأول قوله حي على الصلاة يمينا ويستقبل بآخره القبلة وكذلك يصفح بأول قوله حي على الفلاح شمالا، ويستقبل بآخره القبلة، قلت: فيجوز للمؤذن أن يدخل أصبعه في أذنه في الأذان والإقامة أم ذلك لا يؤمر به؟ قال: أما في الأذان فأحسب أنه يؤمر به في بعض القول، وأما في الإقامة فلا أحب ذلك، وترك ذلك في الإقامة أحب إليّ.
مسألة: ويوجد عن الشيخ أبي الحسن -رحمه الله- في المؤذن يبالغ في ارتفاع صوته بما أمكن من رفع صوته، ومن جوابه أيضا -رحمه الله- وذكرت فيمن يؤذن وقد طلع الصبح واستبان له أعليه بعد الأذان أن يحث؟ فعلى ما وصفت فنحن نفعل أي نحث بعد طلوع الصبح طلع عند الأذان أم لم يطلع، ونأمر بذلك أذن في طلوع الفجر أم لم يؤذن، إلا قبل الصبح فيحث عند طلوع الصبح، وأما يلزمه بمحكوم به فلا يحكم عليه، واتباع الآثار أولى، والله أعلم بالصواب.
ومن كتاب الضياء المنسوب إلى أبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري، والأذان أن يكبر أربع مرات كل مرتين في صوت، ثم يشهد أن لا إله إلا الله مرتين، كل مرة في صوت، ثم يشهد أن محمدا رسول الله مرتين، كل مرة في صوت، ثم يقول: حي على الصلاة مرتين، كل مرة في صوت، ثم يقول: حي على الفلاح مرتين، كرة في صوت، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر في صوت واحد، ثم يقول: لا إله إلا الله، ويكره أن يقيم غير الذي أذن.
ومن غيره؛ وسألته عن اليوم الذي لا يرى الشمس فيه من سحاب، هل لأهل المسجد أن يؤذنوا ويصلوا جماعة؟ قال: إذا تحرى المؤذن الوقت ورجا أن يؤذن في الوقت أذن وصلى جماعة، فإن تبين بعد ذلك أنهم صلوا في غير الوقت أعادوا الصلاة جميعاً، وليس للإمام أن يقطع برأيه دون مشاورة من حضر في المسجد من الناس، فإن لم يحضر أحد تحرى هو الصلاة وأذن وصلى، ومن حديث المبعث وقيل بدء الأذان أن عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن الحارث بن الخزرج، رأى في منامه الأذان، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إني طاف بي في هذه الليلة طائف مر (11/33)
صفحة 2929
بي وعليه ثوبان أخضران يحمل ناقوساً فقلت له: يا عبد الله، أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: أجمع به الناس إلى الصلاة، فقال لي: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: قل الله أكبر الله أكبر أربعا، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمدا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، قد قامت الصلاة مرتين، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. قال: فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنها رؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال وألقها إليه فإنه أحدّ منك صوتا»، فلما أذن بها بلال سمع ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته خرج يجر رداءه حتى صار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبياً لقد رأيت هذه الرؤيا بعينها! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد الله على ذلك».
مسألة: قلت له: فالأذان فريضة أم سنة؟ قال: معي أنه في المسجد فيما قيل في عمارة المسجد، ومعي أنه قد يوجد له خبر في كتاب الله عز وجل مذكور وهو قوله: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً) (المائدة:58)، ولعله غير هذا.
فصل في الدعاء: وقال: من قال على أثر الأذان اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته رجى له بذلك الثواب. قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه: حفظت عن الشيخ أبي محمد عثمان بن أبي عبد الله الأصم -حفظه الله- أنه لا يجوز أن يقال: اللهم رب هذه الدعوة التامة لأنه يعني بالأذن كله لما قيل في موضع آخر دعوة الحق كلمة الهدى والتقوى، وهي لا إله إلا الله في تفسير قوله تعالى: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى) (الفتح:26)، وقيل: لا إله إلا الله فيجوز ذلك، وأن من قال ذلك فكأنه قال: اللهم رب لا إله إلا الله، فهذا لا يجوز أن يكون الله سبحانه رب اسمه الذاتي، أو رب صفته الذاتية، وهذا لا يجوز من قبل أن الله تعالى لم يزل بجميع أسمائه الذاتية، وصفاته الذاتية، ولم واصفاً لنفسه بصفاته الذاتية، وله هذه الأسماء الذاتية من غير أن يكون هنالك عنده غيره من جواهر وأعراض، بل لم يزل له هذه الأسماء الذاتية والصفات الذاتية، وهو لم يزل بجميع أسمائه الذاتية وصفاته الذاتية، فإذا كان ذلك كذلك فقائل: اللهم رب لا إله إلا الله مخطئ لأنه لا يصح، فهذا كفر، ولا يجوز، ولا يفوه به إلا ضال كافر مخطئ سبيل أهل التوحيد من أهل الاستقامة، والله نسأله التوفيق للحق والصواب. (11/34)
صفحة 2930
ومن كتاب المصنف؛ ولا يجوز الأذان والإقامة بالفارسية لأن الأذان الذي وقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالعربية، والعربية غير الفارسية، وعن الحسن وشريح، أن الأذان بالفارسية بدعة.
مسألة: في الأذان بالليل في شهر رمضان قال: معي؛ إنه يؤذن إلى قوله أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يقول: الصلاة عباد الله الصلاة رحمكم الله وما فتح الله له من القول، ثم يرجع إلى تمام الأذان فيكون هذا فرقا بين السحور وأذان طلوع الفجر، لأن الأذان في شهر رمضان لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر، وفي غير رمضان اختلاف.
مسألة: قيل: كان مناديا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود والنصارى والمنافقون: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم ركعا سجدا استهزؤوا بهم وضحكوا منهم، وكان فاجر إذا سمع الأذان قال: أحرق الله الكاذب، قيل: فدخل غلامه بنار فوقعت شرارة في البيت فاحترق اليهودي بالنار.
قال غيره: قال بعض فقهاء المسلمين، وأظنه محمد بن إبراهيم بن محمد السعالي العفيف أنه جائز، قال: وليس المراد رب هذه الدعوة التامة غير بأنها هي الله، عن الفقيه عثمان بن محمد بن عبد الله، وإنما الدعوة عنده، حي على الصلاة وحي على الفلاح وهما من كلام الآدميين وهو جائز. انقضى. (11/35)
صفحة 2931
[صفحة بيضاء] (11/36)
صفحة 2932
الباب الثالث
في تفسير الأذان والإقامة والتوجيه والتحيات
وغير ذلك من أمر الصلاة
قال أبو محمد: معنى قول القائل الله أكبر الله أكبر، هو التعظيم لله تبارك وتعالى والذكر له بذلك، والوصف له الكبر بأنه الكبير المتعال بلا جثة ولا شخص، وإنما المراد في ذلك كبر القدر وعظم المنزلة، قال الناسخ: ويوجد في غير هذا الموضع؛ أنه الكبير الشأن، ومعنى الله أكبر والله الأكبر والله الكبير، والله الجليل والله العظيم كله بمعنى واحد، ولكن لا يقال في الأذان والإقامة إلا ما عليه المسلمون من أكثر قولهم الله أكبر، وإن كان معنى ذلك، ومعنى ما ذكرنا واحد، قال الشاعر:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول
ي أني لوجل خائف.
قال الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول
أي عزيزة طويلة، ومعنى أشهد أن لا إله إلا الله إني أعلم أن لا إله إلا الله، لأن الشهادة لا تجب إلا بعلم، وقد قيل إنه يستحب للمؤذن وللمقيم أن يذكرا (11/37)
صفحة 2933
هلا ... حي ... المنادي ... نادانا ... بقلوبهما، ويحضرا الذكر عند قولهما: أشهد أن لا إله إلا الله، لأن الشهادة لا تجب إلا بعلم، وقد قيل: إنه يستحب للمؤذن، وكذلك عند قولهما: أشهد أن محمداً رسول الله، إني أعلم ذلك علماً يقينا لا شك فيه. قال المضيف: وقيل معنى أشهد أبين ومعنى لا إله إلا الله أي لا ثاني معه أو لا يستحق أحد العبادة سواه، ومعنى قوله: أشهد أن محمداً رسول الله، إني أعلم أن رسالته صحيحة، وإني لا أشك في ذلك، وأن ما أخبر به عن الله فهو الحق، ومعنى قوله حي على الصلاة، فهو الحث على فعل الصلاة، والعرب تحث على الفعل -بحي هلا-؛ أي أسرع وبادر، قال الشاعر:
حين
*1*
نقول حي هلا يا رجل؟
هلكوا ... كقوم ... كنا ... أي أسرعا وحي هلا يا رجال، أي أسرعوا وبادروا، والصلاة الشرعية التي يحث المؤذن عليها ويأمر بالمبادرة إلى فعلها، هي هذه الصلاة التي يفعلها المسلمون في الليل والنهار، ومعنى قوله: حي على الفلاح؛ قد بينا في معنى حي من لغة العرب أنه الحث والمبادرة والأمر والمسارعة إلى الفعل الذي بينا به مراد المحارب عليه. قال المضيف: قيل: فيجب حي بسكون الياء الأولى كما قالوا ليت ولعل والله أعلم.
رجع إلى كتاب بيان الشرع: والفلاح معناه في كلام العرب على وجوه؛ منهم من قال: الفلاح هو النجاة، ومنهم من قال: هو الحياة، ومنهم من قال: هو الظفر، قال المضيف: وقيل السعادة، ويحتمل غير هذه الوجوه، مما تكلمت به العرب، قال محمد بن المداد: الفلح والفلاح البقاء، قال الشاعر:
ولئن
*1*
ما لحي يا لقوم يا لقومي من فلح
أي من بقاء.
رجع؛ ويحتمل والذي عندي والله أعلم، أن الفلاح الظفر في هذه المواضع لقول الله جل ذكره: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (المؤمنون:1)، وقوله: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، أي ظفروا بمرادهم، والله أعلم، ومعنى قوله: قد قامت الصلاة إخبار عن وجوب (11/38)
صفحة 2934
أسماء ... ببينها ... القيام إليها وإلى فعلها، وقد استحب بعض الفقهاء أن يقول المقيم: قد قامت الصلاة، إخبارا عن وجوب القيام إليها، وإلى فعلها، وقد استحب بعض الفقهاء أن يقول المقيم: قد قامت الصلاة والناس في حال القيام، وكذلك روي أن بلالاً كان يشترط على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يسبقه بتكبيرة الإحرام حتى يتم الإقامة، وإقامة الصلاة قيام الناس لها، وقول القائل: الناس في الصلاة والإمام في الصلاة هي مجاز، وسعة اللغة والحقيقة في ذلك أنهم في حال فعلهم الصلاة، وكذلك الإمام في الصلاة في حال فعلها لها والله أعلم.
ومعنى الله أكبر الله أكبر، قد بينا معناه فيما تقدم من كلامنا هذا، ومعنى قوله لا إله إلا الله قد صدر بيانه عند ذكرنا أشهد أن لا إله إلا الله، فهذا تفسير الأذان والإقامة، ومعنى الأذان لله، هو الإعلام، الدليل على ذلك؛ قول الله عز وجل: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) (الحج:27)، أي أعلمهم وادعهم، والأذان إعلام بوقت الصلاة، ودعاء إليها، وكذلك قوله عز وجل: (آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ) (فصلت:47)، أي أعلمناك، وقد قال الله عز وجل: (فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء) (الأنبياء:109)، وكذلك قوله: (فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) (البقرة:279)، أي اعلموا أنكم محاربون على ذلك إن لم تنتهوا والله أعلم. قال الحارث بن حلزة اليشكري:
آذنتنا
*1*
رب ثاوٍ ويملّ منه الثواء
عندهم ... فهمت ... ما ... الواشون ... كذب ... مسألة: من الزيادة المضافة -من الضياء- والرسول معناه في لغة العرب الذي يُبلغ الأخبار الذي أرسله وبعثه أخذا من قولهم: قد جاءت الإبل إرسالاً ورسلا، أي متتابعة، ومعنى قول الله تعالى: (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) (هود:81) أي رسالة ربك. شعرا:
لقد
*1*
بشر ولا أرسلتهم برسول
رجع إلى كتاب بيان الشرع. (11/39)
صفحة 2935
[صفحة بيضاء] (11/40)
صفحة 2936
ألّما ... حادث ... حدث ... ما ... إذا ... الباب الرابع
في تفسير التوجيه
معنى سبحانك اللهم وبحمدك؛ أي سبحانك يا الله والأصل فيه سبحانك يا الله فأبدلت الميم من الياء فصار سبحانك اللهم، ومعنى الله يا الله يا الله مرتين قال الشاعر:
إني
*1*
أقول يا اللهم يا اللهما
فخره ... جاءني ... لما ... أي أقول يا الله يا الله وقيل: اللهم؛ اسم الله الأعظم، ومعنى سبحان الله؛ هو التنزيه لله عز وجل ذكره عما لا يليق به من الصفات القبيحة، ومن صفات المخلوقين من اتخاذ الصاحبة والولد مما نحله المفسرون في المعبرين وسبحانه الغني عن الحاجة إلى ذلك وإلى غيره، قال الأعشى:
أقول
*1*
سبحان من علقمة الفاخر
ووجدت لأبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب -رحمه الله- يقول: سبحان الله هو التنزيه لله تعالى، فهذا والذي قلناه يقرب معناهما والله أعلم، ومعنى قوله: وبحمدك أي وأحمدك، كأنه قال: سبحانك يا الله وأحمدك؛ لأنه لا أحد يستحق الحمد على الحقيقة إلا الله لأنه المنعم على عباده، والمتفضل عليهم بغير استحقاق، ومن لم يكن منه إلى غيره إلا الأفعال الجميلة فهو مستحق أن يحمد، كما أن من كانت له أفعال قبيحة، يجب أن يذم، ومعنى تبارك اسمك تبارك من البركة؛ لأن (11/41)
صفحة 2937
شبيه ... عن ... ربك ... جد ... الله بركة على من ذكره، ومعنى وتعالى جدك، من الارتفاع والعلو، والأصل فيه أنه عليٌّ فتعال، وهو ارتفاع القدر والمنزلة، لا من طريق العلو، ومعنى جدك؛ هو العظمة، قال محمد بن مداد شعرا:
تعال
*2*
أكنت ... ما ... يعلم ... العلام ... هو
*1*
وعن كفء يماثل أو نظير
أبا ... ولا ... أراد ... جدا ... جده ... صدور القوم من حرج الصدور
رجع، قال الشيخ أبو مالك: الجد في هذا الموضع، هو الشأن، والذي عليه الأكثر من الناس، وأهل اللغة هو العظمة، قال الشيخ أحمد بن النظر:
فما
*2*
له ... ومن ... الغيوب ... علام ... تبارك
*1*
ولكن معنى الجد من ربنا العظم
يسبح موج اليم طوعا ويصطدم
ومعنى قوله: ولا إله غيرك، قد بينا معناه فيما تقدم من كلامنا هذا وهو، أن العبادة تحق له؛ فمعنى ذلك لا تحق العبادة لسواك وإلى هذا الموضع، كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه إذا قام إلى الصلاة، كذلك جاءت الآثار والأخبار من طريق عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعائشة قالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقام إلى الصلاة ابتدأ سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم افتتح الصلاة بتكبيرة الإحرام.
ومن غير الكتاب، من كتاب عمر بن علي يقول: ولا إله غيرك ولا إله غيرك بنصب الراء، ولا يجوز ولا إله غيرك بفتح الراء، وجائز ولا إله غيرك بنصب الهاء من إله ورفع الراء من غيرك، قال غيره: ولا إله غيرك؛ فيه أربعة أوجه في العربية، وعند أهل النحو ولا إله غيرك بنصب الأول على التنزيه وغيرك مرفوع على حيّز التنزيه، والثاني ولا إله غيرك إله مرفوع بغير وغير بإله، والثالث ولا إله غيرك بنصب الأول على التنزيه ونصب غيرك بوقوعها موقع الأداة، وأجاز الفراء ما جاء في (11/42)
صفحة 2938
عينها ... شهلة ... غير ... فيها ... عيب ... غيرك على معنى؛ ما جاء إلا أنت، ونصب غيرك يحلونها محل إلا، وأنشد الفراء:
ولا
*1*
كذاك عتاق الخيل شهل عيونها
والوجه الرابع، ولا إله غيرك بنصب غير رفع الإله والإله يرفع بغير وغير ينصبها يحلونها محل إلا، كأنه قال: لا إله إلا أنت.
رجع إلى كتاب بيان الشرع: فضم نسخة فزاد أصحابنا توجيه إبراهيم عليه السلام مع توجيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل تكبيرة الافتتاح في الإحرام، فهذا يدل على أن التوجيه قبل تكبيرة الإحرام، فمن قال: إن التوجيه بعد تكبيرة الإحرام وجعله في الصلاة، فقد خالف نبيه عليه السلام في فعله، وقد كان أبو عبيدة الشيخ -رحمه الله- يرى جواز التوجيه بعد تكبيرة الإحرام، وهذا إغفال عندي ممن فعله والله أعلم.
ومعنى توجيه إبراهيم صلى الله عليه في قوله: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، أي قصدت بوجهي وذهبت به نحو الموضع الذي أمرني به ربي، وقوله: للذي فطر السموات أي خلقها، كما قال عليه السلام: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي) (الصافات:99)، وذكر الرب وأراد المكان الذي أمره أن يصل إليه، كذلك قوله: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً) (الأنعام:79)، يعني مستقيما، والعرب تسمي الحنيف المستقيم، وإنما سمت أعوج الرِّجل أحنف على التفاؤل، كما يسمون اللديغ سليما، وكما يقولون للضرير: أبا البصير، وكما يسمون المهلك من الأرض المفازة، كما يسمون الشيء بضد اسمه على وجه الفأل الحسن، لأن العرب شأنها التفاؤل، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب الفأل الحسن، ومعنى قوله: (وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، أي أني مستقيم بالإسلام الذي قصدته واخترته وما أنا من المشركين؛ يعني أهل الزيغ والاعوجاج عن الحق والله أعلم. (11/43)
صفحة 2939
[صفحة بيضاء] (11/44)
صفحة 2940
الباب الخامس
في تفسير تكبيرة الإحرام والاستعاذة
ثم يبدأ بتكبيرة الإحرام، وهي تكبيرة الافتتاح، لأنها تفتح الصلاة ويبتدأ بها، وإنما سميت تكبيرة الإحرام، لأن بذكرها يحرم على المصلي ما كان حلالا قبل ذلك، ولأن بها يحرم الكلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن صلاتنا هذه لا يصلح أن يتكلم فيها بشيء من كلام الآدميين»، وقوله عليه السلام: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، وهذا القول منه دلالة على أن تكبيرة الإحرام أول الصلاة، كما أن التسليم منها آخرها، فهو بهذا القول قد عقدها بطرفي الإحرام والتسليم، والذي ذهب إليه من أصحابنا أن من ترك الإقامة والتوجيه تبطل صلاته محتاج إلى دليل، وتكبيرة الإحرام فرض من كتاب الله عز وجل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) (المدثر: 1 - 4)، قيل إنه نزلت عليه هذه الآية والنبي صلى الله عليه وسلم نائم متدثر في ثيابه، وكان سبب الأمر له بالصلاة والمتدثر هو النائم الملتوي في ثيابه المضطجع في ثيابه، والمزمل هو الملتوي في ثيابه، وهو قاعد محتبٍ بيديه، قوله: (وربك (، قال أصحابنا: هذا موضع تكبيرة الإحرام، وفي الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لما نزلت هذه الآية قام فطهر ثيابه، وكانت غير طاهرة، ثم الاستعاذة بعد تكبيرة الإحرام عند افتتاح القرآن، وهذا موضعها عندنا لتكون قراءتها تلقاء القراءة ومعها لقول الله تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل:98)، ومعنى أعوذ بالله أي امتنع بالله القوي واعتصم به كما قال الشاعر:
استعاذي ... بك ... جاري ... وأنت
*1*
والجار بالجار يستعيذ (11/45)
صفحة 2941
قائلة ... مكنون ... في ... العير ... نطعن ... فهذا يدل عليه؛ لأنه أخبر أن الجار بالجار يمتنع ويتقوى ويستعين، ومعنى الشيطان من الشيطنة، وهو العلو وطلب الارتفاع والسمو، يقال: شاط الشيء إذا ارتفع وخرج من حده، وشاط الرجل إذا فعل فعلا أمرا مكروها، وقال أهل اللغة: سمي شيطانا لخروجه من رحمة الله وهلاكه، يقال: شاط هلك وبطل، قال الأعشى في صفة الحرب:
قد
*1*
وقد يشيط على أرحامنا البطل
ومعنى الرجيم؛ هو المرجوم في وزن فعيل. (11/46)
صفحة 2942
الباب السادس
في تفسير تكبيرة الركوع والسجود وما يقال فيهما
ومعنى الركوع والسجود، هو الخضوع لله تبارك وتعالى، قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ) (الحج:18)، فهذا يدل على أن السجود هو الخضوع لله جل ذكره، والركوع مثله، وقال قوم: إن الركوع معناه مأخوذ من الميل، والأول عندي أظهر معنى، والله أعلم. وفي الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه عند نزول: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (، أن يجعلوها في ركوعهم، ولما نزلت: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (الأعلى:1)، قال: اجعلوها في سجودكم، ومعنى التكبير الذي هو في الصلاة؛ هو العظيم لله جل ذكره، وقال قوم: هو حق معناه بالتكبير، قال أبو المنذر بشير بن محمد: إن قصد الذكر بهذا إلى جثة أو عِظم صورة فقد كفر، وعندي؛ أن المراد بتكفيره إياه الخروج من الملة، والله أعلم. وأما الوصف بأنه كبير، كبر المنزلة وعِظم القدر.
وأما التسبيح الذي في الركوع والسجود فقد فسرناهما فيما تقدم من كلامنا هذا، ومعنى ربنا لك الحمد فهو ربنا لك الحمد فإنا نحمدك والمحمود من يقع بنفع حسن، والمذموم هو ضد المحمود، وهو من ضر يضر قبيح كثير.
ومعنى سمع الله لمن حمده من حمده، وعند غير هؤلاء أن المعنى من فعل الله قبل ذلك منه، وهذا أقرب إلى النفس وأشبه بما عليه العلماء لأن من سمع الله كلامه فقد قيل: استجاب الله وقبل منه دعاءه لأنه العالم بجميع المسموعات، (11/47)
صفحة 2943
ولا يخفى عليه شيء منها تبارك وتعالى، والدليل على ذلك ما عليه المسلمون من دعائهم، اللهم اسمع لنا واسمع دعاءنا، أي اقبل ذلك منا وارحمنا والله أعلم. (11/48)
صفحة 2944
الفتى ... نال ... ما ... كل ... الباب السابع
في تفسير التحيات
ومعنى التحيات، هو الملك وقول القائل لغيره، حياك الله أي ملكك الله، ويوجد في الأثر عن أبي المنذر بشير بن محمد: معنى التحيات المجد، قال الشاعر:
من
*1*
قد نلته إلا التحية
ومن غير الكتاب، وقال محمد بن محبوب: التحيات، المجد السلام المؤمن المهيمن المنان الجبار الخالق الباري المصور، وهذا هو المجد المباركات الأسماء الرحمن الرحيم، والطيبات، الأعمال الصالحات، ومن غيره؛ عبد الله بن القاسم أبو عبيدة الصغير، وقال: التحيات: العظمة، والمجد: القدرة، والمباركات: الأسماء، والطيبات: الأعمال الصالحات، وقال محمد بن المداد شعرا:
المباركات ... التحيات ... إن
*2*
الخيرات ... عمل ... والطيبات
*2*
والغدوات ... المسا ... في ... فسله
*2*
السوءات ... من ... الله ... واستغفر
*1* (11/49)
صفحة 2945
رب السموات المزخرفات 2
فيها هدي الحائر والهذات 2
مرجعها إلى صفات الذات
عليك موهبات ذي الهبات
ينلك خيرات إلى خيرات
فالله ربي غافر الزلات
بأنجم يزهرن جاريات
رجع إلى الكتاب الطيبات والمباركات
ومعنى المباركات من البركة، قيل: إن الأسماء الحسنى وإنما معناها من البركة، ومعنى الصلوات إنهن الصلوات المفروضات، وقد قيل: إن معنى ذلك الأعمال الصالحات، ومعنى الطيبات الزاكيات، لأن الطيب هو الزكي، ومعنى السلام على النبي فهو الرحمة من الله عليه، والسلام هو التحية من الله جل ذكره على خلقه فهو الرحمة والنعمة والكرامة منه عليهم، والسلام بين المسلمين من بعضهم على بعض؛ فهو تحية الإسلام، والسلام أيضا فهو مصدر، وهو دعاء بالسلامة، وقال محمد بن المداد شعرا:
سلام الله والسقيا جميعا 2
ديار كنت اعهدها شموسا 2
ديار ضمت الأشراف منا 1
على تلك الديار الهامدات
تلألأ بالتحية مشرقات
وعلماء كالبحور الطاميات
والسلام هو لله تعالى، والسلام مصدر سلمت سلاماً.
رجع إلى الكتاب؛ والدليل على هذا قول الله تبارك وتعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) (الفرقان:63)، قالوا: لا يسلمون به مع إنكارهم عليهم، وإنما مدحهم الله على قولهم الذين يسلمون به عليهم، والموعظة لهم، والتخويف عما يؤديهم جهلهم إليه من خطاب وسعة وقول منكر، وأن المسلمين لم يقابلوهم على سفههم بمثله إلا ما ذهب إليه القوم من جهل معنى الآية، وقولهم إن المسلمين قالوا سلاما جوابا لجهلهم وفعلهم والله أعلم. (11/50)
صفحة 2946
الباب الثامن
في تفسير فاتحة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم معنى تفسير بسم الله فهو بالله على معنى الاستعانة، واختلف الناس في اسم الله فقال قوم: اسم الله فهو الله، واحتجوا بقول لبيد ابن ربيعة شعرا:
إلى ... الحول ... ثم ... اسم ... السلام ... عليكما
ومن ... يبك ... حولا ... كاملا ... فقد ... اعتذر
وقال قوم: اسم الله هو الله ولا هو غير الله، واسم الله عند هؤلاء من صفات ذاته، وإنه لم يزل مستحقا لهذه الأسماء، وقال قوم: اسم الله غير الله، وإنا إذا ذكرنا الله، وذكرنا اسم الله أثبتنا عددا والواحد لا يقع عليه العدد، ولكل فريق من هؤلاء احتجاج يطول شرحه، واختلفوا في قولهم: الله فقال قوم: مأخوذ من الولهان؛ لأن القلوب تله إليه، وقال قوم: مأخوذ من الوله في النور، وقال قوم: إنه في الأصل الأله فخففت وأسقط منهما أحد اللامين وأبدل منه التشديد في قولهم الله، الإله هو عندنا الذي تحق له العبادة فلذلك كانت العرب تطلق اسم من تعبد من الحجارة وغيرها إلها، لظنهم إنما تستحق العبادة، وأما الرحمن الرحيم، فهما اسمان لطيفان لله تبارك وتعالى، وقال قوم: الرحمن اسم خص نفسه به، وقال آخرون: قد كان بعض ملوك الجاهلية يتسمى بالرحمن، وقال قوم: معنى الرحمن الرحيم معناهما واحد وهما مثل قولهم: نديم وندمان، وكما يقال: عالم وعليم، من كثر منه فعل الرحمة يسمى رحيما، والله أعلم. (11/51)
صفحة 2947
وأما قوله تبارك وتعالى: (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (إن قوله الحمد لله رب العالمين عبادة منهم له، لأن يصفوه أنه محمود، والمحمود ضد المذموم، لأن من كثرت نعمه وأياديه وإحسانه، وجب على من كثر عليه ذلك منه، أن يكثر الحمد لله.
ومعنى قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ (فهو مالك كل عالم، والرب هو المالك، والعالمون هو جمع عالم واحد عالم وجمعه عالمون وكل جنس من أجناس الحيوان يسمى عالماً، وقد قيل: إن الدنيا بما فيها عالم، وإنما سميت هذه الدنيا لأنها أقرب وأدنى من الآخرة، لأن الآخرة دار، والدنيا دار، فسميت هذه الدنيا لأنها دنت وهي أقرب وأدنى إلينا، وإنما سميت الآخرة لأنها تجيء بعد الدنيا، فصارت هذه الدنيا والتي تليها الآخرة، قال محمد بن المداد:
دنيا ... دنت ... من ... جاهل ... وتأخرت
وهي ... لعمري ... ضرتان ... فمن ... يرد (11/52)
صفحة 2948
الغر ... في ... ذل ... الحياة ... تذللا
وتزم ... أهبتها ... ويعمل ... صالحا
إحداهما سامته تلك فراقها
قتلت بفرط محبها عشاقها
وسقته من سم الفنا ترياقها
وتعاف جارية تلذ عناقها
تطليق من عرف الأمور وذاقها
الراجي عليك أن تشتاقها
دنيا تشقت خلوقها وخلاقها
ولزوجت نفسا تخاف شناقها
لله يرضي نفسه خلاقها
فليفرحن إذا رأت ما راقها
عشرا فذلك صنعها وإباقها
تهوي مطاوعة الهوى وخناقها
رجع إلى الكتاب، ومعنى الرحمن الرحيم قد تقدم تفسير، ومعنى قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (فهو رب يوم الدين، لأن مالك الشيء هو ربه كما يقال: رب الدار والعبد، ومالك الدار والعبد، وكل ذلك سواء، وقال قوم من المفسرين: إن معنى مالك يوم الدين، أنه قادر على يوم الدين لأن مالك الشيء القادر عليه في الحقيقة، ويوم الدين ما يوجد، والأول هو الجواب، والله أعلم. ويوم الدين يوم الحساب، ويقال: إنه يوم الجزاء على الدين، كما يقال: كما تدين تدان، وكما تزرع تحصد، وقال زهير بن أبي سلمى:
في دين عمرو وحالت بيننا فدك
أي في طاعة عمرو، وفدك أرض.
ومعنى قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ (معنى لك نعبد، (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (نستعين بك على طاعتك، ومعنى: (اهدِنَا (دلنا على الصراط المستقيم، و (الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (هو الطريق المستقيم، فإن قال قائل: أليس الله قد هداهم إلى الحق ودلّهم عليه، فما معنى سؤالهم له وقولهم: اهدنا إلى ما قد هديتنا، ودلنا على ما قد دللتنا؟ قيل: معناه؛ طلب الزيادة مما يتفضل به، كما قال الله جل ذكره: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى ((محمد:17)، وقال: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ((مريم:76)، والهدى؛ هو الدلالة، والهداية في اللغة هو الدليل. وأما قوله: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ (يعني سبيل الذين أنعمت عليهم بالإسلام والتفضيل من النعم التي ينال بالثواب (11/53)
صفحة 2949
العظيم، وأما قوله: (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (هم اليهود والنصارى وسائر أعدائه هكذا وجدنا تفسير المفسرين، أو في معنى تفسيرهم والله أعلم. ونستغفر الله من الخطأ والزلل والذنوب كلها قليلها وكثيرها صغيرها وكبيرها وتم التفسير. (11/54)
صفحة 2950
الباب التاسع
في تفسير التوجيه والتحيات وما أشبه ذلك
سألت بشير عن قول التحيات قال: المجد، قال غيره: وقد قيل معنى التحيات الملك لله، قال الشاعر:
من ... مكل ... ما ... نال ... الفتى
قد ... نلته ... إلا ... التحية
والمباركات قال: الأسماء، والطيبات قال: الأعمال الصالحة، والسلام هو التحية من الله على النبي محمد (، وبركاته، هي البركة، كذلك تبارك اسمك وتعالى جدك، وسبحان الله هو العظيم، والجد هو الحظ، قال غيره: الجد من صفة الله العظمة والجد من صفة الخلق هو الحظ، حنيفا مسلما. قال غيره: نعم قد قيل هذا وقيل حنيفا، حاجا ومسلما، ثم قال مباركا، لأن الله تبارك وتعالى قال: (فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ((آل عمران:95)، أي حاجا، ثم قال: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى ((آل عمران:96)، إلى آخر الآية، قال أبو المؤثر: التسبيح التنزيه، وقيل: التعظيم، قال غيره: نعم قد اختلف في التسبيح، فقيل: هو التنزيه، وقيل: هو التعظيم، قال: وقوله الله أكبر يعني أنه أحق بالتكبير، والمستحق للتكبير ونحو هذا. قال: وأما إن قصد إلى أنه كبير أكبر من خلقه يعني به صورة أو جثة كبيرة فهذا هالك.
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه قال الناسخ: وجدت هذا الفصل في بعض الكتب، فإن سأل سائل: كم في الصلاة من درجة؟ قيل: سبع درجات، (11/55)
صفحة 2951
الإقامة درجة، والتوجيه درجة، والإحرام درجة، والاستعادة درجة، والقراءة في حال القيام درجة، والركوع درجة، والسجود درجة، فإن قال: كم في الصلاة من نية؟ فقل نيات كثيرة، فأما نية الدخول في الصلاة بمعنى العبادة، وأما النية في الإقامة بمعنى أداء الفرض، وأما النية في التوجيه بمعنى المدح لله، والتنزيه له، ونفي الأشباه عنه، وأما النية في تكبيرة الإحرام بمعنى الإخلاص لله، وأما النية في الاستعاذة بمعنى التحرّز والاعتصام من الشيطان الرجيم، وأما النية في القراءة بمعنى الدرس كشخص يرى شخصا أن الله واحد ليس كمثله شيء لا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير، وأما النية في الركوع بمعنى التواضع والخضوع لله، وأما النية في السجود بمعنى التذلل لله، وأما النية في قراءة التحيات بمعنى الثناء على الله، وأما النية في التسليم على اليمين بمعنى السلام على الملكين والانصراف من الصلاة، وأما النية في التسليم على الشمال بمعنى الرحمة للمؤمنين، إن الله يعطي على النية ما يعطي على القول والعمل، تم الفصل الموجود بعون الله اللطيف الودود.
ومن غيره سؤال لم أجد جوابه، ونحن طالبون فيه الأثر إن شاء الله، كم في الصلاة من التائات وكم فيها من معراج؟ وكم فيها من استصحاب؟ (11/56)
صفحة 2952
الباب العاشر
في كيفية تأدية الصلاة، وبيان ما يذكر في تأديتها
من القول والعمل والنية عند القيام للصلاة
عن الشيخ أبي محمد عثمان بن عبد الله -حفظه الله- قال: إذا أراد الإنسان الصلاة صف قديمه، وجعل بينهما مسقط نعل، واستقبل القبلة، وقال: أصلي صلاة كذا الحاضرة الواجبة مستقبلا الكعبة أداء الفرض طاعة لله ولرسوله محمد (، ويكفيه أن يقول هذا بقلبه، ونظر إلى موضع سجوده، ثم قال: الله أكبر الله في نسم واحد، الله أكبر الله أكبر في نسم واحد، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله في نسم واحد، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله في نسم واحد، حي على الصلاة حي على الصلاة في نسم واحد، حي على الفلاح حي على الفلاح في نسم واحد، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة في نسم واحد، الله أكبر الله أكبر في نسم واحد، لا إله إلا الله في نسم واحد، ثم سكت ليتنفس، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وجهت وجهي -بتحريك الياء- للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ثم سكت ليتنفس، ثم قال: الله أكبر بفتح الألف من اسم الله فتحة خفيفة قصيرة مما يعلم أنه قد فتح الألف ولا يطوّل الفتحة بمدة فتنتقض صلاته، وسكّن اللام الأول من اسم الله، وشدد اللام الثاني من اسم الله حتى يطبق اللسان في الحنك، وفي نسخة يطلق لسانه بمدة على هذا اللام الثاني وبمد اللام الثاني من اسم الله، وإن شاء لم يمد، ثم يضم الهاء من اسم الله ضمة قصيرة مشمومة غير ممدودة فإن مدها وزاد (11/57)
صفحة 2953
واوا، انتقضت صلاته لزيادة الواو وفتح الألف من أكبر وسكن الكاف والياء من أكبر بفتحة قصيرة غير ممدودة، وفي نسخة فيما قيل: سكن الراء وبينه فهذه تكبيرة الإحرام على ما حفظنا من آثار المسلمين. وعن عادي بن زيد البهلاني -رحمه الله- أيضا أنه قال: إن الألف من اسم الله غير موصول، وأنه ليس بألف وصل، فإذا كبر على ما وصفت لك سكت سكتة بقدر ما يتنفس، وأن لا يصل التكبيرة بالاستعاذة، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم سكت ليفصل بينهما وبين البسملة، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، فلا سكوت في ذلك حتى يبلغ نستعين، ثم لا سكوت في ذلك حتى يبلغ الضالين، فإذا قال: (ولا الضالين) سكت ولا يصل الضالين بقراءة بعد ذلك، ثم قرأ ما تيسر من القرآن، فإذا فرغ من القرآن سكت، ولا يصل القراءة بالركوع، ثم خر راكعا بتكبيرة، ومبتدأها مذ يطأطئ رأسه إلى قبل أن يعتدل بقليل، فإذا اعتدل قال: سبحان ربي العظيم بتحريك الياء ثلاثا، وتكون يديه على ركبتيه مفرقا بين أصابعه طالق يديه من بدنه ليرى بياض إبطه، وفرق بين ركبتيه قدر عرض كف وسوّى ظهره معتدلا وصوب رأسه إلى القبلة ومد عنقه ولم يرفع رأسه ولم ينكسه، فإذا سبح ثلاثا وأراد أن يقول سمع الله لمن حمده قالها في الانتشاء نفسه، وذلك مكانها ومبتداها منذ يأخذ في الانتشاء للقيام إلى أن يبقى مطأطئا رأسه لما ابتدأ بها عندما يطأطئ رأسه، ثم انقطع فإذا اعتدل قائما ورجع كل عضو إلى مفصله قال: ربنا لك الحمد، فإذا قطعها وهو قائم ثم طأطأ رأسه حينئذٍ للخرور للسجود قال: الله أكبر ومبتداها مذ يطأطئ رأسه إلى أن يبقى بينه وبين سجوده عرض قدر أصبعين، وقيل: إلى وضع رأسه في الأرض، ويخر على أطراف أصابع رجليه مفرقا بين ركبتيه وصارتا إلى الأرض أطلق يديه في الأرض هاويا إلى وضعهما على الأرض ضاما أصابعه الخمس إن قدر، وإلا فليضم الأربع فإذا سجد جعل يديه حذاء أذنيه وبسط أصابعه الخمس إن قدر، وإلا فليضم الأربع فإذا سجد جعل يديه حذاء أذنيه وبسط أصابعه نحو القبلة وأمكن جبهته من الأرض، ولا يعتمد عليها ولكن يعتمد على يديه ويضم طرف أنفه الأرض، وفرق بين مرفقيها وأطلقهما من يديه ليرى بياض إبطه، وأطلق بطنه من فخذيه وتجافى في سجوده مما لو خطف سنور لمرّ من تجافيه في سجوده، فإذا اعتدل في سجوده كما وصفت لك قال: سبحان ربي الأعلى (11/58)
صفحة 2954
بتحريك الياء، وإن شاء لم يحرك الياء في التوجيه والركوع والسجود، فإذا سبح ثلاثا وقد سجد على الأعضاء السبعة وهي اليدان والركبتان والقدمان والجبهة، وينصب قدميه في سجوده، ويفرق بينهما قدر مسقط نعل، ويشم أطراف أصابع رجليه الأرض ولا يرفع قدميه فتنقض صلاته، وفي رفع قدمه الواحدة اختلاف، ولا يرفع ركبتيه في سجوده فتنتقض صلاته، وفي رفع قدمه الواحدة اختلاف، ولا يرفع ركبتيه في سجوده فتنتقض صلاته، ولا يفرض ظاهر قدميه على الأرض في سجوده، ومن لم يسجد على الأعضاء السبعة انتقضت صلاته، ومن لم ينل طرف أنفه الأرض يكره له، فإذا قال: سبحان ربي العلى كما وصفت لك يرفع رأسه بتكبيرة وقعد، فإذا قعد قطعها فإذا رجع كل عضو إلى مفصله ولم يبق شيء يتحرك من بدنه في قعوده، قال حينئذ: الله أكبر أخذ في الثانية، ومبتداها مذ كونه قاعدا إلى وضع جبهته على الأرض للسجود، وقيل: تمكين القعود هاهنا بين السجدتين فريضة، فإذا سجد الثانية رفع رأسه بتكبيرة، ومبتداها منذ يطلق رأسه من الأرض إلى أن قبل أن يعتدل في قيامه بما يكون مطأطئا، كأخذه في التكبير إذا أراد السجود من بعد فراغه من قراءته في حد قيامه، فإذا انتشا من السجود قائما إلى صلاته جعل يديه على ركبتيه. ونهض قائما على أطراف أصابع رجليه من قبل أن يستوي قائما، وثبّت قديمه جميعا على الأرض ولا يستقل قائما إلا بعد أن يرسخ جميع قدميه لئلا ينشى من أصابعه الأرض على أطراف أصابعه إلى أن يستقل، ولا يزداد في قيامه فوق ما خلقه الله تعالى عليه، فإن فعل ذلك انتقضت صلاته، فإذا استقبل قائما كما وصفت لك سكت حتى يتنفس ويرجع كل عضو إلى مفصله، فإذا رجع كل عظم عضو إلى مفصله ولم يبق يتحرك بدنه من اعتداله قال حينئذ: بسم الله الرحمن الرحيم أخذ القراءة في الركعة الثانية، فإذا سجد للركعة الثانية كما وصفت لك وجلس لقراءة التحيات يجلس على وركه الأيسر وجعل ظهر ظاهر قدمه الأيسر مما يلي الأرض، وبطنه ظاهرا مما يلي السماء، وظاهر قدمه الأيمن فوق أخمص قدمه الأيسر، وجعل ظاهر أصابع قدمه الأيمن مما يلي الأرض وباطنها ظاهر إلى السماء، وجعل بين ركبتيه أقل من فتر أو عرض كف مفرقا بينهما وجعل ركبتيه على الأرض جميعا، وجعل أصابع يديه جميعا على فخذيه مما قصد ركبتيه، وفرق بين أصابعه على ركبتيه كالقابض على ركبتيه، وإن شاء جعلهما فوق فخذيه، وضم أصابعه وجلس متمكنا لا يرفع يديه ولا عينيه، بل يجلس الجلسة التي خلقه الله عليها وجعل نظره (11/59)
صفحة 2955
ما بين ركبتيه وسجوده أو بين ركبتيه، فإذا جلس متمكنا كما وصفت لك قال: التحيات المباركات لله والصلوات والطيبات السلام على النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فإذا أراد أن ينهض قائما لتمام باقي صلاته لا يطلق يديه من فخذيه أو ركبتيه، ولكنه ينهض قائما إن أطاق، وإلا أطلق يديه من ركبتيه وجعلهما على الأرض وضم أصابع يديه ثم ركز قوائمه وصف ركبتيه وفرق أصابعه ونهض قائما على أطراف أصابع رجليه كما وصفت لك أول مرة، فإذا أراد أن يكبر فلا يكبر حتى يطلق يديه من الأرض ويجعلهما على ركبتيه ويصير في نصف القيام، وقد أطلق ركبتيه من الأرض، فإذا أطلق ركبتيه من الأرض ناهضا قال حينئذ: الله أكبر، فهذا مبتداها وآخرها ما قد بينت لك ذلك، فإذا ركع الرابعة وجلس لقراءة التحيات فإذا وصل إلى عبده ورسوله (قال: أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ثم سلم، وإن شاء قرأ الدعاء وما تيسر من دعاء القرآن وتحاميده ودعا لأمر آخرته، ولا يذكر أمر دنياه في صلاته، ثم يسلم وإذا أراد التسليم صفح بوجهه يمينا وشمالا، ولا يحرك جسده يميله يمينا وشمالا مع رأسه حيث مال يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه ويصفح بوجهه حتى يكاد ذقنه فوق منكبه، وينظر ما خلفه، وإن لم يفعل ذلك فمهما صفح بوجهه ولو قل ذلك وسلم كفى ذلك، والمأمور به ما وصفت لك، فإذا أراد التسليم قال سلام عليكم ورحمة الله في نسم واحد يمينا وشمالا، ولكن لا يبادر، ولا يقول سلام عليكم يمينا ثم يقطع نسمه، ثم يقطع ورحمة الله شمالا، فإذا قطع التسليم في نسمين لم تفسد صلاته، ولا يقول السلام عليكم بألف ولام، وإن قال ذلك فلا بأس، ونحن نستحب ما وصفت لك. (11/60)
صفحة 2956
الباب الحادي عشر
في الوقوف في الصلاة والقرآن عند التلاوة
من غير كتاب بيان الشرع، والإضافة إليه قال: الوقوف في أربعة مواضع؛ قبل تكبيرة الإحرام وبعدها، وقبل الاستعاذة وبعدها، وفي أوسط فاتحة الكتاب عند قوله نستعين، وبعد قراءة الحمد، وقال الشيخ محمد بن سليمان العيني: وسألته أين مواضع الوقوف في الصلاة؟ فقال: بعد تكبيرة الإحرام بعد قراءة الحمد وبعد قراءة السورة، وبعد فراغه من قوله ربنا لك الحمد، وكان النبي (يقف في هذه المواضع حتى يظن أنها قد سها، وبين السجدتين وقف، وقبل التحيات وقف، وبعدها، وعند القراءة إذا قام من السجود، ففي هذه المواضع وقوف كلها، وحسن قوله، وقيل: قدر الوقفة تسبيحة أو ثلاثا، ذكر الوقوف في القرآن، اعلم أن الوقوف على ثلاثة أوجه، وقف تام ووقف حسن، ووقف ليس بتام، ووقف قبيح ليس بحسن ولا تام، فالوقف التام هو الذي يحسن الوقوف عليه، والابتداء بما بعده، ولا يكون بعده بما يتعلق به، لقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (، فهذا وقف تام؛ لأنه يحسن أن يقف على (الْمُفْلِحُونَ (، ويحسن الابتداء بما بعده، والوقف الحسن وليس بتام كقوله تعالى: (الْحَمْدُ للّهِ (، الوقف على هذا حسن؛ لأنك إذا قلت الحمد لله عقل عليك ما أردت، وليس بتام، وإذا ابتدأت برب العالمين قُبح الابتداء بالمخفوض، وكذلك الوقف على اسم الله، فإذا قلت: بسم الله فحسن، ليس بتام؛ لأنك تبتدئ بالرحمن الرحيم بالخفض، والوقف القبيح الذي ليس بتام، ولا حسن فقوله (11/61)
صفحة 2957
تعالى: بسم فالوقف على بسم قبيح؛ لأنه لا يعلم إلى أي شيء أضفته، وكذلك الوقف على مالك والابتداء بيوم الدين قبيح فيقاس على هذا كل ما يريد مما يشأ كله إن شاء الله. انقضى. ومن غيره؛ ومن الكتاب الحميد. (11/62)
صفحة 2958
الباب الثاني عشر
الإقامة
وعن رجل أقام الصلاة ثم تكلم من بعد ذلك بكلمة ليسها من أمر الصلاة فصلوا ولم يبدلوا الإقامة، فلما صلوا خافوا أن تفسد صلاتهم، هل يبلغ بهم ذلك إلى نقض؟ قال: لا أقدم على نقض صلاتهم.
مسألة: وسمعته يقول: روي عن النبي (أنه قال: «أول الصلاة رضوان الله وأوسطها رحمة الله وآخرها عفو الله»، ووجدت في كتاب الضياء هذه الأبيات:
أوائل ... أوقات ... الصلاة ... قريب
فأولها ... رضوان ... ربي ... ورحمة
بأوسطها إن الصلاة نصيب
فحذرك لا تعطف عليك ذنوب
ومن حاشية الكتاب؛ وقال محمد بن مداد في هذا المعنى شعرا:
أوائل ... أوقات ... الصلاة ... هدية
وأوسطها ... من ... ذي ... المعارج ... رحمة
ولن تدرك الأولى بنعما تولت (11/63)
صفحة 2959
عفو غفور إن ذنوب تعدت
توالت على ترك الصلاة وحلت
فحذرك من فعل اللتيا والتي
لأوقاتها فهي التي وهي التي
مكان طواغيت الضلال وضلت
إلى الله قد حلت مكانا وجلت
ودلت على الخيرات كلا ودلت
وآخرها عفو وإبلاغ رتبة
هي العروة الوثقى فخذها بأهبة
ينال بها خيرا بدار المقامة
تنل ما ترجى من سرور ورحمة
رجع إلى الكتاب، مسألة: وذكر سعيد بن محرز عن موسى بن علي عن أبيه عن جده: إن أبا عبيدة أقام الصلاة، فقال له أصحابه إنك لم تقل قد قامت الصلاة، فقال: قد قامت الصلاة ولم يعد الإقامة.
مسألة: من كتاب الأصغر محمد عن أبيه: أن رجلا أقام لصلاة الظهر قبل أن (11/64)
صفحة 2960
تزول الشمس، وصلى بعد زوالها، فإن كان كبر تكبيرة الإحرام بعد الزوال فقد جازت صلاته.
مسألة: من كتاب ابن جعفر؛ والإقامة مثنى مثنى، ويستحب الجزم في الإقامة؛ وقيل: إن أول من أفرد الإقامة معاوية لأنه كان بطيئا يطول عليه القعود على المنبر.
مسألة: ومنه؛ ومن نسي شيئا من الإقامة حتى صلى فلا نقض عليه، ومن ذكر ما نسي منها قبل أن يصلي أعاد وحده، ومن تكلم في الإقامة فأحب إلى أن يعيدها، وإن صلى فلا نقض عليه، وقال من قال من أهل الرأي: من جاء إلى الصلاة والإمام قد سلم ولم تنتقض الصفوف؛ اكتفى بإقامتهم تلك، وقال من قال: ما لم يدخل في صلاتهم فيقيم هو لصلاته وذلك أحب إلي، ومن غيره؛ وفي بعض ما قيل تجزيه إقامتهم ما لم يخرجوا من المسجد.
مسألة: وقيل عن بعض أهل الفقه: إن من ترك الإقامة متعمداً وصلى فلا نقض عليه، وقال من قال: عليه بدل تلك الصلاة، وهذا الرأي أحب إلي، وفي نسخة قال أبو عبد الله: لا نقض عليه، وأما إن نسي الإقامة كلها حتى أحرم للصلاة ودخل فيها فلا نقض عليه، وفي نسخة قال أبو المؤثر: إذا كان في الصلاة فعليه النقض، ومن غيره؛ قال المضيف: وفي -كتاب الضياء- قال أبو مروان: إن من نسي الإقامة فإن ذكر قبل أن يحرم فليقم، وإن ذكر بعد أن يحرم فليمض على صلاته ولا نقض عليه، رجع إلى -كتاب بيان الشرع- ومن غيره.
مسألة: وعن أبي الحواري، وعن المؤذن يقيم للصلاة على ظهر المسجد أو في رأس المنارة أيجوز لمن صلى بإقامته في المسجد فقد أجازوا ذلك.
مسألة: وسئل أبو سعيد عن الإقامة فريضة أم سنة؟ أنه قد قيل: فريضة، وقيل: سنة، قلت له: فالذي يقول بفرضها أين ثبت فرضها بكتاب الله؟ قال: معي إنه في قوله عز وجل: (وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا ((المجادلة:11)، فقالوا: النشوز هو فرض الإقامة. قلت له: فالتوجيه فريضة أم سنة؟ قال: معي؛ أنه قد قيل فريضة؛ وقيل: سنة، قلت: فالذي يقول إنه فريضة أين يثبت فرضه من كتاب (11/65)
صفحة 2961
الله عز وجل؟ قال: معي قوله تبارك وتعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ((الطور:48).
مسألة: من الزيادة المضافة فيما أحسب، ومن غير كتاب محمد بن إبراهيم، وإذا أراد المؤذن أن يقيم للصلاة ويعتقد الإقامة لصلاته فإنه ينوي أن يقيم لصلاة الجماعة التي قد اعتقد أن يصلي بها ما كانت من الصلوات، قلت: فإن كان رجل يغلبه الشك في صلاته والنقض هل عليه كلما نقض أن يقيم؟ قال: لا، قلت: هل عليه أن يوجه فوقف.
قال غيره: وقد قيل: إن عليه أن يقيم إذا عناه الشك في صلاته، وقد قيل: إن شك في صلاته فرجع إلى نقضها من بعد أن يجاوز تكبيرة الإحرام أو يدخل في الصلاة فإنه يرجع إلى الإقامة والتوجيه، وقال من قال: حتى يجاوز إلى الركوع، ثم يرجع إلى الإقامة والتوجيه فإن رجع إلى النقض بعد ذلك حتى يتعمد ذلك، وقال من قال: يرجع إلى التوجيه ولا يرجع إلى الإقامة، لأنه موقف واحد، وقال من قال: يرجع إلى الإحرام فإنه قد أقام ووجه، وهذا ما لم يفرغ من الصلاة، فإن جرت عليه أحكام فراغ تلك الصلاة ثم لزمه إعادتها لسبب، فعليه الإعادة والتوجيه، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وإنما الاختلاف ما دام لم يمهل تلك الصلاة.
من منثورة أبي محمد؛ وسألته عمن يقيم الصلاة في آخر المسجد، ويمشي إلى موضع هل له ذلك؟ قال: في قول محمد بن محبوب يأمره بالإعادة، قال: وفي قول أبي معاوية لا بأس.
مسألة: من -كتاب الضياء- وقيل: إن أبواب السماء تفتح عند إقامة الصلاة ويرجى إجابة الدعاء، وعن أبي علي قال: ما أقيمت الصلاة قط إلا قالت الملائكة عليهم السلام: قوموا يا بني آدم إلى ناركم التي أوقدتموها على أنفسكم فأطفئوها بصلاتكم، وقوله تعالى: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ((المائدة:58)، قيل: كان منادي رسول الله (إذا نادى بالصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود والنصارى والمنافقون: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم ركعا سجدا استهزأوا بهم وضحكوا منهم، وكان رجل تأخر بعد أن سمع الأذان، قال: أحرق الله هذا (11/66)
صفحة 2962
الكاذب، قيل: فدخل غلامه بنار فوقعت شرارة منها في البيت فالتهب واحترق اليهودي بالنار.
رجع إلى كتاب بيان الشرع: ومن كتاب الأشراف قال أبو بكر: كان أنس بن مالك إذا قيل قد قامت الصلاة وثب وقام إلى الصلاة، وكان عمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب القرضي وسالم بن عبد الله وأبو حنيفة وأبو قلابة وعزان بن مالك والزهري وسليمان بن حبيب والبخاري، كانوا يقومون إلى الصلاة في أول بدء الإقامة، وبه قال عطاء بن أبي رباح، وهو مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إذا كان الإمام في المسجد، وكان مالك لا يوقت فيه وقتا، وقال النعمان ومحمد: يجب أن يقوموا إلى الصف إذا قال المؤذن حي على الفلاح فإذا قال قد قامت الصلاة كبر الإمام، وإذا لم يكن الإمام معهم كرهنا أن يقوموا في الصف والإمام غائب عنهم، وقال يعقوب: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني هذا كله حجر ولا حتم والمسارعة إلى القيام إلى الصلاة من الفضل، إلا أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن المأموم يقوم إلى الصلاة إذا قال المقيم حي على الصلاة، لأنه قد حث عليها، وفي بعض قولهم أنه يقوم إذا قال: قد قامت الصلاة وإذا وافى القيام إلى الصلاة، أن يوجه قبل تكبيرة تحريم الإمام حتى يحرم مع تحريم الإمام، ولا يفوته من صلاة الإمام شيء، وقد حاز الفضل، ولم يفته من الصلاة من فضلها شيء، ولا يضره سبقه قبل ذلك، بل إذا أراد المسارعة إلى الفضل، كان له فضل مثل ذلك.
مسألة: من الزيادة المضافة، أحسب من -كتاب الضياء- وقال أبو صفرة: إنه حفظ عن أبي سفيان أن من تكلم في الإقامة أنه يعيدها، وإذا أخذ المؤذن في الإقامة، ثم مر عليه رجل فسلم عليه، فرد عليه السلام، فإنه ينهى عن ذلك، ومن فعله لا تنتقض إقامته.
مسألة: وإذا أقام إمام الصلاة بالناس، ثم أقبل عليهم فقال: استووا رحمكم الله، ووراءه من لا يتولاه، فإن كان ممن لا يتولاه انصرفت الرحمة إليهم، ولا تنصرف الرحمة إلا إلى أن من يعرفه، وترجع عن من لا يعرفه.
مسألة: وإذا حضرت مسجدا فأقام الصلاة من في نفسك منه حرج، فإذا (11/67)
صفحة 2963
أقمت أنت الصلاة بينك وبين نفسك فجائز ذلك.
مسألة: ومن -كتاب الضياء- في حديث عمر أنه قال لمؤذن بين المقدس: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاجذم، قال الأصمعي: الجذم في الإقامة قطع التطويل، والإجذام في المشي إنما هو الإسراع، والجذم هو القطع، ومنه قيل لمقطوع اليد أجذم. قال المتلمس:
وهل ... كنت ... إلا ... مثل ... قاطع ... كفه
بكف ... له ... أخرى ... فأصبح ... أجذما
الحجة على أن الجذم في الإقامة ترك المد لا ترك الإعراب قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «يؤذن لكم أفصحكم»، مع ثبوت الأذان عنه جذما، والفصاحة لا تكون إلا بالإعراب، فلذلك علمنا أنه يريد ترك المد لا ترك الإعراب، والله أعلم.
رجع إلى كتاب بيان الشرع: حفظ أبو زياد عمن حفظ له عن أبي هاشم الخراساني أن من نسي الإقامة في الصلاة حتى صلى أعاد صلاته، وإن نسيها وهو في الحضر حتى صلى لم يعد، قال أبو المؤثر: احفظ هذه المسألة عن محمد بن محبوب -رحمه الله-.
مسألة: وقيل: من أنصت إلى استماع الإقامة من المؤذن وصلى بها في منزله أجزأه، ويكره الكلام بعد الإقامة، إلا بذكر الله، ومن تكلم فلا فساد عليه. قال المضيف: ومختلف في ذلك، قال قوم: يعيدها، وقال قوم: لا يعيدها إذا تكلم بعدها في أمر الصلاة، وغير أمر الصلاة وهذا القول أكثر.
رجع إلى -كتاب بيان الشرع- ويقيم المقيم مستقبل الكعبة، فإذا أدبر القبلة فلا نقض في ذلك، ولا ينبغي له إلا من عذر، ولا نقض على من صلى بإقامة المقيم، وهو على غير وضوء، وفي نسخة يعني المقيم للصلاة، ومن أقيمت الصلاة وهو قائم فيؤمر أن يكون قائما حتى يدخل في الصلاة، وإن قعد فلا بأس، وإذا قال المقيم: قد قامت الصلاة والإمام حاضر، فليقم الناس وليصفوا، وإن كان الإمام غير محاضر في نسخة حاضرا، فلا يقوموا حتى يقوم الإمام. ومن غيره وفي قوله (11/68)
صفحة 2964
تبارك وتعالى: (وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا (قال: القيام في الصلاة، ومن هاهنا قيل: إن الإقامة في الصلاة فريضة.
مسألة: وسألته عن رجل يؤم في مسجد أيجوز له أن يقيم الصلاة وإنسان يصلي خلفه؟ قال: قد رأيت أبا يعقوب السمني يفعل ذلك، ومن -كتاب ابن جعفر- وليس على المرأة إقامة وتؤمر أن تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، ثم توجه للصلاة قال غيره: وقد قيل بعد هذا: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.
مسألة: وعن أبي الحواري، وعن رجل دخل المسجد، وقد أخذ المؤذن الإقامة، فقد كره بعض الفقهاء لمن دخل المسجد والمقيم يقيم أن يقعد، ويكون قائما إلى أن يأخذ في الصلاة.
مسألة: عن أبي الحواري، وعن المقيم إذا أقام الصلاة، ثم حول وجهه إلى المشرق لمعنى أو لغير معنى هل عليه إعادة الإقامة؟ فليس عليه إعادة الإقامة إلا أن يتكلم بكلام في غير معنى الصلاة، فقد قال من قال: إن عليه إعادة الإقامة للصلاة وإن صلوا ولم يعد الإقامة فقد قيل: إن صلاتهم تامة، كان المقيم الإمام أو غير الإمام. قال أبو سعيد: معي إن هذا يخرج معناه فيما يكون من الكلام في غير معاني الصلاة أو ذكر الله، وإنما ذلك في كلام المقيم لا غيره منهم. (11/69)
صفحة 2965
الباب الثالث عشر
في لفظ التوجيه
ومن جامع أبي محمد روي عن النبي (من طريق عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب وعائشة أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك»، واختار أصحابنا أن يضموا إلى هذا التوجيه توجيه إبراهيم عليه السلام: (اللهم وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين)، ولعلهم اقتدوا في ذلك ببعض الصحابة والتابعين.
مسألة: ومن غير الكتاب؛ ومن -كتاب محمد بن جعفر- وأول الصلاة بعد الإقامة التوجيه وتوجيه النبي (هو التوجيه الأول إلى ولا إله غيرك، وقيل: من تركه متعمدا فعليه النقض، والباقي توجيه إبراهيم صلى الله عليه، ولا نقض على من تركه، والمأمور به أن يوجه به كله، فإن نسي التوجيه جميعا حتى دخل في الصلاة فلا نقض عليه، ولا يرجع إليه. وقال بضع أهل العلم: لو ترك التوجيه كله متعمدا فلا نقض عليه، والرأي الأول أحب إلي أن النقض على من ترك التوجيه كله متعمدا، ولا نقض عليه في النسيان، وبلغنا عن الأزهر بن علي أنه قال للإمام بشير: إنه قال: إذا جيت وخفت أن يسبقني الإمام بالصلاة قلت: سبحان الله وبحمده، ثم أحرمت لقول الله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ((الطور:48)، وقيل: من خاف الفوت في الجماعة بدأ بالتوجيه إذا دخل المسجد، وقال من قال: إذا عرف مكانه من الصف، قال المضيف: وفي -كتاب الضياء- قال هاشم: سمعنا أنه إذا (11/71)
صفحة 2966
جاء من المشرق ودخل المسجد فليوجه إذا خاف السبق، وهو مستقبل القبلة، وإذا جاء من ناحية لا يستقبل القبلة، فليصرف وجهه ناحية القبلة وليوجه، فقال مسبح: اكتبوا ما قال الشيخ، فكتبناه.
رجع: ومن غيره قلت: فإن سبقه على ذلك المقام الذي أراده رجل وقام هو في غيره، قال: لا بأس عليه إن شاء الله إن كان وجهه إلى القبلة.
رجع: والتوجيه؛ هو سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى وجدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين.
ومن غيره؛ حفظنا عن أبي سعيد -رحمه الله- أنه قال: يوجد في آثار أصحابنا القديمة أنه كان بعضهم يقول: جل ثناؤك، قال: ففزع أهل الزمان إلى ترك هذا الحرق بغير، بلا نظر إلا ما في الأثر، ولعل ذلك من قلة البصر، واللفظ يختلف، فأرجو أن هذا المعنى، ومن غيره وقلت: وما معنى جل ثناؤك؟ فالمعنى قوله في ذلك: إنه جل وعلا عن جميع الأشياء بقدرته وعظمته وملكه وسلطانه، وذلك الثناء عليه بذلك جل عن جميع الأشياء، وعلى جميع خلقه، قلت: وكذلك قوله تعالى: (جَدُّ رَبِّنَا (قد قيل: الجد هاهنا العظمة، ومن غيره، بعض يقلو في التوجيه: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك.
مسألة: من الزيادة المضافة فيما أحسب من جواب أبي إبراهيم إلى الحواري بن عثمان، وذكرت -رحمك الله- في جواز أحد القولين في جوابي إلى محمد بن كبش في الذي قال: وجهت وجهي ونسي فاعلم -رحمك الله- أني ذهبت فيها إلى قول إبراهيم عليه السلام، وكانت مسألة وقعت في أيام الأشياخ في امرأة قالت: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفة لأنها امرأة فأنكر عليها ذلك من أنكره، وقال: إنما سمعنا في هذا قول الله ولا تحمل أمر الصلاة على ما يجوز من لغات الناس. قال غيره: ومعي أنه يخرج في بعض ما قيل: لا إعادة عليه إذا قال وجهت ونسي، ولا يرجع يقول ذلك بعد الإحرام ويوجه هذا التوجيه قبل الإحرام. انقضت الزيادة المضافة. (11/72)
صفحة 2967
الباب الرابع عشر
في التوجيه من الزيادة المضافة
وعن عزان بن الصقر من وجه ثم تكلم ثم أحرم وصلى فلا بأس عليه. قال المضيف: فيما أحسب وهذا على قول من قال: إن من رأى نقض الصلاة بترك ما قبل الإحرام محتاج إلى دليل. لقول النبي (: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، فلعله يذهب إلى أن الكلام قبل الإحرام لا يفسدها والله أعلم.
مسألة: ومن إذا أقيمت الصلاة فأمسك عن التوجيه ساعة فلا تفسد صلاته بذلك ولا يؤمر، وإن قعد ساعة وكان يعرف الساعات أو تطاول في سكوته واقفا فلم يكن في الصلاة فأحب إعادة الإقامة والتوجيه إن لم يكن صلى.
مسألة: وعن أبي إبراهيم: إن قالت المرأة في التوجيه: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفة فقد قال من قال: إنه جائز ذلك. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (11/73)
صفحة 2968
الباب الخامس عشر
في تكبيرة الإحرام
مسألة: وسئل عمن كان يحرم قبل التوجيه جاهلا، هل عليه بدل؟ قال: عندي أنه يختلف في ذلك. فقد قيل: عليه البدل، وقيل: لا بدل عليه، لأن بعضا ينزل الجاهل منزلة النسيان، والخطأ في جميع أخطائه في الصلاة، وهذا لو نسي حتى أحرم قبل التوجيه لم يكن عليه، وأما الذي يرى ذلك، ثم رجع إلى رأي المسلمين وتاب فلا أعلم اختلافا، إلا أنه لا يلزمه البدل.
مسألة: ومن جامع أبي محمد، وافتتاح الصلاة بالتكبير؛ والتكبير هو ما نقلته الأمة عن النبي محمد (عملا وقولا، وهو أنه كان إذا افتح الصلاة قال: الله أكبر وليس لأحد عندي أن يخالف هذا النص، وقد وجدت محمد بن جعفر يذكر في الجامع؛ أن من افتتح الصلاة بغير التكبير مثل قوله: الله أعظم، والله أجل أنه يجزيه، ويقوم مقام قوله: الله أكبر، وهذا عندي خلاف النص، والله أعلم. ما وجه قوله: فهو قريب من قول أبي حنيفة لأن أبا حنيفة أجاز للداخل في الصلاة أن يفتتح بغير التكبير، مما هو تعظيم لله واحتج بأن التكبير تعظيم لله وكل من دخل في الصلاة بما هو تعظيم لله فصلاته جائزة بذلك عنده، وأما الشافعي فقال: لا يجوز افتتاح الصلاة إلا بالتكبير وحده، وخالف من وجه آخر حيث قال: فإن قال المصلي: الله الأكبر مكان الله أكبر فصلاته جائزة، قال: لأنه أتى بالتكبير المنصوص وزاد ألفا ولاما فقيل ولو قال المصلي الله أكبر. قال: لا يجوز، قيل له: فقد زاد هذا لاما وياء، وأتى بالتكبير المنصوص فقال: لا يجوز؛ لأن الكبير يحتمل أن (11/75)
صفحة 2969
كبيرا وغيره أكبر منه، فلذلك لم أجوزه، وهذا غلط منه إذ عدل عن الصواب بعد أن اعتقده، فلم يوافق، وقد قال الله جل ذكره: (الكَبيرُ المتَعال (فلو كان في ذكر الكبير لعله قصور في غاية التعظيم له لم يسم نفسه بذلك، وقد اتفقنا على أن النبي (كان إذا افتتح الصلاة قال: الله أكبر، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فقال أحدهما: هذا يتوجه إلى المرئي دون المسموع، وقال الآخر: هذا يتوجه إلى المرئي والمسموع، لأن القرب يجري عليه اسم المرئي، والمسموع بقول القائل، إني رأيت الله بقول كذا وكذا، أو سمعت الله أوجب ذلك، فلا فرق عندهم بينهما في حكم المسموع عند المسموع، وقد خالفنا عند المرئي والمسموع وبالله التوفيق.
مسألة: وعن المصلي إذا أخذ في تكبيرة الإحرام وهو مبتسم يضحك ترك الضحك قال غيره: الذي أقول به، أنه أراد أخذ في تكبيرة الإحرام وهو باسم يضحك، فقبل أن يتم الإحرام ترك الضحك وصلى على ذلك، ولم يعد التكبير فمعي، أنه لا تتم صلاته إلا بتكبيرة الإحرام ولا تتم التكبيرة إلا بتمامها.
مسألة: من الزيادة المضافة فيما أحسب من الأثر، وقال عبد الرحمن بن المسبح: إنه يحفظ عن محبوب يرفعه إلى أبي عبيدة عمن كبر، ثم وجه أنه لا نقض عليه، قال غيره: عمل أصحابنا اليوم على غير ذلك، فإنما كتبته ليعرف هو عمن هو، فيوجد في بعض الآثار منها.
مسألة: -من كتاب الأشياخ- عن الإمام إذا كبر تكبيرة الإحرام فطول وكبر رجل خلفه ففرغ قبل الإمام فلا بأس، ومن سبق الإمام بتكبيرة الإحرام انتقضت صلاته. رجع إلى كتاب بيان الشرع. (11/76)
صفحة 2970
الباب السادس عشر
في تكبيرة الإحرام
من -كتاب الأشراف- ذكر التكبير لافتتاح الصلاة؛ ثبت أن رسول الله (قال لرجل: «إذا أقمت الصلاة فكبر» وجاءت الأخبار من وجوه شتى عن نبي الله (أنه افتتح الصلاة بالتكبير، وأجمع أهل العلم على أن من أحرم للصلاة بالتكبير، أنه عاقد لها داخل فيها، واختلفوا في وجوب ذلك فكان عبد الله بن مسعود وطاووس وأيوب ومالك وسفيان الثوري والشافعي وأبو ثور وإسحاق بن هارون يرون أن التكبير افتتاح الصلاة، وهذا على قول عوام أهل العلم في القديم والحديث، لا يختلفون أن السنة تفتتح الصلاة بالتكبير، وكان الحكم يقول: إذا ذكر الله مكان التكبير يجزيه، وحكى يعقوب عن النعمان أنه قال: في الرجل يفتتح بلا إله إلا الله، قال: يجزئه إذا كان يحسن التكبير، وإن قال: اللهم اغفر لي لم يجزه، وبه قال محمد، وقال يعقوب: لا يجزئه إذا كان يحسن التكبير، وقد روي عن الزهري قولا ثالثا أنه سئل عن رجل افتتح الصلاة بالنية، ورفع يديه وقال: يجزئه، قال أبو بكر: ولا أعلمهم يختلفون أن من أحسن القراءة فهلل وكبر ولم يقرأ، أن صلاته فاسدة، فمن كان هذا مذهبه قال: لازم له أن يقول لا يجزئه مكان التكبير غيره، كما لا يجزي مكان القراءة غيرها، ثبت أن رسول الله (يقول: واختلفوا فيمن يفتتح الصلاة بالفارسية، فكان الشافعي وأصحابه ويعقوب ومحمد يقولون: لا يجزي أن يكبر بالفارسية إذا أحسن العربية، قال النعمان: إن افتتح الصلاة بالفارسية وقرأها وهو يحسن العربية أن يجزئه، قال أبو بكر: لا يجزئه ذلك لأنه خلاف ما أمر الله به، وخلاف ما علّم به النبي (أمته، وخلاف ما قال (11/77)
صفحة 2971
جماعات المسلمين، ولا نعلم أن أحدا وافقه على ما قاله، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا: أنه لا يجوز افتتاح الصلاة للإحرام إلا بالتكبير، ولا يجوز بغير ذلك من ذلك الله، ويخرج عندهم أن ذلك فريضة محكمة وسنة ثابتة لا يجوز خلافها، ولا اختلاف فيها إذا قدر عليها، إن أحسنها أن يقولها، وأما إذا لم يقدر على ذلك فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وبعد التكبير إذا لم يقدر على ذلك المصلي لمعنى، فمعي أنه يخرج أشبه المعنى بالتكبير من ذلك الله التهليل وإن لم يحسن التهليل والتكبير، فمثل قوله: الله أجل والله أعظم، وأشباه ذلك مما عندي أنه قيل: يقوم مقام التكبير إذا أعدم معرفة التكبير، أو لم يطق لمعنى، ومعي أنه يخرج في بعض قولهم: إنه لا يجوز ذلك إلا بالعربية إذا أحسن ذلك وإطاقة القائل له، لأنها السنة والفريضة وبذلك أرسل الله (بلسان عربي، فجميع شريعته تخرج على العربية، إلا لمن لم يطق ذلك فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ومعي؛ أنه بعد أن لا يطيق التكبير بالعربية فتكبيرة بالفارسية أشبه عندي عن إحالة التكبير إلى غيره من الذكر لله بالعربية إلا القرآن فإنه لا يجوز إلا بالعربية وعليه تعليم ذلك والاجتهاد فيه وكذلك جميع الشريعة من اللوازم في الصلاة، ومنه؛ واختلفوا في الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح فقالت طائفة: عليه الإعادة هذا قول النخعي وإبراهيم وربيعة بن عبد الرحمن ومالك وسفيان الثوري، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، واختلف عن حماد بن أبي سليمان، فحكي عنه أنه قال: لا يجزئه، وحكي عنه أنه قال: يجزئ به تكبيرة الركوع، وقالت طائفة: يجزئه الركوع، هذا قول سعيد بن المسيب والحسن البصري وقتادة والحكم والأوزاعي، قال أبو بكر: القول الأول صحيح. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى القول الأول بمعنى ما يشبه معنى الاتفاق من قولهم أنه لا يجزئ ترك تكبيرة الإحرام على عمد ولا نسيان، ومنه؛ واختلفوا في الرجل يدرك القوم ركوعا فكبر تكبيرة واحدة فقالت طائفة: يجزئه، وروينا عن ابن عمر وزيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران والحكم وسفيان الثوري، وقالت طائفة: لا يجزئه إلا تكبيرة من تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع، هذا قول حماد بن أبي سليمان، وقال عمر بن عبد العزيز: يكبر تكبيرتين، وبه قال الشافعي؛ (11/78)
صفحة 2972
أن يكبر تكبيرة ينوي بها الافتتاح يجزئه عنده، وبه قال إسحاق. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إن كبر تكبيرة على معنى النسيان لم يرد بها الإحرام ولا الركوع معنى الاختلاف فعلى قول من يقول إن الإحرام يثبت لتقدم النية، وقول من يقول: إنه لا يفسد ترك تكبيرة من تكبير الصلاة على النسيان، فإنه يجزئه وتتم الصلاة لأنه قد وقعت تكبيرة الإحرام، إذا لم يصرف النية، أو ينوي غيرها، ولا يفسد ترك تكبيرة الركوع ففي بعض القول: أنه لا يجزئ إلا بالبينة على معنى ما مضى، ويعجبني القول الأول عند النسيان، وإن كان على غير النسيان ولم يقصد إلى تكبيرة الإحرام وهو ذاكر لذلك؛ فعندي أنه يبطل ذلك من صلاته، ويخرج عندي هذا على غير النية، ولو ثبت له على النسيان تكبيرة الإحرام على ترك تكبيرة الركوع على العمد؛ أن صلاته فاسدة، فإن هو كبر هذه التكبيرة يريد بها الإحرام وركع بها، فعندي أن صلاته تامة في معنى قولهم إلا على قول من يقول: إذا ترك تكبيرة من تكبير الصلاة ناسيا أو متعمدا فسدت صلاته، وإن كبرها يريد بها الركوع والإحرام كان في معنى قولهم مستحيلا، ولا يثبت له هذا ولا هذا، وإن أراد بها تكبيرة الركوع كانت صلاته عندي فاسدة في قول أصحابنا: لا تقوم الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، ومن غيره من -كتاب بن جعفر- وعن النبي (أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، يعني إذا كبر فقد دخل في الصلاة، والتسليم إذن للناس أي قد انصرفت، وتكبيرة الإحرام، فمن تركها ناسيا أو متعمدا فصلاته فاسدة، وإن كبرها قبل الإمام فصلاته فاسدة، وقيل: من كان خلف الإمام ولم يسمع إذا كبر فلا يكبر تكبيرة الإحرام حتى يركع الإمام، ومن غيره، قال أبو عبد الله: من لم يسمع من الإمام تكبيرة الإحرام يجزئ بالناس الأصم، والأعجم، يعني تحرّا إذا سمع من خلف الإمام كبروا تكبيرة الإحرام، أو عرف ذلك ممن خلف الإمام كبر هو تكبيرة الإحرام، ومن -كتاب الضياء- المنسوب إلى أبي المنذر سلمة بن مسلم قال أبو محمد الأصم: الذي يسمع من الإمام تكبيرة الإحرام في قول بعض أصحابنا: أنه يتهجس الناس، فإذا غلب على رأيه أنهم قد أحرموا أحرم، وقال بعض: يوافق إنسانا يحركه إذا أحرم الإمام ليستدل على إحرام الإمام، ومن غيره؛ ويعجبني أن يحركه قبل أن يحرما جميعين والله أعلم (رجع). (11/79)
صفحة 2973
مسألة: وعن محمد بن محبوب -رحمه الله- فيمن أحرم للصلاة فقال: الله أجل والله أعظم مكان الله أكبر فقال: أخاف عليه النقض لأنه خالف السنة، وسواء كان ذلك متعمدا أو ناسيا، ومن غيره، ويوجد في بعض آثار أصحابنا أنه لا نقض عليه في إحرامه لقول الله أجل والله أعظم، ولا يعود لمثل ذلك.
مسألة: وسألته عن تكبيرة الإحرام إذا لم يسمع الرجل أذنيه في جميع الصلوات في الليل والنهار قال: لا بأس، وإن أسمعهم فهو أحب إلي، وسألت هاشما عن الرجل إذا لم يسمع نفسه تكبيرة الإحرام قال: لا بأس إذا كبر وإن أسمع نفسه فلا بأس.
مسألة: ومن غيره: واختلف أصحابنا فيمن شك في حد من حدود الصلاة وهو قد جاوزه إلى غيره، فقال بعضهم: لا يرجع إلى حد قد خرج منه إلى الشك، ويمضي على صلاته، وقال آخرون: إذا شك في تكبيرة الإحرام وفي التحيات الآخرة، لعله أراد في التحيات الآخرة فعليه أن يبتدئ الصلاة على بعض القول، ولا يخرج منها إلا بيقين من أدائها.
مسألة: ومن غيره؛ وقال وضاح: في رجل يصلي بقوم فنسي أن يجهر بتكبيرة الإحرام قال: إن كان القوم كبروا من خلفه فأرجو أن لا يكون عليهم نقض، ومن غيره؛ وعمن شك في تكبيرة الإحرام من بعد ما دخل في الاستعاذة فمضى على صلاته، ولم يرجع يحرم قال: صلاته تامة.
مسألة: ومن غيره؛ قال: وقد سألت محمد بن محبوب -رحمه الله- عمن شك في تكبيرة الإحرام وهو في الاستعاذة قال: إن رجع فموضعه قريب، وإن مضى على صلاته فصلاته تامة، ومن غيره؛ وسألته عمن نسي تكبيرة الإحرام قال: عليه النقض، قلت: فإن شك فيها؟ قال: إذا جاوزها في القراءة مضى على صلاته ولا نقض عليه، ومن غيره قال: نعم، وذلك لأن القراءة حد، وتكبيرة الإحرام حد، فإذا جاوز الحد إلى حد غيره ثم شك في ذلك الحد أو في شيء منه، فليس له أن يرجع إليه على الشك، ولا عليه ذلك، فإن رجع إلى الشك فقال من قال: إنه تفسد صلاته وقال قوم إذا رجع وهو يظن أن ذلك جائز له واحتاط في ذلك على صلاته، فلا إعادة عليه في هذا. (11/80)
صفحة 2974
مسألة: وقيل: إن شك وهو في الاستعاذة وهو ممن يستعيذ بعد تكبيرة الإحرام فإن رجع إلى الإحرام فلا بأس، وإن لم يرجع فلا بأس، وإن كان ممن يستعيذ قبل التكبيرة فعليه الإحرام إذا شك في الإحرام وهو في الاستعاذة، ومنه وسألت عزان بن الصقر عن رجل أقام الصلاة فوجه وأحم واستعاذ وقرأ، ثم شك في التوجيه أنه لم يتمه فرجع فأتم التوجيه وأحرم ولم تكن له نية أن يهمل الإحرام الأول، وإنما كانت نيته في الإحرام الآخر تثبيتا. قال: صلاته تامة ولا نقض عليه، قال أبو المؤثر: لو كبر تكبيرة الإحرام ثلاثا عامدا أو أكثر كانت تكبيرة الإحرام هي آخرهن، ولا يلزمه النقض في صلاته، قال غيره: وقد قيل إنه إن كان رجع إلى التكبيرة، تكبيرة الإحرام على التثبيت لها أو الشك، فتكبيرته هي الأولى، وإن كبر ثانية أو ثالثة على أنه مهل ما قد كبر، فإحرامه الآخر منهن.
مسألة: ومن جامع أبي محمد، ولا يفتح المصلي الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام لقول النبي (: «مفتاح الصلاة التكبير» وفي رواية أخرى عنه (أنه قال: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، وقوله لرجل يعلمه الصلاة: «إذا قمت فكبر»، ومن غير الكتاب، وسألته عن إمام قوم لما كبر بهم تكبيرة الإحرام وكبروا شك في نفسه، أنه لم يكبرها فرجع فكبرها ثانية، تكبيرة الإحرام، ولم يرجع يكبر الذين خلفه لأنهم قد استيقنوا أنه قد كان كبر تكبيرة الإحرام، وأنهم كبروا على أثره، ثم مضوا على صلاتهم خلفه ثم أتموها أتتم صلاتهم أم لا؟ قال: إذا كان إمامهم رجع كبر الثانية جعلها تكبيرة الإحرام وأهمل الأولى، وقال: إنه لم يذكر الأولى وشك فيها فكبر الثانية أنها هي تكبيرة الإحرام، فالقول قوله وصلاته تامة وعليهم النقض لتلك الصلاة. (11/81)
صفحة 2975
الباب السابع عشر
في اللفظ بتكبيرة الإحرام وما تتم بلفظها الصلاة وما ينقض بلفظها
وما جاء فيه من اللفظ بها في الصلاة وشبه ذلك
تكبيرة الإحرام هي، الله أكبر فالألف من اسم الله ليس بموصول بل مفتوح فتحة مقصورة من غير مد، واللام الأولى تسكن والثاني تشدد تشديدة طابقة بالحمد، ثم ينطق به مع مدة وإن لم يمد فوجه من وجوه الصواب، وقال بعض: لا يمد، فإذا مد اللام وأطلق به لسانه فنطلق ذلك ففي الحال يضم الهاء منها بلا بيان واو لأن الهاء مضمومة ضمة مشمومة شما من غير تثبيت واو فيها عند ضمة الهاء من اسم الله وزيادته في اسم الله، والألف من أكبر مفتوح مقطوع، والكاف مسكن والباء من أكبر مفتوح، والراء يبين تبينا يكاد يسمع من الذي يليه كأنما نطق براءين اثنين من بيانه للراء.
مسألة: من كتاب -عمرو بن علي- وقالوا: بالمد في تكبيرة الإحرام؛ تكون المدة على اللامين مع التشديد لهم مع قطع الألف من أكبر مع شم الضمة من الهاء التي في الله.
مسألة: من جواب محمد بن إبراهيم إلى الحواري بن عثمان قال: وفي قول المصلي الله أكبر، فإذا زادوا واواً ثانية ففي نفسي من ذلك لاتباع السنة، وإنما يرجع إلى ما أراد المسلمون من ذلك ذكر المدات التي في تكبيرة الإحرام من كتاب -عمرو بن علي المعقدي- وقالوا: في تكبيرة الإحرام أربع مدات، فالأولى لا تجوز، وهي التي هي الألف من اسم الله لأنها تخرج مخرج الاستفهام، فيبطل (11/83)
صفحة 2976
الإيجاب، والثانية هي المأمور بها، وهي التي تكون على اللامين مع التشديد لهما، والثالثة تكره، وهي التي تكون على الهاء من اسم الله لأنها زيادة واو، وإذا ثبت فيها الواو كان في الصلاة فسادا، والرابعة أيضا مكروهة وهي التي تكون على الباء من أكبر.
مسألة: وقالوا بالمد على تكبيرة الإحرام، ويكون المد على اللامين مشدّدا مع قطع الألف من أكبر مع شم الضمة من الهاء التي في اسم الله.
مسألة: والمسلمون يستحبون جزم التكبير في الصلاة، إلا أنه قد قال من قال: يمد تكبيرة الإحرام وحدها، وقال آخرون: الجزم في تكبيرة الإحرام وسائر التكبيرة أحب إلينا، وأنا أقول: بمد تكبيرة الإحرام، وبمد تكبيرة العيدين، وتكبير الجنائز، ليسمع من خلفه.
مسألة: ولا ينبغي لمن خلف الإمام أن يكبر حتى يقطع الإمام التكبير ويسكت، فإذا سكت فليكبر، فهذا ما وجدناه من آثار المسلمين فقيدناه وقبلناه عنهم، فمن خالفنا فيما قد تكلم به المسلمون في ذلك فلا نلتفت إلى قوله ولا نعبأ بخلافه ومكابرته في ذلك، وبالله التوفيق. (11/84)
صفحة 2977
الباب الثامن عشر
في القنوت
(من كتاب الأشراف)
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله (كان يقول إذا كبر في الصلاة: «اللهم باعد بيني وبين خطيئتي كما باعدت بين المغرب والمشرق، اللهم نقني من خطاياي كما تنقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد»، قال أبو بكر بهذا القول نقول، وقد روينا عن مجاهد وطاووس أنهما قالا: لا ينبغي للإمام أن يخص نفسه بشيء من الدعاء دون القوم، وكره ذلك الثوري والأوزاعي، وقال الشافعي: لا أحب ذلك، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه ليس للإمام ولا غيره أن يدعو لنفسه بشيء من الدعاء من لدن إحرام الصلاة إلى تمام التشهد من القعود الأخير من الصلاة، وإن الدعاء كلام، ولا يجوز الكلام في الصلاة، وإن كان هذا قد قيل عن النبي (فلعله قيل النهي عن الكلام في الصلاة، لأنه قد قيل: إنه كان في بدء الأمر يستجيزون الكلام في الصلاة حتى نزلت آية الخشوع، فعهد إليهم النبي (أن الله قد نهى عن ذلك، وقد مضى ذكرنا بشيء من هذا فيما تقدم من الكلام.
مسألة: ومنه؛ واختلفوا في الدعاء في الصلاة فممن كان لا يرى به بأسا مالك بن أنس، قال: لا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه في المكتوبة، حوائج دنياه وآخرته، وهذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وقد روينا عن علي إباحة ذلك الدعاء على قوم بنسبهم، وعن أبي الدرداء إباحة ذلك الدعاء (11/85)
صفحة 2978
لقوم روينا عن عطاء والنخعي أنهما كانا يكرهان إذا دعا الرجل للرجل في الصلاة أن يسميه باسمه، وقال الحسن: إذا قال نسأل الله في صلاته الرزق والعافية لم يقطع الصلاة، وإن قال: اللهم اكسني ثوبا، اللهم زوجني فلانة قطع الصلاة، روينا عن الحسن أنه أباح الدعاء في التطوع، وكرهه في المكتوبة، قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله (دعا لقوم سماهم، وعلى قوم لم يسمهم، فالدعاء جائز في الصلاة مباح لما أحب المرء من أمر الدين والدنيا، ويدعو لوالديه، ومن شاء يسميهم، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن الدعاء لا يجوز في صلاة الفريضة على التعمد إلا بمعنى ما جرى من الاختلاف في الذكر لله، فإن ذلك قد يشبه الدعاء، إلا أنه ليس بدعاء خارج من معنى ذكر الله، وأما جميع الدعاء الذي هو مخصوص به معاني في غير ذكر الله فيفسد الصلاة في معاني قولهم على التعمد، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافا، ولا أعلم في قولهم ولا في معناه ثبوت الدعاء من النبي (في الصلاة؛ إلا أنه إن كان ذلك فلعله قبل النهي عن الكلام في الصلاة، وقد مضى ذكر ذلك، ومنه، فيما أحسب روينا عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود أنهما كانا يقولان إذا افتتحا الصلاة قالا: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك واسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك دونك، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وكان الشافعي يقول: بالذي روينا عن علي بن أبي طالب عن النبي (أنه قال: كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، أنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب جميعا إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك إليك إياي تباركت وتعاليت واستغفرك وأتوب إليك) وكان مالك لا يرى شيئا من ذلك فقال: إن كان يرى أن يكبر فيقول: الحمد لله رب العالمين. قال أبو بكر: إن قال ذلك يجزئه، وأنا إلى حديث علي أميل، وإن لم يقل من ذلك شيئا، فلا بأس عليه ولا سجود ولا سهو، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا، أنه ليس في صلاة الفريضة دعاء شيء من هذا (11/86)
صفحة 2979
ولا غيره من لدن إحرامها إلى تمامها، ولا يقال فيها القراءة في مواضعها، والتكبير والسجود والتسبيح في موضعه، والتحيات في موضعها، وهذا كله يخرج في معاني قولهم: إنه لا يجوز في الصلاة على معنى التعمد، ويخرج في معاني قولهم بما يشبه الاتفاق، إن التوجيه للصلاة قبل تكبيرة الإحرام، وهذا الذي يذكر هو مما خرج في معاني قولهم: إن التوجيه وما يشبهه وما يخرج مما يخرج في معاني قولهم: إن التوجيه الذي ثبت عن النبي (قال قبل تكبيرة الإحرام، هو قوله: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وإن هذا يجزئ عما سواه من التوجيه مثل توجيه إبراهيم (: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين)، وفي معاني قولهم: إنهم يأمرون بعد توجيه النبي (وهو الأول أن يضيف المصلي إلى ذلك توجيه إبراهيم ثم يجزيه معه ذلك، وإن لم يفعل ذلك فصلاته تامة، وإن ترك التوجيه الذي عن النبي (المضاف إليه على العمد ففي أكثر قولهم أن عليه الإعادة، وفيه اختلاف، وإن تركه على النسيان فمعي أنه يختلف فيه من قولهم وفي أكثره أن عليه الإعادة، ومنه، ثبت أن رسول الله (أنه قال: «إذا أمن القارئ فأمنوا فإن الملائكة تؤمن لتأمينه، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، والتأمين في الصلاة لا يجوز، وينقض الصلاة، وكان ابن الزبير يؤمن على أثر القراءة، وكان ابن عمر يؤمن إذا ختم القرآن، وبه قال عطاء، وهو قول أحمد وإسحاق ويحي بن يحي وسليمان بن داود وأبو حنيفة وابن أبي شيبة، ورأت طائفة أن يخفي الإمام التأمين، هذا قول أصحاب الرأي، وقال الثوري: قل آمين وأخفيها إذا أمن فاتحة الكتاب، قال أبو سعيد: يخرج معي في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن قول آمين دعاء، وإن الدعاء لا يجوز في الصلاة بعد نسخ الكلام، وقد جاء في الأثر أنه كان بدء الإسلام يجوز الكلام في الصلاة ويعملون في الصلاة بغير معانيها حتى أنزل الله آية الخشوع فيما قيل، فقدم إليهم النبي (، وقد رآهم بعد ذلك يفعلون ما كانوا يفعلون من الكلام والعمل، إن الله قد ذم فيه ومنعه، وكان ذلك بمعنى المنسوخ مما مضى، وإن ثبت هذا عن النبي (فلمعنى هذا إن كان من قول أصحابنا: إن الدعاء يفسد الصلاة، وإن قليله ككثيره، وهو بمنزلة القنوت في معاني ما يتفق من قولهم: إن (11/87)
صفحة 2980
الذي يقنت في صلاته إذا فعل ذلك على العمد بغير رأي ولا دين يذهب إليه عليه الإعادة، وأما المصلي بصلاته، فيخرج في معاني قولهم: أن لا إعادة عليه إذا لم يعلم أنه يقنت، ولعله في بعض معاني قولهم أنه لا إعادة عليه علم أو لم يعلم، وإن ثبت هذا، ففي الترخيص أمور كثيرة من فساد صلاة الإمام وإتمام صلاة من صلى خلفه في معاني الاختلاف، ولعل هذا من أرخص ما يخرج من قولهم: إنه لا إعادة على من صلى خلف من يعلم أنه يقنت، ولا أعلم اختلافا أن آمين يخرج مخرج الدعاء، وقد قيل عن النبي (في دعوته على فرعون وملائه كان موسى يدعو هارون صلى الله عليهما يؤمن على دعائه فقال الله: قد أجيبت دعوتكما فكان ذلك دعاؤه، وفي بعض القراءة أجبت دعوتكما، ومنه، قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في القنوت في الوتر، فرأت طائفة أن تقنت كلها في الوتر هذا قول ابن مسعود وإبراهيم النخعي والحسن البصري وإسحاق بن راهويه وأبي ثور، وفيه قول ثان، وهو أن لا يقنت إلا في النصف الثاني من شهر رمضان، روي هذا القول عن علي بن أبي طالب وأبي بن كعب، وكان ابن عمر يفعله، وبه قال ابن سيرين وسعيد بن المسيب، وأبي الحسن والزهري ويحي بن وثاب ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل، وفيه قول ثالث: وهو أن يقنت في السنة كلها إلا في النصف الأول من شهر رمضان هذا قول الحسن البصري خلاف القول الأول، وبه قال قتادة، وفيه قول رابع، وهو أن لا يقنت في الوتر ولا في الصبح، روي ذلك عن ابن عمر خلاف الرواية الأولى، وروى طاووس أنه قال: الوتر فيه القنوت بدعة، قال أبو سعيد: معي أنه لا يخرج في قول أصحابنا أن القنوت في الصلاة وفي الوتر وفي الصبح وجميع الصلوات بدعة، وحدث أحدثه الناس، وعن ابن عباس أنه قال: لم يقنت النبي (ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما، وقيل عنه لما بلغه خبر القنوت في الصلاة في العراق، ومن أهل العراق قال وا عجباه من أهل العراق إذ هم لا يصلون، ولا تاركون الصلاة فيكونوا في راحة من الصلاة، ولا يصلون لأن القنوت لا تتم به الصلاة، فلا صلوا ولا تركوا الصلاة، وكذلك عندنا، ومنه؛ قال أبو بكر: روينا عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري والبراء بن عازب وأنس بن مالك وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة السلماني وحميد الطويل وعبد الرحمن بن أبي ليلى، أنهم (11/88)
صفحة 2981
سنوا القنوت قبل الركوع، وبه قال إسحاق، وقال أصحاب الرأي: الذي بلغنا أنه قنت إلا الوتر، وفيه قول ثان أن القنوت بعد الركوع، روي ذلك عن أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وقال أنس بن مالك: كل ذلك كما يفعل قبل ذلك وبعد، وهذا قول أيوب بن أبي تميمة السجستاني وأحمد بن حنبل، قال أبو بكر: ثبت أن النبي (قنت بعد الركوع في صلاة الصبح وبه نقول، قال أبو سعيد: قد مضى القول في معنى القنوت بما هو كاف إن شاء الله عن التبيين في هذا الفصل لغير تغيير بما تقدم ذكره، ومنه؛ قال أبو بكر: كان عمر بن الخطاب إذا فرغ كبر ثم قنت حتى يركع وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن مسعود والبراء بن عازب، وكان سفيان الثوري وأحمد بن حنبل يريان إذا قنت قبل الركوع أن يفتتح القراءة بتكبيرة، وفيه قول ثالث: كان مالك يقول إذا قنت الرجل في صلاة الصبح قبل أن يقرأ ثم يكبر، وقد روي عن سعيد بن جبير أنه كان يصلي، وكان يقنت في رمضان في الوتر بعد الركوع إذا رفع رأسه كبر ثم قنت، قال أبو سعيد: قد مضى القول في معنى هذا مما لا يحتاج إلى ذكر فيه وهو شاذ مع أصحابنا لا أصل له معهم بمعنى الاتفاق، ومنه، قال أبو بكر: جاء عن النبي (أنه قنت شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح يدعو على ذكوان وعصيته، ويؤمن من خلفه، وكان مالك يقول في نفسه في النصف من شهر رمضان، ويعني الإمام ويلعن الكفر، وكان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يدعو الإمام، ويؤمن من خلفه، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج بمعنى الاتفاق في قول أصحابنا أن الدعاء والتأمين والقنوت كله لا يجوز في الصلاة، وأن ذلك على ما يخرج من الاتفاق من معاني قولهم منسوخ، وإن كان قد كان في أول الإسلام فإنه قد ثبت أن النبي (قد نهى عنه في الصلاة، وعن الكلام وقد قيل إن نسخه آية الخشوع في الصلاة، ولا أعلم أحدا من أصحابنا يقول فيه اختلاف، ولا يوسع فيه وهذا قول شاذ من مذاهبهم، ومنه؛ قال أبو بكر: روينا عن النبي (أنه قال: إذا دعوت الله فادعو الله ببطون كفيك لا تدع بظهورهما فإذا فرغت فامسح بهما وجهك، وكان أحمد بن حنبل يقول: لم أسمع فيه شيئا ولم يكن يفعله أحد، وحكي عنه أنه قال في الصلاة إلا ولا ما بين به في غير الصلاة، وروي عن الحسن أنه كان يفعله، قال أبو سعيد: أما في الصلاة فقد مضى القول فيه، وأنه لا يجوز (11/89)
صفحة 2982
بباطن كفيه ولا بظاهرهما، وأما الدعاء في غير الصلاة فقد استحب بعض أصحابنا أن لا يحدث الداعي في دعائه حالا من رفع يدين، ولا صفحهما، وإن رفعهما على نفسهما فعلى نفسهما على ما قيل، ولعل بعضا يكره ذلك لمعنى التحديد لله تبارك وتعالى، فإن فعل ذلك فاعل على صدق النية، والمذهب فلا مانع له، وليس ذلك مما يوجب في الله تعالى تحديدا إلا على الإرادة بسوء المذهب، ومنه، قال أبو بكر: واختلفوا في القنوت في الجمعة، فمن كان لا يقنت فيها: علي بن أبي طالب والنعمان بن بشير والمغيرة بن شعبة وبه قال عطاء والزهري وقتادة ومالك وسفيان الثوري والشافعي وإسحاق بن راهويه، وقال أحمد بن حنبل: بنو أمية كانت تقنت في الصلاة وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقنت، قال أبو سعيد: معي أنه لا يخرج في معاني قول أصحابنا، أن القنوت بالدعاء وإن كان يعنيه فلا يجوز في الصلوات المفروضات ولا الواجبات من جمعة ولا غيرها، وأما القنوت بالقيام فهو لازم في جميع الصلوات المفروضات وبالطاعة، فإن القيام في الصلاة قنوت والطاعة قنوت؛ فقنوت القيام والطاعة لازمان في الصلاة، وقنوت الدعاء حدث فيها. (11/90)
صفحة 2983
الباب التاسع عشر
في رفع اليدين في الصلاة
من -كتاب الأشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في تكبيرات صلاة العيد، فكان عطاء بن أبي رباح والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل يقولون: يرفع يديه أول في كل تكبيرة، وكان سفيان الثوري يرفع يديه في أول تكبيرة، وقال مالك: إن شاء رفع يديه فيها كلها وفي الأولى وحدها أحب إلي، وقال ابن الحسن: يرفع يديه في التكبيرة الأولى ثم يكبر ثلاث تكبيرات فيرفع يديه ثم يكبر الرابعة والخامسة ولا يرفع يديه، فإذا قام في الثانية فقرأ كبر ثلاث تكبيرات، ورفع يده ثم يكبر الرابعة والخامسة ولا يرفع يده، قال أبو بكر: كما قال عطاء أقول، قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بترك رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند تكبيرة العيدين، وفي تكبير الصلاة كلها، ويأمرون بترك ذلك وينهون عن فعله، وإن ذلك يقع موقع العبث في الصلاة، ولا معنى له، والمأمور بعده من السكون والخشوع في الصلاة، ومنه؛ لم يختلف أهل العلم أن رسول الله (كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، واختلف في الحد الذي يرفع اليد عند افتتاح الصلاة، ففي حديث ابن عباس: «إن رسول الله (رفع يديه لما افتتح الصلاة حين كبر حتى يكون يداه حذاء منكبيه» وقال بهذا الحديث الشافعي وأحمد وإسحاق، وفي حديث وائل بن حجر أن رسول الله (رفع يديه لما افتتح الصلاة حتى حاذى أذنيه، وقال بهذا أناس من أهل العلم، وقال بعض أصحاب الحديث: إن شاء رفع يديه إلى المنكبين، وإن شاء إلى الأذنين، وهذا مذهب الحسن، وأتى إلى حديث ابن عمر معنا أنه أراد ابن عباس أميل، قال أبو سعيد: (11/91)
صفحة 2984
معاني الاتفاق من قول أصحابنا يخرج عندي أنهم لا يرون رفع اليدين في الصلاة عند الافتتاح، ولا غيره من التكبير، ولا أعلم أنهم أثبتوا معنى رفع اليدين عن النبي (إلا لمعنى غير معاني الصلاة، وأما لمعنى الصلاة فلا أعلم يخرج في معاني قولهم وأثبت ما يوجد من قولهم في التوسع في ذلك عن النبي (أنه نهى أن يجاوز المصلي بيديه في الصلاة حذاء أذنيه، أو يجاوز بهما أذنيه، وهذا أوسع ما يوجد عنهم بما ثبت عن النبي (، ومنه؛ أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن النبي (كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، واختلفوا في رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع، فقالت طائفة: يرفع يده إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، وقالت طائفة: روينا ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن الزبير وأنس، وقال الحسن البصري: إذا كان أصحاب رسول الله (يرفعون أيديهم إذا كبروا وإذا ركعوا أو إذا رفعوا رؤوسهم من الركوع كأنهن المراوح، وروي ذلك عن جماعة من التابعين، وجماعة من بعدهم، وقال الأوزاعي: أجمع عليه علماء أهل الحجاز والشام والبصرة أن رسول الله (كان يرفع يديه حذاء منكبيه حين كبر لافتتاح الصلاة، ويرفع يديه حذاء منكبيه حتى يكبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، قال أبو بكر: هذا قول الليث بن سعيد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وحكى ابن وهب عن مالك هذا القول. وقالت طائفة: يرفع المصلي يديه حتى حين يفتتح الصلاة ولا يرفع سوى ذلك، وهذا قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول والثابت عن النبي (أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، قال أبو سعيد: معي أنه قد مضى في ذكر هذا ما يستدل به في معناه، ويخرج معنا في قول أصحابنا من فعلهم وقولهم بثبوت الخشوع في الصلاة، وترك جميع الحركات من لدن إحرامها إلى تمامها إلا في مصالحها من حركة البدن أو شيء من الجوارح، ومنه؛ ثبت أن رسول الله (كان يأخذ شماله بيمينه إذا دخل في الصلاة، وقال بهذا الحديث مالك وأحمد وإسحاق، وحكي ذلك عن الشافعي، واستحب أصحاب الرأي، ورأت جماعة إرسال اليدين فممن روينا ذلك عنه ابن الزبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي، واختلفوا في المكان الذي يوضع عليه اليد من البدن، فروينا عن علي بن أبي طالب أنه وضعها على (11/92)
صفحة 2985
صدره، وقال سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل: فوق السرة، وقال: لا بأس إن كانت تحت السرة، وقالت طائفة: توضع تحت السرة، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة والنخعي وأبي مجلز، وبه قال سفيان الثوري وإسحاق، قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا ثبوت الإرسال في الصلاة لجميع الأعضاء، وترك الحركات فيها والعمل، إلا بمعاني القيام من ركوعها وسجودها وما يدخل فيها من معاني صلاحها من صلاح اللباس لها وأشباه ذلك، وسائر ذلك من الحركات والفعل خارج من معانيها وواقع بأحد معنيين؛ أما عملا ممنوعا ذلك مفسد للصلاة. بذلك جاءت السنة، وأما عبثا يخرج من معاني أكثر قولهم أن تفسد الصلاة، ويأتي النهي عنه.
مسألة: ومن جامع أبي محمد، ولا يفتتح الصلاة إلا بالتكبير لقول النبي (أنه قال: «مفتاح الصلاة التكبير» وفي رواية عنه أخرى أنه قال: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، وقوله لرجل يعلمه الصلاة: «إذا أقمت فكبر» وقوله (: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وليس في هذه الروايات كلها أنه أمر برفع اليدين مع التكبير، ولو صح ذلك قلنا به، وروى مخالفونا أنه رفع أو لم يرفع، ولو صحت الرواية بذلك كان العمل على ما مات عليه الرسول (، ولم يكن عند مخالفينا خبر يقطع العذر بأنه كان الرفع آخر عمله، واحتمل أن يكون أولا، ويحتمل أن يكون آخر فلم يكن بد من العمل بأحدهما، وكان الرجوع إلى الأصل، وهو أن لا رفع مع ما قد ثبت من الخبر عنه (أنه نهى عن رفع اليدين في الصلاة بقوله: «ما بالكم ترفعون أيديكم في صلاتكم كأنها أذان خيل شمس» فلم يختلف معنا من خالفنا في رفع اليدين في صحة هذه الرواية وإنما خالفونا في تأويل الخبر، وإن لم يكن معهم ظاهر برفع، ظاهرنا كنا نتعلق بظاهر الخبر أهدى منهم سبيلا. (11/93)
صفحة 2986
الباب العشرون
في الاستعاذة
وعن رجل نسي الاستعاذة حتى ذكرها في موضع من صلاته هل يجب عليه حيث ما كان من الصلاة على قول من يقول: إنها فريضة، قال: معي إنه على معنى قول من يقول: إنها فريضة إذا ركع ولم يستعذ فقد فسدت صلاته، وأما على معنى قول من يقول: إنها سنة، فمعي أنه قيل: يستعيذ حيث ما كان من الصلاة، وبعض يقول: إنه يستعيذ حيث ما ذكرها إلا في السجود والركوع، وفي بعض القول: إنه لا استعاذة عليه.
مسألة: وعن رجل جهر بالاستعاذة، فإن كان استعاذ قبل التكبير فلا بأس، وإن كان فعل بعد التكبير سجد سجدتي الوهم، قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: من جهر بالاستعاذة من بعد الإحرام فسدت صلاته، إلا أن يكون لعله جهر استعاذة لشك بعينه قال غيره قد قيل إن كان ناسيا أو جاهلا فقد قصر، ولا تفسد صلاته، ولا يرجع إلى ذلك، وقال من قال: على العلم أيضا وهو مقصر والقول الأول أشبه بمعنى الصواب؛ أعني في النسيان، والجهل أقرب من العمد.
مسألة: من الزيادة المضافة، وسألته هل قال أحد من الفقهاء أنه من نسي الاستعاذة أو التكبير أو قول سمع الله لمن حمده ثم ذكرهن في غير وقتهن أنه ليس عليه إعادة؟ قال: لا أعلم ذلك من قول أحد من الفقهاء، ومن غيره قال: وقد قيل ذلك، وقال ذلك من الفقهاء، وقلت: فإن نسيهن كلهن في موضع واحد كيف (11/95)
صفحة 2987
يصنع وبما يبدأ؟ قال: بالاستعاذة ثم الأول فالأول.
مسألة: وقلت: ما تقول في الاستعاذة التي على أثر تكبيرة الإحرام أهي من كتاب الله؟ ومن قال إنها ليست من كتاب الله فقد كفر؟ فنعم قد قال الله عز وجل فيما أنزل على نبيه محمد (: (فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ((النحل:98)، فقد قيل: إن ذلك في الصلاة فمن قال: إن الله لم ينزل فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليس ذلك من كتاب الله فقد جحده وأشرك بجحوده.
مسألة: من -كتاب المجالس- ما الحكمة في أن الله تعالى خص حال القراءة بالاستعاذة منها به منه؟ الجواب: إن كل طاعة كانت أفضل فنزعات الشيطان فيها أكثر، فلما كان القرآن أعظم وأفضل لما فيه من التوحيد والذكر والدعاء، كانت أشد الطاعات على إبليس لعنه الله، وكانت محاربته للمؤمن فيها أكثر من سواها، وأيضا فإنها إذا كانت في القراءة وفي غيرها على الاقتصار، والله أعلم. (11/96)
صفحة 2988
الباب الحادي والعشرون
الاستعاذة
اختصرته من كتاب المجالس، قال الله عز وجل: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (، سؤال: ما الحكمة من أن الله سمى كيد الشيطان ضعيفا ثم أمر بالاستعاذة منه؟ الجواب: أنه ليس الاعتبار في الاستعاذة منه لضعفه وقوته، إنما أمر بها لأنها في عينها طاعة كما قال لنبيه: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ (، وقد قال: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ((الفتح:2)، فلم يأمره ليغفر له، بل لأن الاستغفار في نفسه طاعة، وهو قد غفر له، وأيضا فلم يأمرنا بذلك لأنا أضعف منه، إذ لو لم يكن للمؤمن إلا قوة العصمة والتوفيق لكفته، ولو لم يكن للشيطان الأضعف الخذلان لكفاه، بل سمى كيده ضعيفا لئلا يذهب منه المؤمن وينهزم، وأمرنا بالاستعاذة منه تنبيها لنا وتذكرة ونفيا للعجب منا بأنفسنا، وأيضا فإن ما فينا من الشهوة والهوى والحرص والكسل والفترة، معين له علينا، فأمرا بذلك حتى يحفظنا من الشيطان الرجيم وأعوانه. رجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: من كتاب الأشراف، قال الله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (، وجاء الحديث عن رسول الله (أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونزعه ونفثه»، وجاء الحديث عنه أنه كان يقول قبل القراءة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وكان ابن عمر يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وممن كان يرى الاستعاذة في الصلاة؛ (11/97)
صفحة 2989
سفيان الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، واختلفوا في الاستعاذة في كل ركعة، فكان الحسن البصري والنخعي وعطاء بن أبي رباح وسفيان الثوري يقولون يجزئه أن يستعيذ في كل ركعة وفيه قول ثان: وهو أن يستعيذ في كل ركعة كذلك قال ابن سيرين، وكان الشافعي والثوري لا يرون خلف الإمام تعوذا وقال مالك: يكبر، ثم يقرأ. قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا: ثبوت معنى الاستعاذة في الصلاة لمعاني الاتفاق من قولهم، وفي بعض قولهم: إنها فريضة لقول الله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (، ففي بعض قولهم: إن هذا في الصلاة واجب، وفي بعض قولهم: إنه في إنها، ويخرج في معاني الاتفاق من قولهم: إنها في كل صلاة مرة واحدة لا غيرها، وفي بعض قولهم: إن الاستعاذة قبل الإحرام، والقراءة بعد الإحرام، وفي بعض قولهم: إنها قبل القراءة بعد الإحرام، وسواء ذلك في قولهم كان إماما أو غير إمام أو يصلي وحده أو خلف إمام، على قول من يثبت القراءة خلف الإمام، فذلك كله في قولهم ثابت في الاستعاذة.
مسألة: من الزيادة المضافة مما أحسب من -كتاب الأشياخ- وعن امرأة استعاذت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لعله الاستعاذة قبل الإحرام ماذا يجب عليهما؟ قال: إن كانت ممن يستعيذ بعد الإحرام فعليها البدل للصلاة التي قد صلتها قلّت أو كثرت، فإن لم تعرفها احتاطت، وأما الكفارة فلا أعلم يلزمها. (رجع).
مسألة: من -كتاب بن جعفر- ثم الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، قال من قال: قبل تكبيرة الإحرام، وقال من قال: بعد تكبيرة الإحرام، فكيفما فعل فقد أصاب الصواب.
مسألة: وعن الاستعاذة سنة أم فريضة، ومن لم يستعذ تنتقض صلاته أم لا؟ فإن نسيها ثم ذكرها وقد تعداها، هل عليه أن يستعيذ إذا ذكر؟ وإن لم يستعذ هل تنتقض صلاته فقد قيل: إنها فريضة، وقد قيل: إنها سنة، ومن تركها عامدا فقد اختلف فيه، ونحن نحب أن تتم صلاته، فإذا نسيها حتى ذكرها في بعض صلاته فقد قيل: عليه أن يقولها في صلاته بعد أن جاوزها، وقيل: إنه (11/98)
صفحة 2990
يقولها إذا ذكرها حيثما كان من صلاته، وقيل: إلا أن يكون راكعا أو ساجدا، ونحن نحب له إن كان بقي عليه شيء من القراءة تركها إلى موضع القراءة، ثم استعاذ عند القراءة، فإن استعاذ من حيثما ذكرها جاز له ذلك، إلا ن يكون راكعا أو ساجدا، وأيما فعل ذلك فهو جائز إن شاء الله، وإن لم يقلها جاز له ذلك، إذا كان أصل ذلك على النسيان، والذي يقول: إنها تفسد الصلاة بالنسيان، فإذا نسيها حتى قرأ ثم ذكرها وهو في القراءة فاستعاذ، ثم قرأ، فإن نسي حتى يركع فسدت صلاته. (رجع).
مسألة: ومن نسي الاستعاذة وصلى فصلاته تامة، ويستعيذ حيث ذكر من الصلاة ويسر الاستعاذة في كل الصلوات، ومن غيره؛ وسألته عن الاستعاذة، أيسمع الرجل أذنيه في الصلاة ويجهر فيها بالقراءة؟ قال: فإن أسمعها فلا تفسد صلاته، قال أبو عبد الله: يحرم ثم يستعيذ لقول الله تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (، قال: لا بأس، قلت: فإن قال: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: نعم، وأنا كذلك أستعيذ. (رجع).
مسألة: وعن أبي علي -رحمه الله- قال موسى بن علي: من نسي الاستعاذة، وصلى فصلاته تامة، ومن تركها متعمدا فصلاته فاسدة، ومنه؛ ومن نسي الاستعاذة وصلى فصلاته تامة، ومن تركها متعمدا فصلاته فاسدة، قال أبو سعيد: معي أنه قد قيل: من ترك الاستعاذة ناسيا أو عامدا فلا نقض عليه، وقيل: عليه النقض في العمد، ولا نقض عليه في النسيان، وقيل: عليه النقض في العمد والنسيان، وكذلك قيل في التوجيه. (رجع). ومن جهر بها ناسيا فصلاته تامة، ومن جهر بها متعمدا فصلاته فاسدة، وصلاة من خلفه، وكذلك عن محمد ابن محبوب -رحمه الله-.
مسألة: من الزيادة المضافة من أثر أحسب أنه معروض على أبي المؤثر أرأيت أن من نسي الاستعاذة حتى يجاوز القراءة، أو بعض صلاته، هل يلزمه النقض؟ قال: إذا كان مأذونا له في تأخيرها فأخرها وهو يرجو أن لا ينساها فنسيها، فلا أرى عليه نقضا في صلاته، قلت: فإن تركها إلى القراءة وهو يخاف أن ينساها فنسيها حتى قضى صلاته أيلزمه النقض؟ قال: نعم؛ لأنه خاطر بتركها، قال المضيف: قد قيل: لا نقض عليه. (11/99)
صفحة 2991
مسألة: وسألته عمن نسي الاستعاذة فذكرها وهو في فاتحة الكتاب، فلم يستعذ حتى فرغ من قراءتها في آخر ركعة من صلاته، أيلزمه النقض في الصلاة؟ قال: نعم أرى عليه النقض، قلت: وكذلك إن ذكر الاستعاذة وهو في فاتحة الكتاب أول الركعة من صلاته ولم يستعذ حتى فرغ من قراءة فاتحة الكتاب، أيلزمه النقض في صلاته؟ قال: نعم، قلت: لِمَ ذلك؟ فإن موضع الاستعاذة القراءة، فلما ذكرها وهو في موضعها فلم يستعذ حتى جاوز القراءة، رأيت عليه النقض، قلت: أرأيت إن ذكر الاستعاذة وهو في فاتحة الكتاب فقرأ آية من فاتحة الكتاب، ثم استعاذ؛ أيلزمه النقض في صلاته؟ قال: نعم، قال: وموضع الاستعاذة حين ذكرها فقد تركها من موضعه فعليه النقض، قال: وإذا نسي الاستعاذة، فلم يذكرها حتى لا يبقى شيء من قراءة الصلاة ثم ذكرها فلا يستعيذ، فصلاته تامة، قال المضيف: وقد قيل لا نقض عليه على كل حال، قال: وإن استعاذ وهو يرى أنها عليه فلا نقض عليه، وإن استعاذ وهو لا يرى أنها عليه فعليه النقض.
مسألة: وسألته عن الإمام إذا صلى بقوم فنسي الاستعاذة، ثم ذكرها وهو في قراءة السورة بعد فاتحة الكتاب أيستعيذ من حيث ما ذكرها خفية؟ قال: نعم، انقضت الزيادة المضافة. (11/100)
صفحة 2992
الباب الثاني والعشرون
في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
[من صفحة 101 إلى نهاية الكتاب ص221 لم ترقن] (11/101)
صفحة 2993
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الثاني عشر
1404هـ/1984م (12/1)
صفحة 2994
[صفحة بيضاء] (12/2)
صفحة 2995
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الثاني عشر
1404هـ/1984م (12/3)
صفحة 2996
[صفحة بيضاء] (12/4)
صفحة 2997
الباب الأول
في الشك في الصلاة
(من كتاب الأشراف)
واختلفوا في المصلي، يشك في صلاته فقالت طائفة: يبني على اليقين، ويسجد سجدتي السهو، وهذا قول ابن مسعود وسالم بن عبد الله وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك وعبد العزيز وأبي سلمى وسفيان الثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور.
وقالت طائفة: إذا لم يدر كم صلى أعاد حتى يحفظ، روي هذا القول عن ابن عمرو وابن عباس وعبد الله بن عمر وشريح والشعبي وعطاء وسعيد بن جبير، وبه قال الأوزاعي في رجل سها في صلاته فلا يدري كم صلى.
وقالت طائفة: يعيد المكتوبة، ويسجد سجدتي الوهم، وروي ذلك عن سعيد بن جبير رواية ثانية.
وقالت طائفة: إذا لم يدر كم صلى سجد سجدتي الوهم، هذا قول أبي هريرة وقال أنس والحسن البصر: إذا (). وفيه قول خامس، روينا عن سعيد بن جبير وميمون بن مهران؛ أنهم كانوا إذا شكوا في الصلاة أعادوها ثلاث مرات، فإذا كان الرابعة لم يعيدوا، وفيه قول سادس: في الإمام لا يدري كم صلى، قال: ينظر ما يصنع من ورائه، هذا قول النخعي، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، لحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اتق
الشك وابن على اليقين وإذا استيقنت فاسجد سجدتين وأنت جالس»، قال أبو سعيد -رحمه الله-: (12/5)
صفحة 2998
معي؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنه إذا شك المصلي في شيء من أمر صلاته، أنه لم يصله، فإن كان شكه وهو في حد من الحدود التي هو فيها من الصلاة، ولم يجاوز إلى غيره من الحدود، فيخرج في معاني قولهم، إن عليه أن يأتي به، حتى يستيقن أنه قد عمله، ولو شك عمله أو لم يعمله، فإذا جاوزه إلى حد غيره من الحدود، ثم شك في الذي جاوزه، فقد يخرج في معاني قولهم: إنه يرجع إلى أحكامه ما لم يكن بينه وبينه حدان، وهو في الحد الثالث، فإذا كان هكذا ففي بعض قولهم: إنه يمضي على صلاته، وفي بعض قولهم: إنه يعيد صلاته، وفي بعض قولهم: إنه إذا جاوزه ثم شك فيه لم تكن عليه رجعة، وهذا في الحدود، وإن شك في شيء مما يقال في الحدود، ولو شك في الحد بعد أن جاوز الحد فأرجو، أنه في معنى قولهم أنه لا رجعة عليه إلى الذي شك أنه لم يقله في ذلك الحد، ويبني على صلاته حتى يستيقن أنه لم يقله.
وأما إذا شك في ركعات الصلاة فذلك يختلف فيه من قولهم، ويكثر فيه الاختلاف، فيخرج في معنى قولهم أنه لا يعمل شيئا من ذلك إلا على العلم، وما شك فيه من ذلك أعاده؛ لأن الصلاة لا تؤدى على الشك، وفي بعض قولهم إنه إذا خرج له التحري في معنى ما يشك فيه على معنى ما لا يكون زائدا فيه في الصلاة، احتاط في صلاته وأتمها، وذلك مثل أنه يشك في الثالثة، أو الثانية من صلاة المغرب، أو الوتر ثلاثا واستيقن على الواحدة أنه صلاها فمعي؛ أنه في قولهم أنه في هذا الموضع، أنه يقعد لقراءة التحيات إلى (محمدا عبده ورسوله)، ثم يقوم فيأتي بركعة تامة وتحيات؛ لأنه ليس في هذا الموضع في التحري في الصلاة إن كانت قد تمت صلاته في الماضي، وإنما وقعت الزيادة بهذا الركعة بعد تمامها، وإن لم تكن تمت هذه متممة لها في التحري، وما يخرج من هذا المخرج، وهذا الفصل أشبه في معنى قولهم، وقد قيل يعيد على حال في سائر هذا الفصل، من شكه في الركعات معاني الاختلاف، مما يطول ذكره.
مسألة: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيكم ما شك في صلاته فيتحرى أجزاء تلك الصلاة وليس عليه، ثم يسلم ويسجد سجدتي السهو»، وقد اختلفوا في تأويل هذا الحديث فقالت طائفة من أهل الحديث: إذا شك المصلي في صلاته أنه (12/6)
صفحة 2999
يتحرى، والمتحري أن يميل قلبه إلى أحد العذرين، عن استعمل حديث ابن مسعود، وهذا إذا لم يكن هكذا، فيشك في صلاته بنى على اليقين، على حديث أبي سعيد فيكون مستعملا للحديثين، وروينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا شك في ركعة أو ركعتين، فإنه يتحرى ذلك أصوب له، ثم يسجد سجدتي السهو نحو ذلك قول النخعي، وقال أصحاب الرأي: إذا سها فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا، وذلك لما سها استقبل الصلاة، فإن لقي غير ذلك مرة تحرى الصلاة، فإن كان أكثر رأيه أنه أتم، مضى على صلاته، وإن كان أكثر رأيه أنه صلى ثلاثا أتم الرابعة، ثم سجد سجدتي السهو قبل
السلام على حديث أبي سعيد، إذا رجع إلى التحري وهو أكثر الوهم سجد سجدتي السهو بعد التسليم، على حديث ابن مسعود، وبه قال أبو خثيمة.
وقد جعلت طائفة معنى التحري الرجوع إلى اليقين، قال أبو سعيد -رحمه الله- معي؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي فيما يخرج من معاني اختلافهم في التحري، إلا أنه لا يوجد في معنى قولهم التصريح؛ لأنه يعمل على ما استيقن عليه، ويبني عليه من الركعات، وقد يعجبني هذا القول لما يدخل من تأويل ما يخرج من معاني قولهم، وإن لم يكن مصرحا أن يكون يجوز له أن يبني على ما استيقن من الركعات، على معنى التحري لتمام الصلاة، حتى يعلم أنه ترك منها شيئا، ولا يضره لما زاد على معنى التحري، وأصل ما يخرج في مذهبهم على أكثر ما عندي من قولهم، أنه لا يجوز الزيادة في الصلاة، كما لا يجوز فيها النقصان، وأنه مثله فلهذا ضاق أصل مذهبهم، في معاني التحري على اليقين من المصلي بصلاته. ومنه ثبت في حديث ابن عيينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين الظهر والعصر، ولم يرجع حتى فرغ من صلاته، ثم سجد سجدتي السهو جالسا، قبل أن يسلم، وممن روينا عنه أنه فعل ذلك عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود والمغيرة بن شعبة والمعمر بن بشير والزبير والضحاك بن قيس.
وقد اختلف أهل العلم فيمن فعل، فقالت طائفة: إذا ذكر ولم يتم قائما جلس، هذا قول علقمة والضحاك وقتادة والأوزاعي والشافعي، غير أن الشافعي قال: إذا رجع إلى الجلوس، سجد سجدتي السهو، وفي قول علقمة والأوزاعي لا يسجد السهو. (12/7)
صفحة 3000
وقالت طائفة: وإن ذكر ساعة يقوم جلس، وهذا قول حماد بن أبي سليمان، وقال النخعي يقعد ما لم يستفتح القراءة.
وفيه قول ثالث؛ وهو أن المصلي إذا فارقت إليته الأرض، وأمر للقيام مضى، كما هو، ولا يرجع حتى يجلس في الرابعة، ثم يسجد سجدتي السهو قبل التسليم، كذلك قال مالك، وقال حسان بن عطية: إذا غابت ركبتاه على الأرض مضى، وفيه قول غير ذلك، ما ذكرنا وهو أن يقعد، وإن قرأ ما لم يركع هكذا قال الحسن البصري، قال أبو بكر بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا، أنه إذا سها عن القعود الأول وقام؛ ولم يقعد فيخرج في بعض قولهم: أنه إذا قام ناسيا فسدت صلاته من حينه، وفي بعض قولهم: أنه حتى يدخل في القراءة، وفي بعض قولهم: أنه حتى يركع ناسيا ثم تفسد صلاته، فإذا ذكر دون هذا ما لم يرجع على قول من يقول بذلك (رجع) فيقعد يسجد ثم قام فبنى على صلاته، وسجد للوهم، وفي أكثر معاني قول أصحابنا، أن السجود للوهم بعد التسليم من الصلاة، وقد يخرج في بعض قولهم: إنه ما لم يتم ركعة تامة، وهو أن يقرأ ويركع ويسجد السجدتين جميعا، فله -إذا ذكر قبل أن يتم الركعة- أن يرجع يقعد،
ويتشهد، ثم يتم صلاته، وفي بعض قولهم: إنه متى ما ذكر ما لم تتم صلاته، فإنه يرجع يقعد ويقرأ التحيات ويتم صلاته، ويخرج ذلك عندي ما بقي عليه حد من حدود الصلاة، فإذا أتم الصلاة وخرج منها، خرج عندي من معاني الاتفاق منهم أن صلاته فاسدة؛ لأن القعود معهم حد، ويخرج في معاني قولهم: إنه فريضة، ولا يجوز تركه على العمد والنسيان، ومنه؛ ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا فسجد سجدتي السهو، وقد اختلفوا في هذا، فقالت طائفة: بظاهر هذا الحديث منهم علقمة والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والزهري وأبو ثور، وفيه قول ثان: وهو أن يزيد إليها فتكون صلاته الظهر وركعتين بعدها، وإذا صلى الصبح ثلاثا صلى ركعة فيكون ركعتين تطوعا، وسجد سجدتي السهو وهو جالس، وفيه قول ثالث: قاله حماد بن أبي سليمان: إذا صلى الظهر خمسا ولم يجلس في الرابعة، فإنه يزيد السادسة ثم يسلم ويستأنف الصلاة، وقال سفيان (12/8)
صفحة 3001
الثوري: فيمن صلى الظهر خمسا ولم يجلس في الرابعة، فإنه يزيد السادسة ثم يسلم، ويستأنف الصلاة، وقال سفيان الثوري فيمن صلى الظهر خمسا، ولم يجلس في الرابعة أحب إليَّ أن يعيد.
وقال النعمان: إن قعد في الرابعة قدر التشهد يضيف إليها ركعة أخرى ثم يتشهد ثم يسلم ثم يسجد سجدتي السهو ثم يتشهد ثم يسلم.
قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا زاد ركعة ناسيا أو متعمدا في صلاته، فصلاته فاسدة، وفسر ذلك من فسر منهم عند معاني الاتفاق من قولهم إلا ما شاء الله، مما يخرج في التأويل، أنه إذا زاد ركعة تامة في وسط صلاته على غير فصل منها يستحق تمامها فسدت صلاته، فإن زاد من بعد تمام صلاته فلا تضره الزيادة، ومن ذلك لو أنه زاد الخامسة في الظهر، ولم يقعد للرابعة، فهذا موضع ما تفسد به صلاته بمعاني الاتفاق، إلا ما شاء الله إذا أتمها، ولو أنه قعد للرابعة فتشهد ثم قام ناسيا، فزاد ركعة أو ركعتين لم تفسد صلاته بمعاني الاتفاق إلا ما شاء الله، إذا أتمها، ولو أنه قعد للرابعة فتشهد ثم قام ناسيا فزاد ركعة أو ركعتين لم تفسد صلاته، في معنى هذا القول؛ لأن صلاته قد تمت حين تشهد، وفي بعض معاني قولهم: إنه لو زاد هذه الركعة الخامسة على النسيان، ولم يقعد للرابعة فما لم يخرج منها بالتمام فله أن يرجع يقعد، ويتشهد ويسجد للوهم، ولا شيء عليه، وفي بعض قولهم: إنه إذا صار إلى الركوع في هذه الركعة الزائدة فسدت صلاته، ويقتضي عندي في هذه المسألة في هذا الفصل في زيادة الركعة، ما يقتضي في المسألة الأولى فيمن نسي حدا، أو جاوزه إلى غيره، هذا إنما نسي معهم القعود، فسواء كان في وسط الصلاة أو آخرها على معنى النظر، على معنى قولهم، وكذلك ما كان مثل هذا في الثلاث والركعتين، إذا زاد الرابعة في الثلاث قبل القعود لم يعده فهو مثل زيادة الخامسة في المعنيين، وكذلك إذا زاد الثالثة في صلاة الفجر قبل القعود وبعده، فالمعنى فيه واحدة والاختلاف فيه واحد.
ومنه؛ اختلف أهل العلم فيمن صلى المغرب أربعا ساهيا فقالت طائفة: يسجد سجدتي السهو، هذا قول الحسن البصري والشافعي وأحمد، وقال (12/9)
صفحة 3002
الزهري: هي صلاته، وقال الأوزاعي: يصلي إليها ركعة، فيكون ركعتان تطوعا، وقال ابن أبي سليمان: يعيد الصلاة، قال أبو بكر: الجواب في هذه المسألة وفي الذي صلى خمسا واحدة تجزئه ويسجد للسهو.
قال أبو سعيد: معي؛ أنه قد مضى القول في معنى هذا، فإن كانت الزيادة للركعة في الثالثة من غير أن يقعد لها، فهو موضع ما تفسد به الصلاة في قول أصحابنا، وأما إذا كان بعد القعود والتشهد فيلحقه معنى الاختلاف، ومعي؛ أنه إذا ثبت من معنى قولهم: إن له ما لم يتم الركعة، أن يرجع فيقعد ويتشهد، فإذا أتم الركعة بالسجود وقعد وتشهد، فقد وقع موقع التشهد، ولا يبعد عندي ما قالوا في هذا الفصل، من معاني ما قيل في تأويل ذلك، وإن لم يكن نصا؛ لأنه قد ثبت في المعنى الأول من قولهم ما لم يتم الصلاة كان له أن يرجع، وقد كان تمام الصلاة بأكثر من ركعة تامة، وتمام الركعة هاهنا السجود الثاني، فقد تمت الصلاة في الأولى على ركعتين، فكان على معنى هذا القول: أنه ما لم يتشهد كان له الرجوع إلى صلاته.
مسألة: وقال في الذي يصلي فيشك في صلاته؛ فعندي أنه يختلف في ذلك فقال من قال: إنه يمضي على أكثر ظنه ووهمه، إذا كان له وهم ولا شيء عليه، وقال من قال: يبدل مرة، وقال من قال: ثلاثا، وقال من قال: ما دام في وقت الصلاة، وقال من قال: ولو فات الوقت حتى يستيقن وتكون نيته أن صلاته التامة منهن.
واختلفوا في القول الأولى في أقوى الظن والوهم، فقال من قال: فيمن ليس من أبناء الدنيا الذين يعالجون شيئا من الأشياء، فيعارضهم في ذلك الوهم، وإنما ذلك الوهم، وإنما ذلك لمن يقبل على صلاته، وليس له غرض في الدنيا، وقال من قال: كل ذلك سواء.
مسألة: سألت أبا معاوية عن الرجل؛ يكون في الصلاة، فإذا قعد يقرأ التحيات، لم يعرف هو في الجلسة الأولى أم الآخرة؟ قال: يتم ثم يسلم، ثم يستقبل صلاته من ذي قبل، وقال أبو القاسم سعيد بن قريش -رحمه الله- أنه من شك، وقد قعد للتحيات، ولم يدر أن هذه القعدة الأولى أم الآخرة في صلاة يقعد (12/10)
صفحة 3003
فيها مرتين، أنه يقوم بما بقي من الصلاة، ومن رأي موسى بن علي قال أبو عبد الله محمد بن سليمان بن المهنا: إنه فعل ذلك.
مسألة: وعن المصلي إذا شك في ركعة، بعد أن قضى التحيات الآخرة قبل التسليم، قال: عندي أنه يختلف فيه، قال من قال: ليس عليه شك حتى يعلم يقينا، وقال من قال:
يدخل عليه ما لم يسلم، وقال من قال: ولو سلم، فالشك داخل عليه، ما لم يخرج من حد الصلاة، فإذا خرج من حد الصلاة فلا شك عليه، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
مسألة: وسألته عن المصلي إذا شك في صلاته بعد أن أتمها، ثم أبدلها فشك فيها ثانية، هل عليه أن يعود يبدل ثانية أو ثالثة؟ قال: فمعي؛ أنه قد قيل: إذا دخل عليه الشك في تمام صلاته في الركعات، في موضع ما يلحقه الشك، وتلزمه الإعادة فقيل: إنه يود مرة، فإن استيقن، وإلا مضى على أحسن ظنه، وليس عليه أن يعيد ثانية، وقيل: إنه يعيد ثانية، وليس عليه ثالثة على هذا.
وقال بعض: إنه ما لم يستيقن على تمامها فعليه البدل، ما لم ينقض وقتها، قلت: فإن دخل عليه الشك في أول مرة، واطمأن قلبه أنها تامة، هل تجزئه الاطمئنانة، ولا يلزمه البدل؟ قال: معي؛ أنه قد قيل ذلك، ويعجبني ذلك لمن كان مقبلا على صلاته، وإنما يعارضه الشك، شك معارضة، فأما من كان مدبرا عن صلاته بالاهتمام بغيرها، فلا يعجبني له هذا إلا على اليقين.
مسألة: ومن جامع أبي محمد الواجب على المرء أن يلقي علائقه قبل القيام إليها؛ ليكون مقبلا إليها بجوارحه، عليها مصروف الهمة إليها، منقطع الخواطر عن غيره، فإذا قام إليها بهذه الصفات التي أمرناه بها، فشك فيها أو سها عن بعضها مما يكون من فرضها، ولا تتم إلا به من أعمالها، لم يكن عليه حرج بتعرضه للسهو عنها، إذا تحرى بحسب طاقته ولم يكلف الله أحدا ما ليس في قدرته.
وللمصلي أن ينصرف عن صلاته، إذا كان عنده أنه صلاها، ولو لم يكن متيقنا، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بأصحابه ركعتين، ثم سلم، وقال لينصرف، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال (12/11)
صفحة 3004
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ذلك لم يكن» يعني بذلك والله أعلم، إن كل ذلك لم يكن عندي، إني نسيت، ولا أنها قصرت.
وزعم بعض مخالفينا، أنه بنى على صلاته بعد أن سألهم.
وقال أصحابنا: كان ذلك في وقت كان الكلام في الصلاة جائزا، قبل أن يرد نسخ الكلام في الصلاة، وفي هذا الخبر دلالة على أن المصلي، إذا انصرف عن صلاته على أنه قد صلاها لما عنده من اليقين، كان مؤديا لفرضه، ولو كان لا ينصرف إلا عن يقين لا شك فيه، كما قال بعض أصحابنا: إنه لما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن ركعتين، حتى أخبره أصحابه، أنه انصرف عن غير يقين، ولو كان انصرف عن يقين لم يصدقهم، ويعود على صلاته، ويزيل يقينه، وهذا يدل على جواز هذا في باب العبادات، وقد عظمت فائدة هذا الخبر، وجل خطره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الصلاة ولم يكملها، وعنده أنه قد فرغ
منها، فجائز للناس أن يخرجوا من الفرائض، إذا كان عندهم في الظاهر أنهم قد أكلموا، وإن لم يعلموا بذلك علما يقينا لا يجوز عليه الانقلاب.
ومن الكتاب؛ ومن سهى عن تكبيرة الافتتاح، أعادة الصلاة من أولها؛ لأنه لا بدل فيها، ومن شك فلم يدر، أكبرها أم لم يكبرها، فالأصل أنه لم يأت بها، فلا يخرج من فرضها إلا بيقين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» ولا يحرم فيها ما كان محللا من الكلام وغيره إلا بالإحرام، وقد ذهب أكثر أصحابنا أن تكبيرة الإحرام وغيرها، مما هو في الصلاة إذا جاوز المصلي موضعه لم يعده، إذا شك فيه، ولا يرجع إليه، ونحن نختار قول من فرق بين تكبيرة الإحرام وسائر التكبير الذي في الصلاة، لأن ذلك ليس بفرض، كتكبيرة الإحرام، ألا ترى أن تكبيرة الإحرام لو تركها المصلي أو نسيها كانت صلاته فاسدة لإجماع الأمة، ولو ذكر أنه نسي غيرها من التكبير أن صلاته لا تفسد، ولو كبر قال أهل الخلاف على أصحابنا أنه لو تعمد لترك ذلك فإن صلاته ماضية.
ومن الكتاب؛ وكل من قدم شيئا من فرائض الصلاة قبل وقته أو أخر شيئا منها عن موضعه، بطل ما قدمه وما أخره، وعاد وأتى بالأول، ثم نسق عليه بالثاني، وإن تعمد لفعل ذلك فسدت صلاته. (12/12)
صفحة 3005
ومن الكتاب؛ ومن سها حتى قدم شيئا قبل شيء، عاد إلى فعل ما نسي ثم فعل الذي بعده والذي كان فعله باطلا.
ومن غير الكتاب؛ وسئل عن رجل وهم في سجدة بعد أن قعد للتحيات، أنه لم يسجدها، هل له أن يسجدها؟ قال: معي؛ أن له ذلك ما لم يدخل في قراءة التحيات، قلت له: فإن كان قد دخل في قراءة التحيات، ثم غلبه الشك، فعاد فسجدها، هل تفسد عليه صلاته؟ قال: معي؛ أنه إن دخل في قراءة التحيات وهو شاك في أحكام السجدتين فعليه الإعادة، ولا أعلم غير ذلك؛ لأنه لم يكن له أن يجاوز الحد إلا بعد إحكامه بلا شك ولا ريب، وإن كان قد دخل في قراءة التحيات، وهو على يقين، ثم شك فعاد فسجد بعد ذلك، فعندي؛ أنه يختلف في ذلك، فقال من قال: إن صلاته فاسدة، وقال من قال: إن صلاته تامة، والشك مع صاحب هذا القول مثل النسيان، يرجع إليه كما يرجع للنسيان إذا ذكره.
مسألة: وعن رجل توهم من بعد ما قام، أنه سجد سجدة واحدة؟ فقال من قال: إذا كان بعد لم يدخل في القراءة، فليسجد أخرى، فإذا قضى صلاته، فليسجد سجدتي الوهم.
مسألة: ومما يوجد عن أبي عبد الله -رحمه الله- ومن قام إلى الصلاة، فلم يذكر منها إلا الحد الذي هو فيه تلك الساعة، فليس عليه نقض، ولا سجدتا الوهم، إذا أتى على حدود الصلاة بعقله، قال غيره: نعم، وكذلك حفظنا إذا انتبه المصلي من نسيانه وغفلته في صلاته، وكان معه في حين ذلك، أنه في الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو السجدة الأولى أو الثانية أو القعود الأول أو الثاني، فهو على ذلك، فإن عارضه الشك
بعد ذلك، لم يكن عليه إلا أن يستيقن على ذلك، وإن كان حين انتباهه إلى حفظ صلاته، وحفظه لها لا يعتمد فيه على شيء، وكان على الشك في حين ذلك، فعليه ما على الشاك في صلاته.
ومن غيره؛ والشك شكان؛ شك التباس، وشك معارضة، فإذا كان الرجل حافظا لصلاته مقبلا عليها، ثم عارضه الشك في شيء من صلاته في القراءة أو الركوع أو السجود، أو كم ركعة، فلا يلتفت إلى ذلك وليمض على ما وثق ما في (12/13)
صفحة 3006
نفسه من ذلك، وهذا شك المعارضة، وشك الالتباس، أن يكون الرجل مشتغلا بذكر الدنيا وهمامها، فذلك إذا شك فلم يدر ما صلى، فذلك الذي ينقض عليه صلاته ويعيد الصلاة.
قال غيره: نعم، قد فرق بين من هو مقبل على صلاته فيعارضه الشك، وبين من لا يعرف نفسه بالإقبال على حفظ صلاته، ويعرض نفسه بمعارضات اشتغال الدنيا، حتى أنه قيل ذلك من أبناء الدنيا، وقد قال: إن عناه ذلك الشك، مضى على أحسن ظنه فأتم الصلاة، ثم رجع فاستأنفها، وقال بعضهم: يقطعها ويستأنفها.
مسألة: وعن رجل شك في حد، أو فصل قد خرج منه، وقد صار في فصل آخر، فرجع إلى ذلك الذي شك فيه احتياطا، هل تتم صلاته؟ فقد قيل: تفسد صلاته، إذا رجع إلى الشك من بع مجاوزة الحد، وقد قيل: إن رجع على الاحتياط لظنه أنه يجوز له ذلك لتمام صلاته، قلت: ولو شك في حد قد قرأ أكثره، فشك في أوله وهو في آخره، فرجع فاستأنفه مزاولة، فقرأ وهو يعلم أنه قد قرأ آخره؟ فقد قيل: جائز له ذلك ما لم يستيقن، وقلت: ولو أنه تعمد فقرأ حدا من الحدود، أو فصل أو كلمة مرتين أو أكثر متعمدا أو جاهلا أو ناسيا هل تتم صلاته؟ فأما إذا فعل ذلك ناسيا، أو يظن أن ذلك جائز، فأرجو أن صلاته تتم، وأما التعمد لذلك، فأحب أن يعيده.
مسألة: ورجل يعنيه الشك، فيقرأ شيئا من الحدود، والفصل، ثم شك فيه قبل أن يقرأ أكثره؟ فقد قيل: يرجع إلى أحكامه، وقلت: أو شك في ركعة تامة قبل أن يقرأ من التحيات شيئا، فمضى على أحسن ظنه ولم يعد شيئا في أول صلاة صلاها، هل يجزيه ذلك؟ فقد قيل يجزيه ذلك، وقيل: لا يجزيه، وأحب أن يجزيه، إن كان مقبلا على صلاته ويعارضه الشك.
مسألة: ومن غيره، ومن الأثر وسمعت أبا مودود أو غيره وأبا الوليد يقولان: إن من شك في صلاته، فإن كان ذلك أمرا يعتاده من قبل إبليس لعنه الله، وإن كان من أهل الدنيا فليمض على أكثر ظنه، حتى إذا قضى صلاته تلك، فليعد الصلاة، ولا ينصرف إلا عن حفظ، فذكرت ذلك لأبي الوليد، هذا من بعد (12/14)
صفحة 3007
ما كتبته، فقال: كذلك سمعنا، ثم قال: كذلك كان منازل يقول: يمضي على أحسن ظنه، حتى يتم شفعا، قال: وعسى أن يكون يحفظ حاله، قال: وأعجبني قول منازل.
قال غيره: نعم، قد قيل هذا كله، وقال من قال: يمضي على أكثر ظنه حتى يتم؛ لأنه لا مخرج من الصلاة، وقد التزمها حتى يتمها على أحسن ظنه، إلا أن تكون تامة، ويخرج منها، فإذا خرج منها على أحسن ظنه على الاحتياط فقال من قال: إن تلك صلاته ليس عليه غير ذلك، وقال من قال: يبدل مرة أخرى، وإن لم يحفظ مضى على أحسن ظنه، وقال من قال: يبدل ما لم يخف فوت الوقت فإن لم يستيقن مضى على أحسن ظنه، وقال من قال: يبدل ما دام في الوقت حتى يفوت، فإن لم يحفظ مضى على أحسن ظنه، وقال من قال: لا يزال يبدل ما لم يستيقن، ولو فات الوقت، ولا يفارق الصلاة إلا على يقين، وإنما هذا إذا شك في ركعة تامة، وقال من قال: إذا شك في حد من حدود الصلاة، فهو بمنزلة من شك في ركعة، وكل ذلك سواء، لأنه لا يجوز أن يدع حدا من حدود الصلاة، كما لا يجوز أن يدع ركعة من ركعات الصلاة، إلا على يقين.
مسألة: -من الزيادة المضافة- قال محمد بن جعفر: كنت أعني بالشك، فأسأل محمد بن محبوب وسعيد بن محرز وسليمان بن الحكم والوضاح بن عقبة، وغيرهم من الفقهاء، وقال محمد بن محبوب: إنما القلب لحمة، فإذا كثر فيه الشك، وكثر عليه انقطع عليه الإنسان، فلم يعرف لنفسه موجها، كمنزلة اللحمة، كلما مسها أكثر أميعت، وكان يقول: إن الكلمة إذا خرجت منك، ليس تصور صورة فتبصرها، ولا تبقى بينه فتعرفها، وإنما هي كلمة مضت فلا ترجع، ولا تتردد في صلاتك وامض ولا ترجع.
قلت: وكنت أسأل سعيد بن محرز؛ فإذا أفتاني بشيء ربما جعلت فقلت له لم؟ فيقول لي: أقبل ما أقول لك، فلا أقنع حتى أعرف كيف حل ذلك الشيء، أو كيف حرم؟ فيقول: إنما لم أخبرك كيف ذلك مخافة إن أخبرت، فيعود يدخل عليك في ذلك معنى آخر من الشك، ويفتح لك الشيطان -لعنه الله- شكا آخر. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (12/15)
صفحة 3008
مسألة: وعن رجل قام يصلي الظهر، واعتقدها، فلما صلى ركعة، خطر بباله أنها صلاة العصر، فاعتقدها أنها صلاة العصر، فلما صلى ركعة ثالثة، ذكر أنها صلاة الظهر ما يكون حال صلاته؟ قال: معي؛ أنه قيل يمضي على صلاة الظهر، وتتم إذا أتمها على هذا في معنى القول، وفي بعض القول: إنه يبتدئ صلاته، قيل له: فإن صلى من صلاة الظهر ركعتين واستيقن عليهما ولم يعرف أهو في الثالثة أو الرابعة؟ قال: معي؛ أنه يختلف في ذلك، فقال من قال: إنه يبتدئ صلاته، وقال من قال: يتم هذه الركعة التي لم يعرف أهي الثالثة أم الرابعة، ثم تقرأ التحيات إلى عبده ورسوله، ثم يقوم فيأتي بركعة تامة ويقرأ التحيات ويسلم، وقد تمت صلاته، لأنه إن كانت الركعة التي شك فيها هي الثالثة فقد أتى بها ركعة رابعة، وإن كانت تلك الرابعة لم تضره هذه الركعة التي أتى بها من بعد قراءة التحيات.
مسألة: -من الزيادة المضافة من الأثر- قلت: فرجل جاء إلى قوم، وهم في الصلاة، وقد فاته منها شيء، فلما سلم الإمام قام يقضي، فشك أدركهم في القيام أو في الركوع أو في السجود أو في السجدة الأولى أو الآخرة؟ قال: يقضي إلى آخر علمه من ذلك.
ومن غيره؛ قال: وقد قيل يعيد الصلاة حتى يستيقن، وقال من قال: بالقول الأول.
ومن غيره؛ قال: وقد قيل يأتي بالركعتين، لأنه إن كان فاتته ركعة، فلا تضره زيادة ركعة أخرى بعد تمام صلاته، وإن كان فاتته ركعتان، كان قد أتى بالركعتين، ولم يزد في صلاته شيئا، وقال من قال: لا يأتي بالصلاة، إلا على يقين، ولا ينفع العمل على الشك (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: ورجل يصلي مع الإمام، فقام الإمام يقرأ السورة، وهذا يستمع، ثم شك في قراءة الحمد وتكبيرة الإحرام قلت ما يصنع؟ فمعي؛ أنه مما قيل: إنه إن كان يستمع منصتا لقراءة الإمام، كان له أن يمضي على صلاته حتى يعلم أنه لم يحرم، إذا كان معه أنه منصت لقراءة الإمام في الصلاة، قلت: ولو شك في التحيات وهو قاعد مع الإمام قبل أن يسلم ما يصنع؟ فمعي؛ أنه قيل يعيد التحيات. (12/16)
صفحة 3009
مسألة: ومن جواب أبي سعيد -رحمه الله- في رجل يعارضه الشك في صلاته حتى لا يحفظ كل كلمة خرج منها، ولا كل فصل، ولا حد، وقلبه مطمئن أنه لا يقدم كلمة قبل كلمة، ولا فصلا قبل فصل، ولا حدا قبل حد، إلا أنه يخرج من الكلمة على يقين أنه قالها، فإذا صار إلى غيرها شك، وكذلك الفصل والحد، إلا أنه إذا نص حفظه بعد أن يخرج من الكلمة والفصل أو الحد إلى غيره، لم يستيقن أنه قاله.
قلت: ما أقول في صلاته؛ فقد قيل في هذا على ما وصفت باختلاف، فأما الحد فقد قيل أكثر القول أنه لا تتم صلاته حتى يستيقن، والفصل أوسع من الكلمة والكلمة مع الشك عندي مثل الفصل، وأرجو أن يسع ذلك على ما ذكرت أنت في مسألتك هذه، وقلت: وكذلك لو أنه كان إذا فرغ من الحد أو الفصل، قد فرغه ثم عارضه الشك بعد أن صار في الحد، فعرف أنه قد كان اعتقد، ومضى لاعتقاده، ولم يعد، هل يجوز له ذلك؟ فنعم.
ومن غيره، قلت له: لو أنه ذكر وهو في السورة، ولم يدر قرأ الحمد أم لا، هل عليه أن يرجع فيقرأ الحمد؟ فالجواب في هذا؛ أنه لا يرجع إلى ذلك حتى يستيقن، وقد قيل: عليه أن يرجع ما لم يخرج من القراءة والأول أحب إليّ.
مسألة: وسئل أبو سعيد، عم من شك في الركعة الرابعة من الصلاة ولم يدر؛ أهذه الرابعة أم الثالثة كيف يصنع؟ قال: معي؛ أن بعضا يقول إنه يقعد فيقرأ التحيات إلى (محمدا عبده ورسوله) ثم يقوم يأتي بركعة ثم يقعد يقرأ التحيات مرة ثالثة، وقد تمت صلاته على القول عندي.
قلت له: فإن لم يقرأ التحيات مرة ثالثة، هل تتم صلاته إذا ظن أن ذلك جائز له؟ قال: معي؛ أنه لا تتم له الرابعة إلا بالتحيات.
قلت له: فإن شك في صلاته في الركعة الرابعة، أهي الثانية من الصلاة أم الرابعة كيف يصنع؟ قال: معي؛ أنه قد قيل يقعد يقرأ التحيات إلى عبده ورسوله، ثم يأتي بركعتين ويقرأ التحيات، فإن تكن صلاته قد تمت لم تضره الزيادة عندي، وإن تكن ناقصة فقد تمت، ومعي؛ أنه قيل يعيد الصلاة. (12/17)
صفحة 3010
مسألة: ومن غيره؛ أخبرنا أبو زيا، إن أبا عبيدة وأبا نوح اختلفا في رجل يصلي، فتختلط عليه صلاته فلا يدري كم صلى؟ قال أبو نوح: يهملها ويستقبل صلاة أخرى، قال أبو عبيدة: يمضي على أحسن ظنه، ثم يستقبل صلاة أخرى، ولا يعتد بالتي صلى، قال أبو المؤثر: برأي أبي نوح نأخذ، ومن غيره قال: وقد قيل يمضي على أحسن ظنه حتى يتم ركعتين يسلم عنهما، وقال من قال: يمضي على أقوى وهمه حتى يتم صلاته، وليس عليه غير ذلك، وأن ليس عليه إعادة صلاته.
ومن غيره؛ أخبرني بشير عن أبيه قال: إذا كان الرجل يشك في صلاته، صلى ثلاث مرات، ثم مضى على أحسن ظنه في الرابعة، ومن غيره قال محمد بن جعفر: قالت لي عبيدة بنت محمد، إن أبا علي موسى بن علي -رحمه الله- رآها قد صلت العتمة وشكت في صلاتها فأبدلتها، ثم شكت في البدل، فقال لها: إنها البدل من الشك مرة واحدة، فإن شككت أيضا فإن ذلك من الشيطان -لعنه الله- فلا ترجعي تبدلينها، قالت: فإني قد شككت في البدل وأنا أصلي، فالذي معي الساعة أني لم أصلها، قال: دعيها ونامي، فإن ذلك من الشيطان، قالت: فلم أصلها برأيه ونمت فذهب الشك عني.
مسألة: ومن غيره؛ قال: ويعجبني في الذي يبتلي بالشك، أن يأخذ بأرخص الأقاويل من المسلمين ليقوى بذلك على دفع الشك ويقبل على صلاته.
ومن الكتاب، وقال محمد بن محبوب -رحمه الله- أيضا في حفظي عنه في الذي يشك في الصلاة، إنه يجوز له أن يجهر بجميع صلاته، وما فيها من قراءة، وتسبيح والتحيات، حتى يسمع ذلك الذي يحفظ عليه ويعلمه أنه قد أتم صلاته لحال حاجته إلى ذلك، وقال: يجوز أن يحفظ على المصلي صلاته الواحد الثقة، فإن حفظت عنه صلاته أمة مملوكة ثقة، فيقبل قولها ويؤخذ به.
قلت: فإن شك وهو إمام في سجوده في السجدة الآخرة أنها السجدة الأولى، فكره أن يحمل الناس على الشك، وهل يجوز له أن يقوم برفق بلا أن يعلم الذين خلفه فسجد سجدة أخرى وحده، ثم يرجع إلى سجوده بالناس ويقوم بتكبيرة، ويكون قد احتاط لنفسه بهذه السجدة، قال: نعم، يجوز له ذلك، ومن غيره قال محمد بن المسبح: إن شك في سجدته زاد سجدة، فمن كان خلفه وعلم (12/18)
صفحة 3011
أنه سجد سجدتين لم يزد سجدة، ومن لم يستيقن أنه سجد سجدتين سجد عنده تمت صلاتهم جميعا، ولا ينبغي له أن يفعل شيئا في صلاته سرا، فيكون قد خان من خلفه (رجع)، وكل من سجد ثم شك، ولم يستيقن أنه سجد سجدتين، فليرجع يسجد حتى يستيقن أنه سجد سجدتين، قال غيره: وهو الأكثر، وقد قيل: إذا شك في ذلك، أعاد صلاته.
ومنه؛ مسألة: وأما الحد، إذا خرج منه في الصلاة، فلا يرجع إليه بالشك، حتى يستيقن، وكذلك حفظ لنا الثقة عن موسى بن علي -رحمه الله- أنه قال: كلما خرج المصلي من حد من حدود الصلاة، وصار في الحد الثاني، ثم شك أنه لم يحكم ذلك الذي خرج منه، فيمضي في صلاته ولا يرجع إليه حتى يستيقن، قال غيره: وقد قيل: يرجع حتى يستيقن.
مسألة: وعن عبد الله بن محمد بن بركة فيما أحسب، وسألته عن إمام يصلي بقوم فشك أنه لم يبتدئ بأول فاتحة الكتاب، وهو في الركعة قبل أن يقرأ السورة، فظن أنه ابتدأ ببعض فاتحة الكتاب، قال: اختلف أصحابنا في ذلك على قولين فقال بعضهم: يرجع فيبتدئ بفاتحة الكتاب، ما لم يجاوزها إلى غيرها، وقال قوم: إذا جاوز شيئا منها، أو شك في أولها، وقد بلغ إلى آخرها، وقبل أن يتممها، أو قال ولا الضالين فلا يرجع إلى الشك، قلت: فما حجة صاحب هذا القول الأول؟ قال: عنده أن فاتحة الكتاب حد، لا يجاوزه حتى يحكمه، وأنه لا يخرج إلى غيره، وهو شاك فيه.
وقلت: فحجة أصحاب القول الثاني؟ قال: قالوا لم يصل إلاّ بعضها أو إلى آخرها، إلا وقد ابتدأ بأولها، قال: وقالوا إن العادة لم تجر من الناس أنهم إذا قاموا إلى الصلاة يبتدئ من وسط فاتحة الكتاب، قال: وإذا كانت العادة قد جرت بخلاف ما شك فيه المصلي وتوهم، لم يكن للشك حكم يدفع العادة التي هي مثل اليقين.
مسألة: ومن الكتاب، وعن أبي عبد الله -رحمه الله- فيمن شك في قراءة فاتحة الكتاب بعد أن فرغ منها، قال: إن استيقن أنه كان فيها، فليمض في صلاته ولا يرجع، وكذلك الذي شك في القراءة بعد أن يصير إلى الركوع، أو شك في الركوع بعد أن صار إلى السجود، فلا يرجع حتى يستيقن. (12/19)
صفحة 3012
مسألة: وسألته عن رجل، دخل في قراءة الحمد، ثم شك أنه لم يحرم؟ قال: معي أنه يختلف في ذلك أصحابنا، قال من قال: يمضي على صلاته، وليس عليه أن يرجع، إذا كان قد خرج من حد إلى حد، وقال من قال: إن عليه أن يرجع يحرم ما دام في الصلاة، فهو يلحقه الشك، لأن الصلاة لا تكون إلا بالعلم والحفظ، ومعي، أن الأولى هو الأكثر في قول أصحابنا السائر من قولهم.
قلت له: فإن رجع فأحرم، وقد كان قد دخل في قراءة فاتحة الكتاب، أو يرجع من حد إلى حد بعد أن خرج منه، قال: معي؛ أنه إذا رجع إلى الإحرام، من بعد أن دخل في
القراءة، فلا فساد عليه، ويجوز له ذلك؛ لأنه قد رجع إلى أول الصلاة، وأما إن رجع من حد إلى حد على الشك، فقد فسدت صلاته على هذا القول.
مسألة: وسألت أبا سعيد محمد بن سعيد -رحمه الله- عن المصلي إذا رفع رأسه من الركوع، وقال: سمع الله لمن حمده، أو لم يقل، ثم شك في قراءة السورة، فرجع قرأها وركع ثانية، وقضى صلاته، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي؛ أنه قد قيل إن صلاته منتقضة، إذا رجع على الشك إلى حد قد خرج منه إلى غيره حتى يستيقن أنه تركه أو ترك ما لا يجوز له تركه منه.
قلت له: فلو أنه شك في حين أخذ في انحطاطه للركوع، أنه لم يقرأ سورة، هل عليه أو له أن يرجع يقرأها؟ قال: فعلى حسب ما يقع لي أنه في بعض القول ما لم يستو راكعا أن له ذلك وعليه، ومعي؛ أنه قد قيل: إن له الخيار ما لم يستو راكعا، وأرجو أنه قد قيل: إنه إذا خرج من الحد الذي هو فيه، وأخذ في غيره، ثم شك أنه ليس عليه، ولا له أن يرجع إلى الشك، فإذا ثبت هذا فأخذه في الركوع، أي انحطاطه عندي وخروجه من القيام انحطاطه للركوع؛ لأنه من عمل الركوع ليس من عمل القيام.
قلت له: فلو أنه استوى راكعا وسبح، أو لم يسبح شيئا، ثم شك في قراءة السورة، هل يلحقه الاختلاف، ما لم يقل سمع الله لمن حمده، أن يرجع يقرأ السورة أم لا؟ قال: معي؛ أنه على حسب قول من يقول إنه إذا خرج من الحد لم يكن عليه أن يرجع إليه، فهذا قد خرج من الحد الذي شك فيه، ولا يبين لي في ذلك اختلاف على هذا المعنى على سبيل الخروج من الحد. (12/20)
صفحة 3013
الباب الثاني
الزيادة في الصلاة على الشك والنسيان
قلت: أرأيت إن زاد المصلي في صلاته ركعة تامة على النسيان، هل تتم صلاته؟ قال: قد قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال: إنها تامة، فلو كان ذلك في وسط الصلاة، وقال من قال: إنها منتقضة؛ لأن الصلاة فرض مؤقت لا زيادة فيه ولا نقصان.
قلت له: فعلى قول من يقول بالتمام، إن زاد فيها ركعة على سبيل التحري عند الشك، هل يكون مثل النسيان؟ قال: معي؛ أنه قال ذلك من قاله من أهل العلم، فيما يخرج من مذاهبهم، وقال من قال: إنه ليس كالنسيان وهو أشد، وقال من قال: ولو زاد حدا واحدا في وسط الصلاة، فسدت صلاته، ولو كان ناسيا، وأما إذا زاد حدا متعمدا فسدت صلاته، إذا كان قبل تمامها، ولا نعلم في ذلك اختلافا.
مسألة: ومن -جامع ابن جعفر- وقال أبو عبد الله -رحمه الله- سألت أبا علي موسى بن علي -رحمه الله- عن رجل زاد في صلاته ركعة تامة، من بعد أن قضى التحيات الآخرة، وظن أنه لم يكمل صلاته؟ قال: صلاته تامة، ولا بأس عليه؛ لأن صلاته قد
تمت، قال أبو عبد الله -رحمه الله- وأنا أقول من زاد ركعة تامة في موضع من صلاته قبل أن يكملها فإن صلاته تفسد، مثل رجل يصلي حتى إذا كان في موضع القعدة الآخرة، قام ولم يقعد يقرأ التحيات الآخرة فزاد ركعة تامة، فهذا قد زادها، وقد بقي عليه شيء لم يكمله، فهذا عندي تفسد صلاته، قال غيره: وقد حفظ من أهل العلم أن صلاته تامة. (12/21)
صفحة 3014
الباب الثالث
في الذي شك أنه في الركعة الثانية
أو الثالثة أو الرابعة كيف يفعل
وحفظت عنه عندي أنه، أبو سعيد في الرجل يصلي صلاة الظهر أو العصر أو العشاء الآخرة، فشك بعد أن يقوم من التحيات الأولى إلى الركعة الثالثة، إنها هي الثالثة أو الرابعة، وقد استيقن على الركعتين الأولتين، فأجاب في هذه المسألة على معنى قوله بثلاثة أقاويل: أحدها أنه يبدأ صلاته، ورأيته يحب ذلك، وقال من قال: يقعد من الركعة التي شك فيها أنها الرابعة أو الثالثة يقرأ التحيات إلى عبده ورسوله، ثم يقوم يأتي بركعة أخرى، فإن كانت صلاته ناقصة فقد تمت بهذه، وإلا فلم يضره شيء، وقال من قال: إنه إذا استيقن على الركعتين الأولتين، وشك في الآخرتين، أنه يصلي حتى يستيقن على أربع ركعات، إذا شك في الركعة التي هو فيها أنها الرابعة أو الثالثة، فيزيد ركعة أخرى حتى يستيقن على أربع ركعات.
مسألة: من جامع أبي محمد -رحمه الله- وإذا شك المصلي في قعوده أنه سجد واحدة أو اثنتين زاد سجدة أخرى، ليكون على يقين، وقال موسى بن علي: إذا شك أنه صلى ثلاثا أو أربعا، وهو في القعود يأتي بركعة بما فيها ليكون على يقين، قال: وإن كان قد صلى أربعا لم تضره تلك الركعة الخامسة؛ لأنه كان بقي عليه التسليم، وإن كان قد قعد للثالثة فقد أتى بالركعة وتمت صلاته، وقال بعض مخالفينا: إذا شك في ثلاثة ركعات أو أربع، ألقى ما شك فيه وبنى على يقينه، ورووا في ذلك خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنحب أن يعتبر معنى قولهم؛ لأن أصحابنا قد (12/23)
صفحة 3015
وافقوا أهل هذا القول بالسجود، وفارقهم موسى بن علي في عدد الركوع على غير الوصف الذي ذكرناه من قوله.
مسألة: وعن من يكون في قراءة التحيات الآخرة، فشك هذه الركعة الثالثة أو الرابعة، وقد أخذ في القراءة، قلت: هل عليه أن يأتي بركعة أخرى ويقرأ التحيات ثلاث مرات؟ فمعي أنه قد قيل: إن له أن يأتي بركعة بعد قراءة التحيات إلى (محمدا عبده ورسوله)، ويقرأ التحيات بعد تمام الركعة، ولا يضره ذلك على معنى قوله، ومعي؛ أنه قد قيل: ليس له ذلك ويعيد صلاته، وقلت: إن جهل أن يقرأ التحيات مرة ثالثة، وتعمد لذلك هل
تم صلاته؟ فمعي؛ على معنى قول من قال بذلك، أنه لا يصح تمام صلاته إلا بالركعة إذا ترك التحيات، فلا تجوز الركعة إلا بالتحيات، ولا يجوز ذلك عندي إذا ترك بجهل أو تعمد.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر، وحفظت أنا عنه أحسب أبا عبد الله، أنه إذا صلى المصلي فلما قعد من السجدة الآخرة شك في صلاته، فلم يدر تلك الركعة هي الرابعة أم الثالثة؟ قال: فيقعد فيقرأ التحيات، ثم يقوم فيأتي بركعة تامة ويقعد ويقرأ التحيات، فإن كانت صلاته قد تمت عند قراءة التحيات الأولى لم تضره هذه الركعة بعد انقضاء الصلاة، وإن كانت الصلاة لم تكن قد تمت، وإنما إتمامها بهذه الركعة الآخرة، لم تضره تلك التحيات الأولى التي أتاها وهي استحاطة منه، وكذلك عندي جائز في كل الصلوات.
قال غيره: ومعي؛ أنه قد قيل يعيد صلاته بالابتداء في جميع ما شك فيه من هذا.
قال غيره: معي؛ أنه قد قيل هذا فيما يكون من الصلاة الثلاث ركعات مثل صلاة المغرب والوتر، إذا شك في ركعة، وفي الأربع إذا شك في ركعتين أتى بركعة في الثلاث وركعتين في الأربع، وقال محمد بن المسبح: إذا لم يدر ثلاثا أو أربعا أعاد صلاته، ولكن لك عن غيره؛ لأن وضاح أخبر عن أبي بكر الموصلي، أن من زاد ركعة في صلاته أعادها، فمن زاد بعد تحياته ركعة، فكأنه صلى خمسا، والصلاة أربع كما فرضها الله لا زيادة فيها ولا نقصان، وقد أخبرني عن بشير غير ذلك.
قال غيره: وقد حفظ من حفظ من أهل العلم، أنه أصل ما جاز من أجاز (12/24)
صفحة 3016
هذا، إنه قال: لا تفسد صلاته على الاستحاطة، كما لا تفسد صلاته على النسيان، فإذا لم يزد في صلاته ركعة تامة، لم تفسد صلاته، ولو زاد فيها ما لم يزد ركعة تامة بقيامها وركوعها وسجودها، فمن زاد دون ذلك على النسيان لم تضره تلك الزيادة، فعلى الاستحاطة يجوز له ما يجوز في النسيان فإذا كان إنما يريد منذ دخل على الشك على الاستحاطة ما دون الركعة التامة، فصلاته تامة، فعلى هذا القول أجاز من أجاز ذلك، وهذا واس في أصل المذهب، وفيه بعض السعة والترخيص، وقال من قال: يجوز له أن يزيد في الصلاة حدا تاما، فإن زاد حدا تاما في الصلاة غير ما كان فيه من الصلاة، فهذا تفسد صلاته، أما إذا شك أهذه الثالثة أو الرابعة، فقال من قال: هذا يبتدئ صلاته؛ لأنه لابد من زيادة حد في صلاته على الاحتياط منه في ذلك؛ لأنه إذا قعد فأتى بالتحيات ثم قام فأتى بركعة أخرى، فإن كانت تلك الركعة فقد أتى بالصلاة، وإن كانت الثالثة، فقد زاد في صلاته حدا، وهو التحيات فهو جائز على القول الذي قيل: إنه ما لم يزد ركعة تامة، وعلى القول الآخر أنه لا يجوز، وكل ذلك صواب إن شاء الله.
مسألة: قال أبو محمد: اختلف أصحابنا فيمن شك في حد من حدود الصلاة، وهو قد جاوزه إلى غيره؛ فقال بعضهم: لا يرجع إلى حد قد خرج منه بالشك، ويمضي على صلاته، وقال آخرون: ولو شك وقد صار إلى آخرها فعليه أن يبدأها بأولها، ولا يخرج
إلا بيقين من أدائها، قلت: فعلى قول من لم ير النقض، ما قوله فيمن شك في شيء من الركوع، وقد انحط للسجود ما يفعل؟ قال: اختلفوا في ذلك، قال بعضهم: إذا أكمل الركوع واستوى قائما، فلما خرج منه وصار في حد السجود، وقال آخرون: هو في حد الركوع، ما لم تقع جبهته على الأرض. (12/25)
صفحة 3017
الباب الرابع
في المصلي إذا دخل في الصلاة على أنه على غير وضوء
أو جنب، وأتمها بعد أن دخل فيها،
ثم صح عنده أنه متوضئ
وقيل في رجل دخل في الصلاة، ثم ذكر أن ثوبه غير طاهر، وأنه نجس، أو ذكر أنه جنب أو أنه على غير وضوء، فمضى على صلاته على ذلك، ثم تبين له بعد ذلك أنه اغتسل، أو أنه توضأ، أو أنه غسل ثوبه، فقد اختلف في ذلك، فقال من قال: تفسد صلاته، وقال من قال: صلاته تامة في جميع ذلك، وقال بعضهم: تتم في الثوب ولا تتم في الوضوء، وقال من قال: تتم في الثوب والوضوء، ولا تتم في الجنابة، وقال من قال: إن ابتدأ الصلاة على ذلك وهو كذلك أيضا، وقال المضيف: لعله والابتداء أشد إثما، والاختلاف في نقض الصلاة وتمامها كذلك إن شاء الله، قال غيره: ومعي؛ أنه قيل لو صلى على أحد ذلك ناسيا، ثم علم في الوقت أنه قد صلى على ذلك، فعليه الإعادة، فإن أعاد وإلا فعليه الكفارة إذا فات الوقت، ولا يسعه جهله، وقال من قال: إن المصلي جنبا أو على غير وضوء، فعليه الكفارة، وإن كان إنما صلى بنجاسة في ثوبه أو بدنه، فلا كفارة عليه، وقيل لا كفارة عليه في شيء من ذلك. (12/27)
صفحة 3018
[صفحة بيضاء] (12/28)
صفحة 3019
الباب الخامس
في العذر الذي يجوز للمصلي أن يقطع به صلاته
من كتاب ابن جعفر، وقيل أيضا: يجوز للمصلي أن يقطع صلاته من المطر الذي يخاف منه الضرر، أو دابة له تنفر في السفر، أو يصرف دابة تأكل طعامه، أو لصبي يخاف عليه أن يقع في شيء يهلك فيه، وما يشبه هذا من الأشياء، فإن المصلي يقطع صلاته لذلك، ثم يستأنف الصلاة من بعد.
مسألة: وصاح صائح، ونحن في الصلاة خلف موسى بن علي، لصبي وقع في بئر عند المسجد، فقطع الصلاة، وأقبل هو ومن معه حتى وقف على البئر، وأخرج الغلام.
ومن غيره، قال: نعم، ويستقبل الصلاة وذلك إذا لم يخف فوت الوقت.
مسألة: ومن غيره، وعن رجل حضر وقت الصلاة، ووقع صبي في بئر أو سقط في شيء يهلك فيه، هل له أن يدع الصلاة وينجي الصبي، ولو فات وقت الصلاة؟ أو ليس عليه أن يدع الصلاة، ولو خاف على الصبي؟ فعلى ما وصفت، فنعم له أن ينجيه مما يخاف عليه فيه الهلاك، ويدع الصلاة ولو فات وقت الصلاة، ويصلي كيف أمكنه إن قدر على ذلك.
مسألة: وحدثني هاشم بن غيلان، عن المصلي أنه لا ينصرف، ولو وقعت الغنم في الحرث، وزعم هاشم أنه سمع ذلك.
مسألة: -من الزيادة المضافة- وليس للمصلي أن يقطع صلاته إلا من عذر، قال الله تعالى: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد:33)، (إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء:29). (12/29)
صفحة 3020
مسألة: من -الأثر- ما تقول في الرجل يدخل في الصلاة، ويأمره والده بشيء من أعمال الدنيا، مثل سوق دابة أو ربطها أو شيء من أعراض الدنيا، هل له أن يقطع صلاته ويمضي لأمر والده؟ قال: لا، ليس عليه ذلك، يقضي صلاته ثم يمضي لأمر والده، قلت: كذلك الزوجة إذا أمرها زوجها بأمر، وهي قد أحرمت للصلاة؟ قال: نعم.
مسألة: منه؛ قلت له فما تقول في العبد إذا أمره سيده بأمر، وقد دخل في الصلاة وهو في وقت انقطع صلاته قضى لسيده حاجته وأدرك الصلاة، أعليه أن يقطع صلاته من بعد أن يحرم؟ فلم ير عليه أن يقطع صلاته من بعد أن يحرم، قال: وأما ما لم يحرم فإذا كان على وقت من الصلاة فليطع سيده، ما لم يخف الفوت في الوقت.
مسألة: منه؛ قال: إذا عرض للمصلي أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، مما يفوت، وقد أحرم للصلاة؟ فإن كان ذلك الأمر بالمعروف مما يفوت إن لم يقطع صلاته، وكان وقت قطع صلاته، أنكر ذلك المنكر وأمر بمعروف ورجع إلى صلاته، ولم يخف فوتا، فإنه يقطع صلاته إذا كان ممن يقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان يخاف فوت الوقت، قبل أن يصلي، فإنه يتم صلاته، ثم يرجع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد ذلك، وإن كان ذلك الأمر مما ليس يفوت، إن أتم صلاته، فإنه يتم صلاته ثم يرجع إلى ذلك، ولو كان في أول الوقت. (12/30)
صفحة 3021
الباب السادس
فيما يجوز قطع الصلاة بسببه
عن الرجل إذا أحرم في الصلاة وحده، ودخل الإمام، هل له أن يقطع صلاته ويصلي مع الإمام أم لا؟ قال: معي؛ إنه إن كان دخل في الصلاة من بعد انتظار الجماعة، أو أيس منها، ما لا يكون مضيعا للجماعة بذلك، فلم يحرم الإمام قبل أن يتم صلاته، فلا يبين لي عليه قطع صلاته، وأحب له أن يقطعها، إن كان الوقت واسعا، ويجعل ما مضى منها نفلا يسلم عن ركعتين، فإن كان على سبيل تضييع الجماعة أو تركها على
الاستخفاف بها، كان معي أن عليه أن يصلي في الجماعة، ويستغفر ربه، وما صلى أحببت أن يكون يسلم عنه على ركعتين، ويجعلهما نافلة، ولا يهمل أمر صلاته بعد أن دخل فيها بالإحرام.
قيل له: فإن دخل في الثالثة، ولم ينتظر الجماعة، أعليه أن يقطعها من حينه أم لا؟ قال: يعجبني أن يجعلها نفلا، ويتم ما بقي من الصلاة على النفل.
مسألة: من الزيادة المضافة، قال أبو سعيد -رحمه الله- في رجل يصلي، فرأى رجلا يقتل رجلا، إنه مخير في ذلك، إن شاء قطع صلاته، وإن شاء ترك ذلك، لأنه يمكن أن يكون يقتله بحق، وغير ذلك من الإمكان -انقضت الزيادة المضافة-. (12/31)
صفحة 3022
[صفحة بيضاء] (12/32)
صفحة 3023
الباب السابع
في الناعس، هل يجوز أن يوقظ للصلاة أو غيرها أم لا؟
سألته عن الناعس، هل يجوز أن يوقظ للطعام، وللصلاة وغير ذلك من المعاني؟ فأجاز ذلك، وروي عن أبي الحواري -رحمه الله- عن محمد بن خالد أنه سمعه يوقظ النائم من المسجد، فيقول للنائم: يا نائم قم قائما، قال: لا نرى بذلك بأسا، قلت: فما تفسير قول المسلمين، ولا ينبه نائما أقر بالعدل عن مرقده، قال: إنما النائم هاهنا الآمن المقر بالعدل، فإنما يسمى نائما، لأنه آمن، والآمن من المقر بالعدل لا يخاف إلا بما يستحق من الخوف، إذا استحق ذلك بتركه العدل. (12/33)
صفحة 3024
[صفحة بيضاء] (12/34)
صفحة 3025
الباب الثامن
ما يقطع الصلاة من الممرات والنجاسات
من الدواب والبشر وغير ذلك
وأما الكلب، فإنه يقطع الصلاة، إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة رفعها ثلاثة أشبار، أو يكون بين ممره وبين المصلي خمسة عشر ذراعا، وقد قالوا: إن الكلب المعلم لا يقطع الصلاة، قال أبو المؤثر: الكلب المكلب كغيره من الكلاب يقطع الصلاة.
مسألة: وسألته عمن يصلي، وفي قبلته ثوب لا يصلي فيه، ما يلزمه؟ قال: لا بأس به، وقد سألت محمد بن محبوب عن رجل يصلي، وقدامه ثوب جنب؟ فقال: صلاته تامة.
مسألة: عمن يلي خلف نائم، هل عليه نقض؟ قال: يخط خطا ويصلي، فلا نقض عليه، إلا أن يعلم أنه جنب، فإن علم أنه جنب، انتقضت صلاته.
مسألة: وعن رجل وقعت عليه نجاسة، فعمت جميع بدنه، ثم مضى بين يدي مصل، هل تفسد صلاته إذا لم يكن سترة؟ قال: لا تفسد بالنجاسة كلها إن كانت أقل من خمسة عشر ذراعا عن المصلي، ولم تكن سترة تفسد بهذا، والذي يفرق بين النجاسات والممرات، معي أنه قال: لا تفسد لممر هذا، ما لم تمسه.
مسألة: وسئل عن رجل يصلي، فمر كلب فمس ثيابه أو بدنه، هل تنتقض صلاته؟ قال: هكذا عندي، أنه تنتقض، لأنه قد مسألة: النجاسة في صلاته، إذا كان من الكلاب النجسة، قيل له: فإن كان من كلاب الصيد، هل يقطع؟ (12/35)
صفحة 3026
قال: معي؛ أن بعضا يقول: إن كلب الصيد طاهر، ولا ينجس ما مس به.
وبعض يقول: إنه بمنزلة سائر الكلاب في الأحكام، قيل له: فإن مسه كلب صيد، أو من سائر الكلاب، وهو متوضئ، هل ينتقض وضوؤه إذا كان يابسا؟ قال: معي؛ إنه لا ينتقض، إذا لم يمسه برطوبة من الكلب أو من الممسوس.
مسألة: وعن الجبن والحائض، يمران على المصلي، هل يقطعان عليه؟ قال: معي؛ إنه قد قيل إن الجنب والحائض، إذا مرا أمام المصلي ولا سترة قدامه تحول بينه وبينهما دون الخمسة عشر ذراعا قطعا عليه صلاته.
وقال من قال: إن الجنب لا يقطع، وتقطع الحائض، وقال من قال: كلاهما لا يقطعان.
مسألة: والثوب الذي فيه النجاسة الذي أمام المصلي، فلا ينبغي ذلك، فإن صلى ولم يمسه الثوب النجس، فلا ينقض عليه.
مسألة: وأما الذي صلى، وقدامه عذرة، ولم يعلم حتى صلى، فمعي؛ أنه قيل لا تفسد عليه في بعض القول، حتى تمسه أو تكون في موضع صلاته.
مسألة: أحسب عن أبي إبراهيم، قلت: فإن صلى وقدامه ثوب به جنابة؟ قال: يصفح بوجهه عنه، وليس عليه نقض، وعنه أيضا في رجل يصلي خلف الإمام، وقدامه نجاسة مثل عذرة أو دم، أو غير ذلك، وهي أقل من ثلاثة أذرع؟ قال: ليس عليه نقض، إلا أن تكون النجاسة بينه وبين سجوده؛ لأن الإمام سترة لمن خلفه.
مسألة: من كتاب ابن جعفر، وينقض الصلاة، المشرك صغيرا كان أو كبيرا، والأقلف البالغ، ولو أسلم ولو كان له عذر، فإنه قيل ينقض الصلاة ما لم يختتن، ولو كان له عذر، والحائض والجنب، وقيل عن محمد بن محبوب -رحمه الله- أنه قال: إن الجنب لا يقطع الصلاة، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: هذا غلط عن أبي عبد الله، وإن الجنب يقطع (رجع). وقيل: لو غسلت الحائض والجنب، إلا جارحة لم تغسل، ثم مضى شيء من هذا بين يدي المصلي (12/36)
صفحة 3027
انتقضت صلاته، وكذلك إذا مضى شيء من هذا بين يدي المصلي في أقل من خمسة عشر ذراعا، أو تكون هنالك سترة، فإذا كانت سترة فلا يقطع على المصلي فيما مضى من خلفها، والسترة أقل ما يكون عود رفعه ثلاثة أشبار، وفي بعض القول: وثلاثة أشبار أكثر القول، وقال من قال من الفقهاء أيضا: إن الخط في الأرض يجزي عن السترة، ورفع ذلك إلى أبي مهاجر، وأما نحن فنأخذ بقول من لم ير الخط يجزي، ولا يقوم مقام السترة، ومن غيره، ومعي؛ أنه قيل يجزي الخط عند عدم السترة، ولا يجزي عند وجودها، وقيل: الحجر ولو صغرت خير من الخط وأشباهها مثلها. (رجع) وأما من صلى، وبين يديه ثوب جنب، فلا يبلغ به ذلك إلى فساد صلاته، ويصرف وجهه عنه.
مسألة: ومنه؛ وقيل: يدرأ عن نفسه ما استطاع بلا علاج، وعن أبي عبد الله -رحمه الله- قلت: فإذا جاءت امرأة حائض تمر بين يدي المصلي، أو مجوسي؟ قال: قد قيل إن كان قائما فليتقدم قليلا حتى تعلم ذلك أنه يريده، وإن كان جالسا أومأ إليه برأسه، قلت: فإن أشار إليه بيده، ولم يعالجه؟ قال: صلاته تامة، وأنا أكره ذلك، وقد كره أيضا له أن يمسه، وأرجو أن لا يكون عليه نقض إن مر بين يديه إنسان، أو دابة أو غيرها، فأشار إليه بيده، أو مسه، لكي ينصرف عنه، ما لم يعالجه بما يشغل عن صلاته، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: يمد يده يدرأ عن نفسه قائما أو قاعدا (رجع). وسألت أبا عبد الله أيضا عن ذلك، فقال: إذا مر الكلب بين يدي المصلي، فأشار إليه بيديه وثوبه كان يرميه بشيء، فلا نقض عليه، فإن رماه بشيء انتقضت صلاته، وعمن يصلي وتلقاء وجهه نجاسة في جدار، وهي أرفع من ثلاثة أشبار، فلم ير بأسا والله أعلم.
مسألة: -من الزيادة المضافة من الأثر-، ومما أحسب عن أبي عبد الله، عن رجل يصلي في مصلى في منزله، وفي قبلته وتد عليه ثوب جنب، والوتد مرتفع في الجدار ثلاثة أذرع أقل أو أكثر، فإن كان الثوب مرتفعا عن رأسه فصلاته تامة إن شاء الله، وقال المضيف: أكثر ما جاء عن أصحابنا، إن الثوب الجنب لا يقطع الصلاة، لكن رفعت ذلك ليعلم عمن هو الله أعلم. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (12/37)
صفحة 3028
مسألة: -من كتاب الأشراف- قال أبو بكر: اختلفوا في الصلاة خلف المتحدثين، فروينا عن ابن مسعود وسعيد بن جبير كرها ذلك، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور، ورخص في ذلك الزهري والنعمان، واختلفوا في مرور الحمار والمرأة والكلب بين يدي المصلي، فقال أنس بن مالك والحسن البصري وأبو الأحوص، يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار، وقالت عائشة لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود، وبه قال أحمد بن حنبل، وقال في قلبي من المرأة والحمار شيء، وكان ابن عباس وابن أبي رباح يقولون: يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود.
وقالت طائفة: لا يقطع الصلاة شيء، هذا قول الشعبي وعروة بن الزبير ومالك وأنس وسفيان الثوري والشافعي وأبي ثور، وأصحاب الرأي وبه يقول أكثر أهل العلم، يرون
الإمام سترة لمن خلفه، وروي ذلك عن ابن عمرو، وبه قال إبراهيم النخعي ومالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، أنه يقطع صلاة المصلي إذا مر بين يديه، ولم يكن بين يديه سترة دون خمسة عشر ذراعا ممر الكلب والمرأة الحائض، وأما الحمار فيختلف فيه عندي، من يرى قطع الصلاة في الممر، ولا أعلم في قولهم أن المرأة تقطع الصلاة إذا لم تكن حائضا ولا جنبا، ويختلف معهم في ممر الجنب من الرجل والمرأة، فقال من قال: إن هؤلاء يقطعون الصلاة، وقال من قال: لا يقطعون الصلاة، ومعي أنه يخرج في قولهم: إن الخنزير والقرد، مثل الكلب مما يقطع الصلاة، وقد يختلفون في سائر السباع، ويخرج في قول: إن الصلاة لا يقطعها شيء من الممرات والنجاسات، إلا ما كان من ذلك بين يدي المصلي وبين مسجده، أو مسته أو شيئا من ثيابه، إذا كان في حال المصلي في ركوعه وسجوده، فإن ذلك يقطع الصلاة معهم.
مسألة: -من الزيادة المضافة- قيل من أي علة قطع الصنم الصلاة؟ قال: لأنه يعبد من دون الله.
مسألة: ولا يقطع الصلاة شيء من الأنعام، إلا أن يمر بين يدي المصلي، وبين سجوده، فإن في ذلك اختلافا، منهم من قال: لا يفسد الصلاة، إلا أن (12/38)
صفحة 3029
يكون فيها شيء من النجاسة، على ظهرها، ثم مرت بين يدي المصلي قطعت عليه النجاسة.
مسألة: ومنه؛ وعن الحائض والجنب إذا مرتا بين يدي المصلي، وعليهما ثيابهما يفسدان عليه أم لا؟ قال: قد قيل إن الحائض والجنب، يقطعان الصلاة، فإن مرا كما وصفت ولم يظهر من أبدانهما شيء من وجه ولا يد، كانتا بمنزلة السترة من النجاسة ولم يقطعا، وإن ظهر شيء قطعا عليه، قلت: وما حكم ثيابهما طاهرة أم نجسة؟ قال: طاهرة حتى يعلم فيه نجاسة من دم الحيض أو جنابة واقفة فيها.
مسألة: -من كتاب الأشياخ- قلت: لم كان السبع يقطع الصلاة؟ قال: كذلك عند أصحابنا؛ لأن السبع نجس محرم لحمه وسؤره، فكان عندهم يقطع الصلاة كالنجاسة والله أعلم.
مسألة: سألت هل يقطع الذئب صلاة من صلى إذا مر به؟ فقد حفظ بعض من نثق به من فقهاء المسلمين، أنه يقطع الصلاة، الذئب واليهودي والنصراني، وينبغي للمصلي أن يتقي أن يمر بين يديه أحد من أولئك، أو غيرهم والله أعلم.
مسألة: قلت: فمن ذهب إلى لحم السباع جائز أكله، هل يقول أنه يقطع الصلاة؟ قال: هذا يختلف فيه، فمن قال: إن لحم السباع طاهر ومسه نجس وسؤره، فإنه يقطع الصلاة، وأما من ذهب إلى أن السباع طاهر وسؤرها، وأكل لحومها، فلا يقطع الصلاة.
مسألة: قال: والصبي إذا راق البول، ومر بين يدي المصلي لم يقطع عليه، وكذلك البالغ، والله أعلم. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: وعرفت أن النار إذا كانت موقدة، فإن صلى المصلي إليها، فأحب أن يعيد الصلاة، وإن كان جمرا أو سراجا فلا بأس.
مسألة: وما تقول فيمن كان يصلي على دكان رفعه ثلاثة أشبار، فخطف في قبلته من يقطع الصلاة، هل يقطع عليه؟ فإذا لم يمسه فصلاته تامة، وعن (12/39)
صفحة 3030
نجدة بن الفضل النخلي، وما تقول فيمن سجد على ذي روح، مثل سقاط أو غيره هل تتم صلاته؟ الذي عرفت أن مثل هذا لا ينقض الصلاة، إذا كان جبهته أو أكثرها تنال الأرض، والله أعلم. وعنه، ما تقول فيمن مر بينه وبين سجوده سنور أو مثله، هل تتم صلاته؟ قال: عرفت أنه إذا مر شيء من ذوات الأرواح بينه وبين سجوده فصلاته منتقضة، وأما مثل الذباب والبعوض وما لا يقدر على الامتناع منه، فلا ينقض ذلك صلاته، واختلفوا في الخنفسة، والله أعلم بالصواب. وهذا جواب أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي -حفظه الله- فيها فصلاته تامة إن شاء الله، ولا يقطع عليه ما مر من ذلك إلا السنور، يختلف فيه، فالذي يراه بمنزلة السباع، فلا يبعد أن يلزمه إعادة صلاته، والله أعلم، ومن غيره قلت: وكذلك الشاة تجيء إلى الرجل وهو في الصلاة تحتك به، وتقوم أمامه من حيث يسجد، وكذلك الشاة يعزلها الرجل عن موضع سجوده، ويمضي في صلاته، وكذلك غيرها من الدواب، إلا ما يقطع من السباع، مثل الكلب فإن ذلك إذا مسه وهو في الصلاة، أو وقف في موضع سجوده فسدت صلاته، وقد قيل؛ إن المصلي يدفع عن نفسه بما قدر من غير علاج.
مسألة: الحسن بن أحمد، وذكر فيما جاز بين المصلي وسجوده من ذي روح، مثل الضفدع والخنفساء والسنور وأشباه ذلك اختلاف، منهم من يقطع على المصلي صلاته بمرور ذلك كله، ومنهم من قال كل ما كان ميتة نجسة هو الذي يقطع، وما سوى ذلك لا يقطع، ومنهم من قال: لا يقطع من هذا كله شيء.
مسألة: وعن المصلي إذا كان في قبلته دابة مقبلة إليه، إنه لا يحفظ أنه تنقض الصلاة، وإنما ذلك من بني آدم، ورفع أبو حمزة المختار بن عيسى عنه، إنها تنقض على المصلي، إذا كانت في قبلته الدابة، والله أعلم. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: أحسب عن أبي سعيد -رضيه الله- ومن قال لم حكمت على من مر بين يديه الحائض والجنب والمشرك والأقلف، وهو يصلي يقطع صلاته؟ فجوابه معنا أن ذلك مما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: «إذا مضى الجنب والحائض» وأحسب أنه قال: «الكلب أيضا بين يدي المصلي فسدت صلاته» وعلى ذلك أجمع عامة فقهاء أصحابنا ولا يلتفت إلى خلاف من خالفنا من المبتدعين؛ لأن أولئك قد بان خلافهم، (12/40)
صفحة 3031
فأحرى أن يخالفونا فيما لم يأت فيه قرآن مبين، والإجماع منا ومنهم، وليس مخالفهم بمخالفة للمسلمين؛ لأنه لا قول لهم، ولا رأي على المسلمين، فإذا اجتمع علماء المسلمين كان ذلك حجة على جميع من خالفهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال: «المسلمون يد على من سواهم لسواهم عليهم حجة إذا وقع الإجماع منهم» وإنما الاختلاف فيما يجوز فيه الاختلاف من علماء المسلمين، على من غيرهم من المبتدعين.
مسألة: من جامع ابن جعفر -رحمه الله- ويكره أيضا للمصلي أن يستقبل النار الموقودة، والقبور والميت، من دابة أو بشر أو نائم، أو قوم يتحدثون، فكل هذا مكروه، إذا لم يكن بينه وبين المصلي سترة، ولا يبلغ به ذلك إلى فساد صلاته، وكذلك في الأثر عن الفقهاء، إلا الميتة فإنه قيل إذا كانت ميتة بين يدي المصلي صغيرة أو كبيرة تلقاء وجهه أو شماله.
مسألة: من كتاب ابن جعفر فيما يقطع صلاة المصلي عليه ممر الكلب والحائض والجنب، وجميع السباع والقرود، فإن كان لحم شيء من ذلك بين يديه لم ينقض عليه، ومن غيره؛ قال: وقد قيل لا تقطع الدواب كلها، إلا القرود والكلب والخنزير، ومن غيره؛ قال: وقد قيل لا يقطع السباع كلها شيء.
مسألة: ومن غيره؛ وحفظ جابر بن النعمان أن طالوت السموءلي سأل هائم بن غيلان عن الرجل، ما يقطع صلاته؟ قال هاشم: الصلاة ليس حبلا ممدودا، وإنما تعرج إلى السماء فيصلها بر القلب ويقطعها فجوره، وقال أبو زياد بلغني عن الربيع بن حبيب، أنه قال: لا يقطع صلاة المصلي شيء من فعل غيره، وإنما يقطع عليه فجوره منها.
مسألة: عن سعيد بن قريش، ولو أن رجلا صلى فوق قبر جاز له، إلا أنه يكره، ومن غيره؛ قال: وكذلك بلغنا هذا القول عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن محبوب بن الرحيل، ووجدت أنه إذا ثبت هذا القول، فالكنيف مثله، والله أعلم، فينظر في ذلك.
مسألة: -من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ- وقال بعض أهل العلم: إذا مر بين يدي المصلي، مثل السنور أو غيره، من الدواب حاملة ميتة فجازت بها، (12/41)
صفحة 3032
ولم تقف بها بين يديه، فلا تنقض ذلك عليه صلاته، قال: وأرجو أن بعضا رأى عليه النقض، قلت له: فالكلب إذا كان غير مدحوس وكان مذبوحا، فمر به من يحمله أمام المصلي، هل تفسد صلاته؟ قال: إذا تجاوز لم تفسد صلاته، إلا أن يقف بين يديه، قال غيره: ومعي؛ أنه قيل إذا كان ارتفاع المحمول ثلاثة أشبار أعلى منه، فلا تفسد، ولو كان مما يفسد وذلك سترة، قلت: فإن كان مدحوسا مخروجا عنه جلده، فلم نره يفسد صلاة المصلي إذا كان مدحوسا، وقال: إنما ينجس منه جلده وإنما لحمه مكروه، وأما الميتة فتفسد الصلاة، كانت مدحوسة أو غير مدحوسة، ولو كانت أعضاء فإنها تفسد الصلاة.
قلت له: فإن كان حامل الميتة أو الكلب الذي غير مدحوس، ووقف به أمام المصلي، وذلك الذي عليه الميتة، تكون ثلاثة أشبار تكون الميتة عن الأرض أو الكلب ثلاثة أشبار، فرأى ذلك أنه لا يفسد الصلاة، ولو وقف الحامل لذلك أمام المصلي، إذا كان ارتفاع الميتة عن الأرض ثلاثة أشبار.
مسألة: ولا ينقض على المصلي إذا مر بين يديه شيء مما ذكرت من الدواب، أمحاة أو عنكبوت ولا سقاط ولا العنسلان، إلا الحية فقد قيل: إنها تقطع الصلاة إذا مرت دون خمسة عشر ذراعا، وأما الدواب التي وصفتها لك، فلا تقطع مرت أمامه أو بينه وبين سجوده، والله أعلم. (انقضت الزيادة المضافة).
مسألة: وعن المرأة يجيء ولدها فيتعلق بها ويبكي ويقعد في حجرها، ويقعد أمامها من حيث تسجد، كيف تصنع؟ فإن هذه تصلي وتعزل ولدها من موضع سجودها، وتمضي في صلاتها وصلاتها تامة.
مسألة: ومن جامع محمد بن جعفر، وإذا كان بين يدي رجل من الصف المقدم عذرة، رطبة أو يابسة، بينه وبينها أقل من ثلاثة أذرع، فصلاته تامة ما لم تكن بينه وبين سجوده، أو تمس ثوبه، ولكن إذا كانت العذرة وهي رطبة بين يدي المصلي وبينه وبينها أقل من ثلاثة أذرع، وهو يصلي وحده فسدت صلاته، (12/42)
صفحة 3033
فإن كان بينه وبينها ثلاثة أذرع لم تفسد عليه صلاته، ويعرض بوجهه عنها، وفي نسخة، إلا أن يستقبلها بوجهه قول ابن المسبح.
قال أبو عبد الله في الصبي إذا وطئ امرأة بالغا، ومر بين المصلي، وليس بينهما سترة، قال: إنه لا ينقض صلاته عليه، ولكن الصبية إذا وطئها الرجل، وقد قذف النطفة في فرجها، أو لم يقذف، فإذا مرت بين يدي المصلي قبل أن تغتسل قطعت عليه صلاته. (12/43)
صفحة 3034
[صفحة بيضاء] (12/44)
صفحة 3035
الباب التاسع
العمل في الصلاة أو العبث والاستماع
محمد بن أبيه هاشم عن الأخطل بن المغيرة قال: ورواه لنا عن غيره، إن الرجل لا يتحرك في صلاته شيء، إلا أن ينحل إزاره، فيشده، أو يسقط رداؤه فيرفعه.
مسألة: قال هاشم: وسمعت عبد الوهاب بن جيفر يقول مثل ذلك.
مسألة: وسألته عن المصلي إذا سمع صوتا، فلم يعرف صائحه أو غيرها، وظن أنه رعد، فلما سمع ذلك الصوت بقي متوقفا في صلاته، حتى عرف ذلك وبينه، هل ترى صلاته تامة؟ قال: فعندي أن بعضا قال: تامة، إذا كان له معنى استماعه من خوف أو
رجا، وقد قيل: إن أصغى سمعه ليستيقن على ما سمع من غير الصلاة فمعي؛ أنه قد قيل عليه الإعادة، قلت له: ولو بقي متوقفا عن صلاته بقدر عشر تسبيحات، أيكون القول والاختلاف فيه سواء؟ قال: لم أسمع في ذلك حدا، وأما عشر تسبيحات فيكثر عندي وتباعد، قلت له: فكم يعجبك أن يكون حد ذلك؟ قال: فيعجبني أن يكون قدر ذلك ثلاث تسبيحات أكثر ما يكون، قلت له: وكذلك إذا أبصر شيئا وهو في الصلاة من غير أمر الصلاة، وحد إليه النظر ليعرفه يخافه أو يرجوه، أو يحب معرفته، أيكون النظر مثل السمع؟ قال: عندي أنه قد قيل ذلك أنه مثله.
مسألة: عن أبي سعيد وقال: معي؛ أنه قيل في المصلي إذا مد نظره لشيء حتى يعرفه أو ألقى سمعه لشيء حتى يتيقن عليه أو استيقن رائحة حتى ينشقها، وعرف ما هي، إن هذا كله أو ما يشبهه، إذا لم يشتغل به عن صلاته يخرج فيه (12/45)
صفحة 3036
الاختلاف، ففي بعض القول إنه لا نقض عليه حتى يشغله ذلك عن صلاته، وعندي أن في بعض القول: إنه يلحقه معنى النقض للصلاة، إذا فعل ذلك على العمد، ولو لم يشغله ذلك عن الصلاة، قال: وعندي أن مثل هذا يشبه العمل، ويشبه العبث، وإلى العبث أقربه عندي، إلا أن يكون في ذلك معصية.
قلت: فإن خطر بباله حساب فتابع ذلك، حتى عرف الحساب، ولم يشتغل عن الصلاة، هل يكون مثل الأول، قال: عندي إنه إذا لم يقصد إلى ذلك، تشابهت هذه الأشياء عندي، إذا غلبه ذلك وأما إذا تعمد لذلك، وحسب في نفسه، ولم يشغله عن الصلاة، فعندي أنه قيل: إن عليه البدل، والحساب عندهم عمل، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وكذلك لو أنه سف، أو عمل عملا بيديه، ولم يشغله ذلك عن الصلاة، فقد عمل في الصلاة، وعليه الإعادة بذلك.
قلت له: فإن فكر في أمر دنياه، كيف يتأتى له أمرها، أو في الآخرة، كيف يتخلص من تبعاته ونحو هذا، ولم يشتغل عن الصلاة، هل يكون هذا عبثا؟ قال: أقول إن قصد إلى شيء غير أمر الصلاة، من الدنيا، ما لم يفرغ إليه، فقصد ذلك يشبه عندي كقصده بنظره، فإذا فرغ نفسه لذلك عن أمر صلاته واشتغل بذلك عن حفظ صلاته، ولو لم يفرغ نفسه، فهذا عندي معنى ما يوجب الاتفاق في نقض الصلاة وما سوى ذلك يوجب معنى الاختلاف عندي.
مسألة: -من كتاب ابن جعفر- وقيل: من ألقى سمعه إلى استماع كلام، أو رعد أو غيث، أو نحو هذا، حتى يعرفه، انتقضت صلاته، إلا أن يدخل سمعه دون تعمد لذلك، وأنا أحب أن لا يكون عليه بذلك نقض حتى يشتغل بذلك عن الصلاة، وقد كنت أنا صليت خلف موسى بن علي -رحمه الله- وصاحت صائحة، وهو يقرأ في صلاته، وأحسبها صلاة الفجر، فأمسك ما قدر الله، وهو ساكت عن القراءة، حتى توهمنا أنه قد فهم ذلك، ثم مضى في صلاته.
مسألة: ومن غيره؛ قلت له: ما تقول في رجل كان يصلي في بيته في الليل والنهار، فسمع صوتا أو هجس هجسا، فأراد أن يصغي بسمعه إليه، ويترك القراءة، لمعنى أراد من حفظ منزله، أو غيره هل له ذلك؟ قال: معي؛ أن بعضا (12/46)
صفحة 3037
يقول له ذلك، ما لم يشتغل عن صلاته إذا كان لمعنى، وبعضا يقول عليه الإعادة، وهذا في الفريضة والنافلة عندي أقرب.
مسألة: ومنه، من يخشى في الصلاة ففتح فاه لتخرج منه الريح، فلا بأس ما لم ينفخ، وقال أبو عبد الله: من قنع رأسه أو كشف القناع عن رأسه في الصلاة من حر أو برد، فلا بأس.
مسألة: أخبرنا أبو زياد عن هاشم بن غيلان عن الرامي قال: من رفع يده فوق رأسه، وهو في الصلاة انتقضت صلاته، وقال أبو المؤثر: الرامي محمد بن عبد الرحمن الرامي من أهل إزكي، قال غيره: نعم، إذا كان لغير مصالح الصلاة، وإنما فعل ذلك عبثا.
مسألة: وفيمن أساغ شيئا من الطعام في الصلاة ناسيا، إنه لا نقض عليه في صلاته.
مسألة: عن أبي الحواري، وعمن جاء حاملا بضاعة على دابة وحضرت الصلاة، فخاف أن لا يقدر يحكم عليها، إذا حط عنها فصلى، هل يجوز له أن يمسك الدابة ويصلي؟ وكذلك إن خاف أن يقع الحمل، هل له أن يضع يده على الحمل، ويصلي ويسجد؟ فإذا كان ذلك جاز له إذا خاف ما وصفتم، فإن لم يقدر أن يسجد على الأرض أومأ إيماء، وإن لم يقدر على الوقوف، صلى وأومأ، وهو يمشي، وقد قال الله تعالى: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) (البقرة:239) فالرجال المشاة.
مسألة: حماد عن إبراهيم قال: إذا قهقه الرجل في الصلاة، أعاد الوضوء، وأعاد الصلاة، وإذا ابتسم أو كشر، مضى على صلاته، فلا يعيدها، وهو قول أبي حنيفة، وقول أسد، قال غيره: وقد قيل: إنه يعيد الصلاة.
مسألة: -من كتاب ابن جعفر- وإن تقدم المصلي قدر خطوة أو خطوتين في الصلاة، أو تأخر، فلا نقض عليه، ومن غيره؛ وعن رجل صلى في مصلي مرتفع، فصرع عنه حتى وقع على جنبه، ثم رجع وقام إلى المصلي؟ قال: لا بأس عليه، ويبني على صلاته، ولا يفسدها، ولا يفسد ما مضى من صلاته.
مسألة: ومن غيره؛ قال: إذا أحرم الإمام لصلاته، ثم تأخر أو تقدم، من (12/47)
صفحة 3038
غير عذر فسدت صلاته، قلت: ولو خطوة؟ قال: نعم.
مسألة: وعن رجل ساجد أو راكع، أو يقرأ التحيات قلت: هل يجوز له أن يتقدم أو يتأخر في صلاته، إلى خمس خطوات، أو عن يمينه، أو عن شماله، فقد قيل ذلك، وهو أكثر ما عرفنا، وقيل: إلى قدر خطوة أو خطوتين.
مسألة: عن أبي علي الحسن بن أحمد، وفي المصلي إذا طغته سلاه، أله أن يخرجها ويبني على صلاته؟ أم يستأنف؟ فإن كان يشغله عن صلاته، كان له إخراجها، ويبني على صلاته، وإن لم تكن تشغله كان عليه الإعادة، إذا خرج ذلك مخرج العمل في الصلاة، والله أعلم.
مسألة: وعن رجل مسافر صلى، ووضع خطام دابته تحت رجليه ليمسكها بذلك، قال: لا بأس عليه، قال أبو المؤثر: نعم، ولا بأس أن يمسكها بيده خوفا أن تذهب.
مسألة: قال أبو سعيد -رحمه الله- معي؛ أنه قد اختلف في العبث في الصلاة، فمعي؛ أن بعضا يفسد الصلاة به على حال على العمد والنسيان والجهل، وقال من قال: لا تفسد الصلاة على حال على العمد والجهل والنسيان، وقال من قال: تفسد على العمد ولا تفسد على النسيان.
مسألة: وسألته عن المصلي إذا رأى القملة في ثوبه، وهو في الصلاة، أيخرجها أم يتركها؟ قال: معي؛ أنه يتركها ويمضي على صلاته، قلت: فإن ألقاها بيده هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنه إن قصد إلى الفلاية، فأخاف أن تفسد صلاته، وإن لم يقصد إلى الفلاية، وظن أن ذلك من مصالح صلاته، فمعي؛ أنه يخرج في ذلك اختلاف، فلعل بعضا يفسد صلاته وبعضا لا يفسدها، قلت له: فهذا عندك من العبث، قال: أما الفلاية فليست من شبه العبث عندي إذا قصد إليها.
مسألة: وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا كان يصلي خلفه فمسح لموضع سجوده أكثر من واحدة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة صلاته، ورخص في واحدة، وقال صلى الله عليه وسلم: «لترك الواحدة أحب إليّ من مائة ناقة سود الحدق». (12/48)
صفحة 3039
مسألة: من كتاب ابن جعفر، وعن أبي عبد الله، أن من حرك خاتمه بإبهام يده التي فيها الخاتم، فلا بأس، وإن كان حول الخاتم بيده الأخرى، أو بأصبع منها، نقض وما أحب أن يبلغ به ذلك إلى فساد، إذا لم يشتغل عن صلاته، ومنه؛ وكل من شم رائحة فاستنشقها متعمدا، نقض عليه صلاته، إلا أن يشمه بلا أن يتعمد، ومن غيره؛ قال: وقد قيل لا نقض عليه، إلا أن يشغله ذلك عن صلاته.
مسألة: وإن تعمم في الصلاة، أو حل عمامته؟ فقال: إنه ينقض صلاته، إلا أن تسترخي عمامته، فيشدها على حالها، ومن غيره؛ قال: أرجو أني عرفت أنه يشدها بيد واحدة، فينظر في ذلك (رجع) وإن أخرج ثوبه من على رأسه أو رفعه عليه، أو تردى في الصلاة، أو التحف أو سوى ثيابه، وهو مستمسك، فلا نقض عليه في ذلك، إذا كان
من جهة اللباس، وكذلك حفظنا، ومنه؛ وسألته عمن يصلي، وثوبه على رأسه فوقع، فرفعه على رأسه، ولو يكن على رأسه، أو رفع ثوبه بيده على رقبته، وجعل طرف ثوبه تحت إبطه، وهو قائم في الصلاة؟ قال: لا يفعل شيئا من ذلك، قلت: وكل عبث كان في الصلاة، فهو عمل، قال: نعم ولكن لا تأخذها عادة.
مسألة: ومنه؛ ويكره أيضا للمصلي أن ينفر أنفه حتى يخرج منها شيئا، وأن لا يخرج أو يدخل يده في فيه، أو في منخريه أو أذنيه، وقال من قال: في ذلك النقض، وقيل غير ذلك، ونحن من لا يرى في ذلك نقضا، ومن غيره، قال أبو عبد الله: إلا أن يخرج شعره، ومن غيره؛ قال: وقد قيل: عليه النقض أخرج شيئا غير الشعر أم لم يخرج. وقال من قال: عليه النقض إذا أخرج، وإن لم يخرج شيئا فلا نقض عليه، وقال من قال: لا نقض عليه أخرج شيئا أو لم يخرج، وهذا كله إذا كان من غير عذر، ومنه؛ ولا بأس على المصلي أن يخرج الذرة واللفظة تدخل في مسمعه، أو عينه أو غير ذلك من يده، إذا خاف أن تؤذيه أو تشغله عن صلاته، وكذلك يخرج الدبي وغيره من الدواب من بدنه في صلاته، ولا يقتله.
وقال من قال: عليه النقض، إذا قتله في الصلاة، ومن غيره؛ قال (12/49)
صفحة 3040
أبو عبد الله: إن مسحه بيده فلا نقض عليه، وإن أخذ بيده ثم طرحه، فعليه النقض؛ لأنه عمل (رجع) وأما الناخي والبعوض، فإن صرفه عن نفسه فقتله في الصلاة، فلا بأس لأنه جاء فيه الأثر، وأيضا يقتل المصلي الحية والعقرب، إذا جحفتا به وخافهما على نفسه، وقال محمد بن محبوب -رحمه الله- وعليه أن يستأنف صلاته إذا قتلهما، وقال أبو عبد الله: لا نقض عليه، لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في الصلاة (رجع). وكذلك عندنا، أنه يقتل كل دابة نفرت منه يخافها، ويستأنف الصلاة، وقال من قال: إنه يقتل الحية والعقرب، ويتم صلاته.
مسألة: وإن سال من المصلي دموع في الصلاة، فخاف أن تدخل فاه أو منخريه أو عينه، فله أن يمسحها بيده أو بثوبه، وكذلك للمصلي أن يزيل نعليه عن موضع سجوده، أو ركبتيه إذا أحرزتاه، ومن غيره؛ قال أبو عبد الله: يضع نعليه بين رجليه يتم صلاته (رجع). وكذلك أيضا ينحيهما عن الذي تحته في الصلاة، وإن وقع ثوبه على إنسان، أو وقع ثوب ذلك الإنسان عليه، فله أن يخرجه وكذلك عن موضع سجوده، ومنه؛ ومن أساغ طعاما في فيه، في الصلاة أو النخاعة بعد أن ظهرت على لسانه، فصار على مقدرة من لفظها، فقيل: عليه النقض، ومن غيره؛ قال أبو عبد الله: مثل الحية مما يجد إساغته ينقض، وأما ما يجري في البصاق فلا بأس هكذا حفظنا، ومن غيره؛ قلت: فإن خرج من بين أسنانه شيء من الطعام فابتلعه، قال: لا يضره ذلك، وصلاته تامة، ومن غيره؛ وقال فيمن أساغ شيئا من الطعام ناسيا، أنه لا نقض عليه في صلاته، ومنه؛ وكذلك إن نقر ضرسه بلسانه، إلا أن يكون طعاما يخاف أن يقع في فيه في الصلاة أو يسيغه، فيحركه بلا أن يشغله، حتى يصير إلى شفته، فلا نقض عليه، وكذلك اللفظة إذا
كانت في فم المصلي، فقيل يحيلها إلى أن تصير على شفته ولا نقض عليه، ولو أخرجها بيده ما رأيت عليه نقضا، ومن غيره؛ قال: وقد قيل ذلك أيضا، إن أخرجها لم ينقض، وقال من قال: يحيلها على شفته ولا يخرجها، فإن أخرجها نقض، قال أبو عبد الله: من مسحها من على فيه لم ينقض، فإن أخرجها بيده ثم طرحها نقض، وإن أحالها بيده، ثم طرحها نقض، وإن أحالها حيث لا يحرزها في فيه، فلا بأس عليه وهو في صلاته (رجع). وعن محمد بن (12/50)
صفحة 3041
محبوب -رحمه الله- قال: من تزايد في التثاؤب في الصلاة نقض صلاته، وإن لم يسمعه من خلفه، وإن لم يتزايد في التثاؤب حتى سمعه من خلفه من الصفوف نقض صلاته أيضا، وعندنا أنه لا نقض عليه، ولو سمع؛ لأنه مغلوب حتى يتزايد في التثاؤب، ومن غيره؛ قال أبو عبد الله: إذا تزايد نقض، وله أن يضع أصابعه على فيه، إذا تثاءب ويكظم، ومن غيره؛ قلت: فإذا أدخل يده في أنفه أو أذنه، وقد انتختا به أو لم ينتخ فأدخل أصبعه؟ قال: إذا كان يخاف أن يشغله ذلك عن صلاته، فله أن يحك أذنه وأنفه، ويدخل يده في أنفه وأذنه، وإن كان لا يشغله ذلك عن الصلاة، فلا أحب له شيئا من ذلك، قلت له: فإن فعل فلا نقض، ومن غيره؛ وسألته عمن وقع عليه ذباب، وهو في الصلاة أيضر به بيده؟ قال: إذا كان يشغله عن صلاته طرده، قلت: فإن وقع على عينيه، فغمض عينيه ولم يخف أن يشغله عن صلاته، أترى عليه نقضا؟ قال: لا. قلت: فإن وقع على أنفه فنفخ أنفه ليطرده؟ قال: هو نفخ والنقض أحب إليّ.
مسألة: وسألته عن الرجل يتثاءب في الصلاة، هل له أن يجعل يده على فمه؟ قال: معي؛ أن بعضا يأمر أن يجعل قفا يده اليسرى على فمه، وبعض كره له ذلك، وبعض ينهاه عنه.
مسألة: أحسب عن أبي عبد الله -رحمه الله- فإذا ذكر حسابا في الصلاة، فجعل يحسبه في نفسه، فعليه الإعادة لصلاته، وإن كان لا يتعمد لذلك، وجعل الشيطان يعرض له في ذلك، وهو كاره، فلا أرى عليه بأسا، ورغما للشيطان -لعنه الله-. قال غيره: الحساب عمل، ولا اختلاف معنا للعمل أنه يفسد الصلاة.
مسألة: وسألته عمن يصلي وهو كاشف رأسه، أيجوز له أن يغطي رأسه أو يكشف رأسه، أو يلتحف وهو يصلي، أيجوز له ذلك؟ قال: لا يجوز في الصلاة شيء من العبث، وهو عمل ويفسد الصلاة.
قال أبو الحواري -رحمه الله- إن اضطر جاز له ذلك من شدة البرد والحر، وكذلك حفظنا، ومن غيره؛ قال: نعم، وذلك الذي يدخل في الصلاة، وهو كاشف رأسه، ثم يغطيه أو يكون مغطيا له، ثم يكشفه أو يكون مترديا، فيلتحف (12/51)
صفحة 3042
أو ملتحفا فيرتدي فهذا لا يجوز إلا من ضرورة، فإن فعله من البرد والحر فذلك جائز، وقال من قال: لا يجوز على ما في أول المسألة، وأما إذا كان مقنعا رأسه فانكشف قناعه فرده، فلا بأس عليه، وليس يستحب له ذلك، إلا من ضرورة.
مسألة: وهل يجوز للرجل أن يشد عمامته على رأسه، وهو في الصلاة، فله أن يشدها بيد واحدة إذا خاف أن تسقط على جبهته في السجود، وعن الذي يصلي ورفع يده فوق رأسه؟ فقال: فيه اختلاف بين الفقهاء، ومنهم من قال: عليه النقض، ومنهم من قال: ليس عليه نقض، وقال أبو مالك: من رفع يده فوق رأسه لعذر، لم تنقض صلاته، وإن رفعها فوق رأسه في الصلاة بغير عذر انتقضت.
مسألة: ومن علت يده على أم رأسه من غير عذر، فسدت صلاته، ومكروه ذلك بلغني.
مسألة: ومن كان يعقد في صلاته الآيات، أو التكبير بيده، فإن فعل ذلك نقض صلاته في الفرائض، فأما النوافل وصلاة العيدين فإنه يكره له، ولو نقض ولا بأس إن عقد في نفسه، وقلت: ارتفع قدم المصلي عن الأرض بعد أن سجد، وقبل أن يضع جبينه على الأرض، هل تنتقض بذلك صلاته؟ فإذا كان ارتفاعهما من عذر فلا بأس، وإذا كان لغير عذر، وكان ذلك في آخر سجوده فمعي؛ أن بعضا قال: تنتقض صلاته، وبعضا ذهب إلى تمامها وقد أساء، ومن غيره؛ وسألته عمن رفع قدميه من الأرض، وهو ساجد تفسد صلاته أم لا؟ قال: إن تعمد لذلك لغير معنى فسدت صلاته، وإن كان لمعنى سجوده، أو نسيان فلا فساد عليه.
مسألة: وعن رجل يصلي فجشى فنفخ الريح متعمدا، أو ناسيا، أو جاهلا، هل تتم صلاته؟ فقد قيل: لا تتم على حال.
مسألة: قلت له: وكذلك، فإن راوح بين قدميه لغير معنى أو استنشق رائحة نتن أو طيب، ولو لم يشغله، هل يكون هذا من العبث؟ قال: نعم، هو عندي عبث، وسألته عن العبث في الصلاة على التعمد والجهل والنسيان، (12/52)
صفحة 3043
هل يفسد الصلاة؟ قال: قد قيل إنه يفسد الصلاة على حال، وقيل: يفسد على التعمد، ولا يفسد على النسيان، وقيل: لا يفسد على التعمد ولا على النسيان، ما لم يقم مقام العمل، وأحب إليّ أن تفسد على التعمد بالعبث مع الذكر للصلاة، فإذا عبث عامدا للعبث، وهو ذاكر لصلاته على غير خطأ أحببت الإعادة.
مسألة: وقد قيل: للمرأة أن ترضع ولدها وهي في الصلاة، وكذلك تحمله، وهي في الصلاة إذا كان يشغلها عن صلاتها بالصياح.
مسألة: وسئل عن رجل انحط إزاره عن سرته، وهو في الصلاة أيرفعه وهو يصلي؟ قال: إن تركه فليس عليه بأس ورفعه أحب إليّ.
مسألة: وعن رجل نعس في الصلاة، هل لمن على يده ممن يصلي معه أن يحركه، وهما في الصلاة؟ قال: نعم قد أجاز هذا بعض الفقهاء، قلت: ولو أومأ برأسه وهو في الصلاة لرجل يكلمه يريد، نعم، أو لا، هل تفسد عليه صلاته؟ قال: لا.
مسألة: في حفظ أبي سعيد -رحمه الله- عن الرجل إذا أكله شيء في رجليه، أنه يؤمر أن يحك ذلك بأدنى حركة يقدر بها على إزالة ذلك، فإن حكها برجله الأخرى فلا بدل عليه.
مسألة: ويكره للمصلي أن يراوح بين قدميه في الفريضة، ولا بأس عليه في النافلة، ومن غيره؛ ويوجد في الأثر، وأما الذي يراوح بين قدميه في الصلاة لغير عذر، فأرجو أنه ينهى عن ذلك، ولا أعلم فيه فسادا، إلا من طريق العبث إن كان عابثا، فيختلف عندي في صلاته على هذا، وكذلك في اليدين والركبتين إذا كان مروحة، وأما أن يكون اعتماده على ذلك، ويرفع الأخرى فمعي؛ أن هذا أشد، ويخرج عندي معنى الاختلاف في صلاته إذا أتم ذلك الحد الذي هو فيه، وأما ركوعه إذا جعل إحدى يديه على ركبتيه ولم يجعل الأخرى فذلك مما يكره، ولا أعلم ذلك مما يفسد على حال، ولا يشبه في ذلك عندي الاختلاف (رجع).
مسألة: وقال أبو عبد الله -رحمه الله- من شبك أصابعه في الصلاة نقض صلاته، وقال بعض: إنه مكروه، ومن أكل رجليه بعوض أو غيره، وهو قائم (12/53)
صفحة 3044
يصلي؟ قال: أما الفريضة فلا يمسح برجل على الأخرى، وأما في النافلة، فلا يبلغ به لك إلى فساد.
مسألة: قلت: فإن انتخى به شيء من بدنه في صلاته فحكه مرة أو مرتين، أو أكثر، أيجوز له ذلك أم لا؟ قال: إذا خاف أن يشغله عن صلاته حكه حتى يزول ويمسحه بيده، ولا أعلم فيه حدا، قلت: فإن أدخل أصبعه في أذنه أو أنفه في الصلاة تنتقض أم لا؟ قال: إن كان عابثا أو لغير معنى، انتقضت صلاته، وإن كان لسبب أشغله عن صلاته لم تنتقض. ومن غيره قال محمد بن المسبح: لا بأس أن يمسح رجله على الأخرى من البعوض، وإن كف عن ذلك فهو أحسن (رجع). وأما إن حك ذلك بيده فلا بأس، وأحب النظر في القدم أيضا، ومن غيره؛ وعن أبي سعيد -رحمه الله- في المصلي إذا أكله شيء في رجله أنه يؤمر أن يحك ذلك بأدنى حركة يقدر بها على إزالة ذلك، فإن حكها برجله الأخرى، فلا بدل عليه.
مسألة: من كتاب ابن جعفر، وسألته عن رجل وجد بلة في أنفه رسم ماء فمسحه بثوبه وهو في الصلاة أينقض ذلك صلاته أم لا؟ فإن كان يخاف أن يدخل الماء فاه -نسخة في فيه-، فليس عليه بأس في صلاته، وإن لم يخف فلا يفعل، فإن فعل لم يبلغ ذلك إلى نقض الصلاة، وقد قال بعض: إن صلاته منتقضة، وأنا أحب أن تكون صلاته تامة، إذا لم يكن يشغله ذلك عن صلاته.
مسألة: وكذلك من مسح وجهه بثوبه في الصلاة من تراب أو عرق، أو نفض كفيه من التراب، تقدم مسائل قبل هذه المسألة، أن لا يؤمر به، ولا يستحب له، ومن غيره؛ قال أبو عبد الله: إذا نفض كفيه انتقضت صلاته (رجع). وكذلك النقض على من نفخ الأرض في الصلاة، أو قلب الحصى أو تمطى أو نقع أصابعه، أو تزايد في التثاؤب أو غطى فاه.
وقال من قال: يكره للمصلي أن يغطي فاه أو يعقص شعره أو يقعي أو يتربع، أو يجاوز بطرفه عن موضع سجوده، أو يقلب الحصى في الصلاة، أو يعبث بشيء من ثيابه، أو جسده في صلاته أو يتلثم، أو يكف شعره، أو ثوبه، أو يضع يده على خاصرته، أو يمسح جبهته من التراب أو يسوي (12/54)
صفحة 3045
الحصى لسجوده، ومن فعل هذا أخطأ، وقال بعضهم: لا نقض عليه وأما التمطي فإن فعل ذلك من غير عذر، فأرجو أن لا يبلغ به إلى نقض الصلاة.
ومنه؛ ويكره للمصلي أن يغمض عينيه، ومن غيره؛ وسئل عمن يغمض في الصلاة؟ قال: معي؛ أنه قد قيل: تفسد صلاته بقليل ذلك أو كثيره، وقال من قال: حتى يجاوز حدا على ذلك، وقال من قال: حتى يغمض في الصلاة كلها، وقال من قال: ولو غمض فيها كلها فلا تفسد صلاته، ويخرج هذا على معنى العبث، وقال من قال: على العمد وليس في الخطأ.
مسألة: أو يشبك أصابعه أو ينظر إلى السماء، إلى أن ينظر منها أمام وجهه، وأرجو أن لا يكون عليه في ذلك نقض، وأما إن رفع رأسه حتى نظر السماء من فوق رأسه، فأخاف عليه في ذلك النقض، ومن غيره وقد قيل ذلك، وبعض لا يرى عليه نقضا، ولو تعمد، والقول الأول أحب إليّ.
ومن غيره؛ قال: كل هذا فيه الاختلاف، وقال من قال: ينقض ذلك على العمد والخطأ، وقال من قال: ينقض على العمد، ولا ينقض على النسيان، لأن هذا كله من العبث، والعبث هكذا قيل فيه.
مسألة: والمرأة إذا أرضعت ولدها، وهي تصلي، فلا بأس إذا لم يكن به قذر.
مسألة: قال أبو عبد الله -رحمه الله- من عض بأسنانه على شفتيه من خارجهما متعمدا، وهو في الصلاة، لم تنتقض صلاته.
مسألة: وعن رجل كان يصلي فكان واقفا ينتظر الإمام في شيء من الحدود، ولا يقرأ شيئا، فأنصت إلى شيء من غير أمر الصلاة، هل تتم صلاته؟ قال: معي أنه قيل إن نفس الاستماع والإصغاء إلى استماع الشيء، من غير أمر الصلاة، يفسد صلاته، وقيل حتى يشتغل عن صلاته فيما معي، ولا فرق معي في الاستماع في أي الحال، كان أم في الصلاة، ولكنه يعجبني أن لا يكون في استماعه لدرك شيء من الثواب، ولا دفع شيء من المضار عنه، أو عمن يلزمه، أو فيما يلزم القيام به، أن يكون بنفس الاستماع في مثل هذا، أحب أن يفسد صلاته، وإذا كان استماعه إلى شيء يرجو منه درك فضل، يعجبني أن لا تفسد صلاته، إلا أن يشتغل عن (12/55)
صفحة 3046
صلاته، وعن حفظها، قلت له: فهذا كان خلف الإمام أو وحده كله سواء؟ قال: هكذا عندي.
مسألة: من الزيادة المضافة، وسألته عمن يصلي في بيت فيه غبار الوقيد، وهو يدخل في خياشيمه، يجوز له ذلك أم لا؟ قال: لا يصلي وهو مكروه.
مسألة: (الرهائن) وسألته عمن يعنيه التثاؤب وهو في الصلاة؟ قال: يمسك عن القراءة، حتى يهدأ عن التثاؤب، قلت له: فإن تحرك لسانه بالقراءة وهو في التثاؤب، يمضي ذلك أم يعيد القراءة؟ قال: إذا بين القراءة فلا نقض عليه، ولا يعيد يفعل.
مسألة: -من المجموع- وحفظ عن محمد بن محبوب في من يبل شفتيه بلسانه، إذا جفت فلم ير بذلك بأسا، إذا كان ذلك صلاحا لصلاته.
مسألة: ومنه؛ وحفظ عن موسى بن علي -رحمه الله- قال: وقد رأيت رجلا معنا بأزكي كان في ظهره علة، وكان ربما ضرب ظهره بيده يتفرج بذلك، قال: فرأيته يضرب ظهره بيده وهو في الصلاة، فأخبرت موسى بن علي -رحمه الله- يفعله، قال: إن كان ذلك من علة، فلا بأس.
مسألة: ومن غيره؛ -من الأثر- وذكر المنذر أنه رأى أزهر بن علي يصلي نافلة، ويدخل في يده في منخره، كأنه يخرج منه شيئا، فسألت عن ذلك سليمان فقال: لا بأس.
مسألة: عن قومنا، وقال سمط بن عجلان لابن آدم بينما هو في الصلاة يذكر اسم الله، والدار الآخرة، إذا حكه برغوث أو نملة، فنسي الله والدار الآخرة، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: «أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه»، (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- ولا يضع المصلي يديه على خاصرتيه، في حال الصلاة، لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن الاختصار في الصلاة، والاختصار الذي نهى عنه عليه الصلاة والسلام، هو هذا، والله أعلم. (12/56)
صفحة 3047
ومن الكتاب، وإذا اعترضت المصلي في صلاته حية أو عقرب قتلهما، إذا خافهما في قول أصحابنا، وليس في الخبر إجازة قتلهما في الصلاة مع الخوف، والله أعلم بوجه ما ذهبوا إليه من إشراطهم الخوف، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتلوا الأسودين في الصلاة، الحية والعقرب»، واختلف أصحابنا في صلاته، إذا قتلهما فقال بعضهم: يبني على صلاته، وقال آخرون: يبتدئ، والأول أنظر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلي بقتلهما، ولم يدر الخبر أنه أمره بإعادة ما صلى، والفعلان وقعا بأمر الله تعالى، فالموجب عليه ابتداء الصلاة محتاج إلى دليل، وكذلك عندي؛ إنه لو أشار إلى إنسان ليس في الصلاة، ليقتلهما لم تفسد صلاته، وقد روي أن سليمان بن عثمان دخل في صلاة الجماعة، وصلى مع الناس شيئا من الصلاة، ثم فسدت صلاة الإمام، فدفع سليمان رجلا ليتقدم، فبنى على صلاة الإمام، وفي الأثر أيضا: أن رجلا نعس في ركوعه مع الإمام، وبحذائه بعض الفقهاء فنخسه ليتبع الإمام، والنخس والدفع هما عندي أكثر من الإشارة، والله أعلم، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وعن يمينه رجل يصلي، ودخل معهما جابر بن عبد الله الأنصاري، فقام على شمال النبي صلى الله عليه وسلم فأدارهما خلفه، وهو في الصلاة، وقد اتفق الجميع على جواز العمل القليل في الصلاة، فأكره العمل في الصلاة، وإن قل لغير الصلاة، لأنها عبادة لله تعبد بها، فلا يشتغل المصلي بغيرها، قال الله جل ذكره: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف:110)، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعمل أمامة بنت أبي العاص بن ربيعة، وهي ابنة ابنته زينب، والله أعلم كان ذلك قبل نسخ الكلام في الصلاة أو بعده؛ وفي الرواية أنه كان يحملها إذا قام، ويضعها إذا أراد الركوع والسجود، وقد قال أصحابنا: إن للمرأة أن تحمل ولدها في الصلاة على هذا الوصف وترضعه إذا بكى وخافت أن يشتغل قلبها في صلاتها، ولعلهم ذهبوا في ذلك إلى هذا الخبر، فإذا جاز للمرأة في ولدها حمله في الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لأن ولد الولد ولد، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة مريم في ركعة من صلاة الصبح، وقرأ في الركعة الثانية قل هو الله أحد، فسئل عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: «سمعت صبيا يصيح وظننت أن أمه خلفي فرحمته». (12/57)
صفحة 3048
[صفحة بيضاء] (12/58)
صفحة 3049
الباب العاشر
العمل في الصلاة
من كتاب الأشراف، واختلف في النفخ في الصلاة، فكرهت طائفة ذلك، ولم يوجب على من نفخ إعادة، وعمن روينا أنه كره ذلك، ابن مسعود وابن عباس، وكره ذلك النخعي وابن سيرين ويحي بن أبي كثير وأحمد وإسحاق، ولم يوجبوا على من نفخ الإعادة، وقد روينا عن ابن عباس وأبي هريرة، ولا يثبت ذلك عليهما، وعن سعيد بن جبير؛ أنهم قالوا: النفخ في الصلاة بمنزلة الكلام، وفيه قول ثالث: وهو أن النفخ إن كان سمع، فهو بمنزلة الكلام، وهو يقطع الصلاة، هذا قول النعمان ومحمد، وقال يعقوب: لا يقطع إلا أن يريد به التأفيف، ثم رجع فقال: صلاته تامة، قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إن النفخ يفسد الصلاة، وأرجو أن في بعض قولهم، أنه على العمد والنسيان، وأحسب في بعض قولهم: إنه يقوم مقام الكلام، وإذا ثبت معناه أنه يقوم مقام الكلام، خرج أنه ليس من الذكر، وثبت فيه معاني الاتفاق بفساد الصلاة، ويعجبني أن لا يكون بمنزلة الكلام، إلا أن يراد به ذلك لمعنى، مثل تأوه أو ما أشبه ذلك، مما يقصد به إلى معنى ذلك، ويعجبني إذا كان لمعنى يستدل به أنه غير معنى الكلام، وخرج مخرج العبث.
ومنه؛ أجمع أهل العلم على أن المصلي ممنوع من الأكل والشرب، وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم؛ أن من أكل في صلاته الفرض عامدا عليه الإعادة، واختلف فيمن أكل وشرب في الصلاة ناسيا وكان عطاء يقول: تتم صلاته، ويسجد سجدتي السهو، وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي: في الأكل (12/59)
صفحة 3050
والشرب في الصلاة ساهيا يستأنف، ويشبه مذهب الشافعي كما قال عطاء وكذلك يقول: واختلفا في الشرب في التطوع، فروي عن الزبير وسعيد بن جبير، أنهما شربا في التطوع، وروينا عن طاووس أنه قال: لا بأس به، وقال إسحاق: إن فعله في التطوع، فلا إعادة عليه، قال أبو بكر: لا يجوز الشرب في صلاة التطوع ولا الفرض، وأما من حكي ذلك عنه إنما فعل ذلك ساهيا، قال محمد بن سعيد: معي أن الأكل والشرب عملان لا يختلف فيهما، إنه من غير معاني الصلاة، ومعي أنه يخرج في معاني الاتفاق أنهما يفسدان الصلاة، على معنى التعمد، وأكثر ذلك عندي في العمد والنسيان، ويشبه معاني الاتفاق، إلا أن النسيان عندي أقرب، إلا أن يستحيل إلى حال، لا يكون للمصلي بد من ذلك، من إحياء نفسه بذلك، فيخرج عندي في معاني الاختلاف، أن من أحيا نفسه بعمل من الأعمال ثبت له البناء على صلاته، وقد قيل: عليه الإعادة في كل شيء من الأعمال، ولو كان يحيي به نفسه، ويدفع عنها، إلا أنه يعجبني في هذا الفصل، إنه إن أعاد لم يدرك الصلاة في وقته، بنى صلاته في كل ما يكون له من الدفع عن نفسه، وإن كان يدركها إن ابتدأها، كان الدفع عن نفسه وأحياها ويبدأ الصلاة.
مسألة: أكثر أهل العلم لا يرون التبسم يقطع الصلاة، هذا قول جابر بن عبد الله وعطاء بن أبي رباح والنخعي ومجاهد والحسن البصري وقتادة والأوزاعي والشافعي
وأصحاب الرأي، وقال ابن سيرين: لا أعلم التبسم إلا ضحكا، وأجمعوا أن الضحك يقطع الصلاة، قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن الضحك يفسد الصلاة، وأن التبسم ضحك، وقال الله تبارك وتعالى في كتابه: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا) (النمل:19)، وفي معنى قولهم: إذا تبسم ضاحكا في الصلاة، فسدت صلاته، وإذا قهقه ضاحكا، فسد وضوؤه وانتقضت صلاته، وقد جاء ما يشبه معاني هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يضاف إليه، ويروى عنه؛ أن الضحك خارج من معنى الصلاة.
ومنه؛ اختلف أهل العلم في مسألة: الحصى في الصلاة، كان ابن عمر يصلي، فيمسح الحصى برجله، وروي عن أبي مسعود، كان يسوي به مرة واحدة إذا سجد، وكان أبو هريرة وأبو ذر يرخصان في مسحه واحدة، وكان مالك لا يرى (12/60)
صفحة 3051
بالشيء منه بأسا، وكره ذلك الأوزاعي وأصحاب الرأي، وقال أصحاب الرأي: لا بأس به مرة، وتركه أحب إلي، وكان عثمان بن عفان يمسح الحصى لموضع سجوده، قبل أن يدخل في الصلاة، قال أبو بكر: هذا أحب إليّ، ولا يخرج أن يمسحه مسحة بحديث متعقب، وتركه أفضل.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في بعض قول أصحابنا: إن تسوية الحصى من العمل الذي يفسد الصلاة، والتسوية عندي لمعنى المسح، ويخرج سواء مسحة أو أكثر، وإنما يخرج في معاني قولهم الترخيص في ضربة واحدة على الحصى، ويروى معناها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بتركها أحب إلي من مائة ناقة سود الحدق، والضربة هي المسحة، إنه قد يضرب بيده في معنى المسح والتسوية، وإن وقع المسح على غير معنى، لم يبعد من معنى الضرب ومسها له، فما أشبه الشيء مما يخرج من معناه في حجر ولا إباحة.
ومنه؛ روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتل الأسودين في الصلاة؛ الحية والعقرب، ورأى ابن عمر ريشة فحسبها حية فضربها بنعله، فرخص في قتل العقرب في الصلاة، الحسن البصري، وقيل: رخص في قتل الحية والعقرب في الصلاة الشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان وأصحابه، وكره النخعي قتل العقرب والحية في الصلاة، ولا معنى لقوله؛ لأنه خالف السنة.
قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج ما حكي من معنى الإجازة في معاني قول أصحابنا إذا جحفتا به عندي، إن المعنى إذا خافهما على نفسه ضرورة في الصلاة، ومعي؛ أنه يخرج في معاني قولهم: إن فعل ذلك، اختلاف في صلاته، وفي بعض القول إنه يبتدأ صلاته، وفي بعض القول إنه يبني عليه، ولعل أكثر القول: إنه يبني عليها في مثل الحية والعقرب.
ومنه؛ ورخص في عدد الآي في الصلاة، ابن أبي مليكة وأبو عبد الرحمن وطاووس وابن سيرين والشعبي والنخعي والمغيرة بن حكيم والشافعي وأحمد وإسحاق، وكان النعمان يكره عدد الآي في الصلاة، وأنكر ذلك منكر وقال: يشتغل عن الخشوع المأمور به. (12/61)
صفحة 3052
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: أنه لا بأس يحفظ القراءة، ما لم يكن ذلك يشغله عن حفظ صلاته، أو شيء منها، ولا يجوز ذلك عندي بالعقد في معنى قولهم، وإنما يجوز في الحفظ بلا اعتقاد.
ومنه؛ قال: قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون: 1 - 2)، فروينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: الخشوع في القلب، وأن تلين قلبك للمرء المسلم، ولا تكفت في صلاتك، وعن ابن عباس أنه قال: خاشون القلب وهو الحزن، وقال مسلم بن سياد والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، ينظر إلى موضع سجوده، هذا قول كثير من أهل العلم، غير مالك، فإنه قال: أكره ما يصنع بعض الناس من النظر إلى موضع سجوده، وهم قيام في صلاتهم.
قال أبو بكر بالقول الأول أقول، قال أبو سعيد -رحمه الله-: إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، إن الخشوع في الصلاة الإقبال إليها، وترك الحركات فيها، إلا بمصالحها من جميع الجوارح، من اليدين والنظر والأذنين واللسان، عن جميع ما هو خارج من معانيها حتى يفرغ منها، فمن ذلك ما هو واجد لازم، ومنه ما هو فضيلة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مضى على مصل وهو أحسب يعبث في صلاته بشيء من الحركات فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» وقيل عن عبد الله بن مسعود: إنه كان في الصلاة، كأنه الثوب المعلق على الفلان، المعنى أنه لا يتحرك فيها إلا في معانيها، وركوعها وسجودها، وأصح الخشوع فيها؛ خشوع القلب بالقصد لتأديتها لله، والتعبد فيها، والخوف لله فيها من شؤم ذنوبه أن لا يقبلها منه ولو خشع فيها بجوارحه والرجاء فيه لله بفضله أن يتقبلها، ويتجاوزها عنه بما لا يستحقه بذنوبه في عدله.
ومنه؛ واختلفوا في التروح، فكره عطاء وأبو عبد الرحمن والنخعي ومسلم بن يسار ومالك ورخص فيه ابن سيرين ومجاهد والحسن وعائشة وابن سعد، وكره ذلك أحمد، إلا أن يأتي الغم الشديد، وبه قال إسحاق.
قال أبو سعيد: ولا أعرف معنى التروح، فإن كان التروح بالمراوح من الحر، فذلك عندي عمل لا تخرج إجادته في معاني الصلاة، إلا من ضرورة، (12/62)
صفحة 3053
يدفع بها عن نفسه من معنى الضرر.
ومنه؛ كان مالك وإسحاق لا يرون بأسا أن يراوح الرجل بين قدميه، وبه نقول، وروينا عن ابن مسعود أنه قال: من الجفا مسح الرجل أثر سجوده في الصلاة، وكره الأوزاعي وأحمد ذلك، وقال الشافعي: تركه أحب إلي، وإن فعل فلا شيء عليه، ورخص مالك وأصحاب الرأي فيه، وروينا عن أنس أنه كان يقتل القمل والبراغيث في الصلاة، وكان الحسن يقتل القمل في الصلاة، وقال أحمد وإسحاق: لا بأس به، ويكره العبث، وقال الأوزاعي: تركه أحب إلي، وللمرأة أن تحمل الصبي في الصلاة المكتوبة، وهو قول الشافعي وأبي ثور.
وقال الأوزاعي: إذا فاته العشاء حتى أصبح، أسر القراءة، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي، وقال أبو ثور يجهر، وقال أبو بكر: هذا أحب إلي.
قال أبو سعيد: أما المراوحة بين القدمين في الصلاة فمعي أنه مكروه في معاني قول أصحابنا إلا من علة، وعندي أنه إن فعل ذلك من غير علة من غير دفع قدميه التي يريحها، أنه لا بأس عليه في معاني البدل.
وأما قتل القمل والبراغيث في الصلاة فمعي؛ أنه يخرج من العمل الذي لا يجوز لأنه ليس مما يضر، ومعي أنه إن أذاه فمسحه عن نفسه، ولم يتعمد لقتله، جاز له ذلك، وكذلك سائر المؤذيات، ولا أعلم من قول أصحابنا أنه يجوز له أن يقصد إلى أذى شيء من المؤذيات، ولو خافه، إلا الحية والعقرب من الدواب، والنواخي والبعوض من الطائر، فقد قيل: إن قصد إلى قتل هذا إذا خاف الحية والعقرب، وأذاه البعوض والناخي، فلا بأس بذلك، من المؤذيات إن قتله على القصد، فقيل: عليه الإعادة، وإن قصد إلى صرفه عن نفسه فمات بذلك، ولم يمسه شيء من النجاسات منها، ولا من معانيها، فلا بأس بذلك، فيما عندي أنه قيل.
ومنه؛ ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأ عن نفسه، فإن أتى فليقاتله، فإنما هو شيطان».
قال أبو بكر: فيمن كان يرى منع المارين بين يدي المصلي، ابن عمر والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: ليس لأحد أن يمر بين يدي (12/63)
صفحة 3054
المصلي إلى سترته، فإن مر بين يديه كان له دفعه، فإن لم يندفع قاتله أن لا يمر بين يديه بعد دفعه، وليس له إذا صلى إلى غير سترة أن يدفع أحدا يمر بين يديه.
واختلفوا في رد المصلي من مر بين يديه من حيث جاء، فروي عن ابن مسعود أنه رخص فيه، وفعل ذلك سالم بن عبد الله، وقال الشعبي وسفيان الثوري وابن راهويه لا يرده بعد أن جاوز به، نقول وذلك إن رده من حيث جاء مرورا ثانيا، وليس له وجهة.
قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج في قول أصحابنا، إن المصلي يدرأ عن نفسه بغير علاج، وإن خرج إلى حال العلاج، خرج إلى حال العمل، ولا يجوز العمل في الصلاة، إلا لمعنى الضرورة والخوف على النفس، فإذا كان المار بين يديه مما يفسد عليه صلاته، فقد قيل: إن له أن يشير بيده ليعلم أنه في صلاته، فينصرف عنه، والإشارة فيما قيل: يرفع يده رفعا ولا يردها ردا، فيكون قد عمل، وأما إذا كان المار بين يديه مما ينقض صلاته، فإن دفعه عن نفسه بغير شدة علاج لتمام صلاته لأن لا تفسد، فقد قيل: ولو خطا الخطوة والخطوتين إلى الخمس، للإشارة للملايين بيديه، لئلا تفسد عليه صلاته، أو ليس من مصالحها، فقد رخص له في ذلك، وأما أن يعالج أو يعمل، فلا أعلم ذلك يخرج في معنى قولهم، إلا أنه قيل في الحية والعقرب، وقد تقدم ذكرهما قبل هذا الفصل فيما مضى من الكتاب.
ومن الكتاب ابن جعفر، حفظ عزان بن بشير عن موسى بن علي ناسيا، وقد رآه يريد أن يركع أو خاف أن يصرع، فلما ضرب بيده عليه ذكر الصلاة، فودعه أمره بالنقض.
مسألة: ومن غيره؛ في المصلي قلت له هل يجوز أن يتكئ على إحدى قدميه في الفريضة والنافلة؟ قال: جائز.
-ومن كتاب الأشراف- أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبع، ولا يكف شعرا ولا ثوبا، روينا عن علي وابن مسعود وحذيفة، أنهم كرهوا أن يصلي الرجل وهو عاقص، وقال عطاء: لا يكف الشعر عن الأرض، وكره الشافعي ذلك، وكان ابن عباس إذا سجد يقع شعره على الأرض، واختلفوا فيما يجب على من فعل ذلك، (12/64)
صفحة 3055
قال عطاء والشافعي: لا إعادة عليه، وقال أبو بكر: فهذا قول أكثر أهل العلم، غير الحسن البصري، فإنه قال: عليه إعادة تلك الصلاة.
قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو هذا من ثبوت النهي عن كف الشعر، والثوب في الصلاة لغير معنى الصلاة، ومما يخرج في مصالحها فمعي؛ أنه يخرج في معاني قولهم ترخيص في كف الثوب أكثر من كف الشعر، وأنه لا إعادة على من كف ثوبه في الصلاة لغير معنى الصلاة، وعليه الإعادة في كف شعره، وإذا ثبت معنى الإعادة في كف الشعر، أشبه عندي في كف الثوب، فإذا ثبت معنى الترخيص في الثوب، فلا فرق عندي في الشعر عن الثوب، إذا كان له معنى لغير معاني الصلاة، ويشبه في ذلك عندي إعادة الصلاة بالاختلاف على فاعله.
مسألة: -من كتاب ابن جعفر- وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أسجد على سبعة، ولا أكف شعرا ولا ثوبا»، يعني بالسبعة الجبهة والكفين والركبتين والقدمين، فأما كف الشعر، فهو أن يكف شعره، لئلا يقع في التراب، وهو عندهم أشد من كف الثوب، وقال
من قال: عليه النقض، وقال من قال: لا نقض عليه، ولا في الثوب، وكف الثوب، أن يرفع ثوبه من خلفه ويضمه إذا جاء يركع ويسجد، وذلك مكروه، ولا يبلغ إلى النقض.
ومن غيره؛ قلت: إن كف ثوبه قال: لا يجوز له ذلك.
مسألة: ومن غيره؛ وقد سمعنا أن عمر بن الخطاب -رحمه الله- رأى ابنه وهو يصلي، ويكف شعره، فجاء عمر فدلك شعره بالتراب فضربه، وأمر الحجام فقصه.
مسألة: وقيل: من صلى وهو عاقص شعره فعليه النقض، وفي نفسي من ذلك، فينظر ولا أحب مخالفة الأثر، وقال من قال: مكروه ولا نقض فيه.
مسألة: قال أبو المؤثر: أربع نفخات مكروهات، نفخة في الطعام، ونفخة في الشراب، ونفخة في الرقية، ونفخة في الصلاة، والله أعلم.
-ومن كتاب الأشراف- ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الالتفات في الصلاة: (12/65)
صفحة 3056
«هو اختلاس اختلسه الشيطان لعنه الله من صلاة العبد» واختلفوا فيما يجب على الملتفت في الصلاة، فقالت طائفة: ينقض صلاته ولا إعادة عليه، وروي هذا عن عائشة أنها قالت: الالتفات في الصلاة نقض، وبه قال سعيد بن جبير، وقال عطاء: لا يقطع الالتفات الصلاة، وبه قال مالك وأصحاب الرأي والأوزاعي، وقال الحكم: من تأمل عن يمينه في الصلاة، أو عن شماله في الصلاة، حتى يعرف، فليس له صلاة، وقال أبو ثور: إذا التفت بدنه كله، كان مفسدا لصلاته واستقبل، وروينا عن الحسن البصري أنه إذا استدبر الرجل القبلة استقبل، وإن التفت عن يمينه وشماله مضى في صلاته، قال أبو بكر: الذي قاله الحسن حسن.
قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو هذا من معاني الاختلاف، ولعل أكثر قولهم: إنه مكروه الالتفات في الصلاة، ويؤمر بالإقبال عليها، ووضع النظر فيها إلى موضع السجود فما دونه من حياله، وإقصار النظر عما فوق، ذلك فيما زايله عن يمين وشمال، وأما الالتفات فمعي؛ أنه في أكثر قولهم: إنه لا يبلغ بالمصلي إلى نقض صلاته ما لم يدبر بالقبلة، أو يخرج منه ذلك على معنى العمل، لا معنى العبث، فإذا ثبت في معنى العمل صارفا نفسه إليه، وقام مقامه فمعي أنه يخرج في معاني قولهم إن ذلك يفسد، وأما إذا كان على معنى العبث فيخرج فيه معاني الاختلاف من قولهم في إعادة الصلاة، وأما إذا أدبر بالقبلة، فمعي؛ أنه يخرج في معاني الاتفاق، من قولهم: إن عليه الإعادة، واستقبال صلاته، وعندي أنه إن فعل ذلك خطأ أو عمدا فسواء، وعليه الإعادة، وكذلك إذا خرج على معنى العمل خطأ أو عمد، فيشبه ذلك عندي أن عليه الإعادة.
مسألة: -من جامع ابن جعفر- ويكره له الالتفات في الصلاة، ولا نبصر نقضا عليه، حتى ينظر في التفاته ما خلف ظهره، وأما إن أبصر عن يمينه أو عن شماله أو أمامه، حتى يبصر ويستبين ما كان تحته، فلا نقض عليه ما لم يشتغل بذلك عن صلاته.
ومنه؛ وكذلك أرجو إن كان بين يديه كتاب، فاستبان منه شيئا مما فيه بلا أن يشغله عن صلاته، وفي نسخة ما لم يشتغل به عن صلاته، ويوجد عن أبي عبد الله فيمن نظر كتابا فاستبانه في صلاته، أن عليه النقض، والله أعلم. (12/66)
صفحة 3057
ومن غيره، وعن الذي يصلي في مسجد، وفيه نقش فينظر متعمدا، هل يعيد الصلاة، وإن كان ذاكرا حسابا في الصلاة، فجعل يحسبه في الصلاة في نفسه، فعليه الإعادة لصلاته، وإن كان لا يتعمد لذلك، فجعل الشيطان -لعنه الله- يعرض له في ذلك، وهو كاره لذلك، فلا أرى عليه بأسا ورغما للشيطان، وإنما قيل: تفسد صلاة الذي ينظر في صلاته إلى كتاب حتى يقرأه، ويعرفه، فإن ذلك يفسد صلاته.
مسألة: وقال أبو سعيد -رحمه الله-: ومعي أنه قد قيل: إن أربع خصال من الشيطان -لعنه الله- في الصلاة: التثاؤب، والنعاس، والكسل، والتمطي، وكدن أن يكن في مواطن الطاعة إلا ما شاء الله. (12/67)
صفحة 3058
[صفحة بيضاء] (12/68)
صفحة 3059
الباب الحادي عشر
فيمن لا تقبل له صلاة
وقيل: ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم، رجل يؤم قوما وهم له كارهون، وعبد آبق حتى يرجع إلى مواليه، وامرأة بات زوجها عاتبا عليها في حق وجب عليه، ومن -غير كتاب بيان الشرع- قال غيره: نعم، هكذا قيل لي هؤلاء الثلاثة؛ إلا أن الذي لا تقبل له صلاة، غير هؤلاء الثلاثة أيضا، منهم المرتكب الكبيرة من المعاصي، والمصر على الصغيرة، فهذان لا تقبل لهما صلاة أيضا، ولا عمل من عمل صالح، وفي حال ارتكاب المرتكب الكبيرة، والمصر على الصغيرة. (12/69)
صفحة 3060
[صفحة بيضاء] (12/70)
صفحة 3061
الباب الثاني عشر
فيمن تكلم أو سلّم أو ضحك
-ومن كتاب الأشراف- أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدا، أو هو لا يريد إصلاح شيء من أمرها، إن صلاته فاسدة، واختلفوا فيمن تكلم في صلاته عامدا أو هو يريد إصلاح صلاته، فقالت طائفة: عليه الإعادة، هذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي، وقالت طائفة منهم: من تكلم في صلاته من أمر عذر فليس عليه شيء، ولو أن رجلا قال للإمام وهو جاهر بالقراءة في صلاة العصر، إنها العصر، لم يكن عليه شيء، ولو نظر إلى غلام يريد أن يسقط في بئر، فصاح به أو انصرف إليه أو انتهره، لم يكن بذلك بأس، هذا قول الأوزاعي.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا: إن الكلام كله بغير ما يقال في الصلاة في حدودها، مفسد للصلاة على كل حال لمعنى الصلاة، أو لغير معنى الصلاة، إذا تعمد لذلك، وإنما يخرج في معاني قولهم عندي، إنه إذا سها الإمام بشيء مما يخالف فيه أمر الصلاة، أن من خلفه يسبح له في أي حال كان، وأجاز بعضهم التسبيح في هذا الموضع للإمام، ومعي؛ أن بعضا لا يجيز له ذلك، ويجهر له بما فيه مما يقال في الصلاة ليدله على سهوه في تكبيرة أو قراءة أو غير ذلك من الصلاة، ومعي؛ أنه قد قيل عن بعضهم: إنه إذا تكلم بشيء من ذكر الله تعالى مثل قوله: (الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر) أنه لا بأس بذلك على التعمد لمعنى الذكر، وقال من قال: لا يجوز ذلك إلا لمعنى ما يذكر به الإمام، وما أشبهه. (12/71)
صفحة 3062
ومنه، اختلف أهل العلم في المصلي يتكلم ساهيا أو يسلم ساهيا قبل التسليم من الصلاة فقالت طائفة: يبني على صلاته، ولا إعادة عليه، فيمن يسلم في الركعتين ساهيا، وبنى عليهما وسجد سجدتي السهو عروة وابن الزبير، وقال ابن عباس أصاب، وروي عن ابن مسعود، وبه قال عروة بن الزبير وعطاء والحسن البصري وقتادة، وبه قال سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقالت طائفة: إذا تكلم ساهيا يستقبل صلاته، وكذلك قال النخعي وقتادة وحماد بن أبي سليمان والنعمان وأصحابه، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم، ويسجد سجدتي السهو.
قال أبو سعيد: إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إن الكلام لغير معاني أسباب الصلاة، ولا ما يشبه معاني الذكر لله، مفسد للصلاة على العمد والنسيان، وعلى كل حال منها، ولو كان على الخطأ أن يزيد في معنى الصلاة فيخطئ لغيره من الكلام الخارج منها، ولا أعلم في معاني قولهم في هذا الفصل اختلافا، ومعي؛ أنه يخرج في قولهم: إنه إذا سها، فقال في شيء من صلاته في حد من حدودها غير ما يقال فيه من أمر الصلاة على السهو، إن صلاته تامة في معاني الاتفاق من قولهم، وإن قال ذلك على التعمد، فصلاته فاسدة، إذا كان بمخالفة الحدود في الصلاة، ومعي؛ أنه يخرج في معاني قولهم:
إنه إذا سها فيتكلم بشيء من ذكر الله، أو من القراءة لغير ما يقال في الصلاة، إلا أنه لغير معنى السهو في أمر الصلاة، إنه يختلف في ذلك من صلاته، ففي بعض قولهم: إنه لا فساد عليه بشيء من ذكر الله، وقال من قال: عليه الإعادة، إذا خرج من معاني ما يقال فيها على القصد في الصلاة، وكذلك إذا سها، فسلم في معاني قولهم اختلاف، ولعل أكثر قولهم: أنه يبني على صلاته ويسجد للوهم.
ومنه؛ قال النعمان: إذا سبح الله في صلاته، أو حمد الله، قال: إن كان ذلك منه ابتداء، فليس بكلام، وإن كان جوابا فهو كلام، وإن وطئ على حصاة أو لسعته عقرب، فقال: بسم الله أراد بذلك العقرب، فهو كلام، وقال يعقوب في الأمرين كلام، وقال أبو بكر: وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» وقال بظاهر هذا الحديث الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال الثوري إذا اشتكى شيئا أو أصابه شيء في الصلاة (12/72)
صفحة 3063
فقال بسم الله، ما أرى عليه بأسا، واختلفوا فيمن سلم في صلاته ساهيا ناسيا، وعليه بقية من صلاته، فقالت طائفة: يبني على صلاته إذا ذكر، ويسجد سجدتي السهو عند فراغه من الصلاة قبل أن يسلم إن طال مسيره، هكذا قال يحي الأنصاري، وهو مذهب الأوزاعي، وقال الليث بن سعيد: يبني على صلاته، وإن طال ذلك، ما لم ينتقض وضوؤه الذي صلى به تلك الصلاة، وقال مالك: إن ذكر بحضرة ذلك، ولم ينتقض وضوؤه صلى ما بقي من صلاته، ويسجد للسهو بعد التسليم، وإن لم يكن ذلك حتى يطول، استأنف الصلاة، وكان الشافعي يقول: إذا ذكر ذلك قريب من كلام النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذي الثديين رجع فبنى وسجد سجدتي السهو، وإن تطاول أعاد الصلاة.
قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا قد مضى من القول، ما يستدل به على بعض معاني هذا، ومعنى التسليم في قول أصحابنا على قول من يجيز البناء على الصلاة بعده أنه ما لم يدبر القبلة، أو يتكلم بكلام، مما لا يقال في الصلاة، أو مما يفسد الصلاة، أن لو قيل فيها على السهو، فله أن يبني على صلاته ويتمها، ومعي؛ إنه إن تطاول ذلك تطاولا، ولا يعيد ولو لم يتكلم، ويدبر بالقبلة حتى يفحش في ذلك، حسن عندي الإعادة، لأن ذلك مما يدل على معنى الخروج من الصلاة إلى غيرها، وقد يخرج في بعض قولهم: إن قرأ شيئا من القرآن، وذكر الله بشيء من الذكر، يريد به الجواب، أنه بمنزلة الجواب؛ لأنه يقوم مقام الكلام، وإن أراد معنى الذكر، فقد مضى القول فيه، وأما معارضته بشيء مما يؤلمه، فيتكلم بشيء من ذكر الله، فإن كان لا قصد له، إنما هو مغلوب على ذلك أو ساهيا، فقد مضى معنى القول فيه في ذلك من الذكر على السهو، وإن قصد به الذكر لله، فقد مضى القول فيه، وإن قصد الإشكاء والتوجع لذلك، خرج عندي بمعنى الجواب للكلام.
ومن جامع أبي محمد -رحمه الله- والتسليم على غير العمد، لا يقطع الصلاة بإجماع الأمة، ومن غير الكتاب، وسألت أبا مروان سليمان بن محمد بن حبيب عن من نفخ في الصلاة لمعنى أو لغير معنى للصلاة، هل تجوز صلاته؟ قال: صلاته فاسدة، قلت: لم فسدت، وإنما هو نفخ لمعنى الصلاة، أو لغير (12/73)
صفحة 3064
معنى لها؟ قال: النفخ كلام لقول الله تبارك وتعالى: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) (الإسراء:23). قال: وهو كلام.
مسألة: -من كتاب الضياء- ومن كان يصلي فريضة، فلما بلغ إلى محمد عبده ورسوله، فنسي فدعى بشيء من أمر الدنيا في الجلسة الأولى، قال بعض: يبتدأ الصلاة، قال أبو الحواري: يتم الصلاة، ولا يضره دعاؤه ناسيا، والكلام في الصلاة لا يجوز، من تكلم عامدا بطلت صلاته، بإجماع الأمة، واختلفوا فيمن تكلم عامدا يريد به إصلاح صلاته، فقالت طائفة: عليه الإعادة، وقال قوم: لا إعادة عليه، واختلفوا فيه إذا تكلم ساهيا أو سلم ساهيا؟ قال قوم: يبني على صلاته، ولا إعادة عليه، وقال قوم: يستقبل صلاته.
مسألة: قلت: فإن ذكر المصلي النار فاستجار منها في صلاته؟ قال: إن حرك بذلك لسانه فسدت صلاته، فإن كان في نفسه لم يتحرك لسانه رجوت أن لا نقض عليه، وأحسبه عن أبي عبد الله.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن القلب إذا تحرك بالضحك في الصلاة، ولم يبتسم المصلي ولم يقهقه، قال: معي؛ إن بعضا يقول: إذا تحرك القلب بالضحك هو من الضحك، قلت: فعلى قوله هذا يفسد الصلاة والوضوء، أما الصلاة وحدها، قال: معي؛ على قول من يقول: إنه من القهقهة؛ لأنه حرك في حسب ما يذهب إليه، ورأيته يرى أن بعضا يقول: إن حركة القلب ليس بشيء، حتى يقهقه أو يبتسم، وعرضته عليه فقال: هكذا معي؛ بعضا يذهب إلى هذا.
مسألة: وزعم عمر بن المفضل، أنه سأل بشيرا عن الرجل ينتشر في الصلاة؟ فقال من قال: يقف حتى يفتر، ثم يصلي، قال: وسألت عن ذلك أبا عثمان فقال: يمضي في صلاته.
مسألة: وعن سعيد بن محرز؛ فيمن يكشر في الصلاة، فإنه تنتقض صلاته، ومن قهقه انتقض وضوؤه وصلاته، قلت: وما القهقهة؟ قال: إذا علا الصوت، واهتز البدن.
الباب الثالث عشر
فيمن يتفكر في صلاته بشيء من أمر الدنيا والآخرة
وقال فيمن يفكر في صلاته في شيء من أمر الدنيا لم يفسد ذلك عليه صلاته إن شاء الله، وقال: وأما بعض فقهاء المسلمين من أهل خراسان، فبلغني عنه، أنه قال: إذا تفكر في صلاته في شيء من أمر الدنيا، وفي موضع آخر متعمدا لذلك فسدت عليه صلاته إن شاء الله، قلت: أفتأخذ بذلك؟ قال: أرجو أن لا يبلغ به ذلك إلى فساد صلاته، إن شاء الله؛ لأنه جاء في صحيح التفسير، في قول الله تبارك وتعالى: (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ) (البقرة:284)، فنسختها هذه الآية: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة:286)، قلت: فمن تفكر في شيء من أمر الدنيا، وهو في الصلاة، أهون عندك ممن ألقى سمعه إلى استماع كلام، وهو في الصلاة؟ قال: نعم. (12/74)
صفحة 3065
الباب الثالث عشر
[صفحة لم ترقن] (12/75)
صفحة 3066
[صفحة بيضاء] (12/76)
صفحة 3067
الباب الرابع عشر
التنحنح في الصلاة والطحار والأنين والتأوه
وعن رجل كان يصلي، فوجد في حلقه شيئا مثل نخاعة، أو غيرها، وهو في موضع السر، فتنحنح على العمد، ولو ترك ذلك لم يشغله عن الصلاة، هل له ذلك؟ فمعي أن له ذلك لمعنى قراءته في الصلاة، كما له في الجهر؛ لأن ذلك ليس بعبث ولا لغير معنى.
مسألة: ورجل تشبك حلقه وهو في الصلاة يجهر فيها بالقراءة، وقد كان يبين القراءة، ويقدر على الجهر، غير أنه لا يفصح، كما لم يكن ذلك في حلقه، هل له أن يتنحنح على العمد ولا تفسد صلاته إذا كان إماما أم لا؟ قال: معي؛ إذا كان لمعنى صلاح القراءة فلا بأس فيما تنحنح لقراءته نقضا بصوت، وسئل أبو سعيد -أكرمه الله- عن المصلي إذا خر للسجود وكبر وطحر لغير عمد منه، هل تفسد صلاته؟ قال: معي؛ إن بعض الفقهاء ترك إمامة من كان يفعل هذا، لم يصل خلفه، وأرجو أنه ناقض، ذلك إلا أن هذا يخرج عندي على معنى العبث من المصلي لا على معنى العمل، ومعي؛ أنه يختلف في العبث على الخطأ والنسيان والعمد، ما لم يحصل عملا، قال غيره: نعم، قد اختلف في العبث، فقال من قال: إنه يفسد الصلاة على العمد والخطأ والنسيان، وقال من قال: إنه لا يفسد على العمد ولا الخطأ والنسيان، وقال من قال: إنه يفسد على العمد، ولا يفسد على الخطأ والنسيان، انظر في هذا.
مسألة: -ومن غيره-؛ قلت له: فإن تنشج، أو تنحنح لغير معنى أيكون هذا من العبث؟ قال: نعم، هو من العبث والتتنشيح أشد، وأخاف أن (12/77)
صفحة 3068
يكون عملا، وعن الذي يتنحنح في صلاته من غير علة، أو عن تغير في حلقه، أو لغير تغير، وإنما يتنحنح، هكذا قلت أعليه نقض صلاته أم لا؟ فإذا تنحنح لشيء في حلقه لمصالح صلاته فلا بأس، وإن كان لمعنى يدل على غيره بذلك التنحنح فذلك يفسد صلاته، وإن تنحنح لغير معنى، ولا عبث في الصلاة، أو لشيء يدل عليه فذلك مكروه، ولا نقض عليه.
-ومن غيره-؛ وأما إن تنحنح المصلي لشيء عرض له في حلقه، فلا شيء عليه في ذلك، وإن تنحنح يريد بذلك كلاما أو يستمع أحدا، فسدت صلاته، وسواء ذلك كان متعمدا أو ناسيا في الوجهين جميعا، ومن غيره؛ وقيل: إن تنحنح إذا تنحنح لغير ذلك انتقضت صلاته إلا أن يكون لشيء وقع في حلقه فلا بأس.
-ومن كتاب الضياء- ومن تنحنح لنخاعة في حلقه فلا فساد عليه.
مسألة: ومن غيره، وعن التحمحم يريد حاجة؟ قال: من تنحنح يريد بذلك كلاما أو حاجة انتقضت صلاته، وإن لم يرد بذلك شيئا من ذلك فلا بأس.
مسألة: وعمن يصلي خلف الإمام، وطول الإمام في سجوده أو قعوده، فظن الذي خلفه أنه ناعس أو ساه، وأراد أن ينبهه أو ليذكره، وما سبح له، قلت: هل تنتقض صلاته، الذي تنحنح لهذا المعنى؟ فمعي أن يختلف في مثل هذا، ويعجبني إذا كان في الصلاة ومصالحها، أن يسع ذلك.
مسألة: وسألته عن المصلي إذا طحر في الصلاة، أو قال أح أو أخ لغير معنى؟ قال: فأما الطحار فهو عندي من العبث وأما قول أح أو أخ فهو عندي يقع موقع الكلام، قلت: فإن نهم في الصلاة؟ قال: النهمة عندي أشد من العبث، وتقوم مقام الكلام في الصلاة، وكذلك إن راوح بين قدميه لغير معنى، أو تنشق رائحة نتن أو طيب قد تقدم القوم فيها.
مسألة: ومن عطس أو قحب أو تثاءب وهو في الصلاة، ما يلزمه؟ فأما العطاس والقحاب فلا شيء عليه في ذلك، وأما التنشج في أمر الآخرة، فلا شيء عليه، وأما من تنشج على شيء من أمر الدنيا فسدت صلاته، وأما إن تنشج في شيء غير معنى ولم يتعمد لذلك، فلا شيء عليه. (12/78)
صفحة 3069
مسألة: -ومن كتاب ابن جعفر- وقيل إذا تنحنح إذا تجابى، أو تنحنح لغير ذلك انتقضت صلاته، إلا أن يكون لشيء وقع في حلقه، فلا بأس، قال غيره: وقد قيل: إن من تنحنح لغير معنى فلا فساد عليه، حتى يتنحنح لمعنى منتقض من معاني الصلاة، قال أبو عبد الله محمد بن المسبح: إن شجر عليه في القراءة فتنحنح فلا بأس عليه.
مسألة: ومن غيره؛ وسألته عن المصلي، إذا طلع إلى حلقه من جوفه شيء يخاف أن يبرز إلى فيه، هل يجوز له أن يتنحنح ويسرط ريقه في الصلاة؟ إذا رجا إذا تنحنح أنه لا يظهر قال: معي؛ إنه قد قيل ليس عليه في صلاته ما لم يصر، حيث يقدر على لفظه بغير معالجة من تنحنح أو غيره، ومعي؛ أنه قد قيل: إنه يفسد عليه إذا صار حيث يقدر على إخراجه بالتنحنح.
مسألة: قلت له: فمن تنحنح في الصلاة، هل يكون عبثا منه؟ قال: معي أنه قد قيل: إذا كان من غير عذر، إنه يفسد عليه صلاته، ويخرج أنه عبث، أحسب أنه من -كتاب الأشراف- اختلف أهل العلم في الأنيرة في الصلاة فقالت طائفة من العلماء: إن كان في صلاته يعيد، وروي هذا القول عن الشعبي والنخعي والمغيرة، وبه قال الثوري، وقال ابن المبارك: إن كان عالما لم يعده، وقال الثوري: لا بأس به إن كان كائنا مغموما، قال أبو سعيد: أما التأول عندي فيخرج عندي مخرج البكاء، أو ما يشبهه، وكذلك التنشج، ففي معاني قول أصحابنا، إن كان ذلك من أمر الدنيا، وعليها انتقضت صلاته، وإن كان على أمر الآخرة فصلاته تامة، وكذلك يخرج عندي في بعض قولهم: إنه إن غلب على ذلك، ولم يكن ذلك منه، فلا بأس عليه، ولو خرج مخرج الكلام، لم يكن عليه في ذلك عذر على حال، وكذلك الأنين إن كان من معنى التوجع على أمر الآخرة، فرأيته أشبه عندي البكاء والتنشج، إن كان على أمر الدنيا والألم، لم يمسك ذلك من أمره، ولا يكون مغلوبا عليه، كان معناه عندي على هذا خارج بمعنى البكاء في أمر الصلاة للمعنيين. (12/79)
صفحة 3070
[صفحة بيضاء] (12/80)
صفحة 3071
الباب الخامس عشر
فيمن يستأذن عليه رجل ويناديه كيف يصنع
ومما عرض على أبي الحواري -رحمه الله- وعن امرأة يستأذن عليها زوجها، وهي في الصلاة كيف يفعل؟ تصفق بيديها، وإن ضربت بيديها على فخذها فلا بأس، إن شاء الله.
مسألة: وللرجل في الصلاة إذا استأذن عليه مستأذن، أو عرض له أمر أن يسبح له أو يرفع له صوته بما هو فيه من الصلاة، وقالوا: ولو سبح مرارا لم يكن عليه بأس، والمرأة تسبح أيضا، أو تصفق على يدها أو على فخذها.
مسألة: ولا يجوز أن يقول في الصلاة، عندنا يعرض له، إلا سبحان الله، وقال من قال من الفقهاء: إن هؤلاء الكلمات الأربع لا تنقض الصلاة، من قالهن جميعا، أو فرقهن ناسيا أو متعمدا: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- وإذا عنى الرجل معنى الصلاة، سبح لذلك المرأة تصفق، جاءت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بإجازة ذلك. (12/81)
صفحة 3072
[صفحة بيضاء] (12/82)
صفحة 3073
الباب السادس عشر
في البكاء في الصلاة
وسألته عن رجل غلبه البكاء في الصلاة لغير أمر الآخرة، ولم يستطع إمساكه، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إذا غلبه البكاء إن صلاته تامة ولو كان في غير الآخرة، قلت له: ومعك أن عليه النقض، فلا أعلم ذلك.
-ومن جامع ابن جعفر- وقيل: من تنشج أو بكى في الصلاة من خوف الله تعالى، فلا بأس، وأما إن تنشج لغير ذلك أو بكى على ميت فقيل عليه النقض. ومن غيره: قال أبو عبد الله: إذا تنشج ما يسمعه من خلفه نقض. (12/83)
صفحة 3074
[صفحة بيضاء] (12/84)
صفحة 3075
الباب السابع عشر
فيمن يعنيه مخاط أو بصاق
كيف يفعل به وكذلك النخاعة
وعن رجل عناه مخاط في الصلاة، فحفر له في الحصى وتفلها، هل عليه إعادة؟ قال: نعم؛ إذا دفنها أعاد الصلاة، وإن حفر وتركها في الحفرة حتى إذا صلى صلاته دفنها، فلا نقض عليه، ولا نحب له أن يفعل ذلك في المسجد، قال أبو المؤثر: إذا حفر بقدمه الشمال تحت وامتخط فلا بأس، وإن حفر بيده أعاد الصلاة.
مسألة: ورجل اجتمع في فيه البلغم وخشي أن يشغله عن صلاته أو يجوزه عن قراءته فبصق على هيئته ولم يمل على يساره، هل ترى عليه بأسا؟ قال: معي؛ لا أعلم عليه فسادا وإنما يستحب له ذلك للأدب.
مسألة: -ومن كتاب ابن جعفر- وإن جاءته نخاعة أو مخاط أو بصاق، فكبس وتمخط في نعله أو في الأرض أو كان على حصير وأمكنه أن يرفعه ويبصق تحته فلا بأس.
-ومن غيره-؛ قال محمد بن المسبح: إن تقدم موضع سجوده نقض، وإن تأخذ حتى سجد موضع قدميه نقض، هكذا قال محمد بن محبوب -رحمه الله-.
-ومن غيره-؛ وقيل: إن تقدم في صلاته أو تأخر بقدر خمس خطوات، فلا نقض عليه، ولا يكون أكثر من ذلك لأن هذا يخرج من أمر الصلاة. (رجع). وقد كره أيضا، إن حفر لذلك في الأرض أن يدفنه (12/85)
صفحة 3076
حتى يصلي، وكره من كره أيضا أن يجعل إحدى نعليه على الأخرى إذا بصق في صلاته إلا أن يكون واحدة فوق الأخرى قبل أن يدخل في الصلاة، فيرفع إحداهما ويبصق فيها ويردهما كما كانتا.
ومن غيره؛ قال أبو عبد الله: يضعهما ولا يفرقهما، فإن فرق نقض وإن حفر برجله اليسرى وهو قائم أو بيده اليسرى وهو جالس ودفن فلا بأس. وإن بصق تحت قدمه اليسرى أو في ثوبه فلا بأس.
ومن غيره؛ قال أبو عبد الله: لا يبصق في ثوبه إلا أن يكون في الكعبة، لأنه روي عن ابن عباس: لا يبصق في ثوبه إلا في الكعبة، (رجع). وقال من قال في المخاط: إنه إنما يمث المصلي منه ما خرج من منخره ولا يتعمد لقلع ما لم يكن يخرج من ذلك.
ومن غيره؛ قال أبو عبد الله: يقذف المخاط ما كان نسج منه، وهل يبصق الرجل في الصلاة؟ قال: على يساره، قلت: يعرض بوجهه؟ قال: نعم، وإن سال من المصلي دموع في الصلاة، فخاف أن تدخل فاه أو انتخت به عينه، فله أن يمثها بيده أو بثوبه.
مسألة: وعن أبي معاوية فيمن صارت النخاعة على لسانه ثم سرطها، إن عليه النقض.
ومن غيره؛ قال: وذلك إذا كان من الصدر، وإن كانت من الحلق والرأس ثم سرطها، فلا نقض عليه.
مسألة: ورجل جاءته النخاعة فخشعها حتى صارت على لسانه ثم غرقها متعمدا أو ناسيا أو جاهلا، قلت: هل تتم صلاته؟ قال: إذا كان ذلك من رأسه أو من حلقه، فقد قيل؛ يأثم، وإن كان من صدره فقيل: إنه تفسد صلاته على التعمد، وأما على الخطأ فلا يعجبني تفسد.
مسألة: وسئل أبو سعيد عمن جاءته نخاعة وهو في الصلاة، كيف يصنع؟ قال: أحب أن يبصقها على يساره، على ما قيل، قلت: فإن بصقها على يمينه أو قدامه، هل ترى عليه بأسا؟ قال: معي؛ إن صلاته تامة ويكره له ذلك على (12/86)
صفحة 3077
معنى قوله. قلت له: أرأيت إن أحالها بلسانه حتى ظهرت على فيه فأخذها بثوبه عبثا منه، قال: معي؛ أنه يشبه العبث، قلت له: وكذلك إن أخذها بيده، أهي مثل أخذه بالثوب؟ قال: معي؛ أن كله سواء.
مسألة: وسئل أبو سعيد عن المصلي إذا جاءته البصاقة في الصلاة أين يبصق؟ قال: معي؛ أنه على الشمال، قيل: فإن بصق على اليمين؟ قال: معي؛ أنه يكره ذلك، قالوا: لأن الملائكة تجئ على اليمين، وإبليس -لعنه الله- يجيء على الشمال، وكذلك لا يضع النعلين على اليمين ويضعهما على الشمال. (12/87)
صفحة 3078
[صفحة بيضاء] (12/88)
صفحة 3079
الباب الثامن عشر
النعاس في الصلاة
وعن رجل يكون خلف الإمام، فيكون في التحيات فيغلبه النوم ثم ينتبه وقد قام الإمام، فقال التحيات والتشهد ثم قام وركع الإمام، فقال: سمعنا في ذلك قولين، أحدهما أنه يتبع الإمام وإن سبقه بالركوع، ثم يتبعه وإن سبقه بالسجود، وهو قول سليمان، والقول الثاني؛ يقطع ما مضى ويستأنف ما أدرك مع الإمام، قال: وهذا أحب القول إليّ.
ومن غيره؛ وقال في رجل يصلي مع قوم، فلما كان في الركعتين الأوليين غشيه النعاس، ثم انتبه بعد أن سلم الإمام، فقال: ليعد الصلاة، وقد بلغنا عن أبي عبيدة أنه قال: يتم ما بقي من الصلاة.
مسألة: ومن غيره؛ وسألته عن الرجل يكون في الصلاة، فيغشاه النعاس حتى لا يقدر أن يفتح عينيه، ويجدهما كأنهما يابستان، أعليه أن يحتال في فتحهما، أم يتركهما على حالهما، ولو كان مغمضا إذا كان أخف حركة من معالجة لفتحهما؟ قلت: فإن عالجهما ليفتحهما حتى ذهب عنه ذلك أو لم يزل كذلك حتى قضى صلاته، هل تتم صلاته؟ قال: عندي إذا لم يشغله عن صلاته، فأرجو أن صلاته تامة إن شاء الله. قلت له: فإن أصابه نعاس في الصلاة فوقع لجنبه ناعسا، ثم انتبه، أيبني على صلاته أم يبتدئ؟ قال: معي؛ إنه على قول من يقول لا تفسد صلاته بالنعاس، يرى أن صلاته تامة ولا فرق في ذلك. والذي يفسد بالنعاس يفسد صلاته على معنى قوله. قلت: فإن غلبه النعاس على سد عينيه، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إن ذلك معناه النعاس على معنى قوله. قلت له: فإن (12/89)
صفحة 3080
لم يقدر على ذلك وفعل ذلك؟ قال: معي؛ إن في ذلك اختلافا، ورأيته كأنه يذهب إلى فساد صلاته على معنى قوله.
مسألة: -من الزيادة المضافة- وعن رجل يصلي فينعس فينتبه وهو يتكلم بغير القرآن، قال: إن تكلم بغير ما هو فيه مما يجوز له في الصلاة فعليه سجدتا الوهم، وإن تكلم بغير ذلك أعاد الصلاة، قال غيره: وكذلك عندي إذا استيقن أنه تكلم كان ذلك في نومه أو في يقظته، وأما إذا كان ذلك حلما رآه على وجه الرؤيا له، فمعي؛ أنه قد قيل: لا يفسد ذلك حتى يستيقن أنه قال ذلك.
مسألة: وسألته عن المصلي إذا أخذه النعاس في صلاته فزل لسانه بكلام غير كلام الصلاة، ثم رجع عن ذلك إلى ذكر الصلاة وبنى على صلاته، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي؛ أنه إذا تكلم بغير كلام الصلاة ولم يكن حلما فسدت صلاته، وقيل: فإن علم أنه تكلم بذلك من بعد انقضاء وقت الصلاة أو في وقتها. قال: معي؛ إنه متى علم ما يفسد صلاته، أعادها، قلت له: فإن رجع إلى صلاته فلم يعرف هو حلم أو كلام، قال: إذا كان ناعسا وصح عنده أنه تكلم في نعاسه أو يقظته فصلاته فاسدة، وإن لم يعرف أنه رأى أنه تكلم أو حلم فالحلم أولى به حتى يعلم أنه تكلم وإن لم يعلم أنه كان ناعسا أو متيقظا فاليقظة أولى حتى يعلم أنه نعس. (انقضت الزيادة المضافة). (12/90)
صفحة 3081
الباب التاسع عشر
في تغطية الوجه
-من كتاب الأشراف- روينا عن ابن عمر؛ أنه كره أن يصلي الرجل وهو متلثم، روي كراهية الفم في الصلاة عن عطاء وابن المسيب والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق، قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا، حسب ما حكي من الكراهية للمصلي أن يصلي وهو متلثم بتغطية فمه. ومعي؛ أنه إن فعل ذلك فيخرج في معاني قولهم: إن عليه الإعادة، ولا أعلم في قولهم تصريحا بترك الإعادة. قال المضيف: وجدت في الأثر عن أبي الحسن أنه قيل: إن عليه الإعادة، وقيل: لا إعادة عليه (رجع).
ومن غير الكتاب، وعن الرجل يصلي، والثوب على فيه وعلى منخريه، قال: أكره له ذلك، إلا في الغزو والسموم.
مسألة: وفي الذي يصلي وقد غطى وجهه أو شيئا منه، أو لحيته، و فمه متعمدا أو ناسيا في كثير من صلاته، أو قليل، ما حال صلاته؟ فأما الذي غطى وجهه كله أو الأكثر منه في حد من صلاته عامدا أو ناسيا، فأما العمد فعليه الإعادة عندي، وفي النسيان أخاف عليه، أما تغطية لحيته فقد أساء ولا أعلم عليه إعادة، وأما تغطية فمه عمدا فقد قيل: عليه النقض، وقيل: لا نقض عليه، والنقض أحب إليّ، والنسيان في هذا يشبه العمد. (12/91)
صفحة 3082
[صفحة بيضاء] (12/92)
صفحة 3083
الباب العشرون
فيما ينقض الصلاة بالنظر
قال أبو سعيد، في المصلي إذا نظر إلى غير موضع سجوده متعمدا إن بعضا يقول: ما لم يجاوز نظره فوق خمسة عشر ذراعا، فصلاته تامة، وإن نظر فوق ذلك فعليه النقض، وقال من قال: حتى ينظر أمام وجهه من السماء، وقال من قال: حتى ينظر فوق رأسه.
مسألة: قال هاشم: وكان الرامي يعلّم عبد الملك، قال: لا ترفع يديك حتى تجاوز رأسك؛ فإنه نقض للصلاة، إلا أن ترفع ثوبك، أو نحو ذلك، ولا ترفع رأسك فتنظر إلى السماء؛ فإن ذلك نقض للصلاة، قال هاشم: وقال موسى: ولا تبسط نظرك ولم نعلم أنه ينقض، قال أبو سعيد: أما رفع يده حتى يجاوز بها رأسه لغير معنى، فهو عندي من العبث، فإن فعل ذلك عامدا، أحببت أن يعيد صلاته، وإن كان خطأ أو نسيانا لصلاته، أحببت أن لا إعادة عليه، وكذلك إن نظر إلى السماء، فقد اختلف في ذلك فيما معي، وأحب على العمد أن يعيد، وعلى الخطأ والنسيان أن لا إعادة عليه، وأما يبسط نظره ما لم ينظر إلى السماء، فقد قيل: إذا جاوز نظره خمسة عشر ذراعا، فقيل: عليه الإعادة، وقيل: لا إعادة عليه، ويعجبني أن يعف عن ذلك ما قدر، ولا أحب أن تكون عليه الإعادة، ما لم يدبر بالقبلة، أو ينظر إلى السماء، أو يشتغل بذلك عن حفظ صلاته، أو يصرف همته إلى ذلك، ويدع الصلاة والاهتمام بها.
مسألة: ومن غيره؛ ويوجد في المصلي إذا نظر إلى السماء من فوق رأسه، إنه (12/93)
صفحة 3084
قيل: عليه البدل، إذا كان متعمدا، فإن كان يصلي في وسط مسجد، أو في بيت، فنظر فوق رأسه إنه لا بدل عليه، ولم يجعلوا النظر إلى سقف البيت كالنظر إلى السماء، ومن غيره؛ وقال: ومن رفع رأسه إلى السماء وهو في الصلاة متعمدا، أو ناسيا فعليه النقض، وكذلك حفظ أبو زياد عن هاشم بن غيلان -رحمهما الله-. (12/94)
صفحة 3085
الباب الحادي والعشرون
في صلاة المرأة وحدها
قال أبو عبد الله: تؤمر المرأة أن تضع يديها قبل ركبتيها في السجود للصلاة، وتضم وتداخل بعضها في بعض في الصلاة، وأما الرجل فيبدأ؛ فيضع ركبتيه قبل يديه للسجود.
مسألة: ويجوز للمرأة أن تصلي في الدرع والخمار، إذا كان الدرع صفيقا وسابغا إلى الكعبين، فهذا الذي تؤمر به، فإن صلت في درع لا يصل إلى الكعبين وكانت إذا سجدت
سترت ركبتيها وما خلفها إلى الساق، لم يكن عليها نقض، تدبر ما كتبت وازدد من سؤال أهل البصر.
مسألة: وإذا مسألة: فرج المرأة عقبها في الصلاة، فلا نقض عليها، وقال غيره؛ وأظنه ابن محبوب، إذا كانت تعرف التحيات المباركات، ولا تعرف غيرها فصلاتها تامة، وللمرأة أن تطيل ذيلها، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك.
مسألة: وبلغنا أن عائشة رأت امرأة تصلي في مثل هذا الخمار، وقد بدا بياض القرطين من وراء الخمار، فقالت عائشة: ما يحل لك أن تصلي في مثل هذا الخمار، إلا أن تكوني لا تؤمنين بالله ولا بكتابه ولا برسوله صلى الله عليه وسلم:.
مسألة: وإذا صلت المرأة ويدها ماسة بدنها، فسدت صلاتها، لأنها تؤمر أن تضع يدها في ضعف الثوب.
مسألة: وإذا عقدت المرأة شعرها خلف قفاها فصلت، فلا بأس، وأحب (12/95)
صفحة 3086
إلينا أن تضفر شعرها، ولا يجوز للمرأة الصلاة، إلا بفرق شعرها، ولا يجوز للمرأة أن تجعل قصة، بكرا كانت أو ثيبا، إذا كانت بالغا، ولتفرق شعرها.
مسألة: والتي إذا كانت تصلي بنجاسة في ثوبها، ولا تدري أنها نجاسة، فإنها تصوم شهرين، وتبدل ما قدرت عليه، أحب إليّ.
مسألة: وإذا كانت امرأة مع قوم في سفر راكبة دابة وهي متوضئة، وخافت إن نزلت عن الدابة، أن يفوتها القوم فصلت بالإيماء على ظهر الدابة، فصلاتها تامة، وإذا كانت تخاف فوتهم ومضيهم عنها، ولم تطلب إليهما أن ينزلوها، وصلت بالإيماء، فعليها البدل ولا كفارة.
مسألة: وإذا كانت المرأة تصلي في دوينج، فاستحب أن تنكشف أمام الناس، فصلت بلا وضوء، فلا كفارة عليها إن شاء الله.
مسألة: وسألته عن امرأة تخترق وتصلي ولا تخرج فاها؟ قال: يكره ذلك، ويكره أن تسجد على جلبابها، قلت: فإن فعلت؟ قال: فلا نقض عليها، قلت: فالرجل إذا صلى وغطى فمه نقض صلاته.
مسألة: -من الزيادة المضافة- ومن جواب أبي إبراهيم، وعن امرأة تضفر شعرها بلا فرق، صلاتها تامة، وإن أرسلت شعرها بلا فرق وصلت فصلاتها تامة، وإن أرسلت شعرها بلا فرق وصلت فلا بأس (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: ومن جواب أبي عبد الله محمد بن روح: وعن المرأة هل يجوز لها أن تصلي ولا تفرق شعرها، وسواء ذلك كان مرسلا أو مسرحا أو مضفورا؟ فاعلم أن الذي جاء
به الأثر، أنه لا تصلي المرأة حتى تفرق شعرها، وكذلك الرجل، وجاءت السنة بفرق الشعر كما جاءت السنة بقلم الأظفار، وأخذ الشارب، وغير ذلك، ومن السنة ما إذا صلى الإنسان على تركه انتقضت صلاته، إذا تركه متعمدا، ومن السنة ما لا حد فيه إلى وقت مؤقت، إلا ظهور ما يحدث منه مما يلزم في السنة تفسيره، مثل أخذ الشارب وحلق العانة وطول الأظفار وأشباه ذلك، وينبغي للمسلم من ذكر وأنثى أن يتعاهد نفسه بالطهارات على ما جرت به السنة. (12/96)
صفحة 3087
مسألة: -ومن كتاب ابن جعفر- وقيل: المرأة تضع يديها للسجود قبل ركبتيها وتضامم، وتداخل وتلصق بالأرض ما استطاعت، وتضم رجليها في القعود، وفي نسخة قال أبو عبد الله: وتضع كفيها في حجرها، وإذا سجدت المرأة فلا تسجد كما يسجد الرجل، ولا تتجافى كما يتجافى الرجل، تلصق بطنها فخذها، ولا ترفع عجيزتها ولا تجلس في الصلاة كما يجلس الرجل، ولكن تسدل رجليها من جانب واحد، والرجل يفتح بين رجليه في القعود.
مسألة: وعن المرأة إذا توركت في الصلاة، وفيها برنان، فترفع رجلها العليا على السفلى، وترتفع عن الأرض من أجل البدنين، هل تتم صلاتها على ذلك؟ فأرجو أن صلاتها تتم على ذلك إن شاء الله، ولا ترجع تفعل ذلك على التعامد، وتخرج البدنين إن كانت تشتغل بهما عن أحكام الصلاة، فإنه لا خير فيهما عند ذلك.
مسألة: -من الزيادة المضافة من الأثر- وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقبل صلاة امرأة حتى تواري أذنيها ونحرها في الصلاة، ولا يقبل الله صلاة جارية حاضت حتى تختمر».
مسألة: وسألت ابن المعلا، عن المرأة تصلي في الدرع، والدرع يصل إلى الركبتين أو أعلى من الركبتين؟ قال: تصلي؛ ولا بأس عليها بذلك، قال ابن المعلا: إن الربيع قال: إذا كان درع المرأة صفيقة، ولا تصف ولا تشف صلت فيه وحدها بلا خمار ولا جلباب ولا إزار ولا شيء غيرها، وقال من قال: حتى تغطي رأسها، وقال من قال: إنها تصلي في الدرع إذا كانت في مواضع ولا يراها أحد، وقال أبو زياد: إن مروان أخبره أن المرأة إذا صلت بدرعها ردت بطرفها في قدمها.
مسألة: وقال من قال: أقل ما تصلي فيه المرأة ثلاثة أثواب، درع وخمار وجلباب، وقال من قال: إزار وقميص وجلباب، وقال من قال: درع وجلباب، وقال من قال: إزار واسع ترده على رأسها بمنزلة الجلباب، وقال من قال: إزار وخمار.
مسألة: ولابد للمرأة أن تستر جسدها، إلا الوجه والقدمين والكفين بثوب (12/97)
صفحة 3088
أو ثياب، قال أبو المؤثر: فإذا كانت المرأة تصلي لا يراها غير ذي محرم منها، فعليها أن تستر إلى بضعة ساقها، وإن كانت حيث يراها أحد غير ذي محرم منها،
فعليها أن تستر قدميها، وتستر الإزار والقميص والخمار والجلباب. (انقضت الزيادة المضافة).
-ومن كتاب أبي جابر- والمرأة يجوز لها أن تصلي في قميص وجلباب، ويجوز لها أيضا أن تصلي في بيتها في قميص وحده، وهو أقل ما تصلي به، وإن لم يكن إلا إزارها، فدخلت فيه وصلت فيه، فلا أرى عليها نقضا، وقد قيل: إذا صلت في إزارها تدخل فيه بدنها، ولا تمس فخذيها بيديها، وإن مست لم أر عليها في ذلك نقضا، وقيل: لا تصلي المرأة وساقها بارز، ولا بأس أن تصلي في بيتها ورأسها مكشوف.
مسألة: ومنه؛ وقيل: إن المرأة إذا أرادت معنى في الصلاة تصفق يدها على فخذها، ولو عشر مرات، إذا كان لمعنى، ويجوز أن تضرب أصابع يدها اليمنى على باطن كفها الأيسر، ولا يجوز ذلك للرجل وإن سبحت وهي في الصلاة فلا بأس عليها، وأما المرأة التي حضرتها الصلاة وليس معها ثوب تصلي فيه إلا قميصها فجهلت وصلت قاعدة، فإن كانت هذه تصلي في موضع غير مستتر من حيث ينظر إليها من لا يجوز له النظر إليها، وكانت قميصها لا تسترها إلى قدمها، فقد أماتت الخلق، وكذلك إن كانت تصف أو تشف، وإن كانت في موضع مستتر، حيث لا ينظر إليها أحد فيما لا يجوز له النظر إليها، فصلت قاعدة جهلا كان عليها بدل تلك الصلاة والله أعلم. (12/98)
صفحة 3089
الباب الثاني والعشرون
في صلاة المرأة ورأسها مكشوف
وعن امرأة صلت في موضع منكشف غير مستتر، وشعر رأسها خارج، هل عليها إعادة الصلاة؟ قال: هكذا معي، إن عليها بدل الصلاة في بعض القول. قلت له: وسواء كان ذلك في الليل والنهار فعليها البدل على حال؟ قال: معي؛ إنه في بعض القول إنه سواء، وبعض يقول: إنها إذا كانت في الليل، كان أهون. قلت: فإن كان خار منه شيء ومستتر منه شيء، هل يلزمها بدل؟ قال: قد قالوا: إنه عورة كله، قال: وعندي أنه قد قيل في الإلية والفخذ إنه إذا كان خارج منه مثل الظفر فصاعدة باختلاف، فقال من قال: إذا خرج منه مثل الظفر فسدت صلاتها، وقال من قال: حتى يكون قدر الربع، وقال من قال: حتى يكون الأكثر هو البادي، وقال من قال: حتى يخرج كله، والرأس عندي أهون من الإلية والفخذ.
قلت: فإن لم يرها أحد حتى قضت صلاتها هل يلزمها بدل؟ قال: إذا ثبت لها أنها تصلي بدرع واحد في موضع مستتر، أشبه عندي معنى الإجازة لها، إذا لم يرها أحد، وقد صلت في موضع طاهر ورأسها منكشف، على معنى قوله.
قلت له: فالمرأة إذا صلت ورأسها مكشوف في غير ستر، هل ترى صلاتها تامة؟ قال: معي إنه قد قيل إنها تامة، إذا لم يبصرها من لا يجوز لها أن تتزوج به، ومعي؛ إنه قد
قيل: إن صلاتها فاسدة على حال، قلت له: فإن أبصرها من لا يجوز لها أن تتزوج به، فصلاتها فاسدة، وليس عندك في ذلك اختلاف؟ قال: فلا يبين لي في ذلك اختلاف. (12/99)
صفحة 3090
قلت له: فإن صلت في ستر غير بيتها، ورأسها مكشوف، هل ترى صلاتها تامة؟ قال: معي إنه قد قيل تامة، وقيل: منتقضة إذا كان مكشوفا إلا من عذر.
قلت له: فإن كان من غير عذر لم يلحقها الاختلاف، وتتم صلاتها؟ قال: فمعي إنه كذلك.
مسألة: ومن كتاب الأشراف، قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن المرأة البالغ تخمر رأسها إذا صلت، وعلى أنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف، إن عليها إعادة الصلاة، واختلفوا في المرأة تصلي وبعض رأسها مكشوف، فقالت طائفة: إذا صلت وشيء من شعرها مكشوف، فعليها الإعادة، هل قول الشافعي وأبي ثور، وكان النعمان يقول: المرأة تصلي وربع رأسها مكشوف أو ثلثه مكشوف، أو ربع فخذها أو ثلثها أو ربع بطنها، أو ثلثها مكشوف، قال: تنتقض الصلاة، وإن انكشف أقل من ذلك، هذا قول محمد، وقال يعقوب: إذا انكشف أقل من النصف لم تنتقض الصلاة، وأجمع أهل العلم على أن للمرأة الحرة أن تصلي مكشوفة الوجه، وعليها عند جميعهم أن تكون كذلك في حال الإحرام، واختلفوا فيما عليها أن تغطي في الصلاة، فقالت طائفة: على المرأة أن تغطي ما سوى كفيها ووجهها، هذا قول الأوزاعي والشافعي، وقد روينا عن جماعة أنهم قالوا في معنى قوله -عز وجل-: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور:31) إن ذلك الكفان والوجه، وقال أحمد بن حنبل: إذا صلت المرأة تغطي كل شيء منها، لا يرى منها شيء ولا ظفرها، قال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هاشم: كل شيء من المرأة عورة، حتى ظفرها، وقد ذكرنا قول النعمان فيما مضى، وكان مالك بن أنس يقول: غير ذلك في امرأة صلت، وقد انكشف قدماها، أو شعرها أو صدر قدميها، تعيد ما دامت في الوقت.
قال أبو بكر: على مذهب الشافعي تعيد الصلاة في الوقت وبعد خروج الوقت، وقال أصحاب الرأي: إن صلت المرأة ورأسها مكشوفة، وهي تعلم أو لا تعلم، فصلاتها فاسدة، وقال إسحاق: تعيد إذا كانت عالمة بذلك، فإن علمت بعد الصلاة، لم أوجب الإعادة. (12/100)
صفحة 3091
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في بعض قول أصحابنا: إن على المرأة أن تستر في الصلاة جسدها كله، ما خلا وجهها وباطن كفها، وإن ما عدا بطن كفها أو ظاهر وجهها، فهو منها ما بين سرة الرجل وركبتيه، إلا الفرجين، فإنهما يجمع على أنهما أشد من سائر العورة من الرجال والنساء، ومعي؛ إنه قد رخص لها من رخص، إذا كانت في ستر إن بدا منها إلى موضع السوار من اليد، وموضع الخلخال من الرجل، فأحسب أن بعضا رخص لها في إبدائهما ما دون بضعة الساق من الرجل، وموضع الدملوج من
اليد، وأحسب أنه قد رخص لها في الصلاة في الدرع الضيق السابغ بغير خمار ولا جلباب، واختلفوا في السابغ، فقال من قال: هو الذي يستر الكعبين، وقال من قال: ولو بدا الكعبان فهو سابغ، إذا كانت في موضع مستتر، وقال من قال: ما لم يبد أخمص ركبتيها إذا ركعت أو سجدت، فلا فساد عليها، كأنه يرخص لها إلى الركبتين في معنى ما يكون للرجل، في موضع الستر، ولا أعلم يجوز لها في موضع من لا يجوز له النظر إليها، وذلك في معنى ذنبها، فإذا ثبت هذا لها في الصلاة والستر، فلا يتعرى أن تجوز لها الصلاة، ولو أبصرها من لا يسعه النظر إليها، ولو كانت آثمة بنظره إليها، لأنها قد تكون آثمة بأشياء لا تفسد بها صلاتها.
ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في عدد ما تصلي به المرأة من الثياب، فممن رأى أن تصلي في درع وخمار، ميمونة وعائشة وأم سلمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وروي ذلك عن ابن عباس، وهو قول مالك بن أنس والليث بن سعيد والأوزاعي وسفيان الثوري والشافعي وأبي ثور، وقال أحمد بن حنبل وابن راهويه: أقله ثوبان، قميص ومقنعة، وقد روينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وعائشة وعبيدة السلماني وعطاء بن أبي رباح أنها تصلي في ثلاثة أثواب، قال أبو بكر: على المرأة أن تخمر في الصلاة جميع بدنها، سوى وجهها وكفيها، صلت أم في أكثر، ولا أحسب ما روي عن الأوائل إلا من أمر بثلاثة أو أربعة أثواب إلا استحباب، والله أعلم.
قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج في قول أصحابنا نحو ما حكي من عدة الثياب في صلاة المرأة، فقال من قال: لا تصلي في أقل من ثلاثة أثواب، وهو إزار وقميص وخمار وجلباب، وقال من قال: قميص سابغ وخمار وجلباب، وقال من (12/101)
صفحة 3092
قال: أقل ما تصلي به المرأة ثوبان قميص سابغ وخمار، وقال من قال: يجوز لها أن تصلي بقميص سابغ على ما مضى من تفسيره، وقال من قال: بنحو ما قال أبو بكر: إن عليها أن تستر بدنها كله إلا كعبها ووجهها، وإن سترته بأي ذلك جاز إذا أمكن، وقد قيل: لها أن تصلي في الثوب الواحد تلتحف به، وترد طرفه الذي يلي جانبها الأيمن على شق رأسها، بمنزلة الجلباب وتضم بدنها فيه حتى يلجى إلى يديها وتتغطى به، وهذا عندي أحسن من الدرع وحده.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- قال محمد بن محبوب: صلاة المرأة، لعله غير جائزة في بيتها مكشوفة الرأس، فإن احتج محتج فقال: إنها مستترة ببيتها، قيل له: لو جاز ذلك للمستر في بيته من الرجال، أن يصلي كاشفا عورته أو ثوب يشف أو في الليل، فلما أجمعوا على فساد صلاة هؤلاء، صح ما قلنا ولا أعلم أن أحدا من الموافقين أو فقهاء المخالفين جوز ذلك، والله وليّ التوفيق.
واختلفوا في القدمين، وروي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: تغطي المرأة ظهر قدميها.
ومن الكتاب؛ وللأمة أن تصلي مكشوفة الرأس باتفاق، وكذلك أم الولد والمدبرة يصليان مكشوفة الرأس لثبوت الرق عليها، إذ لا دليل على حريتها بالولادة، ولا بموت السيد، إذا لم يخالف منها ولدا.
ومن الكتاب؛ اتفق أهل الصلاة جميعا على أن الحرة المسلمة إذا بلغت، وجب عليها أن تستر رأسها، إذا صلت، وإنها إن صلت وجميع رأسها مكشوف فسدت صلاتها، ووجدت قولا من الأثر ينسب إلى محمد بن محبوب أنه أجاز للحرة أن تصلي في بيتها كاشفة رأسها، والله أعلم، إن كان هذا قولا فعلى أي وجه جاز ذلك، واختلفوا إذا كان بعض رأسها مكشوفا فقال أبو حنيفة: إذا انكشف من رأسها ربع شعرها أو ثلثه لم تفسد صلاتها، وإن انكشف ربع ساقها أو ثلثه فسدت صلاتها، وقال أبو يوسف وصاحبه: حتى يكون النصف من الجميع الرأس والساق، ثم حينئذ تفسد صلاتها بدون ذلك، قال أصحابنا: عليها ستر جميع رأسها وساقها وسائر جسدها في الصلاة، إلا ما أبيح لها بالإجماع، وهو الوجه والكفان، وهذا هو الصواب، لأن المرأة كلها زينة يجب أن تستر كل ذلك، مع (12/102)
صفحة 3093
الإمكان، فإن ظهر من ذلك شيء ولو قل، فسدت صلاتها، وقد أغفل أبو حنيفة ومن وافقه سبيل الصواب فيما انتحلوا، إذ لا يخير قلدوا، ولا إلى أصل موجب لما أوجبوا يجوز التقليد، والتقليد لا يجوز عند وجود الدليل الصحيح في الكتاب والسنة والإجماع، أو حجة العقل، وإنما يجب التقليد في حال يعدم فيها المقلد صحة الاستدلال من الجهات التي ذكرناها، والدليل من أوجه منها قائم، فلا معنى للتقليد، والدليل على إغفالهم أن أهل الصلاة أجمعوا في الأصل على أن على المرأة تغطية جميع رأسها، إذا دخلت في الصلاة، ثم اختلفوا في جواز صلاتها بعد إجماعهم فالفرض عليها إذا أجمعوا على أن عليها أن تغطي رأسها، واختلافهم ليس بحجة لها في كشف بعض رأسها، فإن قال قائل: لما اختلفوا في فساد صلاتها، وجب ثبوتها حتى يجتمع على إبطالها، قيل له: هذا القول يدل على إغفالك موضع الإجماع، وذلك أن الإجماع يوجب على المرأة بوصف، فلا تكون مؤدية لفرضها إلا به، ويقال له: لا تخلو المرأة من تغطية رأسها من أحد أمرين، إما أن يكون الواجب عليها تغطية جميعه، فكشف البعض غير المغطى منه وحكم القليل مما يجب من التغطية كحكم الكثير، ولا يجب عليها تغطية رأسها، فإن قلت: ليس عليها تغطية رأسها أكد ذلك الإجماع، يقال له: أخبرنا عن المرأة إذا صلت وبعض فرجها مكشوف، أتجوز صلاتها عندك؟ فإن قال لا، ولابد من هذا الجواب، يقال له تفسد صلاتها بانكشاف القليل من فرجها، كما يفسد بكثير الانكشاف منه، فإن قال: نعم، يقال له: لم قلت ذلك؟ فإن قال: لأن عليها ستر جميعه إذا أمكن وظهور بعضه يفسد الصلاة، قيل له: وكذلك بعض الساق والرأس يفسد الصلاة إذا أمكن؛ لأن عليها ستر جميعه، وأجمع الكل من أهل الوفاق وغيرهم من مخالفيهم، إن صلاة الأمة جائزة مع انكشاف جميع رأسها، وإن تغطية رأسها في الصلاة ليس بواجب عليها.
مسألة: وسألت أبا سعيد: عن المرأة إذا صلت في ستر، ورأسها مكشوف في بيتها أو غيرها، وأبصرها من لا يجوز له النظر إليها في الستر، هل ترى صلاتها تامة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل إن صلاتها منتقضة، ويعجبني أن من ضرورة وهي في موضع ستر، فأتاها الأمر من قبل غيرها أن تتم صلاتها، قلت: وكذلك إن صلت ورأسها مكشوف في غير ستر من عذر، وأبصرها من لا يجوز له النظر إليها، (12/103)
صفحة 3094
هل تتم صلاتها؟ قال: يعجبني ذلك لأنها معذورة، فإذا وقع العذر مما لا يمكن غير في مثل هذا، فأرجو أن يزول أحكام ما يجب به النقض.
قلت: هل تعلم قال أحد من أهل العلم أن صلاتها تتم إذا صلت في ستر، رأسها مكشوف من غير عذر، إذا نظرها من لا يجوز له النظر إليها أن تتزوج به؟ قال: فلا أجدني أحفظ ذلك ولا أعرفه أيضا إذا كان ذلك من غير عذر، وكذلك ما جاء مجملا، أنها تصلي بدرع صفيق، ويوجز لها ذلك، وكذلك ما جاء أنه أقل ما تصلي المرأة في درع، ومعي؛ أنه يخرج تأويل في الستر، ولا يبين لي في غير الستر، قلت له: فإذا كان في غير الستر، فلم تجد إلا الدرع وحده، أيكون هذا عندك لها عذرا؟ قال: معي؛ أنه لا عذر لأنها متعبدة بالصلاة على كل حال، ولو كانت عارية إلا أنها تستر عورتها بكل ما تقدر عليه من ستر، فتصلي كما أمكنها حيث ما أمكنها.
قلت له: فإذا صلت في غير ستر ورأسها مكشوف من عذر، ثم قدرت في وقت الصلاة بعد أن صلت أن تستره، فهل عليها إعادة؟ قال: فمعي؛ أن عليها الإعادة، ومعي؛ أنه قيل: لا إعادة عليها، لأنها قد صلت على ما يجوز لها، قلت: وكذلك العريان، إذا صلى عريانا لعذر، ثم وجد ثوبا في وقت الصلاة، هل عليه إعادة؟ قال: فمعي؛ إنه مما يجرى فيه الاختلاف.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- وستر العورة واجب في الصلاة، ومن لم يستر عورته في الصلاة، وهو يقدر على ذلك، كانت صلاته باطلة بإجماع الأمة، والمرأة كلها زينة، إلا الوجه والكفين، قال الله تبارك وتعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) وهو الوجه والكفان، بإجماع الأمة؛ لأن الشاهد ودافع الحق إليها، لا يصلون إلى معرفتها عند المشاهدة لها، إلا بكشف الوجه، ومن أظهر منهن شيئا من زينتهن مع نهي النبي صلى الله عليه وسلم لها عن ذلك في صلاتها، كانت باطلة، لأنها صلاة منهي عنها، قال محمد بن محبوب: صلاة المرأة جائزة في بيتها مكشوفة الرأس، فإن احتج محتج، فقال: إنها مستترة في بيتها، قيل له: لو جاز ذلك للمستتر في بيته من الرجال أن يصلي كاشفا عورته أو بثوب يشف أو في الليل، فلما أجمعوا على فساد صلاة هؤلاء صح ما قلنا، ولا أعلم أن أحدا من الموافقين (12/104)
صفحة 3095
أو فقهاء المخالفين جوزوا ذلك، والله وليّ التوفيق.
واختلفوا في القدمين، فروي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تغطي المرأة ظهر قدميها».
ومن الكتاب، ولا يجوز للمصلي أن يشتمل الصماء، ومن صلى على ذلك كانت صلاته فاسدة، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس الصماء في الصلاة، وصلاة الواصلة شعرها بشعر غيرها جائزة، فإن قال قائل: لم أجزت صلاة الواصلة مع نهي النبي صلى الله عليه وسلم ولم تجز صلاة اللابس الصماء، والنهي واقع بهما جميعا؟ قيل له: لباس الصماء هو أحد ما لا تقوم الصلاة إلا به، وهي السترة والنهي عن وصل الشعر بالشعر ليس هو من شرط الصلاة، ومما لا تقوم الصلاة إلا به، وإنما توجه النهي إلى الفعل الذي ليس هو من الصلاة، لا تقوم الصلاة إلا به، فالنهي لم يكن لأجل الصلاة، فذلك لم يكن النهي قادما في الصلاة، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «الواصلة والمتوصلة والواشمة والمتوشمة، والواشرة والمستوشرة، والنامصة والمتنمصة، والمتفلجات للحسن» فلا يقدح جميع ذلك في الصلاة.
ومن الكتاب؛ وستر العورة واجب في الصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار» وإن صلت، وبعض فخذها أو بعض ساقها مكشوف فسدت صلاتها، وإن لم تعلم كما أنها لو صلت، وبثوبها نجاسة لم تعلم بها إلا بعد فراغها أعادت صلاتها.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن المرأة المتخمرة على وجهها حتى لا تبرز منها إلا عينها، هل يجوز لها أن تصلي لعيد أو لفريضة على ذلك، ولا تبرز من وجهها ولا من سجودها شيئا، أم لا يجوز لها ذلك؟ قال: معي؛ أنه لا تجوز صلاتها بذلك إلا من عذر، قلت: فإذا كانت إنما انحرفت لئلا تبرز وجهها بالناس، هل ترى لها عذرا؟ قال: لا يبين لي أن لها عذرا، إلا أن تكون تخاف على نفسها، إذا أظهرت شيئا من العقوبات، أو شيئا مما يسمها فيها البغية، فهذا عندي عذر.
قلت له: فإن كانت امرأة جميلة، وخافت أن تفتن الرجال إذا نظروها، هل ترى لها عذرا؟ قال: لا يبين لي ذلك، قلت: وإن لم يكن لها عذر، وصلت (12/105)
صفحة 3096
بحرمها، هل ترى صلاتها تامة، وتلزمها التوبة من ذلك؟ قال: لا يبين لي ذلك إلا من عذر، قلت له: فإن أخرجت وجهها إلا فمها، وموضع سجودها، وصلت على ذلك من غير عذر، هل ترى صلاتها تامة؟ قال: فإذا كان اللباس الذي على موضع سجودها مما أنبتت الأرض فمعي؛ أن بعضا يرخص لها في ذلك، إذا صلت وهي مغطية فاها، هذا إذا كان مما أنبتت الأرض، وأما إذا كان مما لا تنبت الأرض فسجدت عليه من غير عذر، فلا يبين لي إجازة صلاتها في قول أصحابنا، إلا من عذر، قلت له: تغطية الفم والسجود على ما أنبتت الأرض من الثياب المحزومة، على موضع السجود عندك، إنه مما يختلف فيه على العمد والجهل والنسيان؟ قال: أما على العمد فلا يبين لي في تغطية الفم، وأما السجود على ما أنبتت الأرض فمعي؛ إنه جائز إذا كان من اللباس أو الحزام، أو غيره من الموضوعات، أو المفروشات، ولعله مما يجري فيه الاختلاف ويلحقه، قلت
له: فمعك أن تغطية الفم يقع موقع العبث، أم يقوم مقام العمل؟ قال: الله أعلم، إلا أنه لو قامت مقام العمل لفسدت الصلاة على كل حال، ولا أقول إنها من العبث؛ لأنه لم يعمل ذلك في الصلاة، وإنما دخل الصلاة على صفتك، قلت له: فما العلة إذا غطت وجهها كله، مسجدها إلا عينها، إن صلاتها فاسدة، وقد تنظر إلى موضع سجودها في الصلاة، وتعرف ما تقول في صلاتها، وما الحجة في فساد صلاتها على ذلك؟ قال: الله أعلم ما الحجة في هذا، إلا أن المصلي مخاطب عندي بإظهار وجهه في صلاته، كما هو مخاطب بستر عورته، وذلك من كمال صلاته، ليس أنه من جهة النظر عندي، والله أعلم.
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه، مسألة: عن أبي سعيد -حفظه الله- عن امرأة بلغت فصلت مكشوفة الرأس ما يلزمها في ذلك؟ فاختلف أصحابنا في ذلك على ستة أقاويل، فقال قوم: عليها بدل ما صلت في النهار، ولا بدل عليها ما صلت في الليل، وقال قوم: إن كانت في موضع غير مستتر، فعليها بدل ما صلت، وإن كانت في موضع مستتر فلا بدل عليها، وقال قوم: إن كانت في موضع غير مستتر، ولم يبصرها أحد ممن لا يجوز له النظر إليها، فلا بدل عليها، وقال قوم: هذا كله لا بدل عليها فيه، والله أعلم، وسلْ عن ذلك، ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب، والذي نأخذ به عن الشيخ (12/106)
صفحة 3097
أبي الحسن -رضيه الله- أن عليها البدل، وفي الكفارة اختلاف، قال الشيخ: أما أنا واقف عن الكفارة، وبهذا نأخذ، وسلْ عنه، والله أعلم. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: عن امرأة بلغت فاستحت من الناس أن تغطي رأسها فصلت وهي مكشوفة الرأس، ما يجب عليها في ذلك؟ قال: عليها البدل، ولا تعذر بذلك، وما أشبه ذلك. (12/107)
صفحة 3098
[صفحة بيضاء] (12/108)
صفحة 3099
الباب الثالث والعشرون
في الصلاة في ثياب الصبيان والمشركين وما أشبه ذلك
من كتاب الأشراف؛ واختلفوا في الصلاة في ثياب المشركين، فقالت طائفة منهم: الصلاة فيها وفي ثياب الصبيان كلها جائزة، ما لم تعلم نجاسته، هذا قول الثوري والشافعي والنعمان ويعقوب ومحمد، غير أن الشافعي قال: يتوقى الإزرار والسراويلات، يعني من ثياب المشركين، وأما النعمان وصاحباه يكره الإزرار والسراويلات، وقال يعقوب: يجزيه أن يصلي في ذلك إن لم يعلم نجاسته، وكره أحمد الثوب الذي يلي جلد الكافر، ورخص في الطيلسان والرداء، وقال إسحاق: يطهر جميع ثيابهم، وقال مالك: في ثوب الكافر يلبسه على كل حال، وإذا صلى فيه يعيد ما دام في الثوب، وليس عليه أن يعيد ما مضى فيه، قال أبو بكر: ولا بأس بالصلاة في الثوب الذي ينجسه أهل الذمة، فهذا على
مذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي، وثياب الصبيان كسائر الثياب، صلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو حامل أمامة ابنة أبي العاص، قال أبو سعيد: أما ثياب الصبيان من أهل القبلة فيخرج عندي في قول أصحابنا، أنه لا بأس به، ما لم يعلم نجاسة من طريق الحكم، ولا أعلم أنه يخرج بينهم في ذلك اختلافا، وأما ثياب أهل الذمة التي يلبسونها، ففي عامة قول أصحابنا عندي أنه لا يصلي بها وإن أحكامها أحكامهم، وأحكامهم عندي النجاسة، ويخرج عندي من طريق الاحتياط، وأما الحكم فإن الثياب في الأصل طاهرة، حتى تعلم أنها نجسة، هذا ما لا أعلم فيه علة توجب غيره، وإنما غلب عند أصحابنا فيما عندي في ثياب أهل الذمة التنزه، حتى صار من قولهم شبه الاتفاق، حتى يروى أنّ قائلا منهم قال: لا بأس بالصلاة (12/109)
صفحة 3100
بها على الحكم، حتى يعلم نجاستها، فقيل: إنه لم يقبل ذلك منه، وأما الثياب التي يعملونها، ففي قول أصحابنا معنى الاختلاف في ذلك، ولعل أكثر قولهم إجازة الصلاة بها.
ومن غير الكتاب؛ وقد قال محمد بن النظر: وروى سعيد بن محرز أنه قال: لا بأس أن يصلي بثياب اليهود، فذكر في العسكر من روى جماعة من المسلمين، وأحفظ أن فيهم محمد بن محبوب، وأحسب أنه الوضاح بن عقبة أيضا، ولم أرهم يقبلون هذا الرأي، وكان رأيهم أن لا يصلي في ثياب اليهود. (12/110)
صفحة 3101
الباب الرابع والعشرون
فيما يصلى به من الثياب وفي ترتيب الثوب
وسألته عمن عليه إزار يشف، هل يجوز له أن يتكفس عليه بثوب، ويصلي؟ قال: نعم، إذا كان الثوب الذي يلتحف به عليه يستر ما يشف منه، قلت: فيؤم الناس؟ قال: نعم، وسألته عمن يدخل يده اليسرى أعليه بأس؟ فقال: سئل محمد بن محبوب عن هذا فلم أره يرى به بأسا، ويوجد عن جابر بن زيد، أنه قال: المشتمل لا يقنع رأسه ولا يدخل يده، ولا بأس عليه أن يقنع رأسه من البرد والشمس.
مسألة: وسألته عن الرجل، إذا اشتمل وصلى، هل له أن يغطي رأسه؟ قال: إن كان من برد، وإلا فما أحب له ذلك، قلت له: فإن فعل فهل عليه نقض؟ قال: لا، وسألته عن الرجل، هل له أن يعتم، ولا يضع لياً ويصلي كذلك؟ قال: ما أحب له أن يفعل ذلك في صلاته ولا في غيرها، قلت: فإن فعل، هل يلزمه النقض؟ قال: لا.
مسألة: وعن رجل معه ثوبان نجسان، ولم يمكنه غيرهما، ما يلزمه؟ قال: معي إنه قيل ينظر أقل الثوبين نجاسة فييممه، ويصلي به وحده، ويشتمل به، قيل له: فييمم الثوب كله، أو مكان النجاسة وحدها؟ قال: معي؛ إنه إذا عرف موضع النجاسة ترب موضعها، وليس عليه أن ييمم الثوب كله، قلت له: فإن لم يعرف موضع النجاسة بعينها هل يلزمه
أن ييمم الثوب كله؟ قال: إذا كان عند الغسل يلزمه أن يغسله كله، أشبه فيه أن ييممه كله، وحينئذ تأتي عليه أحكام الطهارة. (12/111)
صفحة 3102
مسألة: وسئل عن رجل شك في بدنه أنه نجس، ولم يمكنه الماء، فتوزر بثوب نجس وتوزر بثوب طاهر وصلى، هل تتم صلاته؟ قال: معي لا تتم صلاته بالثوب النجس، ومعه الثوب الطاهر على الشك، إلا أن يكون إذا لبس الثوب الطاهر، نجسه نجاسة أكثر من هذا الثوب النجس الذي قد لبسه أو مثلها، فلبس هذا الثوب النجس وقاية لذلك الثوب الطاهر وجعله كسوة للصلاة، فيعجبني على هذا أن تتم صلاته.
مسألة: وحفظت عن أبي سعيد في المصلي يتكفس على لحيته، إن ذلك مكروه وصلاته تامة على معنى قوله.
مسألة: وعن أبي الحسن، في الرجل إذا حضرت الصلاة، ولم يكن له إلا ثوب نجس، فصلى به ولم يتربه جهلا منه، أن يعيد صلاته ويستغفر ربه من جهله، وإن وجد ثوبا غيره من قبل أن يفوت وقت تلك الصلاة، و قد فات أول صلاته، أبدل صلاته، فإن صلى متعمدا على صلاته بالنجاسة، وهو لا يعلم أن النجاسة لا يصلى بها، فهذا عليه عندي البدل، لأنه ترك الصلاة متعمدا، والله أعلم بصواب ذلك.
قال غيره: قد قيل هذا، وقال من قال: لا بدل عليه ترب أو لم يترب، وقال من قال: لا بدل إن ترب وإن لم يترب فعليه البدل؛ -ومن الحاشية- ثوب في طرفيه، كل طرف علم إبريسم، وكل طرف علمه أقل من عرض أصبعين، قال: إذا كان في الثوب أكثر من عرض الأصبعين، لم تجز به الصلاة، كان مجتمعا أو متفرقا، قلت: فإن لم يعلم أنه إبريسم، ولا غيره، وخفي هل يصلي به؟ قال: الحكم يوجب الصلاة فيه، لأن الدين بني على الحكم حتى يعلم أنه لا تجوز به الصلاة.
مسألة: ومن صلى وحده بقميص واحد فيؤمر أن يزره، فإن لم يفعل فلا نقض عليه.
مسألة: من كتاب ابن جعفر؛ ولا بأس بالصلاة بالثوب الرطب إذا كان طاهرا. (12/112)
صفحة 3103
مسألة: ومنه؛ ومن كان معه ثياب حاضرة، فيكره له أن يصلي مشتملا، فإن فعل فلا نقض عليه، وقد قيل: إن بعض المسلمين قد فعل ذلك، ومنه؛ ومن لم يكن معه إلا ثوب فيه جنابة أو دم أو نجاسة، ترب ذلك وصلى فيه، إذا لم يقدر على الماء، وقد قال من قال: إذا كانت الجنابة رطبة تربها، وإن كان يابسة كسها، وإن تربها رطبة أو يابسة، فحسن إن شاء الله، قال محمد بن المسبح: إذا كانت الجنابة رطبة تربها، وإن كانت يابسة فركها، أو نقض الثوب.
مسألة: وقيل: الصلاة في الذي يصف مكروهة، والذي يشف لا تجوز الصلاة فيه ليلا ولا نهارا، إلا أن يلتحف برداء وهو متوزر، قال غيره: معي؛ إنه قد قيل في الصلاة في الذي يصف أو يشف مكروهة، ولا نقض في ذلك كله، وقيل فيه النقض كله، وقيل في
الذي يشف، ولا نقض في الذي يصف، قال المضيف: وجدت في الأثر أن الذي يشف هو الثوب الرقيق الذي يبصر منه نفس الجسد، والذي يصف اللين الذي يبصر منه صورة الجسد، ولا يبصر منه نفس الجسد. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
ومنه؛ ومن كان عنده ثوب يشف أو يصف، وعنده ثوب فيه جنابة أو دم، فليصل بالثوب الذي يصف ويشف، وإن كان عنده ثوب فيه دم وثوب حرير، صلى بثوب الحرير.
قال غيره: وقد قيل يصلي بالثوب الذي فيه نجاسة، ولا يصلي في ثوب الحرير وذلك للرجال.
ومنه؛ ومن صلى بثوب فيه شيء من شعر مشرك أو أقلف أو حائض أو جنب انتقضت صلاته.
قال غيره: ومعي؛ إنه قد قيل لا بأس بشعر الجنب والحائض مثله عندي.
مسألة: ومن غيره؛ وسألته عن الرجل، هل له أن يشتمل بثوب يلتحف عليه بثوب آخر؟ قال: ما لم يرد به خيلاء فصلاته جائزة، وكذلك عن أبي معاوية عزان بن الصقر -رحمه الله- ومن غيره؛ ومعي إنه قيل: يكره ذلك من طريق الخيلاء، فإذا برئ من ذلك فلا بأس، وعن المشتمل، هل له أن يجعل ثوبه على (12/113)
صفحة 3104
رأسه وهو في الصلاة عن البرد أو الحر، أم لا؟ قال: معي؛ إنه قد قيل له ذلك، إذا خاف الحر والبرد، وقيل إن الرسول صلى الله عليه وسلم: صلى مشتملا في بيت أم سلمة زوجته، ولا بأس بالصلاة في الثوب الرطب والموضع الرطب، إلا أن يكون يذهب فيه القدم.
مسألة: قلت: لو كان ثوبا يشف أو يصف، فوضعه على صدره وهو يقدر على غيره بطلب أو غير ذلك، هل تتم صلاته؟ فقد قيل ذلك يجزيه.
مسألة: أحسب عن أبي الحواري، وقال: الثوب السوجي يصلى فيه، ولو عمله من لا يحفظ نفسه، وقد بلغنا عن محمد بن محبوب -رحمه الله- أنه قال: يصلى بالثوب السوجي، ولو عمله مجوسي.
مسألة: وسئل عن المصلي إذا عقد عمامته على رأسه وصلى بها، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنه قد قيل إنها تامة، قلت له: فإن نسيها على رأسه حتى دخل في الصلاة، ما يؤمر به؟ يتركها ويمضي على صلاته أم يطرحها؟ فقال: معي؛ إنه يتركها بحالها، قلت: فإن جهل فأخذها بيده فطرحها في الأرض، هل تراه عبثا؟ فرأيته يجعله بمنزلة العبث، قلت له: وكذلك إن كانت ملويتها على رأسه، وفعل بها كما فعل بالمعقودة من الطرح والتركان، أهي مثلها؟ قال: معي؛ إنه مثلها في هذا الموضع، أما في التردي واللباس، فليستا عندي سواء، وعقدهما عندي أشبه بأخلاق الصالحين فيما قيل لعله أراد بالعقد العمامة والتحنك بها تحت اللحية، قال أبو سعيد محمد بن سعيد -رحمه الله- في
المسافر إذا كان ثوبه نجسا، ولم يجد الماء ليغسله، وحضرت الصلاة فصلى بثوبه، ولم ييممه، وجهل ذلك، إنهم قد اختلفوا في ذلك، فقال من قال: عليه البدل لتلك الصلاة على حال تيمم أو لم يتيمم، وقال من قال: لا إعادة عليه تيمم أو لم يتيمم، وقال من قال: إن تيمم فلا إعادة عليه، وإن لم يتيمم فعليه الإعادة، وهذا على ما قيل على ما يوجد في الآثار، قلت له: أرأيت إن كان متعمدا، هل يلحقه الاختلاف بعد العلم أن عليه أن ييمم؟ قال: معي؛ إنه يلحقه الاختلاف في الأصل، وأما أنا فلا يعجبني ذلك.
قلت له: فعلى قول من يقول إن عليه الإعادة إن وجد الماء في وقت الصلاة (12/114)
صفحة 3105
أو بعد الصلاة فعليه الإعادة؟ أم إذا وجده في وقت الصلاة التي صلاها؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: عليه الإعادة على حال، وقيل: إن وجد الماء في وقت الصلاة فلا إعادة عليه، قلت له: فما العلة عندك في قول من يقول: إنه لا إعادة عليه على حال الصلاة، المعنى إذا صلى بالثوب ولم ييممه؟ قال: معي إنه يذهب أنه لم يأت شيء ثابت مجمعا عليه، وإنما ذلك في البدن، قلت: وما العلة في قول من قال: يرى عليه الإعادة، إذا لم يترب؟ قال: معي؛ إنه يجعل النجاسة في الثوب في أمر التعبد للصلاة، مثل النجاسة في أمر التعبد للصلاة لمعنى الصلاة، وكله سواء.
مسألة: من الزيادة المضافة، قلت له: فإن ذر على ثيابه التراب يريد بذلك أن ييممها، ولم يسحبها سحبا؟ قال: إذا عم ذلك ثوبه فذلك يجزي عندي مجزى التيمم إذا عم الثوب كله، قلت له: فإن سحب ثوبه من جانب واحد، ولم يسحبه من الجانب الآخر هل يجزيه التيمم ويصلي به؟ أم لا يجوز ذلك؟ قال: إذا كانت النجاسة من ذلك الوجه من الثوب وحده أجزأه ذلك التيمم، وإن كان من الجانبين جميعا، لم يجتز بذلك عندي في تيمم الثوب، إلا أن يكون ينتشر عليه من الغبار على ذلك الجانب الآخر ما يعمه التراب، فأرجو أن ذلك يجزيه فيما قيل، والله أعلم.
-ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه- مسألة: في صفة الثوب الذي يصف، والذي يشف، عن الشيخ أبي الحسن البسياني، ما صفة الثوب الذي يصف والثوب الذي يشف؟ قال: الثوب الذي يصف هو الذي يلصق بالبدن فتبين منه صفة البدن رطبا كان أو يابسا، والذي يشف هو الذي يشف منه البدن ويعرف لونه منه ويتبين البدن منه، ولا يكون سترة للبدن، قلت: فإن كان معه ثوبان، أحدهما يصف والآخر يشف، وحضرت الصلاة، ما يعمل؟ قال: يضعفهما ويصلي بهما، قلت: أتجوز الصلاة على السرير، إذا كان يتحرك؟ قال: نعم. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: وقال في الذي لا يمكنه ثوب يستره للصلاة، فعندي: إن عليه أن يطلب ثوبا يصلي به سترة، قيل: فإن رآه رجل وهو يصلي بلباس لا يستره، هل (12/115)
صفحة 3106
عليه أن ينكر عليه؟ قال: إذا احتمل له عذر فليس عليه ذلك، قلت: فهل على من أبصره بذلك الحال أن يعطيه ثوبا يصلي به إذا أمكنه؟ قال: معي إذا لم يطلب إليه
المصلي ذلك فلا يلزمه عندي ذلك؛ لأنه لعله لا يرضى بثوب هذا يصلي فيه على معنى قوله، قلت له: فإن طلب المصلي إلى هذا الرجل ثوبه، والمسألة بحالها، له يلزمه ذلك؟ قال: معي؛ إنه إذا كان يأمنه على ذلك، واضطر إليه لزمه عندي أن يعطيه ما يقيم به صلاته، ويعينه على ذلك، إما برخ أو بكراء مثله، إن كان لمثله كراء على معنى قوله.
مسألة: -من كتاب ابن جعفر- وقيل في شعر الحائض والنفساء، إذا كان في ثوب المصلي لم ينقضه عليه كشعر الجنب.
ومنه؛ والسيف إذا كان فيه دم يترب ويصلي به، وليس على صاحبه أن يغسله بالماء، قال محمد بن المسبح: إذا لم يجد ماء، وكان الدم رطبا سحطه بقدمه بالتراب، ثم صلى، فإذا وجد الماء غسله، وإن غمده بدمه لم يصل به مغمودا حتى تخرج بطانته، وقد قيل: إذا غمد السيف والمدية صلى بهما، وليس عليهما غسل، ولا بأس، وذلك أن الغمد سترة له، وقال من قال: ذلك في السيف خاصة، وعلى المدية الغسل، وقال من قال: عليهما الغسل، وإن لم يجد ماء تُربا، فمتى وجد الماء غُسلا، والسيف أقرب في هذا.
ومنه؛ وقيل يجوز أن يصلي بالسيف وإن كانت حليته ذهبا، وهو رداء على القميص.
مسألة: -من الزيادة المضافة- وقيل: أقل ما يكون الرداء مجزيا إذا كان ثوبا يستر الصدر والكتفين، وقال من قال: الصدر والمنكبين، والمتنتن، وقال من قال: أقل ما يكون أن يجاوز مقدمة بدنه، ومؤخره يجاوز منكبيه، وإلا فلا يجوز، وقال من قال: إذا سترت العمامة الكتفين، وقال من قال: لا يجوز أن تكون العمامة رداء، ورفع ذلك ابن المعلا عن الربيع. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: ومن كتاب ابن جعفر؛ وقيل: لا بأس بالصلاة في الثوب السوجي، ولو عمله مجوسي، وكذلك عن أبي عبد الله -رحمه الله- ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إذا لم يعلم أنه بصق فيه، أو مسه برطوبة صلى فيه، وعنه أيضا (12/116)
صفحة 3107
في الثوب إذا عمله من لا يتقي نفسه، من صبي لا يتحرز، قال: فلا يصلي فيه؛ وينظر في هاتين المسألتين.
ومن غيره؛ وقال من قال: يصلي فيه حتى يعلم أنه نجس.
مسألة: وسألته عمن عليه إزار يشف، هل يجوز أن يتكفس عليه بثوب، ويصلي؟ قال: نعم؛ إذا كان الثوب الذي يلتحف به عليه، يستر ما يشف منه، قلت: فيؤم الناس؟ قال نعم.
مسألة: وسألته عمن يدخل يده اليسرى، إذا اشتمل هل عليه بأس؟ فقال: سئل محمد بن محبوب، عن هذه فلم ير به بأسا، ويوجد عن جابر بن زيد أنه قال: المشتمل لا يقنع
رأسه، ولا يدخل يديه، قيل لأبي المؤثر: فإن كان يجد البرد فقنع رأسه؟ فقال: لا أرى بأسا.
مسألة: من كتاب الأشراف؛ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: هل يصلي الرجل في الثوب الواحد؟ قال: «أو لكم ثوبان؟» وممن رأى بالصلاة في الثواب الواحد جائزا، عمر بن الخطاب وأبيّ بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس وأنس بن مالك وخالد بن الوليد، وبه قال جماعة من التابعين، ثم هو قول ملك بن أنس، وأهل المدينة والأوزاعي، وأهل الشام وسفيان الثوري والنخعي وأبي ثور، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة، وقد استحب بعضهم الصلاة في ثوبين، ولا أعلم أن أحدا أوجب على من صلى في ثوب واحد الإعادة، إذا كان ساتر العورة، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الثوب الواحد: «إذا كان واسعا، فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقا فاشدده على خفويك» وبهذا نقول، وقد روينا عن ابن جعفر أنه قال: لا صلاة لمن لم يكن مخمر العاتقين، ولا تجوز صلاة من صلى في ثوب واحد، متزر به ليس على عاتقه منه شيء، إلا أن لا يقدر على غير ذلك للثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يصلين أحدكم في الثواب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، قال أبو سعيد -رحمه الله- معي؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما قال، وحسن عندي ما قال، ومنه؛ قال أبو بكر: الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن السدل في الصلاة، واختلف أهل العلم في السدل في الصلاة، فروينا عن ابن مسعود، أنه كره ذلك، (12/117)
صفحة 3108
وبه قال مجاهد وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وسفيان الثوري، وقد روينا عن جابر بن عبد الله وابن عمر، أنهما رخصا فيه، وكان مكحول والزهري يفعلان ذلك، وكان الحسن وابن سيرين يسدلان على قميصهما، وقال مالك: رأيت عبد الله بن الحسن يسدل، وروينا عن إبراهيم النخعي أنه رخص في السدل على القميص، وكره على الإزار، وقال أبو بكر: لا نعلم في النص على السدل شيئا يثبت، وإذا كان ذلك فغير جائز النهي بغير حجة.
قال أبو سعيد: معي؛ إن الخبر في السدل قد جاءوا به منهيا عنه، وقد يخرج تأويله بما يشبه معنى الاتفاق من قولهم، والسدل في قولهم على معنيين، فالسدل الذي لا يجوز إلا من ضرورة، هو أن يأخذ ثوبه الذي يستر صدره أن لو ستره، فيطرحه على رأسه، وعلى منكبيه ثم يسدله باديا منه صدره، فهذا هو السدل الذي يفسد الصلاة في قول أصحابنا، إذا كان من غير عذر، وقد يسمى معهم السدل، إذا التحف برداء مشتملا به، ولم يرفع طرة ثوبه على عاتقه الأيسر، فيكون لحافه منسدلا، فهذا هو السدل يكره في معنى الأدب، ولا يلحقه معنى النهي المفسد، وأما السدل على القميص والجبة وما يستر الصدر من اللباس، فلا يخرج معناه مفسدا في قول أصحابنا، ولكن من المكروه، لأن معنى قولهم أن يستر الرجل المصلي في الصلاة عورته من السرة إلى أسفل من الركبة، ومن الإزار ويستر صدره، وما كان بارزا من ظهره باللباس، فإذا فعل هذا الرجل فلا
بأس بما بدا من بدنه بعد ذلك في الصلاة، فالسدل على القميص لا يخرج معنا سدلا ممنوعا، وذلك ما يستر الصدر والظهر من اللباس، فلا يضر السدل عليه، قال أبو بكر: روينا عن سلمة بن الأكوع أنه قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أكون في الصيد وليس عندي إلا قميص واحد، قال: «فأزره ولو لم تجد إلا شوكة» وممن روينا عنهم أنه رأى أن يصلي في قميص واحد، جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس وأبو أمامة ومعاوية وأبو سفيان وجماعة من التابعين، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق، إذا كان ضيقا، وقال الشافعي يزره أو يخله بشيء؛ حتى لا تتجافى القميص فترى من الجيب العورة، فإن لم يفعل أعاد الصلاة، وقال أحمد بن حنبل: إذا كان ضيق الجيب لا يرى عورته، وقال داود الطائي: إذا كان غطى اللحية، فلا بأس ويمنعانه، قال أحمد: وقال الأوزاعي: لا نرى بأسا (12/118)
صفحة 3109
بالصلاة في القميص الكثيف عليه إزار، ورخص مالك في الصلاة في القميص محلول الإزار ليس عليه سراويل ولا إزار، وقد روينا عن سالم بن عبد الله أنه صلى محلول الإزار ورخص فيه أبو ثور وأصحاب الرأي.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، إجازة الصلاة في القميص الضيق الذي لا يشف ولا يصف، فأما إشفافه، فالذي يكون فيه الخلل من رقة عمله، أو شف فيه حتى يرى منه شيئا من العورة، يفضي إلى شيء من عيانها، فهذا الذي يشف، وأما الذي يصف، فالذي يكون من رقته يلصق بالعورة حتى يصفها من كبر لها وصغر لها وسوادها، فهذا هو الوصف، ومعي إنه يخرج في معاني الاتفاق من قولهم: إنه يؤمر بزر جيب القميص، هذه العلة التي ذكرها، إلا أن يكون الجيب ضيقا لا يسترخي ولا يتجافى من البدن، بقدر ما تبدو منه العورة، وأحسب أنه إن لم يزر الجيب، ففي ذلك تشديد، إذا كان ليس بضيق الجيب، وأحسب أن بعضا يذهب إلى فساد صلاته، وبعضا لا يرى فساد صلاته بذلك، وهذا إذا لم يشد على القميص من موضع إزاره بشيء من تكة أو عمامة أو حبل، فإذا شد عليها فلا أعلم فيه نقضا؛ لأن العورة قد استترت، ومنه؛ قال أبو بكر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذهب والحرير حل لإناث أمتي ومحرم على ذكورها» واختلفوا فيمن صلى في ثوب حرير فقال الشافعي وأبو ثور: يجزيه، ونكرهه، قال أبو القاسم صاحب مالك: يدعه ما دام في الوقت إذا وجد ثوبا غيره، وقال آخرون: إن صلى في ثوب حرير، وهو يعلم ذلك لا يجوز، أعاد.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق، إنه لا تجوز صلاة الرجل في ثياب حرير، إلا في الحرب إن احتاج إلى ذلك، أو من ضرورة لعدم غيره، ومعي؛ إنه إذا صلى في ثوب حرير على غير عمد، ولا ضرورة ولا حاجة في حرب، خرج من قولهم: إن عليه الإعادة علم ذلك أو جهله في الوقت أو بعد الوقت، ومعي؛ إنه يختلف من قولهم: فيمن لم يجد إلا ثوب حرير وثوبا نجسا من الرجال؟ فقال من قال: يصلي بالثوب النجس وييممه، ولا يصلي في الثوب الحرير، وقال من قال:
يصلي في الثوب الحرير وثوب الحرير أحب إليّ من الثوب النجس المجتمع على نجاسته، والثوب المختلف في (12/119)
صفحة 3110
نجاسته أحب إلي من الصلاة في ثوب الحرير بما يشبه الاتفاق في منع الرجل من لبس ثياب الحرير.
مسألة: ومن كتاب الأشياخ؛ وأما الذي وهو متلبب، وعليه سيف وترس، فمعي؛ إنه إذا لم يحرزه عن صلاته، وتمكن منها وكان طاهرا، فلا بأس.
مسألة: وأما الذي يصلي في ثوب واحد متلحفا به غير مشتمل، فمعي إنه في أكثر قول أصحابنا، أنه لا تجوز صلاته إن أمكنه الاشتمال به، ولعله في بعض القول، الترخيص في ذلك، وجميع القول معي على كراهية ذلك، وفي الاشتمال خبر يدل على السنة فيه، من صلى بثوب واحد فليرد طرفيه على عاتقه، ويخالف ما بينهما، فذلك دليل على ثبوت الاشتمال، فإذا ثبت ذلك لم تجز مخالفة السنة إلى غيرها.
مسألة: قال المضيف: وجدت في -الاتزان- الذي يشف هو الثوب الذي يبصر منه نفس الجسد، والذي يصف لعله اللين الذي يبصر منه صورة الجسد، ولا يبصر منه نفس الجسد. (انقضى قوله). (12/120)
صفحة 3111
الباب الخامس والعشرون
في صلاة العراة
والعريان يصلي قائما، لقول الله: (وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ) (البقرة:238)، لأن فرض الصلاة على من قدر على القيام بإجماع، فالفرض إذا وجب على وجه لم يسقط، إلا بما يجب سقوطه، كفرض القيام لا يسقط إلا بالعجز عنه، قال أصحابنا: العراة يصلون قعودا. ومن الكتاب، وإذا لم يقدر العريان على ثوب يستر به عورته، صلى قاعدا ويومئ إيماء؛ لأن فرض الستر آكد من الأفعال، والدليل على ذلك أن الرجل يبتدئ التطوع على الراحلة إيماء، وليس له أن يصلي بغير ستر مع القدرة عليه، وإذا كان هكذا لزمه فعل ما هو ستر له، وصلى إيماء من قبل إنه لو ركع وسجد لبدا من عورته، ما لم يكن يبدو إذا أومأ إيماء، وإنما قلنا: إن فرض القيام يسقط عنه أيضا من قبل أنه ليس في الأصول صلاة الإيماء، فأمرناه بالقعود في الصلاة، ليأتي بها على نحو ما في الأصول، والله أعلم. ويحتمل عندي أيضا من جهة النظر أن يجوز له أن يصلي قائما، ويركع ويسجد بغير سترة، فإن قال قائل: لِمَ أجزت صلاته قائما لغير سترة؟ قيل له: إن الركوع والسجود فرض أيضا، وإن كان السّتر فرضا من فروض الصلاة، فلم لم يمكنه فعل الستر وأمكنه بعض من فروض الصلاة، كان عليه فعل ما أمكنه، وعذر بترك ما عجز عنه، والله أعلم. وإذا كان الثوب نجسا، فعند أصحابنا أنه يصلي به قائما، وإذا لم يجد ثوبا طاهرا، والنظر يوجب عندي أن له أن يصلي به قاعدا، على ما ذهبوا إليه، ويلقي
الثوب النجس عن نفسه، ويصلي عريانا قاعدا؛ لأنهما فرضان، السترة الطاهرة مع الوجود والقيام مع القدرة، فإذا كان مدفوعا إلى ترك أحدهما كان له أن يترك أيهما شاء لاستواء أحوالهما، والله أعلم. (12/121)
صفحة 3112
مسألة: ومن كتاب الأشراف؛ فيما أحسب؛ قال أبو بكر: واختلفوا في القوم يخرجون في البحر عراة، فقالت طائفة: يصلون قعودا، وروي هذا القول عن ابن عمر، وبه قال عطاء بن أبي رباح وعكرمة وقتادة والأوزاعي وأصحاب الرأي، وقال أصحاب الرأي: يومئون إيماء للسجود أخفض من الركوع، فإن صلوا قياما يجزيهم، وأفضل أن يصلوا قعودا، وقالت طائفة: يصلون قياما، كذلك قال مالك ومجاهد والشافعي، وفيه قول ثالث حكاه ابن جريج، وقال آخرون: إن شاءوا صلوا قياما، وإن شاءوا صلوا قعودا، قال محمد بن سعيد -رحمه الله- إنه يخرج في قول أصحابنا ما يشبه معنى الاتفاق؛ إن العراة يصلون قعودا، ولا أعلم في ذلك اختلافا بينهم لثبوت الفرض، إن الصلاة لا تكون إلا بالثياب، وإنه إذا لم تكن ثياب ساترة فتبدو العورة، والفرض في القيام أشد، فمن هنالك ثبت عليهم ولهم الصلاة قعودا؛ ليستتر منهم من عوراتهم وفروجهم، ما لم يستر القيام، ويستر العاري على نفسه بما قدر من تراب أو شجر، ولو لم يقدر إلا على أن يحفر على نفسه حفرة بقدر ما يستر عورته كلها، كان ذلك عليه، وفي قول أصحابنا: إنهم يصلون قعودا ويؤمهم واحد منهم، لثبوت سنة الجماعة، وأحسب أنه قيل يكون وسطهم لئلا ينظروا منه عورة، فإن قدر على ستر عورته بقدر ما لا يرون منه عورة تقدمهم، وصلى بهم بمنزلة الإمام، وعلى حال يومئون في الركوع والسجود.
ومنه؛ واختلفوا في صلاتهم، إذا كانوا عراة جماعة، فروينا عن ابن عباس أنه قال: يصلون جماعة، وبه قال قتادة والشافعي، وفيه قول ثان؛ هو أن يصلوا فرادى كذلك قال الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وقال مالك بن أنس: يصلون فرادى يتباعدون بعضهم عن بعض، وإن كان ذلك ليلا مظلما، لا يبين بعضهم من بعض صلوا جماعة، وتقدمهم إمامهم في الصف، وقال قتادة والشافعي: يقوم إمامهم معهم في الصف، وقال آخرون: يتقدمهم إمامهم، واختلفوا في ركوع العراة وسجودهم، فقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل: يركعون ويسجدون ولا يومئون، وقال قتادة وإسحاق وأصحاب الرأي يومئون، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، قال أبو بكر: يصلي العريان قائما ويركع ويسجد، لا يجزيه غير ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صل قائما فإن لم تستطع فجالسا» فإن صلى من يقدر على القيام قاعدا أعاد، ولا يثبت عن ابن عمر وابن عباس ما روي عنهما، (12/122)
صفحة 3113
ولو ثبت لكان النبي صلى الله عليه وسلم الحجة على الخلق.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه قد مضى من ذكر صلاة العراة ما يستدل به على بعض معنى ذلك، ولا فرق عندي في صلاة العراة ليلا ولا نهارا، ولا يبين لي إلا قول من يقول: إنهم يصلون قعودا؛ لثبوت سترة العورة والفرج، وصلاة الجماعة أفضل وواجب لثبوت
سنتها، ولا أعلم شيئا يمنع الجماعة إلا عدمها، وقد قال من قال من أصحابنا: إن الركبان لا يصلون جماعة، وقال من قال: يصلون جماعة، وهو أحب إليّ فلا أعلم للجماعة مانعا في وجه من الوجوه، ولا في حال من الحال، إنها لا تجوز إلا أن لا يقدر عليها، ويعجبني إذا كان ليلا أن يتقدمهم إمامهم؛ لستر الليل عن الناظرين، ولثبوت السنة في تقديم الإمام لمن يأتم به، وأما في النهار إذا لم يقدر على ستر عورته، فيعجبني قول من يقول منهم: أن يكون في وسطهم.
ومن غير الكتاب؛ وأحسب أنه من كتاب ابن جعفر، والعراة يصلون قعودا أو يؤمهم أحدهم، ويكون إمامهم في وسط الصف ويومئون إيماء، وإن قدروا على شجر أو رمل ردوا منه على أنفسهم حتى يستتروا في الصلاة.
مسألة: ومن كان معه ثوب قصير لا يمكن له أن يشتمل به، فقد قيل: إن أمكن له أن يعقده على رقبته، ولو وصله بحبل فليفعل، وكذلك إن كان سراويل، عقد التكة في رقبته، فإن لم ينل وقدر على حبل وصلها به وعقدها في رقبته وصلى، وإن لم يجد حبلا فقد قيل: إن وجد شجرا وضعه على منكبيه وصلى، وإن لم يجد فهو معذور، والصلاة قائما أولى به؛ ولا يصلي هذا قاعدا إلا أن يكون لا ثوب عنده، وهو عريان.
قال غيره: ومعي؛ إنه قد قيل: إذا لم يكن الثوب يستر من السرة إلى الركبة، فهو بمنزلة العريان ويصلي قاعدا، وقيل: إذا ستر الفرجين فهو غير عار، والفرجان القبل والدبر. (12/123)
صفحة 3114
[صفحة بيضاء] (12/124)
صفحة 3115
الباب السادس والعشرون
فيمن أمر بالصلاة على وصف، فلم يفعل لعذر، أو لعجز
أو قدر على ذلك بعد عجزه وأشباه ذلك
ومن جامع أبي محمد، وإذا وجد العاري ثوبا، وقد صلى بعض صلاته، لبسه وأعاد، وكذلك المتيمم إذا وجد الماء، وهو في حال الصلاة، نقض ما صلى وأعاد، وكذلك كل من أمر بالصلاة على وصف، فلم يفعل لعذر أو لعجز، ثم قد ارتفع عنه العذر، وأعاد إلى ما كان مأمورا بفعله، ما لم يكن قضى ما أمر بفعله مع العذر، والله أعلم.
وأما من كان مأمورا بالصلاة في الابتداء على ما وصف، ولم يكن أمر بغيره فعجز ووجب العذر، ثم انتقل إلى حال ثانية فلزمه زيادة الفرض، لم يلزمه الخروج مما أمر به حتى يتمه، وهذا مخالف للأول نحو الأمة؛ تعتق وهي في الصلاة، فعليها ستر رأسها والبناء على ما وصلت؛ لأنها لم تكن في ابتداء الصلاة مأمورة بستر رأسها، فلما عتقت لزمها زيادة فرض، وهو ستر الرأس، وكذلك المقعد، إذا وجد له الصحة بنى على صلاته قائما، إلا أن يكون صحيحا قبل ذلك فحدث له العجز فيه فعذر الحادث، وأمر
بالقعود ثم وجد المقدرة إلى ما كان عليه من حال القيام المأمور به في الصلاة قبل ذلك، فهذا تنتقض صلاته، ويبتدئ وأما من علم شيئا من القرآن في الصلاة لم يكن يعلمه، ولا يعلم شيئا من القرآن قبل ذلك؛ فإنه يبني على صلاته، وهذا زيادة فرض في الصلاة، ألا ترى أن أهل قباء لما جاءهم الخبر بتحويل القبلة، وهم في الصلاة تحولوا إليها وبنوا على صلاتهم، فكان التحول في الصلاة بالخبر الواصل إليهم زيادة فرض، والله أعلم. (12/125)
صفحة 3116
مسألة: من الزيادة المضافة، وعن أبي محمد في مصل صلى في ثوب واحد واتزر واشتمل ببعضه؟ قال: جائز، ويكره ذيل السراويل في الصلاة كما يكره ذيل الإزار، قال المضيف: وفي كتاب الضياء؛ إن ذيل المشتمل لا يجوز، ولا بأس بذيل الكفاس فيما أحسب، والله أعلم. (انقضت الزيادة المضافة). (12/126)
صفحة 3117
الباب السابع والعشرون
في الصور
ومما يوجد أنه معروض على أبي عبد الله، وسألته عن المتاع الذي يكون فيه صور الطير وغيره؟ قال: لم ير الفقهاء باستعمال ما يوطأ منها من البسط، أو الوسائد وأشباه ذلك بأسا، وكرهوا ما تعلق منه.
مسألة: رجل نسج له بساط، أله أن يأمر النساج يعمل له تصاوير؟ قال: يكره أن يأمر أحدا يعمل له شيئا من التصاوير، وإن كان على ثوبه يكسر من كل صنم الرأس واليدين.
مسألة: ومن جامع أبي محمد؛ وفي الرواية أن رجلا من الصحابة قطع أنفه في بعض الوقائع فصاغ أنفا من ورق فأنتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب، والله أعلم بصحة الخبر.
مسألة: سألت أبا الحواري عن رجل صلى في ثوب فيه صورة ذات روح، وحمل ذلك أعليه بدل؟ قال: يبدل، وقال أبو عبد الله محمد بن عيسى -حفظه الله- فيمن صلى على حصير فيه صورة من ذوات الأرواح، فإن كانت تحت قدميه، فقد وجدت في الأثر لا بأس في صلاته، وأما إن كانت صورة من غير ذوات الأرواح، فلا بأس بالصلاة عليه، والله أعلم، وأما إن كانت أمام وجهه، فقد وجدت أن صلاته منتقضة، إلا أن يغير ما فيه الروح، وهو الرأس، فإن قطعه أو غيّره فلا بأس في صلاته، ومن غيره مختصر من مسألة قال غيره: معي؛ إنه أراد أنه تكره الصلاة أيضا في مسجد أو بيت فيه تصاوير، إذا كانت التصاوير في مقدمه يعني في قبلته، ومعي؛ أنه قيل ذلك، وأنه عليه الإعادة إن صلى فيه، وفيه تصاوير (12/127)
صفحة 3118
ذوات الأرواح في قبلته، ومعي؛ إنه قيل: إذا ارتفع ثلاثة أشبار، فلا بأس.
مسألة: ومن كتاب أبي قحطان؛ وسألته عن التصاوير، صورة الدواب والظبي والبشر، أيجوز لمسلم أن يعلمها؟ قال: لا، قلت له: فيجوز له أن يصلي في ثوب هي فيه؟ قال: لا. قلت: فإن صلى فيه يعيد الصلاة؟ قال: نعم، قلت: فيجعل في المساجد؟ قال: لا. قلت: فيشفع بالثياب التي هي عليه، يلبس الثوب ويكون في الفراش والمسجد؟ قال: لا بأس، وقال جابر بن زيد: إنه قال: إذا قطع منها ما يكون فيه الروح، وهو الرأس صلى به، قلت: وكذلك تقول أنت؟ قال: نعم. قلت: فإن كانت صورة لا رأس لها فلا بأس أن يصلي بها في الثوب؟ قال: نعم، قلت: فإن كانت صورة يد أو رجل أو عضو، إلا أنه ذاهب الرأس وهو متغير، جازت به الصلاة، ولم يكن به بأس في المسجد؟ قال: نعم، ومن كتاب عمرو، وأما ما كان ذلك في بساط فلا يسجد عليه أيضا، قلت: أفيقوم عليه؟ قال: لا بأس.
مسألة: ويكره للرجل أن يصلي في ثوب فيه تصاوير ذوي الأرواح، فأما الأشجار فلا بأس، وكره للمرأة ذلك من الحرير، وللرجل من المحاسن، ومن غيره؛ وقد قيل: عليه النقض، إذا صلى بثوب فيه تصاوير، وكذلك إذا صلى في مسجد فيه تصاوير ذوي الأرواح في مقدمه، فقد قيل: عليه الإعادة، وقيل: إذا ارتفع ثلاثة أشبار فلا بأس.
قال أبو سعيد: معي؛ إن من صلى بثوب فيه صور ذوات الأرواح متعمدا، إن صلاته فاسدة، وإن كان ذلك على النسيان أو الجهل، أو لمعنى ضرورة فيعجبني أن لا تفسد صلاته، قيل له: ما الدليل على فساد صلاته على التعمد للصلاة فيه؟ قال: الأثر جاء أن لا يصلي في الثوب الذي فيه صور ذوات الأرواح، ولا يصلي إلى القبلة التي فيها صور ذوات الأرواح، إلا أن يغير الصورة عن حالها، ومما قيل إنها تغير به أن يقطع رأسها، قلت له: فهذا الأثر معك يخرج على الاتفاق بفساد صلاة المتعمد للصلاة فيه أم لا؟ قال: أما الأثر في الكراهية في النهي عنه، فلا أعلم فيه ترخيصا ولا اختلافا، وأما فساد الصلاة في النظر على معاني الاتفاق فلا أعلم هذا، (12/128)
صفحة 3119
إلا أني لا أحد معنى يخرج في معنى تجوز الصلاة فيه يوجب الاختلاف فيه، قلت له: فالصليب إذا كان مصورا في ثوب؟ قال: لا تجوز الصلاة فيه، إذا كان لابسا له إذا كان بين يدي المصلي دون خمسة عشر ذراعا، وقال: إنه أشد من صورة ذوات الأرواح، وهو رجس كما قال الله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) (الحج:30). (12/129)
صفحة 3120
[صفحة بيضاء] (12/130)
صفحة 3121
الباب الثامن والعشرون
في تمييز الثياب النجسة وأيها أهون للصلاة
من الزيادة المضافة، قال أبو المؤثر: يصلي الرجل بالثوب الحرير الطاهر، أحب إليّ من أن يصلي بثوب فيه شيء من النجاسات، إلا أن يكون دما غير مسفوح، أقل من درهم، أو بول الصبي لم يأكل الطعام، وهو أحب إليّ من ثوب الحرير.
مسألة: وأول ما يصلي به من الثياب الثوب الذي فيه الدم غير مسفوح أقل من درهم، ثم ثوب اليهودي والنصراني، إذا لم يعلم فيهما النجس، قال غيره: ثوب اليهود والنصراني ما لم يعلم به نجاسة أحب إليّ من الذي فيه دم نجس، ولو غير مسفوح؛ لأن هذا أنجس في الحكم والآخر مستراب، ثم بعد هذا أي الثياب كان أقل نجاسة صلى فيه، وإن استوت مقادير النجاسات، فالثوب الذي فيه الماء نجس من جميع النجاسات، ما لم يتغير لون الماء، فيبقى في الثوب أثر تلك النجاسات، فإذا بقي فيه لونها، فهو مثلها، قال غيره: الذي فيه الماء الذي فيه شيء من النجاسات، ما لم يبصره أحب إليّ من ثوب الذمي، والماء الذي ولغ فيه الكلب أشد من سائر السباع، ثم الذي فيها الدم الكثير، أكثر من درهم غير مسفوح، ثم الدم المسفوح، ثم بول الصبي الذي لا يأكل الطعام، قال أبو المؤثر: بول الصبي الذي لا يأكل الطعام غير الدم المسفوح، ولو قل؛ لأن بول الصبي ينظف بلا عرك، والدم لا ينظف إلا بالعرك، ثم الودي والمذي، هما سواء ثم الجنابة، ثم بول الإبل والبقر، والغنم فكلها سواء.
قال أبو المؤثر: بول الغنم أهون من بول الإبل، ثم بول سائر الدواب (12/131)
صفحة 3122
والسباع، ثم القيء ممن يأكل الطعام، ثم الناس ثم الصبي الذي لا يأكل الطعام، والقلس والقيء من الصبي وغيره كله سواء، إذا خرج من الجوف ولو كان ماء، ثم ما كان من خبث السباع كلها سواء، ثم خبث الدجاج والنعام، قال أبو المؤثر: ثم خزق النعام المؤنس، أهون من خبث السباع، وخبث السباع أهون من خبث الدجاج، وأما النعام الوحشي فلا أرى بخبثه بأسا.
وقال غيره: وقال من قال في خبث الدجاج يصلي فيه أحب إليّ من خبث السباع، إذا لم يجد إلا ذلك، وهو عند بعض أهل العلم أهون من خبث السباع، ما لم يكن جلالا، فقد قال من قال: في خبث الدجاج إذا حبس عن مرعى الأقذار، وغذي بالطهارة، إن خبثه لا بأس به، وهو طاهر والصلاة جائزة به في الضرورة، وغير الضرورة، ثم في السباع ثم بول الناس ثم ودك الميتة وودك الخنزير، كله سواء.
مسألة: قال أبو المؤثر: جلد الخنزير إذا دبغ عندي مثل جلد الميتة المدبوغ، وأما جلد السباع المذكى المدبوغ أحب إليّ من جلد الميتة المدبوغ، قال أبو المؤثر: جلد الميتة المدبوغ خير من جلد الكلب المذكى، وجلد السباع وإن كان غير مدبوغ فهو أحب إليّ من جميع ما ذكرنا من الثياب النجسة، والمدبوغ من جلد الميتة أحب إليّ من جلد السباغ المذكى غير المدبوغ.
مسألة: وأما الضفدع الميتة والقملة الميتة، وما يخرج من القملة من الماء الحية، والصوب، وبول الضفدع البعيدة من الماء، وبول الفأر، وبول الوزغ وبعر الضفدع وسؤر الحية، هذا كله أهون من الدم المسفوح ولو قل، وأهون من بول الصبي الذي لا يأكل الطعام، وأهون هذه الأشياء بعر الفأر، ثم الضفدع ثم بعر الوزغ، ومن لم ير بأسا ببعر الفأر في الطعام، فليس هو من النجاسة، ثم بعر الوزغ، بول الضفدع البعيد عن الماء، ثم الصوب الميت، ثم ما يخرج من القملة الميتة، ثم سؤر الحية هو أشد من هذا كله، وقول أبي المؤثر أن بعر الفأر وبعر الضفادع ليس من النجاسة، ووقف عن بعر الوزغ، ومن غيره؛ وقال من قال في بعر الوزغ: إنه طاهر مثل الفأر على نحو ما يوجد، أو قيل وخزق الحمام الأهلي وخزق حمام الحرم فيه اختلاف، وهو أهون من هذا كله، وسواء كانت النجاسة في (12/132)
صفحة 3123
وسط الثوب، أو في جوانبه أو في هدبه وكله سواء، وإن كان ثوبا واسعا تكون النجاسة منه في الأرض، ولا تصيب جسده، فهو أحب إليّ من جميع ذلك إلا جلد الميتة المدبوغ.
قال أبو المؤثر: هو أحب إليّ من جلد الميتة المدبوغ، ولا يؤم أحد ممن عليه نجس من هذا الثياب، إلا ما هو دونه في الطهارة، ولا يؤم من كان لباسه خيرا من لباسه، ولا بأس أن يؤم من هو مثله.
قال أبو المؤثر: البول أنجس من الجنابة، وقد قيل أنجس من العذرة، ثم الجنابة ثم الدم، ومن غيره؛ وعن رجل حضرته الصلاة وليس معه إلا ثوب جنب، وثوب مجوسي، وسألته بأيهما يصلي؟ قال: يترب الثوب الجنب ويصلي به ولا بأس، وقال من قال: يصلي في ثوب المجوسي ويترك الثوب الذي فيه الجنابة. (انقضت الزيادة المضافة).
مسألة: -من كتاب ابن جعفر- ومن كان عنده ثوب فيه دم، وثوب فيه عذرة، وثوب فيه جنابة، وثوب فيه بول، فليصل بالثوب الذي فيه الدم، ثم الذي فيه العذرة، ثم الذي فيه الجنابة، ثم الذي فيه البول آخر شيء.
مسألة: -من الزيادة المضافة من المختصر- ومن كان معه أربعة أثواب ثوب فيه جنابة، وثوب فيه دم، وثوب فيه بول، وثوب فيه عذرة، فليصل بثوب الدم إذا كان دما مسفوحا وإن كان الدم مسفوحا فإنه يصلي بالثوب الذي فيه الجنابة، ثم البول، ثم العذرة، ثم الدم، وإن كان ثوب فيه هذه النجاسات، وليس معه إلا هو وحده، صلى به إذا لم يجد غيره. (12/133)
صفحة 3124
[صفحة بيضاء] (12/134)
صفحة 3125
الباب التاسع والعشرون
فيمن تبدو عورته في الصلاة
مع انخراق ثوبه أو غير ذلك
وسألته عن المصلي، إذا طرح ركبتيه للسجود، انكشف ثوبه من على ركبتيه، أو أحدهما، ووقعت على الأرض بلا ثوب تحتها، وقد استوى ساجدا هل له أن يسويها بيده، ويدخل الثوب تحتها ولا نقض عليه؟ قال: معي؛ إن له ذلك، قلت: فإن لم يفعل وتركها وصلى، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنه قيل إن صلاته تفسد، وأرجو أنه قد قيل: إنها تتم على الجهالة ما لم يظهر، قلت له: فإن كان على التعمد، يلزمه النقض بلا اختلاف عندك؟ قال: معي؛ إن الذي يقول إن الركبة عورة يذهب إلى ذلك، والذي يقول إنها ليست بعورة يقول: إن صلاته تامة عندي على معنى قوله، قلت له: فإن انكشف ثوبه من على فخذه، وقد قعد للتحيات، وظهر فخذه مما يلي الأرض ولم يسوه، هل تكون صلاته تامة ويكون مثل الركبة في الاختلاف على الجهالة والعمد؟ قال: فأرجو أنه كذلك إذا كان إنما ظهر من الفخذ مما يلي الأرض، قلت له: وكذلك الفرجان من الكوين، وغير ذلك، هو بمنزلة الفخذ في هذا في الجهالة والعمد؟ قال: فأرجو أن بعضا يذهب إلى أن ظهور ذلك إلى الأرض، ليس كظهوره إلى الهوى الذي ينظر، أو لا ينظر لأن الثياب ساترة ذلك، وهو غير متعبد في ذلك بما يؤثمه في ظهور ذلك إلى الأرض، لأنه لا ينظر منه على حسب هذا يذهب فعلى هذا فلا نقض عليه، وبعضا يذهب أن ظهوره إلى الأرض كظهوره إلى الهوي في أمر الصلاة، لأنه منكشف عن اللباس والأخذ بالثقة في هذا أحب إليّ، وإذا وقع الشيء أحببنا أن لا نضيق على (12/135)
صفحة 3126
الناس ما وسعهم، ولا نوسع لهم ما ضاق عليهم.
قلت له: فعلى قول من يقول إنه لا نقض عليه في ذلك إذا ظهر إلى الأرض، وهو قاعد أو راكع يقول: إنه إذا كان قائما أو راكعا في الصلاة وقابلت الأرض فرجيه أو أحد الكوين، وهو ساتر اللباس من الهوي الذي ينظر، ولا ينظر أن صلاته تامة على هذا، ويكون بمنزلة القاعد في ذلك، قال: هذا القائم عندي أقرب؛ لأن هذا لا يكاد يمتنع منه إلا أصحاب السراويلات واللباس.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- ولا ينقض الخرق الذي يكون في ثوب المصلي، إلا أن يظهر من الخرق إليته كلها، فأما الذي كان الخرق على نفس كو الذكر، أو خرج منه رأس الذكر، انتقضت صلاته، إلا أن يكون فوق ذلك رداء متلحفا به فتتم صلاته، وإن كان إماما انتقضت صلاته، لأنه كان يصلي بثوب واحد، وكذلك عن أبي عبد الله -رحمه الله-.
ومن غيره؛ قال: وقد قيل: إذا التحف عليه، جازت صلاته وصلاتهم.
مسألة: عن أبي سعيد، وسألته فقلت له: إذا كان على المصلي ثوب متزر فيه خرق تخرج منه جارحة تامة، مثل الفخذ أو الركبة أو الإلية، هل يجوز له أن يتكفس عليه، ويصلي بغير أن يشتمل؟ قال: معي إن بعضا يجزي ذلك، وبعضا لا يجيز ذلك؛ إلا أن يشتمل عليه بثوب من فوقه.
مسألة: وسألته عن المصلي إذا قابلت الأرض منه إليته وفخذيه، وجميع عورته، من الذكر والأنثيين، إلا الثقبين، هل ترى صلاته تامة، كان ذلك تعمدا منه أو نسيانا؟ فمعي إنه إذا تعدى على ذلك حدا فلا تتم صلاته عندي بعد أن يكون عالما بذلك، قلت له: فهل تعلم أن فيها قولا آخر من قول المسلمين، إن صلاته تامة، ولا يضره ذلك؟ قال: لا أعلم ذلك، قال غيره: وقد قيل هذا، إنه من أظهر عورته بالأرض كمن أبرزها للسماء وعليه الإعادة إذا علم، وقال من قال: إن صلاته تامة، ما لم يبرز الثقبين، وقال من قال: ولو ظهر الثقبان أيضا إلى الأرض فلا نقض عليه؛ لأن ظهور ذلك منه إلى الأرض مما لا يؤثمه، لأن الثياب ساترة ما تعبده الله بستره، وظهور ذلك منه إلى الأرض لم يتعبد بستره عليها، إلا في حال ما تكون الأرض بمنزلة أن ينظر منه ذلك، مثلما ينظر منه إلى الهوي، (12/136)
صفحة 3127
فعلى هذا يخرج، والله أعلم بذلك، ولا يؤخذ إلا بالعدل في هذا كله.
مسألة: وعن أبي الحواري -رحمه الله- وعن رجل يصلي في ثوب فيه خروق، فتبدو من الخروق ركبته أو فخذه، هل عليه نقض؟ أو حتى تبدو عورته؟ فأما الركبة والفخذ فلا يبلغ به إلى نقض، إلا أن يبدو من الخروق الجارحة كلها، وأما العورة فإذا بدت من الخروق فعليه النقض، إلا أن يكون متلحفا بثوب آخر، ومن غيره؛ قال: وقد قيل: إذا بدا من الفخذ أو الركبة أو الإلية قدر الدرهم، فسدت صلاته، وقال من قال: حتى يبدو ربع الركبة أو الفخذ والإلية، وقال من قال: النصف، وقال من قال: إذا خرج أكثر الركبة أو الفخذ أو الإلية، فسدت صلاته، وقال من قال: حتى تخرج الجارحة كلها، كما قال في الكتاب، وأما إذا خرج أحد الفرجين نقض من ذلك الكوين، أو ما كان من الفروج.
مسألة: عن أبي الحواري، وعن رجل يصلي وفي ثوبه خرق على فخذه، وهو متفكس عليه بثوب آخر، هل يجوز له ذلك؟ قال: نعم، وقلت: كم مقدار هذا الخرق؟ فالله أعلم بمقدار ذلك الخرق، وقد قال من قال: حتى تخرج الإلية كلها من ذلك، وقد سمعت سائلا يسأل عزان بن الصقر عن خرق كان على بعض جوارحه، ولعله على فخذه، فقال: إن كان صغيرا فلا بأس بذلك، وأما أنا بالذي أحب من ذلك إذا كان الخرق لا يستبين لغيره، إذا نظر إليه من الصف بلا أن يتفرس فيه، وقد قال من قال: حتى تخرج الإلية كلها، فالله أعلم، وأما إذا كان صغيرا أو كبيرا، وهو متفكس عليه بثوب آخر، فلا بأس عليه، من حيث كان الخرق.
مسألة: قلت: فما أشد عندك من غطى على وجهه في صلاته، أو من أبرز ركبتيه أو سرته في الصلاة؟ قال: فعندي في أمر الصلاة أن ستر الوجه كله أشد عندي من إبداء السرة، وأما الركبة، فهي عندي أشد من السرة فيما قال بعض، قلت له: فالسرة والركبة يفسد إخراجهما في الصلاة والجهل والعمد والنسيان، أم إنما ذلك على العمد؟ قال: الله أعلم، قلت له: فما يعجبك أنت فيهما؟ قال: يعجبني سترهما في الصلاة وغيرها، والصلاة أولى، فإن فعل ذلك أعجبني الإعادة في الركبة، إذا كان من غير عذر، وظهرت كلها، وأما السرة فأرجو أن لا إعادة (12/137)
صفحة 3128
عليه في بعض القول، والذي يقول: إنها عورة يرى عليها الإعادة، وعلى النسيان والجهل أعذر في بعض المعاني، العمد أشد، وليس كل الأشياء يجوز فيها الجهل، إذا وقع ما لا يختلف فيه، وليس كل الأشياء تفسد على الجهل، إذا وافق غير الإجماع من المحجورات، في مثل هذا، ما لم يرد خلافا، ويعجبني في الصلاة إذا وافق مجتمعا على حجره، أن يكون عليه الإعادة على كل حال، في العمد والنسيان والجهل، وإذا وافق مختلفا فيه، فعمل بذلك برأي أو بجهل أو بنسيان، فوافق ما يختلف فيه، أن يكون سالما، وإن دخل في ذلك باعتماد يريد مخالفة السنة في ذلك، أن تكون عليه الإعادة في الصلاة، ولو وافق غير محجور في الأصل؛ لأن الصلاة عندي لا تنعقد إلا بالنية الصالحة التي لا يراد بها خلافا للحق.
مسألة: وعن المصلي إذا كان مشتملا بثوب، وكشفت الريح ثوبه، حتى برز أحد فرجيه بالهواء، ثم رد ثوبه من حينه ومضى على صلاته، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي؛ إنه إذا كان مغلوبا على ذلك، ولم يعمل عملا في الصلاة، حتى رد الثوب واستتر، فأرجو أنها تامة، قلت له: فإن سبح تسبيحة أو كبر تكبيرة أو قرأ آية قبل أن يرد ثوبه، ثم رده بعد ذلك، وقضى صلاته، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي؛ إنه إذا سبح بعد أن يرد ثوبه ما يجوز به الركوع أو السجود لم يضره عمله ذلك، وكذلك إذا قرأ من القرآن ما يجزيه بعد أن استتر، فهو عندي مثله، قلت له: فإن كان ركع بتكبيرة، ودخل في الركوع من قبل أن يرده، ثم رده بعد ذلك، وقضى صلاته، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي؛ إن العمل منه في هذا الموضع كالترك؛ لأنه لا يقع ولا ينفع، ومعي؛ إنه قيل في تارك التكبيرة على العمد إنها تفسد صلاته، وقد أساء ولا تفسد صلاته، ويعجبني ذلك على الجهالة، وأما العلم فأخاف فساد صلاته، قلت له: فخروجه من حد إلى حد لا يضره؟ قال: إذا أتم الحد الذي خرج منه انكشف ثوبه، ودخل في الثاني قبل أن يرده ورده، وعمل في الثاني ما يجزيه بعد أن يرد ثوبه، فصلاته تامة عندي، قلت له: أرأيت إن توانى عن أن يرده قليلا أو كثيرا من غير عذر، ولم يتم على ذلك حدا، ورده بعد ذلك أتم الحد وعمل فيه ما يجزيه، هل ترى صلاته تامة؟ قال: فأخاف عليه إذا قدر على ستره، فلم يستره من غير عذر أن تفسد صلاته، لأنه في الصلاة؛ -ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه، من كتاب الأشراف- قال: (12/138)
صفحة 3129
أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن مما يجب ستره على الرجل في الصلاة، القبل والدبر، واختلفوا فيما سوى ذلك، وكان الشافعي وأبو ثور يقولان: عورة الرجل من سرته إلى ركبته، ليس سرته ولا ركبته من عورته، وقال عطاء: الركبة من العورة، وقالت فرقة: ليست عورة الرجل الذي يجب ستره، إلا القبل والدبر، قال أبو بكر وأكثر أهل العلم على القول الأول.
قال أبو سعيد -رحمه الله-: معي؛ إنه يخرج بمعاني الاتفاق من قول أصحابنا: إن على الرجل أن يستر في الصلاة من سرته إلى ركبته، إلا من عذر لا يطيق ذلك، ومعي؛ إنه يصح من قولهم معنى الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العورة من السرة إلى الركبة» ومعي؛ إنه يختلف من قولهم في السرة والركبة مع اتفاقهم، إنما بينهما عورة، فقال من قال: هما من العورة جميعا، وقال من قال: ليستا من العورة، وإنما العورة ما بينهما، كما قيل من السرة إلى الركبة، وقال من قال: الركبة من العورة، وليست السرة من العورة، لقوله: من السرة إلى الركبة، فيخرج في معاني القول من السرة إلى الركبة، كما قال الله تعالى: (فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) (المائدة:6)، فقال من قال: المرفقان والكعبان مما عليه الغسل، وقال من قال: لا غسل عليهما. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (12/139)
صفحة 3130
[صفحة بيضاء] (12/140)
صفحة 3131
الباب الثلاثون
في لباس الإنسان إذا كان نجسا وأراد الصلاة
وسئل عن رجل شك في بدنه، أنه نجس ولم يمكنه الماء فتوزر بثوب نجس، وتوزر عليه بثوب طاهر، وصلى، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ أن لا تتم صلاته، لصلاته بالثوب النجس، ومعه الثوب الطاهر على الشك، إلا أن يكون إذا لبس الثوب الطاهر تنجس نجاسة أكثر من هذا الثوب النجس الذي قد لبسه أو مثلها، فلبس هذا الثوب النجس وقاية لذلك الثوب الطاهر، وجعله كسوته للصلاة، فيعجبني على هذا أن تتم صلاته. (12/141)
صفحة 3132
[صفحة بيضاء] (12/142)
صفحة 3133
الباب الحادي والثلاثون
الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره
واختلفوا في الرجل لا يجد ثوبا نجسا فقال مالك: يصلي فيه، ومال إلى هذا المزني، وقال الشافعي وأبو ثور يصلي عريانا، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه الاتفاق، أن يصلي بالثوب ولو كان نجسا في أكثر قولهم، عندي أنه
ييممه بعد أن يزيل ما قدر عليه من النجاسات، بما قدر عليه لثبوت اللباس للصلاة بالكتاب.
ومنه؛ وقال أصحاب الرأي: في الثوب يكون في نصفه دم، يصلي فيه، وإن كان مملوءا دما يصلي عريانا، أيجزيه؟ وإن صلى في الثوب يجزيه؟ هذا قول النعمان ويعقوب، وقال مجاهد: لا يجزيه أن يصلي عريانا، وإن كان الثوب مملوءا دما لا يصلي فيه، قال أبو سعيد: في القول الذي يضاف إلى أبي محمد أشبه معي بقول أصحابنا، ومنه؛ واختلفوا في الرجل يكون معه ثوبان، أحدهما نجس، فقال الشافعي يتحرى وتجزئه الصلاة كذلك، وفي قول أبي ثور وأبيّ لا يصلي في واحد منهما، وفي قول ثالث: وهو أن يصلي في أحدهما، ثم يعيد الصلاة في الآخر، قال: هكذا قال عبد الملك الماجشون.
قال أبو سعيد: ومعي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا إذا كان أحدهما نجسا والآخر طاهرا، فيخرج في بعض قولهم إنه ينجس الطاهر، فيصلي به في معنى الحكم عندي، وفي بعض قولهم إنه يصلي بهذا، ثم بهذا ويعتقد صلاته بالطاهر، وإن صلى بهذا ثم بهذا على أنه إن كان الأول طاهرا، وإلا فهذه الصلاة الآخرة صلاته، ولا ينساغ عندي قولهم أن يصلي عريانا، ومنه؛ واختلفوا في الصلاة في (12/143)
صفحة 3134
ثوب واحد في بعضه نجاسة، والنجس منه على الأرض، والذي على المصلى منه طاهر، قال الشافعي: لا يجزيه، وقال أبو بكر: يجزيه.
قال أبو سعيد: إنه يخرج في قول أصحابنا، إنه لا يجزيه عند المكنة لغيره، وقد يشبه معي أنه يخرج في قولهم أنه يجزيه، إذا كان النجس بائنا عن المصلي، ولعل ذلك يخرج على الشبه الذي صلى عليه بعضه، وهو نجس، وقد صح عندي في الشبه وأصح معنى القولين الأول، ومنه؛ وقال في البساط في بعضه نجاسة فصلى رجل على الطاهر منه إنه جائز، واختلفوا في الرجل المسافر لا يجد ثوبا فيصلي عريانا ركعتين فقعد فيهما قدر التشهد، وتشهد ثم وجد ثوبا فقال النعمان: صلاته فاسدة، ويستقبل الصلاة، وقال يعقوب ومحمد: صلاته تامة، وفي قول الشافعي يستتر ويتم صلاته، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنه يعيد صلاته إذا لم يكن أتم ما بقي عليه منها، ما لا تجوز إلا به، ولا ينساغ عندي في قولهم غير هذا، إلا أن يكون يخاف فوت الوقت على حال، إن ابتدأ صلاته وأتمها على هيئة باللباس قضى ما بقي عليه منها في الوقت، فإنه ينساغ عندي على هذا، أن يتم ما بقي من صلاته باللباس، ويتم له ما مضى إذا كان في الوقت إتمام الصلاة، وإن كان لا تتم على حال ما بقي في الوقت، ولابدل من فوت الوقت، خرج عندي أن يثبت عليه بدل الصلاة باللباس.
مسألة: ومن غيره؛ وسألته عن رجل عنده ثوب طاهر، يستر عورته وحدها، وعنده ثوب نجس يستر عورته وصدره وكتفيه بأيهما يصلي؟ قال: معي؛ إنه يصلي بالثوب الطاهر، وإنما يقع الاختلاف عندي يصلي بالطاهر وحده، ولا يستر صدره وكتفيه
بالنجس، أو يستر ذلك بالنجس بعد التيمم للثوب، قلت: فإن كانا رجلين عند أحدهما ثوب طاهر يستر عورته وحدها، والآخر عنده ثوب نجس يستر عورته وصدره وظهره، أيهما أولى بالإمامة؟ قال: معي؛ إنهما يصليان جميعا بالثوب الطاهر فرادى واحدا بعد واحد، ولا يصليان جماعة بالنجس إن أمكن ذلك، قلت له: أرأيت إن صليا جماعة فأمر صاحب الثوب النجس صاحب الثوب الطاهر، وقد أمكن لهما أن يصليا فرادى بالطاهر، هل ترى صلاتهما تامة؟ قال: لا يبين لي ذلك، قلت له: كان ذلك على الجهالة والنسيان أو العمد، فكله سواء عندك؟ فقال: لا يبين لي فرق في ثبوت صلاتهم وتمامها، قلت: (12/144)
صفحة 3135
أرأيت إن كانا في سفر، ولم يمكن لهما أن يصليا بالطاهر فرادى واحدا بعد واحد من عذر، فأراد أن يصليا جماعة، أيهما أولى بالإمامة؟ قال: معي؛ لا أعلم في ذلك شيئا بعينه، والله أعلم بالإمامة في ذلك، قلت له: ويعجبك أن يصليا فرادى، كل واحد بثوبه، ولا يصليان جماعة؟ قال: إن فعلا ذلك، إذا عدما معرفة ما يلزمهما ويسعهما في ذلك، أو يلزمهما من صلاة الجماعة، قلت له: ولا تجوز عندك الجماعة في هذا الموضع؟ قال: لا يبين لي ثبوت الإمامة لأحدهما على الآخر إلا بعلة تلحقه؛ لأن صاحب الثوب الطاهر، وإن كان ثوبه طاهر جائز له الصلاة فيه من الضرورة في خاصة نفسه، وقد قالوا: لا يؤم المشتمل المرتدي، وهما جميعا موسعين في حالتهما من غير ضرورة في لباسهما، إذا كان لباس هذا أفضل من لباس هذا، وإن كان لباس صاحب الثوب الساتر النجس أفضل وأستر، فلباس صاحب الثوب الطاهر أولى وأفضل؛ لأنه أطهر ولأنه لو كان لهما سبيل إلى الصلاة جميعا لم تجز صلاة صاحب الثوب الذي هو أستر، فلما أن كان لهما لكل واحد منهما في خاصة نفسه عذر متفرد به دون صاحبه، وكانا غير متساويين في العلة، لم يبن لي تقديم أحدهما على الآخر، لما قد فضل كل واحد منهما صاحبه في خاصة نفسه، فيما قد وسعه في حال الضرورة، فإن صلى أحدهما بصاحبه لم يبن لي نقض الصلاة لثبوت الجماعة في الجملة، ولأن هذين كل واحد منهما معذور ومجتزي بلباسه ذلك غير مخاطب بغيره في وقته ذلك.
ويعجبني على حال إن كان ثبوت جماعة أن يكون صاحب الثوب الطاهر يؤم الآخر، كما جاء أن المتطهر بالماء يؤم المتيمم، ولا يؤم المتيمم المتطهر، والمتيمم في الأصل معذور في حال الحكم متطهر مثل التطهر في حكم دين الله، وأما على قول من يقول: إن المتيمم يؤم المتطهر، وثبت التيمم في الثياب عند عدم الماء، وإنه طهارة لها فيثبت عندي على قوله أن تكون الإمامة لصاحب الثوب الساتر؛ لأنه أفضل لباسا، ولأنهما متساويين في الطهارة عند العدم، ولا أحب ترك الجماعة على حال ما وجد إليها سبيل، لأنها قد ثبتت حتى في العراة أنهما يصلون جماعة، وانظر في هذه المسألة واعرضها على آثار المسلمين وقولهم، ولا تأخذ من قولي إلا بما وافق الحق والصواب، وكذلك جميع الأمور.
قلت له: فعلى قول من يثبت الطهارة في الثياب النجسة عند عدم الماء، وإنها (12/145)
صفحة 3136
تكون بمنزلة الثياب الطاهرة، فإذا يممت هل يجوز أن يؤم صاحب الثياب النجسة أصحاب الثياب الطاهرة؟ ولو كان كل واحد منهم إزار ورداء على هذا، إذا كان صاحب الثياب النجسة أولى بالتقديم من أصحاب الثياب الطاهرة؟ قال: قد فسرت لك ما حضرني في ذلك.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- اتفق أصحابنا على إيجاب الصلاة بالثوب النجس، إذا لم يجد المصلي ثوبا غيره، وإن كان المصلي في نفسه طاهر متطهرا، قال: وفرض الاستتار بالثوب وإن كان نجسا غير زائل عنه به، وإن كان قد خالفهم في ذلك الشافعي وأصحابه من أهل الحجاز، فقالوا: يصلي وهو عريان، وأما أبو حنيفة وأصحابه من أهل العراق، أجازوا له الصلاة إذا كانت النجاسة أقل من ملاه، وإذا كانت النجاسة مستفرغة له، خير المصلي بين أن يصلي فيه أو يصلي عريانا، الدليل لأصحابنا على صحة مقالتهم بإجماع الجميع، على أن من لا يمسك بوله ولا غائطه، أن عليه الصلاة، وكذلك من كانت به جراحات لا ترقى ولا تنقطع منها الدم أن فرض السترة على هؤلاء، ولو امتلأت بالدم والنجاسة، ولم يسقط الله فرض السترة من أجل أنها نجسة؛ لأنهم لا يجدون إلى غيرها سبيلا، ففي هذه الأشياء دلالة على أن فرض السترة في الثوب الذي ليس بطاهر، واجب بغير الثوب الطاهر في الصلاة، من لا يجد سبيلا إلى ثوب طاهر في الصلاة، واجب أيضا، فإن السنة جاءت بأن المستحاضة تصلي، وإن كان دمها يقطر ولا يمكنها حبسه، وإن امتلأ ثوبها وقطر على حصيرها، وهذا يدل على أن الفرض السترة على المصلي، وإن كانت غير طاهرة، وإذا لم يجد ثوبا طاهرا، وروي أن عمر بن الخطاب -رحمه الله- كان يصلي وإن دمه ينبعث من الطعنة، وقد وافقنا على هذه المقالة، الحسن بن الحسن ومحمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة، وأيضا فإن فرض الاستتار واجب بالثوب الطاهر، والنجس كان في الصلاة أولى، إذا عدم الطاهر، -ومن الكتاب- اختلف أصحابنا في الثوب المغتصب والأرض المغتصبة، على قولين، فأجازها أكثرهم، ورأوا إنما وقعت طاعة من عاص وإن الفعل وقع موقعه، من أن الفرض على المصلي رد الثوب على صاحبه والخروج من الأرض المغتصبة منه، وكان من يقول بهذا القول وأيده واحتج به، أبو محمد عبد الله بن محمد بن محبوب، فيما حفظه لنا عنه أبو مالك رضي الله عنهما، وكان ممن يبصر (12/146)
صفحة 3137
الآخر ويقويه ويستدل على صحته أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب، وهو مشهور من قوله، وكان آخر ما يحتج به أن قال: رأيت الصلاة طاعة لله أمر بها، ورأيت الثوب المغتصب، وقد نهى الله المغتصب له في كل حال أن يلبسه، وكان من فرض الصلاة وشرطها، وما لا تقوم به الاستتار بالثوب الطاهر، والقرار الذي يكون عليه، فلما كان الثوب الذي يقف فيه للصلاة، وقد نهى عنهما، وأمر برد الثوب على صاحبه، والخروج من الأرض في كل أحواله، لم يجز أن تكون صلاته واقعة منه، ولو كانت الصلاة مأمورا بها والطاعة والمعصية متنافيتان، وهما فرض له، أن المصلي مأمور بالصلاة في الأرض الطاهرة، من غير غصب ونجس، كما أمر بالصلاة في
ثوب طاهر، من غير غصب ونجس، فلما كان المصلي في الأرض النجسة مخالفا لما أمر به كانت صلاته فاسدة بالإجماع، وجب أن يكون إذا صلى في الأرض المغتصبة تفسد صلاته لمخالفة الأمر فيهما، وكذلك القول في الثوب المغتصب والنجس؛ لأن النهي عن الأرض المغتصبة والثوب المغتصب، كالنهي عن الصلاة في الأرض النجسة والثوب النجس، وهذا القول أقرب إلى النفس وأصح دليلا.
- ومن الكتاب- وإذا كان الثوب نجسا فعند أصحابنا أنه يصلي به قائما، إذا لم يجد ثوبا طاهرا، والنظر يوجب عندي؛ إن له أن يصلي قاعدا على ما ذهبوا إليه، ويلقى الثوب النجس عن نفسه، ويصلي عريانا قاعدا؛ لأنهما فرضان السترة الطاهرة مع الوجود، والقيام مع القدرة، إذا كان مدفوعا إلى ترك أحدهما، كان له أن يترك أيهما شاء، لاستواء أحوالهما، والله أعلم.
مسألة: -ومن كتاب ابن جعفر- ومن كان عنده ثوب فيه دم، وثوب تقدم القول فيهما.
مسألة: -من الزيادة المضافة من الأثر- سئل بعض الفقهاء عن ثوب الرجل؟ قال: لا يصلي إلا بثوب من يتولاه، وقال من قال: لا بأس بثوب المسلم الذي لا يتولاه، ومن غيره؛ قال: وقد قيل بثياب أهل القبلة جائز الصلاة بها، إلا من عرف منهم أنه لا يتقي النجاسة وينتهكها، والوجه أن لا يصلي بثوبه الذي يلبسه؛ لأنه لا يتقي النجاسة، فلحقته التهمة، والثوب إذا اتهم غسل إلا من ضرورة، فإنه يصلي فيه، ولا إعادة عليه ما لم يعلم به نجاسة. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (12/147)
صفحة 3138
مسألة: وقعت في المجلس في رجل كان عنده ثوب نجس يستره، وعنده ثوب صغير طاهر لا يستره، إلا من السرة إلى الركبة، فقيل: يصلي بالصغير الطاهر، ولا يصلي بالنجس، فإن كان الثوب الطاهر من ركبته إلى سرته، فجهل وصلى به، ولم يترب النجس فعليه الإعادة، وكان أولى به أن يصلي بالثوب النجس، بعد أن يتربه.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج أنه إذا كان معه ثوب طاهر يستر عورته، المجتمع على وجوب سترها، ولا تستر شيئا من كتفيه، ومعه ثوب نجس، أنه يصلي بهذا الثوب الطاهر، ويوصله بما أمكنه من حبل وغيره أو تكة وشيء من الأشياء الطاهرة، إلا أن يلويه على عنقه، فإن لم يمكنه ذلك صلى بالثوب الطاهر يستر عورته، ولا يصلي بالنجس، ومعي؛ إنه يخرج على بعض معنى القول: إنه يلزمه في الأصل ستر عورته وكتفيه في الصلاة ما يواري في الوجود، وقد يوجد ما يستر كتفيه فيتزر به ويستر كتفيه، وأما إن كان لا يستر عورته المأخوذ بسترها على حال، أعني الثوب الطاهر؛ لأن من لم يجد الماء قام له الصعيد مقام الماء، ولا أدري على ما أعول من القولين، وأما إن كان لا يستر عورته المأخوذ بسترها على حال، أعني الثوب الطاهر، فهذا يخرج عندي على حال، أن ييمم هذا الثوب النجس، ويستر به ما بقي من عورته وكتفيه، ولا ينفرد بالصلاة ويدع الطاهر، فإن يممه عندي ويستر به سائر عورته، وأقل
ما يكون أحببت له الإعادة للصلاة، وإن أفرد الصلاة بالنجس، وزال الطاهر، أحببت له الإعادة، لأنه قد كان يمكنه ثوبا طاهرا فتركه، إلا أن يكون الثوب لا معنى له في اللباس، ولا يستر أكثر عورته، فأرجو أن لا إعادة عليه إن أفرد الصلاة بالنجس.
مسألة: مختصرة في الصلاة بالثوب النجس، إذا لم يجد غيره، قال؛ يصلي بالثوب النجس عند الضرورة، ولا يصلي عريانا، قلت: فإن غسله أعليه أن يبدل صلاته التي صلى بثوب نجس أم لا؟ قال: لا. (12/148)
صفحة 3139
الباب الثاني والثلاثون
الصلاة بالثياب
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في شعار نسائه ولحافهن، قال: الشعار؛ الثياب التي تلي البدن، واللحاف ما يتغطى به الإنسان، وفي اللحاف دليل قول الشاعر:
ثم ... راحوا ... عبق ... المسك ... بهم
يلحفون ... الأرض ... أهداب ... الأزر
مسألة: وعن رجل يصلي بإزار زوجته أو امرأة له محرم منه، هل لا بأس عليه؟ قال: لا. قلت: فإن صلى بثوب امرأة غير ذي محرم منه، هل ينقض صلاته؟ قال: لا، إلا أنه يكره أن يصلي في إزار امرأة غير ذي محرم منه، قلت له: وكذلك سائر كسوتها مثل الإزار؟ قال: نعم التي تلبسها، وأما إن كانت ثيابها بياضا فلا بأس عليه، ما لم تلبسها، إلا الحرير فإنه لا يصلي فيه ولا يلبسه.
مسألة: وزعم ابن المعلا؛ إن الرجل يجزيه أن يصلي في القميص المفرج الذي لا يصف ولا يشف، وفي القباء إذا كان غير مفرج، ويؤم في قميص بغير إزار إن شاء.
مسألة: وجائز الصلاة بالسترة، إذا كانت من شعر الميتة، أو صوفها أو وبرها، لقول الله -عز وجل-: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ) (النحل:80)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في شاة مولاته ميمونة: «إنما حرم أكلها».
ومن جامع أبي محمد؛ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن الصلاة في الثوب (12/149)
صفحة 3140
الواحد، وروي عنه عليه الصلاة والسلام في خبر آخر، إنه نهى عن الصلاة في ثوب واحد، ليس على عاتق المصلي منه شيء، فأما إذا كان متوشحا به، فقد رويت إباحة ذلك عنه عليه الصلاة والسلام، فإن سلم طريق الخبر الأول، فهنا يدل على قول أصحابنا؛ إن المصلي إذا صلى بثوب ولم يتوشح به، ولم يستر ظهره وصدره من غير عذر، إن صلاته باطلة، فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد، إذا كان على ما وصفت علماؤنا فهو صحيح، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: -ومن الحاشية- وعن الذي يصلي بثوب واحد ملتحف به غير مشتمل، قال: لا تتم صلاته على ما وصفت إلا أن يشتمل والله أعلم. (12/150)
صفحة 3141
الباب الثالث والثلاثون
في اللباس والذيل
قال محمد بن محبوب -رحمه الله- إنه وجد في كتاب من كتب أهل حضرموت، وقال: لا يشتمل الرجل إلا في منزله أو في ظهر بيته، وأما في القرية فلا نحب ذلك له. وكذلك في الصلاة.
مسألة: وسئل عن تذييل القميص والسراويل، هل على من فعل ذلك مأثم، قال: معي؛ إنه قيل ليس القميص والسراويل مثل الإزار لأنه يوجد في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه إنما نهى عن تذييل الإزار، ومعي؛ إنه قيل في تشمير القميص، عيب، هكذا حكي لنا إلا أن يريد صاحب القميص والسراويل في تذييلهما الفخر والخيلاء، فمعي؛ إن ذلك لا تجوز نيته ولا إرادته في ذلك.
مسألة: -ومن أحكام أبي سعيد- أحسب عن أبي سعيد، قال: يوجد في الرواية أن أبا دجانة رآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطر بين الصفين يجر أذياله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنها مشية مكروهة إلا في هذا، يعني الحرب، ولعله أراد بذلك الهيبة، وروي عنه في غير هذا الموضع في إرسال الإزار، إنه قال من الخيلاء، والخيلاء محرمة، وقال: ما عدا الكعبين من الرجال مما سفل فهو في النار، وما عدا الكعبين مما علا من النساء، فهو في النار، يعني الإزار، فقيل: إنه في الإزار، قالوا: وما زاد على الإزار، إنما هو على الفاعل منهما أو نحو هذا.
مسألة: وسئل عن الرجل يصلي ويرخي إزاره على قدميه خوف البرد والبعوض، هل له ذلك؟ قال: إنه إذا كان لمعنى عذر حق من غير خيلاء منه، فمعي؛ إنه جائز كنحو ما جاز له فعل ذلك في الحرب. (12/151)
صفحة 3142
مسألة: ومن كتاب أبي جابر؛ وعن الرجل يصلي ويجعل يده تحت الثوب على فخذه قلت: هل ينقض ذلك صلاته؟ فإن كان مشتملا فقد أساء في ذلك، إذا جعل يده على فخذه من تحت الثوب، وإن كان من فوق الثوب فلا بأس، وإن كان ملتحفا بثوب فلا تجوز صلاته في بعض القول، ومن الأثر، لا يجوز أن تضع إحدى طرة إزارك في صدرك، وتعطف طرفه الأخرى وتصلي، قال غيره: نعم قد عرفنا نحو هذا عن بعض أهل العلم، وأحسب أن في ذلك خبرا عن الرسول صلى الله عليه وسلم: الذي يؤمر به عندنا، أن يضع على كل منكب طرة من الثوب ويلويها، والذي ينهى عنه عندنا أن يطرح الطرتين على إحدى المنكبين، ثم يلويها على المنكب الآخر، ويضع الطرة الأخرى على صدره، أو تحت أبطيه أو على بطنه، هكذا يخرج عندنا، والله أعلم.
مسألة: وإذا انكشف صدر الرجل من الثوب، فلم يرده حتى جاوز حدا، وهو منكشف الصدر، لا لباس عليه، فسدت صلاته، وإن رده قبل أن يجاوز الحد، فصلاته تامة، إذا أتم الحد وهو لابس، إذا سبح تسبيحة وهو لابس، فقد تم الحد.
مسألة: -من الزيادة المضافة- وهل للمصلي إذا خاف أن يؤذيه البعوض، أن يرخي إزاره على قدميه؟ قال: إن كان لا يقدر أن يصلي من أذاه، فليفعل ذلك، قال: وله أن يحك رجله بالأخرى من أذى البعوض. (انقضت الزيادة المضافة). (12/152)
صفحة 3143
الباب الرابع والثلاثون
في صلاة المرتدي بصلاة المشتمل،
وما يجوز للإمام أن يؤم به من اللباس،
وفي الصلاة بثياب الحرير
قال أبو المؤثر: سألت محمد بن محبوب، عن إمام مشتمل صلى بقوم مرتدين، إلا رجلين مشتملين أحدهما في طرف الصف الأيمن، والآخر في طرف الصف الأيسر، فقال: صلاة المرتدين منتقضة، وصلاة المشتملين تامة.
مسألة: وعمن يصلي بالقميص وحده، ويؤم به الناس بلا إزار، أو بالسراويل بلا رداء، فليعد من صلى خلفه الصلاة، ولا إعادة عليه هو، وإن كان تحته سراويل، فلا بأس، وإن صلى وحده بالقميص، فلا بأس عليه.
مسألة: ومن كتاب ابن جعفر، وقيل: لا بأس أن يؤم الناس بالقباء، وقد قيل: إذا صلى الإمام بسراويل ورداء مرتديا به فسدت صلاة من صلى معه، وإن التحف بالرداء فلا بأس.
مسألة: ومنه؛ وعن أبي عبد الله -رحمه الله- أنه لا يجوز للرجل أن يكون إماما لغيره في الصلاة، بقميص ورداء بلا إزار وسراويل تحت القميص، ولو كان قميصين أو أكثر، وأما غيره من الفقهاء فقال: يجوز أن يكون إماما بقميص ورداء بلا أن يكون ثوب تحت القميص، وأما أحب هذا الرأي، وكذلك يكون إماما بقميص وإزار وسراويل بلا رداء، وقيل: يستحب له أن يرفع القميص على منكبيه، حتى تخرج يده اليسرى، وإن لم يفعل فلا بأس. (12/153)
صفحة 3144
ومن غيره؛ وأخبرني الوضاح بن المعلا؛ إنه يؤم في قميص، ومن غيره؛ وقد أجاز من أجاز، أن يؤم في السراويل والقميص، إذا كان ضيقا، وكذلك يكون إماما بقميص وإزار وسراويل بلا رداء (رجع). وأما الجبة يجوز أن يصلي بها الإمام وحدها بلا رداء ولا إزار؛ لأن الأثر قد جاء بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه صلى بالناس وعليه جبة من
صوف، قال غيره: ثبوت الإمامة في الجبة وحدها، دليل على إجازة ذلك في القميص وحده. (رجع).
مسألة: وعن أبي عبد الله -رحمه الله- قال: إن صلى رجل بقوم ليس عليه إلا قميص واحد، وهو مشتمل وصلى خلفه من الناس من ليس عليه من الثياب إلا كمثله، ومنهم من عليه إزار ورداء وقميص، ورداء وسراويل ورداء، أو قميص وسراويل؟ قال: صلاة الذي كان عليهم من اللباس مثله تامة، وصلاة الذي كان عليهم إزار ورداء أو قميص ورداء، أو سراويل، قال غيره: لعله أو سراويل وقميص، أو سراويل منتقضة، قال غيره من أهل العلم: إذا صلى مشتملا بغير مشتملين فلا نقض عليهم، ومن غيره؛ إن صلاة المرتدي تفسد.
مسألة: ومن كتاب ابن جعفر؛ وتجوز الصلاة في الخز الخالص، ولا تجوز للرجال في القز والحرير والإبريسم، إلا في الحرب والضرورة.
مسألة: وتجوز الصلاة في ثوب الحرير في الحرب، ولا يصلى في غير الحرب بثوب فيه علم حرير أكثر من عرض إصبعين، فإن كان أقل من ذلك فلا بأس.
مسألة: وقيل: من ربط على جرحه خرقة حرير وصلى، فلا نقض عليه حتى يفضل من الخرقة عن الجرح أكثر من عرض أصبعين ثم ينقض.
مسألة: قلت: فإن صلى بشيء من الحرير من غير ضرورة متعمدا، هل ترى صلاته تامة؟ قال: لا يبين لي ذلك في قول أصحابنا المعمول به من قولهم، قلت له: فيجوز في بعض قولهم فيما عندك؟ قال: لا أعلم ذلك إلا أنه يوجد فيما روي عن ابن عباس أنه قال: إنما نهي عن لبس الحرير للكبر، وليس هو في الأصل حرام على معنى قوله، إذا لم يلبسه، ولا أعلم هذا القول معمول به، والاحتياط يتركه عندي، قلت له: فالقز عندك من الحرير، أو من غيره؟ قال: معي؛ إنهم قالوا: إنه من الحرير، قلت: فالحزم المغزول والمعسوي، أهو من الحرير فيما عندك؟ (12/154)
صفحة 3145
قال: معي إن الحزم من الحرير فيما قيل من العيسوي والمغزول.
مسألة: وسئل أبو سعيد عن علم الحرير في الثوب، هل يصلي به الرجال؟ قال: قد قالوا إنه إذا كان أقل من عرض أصبعين جازت الصلاة به، قال: وإنما ينظر في العرض ولا ينظر في طول العلم، ولو كان الطول كطول الثوب من الطرة إلى الطرة، قال: وتجوز الصلاة بالخز، ولا تجوز بالقز، قيل له: فالخز ما هو؟ والقز ما هو؟ قال: الخز عندي، إنه قيل مثل القطن، والقز من الحرير فيما أحسب.
مسألة: ويروى عن عمر بن الخطاب -رحمه الله- أنه قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لباس الحرير، إلا موضع أصبعين.
مسألة: -من الزيادة المضافة من الأثر- ولا يصلي الرجل بالملحم إذا كان لحامه من الحرير، ولو كان سداته من كتان أو قطن، أو خز، وإذا كان ثوب فيه خز فلا بأس به، ولا يصلي بالقلنسوة ولا بالعمامة من الحرير، وإن كان مصرها أو سداتها حريرا، فلا يصلي بهما، وكذلك لا يصلي بالجبة المبطنة بالحرير، ولا بالقبا بالحرير، ولا بالقبا ولا بالقلنسوة المحشوان بالحرير، ولو كان ثيابهما من غير ذلك، قال غيره: معي؛ إنه قد قيل: لا بأس بالصلاة للرجال في ثياب الملحم من الحرير، كان مصرا أو سواه، وإنما ذلك بثوب تام، والحشوة عندي أشبه بالملحم من الحرير، إذا كان مصر الثوب حريرا ظاهرا، وسداته خلاف ذلك من كتان أو قطن كون باطنا.
مسألة: منه؛ ولا بأس عندي أن يصلي بالثياب المصبوغة بالزعفران وبالعصفر، وكل صبغ ظاهر.
مسألة: سئل أبو عبد الله، عن رجل حازم صدره بخرقة حرير؟ قال: لا بأس، وإنما ذلك يكره في اللباس، قال المضيف: إن كان يريد بذلك في غير الصلاة، والله أعلم. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن لبس الحرير والذهب، وصح التأويل في هذا النهي على الرجال في غير حال الضرورة، ومن لبس الحرير والذهب في غير حال الضرورة كفر، إلا أن يتوب، وجاء الأثر بإجازة لبس الذهب والحرير للنساء في الصلاة. (12/155)
صفحة 3146
مسألة: ومن غيره؛ وقيل: إذا كان عليه قميص، وليس تحته سراويل ولا إزار، فاشتمل على القميص بالرداء، وإن موضع الاشتمال من فوق إلى موضع عقد الإزار، فهو بمنزلة الرداء، وما أسفل فهو بمنزلة الإزار، وصلاته وصلاتهم تامة.
مسألة: ومنه؛ وقيل: يجوز أن يؤم الرجل بالعمامة إذا سترت الظهر والصدر، وإذا ارتدى بها وسترت الأكثر من ذلك، ولم تكن كالحبل.
مسألة: وسألت أبا معاوية عزان بن الصقر -رحمه الله- قلت له: فهل للرجل أن يؤم بقوم، وهو مشتمل، ثم يلتحف عليه بثوب؟ قال: لا يؤم كذلك، قلت: فإن أم بهم كذلك أعليهم نقض؟ قال: لا نقض عليهم.
مسألة: ومما يوجد في الأثر عن عطاء بن سياد، إن جابر بن عبد الله أمهم في قميص واحد صفيق، ليس عليه غيره، قال: ولا أراه إلا ليرينا، أنه لا بأس بالصلاة في ثوب واحد، وهو قول أبي حنيفة وقول أسد، قال غيره: معنا إن هذا مما يجري فيه معنى الاختلاف من قول أصحابنا، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب واحد، والمعنى فيه أن على غير ضرورة، وقد يوجد الاختلاف عن بعض الصحابة في الصلاة في الثوب الواحد إذا وجد غيره، فقال من قال منهم؛ وأحسب أن المختلفين أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وحسان أبي بن كعب هو أجاز الصلاة في ثوب واحد، ولو كان على غير
ضرورة، وأحسب أن ابن مسعود قال: لا يجوز، وأحسب أنه كان قول عمر بن الخطاب -رحمه الله- مع قول من قال: إنه يجوز، وعلى ذلك أكثر معاني قول الناس من أصحابنا وغيرهم، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أم في جبة صوف، وما الجبة معناها إلا ثوب واحد بمنزلة القميص، وإذا ثبت في الجبة الإمامة من النبي صلى الله عليه وسلم فلا حجة تدفعها في القميص الواحد الصفيق؛ لأنه ليس تضعيف الثياب يوجب معناها إلا الستر، وإذا ستر الواحد كان بمنزلة الاثنين والثلاثة، والقميص مثل الجبة في المثل والمعنى.
مسألة: عن أبي هريرة قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: «أوكلكم يجد ثوبين» عن أم هاني أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وضع لأمته يعني السلاح وطلب ماء فأوتي بماء في جفنة فيها أثر عجين، فاغتسل ثم (12/156)
صفحة 3147
صلى أربعا أو ركعتين متوشحا بثوب واحد، إبراهيم إن جابر بن عبد الله أم أصحابه في بيته في ثوب واحد، وقد خالف بين طرفيه، وثيابه موضوعة على المشحب لو شاء أن يتناول منها ثوبا فعل، ولا أراه فعل إلا ليري أصحابه، أن لا بأس بالصلاة في ثوب واحد، وعن حماد بن إبراهيم قال: السيف والترس بمنزلة الرداء.
مسألة: وعرفت لو أن رجلا تكفس بثوب ساتر، ولم يشتمل به ولم تبدو منه عورة، فقد أخطأ، ولا نقض عليه، وكذلك المرأة، ولو كانت أيديهما مباشرة أجسادهما، ومن غيره؛ وقد قيل في الرجل أن عليه النقض والمرأة في ذلك أشد، إلا أن يرتدي به كما ترتدي بالجلباب وتبرز يديها من على فخذيها، قال غيره: فإن لم يفعلا وباشر أيديهما فخذيهما أو جسديهما ما سوى الفرجين، فلا بأس على صلاتهما.
مسألة: وعن محمد بن محبوب -رحمه الله- في رجل يصلي في ثوب مشتمل، إنه ليس به بأس أن يرد طرته على رأسه، وإن لم تعنه إلى ذلك ضرورة من حر ولا برد، قال غيره: وقد قيل: لا يفعل ذلك، إلا من حر أو برد، فإن فعل ذلك من غير حر أو برد، فلا فساد عليه في صلاته، وهي تامة.
مسألة: وقال: قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يسدل الرجل في صلاته، قلت: ولو سدله وعليه قميص؟ قال: يكره له ذلك.
مسألة: وعن رجل يتسرى بثوب ليعمل ضيعة، أو عن برد أو يكون في سفر فتحضر الصلاة، أيجوز له أن يصلي وهو متسر، أو يحل ذلك، أو يلتحف بثوب ويصلي؟ فعلى ما وصفت فإن كان صلى كما هو، جاز له ذلك إن شاء الله، إذا غطى صدره ومنكبيه جاز له الصلاة، كما هو متسر، فإن لم يحله والتحف عليه بثوب وصلى، جاز له ذلك، فإن استرخى الثوب الذي التحف به على الذي كان عليه، جاز له أن يرفعه إلى ما كان عليه، ولو لم يظهر من بدنه شيء، وهذا مثل القميص، إذا كان ملتحفا عليه، ثم وقع ثوبه، فله أن يرده إلى ما كان عليه، وكذلك الرجل يلتحف بثوب، ثم يلتحف من فوقه بثوب آخر عن البرد، ويصلي ويسترخي الثوي الأعلى منهما، أيدعه حتى يسقط، أو
يرفعه ويصلي؟ فإن رفعه، هل ينقض ذلك صلاته؟ قال: إن ودعه جاز له، وإن رفعه جاز له إن شاء الله. (12/157)
صفحة 3148
مسألة: من كتاب محمد بن جعفر، ومن صلى وعليه قميص ورداء فسقط رداؤه على الطريق، فيتركه ويمضي على صلاته، إلا أن يخاف عليه أن يذهب به الريح أو غيرها، فيأخذ رداءه، إلا أن يكون قد يبتعد عنه ويخاف عليه، فيأخذه ويستأنف الصلاة، وإن لم يكن عليه إلا إزار ورداء، وسقط رداؤه فيأخذه من الأرض على ما وصفنا، فيرده عليه ويمضي على صلاته، وإن اشتمل بإزاره، ولم يأخذه فلا بأس بذلك.
مسألة: وقيل: يكره جلد الأسد والنمر، أن يلبس ويكسى السروج. (12/158)
صفحة 3149
الباب الخامس والثلاثون
فيمن صلى وفي ثوبه وبدنه دم
ومن جامع أبي محمد -رحمه الله- قال بعض مخالفينا من المتفقهة: إن المصلي إذا صلى بثوب فيه دم كثير، وهو عالم بذلك إن صلاته جائزة، وهو عاص لربه -عز وجل- لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الثوب من الدم للصلاة، وغسل الثوب كذلك تعبدا والدم ليس بنجس عنده، وإن المصلي عنده مطيع للصلاة عاص لتركه أمر النبي صلى الله عليه وسلم في غسل الثوب، وهذا في الخطأ أعظم مما تقدمه، وقالت فرقة منهم أخرى: إذا لم يعلم بالنجاسة حتى صلى جازت صلاته، وإن علم بها قبل أن يصلي فسدت صلاته، واحتجوا بخبر أبي نعامة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بنعليه بعض صلاته فيهما قذر، ثم علم فخلعهما وبنى على صلاته، وهذا قول فيه نظر، والحجة توجب إبطاله؛ لأن الخبر أيضا واه عند أصحاب الحديث، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى في الثوب الطاهر، كما أمر أن يصلي المأمور بالصلاة، وهو طاهر، وليس جهله بنجاسة ثوبه توجب عذره لأداء الفرض الذي عليه، ولو كان جهله بالنجاسة يوجب عذره إذا جهلها، لكان له عذر في النجاسة، إذا كانت في بدنه ولم يعلم بها، فلما اتفق الجميع أن الجاهل بحدثه حتى يقضي صلاته أن عليه إعادتها كان الجاهل بالحدث في ثوبه كذلك، إذا كان المصلي مأمورا بالتطهر للصلاة، وطهارة الثوب لها، لا فرق بينهما، والله أعلم.
وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا قولا يوافق قول من اعتمد على خبر أبي نعامة، وذلك أنه قال: استقبال العذرة للمصلي يفسد صلاته، إذا علم بها قبل (12/159)
صفحة 3150
الصلاة، فإن علم وقد صلى بعض صلاته، صفح بوجهه عنها وبنى على ما صلى، وهذا القول يلحقه عندي النظر ما لحق غيره.
ومن الكتاب، مسألة: قال أبو عبد الله -رحمه الله- في رجل رأى في ثوبه دما دون مقدار الظفر، وهو في الصلاة، فمضى على صلاته حتى أكملها متعمدا إن صلاته فاسدة، وعليه إعادتها، ولو أنه رأى ذلك الدم في ثوبه وهو ناس له، ثم ذكره من بعد أن
قضى صلاته، إن صلاته تامة، قال غيره: ومعي؛ إنه قد قيل: إذا كان مفسدا، وكان كالظفر، وفي صلاته على النسيان اختلاف، والله أعلم.
مسألة: في رجل رأى في ثوبه دما أقل من مقدار الظفر، وهو يصلي فمر على صلاته وأتمها متعمدا، إن عليه الإعادة، ولو أنه رأى ذلك الدم في ثوبه وهو ناس له، ثم ذكره من بعد أن قضى صلاته، إن صلاته تامة، قال غيره: ومعي؛ إنه قد قيل: كان مفسدا إذا، وكان كالظفر، وفي صلاته على النسيان اختلاف.
مسألة: وعن الحسن وقتادة في رجل احتجم، ونسي أن يغسل الحجامة، فتوضأ وصلى، إنه ليس عليه إعادة، قال غيره: وفي قول أصحابنا أن عليه الإعادة.
مسألة: وعن الدم الذي لا ينقض الصلاة حتى يكون كالظفر، قلت ما هو؟ فذلك الدم الذي غير مسفوح من الدماء النجسة، مثل دم القروح القديمة، ودم الشقوق وأشباه ذلك، وكل جرح طري دمه مسفوح، وإنما يكون ذلك إذا كان في الثوب غير مسفوح، وصلى به وهو لا يعلم، ثم علم بعد ذلك، ولم لكن علم قبل ذلك، وإنما ينقض عليه إذا علم أنه كان فيه قبل ذلك، وقد قيل: ولو علم قبل ذلك ثم نسي فصلى، فهو سواء، وأما على العمد فقد قيل: إنه يفسد الصلاة، قلت: فالذي لا يفسد، ولو كان كذلك ما هو؟ فذلك مثل دم السمك واللحم والبعوض وأشباه هذا.
مسألة: وعمن يجد قملة ميتة في ثوبه، ثم يخليها ولا يخرجها، حتى صلى بها من بعد أن رآها في ثوبه، قلت: هل عليه إعادة الصلاة؟ وإن فاتت الصلاة، ما يلزمه؟ فعلى ما وصفت ليس عليه إعادة كانت في ثوبه أو في بدنه، على حسب (12/160)
صفحة 3151
ما حفظنا من قول الشيخ -رحمه الله- وأما على ما وجدنا عن أبي الحواري -رحمه الله- فإن عليه الإعادة، وقولنا الأول، والله أعلم بالصواب.
وقال أبو سعيد -رحمه الله-: من صلى ثم علم أن في ثوبه أو بدنه دما غير مسفوح، فقال من قال: لا تفسد صلاته على حال كان الدم في البدن أو في الثوب فإن كان أقل من ظفر، وقال من قال: لا تفسد صلاته على حال في البدن أو في الثوب، وقال من قال: في الثوب دون البدن، وأشبه أصول أصحابنا أن عليه البدل، ويعجبني أن يكون عليه الإعادة، وتصحيح آثار أصحابنا، وما بنوا عليه أصولهم. (12/161)
صفحة 3152
[صفحة بيضاء] (12/162)
صفحة 3153
الباب السادس والثلاثون
في بدل الصلوات إذا صلى بثوب فيه نجاسة
أو كان بدنه نجسا، وفي تأخير البدل
سألت هاشما عمن يرى على ثوبه قذرا، ولا يدري متى أصابه؟ قال: يعيد صلاة يوم وليلة، قال أبو المؤثر: وقد قيل: إنه يعيد آخر صلاة صلاها في ذلك الثوب، وبه نأخذ. قال أبو المؤثر: قال لي زياد بن الوضاح في رجل رأى في ثوبه دما أقل من ظفر، ثم نسي أن يغسله حتى صلى فيه؛ فقال: قال بعض الفقهاء من أهل خراسان، إن عليه الإعادة، وقال سعيد بن محرز عن هاشم: لا إعادة عليه إذا نسي أن يغسله، وعن رجل صلى وهو لا يعلم أن فيه دما، فلما صلى رأى في ثيابه دما رطبا أو يابسا؟ قال: إن كان رطوبة مقدار ما يمكن أن يكون بعد التحيات فلا شيء عليه، وإن كان يابسا فإن كان مبتدئا فعليه النقض، وإن لم يعرف الدم ما هو، فإن كان إذا اجتمع مقدار ظفر، فعليه النقض، وإن لم يكن مقدار ظفر الإبهام، فقد سمعنا أن موسى بن علي وقف عنه ولم يجعل الجسد مثل الثوب، والذي أقول إنه بمنزلة الثوب.
مسألة: وعن رجل نسي دما كان في بدنه أو في ثوبه، حتى صلى صلاة أو صلوات، ثم ذكر ذلك بعدما فات الوقت فتوانى ولم يبدل تلك الصلوات في الوقت، حتى أراد هو، هل يلزمه شيء؟ قال: معي؛ إنه لا يلزمه إلا البدل، ولا يبين لي عليه غير ذلك، وتعجيل ذلك أحب إليهم، قلت له: فيجوز أن يؤخرهن إذا ذكرهن، ولا يبدلهن في الوقت؟ قال: معي؛ إنه يؤمر بتعجيل ذلك، (12/163)
صفحة 3154
فإن لم يفعل وأخر البدل فبعض يؤثمه إذا أخر ذلك، وهو يقدر على الصلاة في وقت تجوز فيه الصلاة، ولم يكن له عذر، وبعض يقول: إنه مقصر ولا يؤثمه فيما معي إنه قيل في هذا المعنى.
مسألة: -ومن كتاب الأشراف- واختلفوا في الرجل يتطهر بماء نجس لا يعلم به، فكان مالك يقول: يعيد ما دام في الوقت، وعليه أن يعيد إذا ذهب الوقت، وقال الشافعي: يعيد الصلاة وبعد خروج الوقت، وفي قول النعمان: إذا توضأ وصلى بماء فوقعت فيه الدجاجة أو فأرة فتنتفخ أو تتفسخ، ولا يعلم متى وقعت فيه، فإنه يعيد الوضوء، ويعيد الصلاة يوما وليلة، وقال يعقوب ومحمد وضوؤه جائز عنه، وليس عليه إعادة الصلاة، ولا بأس بالعجين الذي خبز بذلك الماء أن يأكله، ولا يغسل ثوبه حتى يعلم أن ذلك كله بعد وقوع الفأرة الميتة في البئر، عسى أن يكون وقع في البئر من بعد أن توضأ به منها، قال أبو بكر: ينظر إلى الماء الذي توضأ به وصلى، فإن كان لم تغير النجاسة له طعما ولا لونا ولا ريحا فالماء طاهر لا يفسد صلاة صلاها، وقد تطهر بذلك الماء، وإن كانت النجاسة غيرت الماء أخذ بأحد ما ذكرناه على إعادة الصلاة بالوقت، وبعد خروج الوقت وغسل كل ما أصابه من ذلك الماء، من ثوب وبدن، وإن كان شك، فلم يدر غيرت الماء أو لم تغيره، فالماء طاهر على حالته.
قال أبو سعيد: قول أبي بكر يخرج في معاني البدل للصلاة، وثبوت النجاسة على معاني قول أصحابنا عندي، وإذا ثبت نجاسة الماء والوضوء به، وهو نجس، فيخرج في قول أصحابنا أن عليه الإعادة إذا علم بذلك في الوقت أو بعد الوقت، ولا يبين لي في ذلك أن
يقع موقع التدين بمعاني ثبوته معاني السنة أن المصلي مصيب في أدائها، أمكن الاختلاف في بدلها بأي وجه صح دخول العلة عليها، وأقرب ذلك أن يكون المصلي مخاطبا بإعادتها عند علمه بذلك في وقتها.
ومن الكتاب؛ واختلفوا في الثوب يصلي فيه المرء ثم يعلم بعد الصلاة بنجاسة فيه؟ فقال: إن عمر وطاووس وعطاء وابن المسيب وسلام بن عبد الله ومجاهد والشعبي والزهري والنخعي ويحي الأنصاري والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور لا إعادة عليه، وفيه قول ثاني أن عليه الإعادة، هذا قول أبي قلابة (12/164)
صفحة 3155
والشافعي وأحمد بن حنبل، واستحب الحكم بن عيينة أن يعيد، وفيه قول ثالث وهو أن يعيد في الوقت، وليس عليه إذا خرج الوقت أن يعيد، وهو قول ربيعة ومالك، قال أبو بكر: لا إعادة عليه استدلالا بحديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه ولم يعد ما مضى من صلاته. قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا صلى في ثوب فيه نجاسة قد يبست نجاستها، أن عليه الإعادة لصلاته، صلى متى ما ذكر، في الوقت أو بعد الوقت، وقد يخرج في بعض معاني قولهم أنه إن علم في الوقت أعاد، وإن لم يعلم حتى فات الوقت لم يعد، ولا يبعد معاني القول الثالث أنه لا إعادة عليه عندي، لأنه قد صلى على السنة، ومنه ما يثبت على النسيان، فلا يجوز ثبوت معاني الإجماع عندي على فساده، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي الخطأ والنسيان» ولثبوت القول عنه قيل: فمن أكل ناسيا وهو صائم أنه لا إعادة عليه، وأنه قال: إن الله أطعمه، وهذا عندي أهون، وإن اختلفوا فيه.
ومن كتاب الأشراف؛ واختلفوا في الصلاة قبل دخول الوقت، فروينا عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري، أنهما أعادا الفجر، لأنهما كانا صلياها قبل الوقت، وبه قال الزهري ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد، وأصحاب الرأي، وقد روينا عن ابن عباس أنه قال في رجل صلى الظهر في سفر قبل أن تزول الشمس؟ قال: تجزئه، وقال الحسن قد مضت صلاته وبنحو ذلك قال الشافعي، وعن مالك فيمن صلى العشاء في السفر قبل غيبوبة الشفق جاهلا أو ساهيا يعيد ما كان في الوقت، فإذا ذهب الوقت قبل أن يعلم أو يذكر فلا إعادة عليه.
قال أبو سعيد: إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا صلى المصلي قبل الوقت شيئا من الصلوات، إنه لا تقع صلاته ولا تثبت إلا لمعنى جمع الصلاتين في سفر أو حضر لعذر، فإنه قد صلى قبل الوقت بغير عذر، ولو كان في غيم أو سفر أو نسيان أو جهل، إن صلاته لا تقع على حال إذا صح معه ذلك، وأن عليه الصلاة في وقتها إذا ذكر في الوقت، وإن علم أو ذكر بعد الوقت، أعاد الصلاة على نحو هذا يخرج عندي ظواهر قولهم، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا فيمن عليه صلاة واحدة لا يعرفها بعينها؟ فقال مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق: يصلي صلاة يوم وليلة، وقال الثوري: يصلي الفجر ثم المغرب ثم يصلي أربعا، (12/165)
صفحة 3156
ينوي إن كان الظهر أو العصر أو العشاء، وقال الأوزاعي: يصلي أربعا تامة، قال أبو سعيد: يخرج في قول أصحابنا إذا كان عليه بدل صلاة لا يعرفها من الصلوات فمعي؛ إنما عليه بدل صلاة وهي التي عليه، فإن بلغ إلى علمها، وإلا لم يكن بدلها من التحري حتى يخرج في الاحتياط مما عليه، ولا يكون ذلك في الاعتبار، إلا أن يكون يصلي الصلوات كلهن، صلاة يوم وليلة، فإذا احتاط يخرج من الريب، ولا أبصر ما قال من إعادة الفجر والمغرب، وصلاة واحدة ينوي بها ما كان من الأربع؛ لأن البدل لا يكون إلا على القصد في بعض قولهم، ولا صلاة العشاء الآخرة يلزمه فيها قراءة القرآن، في معنى الاتفاق من قولهم، وصلاة الظهر والعصر ليس فيهما قراءة القرآن، فيختلف هذا من هذا الوجه عندي، وأما القول المضاف إلى الأوزاعي فلعله يخرج معي ذلك، وذلك أنه إذا صلى الفجر وصلى أربع ركعات، ولم يقرأ فيهن شيئا من القرآن، واعتقد إن كانت صلاة الظهر أو العصر وصلاة المغرب ثلاثة وصلاة العشاء الآخرة بالقراءة، أحسن عندي أن يكون قد احتاط على هذا الوجه، ويعجبني أن يكون ذلك كل صلاة بإقامة، فإن كان بإقامة واحدة لم يبعد ذلك، لأن الأصل كان غير صلاة واحدة بإقامة واحدة، ومنه؛ قال أبو بكر: قال مالك والشافعي في المجنون لا يقضي الصلاة، وقال مالك: يقضي الصوم، وقال الشافعي: لا يقضي، ويقول الشافعي: قال أحمد بن حنبل في الغلام ابن أربع عشرة سنة، يكلف بالصلاة ويعيد ويؤدب على الصلاة، وفي الصوم إذا طاق الصوم، وليس عليه إعادة في قول الشافعي، إذا لم يكن احتلم، وكان سفيان الثوري والشافعي وغير واحد يقولون في السكران أن يقضي الصلاة، لا أحفظ عن غيرهم فذلك اختلافا؛ قال أبو بكر: كذلك نقول، واختلفوا فيما على المرتد ممن قضى ما ترك من صلاته، فكان الأوزاعي يقول: إذا رجع إلى الإسلام، أعاد حجته لما أحبط من عمله، قيل له: فيقضي الصلاة؟ قال: يستأنف العمل وهو مذهب أصحاب الرأي، وقال الشافعي: عليه قضاء كل صلاة تركها في درته.
قال أبو سعيد: أما المجنون، فيخرج فيه القول عندي بمعاني قول أصحابنا بمنزلة المغمى عليه؛ لأنه ذاهب العقل، والمغمى عليه مثله والآخر في ذلك من قبل الله تبارك وتعالى. (12/166)
صفحة 3157
وأما الصبي عندي؛ إنه يخرج فيه معاني الاختلاف في بدل ما ترك من الصوم والصلاة، إذا عقل الصلاة وأطاق الصوم، ويعجبني أن لا إعادة عليه على حال، إذا لم يبلغ الحلم أو يصير بحد البالغين الذين لا يشك فيهم، وأما السكران فلا يبين لي فيه اختلاف، إن عليه الإعادة؛ لأن ذلك من فعله بنفسه، ولأنه آثم ذلك في سكره، ويخرج عندي أن عليه البدل، لما مضى في سكره من صوم أو صلاة، ومعي؛ إنه قيل: إن عليه الكفارة لما ترك من الصلوات في حال سكره، وقيل: عليه البدل ولا كفارة، وقيل: إن شرب في وقت الصلاة فسكر فتركها فعليه الكفارة، وإن شرب في غير وقت الصلاة فسكر فتركها فعليه البدل ولا كفارة عليه، وإن ثبت عليه الكفارة في الصلاة لحقه عندي معنى ذلك في الصوم إن أكل أو جامع أو شرب، ولو كان سكرانا، ويلزمه معنى البدل
لما أصبح من أيامه سكرانا، ولو لم يأكل ولم يشرب، لأنه لم ينعقد له الصوم، ولو لم يكن بحال من لم ينعقد له الصوم ولا العمل، لأنه لو صلى لم تنفعه صلاته، وكان عليه البدل، وأما المجنون في الصوم، فلعله يلحقه معنى الاختلاف فيما أصبح من أيام الصيام فيه، وأصح القول عندي أن عليه البدل، لأن العمل لا يكون إلا بالنية، وأما المرتد فيشبه عندي فيه معنى الاختلاف، وأصح القول عندي في الحكم أن لا بدل عليه؛ لأنه ناقض للجملة، ومطالب بأكثر من ذلك بالرجوع إلى الأصل خارج من أحكام الإسلام؛ ولا ينساغ في قول أصحابنا أن يكون عليه بدل الحج، إذا كان قد حج قبل ارتداده، وإذا ثبت هذا ثبت أن المعاصي من الكبائر تحبط الأعمال، ويلزم البدل، وليس كذلك يخرج في معنى الأصول لما مضى من الأعمال، وإن كانت محبطة وإن لم يثبت في معنى الدين، فلا يقال إن عليه بدلها، ولا العمل بها ثانية.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر؛ ومن كان عليه بدل صلاتين فصلى الآخرة ثم الأولى فلا ينتفع بذلك، ويرجع ويصلي الأولى ثم الثانية.
مسألة: ومن لزمه بدل صلاة، ولم يبدل حتى حضره الموت، فإن أبدل ولو بالتكبير فجائز، وإن مات ولم يبدل، فنرجو أن لا بأس عليه، وليس عليه وصية في ذلك، قال غيره: أما البدل للصلاة، إنه يختلف في الوصية يبدلها ولو كان منه ذلك على التعمد، وأحسب أنه تجزيه التوبة من ذلك دون الوصية بالبدل، لأنه (12/167)
صفحة 3158
قيل: لا يصلي أحد عن أحد في المحيا والممات.
مسألة: وسألته عمن يقص شعره وهو جنب، ثم بقي في ثوبه منه شيء فصلى به؟ قال: يجزه ويغسله ويعيد الصلاة، قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: صلاته تامة، وليس عليه غسل الثوب، ومن غيره قال: نعم، قد قيل ليس عليه غسل ثوبه، وقال من قال: عليه أن يعيد الصلاة، إذا صلى بذلك، ولو غسل الثوب، وفيه الشعر فقد أتى الغسل على الثوب والشعر، قال أبو معاوية -رحمه الله-: يوجد عن أبي عبد الله -رحمه الله- في الرجل يكون عليه بدل صلاة، فيصلي الحاضرة، وهو عالم بأن عليه البدل، قال أبو عبد الله -رحمه الله-: إن جاء يسأل في وقت الحاضرة؟ قلت له: صلى الفائتة ثم الحاضرة، وإن كان إنما جاء يسأل، وقد ذهب وقت الحاضرة؟ قلت له: أعد التي عليك بدلها، وليس عليك أن تبدك الذي صليت وأنت ذاكر للفائتة، ثم الحاضرة، قال غيره: نعم، وقال أبو جعفر: ورفع ذلك إلى بعض الفقهاء، إن رجلا كان عليه بدل صلوات، وهو ذاكر لهن، فلم يبدلهن حتى صلى صلوات أخر؟ قال: إن عليه أن يصلي الأولات والتي صلاهن بعد، وهو ذاكر للفائتات الأول، فالأول ما كان صلى وهو ذاكر للصلوات التي عليه، قال غيره: وقد قيل إذا صلى الحاضرة فقد تمت، وليس عليه إعادتها، لأنه لم يكن مخاطبا بالصلاة في ذلك الوقت بالفائت، وقد كان ينبغي له أن لو صلى في ذلك الوقت فإن أخره لم يكن عليه في ذلك إلا التوبة من التقصير، وقد أتى بالصلاة في
وقتها، وقد جاء الأثر عن أبي علي، أن لو أخر الفائتة شهرا أو أكثر من ذلك، فلا بأس بذلك.
مسألة: ومن غيره، قال أبو سعيد -رحمه الله-: في المصلي إذا كان يسلم في الشفع الأول من الهاجرة والقصر جاهلا لذلك في موضع التمام فقال من قال: صلاته فاسدة، وقال من قال: صلاته تامة؛ لأجل جهله، ويوجد هذا القول عن أبي الحواري -رحمه الله- وهذا في قول من يقول: إن الجاهل يشبه الناسي في معاني الصلاة، وأما على قول من لا يرى ذلك يلزمه النقض، ولا يعذره بالجهل (رجع).
مسألة: ومن انتقضت صلاته مكانه، فأحب أن يبدل الإقامة، قال (12/168)
صفحة 3159
محمد بن المسبح: فإن لم يفعل فلا بأس، وإن انتقضت صلاة قوم فأرادوا البدل في وقتها صلوا جماعة، وإن فات وقتها صلوا فرادى، قال محمد بن المسبح: إلا أن يكون هم الذين انتقضت صلاتهم تلك بعينها أبدلوها جميعا، إلا أن يكون قد نقض واحد ويكون إمامهم قد أبدل صلاته فرادى، فإنما يكون إمامهم في هذا يؤمهم في هذه، كما كان في الأولى المنتقضة، قال غيره: وقيل يبدلوها جماعة على أي حال إن أرادوا ذلك.
مسألة: ومنه؛ ومن لم يجد الماء فترب ثوبا، وصلى فيه، فقال من قال: عليه إعادة تلك الصلاة، وقال من قال: لا إعادة عليه، وقد صلى على السنة، وقال من قال: إن عليه الإعادة إن وجد الماء وثوبا طاهرا في وقت الصلاة.
مسألة: ومن كتاب ابن جعفر؛ وأما من أبدل صلاة العتمة لسبب انتقضت عليه، فإنه يبدل الوتر أيضا إذا كان في وقت العتمة، وإن انقضى ذلك الوقت، فإنما عليه بدل العتمة وحدها، ومن غيره؛ قال غيره: إنه قد قيل: عليه بدل الوتر ما كان ذلك في وقت الوتر قبل الصبح، وقيل عليه بدل الوتر على حال؛ لأن الوتر لا يقع إلا بعد العتمة.
مسألة: وعن رجل أصاب فخذه مذي أو ودي أو مني أو مسحه من قبل، بول أو عرق، مكانه فنسي أن يغسله حتى صلى، هل تنتقض تلك الصلاة حين يذكر؟ قال: إذا ذكر وهو في وقت تلك الصلاة فعليه البدل، وإن انقضى الوقت فلا بدل عليه، قال غيره: يغسله وعليه البدل، وإن انقضى الوقت.
مسألة: وزعم مخلد أن بشيرا سئل عن رجل صلى في ثوب، أصابه بول شاة؟ فقال: إن كان يابسا، فلا يعيد صلاته.
مسألة: ومنه؛ وعن أبي عبد الله -رحمه الله- فيمن صلى وهو حامل بيضا غير مغسول، وهو يابس، إن ذلك لا يفسد صلاته؛ إلا أن يكون فيه فرخ أو كان رطبا، وعندي أنه لا بأس بالفرخ، ولو كان في البيضة، إلا أن يكون ميتا، قال غيره: ويوجد عن الشيخ أبي سعيد -رحمه الله- ومعي؛ إنه قيل: ولو كان الفرخ ميتا؛ لأنه مستتر غير
ظاهر إلى ثياب المصلي، قال محمد بن المسبح: تنتقض صلاته إذا كان بيض الدجاج أو ما يشبهه. (12/169)
صفحة 3160
مسألة: وعن أبي زياد قال: كنت في طريق مكة أتوضأ وأنا جنب، وظننت أنه يجزيني عن التيمم، فسألت سليمان فسكت عني ساعة ثم قال لا ينقض، وقال لي: كان عليك أن تتيمم بعد الوضوء، وقال غيره: يخرج معنى هذا في الجنب، إذا لم يجد الماء، ووجد الوضوء، فعلى نحو ما قال: إن بعضا يلزم النقض إذا لم يتيمم، وبعض لم يلزمه نقضا للصلاة، إذا كان قد توضأ.
مسألة: وقال في الذي يأتي عليه وقت الصلاة، فلا يقدر يصليها من عذر، وهو يعقل حتى يفوت وقتها، إنه لا بدل عليه فيها، والذي يأتي عليه وقتها فلا يعقلها حتى يفوت وقتها؟ قال: عليه بدلها، قال: وقد قال من قال: لا بدل عليه، وقال وكذلك صيام شهر رمضان، إذا أتى عليه، وهو لا يعقل، وقال من قال: عليه بدله، وقال من قال: لا بدل عليه.
مسألة: ومن غيره؛ وقد جاء الاختلاف في الذي تحضره الصلاة وعليه بدل صلاة من نسيان أو سبب من الأسباب، حتى حضر وقت صلاة أخرى، فقال من قال: إنه يصلي الفائتة على كل حال ولو فاتته الحاضرة، ويكون ذلك له عذر حتى يفرغ من الفائتة، ثم يصلي الحاضرة، فإن لم يذكر حتى صلى الفائتة، ثم أعاد الحاضرة، فقال من قال: يصلي الفائتة إذا ذكر ولو فاتته الحاضرة، وإن لم يذكر حتى صلى الحاضرة صلى الفائتة، ولا بدل عليه في الحاضرة، لأنه قد صلاها على السنة، وهو ناس للأخرى؛ لأن الأصل ما بنى عليه صاحب هذا القول الأول، إنه يصلي الفائتة، ولو فاتته الحاضرة لقول الله عز وجل: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) (طه:14)، قال: كان وقت ذكر هذه الصلاة، فقد لزمه القيام بها، وكان الاشتغال بها عذرا عن القيام بالحاضرة، كأنه لزمه فرض أدى ذلك في وقته هذا، فإن لم يذكر حتى يصلي الحاضرة فقد صلاها في وقتها، وقت لم يكن مخاطبا بالفائتة لنسيانه لها، وقال من قال: إنما هذا في صلاة تلي هذه الصلاة الحاضرة، وذلك مثل صلاة الفجر وصلاة الظهر، نسي الفجر حتى حضر وقت الظهر، فإنما هذا في هذا، فإذا كان صلاة العتمة قد نسيها حتى حضر وقت الظهر، فهذا يصلي الظهر ثم العتمة، وقال من قال: القول في الوجهين جميعا واحد، وقال من قال: ولو ذكر في وقت صلاة، كان له أن يصلي الحاضرة، ومتى ما صلى الحاضرة صلى الفائتة، إذا كان وقتها قد انقضى لأنه بمنزلة الدين، وقال من قال: فإذا ذكر بعد أن يدخل في الحاضرة أتم (12/170)
صفحة 3161
الحاضرة ثم صلى الفائتة، وإذا ذكر قبل أن يدخل في الصلاة الحاضرة صلى الفائتة، ثم أعاد الحاضرة، فإذا ذكر بعد أن دخل في الحاضرة، أتم الحاضرة ثم صلى الفائتة، فإذا ذكر قبل أن يدخل في الحاضرة صلى الفائتة، ما لم يخف فوت الحاضرة، وهذا القول هو الأوسط، إنه يصلي الفائتة من أي الصلوات كانت، ما لم يخف فوت
الحاضرة، فإذا خاف فوت الحاضرة بدأ بالحاضرة، وكذلك يصلي الفائتة ما لم يدخل في الحاضرة، فإذا دخل في الحاضرة أتمها ثم صلى الفائتة، من أي الصلوات كانت.
مسألة: وعن رجل صلى في ثوب نجس خمس صلوات أو عشر صلوات، وكان أول ما صلى صلاة الفجر، ثم علم أنه نجس، قلت: كيف يبدلهن أول الصلوات حتى يأتي عليهن، أم حيث بدأ يبدل أجزى عنه؟ فمعي؛ إنه قد قيل: يبدأ أول ما عليه من ذلك ثم ما يليه على الترتيب، ولا يبدل شيئا قبل شيء، قلت: وإن بدأ يبدل من آخر صلاة صلاها في ذلك الثوب فأبدلها، ثم التي تليها حتى أتى إلى الأولى التي صلاها في ذلك الثوب، هل يجزيه ذلك؟ فمعي؛ إنه قد قيل: لا يجزيه ذلك، ولا يحصل له في البدل الأول على حسب ما ذكرت، قلت له: وكذلك إن نسي صلاة حتى فات وقتها، هل يسعها بدلها متى شاء، وتكون مثل الصلاة المنتقضة؟ فمعي؛ إن ذلك مما يختلف فيه إذا فات الوقت.
مسألة: قلت له: وكذلك لو صلى رجل مريض، بثوب جنب قاعد، إن كان قد حد مما صلى خمس تكبيرات، من شدة المرض، أو صلى على دابته أو ماشيا، وهو خائف مطلوب، أو صلى ركعة مواقفة الحرب وهو في حال الحرب، أو صلى صلاة المسايفة في وقت الضراب خمس تكبيرات، ثم بعد ذلك بعد صحته من مرضه، وأمانه من خوفه، وانقضاء الحرب؟ قال: يبدل تلك الصلاة تماما قائما، إلا أن تكون صلاة صلاها في السفر بالقصر، فإنه يبدلها قصرا، وإن كان في موضع التمام.
مسألة: ومن غيره؛ وقد جاء الاختلاف في الذي تحضره الصلاة، وعليه بدل صلاة من نسيان أو سبب من الأسباب، حتى حضر وقت صلاة أخرى؟ فقال من قال: إنه يصلي الفائتة على كل حال، ولو فاتت الحاضرة تقدم القول في ذلك. (12/171)
صفحة 3162
مسألة: وسئل أبو سعيد عن من كان عليه صلاة منتقضة، قد صلى وحده أو في جماعة فوافق الجماعة وقد صلى صلاته الحاضرة، وأراد أن يدخل معهم في صلاة مثلها، يصلي معهم تلك الصلاة المنتقضة، هل يجزيه ذلك إن صلاها معهم ونواها؟ قال: لا أحب له ذلك، إلا أن يكون عند من كان قد صلاها، فدخل عليهم النقض جميعا، فله ذلك ويصلون جماعة للبدل كما صلوها جماعة، قلت له: أرأيت إن كان صلى بهم الصلاة إمام، فلما أراد البدل تقدم بهم غير الإمام ممن كان صلى معهم الصلاة الأولى، فصلى بهم الصلاة المنتقضة، هل يجزيهم ذلك؟ قال: هكذا عندي إذا كانت صلاة واحدة.
مسألة: وعمن صلى صلاة منتقضة، ولم يبدلها حتى مات، هل يموت هالكا وإن كانت هذه الصلاة المنتقضة عليه مثل ما صلى بدم، وهو لا يعلم أو كان فيه شيء من النجاسات، فصلى بها وهو لا يعلم، وإنما صلى وهو يرى أنه نظيف فهذا أرجو أنه غير هالك، فأما إن كان لزمه النقض مثل ما صلى صلاة وهو جنب، فلم يعلم أن عليه الغسل من الجنابة، وجهل ذلك حتى فات الوقت، أو صلى بالتيمم، وهو صحيح يجد الماء، أو قصر الصلاة في موضع التمام، جاهلا للصلاة، أو نحو هذا مما لا يسعه جهله، فهذا
عليه التوبة والاستغفار، مما فعل ويبدل الصلاة، فإن مات مصرا كان هالكا، والله أعلم بالصواب.
مسألة: ومن كتاب ابن جعفر؛ ومن كان عليه بدل صلاة صلاها في سفينة، قاعدا أو مريضا، صلى قاعدا من شدة المرض، أو صلى ماشيا أو على دابته، أو صلى ركعة صلاة الحرب، أو خمس تكبيرات صلاة المسايفة، ثم ذكر من بعد صحته وأمنه، فإن عليه بدل تلك الصلاة تماما قائما، أن تكون صلاة صلاها في السفر بالقصر، فإنه يبدلها قصرا، وإن كان في موضع التمام، وإن ذكر وهو في سفينة، فإن قدر على القيام فليبدلها قائما، فلا بأس أيضا إذا كان في السفينة، وفي نسخة قلت له: فإن كان عليه بدل صلاة صلاها في البر، فلم يصلها حتى صار في السفينة؟ قال: يصلي قاعدا.
مسألة: أحسب عن أبي علي الحسن بن أحمد، ورجل نسي أمس صلاة الظهر، فوجد الإمام يصليها، هل له أن يصليها معه؟ أرأيت إن كان هو الإمام، (12/172)
صفحة 3163
فهل أن يتقدم، ويكون هو يصلي صلاة أمس، والمأمومين اليوم، فجائز أن يصليها بصلاة الإمام، وإما أن يكون هو الإمام لغيره في هذه الصلاة فلا.
مسألة: وفي رجل ذكر صلوات عليه وهو مريض، فإن صلى على حاله رجوت أن يجزيه، وإن أعادها قائما إذا صح فقد استحاط. (12/173)
صفحة 3164
[صفحة بيضاء] (12/174)
صفحة 3165
الباب السابع والثلاثون
في الاستجمار أيضا
مسافر تغوط ولم يجد ماء يستنجي به، فتيمم وصلى، والغائط بحاله لم يستجمر، ولم يعلم أن عليه استجمارا، إذا تغوط وعدم الماء، ما ترى عليه في تلك الصلوات وما يلزمه؟ أقول: إنه قد أساء أدبه، ويستأنف الإصلاح، ولا قضاء عليه فيما سلف، والله أعلم. (12/175)
صفحة 3166
[صفحة بيضاء] (12/176)
صفحة 3167
الباب الثامن والثلاثون
في الذي يجد في صلاته كأن شيئا يخرج من ذكره كيف يفعل
من كتاب أبي جابر؛ وعن أبي عبد الله في رجل يصلي، فوجد شيئا في الإحليل، فلما قضى صلاته ذهب ينظر فلم ير شيئا، فعصره فخرج، قال: ليس عليه بأس، وكذلك رجل خاف أن يكون خرج منه شيء في صلاته، فلما صلى نظر فلم ير شيئا ثم خرج، وهو ينظر إليه من بعد، قال: لا نقض عليه، ومن أحس بذلك في الصلاة فقد قيل: ينظر
وهو في الصلاة أو يضع رأس ذكره على فخذه، ويمس بيده فخذه، فإن وجد رطوبة، وإلا مضى في صلاته.
مسألة: ومن غيره؛ وعمن صلى بقوم، وهو ممن يعنيه التبع فأحس بشيء، وهو في الصلاة، فظن أنه من إبليس -لعنه الله- قد عود يعنيه، ثم يستأخر، فإذا قضى الصلاة نظر، فإذا هو برطوبة، لا يدري متى خرجت منه من بعد ما قضى الصلاة، أو من قبل، فإذا هو قد وجد الحس، وهو في الصلاة، ثم نظر إلى الرطوبة من بعد ما قضى الصلاة، فأحب له أن ينقض الصلاة، وهو ومن خلفه على جهة الاحتياط والاستحسان.
مسألة: ومن غيره؛ وحدثني عبد الرحمن أنه صلى خلفه، يعني خلف محمد بن هاشم، ثم وجد وهو في الصلاة شيئا يخرج من ذكره، فقطع الصلاة وتوضأ، فلما انفتل أبو عبد الله قال: رأي ما صنعت يا عبد الرحمن؟ قال: وجدت -رحمك الله- شيئا كأنه خرج، فلما نظرت فإذا هو لا شيء، فقال أبو عبد الله: أسدد عنك هذا الباب أسدد عنك هذا الباب ثلاث مرات رددها على ما قال، قلت: فإن رأيته فإن ذلك من أمر الشيطان -لعنه الله-، فدعه ينقطع عنك (12/177)
صفحة 3168
فقال: لا تطيب نفسي أراه وأدعه، فقال أبو عبد الله: رطب فخذك وموضعه من الثوب، ودعه فإنه ينقطع، فإن أبي أخبرني أنه عناه شيء من ذلك في شبيبته فسألت سليمان بن عثمان، فقال: دعه فإنه ينقطع، فقال: ولو رأيته؟ قال: ولو رأيته، فإن ذلك من أمر الشيطان -لعنه الله-، قال: ففعلت أنا كما قال فانقطع عني، قال غيره: معي؛ إنه ما لم يرجع إليه، ولو رآه أي ولو كان إذا وجد ذلك فنظر وراءه في حد ذلك، فإذا عاد فوجد ذلك الحس، فليس عليه إن رآه ويمضي على صلاته، حتى يستيقن، ولو كان قبل ذلك لما وجد فنظر وراءه، وأما إذا نظر فرأى ما يفسد الوضوء فقد أفسد وضوءه، ولا يدعه في ذلك الوقت، قال غيره: عرفت إنه إذا كان المصلي يعرض له مثل هذا فينظر مرة يجد، ومرة لا يجد، ثم عرض له مثل ذلك في الصلاة، فلم ينظر فلا شيء عليه، وأحب إليّ إن كان على الأغلب من أموره في ذلك يجده خارجا أن لا يدع النظر، فإن كان الأغلب أن لا يجد فليس عليه حتى يستيقن، وعرفت أنه يستحب للمرء أن يتفقد أحوال وضوئه، وعرفت أنه إذا حس بشيء، أنه يخرج منه وهو يصلي، وكان ذلك في النهار، إنه ينظر أخرج شيء أو لم يخرج، وإن كان في الليل، أمسك على الإحليل من فوق الثوب فمسحه في الفخذ، ثم يلمس فخذه، فإن وجد شيئا وإلا بنى على صلاته، وهذا معنى ما عرفت، فينظر في ذلك، ولا يأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
وسألت أبا الحواري -رحمه الله- عن الرجل يكون في الصلاة فيجد بولا قد خرج منه، أيجوز له أن يصلي بإزاره، ما لم يعلم أن ذلك البول مس إزاره؟ قال: نعم، قلت له: فإن كان ساجدا أو قاعد، فأحس أنه قد خرج منه بول، ولعل إزاره لاصق بسوءته، فلما أن قام وجد البول خارجا يجوز له أن يصلي بإزاره، من غير أن يغسله؟ قال: نعم، ما لم يعلم أن ذلك البول مسه.
مسألة: فإذا توضأت فانضح فرجك، فإن وجدت شيئا فقل هو من الماء، إلا أن تعلم أنه قد خرج منه شيء، فإنه بلغنا أن الشيطان -لعنه الله- يعصر ذكر الرجل ليريه بأنه قد خرج منه شيء، قال: وكان يقال إن كثرة الوضوء من الشيطان -لعنه الله-.
مسألة: إبراهيم عن عبد الله بن مسعود قال: إن الشيطان يجري في الإنسان (12/178)
صفحة 3169
مجرى الدم في العروق، فإذا سجد أحدكم أتاه فينفخ في دبره ليريه أنه قد أحدث، فإذا أحس أحد منكم بشيء من ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يشم ريحا، قال غيره: معنا؛ إن حسب هذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما يشبه معاني الاتفاق من قول أهل العلم من أصحابنا. (12/179)
صفحة 3170
[صفحة بيضاء] (12/180)
صفحة 3171
الباب التاسع والثلاثون
في الحلي وما أشبه ذلك
أنس بن مالك قال: كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فضة.
مسألة: ويكره خاتم الحديد أن يتختم بها الرجل، ويكره الجلجل أن يلبسه صبي أو غيره، أو يعلق على الإبل، أو يجعل على شيء ليسمع صوته.
مسألة: ولا يلبس شيئا من الحديد والصفر، والشبه والرصاص، إلا على باب أو سلاح أو آنية، فلا بأس، وقال هذا أبو عبد الله جائز.
مسألة: وعن جابر بن زيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر في غزوة غزاها بقطع الأجراس، وقد قيل الأوتار، الأجراس وهو الذي يعلق في رقاب الخيل.
مسألة: ويكره الجرس لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس»، وعن أبي هريرة أنه قال صلى الله عليه وسلم: «الجرس مزمار الشيطان لعنه الله»، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتختم الرجل والمرأة بخاتم من حديد، أو صفر، قال: معنى هذا صحيح؛ لأنه من فعل الجاهلية، وهو مكروه لبسه للرجال والنساء من خواتم الحديد والصفر، إلا ما كان ملويا عليه من ذهب أو فضة للنساء فقد أجازوه، ونهي عن نقش الحيوان في الخاتم، ونقش باسم الله في الخاتم، قال: الله أعلم، إن كان معناه نقض الحيوان صورة، فقد نهى عن التصوير، وغير ذلك لا أقول فيه، فأما بسم الله فقد كان الفقهاء فيما رفع إليهم في خواتيمهم، (قل هو الله أحد) وكلاهما سواء، وفي بعض الأخبار أن خاتم النبي صلى الله عليه وسلم مكتوب عليه، محمد رسول الله، فإذا كان على هذا فلا جرم. (12/181)
صفحة 3172
مسألة: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره التختم بالذهب، وعقد التمائم، رجل يصلي وهو لابس خاتم ذهب أتجوز صلاته أم لا؟ الجواب: إن عليه من ذلك التوبة والإصلاح، وإعادة الوضوء والصلاة؛ لأنه قد لبس ما عليه محرم اللباس.
مسألة: وعن خاتم الحديد قال: أكره.
مسألة: -من الزيادة المضافة- وكره أن يجعل على المصحف الذهب والفضة. (انقضت الزيادة المضافة). (12/182)
صفحة 3173
الباب الأربعون
في صلاة الرجال بالحلي
سألت أبا سعيد محمد بن سعيد -رضيه الله- عن الخاتم إذا كان فصها ذهبا أو فيها ذهب، هل يجوز للرجل أن يعلقها، ويصلي بها؟ قال: لا يعجبني ذلك، إذا كان الفص هو كمال الحلية في الخاتم، ما تكون الحلية لا تقوم في مثل تلك الخاتم، إلا بالفص لأنه قد قيل: لا يجوز للرجل الحلي بالذهب، قلت له: فإذا كان الذهب في سائرها، كمثل ما في الثوب من علم الحرير الذي تجوز به الصلاة في قدر ذلك، هل يجوز للرجل أن يصلي بها؟ قال: معي؛ إنه إذا كان ذلك الشيء من الذهب في الخاتم، إنما يريد به القيام بنفسه في إصلاح الحلية، ليس هو بمنزلة الفراء، فيعجبني أن لا يلبسه الرجل يتحلى به؛ لأنه متحل بالذهب على هذا، وإن كان الذهب إنما هو تبع للفضة في النظر، أعجبني أن لا يكون له حكم في الحلية في وجوب الكراهية، قلت له: وإذا كان غراء يعجبك ألا يكون به بأس؟ قال: إذا كان إنما يريد به إصلاح الفضة لا غير ذلك من الزيادة في الحلية، فيعجبني أن لا يكون به بأس.
مسألة: وسألته عن المدية إذا كانت محلاة بالذهب، هل تجوز بها الصلاة؟ قال: معي؛ إنه إذا تحلى بها ولبسها، للحلية في الصلاة، فلا تجوز بها الصلاة على هذا، وإن لبسها وحفظها، ولم يمكنه إلا ذلك، فأرجو أن ذلك يجوز له أن يصلي بها، قلت له: ولكن لك السيف مثل المدية؟ قال: نعم، فيما عندي، وتكره الصلاة في حلي الحديد والصفر والرصاص والشبه والنحاس، ولا يبلغ بهم إلى فساد، ومن غيره؛ قال: وقد قيل: إذا صلى في ذلك، وقد علم كراهية ذلك (12/183)
صفحة 3174
متعمدا، يريد بذلك خلاف قول المسلمين أو استخفافا بذلك فعليه النقض (رجع).
وما كان من ذلك ملوي عليه ذهب أو فضة للنساء فلا بأس، ومن غيره؛ وعندي إنه ما كان ملوي عليه فضة، فلا بأس بالصلاة به للرجال.
مسألة: ومن صلى من الرجال بخاتم ذهب، أو غيره من حلي الذهب فعليه نقض صلاته، وسل عن ذلك، إلا أن يكون حاملا ذلك حمل ولم يكن له لابسا، وكذلك كل
شيء مما لا بأس به حمله المصلي في ثوبه مما لا بأس به فيه، صلى به فلا بأس به، إذا لم يكن يشغله ولا يحرزه عن صلاته.
مسألة: -من منثورة الشيخ أبي محمد- قلت: فيجوز للرجل أن يصلي وفي أذنيه قرطا ذهبا؟ قال: نعم، قلت: فإن كان في يده دملوج ذهب؟ قال: جائز، قلت: وكذلك لو كان في ساقه خلخال ذهب؟ قال: نعم، قلت: وكذلك لو كان في حلقه حلي ذهب؟ قال: نعم، قلت: وكذلك لو كان في ثوبه حلي ذهب حامله، وهو يصلي لم تفسد عليه صلاته؟ قال: لا. قلت: وكيف جاز أن يصلي بهذا، ولم يجز له أن يصلي وفي يده خاتم ذهب؟ قال: لأن الخاتم حليته، وهذا ليس من حليته. (12/184)
صفحة 3175
الباب الحادي والأربعون
الصلاة في خاتم الحديد أو صفر أو نحاس أو غيره من الحلي
وسألته عمن يصلي وفي يده خاتم شبه أو خاتم حديد، أو خاتم صفر أو خاتم رصاص، فيصلي فيه، هل تفسد صلاته؟ قال: مكروه، ولا يبلغ به إلى نقض صلاته، قلت: فإن صره في ثوبه وصلى؟ قال: لا بأس.
مسألة: وعن رجل صلى وعليه حلي حديد أو صفر أو شبه، هل تنتقض صلاته؟ قال: عسى بعض يقول إنه إذا عرف بكراهية المسلمين، وأراد مخالفتهم في ذلك لم يسعه ذلك، قال: هو وعسى، بعض يكره له ذلك، قلت: وكذلك حلي الرصاص، هل عندك مثل الصفر والشبه؟ قال: هكذا معي.
مسألة: وسألته عن رجل صلى بشيء من الذهب أو الفضة أو الحديد متحليا بذلك، هل ترى صلاته تامة؟ قال: أما الحلية؛ إذا كانت حليته مما يتحلى به الرجال فصلاته تامة، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وأما الذهب فعندي إذا كان من غير ضرورة ففي قول أصحابنا إنه يفسد عليه، إذا كان متحليا به من غير ضرورة، وأما الحديد فمعي؛ إنه مكروه، ومعي؛ إنه لا يفسد عليه، قلت: فهل يلحق الذهب اختلاف في قول أصحابنا؟ قال: لا يبين لي ذلك، قلت له: فالصفر والرصاص، أهو مثل الحديد؟ قال: هكذا عندي، قلت له: فالرجل إذا صلى بشيء من الفضة ما تتحلى به النساء، من غير ضرورة، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي؛ إنه إذا تشبه بالنساء بالحلي من غير ضرورة ولا معنى، فهو آثم بذلك، ويعجبني أن تفسد صلاته؛ لأن ذلك محجور عليه، وأحسب أنه قيل: هو آثم ولا تفسد صلاته، والأول أحبّ إليّ أن تنتقض صلاته، إذا ثبت أن صلاته (12/185)
صفحة 3176
بحلي الذهب فلأجل الحجر فسد ذلك، وهذا عندي عليه محجور، كما حجر عليه حلي الذهب، إذا لم يكن من ضرورة، قلت: فإن صلى بخاتم ذهب متعمدا من غير ضرورة، أيكون القول فيه والاختلاف، مثل القول في الفضة، إذا صلى بما يتحلى به
النساء منها؟ قال: نعم، هكذا عندي، قلت له: فهل يكون لبس حلي الذهب مما يتحلى به الرجل، مثل لبس الحرير من القول والاختلاف؟ قال: إنه مثل حلي الفضة.
مسألة: -من الزيادة المضافة من منثورة الشيخ أبي محمد- قلت: فمن صلى بخاتم فضة مخلوط فيه ذهب؟ قال: الحكم للأغلب، قال الشيخ أبو محمد، إلا أنه إذا كان فيه شيء من الذهب، ما إذا اجتمع مثل الظفر أو مثل الدرهم لم يجز أن يصلي فيها.
وسألته عن المصلي من الرجال يصلي وفي يده خاتم فضة وفصها ذهب؟ قال: لا تجوز له الصلاة وهو في يده.
مسألة: -من كتاب الأشياخ- وقيل: يكره أن ينقش في الخاتم آية من القرآن لمكان الخلا والجنابة. (انقضت الزيادة المضافة). (12/186)
صفحة 3177
الباب الثاني والأربعون
فيمن نسي صلاة أو صلى صلاة غير تامة
وعن أبي عبد الله، وسألته: عن رجل فسدت صلاته عليه، وعلم بذلك في وقت صلاته، فلم يبدل حتى فات وقتها؟ قال: أراه غير معذور، عليه كفارة التغليظ.
مسألة: وفي رجل ترك الاستنجاء في الوضوء، ولا يستنجي يزعم أنه من السنة، وإن لم يستنج فلا أبالي فما حاله في ذلك، أتجوز صلاته أم لا؟ قال نصر بن سليمان: لا صلاة له بغير استنجاء. (12/187)
صفحة 3178
[صفحة بيضاء] (12/188)
صفحة 3179
الباب الثالث والأربعون
فيمن عليه بدل صلوات بنسيان أو نقض
أو غير ذلك كيف يفعل
وسألته عمن نسي صلاة، أو كانت عليه صلاة من بدل ثوب كان أصاب فيه نجاسة، فأراد أن يبدل، وحضر وقت الصلاة، بأيهما يبدأ؟ قال: إن أمكنه أن يصلي الصلاة الفائتة فليبدلها، وإن قام المقيم، فليدخل في الصلاة ويصلي، فإذا قضى صلاته، فليصل الصلاة الفائتة، قلت: فإن كان وحده فيما يبدأ؟ قال: بالصلاة الفائتة، إلا أن يخاف الفوت فليصل صلاته، قلت: فإن صلى الصلاة التي حضرت عمدا وهو يمكنه أن يبدل الفائتة هل عليه نقض؟ قال: لا، إلا أن تكون الصلاة الفائتة تلي صلاته، فإن علم وأثنى قبل أن يفوت الوقت أبدل الصلاة الأولى، فإن فات الوقت فلا بدل عليه.
مسألة: من الزيادة المضافة؛ وقد قيل: من لزمه البدل في صلاة الفريضة والسنن، فقال قوم: ليس عليه إلا بدل الفريضة، وقيل: عليه بدل ركعتي الفجر وركعتي المغرب، وليس عليه سوى ذلك.
مسألة: من كتاب الرهائن؛ وعمن تفوت صلاته، وأراد أن يبدلها فليبدل الفريضة مع السنة، أم الفريضة وحدها؟ قال: يبدل الفريضة، ولا بدل عليه في سنن النوافل، وإن كان سنة واجبة أبدلها كما يبدل الفرائض والنوافل، والسنن فيها اختلاف في البدل. انقضت الزيادة المضافة. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: وقيل: من كان يسبح في الماء وفي نسخة في الغرق، ونسي أن يكبر (12/189)
صفحة 3180
-وفي نسخة- أو جهل، فعليه البدل، ولا كفارة عليه، وأما المريض الذي قد صار في حد التكبير، وجهل أن يكبر، فأرجو أن لا تلزمه كفارة ويبدل.
مسألة: ومنه؛ وقيل: في رجل مر على بئر، وقد حضر وقت الصلاة؛ أو لم يحضر، وقد علم أن الماء قدامه، أو لم يعلم، وترك الوضوء ومضى، وتيمم وصلى، فلا كفارة عليه -وفي نسخة- قلت: فعليه البدل؟ قال: لا.
مسألة: وعن أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي -حفظه الله- فيما أحسب، وما تقول في صبي بلغ، ولم يكن يعرف ما يلزمه من الصلاة، غير أنه يرى الناس يصلون، ويقولون الصلاة لازمة، ثم رأى أن الصلاة لازمة له، وضيعها قدر أربع سنين أو أقل أو أكثر، ثم ندم وتاب وصلى قدر خمسين سنة أو أقل أو أكثر، ولم يبدل ما ضيع من الصلاة، أتكون هذه الصلاة تامة أو منتقضة، ويلزمه بدلها؟ فيعجبنا قول من أثبت له ما صلى وبدل ما ضيع من الفرائض، وركعتين قبل الفجر وركعتين بعد المغرب، وقلت له: هل توجد له رخصة في بعض أقاويل المسلمين، أن لا بدل عليه فيما ضيع، أو في هذه الصلاة التي صلاها بعد التضييع؟ فأما الذي ضيعه فنأخذ بقول من ألزمه البدل، وقد توجد له الرخصة، والقول الأول أحب إلينا، وكذلك لم توجد له رخصة، ولزمه البدل كيف يصنع وهذا قد سافر ولزمه القصر، ولم يعرف قدر ما لزمه في حال التمام، ولا في حال القصر، وأراد البدل، أيبدل تماما أم قصرا أو يصلي بقدر التمام تماما، وبقدر القصر قصرا، ويكون تقديرا، أم كيف يصنع؟ فهذا مما يجري فيه الاختلاف، وإن تواصل التحري فهو أولى، فإن صلى تماما على اعتقاده إن كان يلزمه من هذه الصلاة ركعتان فقد أداهما، فأرجو أن يجزيه إن شاء الله.
مسألة: ومن جامع أبي محمد -رحمه الله- وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأخبار، أنه قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» فذلك وقتها ولا كفارة عليه غير ذلك، وفي هذا الخبر دليل على أن الكفارة تجب على غير الناسي والنائم والله أعلم.
-ومن الكتاب-؛ ومن ذكر صلاة عليه لم يكن صلاها حتى فات وقتها، (12/190)
صفحة 3181
لم يجز له أن يصلي غيرها حتى يصليها، إلا صلاة هو في آخر وقتها، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا صلاة لمن عليه صلاة» وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فاتته أربع صلوات يوم الخندق فصلاهن على الترتيب، وفعله ذلك بيان له عن قوله: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا وقع على جهة البيان، فهو على الوجوب، الدليل على ذلك فعله لا عدد الركعات، وكذلك فعله لمناسك الحج، إذا كان بيانا عن جملة قوله: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) (آل عمران:97)، وكذلك سبيل ما يقع من أفعاله بيانا عن جملة مذكورة في الكتاب، وهو على الوجوب، إلا أن يقوم دليل، فإن قال قائل: لو كان الترتيب واجبا ما أسقطه البيان، قيل له: النبي صلى الله عليه وسلم جعل وقتها الذكر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فليصلها إذا ذكرها» فإذا عدم الذكر لم يحصل وقت لها، فلذلك لم يجب اعتبار وجوب الترتيب عند النسيان حسب اعتبارها عند الذكر، فإن قال: فيجب اعتبار الترتيب، إذا كان أكثر من يوم وليلة، قيل له: إذا زاد على يوم وليلة سقط الترتيب، لأن الترتيب يقع فيه، ثم ينتقل الترتيب إلى يوم ثان لقوله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة» ففصل الله بين كل يوم وليلة، وما يأتي بعده بهذا، والله أعلم.
-ومن الكتاب-؛ ومن تعمد لترك صلاة حتى فات وقتها، فعليه قضاؤها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» فإن قال قائل ممن يخالفنا إن المتعمد عاص، ولا إعادة عليه لخروج الوقت الذي أمر أن يوقع الصلاة فيه، وإنما أمرنا بإعادة الصلاة إذا كان نائما أو ناسيا، قيل له: النسيان في اللغة على وجهين؛ أحدهما ذهاب الحفظ، والآخر الترك، قال الله جل ذكره: (نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ) (التوبة:67)، أي تركوا أمر الله فتركهم من رحمته وثوابه، والله أعلم. وكذلك قوله عز وجل: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) (طه:115)، يدل على ذلك، واللوم لا يلوم إلا المتعمد للترك، ومن ذهب عنه الحفظ، فلم يذكر لا يقال لم يحفظ، فلما كانت الصلاة مفترضة عليه واجبة بأمر الله تعالى لم يسقط عنه النسيان، لإيجاب النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، والناسي التارك للعمد، وذهاب الحفظ يجب على استحقاقه اسم التارك.
ومن ارتد عن الإسلام، لم يجب عليه إعادة ما كان ضيع من الصلاة في حال ارتداده بلا خلاف من أحد. (12/191)
صفحة 3182
-ومن الكتاب-؛ ومن نسي صلاة لا يعرفها، صلى صلاة يوم وليلة، فإن قال قائل ممن يخالفنا في ذلك: لِمَ أوجبتم خمس صلوات، وإنما عليه صلاة واحدة، وما أنكرتم أن لا يجب عليه ما ذكرتم حتى يعرف أي صلاة عليه؟ قيل له: إن الذمة إذا لزمها فرض عمل، لم يزل الفرض إلا بأدائه، وفي أمرنا بخمس صلوات أمرا منا له بإبراء ذمته مما لا يخلص إلا بفعله، ومتى ما أمرنا بغير ذلك لم يمكنا أن نقول له: قد برأت ذمتك، ولو قلنا له لا تصل حتى تعلم ما ضيعت، كنا قد أمرناه أن لا يصلي لجواز عدم ذكرها حتى يموت، ويبقى الفرض عليه، وإن ذكر وهو يصلي قطع صلاته إذا كان الوقت ممدود
للصلاة، وصلى الأولى، ثم صلى هذه التي فيها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فليصلها إذا ذكرها» وفي خبر آخر؛ أنه قال صلى الله عليه أزكى الصلاة والسلام: «فذلك وقتها» ولم يخص وقتا من وقت، ولا مصلي من غير مصلي.
وقال بعض أصحابنا: يقطع التي هو في وقتها ثم يصلي التي نسيها، فإذا فرغ من صلاة المنسية ابتدأ التي قطعها؛ لأن الصلاة الواحدة لا تؤدى مفترقة، والذي يقول من مخالفينا بأنه يبني على ما كان صلى في الأول، بعد أن قطعها محتاج إلى دليل.
-ومن الكتاب- وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سار ومعه أصحابه في بعض غزواته، فرقد وذهب بهم النوم حتى طلعت الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم كنتم أمواتا فرد الله إليكم أرواحكم فمن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» واتفق الناس أن العاقل البالغ، إذا زال عقله بنوم أو سكر حتى يخرج وقت الصلاة، أن عليه الإعادة، والنائم والناسي يقضيان بالسنة، والسكران باتفاق الأمة، والله أعلم.
-ومن كتاب محمد بن جعفر- ومن نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها؛ لأن الله عز وجل يقول: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) وعن أبي قتادة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: توسد كل منا ذراع راحلته ونمنا في مسير النبي صلى الله عليه وسلم فما استيقظنا حتى أشرقت الشمس، فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلكنا وفاتتنا الصلاة، قال: «فلم تهلكوا ولم تفتكم الصلاة وإنما تفوت اليقظان ولا تفوت النائم» وقيل: أمر مناديه فنادى وصلى صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنهم صلوا جماعة. (12/192)
صفحة 3183
مسألة: ومنه؛ ومن كان في صلاة العصر ثم ذكر أنه لم يصل الظهر، فليترك العصر ويصلي الظهر، ثم يصلي العصر، إلا أن يخاف فوت هذه الحاضرة، فليصلها ثم يصلي التي كانت عليه، وليس عليه رد هذه، وقال من قال: إذا ذكر الأولى بعد أن دخل في صلاته هذه فليتمها، ثم يصلي الآخرة، والرأي الأول أكثر عندنا قول ابن المسبح، وقال غيره: والقول الآخر أصح عندي، إذا فات لقول الله تعالى: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد:33).
مسألة: وسألته عن رجل نسي صلاة حتى فات وقتها، هل يسعه أن لا يصليها ويصلي ما يستقبل؟ قال: معي؛ إن بعضا لا يوسع له ذلك، وأحسب أن بعضا يرى له ذلك، ولا يعجبني ترك ذلك الأمر إلا من عذر.
قلت له: وكذلك الناعس والمغمى عليه أهو مثل الناسي في مثل هذا؟ قال: الناعس عندي كالناسي فيما معي، إنه قيل: وأما المغمى عليه فقد قيل: كالناعس، قيل: ولا شيء عليه؛ لأنه كان ذاهب العقل غير متعمد، والناعس والناسي متعبدان في حين ذلك.
مسألة: أحسب أنها -من كتاب ابن جعفر- ومن ترك صلوات كثيرة متعمدا؟ فقال من قال من الفقهاء: يجزيه لكل ذلك كفارة واحدة، وقال آخرون: لكل صلاة كفارة، ومن أخذ بالرخصة وسعه ذلك إن شاء الله.
مسألة: ومنه؛ فيما عندي، ومن سكر من الشراب حتى ذهبته صلوات، فلا عذر له وعليه الكفارة، على ما وصفت لك من الاختلاف، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: من شرب في وقت الصلاة حتى سكر وذهبته الصلاة، فعليه الكفارة، وإن شرب قبل وقتها فسكر فذهبته الصلاة، فلا كفارة عليه، ويستغفر ربه، ويصنع معروفا. (رجع).
مسألة: ومن تشاغل بشيء عن الصلاة، حتى يفوت وقتها لزمته الكفارة، وأما الناسي فلا كفارة عليه، وقال بعض الفقهاء: ومن تشاغل في الوضوء أو نقض الصلاة، حتى فات وقتها، فلا كفارة عليه، ومن غيره؛ قال: وقيل عليه الكفارة.
مسألة: وقال أيضا: إن حد الظهر داخل في حد العصر، فمن فرط في صلاة (12/193)
صفحة 3184
الظهر حتى دخل وقت العصر، ثم صلى فلا كفارة عليه، وكذلك من فرط في صلاة المغرب حتى دخل وقت صلاة العشاء الآخرة، فلا كفارة عليه، وقول من قال: لعله بالكفارة أكثر، وبه نأخذ.
مسألة: ومنه؛ وقال من قال: فيمن ضرب غلامه حتى أغماه فذهبته صلاة، إنه يلزم مولاه كفارة لتلك الصلاة، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: قد أساء ويستغفر ربه، ولا كفارة عليه ويرضي العبد بشيء، ومنه؛ وقال أيضا: في امرأة وطئها زوجها وقت صلاة الظهر، ثم قامت تريد الغسل وقد بقي من وقت الظهر، فدخلت إلى بعض جيرانها تريد مطهرة (فلج من منزلهم) فوجدتها مشغولة، ثم كذلك أخرى، فرجعت إلى منزلها تريد أن تغسل فيه، ثم أذن بصلاة العصر من قبل أن تغتسل؟ فقال أبو عبد الله -رحمه الله- لا بأس عليها، إذا كانت في طلب الماء.
مسألة: ومنه؛ ومن ارتد عن الإسلام، وترك الصلاة ثم تاب فلا بدل عليه ولا كفارة.
مسألة: وقد قيل: ينقض وضوؤه، وعن أبي عبد الله -رحمه الله- أيضا قال: ومن ترك الصلاة متعمدا متأولا، إنها ليست عليه، فليس عليه كفارة إذا تاب.
مسألة: ومنه؛ مسافر حضرته الصلاة، وهو على بئر فتركها وتقدم في رجاء غيرها، ثم لم يكن بد من الصلاة، فتيمم وصلى؟ فبئس ما صنع، وقد ضيع، وأحب أن يبدل تلك الصلاة، وأرجو أن لا يكون عليه كفارة. (12/194)
صفحة 3185
الباب الرابع والأربعون
فيمن يدخله الرياء والإعجاب في الصلاة
وفيمن يصلي وعنده أنها فاسدة
ومما يوجد عن أبي الحسن، في الرجل يقول إلى الصلاة للفريضة، فلما دخل في الصلاة خالطه الرياء والإعجاب في صلاته حتى قضاها؟ فقال: هذا يتوب من ريائه وعجبه،
وصلاته تامة ولا إعادة عليه، وإن كان إنما دخل في صلاته، على أنه إنما يصليها رياء ونفاقا وعجبا، ولا يتعمدها بنيته لأداء الفريضة، ولا أحرم على ذلك، فهذا عليه التوبة والاستغفار والبدل، بدل الصلاة والكفارة، وإن كان قد فات وقتها ولم يصلها، وإنما قام على غير نية صلاة الفريضة، وإنما قام يصليها للناس، ولم يصلها للفرض.
مسألة: وسئل سعيد بن محرز، عن رجل توضأ للصلاة، ثم أحدث حدثا بعد وضوئه، ثم رجع فتوضأ، فلما حضرت الصلاة ذكر وضوءه الأول، والحدث الذي نقضه، ونسي وضوءه الآخر، فصلى متعمدا وهو يرى أن وضوءه فاسد، قال: إن ذكر وهو في صلاته، فأرجو أن يصلح، قلت: فإن كان أولها؟ قال: آخرها يصلح أولها. (12/195)
صفحة 3186
[صفحة بيضاء] (12/196)
صفحة 3187
الباب الخامس والأربعون
فيمن يتوانى عن الصلاة حتى يفوت وقتها
بنوم أو تشاغل أو وسوسة أو ما أشبه ذلك
وعن رجل أصابته الجنابة في الليل، ثم نام حتى طلعت الحمرة من الشمس، فقام يريد الغسل، فلم يجد الماء قريبا، ولم يجد أيضا ثوبا، فغسل ثم قعد حتى يبس بدنه، ثم صلى في أحد الثوبين، وفيه الجنابة بعد أن فات الوقت؟ قال: استحب له أن يبدل صلاته في ثوب نظيف، لأنه غسل ثم قعد حتى فات الوقت، وكان ينبغي له إذا فات الوقت أن يغسل أحد الثوبين، ويصلي فيه إذا لم يجد ثوبا، وكان في حد الضرورة.
مسألة: -ومن حديث أبي سفيان- قال: جاءت امرأة إلى والدي قالت: إني كنت أطين حائطا لي، فاشتغلت به عن الصلاة حتى نودي بالظهر، فما زلت على عملي حتى نودي بالعصر، وكنت أرى أن أفرغ من غسلي قبل العصر، فلم أفرغ منه حتى نودي بالعصر، قال: فسأل لها الربيع، قال: تعتق رقبة، قلت: فإنها لا تجد، قال: فتصوم شهرين متتابعين، قلت له: فإنها قد فعلت مثل فعلتها هذه مرة أخرى، قال: فلتصم شهرين وشهرين، قال أبو سفيان: أما من نسي فليس عليه كفارة، ولكن يستغفر الله ولا يعود، قال: ومن نام بعدما يدخل وقت الصلاة، فلم يستيقظ حتى يذهب وقتها؟ قال: عليه الكفارة، وعن أبي علي الحسن بن أحمد -رحمه الله- أكثر ما عرفنا لا كفارة عليه إذا ذهب به النوم؛ إلا أن يكون نيته أنه تارك للصلاة، وأنه لا يقوم يصلي، فيذهب به النوم حتى يفوت وقت الصلاة، إن عليه الكفارة، والله أعلم. ومن غيره؛ ومن نام قبل دخول (12/197)
صفحة 3188
الصلاة ولم يستيقظ حتى يذهب وقتها، فليس عليه كفارة.
مسألة: وعن رجل كان في عمله، أو امرأة كانت تطحن وقد حضر الفجر وطلع، ولا يذهب يتوضأ حتى أسفر، ثم ذهب إلى الماء، وقد قصر وكان في الوضوء، وشرقت
الشمس، قلت: ما يلزم من فعل هذا؟ فإذا كان يرجو أنه يفرغ من ذلك الذي هو فيه وتوانى عن الصلاة في وقتها فهذا مفرط، وقد قيل في ذلك بالكفارة، وقيل: لا كفارة عليه، وقيل: يصنع معروفا، صيام عشرة أيام، أو إطعام عشرة مساكين، وهذا أحسن إن شاء الله.
مسألة: وقال أبو سفيان: سمعت المعتمر بن عمارة، وكان من خيار ما أدركته من المسلمين يقول: ما لقي الله أحد ممن يقر بالإسلام بذنب أعظم من تارك الصلاة عمدا. (12/198)
صفحة 3189
الباب السادس والأربعون
فيمن نسي صلاة أو تركها أو نام عنها
-من كتاب الأشراف- قال أبو بكر: واختلفوا فيمن نسي صلاة فذكرها في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها؟ فقالت طائفة: لا تقضى الفوائت في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، روي ذلك عن أبي بكر أنه في ذات ليلة استيقظ عند غروب الشمس، فانتظر حتى غابت الشمس فصلى، وعن كعب، أحسبه ابن عجرة أن ابنا له نام عن الفجر حتى طلع قرن من الشمس، فأجلسه، وقالت طائفة: من نام عن الصلاة أو نسيها صلى متى استيقظ أو ذكر، روي ذلك عن علي، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وأحد من الصحابة، وبه قال أبو العالية، والنخعي والشعبي والحكم وحماد، ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال آخرون: إذا نسي الصلاة فذكرها حين طلعت الشمس، أو حين انتصف النهار، أو ذكرها حين تغرب الشمس؟ قال: لا يصليها في هذه الساعات الثلاث، والوتر كذلك، ما خلا العصر، فإنه إذا ذكر العصر من يومه ذلك قبل غروب الشمس صلاها، وإن كان عصرا فصلى إن فاتت بنوم، في الثلاث لم يصلها في تلك الساعات، وكذلك سجدة التلاوة والوتر، والصلاة على الجنازة، فلا يصح قضاء شيء من هذه الساعات الثلاث، قال أبو بكر: بما يروى عن علي أقول: قال أبو سعيد -رحمه الله- إنه قد مضى في نحو هذا ما يستدل به على معنى ذكره ومعي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا، إنه لا تجوز الصلاة الفائتة، ولا تفسد، ولا بدل إذا طلع من الشمس قرن، حتى يستوي طلوعها، وكذلك إذا غرب منها قرن حتى (12/199)
صفحة 3190
يستوي غروبها، وإذا صارت في كبد السماء في الحر حتى تزول، إلا أنه رخص من رخص منهم في يوم الجمعة، ولا أبصر في ذلك فرقا، وأما سجدة التلاوة في هذه الأوقات، فأحسب أنها تخرج في معاني قولهم اختلاف في ذلك، فإذا ثبت أنها داخلة في الصلاة، أعجبني أن يلحق ملحقها في هذه الأوقات، وأما بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وبعد طلوع الشمس حتى تطلع، فإنما يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لا يجوز في هذا الوقت الصلاة التطوع، وما خرج من الصلاة مخرج النفل، وأما بدل
اللوازم من الفوائت والفواسد، والصلاة على الجنازة وما أشبهها من السنن المؤكدة، فلا أعلم منهم كراهية لذلك.
-ومن الكتاب- واختلفوا في الرجل نسي الصلاة فيذكرها، وقد حضرت صلاة أخرى، فقالت طائفة: يبدأ بالتي نسي، هذا قول سعيد بن المسيب والحسن البصري والأوزاعي وسفيان الثوري والشافعي، وأحمد وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقالت طائفة: يبدأ بالتي ذكرها فليصله، وإن فاتته هذه كانت كذلك، قال عطاء والزهري ومالك والليث بن سعيد: وقال: ليبدأ بما بدأ الله به، فإن كن خمس صلوات بدأ بأيهن شاء، وإن خرجت من وقتها ثم صلاها بعد، وإن كان أكثر من ذلك صلاها لوقتها ثم قضاها بعد، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أحسب هذا من الاختلاف، وأحسب إن كان من قولهم: إنه إذا انقضى وقت الفائتة، فإن شاء بدأ بها، وإن شاء بالحاضرة؛ لأن قولهم وقت تلك الصلاة قد فات فصارت بدلا، ومن بعض قولهم: إنه يبدأ بالفائتة، إذا كان إنما هي على أثر هذه الحاضرة، وإن كان بينهما صلاة أخرى بأيهما بدأ، ومن بعض قولهم: إنه لا فرق في ذلك، ويبدأ بالفائتة ما لم يخف فوت الحاضرة، فإن خاف فوت الحاضرة بدأ بالحاضرة، ثم صلى الفائتة، وهكذا يعجبني من غير أن يخاطر بصلاته الحاضرة، فيعجبني أن يبدأ بالفائتة على الترتيب، ويصلي الحاضرة، فإن صلى الحاضرة على حال، فذلك وقتها وتلك إنما هي بدل.
-ومن الكتاب- قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل يكون في الصلاة، فيذكر أن عليه صلاة قبلها؟ فقالت طائفة: تفسد عليه صلاته التي هو فيها، وأن يصلي الصلاة التي كانت عليه قبلها، كذلك قال النخعي والزهري وربيعة الأنصاري، وقالت طائفة: يصلي الصلاة التي دخل فيها، ثم يقضي الفائتة، وليس عليه غير (12/200)
صفحة 3191
ذلك، هذا قول طاووس والحسن والشافعي وأبي ثور، وقالت طائفة: إن ذكرها قبل أن يتشهد ويجلس ترك هذه وعاد إلى تلك، فإن ذكرها بعد ذلك اعتد بهذه وعاد إلى تلك، وقال ابن عمر: من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وراء الإمام، فإذا سلّم الإمام فليصل الصلاة التي نسي، ثم يصلي بعد الصلاة الأخرى، وبه قال الليث بن سعيد وإسحاق وأحمد، وقال أحمد في رجل ترك صلاة متعمدا، أو فرط فيها في نسيانه، فأراد أن يقضي؟ قال: يقضيها ما بعدها، وهو لها ذاكر، وإن كان كذا وكذا سنة، وقال أصحاب الرأي: إذا دخل في صلاة أو لم يذكر، فذكر صلاة فائتة، وإن كان قد فاتته صلاة واحدة إلى خمس صلوات، فعليه أن يبدأ بالفوائت، وإن هو صلى صلاة في وقتها وهو ذاكر للفوائت فصلاته فاسدة، إلا أن يذكر في آخر وقت صلاة إن هو بدأ بالفائتة فاته وقت هذه فإنه يبدأ بهذه التي كان يخاف فوتها، ثم يصلي الفوائت، وإن كانت فوائت شتى صلاها فصاعدا في وقت الصلاة، وقد دخل وقتها أو لم يدخل، يبدأ بالتي دخل وقتها قبل
الفوائت، ثم قضى الفوائت جازت صلاته كلها، قال أبو بكر: ليس بين شيء مما فرقوا فيه فرق.
وقال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج فيما جرى ذكره على حسب ما يواطن قول أصحابنا في الاختلاف في هذا الفصل؛ لأنه يخرج عندي في معاني قولهم؛ إنه إذا ذكر الفائتة من بعد أن يدخل في الحاضرة، لم يكن عليه أن يخرج من صلاته التي دخل فيها، ومضى على صلاته، فإذا أتمها صلى الفائتة، ومن بعض قولهم: إنه ما لم يتم الحاضرة، ولو بقي عليه ما لم تتم إلا به، ثم ذكر الفائتة تركها وبدأ بالفائتة، ثم استقبل الحاضرة، ولعله في بعض قولهم: ولو خاف الفوت. ومعي؛ إنه في بعض ما قيل: إنه ولو أتم صلاته الحاضرة، وذكر الفائتة في وقت الحاضرة، كان عليه أن يصلي الفائتة، ثم يصلي الحاضرة، وأما إذا لم يذكر الفائتة حتى خرج وقت الحاضرة، وقد صلاها، فلا يقع لي معنى، أن يفسد ذلك صلاته التي صلاها في معنى قولهم المعروف، ولا يقوم ذلك في اقتضاب مقال هذا أن لا يقع ما صلى قبل أن يصلي الفائتة، ويعجبني أنه إذا لم يذكر الفائتة حتى دخل وقت الحاضرة، أن يمضي على صلاته كان في أول الوقت أو آخره، لأنه قد دخل في عمله ولا يبطله.
-ومن الكتاب- قال أبو بكر: أجمع أهل العلم، على أن من نسي صلاة في حضر فذكرها في السفر، إن عليه صلاة الحضر إلا ما اختلف فيه الحسن البصري، (12/201)
صفحة 3192
واختلفوا فيمن نسي صلاة في السفر، فذكرها في الحضر فقال الحسن البصري، وحماد بن أبي سليمان، ومالك بن أنس وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي: يصليها صلاة السفر كما كانت فرضت عليه، وقال الأوزاعي: يصليها، وبه قال الشافعي آخر قوله، وقد كان قبل يقول مالك: كما قال الأوزاعي، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق، وروينا عن الحسن البصري؛ أنه قال: من نسي صلاة في الحضر فذكرها في السفر فليصلها صلاة السفر، وإذا نسي صلاة في السفر، فذكرها في الحضر فليصلها صلاة الحضر، قال أبو بكر والحسن: مختلف قوله في هذه المسألة؛ لأنا قد ذكرناها من رواية يونس عندما وافق قوله قول مالك والثوري.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا: إنه إذا نسي صلاة في الحضر حتى فات وقتها، وذكرها في موضع السفر بعد فوت وقتها في الحضر، أنه يصليها صلاة الحضر، وإن نسيها في الحضر وذكرها في السفر، وقد كان بقي عليه من وقتها شيء، ودخل حد السفر فقال من قال: يصلي صلاة الحضر، وقال من قال: يصلي صلاة السفر، وإذا نسي صلاة في السفر فانقضى وقتها في السفر، ثم ذكرها في الحضر، إنه يصليها صلاة السفر، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وإن نسيها في السفر حتى دخل في الحضر، وعليه وقت من أوقاتها، ثم ذكرها بعد فوت وقتها في الحضر أو في السفر، أنه يصلي صلاة السفر، ولا أعرف في ذلك اختلافا.
قال أبو الحواري: من صلى صلاة العصر، ونسي صلاة الظهر، فذكرها في النهار قبل غروب الشمس، أنه يصلي الظهر والعصر، وإن ذكرها في الليل وقد غربت الشمس، صلى الظهر، وكذلك من صلى صلاة العتمة، ونسي المغرب، فذكرها في الليل، صلى المغرب ثم العتمة، وإن ذكرها بعدما أصبح صلى المغرب وحدها.
مسألة: وإذا قدم المسافر إلى بلده، ثم ذكر صلاة نسيها في سفره، أن عليه بدلها قصرا في قول أصحابنا؛ لأنه خوطب بها في السفر قصرا، والنظر يوجب عندي أن الناسي غير مخاطب في حال نسيانه، وإنما خوطب بها وأمر بفعلها إذا ذكرها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها» فنحب أن ينظر في ذلك، والنظر يوجب عليه التمام، لقول الله تبارك وتعالى: (أَقِمِ (12/202)
صفحة 3193
الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) والذي اخترناه أشبه بأصولهم؛ لأنهم قالوا خوطب بالصلاة في وقتها، وهو في السفر فأخرها إلى موضع تمامه، والوقت قائم أنه يصليها تماما، وقال أكثرهم: لو خرج في وقت صلاة قد خوطب بها فلم يصلها، حتى ينتهي إلى حد السفر، والوقت قائم أنه يصلي قصرا، وأما إن فسدت في السفر، صلاها في الحضر قصرا، فإن قال قائل: ما الفرق أنه يجب عليه فعلها من طريق النسيان، أو طريق الفساد؟ قيل له: الناسي إنما يجب عليه الفرض في الوقت، لقول النبي عليه الصلاة والسلام، فذلك وقتها، والذي فسدت عليه صلاته كان عليه الفرض في الوقت الذي صلى فيه، فلما علم بفسادها أن عليه البدل، والبدل لا يكون إلا كالمبدول، والله أعلم. وقد قيل: إن الفرض كان قد زال عنه بالفعل، وهذا فرض يجب في الوقت من طريق التعبد، والله أعلم.
مسألة: قلت لأبي سعيد: الخطأ والغلط والنسيان: هل بينهن فرق أم معناهن واحد؟ قال: النسيان عندي خارج منها جميعا، والخطأ خطآن، والغلط غلطان، وقد سمي الغلط من وجه النسيان، وكذلك الخطأ، فيشبهانه، وقد يكون الخطأ في الأمر من وجه مخالفة الحق مخطئ، فيكون مخطئا، وكذلك أن يغلط على نفسه بمخالفة الحق فينسى غلطا، فليس فيه عذر، وسألته: عن رجل نسي صلاة حتى فات وقتها، هل يسعه أن لا يصليها، ويصلي ما يستقبل، قال: معي؛ إن بعضا لا يوسع له ذلك، وأحسب أن بعضا يرى له ذلك، ولا يعجبني ترك ذلك، إلا من عذر، قلت له: وكذلك الناعس، والمغمى عليه أهو مثل الناسي في هذا؟ قال: أما الناعس فعندي كالناسي فيما معي أنه قيل: وأما المغمى عليه فقد قيل: إنه كالناعس، وقد قيل إنه لا شيء عليه، إذا كان ذاهب العقل غير متعبد، والناعس والناسي متعبدان في حين ذلك.
مسألة: -من الزيادة المضافة- رجل نام عن صلاة أو نسيها ثم ذكرها، وقد فات وقتها، فلم يصلها؟ قال: صلاتها عليه، بلا خلاف والكفارة مختلف فيها، والله أعلم. (12/203)
صفحة 3194
[صفحة بيضاء] (12/204)
صفحة 3195
الباب السابع والأربعون
المعروف في الصلاة
وعن رجل نام وقد حضرت صلاة العتمة، فذهب به النوم حتى أصبح، أعليه كفارة؟ قال أبو المؤثر: كتبت جوابا عن محمد بن محبوب، فكتب أحب أن يصنع معروفا، وصرت على ما أحب وكتبت، يصنع معروفا والمعروف صيام يومين، أو ثلاثة أيام أو إطعام مسكينين أو ثلاثة.
مسألة: وعمن نسي صلاة ولم يذكرها حتى فاتت، أيصلي ويصنع معروفا؟ أم لا معروف عليه؟ فلا يلزمه إلا الصلاة.
مسألة: وعمن أراد أن يوتر آخر الليل، فلم يستيقظ حتى أصبح، فهذا إنما عليه أن يوتر إذا قام، ولا يلزمه أن يصنع معروفا.
مسألة: وأما الوتر فمن تركه فليصنع معروفا، ولا كفارة عليه.
مسألة: عن أبي الحواري، وعن رجل ذهبته صلوات عمدا، أو غير عمد، فأما الصلوات التي ذهبته على غير عمد من نسيان أو خطأ، فلا كفارة عليه في ذلك وإنما عليه البدل يصليها إذا ذكرها إلا صلاة العتمة فإن عليه أن يصنع معروفا صيام يومين أو ثلاثا أو إطعام مسكينين أو ثلاثة. (12/205)
صفحة 3196
[صفحة بيضاء] (12/206)
صفحة 3197
الباب الثامن والأربعون
ما تجب فيه كفارة الصلاة وما لا تجب، وفي الكفارات
وسألنا الشيخ أبا إبراهيم، عن رجل قيل له: بأن المسافر يجمع الصلاة فترك الصلاة حتى يرجع إلى بلده ما يلزمه؟ قال: عليه كفارة صيام شهرين وبدل الصلوات، وعنه أيضا في امرأة مسافرة، وكانت تصلي العتمة، ولا تقرأ فيها شيئا من القرآن غير فاتحة الكتاب؟ قال: ليس عليها إلا بدل الصلاة ولا كفارة عليها، وقال: يوجد عن سليمان بن عثمان أنه قال: إنما الكفارة على من ترك الصلاة متعمدا، وفي موضع عنه إذا تركها متعمدا بديانة.
مسألة: عن أبي الحواري، عن رجل ذهبته صلوات عمدا، أو غير عمد؟ فاعلم أن الصلاة التي تركها عمدا، فعليه فيها البدل والكفارة، صيام شهرين لجميع تلك الصلوات، أو إطعام ستين مسكينا، وأما الصلوات التي ذهبته على غير عمد من نسيان، أو خطأ فلا كفارة عليه في ذلك، وإنما عليه البدل، يصليها إذا ذكرها، إلا صلاة العتمة، فإن عليه أن يصنع معروفا، يصوم يومين أو ثلاثا أو يطعم مسكينين أو ثلاثة، وعن رجل ترك صلاة متعمدا، أو صلوات، قلت: ما يلزمه في ذلك إذا تاب من بدل أو كفارة؟ قال: فمعي؛ إنه قد قيل: إن عليه بدل الصلاة والكفارة، لكل صلاة كفارة، وقيل: لجميع الصلوات كفارة
بالتغليظ، وقلت: وهل تجزيه التوبة عن جميع ذلك، ولا يلزمه كفارة ولا بدل؟ فأحسب أن البدل أشد في قولهم ومعي؛ إنه قد قيل: تجزيه التوبة على حال في بعض ما قيل.
مسألة: وعن أبي عبد الله، وسألته عن رجل فسدت عليه صلاته، وعلم (12/207)
صفحة 3198
بذلك في وقت صلاته فلم يبدل حتى فات وقتها؟ قال: أراه غير معذور، وعليه كفارة التغليظ.
مسألة: -من الزيادة المضافة- ما تقول في رجل قام مسفرا خاف إن هو قدم النفل شرقت الشمس، وإن صلى الفرض قبل النفل أدرك، فقدم النفل على المخاطرة فشرقت عليه الشمس قبل أن يتم الصلاة؟ قال: أخاف أن يكون مضيعا، قلت له: أرأيت إن كان يرجو أنه يدرك الصلاة قبل أن يفوت الوقت، فقدم النفل، هل يلحقه الاختلاف في الكفارة؟ فالذي يقول المعروف صوم عشرة أيام، والذي لا يلزمه شيئا قال: هكذا عندي.
مسألة: أبو عبد الله، وعمن ترك صلوات متفرقات أو متصلات، ما ترى عليه كفارة؟ فاعلم أنه قد قال من قال: إن عليه لكل صلاة كفارة، وقال آخرون: ليس عليه إلا كفارة واحدة، وأنا آخذ بقول من قال: ليس عليه إلا كفارة واحدة، ويستغفر الله ويتوب إليه من ذلك.
مسألة: وعمن أوصى أن عليه كذا وكذا صلاة، ولا يقول متصلة ولا متفرقة، ما له من الكفارة؟ فإن أوصى أن يكفر عنه، فهو على ما قد أعلمتك في هذه المسألة التي قبلها من الجواب، واختلاف الفقهاء في ذلك، وأعلمتك بالذي أنا به آخذ.
مسألة: -من كتاب الأشياخ- قلت له: أصل لي في الصلاة ما الذي يلزمه فيه الكفارة؟ قال: الكفارة هي عقوبة والعقوبة لا تكون إلا بعد الذنب والذنب لا يقع إلا من بعد قاصد بالعمد، فإذا كان على هذا فلا تلزم الكفارة في الصلاة، إلا من قاصد بتركها على العمد، فهذا الذي تجب به الكفارة بلا اختلاف بين من ألزم الكفارة في الصلاة. (12/208)
صفحة 3199
الباب التاسع والأربعون
في الكفارة
وفيمن سلم إلى رجل دراهم، وأمره أن يفرق عنه كفارة على سعر البلد، هل يجوز ذلك من غير أن يكتاله منه، فاشترى منه شراء وأمره بذلك، فإذا كان ذلك باتفاق منهما، جاز له ذلك، والله أعلم، فانظر أخي في ذلك، ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
مسألة: ويوجد عن الشيخ أبي سعيد -رحمه الله- بأنه من ترك الصلاة على العمد، أو على التجاهل قولان؛ أحدهما: إن عليه لكل صلاة كفارة، قال المضيف: وجدت معنى ذلك في المجموع عن أبي زياد (رجع). وقول ثان: أن عليه لجميع ما ضيع من الصلوات كفارة واحدة، والكفارة هاهنا صيام شهرين متتابعين، أو عتق رقبة أو إطعام
ستين مسكينا، مخير في ذلك، وقول ثالث: إنه ما ترك من الصلوات متتابعات، فعليه لجميع ذلك كفارة واحدة على ما وصفت لك، وإن ترك صلوات ثم صلى صلوات، أو صلاة ثم ترك صلاة أو صلوات، فعليه أيضا لذلك كفارة ثانية على هذا، وقول رابع: إنه ما ترك من الصلوات في معنى واحد، بسكر وقد سكر أو سبب قد دخل عليه فيه من التشاغل بغي عن الطاعة، والعكوف على ذلك البغي، فإذا أفاق من ذلك، فعليه مما ضيع من ذلك السبب كفارة واحدة، فإذا أضاع من الصلاة لغير ذلك السبب، أو سبب مثله بعد خروجه منه، فعليه أيضا كفارة ثانية، فهذا سبيله، وقول خامس: إنه ليس عليه كفارة، إلا أن يترك الصلاة متعمدا لغير عاهة تعرض، ولا لجهل ولا لشاغل بسبب، وإنما يقصد إلى ترك الصلاة متعمدا، هذا عليه البدل والكفارة، وما سوى (12/209)
صفحة 3200
ذلك، فمن تركها بسكر أو بجهل أو لتشاغل، فلا يتعمد لترك الصلاة، وإنما هو بفرط أو تضييع فلا كفارة عليه، وقول سادس: إنه لا كفارة عليه إلا أن يترك الصلاة، وهو يقر بفرضها، وقول سابع: إنه لا كفارة عليه في ترك الصلاة على حال وهو يقر بفرضها، وقول ثامن: إنه لا كفارة عليه في ترك الصلاة على حال، وإنما عليه البدل، والله أعلم. قال غيره: وقد يوجد أنه لا بدل عليه، إذا تاب مما ضيع من صلواته، لم يكن عليه بدل، ويرجى أن يغفر الله له ما ضيع من حقوقه عند التوبة، والله أعلم.
مسألة: قيل له: فرجل ضرب غلاما فأغماه، حتى ذهبته صلوات؟ قال: عندي؛ إنه قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال: عليه الأرش والكفارة، وقال من قال: عليه الأرش ولا كفارة عليه، وقال من قال: إن كان ضربه في وقت الصلاة فعليه، وإن كان بعد الوقت فلا كفارة عليه.
مسألة: -من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ- وسألته عمن جهل تكبيرة الإحرام أو القراءة، وكان يصلي ولا يحرم ولا يقرأ ما يلزمه؟ قال من قال: عليه البدل والكفارة إذا جهل الصلاة، وقال من قال: عليه الإعادة ولا كفارة عليه، وقال من قال: لا بدل عليه ولا كفارة، قلت له: وكل ذلك من قول أصحابنا، قال: نعم، وكان معناه في ذلك، ولو جهل الصلاة كلها، فهو على معنى قوله كما قد قال، ولو جهل الصلاة كلها، قال غيره: ومعي؛ إنه قد قيل: إذا جهل حدا من حدود الصلاة، فهو كمن جهل الصلاة، وقيل: حتى يجهل ركعة تامة.
مسألة: وسألته عن رجل كان جاهلا بمعرفة ما ينقض الوضوء، وكان يلمس فرجه وهو متطهر ويقوم يصلي من غير إعادة الوضوء، ما تكون صلاته، تامة أو فاسدة؟ وعليه البدل والكفارة أم البدل ولا كفارة؟ قال: إن مسألة: الثقبين ولم يعد الطهر فعليه البدل والكفارة.
مسألة: وعن رجل خرج مسافرا، فلم يجد ماء، وجهل أن يتيمم ويصلي، فترك الصلاة حتى وجد الماء وصلى، هل عليه كفارة؟ قال: لا، قال المضيف: (12/210)
صفحة 3201
وقد قيل: عليه الكفارة، إن جهل التيمم في الحضر، ولا كفارة عليه في السفر، والله أعلم.
(انقضت الزيادة المضافة)، وبها يتم الجزء الثاني عشر من كتاب بيان الشرع. (12/211)
صفحة 3202
[صفحة بيضاء] (12/212)
صفحة 3203
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المحقق
قد انتهى والحمد لله رب العالمين تحقيق هذا الجزء الثمين الثاني عشر من كتاب بيان الشرع الجامع للأصل والفرع تأليف شيخ المسلمين وقدوة المهتدين العلامة الجليل محمد بن إبراهيم الكندي، ويبحث هذا الجزء أحكام الصلاة كالشك فيها والزيادة والنقصان وفي المصلي وهو جنب وفي أحكام قواطع الصلاة والمرور أمام المصلي وفي العبث في الصلاة والكلام فيها لمعنى ولغير معنى وفي النعاس فيها وفي صلاة المرأة وصلاة العاري وفي ثياب الصلاة وفيمن يصلي بثوب نجس وفي الصلاة بالحلي والإبريسم وفيمن يوسوس في صلاته ومعاني ذلك.
وقد عرضناه على ثلاث نسخ الأولى، بخط خميس بن سليمان بن سعيد الحارثي فرغ منها عام 1233هـ والثانية بخط صالح بن محمد بن عزيز بن عبد السلام فرغ منها عام 1076هـ، والثالثة بخط سيف بن مهنا بن مبارك السعدي فرغ منها عام 1256هـ والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي
حادي صفر سنة 1404هـ (12/213)
صفحة 3204
[صفحة بيضاء] (12/214)
صفحة 3205
ترتيب الأبواب
الباب الأول: 5
في الشك في الصلاة من كتاب الأشراف
الباب الثاني: 21
الزيادة في الصلاة على الشك والنسيان
الباب الثالث: 23
في الذي شك أنه في الركعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة كيف يفعل
الباب الرابع: 27
في المصلي إذا دخل في الصلاة على أنه على غير وضوء أو أنه جنب
أو أتمها بعد أن دخل فيها ثم صح أنه متوضئ
الباب الخامس: 29
في العذر الذي يجوز للمصلي أن يقطع به صلاته
الباب السادس: 31
فيما يجوز قطع الصلاة بسبب
الباب السابع: 33
في الناعس هل يجوز أن يوقظ لصلاة أو غيرها أم لا (12/215)
صفحة 3206
الباب الثامن: 35
ما يقطع الصلاة من الممرات والنجاسات من الدواب والبشر وغير ذلك
الباب التاسع: 45
العمل في الصلاة والعبث والاستماع
الباب العاشر: 59
العمل في الصلاة من كتاب الأشراف
الباب الحادي عشر: 69
فيمن لا تقبل له صلاة
الباب الثاني عشر: 71
فيمن تكلم أو سلم أو ضحك من كتاب الأشراف
الباب الثالث عشر: 75
فيمن يتفكر في صلاته بشيء من أمر الدنيا والآخرة
الباب الرابع عشر: 77
التنحنح في الصلاة والطحار والأنين والتأوه
الباب الخامس عشر: 81
فيمن يستأذن عليه رجل أو يناديه كيف يصنع
الباب السادس عشر: 83
في البكاء في الصلاة (12/216)
صفحة 3207
الباب السابع عشر: 85
فيمن يعنيه مخاط أو بصاق وكيف يفعل وكذلك النخاعة
الباب الثامن عشر: 89
في النعاس في الصلاة
الباب التاسع عشر: 91
في تغطية الوجه في الصلاة
الباب العشرون: 93
ما ينقض الصلاة بالنظر
الباب الحادي والعشرون: 95
في صلاة المرأة وحدها
الباب الثاني والعشرون: 99
في صلاة المرأة ورأسها مكشوف
الباب الثالث والعشرون: 109
في الصلاة بثياب الصبيان والمشركين وما أشبه ذلك
الباب الرابع والعشرون: 111
فيما يصلى به من الثياب وفي تتريب الثوب
الباب الخامس والعشرون: 121
في صلاة العراة
الباب السادس والعشرون: 125
فيمن أمر بالصلاة على وصف فلم يفعل لعذر أو لعجز وقدر على ذلك
بعد عجزه وأشباه ذلك (12/217)
صفحة 3208
الباب السابع والعشرون: 127
في الصور ومما يوجد أنه معروض على أبي عبد الله
الباب الثامن والعشرون: 131
في تمييز الثياب النجسة وأيها أهون للصلاة
الباب التاسع والعشرون: 135
فيمن تبدو عورته في الصلاة من انخراق ثوبه أو غير ذلك
الباب الثلاثون: 141
في لباس الإنسان إذا كان نجسا وأراد الصلاة
الباب الحادي والثلاثون: 143
الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره
الباب الثاني والثلاثون: 149
الصلاة بالثياب
الباب الثالث والثلاثون: 151
في اللباس والذيل
الباب الرابع والثلاثون: 153
في صلاة المرتدي بصلاة المشتمل وما يجوز للإمام أن يؤم به من اللباس
وفي الصلاة بثياب الحرير.
الباب الخامس والثلاثون: 159
فيمن صلى وفي ثوبه وبدنه دم (12/218)
صفحة 3209
الباب السادس والثلاثون: 163
في بدل الصلوات إذا صلى بثوب فيه نجاسة أو كان بدنه نجسا وفي
تأخيل البدل
الباب السابع والثلاثون: 175
في الاستجمار أيضا
الباب الثامن والثلاثون: 177
في الذي يجد في صلاته كأن شيئا يخرج من ذكره كيف يفعل
الباب التاسع والثلاثون: 181
في الحلي وما أشبه ذلك
الباب الأربعون: 183
في صلاة الرجال بالحلي
الباب الحادي والأربعون: 185
الصلاة في خاتم حديد أو صفر أو نحاس أو غيره من الحلي
الباب الثاني والأربعون: 187
فيمن نسي صلاة أو صلى صلاة غير تامة
الباب الثالث والأربعون: 189
فيمن عليه بدل صلوات بنسيان أو نقض، أو غير ذلك كيف يفعل
الباب الرابع والأربعون: 195
فيمن يدخله الرياء والإعجاب في الصلاة وفيمن يصلي وعنده
أنها فاسدة. (12/219)
صفحة 3210
الباب الخامس والأربعون: 197
فيمن يتوانى عن الصلاة حتى يفوت وقتها بنوم أو تشاغل أو وسوسة
أو ما أشبه ذلك
الباب السادس والأربعون: 199
فيمن نسي صلاة أو تركها أو نام عنها
الباب السابع والأربعون: 205
المعروف في الصلاة
الباب الثامن والأربعون: 207
فيما تجب فيه كفارة والصلاة وما لا تجب وفي الكفارات
الباب التاسع والأربعون: 209
في الكفارة (12/220)
صفحة 3211
[صفحة بيضاء] (12/221)
صفحة 3212
[صفحة بيضاء] (12/222)
صفحة 3213
طبع بمطبعة عُمان ومكتبتها
القرم ص. ب. 7252
مطرح - سلطنة عمان
1404هـ / 1984م (12/223)
صفحة 3214
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الثالث عشر
1404هـ/1984م (13/1)
صفحة 3215
[صفحة بيضاء] (13/2)
صفحة 3216
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الثالث عشر
1404هـ/1984م (13/3)
صفحة 3217
[صفحة بيضاء] (13/4)
صفحة 3218
الباب الأول
في فضل صلاة الجماعة وحكم التارك لها
روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام بعد صلاة الظهر فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى يقرئك السلام وأهدى إليك هديتين لم يهدهما إلى نبي قبلك، قلت: يا جبريل وما هاتان الهديتان؟ فقال: الوتر ثلاث ركعات وصلاة الخمس في جماعة، قال: قلت يا جبريل وما لأمتي في الجماعة، قال يا محمد: إذا كان اثنين كتب الله -عز وجل- لكل واحد بكل ركعة مائة صلاة، وإذا كانوا ثلاثة كتب الله -عز وجل- لكل واحد بكل ركعة مائة وخمسين صلاة، وإذا كانوا أربعة كتب الله -عز وجل- لكل واحد بكل بركعة ستمائة وخمسين صلاة، وإذا كانوا خمسة كتب الله -عز وجل- لكل واحد بكل ركعة ألف صلاة ومائتي صلاة وخمسين صلاة، وإذا كانوا ستة كتب الله -عز وجل- لكل واحد بكل ركعة ألفين وأربعمائة صلاة، وإذا كانوا سبعة كتب الله -عز وجل- لكل واحد بكل ركعة أربعة آلاف وثلاثمائة صلاة، وإذا كانوا ثمانية كتب الله -عز وجل- لكل واحد بكل ركعة سبعة آلاف وستمائة صلاة، وإذا كانوا تسعة كتب الله -عز وجل- لكل واحد بكل ركعة عشرة آلاف ومائتي صلاة، وإذا كانوا عشرة كتب الله -عز وجل- لكل واحد بكل ركعة مائة ألف صلاة وثلاثين صلاة» تم الخبر.
ومن غيره؛ ومن جامع ابن جعفر، وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رهبانية (13/5)
صفحة 3219
أمتي الجلوس في المساجد» والمساجد هي بيوت الله في أرضه، وزوارها هم زواره، وقيل: من حافظ على صلاة الجماعة فقد ملئ قلبه عبادة، وقيل في رجلين بات أحدهما يصلي حتى أصبح، ولم يصل العشاء الآخرة والفجر في جماعة، وأحدهما صلى العشاء الآخرة والفجر في جماعة، ولم يصل ليلته، إنه هو أفضل، وقيل: الذاهب إلى الجماعة له بكل خطوة خطاها حسنات ودرجات، ويكفر عنه سيئات، وكذلك رجوعه إلى منزله، وكان بعض الفقهاء يقصر في الخطى إذا أراد المسجد للصلاة، ويستحب أن يذكر الله إذا دخل المسجد، وقال من قال: يقول الحمد لله والسلام على المرسلين، ويقول: اللم صلّ على محمد، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: اللهم صلّ على محمد، وافتح لي أبواب فضلك.
-ومن كتاب الأشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر من يخطب ثم آمر الناس بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم»، وقال ابن عمر: كنا من فقدناه من صلاة الفجر والعشاء أسأنا به الظن. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن أم مكتوم وهو ضرير: «لا أجد لك رخصة» يعني في التخلف عن الجماعة، وقال الله -عز وجل- ذكره: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ) الآية (النساء:102)، وروينا عن غيرهم؛ غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له، منهم ابن مسعود وأبو موسى الأشعري، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وممن كان يرى حضور الجماعة فرضا، عطاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل وأبو ثور، وقال الشافعي: لا أرخص على من قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها، إلا من عذر، وقال ابن مسعود: ولقد رأيتها وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو مما روي، وحكي من معاني التشديد في أمر الجماعة، ومعاني ثبوتها، ولعله يخرج في معاني قولهم اختلاف في لزومها على العموم، إذا قام بها البعض وإذا ثبتت هذه المعاني، (13/6)
صفحة 3220
على معنى اللزوم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن يكون أحد يقوم بها بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أكثر منه ولا أولى منه، فإذا ثبت أنه لا عذر للمتخلف عنها مع قيام النبي صلى الله عليه وسلم بها، وأصحابه لم يجز غير ذلك؛ لأنه لا يكون أحد أقوم منه بها.
مسألة: -من الزيادة المضافة- فيما أحسب عن القاضي عن أبي علي الحسن بن سعيد بن قريش، وفي المصلي أنه إذا صلى أكثر صلاته، ودخل الإمام في صلاة الجماعة، أنه يمضي على صلاته، وإذا كان قد صلى أقلها قطعها، ويدخل مع الإمام في صلاته.
مسألة: ومن جواب محمد بن أحمد السعالي، سألت عن رجل يؤم بالناس، فربما لم يحضر أحد حتى يدخل في الصلاة، ثم يحس بقوم هل له أن يقطع صلاته ويستقبل الصلاة؟ فأرجو أنه جائز له إن شاء الله. (رجع إلى الكتاب).
ومن كتاب أبي جابر؛ وفي الأثر أنه من سمع الإقامة من جيران المسجد فلم يجب فلا صلاة له، إلا من عذر إذا كان فارغا صحيحا.
قال أبو عبد الله -رحمه الله- ومن سمع الأذان والإقامة في المسجد، ولم يصل معهم، وصلى في بيته بلا أمر يردعه، فلا بأس عليه، ولا يجعل ذلك عبادة، ومن غيره؛ ويروى عن ابن عباس أن صلاة الجماعة فريضة، لقول الله -تبارك وتعالى-: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء: 218 - 219)، وفي تركها التشديد من الفقهاء على غير عذر من التارك لها، وكذلك عرفت عن بعض أصحابنا، أنه لا يقوم البعض عن البعض في قيام الجماعة، وفي بعض القول: إن قيام البعض من أهل المصر يجزي عن البعض، قلت له: فهل قيل إنه لا يلزم الاثنين إذا كانا غير مسافرين صلوا صلاة الجماعة، إذا كانا في غير مسجد، قال: إذا ثبت الخطاب على أهل الإسلام بقيام الجماعة كانا مخاطبين بأداء فرض الصلاة، فبالجماعة ثبت القيام بها والأداء لها عند القدرة على ذلك، والاثنان عندي جماعة، وهذا على بعض القول. (13/7)
صفحة 3221
مسألة: وقلت: وقوم معهم مسجد في القرية يحضرون إليه في وقت الصلاة فيصلون، الثلاثة والاثنان والأربعة، أقل أو أكثر فرادى، وفيهم من يقرأ القرآن، قلت: هل يسعهم ذلك، كان في القرية من يصلي جماعة أو لم يكن بها؟ فمعي؛ إنهم إذا قدروا على عمارته بصلاة الجماعة فقد قيل: إنه لا يسعهم تضييع ذلك، كان في القرية غير ذلك من الجماعة أو لم يكن ومعي؛ إنه قد قيل: إذا كان في القرية من يصلي فهو أهون، ولعله يذهب إلى العذر، ولا يبين لي ذلك.
ومن غيره؛ قال: والعجب كل العجب، كيف عذروا من لم يصل في الجماعة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يعذر ابن أم مكتوم عن صلاة الجماعة، وكان ضريرا وكان بينه وبين المسجد نخل، وواد على ما يوجد، وكان قد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكان بينهما كلام لا أضبطه، فينظر في ذلك، وجاء عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب -رحمه الله- أنه فقد رجلا في الصلاة فأتى منزله فصوت به فخرج إليه الرجل، فقال له عمر؛ ما حبسك عن الصلاة؟ قال: علة يا أمير المؤمنين، ولولا أني سمعت صوتك ما خرجت، أو قال: ما استطعت أن أخرج، فقال له عمر: لقد تركت دعوة من كان أوجب عليك إجابة مني، منادي الله إلى الصلاة، وقال: حدثنا سفيان عن مجاهد عن ابن عباس قال: جاء رجل فسأله عن رجل يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يشهد جمعة ولا جماعة؟ فقال له: في النار، سأله شهرا وقال له: في النار، وعنه شهدت عن ابن عباس ورجل يسأله له: إن لي جارا يقوم الليل ويصوم النهار، ولا يصلي في جماعة ولا جمعة، فقال: ذلك من أهل النار، قال الناظر في هذا الكتاب: ولعل ذلك إذا كان من غير عذر، ولم يتب حتى مات، فإن صحت الرواية عن ابن عباس، فلا تخرج عندي إلا على هذا المعنى فينظر في ذلك، ولا يأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
ومن غيره؛ وأخبرنا يحي قال: حدثنا يعلى بن عبيد عن أبي رجاء قال: بلغني أن الصلاة في الجماعة لا تفوت إلا بذنب، وأما من صلى بعد صلاة العصر، وصلى بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وترك صلاة الجماعة متعمدا بلا عذر، (13/8)
صفحة 3222
فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا بُرئ منه، لأنه ترك السنة.
-ومن جامع أبي الحسن- مسألة: وأما من ترك صلاة الجماعة بلا عذر، فهو أيضا خسيس المنزلة ولا يبرأ منه، وقد قيل يستتاب فإن تاب، وإلا بُرئ منه، وأما من صلى بعد صلاة الفجر إلى الشروق، وبعد صلاة العصر إلى الغروب، فإنه يستتاب، فإن تاب من ذلك، وإلا بُرئ منه.
-ومن كتاب أبي جعفر- أنه من سمع الإقامة من جيران المسجد، فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، إذا كان فارغا صحيحا، وقيل: إن تفسير لا صلاة له أي لا تضعيف له ولا صلاة له في الجماعة، وقد قيل الصف المقدم من الرجال أفضل، والصف المؤخر من النساء أفضل.
مسألة: وبلغنا أنه من أذن ثم أقام، ولم يصل معه أحد من الناس، صلى معه من الملائكة صفوف أمثال الجبال.
-ومن كتاب الأشراف- قال أبو بكر: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتخلف عن الجماعة، ولا أعلم اختلافا بين أهل العلم، إن للمريض أن يتخلف عن الجماعات، إلا من أجل المرض، وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدأوا بالعشاء» وقال بظاهر هذا الحديث: عمر بن الخطاب وابن عمر وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق، وقال مالك: يبدأون بالصلاة؛ إلا أن يكون طعاما خفيفا، وقال الشافعي: يبدأون بالعشاء إذا كانت نفسه شديدة التوقان إليه، فإن لم يكن كذلك ترك العشاء أحب إليَّ أن يقضي الصلاة، قال أبو بكر: ظاهر خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، قال أبو بكر: يستحب لمن به غائط أو بول، أن يبدأ به قبل الصلاة، وللمرء أن يتخلف عن الجماعة في الليلة المطيرة من أجل المطر، ويكره أكل الثوم والبصل، لمن يحضر الجماعات، ولا يغشى المساجد من أجل ذلك، إلا أن ينضج بالنار، فتذهب الرائحة.
قال أبو سعيد: معي؛ إن قوله في جميع ما ذكر حسن، والعشاء عندي بعد (13/9)
صفحة 3223
ثبوت الجماعة لا يكون عذرا، إلا بمعنى ما حكي فيه عن الشافعي ونحوه، أو ما أشبه من أمر القيام فيه، بقوله لا يقوم به فيهم إلا هو، وحفظه عليهم وعلى نفسه، إذا خاف ضياعه أو سوء التدبير فيه، حتى يجعله في موضعه، وعلى هذا ونحوه يحسن عندي، أن يكون يخرج معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكون عذر أم اللازم ضرر مما يكون يخرج معنى قول النبي به، معنى التقية عن نفس أو دين أو مال، على نحو هذا يخرج عندي، وأما الثوم والبصل فلا يؤمر بأكله من أراد دخول المسجد للجماعة، فإن فيه الأذى، ولا يجوز إدخال الأذى على المسلمين، ومن فعل ذلك لم يكن له عندي عذر عن حضور الجماعة، إذا ثبت معي لزومها عليه بغير عذر، إلا هو ويجتهد على تغييره ويحضر الجماعة. (13/10)
صفحة 3224
الباب الثاني
في صلاة الجماعة
وفي صلاة جماعة بعد جماعة في المسجد وغيره
ومما عرض على أبي سعيد وأبي الحوراي، فيما يوجد وذكرت أنك رأيت في بعض الكتب عن الربيع عن رجل صلى الفريضة، ثم صلى بقوم تلك الصلاة، ولم يعلمهم، قال: بئس ما صنع، وليس عليه أن يعلمهم ولا إعادة على القوم، وإن لم يعلموا فنقول إن عليه أن يعلمهم، وأما ما لم يعلموا فلا شيء عليهم.
مسألة: وقلت: فإن صلى الرجل في البيت، وسمع الأذان والإقامة من غير عذر، فلا أحب له أن يتخذ ذلك عادة فلا بأس عليه إن تخلف عن الجماعة، ولا يهجرها، وبلغني عن عبد الله بن العباس -رحمه الله- سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يأتي جمعة ولا جماعة من غير عذر؟ فقال: هو في النار، أو من أهل النار، وهذا على الإدمان والإصرار.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد-؛ ولا يجوز للإنسان أن يصلي نافلة إذا كان مخاطبا بالجماعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» -ومن الكتاب- وصلاة الجماعة فرض على الكفاية، وينبغي لمن سمع الأذان والإقامة أن لا يتخلف عن الجماعة، لقول الله -تبارك وتعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال:24) والأذان أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الداعي به لنا إلى الصلاة، وفي الرواية عن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (13/11)
صفحة 3225
«إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، لا قائد لي، فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: أجب النداء»، وقيل: إنه أمر أن يشد له حبل إلى المسجد، وخبر شد الحبل انفرد به أصحابنا، وفيه نظر، وفي الرواية أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، وفي إثبات النبي صلى الله عليه وسلم للمنفرد الصلاة ثوابا، وإن كانت الجماعة أكثر ثوابا، إسقاط لقول من أوجب الجماعة فرضا على كل إنسان في خاصة نفسه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» قيل له: يا رسول الله وما عذره؟ قال: «خوف أو مرض»، وفي رواية أخرى عنه عليه السلام أنه قال: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» وهذا عندي والله أعلم حث على الجماعة وترغيب في نيل الثواب الذي ينال بالجماعة؛ لأنهم أجمعوا على أن جار المسجد إن صلى في بيته فقد أدى فرضه، ومما يدل على الترغيب في الجماعة ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال» وكذلك إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة، ونهى عليه السلام أن يصلي المصلي وهو يدافع الأخبثين، يعني البول والغائط، ومن طريق زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وجد أحدكم الخلاء وسمع النداء فليبدأ بالخلاء» وإذا سمع المدعو إلى الصلاة فليأتها وعليه السكينة والوقار، كما قال صلى الله عليه وسلمأنه قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الصلاة» -ومن الكتاب- وفي رواية أخرى: «إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة والوقار وليصل ما أدرك وليبدل ما فاته»، -ومن الكتاب- وإذا أقيمت الصلاة في المسجد قطع من في المسجد صلاته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» والذي عندي والله أعلم أن إقامتها تكبيرة الإحرام، وهو الدخول فيها؛ ولأنه عليه السلام لم يقل إذا قمتم إلى الصلاة، وقد ذهب بعض أصحابنا أن عليهم أن يقطعوا عند الإقامة للصلاة لهذا الخبر.
-ومن غير الكتاب- عن أبي سعيد -حفظه الله- هكذا عندي وجدت، قيل له: إذا صلى الإمام في المسجد الذي يؤم فيه جماعة بمن تثبت به الجماعة، هل يجوز لأحد أن يصلي في ذلك المسجد جماعة؟ قال: معي؛ إنه يخرج في معاني قول (13/12)
صفحة 3226
أصحابنا أنه ليس له ذلك إذا كان في موضع تجوز فيه الصلاة بصلاة الإمام الأول. قلت: فإن فعل ذلك أحد، هل تقدم على نقض صلاته؟ قال: معي؛ إنه يخرج على معاني قولهم: إن صلاته فاسدة، قلت له: فهل يبين لك غير ذلك أن صلاتهم تتم؟ قال: معي؛ بأنه يوجد عن بعضهم أنه لا تفسد صلاتهم، وذلك عندي حسن؛ لئلا تمنع صلاة الجماعة بوجه من الوجوه، ولا في وقت من الأوقات، وهي أفضل، إلا في حال قيام صلاة الإمام، إلا بصلاته في وقت تجوز الصلاة بصلاته.
مسألة: وعن قوم صلوا جماعة في صرحة مؤخر المسجد، وجاء آخرون، فأحبوا أن يصلوا جماعة، هل يصلون في المسجد وهو قدام الصرحة؟ فلا بأس بذلك إذا جاوزوا الباب الأول.
مسألة: وقوم يصلون في براح كل قوم بإمامهم في ساعة واحدة صلاة واحدة، بينهم دون خمسة عشر ذراعا، قلت: هل تتم صلاتهم جميعا ولو اتصلت الصفوف؟ فقد قيل في ذلك بأقاويل وأحب أن تتم صلاتهم على حال، قلت: إن كان على اليمين أو الشمال، هل تتم صلاتهم؟ فقد قيل بذلك.
مسألة: ومن حفظ أبي معاوية عن أبي عبد الله، وقال في قوم صلوا جماعة -وفي نسخة في صلاة الإمام في ظلام- والإمام مستقبل لهم حتى قضوا الصلاة، ولم يعلموا؟ قال: صلاتهم تامة، وإن علم الإمام وهو في الصلاة فيقبل إلى القبلة.
مسألة: -ومن كتاب الأشراف- قال أبو بكر: روينا عن رجل دخل المسجد، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه»، وقد اختلفوا في هذا عن أنس بن مالك أنه صلى جماعة بعد صلاة الإمام، روي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي والحسن البصري وقتادة وأحمد بن حنبل وإسحاق، واحتج أحمد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تفضل صلاة الجمع بذلك عن صلاة الفرد خمسة وعشرين درجة». (13/13)
صفحة 3227
وقالت طائفة: لا يجمع في المسجد مرتين، هذا قول سالم بن عبد الله، وبه قال أبو قلابة وابن عوف ومالك بن أنس والليث بن سعيد وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وفيه قول ثالث: قاله أحمد: وهو أن لا يصلى في المسجد الحرام ومسجد المدينة، وأما غير ذلك من المساجد فأرجو، وفعله أنس بن مالك، وكان مالك بن أنس والشافعي يقولان في المسجد على طريق من طريق المسلمين، إلا أن يصلي فيه قوم بعد قوم. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
وقال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنه إذا صلى إمام مسجد فقد ثبتت إمامته فيه، صلاة من الصلوات المفروضات بمن تقوم به الجماعة من المصلين، وتثبت الجماعة في تلك الصلاة في ذلك المسجد، لم يكن بعدها جماعة في تلك الصلاة في المسجد حيث كانت تجوز الصلاة بصلاته في ذلك المسجد، غير إمامته أن لو اتصلت الصفوف في ذلك المسجد، على نحو ما حكي من بعض ما قيل، ولا أعلم في قولهم في هذا الفصل في هذا الوجه اختلافا، وأما إذا كانت بقعة المسجد لا تجوز الصلاة فيها بصلاة الإمام في مقدم المسجد، أو من جانبه أن لو اتصلت الصفوف فمعي؛ إنه قد قيل في ذلك الموضع، أنه لا تجوز أن تكون فيه صلاة الجماعة بعد صلاة الإمام، ولا يبين لي معنى ما ذهبوا إليه في معاني الخاص من القول، والله أعلم بذلك، وإنما كان موجودا في قولهم تثبيت يخرج على معنى قولهم فيه شبهة الاتفاق، ويوجد في الأصل في معاني النظر ما هو يشبه منه فيما يختلف فيه من القول.
وأحسب أنهم يذهبون في ذلك إلى ما وقع إليهم من حكاه لهم، مما لم يجدوا غيره، إلا مع من يخالفهم في الأصول، وإن كان في الأصل في معنى النظر بين حجة، وأما المسجد الذي له إمام، ولا عمار تثبت بينهم الصلاة فيه بإمام في وقت ما يخاطبون بالصلاة، فيقدموه على وجه الإمامة، فلا أعلم بينهم اختلافا أن الإمامة في ذلك المسجد جماعة بعد جماعة جائزة في الصلاة الواحدة، ولو كان مسجدا (13/14)
صفحة 3228
هو كسائر البقاع، كذلك الإمامة في سائر البقاع في الصلاة الواحدة في غير المسجد المعمور، والواقع عليه حكم البينة، والسنة للمسجد لا أعلم بينهم اختلافا أن الجماعة في الصلاة الواحدة في ذلك الموضع جماعة بعد جماعة جائزة، فمن هنالك دخل عندي ما قالوه بعض ما دخله في المسجد، خاصة الذي يثبت معهم في الجماعة بعد الجماعة، بمعنى الاتفاق، وصف الجماعة في المسجد بعد الجماعة بمعنى الاتفاق بغير دليل تثبت فيه عندي، إلا معنى الجماعة.
مسألة: حماد عن إبراهيم أنه كان يكره أن يصلي الرجل في المسجد، والإمام يصلي بالقوم بغير صلاة الإمام، يعني أن يصلي على حده، كأنه منشق، وهو قول أبي حنيفة وقول زفر.
قال غيره: حسن، وهذا لعله يخرج عندنا على هذه الإرادة من المشاقة للإمام في كل موضع من المسجد، حيث تجوز الصلاة بصلاة الإمام، وحيث لا تجوز، وأما إذا كان ذلك لعذر وكانت صلاته حيث لا تجوز الصلاة بصلاة الإمام، فلا بأس بذلك، وإذا كانت حيث لا تجوز بصلاة الإمام على معنى لا يعذر فيه، فهو مسيء وصلاته تامة.
مسألة: حماد عن إبراهيم في الرجل يصلي الركعة من المكتوبة وحده في المسجد، ثم تقام الصلاة؟ قال: يضيف إليها ركعة، ثم يدخل مع الإمام، فيصلي معه بركعتين ثم يسلم، فيجعلهما (في نسخة) ثم يدخل مع الإمام في الفريضة فيستقبل معه الصلاة، فيصلي معه الفريضة.
قال أبو حنيفة: قول عامر أحب إليّ من قول إبراهيم، وبه كان يأخذ أبو حنيفة، ولا يأخذ بقول إبراهيم، وهو قول أسد.
قال غيره: قول عامر يخرج في مذهب قول أصحابنا، ما لم يُحرم الإمام عليه قبل أن يتم الركعتين، والركعتان عند أصحابنا يكونان نافلة، ولعل معنى السبحة عندهم النافلة، ولا تحسن صلاة التطوع، بعد أن تحضر الفريضة في الجماعة في (13/15)
صفحة 3229
المسجد، حيث تجوز الصلاة بصلاة الإمام أو لا تجوز.
مسألة: جابر بن زيد بن الأسود، عن أبيه، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم الصبح، عنى وهو غلام شاب، فلما صلح إذ هو برجلين لم يصليا، فقال لهما: ما منعكما أن تصليها مع الناس؟ قالا: صلينا في رحالنا، فقال: لا تفعلا، إذا صليتهما في رحالكما، ثم أدركتما الإمام لم يصل فصليا معه، فإنها لكم نافلة، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صل الصلاة لوقتها وإن أتيت الناس وقد صلوا فصل معهم ولا تقل إني صليت» وهذه نافلة.
مسألة: أحسب عن أبي سعيد، قلت له: فإمام المسجد إذا صلى الجماعة عن حضرة من العمار، ثم جاء غيره من العمار أو من غيرهم، يصلون جماعة في المسجد، قدام المسجد الذي صلى هو فيه، هل يقطعون عليه صلاة النافلة إن كان في صلاة أم لا؟ قال: معي؛ إنهم لا يقطعون إذا كانت قد ثبتت الجماعة منه في المسجد؛ لأن غيره من الجماعات بعده في المسجد، هي عندي كمثل الجماعات في البراح من الأرض، أو غير المسجد، سألت أبا سعيد عن الإمام إذا صلى بامرأة أو صبي أو نساء كثير، وصبيان في مسجده الذي هو إمام فيه، هل يجوز لأحد أن يصلي فيه جماعة بعد صلاة الإمام؟ قال: أما النساء والمراهقين من الصبيان فلا أحب إذا صلى الإمام من عذر بهم جماعة، أن يصلي أحد بعده جماعة من حيث كانت تجوز الصلاة بصلاته، لأن الصلاة من الصبيان على من عقل فيها، قيل: أي من عقلها معنى، وعرف حدودها، والنساء فلا أعلم اختلافا بين أصحابنا، إن المرأة إن صلت مع الإمام صلاة الجماعة؛ لأن صلاتها تقع وتتم، فإذا وقعت الجماعة فيها يجوز في المجتمعين عليها في صلاتهم، فهي عندي جماعة، وقلت له: فإن صلى بهم، من غير عذر، هل تراها تقع موقع الجماعة؟ قال: إذا صلى من غير عذر لم أره إماما؛ لأنه وضع الإمامة في غير موضعها، وهو كسائر الناس عندي في تلك الصلاة، من العمار أن يصلوا تلك الجماعة عندي، إذا قام بالجماعة في غير موضعها وضيع حقها، ولو في صلاة واحدة، قلت له: وكذلك إذا صلى المسافر، (13/16)
صفحة 3230
أو عبر بغير رأي سيده، هل تراها جماعة، إذا كان من غير عذر للإمام على قول من يقول أن ليس على العبد والمسافر جماعة، قال: معي؛ إنه إذا صلوا مع الإمام حيث تكون إمامته، ويكون إماما لمن يصلي معه، إن الإمامة تقوم بذلك.
قلت له: وهل يجوز له أن يصلي بالعبد الجماعة من غير رأي سيده؟ قال: نعم، إذا كان في مسجده الذي يؤم فيه.
قلت: فإن كان في غير مسجده، أو مسجده وأمره أن يصلي خلفه، هل يضمن قدر ما استعمل العبد في الصلاة؟ قال: أحب له الخلاص من ذلك.
مسألة: -ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه- ومن دخل مسجدا يريد الصلاة، ولم يعلم صُليِّ في ذلك المسجد جماعة أو بعد، فأرادوا أن يصلوا جماعة، فرأينا ليس لهم ذلك، ولا تتم صلاتهم على ذلك؛ لأنهم قد صلوا على شبهة.
مسألة: وإنما الاختلاف فيمن صلى جماعة بعد إمام ذلك المسجد، فأما في وقت واحد فلا اختلاف في ذلك، وهي فاسدة وفي موضع وأما بعد الصلاة فذلك جائز، ولا أعلم فيه اختلافا، وأما في حين الصلاة فلا نحب إلا من عذر، فإن فعلوا جازت صلاتهم.
مسألة: قال بشير بن محمد بن محبوب: في قوم صلوا جماعة في مسجد، ثم جاء إمام المسجد فصلى جماعة، إن صلاة الذين صلوا قبل الإمام فاسدة، وأما غيره فيجوزها.
مسألة: وإذا كان مسجد جامع له إمام معروف في سائر الأوقات، وله آخر يصلي فيه يوم عرفة وليلة النحر؟ قال بشير: كل من كان له شيء فهو له، وإن صلى إمام ومعه أناس آخرون تلك الصلاة، فينبغي أن تكون صلاة الرجل المعروف به تلك الليلة هي الصلاة، وعلى الآخرين النقض، على قول من يرى النقض.
مسألة: عن أبي سعيد، في صلاة جماعة يؤم بعضهم ببعض في موضع واحدة ووقت واحد، بعضهم خلف بعض، فلهم ذلك في غير مسجد، أو مسجد لا إمام (13/17)
صفحة 3231
له، وقيل: إذا كان بين كل إمام دون خمسة عشر ذراعا، فلا يجوز لهم إذا كانوا خلفهم.
قال غيره: قيل عليهم التباعد بخمسة عشر ذراعا، إن كانوا حذاءهم على حال لا يجوز دون ذلك، وقيل: ليس عليهم على حال، وقيل: عليهم إذا كانوا خلفهم، والله أعلم.
مسألة: في الجماعة إذا فسدت صلاة إمامهم فأتموها فرادى، أن لغيرهم أن يصلي في ذلك الحال فرادى لأن حكم الجماعة قد زال، والله أعلم.
مسألة: وعن أبي سعيد فيما أحسب، وعن المسجد إذا كان له إمام معروف، فصلى من صلى معه صلاة، وانصرفوا، ثم جاءت جماعة أخرى فصلوا أيضا جماعة، وإمامهم تلك الصلاة في ذلك المسجد، قلت: أتتم صلاتهم إذا صلوا جماعة والإمام الأول في المسجد، كان الأول قد أمضى هذه الصلاة أو بعد في الصلاة؟ فأما إذا كان الإمام الآخر يصلي بالجماعة الآخرة في موضع كانت الصلاة فيه تجوز بصلاة الإمام الأول، وهو إمام المسجد، فلا تجوز صلاتهم بعد تمام الصلاة ولا قبل تمام الصلاة، فإذا أم الإمام الأول في الصلاة، وأما إذا كانت هذه الجماعة يصلون في موضع لا تجوز الصلاة فيه بصلاة الإمام في أي موضع كانت هذه الصلاة، فأما بعد الصلاة وتمام الإمام فذلك جائز، ولا نعلم فيه اختلافا من قول أصحابنا، وأما في حين الصلاة فلا نحب ذلك إلا من عذر أو سبب يوجب ذلك لمعنى من المعاني، فإن فعلوا ذلك لغير معنى، جازت صلاتهم، ولا أعلم أنه يخرج في قول أصحابنا اختلاف في هذا، فافهم ذلك.
مسألة: قال أبو سعيد: في جماعة صلوا في مسجد له إمام، وليس فيهم أحد (13/18)
صفحة 3232
من العمار، أنه لا بأس عليهم في ذلك إذا صلوا قبل الإمام، وللإمام أن يصلي بعدهم جماعة، قلت له: فإن تقم هذا الذي هو غير إمام برأي أحد من العمار، فصلى بهم وبمن حضره قبل الإمام، هل للإمام إذا جاء أن يصلي جماعة بعدهم؟ قال: معي؛ إنه قال من قال ذلك، وأن الإمام أولى على كل حال ولا تضره صلاة من صلى قبله من العمار أو غيرهم؛ لأنه أولى، وقال من قال: إذا صلى الإمام الأول برأي أحد من العمار، فقد وقعت الجماعة، وليس للإمام أن يصلي بعدهم جماعة، والله أعلم.
مسألة: وفي قوم يصلون جماعة في غير مسجد، هل تصلي جماعة أخرى قربهم؟ قال: يصلون حيث لا يسمع بعضهم أصوات بعض، إلا أن تكون الصفوف متصلة، فلا يجوز، ويجوز أن يصلي القوم بصلاة الجماعة وراءهم، ما لم يسمعوا أصوات الإمام فيهم لا يجوز، إذا لم تكن صفوف متصلة فيجوز، ولو لم يكن سمعوا صوته. (13/19)
صفحة 3233
[صفحة بيضاء] (13/20)
صفحة 3234
الباب الثالث
في النية لصلاة الجماعة
-ومن غير كتاب الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم- وإذا أراد الإمام أن يصلي بمن خلفه من الجماعة صلاة الجمعة أو غيرها، فإنه ينوي ويقول: أصلي الفريضة التي افترضها الله عليّ، وهي صلاة الجمعة أو غيرها كذا وكذا ركعة إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله إماما لمن يصلي بصلاتي، ولمن يأتي.
مسألة: وأما المأموم فإنه ينوي ويقول: أؤدي الفريضة التي افترضها الله عليَّ صلاة الجمعة، أو غيرها، إذا كان وليا، وإن كان غير ولي، نوى أن يصلي بصلاة الجماعة طاعة لله ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم (انقضى). (13/21)
صفحة 3235
[صفحة بيضاء] (13/22)
صفحة 3236
الباب الرابع
فيمن أحق بالإمامة
-من كتاب الأشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحق القوم أن يؤمهم أقرأهم لكتاب الله، وإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، وإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، وإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنا»، وقد اختلفوا في هذه المسألة، فروينا عن الأشعث بن قيس أنه قدم غلاما، وقال: إنما أقدم القرآن، ومن قال يؤم القوم أقرأهم ابن سيرين وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، فقال أصحاب الرأي: أقرأهم وأعلمهم بالسنة، وقال أبو بكر: بهذا القول أقول، لأنه موافق للسنة، وقيل غير ذلك، قال عطاء بن أبي رباح: كان يقال يؤمهم أفقههم، وإن كانوا في الفقه سواء فأقرأهم، وإن كانوا في القراءة سواء فأسنهم، وقال مالك: يتقدم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة، وإن ألبس لحفا، وقال الأوزاعي: يؤمهم أفقهم، وقال الشافعي: يؤمهم أقرأهم وأفقههم وأسنهم، وقال أبو ثور: يؤمهم أفقههم إذا كان يقرأ القرآن.
قال أبو بكر: يتقدم الناس على سبيل ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي، إلا أنه يخرج معنى ذلك على ما جاءت به الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «اختاروا لإمامتكم أخيركم»، وفي بعض الحديث: «أفضلكم» ولا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم في التأويل غير هذا لقوله: (13/23)
صفحة 3237
«أقرؤكم أبي بن كعب» وتقديمه عليه في الصلاة أبا بكر، فلو كان ذلك كذلك لغير الفضل، تقدم أبي بن كعب عليهم، ولكنه يقدم أفضلهم، فإن استووا في الفضل أقرأهم، لثبوت القراءة في الصلاة، وإنه لا تجوز الصلاة إلا بها، فإن استووا في الفضل والقراءة فأعلمهم بالسنة؛ لأن الصلاة لا تقوم إلا بعلم، فإن استووا فقيل أسنهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا» فليس من التوقير أن يؤم، بل منه أن يؤم، على حسب هذا يخرج في معاني قول أصحابنا، ولعله قد قيل: إنهم إن استووا في ذلك فأحسنهم وجها، ولا يبعد ذلك؛ لأن الله -تبارك وتعالى- لا يكاد أن يجعل الحسن والجمال، إلا في أوليائه فيفضلهم بذلك.
ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في إمامة غير البالغ، فمن روى أن الصلاة خلف من لم يبلغ جائزة، الحسن البصري وإسحاق وأبو ثور، وكره إمامة من لم يبلغ عطاء بن أبي رباح والشعبي ومجاهد ومالك والثوري وأصحاب الرأي، وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: لا يؤم الغلام حتى يحتلم، وفيه قول ثالث قال: لا يؤم الغلام في الصلاة المكتوبة حتى يحتلم؛ إلا أن يكونوا ليس معهم من القرآن شيء، فإنه يؤمهم الغلام المراهق، وقال الزهري: وإن اضطروا إليه أمهم، وفيه قول رابع: وهو أن الجمعة لا تجزي خلف الغلام إذا لم يحتلم، ويؤمهم في سائر الصلوات، وهذا قول الشافعي آخر قوله، وقد كان قبل يقول: ومن أجزت إمامته في المكتوبة أجزت إمامته في الجمع والأعياد، غير أني أكثر فيها إمامة غير الولي.
وقال أبو بكر: إمامة غير البالغ جائزة، إذا عقل الصلاة وقام بها للدخول في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم» ولم يستثن أحدا، قال أبو سعيد: في معاني قول أصحابنا، إنه لا يؤم الصبي في الفرائض كلها واللوازم، لسقوطها عنه في معاني السنة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اختاروا لإمامتكم أفضلكم وخياركم» إنما خاطب بذلك أصحابه البالغين وأمثالهم، ممن قد لزمه معنى الإمامة، ولا أعلم في قول أصحابنا ترخيصا في إمامة الصبي قبل أن يحتلم في اللوازم، وأما في الوسائل فقد (13/24)
صفحة 3238
أجاز ذلك من أجازه منهم، مثل قيام شهر رمضان وأمثاله، وإذا حسن ذلك للصبي وأمن على الطهارة، فإنه ليعجبني ما حكي من قول من قال منهم، إنه إذا لم يكن معهم من يقرأ أو عدموه، إنه تجوز إمامة الصبي إذا عقل، لما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: الصلاة على من عقل، والصوم على من أطاق، يعني من الصبيان، ولثبوت معنى الجماعة أن لا تعطل، فإذا عدم قيامها إلا بإمامة هذا الصبي على هذه الصفة، أعني إجازة ذلك على هذا المعنى، ومعنى آخر أولى منه، أن يكون الحاضر لا يحسن من القراءة ما تقوم به الصلاة، ولا تعليم ذلك لثبوت اتباع المأموم للإمام في القراءة، إنه يجزي عنه، فإذا كان على أحد هذين الوجهين، كانت عندي إمامة الصبي العاقل المحسن لذلك، المأمون على الطهارة أفضل من تركها وتعطيلها، ومنه، قال أبو بكر: أباح عوام أهل العلم إمامة الأعمى، فممن كان يؤم وهو أعمى ابن عباس وغسان بن مالك وقتادة، وهذا قول القاسم بن محمد والشعبي وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وإبراهيم النخعي، وبه قال مالك وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وقد روينا عن ابن عباس رواية ثانية أنه قال: أؤمهم وهم يدلوني إلى القبلة، وعن أنس بن مالك أنه قال: وحاجتكم إليه، قال أبو بكر: إمامة الأعمى كالصحيح، وهو داخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استخلف ابن أم مكتوم في المدينة يصلي بالناس.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا ما شبه ما حكي من الاختلاف في إمامة الأعمى، وأما ما ذكرت من استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم في المدينة يصلي بالناس، فلعله ذهب في ذلك في الصلاة على ما قد قيل من يجيز إمامة الأعمى، وقد قيل: إنما جعله يعلم الناس دينهم، وثبوت استخلافه على المدينة لغير تعلم تدخله العلل، والدين يصح، وما صح فهو أولى، وما دخلته العلل أمكنت فيه المقالات، وقد قيل: إنه أصل ما ذهب إليه من لم يجز إمامة الأعمى، (13/25)
صفحة 3239
أن الأعمى إنما هو في الأصل استقبل القبلة على وجه التحري، والذي من خلفه من البصراء استقبلوا القبلة على علم ويقين، ويخرج في معاني الاتفاق، أنه لا يجوز اتباع المتحري القبلة لمعنى تجربة، ولو كانت المتبع له إنما هو يتحرى، إلا على علم أن يقع للمتبع له تحري ما قد تحرى، وأما إجازة إمامته فلمعنى دخوله في جملة المسلمين، ولأنه مع من صلى معه على يقين، ولو كان عند نفسه على ما تحرى، فإن المؤتم على يقين لا على تحري، فإذا حضر الأعمى والبصير من المسلمين، كانت إمامة البصراء إذا استووا في حالهم أحب إلينا وأثبت، بمعنى الاتفاق عليه، وإذا فضله الأعمى كانت إمامة الأعمى أحب إلينا؛ لثبوت تقديمه في جملة المسلمين، وثبوت الفضل.
مسألة: قال أبو بكر: روينا عن عائشة، أنها كانت يؤمها غلام لها، وأم أبو سعيد مولى بني أسيد، وهو عند نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم حذيفة وابن مسعود، ورخص في إمامة العبد إبراهيم النخعي والشعبي والحسن البصري والحكم وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي، وكره ذلك أبو مخلد، وقال مالك: لا يؤمهم إلا أن يكون العبد قارئا، ومن معه من الأحرار لا يقرؤون، إلا أن يكون في عيد أو جمعة، فإن العبد لا يؤم فيها، ويجزي في عيد إن صلوا وراءه، قال أبو بكر: العبد داخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله».
قال أبو سعيد: يخرج عندي في قول أصحابنا اختلاف في إمامة العبد، فمعي؛ إن الذي ذهب أن لا يؤم العبد إذ ليس عليه صلاة الجماعة، فإذا لم يكن عليه صلاة في الجماعة لم يقم ما هو ليس عليه في الأصل، وعلى معنى من يقول: إنه تجوز إمامة العبد لدخوله في جملة المسلمين، وثبوت الصلاة عليه، فإذا كان ذلك بإذن سيده، وفرغه لذلك، فلا معنى يمنعه بعد أن يؤذن له بذلك، ويقع الاختيار عليه، أو يوجب ذلك النظر في إمامته، وإذا ثبت معنى إمامته ولزومها في صلاة الفريضة في الجماعة، فلا معنى يمنع ذلك من الجمعة والعيدين، وفي العيدين أشبه (13/26)
صفحة 3240
أن يكون إماما؛ لأنه قد قيل: إن عليه ذلك، وعليه أن يستأذن سيده في ذلك، فما أشبه أن يلزمه كان أحرى أن يجوز به، وكذلك الجمعة، وإن كانت لا تلزمه فقد ثبت أنها لا تلزم المسافر، وقد ثبت أن المسافر يصلي بالناس الجمعة إذا نزل بمنزلة الإمام فيها، وهو إمام المصر إذا دخل موضع الجمعة مسافرا، بمعنى المصر، كان هو الإمام لرعيته، لا نعلم في ذلك اختلافا، وعليهم الجمعة، وعلى ذلك معنا كانت الأمراء إذا دخلت الأمصار، وهي مكية، والأئمة الأمراء على الناس من جمعة أو جماعة، لا يجوز أن يقدمهم غيرهم، ولو كانوا مسافرين.
وكذلك قيل: إذا أمر المسافر الإمام بصلاة الجمعة أن يصلي بالناس، جاز ذلك، ولزم بأمر الإمام، وقد كان في الأصل لا جمعة عليه، وكذلك العبد مثله، ومنه؛ قال أبو بكر: كره أبو مخلد إمامة الأعرابي، وقال مالك: لا يؤم الأعرابي، وإن كان أقرؤهم، وفي قول سفيان الثوري والشافعي وأصحاب الرأي: الصلاة خلف الأعرابي جائزة، وكذلك نقول: إذا قام بحدود الصلاة.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه إذا كان لا علة، إلا أنه أعرابي لا مسافر ولا معنى إلا بثبوته أعرابيا، فلا يمنع ذلك عندي إمامته، لوجه قد يخرج معنى هذا في الرواية، أنه لا يؤم الأعرابي المهاجر، والله أعلم بذلك ما كان.
ومنه؛ قال أبو بكر: كان عطاء يقول: إذا كان أميا لا يحسن من القرآن شيئا، وامرأته تقرأ، يكبر زوجها وتقرأ هي، فإذا فرغت من القراءة كبر هو وركع وسجد، وهي خلفه تصلي بصلاته، وروي هذا المعنى عن قتادة، وفي قول الشافعي إذا أم الأمي الذي لا يحسن شيئا من القرآن، ثم هو مثله فصلاتهما جائزة، وإن أم من يحسن القرآن، لم تجز صلاتهم خلفه، وقال النعمان: إذا صلى الأمي بقوم يقرؤون، وبقوم أميين فصلاتهم كلهم فاسدة، وقال يعقوب: صلاة الإمام ومن لا يقرأ تامة، وقالت فرقة: صلاة الإمام وصلاة من خلفه جائزة؛ لأن كلا مؤدي فرضه، وذلك مثل المتيمم يصلي بالمتطهرين بالماء؛ والمصلي قاعدا بقوم يصلون قياما، صلاتهم مجزية في قول من خالفنا؛ لأن كلا مؤدي فرض نفسه. (13/27)
صفحة 3241
قال أبو سعيد: إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنه لا يؤم من لا يقرأ شيئا من القرآن من لا يقرأ الآية، وإن وسعه ذلك في نفسه، إذا كان معذورا لعدم ذلك في حينه، إذ لا يقدر عليه، فلا يكون ذلك لغيره، ولكن يؤم من هو مثله ممن لا يقرأ، فإن أم من هو مثله ممن لا يقرأ، فيخرج عندي في معنى هذا القول إن صلاته وصلاة من لا يقرأ تامة، وعلى من يقرأ البدل، ولا تتم صلاتهم وتمام صلاته للعذر الذي له في معنى هذا القول، وليس معنى هذا عندي على ما يخرج في معاني قول أصحابنا، كالمتيمم يصلي بالمتطهرين؛ لأن التيمم عند عدم الماء طهارة، وكل في ذلك مخصوص بما يلزمه، وقد ثبتت الطهارة بمعنى الصعيد، كما ثبتت بالماء عند العدم، ولا يثبت أن هذا قد قرأ إذا لم يقرأ. ومنه؛ قال أبو بكر: كان عطاء بن أبي رباح يقول: يؤم من لا أب له إذا كان مرضيا، وبه قال سليمان بن موسى والحسن البصري وإبراهيم النخعي والزهري وعمرو بن دينار وسفيان الثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق، غير أن بعضهم قال: إذا كان مرضيا وتجزي الصلاة خلفه عند أصحاب الرأي، قال: قالت عائشة: ليس عليه من وزر أبويه شيء، وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز، أنه نهى رجلا كان يؤم بالعقيق لا يعرف له أب، قال: مكروه أكره أن يتخذ إماما زانيا، قال أبو بكر: يؤم لدخوله في جملة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم».
قال أبو سعيد: معي؛ إنه قيل لا بأس بإمامة من لا أب له ثابتا، وإن ثبت أنه ولد زنا، فلا معنى يدخل عليه في والديه في أمر صلاته، ولا أمر دينه، وأن كل غيره عمن لا يفضله، أو عمن هو مثله أقرب إلى مسارعة أهل الجماعة إليها بصلاته، كان أحب إليّ أن يقدم غيره من هذا الوجه، إذا كان يقدمه بنقل وجه من الوجوه، ووجد مثله، لم أحب أن يدخل على الناس مشقة في الاختيار، ومنه؛ قال أبو بكر: كان الشافعي وأبو ثور يقولان: لا يؤم المشكل الرجال، ويؤم النساء.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج نحو هذا في معاني قول أصحابنا، إن (13/28)
صفحة 3242
الخنثى يؤم الخنثى، والأنثى لا تؤمها الأنثى، ولا يؤم هو الرجال، ومنه؛ قال أبو بكر: إذا صلى رجل كافر بقوم مسلمين، وهم لا يعلمون بكفره، فكان الشافعي وأحمد بن حنبل يقولان: لا يجزيهم، ويعيدون، وقال الأوزاعي: وقال الشافعي وأبو بكر: لا يكون بصلاته مسلما، وقال أحمد بن حنبل: يجبر على الإسلام، وقال أبو ثور والمزني: لا إعادة على من صلى خلفه، والشافعي يوجب الإعادة على من صلى خلفه والشافعي يوجب الإعادة على من صلى من الرجال خلف المرأة، وقال أبو ثور: لا إعادة عليهم، وهذا قياس قول المزني.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إن إمامة الكافر لا تجوز إذا كان كفره كفر شرك، بوجه من الوجوه، ولا أعلم مخرجا من قولهم: إنه يثبت عليه الإسلام بالصلاة، وإن عوقب في تقدمه على المسلمين إذا صح ذلك عليه، كان أهلا لذلك، إذا رأى ذلك الإمام، ومعي؛ إنه يخرج أن عليهم الإعادة، إذا صح أنه كان حين صلى بهم مشركا، وأما إقراره فلا يكون عليهم حجة، إذا كان في دار الإسلام، ولا يخرج في قول أصحابنا إجازة إمامة المرأة للرجل، ولا في معاني ذلك في الفرائض، وكذلك لا تكون هي خلفه وتقرأ، ويكون إماما لها، ولو لم يحسن هو القراءة؛ لأن ذلك خلافا للسنة في الإمامة بالفرائض، والسنة أن يقرأ الإمام لا المأموم، وإن فعلت ذلك خرج عندي أن صلاته هو تامة، إذا كان لا يقدر إلا على ذلك، وعليها هي الإعادة، ومنه؛ فيما أحسب قال أبو بكر: ثبت أن ابن عباس جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل، فجعله النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه، وقد اختلف فيه، فكان الشافعي يقول: والائتمام بمن صلى لنفسه، لا ينوي الإمامة وقال سفيان الثوري وإسحاق: على المأموم الإعادة، وقال النعمان: في رجل نوى أن يؤم الرجال، ولا يؤم النساء، وصلت امرأة إلى جنبه ائتمت به قال: لا تجزيها صلاتها ولا تفسد عليه صلاته، واختلف فيه، عن أحمد بن حنبل فقال مرة: لا يعجبني في الفرض، ولا بأس في التطوع، وقال مرة: على المأموم الإعادة، ولا يذكر فرضا ولا غير فرض، قال أبو بكر: بحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نأخذ. (13/29)
صفحة 3243
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من المنع والإجازة، وأما ما حكي عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون إلا على أنه إمام له، ولا يجوز في معنى الإطلاق، أن يكون إماما إلا بنيته للإمامة؛ لأن الأعمال بالنيات، وكما لا تجوز الصلاة إلا بالنيات على الانفراد، كذلك لا تكون جماعة إلا بنية، وإذا أمه الإمام بإظهاره الإمامة خرج في معنى الحكم، أنه قد أمه إذا ائتم به المؤتم واتخذه إماما في ظاهر الحكم؛ لأن إظهاره الإمامة ما لا يكون جائزا له من الصلاة من الجهر إلا بإمامة، كان ذلك دليلا على أنه إمام، فإذا كان هذا الإمام في موضع إمامته المعروف بها من بقعته، حسن معي أن يكون إماما لكل من دخل معه على القول الأول، من رجل وامرأة من عمار بقعته أو غيرهم، حتى يعلم المصلي خلفه أن نيته غير ذلك، وإذا لم يكن إماما في تلك البقعة معروفا بذلك، حسن معي القول الثاني أنه لا تثبت إمامته بمن صلى خلفه، إلا حتى يعتقد الإمامة به، أو يعلم ذلك منه بمعنى ما قد صح، أنه قد جعل نفسه إماما، وأن هذا قد دخل معه في إمامته على حسب ما ذكرنا من أول المعنى، ومنه؛ قال أبو بكر: ثبت أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم يرجع يصليها بقومه بني سليمة، قال أبو بكر: فممن مذهبه هذا القول بظاهر الحديث، عطاء وطاووس، وبه الشافعي وأحمد بن حنبل وسليمان بن حرب وأبو ثور، وقال بهذا المعنى الأوزاعي، وقالت طائفة: كل من خالفت نيته نية الإمام في شيء من الصلاة لم يعتد بها، واستأنف، هذا قول الزهري وربيعة ويحي الأنصاري، وقال مالك بن أنس، وروي معناه عن الحسن البصري وأبي قلابة، وقال الكوفي؛ إذا صلى الإمام تطوعا، لم يجز لمن صلى خلفه الفريضة، وإذا صلى الإمام الفريضة، صلى خلفه التطوع، وقال عطاء بن أبي رباح وطاوس: يجوز أن يصلي العشاء مع الإمام، يصلي التراويح ويبني ركعتين إذا سلم الإمام، وفي قول سعيد بن المسيب والزهري: يصلي معهم ثم يصلي العشاء وحده، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، استدلالا بحديث معناه.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: أنه لا يكون من (13/30)
صفحة 3244
صلى فريضة ثبتت له صلاته بها في جماعة، أو فرادى كان إماما لغيره، ثم يصلي تلك الصلاة، ولا أعلم في هذا المعنى اختلافا، وذلك عندي مشبه لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا صلى أحدكم ثم أتى الجماعة، وأتى المسجد فيصلي ويجعلها نفلا»، ولا أجد معنى يخرج في معاني الصلاة، ولا غيرها، أن النفل يكون فرضا ولا يقوم الفرض بالنفل من فعل الغير، ولا من فعل النفس، وإذا ثبت نفلا لم يقم به الفرض المؤكد، وإن قال قائل: إنه لو حج قبل أن يجب عليه الحج في حال ما يخاطب به من الزاد والراحلة، من حال القدرة، فخرج متطوعا حتى حج، أن ذلك يجزيه عن الفريضة، وقد كان في الأصل قلنا لم يكن ذلك نفلا حين أدى الحج، إنما كان منه النفل خروجه إلى الحج، وأما إذا صار في موضع الاستطاعة للحج، في الموضع الذي ينفذ منه الحج، كان مخاطبا بذلك، وكان الحج فرضا لا نفلا، ولم يقم قط فرض بنفل، إلا بمعنى أنه ثبت فرض في معنى الأصل.
-ومن جامع محمد بن جعفر- وكل مسجد يؤذن فيه، ويصلي فيه إمامه بمن صلى معه جماعة، فلا نرى أن تصلي فيه تلك الصلاة جماعة من بعد صلاة الإمام، حيث تجوز الصلاة خلف الإمام بمن صلى بصلاته، فأما الموضع الذي لا تجوز فيه الصلاة لمن صلى بصلاة الإمام، فالصلاة جماعة لمن جاء من بعده جائزة، وذلك إذا كان الإمام قد صلى في مؤخر المسجد، وبقي أوله وكان شيئا من الحجرة متقدما يقطع بينه وبين الإمام جدار، فلا يجوز أن يصلي هنالك مصل بصلاة الإمام، ومن صلى من رجل أو امرأة وحده في مسجد، والإمام يصلي تلك الصلاة، فإن صلاة ذلك المصلي منتقضة.
مسألة: وأما إذا جاء قوم إلى المسجد قبل أن يصلي إمامه فصلوا جماعة، فللإمام أن يصلي من بعدهم تلك الصلاة جماعة، لأنه هو أولى بذلك، قال غيره: إذا كان الجماعة غرباء من غير عمار المسجد، أو صلى العمار على غير الوجه من الانتظار. (رجع).
وإن صلى الإمام وأراد الجماعة أن يصلوا جماعة بعده فقد قيل: يجوز لمن جاء (13/31)
صفحة 3245
من بعده أن يصلي تلك الصلاة في ذلك المكان جماعة؛ لأن تلك الصلاة التي صلاها الإمام لم تكن جماعة، قال غيره: وقد قيل إنها جماعة؛ لأنه الإمام. ومن غير الكتاب.
مسألة: قال أبو سعيد: قد قيل فيما معي، إنه يروى: من سره أن يلقى الله طاهرا فعليه بهؤلاء الصلوات الخمس، حيث ينادى بهن جماعة.
مسألة: قال أبو المؤثر: رفع إليّ في الحديث أن سليمان الفارسي أقام الصلاة بقوم معه، ثم قال لهم: يتقدم أحدكم، فقالوا سبحان الله يا أبا عبد الله! ما كنا لنتقدم بك، فقال: كلكم بي راض؟ قالوا: نعم، فتقدم وصلى بهم، فلما قضى صلاته، أقبل عليهم فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاثة يقومون إلى الصلاة لا تقبل صلاتهم: امرأة قامت إلى الصلاة وزوجها عليها غضبان -لعله بحق وجب عليها له ولم تفعله عند الله-، وعبد أبق عن مولاه حتى يرجع إليه ويضع يده مع أهله، وإمام قوم يصلي بهم وهم له كارهون»، ونقول تفسير الحديث: في امرأة إذا قامت إلى الصلاة وزوجها غضبان، فنقول إذا غضب عليها زوجها في حق له عليها لم تؤده إليه، وهي قادرة، فهو كما ذكرنا عن النبي، وإن غضب عليها بغير حق، وإنما يلتمس عليها العلة، فلا بأس عليها.
مسألة: قال أبو سعيد محمد بن سعيد -رحمه الله-: إنه يختلف في الإمامة بمن لا تلزمه صلاة الجماعة من النساء والعبيد، في كل موضع فقال من قال: جائز أن يؤم الرجل بهؤلاء، في كل موضع على الإطلاق، لا يشترط شيئا، وقال من قال: لا يجوز ذلك، إلا في مسجده الذي يؤم فيه؛ لأن هؤلاء لا جماعة عليهم، وأما إذا كان يصلي وحده في مسجده الذي يؤم فيه، فيعجبني أن يجهر بالقراءة في موضع الجهر، وبالتكبير في السر، ولا أعلم أن في ذلك كراهية إلا قولا يشبه الشاذ، إنه لا يجهر إذا كان وحده، ولا أجد مانعا لذلك لإحياء سنة الجماعة وفضلها. ومن جامع أبي محمد.
مسألة: في ترتيب الأئمة، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليؤمكم أقرأكم (13/32)
صفحة 3246
لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم، فإن كانوا في ذلك سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في ذلك سواء فأكبرهم سنا، فإن كانوا سواء فأقدهم هجرة»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، وقال: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» ومن جمع بين العلم والقراءة كان أولى بالإمامة؛ لأنه قد جمع من الخصال ما هو أولى من غيره، وإن استووا كان أكبرهم سنا، لما في النفوس من تعظيم ذوي الأسنان، وإذا استووا في ذلك فأثبتهم ورعا وصلاحا؛ لأنه لا يخفى على ذي لب أنه قد جمع من الفضائل ما لا يرغب عن اتباعه إلا ناقص، ولذلك كرهنا إمامة الفاسق مع جواز الصلاة خلفه، لما فاته من تعظيم النفوس له من جهة الدين، وإن كان ذلك من طريق الحكم، ولا يشبه الفاسق في هذا المشرك؛ لأنه لو تاب وقد صلى لم يكن عليه إعادة صلاته، ولو أسلم الكافر وكان قد صلى أعاد صلاته، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «الإمام ضامن» وهذا حكم عام على كل إمام، وفي حال هو فيها إمام، فلولا أنه مؤدي فيما يؤدي عن نفسه وعن غيره، لم يكن ضامنا، ألا ترى أن مدرك الإمام في الركوع تجوز ركعته، وإن قلنا إن عليه قضاء ما فاته، وقد قال كثير من أصحابنا مع مخالفيهم أن ركعته جائزة، ولا إعادة عليه منها، وهذا يبين لك أنه فيم يؤدي عن نفسه مؤد عن غيره.
وكذلك القارئ إذا صلى خلف الأمي لم تجز صلاته؛ لأن الذي يؤدي الأمي عن نفسه، لا يصلح أن يكون أداء عن القارئ، وكذلك ما تؤدي المرأة عن نفسها لا يصلح أن يكون أداء عن الرجل، وإذا صلى القارئ خلف الأمي جازت صلاة الإمام، وفسدت صلاة القارئ، كالمرأة صلت برجال ونساء، أن صلاة النساء جائزة، وصلاة الرجال فاسدة، وكذلك الأمي بالأمي، وكذلك الإمام، إذا كان ممن فرضه في صلاته الإيماء، لم تجز خلفه صلاة من يركع ويسجد إلا من ركع وسجد لا إمام له فيما ركب صلاته، وكذلك المتوضئ خلف المتيمم من الجنابة، وكذلك الطاهرة من النساء خلف المستحاضة، والمتوضئ خلف من به سلس البول؛ لأن هؤلاء صلاتهم ضرورة، فإذا زالت الضرورة قبل تمام الصلاة (13/33)
صفحة 3247
أعادها لاستحالة وجود الضرورة، والقدرة، والله أعلم.
-ومن الكتاب- وإذا قام إمام العراق قدامهم، والمرأة أمام النساء في الصلاة، وهي إمام لهن، أو قامت المرأة إلى جانب الرجل في الصلاة، أو قام المأموم على يسار الإمام، وكذلك من كان في معناهم لمن خالف ترتيب النبي صلى الله عليه وسلم لهم في الصلاة، فصلاة هؤلاء كلهم باطلة، ولا يكونون مطيعين في صلاتهم، ومع مخالفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في ترتيبه إياهم، وقد قال الله -عز وجل-: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63).
-ومن الكتاب- وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله وأقدمهم هجرة، فإن كانت القراءة سواء فليؤمهم أكبرهم سنا» ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه أحد، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه، والتكرمة الفراش، والمخدة، فالواجب على المرء امتثال ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من فرض أو ندب في صلاة أو غيرها، وأجمعوا أن الإمام إذا كان يحسن ما يلزم في الصلاة من قراءة أو غيرها أن إمامته جائزة، وإن كان في المأمومين من هو أقرأ منه وأكبر سنا، وإمامة العبد والأعجمي والخصي جائزة؛ إذا كان بالوصف الذي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال محمد بن محبوب: لا تجوز الصلاة خلف واحد من هؤلاء، وإمامة الصبي غير جائزة؛ لأنه غير مخاطب بالصلاة، والجماعة تجب على المخاطبين، ولا تنعقد إلا بهم، والأمي الذي لا يحسن القراءة لا يجوز أن يأتم به من يحسن القرآن، ولكن يكون إماما لمثله، وإن كان يحسن ما يؤدي به الصلاة من القراءة وغيره، فجائزة، وإمامة ولد الزنا والمنبوذ وولد الملاعنة جائزة، والمانع من ذلك محتاج إلى دليل، ولا يجوز أن تؤم المرأة رجلا، ولا تنازع بين الأمة في ذلك، والخصي لا يكون إماما اتفاقا.
-ومن الكتاب- والائتمام بالصبي في الفرض والنفل غير جائز، وقال بعض أصحابنا: يجوز في النفل، الدليل على اختيارنا، أن الجماعة لا تنعقد إلا بالمخاطبين البالغين المأمورين بالصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حضرت الصلاة (13/34)
صفحة 3248
فليؤذن أحدكم وليؤمكما أكبركما» وهذا خطاب يتوجه إلى المكلفين البالغين، دون من لا يلحقه الخطاب لصغره وطفولته، فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت للصبي حجا، فما أنكرتم أن تثبت له الصلاة؟ قيل له: ليس كل من ثبت له الصلاة، جائز أن يؤم به بإجماع الجميع، أن المرأة لها الصلاة، ولا تجوز الائتمام بها، فإثبات الصلاة لا يكون دليلا على انعقاد الجماعة به، ولسنا ننكر أن تكون للصبي صلاة، كما يكون له حج، فإن قال قائل: فهل يثاب على حجه؟ قيل له: من طريق الثواب، طريق التفضل لا الاستحقاق؛ لأن الكبير المخاطب أيضا لا يستحق الثواب على طاعته، لنفس الفعل، لأن المخاطب بالطاعة عليه من يقيم لله جل وعلا، ما لو قوبل فعله من طريق الطاعة بها لصغر عندها الثواب على الطاعة، فدل بهذا أن الثواب طريقه طريق التفضل، إذا كان الله -جل ذكره- تفضل بالوعد على الطاعة، وإذا كان هذا هكذا فجائز أن يتفضل على الصغير بما يشاء.
-ومن كتاب محمد بن جعفر- وأولى بالإمامة من القول أقرؤهم للقرآن، وأعلمهم بالسنة، فإن استووا في ذلك فأفضلهم ورعا وأثبتهم صلاحا، فإن استووا في ذلك فأكبرهم سنا، ومن غيره؛ قال: وقد قيل فإن استووا في ذلك فأصبحهم وجها، ومنه؛ ويكره أن يؤم الناس المقيد في الصلاة، والمجنون، إلا أن يصلوا بمن كان مثلهم، ومن غيره؛ قال أبو عبد الله: أما المجنون فلا بأس عليه إذا كان صالحا. (رجع).
وقيل: لا يصلى خلف المولى، إذا قال إنه من العرب، ولا من انتحى من العرب إلى غير عشيرته، ولا يؤم الناس الصبي في صلاة الفريضة، ولا العبد ولا الضرير، وقال من قال من الفقهاء: إن الضرير والعبد تجوز إمامتهما في الصلاة، وإنما قيل: لا يكون العبد إماما في الأحكام، وغير هؤلاء أولى بالإمامة منهم، فإن صلوا بقوم لم أبصر على من صلى خلفهم نقض الصلاة، ومن غيره؛ ومن جواب لأبي عبد الله -رحمه الله- قلت: هل تجوز الصلاة وراء خلف الذي يغشى بالنهار ولا يبصر بالليل، والذي خلفه يبصرون؟ فأقول: لا تجوز الصلاة (13/35)
صفحة 3249
خلفه بالليل، وتجوز الصلاة خلفه بالنهار، ومن غيره؛ أما الضرير فتجوز إمامته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم على المدينة على عليٍّ وغيره، ومن غيره.
مسألة: قلت: إن أمهم الصبي في فريضة، أو نافلة، هل تتم صلاتهم إذا كان ممن يحافظ على الصلاة مختتن أو غير مختتن؟ فأما الفريضة فقد اختلف في ذلك، وأحب أن لا تجوز وأما في النافلة، فقد اختلفوا في ذلك، وأحب أن تجوز، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: أما الصبي فيجوز إذا كان قد اختتن، ويحسن الصلاة.
مسألة: قال أبو المؤثر: إن الإمام الأكبر لا يؤمه أحد في الصلاة.
مسألة: عن أبي علي، وعن قول المسلمين في إمام صلى بقوم، وفيهم من أعرف منه، فلا يزالون في سفال في أمر دينهم في جميع الدين، أو الصلاة دون غيرها، وما يبلغ ذلك في صلاتهم، والذي عرفت إذا صلى بقوم وفيهم من أفضل منه، وهو كذلك، إلا أن يمتنع الأفضل عن الصلاة والسفال، هاهنا النقصُ، والله أعلم. (13/36)
صفحة 3250
الباب الخامس
فيمن يجوز أن يكون إماما في الصلاة
قال أبو المؤثر: اختلفوا في الصلاة خلف الأعمى، فقال من قال: لا يصلى خلفه، وروي ذلك عن ابن عباس أنه قال: كثيرا ما كنت أؤمهم وهم يدلوني إلى القبلة، وقال من قال: إن الصلاة خلفهم جائزة، وذكروا أن موسى بن علي كان يصلي خلف محمد بن سليمان، وهو أعمى.
مسألة: قال أبو المؤثر: قد قال من قال: صلاة العبد جائزة بالأحرار، وإنما قالوا لا يؤم العبد الأحرار أن يكون إمام للحكم، وقد ذكرنا لنا أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمها غلامها في الصلاة، فعرضت هذا الحديث، فقال لي: كان يؤمها بالفريضة أو في قيام شهر رمضان، فلم يكن معنا في ذلك صحة، إلا أن الحديث رفع إلينا هكذا، وسألته عن الخصي، هل يجوز أن يؤم الرجال في الصلاة؟ قال: معي؛ إنه يجوز ذلك، ومعي؛ إنه في بعض الآثار، أنه يكره ذلك، ولعله من طريق التأويل أنه لا يؤم ناقص بتام، ورأيته يعجبه إجازة ذلك، قلت له: فإذا كان مقطوع منه يد أو رجل أو غير ذلك من الجوارح، مثل الأذن والعين، هل يكون مثل الخصي عندك؟ قال: معي؛ إن مقطوع الرجل أشد ويلحقه عندي معاني الاختلاف إذا كان يصلي قائما، وأما مقطوع اليد فقد يعلله من يعلله أيضا؛ لنقصان الطهارة، وأما مقطوع الأذن الواحدة والعين فمعي؛ إنه تجوز إمامته بالأصحاء على معنى قوله، وكذلك الأنف، قلت له: فالأصم، هل تعلم أنه (13/37)
صفحة 3251
تلحقه كراهية في إمامته؟ قال: معي؛ إن الأصم لا يدخله نقصان في معنى الصلاة؛ لأنه يبصر القبلة.
مسألة: وسئل عن الذي يقنت في الصلاة، هل تجوز الصلاة خلفه؟ قال: معي؛ إن أصحابنا لا يرون الصلاة خلفه إذا علم أنه يقنت في الصلاة، فإن صلى خلفه، ولم يقنت فلا بأس وإن صلى خلفه قبل أن يعلم أنه يقنت فقنت، فمعي؛ إنه قيل: لا إعادة عليه، قلت له: ولو علم في الصلاة لذلك؟ قال: معي؛ إنه كذلك في معنى هذا القول، ولو علم في الصلاة حتى يصلي خلفه صلاة غير هذه الصلاة بعد لمه بالقنوت؟ قلت: فالذي يحرم قبل التوجيه، هل تجوز الصلاة خلفه؟ قال: معي؛ إنه يختلف في ذلك فبعض يجيز الصلاة خلفه، وبعض لا يجيز الصلاة خلفه، تنقض صلاته التي صلاها خلفه، علم أنه يفعل ذلك أو لم يعلم، وفي القنوت إنما ذهب من ذهب إلى فساد صلاته إذا صلى خلفه من لا يعلمه، أنه يقنت فثبت معنى التوجيه عليه بعد الإحرام، أنه أشد إذا كان نقض الصلاة به على العلم والجهل عند من ذهب إلى ذلك.
-ومن كتاب الأشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر يوما والناس وراءه، وجعل يركع ثم يرفع ويرجع القهقرى ويرفع القهقرى ويسجد على الأرض، فلما فرغ قال: «يا أيها الناس إنما صلت لكم لكيما تروني فتأتموا بي» قال أبو بكر: هكذا الإمام إذا أراد أن يعلمهم، فإن لم يرد يعلمهم، فذلك مكروه لحديث رويناه عن ابن مسعود، أن ذلك منهي عنه، وقد اختلفوا فيه، وقد كان الشافعي يرى أن ذلك جائز، إذا أراد الإمام أن يعلمهم، وقال أصحاب الرأي ذلك مكروه، وصلاتهم تامة، وقال الأوزاعي: لا يجزي ذلك، يستوي معهم على الأرض، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني الاختلاف بنحو هذا في معاني قول أصحابنا إذا كان في موضع يركع ويسجد، وأما أن يرجع إذا ركع إلى الأرض فيسجد فيها، ثم يصعد فلا أعلم هذا مذكورا في معاني قولهم، ولا ما يشبهه، إلا أنه يخرج في معاني العذر في معنى قولهم، إذا لم يكن يقدر في موضعه على (13/38)
صفحة 3252
السجود، ولا يقدر حيث يسجد على القيام، وصلاته بالقيام إلا أن يتقدم لقيامه، ثم يزحف إلى خلفه ويركع ويسجد، ففي مثل هذا يخرج في معنى قولهم إجازته، ولا يعجبني أن يكون للناس في مثل هذا ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم إن صح عنه هذا، وإلا فهذا عندي يشبه العمل في الصلاة، لغير معناها، وقد كان يمكن أن يخبر بذلك خبرا فيكون مجزيا عن العمل، والله أعلم.
-ومن غير الكتاب-؛ ويقال: لا يصلي أعرابي بقروي، ولا عبد بحر ولا ولد بوالده، إلا أن يكون القروي والحر، والوالد لا يقرأون، فأما من يقرأ أحق بالإمامة بالصلاة ممن لا يقرأ.
مسألة: أحسب عن أبي بكر أحمد بن أبي بكر، فأما الرجل إذا صلى بقوم ولم يأمروه، ولا استأذنهم، وصلى بهم، فيعجبني أنهم إذا صلوا وراءه، ولم ينكروا عليه جاز ذلك لهم وله، ويستحب له أن يستأذنهم، إذا أراد أن يصلي بهم، والله أعلم.
مسألة: -من الزيادة المضافة- عن أبي الحسن البسياني -رحمه الله- وعن النساج، يجوز أن يكون إماما في الصلاة أم لا؟ قال: نعم، جائز ذلك، والجائز غير المأمور به، والمأمور به في الصلاة أن يكون الإمام الأفضل، فإذا وجد الأفضل من الناس كان أولى بالتقديم من غيره. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: وسئل عن رجل كان ناقص منه أصبع أو مقطوعة، هل له أن يؤم غيره ممن هو أتم منه؟ قال: هكذا عندي، قيل له: فإن كانت يده مقطوعة، هل تكون مثل الأولى؟ قال: هكذا معي؛ إلا أنه يترك حدا من حدود الصلاة من العجز في قيامه أو سجوده، مما ينقض صلاته، فإنه لا يؤم إلا من هو مثله أو دونه في قول أصحابنا عندي.
مسألة: وعن رجل عرضت له في أصبعه علة، مما لا يقدر على غسلها أو يخاف إن غسلها أن تزداد عليه، هل عليه أن يتيمم لها بعد الوضوء، كانت العلة (13/39)
صفحة 3253
طاهرة أم نجسة أم لا؟ قال: إذا كانت طاهرة، وإنما يمتنع عن غسلها للوضوء، وكانت العلة لا تأتي على موضع الوضوء من الجارحة كلها، فقد قيل لا يتم عليه في بعض ما يخرج عندي، ولعله أكثر القول، وإنما عليه فيما قيل يوضئ ما بقي من الجارحة، من موضع الوضوء مع سائر جوارحه ويصلي، وأما إذا كانت نجاسة امتنع غسلها لعلة كانت في الجارحة، مثل دم سائل أو غير سائل؛ إلا أنه فائض يجب غسله، ثم قد يبس فمعي؛ إنه قد قيل يتيمم للنجاسة مع غسل ما بقي من الجارحة مع سائر جوارح الوضوء ويصلي، وقال من قال: لا تيمم عليه أيضا، وإنما عليه الوضوء كما أمكنه ما لم يأت ذلك على موضع الوضوء من الجارحة كله، قلت له: فهل له أن يؤم الناس إذا كانت العلة طاهرة، إلا أنه لم يوضئها وهي في مواضع الوضوء من عذر، ومعي؛ إنه كان ذلك من عذر تجوز له به الصلاة، فيختلف في إمامته لغيره من المتطهرين، فقال من قال: يؤمهم؛ لأنه بحال المتطهر من العذر، وقال من قال: لا يؤم بالمتطهرين، قلت له: فصاحب العلة النجسة، هل يلحقه معنى الاختلاف عندك في الإمامة؟ قال: معي؛ إنهما جميعا يلحقهما معنى الاختلاف، قلت له: وكذلك الجنب، إذا صلى بالناس ثم علم بعد ذلك أيلحقه الاختلاف معك؟ قال: هكذا معي عندي، قلت له: فعلى قول من لا يفسد صلاة من صلى خلفه الجنب، إذا علم وهو في الصلاة يجعل لهم أن يبنوا على صلاتهم، كما يجعل لهم في الدم وسائر النجاسة، قال: هكذا عندي، إلا الذي يكون من عن قفا الإمام، فإنه يشدد فيه ومعي؛ إن الذي يرى أن الإمام الجنب لا يقطع الصلاة من طريق الإمامة، فيختلف فيمن كان الإمام الجنب تلقاء وجهه، فقال من قال: تفسد الصلاة على حال؛ لأن الجنب يقطع الصلاة لا من طريق الإمامة، وقال من قال: إن الجنب لا يقطع الصلاة ويضر من كان عن يمينه، ولا عن شماله، أو من سائر الصفوف، وكل ذلك سواء عنده.
مسألة: وسألته عن المصلي إذا خر للسجود وكبر وطحر بغير عمد منه، هل تفسد؟ قال: معي؛ إن بعض الفقهاء لا يرى إمامة من كان يفعل هذا، لم يصل (13/40)
صفحة 3254
خلفه، وأرجو أن بعضا يرى ذلك، إلا أن هذا يخرج عندي على معنى الحث لا العمل.
مسألة: قلت له: وهل يجوز أن يؤم الصبي الرجال في الفريضة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل ذلك، إذا عقل الصلاة، وحافظ عليها، وكان مراهقا، وقيل: لا يجوز ذلك، ومعي؛ إنه أكثر القول، قلت له: والمراهق ما حده؟ قال: فحده عندي الذي يقرب حاله من البلوغ، فإذا أقر به لم ينكر عليه إقراره به؟ قلت له: فإذا لم يكن مراهقا؛ إلا أنه يعقل الصلاة كمثل المراهق، هل يلحقه الاختلاف؟ قال: فلا أعلمه إلا في المراهق فيما عندي؛ لأن المراهق يذهب فيه بعض أن يلحقه أحكام البالغ، قلت له: والصبية والمراهقة، هل يجوز أن تؤم النساء في النافلة؟ قال: فإذا كانت أقرأهن، أعجبني ذلك في النافلة، كما جاز في الصبي، إذا كان أقرأ من الرجال أن يؤمهم في النافلة، قلت: فهل يجوز أن يصلي الرجل القاعد بالقائم في الفريضة والنافلة، إذا كان القاعد أقرأ؟ قال: أما الفريضة فلا يعجبني ذلك، وأما في النافلة، فقد قالوا إذا كان القاعد أقرأ كان في وسط الصف، وكان المتقدم قائما يقرأ هذا، فإذا فرغ ركع الآخر بهم، فإن كان عن يمين الإمام لم أر بأسا، وهو أحب إليّ حتى يكونا إمامين لهم.
قلت له: فإن أم القاعد بالقائمين في النافلة، ولم يتقدم عنده قائم يركع بهم ويسجد، هل تتم صلاتهم؟ قال: فيعجبني أن تتم صلاتهم؛ لأنها ليست عليهم واجبة في الأصل، وقد أجازوا للذي يقدر على القيام أن يصلي قاعدا نافلة، ورأوا تلك الصلاة تامة، ولا يجوز ذلك في الفريضة، فمن هنالك جاز عندي إذا كان ذلك أنشط لهم وأسرع لهم إلى محاضرة ذلك بوجه من الوجوه، قلت له: أرأيت إن أم القاعد في الفريضة، أتفسد صلاتهم في إجماع المسلمين فيما عندك؟ قال: فلا أعلم أن أحدا من المسلمين أجاز ذلك، ولا يبين لي ذلك في قولهم.
قلت له: فيجوز ذلك في قول قومنا؟ فمعي؛ إنه يخرج ذلك في قولهم عندي، قلت له: فإن كان أتلى الركوع والسجود رجل قائم في الفريضة، وكان آخر (13/41)
صفحة 3255
قاعدا عن يمينه يقرأ هل ترى صلاتهم تامة؟ قال: لا يبين لي ذلك، إنه لا يجوز إمامة الإمام، إلا بالقراءة، وليس هذا بإمام عندي في قول أصحابنا، قلت له: وإجماعهم على ذلك فيما عندك قال: فمعي؛ إن إجماعهم أنه لا تجوز الصلاة إلا بقراءة من الإمام، فما تكون فيه القراءة، وهذا إمام لم يقرأ، وهذا يشبه عندي للإجماع من ذهب إلى ذلك.
مسألة: وسئل عن الإمام إذا قال آمين في الصلاة، هل تنتقض صلاة من صلى خلفه؟ قال: معي؛ إنه مختلف في ذلك، قال: وأما أنا فيعجبني أن يكون هذا كله على التعبد، إذا كان الفاعل لذلك من أهل التعبد به، لا يكون على المصلي خلفه إعادة، إذا احتاج إلى الصلاة خلفه، لإحياء السنة للجماعة، ولم يجد غيره.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- اختلف محمد بن محبوب وموسى بن علي، في محجوب النظر، هل يؤم في الفريضة؟ فأجاز موسى بن علي، ولم يجز محمد بن محبوب، وكذلك اختلافهما في العبد وغيره، وإذا اختلفا نظرا ما أيده الدليل، وعمل به أهل العلم قبلهما، ولم يرجع في ذلك إلى تقليد واحد منهما بغير دليل، والله أعلم، وقول محمد بن محبوب، انظر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يؤمكم أقرؤكم» فيتقدم الأمي القارئ، من هو أنقص حالا ممن هو أعلى منه درجة في الفضل الذي يؤدي إلى صلاة في الدين بالإمامة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «يؤمكم أقرؤكم» وهذا دليل يوجب منع تقديم من هو أنقص من غيره حالا، ألا ترى أن المرأة لا تؤم ولا تتقدم، لأن فيها دليل النقصان عن رتبة الرجال، وكذلك رتب الإمامة للرجال، ورتب لهم إذا اجتمعوا من فيه زيادة، وله رتب ليست لغيره من استحقاقهم اسم الفعل، وهذه فضيلة لا تجوز إضاعتها والله أعلم.
مسألة: عن الشيخ أبي محمد -رحمه الله- قال: لا تجوز الصلاة خلف الفاسق في صلاة الجنائز، فانظر الفرق في صلاة الفريضة وصلاة النافلة، وكل هذا (13/42)
صفحة 3256
تفسيره قول الله -تبارك وتعالى-: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124)، وفي قوله: (وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي) (آل عمران:81).
مسألة: وسألته عن الصلاة خلف من لا يؤدي الزكاة، ودان بجحودها، هل يحارب عليها؟ فإن امتنع هل يسم مرتدا؟ وإن دان بذلك، هل يقتل؟ الجواب: قال: يحارب عليها، يحاربه الإمام. (رجع). (13/43)
صفحة 3257
[صفحة بيضاء] (13/44)
صفحة 3258
الباب السادس
في إمامة المتيمم بالمتوضئ
-من كتاب الأشراف-
أجمع أهل العلم أن من تطهر بالماء أن يؤم المتيممين، واختلفوا في إمامة المتيمم بالمتطهرين بالماء، فقالت طائفة: ذلك جائز، وقد صلى ابن عباس وهو جنب خلفه عمار بن ياسر، في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن المسيب والحسن وعطاء والزهري وحماد بن أبي سليمان ومالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان ويعقوب، وكره قوم ذلك، وروي عن علي أنه كره ذلك، وقال ربيعة: إن كان جنبا أو جاء من الغائط لم يؤم أصحابه، وإن كان إمامهم، إلا أن يكونوا في الجنابة مثله، وهو قول يحي الأنصاري، وكره النخعي أن يؤمهم، وقال ابن الحسن: لا يؤمهم، وقال الأوزاعي قولا ثالثا: لا يؤمهم، إلا أن يكون في المتيمم مثله، إلا أن يكون أميرا مؤمرا.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا معاني ما قيل من الاختلاف، ولا أعلم في قولهم التحديد في القول في إمامة الأمير، إنه تجوز دون غيره، وهو عندي شيء حسن؛ لأن الإمام المنصوب من أئمة المسلمين قد قيل: إنه أولى بالصلاة برعيته، مسافرا كان أو مقيما، ولا نعلم في ذلك اختلافا، إنه إمامهم في جميع مصره، حيثما كان، فإذا ثبت هذا، كان حسن أن يكون على كل حال تجوز الصلاة له فيها، فلا يكون يؤمه أحد، ويثبت أن يكون إماما لهم في جميع (13/45)
صفحة 3259
أحواله إلا برضاه.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- ويجوز للمتيمم أن يصلي بالمتطهرين، لثبوت طهارته عند الجميع، وقد اختلف أصحابنا في ذلك.
مسألة: -ومن جامع محمد بن جعفر- وعن أبي عبد الله -رحمه الله- قال: إذا صلى رجل متيمم من جنابة برجل متوض، انتقضت صلاة المتوضئ، ومن غيره؛ قال: معي؛ إنه يخرج إذا صلى متيمم من جنابة بمتوض، أعاد المتوضئ، وقد اختلف في ذلك، وكذلك إن صلى بمتوضئ، ومن غيره؛ وقد قيل: لا نقض عليه (رجع).
وإذا صلى متيمم من جنابة بمتيمم من غير جنابة، فلا ينبغي ذلك، ولا نقض عليه، وفي –نسخة- قال: وقد قيل: عليه النقض. (13/46)
صفحة 3260
الباب السابع
في صلاة القائم بالقاعد والنائم بالقاعد
والنائم بالقائم والقاعد وما أشبه ذلك
قال أبو سعيد؛ جاء الأثر من قول أصحابنا، إن القاعد يصلي بصلاة القائم الفريضة والنافلة، وأما صلاة القاعد بالقائم فقد قال من قال من أصحابنا: إنه لا يجوز أن يصلي القاعد بالقائم صلاة الفريضة، وقال من قال: الفريضة والنافلة، وقال من قال: يجوز ذلك في الفريضة والنافلة، ولعله أكثر قول قومنا، أو من شاء الله منهم، ويوجد ذلك في قول بعض أصحابنا، ويروون معنى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك عندي لفضل الجماعة.
مسألة: عن المقعد، هل يجوز أن يؤم بالقائمين، وتتم صلاتهم أم لا؟ قال: أما في قول أصحابنا، فلا يبين لي في ظواهر قولهم، أنه يجوز إلا بمن هو مثله، أو بالنائم، ويوجد في بعض قول أصحابنا من أهل خراسان، أن ذلك جائز ويروون فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في معنى الرواية، أنه أجاز ما يشبه ذلك.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري: وعن رجل أعمى أو مكسور، لا يعتمد على قدميه في الصلاة أو جراحة في وركه أو ركبتيه، لا يقدر أن يتورك عليها في الصلاة، هل يجوز أن يؤم في الصلاة من هو أصح منه؟ فأما الأعمى فقد اختلف فيه، وأما من كان في جبهته جرح لا يقدر على السجود، فغيره أولى بالتقديم منه، وأما الركبتين واليدين والفخذين، فهما عندي أهون إلا أن غيره أحسن بالتقديم، (13/47)
صفحة 3261
وقد كان يصلي رجل في مسجد الغنتق (مسجد في نزوى) قال له صالح، وكان فيما بلغنا في رجله علة لا يمكنه يتورك عليها على ما ينبغي، وكان أبو معاوية -رحمه الله- على ما بلغني يصلي خلفه، ونحب أن يتقدم غيره، وسمعت أبا المؤثر يروي عن رجل يقال له الوليد بن مخلد، وكان يتقدم الناس في المسجد الكبير من سمد نزوى، فقال: إنه كان يتقدم ويمد رجليه، ولا يقدر يتورك عليهما، وكان يمدهما إذا تورك، وكان أبو المؤثر يخبر ذلك، فإن أم واحد من هؤلاء في الصلاة فلا نقض على من صلى خلفه.
-من كتاب الأشراف- فيما أحسب قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسا فصلوا جماعة» واختلفت الأخبار في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر، ففي بعض الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس، وفي بعضها أبا بكر كان المتقدم، وقالت عائشة: صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه، واختلف أهل العلم في الإمام يصلي بالناس جالسا من علة، فقالت طائفة: يصلون قعودا، فممن فعل ذلك جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسد بن حصين، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق، وقال أحمد كذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله أربعة من أصحابه، قال أبو بكر: الرابع، هو في الخبر الذي رويناه عن قيس بن مروان إماما لهم اشتكى على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يؤمنا جالسا ونحن جلوس، وقالت طائفة: يصلون قياما، وصلى كل واحد فرضه، هذا قول الشافعي وأبي ثور، وقال سفيان الثوري: إذا كانوا جلوسا يجزيه ولا يجزيهم، وقال أصحاب الرأي في مريض صلى قاعدا يسجد ويركع، فاتم به قوم فصلوا خلفه قياما، قال: يجزيهم إذا كان الإمام قاعدا يومئ إيماء مضطجعا على فراشه، والقوم يصلون قياما، قال: يجزيهم ولا يجزيهم في الوجهين جميعا، وفيه قول ثالث قاله مالك بن أنس قال: لا ينبغي لأحد أن يؤم الناس قاعدا، وحكي عن المغيرة أنه قال: ما يعجبني أن يصلي الإمام بالقوم جالسا، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول. (13/48)
صفحة 3262
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، إنه لا تجوز إمامة القاعد بالقائم؛ لأنه ناقص الصلاة عن وجوب فرضها على القاعد على القيام؛ لأن القيام حد من حدود الصلاة، ولا يجوز تركه إلا من عذر، فلا تجوز إمامة القاعد بالقائم، ولا يجوز للقادر على القيام أن يصلي قاعدا، فيأتم بالقاعد، وعلى كل من أوجب الله من فرض القيام أو القعود، ولا ينحط عن قادر عليها، بعجز غيره عنها من الأفعال التي تجب على العموم، وفي قول أصحابنا: إن القائم يؤم القاعد والنائم لعذره، والقاعد يؤم القاعد والنائم لعذره، ولا يؤم النائم القاعد، ولا القائم، ولا يرجعان إلى صلاته فيصليان بها؛ لأن صلاته ناقصة عن فرض ما وجب عليهما، وقد جاء الأثر؛ أنه لا يؤم الناقص المعنى أنه المنتقص من صلاته لعذر.
-ومن كتاب محمد بن جعفر- وإن كان خلف الإمام مريض قاعدا ونائم، صلى بصلاته إذا أراد كما أمكنه، والمريض الذي يصلي ويومئ، وله أن يكون إماما لمن يصلي مثله كذلك.
ومن غيره؛ مسألة: وعن رجل يصلي قاعدا ويركع ويسجد، فيأتم به قوم يصلون قياما، قال: ما أحب لهم ذلك، ولئن فعلوا فعسى أن يجزيهم، فانظر فيها فإني إنما قلت فيها برأي، قال غيره: معي؛ إنه يختلف في ذلك من القول، فبعض يرى تمام صلاتهم، وبعض لا يرى ذلك، ويروى في تمام ذلك وإجازته رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يوجد عن قومنا، وفي بعض آثار أصحابنا. (13/49)
صفحة 3263
[صفحة بيضاء] (13/50)
صفحة 3264
الباب الثامن
في الإمامة في المنازل
-من كتاب الأشراف-
قال أبو بكر: حضر ابن مسعود وحذيفة بن اليماني دار أبي موسى الأشعري، فتقدم أبو موسى فأمهم، لأنهم كانوا في داره، وفعل ابن عمر هذا بمولى يصلي خلفه الموالي، وقال عطاء صاحب الربيع: يؤم من جاءه، هذا قول الشافعي.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج نحو هذا من في معاني قول أصحابنا، أن صاحب المنزل أولى بالإمامة ممن حضر في منزله، وكذلك إمام الحي في مسجدهم أولى بالإمامة ممن حضره، في معنى اللزوم والوجوب، إلا أن يحضره إمام معقود له بالإمامة، فإنه إمام لرعيته دونهم، في كل موضع حضره، من حضر أو سفر أو مسجد أو غيره، إلا أن يقدم غيره، فإنه يجوز أن يقدم من شاء ويصلي بهم إن شاء ذلك، وكذلك معنا؛ إذا حضر علم من أعلام المسلمين، من أئمتهم في الدين، أحببنا أن لا يتقدم غيره ويقدم، وكذلك قاضي المسلمين وأمثالهم من أشراف أهل الدين، أن يقدموا للفضل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اختاروا لإمامتكم أخيركم وأفضلكم»، وقوله: «لا يزال القوم في سفال ما أمهم دونهم» أو نحو هذا.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه، (13/51)
صفحة 3265
ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه، والتكرمة الفراش والمخدة. –ومن كتاب أبي جابر- وقيل: إن أبا سعيد الأنصاري صنع طعاما فدعى أبا ذر وابن مسعود وحذيفة، فحضرت الصلاة فتقدم أبو ذر، فقال حذيفة: وراءك صاحب البيت هو أحق بالإمامة منك، فقال أبو ذر: كذلك يا ابن مسعود، قال: نعم فتأخر وتقدم رب البيت وصلى بهم. (13/52)
صفحة 3266
الباب التاسع
في إمامة المرأة
-من كتاب الأشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في إمامة المرأة النساء، فرأت طائفة أن تؤم المرأة النساء، روي ذلك عن عائشة وأم سلمة أمي المؤمنين، وبه قال عطاء وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وقالت طائفة: لا تؤم المرأة في مكتوبة ولا نافلة، هذا قول سليمان بن يسار والحسن البصري، وقال مالك بن أنس: لا ينبغي للمرأة أن تؤم أحدا، وكره أصحاب الرأي ذلك، وقال: يجزيهم إن فعلت، وتقوم وسطا من الصف، وفيه قول ثالث: إنها لا تؤمهم في الفريضة، وتؤمهم في النافلة، روينا ذلك عن الشعبي والنخعي وقتادة.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، يشبه معاني الاتفاق من قولهم: إن المرأة لا تؤم النساء ولا الرجال في المكتوبة ولا في شيء من الواجبات من السنن، ومعي؛ إنه يخرج معنى قولهم: إنه إذ ليس عليهن ذلك في الأصل واجب، وهذا في معنى إمامتهن لبعضهن بعضا، وفي إمامتهن للرجال، إذ هن ناقصات عنهم في حال الأحكام كلها، ولا أعلم في قولهم أنه يجزي في قولهم معنى الاختلاف في إمامة النساء في الصلاة لبعضهن بعضا، إلا في صلاة الجنازة، فإنه قد قيل في ذلك اختلاف، فإذا حضرت الجنازة ولم يحضرهن أحد من الرجال، فأحسب أنه قيل لا صلاة عليهن عليها، وقيل: يصلين عليها، وتؤمهن واحدة (13/53)
صفحة 3267
منهن، ويعجبني ذلك لثبوت الصلاة على أهل القبلة من أهل القبلة في السنة، وكذلك في شهر رمضان، قد قيل: تصلي بهن واحدة منهن، وتكون في وسط الصف المتقدم منهن، ولا تتقدمهن كهيئة الإمام للرجال، وكذلك أحب في الصلاة الجنازة على نحو هذا.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- ولا يجوز أن تؤم المرأة رجلا، ولا تنازع بين الأمة في ذلك، وليس على النساء صلاة الجماعة وإن حضرت فصلاتهن جائزة، وإن جمعن كانت التي تؤمهن في وسطهن في الصف الأول، وروي عن عائشة كذلك كانت تفعل، وسقوط الجماعة عن النساء بإجماع؛ -ومن غير الكتاب- قلت: هل للنساء أن يصلين الصلاة المكتوبة بإمام منهن؟ فلا يبين لي ذلك، ولا أعلم ذلك جائزا في قول أصحابنا.
مسألة: -ومن غيره- عن المرأة هل تؤم النساء في فريضة أو نافلة؟ فعندي أنه قد قيل: تؤم بالنساء في الفريضة والنافلة، وتكون في وسطهن، وقد بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرهن بذلك.
ومنه؛ مسألة: وكذلك المرأة تصلي بالنساء النافلة ولا تصلي بهن الفريضة. (13/54)
صفحة 3268
الباب العاشر
في صلاة الرجل مع المرأة والمرأة مع الرجل
-ومن كتاب محمد بن جعفر- وقيل: إذا صلت المرأة مع الرجل، صلى بها وكذلك بحذائه، ولم تؤخر عنه، أن صلاتها منتقضة، وصلاته هو تامة، ولعل ذلك أنها ليس هي في صلاة فتمت صلاته هو، وينظر في ذلك، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: يكره أن تصلي امرأة غير ذات محرم مع رجل، فإن فعلت فلا بأس. (رجع). وقيل: تكون المرأة إذا صلت مع زوجها متأخرة عنه حتى يسبقها برأسه، ويكون سجودها حذاء منكبيه، وعن أبي عبد الله قال: أقل ما سمعت، إذا صلى رجل وامرأته لا يجاوز سجودها منكبيه، وتكون متأخرة عنه، فإن جاوز سجودها منكبيه فأخاف عليه فساد صلاته، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: لا عليها ولا عليه فساد، ومن غير الكتاب؛ وسألت عن امرأة تصلي قدام رجل، والرجل يصلي، قلت: هل تقطع عليه صلاته؟ فإذا كان كل واحد منهما يصلي بصلاة نفسه، فقد اختلف في ذلك، وأكثر القول عندنا أنها لا تقطع عليه صلاته، ولو كانت من غير ذوات المحارم، ما لم يمس منها محرما، وإذا كانا يصليان بصلاة واحدة، فقد اختلف في ذلك، وأكثر القول عندنا أنها تقطع عليه صلاته، ما لم تكن ذات محرم منه، وقد قيل: إن الحد الذي لا يقطع فيه صلاته، إذا كانت منه على رأس ستة أذرع، وإذا كانت على أقل من ذلك فسدت عليه.
مسألة: وعن رجل يصلي وامرأته تصلي قصده هو، وليس يؤمها، هل تجوز (13/55)
صفحة 3269
صلاتها وصلاته؟ قال: نعم، قد حدثنا زياد بن الوضاح، ورفع الحديث أنه قال: لا بأس إذا كان كل واحد منهما يؤم نفسه، -ومن كتاب آخر- قال: وإذا صلى رجل وحذاؤه تصلي بصلاته وحدها، فإن صلاته فاسدة؛ إلا أن يكون يصلي كل واحد منهما في قرنه، بقدر عرض البيت ستة أذرع أو مثلها.
مسألة: وعن رجل صلت معه امرأة جماعة، فلم تتأخر عنه، وكانت حذاءه؟ فقال: صلاته تامة، وصلاتها منتقضة.
مسألة: وسألته عن رجل يصلي هو وامرأته في مصلى جماعة وحدهما كيف يكون سجودها؟ قال: يكون سجودها مع ركبتيه، وتقوم متأخرة عنه، قال: وأقل ما سمعت أنه لا تجاوز سجودها منكبيه وفي –نسخة- ركبتيه. قلت: فإن جاوز منكبيه أتفسد صلاته؟ قال: أخاف عليه ذلك.
مسألة: وسألته عن المرأة والرجل يصليان في مصلى، وكل واحد منهما يصلي وحده، وليس هو بإمام لها، هي حذاءه ليست متأخرة عنه شيئا؟ قال: تفسد عليه صلاته، حتى تكون متأخرة عنه حتى يسبقها رأسه، ويكون سجودها على حذاء منكبيه، قال: وكذلك إذا صلت بصلاته، قلت: فإذا كانت تصلي بإزائه، على كم لا تفسد عليه صلاته؟ قال: إذا كانت منه بقدر عرض البيت، إذا صلت في ركن عرض البيت، وصلى هو في الركن الآخر بإزائها في عرض البيت، فصلاته تامة، قلت: فما بالها إذا مرت بين يديه وهي طاهرة لا تفسد صلاته؟ قال: إنما قيل هذا في الصلاة منها بحذائه.
مسألة: وفي -رقعة أخرى- قال: وإذا صلى الرجل وحذاؤه امرأة تصلي بصلاته، أو وحدها، فصلاته فاسدة، إلا أن يكون كل واحد منهما في قرنة بيت بقدر عرض البيت ستة أذرع، أو مثلها، قال غيره: لا تفسد عليه، إلا أن تصلي بصلاته.
مسألة: وعن رجل صلت مع امرأة جماعة، ولم تؤخر عليه، وكانت حذاءه؟ قال: صلاته تامة، وصلاتها منتقضة. (13/56)
صفحة 3270
مسألة: وأما إذا صلى الرجل والمرأة في صف واحد، خلف الإمام وحدهما، وكانت عنه دون ستة أذرع، وهو خلف الإمام، فعندي؛ إنه يختلف في صلاتها وصلاته، فقيل: تفسد عليه صلاته، وقيل: تفسد عليها وصلاته هو تامة، وقيل: تفسد عليهما جميعا، وقيل: لا تفسد أحدهما على الآخر وصلاتهما تامة.
مسألة: قال أبو سعيد: معي؛ إن بعضا يقول: إن المرأة إذا صلت قدام الرجل، أو عن يمينه أو شماله، وهو يصلي وحده، إن صلاته وصلاتها تامة، وكذلك إن كانت قاعدة، ما لم تكن حائضا، إذا كانت قدامه، قلت له: فإن صلت بصلاته، وكانت ذات محرم منه، أين يكون سجودها وركوعها وقيامها؟ قال: معي؛ إنها تكون منفسحة عنه إذا كانت عن يمينه، تكون في قيامها غير مساوية له، وكذلك الركوع والسجود، فإذا كانت كذلك رجوت أن تتم صلاتهما جميعا، وإن ساوته في شيء من ذلك، ولو حد واحد فصلاة الجميع خارجة على معنى التمام في بعض المعاني فيما أرجو، والذي يؤمر به أن تكون خلفه، قلت له: فإن كانت غير ذات محرم منه، وصلت عن يمينه؟ قال: معي؛ إنها مثل الزوجة، ما لم تمسه، قلت له: فإن تماسا بالثياب؟ قال: معي؛ إنه وحش ولا أقدر على فساد صلاتهما.
مسألة: وعن امرأة صلت مع الرجال في الصف؟ قال: عليها الإعادة، وعلى الذي عن يمينها، والذي عن شمالها، وعلى الذي خلفها.
مسألة: وسألته عن النساء، إذا صلين في صرحة المسجد، أو في بيت المسجد، والناس في الصرح محاذيات لصف الرجال من المسجد، وبينهم وبين الرجال سترة مثل منظف أو حصير في الباب؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إن صلاتهم جائزة على قول من يقول: إنه لا صف عليهن ما كان بينهن وبين الرجال ستة أذرع، وقال بعض: إن عليهن الصفوف مع بعضهن بعض، وإن كان أقل من ستة أذرع فقد قيل في ذلك باختلاف، فقال بعض: إنه يفسد على الرجل الذي يليهن، ويفسد عليهن على المرأة التي تلي الصف، وقال من قال: يفسدن، (13/57)
صفحة 3271
ولا يفسد عليهن شيء، ولو كان بينهن وبين الرجال أقل من ذلك على معنى قوله، وذلك كله بصلاة الإمام، وذلك إذا كانت السترة تجيء وتذهب، وقد قيل في ذلك باختلاف، فقال بعض: إنه يجوز ذلك، وقال بعض: لا يجوز ذلك؛ إلا أن يصلي بصلاة الإمام.
مسألة: وعن امرأة صلت مع الإمام في الصف؟ قال: عليها الإعادة، وعلى الذي عن يمينها، وعلى الذي عن شمالها، وعلى الذي خلفها.
-ومن كتاب الأشراف- واختلفوا في امرأة صلت مع قوم في صف، وهي تصلي بصلاة الإمام؟ قالت طائفة: صلاتها تامة، وصلاة القوم تامة، ما خلا الذي عن يمينها والذي عن يسارها والذي خلفها بحيالها، فإنهم يعيدون الصلاة؛ لأن هؤلاء قد ستروا من خلفهم من الرجال، وصار كل واحد منهم بمنزلة الحائط بين المرأة وبين أصحابه، وفي قول الشافعي وأبي ثور، صلاتهم جائزة، وقال إسحاق: إذا كانت بجنب رجل تصلي؛ فصلاتها فاسدة، وصلاة الرجل جائزة؛ لأنها عاصية، ولا تكون العاصية تفسد على المطيع لله.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف إذا صلت معهم بصلاتهم جماعة، فكانت عن يمين أو شمال فيما دون ستة أذرع، فقال من قال: تفسد على من يليها، ولا تفسد صلاتها، وقال من قال: تفسد صلاتهم وصلاتها، ويعجبني هذا أن لا فساد عليها ولا عليهم؛ لأنها ليست بنجسة، ومعي؛ إنه قيل: إن قطعت على رجل من المصلين في الصف، فسدت صلاته، لأنها لا تؤم في صلاة الفريضة، ومعي؛ إنه يلحقه معنى الاختلاف، وأما إذا كان الرجل خلفها في صلاة الجماعة وصف النساء هو المتقدم، قطع على الرجل بقدر ما لو كان الصف هنالك من الرجال كان منقطعا، وكن النساء حائلات بين الآخر والإمام، والصفوف من الرجال خلف الإمام، كان صف النساء عندي هاهنا قاطعا على صلاة الرجال؛ لأن الصفوف يؤم بعضها بعضا والإمام يؤمهم (13/58)
صفحة 3272
جميعا، وهذا الموضع أشد ما يكون من صلاة النساء مع الرجال لهذه العلة، وما أشبهها.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- وعن رجل يصلي وحياله امرأة عن يمينه، أو عن شماله وهي حائض، أو جنب؟ قال: إن لم تمسه فليس عليه بأس، وإن مسته فعليه النقض، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إن مسته انتقضت صلاته، وإن لم تكن حائضا، عن أبي علي الحسن بن أحمد -رحمه الله- وقد قيل: إن مست ثيابه فلا نقض عليه، وإن مست بدنه انتقضت صلاته، والله أعلم. (رجع) فإن كانت امرأة تصلي بحذاء رجل فقيل: إن كانت بينهما ستة أذرع لم تنقض، وإن كان أقل نقض. ومن غيره؛ رجل يصلي فجاءت امرأة وصفت عن يمينه، أو عن شماله وصلت، هل تنتقض عليه صلاته؟ فمعي؛ إنه إذا كانت تصلي بصلاة نفسها، وهو يصلي بصلاة نفسه، ففي بعض القول أنها تفسد عليه، إذا كانت قريبة منه دون ستة أذرع، وقيل: لا تفسد عليه على حال، وإن كانت تصلي بصلاته في جماعة فهو أشد في بعض القول، وفي بعض القول سواء، ويجري في جميعه معنى الاختلاف عندي، وسألته عن امرأة تصلي قدام رجل، والرجل يصلي، قلت: هل تقطع عليه صلاته؟ فإذا كان كل واحد منهما يصلي بصلاة نفسه، فقد اختلف في ذلك، وأكثر القول عندنا، أنها لا تقطع عليه صلاته، ولو كانت من غير ذات المحارم، ما لم يمس منها محرما، وإن كانا يصليان بصلاة واحدة فقد اختلف في ذلك، وأكثر القول عندنا تقطع عليه صلاته، ما لم تكن ذات محرم منه، ومن –كتاب الضياء- ولعله في –صلاة عند ذي محرم- وغيره؛ الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون أحدكم بامرأة من غير ذي محرم فإن الشيطان أحدهما» فصلاته عند غير ذي محرم لها لا تجوز لهما؛ لأن من كان في طاعة، وفيها معصية لم يجز ذلك، فأما المحرم فجائز أن يصلي بها، وإذا صلى الرجل والمرأة في مصلى واحد، وليكن سجودهما عند ركبتيه.
مسألة: والرجل يصلي بزوجته النفل ولا يصلي بها الفرض، وتكون إذا (13/59)
صفحة 3273
سجدت، فيما بين المنكب إلى الركبة، ومن صلى في بيته، وصلت امرأته عن يمينه وحدها، فلا بأس، ومن صلى في عرض البيت، وصلت امرأة قصده في عرضه أيضا، فلا بأس، قال أبو عبد الله: وقد كنا نفعل ذلك في المسجد الحرام، ومن صلى في المسجد الحرام وامرأة تصلي قريبا منه في المسجد حذاءه، فلا بأس، قلت لأبي محمد: فكيف جاز لها أن تصلي بصلاته ولا تفسد، وهي بالقرب منه، وتفسد عليه وهي في البعد منه؟ قال: ذلك جائز عليه في صلاة الجماعة.
مسألة: وكان يكره للمرأة أن تصلي متنقبة، وهو قول أبي حنيفة وهو قول أسد، قال غيره: حسن، ويكره للمصلي أن يغطي شيئا من وجهه، إلا من عذر، وبعض ذلك أشد من بعض.
مسألة: حماد عن إبراهيم، أنه قال: في المرأة تقعد في الصلاة كيف شاءت ولا تقعد كما يقعد الرجل، هو قول أبي حنيفة، وقول أسد، قال غيره: معناه معنا أن المرأة في الصلاة في القعود مثل الرجل، إلا أنها قيل تضم، ولا تنصب رجلها اليمنى في القعود، ولكن تسدلها سدلا عن يمينها. (13/60)
صفحة 3274
الباب الحادي عشر
في صلاة الرجال والنساء خلف الإمام
عن أبي المؤثر؛ سألته عن قوم يصلون خلف إمام، رجال ونساء، هل يقطعن النساء على الرجال؟ قال: إذا كان الصف متصلا ليس بين النساء والرجال فرجة، قطعن صلاة الرجل الذي بينهن وحده، ولا يقطعن على غيره، قلت: فإن كان بين النساء والرجال فرجة، هل يقطعن على أحد؟ قال: إذا كان بينهن وبين الرجال فرجة، قدر مقام رجل، لم يقطعن على أحد، وإن كان أقل من ذلك قطعن على الذي يليهن. قلت: فإن كان النساء وسط الصف، والرجال من الجانبين؟ قال: يقطعن على الذي يليهن، وعن أيمانهن وعن شمائلهن وحدهما ولا يقطعن على غيرهما، قلت: فإن كان إنما يليهن عن أيمانهن وعن شمائلهن رجلين من هذه الناحية، ورجلين من هذه الناحية؟ قال: تفسد صلاة الاثنين، الذي يليا النساء، وأما الآخر، فالله أعلم. قلت: فإن كان صف من النساء خلف الرجال، وخلف صف النساء صفوف من الرجال، هل يقطعن على أحد؟ قال: يقطعن على الصف الذي خلفهن، ولا يقطعن على من كان خلف ذلك.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- وإذا صف الرجل مع المرأة على التحاذي بطلت صلاتهما؛ لأنهما ممنوعان من ذلك، ولكل واحد منهما مقام أبانه رسول الله صلى الله عليه وسلم به، وإذا ترك كل واحد منهما مقامه بطلت صلاته، والذي نأمرهما به أنه تصف المرأة خلف الرجل، والرجل خلف الإمام. (13/61)
صفحة 3275
-ومن كتاب الأشراف- الدليل على فساد صلاة الرجل بقيامه إلى جنب المرأة في صلاة واحدة؛ أن المرأة مقامها خلفه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال المقدم وخير صفوف النساء المؤخر» فأبان صفوفهن من صفوف الرجال، واختلاف المقام يوجب فساد صلاة الرجال، ويدل على ذلك، أنه لو ائتم بامرأة فسدت صلاته، وليس هذا معنى يوجب فساد صلاته غير اختلافهم في المقام، وهذا المعنى موجود في قيامه إلى جانب المرأة أنها منهية عن القيام إلى جنبه، وكذلك هو منها على القيام إلى جنبها، كما أنه هو منهي عن الائتمام بها، والله أعلم. وإنما أوجبنا فساد صلاته؛ لأن الرجل هو المختص بفساد الصلاة من جهة الاختلاف دونها عند الجميع في حالة اقتدائه بها، وأيضا فإن الإمام منهي عن القيام في وسط الصف، كما أن الرجل منهي عن القيام إلى يسار الإمام فيجب أن يكون النهي يوجب حكم الفساد، والله أعلم.
مسألة: وسألت أبا سعيد: عن رجل أم بامرأة غير ذات محرم منه، في المسجد الذي يؤم فيه، هل تتم صلاته وصلاتها؟ قال: معي؛ إنه إذا كان إماما للمسجد، فأرجو أنه قد قيل: إنه تتم صلاتهما، قلت له: ولو صفت عن يمينه في الصلاة مثل الرجل، تسجد حيث يؤمر الرجل، وتقوم كذلك كان ذلك سواء، وتتم صلاتهما على ذلك؟ قال: معي؛ إن ذلك مما يختلف فيه، وأحب أن تتم صلاتهما، ما لم تعارض الشهوة، قلت له: فإن عارضت أحدهما الشهوة في الصلاة وصليا على ذلك، يلحقه الاختلاف وتلزمه التوبة من ذلك؟ قال: فأرجو أنه لا يخرج من حال الاختلاف، وعليه التوبة معي، قلت: فإن مسته في الصلاة أو مسها تسارعا من فوق الثوب، هل يلحقه الاختلاف؟ قال: معي؛ إنه لا يخرج من الاختلاف عندي، قلت: فإن مست بدنه أو مس بدنها، تسارعا من تحت الثياب، قلت له: فما الفرق في ذلك، إذا لم يخرج من حالا الاختلاف، إذا لم يكن من تحت الثياب، ويعد من الاختلاف إذا كان من تحت الثياب؟ قال: لأن من فوق الثياب لا ينقض وضوؤه، ومن تحتها ينقض وضوؤه عندي، فيجتمع عليه (13/62)
صفحة 3276
كراهية الصلاة، ونقض الوضوء عندي، قلت: أرأيت إن أم بها في غير مسجده الذي يؤم فيه في مسجد أو غيره، وكان منهما من الشهوة والمس، من فوق الثياب، ما وصفت لك، في مسجده الذي يؤم فيه، هل يلحقه الاختلاف مثل الأول؟ فالله أعلم لا يبين لي في ذلك، ومعي؛ إنه لا يؤم بالمرأة ولا بالنساء ولو كثرت الفريضة، إلا في مسجده الذي هو إمام كان في مسجد؛ لأنه لا تقوم بهن الجماعة وحدهن فيما قيل.
قلت له: وكذلك الخنثى، هي بمنزلة المرأة فيما قد مضى من القول في المرأة والنساء؟ قال: معي؛ إنه كذلك، لأن الخنثى لا تؤم الرجال ولا يلحقه حكم الرجال في الإجماع، إلا أني أحب أن يترك، قال المضيف: -لعله أراد أن لا يترك الجماعة- وقالوا يكون من بين صف النساء والرجال، هل تتم صلاته، وصلاة من يليه من يمين أو شمال؟ قال: معي؛ إنه لا يخالف أحكام النساء عند الرجال لأنه يعتبر من أحكام النساء، وهو عندي، وعند الرجال مثل المرأة.
قلت له: فإن صف في صف النساء، هل تتم صلاته وصلاة من يليه من يمين أو شمال؟ قال: وهو عندي عند النساء مثله، عند الرجال، قلت له: فإن صفت امرأة في صف الرجال، هل تتم صلاتها وصلاة من يليها من يمين أو شمال، كانت في الصف الأول، أو الثاني أو الثالث، أو أكثر؟ قال: معي؛ إنه قد قيل في ذلك باختلاف في فساد صلاتها، وصلاة من يليها من يمين أو شمال أو من يقدر منه إذا كان دون ستة أذرع، فقيل: تفسد صلاتهم جميعا، وقيل: تفسد صلاتهم، ولا تفسد صلاتها، وقيل: لا تفسد صلاتهم ولا صلاتها فيما عندي أنه قيل.
قلت له: ولو كانت في حال عن قفا الإمام، الاختلاف فيه واحد؟ قال: نعم، الاختلاف فيه واحد معي، قلت له: كذلك لو كان صف النساء خلف الإمام، وصف الرجال خلف النساء، ما القول في ذلك؟ قال: معي؛ إن القول في ذلك واحد، وهذا أشد عندي، قلت له: وكذلك لو صف رجل في وسط صف النساء في أول صفهن أو الثاني أو الثالث، القول في ذلك كالقول في المرأة إذا (13/63)
صفحة 3277
صفت في صف الرجال؟ قال: معي؛ إنه كذلك.
مسألة: -ومن كتاب أبي جابر- وإن كان رجل وامرأة، يصليان بصلاة الإمام، صلى الرجل من خلف الإمام، وصلت المرأة من خلف الرجال، قيل كعرف الديك، وإن كانتا امرأتين إلى ما أكثر، كان الرجل عن يمين الإمام، وصفين وصف النساء خلف ذلك، قال: معي؛ إنه يختلف في صفوفهن، فقال من قال: عليهن الصفوف، مثل الرجال، وقيل: ليس عليهن صفوف، ويعجبني في المسجد، وفي غير المسجد في الفرائض، أن يصفن وبعجبني أن يجزيهن في النوافل في المسجد، وفي غير المسجد، أن يصلين بصلاة الإمام، حيث ما كن خلف الإمام أو خلف من يصلي خلفه بصلاته، ومنه؛ وقيل أيضا: إذا صلت المرأة مع الرجل وصلى بها، وكانت بحذائه، ولم تتأخر عنه، إن صلاتها منتقضة، وصلاته هو تامة، ولعل ذلك، إنها ليس هي في صلاة، فتمت صلاته وينظر في ذلك، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: يكره أن تصلي امرأة غير ذات محرم مع رجل، فإن فعلت فلا بأس (رجع). وقيل: تكون المرأة إذا صلت مع زوجها متأخرة عنه، حتى يسبقها رأسه، ويكون سجودها حذاء منكبيه.
مسألة: وعن الرجل يصلي بالنساء جماعة فريضة، فذلك جائز خلفه صفا. (13/64)
صفحة 3278
الباب الثاني عشر
فيمن صلى صلاة ثم أدرك صلاة الإمام فيها
وسئل عن رجل صلى صلاة الفجر والعصر، هل يجوز أن يصلي جماعة بعد ذلك مع الإمام؟ قال: قد اختلف في ذلك، فقال من قال: لا يجوز، وقال من قال: يجوز ذلك، ويصليها لسنة الجماعة، وقال من قال: يجعلها نافلة على حال، وقال من قال: يجعلها بدل صلاة عليه كانت عليه، وقال أكثر القول عندي أن يطلبها ولا يفر منها.
ومن –كتاب الأشراف- واختلفوا في المرأة تصلي وحدها المكتوبة ثم تدرك الجماعة، وكان الحسن البصري يقول: صلي معهم أي الصلوات كانت، وبه قال الأسود بن زيد والزهري، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال لا يضيف على المغرب، وقال الثوري يتم ويشفع، وكان ابن عمر والنخعي يقولان: يصلي الصلوات كلها إلا المغرب والصبح، وقال الحسن البصري: يعيد الصلوات كلها إلا الفجر والعصر؛ إلا أن يكون في مسجده قاعدا للصلاة، فيصلي معهم، وفيه قول رابع: وهو أن يعيد الصلوات كلها إلا الفجر والعصر، هكذا قال الحكم بن عيينة، وقال أبو موسى الأشعري، وفيه قول خامس قاله النعمان، كان لا يرى أن يعيد صلاة العصر والمغرب، ثم دخل المسجد يخرج ولا يصلي معهم، ويصلي معهم الظهر والعصر والعشاء، ويجعلهما نافلة، وفيه قول سادس قاله أبو ثور قال: تعاد الصلوات كلها ولا تعاد الفجر والعصر؛ إلا أن يكون في المسجد وتقام (13/65)
صفحة 3279
الصلاة، قال أبو بكر: يعيد الصلوات كلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك أمرا عاما لم يخص صلاة دون صلاة، وأمره على العموم، واختلفوا فيه إذا أعادها فقالت طائفة: الأولى منها المكتوبة، وقد روينا عن عمر بن المسيب وعطاء أنهم قالوا كذلك، فيجعل المكتوبة أنها شاهدات الروايات خلاف الروايات منهن.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني ما يشبه الاتفاق من قول أصحابنا، أنه إذا صلى المصلي المكتوبة في غير جماعة لمعنى يسعه من وجه من الوجوه، ويقع حكمها، أنها صلاة، أنها قد ثبتت، ويستحيل أن يقع غيرهم معهم غيرها في وقتها صلاة ثانية؛ لأن الصلاة لا تكون إلا واحدة في كل وقت، من المفروضات، إلا أنهم قالوا: إن صلاها في جماعة أو غير جماعة، فوافق الجماعة صلى معهم، ولا يترك الجماعة لمعنى ثبوت سنتها في جميع الصلوات.
وقد قال من قال منهم: إنها يجعلها لصلاة فاسدة أو فائتة بدلا، وقال من قال منهم: يجعلها نفلا، وفي بعض قولهم: إنه يسلم بين كل الركعتين، وفي بعض قولهم يمضي على الصلاة، ويجعلها نفلا، وبنحو هذا جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا صليتم في رحالكم ثم أدركتم الصلاة فلا تدعوها وصلوها واجعلوها نفلا والأولى هي صلاتكم» أو نحو هذا في المعنى، إلا أنه في قول أصحابنا أنه لا يطلب الجماعة ولا يفر منها بعد صلاة الفجر والعصر، لموضع أن ليس هنالك صلاة تطوع، فمن هنالك قالوا لا يطلبها، ولا يفر منها إذا حضرت، لموضع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم للأمر بها، وكان النص في قوله في صلاة الفجر، فيما عندي أنه جماعة، وقد كره من كره منهم الصلاة جماعة بعد هاتين الصلاتين، أحسب لموضع اتفاقهم على أنه نفل، وأن النفل لا يكون في هذين الوقتين.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- وأحب لمن وافق الجماعة أن يصلي بصلاة الإمام، إذا أدى فرضه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلين لم يصليا معه قال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: صلينا في رحالنا، قال: إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام فليصل معه فإنها له نافلة» وقد خالفنا في هذا بعض (13/66)
صفحة 3280
أصحابنا، ولعلهم ذهبوا إلى ما روي عن ابن عمر أنه قال: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين.
مسألة: أحسب عن الشيخ أبي إبراهيم، وقيل في رجل كان قد صلى الفريضة فوافق الجماعة مع الإمام، أن له أن يصف معهم في جانب الصف أو في وسط الصف، وكل ذلك له جائز، ولا يفسد ذلك على الناس، وله أيضا أن يصلي هو وواحد معه وحده مع الإمام، ويجوز ذلك، ويجوز له هو وواحد أن يصليا جماعة، والذي لم يكن صلى هو الإمام، ويجوز ذلك لهما في المسجد وغير المسجد، وصلاتهما تامة، ويجوز له هو أن يصلي بتلك الصلاة عن بدل صلاة فائتة أو فاسدة، وإن شاء اتخذها نافلة، فذلك له جائز.
مسألة: -ومن جامع محمد بن جعفر- وعن أبي عبد الله -رحمه الله- أن من كان قد صلى وأقيمت الصلاة للجماعة صلى معهم، وتكون صلاته تلك نافلة، ويقطع بين كل ركعتين بالتسليم بعد قراءة التحيات، وإن شاء لم يقطع، ومضى مع الإمام إذا نوى قبل دخوله أنه يصليهما مكان صلاة مثلها، إن كان قد ضيعها وانتقضت عليه، فإن ذكر من بعد صلاة كانت عليه مثل هذه، فقد أجزته هذه الصلاة لتلك، وإن هو لم يقطع بتسليم وصلاها نافلة فلا بأس، ومنه؛ وقيل من صلى صلاة فلا يرجع يطلب الجماعة فيها، فإن حضر جماعة بعد أن صلى فليصل، ولا يفر من الصلاة، وذلك في الصلوات الخمس كلهن جميعا، قال غيره؛ ومعي أنه قيل يصليها ولا يفر منها بعد صلاة العصر، وأما سائر الصلوات، فإن طلب ذلك على وجه الفضيلة، فذلك فضل، ولا يتهاون عن ذلك، وقال: إنما يصلي بعد الفجر والعصر لإحياء سنة الجماعة، لا نفلا ولا بدلا، وقيل: نفلا بموضع حق الجماعة، وقيل بدلا.
مسألة: -ومن غير الكتاب- عن أبي الحواري وعن رجل يصلي في منزله، ثم يأتي المسجد، ولعله أن يديم ذلك، ويجب أن لا يقطع المسجد فما تكون هذه الصلاة مع الإمام، بعد فريضة نافلة تكون، أو ينوي بها لصلاة قد فاتته، أي ذلك (13/67)
صفحة 3281
أفضل؟ وكيف الوجه في ذلك؟ فعلى ما وصفت، فهذه تكون صلاة نافلة؛ لأن الأثر جاء في ذلك، وليس له إذا صلى الفريضة، فليس له أن يصليها ولا يهرب منها، ويصلي مع الناس، وقد قيل: إنه يقطع بين كل ركعتين بالتسليم، وليس له أن يقرأ خلف الإمام سورة ويكتفي بقراءة الإمام، وقد قيل عن بعض الفقهاء: بالكفاية بقراءة فاتحة الكتاب في الليل والنهار. (13/68)
صفحة 3282
الباب الثالث عشر
فيما يؤمر به الإمام
-ومن جامع أبي محمد والمستحب للإمام أن يخفف بأصحابه إذا صلى بهم، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أم أحدكم فليخفف فإن فيكم الضعيف وذا الحاجة وإذا صلى وحده فليطل ما شاء»، وقيل: إنه كان إذا جلس الجلسة الأولى للتشهد، كأنه على الرضف، والرضف الحجارة المحمية.
-ومن الكتاب- وجائز أيضا أن يخفف عند أمر يحدث، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لأقوم إلى الصلاة، وأنا أريد أن أطيل فيها فأسمع بكاء الصبي فأوجز مخافة أن أشق على أمه» وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قراءة مريم في ركعة من صلاة الصبح، وقرأ في الثانية قل هو الله أحد، فسئل عن ذلك، فقال عليه السلام: «سمعت صبيا يصيح فظننت أن أمه خلفي فرحمته».
-ومن الكتاب- ولا يجوز للإمام إذا أحس بدخول رجل في صلاته، أن ينتظره؛ لأن الانتظار عمل ليس من عمل الصلاة قال الله -جل ذكره-: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف:110)، فإذا طول في الركوع والسجود والقراءة، لأجل الداخل ليلحق به صغار العقل لله، وللداخل في الصلاة، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى إجازة ذلك، ومن غير الكتاب؛ سألت هاشما عن الإمام إذا ركع، فدخل رجل المسجد، هل على الإمام أن يطول ركوعه قليلا، أراد حتى يدرك الذي دخل؟ قال: ما أرى بذلك بأسا، ومن غيره؛ وقال
من قال: ليس له ذلك، وقد قال الله تعالى: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا) والله أعلم. (13/69)
صفحة 3283
مسألة: وسألته عن إمام زاد في قراءته من أجل الداخل معه في الصلاة؟ قال: لا بأس بذلك إذا أراد إن كان يرجو أن يلحق الركعة، قرأ سورة طويلة، أو زاد في السورة سورة أخرى.
مسألة: -من الزيادة المضافة- ومن أقام لصلاة الجماعة ورجل يصلي، فقد رأيت أبا يعقوب السمني يفعل ذلك، ومن كان يقرأ ودخل رجل في الصلاة، فإن كان ما لا يشغله فليس أعلم أن عليه شيئا، والله أعلم، وفي موضع يلزم الذي بقرب المصلي أن لا يتكلم في قراءة من فلاه أو غيرها، لئلا يقطع عليه أم لا؟ قال: الذي عرفت أن ذلك يكره فعله عند المصلي، والله أعلم. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: -من كتاب الأشراف) فيما أحسب، قال أبو بكر: واختلفوا في الإمام وركوعه وسجوده، وهو يستمع وقع أقدام الناس، فقالت طائفة: ينتظرهم حتى يدركوه، هذا مذهب الشعبي وإبراهيم النخعي وأبي مخلد وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقال ابن جارون: ينتظرهم ما لم يشق على أصحابه، هذا قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور، وقال الشافعي: لا ينتظرهم، وقال الشافعي ويعقوب والنعمان: يركع كما كان يركع، وقال أبو بكر: قول الأوزاعي والشافعي حسن.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، نحو ما حكي من الاختلاف، في الإمام يحس بالداخل معه في الحد من حدود الصلاة، فيخشى عليه أن لا يحكمه ولا يدركه معه في بعض القول، أنه لا بأس أن يتمهل فيما كان من الحدود، ما لم يخرج إلى حال فيه إلى حد ضرارا، أو إلى غير معنى الصلاة حتى قالوا: إنه يزيد سورة أخرى أو شيئا من القرآن إن فرغت السورة التي نواها، وفي بعض قولهم: إنه يصلي كصلاته، فإن لحقه الداخل معه لحق، وإن لم يلحقه (13/70)
صفحة 3284
فلا بأس عليه، ويعجبني القول الأول للتعاون على البر والتقوى، لأنه يكون بذلك، لعله معينا للداخل على إدراك الحد الذي هو فيه، وفيه الفضل له وللداخل جميعا إذا صحت نية الإمام في ذلك.
-ومن كتاب أبي جعفر- وقيل: إذا قام المصلي في المسجد، ونوى أن يكون إماما لمن يصلي بصلاته، ولمن يأتي، فليجهر بالتكبير في صلاة النهار، وبالقراءة في صلاة الليل، وإن لم يجهر فلا نقض عليه، ومن غيره ويوجد قولا كالشاذ أنه لا يجهر إذا كان وحده، ولا أجد مانعا لذلك لإحياء سنة الجماعة وفضلها، والله أعلم. (رجع) فإذا جاء الداخل معه جهر، وإن لم ينو أنه إماما لمن يأتيه، فدخل معه أحد تمت صلاته هو وانتقضت صلاة الداخل.
قال غيره: لا نقض عليه إذا صلى بصلاته، وأعلمه أنه دخل في صلاته، والرأي الأول أحب إلي.
مسألة: ومنه؛ فيما يؤمر به الإمام ساعة يسلم من صلاته، أن ينحرف أو يتحول من مقامه ثم يثبت الذين خلفه، قال أبو بكر: واختلفوا في وقت تكبيرة الإحرام، فقالت طائفة: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذلك، وبه قال النخعي وسويد بن علقمة، وإسماعيل بن أبي خالد والنعمان ويعقوب، وقالت طائفة: لا يكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن من الأذان، هذا قول الحسن البصري ويحي بن أبي وثاب وأحمد بن حنبل وإسحاق ويعقوب، قال أبو بكر: وبه نقول وعليه عمل الأئمة من أمصار المسلمين.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج على هذا القول الآخر على معاني قول أصحابنا، والفعل أنه إنما يأخذ الإمام ومن خلفه في التوجيه، إذا فرغ المؤذن من الإقامة كانت الإقامة لهم جميعا، ولا يصح في مذهبهم أن يوجه الإمام والمؤذن يقيم فيما يؤمرون به، وكذلك من خلف الإمام؛ لأن المقيم يقيم للجميع وإقامته لهم وللإمام، ومن خلف الإمام، فإذا فرغ المقيم من الإقامة أخذوا في التوجيه جميعا (13/71)
صفحة 3285
بعد فراغه من الإقامة لثبوت الإقامة عليهم، ثم يحرم الإمام بعد التوجيه، وكذلك الذين خلفه.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- -رحمه الله- وينبغي أن لا يكبر الإمام حتى يستوي الذين خلفه.
-ومن جامع ابن جعفر- فإذا أذن المؤذن قال مثل قوله، وكذلك يتبعه إذا أقام، وفي ذلك حديث مشهور وفضل عظيم، وقيل: يقول إذا قال حي على الصلاة لا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك إذا قال حي الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصلاة، قال: مرحبا بالقائلين عدلا، وبالصلاة مرحبا وأهلا، ويلحف على الله ويدعوه في تلك الساعة.
مسألة: -ومن كتاب أبي جابر- ويكره للإمام أن ينتظر أحدا في الصلاة، ولا يتوقف عليه، وقيل: يصلي بهم صلاة أضعفهم، فإن فيهم الضعيف وذا الحاجة.
مسألة: ومن غيره؛ وعرفت عن الشيخ أبي سعيد -رحمه الله- أن الإمام يصلي بمن يصلي به جماعة صلاة أضعفهم، عن هو منهم ومن خلفهم، ممن هو قد لزمه أن يصلي معهم، ممن يحافظ على الصلاة، ويثبت له حق العمارة وربما الضعيف أحوج، إلى التمهل في الصلاة والتأني، وطول الركوع والسجود منه إلى السرعة والتخفيف، وليس ينبغي أن يصلي لأحد من الناس خاص، وإنما تكون صلاته دائمة بحال التوسط الذي يلحقه فيه الضعيف في ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده، ولا يعجله ولا يتعبه، ولا يطيل عليه ذلك في قيامه وركوعه وقيامه وقعوده، فيتبعه ذلك، ولكن يكون متوسطا مجتهدا قاصدا بذلك لله وإلى الله، والقيام بالقسط أن لا يخص في ذلك في حال، يرى هو على معاني الاجتهاد والنظر، أن يقصر عن حال ما كان عليه من الدوم، أو يطيل عن ذلك بمعنى حادث أو لسبب عارض، مما يرجو فيه الفضيلة وابتغاء الوسيلة، وأداء شيء من اللوازم. (13/72)
صفحة 3286
مسألة: وسألته عن قول المسلمين أن الإمام يصلي بالقوم صلاة أضعفهم، وكيف يكون ذلك في تمهله في الركوع والسجود، أو تمهله في القراءة ويتوقف في حال ذلك بلا عمل في الصلاة أكثر مما يقف، أن لو كان يصلي وحده أم كيف ذلك، قال: فيخرج معي أنه صلاة أضعفهم؛ إلا أن يبطأ بهم في قيام ولا ركوع ولا سجود ما يضره، ولا يستعجل فيه بما لا يدركه ويضره لك ويتوسط به؛ لأن الضعيف لا يقدر عل التطويل، ولا على المبادرة، وهكذا يخرج، والله أعلم، وأما التمهل في غير صلاة فلا يبين لي ذلك، أن أهل العلم يأمرون به. (13/73)
صفحة 3287
[صفحة بيضاء] (13/74)
صفحة 3288
الباب الرابع عشر
في انتظار الإمام للجماعة في الصلاة وانتظارهم له
وسأله سائل عن إمام المسجد إذا أذن، ووعد أحدا أن ينظره للمسح، له عليه أن ينظره إذا وعده أن ينتظره ليصلي عنده حتى يخاف فوت الصلاة؟ قال: يعجبني أن ينظره ما لم يخف فوت الصلاة؛ لأنهم قالوا: ونقض كل عهد في معصية الله، فهذا إذا كان في الوقت ما لم يدخل بعد في المعصية، ومن غيره؛ وعن العمار وإمام المسجد قلت: هل عليهم أن ينظروا بعضهم بعضا حتى يخافوا فوت الثلث الأول، فإن صلوا في الأوسط هل تراه حسنا؟ فلا أحب ذلك أن يدعوا أول الوقت على العادة في ذلك، إلا أن يكون من ذلك لشيء عرض، ويكون لبعضهم فيه العذر، ولا يكون من عادته إلا من عذر، فيكون ذلك على سبيل العذر، ولا يخرج عندي من الحسن لموضع العذر.
مسألة: سألت أبا سعيد، عن العمار الذين يجب على الإمام نظرهم، ما صفتهم؟ قال: معي؛ إنهم الذين يحافظون على الصلوات الخمس في الجماعة في ذلك، إلا من عذر بين لهم ويظهر، قلت لهم: فإن لم يحافظوا على شيء من الصلوات الخمس كلها في الجماعة، وحافظوا على صلاة الفجر والعشاء الآخرة، هل تراهم يلحقهم اسم العمار كان لهم عذر أو لم يكن لهم عذر؟ قال: معي؛ إنه إن لم يكن لهم عذر، فليس هم من العمار، وإن كان لهم في سائر الصلوات عذر، وهم عندي فيما عرفوا به من المحافظة من الصلوات، إلا من عذر. (13/75)
صفحة 3289
قلت له: وإذا عرفوا أنهم لا يحافظوا على شيء من الصلوات من عذر، لم يكن على الإمام أن ينتظرهم في تلك الصلوات التي لا يحافظوا عليهن من عذر، لم يكن على الإمام أن ينتظرهم في تلك الصلوات التي لا يحافظوا عليهن من عذر، قال: معي؛ إنه كذلك إذا عرفت عادتهم بذلك.
قلت: فإن حافظوا على شيء من الصلوات، ولم يحافظوا على غيرهن في الجماعة، ولم يعرف لهم عذر في ذلك، أو ليس لهم عذر؟ هل تراهم يلحقهم اسم العمار في هذا؟ قال: معي؛ إنهم إذا ظهر منهم المحافظة على شيء من الصلوات، إلا من عذر، وأمنوا على ذلك وغاب عذرهم فيما سوى ذلك، حالهم فيه كان لهم حكم ثبت لهم عندي من اسم العمار، في هذا الذي عرفوا بالمحافظة عليه، قلت له: وإلى أي وقت يكون على الإمام أن ينظرهم، في وقت الصلاة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: بقدر ما يقوم المنتظر من منزله، أو موضعه الذي يعرف في وقته ذلك، ويتوضأ ويصل إلى المسجد، وذلك عندي إذا كان الأذان في أول وقت الصلاة، أو في وقت لا يتعدى فيه الإمام أول الصلاة، إلا من عذر.
قلت له: فإن لم ينتظر الإمام عمار المسجد، وصلى حين ما يؤذن في أول وقت الصلاة، من غير عذر، ويستعجل فيه، أتراه آثما؟ قال: معي؛ إنه إذا خالف ما أمر به أهل العلم من المسلمين على الاستخفاف والقصد إلى الخلاف، فلا آمن عليه الإثم؛ لأن هذا يأتي في تعطيل الجماعة وفرضها، إلا أنه لا يكاد يمكن الجميع حضور في وقت واحد، والانتظار للإمام قبل حضوره، وترك معانيهم، ومصالح أمورهم من دنياهم ودينهم، وإنما جعل الأذان فيما قيل علامة يذكّر بها الغافل، ويدعو بها إلى الصلاة، ومن ذلك قول الله -جل ذكره-: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً) (المائدة:58) فإنما المؤذن داع إلى الصلاة، فلا ينبغي له أن يدعو بلا شيء، ويظهر العهد فيه على نفسه، ثم يبتز به دونه غيره من أهله إلا من عذر.
قلت له: فمن حضره من يقوم به الجماعة من العمار، أو من غيرهم، ولم ينتظر الباقين من غير أن يكون له في ذلك عذر، هل ترجو السلامة في الإثم؟ (13/76)
صفحة 3290
قال: إذا قامت الجماعة التي بها ينحط الفرض، وتقوم السنة التي أمر بها المسلمون، والتي هم عليها مجمعون، فهو أهون عندي، ولا أحب له ذلك ولا آمر به، ما وجد إلى ذلك سبيلا، إلا من عذر؛ لأن على الجماعة ما على الواحد، وعلى الواحد ما على الجماعة، وله ما عليهم في أصل التعبد؛ لأنه على كل يسعى فيما ألزمه الله، وإلى ما أوجب عليه من إحياء سنة الجماعة، وإقامة فرضها، فلا يزال حق أحد منهم له ولا عليه، إلا من عذر. هكذا عندي.
قلت له: فإن أراد أن يسابق أحدا من العمار أتخاف عليه الإثم؟ قال: إذا لم يخرج في ذلك عذر، ولا صدق منه فلا آمن عليه الإثم، قلت له: فتقوم الجماعة عندك وينحط بها الفرض بالصبي، الذي يعقل الصلاة والمسافر والعبد، إذا أم بهم الإمام، ولم ينتظر العمار، قال: أما الصبي فلا يبين لي ذلك، وأما المسافر فأرجو أنه إذا كان من عذر يجزي ذلك على قول من يقول، أن عليه الجماعة، وكذلك العبد إذا كان بإذن سيده، وأصل الدين النصيحة، والنصيحة لا تكون إلا بصدق النية وموافقة الأعمال الصالحة، وليس في الحق شقي، ولا يشقى ولا مكايدة ولا محاسدة، وإنما هو بالصدق، ووضعه في موضعه، وموافقة السنة فيه.
قلت: وكذلك العمار عليهم من النظر ما على الإمام لهم، والقول في ذلك واحد، قال: معي؛ إنه واحد؛ لأن الحق لا يختلف، إلا أن يوجب النظر غير ذلك فأولى ما استعمل. (13/77)
صفحة 3291
[صفحة بيضاء] (13/78)
صفحة 3292
الباب الخامس عشر
فيما يؤمر به الساعي إلى صلاة الجماعة
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة والوقار، فما أدرتكم فصلوا وما فاتكم فأتموا»، قال أبو بكر: وقد فعل ذلك زيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبو ثور، وقد روينا عن ابن عمر أنه أسرع المشي إلى المسجد لما سمع الإقامة، وقد روي عن ابن مسعود، أنه فعل ذلك، وقد روينا ذلك عن الأسود بن زيد وعبد الرحمن بن زيد وقال أحمد بن حنبل بظاهر هذا الحديث، وقال إسحاق بن راهويه: بلى إذا خاف فوات التكبيرة الأولى، قال أبو بكر: يمشي كما جاء الحديث.
قال أبو سعيد؛ معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أقيمت الصلاة ونحو هذا، إلا أنه لمعنى لمن أتى الصلاة يعني الجماعة، فلا يسعى ويمشي على هيئته، وعليه السكينة والوقار، فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته، ويخرج معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلمفي هذا على معنيين، معنى أنه أراد ذلك من الأخلاق الحسنة، وهو من أخلاق المسلمين، وقد قال الله: (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) (الفرقان:63)، وقال: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً) (الإسراء:37)؛ (لقمان:18)، والمعنى الآخر؛ أنه أراد التخفيف على أمته في طلب ذلك إذا خيف فوته، فمشى على هيئته لهذا المعنى، فحسن إن شاء الله، وإن أسرع أدرك الفضل، وأن لا يفوته فضل (13/79)
صفحة 3293
الجماعة من أولها، وليس ذلك ببعيد عندي على ما حكي عن ذلك من قال.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- والذي يؤمر به المصلي إذا قصد إلى الجماعة، أن لا يسرع المشي إليها خوف فوتها، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سمع أحدكم الإقامة فليأت الصلاة وعليه السكينة والوقار فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته». (13/80)
صفحة 3294
الباب السادس عشر
في تقديم الإمام غيره يصلي بالجماعة
عند غيبته وما أشبه ذلك
-ومن جامع أبي محمد- وينبغي لإمام المسجد أن يستخلف بعده رجلا عند الحدث والغيبة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء والناس في الصلاة يؤمهم أبو بكر، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن أقم مكانك، فتأخر، وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم وصلى بهم، فصار ذلك فصل يجوز الصلاة بأمين والله أعلم. (13/81)
صفحة 3295
[صفحة بيضاء] (13/82)
صفحة 3296
الباب السابع عشر
في الإمام إذا قدّم غيره في الصلاة
وسئل عن الإمام إذا أحدث حدثا في الصلاة، وقدم غيره مكانه إنسانا، فأتم بالقوم صلاتهم، هل يلزمهم أن يأتموا به؟ قال: هكذا معي؛ إنه هو الإمام، قيل له: فإنهم يأتموا به، أو ائتم به بعض، وصلى بعض بقية الصلاة فرادى، هل تنتقض صلاتهم؟ أو صلاة من لم يأتم بالإمام الثاني منهم؟ قال: هكذا معي؛ إنه هو الإمام، وقد دخلوا في صلاة الجماعة فلا يتموا فرادى.
مسألة: وسألته عن الإمام إذا تأخر عن التقديم بالناس، وهو في الصلاة من غير عذر، ولا حدث وقدم رجلا فأتم بهم الصلاة، أترى صلاة القوم كلهم تامة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: ليس بتامة؛ إلا من عذر ولا يكون إمامان في صلاة واحدة؛ إلا من عذر.
قلت له: فإن أحدث في الصلاة حدثا لا ينقضها، فظن أنه ينقضها فتأخر، وقدم رجلا فأتم بهم الصلاة، أترى صلاتهم تامة؟ قال: فإذا كان لا اختلاف فيه أن صلاته غير منتقضة، وصلاتهم معي غير تامة على ما قيل، وإن كان مما يختلف فيه، فمن أخذ بقول بعض المسلمين وسعه ذلك إن شاء الله.
قلت له: فإن أحدث حدثا فسدت صلاته ما يؤمر به؟ أن يقدم رجل، يتم بالقوم صلاتهم، أم يؤمر أن يتركهم يصلوا فرادى؟ قال: معي إنه يؤمر أن يقدم رجلا يتم بالقوم صلاتهم، قلت: فإن لم يقدم لهم أحدا وانصرف ما يؤمر به؟ أن (13/83)
صفحة 3297
يقدموا رجلا يتم صلاتهم، أم يصلون فرادى؟ قال: معي؛ إنهم يؤمرون بتقديم رجل يتم بهم صلاتهم، لتمام فضل الجماعة ووجوبها حتى تتم.
قلت له: فإن لم يقدموا أحدا وأتموا صلاتهم فرادى، هل تكون صلاتهم تامة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل ذلك.
قلت له: فإن تقدم أحدا منهم برأيه عن غير أمرهم فأتم لهم صلاتهم، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل ذلك، وبذلك يأمروا لأنهم شركاء في الصلاة.
قلت له: فإن كان فيهم أحد كارها لتقديمه، وأتم صلاته عنده، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي؛ إنها تامة؛ لأنه إنما أتم صلاة دخلوا فيها، ولزمهم تمامها، قلت له: فإن تقدم بهم عبد فأتم لهم صلاتهم، هل تتم؟ قال: فمعي؛ إنه إن كان صالحا تمت صلاتهم إذا كان يصلي الجماعة بإذن سيده، قلت له: فهل يجوز له أن يتقدم بهم بغير إذن سيده؟ قال: فمعي إنه في هذه الصلاة التي قد دخلوا فيها إذا كان قد أذن له بالجماعة، وأتم بهم ما كانوا قد دخلوا فيه، فأحب أن تتم صلاتهم.
قلت له: فهل يجوز لهم أن يقدموا رجلا عبدا بغير إذن سيده في صلاة قد دخلوا فيها، أو صلاة يبتدأ بهم، أم لا يجوز ذلك؟ قال: فأما الذي يبتدأ بهم فلا يعجبني ذلك إلا بإذن سيده، وأما إذا كانوا بدأوا فيها ولزمتهم، وكان قد دخل فيها بإذن سيده، فلا يعجبني أن يقدمه، فإن قدمه أحد وأوفى إلى تقديمه رجوت أن يسعهم ذلك لدخوله في صلاة الجماعة بإذن سيده، وقدموه فأتمها بهم، هل ترى صلاتهم تامة؟ قال: فيعجبني أن تتم صلاتهم إذا كان قد دخل فيها بما يسعه، وعندي أن من قدمه إلا من أمر عليه في ذلك الضمان لسيده، وأما الصلاة فأحب أن تتم، إذا كانوا قد دخلوا فيها، وأما ابتداء الإمامة فلا أحب إلا أن يكون بإذن سيده، قلت: أرأيت إن قدموه فيها على الابتداء بغير إذن سيده يصلي بهم، هل ترى صلاتهم تامة، وهل يلزمهم الضمان؟ قال: فلا يعجبني أن تتم صلاتهم، (13/84)
صفحة 3298
ولا من أمر عليهم الضمان، قلت له: فيكون هو آثما إذا تقدم بهم من غير أمر سيده؟ قال: فمعي؛ إنه لا يجوز له ذلك، إلا بإذن سيده، ولا آمن عليه الإثم، إذا كان على ما يسعه على ما قيل، قلت له: فعليه أن يستحل سيده من ذلك، أم يجزيه التوبة؟ قال: إذا تشاغل بأكثر مما هو كان خلف الإمام كان عليه معي أن يستحله، وأما إن كان كله سواء، فلا يلزمه على قول من يجيز له حضور الجماعة بغير إذن سيده، قال: معي؛ إن بعضا أجاز له ذلك، وبعضا لم يجز ذلك.
مسألة: ومن غيره، قال: وقد أجاز سليمان بن عمران، يحرك الرجل الذي يلي جنبه ويدفعه إلى المحراب، وهما في الصلاة ليتقدم بهم، إذا فسدت صلاة إمامهم، وخرج ولم يقدم أحدا.
مسألة: وعن إمام أحدث حدثا وهو راكع أو ساجد فرفع القوم رؤوسهم من الركوع بلا إمام، هل يجوز أن يتقدم بهم رجل يصلي بهم، أو يصلون فرادى؟ فنعم، يجوز لهم ذلك كله إن تقدم بهم رجل جاز لهم ذلك، وإن صلوا فرادى جاز لهم ذلك. (13/85)
صفحة 3299
[صفحة بيضاء] (13/86)
صفحة 3300
الباب الثامن عشر
في استخلاف الإمام من يتم بالقوم صلاتهم
-من كتاب الأشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في الإمام يحدث، فقالت طائفة: يقدم رجلا يبتدئ من حيث بلغ الإمام المحدث، ويبني على صلاته، روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعلقمة وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وإبراهيم النخعي، وبه قال سفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وقال الشافعي آخر قوله: الاختيار أن يصلي القوم فرادى إذا كان ذلك، فإن فطن قدم أو قدم رجلا، فأتم لهم أجزأهم، وقال أحمد بن حنبل: إن قدم رجلا فلا بأس، واحتج بعمر وعلي بن أبي طالب، قال أبو بكر: فإن قدم الإمام المحدث من لا يدري كم صلى الإمام؟ فإن إبراهيم النخعي قال: ينظر ما يصنع من خلفه، وقال الشافعي: تصنع للقيام، فإن سجدوا جلس، وعلم أنها الرابعة قدم رجلا فسلم بهم، وإن لم يعلم شيئا من هذا بتسبيحهم صلاها من أولها إلى آخرها، وقال مالك بن أنس: يصلي لنفسه وصلاته تامة، ويصلي الناس خلفه ويقتدون بما صلى بهم الإمام، فإذا فرغوا من صلاتهم قعدوا، وانتظروا حتى إذا فرغ الإمام من صلاته سلم بهم، وفي قول ثالث قال الأوزاعي: قال يصلي ركعة، لأنه قد أيقن أنه قد بقيت عليهم ركعة، فليصلها ثم يتأخر ويقدم رجلا يصلي بهم باقي صلاتهم، أو يسلم إذا كانوا قد أتموا، فإذا سلم الإمام قام الرجل فأتم ما بقي عليه من صلاته. (13/87)
صفحة 3301
قال أبو سعيد: أما تقديم الإمام إماما للقوم إذا أحدث، فيخرج عندي معنى الاتفاق بإجازته، ولا أعلم في هذا اختلافا، فإن لم يفعل وتركهم وخرج من الصلاة، فقدموا من أتم بهم الصلاة، فكذلك يخرج عندي في معنى الاتفاق، أنه جائز، وإن لم يقدموا أحدا وأتموا صلاتهم فرادى، فكذلك جائز؛ لأنهم قد تركوا فضل الجماعة، فيما بقي من الصلاة، وإنما يخرج معنى الاختلاف إذا لم يقدم الإمام إماما، وتقدم بهم في الإمامة، ففي بعض القول أنه إذا لم يكن عنه فلا يكن المتقدم إلا من بعد خروجه من المسجد، وفي بعض القول: إنه إذا خرج من حال الصلاة وأويس منه بمعنى ما يقع، فليس له بمعنى ما يقع لهم ذلك منه جاز ذلك؛ لأنه قد زالت إمامته، ويعجبني هذا القول، فأما إذا قدم الإمام من كان معه في الصلاة إلا أنه لم يعرف ما صلى الإمام، وقد كان مع الإمام في جملة صلاته، فهذا عندي بمنزلة سهو الإمام، ويخرج عندي في قول أصحابنا نحو ما حكي من قيامه إذا سهى، فإن سبح له القوم رجع إلى القعود، وإن أراد القعود فسبح له القوم ونحو هذا، مما يجوز للمصلي إذا كان إماما من اتباع ممن هو خلفه على معنى الاطمئنانة، ثم يسم إلا أن يكونوا جماعة، ما لا يجوز عليهم الوهم والشك، وكذلك يخرج عندي أنه يمضي على أقوى وهمه، ويخرج في هذا الفضل عندي، كل معنى لا يجوز للمصلي أن يمضي فيه على صلاتهم، ثم يسألهم، إن كان ممن يلزمهم السؤال، من أهل القبلة فمعي؛ أنه قيل: في القليل أنه ما لم يكن عليه اسم الجماعة، وهم الثلاثة فصاعدا، وهو أقل ما قيل في هذا الموضع، وقد قيل: أقل ما يكونوا عشرة، قال المصنف: وقد قيل أحسب بالتسعة، والله أعلم، وفيما بين هذا اختلاف، وإنما يخرج هذا كله في معنى الاطمئنانة، فيما قيل لا على الحكم، والحكم معنى السؤال، حتى يصح ما يوجب به فيه تمام الصلاة، وأما إذا كان المتقدم قد فاته شيء من الصلاة، لا يدري ما هو فلا أعلم أنه يخرج في قول أصحابنا أنه يكون إماما لهم على حال، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الإمام إذا أحدث فقدم القوم رجلين كل طائفة منهم رجلا، فقال أصحاب الرأي: صلاتهم جميعا فاسدة، وفي قول الشافعي صلاة الفريقين الذي قدم لك واحد منهما (13/88)
صفحة 3302
رجلا تؤمه، واختلفوا في الرجل يكبر مع الإمام فسهى قائما، وركع الإمام ومن معه، ثم استأنف، وقد سجدوا فكان مالك يقول: إن أدركهم في أول سجودهم سجدهما معهم، واعتد بها، وإن علم أنه لا يقدر على الركوع، وإن لم يدركهم في السجود حتى استوى قائما في الثانية، فليتبعهم فيما بقي من صلاتهم، وإذا سلم الإمام قام فقضى تلك الركعة وسجد سجدتي السهو، وقال الأوزاعي بذلك، غير أنه لم يجعل عليهم سجدتي السهو، وقال شعبة: صليت مع خلف النصري بالكوفة، وكان الزحام شديدا فسبقني بالركوع والسجود، ولا أعلم حتى يرفع رأسه فأتبعه بالركوع والسجود، ثم سجدت سجدتين بعدما فرغت، فسألت الحكم وحماد فقال: اسجد معه، وأحسب في قول الشافعي: يسجد ويتبعه، ما لم يركع الإمام الركعة الثانية، وليس له أن يسجد الأولى، وقد ركع الإمام الركعة الثانية، ولكن يلغي الأولى ويتبعه في الثانية.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا في التي قدمت إمامين في صلاة، واحدة كان أصلها بإمام، إن صلاتهم كلهم فاسدة؛ لأن في ذلك خلاف السنة، وليس من في السنة أن تكون صلاة واحدة قد يثبت الحكم واحد يكون فيها إمامان في معنى لأنهما شيء واحد، وهذا إذا دخل الإمامان كلاهما في معنى الصلاة قبل الآخر، فإن صلاته تامة، وصلاة الآخر باطلة، ومن صلى بصلاته لأن الأول صلاته موافقة للسنة، والآخر صلاته مخالفة للسنة، وأما الذي يسهو خلف الإمام على ما ذكر، فيخرج معي في معاني قول أصحابنا أنه إذا سبقه الإمام بالركوع كاملا، وهو في حال القيام حتى يسجد الإمام، وصار بينه وبين الإمام الركوع، إن صلاته فاسدة، ويخرج في بعض قولهم: إنه يتبع الإمام متى أفاق، ما لم يكن الإمام خرج من الركعة، وهو أن يتم الركوع والسجود، ويدخل في الركعة الثانية، ويخرج في بعض قولهم: إنه ما لم يسبقه الإمام بركعة تامة، فهو يتبع الإمام ويأتي الصلاة على وجهها، ولا تفسد صلاته، ولعله قد قيل غير هذا، إنه بما يسبقه الإمام فاتبع الإمام في وجه ما يسبقه به ما أدرك الإمام في الصلاة، فهو يتبع الإمام؛ لأنه يتبعه على أثره، ولا أعلم في قولهم في حال أنه يترك ما يسبقه به (13/89)
صفحة 3303
الإمام، ويجاوزه إلى شيء فيعمله معه، بغير ابتداء الصلاة بالإحرام، وأن يأتي بالصلاة على وجهها، فيصلي مع الإمام ما أدرك فيه ويبدل ما فاته على وجهه.
-ومن غير الكتاب من كتاب ابن جعفر- وقيل: إن انصرف الإمام وأمر رجلا أن يتقدم، فيقدم آخر، فنخاف أن تفسد صلاتهم، لأن الأمر للإمام إلا أن يكون الذي أمره الإمام، ولا تحل الصلاة خلفه، وعندنا أن الإمام إذا أحدث حدثا تزول به إمامته، فالذين يصلون عنده يلون أمر صلاتهم وينظر في ذلك، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: صلاتهم جائزة، وقال: لا ينبغي للإمام أن يزول حتى يقدم رجلا يتم بهم الصلاة، وهي السنة فإن لم يفعل فيقدموا رجلا يتم بهم الصلاة. (رجع) ومن أحدث في صلاته أي حدث كان، مما يفسدها، فليجر رجلا يصلي بهم ويتأخر، قيل: فإن زاد بعد أن أحدث فقرأ آية ومضى في الصلاة، فسدت صلاتهم جميعا، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إن زاد آية فلا بأس عليه، ما لم يركع، فإن كانت الزيادة بعد أن قرأ من السورة آية أو آيتين أو أكثر، فإذا قدم رجلا مكانه فإن شاء الرجل قرأ وركع بالقوم وتمت صلاتهم، وإن شاء ركع فصلاتهم تامة بالقراءة التي قرأها الإمام، وهو طاهر في أول السورة، ثم إن فرغ الإمام من قراءة فاتحة الكتاب ثم أحدث، فقرأ من السورة بعد حدثه آية أو آيتين ثم قدم رجلا فقرأ الرجل الذي تقدم آية أو آيتين أو ختم السورة أو سورة غيرها، تمت صلاتهم، وإن ركع بقراءة الإمام الأول ولم يقرأ فسدت صلاتهم؛ لأن قراءة الإمام الأول كانت فاسدة، ومن غيره؛ ويوجد إذا انتقضت صلاة الأول، وكان في صلاة يسر فيها بالقراءة، فقدم رجلا بتم بهم الصلاة، والإمام المقدم لا يعلم أين كان بلغ الإمام من القراءة، وقد بلغ الإمام من القراءة، وقد قرأ هو فاتحة الكتاب بعضها، من أين يقرأ من حيث بلغ الإمام، ولا يعلم الإمام أين كان بلغ، فقد اختلف في ذلك، فقال قوم: يبتدئ من حيث بلغ هو، وقال آخرون: يبتدئ بفاتحة الكتاب؛ لأنه يمكن أن يكون ثم يقرأ وكان واقفا، فيبتدئ بفاتحة الكتاب، لئلا يكون قد فاته شيء من فرضها، ما تتم الصلاة إلا به من فاتحة الكتاب فينظر في ذلك. (13/90)
صفحة 3304
مسألة: وعن إمام قوم يحدث في الصلاة، وقد صلى ركعتين، ثم قدم رجلا أميا لا يقرأ من القرآن، قال صلاتهم تامة؛ لأن الركعتين الأخيرتين لا قراءة فيهما.
مسألة: ومنه؛ ويكره إذا أحدث الإمام حدثا أن يخرج من المسجد حتى يقدم إماما، وقد قال من قال: إن خرج الإمام من المسجد ولم يقدم إماما فسدت صلاتهم، وأما أنا فلا أتقدم على نقض صلاتهم، فلو تقدم إمام بعد خروج الإمام من المسجد، فإن صلوا فرادى بلا إمام ففي ذلك تشديد وكراهية، ولا أتقدم أيضا على نقض، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: لا تفسد صلاتهم، ويقدموا رجلا، فإن لم يقدموا رجلا، أتموا صلاتهم فرادى. (رجع) فإن تقدم إمام فصلى بعضهم معه، وصلى من بقي فرادى، انتقضت صلاة من صلى بغير صلاة الإمام، وكذلك إن تقدم لكل قوم إمام فسدت صلاتهم؛ لأنه لا يصلح إمامان في صلاة واحدة، وقيل: إن الإمام إذا أحدث، وتقدم إمام غيره تقدم على الهيئة التي كان عليها الأول، من قيام أو ركوع أو سجود أو قعود، وإن كان في قراءة فأخذ من حيث بلغ الأول فحسن، وإن ابتدأ فلا بأس، ويستحب أن يكون الإمام الأول هو الجار لهذا الثاني، فإن لم يفعل وتقدم الإمام برأيه فلا بأس، وإن نخس واحدا منهم الإمام الثاني ليتقدم، فقد قيل: إن أبا عثمان فعل ذلك.
مسألة: ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إنما يحركه بمرفقه، وكان إلى جنبه، وأما إن نخسه بيده فسدت صلاته.
مسألة: ومنه؛ وقيل لو أن رجلا دخل في صلاة قوم، ولم يدر ما صلوا، ثم أحدث الإمام وتأخر، ولم يكن فيهم قادر غيره فقدموه وصلى، كان عليه النقض وعليهم؛ لأنه صلى بهم على غير يقين، وإن كان قد عرف ما سبقوه صلى بهم، فإذا انقضت صلاتهم وقفوا عن حالهم، وقام هو وأتم صلاته، ثم سلم بهم، ولو انصرفوا إذا صلوا صلاتهم، لم أر عليهم نقضا، ولا يؤمرون بذلك.
ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: وإن قدم رجلا سلم بهم فلا بأس، وإن فطن رجل من الصف سلم بهم أجزأهم. (13/91)
صفحة 3305
ومن غيره؛ وعلى قول: إن الإمام إذا أحدث، وقد صلى بعض صلاته أنه يأمر من يتم بهم صلاتهم، وتقدم الثاني على الهيئة التي كان عليها الأول، فأما لو كان جنبا وصلى، ولم يعلم ثم علم في الصلاة لم يجز البناء عليها؛ لأن صلاتهم في الأصل فاسدة، وكذلك لو صلى وهو على غير وضوء، متعمدا أو ناسيا، ثم ذكر أنه كان على غير وضوء، لم يجز ما صلى منها، وكان على الإمام والجميع الابتداء، وأما إذا انتقض وضوءه بحدث أفسد عليه، ولم تفسد صلاة من خلفه، قدم غيره يتم ما بقي من الصلاة بهم، وبالله التوفيق.
في الفرق في هذه الرواية أستعين.
مسألة: أحسب عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر، وأما الذي كان يصلي هو وآخر، انتقضت صلاة المأموم وبقي الإمام وحده، فقد عرفت أنه يتم صلاته على حاله ذلك، كما دخل فيها كانت جهرا أو سرا، والله أعلم.
مسألة: وعن الإمام يحدث في الصلاة، وقد صلى ركعتين، ثم قدم رجلا أميا لا يقرأ من القرآن، قال: صلاتهم تامة؛ لأن الركعتين الأخيرتين، لا قراءة فيهما.
مسألة: وعن رجل يصلي بقوم انتقضت صلاته، وهو ساجد فقال: ينصرف ويرفع أحد القوم رأسه بتكبيرة، فإن عموا ذلك فرفعوا رؤوسهم كلهم، فليتقدم رجل منهم، ولا نقض عليهم إن شاء الله.
مسألة: -من كتاب التقييد عن الشيخ أبي محمد- وسئل عن الإمام إذا انتقضت صلاته وهو راكع، كيف يأمر بالتقديم؟ قال أبو المؤثر: كنا في صلاة العصر وراء محمد بن محبوب، فلما كنا في الركوع، عناه أمر انتقضت به صلاته، فرفع رأسه ولم يقل سمع الله لمن حمده، وهو في قيامه في الصف، وسمعته يقول لزياد بن مثوبة تقدم يا صالح، فلما قضى أبو صالح الركوع رفع رأسه، وقال سمع الله لمن حمده، وهو في قيامه في الصف وجهر بها، وكان إماما للناس في ذلك (13/92)
صفحة 3306
الموضع، ثم مشى وكان في موضع الإمام، ثم سجد وسجد الناس معه.
مسألة: وسألته عن الإمام إذا سجد، ثم انتقضت صلاته، كيف يصنع، قال: يرفع رأسه ويأمر رجلا يتم بهم الصلاة، فيقضي الرجل الذي أمر لكل الذي هم فيه، فإن كان ساجدا فإذا قضى السجود رفع رأسه بتكبيرة وهو في موضعه ويجهر بها، ويكون إماما للناس في ذلك الموضع، ثم يزحف إلى مكان الإمام فيتم السجدة الثانية فيه، قال: هذا إذا كان في السجدة الأولى، فإن كان في السجدة الثانية من الركعة الأولى، فإذا رفع رأسه قام حتى يكون في موضع الإمام، ثم يقرأ، وقال: فإن كان في السجدة الثانية من الركعة الثانية فليرفع رأسه ثم يزحف، ويكون في موضع الإمام، ثم يقرأ التحيات، ويقضي بهم الصلاة على ذلك، قلت: كيف يزحف؟ قال: يزحف وهو متورك للصلاة، قلت: أرأيت إن رفع ركبتيه وزحف؟ قال: لا بأس بذلك، وكما أمكنه إلا التربع فإنه لا يتربع، قلت: أرأيت إن كان المكان قريبا فمشى؟ قال: لا أرى عليه نقضا في صلاته.
مسألة: وسألته إذا انتقضت صلاة الإمام وهو جالس، وأمر من يتم بهم الصلاة، كيف يصنع المأمور؟ قال: يقضي التحيات، وهو في مكانه في الصف، وإن كان في الجلسة الأولى قام بتكبيرة في موضعه ذلك، ثم مشى إلى موضع الإمام، فإن كان في الجلسة الأخيرة قضى التحيات، وما أراد من بعد ذلك في موضعه ذلك، فإذا أراد أن يسلم زحف إلى موضع الإمام فسلم بهم، فإن كان سلم بهم في موضعه ذلك في الصف، فلا بأس بذلك.
مسألة: -من الأثر- عن أبي المؤثر؛ وعن رجلين خلف الإمام يصليان، ثم انتقضت صلاة الإمام؟ قال: الذي عن يمينه قال يمشي الذي أمر بالتقديم، حتى يقف مقام الإمام، ويمشي الآخر من خلفه، حتى يكون عن يمينه، ومن غيره؛ قال: وقد قيل إن من مشى من قدام صاحبه حتى يجعله عن يمينه، فذلك جائز، وإن قدم الذي عن يساره مشى من خلف صاحبه حتى يجعله عن يمينه، مشى من (13/93)
صفحة 3307
خلف صاحبه حتى يكون عن يمينه، وإن مشى الذي قد مشى من قدام صاحبه زحفا، وكذلك حتى يكون عن يسار صاحبه، ويجعله عن يمينه، فذلك جائز إن شاء الله. –من كتاب الأشياخ-.
وقلت: رجل يصلي بنسوة فسدت صلاته، كيف يصنعن، وقد صلى ركعتين؟ قال: يقمن صلاتهن بلا إمام، وانظر في تمام صلاتهن، وصلاة الإمام، إذا لم يكن معه رجل؛ لأنه يصلي الجماعة بمن ليس عليه جماعة. (13/94)
صفحة 3308
الباب التاسع عشر
في الصف خلف الإمام كان المصلي واحدا أو أكثر
أو كان في الصف صبي
وعن رجل يؤم قوما في مسجد يكون بينه وبينهم خمسة عشر ذراعا أو أكثر، هل تفسد صلاتهم؟ قال: ما لم يكن بينه وبينهم خمسة عشر ذراعا فلا نقض عليهم، قد أخطأوا إذا تباعدوا عنه، وليكن بينه وبينهم قدر مربط شاة، وأكثر ما يكون بينه وبينهم قدر مربط ثور.
مسألة: وعمن صلى في رحبة المسجد خلف المسجد من الزحام؟ قال: صلاته جائزة، وكذلك إن لم يقدر يسجد من الزحام، فقيل: إذا رفع القوم رؤوسهم سجد، وقيل: يسجد ولو على ظهر رجل، وبه يأخذ، لعله أبو الحواري.
مسألة: وسئل أبو سعيد محمد بن سعيد -رضيه الله- عن القوم، هل يجوز لهم أن يصلوا كل فرقة بإمام خلف بعضهم بعض، تكون فرقة وإمام قدام الأخرى، وفرقة أخرى وإمام خلف هذه الفرقة، ثم كذلك ما كانوا في صلاة واحدة في وقت واحد أم لا يجوز لهم ذلك؟ فمعي أن لهم ذلك في غير مسجد، أو مسجد لا إمام فيه، أو لم يكن أحد الأئمة إمامه، أو من يقوم مقامه، ومعي؛ إن بعضا يقول: إذا كان بين كل إمام دون خمسة عشر ذراعا، الإمام والذين خلفه، أنه لا يجوز لهم (13/95)
صفحة 3309
ذلك، وما كان دون خمسة عشر ذراعا فصاعدا في هذه البقاع التي وصفتها جاز لهم ذلك.
مسألة: وسألته عن الصبي إذا كان في الصف في الصلاة، عن قفا الإمام أخذ قفاه كله، ولم يأخذ من الإمام، ولا من ثيابه أحد من البالغين شيء، والصبي لا يحافظ على الصلاة ويصلوا على ذلك، بصلاة الإمام، هل ترى صلاة من صلى بصلاة الإمام عن يمين الصبي أو شماله تامة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل في ذلك باختلاف، ويعجبني إذا كان مأمونا على الطهارة، ويعرف معاني الطهارة فصلاته تامة وأن ذلك يجزي، وأما إن كان على غير هذا، فيعجبني أن لا يترك خلف الإمام، فإن فعلوا لعله أحببت لهم الإعادة، إذا كانوا على ما وصفت، وإن لم يعيدوا وهو من أهل القبلة، وفي معاني الصلاة، فأرجو أن يسعهم ذلك إن شاء الله.
قلت: فإن لم يكن هذا الصبي يفعل الطهارة، ولا الصلاة ولا شيئا من ذلك إلا أنه من القبلة وصف خلف الإمام، لما رأى الناس يصفون، وصلوا على ذلك، أترى صلاتهم تامة، حتى ترى فيه النجاسة بعينها، إذا كان من أهل القبلة؟ قال: فلا يعجبني ذلك، على هذا وأحب لهم الإعادة.
مسألة: ومنه؛ وقال أبو عبد الله -رحمه الله- من صلى في قرنة المسجد، فإذا هو قد صلى حذاء الإمام من يمين أو شمال، ولم يعلم في الظلام حتى قضى صلاته؟ قال: أخاف أن تفسد صلاته، وأنا لا أبلغ به في هذا إلى فساد صلاته، والله أعلم؛ إلا أن يتقدم هو الإمام.
مسألة: قال أبو سعيد -رحمه الله- في رجل صلى خلف الإمام في الظلام، وهو يظن أنه لاصق بالصف، فلما فرغ تبين له أنه كان بينه وبين الصف مقام رجل، إن صلاته تامة، ولا بدل عليه، إذا كان معه أنه في الصف، قيل: وكذلك إن كان وحده فتحرى أنه عن قفا الإمام، إلا أنه لا يعرف أنه صلى خلف الإمام، وذهب إلى ذلك؟ قال: يقع لي أن صلاته تامة. (13/96)
صفحة 3310
مسألة: عن أبي الحواري؛ وعن رجلين يصليان جماعة، وكان أحدهما على مصلى مرتفع، والآخر أسفل منه، أترى صلاتهما جائزة؟ وما الحد الذي إذا ارتفع أحدهما عن صاحبه لم تجز صلاتهما؟ فعلى ما وصفت، فإذا كان الإمام مرتفعا عمن خلفه ثلاثة أشبار، انتقضت صلاة من خلفه، وقال لنا أبو المؤثر: إذا ارتفع الإمام على ثلاثة أشبار؛ لم تجز الصلاة خلفه؛ والمرتفع تجوز له الصلاة خلف الأسفل، ولا تجوز للأسفل خلف الأعلى.
مسألة: وعن رجل كان يصلي مع قوم في الصف، وهو جنب، هل يقطع عليهم الصلاة؟ قال: معي؛ إنه يختلف في ذلك، والذي يرى أنه يقطع عليهم الصلاة، يجعله مثل الخلوة في الصف، قال: وكذلك إن كان قفا الإمام، فهو سواء فيما معنى الاختلاف.
قلت له: فإن مسهم بيده، فهل يقطع عليهم؟ قال: معي؛ إنه يوجب أن الجنب إذا مسألة: بيده ثياب المصلي، أو بدنه انتقضت صلاته، ويشبه فيه معاني الاختلاف، على قول من يقول: إن شعر الجنب لا يفسد الصلاة؛ لأن شعره ليس نجسا، وإنما هو متعبد بالغسل؛ على معنى قوله.
مسألة: وجدته مقيدا عن الشيخ أبي الحسن محمد بن أبي الحسن -رحمه الله- قلت له: ما تقوم في قوم صلوا خلف إمامهم، وكان عندهم أنهم عن قفاه، وكان الظلام، فصلوا على ذلك، ثم علموا أنهم صلوا ناحية عن الإمام؟ قال: صلاتهم تامة، وكذلك إن صلوا حذاءه، وهم يرون أنهم خلفه، فصلاتهم تامة، قال: وكذلك إن استقبلهم الإمام، وهو يرى أنه مستدبرا بهم، ثم علم فصلاتهم جميعا تامة، وكذلك إن استدبروا هم الإمام، فولوه أدبارهم، فصلوا وهم يرون أنهم على القبلة جميعا، فصلاتهم تامة.
مسألة: -من الزيادة المضافة من الأثر- عن أبي معاوية، وقلت: في رجل وحده عنده متاع في أقصى المسجد، فخاف على متاعه أن يتلف، هل له أن يصلي (13/97)
صفحة 3311
وحده بصلاة الإمام؟ قال: لا، قلت: فإن صلى، فعليه النقض؟ قال: وقد قيل له أن يصلي هناك من الضرورة، وله ذلك عذر إذا كان في المسجد، وقيل: لا يصلي، فإن صلى فصلاته تامة. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: -جواب أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي- -حفظه الله تعالى- فأما الذي صلى عن قفا الإمام، وهو على غير وضوء، فإن كان أخذ قفا الإمام كله، ولم ينل الصف من الإمام شيئا، فقد عرفت أن عليهم النقض في بعض قول المسلمين، وهو الأكثر فيما عندي، وعندي أن بعضا لا يرى على القوم نقضا إذا كان سادا للفرجة، وإن كان القوم قد نالوا من الإمام شيئا، فصلاتهم في أكثر القول تامة.
مسألة: وهذا مما وجدته عن الشيخ أبي الحسن محمد بن الحسن -رحمه الله- قلت: ما تقول في قوم، صلوا خلف إمامهم، وكان عندهم أنهم عن قفاه، وكان الظلام، فصلوا على ذلك، ثم علموا أنهم صلوا ناحية عن الإمام؟ قال: صلاتهم تامة، قال: وكذلك إن استقبلهم الإمام، وهو يرى أنه مستدبرا بهم، فصلاتهم جميعا تامة، وكذلك إن استدبروا هم الإمام، فولوه أدبارهم، وصلوا وهم يرون أنهم على القبلة جميعا، فصلاتهم تامة.
مسألة: سألت أبا سعيد: عن رجل خرج من الصف في الصلاة، وبقي مكانه فرجة، هل يجوز لمن في الصف مما يلي الإمام أن يجر إليه من كان في صلاة الصف خلف الفرجة حتى يلصق به؟ وكذلك يجر الذي جره هذا مما يليه، ثم كذلك يجر بعضهم بعضا، حتى يستووا جميعا، ويسدوا تلك الفرجة أم لا يجوز ذلك؟ قال: معي؛ إن من كانت صلاته تامة مما يلي الإمام ولا تضره الفرجة، فليس له في ذلك صنيع، وليس ذلك من مصالح صلاته، والعمل فيه عندي يفسد صلاته، وأما إذا كان في مصلحة لصلاته ولا يتم صلاته إلا به، مثل أنه يكون منقطعا، فيجر إليه من يصلح صلاته، فمعي؛ أنه يشير إليه إشارة ولا يجره، فإن جره فأحسب أن في ذلك اختلافا في تمام صلاته ونقضها؛ لأنه عمل. (13/98)
صفحة 3312
قلت له: فإن لم يكن ذلك مصلحة في صلاته أو جهل أو نسي، حتى جر من كان خلف الفرجة حتى لصق به، هل تتم صلاته على الجهل والنسيان؟ قال: أرجو أنه إن قصد إلى صلاح الصلاة عامة، وأحسب أنه على ما ذكرت مما يجري فيه الاختلاف مما يشبه من الجهل والنسيان. (13/99)
صفحة 3313
[صفحة بيضاء] (13/100)
صفحة 3314
الباب العشرون
في الصف خلف الإمام
قال أبو بكر: ثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» واختلفوا في الصف من بين السواري، فكره ذلك ابن مسعود وحذيفة بن النعمان والنخعي، وروي ذلك عن ابن عباس، ورخص فيه ابن سيرين وأنس بن مالك، وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: ذلك جائز؛ لأني لم أعلم في النهي خبرا يثبت.
قال أبو سعيد: أما في ثبوت تسوية الصفوف فخارج عندي على معنى ما يثبت من قول أصحابنا، وأما الصفوف بين السواري من المسجد فيخرج في معاني قول أصحابنا، أنه إذا كانت السارية تقوم مقام رجل في الصف المقدم، إنها تقطع الصف على من قطعت عليه من يمين الإمام وعلى يساره، وأما ما كان خلفه أو متصلا به ممن خلفه فلا يقطع حجته، وأما إذا كانت دون هذا المعنى فمعي؛ إنه يلحق في معاني قولهم اختلاف، ويعجبني إذا ثبت قطعها، أن تقطع كانت صغيرة أو كبيرة إذا كانت مانعة بين الرجلين، وأما إذا كانت السواري بين الصفوف المتأخرة عن الصف الأول وكان الصف الأول تاما أو تنال الصفوف منه شيئا ممن قطعت عليه السواري، فلا أعلم في ذلك فسادا، إذا كانت أحد ينال منهم شيئا من الصف الأول، أو من الصفوف الثابتة صلاتهم خلف الصف الأول، ومنه؛ قال أبو بكر: سن الرسول صلى الله عليه وسلمأن يكون الإمام أمام المؤتمين، (13/101)
صفحة 3315
واختلفوا في المأموم يصلي خلف الإمام في حال الإمام في حال الضرورة من الزحام وما أشبهه، فقالت طائفة: إذا كانت كذلك، فصلاة من صلى منهم أمام الإمام جائزة، هذا قول مالك؛ إذا ضاق الزحام في الجمعة، وبه قال إسحاق بن راهويه وأبو ثور، ولا يجزي ذلك عند الشافعي وأصحاب الرأي.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا أنه لا يجوز أن يؤم الإمام من كان قدامه بحال في ضرورة ولا غيرها، هذا خارج في معنى السنة، وأما إذا اضطر مصلي فصلى خلف الإمام وحده أو عن يمينه أو عن شماله من زحام أو ضرورة ولم يتقدمه فمعي إنه يخرج في معاني قولهم الاختلاف في ذلك، ويعجبني أنه يجوز له ذلك، ما لم يتقدم الإمام للأصل الذي ثبت بمعاني الاتفاق، أنه قد يصلي عن يمينه إذا لم يكن معهما أحد غيرهما، مع ثبوت السنة أن الإمام يكون قد أم المؤتم به، فلما أوجب الضرورة عند عدم ذلك للصف، أن يكون الواحد عن يمين الإمام كذلك كان مثله في معاني الاضطرار، وكذلك الغلط لو كان في ظلام أو في نحوه فصلى في أحد هذه المواضع، يظن أنه خلف الإمام، فقيل: إن صلاته تامة، ويخرج فيه عندي معاني الاختلاف، ويعجبني تمام صلاته إذا وقعت على غير التعمد أو التجاهل.
-ومن غير الكتاب- من كتاب أبي جعفر، وقيل: يجوز للرجل أن يصلي في بيته بصلاة الإمام إذا كان بينه وبين المسجد باب مفتوح، ولم تقطع بينهم طريق، وكذلك قد قال من قال: إنه صلى على ظهر بيت بصلاة الإمام وهو أسفل، أن ذلك جائز، إذا كان من خلف الإمام، ولم يقطع بينهم طريق ولا غيره، وقال من قال: إن ذلك لا يجوز، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: هذا في النوافل يجوز، فقال: وقد قيل: إن هذا جائز في الفرائض والنوافل؛ لأن هذا مشهور في الأمصار من فعل الناس، مثل مكة وغيرها.
مسألة: ومنه؛ وقال: الطريق يقطع بين الصفوف، إذا كان عن يمين أو شمال، أو بين الصفوف، ولا بأس أن يكون إمامهم كلهم. (13/102)
صفحة 3316
مسألة: ومنه؛ لا يجوز أن يصلي خلف أحد خلف الطريق، أو النهر الجاري، بصلاة الإمام، وكذلك قد قالوا: إذا اتصلت الصفوف من عند الإمام حتى يأخذ في الطريق؛ إلا أن تكون جائزة، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: لا تجو الصلاة في الطريق؛ إلا أن تكون مثل الأودية، والظواهر الذي يمروا فيها حيث شاءوا كلها سكك، فإن قام الإمام واتصلت الصفوف خلف الإمام، في مثل ذلك الوادي أو الظاهر فلا بأس، وأما أن يتحرى الرجل يصلي في طريق أو في سكة من سكك القرى فلا يجوز.
مسألة: والذين يصلون بصلاة الإمام، ويقفوا الإمام ممن لا يحسن الصلاة، ولم يدر ما ينقضها، فليس عليهم في صلاتهم شيء؛ إلا أن يعلموا أنه يأتي في الصلاة ما ينقضها، أو يصلي بلا طهارة، وما يشبه ذلك، والله أعلم.
مسألة: -من الزيادة المضافة- مما عرض على أبي المؤثر، وسألته عن رجل، أكون أنا وهو في الصلاة، فإذا أحرم رأيته لا يحسن الصلاة، فما أفعل في صلاتي؟ قال: يتقدم إلى الإمام ويدعه. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: حماد عن إبراهيم، في الرجل يصلي فوق المسجد مع الإمام، والإمام أسفل، ويصلي في الصف وحده إن ذلك يجزيه، وهو قول أبي حنيفة وقول أسد، قال غيره: يخرج ذلك معنا على سبيل العذر، إذا كان للمصلي معنا له فيه عذر لسبب من الأسباب، من خوف حر أو برد أو ما يؤذي أو ما أشبه ذلك، أو ضعف أو من خوفه على مال أو نفس، فقد قيل إن له ذلك أن يصلي وحده بصلاة الإمام، ولو أمكنه أن يصف في الصف وأمكنه الصف، وأما لغير عذر فلا يخرج معنا إجازة ذلك في قول أصحابنا، وأما صلاته بصلاة الإمام فوق البيت إذا كان متصلا بالمسجد، فقد قيل: في ذلك اختلاف، فقيل: إن الإمام يعلى ولا يعلو، وقيل: يعلو ويعلى، وقيل: يعلو ولا يعلى، وقيل: لا يعلو ولا يعلى، معنى العلو في ذلك أن يكون أعلى ممن خلفه، أو يكون من خلفه أعلى منه، وعلوه في ذلك أن يكون فوق ثلاثة أشبار، وهي السترة، أو أسفل منها، (13/103)
صفحة 3317
ومن خلفه فوقها فما فوق ذلك فهو وما دون ذلك، فلعله يكره ولا يبلغ بذلك إلى علو يفسد في معاني ما يختلف فيه.
مسألة: إبراهيم عن عمر، إنه كان إذا قام إلى الصلاة قال لأصحابه: سووا صفوفكم، سووا مناكبكم، تراصوا، أو ليخللنكم كأولاد الحذف، يعني الشياطين، إن الله وملائكته يصلون على مقيمي الصفوف.
مسألة: -من الزيادة المضافة- قال أبو سعيد في الإمام: إذا كان يصلي في داخل المسجد، وآخر يصلي في الحجرة، والإمام قد أم ذلك في المسجد، فعندي إنه إذا كان تجوز الصلاة بصلاة الإمام، فمعي إنه يختلف في ذلك، فقال من قال: إذا كان بين والج المسجد والحجرة باب مفتوح جاز ذلك، إذا كان الباب أكثر من ثلاثة أشبار، وقال من قال: حتى يكون باب يخرج منه الرجل بغير معالجة، وإلا فلا تجوز الصلاة بصلاة الإمام، إذا كان أقل من ذلك، وقال من قال: ولو كانت الفرجة أقل من ثلاثة أشبار، ولو كانت كوة يبصر منها الإمام، أو من خلفه، فما كانوا يتباصرون جازت الصلاة بصلاة الإمام، وعلى هذا القول يخرج عندي لو كان المأموم فوق ظهر بيت، رفعه أكثر من خمسة عشر ذراعا، لا غاية لذلك عندي على قول من يقول: إن الإمام يعلى، وأما إذا كان بينه وبين الإمام أكثر من خمسة عشر ذراعا في غير العلو، فلا يجوز له الصلاة بصلاة الإمام، وهذا غير الأول عندي. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: سألت أبا سعيد عن الصبي، إذا كان قائما في الصلاة في الصف، أيقطع على من كان على يمينه أو عن شماله؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إذا كان ممن يعقل الصلاة، ويحافظ عليها فلا يقطع على أحد من عن يمينه وشماله، وإن كان ممن ليس كلك قطع، وقال من قال: لا يقطع على أي حال كان صغيرا أو كبيرا، يحافظ على الصلاة أو لا يحافظ، إذا كان من أولاد أهل القبلة، قلت له: وكذلك إن كان عن قفا الإمام فكله سواء، والاختلاف واحد، قال: معي؛ إنه قد قيل مختلف، وإذا كان خلف الإمام كان أشد، حتى يكون ممن يحافظ على الصلاة، (13/104)
صفحة 3318
ويعجبني إذا كان من أولاد أهل القبلة أن يكون سواء ما كان في الصلاة، ولم تعلم فيه نجاسة، قيل له: وكذلك لو كانا صبيين مصطفين، أو أكثر وكله سواء، ولا يقطعون من على أيمانهم ولا شمائلهم؟ قال: كله عندي سواء، قلت له: أرأيت إن كان الصبي لا يعقل الصلاة، ولا يعرف ما هي، إلا أنه رأى الناس يقومون في الصفوف في الصلاة، فقام عندهم هكذا، فإذا ركعوا ركع وإذا سجدوا سجد، هل يكون مثل من يعقلها، ولا يحافظ عليها، ويلحقه الاختلاف؟ قال: معي؛ إنه إذا لم يكن في صلاة، لم يلحقه الاختلاف عندي، قلت له: وما حد عقله ومحافظته عليها، حتى إذا عقلها وحافظ عليها ثبت له حكم الصلاة؟ قال: معي؛ إنه قيل: محافظته إذا عرف حدودها التي لا تصح إلا بها، ومعي؛ إنه إذا صار بحد من يعقل معرفة حدودها، أنه لو علمها فهو ممن يعقلها ولو لم يعلمها، وإذا كان بحد من لا يعرفها على حال في التعارف، فليس هو ممن يعقلها في الحكم والمعنى؛ لأنه قيل: الصلاة على من عقل، والعقل مختلف، ليس ممن عقل الجمرة من التمرة عاقل للصلاة، وهو عاقل في معنى ما يعقله، وإنما يعقل ويكون عاقلا فيه إذا كان بحد من يعقله في التعارف، إن لم يعرفه، ويمكن ذلك منه عندي، والله أعلم؛ لأن الذي لا يعقل الجمرة من التمرة، يعقل الثدي من اليد، ولا يمتنع هذا عاقل معنى ما عقله، وليس بعاقل لما فوق ذلك.
مسألة: وسألته عن رجل منقطع في طرف من الصف خلف الإمام، بينه وبين الصف قدم مقام رجل، فجهل أن يلصق بالصف وأتم صلاته على ذلك، كان في الصف الأول أو الثاني، هل تتم صلاته؟ قال: فأما في الأول فلا أعلم تمامها في قول أحد من أصحابنا، ولا يخرج معنى ذلك إذا كان وحده، وأما إذا كان قدامه أحد من الصفوف، وكان عن قفا أحد ممن متصل بالصفوف، فعندي أنها تتم في بعض مذاهبهم، قلت: أرأيت إن كان في الصف الأول، وكان عنده رجل على يمينه وجهلا جميعا أن يلصقا بالصف، هل تتم صلاتهما على ذلك؟ قال: معي؛ إنه فيه اختلاف على الجهل، قلت: فإن كانوا متعمدين، كان عليهم النقض؟ (13/105)
صفحة 3319
الكتاب: بيان الشرع
المؤلف: محمد بن إبراهيم الكندي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر للأجزاء 1 - 17: 1402 - 1405هـ / 1982 - 1985م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) قال: نعم، هكذا عندي، قلت: أرأيت إن علم الذي عن يمينه أنهما منقطعين، هل يجوز له أن يدفره، حتى يلصق بالصف؟ قال: فمعي؛ إنه لو أومأ إليه بإشارة جاز ذلك، وقد قيل: ولو نخسه يريد منه ذلك، فهو أشد، وقد قيل: يجوز وأحب أن يمشي هو حتى يسد الثلمة أحب إليّ من هذا كله، ويمشي زحفا، قلت له: فيمشي من قدام صاحبه أو من خلفه، قلت: فمن حيث ما مشى فهو عندي سواء، وليس عندي في ذلك اختيارا، إلا أن ينظر هو أن أحد الموضعين أقرب وأصلح، الأمر مهما يدخل عليه في صلاته، فيستعمل من ذلك الصواب. (13/106)
صفحة 3320
الباب الحادي والعشرون
ما يقطع صلاة الجماعة أو المصلي خلف الإمام
وعن إمام يصلي بقوم مر بين يديه مشرك أو كلب، أو حائض أو قرد أو أسد أو خنزير، من شيء من السباع، وقدامه خط في الأرض، أو سترة دون ثلاثة أشبار، هل تفسد صلاتهم؟ قال: إذا مر بين يديه المشرك أو الكلب أو الحائض أو الجنب أو القرد أو الخنزير، لأقل من خمسة عشر ذراعا انتقضت صلاته، وصلاة من صلى خلفه، وأما الأسد وسائر السباع فالله أعلم. وقلت: إن مر الكلب بين الصف الأول والصف الثاني من خلف الإمام صلاة من تفسد؟ قال: لا تفسد صلاة الإمام، ولا صلاة الصف الذي يليه، وتفسد صلاة الصف الذي مر بين يديه الكلب أو المشرك، أو شيء مما يقطع، فإن كان خلف الذي مر بين يديه الكلب صف آخر، فلا فساد عليهم؛ لأن الناس ستر لبعضهم بعض، قال: نعم، هذا إذا مر الكلب بين يدي الصف حتى يتقدم عن الإمام، وعمن يصلي فيكون بينه وبين من يليه اسطوانة، هل يقطع عليه؟ قال: إن كان رجلان خلف الإمام، وكان بينهما نقضته، وكانا لا يتماسان إذا ركعا أو سجدا، فعليهما النقض، وصلاة الإمام تامة، وإن كان بينهما أحد فلا نقض عليهما، وكذلك إن كان صف تام على هذا، فلا نقض عليهما، إلا أن يكون رجل منقطع في الصف، وليس عن يمينه، ولا عن شماله أحد يصلي معه، ولم يكن يمس إذا خشع من يلي الاسطوانة من الصف، فعليه النقض، إلا أن يكون عن قفا الإمام. (13/107)
صفحة 3321
مسألة: وقلت له: أرأيت المصلي يكون بين سجوده وبين مقام الإمام نجاسة يابسة أو رطبة، وهو يصلي بصلاة الإمام، تتم صلاته بذلك أم عليه النقض؟ قال: معي؛ إنه قد قيل تتم ما لم تمسه أو تكون في موضع صلاته، وقيل: إنها تفسد عليه، كانت رطبة أو يابسة، ومعي؛ إنه قيل: إن كانت رطبة فسدت، وإن لم تكن رطبة لم تفسد، ما لم تمسه أو تكون في موضع صلاته، قلت له: فإن كانت النجاسة بين سجوده، وبين مقامه تحت صدره وهي رطبة، ولم تمسها ثيابه إذا سجد؟ قال: تفسد صلاته، وهذا موضع صلاته.
مسألة: -ومن كتاب ابن جعفر- فإن خرج رجل من الصف، عن قفا الإمام، وبقي طرف الصف من هاهنا وهاهنا، ولا ينالون من الإمام شيئا؟ قال: نخاف عليهم النقض، قال الفضل بن الحواري: فلا نقض عليهم.
مسألة: ومما يوجد عن أبي عبد الله، عن الإمام إذا مر بين يديه ما يقطع الصلاة عليه، ولم تكن بين يديه سترة فإنه تقطع عليه صلاته وصلاة الصف الذي خلفه للأول، وما بقي من الصفوف فلا يقطع عليهم، ويتقدم رجل فيهم يتم صلاتهم، قلت: أفيعيدوا ما مضى من صلاتهم؟ قال: لا. سل عنها، قال غيره: هذا قول حسن إن شاء الله، وذلك أنه إذا فسدت صلاة الإمام بما قد مضى قدامه الذي يقطع الصلاة فسدت صلاتهم، وهم سترة للذين خلفهم، فإن لم يدخلوا في صلاة الإمام بعدما فسدت، ويأتموا به فصلاتهم جائزة؛ لأنه لو أحدث الإمام حدثا مما تفسد به صلاته لم تفسد صلاة الذين خلفه، وإنما يقع الفساد على من فسدت صلاته وحده، ويكون لمن خلفه، فإن تموا على صلاتهم بإمام أو بغير إمام جاز ذلك لهم في هذا القول، وهو قول حسن مبصر، ويخرج على قياس هذا القول أن الذي عن قفا الإمام من الصف الأول لا تفسد صلاته؛ لأنه عن قفا الإمام، والإمام سترة له.
مسألة: -من كتاب ابن جعفر- وقيل: إن الإمام سترة لمن خلفه، فإن مضى شيء مما ينقض بين يدي الإمام بينه وبين السترة، انتقضت صلاته وصلاة من صلى (13/108)
صفحة 3322
خلفه، ومن غيره؛ قال أبو عبد الله: تنتقض صلاة الإمام، وأما من صلى خلفه، فلا تنقض صلاتهم، ويتقدم منهم مصل يتم صلاتهم. (رجع) وإن مضى بين الإمام وبين الصف الأول انتقضت صلاة الصف الأول، وكذلك أن لعله من مضى عليه منهم، ولم يضر الإمام ولا من كان خلفه، إلا ذلك الصف الأول، وكذلك إن مضى بين الصفوف انتقضت صلاة الصف الذي مضى بين أيديهم، ولا نقض على من كان خلف ذلك الصف وقدامه وأما إن مضى الكلب أو غيره مما ينقض، خلف الإمام وبين يدي الصف الأول، فقيل: إن مضى على أول الصف ثم رجع قبل أن يتعدى الإمام فلا نقض عليهم؛ لأن الإمام سترة لهم، وإن تعدى الإمام حتى جاوز من خلفه انتقضت صلاة الذين تقدمهم من ذلك الصف؛ لأنه قد جاز بينهم وبين السترة.
ومن غيره؛ قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: إذا مر بين أيديهم ثم رجع، انتقضت صلاة الذين مر بين أيديهم، ومن غيره؛ قال: وقد قيل إنه إن كان ممره أو مضى من قدام الإمام لم ينقض على أحد، ولو كان مضى خلفه نقض على الذين مضى من قدامه كما قال. (رجع) وإن انقطع من جانبي الصف خلف الإمام اثنان إلى ما أكثر، فلا نقض عليهم، وإن كان في الصف الأول فهو أشد، وأرجو أن لا يبلغ بهم ذلك إلى فساد، وإن خرج من الصف من خرج فتقرب أهل الصف بعضهم من بعض فهو أحب إليّ، حتى يسدوا تلك الفرجة، وإن انقطع واحد وحده في طرف الصف فصلاته فاسدة، وقيل: عن أبي عبد الله -رحمه الله- إذا كان بين المصلي، وبين الصف في ذلك أشد، وإن كان مثل هذا بين الصفين، ولم يجد مدخلا في الصف، فأرجو أن لا نقض عليه، إذا لم يجد مدخلا في الصف، ولو كان وحده.
وأما من كان يصلي قصد الإمام من خلفه، فلا نقض عليه عندنا، كان في الصفوف أو كان وحده من خلف الصفوف، ولو كان في آخر المسجد، ومن غيره؛ (13/109)
صفحة 3323
قال غيره: وقد قيل: إن انقطع من الصف الأول اثنان فصاعدا، أن عليهم النقض، وقال من قال: لا نقض عليهم، إذا كانوا اثنين فصاعدا، وإن كان واحد، فعليه النقض في عامة القول، وقد قيل: ولو جهل أن يزحف فلا نقض عليه، وإن تعمد لذلك وهو عالم أن عليه أن يزحف نقض صلاته، وإن نسي فلا نقض عليه، وهذا في الصف الأول، وأما الصفوف الآخرة، فإذا كان الصف الأول تاما فلا نقض على من انقطع، كان واحدا أو أكثر.
مسألة: وعن رجل صلى بقوم إماما لهم فلما صلوا بعض صلاتهم خرج رجل من الصف من قفا الإمام، فصارت فرجة خلف الإمام ولم يزحف القوم إلى بعضهم بعض في الصف، ولم يسدوا الفرجة التي خرج منها الرجل؟ قال: إن لم ينل الذي عن يمين الإمام والذي عن يساره من الإمام شيئا فأرى صلاتهم منتقضة، وصلاة الإمام تامة، وإن كانوا ينالون من الإمام شيئا فصلاتهم جميعا تامة، وإن لم ينل أحد منهم فصلاتهم فاسدة إذا كانوا صفا واحدا، وإن صف آخر خلف هذا الصف المقدم، فصلاة أهل الصف الثاني تامة وصلاة الصف الأول فاسدة، وقال الفضل بن الحواري: صلاتهم تامة. (13/110)
صفحة 3324
الباب الثاني والعشرون
في المصلي إذا انتقضت صلاته وهو في الصف
أو كان يصلي وثوبه نجس أو قطع صلاته وابتدأها ونحو ذلك
وعمن يحرم وراء الإمام وهو في وسط الصف أو في ثلثه، فإذا أحرم واستمر في القراءة قطع فرجع يوجه ويردد التوجيه، هل يقطع على من يليه وهل عليه أن يعلم الذي إلى جنبه؟ إذا قطع الصلاة أن يقطعوا كان الإمام في القراءة أو قد خشع أو قد سجد، وما أرى عليهم بأسا في صلاتهم، ولا يمكنهم إخراجه من الصف.
مسألة: جواب أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي -حفظه الله- فأما الذي يصلي عن قفا الإمام وهو على غير وضوء، فإن كان أخذ قفا الإمام كله، ولم ينل الصف من الإمام شيئا، فقد عرفت أن عليهم النقض في بعض قول المسلمين فيما عندي، وعندي أن بعضا لا يرى على القوم نقضا إذا كان سادا للفرجة، وإن كان القوم قد نالوا من الإمام شيئا فصلاتهم في أكثر القول تامة.
مسألة: عن الرجل كان يصلي خلف الإمام في وسط من الصف، وكان في ثوبه شيء من النجاسات، ولم يعلم حتى صلى، هل على من خلفه نقض؟ قال: قد قال من قال لا نقض عليه، وقال من قال: عليه النقض، وقال من قال: لا نقض عليه، إلا أن يكون هو جنبا، فقال: على من خلفه النقض، قلت: فإن كان في ثوبه نجاسة، هل ينقض على من مسألة: ثوبه فمن على يمينه وشماله؟ قال: إن (13/111)
صفحة 3325
كان موضع النجاسة معروفا من الثوب فلا نقض عليه، إلا أن يمس النجاسة بعينها، وإن كان الثوب نجسا ولا تعرف النجاسة بعينها ومسه الثوب فعليه النقض، قال: وقد قال من قال: إنه لا نقض عليه في صلاته، حتى يعلم أنه مس النجاسة من الثوب، ثم يكون عليه النقض.
مسألة: -من الزيادة المضافة من الأثر- وسألته إذا كان بين المصلي وبين الصف معتوه، هل تفسد صلاته؟ قال: لا. (انقضت الزيادة المضافة). (13/112)
صفحة 3326
الباب الثالث والعشرون
في الوثبة
قلت له: ما تقوم في رجل يفوته من صلاة الإمام شيء، ركعة أو أكثر، أعليه أن يقوم إذا أبدل ما فاته في جميع صلاته أم ذلك خاص في شيء من دون شيء؟ قال: معي؛ إن في ذلك اختلافا، فقال من قال: إن عليه ذلك إذا فاته شيء من الصلاة ركعتين والتحيات الأولى، وقال من قال: إنه إذا فاته ما فاته، ولو كان أقل من ذلك ما كان غير الركعة الأولى فعليه ذلك، وقال من قال: إنه لا شيء عليه في ذلك من الركعات، إذا فاته شيء منها.
مسألة: وسألته عن رجل أدرك مع الإمام ركعة واحدة، وفاته ثلاث ركعات، هل تجب عليه تلك القومة التي تجب عليه إذا فاتته التحيات الأولى أم لا؟ قال: معي؛ إنها تجب عليه في بعض القول، وفي بعض القول لا تجب عليه. قلت له: فإن فاتته ركعة واحدة، هل يكون هذا مثل الأولى؟ قال: نعم.
مسألة: قال أبو سعيد -رحمه الله- فمن دخل في صلاة الإمام، وقد فاته منها شيء، إنه يخرج في بعض القول أن ليس عليه أن يقوم تلك القومة في كل شيء، وقيل: عليه أن يقوم في كل موضع، وقيل: عليه أن يقوم في الركعتين الأولتين عند قيام الإمام من التحيات الأولى، وليس عليه فيما سوى ذلك.
مسألة: قلت: أرأيت الرجل يدخل في الصلاة مع الإمام في السجود في آخر (13/113)
صفحة 3327
ركعة، أو في الركوع، هل عليه إذا قضى صلاته أن يقوم تلك القومة التي قام بها الإمام من السجود، أم ليس عليه إلا إذا دخل في القيام قبل أن يركع الإمام؟ قال: فمعي؛ إن عليه تلك القومة، إذا أدرك الركوع؛ لأنه يقوم يقرأ، وإن كان في موضع القراءة، فقد فاتته القومة التي يقوم بها الإمام من القعود أو السجود فيقومها، وأما إذا أدركه في السجود فلا محالة أن يقوم إلى القراءة والركوع، فليس هاهنا قومة أخرى غير هذا عندي.
مسألة: وسألته عمن صلى خلف الإمام، في صلاة النهار، فأحرم واستعاذ وركع مع الإمام في أول ركعة من الصلاة، فلما سلم الإمام سلم معه، ونسي أن يقوم يبدل ما فاته من القراءة؟ قال: لا بدل عليه إن كان ناسيا، وإن كان متعمدا لترك البدل في القراءة فعليه إعادة الصلاة، قلت: فإن كان في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلم يسمع شيئا من القراءة، ولم يقرأ أو نسي حتى سلم ولم يبدل؟ قال: عليه إعادة الصلاة.
مسألة: -من الزيادة المضافة- وعن رجل جاء إلى قوم، وهم يصلون جماعة، وقد سبقوه بركعتين أو ثلاث، فصلى مع القوم بقية صلاتهم، ثم قام فأبدل الركعتين أو الثلاث التي فاتته، وقعد ولم يقم بتكبيرة، ما ترى عليه في صلاته؟ قال: إذا صلى ركعتين في الجماعة وأبدل ركعتين أو ركعة، ولم يقم بتكبيرة، فإن القومة التي قاموها من القعدة الأولى حين دخل معهم واجبة عليه باتفاق، وإن ترك ذلك رأيت عليه البدل؛ لأنه عليه أن يصل إلى حد القيام الذي دخل فيه في الصلاة، وإن كان دخل معهم، وقد صلوا ركعة وسبقوه بثلاث ركعات، فإن الاختلاف بينهم في إلزام القومة عليه، منهم من قال: إن عليه يقوم حتى يصل إلى القيام، حيث دخل في الصلاة، وقال قوم: ليس عليه إلا إذا سبقوه بالقعدة الأولى، ورأي إنه يقوم إذا أتم البدل حتى يصل إلى الحد الذي دخل فيه مع الإمام، فإن قطع الإمام الصلاة، فأنقص منها شيئا من قيام أو غيره قبل أن يصل من حيث دخل في الحد الذي وصل إليه، ولو قل ولم يصل صلاته، إن عليه بدل تلك (13/114)
صفحة 3328
الصلاة. (انقضت الزيادة المضافة).
مسألة: وسألته عن الوثبة أهي واجبة م لا؟ وكذلك تجب في جميع الصلوات أم في صلاة دون صلاة، وكيف صفتها، قيام بغير كلام؟ فعلى ما وصفت، فالوثبة جاء بها الأثر على من فاته شيء من الصلاة، فسبقه الإمام بالقيام، وصفتها أن يقوم بتكبيرة بعد أن يصل إلى عبده ورسوله فإذا قام ورجع كل عضو إلى مفصله، قعد بلا تكبيرة وأتم التحيات وسلم. (رجع). (13/115)
صفحة 3329
[صفحة بيضاء] (13/116)
صفحة 3330
الباب الرابع والعشرون
في الدخول في صلاة الجماعة
فإن دخل مع قوم في صلاتهم، وقد قرأ الإمام فاتحة الكتاب، مختلف فيه، أيقرأ فاتحة الكتاب أم يستمع، والذي كان يأخذ به أبو عبد الله قول من قال، من الفقهاء: إذا دخل في صلاتهم، وقد فرغ الإمام من فاتحة الكتاب، ودخل في قراءة السورة، فلينصت ويستمع، ويجزيه الاستماع إذا أدرك من بعد إحرامه من قراءة الإمام آية واحدة، اجتزى بها، وإن أدرك بعد إحرامه من قراءة الإمام أقل من آية، فعليه إذا سلم أن يقوم فيتم ما بقي من الصلاة ويقرأ فاتحة الكتاب.
مسألة: ومن غيره؛ قال: مررت مع جابر بمسجد، وقد أقام لصلاة الغداة، فدخل معه واستفتح سورة طويلة، فتأخر جابر وصاحبه وترك الصف وصلى وحده، فلما انصرف قال: إن صلاة الغداة تفوت.
مسألة: -ومن كتاب ابن جعفر- قال: أحسب عن محمد بن محبوب -رحمه الله- فيمن دخل في صلاة قوم، فاستأنف هو القراءة وركعوا، وهو بعد لم يتم القراءة، ورفعوا رؤوسهم من الركوع، وفرغ هو وركع وحده، قال: إذا أدرك الإمام وهو قائم لم يسجد، وسجد في سجوده، فلا بأس عليه، وقد يوجد في أثر غير هذا، إن من دخل في صلاة قوم ركوع، فدخل في القراءة بعد الإحرام، أنه إن أدركهم في الركوع فلا بأس، وإن لم يدركهم استأنف الصلاة، والرأي الأول أحب إليّ، ومن غيره؛ وعن أبي علي الحسن بن أحمد -رحمه الله- وقد قيل: إنه إذا لم (13/117)
صفحة 3331
يدرك من القراءة شيئا، فليس له أن يقرأ، فإن قرأ انتقضت صلاته، وإنما يتبع الإمام في الحد الذي يدرك فيه، بعد أن يحرم كان الإمام راكعا أو ساجدا أو قاعدا أو قائما، والله أعلم.
مسألة: ومن بدأ يصلي فريضة في المسجد، ثم قام المقيم، فإن رجى أنه يتم ركعتين أتمهما وكانت نافلة، ثم يدخل في صلاة الإمام، وإن كان قد عدا الشفع أو هو في أول الصلاة، قطع ذلك ودخل مع الإمام، ومن غيره: قال محمد بن المسبح: إن خاف أن لا يتم شفعا فليجعلها وترا ويسلم، ويدخل معهم في الصلاة.
مسألة: ومن غيره؛ وعمن أدرك آخر ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد قال من قال: يجوز له أن يقول ما يقول الإمام من التشهد والدعاء، وقال من قال: إذا وصل إلى وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سبح وكل ذلك جائز إن شاء الله، وإن ردد التحيات، فقد قال من قال: لا تفسد صلاته، وجائز له ذلك، والتسبيح أحب إلينا.
مسألة: وحدثني محمد بن أبي غسان أن أبا المؤثر سأل محمد بن محبوب عن رجل صلى خلف الإمام الظهر والعصر، فلم يقرأ فيهما شيئا، إلا أنه يركع ويسجد ويكبر؟ قال محمد بن محبوب -رحمه الله-: إنه ليس عليه إعادة.
مسألة: ومن غيره؛ واختلف في الذي يدرك مع الإمام الركوع؟ فقال من قال: إذا أحرم وركع مع الإمام، ولم يدرك القراءة، فلا إعادة عليه في القراءة، كان ذلك في صلاة الليل أو النهار، وقال من قال: يجزيه ذلك في صلاة النهار، ولا يجزيه في صلاة الليل، وقال من قال: لا يجزيه ذلك في صلاة الليل والنهار، حتى يكون إحرامه قبل ركوع الإمام، وأما إذا كان إحرامه بعد ركوع الإمام فلا يجزيه ذلك، كان في صلاة الليل أو النهار، ويخرج ذلك في بعض القول: إن ذلك لا يجزيه في صلاة الليل، ولو كان إحرامه قبل الإمام حتى يسمع مقدار آية من قراءة الإمام، وقال من قال: لا يجزيه حتى يسمع مقدار ثلاث آيات، وقال من (13/118)
صفحة 3332
قال: لا يجزيه في صلاة النهار، حتى يقرأ نصف الحمد، وقال من قال: لا يجزيه حتى يقرأ أكثرها، وإلا فعليه إعادة القراءة.
مسألة: وبلغنا عن علقمة والأسود صاحبي عبد الله بن مسعود -رحمه الله- أنهما أدركا إماما فدخلا معه في الصلاة، فقضى أحدهما ما فاته، فجعل ما فاته أول صلاته وهو الذي فاته، وجعل أحدهما الذي فاته أول صلاته ويستأنف، فذكر ذلك لعبد الله بن مسعود، فجوز صنيعهما جميعا، والصواب عندنا أن يجعل آخر صلاته آخر صلاة الإمام، فيقضي ما فاته، وهو الأول من صلاة الإمام، وقد فسرناه على ما ينبغي.
مسألة: -ومن جامع أبي جابر- وعن عبد الله -رحمه الله- أنه قال: أنا آخذ بقول، إن الرجل إذا جاء والإمام في آخر صلاتهم وقد قعدوا للتحيات الآخرة، أنه لا يدخل معهم حتى يحرم هو ويقعد الإمام من السجود للتحيات، وقال من قال: إذا قضى تحيات نفسه قبل أن يسلم الإمام، فقد أدرك، وهذا القول أحب إليّ، وقال من قال: إذا قرأ هذا الذي يدخل في صلاة الإمام التحيات أمسك عن الدعاء، ووقف حتى يسلم الإمام، ثم يقضي هو ما سبق به، وقال من قال: بل يدعو مثل الإمام، وكل ذلك حسن إن شاء الله، قال غيره: ومعي؛ إنه قيل يسبح بقول: سبحان الله، حتى يسلم الإمام، قال محمد بن المسبح: يردد إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يردد هذا، فإذا قضى ما فاته دعا بالنجاة من النار، يقول: اللهم نجنا من النار وأسكنا الجنة، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا برحمتك عذاب النار.
مسألة: وعن رجل دخل المسجد، وقد أقام المؤذن وخاف أن يسبقه شيء من الصلاة، فليوجه فإنه أحب إلينا، فإن كان لم يوجه، فما نرى عليه نقضا. والله أعلم. قال غيره: إذا خاف أن لا يدرك الركوع إذا وجه، قال: سبحان الله وأحرم، هكذا روي عن أزهر بن علي، فيما وجدنا في الأثر. والله أعلم.
مسألة: وسألته عن رجل دخل في صلاة الإمام فوجه وأحرم والإمام راكع، (13/119)
صفحة 3333
ثم ركع عند الإمام، قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، هل يجزيه عن إعادة القراءة، كان في صلاة الليل أو في صلاة النهار؟ قال: قد قيل ذلك فيما عندي؛ وقيل: لا يجزيه ذلك على كل حال، وعليه الإعادة، وقيل: يجزيه فيما لا يجهر فيه بالقراءة في صلاة من صلاة الإمام، ولا يجزيه فيما يجهر فيه بالقراءة من صلاة الإمام، إلا أن يدرك من قراءة الإمام آية فما فوقها، أو قدر آية.
قلت له: فإن وجه وأحرم وأخذ في الانحطاط للركوع، وأخذ الإمام في الانتشاء من الركوع، فقضى الركوع وأدرك الإمام في السجدة الأولى أو قبل أن يدخل فيها، هل يكون قد أدرك الصلاة مع الإمام وتتم صلاته، ولا يكون عليه إعادة القراءة في قول من يقول ذلك؟ قال: إذا ثبت له الركوع مع الإمام، فقد أدرك الصلاة، معي؛ في قول من يقول.
قلت له: فعلى هذا الذي وصفت لك يثبت له الركوع عندك أم لا؟ قال: فمعي؛ إنه إذا لم يدرك الإمام في الركوع ولم يركع معه، ولا أدركه في القراءة، وكان متشاغلا بها إلى ركوع الإمام؛ لأنه لا يدخل في الركوع ويمضي مع الإمام في السجود؛ لأنه لا يعمل حدا قد خرج الإمام منه في أول مبتداه مع الإمام، وإنما يدخل فيما الإمام فيه في حين إحرامه.
قلت له: فإن جهل ذلك أو تعمد، ودخل في الركوع الذي قد خرج الإمام منه، وأدرك الإمام في السجود الأول وقضى صلاته، أيكون عليه البدل أم قد قضى ذلك ولا يؤمر به في المستقبل؟ قال: فأما إذا خرج الإمام من الركوع قبل أن يدخل هو فيه، أو يجر إليه، فدخل فيه بعد ذلك خلافا للإمام، فهو عندي غير معذور بجهل ولا بعمد، وتفسد صلاته عندي، وأما إذا خر هو للركوع على أن الإمام في الركوع، وأنشا الإمام من الركوع فاتفقا هذا راكعا وهذا قائما من الركوع، فمضى على ذلك، وركع فأحب أن يعيد القراءة والركوع، إذا أتم الإمام الصلاة، وإن لم يتم رجوت أن يجزيه ذلك في بعض القول، ومعي؛ إن بعضا لا يرى له ذلك؛ لأنه لم يعمل مع الإمام شيئا في الركوع، ففاته الركوع مع الإمام (13/120)
صفحة 3334
والقراءة، وإنما يدرك من صلاة الإمام من الحدود ما دخل مع الإمام وهو فيه، لم يخرج منه، فهنالك يكون مدركا معي للحد الذي أدركت مع الإمام من صلاة الإمام.
ومن غير الكتاب مسألة: وعن رجل قام يصلي الفريضة، فوجه وأحرم وأخذ في القراءة، ثم قال له رجل: يا هذا فإن أريد أن أصلي معك، ما أولى به أن يمضي على صلاته كما هو، أو يقطع صلاته ويبتدئ؟ فعلى ما وصفت؛ فالذي يؤمر به أن يمضي على صلاته، ويكون إماما لمن دخل معه، وقد قيل: إن ذلك جائز إذا كان قد دخل في الصلاة، فجاء آخر دخل معه في الصلاة، وقال له: يؤم به، فأم به على ذلك، جازت صلاتهما جميعا، وإن قطع الصلاة ثم صليا بعد ذلك جميعا، فصلاتهما تامة.
مسألة: ومن غيره؛ فإذا أدركت الإمام وهو في قراءة السورة، فقرأت أنت فاتحة الكتاب، أو لم تقرأها فلا تنظر أنت في قراءة نفسك، ولكن أنظر إلى قراءة الإمام، فإن كان الإمام قد قرأ بعد أن كبّرت أنت تكبيرة الإحرام آية واحدة أو أكثر من ذلك، فقد أجزأتك قراءة الإمام في تلك الركعة، وليس عليك أن تعيد قراءتها، وإن كان الإمام لم يقرأ آية بعد أن كبرت أنت تكبيرة الإحرام، فإذا سلم الإمام فاقض أنت قراءة تلك الركعة، تقوم فتقرأ فاتحة الكتاب وسورة ثم تقعد وتسلم، وأنت قاعد؛ لأنك قد أدركت مع الإمام الركوع، وإنما فاتك القراءة، فإنما تعيد ما فاتك في الصلاة.
مسألة: عن أبي علي الحسن بن أحمد، ورجل دخل المسجد والإمام يصلي، فدخل معه، فوجه وأحرم، وقد سبقوه بسجدة، أيسجد معهم إن أدرك؟ أم لا يكون له أن يفرق بين السجدتين؟ وإن جاز له ذلك فأين موضع قضاء هذه السجدة؟ فله أن يوصل الصلاة، ولو أدرك أحد السجدتين سجدها، وقضى ما بقي عليها في موضع السجدة التي أدركها، وقد أتم التحيات وسلم، وليس عليه وثبة في هذا الموضع، والله أعلم. (13/121)
صفحة 3335
مسألة: وعنه؛ ما تقول فيمن كان يصلي مع إمام فسجد مع الإمام سجدة، ونسي سجدة حتى صار في حد القيام، أله أن يرجع يسجدها، ما لم يكن بينهما حد ليس فيه أحدهما أم لا؟ فنعم. له أن يرجع يسجدها، ويلحق الإمام وصلاته تامة إذا أدرك الإمام في القيام، وإن سجد الإمام أو ركع قبل أن يقوم هذا من السجدة؛ ففي صلاته اختلاف والله أعلم.
مسألة: وعنه؛ فيمن دخل في صلاة الإمام ولم يدرك آية، وهو ممن يعرف الآيات، فإن أراد أن يبدل ما يبدل فاتحة الكتاب وحدها، أو فاتحة الكتاب وسورة، فإذا أحرم ولم يدرك آية تامة، أبدل فاتحة الكتاب وسورة، على قول من يلزمه ذلكن وبعض لم يلزمه البدل، والله أعلم.
مسألة: -من كتاب الأشراف- واختلفوا في الداخل يدرك وترا من صلاة الإمام، فقالت طائفة: يسجد إذا فرغ من صلاته سجود السهو، كان ابن عمر وابن الزبير وأبو سعيد الخدري يفعلون ذلك، وروي ذلك عن عطاء وطاووس ومجاهد، وبه قال إسحاق، قال أبو بكر، وأكثر فقهاء الأمصار من أهل المدينة، وأهل الكوفة والشافعي وأصحابه: ليس عليه سجود السهو، وروي ذلك عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين، قال أبو بكر: وبه نقول، والحجة فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» ولم يذكر سجود السهو.
قال أبو سعيد: لا يبين لي في معاني قول أصحابنا هاهنا سجود السهو، وليس هذا عندي موضع سجود السهو، ومن أدرك من صلاة الإمام وترا ثلاثا أو ركعة أتم بعد صلاة ما أدرك منها، فإذا سلم الإمام قام فأبدل ما فاته، كما فاته القراءة وركوعه وسجوده وتشهد إلى حيث أدرك الإمام من ركوع أو سجود أو قعود أو قيام، هكذا يخرج في معاني قول أصحابنا، لتأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فليصل ما أدرك ويبدل ما فاته».
مسألة: ومن غيره؛ قلت له: ومن كان عليه بدل قد سبقه به الإمام، فقام (13/122)
صفحة 3336
يبدل ناسيا قبل أن يسلم الإمام؟ قال: معي؛ إنه إذا دخل في القراءة قبل أن يسلم الإمام فعليه الإعادة، وإن سلم الإمام قبل أن يدخل في القراءة فمعي؛ إن صلاته تامة على صلاته.
مسألة: وسألته عمن دخل المسجد وخاف أن يركع الإمام قبل أن يصل إلى الصف، هل يجوز له أن يحرم ويركع في أول المسجد، فإذا قام من الركوع والسجود زحف إلى الصف وهو يقرأ، أم كيف يصنع؟ قال: معي؛ إنه قد قيل ذلك أنه فعله بعض أهل العلم وأجازوه، وأحسب أن بعضا لا يجيز ذلك، ويمشي إلى الصف ويصلي ما أدرك، ويبدل ما فاته، قلت له: فالذي يجيز ذلك، يجوز أنه لو كان بينه وبين الصف أكثر من خمسة عشر ذراعا أم يجيز ذلك إذا كان بينه وبين الصف خمسة عشر ذراعا؟ قال: فلا أعلم في ذلك حدا، ويقع لي أنه إذا ثبت ذلك، وحيث كان خلف الإمام، أو حيث تجوز الصلاة بصلاة الإمام في ذلك الوقت.
مسألة: -من الزيادة المضافة من الأثر- رجل أسلم فأدرك بعض صلاة قوم، أعليه بدل ما سبقه، أو إنما عليه ما أدرك من وقتها؟ ففي بعض القول إن عليه أن يصليها ولو فات وقتها، ويخرج عندي بعض القول ما لم يتوان في الطهارة حتى فات وقتها، فلا بدل عليه منها. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
-ومن كتاب الأشراف- واختلفوا في الرجل ينتهي إلى الإمام، فيجده قاعدا في آخر صلاته، فيكبر ويجلس مع الإمام، وكان مالك بن أنس وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يقولون: يكبر إذا قام، وقال الشافعي: يقوم بغير إحرام ويصلي بإحرامه الأول، وقال الحكم وحماد: إذا قام بذلك أحدث التكبيرة.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بمعنى الاتفاق، أنه إذا أحرم مع الإمام وقعد معه في القعود الآخر، إن إحرامه يجزيه على كل حال، وإنما يخرج عندي معنى الاختلاف في إدراكه للحد وهو القعود الآخر، ففي بعض قولهم: إنه لا يكون مدركا للحد، ولا يتم له حتى يقعد مع قعود (13/123)
صفحة 3337
الإمام، ولا يفوته من قعود الإمام شيء، وفي بعض قولهم: إنه إذا أدرك التشهد مع الإمام قبل أن يفرغ من التشهد، (أعني الإمام) أدرك، وإن خرج الإمام من التشهد قبل أن يفرغ هو من تشهده، ما لم يكن مدركا للحد ومدركا لصلاة الإمام من قصر أو تمام أو جمعة، وله وعليه أن يأتي بما سبقه من الصلاة، على معنى ثبوت الإمام عليه من التمام إن كان يقصره ويتم الإمام، وإن كان الإمام يصلي جمعة أو أشباه ذلك، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل يدرك من صلاة الإمام، ويجلس بجلوس الإمام، فقالت طائفة: لا يتشهد، كذلك قال الحسن البصري وإبراهيم النخعي ومكحول وعمرو بن دينار، روينا عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: يتشهد، وبه قال نافع والزهري وسفيان الثوري.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، أنه إذا أدرك قعود الإمام ودخل معه فيه عن ركعة تامة، أو أقل من ذلك، فإن له وعليه التشهد، إلى وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويخرج في معاني الاختلاف في قولهم فيما سوى ذلك من التشهد، والدعاء مع الإمام بما يفعل الإمام، ففي بعض قولهم إنه لا يزيد على التشهد الأول، ولكن يسبح ولا يسكت حتى يسلم الإمام، وفي بعض قولهم: إنه يدعو ويتشهد كما يفعل الإمام؛ لأنه يتبع للإمام بمعاني الاتفاق في دخوله معه في حد أو ركعة في وتر أو في شيء من الصلاة دون أن يبتدئ صلاته من أولها، وما جاز له الدخول مع الإمام لثبوت السنة والاتفاق لموضع صلاة الإمام، ولموضع اتباعه للإمام، فكذلك هو تبع للإمام، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الذي يدركه المأموم من صلاة الإمام، فقالت طائفة: يجعله أول صلاته، روي هذا عن عمر بن الخطاب وعن علي بن أبي طالب وأبي الدرداء ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق المزني، وقالت طائفة: يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته، وكذلك قال ابن عمر، وبه قال مجاهد وابن سيرين ومالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أبو بكر: بالقول الأول أقول. (13/124)
صفحة 3338
قال أبو سعيد: في عامة قول أصحابنا أنه يجعل ما أدرك من صلاة الإمام آخر صلاته؛ لأنها آخر صلاة الإمام، فهو تبع للإمام، وذلك عندي يشبه معنى ما قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته» ولا أعلم في قولهم منصوصا، أنه يجعل من الصلاة أو صلاته، ويبني عليها إلا معنى ما يشبه ذلك في المقيم إذا صلى مع المسافر ركعة من صلاته، فإنه يخرج من قولهم هاهنا ما يشبه معنى هذا، فقال من قال: يأتي بركعة يضيفها إلى هذه الركعة التي أدركها مع الإمام، ويقعد هنيهة قدر ما يحصل على القعود، ثم يأتي بركعتين يجعلهما آخر صلاته، وقال من قال: يأتي بالصلاة، صلاة نفسه من أولها، ويجعل هذه الركعة آخر صلاته كما هي آخر صلاة الإمام.
-ومن الكتاب- قلت له: وما قولك في رجل دخل في الصلاة مع الإمام في المغرب في الركعة الثالثة، فلما قعد للتحيات الآخرة، وقضى قراءتها شك أنه لم يقعد إلا مرة واحدة، فقام بركعة، وجهل الذي دخل عنده أن سبح له ولحقه في الركعة حتى أتمها، وقرأ معه التحيات ثانية، فلما سلم الإمام قام فأبدل الركعتين هل تتم صلاته، ولا تضره زيادة الركعة عند هذا الإمام إلا على الحال؟ قال: معي؛ إنه إذا كان على يقين وعلم من الزيادة، فلا يبين لي تمام صلاته بزيادة ركعة على العلم.
مسألة: وعمن أدرك الإمام وهو بعد في التحيات الأولى، فوجه الداخل وأحرم وقرأ الحمد جهلا منه، وقعد فقرأ التحيات مع الإمام، وقام فقضى ما سبقه الإمام، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنه تفسد صلاته على ما قيل، إذا كان إنما أحرم والإمام قاعد، وأرجو أنه إذا كان يظن أن ذلك جائز له، وقرأ احتياطا لصلاته، وأتى بالقراءة في موضعها حين البدل، فأرجو أن لا يتعرى عندي من تمام صلاته في بعض ما قيل من أمر الجاهل أو القاصد إلى صلاته صلاته؛ لأنه لم يأت بحد زاده في صلاته في الإجماع في قولهم، وإنما قال بعض: إن القراءة حد، وليس ذلك عندي بالإجماع، والله أعلم. (13/125)
صفحة 3339
مسألة: -ومن كتاب الأشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها» واختلفوا في الوقت الذي لا يكون المرء مدركا للركعة؟ قال ابن مسعود: من أدرك الركوع فقد أدرك، وبه قال ابن عمر وسعيد بن المسيب وميمون بن مهران وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وإسحاق، وهذا مذهب مالك النعمان، وروينا عن علي وابن مسعود أنهما قالا: من لا يدرك الركعة فلا يعتد بالسجدة، وقال قتادة وحميد وأصحاب الرأي: إذا وضع يديه على ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك، وإن رفع الإمام رأسه قبل أن يضع يديه فلا يعتد بها، وفيه قول ثانٍ قاله أبو هريرة قال: من أدرك القوم ركوعا فلا يعتد بتلك الركعة، وفيه قول ثالث قاله الشعبي: إذا انتهيت إلى الصف الآخر، ولم يرفعوا رؤوسهم وقد رفع الإمام رأسه، فإن ركع فإن بعضهم أئمة بعض، وقال ابن أبي ليلى: إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه، اتبع الإمام، وكان الإمام بمنزلة النائم، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه ما حكاه في هذا الفصل كله إنما أريد به ما يكون مدركا به لصلاة الإمام، ولا يكون مدركا لصلاة الإمام بدونه، وهكذا عندي أنه يخرج في معاني قولهم (أعني قومنا) أنه لا يكون مدركا لصلاة الإمام، إلا أن يدرك ركعة تامة من صلاته، وما كان دون ذلك لم يكن به مدركا لصلاة الإمام في جماعة، ولا جماعة فليصل مع إمام في قولهم ما أدرك، ثم يأت بصلاته من أولها ما لم يدرك ركعة، وأما في معاني قول أصحابنا، فإنه يخرج في قولهم بمعنى الاتفاق، أنه من أدرك من صلاة الإمام حدا من حدود الصلاة ودخل معه فيه، وكان ثابتا له ائتمامه وبنى على صلاته بتمام ما مضى منها، والاعتداد بما أدرك منها من حد فصاعدا وآخر الحدود عندهم القعود الآخر من الصلاة، فمن أدرك مع الإمام معهم القعود في آخر الصلاة، فقد أدرك الصلاة، فإن كان جمعة أبدل ما مضى كله قصرا بالقراءة بصلاة الإمام للجمعة، وإن كان مسافرا والإمام مقيما ثبت عليه صلاة التمام إذا دخل معه في حد من حدود الصلاة، وهو آخر حد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (13/126)
صفحة 3340
«فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته» ولإجماعنا وإياهم أنه لا يجوز من الصلاة ترك حد من حدودها، وإذا ثبت أنه لا يجوز تركه، ولا تتم الصلاة إلا به، ثبت أنه من الصلاة الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته».
مسألة: -ومن غير الكتاب- وقيل في رجل دخل في صلاة الإمام فأحرم هو والإمام في حد من حدود الصلاة، ثم خرج الإمام من ذلك الحد الذي أحرم الداخل معه، وهو فيه إلى حد ثانٍ من قبل أن يدخل الداخل معه في ذلك الحد الذي أدركه فيه، هذا يؤمر على هذا أن يدخل مع الإمام في الحد الثاني الذي دخل فيه الإمام من قبل أن يدخل هذا فيه مع الإمام والإمام فيه، وإن دخل الداخل في هذا الحد الذي أدرك الإحرام خلف الإمام فيه، ولم يدخل مع الإمام فيه من قبل أن يخرج منه فصلاته تامة إذا أحرم خلف الإمام، والإمام في ذلك الحد، والذي يؤمر به أن لا يدخل في ذلك الحد والإمام قد خرج منه، ويدخل في الحد الذي الإمام فيه، فإن فعل ذلك فصلاته تامة.
مسألة: وسئل عمن كان في التحيات الأولى خلف الإمام، فقام الإمام منها وهذا فيها، فخاف أن يركع قبل أن يتمها، هل له أن يقوم ويترك ما بقي منها، ويلحق الإمام؟ قال: معي؛ أن ليس له حتى يتمها، وقيل له: فإن ركع الإمام قبل أن يتم هذا ثم قام فأدركه في الركوع، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إن هذا ما يجري فيه الاختلاف، فلعل بعضا يقول: إذا تداركا الإمام في حال الخروج من ا لحد، والذي خلفه في حال الدخول فيه، فسدت صلاة الذي خلف الإمام، وقال من قال: ما لم يكن بينهما حد خلي فصلاة الذي خلف الإمام تامة، وقال من قال: إنه لو سبقه الإمام بحد خلى أو حدين خليين، ليس أحدهما في شيء منهما، فإذا أدركه في آخر حد من الصلاة من أول الحد ولم يفته عنه شيء فصلاته تامة.
مسألة: وعمن لحق الجماعة، وقد صلوا ثلاث ركعات، وقام عندهم من الركعة من الشفع الأخير، وقعد في التحيات، أيتحي عندهم أنه يقعد عندهم بغير قراءة التحيات، وإن تحي معهم، أيكون عليه أن يصلي الركعة الأخيرة من الشفع (13/127)
صفحة 3341
الأخير، حتى يكون التحيات الأولى والتحيات الآخرة ركعتين، فعلى ما وصفت فيصلي ما أدرك، ويبدل ما فاته، والذي فاته هو آخر صلاته، والباقي عليه هو أول صلاته، وهو أكثر القول، فتكون التحيات التي قعدها مع الإمام هي للشفع الأول، والتحيات الآخرة هي للشفع الثاني، فإذا انتهى إلى عبده ورسوله قام بتكبيرة، فإذا انتصب قائما رجع كل عضو إلى مفصله، جلس بلا تكبيرة، وقال: أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، إلى تمام التحيات.
مسألة: وسألته عن رجل وجه وأحرم، وقعد للتحيات عند الإمام فقرأ تحيات نفسه، وسلم الإمام من التحيات الآخرة، هل يكون مدركا؟ قال: معي؛ إنه قد قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال: إنه لا يكون مدركا حتى يدرك الحد كله، ولا يفوته منه شيء من أول ما يرفع الإمام رأسه من السجود إلى القعود، وقال من قال: إذا قرأ هو تحيات نفسه قبل أن يتم الإمام التحيات ولو فاته من الحد شيء، فقد أدرك على هذا، ويخرج على بعض القول إذا دخل مع الإمام قبل أن يتم الإمام التحيات، فقرأ تحيات نفسه قبل أن يسلم الإمام، فقد أدرك، وبعض يقول: إذا قضى تحيات نفسه قبل أن يسلم الإمام فقد أدرك، ولو دخل مع الإمام بعد أن قضى التحيات، قال غيره: وقد قال من قال من أهل العلم: إذا أحرم المصلي وقعد للتحيات وحصل له القعود ثم سلم الإمام بعد ذلك فقد أدرك الصلاة مع الإمام، ويروى هذا القول فيما أحسب عن سعيد بن المبشر عن موسى بن أبي جابر، والله أعلم. (13/128)
صفحة 3342
الباب الخامس والعشرون
في الذي يدخل مع الإمام في شيء من الصلاة
أو سلم مع الإمام ناسيا
أو يقوم قبل الإمام ليقضي ما فته ناسيا
في الذي يسلم مع الإمام، وقد كان باقٍ عليه شيء من البدل. فقال من قال: إنه يستأنف الصلاة، وقال من قال: يبني على صلاته ما لم يتحول من مقامه، أو يقوم منه إلى صلاة غيرها، وقال من قال: يبني ما لم يدخل في صلاة غيرها، وقال من قال: يبني ما لم يصلي من الثانية ركعة تامة، وقال من قال: ولو صلى ركعة تامة، فله أن يبني إذا ذكر ذلك، رجع إلى ذكر ما كان باقٍ عليه من البدل، وهذا كله إذا نسي حتى يسلم من غيره، وهذا كله عندي إن لم يدبر بالقبلة أو يتكلم بشيء من أمور الدنيا.
مسألة: -من كتاب محمد بن جعفر وعن أبي عبد الله -رحمه الله- أن من قام ناسيا قبل أن يسلم الإمام، ليقضي شيئا سبقه من الصلاة، فإن سلم الإمام قبل أن يدخل في صلاته وقرأ، فإني أخاف عليه النقض، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: لا نقض عليه، ويرجع يقعد حتى يسلم الإمام، وإن سلم الإمام وهو قائم، يعني الإمام سلم، وهذا قد قام فيمضي في صلاته، رجع فإن ذكر بعد أن قام للبدل أن الإمام لم يسلم، فليرجع فليقعد، وفي -نسخة- يقعد حتى ينصرف الإمام، فإذا أتم الصلاة سجد سجدتي السهو وهو أصح، ولعل في بعض القول: (13/129)
صفحة 3343
أنه أن لا يكون عليه فساد في صلاته إذا دخل في البدل، ولم يسلم الإمام، إذا كان إنما دخل في ذلك، وقد دخل الإمام في الدعاء، وقضى التحيات؛ لأنه لو كان هو قد أتم صلاته وانصرف قبل أن يسلم الإمام، لم يكن ذلك ينقض صلاته، وإن كان لا ينبغي له ولا يؤمر به، وقال غيره: حسن معي هذا القول على النسيان، إذا بان له ذلك.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري؛ وعن الذي يصلي وراء الإمام فيقضي الإمام صلاته، وقد نسي ما قرأ الإمام من القرآن، وهو في موضعه، أيبدل صلاته أم قد تمت؟ فعلى ما وصفت فليس عليه حفظ ذلك، وإنما عليه أن يستمع، فإذا استمع شيئا من قراءة الإمام فصلاته تامة.
مسألة: -من الزيادة المضافة- سألت أبا سعيد محمد بن سعيد -رحمه الله- عن رجل مسافر دخل في صلاة قوم مسافرين في صلاة المغرب ففاته منها ركعة، وأراد الثانية فصلى عندهم وسلم، وأقام الإمام للعتمة، ووجه وأحرم قبل أن يقضي هذا ما بقي عليه، هل يفسد عليه ذلك؟ قال: معي؛ إنه لا يفسد عليه ذلك؛ لأنه دخل في صلاة ثبت عليه تمامها فيتمها، ويلحق الإمام في العتمة إن أراد الجمع مثلهم، قال: وكذلك من دخل في صلاة القيام فاتته الأولى وسلم الإمام، وقام في الشفع الآخر، فإنه يقضي ما فاته، ويلحق الإمام ولا يضره ذلك، قال: ولا يؤخرها حتى يقضي الإمام الشفع فيعمل ما وجب عليه، والله أعلم. (انقضت الزيادة المضافة). (13/130)
صفحة 3344
الباب السادس والعشرون
في الدخول في صلاة الإمام
إذا كان صاف عند الإمام واحد
وسئل عن رجل في الصلاة مع الإمام، وعن يمين الإمام رجل فوجه وأحرم، ثم جر الرجل يتأخر إليه وصليا، هل يبلغ بهما ذلك إلى فساد صلاتهما؟ قال: لا أرى عليهما فساد صلاتهما، وأحسن أنه كان يوجه ثم يجر الرجل إليه ويحرم، قلت: فإنه كان مع الإمام يصلي وهو على يمينه، ثم إنه سمع رجلا يريد أن يدخل في الصلاة فتأخر إليه من غير أن يجره الرجل وصليا جميعا، أو جاء الرجل فقام وراءهما في الصلاة، ولم يجره إليه فتأخر هو فصليا، هل عليه فساد في صلاته إذا تأخر، ولم يجره الرجل؟ قال: لا؛ إلا أن يكون زل عن الإمام، قلت: وكيف ذلك؟ قال: ما لو مشى لم يمس الإمام، فإن كان على هذا فعليه البدل، وإن كان تأخره عن قفا الإمام أو عن حيال الإمام، ما لو أنه مشى لسدع الإمام، فصلاته تامة، ولا بدل عليه.
مسألة: -من كتاب أبي جابر- وإذا جاء ثالث إلى اثنين، أحدهما إماما لصاحبه، لا يتقدم الإمام، ولكن يتأخر الرجل إلى صاحبه، وإن تقدم الإمام فلا بأس، وقيل: إذا صلى رجل مع الإمام، وكان عن يساره، فإن كان ناسيا أو جاهلا، فلا نقض عليه، وإن تعمد لذلك فسدت صلاة الداخل، وهو قول محمد بن المسبح، ومن غيره؛ وقد قيل تامة. (رجع) وإن صلى رجل عن يمين (13/131)
صفحة 3345
الإمام، وجاء ثالث وصلى من خلفهم، أو صلى عن يسار الإمام، فقد أخطأوا ولا نبصر نقضا. ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: الذي صلى عن يساره فصلاته تامة، والذي من خلفه فأحب أن يبدل صلاته. (رجع) وقال من قال: إن صلى رجل عن يمين الإمام فجاء ثالث وصلى عن يمين ذلك الرجل أيضا، إن صلاة الذي صلى عن يمين الذي عن يمين الإمام منتقضة، فينظر في ذلك. (رجع) ومن غيره؛ قال وقد قيل صلاته تامة. (رجع) وإن صلى رجل عن يمين الإمام ثم جاء قوم فصفوا خلف ذلك، ولم يتأخر إليهم الذي عن يمين الإمام، فصلاتهم جميعا تامة، وإن كان هو جهل أن يتأخر، وإن تعمد لذلك بعد أن علم أن السنة غير ذلك فسدت صلاته.
مسألة: وإذا كان يصلي مع الإمام واحد، وكان بينه وبين الإمام مقام رجل، فسدت صلاته، والذي نحب نحن أن لا ينقض صلاته إذا سجد حذاء منكبيه، قال غيره: قال محمد بن المسبح: لا نقض عليه.
مسألة: وعن الرجل يقوم في الصف، فيخلو موضع من الصف الذي قدامه أيتقدم إليه أم يثبت؟ قال: يثبت في مقامه، إلا أن يكون بقي وحده في الصف الذي هو فيه، فليتقدم في الصف الذي هو قدامه، في الخلوة منه التي هي بين يديه.
قلت: فإن لم يكن وحده، وتقدم في الصف الذي قدامه؟ قال: ما أحب له ذلك، ولا أبلغ به إلى نقض صلاته.
مسألة: -ومن كتاب ابن جعفر- ويؤمر الداخل –وفي نسخة- الرجل أن لا يجر إليه المصلي في المكان الذي ينبغي أن يجره، إلا حتى يوجه فيجره، ثم يحرم فيصف معه، وقد دخل في الصلاة أحسن مما يتأخر المتقدم، قبل أن يكون هذا الرجل داخلا في الصلاة، ومن غيره: قال أبو عبد الله: كله جائز، ومن غيره قال: ويوجد عن أبي المؤثر ترخيص في ذلك، فقال: ولو جره قبل أن يحرم أو بعدما (13/132)
صفحة 3346
أحرم فصلاتهما جميعا تامة، ما لم يكن المجرور بينه وبين الإمام مقام رجل، لو مشى على هيئته.
مسألة: (رجع) وعن أبي عبد الله -رحمه الله- قال: وقد قيل إذا سجد الرجل خلف الإمام حذاء منكبه أو رأسه فعليه النقض، والذي نحب نحن أن لا تنتقض صلاته إذا سجد حذاء منكبيه، وقال: إذا كانوا في مكان ضيق فقد قيل: يكون سجود الذي خلف الإمام حذاء ركبتي الإمام، وقال من قال: حتى يسبقهم الإمام بمنكبيه ورأسه، وعن أبي عبد الله قال: القول الأول أحب إليّ وبه آخذ، والقول الآخر أوسع عندنا، ولا بأس به، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إذا سبقه الإمام بشيء جازت صلاته، ومن غيره؛ قال: وقد قيل لو سجد حذاء رأس الإمام تحت صلاته ولا نقض عليه.
مسألة: وعن الرجل يصلي بالنساء جماعة فريضة، فذلك جائز يكن خلفه صفا.
مسألة: وعن أبي الحواري؛ وعن رجلين خلف الإمام انتقض وضوء أحدهما، ما يصنع الآخر الذي إلى جنبه؟ فقد قالوا: يدنو من الإمام حتى يكون قصده.
مسألة: وعن أبي الحواري، وعن رجلين يصليان جماعة؛ أحدهما عن يمين الآخر، إلا أن الذي عن يمين الإمام تأخر عنه حتى لم ينل منه شيئا، أو نال منه موضع السجود، فما الحد الذي إذا تأخر عنه لم تجز صلاته؟ فإن نال منه من حد السجود تمت صلاته، فإن كان متأخرا عنه من خلفه وقدامه شيء من الإمام لم ينقض عليه صلاته، إلا أن ينفسخ عن الإمام مقدار خمسة عشر ذراعا، وإن كان منفسخا عنه عن يمينه أو عن شماله مقدار مقام رجل فسدت صلاته، وقال لنا أبو المؤثر: إذا انفسخ الصف خمسة عشر ذراعا لم تجز صلاة المتأخرين، وكذلك يقول: إذا انفسخ الصف عن الإمام خمسة عشر ذراعا، لم تجز صلاتهم بصلاة (13/133)
صفحة 3347
الإمام، وهذا إذا كان بين الإمام وبين الصف خلاء، مقدار ذلك وازدد من السؤال.
مسألة: -من الزيادة المضافة- قال هاشم: أخبرني رجل في مسجد بشير، أنه سئل عن رجل دخل والقوم في صلاتهم، فقام خلفهم وحده، ولم يجرّ أحدا، ولم يدخل في الصف فصلى بعض صلاته، ثم جاء واحد فقام معه؟ قال بشير: صلاة الأول فاسدة، وصلاة الداخل فاسدة؛ لأنه يصلي مع رجل لا صلاة له، وقال هاشم: فأخبرت بذلك سليمان فقال: بل الذي دخل أصلح للأول صلاته. (انقضت الزيادة المضافة).
مسألة: من جواب الشيخ أبي محمد عثمان بن أبي عبد الله -رحمه الله- في ذكر شيء في كيفية الدخول مع الإمام في الصلوات، وأما ما سألت عنه من كيفية الدخول في الصلاة مع الإمام، والقول في ذلك الناس يدخلون في الصلاة مع الإمام، فمنهم من قال: إن الداخل في الصلاة مع الإمام آخر صلاته وما يبدله إذا سلم الإمام، فليبدل هو صلاته أولها، هذا القول أكثر، وعلى قولهم نعمل، وقال الآخرون: إنه يجعل ما أدركه مع الإمام أول صلاته، وما فاته هو آخر صلاته، وهذا قول ضعيف، والحجة عليه لأصحاب القول الأول، لأن أصحاب القول الأول قالوا: لو كان كذلك، ما قالوا صل مع الإمام ما أدركت وأبدل ما فاتك، والذي فاته هو الأول من الصلاة، ولو يفته الآخر، وكيف يكون الذي أدركه مع الإمام أول صلاته، وهو إنما أدرك آخر الصلاة، والذي أقول به: إن أصحاب هذا القول الذين قالوا يبدل ما فاته فهو الأول أقوى حجة، والحجة فيما حفظت قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أدرك صلاة الإمام فله أن يلي ما أدرك ويبدل ما فاته» فلما أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وليبدل ما فاته» علم في العقل أن الذي فاته هو الأول لا محالة، وإنما الآخرون يصلون ما أدركوا، ثم يبنون على ذلك إلى تمام الصلاة، فيكون الذي يبدلونه ليس مما فاتهم، إنما يبنون عليها، واتباع أمر النبي صلى الله عليه وسلم أولى، فبيان الدخول في الصلوات على قول من قل: صل ما أدركت وأبدل ما فاتك، فإنك إذا (13/134)
صفحة 3348
أدركت مع الإمام صلاة، وكانت أربع ركعات، فإن سبقوك بركعة وأدركت معهم ثلاث ركعات، وأدركت الإمام قائما فوجه وأحرم واقرأ معهم، حتى تتبعه في ثلاث ركعات الباقيات، فإذا قرأت التحيات الآخرة كلها لكي يسلم، فاقرأ أنت إلى عبده ورسوله، فإذا سلم الإمام قمت أنت بتكبيرة، وقلت أرسله بالهدى ودين الحق إلى تمام التحيات وسلمت، وإن سبقوك بركعتين، دخلت كما وصفت لك، فإذا كانت الرابعة قرأت أنت إلى عبده ورسوله، فإذا سلم الإمام قمت بتكبيرة وصليت ركعة، وقمت وصليت ركعة أخرى، وجلست وقرأت إلى عبده ورسوله، ثم قمت بتكبيرة، فإذا انتصبت قائما ورجع كل عضو إلى مفصله، جلست بلا تكبيرة، وقلت: أرسله بالهدى إلى تمام التحيات وسلمت، وإن سبقوك بثلاث ركعات وأدركت معهم واحدة، فإذا سلم الإمام وأنت قاعد قرأت أنت إلى عبده ورسوله كما وصفت لك، وقمت بتكبيرة وأتيت بركعة، وقمت ثم أتيت بالثانية وجلست، وقرأت إلى عبده ورسوله، ثم قمت وأتيت بالثالثة، وقمت قائما حتى يرجع كل عضو منك إلى مفصله، ثم جلست بلا تكبيرة وأتممت التحيات كما وصفت لك، وتمت صلاتك، وإن كانت صلاة المغرب وسبقوك بركعة، فإذا سلم الإمام وقد قرأت إلى عبده ورسوله قمت بتكبيرة وصليت ركعة قرأت فيها الحمد وسورة، فإذا ركعت وسجدت قمت قائما حتى يرجع كل عضو منك إلى مفصله، وجلست بلا تكبيرة، وقلت: أرسله بالهدى إلى تمام التحيات وسلمت، فإن سبقوك بركعتين، فإذا سلم الإمام قمت فأتيت بركعة تامة، تقرأ فيها الحمد والسورة، وركعت وسجدت، ثم قمت قائما وأتيت بركعة أخرى تقرأ فيها الحمد وسورة، فإذا ركعت وسجدت قعدت للتحيات، فإذا جلست ووصلت إلى عبده ورسوله، قمت قائما بتكبيرة حتى يرجع كل عضو منك إلى مفصله، ثم جلست بلا تكبيرة، وقلت: أرسله بالهدى إلى تمام التحيات، وسلمت، وإن كانت صلاة الفجر، فهي ركعتين فقد تقدم بيان ذلك، وهذا على قول الذين قالوا: يصلي ما أدرك ويبدل ما فاته. (رجع). (13/135)
صفحة 3349
[صفحة بيضاء] (13/136)
صفحة 3350
الباب السابع والعشرون
في اتباع المأموم للإمام
وما يجب عليهم إذا سبقوه أو تخلفوا عنه
وفي سبق الإمام لهم
ولا ينبغي لمن خلف الإمام أن يكبروا، حتى يقطع الإمام التكبيرة ويسكت، فإذا سكت فليكبروا، وعن رجل فاته مع الإمام قراءة فاتحة الكتاب، ثم نسي أن يبدل ما فاته؟ قال: فإن كان في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة، فليس عليه إعادة، ومنهم من قال: إن كان في الركعتين الأولتين من الصلاة فعليه الإعادة، مثل الهاجرة والعصر الذي لا يجهر فيها بالقراءة، وإن كان في الركعتين الأخيرتين فليس عليه إعادة، وإن كان في صلاة يجهر فيها بالقراءة فعليه إعادة صلاته، قال أبو المؤثر: ليس عليه إعادة في صلاة يجهر فيها بالقراءة ولا يجهر فيها بالقراءة، وإن كان خلف الإمام، إلا أن يكون فاته قراءة السورة، ولم يدرك مع الإمام آية، فعليه أن يعيد القراءة، فإن لم يعدها فعليه البدل، وكان محمد بن محبوب يقول: إذا أحرم الرجل ثم قرأ الإمام آية بعد إحرام الداخل لم يكن عليه إعادة قراءة، وأنا أقول: إذا لم يدرك قراءة آية من السورة في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فعليه أن يقضي القراءة، إذا سلم الإمام، وإن لم يقض القراءة، فليعد الصلاة.
مسألة: ومما يوجد عن أبي إبراهيم، وعن الرجل يتشاغل في التوجيه –نسخة- يشاغل بالتوجيه حتى دخل الإمام في قراءة السورة؟ قال: يستمع (13/137)
صفحة 3351
ولا يقرأ، قلت: فإن استمع آية أو آيتين؟ قال: يجزيه.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- ومن كبر تكبيرة الإحرام قبل إمامه، وهو يرى أن إمامه قد كبر أعاد التكبيرة بعد أن يكبر إمامه؛ لأنه نوى الاقتداء به، ثم سبقه، وكان واضعا للتكبير في غير موضعه، وكذلك إن سلم وهو يرى أن الإمام قد سلم أو سبق إمامه في ركوع أو سجود، أن عليه أن يرجع إلى حاله حتى يفعل إمامه ذلك الفعل، ثم يتبعه ولا ينظر إمامه حتى يلحقه.
-ومن الكتاب- ولا يجوز للمأموم أن يسبق الإمام في شيء من أفعال الصلاة، فإن سبقه متعمدا خرج بذلك من أن يكون مأموما متبعا، وفسدت صلاته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا»، فمن أتى بصلاة غير ما أمر به كانت صلاته باقيا عليه فرضها، فإن سبق إمامه ناسيا، رجع إلى حده الذي خرج منه بالنسيان؛ ليكون متبعا لإمامه.
-من كتاب أبي جابر- مسألة: وقال أبو زياد عن هاشم، أنه من رفع رأسه قبل الإمام خطأ أن يرده إلى الأرض.
مسألة: -ومن كتاب الأشراف- اختلف أهل العلم في قول المأموم إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، قال: يقول اللهم ربنا لك الحمد، كذلك قال محمد بن سيرين وأبو ثور والشافعي وإسحاق ويعقوب والنعمان ومحمد بن عطاء، يجمعهما مع الإمام أحب إليّ، وقالت طائفة: إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فليقل من خلفه اللهم ربنا لك الحمد، وهذا قول عبد الله بن مسعود، وابن عمر وأبي هريرة، وبه قال الشافعي ومالك، وقال أحمد إلى هذا انتهى أمر النبي صلى الله عليه وسلم. قال: إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قولهم نحو هذا في معاني الاختلاف، ومعي؛ إن أكثر قولهم أن يقول: ربنا لك الحمد، إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، وفي بعض قولهم إنه يقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، وفي بعض قولهم: إنه إذا كان الإمام ثقة مأمونا اجتزي بقوله ربنا لك الحمد من خلفه، وجاء الحديث بنحو (13/138)
صفحة 3352
هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد» وحسن أن يتبع ما قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
-ومن غير الكتاب- وسألته عمن يقول قبل الإمام في الصلاة، أيمضي على قراءته أم يبتدئ القراءة؟ قال: يمضي على قراءته، ثم قال: أما الركعة الأولى فلا يقرأ الإمام، وأما الثانية فلا بأس، قال غيره: قال وقد قيل فيما حفظت إن ابتدأ القراءة قبل الإمام في الركعة الأولى إن ذلك مكروه، ولا تفسد صلاته، وكذلك عن أبي سعيد -رحمه الله- قيدت عنه.
مسألة: قلت له: فإن كان عليه بدل قد سبقه به الإمام، فقام يبدل ناسيا قبل أن يسلم الإمام؟ قال: معي؛ إنه إذا دخل في القراءة قبل أن يسلم الإمام فعليه الإعادة، وإن سلم الإمام قبل أن يدخل في القراءة، فمعي إن صلاته تامة على صلاته.
مسألة: -من كتاب الأشراف- قال أبو بكر: واختلفوا فيمن خالف الإمام في صلاته، فروينا عن ابن عمر أنه قال: لا صلاة له، روى ابن عمر أنه قال: أيما رجل رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود، فليضع رأسه بعد رفعه إياه، وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي، فيعود في مسجديه قبل أن يرفع رأسه، هذا قول مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق، فليعد رأسه فإذا رفع الإمام رأسه فليمكث بعده مقدار ما ترك، وقال أبو ثور: إذا ركع قبل الإمام فيدركه الإمام وهو راكع، أو يسجد قبله فأدركه الإمام وهو ساجد، أيجزيه وقد أساء، وحكي ذلك عن الشافعي، وقال سفيان الثوري: من ركع قبل الإمام ينبغي له أن يرفع رأسه، ثم يركع، ومن سلم مثل هذا.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا، مما يشبه معاني الاتفاق أن المؤتم إذا سبق الإمام على التعمد في شيء من الحدود كلها في قيام وركوع أو سجود إن صلاته تفسد، ولا تنفعه رجعته، ولا يصلح ذلك له (13/139)
صفحة 3353
الرجعة؛ لأنه قد عمل ما أفسد صلاته، وهو حدث، وأما إن فعل ذلك على الخطأ ويظن أن الإمام قد قام أو قعد، أو على النسيان، ولم يكن على التعمد، أو لمعنى عذر ثم تبين أنه سبق الإمام، فيخرج في معاني قولهم: إنه يرجع إلى الائتمام بإمامه في الحد الذي هو فيه، وإن لم يعلم حتى خرج الإمام من ذلك الحد وساواه، وكان هو قد تم حده لم يضر ذلك، ومضى مع الإمام، وإن رجع إلى الحد فوافق الإمام قد خرج منه لم يرجع إليه، وكان على هيئته التي هو فيها حتى يصير الإمام في الحد الثاني، ثم يلحقه أن لو كان في الحد، على حسب هذا يخرج معي معنى قولهم، ولعل هذا الاختلاف من قولهم يشبه معناه على التعمد؛ لأنهم لم يذكروا فيه تعمدا ولا غيره، ومنه؛ قال أبو بكر: فالسنة التي لا خلاف فيها أن الإمام يبدأ فيكبر، ثم يكبر من وراءه، ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا» واختلفوا فيمن كبر، ولعله قبل إمامه فقالت طائفة: يعيد التكبيرة، فإن لم يفعل فعليه الإعادة، هذا قول عطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس وسفيان الثوري وأصحاب الرأي، ولم يقولوا يخرج مما يدخل فيه بتسليم أو كلام، وقال الشافعي: يقول لا يجزيه تكبيرة حتى يقطعه بتسليم.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني الاتفاق، في قول أصحابنا، إنه لا يجوز تكبير من كبر قبل الإمام ولا يعتد به، كان على العمد أو على النسيان، وأن عليها الإعادة بعد إحرام الإمام، ولا أعلم أنه يخرج في معاني قولهم إن عليه التسليم ما لم يجاوز إلى حد الركوع على النسيان، فإذا جاوز إلى الركوع فمعي أنه يخرج في معاني قولهم: إن عليه ابتداء الصلاة بالتوجيه والإحرام، ويلحق الإمام حيث أدركه من الحدود، ما لم يجاوز حدا، ولا يخرج عندي فيه نص من قولهم: إلا أن عليه إعادة التكبير بلا تسليم ولا توجيه، وإن قال قائل: إن عليه التسليم والتوجيه، فليس ذلك يبعد عندي على نحو ما حكي من التسليم عن الشافعي.
-ومن جامع ابن جعفر- ومن كان خلف الإمام فإنما هو تابع له، ولا يسبقه في شيء من صلاته، إلا فيما يخفيه الإمام، ومنه؛ ومن نسي فرفع رأسه قبل الإمام (13/140)
صفحة 3354
أو وضعه في السجود، أو نحو ذلك فرجع إلى الذي كان فيه حتى يتبع الإمام، أو تعمد لذلك فقيل: إن عليه النقض.
مسألة: وعن رجل صلى خلف إمام، فلم يثبت ما صلى، إلا تكبيرة الإحرام، فهذا مشتغل القلب، ولا نعلم عليه نقضا، ومنه؛ وقيل فيمن رفع رأسه قبل الإمام متعمدا انتقضت صلاته، قال محمد بن المسبح: لا نقض عليه حتى يرفع رأسه مرتين متواليتين، أو غير متواليتين، ثم ينقض.
مسألة: وعن رجل يصلي خلف الإمام، فيحضره أمل من آمال الدنيا حتى يقضي الإمام صلاته، وهو لا يدري هو ما صلى، ولا ما قرأ، والتبس عليه كل أمر صلاته أو شيء منها، إلا أنه يتبع الإمام وليس يعلم أنه تخلف عنه في شيء من أمر صلاته، هل تكون صلاته تامة؟ اعلم أني حفظت فيما ذكرت أن صلاته تامة، ويكره له ما فعل، ولا تفسد صلاته حتى يستيقن أنه ترك منها شيئا متعمدا، ومن غيره؛ سألت أبا سعيد عن رجل دخل في صلاة الإمام، وقد سبقه الإمام منها بركعة أو أكثر، فلما قعد الإمام للتحيات الآخرة كرب هذا المصلي بول أو غائط، هل له إذا قضى تحيات نفسه أن يقوم للبدل، قبل أن يسلم الإمام؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: ليس له ذلك؛ لأن الإمام بعد في الصلاة.
قلت له: فإن جهل أو قام للبدل قبل أن يسلم الإمام، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي؛ إنه إذا قام متعمدا ودخل في العمل قبل أن يسلم الإمام، فمعي؛ إن صلاته تامة على ما قيل فاسدة؛ ما دام الإمام في حد من حدود الصلاة التي لا يجوز أن يدخل غيره خلفه في صلاة أخرى
قلت له: فالجاهل مثل المتعمد في هذا، أم الجاهل أهون؟ قال: لا يبين لي للجاهل عذر في مخالفة الحق المجتمع عليه، ومعي؛ إنه من قول أصحابنا لا نعلم بينهم اختلافا أنه لا تجوز الصلاة خلف الإمام إلا بصلاته، ي موضع تجوز الصلاة بصلاته في المسجد على حال إذا كان إماما للمسجد.
قلت له: فإن قام هذا للبدل في حد ما لو أحدث الإمام تمت صلاته، فدخل (13/141)
صفحة 3355
في العمل قبل أن يسلم الإمام، هل ترى صلاته تامة؟ قال: أرجو أنه على ما عندي؛ إنه قد قيل ذلك في بعض القول إذا كان قيامه وقد صار الإمام في حد لو أحدث تمت صلاته، ولا أعلم هذا إلا ترخيصا من قول أهل العلم إن صح.
قلت له: فإن ركع قبل أن يسلم الإمام تمت صلاته على هذا القول؟ قال: إذا ثبت هذا لهذا المعنى فسواء عندي ركع أم لم يركع.
مسألة: -من كتاب أبي جابر- وقيل: من صلى خلف الإمام فلم يثبت إلا تكبيرة الإحرام، فلا نقض عليه، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: عليه النقض، ومن شك في ركعة أو أقل أو أكثر في صلاته وهو خلف الإمام، فهو تابع الإمام ولا نقض عليه، ومن غيره؛ والرجل سبق الإمام في ركوعه وسجوده، أو يركع عند الإمام ويرفع عند الإمام، ويسجد معه كله معا، قلت: أترى صلاته فاسدة أم لا؟ والذي سبق الإمام عامدا فصلاته فاسدة، والذي يسجد ويرفع معه ويركع معه فذلك فيه اختلاف، وفساد صلاته أشبه.
مسألة: عن أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي -حفظه الله- وما تقول في رجل يصلي خلف الإمام، وعقله إلى قراءة الإمام، وتكبير الإمام ليعقله، وهو يقرأ ويكبر في حال السجود، وفي حال الركوع، وربما أنصت لقراءة الإمام وتكبيره، فأشغله عن قراءة نفسه وتكبيره، أتكون صلاته تامة، أم منتقضة؟ فلا ينبغي له أن يفعل ما وصفت، فإنما يستمع إذا قرأ وكذلك إذا سبح صمت، فإن اشتغل عن صلاته لم نأمن أن يلزمه بعض المسلمين بدل صلاته، فانظر في جميع ما عرفتك ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب إن شاء الله.
مسألة: ومن تشاغل خلف الإمام بوسواس أو غيره حتى يسبقه الإمام، فما لم يكن بينه وبين الإمام حد من الصلاة فلا نقض عليه، وإن كان بينهما حد ليس فيه أحدهما فعليه النقض، وأما إن نعس في الصلاة ولم ينتبه حتى يسلم الإمام، فإنه يبني على صلاته (13/142)
صفحة 3356
مسألة: وحفظت فيمن تشاغل في التحيات الأولى، حتى قام الإمام وقرأ وركع، ثم قام فأدرك الركوع مع الإمام أنه لا نقض عليه في هذا الموضع، وليس القراءة حدا عليه في هذا المكان، وفي نسخة الموضع.
قال غيره: وقد قيل عليه الإعادة، وذلك موضع حد في قول بعض الفقهاء، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يقوم هو فسدت صلاته.
مسألة: وسألته عمن سها وهو خلف الإمام عن قراءة الإمام، حتى لم يعرف ما قرأ الإمام من السورة، ولا فهم منها شيئا؟ قال: عليه البدل، قلت: فإن سمع مقدار آية، يجزيه؟ قال: نعم.
مسألة: فيمن سبقه الإمام، وسألته عن المصلي إذا أحرم مع الإمام حين أحرم، ودخل معه في الصلاة، فلما صلى معه ركعة أو ركعتين سبقه الإمام بحد، خلا الإمام منه، ثم لحقه بعد ذلك في الصلاة، وقضى صلاته عنده، هل تراها تامة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل يتم، وقيل: لا يتم.
قلت له: فإن كان لم يدركه في الصلاة، وكان الحد خاليا ليس أحدهما فيه، وكان كلما خرج هذا من حد دخل الإمام في حد آخر، فلم يتداركا حتى أدركه في التحيات الآخرة، قبل أن يسلم، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنه إذا أدرك معه حدا من آخر الصلاة، لحقه هذا القول، وما لم يدرك حدا، فلا يلحقه عندي.
قلت له: فالقعود في التحيات هو عندك حد إلى أن يسلم الإمام، ولو أطال الدعاء، أم إذا قضى التحيات إلى عبده ورسوله، فقد انقضى الحد؟ قال: معي؛ إن الحد القعود الأول الذي فيه قراءة التحيات، إلى عبده ورسوله؛ لأنه لو أحدث الإمام بعد ذلك حدثا تمت صلاته، فلا يحسن عندي أن يكون إماما قد تمت صلاته إماما لغيره فيما قد تمت صلاته فيه.
قلت له: فإن أدركه المصلي الذي بينهما حد خلا في القعود للتحيات فأدركه، وقد صار الإمام بحد لو أحدث لتمت صلاته، هل يكون هذا مدركا للإمام وتتم (13/143)
صفحة 3357
صلاته إذا كان قد أحرم معه على القول الآخر؟ قال: لا يبين لي ذلك.
قلت له: أرأيت إن سبقه الإمام بحدين خليين أو أكثر، بعد أن أحرم عنده في الصلاة، فلم يزالا كلما خرج الإمام من حد دخل هذا في آخر، حتى أدركه في الحد الآخر من الصلاة، في حد ما لو أحدث الإمام انتقضت صلاته، هل تراه مدركا ويتم صلاته على القول الآخر من القولين؟ قال: إذا أدرك معه حدا تاما كان عندي مدركا للصلاة، وإن فاته الحد أو شيء منه، فلا أقول أنه مدرك للصلاة على هذا القول الذي قيل، إلا على ما يختلف من إدراك الحد، ومعي؛ إنه إذا أدرك حدا في قول أحد من العلماء بالحق، أنه يلحقه عندي إدراك على قول من يقول بذلك.
مسألة: -ومن غير الكتاب من الزيادة المضافة إليه، مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان صاحب الكتاب- ورجل دخل مع الإمام في صلاة العيد أو غيرها في أول الصلاة، ثم سبقه الإمام حتى صار بينهما حد، لا أحدهما فيه أو أكثر، ثم صلى الإمام فصلى هو فأدرك الإمام، وقد قعد للتحيات وأخذ في القراءة، أو قد قرأ إلى محمد عبده ورسوله، وقام هو يقرأ التحيات وسلم معه، أو قعد يقرأ التحيات وقام يتشهد، وقرأ هذا التحيات معه وسلم معه، قلت: هل تتم صلاته بصلاة الإمام؟ فمعي إنه قد قيل إذا سبقه الإمام بحد كان الإمام فيه، وهو في حد، وبينهما حد خلا فسدت صلاته، وقيل: لا تفسد إذا أدرك الإمام في الصلاة في حد منهما على حال، ومعي؛ على تأويل هذا القول إذا أدرك الإمام قبل أن يفرغ من تحيات نفسه إلى محمد عبده ورسوله، إن أدرك هو الحد، ولعل بعضا يقول: إذا أدرك مع الإمام القعود إلى أن يقرأ هو إلى محمد عبده ورسوله، قبل أن يسلم فقد أدرك الحد مع الإمام، والأول أحب إليّ، وإن لم يزل الإمام سابقا له بحد، إلى أن فرغ الإمام من صلاته وخرج فلا يبين لي أنه يدرك صلاة الإمام على معنى ما قالوا في صلاة، أو غيرها من الصلاة المكتوبة، معي؛ في هذا سواء. (13/144)
صفحة 3358
قلت: لو لم يدخل مع الإمام في أول الصلاة، أو دخل معه في أوسطها، وكان كذلك، أو أدرك الإمام في السجود هل تتم؟ فإذا دخل في حد من حدود الصلاة حيثما كان من الحدود، ثم سبقه الإمام بعد أن دخل معه في ذلك الحد بحد، وكان فيه، وهذا في حد و بينهما حد، فهذا موضع السبق المفسد، وأما ما سبقه به الإمام من أول الصلاة قبل أن يدخل معه فيه، فلا يفسد ذلك عليه إذا أدركه في حد ولو القعود، وقد أدرك صلاته، إذا أدرك معه حدا، والحد فيما قيل: القعود حد من الحدود، فقيل: إذا أدرك تحيات نفسه قبل أن يسلم الإمام، فقد أدرك معه الصلاة، وقيل: حتى يدرك قعود الإمام من أوله، وقيل: إذا قرأ التحيات قبل أن يقرأ الإمام إلى محمد عبده ورسوله فقد أدرك، ومعي؛ إنه يخرج أنه إذا دخل في القعود مع الإمام، قبل أن يقرأ إلى محمد عبد ه ورسوله فقد دخل معه في الحد، وأدركه في الحد، وقلت: ولو جاء والإمام قد دخل في الصلاة ولم يدخل معه فيما هو فيه وابتدأ صلاته، فكان هو في حد والإمام في الثاني، حتى فرغ وأدرك الإمام في السجود، أو في التحيات، هل تتم صلاته بصلاة الإمام؟ قال: فمعي؛ إنه إذا صلى بصلاة نفسه حدا من حدود الصلاة تاما لا يأتم فيه بالإمام فسدت صلاته، في قول أصحابنا، ولا يبين لي غير ذلك على مذهب قولهم: إن الإمام تفسد صلاة من صلى خلفه بصلاة نفسه؛ لأن هذا قد صلى حدا بصلاة نفسه فافهم هذا، ولو كبر تكبيرة الإحرام، وينوي بها أنه يصلي بصلاة نفسه حتى أحرم على ذلك ثم مضى مع الإمام في صلاته، فسدت عندي صلاته، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وقلت: لو كان بينه وبين الإمام حدا أو أكثر، فصلى وأدركه في السجود والتحيات، هل تتم صلاته بصلاته، على قول من قال: لو سبقه الإمام بحد، أو أكثر وأدركه تمت صلاته أم لا؟ وإنما ذلك للداخل مع الإمام فقد مضى معي القول في هذا تفسيره في الداخل المسبوق بعد الدخول، وقلت إن كان إنما ذلك للداخل مع الإمام، فما الفرق في ذلك وما العلة، فإنما ذلك عندي للمسبوق، (13/145)
صفحة 3359
وبعد الدخول مع الإمام، وليس ذلك للداخل في غير صلاة الإمام، خلف الإمام، وهذا فرق ما بين ذلك، وقد مضى عندي القول في ذلك، وقلت وكذلك قول من قال: إذا صار بينه وبين الإمام حد خلا فسدت صلاته، فكيف وسع له أن يكون هو في حد والإمام في حد، ولم يضق عليه دون أن يكون مع الإمام، ولم يوسع له، ولو كان أكثر من حد ما أدركه الإمام، لعله ما أدرك هو الإمام في الصلاة، ما العلة في ذلك لمن قال به؟ فالعلة معي في هذا إذا دخل في غير صلاة الإمام كان إماما لنفسه، وأفسد الإمام عليه صلاته، والداخل مع الإمام، ثم سبقه بحد، فإنما هو به تابع له في صلاته، يطلب أن يدركه، فهو إمامه على حال، وهذا إمام نفسه، إذا لم يدخل معه في الحد الذي هو فيه، وعمل حدا بصلاة نفسه، قد خرج منه الإمام، ولم يدخل فيه، وما كان قد سبقه به وخرج منه، فعلمه هذا فهو كالذي فعله خلف الإمام، قبل دخول الإمام إذا كان قد دخل معه، وليس في ذلك فرق معي، فافهم هذا الفصل، قلت: وكذلك قول من قال ما أدرك الإمام في الصلاة، ولو كان بينه وبين الإمام حد أو أكثر إن صلاته تامة، ما العلة في ذلك؟ فالعلة له عندي ذلك، ما وصفت لك أنه قد دخل معه في الصلاة، ثم لم يخرج من الائتمام به، فهو في حال طلب الائتمام به، والبناء على صلاته، وإذا جاز أن يسبقه بأكثر؛ لأنه لا يجوز أن يأتم بنفسه في حد يدخل فيه قبل الإمام، وهو يأتم بالإمام ولا وحده خلف الإمام، إلا وقد جاز في قوله، أن يعمل خلف الإمام حدا ليس الإمام فيه، وقد جاز في الإطلاق أن يعمل حدا خلف الإمام، والحد لا يسع تركه ولا جهله، فافهم ذلك.
مسألة: ومنه؛ أيضا بخطه، ورجل أحرم مع الإمام في صلاة الجهر، ثم أخذ في القراءة قبل الإمام ناسيا، ثم ذكر فأمسك، ثم أخذ الإمام في القراءة، قلت: أيبني على ما قرأ قبله أو يستأنف؟ فمعي إنه يبني لأنه قد حصل له تلك القراءة، وقلت: لو تعمد لذلك وظن أن ذلك واسع له، هل تتم صلاته؟ فمعي إنه قد قيل: تتم صلاته؛ لأن الإمام معه في حد، ولم يسبق الإمام بحد؛ لأن القراءة إنما هو قول في الحد، لعله ليست بحد، وكما أن التسبيح قول في الركوع (13/146)
صفحة 3360
والسجود ليس بحد، وكانت التحيات قول في القعود ليست بحد في إسمية الحدود، كذلك القراءة في الجهر لا فرق فيهما معي؛ إلا بين الجهر والسر؛ لأنها ليست بحد من الحدود المسماة بحدود الصلاة التي بنيت الصلاة عليها أنها حدود الصلاة.
ومن رفعة أخرى، وجدت ذلك أيضا بخط الشيخ محمد بن إبراهيم، وقلت: إن كان له ذلك على التعمد أو النسيان، فأخذ في قراءة الحمد قبل الإمام، ثم شك في الاستعاذة أو تكبيرة الإحرام، أله وعليه أن يمضي حتى يعلم أنه تركها، كان قد قرأ من فاتحة الكتاب قليلا أو كثيرا، أم عليه أن يرجع إلى ما شك فيه؟ فمعي؛ أن ذلك عليه، على قول من يقول بذلك، إذا خرج من الحد، أنه لا يرجع إليه، وقلت: لو أخذ الإمام في القراءة فأخذ معه فسبقه، أو لم يسبقه فقرأ منها قليلا أو كثيرا، ثم شك في تكبيرة الإحرام، أو الاستعاذة، أيرجع أم يمضي؟ فمعي؛ إنه يمضي على قول من يقول بذلك. (13/147)
صفحة 3361
[صفحة بيضاء] (13/148)
صفحة 3362
الباب الثامن والعشرون
في تنبيه الإمام إذا نسي
رجل يصلي بقوم، فسها في الصلاة، فكبر له من يصلي معه، أترى على من كبر للإمام لما سها نقضا في صلاته أم لا؟ أحب إلينا أن لا نقض عليه.
مسألة: وعن رجل يصلي خلف الإمام، فسها الإمام، فأراد أن يقول له سبحان الله، فقال: بسم الله، هل ينقض ذلك صلاته؟ فعلى ما وصفت، فلا ينقض ذلك صلاته على قول بعض المسلمين، ولعل بعضا يذهب إلى نقض صلاته، والله الموفق للصواب.
مسألة: وقلت: إذا قال الذي خلف الإمام سبحانك الله، مكان سبحان الله، هل عليه نقض؟ ليس عليه إن شاء الله، وقول سبحان الله أوجز.
مسألة: وإذا أخطأ الإمام، سبح له الذين خلفه، ولو سبح له أكثر من واحد لم يكن بأس، فإن لم يسمع يُسمَّع، أو كان به صمم، قطع واحد منهم صلاته، ودنا منه وأعلمه فلا بأس، ويرجع يبتدئ الصلاة.
مسألة: وعن رجل يصلي خلف الإمام، إذا سها الإمام في بعض صلاته، فتنحنح له الذي خلفه، ولم يسبح، وجعل التنحنح بدلا عن التسبيح، قلت: أتفسد صلاة الذي خلفه إذا تنحنح تنحنحا يدل على شيء؟ فقد قيل تفسد صلاته، وقيل: لا تفسد صلاته، وأنا أحب إذا كان يريد بذلك دلالة في أمر صلاة الجميع، لم تفسد صلاته. (13/149)
صفحة 3363
مسألة: وعن أبي سعيد أيضا، في الإمام إذا غلط في الصلاة فاتبعه من خلفه على غلطه، وهو يعلم خطأ الإمام مثل أنه قعد للتحيات الآخرة بعد الركعة الثانية احتياطا منه، أو ما يشبهها، والمؤتم قد علم خطأه، فلم يسبح له، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنه قد قيل فيه باختلاف، فقال من قال: تتم صلاة المؤتم إذا اتبع الإمام على احتياطه، ولو علم خطأه، وقال من قال: لا تتم، وعليه أن يسبح له، فإن لم يفعل فسدت صلاته.
مسألة: -ومن كتاب ابن جعفر- وإذا قام الإمام يصلي بعد أن قضى التحيات الآخرة، وسبح له من خلفه فلم يقعد، فإنهم يسلمون، فقد جازت صلاتهم، ويقولون له قد قضيت الصلاة.
مسألة: ومن غيره؛ وعن رجل يصلي خلف الإمام، فسها الإمام، فقال المأموم للإمام: سبحانك ما عليك في ذلك، فالذي نحبه لهذا إعادة صلاته، إذا لم يقل سبحان الله، وإنما قال سبحانك الله، والله أعلم.
مسألة: وسألت أبا سعيد -رحمه الله- عن الرجل يصلي خلف الإمام، فيقوم الإمام من السجود الآخر في موضع قراءة التحيات، فيقوم على سبيل الغلط، هل لمن خلفه أن يقعد، ويتورك ثم يسبح له؟ قال: معي؛ إنه يؤمر أن يكون من خلفه بين الحدين، بين السجود والقعود ويسبح له، قلت له: فإن قعد وترك، ثم سبح له هل تنتقض صلاته أم لا؟ قال: أظن أن ذلك يجوز له، ونسي حتى قعد فأرجو أن صلاته تامة، إن شاء الله. قلت له: فالذي خلف الإمام على السهو بين القعود والقيام يظن أن ذلك يجوز له، هل تنتقض صلاته؟ قال: يعجبني أنه إذا كان في ذلك الحال، لانتظار الإمام، ولا يتعدى إلى حال القيام على التعمد، لا تنتقض صلاته على معنى قوله.
مسألة: وعمن يصلي مع الإمام، فسها الإمام، وكان عليه القيام فقعد، أو كان عليه القعود فقام، فسبح للإمام فلم يقعد ولم يقم، ومضى على سهوه، قلت: كيف يصنع هذا الرجل؟ فإذا لم يرجع الإمام إلى الصواب، ومضى على (13/150)
صفحة 3364
الخطأ، فقد بطلت إمامته، عن هذا الرجل، ويصلي هذا صلاة تفسد، ويتم صلاته.
مسألة: وسألته عن الإمام، إذا كان أصم فسها في صلاته، فسبح له بعض من خلفه فلم يسمع، فرماه بحصاة، فانتبه ورجع. قلت: أتتم صلاة الذي رماه، أم تنتقض؟ فقد قيل في ذلك باختلاف فيما عرفنا، فقال من قال: تفسد صلاته، وقال من قال: إن ذلك من صلاح صلاة الجميع، وأنا يعجبني فساد صلاة الرامي، لأن ذلك عمل ليس من مصالح صلاته، وقد كان يمكنه أن يبني على صلاته، ولو مضى الإمام على فساد صلاته، أو على غلطه.
مسألة: وعن رجل يتنحنح وراء الإمام إذا سها في صلاته، فقال: قد كنت أرى أنه يعيد إذا لم يسبح، ثم استضعفت نفسي عن ذلك، وقال سألنا موسى فقال: إذا سها الإمام، فليتكلم الذي خلفه بما هو فيه من تكبير؛ أو تسبيح أو تحيات، حتى ينتبه الإمام.
مسألة: -ومن كتاب ابن جعفر- في مسائل عن علي بن عزرة، في إمام نسي سجدة أو قراءة، ثم سلم وانصرف، قال: أتم الذي خلفه ما كان نسي هو من ذلك، تمت صلاتهم، وإن لم يفعلوا انتقضت صلاتهم، والذي أحب أنا إن كان الإمام نسي السجدة الأخيرة من الصلوات والتحيات وانصرف، وأتموا هم صلاتهم، وتمت لهم، وإن كان ترك ذلك في وسط الصلاة قبل هذا الحد الآخر، فأستحسن إذا سبحوا له فيما ترك من الصلاة، ومضى على الخطأ فلم ينتبه، أن يتموا هم ما ترك هو من ذلك، وتمت صلاتهم، وقد خرج هو من إمامتهم؛ لأنهم قد علموا أن صلاته قد فسدت، فإن أتموا ما ترك هو ولحقوه قبل أن يسبقهم، وصلوا معه، فلا آمن عليهم الفساد؛ لأنهم قد علموا أن صلاته منتقضة، وإن اتبعوه على الخطأ أو لم يتموا ما نسي هو من الصلاة، فذلك أشد، وأرجو أن تفسد صلاة الجميع.
مسألة: ويوجد عن زياد بن مثوبة قال: صلينا خلف يمان بن الجميل صلاة (13/151)
صفحة 3365
الجمعة بصحار، فلما أن بقي من الركعتين سجدة قعد فلم يسجدها، فأبطأ عليهم، فكبر رجل وسجد، وبلغني أنه أبو مودود وسجد الناس معه ورفعوا رؤوسهم، ثم كبر الإمام يمان وسجد، ولم أعلم أن الذي كبر غير الإمام، فلما أن سجد لم أسجد ورأيت أن صلاتي قد تمت، فلما انصرفنا سألت سعيد بن المبشر، وكان فيمن حضر الصلاة، قال: أنا ممّن سجد ثلاثا، قلت: كيف يصنع؟ قال: لا أدري، فكتبت إلى سليمان بن عثمان وأجابني أن الذي سجدوا ثلاثا أصابوا، وعلى الباقين الإعادة، فكرهت أن أنقض حتى لقيته، فأخبرته أني لم أعلم أن الذي كبر وسجدت سجوده غير الإمام، فلم ير عليّ إعادة الصلاة. قال غيره عمن لم يأتم بالإمام في تلك السجدة الإعادة؛ لأنه لا يجوز ترك سجدة على الخطأ ولا يجوز أن يصلي وحده بغير صلاة الإمام. (13/152)
صفحة 3366
الباب التاسع والعشرون
في المأموم إذا خالف الإمام في الصلاة
-ومن كتاب محمد بن جعفر- ومن دخل في صلاة قوم، وهو يريد الظهر والإمام يصلي العصر، فصلاته تلك منتقضة، ويصلي الظهر ثم العصر، والصلاة للإمام، قال غيره: معي؛ إنه يخرج في بعض القول: إن صلاتهم كلهم تامة، ولكل ما نوى. (رجع) وكذلك بلغنا في إمام نعس عن الظهر، حتى حضرت صلاة العصر، وأقام المقيم للعصر وصلى الإمام بهم، على أنه يصلي الظهر، ولم يعلم أن العصر قد حضرت بصلاة الإمام، قال غيره: ومعي؛ إنه قد قيل صلاته كلهم تامة.
مسألة: ومنه؛ وقيل: إذا دخل رجل في صلاة الإمام، وهو يرى أنه يصلي صلاة سفر فأتم، أو عنده، أنه يصلي تماما فقصر فإنه ينقض، وإن لم يعزم على صلاة بعينها، ودخل في صلاة الإمام فلا نقض عليه، قال غيره: ليس لمؤتم مع الإمام نية، والنية لا نية الإمام، وإنما يعتقد المؤتم أن يصلي بصلاة الإمام.
مسألة: -من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ- قلت: فمن صلى مع الإمام الفريضة، والإمام يصلي الوتر، ما تكون صلاة هذا المصلي؟ قال: صلاته منتقضة، قلت: فعليه كفارة؟ قال: لا كفارة عليه. (انقضت الزيادة المضافة). (13/153)
صفحة 3367
[صفحة بيضاء] (13/154)
صفحة 3368
الباب الثلاثون
في الإمام إذا تعاي في القراءة متى يفتح عليه
وقال من قال: إذا تعايا الإمام فلا يفتح له حتى يسكت، وقال من قال: يفتح عليه إذا تعايا.
مسألة: -ومن كتاب الأشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في تلقين الإمام، فمن فتح عليه عثمان بن عفان وابن عمر، روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا استطعمكم الإمام فأطعموه واستطعموا منه، هذا قول عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وابن سيرين وابن مقبل ونافع بن جبير بن مطعم وابن اتما الصبي ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وكره ابن مسعود والشعبي وشريح الكندي وسفيان الثوري ذلك، وقال النعمان في رجل يستفتحه الإمام وهو خلفه ينفتح عليه، قال: هذا الكلام في الصلاة إن فتح على الإمام لم يكن كلاما، وقال محمد بن الحسن: لا ينبغي أن يفتح على الإمام، قال أبو بكر: يفتح على الإمام.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى الإجازة بالفتح على الإمام إذا ارتج عليه وأعياه، طلب ذلك بنفسه، وسكت على معنى الإعياء، ويخرج ذلك على معنى التعاون في الصلاة، فإذا كان ذلك من فاتحة الكتاب، أو فيما لا تجوز الصلاة إلا به من القرآن، خرج عندي معنى الاتفاق، إنه من التعاون على أمر الصلاة؛ لأنهم شركاء الإمام والمأموم، وإن كان ذلك مما يجزي به دونه وتقوم به (13/155)
صفحة 3369
الصلاة، مما قرأه الإمام مما تجوز به الصلاة، فيخرج فيه عندي معنى الاختلاف على نحو ما حكي أو ما يشبهه، ويعجبني موضع إجازة ذلك ما دام الإمام لم يركع، واكتفى بذلك الذي قد قرأه، وكان سكوته على معنى ما يخرج أنه إعياء، وأما ما دام الإمام يطلبه بالكلام، ومعنى القراءة؛ إلا أنه لم يصب ما أعياه فمعي؛ إنه يخرج فيه معنى الاختلاف، ويعجبني أن لا يفتح له حتى يسكت على سبيل الإعياء، لئلا يكون مشاركا للإمام في القراءة، وهو يقرأ.
مسألة: -ومن كتاب أبي جابر- والإمام يجوز لمن خلفه أن يفتحوا عليه إذا تعايا في القراءة وسكت، ولا يفتحوا عليه قبل ذلك.
مسألة: ومن غيره؛ وقلت: والإمام يتعايي في القراءة، وأنا خلفه أفتح عليه من غير أن يضطر، قال: لا بأس أن يفتح عليه من دون ما يتعايي في القراءة، وإن لم يضطر، ومن غيره؛ قال أبو المؤثر: ذكر لنا عن نافع مولى بن عمر أنه قال: صلى بنا عبد الله بن عمر صلاة المغرب، فلما فرغ من فاتحة الكتاب قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فتردد بها وخزن عليه القرآن فقلت أنا: (إِذَا زُلزِلَتِ الأرضُ زِلْزَالَهَا) فقرأ واستمر في القراءة ولم يعب ذلك عليَّ.
مسألة: ومن غيره؛ سألت أبا سعيد عن الإمام إذا تعايي في الصلاة، أي وقت يجوز أن يفتح عليه من خلفه؟ قال: معي، إنه إذا سكت فظهر من أمره أنه إعياء منه، فحينئذ يجوز أن يفتح عليه، وأما ما دام يطلب ويتردد فمعي؛ إنه لا يجوز أن يفتح عليه حتى يسكت فيما عندي أنه قيل، قلت: أرأيت إن فتح عليه من خلفه، وهو في طلبه وتردد، هل عليه بأس في صلاته؟ قال: معي؛ إنه يختلف فيه، فلعل بعضا يفسد صلاته، وبعضا لا يفسدها، قلت: كان الذي فتح عليه جاهلا أو متعمدا بعد أن علم قول المسلمين، أم الاختلاف في الجاهل خاصة؟ قال: يقع أنه في الجاهل دون المتعمد، لمخالفة المأمور به، قلت له: فإن سكت بعد أن أتم فاتحة الكتاب سكوتا فوق ما يؤمر به، هل يجوز لمن خلفه أن يفتح عليه أول السورة؟ قال: معي؛ إنه إذا تظاهر منه ذلك، ووقع لمن فتح عليه أن (13/156)
صفحة 3370
ذلك منه إعياء في الابتداء في القراءة، فهو عندي أشدّ؛ لأنه لابد له من قراءة فيما فيه القراءة من آية، فما فوقها والأول إذا كان قد قرأ آية فما فوقها، فقد أجزأه فهذا عندي، الفتح فيه أكبر، قلت له: فإن فتح عليه أحد قبل أن يتظاهر من آخره الإعياء، هل تفسد صلاته؟ قال: معي؛ إنه مثل الأول، أو أهون عندي، لما قد ثبت أنه لابد لهم من القراءة، ولأنهم شركاء في الصلاة وأعوان عليها عندي، وقد روي أن نافعا مولى ابن عمر فيما أحسب روى أو روي عنه أن ابن عمر قرأ فاتحة الكتاب، أحسب في صلاة المغرب، ثم سكت، فلا أدري كيف كان المعنى، إلا أن نافعا فيما قيل له أو من شاء الله غيره فتح عليه، فقال: (إِذَا زُلزِلَتِ الأرضُ زِلْزَالَهَا) أو نحو هذه الآية ابتداء بسورة (اذَا زُلزِلَت) فالمعنى عندي؛ أنه صوبه ولم يخطئه. (13/157)
صفحة 3371
[صفحة بيضاء] (13/158)
صفحة 3372
الباب الحادي والثلاثون
في صلاة الجماعة في السفر
-من كتاب الأشراف- قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتم بالمسافر وسلم الإمام من اثنتين، أن عليه تمام الصلاة، واختلفوا فيه إن أتم الإمام المسافر الصلاة، وخلفه المقيم، قال سفيان الثوري: لا يجزيهم وقد مضى هو وصلاته، وقال أصحاب الرأي: إذا صلى مسافر بمقيمين ومسافرين أربعا، فإن صلاة المسافر جائزة، وصلاة المقيم فاسدة، وكان الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق يقولون: صلاتهم كلهم تامة.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج بمعنى الاتفاق أن إمامة المسافر بالمقيمين صلاة نفسه وحدها، وهما الركعتان صلاة القصر جائزة، وإن صلى المقيم بصلاة المسافر صلاة نفسه وحدها، وهما الركعتان، وصلاة العصر إن ذلك لا يجزي المقيم وأن صلاة المسافر جائزة، وأن صلاة المقيم بالمسافر تماما صلاة المقيم جائزة، ولا أعلم في هذه الفصول اختلافا في قول أصحابنا، وأما إتمام المسافر بالمقيم صلاة المقيم، فمعي إنه يخرج في أكثر القول من قول أصحابنا: إن صلاة المقيم فاسدة، وصلاة المسافر يختلف فيها؛ لأنه إذا أتم صلاته بصلاة المسافر لم تضره الزيادة، وبعض يرى عليه البدل، ولا يبين لي تمام صلاة المقيم بصلاة المسافر أربعا؛ لأنه لابد إما أن يكون نفلا من فعله، وإما أن يكون باطلا، فالحق لا يقوم بالباطل. (13/159)
صفحة 3373
مسألة: -ومن غير كتاب الأشراف- وفي المسافر يصلي بصلاة المقيم، فقال: إن كان اعتقد التمام، رأيت عليه البدل، ولكنه يصلي بصلاة الإمام، هكذا جاء الأثر من قول المسلمين.
مسألة: -من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ- عن علي بن محمد قلت: فالذي يجمع الصلاة إذا صلى صلاة الأولى وحده، وأراد أن يصلي العصر مع الإمام، فقعد في التحيات ينتظر، قال: إذا وصل إلى عبده ورسوله، جاز له التسليم فمتى سلم جاز، إلا أنه إذا انتظر كان أفضل له. (انقضت الزيادة المضافة). (13/160)
صفحة 3374
الباب الثاني والثلاثون
في صلاة المسافر بالمقيمين وفي صلاة الجماعة في السفر
وفي مسافر صلى الأولى، ثم رأى قوما مسافرين يجمعون الأولى والعصر، هل يصلي معهم العصر؟ قال: لا، قال غيره: أحسب أبا سعيد قال: إذا كان ذلك في وقت صلاة العصر جاز ذلك، وإن كان في وقت الأولى لم يجز ذلك.
مسألة: وعن رجل مسافر صلى بقوم ركعة، ثم أحدث فأخذ بيد رجل مقيم، فصلى بهم ركعة إلى ركعة، فسألت كيف يصنع، أيسلم عند الركعتين، أم حتى يتم بهم أربع ركعات؟ فأقول: إنه يقدم رجلا يسلم بهم، ويتأخر هو ويتم، ومن كان يتم فرادى قال غيره: الذي معنا أن هذا الرجل المسافر صلى بمسافرين ومقيمين على المعنى فيما عندنا، وقد مضى الجواب.
مسألة: وعن رجل أتى إلى قوم، وهم في الصلاة جماعة يتمون وهو يقصر، وأدرك معهم ركعة واحدة، فلما قضوا الصلاة زاد إليها ركعة أخرى، ثم سلم فذلك أمر لا يجوز، كل من دخل في صلاة قوم يتمون فليتم.
مسألة: وإذا صلى مسافر الأولى ثم رأى قوما مسافرين يجمعون الأولى والعصر، فلا يصلي معهم العصر.
مسألة: وسألته عن رجل مسافر صلى بصلاة الإمام، فلما قضى صلاته نظر، فإذا هو قد صلى في ثوب فاسد، قال: إن علم في الوقت أبدل الصلاة قصر، (13/161)
صفحة 3375
وإن علم بعدما فات أبدل الصلاة تماما هكذا أحفظ.
مسألة: -ومن كتاب الأشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في المسافر يأتم بالمقيم، فقالت طائفة: يصلي بصلاتهم، روي هذا القول عن عمر وابن عباس، وبه قال جماعة التابعين؛ وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل، وأصحاب الرأي، وقالت طائفة: إذا أدرك المسافر بعض صلاة المقيمين صلى بصلاتهم، وإن أدركهم جلوسا صلى ركعتين، هذا قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي والزهري وقتادة، وقال مالك: إذا أدرك المسافر التشهد من صلاة المقيم صلاة ركعتين يجزيانه هكذا، قال طاووس والشعبي وتميم بن حزام، وقال إسحاق: والمسافر يدخل في صلاة المقيم وينوي في صلاة نفسه ركعتين، ويجلس ويسلم المقيم جالسا في آخر صلاته، فعليه صلاة المسافر.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا، إن المسافر إذا صلى بصلاة المقيم أتم الصلاة لتمام صلاة المقيم، وكان تبعا له بالتمام، ويخرج في معاني قولهم: إنه إذا دخل في صلاة فأدرك معه حدا تما فما فوقه من حدود الصلاة، إنه قد أدرك صلاة، ولزمه التمام وآخر حد من حدود الصلاة معهم، بمعنى ما يتفق عليه هو القعود الآخر من صلاة المقيم، فإذا أدرك المسافر مع المقيم من صلاته القعود الآخر من أوله، وقعد مع الإمام في أول قعوده فقد أدرك صلاته ولزمه التمام في معنى الاتفاق عندي من قولهم.
مسألة: قال أبو بكر: واختلفوا في المسافر يدخل في صلاة المقيم، ثم تفسد على الإمام المسافر صلاته ففي قول الشافعي أنه يتم، قال الثوري: يصلي ركعتين، وقال أصحاب الرأي: إن فسدت على الإمام صلاته عاد المسافر إلى حاله، وقال أبو المؤثر: فيها قولان، أحدهما أن عليه التمام، والآخر كما قال الثوري.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معان من قول أصحابنا أنه إذا فسدت صلاة المسافر، وقد صلى بصلاة المقيم، وكان فسادها أنه صلى على غير وضوء أو جنبا أو بنجاسة، أو بمعنى يكون فيه تبعا للإمام، فذكر ذلك، وعلم في وقت (13/162)
صفحة 3376
الصلاة أنه يبدل قصرا، ولا أعلم في ذلك اختلافا؛ لأنه يرجع إلى صلاة نفسه في وقتها، والله أعلم بذلك، بعد أن فات الوقت، فمنهم من يقول يصليها بدلا بصلاة الإمام؛ لأنه كان تبعا له في التمام، وقال من قال: يصليها قصرا؛ لأنها هي صلاته، ولم تتم مع الإمام، وأما إذا فسدت صلاة الإمام بلا فساد تفسد به صلاة من صلى خلفه، فلا يبين لي في المسافر؛ إلا أنه يصلي بصلاة نفسه في الوقت؛ لأنه صلاة الإمام فاسدة لا ينعقد عليه منها شيء.
مسألة: وعن رجل مسافر يقصر الصلاة صلى خلف مقيم، ثم انتقضت صلاته، وعلم في الوقت أو بعد الوقت ما يبدلها قصرا أم بالتمام؟ أما في الوقت فإذا علم بذلك أبدلها قصرا، فيما معي أنه قيل، وأما بعد الوقت فمعي؛ إنه يختلف فيه فقال من قال: يبدلها بالقصر صلاة نفسه، وقال من قال: يبدلها صلاة الإمام تماما إذا انقضى الوقت، وقال أبو علي الحسن بن أحمد -رحمه الله- إن كان الفساد من قبل الإمام أبدلها قصرا في الوقت، وبعد الوقت؛ لأن صلاة الإمام لم تنعقد عليه، وإن كان الفساد من قبل نفسه أبدلها في الوقت قصرا، وبعد الوقت تماما، وهذا المعنى من قوله والله أعلم، وكذلك إن صلى الجمعة، ثم علم في الوقت أو بعد الوقت أنها كانت صلاته منتقضة ما يبدلها، وهو مسافر أو مقيم؟ قال: أما في الوقت فيصلي صلاة نفسه أربع ركعات، وأما في غير الوقت فيختلف فيه، فبعض يقول: يبدلها صلاة نفسه، وبعض يقول: يبدلها صلاة الإمام. الجمعة. (13/163)
صفحة 3377
[صفحة بيضاء] (13/164)
صفحة 3378
الباب الثالث والثلاثون
فيما اختلف الناس فيه من صلاة خلف الجبابرة
وأهل الظلم من الناس ومن ليس له ولاية من الناس
-ومن كتاب أبي جابر- وقال من قال: يصلي خلف أهل البر والتقوى، وذلك مما لا اختلاف فيه، وقال من قال: يصلي خلف البار والفاجر من أهل القبلة، وقال من قال: إنما يصلي خلف الجبابرة إذا ملكوا الأرض، وقال بعض المسلمين: قد اجتمعتم على أن تصلوا خلف أهل البر والتقوى، واختلفتم في الصلاة خلف الفاجر، وكذب بعضكم بعضا لعله فما اجتمعتم عليه فهو الحق فخذوه، وما اختلفتم فيه ففي أخذ ذلك الضلال والباطل فدعوه.
مسألة: قال أبو المؤثر: قد أجاز المسلمون الصلاة خلف من لا يتولونه إذا صلوا في أوقاتها وأتموها، ولم يعلموا منهم نقصانا في ظهورها، والمسلمون لا يكذب بعضهم بعضا، ومن يُرى من المسلمين على ذلك أو نسبهم على الضلال والكذب فليس بمسلم، والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليؤمكم خياركم فإنهم قربانكم فيما بينكم وبين ربكم فلا تقدموا بين أيديكم إلا خياركم»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليليني الصف الأول أولو النهى والذين يلونهم ثم الذين يلونهم منكم»، فكان لا يدع الفاجر أن يكون في الصف الأول ولا الثاني ولا الثالث، فكيف يطمع أن يكون إماما، وقد روي هذا عن عمر بن الخطاب -رحمه الله- وعن النبي صلى الله عليه وسلم. ومنه؛ إن عليا لما وجه وفده إلى معاوية قال لهم: صلوا في رحالكم، واجعلوا (13/165)
صفحة 3379
صلاتكم معهم نافلة، فإن الله لا يقبل إلا من المتقين، وقالوا يا رسول الله إنك قلت: «سيكون بعدي أئمة لا يقتدون بي ولا يهتدون بهدي ربهم» فكيف بالصلاة معهم إذا أدركناهم؟ قال: «صلوا في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم نافلة»، وقال يزيد بن أبي زياد: كلمني إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير يوم الجمعة والإمام يخطب، كانا قد صليا في بيوتهما، وكان الحسن يفعل ذلك، ومنه؛ قال أبو المؤثر: أما الصلاة خلف أهل الإيمان فهي أفضل، ومن صلى خلف من لا يوثق به فصلاته تامة إذا صلاها في وقتها وأتمها، ولم يعلم أنه انتقض طهورها، وقد صلى جابر بن زيد خلف الحجاج بن يوسف يوم الجمعة، وقد رأى المسلمون أن الجمعة واجبة خلف الجبابرة في الأمصار التي تجب فيها الجمعة، قال أبو الحواري: تجوز صلاة الجمعة خلف الجبابرة في الأمصار التي مصرها عمر بن الخطاب -رحمه الله- ولا تجوز صلاة الجمعة في غير ذلك، ومنه؛ ومن كتاب فيه عن موسى بن علي -رحمه الله- وعن إمام يصلي بقوم اطلع إليه رجع ممن يصلي خلفه أن في يده مالا حراما يأكله، أيحل له أن يصلي خلفه؟ فالذي يقول إن هذا الرجل ينصح له، فإن قبل وترك ذلك فليصل خلفه، وإن أبى وتولى لا يصلي خلفه، ومنه؛ عن قومنا فهل يصلي خلفهم؟ قال: نعم، إذا كنا في حكمهم، فأما في حكم المسلمين فإن علمت أنه مخالف لدينك فلا تصلي وراءه، فأما بالظن منا أنهم من أهل الخلاف يشبه بأهل الفسوق فليس بالصلاة خلفهم بأس، ومنه؛ ومن ظلم الناس في أموالهم وأبدانهم بقليل أو كثير فلا تجوز شهادته، و لا ولاية له، وكيف ينبغي لظالم، ولا ينبغي لك أن تجيز شهادته بدرهم أن تجعله أمينا لك على صلاتك، وأنت تقدر أن تصليها مع غيره أو وحدك، فخذ لنفسك في دينك بالوثيقة، والرأي المجتمع عليه، ولا تخاطر بصلاتك خلف أهل الظلم، ومنه؛ وعن موسى بن علي -رحمه الله- فيما حفظت عنه (بدما) وعن إمام أو مؤذن لا أزكي سبيلهما يصلي بأذان وإمامة الإمام، فأما المؤذن فلا أرى بأسا إذا كان يؤذن في مواقيت الصلاة، وأما الإمام فأهل الورع والدين أولى بالإمامة ممن لا ورع له، ومنه؛ وعمن اطلعت عليه وهو يسرق، فلا تصلي خلفه. (13/166)
صفحة 3380
قال أبو سعيد -رحمه الله- وهذا رأيه، وقال أبو المؤثر: من صلى خلفه لم أر عليه إعادة في صلاته، ويصلي وحده أحب إلي من أن يصلي خلف من يسرق، إلا أن يتوب.
(ومنه) مسألة: قال أبو المؤثر: سألت محمد بن محبوب -رحمه الله- عن إمام مسجد اطلعت منه على حدث، هل أصلي خلفه؟ قال: لا يهجر المسجد من أجله.
مسألة: وعن رجل تكره الصلاة خلفه، ووافقته يصلي في مسجد، فإن كنت تعلم أنه ممن يعمل المعصية، فصلاتك وحدك أفضل من صلاتك خلفه.
مسألة: -من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ- ورخص في الصلاة خلف قومنا، وهم يقيمون فرادى ويحرمون قبل التوجيه، ويقرأون في صلاة النهار القرآن، ولا يظهرون قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وكره ذلك غيره فيما سمعنا، ورأي من كره أحب إلينا. (انقضت الزيادة المضافة). (13/167)
صفحة 3381
قال أبو سعيد -رحمه الله- وهذا رأيه، وقال أبو المؤثر: من صلى خلفه لم أر عليه إعادة في صلاته، ويصلي وحده أحب إلي من أن يصلي خلف من يسرق، إلا أن يتوب.
(ومنه) مسألة: قال أبو المؤثر: سألت محمد بن محبوب -رحمه الله- عن إمام مسجد اطلعت منه على حدث، هل أصلي خلفه؟ قال: لا يهجر المسجد من أجله.
مسألة: وعن رجل تكره الصلاة خلفه، ووافقته يصلي في مسجد، فإن كنت تعلم أنه ممن يعمل المعصية، فصلاتك وحدك أفضل من صلاتك خلفه.
مسألة: -من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ- ورخص في الصلاة خلف قومنا، وهم يقيمون فرادى ويحرمون قبل التوجيه، ويقرأون في صلاة النهار القرآن، ولا يظهرون قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وكره ذلك غيره فيما سمعنا، ورأي من كره أحب إلينا. (انقضت الزيادة المضافة). (13/168)
صفحة 3382
الباب الرابع والثلاثون
في الإمام
-من كتاب الأشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في الصلاة خلف من لا يرضي حاله من الخوارج، وأهل البدع، فأجازت طائفة الصلاة خلف الخوارج، منهم أبو جعفر، وقال الحسن البصري من صاحب البدعة، صلي خلفه والشافعي يجزي الصلاة خلف من أقام الصلاة، وإن كان غير محمود الحال في دينه أي حالة بلغ يخالف الجهل في الدين، وقال الثوري: في القدري لا تقدموه، وقال أحمد: الجهمي إذا كان داعيا لا يصلى خلفه، ومن صلى خلف الجهمي يعيد إن كان يرد الأحاديث، والروافض كذلك، يعيد الصلاة من صلى خلفهما، وقال أحمد بن حنبل: لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه، وقد حكي عن مالك أنه لا يصلي خلف أهل البدع من القدرية وغيرهم، ويصلي خلف أئمة الجور، قال أبو بكر: كل من أخرجته بدعته إلى الكفر، لم تجز الصلاة خلفه، ومن لم يكن كذلك فالصلاة خلفه جائزة، ولا نحب أن يقدم من هذه صفته، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، معنى الاختلاف في الصلاة من هو دون الولي الموافق لطاعة الله بكمالها في ظاهر الأمر، فقال من قال: لا تجوز الصلاة إلا خلف المسلم الولي المطيع؛ لأنها فريضة، وأمانة لله، ولا يجوز ولا ينبغي أن تولي أمانتك غير الأمين؛ لأنه يغيب بأشياء عنك منها لا تقوم إلا بها، وقال من قال: تجوز الصلاة خلف أهل الدعوة من المسلمين ومذهبهم ولا تجوز خلف أهل الخلاف في الدين ما لم يتهم من أهل الدعوة من المسلمين في الصلاة، (13/169)
صفحة 3383
ولم تلحقه خيانة ولا تهمة في أمر دينه، وقال: تجوز الصلاة خلفهم ما لم يتهموا في أمر الصلاة بنفسها، بزيادة أو نقصان، مما لم تتم الصلاة إلا به، وقال من قال: الصلاة خلف أهل القبلة جائزة كلهم، ما لم يزيدوا أو ينقصوا منها في ظاهر الأمر؛ لأنهم أهل الصلاة، وأهل قبلة من أهل الخلاف، أو ممن ينتهك ما بين بتحريمه من أهل الدعوة، وقال من قال: لا يصلى خلف أهل الخلاف إذا وجد أهل الدعوة من المسلمين، وإن لم يوجد المسلمين فلا بأس بالصلاة خلفهم، وقال من قال: تجوز خلفهم في سلطانهم إذا كانوا غالبين، ولا تجوز في سلطان المسلمين، وعلى كل حال فيما يقع عليه شبه الاتفاق من قولهم، إنه لا يقصد بالإمامة والتقديم من هؤلاء كلهم، إلا المسلم إذا وجد ذلك فإذا لم يوجد فإنما يصلي خلف من صلى من هو دون المسلم، لثبوت سنة الجماعة لإحيائها، ومتى وجد المسلم لم يقدم غيره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اختاروا لإمامتكم خياركم» ولا يقدم إمام بالقصد، ولا يعتقد إلا الخيار إذا وجد، والأفضل من وجد في معنى التقديم للصلاة، على اعتقاد أنه ما وجد غيره لكان أولى منه، فعلى حسب هذا يكون الأمر، وفي بعض ما قيل: إن الصلاة خلف جميع أهل القبلة لإحياء سنة الجماعة أفضل من صلاة الفرادى، إلا على قول من يقول: لا تجوز الصلاة إلا خلف المسلم، فإنه يقول: يصلى فرادى، ولا يصلى خلف غير المسلم، ومعي؛ إنه على حسب ما جرى من الاختلاف، إنه على كل قول قد قيل إن صاحبه يذهب إلى لزوم الصلاة جماعة خلف من قال إنه تجوز خلفهم، لثبوتها ولعله يذهب من يذهب أنه إذا لم يجد المسلم فالصلاة خلف غيره مخير فيها، أو فرادى وفي بعض القول أفضل، ما لم تثبت الإمامة بالمسلم، وفي بعض القول إن الجماعة أفضل ما وجد ما تجوز الصلاة خلفه، من إذا لم يزد فيها أو ينقص ما لا تجوز الصلاة إلا به.
-من كتاب أبي جابر- قال الوضاح بن عقبة: قال المصنف: عرفت أنه المدعي الذي تقبل شهادته يصلى خلفه إذا كان صالحا، وإن مات دخل الجنة. ومنه؛ وكذلك الصلاة خلف قومنا، إذا أتوا بالصلاة على وجهها في وقتها جائزة، (13/170)
صفحة 3384
ومن صلى كذلك برأيه وديانة، ثم رجع إلى رأي المسلمين فلا بدل عليه فيما صلى، وكذلك من صلى بديانة، -وفي نسخة- بلا ديانة في غير هذا.
مسألة: ومن غيره؛ مما يوجد عن بشير بن محمد بن محبوب، معروض على أبي الحواري -رحمه الله- وسألته عمن يصلي مع قومنا، وهو على غير وضوء، فيكون في الصف تقية منهم، يخاف أن يخرج منهم، قال: ما أحب ذلك فليتيمم في المسجد ويصلي، ويجعلها بدل صلاة فائتة.
مسألة: -ومن كتاب أبي جابر- وقيل: لا بأس بالصلاة خلف المنافق، ومن في يده الحرام لمن اضطر إلى ذلك، وقيل: إن الصلاة خلف من لا ولاية له صلاة واحدة، فإذا كان يصلي في مسجد –وفي نسخة- في المسجد فالصلاة عنده على حال لعمارة المسجد أفضل من صلاة الرجل وحده، ومن غيره؛ وقال من قال: صلاته وحده أفضل، وقال من قال: لا صلاة خلفه (رجع) ومن صلى خلف رجل يعلم أنه يقنت في الصلاة، فقنت فيها فصلاتهما جميعا فاسدة، وإن لم يكن علم أنه يقنت في الصلاة فقنت فيها فصلاة الذي خلفه تامة إذا أسر القنوت، وقيل: إذا اشتهر فصلاته فاسدة، ولا يرجع يصلي خلفه، ومن غيره؛ قال أبو عبد الله -رحمه الله- إنه تجب أن يبدل فإن أبدل فحسن، وهو أحب إلينا (بيان). قال: من قنت في الصلاة فإن تاب وإلا لم أتوله، قيل له: أفتبرأوا منه؟ قال: الله أعلم لا أتولاه، وقال من قال من الفقهاء: من صلى خلف رجل يرى أن تكبيرة الإحرام قبل التوجيه فصلاته وصلاة الإمام فاسدة؛ لأن التوجيه كلام، وقال من قال من أهل العلم: إن صلاتهم تامة، الإمام ومن خلفه.
مسألة: قال جابر: حدثني أبي أنه كان بمكة، وعلى مكة يومئذ أمير عليه من السكانة ما شاء الله، قال: وكنا نصلي خلفه، إلى أن بلغه أن رجلا قال أبدلنا الله بهذا الخليفة خيرا منه، قال: فأرسل إليه فجذب لسانه بالكلبتين فقتله كما تقتل الدابة، فجعلت أصلي خلفه من بعد ذلك وأنقض صلاتي، إلى أن بلغ محبوبا، فجاء حتى كان خلفي في صلاة العشاء، حتى إذا صليت مع الأمير عدت فنقضت (13/171)
صفحة 3385
صلاتي، وأبصرني محبوب فقال: هكذا غلب عليك، حمزة بن عون وأخذت برأيه، وكان حمزة بن عون يرى رأي هارون، أنت يا أبا عثمان خير من فلان، أو من فلان يعني فقهاء المسلمين الذين كانوا قبلنا، وهذا يعني الأمير أشد من فلان وفلان يعني السلاطين من قبله، فقال: والذي هذا رأيك، فقال له محبوب: نعم، هذا رأيي، قال: فإن كان رأيكم رجعنا إلى رأيكم، قال: فرجعنا، قال أبو سفيان: فأدركت أصحابنا وهم يكرهون الصلاة في داخل المحراب، قال: ولكن ليقم خارجا منه، ويكون سجوده فيه.
قال أبو سعيد: إذا كان المسجد لا إمام له من أهل الفضل والورع، لم يجز تعطيله لأهل القرية، ولا لأهل المحلة التي هو فيها، وهم مخاطبون بعمارته على البار والفاجر منهم، أن يقوموا بما ألزمهم الله من فريضة الصلاة حتى يحضر المسجد ممن يقوم بعمرته ممن هو أفضل منه من عمار المسجد الأصلي، إلا أن لا يقبل ذلك الأفضل، فلا يخرب المسجد ويقوم به ممن قدر على القيام به في عمارته، وهذا في عمارته، وهذا دأبهم ودأبه إلى أن يفرج الله، ويقدر له عامرا من أفضلهم، ثم ليس لهم أن يتقدموا عليه إلا به أو تزول عنهم إمامته بحدث فيستحق به.
مسألة: ورجل جاء والناس يصلون القيام في مؤخر المسجد، فصلى هو الفريضة في مقدمه، قلت: هل تتم صلاته؟ فقد قيل ذلك. وقلت: إن صلى الفجر في مقدمه، وهم يصلون الفريضة في آخره، وكلهم في صرحة واحدة، في وقت واحد -لعله صلاة واحدة- لا شيء بينهم، هل تتم صلاته؟ فقد قيل تتم.
مسألة: وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- وعن المسجد إذا كان بقرب رجل، وكان الإمام لهذا المسجد غير ولي لهذا الرجل، ولم يعجبه أن يصلي عنده، هل يترك هذا المسجد لحد العمارة؟ قال: فيجوز له أن يطلب الجماعة مع من هو أفضل من ذلك الإمام، ما لم يخف أن يخرب المسجد من صلاة الجماعة من تخلفه عنه، فإن كان كذلك كانت عمارة المسجد الذي يقربه أولى على حال ما كان الإمام غير متهم في الصلاة، ولا خائنا لها. قلت: وما هذه التهمة؟ قال: من التهمة التي في الصلاة (13/172)
صفحة 3386
أن يتهم أن يقوم إلى الصلاة، وهو غير طاهر، وأن يتهم بترك شيء من حدودها مما لا يجوز الصلاة إلا به الذي يقوله سرا، وإذا تظاهرت التهمة عليه بذلك وظهرت الخيانة لذلك لم تتم به الصلاة.
مسألة: وعن رجل من عمار المسجد أو من غير عماره، ويصلي في محراب المسجد، في موضع الإمام وحده لا يؤم أحدا، قلت: هل يكره له ذلك أم المحراب وسائر المسجد سواء لمن أراد الصلاة من رجل أو امرأة؟ فمعي؛ إن المسجد كله مباح للصلاة، ولا ينبغي أن يهجر شيء منه، إلا لمعنى من المعاني يريد به فاعل ذلك تقدما أو مكابرة أو استخفافا بالإمام، أو لمعنى لا يجوز.
مسألة: سألت، هل أصلي مع رجل في نفسي عليه عتب، ووجد من قبل، وهو من المسلمين، وهو يصلي وحده في مسجد أنا جاره؟ قال: فأما أنا فأرجو أن لا تدخل عليه؛ لأن الجماعة ليس بفرض، قال غيره: فأما الجماعة فقيل إنها فريضة، وقيل إنها سنة، وأما الصلاة خلف من في النفس عليه عتب، فذلك جائز، وأما ترك الصلاة خلفه فإذا كان من المسلمين لم يتردد وصلى خلفه، إلا أن يكون المسجد لا يخرب بتركه الصلاة خلفه، ويطلب الجماعة غير هذا المسجد، وسعه ذلك إن شاء الله. ولا يترك الجماعة إلا من عذر.
مسألة: وسألته عن الجمعة إذا وجبت أن تصلى عند الإمام، أتكون أئمة المساجد قائمين بالأذان فيها والصلاة، وعليهم أن يخربوها، ويحضروا الصلاة عند الإمام؟ قال: وقد قيل ذلك من حيث تلزم الجمعة، إن عليهم أن يتركوا الأذان والصلاة جماعة، صلاة الظهر ويحضر الجمعة مع الإمام حيث تلزم. قلت: هل يجوز لهم أن يؤذنوا ويصلوا ويلحقوا الصلاة مع الإمام إذا أدركوا ذلك معه؟ قال: وقد قيل ليس لهم بدلا وذلك مضادة للإمام.
مسألة: قال أبو سعيد: قد قيل فيما يروى أنه قيل: كن إماما أو مؤذنا لإمام، ولا تكن الثالث فيفوتك فضل الإمامة والأذان؛ لأن المؤذن قال له فضل كل من صلى بأذانه، والإمام له فضل صلاته، وفضل كل من صلى بصلاته، ولن (13/173)
صفحة 3387
ينقص ذو فضل من الفضل شيئا، قلت له: فإذا كان الرجل أقرأ أهل محلته وأعلم بحدود الصلاة منهم، وفي المحلة التي هو فيها أو في الثانية مسجد خرب، وهو يصلي الجماعة في غيره عند إمام، هل يسعه ذلك أن يترك التقديم في هذا المسجد الخرب، والقيام به، إذا كان يصلي الجماعة. قال: فمعي؛ إنه يسعه ذلك إذا لم يكن يتعدى ذلك المسجد إلى هذا، أو لم يكن من جيرانه، قلت: فإذا كان من جيرانه لا يحسنون التقديم، أهو معذور على حال ما لم يتعدى إلى غيره؟ قال: فأرجو ذلك، إلا أن يطلب الفضل فهو عندي أفضل، إذا لم يكن يخرب مسجد محلته بتعديه إلى المسجد الآخر.
قلت له: فإن كان في محلة في أسفلها مسجد وفي أعلاها مسجد، والأعلى له إمام، والأسفل له إمام له، هل يسعه بترك التقديم في المسجد الأسفل، إذا كان هو يصلي في الأعلى عند الإمام؟ قال: فإذا كان من جيرانه، وكلهم في محلته كان عليه عندي عمارته إن قدر على ذلك، وإن كان خارجا من جواره، وكان يصلي جماعة في مسجد محلته، فلا يبين لي عليه ذلك واجبا، إلا أن يطلب الفضل من ذلك، قلت: فإذا كان هذا الرجل في المحلة بين المسجدين منه، إذا قيس إلى أحدهما من منزله بالذراع استويا، وكان هو يصلي في الأعلى جماعة عند إمام، هل يسعه ترك عمارة الأسفل بالتقديم منه له على هذا؟ قال: فمعي؛ إنه إذا كان مستويا في جوارهما، فلن تزل عنه عمارة الخرب منهما، وأيهما كان أقرب إليه، كان هو جاره وكان عليه عمارته في اللازم عندي، وفي الآخر هو عندي وسيلة إذا كان عامر المسجد الذي هو جاره، ولو كانت الجماعة تقوم بغيره في هذا المسجد الذي هو جاره، فهو بخير في الآخر، وإن طلب الفضل كان الآخر أفضل، وإن كان يصلي في مسجد آخر أبعد من هذا الذي هو جاره متقدما فيه كان لهذا المسجد إمام، ثم تركه إمامه، فلا يسع هذا عندي أن يصلي في المسجد، ويؤم فيه ويترك الأقرب منه الذي هو في محلته، وعليه القيام بالمسجد الذي هو جاره، ولو تعطلت الجماعة من الآخر بتركه التقديم فيه كان جامعا، أو غير جامعا فعليه القيام بالمسجد الذي هو بجواره، حتى (13/174)
صفحة 3388
يصاب له إمام يعمره وتقوم به الجماعة.
قلت له: فهل يلزم مشايخ البلد القيام بعمارة مساجد القرية إذا انقطعت الجماعة منها أم يلزم ذلك جيران المسجد دون الجباه؟ قال: جيران المسجد عليهم القيام بعمارة مسجدهم، ولا يلزم ذلك الجباه، قلت له: ولو كان جامع؟ قال: لا؛ لأن الجباه يجمع أهل القرية.
مسألة: عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر: وما تقول في عمار المسجد إذا غابت صرحته، هل يجوز لهم أن يجعلوا صلاتهم فوقه من الحر؟ فما عندي حفظ إلا أني ليعجبني أن يجوز للعمار ذلك، والله أعلم.
قال أبو سعيد: في الإمام إذا كان يصلي في داخل المسجد، وآخر يصلي بصلاته في الحجرة، والإمام قدام ذلك في داخل المسجد، فعندي؛ إنه إذا كان تجوز الصلاة بصلاة الإمام، فمعي؛ إنه مختلف في ذلك، فقال من قال: إذا كان بين والج المسجد والحجرة باب مفتوح جاز ذلك، إذا كان الباب أكثر من ثلاثة أشبار، وقال من قال: حتى يكون بابا يدخل منه الرجل، من غير معالجة، وإلا فلا تجوز الصلاة بصلاة الإمام إذا كان أقل من ذلك، وقال من قال: ولو كانت الفرجة أقل من ثلاثة أشبار، ولو كانت كوة يبصر منها الإمام أو من خلفه، كما كانوا يتباصرون، جازت الصلاة بصلاة الإمام على هذا القول، يخرج عندي لو كان المأموم فوق ظهر بيت رفعه أكثر من خمسة عشر ذراعا، لا غاية لذلك عندي على قول من يقول: إن الإمام يعلى، وأما إذا كان بينه وبين الإمام أكثر من خمسة عشر ذراعا في غير العلو، فلا تجوز له الصلاة بصلاة الإمام، وهذا غير الأول عندي، وقال: إذا كان رفعه أكثر من ثلاثة أشبار، فمعي؛ إنه يختلف في الصلاة بصلاة من كان أسفل منه، فقال من قال: يجوز إذا كان عند الإمام أحد غيره، بلغني هذا القول عن الإمام سعيد بن عبد الله -رحمه الله- وقال من قال: لا يجوز، وأخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر إن كان رأي جماعة، ومذهبهم أن ذلك جائز وأشبه أنهم رجعوا إلى رأي الإمام. (13/175)
صفحة 3389
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- والذي يؤمر به أهل الجماعة، إذا أرادوا الصلاة خلف الإمام، أن يليه منهم أهل العلم بالصلاة والفضل منهم، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى» وفي الخبر أن ابن مسعود هو الذي كان وراء ظهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجماعة، وقيل إن عمر بن الخطاب كان يؤخر من لا يعرف عن الصف الأول، وقال: لا يدع من لا يعرفه خلف نبينا عليه السلام، وقد قيل: إن عمر كان يفعل ذلك حذرا على النبي صلى الله عليه وسلم من مكيدة أعدائه من المنافقين وغيرهم، رواية عن ابن مسعود أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي مناكبنا يقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» والصفوف الأولى أفضل، والأخبار كثيرة في فضل صلاة المصلي في الصف الأول، رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير صفوف الرجال أولها وخير صفوف النساء آخرها» وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول».
مسألة: -من كتاب الأشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حول ابن عباس عن يمينه. قال أبو بكر: وهذا القول أكثر أهل العلم، وممن هذا مذهبه عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وخالد بن زيد وعروة بن الزبير ومالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه، وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: وبه نقول وفي المسألة قولان: أحدهما عن سعيد بن المسيب أنه قال: يقيمه عن يساره، والقول الثاني عن النخعي، وهو: أن الإمام إذا كان خلفه رجل فليقم من خلفه بينه وبين أن يرجع، فإذا جاء أحد قام عن يمينه فإن كان اثنان قام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، واختلفوا في النفر ثلاثة مجتمعون، فقالت طائفة: يقدمون أحدهم، هذا قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وخالد بن يزيد والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح، وبه قال أنس بن مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وكان ابن مسعود يرى إذا كانوا ثلاثة قال: يصغوا جميعا، فإذا كانوا أكثر من ذلك قدموا أحدهم، وفعل ذلك عبد الله بن علقمة والأسود، وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وبه قال (13/176)
صفحة 3390
النخعي، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بجابر وبخيار بن صخر فأقامهما خلفه.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا في صلاة الاثنين، أن يكون المؤتم منهما عن يمين الإمام، ولعله في أكثر قولهم، وقد يخرج في معاني قولهم: إن له أن يكون خلف الإمام على معنى الاختيار إن أراد ذلك، وإن أراد كان عن يمين الإمام، وفي بعض القول: ليس له أن يصف خلف الإمام، إلا أن لا يحسن ذلك ويخشى ذلك على صلاته، فله أن يكون خلف الإمام على الاختيار، وأما إذا كانوا ثلاثة رجال، فلا أعلم بينهم اختلافا فيما يؤمرون إلا أن يكون الإمام متقدما بهما ويكونا خلفه.
مسألة: قال أبو بكر: واختلفوا في الصلاة خلف الصف وحده فقالت طائفة: لا يجزيه، هذا قول النخعي والحكم بن عيينة والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأجاز ذلك الحسن البصري ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: لا تجوز صلاة الفرد خلف الصف لحديث وابصة بن معبد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا صلى خلف الصف وحده بالإعادة، وأثبت الحديث ابن حنبل وإسحاق بن راهويه، واختلفوا في الرجل ينتهي إلى القوم وقد استوت الصفوف واتصلت، فقالت طائفة: يجر إليه رجلا؛ ليقوم معه، روي هذا القول عن عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي، وقال بعضهم: حد الرجل في الصف، وممن كره ذلك الأوزاعي، واستقبح ذلك أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، واختلفوا في ركوع الرجل دون الصف، فرخص في ذلك زياد بن ثابت، وفعل ذلك عبد الله بن مسعود وزيد بن وهب، وروي عن سعيد بن جبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومعدو بن جريج أنهم فعلوا ذلك، وأجازه أحمد بن حنبل، وقال الزهري: وإن كان قريبا من الصف فعل، وإن كان بعيدا لم يفعل، وبه قال الأوزاعي.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا فيما يأمرون به من (13/177)
صفحة 3391
انتهى إلى الصف، وقد تم أنه يجر إليه رجلا من الصف فيكون معه صافا، فإن لم يتفق له ذلك، وفي بعض قولهم إنه يصلي خلف الصف من قفا الإمام، ويتم صلاته كيفما صلى؛ فإنه قد عدم الصف، وفي بعض قولهم إنه يلصق الصف في قيامه، فإذا أراد الركوع والسجود زحف بقدر ما يركع ويسجد في أول قيام، ثم يصلي هنالك بقية صلاته، وقيل: إنه يزحف قياما حتى يلحق بالصف إذا عدم الصف، فإذا صلى ولم يجر أحدا من الصف وقد يمكنه ذلك، فمعي؛ إنه يختلف في صلاته من قولهم: إذا كان خلف الإمام، فقال من قال: تفسد صلاته، وقال من قال: لا فساد عليه، فإن كان ناحية عن قفا الإمام فسدت صلاته، وإن أمكنه أن يكون من قفا الإمام، وفي بعض القول إنه سواء عن قفا الإمام وغيره، وأما الركوع خلف الصف وحده فمعي؛ إنه يخرج في معاني قولهم الاختلاف في ذلك، بنحو ما حكي من الاختلاف، ويعجبني إجازة ذلك عند معاني العذر، وأما على الاختيار فلا يعجبني، وأرجو إن فعل لطلب درك الفضل أن لا يفوته شيء مما قد أمر به من صلاة الجماعة بعد أن أمكنه في المسجد إن صلاته تامة عندي على ذلك إن شاء الله.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- وإذا صلى الرجل وحده خلف الصفوف، لم تجز صلاته، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى أبا بكر يصلي خلف الناس فقال صلى الله عليه وسلم: «زادك الله حرصا ولا تعد» وقال بعض أصحابنا: إذا كان خلف الصفوف قصد الإمام جازت صلاته، وهذا الخبر يمنع عن جوازها، -ومن غير الكتاب- وعن رجل جاء والناس يصلون، فلم يجد موضعا وصلى عن قفا الإمام، ولم يجر أحدا، قلت: صلاته تامة أم لا؟ فقد قيل: صلاته تامة.
مسألة: قلت له: فما تقول في رجل كان في صف وقدامه صف، فخرج رجل من الصف الذي قدامه، وبقي فرجة، هل لهذا الرجل أن يتقدم فيسدها؟ قال: قد اختلفوا في ذلك، فقال من قال: إنه يتقدم ويسدها، وقال من قال: لا يبرح مقامه، وقال: ليس خطوة أفضل من خطوة يسد بها الصف في الصلاة (13/178)
صفحة 3392
أو في حرب، والله أعلم.
مسألة: وعن الذين يصلون خلف الإمام، فيصلون ويتباعدون عنه، هل يكون في ذلك حد؟ فعلى ما وصفت، فقد كان أبو المؤثر يقول: إذا انفسح الصف عن الصف المؤخر خمسة عشر ذراعا لم يكن الصف المؤخر صلاة بصلاة الإمام، ولا يجوز لهم ذلك، وكذلك إذا انفسح عن الإمام خمسة عشر ذراعا، انتقضت صلاتهم، وصلاة الإمام تامة، وما كان أقل من خمسة عشر ذراعا فهو جائز للجميع.
مسألة: وقال: إذا انقطع واحد عن الصف، وذهب من تحته رجل، وبقي فرجة، فإن كان عالما بقول المسلمين، إن عليه أن يزحف فلم يزحف، إن صلاته فاسدة، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وأما إذا كان جاهلا أو ناسيا فقد اختلف فيه، والناسي عندي أهون والله أعلم.
مسألة: -من كتاب الأشراف- واختلفوا في الإمام يكون عنده رجل واحد وامرأة واحدة، وكان أنس بن مالك يرى أن يقوم الرجل عن يمين الإمام، والمرأة خلفه، وقال عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير والنخعي وقتادة وملك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي، وقد روينا عن الحسين أنهم يصلون متواترين، بعضهم خلف بعض، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، بحديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل أنس بن مالك عن يمينه والمرأة أسفل من ذلك، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معاني الاتفاق من قولهم نحو ما حكي عن الحسن من القول الآخر، ولا أعلم هذا القول الأول في معاني قولهم، وقد يعجبني أن يكون هكذا هذا، لثبوت معاني قولهم: إن الرجل والمرأة لا يكونان صفا وأن كل واحد منهما يصلي على حياله ولو كثر معاني قولهم إن الرجل يكون عن يمين الإمام، إذا كان وحده، ولا يبين لي في المرأة أنها تدخل عليه نقضا ولا ضرا إذا كانت معه، وهو عندي قائم بنفسه مع المرأة وحده.
-ومن غير الكتاب- وقيل: اختلف في الذي يصلي خلف الإمام فيكون خلفه (13/179)
صفحة 3393
أو عن يساره، أو عن يمين الذي عن يمينه أو عن يسار الذي عن يساره، فقال من قال: صلاتهم فاسدة على كل حال، وقال من قال: صلاتهم تامة على كل حال، وقال من قال: تجوز صلاتهم على الجهل والنسيان، وقال من قال: تجوز صلاتهم على النسيان، ولا تجوز صلاتهم على الجهل، وقال من قال: تجوز صلاتهم إلا من زاد منهم خلاف السنة فإن صلاتهم على ذلك فاسدة إذا زاد خلاف السنة.
ويوجد أن رجلا كان وحده هو وإمام، أنه يصف عن قفا الإمام في بعض القول، وممن أجاز ذلك فيما بلغنا أبو عبد الله محمد بن محبوب -رحمه الله- وأبو المؤثر الصلت بن خميس -رحمه الله- وأبو عبد الله محمد بن روح -رحمه الله- وكذلك يوجد عن أبي الحواري -رحمه الله- عن يمينه أن الواحد إذا كان خلف الإمام يصلي معه، وقدامه شيء من الإمام لم تنتقض صلاته؛ إلا أن ينفسخ عن الإمام خمسة عشر ذراعا، وأبو الحسن محمد بن الحسن -رحمه الله- وكذلك يوجد معنا إجازة ذلك عن أبي علي موسى بن علي -رحمه الله- وقال من قال: إن كان لا يحسن أن يصف عن يمين الإمام صلى عن يمينه، وإن لم يحسن صلى عن قفاه، وذلك جائز له، وحفظنا ذلك شفاها عن أبي سعيد -رضيه الله- وقال من قال: لا تجوز ذلك؛ إلا أن يصف عن يمين الإمام.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- وينبغي أن لا يكبر الإمام حتى يستوي القوم خلفه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أقبل عليهم بوجهه فقال: «سووا صفوفكم» ثلاثا يقول ذلك، ثم قال: «لتقومن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم»، وفي خبر آخر؛ «تراصوا بين صفوفكم ألا يتخللكم الشيطان» وفي خبر آخر: «وسطوا الإمام وسدوا الخلل»، والمنفرد بصلاته خلف الإمام فاسدة صلاته، فإن قال قائل: لم حكمتم بفسادها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حيثما أدركتك الصلاة فصل»؟ قيل له: هذا خبر عام، وخبر سدوا الخلل ورصوا صفوفكم أخص، والأخص هو المعترض على الأعم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره بالإعادة. (13/180)
صفحة 3394
مسألة: -ومن كتاب محمد بن جعفر- وقيل: لا يضر أن يكون الإمام إماما لرجل قد صلى تلك الصلاة، وأما أنا فأحب أن يجهر بالصلاة مع رجل يصلي نافلة، إلا أن يكون معه غيره، قال غيره: ومعي؛ إنه قد قيل ذلك إذا صلى بمن قد صلى تلك الصلاة، إن صلى به حيث يكون إماما في مسجد جائز، ولا يجوز في غير ذلك، وقيل: جائز مجملا. قال محمد بن المسبح؛ ذلك جائز له أن يصف عنده، ورجل قد صلى تلك الصلاة. (رجع) وقال أيضا: إنه جائز أن يصف رجل قد صلى مع رجل لم يصل، وفي -نسختين- مع رجل يصلي خلف الإمام، وكذلك إن صف مع الرجل عبد أو صبي، قد راهق الحلم أو حافظ على الصلاة، وكان أحدهما مع الإمام على يمينه، ولم يكن رجلان يصفان معه.
مسألة: ومن قال إذا ارتفع الإمام في مقامه على من خلفه زراعا فسدت صلاتهم، إلا أن يكون معه منهم هنالك صف، فإن كان كذلك تمت صلاة الجميع، وإن ارتفع أقل من ذراع، فلا فساد عليهم، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: يكره ولا تفسد صلاتهم، قال غيره: معي؛ إنه قد قيل: إذا ارتفع عليهم شبرا فسدت صلاتهم، إلا أن يكون معه منهم صف، وكذلك على قول من يرى السترة شبرا، والله أعلم.
مسألة: ومن غيره؛ وقد قالوا يصلي الأعلى بصلاة الإمام؛ إذا كان الإمام أسفل، وإلا لم يصل الأسفل بصلاة الإمام، إذا كان الإمام أعلى، قال: فإن صلى مصل بصلاة الإمام على زمزم، أو على ظهر المسجد، قال: فإن صلاتهم تامة بصلاة الإمام، إذا كانا رجلين صافين أو أكثر.
مسألة: قلت: ما تقول في إمام إذا كان يصلي في أقصى المسجد جماعة، مثل السوق في الصرحة المؤخرة من المسجد، فيجيء رجل فيصف فيصلي في مقدم الفريضة؟ قال: أكره له ذلك، قلت: فإن صلى؟ قال: لا أرى عليه نقضا، ولا يعود يفعل. قلت: كان الإمام يصلي في مقدم المسجد، فجاء آخر يصلي في مؤخره وحده؟ قال: هذا أشد وعليه النقض. قلت: فإن كان الإمام يصلي نافلة؟ (13/181)
صفحة 3395
قال: أكره له ذلك، ولا أرى عليه نقضا. ومن غيره؛ وقد قيل عليه النقض في كلا الوجهين.
مسألة: وسئل عمن يصلي خلف الإمام، إذا قضى تحيات نفسه في التحيات الآخرة، فسلم قبل أن يقضي الإمام تحياته، هل يجوز؟ قال: معي؛ إنه جائز، قلت له: وكذلك إن كان يصلي وحده ثم جاء الإمام يصلي الجماعة، فأحرم الإمام قبل أن يقضي تحيات نفسه، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنها لا تتم. قلت له: فما الفرق بينهما؟ إذا جاز التسليم قبل أن يقضي الإمام صلاته، وانقضت صلاته بدخول الإمام في الصلاة؟ قال: لأن الإمام داخل وهذا خارج، فاختلف معناهما عندي، قلت: أرأيت إن جاء رجل والإمام في التحيات الآخرة في صلاة الجماعة، هل يجوز لهذا الرجل أن يقيم الصلاة ويوجه؟ فإذا سلم الإمام أحرم؟ قال: هكذا عندي. قلت: هل يجوز أن يحرم ويدخل في الصلاة إذا قضى الإمام التحيات قبل أن يسلم، وهو في التشهد؟ قال: لا يبين لي ذلك، قلت: فإن فعل وصلى، هل تلزمه إعادة الصلاة؟ قال: نعم، هكذا عندي.
مسألة: وسئل أبو سعيد: عن رجل مسافر يصلي الظهر بحذاء الإمام قدام الصف الأول منفسحا عن الإمام قدر مقام رجل أو أكثر من ذلك، ويسجد بحذاء سجود الإمام، فقضى صلاته، ودخل في صلاة العصر عندهم، هل تتم له صلاة الظهر؟ قال: معي؛ إنه إذا كان حيث تجوز صلاته بصلاة الإمام بحال، فلا تتم صلاته بقول أصحابنا، وإن كان يتقدمه حتى يصير بحذاء من لا تجوز له الصلاة بصلاة الإمام في إجماعهم، فعندي إنها تتم صلاته إذا كان من حيث لا تجوز الصلاة بصلاة الإمام على حال. قلت له: فهل تعلم أن أحدا من أهل العلم قال: إنه إذا صلى بحذاء الإمام على ما وصفت أنها تتم صلاته؟ قال: لا أعلم ذلك. قلت: فإن كان مقامه في موضعه متقدما لمقام الإمام، يحاذي مقامه بين مسجد الإمام وموضع مقامه وسجوده، متقدما سجود الإمام، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إن هذا لا تجوز صلاته بصلاة الإمام في حال الموضع، فإذا كان كذلك جازت (13/182)
صفحة 3396
صلاته إذا صلى صلاة نفسه. قلت له: وكذلك القول في غير المسافر، إذا كان على هذا؟ قال: هكذا عندي.
مسألة: قلت لأبي سعيد: إذا كان إمام المسجد غير فاضل، أو كان غيره من أئمة المساجد أفضل منه، هل يجوز لأحد من جيران المسجد، أن يتجاوز المسجد ليصلي خلف إمام أفضل من هذا؟ إذا كان يعمر المسجد اثنان مع الإمام؟ قال: نعم معي؛ إن ذلك جائز له.
مسألة: ومن فتح له صلاة في الليل في المسجد أفضل له أم في منزله؟ فصلاة المنزل أفضل حيث كانت النية أقوى كان أفضل، فأما الفريضة والجماعة ففي المساجد أفضل، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجعلوا لبيوتكم حظا من صلاتكم» يعني النافلة. وقلت: فإن صلى في البيت، وسمع الأذان والإقامة من غير هذر؟ فلا أحب له أن يتخذ ذلك عادة، ولا بأس عليه، إذا تخلف عن الجماعة ولم يهجرها.
مسألة: قال أبو سعيد -رحمه الله- إذا كان المسجد لا إمام له من أهل الفضل والورع، لم يجز تعطيله لأهل القرية، ولا لأهل المحلة التي هم فيها، وهم مخاطبون بعمارته على البار والفاجر منهم، أن يقوموا بما ألزمهم الله من فريضة الصلاة، حتى يحضر المسجد ممن يقوم بعمارته ممن هو أفضل منه، فإذا حضر ممن هو أفضل منه، لم يكن له أن يتقدم على من أفضل منه من عمار المسجد؛ إلا أن لا يقبل ذلك الأفضل فلا يخرب المسجد، ويقوم به من قدر على القيام في عمارته، وهذا دأبهم ودأبه إلى أن يفرج الله، ويقدر له عامر من أفضلهم، ثم ليس لهم أن يتقدموا عليه؛ إلا أن تزول عنهم إمامته بحدث يستحق به. (13/183)
صفحة 3397
[صفحة بيضاء] (13/184)
صفحة 3398
الباب الخامس والثلاثون
في الإمام إذا صلى بقوم وهو جنب أو نجس
أو على غير وضوء أو مشرك وما أشبه ذلك
-ومن جامع أبي محمد- أجمع الناس على أن من صلى بصلاة الإمام جاهلا بحاله، ثم تبين له أنه من أحد أصناف المشركين، أن عليه إعادة الصلاة، وإن خرج الوقت، وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا، أن رجلا صلى بقوم في بعض أسفارهم نحو سنة، ثم تبين لهم أنه كان مشركا، فأوجب الفقهاء عليهم الإعادة، لما صلوا خلفه، ووجدت في الأثر عن وضاح بن عقبة في رجل صلى بقوم، وهو على غير طهور عمدا منه، ثم أخبرهم بعد ذلك أن عليهم البدل، فإن كان الوقت قد فات، فلا بدل عليهم، وفي هذا القول نظر؛ لأنهم قد أدوا فرضهم على ظاهر ستر الإمام، وسلامة حاله عندهم، ثم أخبرهم بعد سقوط الفرض عنهم بفسقه لعمده في الصلاة بغير طهور، والنظر يوجب عندي أن لا بدل عليهم بقوله، والله أعلم.
وأما قوله: فإذا كان الوقت قد فات، فلا بدل عليهم، ففيه أيضا نظر؛ لأن الفرض إذا لزم البدل، لم يسقط بذهاب الوقت، والله أعلم، وإذا أحدث الإمام حدثا فسدت صلاته بذلك، أو تقدم حدثه قبل الصلاة، ولم يكن علم بحدثه، أو صلى بثوب نجس، ثم علم بحدثه في الصلاة، وجب عليه الخروج من وقته، وبنى القوم على صلاتهم بإمام أو غير إمام، وهذا أكثر قول أصحابنا في جواز (13/185)
صفحة 3399
صلاتهم، أن كلا مؤد لفرض نفسه، وفي بعض قول أصحابنا أن صلاة المأموم تفسد بفساد صلاة إمامه، وإن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم، وحجة أصحاب هذا الرأي أن الإمام يتحمل من صلاتهم عنهم، ما لا تتم صلاتهم إلا به، وهو القراءة والسهو الذي يلزمهم معه، وغير ذلك، والقول الأول هو الأكثر، والنظر يوجبه.
-ومن الكتاب- الدليل على أن صلاة المأموم منعقدة بصلاة الإمام، وأنها تفسد بفسادها، إجماعهم جميعا على أن الجمع لا يصح إلا بجماعة، فلو كان واحد منهم مصليا لنفسه، لم تكن إلا جماعة معنا، ولجاز أن يفسح كل واحد منهم صلاة لنفسه، فيصح لهم الجمعة مع الإجماع، فلما لم يصح إلا باعتبار دخلوهم في صلاة الإمام، دل على أن صلاتهم منعقدة بصلاته.
-ومن غير الكتاب- مسألة: ولعلها عن سليمان بن عثمان وقال: لا نقض على الذي يصلي خلف الإمام، إلا أن يكون الإمام جنبا، ولم ير إذا كان ثوبه جنبا، أن ينقض على من خلفه.
مسألة: وسئل أبو سعيد، عن رجل صلى بثوب نجس وحده، ثم علم بعد أن قضى الصلاة وحضر معه جماعة، هل له أن يصلي بهم جماعة؟ قال: هكذا معي، إذا لم تكن الصلاة الأولى صلاة. قلت: فإن صلى جماعة وكان إمام ثم علم بعد الصلاة، هل له أن يصلي بجماعة آخرين تلك الصلاة؟ قال: هكذا معي؛ إذا كان معي في الوقت، قلت: فإن لم يكن إمام، والمسألة بحالها؟ قال: معي؛ إنها سواء. قلت له: فإن كان إمام، وقد صلى بالأولين في المسجد، ثم علم بفساد صلاته هو، هل له أن يصلي بالأواخر في ذلك الموضع؟ قال: عندي أنه على قول من يقول إن صلاة الذين صلوا خلفه في الأول تامة، فلا يصلي الجماعة في ذلك الموضع ثانية؛ لأن الجماعة قد ثبتت. ومعي؛ في أكثر قول أصحابنا، أن الإمام إذا صلى بالناس وبه نجاسة إن صلاة من صلى خلفه تامة، إذا لم يعلم حتى قضى الصلاة، إذا لم يكن جنبا على معنى قوله. (13/186)
صفحة 3400
مسألة: ومما قيل قيده سعيد بن محرز عن والده، عن رجل كان يصلي خلف الإمام، ورأى خلف الإمام دما، هل تنتقض صلاته؟ قال: معي؛ إنها تفسد صلاته إذا كان ذلك الدم مما يفسد، قلت له: فإن أبصره حمرة، فلم يعلم دما أو غيره، هل تتم صلاته؟ إنه قال: معي؛ إنه يتم صلاته حتى يعلم أنه دم إذا احتمل ذلك، قلت له: فإن علم أنه دم، وسلم وهو لم يقل للإمام أن في ثوبه دما، هل يسعه ذلك؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إنه يؤمر بذلك، ولا أحب أن يدعه، فإن تركه لم نقل عليه إثم، ثم قلت: فإن أبصر ثوبه فيه خرق، ونادر منه من بدنه شيء، هل يسعه إن لم يقل له؟ هل يلزمه بدل صلاته؟ قال: معي؛ إنه إذا كان الخرق لا تجوز به الصلاة صلاة الإمام لظهور عورته، فلا تجوز صلاة من أبصر ذلك عندي، وهو بمنزلة الدم، قد صلى بصلاة الإمام، وهو عندي بمنزلة الدم في هذا الموضع، إذا كان في ثوب الإمام فيما وصفت لك. قلت له: وما حد الخرق الذي لا تجوز به صلاة الإمام، إذا كان في ثوبه؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إذا كان بقدر الظفر على شيء من العورة، مثل فخذ أو ركبة أو إلية، أو فرج من قبل أو دبر. ومعي؛ إنه قد قيل: حتى يخرج منه أحد هذه العورات كلها، ومعي إنه قد قيل: إذا خرج منه أحد هذه العورات، وأما إذا خرج من هذا الخرق أحد الكوين من القبل أو الدبر، فمعي؛ إنه تفسد الصلاة، ولا يبين لي في ذلك اختلاف، قيل له: إذا كان يصلي وثوبه قصير مرتفع إلى ركبتيه هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنه إذا ظهرت ركبته كلها من غير عذر فلا تتم صلاته، ولا اختلاف في هذا عندي كما وصفت لك، في الخرق في الظفر فما فوقه إلى ظهور الركبة كلها؛ إلا أن يكون ملتحف بثوب ستر ذلك فمعي؛ إن بعضا يقول إن صلاته جائزة، ومعي؛ إن بعضا يقول إنها لا تجوز؛ إلا أن يشتمل عليه بالثوب.
مسألة: -من كتاب الأشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في الإمام إذا صلى بالقوم وهو جنب. فقالت طائفة: يعيد ولا يعيدون، هذا قول عمر بن الخطاب، وروي ذلك عن عثمان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر، وبه قال الحسن البصري وسعيد. (13/187)
صفحة 3401
مسألة: جبير وإبراهيم النخعي ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وسليمان بن حرب وأبو ثور والمزني وقالت طائفة: يعيد ولا يعيدون، روي هذا القول عن علي، وبه قال ابن سيرين والشعبي والنعمان وأصحابه، وقال حماد بن أبي سليمان: إلينا أن يعيدوا، وقال سليمان بن عطاء: إن ذكر حين فرغ يعيد ويعيدون، وإن لم يذكر حتى فاتت تلك الصلاة، فإنه يعيد ولا يعيدون، هذا إذا صلى بهم على غير وضوء، فإن كان جنبا أعادوا إن فاتته تلك الصلاة، فليست الجنابة كالوضوء فإنه يعيد. قال أبو بكر: يعيدون، واختلف أنس بن مالك والشافعي في الإمام يتعمد أن يصلي بهم وهو جنب، فقال مالك: صلاة القوم فاسدة، وقال الشافعي: صلاتهم تامة.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج نحو ما حكي من الاختلاف في قول أصحابنا، ولعل أكثر ما قيل معهم إن عليهم جميعا الإعادة، إذا كان الإمام جنبا، ولا فرق بين الجنب وغيره، يخرج في معنى قولهم على معنى حكم الأصول على أنهما سواء، إذا لم يكن على وضوء، وكان جنبا إلا أنه يخرج في معنى بعض قولهم فيمن يقول بقطع الصلاة على المصلي بالجنب، إن الإمام الجنب يقطع على من كان خلفه خاصة صلاته، وسائر القوم من الصف الأول وسائر الصفوف، لا فرق في صلاتهم عندي، إذا ثبت أنه لا فساد عليهم. بمعنى فساد صلاته هو، لا بمعنى الجنابة، ومعي؛ إن هذا كله يخرج في معنى قولهم على النسيان من الجنابة، وإنه لم يعلم بها وصلى، أقر لهم بذلك أنه صلى على التعمد بغير عذر، فيخرج عندي في معنى قولهم: إن هذا ليس في معنى التصديق، وهذا جائز إذا قال: إنه تعمد لذلك، فإن شاءوا صدقوه وأعادوا صلاتهم، ولا يأتموا به إلا بعد التوبة، وإن شاءوا كذبوه واعتزلوه؛ إلا أن يتوب من ذلك؛ لأن هذا ليس بإمام، وإنما يلحق معنى الاختلاف في ثبوت ذلك عليهم من قوله إذا قال إنه صلى، حتى يصلي جنبا، أو لم يعلم أو أتى في ذلك بمعنى ما يشبه العذر له، فهو مصدق؛ لأنه أمين لهم في صلاتهم، ويلحقه معاني الاختلاف في صلاتهم في هذا الموضع، ولا فرق عندي (13/188)
صفحة 3402
في التعمد من الإمام في ذلك النسيان في صلاة من صلى بصلاته، على قول من يقول: لا إعادة عليه، وإنما الفرق في ذلك في الإمام فيما يسعه، وما لا يسعه.
مسألة: -ومن غيره- -من كتاب أبي جابر- وكذلك كل إمام صلى بقوم، وهو يعلم أنه على غير وضوء، أو أن ثوبه نجس فصلاته وصلاتهم فاسدة؛ إلا أن يكون بدنه جنبا، فإن في هذا الموضع تفسد صلاتهم أيضا ويعلمهم حتى ينقضوا الصلاة، فإن غابوا فقد قيل إنه يكتب إليهم ويظهر إليهم ذلك ليبلغهم، ومن غيره؛ اختلف أهل العلم فيما بلغنا في الإمام إذا صلى بقوم وهو جنب، أو على غير وضوء فقال من قال: صلاة الجميع منتقضة، بلغنا ذلك عن محمد بن جعفر، وقال من قال: صلاة الجميع تامة، كان الإمام جنبا أو غير جنب، وهذا قول من يقول: إن الجنب لا يقطع الصلاة. بلغنا ذلك عن محمد بن محبوب -رحمه الله- وقال من قال: لا يفسد عليهم؛ إلا أن يكون جنبا جنب البدن، وعليه هو البدل وحده، بلغنا ذلك عن سليمان بن عثمان وعن أبي عبد الله -رحمه الله- وقال من قال: لا يفسد عليهم ذلك صلاتهم، كان جنبا أو غير جنب؛ إلا الذي عن قفا الإمام وحده، وجدنا ذلك في جواب الشيخ أبي سعيد -رحمه الله- يرفعه إلى غيره. (13/189)
صفحة 3403
[صفحة بيضاء] (13/190)
صفحة 3404
الباب السادس والثلاثون
في الإمام إذا شك في صلاته فسأل من خلفه
وكذلك إذا شك من خلفه وسأل الإمام
قلت: فإن صليت مع رجل غير ثقة وحده، وشككت في صلاتي، هل علي بدل؟ قال: لا؛ لأنه تقلد ذلك، قال غيره: وقد قيل إذا كان الإمام غير ثقة، أو لم يكن ثقة، فعليه أن يحفظ صلاته حتى يعلم أنها تمت، وقال من قال: إذا كان من أهل القبلة مأمونا على أن لا ينقص في الصلاة، ولا يزيد فيها، ولا يتعمد على ترك شيء من الصلاة، جاز ذلك حتى يعلم أنه أنقص منها، أو زاد فيها.
مسألة: وأحسب عن أبي الحسن علي بن عمرو في الإمام إذا صلى بقوم ووهم في صلاته، فلما قضى صلاته، قال بعض من صلى معه: صلاتنا تامة، وقال بعض: صلاتنا ناقصة، فوقع في ذلك اختلاف، فقال بعض أهل العلم: يقبل قول الأكثر، وقال بعض: قول من يثق به، وقال بعض: القول قول من قال بالتمام، والله أعلم. (13/191)
صفحة 3405
[صفحة بيضاء] (13/192)
صفحة 3406
الباب السابع والثلاثون
في شك الإمام في صلاته
وعمن يؤم الناس في الصلاة، ثم شك أنه لم يتم الصلاة، ثم سأل الذين خلفه، فلا يحفظوا أنهم أتموا الصلاة، هل عليهم إعادة؟ قال: إن كان عرض له الشك قبل أن يتم ولم يحفظ الذين خلفه أنهم أتموا الصلاة أعادوا، وإن كان عرض له الشك من بعد أن فرغ من التحيات، لم يكن عليه إعادة. قلت: فإن أخبره غير ثقة، إنهم أتموا الصلاة أيقبل قوله؟ قال: أرى أن لا يقبل في الصلاة إلا من المحافظين عليها.
مسألة: وذكر لنا عن عمر بن المفضل، إن عمر بن الخطاب صلى بالناس صلاة المغرب، فلم يجهر بالقراءة حتى قضى الصلاة، فلما انصرف سألوه: أشيئا حفظته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سهوت؟ فقال: بل سهوت، كنت أجهز جيشا إلى الشام حتى وصل، فأعاد الصلاة وأعادوا؛ وروى لنا فيها هاشم بن غيلان مثل ذلك.
مسألة: وسألته عن الإمام إذا شك في صلاته إلى كم يكون خلفه من المصلين، ثم لا يدخل عليهم الوهم، ولا يكون عليه أن يسألهم؟ قال: فمعي؛ إنه قد قيل: عليه سؤالهم على كل حال ما لم يستيقن. وقال بعض: إذا كانت جماعة لا يدخل على مثلهم الشك، لم يكن عليه أن يسألهم، حتى يستيقن على نقصانها. قلت له: فإلى كم يكونوا جماعة لا يدخل عليهم الشك؟ قال: فمعي؛ (13/193)
صفحة 3407
إنه قد قيل: عشرة أكثر ما قيل، لا يعدو ذلك، وأقل ما قيل ثلاثة عندي لتسمية الجماعة في هذا الوجه، وقد كان أجاب في هذه المسألة، قبل أن أسأله عنها بثلاثة أقاويل أخر مع هذين القولين، أحدها حتى يكونوا خمسة، وأحدها حتى يكونوا سبعة، وأحدها حتى يكونوا تسعة، ولعله أحب اختصار الجواب، قلت له: فإذا رفع الإمام رأسه من السجود ولم يعرف عليه القيام أم القعود، ما يفعل في حالته تلك؟ قال: فمعي؛ إنه قيل: يجعل سمعه إلى من خلفه، فإن أحس منهم قياما قام مثلهم ثم سألهم، وكذلك إن أحس منهم قعودا قعد، وإن كان شك ولم يطمئن قلبه سألهم في الحالين قاموا أو قعدوا، وإذا اتبعهم على يقين واطمئنانة، إلا لفعلهم إذا كانوا ممن يجوز عليهم الوهم والشك. قلت له: سألتهم فقال بعض منهم إنها تامة، وشك الباقون، وقالوا: إنها ناقصة ما على الإمام أن يفعل، إذا لم يستيقن على أحد الأمرين؟ قال: فمعي إنه قد قيل: إذا قال ممن يؤمن إنها تامة ولم يقل الباقون، شاء إنهم يمضون على صلاتهم وصلاتهم تامة. ومعي؛ إنه قد قيل: إذا قال أحد إنها تامة، وقال آخرون: إنها ناقصة، إعادة صلاته.
مسألة: وعن الإمام يشك في صلاته، وخلفه جماعة يصلون بصلاته تسعة أو أقل أو أكثر، هل عليه أن يسألهم عن صلاته؟ قال: أما ما يخرج معي في معاني الحكم على حسب ما معي إنه قيل قال: فإن عليه السؤال عن تمام صلاته على كل حال، وأما ما يخرج في معاني الاطمئنانة فأحسب أنه قيل إن الجماعة لا يجزي عليهم كلهم في معاني حفظ صلاتهم فيما يرجى لهم، فيجتمعون على السهو عن حفظ صلاتهم، فإذا كانوا جماعة فلا سهو عليهم، والشاك منهم من إمام أو غيره تبع للجماعة، ما لم يقع تنازع يظهر فيه دخول الشك عليهم كلهم، وأحسب أنهم اختلفوا في الجماعة في هذا الموضع. فقيل: أقل من ذلك عشرة، وقيل: أقلهم سبعة، وقيل: أقلهم خمسة، وقيل: أقلهم ثلاثة، ولا أعلم في الاثنين أيضا أنهما جماعة في مثل هذا، ويعجبني أن لا يتعرى القول فيهما من ذلك، أن يكونا جماعة في هذا الموضع، كما كانا في غيره من عقد الإمام، وثبوت الجماعة، والجماعة بها، وصلاة الأعياد بهما مع الإمام، قلت: فإذا وجب علينا أن يسأل من صلى معه، (13/194)
صفحة 3408
يكتفي بواحد كان ثقة أو غير ثقة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إن الواحد يجزيه في مثل هذا إذا كان ثقة، وإن كان غير ثقة وهو غير متهم فأحسب أنه يختلف فيه، فقيل: يكتفى بقوله ما لم يتهم في قوله في ذلك، وكان من الجماعة الذين صلوا مع الإمام، وقيل: حتى يكون ثقة، وأما إذا لم يكن من الجماعة الذين صلوا مع الإمام إلا أنه كان حاضرا لهم فمعي؛ إنه قد قيل: لا يقبل قوله، حتى يكون ثقة على حال؛ إلا أن يكونوا أمروه يحفظ عليهم صلاتهم، فإنه قد قيل فيه إنه يقبل قوله، ولو كان غير ثقة، ما لم يكن متهما في مثل ذلك.
مسألة: وقيل: إنه إذا شك الإمام في حد من صلاته، وقد خرج منه أنه ليس عليه أن يرجع إليه ويمضي على صلاته، وقال آخرون: إذا شك في تكبيرة الإحرام، وهو في التحيات الآخرة، فعليه أن يبتدئ الصلاة على قول، ولا يخرج منها إلا بيقين من أدائها، قلت: فعلى قول ما لم يرى النقض فيمن شك في شيء من الركوع وقد انحط للسجود، ما يفعل؟ فقال: اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: إذا استكمل الركوع واستوى قائما، وقد خرج منه، وقد صار في حد السجود، وقال هو في حد الركوع ما لم يضع جبهته على الأرض، قلت: فإن كان في السجدتين الأخيرتين من صلاة العتمة، ثم شك ولم يدر أنه أكمل أو بقي عليه ركعة، وقد صح معه أنه صلى ثلاثا، وشك في الرابعة؟ قال: صلاته فاسدة، قلت: فإن كان في التحيات الآخرة ثم شك ما يعمل؟ قال: اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: إذا أكمل التحيات أتى بركعة آخرة، فإن كانت عليه فقد أتى بها، وإن كانت ليست عليه، فلم يقل فيها إلا ذكر الله والقرآن، وهو قد كان يدعو في التحيات، يدعو بما أكثر من ذلك، فصلاته تامة، وقال من قال: يبتدئ الصلاة.
مسألة: وعن إمام قوم يصلي، فلما كان في بعض الصلاة غلط، فلم يدر ما صلى، كيف يصنع؟ فقال: ينظر عن يمينه وشماله، فإن رأى الناس يقومون قام، وإن لم يرهم يقومون لم يقم، وإن أتم الصلاة ثم أعلموه بعد أن فرغ أنه (13/195)
صفحة 3409
نقص من الصلاة نقضوا كلهم.
مسألة: وعن رجل يصلي معه رجل، فشك أحدهما في صلاته، أيتجزي بقول صاحبه؟ قال: فأما المأموم فيجتزي صاحبه، قلت: فالإمام؟ فنظر ثم قال: أرجو أن يجتزي إن شاء الله.
قال أبو سعيد -رحمه الله- معي؛ إن الإمام يجتزي بفعله صاحبه، ولا يحتاج إلى قوله، وهو تبع له فيما شك فيه من أمر صلاته، ما لم يستيقن أنه صلاته زائدة أو ناقصة، ما كان مأمونا على الصلاة؛ ولم يكن يتهم فيها، أعني الإمام، وقد قيل: إذا لم يكن الإمام ثقة، كان على المأموم حفظ صلاته، ويعجبني القول الأول، ما لم يكن متهما في أمر صلاته خاصة، وأما الإمام فقيل: لا يجتزي بفعل المأموم؛ إلا أن يكونوا جماعة، لا يدخل على مثلهم الشك والغفلة في صلاتهم، فما كانوا دون الجماعة، فعليه السؤال فيما قيل، فإذا أخبره الواحد منهم إذا كان ثقة أن صلاتهم تامة، فمعي؛ إنه قيل: يجوز تصديقه، وإن لم يكن ثقة ولم يكن متهما فيختلف في تصديقه. (13/196)
صفحة 3410
قال المحقق
تم الكتاب وهو الجزء الثالث عشر من كتاب بيان الشرع معروضا على نسخة بخط ناصر بن خمس بن سليمان بن سعيد الحارثي فرغ منها عام 1209هـ، وعلى نسخة أخرى بخط عامر بن راشد القرواشي فرغ منها عام 1182هـ.
كتبه سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
27 ذو الحجة سنة 1403هـ
5/ 10/1983م. (13/197)
صفحة 3411
كلمة المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله أحمده وأستعينه على ما منّ به عليّ وأولاه من تحقيق هذا الجزء الثالث عشر من كتاب بيان الشرع الجامع للأصل والفرع، تأليف العالم الجليل الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي النزوي، ويبحث هذا الجزء أحكام صلاة الجماعة وفضلها وفي تكرارها وفيمن أحق بالإمامة وفي صلاة القائم بالقاعد وعكسه، وفي صلاة الرجل مع المرأة والعكس، وفي انتظار الجماعة للإمام وانتظار الإمام للجماعة، وفي الاستخلاف للصلاة وما يقطع صلاة الجماعة، وفي الذي تنتقض صلاته وهو في الصف، وفي اتباع المأموم للإمام، وفي تنبيه الإمام إذا سها أو تعايي، وفي صلاة المسافر بالمقيمين والعكس، وفي الصلاة خلف الجبابرة ومعاني ذلك. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
25صفر سنة 1404هـ
30/ 11/1983م. (13/198)
صفحة 3412
ترتيب الأبواب
الباب الأول: 5
في فضل صلاة الجماعة، وحكم التارك لها
الباب الثاني: 11
في صلاة الجماعة، وفي صلاة جماعة بعد جماعة في مسجد أو غيره
الباب الثالث: 21
النية لصلاة الجماعة
الباب الرابع: 23
فيمن أحق بالإمامة
الباب الخامس: 37
فيمن يجوز أن يكون إماما في الصلاة
الباب السادس: 45
في إمامة المتيمم بالمتوضئ
الباب السابع: 47
في صلاة القائم بالقاعد والنائم بالقاعد والنائم بالقائم والقاعد
وما أشبه ذلك (13/199)
صفحة 3413
الباب الثامن: 51
الإمامة في المنازل
الباب التاسع: 53
في إمامة المرأة
الباب العاشر: 55
في صلاة الرجل مع المرأة والمرأة مع الرجل
الباب الحادي عشر: 61
في صلاة الرجال والنساء خلف الإمام
الباب الثاني عشر: 65
فيمن صلى صلاة ثم أدرك صلاة الإمام فيها
الباب الثالث عشر: 69
فيما يؤمر به الإمام
الباب الرابع عشر: 75
في انتظار الإمام للجماعة في الصلاة وانتظارهم له
الباب الخامس عشر: 79
فيما يؤمر به الساعي إلى صلاة الجماعة
الباب السادس عشر: 81
في تقديم الإمام غيره يصلي بالجماعة عند غيبته وما أشبه ذلك
الباب السابع عشر: 83
في الإمام إذا قدم غيره في الصلاة (13/200)
صفحة 3414
الباب الثامن عشر: 87
في استخلاف الإمام من يتم بالقوم صلاتهم
الباب التاسع عشر: 95
في الصف خلف الإمام كان المصلي واحدا أو أكثر أو كان في
الصف صبي
الباب العشرون: 101
في الصف خلف الإمام
الباب الحادي والعشرون: 107
ما يقطع صلاة الجماعة أو المصلي خلف الإمام
الباب الثاني والعشرون: 111
في المصلي إذا انتقضت صلاته وهو في الصف أو كان يصلي بثوب
نجس أو قطع صلاته وابتدأها ونحو ذلك.
الباب الثالث والعشرون: 113
في الوثبة
الباب الرابع والعشرون: 117
في الدخول في صلاة الجماعة
الباب الخامس والعشرون: 129
في الذي يدخل مع الإمام في شيء من الصلاة أو سلم مع الإمام ناسيا
أو يقوم قبل الإمام ليقضي ما فاته ناسيا
الباب السادس والعشرون: 131
في الدخول في صلاة الإمام إذا كان صافا عند الإمام واحد (13/201)
صفحة 3415
الباب السابع والعشرون: 137
في اتباع المأموم للإمام وما يجب عليهم إذا سبقوه أو تخلفوا عنه وفي
سبق الإمام لهم
الباب الثامن والعشرون: 149
في تنبيه الإمام إذا نسي
الباب التاسع والعشرون: 153
في المأموم إذا خالف الإمام في الصلاة
الباب الثلاثون: 155
في الإمام إذا تعايي في القراءة متى يفتح عليه
الباب الحادي والثلاثون: 159
في صلاة الجماعة في السفر
الباب الثاني والثلاثون: 161
في صلاة المسافر بالمقيمين وفي صلاة الجماعة في السفر
الباب الثالث والثلاثون: 165
فيما اختلف الناس فيه من صلاة خلف الجبابرة وأهل الظلم من
الناس ومن ليس له ولاية من الناس
الباب الرابع والثلاثون: 169
في الإمام
الباب الخامس والثلاثون: 185
في الإمام إذا صلى بقوم وهو جنب أو نجس أو على غير وضوء
أو مشرك وما أشبه ذلك (13/202)
صفحة 3416
الباب السادس والثلاثون: 191
في الإمام إذا شك في صلاته فسأل من خلفه وكذلك إذا شك من خلفه
وسأل الإمام.
الباب السابع والثلاثون: 193
في شك الإمام في صلاته (13/203)
صفحة 3417
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الرابع عشر
1404هـ/1984م (14/1)
صفحة 3418
[صفحة بيضاء] (14/2)
صفحة 3419
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الرابع عشر
1404هـ/1984م (14/3)
صفحة 3420
[صفحة بيضاء] (14/4)
صفحة 3421
(بسم الله الرحمن الرحيم)
الباب الأول
في صلاة الوتر من كتاب الإشراف
قال أبو بكر: دلّت أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن فرائض الصلوات خمس، وما سواهن تطوع، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وتر يحب الوتر» وقد روينا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من خالف أن لا يستيقظ آخر الليل فليوتر من أول الليل فإن قراءة آخر الليل قط، ومن طمع أن يستيقظ في آخر الليل فليوتر من آخر الليل فإن قراءة آخر الليل محفوظة» في نسخة: محظورة، فذلك أفضل، يدل قوله إن ذلك أفضل، على أن وتر آخر الليل أفضل.
وقد اختلفت أفعال الأولين في هذا الباب، فكان أبو بكر الصديق يوتر أول الليل، وأوتر عثمان بن عفان قبل أن ينام، وفعل ذلك عامر بن عمير لما أسن، وروي ذلك عن نافع بن جريج، وكان عمر بن الخطاب ينام على شفع ويوتر آخر الليل، وكان علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود يوتران آخر الليل، واستحب ذلك مالك بن أنس، وأصحاب الرأي وسفيان الثوري، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فواحدة»، وقد اختلف أهل العلم في عدد ركعات الوتر، فكان ابن عمر يقول: الوتر ركعة، وممن روينا عنه أنه قال: الوتر ركعتان، عثمان بن عفان وسعيد بن مالك وزيد بن ثابت (14/5)
صفحة 3422
وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان وأبو موسى الأشعري وابن الزبير وعائشة أم المؤمنين وفعل ذلك معاذ القاري، ومعه رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك منهم أحد، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه، وقال أبو ثور: يصلي ركعتين، ثم يسلم ثم يوتر بركعة، وقالت طائفة: يوتر بثلاث، وممن روينا عنه ذلك، عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبيّ بن كعب وأنس بن مالك وابن مسعود وابن عباس وأبو أمامة وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أصحاب الرأي، وقال سفيان الثوري: أعجب إلى ثلاث، وأنا أحب الوتر بثلاث، وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة، قال أيوب الأنصاري: من شاء أن يوتر بسبع، ومن شاء أن يوتر بخمس، ومن شاء أن يوتر بثلاث، ومن شاء أن يوتر بركعة، وقال ابن عباس: إنما هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر من ذلك يوتر بما شاء.
وقال سعد بن أبي وقاص: ثلاث أحبّ إليّ من خمس، وروينا عن عائشة أنها قالت: الوتر سبع أو بخمس والثلاث بتر، وروي عن أبي موسى الأشعري قال: ثلاث أحب إليّ من واحدة، وخمس أحب إليّ من ثلاث، وسبع أحب إليّ من خمس، وروينا عن زيد بن ثابت أنه كان يوتر بخمس ركعات لا ينصرف فيها.
كان سفيان الثوري يقول: الوتر ثلاث أو خمس أو سبع وتسع وإحدى عشرة، وكان إسحاق يقول: إن شئت أوترت بركعة، وإن شئت بثلاث، وإن شئت فبخمس، وإن شئت فبتسع، لا تسلم إلا في آخرهن إذا فرغت، وإن أوترت بإحدى عشرة سلم في كل ركعتين ثم أفرد الوتر بركعة، وقد اختلف أهل العلم في الرجل يوتر بركعة ليس فيها شيء كأنها العشاء الآخر يوتر بركعة، فممن روي عنه أنه فعل ذلك عثمان بن عفان وسعد بن مالك ومعاوية بن أبي سفيان، وقال ابن عباس: أصاب، يعني معاوية، وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري وابن عمر وابن الزبير، وبه قال سعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل وأبو حشمة وأبو أيوب، وعلى هذا مذهب الشافعي، وكان مالك يكره ذلك. (14/6)
صفحة 3423
قال أبو بكر: أحب أن يصلي المرء بما شاء قضى له من الليل بركعتين، ثم يوتر بواحدة، وإن أوتر بواحدة ليس فيها شيء، فهو جائز.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في شواهد هذا القول ثبوت صلاة الوتر بالاتفاق على أنها الوتر، وأن الوتر خلاف الشفع، وأن الوتر من واحدة فصاعدا، أو ما وقع وترا على هذا يقتضي ثبوت معاني أحكام الوتر، ومعي؛ إنه هذه الأخبار هي على ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوتر بركعة وبثلاث وبخمس إلى إحدى عشرة فيما يروى، ولا أعلم أن أحدا قال بأكثر من إحدى عشرة ركعة فيما يروون عنه، ولا قيل عن غيره، وهذا كله مساغ في معاني ثبوت أحكام الوتر، وأما مدار ما أدركنا عليه معاني القول من أصحابنا، إن الوتر معهم واحدة أو ثلاث، أكثر ما قالوه فمن أوتر بواحدة فلا فصل فيها ولا وصل وهي مفردة، ومن أوتر بثلاث فقد قيل: من شاء فصل ومن شاء وصل، ومعنى الوصل فيما عندي أنه قيل: يصلي ركعتين، ثم يصلي إليها بركعة ثالثة بغير تسليم ولا توجيه، ومعنى الفصل؛ أنه يصلي بركعتين، ثم يسلم ثم يأتي بركعة، منهم من يقول بتوجيه جديد، ومنهم من يقول: بغير توجيه، والوصل عندي أصح لثبوت معنى القول، إن التسليم إحلال الصلاة، فلا تكون صلاة تسمى موصولة بمعنى واحد، فيثبت فيهما معنى التسليم، لأن التسليم قاطع للصلاة، والذي يقول بالفصل عندي معنا وتر بركعة واحدة.
ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الفصل بين الشفع والوتر، فكان ابن عمر يسلم من الركعة والركعتين من الوتر، حتى يأمر ببعض حاجته، وهذا مذهب معاذ القاري وعبد الله بن عباس وابن أبي ربيعة ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وابن راهويه وأبي ثور، وحكي عن الكوفي أنه قال: لا يفصل بين الركعة والركعتين بتسليم، وقال بتسليم، وقال الأوزاعي: يفصل بخمس وإن لم يفصل فحسن، قال أبو بكر: بقول ابن عمر أقول، وقال مالك بن أنس في الإمام الذي يوتر بالناس في رمضان بثلاث، لا يسلم أن يصلي خلفه ولا يخالفه، وقال مالك: (14/7)
صفحة 3424
كنت أصلي معهم، فإذا كان الوتر انصرفت، ولو أوتر معهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له بقية ليلته».
قال أبو سعيد: معي إنه قد مضى ذكر الوتر، والفصل بين الشفع والوتر، ويشبه معاني قول أصحابنا مما يشبه الاتفاق، إن صلاتهم بعد العشاء الآخرة شفعا يفصلون بين ذلك بالتسليم، فإذا أراد الوتر كان الوتر معهم بثلاث، أو بواحدة مفصول ذلك عما صلى من الإشفاع قل أو كثر، فمن أوتر بواحدة فذلك، ومن أوتر بثلاث منهم من يفصل بالتسليم بين الاثنتين والواحدة ويوجه، ومنهم من يفصل ولا يوجه، ومنهم من لا يفصل بين الثلاث، وهو أكثر قولهم، والعمل منهم به عندي، ومنه؛ قال أبو بكر في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر فأوتروا قبل الفجر»، وأجمع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر وقت الوتر.
واختلفوا فيمن لم يوتر حتى طلع الفجر فقالت طائفة: إذا طلع الفجر فقد فات الوتر، كذلك قال عطاء ابن أبي رباح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير، وقال سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي: الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وروينا عن ابن مسعود أنه قال: الوتر ما بين صلاتين، وروي عن ابن عباس أنه أوتر بعد طلوع الفجر، وروي ذلك عن ابن عمر ممن روي أنه أوتر بعد الفجر، عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وحذيفة بن اليمان وابن مسعود وعائشة أم المؤمنين، وقال مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل: يوتر ما لم يصل الصبح، ورخص سفيان الثوري والأوزاعي بعد طلوع الفجر، وقال إبراهيم النخعي والحسن البصري والشعبي إذا صلى الغداة فلا يوتر، وقال أيوب السجستاني وحميد الطويل إن أكثر وترنا بعد طلوع الفجر، وفيه قول ثالث: وهو أن يصلي الوتر، وإن صلى الصبح، هذا قول طاووس، وكان النعمان يقول: عليه قضاء الوتر، وإن صلى الوتر إذا لم يكن أوتر، وفيه قول رابع: وهو أن يصلي الوتر وإن طلعت الشمس، هذا القول عن عطاء بن أبي رباح وطاووس ومجاهد (14/8)
صفحة 3425
والحسن البصري والشعبي وحماد ابن أبي سليمان، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور، وقال سعيد بن جبير فيمن فاته الوتر: يوتر في القابلة، وهذا قول خامس، واختلفوا في من ذكر الوتر وهو في صلاة الصبح فقال الحسن: يوتر ثم يصلي الصبح، وكذلك قال مالك: إذا كان نسي وتر ليلة، وكذلك يفعل عند تلك، إذا كان خلف الإمام، وحكى أبو ثور عن الشافعي أنه قال: فيمن صلى الفجر، وعليه الوتر، صلاته تامة، وبه قال الثوري، وكذلك يعقوب ومحمد ويوتر إن شاء، واختلفوا فيمن نسي العشاء فأوتر، ثم صلى العشاء، فقال سفيان الثوري والنعمان: لا يعيد الوتر، وقال مالك ويعقوب ومحمد: يعيد، قال أبو بكر: يعيد استحبابا ما دام في الليل.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا ما يشبه معنى الاتفاق، إن وقت الوتر بين صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر وإنه يفوت وقته إذا طلع الفجر، وإنه لا يسع تركه لبعد على غير نسيان، ولا نوم إلا من عذر أو من نسيان، أو ما يشبه ذلك من العذر في ترك صلاته لعذر حتى يطلع الفجر، كسائر الصلوات الفائتات مع الحاضرات، وقد اختلف في ذلك وقد مضى معنى الاختلاف في مثل هذا، ولعل أوسط ما قيل: إنه يصلي الوتر ما لم يخف فوت صلاة الفجر، فإن خاف الفوت صلى الحاضرة، وكذلك يعجبني ولو تركه لذلك متعمدا، أو لمعنى جهالة، ففي بعض قول أصحابنا عليه ما على من ترك الفرائض من لزوم الكفارة، ومنهم من لا يرى عليه الكفارة، ومعاني الاتفاق يوجب عليه الاثم في قوله بما يشبه معنى الكبير، وإذا لم يصله لعذر أو لغير عذر، فلابد من صلاته وإعادته مع التوبة من تركه بغير عذر، كان ذلك قبل صلاة الفجر أو بعدها، أو بعد طلوع الشمس أو بعد ذلك، ولا يخرج في قول أصحابنا ترخيص في تركه والاختلاف فيه إلى بعد الفجر، وإن صح فهو الذي رواه، فلعل ذلك عن نوم أو نسيان، وأصح القول ما حكاه، أنه منذ صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر، فأما إذا نسي حتى أوتر قبل العشاء الآخرة في وقتها قبل انقضاء وقتها، فلا أعلم يخرج في قول أصحابنا (14/9)
صفحة 3426
أن وتره يقع على حال، وعليه إعادته لمعنى قولهم في الوقت أو غير الوقت، وأما عن صلى قبل صلاة العشاء الآخرة، لعله بعد فوات وقتها، وهو ذهاب نصف الليل، فمعي؛ إنه يختلف في ذلك فيخرج في بعض قولهم: إنه جائز، لأنه قد صلى في وقته، وقد فات وقتها هي، فصارت بدلا عليه، وفي بعض قولهم: إنه لا يقع على حال، ويعجبني القول الأول، إذا وقع في وقته، وكانت هي بدلا إذا انقضى وقتها.
ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل يوتر ثم ينام، ثم يقوم للصلاة، فقالت طائفة: يصلي الركعة التي أوتر بها قبل أن ينام بركعة أخرى، ثم يصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته، هذا قول إسحاق بن راهويه، وممن روينا عنه شفع وتره عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص وابن عمرو وابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وابن سيرين، وهو مذهب ابن عباس وابن مسعود، وقال إسحاق: إذا نقض وتره أو فرق في آخر صلاة، وقال ابن عمر: إنما هو شيء فعله برأي لا أرويه عن أحد، وقد روينا عن أبي بكر الصديق أنه قال: أما أنا فأنام عن وتر، فإن استيقظت صليت شفعا حتى الصباح، وروينا هذا المذهب عن عمار بن ياسر وعامر بن عمر وعائشة، وروي عن سعيد وابن عباس هذا القول، وكان علقمة لا يرى نقض الوتر، وبه قال إبراهيم النخعي وأبو مخلد ومالك بن أنس والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا بمعنى الاتفاق، على نحو ما حكي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومن قال مثل قوله، وإنه إذا أوتر بعد العشاء الآخرة أول الليل، تم وتره ولو قام آخر الليل لصلاة النفل، ويصلي ما أدرك وما شاء بعد الوتر قبل النوم أو بعد النوم شفعا أكثر ما قيل في صلاة النفل، إنه شفع في الليل أو النهار، وقد روي عن جابر بن زيد أنه صلى العشاء الآخرة، ثم تنحى عن مقامه فأوتر بركعة واحدة، فقرأ فيها: (مدهامتان (ثم دخل بيته فأحيا ليلته بصلاة النافلة، ولم ينم فيها إلى الصبح، معناه لا يقطع الوتر صلاة النافلة قبل (14/10)
صفحة 3427
النوم ولا بعد النوم، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الصلاة بعد الوتر، فكان مالك لا يعرف الركعتين بعد الوتر، قال الأوزاعي: إن شاء ركعهما، وقال أحمد بن حنبل: لا أفعله، وإن فعله إنسان حسن، وأرجو أن لا يضيق علي، قال أبو بكر: إلا بالأصول بالثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، وهو جالس بعد الوتر.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه قد مضى القول في مثل هذا، وما رواه أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو الثابت بمعنى الاتفاق، ولا معنى لمعنى الصلاة للنفل، فمعنى صلاة الوتر، وقد جاء القول عن النبي صلى الله عليه وسلم في معنى صلاة العشاء الآخرة، أنه لا نوم قبلها ولا سمر بعدها، إلا لمصل أو مسافر أو لذاك، مما يثبت معنى الصلاة، وإطلاقها قبل النوم وبعد النوم، وقد يستحب للإنسان أن يكسر عن نفسه سلطان النوم، ويقوم للصلاة بعد النوم، ومن ذلك ما يشبه قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ((المزمل:6)، فقيل في التأويل: إن الناشئة كل صلاة بعد النوم بعد العشاء الآخرة.
ومنه؛ قال أبو بكر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوتر بثلاث ركعات، لعله يقرأ في أول ركعة: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (والثانية: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (، والثالثة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (، بهذا قال سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق وأصحاب الرأي، وقال ابن أنس الذي أخذته في خاصة نفسي، وأقرأ به: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (، والمعوذتين ركعة الوتر، فأما الشفع فلم يبلغني فيه شيء معلوم، وقال الشافعي: يقرأ في الركعتين قبل الوتر بسبح اسم ربك الأعلى في الأولى، وفي الثانية: بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة: بقل هو الله أحد وبقل أعوذ برب الفلق، وبقل أعوذ برب الناس.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا بمعنى الاتفاق، إن الوتر ركعة أو ثلاث، فيقرأ فيه فاتحة الكتاب في جميع الركعات، وما تيسر من القرآن، وليس بأشد من الفرائض، وجاء فيها المرسل من القراءة، إلا أنه قد يروى هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حسن، وقد يفعل ذلك، ويرويه بعض أصحابنا فيقرأ في الركعة (14/11)
صفحة 3428
الوتر بفاتحة الكتاب وبـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (والثانية: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (، وفي الثالثة: بآية الكرسي و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (، وثابت أن ليس في ذلك تأكيد في شيء من القراءة، ولا ممنوع شيئا من القراءة إلى غيره، ومنه؛ قال أبو بكر: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يوتر على الراحلة، وقال بظاهر هذا الحديث عن ابن عمر وعطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور، وروي ذلك عن علي ابن أبي طالب وابن عباس، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يصلون الفريضة والوتر بالأرض، وقال سفيان الثوري: لا بأس أن يوتر على راحلته، فالوتر بالأرض أحب إليّ، وحكي عن النعمان، أنه قال: لا يوتر على الدابة.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إن الوتر سنة لازمة لا يجوز تركها، ولا تجوز صلاتها، إلا بمعنى ما تجوز صلاة الفريضة، ويلزم فيها ما يلزم في الفريضة، وقد قال من قال منهم: إنها فريضة، ولا أعلم بينهم اختلافا، إنه لا تجوز الصلاة راكبا لمن قدر على النزول، ولم يكن له عذر يوجب له معنى الركوب، من خوف أو معنى من المعاني، وكذلك لا يجوز في الوتر معي، ولا تخيير فيه، ولا يجوز التخيير فيه بين القيام والقعود، إذا أمكن المصلي الصلاة قائما، ولا راكبا إذا أمكنه نازلا لا في شيء من الفرائض، ولا في السنن الثابتة اللازمة.
مسألة: ومن غير الكتاب قال محمد بن ياوسة: قلت للعلاء بن أبي حذيفة: إني إذا صليت الفريضة أحب أن أوتر على أثرها بثلاث ركعات، قال: لا تتخذ ذلك عادة حتى تركع ركعتين، قال غيره: أرجو أن هاتين الركعتين تسميان الريحانتين.
مسألة: قال أبو القاسم سعيد بن محمد بالخيار في صلاة الوتر وتفسير قول المسلمين إنه من شاء وصل ومن شاء فصل، إن معنى ذلك من شاء فصل إذا صلى (14/12)
صفحة 3429
الوتر ثلاث ركعات، فإذا صلى بركعتين من الثلاث سلم، وقام إلى الثالثة بتكبيرة بغير توجيه وأتمها، ومن شاء وصل، يصلي الوتر ثلاث ركعات بغير أن يفصل فيما بينهن بتسليم حتى يتمهن ونحو هذا من قوله وينظر فيه. (14/13)
صفحة 3430
[صفحة بيضاء] (14/14)
صفحة 3431
الباب الثاني
في صلاة الوتر من كتاب الإشراف
وقد بلغنا أن جابر بن زيد -رحمه الله- كان يفصل بين الركعتين الأولتين وبين الركعة الثالثة من الوتر بتسليم، وحدثنا محمد بن محبوب ورفع الحديث إن جابر بن زيد صلى صلاة العتمة، ثم أوتر بركعة وقرأ فيها (مدهامتان (ثم دخل البيت فأحيا ليلته بالصلاة، وحدثنا الوضاح بن عقبة، ورفع الحديث إلى سليمان بن عثمان أنه قال: من أراد أن يوتر بركعة فليصل ركعتين بعد العتمة، ثم يوتر، ومن لم يصل شيئا بعد العتمة، فليوتر بثلاث ركعات، ورفع إلينا في الحديث، أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعضهم يوتر بثلاث ركعات، وبعضهم يوتر بخمس ركعات، فالذي نحسب عنهم أنهم يصلون ركعتين بعد العتمة، ثم يصلون ثلاث ركعات بعد الركعتين، وهي الوتر، والله أعلم، وقد جاءت هذه الأحاديث، فمن أوتر بركعة فهو جائز، ومن أوتر بثلاث فهو أفضل.
مسألة: وعمن أراد أن يوتر إذا قام آخر الليل، ولم يستيقظ حتى أصبح، فهذا إنما عليه أن يوتر إذا قام، ولا يلزمه أن يصنع معروفا.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- وفي الرواية عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما أوتر على الراحلة.
مسألة: ومن غيره قلت له: فالمصلي إذا أحرم على أنه يوصل الوتر فلما (14/15)
صفحة 3432
قضى التحيات الأولى بدا له أن يفصل ويسلم، ويصلي الوتر ركعة، هل له ذلك؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: له ذلك، وقيل: ليس له ذلك، ويمضي على نيته التي أحرم عليها مما يجوز له، قلت له: فإن أحرم على أنه يفصل، فلما قضى التحيات بدا له أن يوصل، هل له ذلك؟ قال: معي؛ إنه سواء في الاختلاف، ويعجبني أن يكون له هذا، إذا كان أفضل، فإن قال به يأتي بالأفضل أحب إليّ، والنية واحدة للوتر، قلت له: فإن أحرم على أنه يصلي نافلة لغير الوتر، فلما قضى التحيات بدا له أن يحوله إلى الوتر، ويقوم يأتي بلا تسليم، ويجعل الركعتين والركعة للوتر، هل له ذلك؟ قال: لا يبين لي ذلك.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- واختلف أصحابنا في الوتر، فقال موسى بن علي: إنها سنة، وليس بواجبة، وقال محمد بن محبوب: هي فريضة كسائر الصلوات المفترضات، ولكل واحد منهم حجة نذكرها في غير الموضع إن شاء الله، والنظر يوجب وجوبها، وليس بفرض لما فيها من التأكيد، والواجب قد يكون فرضا، وقد يكون غير فرض، لأن الفرض معناه في اللغة؛ القطع والتقدير، ألا ترى إلى قولهم: فرض الحاكم النفقة، ومهر المثل، يراد بذلك أنه قدر النفقة لمن حكم بها له، وفرض مهر المثل، أي قطع الحكم بذلك، والله أعلم.
وأما الوجوب فهو اللزوم للفعل، يدل على هذا قول الله تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا ((الحج:36)، وليس ذلك بفرض، ولكن صار واجبا، ويدل على أن الوتر واجب فعله، ما روي ن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي سعيد أنه قال: «من نام على الوتر أو نسيه فليوتر إذا ذكر أو استيقظ»، ولولا أدلة قد قامت لنا أنه غير فرض، لقلنا بذلك؛ لأن أوامره على الوجوب، وقد أمر بفعله، ولم يجعل له وقتا معلوما كسائر الفرائض، ولا يجب فعله إلا بعد العشاء الآخرة، فدل ذلك على أنه من توابع الصلوات، ولا يصلى جماعة والله أعلم، وقد اختلف أصحابنا في صلاة الوتر فقال بعضهم: يصلي ثلاثا بإحرام واحد وتسليمة واحدة، وقال آخرون: يصلي ثلاثا بإحرام واحد وتسليمتين، وخير صاحب هذا القول (14/16)
صفحة 3433
فقال: إن شاء وصل وإن شاء فصل، وقال آخرون: الوتر واحدة بعد ركعتين، والنظر يوجب عندي إجازة الواحدة والثلاث، والمصلي مخير بين فعل الواحدة والثلاث، وما فعل من ذلك فقد وافق السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نقل عنه فعل الواحدة والثلاث، وأنه أوتر بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (، فهذا يدل على أنه أوتر بثلاث ركعات، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة»، والوتر هي الفرد في اللغة، فمن أوقعه في طريق اللغة، فقد فعل ما أمر به ما لم يخرج بذلك عن الإجماع، إلا أنه يختار فعل الثلاث، في الحضر والسفر؛ لأن الثواب يقع عليه أوفر لثقل مشقته على ثقل مشقة الركعة، وفعل الثلاث أقرب إلى ما يخرج به المصلي من الاختلاف بين الناس، وفي الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استجمرت فأوتر»، وقد استجمر بثلاثة أحجار في رواية ابن مسعود وغيره، وأما الشافعي فجوز الاستجمار بحجر واحد، إذا كان له ثلاثة أحرف، فزعم أنه قد استعمل المعنى من العدد، وأتى بالاسم الذي هو الوتر، وفي الخبر أن الله وتر كريم، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إذنه لأصحابه: «اكتحلوا وترا ولا تزيدوا».
ومن الكتاب؛ اختلف أصحابنا في عدد الوتر فقال بعضهم: بثلاث ركعات في السفر والحضر، وقال بعضهم: واحدة جائزة وثلاث أحب إلينا لزيادة الفضل بزيادة العمل، واختلف من قال بالثلاث على قولين، فقال بعضهم: ثلاث ركعات لا يفصل بينهن، وقال آخرون: ثلاث ركعات يفصل بينهن بتسليم، والنظر يؤيد عندي قول من قال بالثلاث، من غير فصل بينهن في الحضر والسفر، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في الوتر (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (وفي الركعة الثانية بـ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (، وفي الركعة الثالثة بـ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (، ولم يرد عنه عليه السلام أنه فصل بينهن فيما علمت، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم من طريق ابن مر أنه قال: «صلاة الليل مثنى مثنى فإذا أحسست الصبح فأوتر بركعة»، وهذا الخبر الذي تعلق به من قال بالركعة الواحدة من أصحابنا وغيرهم، يحتمل أن تكون مفردة؛ (14/17)
صفحة 3434
لأجل الصبح، لأن فيه شرطا، إذا خاف المصلي أن يفجأ من الفجاءة، وهي تأتي بغتة الصبح، ومن احتج بجواز الواحدة، فلا حجة له مع وجود الشرط، فاسم الشرط الوتر، يقع على الواحدة والثلاث، ومن أتى بواحدة فغير خارج من الاختلاف، فالذي قلنا أكثر احتياطا، وبالله التوفيق.
-ومن الكتاب- أجمع الناس على صلوات الفرائض، لا تصلى على ظهور الدواب وهي سائرة، إلا في حال الضرورة، والنوافل تصلى على ظهور الدواب في حال مسيرها، وعلى الأرض، كل ذلك جائز في حال القدرة والعجز، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل عنه أحد فيما علمنا أنه نزل عن دابته لصلاة نافلة، كما نقل عنه أنه كان يترك لصلاة الفريضة، وروي أنه نزل لصلاة الوتر، فاحتج بذلك من أوجب فرض الوتر إذا دخل حكمها في حكم الفرائض، وكان محمد بن محبوب ممن يقول بفرض الوتر، ويلزم تاركه من الوعيد، ما يلزم من ترك شيئا من فرائض الصلاة، وأما موسى بن علي فكان عنده سنة، يؤكد على فعلها، وليست بمفروض فعلها عنده، والحجة له أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الوتر على الراحلة، وصلاها على الأرض أيضا، ولم ينقل عنه أنه صلى فريضة على الراحلة، فدلّ هذا من فعله على أنه قد أخرجها في حكم الفرائض، فإن احتج محتج ممن ذهب إلى قول من أوجب فرضها، فقال: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله زادكم صلاة إلى صلواتكم» وذكر الحديث الذي فيه قصة الوتر، وكانت الزيادة في حكمها حكمة، علمت أنها فرض وإن فعلها واجب، قيل: قد زادنا الله صلاة العيدين، وصلوات من ركوع الضحى، وركعتي الفجر ولم تكن فرضا، فإن قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو كلامه من فائدة ومعنى ينبه عنه، فلما خص الوتر لهذه اللقطة علمنا أنها الفائدة، فما أنكرت أن تكون فائدتها تعرفنا فرضها، وما تنكر أن يكون معنى قول الله جل ذكره: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ((الأحزاب:21)، أي عليكم، فقوله زادكم بمعنى زاد عليكم، قيل هذا غلط في باب التأويل، وليس إذا قام لنا دليل يدل على مجاز لفظه من طريق اللغة وجب العدول عن موجب اللغة وحقيقتها، وحقيقة اللغة إنما هو لنا بخلاف (14/18)
صفحة 3435
ما هو علينا، وأيضا فإن الوتر لما لم يجز معناه إلا بعد العشاء الآخرة دلّ على أنه من توابع الصلاة، وليس بفرض محظور بوقت، والله أعلم.
مسألة: -من كتاب أبي جابر- وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث هي عليَّ فريضة وهن لكم تطوع؛ قيام الليل والوتر والسواك»، فأما الوتر فقد لحق بالفرائض، وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر قال: «ختم الله لكم بصلاة سادسة وهي الوتر»، وقيل: صلاة بسواك، أفضل من صلوات كثيرة بغير سواك.
-ومن كتاب ابن جعفر- وبلغنا أن معاوية كان يوتر بركعة فقال ابن عباس: ويحه من أين عرف هذا؟ وفي -نسخة- (لا أم له) أما إذا عرف هذا فلا يزيد على ركعة، ومنه؛ ومن صلى الوتر ثلاثا ثم شك فيه أو انتقض عليه فينبغي أن يوتر بثلاث، فإن أوتر بواحدة في الوقت أجزأه، وقال من قال: إنه يحفظ عن أبي عبد الله -رحمه الله- فيمن قام ليوتر بثلاث ركعات، ثم حول نيته أن يوتر بركعة واحدة، أن ذلك جائز له، وفي نفسي من ذلك، وأحب إذا دخل في الوتر على أن يصليه ثلاثا أو واحدة فيتم على ذلك، ولم أر أسلافنا يصلون الوتر جماعة، إلا في شهر رمضان، وقد بلغنا عن عبد الله بن نافع، كان يصلي بمن صلى الوتر معه جماعة، في طريق مكة في غير شهر رمضان.
مسألة: ومن جواب أبي الحسن -رحمه الله- وعن صلاة العتمة وصلاة الوتر قلت: هل يوتر بينهما بركعتين تصليان فيما بين الوتر وصلاة العتمة؟ قلت: وله سبيلها سبيل المأمور به كما يؤمر بالركعتين بعد الظهر، والمغرب والركعتين قبل صلاة الفجر، أو ليس ذلك كذلك؟ فنعم، هما معنا على وجدنا في بعض الآثار، أن الصلاة السنة المعدودة ركعتان قبل صلاة الفجر، وركعتان بعد صلاة الظهر، وركعتان بعد صلاة المغرب وركعتان بعد العشاء الآخرة، ومن رغب عن حظه فلن يضر إلا نفسه، والله غني عن طاعة العبيد، لا ينقص من ملكه ولا يزيد، ومن جوابه، وذكرت في الركعتين بعد صلاة العتمة، فقال: إنها سنة، ولا أرى الناس يصلونها في شهر رمضان، ولا ينبغي ترك السنة، وإنما يصلون القيام، فعلى (14/19)
صفحة 3436
ما وصفت فنعم، هما سنة والقيام في شهر رمضان، فإذا صليت القيام أو ركعتين من القيام، فقد أتى بالسنة وأجزأ لذلك ولم يضيع السنة.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- وعن أبي عبد الله -رحمه الله- قال: من ترك صلاة الوتر والختان؛ فإنه يستتاب إذا لم يدن بهما، فإن تاب وصلى الوتر واختتن؛ وإلا قتل إن لم يدن بهما فهو كافر، ولا يصلى عليه، وقال: من ترك الوتر حتى أصبح، فكفارته عليه مثل كفارة الصلاة، وعن أبي عبد الله -رحمه الله- قال: لم تلزم في الوتر كفارة، وكذلك حفظت عن أبي مروان، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: تركه مكفر وليس عليه قتل في ترك الوتر والختان، وعليه العقوبات، ومن ترك من أهل الديانات فعليه التوبة والاستغفار والعقوبة، ومنه؛ وصلاة الوتر بعد العتمة إلى الصبح، وهو ثلاث ركعات يقرأ فيهن كلهن بفاتحة الكتاب، وما قدر الله من القرآن، وفي الركعة الآخرة (قل هو الله أحد (وآية الكرسي أو غيرها ثم (قل هو الله أحد (كل ذلك جائز حسن، فمن شاء وصل، ومن شاء فصل، ومن شاء صلى ثلاث ركعات، ومن شاء صلى ركعتين وسلم وصلى الوتر ركعة واحدة، ومن لم يصل ركعتين وصلى بعد العتمة، الوتر ركعة واحدة لا نقض عليه، ولا ينبغي له ذلك؛ إلا من مرض أو سفر أو شغل أو أمر فيه عذر، وبلغنا أن جابر بن زيد -رحمه الله- أوتر بركعة، ليري أصحابه أن ذلك جائز لهم، وقال: هذا وتر العاجز، ثم صلى حتى أصبح، وقد قيل: إن وتر من جمع واحدة ومن صلى ثلاثا فلا بأس، قال محمد بن المسبح إن بشيرا قال: إنما الوتر جماعة في شهر رمضان، ومن غيره؛ قال أبو معاوية: وقال: إذا أراد الرجل أن يوتر بركعة، فليقم نيته قبل الإحرام، فإن لم تكن له نية فليصل ثلاث ركعات وليس له بعد الدخول في الصلاة أن يحول نيته إلى ركعة واحدة، ومن غيره؛ وقال من قال: ما لم يكن دخل في الصلاة على نية ثلاث ركعات فله أن يصلي ركعة، وقال من قال: ولو دخل على نية الثلاث، فإن له أن يصلي ركعة، وقال من قال: إن دخل على نية الثلاث، فليس له أن يصلي إلا ثلاث ركعات، وإن دخل على نية ركعة لم (14/20)
صفحة 3437
يكن له أن يصلي ثلاثا، وليس له إلا ما دخل عليه، وقال من قال: إن له التحول في الوجهين جميعا، ولو دخل على أحد الوجهين، فله أن يتحول إلى الآخر، وقال من قال: إن دخل على نية الركعة، كان له أن يتحول إلى الثلاث، وإن دخل على نية الثلاث، لم يكن له أن يتحول إلى الركعة، وكذلك القصر والجمع على هذا الوجه قد قيل فيه، وكذلك صلاة العيد على الوجه الذي يجوز فيه الصلاة بكل ما كان جائزا، فقد اختلف في عقد النية عليه، فقال من قال: الصلاة على النية مبنية، وقال من قال: الأصل جائز له التحول إلى ما أراد من قبل فراغه في الصلاة على ما يجوز من ذلك.
مسألة: وسألته عن رجل صلى الوتر، ولم يقرأ في الركعة الآخرة، إلا أم الكتاب فعل ذلك زمانا، هل ترى عليه إعادة الوتر؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه إعادة إن شاء الله.
مسألة: قال أبو سفيان محبوب بن الرحيل -رحمه الله- أخبرني أبو أيوب وائل بن أيوب -رحمه الله- عن أم جعفر امرأة أبي عبد الله -رحمه الله- أنها قالت: صحبت أبا عبيدة في السفر غير مرة، فلم أره يوتر إلا بركعة، قال أبو سفيان: قال الربيع -رحمه الله- من جمع العشاء والمغرب فوتر بركعة، ومن غيره؛ وأما الوتر فمن تركه فليفعل معروفا ولا كفارة عليه.
مسألة: وقال أبو عبد الله: من ترك صلاة الوتر متعمدا حتى مضى وقت صلاة الوتر فما تبرئه من كفارة صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، قلت: وانقضاء صلاة الوتر إلى متى؟ قال: إلى طلوع الفجر، قلت: وهل يجتزئ الرجل إذا صلى الوتر بعد العشاء الآخرة بغير توجيه إذا لم يكن بينهما نافلة؟ قال: لابد من التوجيه؛ لأن الوتر فريضة واجبة وله توجيه، قلت: فإن فعل ناسيا أو متعمدا؟ قال: أما ناسيا فلا أرى عليه بأسا، وأما متعمدا فأرى عليه النقض. (14/21)
صفحة 3438
[صفحة بيضاء] (14/22)
صفحة 3439
الباب الثالث
في ركعتي الفجر
ومن صلى ركعتي الفجر قبل طلوع الفجر، هل يجزيه أم لا؟ قال: وقتها بعد طلوع الفجر، قال أبو المؤثر: قال محمد بن محبوب: إذا صلى الركعتين بعد نصف الليل، ثم لم ينم ولم يوتر أجزأتاه إذا أراد أن يصلي صلاة الفجر، ولم يركع شيئا غيرهما، وحدثني زياد بن الوضاح أن موسى بن علي، كانوا يقومون في شهر رمضان حتى يحضر وقت صلاة الفجر، فالله أعلم، يقطعون قيامهم إذا انفجر الصبح، أم قبل طلوع الصبح، ثم يصلون صلاة الغداة، ولا يركعون شيئا غير الصلاة التي كانوا يصلونها جماعة، والذي يقول إنه ركع ركعتين في الليل قبل الصبح، ثم صلى صلاة الغداة بركوعه ذلك اجتزى، وإن ركع ركعتين بعد طلوع الصبح الأول، وهو الأبيض الساطع قبل الضوء المفترض فهو أحب إلينا، فإذا كان قد ركع ثم طلع الصبح، فيعجل الصلاة في أول الوقت أحب إلينا من الركوع، وإن لم يركع في الليل فليركع إذا طلع الصبح ركعتين قبل الصلاة.
مسألة: قال أبو المؤثر: رفع إليّ في الحديث أن عبد الله بن عمر دخل المسجد قبل وقت صلاة الفجر، ولم يكن ركع فدخل في الصلاة، فلما أشرقت الشمس ركع الركعتين اللتين قبل صلاة الفجر.
مسألة: وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال أمتي بخير ما أسفروا بصلاة الفجر (14/23)
صفحة 3440
وصلوا المغرب قبل اشتباك النجوم»، وقيل: كان الحسن بن علي يؤخر العصر إلى آخر الوقت، ودلوك الشمس زوالها، وقوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ((طه:130)، يعني صلاة الفجر، قبل طلوع الشمس، يعني صل بأمر ربك، وكان يصلي الركعتين قبل طلوع الفجر، يقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب: و (قل يا أيها الكافرون (، والثانية بفاتحة الكتاب: و (قل هو الله أحد (ويقول صلى الله عليه وسلم: «نعم السورتان إحداهما كثلث القرآن والأخرى كربع القرآن»، قال غيره: قد قيل هذا، وقال من قال: إن وقتها قبل طلوع الفجر.
مسألة: -ومن كتاب أبي جابر- قوله تبارك وتعالى: (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ((الطور:49)، وفي -نسخة- (وإدبار السجود) قيل: يعني الركعتين قبل صلاة الفجر، وقتها قبل طلوع الفجر.
مسألة: وروى أبو سعيد محمد بن سعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها».
مسألة: -من كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، واختلفوا فيه، فقالت طائفة: بظاهر الحديث هذا قول أبي هريرة، وروينا عن ابن عمر أنه كان يمر على الصلاة بعد الإقامة، وقال ابن عمر: فعل ذلك أي صلى الصبح أربعا، وكره ذلك سعيد بن جبير وابن سيرين وعروة بن الزبير، وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وفيه قول ثان: وهو إباحة أن يصليها، والإمام يصلي، روي عن ابن مسعود أنه فعل ذلك، وقد روي عن ابن عمر أنه فعل ذلك، دخل المسجد والناس في الصلاة، فدخل بيت حفصة فصلى ركعتين، ثم خرج إلى المسجد فصلى، وهذا مذهب مسروق ومكحول والحسن البصري ومجاهد وحماد بن سليمان، وقال مالك: إن لم يخف أن يفوته الإمام بالركعة، فليركع خارجا قبل أن يدخل، إن خاف فوات الركعة فليدخل مع الإمام، وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: أن تركعهما في ناحية المسجد ما طمعت أنك مدركٌ للركعة الأخيرة، (14/24)
صفحة 3441
وإن خشيت من الأخيرة فادخل مع الناس، وقال النعمان: يجزيه قول الأوزاعي.
قال أبو سعيد: إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو من هذا، والرواية أنه لا صلاة إذا أقيمت الصلاة في المسجد، إلا المكتوبة، وقيل: إلا ركعتي الفجر في بعض الحديث، ويخرج تأويل هذا عند أصحابنا في المسجد بمعنى المنع، وفي غير المسجد بمعنى القصد لدرك الجماعة، ويخرج من قولهم: إنه إذا أتى المصلي والإمام في الصلاة، إن بعضا يقول إن الدخول في صلاة الجماعة أفضل، ولا يفوته شيء منها أحب إليه، ويدخل في صلاة الجماعة لموضع فرضها ووجوبها، ويبدل ركعتي الفجر، وفي بعض قولهم: إنه إذا رجا أن يركعهما حيث تجوز له الصلاة، ويدرك مع الإمام الركعتين جميعا، ولا يفوته معنى الواجب فيركعهما، ثم يدخل في الجماعة، وقال من قال: ولو فاتته ورجا أن يدرك بركعة، فليركعها ولا أعلم اختلافا في معنى ما يأمرون به، إنه إذا خاف فوت الجماعة بالركعتين جميعا، أن يدخل في صلاة الجماعة ويؤخر الركعتين، ويخرج في معنى قولهم: بما يشبه معنى الاتفاق، إنه يجوز أن يصلي الركعتين في المسجد من حيث لا تجوز الصلاة بصلاة الإمام، حيث هو إذا اتصلت الصفوف في مقدم المسجد، أو في جانبه، وأما في مؤخر المسجد، وحيث تجوز الصلاة بصلاة الإمام إذا اتصلت الصفوف، فقال من قال: لا يجوز ذلك؛ إلا في مثل المساجد الكبيرة في مؤخرها، ولا يجوز في مثل المساجد الصغيرة، وهذا يخرج عندي معنى انفساح المصلي عن الإمام والجماعة، فيدخل منع ذلك على المصلي في المسجد الكبير، كما يدخل منعه عليه في المسجد الصغير، إذا ثبت معنى المنع، أنه إنما يخرج المعنى في المسجد الكبير لانفساح المصلي عن الإمام والجماعة، وهذا في معنى ظاهر القول، ولا يثبت له معنى غير هذا عندي، وإذا كان هكذا فقد يجوز أن تتصل الصفوف حتى يأخذ المسجد الكبير كله، أو يقرب من مؤخره، كما قربت الصفوف من مؤخر المسجد الصغير.
-ومن كتاب ابن جعفر- وأما ركعتا الفجر فيؤمر بهما بلا كفارة، سمعنا على (14/25)
صفحة 3442
تاركهما، ويستحب لمن ركعهما إذا انفجر الصبح، أن لا يكون بعدهما كلام إلا بذكر الله، ولا صلاة حتى تصلي صلاة الفجر، فإن تكلم فلا بأس، قال غيره: لا بأس أن يتكلم بعد ركعتي الفجر، وأن يستلقي بلا أن ينعس، فلا بأس.
(رجع) وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا طلع الفجر صلى ركعتين قبل صلاة الفجر يقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب و (قل يا أيها الكافرون (وفي الركعة الآخرة بفاتحة الكتاب و (قل هو الله أحد (، وعن أبي عبد الله -رحمه الله- قال: وكذلك إذا فعل بعد فاتحة الكتاب، وقال من قال: وقت صلواتها إذا طلع الفجر، وقال من قال: وقتها منذ يدخل النصف الأخير من الليل إلى صلاة الفجر، فمن صلاهما في ذلك النصف إذا كان في صلاة حتى حضرت صلاة الفجر، فقد اكتفى بذلك، وبهذا الرأي نأخذ. قال غيره: الذي يجيز ذلك قبل الصبح فمعي؛ إنه قيل فيه: إذا صلى ركعتين بعد النصف أجزأه، ولو لم ينو ذلك، إذا كان بعد الوتر، ومعي؛ إنه قيل حتى ينوي ذلك لركعتي الفجر.
(رجع) وإن نام فنعس بعد أن ركعهما، فعليه إعادتهما، ومن غيره، قال: وذلك إذا ركعهما قبل طلوع الفجر، وأما إذا ركعهما بعد طلوع الفجر فلا إعادة عليه، ولو نعس بعدهما قبل صلاة الفجر.
وقال: معي؛ إنه قد قيل: يعيدها إذا نام يعيدهما مضطجعا فنعس، أو جامع، وأما غيرهما من الأحداث لا أعلم فيهما إعادة لهما، ولو أغمي عليه أو أصابته الجنابة، وهو غير ناعس مضطجعا.
وعن رجل ركع ركعتي الفجر، ثم عاد ركع بعد ذلك نافلة، أيعيد الركعتين أم لا؟ فعلى ما وصفت فتلك النافلة تجزي عن الركعتين إذا كانت في نصف الليل المؤخر، ما لم ينو أو يوتر بعد ذلك.
مسألة: وسألته عمن صلى في الليل في آخره أو أوسطه نافلة، ولم ينو ذلك لركعتي الفجر، فهل يجزيه ذلك لركعتي الفجر، نوى أم لم ينو؟ قال: فأما أول الليل فلا أعلمه جائزا في حال، وأما في آخر الليل فقد قيل: إن أراده أجزأه، (14/26)
صفحة 3443
وقيل: لا يجزيه إلا بعد الصبح، قلت له: فعلى قول من يقول إنه يجزيه إن نعس قبل الصبح أو بعده، هل يجزيه ذلك ولا يضره نعاسه؟ قال: فأما بعد الصبح فلا يضره عندي نعاسه، وأما قبل صلاة الصبح فإن نام فنعس فقد قيل يعيد، وإن نعس غير نائم فأرجو أن يجزيه إذا كان قد أراد بذلك ركعتي الصبح في آخر الليل.
مسألة: وسألته عن رجل يركع ركعتي الفجر آخر الليل، وباقٍ من الليل كثير، هل له أن يتنفل إلى أن يطلع الفجر؟ قال: لا يفعل، فإن فعل لم تضره صلاته شيئا، قلت: فما أحب إليك؟ قال: أحب أن لا يركعهما؛ إلا أن يطلع الفجر أو في الليل قبل الفجر في وقت ما إذا فرغ منهما، لم يكن له أن يتنفل بعد ذلك.
قال أبو عبد الله محمد بن أحمد السعالي -حفظه الله- مما سألته عنه، أنه أتى إلى صلاة الفجر فأولى به أن يركع الفجر ثم ينتظر، وأما قبل الصبح، فإن ركع أجزأه وإن انتظر فله ذلك، ومن غيره؛ وقال من قال: يجعل ركعتي الفجر بعد هذا كله مما يلي صلاة الفريضة.
مسألة: -ومن كتاب محمد بن جعفر- ومن خاف فوت صلاة الفجر في الجماعة صلى في الجماعة وأخر ركوعهما حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس صلاهما في مكانه، أو حيث أراد، وقال من قال: إن رجا أن يدرك ركعة في صلاة الجماعة فليصلها، ثم يدخل في الجماعة فليصل ما أدرك، وهذا الرأي أحب إليَّ.
مسألة: قال محمد بن المسبح: إذا رجا أن يدرك مع الركعة الأولى من صلاة الغداة، فليركع ركعتي الفجر، ثم يدخل في الجماعة، وهو أحب إليَّ، وإن خاف فوت الركعة الأولى فيدع الركعتين، ويدخل في الفريضة جماعة، ومنه؛ ومن كان هو الإمام وأقيمت الصلاة قبل أن يركعهما، فإن انتظروه حتى يركع، فلا بأس، فهو أحب إليَّ، وإن صلى بهم وأخر الركعتين إلى أن تطلع الشمس، فلا أبصر في ذلك فسادا أيضا، ومنه؛ وكذلك ركعتا الفجر، لا تجوز صلاتهما خلف الإمام حيث يصلي؛ إلا أن يكون في طرف من مسجد كبير واسع، فقد (14/27)
صفحة 3444
أجازوا أن يركعهما هنالك المصلي، والإمام يصلي في أول المسجد، ثم يدخل في صلاته.
ومن غيره؛ مسألة: ومن جواب أبي الحسن قلت: وهل يجوز لإمام المسجد، إذا جاء وقد أسفر يصلي بهم الفريضة، ولم يركع السنة ركعتي الفجر؟ فقد قيل إن ذلك جائز إذا خاف الفوت، وهل يجوز له أن يتكلم إذا ركع قبل صلاة الفريضة؟ فنعم، ذلك جائز، وقد كره ذلك بعض من كره بلا تحريم.
(رجع) ومن غيره؛ قال أبو سعيد -رحمه الله- إذا أقيمت الصلاة في المسجد، فلا صلاة إلا مع الإمام، ويوجد في بعض الحديث، إلا صلاة ركعتي الفجر، وفي موضع آخر قال أبو سعيد -رحمه الله- روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا ركعتي الفجر» ثم اختلف أهل العلم فقال من قال: إنه إذا رجا أن يدرك الركعة الأولى ودخل مع الإمام، وقال من قال: أفضل له أن يصليهما إذا رجا أن يدرك الركعة الآخرة، ولو خاف فوت الأولى، وأحسب أنه قال من قال: ولو خاف فوت الصلاة فليصلهما على ظاهر الرواية، وقد قيل: من كان عليه بدل صلاة ركعتي الفجر، فليبدلهما بعد صلاة العصر إن أراد. (14/28)
صفحة 3445
الباب الرابع
جماع صلاة التطوع
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، واختلفوا في الوقت الذي يقضي فيه ركعتي الفجر من فاتته؟ فقالت طائفة: يركعهما بعد طلوع الفجر، هذا قول عطاء بن أبي رباح وطاووس وابن أبي جريج، وفيه قول ثان، وهو أن يقضيهما بعد طلوع الشمس، فعل ذلك ابن عمر، وبه قال القاسم بن محمد، وقال مالك بن أنس: إن شاء قضاهما صبحا إلى نصف النهار، وإن شاء تركهما ولا يقضيهما بعد الزوال، ومن قال يقضيهما بعد طلوع الشمس الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فاستحسن ذلك أبو ثور وأصحاب الرأي، إن أراد قضاهما إذا ارتفعت الشمس، قال أبو بكر: يقضيهما إذا صلى الصبح أحوط، وإن قضاهما بعد طلوع الشمس يجزيه.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا أنه من ترك ركعتي الفجر، بمعنى عذر أو سبب من الأسباب حتى صلى الفجر، إنه لا يصليهما حتى تطلع الشمس، ثم يصليهما بعد طلوع الشمس، ووقتهما في ذلك اليوم إلى زوال الشمس، وهذا فيما يستحب، وإن أخرهما بعد ذلك فلا بأس، ويخرج في قولهم: إن له أن يبدلهما بعد صلاة العصر، وبعد صلاة الفجر من قابل، ولم أعلم اختلافا من قولهم في هذا، وقالوا: لا يصليهما بعد صلاة الفجر ذلك اليوم، ولا أعلم لهم في (14/29)
صفحة 3446
هذا معنى يبين لي منع ذلك عن صلاتهما بعد صلاة الفجر ذلك اليوم، إذا جاز في غير ذلك اليوم، أو بعد العصر، والله أعلم.
ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا فيمن نسي صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وأراد قضاء ركعتي الفجر؟ فقال مالك: يبدأ بالمكتوبة، وكان الشافعي يرى أن يركعهما وإن طلعت الشمس. وقال النعمان: إن صلى صلاة الصبح، ولم يصل ركعتي الفجر ثم ذكرهما، فلا قضاء عليه، وليس ذلك بمنزلة الوتر، وبه قال يعقوب، قال أبو بكر: يبدأهما، ثم يصلي الصبح للثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنه فعل ذلك يوم ناموا عن صلاة الصبح.
قال أبو سعيد: معنا، إنه إذا فات وقت صلاة الفجر، فقد صار كله بدلا، فإذا كان عن عذر، فأولى الأمر في ظاهر الحكم والمعنى، أن يبدأ بما كان يبدأ به في الوقت، وهما الركعتان قبل الفريضة، وإن صلى الفريضة، ثم ركع الركعتين، كان ذلك جائزا؛ لأنه بدل كله؛ ولأنه لو صلى الفريضة كلها في وقتها في معنى الاختيار، ولم يصل الركعتين، يخرج في معنى الاتفاق، إنه قد صلى ولا يؤمر بذلك في الوقت ولا بعد الوقت، ويؤمر معنا أن يركع ركعتي الفجر، ثم يصلي الفريضة عند الفوت، وفي وقت الصلاة، إلا أن يخاف فوت الفريضة، فإنه يخرج عندي بمعنى الاتفاق، أنه يصلي الفريضة في وقتها، ولا يشتغل عنهما بالركعتين قبلها إذا خاف فوتها بذلك.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- وتعلق قوم بقول الله تعالى: (فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ((الطور:49) على أن تأخير صلاة الصبح أفضل، فقالوا: إن النجوم لا تدبر إلا آخر الليل، وقال بعضهم: هذه الآية أريد بها الحث على ركعتي الفجر، والمأمور بفعلهما قبل ركعتي الفرض والله أعلم، ومن ذكر ركعتي الفجر بعد صلاة العصر، أخر قضاءهما إلى وقت جواز صلاة النوافل، وإذا كان عند بعض مخالفينا، إن الوتر في ذلك الوقت لا يجوز فعله، فركعتا الفجر أبعد في الجواز من الفعل في ذلك الوقت، وقد جوز بعض أصحابنا ذلك الوقت لهما، ولم أعرف وجه جواز (14/30)
صفحة 3447
قولهم، وبالله التوفيق.
مسألة: قال الله عز وجل: (فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (قال: هما ركعتا الفجر، وقال: (فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (وقال: هما ركعتا صلاة المغرب.
مسألة: وقال أبو سعيد -رحمه الله-: إذا أراد الرجل أن يصلي فريضة في المسجد خلف الصف، والإمام يصلي نافلة أو قيام شهر رمضان، إنه في قول أصحابنا، وفي آثارهم إن صلاته تامة، وقال: النفل لا يفسد الفرض، والفرض يفسد النفل.
مسألة: عن أبي سعيد قلت له: وكذلك من دخل في صلاة القيام في شهر رمضان في الركعة الثانية، وفاتته الأولى وتحّى الإمام وسلم، وقام بتكبيرة في الشفع المؤخر، ودخل في الصلاة، هل لهذا الرجل أن يقضي ما فاته من تلك الركعة، ويلحق الإمام، ولا يضره ذلك؟ قال: هكذا عندي، قلت له: فهل له أن يؤخرها حتى يقضي الإمام الشفع، ويدخل هو مع الإمام فيه؟ قال: ليس له ذلك أن يعمل في غير ما قد وجب عليه إتمامه في الصلاة التي قد دخل فيها.
مسألة: وعن رجل يصلي القيام في شهر رمضان آخر الليل، ويلتفت ينظر الصبح إذا سلم، ويحول وجهه إلى المشرق، ويعود يقبل إلى القبلة، فعلى ما وصفت فإذا أدبر بالقبلة، وكان جميع وجهه إلى المشرق، ابتدأ التوجيه، وإن كان إنما هو يحرف ولم يدبر بالقبلة، لم يكن عليه توجيه. (انقضت الزيادة المضافة من الجزء السادس من بيان الشرع في الصلاة). (14/31)
صفحة 3448
[صفحة بيضاء] (14/32)
صفحة 3449
الباب الخامس
في سجدة التلاوة
ومن جامع الشيخ أبي محمد، اختلف الناس في الحائض، تسمع آية السجدة؟ فقال بعضهم: عليها أن تسجد، وقال آخرون: إذا طهرت سجدت، وقال أصحابنا: لا سجود عليها في ذلك، وهذا هو الذي يوجبه النظر، ويدل اللب عليه، لأن الأمة أجمعت أن الحائض لا صلاة عليها، وأنها ممنوعة من الصلاة؛ لأجل حيضها، فإذا بطل فرض الصلاة عنها لعلة الحيض، فالسجد أولى أن لا تجب عليها، وأيضا فإن نفس سجود القرآن مختلف في إيجابه على الطاهر، فأما الحائض فلا معنى لسجودها، إذ السجود صلاة، والصلاة لا تجوز بغير طهور، ولا سبيل للحائض إلى الطهر، إذ الطهر إنما يجب بزوال الحدث، وحدث الحائض قائم بحاله، ومحال أن تكون الحائض بالماء متطهرة، وحيضها موجود، والموجب عليها السجود في حالها بعد التطهر من الحيض أيضا، محتاج إلى دليل.
ومن الكتاب؛ -ومن جامع ابن جعفر- والسجدة سنة معمول بها، وليست بفريضة، وسجودها لازم لمن قرأها أو قرأت عليه، فأنصت لاستماعها في صلاة فريضة أو نافلة أو غير صلاة، وأما القارئ لها فيسجد وهو في الصلاة إذا قرأها بتكبيرة، ويرفع رأسه بتكبيرة، ويسبح فيها بمثل تسبيح سجود الصلاة إذا سجد، فإن قال سبحان الله وبحمده فلا بأس، إماما كان أو غير إمام، والإمام إذا سجد، سجد الذين خلفه في الصلاة معه، وفي بعض الآثار، إن المصلي إذا نسي عند قراءة (14/33)
صفحة 3450
السجدة أن يسجد ومضى في صلاته حتى ذكر من بعد وهو في الصلاة أن يسجد حيث ذكر، ويسجد سجدتي الوهم إذا سلم، فتنظر في ذلك.
قال غيره: وقد قيل، إذا جاوزها ناسيا ثم ذكر لم يسجد حتى يتم، قال محمد بن المسبح: وعلى من استمع إليه عليه السجود، ومن غيره؛ وجاء الأثر عن أهل العلم في السجدة إذا قرأها المصلي فنسي أن يسجدها، فقال من قال: إذا تركها في صلاة الفريضة ناسياً أو متعمدا فسدت صلاته، وهي بمنزلة حد في الصلاة، وقال من قال: إن تركها عامدا فسدت صلاته، وإن تركها ناسيا لم تفسد صلاته، ويسجدها إذا سلم، ثم يسجد للوهم، وقال من قال: لا تفسد صلاته، تركها عامدا أو ناسيا، ويسجد للوهم، وقال من قال: لا وهم عليه عليه، والإمام والمؤتم في ذلك سواء، في ترك السجود، والرجال والنساء في ذلك سواء، ومن غيره؛ قلت: فإذا قرأها الإمام في الصلاة فسمعها بعض من يصلي خلفه، وبعضهم لم يسمع، هل عليهم أن يسجدوا لسجوده ويتبعوه في ذلك أم ليس في ذلك إلا على الذين سمعوها؟ قال: عندي؛ إن على جميع المؤتمين أن يسجدوها تبعا للإمام، فإن لم يفعلوا كان عندي في صلواتهم اختلاف، فبعض يفسد صلواتهم وبعض يقول: قد أساءوا ولا نقض عليهم. (14/34)
صفحة 3451
الباب السادس
في قراءة آية السجدة في الصلاة
وعن رجل قرأ سورة الصلاة، فكانت السجدة آخر قراءته، فلما سجد سأل هل يخر راكعا من غير أن يقرأ بعد السجدة شيئا؟ فأحب أن يقرأ شيئا، ثم يركع، ثم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وآيات، قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: إن لم يقرأ شيئا وركع أجزأ وبه نأخذ.
مسألة: ومن غيره؛ وعن من دخل في الصلاة، وقد سبقه الإمام فقرأ الإمام السجدة، قبل أن يحرم الداخل، أيسجد أم لا؟ قال: يسجد، ثم يقوم يوجه فيحرم. قال: يجوز أن يسجد السجدة حيث كان وجهه مستقبل القبلة أو مستدبرها أو نعسا أو سهيلا، وكذلك أنه جائز؛ إلا أنه يؤمر بسجودها إلى القبلة، لأن بعضا يشبهها بالصلاة، إذ هي تجوز في الصلاة، وهذا عندي في هذه المسألة الآخرة، إذا لم يكونوا في الصلاة.
مسألة: -ومن كتاب ابن جعفر- وأما من سمعها من غيره، وهو في الصلاة، فلا أرى أن يسجد في الصلاة، ولكن إن كان أنصت لها حتى سمعها، فما أحب إليّ أن يسجد إذا قضى صلاته، ومن غيره؛ قال: وقد قيل إذا قضى صلاته وقرأها وسجد (رجع) وإن كان يفرغ لاستماعها واشتغل بذلك عن صلاته وأنصت فلا آمن عليه نقض صلاته، إن شغلته عن صلاته، ومنه؛ ومن قرئت (14/35)
صفحة 3452
عليه وهو حامل حملا فأنصت لها، ولم يمكنه أو منعه، فإذا وضعه فليسجد، ومن غيره؛ قل: وقد قيل إن كان حاملا أومأ حيث كان برأسه، وقد قيل إذا كان غير طاهر، فإذا تطهر سجد، ولا يسجد إلا طاهرا.
مسألة: وقال وائل: لو أن رجلا مر ورجل يقرأ، فقرأ السجدة فأنصت إليها وهو يقرأ، فقرأها، فقال: إذا أنصت وهو مار يمشي فليومئ حيث كان وجهه ماشيا، ومن غيره؛ قال: وقد قيل إذا سمعها وهو يمشي فليسجد، ثم يرجع ويقوم، ويسجد للقبلة.
(رجع) وقد قيل يسجد، ولو كان غير طاهر، ومن غيره، قال محمد بن المسبح: من سمعها وهو غير طاهر، فإذا توضأ فليسجد (رجع) ومن حضر قراءة السجدة، وغفل أن يسمعها فلا سجود عليه، وإنما السجود على من أنصت إليها، وقال: إذا سمع الرجل قراءة السجدة من امرأة سجد قبلها، ورفع رأسه قبلها، ولا يأتم بها، ولا أرى عليه بأسا كيف فعل، ومن غيره؛ قال: وقد قيل: يسجد لقراءة السجدة من المرأة، وقال من قال: يقرأها هو ويسجد.
في السجدة أيضا
وسئل عن السجدة يسمعها الرجل والمرأة وهما على غير وضوء، يسجدانها أم حتى يكونا على وضوء؟ قال: إذا توضأ وضوء الصلاة سجداها، قلت: في المسجد وحيث شاء؟ قال: في موضع طاهر حيث يجوز لهم السجود، وليس عليهم أن يذهبوا إلى المسجد، وقالوا: لو أن رجلا قرأ القرآن وهو يمشي فقرأ السجدة، أومأ، وكذلك الحمال الذي يحمل على رأسه إذا سمع السجدة أومأ للسجود برأسه، قلت: حيث كان وجهه؟ قال: نعم، إلا أن يمكنه أن يلتفت، ولا يحبسه ذلك عن حاجته فليصرف وجهه إلى القبلة، قلت: فيحرم بتكبيرة، ويرفع رأسه بتكبيرة؟ قال: نعم. قلت: هل عليه التسليم؟ قال: لا، إلا أنه إن أمكنه أن (14/36)
صفحة 3453
يقول إذا أومأ، ورفع رأسه من السجود إذا كان ساجدا، قال: سبحانك اللهم لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، سبحانك اللهم، لك سجدت طوعا لا كرها إيمانا بك وتصديقا بكتابك واتباعا لسنتك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فاغفر لي واقبل سجودي، فهو أحب إلينا، وإن لم يقل شيئا فلا بأس عليه.
مسألة: وعن الرجل القاري إذا قرأ السجدة وهو يمشي، هل عليه أن يسجد حيث كان وجهه؟ قال: معي؛ إنه قال من قال: عليه أن يسجد، وقال من قال: يومئ، ومعي؛ إنه قيل يلزم الحمال إذا وضع حمله أن يسجد. قلت له: فإذا كان أمامه جدار، هل يجزيه أن يضع جبهته على الجدار وهو قائم؟ قال: معي؛ إنه يجزيه أن يسجد على عرض الجدار، وأما سجوده في الجدار أمامه تلقاء وجهه، وهو قائم فلا يجزيه عندي، قلت: فالسجود للسجدة فريضة أم سنة؟ قال: معي؛ إنها سنة.
مسألة: حفظ الوضاح بن عقبة عن أبي عيسى عن وائل؛ إن الرجل يسمع السجدة وعلى رأسه حمل، قال: يومئ برأسه حيث كان وجهه.
مسألة: وسألت أبا معاوية عمن قرأ السجدة، فلم يسجدها متعمدا، أيكفر بذلك؟ قال: لا، قلت: أفليس هي سنة؟ قال: بلى، ولكن ليس هي من السنن الواجبات، التي من تركهن كفر؛ إلا أن يكون تركها من ديانة بها، وردا لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت: يكفر كفر شرك؟ قال: بل كفر غير شرك.
مسألة: وعن رجل قرأ السجدة، فلم يسجدها، هل عليه أن يسجد من بعد؟ فإني أحب له ذلك؛ لأنها من السنة، وقلت: هل يسع أحد أن يقرأ السجدة أو يسمعها، ثم لا يسجدها؟ فإني لا أحب له ذلك أن يترك السجود، فإن تركه لم أسمه كافرا، والله أعلم.
مسألة: -ومن الكتاب- وعن محمد بن محبوب -رحمه الله- في رجل كان في الصلاة، فقرأ سورة فيها السجدة، فأراد أن يسجدها فركع ناسيا، وسجد (14/37)
صفحة 3454
سجدتين ثم قام فرجع من حيث بلغ من السورة، وصلى حتى أكمل صلاته، قال: ما أبلغ به إلى نقض؛ لأنه لم يزد في صلاته ركعة تامة، فقد بقي من الركعة القراءة أو السجدة التي لقراءة السجدة، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إن اجتزى بذلك الركوع والسجود، أجزته ركعة في الصلاة، وإن أهمل ذلك زاد ركعة ثالثة، انتقضت صلاته.
(رجع) قلت: والزيادة التي قالوا إن زيادتها في الصلاة يفسدها، إذا كانت ركعة تامة بقراءتها؟ قال: نعم، ومن قرأ من السجدة بعضها، فلا سجود عليه حتى يتمها، وعن بعض الفقهاء قال: قد يفعل، لعله أراد قد كان ذلك، ومنه؛ ومن تعمد لترك قراءتها في الصلاة لحال السجود، فلا نقض عليه، ويكره أن يقحمها، ومن قرأ السجدة في الصلاة ولم يسجد عمدا، فلا ينقض ذلك صلاته أيضا.
مسألة: ومنه؛ وليس على الحائض والجنب سجود عند قراءة السجدة؛ إلا أن تكون الحائض قد طهرت من الدم، فإذا غسلت فلتسجدها، ومن غيره؛ قال: وقد قيل إذا غسل الجنب فعليه السجدة، وكذلك قال من قال: على الحائض السجدة إذا طهرت.
مسألة: حماد عن إبراهيم، في الحائض تسمع السجدة، قال: ليس عليها أن تقضيها إذا طهرت؛ لأنها لا تقضي الصلاة المفروضة، وهي أوجب عليها من السجدة، وهو قول أبي حنيفة، وهو قول أسد.
مسألة: -من الزيادة المضافة- قال المضيف: هذا ما اختصرته من الرقعة الخامسة عشرة من الرقاع التي سئل عنها عزان بن الصقر.
مسألة: سألت أبا معاوية عزان بن الصقر عمن قرأ السجدة ومعه قوم حضور في مسجد، أو غير مسجد، أيسجد بالقوم ويرفع أو يسجد كل واحد منهم فرادى، ويطيل من شاء منهم، ويرفع منهم من شاء رأسه قبل الذي قرأها؟ قال: (14/38)
صفحة 3455
يسجد الذي قرأها، ويجهر بتكبيرة، ويسجد القوم في سجوده ولا يرفعوا رؤوسهم حتى يرفع هو رأسه، قلت: فمن استمعها من عند من يقرأها؟ قال: يسجد، قال: وأما الأمة فبمنزلة الصبي والحرة، قلت: فمن قرأها وهو غير ناس لها أعليه أن يعود يقرأها ويسجد؟ قال: نعم. وإن سجد من غير قراءة ثانية أجزأه. قلت: فإن قرأها رجل وآخر يسمع القراءة، وهي لا يستمع إليها، ولا ينصت لقراءتها؛ إلا أنه قد فهمها، وهو لا يريد بذلك، وهو يمشي أو جالس، أو يصلي نافلة أو فريضة؟ قال: ليس عليه سجود، وإنما السجود على من يستمع إليها، فأما من سمعها وهو لا ينصت لذلك، وهو لا سجود عليه، قلت: فمن يقرأ ويمر على السجدة ويريد أن يعودها، أله ذلك؟ قال: أحب أن يقرأها ويسجد، وإن تعداها ولم يقرأها فلا بأس عليه إن شاء الله، إلا أن يكون ذكر شيئا من السجود أو دخل في آية السجدة، فليتمها ويسجد، ولا يقطعها إذا دخل فيه، قلت: فمن يتعلم السورة وفيها السجدة أيسجد كلما قرأها؟ قال: إنما عليه أن يسجد أول ما يقرأها مرة واحدة، ثم ليس عليه بعد ذلك أن يسجد، ويقرأها ولا سجود عليه، إلا في أول ما يقرأها.
قلت: فإن قرأها بالغداة مرارا، ثم أراد بالعشي أيضا يقرأها، أعليه أن يسجد أيضا بالعشي؟ قال: يسجد بالعشي أول ما يقرأها، قلت: فإن قرأها بالغداة مرارا في موضع، ويسجد في أول مرة، ثم تحول إلى موضع آخر، أعليه أن يسجد إذا قرأها؟ ما دام في قراءتها، وإنما يتحول من موضع إلى موضع فلا سجود عليه إلا أول مرة، فإن ترك ذلك وذهب في ضيعة فعليه أن يسجد كما وصفت لك. قلت: فإن قرأها مرارا ويسجد أول مرة ثم حدث رجلا أو كلمه رجل، ثم رجع إلى قراءته، أعليه أن يسجد؟ قال: لا، ما لم يترك ذلك ويأخذ في الحديث، فإن حدث القوم وترك ما كان فيه من التعليم فيعود فيسجد.
قلت له: فمن سمعه يقرأها مرة بعد مرة، أعليه أن يسجد كل مرة، أو إنما يسجد أول مرة؟ قال: إنما عليه أن يسجد أول مرة كما على القارئ، قلت: فإن (14/39)
صفحة 3456
قرأ السجدة ثم قرأ في مجلسه من سورة أخرى أعليه أن يسجد؟ قال: نعم. قال: وكذلك من سمعه، قلت: فإن قرأها وهو على فراش؟ قال: إن كان من نبات الأرض، فليسجد عليه، وإن كان من صوف أو شعر فيكشفه ويسجد. قلت له: لعله أله أن يومئ إذا قرأها وكان على فراش صوف، أو مار في الطريق إذا استمع إليها؟ قال: لا؛ إلا أن يكون راكبا على دابة فذلك يومئ إذا قرأها واستمع إليها، قلت: فإن كان عليه ثوب نجاسة وقرأها، أيسجد؟ قال: لا، ولكن يطرحه ويسجد إذا كان عليه غيره، وإن لم يكن إلا هو، فإذا لبس غيره قرأها وسجد، قلت: فإن قرأها وهو في موضع نجس أيسجد أم يومئ؟ قال: يومئ ولا يسجد على التراب النجس.
قلت: فإن قرأها وهو على سرير، أيسجد على لوح السرير؟ قال: نعم، قلت: فإن قرأها وهو في الماء أو الطين، أيومئ؟ قال: نعم.
قلت: فإن قرأها المصلي ومرت عليه، ولم يفطن أنه قرأ من السجدة، ما تقول في صلاته وصلاة من صلى خلفه؟ قال: لا نقض عليه، وعليه سجدتا الوهم. قلت: فإن قرأها لعله ذكرها بعد أن صار في ركعة ثانية إن قرأها، أيسجد أم حتى يقضي الصلاة؟ قال: لا يسجدها؛ إلا في موضعها إذا ذكرها في موضعها، وأما إذا جاوز ذلك ثم ذكر وهو في الصلاة فلا يسجدها حتى يسلم.
قلت: فإذا قضى صلاته يسجدها قبل سجدتي الوهم أم بعد؟ قال: يسجدها ثم يسجد سجدتي الوهم بعد. قلت: فالذين خلفه إذا سمعوها منه قد قرأها، وهو ناس، أيسجدون أم يتبعونه؟ قال: يتبعونه أحبّ إليّ؛ لأنهم إن سجدوا رأيت صلاتهم منتقضة.
قلت: فإذا قال هو إنما ترك سجودها فقوله مقبول؟ قال: نعم. قلت: فإن كان تركها جاهلا؟ قال: قوله في هذا مقبول. قلت: فإن كان غير ثقة؟ قال: وإن كان غير ثقة، قلت: فإن قرأ السجدة أيسجد وهو في قراءتها، فيكون فراغه منها، وقد انحط إذا استتم قراءتها؟ قال: إذا استتم قراءتها، وهو قائم سجد، (14/40)
صفحة 3457
ولا يسجد من خلفه، حتى يسجدها هو، ثم يسجدون بعده.
قلت: فإن رفع رجل من القوم رأسه أو سجد قبل الإمام، أو قرأ الإمام السجدة؟ قال: إن فعل ذلك متعمدا انتقضت صلاته، وإن كان ناسيا فصلاته تامة إن شاء الله. قلت: هل على من تهجى السجدة أو كتبها ولم ينطق بلسانه إذا قرأها في نفسه ولم يتكلم بها هل عليه سجود؟ قال: لا؛ إنما السجود على من قرأها أو استمع إليها. قلت: فإن قرأها قارئ السجدة وهو في وسط من القوم، منهم من هو قدامه، ومنهم من هو خلفه، أيسجدون وهم في مواضعهم، ويتحولون حتى يكونوا خلفه ثم يسجدون؟ قال: يسجدون وهم في مواضعهم ويتحولون حتى يكونوا خلفه ثم يسجدون قال: يسجدون هم في مواضعهم، وإن تحولوا خلفه ثم سجدوا لم يكن عليه بأس. قلت: فإن قرأها قارئ واستمع، وهو لا يعلم أنها سجدة، أو يعلم أنها سجدة، ولا يعلم أن عليه سجودها، أو لم يعلم أن عليه أن يسجد إذا قرأها، فترك السجود متعمدا؟ قال: أما الذي قرأها وهو لا يفطن أنه قرأها فمتى علموا أعادوا قراءتها، وإن سجدوا من غير أن يعيدوا قراءتها اجتزوا؛ وأما التارك لها متعمدا فذلك عليه أن يسجدها، وهذا القول منا على الاستحباب، ولو لم يفعلوا وقد تقادم ذلك لم نر عليه بأسا، لعله والله أعلم.
قلت: فإذا مر كلب أو مشرك، أو ما يقطع عليه سجوده، إلا أن يكون سجد السجدة وهو في صلاته، فإنه يقطع عليه سجوده، ويبتدئ الصلاة كانت نافلة أو فريضة.
مسألة: وإذا كانت في مجلس ذكر، أو مسجد ومر بها فليقرأها ويسجد، وإن تركها لم أر عليه بأسا.
قال أبو المؤثر: يستحب أن يقول على أثر سجدتي الوهم، والسجود بقراءة السجدة، سبحانك اللهم وبحمدك سبحانك اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك (14/41)
صفحة 3458
اللهم لك سجدت طوعا لا كرها إيمانا بك وتصديقا بكتابك، واتباعا لسنتك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تقول: اللهم اغفر لي واقبل سجودي، ويستحب هذا إن قاله، وكان متمهلا، وإن لم يقله فلا بأس عليه.
-ومن كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في السجدة تكون آخر السورة؟ قال أبو مسعود يقول: إن شئت ركعت، وإن شئت سجدت، وبه قال الربيع بن خيثم وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي، وقال الشافعي وإبراهيم النخعي: يجزيه أن يركع بها، وكذلك قال علقمة والأسودين زيد ومشروق وعمر بن حُبيل، واختلفوا في المرأة تقرأ السجدة؟ فقال قتادة ومالك بن أنس وإسحاق: لا يأتمون بها، وهو على مذهب الشافعي، وقال إبراهيم النخعي: هي أمامك.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا أنه إذا كان آخر قراءة السجدة في الصلاة، إنه يسجد في الصلاة، ولا أعلم أنهم يأمرون بالركوع قبل السجود، ولا يخرج أن الركوع يجزي عن السجود، ولكن يخرج عندي في قولهم: إنه يسجد ويقوم من السجود إلى الركوع، فقال من قال: يركع وليس عليه أن يقرأ بعد القيام من السجود، وقال من قال: لابد من القراءة؛ لأن هذا فعل فيقرأ ولو آية، ثم يركع ركوع الصلاة ويمضي على الصلاة.
-ومن غير الكتاب- وعن أبي إبراهيم في رجل قرأ في صلاة الفريضة السجدة؟ قال: عليه أن يسجد بتكبيرة ويقوم بتكبيرة.
مسألة: وسألته عن رجل يسمع السجدة من قراءة غيره، وهو في الصلاة، هل له أن يسجد وهو في صلاته؟ قال: ليس له ذلك، ويؤخر السجود حتى يسلم، ويسجد للسجدة فيما قيل عندي، قلت له: أرأيت إن جهل وسجد حين سمعها، هل عليه بدل؟ قال: قد قيل إن عليه البدل فيما عندي. (14/42)
صفحة 3459
في السجدة أيضا
-من كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في الحائض تسمع السجدة؟ فقال عطاء بن أبي رباح وأبو قلابة والزهري وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة: ليس عليه أن تسجد، وبه قال مالك بن أنس وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي، وقد روينا عن عثمان بن عفان، أنه قال: تومئ برأسها، وبه قال سعيد بن المسيب، قال: تقول: سبحانك اللهم ولك سجدت.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا، إن الحائض إذا سمعت السجدة أنه لا سجود عليها؛ لأنه لا صلاة عليها في المكتوبة، وغير مأذون لها في الصلاة في معنى التطوع، وقال من قال: إذا طهرت واغتسلت سجدت، وهذا لا يخرج عندي إلا استحبابا، ولا أعلم من قولهم أنها تسجد وهي حائض، فإن أومأت برأسها طاعة لله وسبحته بغير سجود عندي حسن، وأما إذا سمعتها وقد طهرت من الحيض، فمعي؛ إن عليها إذا اغتسلت أن تسجد، وكذلك قيل في الجنب إنه إذا سمعها، فإذا اغتسل سجد، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الجنب يسمع السجدة وهو على غير وضوء، فقالت طائفة: يتوضأ ويسجد، هكذا قال إبراهيم النخعي وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي، وقد روينا عن النخعي قولا ثانيا وهو أن يتيمم ويسجد، وقد روينا عن الشعبي قولا ثانيا، وهو أن يسجد حيث كان وجهه.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا نحو ما حكي، أنه يتوضأ ويسجد، ولا يسجد إلا على وضوء وقيل يتيمم ويسجد إن كان غير جنب ولا حائض، وقال من قال: يسجد على حاله؛ لأنها ليست بمنزلة الصلاة وإنما هي ذكر، كذلك قيل في سجودها؛ إن الساجد لها لا يسجد لها إلا إلى القبلة، وينحرف إلى القبلة حيث كان وجهه، وقال من قال: يسجدها (14/43)
صفحة 3460
حيث كان وجهه؛ لأنها ليست بمنزلة الصلاة، وإنما بمعنى الذكر، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في المرء يسمع السجدة، وهو في الصلاة فكان إبراهيم النخعي يقول: لا يسجد إلا أن يكون ساجدا، وقال الحكم بن عتبة وحماد: يسجد، وقال الحسن البصري وابن قلابة وجابر: لا يسجد، وقد روينا عن ابن سيرين أنه قال: يسجد إذا انصرف.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معنى الاتفاق من قول أصحابنا إنه إذا سمع السجدة وهو الصلاة أنه لا يسجد، وذلك عندي يخرج في الاتفاق في الفريضة والسنن اللازمة، ويخرج عندي؛ إنه إذا سجد إن عليه الإعادة. ومعي؛ إنه إن وافق سجود الصلاة الاستماع للسجدة فسجد للفريضة، إن ذلك يجزيه في بعض القول؛ لأنه قد سجد عند استماع السجدة، وأرجو أن يجوز له أن يدخل اعتقاد السجدة معنا، ولا أحب له ذلك، فإن فعل رجوت أنه يسعه، وأما في النافلة من الصلاة فيعجبني أن يجوز له السجود، ويلحقه عندي معنى الاختلاف أن يسجد في النافلة سجدة القرآن، وكان ذلك عندي فضلا. ومعي؛ إنه يخرج في قولهم إنه إذا لم يسجد لمعنى الصلاة أنه إذا سلم سجد. ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في السجود بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح، فكرهت طائفة أن تقرأ السجدة في هذين الوقتين، كره ذلك مالك بن أنس وقال أحمد بن حنبل: لا تقرأ السجدة ولا يعيدها، وقال إسحاق بن راهويه: يعيدها إذا غربت الشمس، وقال أبو ثور: لا يسجد في هذين الوقتين، وروينا كراهية ذلك عن ابن عمر، وكان ابن المسيب ينهى عن ذلك، ورخصت طائفة في ذلك، قال الشعبي: إذا قرأت القرآن فأتيت على السجدة فاسجد على أي ساعة كانت، وسجد الحسن البصري بعد العصر ورخص عطاء وسالم بن عبد الله والقاسم وعكرمة في السجود في هذين الوقتين. وقال إبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان: إذا كان في وقت صلاة فلا بأس، وقال الشافعي: في هذين الوقتين، وقال أصحاب الرأي: إذا كان بعد العصر قبل أن تغرب الشمس وبعدما يصلي الفجر قبل أن تطلع الشمس سجدها. (14/44)
صفحة 3461
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا معنى الاختلاف في سجود السجدة بعد صلاة الفجر والعصر، ويعجبني جواز ذلك لثبوت السنة في سجودها، وإطلاق القراءة على كل حال، ويخرج ذلك من معنى الصلاة، وإنما هو على معنى الذكر والطاعة، ولا نعلم الصلاة تقع أقل من ركعة تامة، وإنما يثبت معنى النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر والفجر، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في عدد سجود القرآن، فروينا عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يعدان سجود القرآن، فقال: (الأعراف والرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والحج، أولها والفرقان وطس وألم تنزيل وص وحاميم السجدة) إحدى عشرة سجدة، وقد روينا عن ابن عباس رواية أخرى أنه عدها عشرا، ويسقط السجود في (ص) واختلفوا عن ابن عمر في السجدة الثانية من الحج، فقالت طائفة: سجود القرآن أربع عشرة سجدة، في الحج سجدتان، وفي المفصل ثلاث، وليس (ص) منها شيء، هكذا قال الشافعي، ووافق أبو ثور الشافعي في عدده، غير أنه أثبت السجود في (ص) وأسقط السجود في سورة النجم، وقال إسحاق: في سجود القرآن خمس عشرة سجدة: (الأعراف والرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والحج سجدتان، وفي الفرقان والنمل وألم تنزيل السجدة، وفي (ص) وحاميم السجدة، وفي النجم وفي إذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك الذي خلق) ووافق أصحاب الرأي إسحاق في كل ما قال؛ إلا السجود في الحج؛ فإنهم قالوا: فيها سجدة واحدة.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج معنى الاتفاق مما أدركنا عليه الثابت في مصحفنا، بلا معنى اختلاف في مصحف من المصاحف، ولا قراءة ثبوت ما يروى في أول الفصل عن ابن عباس وابن عمر، أن سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، وهي: (في الأعراف سجدة في آخرها وفي سورة الرعد سجدة على نحو العشرين آية وفي النحل سجدة على نحو الأربعين منه، وفي بني إسرائيل سجدة، وهي عند تمامها، وفي مريم سجدة وهي منها بعد الأربعين آية، وفي الحج سجدة، وهي منها على نحو من اثنين وعشرين آية، وفي سورة الفرقان سجدة، وهي فوق الخمسين آية (14/45)
صفحة 3462
منها، وفي سورة النمل سجدة، وهي منها فيما دون العشرين آية، وفي سورة ألم السجدة فوق العشر آيات، وفي ص سجدة، وهي منها فيما دون العشرين آية، وفي حم السجدة على نحو ثلاثة آية) فهو الذي عليه الاتفاق من قول أصحابنا، لا اختلاف في معنى ثبوت السجود في هذه الإحدى عشرة سجدة التي ذكرناها، وما سوى ذلك فمن سجد في شيء منه، فحسن ذلك، ما لم يتخذ ذلك دينا أو يخطئ من تركها، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الآية التي يسجد فيها من (حم) السجدة؟ فقالت طائفة: يسجد في الأولى منها: (إن كُنتُم إيَّاهُ تعبدُونَ (ويروى هذا القول عن ابن عمر، وبه قال الحسن البصري وابن سيرين وأصحاب الرأي وعبيد الله، وقال الأعمش: أدركت إبراهيم وأبا صالح وطلحة والزبير يسجدون الأولى، وبه قال مالك بن أنس والليث بن سعد، وقالت طائفة: السجدة فيها عند قوله: (وَهُمْ لاَ يسْأَمُونَ (وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وابن سيرين وأبي وائل، وبه قال سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه، وكان أحمد بن حنبل يقول في سجود القرآن ما يقول في سجود الصلاة، وقال إسحاق: ليقل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره إلى رب ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».
قال أبو سعيد: ومعي؛ إنه يخرج في معنى سجدة (حم) أن السجود منها على تمام الآية (وَهُمْ لاَ يسْأَمُونَ (وأما ما يقال في السجود، فمعي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا، إنه ما يقال في سجود -لعله- السجدة ما يقال في سجود الصلاة، ومعي؛ إنه إن سبح بغير ذلك التسبيح أجزأه ذلك إن شاء الله. ومنه؛ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في (ص) واختلفوا في سجود (ص) فروينا عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان أنهم سجدوا فيها، وبه قال جماعة من التابعين، وهو قول سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وفيه قول ثان، وهو أن لا سجود في (ص) وممن كان لا يسجد فيها ابن مسعود وعلقمة، وبه قال الشافعي، قال أبو بكر: القول الأول أصح؛ لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. (14/46)
صفحة 3463
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في مصحفنا معنى الاتفاق في القراءة، إن السجدة سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن من تركها دانيا أو استخفافا بثوابها كان هالكا، ومن تركها على غير ذلك، فهو خسيس الحال، ولا يبلغ به ذلك إلى براءة، ولا إلى ترك ولاية، ومنه؛ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ (النجم) فسجد له، واختلفوا في سجود (النجم) وكان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وابن مسعود وعبد الله بن عمر يسجدون في (النجم) وبه قال سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأصحاب الرأي، وقال مالك بن أنس: ليس في المفصل سجود، وقال الأوزاعي وأبو ثور: أن يسجد فيها فسحن. قال أبو بكر: السجود فيها أحب إليّ.
قال أبو سعيد: لا أعلم في قول أصحابنا ثبوت سجود في سورة (النجم) وإن كان القراءة فيها أشبه بمعنى السجود، فإن سجد ساجد بمعنى الطاعة لله لم يبن لي في ذلك أنه مخالف للحق، فأرجو له الثواب، وإن ترك ذلك فلا أعلمه مما قال أصحابنا إنه موضع السجود. ومنه؛ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في (إِذا السَّمَاءُ انشقَّت (وممن كان يسجد فيها عمر بن الخطاب وابن مسعود وعمار بن ياسر وابن عمر وأبو هريرة، وبه قال عمر بن العزيز، وغير واحد من التابعين، وسفيان الثوري والشافعي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقالت طائفة: ليس في المفصل سجود، وأنا ذاكر قولهم بعد هذا إن شاء الله.
قال أبو سعيد: معي؛ إن القول في هذا كالقول في سورة (النجم) ولا أعلمه في قول أصحابنا، ومنه؛ قال أبو بكر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم، أن السجود في السجدة الأولى من (الحج) ثابتة، وممن ثبت ذلك عنه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس، وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمر وأبي الدرداء وأبو عبد الرحمن وورد بن حسن وأبي العالية، وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقالت (14/47)
صفحة 3464
طائفة: في (الحج) سجدة واحدة، كذلك قال سعيد بن جبير والحسن البصري، وإبراهيم النخعي وجابر بن زيد وأصحاب الرأي، وقد اختلف فيها عن ابن عباس قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في مصحفنا الذي نحن عليه من قراءتنا، إن السجدة ثابتة في أول (الحج) وهو قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ (إلى تمام الآية (الحج:18)، فهذا معنا سجدة، وثابت السجود لقراءتها في معنى السنة الذي ذكرنا، ولا نعلم في ذلك اختلافا، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في السجود في (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ((العلق:1)، فكان علي بن أبي طالب وابن مسعود يقولان: عزائم السجود أربع، فذكر منها: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (، وروينا عن عقبة بن عامر أنه قال: من لم يسجد فيه فلا أرى عليه أن يقرأها، وكان الشافعي وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأصحاب الرأي، يرون السجود فيها، وقالت طائفة: ليس في المفصل سجود، وممن روينا عنه أنه قال ذلك، أبيّ بن كعب وعبد الله بن عباس والحسن البصري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وطاووس، وقال أبو بكر: يسجد فيها، للثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيها.
قال أبو سعيد: هذا مثل ما مضى في سورة (النجم) (وإذا السماء انشقت)، ومنه؛ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته تطوعا مسافر يومئ إيماء، فلا بأس من قرأ سجدة من القرآن أن يسجد، وهو على رحلته يومئ إيماء، وممن روينا عنه أنه فعل ذلك، علي بن أبي طالب وسعيد بن زياد وابن الزبير وابن عمر والنخعي وعطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس والشافعي وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه كذلك يخرج في قول أصحابنا: إنه من قرأ السجدة وهو راكب فليسجد ويومئ إيماء لسجوده، ولا أعلم في ذلك اختلافا في إجازته، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في سجود الماشي يقرأ السجدة؟ فقال (14/48)
صفحة 3465
لأسود بن زيد: يومئ، وفعل ذلك علقمة وأبو عبد الرحمن، وهو مذهب عطاء بن أبي رباح ومجاهد، وقال أبو العالية وأبو ثور وخرثمة بن عمر وابن جريب، وأصحاب الرأي يسجد، ولا يومئ، وإن لم يمكنه السجود لموضع عذر ففي بعض القول إنه يومئ على أي حالة، وفي بعض القول إنه إذا أمكنه السجود سجد، والإيماء مع العذر أصح عندي؛ لئلا يبقى عليه معنى عمل قد ثبت فيه سبب العذر في وقته، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في التكبير لسجود القرآن، فقال ابن سيرين وأبو قلابة وإبراهيم النخعي والحسن البصري ومسلم بن سيار وأبو عبد الرحمن السلمي، يكبر إذا سجد، وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأصحاب الرأي يقولون: يرفع رأسه من السجود ويكبر، وقال مالك بن أنس كقولهم، إذا كان القارئ في الصلاة، ويضعف ذلك إذا كان في غير الصلاة، وقد اختلف عن مالك في التكبير للسجود إذا كان في غير صلاة، وكان الشافعي وأحمد بن حنبل يقولان: يرفع يديه إذا أراد أن يسجد.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا بمعنى الاتفاق أن الساجد لسجدة القرآن يسجد بتكبيرة، ويرفع رأسه بتكبيرة؛ ولو كان في غير الصلاة، وأما في الصلاة، فلا أعلم أن ذلك يسع تركه إذا كان في الفريضة؛ لأنه قد ثبت في قولهم: إنه إذا قرأ السجدة في الفريضة أن يسجد، ولولا أنها لازمة في الصلاة لما جاز إدخالها في الصلاة، وقد قال كثير من أهل العلم، إنه حد؛ أعني السجدة من السجدتين، ويخرج معنى الاتفاق أنه لا يجوز لأحد أن يزيد في الصلاة حدا من الحدود، وليس هو فيه، فلما أن ثبت الاتفاق إجازتها في صلاة الفريضة ثبت أنها من الصلاة غير القراءة لها، وإنها ليست بزيادة في الصلاة، وثبت أنه لا يجوز السجود في الصلاة، ولا القيام عنه إلا بالتكبير، فإذا كان ثابتا في الصلاة الفريضة فمثله في غير الصلاة في السنة والفضيلة، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلف أهل العلم في السجدة يسمعها المرء ولم يجلس لها، فقالت طائفة: إنما السجدة على من استمع، كذلك قال عثمان بن عفان، وقال (14/49)
صفحة 3466
ابن عباس: السجدة على من جلس لها، وروي ذلك عن عمران بن الحصين، وقال مالك: ليس على من سمع سجدة من إنسان قرأها، ليس له بإمام أن يسجد، وبه قال الشافعي وأبو ثور، وقال الشافعي: إن سجد فحسن، وقال أصحاب الرأي في رجل قرأ السجدة ومعه قوم قد سمعوها: إنهم يسجدون معه، وإن سمعوا سجدة غيرها، فعليهم أن يسجدوا، وقالت طائفة: إنما السجدة على من سمعها، كذلك قال ابن عمر، وقال إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ونافع: من سمع السجدة فعليه أن يسجد، وبه قال إسحاق وابن راهويه وأبو ثور، وقال الشافعي: من سمع رجلا يقرأ في الصلاة سجدة، فإن كان جالسا إليه يسمع قراءته فيسجد، فليسجد معه، فإن لم يسجد فأحب المستمع أن يسجد فليسجد.
قال أبو سعيد: معي؛ في قول أصحابنا أنه لا تجب السجدة إلا لمن قصد الإصغاء إليها والاستماع لها، كأنه يريد على معنى الاستماع للسجود، ومن استمعها لغير هذا على غير هذا المعنى لم يكن عليه سجود، وفي بعض قولهم: إن كل من سمعها ولو لم يقصد بالإصغاء والإنصات إليها، فعليه السجود، حتى قال من قال: منهم: إنه من كان في مجلس فيه ذكر، وقراءة فقرئت فيه السجدة فيسجد الناس، فعليه أن يسجد لسجودهم، بمعنى المشاركة لهم؛ ويخرج في بعض قولهم: أن ليس عليه أن يسجد لمن لا يكون إماما له، وهو مثل المرأة والصبي يقرآن السجدة، فليس له ولا عليه، أن يسجد لقراءتها، ولكن يقرأ السجدة هو ويسجد، فهو موضع ما حكي عن مالك، أنه ليس على من يسمعها ممن لم يكن له بإمام سجودها، وقال من قال: عليه السجود جميع من سمعها من رجل أو امرأة أو صبي، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في التسليم في سجود القرآن، فقال ابن سيرين وأبو قلابة وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو الأحوص: يسلم إذا رفع رأسه من السجود، وبه قال إسحاق بن راهويه، فقال: يسلم عن يمينه، السلام عليكم، وقال إبراهيم النخعي والحسن البصري وسعيد بن جبير ويحي بن وثاب والشافعي: ليس في سجودها تسليم، قال أحمد بن حنبل: أما التسليم لا أدري ما هو. (14/50)
صفحة 3467
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا الاختلاف في التسليم عن سجود القرآن، ومعي؛ إنه قد قيل: إن عليه التسليم؛ لأنه يشبه معنى الصلاة، وليس عليه تسليم؛ لأنه ليس مجرد كالصلاة، ويعجبني هذا، ومنه؛ ذكر اختصار السجود، قال أبو بكر: وكره ذلك الشعبي وابن سيرين والحسن البصري وأحمد حنبل وإسحاق، وفسر ذلك أحمد قال: إنما هو أن يقرأ آية أو آيتين قبل ذلك فهو أحب إليّ، وقال ابن الحسن نحوا من قوله، ورخص فيه أبو ثور، وقال إن شاء سجد، وإن شاء لم يسجد.
قال أبو سعيد -رحمه الله-: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بمعنى إجازة ذلك، إذا قصد به الفضل للسجود؛ لأن السجود سنة، والقراءة لغير معنى ثبوت شيء، ومن الأمور ولا يخرج إلا فضيلة، والسجود أكبر من معنى لإطلاق القراءة، وكذلك روي عن بعض أهل العلم، إنه كان يتوخى السجود من القرآن، في كل ركعة واحدة من صلاة الليل، ويسجد السجدات بمعنى الفضل، وكذلك لو توخى عندي في القراءة يريد بذلك الفضل، كان عندي جائزا وفضلا.
مسألة: -ومن كتاب محمد بن جعفر- ومن تهجى السجدة، فلا أبصر عليه سجودا، وكذلك عن أبي عبد الله -رحمه الله- أنه من تهجى السجدة، أو كتبها فليس عليه سجود؛ إلا أن يجهر بها، ومن يتعلم القرآن فيمر بالسجدة، فقيل يسجد مرة واحدة ثم يعيدها، ولا يسجد ما كان في ذلك المكان، وعلى المرأة أن تسجد لقراءة السجدة مثل ما على الرجل، ومن ترك سجودها فمنزلته خسيسة، ولا أعلم أنه يبرأ منه من ذلك، إلا أن يضلل من سجدها.
مسألة: وسئل أبو سعيد؛ عن رجل في الصلاة يسمع السجدة من قارئ، وهو في سورة فيها سجدة، فمر هو بالسجدة التي في السورة، في حين ما سمع السجدة الأخرى من قراءة غيره فسجد في حين سجود القارئ، هل عليه أن يسجد إذا سلم لقراءة السجدة التي سمعها؟ قال: معي؛ إن عليه ذلك، ولا يجزي عنه سجوده، وهو لقراءة نفسه، قلت له أنا: أرأيت لو كان في هذه (14/51)
صفحة 3468
السورة التي كان القارئ فيها، فمرا جميعا بالسجدة في وقت واحد، فقرأ الآخر والمصلي، هل عليه إذا سلم أن يسجد لاستماعه تلك السجدة من قراءة غيره؟ قال: يعجبني أن يكون إذا كان في وقت واحد أن يجزيه ذلك؛ لأنه قد سجد للقراءة والاستماع، قلت له: فإن قرأ المصلي تلك التي سمعها من القارئ في الصلاة، وسجد قبل أن يقرأها القارئ أو بعده، هل عليه إذا سلم أن يسجد لاستماعه ولقراءته في الصلاة، ويسجد لذلك كله سجدة بالنية؟ فأرجو أن يجزيه، ولا يعجبني له ذلك، إلا أن يكون في نافلة، فيعجبني أن يجوز له ذلك، لأنها طاعة. (14/52)
صفحة 3469
الباب السابع
في صلاة السفر والقصر
واجب على كل مسافر، وهو بالخيار بين الجمع والقصر والإفراد، إن شاء قصر وصلى كل صلاة في وقتها، وإن شاء جمع بين الصلاتين قصرا، فمن أراد أن يجمع بين الصلاتين قصرا صلى الظهر والعصر جميعا في وقت كل واحدة منهما ركعتين، كلما فرغ من واحدة منهما سلم، يبدأ بالظهر ثم العصر، ولا يركع بينهما ركعتي الظهر، وكذلك العشاء والعتمة، إن أراد أن يصليهما بالجمع صلاهما جميعا في وقت واحد، يصلي المغرب ثلاثا والعتمة اثنتين، كلما صلى واحدة منهما سلم، يبدأ بالعشاء الأولى ثم العتمة، ولا يركع بينهما ركعتي العشاء الأولى شيئا، وإذا سلم العتمة صلى الوتر واحدة، وأما صلاة الغداة فلا تجمع مع شيء من الصلوات، ومن أراد أن يصلي قصرا ولا يجمع الصلاتين صلى كل صلاة في وقتها صلاة الظهر ركعتين، وهي صلاة الفرض ثم سلم وركع بعدها ركعتي الظهر، فإذا جاء وقت العصر صلاها وحدها ركعتين، وإذا جاء وقت العشاء الأولى صلاها تماما، وإذا جاء وقت العتمة صلاها وحدها ركعتين، ثم يسلم ويصلي الوتر بعد العتمة ثلاثا، وإن شاء أوتر بواحدة فقد أجاز ذلك المسلمون، وله أن يصلي الوتر أي وقت شاء من الليل ما لم يطلع الفجر.
مسألة: والمسافر إذا كان نيته أن يفرد الصلاة فتوانى حتى ذهب وقتها، ودخل في وقت الآخرة، ثم أراد أن يجمع فجائز له ذلك. (14/53)
صفحة 3470
مسألة: وإذا سافر قوم فصلوا صلاة السفر، ثم رجعوا حتى كانوا قريبا من مصرهم، فحدثوا بحديث من وباء وغيره فكرهوا قدومه، فأقاموا مكانهم، فإنهم لا يتمون الصلاة، حتى يدخلوا في مصرهم.
مسألة: وللمسافر أن يقصر الصلاة في أحد شيئين، إما في واجب، وإما في مباح، وأما إذا كان محصورا مما نهى الله عنه فلا يجوز له أن يقصر، كالعبد يأبق من سيده، والمرأة تنشز من زوجها، والرجل يهرب عن غريمه، وهو يطيق لأداء حقه، واللص يخرج قاطعا لطريق المسلمين، فهذا كله لا يجوز لمن سافر فيه أن يقصر، فمن قصر أعاد، وقال -في الجامع-: وقصر الصلاة في أي سفر كان المسافر في سفره طائعا أو عاصيا إذا كانت الصلاة عليه في جميع أحواله مطيعا كان أو عاصيا، والموجب عليه التمام في حال سفره إذا خرج عاصيا محتاج إلى دليل.
مسألة: والقراءة في صلاة السفر هي القراءة في صلاة الحضر سواء.
مسألة: وإذا قدم المسافرون الأمصار، فلا يؤذون للأولى في يوم الجمعة بالأولى في الأمصار سوى أذان الجمعة، وليصلوا فرادى، وجائز للمسافر إن شاء جمع، وإن شاء صلى يوما قصرا ويوما جمعا إذا كان في البلد. (14/54)
صفحة 3471
الباب الثامن
في صلاة المسافر
أحسب عن أبي إبراهيم، في امرأة مسافرة، وكانت تصلي العتمة ولا تقرأ فيها شيئا من القرآن غير فاتحة الكتاب؟ قال: ليس عليها إلا بدل الصلاة، ولا كفارة عليها، وقال: يوجد عن سليمان بن عثمان أنه قال: إنما الكفارة على من ترك الصلاة متعمدا، وفي موضع عنه أنه إذا تركها متعمدا بديانة.
مسألة: فإذا حضر المسافر صلاة الجمع الظهر والعصر فتركهما عامدا، فعليه كفارة واحدة مع البدل والتوبة يجزي، وقد قيل: يلزمه كفارات، لكل صلاة كفارة.
مسألة: والقصر في كل صلاة تكون أربع ركعات، فما كان أقل من ذلك فلا قصر فيه.
مسألة: وعن رجل مسافر ومعه دابة، وحان له وقت الصلاة، وليس معه من يمسك له دابته، ولم يجد ما يربطها به من شجرة أو غيرها، كيف يصلي؟ قال: ما أمكنه، قلت: يمسك حبل الدابة ويصلي؟ قال: نعم، قلت: فإن جرته الدابة فجرها؟ قال: لا، ولكن يمسك الحبل بيده، ويده فيها الحبل ويصلي، قلت: فإن جرته ولم يمكنه إلا أن يجذبها؟ قال: الله أعلم.
ومن غيره؛ قال: الذي معنا أنه إذا جرها فقد عمل في صلاته، فإن جذبها (14/55)
صفحة 3472
أعاد صلاته، إلا أن يخاف فوت الوقت فإنه يصلي كما أمكنه ولو جذبها ويخاف فوت أصحابه أو خوف الطريق فإنه يجذبها ويتم صلاته كما أمكنه.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- قال الله تبارك وتعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ((النساء:101)، فأباح القصر المذكور في الآية بشرط الخوف، فجعل القصر إباحة للخوف، وأما صلاة السفر فليس عندي تقصر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى صلاة السفر تماما غير قصر، في رواية جابر بن عبد الله عن صلاة السفر، أقصرها يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «لا إن الركعتين في السفر ليستا بقصر وإنما القصر واحدة عند القتال». –ومن الكتاب- وحد السفر عندي فرسخان مع انقطاع العمار، وهو أقل ما يقع عليه اسم السفر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فصار بذي الحليفة حاجا أو غازيا قصر؛ وقصر الصلاة في أي سفر كان المسافر في سفره، طائعا أو عاصي، إذا كانت الصلاة عليه في جميع أحواله، مطيعا كان أو عاصيا، والموجب عليه التمام في حال سفره إذا خرج عاصيا محتاج إلى دليل، وقد أجمع المنسوبون إلى العلم معنا، إلا ممن لا يعد خلافه خلافا أن للمسافر أن يقصر الصلاة مع الأمن من فتنة الكافرين، لما روي عن أحد الصحابة قال: سألت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين، قال الله عز وجل: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ (ونحن اليوم نقصر مع الأمن، فقال عمر: عجبت مما عجبت، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»، يعني الرخصة؛ لأن الصدقة تفضل، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم الرخصة باسم الصدقة؛ لأنها تفضل، وأول الرخصة في تقصير الصلاة كان لأجل الخوف من الذين كفروا أن يفتنوهم، وأن يحملوا عليهم في صلواتهم، وتشاغلهم بها، ثم جعل الله هذه الرخصة ثابتة وإن أمن الناس، وأما الجمع في الحضر الذي ادعاه بعض مخالفينا، مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في الحضر، فالله أعلم، كيف كان جمعه، إن كان ما رووه صحيحا، وقد أجاز بعض أصحابنا الجمع للمستحاضة في الحضر، (14/56)
صفحة 3473
لروايات يثبت عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بإجازة ذلك، وقد أجاز أصحابنا الجمع للمطبون في الحضر، والصحيح في اليوم المطير للمشقة والضرورة، أو لخبر عندهم في ذلك، وعندي أن الله له أن يبتلي هؤلاء بأعظم من هذا، وإن كان عليهم في ذلك مشقة، إذا صلوا كل صلاة في وقتها، وهم مقيمون. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: من جمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر، فقد أتى بابا من أبواب الكبائر.
مسألة: وجدت في بعض الكتب –من كتاب الشيخ- اللهم نيتي واعتقادي في سفري هذا أن مذ تزول الشمس إلى وقت غروبها، هو وقت لصلاتي الظهر والعصر، ومذ تغرب الشمس إلى ثلث الليل، فهو وقت لصلاتي المغرب والعشاء الآخرة، وهي نية كافية تقولها عند خروجك من العمران هكذا.
-ومن كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلف أهل في المقدار الذي يجب على المسافر إذا قام ذلك المقدار إتمام الصلاة؟ فقالت طائفة: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة، روينا هذا القول عن ابن عمر وبه قال سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وقالت طائفة: إذا جمع إقامة اثنتي عشرة ليلة، أتم الصلاة، هذا قول ابن عمر آخر أقاويله، وما الأوزاعي إلى هذا القول، وقالت طائفة: إلى هذا القول، وقالت طائفة: إذا عزم على مقام عشر ليال أتم الصلاة، وهذا قول الحسن، وبه قال محمد بن علي، وقالت طائفة: إذا أقام أكثر من خمس عشرة ليلة أتم الصلاة، هذا قول الليث بن سعيد وفيه قول خمس وهو أن من أقام أربعا هذا قول مالك بن أنس وأبي ثور، وهو أن من أقام أربعا صلى أربعا، وفيه قول سادس قاله أحمد بن حنبل قال: إذا أجمع لعشرين صلاة مكتوبة قصر، وإذا عزم أن يقيم أكثر من ذلك أتم، وقد روينا عن سعيد بن المسيب في هذه المسألة أربع روايات، أحدها كقول الثوري، والثاني كقول مالك، والثالث قال: إذا وطنت نفسك بأرض أكثر من ذلك فأتم، والقول الرابع: إذا أقام المسافر ثلاثا أتم، وقال الحسن البصري، يصلي ركعتين إلى أن يقدم مصرا من الأمصار، وفيه (14/57)
صفحة 3474
قول عاشر، وهو قول من فرق بين الخوف والمقام بغير الخوف في الخوف، وقال الشافعي: وقد كان، وكل ما كان غير مقام حرب ولا خوف قصر، فإذا جاوز مقامه أربعا، أحببت أن يتم، فإن لم يتم أعاد، وليس يحسب اليوم الذي كان فيه سائرا، ثم قدم ولا اليوم الذي فيه مقيم ثم سار، فإذا كان مقامه لحرب أو خوف فقصر ما بينه وبين ثماني عشرة ليلة، فإن جاوزها أتم، وفيه قول إحدى عشرة روي ذلك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: من أجمع إقامة يوما وليلة صلى صلاة القصر، وعليه الصوم.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا أن المسافر عن وطنه إلى حيث يجب عليه القصر على حكم السفر، وصلى السفر لا غاية لذلك من قولهم إلى أن يجمع مقاما لا غاية له أو يتخذ الموضع دارا ووطنا، ثم هنالك يرجع إلى التمام بمعنى اتخاذ الوطن، وبمعنى الإقامة الذي يجب بها التمام، ولا أعلم من قولهم يخرج أحد ما قيل، وحكي من هذه الأقاويل إذا كان للمرء ببلد يتخذه وطنا، ومقيما فيه، فسافر عنه سفرا يجب فيه القصر.
مسألة: -ومن كتاب الضياء- وقال جابر في الذين يخرجون سفرا في تجارة لهم فيقيمون الخمس السنين والعشر، أنهم في سفر، وعليهم أن يصلوا قصرا.
-ومن كتاب الإشراف- خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة في حجة الوداع، فقصر الصلاة، وأجمعوا على أن من سافر مثل هذه المسافة أن يقصر الصلاة، إذا كان خروجه فيما تقدم معناه، واختلفوا فيمن سافر في هذه المسافة. فقال مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق يقولون: من سافر مسير أربعة برد، فله أن يقصر الصلاة، واحتجوا بأخبار رويت عن عمر وابن عباس في هذا الباب، وقالت طائفة: يقصر الصلاة في سفرة يومين، ولم يذكر الأميال، هذا قول الحسن البصري والزهري، وفيه قول ثالث، وهو أن يقصر الصلاة في مسيرة يوم تام، ثبت أن ابن عمر كان يقصر الصلاة إذا خرج إلى أرض يسير إلى اذريبجان، وهي ثلاثون ميلا، وروي عن ابن عباس أنه قال: يقصر فيما دون ذلك. وفيه قول رابع: من (14/58)
صفحة 3475
سافر ثلاثا قصر، روي هذا القول عن ابن مسعود، وبه قال الثوري والنعمان وابن الحسين، وقال النعمان: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل، ومشي الأقدام، وكان الأوزاعي يقول: قصر الصلاة فيما بينه وبين خمسة فراسخ، فذلك خمس عشرة ميلا، وكان قبيصة بن ذويب وهاني بن كلثوم وعبد الله بن محريز يقصرون الصلاة فيما بين الرملة وبين المقدس، وقال الأوزاعي وعامة العلماء يقولون مسيرة يوم تام، وبهذا نأخذ.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن السفر الذي يلزم فيه القصر، ويجب هو ستة أميال، وهو فرسخان، وجاء ذلك من قولهم يرفع عن ابن عباس وابن عمر جميعا، ولا بينهم في ذلك اختلاف، ولا يعجبني على كل حال، وإن كان قد اتفق قولهم على هذا، أن يتخذ دينا يخطأ عما سواه، ولكنه لما لم يأت في ذلك حد محدود، من كتاب أو سنة منصوصة أو إجماع فيه باختلاف، فكان مما يلزم العمل، بل ثبت فيه معنى الاجتهاد في النظر، لأداء الفرائض في التمام والقصر لثبوتهما مفترقين.
مسألة: وسألت عن رجل خرج من بلده إلى بلد آخر، لا يتعدى فيه الفرسخين حتى تعدى نصف ذلك البلد أو ثلثه ثم تعدى الفرسخين، ما تكون صلاة هذا، إذا تعدى الفرسخين في هذا البلد الثاني تماما، حتى يخرج من عمران البلد، وقد تعدى الفرسخين، وقيل: إذا تعدى الفرسخين من عمران بلده قصر حيثما كان من عمارة أو غيرها، قلت له: فعلى قول من يقول: إنه يصلي قصرا إذا تعدى الفرسخين إذا عاد رجع فدخل في الفرسخين في ذلك البلد، أيكون على القصر أم يرجع إلى التمام، إنه دخل في الفرسخين، قال: معي؛ إنه على هذا القول يصلي قصرا إذا تعدى الفرسخين، إلى أن يرجع إلى عمران بلده في بعض القول. قلت: فلو كان بلد طوله عشرة فراسخ في اتصال العمران ببعضها بعضا، فإذا خرج خارج من أوله إلى أقصاه في حاجة وتعدى في ذلك أكثر من فرسخين ما يصلي تماما أو قصرا؟ قال: معي؛ إنه ما دام في البلد الواحد فهو يصلي تماما؛ لأن بلده على حسب (14/59)
صفحة 3476
ما قال، ولو طال واتصل. قلت: فإذا جاء المسافر من سفره فدخل قبل القرية المعمورة موضعا فيه عمارة، وهو منقطع عن البلد مثل أجيلة بهلا، وأجيلة سيفم، أهو على القصر حتى يدخل البلد المعروف، أم يجب عليه التمام بدخوله هذا الموضع الذي وصفت لك، إذا كان مضافا إلى البلد المعروف أم لا؟ قال: معي؛ إنه إذا لم يكن من البلد، وكان منقطعا عنه عمارته وتسميته فهو كغيره من البلدان، إن صغر أو كبر ولو قرب منه. (14/60)
صفحة 3477
الباب التاسع
في تكون نيته أن يتعدى الفرسخين
أو ليس له نية أو أشكل عليه الفرسخان
وإذا أشكل على المسافر وقت حضور الصلاة، فلم يدر الموضع الذي هو فيه، يكون من بلده فرسخان أو أقل أو أكثر، فإنه يصلي تماما، حتى يعلم أنه قد تعدى الفرسخين.
مسألة: ومن خرج من بلده يريد الحطب لأهله، ولا يعرف حد القصر، أو اشتبه عليه، فإذا أتى على الفرسخين فليقصر، وما اشتبه عليه من ذلك فليتم حتى يستبين منتهى الفرسخين، وقال أبو محمد: إذا كان الإنسان قد خرج من حد بلده ولا يعلم أنه صار موضع القصر فأخبره جماعة، واحد منهم ثقات أو غير ثقات، أنه قد صار في حد ما يجب القصر فقوله حجة.
مسألة: ومن أشكل عليه الموضع في التمام أو القصر، فالتمام أولى به، فإن علم بعد ذلك، أو أخبره ثقة أنه قد جاوز الفرسخين أعاد الصلاة قصرا.
مسألة: وعن أبي معاوية، وعن رجل سافر إلى موضع اشتبه عليه أن يكون فرسخين أو أقل أو أكثر؟ قال: يصلي تماما حتى يستيقن أنه جاوز الفرسخين.
مسألة: قلت لأبي سعيد: ما تقول فيمن سار حول القرية حتى تعدى (14/61)
صفحة 3478
فرسخين وهو لا يريد تعديهما، ما يصلي تماما أو قصرا؟ قال: معي؛ إنه إذا تعدى الفرسخين سائرا فعليه القصر فيما عندي أنه قيل، قلت له: أرأيت إن نوى أنه تعدى الفرسخين في مشيه ذلك في الخراب حول القرية، هل له أن يقصر من حين ما يخرج من العمران سائرا؟ قال: معي؛ إنه إذا نوى تعدي الفرسخين كان له أن يقصر حينما يخرج من العمران ورأيته يجعل هذا كذلك. (14/62)
صفحة 3479
الباب العاشر
في الذي تكون نيته أن يتعدى الفرسخين
أو تكون له نية الوصول إلى الفرسخين
وسئل عن الذي خرج في حاجة له، ولم ينو السفر ولا يتعدى الفرسخين، فمضى حتى جاوز الفرسخين ثم رجع، فدخل عليه وقت الصلاة وهو في أقل من فرسخين، قال: عليه القصر.
مسألة: وعن الرجل يريد أن يسير فرسخين، أو أكثر من ذلك أراد أبعد من الفرسخين، صلى حين يخرج من حدود قريته ركعتين، وإن كان إنما يريد فرسخين، لم يصل ركعتين حتى يصل رأس الفرسخين.
مسألة: وسألته عمن أراد سفرا يتعدى فيه الفرسخين، أيقصر إذا خرج من العمران، أم حتى يتعدى الفرسخين؟ قال: قد قيل: إذا خرج من العمران، قلت له: فعلى قول من يقول إنه إذا خرج من العمران من تلقاء وجهه، وكان عن يمينه وشماله نخل ومنازل متصلة بالعمران، أيجوز له القصر هنالك، أم حتى لا يكون عن يمينه، ولا عن شماله من العمران، وما ترى في ذلك؟ قال: فمعي؛ إنه قد قيل هذا، وهذا يعجبني إذا خرج من شيء من عمران البلد المفضي إلى الخراب، أو غير عمران، ولم يكن طريقه يرده إلى شيء من عمران البلد، ولا متوجها شيئا من عمران البلد أن يقصر هنالك على مذهب من يقول ذلك داخلا (14/63)
صفحة 3480
وخارجا. قلت: فإذا قدم من سفره إلى بلده، فدنا من العمران إلى نخله من جانب العمران، فأخرج منها سلاء أو خوصا أو علق بكرب جذعها شيء من متاعه، ولم يخطها ولا حاذاها، أيجب عليه التمام، أم يقصر حتى يحاذيها؟ قال: فإذا كانت متصلة بالعمران، فيعجبني أن يتم؛ لأنه قد دخل العمران معي، وإن كانت منقطعة من العمران فيقصر؛ لأنه قيل: إذا كانت نحل متقطعة من العمران ليس متصلة بالعمران، وليس هي من البلد المتصل عمرانه بذلك الموضع فإنه يقصر هنالك ولا يقصر هنالك في تلك النخل وراجعته فيها، فقال: إن هذا قول، وقول آخر أنه إذا حاذى النخل المتصلة بالعمران، أو مسها ولم يخلفها، فإن يقصر هنالك، ولم أره يعجبه هذا القول.
مسألة: والأسير إذا انتهى إلى أوطان العدو، فلا أراه إلا بمنزلة المسافر حرا كان أو عبدا.
مسألة: ومن غصب نفسه حتى يجاوز الفرسخين صلى قصرا.
مسألة: ومن كان يصطاد ولا يريد أن يتعدى الفرسخين، فهو يتم حتى يتعدى الفرسخين، ثم يقصر، وعليه أن يتوخى الفرسخين من منزله، قال: والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع أو خطوة.
مسألة: ومن خرج في حاجة له، ولم ينو السفر، ولا يريد يتعدى الفرسخين، فمضى حتى جاوز الفرسخين، ثم رجع فدخل عليه وقت الصلاة، وهو في أقل من الفرسخين فعليه القصر.
مسألة: ومن خرج من حدود القرية، من موضع فأدبر به، وبقي شيء من عمرانها عن يمينه وشماله، وليس هو في وجهه، فليقصر هناك ذاهبا وراجعا.
مسألة: وقال الفضل: وإذا كانت في قرية في وسطها واد قاطع، والقرية على الحاجزين، فخرج رجل من إحدى الحاجزين، يريد سفرا، فقطع الوادي ودخل في الحاجز الآخر، فلا يقصر الصلاة؛ لأنها قرية واحدة. (14/64)
صفحة 3481
مسألة: وقالوا: من خرج من نزوى يريد سفرا، فدخل سمد؛ إنه لا يقصر إلا من حيث يقصر أهل سمد، وكذلك أهل سمد الوادي قاطع بينهما.
مسألة: وقد كان زياد بن الوضاح قاس ما بين نزوى وعملا فدخل شيء من النخل في الفرسخين في نخل عملا، قال: فخرجنا مع محبر لما أراد الخروج إلى مكة، وكان ثم سعيد بن محرز ومحمد بن محبوب، وكنا إذا أردنا أن نصلي خرجنا من النخل إلى وادي غربي القرية ثم قصرنا.
مسألة: ومن كانت له مزرعة في موضع قريب من بلده، أقل من فرسخين، فاحتال ليكون مسافرا فخرج عمدا، حتى خلف الفرسخين، ثم رجع إلى المزرعة فلا يجوز له القصر، فإن فعل فأخاف عليه الكفارة، وكذلك في صيام رمضان، إذا خرج حتى جاوز الفرسخين، ثم رجع إلى المزرعة فأفطر فيه، وإنما أراد الحيلة لترك الصلاة، فلا يجوز ذلك، وعليه الكفارة، وكذلك إذا احتالت المرأة، فعملت لنفسها دواء حتى في حجها حتى ذهب عنها الحيض أيام حيضها، فإذا شربت هذا الدواء حيلة لذهاب حيضها، فلم يجئها لوقتها في أيام حجها، لم يجز لها ذلك ويفسد.
مسألة: وإذا خرج الرجل سفرا يتعدى الفرسخين قصرا، إذا خرج من حدود القرية، وإن خرج يريد الفرسخين لا يتعداهما، فإنه يتم الصلاة حتى يصل إليهما، فإذا وصل إليهما قصر.
مسألة: ومن خرج في طلب غلام له لا ينوي مجاوزة الفرسخين، إلا أن لا يجد غلامه فيتبعه، ويطلبه فإنه يتم الصلاة، ولو جاوز عمران بلده حتى يكون على رأس الفرسخين، أو يجاوزهما ثم يقصر الصلاة في مضيه ورجعته إلى بلده.
مسألة: ومن خرج في طلب عبد آبق أو دابة، لا يدري أين يجدها، فلما تعدى العمران نوى أن يجمع الصلاتين، وصلى بعد أن جاوز الفرسخين جمعا في الآخرة وقد فاتت الأولى، فعليه البدل والكفارة، وكذلك إن صلاهما جمعا في وقت (14/65)
صفحة 3482
الأولى منهما قبل أن يجاوز الفرسخين.
مسألة: وسألته عن رجل خرج لحاجته ونيته إن أصابها قبل الفرسخين رجع، وإن لم يجدها إلا أن يتعدى الفرسخين مضى لها، فحانت عليه الصلاة، وقد خرج من عمران بلده، ما يصلي تماما أو قصرا؟ قال: معي؛ إنه يصلي تماما، قلت له: فإن جهل فصلى قصرا هنالك، هل عليه الإعادة تماما؟ قال: معي، إن عليه الإعادة.
مسألة: ومن ضلت له دابة أو غلام، فيخرج في طلبهما ولا يدري أين هما ونيته أن يطلبهما حيث يرجو أن يجدهما قريبا أو بعيدا، فإنه يصلي تماما حتى يجاوز الفرسخين ثم يقصر، وأما إذا نوى أن يتعدى الفرسخين، فإذا خرج من عمران بلده لزمه القصر، وإن رجع نوى بعد أن جاوز العمران، إنه لا يجاوز الفرسخين، فإنه يرجع إلى التمام. قلت له: فإن أتى قوم مسافرون، فأراد المسافرون الصلاة بصلاة الإمام، فسألوا كيف صلاتهم؟ فقال لهم رجل: إذا صليتم صلاة السفر فاقعدوا على حالكم حتى يتم الإمام صلاته وتسلمون بتسليمه ففعلوا كما أمرهم هل تكون صلاتهم تامة على هذه الصفة أم لا؟ قال: معي، إنه قد قيل إن صلاتهم لا تتم على ذلك، ولا أعلم في ذلك اختلافا من قول أصحابنا. قلت: فما يلزم هذا الأمر لهم؟ قال: معي؛ إنه قيل: تلزمه التوبة إذا أتى بما لا يختلف فيه من الأمر في الدين، ويشبه عندي فيما عليه أن يعلمهم، إلا أن يكون منه ذلك رأيهم أو دينهم، قلت له: فإن أحدا منهم قد مات، ما يلزم هذا الأمر؟ قال: معي؛ إنه قيل: تجزيه التوبة إذا عدم المخبر. قلت له: فعليه أن يخرج بنفسه في أعلامهم؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إذا كان مما لا يختلف فيه، ولم يعلم أنه مذهبهم ولا رأيهم وكان قبولهم منه لا يسعهم في الدين ففيما معنى ما قيل: إن عليه الخروج في مثل هذا إذا قدر على ذلك، على معنى ما يلزمه الخروج في الأزمات، من وجود الزاد والراحلة، وأمان الطريق وصحة البدن.
قلت له: فإن وجد هذا الرجل واحدا من القوم الذين صلوا هذه الصلاة (14/66)
صفحة 3483
بقوله فأعلمه، هل يجزيه إعلامه، ويعلمه أن يعلم الآخرين إذا ضمن له بذلك؟ قال: معي؛ إنه إذا ثبت عليه إعلامهم فلا نبريه من ذلك؛ إلا أن يعلمهم أو صحة حجة لقوم عنه بذلك في الحكم بشاهدي عدل أو في الاطمئنان، لمن لا يجوز تصديقه من الثقة الواحد فصاعدا. (14/67)
صفحة 3484
[صفحة بيضاء] (14/68)
صفحة 3485
الباب الحادي عشر
فيمن لا يدري أنه جاوز الفرسخين أم لا
وقال أبو محمد: إذا كان الإنسان قد خرج من حد بلده، ولا يعلم أنه صار موضع القصر، فأخبره جماعة، نفر أو واحد منهم ثقات، أو غير ثقات، أنه قد صار في حد ما يجب القصر، فقوله حجة.
مسألة: ومن أشكل عليه الموضع في التمام والقصر، فالتمام أولى به، فإن علم بعد ذلك أو أخبره ثقة، أنه قد جاوز الفرسخين أعاد الصلاة قصرا. (14/69)
صفحة 3486
[صفحة بيضاء] (14/70)
صفحة 3487
الباب الثاني عشر
في المسافر متى يجوز له القصر من
(كتاب الإشراف)
-من كتاب الإشراف- قال أبو بكر: أجمع كل من يحفظ عنه أهل العلم، على أن الذي يريد السفر، أو يقصر الصلاة إذا خرج من جميع بيوت القرية التي منها يخرج، واختلفوا في تقصير الصلاة قبل الخروج عن البيوت، فكان مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور، وقد روينا عن الحارث بن أبي ربيعة، أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن زيد وغير واحد من أصحاب عبد الله بن مسعود، وقد روينا معنى هذا عن عطاء بن أبي رباح وسليم بن موسى، وقد روينا عن مجاهد قولا ثالثا لا نعلم أن أحدا وافقه عليه، قال: إذا خرجت مسافرا فلا تقصر الصلاة يوما حتى إلى الليل. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في عامة قول أصحابنا، أنه إذا خرج مسافر سفرا يكون فيه مسافرا يجب عليه فيه القصر، إنه يقصر الصلاة إذا خرج من عمران بلده الذي يتخذه وطنا، أو ينوي فيه العمران، وعمران البلد عندهم بمعنى الاتفاق اتصال البيوت أو النخيل أو أحدهما، فإذا خرج من عمران بلده كان له وعليه القصر في هذا القول، إلى أن يرجع إلى عمران بلده، إن جاوز السفر الذي يجب به القصر من السفر، ولا أعلم من قولهم أنه لا يجوز له، ولا يجب عليه القصر في بيته ولا بلده، قبل مجاوزة عمرن بلده على حال. (14/71)
صفحة 3488
مسألة: -من كتاب الضياء- ومن كان بيته على حاجز الوادي، وخرج مسافرا فتخطى الوادي مسافرا فوق الفرسخين وجب عليه القصر والجمع إن شاء، فإن كان يسمع كلام من في بيته فإن الوادي قد قطع بين العمران، وكذلك إذا جاء من سفره قصر وجمع قبل أن يقع في الوادي ولو بدا له العمران، وجاء من سفره لكان يصلي تماما، ولو مد به إلى خراسان، والعمران هو الذي لا يقطع بينهما واد متصلة بعضها ببعض، فإن لم يكن بين العمران واد، وكان بين العمران من ليس هي من العمارات مثل الفيافي والعرين وغير ذلك، ملتف متصل بالعمار، فإن هذا يقطع بين العمران، كما تقطع الأودية.
مسألة: ومن خرج من بلده مسافرا، فإذا خرج من عمران بلده صلى صلاة السفر، وبين أصحابنا فيه اختلاف، وقال بعض: إن من خرج من منزله مسافرا قصر منذ يخرج من بيته، ولو كان في عمار أو خراب، ورأينا أن المسافر إذا خرج من عمران بلده يريد سفرا يتعدى فيه موضع المقام، صلى صلاة السفر كانت القبلة تلقاء وجهه أو في قفاه، وقد كره بعض ذلك، ولا أعلم ما الحجة في كراهية هذا، ولا يصح ذلك إلا بدليل.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- ومن سافر من حيث يتم سفرا، يتعدى فيه الفرسخين، فإذا خرج لذلك من عمران الموضع الذي يتم فيه، لزمه القصر، قال غيره: وقد قيل حتى يتعدى الفرسخين ولو أراد مجاوزتهما.
مسألة: -ومن الكتاب- والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، ومن غيره؛ عن أبي معاوية قلت: كم يكون قياس الفرسخ؟ قال: كل فرسخ اثنا عشر ألف ذراع، قلت: أفبالعمري أو بذراع الناس؟ قال: قد قال بعض العمري، وأنا أقول بذراع الناس اليوم ذراع عادل، ومن غيره؛ وقال من قال: قياس الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع أو خطوة.
-ومن الكتاب- وقال من قال: يكون قياس الفرسخين، وفي نسخة، وقال من قال: يكون القياس من المسجد الأكبر، ومن غيره؛ وعن أبي معاوية، وقال (14/72)
صفحة 3489
من قال: يكون القياس من المسجد الجامع، وقال من قال: العمران إلى العمران، ومن غيره؛ وقال من قال: إذا اشتبه عليه الفرسخان، فعليه أن يتوخاهما من منزله.
مسألة: ومن خرج يريد سفرا أبعد من الفرسخين بقليل أو بكثير؛ فإنه إذا خرج من عمران بلده لزمه قصر الصلاة، وكذلك إذا رجع يقصر ويجمع حتى يصل إلى عمران بلده. وعن أبي عبد الله -رحمه الله- قال: إنما العمار بين القرى في تمام الصلاة، اتصال النخل بالنخل، ولو عاضد واحد ماد واتصال المنازل، وأما اتصال الزراعة فلا يلتفت إليه، ومن غيره؛ ولعله الفضل بن الحواري؛ لأنها على أثر مسألة عنه؛ قلت: فما العمران؟ قال: النخل والبيوت والزراعة. قلت: فإن كان أطوله متصلة بالقرية، هل هي من العمران؟ قال: نعم.
-ومن الكتاب- قيل له: فما تقول في رستاق يرى بعضه بعضا؟ قال: إن كانت قرى بائن بعضها من بعض، فلا يتم حتى يدخل قريته، فإن كانت النخل متصلة مختلطة فهي قرية واحدة، لا يقصر من خرج حتى يخرج من العمران والأودية، التي تقطع في هذه القرى، ليس هي عندي مما يقطع الاتصال؛ إلا أن يكون واد يقطع على شيء قليل من النخل من بعد ذهاب النخل والبيوت، والعمران كنحو الوادي الذي في طريق صحار، فإنه يقطع على شيء قليل من النخل، فقيل: يقصر عنده ولا ينظر في الذي بقي من النخل.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- اختلف أصحابنا في الموضع الذي يجب فيه قصر الصلاة للمسافر. فقال قوم: إذا خرج من منزله يريد سفرا قصر الصلاة، وقال بعضهم: إذا ابتدأ العمران بعمران بلده، لم يقصر حتى يخرج من العمران، والنظر يوجب أن اتصال العمار لا يسمى به المرء مسافرا من طريق اللغة؛ لأن السفر مأخوذ من الأسفار، ومن كان في العمران لا يقال: قد أسفر، ألا ترى أن المرأة إذا كشفت عن وجهها الغطاء، يقال: قد أسفرت، ويقال أسفر النهار، إذا زالت ظلمة الليل، والذي أخبرنا فهو قول علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة. (14/73)
صفحة 3490
مسألة: وسألته عن الذي يخرج مسافرا إذا صار إلى رأس الفرسخين سواء ما يصلي؟ فروي أحسب عن أبي المؤثر عن المفضل أنه قال: يصلي في الفرسخين تماما، وإذا صار على رأس الفرسخين، صلى قصرا، ولعل هذا يخرج، لا يريد يتعدى الفرسخين.
مسألة: قلت له: ما تقول في رجل له وطنان، خرج من أحدهما يريد معداة الفرسخين، فنزل بالوطن الثاني سائرا، وحضرت الصلاة فيه، ما يصلي فيه، يصلي تماما حتى يخرج من عمران الثاني أم قصرا، إذا كان لا يتعدى الفرسخين من الثاني، ويعد لهما، لعله ويعيدهما من الأول؟ قال: معي؛ إنه يصلي في وطنه تماما، كان تعدى الفرسخين منه أو لم يتعد الفرسخين، قلت له: فإن خرج من الثاني وهو لا يريد أن يتعدى الفرسخين منه؛ إلا النية الأولى أنه يتعدى الفرسخين من الأول، هل له أن يقصر إذا خرج من عمران الثاني، أم ليس له ذلك حتى ينوي أن يتعدى الفرسخين من الثاني؟ قال: فليس له عندي ذلك، حتى يجاوز الفرسخين أو يريد مجاوزتهما، ويخرج من عمران بلده يريد مجاوزتهما.
قال أبو سعيد -رحمه الله-: في رجل خرج من أهل نزوى ليقعد في فرق يومين، ثم يخرج إلى مجاوزة الفرسخين من نزوى، فمعي؛ إنه يصلي تماما بفرق في اليومين اللذين قعد فيهما، فإذا خرج من فرق كان حكم تعدي الفرسخين الذي يكون بأحكامهما مسافرا في أمر الصلاة والصوم محسوب من وطنه من نزوى، واختلفوا فيما عندي، متى يقصر إذا خرج من فرق إلى مجاوزة الفرسخين؟ فقال من قال: يقصر حينما يؤخذ في السفر، قبل أن يخرج من عمران فرق، وقال من قال: إنه يتم حتى يخرج من عمران فرق، وإن خرج من نزوى يريد مجاوزة الفرسخين، لم ينو غير ذلك فقعد في فرق أياما، فإنه يصلي فيها قصرا؛ لأنه إذا خرج من عمران بلده وهو نزوى فعليه القصر، ومن غيره؛ -مكررة من زيادات جامع ابن جعفر- لعلها عن أبي سعيد، قلت له: فإن كان بلد طوله عشرة فراسخ في (14/74)
صفحة 3491
اتصال العمران بعضها ببعض، فإذا خرج خارج من أوله إلى أقصاه وتعدى في ذلك أكثر من فرسخين، ما يصلي تماما أم قصرا؟ قال: معي؛ إنه ما دام في البلد الواحد إنه يصلي تماما؛ لأنه بلده على حسب ما قيل، ولو طال واتصل. (رجع إلى الكتاب).
مسألة: رجل من أهل نزوى خرج مسافرا، فقعد في فرق أياما ثم خرج، فإن كانت نيته أنه يخرج فيقعد في فرق، ثم يخرج منها إلى سفره، فإنه يصلي فيها تماما، ما قعد فيها، فإذا أراد الخروج منها فقال من قال: يقصر من حينما يخرج يأخذ في السفر من قبل أن يخرج من عمران فرق، وقال من قال: إنه يتم حتى يخرج من عمران فرق، وأما إن كان له نية أنه خارج في سفره، ثم جدت له القعود في فرق، فإنه يصلي فيها قصرا، ما قعد فيها حتى ينثني عن سفره.
ومن جواب أبي سعيد -رضي الله عنه- في رجل سافر يريد يتعدى الفرسخين، فسار قدر فرسخ من بلده، ثم قعد هنالك، إنه يقصر الصلاة هنالك، ما لم ينو الرجوع إلى بلده، وهذا المعنى من قوله.
مسألة: وقال أبو سعيد -رحمه الله- معي؛ إنه قيل: إن نزوى وسمد وسعال في معنى الصلاة للمسافر في القصر والتمام إنهما قرية واحدة، وإذا وصل المسافر إلى موضع خراب لا عمار فيه، والعمار عن يمينه أو عن شماله، ولم يعد خلفه وتلقاء وجهه، وهو في موضع خراب فمعي؛ إنه يختلف في ذلك. فقال من قال: هو خراب، وله أن يصلي قصرا، وله أن يصلي تماما.
مسألة: قال موسى بن مخلد: خرج أبو سعيد إلى سلوت، حتى إذا صرنا في الشرجة التي عند ثقاب عين شحب، وكان ذلك في وقت صلاة العصر، فصلى بنا العصر وقصر هو، ومن كان معه يريد معه الخروج إلى سلوت، وأتممنا نحن ركعتين بقية الصلاة. فقلت له: إن هاهنا يكون القصر؟ قال: نعم.
مسألة: قال أبو عبد الله -رحمه الله- قال المهلب بن سليمان -رحمه الله-: قال (14/75)
صفحة 3492
بعض الفقهاء: إذا خرج الرجل من بلده يريد سفرا يجاوز الفرسخين، فصار في موضع يسمع أصوات من في القرية، فلا يقصر حتى يصير حيث لا يسمع الأصوات.
مسألة: اختلف أصحابنا في الموضع الذي يجب قصر الصلاة فيه للمسافر، قال بعضهم: إذا خرج من منزله يريد سفرا قصر الصلاة، وقال بعضهم: إذا ابتدأ العمران بعمران بلده لم يقصر حتى يخرج من العمران.
مسألة: ومن كان يريد سفرا يتعدى فيه الفرسخين، فإذا ركب دوينجة أو سفينة، فقد خرج من العمار وجب عليه القصر.
مسألة: واختلفوا متى يقصر الرجل إذا أراد سفرا؟ فقال بعض: إذا خرج من العمران، وكان في موضع لا يسمع الصوت، وقال بعض: حينما يخرج من العمران قصر.
مسألة: ومن خرج من نزوى يريد سفرا من طريق فرق، فإنما يقصر إذا خلف المجازة وقطع الوادي، وإن كان من الطريق الأخرى قصر إذا خلف المسجد وصعد على الجناة، ومن خرج إلى الروضة فإنما يقصر إذا خلف التلياء، ومن خرج يريد بهلا قصر، إذا خلف اللجمتين، هذا حدود انقطاع العمران.
مسألة: وإذا خرج من عمرن بلده يريد سفرا فوق الفرسخين صلى قصرا، وجد العمران عندنا اتصال المنازل في النخل، وليس الزراعة عندنا من العمران، وتقطع البلدان بعضها من بعض الوديان، والخرابات التي بينهما وبالله التوفيق.
مسألة: وموضع القصر من نزوى إذا خرج إلى بهلا، إذا دخل السودا، ومن سمد المجازة، إذا أراد كدم، أو الرستاق أو غيرهما، مما يجاوز الفرسخين، وموضع القصر من نزوى، إذا أراد مغربا من وادي قمطا، إذا خلف النخل، ومن نزوى إذا أراد إزكي أو منح أو غيرهما، الوادي الأبيض الذي منه يصعد إلى فرق. (14/76)
صفحة 3493
قيل: فما بال هذا الحد أبعد؟ فقال: زعموا أن النخل من نزوى كانت إلى الوادي الأبيض، وكذلك حفظ الوضاح بن عقبة عن سليمان بن عثمان، ومن أراد سلوت من نزوى فإذا خلف الجناه من وادي قمطا قصر، وهي الجناة المعروفة بجناة سدة.
مسألة: قال أبو عبد الله: من كان بلده الباطنة وأراد سفرا، فإذا خلف المنازل والنخل صلى قصرا، فإذا لم تكن نخل فإذا خلف منازل الحي الجامع لهم صلى قصرا، فأما البيوت الشاذة في الركايا فلا يقتدى الناس بها، ولا ينظر في عمارة الزراعة، وإنما الحد في ذلك المنازل.
مسألة: وسألته عن المسافر إذا دخل الفلج يتمسح، وفي جانب الساقية التي يتمسح منه نخل عن يمين وشمال، هل له أن يقصر إذا برز من الساقية من حيث دخل؛ إذا كان قد حاذى النخل ولم يجعلها خلف ظهره؟ قال: قد قيل ذلك، وقيل: إن عليه التمام إذا حاذاها. (14/77)
صفحة 3494
[صفحة بيضاء] (14/78)
صفحة 3495
الباب الثالث عشر
فيمن خرج مسافرا ثم بدا له فرجع قبل مجاوزة الفرسخين
-من كتاب الإشراف- واختلفوا في مسافر خرج فقصر بعض الصلوات، ثم ذكر حاجة فرجع، فقال سفيان الثوري: يتم الصلاة، لأنه لم يبلغ سفرا يقصر فيه الصلاة، وقال مالك يتم الصلاة، إذا رجع حتى يخرج فاصلا من باب بيته، ويجاوز بيوت القرية، وقال الشافعي: يقصر إلا أن يكون في رجوعه قام في أهله أربعا، ولو أتم كان أحب إليّ، وقال أحمد بن حنبل: هو مسافر؛ إلا إذا كان له أهل، لحديث ابن عباس (إذا قدمت إلى أهلك أو ماشية فأتم) قال أبو بكر: إن بدا له أن يرجع تاركا لسفره، وقد صلى بعض الصلوات قبل أن يبدو له في الرجوع، فإن سفيان الثوري قال: تمت صلاته التي صلى، ويتم الصلاة في مرجعه إذا كان فيما لا يقصر إليه الصلاة، وهذا يشبه مذهب الشافعي، وبه قال أبو ثور، قال أبو بكر: كذلك نقول، وقد روينا عن الحسن البصري أنه قال: إن كان في وقت صلاة صلاها أعاد تلك الصلاة، وإلا فقد تمت صلاته، وقال الأوزاعي: إن سافر عشرة أميال فصلى الظهر والعصر ركعتين، ثم بدا له أن يرجع إلى أهله، يتم شك الصلاتين ركعتين ركعتين.
قال أبو سعيد: يخرج في قول أصحابنا أنه إذا خرج يريد سفرا يجب به القصر، من عمرن بلده قصر شيئا من الصلوات بمعنى الخروج، ثم أجمع الرجعة قبل أن يصلي السفر الذي يجب به القصر، إنه يتم الصلاة، وما صلى على ذلك قبل (14/79)
صفحة 3496
أن يجمع الرجعة من صلاة القصر، فهو تام في عامة قولهم، وقد قيل: عليه الإعادة إذا رجع قبل أن يسافر، وإذا أراد أن يسافر فهو يتم الصلاة حتى يعزم على الرجعة إلى السفر، سفرا يجب به القصر، فإذا رجع مسافرا وسار كان عليه القصر، بمعنى الاتفاق الأول، وما كان لم يسر ولو دخل بيته –لعله- أراد ولو حول نيته إلى السفر الذي يقصر به، ولو كان خارجا من وطنه، فهو على التمام حتى يسير مسافرا.
-ومن غير كتاب الإشراف- وقال: معي؛ إنهم قد اختلفوا في الذي يريد مجاوزة الفرسخين فيخرج من العمران، ويصلي على القصر، ثم تبدو له الرجعة، فقال من قال: قد تمت صلاته على ما صلى بالقصر، وقال من قال: عليه الإعادة، فإن فات وقتها، وهو قد خرج من العمران ولم يصل، فقد انهدمت تلك النية، وعليه أن يصليها تماما فيما عندي.
مسألة: قلت له: فالرجل إذا خرج على أنه مسافر فوصل إلى بعض الطريق فصلى الصلاتين قصرا، وجمعهما ثم رجع إلى بلده قبل أن يجاوز الفرسخين، تكون صلاته هذه تامة أم يصلي صلاته؟ قال: معي؛ إنه قيل: إنه صلاته تامة في بعض القول، إذا رجع من دون الفرسخين.
مسألة: قال أبو سعيد -رحمه الله-: في الذي يخرج من عمران بلده ليجاوز الفرسخين فصلى هناك بالقصر، وحول نيته عن السفر، فقال من قال: إن صلاته تلك تامة؛ لأنه قد صلاها على السنة، وقال من قال: عليه الإعادة.
مسألة: وسألته عن رجل خرج مسافرا يريد مجاوزة الفرسخين، فلما برز من العمران قصر الصلاة، ثم بدا له أن يرجع عن سفره، فرجع إلى بلده أترى صلاته تلك تامة؟ قال: معي؛ إنها تامة. قلت له: فإن حان عليه وقت صلاة أخرى، وهو في ذلك الموضع خارجا من العمران، هل له أن يصلي قصرا حتى يرجع إلى بلده بعد أن حول نيته عن السفر؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: ليس له ذلك، إذا لم يكن جاوز الفرسخين، قلت: فإن صلى قصرا هنالك متعمدا، أو جاهلا بعد أن حول النية عن السفر، ولم يجاوز الفرسخين، هل ترى صلاته تامة وعليه التوبة من (14/80)
صفحة 3497
ذلك؟ قال: لا يبين لي ذلك. قلت له: فتلزمه الكفارة مع البدل؟ قال: معي؛ إنه قد قيل ذلك فيما يشبه، وخاصة في التعمد على العلم.
مسألة: ومن خرج من بلده يريد سفرا يلزمه فيه القصر، فصلى الأولى قصرا، لما خرج إلى حد القصر، ولقي حاجته دون الفرسخين، فإنه يقصر إن كان على نية السفر ما كان هنالك، وإن نوى الرجعة لزمه التمام ما أقام هنالك، فإن عاد عزم على السفر، فهو على حال يصلي تماما لحال تلك النية، حتى يخرج ثم يقصر.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: حتى يتعدى الفرسخين من بلده، ثم يقصر.
مسألة: وإن خرج من القرية قبل دخول وقت الظهر، ثم جمع الظهر والعصر جميعا، ثم بدا له أن يرجع من سفره ويقيم، فيرجع إلى القرية أو وقت العصر فلا اختلاف فيه، إن صلاته تامة، وإن دخل وقت الظهر، فقال من قال: عليه إعادة العصر، وقال آخرون: لا إعادة عليه، وهو أحب إليَّ.
مسألة: قال أبو الحسن: من خرج يريد سفرا من منزله، فصار على مقدار نصف فرسخ، والتقى به بعض أصحابه فسأله الجلوس عنده ثلاثة أيام فجلس، فإنه إذا خرج من عمران بلده يريد سفرا فوق الفرسخين صلى قصرا ما كانت نية السفر، وكذلك إذا رجع من سفره وقعد عند صاحبه، قبل أن يدخل عمران بلده، فصلى قصرا حتى يدخل عمران بلده، وبالله التوفيق.
وحد العمران عندنا اتصال المنازل والنخل، وليس الزراعة عندنا من العمران.
مسألة: ومن خرج مسافرا ونيته أن يتعدى الفرسخين فأخر الأولى إلى الآخرة، فلما كان وقت الآخرة بدا له الرجعة، ولم يكن تعدى الفرسخين، فالذي وجدت أنه إذا نوى الرجعة من بعد أن فات الوقت، فإنه يصلي الظهر ركعتين، والله أعلم. (14/81)
صفحة 3498
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- ومن خرج من بلده يريد سفرا بعيدا، فلما خرج من العمران، وصلى بالقصر أحدث نية الرجعة إلى مكان تمامه، فإنه يرجع يصلي تماما في ذلك المكان، إذا لم يكن عدى الفرسخين، فإن عاد أيضا عزم من هنالك على السفر، فإنه يتم على ما كان عليه حتى يخرج من مكانه سائرا، ثم يرجع ويقصر.
مسألة: وعمن خرج مسافرا، فلما صار دون الفرسخين بدا له أن يرجع وقد فاتته الأولى؛ لأن نيته أن يجمع؟ قال: يصلي الأولى أربعا، ثم ينتظر قليلا ثم يصلي العصر أربعا، وذلك إذا نوى الرجعة قبل أن يفوت الوقت، وأما إذا نوى الرجعة من بعد أن فات الوقت، فإنه يصلي الظهر ركعتين.
قال غيره: نعم، إن نوى الرجعة بعد أن فات وقتها صلاها ركعتين، وإن كان في وقتها صلاها أربعا.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج بمعنى الاتفاق، إن إمامة المسافر بالمقيمين صلاة نفسه، وهما الركعتان صلاة القصر جائزة، وإن صلاة المقيم بصلاة المسافر صلاة نفسه وحدها وبهما الركعتان صلاة القصر، إن ذلك لا يجزي المقيم، وإن صلاة المسافر جائزة، وإن صلاة المقيم بالمسافر تماما، صلاة المقيم جائزة، ولا أعلم في هذه الفصول اختلافا في قول أصحابنا، إن صلاة المقيم فاسدة، وصلاة المسافر يختلف فيها؛ لأنه إذا أتم صلاته بصلاة السفر لم تضره الزيادة، وبعض يرى عليه البدل، ولا يبين لي تمام صلاة المقيم بصلاة المسافر أربعا، لأنه لابد إما أن يكون نفلا من فعله، وإما أن يكون باطلا، فإن كانت نفلا فالفرض لا يقوم بالنفل، وإن الزيادة باطلا، فالحق لا يقوم بالباطل. (14/82)
صفحة 3499
الباب الرابع عشر
في إمامة المسافرين بالمقيمين والمقيمين بالمسافرين
وصلاتهم مع بعضهم بعضا وغير ذلك
-من كتاب محمد بن جعفر- ولا يكون المسافر إماما للمقيمين؛ إلا أن يكون المسافر في موضع هو المتولي للصلاة فيه، أو يكون هو الأولى بالإمامة في فضله وعمله وعلمه، ممن حضر من المقيمين فهو أولى بالتقديم، ولو لم يكن في موضعه، فإذا سلم المقيمون أتموا صلاتهم فرادى بغير إمام، ومن غيره؛ قد قيل إنه من الإجماع صلاة المقيم بالمسافر والمسافر بالمقيم، ويتم المقيم صلاته بالتمام (رجع) وأما الإمام الأكبر تفسد فهو أولى بالإمامة والتقديم إذا حضر، فإن كان مسافرا فإذا قضى صلاة السفر أتم الذي خلفه من المقيمين صلاتهم فرادى بلا إمام. ومنه؛ -ومن نسخة- مسافر صلى مع مقيمين، فانتقض وضوء الإمام، فقدم المسافر وكان أحرم، فيصلي تماما؛ لأنه أحرم معهم، وقيل: إذا أدرك المقيم ركعة من صلاة المسافر التي يقرأ فيها، فإذا سلم الإمام قام بالمقيم فأتى بركعة ثانية بقراءتها، ثم قعد قدر ما ينال مجلسه الأرض، غير ماكث، ثم يقوم فيصلي الركعتين اللتين هما آخر صلاته، وقال من قال: بل إذا سلم الإمام، قام هذا المقيم فأتم صلاته كأنه مع مقيم، وهو إن صلى ركعتين بما فيهما من القراءة، ثم يقعد فيقرأ التحيات، ثم يقوم فيصلي ركعة أو أكثر حيث بلغ حيث أدرك الإمام، ويكون الذي أدرك مع الإمام هو آخر صلاته، وبأي القولين ما أخذ المصلي فقد أصاب، قال (14/83)
صفحة 3500
غيره: وقد قيل إنما الاختلاف في هذا في صلاة العشاء الآخرة، وأما سائر الصلوات فيأتي بها الأول فالأول.
(رجع) وأما إذا انتقضت صلاة الإمام المسافر، والذين خلفه مقيمون ومسافرون، فإن تقدم من بعد مسافر صلى حتى تنقضي صلاة المسافرين، ثم يسلم، وأتم المقيمون صلواتهم فرادى، وإن تقدم إمام مقيم فقد قال من قال من الفقهاء: إذا تقدم هذا المقيم صلى إذا انقضت صلاة المسافرين جروا واحدا منهم سلم بهم، ثم قام المقيم فأتم صلاته، ومن بقي من المقيمين فرادى، وإن لم يجره وسلم بهم واحد منهم، فهو أحب إليّ. ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: كله جائز ولو أنه لما أتم صلاة المسافر قام هو فأتم صلاته، ثم سلم بهم كان جائز (رجع). وإن بقوا على حالهم حتى يتم هذا المقيم الصلاة سلم بهم جميعا، وقد قال من قال: إذا انتقضت صلاة الإمام الأول وهو مسافر وخلفه مقيمون ومسافرون، وتقدم إمام مقيم، أنه إذا قضى صلاة المسافرين وسلم بهم واحد منهم قام الإمام فأتم صلاته وحده، وصلى من خلفه المقيمين فرادى أيضا، ولا يكون لهم إمام في هذا المكان، وأما أنا فلا أرى عليهم نقضا إن صلى بهم إمامهم هذا الثاني تمام صلاته، وصلاة المقيمين بلا أن يؤمر بذلك؛ إلا أن الذين خلفه مقيمون جميعا، ومن غيره؛ وكذلك عن أبي الحسن بإجازة ذلك أن يتم بهم. قال محمد بن المسبح: القول الأول أحب إليّ.
مسألة: ومن غيره؛ أخبرنا أبو زياد عن العلاء –لعله- عن أبي عثمان أنه قال: لا يؤم المسافر بالمقيم، إلا أن يكون إماما أو واليا.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن مسافر صلى بمقيمين، فنسي حتى أتم بهم أربعا، ولم يسبحوا له، هل عليهم البدل على الإمام وعليهم؟ قال: هكذا عندي. قلت: فهل فيه اختلاف؟ قال: لا أعلم ذلك؛ إلا على قول من يقول: إنه إذا جهل القصر حتى صلى تماما، فلعل بعضا قد قال: عليه التوبة والبدل. وقال من قال: لا بدل عليه فيما عندي. قلت له: وكذلك لو نسي حتى زاد ركعة، (14/84)
صفحة 3501
أهو سواء زاد ركعة أو ركعتين؟ قال: هكذا عندي. قلت له: فتكون زيادة ركعة في صلاة القصر على النسيان، بمنزلة من زاد ركعة في صلاة التمام بعد التحيات الآخرة؟ قال: هكذا عندي. قلت له: فإن لم يسبحوا له ولم يأتموا به وصلوا صلواتهم فرادى، ثم ذكر هو قدر ركعة فسلم، ما يعجبك تمام صلاته أم فسادها؟ قال: معي؛ إنه يلحقه الاختلاف معي. قلت له: فإن أم المسافر بالمقيمين، هل يجوز إذا سلم المسافر أن يقدموا منهم إماما يتم بهم الصلاة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: لا يجوز ذلك، وإنما يصلون بقية الصلاة فرادى. قلت: فمن أين جاز ذلك من السنة؟ قال: هكذا معي.
مسألة: قلت له: فالمسافر إذا صلى بالمقيمين صلاة الأولى، هل له أن يشهد بعد قراءة التحيات أم إذا قضاها سلم بهم؟ قال: معي؛ إن له أن يتشهد إن شاء.
مسألة: وقال أبو سعيد: في رجل مسافر صلى بمسافرين ومقيمين ركعة، ثم أحدث فقدم مقيما، إنه قد اختلف في ذلك فقال من قال: إن هذا المقيم إذا قضى التحيات الأولى تنحى عن موضع الإمام، ويجر رجلا من المسافرين فيسلم بالمسافرين، ولا يتكلم ويتم المقيمون فرادى، وقال من قال: يتنحى عن الموضع، ولا يجر أحدا فيتقدم مسافر يسلم بالمسافرين، وقال من قال: يكون المسافرون على حالتهم ويتم المقيمون والإمام صلاتهم فرادى، فإذا قضى المقيم صلاته فرادى ليسلم بالجميع، ويعجبني القول الأوسط، وأما إذا كان الإمام الأول مقيما ثم فسدت صلاته فقدم مسافر صلى بهم صلاة المقيم؛ لأن المسافر إذا أحرم خلف المقيم لزمه التمام بصلاة الإمام. (14/85)
صفحة 3502
[صفحة بيضاء] (14/86)
صفحة 3503
الباب الخامس عشر
في النية لصلاة السفر
-من غير كتاب محمد بن إبراهيم- قال: والمسافر ينوي في صلاة الجمعة وغيره من الصلوات إنه يصلي بصلاة الإمام، وليس عليه أن ينوي إلا أنه يصلي بصلاة الإمام.
-ومن الكتاب- مسألة: وإذا أراد المسافر تأخير صلاة الأولى إلى الآخرة في السفر، فإنه يقول: قد أخرت صلاة الظهر الحاضرة إلى صلاة العصر الآخرة، اقتداء برسولك، وإحياء لسنتك واتباعا لرخصتك وقبولا للحق، وكذلك يقول في صلاة المغرب والعشاء الآخرة. قال الناسخ: وحفظت أنا أن المسافر إذا أهمل هذه النية إلى أن يفوت الوقت، أن عليه الكفارة في الإهمال، وإذا جمع الأولى إلى الآخرة بغير نية متقدمة، وأحسب أنه في بعض القول، والله أعلم.
(رجع) وإذا حضرت الأولى وهو في حال السفر، وأراد أن يصلي الظهر في وقتها ويجر إليها صلاة العصر، فإنه يقول: أصلي في مقامي هذا صلاة الظهر الحاضرة ركعتين، وأضيف وأجر إليها فريضة صلاة العصر الآخرة ركعتين، أصليهما جميعا جمعا صلاتي سفر إلى الكعبة طاعة لله ورسوله.
مسألة: وإذا نوى تأخيرها وصلى في وقت الآخرة يقول؛ أصلي في مقامي هذا فريضة صلاة الظهر الفائتة ركعتين، وأضيفهما إلى صلاة العصر الحاضرة أصليهما (14/87)
صفحة 3504
جميعا جمعا صلاتي سفر إلى الكعبة الفريضة طاعة لله ورسوله، ويقدم الأولى وذلك –لعله- وكذلك في صلاة المغرب والعشاء الآخرة على هذه الصفة، والله أعلم. (انقضى) قال الناسخ: وأما لفظ نية صلاة الجمع بين صلاة السفر وصلاة أخرى مع الإمام المقيم، لم أجدها مسطرة وأنا طالبها إن شاء الله. (14/88)
صفحة 3505
الباب السادس عشر
في صلاة المسافر إذا صلى ثم دخل بلده وقت الصلاة
-ومن جامع ابن جعفر- وللمسافر إذا أراد أن يدخل بلده، أن يجمع الصلاتين قبل ذلك في وقت الأولى منهما فيدخل في وقت الأولى، وقد اكتفى بذلك، وقد فعل ذلك موسى بن علي -رحمه الله-.
مسألة: وسألته عمن يصلي في السفر بالتيمم، ثم دخل قريته في وقت الصلاة، هل عليه الإعادة؟ قال: لا. قلت: فإن جمع الصلاتين بالتيمم، ثم دخل قريته في وقت الأولى، هل عليه بدل؟ قال من قال: إن عليه إعادة الآخرة، وقال من قال: عليه إعادة الأولى والآخرة، قال: وأنا أحب أن تكون عليه إعادة الآخرة إذا صلاها بالتيمم، وأما إذا صلاها بالوضوء، فقد مضتا ولا أرى عليه إعادتهما.
مسألة: قال أبو المؤثر: حدثنا عمر بن محمد بن موسى قال: قدمنا مع موسى بن علي -رحمه الله- من سفر له فنزلنا قريبا من إزكي، قبل أن يدخل حدود العمران، فجمعنا صلاة الظهر والعصر في أول وقت الظهر، ثم دخلنا إزكي، فلما أذن المؤذن لصلاة العصر، أردت أن أصلي، قال موسى بن علي: قد صلينا. قال أبو المؤثر: كنت في بهلا، وكنت أقصر الصلاة، إلى أن خرج محمد بن خالد، وهو (14/89)
صفحة 3506
كان من أهل بهلا، فخرج إلى نزوى فتبعته أشيّعه حتى صار في موضع القصر، وحضر وقت الظهر، فأحسب أنه جمع الصلاتين، وصليت أنا معه، صلينا جماعة. (14/90)
صفحة 3507
الباب السابع عشر
فيمن وجب عليه صلاة السفر فلم يصل حتى دخل بلده
وإذا أراد المسافر الجمع، وهو يريد بلده، وأخر الأولى فلم يصل حتى دخل بلده، ففات وقت الأولى في السفر فقد أساء ولا شيء عليه، ويصلي الأولى والثانية تماما. –ومن كتاب الضياء- وإذا حضرت صلاة الأولى، وهو في بلده، فمضى مسافرا فصار في الموضع الذي يجب فيه القصر، ولم يصل الأولى حتى دخلت الثانية، فعليه الكفارة في الأولى.
مسألة: وإن حضرت الصلاة الأولى في السفر، فلم يصلها حتى دخل بلده، وقد فات وقتها في السفر، فإنه يصليها في بلده تماما ولا شيء عليه، وأما إن حضرت في بلده ثم خرج مسافرا، وصار في الموضع الذي يجوز فيه القصر ولم يصلها حتى دخلت الثانية، فعليه الكفارة في الأولى.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- ومن دخل عليه وقت الصلاة، وهو في بلده ثم خرج مسافرا، ولم يخرج من عمران بلده، حتى فات وقت تلك الصلاة، ولم يصلها، فأخاف عليه الكفارة وقد أساء ويبدلها تماما. ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: ليس عليه كفارة ويستغفر ربه، ويفعل معروفا، ومن غيره؛ قال: وهذا معنى إذا ترك الصلاة الأولى التي حانت عليه في الحضر، ثم خرج إلى موضع القصر في وقتها، ثم لم يصل حتى فات وقتها، وأما إن فات وقتها في الحضر فعليه الكفارة. (14/91)
صفحة 3508
مسألة: -من جامع ابن جعفر- ومن دخل عليه وقت الصلاة في السفر، فأخرها حتى دخل بلده في وقتها، فعليه أن يصليها تماما، وإن كان تركها حتى فات وقتها في السفر، ويريد أن يجمعها إلى الثانية فلم يجمع حتى دخل إلى موضع تمامه، فقد أخطأ في ذلك، وإن كانت لسبب عذر أو جهالة، فلا أتقدم على كفارة تلزمه، وعليه أن يصلي الأولى قصرا كما أمكنه، ويصلي الثانية تماما، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إذا فات وقت الأول، وهو في السفر، ثم دخل بلده في وقت الآخرة جمعهما تماما، وكذلك حفظت أنه إذا دخل المسافر إلى الوطن، وقد فاتت الأولى في السفر، صلاهما في الوطن تماما وترك القياس. (14/92)
صفحة 3509
الباب الثامن عشر
فيمن حضر عليه وقت الصلاة فأخرها حتى صار في السفر
أو حضرت في السفر فأخرها حتى صار في الحضر
وقال الشيخ أبو إبراهيم عن المسافر أراد عن رجل قيل له: إن المسافر يجمع الصلاة،! فترك الصلاة حتى يرجع إلى بلده، ما يلزمه؟ قال: عليه الكفارة صيام شهرين، وبدل الصلوات، ومن غيره؛ وقال من قال: لا كفارة عليه، وعليه البدل إذا ظن أن ذلك جائز له، ومن غيره؛ وروي لنا عن الصقر بن عزان، في رجل مسافر حانت الصلاة في حد السفر، ثم لم يصل حتى دخل بلده، ثم توانى، فلم يصلها حتى فات وقتها، أن عليه أن يصليها، وليس عليه كفارة. (14/93)
صفحة 3510
[صفحة بيضاء] (14/94)
صفحة 3511
الباب التاسع عشر
فيمن سافر بعد حضور الصلاة
-من كتاب الإشراف- قال أبو بكر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لمن خرج بعد زوال الشمس مسافرا، أن يقصر الصلاة، وممن حفظنا عنه مالك بن أنس والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا، إنه إذا حضر وقت الصلاة قبل أن يخرج من عمران بلده، كان في بيته أو سائرا، فلم يصل حتى يصل من عمران بلده إلى الموضع الذي يجب فيه القصر، إنه يختلف في ثبوت الصلاة عليه، فقال من قال: بالتمام لثبوتها عليه في موضع التمام، وإذا كان مخاطبا بها، وقال من قال: القصر للسعة له في تأخيرها بمعنى الاتفاق، إلى أن صار إلى موضع القصر في الوقت، فوجب عليه صلاة القصر بالسعة، إذا كان من تركها في سعة، وقال من قال: هو مخير إن شاء صلى في هذا قصرا، وإن شاء تماما.
مسألة: -ومن كتاب الضياء- وإذا حضرت الصلاة الأولى وهو في بلده، فمضى مسافرا فصار في الموضع الذي يجوز فيه القصر، ولم يصل الأولى حتى دخلت الثانية، فعليه الكفارة في الأولى.
مسألة: ومن أراد سفرا، وقد حضرت العتمة وهو في منزله، فلم يصل حتى صار في حد السفر، فيه اختلاف، منهم من يقول يصليها أربعا، ومنهم من يقول (14/95)
صفحة 3512
يصلي اثنتين صلاة السفر، والأنظر عندي يصليها قصرا، وبالله التوفيق.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- ومن أراد سفرا وقد دخل عليه وقت الصلاة، وهو في بلده، ثم خرج مسافرا، فلم يخرج من عمران بلده حتى فات وقت تلك الصلاة ولم يصلها، فأخاف عليه الكفارة، وقد أساء ويبدلها تماما، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: ليس عليه كفارة ويستغفر ربه ويفعل معروفا، ومن غيره؛ قال: وهذا معنا إذا ترك الصلاة الأولى التي حانت عليه في الحضر، ثم خرج إلى موضع القصر في وقتها، ولم يصل حتى فات وقتها، وأما إن فات وقتها في الحضر، فعليه الكفارة.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- ومن خرج من بلده، وقد دخل وقت الصلاة الأولى، وصار في حد القصر في وقتها أيضا، فقال من قال: يصلي هذه الصلاة تماما وحدها، ويصلي الثانية قصرا ويجمعهما، وقال من قال: بل يصلي الأولى والثانية بالقصر، ويجمع، وقال من قال: يصلي تماما وحدها، ولا يجمع في هذا المكان، والرأي الأول أحب إليّ أن يجمع ويصلي الأولى تماما، ويجمع إليها الثانية قصرا، إن أراد الجمع، ومن غيره؛ قال: وقد قيل يصلي الأولى تماما في وقتها، ويؤخر الآخرة فيصليها قصرا.
مسألة: وأما الذي حضرته صلاة الظهر والعصر أو المغرب في بلده، فلم يصل حتى صار في حد السفر، ثم لم يصلها حتى انقضى وقتها وصلى مع الآخرة جمعا، فإنه على قول من يقول: إنه يقصرها فلا بأس بذلك، إذا أخر ذلك للجمع ولا نأمره بذلك، وعلى قول من يقول: بالتمام، وليس له ذلك عندي في قولهم، وعليه البدل، ولعله يلحقه معنى الاختلاف في الكفارة. (14/96)
صفحة 3513
الباب العشرون
فيمن صلى في موضع القصر تماما أو التمام قصرا
وقال من قال: فيمن جهل القصر فصلى في موضع القصر تماما، فعليه البدل، ولا كفارة عليه. وقال من قال: عليه البدل والكفارة، وقال من قال: لا بدل عليه ولا كفارة، ونحن القول الأوسط أن يكون عليه البدل، ولا كفارة عليه، وأما من جهل التمام فصلى في موضع التمام قصرا، فهذا لا نعلم فيه اختلافا أن عليه البدل والكفارة، والله أعلم بالصواب.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- ومن صلى في السفر تماما عمدا، فعليه البدل، وإن فات الوقت فعليه الكفارة، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إن صلى تماما فإن عليه البدل، وأنا أقول ليس عليه كفارة، ويوجد عن أبي عبد الله كذلك، ومن غيره؛ كذلك قول محمد بن المسبح، وكذلك يوجد عنه اتصاله، إنه إن صلى التمام في موضع القصر؛ فإن عليه البدل، وليس عليه كفارة، وإذا صلى قصرا في موضع التمام عمدا، أن عليه الكفارة، وإن صلى تماما في موضع القصر، أن لا كفارة عليه، وأرجو أني عرفت ذلك فتنظر في ذلك.
-ومن الكتاب- ومن صلى في السفر تماما عمدا، فإن عليه البدل، فإن فات الوقت فعليه الكفارة، وإن صلى بديانة ورأى ثم تاب فلا بدل عليه ولا كفارة.
مسألة: ومما يوجد عن أبي عبد الله محمد بن محبوب -رحمه الله- أخبرنا (14/97)
صفحة 3514
الهروي أنه يحفظ، أن رجلا دخل في الإسلام، ثم حج عند ذلك، فصلى في سفره أربعا، ولم يكن علم أن عليه القصر، فلم يروا عليه بدلا.
مسألة: وعن رجل صلى في سفره تماما اجتهاد منه، إنه أفضل ما يلزمه في ذلك، قال: معي؛ إنه إذا كان ذلك بدين أو برأي يذهب إليه، ويعتمد عليه قبل أن يعلم برأي المسلمين فقيل: لا بدل، وإن كان إنما هو جاهل بما يلزمه ورأيه رأي من يرى القصر من المسلمين صلى تماما على أنه يظن أن ذلك جائز باجتهاد نظره، فأحسب أنه في بعض القول أن عليه البدل والكفارة، وفي بعض القول أن عليه البدل ولا كفارة عليه. قلت له: فإن قرأ في الركعة الثانية أكثر من الركعة الأولى، أيكون عليه في ذلك فسادا أم لا؟ قال: معي؛ إنه يستحب له أن تكون الركعة الأولى من القيام أطول من الركعة الثانية أو يساوي بينهما، فإن فعل فلا شيء عليه. (14/98)
صفحة 3515
الباب الحادي والعشرون
في صلاة السفر ومن أتم الصلاة
أو قصرها حيث يجوز ذلك
-من كتاب الإشراف- قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن من سافر سفرا يقصر في مثله الصلاة، وكان سفره في حج أو عمرة أو جهاد أن يقصر الظهر والعصر والعشاء، فيصلي كل واحدة منهما ركعتين، وأجمعوا على أن لا يقصر في صلاة المغرب، وصلاة الصبح، واختلفوا فيمن خرج في مباح جائز كمطالبة مال، فقال أكثر علماء الأمصار: له أن يقصر الصلاة إذا خرج إلى ما أبيح له، هذا قول الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور، وهو مذهب أهل المدينة، وأهل الكوفة، وروينا هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر، وقال ابن مسعود: لا يقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد، وروينا عن عمران بن الحصين أنه قال: إنما يقصر الصلاة إن كان شاخصا أو بحضرة عدو، وقال عطاء: لا يقصر إلا في سبيل من سبل الخير، ولعطاء قول ثان: وهو أن له أن يقصر في كل حال، واختلفوا فيمن سافر في معصية، ففي قول الشافعي وأحمد بن حنبل، أن عليه أن يتم، قال الشافعي: وذلك مثل أن يخرج باغيا أو يقطع طريقا أو ما في معناه، وقال الأوزاعي فيمن خرج في بعث إلى بعض المسلمين يقصر الصلاة ويفطر في رمضان، ووافق ذلك طاعة أو معصية حكى ذلك النعمان. (14/99)
صفحة 3516
قال أبو سعيد: يخرج في قول أصحابنا بمعنى الاتفاق، أن للمسافر وعليه قصر الصلاة إذا سافر السفر الذي يقصر فيه في جميع أسفاره، من حج أو عمرة أو غير ذلك من المباحات، ليس له في ذلك تخيير، وفي شهر رمضان له الإفطار بمعنى الاتفاق إن شاء أفطر وإن شاء صام في جميع هذه الأسفار، وأما في الأسفار التي يخرج فيها عاصيا لله باغيا أو متعديا من حرب للمسلمين أو قطع الطريق أو ظلم العباد، أو جميع الأسفار التي يكون فيها عاصيا، وإليها خرج وقصد، فهذا من السفر كله يخرج عندي في معاني ذلك اختلاف، ففي بعض قولهم: إنه مسافر وعليه وزر ما احتمل، وله حكم ما دخل فيه من حكم الشريعة من القصر والإفطار، وقال من قال: ليس له ذلك، وعليه صلاة التمام والصيام في شهر رمضان، والقول الأول عندي أصح؛ لأن أهل المعاصي داخل عليهم ولهم حكم الشريعة، كما تلزمهم واجباتها، كذلك لهم رخصها، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في تمام الصلاة في السفر، فكان الشافعي وأبو ثور يقولان: إن شاء المسافر أفطر، وإن شاء لم يفطر، وقد روي عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تتم في السفر، وفيه قول ثان: وهو على من أتم في السفر الإعادة، هذا قول حماد بن أبي سليمان، وقال عمر بن العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتمان، لا يصلح غيرهما؛ واختلف فيه عن مالك بن أنس، فقال مرة في المسافر أم مقيما أتم بهم الصلاة، جاهلا أو يتم المسافر والمقيم؟ قال: أرى أن يعيدوا الصلاة جميعا، ويحكى عنه أنه قال: يعيد ما كان في الوقت، وما مضى وقته فلا إعادة عليه، واختلف فيه عن أحمد بن حنبل مرة يقول: أنا أحب العافية من هذه المسألة، وقال مرة: إن أتم فلا شيء عليه. وقال مرة: لا يعجبني أن يصلي أربعا السنة ركعتان، وقال أصحاب الرأي: إن صلى المسافر أربعا، فإن كان قعد في ركعتين فصلاته تامة، وإن لم يكن قعد بين الركعتين قدر التشهد، فعليه أن يعيد، وقد احتج بعض من أوجب عليه الإعادة إذا أتم الصلاة، بأن عمر بن الخطاب -رحمه الله- قال: صلاة السفر ركعتان تماما، لا قصر عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال غيره: الذي بلغنا عن عمر بن الخطاب أنه قال: صلاة المسافر ركعتان تماما بلا قصر على (14/100)
صفحة 3517
لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قال في صلاة الجمعة، وأحسب أنه قال: وصلاة العيدين، وقال جابر بن عمر: من صلى في السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين، وقالت عائشة: إن الصلاة أول ما فرضت ركعتين، ثم أتم الله الصلاة في الحضر، فأقرت على هيئتها في السفر.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا، بما يشبه معاني الاتفاق، أن صلاة السفر ركعتان، إلا صلاة المغرب، فإن السنة فيها بالاتفاق، أنها ثلاث ركعات في الحضر والسفر إلا في صلاة الخوف فإنها ركعتان في الحضر والسفر، وكذلك صلاة الخوف للمواقعة في الحضر والسفر، وأما إن صلى المسافر تماما جهلا منه لما يلزمه فيخرج عندي في قولهم اختلاف في ذلك، قال من قال: عليه الإعادة والكفارة، وقال من قال: عليه الإعادة ولا كفارة عليه، وقال من قال: لا إعادة عليه ولا كفارة؛ لأنه حينما صلى الركعتين الأولتين، وأتم التشهد فقد تمت صلاته، ولا تضر الزيادة، ويعجبني هذا القول، وسواء ذلك عندي علم في الوقت أو بعد الوقت، وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: صلاة الجمعة وصلاة السفر وصلاة العيد ركعتان تماما بلا قصر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مسألة: عن أبي الحسن بن أحمد، وما تقول في امرأة خرجت هي وزوجها إلى بلد، فنوت المقام بغير رأيه أيلزمها التمام، أم عليها القصر، وإن أتمت جهلا منها ما يلزمه؟ فلا نية للمرأة مع زوجها إذا لم يكن لها شرط سكن، وعليها البدل في أكثر القول، وقيل: بالكفارة، وقيل: لا بدل على من صلى في موضع القصر تماما، والقول بالبدل أكثر وبه نأخذ. (14/101)
صفحة 3518
[صفحة بيضاء] (14/102)
صفحة 3519
الباب الثاني والعشرون
فيمن أتم الصلاة أو جمعها أو قصرها حيث لا يجوز
في رجل كان مسجونا في سجد بعض أهل الجور، فلما حضرت صلاة الظهر أوتي بماء فتوضأ وصلى صلاة الظهر وأتبعها صلاة العصر قبل أن يحين وقتها، خوفا أن لا يجد ماء بعد ذلك بجهل، فعلى ما وصفت فإن كان في بدله وليس هو في حد ممن يجب عليه جمع الصلاتين فصلى العصر في غير وقتها، ثم لم يصلها بعد ذلك في وقتها، حتى فات وقتها فقد ضيّع صلاة العصر، ومن ضيّع صلاة العصر متعمدا لزمته التوبة والكفارة صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا، والله أعلم بالصواب. قال غيره: وقد قيل: إذا كان جاهلا لذلك فعليه البدل، ولا كفارة عليه.
مسألة: وفي مسافر صلى صلاة المقيم أربع ركعات ناسيا؟ قال: كانوا يقولون الناسي والجاهل الذي لا يعلم أن صلاة المسافر ركعتان إن صلاتهما جائزة، قال غيره: وهو أبو سعيد فيما عندي، قد قيل عليهما الإعادة. (14/103)
صفحة 3520
[صفحة بيضاء] (14/104)
صفحة 3521
الباب الثالث والعشرون
فيمن كان مسافرا فقام ليصلي أربعا ناسيا ثم ذكر
أو كان في الحضر فقام ليصلي صلاة السفر ناسيا ثم ذكر
وما أشبه ذلك
-ومن جامع ابن جعفر- ومن نسي وهو مسافر فقام ليصلي أربعا، ثم ذكر وهو في التحيات الأولى أنه مسافر، فإنه إذا قضى التحيات سلم، وقد تمت صلاته.
-ومن غير الكتاب- قال محمد بن المسبح: يسلم ثم يرجع يبدل. ومن غيره؛ وكذلك عن أبي الحواري وأبي الحسن.
-ومن الكتاب- ومن أتم الصلاة على التمام أبدلها. قال غيره: وقد قيل: صلاته تامة.
-ومن الكتاب- إن نسي المقيم فصلى ركعتين على أنه يقصر فلما كان في التحيات ذكر أنه يتم، فله أن يبني على تلك الصلاة، ويتم صلاة التمام. –وفي نسخة- وقيل: إذا أحرم على التمام، فعليه أن يبدل الصلاة بالقصر، وكذلك عن أبي الحواري. قال غيره: معي؛ إنه يخرج إذا أحرم المقيم على نية القصر أعاد، وكذلك إذا أحرم المسافر على نية التمام أعاد، وفي بعض القول: ما لم يتما على ما دخلا عليه من النسيان، فلا إعادة عليهما، وقيل: ولو أما فلا إعادة عليهما، وكذلك حفظنا عن أهل العلم وكذلك عن أبي الحسن، وقيل: إذا أحرم المقيم (14/105)
صفحة 3522
على نية القصر، أو أحرم المسافر على نية التمام، فعليهما إعادة صلاتهما في بعض القول، وقيل: ما لم يتما على ما دخلا عليه من النسيان، فلا إعادة عليهما، وقيل: ولو أتما فلا إعادة عليهما. (14/106)
صفحة 3523
الباب الرابع والعشرون
في اتخاذ الأوطان وفي المسافر بينهن
محمد بن سعيد أنه قال: في الرجل يكون له مال بقريتين متفاوت ما بينهما، يكون في هذه حينا وفي هذه حينا؟ قال: إن كان ينوي المقام فيهما جميعا فليتم فيهما ويقصر ما بينهما. قال أبو سعيد: إذا كان بينهما فرسخان، وإذا كان أقل أتم في وطنيه وفيما بينهما.
مسألة: والمسافر ما كان في بلد غير بلده، ولا ينوي المقام فيه، فهو مسافر يقصر الصلاة، ويجمع إن أراد، وإن نوى المقام لزمه التمام، فإن عاد من بعد عزم على الخروج فهو على تمامه يصلي تماما لحال نيته حتى يخرج، قال غيره: ويوجد أيضا هذا في –جامع ابن جعفر- فإن خرج لحاجة فتعدى الفرسخين، ثم رجع، فإنه يصلي قصرا؛ إلا أن يرجع ينوي المقام بها فيصلي تماما.
مسألة: ومن كان في بلده مسافرا يقصر الصلاة، ثم نوى المقام فيه، ثم رجع حول نيته إلى الخروج منه، وإلى نيته الأولى من قبل أن يصلي، فإنه يلزمه التمام بنية المقام حتى يخرج من ذلك البلد، وسواء رجع حول نيته في وقت صلاة أو غير وقت صلاة قبل أن يصلي أو بعد أن يصلي، وكان ذلك سواء ويلزمه التمام على كل حال.
مسألة: وإذا كان رجل مولودا في قرية، وماله بها ووالده أيضا ثم تزوج في (14/107)
صفحة 3524
قرية أخرى فسكن فيها، فإنه يصلي قصرا، إلا أن ينوي المقام، فإن نوى المقام فيها صلى تماما، وإن نوى أن يقيم فيها ما دامت امرأته حية، فإن ماتت رجع إلى بلده، فليس هذا بمقيم ويصلي قصرا، فإن خرج الرجل إلى ماله ووالديه فإنه يصلي تماما إذا كان ينوي المقام في القرية التي فيها زوجته، وينوي أن يسكن أيضا في قريته، وإنما يدخلها لحاجة ثم يخرج، فإنه يصلي فيها قصرا.
مسألة: ومن كان له سكن في قريتين، فإنه يتم فيهما ويقصر بينهما، وإن كان في حاجة له فاختار في أحدهما فعليه تمام الصلاة.
مسألة: ومن كان له مالان، أو أموال متفرقة في قريتين أو قرى شتى، فيختلف في ذلك؟ قال: نعم يكون له بلدان وزوجتان ومنهم من قال: له أربع زوجات وأربعة أوطان، والذين قالوا إنما له نية واحدة ومقام واحد، لم يكن له عندهم إلا وطن واحد؛ لأنه لا يكون حاضرا غائبا ولا مقيما مسافرا، ولا يدري متى يموت أو يخرج أو لا يخرج.
مسألة: ومن سكن في قرى عدة، فينبغي له أن ينوي المقام فيهن كلهن، ويتم الصلاة، إلا أن تكون قرية لا يريد المقام فيها، وإنما يدخلها لحاجة ولإقامة ضيعة، ويخرج منها وهو فيها مسافر، فيقصر الصلاة فيها.
-ومن كتاب الإشراف- واختلفوا في المسافر يمر في سفر بقرية له فيها أهل ومال، فروينا عن ابن عباس أنه قال: إذا قدمت إلى أهل لك وماشية فأتم الصلاة، وقال الزهري: إذا مر بمزرعة له في سفر أتم صلاته، وقال مالك: إذا مر بقرية له فيها أهله وماله أتم الصلاة، إذا أراد أن يقيم فيها يومه وليلته، وقال أحمد بن حنبل بقول ابن عباس، وقال سفيان الثوري: إن قدم على ماشية له أو قرية له ولم يكن له ذلك قرارة فليصل ركعتين، وقال الشافعي: ركعتين، ما لم يجمع مقام أربع، قال أبو بكر: وكذلك نقول، قال أبو سعيد: معي؛ إنه قد مضى القول في هذا في معنى ما يستدل عليه، وبه إذا كان للمرء وطن فسافر عنه، وأما إذا لم يكن له وطن يتخذه وكان سائرا، فيخرج فيه قولان؛ أحدهما أنه على (14/108)
صفحة 3525
معنى القصر أبدا، حتى يتخذه وطنا يتم فيه، والآخر أنه حيثما حل لطلب معاشه لغير غاية يعتقدها أتم الصلاة، وحيثما سافر أو حل بغاية يكون خروجه لها فإنه يقصر الصلاة بمعنى السفر.
مسألة: وعن المسافر، كم يجوز له من الأوطان إذا أراد تمام الصلاة؟ قال: معي؛ إنه يوجد في آثار قول أصحابنا أن يتخذ وطنين، وفي الصلاة وفي نسخة قال: معي؛ إنه يوجد في آثار أصحابنا، أنه يجوز له أن يتخذ وطنين، وفي بعض القول: لا يجوز إلا واحد، وقال من قال: إنه يتخذ ثلاثة أوطان، وقال من قال: أربعة أوطان، وأرجو أن يجوز له أن يتخذ ما شاء من الأوطان وطنا، ولا حد لذلك، وأكثر قول أصحابنا السائد؛ إنه أكثر ما يجوز له أن يتخذ وطنين، قال: ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المسافر يقصر الصلاة، حتى يعزم على المقام»، قال: ولم يحِد حدا فيما يوجد، قلت له: فأنت متخذ نزوى وسلوت وكدم وطنا، وتتم فيهن الصلاة؟ قال: هكذا معي إني على ذلك.
مسألة: من الأثر، فهل يجوز للرجل أن يتخذ بلدين وثلاثة وأربعة وخمسة وعشرة مسكنا يتم فيهن الصلاة إنهن نزله؟ قال: إذا اتخذهن كلهن دار مقام فعليه التمام.
مسألة: وإذا أقر المسافر في بلد، ولو أقام فيه سنة أو سنين، وهو ينوي الرجوع إلى بلده إذا قدر، فعند أصحابنا أنه يصلي صلاة السفر إذا لم ينو الإقامة، وأكثر قولهم إنه يصلي كل صلاة في وقتها، وبعض رخص له الجمع.
مسألة: وإذا خرج رجل من أهل هجار إلى صحار، فأراد أن يقيم بها سنة أو أكثر، ولا ينوي فيها مقاما، ونيته الرجعة إلى بلده إلى أن خرج من صحار إلى نزوى في حاجة، فمر بهجار خاطفا أو عرس فيه حماره، يوما أو يومين فحضر وقت الصلاة، فعن أبي عبد الله وغيره؛ إنه يلزمه تمام الصلاة في بلده ولو كان مجتازا لم يحط رجله بها، ما لم يقطع نيته منها أن يتخذها دارا، ولو أنه نوى المقام بصحار واتخذها دارا، ولم يقطع بنيته من هجار، فإذا رجع إلى هجار في حاجة أو مرّ بها (14/109)
صفحة 3526
مجتازا إلى غيرها في حاجة، فعليه تمام الصلاة.
مسألة: ومن خرج من بلده إلى بلد أخرى، فنوى أن يتم فيها إلى موت رجل قد سماه أو إلى عزل والٍ قد عرفه، فعليه القصر؛ لأنه ليس بمقيم، وقد حد حدا، وإنما المقيم من اتخذ البلد دار مقام.
مسألة: ومن خرج من بلده ورجع إليه ولا ينوي المقام فيه، فإنه يصلي قصرا، وكذلك إذا سار في الأرض لا يتخذ مستقرا في موضع صلى قصرا.
مسألة: ومن كان له امرأتان، بينهما مسيرة يوم، فإنه يصلي في السفر ويصلي عند كل واحدة منهما صلاة المقيم.
مسألة: وعن رجل خرج إلى بلد مسافرا، فلما وصل إلى البلد نوى المقام فيها، ثم حول نيته إلى السفر، وكل هذا قبل أن يحضر وقت الصلاة، ثم حضرت الصلاة، وهو في البلد. قلت: ما تكون صلاته بالتمام أو بالقصر؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: يصلي تماما، ما دام في البلد حتى يخرج منه ويلزمه حكم القصر بالسفر، ثم عن رجع إليه بعد ذلك كان مسافرا، إلا أن يرجع ينوي المقام، ولو بلغ في خروجه أقل من فرسخين، ولو كان أراد في خروجه ذلك مجاوزة الفرسخين، ثم رجع إليه، فقد قيل: إنه على حكم التمام. (14/110)
صفحة 3527
الباب الخامس والعشرون
في صلاة البادي والحيق والسائح والمكاري والملاح
وعن البادي إذا كان له وطن، ثم خرج يريد مجاوزة الفرسخين قلت: ما يصلي؟ فإذا خرج من حدود وطنه يريد مجاوزة الفرسخين قصر الصلاة.
مسألة: وعن رجل بدوي له مال في بلد يحضره في حين دراك ثمر نخله، ثم يتربع إلى البلد، ولا يكاد ينقطع عن دخول البلد، وهو لا ينوي فيها مقاما، فما ترى في الصلاة عليه؟ فعلى ما وصفت، فإن كان هذا البدوي له وطن معروف قد اعتمده بقلبه وطنا، فليس له أن يتم الصلاة في غير وطنه، ولو لبث في غير وطنه سنين، فإن كان ممن يتبع موضع نبتة المطر، ولا يتخذ بقلبه وطنا، فعليه تمام الصلاة حيث ضرب عمود قبته، وإن لم يكن له نية فحيث ينزل، ويحل من عقدة المسير في أمله السفر، ولو جلس في ذلك الموضع أقل من شهر أو أقل من نصف شهر.
مسألة: والبادي إذا كان له مال يحضره في القيظ، فمن الفقهاء من قال: يتم فيه الصلاة، فإذا تربع وخرج صلى صلاة السفر، وإذا ضرب عموده للغيث أتم الصلاة؛ إلا أن يكون ضربه لمبيت أو مقيل، وهو مسافر، فإنه يصلي صلاة السفر، وقال آخرون: البادي في كل حال حيث ضرب عموده صلى صلاة الحضر، فإذا سار صلى صلاة السفر، ومنهم من قال: إذا حضر قرية في القيظ، ولا ينوي المقام فيها، فهو مسافر، وعليه صلاة السفر، وقال أبو عبد الله: إذا حضر أهل (14/111)
صفحة 3528
البدو القيظ قصروا. قال: والراعي إذا كان يرعى عن منزله أكثر من فرسخين، فإنه يقصر الصلاة.
مسألة: وقال الربيع: الراعي وطنه غنمه يصلي أربعا.
مسألة: وإذا كان رجل من البادية له وطن يكون فراسخ، فأراد الخروج من وطنه إلى حاجته، انتجع خصبا، فإذا قلع عموده قصر، وإذا ضربه أتم الصلاة، وإذا خرج إلى حاجة فإذا صار إلى موضع لا يسمع الأصوات قصر، وزعم موسى أن البادي له وطن معروف ينتقل فيه، ولا يغدوا إلا أن ينتجع، فحيثما تحول من الوطن فإن مسير يوم أو يومين، فإنه يتم فيه حيثما كان سائرا أو مقيما، وإن انتجع من وطنه قصر حتى يرجع إلى وطنه. قال هاشم: فأخبرت بذلك بشيرا فقال: فيه قولان هذا أحدهما والآخر حيثما نصب عموده أتم فهو في وطنه، وإذا سافر قصر.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- والبادي يصلي تماما، حيث نصب عموده، وأثبتا المقام، إلا أن يكون نصب عموده بمبيت ليلة، أو نحو ذلك، فإنه يقصر، وقيل عن موسى بن أبي جابر -رحمه الله- وفي –نسخة- أنه سئل عن هذه المسألة بعض المسلمين أنه قال في بدوي له وطن يتجول فيه من موضع، ومن بعضه إلى بعض، أنه يتم فيه سار أو ضرب بيته فإذا خرج من وطنه المعروف سير فرسخين فليقصر ولو ضرب بيته، وقيل عن بشير -رحمه الله- أنه قال: قد قال بذلك بعض المسلمين، وقال: إن البادي إذا ضرب بيته فعليه التمام، وإذا سار فعليه القصر في وطنه وغير وطنه، وهذا هو أكثر القول.
-ومن الكتاب- وإذا ضرب البادي عموده في القيظ هو حاضر في قرية، ولم ينو فيها المقام، فإنه يقصر؛ لأنه لا يريد المقام فيها إلا أن تكون هي بلادا له يسكنها في ذلك الوقت كل سنة فينبغي له أن ينوي المقام فيها ويتم الصلاة.
-ومن الكتاب- وإذا دخل البادي من الموضع الذي ضرب فيه عموده، أتم (14/112)
صفحة 3529
الصلاة وقلع عموده، فإذا سار قصر الصلاة، وإن كان أهله في موضعهم وخرج هو في حاجته في سفر فتعدى الفرسخين، ويرجع، فإنه يقصر إذا تعدى موضعه ذلك بقدر ما لا يسمع الأصوات، وأحسب أيضا إن كان للبادي موضع معروف هو وطنه وسكنه، أنه يتم الصلاة فيه، فإن كان يخرج ويرجع إليه ولا ينوي المقام حتى يرجع إلى مكانه الذي فيه مقامه فيتم الصلاة، وإن كان هو لا يعتمد على المقام في موضع إلا حيث كان الكلأ والعشب، فهذا هو الذي حيث ضرب عموده ومكث أتم.
-ومن الكتاب- وإذا ضرب البادي عموده ولزمه التمام، وكان بينه وبين الجمعة حيث يلزم أقل من فرسخين، فعليه الجمعة.
مسألة: أحسب عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر، فالذي يوجد في صلاة البادي اختلاف، ففي بعض القول أن البادي حيثما ضرب عموده أتم الصلاة، وإذا سافر قصر، وبعض يقول: إذا كان له وطن أتم فيه، وإذا سافر إلى غيره قصر، والله أعلم.
ومنه؛ الذي عرفت في البادي إذا ضرب عموده ونوى المقام أنه يتم الصلاة، ويوجد أنه حيثما ضرب عموده أتم، وحيث سار قصر، وعرفت أنه كان متخذا موضعا وطنا، إن كان يقيم فيه أتم الصلاة، وإذا سافر قصر.
مسألة: ومن غيره؛ وقيل: إن صلاة الحيق، وصلاة السائح كصلاة البداة إذا سافروا قصروا، وإذا نزلوا لطلب المعيشة ونووا ذلك أتموا الصلاة.
مسألة: وعن الأعراب يحضرون القرى لثمرة القيظ، ويضربون عمدهم؟ قال: إنما يلزمهم التمام إذا ضربوا عمدهم في باديتهم، فأما في القرى فهو سفر، والبادي حيث نصب بضرب عموده لمبيت أو مقيل وهو سائر، فهذا سافر، ويقصر الصلاة ويجمع إن أراد، وكذلك إذا حضر في قرية للقيظ، ولم ينو المقام إلا للقيظ فهو مسافر، ويقصر الصلاة، وإذا خرج في موضع يتم فيه مسافر، فإذا (14/113)
صفحة 3530
صار حيث تغيب عنه الأصوات قصر الصلاة، وأما صلاة البحر فإن البحر خلاف البر، ومن حينما يدخل المركب في البحر يريد السفر، فإنه يقصر الصلاة، ولو كان قرب الدور والعمار. (14/114)
صفحة 3531
الباب السادس والعشرون
في صلاة قاطع الأوطان عن نفسه مثل السائح والحيق
وقد قيل: من قطع الأوطان عن نفسه صلى القصر ما لم يتخذ وطنا، وهو يقصر في كل ما توجه فيه من قعود أو سفر، وقيل: إذا قعد في طلب بلد، لطلب معيشة لغير حد معروف ولا غاية محدودة، إلا لما طاب له وصلح لمعاشه، فيصلي في هذا الموضع تماما بمنزلة البادي إذا ضرب عموده لطلب معاشه، وقد قطع الأوطان عن نفسه أتم، وإذا سافر قصر، وإذا قعد وضرب عموده لمقيل أو مبيت أو لغير قعود لطلب معاشه، وإنما هو لغاية قصر فيها كذلك معي؛ إنه قيل في قاطع الأوطان من غير البداة، مثل الحيق وغيرهم ممن يشبههم ممن قد قطع الأوطان لطلب المعاش أو لعبادة، قد قطع الأوطان عن نفسه وأحسب أنه قيل: إن السائح والقاطع للأوطان للعبادة غير الضارب في الأرض للمعاش مع قطع الأوطان، فقيل: إن السائح يقصر أبدا حيثما نزل وسار حتى يتخذ وطنا أو ينوي مقاما ويتم، وطالب المعاش بمنزلة ما وصفت لك من القول الآخر مثل الأعراب.
مسألة: قال أبو سعيد: أما من قطع الأوطان عن نفسه في التماس المعاش، ولم يتخذ وطنا إلا الضرب في الأرض لطلب المعاش، مما كان من المعاشات، فإنه يخرج عندي صلاته على وجهين، أحدهما أن يقصر أبدا حتى يتخذ وطنا يتم فيه، ويقصر فيما سوى ذلك، والآخر أنه يكون حيثما نزل في طلب معاشه لغير غاية معروفة، ولا نهاية إلا ما صلح له من طلب معاشه، فإنه يتم على هذا السبيل، (14/115)
صفحة 3532
ما لم يكن قعودا محدودا أو ما كان قعوده محدودا في طلب معاشه، فإنه يقصر فيه، ويعجبني هذا في صلاة الضارب في الأرض في طلب المعاش من أمور الدنيا، وأما الضارب في الأرض في عبادة الله وطاعته، لا لأمر الدنيا ولا لأسبابها، فيخرج عندي صلاته على وجهين: أحدهما، أنه يتم حيثما توجه حتى يتخذ وطنا يتم فيه، ويقصر فيما سوى ذلك، والآخر أن يقصر حيثما توجه حتى يتخذ وطنا يتم فيه، ويقصر فيما سواه، لثبوت القصر والتمام في التعبد في الصلاة، ويعجبني لهذا على الاختيار، أنه إذا دخل بلدا فقعد فيه اليوم واليومين مستريحا موطنا أن يتم فيه الصلاة، وأما في القرى أو في الفيافي أو في البحر، قصر في سفره ما دام مسافرا ضاربا في الأرض من حيثما قعد، ويمكن أتم، فهذا يعجبني في الصلاة لهذين الضاربين في الأرض لهذين المعنيين، وقد قيل في ذلك كله فيما معي، وإذا بطل حكم الوطن منه لم يتعر حكم المعنيين جميعا، لثبوت التمام على الإنسان مجملا، وثبوت حكم القصر عليه مجملا فلما زال ذلك كله في حضر ولا في سفر خرج حكمه كله في الحضر كله أو السفر كله، وعلى معنى الحضر والسفر الحضر والسفر فيه سواء، ما فسرت لك من المعنيين من الضاربين في الأرض، لأن لا يتعرى عند ذلك عن العبد في حال حكم التمام فيه على الإجماع من أمره، ولا حكم القصر على الإجماع من أمره لأنه في الأصل متعبد بهما في معانيهما، كالإنسان في رأيه الذي يلزمه على وجه التعبد، وبالعدل في ذلك، وقول المسلمين.
قال غيره: هكذا عندي، إنه قيل في السائح للعبادة والمعاش، والله أعلم.
مسألة: رجل له نساء في أربع قرى وله في كل قرية أموال ينوي في جميعهن الإقامة، لا على أن يقيم في واحدة الدهر، ولكن يقيم في جميعهن كل واحدة مدة ما أراد، ثم كذلك في الأخرى، أتم في الأخرى أيتم الصلاة في جميعهن على ما وصفت لك.
مسألة: رجل من بغداد والأهواز أو الكوفة، خرج في البحر ثم نوى السفر (14/116)
صفحة 3533
في البحر لأمر يرجو أينوي مقاما ببلد، ولا سفر في غير البحر، أيكون مسافرا أبدا، وعليه القصر أم يكون منزله كمنزلة الأعراب هو مسافر، ما لم ينو المقام ببلد من البلدان، فأما ما كانت نيته الرجوع إلى بلده، فإنه مسافر، وكذلك السائح الذي لا ينوي مقاما ببلده، وأما السائح الذي لا ينوي مقاما ببلده أرى صلاته صلاة المقيم، والله أعلم.
قال غيره: قول أبي سعيد الذي قبل هذه المسألة مكتوب بعدها، وهو عندي أنه رد فيها وتبين لها، والله أعلم.
-ومن كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في المكاري والملاح وصاحب السفينة، تحضرهم الصلاة؟ فقالت طائفة: يقصرون الصلاة إذا سافروا، هذا قول الشافعي وابن الحسين وأبي ثور، وقال أحمد بن حنبل في الملاح إذا كانت السفينة يتم الصلاة، وقال المكاري الذي دهره في السفر يقصر، واختلفوا فيمن خرج من القرية الميل والميلين، ثم أقام بها يوما أو يومين، فقال مالك: لا يقصر حتى يخرج إلى حد ما يجب فيه الجمعة، ويقصر في قول الشافعي، إذا برز عن البيوت.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا، إن السفر عن الأوطان والإسكان سواء في بر أو بحر، وأن الأوطان تخرج مثل ذلك إذا اتخذ موضعا من المواضع وطنا أو سكنا، فهو سكنه في بر أو بحر، ويتم فيه الصلاة، ولا يخرج عندي أن تكون السفينة وطنا؛ لأنها ليست بمستقرة في موضع دون موضع، وإنما هي ظرف له ووعاء في الحضر والسفر سواء، وقد مضى القول فيما يجب للمسافر، وعليه لمن اتخذ الأوطان أو قطعها من معنى ثبوت القصر أو التمام، فهذه الفصول داخلة في ذكر ما مضى إن شاء الله.
مسألة: قال أبو الحسن: ومن كان من السياح ليس له وطن معروف، فالله أعلم به، ليس في هذه الأمة سياحة، في هذه الأمة الغزو في سبيل الله، فإن كان هذا الرجل سائر في الأرض، لا مال له ولا ولد ولا مستقر له ولا وطن، ولا مسافر (14/117)
صفحة 3534
ولا مقيم، صلى الصلاتين جميعا، وإن مسافرا كالبداة والحيق، فإذا سار جمع، وإذا لبث صلى صلاة المقيم، وإذا سار صلى صلاة السفر، والله أعلم.
مسألة: غيره، والسائح إذا لم يكن ينوي الرجعة إلى بلده، وهو يسيح في الأرض فليتم الصلاة، فإن نوى الرجعة إلى بلده فليقصر حتى يرجع.
مسألة: عن أبي الحواري عن رجل كان في بلده مقيم، ثم تلف ماله وذهب، فخرج من البلاد لالتماس المعاش، فهو يتردد في القرى والبلاد، وليس له سكن يعرفه فيتخذه سكنا ويتم فيه، كيف يصلي؟ فعلى ما وصفت فهذا يصلي قصرا ما دام على هذه الحال، حتى يتخذ في بلد مقاما. (14/118)
صفحة 3535
الباب السابع والعشرون
في صلاة الإمام والوالي والحاكم والشاري
سألت أبا عبد الله محمد بن محبوب -رحمه الله- عن الإمام إذا خرج من موضعه إلى رباط، أو غيره يريد سفرا، يقصر الصلاة أو يتم، ما دام في حدود عُمان؟ قال: بل عليه القصر إذا تعدى الفرسخين من موضعه، حتى يرجع. قلت: فإن أخرج حاكما إلى مصر ليحكم بينهم، ومعه أصحاب أيجب عليهم التمام، وعلى أصحابه، أم ليس عليه التمام، إذا لم ينو مقاما؟ قال: على الحاكم التمام، وعلى أصحابه ما داموا في موضع حكمهم في المصر الذي يحكم فيه. قلت: فإن أراد الحاكم أن يخرج في بعض ما يعنيه في الموضع الذي هو فيه إلى بعض من يجري عليه حكمهم حكمه، فيتعدى الفرسخين، أيقصر أم عليه التمام؛ ما كان في حدود بلاده التي يحكم فيها، فعليه القصر، وعلى من اتبعه من أصحابه.
قلت له: وكذلك الوالي إذا ولاه الإمام على الرستاق، ومعه ولاة فولى كل واحد مهم على قرية، وجعل معه أصحابا، والوالي الكبير على قرية، ومعه أصحاب أيلزمهم جميعا التمام؟ قال: نعم عليهم التمام؛ إلا أن يخرج الخارج منهم في بعض معاني المسلمين فيتعدى الفرسخين، فعليه القصر، قلت: أرأيت إن خرج الوالي الكبير في بعض معاني المسلمين إلى بعض ولاته يريد بقرية الإقامة إلى ثلاث، أو يحكم بين الناس فيتعدى الفرسخين من موضعه الذي هو فيه، أيقصر أم عليه التمام ما كان في حدود ولايته؟ قال: إذا خرج من قريته التي هو فيها، (14/119)
صفحة 3536
فتعدى الفرسخين، فعليه القصر، وعلى أصحابه الذين معه. قلت: أرأيت إن خرج إلى ولاته الذين ولاهم، خرج إليه فقعد معه أياما أو واقفا أيتم معهم الصلاة، أم يقصر إذا تعدى الفرسخين؟ قال: بل يتم عند الوالي الكبير. قلت له: فإن خرج بعض الولاة الذين ولاهم أو بعض أصحابهم إلى وال أبعد من الفرسخين، أيقصر معه أم يتم؟ قال: بل يقصر حتى يرجع إلى ولايته، وكذلك جميع أصحابه.
مسألة: قال أبو عبد الله في صاحب الوالي نوى في نفسه، إن لم يأذن له الإمام في بعض الولايات، أنه يخرج منه بلا إذن منه له؟ قال: إن كان من أصحاب الوالي، أو ممن تلزمه طاعته، ونوى أن يخرج إلى وقت وقته، ثم يخرج أذن له الوالي أم لم يأذن له، فليصل قصرا.
مسألة: في الوالي يوليه الإمام، مثل الشرق كله أو الجوف كله، أيتم الصلاة في تلك القرى كلها؟ قال: يتم الصلاة في القرية التي يقيم فيها، ويقصر في سائر القرى من ولايته، قلت: فالشراه في تلك القرى الذين لا يخرجون إلا بإذنه، أيتمون في تلك القرى عنده إذا خرجوا إليه؟ قال: نعم، وهو يقصر إذا خرج إليهم.
مسألة: وسألت أبا معاوية، عن وال ولاه الإمام وأمن بقبض الصدقة، هل له أن يتم الصلاة إذا تعدى الفرسخين من ولايته؟ قال: يقصر الصلاة إذا تعدى الفرسخين من ولايته، وإن كانت تلك ولايته، وكذلك أصحاب الولاة، إذا ولاهم الإمام الأعظم، فإنهم يتمون في ولايتهم، إذا أرادوا سفرا إلى واليهم الأعظم، وبينه وبينهم أكثر من فرسخين قصروا في سفرهم، وأتموا معه الصلاة، وكذلك يتمون الصلاة في ولايتهم. ومن غيره؛ وروي لنا الفيض بن اليمان عن أبي عثمان وعبد المقتدر؛ قال: خرجنا مع الإمام غسان، وهو يريد غضفان فصلى بالناس بعمق أربع ركعات، واجتمع رأي من حضر من المسلمين على أن يعيدوا الصلاة، ويصلوا ركعتين فيقصرها، فصلوا ركعتين وأمروا أهل عمق فأعادوا (14/120)
صفحة 3537
الصلاة، ولم يروا صلاتهم تلك صلاة، إذا انتقضت وصلاة الإمام بخلاف السنة.
مسألة: وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثماني عشرة ليلة، فقصر الصلاة المكتوبة، ويقول لأهل مكة: أتموا صلاتكم، وفعل ذلك عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعد النبي صلى الله عليه وسلم وقال لأهل مكة: أتموا صلاتكم أنتم فإنا نحن قوم مسافرون.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- وأما الإمام إذا عقدت له الإمامة في موضع الأئمة، ونوى المقام، فهو يتم الصلاة، ولم يكن ذلك بلده، وأحب إذا لم يكن ذلك بلده أن ينوي المقام فيه، وإن سافر فعليه القصر في السفر، حتى يرجع إلى موضع تمامه، وقيل: على من وصل اليد من الشراه أو المدافعة الذين ينفق عليهم، وتلزمهم طاعته أن يتموا عنده الصلاة، إذا كانوا لا يخرجون إلا برأيه، وقال من قال: إذا لم يعزموا على المقام قصروا، والرأي الأول لعله أكثر، ومن وجهه الإمام في رباح أو معنى معروف، أو وقت محدود من ولاية أو غيرها، فعلى أولئك القصر في ذلك الموضع، إذا كانوا سفارا فيه، إلا الوالي الذي يوليه الإمام على قرية، ولا يجد له حدا فإنه يتم الصلاة؛ -وفي نسخة- قلت له: وما الحد؟ قال: الحد مثل أن يقول للوالي قد وليتك قرية كذا وكذا سنة، وما حد له فذلك يقصر، وكل من أخذه ذلك الوالي من أصحابه فهو يتم الصلاة أيضا.
مسألة: وإذا أسفر الوالي في ولايته، وتعدى الفرسخين من موضع مقامه قصر الصلاة حتى يرجع إليه، ومن وصل إليه من أصحابه الذين ولاهم على القرى، فقيل: إنهم يتمون عنده حتى يرجعوا إلى موضعهم، ومن أتم الصلاة في قرية ثم اعتزل عن ولايته، أو غير ذلك فهو على تمامه حتى يخرج منها، ومن غيره، قال: نعم حتى يخرج منها يريد مجاوزة الفرسخين، ويسفر عنها فرسخين ثم يرجع، فإن خرج منها يريد مجاوزة الفرسخين قصر الصلاة، فإن رجع إليها قبل أن يتعدى الفرسخين رجع إلى تمامه، فهو على هذا إلى أن يتعدى الفرسخين، أو أراد (14/121)
صفحة 3538
سفرا يجاوز الفرسخين قصر، حتى يجاوز الفرسخين.
مسألة: وعن رجل ألزم نفسه الشراء، ثم تبع بعض الولاة، فحمل أهله وهو يتم مع الوالي، أتتم امرأته صلاتها، وهي مسافرة حتى ترجع؟ قال: تتم المرأة بتمام زوجها. قلت: فإن رجع الرجل إلى قريته في حاجة له، أيتم فيها أم يقصر؟ قال: بل يتم.
مسألة: سألت أبا الحسن عن الشاري إذا عقد الشراء على نفسه، ولم يكن في حوائج الإمام، وكان في ضيعته، وقد أذن له الإمام بالخروج إلى ضيعته التي في بلده مدافعا كان أو شاريا، وكان في بلده وضيعته، ثم دخل إلى الإمام بنزوى، أيكون عليه التمام؟ قال: لا. إنما يكون التمام مع الإمام على من لا يخرج من عنده لإمام إلا بإذنه من الذين يقومون بعسكر الإمام وحوائج الإمام، وهم إذا دخلوا إلى الإمام لم يخرجوا إلا بإذنه.
قلت له: فإن أذن الإمام أشار أن يرجع إلى تجارته، أو حراثته، أو يضرب في الأرض في سبب من أسبابه، ثم دخل إلى الإمام يسهر، ثم أراد الخروج فليس عليه في ذلك أن يشاور الإمام؟ قال: لا. ليس عليه ذلك، وإنما ذلك على من تخلف عند الإمام، أو من قد استعمله الإمام عنده بعمل أو ولاه على أمر من أموره، لا يخرج من عنده، إلا بإذنه فذلك يتم الصلاة عند الإمام، قلت لأبي الحسن: وكذلك لو أرسل وال الإمام شاريا إلى الإمام برسالة، ولا يريد بذلك الشاري، ولا بعث لإقامة مع الإمام، وإنما بعث بكتاب أو بمال يرفعه، هل على هذا الشاري بالخروج، بمعنى من المعاني، ثم يرجع إلى الإمام في سبب مثل هذا له غاية؟ إذا قضاه خرج من عند الإمام لم يكن عليه في خروجه مشورة الإمام، ولا عليه تمام ويصلي قصرا، وإنما يتم من الشراة مع الإمام ومع والي الإمام من لا يخرج، إلا برأي الإمام، أو برأي والي الإمام، قال غيره: وقيل إن الشراة والولاة المتصرفين في الأعمال للإمام، إذا وصلوا إليه في حاجة، ويرجعون فإنهم يتمون الصلاة عنده، حتى يخرجوا من عنده، ومن ذلك بأنهم قالوا: يصلي الوالي (14/122)
صفحة 3539
ومن يرسله من الشراة بصلاة الإمام.
مسألة: وقيل: اختلف في الشراة والمدافعين الذين تجري عليهم نفقة الإمام، وتلزمهم طاعته، فقال من قال: لا يلزمهم التمام للصلاة مع الإمام، إلا أن يتخذوا بلده وطنا وينو المقام، وقال من قال: كل من استعمله الإمام معه بشيء من الأعمال قصر، ومن لم يستعمله الإمام بشيء ولم يكن في شيء من أعمال الإمام أتم صلاته، فإذا صرفه في شيء من الضياع، فهو يقصر معه حتى ينوي المقام، أو يستعمله الإمام بشيء، وكل من استعمله الإمام فيه من حكم معه أو جباية أو حرس، أو شيء من الأشياء، فإنه يتم الصلاة معه ولا يخرج إلا بإذنه، ولا يخرج إلا بإذنه.
مسألة: وإذا كان رجل من أهل صحار من أصحابه ينفق عليه الإمام؟ قال أبو معاوية: إنه يتم الصلاة إذا حضر الإمام، إذا كان يلزم نفسه طاعة الإمام، ولا يخرج إلا بإذنه، وزوجته تبع له، فإن أتم أتمت وإن قصر قصرت، وأما بنوه إن كانوا بالغين فهم يقصرون، إلا أن يكون نووا نيتهم مع أبيهم حيث كان إن أقام أقاموا، وإن خرج خرجوا، فإنهم تبع له فعليهم ما عليه، ويلزمهم ما يلزمه من التمام والقصر، والله أعلم.
مسألة: ومن غيره؛ فيمن بعثه الإمام ليرابط ثم حد له حدا، ما يصلي؟ قال: يقصر، وإنما يكون التمام على من بعثه الإمام أو أمره يحكم بين الناس. (14/123)
صفحة 3540
[صفحة بيضاء] (14/124)
صفحة 3541
الباب الثامن والعشرون
في صلاة الصبي
قلت له: وكذلك الصبي إذا كانوا أبوه مشركا، وأسلم هو قبل بلوغه، ما يصلي في حاله تماما أو قصرا، إذا كان البلد سكن والده؟ قال: يعجبني أن يصلي تماما؛ لأن الصلاة تمام حتى يعرف معنى القصر لقول الله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ ((النساء:101)، فإنما القصر عند الضرب في الأرض بمعنى السفر، وما لم يثبت ذلك فأسباب الصلاة عندي على أصل التمام، قلت له: فإن بلغ في بلد والده مسافرا فيه، فأسلم هو ووالده مشرك ما يصلي في ذلك البلد تماما أو قصرا؟ قال: يعجبني أن يصلي تماما، وينوي المقام حتى يخرج إلى ما لا شبهة فيه، وإن لم ينو المقام فلا أبصر له معنى قصر، إلا بثبوت سفر من بعد بلوغه، إلا أنه إن قطع الأوطان عن نفسه واعتقد أن لا يتخذ وطنا لم يبعد عندي أن يجوز له القصر، إذا لم يكن يثبت له بعد البلوغ، ولا عليه حكم مقام سفره، وإذا كانت الصلاة في موضع المقام تماما، وفي موضع القصر قصرا، وما لا يثبت حكم المقام فلا يبعد حكم ثبوت السفر، لثبوت الصلاة تماما أو قصرا، لا غير ذلك. قلت له: وكذلك الصبي الذي لا أب له، ويعجبني أن ينوي المقام ويصلي بالتمام حتى يخرج من الريب، قلت له: فإن جهل ذلك، وكان يصلي قصرا لظنه أنه مسافر، ما يلزمه في صلاته؟ قال: معي؛ إنه إذا صلى قصرا على اعتقاد، وظن (14/125)
صفحة 3542
غير البلد بلده الأول، أو غيره واعتقد ذلك من بعد بلوغه، ولم يكن ثبت عليه بعد بلوغه أسباب التمام في هذا البلد فقد الصواب عندي، وهذا مسافر في هذا الموضع، وكذلك العبد في المسألة الأولى والصبي، إذا كان على هذه النية، وإذا كان على غير اعتقاد وظن غيره، ولا هو ولا يثبت عليه ذلك بعد بلوغه باعتقاد أن له وطنا، فلا يعجبني أن يلزمه البدل؛ لأنه قد صلى صلاة تشبه موضع القصر، إن لم يكن موضع التمام باعتقاد الوطن، أو المقام كقاطع الأوطان.
مسألة: وقد قيل: من قطع الأوطان عن نفسه صلى بالقصر، ما لم يتخذ وطنا، وقيل في الصبية إنها تصلي بصلاة زوجها، إذا عاشرته واتبعته وجاز بها، أو أغلق عليها بابا أو أرخى عليها سترا، وكانت بمنزلة الجائز بها، ومعي؛ إنه قيل: صلاتها صلاة والدها، حتى تبلغ فترضى بالتزويج فتكون تبعا لزوجها، أو تغير ذلك، فتكون صلاتها صلاة نفسها.
مسألة: والصبي تبع لوالده في الصلاة، فإذا بلغ لم يكن تبعا له.
مسألة: وإذا كان رجل من أهل صحار ينفق عليه الإمام؟ قال أبو معاوية: إنه يتم الصلاة إذا حضر الإمام إذا كان يلزم نفسه طاعة الإمام، ولا يخرج إلا بإذنه، وزوجته تبع له، وإن أتم أتمت وإن قصر قصرت، وأما بنوه إن كانوا بالغين فهم يقصرون، إلا أن تكون نيتهم أنهم مع أبيهم حيث كان، إن أقام أقاموا، وإن خرج خرجوا، وإنهم تبع له فعليهم ما عليه، ويلزمهم ما يلزمه من التمام والقصر، والله أعلم.
مسألة: عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفي الصبي إذا بلغ في قرية غير قريته، ولم تكن له نية وطن ولا سفر، فقد عرفت أن الصبي إذا بلغ في قرية كان عليه الصلاة بالتمام.
مسألة: قال أبو القاسم سعيد بن محمد الحنان -رحمه الله- في صبي كان مسافرا، ثم بلغ في السفر، إنه يصلي قصرا من حيث بلغ، وسواء كان في سفر أو حضر، فالحكم فيه واحد، وهو كغيره في حكم الصلاة. (14/126)
صفحة 3543
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- وإذا دخل الصبي في الصلاة، ثم بلغ وجب عليه الخروج مما هو فيه، وعليه أن يتطهر للصلاة ويأتيها، إذا كان مدركا لوقتها، ومن أدرك ركعة والوقت قائم فهو مدرك للوقت إذا كان متطهرا، وإذا قدر على الطهارة ولم يبق في الوقت ما يأتي بركعة والوقت قائم فهو غير مدرك للوقت لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أدرك من العصر ركعة فقد أدرك الصلاة»، فإن قال قائل: لم أوجب عليه الخروج مما دخل فيه، وقد كان مأمورا بها، وفعل الطهارة التي أتى بها؟ قيل له: لما بلغ لزمه الفرض فوجب أن لا يأتيه إلا بطهارة يقصدها، وصلاة ينويها، لأنه صار في جملة المخاطبين بالآية، وهو قول الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ((البينة:5)، وقد كان قبل ذلك زائلا عنه الخطاب، فإن قال: وكيف يعلم بلوغه وهو في الصلاة؟ قيل له: البلوغ يقع من وجوه؛ أحدها حدوث المني، ومنها استكمال السنين التي هي حد للبلوغ، وإن اختلف الناس في ذلك الوقت، وإذا بلغ في النهار لم يلزمه صوم ذلك اليوم من رمضان، ولا يجب عليه القضاء، وإن كان قال بوجوب القضاء كثير من أصحابنا؛ لأن اليوم الذي بلغ فيه غير مخاطب في بعض النهار، فلا يلزمه صوم ذلك اليوم، ولا يجب عليه قضاؤه، ولا قضاء ما مضى من الشهر؛ لأن اليوم الذي بلغ فيه غير مخاطب بصومه؛ لأن صوم بعض اليوم لا يجوز، ولا يصح الصوم إلا بنية من الليل، فإن قال: ما الفرق بين الصوم والصلاة؟ قيل له: اختلاف حاليهما في الأوقات؛ لأن في الصوم وقتا يشتغل به من أوله إلى آخره، ولا يجوز إيقاع الصوم في بعض وقته، والصلاة لها أوقات لا يوجب الاشتغال به من أوله إلى آخره، وجائز أن لو يأتيها في بعض وقتها، فالمدرك للركعة مع ثبوت الطهارة والوقت قائم مدرك للوقت، فمن لزمه الخطاب بعد انقضاء بعض وقت الصوم لا يمكنه أن يأتي بها، كما ذكرنا أيضا أن وقته مخالف وقت الصلاة، والقضاء آت إنما يجب إذا الخطاب قد لزم فلم يأته أو عذر بتركه، فأما من لم يخاطب بالشيء فالقضاء عليه غير واجب، والله أعلم. (14/127)
صفحة 3544
[صفحة بيضاء] (14/128)
صفحة 3545
الباب التاسع والعشرون
في صلاة العبد ومن صلى على نية القصر
ثم حول نيته إلى التمام
قلت له: من أحرم على نية القصر، ثم حول نيته إلى التمام، قبل (محمدا عبده ورسوله) أيلزمه أن يصلي تماما؟ قال: هكذا عندي، وقال: إن العبد تبع لسيده في قصر أو تمام، إذا ملك وليس هو كالحر إذا دخل على سبيل التمام، إلا أن العبد عندي أنه يختلف فيه، إذا دخل في صلاة التمام، وقد صلى ركعتين قبل أن يتمها، فاشتراه من يقصر فأحسب أن بعضا قال: يتم الصلاة تماما لدخوله في هذه الصلاة تماما؛ لأن التمام أولى، ويشبه ذلك عندي دخول الذي يقصر بالتمام في صلاة الإمام، إنه إذا أحرم خلف الإمام فقد لزمه الإمام التمام، ولو انقضت صلاة الإمام كان عليه هو التمام بمعنى لزوم التمام له، ولو قدمه الإمام جاز له أن يكون إماما في التمام، وأحسب أنه يخرج أنه يجزيه الركعتان الأولتان عن صلاة القصر؛ لأنه قد انحل عنه حكم التمام، قبل أن يدخل فيما يلزم من صلاة التمام بخروجه من صلاة القصر إلى التمام، ويشبه ذلك عندي معنى الاتفاق، إن المقيم يصلي بصلاة المسافر ركعتين فيثبتان له عن صلاة التمام، ويلزمه أن يصلي ركعتين للتمام فقد دخل القصر في التمام في معنى الأحكام، والتمام في القصر على حسب ما يلزم كل واحد منهما، ولا يبعد معنى ذلك عندي من الوجهين جميعا، ويعجبني إن كان لم يقع البيع والرضى حتى دخل في الركعة الثالثة، أن يتم صلاته على التمام؛ لأنه قد دخل في (14/129)
صفحة 3546
معنى التمام على التمام، ولا يبعد على حال إذا كان قد صلى ما يجزيه عن صلاة القصر، ثم ثبت له أحكام القصر، أنه يجزيه قبل أن يفرغ من صلاة التمام أن يكون القصر قد أجزى عنه؛ لأنه قد ثبت له القصر، قبل أن يتم صلاة التمام وإذا صلى فأتم صلاة التمام على سبيل ثبوت التمام عليه، ثم اشتراه من يقصر في وقت الصلاة، ثم علم أن صلاته فاسدة بوجه من الوجوه في وقت الصلاة كان معي عليه الصلاة بالقصر؛ لأن تلك الصلاة قد بطل حكمها وهو في الوقت، فإنما هو مخاطب عندي بما يلزمه من صلاة القصر في الوقت، وإن لم يعلم فساد صلاته حتى انقضى الوقت، وقد صلاها وهو في حال التمام، ثم لم يعلم حتى انقضى الوقت، وقد كان وجب له صلاة القصر، وعليه في وقت ما لو علم كان عليه صلاة القصر، ثم علم بعد انقضاء الوقت، حسن في هذا عندي معنى الاختلاف أن يلزمه معنى بدل التمام لدخوله فيه، وأن يجزيه معنى القصر لثبوته له، وعليه في الحال التي كانت صلاته غير تامة. قلت له: وكذلك إن كان لم يقصر الصلاة ثم أعتقه وقد دخل في الصلاة، فلما علم بالعتق في الصلاة فحول نيته إلى التمام، هل عليه أن يتم الصلاة بالتمام؟ قال: معي؛ إن عليه التمام، ويبني على ما مضى من القصر حتى يتم صلاة التمام، لما مضى ما لم يكن أتم صلاته على القصر، فإذا أتم صلاته على القصر ثم عتق بعد ذلك لم يبن لي عليه تمام؛ لأنه قد صلى على السنة تلك الصلاة، قلت له: فما تقول في العبد إذا أعتق في بلد وكان سيده يقصر الصلاة في البلاد، ما يصلي تماما أو قصرا؟ قال: لا أعرف فيه شيئا مؤكدا، ويعجبني أن تكون له نيته حتى ينوي المقام، فإن نوى المقام صلى بالتمام، وإن لم ينو المقام صلى، وكان على نية السفر يترك المقام في هذا البلد، رجوت أن يكون له القصر، حتى ينوي المقام، أو يتخذ وطنا ويشبه عندي أن يكون ما لم يثبت له السفر بحكم نفسه من بعد عتقه، أن يكون عليه لزوم التمام حتى حيث يثبت له حكم السفر بحكم نفسه؛ لأنه لا يملك حكم غيره والتمام أولى إذا وقعت الشبهة، فإن نوى المقام فلا شك عندي أن يصلي بالتمام، وإذا لم ينو المقام لم يتعر عندي من هذين الوجهين جميعا؛ لأنه قد كان هنالك سفرا منه وحكم سفر، وقد قيل في الأمة إذا زوجها سيدها، ثم (14/130)
صفحة 3547
أعتقت أن لها الخيار في تمام ذلك، والمقام على فعل سيدها بها ولها، وقد كانت لا تملك نفسها وبين فسخ ذلك والخروج منه؛ لأنه لم يكن ثبت عليها من ذاتها، فقد تعلق لها فعل سيدها بعد عتقها إذا اختارته. قلت له: وكذلك إن زوجها سيدها في بلد يقصر فيه الصلاة، ثم سلمها إليه على غير انقطاع شرط في سكن الزوج أو حد معروف، ما تكون صلاتها في هذا البلد بصلاة السيد أم بصلاة الزوج؟ قال: معي؛ إذا نواها سكن زوجها وقطعها معه الليل والنهار بمنزلة الحرة، كانت صلاتها صلاة زوجها بمنزلة الحرة، وإن لم يتولها بيت زوجها ولم يجعل له السبيل عليها، كالحرة أعجبني أن تكون صلاتها صلاة سيدها، ولا سبيل للزوج عندي عليها في هذا الوجه، والله أعلم.
قلت له: وإذا تركها عنده إلى حد معروف، ما تكون صلاتها؟ قال: عندي إن صلاتها بصلاة سيدها فيما يقع لي.
مسألة: ما تقول في عبد أبق من سيده وخرج هاربا، يصلي قصرا أو تماما؟ فإذا أبق عبد من سيده عليه، فصلاته فيما دون الفرسخين تماما، فإذا جاوز السفر فعليه صلاة السفر، وإن أخرجه جور سيده عليه فصلاته صلاة السفر.
مسألة: وقال في العبد، إنه إذا أحرم في الصلاة على التمام، ثم تحول ملكه إلى من يصلي قصرا على ما يتم صلاته على القصر أم على التمام؟ قال من قال: يصلي صلاة السفر بالقصر بحكم انتقال الملك، وقال من قال: يتم الصلاة على ما دخل بالإحرام، هكذا عندي يخرج في هذا قلت له: فإن دخل في الثالثة أكل ذلك سواء في الاختلاف وينصرف على قول من يقول يصلي قصرا.
مسألة: وقال في إمامة العبد قال من قال: لا يجوز على حال، وقال من قال: يجوز على حال؛ لأن عليه الصلاة مخاطب به، وقال من قال: لا يجوز إلا بإذن سيده بالحضور إلى ذلك، ولو لم يأذن له بالإمامة، وذكر ذلك عن أبي المؤثر، وقال من قال: لا يجوز إلا أن يأذن له بالإمامة، هكذا يخرج عندي في كل هذه على معاني ما قيل. (14/131)
صفحة 3548
مسألة: قلت له: ويجوز للعبد أن يحضر صلاة الجماعة بغير إذن سيده، قال: معي؛ إن بعضا أجاز له ذلك، وبعضا لم يجز له ذلك. قلت له: الذي يقول إنها فريضة يجيز له ذلك، والذي يقول إنها سنة لا يجيز له ذلك، وما العلة في القولين جميعا؟ قال: الله أعلم، ما معنى من لم يجز ذلك، ولا معنى من أجازه والسنة والفريضة عندي فهما سواء واحدة في اللزوم، إنها إن لم تكن فريضة، فهي سنة واجبة والعبد تلزمه السنن والعوام من اللوازم، مثل الختان والاستنجاء، وأشباه ذلك. قلت: فهل يجوز للسيد أن يمنعه عن حضور صلاة الجماعة؟ قال: معي؛ إن له ذلك على قول من لا يجيزه له، ولا يلزمه ذلك إلا بإذن سيده، ولا أحب له ذلك أن يمنعه. قلت له: فهل على العبيد صلاة العيدين، وصلاة الجمعة؟ قال: فلا أعلم ذلك عليهم، إلا أن يأذن للعبد سيده في العيد، فأحسب أنه قيل عليه، قلت له: فإن أذن له بصلاة الجمعة، أيكون مثل العبد؟ قال: فلا يبين لي ذلك؛ لأن معي أنه قد خصه في ذلك العذر، فليس إلزامه ما قد عذر بلازم له.
مسألة: وأما العبد فحين اشتراه المشتري، فهو تبع لمولاه.
مسألة: قال أبو الحسن: وجدت في بعض الكتب، أن من استأجر مملوكا إلى غير مدة معلومة أنه يكون في الصلاة تبعا لمن استأجر.
مسألة: ولو أن رجلا أتى إلى قرية فاشترى منها عبدا وليس المشتري من أهل تلك القرية وهو ممن يقصر في تلك القرية كان على العبد ساعة يرجع في ملك الرجل المسافر القصر، إلا أن يكون اشتراه من بعد حضور صلاة قد حضرت وهو في ملك الذي من أهلها.
مسألة: والمسافر إذا اشترى عبدا مقيما فعليه أن يصلي بصلاة مولاه ركعتين.
مسألة: ومن أخرج غلامه في بلد سوى بلده إلى أجل معلوم أو غير أجل فالله أعلم بصلاته ما أراه إلا أن يقصر صلاة المسافر.
مسألة: ومن كان له عبد وكان للمولى دار يتم فيهما الصلاة فإن العبد يتم (14/132)
صفحة 3549
من حيث يتم المولى ويقصر من حيث يقصر.
مسألة: وإذا كان عبد بين رجلين فخرجا إلى بلد فأقام أحدهما به نوى الآخر أن لا يقيم فصار أحدهما مقيما والآخر مسافرا فصلاة العبد تماما أولى به لأنهم قالوا إذا وقعت الشبهة فالتمام أولى من القصر.
مسألة: وسألته عن الرجل إذا أجر عبده أجرة لا غاية لها ولا حد له فأخرجه إلى بلد غير بلده الذي يسكن فيه ويتم فيه وأمره بالقصر في ذلك البلد ما تكون صلاته ولم يجد له أن يتخذ وطنا ولا يتخذه. قال: صلاته صلاة سيده إن كان يتم في ذلك البلد أتم العبد، وإن لم يقصر في ذلك البلد قصر العبد، قلت له: فإن كان سيده قد أذن له في التجارة وأخرجه إلى ذلك البلد وأمره أن يتخذ وطنا ما تكون صلاته إذا اتخذه وطنا؟ قال: صلاته صلاة سيده، إذا كان سيده يتم الصلاة في البلد أتم العبد، وإن كان يقصر الصلاة في ذلك البلد قصر العبد الصلاة، قال غيره: ومعي؛ إنه قد قيل: إذا أذن له سيده أن يتخذ وطنا واتخذه أتم فيه، وكذلك إن اتخذه له سيده وطنا كان وطنه؛ لأنه يملك ذلك وغيره.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- والعبد تبع لمولاه في الصلاة، ومنه؛ وأما العبد فهو حين اشتراه المشتري فهو تبع لمولاه.
مسألة: وسألته عن رجل من أهل نزوى أمر رجلا أن يشتري له خادما من صحار، فاشترى له عبدا، ما يصلي ذلك العبد؟ قال: يصلي صلاة الذي اشتراه صلاة الرجل. قلت: فإن كان المشتري للعبد يقصر الصلاة أو يتمها؟ قال: نعم.
مسألة: وعن العبد إذا أبق من مواليه، أيصلي تماما أم يقصر؟ فإن كان في موضع القصر صلى قصرا، وإن كان في موضع التمام صلى تماما.
مسألة: -ومن كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبت أن عمر بن الخطاب قال لأمة رآها: اكشفي عن رأسك لا تتشبهي بالحرائر، وممن رأى ذلك ليس عليها أن (14/133)
صفحة 3550
تختمر، شريح الكندي وإبراهيم النخعي والشعبي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأصحاب الرأي. قال أبو بكر: وحكم المكاتبة والمدبر والمعتق يصفها كحكم الأمة، وكان عطاء بن أبي رباح يستحب أن تقنع الأمة إذا صلت، وكان الحسن البصري بين أهل العلم يوجب عليها الخمار إذا تزوجت، وإذا اتخذها الرجل لنفسه.
قال أبو سعيد: قال: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا، إنه ليس على الأمة ستر رأسها في صلاة ولا في غيرها، ولا أعلم في ذلك فرقا في معاني اللازم اتخذها سيدها سرية أو كان لها زوج، وإن سترت رأسها فليس بقبيح في هذا الزمان؛ لأنها إنما كان المعنى من أمرها لا تخمر رأسها، وتنهى عن ذلك، لا تشبه بالحرائر قد ظهر لهن من الزي والعادة ما قد أجمعن على ستر رؤوسهن، ولا يؤذين من هذا الوجه، إذا كن مؤذين بالتشبه بالإمام بالمدينة، وقد زال ذلك عندنا وللإماء والحرائر، وأحسب أن هذا هو سبب منع عمر بن الخطاب -رحمه الله- الأمة أن تتشبه بالحرائر، ومن ذلك أنه في فريضة كسوة العبد على السيد من الإماء والعبيد، ثوب ثوب فلو كان ستر رؤوس إلا ما يجب لما كان يقصر المسلمون في الحكم عن إبلاغها إلى ذلك، وهذا يخرج عندي في قولهم: لمعنى الاتفاق، وقد علموا أن الصلاة عليها، وأما المدبرة ففي قول أصحابنا بمنزلة الأمة، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافا ما لم يعتق، وأما المكاتبة والذي يعتق بعضها فهي حرة من حينها كلها، ولا يدخل الرق في البعض، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافا، والمكاتب معهم مثل المعتق نصفه ولا فرق بينهما في وجوب الحرية فيما معهم، قال أبو بكر: واختلف أهل العلم في أم الولد تصلي بغير خمار، فقال إبراهيم النخعي والشافعي وأبو ثور هي والأمة سواء، وقال الحسن وابن سيرين وملك بن أنس وأحمد بن حنبل: تختمر إذا صلت، غير أن مالكا قال: أحب إليّ إذا صلت بغير خمار أن تعيد في الوقت، ولا أراه واجبا، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، وإذا صلت بعض صلواتها بغير قناع ثم أعتقت أخذت قناعها، وسن هذا الشعبي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. (14/134)
صفحة 3551
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا، أن أم الولد بمنزلة الأمة في جميع أحكامها ما لم تعتق بولدها إذا ورثها، أو ورث منها شيئا، ولا فرق بينهما وبين الأمة في شيء من الأحكام، وأما إذا أعتقت وقد صلت شيئا من صلاتها، فمعي إنه قد قيل: إنها تبتدئ الصلاة على حال، ولا تبني على صلاتها إذا كانت مكشوفة الرأس وهي أمة؛ لأن الصلاة لا تتجزأ، وذلك على قول من يقول: إنها هي حرة لا تجوز لها الصلاة، وهي مكشوفة الرأس، وقال من قال: تخمر رأسها وتبني على صلواتها، ومعي؛ إنها ما لم تجاوز حدا من الحدود مكشوفة الرأس، فهو في هذا القول عندي أحسن، لأنها كانت معذورة في صلاتها، بمعنى الاتفاق من قول أصحابنا، فإذا لم تتعد حدا لا متخمرة فقد أتت بما يجب عليه.
مسألة: -ومن كتاب الإشراف- وسألته عن الأمة إذا كان سيدها يتم الصلاة، والزوج يقصر في بلد واحد بما تصلي بصلاة الزوج أم بصلاة السيد؟ قال: إن طاعة الملك أشبه في معنى الصلاة.
مسألة: وسألته عن العبد إذا أبق من سيده في سفر، تعدى فيه الفرسخين من قرية سيده التي يتم فيها، هل له ما للمسافر من الفطر في الصوم وقصر الصلاة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل ذلك، وقيل: ليس له ذلك فيما يخرج عندي من الاختلاف في الخارج في معصية الله. قلت له: وكذلك المرأة هي مثل العبد في هذا؟ قال: هكذا عندي. (14/135)
صفحة 3552
[صفحة بيضاء] (14/136)
صفحة 3553
الباب الثلاثون
في صلاة المرأة المتزوجة كانت صبية أو بالغا
عن أبي الحسن بن أحمد، وفي امرأة خرجت هي وزوجها إلى بلد فنوت المقام بلا رأيه، أيلزمها التمام أم عليها القصر؟ وإن أتمت جهلا منها ما يلزمها؟ فلا نية للمرأة مع زوجها، إذا لم يكن لها شرط سكن وعليها البدل في أكثر القول، وقيل: بالكفارة، وقيل: لا بدل على من صلى تماما في موضع القصر، والقول بالبدل أكثر وبه نأخذ.
مسألة: أحسب عن أبي بكر وأبي علي الحسن بن أحمد، وما تقول -رحمك الله- في حرة أخذها عبد ثم خرج بها من بلد سيده إلى بلد آخر، برأي سيده أو بغير رأي سيده ما تصلي زوجته تماما أو قصرا؟ فعلى ما وصفت فالذي يعجبني أنها تبع لزوجها في الصلاة؛ لأنه يوجد أنه مخاطب بنفسه كان سفره برأي سيده أو بغير رأي سيده في بعض القول، والله أعلم.
مسألة: وقال في رجل وامرأته أقبلا من سفر حتى إذا صارا قرب بلدهما عرض لهما أمر، قعدت المرأة في ذلك الموضع قرب بلديهما تقصر الصلاة، ودخل زوجها البلد، ثم رجع إليها يتم الصلاة، ما تصلي هي، ولم تصل البلد من سفرها؟ قال: تتم الصلاة تبعا لزوجها، وأما إذا أقبل الرجل من سفره حتى إذا قرب من بلده عرض له أمر ردعه عن دخول بلده، فذهبت إليه امرأته إلى موضعه، حيث (14/137)
صفحة 3554
يقصر الصلاة، فإنها تتم الصلاة ويقصر زوجها الصلاة، ولا تكون تبعا لأنها في وطنها.
مسألة: وعن المسافرة إذا تزوجها المقيم، متى تصلي تماما وتكون تبعا لزوجها؟ قال: إذا أدى عاجلها أو وطئها لطيبة نفسها.
مسألة: -من الزيادة من الأثر- وسألته عن رجل تزوج يتيمة من غير بلده، وخرج بها إلى بلده، وهي عاقلة، ما تكون صلاتها؟ فقال: صلاتها صلاة والدها، حيث كان يتم والدها أتمت، حتى تبلغ وترضى به زوجها. قلت له: فإن بلغت اليتيمة في بلده ورضيت تزويجه ورضيته زوجا، وذلك في بلده الذي يتم فيه الصلاة؟ قال: تتم الصلاة إذا رضيت به زوجها بعد بلوغها في بلده، قلت له: فإن رجع بها إلى البلد الذي كان والدها يتم فيه، فبلغت في ذلك البلد ما يكون صلاتها في ذلك البلد إذا كان هو يقصر في ذلك البلد؟ قال: تتم الصلاة، حتى تخرج معه متبعة له إلى بلده، فإذا خرجت معه إلى بلده كانت تبعا له، وكانت تتم الصلاة في بلده، وتقصر في بلدها الذي كان والدها يتم فيه الصلاة.
مسألة: قلت: فالمرأة التي تشترط على زوجها سكنها، ثم تخرج معه إلى بلده الذي يتم فيه، وقد شرطت هي سكنها سكنا غير ذلك؟ قال: تقصر الصلاة في بلده، وتتم الصلاة في البلد الذي شرطت فيه سكنها، قلت: فهل له أن تتخذ بلده وطنا، وبلدها هي وطنا؟ قال: نعم، قلت: تتخذ بلده وطنا وتتم فيه الصلاة برأيه أو بغير رأيه، ولا تتخذ غير وطنه وطنا بغير رأيه؟ قال: ولو كان هو وهي في بلد يقصر هو فيه الصلاة، فأذن لها أن تتخذه وطنا وتتم فيه الصلاة، وليس هو لها سكنا ما لم يكن لها ذلك، وكانت صلاتها صلاته، تتم حيث يتم، وتقصر حيث يقصر، إذا لم يكن شرط سكن.
ومن غيره؛ قال أبو القاسم: إذا أمرها بتمام الصلاة ولم يأذن لها في الإقامة في الصلاة التي يقصر فيها لم يكن لها أن تتم إلا أن يأذن لها في الإقامة، ويجعل سكناها لها فيها، قلت: ولو كان هو يقصر الصلاة في البلد الذي أمرها بإتمام الصلاة فيه؟ (14/138)
صفحة 3555
قال: نعم. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: وقال في رجل تزوج امرأة من بلد، وهي من بلد أخرى، إنها تتم حتى يخرج بها من بلادها، فإذا خرجت معه قصرت، وإذا وصلت إلى بلده الذي يتم فيه أتمت، فإن رجع بها زائرة إلى بلادها قصرت، إلا أن ينوي هو لها بالتمام، فإن خالعها فإن نوت التمام في بلدها أتمت الصلاة، لأنه ليس له عليها سبيل، فإن أشهد على رجعتها برأيها ثبتت على تمام الصلاة، حتى يحملها من بلدها، وإن طلقها واحدة أو اثنتين يملك فيها الرجعة، فإنها تقصر الصلاة حتى تقضي عدتها، ثم الأمر راجع إليها، إن اتخذت بلدها وطنا أتمت الصلاة، وإن لم تتخذه وطنا فهي مسافرة وتقصر الصلاة.
مسألة: -ومن كتاب آخر- قلت: فالصبية إذا زوجها والدها في بلد يقصر فيه الصلاة، والزوج يتم فيه، ما تكون صلاتها؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إن صلاتها صلاة زوجها إذا عاشرته واتبعته وجاز بها وأغلق عليها بابا، أو أرخى عليها سترا، وكانت بمنزلة الجائز بها؛ لأنها عند اتباعها ورضاها بذلك استحلال فرجها ومعاني ما يشبه أحكام الزوجية منها، وفي الأصل أن الزوجة تتبع زوجها دون والدها، في معنى هذا يخرج هذا القول، ومعي؛ إنه قد قيل: إن صلاتها صلاة والدها حتى تبلغ فترضى بالتزويج، فتكون تبعا لزوجها دون والديها، أو تغير ذلك فتكون صلاتها صلاة نفسها.
مسألة: وسئل عن رجل تزوج امرأة، والمرأة مسافرة، ما تصلي؟ قال: تصلي قصرا، ما لم يدخل بها، أو يؤدي إليها عاجلها، فإذا دخل بها أو أدى إليها عاجلها أتمت الصلاة، إذا كان زوجها يتم الصلاة.
مسألة: قال أبو حفص: بلغني عن أبي مروان أنه قال: إذا تزوج الرجل المرأة، وشرطوا لها عليه السكن في بلدها، فإن عليه التمام، فإن خرجت هي معه إلى بلده أتمت الصلاة، فإن رجعا إلى بلدها أتما الصلاة. (14/139)
صفحة 3556
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- والمرأة تبع لزوجها في الصلاة، إلا أن يكون لها شرط سكن في موضع عند عقدة النكاح، فهي تتم حيث كان شرطها، وحيث خرجت مع زوجها فهي تقصر، ولو أتم هو، إلا أن تدع شرطها وتنوي المقام –نسخة- أو تنوي المقام معه، فإن صلت تماما ولم تنقض شرط سكنها عنه، واتخذت بلده دارا، فإن عليها بدل تلك الصلوات، وإن تزوجها أيضا من بلدها وإن لم يكن لها شرط سكن؛ فإنها تتم في بلدها، ويقصر زوجها إن لم تكن له نية مقام حتى يخرج من ذلك الموضع، وإذا سافرت منه ثم رجعت إليه فهي تبع لزوجها، ولو كان بلدها، إذا لم يكن لها فيه شرط سكن. قال غيره: نعم إذا جاوزت الفرسخين.
مسألة: وقالوا في امرأة كان شرطها على زوجها أن يكون سكنها موضع أهلها، وهم بداة ليس لهم وطن معروف، إن هذا شرط غير معروف، وهو منتقض ما دامت معهم أول مرة، فهي تتم، وإذا خرجت فهي لزوجها تبع، وكذلك إن رجعت إليهم، وأما العبد فمن حيث اشتراه المشتري، فهو تبع لمولاه.
مسألة: وإذا كان شرط المرأة غير معروف في السكن انتقض، وإن كان معروفا فلها، وتتم في بلدها وحيث خرجت مع زجها صلت صلاة السفر.
مسألة: ومن كان له زوجة وعبيد وأولاد صغار، وإنه خرج إلى بلد وأقام فيه، فخرجوا إليه، فأما عبيده فإن خرجوا إليه برأيه صلوا بصلاته معه، وإن كان بلا رأيه فصلاتهم السفر حتى يرجعوا إلى مواضعهم، وإن أمرهم بالمقام أتموا الصلاة، والزوجة تصلي صلاة السفر، حتى يأمرها بالقيام معه، وأولاده الصغار تبع له، وإن أمرهم وأمر الزوجة بالمقام في بلدهم صلوا قصرا حتى يرجعوا.
مسألة: ومن كان له زوجة وعبيد وأولاد صغار في بلده فتزوج في بلد آخر فأتم فيه، وخرجوا إليه، فأما في الطريق فإن كان سفرا قصروا الصلاة، وأما عبيده فذلك البلد، فإن كانوا خرجوا برأيه صلوا تماما بصلاته، وإن كانوا خرجوا (14/140)
صفحة 3557
بلا رأيه فصلواتهم القصر، حتى يرجعوا إلى وطنهم، وإن أمرهم بالمقام معه أتموا الصلاة.
مسألة: وإذا تزوج الرجل المرأة، فهي تتم حتى ينقلها، وإن كانت مسافرة فتزوجها في بلده، فهي تقصر حتى يعلمها المقام، وقال الفضل: إذا أدى إليها عاجلها فهي تتم وسبيلها سبيل زوجها، وقال من قال: إذا تزوج رجل امرأة في بلد غير بلده، فإنها تصلي صلاة نفسها حتى تخرج معه، وإن حولها إلى بلده ثم طلقها فإنها تصلي ما دامت في بلده على ما كانت حتى تنقضي العدة، وقال أحب من قول من قال: تصلي على ما كانت تصلي عنده حتى تخرج، ومنهم من قال: إذا انقضت العدة، إن شاءت نوت المقام، وإن شاءت صلت صلاة السفر، والأول أحب إليَّ.
مسألة: والمسافر إذا تزوج ولم ينو يقيم عندها، فإنه يصلي ركعتين، وعلى امرأته أن تصلي صلاة المقيمين.
مسألة: ومن كان معتقلا ونوى المقام، وصلى تماما، وله زوجة في البلد، فهي تبع له على ما هو فيه حتى تخرج.
مسألة: وإذا سافر رجل وامرأته، ثم نوى الرجل المقام في بلده، ولم تعلم المرأة وكانت تصلي صلاة السفر، فلا إعادة عليها، ما لم ينو المقام، أو ترجع إلى وطنها.
مسألة: ومن أثر، وإذا كان عند المسافر زوجة وعزم هو على الإقامة، ولم تعزم هي، فإذا ألزمها طاعته فليس لها أن تعصيه وتصلي بصلاته، فإن لم يلزمها طاعته فإذا خيرها وأذن لها، كان أمرها في النية إلى نفسه إن أقامت أو سافرت، وإذا سافر ثم نوى الرجل المقام في بلد غيره، ولم تعلم امرأته، فليس عليها بأس فيما صلت ركعتين، ما لم تنو هي المقام، كما نوى الرجل ولم يعلمها المقام.
مسألة: والصبي تبع لوالده في الصلاة، حتى يبلغ، فإذا بلغ لم (14/141)
صفحة 3558
يكن تبعا له.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- وإذا تزوج رجل امرأة من قرية يتم فيها الصلاة، والمرأة فيها تجمع، فما لم يجزه على نفسها أو يوفيها عاجلها، فهي تجمع الصلاة، فإذا دخل بها عن رضى منها أو وفاها عاجلها، رجعت إلى التمام، فإن طلقها تطليقة أو تطليقتين في هذه القرية، فهي تتم الصلاة حتى تنقضي عدتها، فإذا انقضت عدتها رجعت إلى الجمع، وإن طلقها ثلاثا أو خالعها في هذه القرية التي كانت تجمع فيها قبل أن يتزوجها، رجعت إلى الجمع، إلا أن تنوي المقام فيها، فإذا نوت المقام أتمت الصلاة.
مسألة: وإذا تزوج الرجل امرأة ورضيت به زوجا، فقد قال من قال: امرأته يلزمها التمام من حين ما رضيت به زوجا.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- وقال من قال: في امرأة كان في شرطها على زوجها سكنها مع أهلها، وهم بداة ليس لهم وطن معروف، قال: هذا شرط غير معروف، وهو منتقض فما دامت عندهم أول مرة فهي تتم، فإذا خرجت فهي تبع لزوجها، وكذلك إن رجعت إليهم، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إذا كان زوجها باديا فالشرط ثابت، وإن كان حاضرا فالشرط منتقض، ومن غيره؛ قال: وقد قيل: إن شروط التزويج مجهولة كلها، وهو ثابت كانوا بداة أو حضرا، ونحو هذا يوجد عن أبي الحواري.
مسألة: -ومن الكتاب- وعن رجل له زوجة وعبيد، وأولاد صغار في بلده، وإن تزوج في بلد آخر وأتم فيه وخرجوا إليه، فأما في الطريق فإن كان سفرا قصروا الصلاة، وأما عبيده في ذلك البلد، فإن خرجوا برأيه صلوا تماما، وفي –نسخة- بصلاته، وإن كانوا خرجوا بلا رأيه فصلاتهم القصر حتى يرجعوا إلى موضعهم، وإن كان أمرهم بالمقام عنده أتموا الصلاة، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إذا صاروا عنده صلوا تماما بصلاته، خرجوا برأيه أو بغير رأيه، وكذلك من يقول: يصلون بصلاته، ومن غيره؛ قال: أما قوله في العبيد كذلك، وأما (14/142)
صفحة 3559
بنوه فإذا كانوا بالغين فهم تبع لأنفسهم في الصلاة، ولا يكونوا تبعا لآبائهم، إلا أن يتخذوا وطنه وطنا، وقيل أيضا على حسب ما قيل.
مسألة: وقيل في امرأة من نزوى تزوجها رجل من بهلا كانت معه ببهلا تتم الصلاة، إلى أن ازدارها أهلها من نزوى وهو يتم بنزوى؛ لأنه من الشراه؟ فقال محمد بن محبوب -رحمه الله-: إن كان إنما حملها إلى نزوى لتقيم فيها بمقامه، فعليها التمام، وإن كان إنما ازداها أهلها ويردها إلى بهلا، ولم ينو لها مقاما بمقامه، فعليها قصر الصلاة، وعليه هو التمام.
مسألة: وقال أبو حفص: بلغني عن أبي مروان أنه قال: إذا تزوج الرجل امرأة وشرطوا عليه السكن في بلدها، إن عليه التمام، فإن خرجت معه إلى بلده أتمت الصلاة، فإذا رجعا إلى بلدها أتما أيضا.
مسألة: وسألته عن رجل تزوج امرأة من بلد غير بلده، وشرط لها عليه عند عقدة النكاح أن سكنها في بلدها، ثم طلب إليها زوجها الخروج إلى بلده، فتابعته وأجابته وخرجت معه، ولم تهدم عنه شرط السكن، أتصلي تماما أم قصرا في بلد زوجها؟ قال: ما لم تهدم عنه شرط السكن، فإنما تصلي مع زوجها في بلده قصرا، وإذا رجعت إلى بلدها صلت تماما، وإن نوت أن تتخذ بلدها دارا وبلد زوجها دارا، أتمت الصلاة في جميعهما، قيل له: فإن كانت قد صلت تماما في بلده، ولم تنقض شرط سكنها عنه ولا اتخذت بلده دارا؟ قال: عليها أن تبدل تلك الصلوات قصرا.
مسألة: وسألته عن امرأة المرتد، إذا ارتد وهي تصلي بصلاته، ما تصلي في حين ترتد، بصلاته أم بصلاة نفسها؟ قال: معي؛ إن صلاتها صلاة نفسها، في حينه لا سلطان له عليها ولا ملك. قلت: وكذلك المميتة والمطلقة ثلاثا، والتي لا يملك رجعتها بخيار أو برآن، ما تصلي في العدة بصلاة نفسها أو بصلاته؟ قال: معي؛ إنه قد قيل بصلاة نفسها. قلت له: والمطلقة ثلاثا لها أن تخرج من بيت المطلق قبل انقضاء العدة بغير رأيه أو إذنه؟ قال: معي؛ إن لها ذلك؛ لأنه (14/143)
صفحة 3560
لا ملك له عليها. قلت: فهل عندك أنه قيل إنه ليس لها ذلك إلا برأيه؟ قال: أحسب أنه قد قيل ذلك. قلت له: فعلى هذا القول تكون صلاتها بصلاته، أم بصلاة نفسها؟ قال: معي؛ إنه بصلاة نفسها. قلت له: وإنما قيل إنه ليس لها الخروج إلا بإذنه، على قول من يقول: إن لها السكنى والنفقة. قال: أحسب أنه يخرج على هذا.
مسألة: -من الزيادة المضافة من الأثر- قلت له: ما تقول فيمن كان يقصر الصلاة في بلده ومعه امرأته في ذلك البلد، ثم إنه حول نيته، إلا أن يتخذه وطنا فاتخذه وطنا، وأتم فيه الصلاة، ولم تعلم، وصلت قصرا صلوات، ولم تعلم بتمامه، ما يلزمه هو في ذلك؟ قال: إن صدقته في ذلك أبدلت تماما ما أتم هو الصلاة.
مسألة: -ومن كتاب الأشياخ- رجل وامرأته مسافران فلبثا في بلد يقصر الرجل الصلاة، وتجمع المرأة، فهل لها أن تجمع إذا جمع زوجها، وتكون تبعا لزوجها في صلاة السفر والإقامة؟ فلها أن تجمع وإن قصر زوجها، وتقصر وإن جمع زوجها؛ لأن كل هذا صلاة المسافر، لا فرق في هذا تبع، إنما الجمع أن تجمعهما في وقت صلاة سفر أو تفرقها، تصلي كل صلاة في وقتها، صلاة سفر، وليس إذا جمع وقصرت، خالفته. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: وسألته عن التي يرتد زوجها عن الإسلام، ما تكون صلاتها في عدتها؟ قال: صلاتها صلاة نفسها، ولا تكون تبعا له في صلاته. قلت: فالتي يطلقها زوجها طلاقا يملك رجعتها فيه، ما تكون صلاتها في عدتها كانت في وطنه، أو خرجت من وطنه؟ قال: صلاتها في كل عدة منه، يلزمها فيها التمام، فهي في كل عدة يملك فيها رجعتها تبع ل، وكل عدة لا يملك الزوج فيها رجعة زوجته، فصلاة زوجته صلاة نفسها، وذلك مثل المختلعة، والتي تطلق ثلاثا، والتي تبين بالحرمة، وكل عدة لا يملك الزوج فيها رجعتها، فصلاتها في تلك العدة صلاة نفسها. (14/144)
صفحة 3561
مسألة: وفي رجل مقيم تزوج امرأة مسافرة، قلت: ما القول في صلاتها؟ فالذي عرفنا أنه إذا ملكها ورضيت به زوجها، فقد قال من قال: إنه يلزمها التمام من حين ما رضيت به زوجا، وقال من قال: لا يلزمها التمام، حتى يجوز بها عن رأيها، ويؤدي إليها عاجلها، ويكون له السبيل عليها، وهذا القول هو الأكثر إن شاء الله. وقلت: إن فارقها بعد أن دخل بها؟ فإذا فارقها بعد أن دخل بها أو من بعد ما يلزمها التمام، فهي تتم في البلد الذي يلزمها فيه التمام، حتى يخرج منه مجاوزة الفرسخين، فإن كان الطلاق الذي طلقها من بعد الدخول طلاقا يملك فيه رجعتها، فصلاتها صلاته، تتم حيث يتم وتقصر حيث يقصر، حتى تنقضي عدتها، فإذا انقضت عدتها فصلاتها صلاة نفسها، وإن كان الطلاق لا يملك فيه رجعة أو خالعها فصلاتها صلاة نفسها، ولا تبع عليها له في ذلك، فافهم ذلك إن شاء الله، واعلم أنه إذا لزمها التمام في هذا البلد بوجه من الوجوه، فهي تتم فيه أبدا، حتى تخرج منه مجاوزة الفرسخين، ثم هنالك ينحل عنها التمام فيه، فإذا صارت في حد ذلك، فافهم ذلك.
مسألة: قلت له: وامرأة تزوجت رجلا من قرية، فكانت تتم حيث يتم هو، ثم إنه طلقها وانقضت عدتها، ما تصلي؟ قال: مع؛ إنها تصلي تماما، حتى تخرج من ذلك البلد، وكل حال كان عليها تتم فيه فهي عليه، حتى تخرج من ذلك البلد مجاوزة الفرسخين على معنى قوله.
مسألة: -في صلاة من وطئ في الحيض- ومن وطئ امرأته في الحيض، فإن كان لم يعلما بالحيض، فصلاتها صلاة زوجها، لأنه لا فساد عليهما، فإن كانا عالمين بالحيض، وتعمدا على الوطء فيه فصلاتها صلاة نفسها؛ لأنها قد فسدت عليه، وإن كانت علمت هي بالحيض ولم يعلم هو، فمكنته من وطئها وهي ذاكرة، فصلاتها صلاة زوجها؛ لأن عليها أن تفتدي، وليس عليه هو قبول فديتها، فإذا لم يقبل فديتها وسعدها المقام معه ووسعه هو وطؤها، إذا لم يصدقها، ووسعها هي منه ما يسعه منها، هكذا عندي على نحو ما وجدت، والله أعلم. (14/145)
صفحة 3562
مسألة: وسألته عن رجل كان يتم الصلاة في بلد غير بلده قد اتخذه وطنا، وكانت زوجته تتم بتمامه، ثم رجع عن نية الوطن في هذا البلد، ورجع إلى بلده ثم عاد رجع إلى البلد، فقصر فيه الصلاة، هل تتحول زوجته إلى القصر أيضا، إذا لم تكن خرجت منه بعد أن أتمت فيه الصلاة؟ قال: معي؛ إن في بعض القول أنها تتم حتى تخرج من حيث قد لزمها التمام مجاوزة الفرسخين، وما لم تجاوز الفرسخين ورجعت دون ذلك، فهي على حال التمام، وفي بعض القول عندي إنها تتحول إلى القصر إذا تحول زوجها إلى القصر في ذلك البلد، إذا كان إنما لزمها التمام بسببه ونيته، ولم يكن ذلك من قبل نفسها، وهي عند صاحب القول مثل العبد، إذا اشتراه من يتم أو يقصر، فهو تبع للسيد من حين ذلك. قلت له: فإن تزوجها وهي تتم الصلاة في بلدها وكان هو يقصر فيه، ما تكون صلاتها؟ قال: هذه عندي الأولى، ومعي؛ إنه قيل: إنها تتم الصلاة على ما كانت عليه؛ لأنها لزمها التمام من قبل نفسها، حتى تخرج من ذلك البلد مجاوزة الفرسخين، فإذا رجعت إليه كانت حينئذ كزوجها في قصر الصلاة. قلت له: فإذا مات زوجها في البلد الذي يقصر فيه الصلاة، وكانت تصلي بصلاته، فما يلزمها من ذلك؟ ثم نوت المقام في عدة الوفاة، هل ترجع إلى التمام في العدة؟ قال: عندي؛ إنها إذا نوت المقام، كان عليها التمام؛ لأنها قد ملكت نفسها ولا سبيل له عليها. قلت له: وكل حال كانت المرأة أملك بنفسها بعد فراق الزوج كانت صلاتها صلاة نفسها، وكل حال يملك الزوج رجعتها، فهي تبع له؟ قال: هكذا عندي أنه قيل.
مسألة: وقال في رجل وامرأته أقبلا من سفر حتى صارا قرب بلدهما، عرض لها أمر قعدت المرأة في ذلك الموضع قرب بلدها تقصر الصلاة، ودخل زوجها البلد ثم رجع إليها يتم الصلاة، ما تصلي هي، ولم تصل إلى البلد من سفرها؟ قال: تتم الصلاة تبعا لزوجها، وأما إذا أقبل الرجل من سفره، حتى إذا قرب من بلده عرض له أمر ردعه عن دخول بلده، فذهبت إليه امرأته إلى موضعه، حيث يقصر الصلاة، فإنها تتم الصلاة، ويقصر زوجها، ولا تكون تبعا له؛ لأنها في وطنها. (14/146)
صفحة 3563
مسألة: وسألته عن زوجة الصبي البالغة، إذا دخل بها في حال صباه، ما تكون صلاتها، بصلاته أو بصلاة نفسها؟ قال: معي؛ إنها اتبعته وألزمت نفسها اتباعه، اتباع الزوجية، ودخل بها، فلا يخرج عندي في الشبهة لعلة الشبه، من أن تكون صلاتها صلاة على حسب بعض ما عندي، إنه يقع في صلاة الصبية عند زوجها البالغ، وأحسب أنه قيل: إنها تبع له في الصلاة دون والدها، وأحسب أنه قيل: صلاتها صلاة والدها، ما لم تبلغ فترضى به، فلا ينظر في اتباعها له، وأرجو أن البالغة مع الصبي بحسب هذا، إن لم تكن البالغة في إلزامها لنفسها حكم الزوجية للصبي أشبه من الصبي للبالغ، قلت له: وكذلك الأمة، ما تكون صلاتها إذا كانت بالغة، بصلاة سيدها، أم بصلاة زوجها، كان عبدا أو حرا؟ قال: معي؛ إنه إذا خلاها سيدها لاتباع زوجها، وبوأها منزلة زوجها فأرجو أن صلاتها صلاة زوجها، وإذا كان سيدها لا يرسلها لذلك، ومتمسك بها لخدمتها، فعندي أن صلاتها صلاة سيدها؛ لأن الأمة لا تقع عندي موضع الحرة في هذا؛ لأنه لا سبيل للزوج عليها كسبيله على الحرة في الأوطان، والمنازل والإسكان، إلا أن يجعل لها ذلك سيدها، ويجعل لزوجها عليها، قلت له: فهل تكون عنده تصلي صلاة نفسها إذا أخلاها سيدها؟ وإذا شغلها كانت صلاتها صلاة سيدها؟ قال: هكذا عندي، إذا جعل السبيل له عليها فخلاها له؛ ولم يحل بينه وبينها على سبيل التخلية بينهما، ويعجبني أن تكون تبعا له في الصلاة في حين ذلك.
قلت له: إذا كان زوجها مقيما وسيدها مسافرا، فخلاها له بالليل وأشغلها بالنهار، هل تكون صلاتها بالنهار عند السيد بالقصر، وبالليل عند الزوج بالتمام، أم ليس لها ذلك حتى يقطعها الزوج بالليل والنهار برأي سيدها؟ قال: هكذا يعجبني أنها تتم عند الزوج بالليل، وتقصر بالنهار عند السيد، إذا جعل لها ذلك السيد، قلت: فجعله لها تخليته لها للزوج بالليل؟ قال: هكذا يعجبني، ولا أعلم أني سمعت فيه شيئا، قلت له: فزوجة المرتد إذا ارتد، فتحولت إلى صلاة نفسها ثم رجع إلى الإسلام قبل أن تزوج، وهي في العدة، هل ترجع تصلي (14/147)
صفحة 3564
بصلاتها، أو حتى يطأها؟ قال: يعجبني أن تصلي بصلاته، لأنها زوجته إذا كان قد دخل بها، وأوفاها عاجلها قبل أن يرتد. قلت له: فإن رجع إلى الإسلام، وقد خلت العدة، وقبل أن تزوج، هل يدركها وتكون زوجته؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إنها زوجته، ما لم تزوج، ولو انقضت العدة، ولعله في قول قومنا، إنه إذا انقضت العدة لم يدركها، ويعجبني قول أصحابنا، الذي أظن أنه قول أصحابنا، إنه يدركه وتكون زوجته، ما لم تزوج، ولو انقضت العدة. (14/148)
صفحة 3565
الباب الحادي والثلاثون
في صلاة الجمع والوتر في السفر
ومن يجمع الصلاة، قلت له أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل، ويصلي قبله النوافل، مثلما يفعل المقيم، أم يصلي بعد العتمة، ولا يؤخره؟ فمعي؛ إنه يستحب له أن يصلي الوتر مسرعا بعد جمعه ولا يؤخره، وإن فعل ذلك فلا أعلم عليه بأسا، إن شاء الله.
مسألة: -ومن جواب أبي الحسن- وذكرت ما أصلح للمسافر، إذا صلى وحده، أو في جماعة أن يصلي الوتر ثلاث ركعات، أو ركعة واحدة؟ فعلى ما وصفت، فالذي عرفنا في هذا للمسافر إن شاء ثلاثا، وإن شاء واحدة، وكل ما صح من ذلك فهو الصالح، ومن غيره؛ وقد قيل: يستحب في السفر أن يوتر بركعة، وفي الحضر بثلاث ركعات، والله أعلم.
مسألة: وللمسافر أن يصلي الوتر أي وقت شاء من الليل، ما لم يطلع الفجر.
مسألة: ومن جمع بين المغرب والعتمة، فإنه يصلي الوتر بعدهما ركعة، فإن صلى ركعتين، ثم سلم ثم صلى الوتر واحدة فحسن إن شاء الله، قال غيره؛ إن شاء صلى الوتر واحدة وإن شاء ثلاثا، والواحدة أحب إليّ، فإن صلى ثلاثا، فإن شاء وصل، وإن شاء فصل. (14/149)
صفحة 3566
مسألة: وإذا جمع المسافر، فإنه يوجه للوتر، وأما النافلة فإنه يقوم بتكبيرة ما لم يتكلم أو يتحول عن مقامه، أو يلتفت مشرقا، وكذلك المقيم إذا أراد أن يوتر، فإنه يوجه للوتر، قال غيره: يوجه للوتر كان في سفر أو حضر، كان على أثر صلاة العتمة أو بعدها، والله أعلم.
مسألة: ولا بأس أن يصلي المسافر صلاة في مكان، ويعتزل ويقصد، فيصلي الثانية في مكان قريب من ذلك، والوتر حيث أراد صلاه، وإن أراد في أول الليل، وإن أراد في آخره.
مسألة: قال أبو سفيان محبوب بن الرحيل -رحمه الله- أخبرني أبو أيوب -رحمه الله- عن أم جعفر امرأة أبي عبيدة -رحمه الله- أنها قالت: صحت أبا عبيدة في السفر غير مرة، فلم أره يوتر إلا ركعة.
مسألة: عمن يجمع الصلاة، له أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل، ويصلي قبله النوافل، مثلما يفعل المقيم، أم يصلي بعد العتمة، ولا يؤخره؟ قال: معي؛ إنه يستحب له أن يصلي الوتر مسرعا بعد جمعه، ولا يؤخره، وإن فعل غير ذلك فلا أعلم عليه بأسا، إن شاء الله.
مسألة: وللمصلي أن يتنفل ما شاء، قبل صلاة الوتر، وبعد صلاة الوتر، في الحضر والسفر، جمع الصلاة أو قصرها. (14/150)
صفحة 3567
الباب الثاني والثلاثون
في صلاة الجمع
-من كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، وجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة في وقت العشاء، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا عجل بالسير جمع بين المغرب والعشاء، ودل خبر معاذ على جمعه بين الصلاتين في السفر وهو نازل غير سائر، فالجمع بين الصلاتين في السفر جائز، نازلا أو مسافرا، فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع أهل العلم على القول ببعض الأخبار، فاختلفوا في القول ببعضها، فيما اجتمعوا عليه، وتوارثته الأمة قرن عن قرن، وتبعتهم الناس عليه صدرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوقت، يجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء يجمع في ليلة النحر، واختلفوا في الجمع بين الصلاتين في سائر الأوقات، فرأت طائفة أن الجمع للمسافرين بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وممن رأى ذلك سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأسامة بن زيد وابن عباس وأبو موسى الأشعري وابن عمر وطاووس ومجاهد وعكرمة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور، وكرهت طائفة الجمع بينهما، إلا عشية عرفة، وليلة جمع، هذا قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين، وبه قال أصحاب الرأي، قال أبو بكر: وبالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا بما يواطئ الاتفاق، يخرج عندي على (14/151)
صفحة 3568
إجازة جمع الصلاتين بالقصر للمسافر كان سائرا أو نازلا وأنه لا يجوز الجمع للصلاتين للمقيم، إلا بعذر، ولو كان بعرفة، وجمع من الحاج ممن هو غير مسافر في ذلك ولم يثبت عندي في معنى قولهم، أن له جمع الصلاتين بالتمام، ولا بالقصر، وكان عليه صلاة التمام في وقتها، والجمع من النبي صلى الله عليه وسلم في عرفات، وجمع عندي سنة تلزم الأمة بإقرارهم كلهم بها، واختلافهم فيما سواهما، وإنما عرفت الأمة عندي الجمع من النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة، وجمع بشهرة ذلك، وصحة نقله إلى الآفاق، واختلفوا فيما سوى ذلك لقلة علمهم بثبوت السنة، لأنه لا معنى يدل على إجماعهم، إن الجمع جائز في عرفة، وفي جمع إلا وهو جائز فيما سواهما، لمن نزل بمنزلتهما للمسافرين، والجمع عندي في قول أصحابنا سنة، يخرج على معنى التخيير للمسافرين، لا على معنى اللزوم، والمسافر عندهم مخير بين الجمع والقصر لكل صلاة في وقتها بصلاة القصر.
-ومن الكتاب- قال أبو بكر: واختلفوا في الجمع بين الصلاتين، فكان الشافعي وإسحاق يقولان: من كان له أن يقصر فله أن يجمع إن شاء في وقت الأولى منهما، وإن شاء في وقت الآخرة، فقال عطاء بن أبي رباح: لا يضره أن يجمع بينهما في وقت إحداهما، وقالت طائفة: إذا أراد المسافر الجمع بين الصلاتين أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء، وجمع بينهما، وروي هذا القول عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر وعكرمة، وقال أحمد: وجه الجمع أن يؤخر الظهر إلى أن يدخل وقت العصر، ثم ينزل فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب كذلك، وإن قدم فأرجو ألا يكون به بأس. قال إسحاق: كذلك بلا رجاء، وأما أصحاب الرأي؛ فإنهم يرون أن تصلي الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، وأما أن يصلي واحدة في وقت الأخرى فلا، إلا بعرفة ومزدلفة، قال أبو بكر: بقول الشافعي أقول.
قال أبو سعيد: الذي يخرج عندي من استحباب قول أصحابنا: إنه إذا كان المسافر في مكنة من أمره، وأراد الجمع توخى أن يصلي الأولى في آخر وقتها، (14/152)
صفحة 3569
والآخرة في أول وقتها، وإذا فعل ذلك لم يخرج من معاني الاتفاق، وما فعل ذلك خرج عندي من معنى قولهم أنه جائز، وإذا كان نازلا وأراد السفر استحب له أن يجمع الصلاتين في الأولى، لما يدخل عليه من شغل السفر، وإذا كان سائرا يرجو النزول استحب له أن يؤخر الجمع في وقت الآخرة للمكنة للصلاة، ولما به من شغل السفر.
مسألة: -ومن كتاب الضياء- وإذا صلى الظهر والعصر جميعا في وقت الظهر في سفر جاز له ذلك.
مسألة: ولا يجوز الجمع للصلاتين إلا بنية يقدمها بعد دخول وقت الثانية.
مسألة: ومن أهمل النية في تأخير الصلاة في الجمع إلى أن فات الوقت، ففي الكفارة اختلاف، بعض أوجبها وبعض أسقطها.
مسألة: وإذا نسي المسافر النية وقت الهاجرة، ولم يؤخرها إلى العصر حتى حضرت العصر فإنه يصلي، وأكثر القول لا كفارة عليه، وبعض أوجب الكفارة، فإن ذكرها قبل القصر فأخرها إلى آخر وقتها جهلا أو تعمدا فالجواب واحد. قال المضيف: وجدت في –كتاب الأشياخ- أن الإمام سعيد بن عبد الله نسي على نحو من هذا فكفروا، والله أعلم. (رجع).
مسألة: قلت: فرجل سمع أن المسافر يجمع الصلاة، فخرج في سفره فترك الصلاة، ولم يصل شيئا حتى رجع إلى بيته، وجمع صلاته كلها في بيته، هل عليه كفارة؟ قال: معي؛ إنه عليه الكفارة، فيما معي، أنه قيل: ولا يعذر في ذلك بجهله، ولعله يخرج أنه لا كفارة عليه إذا عمل في ذلك على معنى سبب، لا على معنى التعمد.
مسألة: وسألت أبا سعيد محمد بن سعيد -رضي الله عنه- ما أفضل للمسافر، القصر لكل صلاة في وقتها، أم الجمع؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إن الجمع أفضل في بعض القول، وقيل: إن القصر أفضل في بعض القول، وقيل (14/153)
صفحة 3570
ذلك مجملا بغير تفريق، وجاء الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سافر ورحل وجدّ له المسير جمع، وإذا اطمأن قصر، وقيل: إنه كان إذا كان في السفر وحضر وقت الأولى أخر الأولى إلى الآخرة حتى ينزل، ويجمعهما جميعا، وإذا حضرت الأولى وهو نازل جر الآخرة إلى الأولى وجمعهما جميعا ورحل، وبغلنا أن عمر فعل ذلك على نحو ذلك، وقال أشهد أن الذي أنزلت عليه سورة البقرة فعل هذا، أو كان يفعل هذا، فنظرنا فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه فعل الجمع في حالات الضرورات على معنى ما ظهر منه من تقلب أحواله في الجمع، ومعنا أن القصر شيء مجتمع عليه من الأمة كلها من أهل القبلة، إلا اختلافهم في معانيه، وإجازته ووجوبه، ومعنا أنهم يثبتونه فرضا في كتاب الله، ولا نعلم الجمع له أصل في كتاب الله.
واختلف أهل القبلة في الجمع، فاجتمعوا عليه جميعا فيما معي، في جمع وعرفات، فأما في عرفات فعشية عرفة، وأما في جمع فليلة جمع، وأثبتوا ذلك فعلا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما معي؛ واختلفوا فيما سوى ذلك في الجمع، في سفر أو حضر، ولم يختلفوا في القصر في السفر إلا اختلافهم في معانيه وإذا ثبت فرض وسنة، كان معنى الفرض أولى بالعمل، إلا لمعنى ما يثبت فيه معنى يدل عليه بالأولى بقول أو فعل عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو إجماع، ولم نعلم ذلك ثابتا بتقديم الجمع على القصر، إلا على قبول الرخصة في ضرورات السفر مما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك يعجبنا أن يكون الجمع في حالات السفر، لقبول الرخصة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم خوفا أن يتولد منه على تاركه ما هو أشد منه، وإن فعل ذلك وقضى وقام بالعدل فيه، فلا نقول أن الجمع أفضل، على حال ثبوت القصر في كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع الأمة بأسرها من أهل القبلة، وثبوت العلل فيه، قلت له: فما تفسير قول من قال من المسلمين، الجمع سنة أماتها الناس، ما هذه الإماتة؟ قال: معي؛ إن المميت للشيء هو المخالف عمل به، أو لم يعمل به، والمحي للشيء هو الموافق له لزمه العمل به فعمل، أو لم يعمل به أبدا، قلت له: وما الذي اختلفوا فيه من معاني القصر؟ قال: الله أعلم، قال: والذي معي؛ إن اختلافهم في القصر ليس في (14/154)
صفحة 3571
القصر نفسه، وإنما هو فيما يجب به القصر من السفر الذي يقع عليه اسم السفر، وأحسب أن بعضا قال: إنما ذلك في السفر للحج، وأحسب أن بعضا يقول: في الحج والجهاد في سبيل الله، وأحسب أن بعضا قال: إنما ذلك في السفر البعيد. فقال من قال: إذا سافر ثلاثة أيام، وقال من قال: ثلاثة أيام بلياليها فيما أحسب، وقال من قال: يوم وليلة، وأحسب أن بعضا قال: خمسة عشر فرسخا، وقال من قال: فيما أحسب عشرة فراسخ، واحسب أن بعضا قال: أربعة فراسخ، ومعي؛ إن أصحابنا لا أعلم بينهم اختلافا أنه إذا سافر فرسخين فهذا وأمثاله، مما اختلفوا فيه من معاني وجوب القصر، وإجازته لا فرق في ثبوته والسفر كما اختلفوا في الجمع، ولا أعلم بين أصحابنا اختلافا في إجازة الجمع في السفر كان سائرا أو مطمئنا نازلا.
واختلفوا في الأفضل من القصر والجمع مع اجتماعهم على ثبوتها، وإجازتهما لمن فعل بهما، أو بأحديهما، وهذا هو معي إحياء السنة، ولا آمن أن يكون هذا إذا قصد إلى هذا على غير معنى صدق يخرج له أن يكون مميتا للسنة. قلت له: فإذا كان المسافر في موضع لابثا فيه لا يقدر فيه على جماعة، فوافق المسافرين يجمعون الصلاتين، ويصلون جماعة في وقت الأولى، ما أفضل له أن يصلي الأولى معهم جماعة ويؤخر العصر إلى وقتها ويصليها فرادى، أم يصليها عندهم في وقت الأولى جماعة جمعا؟ قال: معي؛ إنه مخير في ذلك، وكله فضل عندي، فأما فضل الجمع عندهم لموضع الجماعة، وأما فضل التأخير فلفضل ذلك عندي أن يؤخرها، ويصليها جماعة في وقتها، وقولنا في جميع الأمور قول المسلمين وديننا دينهم، ورأينا رأيهم وإن قصرت أعمالنا، وخالف في ذلك على العمد مقالنا فنحن إلى ذلك راجعون، وعن مخالفته تائبون ومستغفرون. (14/155)
صفحة 3572
[صفحة بيضاء] (14/156)
صفحة 3573
الباب الثالث والثلاثون
ما أفضل صلاة الجمع أو القصر في السفر؟
قلت: وفضل الصلاة في وقتها بالقصر، أو يجمع أفضل؟ فعلى صفتك، فقد وجدنا في ذلك أقاويل من قول فقهائنا، فمنهم من قال: إذا أراد المسافر الجمع في الصلاتين لإحياء السنة، فذلك فيه الفضل؛ لأن الجمع سنة من سنن الإسلام أماتها الناس، ففي إحياء سنن الإسلام أفضل الثواب، وقال من قال: القصر أفضل لإحياء النوافل، وذلك نختاره لمن دامت إقامته ببلد لم يتخذه وطنا أن يقصر الصلاة في وقتها، وقال من قال من الفقهاء: إن كان إنما يعجز لعجز به فالقصر أفضل، وكل هذا من قول أهل المعرفة، فمن اعتمد منه قولا يصدق نيته لله نال فضله بمن الله، والحمد لله رب العالمين، وازدد من سؤال أهل البصر والورع. قال غيره؛ الذي حفظنا أنه يفرد بالقصر إذا أمكن، وإذا سار جمع.
مسألة: ذكر سعيد بن جعفر أن أباه حدثه أنه اختلف هو وعلي بن عزرة والأزهر بن علي، فقال جعفر: الجمع أفضل، وقال علي والأزهر: الإفراد أفضل، وذلك في طريق دما فلحقوا بموسى فسألوه؛ فقال: لو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإفراد أفضل لأفرد، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع في الأسفار.
مسألة: قال أبو معاوية: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في السفر وفرق، وبلغنا عنه أنه إذا كان في المنزلة جمع الصلاتين في أول الوقت، فإذا حضر وهو في (14/157)
صفحة 3574
السفر أخر الأولى إلى وقت الآخرة، وكان ابن عمر يفعله، وهو قول ابن عباس.
مسألة: وقال أبو المؤثر: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في عرفات الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- وقيل: الجمع سنة، وفي إحياء سنن الإسلام أعظم الثواب، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: يجوز جهل الجمع، ولا يجوز جهل القصر؛ لأنه فريضة –ومن الكتاب- فمن سار جمع، ومن كان لابثا في بلده فالقصر أفضل، ويصلي كل صلاة في وقتها، إلا أن يريد الجمع لإحياء السنة، فإن ذلك أفضل، وإن جمع لغير ذلك وهو ماكث أيضا فلا بأس، -ومن الكتاب- وجمع المغرب والعشاء الآخرة منذ تغرب الشمس إلى أن يخلو ثلث الليل، فمن تأخر إلى أن يخلو نصف الليل فلا كفارة عليه، حتى يدخل النصف الثاني، ثم تكون عليه كفارة تلك الصلاة، وصلاة الأولى والعصر منذ نزول الشمس إلى آخر وقت العصر، وأما الفجر فلا تجمع إلى غيرها.
-ومن الكتاب- وللمسافر إن شاء أن يجمع إذا زالت الشمس، ويسير، وإن شاء في آخر الوقت، وكذلك في جمع المغرب والعشاء الآخرة، ومن غيره: قال محمد بن المسبح: إذا كان نازلا وحضر وقت الأولى، فإذا أراد أن يسير فأحب إليّ أن يجمع ثم يسير، وإن كان سائرا وحضر وقت الأولى أخرها إلى وقت الآخرة ونزل فيجمع إن شاء، وما فعل من ذلك جائز، وإن توسط ذلك فكله جائز إن شاء الله.
مسألة: -ومن الكتاب- فأما المقيم في بلد إلى وقت فذلك أيضا إن جمع في أول الوقت أو آخره، فلا أرى عليه بأسا، وأحب أن يتوسط الوقت، وقال من قال: إن جمع فصلى أول الصلاتين في آخر وقته، والصلاة الثانية في أول وقتها، فهذا أفضل لمن أمكن له، ومن غيره؛ قال: ولعله يوجد لا تهمل النية في تأخير الأولى إلى وقت الآخرة، ويعقد النية أن يؤخر الأولى إلى وقت الآخرة، والله أعلم. (14/158)
صفحة 3575
مسألة: وقال من قال: إذا صلى الذي يجمع إحدى الصلاتين، ثم ذكر صلاة عليه، فإنه يصليها ثم يرجع يصلي هذه الثانية، إلا أن يخاف فوت هذه الحاضرة فيصليها، ثم يصلي الصلاة التي عليه، وكذلك الرأي –نسخة- وكذلك رأيي.
مسألة: وعن أبي عبد الله -رحمه الله- قال: ولو أن رجلا مسافرا كان نيته أن يفرد الصلاة، فتوانى حتى زال وقتها، ودخل وقت الآخرة، ثم أراد أن يجمع فإن له ذلك.
مسألة: -ومن الكتاب- ومن صلى الأولى في وقتها، وقد نوى الجمع ثم بدا له أن يؤخر الآخرة إلى وقتها فأخرها، فلا نقض عليه، ولا أحب إلا أن يصلي –وفي نسخة- يمضي على ما نوى قبل أن يدخل في الأولى، وكذلك إن صلى ثم نسي وظن أنه قد جمع وانصرف، ثم ذكر من بعد فإنه إن كان صلى الأولى في وقتها أخر الآخرة إلى وقتها إن أراد ذلك، وإن كان في موضعه، أو قريبا منه، ولم يباعد فصلى الآخرة، وتم على ما كان أراد من الجمع فذلك إليه، وإن كان إنما صلى الأولى بعد وقتها، ونسي حتى تباعد ذلك، فأحب أن يردهما.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- ومن الدليل على جواز الجمع بين الصلاتين، ما أجمع عليه الكل على وجوب الجمع بعرفة، ومن قول مخالفينا أن ذلك للمسافرين دون أهل مكة، والاعتبار في ذلك العذر والمشقة الذي تلحق بترك الجمع، وزعم بعض أصحاب أبي حنيفة أنهم أجمعوا أن الظهر لا يجوز تأخيرها بعرفة إلى وقت العصر، قلنا: وكيف يكون هذا أصل لها وجائز للمسافر أن يجمع صلاتين في حال سفره، ويضم الآخرة إلى وقت الأولى فيصليهما في وقت الأولى، والأولى في وقت الآخرة فيصليهما جميعا فيه، وكذلك في صلاة المغرب والعشاء الآخرة، لما روى معاذ بن جبل قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل وقد زالت الشمس جمع، وإذا ارتحل قبل أن تزول الشمس أخر الظهر وصلاها مع العصر قبل أن يمضي وقت العصر، وكذلك في (14/159)
صفحة 3576
المغرب والعشاء، وذكر بعض مخالفينا أن الجمع إنما يجوز أن يجر الثانية إلى الأولى قياسا على الجمع بعرفة، وقال غير صاحب القول من أهل الخلاف أيضا، إن الجمع لا يجوز، إلا أن يقرب بين الصلاتين فيصلي كل صلاة في وقتها، وصاحب هذا القول قد غلط غلطا بينا، لما رواه معاذ وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم من أفعاله في أسفاره، وفي الجمع بعرفة والله الموفق للحق والصواب، ولا يجوز الجمع بين الصلاتين، إلا بنية يقدمها بعد دخول الأولى، قبل دخول الثانية. (14/160)
صفحة 3577
الباب الرابع والثلاثون
في الصلاة في الغيم والمطر إذا خفي الوقت
قال: والذي حفظنا أنه إذا كان الغمام فإن الصلاة الأولى تؤخر والصلاة الآخرة تعجل.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- والجمع جائز للمستحاضة، والرجل الذي يسيل منه الدم من جرح، أو من رعاف أو غيره ولا ينقطع عنه، والجمع في اليوم المطير جائز، غير أن صلاة المقيم أربعا، وقد جاء الأثر بذلك، وقد بلغنا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد جمع من جمع الصلاتين في المسجد الحرام عند المطر، فمن جمع ثم ارتفع الغيث أو أفاق المريض فقد تمت صلاته.
مسألة: وإذا اشتدت الحركة على المريض للوضوء، ولا يقدر أن يحفظ وضوءه من صلاة إلى صلاة، جاز له الجمع.
مسألة: والمستحاضة إذا لم يقر دمها تغتسل وتستثفر بثوب، وتصلي بالجمع، ومن به سلس البول والغائط، إذا لم يقر، فله الجمع إن كان مريضا، والمبطون يجمع الصلاتين، والذي به الرعاف والمستحاضة، وكل من به دم، فإنه يصلي كما أمكنه، ولا يترك الصلاة، والذي به الدم لا يقري من فيه أو منخريه، فإنه يجعل رمادا أو رملا، ويصلي بالإيماء كما أمكن له.
مسألة: وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع عند المطر في المسجد الحرام، وفي (14/161)
صفحة 3578
بعض الحديث إذا ابتلت النعال، فالصلاة في الرحال.
-ومن كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جمع بالمدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء الآخرة في غير خوف ولا سفر، واختلفوا فيه؛ فقال مالك: يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة في الليلة المطيرة، ولا يجمع بين الظهر والعصر في حال المطر، ويجمع بينهما، وإن لم يكن مطرا إذا كانت طشا أو ظلمة، وكان أحمد وإسحاق يريان الجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، وكان ابن عمر يرى ذلك، وفعل ذلك أبو ذر وعثمان وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة بن عبد الرحمن ومروان بن عبد العزيز، وقال الشافعي: ويجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء إذا كان المطر قائما، ولا يجمع في غير حال المطر، وبه قال أبو ثور، وكان عمر بن العزيز يرى الجمع بين الصلاتين في حال الريح والظلمة، وقالت طائفة: الجمع بين الصلاتين مباح في الحضر، وإن لم يكن مطرا، واحتجوا بخبر يروى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أراد أن لا يحرج أمته، وقد روينا عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأسا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيئا مما يتخذه عادة.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه ليس للمقيم الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، إلا من عذر من مطر يخاف منه الضرر أو من مرض يشغله عن القيام بالصلاتين، كل صلاة في وقتها، أو معنى من المعاني يوجب معنى الضرر للقيام بالصلاة في وقت الحاضرة، فإذا كان شيء من هذا فمعهم أنه جائز للمقيم الجمع بين الصلاتين بالتمام في وقت الأولى منهما أو في وقت الآخرة، ويستحب له إن أمكنه ذلك أن يتحرى أن يصلي الأولى في آخر وقتها والآخرة في أول وقتها، وإذا وجب العذر فأي ذلك جاز له عندي من قولهم يشبه معاني الاتفاق، كنحو ما أشبه ذلك عندي من قولهم في الجمع في السفر لثبوت معاني (14/162)
صفحة 3579
المشقات، ومعاني الضرر في القيام بالصلاة في وقتها، ولأنه إذا ثبت معنى القصر في السفر بمعنى الترخيص، وقد قال الله تعالى: (إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى ((النساء:102)، فقد ساوى بين المطر والمرض، وقال: (وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ((البقرة:185)، فثبت بمعنى المرض الإفطار في الصوم في رمضان بنحو ما ثبت في السفر، فلما ثبتت هذه المعاني كان الجمع فيهما مشابها مستوى المعاني، وأما على غير معنى عذر، فلا يثبت عندي على معاني قولهم إجازة الجمع للمقيم، إلا أنه إن فعل، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الأولى في آخر وقتها، وصلى الآخرة في أول وقتها جمعا معا وأبصر ذلك، ومعناه خرج ذلك مخرج الإفراد، لا مخرج الجمع؛ لأنه قد صلى كل صلاة في وقتها.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- وأما الجمع في الحضر الذي ادعاه بعض مخالفينا فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في الحضر، والله أعلم كيف كان جمعه، إن ما رووه صحيحا، وقد أجاز أصحابنا الجمع للمستحاضة في الحضر لروايات ثبتت عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بإجازة ذلك، وأجاز بعض أصحابنا الجمع للمطبون في الحضر، وللصحيح في اليوم المطير للمشقة والضرورة أو لخبر عندهم في ذلك، وعندي أنه تبارك وتعالى له أن يبتلي هؤلاء، ويمتحنهم بأعظم من هذا، وإن كان عليهم في ذلك مشقة إذا صلوا، كل صلاة في وقتها وهم مقيمون، وقد كان روى ابن عباس أنه قال: من جمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر، فقد أتى بابا من أبواب الكبائر.
مسألة: -من كتاب الإشراف- روينا عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: إذا كان في يوم غيم فعجلوا العصر وأخروا الظهر، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: عجلوا الظهر والعصر، وأخروا المغرب، وعن الحسن وابن سيرين قال: تعجلوا العصر وتؤخروا المغرب، وقال الشافعي: إذا كان الغيم مطبقا تراعى الشمس، ويحتاط ويتوخى أن يصليها بعد الوقت، ويحتاط بتوخيها بما بينها وبين أن يخاف دخول العصر، وقال إسحاق: نحوا من ذلك، وقال (14/163)
صفحة 3580
أصحاب الرأي: تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء ويثوب بالفجر.
قال أبو سعيد: معي؛ إن معاني قول أصحابنا ما يخرج في الصلاة في الغيم، نحو ما يروى عن أصحاب الرأي، أنهم يراعون أوقات الصلاة، ويؤخرون صلاة الظهر، حتى لا يشكوا أنها قد زالت، ويعجلون صلاة العصر، على معنى الاحتياط أن تكون قبل المغرب، وبعد أن يدخل وقتها في الاعتبار معهم، وكذلك يؤخرون صلاة المغرب حتى لا يشكوا أن الليل قد طلع ويعجلون العشاء الآخرة، حتى لا يشكوا أنهم صلوها في وقتها، وكذلك يؤخرون صلاة الفجر حتى لا يشكوا في معنى الفجر، أنهم يصلونها بعد طلوع الفجر والمذهب عندي في هذا التحري، أنه إذا كان الوقت من الصلاة لم يحن، وصلاها لم يقع في النظر، فإذا كان قد حان الوقت وانقضى وصلاها وقعت على حال، إما في وقتها وإما بدلا منها، والاعتبار في التحري يخرج عندي على هذا المعنى، أنه قد جاز في النظر أتم الصلاة حينئذ، فإن كان في الوقت فقد وافق، وإن كان في غير الوقت فقد صح البدل.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- وقال بعض أصحابنا: إن المبطون يجمع الصلاتين للمشقة عليه في الطهارة عند كل صلاة، والتعب الذي يلحقه، وكذلك قالوا يجوز الجمع في اليوم المطير للمشقة.
مسألة: -ومن كتاب الضياء- وللناس أن يجمعوا في اليوم المطير في أول الوقت الأولى وآخر وقت الآخرة، وليس لهم أن يجمعوا في وقت الآخرة، وإن جمعوا في وقت الأولى ثم أقلع المطر في أول صلاة الأولى فليصلوا الآخرة في وقتها، وإن لم يقلع المطر إلا في وقت الآخرة، فصلاتهم بالجمع تامة إن شاء الله، والمطر الذي يجوز فيه الجمع إذا كان مطرا شديدا يخاف منه، وأما الذي يجوز فيه التيمم، فالمطر الذي ينزل منه الآفات المخوف منها، مثل الحجارة وغيرها، فإذا كان كذلك وخاف الرجل على نفسه الهلكة أن يخرج من موضعه الذي كن فيه، أو اكتن به (14/164)
صفحة 3581
ليتوضأ جاز له التيمم إن شاء الله، إذا لم يمكنه الماء في الموضع الذي كن فيه فذلك له في السفر والحضر أن يتيمم لأنه في حال خوف ذهاب نفسه، وتلك حال ضرورة، والله أعلم بالصواب، وقال محمد بن محبوب: المريض والمستحاضة، وللناس يوم المطر أن يجمعوا في أول وقت الأولى وأول وقت الآخرة، وإن جمعوا في أول وقت الأولى وآخر وقت الآخرة لم تفسد صلاتهم، وعنه أيضا وللمرضى والمستحاضة، والناس يوم المطر المطمئنين من المسافرين مشتغلين أو فارغين أن يجمعوا الصلاتين في آخر وقت الأولى، وأول وقت الآخرة، فإن جمعوا في وقت الآخرة رجوت ألا يبلغ بهم إلى فساد إن شاء الله، وأما المطمئنون من المسافرين، فإن جمعوا في أول وقت الأولى أو في آخر وقت الآخرة، جاز لهم ذلك إن شاء الله، وكذلك للناس أن يجمعوا الصلاتين في بيوتهم إذا أصابهم الغيث الدائم في اليوم المطير والليل المطير، ويصلونها تماما، وقال أبو قحطان: والمستحاضة والمريض إذا جمعا بين المغرب والعتمة، وهما مقيمان فليس لهما أن يصليا بينهما شيئا حتى يصليا العتمة، فإذا فرغا من الصلاتين، صليا من النافلة ما شاءا.
مسألة: قال أبو الحسن: لا يكون الجمع في الحضر إلا تماما.
مسألة: قال أبو محمد: كل من وجد فيه حالة تمنعه ولا يستطيع أن يأتي كل صلاة في وقتها، فهو مخير بين الجمع، كان مريضا من سائر العلل، أو مبطونا أو مسافرا، أو يوم غيم لا يعرف وقت الصلاة، أو كان مطرا يمنعه عن الصلاة، أو نحو هذا مما لا يمكنه أن يأتي بكل صلاة في وقتها فقد قالوا إنه يجوز له الجمع. (14/165)
صفحة 3582
[صفحة بيضاء] (14/166)
صفحة 3583
الباب الخامس والثلاثون
في صلاة الجمع إذا انتقضت الصلاة أو انتقض وضوؤه
وسألته عن مسافر أراد الجمع للصلاتين في وقت الأول انتقضت صلاته الثانية، أن الأولى تتم له، ويؤخر الثانية إلى وقتها، وقد صحت له الأولى في وقتها، قلت له: فإن ابتدأ البدل، فأبدل الصلاتين جميعا، قال: لا تصح له الثانية، ويؤخرها إلى وقتها فإن كان يجمع الصلاتين في وقت الآخرة، انتقضت عليه الصلاة والجمع إن عليه أن يبدلهما جميعا.
مسألة: وإذا صلى الرجل الجمع، وقد جر الآخرة إلى الأولى، ثم فسدت عليه الثانية أعاد الثانية وحدها، إذا كان في مقامه ما لم يخرج عن الصلاة، وهو متشاغل، وقال بعض: إن فسدت عليه الثانية، وهي في مقامه أخرها إلى وقتها، وقد صحت له الأولى، ومن يقول بهذا القول إذا دخل في الصلاة على نية الجمع، ثم بدا له فنوى الإفراد فجائز له ذلك، وإذا أخر الأولى إلى الآخرة، وفسدت عليه الأولى وقد صلى الآخرة معها، فإنه يصلي الأولى والثانية، فإن فسدت عليه الآخرة، وهو في مقامه ذلك، أعادها وحدها، وإن خرج من مقامه ذلك أعاد الأولى ثم الآخرة.
مسألة: وإذا جمع الرجل الصلاتين في وقت الأولى، فانتقضت عليه الصلاة الآخرة فقد قال من قال: يعيدها وحدها إذا كان في مقامه، وهو متشاغل بها، وقال من قال: يؤخرها إلى وقتها، وأما إن جمعهما في وقت الآخرة، فانتقضت الصلاة (14/167)
صفحة 3584
الآخرة فإنه يعيدها وحدها، إن كان في مقامه، وإن خرج من مقامه أعاد الأولى ثم الآخرة، وإن انتقضت الأولى أعادهما جميعا.
مسألة: وإذا جمع الرجل الصلاتين فانتقضت الآخرة، فقال من قال: يعيدها وحدها كان في وقتها أو وقت الأولى، إذا كان في مقامه وهو متشاغل بها، وقال من قال: إن كان في وقت الأولى أخرها إلى وقتها، وتمت له الأولى، وإن كان في وقتها أعادها، ما لم يخرج من مقامه، وأما إن كان في وقت الآخرة فانتقضت الأولى فإنه يعيدهما جميعا.
مسألة: وإذا جمع المسافر الصلاتين فصلى الأولى، ثم دخل في الثانية، فانتقضت، فإن كان في وقت الأولى فقد تمت، ويؤخر الثانية، وقد قيل يحكمها، وإن كان في وقت الأخيرة من الصلاتين وفسدت الأخيرة ففيه اختلاف، منهم من قال: يبتدئ الصلاتين، ومنهم من قال: بحكم الثانية.
مسألة: جواب من أبي الحواري، وعمن كان يجمع الصلاتين الهاجرة والعصر، وصلى الهاجرة ثم شك أنها فسدت عليه أو لم يتمها؟ فأحب أن يرجع يصلي العصر في هذه الصلاة تكون له ذلك، أو يصلي الهاجرة، ويرجع يؤخر العصر حتى إذا كان في وقتها صلى بالقصر، فإذا شك في الظهر أعادها ثم يصل إليها العصر، وهذا إذا كان قد شك في الظهر، من قبل أن يصلي العصر، وإن شك في الظهر من بعد أن صلى العصر وجمعهما، فقال من قال: يعيد صلاة الظهر وحدها، وقد تمت صلاة العصر، وقال من قال: يعيد الظهر، ثم يصلي العصر، وهذا القول أحب إلينا، وذلك إذا كان في وقت تلك الصلاة التي جمع فيها الصلاتين، إلا أن تكون قد غربت الشمس ثم دخل في نفسه، ثم أحب أن يعيد صلاة الظهر، فإنما عليه أن يعيد صلاة الظهر وحدها شك فيها أو نسيها فلم يصلها.
مسألة: إن بشيرا كان يقول في القصر في السفر، إن النازل يصلي في آخر الشفق المغرب مقدار ما يصلي العشاء الآخرة، وقد غاب الشفق، وإن ارتحلت في (14/168)
صفحة 3585
وقت المغرب فاجمع ثم اركب، إن كنت سائرا، قال: أن تصليها إذا نزلت ولو إلى ربع الليل أو ثلثه.
مسألة: وسألته عن المسافر الذي يجمع الصلوات فيصلي الأولى ويخرج منها على يقين تمام -لعله- نائم ثم يصلي الآخرة، وتنتقض عليه أو يلتبس عليه، ولا يعرف ما صلى ولا ما بقي بما يعمل، قال: إن صلاها في وقت الأولى، فأكثر القول إنه إذا أراد أخر الآخرة إلى وقتها، وقد تمت له الأولى، وإن أراد أبدلها في مقامه ذلك، فقد تمت له الأولى، وفيهما قول آخر يبدلهما جميعا، وإن صلى في وقت الآخرة فأكثر القول أنه يبدلهما جميعا، وفيها قول آخر: إنه يبدل الآخرة، وقول آخر: إن صلاهما في مقام واحد أبدل الآخرة، وإن صلاهما في مقامين أبدلهما جميعا، والذي يوجب نقض الأولى يرى أنهما صلاة واحدة، والذي لا يوجب النقض يرى أنهما صلاتان، والله أعلم.
مسألة: وإذا صلى المسافر الأولى، ثم انتقض وضوءه ذهب فتوضأ ثم صلى الثانية، إلا أن يكون الماء بعيدا، أو يذهب إليه، فإن كان صلى الأولى في وقتها، فقد تمت، ويصلي الآخرة إذا توضأ، وإن كان صلى الأولى في وقت الآخرة، فأحب أن يردهما، وكذلك إن صلى الأولى في وقتها، وهو ينوي الجمع، ثم بدا له أن يؤخر الآخرة إلى وقتها فأخرها فلا نقض عليه، ولا أحب إلا أن يمضي على ما نوى قبل أن يدخل في الأولى، وكذلك إن صلى ثم نسي فظن أنه قد جمع، ثم ذكر بعد، فإنه إن صلى الأولى في وقتها أخر الآخرة إلى وقتها.
مسألة: ومن صلى الجمع، ففسدت عليه العصر، وقد صلى الظهر في وقت العصر، فإنه يعيدهما جميعا؛ لأنه أخر بهما إلى العصر فصارتا صلاة واحدة، وإنما يتمها بها، فإن فسدت العصر في وقت الظهر أخرها إلى وقتها، وقد تمت الظهر لأن وقت العصر متأخر، فإن أبدل العصر في هذا الوقت لم يثبت له.
مسألة: قال بشير: من جمع الصلاتين فلما صلى الأولى ودخل في الثانية، انتقض وضوءه، فذهب فتوضأ، فليس عليه أن يعيد الأولى، إلا أن يكون أحدث (14/169)
صفحة 3586
حدثا، وهو ذاهب يتوضأ أو يتكلم فإنه يبتدئ.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- ومن صلى الأولى في الجمع، ثم انتقض وضوءه، ذهب فتوضأ ثم صلى الثانية، إلا أن يكون الماء بعيدا، أو يذهب إليه، فإن كان إنما صلى الأولى في وقتها فقد تمت، ويصلي الآخرة إذا توضأ في وقتها، وإن كان إنما صلى الأولى في وقت الآخرة، فأحب أن يرد بهما، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: ليس عليه بدلها، وقد جازت ويصلي الثانية.
-ومن الكتاب- ومن صلى الأولى في وقتها، وقد نوى الجمع، ثم بدا له أن يؤخر الآخرة إلى وقته فأخرها، فلا نقض عليه، وأحب له أن يصليهما، وفي –نسخة- ولا أحب له إلا أن يصلي، وكذلك إن صلى الأولى في وقتها، ثم نسي، وظن أنه قد جمع وانصرف، ثم ذكر بعد فله الخيار إن شاء أخر الآخرة إلى وقتها، وإن شاء صلاها إذا كان في موضعه أو قريبا منه، ولم يتباعد، وأما إن كان صلى الأولى في وقتها، ونسي حتى تباعد ذلك، فأحب أن يردهما. (14/170)
صفحة 3587
الباب السادس والثلاثون
فيمن انتقضت عليه صلاة في سفر أو جمعة
-ومن جامع ابن جعفر- مسألة: وأما صلاة الجمعة فقال محمد بن محبوب -رحمه الله-: من انتقضت عليه صلاة الجمعة أبدلها إذا كان مقيما أربعا في الوقت وغيره؛ وقال غيره: إذا كان في الوقت صلاها صلاة نفسه، وإن فات الوقت صلاها ركعتين صلاة الجمعة. ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: قال بعض يبدلها في وقتها أربعا، فإذا فات وقتها صلاها صلاة الإمام ركعتين، يقرأ بأم الكتاب وسورة في الركعتين جميعا، كما يصلي الإمام (رجع) وكذلك إذا صلى الذي يقصر مع الذي يتم ثم انتقضت صلاته، فإن علم في الوقت أبدلها صلاة نفسه، وإن فات الوقت أبدل تلك الصلاة بعينها وفي –نسخة- تماما.
مسألة: وسئل عن مسافر يصلي الجمعة، حيث تلزم الجمعة، فانتقضت صلاته ما يبدلها تماما أم قصرا؟ فإنه يبدلها في وقتها قصرا بقراءة أم الكتاب وحدها، وإن كان قد فات الوقت صلى صلاة الجمعة، كما صلى الإمام بقراءة فاتحة الكتاب وسورة في الركعتين جميعا، فإن صلاهما جماعة في غير موضع المنابر، فانتقضت عليه ما يبدلهم تماما أم قصرا، فإنه يبدلها قصرا في وقتها، وفي غير وقتها مسافر. ومن غيره؛ قال: وقد قيل يبدل الصلاة قصرا؛ لأن تلك ليس بصلاة، وكذلك المسافر والمقيم يصليها تماما في الوقت، وغير الوقت، لأن تلك ليس بصلاة تمت. (14/171)
صفحة 3588
مسألة: عن أبي الحواري، وعمن انتقضت عليه صلاة الجمعة، كيف يصلي أربع ركعات أو ركعتين، فإن كان في وقت تلك الصلاة صلاها أربعا، ولا نعلم في هذا اختلافا، وإن كان الوقت قد فات، فقد قيل يصلي أربعا، وقال من قال: يصلي ركعتين وأربع ركعات أحب إلينا، وكل ذلك جائز. (14/172)
صفحة 3589
الباب السابع والثلاثون
فيمن جمع الصلاتين، وفعل بينهما فعلا، أو قال قولا،
ومن نوى القصر ثم جمع، أو جمع ثم قصر
وسألته عن الذي ينتفل بين العشاء والعتمة في جمع السفر، فقال: أما إذا كان يجمع بين العشاء والعتمة، فيكره له أن ينتفل بينهما، وإذا صلى العتمة فينتفل ما شاء قبل الوتر في الحضر والسفر.
مسألة: ومن جمع الصلاتين فنفرت دابته أو كلم إنسانا أو دعي إلى طعام، فالتفت إلى أخذ دابته أو إلى كلام صاحبه، أو أخذ طعاما من بعد أن صلى الظهر أو المغرب، فإن تعجل إلى أن يصلي الثانية من الصلاتين من حينه صلاها، وجمع إن شاء الله، وإن طول في ذلك أخر المؤخرة من الصلاتين إلى وقتها، فقال هذا هاشم برأيه.
مسألة: ومن صلى الظهر والعصر جميعا، وصلى بينهما ركعتين، فليس بينهما إذا جمع ركوع، فإن فعل ناسيا أو جاهلا مضت صلاته.
مسألة: ومن جمع الصلاتين فعن موسى فإنه لا بأس عليه فيما تكلم بين الصلاتين.
مسألة: قال أبو معاوية: من كان مسافرا فأراد أن يجمع فصلى الظهر، ثم انتحى من ذلك الموضع لحاجة قال: أكره ذلك، ولا أرى عليه نقضا، إلا أن (14/173)
صفحة 3590
يذهب مكانا بعيدا، فإن كان في مسجد فصلى الظهر، ثم انتحى إلى آخر المسجد فصلى العصر، فقد أساء إذا انتحى من مقامه، وصلاته تامة، وإن كان يقصر الصلاة فصلى مع إمام يتم الصلاة، فله أن يصلي العصر إذا سلم الإمام من الظهر، إذا نوى أن يجر إليها العصر، فإن انتحى من مقامه إلى آخر المسجد، فصلى العصر فصلاته جائزة، ولو صلاها في مقامه ذلك كان أحب إليّ.
مسألة: وعن أبي عبد الله، أن بعضا قال: لا يفرق بين الجمع بكلام، ولا خطوة ولا صلاة حتى يتمهما.
مسألة: وإذا صلى المسافر الجمع فقرأ في الأولى إلى (ولو كره المشركون) وسلم فجائز، وقال أبو الحسن: من فعل ذلك مرارا ناسيا، فلا إعادة عليه، إنما اختلفوا إذا كان يجمع متعمدا لذلك، فأوجب قوم البدل، ولم يلزم آخرون.
مسألة: ومن صلى الهاجرة والعصر جميعا وصلى بينهما سنة الهاجرة جهلا منه، أو عمدا منه، وفات الوقت فعليه البدل ولا كفارة، قال أبو محمد: وفي بعض الآثار يوجد أنه جائز.
مسألة: ولا بأس أن يصلي المسافر صلاة في مكان، ويعتزل فيصلي الثانية في مكان قريب من ذلك وإذا صلى الأولى ثم تكلم قبل أن يصلي الآخرة، فلا بأس بذلك والوتر حيث أراد صلاه.
مسألة: ومن جمع فصلى الظهر، ثم رأى في قبلته خزقا، ولم يعلم أنه خزق غراب ولا غيره فتحول عنه، وصلى العصر فلا يتمان له على بعض القول، إلا أن تكون الظهر في وقتها، فقد جازت ويبدل العصر، والذي رآه قدامه لا يقطع عليه، وعلى بعض القول إذا تحول لمعنى وصلى العصر لم تفسد.
مسألة: ومن صلى الجمع فتكلم بينهما، فعلى قول أبي محمد لا يجوز له أن يتكلم، فإن تكلم أعاد، وفيما وجدنا في الآثار إن كان لمعنى فلا نقض عليه، وإن كان صاحب شكوك فالجواب واحد في الاختلاف على صاحب شكوك أو غيره. (14/174)
صفحة 3591
مسألة: ومن صلى بين صلاتي الجمع ركعتين فيكره له، وإن فعل لم يضره ذلك.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- والذي نحب للذي يجمع ألا يقطع بين الصلاتين بشيء من صلاة، ولا غيرها فلو ركع بينهما ركعتين أو أكثر بجهالة، أو أكل أو شرب، أو قعد قدر ساعة فلا نقض عليه، وكذلك له أن يعرت دابته، أو خاف على طعامه أو غيره من إدانة أن تذهب في إحراز ذلك أو يأمر به ثم يصلي الثانية، وإن صلى الأولى في موضع فلا بأس بذلك.
مسألة: -من الزيادة المضافة التي في الجامع- وعن المسافر إذا كان يجمع الصلاتين فصلى الأولى منهما، ثم تكلم بكلام كثير أو قليل من حوائج عرضت له، ثم قال فصلى الآخرة تتم له صلاته أم لا؟ فإن كان الكلام من أمر الصلاة، أو في شيء يخاف فوته أو ضياعه من ماله، أو من أمر بمعروف أو نهي عن منكر، فلا بأس، ما لم يتطاول ذلك حتى يشتغل عن أمر الصلاة أو ذكرها، إلى حال الترك لها، فإن صلى بعد هذا كله فصلاته تامة ما نوى ترك ذلك، والقصر للصلاة، فإذا نوى القصر وعلى أن يترك الآخرة إلى وقتها لتطاول ذلك، لم نحب له أن يجمع على هذا، ولا يعود إلى الجمع، وإن كان ذلك الكلام لغير معنى يلزمه ولا معنى ولا لمنافعة، وإنما هو عبث فأحب له ألا يصلي جمعا على هذا، ويترك الصلاة إلى وقتها، وقلت: أرأيت إن صلى الأولى منهما في المسجد وصلى الآخرة في الحجرة، أتتم صلاته على هذا أم لا؟ فلا بأس بذلك، إذا كان لمعنى، وأما لعلة أراد لغير معنى فلا نحب له ذلك، فإن كان فعل فلا إعادة عليه.
مسألة: ومن أحرم في صلاته، وبنيته أن يجمع فحول نيته عن الجمع، بعد أن صلى بعض صلاته فلا يجوز له أن يجمع، وإن حول نيته عن الجمع وهو في الصلاة ثم رجع حول نيته الجمع وهو في الصلاة فلا ينتفع في هذه النية، ولا يجوز له أن يجمع.
مسألة: ومن نوى في الجمع أن يؤخر الأولى إلى الآخرة، في وقت الأولى، ثم رجع حول النية، وأراد جر الآخرة إلى الأولى في وقت الأولى، فذلك جائز له. (14/175)
صفحة 3592
[صفحة بيضاء] (14/176)
صفحة 3593
الباب الثامن والثلاثون
في صلاة المريض من جامع (ابن جعفر)
والمريض له أن يصلي كما أمكن له، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فإذا لم يقدر أن يصلي قائما، وكان ذلك مما تشتد به علته صلى قاعدا، فإن كان يصل إلى المصلى يصلي عليه، فقد قيل أن يسجد إذا صلى قاعدا، وإلا فإنه يومئ، ويكون إيماؤه للسجود أخفض من إيمائه للركوع، وإن لم يمكنه أيضا الصلاة قاعدا صلى وهو نائم ويومئ، وإذا صار إلى حد الضعف، أو علة يشتد عليه الوضوء منها، فإنه يجمع الصلاتين ويصلي تماما، وإن صار إلى حد لا يحفظ الصلاة ولا يقدر على تمامها حتى يخاف أن تنقطع عليه ببعض ما يقطعها، فإنه يكبر أيضا لكل صلاة خمس تكبيرات، وله أن يجمع التكبير ويستقبل القبلة إذا صلى إذا أمكنه ذلك، وإذا كان لا يمكنه الصلاة إلا بواحد يتبعه تكلم بذلك فاتبعه، ويكبر للوتر خمس تكبيرات، وله أن يجمع التكبير أيضا، وإن لم يحفظ التكبير فليس عليه أن يكبر عنه، قال أبو علي الحسن بن أحمد -رحمه الله- وذلك إذا لم يفعل التكبير والله أعلم.
مسألة: وعن هاشم، في المريض يكون في المحمل فيثقل عليه أن ينزل، فإن حمل على نفسه النزول قدر في مشقة؟ فقال: يومئ على المحمل فإن دين الله يسر. قلت: فإنه على فراش يشق عليه أن يستقبل القبلة؟ قال: إن لم يقدر حيث كان وجهه فثم وجه الله. قيل له: مطبون لا يستمسك؟ قال: يتيمم ويكبر خمسا، ويوجد عن هاشم في مبطون لا يستمسك، قال: يتيمم ويصلي، إلا أن (14/177)
صفحة 3594
يكون لا يستمسك حتى تتم الصلاة، فإنه يكبر خمسا.
مسألة: ويوجد عن هاشم قيل له: مبطون لا يستمسك؟ قال: يتيمم ويصلي، قال: وقد قيل يتيمم ويصلي إن أمكنه، ولو كان مسترسلا ولو قطع عليه ذلك؛ لأن ذلك عذر، ويصلي قاعدا ويحفر خبة ينصب فيها، ولا يصلي في مسجد، ولا مصلى، وهو بمنزلة المستحاضة، والمسترسل به البول والجروح المسترسلة، وقد قيل هذا، وهذا القول الآخر أحب إلينا والله أعلم، وإن كان القول الأول له حجة لزوال الطهارة، فكأنه يقول إن يؤدي الصلاة بالطهارة التي يمكنه فيها الصلاة، ولزوال بعض الفرض بخوفه زوال فرض الطهارة، وذلك مسترسل لا مخرج له منه ولا ينقطع.
مسألة: وقد قيل إن كان المريض على فراش غير طاهر هو، فاشتد به التحول عنه صلى كما هو عليه.
مسألة: وإذا لم يقدر المريض أن يتحول عن فراشه صلى على فراشه، كان الفراش طاهرا أو غير طاهر، وإذا قدر أن يتحول عن فراشه فقد قيل إنه لا يصلي عليه حتى يكون طاهرا.
مسألة: وقال هاشم: لا يزال المريض يومئ ما عقل صلاته، ولو بعينه، فإذا لم يعقلها كبر، قال غيره: وقد عرفت أن المصلي إذا لم يعقل الإيماء، ولم يمكنه التكبير من اعتقال، أو من غير ذلك، فإنه يقدر الصلاة في نفسه، إن أمكنه ذلك، والله أعلم فتنظر في ذلك.
مسألة: -ومن جامع أبي الحسن- وسأل عن صلاة المريض، قيل له: إن صلاة المريض في بعض الحديث يصلي كما أمكن له، قدر أن يصلي قائما صلى قائما، وإن لم يقدر صلى قاعدا، وإن قدر أن يصل إلى المصلى والمسجد سجد، وإن لم يقدر صلى على فراشه، وإن لم يقدر يسجد أومأ للسجود والركوع، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يقدر أن يصلي قاعدا صلى على جنبه نائما، (14/178)
صفحة 3595
واستقبل بوجهه القبلة، وإن لم يقدر على جنبه صلى مستلقيا على قفاه، وتكون رجليه نحو القبلة ويقبل بوجهه، وإن قدر أن يقرأ ويومئ صلى كذلك، فإن لم يقدر كبر له خمس تكبيرات، وإن لم يقدر يكبر كبر له مكبر وهو يتبعه، وإن لم يفهم ولم يقدر، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
ومن الكتاب، وإذا كان المريض مسترسل البطن لا يقري، فإنه يتقوى بثوب لثيابه، التي يصلي بها، ثم يصلي، فإن لم يمكنه ذلك قائما يصلي قاعدا، وإن لم يمكنه وإلا حفر حفرة ويشاجي عليها، وصلى عليها قاعدا.
مسألة: وللمريض إذا لم يقدر النزول وهو على الدابة صلى كما هو على الدابة للعذر، فإن شق على المريض أن يستقبل القبلة فحيث كان وجهه.
مسألة: ومن حضر المريض الذي يتوفى فلقنه أو حفظ عليه، وهو على غير وضوء، فما أقول إن فيه بأسا، والله أعلم.
مسألة: وقال هاشم: لا يزال المريض يومئ، ما عقل صلاته، فإذا لم يعقل كبر.
مسألة: وإذا لم يحفظ المريض صلاته يكبر، فما حفظها فإنه يومئ، ولو على جنبه، وقيل يومئ بنظره إن استطاع ذلك، أو لم يستطع غيره.
مسألة: ومن وجد في رأسه وجعا فليصل كما أمكنه، فإن لم يقدر قائما أو لم يقدر يسجد صلى قاعدا وأومأ.
مسألة: والمريض يصلي على الفرطاط إذا اضطر إليه، فإن كان فيه أذًى فلا يصلي عليه، إلا أن يضطر، والفرطاط البردعة، وهي الحلس الذي تحت الرجل.
مسألة: ومن أصابته علة فليصل قاعدا وليومئ برأسه إيماء.
مسألة: -ومن جامع أبي محمد- والمريض يصلي على حسب طاقته، وإن لم (14/179)
صفحة 3596
يقدر المريض على النزول إلى الصلاة صلى على فراشه.
مسألة: -من الزيادة المضافة- وعن المريض يثقل عليه أن يصلي الظهر ثم العصر، فإن صلى قدر غير أنه موجع فيثقل عليه، هل له أن يجمع؟ قال: نعم، قلت: كما يجمع المسافر يقدم ويؤخر؟ قال: إن المسافر يشغله عن ذلك ما هو فيه فله ذلك، وأما المريض فينظر آخر وقت الصلاة وأول الآخرة فيجمعهما، إلا أن يكون يعنيه تارات يشغل فيها عنه فإن تقدم مخافة ذلك، واشتغل فتأخر فلا بأس.
مسألة: -من كتاب الأشياخ- رجل صلى وبه علة، وكان رجل يمسكه حتى قضى صلاته فإنه جائز. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: قال أبو سعيد -رحمه الله- في الذي يقدر على القيام والقعود، ولا يقدر على الركوع والسجود معي؛ إنه قد قيل: يصلي قائما يومئ للركوع قائما، ويومئ للسجود قاعدا، ويقعد للتحيات، وقال من قال: فيما عندي إنه إذا انحط عنه فرض الركوع والسجود صلى قاعدا بالإيماء.
مسألة: وعرفت في الذي يصلي بالإيماء، أنه لو أومأ في مصلى أو في مسجد، وهو يصلي قاعدا تمت صلاته، عرفت أنه في المسجد والمصلى يسجد، وفي غيرهما يومئ، والله أعلم.
مسألة: أخبرنا زياد بن مثوبة عن أبي هاشم الخرساني، أنه قال في الذي يومئ، إنما يومئ برأسه للركوع والسجود، والجسد لا يتحرك.
مسألة: عن أبي سعيد، فيما أحسب، وسئل عن المصلي إذا لم يمكنه السجود، وأمكنه الركوع والقيام والقعود، ويومئ للسجود، وبمعنى كيف تكون صلاته؟ قال: عندي إنه قد قيل إنه يركع ويومئ للسجود قائما بعد الركوع، ويقعد يقرأ التحيات قاعدا، وقيل: إنه يركع ويقعد يومئ للسجود قاعدا، قلت له: فهل قيل إنه إذا لم يقدر على السجود، وقدر على القيام للقراءة والركوع، هل له أن يصلي قاعدا، قال: معي؛ إنه قد قيل ذلك، قلت: فهل قيل إنه يصلي (14/180)
صفحة 3597
قائما، ويقرأ التحيات في قيامه إذا كان على ما وصفت لك، ولا يكون عليه قعود التحيات، قال: معي؛ إنه قد قيل إن له ذلك، وقال من قال: عليه القعود للتحيات.
مسألة: قال أبو سعيد: في المصلي إذا قدر على القيام والقعود، ولم يقدر على الركوع والسجود، أنه يومئ للركوع قائما ويقعد يومئ للسجود قاعدا، ويصلي على ذلك في بعض القول، وقال من قال: يصلي قائما فإن قدر على القيام والركوع والقعود ولم يقدر على السجود أنه يصلي قائما ويقعد يومئ للسجود، ولا يبعد أن يلحقه القول الذي قال: إنه يصلي قاعدا وهذا على معنى قوله.
مسألة: ولابد من القيام بالصلاة على كل حال، فمن قدر عليها بالقيام والوضوء، فعليه ذلك، ومن قدر عليها بالتمام وأعجز الماء، فعليه التيمم والصلاة، ومن أعجز ذلك كله، فعليه الصلاة، وإن عجز عن حفظ الصلاة كبر للصلاة إذا أعجز حفظها بركوعها وسجودها، والقيام بحدودها أو بشيء منها، ولا عذر له في تركها، ولو قدرها في نفسه، ونواها إذا قدر على ذلك، ولو لم يقدر على الكلام، فافهم ذلك.
مسألة: وعن أبي الحواري، وأما الركعتان قبل العصر، في وقت العصر، فترك ذلك عندنا أفضل من فعل ذلك ولم أر أحدا من العلماء فعل ذلك، ولم يخطئوا من فعل ذلك، وقد رأيت من رأيت من العلماء، من يؤذن يؤكد للعصر ولا يركع لها.
مسألة: وسألت أبا عبد الله عن المريض الذي لا يقدر على التحول عن فراشه، هل يصلي على فراشه، وهو غير طاهر؟ قال: قد كنت أرى أنه لا بأس أن يصلي عليه لشيء بلغني عن بشير حتى بلغني، أو قال رأيت في بعض الكتب، أو قال: قال أبو صفرة عن والدي محبوب، أنه قال: لا يصلي عليه إذا كان ليس بطاهر، قلت: فإذا كان الفراش طاهرا يصلي عليه، وإن كان على سرير؟ قال: نعم، قال غيره: إذا لم يقدر المريض أن يتحول عن الفراش، صلى عليه من (14/181)
صفحة 3598
الضرورة، وإن قدر أن يجعل عليه ثوبا طاهرا ألزمه ذلك.
مسألة: -ومن جامع أبي الحسن- فإذا لم يمكن المريض التحول عن فراشه صلى عليه، وإن كان غير طاهر، وإذا حرك اشتد عليه ترك بحاله، وصلى بالإيماء، وإن كان ثوبه غير طاهر، ولم يقدر يخرج من علته صلى به، وإن طرح عليه ثوبا طاهرا صلى على حاله.
مسألة: -ومن كتاب الضياء- وقيل: إن كان المريض على فراش غير طاهر، واشتد به التحول عنه صلى عليه، وقيل: لا يصلي عليه إذا كان غير طاهر، وعن موسى بن علي أنه إن صلى على فراش غير طاهر اضطرارا فلا نرى عليه نقضا.
مسألة: والمريض يصلي على البردعة، إذا اضطر إليها، فإن كان فيها أذى فلا يصلي عليها، إلا أن يضطر.
مسألة: وإن لم يقدر المريض على النزول إلى الصلاة صلى على فراشه.
مسألة: وإذا كان على المريض ثوب قز أو حرير، فلا يصلي به إن كان متكسفا به لابسا له، وإن كان لابسا غيره وهو متعفس به، فلا يجوز أيضا، إلا أن يكون في حال ضرورة فجائز يصلي، وهو لابس له.
مسألة: وإذا كان ثوب المريض غير طاهر، ولم يقدر أن يخرجه عنه صلى به، وإن طرح عليه ثوب طاهر صلى على حاله.
مسألة: قيل له: فالمريض إذا كان يقدر على الصلاة بالقراءة والتكبير بالإيماء، إلا أنه يشق عليه، هل يجوز له التكبير؟ قال: معي؛ إن بعضا يقول: يجزيه التكبير، إذا شق عليه، لأن دين الله يسر، وقيل: لا يجوز إلا أن لا يقدر، ويخرج عندي أن المشقة التي له فيها العذر، فمعي؛ فيها أن يؤلمه ذلك ألما لا يحتمله، ويشغله ولو احتمله عن معنى ما هو فيه أو يخاف منه المضرة، ولو احتمل ذلك، قلت: فهذا في جميع أحوال المريض الذي يثقل في ذلك من حال (14/182)
صفحة 3599
الوضوء بالماء إلى التيمم، أو حال الصلاة في وقتها إلى الجمع، وفي غير ذلك من جميع أحواله، قال: معي؛ إنه كذلك، قلت له: فالمريض إذا كان لا يقدر على الصلاة قاعدا، ولا مستندا بنفسه، إلا أن يسند، هل عليه أن يسند إذا لم يقدر بنفسه كان له أن يصلي نائما، قال: معي؛ إنه يختلف في ذلك، فبعض قال: لا نرى عليه إلا قوته، والعمل بنفسه، وبعض يرى عليه الاستعانة لمن أعانه على شيء من اللوازم من المخصوص بها من قبل، لعله أراد مثل هذا، قلت له: فإذا لم يقدر يصلي قاعدا، إلا أن يستند، هل عليه أن يستند، ويصلي قاعدا إذا وجد السند وقدر أن يستند بنفسه، قال: معي؛ إن عليه ذلك، ولا أعلم في ذلك اختلافا، قيل له: فإذا لم يقدر على الماء، إلا أن يطلب ذلك؟ قال: معي؛ إن عليه أن يطلب الماء، وهو عليه فريضة، أعني الطلب، ولا أعلم فيه اختلافا لأنه فريضة، وكذلك عليه أن يطلب التراب للتيمم مثل الماء.
مسألة: وحد المرض الذي يجوز للمريض فيه الصلاة قاعدا هو أن يضعف عن القيام؛ ولا يقدر أن يقوم بنفسه، ويركع ويسجد، فإذا عجز عن ذلك صلى قاعدا.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري، ما إذا ذكر من حد الجمع في المرض، فقد قيل: إذا أثقلت عليه الحركة، ولم يقدر على حفظ الوضوء، جمع الصلاتين، وأما الإيماء، فإذا لم يقدر على السجود، وهو أعلم بنفسه، فليس عليه أن يحمل على نفسه ما لا يقدر.
قال أبو سعيد: إنه يخرج في قول أصحابنا في الصلاة، من صلى على جنبه الأيمن مستقبلا للقبلة، فإن لم يستطع على جنبه الأيمن فعلى جنبه الأيسر، فإن لم يستطع على جنبه الأيسر، صلى مستلقياً على قفاه، وتكون رجلاه مما يلي القبلة مستقبلا، وإن قدر أن يرفع رأسه حتى يستقبل القبلة فعل ذلك؛ وإن لم يستطع فما أمكنه، وأحسب أن في بعض القول: إنه مخير إن شاء صلى على قفاه مستلقياً وعلى جنبه أصح في قوله عز وجل: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ((آل عمران:191)، (14/183)
صفحة 3600
فهذا في معنى الصلاة، وقد يخرج في معنى القول: إن النائم مستلقياً على جنبه على حال في معنى التأويل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في موضع الوضوء حتى يضع جنبه، ولو نام مستلقياً كان قد وضع جنبه.
مسألة: ومن غير الكتاب قال أبو حنيفة: يقول أصحابنا في صلاة المريض، إذا عجز عن القيام والقعود صلى مستلقياً على قفاه مستقبلا للقبلة، ومن غيره؛ وسألته عمن يصلي ولا يقدر أن يركع ولا يسجد، ويقدر يقوم ويقعد فقال من قال: إذا زال عنه فرض قعد وصلى قاعداً، وقال من قال: بل يصلي قائما ويومئ للركوع قائما، ويقعد فيومئ للسجود، وهو قاعد ويقرأ التحيات قاعداً، حتى تتم صلاته قال: وهو قول حسن.
مسألة: ومن كان يصلي قاعداً فأفتاه رجل فقال له: إرفع حصاة إلى جبهتك، واسجد عليها ففعل فلم نر عليه بدلا، ولا كفارة، وسواء كان المفتي ثقة أو غير ثقة، وهو مفت.
مسألة: وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع أن يسجد فليسجد، ومن لم يستطع أن يسجد فلا يرفعن إلى وجهه شيئاً وليومئ».
مسألة: وقيل إن المريض يومئ للركوع والسجود برأسه.
مسألة: حماد عن إبراهيم قال إذا صلى الرجل قاعداً، جلس كيف شاء، وهو قول أبي حنيفة وقول أسد، قال غيره: إن أمكنه القعود كما يؤمر أن يفعل في صلاته .. القيام كان ذلك عليه، وله عندنا.
مسألة: ذكر سجود صلاة المريض .. على شيء يرفع إلى وجهه ومن –كتاب الإشراف- قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن الركوع والسجود لا تجزيه الصلاة إلا أن يركع ويسجد، فإن عجز عن السجود ففيها قولان، أحدهما أن يومئ إيماء، ولا يرفع شيئا إلى وجهه يسجد عليه، روي هذا القول عن ابن مسعود وابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وقال عطاء بن أبي رباح (14/184)
صفحة 3601
وسفيان الثوري يومئ .. برأسه إيماء؛ وقال مالك بن أنس: لا يرفع إلى جبهته شيئاً، وقال أبو ثور الإيماء أحب إلي، وإن رفع إلى جبهته شيئاً ويسجد عليه أجزأه، ورخص بعضهم يسجد ويسجد عليها، ولا يرفع إلى وجهه شيئاً، هذا قول الشافعي.
وروي عن ابن عباس وأم سلمة، الرجعة في السجود على الوسادة أو المسجد، وقال أحمد بن حنبل: بنحو من قول أبي ثور، وكان أنس بن مالك إذا اشتكى سجد على مرفقه، واختار أحمد السجود على المرفقة، وقال هو أحب إلي من الإيماء، وكذلك قال إسحاق بن راهويه ويجزئ السجود عند أصحاب الرأي.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا في المصلى قاعد العذر أنه يومئ إيماء حيث ما صلى ولو أمكنه السجود؛ إلا أن يصلي في مسجد أو مصلى، فإنه يسجد، وقال من قال: يسجد في غير مسجد أو مصلى على ما يجوز له عليه السجود، ومما أنبتت الأرض إذا لم يرفعه إلى نفسه، أو يرفع له من وسادة أو فراش، ويسجد كسجود المصلي القائم على ما أنبتت الأرض فإن لم يمكنه فعلى ما أنبتت لعله على غير الأرض، لأنه عذر لثبوت ذلك في العذر، ومن العذر أن لا يمكن تحويله أو لا يمكنه التحول عنه لثبوت الصلاة عليه، وثبوت السجود عليه في الصلاة، وعندي أن هذا القول أصح في معنى الأحكام بمعنى ثبوت فرض السجود كثبوت فرض القيام والقعود، ولا يزول إلا لعذر، كما لا يزول شيء من الفرائض إلا بعذر.
ومن –الكتاب- وإذا لم يستطع أن يركع أومأ للركوع ولو برأسه أو بعينه ويسجد إن أمكنه، فإذا لم يستطع السجود، فليضع على الأرض ما أمكنه من مساجده السبعة الكفين والركبتين والقدمين والجبهة، وأي ما أمكنه من هذه السبعة أن يضع على الأرض وضعه، وإن لم يمكنه لم يكن عليه ذلك.
مسألة: قال أبو المؤثر قال محمد بن محبوب: إذا صلى الرجل قاعداً فأحسب أنه قال يضع كفيه، وأصابعه عند الركوع على فخذيه، ويضعهما على ركبتيه عند الركوع، وقول محمد بن محبوب أحب إليّ، قال غيره: وقد يوجد أنه يضع يديه (14/185)
صفحة 3602
على ركبتيه عند الركوع وعلى ساقيه عند السجود وعلى ساقيه عند السجود. قال غيره: هذا معي إذا صلى قائما بالإيماء فقال من قال: يضع للركوع على فخذيه، وللسجود على ركبتيه، وقال من قال: للسجود على ساقيه، ومن غيره، ومن بعض الآثار أنه إذا صلى قاعداً أنه يضع يديه إلى السجود على رجليه، أو على الأرض أو على فراشه: ومن جامع أبي الحسن: ولا يسجد المريض على وسادة، ولا عود ولا فراش. (14/186)
صفحة 3603
الباب التاسع والثلاثون
فيمن كان يصلي قائما فوجد علة فأتم صلاته قاعدا أو نائما
أو كان يصلي نائما ثم وجد صحة أتم صلاته قائما
وكذلك من صلى بالتكبير ثم وجد صحة
وفي نسخة قوة وما أشبه ذلك
أحسب عن أبي إبراهيم، وعن رجل صلى ركعتين قائما، ثم وجد علة فجلس فأتم صلاته. قال الشيخ: أحسب أنه أبو إبراهيم إنه جائز له، قلت: فإن صلى ركعتين قائما، ثم وجد علة فجلس فصلى ركعة، ثم وجد خفا من علته؟ قال: انتقضت صلاته، وعليه أن يبتدئ الصلاة بالقيام، وكذلك إن كانت علة فلم يقدر على القيام فابتدأ الصلاة وهو قاعد، ثم وجد خفا، قال: يبتدئ الصلاة بالقيام، ويهمل ما كان صلى وهو قاعد، وكذلك إن صلى نائما أو قاعدا ثم انتقضت صلاته، ووجد خفا من علته، فإنه يبدلها بالقيام، وكذلك إن كان في حد من يجوز له أن يكبر، فمن بعد أن كبر علم أنه كان على غير وضوء، أو كان ثوبه فاسدا أو أشباه ذلك مما لا تجوز به الصلاة، ورأى خفا من علته فليبدل الصلاة على ما يقدر قائما أو قاعدا أو نائما، وكذلك إن صلى في سفينة، ثم علم أن صلاته تلك منتقضة بعد أن خرج إلى البر، فليبدلها بالقيام على ما صلى تماما أو قصرا.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- ومن صلى قائما ثم وجد ضعفا، أتم صلاته (14/187)
صفحة 3604
قاعدا أو نائما، فلا بأس، ومن صلى نائما أو قاعدا، ثم وجد قوة على القيام فإنه يستأنف الصلاة، وكذلك إن صلى إحدى الصلاتين وهو نائم أو بالتكبير، ثم وجد خفا فقد تمت صلاته التي صلاها على ما صلى، ويصلي الثانية على ما أمكن له، ويؤخرها إلى وقتها إن كان في حد الأولى.
مسألة: -من كتاب أبي قحطان- ومن صلى قائما، ثم وجد ضعفا فأتم صلاته قاعدا أو نائما فلا بأس، ومن صلى نائما أو قاعدا ثم وجد قوة على القيام، فإنه يستأنف الصلاة، وعن غيره؛ فإن فوت هذه الصلاة إن ابتدأها قائما حتى يكملها، وإذا أتم ما كان بقي عليه نائما صلى من قبل فوت وقتها قال يبدلها قائما، ولا بأس عليه إن لم يكملها حتى فات وقتها.
مسألة: والمريض إذا لم يقدر يصلي قائما صلى قاعدا، فإن وجد قوة فإنه يبتدئ الصلاة، وإن صلى قائما ثم وجد ضعفا قعد، ويبني على صلاته. (14/188)
صفحة 3605
الباب الأربعون
في صلاة المريض بالتكبير والجمع
وإذا صار المريض إلى حد لا يحفظ الصلاة، ولا يقدر على تمامها حتى يخاف أن تنقطع عليه ببعض ما يقطعها، فإنه يكبر أيضا لكل صلاة خمس تكبيرات، وله أن يجمع بالتكبير وليستقبل القبلة إذا صلى، إذا أمكنه ذلك، فإن كان لا تمكنه الصلاة إلا بواحد يتبعه تكلم بذلك واتبعه، ويكبر للوتر خمس تكبيرات، فإن لم يحفظ التكبير أيضا فليس عليه أن يكبر له ويستقبل القبلة إذا صلى إن أمكنه ذلك.
مسألة: ومن صلى إحدى الصلاتين وهو نائم أو بالتكبير، ثم وجد خفا، فقد تمت صلاته التي صلاها على ما صلى، ويصلي الثانية على ما أمكن له أو يؤخرها إلى وقتها إن كان في حد الأولى. قال غيره: قد قيل ذلك؛ لأنه -لعله- يكون قد جمع الصلاتين.
مسألة: ويستحب لمن لا يقدر يتكلم بالتكبير أن يكبر له مكبر من امرأة أو رجل، وهو يتبع بلسانه إن قدر أو يتبع بقلبه، فإن لم يفهم أيضا فلا يكبر له.
مسألة: ويوجد عن هاشم قيل له مبطون لا يستمسك؟ قال: يتيمم ويصلي، إلا أن يكون لا يستمسك حتى يتم الصلاة، فإنه يكبر خمسا. ومن غيره؛ قال: وقد قيل يتيمم ويصلي، ولو كان مسترسلا، ولو قطع عليه ذلك، لأن ذلك عندي، ويصلي قاعدا، ويحفر خبة ينصب فيها، ولا يصلي في مسجد (14/189)
صفحة 3606
ولا مصلى، وهو بمنزلة المستحاضة، والمسترسل به البول والجروح المسترسلة.
مسألة: وقال هاشم: لا يزال المريض يومئ ما عقل صلاته، ولو بعينيه، فإذا لم يعقلها كبر، ومن غيره؛ فإذا لم يمكنه الإيماء ولا التكبير، قدر الصلاة في نفسه إن أمكنه ذلك، والله أعلم.
مسألة: والذي عرفنا أن المصلي بالتكبير ليس عليه توجيه، وأما تكبيرة الإحرام فقد عرفنا في ذلك اختلافا، فقال من قال: يكبر الصلاة خمسا وتكبيرة الإحرام فذلك ست تكبيرات، وقال من قال: ليس عليه إحرام، وإنما يكبر خمسا، هكذا عرفنا، وكل ذلك من قول فقهاء المسلمين على حسب ما وجدناه، ووجدنا أكثر القول، وكذلك حفظنا أنه يكبر خمسا، وبه نعمل إن شاء الله.
مسألة: قلت: فهل يجوز أن يكبر للمريض ويلقنه تكبير الصلاة جنبا أو حائضا؟ قال: هكذا عندي، قيل له: فالمريض إذا كان يقدر على الصلاة، والقراءة بالتكبير بالإيماء؛ إلا أنه يشق عليه، هل يجوز له التكبير؟ قال: معي؛ إن بعضا يقول يجزيه التكبير إذا شق عليه، لأن دين الله يسر، وقيل: لا يجوز إلا أن يقدر، ويخرج عندي أن المشقة التي له فيها العذر، فمعي؛ فيها أن يؤلمه ذلك ألما لا يحتمله، ويشغله، ولو احتمله على معنى ما هو فيه، أو يخاف منه المضرة، ولو احتمل ذلك.
مسألة: أخبرنا زياد بن الوضاح؛ أن والده الوضاح كان يلقن والده عقبة التكبير، وهو مريض يومئذ، قال: كان يلقنه لصلاة المغرب والعشاء الآخرة والوتر خمس عشرة تكبيرة في ساعة واحدة يجمع، وقال زياد: إن أبا بكر الموصلي كان أمره بذلك والده، والوضاح قال: وقال بغيره توجيه، ولا تسليم، قال: وأما هاشم بن غيلان فكان يقول: يوجه لذلك سبحان الله وبحمده لقوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ((الطور:48)، ومن غيره؛ سئل أبو زياد عمن يكبر للصلاة يصلي بالتكبير، أحب أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، قال: وقد قيل: ليس في (14/190)
صفحة 3607
الصلاة بالتكبير توجيه، ولا تكبيرة الإحرام ولا تسليم، وقال من قال: تسليم ويكبر للإحرام واحدة، وخمسا للصلاة، ويسلم إذا فرغ، ومن غيره؛ قال: ويكبر لكل صلاة خمس تكبيرات، وللوتر خمس تكبيرات ولركعتي الفجر خمس تكبيرات، قال أبو المؤثر: ليس عليه أن يكبر لركعتي الفجر، ولا يكبر إلا بوضوء وطهارة أو تيمم، إن كان له عذر، ويقطع تكبيره وينقضه ما ينقض الصلاة ويقطعها، قال غيره: وقد قيل: لا يقطع صلاته ممر شيء، لأنها ليس فيها سجود ولا قعود، وكل صلاة ليس فيها سجود أو قعود فلا يقطعها ممر شيء، ولعل الذي يقول: إنه يقطعها يقول إن التكبير إنما هو بدل عن الصلاة التي فيها السجود والقعود.
مسألة: وقد أجازوا للمريض الذي لا يستمسك بطنه أن يتيمم ويكبر خمسا. وقال سليمان: يكبر المريض خمسا غير تكبيرة الإحرام، وكذلك في الحرب.
مسألة: ومن كان مريضا وقد صار في حد التكبير في الصلاة، فجهل التكبير، فلا كفارة عليه، وإنما عليه البدل، ومن غيره فمن تركه عامدا لزمته الكفارة.
مسألة: وليس للمريض إذا صار في حال لا يقدر من الصلاة، إلا على التكبير أن يجمع تكبير صلاتين في موضع واحد، ومن غيره؛ قال: وقد قيل إن ذلك جائز.
مسألة: وتكبير المريض لكل صلاة خمس تكبيرات، ويقول: الله أكبر، ولا تسليم عليه لعجزه عن الصلاة؛ لأنه إذا قدر أن يسلم قدر أن يقرأ، ويصلي بالإيماء والسجود.
مسألة: وإذا لم يقدر المريض يكبر فلا صلاة عليه، ولا يكبر له أحد من الناس وقيل إن تبع من يكبر له كبر له وهو يتبع، وإن لم يفهم فلا تكبير عليه، والأجنبي والولي سواء في هذا التكبير.
مسألة: اختلف أصحابنا في تكبير المريض للصلاة فقال بعضهم: لكل (14/191)
صفحة 3608
صلاة خمس تكبيرات، وقال بعضهم: لكل صلاة خمس تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، وكذلك هذا الاختلاف بينهم في تكبير صلاة المسايفة، والله أعلم.
مسألة: والذي يصلي بالتكبير لا يجمع الصلاتين، ومن غيره؛ وقال من قال: يجمع الصلاتين.
مسألة: وسألته عن الذي يجمع الصلاتين بالتكبير هل يسلم بينهما؟ فقال: ليس عليه أن يسلم بينهما، قلت: فإن سلم بين تكبير كل صلاة فأجاز له ذلك، ولم نر عليه في ذلك بأسا.
مسألة: -من الزيادة المضافة- وقال أبو سعيد: يعجبني أن يكبر المريض تكبير الصلاة كله، إذا عجز عن حفظها بالقراءة، والإيماء للركوع والسجود، وقد قال من قال: بهذا القول فيما جاء به الأثر، وحفظ ذلك من حفظه عن أهل العلم فيما يوجد لصلاة الهاجرة إحدى وعشرون تكبيرة والعصر مثلها، والعتمة مثلها والمغرب ستة عشر والوتر مثله والفجر إحدى عشرة تكبيرة.
-ومن كتاب الإشراف- واختلفوا في جمع المريض بين الصلاتين فرخصت طائفة في ذلك قول عطاء بن أبي رباح، وقال مالك في المريض: إذا كان أرفق له أن يجمع بينهما في وسط وقت الظهر، إلا أن يخاف أن يغلب فيجمع بينهما بعد الزوال، وكذلك قوله في الجمع بين الصلاتين عند غيبوبة الشمس، قال: إنما ذلك لصاحب البطن وما أشبهه، وقال مالك: إن جمع المريض الصلاتين وليس بمضطر إلى ذلك يعيد ما كان في الوقت، وما ذهب فلا إعادة عليه فيه، وقال أحمد وإسحاق: المريض يصلي على هذه في آخر وقتها، والأخرى في أول وقتها، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لا فرق في إجازة الجمع عند خوف الضرورة، ودخول مشقات على المريض في القيام بالصلاتين كل صلاة في وقتها من جميع ما كان من المرض، إلا أنه يخرج في بعض معاني قولهم: إنه إن جمع المقيم بمعنى شيء مما يجوز به الجمع في وقت الأولى، ثم إن زال المعنى الذي كان له به العذر في الجمع في وقت الأولى، إن عليه إعادة صلاة الآخرة إذا حضرت، (14/192)
صفحة 3609
ولا يجزيه الجمع على هذا والأولى قد تمت على حال في معنى قولهم إذا قد صلاها في وقته، ومعي؛ إنه في بعض معاني قولهم: لا إعادة عليه إذا صلاها لعذر على معنى ثبوت السنة.
مسألة: والجمع للمبطون المسترسل، والمريض الذي يتعب في القيام إلى المسح جائز للمشقة، لما يلحقهم من التعب يصلون تماما، واختلفوا في أي وقت؟ فقال قوم: يتوسطون الوقت، وقال آخرون: آخر الوقت، وأحب قول من قل: متى صلى أجزأه وكان ذلك جائزا.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- وإن وجد المريض الذي يجمع خفا من بعد أن صلى واحدة أخر الآخرة إلى وقتها، إن كان قد صلى في وقت الأولى، وإن كان في وقت الآخرة صلاهما، -ومن الكتاب- وقال من قال: يستحب للمريض الذي يجمع أن يؤخر الأولى إلى الآخرة، وفي قول؛ إنه يجر الآخرة إلى الأولى، ومن غيره؛ وقول محمد بن المسبح يجر الآخرة إلى الأولى لحال الحدث.
مسألة: وعن المريض، هل يجوز له أن يجمع في وقت الأولى؟ قالوا: إن ذلك يجوز له، إذا كان يثقل عليه، هل يجوز له أن يجمع في وقت الأولى؟ قالوا: إن ذلك يجوز له إذا كان يثقل عليه كثرة الحركة.
مسألة: وسألته عن الذي يجمع الصلاتين بالتكبير، هل يسلم بينهما؟ فقال: لا، ليس عليه أن يسلم بينهما، قلت له: فإن سلم بين تكبير كل صلاة فأجاز ذلك له، ولم ير عليه في ذلك بأسا.
مسألة: وقال أبو سعيد: في الذي يصلي بالتكبير أنه قال من قال: عليه أن يسلم، وقال من قال: ليس عليه أن يسلم.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- وإذا صار المريض إلى حد الضعف أو علة يشتد عليه الوضوء منها، فإنه يجمع الصلاتين، يصلي تماما، وله أن يجمع بالتكبير. (14/193)
صفحة 3610
مسألة: وقيل المريض يجر الصلاة الآخرة إلى الأولى في الجمع وإن انتظر بالأولى يجرها إلى الآخرة، فإن وجد خفا فصلى الأولى فلا بأس.
مسألة: وإذا اشتدت الحركة على المريض للوضوء، ولا يقدر أن يحفظ وضوءه، من صلاة إلى صلاة جاز له الجمع.
مسألة: وإن جمع المريض، ثم أفاق فقد تمت صلاته، ومن –كتاب أبي قحطان- ومن جمع بين الصلاتين بالتكبير خمس تكبيرات في أول الأولى، ثم ذهب عنه شدة الوجع، وجاءت منزلة يقدر فيها أن يصلي قبل أن ينقضي وقت الأولى، فقد بلغني عن بعض الفقهاء، أنه أجاز للمريض يجمع الصلاتين بالتكبير، فإذا جاز له الجمع فإني لا أرى عليه إعادة الصلاة الأولى، ولو كان بقي من وقتها شيء، وأما صلاة الآخرة فإني أرى عليه أن يعيدها إذا دخل وقتها بتمام ركوعها وسجودها إذا جاءت حال يقدر على الصلاة، لأنه صلى هذه الآخرة في غير وقتها، وهو في بلده، وأما المسافر فجمعه تام له، ولا إعادة عليه، إذا ذهب عنه شدة الوجع، لأن المسافر يجوز له الجمع في أول الوقت وفي آخره.
مسألة: والمبطون يجوز له أن يجمع الصلاتين في بلده تماما، ويجوز له أن يجمع الصلاتين بالتكبير، ويجوز للمجدور أن يجمع الصلاتين، ويجوز للمبرسم الثقيل أن يجمع الصلاتين في بلده ويصلي تماما.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري، وأما ما ذكر في حد الجمع في المرض، فقد قيل إذا أثقلت عليه الحركة، ولم يقدر على حفظ الوضوء جمع الصلاتين، وأما الإيماء فإذا لم يقدر على السجود، وهو أعلم بنفسه، وليس عليه أن يحمل على نفسه ما لا يقدر عليه.
مسألة: وإن لم يقدر المريض أن يصلي كل صلاة في وقتها جمع، وإن لم يقدر أن يحفظ وضوءه جمع الصلاتين، وقد أجاز بعضهم أن يجمع بالتكبير.
مسألة: وإذا ثقل على المريض أن يصلي الظهر، ثم العصر فإن صلى قدر، (14/194)
صفحة 3611
غير أنه موجع يثقل عليه، فله أن يجمع الصلاتين لا كما يجمع المسافر ويقدر ويؤخر، لأن المسافر يشغله من الصلاة ما هو فيه فله ذلك، وأما المريض فينتظر آخر وقت الأولى، وأول وقت الآخرة فيجمعهما، إلا أن يغيبه تارات فيثقل فيها عن الصلاة، فإن تقدم مخافة ذلك أو اشتغل فأخر فلا بأس.
مسألة: وقد جوز للمريض والمسافر الجمع بين الصلاتين في أول الوقت وآخره، وجائز ذلك كله.
مسألة: -من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ- وقيل إن فهما قال: إن الشيخ أبا أحمد لم يجز للمريض أن يجمع الصلاتين بالتكبير، إلى أن مرض فهم، فأجاز له ذلك. انقضت الزيادة المضافة. (14/195)
صفحة 3612
[صفحة بيضاء] (14/196)
صفحة 3613
الباب الحادي والأربعون
في حد من يجوز له أن يصلي جالسا
-ومن كتاب الإشراف- ذكر صلاة المريض جالسا إذا عجز عن القيام، قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط عن فرس فجحش شقه الأيمن فصلى جالسا، وأجمع أهل العلم على أن فرض من لا يطيق القيام أن يصلي جالسا، واختلفوا فيمن له أنه يصلي جالسا، فقال ميمون بن مهران: إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه، فيصلي قاعدا، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وزاد إذا كان قيامه يزيده وهنا، ويشتد عليه صلى جالسا. وقال مالك: أحسن ما سمعت في المريض إذا شق عليه، وأتبعه وبلغ به حتى يشتد عليه القيام، أن يصلي جالسا، وقال الشافعي: إذا أطاق ببعض المشقة المحتملة لم يكن له أن يصلي جالسا، إلا كما فرض عليه وإنما أمره بالقعود إذا كانت المشقة غير محتملة، أو كان لا يقدر على القيام بحال.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا ما حكي إلا قوله مطلقا، إذا لم يستطع أن يقوم لأمر دنياه، فإن القيام لأمور الدنيا يكون بالأعمال لها والقدرة عليها، وقد يطيق الصلاة من لا يقدر على الأعمال، وأرخص ما قيل أنه إذا شق عليه القيام للصلاة صلى قاعدا، وتأويل ذلك أن تكون المشقة لا يحتملها في الوقت، أو لشغل به عن حفظ صلاته، وقد يحفظها ويقدر عليها في القعود، أو لخوف ضرر يتولد في ذلك بالقيام، فإذا آلمه ذلك ألما لا يحتمله، (14/197)
صفحة 3614
ولو حفظ صلاته، أو لم يحفظ صلاته لمعنى ذلك الألم، ولو احتمله أو خاف مضرة تولد عليه، ولو احتمل ذلك وحفظ صلاته، لأنه كان هذا موضع القيام، وما سوى ذلك فلعله يجري فيه الاختلاف.
مسألة: -ومن الزيادة المضافة- التي في –جامع ابن جعفر- وعن المريض متى يصلي قاعدا؟ قال: إذا صلى قائما استعجل في صلاته، ولم يأت فيها ما ينبغي فهو يصلي قاعدا، -لعله- متمهلا أحب إليَّ.
مسألة: -ومن جواب أبي الحواري -رحمه الله-: ومن كان مريضا ويثقل عليه أن يصلي قائما إلا أنه إذا حمل على نفسه أن يصلي قائما صلى، إلا أنه يتعبه ذلك تعبا يقدر أن يحمله، إذا حمل على نفسه فعلى ما وصفت، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فإذا كان تشتد عليه الحركة والقيام والقعود، صلى قاعدا ولم يحمل على نفسه ما يثقل عليه، لأن الله تعالى يقول: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ((البقرة:239)، فهذا في الصلاة، والرجال المشاة والركبان قعود على الركاب، وكذلك جاءت السنة في المريض، وغير المريض يصلي على ما يقدر عليه.
مسألة: ويخرج أن المشقة له فيها العذر فمعي فيها أن يؤلمه ذلك ألما لا يحتمله أو يشغله، ولو احتمله على معنى ما هو فيه، أو يخاف منه المضرة، ولو احتمل ذلك، قلت: فهذا في جميع أحوال المريض الذي يثقل في ذلك من حال الوضوء بالماء إلى التيمم، أو حال الصلاة في وقتها إلى الجمع وفي غير ذلك من جميع أحواله، قال: معي؛ إنه كذلك.
مسألة: -من الزيادة المضافة من الأثر- وعن الذي يكون به الجرح يثقل عليه عند الجلوس إذا تورك، وعند الركوع يخاف أن يسقط دواؤه، هل يجوز أن يصلي جالسا؟ قال: إن كان ليس يمنعه من القيام إلا خوفا من الدواء يسقط، إلا أنه إن ضعف إذا قام فعند ذلك يجوز له الجلوس، وإذا قام وشق عليه التورك فجلس جلسة هي أهون عليه، فلا بأس عليه بذلك في حد الجلوس.
-رجع إلى كتاب بيان الشرع- تفسير صلاته نائما أن ينام على جنبه الأيمن (14/198)
صفحة 3615
ويقول جميع ما يقال في الصلاة، ويومئ للركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ويستقبل القبلة، فإن لم يستطع استلقى على قفاه، وجعل رجليه مما يلي القبلة، ويستقبل القبلة بوجهه، ويقيم الصلاة ويوجه ويكبر تكبيرة الإحرام ويقرأ، فإذا جاء الركوع أومأ برأسه للركوع يخفضه، يخضع به ثم يومئ للركوع والسجود، واختلط عليه فليكبر خمس تكبيرات، لكل صلاة وللوتر خمس تكبيرات، ويسلم إن استطاع، فإن لم يقل التكبير لقنه من حضره من بعد أن يوضئه وضوء الصلاة، فإن غاب عقله ولم يستطع التكبير فلا صلاة عليه، ولا بدل، إلا أن يفيق قبل أن تنقضي تلك الصلاة فليصلها.
مسألة: وقال أبو سعيد: في الذي يصلي بالإيماء قاعدا لعذر عنده في الإيماء اختلافا، ففي بعض القول أنه يومئ برأسه ولا يحرك بدنه ويكون السجود أخفض من الركوع وتكون يديه على فخذيه للركوع والسجود على ركبتيه، وفي بعض القول أنه يكون ركوعه متكئا، ويحني ظهره قليلا، ويضع يديه على فخذيه ويومئ للسجود يطأطئ رأسه ويديه حتى لا يبقى من السجود إلا رأسه على الأرض، ويكون وضع يديه على ركبتيه، ولا يضعهما على الأرض، قلت له: إن وضعهما على الأرض متعمدا أو جاهلا، هل تتم صلاته؟ قال: قد قيل: يضع يديه على ركبتيه على ما وصفت في مسألتك، على حسب ما أرجو أنه قيل، ولعل بعضا يقول يضع يديه على الأرض أيضا، ويقول إنه لا يترك من معنى السجود إلا ما منعه، قلت: فإن صلى قائما بالإيماء لعذر من طين أو ماء أو بعض العلل، كيف يصلي؟ قال: معي؛ إنه يقع في ذلك معنى الاختلاف، ففي بعض القول أنه يومئ برأسه قائما للركوع، ويضع يديه على فخذيه، وفي السجود على ركبتيه، وفي بعض القول: يخرج، ومن صلى قاعدا بالإيماء وضع يديه في الركوع على فخذيه، فإن وضع يديه على الأرض قال هاشم: لا أرى نقضا.
مسألة: ومن صلى قاعدا وضع يديه للركوع فوق فخذيه، وللسجود فوق (14/199)
صفحة 3616
ركبتيه، ومن صلى بالإيماء قاعدا في سفينة أو غيره، فليضع يديه على فخذيه للركوع والسجود فهو جائز، ويكون رأسه في السجود أخفض مما هو في الركوع.
-ومن كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في صفة جلوس المصلي قاعدا، فقالت طائفة: يكون في حال قيامه متربعا، وروي ذلك عن أنس بن مالك وابن عمر وابن سيرين ومجاهد، وهو قول عطاء بن أبي رباح والنخعي وسعيد بن جبير وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق، وكره الصلاة متربا ابن مسعود فيما يروى عنه، واختلف فيه عن عطاء والنخعي، وقال سفيان الثوري يكون جلسوه متربعا، ويركع وهو متربع، فإذا أراد أن يسجد ثنى رجليه، هذا قول سفيان الثوري، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: إذا أراد أن يركع ثنى رجليه كما يركع القائم.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا، أن المصلي قاعدا يقعد لصلاته في موضع قيامه لها إذا لم يمكنه القيام كما أمكنه من القعود، وأولى القعود عندهم، كما يقعد للتحيات في سائر الصلوات في صلاة القيام، فإن لم يمكنه ذلك فأحسن القعود في قولهم أن يركد على ركبتيه، ولا يتربع في قعوده، فإذا لم يمكنه أن يجثو على ركبتيه، فأحسب أنه يقعد على إليتيه، ويرفع ركبتيه، أحسن من التربع، فإذا لم يمكنه ذلك تربع حينئذ من أن يمد رجليه، أو إحداهما، وإلا فيقعد كما أمكنه بعد هذا.
-ومن غير الكتاب- مسألة: من الزيادة المضافة التي في جامع ابن جعفر، قلت: فإذا كان المريض لا يقدر على الصلاة قاعدا، ولا مستندا تقدم القول في ذلك.
مسألة: والمريض يصلي قائما، فإن لم يستطع صلى قاعدا، فإن لم يستطع صلى نائما، على جنبه الأيمن أو الأيسر والأيمن أحب إلينا، ويكون الوجه إلى القبلة، قال غيره: نعم قد قيل إنه يصلي على جنبه الأيمن ثم الأيسر مستلقيا على قفاه، وهو يستطيع الصلاة على جنبه الأيمن والأيسر، فلا نقض عليه، ولأنه كله (14/200)
صفحة 3617
نوم ويقطع عليه صلاته ووضوءه، وينقضهما ما ينقض على غيره من صلاة الضحى.
مسألة: وإن أصابه علة لا يستطيع فيها على القعود متوركا، فإن لم يمكنه أن يتورك على الشمال تورك على اليمين، فإذا لم يستطع التورك جثا على ركبتيه، فإن لم يستطع فمتربعا، فإن لم يستطع فليوطئ إليته على الأرض، وينصب ركبتيه، فإن لم يستطع فليمد رجليه كما أمكنه، وإن لم يستطع فمتربعا فليقعد، فإن لم يستطع فليقعي على قدميه، إذا لم يمكن على الأرض، وإذا لم يستطع شيئا من هذا صلى نائما، وأومأ صلاة القيام، وإذا صلى المريض مضطجعا مال على شقه الأيمن، وجعل وجهه تجاه القبلة، كما يفعل به عند الموت في القبر.
مسألة: والمريض إذا قدر على صلاته قاعدا، أن يتورك وقعد كما يقعد للصلاة، وإن لم يقدر وقدر يتربع تربع، وإن لم يقدر قاعدا، فكما أمكن له، وإنما يعمل كما يعمل في الصلاة مع القدرة، وكل حال فيه جائز له على ما يقدر، وإن صلى نائما كانت يداه مبسوطتين كما تعود يصلي وهو صحيح، إلا أن لا يقدر فكيف قدر وضع يديه. (14/201)
صفحة 3618
[صفحة بيضاء] (14/202)
صفحة 3619
الباب الثاني والأربعون
في صلاة الذي يعجز عن الجلوس
-ومن كتاب الإشراف- قال أبو بكر: روينا عن ابن عمر أنه قال: إن لم يستطع أن يصلي قاعدا فمضطجعا يومئ إيماء وصلى النخعي كذلك مضطجعا، وبه قال قتادة والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق على قدر يسير عليه، قال أصحاب الرأي: يصلي مضطجعا ويومئ، وقال الحارث العكلي: يصلي مستلقيا ويجعل رجليه مما يلي القبلة ويومئ برأسه إيماء وبه قال أبو ثور، وقال مالك: إذا لم يستطع أن يصلي قاعدا صلى جنبه أو على ظهره، قال أبو بكر: روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك»، وبه نقول، قال أبو بكر: فإن لم يقدر أن يصلي على جنبه صلى مستلقيا رجلاه في القبلة على قدر طاقته.
قال أبو سعيد: إنه يخرج في قول أصحابنا في الصلاة، من صلى على جنبه الأيمن مستقبلا للقبلة، فإن لم يستطع على جنبه الأيمن فعلى جنبه الأيسر، فإن لم يستطع على جنبه الأيسر صلى مستلقياً على قفاه، وتكون رجلاه مما يلي القبلة مستقبلا، وإن قدر أن يرفع رأسه حتى يستقبل القبلة فعلى ذلك؛ وإن لم يستطع فما أمكنه، وأحسب أن في بعض القول: إنه مخير إن شاء صلى على قفاه مستلقياً وعلى جنبه أصح في قوله عز وجل: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ (فهذا في معنى الصلاة، وقد يخرج في معنى القول: إن النائم مستلقٍ على جنبه على حال في معنى التأويل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في موضع الوضوء حتى يضع جنبه، ولو نام (14/203)
صفحة 3620
مستلقياً كان قد وضع جنبه.
مسألة: ومن غير الكتاب قال أبو حنيفة: يقول أصحابنا في صلاة المريض، إذا عجز عن القيام والقعود صلى مستلقياً على قفاه مستقبلاً للقبلة، ومن غيره، وسألته عمن يصلي ولا يقدر أن يركع ولا يسجد، ويقدر يقوم ويقعد فقال من قال: إذا زال عنه فرض قعد وصلى قاعداً، وقال من قال: بل يصلي قائماً ويومئ للركوع قائماً، ويقعد فيومئ للسجود، وهو قاعد ويقرأ التحيات قاعداً، حتى تتم صلاته قال: وهو قول حسن.
مسألة: ومن كان يصلي قاعداً فأفتاه رجل فقال له: إرفع حصاة إلى جبهتك، واسجد عليها ففعل فلم نر عليه بدلا، ولا كفارة، وسواء كان المفتي ثقة أو غير ثقة، وهو مفت.
مسألة: وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع أن يسجد فليسجد، ومن لم يستطع أن يسجد فلا يرفعن إلى وجهه شيئاً وليومئ».
مسألة: وقيل إن المريض يومئ للركوع والسجود برأسه.
مسألة: حماد عن إبراهيم قال: إذا صلى الرجل قاعدا، جلس كيف شاء، وهو قول أبي حنيفة وقول أسد، قال غيره: إن أمكنه القعود كما يؤمر أن يفعل في صلاته .. القيام كان ذلك عليه، وله عندنا.
مسألة: ذكر سجود صلاة المريض .. على شيء يرفع إلى وجهه ومن –كتاب الإشراف- قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن الركوع والسجود، لا تجزيه الصلاة إلا أن يركع ويسجد، فإن عجز عن السجود ففيها قولان، أحدهما أن يومئ إيماء، ولا يرفع شيئاً إلى وجهه يسجد عليه، روي هذا القول عن ابن مسعود وابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك، وقال عطاء بن أبي رباح وسفيان الثوري يومئ ... برأسه إيماء؛ وقال مالك بن أنس: لا يرفع إلى جبهته شيئاً، وقال أبو ثور الإيماء أحب إليّ، وإن رفع إلى جبهته شيئاً ويسجد عليه أجزأه، (14/204)
صفحة 3621
ورخص بعضهم يسجد ويسجد عليها، ولا يرفع إلى وجهه شيئاً، هذا قول الشافعي.
وروي عن ابن عباس وأم سلمة، الرجعة في السجود على الوسادة أو المسجد، وقال أحمد بن حنبل: بنحو من قول أبي ثور، وكان أنس بن مالك إذا اشتكى سجد على مرفقه، واختار أحمد السجود على المرفقة، وقال: هو أحب إليّ من الإيماء، وكذلك قال إسحاق بن راهويه ويجزئ السجود عند أصحاب الرأي، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا في المصلي قاعداً بعذر أنه يومئ إيماء حيثما صلى ولو أمكنه السجود، إلا أن يصلي في مسجد، أو مصلى، فإنه يسجد، وقال من قال: يسجد في غير مسجد أو مصلى على ما يجوز له عليه السجود، ومما أنبتت الأرض إذا لم يرفعه إلى نفسه، أو يرفع له من وسادة أو فراش، ويسجد كسجود المصلي القائم على ما أنبتت الأرض فإن لم يمكنه فعلى ما أنبتت لعله على غير الأرض، لأنه عذر لثبوت ذلك في العذر، ومن العذر أن لا يمكن تحويله أو لا يمكنه التحول عنه لثبوت الصلاة عليه، وثبوت السجود عليه في الصلاة، وعندي أن هذا القول أصح في معنى الأحكام بمعنى ثبوت فرض السجود كثبوت فرض القيام والقعود، ولا يزول إلا لعذر، كما لا يزول شيء من الفرائض إلا بعذر.
ومن-الكتاب- ومن لم يستطع أن يركع أومأ للركوع ولو برأسه أو بعينه ويسجد إن أمكنه، فإذا لم يستطع السجود فليضع على الأرض ما أمكنه من مساجده السبعة الكفين والركبتين والقدمين والجبهة، وأي ما أمكنه من هذه السبعة أن يضع على الأرض وضعه، وإن لم يمكنه لم يكن عليه ذلك.
مسألة: قال أبو المؤثر: قال محمد بن محبوب: إذا صلى الرجل قاعداً، فأحسب أنه قال يضع كفيه وأصابعه عند الركوع على فخذيه، ويضعهما على ركبتيه عند السجود، وقول محمد بن محبوب أحب إليّ، قال غيره: وقد يوجد أنه يضع يديه على ركبتيه عند الركوع وعلى ساقيه عند السجود، قال غيره: هذا معي إذا صلى قائماً بالإيماء فقال من قال: يضع للركوع على فخذيه، وللسجود على ركبتيه، وقال (14/205)
صفحة 3622
من قال: للسجود على ساقيه، ومن غيره، ومن بعض الآثار أنه إذا صلى قاعداً أنه يضع يديه إلى السجود على رجليه، أو على الأرض أو على فراشه، ومن جامع أبي الحسن: ولا يسجد المريض على وسادة، ولا عود ولا فراش. (14/206)
صفحة 3623
الباب الثالث والأربعون
في المبطون من هذا الباب في باب الصلاة في اليوم المطير
ويوجد عن هاشم في مبطون لا يستمسك قال يتيمم ويكبر خمسا، وقيل إن أمكنه صلى قاعداً، فإن لم يقدر كبر خمس تكبيرات تكبيرة عن كل ركعة هذا إذا حشى أوسيه أو حفر حفرة وقعد عليها أو استقبل القبلة وصلى كما قدر، ولا يكلف.
مسألة: قال أبو محمد في-جامعه-: والنظر يوجب عندي أن من لم يرق دمه، إن الجمع للصلاتين يجزيه قياساً على المستحاضة، وهذا أشبه بأصول أصحابنا، لأن المستحاضة جاز لها الجمع للمشقة، وكان الجمع من الله لها تخفيفا عليها ورخصه، وكذلك الجمع للمسافر رخصة من الله لمشقة السفر، وقد قال بعض أصحابنا إن المبطون يجمع الصلاتين للمشقة عليه في الطهارة عند كل صلاة، والتعب الذي يلحقه، وكذلك قالوا: يجوز الجمع في اليوم المطير للمشقة، والذي اختاره فيمن رعف أو كان في معناه، فلم ينقطع دمه أن الجمع له جائز. (14/207)
صفحة 3624
[صفحة بيضاء] (14/208)
صفحة 3625
الباب الرابع والأربعون
في صلاة من فتح عينيه وعن الرجل يصلي مستلقيا
وسعه ذلك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها
أبو سعيد: قد قيل هذا، وأحسب أن بعضاً لم يجز له ذلك على الابتداء، ويعجبني إذا عرف عند أهل الخبرة بتلك العلة أن دواءها مثل ذلك فيما يرجى أن لا يضيق ذلك عليه.
مسألة: من-كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في المرء يعالج عينيه فقالت طائفة: لا يجزيه إلا قائماً، أراد ابن عباس معالجة عينيه، فأرسل إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت إن مت في السبع كيف يصنع بالصلاة فترك معالجة عينيه، وكره ذلك عبد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو وائل ومالك بن أنس والأوزاعي، وفيه قول ثان، وهو أن يجزيه أن يصلي مستلقياً، هذا قول جابر بن زيد وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: لا يجزيه، قال أبو سعيد معي كأنه يخرج في قول أصحابنا معنى الإجازة لذلك بما يشبه معنى الاتفاق، لأنه موضع خوف على البصر، وقد ثبت أن بالخوف تزول الفرائض وتتحول عن موضعها، من ذلك ما قال الله تبارك وتعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ (وقد كان فرض الصلاة بالقيام على غير المشي والركوب لازماً، فبعلة الخوف زوال فرض القيام إلى المشي والسعي ما أطاق، فإذا خاف ولم يطق فراكباً، وركوبه ضرب من ضروب القعود، وكذلك ليس بمعدوم إذا زال، بهذه المعاني (14/209)
صفحة 3626
فرض القيام، وانحط إلى فرض القعود أن يتحول بذلك إلى التمام، إذا لم يكن الأمر بالقعود كما تحول عن القيام إلى القعود، إذا كان الأمر في القعود.
مسألة: ومن غير الكتاب، ومن نزل في عينيه الماء، فقيل له فإنك إذا فتحت الماء عن عينيك استلقيت سبعة أيام لا تصلي، إلا مستلقياً فلا بأس عليه بذلك، وقيل يصلي على قفاه وعلى جنبه، كل ذلك جائز، إذا لم يقدر على غير ذلك.
مسألة: وذكرت في رجل فتح الطبيب عينيه من الماء، وقال له نم على قفاك ولا تتحرك أياماً ولا تغسل عينيك بالماء، قلت ما عندك في ذلك؟ وما يجوز منه إذا كان لا يصلح إلا بذلك؟ فعلى ما وصفت فقد جاء الأثر بزوال الغرض عند الضرورات، فيما دون ذهاب البصر من الجدري وغير ذلك من العاهات، والبصر أعظم عندنا وأشد عدماً من غيره، ولا بأس بذلك عند الضرورات إذا رجا في ذلك عافية، وخيف من تركه تزايد العلل، وقد قيل: عن أبي معاوية -رحمه الله- أنه فتح العرق، وكان يصلي ولم يحل العقد عن نفسه، وصلى والدم بحاله، وقد حفظنا ذلك وعرفناه وغيره، مما هو دون النظر وقد جاء الأثر في هذا بعينه مما أحسب أنا وطئنا الأثر .. بإجازة ذلك، وأما صحة اعتماد اعتمده فيه بعينه، فلا أجدني أعتمد ذلك، ولا بأس بذلك عندنا على ما عرفناه فيما هو دونه، وأما الوضوء والصلاة فإن قدر على أن يمسح سائر جسده ويغسله بالماء، أو يغسل له فعل ذلك، ويتيمم لوجهه إذا كان لا يمس الماء وجهه كله، وإلا خاف على نفسه منه، فهكذا يتيمم ويصلي على قفاه بالإيماء، ويستقبل القبلة وتكون رجلاه مما يلي القبلة، ووجهه مقبل إلى القبلة، وهو مستلق على قفاه، وإن قدر أن يصلي على جنبه صلى على جنبه الأيمن، فإن لم يطق فالأيسر، فإن لم يطق فمستلقياً على قفاه على ما وصفت لك، هكذا عرفنا والله أعلم بالصواب. (14/210)
صفحة 3627
الباب الخامس والأربعون
في الصلاة في الماء والطين من الزيادة المضافة
وإذا كان الماء والطين يغمر الركبتين، ووجد راحلة يصلي عليها، وإن كان رحلها نجسا، فيغسله بالماء ثم يشده عليها ويصلي، فإن لم يمكنه غسله فليصل على الراحلة، ولو كان رجلها نجسا، ولو كانت صعبة، وهو أحب إلى من أن يصلي في ماء يرطب ثيابه، لأنه لابد له من ستر ركبتيه في الصلاة، فإذا وارى ركبتيه ترطبت ثيابه وربكتاه، قال أبو المؤثر: يصلي قائما في الماء والطين ولو غمر الماء إلى صدره، إذا كثر ما لم يدخل الماء في فمه، أحب إلي من أن يصلي على رحل نجس، فإذا دخل الماء فمه صلى على الرحل النجس، وإذا غمر الماء ركبتيه ولم يجد شيئا يرتفع عنه فليصل كما هو، وليضع يديه في الركوع على فخذيه، وعند السجود أسفل من ذلك، ولا يغمسهما في الطين، فإن غمسهما في الطين لم يبلغ به عندي إلى نقض كذلك الماء، قال غيره: حسن إن شاء الله، وإذا وارى رجليه وصار إلى حقويه فإنه يومئ برأسه للركوع والسجود ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يضع يديه على شيء يرفعهما، وإن غمر الطين يديه أومأ أيضا برأسه، ولا يضع يديه على شيء يرفعهما، وإن غمر الطين يديه أومأ أيضاً برأسه، ولا يضع يده للركوع والسجود على شيء مما يؤمر أن يضعهما إذا كانتا رجلاه طاهرتين، فإن وضعهما فلا بأس، وإن كان معه ثياب فلا يجوز له أن يصلي في الطين عرياناً، ولابد من لباس الثياب في الماء والطين، ولا أرى لمن كانت معه راحلة صعبة تزيله (14/211)
صفحة 3628
عن القبلة أو عن الصفوف أن يصلي جماعة مع القوم، ولكن يصلي وحده، فإن صلى معهم فجرته عن الصفوف انتقضت صلاته، قال أبو المؤثر: إذا صلوا على رواحلهم لم أر عليهم صفوفاً، ولكن يكونون خلف الإمام، قال غيره: حسن ويشبه عندي السفينة، ومن كانت راحلته صعبة وكان الماء والطين يغمره، هل يصلي وحده ويحرم إلى القبلة بعد أن يسكنها ما استطاع، ويوقفها ما قدر، فإن زالت به عن القبلة بعد الإحرام، صلى كما هو ولم يلتفت، ولم يصرفها عن وجهها إن كانت تمتنع ذلك، وتتم صلاته، ولا بأس عليه، قال أبو المؤثر: إذا كان الماء والطين لا يغمر ركبته فليصل قائماً، ولا يصلي على الراحلة التي تزيله عن القبلة، ولا تجوز الصلاة إذا زال عن القبلة، وإذا كان الماء والطين يغمر ركبتيه، فليصل على الراحلة الصعبة، ولا يصلي مع الجماعة، وإذا أحرم فإن أمكنه أن يردها ردها، وإن لم يمكنه أن يردها صلى كما أمكنه، وصلاته ثابتة، ولا أرى لمن يصلي على رواحلهم في الماء والطين أن يجمعوا، فإن جمعوا تمت صلاتهم، قال: إنه إن كان يريد جمع الصلاتين في وقت واحد فليس له ذلك، إلا أن يكون مسافراً ويكون له عذر في ذلك بمنزلة المريض أو المضطر، وإن كان يعني على رواحلهم فمعي أنه يختلف في الصلاة جماعة على الرواحل، وإجازة ذلك أثبت عندنا (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (14/212)
صفحة 3629
الباب السادس والأربعون
في المصلي في الماء
وإذا غمره الماء إلى صدره فهو سواء منه، وإذا ساوى ركبتيه، وإن كان إذا ركع مسألة: وجهه الماء، فليومئ للركوع برأسه والسجود أخفض منه ما أمكنه، ولا يبل وجهه بالماء.
مسألة: وأما الماشي والقائم فإنهما يومئان برأسهما، وليس عليهما حد في موضع أيديهما.
مسألة: قال أبو سعيد: معي إنه قد قيل فيمن كان في صحراء في ماء أو طين أو حصى في الغيث فإنه يصلي قائما، ويومئ للركوع، ويقرأ التحيات إن لم يمكنه القعود، وإن أمكنه القعود ولو مقعيا إقعاء، وأومأ للسجود، وقرأ التحيات مقعياً.
مسألة: وعن رجل كان يسبح في الماء الذي يخاف منه الغرق، وحضرت الصلاة، كيف يتطهر؟ قال: ينغمس في الماء وينوي الطهارة. (14/213)
صفحة 3630
[صفحة بيضاء] (14/214)
صفحة 3631
الباب السابع والأربعون
في صلاة السفينة
وفي المصلي إذا انتقضت عليه صلاته فيبدلها في البر
وعن رجل في السفينة لا يستطيع الوضوء والصلاة؟ قال: يتيمم ويصلي كيف استطاع، وإن لم يحفظ الصلاة، فليكبر لكل صلاة خمس تكبيرات وللوتر خمس تكبيرات، قال: وقد قال من قال: لكل صلاة ست تكبيرات، والقول الأول أحب إليّ.
مسألة: وعن رجل يصلي في السفينة إلى غير القبلة ما يفعل؟ قال: معي إنه قيل تتم صلاته حيث كان وجهه، قيل له: فإن أمكنه أن يتحول إلى القبلة فتحول، فهو في صلاته تنتقض، قال: هكذا معي، إنه قيل على معنى قوله: قلت له: فإن وقف على هيئته لما تحولت السفينة عن القبلة حتى رجعت إلى القبلة، هل تنتقض صلاته؟ قال: معي؛ إنه إذا ترك العمل في بقية تمام صلاته، وقد لزمه العلم وهو مباح له أن يعيد صلاته.
مسألة: وسألته عمن يصلي في السفينة، هل عليه أن يسجد؟ قال: لا، قلت له: فإن سجد على عود موثق لا يرتفع ولا يتضع، قال: نعم.
مسألة: قال جابر بن زيد -رحمه الله- في صلاة السفينة: قم ما قدرت على القيام، فإن لم تستطع القيام فصل قاعداً واركع واسجد، ولا تضع رأسك على (14/215)
صفحة 3632
خشبة ولا فراش.
مسألة: وإذا غرق أهل السفينة فنجا منهم من نجا فصار في البحر على خشبة أو شراع أو شيء من آلة السفينة، فإن أمكنه صلى الصلاة تامة بالإيماء، فإن كانت الأمواج تضطرب صلى خمس تكبيرات، لكل صلاة، وكذلك الذي يحمله السيل يصلي خمس تكبيرات.
مسألة: وإذا كان في السفينة بر أو شعير لم يجز أن يصلي عليه، إلا أن يلقي عليه ثوبا أو أشباه ذلك من حصير أو سمة، قال غيره: من كان في السفينة، وهو قريب من الأرض، فإنه يصلي فيها جالساً ولا يؤذي ملاحيه.
مسألة: قال أبو محمد: من ركب البحر وغلبه القيء من تعب المركب، فعليه إذا عقل الصلاة والوضوء على حاله تلك، فأما من لا يعقل الصلاة فلا بدل عليه فيها إذا لم يعقلها.
مسألة: وجائز لأصحاب السفينة أن يصلي كل قوم بإمام في وقت واحد، وكذلك في البر إذا لم يكونوا في مسجد، ولا مصلى كانوا قريبا أو بعيداً في السفينة، وفي البر يؤمرون أن ينفسوا كل فرقة عن الأخرى بمقدار خمسة عشر ذراعاً، فإن لم ينفسحوا وصلوا متقاربين فصلاتهم تامة كلهم، فريضة كانت أو نافلة، في رمضان أو غيره.
مسألة: وسألته عن السجود على الحمولة والأمتعة فقلت: أليس قيل لا يجوز على أمتعة الناس؟ قال: ومن أين العلم إن هذه الأمتعة لغير أصحاب المركب، وهم الذين أنزلوا عليها، وإذا كانت مما أنبتت الأرض وحكمها حكم النظافة، فجائز السجود عليها.
مسألة: قال بشير من قدر في صلاة السفينة على القيام، فليسجد على المتاع، ولكن يستأذن صاحب المركب فيما يفعل في المركب، ويسجد عليه، وقال أبو جعفر: من كان سجوده أخفض من ركوعه في السفينة، فأرجو أن لا بأس (14/216)
صفحة 3633
بذلك، قال أبو معاوية: لا يسجد المصلي في السفينة على صوف ولا شعر ولا خشبة ولا عود مرتفع، عن قرار السفينة ولو كان موثقاً، فإنه إذا كان بينه وبين قرار السفينة أو متاع السفينة خلوة فقد قال بعض: لا يسجد إلا على قرار السفينة، ولا يسجد على ما كان من شعر أو صوف، ولا بأس بالسجود على ما كان من قطن أو كتان، أو ما أنبتت الأرض وإن طرح على جواليق الصوف والشعر حصيرا وصلى عليه فجائز، وجائز أن يطرح عليها الثوب ويسجد عليه، ولا يسجد على الجلود، ولا بأس بالسجود على القفاع إذا كان مما أنبتت الأرض، فإن كان متاع فيه شيء من النجاسات فإن وجد موضعا غيرها صلى فيه، وإن لم يجد إلا تلك القعفة التي فيها النجاسة لاصقة بالظرف، فعليه الإعادة، وإن كانت غير لاصقة لم أر عليه إعادة؛ ولا أحب له أن يصلي على قعفة فيها نجاسة، إلا أن يجعل عليها حصيراً أو غير ذلك مما أنبتت الأرض، أو يكون ظرف القعفة مضعوفاً على اثنين، فلا بأس بالصلاة عليها، ولا بأس بالصلاة على أمتعة الناس لمن لم يجد موضعاً لا متاع فيه من غير أن يضر بها، ويجوز أن يصلي قاعداً على الصوف والشعر، ولا يسجد عليهما فإن سجد عليهما أعاد صلاته.
مسألة: ولا يسجد المصلي في السفينة على ما يرفع ويوضع، وإن كان من نبات الأرض ويسجد عليه لا بأس، وإن اشتد الموج فخاف وأمسك بخشبة أو بحبل من السفينة واستند إلى شيء ولا بأس.
مسألة: ولا يصلي المصلي وقدامه مشرك إن وجد عن ذلك بداً، وإن لم يجد ورجا أن يتحول المشرك عن قبلته انتظر إلى آخر الوقت، فإن زال المشرك صلى هو، وإن لم يزل صلى إذا لم يقدر على غير ذلك، وإن لم ينتظر وصلى والشرك قدامه فلا نقض عليه، إلا أن يتحول المشرك عن قبلته، وهو في تلك الصلاة، فإن تحول بعد أن مضى وقتها فلا إعادة عليه، هذا إن كان المشرك تلقاء وجهه، أو ينال منه شيئاً، مثل أن يكون أحد منكبيه تلقاء وجهه، أو شيء من جسده، وأما إن زال يمينا وشمالاً عن قبلته، فلا نقض عليه إن شاء الله. (14/217)
صفحة 3634
مسألة: ومن سجد في السفينة على لوح مرتفع، قدر ذراعين، وكان سجوده أخفض من ركوعه فلا بأس.
مسألة: ومن –جامع محمد بن جعفر- ومن ركب البحر يريد سفرا أبعد من فرسخين فيقصر من حين ما ركب في البحر في دوينج أو غيره ولو كان يحاذي القرية التي يتم فيه، ولو أقام في المصلى ما أقام إذا كان على نية السفر الذي خرج له.
مسألة: ومنه، وفي حفظ أبي عبد الله -رحمه الله- قال: إن قدر أن يقوم في السفينة صلى قائما وسجد على نبات الأرض وإلا صلى قاعداً وأومأ، إلا أن يجد خشبة قائمة من خشب السفينة التي بها، فإنه يسجد عليها وهو قاعد، وإن لم يجد إذا قام شيئا من نبات الأرض سجد قائماً عليه فإنه يقعد.
مسألة: ومنه، ومن أمكنه أن يقوم في الشدة، أو في السفينة فليقم ولا يقعد، ويسجد على ما كان منها موثقاً منها بالمسامير والدعون الموثقة إلى السفينة، ولا يسجد على ما كان يرفع ويوضع وإن كان من نبات الأرض، وسجد عليه فلا بأس، ومن غيره، قال محمد بن المسبح: قد قالوا ذلك، وأحب إلينا القعود والإيماء (رجع).
مسألة: وإذا اشتد الموج فخاف فأمسك بحبل أو خشبة من السفينة، أو استند إلى شيء، فلا بأس ومنه، ولأهل السفينة أن يصلوا جماعة، ويصلي بهم إمام منهم، ولا يجوز للمصلي خلف الإمام أن يتقدمه في بر ولا بحر، فمن تقدمه انتقضت صلاته، ولكن لهم أن يصلوا بصلاة الإمام ويكونوا بحذائه في السفينة وليس على أهل السفينة صفوف.
مسألة: ومنه، ولمن كان خلف الإمام أو بحذائه من الصواري، وغيرهم أن يصلوا بصلاة الإمام، ولو كان أسفل إذا كانوا يرونه، أو شيء من الصفوف التي خلفه، ومنه، فإن أمكن الإمام القيام والسجود، ولم يمكن من صلى خلفه أو بعضهم فلا بأس أن يصلي الذين خلفه كما أمكن لهم، ولا يجوز أن يقوم الذين خلف الإمام وهو قاعد، ولا أن يسجدوا وهو يومئ. (14/218)
صفحة 3635
مسألة: ومنه، ولا بأس أن تصلي كل فرقة بإمام لهم كما أمكن لهم إمام بعد إمام، ومن غيره، قال: نعم، يصلي بهم إمام بعد إمام كل فرقة يصلي بهم إمامهم، وإن صلوا جماعة في وقت واحد كل منهم يأتم بإمام، فذلك جائز ليس السفينة كالمسجد (رجع).
مسألة: وإن كان المصلي في سفينة يصلي على شيء، ويسجد عليه فرفع فلا بأس أن يومئ بقية صلاته، وكذلك إن كان يومئ في أول صلاته وصار بين يديه شيء يمكن السجود عليه فيسجد فيما بقي من صلاته. ومنه.
مسألة: وعن أبي عبد الله -رحمه الله- قال: إن كان الإمام على غير نبات الأرض، وكان الذين خلفه على شيء يمكنهم أن يسجدوا لم يجز لهم أن يصلوا بصلاته، وصلى كل فريق منهم على حدة.
مسألة: قلت: فإذا أحرموا إلى القبلة وتحولت السفينة كيف يصنعون؟ قال: يصلون على ما هم عليه، ولا يتحولون هم على مواضعهم إذا كانوا قد أحرموا إلى القبلة وهم على صلاتهم، ومن غيره، قلت: فإن أراد رجل منهم أن يدخل معهم في الصلاة، وقد تحولت السفينة وصاروا الساعة مدبرين بالقبلة، وقد كانوا قد أحرموا إلى القبلة كيف يصنع؟ قال: لا يدخل معهم.
مسألة: وعن عبد الله بن محمد بن بركة فيما كان أحسب، وسألته عن صلاة السفينة في حال وقوفها ومسيرها على الماء، كيف يكون ذلك؟ على القدرين على القيام، والعاجز عنه، قال: اختلف أصحابنا من أهل عمان وأهل البصرة في ذلك اختلافاً كثيرا من طريق الرأي والاجتهاد والنظر في ذلك، وأنا أذكر منه ما يحضر من ذكره في هذا الوقت وبالله توفيقي، وإياك كان الذي يذهب إليه كثير منهم، أن المصلي في السفينة في حال مسيرها قعوداً على القادرين على القيام، والعاجز عنه، وقالوا: إن الصلاة في السفينة كالصلاة في محمل على ظهر الجمل، قالوا: ولما كانت الصلاة قعوداً على الجمل قعود لا قيام بالإجماع، وحيث أن تكون صلاة السفينة قعوداً، وهما سواء عليهما؛ ثم اختلف أصحاب هذا الرأي فقال (14/219)
صفحة 3636
بعضهم: يومئ إيماء ولا يسجد على شيء، قالوا: لأن صلاة القيام سجود، وصلاة القعود إيماء، وفيهم موسى بن علي يقول بذلك في البر والبحر، والمصلي قاعداً في مسجد وغير مسجد، وقال بعضهم: يسجد إذا كان في مسجد متمكناً من الأرض في موضع مصلي، ولا يسجد على الجمل ولا بطن السفينة وفي هؤلاء محمد بن محبوب -رحمه الله-، وقال قوم: إن المصلي في السفينة يصلي قاعداً إذا سارت، ويقوم إذا قدر على القيام، وقد وقفت موسى أو نحوه، وأظنه قال قول أبي قحطان خالد بن قحطان، وقال آخرون: يصلي قاعداً ويسجد على أي حالة كانت، ويسجد على الألواح المسمورة بالمركب الموثقة به، التي لا تحول من كان إلى مكان، ولا يسجد على غيرها من أمتعة المركب، قالوا: إنها التي تنتقل فتعزل، وقال بعضهم: يسجد على شيء وثيق في المركب من أخشابه المسمورة، وما يقوم مقام المسمورة من استيثاق، وأما المحمولة وما تنتقل فلا، وقال بعضهم: يسجد على الألواح الموثقة، أو على حصير يجده يصلي عليه إذا وجد موضعاً يتمكن عليه به، وهذا حفظي عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن محبوب -رحمه الله- قال: وقال بعضهم يصلي قائماً إذا قدر على القيام وكان سجوده على المركب نحو الألواح المسمورة، لأن عليها يتمكن المصلي، وما يتمكن على غيرها من الأمتعة والحمولة، وذكر هذا عن الفضل بن الحواري وعزان بن الصقر والشك مني، قال: فقال الربيع بن حبيب بن عمر البصري -رحمه الله- والبصريون من أصحابه، إن على المصلي أن يصلي قائماً إذا قدر على القيام في أي مكان كان، فإن فرض القيام لا يزول عن المصلي إلا بالعجز عنه، وحجتهم في ذلك قول الله تعالى: (وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ ((البقرة:238)، فأوجب القيام بالكتاب فلا يزول هذا الغرض الموجب له ظهر الكتاب إلا لحجة من الكتاب، أو من سنة أو من إجماع، وأجازوا مع ذلك السجود على كل شيء مما أنبتته الأرض من الألواح والأمتعة، قال: وممن ذهب إلى هذا القول بشير بن محمد بن محبوب، قال: وذهب قوم من أصحابنا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم «المصلي في السفينة كالمصلي في الوحل والماء إذا قدر على القيام صلى قائما وركع، فإذا بلغ السجود أومأ» ولا يسجد على الماء ولا على الطين، قال: وهذا اتفاق من أصحابنا (14/220)
صفحة 3637
في صلاة المصلي في الطين والماء إذا كان هؤلاء لا يسجدون على الماء والطين كان أيضاً المتاع، والأعكة والمتجافي المركب يمنع عن السجود، قال: وهذا قول ينسب إلى موسى بن أبي جابر -رحمه الله- قال: ووجدنا في بعض الآثار قولا يدل على مخالفته لهذا الرأي، إلا أن يكون قاله قبل هذا ثم رجع عنه، قال: وكنت أره يصلي في المركب في سفرنا على أحوال مختلفة، فربما رأيته يصلي قائماً وربما رأيته يصلي قاعداً، ولم أعلم أني رأيته يومئ، ولا يدع السجود، وكان قد اتخذ حصيرا يصلي عليه، ويأمرنا بذلك ويطويه، إذا أتم الصلاة ويرفعه، وقد كنت أسأله عن السجود على الحمولة، والأمتعة فقلت: أليس قيل لا يجوز السجود على أمتعة الناس، قال: ليس نعلم أن هذه الأمتعة لغير صاحب المركب، وهم الذين أنزلونا عليها، وإذا كانت من نبات الأرض وحكمها حكم النظافة فجائز السجود عليها.
مسألة: من –الزيادة المضافة- ولا يصلي المسلمون في البوارج إذا غنموها، إلا أن يطرحوا بساطاً ويصلوا عليه، وإذا أخذوا هم المسلمين في بوارجهم صلوا فيها (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: قلت: فالرجل يمرض في السفينة، فلا يقدر على الوصول إلى الموضع الذي يتوضأ فيه أهل السفينة وكره صاحب السفينة أن يحمل له الماء إلى موضعه، فيتوضأ فيه ويرطب متاعهم، قال: فإن لم يفعلوا له ذلك فإنه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها فليتيمم، قلت: فإذا أصابهم الخب الشديد، فلم يقدروا أن يتوضأوا بالماء ولا يصلوا إليه، قال: ليتيمموا من تراب المتاع أو فراش، فإن لم يجدوا ذلك في السفينة قال أحب له أن ينوي الوضوء في نفسه، ويصلي، فإذا أمكن له أن يتوضأ بالماء فليتوضأ، وليعد تلك الصلاة، قلت: وإن كان قد مضى وقت تلك الصلاة، قال: نعم، قال غيره: قال وقيل لا إعادة عليه.
مسألة: حفظ أبو الوليد عن محفوظ عن سعيد بن محرز، فيمن صلى في السفينة قاعداً، فلما كان في البر ذكر أن صلاته مما صلى في السفينة قاعداً قد انتقضت. قال سعيد: يصليها في البر قائماً، ومن غيره. (14/221)
صفحة 3638
مسألة: فإن كان أصحاب السفينة مسافرين، فقد اختلف في المسافرين فقال من قال: يجب عليهم صلاة الجماعة إذا أمكنهم ذلك، وقال بعضهم: لا يلزمهم ذلك ولزوم ذلك أحب إلينا، إذا أمكن ذلك، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم أسوة، وفي الأئمة الماضين قدوة، وإذا لم يكن لراكب السفينة عذر بين معروف، فلا تزول عنه صلاة الجماعة إلا من أجل الاختلاف في ثبوت ذلك على المسافر.
مسألة: ومن غيره قلت له: وكذلك إن كان في محمل أيصلي قاعداً بالإيماء، حيث كان وجهه إلى المشرق أو غيره إذا شق عليه النزول، قال: هكذا عندي إذا كانت المشقة، لا تحمل عليه لقول الله تبارك وتعالى: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً (والله أعلم.
مسألة: من الأثر فيمن صلى في السفينة قال من قال: لا يسجد على قرار السفينة، قال أبو سعيد: لا أعرف ما أراد بقرار السفينة، قلت لأبي سعيد: فهل يجوز أن يسجد المصلي على المتاع الذي في السفينة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل إذا صلى قائما يسجد على جميع ما أنبتت الأرض مما يجوز السجود عليه، وأحسب أن بعضاً يقول: لا يستحب له أن يسجد على الأمتعة، إلا أن يجعل عليها شيئاً عندي أنه أراد إلا أن يجعل عليها بساطاً يصلي عليه من منظف أو حصير أو غيره، ولا يبين لي في هذا فرق، وإذا جازت الصلاة في الموضع على الأمتعة قائماً فالسجود مطلق على جميع ما أنبتت الأرض عندي.
مسألة: واختلف في الصلاة في السفينة فقال من قال: الصلاة فيها قاعداً على حال، ويشبهها بالمحمل، وقال من قال: إذا أرست في المكلا ووقع بعضها في البحر في الطين، فالصلاة فيها قياماً، وقال من قال: الصلاة فيها قياما إذا قدر على حال كانت، وإن لم يقدر صلاها قاعداً.
مسألة: من –الزيادة المضافة من الأثر- معروض على أبي المؤثر، ولا بأس أن تكون النساء في الصلاة في السفينة في وسط الرجال، وقد أمهم وخلفهم ولا يتقدمن (14/222)
صفحة 3639
الإمام، فلا بأس أن يكونوا قوم خلف الشراع يصلون بصلاة الإمام، ولو كانوا في غير السفينة، ولا بأس أن يصلي القوم بصلاة الإمام في السفينة، وهو أرفع منهم، ولو كان قوم في الجمة والإمام في القنباز، فلا بأس أن يصلوا، وكذلك لو كانوا هم في القنباز والإمام في الجمة فلا بأس بذلك إذا لم يكن خلف أحد منهم، قال أبو المؤثر: يصلي الأعلى منهم بصلاة الأسفل، ولا يصل الأسفل بصلاة الأعلى، إذا كان بينهم رفع ثلاثة أشبار، والسفينة عندي في الموضع مثل ما وصفنا من أمر البر، ولو أن قوماً كانوا في البلاليج من الرجال والنساء، فلا بأس أن يصلوا بصلاة الإمام إذا كان بينهم وبين أهل السفينة باب أو كوة، ولم يتقدموا الإمام، ولو كان البليج مطبقاً، فلا يجوز لهم أن يصلوا بصلاة الإمام، ولكن إن شاء كل أهل بليج يصلون وحدهم جماعة، وإن كان باب البليج من أعلاه وأوسطه فلا بأس ولو لم ير منه أحد إذا كان الباب مفتوحاً، ولو كان الباب أو كان كوة مقدار ما يبرز منه رأس الإنسان، وإن كان أصغر من ذلك فالله أعلم، قال أبو المؤثر: إذا كان باب البليج بينهم وبين قرار أهل السفينة أقل من ثلاثة أشبار فلا بأس أن يصلي أهله بصلاة الإمام، إذا لم يكونوا أسفل من الإمام، وإن كان الباب أرفع منهم ثلاثة أشبار فلا، ولو كان بليجين بينهما باب، لعله أراد أو كوة وهما مطبقان فلا بأس أن يصلي أهلها جماعة وحدهم، ولا يصلون بصلاة الإمام الذي يصلي فوق السفينة، ولو أن امرأة كانت بين رجلين وصلوا كلهم جماعة بصلاة الإمام في السفينة، فلا بأس بذلك، ولو كان الإمام عن يمين المرأة والرجل عن يمين المرأة فلا بأس بذلك، ما لم يمسوا جسدها في شيء من الصلاة من فوق الثياب، ولو مسوا الثياب ما رأيت عليهم بأساً، وإن كان ذو محرم فلا نقض عليهم ولا عليها، وإن كانوا ليس بذي محرم منها، فإن رأيي أن ينقضوا الصلاة هي وهم إذا كان مسهم لها من تحت الثياب عمداً، وإن كان خطأ أو كان من فوق الثياب فلا نقض عليهم، قال أبو المؤثر: الله أعلم أني أكره أن يتماسس رجل وامرأة في الصلاة خطأ ولا عمداً، قال غيره: أرجو أنه لا بأس بمس الخطأ ما دون الفرج، فيما أحسب في نقض الوضوء، وكذلك فيما عندي في مواضع القدرة في الصلاة به. (14/223)
صفحة 3640
مسألة: ولو كان رجل يصلي في دقل السفينة بصلاة الإمام، ما كان عليه بأس إذا كان يستطيع الصلاة هنالك قاعداً أو قائماً، إذا كان خلف الإمام أو عن يمينه أو عن شماله، قال أبو المؤثر: -انقضت الزيادة المضافة- ومن جوابات الشيخ أبي سعيد، وذكرت في السجود في السفينة على القفعة وغيرها مثلها، وقد وضع عليها حصيرا ولم يجعل يسجد على ذلك أم لا يسجد، ويومئ في الصلاة فإذا صلى قائماً يسجد على جميع ما أنبتت الأرض إذا أمكن له ذلك، قلت: والذي يمكنه السجود في السفينة فلم يسجد وصلى بالإيماء، وإن أمكنه القيام فلم يقم فصلى قاعداً وأومأ يسجد إذا أمكنه السجود؟ فقد اختلف في الصلاة في السفينة فقيل: إن الصلاة فيها مثل الصلاة في البر، يصلي قائماً ويسجد على جميع ما أنبتت الأرض -كما- يمكنه، ثم يصلي قاعداً على ما يمكنه ويومئ، فإن صلى قاعداً إلا أن يتخذ مصلى أو حصيرا أو منظفا يصلي عليه، فإنه يسجد عليه، ولو صلى قاعداً، وكذلك قيل يسجد ولو صلى قاعداً على الدعون المثبتة والألواح الثابتة، فإن صلى قاعداً أو سجد على جميع ما أنبتت الأرض جاز ذلك، ولا نقض عليه، وإن صلى قائما وأومأ إيماء، وهو يمكنه السجود فعليه الإعادة ولا يجوز له ذلك، وإن صلى قائما وأومأ على جميع ذلك تمت صلاته إن شاء الله، ومنه، وسألت عن الذي يصلي في السفينة وهو مستقبل القبلة فدارت السفينة إلى غير القبلة؟ قلت: تتم صلاته، وقلت: وكذلك إن علم أنه صلى إلى غير القبلة بعد أن أتم صلاته، أو علم وهو في الصلاة فأتم صلاته على حالته تلك، ما يلزمه في ذلك؟ فإذا تحرى القبلة ولم يكن معه من يدله على القبلة من أهل العلم بالقبلة، ثم تبين له من بعد ذلك القبلة بعد فراغه من الصلاة، فقد قيل إن صلاته تامة، وإن علم قبل أن يتم الصلاة فيتحول إلى القبلة في تمام صلاته، فإن لم يفعل فسدت صلاته، ولو بقي منها حد واحد، كان عليه تمام ذلك، وإن أحرم إلى القبلة ثم دارت السفينة فعلم بذلك أو لم يعلم فيتم صلاته على تلك الحال، وذلك له جائز. (14/224)
صفحة 3641
الباب الثامن والأربعون
في صلاة الماشي والراكب والخائف
وأما الماشي والقائم، فإنهما يومئان برأسهما وليس عليهما حد في وضع أيديهما، وأما الراكب والماشي فليصليان حيث كان وجههما، إلا أنهما يصرفان وجههما إلى القبلة عند الإحرام، ومن غيره، قال: نعم، إن أمكنه ذلك صرف وجهه عند الإحرام إلى القبلة، فإن لم يمكنه صلى حيث كان وجهه، قال: والذي معنا أنه لا يقطع صلاة الراكب والماشي ممر شيء مما يقطع صلاة المصلي، إلا أن يقفا في صلاتهما، فإن القائم يقطع صلاته وأما الراكب فإذا كان مرتفعا عما يقطع الصلاة قدر ثلاثة أشبار فلا يقطع صلاته ولو قام، إلا أن يكون كنيفاً ففيه اختلاف، وإنما قلنا لا يقطع صلاة الراكب والماشي ممر شيء، إنهما يصرفان وجهيهما حيث كانا وقبلتهما ليس هي وجه واحد، ولا هما ثابتان في موضع واحد.
مسألة: ومن -جامع ابن جعفر- فإذا لم يستطع الراكب النزول مخافة العدو، وصلى على دابته واقفاً أو سائراً حيث كان وجهه إذا خاف الطلب، ولم يكن باغياً، وإذا كان هو الطالب صلى صلاته، وإن كان منهزماً مطلوباً صلى صلاة المسايفة خمس تكبيرات لكل صلاة، لأن صلاة القتال والضراب خمس تكبيرات حيث كان وجهه، ومن غيره، قال محمد بن المسبح: إن كان مطلوباً منذ ما كبر خمس تكبيرات صلاة المسايفة حيث كان وجهه، ولم نسمع أنه يجمع الصلاتين بالتكبير عند الضراب وإنما التكبير للخائف على دمه المطلوب إذا لم يكن باغياً، فإذا (14/225)
صفحة 3642
كان من البغاة فقد قيل: إن عليه الصلاة تامة.
مسألة: ومن غيره، ومن -جامع أبي محمد- وللإنسان أن يصلي إلى غير القبلة، إذا خشي من التوجه إليها، وكذلك يجوز له أن يصلي راكباً وراجلاً من طريق الإيماء، قال الله عز وجل: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً (.
مسألة: من غيره، وعن قول الله تبارك وتعالى: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ ((النساء:102)، فسألت أهي لمن عنته الحرب في بلده أو غير بلده؟ فهي عندنا في الحضر والسفر سواء، وإنما يكون عند المصاففة للقتال، وسألت كيف يصلون؟ فإنهم يحرمون جميعاً الذين في وجه العدو، والذين مع الإمام، يصلي الذين مع الإمام ركعة يسجد فيها، ثم ينصرفون فيقومون مقام الطائفة التي في وجه العدو، وتأتي تلك الطائفة فيصلوا خلف الإمام الركعة الآخرة، ولا يتكلم الذين في وجه العدو حتى يقضي الإمام الصلاة، فإذا سلم فقد تمت صلاة القوم جميعاً.
ومن –كتاب الإشراف- قال أبو بكر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المطلوب يصلي على دابته، وكذلك قال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي والشافعي وأحمد، فإذا كان طالباً نزل فصلى بالأرض، وقال الشافعي: إلا في حال واحدة، وكذلك إن فضل الطالبون على المطلوبين، وينقطع الطالبون عن أصحابهم فيخافون عودة المطلوبين عليهم، فإذا كان هكذا كان لهم أن يصلوا يومئون إيماء.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا إن صلاة الطالب المنهزم عنه عدوه صلاة الآمن صلاة نفسه، ويخرج عندي في صلاة نفسه، إنه إن كان مقيماً أتم، وإن كان مسافراً قصر، وذلك عندي إذا كان عدوه منهزماً عنه آمناً من الرجة عليه، وأما إذا كان في حد المكاره فمرة منهزم ومرة يرجع عليه، فهذا يخرج عندي معنى صلاة الخوف وصلاة المواقفة، فإذا انهزم عنه الانهزام الذي يأمن منه على نفسه صلى صلاة نفسه، بالقيام والركوع السجود، فإن خاف في طلبه الغدر صلى (14/226)
صفحة 3643
صلاة الخوف، راكباً وماشياً، كما قال الله تعالى: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً (ويصلي راجلا ما أمن على نفسه، فإذا خاف صلى راكباً، والراكب يومئ للركوع والسجود، وهذا الفصل مما حكي أنه إذا انفصلت شرذمة للمسلمين خلف عدوهم، وخاف رجعة عدوهم عليهم من غير أن يرجعوا، أو يواقفهم فيستحيلوا إلى المواقفة، إلا أنهم خافوا، حسن عندي موضع صلاة الخوف، وأن يصلوا ركباناً ويأخذوا حذرهم، ومنه، قال أبو بكر: كان مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل يرون أن يصلي الحاضر صلاة الخوف أربع ركعات، وكان سفيان الثوري يقول: إذا كنت بأرض تخاف السبع والذئب والعدو أن يأخذك أومأت إيماء حيث كان وجهك واقفاً كنت أو سائراً، وهذا على مذهب الأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبيّ، وقال مالك: فيمن خاف أرضاً أو سبعاً صلى المكتوبة على دابته، فإذا أمن أعاد في الوقت، وقال أبو بكر: لا يعيدون، وقال محمد بن الحسن: إن كان لا يستطيع أن يقوم من خوف العدو وسعه أن يصلي قاعداً يعيد، وقال أبو بكر: لا يعيد، وكان الشافعي يقول: إن دخل الصلاة في شدة الخوف راكباً ثم نزل فأحب إليّ أن يعيد، فإن لم ينقلب وجه عن القبلة لم يعد، لأن النزول خفيف، وقال أبو ثور: أساء في الحالتين جميعاً ولا إعادة عليه، قال أبو بكر: كما قال ثور، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا أن صلاة الخائف في غير مواقفة يجوز أن يصليها كما أمكنه وأمن فيها على نفسه، وأول ذلك القيام، فإن كان يأمن في القيام على نفسه من غير مشي ولا سعي صلى قائماً، وإن خاف إن ركع أو سجد أو قعد أومأ للركوع والسجود، وقرأ التحيات وهو قائم، فإن أمكنه إلى القبلة فذلك، وإن لم يمكنه فحيث كان وجهه إذا خاف على نفسه أو ماله، فإن لم يأمن على نفسه في القيام وأمن على نفسه في المشي من غير ركوب، ولا سعي أو يتم صلاته إن أمكنه، وحفظها ويومئ للركوع والسجود، فإن لم يأمن على نفسه سعى ولا يركب على ما أمن على نفسه في المشي حتى يصلي، لأن الراجل أولى من الراكب، فإن لم يحفظ صلاته قائماً ولا ماشياً، ولم يأمن على نفسه صلى راكباً على دابته، ويعجبني إن كان يأمن على نفسه، فإن قعد استتر، وإن مشى أو سعى (14/227)
صفحة 3644
أمن على نفسه أن يقع ويصلي قاعداً، ولا يمشي أحب إليّ من المشي لقول الله: (فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ ((النساء:103)، ومن أمن في الركوب أكثر من القعود جاز له أن يركب عندي، وكان الركوب عندي هاهنا مثل القعود، لأن الراكب يومئ، ومعي؛ أنه يخرج في قول أصحابنا أنه إذا قضى صلاته بحال كان يسعه الصلاة لها حتى فرغ منها، ثم زال عند ذلك في الوقت فلا إعادة عليه، وإن دخل في الصلاة بمعنى الأفضل من الحالين، فاضطره الحال إلى شيء أرخص منه، من المعاني التي وصفت لك أو غيرها، بنى على صلاته على الحال الأفضل بحال الرخصة التي توسع بها، وإن دخل في حال الترخيص فزال عنه ذلك فقدر على الأفضل واللازم فيبتدئ صلاته بالأولى منهما، لأنه لم يتم صلاته على ذلك، ولأن الصلاة لا تتجزأ، وأحسب أنه في بعض القول من قول قومنا: إنه يبني على صلاته في الحالين جميعا، ويعجبني إذا خاف فوت الوقت إن ابتدأ الصلاة، وإن هو بنى عليها أتم صلاته في الوقت، فيعجبني هذا من قولهم أن يبني على صلاته على حسب هذا يخرج معاني ما ذكر، وهذا مثل الصبي يدخل الصلاة وهو لا يطيق القيام فيصلي منها ما صلى، ثم يطيق القيام، وكذلك يوجه فيها وهو يمشي من خوف، فيأمن على نفسه، ويقدر على القيام قبل أن يتمها، والراكب عندي إذا أمن وقدر على النزول مثل هذا، وتلحقه معاني هذا.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- وللإنسان أن يصلي إلى غير القبلة إذا خشي من التوجه إليها، وكذلك يجوز أن يصلي راكبا وراجلاً من طريق الإيماء، قال الله تعالى: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً (. (14/228)
صفحة 3645
الباب التاسع والأربعون
في صلاة أهل السجن
وجواب أبي عبد الله -رحمه الله- وعن أهل السجن ما يصلون؟ وهل هم سواء أصحاب الأحداث، وأصحاب الديون، فهو سواء عندنا على المقيم منهم أربع ركعات، وعلى المسافر ركعتان؟ قال غيره: أما أصحاب الديون والأحداث الخفيفة من المسافرين فيقصرون ولا نعلم في ذلك اختلافا، وأما أصحاب الأحداث الكبيرة والحبس الطويل فقد اختلف فيهم في التمام والقصر، والقصر أصح.
مسألة: قال أبو سعيد، في السلطان إذا حبس رجلا في منزل لرجل، وحضرت الصلاة، أنه يتوضأ في الماء الذي في منزل الرجل، ويصلي في أقر مضرة من مواضع المنزل، مما يؤدي الفريضة، فإن لم يمكنه إلا بمضرة صلى على ذلك، وكان عليه الضمان على معنى قوله، قلت له: فإن صلى على بساط في المنزل ولم يكن في ذلك مضرة، هل عليه ضمان؟ قال: عندي أن الصلاة عليه استعمال له في الحكم، وأما في الاطمئنانة فإذا لم يحوله من مأمنه، ولم يضره باستعماله فأرجو أن لا ضمان عليه، وقال: إن الصلاة والقعود على البساط استعمال له، وتحويله من موضعه ويصلي مكانه ثم يرده في موضعه، وهو مأمن فلا يشبه ذلك معنى الاستعمال عندي. (14/229)
صفحة 3646
مسألة: -ومن كتاب الضياء- وأهل السجن يقصرون وأهل الدماء والحبس وغيرهم، إذا كانوا محبوسين في قرية لزمهم القصر فيها.
مسألة: والرهائن المعتلقون إذا كانوا مسافرين جاز لهم الجمع، وعليهم صلاة السفر، وإن كانوا مقيمين فعليهم التمام، وإن كانوا لا يدرون مقيمين أو مسافرين فالاحتياط لهم أن يصلوا الإقامة، وصلاة السفر. (14/230)
صفحة 3647
الباب الخمسون
في صلاة الممنوع عن الصلاة والطهارة
وأما الذي كان مقهورا مع السلطان أو غيره من القاهرين له، في قرية أو صحراء أو منعوه من الوضوء للصلاة، فإنه إذا منع الوضوء يتيمم للصلاة، فإن منع الوضوء والتيمم، فتأمل التيمم في نفسه على سبيل من عدم الماء والتراب، يضرب بيديه في الهواء ويمسح به وجهه ويديه، وإن منع من ذلك قدر ذلك في نفسه كما أمكنه، وإن منع الصلاة قياما صلى قاعداً، وإن منع الركوع والسجود صلى بالإيماء، وإن منع الحركة في ذلك فقيل: يومئ ولو بحاجبه، ويصلي الصلاة كما أمكنه في ذلك قائما أو قاعدا أو على جنبه بحركة أو غير حركة، وإن لم يمكن إلا تقدير ذلك في نفسه فعل ذلك.
مسألة: وعمن منع مملوكه لا يصلي صلاة حاضرة حتى فات وقتها، قلت ما يجب عليه؟ فقد قيل في ذلك عليه الكفارة، وقيل: عليه التوبة، ولا كفارة عليه، وعلى العبد بدل الصلاة وهو أحب إليّ.
مسألة: -ومن كتاب ابن جعفر- وفي جواب محمد بن محبوب إلى أهل المغرب، وإنما تجوز التقية في القول لا في الفعل، وكذلك جاء الأثر عن المسلمين وأشياخهم أنه لا يجوز لمسلم أن يعصي الله بركوب ما حرك الله عليه للتقية، ولا يضيع ما أوجب الله عليه للتقية، إلا أن يحال بينه وبين الفرائض من الصلاة، فإنه يصليها بما أمكن له من الصلاة، ولو بتكبير خمس تكبيرات إذا أحيل (14/231)
صفحة 3648
بينه وبينها.
مسألة: وعن رجل منع رجلا الصلاة حتى ذهب وقتها، أو أجبره على الإفطار؟ فأما الممنوع فلا نرى عليه شيئا إلا الصلاة إذا أمكن له ذلك صلى، وأما المانع فلا نعرف عليه إلا الوزر، وأما الإفطار فإن كان في شهر رمضان وخاف القتل، فلا نرى عليه بأسا، والوزر على من جبره. (14/232)
صفحة 3649
الباب الحادي والخمسون
في صلاة المغمى عليه والمجنون والمرتد والسكران
ومن أغمي عليه أياما ثم أفاق، ولم يكن صلى ولا أكل تلك الأيام، فلا بدل عليه في الصلاة، وأما الصيام فإن ذلك اليوم الذي أغمي عليه وقد دخل في صومه فصومه له تام، فإن أغمي عليه أكثر من ذلك اليوم فعليه البدل؛ لأنه دخل وهو لا يعقل، ولا ينوي صياما، فعليه البدل في مثل ذلك، قال أبو محمد: على المغمى عليه أن يبدل الصلاة التي أغمي عليه وقد حضر وقتها، ومتى أفاق كان عليه بدلها، وقال: من أغمي عليه قبل دخول وقت الصلاة حتى فات الوقت، أنه لا بدل عليه باتفاق، وأما النائم قبل دخول وقت الصلاة حتى يفوت وقتها فعليه بدلها باتفاق.
مسألة: ومن ارتد عن الإسلام لم يجب عليه إعادة ما كان ضيّع من الصلاة في حال ارتداده بلا خلاف بين أحد.
مسألة: والصلاة تجب على من حصل منه الإيمان، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «وادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة». ومن ترك الصلاة عن طريق الاستحلال كان مرتداً بذلك، يقتل إن لم يتب باتفاق. (14/233)
صفحة 3650
-ومن الكتاب- والمجنون والمغمى عليه القضاء عليهما إذا أفاقا مع خروج وقت الصلاة، إذا لم يكن الوقت من قبل زوال العقل، لعدم الدليل على إيجاب ذلك عليهما. –ومن الكتاب- ولا تجوز صلاة السكران ولا المغلوب على عقله؛ لأن الفرض لا يجوز إلا بنية، ومن لم يقل بوجوب الفرض لم يجز فعله؛ لأنه لم يقصد إلى تأدية ما أمر به، وليس السكر بمسقط عنه فرض الصلاة التي خوطب بها في وقتها، وقد غلط قوم قولهم أن السكران نهي عن الصلاة في حين سكره، واحتجوا بقول الله تعالى: (لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ((النساء:43) وليس التأويل على ما ذهبوا إليه؛ لأنه تبارك وتعالى لا يسقط عن المكلفين الفرائض لتشاغلهم عنها، ولا يفعل ما نهاهم عنه، والمعنى في ذلك أنه نهاهم عن السكر الذي لا يعقلون معه الصلاة، والله أعلم.
مسألة: -ومن جامع ابن جعفر- ومن أغمي عليه قبل دنو وقت الصلاة حتى ذهب وقتها، فلا بأس عليه، وإن أغمي بعد أن دخل وقتها فعليه البدل، ومن غيره؛ قال أبو عبد الله محمد بن المسبح: أخبرني وضاح بن عقبة أن من أغمي عليه في النهار فانتبه في الليل، فعليه بدل صلاة النهار، ومن أغمي عليه في الليل فانتبه قبل دخول النهار فعليه صلاة الليل هكذا، ومن غيره؛ قال: وقد قيل عليه بدل ما أغمي عليه قعد قليلا أو كثيرا، وقال من قال: لا بدل عليه فيما أغمي عليه، إلا الصلاة التي أغمي عليه فيها إذا توانى عن الصلاة بعد دخول وقتها بقدر ما لو قام إلى الصلاة توضأ وصلى أو صلاة انتبه في وقتها بقدر ما يقوم يتوضأ في وقتها يصلي.
مسألة: -من كتاب الإشراف- واختلفوا فيمن يقضي المغمى عليه من الصلاة إذا أفاق؟ فقالت طائفة: لا قضاء عليه، كذلك قال ابن عمر وطاووس والحسن وابن سيرين والزهري وربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور، وقالت طائفة: يقضي الصلاة كلها، روي هذا القول عن عمار بن ياسر وعمران بن الحصين، وبه قال طاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل، وقالت فرقة ثالثة: يقضي صلاة يومه وليلته، (14/234)
صفحة 3651
هذا قول إبراهيم النخعي وقتادة وإسحاق وحماد، واختلف فيه عن الثوري، فقال مرة: إذا أغمي عليه يوما وليلة قضى، وإن أغمي عليه أكثر من ذلك لم يقض، وبه قال أصحاب الرأي، وقال عن الثوري: إنه كان يعجبه في المغمى عليه أن يقضي عليه أن يقضي يوما وليلة، وقال الزهري وقتادة ويحي الأنصاري: إن أفاق نهارا صلى الظهر والعصر، وإن أفاق ليلا صلى المغرب والعشاء، وقال الشافعي: إن أفاق قبل المغرب بركعة صلى الظهر والعصر، وإن أفاق قبل المغرب بركعة صلى المغرب والعشاء، وقال مالك: إذا أفاق وعليه من النهار قدر ما يصلي فيه الظهر، وركعة من العصر قبل غروب الشمس، صلى الظهر والعصر جميعا، ولو لم يبق إلا قدر ما يصلي فيه أحدهما، صلى العصر والجواز عنده في إقامته قبل طلوع الفجر في صلاة المغرب والعشاء كذلك.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا حسب هذا من الاختلاف، إلا أشياء داخلة في معنى الاختلاف، وإن لم تكن منصوصة، وذلك أنه يشبه من قولهم: إنه لا إعادة عليه في شيء مما أغمي عليه فيه، إلا صلاة أغمي عليه في وقتها أو صلاة أفاق فيها بقدر ما يصليها، وكذلك في الأول إذا أغمي عليه في وقتها من بعد أن مضى من وقتها بقدر ما لو قام توضأ وصلى، وقال من قال: مجملا إن عليه الإعادة ما أغمي عليه في وقته من الصلوات، وما أفاق في وقته بغير تفسير، وكأنه إذا أغمي عليه في وقت الصلاة كائنا ما كان في وقتها، كان عليه إعادتها إذا أفاق، وإذا أفاق في وقت الصلاة فعليه الصلاة لها، ولا إعادة عليه فيما سوى ذلك، وقال من قال: عليه إعادة صلاته يوم وليلة، ولو أغمي عليه أكثر من ذلك ولا إعادة عليه فيما بقي، وقال من قال: عليه إعادة جميع ما أغمي عليه في وقته في جميع الصلوات، فما كان من قولهم ذلك كله، فهو داخل في هذا بمعنى الترخيص والتشديد. (14/235)
صفحة 3652
[صفحة بيضاء] (14/236)
صفحة 3653
الباب الثاني والخمسون
في صلاة الحرب
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في صلاة الإمام صلاة المغرب في حال الخوف، فكان الحسن البصري يقول: يصلي الإمام ستا ويصلون ثلاثا ثلاثا، قال أبو بكر: تصلي كل طائفة ثلاثا، وقالت طائفة: يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعتين، ثم يتشهد بهم ويقوم، فإذا قام ثبت قائما وأتم القوم لأنفسهم، ثم يسلمون هم، فإذا سلم الإمام قاموا فأتموا ما بقي عليهم من صلاتهم، هذا قول مالك، وهو مذهب الأوزاعي، ومذهب الشافعي، وقريب من مذهب مالك، غير أنه قال: يثبت الإمام جالسا حتى يتم بالطائفة الثانية الصلاة، ثم يسلم بهم، وقيل لأحمد بن حنبل قال سفيان في صلاة المغرب: إذا كان خوفا كيف يصلي؟ قال: ركعتين وركعة، قال أحمد بن حنبل: لا يقصر، قال إسحاق: كما قال، وقال أصحاب الرأي: إذا كانت الصلاة صلاة المغرب يفتتح الصلاة ومعه طائفة، وطائفة بإزاء العدو، فتصلي الطائفة التي معه ركعتين، ثم تقوم الطائفة فتأتي مقامهم، فيقفون بإزاء العدو من غير أن يتكلموا ولا يسلموا، أو تأتي الطائفة الذين كانوا بإزاء العدو قبل أن يدخلوا مع الإمام في الصلاة، فيصلي بهم ركعة ويتشهد ويسلم، ثم تقوم الطائفة التي معه من غير أن يتكلموا، ولا يسلموا فيأتون مقامهم فيقفون بأزاء العدو، وتجيء الطائفة التي صلت مع الإمام الركعتين الأوليين فيأتون مقامهم الذين صلوا فيه، فيقصرون بركعة وسجدتين وحدانا بغير إمام ولا قراءة، ويتشهدون ويسلمون، ثم يقومون فيأتون مقامهم بأزاء العدو، وتجيء (14/237)
صفحة 3654
الطائفة التي صلت مع الإمام الركعة الثانية، فيأتون مقامهم الذين صلوا فيه فيقصرون ركعتين وحدانا، ويتشهدون ويسلمون، ثم يأتون مقامهم فيقفون مع أصحابهم.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معان الاتفاق من قول أصحابنا أن صلاة الحرب في المواقفة ركعتان جميع الصلوات، إلا الوتر، وقد مضى الدليل من كتاب الله تبارك وتعالى، ومن هاهنا وقع الاستدلال على أن صلاة الحرب غير صلاة السفر بالقصر، بمعنى الاتفاق، وإن صلاة المغرب ثلاث ركعات لا قصر فيها في السفر، لأنه لا يستقيم فيها القصر، وأن صلاة الخوف خارجة من معنى صلاة السفر، ومن معنى صلاة القصر وإنما مخصوص بها أنها ركعتان في السفر والحضر، وصلاة المغرب مثلها وداخلة فيه، وصلاة المواقفة على معنى قول أصحابنا، أنه يقيم الإمام الصلاة ويوجهون جميعا فيقومون منهم تلقاء العدو طائفة، وتصلي طائفة منهم مع الإمام وكلهم جميعا محرمون، فإذا صلى الإمام بالطائفة التي معه ركعة وأتم السجود، انتظر الإمام الطائفة التي تلقاء العدو، وانحرفت الطائفة التي من معه من خلفه، وكانوا في موضع الطائفة التي نحو العدو وجاءت الطائفة التي كانت نحو العدو، وكانت في موضعهم، ثم صلى الإمام بهم ركعة ثانية، والطائفة التي نحو العدو في مواضعهم، فإذا قعد الإمام قرأوا كلهم التحيات إن أمكن الطائفة التي نحو العدو وقعودا، وإلا فعلى حالتهم فإذا سلّم الإمام سلموا جميعا، والاختلاف في ذلك في صلاة المغرب لا غيرها، ومعي، إنه قد قيل: إنما تحرم الطائفة التي نحو العدو، وكانت أولى إذا صارت خلف الإمام في الركعة الثانية يوجهون قبل ذلك بقدر ما لا يشتغلون بالتوجيه عن صلاة الإمام، ومنه، قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في الصلاة عند شدة الخوف، فقالت طائفة: تصلي ركعة وتومئ إيماء، قال جابر بن عبد الله: إنما القصر ركعة عند القتال، وقال طاووس والحسن البصري ومجاهد والحكم وحماد وقتادة يقولون: ركعة يومئ إيماء، روي ذلك عن الضحاك، قال: فإن لم يقرأ كبر تكبيرتين حيث كان وجهه، وقال إسحاق: (14/238)
صفحة 3655
يجزيك عند المسألة، وهو سل السيوف، وركعة يومئ بها إيماء، فإن لم يقدر فسجدة واحدة، وإن لم يقرأ كبر، لأنها ذكر الله، وقال ابن عمر يصلي ركعتين، وبه قال إبراهيم النخعي والثوري والشافعي، وهو مذهب الزهري والنعمان، ومذهب أكثر أهل العلم من علماء الأمصار من المهاجرين.
قال أبو سعيد: يخرج عندي على معنى الاتفاق من قول أصحابنا، إن صلاة الخوف وهي صلاة المواقفة، وإنها ركعتان في كل صلاة من الفرائض في سفر أو حضر، وصلاة الخوف مثلها ركعتان، ودليل ذلك من كتاب الله تبارك وتعالى: (إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ((النساء:101)، في معنى الخوف، (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ (إن هاهنا ركعة، لأنه لا يكون السجود إلا عن ركعة تامة، (فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ ((النساء:102)، فثبت أنها ركعتان، وإن للإمام ركعتين، ولكل طائفة إذا تفرقوا ركعة واحدة، فإن لم يتفرقوا، وكان معناهم واحدا، وأمكنهم الصلاة جميعا، كان ركعتان للإمام والمسلمين جميعا، ولا يصلح أنها ركعة في حال، وهي صلاة ما قدروا أن يصلوا، فإذا لم يقدروا وصاروا إلى حد المسايفة، واختلاف الضرب صاروا إلى حد التكبير، ومنه، قال أبو بكر: كان الشافعي رخص في الصلاة في شدة الخوف، الاستدارة والتحرف والمشي القليل إلى العدو، والمقام الذي يقوم به وتجزئهم صلاته، ويضرب أحدهم الضربة بسلاحه أو يطعن الطعنة، فإما أن تتابع الضرب أو طعن طعنة فردها في المطعون، أو عمل ما يطول فلا تجزيه صلاته، وفي قول محمد بن الحسن: إن رماهم المسلمون بالنبل والسيوف قطع صلواتهم، قال: لأن هذا عمل في الصلاة يفسدها، وقال غيرهما: كل ما فعله المصلي في حال شدة الخوف، ما لا يقدر على غيره، فالصلاة مجزية، قياسا على ما وضع عنه من القيام والركوع والسجود، لعلة ما هو فيه من مطاردة العدو، قال أبو بكر: هذا أصح وأشبه بظاهر الخبر مع موافقة النظر.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في قول أصحابنا، ما مضى من ذكر صلاة (14/239)
صفحة 3656
المواقفة، وهي الخوف ولا يزال إلى حال المواقفة إلى أن يصير إلى حد الضرب والمضاء به، ويستحيلوا عن حد المواقفة، وصلاة المضاربة والمطاعنة مع اختلاف الضرب في قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق، إنه بالتكبير فقال من قال: خمس تكبيرات لكل صلاة، وقال من قال: ست تكبيرات، فإن صلى مصل وأطاق وحمل ذلك نفسه أن يصلي بالقراءة وتمام الصلاة في حد المضاربة، فهو أصح من حيث كان وجهه، لأنه إنما كان التكبير بدلا عن تمام الصلاة ترخيصا، ولا يقطع الصلاة عند الضرورة المضاربة، ولا المطاعنة، وقد جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم بإباحة قتل الحية والعقرب للمصلي إذا جحفتا به في صلاة وخافهما، وأجمع على ذلك القول من أهل العلم، إلا أن بعضا قال يقتلهما، ويعيد صلاته، وبعض قال: لا إعادة عليه ولا فائدة في قتلهما مع الإعادة، وإنما أن يقتلهما ويمضي على صلاته، لأنه لا يمنعه شيء من الأشياء، الدفع عن نفسه، ولا يحيط عندها عمله، وكذلك في معارضة العدو، والدفع عن النفس بمثل هذا من الاختلاف، وأصح ذلك عندي أن لا إعادة عليه، فإن كان الوقت يفوت إن أعاد الصلاة من أولها لم يبين لي أن يكون في ذلك موضع اختلاف فيهما صلاته، وقد ثبت العمل فيهما في وقتهما، ويبدلهما في غير وقتها كلها، وإن أشبه ذلك عندي معنى الاختلاف، إن قدر عليها في وقتها، فذلك حسن إن شاء الله لمعنى الاحتياط.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- وصلاة الحرب إذا كانت جماعة لم تنفعه عندي بأقل من خمسة أنفس، لقول الله تعالى: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ (، والطائفة في هذا الموضع اثنان فما فوقهما، لأنه قال فليصلوا معك.
مسألة: ومن –جامع ابن جعفر- وأما صلاة الحرب عند مواقفة العدو فركعة واحدة، فإذا أقيمت الصلاة، قام الإمام وقامت معه طائفة، ووجهت طائفة منهم وجوههم نحو العدو، وجهوا وأحرموا جميعا، فإذا رفع الإمام رأسه من السجدتين (14/240)
صفحة 3657
انصرفت الطائفة التي صلت معه إلى مقام الطائفة التي لم تصل، وجاءت الطائفة التي لم تصل فصلت مع الإمام الركعة الثانية، وليس على أولئك الذين في نحو وجه العدو تحيات ولا تشهد، ولكن هم يسلمون إذا فرغ الإمام وسلم، وكذلك إذا كانوا قدام الإمام، وتكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة منهم ركعة، ولو أمكن لكل طائفة ركعتان خلف الإمام لم يجز ذلك لهم، إلا لكل طائفة منهم ركعة، والصلاة في الحرب والمواقفة ركعتان في كل صلاة، صلاة المغرب وغيرها، ولا يصلون الوتر جماعة، ولكن بوتر كل واحد منهم واحدة، وصلاة الحرب في الحضر والسفر سواء، وإذا لم يستطع الراكب النزول مخافة العدو وصلى على دابته واقفا أو سائرا حيث كان وجهه إذا خاف الطلب، ولم يكن باغيا، وإذا كان هو الطالب صلى صلاته.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- قال الله تبارك وتعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ((النساء:101) فأباح القصر المذكور في الآية بشرط الخوف، فجعل القصر وأباحه للخوف، وأما صلاة السفر فليس عندي بقصر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى صلاة السفر تماما غير قصر في رواية جابر بن عبد الله سئل عن صلاة السفر أقصرها يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «لا، الركعتين في السفر ليستا بقصر إنما القصر واحدة عند القتال» ثم ذكر الحديث لكل طائفة ركعة ثم يسلم من خلفه وسلم أولئك من غير قضاء شيء منها، وعلى هذا النحو ما روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: إن فرض على لسان نبيكم الصلاة في هذا الخوف ركعة تأويلة، وأنه أباح الانصراف عنها نحو العدو لضرورة الخوف، ولولاها ما أفسدت الضرب من الانصراف، ويحتمل أن تصلي المراد أن طائفة ركعة مع الإمام وتمسك عن اتباعه وتنصرف مقبلة على العدو، وتصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية مع الإمام، ثم قضت كل طائفة ركعة ركعة، كما روى ابن مسعود وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون المراد بالقصر المذكور في الآية تخفيف بالسرعة، والله أعلم، ونزلت هذه الآية: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ((البقرة:239) يومئ إيماء يستقبل القبلة وغير مستقبلها فهذا من شدة الخوف. (14/241)
صفحة 3658
[صفحة بيضاء] (14/242)
صفحة 3659
الباب الثالث والخمسون
في الصلاة بالرعاف والقيء إذا لم يقر الدم
أخبرنا أبو مروان بن عبيد الله، أن سليمان بن عثمان ومسعدة وعلي بن عرزة سألوا عن رجل أصابه جرح فلم يقر دمه، ولم يقدر على سده، ويخاف فوت الصلاة، فقالوا: يصلي.
قال أبو سعيد: قد قيل إنه إذا كان دمه مسترسلا ولم يقدر على أن يحشوه فإنه يتوضأ بعد أن يستبري أمره في آخر وقت الصلاة، ولا يخاطر بها ويتيمم لسيلان الدم ويلي، وقد قيل ليس عليه تيمم ويتوضأ، والتيمم أحب إلي إن أمكنه، وإن كان الدم يسيل منه على شيء من بدنه إن صلى قائما، وإن صلى قاعدا لم يسل على شيء من بدنه أو ثيابه، فقد قيل إنه يصلي قاعدا، ويجعل للدم إناء يسيل فيه، ويتقي به عن نفسه وثيابه، ويصلي بالإيماء إن لم يمكنه السجود إلا بمس الدم ثيابه بدنه، وقيل قيل: إنه بمنزلة المستحاضة في سيلان الدم لا يقر، ويجمع الصلاتين ويتوسطهما.
مسألة: وإذا رعف الرجل في صلاته، فلينتقل فليتوضأ، وليكمل ما يبقي من صلاته ما لم يتكلم، وقال أبو سعيد: في جواب منه، إن في ذلك اختلافا، قال من قال: يبدأ الصلاة، ولا يعتد بما صلى، ولو لم يتكلم، ولم يحدث أو يتكلم.
مسألة: ومن أصابه جرح فلم يقر دمه، ولم يقدر على سده ويخاف فوت (14/243)
صفحة 3660
الصلاة، فإنه يصلي.
مسألة: ومن رعف فلم يقصر عنه الدم، فليحش أنفه، فإن لم يمسكه الحشو فليقعد ويومئ، وتبقى ويجعل بين يديه طستا، أو رمادا أو بطحاء أو نزابا.
مسألة: ومن أصابه جرح فعصبه وحضرت الصلاة فقام يصلي فلما أحرم، دفع الدم من الجرح، فلينظر ما لم يخف فوت الصلاة، فإن خاف فوتها توضأ ويصلي.
مسألة: ومن رعف ولم يقر دمه ولم ينقطع إنه يصلي قاعدا ويتوقى ثيابه أن يصيبها الدم، ولتكن صلاته جلوسا في رمل أو رماد حيث لا يثير الدم، فيحفر بين يديه خبة ليقطر الدم، ويصلي كما أمكنه لطهارة الماء، إلا موضع الحدث إذا لم يمكنه شدة، وما لا يمنع من خروجه به هكذا، قال أصحابنا: وقال بعضهم: يتيمم لما بقي من موضع طهارته، والنظر يوجب عندي أن المرعوف ومن لم يقر دمه أن الجمع للصلاتين يجزئه قياسا على المستحاضة، وهذا أشبه بأصول أصحابنا، لأن المستحاضة جاز لها الجمع للمشقة، وكذلك المسافر والمبطون، والذي اخترناه فيمن رعف أو كان في معناه، فلم ينقطع دمه أن الجمع له جائز، وفي صلاته قاعدا نظر، والله أعلم.
مسألة: ومن صلى وبه دم، ولم يمكنه غسله صلى كما أمكنه في جبائر أو غيرها، ولا إعادة عليه.
مسألة: ومن أصابه الرعاف صلى قاعدا بالإيماء، ويكون الدم يقطر في الأرض ويجوز له إن قدر أن يحتمل في منخريه ما يمسك به الدم أن يصلي قائما ويشمر ثيابه حتى لا يقطر عليها الدم.
مسألة: ومن انطلق من حلقه عرق يرمي الدم فدام به وحضرته الصلاة؟ صلى قائما وبزق عن يمينه وشماله، ويتوق ثيابه. (14/244)
صفحة 3661
مسألة: والمجروح إذا لم يرق دم جرحه صلى والدم يسيل إذا خشي فوت الصلاة، وذلك جائز.
مسألة: ومن –كتاب محمد بن جعفر- ومن انتقضت صلاته ببعض الأحداث فإنه يستأنف الصلاة، إلا في القيء والرعاف، فإن الأثر الذي لا يختلف فيه أن من عناه في صلاته قيء أو رعاف انفتل فتوضأ وبنى على صلاته، وله أن يتوضأ حيث كان الماء، ويبني على صلاته إن شاء في موضعه، وإن شاء في غيره، ولا يضره مشيه إلى الوضوء، ولا حمل نعله وثيابه واستقاء الماء لوضوئه، وإن كان إماما ففي بعض الرأي أنه يجوز أن ينتظره القوم حتى يتوضأ ويتم بهم صلاتهم، وفي قول آخر أنهم لا ينتظرونه، وهذا الرأي أحب إلي، ومن غيره، قال محمد بن المسبح: لا ينتظر، لأن الأثر جاء أن يقدم رجلا (رجع).
وإن تكلم صاحب القيء والرعاف بشيء مما ينقض على المصلي صلاته، ولو قال بسم الله انتقضت صلاته، وكان عليه أن يستأنف إذا توضأ، وكذلك إن مسته نجاسة، أو خرج منه دم، أو غيره مما ينقض الصلاة، انتقضت صلاته، ويستأنف الصلاة إذا توضأ.
مسألة: ومنه، وقال أبو عبد الله -رحمه الله- فيمن صلى مع الإمام ركعة ثم انصرف لقيء أو رعاف فتوضأ ثم رجع وقد صلى الإمام، فأدرك معهم الركعة الأخيرة؟ قال: يستأنف الصلاة، والقياس غير هذا، ولكن يدع القياس، ونأخذ بالاحتياط، قال غيره: قال وقد قيل هذا، وقال من قال: إنه يستعد بما مضى من صلاته، ويدخل فيما بقي من الصلاة ويبدل ما فاته منذ فارقهم.
مسألة: قلت له فإنه لما أراد أن يتوضأ قال: بسم الله؟ قال: أخاف أن يفسد عليه ما مضى من صلاته ويستأنف الصلاة.
مسألة: عن أبي الحسن بن أحمد، وأما الذي في يده جرح، ولم يقر دمه وحشاه، وهو ينبع، فما أحب له أن يؤم الناس، ويقدم غيره، والله أعلم. (14/245)
صفحة 3662
مسألة: ومن أصابه القيء يوما وليلة ولم ير منه إفاقة صلى قاعدا، ويكون قدامه رماد، ويرمي عليه القيء.
مسألة: ومن كان كفه قرحة، أو ركبتيه لا يقدر أن يضعهما على الأرض، فإن أمكنه أن يسجد ولا تؤذيه فليسجد، وإن لم يقدر على ذلك فليومئ.
مسألة: ومن ابتلي بالتقطير في الصلاة، فإن شبه له وهو في الصلاة، أنه قد قطر منه شيء فليمض في صلاته، فإذا فرغ فلينتظر، فإن رأى بللا فليتوضأ وليعد الصلاة، وإن لم ير شيئا فلا إعادة عليه، وإن كان يقطره الماء لا ينقطع فليحش ذكره بالقطن، ويجعل ذكره في كيس في تراب نظيف فإن فرغ نظر فإن رأى بللا ألقى ذلك التراب، وجعل غيره عند كل صلاة.
تم الكتاب بعون الملك الوهاب، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. (14/246)
صفحة 3663
قال المحقق
تم معروضا على ثلاث نسخ مخطوطة الأولى بخط يعقوب بن يوسف البحري لم نجد لها تاريخا.
والثانية بخط خلفان بن شامس السعدي فرغ منها عام 1273هـ.
والثالثة بخط مجهول بلا تاريخ والحمد لله.
سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
25محرم سنة 1404هـ
1/ 11/1983م (14/247)
صفحة 3664
كلمة المحقق
الحمد لله الذي أتم على يدي تحقيق وتصحيح هذا الجزء الرابع عشر من كتاب بيان الشرع ويبحث هذا الجزء الثمين في أحكام صلاة الوتر ووقته، وركعتي الفجر وصلاة التطوع، وأحكام صلاة السفر والقصر والتمام، وما يجوز فيها وما يمتنع من نية وتحديد مسافة وغير ذلك، وفي اتخاذ الأوطان، وفي صلاة المريض والمبطون، ومن يعالج عينيه، وفي الصلاة في السفينة والمسجون والمغمى عليه والمجنون، ومعاني ذلك. والحمد لله رب العالمين.
سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
غرة صفر سنة 1404هـ (14/248)
صفحة 3665
ترتيب الأبواب
الباب الأول:
في صلاة الوتر من كتاب الإشراف 5
الباب الثاني:
في صلاة الوتر 15
الباب الثالث:
في ركعتي الفجر 23
الباب الرابع:
في جماع صلاة التطوع 29
الباب الخامس:
في سجدة التلاوة 33
الباب السادس:
في قراءة آية السجدة في الصلاة 35
الباب السابع:
في صلاة السفر والقصر 53
الباب الثامن:
في صلاة المسافر 55 (14/249)
صفحة 3666
الباب التاسع:
فيمن تكون نيته أن يتعدى الفرسخين
أو ليس له نية أو أشكل عليه الفرسخان 61
الباب العاشر:
في الذي تكون نيته أن يتعدى الفرسخين
أو تكون له نية الوصول إلى الفرسخين 63
الباب الحادي عشر:
فيمن لا يدري أنه جاوز الفرسخين أم لا 69
الباب الثاني عشر:
في المسافر متى يجوز له القصر من كتاب الإشراف 71
الباب الثالث عشر:
فيمن خرج مسافرا ثم بدا له فرجع قبل مجاوزة الفرسخين 79
الباب الرابع عشر:
في إمامة المسافرين بالمقيمين والمقيمين بالمسافرين وصلاتهم
مع بعضهم بعضا وغير ذلك 83
الباب الخامس عشر:
في النية لصلاة السفر 87
الباب السادس عشر:
في صلاة المسافر إذا صلى ثم دخل بلده وقت الصلاة 89
الباب السابع عشر:
فيمن وجب عليه صلاة السفر فلم يصل حتى دخل بلده 91 (14/250)
صفحة 3667
الباب الثامن عشر:
فيمن حضر عليه وقت الصلاة فأخرها حتى صار في السفر
أو حضرت في السفر فأخرها حتى صار في الحضر 93
الباب التاسع عشر:
فيمن سافر بعد حضور الصلاة من (كتاب الإشراف) 95
الباب العشرون:
فيمن صلى في موضع القصر تماما أو التمام قصرا 97
الباب الحادي والعشرون:
في صلاة السفر ومن أتم الصلاة أو قصرها حيث يجوز ذلك 99
الباب الثاني والعشرون:
فيمن أتم الصلاة أو جمعها أو قصرها حيث لا يجوز 103
الباب الثالث والعشرون:
فيمن كان مسافر فقام ليصلي أربعا ناسيا ثم ذكر أو كان
في الحضر فقام ليصلي صلاة السفر ناسيا ثم ذكر وما أشبه ذلك 105
الباب الرابع والعشرون:
في اتخاذ الأوطان وفي المسافة بينهن 107
الباب الخامس والعشرون:
في صلاة البادي والحيق والسائح والمكاري والملاح 111
الباب السادس والعشرون:
في صلاة قاطع الأوطان عن نفسه مثل السائح والحيق 115 (14/251)
صفحة 3668
الباب السابع والعشرون:
في صلاة الإمام والوالي والحاكم والشاري 119
الباب الثامن والعشرون:
في صلاة الصبي 125
الباب التاسع والعشرون:
في صلاة العبد ومن صلى على نية القصر
ثم حول نيته إلى التمام 129
الباب الثلاثون:
في صلاة المرأة المتزوجة كانت صبية أو بالغا 137
الباب الحادي والثلاثون:
في صلاة الجمع والوتر في السفر 149
الباب الثاني والثلاثون:
في صلاة الجمع 151
الباب الثالث والثلاثون:
ما أفضل صلاة الجمع أو القصر في السفر؟ 157
الباب الرابع والثلاثون:
في الصلاة في الغيم والمطر إذا خفي الوقت 161
الباب الخامس والثلاثون:
في صلاة الجمع إذا انتقضت الصلاة أو انتقض وضوؤه 167
الباب السادس والثلاثون:
فيمن انتقضت عليه صلاة في سفر أو جمعة 171 (14/252)
صفحة 3669
الباب السابع والثلاثون:
فيمن جمع الصلاتين وفعل بينهما فعلا أو قال قولا ومن نوى
القصر ثم جمع أو جمع ثم قصر 173
الباب الثامن والثلاثون:
في صلاة المريض من جامع (ابن جعفر) 177
الباب التاسع والثلاثون:
فيمن كان يصلي قائما فوجد علة فأتم صلاته قاعدا أو نائما
أو كان يصلي نائما ثم وجد صحة فأتم صلاته قائما، وكذلك من
صلى بالتكبير ثم وجد صحة وفي نسخة قوة وما أشبه ذلك 187
الباب الأربعون:
في صلاة المريض بالتكبير والجمع 189
الباب الحادي والأربعون:
في حد من يجوز له أن يصلي جالسا 197
الباب الثاني والأربعون:
في صلاة الذي يعجز عن الجلوس 203
الباب الثالث والأربعون:
في المبطون من هذا الباب في باب الصلاة في اليوم المطير 207
الباب الرابع والأربعون:
في صلاة من فتح عينيه وعن الرجل يصلي
مستلقيا وسعه ذلك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها 209
الباب الخامس والأربعون:
في الصلاة في الماء والطين من الزيادة المضافة 211 (14/253)
صفحة 3670
الباب السادس والأربعون:
في المصلي في الماء 213
الباب السابع والأربعون:
في صلاة السفينة وفي المصلي
إذا انتقضت عليه صلاته فيبدلها في البر 215
الباب الثامن والأربعون:
في صلاة الماشي والراكب والخائف 225
الباب التاسع والأربعون:
في صلاة أهل السجن 229
الباب الخمسون:
في صلاة الممنوع عن الصلاة والطهارة 231
الباب الحادي والخمسون:
في صلاة المغمى عليه والمجنون والمرتد والسكران 233
الباب الثاني والخمسون:
في صلاة الحرب 237
الباب الثالث والخمسون:
في الصلاة بالرعاف والقيء إذا لم يقر الدم 243 (14/254)
صفحة 3671
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الخامس عشر
1404هـ/1984م (15/1)
صفحة 3672
[صفحة بيضاء] (15/2)
صفحة 3673
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء الخامس عشر
1404هـ/1984م (15/3)
صفحة 3674
[صفحة بيضاء] (15/4)
صفحة 3675
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الأول
في صلاة الجمعة
ومن -جامع أبي محمد-رحمه الله – ومن فرائض الجمعة الوقت، والخطبة والنداء بالصلاة فالحجة في لزوم إثباتها ما أمر الله تعالى به لقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الجمعة:9)، والذكر هو الصلاة، والسعي هو القصد، على ما رواه بعض ما يوصف بمعرفة اللغة أنه في اللغة كذلك.
مسألة: من – جامع ابن جعفر – وقيل خلق الله آدم يوم الجمعة، وأسكنه الجنة يوم الجمعة، وتاب الله عليه يوم الجمعة، وتقوم الساعة يوم الجمعة، وهو صفوة الله من الأيام، وهو يوم عيد المسلمين. ومن غيره، وعن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال: «ياأيها الناس توبوا إلى الله قال أن تموتوا وبادروا إلى الله بالأعمال الصالحة تؤجروا. وتقربوا إلى الله بالصدقة سرا وعلانية ترزقوا وتنتصروا. ثم اعلموا أن الله تعالى قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في ساعتي هذه في جمعتي هذه في شهري هذا في عامي هذا. فريضة واجبة إلى يوم القيامة فمن تركها جحودا لها واستخفاف بها وعليه أمير بر أو فاجر فلا جمع الله له شمله ولا بارك الله في أمره ألا ولا صلاة له، (15/5)
صفحة 3676
ألا ولا صيام له، ألا ولا بر له، ألا ولا جهاد له، فمن تاب تاب الله عليه.
مسالة: وبلغنا عن جابر بن زيد – رحمه الله – أنه خرج يوما يريد الجمعة، فتلقاه الناس منصرفين، فشق عليه ذلك يومئذ وقال: اللهم لك على ألا أعود، وكان يجمع خلف زياد وعبيد الله بن زياد والحجاج، وأخبرنا قرة بن عمر الأزرقي – رحمه الله – خبرا أنهم تهيأوا للخروج إلى مكة حجاجا لثمان بقين من ذي القعدة، فمروا بحاجب بن مسلم –رحمه الله – وهو يريد الخروج معهم، وذلك غداة يوم الجمعة، فقال لهم: إن في نفسي من الجمعة حاجة. قال له أصحابه: رحمك الله ذهبتنا الأيام نخاف الفوت فقال لهم: امضوا أنتم، وتخلف حتى جمع، ثم خرج فلحقهم بموضع يقال له الرحيل على مرحلتين من البصرة كراهية لتركها ورغبة في إثباتها.
ومن – كتاب الإشراف – قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها إنسان وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه» وأشار النبي بيده يقللها ()، واختلفوا في وقت تلك الساعة التي يستجاب فيها الدعاء من يوم الجمعة، فروينا عن أبي هريرة أنه قال: من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وقال الحسن البصري وأبو العالية: هي عندي زوال الشمس، وفيه قول ثالث: وهو أذن المؤذن لصلاة الجمعة. روي ذلك عن عائشة، وروينا عن حسن البصري أنه قال: هو إذا قعد الإمام على المنبر حتى يفرغ، وقال أبو ثور، هي الساعة التي اختار الله فيها الصلاة، وقال أبو سفيان العدوي: كانوا يرون الدعاء يستجاب ما بين ما ترتفع الشمس يسيرا إلى أن تدخل الصلاة ذراعا، وروينا هذا القول عن أبي ذر، وفيه قول ثامن: وهو أنها ما بين العصر إلى أن تغرب الشمس، كذلك قال أبو هريرة وبه قال طاووس وعبد الله بن سلام، وحكي عنه أنه قال: لو قسم إنسان جمعة في جميع أتى على تلك الساعة، روينا عن ابن عمر أنه قال: إن طلب حاجة في يوم يسير، (15/6)
صفحة 3677
قال محمد بن سعيد: الله اعلم. ومعي، إنما يستجيب للمؤمنين ويتقبل أعمال المتقين، ولا يصلح عمل المفسدين (ومَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ) (الرعد:14) ولا نقول: إن وقتا من الأوقات يدعى الله فيه بصدق وإخلاص إلا رجا فيه الإجابة، ولا وقت من أوقات يستجيب الله فيه لعدو من أعدائه دعاءه ينفعه ما يستجيب له فيه، وإن عجل في الدنيا فغير نافع له، بل هو غرور واستدراج. ومنه، قال أبو بكر: ثبت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم». فالجمعة ساقطة عن الصبي والصبيان بدلالة الكتاب والسنة والإتفاق، وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم، أن لا جمعة على النساء، وأجمعوا على إن حضرن الإمام فصلين معه، إن ذلك يجزيء عنهن، وأجمعوا على أن الجمعة واجبة على الأحرار البالغين المقيمين الذين لا عذر، واختلفوا في وجوب الجمعة على العبيد. فقالت طائفة: الجمعة واجبة على العبد الذي يؤدي الفريضة، وكذلك قال الحسن البصري وقتادة، وقال الأوزاعي: إذا كان مخارجا – ضريبته فعليه الجمعة، وقال قائل: إذا قام بالجمعة العبيد كفى الأحرار، غير أن لهم أن يتخلفوا عنها إذا منعهم السادة، وقال أ كثر أهل العلم: ليس على العبيد جمعة، كذلك قال مالك وأهل المدينة والثوري، وأهل الكوفة والشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور. روينا ذلك عن عطاء والشعبي وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري، وحكم المكاتب والمدبر كحكم العبيد.
قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا انه لا جمعة على الصبيان، ولا النساء ولا العبيد، واحسب أن في ذلك معاني ما يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا ما يستبدل عليه في حكم المخصوصات، انه لا يلحق معاني العبيد، وإنما على العبيد أحكام العموم من الصلاة والصوم، والإخلاص لله بالطاعة، وما أشبه ذلك وأما ما ينتقل من حال من أحكام النساء والرجال فيخص بعضا دون بعض، فوجدناه متنقلا عن العبيد، من الحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كذلك الجمعة والجماعة، يخرجان على معنى الخصوص، وقد تلزم بمعاني قول أصحابنا الجمعة، من كان دون الفرسخين من المسجد الجامع الذي فيه (15/7)
صفحة 3678
الصلاة، ويزول في معاني قولهم عمن جاوز الفرسخين، ولو كان حيث يسافر في موضع الجمعة لاتصال المصر. قال أبو بكر: قال كثير من أهل العلم لا جمعة على المسافر، كذلك قال ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وطاووس وعطاء، وهو قول مالك والثوري وأحمد واسحق، وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: ليس على المسافر جمعة وأقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين، فكان لا يجمع وعبد الرحمن بن بشير شتوة أو شتوتين، فكان لا يجمع، وقال الزهري: أذا سمع الأذان فليشهد الجمعة، وقد اختلف فيه عنه. قال أبو بكر: في صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الظهر بعرفة من قبل، وكل يوم جمعة دليل على أنه لا جمعة على المسافر.
قال أبو سعيد: معي، أنه لا يخرج في معاني قول أصحابنا: إنه لا جمعة على المسافر، وإنما هي على المقيم، وقد يستحيل على المقيم في قولهم لمعنى ما مضى ذكره، وأما قوله الاستدلال بصلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم بعرفة، وكذلك لا تكون صلاة معنا بعرفة إلا ظهرا غير جمعة، لأنها ليست من الأمصار، إلا أن يقيم فيها الإمام ويجعلها مقامة، ويكون فيها المسجد، وأنه يكون فيها الجمعة إذا كان إمام عدل على بعض ما قيل. ومنه، قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في المقيم يريد السفر يوم الجمعة، فقالت طائفة: لا بأس به ما لم يحضر الوقت، كذلك قال الحسن البصري وابن سيرين ومالك، وقال عمر: إن الجمعة لا تحبس عن سفر، وروي عن أبي عبيدة أنه خرج في بعض أسفاره يوم الجمعة، ولم ينتظر الصلاة، وقد روي عن عمر وعائشة أم المؤمنين وسعيد بن المسيب ومجاهد، أخبار تدل على كراهية الخروج يوم الجمعة قبل الصلاة، وكان الشافعي يستحب أن يخرج يوم الجمعة بعد الفجر، وقال: إذا زالت الشمس فلا يسافر أحد، حتى يصلي الجمعة. وقال أحمد واسحق لا يعجبنا ذلك، وسئل الأوزاعي عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرج دابته؟ قال: فليمض. قال أبو بكر: أن يسافر ما لم يحضر الوقت.
قال أبو سعيد: معي، أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا لم يكن بحد المسافر ويجاوز الفرسخين، قبل أن تزول الشمس، فعليه الجمعة، إلا أن يكون (15/8)
صفحة 3679
ذلك الخروج من عذر في هذا الوقت، إلا أن يصير في موضع ما لا تجب عليه الجمعة قبل زوال الشمس، ودخول الجمعة، وهذا إذا كان الخروج على غير عذر، وكان على المكنة: ومنه، قال أبو بكر: ثبت أن ابن عمر لما استصرخ على سعيد بن زيد بعد ارتفاع الضحى أيضا أتاه بالعقيق، وترك الجمعة، وهذا مذهب الحسن البصري و الأوزاعي، كذلك قيل إذا خيف عليها التعذير، وكذلك قال أبو بكر: كان ابن عمر أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعيب عليهم ذلك، وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنه كتب بذلك، وفيه قول ثان أن كل قرية عليها أمير يجمع فيها، روي ذلك عن عمر بن عبد الرحمن، وبنحوه قال الأوزاعي والليث بن سعيد، وفيه قول ثالث: وهو أن لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع، روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وبه قال النخعي والحسن وابن سيرين، أن لا جمعة إلا في مصر، وبه قال النخعي والحسن، وفيه قول رابع: وهو أن الجمعة إنما تجب على أهل قرية فيها أربعون رجلا أحرارا بالغين، ويكون ثبوتها مجتمعة، ولا يظعنون عنها شيئا إلا ظعن حاجة، هذا قول الشافعي، وقال أحمد واسحق بهذا القول، ولم يشترطا هذه الشروط، وفيه قول خامس: وهو أيما قرية فيها أربعون رجلا فصاعدا عليهم إمام يقضي بينهم، فليخطب وليصل بهم ركعتين، وفيه قول سادس: وهي الرواية الرابعة عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب، أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلا فليصلوا الجمعة ن وفيه قول سابع: وهو إذا لم يحضر الإمام إلا ثلاثة صلّى بهم الجمعة، هذا قول الأوزاعي وهو مذهب أبي ثور، وهو مكحول: إذا كانت القرية فيها الجماعة، صلوا الجمعة ركعتين، وقال مالك في القرية التي اتصل دورها، أرى أن الجمعة عليهم، عليهم وال أو لم يكن، وحكي عن عكرمة قال: إذا كانوا سبعة أجمعوا. قال أبو بكر: قول الأوزاعي موافق لظاهر قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه). قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا لا جمعة إلا في مصر جامع، ونحو ذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا جمعة إلا بثلاثة مصر جامع، وإمام وأحسب في بعض الحديث أنه «لا جمعة حتى يجتمع لها ثلاثة مصر جامع وإمام (15/9)
صفحة 3680
ومنبر»،ومعنى الرواية تصح أن المصر هو المصر، والإمام هو الإمام، والمنبر هو الخطبة، ولا تتم الجمعة إلا بهذه الثلاثة، وفي بعض معاني قولهم: أنه إذا كان إمام عدل وأقام في بلد كانت معه الجمعة، وكان موضع مصر، لأن مصر فيه تقام الحدود، ومن حيث أقيمت الحدود كان مصر، وفي معاني قولهم: أنه لا مصر إلا أمصار العرب، وأن الأرض كلها غير أمصار العرب لا يقع فيها اسم مصر. في معنى الجمعة، وقد ثبت في معاني قولهم أن الأمصار الممصرة من أمصار العرب التي قيل انه مصرها عمر بن الخطاب سبعة أمصار: مكة، والمدينة ومسجد الجنب من اليمن، والشام، والكوفة، والبصرة، والبحرين وعمان في بعض قولهم إنها مصر واحد، وفي بعض قولهم، إنها مصران ن فإذا اجتمعا ففي معنى قولهم: إن الجمعة فيهما بصحار، وكذلك الجمعة في عمان إنما بصحار، وكذلك الجمعة في عمان إنما هي بصحار، على معنى ثبوتها بالمصر، وعلى قول من يقول: إن الجمعة بالإمام العدل حيثما كان مقيما عادلا يحكم بالعدل، فله وعليه الجمعة في موضع مقامه، وقد قبل أنه لثبوتها في الأمصار تلزم مع الإمام العدل ن ومع غيره من أئمة الجور إذا قام بها على وجهها، وإذا كان لا سلطان بالمصر بمكة، لم تكن فيه جمعة، وقيل: إن فيه الجمعة على كل حال، ومن قام بها من الرعية فيه لثبوتها من المصر. قامت وبه ولزمت، وقيل لا تقوم إلا بإمام عدل في مصر ممصر، يحضره، وهذا موضع الإجماع عندي في معاني قولهم: إنها تلزم مع الإمام العدل في المصر الممصر، وما سوى ذلك فهو يختلف في معاني قولهم. ومنه، قال أبو بكر: مضت السنة بالذي يقيم الجمعة، السلطان أو من قام بها بأمره، واختلفوا في الجمعة تحضر وليس معهم أمير؟ فقال الأوزاعي وأصحاب الرأي: يصلون الظهر أربعا وقال الحسن البصري: أربعا بلا سلطان. وذكر الجمعة وقال حبيب بن أبي ثابت لا تكون جمعة إلا بأمير وخطبة، وقالت طائفة: يصلي بهم بعضهم ويجزئهم، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد واسحق وأبي ثور.
قال أبو سعيد: معي، انه قد مضى في مثل هذا ما أرجو أنه يستدل به على معناه، وفي بعض قولهم: عندي إذا كان ذلك في المصر الممصر جاز، بهذا الذي ذكره من الاختلاف، وإذا لم يكن في مصر ممصر فلا يثبت في معاني قول أصحابنا، (15/10)
صفحة 3681
ولا تجوز صلاة الجمعة إلا بإمام عدل أو ما يشبهه بظهور أهل العدل، على الموضع الذي تكون يدهم على العالية فيه، والعدل ظاهر فيه فقد قيل: في هذا الموضع إنه يكون بمنزلة الإمام إذا كانت يد أهل الحق العليا، ويصلي بهم الجمعة واحد من مساندهم، وقيل: لا تكون إلا بإمام ولو كان العدل ظاهرا، إلا في مصر ممصر. «رجع إلى كتاب بيان الشرع». (15/11)
صفحة 3682
[صفحة بيضاء] (15/12)
صفحة 3683
الباب الثاني
أين تجب صلاة الجمعة؟
وسألت عن الجمعة أواجبة في بهلا وفي غيرها من القرى؟ وأما الجمعة الواجبة المفروضة، فإنما هي بعمان مع الإمام وبصحار، وأما في سائر القرى فهي أربع ركعات، وهي سنة للمسلمين، لا أحب التقصير فيها، إلا من عذر. قال غيره: نعم كذلك، وقد قيل لا تعطل المساجد، ولكن يصلي الأئمة في مساجدهم، وإمام المسجد مع من اجتمع إليه.
مسألة: ومن – جامع أبي محمد – ولا تجوز الجمعة إلا في مصر أو في موضع إقامة، فأما المصر، فلأجل أن عمر مصر الأمصار للجمعة، فصار على ذلك الاتفاق، ولم يخالف عليه أحد في فعله، واختلفوا في غير هذه الأمصار، فالاتفاق حجة والاختلاف فلا حجة به، وأما الإقامة فالحجة به أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرو عنه أنه صلّى الله عليه وسلّم الجمعة في شيء من أسفاره، وان كان مروره على قرى كثيرة الدليل على ذلك أن أهل الأمصار، متى تركوا الجمعة عوقبوا، وسقطت عدالتهم، وليس كذلك شأن أهل القرى، ولا يقيمها إلا ذو سلطان أو بأمره، لأن فرض الظهر لم يسقط إلا بعد سقوط شرائط الجمعة، وفي شرطها الإمام المطلق أو إمام بأمره، ألا ترى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة في بيوتهم».
مسألة: ومن – جامع ابن جعفر – وصلاة الجمعة حق مع الأئمة، وحيث تقام الحدود، ومن – الكتاب – وإذا كان بعمان إمام عدل أخذ الإمامة عن مشورة العلماء (15/13)
صفحة 3684
وأعلام الدعوة، ولم يحدث حدثا يزيل عنه الإمامة، فالجمعة معه لازمة، والمعطل لها معطل الفريضة، وقيل: إذا كانت في أيدي الجبابرة، فلا بأس على من تركها، ومن غيره، قال محمد بن المسبح: إلا بصحار فإن الجمعة لازمة مع السلطان كان جائرا أو عادلا، أو غير سلطان، رجل من البلد، وفيه أثر من الكتاب، وقيل: كان أبو عبيدة لا يرى في شيء من أرض الأعاجم جمعة، وكان ضمام يقول: كل أرض من أرض أهل الذمة والعرب أقيمت فيه الحدود جمع فيها، وقال أبو عبد الله –رحمه الله – سمعنا أن الأمصار التي مصرها عمر بن الخطاب -رحمه الله-، مكة – والمدينة – والبصرة – والكوفة – والشام – واليمن والبحرين وعمان مصر، فالجمعة ثابتة بصحار ما كان أمر المسلمين قائما، ولو مات الإمام. وأما بالجوف فالجمعة مع الإمام، فإن مات أو سافر صلى الناس بعده أربع ركعات. ومن – كتاب الإشراف – قال أبو بكر: روينا عن أنس بن مالك أنه يصلي في المقصورة، وهو قول الحسن البصري والقاسم بن محمد. وعلي بن الحسين. وسالم ونافع، وقد روينا عن ابن عمر، كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى المسجد، وممن كره الصلاة في المقصورة، الأحنف بن قيس وابن مجبر وابن سيرين والشعبي وأحمد واسحق، إلا أن اسحق قال: تجزئه الصلاة فيها.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا أن صلاة الجمعة لا تكون إلا في المسجد الجامع من البلد الذي تجب فيه الجمعة. ومعي، أنه لا يجوز ذلك في معنى الاختيار، إلا أنه إن عرض عارض منع ذلك، كان ذلك عذر عندي عن الجمعة، لأنه إنما جاءت السنة بثبوت الجمعة في المساجد، إلا أنه إن كان عذرا يطول فيما معنا، واختار الإمام صلاة الجمعة في مساجد دون الجامع لما عرض له، أو في داره لمعنى العذر، أعجبني قول من أجاز ذلك على هذا المعنى، لئلا تعطل الجمعة، ولا أدري ما أراد بمعنى المقصورة، إلا أنها إن كانت في المسجد أو من المسجد، كان معي حكم الصلاة فيها إذا لم يحكم أحكامها من أحكام بصلاة الإمام، فالصلاة فيها جائزة، وإن منعت أحكامها من أحكام بصلاة الإمام، فالصلاة فيها جائزة، وإن منعت أحكامها الدخول للصلاة، فمن صلّى فيها (15/14)
صفحة 3685
بصلاة الإمام فمعي، أنه لا يجوز الصلاة فيها بصلاة الإمام. ومنه، واختلفوا في الصلاة في الرحاب المتصلة بالمسجد. فقالت طائفة: الصلاة خارج المسجد بصلاة الإمام جائزة. هذا مذهب أنس بن مالك وعروة بن المغيرة. وإبراهيم النخعي، وكان عروة ابن الزبير والحسن البصري، يرون الصلاة خارج المسجد بصلاة الإمام، وهو مذهب مالك والأوزاعي، ورخص في الصلاة في رحاب المسجد أحمد واسحق بن راهوية، وهو قول الشافعي، إذا كان متصلا بالمسجد. وقال أصحاب الرأي: في رجل صلّى وبينه وبين الإمام حائط يجزئه: وإن كان بينهما طريق يمر الناس فيه، لم يجزه، إلا أن تكون الصفوف متصلة، ورخص الأوزاعي في السفينتين، يؤم أحد أهل السفينتين بإمام الأخرى أن الصلاة جائزة، وإن كانت بينهما فرجة، إذا كان أحدهما إمام الأخرى، وبه قال أبو ثور، واختلفوا في الصلاة فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام. فكان أبو هريرة. وسالم بن عبد الله. يفعلان ذلك، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، إذا لم يكن إمام الإمام، وقال مالك: يعيد إذا كان صلاة الجمعة ظهرا أربعا. قال أبو بكر: بقول أبو هريرة أقول.
قال أبو سعيد: معي، أن معاني قول أصحابنا تخرج على نحو ما حكي عمن أجاز الصلاة بصلاة الإمام إذا كان متصلا بالمسجد، ولو لم يكن في المسجد من رحاب المسجد وغيرها، إلا أنه يخرج عندي من قولهم، أنه إذا حال بينه وبين اتصال الصفوف بالإمام حائط في المسجد يستره عنهم، أنه لا تجوز صلاته هنالك، وكذلك إن حالت بينه وبينهم طريق، ولو لم ينظرهم، إلا أن تتصل الصفوف في الطريق، أو يكون فيها من يصلي، فعندي أنه يخرج في معنى قولهم أنه يصلي خلف الطريق، إذا اتصلت الصفوف بالطريق، وأما على ظهر البيت، فعندي أنهم يختلفون في معاني ذلك، ففي بعض قولهم: إن الإمام لا يعلى، أي لا يكون الذي يصلي بصلاته أعلى منه، ولا يعلوه، ويكون أعلى ممن يصلي بصلاته، وأحسب أن (15/15)
صفحة 3686
في معنى علوه عنهم، وعلوهم عنه، معنى السترة ثلاثة أشبار فصاعد ا وقال من قال منهم: يعلو ولا يعلى بحسب هذا المعنى، وقال من قال منهم: يعلى ولا يعلو، وأحسب أن في بعض معاني قولهم: إذا علا من خلفه وحده لم يجز، وان كان معه غيره ممن يصلي بصلاته جازت صلاتهم كلهم، إذا كان الذين خلفهم ينظرون إلى الأمام، أو ينظرون من خلفه.
مسألة: وقال أبو معاوية: الأمصار التي تلزم فيها الجمعة. مكة، المدينة، الكوفة، والبصرة، والجند ومصر، هذه ستة أمصار لا يختلف فيها، والسابع يختلف فيه، ويوجد ذلك عن أبي عبد الله – رحمه الله – أن الأمصار سبعة، لأنه جعل عمان والبحرين مصرا – قال غيره: ومعي، انه قد قيل أن عمان مصر والبحرين مصر. قال أبو عبد الله – رحمه الله – صلاة الجمعة بصحار على كل حال، إنما تكون ركعتين، كان بها إمام أو وال، أو لم يكن فيها أحد من السلطان. ومن غيره، وإذا كان الإمام إمام عدل بغير صحار مقيما، وأم الصلاة، كانت الجمعة عنده أيضا ركعتين، حيث تقام الحدود. قال غيره: ومعي، أنه قد قيل لا جمعة على حال مع أهل العدل وغيرهم، إلا في الأمصار الممصرة التي ثبت فيها، لأنها لا تخلف الأحكام التي بين أهل الإسلام. قال: ومعي، أنه قيل لا جمعة في الأمصار، إلا بإمام عادل: لأن الأمصار إنما مصرت في أيام العدل.
مسألة: رأيت مكتوبا في بعض الأثر. سمعنا أن الأمصار التي مصرها عمر بن الخطاب -رحمة الله عليه – مكة والمدينة والكوفة والبصرة واليمن، والجمعة في صنعاء والشام، والجمعة في دمشق وعمان والبحرين مصر، والجمعة بصحار بعمان. قال المصنف: فيما أحسب وقد وجدت إلا أن يكون بالبحرين إمام عادل، فإنه يكون فيها الجمعة أيضا. قيل له فأين تكون الجمعة بالهجر، أو بالجبلة أو بالإحساء؟ قال: حيث يكون الإمام. (15/16)
صفحة 3687
الباب الثالث
في أين تلزم صلاة الجمعة بالإجماع، وما يأخذ به أهل
عمان ويعملون به، وذكر سقوط صلاة الجمعة عن أهل نزوى
من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه مما ألفه الشيخ أبو محمد عثمان بن أبي عبد الله الأصم – حفظه الله – من – كتاب الكفاية – قال: قال جابر بن زيد وأبو عبيدة -رحمهما الله – كل مصر أقيمت فيه الحدود مع إمام عدل، فأخذ الناس بقولهما. وفي كتاب بيان الشرع. والمصنف- عن أبي سعيد قال: قد قيل لا تقوم الجمعة إلا بإمام عدل في مصر ممصر، وما سواه يختلف فيه. ومن آثار المسلمين قال: والإجماع أن لزوم صلاة الجمعة في المصر في الإمام العدل، وقال هذا أصحاب هذا القول، فلا توجب صلاة الجمعة إلا حيث أوجبها الإجماع، ومن آثار المسلمين، أحسب عن أبي سعيد ومعي، أنه قيل لا جمعة في الأمصار، إلا بأمام عدل، لأن الأمصار إنما مصرت في أيام العدل. ومن – جامع الشيخ أبي الحسن البسياني – قال: الجمعة حيث تقام الحدود وعند أئمة العدل، وقد فعلوا ذلك بعمان، ومصر والجمعة بصحار، ولا جمعة بنزوى، إلا أن يكون بها إمام عادل، وإن كان بعمان إمام أخذ الإمامة عن مشورة العلماء وأعلام الدعوة، ولم يحدث حدثا يزيل عنه الإمامة، فالجمعة معه لازمة، والمعطل لها معطل الفريضة.
وقيل: إذا كانت في أيدي الجبابرة، فلا بأس على من تركها. قال محمد بن المسبح: إلا بصحار فإن الجمعة لازمة مع السلطان، كان جائرا أو عادلا، أو غير سلطان إن رحل من البلد وفيه أثر. (15/17)
صفحة 3688
ومن كتاب الضياء إن صلاة الجمعة خلف البر والتقي لا خلاف فيها، وخلف البار والفاجر فيها اختلاف. وقال بعض المسلمين: قد اتفقتم على أن تصلوا الجمعة خلف البر والتقي، واختلفتم فيها خلف الفاجر، فما اجتمعتم عليه، فهو الحق فخذوه، وما اختلفتم فيه. ففي أخده الضلال والباطل، فدعوه والرواية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه: «قد يؤمكم خياركم فإنه وفدكم فيما بينكم وبين ربكم» قال الشيخ أبو محمد عثمان بن أبي عبد الله الأصم – حفظه الله – فيقال لأن المتعلمين هذا الزمان حيث قالوا لا يسعنا ترك صلاة الجمعة في مصر عمان، وإن لم يكن عندنا إمام عدل فهذه الآثار التي عن المسلمين المتقدمة، والإجماع المتقدم في ذلك يسعنا الأخذ بجميع ذلك المتقدم عن المسلمين، أم نحن هالكون إن أخذنا بهذه الأقاويل التي عن المسلمين، والإجماع المذكور عنهم في أثارهم، فإن قالوا بل يجوز ذلك، ويسع خصموا، وإن قالوا لا يسعنا ذلك. فقد ركبوا أمرا عظيما، حيث قالوا لا يسعنا الأخذ بقول المسلمين، ثم يقال لهم: فكيف وسعكم أنتم الأخذ بقول من الأقاويل فيه اختلاف، ولا يسعنا نحن الأخذ بما عليه الإجماع، والمختلف فيه عندكم أحق وأولى أن يتبع من المجتمع عليه، أفلا تعقلون، ما لكم كيف تحكمون؟ وإنما أخذتم أنتم بقول من قال: إن من قام من الرعية بصلاة الجمعة في المصر الممصر جاز ذلك، ولزمت فهذا القول فيه اختلاف لما قيل إن صلاة الجمعة لا تقوم إلا بإمام عدل في مصر ممصر، فهذا موضع الإجماع، وما سواه يختلف فيه.
مسألة: ومن سيرة لأبي عبد الله محمد بن روح بن عربي، التي من الناصح إلى المنصوح قال: والجمعة فريضة واجبة حيث تجب الجمعة في الأمصار الممصرة، وقد بلغنا أن وارث بن كعب - رحمه الله – لم يكن يصلي صلاة الجمعة قصرا بنزوى، وجبال عمان ونواحيها من الرساتيق ليست من الأمصار، ونحن نأخذ بهذا القول، ويروى أن الجمعة بصحار واجبة كان فيها إمام عدل أو إمام جائر، ولعل بعضا يقول أن الجمعة بهجر البحرين، وليست بصحار من عمان، والصحيح في الأثر أن عمان والبحرين مصر واحد، ولهما منبر واحد، ويصلون الجمعة في مسجد (15/18)
صفحة 3689
واحد، لا في غيره، والذي نراه نحن ونقول به أن منبر البحرين وعمان بصحار من عمان، ولا يخطئ من قال: إن منبرهما بهجر، إلا أن نعلم أنه يخطئ المسلمين الذين قالوا: إن منبرهما بصحار، وأما من قال من قومنا: إن صلاة الجمعة تجب من حيث كان أربعون رجلا، فإنا لا نرى ذلك ولا نأمر به، ولا نعلم به، ولا نخلع عن الإسلام، من قال بذلك إلا أن يخالف المسلمين مخالفة يجب بها تضليله، وليس المخالفة في الرأي مثل المخالفة في الدين، فاعلموا هذا وافهموه، وليس قول من رأى الجمعة قصرا في الرساتيق وأرض الأعاجم من حيث لا يكون بها إمام به يقيم حدود الله بصواب عندنا، ولا نرضى ذلك في رأينا، غير أنا لا نحكم عليه بالفسق ولا نخلعه عن الإسلام، من أجل إذا لم ير رأيه ذلك في صلاة الجمعة قصرا في الأطراف، فهو عندنا مخلوع عدو لنا في الدين إذا ضلل بما استحسن من رأيه أئمة المسلمين.
ومن السيرة: فإن قال قائل من أهل الجهل بالسنة، وآثار أئمة الهدى –نسخة- العدل كان المؤمنون من أهل المدينة وأهل الأمصار السبعة التي تجب فيها الجمعة، وليس بمؤمنين أهل الرساتيق من أهل الإسلام، وأهل أرض الأعاجم. قلنا لهم: بل كل مؤمن من كان من المؤمنين و الرساتيق وفي أرض الأعاجم ولكن السنة جاءت، أن الجمعة ليس حيث تجب الجمعة، وليس الجمعة إلا من تجب الجمعة. وقال: أيها المنصوح لهذا الجاهل، أليس من المؤمنين النساء والعبيد، ومن كان على سفر وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ليس على العبيد ولا على النساء ولا على المسافرين جمعة، يعلم ذلك علماء أهل قبلتنا. ولا يجهل ذلك ولا يرده إلا جاهل ضال، وقد نطق الكتاب – بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (الجمعة9)، والنساء والعبيد والمسافرون، قد يكونون من الذين آمنوا وليس عليهم جمعة، ومن أوجب عليهم الجمعة وكفرهم في تركها، فقد كفر، ومن خالف السنة فقد كفر وهلك، وهكذا جاء الأثر. وقيل أيها المنصوح أليس قد قال (15/19)
صفحة 3690
الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَة) ويوم الجمعة من طلوع الفجر إلى العصر، فإن قال الجاهل بل صلاة الجمعة صلاة في الجمعة لعله الفجر والعصر، تجب في مسجد واحد من مصر واحد والخطبة واجبة فيهما كما تجب في صلاة الظهر، فقد خالفت في ذلك جميع الأمة، وخالف المعقول عند جميع المسلمين، وإن قال: إنما تجب صلاة الجمعة في صلاة الظهر خصوصا في الأمصار السبعة. من جزيرة العرب دون أرض الأعاجم والرساتيق من أرض العرب، وإن كان في أرض الأعاجم والرساتيق من هو من الذين آمنوا إذا احتججت علينا بظاهر الكتاب على خلاف ما شرحته السنة، ولو كان الظاهر من الظاهر من الكتاب على خلاف ما شرحته السنة حقا لكان يجب على الناس أن يصلوا صلاة الفجر والعصر يوم الجمعة، ولجاز للناس أن يخالفوا السنة، وعند مخالفة السنة إبطال شرائع الإسلام، ولو كانت فرائض الإسلام إنما يدان بها بالهوى وما تختاره العقول دون ما جاءت به السنة، لكان من يملك أربعين أولى في عقول من يجهل الحق، أن يوجبوا عليه الزكاة فيها أولى ممن يملك أربعين فرسا. وقد جاءت السنة، أن ليس في الخيل والبغال والحمير زكاة، وقد جاءت السنة التي لا خلاف فيها عند أهل القبلة، أن الزكاة إنما هي في الغنم، والغنم هي المعز والضأن. ومن معاني مذهبه: أنه يجوز للمسلمين إن اضطروا أن يصلوا صلاة الجمعة خلف قومهم، والفساق من أهل قبلتهم لأجل أنهم لم يقدروا أن يختاروا لأنفسهم خيارهم ممن يصلي بهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اختاروا لإمامة صلاتكم خياركم» فلو كان للمسلمين اختيار على الجبابرة في تلك الأمصار لما أم بهم فريضة الجمعة الأشرار، لأن الجمعة جاءت لا تصلى إلا جماعة، ولا يحل لهم أن يتركوا فريضة أوجبها الله من أجل إذ لم يمكنهم الاختيار في الصلاة، والجمعة فريضة لازمة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تجب الجمعة في الأمصار الممصرة.
مسألة: من –جامع ابن جعفر – أن الجمعة ثابتة بصحار ما كان أمر المسلمين قائما، ولو مات الإمام، و أما بالجوف فالجمعة مع الإمام، فإن مات الإمام أو سافر (15/20)
صفحة 3691
صلى الناس بعده أربع ركعات.
مسألة: ومن –كتاب الكفاية – قال أبو عبد الله: قيل إن صلاة الجمعة بصحار، وليس بغيرها من عمان جمعة، ولا بنزوى، إلا حيث يكون الإمام، وتقام الحدود، فإن بها الجمعة ركعتين، وإذا غاب الإمام منها أو جاوز الفرسخين، فليس فيها جمعة ولا موضع يكون فيه مسافرا، ولو أن الإمام نزل بنزوى ولم يتخذها دارا، واتخذ غيرها من قرى عمان أتم بها الصلاة كانت جمعة فيها ركعتين، وكان عبد الملك بن حميد بنزوى مريضا، فلم يخرج إلى الجمعة وصلى عمر بن الأخنس الجمعة بالناس بنزوى ركعتين، من غير أن يأمره الإمام عبد الملك أن يصلي بالناس، وكان موسى بن علي يومئذ حاضرا، فلم ير موسى عليهم النقض وأجاز صلاتهم، قال أبو عبد الله: فأرى على عمر بن الأخنس، وعلى من صلى معه النقض.
مسألة: قال أبو عبد الله: وصلاة الجمعة بصحار على كل حال، وإنما تكون ركعتين كان بها إمام أو لم يكن أحد من السلطان، وأما بنزوى، فإذا كان فيها إمام عادل فصلاة الجمعة فيها ركعتان، وإذا غاب الإمام عنها أو كان بها إمام جائر، فلا تكون الصلاة يوم الجمعة إلا أربع ركعات. قلت فإن مات الإمام بنزوى يوم الجمعة ولم يجتمع أمر المسلمين على رجل بعد موته لهم إماما حتى حضرت صلاة الجمعة كيف يصلون؟ قال: أربع ركعات. قلت: ولا يقوم الحاكم في هذا مقام الإمام؟ قال: لا.
مسألة: من –جامع الشيخ أبي الحسن – رحمه الله – والجمعة حيث تقام الحدود عند الأئمة العدل، وقد فعلوا ذلك بعمان ومصر الجمعة بعمان صحار، ولا جمعة بنزوى إلا مع أئمة العدل على قول إذا حمى البلاد وأقام العدل. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (15/21)
صفحة 3692
[صفحة بيضاء] (15/22)
صفحة 3693
الباب الرابع
الاغتسال يوم الجمعة
ومن – جامع ابن جعفر – ويستحب الغسل يوم الجمعة، وليس هو بفريضة، إلا فيه الفضيلة، وقيل للغاسل فيه بكل قطرة من غسله درجة، وقيل كان عمر بن الخطاب – رحمه الله – إذا عاتب بعض أهله قال له لأنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة، ومن غيره، علي بن حيان الأعرج عن جابر بن زيد –رحمه الله –قال: ربما يكون الجمعة باردا فأدع الغسل يوم الجمعة. وقال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: «عليك بالاغتسال يوم الجمعة» قال: وما ثوابي إذا اغتسلت؟ قال:» يكتب لك بكل شعرة مر عليها الماء حسنة. ويكفر عنك سيئة ويرفع لك درجة».زمن اغتسل يوم الجمعة فهو طهور إلى آخرها، هكذا وجدت فينظر في ذلك.
مسألة: قلت له: والاغتسال يوم الجمعة واجب على الناس؟ قال: لا، إلا أنه يستحب. عن أيوب عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل يوم الجمعة فذلك أفضل وأفضل».
ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من جاء منكم يوم الجمعة فليغتسل».واختلفوا في وجوب الغسل يوم الجمعة للجمعة. قال أبو هريرة: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وقال عمار بن ياسر فقال: أنا إذا أشر من الذي لا يغتسل يوم الجمعة. وقال مالك: من اغتسل يوم الجمعة في أول نهاره، وهو لا يريد به غسل الجمعة، فإن ذلك الغسل لا يجزئ عنه حتى يغسل لرواحه. وقالت طائفة: الغسل، وممن لم يره فرضا الأوزاعي والثوري (15/23)
صفحة 3694
وأحمد والنعمان وأصحابه. قال أبو بكر: بهذا نقول.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن الغسل يوم الجمعة من فضائل السنن، لا من فرائضها وإن من غسل فقد حاز الفضل، ومن توضأ للجمعة أجزاه بغير غسلن في موضع تلزم الجمعة فيه هذا أو في غير موضع لزمه فيه الجمعة، فالمعنى فيه واحد، وأكد ذلك وأفضله حيث تلزم الجمعة ممن تلزمه الجمعة لحق الجمعة. ومنه، قال أبو بكر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يقولون: غسلا واحدا للجنابة والجمعة، روينا هذا القول عن ابن عمر. ومكحول ومالك بن أنس. والثوري والأوزاعي والشافعي وأبي ثور، وقال أحمد: أرجو أن يجزئه وقد روينا أن بعض ولد أبي قتادة دخل عليه يوم الجمعة ينفض رأسه مغتسلا. قال للجمعة اغتسلت؟ قال: لا، ولكن للجنابة. قال: فأعد غسلا للجمعة.
قال أبو سعيد: معي، أنه يخرج في معاني قول أصحابنا، أنه إذا اغتسل للجنابة، أنه الغسل الأكبر ويجزئه في معاني قولهم، ولا يخرج عندي في ذلك معنى الاختلاف، إلا أنه على قول من يقول: إن الحائض إذا كانت جنبا وطهرت إن عليها غسلين للحيض والجنابة في وقت واحد، وقد يخرج في معنى هذا القول أن لا يدخل غسل الفضيلة في الفريضة، إذا كان مأمورا به على الإنفراد، إن لم يكن غسل الفريضة، وعلى قول من يقول منهم يجزئها غسل واحد، فهذا آكد أن يجزئ غسل الفرض عن الفريضة. ومن غيره، قال أبو بكر: واختلفوا في المغتسل بعد الفجر للجمعة. فقال مجاهد والحسن البصري والنخعي والثوري والشافعي وأحمد واسحق وأبو ثور: يجزئه عن غسل الجمعة، وقال الأوزاعي: يجزئه أن يغتسل قبل الفجر للجنابة والجمعة، وروينا عن ابن سيرين، انه كان يستحب أن يحدث غسلا يصلي فيه الجمعة، وقد ذكرنا قول مالك في باب الغسل للجمعة يستحب.
قال أبو سعيد: معي، انه مضى القول بمعاني الغسل، إنه من الفضائل، وليس يخرج معناه من اللوازم به، إلا أنه على ثبوت معناه في الفضل للجمعة. فمعي، أنه يخرج في بعض القول: إن المغتسل في الليل لا يكون له ثابتا (15/24)
صفحة 3695
غسل الجمعة في فضله. وقد قيل: يكون مغتسلا، وكذلك في أول النهار، ما لم يكن خروجه من المغتسل إلى الجمعة، أو إلى معنى الجمعة بمنزلة الوضوء للجمعة، وهذا أفضل ما يخرج من أوقات الغسل للجمعة. ومنه، قال أبو بكر: واختلفوا في المغتسل للجمعة يحدث. فاستحب فريق أن يعيد الاغتسال، كذلك قال طاووس والزهري وقتاده ويحي ابن كثير، وقال الحسن: يعيد، وقال آخرون: يجزئه الوضوء، وكذا قال الحسن ومجاهد ومالك والأوزاعي، وبه نقول.
قال أبو سعيد: معي، إنه فيما ثبت معنى فضل الغسل للجمعة بمعنى التطهر لها، لحق معاني الاختلاف في الحدث مما ينقص الطهارة، لمعنى ثبوت الفضل، لا ثبوت اللازم، وقد مضى القول في هذا. ومنه، قال أبو بكر: واختلفوا في اغتسال المسافر يوم الجمعة. فكان عطاء يقول: ليس عليه أن يغتسل، وكان ابن عمر وعلقمة، لا يفعلان ذلك، وقد روي عن طلحة بن عبد الله، إنه كان يغتسل في السفر يوم الجمعة، وروي ذلك عن مجاهد وطاووس. قال أبو ثور: لا نحب ذلك. قال أبو بكر: ليس عليه ذلك.
قال أبو سعيد: معي، أنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنه إنما يخرج غسل الجمعة فضيلة، ومن أراد الجمعة من مسافر أو مقيم. ثبت له وعليه معنى ما يثبت في ذلك وفضله.
مسألة: قال أبو بكر: من مالك يقول: من حضر الجمعة من النساء والعبيد فليغتسل وكذلك قال الشافعي وفي غير المحتلمين إذا شهدوا الجمعة. وقال أحمد ليس على النساء غسل يوم الجمعة. قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن الاغتسال يوم الجمعة فضل يؤمر به الرجال والنساء والعبيد والأحرار وفي بعض الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المغتسل يوم الجمعة طهور إلى يوم الجمعة. وقيل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا غضب على بعض أهله قال: أنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة كأن المعنى أن من ترك الغسل يوم الجمعة فهو أعجز من تاركه ولولا ذلك لم يقل أنت أعجز منه. (15/25)
صفحة 3696
[صفحة بيضاء] (15/26)
صفحة 3697
الباب الخامس
فيمن عليه حضور الجمعة
من واجبات الجمعة الخروج إلى الإمام والصلاة معه شق ذلك عليهم أو سهل لأنه يجب عليهم. قال ففي قول أصحابنا: أنه تلزم الجمعة البالغين الأحرار الذكران من الحاضرين غير المسافرين من كان منهم دون الفرسخين إلى الجمعة ومن كان فوق الفرسخين فلا جمعة عليه في قولهم. قلت له فمن عجز منهم عن ذلك قال: من عجز منهم فهو معذور إذا عجز من عجز. وأما إن عجز في التعاجز فلا عذر له في التعاجز. قلت له فما التعاجز؟ وما العجز؟ قال: التعاجز إذا كان قادرا على ذلك فتركه تشاغلا بغيره. والعجز أن يكون معارضا له عاهة أو سبب يشغله عن ذلك أو هو يعوقه. قلت فإن لم يكن عنده ثوب أعليه أن يستعير ثوبا ويمضي إلى الصلاة أم لا؟ قال: فمعي، إن عليه ذلك إذا قدر على ذلك.
مسألة: ومن – جامع أبي محمد – وليس على النساء أو العبيد والمسافرين جمعة، فمن حضرها منهم وصلاها أجزته عن فرضه بإجماع الأمة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في صحن دارها. وصلاتها في دارها، أفضل من صلاتها في مسجد جماعة». فلذلك لم تجب عليها الجمعة، ولأن الجمعة إذا لم تجب إلا على أهل الأمصار فليس العبيد من أهلها، لأن المصر لمواليهم ولأنها على الأحرار ألا ترى إلى قوله تعالى: (إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا) وليس للعبيد من البيع إلا ما أذن لهم فيه، والآية فيمن له ذلك. ومن –الكتاب- والجمعة، يجب (15/27)
صفحة 3698
فرضها على من تصح منه أوصاف العقل والحرية والبلوغ والقيام. زمن فرائض الجمعة، الوقت والخطبة والنداء للصلاة، والحجة في لزوم إتيانها ما أمر الله تعالى به لقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه). والذكر هو الصلاة، والسعي هو القصد على ما رواه بعض ما يوصف بمعرفة اللغة أنه من اللغة كذلك، وأجمعوا جميعا أن الله جل ثناؤه خاطب بهذا الخطاب البالغين الأصحاء العقول أهل الإقامة والحرية، من الرجال دون النساء، وقرن الخطاب بالصفات، ما كانت موجودة بالمخاطبين ممن لزمهم فرضها، فإن صلى المسافر والعبد أجزأهم عن فرضهم، وهو إجماع فيما علمت، والله أعلم وسنة الجمعة أربع خصال. الغسل ومس الطيب، والبكور والإنصات للخطبة، وقال أصحابنا: ليس على المسافر والعبد والمرأة الجمعة، والإجماع على ذلكن وإذا حضروها صلوها مع الإمام وسقط الفرض عنهم، وفي نفسي من ذلك شيء لأنهم أتوا بما لم يؤمروا به –نسخة- أتوا بشيء لم يؤمروا به، وتركوا الفرض الذي أمروا به فأرى الفرض باقيا عليهم، والله أعلم. ولاحظ للنظر مع الاتفاق والنص. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: - من الحاشية- والجمعة على الضرير إذا وجد قائدا، وعلى المملوك إذا أذن له سيده، وإن كانت عليه ضريبة لا تشغله عن أدائها، إذا جمع فعليه الجمعة، وإن شغلته فلا جمعة عليه، وإن كان يخدم أهله، فأذن له مولاه فعليه الجمعة وقد عذر الناس عن الجمعة في اليوم المطير، وعند شدة البرد والحر، وما يعرض من ذلك من خوف أو غيره، الشيخ أبو محمد: والعذر عن صلاة الجمعة المرض والخوف أو حر أو برد أو مطر، يخاف منه المضرة أو جنازة يصلي الصلاة عليها والاشتغال بالقوت وطلبه. (15/28)
صفحة 3699
الباب السادس
في الحد الذي يجب على من كان ساكنا به الحضور إلى الجمعة
من -كتاب الإشراف- واختلفوا فيمن عليه حضور الجمعة، ممن يسكن المصر وخارج المصر. فقالت طائفة: الجمعة على من آواه الليل إلى أهلهن وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة والحسن ونافع مولى ابن عمر، وكذلك قال عكرمة والحكم وعطاء والأوزاعي وأبو ثور وفيه قول ثان: وهو أن الجمعة تجب في ستة أميال روي ذلك عن الزهري قال غيره: وقد وجدنا الستة الأميال في طريق مكة فرسخين، وفيه قول ثالث: وهو أن الجمعة تجب إلا على من سمع النداء، روي هذا القول عن عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب، وبه قال أحمد واسحق، وكان الشافعي يقول: لا شيء أن يخرج ويترك الجمعة، إلا من سمع النداء وليس أن يخرج أهل المصر وان عظم ترك الجمعة، وفيه قول سادس: وهو ان الجمعة تجب على من سمع النداء: ولم يسمع النداء إذا كان في المصر، وإن كان خارج المصر، لم تجب عليه أن يسمع النداء، هذا قول أصحاب الرأي، وفيه قول سابع، وهو أن الجمعة إنما تجب على أربعة أميال، هذا قول محمد بن المكندر، والزهري وربيعة أنه قال: تجب الجمعة على من إذا نودي للجمعة خرج من بيته ماشيا أدرك الجمعة.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا في هذه الأقاويل التي حكاها قول من تلزم الجمعة، على من يأوي إلى أهله إذا صلاها وحدها، على (15/29)
صفحة 3700
إنه تلزم الجمعة من لم يخرج من الفرسخين، وهو ستة أميال، وفي معنى قولهم: إنه ولو كان المصر، وكان خارجا من الفرسخين لم يكن عليه جمعة وهذا القول عندي هو أكثر قولهم: إن الجمعة على من كان داخلا في الفرسخين، وأحسب أنهم ذهبوا في ذلك إلى معنى سقوطها عن المسافر في معنى الاتفاق، والمسافر معهم من جاوز الفرسخين من وطنه، فإذا ثبت أنه لا جمعة على المسافر لموضع بعد السفر عليه، فمثله ولو كان المصر وكان بينه وبين موضع صلاة الجمعة فرسخان في البعد من موضع الجمعة، ثم تلزم الجمعة.
مسألة: ومن –جامع ابن جعفر- ولا جمعة على من كان على فرسخين من موضع الجمعة، فمن كان دونها فعليه الجمعة. ومن غيره، ومن سيرة محبوب بن الرحيل –رحمه الله- إلى أهل حضرموت في أمرها روى فقال فيها: وقد بلغنا أن أهل عمان كتبوا إلى جابر بن زيد –رحمه الله- يسألونه، هل يأتي الجمعة من يسمع النداء، فكتب إليهم جابر لو لم يأت إلا من يسمع النداء، لأقل الله أهلها تؤتى من رأس فرسخين، وثلاثة، ومن قدر أن يأوي إلى منزله، فعليه الجمعة.
مسألة: وسألته عن رجل بيته داخل الفرسخين، إلا أن أقصى منزلة الحدين داخل في رأس الفرسخين، أعليه أن يأتي الجمعة؟ قال: نعم. قال: وإنما تجب الجمعة من المسجد الجامع فرسخين وقالوا لو أن بلدا كان سعته ثلاثة فراسخ أو أربعة، فإنما القياس من المسجد الجامع فرسخان، فمن خرج بيته من الفرسخين، لم يلزم عليه أن يأتي الجمعة.
مسألة: والجمعة واجبة على أهل الأمصار، إلا امرأة أو مريضا أو خائفا أو مملوكا، فمن استغنى بلهو استغنى الله عنه، والله غني حميد. ومن – جامع ابن جعفر – ولا جمعة على مسافر ولا صبي ولا عبد ولا امرأة، إلا أن يحضروها فيصلوها بصلاة الإمام. (15/30)
صفحة 3701
الباب السابع
في الوقت الذي يخرج فيه إلى الجمعة
من-كتاب الإشراف – قال أبو بكر: واختلفوا في الرواح إلى الجمعة، فكان الشافعي يقول: كلما قدم التبكير كان أفضل مذهب الأوزاعي وأحمد بن حنبل وأنكر أحمد قول مالك، وقال مالك: لا يكون الرواح إلا بعد الزوال. قال مالك: تروحت عنه أيضا انتصاف النهار. قال أبو بكر: القول الأول أولى.
قال أبو سعيد: معي، أنه يخرج في معاني قول أصحابنا: أن المبكر إلى الجمعة أفضل، ويروي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم «المبكر إليه كالمهدي بدنة» وأحسب المظهر كالمهدي شاة أو نحو هذا من الحديث، فثبت معنا ذلك إذا ثبت أن السابق إليها أفضل، وهكذا يخرج في معاني الأصول والفضائل.
مسألة: ومن – جامع أبي محمد – وأما السعي المأخوذ به إلى الجمعة فهو الحث عليها، والوصول إليها، فمن وصل إليها وفعلها ماشيا أو راكبا، فقد سعى، وقول من قال: إن السعي لا يكون إلا على القدمين خاصة، فغلظ
الدليل على ذلك قول طرفة:
سعيت إليها والرماح تنوشني ... ... ... وطرفي يخوض الموت والقلب ثابت
يخبر نفسه بأنه سعى إليها وهو راكب، وأما قولهم إذا دعوا إليك نسعى ونحفد، وهو
المبادرة وأصل الحفد في اللغة مداركة الخطوة والإسراع.
يقال حفد (15/31)
صفحة 3702
الحادي وراء الإبل إذا أسرع تدارك الخطوة، وكذلك فيل للعبيد والإماء حفدة، لأنهم يسرعون إذا مشوا للخدمة. قال الله عز وجل: وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النحل:72)، يريد والله أعلم، إنهم بنون وهم حفدة، ومن الكتاب قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ). فإذا زالت الشمس من يوم الجمعة صعد الإمام المنبر، ويؤذن المؤذن بين يديه، وخطب وهو الذكر الذي أمر الله تعالى بالسعي إليه، والله أعلم. لأنه ليس بعد الأذان يوم الجمعة، ذكر يجب السعي إليه إلا الخطبة ووجوب السعي إليه، دليل على وجوده وتأكيده، وأكد ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قال الرجل لصاحبه أنصت والإمام يخطب فقد لغا». ومن –كتاب الإشراف- وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الجمعة بعد زوال الشمس، وكان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وقيس بن سعد وعمر بن حرب والنعمان بن بشير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وإبراهيم النخعي، يصلون الجمعة بعد زوال الشمس وبه قال الأوزاعي ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور واحمد واسحق، وقد روينا بإسناد عن أبي بكر وعمر بن مسعود ومعاوية، خلاف هذا القول. وقال عطاء كل عند ثلثه الضحى والفجر، وقال أحمد في الجمعة، إن فعل قبل زوال الشمس فال أعيبه، وأما بعد فليس فيه شك، وبه قال اسحق، وبالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معاني الاتفاق من قول أصحابنا يخرج عندي أن صلاة الجمعة إنما هي صلاة الظهر، وأنه لا يصح وقتها إلا بعد زوال الشمس، وهو وقت الظهر، ولا أعلم هذا يخرج عندهم في معاني الصلاة، ولعله يخرج قبل الزوال معاني الترخيص في النداء بالأذانين الأولين قبل الزوال، والأذان الثالث لا يكون إلا بعد الزوال معهم، والصلاة بعد الزوال، ولا أعلم في معاني هذا بينهم اختلافا. ومن –جامع الشيخ- أبي محمد وروي أن عليا خطب فبل الزوال، والذي نذهب إليه أنه لا يجوز الخطبة للجمعة، إلا بعد الزوال لإجماع العمل على (15/32)
صفحة 3703
ذلك، وما روي من فعل علي في تقديم الخطبة قبل وجوب الصلاة لم يرد الخبر بمجيء الأخبار التي ينقطع بها العذر، وإن صح ففعل غيره من الصحابة أولى أن يتبع، لأنه الحجة تؤيده ولا تجوز الخطبة إلا من قائم، وقد روي أن عليا خطب قائما فلم يجلس.
مسألة: ومن –جامع ابن جعفر- يبعث الله ملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد يكتبون لكل امرئ جاء ساعة كذا وكذا. (15/33)
صفحة 3704
[صفحة بيضاء] (15/34)
صفحة 3705
الباب الثامن
في الجماعة الذين يجوز لهم أن يصلوا الجمعة
ومن- جامع أبي محمد- والجمعة تنعقد باثنين فما فوقهما، لأن الجماعة تنعقد باثنين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الاثنان فما فوقهما جماعة» وقوله عليه السلام: لما رأى رجلين يصليان جماعة فقال: «هذان جماعة» ففي هذا الخبر دليل على أن كل جماعة في جمعة أو غيرها تنعقد باثنين، وفيه دليل آخر يدل على الاثنين جمع. وقد قال أكثر أصحابنا: إن صلاة الجمعة لا تنعقد باثنين، حتى يكون أكثر من ذلك، وأقل ما قالوا مع اختلافهم ثلاثة إمام ومأمومان، ومن الكتاب، وأقل ما تصح به الجمعة من العدد ما يقع عليه اسم عدد من الرجال لقول الله جل ذكره: (إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه). وأقل ما تنعقد بأربعة أنفس، مؤذن يدعو إليها، وإمام ورجلان، أقل الجمع، والله أعلم. وإن حضر الجمعة رجلان رجوت أن يجزيء، لأن الاثنين يقومان خلف الإمام مقام الجماعات الكبيرة، وإذا لم يبق مع الإمام إلا النساء لم تكن جمعة، لأن الجمعة لا تنعقد. إلا بالمخاطبين بها، لأن المتعبد له شرط في تجويز صلاة الجمعة، كالإمام فحكمهم حكم الإمام. فمن لا يصلح أن يكون إماما فيها لم يجز أن يكون شرطا في تجويزها. (15/35)
صفحة 3706
[صفحة بيضاء] (15/36)
صفحة 3707
الباب التاسع
في صفة صلاة الجمعة
ومن –جامع ابن جعفر- وصلاة الجمعة ركعتان يجهر الإمام فيهما بقراءة فاتحة الكتاب وما تيسر من القرآن. ومن غيره، ومن السنة في الجمعة أن الخطبة متصلة بالأذان، والإقامة متصلة بالخطبة والصلاة متصلة بالإقامة لا فرق بينهن، وقد كان بعض المبتدعين صلى ركعتين بعد الآذان، واتبعه الناس على ذلك، ثم إن محمد بن محبوب غير تلك البدعة. ومن غيره، وقد قيل في صلاة الجمعة أنه يبدأ بالأذان، ثم الخطبة ثم الإقامة ثم الصلاة متصل ذلك بعضه ببعض لا يفرق بينه. (رجع إلى كتاب بيان الشرع) ومن –كتاب الإشراف- قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على ان صلاة الجمعة ركعتان، وجاء الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال: صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم)، وقد خاب من افترى، وقد اختلفوا فيما يقرأ به صلاة الجمعة فكان الشافعي وأبو ثور يقولان: في حديث أبي هريرة أنه كان يقرأ سورة الجمعة، و (اذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُون). وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مالك: أما الذي جاء به الحديث: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ). مع سورة الجمعة، والذي أدركت عليه الناس (سبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى). واختلف فيمن أدرك من الجمعة مع الإمام، فقالت طائفة من لم يدرك الخطبة صلى أربعا، روي هذا القول عن عطاء وطاووس ومجاهد ومكحول. وقالت طائفة: إذا أدرك من صلاة الجمعة ركعة، أضاف إليها أخرى، وإن أدركهم جلوسا صلى أربعا. هذا قول ابن مسعود وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب والحسن البصري (15/37)
صفحة 3708
وعلقمة والأسود وعروة بن الزبير والنخعي والزهري ومالك بن أنس وسفيان الثوري. والشافعي وأحمد واسحق وأبي ثور، وقال الاوزاعي إذا أدرك التشهد صلى أربعا، وفيه قول ثالث، وهو ان من أدرك التشهد مع الإمام، صلى ركعتين.
روي هذا القول عن النخعي، وبه قال الحكم وحماد والنعمان. قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة»، فبهذا نقول وهذا قول جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا إنه من أدرك من الصلاة شيئا فقد أدرك صلاة الإمام، من قصر أو تمام أو جمعة. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته» فكل شيء أدركه من الصلاة، مما لا تتم الصلاة إلا به، ولا تقوم إلا به، ويكون به داخلا في الصلاة ثبت عليه حكمه في السنة، ولا معنى للركعة من غيرها، لقوله: «فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته».
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- ومن أدرك الإمام، وهو في التشهد فقد أدرك الجمعة، ويقضي ركعتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فيصل ما أدرك، وليبدل مافاته» ومن –الكتاب- ومن أدرك من صلاة الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى وتمت صلاته، ومن أدرك التشهد صلى أربعا، وفاتت الجمعة، وهذا مذهب علي بن أبي طالب، وبين أصحابنا في هذا اختلاف، وقد كان من الصحابة من يخالف عليا في هذه المسألة، وكان يرى أن أدرك التشهد، فقد أدرك الجمعة، ويأتي بركعتين والله أعلم بالأعدل من القولين. وقل من تعسف لمذاهب السلف بغير علم إلا حرم التوفيق. (15/38)
صفحة 3709
الباب العاشر
في خطبة العيد والجمعة
وسئل أبو سعيد عن الذي يصلي في العيدين، ما أفضل له؟ أن يخطب قائما أو قاعدا؟ كان في الجبان أو في القرية؟ قال نعي، إنه يخطب قائما أفضل، وقال بعض: إنه لا يجوز له أن يخطب، وهو قاعد، لأنه في الصلاة، والصلاة قائما ثم وهو أكثر القول، أنه يقوم إذا قدر عليه، وأما الجمعة فلا تجوز الخطبة فيها إلا قائما ولا أعلم غير ذلك، قيل له: فالذي يخطب في العيد، وكان يستحيى، هل له أن يقعد؟ قال: على قول من يقول بذلك يجوز له، ويكره الكلام في العيدين. والجمعة عند الخطبة، قلت له: فإن دعا أو تشهد. قال: يكون ذلك في نفسه. ورأيته يحب أن لا يتكلم. قيل له: فالخطبة بعرفة والجنائز، ومواضع التذكرة، هل تلحق بالعيدين والجمعة في لزوم القيام، أم هذا يكون مخيرا. قال: معي، أن هذا مخير لأن دلك ليس بلازم.
مسألة: واعلم أن الخطبة لا يدعى فيها إلا لأهل الولاية، فمن دعا لأئمة الجور في خطبته، غير مكره على ذلك لم يجز له ذلك، فإن كانت له ولاية استتيب من ذلك، فإن لم يتب تركت ولايته، والله أعلم بالبراءة منه.
مسألة: ويقال الخطبة يوم النحر أقصر وأوجز، قال وخطبة يوم الفطر لا بأس أن أطالها على خطبة يوم النحر، ولا يشتم الناس ولا يبرأ منهم. قال: وخطبة العيد سنة، وقال من قال إنها فريضة لقول الله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر) الهدي (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر) فبل صلاة العيد وانحر البدن، وقيل الكوثر (15/39)
صفحة 3710
نهر للنبي في الجنة، قيل من أراد أن يسمع خريره فليجعل أصبعه في أذنه.
مسألة: وسئل، هل يخطب خطبة العيد من لا يوثق به؟ قال أحب إلينا ألا يلي أمور المسلمين إلا الثقة، فإن خطب بهم غير الثقة فذلك يجزئهم إن شاء الله.
مسألة: وقال يجزيء الخطيب في صلاة العيد أن يقول: الحمد لله ولا إله إلا الله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات ويجزيء ذلك في خطبة العيد، وقيل إن علامة الخطيب قصر خطبته وطول صلاته. قلت: فطول صلاته كيف المعنى في ذلك؟ قال: تطويل الركوع والسجود وغيره.
مسألة: قال أبو سعيد: الذي نحفظ أن قول الحمد لله ولا إله إلا الله وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وسلم، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، أنه يجزيء ذلك عن خطبة العيد، قال: وقد قيل من علامة فقه الرجل قصر خطبته، وطول صلاته، قيل له: فما معنى قوله وطول صلاته؟ قال: معي، إنه يخرج أنه يطول في ركوعه وسجوده. قيل له: فما أفضل تطويل الركوع أو السجود أو القيام في صلاة النافلة؟ قال: قد اختلفوا في ذلك. فقال من قال: أفضل الصلاة، أفضلها-لعلة- أطول قنوتا. وقال من قال: الركوع والسجود أفضل في إطالته، وتخفيف القيام، وقال من قال: إنه يصلي صلاة وسطا، ويوجز خوف الحوادث.
مسألة: وسألته عن صلاة العيد، وصلاة الجمعة. ركعتين هل يجوز أن يخطبهم غير الذي يصلي بهم من غير عذر يعرض للإمام يصلي بهم؟ قال: معي، إنه يجوز لهم ذلك، قلت له: ولو كان الخطيب لم يحضر الصلاة عندهم فهو جائز. قال: أما صلاة الجمعة فجائز، ولو لم يحضر الصلاة عندهم، فهو إذا عرض معنى من نقض وضوء أو غير ذلك، ولو لم يحضر عندهم الصلاة، وأما في العيدين، فلا يعجبني إلا لمن حضر الصلاة، لأنه تمام الصلاة، ولا يكون تمام إلا بأول، قلت له: فإن فعلوا ذلك وانصرفوا، أترى عليهم الإعادة؟ قال: فمعي، إنه لا تتم صلاتهم، صلاة العيد، وأحب الإعادة. قلت له: وكذلك (15/40)
صفحة 3711
الخطيب يوم الجمعة، إذا انصرف بغير عرض له، وصلى بهم غبره، أترى عليهم الإعادة؟ قال: فلا يبين لي ذلك، وتفسد صلاته وحده إذا خرج بغير عذر، إلا أن يبدأ الصلاة مع الإمام فيصلي ما أدرك، ويبدل ما فاته من صلاة الجمعة.
مسألة: وأفضل صلاة العيدين ما بكر فيهما بعد شروق الشمس إلى ربع النهار، فإن تأخر في الربع الثاني إلى أن ينتصف النهار، فقد أخر، ولا نحب أن يتعدى نصف النهار، وإن كانت الصلاة في ربع النهار، وأطال الخطبة إلى الزوال لم نر عليهم نقضا، ولا ينبغي أن يفعل ذلك الخطيب.
مسألة: وينبغي للخطيب أن يوجز في خطبته، وخطبة يوم النحر أقصر وأوجز، وخطبة يوم الفطر لا بأس أن أطالها على خطبة النحر، من غير أن يسئم، ولا ينبغي للمذكر في كل مجلس من مجالس الذكر أن يحمل على الناس السآمة والإطالة إلا أن يكون يعلمهم دينهم ويفقههم فيه، فلا بأس بذلك، وروي عن جابر بن زيد أنه قال: لليل حديث وللنهار حديث، فأما حديث الليل فالدعاء والرغبة والتخويف، وأما حديث النهار فالفقه في الدين، وذكر ما وقعت فيه الأمة من الاختلاف والضلال والفتنة، وشرح الإسلام وبيان الحق.
مسألة: وخطبة العيدين، من بعد الصلاة كذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مسألة: ولو خطب الإمام وصلى بعد الخطبة، لكان مخالفا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى نقضا عليهم، ولا نحب أن يفعل هذا، فإنما هي بدعة عثمان.
مسألة: ومن صلى بالناس وأراد أن يجتزئ بالقراءة عن الخطبة، فلابد من الخطبة ولا تجزئة القراءة، ويجوز أن يصلي ويأمر غيره بالخطبة، وإن خطب هو كان أحسن.
مسألة: وكل من شهد خطبة العيد استقبل القبلة، ولا يستدبرها إلا الإمام الذي يلي الخطبة، فإنه لابد له أن يستقبل الناس، وكذلك الخطيب يدبر بالقبلة ويستقبل الناس. (15/41)
صفحة 3712
مسألة: وعلى الناس أن ينصتوا في العيدين إذا قام الخطيب، كما ينصتون في الجمعة، سمعوها أو لم يسمعوها.
مسألة: وإن خطب العبد بإذن سيده خطبة العيدين، فلا بأس، وإن كان بغير رأي سيده فانصرفوا على ذلك فعليهم إعادة الصلاة.
مسألة: وأحب ألا يلي أمور الناس إلا الثقة، فإن خطب بهم غير الثقة فذلك يجزئهم إن شاء الله تعالى.
مسألة: وخطبة العيد سنة، وقيل إنها فريضة.
مسألة: وخطبة العيد وكل خطبة فلا يقرأ السجدة، فإن فعل وقرأ سجد وسجد من خلف
مسألة: ولا يخطب للعيدين إلا قائما، ولا يخطب إلا واحد، ولا يخطب اثنان ولا ثلاثة، فإن خطب اثنان أو ثلاثة، فلا نقض عليهم.
مسألة: وإن أحدث الخطيب وهو في خطبة العيدين فليتم خطبته.
مسألة: ومن خطب في العيدين أو الجمعة فليرسل يديه إرسالا، ولا يشير بهما في دعائه في خطبة الجمعة، إلا أن يشير بكفيه في العيدين، ولا يرفع كفيه فإن فعل، فلا بأس بذلك.
مسألة: والذي يطلع المنبر يقدم رجله اليمن فيضعها على العتبة، وإن أمسك بالعود من المنبر في خطبة أو غير خطبة فجائز.
مسألة: ولا بأس إن إتكأ الخطيب على سيف أو خشبة، وأحب ألا يمسك بشيء إذا أمكنه ذلك، فإن ضعف وأمسك، فلا بأس.
مسألة: وقال محمد بن محبوب: لا أعلم أن الكلام مكروه في الخطبة يوم العيد. ومن غيره، وعلى الناس أن ينصتوا في العيدين إذا قام الخطيب، لما ينصتون في الجمعة سمعوها أو لم يسمعوها. (15/42)
صفحة 3713
مسألة: ومن –جامع ابن جعفر- ويكره الكلام والقراءة والإمام يخطب يوم العيد.
مسألة: يوجد قال علي: من حضر خطبة العيد أن ينصت كما ينصت لصلاة الجمعة. قال غيره، من -كتاب الإشراف- ذكر. عدد خطب الحج. قال أبو بكر: كان مالك يقول يخطب الإمام قبل يوم التروية بيوم، ويوم عرفة والغد من يوم النحر، ووافقه الشافعي في خطبة يوم سابع، ويوم عرفة وقال يخطب يوم النحر إذا صلى الظهر، ويوم النفر الأول بعدما يصلي الظهر. وقال أبو بكر: يخطب يوم سابع ويوم عرفة ويوم النحر.
قال أبو سعيد: لا أعلم في قول أصحابنا على الإمام خطبة في أيام الحج مؤكدة، إلا أنه أحسن يوم اجتماع الناس في كل موطن، إذا كان أمكن أن يخطب الناس ويعظهم ويعلمهم ظواهر من حجهم، المعنى به الناس في وقتهم. ومن –كتاب الإشراف- قال أبو بكر: روينا عن ابن عمر وأنس بن مالك، أنمهما كانا يستقبلان الإمام إذا خطب يوم الجمعة، وهذا قول شريح وعطاء، وبه قال مالك وسفيان الثوري. والأوزاعي وسعيد ابن عبد الرحمن. وابن بدير ابن أبي مريم والشافهي واسحق وأصحاب الرأي، وهذا الإجماع.
قال أبو سعيد: هكذا يخرج عندي في معاني قول أصحابنا في فعلهم وقولهم: أن الخطيب يستقبل الناس بالخطبة، والناس يستقبلونه كهيئتهم في الصلاة، إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن ذلك فلا أجد مانعا يمنع ذلك، لأنه قد خرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا، ولعله من غيرهم أنه لو لم يحضر الخطبة وأدرك الصلاة، أن صلاته تامة، وكذلك لو أدرك منها مع أصحابه ركعة أوحدا، أبدل صلاة الجمعة بتمام الركعتين بقراءة فاتحة الكتاب والقرآن.
(فصل)
وجدت مكتوبا تتبعت خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدت أوائل أكثرها (الحمد (15/43)
صفحة 3714
لله نحمده ونستعينه، ونتوكل عليه، ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ من شر أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) ووجدت بعضها (أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته) ووجدت في خطبة له بعد الحمد والثناء عليه (يأيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن المؤمنين بين أجل مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته. ومن الشبيبة قبل الكبر. ومن الحياة قبل الموت. والذي نفس محمد بيده ما بعد الموت مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار). ووجدت كل خطبة مفتاحها الحمد، إلا خطبة العيد فإن مفتاحها التكبير، وتكبير الإمام قبل أن ينزل من المنبر أربع عشرة تكبيرة.
(فصل)
قلت له: ويجوز للمقيمين أن يتخلفوا عن سماع الخطبة إذا صلوا مع الإمام صلاة الجمعة بلا خطبة ويجزئهم ذلك عن صلاة الجمعة، أم لا تكمل صلاة الجمعة إلا باستماع الخطبة؟ قال: معي، إنه قد قيل من أدرك الصلاة مع الإمام فقد أدرك، ولو لم يستمع الخطبة، ويكون جامعا.
مسألة: ومن- جامع أبي محمد- والمستحب للخطيب أن يتوكأ على قوس أو عصاه أو سيف، تأسيا برسول الله)، وإذا أخذ الإمام في الخطبة قطع الناس الكلام، واستقبلوا ما كانت وجوههم إلى القبلة، ولا أعلم أن أحدا رخص في الانحراف عنه. ومن-الكتاب- وأقل الخطبة التي تصح بها الجمعة، وتنعقد بها صلاة العيدين، ويتم بها النكاح، ما حفظنا عن الشيخ أبي مالك- رحمه الله- وهي: الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم، اللهم اغفر لنا ولجميع المسلمين. قال أبو حنيفة: تجزيء تسبيحة لأنها ذكرا لله، وعندي أن تسبيحة واحدة لا يقع عليها اسم خطبة. ومن –الكتاب- فإن قال أفتصلي ركعتين أو أربعا بغير خطبة؟ قيل له: بل تصلي بهم ركعتين بعد خطبة يوحد الله فيها، ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين. ومن-الكتاب- وإن قرأ الإمام وهو يخطب يوم الجمعة آية فيها سجدة، فلا بأس أن يقول ويسجدها، لأنه لو قرأها في الصلاة سجدها، (15/44)
صفحة 3715
والخطبة أولى بذلك، ومن –الكتاب- وروي أن عليا خطب قبل الزوال، والذي نذهب إليه أنه لا تجوز الخطبة للجمعة قبل الزوال لإجماع عمل الأمة على ذلك، وما روي من فعل علي من تقديم الخطبة قبل وجوب الصلاة، فلم يرد الخبر بمجيء الأخبار التي ينقطع بها العذر، وإن صح بفعل غيره من الصحابة أولى أن يتبع، لأن الحجة تؤيده، ولا تجوز الخطبة للجمعة إلا من قائم، وقد روي أن عليا خطب قائما فلم يجلس فإن قال قائل: أن عليا خطب قائما فلم يجلس لأنه قد كان يخطب. من الناس من يجلس في خطبته كلها حتى يفرغ فلذلك. روي أن عليا كان يخطب قائما. قيل له: هذا غلط منك في معنى الخبر وسوء تأديب ذهبت إليه، لأن الناس اختلفوا في الخطبة، فقال قوم جلسة خفيفة، وقال قوم لا جلوس فيها، وإنما فعل ذلك عثمان في آخر أيامه للكبر، وقال قوم إنما ذلك أحدثه معاوية، والصحيح أن معاوية هو الذي أحدث الجلوس بعد علي، وكذلك روي على سبيل الإنكار لفعله، إن عليا كان يخطب قائما، ولو كان للخطبة جلسة خفيفة، كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، لروي أن عليا خطب قائما إلا مقدار الجلسة التي ادعاها مخالفونا فلما لم يرد ذلك صح ما قلنا، وإن فائدة الخبر إجراؤه على ظاهره إذ لا دليل لمن ادعى فيه تخصيصا. ويؤيد على التأويل الذي ذهبنا إليه قول الله تعالى مخاطبالنبيه بذلك: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِما). في حال الخطبة، لا خلاف بين أحد من أهل القبلة في ذلك، وبالله التوفيق، وقد جاءت الروايات الصحيحة مع بعض مخالفينا أن أبا بكر وعمر كانا لا يقعدان في الخطبة، وأول من قعد معاوية، وروي عن الشافعي أنه قال خطب معاوية جالسا حين كثر شحم بطنه ولحمه، وعن طاووس قال الجلوس يوم الجمعة بدعة، وأول من فعله معاوية ثم رووه من بعده. ومن-كتاب الإشراف-قال أبو بكر: واختلفوا في الإمام يخطب ويصلي غيره، فكان سفيان الثوري، وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون: لا يصلي إلا من شهد الخطبة، وقال الأوزاعي يصلي الجمعة من لم يحضر الخطبة، وقال أحمد إن شاء قدم من شهد الخطبة أو لم يشهد الخطبة إذا كان عذر، ولا يعجبني ذلك إلا من عذر، وقال الشافعي: إذا دخل المأموم قبل أن يحدثه فإن له أن يصلي بهم ركعتين وتكون له جمعة.
قال أبو سعيد: معي، أنه يخرج في معاني الإتفاق من قول أصحابنا إنه جائز أن يكون الخطيب غير الإمام الذي يصلي، وجائز أن يكون الخطيب والإمام في الصلاة غير الإمام المنصوب له الإمامة، إذا كان ذلك بأمر من الإمام. ومعي، إنه يخرج في (15/45)
صفحة 3716
معاني قولهم: في الأمر أنه لا يخطب الخطيب حتى يحضر الإمام الذي يصلي، وأرجو أنه قولهم: إنه إن فاته استماع الخطبة أو شيء منها إذا وافي الصلاة حتى يفرغ الخطيب من خطبته، إنه لا يكون بين الخطبة وبين الصلاة قطع، إلا بمعنى مالا يكون قطعا للصلاة، وقد قيل أنه من حين يسكت الخطيب، يأخذ المؤذن في الإقامة، ويقوم الإمام في الصلاة، فإذا وافى هذا المعنى خرج عندي من معنى قولهم: إنه قد أدرك الصلاة لأنه كواحد حضر الجمعة. (15/46)
صفحة 3717
الباب الحادي عشر
في الداخل في المسجد والإمام يخطب
من –كتاب الإشراف- واختلفوا في المرء يدخل يوم الجمعة في المسجد، والإمام يخطب فقال الحسن البصري، يصلي ركعتين، وبه قال مكحول بن عقبة والمغيرة والشافعي والحميري وأحمد واسحق وأبو ثور، وطائفة من أهل الحديث. وقالت طائفة: يجلس ولا يصلي هذا قول محمد بن سيرين وعطاء بن رباح وشريح الكندي. والنخعي ومالك. وقتادة والليث بن سعد. وسعيد بن عبد العزيز والنعمان. وقال أبو مخلد إن شئت ركعت، وإن شئت جلست، وقال الأوزاعي من ركعهما في بيته ثم دخل المسجد والإمام يخطب قعد، ولم يركع وإن لم يكن ركع ركع إذا دخل المسجد. قال أبو بكر: يركعها. للثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل دخل المسجد: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليركع ركعتين». وقد روينا عن ابن عمر، أنه كان يصلي قبل الجمعة اثنتي عشرة ركعة، وعن ابن عباس أنه كان يصلي ثماني ركعات. وعن ابن مسعود أنه كان يصلي أربع ركعات ويأمر بعد ذلك يصلى ما شاء الله، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إباحة الصلاة والأمر بها قبل الجمعة في الوقت الذي تجوز فيه الصلاة، ولا أعلم في ذلك حدا موقوتا، وفي بعض قولهم: إنه لا بأس والخطيب يخطب يوم الجمعة، وفي بعض قولهم إن ذلك حدث وبدعة، لعل المعنى فيه أنه لم يكن في الأصل، وإن لم يكن (15/47)
صفحة 3718
بدعة مكفرة، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجل بالصلاة وثبت ذلك فهو أولي ما استجيز وعمل به، ويخرج ذلك عندي لتحية المسجد، لأنه قد ثبت عنه أنه قال: لكل شيء تحية وتحية المسجد ركعتان إذا دخله الداخل، لم يقعد حتى يصليها في بعض الرواية، ولا أعلم لزوم ذلك فرضا، ويخرج عندي من الفضائل، وعندي أنه ما لم يحرم الإمام فالصلاة غير محجورة. في المسجد، إلا أن ترك الصلاة يخرج في معاني الأصول أنه أصح إذا قام الخطيب يخطب، لأن الصلاة ذكر لا صمت، كذلك معاني الاتفاق يوجبه، والصمت غيرها، وحق الجمعة الصمت، منذ يقوم الخطيب يخطب إلى تمام الصلاة، وإذا ثبت معنى هذا فالداخل كالقاعد في المسجد قبل ذلك.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- فإن قال: فإن نهى الإمام الجبار عن الصلاة، هل تجوز الصلاة خلفه؟ قيل له: ليس للإمام أن ينهي الجبار عن صلاة ليس هو حاضر لها، لأن في ذلك إضاعة الفرض وترك إقامة الصلاة، فإن قال: أليس الخطبة تقوم مقام ركعتين، وهم يعصون الله فيها، ولا يجوز أن يكونوا مأمورين بذلك؟ قيل له: ليس الخطبة تقوم مقام ركعتين، لأنها لو كانت بدلا من الركعتين، لكان لمن لم يدرك الخطبة أن يعيدها أربعا، وأيضا فلو كانت تقوم مقام ركعتين، لجاز أن يقال بعض الصلاة يستقبل بها القبلة، وبعضها يستبدر القبلة بها. ومن –الكتاب- ومن دخل المسجد والإمام يخطب يخطب جلس وأنصت، ولم يركع لقول النبي صلى الله عليه وسلم «إذا قال الرجل لصاحبه أنصت والإمام يخطب فقد لغا». معنى هذا الخبر دليل على غلط الشافعي في تجويز صلاة التطوع والإمام يخطب، إذا كان ممنوعا من الأمر بالمعروف مع وجوبه، كان من صلاة التطوع أشد منعا، والله أعلم. فإن تعلق بخبر رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن سليك الغضفاني قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قم فاركع ركعتين ولا تعد لمثل هذا». يقال له: إن صح هذا فقد منعه إلى العود إلى مثله، وقد روي من طريق جابر، أنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، ولم يذكر أنه قال له وهو يخطب، فهذا يوجب أن يكون كان في غير الخطبة. ومن –الكتاب- ولا يجوز أن يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام (15/48)
صفحة 3719
يخطب، أن يركع ولا يتخطى رقاب الناس.
مسألة: ومن –جامع ابن جعفر- ويكره أن يصلي الرجل والإمام يخطب في المسجد، ولكن يخرج من المسجد إن شاء فليصل وإن صلي، فلا بأس. ومن غيره، قال محمد بن المسبح: يستمع أفضل من خروجه للركوع.
مسألة: ومن السنة في الجمعة، أن الخطبة متصلة بالإقامة، لا فرق بينهن، وقد كان بعض المبتدعين صلى ركعتين بعد الأذان وأتبعه الناس على ذلك، وإنما ذلك كان بعمان خاصة، وأدركنا ناسا على ذلك. ثم إن محمد ابن محبوب-رحمه الله- غير تلك البدعة، ورد الناس إلى الأمر الأول-رحمه الله- وقد قال بعض الفقهاء: لو أن الخطيب خطب يوم الجمعة خطبة، ثم اشتغلوا عن الصلاة بأمر عناهم كان عليهم أن يعيدوا الخطبة، ولو خطبة موجزة.
مسألة: ومن –جامع ابن جعفر- وقيل أن أول من أحدث القعود على المنبر يوم الجمعة عثمان، وذلك في الخطبة، لما كبر جعل يقعد ويتروح ولا يتكلم، حتى ينهض. ومن-الكتاب- وقيل: إذا لم يخطب الإمام، ولم تكن خطبة، صلى أربعا ولابد من الخطبة يوم الجمعة، حيث تلزم الجمعة، وأقل ذلك، أن يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، ثم يقوم ذلك مقام الخطبة، وما كان دون ذلك فليس عندي خطبة. ومن-الكتاب- والخطيب يوم الجمعة له إذا قام أن يقول للناس: السلام عليكم ورحمة الله، ولم نسمعهم يرفعون أصواتهم بذلك. ولا يسلمون إذا انقطع الكلام، وأكثر ما كنا نسمعهم يختمون به كلامهم (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) إلى تمام الآية، ولا يستحب للخطيب أن يأمر ولا ينهى، ولا يعرض للناس في خطبته، إلا كنحو ما يكون من المخاطبة في القرآن بالموعظة، فإن فعل فلا نقض عليه. عندنا حتى يلغو، وقد أجازوا له أن يعظهم في كلامه ببيت الشعر وغيره، وترك ذلك، وترك الروايات أحب إلي. ومن غيره، وقد قال بعض الفقهاء: ولو أن الخطيب خطب (15/49)
صفحة 3720
يوم الجمعة ثم اشتغلوا عن الصلاة بأمر عناهم، كان عليهم أن يعيدوا الخطبة، ولو خطبة موجزة. ومن- الكتاب- وعن أبي أيوب قال: الإمام لا يتكلم إذا مضى إلى المنبر يوم الجمعة.
مسألة: ومن غيره، وعن أبي الحواري- رحمه الله- قال: أما خطبة الجمعة، فإنه حدثنا نبهان بن عثمان، عن الإمام الصلت بن مالك، أنه يحفظ أن) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ). تقوم مقام خطبة الجمعة. قال غيره: ومعي، أنه إذا أجزأ ذلك في صلاة الجمعة، ففي صلاة العيدين أحرى أن تجزيء.
خطبة لأبي بكر- رحمه الله- عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر- رحمة الله عليه- فقال: أما بعد. فإني أوصيكم بتقوى الله وحده، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، تخلطوا الرغبة بالرهبة ()، ولا تبخلوا بالمسألة، فإن الله أثنى على نبيه زكريا، وأهل بيته فقال: (كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً) (الأنبياء:90)، ثم اعلموا أن الله ارتهن بخلقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم، لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره، فصدقوه وانتصحوه واستضيئوا به ليوم الظلمة، ثم اعلموا أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم، فإن استطعتم ألا ينقضي إلا وأنتم في عمل الله، فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل فإن قوما جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم فإياكم أن تكونوا أمثالهم، والوحاء الوحاء والنجاء النجاء. فإن من ورائكم طالبا وحثيثا سريعا، أين من تعرفون من إخوانكم قد انتهت عنهم الآمال، وردوا على ما قدموا وحلوا عليه بالشفاء والسعادة أين الجائرون- نسخة- الجبارون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط قد صاروا. (15/50)
صفحة 3721
الباب الثاني عشر
في الخطبة لسلطان عدل أو جائر
وفي الجلوس بين الخطبتين
وعن من دعا للسلطان فقال: اللهم اجعله صالحا ومصلحا، أو قال انصره على ما وليته، هل يبرأ من هذا؟ أو قال: كنيت غيره، وهو خطيب له على رؤوس الناس؟ فاعلم أن الخطبة لا يدعى فيها إلا لأهل الولاية، فمن دعا لأئمة الجور في خطبته غير مكره على ذلك. لم يجز له ذلك، ولم يقبل منه، فإن كانت له ولاية استتيب عن ذلك، فإن لم يتب تركت ولايته، والله أعلم بالبراءة منه.
مسألة: ومن- كتاب الإشراف-ذكر عدد الخطبة يوم الجمعة، والجلسة بين الخطبتين. قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يخطب الخطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس، وقد اختلفوا فيه، وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ما جلس النبي صلى الله عليه وسلم على منبر حتى مات، ما كان يخطب إلا قائما، فأول من جلس عثمان بن عفان في آخر زمانه حين كبر، وكان هنيهة ثم يقوم، وكان المغيرة بم شعبة يجلس على المنبر، ويؤذن له ابن التياح، فإذا فرغ قام المغيرة فخطب، ثم لم يجلس حتى ينزل، قال أبو بكر: والذي عليه عمل الناس بما تفعله الأئمة اليوم.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: أن القعود في الخطبة حدث فيما يخرج من قولهم: أنه لم يقعد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان في أول أيامه، إلا أنه لما كبرت سنه فيما قيل: كان يقعد يروح بذلك، (15/51)
صفحة 3722
فالواجب أن يتبع على ما مضى عليه النبي صلى الله عليه وسلم والخليفتان وعثمان قبل كبر سنه، ولا يقتدى به في موضع العذر إذا كان له عذر لأن هذا ثابت فيما قيل: إنه إنما كان ذلك حين كبرت سنه، فإن كان له عذر فلا يقتدى بمن كان له عذر، وإن كان محدثا عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخليفتين، فأحرى ألا يقتدى به في المخالفة. ومنه، قال أبو بكر: روينا عن الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يخطب يوم الجمعة ما قل أو كثر. وقد ذكرنا قول عطاء، ويجزيء عن مالك والأوزاعي وإسحق وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور خطبة، وفي هذه المسألة قولان أخران، أجدهما. قول الشافعي: وهو أن لا يجزيء إلا خطبتين يفصل بينهما بجلوس، وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة منهما أن يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويوصي بتقوى الله، ويقرأ شيئا من القرآن، وفي الأولى يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي بتقوى الله، ويدعو في الآخرة، والقول الآخر: قول النعمان، وهو أن يخطب يجزيء أن يخطب بتسبيحة واحدة، قال أبو بكر: قول النعمان لا معنى له، وأرجوا أن تجزئه خطبة.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا فيما يجزئه من الخطبة في الجمعة، وما تثبت به الخطبة، أنه أقل ذلك، أن يحمد الله ولو يحمده مرة واحدة ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ولو مرة واحدة، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات ولو مرة واحدة، وقد ثبتت الخطبة في هذا القول. وفي بعض قولهم: حتى يأتي بهذا ويتشهد ويوحد الله مع هذا، وفي بعض قولهم. حتى يحمد الله ويوحده ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. ويقرأ هو ما كان من القرآن، ولا أعلم في قولهم: إنه إذا اتفق له بهذا إلى خطبته فحمد الله وحده، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، واستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، وقرأ آية أو ما يقوم مقام الآية، إلا وقد كملت خطبته وقامت مقام خطبته. ومنه، قال أبو بكر: كان ابن الزبير إذا رقى المنبر سلم، وفعل ذلك عمر بن عبد العزيز، وبه قال الأوزاعي والشافعي وأحمد، وأنكر ذلك مالك، وكان لا يراه.
قال أبو سعيد: الذي معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا قام (15/52)
صفحة 3723
الخطيب على المنبر بموضع الخطبة، أن يسلم على الناس، ولا أعلم كراهية ذلك من أحد، إلا أنه إن لم يفعل ذلك فلا يبلغ به عندي إلى نقصان حال في خطبة ولا غيرها. ومنه، قال أبو بكر: واختلفوا في نزول الإمام لسجدة يقرأها، فروينا عن عثمان وأبي موسى الأشعري وعمار بن ياسر وعقبة ابن عامر، أنهم نزلوا فسجدوا، وبه أصحاب الرأي، وقال مالك بن أنس، ليس العمل على أن ينزل إلا إذا قرأ السجدة على المنبر فيسجد. وقال الشافعي لا ينزل ولا يسجد: فإن فعل رجوت له أن لا يكون به بأس. قال أبو بكر: إن نزل فسجد رجوت له الثواب، وإن لم ينزل فلا شيء عليه، نزل عمر وترك أن ينزل، وهذا بين وله على إباحة ذلك حديث يدل يترك النزول على أن ذلك ليس بفرض. قال أبو سعيد: ولا أعلم أنه يحضرني من قول أصحابنا في مثل هذا الشيء معروف، إلا أنه يعجبني معنى ما قالوه من الاختلاف، ويعجبني أن يسجد الإمام الذي يقرأ السجدة على المنبر ولا ينزل، ولا يترك السجدة، وإن ترك فلا أجد مانعا في معاني ما قيل في ذلك، وسجوده على المنبر أحب إلي وإن يمكنه إلا الإيماء على المنبر أعجبني أن يكون له أن ينزل ويسجد لثبوت معنى السجدة في الفريضة إذا قرأها الإمام، وإن ترك السجود في الخطبة لم يتعر عندي من الاختلاف في كراهية ذلك، وأما فساد صلاته، فلا يبين لي ذلك، والله أعلم، لأنه قد قيل لو تركها الإمام في صلاة الفريضة عامدا كان قد أساء في بعض القول، ولا إعادة عليه، وقيل: عليه الإعادة إذا تركها عامدا، وإن تركها ناسيا فلا إعادة عليه.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا فيما يجزئه من الخطبة في الجمعة، وما تثبت به الخطبة أنه أقل ذلك أن يحمد الله، ولو يحمده مرة واحدة، وقد ثبت الخطبة في هذا القول. وفي بعض قولهم، حتى يأتي بهذا ويتشهد ويحمد الله مع هذا، وفي بعض قولهم حتى يحمد الله ويوحده، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويقرأ ما كان من القرآن، ولا أعلم في قولهم: إنه إذا اتفق له هذا إلى خطبة، فحمد الله وحده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، واستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، وقرأ آية (15/53)
صفحة 3724
أو ما يقوم مقام الآية، إلا وقد كملت خطبته وقامت مقام خطبته.
مسألة: وعن أبي الحواري- رحمه الله- قال: أما خطبة الجمعة، فإنه حدثنا نبهان بن عثمان عن الإمام الصلت بن مالك، أنه يحفظ أن (قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد) تقوم مقام خطبة الجمعة. قال أبو الحواري: وأحسب أن الصلت بن مالك يحفظ هذا عن سعيد بن المبشر. قال غيره: وإذا أجزأ ذلك في الجمعة فصلاة العيدين أحرى تجزيء، قد تقدم القول في ذلك.
مسألة: ومن –جامع ابن جعفر- وإذا صلوا العيد جماعة، فلا بد أن يتكلم بهم رجل منهم بما فتح الله من الكلام. ومن غيره، قال محمد بن المسبح: إذا اجتمعوا فصلوا فصلى بهم أحدهم، ولم يحسنو الخطبة، قرأ أحدهم سورة من المفصل وغيره.
مسألة: ومن –جامع أبي الحسن- وإذا اجتمع جماعة صلوا جماعة صلاة العيد، ويؤمرون بالخطبة، وإن لم يحسنوا الخطبة قرأوا القرآن.
مسألة: ومن صلى بالناس فأراد أن يجتزئ بالقراءة عن الخطبة فلابد من الخطبة ولا تجزئه القراءة. (15/54)
صفحة 3725
الباب الثالث عشر
في الخطبة أنها لا تقوم مقام ركعتين
ومن-كتاب الإشراف- قال أبو بكر: كان البصري يقول: تجزئهم جمعتهم خطب الإمام أو لم يخطب قال غيره: إذا لم يخطب الإمام صلى أربعا، كذلك قال عطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة وسفيان والثوري والشافعي وأحمد واسحق وأبو ثور ويعقوب ومحمد، وقد روينا عن سعيد أنه قال: الجمعة أربعا فجعلت الخطبة في الجمعة مكان الركعتين.
قال أبو سعيد: معي، أنه يخرج في معاني قول أصحابنا، أنه لا يجوز ترك الخطبة في الجمعة، وإنه إذا لم يخطب الإمام صلى أربعا، وإنهم إن صلوا ركعتين بغير خطبة أو ما يشبهها من معاني الذكر، إن عليه الإعادة، ولا جمعة له، وفي بعض معاني قولهم: أن الفرض في الظهر يوم الجمعة أربع ركعات، فقامت الخطبة مقام ركعتين، وثبتت الجمعة ركعتين، وقال بعضهم: ليس هكذا: ولكن الجمعة لا تكون إلا بالخطبة، وهكذا جاءت السنة. لا نقول أن الخطبة تقوم مقام ركعتين، ولو ثبت ذلك لم يكن من لم يدرك الخطبة مدركا للصلاة كلها، كما وقع في الإجماع أنه من لم يدرك الركعتين الأوليين من الظهر، لم يكن مدركا لهما، وكان عليه الإعادة، ولكن الفرض والسنة ثبتت على ما شاء الله من أحكامه.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- فإن قال قائل: أليس الخطبة تقوم مقام ركعتين؟ قيل له ليست الخطبة تقوم مقام ركعتين لأنها لو كانت بدلا من الركعتين، (15/55)
صفحة 3726
لكان لمن يدرك الخطبة أن يعيدها أربعا، وأيضا فلو كانت تقوم مقام ركعتين، لجاز أن يقال أن بعض الصلاة يستقبل بها القبلة وبعضها يستدبر القبلة بها. ومن –الكتاب- والخطبة للجمعة من شروط فرضها، وليست بعضا منها، كما قال بعض مخالفينا: أنها بدل من ركعتين وعن محمد ابن المسبح أن خطبة الجمعة تقوم مقام ركعتين. (15/56)
صفحة 3727
الباب الرابع عشر
في الإمام إذا سافر وحضرت صلاة الجمعة
من-كتاب الإشراف- قال أبو بكر: روينا عن عمر بن عبد العزيز، أنه جمع بالسويد، وهو في إمارته على الحجاز، وممن هذا مذهبه الأوزاعي وأبو ثور، وقالت طائفة: لا يجمع في السفر، هذا قول ابن عمر، وقال عطاء ومجاهد ليس بمنى جمعة، وقال الزهري ومالك: لا يجمع الإمام بعرفة، ولو كان يوم الجمعةن وكذلك الشافعي وأحمد واسحق، وأصحاب الرأي، وقال الشافعي وأحمد ويعقوب ومحمد: لا جمعة بمنى، وقال النعمان: إذا كان الإمام من أهل مكة جمع، وكذلك الخليفة إذا كان مسافرا، وإن كان غير ذلك، فلا جمعة عليه بمنى. قال أبو بكر: لا يجمع الإمام في السفر، وإن كان الخليفة استدلالا بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بعرفة، وكان يوم الجمعة.
قال أبو سعيد: معي، أنه يخرج في معاني قول أصحابنا، أن الإمام إذا ظعن من مقامه، فلا جمعة له ولا عليه، في موضع ما يكون مسافرا فيه، ففي معنى قولهم: أن الإمام إذا كان من أهل مكة ومقيما بمكة، فال جمعة له ولا عليه بمنى، إذا كان بها في فوره –نسخة- من رجعته من عرفات، لأنه مسافر بها، فإن كان قد زار ورجع إلى مكة، ثم رجع إلى منى فهو بها مقيم، وكذلك أهل مكة، هم بعد رجوعهم من مكة مقيمون، وعليهم التمام، وفي رجعتهم من عرفات يقصرون فيه. ومنه، والإمام يجمع من موضع ما يكون فيه مقيما على معنى قول من يقول بذلك في غير الأمصار، إذا كان إمام عدل، وعلى قول من يقول: إن الإمام إذا كان (15/57)
صفحة 3728
في غير الأمصار، فلا جمعة عليه إلا بمكة، كذلك هذا كنحو ما خرج مثله مع الأئمة جمعوا فيه مما يكونون فيه مقيمين، ولو لم يكن موضع مقامهم دون الفرسخين، فهو كموضع مقامهم ما لم يكونوا مسافرين يريدون مجاوزة الفرسخين، وإذا دخل الإمام العدل المصر الممصر، ولو لم يكن مقيما فيه لزمه الجمعة بمعاني الاتفاق، لأنه قد ثبت معنى المصر، والإمام وعليه الجمعة، وهو أولى بالإمامة من غيره من رعيته، ولا تبطل الجمعة لموضع سفره، وإنما لا عليه الجمعة ولا له في موضع سفره في غير الأمصار الممصرة، فافهم معنى ذلك، على هذا يخرج في معاني قول أصحابنا.
مسألة: ومن-جامع أبي محمد- ثبت أن رسول الله) صلى بعرفة الظهر والعصر، صلاة المسافر، وكان يوم جمعة، فهذا يدل على أن الإمام إذا سافر، فوافق الجمعة، كان حكمه حكم المسافرين، وقول من قال: أن الإمام حكمه في السفر والحضر، وصلاة الجمعة سواء، وأنه حيث حضرت الجمعة صلى الجمعة صلاة المقيم باطل، لأنه لم يجهر بالقراءة في صلاة الظهر بعرفة، كما يفعل الإمام في صلاة الجمعة، والرواية بذلك صحيحة، فمن ادعى أنه جهر بالقراءة، كان عليه إقامة الدليل. ومن-الكتاب- ولا بأس أن يسافر الإمام وغيره يوم الجمعة، مالم يدخل المؤذن في الآذان، لأن السعي يتوجه إلى الجميع بالآذان، فما لم يلزمه السعي لم يمنع من السفر، والله أعلم. ومن-الكتاب- وليس على الإمام جمعة في سفر، ولا يصلي في السفر إلا صلاة المسافر. وروي أن عمر بن الخطاب صلى بأهل مكة ركعتين، ثم قال: أتموا فإنا قوم سفر، وإن عليا صلى بالناس يوم الجمعة ركعتين، ثم التفت إليهم فقال: أتموا صلاتكم. وكان يرى أن القصر على الإمام وغيره في السفر، وكان لا يرى الجمعة، إلا في مصر جامع. (15/58)
صفحة 3729
الباب الخامس عشر
في الدخول في صلاة الجمعة
قلت له: فإذا رجل ذهب يريد صلاة الجمعة عند الإمام. ما عليه أن ينوي إنه صلى صلاة الظهر أم صلاة الجمعة ركعتين؟ قال: إذا كان ممن تلزمه الجمعة نوى أداء ما يلزمه من صلاة الجمعة قصرا من صلاة الإمام، هكذا عندي. قلت له: فإن أدرك عنده مع الإمام التحيات من الصلاة، في صلاة الجمعة ركعتين، ولم يدرك الخطبة، أيكون قد أدرك، ويبني على صلاته حتى يتم ركعتين؟ قال: معي، إنه قد قيل ذلك. قلت له: فإن سلم الإمام قبل أن يتم هو التحيات، أيكون قد أدرك ويبني على صلاته؟ قال: معي، إنه أقل ما قيل: إنه يدرك إذا فرغ من التحيات، إلى محمد عبده ورسوله، إذا سلم الإمام، ولا أعلمه أنه يكون مدركا من هذا. قلت له: فإن أدرك الإمام وهو في صلاة الجمعة، فلم يحسن أن يدخل عنده في الصلاة حتى سلم الإمام، يصلي أربعا أو ركعتين؟ قال: معي، إنه إذا لم يدخل مع الإمام في شيء من الصلاة حتى سلم الإمام، صلى أربعا.
مسألة: ومن-كتاب الإشراف- واختلفوا في الرجل يدخل مع الإمام في صلاة الجمعة، ثم يذكر أن عليه الفجر، ففي قول النعمان ويعقوب، ينصرف فيصلي الغداة، ثم يذكر في صلاة الجمعة إن أدركها، وإلا صلاها أربعا، وفي قول الشافعي يتم الجمعة، ثم يصلي الفجر ولا إعادة عليه.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: نحو ما حكي من الاختلاف، ولعل في أكثر معاني قولهم أن يتم الجمعة، أو الصلاة التي قد دخل فيها، ولو كانت ظهرا، جماعة أو فرادى، فإذا أتمها صلى الفجر، ولا إعادة عليه (15/59)
صفحة 3730
فيما صلى. قال أبو بكر: كان الشافعي يقول: إذا كان في الجمعة فدخل وقت العصر صلى ظهرا أربعا.
قال أبو سعيد: معي، إنه إن أراد صلاها ظهرا أربعا. ومنه، قال النعمان: إذا قعد في الثانية وجاء وقت الثانية، فعليهم أن يستقبلوا الظهر أربع ركعات، وقال يعقوب ومحمد. صلاتهم تامة قعد قدر التشهد، قبل أن يدخل وقت العصر، وفيه قول ثان: قال ابن القاسم صاحب مالك إن لم يصل بالناس حتى دخل وقت العصر يصلي بهم. وقال: الجمعة ما لم تغب الشمس، وقال أحمد بن حنبل: إذا تشهد قبل أن يسلم ودخل وقت العصر تجزئة صلاته.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، أنه ما لم يتم الصلاة، وهو أن يتشهد حتى دخل وقت العصر، إنه يصلي أربعا، لأنه لا تكون جمعة إلا في وقتها، وإنما يبدل الآن الظهر. ومعي، إنه يخرج في معاني القول أنه لم يتمها حتى دخل وقت العصر، إنه يبني على ما صلى، ويتم الظهر أربعا، وفي بعض ما يخرج عندي من القول: إنه يبتديء الظهر أربعا، ويعجبني أن يبني على صلاته، لأنها ثبتت، أو ما صلى منها في معنى التيسير من صلاة الظهر. (15/60)
صفحة 3731
الباب السادس عشر
فيمن يصلي الناس يوم الجمعة
والجمعة بصحار ثابتة، ما كان أمر المسلمين قائما، ولو مات الإمام، وأما بالجوف فالجمعة مع الإمام، فإن مات أو سافر صلى الناس بعده أربع ركعات، وإن صلى بالناس يوم الجمعة مسافر ركعتين برأي الإمام، فجائز. وقد فعل ذلك أبو علي- رحمه الله- ومن- كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في إمامة العبد في الجمعة، ففي قول الشافعي وأبي ثور، وأصحاب الرأي تجزئة الجمعة خلفه، وقال مالك: لا يؤم العبد في الجمعة، قال أبو بكر: قول الشافعي حسن.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا الاختلاف في إمامة العبد في الصلاة، وإنما يخرج معاني الاتفاق من قولهم، إنه لا يكون إماما للناس منصوبا، أي حاكما، فإذا صلى بأمر الإمام، أو ممن تثبت الصلاة ممن يقوم مقام الإمام، ومن خلفه الإمام للأمر فيها ثبت معاني الاختلاف في الصلاة، ولا معنى يدل على فساد صلاته بصلاة العبد، إذا كان من أهل الصلاة لأنها فريضة عليه، وقد قيل إنه لو صلى المسافر الجمعة إماما بأمر الإمام إن صلاتهم تامة، وقد ثبت أنهلا جمعة على المسافر في اللزوم، فإذا صلى بأمر الإمام تمت الصلاة، كذلك العبد، وإن لم تكن تلزمه الجمعة، ولا الجماعة، فإذا صلى بأمر من يثبت أمره من إمام أو جماعة، كان إماما، ولا يؤم به فيما يستقبل، إذا وجد غيره للخروج من الاختلاف. ومنه قال أبو بكر: روينا عن ابن عمر أنه كان يقول: لا جمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلي فيه الإمام. وسئل مالك عن الإمام، صلى في (15/61)
صفحة 3732
أقصى المدينة، وصلى مكانه، خليفة له عينه فصلى في القصبة. فقال مالك: لا أرى الجمعة إلا لأهل القصبة، وفيه قول ثان: إن من جمع أولا بعد الزوال من الجمعة هذا قول الشافعي وقال إسحق بن راهوية الاحتياط أن يجمع من جمع أولا وحكي عن النعمان أنه قال: لا يجمع في مكانين في مصر، وحكي عن يعقوب، أنه أجاز ذلك في بغداد، وأبى أن يجيز ذلك في سائر المدن، وقد روينا عن عطاء. أنه قيل له: أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر. قال: لكل قوم مسجد يجتمعون فيه ويجزيء ذلك عنهم من التجميع في المسجد الأكبر.
قال أبو سعيد: معي، أنه يخرج في معاني قول أصحابنا: أنه لا جمعة إلا في مصر ممصر، وليس فيه إلا جمعة واحدة في المسجد الأكبر، إلا أن يكون المسجد الأكبر في المصر الممصر، في موضع خارج عن الإمام العدل، ومقام الإمام العدل في غير حضرة المسجد الأكبر في المصر الممصر، فإنه في بعض قولهم: أنه تكون الجمعة مع الإمام، حيث مقامه، أو في المسجد الأكبر في المصر الممصر، ولا أعلم يخرج في قولهم: أن المصر يجوز فيه جمعتان، إلا في هذا الموضع، لأنه من صحيح مذهبهم، أنه لا يكون إمامان في مصر واحد، ولا تكون الجمعة في مصر، إلا في موضع واحد بمعنى التمصير، ومع الإمام لموضعه، فعلى هذا النحو يخرج معاني قول أصحابنا في هذا الذي حكاه وذكره. (15/62)
صفحة 3733
الباب السابع عشر
فيمن سبقه الإمام في صلاة الجمعة
ومن-جامع أبي محمد-وإذا صلى المأموم مع الإمام ركعة، فنسي سجدة لم يذكرها حتى جاوز حدا ليس فيه الإمام، ولا هو مثله، أن صلاته تفسد، وفي نفسي في هذا معنى لأني لم أعرف وجه قول أصحابنا في هذا، والنظر يوجب عندي فعل ما نسي في آخر الصلاة، ولا تبطل جمعته. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته» والذي نسيه أو سبقه، فقد فاته سواء كان داخلا معه في الصلاة أو لم يدخل، لعموم الخبر، والله أعلم. ولقوله صلى الله عليه وسلم: (الإمام يركع قبلكم ويسجد قبلكم». ومن-كتاب الإشراف-واختلفوا فيمن أدرك من صلاة الجمعة ركعة، ثم ذكر أن عليه منها سجدة فكان الشافعي يقول: يسجد سجدة ويأتي بثلاث ركعات، وفي قول أحمد بن حنبل: يسجد سجدة، فإن لم يكن أخذ في عمل الثانية، ثم يضيف إليها ركعة أخرى.
قال أبو سعيد: القول المضاف إلى أحمد بن حنبل يشبه عندي معاني قول أصحابنا، إذا نسي من الركعة التي أدركها من الإمام سجدة معي، أنه مالم يدخل في بدل ما فاته من الركعة الأولى، فله أن يسجد السجدة التي نسيها، ثم يتشهد في بعض معنى ما يخرج في قولهم، ثم يأتي بالركعة الثانية وفي بعض ما يخرج في قولهم، أنه إذا أتم التشهد فسدت صلاته، إذا نسي السجود. ومن-الكتاب-قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن ما فاتته الجمعة من المقيمين أن يصلي أربعا، واختلفوا في صلاتهم جماعة إذا فاتتهم الجمعة. فقال قوم يصلون (15/63)
صفحة 3734
جماعة، روي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وفعله الحسن بن عبيد الله. وقال سفيان الثوري: فعلته أنا والأعمش، وهو قول: إياس بن معاوية، وأحمد بن حنبل واسحق بن راهوية، وكان الشافعي لا يكره ذلك، إذا لم يكن رغبته عن الصلاة، وخلف الأئمة ورخص مالك لأهل السجن والمسافرين والمرضى أن يجمعوا، واختلف قوله في القوم تفوتهم الجمعة، فحكى ابن القاسم عنه قال: يصلون فرادى، وحكى آخر عنه أنه قال ذلك إليهم إن شاءوا أجمعوا، وإن شاءوا صلوا فرادى، وكره الحسن البصري وأبو قلابة والثوري والنعمان، أن يصلوا جماعة،. قال أبو بكر: قول ابن مسعود أولى.
قال أبو سعيد: معي، أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا كان خلف المتخلفين عن الجمعة لعذر، فصلوا جماعة في قولهم: أنه إذا وافقت صلاتهم. كانت قبل صلاة الإمام فعليهم الإعادة، وإن كانت بعد صلاة الإمام فصلاتهم تامة، هذا في بعض ما عندي أنه قيل، ومن بعض قولهم: أنه لا يصلون جماعة على حال، ولا تجوز صلاتهم حيث تلزم الجمعة، كان من عذر أو من غير عذر. ومعي، أنه إذا ثبت معنى الاختلاف في صلاة الجامعين، وتخلفهم من عذر فلا معنى يوجب منع ذلك أن ثبت فيه معنى الاختلاف في ثبوت صلاتهم جماعة، لأنه لا فرق في ذلك في معنى الصلاة عندي، وإنما الفرق في ذلك في الإمام على من ترك بغير عذر، ولا إثم على من ترك بغير عذر، كما أنه يخرج في معاني الاتفاق، أن التارك بعذر أو لغير عذر، إذا صلى أربعا فرادى أن صلاته قد ثبتت، ولا إعادة عليه كما كان هذا يلحق الجامعين معنى الصلاة، وكذلك عندي في معنى الجماعة، يخرج معناهما واحد في ثبوت الصلاة، وإن اختلفوا في الإثم.
مسألة: ومن-جامع أبي محمد-والجمعة إذا فات وقتها صلاها أربعا، ولا أعلم بين الناس في ذلك اختلاف.
مسألة: ومن-جامع ابن جعفر-وقيل كل قوم صلوا جماعة حيث تلزم الجمعة قبل الإمام أو بعده، فصلاتهم منتقضة. وإن صلى وحده فقد أساء، وصلاته تامة، وأما حيث لا تلزم الجمعة فذلك مكروه، ولا يبلغ بهم ذلك إلى الفساد، (15/64)
صفحة 3735
وينبغي أن تكون جماعتهم يوم الجمعة واحدة.
ومن غيره قيل: وينبغي أن تكون جماعتهم واحدة يوم الجمعة. ومن-كتاب الإشراف-واختلفوا في المسافر يدرك من صلاة الجمعة التشهد. فقال الأوزاعي وسفيان والثوري وأحمد بن حنبل. يصلي أربعا، وهذا على مذهب الشافعي، وقال اسحق بن راهوية يصلي ركعتين.
قال أبو سعيد: قول اسحق عندي ها هنا يخرج في معنى قول أصحابنا. (15/65)
صفحة 3736
[صفحة بيضاء] (15/66)
صفحة 3737
الباب الثامن عشر
فيمن ترك صلاة الجمعة
ومن-جامع ابن جعفر-وقيل من ترك صلاة الجمعة ثلاث جمع بلا عذر، فهو هالك، وذلك حيث تلزم الجمعة، إلا أن يتوب. قال غيره: عرفت أنه إذا ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات، من غير عذر فهو هالك على ما شرط وذكر، وقال سمعت ابن عباس يقول: من ترك أربع متواليات من غير عذر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره.
مسألة: وعن رجل يقول: لا أصلي الجمعة في جماعة، يقول أن الله لم يفرضها علي، فإذا كان بحضرة إمام عدل، وقال بهذا القول. ودان به وفعله، فقد ترك الفضل ولا ولاية له، وهذا رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رد على رسول صلى الله عليه وسلم، فقد رد على الله، فهذا هالك بهذا القول. وأما الذي يقول: ليس في عمان جمعة، فإذا كان بها إمام عدل أخذ الإمامة عن مشورة العلماء، ولم يحدث في دينه حدثا يخرجه من الإمامة، فهو على ما ذكرت لك أولا، وهو على ولايته: قال غيره: أما في صحار من عمان، فقد قيل: أنها ثابتة على كل حال مع أهل العدل، وأهل الجور، فإذا أدان أنها لا تجوز بصحار، فقد دان بمخالفة الحق وهلك بذلك. (15/67)
صفحة 3738
[صفحة بيضاء] (15/68)
صفحة 3739
الباب التاسع عشر
فيما يجب به العذر من حضور صلاة الجمعة
ومن-كتاب الإشراف-قال الشافعي: في الولد والوالد إذا خاف فوات نفسه، وكان مالك لا يجعل المطر عذرا في التخلف عن الجمعة، وقال أحمد: في الجمعة في المطر، على حديث عبد الرحمن بن سمرة، وبه قال إسحاق: قال أبو بكر: وحديث عبد الرحمن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان مطر () وندى فليصل أحدكم في رحله».
قال أبو سعيد: معي، أنه يخرج في قول أصحابنا: أنه مما يوجب العذر في التخلف عن الجمعة، المطر المخوف الذي يخشى منه الأذى، والحر الشديد الذي يخاف منه الضرر، والخوف على المال والنفس من وقوع مضرة، من تضييع بعده، أو لعائقة تعوقه في شيء من هذا، وكذلك في الميت إذا حضر وخيف عليه التغيير إذا لم يقم به، وكذلك خوف المريض الذي يخاف عليه الضياع، ويلزم القيام، ولا يخلفه بعده من يقوم به، فهذا وأشباهه مما يجب العذر في التخلف عن الجمعة. قال الناسخ: وكذلك سمعت رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا ابتليت النعال فصلوا في الرحال) فهذا كله يخرج على معنى العذر لأجل الضرر من المطر وغيره. (رجع).
مسألة: ومن- جامع ابن جعفر- وقد عذر الناس عن الجمعة في اليوم المطير، وعند شدة الحر والبرد، وما يعرض من الموانع نحو ذلك، من خوف أو غيره، وكذلك أصحاب الجنازة، أو من عنده مريض يحتاج أن يحضره في ذلك الوقت. (15/69)
صفحة 3740
[صفحة بيضاء] (15/70)
صفحة 3741
الباب العشرون
صلاة الجمعة خلف الجبابرة
من قصيدة لأبي المؤثر:
وقولكم لا جمعة فنسيتم لأن ... ... كتاب الله بالفرض أبرق
وكان أبو الشعثاء يراها شريعة ... ... ورا القوم مكياو يتعرق
وراء الأمراء بمكة وفي العراق، جاء في الحديث أن حبيبا، وهو أبو الربيع كان مع جابر بن زيد يوم الجمعة، فقال جابر بن زيد: الرواح إلى الجمعة، فقال له حبيب: أخلف الحجاج؟ قال جابر: نعم. إنها صلاة جامعة، وسنة متبعة.
مسألة: ومن- جامع ابن جعفر- قال محمد بن جعفر: وقيل أما الصلاة خلف الجبابرة الجمعة أو غيرها فجائز إذا آتوا بالصلاة في وقتها، وكذلك كان علماء المسلمين يصلون خلفهم. وقيل: كان جابر بن زيد يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وقال أبو المؤثر: صلاة الجمعة خلفهم جائزة في الأمصار الممصرة، إذا صلوها في وقتها بحدودها، وكذلك سائر الصلوات، وأما إذا صلوا الجمعة ركعتين في غير الأمصار الممصرة، فلا يصلي خلفهم، ومن صلى خلفهم أعادها أربعا، ومن- جامع أبي محمد- اختلف أصحابنا في صلاة الجمعة خلف الجبابرة، فقال بعضهم لا تجوز خلفهم، وهم الأقل، وحجتهم في ذلك أن الجمعة وجبت في الأصل مع الإمام العادل بإتفاق الأمة، فهي واجبة مع الإمام العادل للاتفاق على ذلك. واختلفوا في لزومها مع غير العادل. فقالوا لا نوجبها إلا حيث أوجبها (15/71)
صفحة 3742
الإجماع. ولا دليل على وجوبها مع غير العادل، وقال الباقون: إن الجمعة تجب مع العادل وغير العادل، لأن فرضها وجب بأمر الله تعالى بقوله: (إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه). فهذا أمر عام، فلا يزال فرضها إلا بإجماع، ولم يكن الأمر عادل وغير عادل، وهذا الأخير عندي أشبه القولين، وأقربها إلى الحجة، فإن قال لنا قائل ممن خالفنا لم تجوزون الصلاة خلف الجبار مع فسقه، جمعة كانت أو غير جمعة؟ قيل له: نعم لأن الجمعة عليه فرض كما أنها فرض على سائر المسلمين، فإذا صلاها فهو مؤد لذلك الفرض، وصلاته ماضية مع فسقه، لأن الفسق لا يفسد الصلاة، وذلك أن الفاسق لا يعيد صلاته إذا ترك فسقه، كما يعيد صلاته إذا كان غير متطهر، فإذا كان فسقه لا يفسد صلاته فصلاة من خلفه أحرى أن لا يفسدها، فإن قال: أو ليس الكافر بالله لا تجوز الصلاة خلفه؟ قيل له: نعم. قيل له: فما الفرق بينه وبين الفاسق؟ قيل له: إن الكافر بالله إنما تجب عليه الصلاة بعد خروجه إلى الإسلام، كما أن المحدث إنما أمر بالصلاة بعد أن تطهر، ولا تجوز الصلاة خلفها، لأنهما أمرا بالصلاة بعد الإسلام والتطهر، والعاصي لربه الفاسق في فعله مأمور بالصلاة مع فسقه ومعاصيه. فإن قال: أفليس الغاصب لا تجوز صلاته في الموضع الذي اغتصبه على قول بعض أئمتكم؟ قيل له: نعم. فإن قال: أوليس الجبار قد غضب مقام الإمام العادل. ومنعه منه، والإمام هو أولى بذلك الموضع منه؟ قيل له: إن موضع الإمام للصلاة ليس بملك، ولا يجوز أن يكون مغصوبا، ولكن قد منع الإمام من موضع هو أولى به منه، فصلاته جائزة مع ذلك، لأنه عزم ألا يدع الإمام يصلي فيه، كما أن الجبار إذا منع إمام المسلمين عن دخول البلد الذي فيه الجمعة، فإن صلاته جائزة، لأنه مع ذلك مأمور بالصلاة.
فإن قال: أو ليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى بقوم وهم له كارهون فلا تجوز صلاته». قيل له: هذا مثل عليه السلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد». لم يرد بذلك إلا نقصان أجرها، والله أعلم. فإن قال: (15/72)
صفحة 3743
فإن نهي الإمام الجبار عن الصلاة، هل تجوز الصلاة خلفه؟ قيل له: ليس للإمام أن ينهى الجبار عن صلاة ليس هو حاضر لها، لأن في ذلك إضاعة الفرض، وترك إقامة الصلاة. فإن قال: أليس الخطبة تقوم مقام ركعتين، وهم يعصون الله فيها، ولا يجوز أن يكونوا مأمورين بذلك؟ قيل له: ليست الخطبة تقوم مقام ركعتين، لأنها لو كانت بدلا من الركعتين لكان لمن لم يدرك الخطبة أن يعيدها أربعا، وأيضا فلو كانت تقوم مقام ركعتين، لجاز أن يقال بعض الصلاة يستقبل بها القبلة، وبعضها يستدبر القبلة بها، فإن قال: أيجوز أن يحضر المؤمن مكانا يسمع فيه المنكر؟ قيل له: إن أمكنه إنكار ذلك فعليه إنكاره، فإن قال فإذا لم يطق الإنكار على من يسمع منه المنكر، أليس عليه ألا يقيم معه، ولا يقصد إلى حيث يكون ذلك المنكر؟ قيل له: ليس عليه أن يدع المسجد، لأن فيه معصية، ولا يكون قصده إلى استماع المعصية، بل لا يكون قصده إلا إلى الصلاة وفعل الطاعة. الدليل على ذلك إجماع العلماء على أن لو كان بقرية صوت مزمار أو بعض المنكرات بجوار مسجد، لم يجب لأهل المسجد أن يعطلوه ويخربوه، لأجل ما يسمعون من المنكر وهم فيه ولا يطيقون، دفع ذلك.
وكذلك لا يجوز ترك الجنازة، وتعطيل القيام بها، وما يجب على المسلمين من فرض دفن موتاهم، والصلاة عليهم، إذا كان هناك نوح وأصوات مناكر، لا يمكن صرفها. وقد روي أن الحسن بن أبي الحسن، صحب جنازة وخلفها نوح فقال له رجل من أصحابه يا أبا سعيد، أما تسمع إلى هذا المنكر، وهم الرجل بالانصراف، وقال له الحسن: يا هذا إن كنت كلما سمعت منكرا تركت لأجله معروفا أسرع ذلك في دينك، فإن قال: فهل للمسلمين أن يصلوا جمعة إذا عدم قائم بها من إمام عدل أو جائر؟ قيل له: نعم. إذا كانت اليد، يد المسلمين وهم القوام بإقامة الأئمة، وإليهم الحل والعقد، جاز أن يأمروا رجلا من المسلمين يرضونه لصلاتهم، فيصلي بهم الجمعة، فإن قال: أفيصلي ركعتين أو أربعا بعد الخطبة؟ قيل له: بل يصلي بهم ركعتين بعد الخطبة، يوحد الله فيها ويثني عليه، ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، فإن قال قائل: ولم (15/73)
صفحة 3744
أجزتم الجمعة مع غير إمام؟ قيل له: إن الأمر بها عام للمسلمين، بقول الله تعالى: (اذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه) وقد كان أهل الكوفة أخرجوا عاملهم، في ولاية عثمان وهو سعيد بن العاص، وقدموا أبا موسى الأشعري، فصلى بهم ركعتين، وكذلك أهل البصرة قدموا الحسن بن أبي الحسن، فصلى بهم ركعتين بعد الخطبة، وكانت قد خلت من أمير، فهذا عمل أهل المصر، ويدل على أن صلاة الجمعة واجبة مع الإمام وغير الإمام، وفرضها على المسلمين عام، ولم نعلم أن أحدا نقل أن عثمان أنكر على أهل الكوفة ذلك الفعل الذي كان منهم، لأن الإمام يعرف رعيته ما ذهب عليهم من دينهم، وينكر فعل الخطأ منهم، ويرسل بذلك إليهم لأنه أحد المؤديين لهم، والمسئول يوم القيامة عن رعيته عليهم، والله أعلم. وبه التوفيق. قال غيره: في- كتاب التاج- لا جمعة على كل حال مع أهل هذا القول وغيرهم، إلا في الأمصار الممصرة، وقيل لا جمعة في الأمصار إلا بإمام عدل، لأن الأمصار مصرت في أيام العدل، والله أعلم. (رجع) ومن –الكتاب- وتجوز صلاة الجمعة بلا إمام عند فقدان الإمام، لأن الله تعالى أمر بها أمرا عاما، فغيبة الإمام لا تسقط فرض الجمعة، لأن الأمر بها ليس فيه شرط إمام، ومن –الكتاب- ولا يقيم الجمعة إلا ذو سلطان، أو بأمره، لأن فرض الظهر لا يسقط إلا بعد سقوط شرائط الجمعة، وفي شروطها الإمام المطلق أو إمام بأمره، ألا ترى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم».
مسألة: ومن – كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في الإمام يفتتح بالجماعة الجمعة، ثم يفترقون عنه. فقال سفيان الثوري: إذا ذهبوا إلا رجلين صلى ركعتين، وإن بقى معه رجل واحد صلى أربعا، وقال إسحق بن راهوية إذا بقي معه إثنا عشر رجلا صلى ركعتين، وقال أبو ثور: إذا تفرقوا عنه صلى الجمعة، وإن لم يبق معه إلا رجل واحد، لأنه قد دخل في الصلاة، وهي له ولهم جمعة. وقال الشافعي: إذا خطب بأربعين وكبر بهم، ثم انفضوا من حوله، ففيها (15/74)
صفحة 3745
قولان. أحدهما، إن بقي معه اثنان فصلى الجمعة أجزأته، والقول الثاني أنه لا يجزئه حتى يكون معه أربعون رجلا حين يدخل وحين تكمل الصلاة، وحكى أبو ثور عنه، أنه يصلي الجمعة إذا كان هو الثالث، وإن كان هو وواحد، لم يجزه، وقال: إني أشبه ذلك عندي، إن صلى ركعة ثم انفضوا عنه صلى أخرى، وقال النعمان: إذا تفرق الناس عنه قبل أن يركع ويسجد ويستقبل الظهر، وإن تفرق الناس عنه بعد ما ركع وسجد سجدة، بني على الجمعة، وقال يعقوب ومحمد إذا افتتح الجمعة، وهم معه ثم تفرق الناس وذهبوا، أيصلي الجمعة على حاله؟
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنه إذا كان الإمام في موضع حيث تلزم الجمعة، فتفرق الناس عنه، ولم يحضره إلا رجلان مقيمان، صلى الجمعة ركعتين، فإن حضر مسافرون أو نساء أو عبيد، وليس فيهم أحرار مقيمون صلى أربع ركعات، ولم يصل الجمعة، وأحسب أن في بعض قولهم: إنه ولو لم يبق معه أو لم يحضره، إلا رجل واحد حر صلى الجمعة ومعي، أنه ما لم يكن معه من تقوم به الجمعة حتى يتمها، لم يبن لي أنه يتم صلاة الجمعة إذا ذهب من لا تقوم الصلاة إلا به.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- وإذا أحرم الإمام ودخل في صلاة الجمعة ثم نفر الناس عنه وتفرقوا، ولم يبق معه أحد، كان عليه إتمام ما لزمه فرضه لدخوله فيه، والموجب عليه غير ذلك محتاج إلى دليل. قال أصحابنا: يرجع ينقض صلاته ويصلي أربعا. ومن-الكتاب- وإذا افتتح الإمام الجمعة ثم نفر عنه الناس بعد ما دخل فيها أتمها جمعة، وقال أصحابنا: إذا تفرقوا عنه صلى ظهرا، والنظر يوجب عندي ما قلناه، لأنهم اشتركوا فيما يحسب من أركانها، وعليه بناؤها كلها، ألا ترى أن الإمام إذا أحدث بعد ما افتتح ثم استخلف عليها من لم يشهد الخطبة وفاته منها شيء، بني على ما بقي منها للزومه ذلك والله أعلم.
مسألة: ومن- جامع أبي جابر- وقيل إن ذهب الناس عن الإمام قبل أن يحرم، وبقي وحده صلى أربع ركعات، وإن ذهبوا عنه بعد ما أحرم ودخل في (15/75)
صفحة 3746
الصلاة صلى ركعتين صلاة الجمعة، وكذلك إن صلى معه واحد إلى ما أكثر، وقال من قال: إن لم يكن معه إلا نساء أو عبيد أو صبيان أو مسافرون ولم يكن أحد غيرهم صلى أربع ركعات، لأن هؤلاء لا جمعة عليهم وأحب النظر في ذلك.
مسألة: ومن –جامع ابن جعفر- ولا بأس بالصلاة خلف قومنا في الجمعة وغيرها، وفي جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب- رحمه الله- فيمن لا يرى صلاة الجمعة خلف قومنا، فالذي نحن عليه، ومضى عليه أسلافنا من الفقهاء، أنه لا بأس بالصلاة خلف أئمة قومنا، إذا أقاموا الصلاة لوقتها، وقد كان جابر بن زيد- رحمه الله- يصلي الجمعة خلف الحجاج، فإن قال قائل: إنه لا يرى الجمعة خلف أئمة قومنا، نصح له وأخبر برأي المسلمين، فإن رجع إلى رأي المسلمين، فذلك الواجب عليه، وإن ثبت على قوله كان في الصدور منه حرج، ولا تسقط ولايته حتى يزعم أن جابرا أو غيره ممن لم ير بالصلاة خلفهم بأسا ليسوا على صواب، وإنهم كانوا في ذلك على غير الحق، فإذا صار إلى هذه المنزلة، استتابه المسلمون من ذلك فإن تاب وترك ما اختار من رأيه، لم تسقط ولايته، وإن أصر وأدبر، كان حقا على المسلمين البراءة منه. ومن غيره، كان جابر بن زيد-رحمه الله- يصلي الجمعة خلف زياد وعبيد الله بن زياد والحجاج. قال أبو الحواري: تجوز صلاة الجمعة خلف الجبابرة في الأمصار التي مصرها عمر بن الخطاب-رحمه الله- ولا تجوز صلاة الجمعة خلف الجبابرة في غير ذلك. (15/76)
صفحة 3747
الباب الحادي والعشرون
في الكلام والقراءة يوم الجمعة والإمام يخطب
ومن- جامع أبي محمد- وإذا أخد الإمام في الخطبة قطع الناس الكلام، واستقبلوا ما كانت وجوههم إلى القبلة، ولا أعلم أن أحدا رخص في الانحراف عنه، واختلف أصحابنا في كلام من يحضر الجمعة والإمام يخطب. فقال بعضهم: تفسد صلاته، ويأمرونه بالخروج من المسجد، ثم يدخل من باب آخر، لأن الكلام عندهم يفسد الجمعة عليه. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لغا فلا جمعة له» قالوا: فلما كان الصمت عليه واجبا فترك الواجب وتكلم بما قد نهى عنه عند الخطبة، وهي مما لا تكون الجمعة، ولا تصح إلا بها لم تصح له جمعة فأمروه بالخروج من المسجد، وأمروه بالدخول إليه في جملة الداخلين، ليكون حكمه حكم من دخل معه في ذلك الوقت وفاته ما كان يستحقه من الثواب بالسبق الذي لو لم يفسده بالكلام، كما فات من دخل معه ثواب السابقين إليها بالغدو، كما جاءت الرواية في البدنة، ثم نزلت إلى البيضة، وقال بعضهم، إذا تكلم بذكر الله، وما يقرب إليه من الدعاء والتسبيح لم تفسد جمعته، ولم يكن لاغيا، لأن اللغو كلام مكروه عندهم، لأن الجمعة تفسد به لأنه لغو، وحجة الأول عندي أنها أقوى، والله أعلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لغا فلا جمعة له ومن قال لجاره صه فقد لغا» ومعنى صه. أسكت، فلو كان الكلام لا يفسدها لكان لا يفسدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال بعض: إن اللغو لا يبطل فرضها بل يكون المصلي وإن لغا مؤديا فرضها ساقطا عنه، وإنما ورد النهي ليكمل الثواب، لمن حضر لتأدية فرضه لأن (15/77)
صفحة 3748
الكلام والإمام يخطب، ليس بكلام في الصلاة، لأن الخطبة والوقت الذي هو فيه غير وقت الصلاة التي تفسد فيه أو تتم، وهذا النهي عند أصحابنا هذا القول كنحو ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، وقد أجمعوا أن جار المسجد لو صلى في بيته لسقط عنه فرض الصلاة، فمعنى قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، أنه لا تضعيف لصلاته في الثواب، كذلك عند أصحاب هذا القول، إنه منع (من حضر الجمعة أن يتكلم والإمام يخطب بقوله: «من لغا فلا جمعة له»، على هذا المعنى، والله أعلم، والرواية عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجمعة يحضرها ثلاثة نفر فرجل يحضرها بلغو حظه منها، ورجل يحضرها بإنصات وسكون ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهو كفارة له إلى يوم الجمعة التي تليها»، وقد روي لنا أن محمد بن محبوب، كان يقول على المنبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن صلاة الجمعة كفارة ما بعدها إلى الجمعة ما اجتنب العبد الكبائر»، ومن -الكتاب- وأكد ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قال الرجل لصاحبه أنصت والإمام يخطب فقد لغا».
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- وليس الداخل المسجد والإمام يخطب أن يسلم على الناس، وليس لهم أن يردوا عليه، ولا يشمت العاطسين، لأنهم أمروا بالإنصات في حالة الخطبة، كما أمروا بالإنصات في حال الصلاة لأنا قد نهينا عن الأمر بالمعروف في ذلك الوقت.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر؛ ومن تكلم والخطيب يخطب يوم الجمعة، فإنه يؤمر أن يخرج من باب المسجد حيث لا تكون الصلاة عند الإمام، ثم يرجع يدخل، فإن لم يخرج وصلى بعد الكلام، فقد قيل إن صلاته منتقضة، وكذلك عن أبي عبد الله -رحمه الله- وقال: لو قال رجل لرجل اتق الله، أو أمره أو نهاه، كان عليه النقض، إلا أنه يخرج من باب المسجد، ثم يدخل، وحفظت عن أبي مروان أنه قال: إن أبا علي -رحمه الله- كان يجيز أن ينقض صلاة من تكلم والخطيب يخطب يوم الجمعة، وقيل: إن من تكلم بشيء من أمر الصلاة عند الإقامة، فقال: لإنسان يتقدم أو يتأخر أو أمر بتقديم الصف أو نحو ذلك، فلا بأس، ويكره أن يتكلم بذلك قبل وقت الصلاة، وقال من قال: إن اللغو من الكلام، هو الذي تنتقض منه الصلاة، إذا لم يخرج المتكلم من المسجد ثم يرجع يدخل، وهذا الرأي (15/78)
صفحة 3749
أوسع، ولا أرى على من أخذ به بأسا، ومن غيره، قلت لمحمد بن المسبح: كيف يؤمر من تكلم والخطيب يخطب يوم الجمعة أن يخرج من المسجد ثم يرجع يدخل؟ قال: إنه إذا تكلم في المسجد والخطيب يخطب انتقضت صلاته، فيخرج من باب المسجد حتى يصير إلى موضع لا يجوز لمن كان فيه أن يصلي بصلاة الإمام في المسجد، ثم يدخل فيستمع ما سمع من الخطبة، لأن الخطبة مكان ركعتين، وتمت صلاته بما أدرك من الخطبة، وإذا لم يخرج من باب المسجد وصلى كانت صلاته منتقضة بفسادها من أولها، وقيل: وينبغي أن تكون جماعتهم واحدة يوم الجمعة.
مسألة: قلت: فإن غنى رجل ممن شهد الجمعة شيء في نفسه أو ثوبه، مما يخاف أن يفسد ذلك عليه صلاته، فسأل رجلا ممن يحضر الجمعة عن ذلك مستفتيا، أيجوز ذلك لهما؟ قال: لا بأس عليهما، هذا من أمر الصلاة، وإن استفتاه عن مسألة غير ذلك فلا يجيبه الآخر إلا بالإيماء، فإن أجابه بالكلام فعليهما أن يخرجا من المسجد ثم يرجعا إليه، قلت: أرأيت إن قرأ القرآن والخطيب يخطب، أيفسد ذلك عليه، قال: لا كل شيء من ذكر الله فلا يفسد عليه، قال: أرأيت إن قرأ كتابا والخطيب يخطب، وفيه كلام غير ذكر الله؟ قال: إن قرأ في نفسه لم يفسد ذلك عليه، وإن أفصح بالقراءة أفسد ذلك عليه. (15/79)
صفحة 3750
[صفحة بيضاء] (15/80)
صفحة 3751
الباب الثاني والعشرون
في الكلام والقراءة يوم الجمعة والخطيب يخطب
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب صه فقد لغوت»، ونهى عثمان وابن عمر عن الكلام والإمام يخطب، قال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب أقرع رأسه بالعصا، وكره ذلك ابن عباس والشافعي وعوام أهل العلم، وكان النخعي وسعيد بن جبير وإبراهيم بن مهاجر وأبو ثور والشعبي يتكلمون والحجاج يخطب، وقال بعضهم: إنما لم نؤمر أن ننصت لهذا، قال أبو بكر: اتباع السنة أولى.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بثبوت النهي عن الكلام والإمام يخطب يوم الجمعة، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أنه قال: «حاضر حضرها -يعني الجمعة- بصمت فهو حقها، وحاضر حضرها بدعاء وذكر الله فالله دعا فإن شاء أجابه وإن شاء أعطاه وإن شاء منعه، وحاضر حضرها بلغو فهو حظه منها، ومن قال صه فقد لغا»، هكذا في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فحق الجمعة الصمت، وأن لا ينطق الإنسان بذكر ولا بتوحيد، ولا بصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلا في نفسه واعتقاده، ومنه، قال أبو بكر: كان عثمان بن عفان يقول: للمنصت الذي لا يسمع من الخطبة شيئا مثل ما للسامع المنصت، وروينا عن ابن عمر وابن عباس أنه كانا يكرهان الصلاة والكلام بعد خروج الإمام يوم الجمعة، وكان الشافعي وأبو ثور يكرهان الكلام والإمام يخطب، وكان عروة بن الزبير لا يرى بأسا بالكلام، إذا لم يسمع الخطبة يوم الجمعة. (15/81)
صفحة 3752
قال أبو سعيد: هكذا يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا حضر الخطيب الخطبة، فمنعه مانع استماع الخطبة لبعد أو لمعنى فصمت وأنصت كان له من الفضل ما لمن استمع، ولكن يستحب له أن يستمع إن كان بحيث يسمع، ومعي، أنه إذا لم يسمع وصمت كان مقصرا، ولا شيء عليه في معنى صلاته، ومنه، قال أبو بكر: رخص في القراءة إذا لم يسمع خطبة الإمام النخعي وسعيد بن جبير، ورخص عطاء في الذكر، وكان الشافعي وأحمد وإسحاق لا يرون بذلك بأسا، وقال الأوزاعي: والعاطس يحمد الله في نفسه، وكان الزهري يقول يؤمر بالصمت، وقال الأوزاعي مثله، وقال أصحاب الرأي: أحب إلينا أن يسمع وينصت، قال أبو بكر: لا بأس بالقراءة، ويعجبني ذلك إذا لم يسمع الخطبة.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه سواء أو لم يسمع فعليه الصمت، وذلك حق الجمعة، وأما ذكره في نفسه من غير أن يحرك به لسانه فلا أعلم في ذلك اختلافا أنه جائز وفضل، ويؤمر بذلك أنه كلما مضى الخطيب على شيء من التوحيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء من ذكر الله أن يذكر ذلك في نفسه ويلزمه ذلك في الاعتقاد في معنى ذكر القلب في معان المعرفة لذلك، وأما أن يكون ذلك بلسانه فقد مضى القول فيه في الرواية، أنه إن شاء الله أعطاه وإن شاء منعه، ومنه، قال أبو بكر: رخص في تشميت العاطس ورد السلام والإمام يخطب الحسن البصري والنخعي والشعبي والحكم وقتادة والثوري وأحمد وإسحاق، وقال قتادة: برد السلام وبشمته، واختلف قول الشافعي في هذا، فكان في العراق ينهى عنه إلا بالإيماء، وقال بمصر: رأيت أن يرد عليهم بعضهم، لأن رد السلام فرض، وقال في تشميت العاطس أرجو أنه يسعه، وقال سعيد بن المسيب: لا يشمته، وبه قال قتادة، وهذا اختلاف قوله في رد السلام، وكان مالك والأوزاعي لا يريان تشميت العاطس ولا رد السلام والإمام يخطب، وأصحاب الرأي استعجبوا بما قال مالك، وقال عطاء: إذا كنت تسمع الخطبة فاردد عليه السلام في نفسك، وإذا كنت لا تسمع الخطبة فاردد عليه السلام وأسمعه، وقال أحمد: إذا لم تسمع الخطبة فشمت ورد. (15/82)
صفحة 3753
قال أبو سعيد: عندي في معاني قول أصحابنا أن له أن يرد السلام ويشمت العاطس، والخطيب يخطب يوم الجمعة، ولا أعلم في معاني قولهم في ذلك اختلافا بنهي ولا كراهية، ويعجبني ما حكي من هذه الأقاويل من ترك التشميت ورد السلام، إذا ثبت أنه في معنى الصلاة لاجتماعهم أنه ليس له ولا عليه أن يرد السلام في الصلاة، وفي معنى قولهم أنه من أسباب الصلاة، إلا أنه لما ثبت بمعاني الاتفاق، أنه يشير ويومئ ويعمل بيده، مثل تروح، وأنه يذكر الله في نفسه بمعنى الاتفاق، لم يبعد ما قيل أنه يرد السلام ويشمت العاطس، ولا يخرج عندي إلا موضع ذكر، والصمت عندي عن ذلك أفضل، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حقها، ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في الكلام بعد فراغ الإمام من الخطبة قبل دخوله في الصلاة، فكره طاووس وعطاء والزهري وحماد ابن أبي سليمان وبكر بن عبد الله والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد يرخصون فيه، وروينا عن ابن عمر، وكان الحكم بن عيينة يكره ذلك، قال أبو بكر: الكلام فيما بين نزوله عن المنبر إلى دخوله في الصلاة مباح، ومنه، واختلفوا في الكلام عند سكوت الإمام من الخطبتين، فكره ذلك مالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق، ذلك عن ابن سيرين، وكان الحسن البصري يقول: لا بأس به، واختلفوا فيما يقوله المستمع للخطبة إذا قرأ الإمام: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت طائفة يصلون عليه في أنفسهم، ولا يرفعون أصواتهم، وهذا قول مالك بن أنس وأحمد وإسحاق، وكان سفيان الثوري وأصحاب الرأي يحبون السكوت، قال أبو بكر: هذا أحب إلي.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن الكلام والخطيب يخطب وبعد فراغه من الخطبة سواء، ولا فرق في ذلك معي في معاني قولهم، ولا شيء يستدل به على ذلك، لأنه منذ يقوم الخطيب يخطب، فقد ثبت أنهم قد دخلوا في معاني الصمت إلى أن يصلوا، سواء سكت الإمام سكوتا يجوز له أو تكلم في خطبته أو فرغ من خطبته، إلا ما يجوز من أمر الصلاة وبما تقوم به الصلاة. (15/83)
صفحة 3754
[صفحة بيضاء] (15/84)
صفحة 3755
الباب الثالث والعشرون
في البيع يوم الجمعة
والحبوة والتخطي للناس والإمام يخطب
من -جامع ابن جعفر- ويكره الشراء والبيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، ويكره ذلك إذا زالت الشمس، ولو لم يناد حتى يصلي الإمام، وبعض رأى رد البيع في ذلك الوقت، ولم يجيء عن أبي علي -رحمه الله- إلا الكراهية، ومن -الكتاب- والمسافر يوم الجمعة لا بأس عليه أن يشتري ويبيع إذا نودي للصلاة، وكذلك من ليس عليه جمعة.
مسألة: ومن اشترى وباع بعد زوال الشمس يوم الجمعة، ومن قبل الصلاة لم يحرم ذلك البيع ولا ينتقض، وإنما هذا تأديب من الله وتعليم لقوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ) (الجمعة:10)، فمن لم ينتشر فلا بأس عليه، وقوله: (وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ) (البقرة:282) إنما ذلك أدب من الله لهم، ولو لم يشهدوا على البيع لم ينتقض.
مسألة: وسألته عن الشراء والبيع، من المقيمين يوم الجمعة، والإمام في الخطبة قبل أن تقام الصلاة، هل يجوز لهم ذلك؟ قال: معي، إنه قد نهى عنه، ولا يبين لي جواز ذلك إلا من عذر، قلت له: فالمسافرون في كراهية البيع والشراء ورده يوم الجمعة، مثل المقيمين؟ قال: لا يبين لي ذلك إلا من طريق التنزه (15/85)
صفحة 3756
والمبادرة إلى الفضل، قلت له: ولا يدخل الاختلاف في فساد البيع من المسافرين لبعضهم بعضا مثل المقيمين؟ قال: لا يبين لي ذلك لأن المخاطبة عندي إنها وقعت على من خوطب بالجمعة والمسافر لم أعلم أحدا قد ألزمه الجمعة، قلت له: فإذا صلى المسافرون الجمعة في جماعة في يوم الجمعة، حيث تلزم جمعة، هل تتم صلاتهم؟ قال: معي إن صلاتهم تامة.
مسألة: ومن –كتاب الإشراف- قال أبو بكر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل تخطى رقاب الناس: «اجلس فقد أذيت» واختلفوا فيه، فكره ذلك أبو هريرة وسليمان وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل، وكان قتادة يقول: تخطاهم إلى مجلسه، وقال الأوزاعي يتخطاهم إلى السعة، و كره الشافعي ذلك إلا أن يكون يخطوه إلى الفرجة لواحد أو اثنين، فإني أرجو أن يسعه، وإن كثر كرهته، إلا بأن لا يجد السبيل إلى مصلى إلا أن يتخطى، ويسعه بخطوة إن شاء الله، وفيه قول خامس: وهو أن يتخطى بإذنهم، وروينا ذلك عن أبي نضرة قال أبو بكر: لا يجوز من ذلك شيء، لأن القليل من الأذى والكثير مكروه.
قال أبو سعيد: معي إنه يكره تخطي الناس نحو ما مضى ذكره ومعي، إن هذا النهي إنما يخرج على معنى الحجر إذا كان يتخطاهم بأذى محجور يؤلم أحد فيه، أو مما يلزمه لهم فيه أرش، أو يطلب بذلك معنى يريب، أو معنى يتقدم به على الناس، وأما إذا كان على وجه الأذى المحجور، وكان تخطيه طلب أداء الفرض لا يفوته، أو يأخذ موضعه قبل الزحمة التي يخاف منها فوت الصلاة والأذى بأكثر من ذلك، أو لمعنى يصح له غير محجور، فذلك يخطو مما يرجى له الفضل عندي فيه.
مسألة: ومن -جامع ابن جعفر- والاحتباء يوم الجمعة لا بأس فيه. (15/86)
صفحة 3757
الباب الرابع والعشرون
في العمل والحبوة وتخطي الناس
والكلام يوم الجمعة والإمام يخطب
ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: كان ابن عمر يحصب الحصباء، وهو الحصى الصغير دون الرمل من يكلمه والإمام يخطب، وربما أشار إليه، وممن رأى أن يشير إلى من يتكلم والإمام يخطب عبد الرحمن بن أبي ليلى وزيد بن صوحان، ومالك والثوري والأوزاعي، وكره طاووس الإشارة، وكره الرمي بالحصى، لأن فيه أذى، ولكن يشير استدلالا بإشارة، من كان بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرجل الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: متى قيام الساعة؟
قال أبو سعيد: معي إنه قد مضى القول بمعاني الكلام، وأما أن يحصب من كلمه أو من سمعه يتكلم أو يشير إليه، فلا أعلم ذلك في معاني قولهم، وأما الإشارة بغير كلام فلا يخرج كلاما، لأن الإشارة ليست بكلام، وإذا كانت الإشارة بمعنى دلالة على الفضل فلا يخرج عندي معنى كراهية ذلك ما لم يحصل معنى الكلام المنهي عنه، ومنه، واختلفوا في الشرب والإمام يخطب، فرخص فيه مجاهد وطاووس والشافعي، ونهى عنه مالك والأوزاعي وأحمد، وقال الأوزاعي: إن شرب فسدت خطبته، قال أبو بكر: لا بأس به إلا نعلم حجة منعت فيه.
قال أبو سعيد: لا أعلم من قول أصحابنا فيما يحضرني في مثل هذا قولا مؤكدا، إلا أنه يشبه عندي معاني الاختلاف، وتركه أحب إلي، فإن فعل فلا يبعد عندي فيه وقوع الاختلاف بفساد جمعته وتمامها، ويعجبني أنه إذا ثبت أنه يشمت العاطس ويرد السلام، ويعمل ليكون هذا مثل هذه الأعمال، وإن كان قد وقع فيه (15/87)
صفحة 3758
معنى الحاجة أكثر من هذا، لا مكان الضرورة إليه، فلا يتعداه عندي أن يكون أرخص على الحاجة، قال غيره: عندي إني وجدت في بعض الآثار أنه إن كان العطش مضرا به إجازة الشرب والخطيب يخطب لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يصلي وهو مغلول، والغل هنا هو العطش، ووجدت أيضا أن الغل حبس البول في المثانة. ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: روينا عن ابن عمر أنه كان يحتبي والإمام يخطب يوم الجمعة، وممن فعل ذلك ولم ير به بأسا سعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح، وابن سيرين وابن الزبير وعكرمة بن خالد وشريح، وسالم بن عبد الله ونافع، ومالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال أحمد: أرجو ألا يكون به بأس، وبه قال إسحاق، وكره ذلك بعض أهل الحديث، بحديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إسناده.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا الترخيص في الحبوة والخطيب يخطب يوم الجمعة، ومعي إنه إن ترك ذلك أفضل، لأن ما هم فيه يشبه معاني الصلاة، والحبوة ليس من أمر الصلاة، إلا من عذر، وأمر الصلاة الخشوع والسكيننة والوقار.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- ويجوز للرجل في صلاة الجمعة وغيرها التحول لسد الفرجة، وهو في الصلاة، ولا يؤذي أحدا، لما روي في ذلك من الفضل، «إن أفضل خطوة في الأرض خطوة يسد بها فرجة في الصلاة، وفرجة في الصف في سبيل الله»، ومن -الكتاب- ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحبوة يوم الجمعة والخطيب يخطب، كذا جاءت الرواية، وعندي أن ذلك إنما يكون بالثوب لا باليد، لأن الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد احتبى بيديه، وهذا خبر يدل على جوازه في حال الانتظار للصلاة وغيره، ومن خصه كان محتاجا إلى دليل، ومن -الكتاب- ولا يجوز له أن يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب أن يركع، ولا يتخطى رقاب الناس، لما روي أن عليا كان يخطب على المنبر يوم الجمعة وقد امتلأ المسجد، وأخذ الناس مجالسهم وأتى الأشعث فجعل يتخطى رقاب الناس حتى دنا منه، ثم قال عليّ هذه الجملة: ما بال هذه الضياطرة حتى إذا أخذ الناس مجالسهم جاء يتخطى رقابهم، ونحو هذا من الكلام، ومعنى الضياطرة الحمير، والله أعلم ما كان من معنى كلام علي، وفي أي حال كان هذا الكلام منه، فإذا كان أراد بهذا القول (15/88)
صفحة 3759
الأشعث وحده قصده بهذا القول، فهو يدل على ما كان يقال أن بينهما حالا ليست بالصالحة، وليس للإمام ولا لمن حضره أن يتكلم وقت الخطبة، فإن كان الخبر صحيحا فيحتمل أن يكون علي لم يكن دخل في الخطبة، ويحتمل أن يكون خرج منه ذلك القول على وجه الموعظة للناس، والله أعلم، والذي عندي أن الخطبة جزء من الصلاة، أو مما لا تقوم الصلاة إلا به، وإن كان الكلام لا يجوز استباحته فيها ابتداء ولا جوابا، لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب انصت فقد لغوت»، ولما روي عنه صلى الله عليه وسلم من طريق أبي هريرة: «من لغا فلا جمعة له ومن قال صح فلا جمعة له»، ومعنى صه اسكت، وفي الرواية عنه أنه كان يخطب فقرأ عليهم سورة، فأقبل أبو ذر على رجل إلى جنبه، فقال: متى نزلت هذه السورة؟ فأعرض عنه، فلما انصرف من صلاته قال له الرجل: مالك من صلاتك إلا ما لغوت، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «صدق»، وروي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الذي يتكلم يوم الجمة والإمام يخطب كالحمار يحمل أسفارا».
مسألة: وعن موسى بن علي، عن الكلام والخطيب يخطب يوم الجمعة، هل فيه نقض؟ قال: لم يصح معنا نقض.
مسألة: ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من كان منكم مصليا يوم الجمعة، فليصل بعدها، وثبت عنه أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين، فالمصلي بالخيار، إن شاء صلى بعدها ركعتين، وإن شاء أربعا، يفصل بين كل ركعتين بتسليم، وقد اختلف فيه، فكان ابن مسعود وإبراهيم النخعي وإسحاق وأصحاب الرأي، يرون أن يصلي بعدها أربعا، وفيه قول ثان، وهو أن يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعا، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عمر وأبي موسى الأشعري ومجاهد وعطاء وحميد بن عبد الرحمن، وبه قال الثوري، وقال أحمد بن حنبل: إن شاء ركعتين، وإن شاء أربعا، وفيه قول ثالث، وهو أن يصلي بعدها ركعتين، فعل ذلك ابن عمر وروي عن إبراهيم النخعي.
قال أبو سعيد: عندي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا، أنه يؤمر بعدها (15/89)
صفحة 3760
بركعتين ويؤكد فيهما، وقد قيل في بعض ما قيل إنهما سنة، وقيل مأمور بهما، والناس على شبه إجماع فيهما من الفعل، فلا يستحب تركهما بعد جمعة ولا ظهر، وما كان بعد ذلك من الفضل فهو أفضل، ما لم يشتغل به عما هو أفضل منه وأولى. (15/90)
صفحة 3761
الباب الخامس والعشرون
فيمن انتقضت عليه صلاة الجمعة
وأما من فسدت عليه صلاة الجمعة حيث تكون ركعتين، فليبدل صلاة نفسه أربع ركعات، إذا كان ممن يلزمه التمام، وسواء كان ذلك في وقت تلك الصلاة، أو من بعد انقضاء وقتها، هذا في الجمعة خاصة، لأنه إنما يبدل صلاته، ليس صلاة الإمام، وقال آخرون غير ذلك، ومن -كتاب الإشراف- واختلفوا في الرجل يدخل في صلاة الإمام، ولم يدر صلاة الجمعة أم الظهر فصلى ركعتين على أنهما الجمعة وإذا هي الظهر، ففي قول النعمان وأصحابه: يجزئ ذلك عن المأموم، إذا نوى صلاة الإمام، ولا يجزئ ذلك في قول الشافعي حتى ينويها.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى ما حكي عن النعمان، أنه إذا عقد الصلاة بصلاة الإمام فما صلى الإمام مما يثبت من الصلاة، ويكون هو تبع له، ويجوز له اتباعه فيه، فصلاته تامة بصلاة الإمام، وفي بعض قولهم: إنه إن نواها ظهرا بصلاة الإمام الجمعة لم تجزه، وإن نواها جمعة فصلى الإمام ظهرا لم تجزه، وإن نوى فوافق صلاة الإمام أجزأه، وهو مقصر في ذلك أن يعتقد مع الإمام بما لا يدري ما يوافق منه، ومنه، واختلفوا فيمن لا يقدر على السجود على الأرض من الزحام، فكان عمر بن الخطاب يقول: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال أصحاب الرأي: إن فعل ذلك فصلاته تامة، وقال عطاء والزهري: يمسك عن السجود، فإذا رفعوا سجد، وقال مالك: إن فعل ذلك يعيد الصلاة، وقال نافع مولى ابن عمر، يومئ إيماء، قال أبو بكر: بقول ابن عمر نقول. (15/91)
صفحة 3762
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى الاختلاف، كنحو ما ذكر أنه قد قال: من قال عليه أن يسجد ولو على ظهر رجل، وقال من قال: إنه لا يسجد، وله أن يمسك عن السجود حتى يقوم الناس، ثم يسجد ويلحق الإمام في الصلاة، ولا أعلم في قولهم أنه يومئ إذا أمكنه السجود. (15/92)
صفحة 3763
الباب السادس والعشرون
فيمن يصلي الظهر يوم الجمعة ثم يدرك صلاتها مع الإمام
ومن -كتاب الإشراف- واختلفوا فيمن لا عذر له، يصلي الظهر قبل صلاة الإمام يوم الجمعة، فكان سفيان الثوري والشافعي يقولان: يعيدها ظهرا، وقال أحمد بن حنبل: يعيد الفرض الذي يصلي في بيته، إذا كان إمام يؤخر الجمعة، وقال الحكم بن عيينة، يصلي معهم يصنع الله ما يشاء، وقال النعمان: إذا صلى الظهر ثم خرج يريد الجمعة انتقضت الظهر، وقال محمد ويعقوب: لا تنتقض إلا أن يدخل في الجمعة، وقال أبو ثور: إذا أدرك الجمعة صلى مع الإمام، وهي له نافلة.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا صلى الظهر أربعا حيث تلزم الجمعة، ثم حضر صلاة الجمعة فصلاها معهم، إن صلاته الأولى وأن الجمعة له فضيلة، ولا أعلم يخرج معنى غير هذا، وغيره ممن لا تلزمه الجمعة أحرى وأولى أن تكون صلاته الأولى.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- واختلف أصحابنا فيمن صلى الظهر يوم الجمعة في بيته، ثم حضر الجمعة: إن صلاته الأولى تنتقض ويلزمه فرض الجمعة، في أن الأمر بالسعي لا يجتمع مع فرض الظهر، وقال بعضهم: الظهر هي صلاته التي صلاها، ولا تنتقض وتكون الجمعة له نفلا.
مسألة: وقال من قال: إن صلاة الجمعة ليست كغيرها، من صلاها في بيته، وظن أن الإمام قد صلى، ثم أدرك الجمعة مع الإمام فالنافلة هي الأولى، وصلاة الجمعة التي صلاها مع الإمام هي صلاته، وقال من قال: بل الفريضة هي الأولى، والثانية نافلة في هذا المكان وغيره. (15/93)
صفحة 3764
[صفحة بيضاء] (15/94)
صفحة 3765
الباب السابع والعشرون
في صلاة العيدين ووجوبها وحكم تاركها من الكل والبعض
ومن –جامع أبي محمد- قال الله جل ذكره: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) قيل: نزلت في صدقة الفطر وصلاة العيد والله أعلم، والرواية متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد، وحرض عليها وأمر بها، حتى أمر بخروج النساء إليها، ولولا الإجماع أنها ليست بفرض، لكان هذا التأكيد يوجب فرضها، ألا ترى أن رواية أم عطية حين قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج في العيدين، الغواني وذوات الخدور، وأمر الحُيّض أن يعتزلن مصلى المسلمين، وصلاة المرأة في بيتها في غير العيدين أفضل لها من الجماعة.
مسألة: ومن -كتاب أبي قحطان- فيما عندي، والله أعلم، أجمع فقهاء المسلمين أن صلاة العيدين سنة في الأمصار والقرى والجماعة، لا ينبغي أن تترك ولو أجمع قوم من أهل الأمصار على تركها، لكانوا قد تركوا أمرا واجبا يأثمون فيه، ولو تركه واحد أو جماعة بعد أن يقوم به غيرهم، رجونا ألا يكونوا مأثومين، وهو من الواجب الذي يكفي فيه بعض عن بعض.
مسألة: ومن ترك صلاة العيدين عشر سنين من رجل أو امرأة ديانة لا يدين بها فلا حظ له في ولاية المسلمين، وأقل ما يصنع به يكف عن ولايته، وإن تركها لمعنى مثل بِكر تستحي أو رجل يحفظ منزله أو يبعد عليه موضع الجبان، أو يستحي لتقصير لباسه، ولا يدين بترك صلاة العيدين فالذي نستحسنه ألا يدع (15/95)
صفحة 3766
صلاة العيدين ما قدر، فإن لم يفعل، فقد روي عن محمد بن محبوب أنه لم يقدم على ترك ولايته.
مسألة: ومن لم يذهب إلى صلاة العيد، وإن صلى ركعتين أو أربع ركعات فحسن، وإن لم يفعل فلا بأس عليه.
مسألة: ومن سها خلف الإمام في صلاة العيدين، فعليه سجدتا الوهم.
مسألة: ومن حج فلا يصلي صلاة العيد، وأما من لم يحج من أهل مكة، فإنهم يصلون صلاة العيد يوم الأضحى في المسجد.
مسألة: ويقطع صلاة العيد ما يقطع صلاة الفريضة.
مسألة: والمأمور به الإنسان أن يمر إلى مجتمع لصلاة العيد، وكذلك السنة، فإن صلى وحده فبعد أن يصلي الإمام، إلا أن يكون في موضع لا يعلم أنه يدرك صلاة العيد في الجماعة، فإنه يصلي ركعتين بلا تكبير، على قول محمد بن محبوب، وإن كبر فجائز.
مسألة: وصلاة العيد سنة واجبة، لا يجوز التخلف عنها إلا من عذر، ولابد من الخطبة بعد الصلاة.
مسألة: ومن -جامع أبي الحسن- وسئل عن صلاة العيدين أفرض هي أم سنة؟ قيل له: صلاة العيدين سنة من فضائل السنن، وهما ركعتان، وقد قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) فقد قالوا: إنها صلاة العيد، وصدقة الفطر، وقوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَر) قيل إنها في صلاة النحر، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها نزلت في صدقة الفطر» وصلاة الفطر العيد، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العيد وحرض عليها وأمر بها حتى أمر النساء بالخروج إليها، عن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج إلى العيدين والغواني من الخدور، وأمر الحائض أن تعتزل مصلى المسلمين.
مسألة: وسمعته يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون يوم (15/96)
صفحة 3767
الفطر ويوم النحر، قبل الخطبة، فلما ولي عثمان بن عفان خطب قبل الصلاة، فلما ولي علي بن أبي طالب رد الأمر إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، فلما كان في دولة بني أمية صيروها على فعلة عثمان، حتى كان آخرهم يفعل ذلك.
مسألة: وقيل: لا بأس بالصلاة قبل صلاة العيدين وبعدهما، وقال من قال: يصلي قبل العيد، ولا يصلي بعده، وفي -جامع أبي الحسن- وروى قوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلي قبلها ولا بعدها، وقال من قال: يصلي بعد صلاة الفطر، ولا يصلي بعد النحر حتى يقضي نسكه، وقال من قال: ما أراهم كرهوا إلا إلى الزوال، فإذا زالت الشمس فليصل ما شاء.
مسألة: قال أبو قحطان: أحب إلينا أن يصلي ركعتين إن كان يوم الفطر، وإن كان يوم النحر فقيل لا بأس بالصلاة قبلها وبعدها، وكره آخرون الصلاة بعد صلاة النحر، وما أراهم كرهوا إلا إلى الزوال، فإذا زالت الشمس فليصل ما شاء.
مسألة: وقيل: لا بأس بالصلاة قبل صلاة العيدين وبعدهما.
مسألة: من -الحاشية أبو الحسن- قلت: فصلاة العيدين يصليان في كل بلد من عمان صغرت أو كبرت أم كالجمعة؟ قال: الذي عليه عمل الناس المأمور به من الفقهاء، أنها تصلى في كل بلد، إلا يوم النحر بمنى، قلت: فإن صلوا في بلدهم في موضعين منه يجوز لهم ذلك أم لا؟ قال: نعم، ذلك جائز، والجائز غير المأمور به أن تكون جماعة واحدة مع الإمام جماعتهم في بلد واحد، وجماعة بعد جماعة في غير الموضع جائزة.
مسألة: ومن -جامع أبي جابر- ويقال صل قبل صلاة الفطر وبعدها ما شئت، وأما صلاة النحر، فإذا صليت فانصرف، ولو صلى مصل لم أر بأسا، ومن غيره، قال محمد بن المسبح: حتى تقضي نسكك.
مسألة: ومن -جامع أبي الحسن- ومعي، الاختلاف في الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، فروى قوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل قبلها ولا بعدها، وروي أنه صلى (15/97)
صفحة 3768
بعدها، وأصحابنا يصلون قبل العيد ما شاءوا، ولا يصلون بعده، وأجاز من أجاز منهم بعد الفطر، ولم يصل بعد النحر، والله أعلم بذلك.
مسألة: في ترك الصلاة قبل العيد وبعده، ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم فطر أو يوم أضحى، فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما، واختلف الناس في ذلك، فروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وحذيفة بن اليمان وجابر بن عبد الله وابن أبي أوفى أنهم كانوا لا يرون الصلاة قبلها، وهذا قول ابن عمر ومسروق والشعبي والضحاك بن مزاحم والقاسم وسلام بن عبد الله والزهري ومعمر وابن جريج وأحمد بن حنبل، وفيه قول ثان، وهو أن الصلاة قبلها وبعدها، هذا قول أنس بن مالك وسعيد بن أبي الحسن، وجابر بن زيد وعروة بن الزبير والشافعي.
قال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا يخرج عندي على إجازة معنى الصلاة قبل صلاة الفطر والنحر وبعدهما، إلا أنه قد استحب من استحب منهم أن ينصرف الناس يوم النحر إلى أصحابهم ويخففوا الصلاة، وإن فعل ذلك فاعل لقلة شغل لقيام غيره له، فلا مانع يمنع ذلك عندي.
مسألة: ومن -كتاب الإشراف- في اجتماع العيدين، قال أبو بكر: في العيدين إذا اجتمعا فكان عطاء ابن أبي رباح يقول: يجزئ أحدهما عن الآخر، وذكر أن ابن الزبير فعل ذلك، وروي نحو ذلك عن علي بن أبي طالب، وروي عن الشعبي والنخعي أنهما قالا: يجزئ عند أحدهما، وفيه قول ثان، وهو الرخصة في الأذان لمن كان خارجا من المصر في الرجوع إلى أهاليهم، ولا يعودون إلى الجمعة، قال عطاء: إن اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر، فليجمعهما فليصل ركعتين حتى يصلي الفطر، ثم هي حتى العصر، وروي عن عثمان بن عفان أنه قال في العيدين: إذا اجتمعا من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فليرجع، وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي، وقال النعمان في العيدين يجتمعان في يوم واحد، يشهدهما جميعا الأول سنة، والآخر (15/98)
صفحة 3769
فريضة، ولا يترك واحد منهما.
قال أبو سعيد: معي، إنه إذا اجتمع صلاة العيد في يوم الجمعة حيث تلزم الجمعة كانت صلاة العيد على حالها تجب على من تجب عليه الحضور لها بمعنى ثبوت السنة، وصلاة الجمعة ثابتة على من تجب عليه حضورها للفريضة، ولا ينحط معنا واحد منهما بالآخر، إلا أن يجيء ثم عذر عن حضور أحدهما أو عنهما جميعا، فالمعذور من عذره الله، وإن لم يتفق حضور العيد إلا بترك الجمعة كانت الجمعة عندي أولى، إذا كان يضيع منها أو من أسبابها شيء حيث تجب، لأنها فريضة في موضع لزومها وهذه سنة، وفريضة الجمعة أولى من سنة صلاة العيد إذا لم يقم أحدهما إلا بترك الآخر.
مسألة: ومن غير -الكتاب والزيادة المضافة إليه- مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان -حفظه الله- وعن صلاة العيد، أفيها اختلاف، ولو برز الكل أو البعض، وفيها اختلاف كالجماعة ويجزئ فيها البعض عن الكل؟ على قول بعض له لازمة بالإجماع، واختلاف فأما ثبوتها فلا أعلم أن أحدا يرفع ثبوت سنتها، غير أن بعضا يقول إنما هي على أهل الأمصار، وقد قيل إن بعضا يجزئ عن البعض فيها، ولا أعلم ذلك في الإجماع، وقلت: إن كان فيه اختلاف أم لا؟ ففي لزومها بالجماعة أم بينهما فرق؟ فمعي أن ثبوت ذلك وإن كان ثابتا، فليس كلزوم الجماعة، لأن الجماعة أصلها صلاة فريضة في حال الفرادى، وهذه لا تلزم في حال الفرادى، وإنما تلزم في الجماعة، فإذا قامت الجماعة بذلك كان على الجماعة، وقد قيل لو تركوها كلهم لم تترك ولايتهم على حال، وقيل تترك ولايتهم، ولا أعلم أن أحدا يوجب البراءة بذلك فيما معي، وقد قيل في تارك الجماعة تترك ولايته، على أقل ما يفعل فيه، وقد قيل بالبراءة إذا ترك ما لا عذر له في تركه مما يلزمه، فذلك متفق في معان مختلف في معان (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: ومن -غير الكتاب-. (15/99)
صفحة 3770
[صفحة بيضاء] (15/100)
صفحة 3771
الباب الثامن والعشرون
في صلاة العيدين والتكبير عند الخروج إلى صلاة العيدين
ومن -كتاب الإشراف- ذكر التلبية ليلة الفطر، وقال أبو بكر: قال الله جل ثناؤه: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) (البقرة:185) واختلف أهل العلم في التكبير ليلة الفطر، ويوم الفطر، فقال أكثر أهل العلم: يكبرون إذا غدوا إلى المصلى، وكان ابن عمر يفعل ذلك، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن أمامة الباهلي وأبي ذر، وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل ذلك إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو الزناد، وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان وأبي بكر بن محمد والحكم بن حماد، ومالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وحكى الأوزاعي ذلك عن الناس، وكان الشافعي يقول إذا رأى هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى، حتى يخرج الإمام للصلاة، وكذلك أحب في عيد الأضحى لمن لم يحج، وروينا عن ابن عباس أنه سمع الناس يكبرون، فقال: يكبر الإمام؟ قيل: لا، قال: أمجانين الناس؟ قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، لأن ذلك قد روينا عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة من التابعين، وهذا قول أكثر أهل العلم، فإن كبر مكبر ليلة الفطر فلا بأس، لأنه ذكر الله.
قال أبو سعيد: أما في الفطر فأكثر ما يخرج من قول أصحابنا أنهم يكبرون (15/101)
صفحة 3772
إذا غدوا إلى المصلى، والتكبير كله في كل وقت جائز، والفضل ما لم يتخذ المكبر ذلك لسبب ما يخرج به من حال الطاعة في بيته، وهو أن يريده لغير الله لرياء أو سمعة، ولا يجوز على الفقهاء عندنا أن يسموا الناس مجانين لذكر الله، إلا على معنى يخص ذلك، وأما على التكبير في النحر فمع أصحابنا أنهم يكبرون دبر الصلوات، لصلاة الظهر يوم النحر إلى تمام أيام التشريق، وفي غير الحج إذا خرجوا لصلاة النحر مثل الفطر، ومن -الكتاب- صفة التكبير قال أبو بكر: كان قتادة يقول التكبير (الله أكبر الله أكبر على ما هدانا الله أكبر ولله الحمد) وكان ابن المبارك يقول إذا خرج يوم الفطر: (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا) وكان مالك بن أنس لا يحد فيه حدا، وقال أحمد بن حنبل: هذا واسع.
وقال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، إنه بما يكبر الله من التكبير وحمده من المحامد، فقد كبر، وهذا واسع معنا، وليس بواجب كوجوب غيره، وحسن ألا يدع شيئا من الفضائل، ولا يحد على الناس حدا، ومن غير الكتاب.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- ويستحب تكبير ليلة الفطر، لقول الله تبارك وتعالى: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ).
مسألة: ومن جامع أبي الحسن، ويغدو إلى المصلى جاهرا بالتكبير، لأن الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، ثم يقطع إذا بلغ المصلى، وصلاة العيد ركعتان.
مسألة: ومن -كتاب الضياء- ومن كبر في ذهابه إلى المصلى في العيدين فحسن، ومن لم يكبر فلا بأس عليه، وإن قال: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد فحسن، وإن قال الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد فحسن، ويؤمر بالتكبير يوم العيد، أما أصحابنا من أهل مكة فيقولون: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وأما أهل عمان فيقولون: (15/102)
صفحة 3773
لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا لا إله إلا الله والله أكبر على ما هدانا، وكله جائز، والتكبير يوم النحر إلى أن يكبر على أثر صلاة العصر من اليوم الثالث غير يوم النحر.
مسألة: ويؤمر بالتكبير يوم العيد. (15/103)
صفحة 3774
[صفحة بيضاء] (15/104)
صفحة 3775
الباب التاسع والعشرون
في الاغتسال يوم العيد
ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبت أن ابن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وممن كان لا يرى الاغتسال يوم الفطر، عطاء بن أبي رباح وعلقمة وعروة بن الزبير، وإبراهيم التميمي وإبراهيم النخعي، والشعبي وقتادة، وأبو الزناد ومالك بن أنس، والشافعي، وإسحاق بن راهويه، قال أبو بكر: ونحن نستحب ذلك، وليس بواجب.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معاني قول أصحابنا الاستحباب للغسل قبل الخروج يوم الفطر والتحول للمصلى، ولعل يوم الفطر يؤمر به أكثر، فالله أعلم ما المعنى في ذلك.
مسألة: ومن -جامع ابن جعفر- ويستحب الغسل، وليس بواجب يوم الفطر ويوم النحر.
مسألة: ومن -جامع أبي الحسن- وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالاغتسال يوم الجمعة، فأحب الغسل يوم العيد، وكذلك يلبس في العيد أفضل الثياب عند إن شاء الله، ويغدوا إلى المصلى جاهرا بالتكبير، لأن الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، ثم يقطع إذا بلغ المصلى، ومن -كتاب الضياء- قال أبو صفرة: لم أر أحدا من المسلمين يغتسل عشية عرفة، وأما صبيحة النحر فإني رأيتهم (15/105)
صفحة 3776
يغتسلون، ونحن نفعله، وكانوا يغسلون الصبيان.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- ومن سنن النفل غسل العيدين والسواك والطيب واللبس الحسن. (15/106)
صفحة 3777
الباب الثلاثون
في الخروج إلى المصلى
ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر، ويوم الأضحى إلى المصلى، فالسنة أن يخرج الناس إلى المصلى في العيدين، فإن ضعف عن الخروج إلى المصلى أمر الإمام من يصلي بهم في المسجد، روينا عن علي بن أبي طالب أنه أمر بذلك واستحسن ذلك الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وكان الشافعي وأبو أيوب يريان ذلك.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن صلاة العيد عند المكنة والأمان من العوائق، وأذى الأمطار والرياح المؤذية، إنما تكون في الجبان أفضلها من المساجد، وبذلك يؤمرون لأن بذلك ثبتت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلا، وبذلك أمرهم على ما جاء به الخبر، فإن كان ثم عائق أو عذر بوجه من الوجوه، فبعد الجبان استحب، ولعله قيل كذلك في المسجد الجامع من المساجد المعمورة من البلد، لأنه موضع مجتمعهم وجامعهم، فإن لم يكن ذلك فمسجد معمور أحب إلي من البيوت من غير المساجد، بذلك يؤمرون فإن صلوا في غير مسجد في بيت أو غيره، حيث تجوز الصلاة كان عندي جائزا، والبيت إلى من البراز في القرية، وفي غير بيته، ولا مسجد ولا مصلى.
مسألة: ومن -جامع ابن جعفر- ويكون بروزهم إلى الجبان، إلا أن يكون مطر أو شيئا يحول بينهم وبين البروز، صلوا حيثما أمكن لهم في مسجد أو غيره. (15/107)
صفحة 3778
مسألة: ومن -جامع أبي الحسن- ويكون بروزهم إلى موضع مجتمعهم في مخرجهم، وإن كان مطرا صلوا في المسجد، وإن لم يتفق فالصلاة في الرحال، ويكره الكلام.
مسألة: وقد كانوا يستحبون أن يكون مصلى العيدين غير المسجد الذي تصلى فيه الجماعة يكون واسعا على الناس. (15/108)
صفحة 3779
الباب الحادي والثلاثون
في لزوم الخروج إلى العيدين ومن له العذر
في التخلف عنه والصلاة وحده حيث لا تكون صلاة العيد
من -غير الكتاب والزيادة المضافة إليه- مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان، ورجل لا يقدر أن يصل إلى الجماعة، ولا إلى جماعة لصلاة العيدين، ولا إلى جنازة بنفسه، إلا لو استعان بغيره من مال، قلت: هو معذور إذا لم يقم بنفسه، ولو كان يقدر على غيره أم لا؟ فأما ملكه إذا قدر به ذلك من ماله فمعي، إن عليه ذلك، ولا عذر له فيه، ولا يبين لي في ذلك اختلاف، وأما إذا كان يقدر على معين في ذلك من غير ملك فمعي، إن ذلك مما يخرج فيه الاختلاف أو يجوز فيه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يعذر الأعمى من حضور الجماعة إذا وجد قائدا، ويمكن معي أن يكون القائد له ملكا، ويمكن أن يكون معينا وسيلة، أو بأجرة من مال، فأما المال فلا يستقيم له إلا بذله في أداء الفرض واللوازم، بذلك جاء الإجماع من الرأي، وأما مسؤول غيره من لا ملك له عليه فمعي، إن في ذلك اختلافا، وهذا عندي مثله إذا كان في حد اللزوم له الذي لا يسعه التخلف عنه، وقلت: إن كان عليه طلب، فيطلب في الوقت، أو قبل الوقت، فلا يبين لي أن يلزمه ذلك، في وقت ما يخاطب به، مثلا لجميع اللازمات، وقلت: إن كان في الوقت أو قبله، فيطلب من الكل ممن يعلم أو يرجو أن يعطيه فمعي، أنه إذا ثبت ذلك، فإنما هو من عند من يعلم، أو يصل إليه (15/109)
صفحة 3780
أو يرجو، وأما من هو حد في الإياس من ذلك أو الجهل، فلا يبين لي ذلك.
مسألة: ورجل بقربه مسجد لا تصلى فيه صلاة العيد، وأبعد منه موضع، يصلي فيه، قلت: أله وعليه أن يصلي في هذا المسجد وحده كسائر الصلاة أو صلاة العيدين، إن كان يحسن سرا، أم عليه أن يخرج مع الناس حيث يكونون إذا قدر على ذلك؟ فمعي، إنه قد قيل إذا كان إمام عدل في البلد أو وال من قبله، وكانت الأرض في أيدي أهل العدل، أو الصلاة فيها، لأهل العدل أو من يقوم مقامهم بالصلاة فيها من أهل العدل، كانت الصلاة حيث يكون الإمام، إذا كان من المسلمين، وأما إذا كان من الجبابرة أو من غير ذلك ممن لا يجمع على الصلاة خلفه، فللناس الخيار إن شاءوا صلوا مع الإمام، ما لم يزد أو ينقص في صلاته، وإن شاءوا صلى كل حي في موضعهم، أو في مسجدهم، وقد قيل: إن الجبان أفضل لصلاة العيد، لأن السنة فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خرج من الجبان وأمر بذلك، وقيل: إن على ذلك أجمع أهل الأمصار إلا بمكة، فإن أمكن الجبان كان أحب إلي من المسجد في غير مكة، وإن كان لهم عذر من تقية أو مطر، أو برد أو حر أو سبب من الأسباب، فالمساجد أحب إلي من بعد الجبان لصلاة العيد.
مسألة: وأما صلاة العيد بمكة، قالوا: لا تجب بمكة صلاة العيدين، إلا من أراد أن يصلي ركعتين، لأن الناس مشتغلون ذلك اليوم بما عليهم من رمي الجمار والذبح والحلق والزيارة والرجوع إلى منى، والله أعلم. (15/110)
صفحة 3781
الباب الثاني والثلاثون
في وقت العيد إذا غمي على القوم شهر شوال
ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: كان ابن عمر يصلي الصبح في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يغدو كما هو إلى المصلى، وكان رافع بن جريج وبنوه يجلسون في المسجد، فإذا طلعت الشمس صلوا ركعتين، ثم يذهبون إلى المصلى في الفطر والأضحى، وقال مجاهد كان عيد أول النهار، وقال مالك بن أنس: مضت السنة أن يخرج الإمام من منزله قدر ما يبلغ بمصلاه، وقد حلت الصلاة، وقال الشافعي: يوافي حين تبرز الشمس في الأضحى، ويؤخر الغدو إلى الفطر عن ذلك قليلا، وقال أبو بكر: كقول مالك قال أبو بكر: السنة أن يغدو الناس إلى المصلى في الفطر والأضحى.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، أن المسارعة إلى الفضل أفضل كل من سبق وحافظ عليه، وكلما غدا الناس وبكروا من إمام أو غيره بصدق النيات، كان ذلك أفضل، ما لم يقع في ذلك تضييع شيء، أفضل من ذلك، وأما صلاة العيدين فيخرج معنى الاتفاق أنها لا تجوز، ولا يقع شيء حتى يستوي طلوع الشمس، فإن استوى طلوع الشمس شارقها، فهو أول وقتها وتعجيلها أفضل، ما لم يوجب الرأي الانتظار بمعنى يرجى اجتماع الناس عليه، وآخر وقت القضاء وقت صلاة العيدين زوال الشمس في شتاء أو صيف، فإذا زالت الشمس فقد انقضى وقت صلاة العيدين الجماعة. (15/111)
صفحة 3782
مسألة: ويستحب أن تصلى صلاة العيد في ربع النهار الأول بعد طلوع الشمس، ويستوي طلوعها، ولا يؤخرها بعد ربع النهار، فإن أفضلها في الربع الأول من النهار إن شاء الله، وإن أخرها ما لم ينتصف النهار، فلا بأس.
مسألة: وقد قيل إذا عرض عذر أو شغل عن صلاة العيد حتى زالت الشمس أنه لا صلاة بعد زوال الشمس، كما لا جمعة بعد انقضاء وقت الظهر.
مسألة: ومن -جامع ابن جعفر- وقال من قال من الفقهاء: إذا صح خبر يوم العيد بعد زوال الشمس أخر البروز إلى الضحى من غدهم، وإن جاء الخبر قبل ذلك بروزا، وقال من قال: يبرزون متى جاء الخبر، ولو بالعشي، والقول الأول أحب إلي، ومن -الكتاب- نسخة ومن -غير الكتاب- وقد قال من قال: يبرزون ما لم تغب الشمس، ومن غيره، قال محمد بن المسبح: الذي قال بالتعجيل فهو أحب إلي، ما لم يصلوا العصر، لأنه يوم الفطر الذي حرم الله صيامه، وأحل فطره، وختم فيه -نسخة- به شهر رمضان، ومن -الكتاب- ويكون بروزهم إلى الجبان، إلا أن يكون مطر أو شيء بينهم وبين البروز صلوا حيث أمكن لهم من مسجد أو غيره.
مسألة: ومن -جامع أبي الحسن- ويستحب تأخير صلاة العيد يوم الفطر انتظارا لصدقة الفطر، ويستحب تعجيلها يوم الأضحى، لما فيه من الأضاحي بعدها، والأكل والترغيب والتصدق بها، ليؤكل منها، فأوجب على هذا تأخير انتظار الفطر لاشتغال الناس بإخراج الفطرة، وأن يأكل قبل الخروج، ولا أحب أن يأكل حتى يصلي وينحر، لأن الله قد جمع بين ذلك فقال: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر:2)، ثم قال: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا) (الحج:36)، فأحب الأكل والطعم بعد ذلك.
مسألة: فإن لم يصح خبر العيد إلا بعد الزوال، فقال قوم: يبرزون ويصلون، وقال آخرون: يؤخرون ذلك إلى الغد، ومن -الكتاب- وقد قيل في الذي يغمى عليهم، إنهم يخرجون من الغد، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر (15/112)
صفحة 3783
أناسا من الأنصار أن يخرجوا من الغد، وهذا يوافق أن صلاة العيد هي مثل الضحى، وقتها ذلك فأما من يقول ببدل ما فاته في الوقت حين علم.
مسألة: وأجمع فقهاء المسلمين أن صلاة العيدين سنة في الأمصار والقرى والجماعة، لا ينبغي أن تترك، والسنة أن يخرج الإمام بعد طلوع الشمس في الوقت الذي تجوز فيه الصلاة، فيصلي بالناس في مسجدهم، أو مصلاهم إن كان لهم سوى المسجد، قال أبو المؤثر: هذا كله قول المسلمين، قال أبو المؤثر: صلاة العيدين الفطر والأضحى حتى ترتفع الشمس من المشرق، فذلك هو الأفضل، ومن غيره، قال: فأفضل صلاة العيدين ما بكر فيها بعد شروق الشمس إلى ربع النهار، ومن تأخر في الربع الثاني إلى أن ينتصف النهار فقد أخر، ولا نحب أن يتعدى نصف النهار، قال: وإن كانت الصلاة في ربع النهار، وأطال الخطبة إلى الزوال، لم أر عليهم نقضا ولكن لا ينبغي أن يفعل ذلك الخطيب.
مسألة: ومن غمي عليه الهلال ليلة الفطر، فإذا صح معه الخبر بالنهار فقام بذلك البينة العادلة، فإن كان ذلك في نصف النهار الأول، أفطروا وصلوا صلاة العيد، وإن كانوا في نصف النهار الثاني فقال من قال: إنهم يفطرون ويؤخرون صلاة العيد إلى الغد، وقال من قال: إنهم يصلونها إلى العصر، والقول الأول أحب إلينا والله أعلم.
مسألة: ذكر القوم لا يعلمون بيوم الفطر، إلا بعد الزوال، والله أعلم.
مسألة: ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في البينة تشهد يوم ثلاثين من شهر رمضان بعد الزوال، إن الهلال رؤي بالأمس، فقالت طائفة: ليست، -لعله- ليس عليهم أن يصلوا يومهم، ولا من الغد، هذا قول الشافعي وأبي ثور، وبه قال مالك بن أنس، وقال آخرون: يخرجون إلى العيد من الغد، هذا قول الأوزاعي والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وبه نقول بحديث رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنه أمرهم أن يفطروا، فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم. (15/113)
صفحة 3784
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه متى ما بلغهم ذلك وصح معهم في وقت ما تجوز فيه الصلاة، خرجوا ولو كان بعد زوال الشمس، وإن بلغهم بعد العصر انتظروا إلى الغد، ومعي إنه قيل يخرجون ولو بعد العصر، وقيل: إنهم يخرجون ولو في الليل، وقيل: لا يخرجون بعد زوال الشمس، وينتظرون إلى الغد، ولا أعلم أنه منصوص في قول أصحابنا أنه لا صلاة، ولو لم يأتهم الخبر، إلا من بعد الزوال، ولكنه يعجبني ذلك من القول لثبوت السنة إنه وقت صلاة العيد بل زوال الشمس من يوم العيد، وإنه من ترك الصلاة ذلك اليوم من بعد العلم لعذر، أو غير عذر حتى تزول الشمس، فلا صلاة بعد ذلك للجماعة من صلاة العيد.
مسألة: ومن غير، -الكتاب- ومن جامع أبي محمد، ويستحب تعجيل صلاة الأضحى لما يرجع الناس فيه إلى ضحاياهم، ويستحب تأخير صلاة الفطر وانتظار الناس لما يشغلهم من الصدقة فيه، وزكاة الأنفس المأمور بتعجيلها قبل الصلاة.
مسألة: ومن -جامع أبي الحسن- وإن لم يصح خبر العيد إلا بعد الزوال؟ فقال قوم: يبرزون، ويصلون، وقال آخرون: يؤخرون إلى الغد، ومن -الكتاب- وقد قيل في الذين يغمى عليهم إنهم يخرجون من الغد، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أناسا من الأنصار أن يخرجوا من الغد، وهذا يوافق أن صلاة العيد هي مثل الضحى، وقتها ذلك فأما من يقول ببدل ما فاته في الوقت حين علم.
مسألة: وإن لم يصح خبر العيد إلا بعد الزوال فقال من قال: لا يخرجون بعد الزوال وينتظرون إلى الغد ويخرجون، وقال من قال: يخرجون ما لم يصلوا العصر، وقال من قال: يخرجون ما لم تغب الشمس، وقال من قال: يخرجون ولو في الليل، وقال من قال: إذا عرض عذر أو شغل، حتى زالت الشمس أنه لا صلاة بعد زوال الشمس، كما لا جمعة بعد انقضاء الظهر.
مسألة: ومن غير -الكتاب والزيادة المضافة إليه- مما وجدته بخط الشيخ أبي (15/114)
صفحة 3785
عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان، وعن قوم رأوا الهلال الفطر قبل الزوال أو بعده، أو صح ذلك، فأخروا الصلاة إلى الغد، قلت: هل لهم ذلك؟ أو عليهم؟ فأما رؤيتهم للهلال في النهار، فلا يوجب عندي ذلك حتى يروه في وقت رؤية الهلال على ما توجبه السنة من ذلك، وأما إن صح قبل وقت الزوال من الغد، أنه قد كان هلال تلك الليلة، ولم أعلم أن أحدا قال بتأخير ذلك إلى الغد، فإن أخروا ذلك فأرجو أن لا بأس عليهم في ذلك في دينهم، إلا أن يتركوا ذلك خلافا للسنة، وأما إن صح بعد الزوال فقد اختلف في ذلك، فقيل: يصلون ما لم يكن ذلك بعد العصر، وقيل: يؤخرون ذلك إذا كان بعد الزوال، وقيل: يصلون ولو بعد العصر، وقلت: لو كان كذلك النحر، فإن كان كذلك في النحر فهو عندي مثل ما وصفت لك، وقلت: لو صلوا في يومهم ذلك قبل الزوال أو بعده بقليل، أو بكثير، ثم صح أو رأوا الهلال، هل تتم صلاتهم؟ فإن صلوا قبل الصحة على الاحتياط؟ ثم صح جاز ذلك، فإن فعلوا ذلك خلافا منهم للسنة فقد قصروا، وأخاف عليهم الإثم، ولا يبين لي بدل عليهم، وقلت: إن كانت تامة فأخروها بعد الصحة والرؤية قليلا أو كثيرا، ثم صلوها، هل تتم صلاتهم؟ فإذا صلوها في وقتها جاز ذلك، لأن وقتها قبل الزوال، فإن تركوها بعد العلم بذلك في اليوم الذي هو فيه الصلاة حتى ينقضي وقتها، فالذي معي أنه قد قيل: لا صلاة لهم بعد ذلك جماعة، ولعله يلحق أن لهم ذلك في مذهب من يوجب بدل ذلك. (15/115)
صفحة 3786
[صفحة بيضاء] (15/116)
صفحة 3787
الباب الثالث والثلاثون
في ترك الأذان والإقامة للعيد
ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العيدين بغير أذان ولا إقامة، وقال جابر وابن عباس: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، وهو قول المغيرة بن شعبة ويحي بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس والأوزاعي وابن جابر والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، وكان الشافعي يقول: في الأعياد الصلاة جامعة، وقد روينا عن ابن الزبير أنه قال: أذن وأقام، وقال حصين: أول من أذن في الأعياد زياد، وقال أبو بكر: يصلي بلا أذان ولا إقامة.
قال أبو سعيد -رحمه الله-: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بمعنى الاتفاق، إنه لا يجب في صلاة العيدين أذان ولا إقامة، وبذلك جاء الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وصلى بغير أذان ولا إقامة، وإن أذن الإمام أو أمر بالأذان من غير مخالفة ولا إثبات بدعة لمعنى يذكرها، أو لوجه من الوجوه إلا أنه أراد أن يذكر الناس، كان ذلك عندي حسنا، لأنه حث على السنة، وذكر الله، وقد قال أصحابنا: الأذان لصلاة لكسوف الشمس والقمر، وليس هاهنا موضع فرض وإنما هو موضع اجتماع الناس وتذكيرهم، وليس صلاة الكسوف بأجمع من صلاة العيدين ولا أوجب، ومن غيره، ومن -كتاب الضياء- ولا يؤذن لصلاة العيدين، ولا يقام لهما، وكل صلاة لا يؤذن لها ولا يقام ينادى لها الصلاة جامعة، (15/117)
صفحة 3788
كسوفا كان أو استسقاء، أو غيرها، هكذا كان ينادى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مسألة: ومن -جامع ابن جعفر- وليس لصلاة الفطر والنحر أذان ولا إقامة، وقيل: أول من أحدث الأذان يوم الفطر والنحر معاوية. (15/118)
صفحة 3789
الباب الرابع والثلاثون
الأكل يوم الفطر قبل الغدو
ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ويوم النحر حتى يرجع، وقال أنس بن مالك: قل ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ثلاثا أو خمسا أو سبعا، أو أقل أو أكثر وترا، وكان ابن عمر لا يأكل يوم الفطر حتى يغدو، وروينا عن ابن مسعود أنه قال: لا تأكلوا قبل أن تخرجوا يوم الفطر إن شئتم، قال أبو بكر: والذي عليه أكثر أهل العلم استحباب الأكل يوم الفطر، قبل الغدو، وروينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: من السنة أن تأكل قبل أن تخرج، وكان ابن عباس يحث عليه، وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وعطاء بن أبي رباح وطاووس ومجاهد، وأبو الزناد والشعبي وعروة بن الزبير وعبد الله بن معقل، ومالك بن أنس والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وقال إبراهيم: إن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في قول أصحابنا الاستحباب للأكل يوم الفطر، قبل الخروج إلى المصلى، ولا أعلم ذلك واجبا، وأما يوم النحر فلا أعلم أنهم يستحبون ذلك فيه كيوم الفطر، ومعنى الفرق في ذلك عندي، والسنة يوم الفطر بذل الصدقة على الفقراء، فالنفس أولى وأحرى أن يدخل عليها الرفق، وذلك عندي إذا كان على معنى النية اتباع السنة، ولم يكن ذلك مما يشغله طلبه، والاهتمام به عما هو أفضل منه، ولو أشغله ذلك أو عوقه عن صلاة العيد كانت (15/119)
صفحة 3790
الصلاة عندي أولى.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- -رحمه الله- ويستحب التكبير ليلة الفطر، لقول الله تعالى: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) (البقرة:185)، فإذا أصبحوا أطعموا قبل الخروج إلى المصلى، وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يطعم غداة الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى، ويؤخر الأكل غداة الأضحى، إلى أن يرجع من الصلاة، ويعجبني أن يكون تأخير الأكل أيضا إلى أن ينحر، لقول الله تبارك وتعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر) يجمع بين الصلاة والنحر، فلا أحب أن يفرق بينهما بأكل، وبما لا يكون من نحر هذا.
مسألة: ومن -جامع أبي الحسن- ولا أحب أن يأكل يوم النحر، حتى يصلي وينحر لأن الله قد جمع بين ذلك فقال: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر) ثم قال: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا)، فأحب الأكل والطعم بعد ذلك.
مسألة: ومن -جامع ابن جعفر- ويستحب أن يأكل شيئا قبل أن يخرج إلى المصلى يوم الفطر.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- ويستحب في يوم الفطر الأكل قبل الغدو إلى الصلاة، وتأخير الأكل يوم النحر بعد الصلاة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
مسألة: ومن -جامعه أيضا- ويستحب للمسلم يوم الفطر من شهر رمضان أن يأكل شيئا من الطعام، قبل أن يغدو إلى المصلى، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم لما روي من طريق أنس بن مالك أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل قبل أن يغدو إلى المصلى رطبات، فإن لم يمكن فتمرات، فإن لم يكن تحسو من الماء حسوات.
مسألة: ومن -جامعه أيضا- ويستحب يوم الفطر الأكل قبل الغدو إلى المصلى، وتأخير الأكل يوم النحر إلى بعد الصلاة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. (15/120)
صفحة 3791
الباب الخامس والثلاثون
في ذكر المكان الذي يؤتى منه العيد
ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في المكان الذي يؤتى منه العيد، فقال الأوزاعي: من أواه الليل إلى أهله فعليه الجمعة والعيد، وقال ربيعة: كانوا يرون الفرسخ، وقال أبو الزناد: وهما في النزول بهما بمنزلة الجمعة، وبه قال أنس بن مالك والليث بن سعد.
قال أبو سعيد: ولا أعلم في قول أصحابنا حدا في وجوب ذلك أن يؤتى من قريب، ولا بعيد إلا أنه يخرج في معنى قولهم: إن على أهل البلد إلى صلاة المصلى في موضعهم، وإقامة السنة لصلاة العيد، ولا أعلم من قولهم، إنه يجب على أهل البلد إذا عدموا الصلاة أن يخرجوا إلى بلد آخر لطلب صلاة العيد، إذا عدموا من موضعهم لحال عذر، وإذا قدروا عليها صلوها في مواضعهم، إلا أنه قد رخص في ترك صلاة العيد، ولو قدر عليها في مثل البوادي والسفر والمسافي التي حول الأمصار، الذين يقومون بصلاة العيد؛ لأن الصلاة عليهم، إذا قام بها أهل القرى والأمصار، وعن أبي سعيد أيضا، وأكثر قولهم في صلاة العيد، إنها تجب على أهل البلدان المحاضرين، ولم يكن من الأمصار إلا في مثل المسافي التي تكون قرب القرى الجامعة والأمصار، فمعي؛ إنه قد رخص من رخص لهم في ذلك، إنه لا عيد عليهم إذا قام بذلك أهل القرى والأمصار الجامعة، ومن -كتاب الإشراف- روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع، وقال (15/121)
صفحة 3792
الزهري: على المسافر صلاة الأضحى والفطر، وقال أصحاب الرأي: إنما تجب على أهل الأمصار والمدائن. (15/122)
صفحة 3793
الباب السادس والثلاثون
في خروج النساء إلى الأعياد
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: قالت أم عطية: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجن يوم الفطر ويوم النحر، الغواني وذوات الخدود والحيض، فأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن دعوة المسلمين، وقد روينا عن أبي بكر وعلي بن أبي طالب أنهما قالا: خذوا على كل ذات نطاق أن يخرجن إلى العيد، وكان ابن عمر يخرج من استطاع من أهله في العيدين، وكره ذلك إبراهيم النخعي ويحي الأنصاري قالا: لا نعرف خروج المرأة الشابة في العيدين عندنا، وقال أصحاب الرأي: يرخص للعجوز الكبيرة.
قال أبو سعيد: -رضيه الله- يخرج في قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق للأمر من النساء، أن يخرجن لصلاة العيدين، من بكر أو ثيب، وإن ذلك في بعض القول لازم كلزوم ذلك للرجال، وفي بعض القول: إن ذلك استحباب، وليس بلازم، ولعل ذلك لموضع زوال الجمعة والجماعة عندي، وإن كان المعنى في صلاة العيدين غير المعنى في صلاة الفرائض، فقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما بين صلاة العيدين أمرهم أن يخرجوا إلى الجبان، ويخرجوا النساء والعبيد والصبيان، وأما كراهية خروج النساء بكرا كانت أو ثيبا، فلا أعلم أحدا من أصحابنا كره ذلك لهن وأخرجن للصلاة ولا لغيرها، وأما الحائض والنفساء فمعي إنه قد قيل إذا كان الدم مستمسكا عنهما استحب لهما الخروج لصلاة العيدين، ويكونان خلف (15/123)
صفحة 3794
الناس حيث يشهدان الخبر ويسمعان الدعاء والذكر، ولا يتقدمان أحدا من أهل الصلاة حيث يفسدان عليه صلاته، والله الموفق للصواب، هذا ما وجدته من القول في صلاة العيدين، وبالله التوفيق.
ومن -غير الكتاب والزيادة المضافة إليه- مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان في خروج النساء إلى العيد.
مسألة: وعن المرأة إذا خافت أو علمت من زوجها الكراهية لبروز صلاة العيدين، أو حرم عليها أن تمر، قلت: هل يكون ذلك عذرا؟ فمعي؛ إن ذلك عذر لها إن شاء الله تعالى.
مسألة: وعن الحائض والنفساء قلت: هل لها وعليها خروج إلى صلاة العيد؟ فأما عليها فليس ذلك عليها فيما معي، وإن فعلتا ذلك يريدان الله لموضع الذكر، فأحسب أن بعضا قد قال ذلك. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (15/124)
صفحة 3795
الباب السابع والثلاثون
في صفة تكبير صلاة العيدين
ومن –جامع أبي محمد- واختلف الناس في تكبير صلاة العيدين، مع اتفاقهم أنها ركعتان، وقول ابن عباس أن التكبير فيهما يجزئ سبع وتسع، وإحدى عشرة تكبيرة، وثلاث عشرة، وكل سنة.
مسألة: ومن -جامع أبي جابر محمد بن جعفر- ومن سنن الإسلام صلاة الفطر والنحر ركعتان، وهي وجوه أربعة كلها جائزة سبع تكبيرات وتسع، وإحدى عشرة وثلاث عشرة، فمن كبر ثلاث عشرة كبر بعد تكبيرة الإحرام خمسا، ثم قرأ فاتحة الكتاب وسورة، ثم كبر بعد القراءة خمس تكبيرات، ثم ركع وسجد، ثم قرأ في الركعة الثانية فاتحة الكتاب وسورة، ثم كبر بعد القراءة خمس تكبيرات ثم ركع بتكبيرة، فإذا رفع رأسه من الركوع كبر ثلاثا، ثم خر ساجدا بتكبيرة، وقضى صلاته، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: وإن شاء كبر بعد تكبيرة الإحرام ستا، وكبير في الركعة الثانية بعد قراءته سبعا، ولم يكبر إذا رفع رأسه من الركوع شيئا، وهذه السنة، قال غيره: وإن كبر في الركعة الأولى بعد القراءة ثمان، أو في الركعة الأخيرة خمسا، جاز ذلك، ومن -الكتاب- فإن صلى على أن يكبر إحدى عشرة، فإنه يكبر بعد تكبيرة الإحرام ستا، فإذا فرغ من القراءة في الركعة الثانية، كبر خمسا، وإن أراد أن يكبر تسعا كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا، ثم قرأ وصلى، فإذا فرغ من القراءة في الركعة الثانية، كبر خمسا وأتم صلاته، ومن -الكتاب- إن (15/125)
صفحة 3796
شئت فكبر في الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام ستا، وفي الركعة الثانية بعد أن تقضي القراءة ثلاث تكبيرات، وهذا هو القول المجتمع عليه، ومن غيره؛ ومن أراد أن يكبر سبعا كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا، ثم قرأ وصلى، فإذا فرغ من القراءة في آخر ركعة كبر ثلاثا، وأتم صلاته، وليس في هذه الصلاة تكبيرة بعد الركوع، إلا من كبر ثلاث عشرة تكبيرة، وفي جميع التكبير لصلاة العيد تكبير الركعة الأخيرة وتر، قال غيره: وقيل عن أبي مالك في تكبير صلاة العيدين بوجه خامس، وهو سبع عشرة تكبيرة، سبع بعد تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى، وسبع بعد القراءة في الركعة الثانية، وثلاث بعد الركوع من الركعة الثانية، فذلك سبع عشرة تكبيرة، والله أعلم.
ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة (سبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، و (هلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة)، وقال بهذا الحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأبو ثور، وكان الشافعي يرى أن يقرأ في الفطر والأضحى ب (ق)، و (اقتربت) وكان ابن سيرين يقرأ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، وروينا عن ابن مسعود أنه كان يقرأ بأم القرآن، وسورة من المفصل، قال أبو بكر: يجزئه ما قرأ آية والأول أولى.
قال أبو سعيد -رضيه الله-: يخرج معي في قول أصحابنا، أنه إذا قرأ فاتحة الكتاب، وما تيسر من المفصل أجزأ عنه، وأكثر ما يقرأون في الأول: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، وفي الآخرة بسورة منها، وأكثر ذلك على ما وجدنا (والشمس وضحاها) و (الضحى)، وكل ذلك جائز.
مسألة في صلاة العيد: من أراد أن يكبر ثلاث عشرة تكبيرة قال من قال: يكبر بعد تكبيرة الإحرام خمسا، وقال من قال: ستا، وقال من قال: ثمانية، وإن أراد إحدى عشرة كبر بعد تكبيرة الإحرام ستا، ولا أعلم أنه قيل فيها غير هذا، وإذا أراد أن يكبر تسعا كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا، وقيل ستا، وهو أكثر القول، وإن أراد أن يكبر سبعا كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا، ولا أعلم (15/126)
صفحة 3797
فيها غير هذا.
مسألة: ومن -جامع أبي الحسن- وصلاة العيد ركعتان، هكذا نقلت الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا، بغير أذان ولا إقامة قبل الخطبة، تفتح الصلاة بالتكبير بوجه بعد اعتقاد النية، واستقبال القبلة ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، قال الله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) (الطور:48)، ويضم إلى هذا التوجيه توجيه إبراهيم يقول: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام:79)، ثم يكبر تكبيرة الإحرام، وقد قيل: إن تكبيرة العيد بعد الإحرام سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة، وكل ذلك سنة، فإذا كبر ثلاث عشرة كبر بعد تكبيرة الإحرام خمسا، ثم استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة، يجهر بالتكبير، ثم يقرأ ثم يركع ويسجد، ثم يقوم فيقرأ، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ كذلك، وقد روي أنه قام فقرأ في الثانية استفتح القراءة ثم كبر، ويقرأ المصلي في الثانية، فإذا فرغ من القراءة كبر خمسا، ثم ركع فإذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، كبر ثلاثا ثم يسجد بتكبيرة، وأتم صلاته، وهذا لمن قال بثلاث عشرة تكبيرة في قول أصحابنا، وإذا أراد إحدى عشرة تكبيرة كبر بعد تكبيرة الإحرام وقرأ وسجد، وقام فقرأ، فإذا فرغ من القراءة كبر خمسا، وقضى صلاته، وإن أراد أن يكبر تسعا، كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا، وقرأ وسجد، فإذا فرغ من القراءة، كبر خمسا، وأتم صلاته، وإن أراد أن يكبر سبعا، كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا، فإذا فرغ من القراءة وسجد، قام ثم كبر ثلاثا، ثم أتم صلاته، وهذه الوجوه كلها في التكبير جائز في صلاة العيدين، وقد اختلف الناس في ذلك، وقد قيل: إن كله سنة.
مسألة: ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: فيما يستفتح به في الصلاة بعد التكبير مثل قوله: سبحانك اللهم وبحمدك، وما أشبه ذلك، ففي قول الأوزاعي يقول: إذا فرغ من السبع التكبيرات قال الشافعي: يكبر لله في الصلاة، ثم (15/127)
صفحة 3798
يستفتح فيقول: وجهت وجهي، ثم يكبر سبعا.
قال أبو سعيد -رضيه الله-: معي؛ إنه يخرج في معنى الاتفاق من قول أصحابنا: إن التوجيه لصلاة العيد قبل تكبيرة الإحرام، وكذلك في جميع الصلوات، وأما الاستعاذة فيختلف فيها من قولهم، فقال من قال: في صلاة العيد، إنه يستعيذ بعد تكبيرة الإحرام، ويكبر للصلاة ثم يقرأ، وقال من قال: يستعيذ بعد تكبيرة الإحرام، وتكبير الصلاة، ثم يقرأ، ومن غيره؛ ومن -جامع ابن جعفر- ويستعيذ بعد التكبير الأول.
ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا قرأت في العيدين فاسمع من يليك، ولا ترفع صوتك، وكان عطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس والشافعي، وأكثر أهل العلم يرون الجهر بالقراءة، وبه نقول لأن في هذا القراءة، من اختارها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يجهر بهذه القراءة.
قال أبو سعيد -رحمه الله-: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا معنى الاتفاق بثبوت الجهر في القراءة في صلاة العيدين، كسائر الجهر في الصلوات، ومعي؛ إنه كذلك جاء الأثر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك، وجهر بالقراءة في صلاة العيدين، ولا أعلم في الجهر بالقراءة في صلاة العيدين اختلافا، وإن لم يثبت ما فيها من الجهر بأكثر مما يثبت في الصلوات لسعة الناس، فليس بأقل من ذلك. (15/128)
صفحة 3799
الباب الثامن والثلاثون
في خروج الناس إلى العيد واللباس وما يستحب من ذلك
ومن –جامع أبي محمد- قال الله جل ذكره: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)، قيل: إنها نزلت في صدقة الفطر، وصلاة العيد، والله أعلم، والرواية متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد وحرض عليها، وأمر بها حتى أمر بخروج النساء إليها، ولولا الإجماع أنها ليست بفرض، لكان هذا التأكيد يوجب فرضها، ألا ترى أن رواية أم عطية حين قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تخرج في العيدين، الغواني وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين، وصلاة المرأة في بيتها في غير العيدين أفضل لها من الجماعة، ومن سنن النفل غسل البدن والسواك والتطيب واللبس الحسن.
مسألة: ومن –كتاب الضياء- ويستحب يوم العيد أن تحضر النساء والعبيد والصبيان والرجال، وأن يحشد المسلمون له وتكثر جماعتهم، ومن غيره، قال أبو المؤثر: نعم، ومن -الكتاب- وإذا فرغ من صلاته فلا بأس أن يرجع راكبا، وإن أتى العيد راكبا، لم يكن عليه في ذلك حرج إن شاء الله تعالى، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد ماشيا من طريق، ويرجع من طريق غيرها، فنحب للناس فعل ذلك.
مسألة: وليس حضور النساء العيدين بواجب عليهن، إلا أنه أفضل لهن، وكذلك العبيد والمسافرون إلا من أذن له من العبيد أن يحضر، وهذا أفضل، (15/129)
صفحة 3800
وكذلك المسافرون، قال أبو المؤثر: نعم.
مسألة: ويستحب يوم العيد أن يحضر النساء والعبيد والصبيان والرجال، وأن يحشد المسلمون له ويكثر جماعتهم، قال أبو المؤثر: نعم.
مسألة: والعبد يستأذن مولاه إن أراد أن يذهب إلى العيدين، فإن لم يأذن له وذهب فلا أرى عليه إثما.
مسألة: وعبد اليتيم يستأذن وصي اليتيم في الذهاب إلى العيدين، فإن لم يكن لليتيم ضيعة يشتغل بها، فلا بأس على الوصي أن يأذن له، وإن كان لليتيم ضيعة، فما أحب للوصي أن يأذن له.
مسألة: وإذا خرج الناس إلى صلاة العيدين، خرجوا وعليهم السكينة.
مسألة: قلت: أيخلف الرجل خادمه يوم العيد يحفظ له منزله؟ قال: لا بأس، ولو أن مسلما خاف على منزله، فتخلف لم أر عليه بأسا.
مسألة: ومن –كتاب الإشراف- قال أبو بكر: روينا عن عمر بن الخطاب أنه خرج في يوم فطر أو يوم خروج في ثوب قطن يمني.
مسألة: وقال علي بن أبي طالب: من السنة أن تأتي العيد ماشيا، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، وكره النخعي الركوب، واستحب المشي سفيان الثوري والشافعي، وأحمد بن حنبل، وقال الحسن: يمشي مكانا قريبا ومن بعد ذلك عليه، فلا بأس عليه أن يركب، قال أبو بكر: المشي أحسن وأصوب إلى المواضع والركوب مباح، قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا.
قال أبو بكر: إلا أنه يعجبني إن كان الخروج راكبا أقوى له على نفسه وأنشط، ولو كان يقدر على ذلك ماشيا أن يكون الركوب هاهنا أحسن لهذا وأحب إلي، وكذلك خروج السلطان إذا كان العز في الركوب والهيبة، كان ذلك أحسن إذا كان في يوم يخاف فيه الوضيعة، ومن -الكتاب- وقال أبو بكر: ويستحب أن (15/130)
صفحة 3801
يلبس ما صلح من ثيابه، كما يلبس يوم الجمعة، وكان ابن عمر يصلي الفجر وعليه ثياب العيد، وقال مالك بن أنس: سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد، واستحب الشافعي ذلك.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في قول أصحابنا استحباب ذلك أن يأخذ الناس تعظيما لحق الله، لا لرياء ولا لسمعة، وكذلك يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سن لهم صلاة العيدين، وقال إنه كان لكم في الجاهلية عيدان، فقد أبر لكم الله بهما في الاسم عيدين، وهما الفطر والنحر، وحثهم مع ذلك عند الخروج على لبس ما أمكنهم من أفضل الثياب على نحو هذا بمعنى القول.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- والرواية متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العيد وحرض عليها وأمر بها حتى أمر بخروج النساء إليها، ولولا الإجماع أنها ليست بفرض لكان هذا التأكيد يوجب فرضها، ألا ترى أن رواية أم عطية حين قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج في العيدين، الغواني ذوات الخدور وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين، وصلاة المرأة في بيتها في غير العيدين أفضل لها من الجماعة.
مسألة: وليس حضور النساء العيدين بواجب عليهن، إلا أنه أفضل لهن، وكذلك العبيد والمسافرون، إلا من أذن له من العبيد أن يحضروا، وهذا أفضل، وكذلك المسافرون، قال أبو المؤثر: نعم.
مسألة: وإذا لم تخرج المرأة إلى العيدين استحياء منها، وهي لا تدين بذلك، حتى تموت لم تترك ولايتها.
مسألة: والمرأة تستأذن زوجها إذا أرادت أن تذهب إلى العيدين، وما أحب له أن يمسكها، وكذلك البكر تستأذن في العيدين، والبكر لا تستأذن أخاها ولا وليها للعيدين إن لم يكن لها أب، ولا تستأذن أيضا أمها، ولا للزوج ولا للأب حبسها عن الخروج إلى العيد، ولا أحب لها مخالفة الزوج والأب، فإن (15/131)
صفحة 3802
لم يخالفا وقعدتا فلا شيء عليهما، وإن استأذنتهما فلم يأذنا لها فذهبتا برأيهما لم يكونا آثمين.
مسألة: قال أبو محمد: وصلاة المرأة في بيتها أفضل لها من الجماعة في غير العيد.
مسألة: وليس للنساء أن يذهبن إلى عرفة، ولا أحب لهن ذلك، فإن فعلن وذهبن فلا بأس عليهن.
مسألة: ومن -جامع ابن جعفر- والنساء يخرجن لصلاة العيد، ولا بأس بخروج الحائض، وتكون خلف الناس لحال صلاتهم.
مسألة: وعن ذوات الخدور، وهل لهن أن يتخلفن عن الخروج يوم العيد؟ فقال عليهم الخروج؟ والحائض تخرج تقعد ناحية فتسمع ولا تصلي، قلت: فإن كرهن؟ قال: يؤمرن فإن لم يفعن يضربن.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العيد وحرض عليها وأمر بها حتى أمر النساء بالخروج إليها، عن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج إلى العيدين، الغواني من الخدور، وأمر الحائض أن تعتزل مصلى المسلمين، فعلى هذا لابد للنساء، من أن يخرجن إلى العيدين.
مسألة: ومن غيره، وقد قيل: إن الحائض ليس عليها بروز، ولا تذبح حتى تنقضي الخطبة.
مسألة: وعن نساء اجتمعن يوم النحر ويوم الفطر، هل تؤمهن واحدة منهن؟ قال أبو يحي وغيره: لا تؤمهن، ولكن تصلي كل واحدة لنفسها.
مسألة: ومن -جامع أبي الحسن- وصلاة العيد ركعتان، هكذا نقلت الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا، بغير أذان ولا إقامة قبل الخطبة تفتتح الصلاة بالتكبير، ويوجه بعد اعتقاد النية واستقبال القبلة، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيره، قال الله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ (15/132)
صفحة 3803
تَقُومُ) (الطور:48)، ويضم إلى هذا توجيه إبراهيم عليه السلام، يقول: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِين) ثم يكبر تكبيرة الإحرام وقد قيل: تكبي العيد بعد الإحرام سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة، وكل سنة، قال: فإن كبر ثلاث عشرة كبر بعد تكبيرة الإحرام خمسا ثم استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ فاتحة الكتاب، وسورة يجهر بالتكبير بعد القراءة، ثم يركع ويسجد، ثم يقوم فيقرأ، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ كذلك، وقد روي أنه قام في الثانية، فإذا فرغ من القراءة كبر خمسا ثم ركع، فإذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، كبر ثلاثا ثم يسجد بتكبيرة، وأتم صلاته، فهذا لمن قال بثلاث عشرة تكبيرة في قول أصحابنا، وإن أراد إحدى عشرة تكبيرة كبر تكبيرة الإحرام ستا، وقرأ وسجد وقام فقرأ، فإذا فرغ من القراءة كبر خمسا، وقضى صلاته، وإن أراد أن يكبر تسعا كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا، وقرأ وسجد، فإذا فرغ من القراءة كبر خمسا، وأتم صلاته، وإن أراد أن يكبر سبعا كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا، وقام قرأ ثم كبر ثلاثا ثم أتم صلاته، فهذه الوجوه كلها في التكبير جائز في صلاة العيدين، وقد اختلف الناس في ذلك، وقد قيل إن كله سنة.
مسألة: ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: فيما يستفتح به الصلاة بعد التكبير مثل قولك: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وما أشبه ذلك، ففي قول الأوزاعي يقول: إذا فرغ من السبع التكبيرات قال الشافعي: يكبر الله في الصلاة، ثم يفتتح فيقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ثم يكبر سبعا.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معنى الاتفاق، من قول أصحابنا، إن التوجيه لصلاة العيد قبل تكبيرة الإحرام، وكذلك في جميع الصلوات، وأما الاستعاذة قبل تكبيرة الإحرام فيختلف فيها من قولهم، فقال من قال: في صلاة العيد أنه يستعيذ بعد تكبيرة الإحرام، وتكبير الصلاة، ثم يقرأ، وقال من قال: (15/133)
صفحة 3804
يستعيذ ثم يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يكبر التكبير ثم يقرأ.
مسألة: وفي -جامع ابن جعفر- يستعيذ بعد التكبير الأول، ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا قرأت في العيدين فأسمع من يليك، ولا ترفع صوتك، وكان عطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس والشافعي وأكثر أهل العلم يرون الجهر بالقراءة، وبه نقول، لأن في اختيار من اختارها قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ بهذه القراءة.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا بمعنى الاتفاق بثبوت الجهر بالقراءة في صلاة العيدين كسائر الجهر في الصلاة، ومعي، إنه كذلك جاء الأثر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وجهر بالقراءة في صلاة العيدين، ولا أعلم في الجهر بالقراءة في صلاة العيدين اختلافا، فإن لم يكن يثبت فيهما الجهر بأكثر مما يثبت في الصلوات لسعة الناس، فليس بأقل من ذلك. (15/134)
صفحة 3805
الباب التاسع والثلاثون
في التكبير في العيدين
ومن كتاب الضياء؛ ومن كبر في مضيه إلى المصلى في العيدين فحسن، ومن لم يكبر، فلا بأس عليه، ومن جامع أبي محمد؛ ويستحب التكبير ليلة الفطر لقول الله: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُم) وفي جامع أبي الحسن؛ ويغدو إلى المصلى جاهرا بالتكبير، لأن الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، ثم يقطعه إذا بلغ المصلى، ومن كتاب الإشراف؛ اختلف أهل العلم في التكبير ليلة الفطر ويوم النحر، فقال أكثرهم: يكبرون إذا غدوا إلى المصلى، كان ابن عمر يفعل ذلك، ويروي ذلك عن علي بن أبي طالب وغيره، وكان الشافعي يقول: أحب إذا رأى هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حين يغدون إلى المصلى، حتى يخرج الإمام للصلاة، وكذلك أحب في عيد الأضحى لمن لم يحج، وروينا عن ابن عباس أنه سمع الناس يكبرون، فقال: يكبر بهم الإمام فقيل لا، أمجانين الناس.
قال أبو سعيد: أما في الفطر فأكثر ما يخرج من قول أصحابنا أنهم يكبرون إذا غدوا إلى المصلى، والتكبير كله في كل وقت جائز، والفضل ما لم يتخذ المكبر ذلك لسبب يخرج من حال الطاعة في نيته وهو يريده لغير الله لرياء أو لسمعة، ولا يجوز على الفقهاء عندنا أن يسموا الناس مجانين لذكر الله، إلا على معنى يخص ذلك، ويؤمر بالتكبير يوم العيد. (15/135)
صفحة 3806
[صفحة بيضاء] (15/136)
صفحة 3807
الباب الأربعون
في صفة التكبير
ومن كتاب الإشراف، قال أبو بكر: كان قادة يقول: التكبير، الله أكبر، الله أكبر، على ما هدانا، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، وكان ابن المبارك يقول إذا خرج يوم الفطر: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، الله أكبر، الله أكبر، على ما هدانا، وكان مالك بن أنس لا يحد فيه حدا.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في قول أصحابنا أنه بما كبر الله من التكبير، وحمده من المحامد فقد كبر، وهذا واسع معنا، وليس بواجب كوجوب غيره، وحسن ألا يدع شيئا من الفضل، ولا نحد فيه على الناس حدا، ومن كتاب الضياء؛ وإن قال لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، فحسن، وإن قال: الحمد لله وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد فحسن، وأما أصحابنا من أهل مكة فيقولون: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد. وأما أهل عمان فيقولون: لا إله إلا الله، والله أكبر كبيرا، لا إله إلا الله والله أكبر على ما هدانا، وكله جائز. (15/137)
صفحة 3808
[صفحة بيضاء] (15/138)
صفحة 3809
الباب الحادي والأربعون
في الاغتسال يوم العيد
ومن كتاب ابن جعفر؛ ويستحب الغسل يوم الفطر والنحر، وليس بواجب، ومن جامع أبي محمد؛ ومن سنن النفل الغسل للعيدين والسواك والطيب، واللبس الحسن، ومن كتاب الضياء؛ قال أبو صفرة: لم أر أحدا من المسلمين يغسل عشية عرفة، وأما صبيحة النحر فإني رأيتهم يغسلون، ونحن نفعله، وكانوا يغسلون الصبيان، ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: ثبت أن ابن عمر كان يغسل يوم الفطر قبل أن يغدوا إلى المصلى، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وممن كان لا يرى الاغتسال يوم الفطر عطاء بن أبي رباح وعلقمة، وغيرهم، قال أبو بكر: ونحن نستحب ذلك، وليس بواجب.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في قول أصحابنا الاستحباب للغسل قبل الخروج يوم الفطر، ولعل يوم الفطر يؤمر به أكثر، فالله أعلم، ما المعنى في ذلك، ومن جامع أبي الحسن؛ وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالاغتسال يوم الجمعة فأحب الغسل يوم العيد. (15/139)
صفحة 3810
[صفحة بيضاء] (15/140)
صفحة 3811
الباب الثاني والأربعون
الأكل يوم العيد
ومن جامع ابن جعفر؛ ويستحب يوم الفطر أن يأكل شيئا قبل الغدو إلى المصلى، ومن جامع ابن محمد؛ ويستحب في يوم الفطر الأكل قبل الغدو إلى المصلى، وتأخير الأكل يوم النحر إلى بعد الصلاة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم لما روي من طريق أنس بن مالك أنه قال: كان الرسول صلى الله عليه وسلم: «يأكل قبل أن يغدو إلى المصلى رطبات، فإن لم يكن فتمرات، فإن لم يكن يحسي من الماء حسوات»، ومن جامع أبي الحسن، ولا أحب أن يأكل يوم النحر حتى يصلي وينحر، لأن الله قد جمع بين ذلك فقال: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر)، وقال: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا)، فأحب الأكل والطعم بعد ذلك، ومن -جامع أبي محمد- وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطعم غداة الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى، ويؤخر الأكل غدا الأضحى إلى يرجع من الصلاة، ويعجبني أن يكون تأخير الأكل أيضا إلى أن ينحر، لقول الله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر) فجمع بين الصلاة والنحر، فلا أحب أن يفرق بينهما بأكل، ولا بما يكون من نحو هذا، ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ويوم النحر حتى يرجع، قال أنس بن مالك: قلّ ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر، حتى يأكل تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل أو أكثر، وكان ابن عباس يحث عليه، وهو قول جماعة، وقال إبراهيم: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل. (15/141)
صفحة 3812
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا الاستحباب للأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى، ولا أعلم ذلك واجبا، وأما يوم النحر فلا أعلم أنهم يستحبون ذلك فيه، كيوم الفطر، ومعنى الفرق في ذلك عندي، والسنة يوم الفطر بذل الصدقة على الفقراء فالنفس أولى وأحرى أن يدخل عليها الرفق، وذلك عندي إذا كان على معنى النية اتباع السنة، ولم يكن ذلك مما يشغله طلبه والاهتمام به عما هو أفضل منه، لو شغله ذلك وعوقه عن صلاة العيد كانت صلاة العيد عندي أولى. (15/142)
صفحة 3813
الباب الثالث والأربعون
في الموضع الذي يجب على من كان فيه أن يخرج إلى العيد!
ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: قال الأوزاعي: من أواه الليل إلى أهله فعليه الجمعة والعيد، قال أبو الزناد: هما في النزول، هما بمنزلة الجمعة، وبه قال مالك بن أنس، وقال ربيعة: كانوا يرون الفرسخ.
قال أبو سعيد: لا أعلم في قول أصحابنا حدا في وجوب ذلك أن يؤتى من قريب ولا بعيد، إلا أنه يخرج في معنى قولهم، أن على أهل البلد الخروج إلى الصلاة في موضعهم، وأقام السنة لصلاة العيد، ولا أعلم من قولهم أنه يجب على أهل البلد إذا عدموا الصلاة أن يخرجوا إلى بلد آخر، لطلب صلاة العيد إذا عدموا في موضعهم لحال عذر، وإذا قدروا عليها صلوها في مواضعهم، إلا أنه قد رخص من رخص في ترك صلاة العيد، ولو قدر عليها في مثل البوادي والسفر والمسافي التي حول الأمصار الذين يقومون بصلاة العيد، أن لا صلاة عليهم إذا قام بها أهل القرى والأمصار.
مسألة: وعن أبي سعيد: أيضا وأكثر قولهم إن صلاة العيد إنها تجب على أهل البلدان المحاضرين ولو لم تكن من الأمصار، إلا مثل المسافي التي تكون قرب القرى الجامعة والأمصار، فمعي، إنه قد رخص من رخص لهم في ذلك، إنه لا عيد عليهم، إذا قام بذلك أهل القرى والأمصار الجامعة، ومن كتاب الإشراف؛ روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: لا جمعة ولا تشريف إلا في مصر (15/143)
صفحة 3814
جامع، وقال الزهري: على المسافر صلاة الأضحى والفطر، وقال أصحاب الرأي: إنما تجب على أهل الأمصار والمدائن. (15/144)
صفحة 3815
الباب الرابع والأربعون
في الأمر بالخروج لصلاة العيد
وصلاة العيد سنة واجبة، ولا يجوز التخلف عنها إلا من عذر، ولابد من الخطبة بعد الصلاة، ومن جامع أبي محمد؛ والرواية متواترة، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد وحرض عليها وأمر بها، حتى أمر بخروج النساء إليها، ولولا الإجماع أنها ليست بفرض لكان التأكيد بوجوب فرضها، ألا ترى أن رواية أم عطية حين قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج في العيد الغواني وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين، ومن كتاب أبي قحطان؛ فيما عندي أجمع فقهاء المسلمين أن صلاة العيدين سنة في الأمصار والقرى والجماعة، ولا ينبغي أن تترك، ولو اجتمع قوم من أهل الأمصار على تركها لكانوا قد تركوا أمرا واجبا يأثمون به، ولو تركه واحد أو جماعة أن يقوم به غيرهم، رجونا ألا يكونوا مأثومين، وهو من الواجب الذي يكفي فيه بعض عن بعض.
مسألة: ومن ترك صلاة العيدين عشر سنين رجلا أو امرأة ديانة لا يدين بها، فلا حظ له في ولاية المسلمين، وأقل ما يصنع به أن يكف عن ولايته، وإن تركها لمعنى مثل بكر فتستحي، أو رجل يحفظ منزله أو يبعد عليه موضع الجبان أو يستحي لتقصير لباسه، ولا يدين بترك صلاة العيدين، فالذي نستحسنه أن لا يدع صلاة العيدين ما قدر، فإن لم يفعل فقد روي عن محمد بن محبوب أنه لا يقدم على ترك ولايته. (15/145)
صفحة 3816
مسألة: من الحاشية محمد بن محبوب -رحمه الله- قلت: هل الخروج في العيدين في الفصل من السنة؟ فنعم، ذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ينبغي لمسلم أن يتخلف ن ذلك، وهو يجد إليه سبيلا، وقلت: أرأيت إن اجتمع قوم من أهل الدعوة في مسجد، وخرج قومنا مع إمامهم، فإذا لم يكن لأهل الدعوة الاجتماع وصلاة العيد في جماعة والخطبة، فليفعلوا فهو أفضل لهم من أن يكون إمامهم، والخطيب بهم الجبابرة وأهل المخالفة لدين المسلمين، وإن كانوا عندهم جاز ذلك لهم، ولا بأس عليهم.
مسألة: ومن لم يذهب إلى صلاة العيدين فإن صلى ركعتين أو أربع ركعات فحسن، وإن لم يفعل فلا بأس عليه.
مسألة: والمأمور به الإنسان أن يخرج لصلاة العيدين، فإن صلى وحده فعبد أن صلى الإمام، إلا أن يكون في موضع لا يعلم أنه يدرك صلاة العيد في الجماعة، فإنه يصلي ركعتين بلا تكبير على قول محمد بن محبوب، وإن كبر فجائز، ومن سها خلف الإمام في صلاة العيدين، فعليه سجدتا الوهم، ومن حج فلا يصلي صلاة العيد، وأما من لم يحج من أهل مكة، فإنهم يصلون صلاة العيد يوم الأضحى في المسجد، ومن كتاب الإشراف؛ قالت أم عطية: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج يوم الفطر ويوم النحر، العواتق وذوات الخدور والحيض، فأما الحيض فيبعدن عن المصلى ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين، وقال إبراهيم النخعي ويحي الأنصاري: لا نعرف خروج المرأة الشابة في العيدين عندنا، وقال أصحاب الرأي: يرخص للعجوز الكبيرة.
قال أبو سعيد: يخرج معي، في قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق للأمر من النساء أن يخرجن لصلاة العيدين، من بكر أو ثيب، وإن ذلك في بعض القول لازم كلزوم ذلك للرجال، وفي بعض القول أن ذلك استحباب، وليس بلازم، ولعل ذلك كموضع زوال الجمعة والجماعة عندي، وإن كان المعنى في صلاة العيدين غير المعنى في صلاة الفرائض، فقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم: لما بين لهم صلاة العيدين، (15/146)
صفحة 3817
أمرهم أن يخرجوا إلى الجبان، ويخرج النساء والعبيد والصبيان، وأما كراهية خروج النساء بكرا كانت أو ثيابا، فلا أعلم أحدا من أصحابنا كره ذلك لهن، وأخرجهن للصلاة، لا لغيرها، وأما الحائض والنفساء فمعي، ويكوننا خلف الناس حيث تشهدان الخير وتسمعان الدعاء والذكر، ولا يتقدمان أحدا من أهل الصلاة، حيث يفسدان عليه صلاته.
مسألة: ومن جامع أبي محمد؛ وصلاة المرأة في بيتها في غير العيدين أفضل لها من الجماعة.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا في صلاة العيدين على المسافر باختلاف، فقال من قال: يجب عليهم والمسافر كالمقيم، في بلد أو غير بلد، وفي بادية من الأرض، وقال من قال: ليس على المسافر صلاة العيدين كما لا جمعة عليه، وأما العبد والمرأة فمعي، إنه يختلف في ذلك عليهم، حيث تلزم صلاة العيدين، فبعض يوجب ذلك على المرأة وعلى العبد إذا أذن له سيده، وقال من قال: ليس ذلك على المرأة بلازم، ويستحب ذلك لهما، وعلى العبد أوجب، ويستأذن سيده، فلا أعلم ترخيصا إلا فيه، إذا كان فارغا، أو أذن له سيده، والله أعلم، ومن غيره، والمرأة تستأذن زوجها في الخروج إلى العيد، وكذلك البكر تستأذن أباها والبكر لا تستأذن أخاها، ولا أمها ولا وليها للعيد، إن لم يكن لها أب، ولا أحب للزوج ولا للأب منعها، وإن استأذنتهما فلم يأذن لهما فذهبتا برأيهما لم يكونا آثمين، وإن تركت المرأة الخروج استحياء منها، ولا تدين بذلك حتى ماتت لم تترك ولايتها، ومن غيره؛ والحائض تخرج تقعد ناحية فتسمع ولا تصلي، وقد قيل: ليس عليها خروج، ومن غيره؛ وليس للنساء أن يذهبن إلى عرفة، وإن خرجن فلا بأس عليهن، ومن غيره، والمسافرون عليهم أن يصلوا صلاة العيدين، إذا كانوا عشرين رجلا، وقيل عشرة رجال، وأقل ما سمعنا ثلاثة رجال، إذا كان فيهم من يحسن الصلاة، والخطبة فلا يلزمهم شيء، ومن غيره، (15/147)
صفحة 3818
وعن قومنا قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في صلاة العيد للمسافر، فقالت طائفة: يصليها المسافر، وهو قول الحسن البصري والشافعي، وقال مالك: والإمام يكون في السفر ويحضر الأضحى والفطر، وليس عليه ذلك. (15/148)
صفحة 3819
الباب الخامس والأربعون
في الموضع الذي يصلي فيه العيدين
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إن صلاة العيد عند المكنة والأمان من العوائق وأذى الأمطار والرياح المؤذية، إنها تكون في الجبان أفضلها من المساجد، وبذلك يؤمرون، لأن بذلك ثبتت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلا، وبذلك أمرهم فإن كان ثم عائق، أو عذر بوجه من الوجوه، فبعد الجبان استحب، ولعله قد قيل كذلك في المسجد الجامع، فإن لم يكن ذلك فمسجد معمور أحب إلي من البنيان من غير المساجد، وبذلك يؤمرون، فإن صلوا في غير مسجد في بيت أو غيره حيث تجوز الصلاة، كان ذلك عندي جائزا، والبيت أحب إلي من البراز في القرية في غير بيت، ولا مسجد ولا مصلى، ومن جامع ابن جعفر؛ ويكون بروزهم إلى الجبان، إلا أن يكون مطر أو شيء يحول بينهم وبين البروز، وصلوا حيث أمكن لهم في مسجد أو غير، ومن جامع أبي الحسن؛ وإن كان مطر صلوا في المسجد، وإن لم يتفق فالصلاة في الرحال. (15/149)
صفحة 3820
[صفحة بيضاء] (15/150)
صفحة 3821
الباب السادس والأربعون
فيمن زاد في تكبير العيدين
أو أنفض وفي رفع اليدين في التكبير
ومن جامع أبي الحسن؛ وقد اختلفوا فيمن زاد في العيد تكبيرة، أو نقص ذلك في التكبير، فقال قوم بالنقض: ولم يوجب آخرون، ولم ير عليه نقضا، لأن ذلك سنة، فمن نسي من السنة شيئا، فلا نقض عليه في الفرائض، ومن نسي من السنن في السنة، فلا نقض عليه.
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: واختلفوا في تكبير العيد ينساه المصلي حتى يبتدئ في القراءة ففي قول مالك: إن ذكر ذلك قبل أن يركع أعاد وكبر وسجد سجدتي السهو، وإن ركع مضى وكبر ما فات، من الركعة الثانية، وسجد سجدتي السهو -نسخة الوهم- وفي قول الشافعي: إذا افتتح الصلاة، فلا يقطعها ولا قضاء عليه آخر قوليه، وقد كان يقول قبل ذلك كقول مالك بن أنس.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا أنه لا تثبت صلاة العيد إلا بالتكبير جميعا، وإنه لا يجوز ترك ذلك على عمد ولا جهل ولا نسيان، في معنى تأدية السنة، وإن التكبير ثابت في الركعة الأولى قبل القراءة، فيخرج في معنى القول على هذا، إنه إذا نسي التكبير الأول حتى قرأ وركع، أن يعيد الصلاة، لأنه قد ترك التكبير وقعد إلى القراءة، ثم تعدى إلى حد ثالث، وأرجو أنه يخرج في بعض معنى قولهم، إنه لو نسي حتى يكبر بعد القراءة، ويقرأ بعد التكبير، إن هذا موضع (15/151)
صفحة 3822
قريب لا فساد عليه فيه، لأنه قد أتى بالتكبير والقراءة معا في الركعة، وكذلك لو نسي حتى كبر قبل القراءة في الثانية، كان القول فيه عندي واحدا في معنى الاختلاف، ولحقه معنى الاختلاف في إعادة الصلاة وتمامها، ولو ترك التكبير في الركعة الأولى والآخرة حتى ركع وسجد، كان عليه معنى الإعادة، لأنه قد ترك الحد، وإنه ترك ما لا يجوز على حال في الركعتين، حتى جاوز حدا إلى حد ثالث، وعلى النحو، يخرج معنى سنن صلاة العيدين في تقديمها وتأخيرها، ومن كتاب الإشراف؛ ذكر رفع اليدين في تكبيرات العيدين، قال أبو بكر: واختلفوا في تكبيرات صلاة العيد، وكان عطاء ابن أبي رباح والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل يقولون: يرفع يديه في كل تكبيرة، وكان سفيان الثوري، يرفع يديه في أول تكبيرة، وقال مالك: إن شاء رفع يديه فيها كلها، وفي الأولى وحدها أحب إليّ، وقال أبو الحسن: يرفع يديه في التكبيرة الأولى، ثم يكبر ثلاثا فيرفع يديه، ثم يكبر خمسا ولا يرفع، فإذا قام في الثانية فقرأ، كبر ثلاثا تكبيرات ويرفع يديه، ثم يكبر الرابعة ولا يرفع يديه، قال أبو بكر: كما قال عطاء أقول.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معنى قول أصحابنا يترك رفع يديه عند تكبيرة الإحرام وتكبير العيدين، وفي تكبير الصلاة ويؤمرون بترك ذلك، وينهون عن فعله، وإن ذلك واقع موقع العبث في الصلاة، ولا معنى له، والمأمور بغيره من السكوت والخشوع في الصلاة، ومن كتاب الإشراف، قال أبو بكر: واختلفوا فيمن ترك تكبيرة من تكبيرات العيد، ففي قول الشافعي لا شيء عليه، وفي قول مالك بن أنس وأبي ثور يسجد سجدتي السهو، وكان مالك والشافعي يستحبان أن يخرج في طريق ويرجع من غيره، وبه نقول للحديث الذي رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا فيمن ترك تكبيرة من تكبير صلاة العيد ناسيا أو متعمدا، إن عليه الإعادة، وقال من قال: عليه الإعادة في العمد ولا إعادة عليه في النسيان، وقال من قال: لا إعادة عليه في عمد ولا نسيان، ويعجبني يسجد سجدتي السهو على كل حال لترك ذلك، ولا أعلمه (15/152)
صفحة 3823
مما يشبه معنى الاتفاق، ولا أعلم في قول أصحابنا حدا أن يرجع من حيث خرج، ولا من غيره في صلاة العيد، ولا يبين لي في ذلك فرق، إلا أن يكون في ذلك معنى لا يحضر ذكره فينظر في ذلك. () ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه؛ مما وجدته بخط مؤلف الكتاب، الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان.
مسألة: وقلت: ولو صلى وجهل التكبير في موضعه إلا أنه كبر ستا، أو ثماني أو عشرا، أو زاد على ثلاث عشرة، أو نقص من سبع أو كبر في الركعة الأولى فزاد ثلاثا أو خمسا تعمدا أو جهلا أو نسيانا، فمعي أنه قد قيل إذا أتى بالصلاة على الوجه إلا أنه نقص تكبيرة أو زادها في موضع من التكبير فقد قيل تفسد بالزيادة صلاته على التعمد والجهل والنسيان، وقيل: لا تفسد صلاته بتكبيرة على الزيادة، وعلى النقصان في صلاة العيد من تكبير العيد، ويعجبني أن تفسد صلاته على التعمد لخلاف السنة في الزيادة والنقصان، إذا لم يوافق أحد قول المسلمين، وأما على الجهل والنسيان فأحب ألا تفسد صلاته حتى ينقص ثلاث تكبيرات أو يزيدها في موضع واحد من مواضع تكبير الصلاة، فأحب عندي ذلك إذا زاد ثلاثا أو أنقصها أن يعيد على كل حال، وذلك أنه زاد حدا من حدود الصلاة في أحد وجوه الصلاة، وهو في وجه ثلاث عشرة بعد الركوع، ثلاث تكبيرات، فافهم ذلك، وكذلك في النقصان، وهو أشد عندي، وقلت له: لو أم قوما أو صلى وحده فصلى كسائر النافلة وهو يعلم صلاة العيد أم لا، إلا أنه قادر على معرفتها في حين ذلك أو قبله بعمد أو جهل، قلت: هل تتم صلاتهم؟ فأما إن صلى وحده لعذر كذلك فعندي أنه قد قيل: يجزئه، وقيل: إنه بذلك يؤم ولا يؤمر أن يصلي صلاة العيد وحده، وأما جماعة فمعي، إنه لا يجزئهم ذلك وكذلك مخالف لسنة صلاة العيد وحده فيما معي إنه متجمع على ذلك. (15/153)
صفحة 3824
[صفحة بيضاء] (15/154)
صفحة 3825
الباب السابع والأربعون
في التقديم والتأخير في صلاة العيدين
من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه؛ مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان، ورجل قدم القراءة في صلاة العيد في أول ركعة قبل التكبير بعمد أو جهل أو نسيان؟ فأما على الجهل والنسيان فأرجو أن تتم صلاته، وأما على العمد بمخالفة الأثر فأحب أن يعيد، وأما على الرأي في ذلك، فإن فعل ذلك برأي رآه فلا نحب أن تتم صلاته، وقلت: لو فعل ذلك قبل تكبيرة الإحرام كذلك، هل تتم صلاته؟ فأخاف ألا تتم على حال.
مسألة: ومما وجدته بخطه أيضا: ورجل أم قوما أو صلى وحده صلاة العيد، فكبر التكبير كله في أول ركعة بعد تكبيرة الإحرام، أو قبلها قبل القراءة أو بعدها، وفي الثانية قبل القراءة أو بعدها، أو قبل سمع الله لمن حمده أو بعدها، في الثانية قبل القراءة أو بعدها، تعمدا أو جهلا أو نسيانا، قلت: هل تتم صلاته؟ فأما الجماعة فأخاف ألا تتم على حال، لأن ذلك عندي خلاف للسنة في الصلاة، وأما وحده فأرجو أن يجزئه ذلك، لأن التكبير في صلاة النفل لا يفسدها عندي، وأما صلاته وحده عندي تقع موقع صلاة النفل لا صلاة العيد، وإنما صلاة العيد كذلك جاءت السنة.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر؛ وقال من قال: من زاد تكبيرة في صلاة العيد أو نقصها، فعليه النقض، وقال من قال: النقض على من نقص، ولا نقض (15/155)
صفحة 3826
على من زاد، وقال من قال: لا نقض على من زاد ولا على من نقص، وهو رأي أبي علي وأبي عبد الله رحمهما الله، وهذا الرأي أحب إلي. (15/156)
صفحة 3827
الباب الثامن والأربعون
النية في صلاة العيدين
وينوي المصلي في صلاة العيد إذا كان غير إمام، أداء للسنة صلاة العيد، بصلاة الإمام طاعة لله ولرسوله، ثم يوجه، ثم يكبر.
مسألة: وإذا كان إماما، فإنه ينوي ويقول: أصلي السنة صلاة العيد ركعتين إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله إماما لمن يصلي بصلاتي ولمن يأتي. (15/157)
صفحة 3828
[صفحة بيضاء] (15/158)
صفحة 3829
الباب التاسع والأربعون
في الإمام في صلاة العيدين
والإمام بعد الإمام في موضع واحد وأحكام ذلك
من الزيادة المضافة؛ عن أبي الحسن البسياني، وهل يجوز أن يصلي إماما في بلد واحد في مثل هذا الزمان، إمام بعد إمام في يوم الفطر أو النحر، صلاة العيدين أم لا يجوز ذلك؟ قال: المأمور به أن يكون إجماع أهل البلد في موضع واحد، كما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن يردهم شيء في هذا الزمان، فصلى قوم ناحية في غير الموضع الذي صلى فيه الإمام الأول، فأرجو أنه يجوز، فأما في الموضع إمام بعد إمام صلاة العيد، فلم أر ذلك، لأن ذلك موضع معروف للإمام في صلاة العيد، ذلك اليوم، فلا يجوز بعدها جماعة أخرى في ذلك الموضع والسلام.
مسألة: وجائز أن تصلي جماعة بعد جماعة في صلاة العيد، وليس الجبان مثل المسجد. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (15/159)
صفحة 3830
[صفحة بيضاء] (15/160)
صفحة 3831
الباب الخمسون
في صلاة العيدين ومن تجوز خلفه
والعبد إذا أمره سيده بصلاة العيد، ورضي به القوم، فلا بأس، فإن صلى بغير رأيه، فقد مضى الجواب.
مسألة: فإذا أحدث الإمام وهو في صلاة العيد، قدم من يتم بالناس صلاتهم ويخطب بهم.
مسألة: وإذا قرأ الإمام السجدة في صلاة العيدين فليسجد.
مسألة: وإن جهلوا فأقاموا في صلاة العيدين، ونسوا وصلوا فلا أرى نقضا وصلاتهم تامة، وكذلك لو أذنوا وأقاموا جهلا أنو نسيانا فصلاتهم تامة.
مسألة: ومن صلى بقوم صلاة العيدين، ثم حضره بعد ذلك رجال ونساء، لم يجز أن يصلي بهم ثانية، والله أعلم.
مسألة: وإذا خرج الناس إلى صلاة العيدين، خرجوا وعليهم السكينة، فإذا أرادوا الصلاة قدموا أفضلهم في دينه وأعلمهم بسنة نبيه، وأقرؤهم لكتاب ربه، ذلك أزكى لصلاتهم، فإذا قضى الصلاة كانت الخطبة والرغبة إلى الله، ويوم الفطر يسمى يوم الجائزة، فإذا قام الإمام للصلاة قام واستقبل القبلة، وأراد الصلاة ونوى ذلك أداء لسنة صلاة العيد طاعة لله ولرسوله، ويكون إماما لمن يصلي خلفه بصلاته، يستحب ذلك ثم وجه وأحرم.
مسألة: وإن لم يحضر الإمام إلا نساء أو عبيد، فأحب أن يصلي بهم صلاة العيد ويخطب. (15/161)
صفحة 3832
مسألة: وعن أبي علي -رحمه الله- فيمن لم يسمع تكبيرة الإمام فلم يكبرها، وكبر مع الإمام ما سمع، ولم يكبر مع الإمام ما لم يسمع أو نسي، فلا يكبرها؟ قال: لا نقض عليه، وقال من قال: من زاد تكبيرة في صلاة العيد أو نقصها فعليه النقض، وقال من قال: لا نقض على من زاد ولا على من نقص، وهو رأي أبي علي وأبي عبد الله رحمة الله عليهما، وكذلك وجدنا عن أبي عبد الله، وهذا الرأي أحب إلي، وقال من قال: النقض على من نقص، ولا نقض على من زاد، وقال أبو عبد الله -رحمه الله- على قول من قال: النقض على من نقص تكبيرة من صلاة العيد، فلو أنهم صلوا، وانصرفوا ثم صح أن الإمام كان نقص تكبيرة من التكبير، فإن ذكروا ذلك من قبل زوال الشمس من ذلك اليوم، فيرجعوا يصلوا جماعة، في موضع العيد أو في المسجد أو حيث شاءوا، ويؤذن الناس لذلك، وإن لم يذكروا حتى تزول الشمس من ذلك اليوم، فلا يصلوا جماعة تلك الصلاة، ويصلون فرادى كل واحد منهم ركعتين بعد تكبير صلاة العيد، قال محمد بن المسبح: ولا نقض عليهم في زيادة التكبير ولا نقصان تكبيرة، وصلاتهم تامة.
مسألة: قلت: ما تقول إذا زاد الإمام في صلاة العيدين تكبيرة أو تكبيرتين؟ قال: لا نقض عليه، ولا على من خلفه، وكذلك إن نقص أيضا، فلا نقض عليه ولا عليهم، قلت: فإن زاد الذي يسمع الناس التكبير تكبيرة أو تكبيرتين، فكبر رجل تكبيرة؟ قال: لا نقض عليه، ولا على من يكبر بتكبيره إن شاء الله.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن؛ وإذا اجتمع ثلاثة صلوا صلاة العيد جماعة، وقد قيل بأقل وقالوا خمسة، وإن لم يحضر إلا نساء أو عبيد صلى بهم صلاة العيد. (15/162)
صفحة 3833
الباب الحادي والخمسون
في الإمام إذا صلى ثم جاء آخرون فصلى بهم
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه؛ مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان.
مسألة: وعن إمام حضر معه ناس، فصلى بهم صلاة العيد، وانصرفوا ثم جاء قوم آخرون وهو قد انصرف، فقالوا: له أن يعيد يصلي بهم، فرجع فصلى بهم صلاة العيد في الموضع الذي صلى فيه بالأولين أو غيره، بعمد أو جهل، قلت: هل تتم صلاتهم جميعا؟ فمعي أنه لا تتم صلاة الآخرين، ولا تكون صلاة العيد إلا صلاة الأولين إذا كانوا هم الجماعة تجزئ عن الآخرين فيما قيل، إذا قامت الجماعة بهم، وإذا دخل هؤلاء في صلاة لم تتم بإمام، لم تكن عندي صلاة عيد، وقلت: إذا كان أحدهم صلاته منتقضة، صلى بهم الأولى والثانية، فمعي إنه الثانية، وقلت: إن كانت الأولى فهل على الإمام أن يخبرهم ليبدلوا؟ وهل يكونون سالمين ما لم يعلموا؟ أو يعلمهم الإمام نقضها؟ فمعي إنه إن صلى بهم، ولم يعلمهم أنه صلى بغيرهم، وصلاتهم تامة، وإن أعلمهم بذلك، ثم صلى بهم فمعي أنه لا تصح صلاتهم على هذا، والصلاة الأولى تامة، وإنما فسدت عندي الصلاة الآخرة إذا صلى بهم الأولى، من أجل إذا صلى بهم في الموضع، قلت: إن لم يعلمهم أو يأمرهم بالنقض، هل يكون سالما، فلا يبين لي عليهم نقض ولا بدل، لأنه ليست تلك عندي بصلاة واجبة، إذ قد قامت الجماعة بالأولين، (15/163)
صفحة 3834
وقلت: إن كانت صلاتهم جميعا تامة، فصلى ثلاث مرات بثلاث جماعات أو أكثر، هل تتم صلاتهم جميعا؟ فمعي إنه لا تتم إلا الأولى من الصلوات. (15/164)
صفحة 3835
الباب الثاني والخمسون
فيمن ينتقض وضوؤه عند صلاة العيد
وفي عدد من تجب بهم صلاة العيد
ولو أحدث رجل، ثم حضر العيد، فليس عليه شيء، فأما الإمام فلا يجوز له ذلك، إلا أن يتيمم ويصلي معهم، ولا يكون إماما.
مسألة: وعرفت أن من خاف فوت صلاة العيد، أن له أن يتيمم ويصلي السنة في الجماعة، إذا خاف فوتها، ولم يعدم الماء، وذلك في بعض القول، وكذلك صلاة الجنازة، والجنازة أرخص ولم أعلم فيها اختلافا.
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل يخشى فوات العيد إن ذهب يتوضأ؟ فكان مالك بن أنس والشافعي وأبو ثور يقولون: يتوضأ وإن فاتته، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: يتيمم، وبالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج نحو هذا من الاختلاف من قول أصحابنا، أنه لا يتيمم ولو خشي فوت صلاة الجماعة في العيد، ويتوضأ ويصلي ركعتين، وقيل: إذا خشي فوت صلاة الجماعة فيها تيمم وصلى، لأن السنة فيها جماعة، كما جاز له التيمم لصلاة الجنازة بما يشبه الاتفاق، ويعجبني إن كان لا تجوز صلاة العيد في غير هذا الموضع، أن يتيمم ويصلي للسنة، وكذلك إن كان صلاة إمام عدل (15/165)
صفحة 3836
أو صلاة جماعة من جماعة المسلمين التي لا تكون صلاة بعدها، أعجبني أن يتيمم ويصلي، وأما إن كان صلاة السلطان الجائر أو غيرها من الصلوات من الرعية أعجبني أن يتوضأ، ويطلب صلاة العيد، ويصلي ركعتين، ولا يتيمم لمثل هذه الصلاة. (15/166)
صفحة 3837
الباب الثالث والخمسون
في عدد من تجب لهم صلاة العيد
وجامع أبي جابر محمد بن جعفر؛ قيل: إذا اجتمع يوم العيد ثلاثة أو اثنان، والإمام، صلوا جماعة، وقال من قال: حتى يكونوا خمسة، وقال آخرون: حتى يكونوا سبعة، وقال آخرون: حتى يكونوا عشرة، وإذا صلوا جماعة فلابد أن يتكلم بهم رجل منهم بما فتح الله من الكلام.
مسألة: ولو أن رجلين صليا العيد لم أعبهما في ذلك، ويوجد حتى يكونوا ثلاثة رجال الإمام ورجلان، ولا أرى بأسا أن يصلي رجل وامرأة.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن، وإذا اجتمع ثلاثة، صلوا صلاة العيد جماعة، وقد قيل بأقل، وقالوا بأكثر، ويؤمرون بالخطبة، وإن لم يحسنوا الخطبة قرأوا القرآن، وإن لم يحضروا إلا نساء وعبيد صلى بهم العبد صلاة العيد ويخطب. (15/167)
صفحة 3838
[صفحة بيضاء] (15/168)
صفحة 3839
الباب الرابع والخمسون
في صلاة المسافرين والعبيد والنساء الجمعة والعيدين
قلت له: فهل على العبيد صلاة العيدين وصلاة الجمعة؟ قال: فلا أعلم ذلك عليهم، إلا أن يأذن للعبد سيده في العيد، فأحب أنه قيل عليه، قلت: فإن أذن له بصلاة الجمعة، أيكون مثل العيد؟ فلا يبين لي ذلك لأن معي أنه قد خصه في ذلك لعذر، فليس إلزامه ما قد عذر بلازم له، قلت له: فالنساء والمسافرون عليهم صلاة العيدين والجمعة؟ قال: أما الجمعة فقد قيل ليس عليهم، وأما العبيد فقد قيل عليهم ذلك إذا أمكن المسافر بلا مشقة ولا ضرر، وكذلك النساء، والنساء عندي أشد، قلت له: فإن حضر النساء والمسافرون والعبيد صلاة الجمعة أيجب عليهم أن يصلوها عند الإمام ركعتين حيث تلزم؟ قال: فلا يجب عليهم عندي ذلك، فإن فعلوا جاز لهم ذلك فيما قيل، قلت له: فالرجل إذا ذهب يريد صلاة الجمعة عند الإمام، ما عليه أن ينوي أنه يصلي صلاة الظهر أم صلاة الجمعة ركعتين؟ قال: فإذا كان ممن تلزمه الجمعة نوى أداء ما يلزمه من صلاة الجمعة قصرا بصلاة الإمام، هكذا عندي.
مسألة: من الزيادة المضافة؛ وقلت: إن حضرت العيد وليس مع النساء رجل، هل يصلين صلاة العيد؟ وهل يلزمهن ذلك؟ فلا أعلم عليهن ذلك مؤكدا، وإن فعلن لم يخرج عندي من الجائز، لأنه قد قيل لا يصلين صلاة الجنائز، وقيل: يصلينها وهي عندي سنة، وهذه سنة، وصلاة الجنازة عندي آكد (15/169)
صفحة 3840
وأوجب من صلاة العيد، وأحب إن فعلن ذلك يصلين، مثل قيام شهر رمضان، ويكون إمامهن في وسط الصف، وأحب أن يصلين صلاة العيد جماعة، أن يخطبن ولا يكون أداء بذلك، وقد قيل: إن القراءة تقوم مقام الخطبة، وقيل: لا تقوم، والقراءة عندي آكد، لأنه ذكر والخطبة ذكر، قلت: وكذلك العبيد إذا حضرتهم صلاة العيد، وليس معهم حر، فأحب أن يصلوا جماعة، ولا يدعوها إذا قدروا على ذلك، وأحسنوا برأي مواليهم. (15/170)
صفحة 3841
الباب الخامس والخمسون
في صلاة العيد للمسافرين ولمن لا تجب عليه الجمعة
وعن ثلاثة نفر في سفر، هل عليهم صلاة الفطر والأضحى؟ قال: نعم، إذا كان فيهم من يحسن يصلي بهم ويتكلم.
مسألة: وقال: حضور العيدين على المسافر أوكد من حضور الجمعة، وعليهم أن يصلوا صلاة العيدين، إذا كانوا عشرين رجلا، وأقل ما سمعنا ثلاثة رجال، إن كان فيهم من يحسن الخطبة والصلاة.
مسألة: وقال: المسافرون عليهم أن يصلوا صلاة العيدين، إذا كانوا عشرين رجلا، وقيل: إذا كانوا عشرة رجال، وأقل ما سمعنا ثلاثة رجال، إذا كان فيهم من يحسن الصلاة والخطبة، فلا يلزمهم شيء.
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ ذكر صلاة العيد للمسافر، ولمن لا تجب عليه الجمعة، قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في صلاة العيد للمسافر ولمن لا تجب عليه، فقالت طائفة: يصليها المسافر، هذا قول الحسن البصري والشافعي، وقال: يصلي في البادية، وتصليها المرأة في بيتها والعبد، وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع، وقال الزهري: على المسافر صلاة الأضحى والفطر، وقال مالك: في الإمام يكون في السفر فيحضر الأضحى والفطر، ليس عليه ذلك، وقال إسحاق بن راهويه: بما روي عن علي بن أبي طالب، وقال أصحاب الرأي: إنما تجب على أهل الأمصار والمدائن. (15/171)
صفحة 3842
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا في صلاة العيدين على المسافر باختلاف، فقال من قال: تجب عليهم، والمسافر كالمقيم في بلد أو غير بلد، وفي بادية من الأرض، وقال من قال: ليس على المسافر صلاة العيد، كما لا جمعة عليه، وأكثر قولهم في صلاة العيد إنها تجب على أهل البلدان المحاضرين، ولو لم تكن من الأمصار، إلا مثل المسافي التي تكون قرب القرى الجامعة، والأمصار، فمعي إنه قد رخص من رخص لهم في ذلك، لأنه لا عيد عليهم، إذا قام بذلك أهل القرى والأمصار الجامعة، وأما العبد والمرأة، فإنه يختلف في ذلك عليهم حيث تلزم صلاة العيد، فبعض يوجب ذلك على المرأة، وعلى العبد إذا أذن له سيده، وقال من قال: ليس ذلك على المرأة بلازم، ويستحب لها ذلك، وعلى العبد أوجب، ويستأذن سيده، ولا أعلم ترخيصا إلا فيه، إذا كان فارغا وأذن له سيده، والله أعلم، ومن غير كتاب الإشراف.
مسألة: وعن قومنا قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في صلاة العيد للمسافر، فقالت طائفة: يصليها المسافر، وهو قول الحسن البصري والشافعي، وقال مالك في الإمام يكون في السفر فيحضر الأضحى والفطر، ليس عليه ذلك. (15/172)
صفحة 3843
الباب السادس والخمسون
فيمن سبقه الإمام في صلاة العيد
ومن كتاب الإشراف؛ ومن أدرك من صلاة العيد ركعة، فإذا سلم الإمام فيكبر التكبير الذي كبر الإمام في نفسه، ثم يقرأ فاتحة الكتاب، وسورة ويركع ويسجد، ويقضي صلاته كما صلى الإمام، وإن لم يحسن التكبير فقام فصلى ركعة إلى الركعة التي أدركها حتى يشفع، فلا بأس عليه، ويجزئه.
مسألة: ومن فاتته صلاة الإمام يوم العيد وقد برز إلى الجبان فإنه يصلي صلاة العيد بتكبيرها جانبا من الجبان، ثم يدنوا إلى الخطبة فيسمعها إن أمكنه، وإن لم يمكنه لكثرة الناس فليكن مع الناس المحتبسين للخطبة، وقول إنه إن برز إلى الجبان وقد انصرف الإمام من الخطبة فلا شيء عليه، إلا أن يشاء أن يصلي تطوعا كسائر الصلوات.
مسألة: وإن أتى قوم والإمام يخطب فليصلون جماعة، فإن كان الإمام قد فرغ من الخطبة فليصل بهم أحدهم ويخطب بهم، وإن خطب بهم، وصلى في الموضع الذي صلى فيه القوم فلا بأس بذلك، لأنه مصلي، ولا بأس أن يصلوا قوما بعد قوم.
مسألة: ومن سبقه الإمام بشيء من صلاة العيد أبدله على ما كبر الإمام.
مسألة: قال أبو عبد الله: من سبقه الإمام بركعة من صلاة العيد، وهو (15/173)
صفحة 3844
لا يحسن التكبير، فليصلي ركعة إذا لم يحسن تكبير الصلاة.
مسألة: وقال أبو زياد الوضاح بن عقبة عن هاشم بن غيلان: من فاته من صلاة العيد شيء، فإذا سلم الإمام قام فأبدل ما فاته من التكبير وغيره، وأما صلاة الجنازة فليس عليه أن يبدل ما فاته، وقال الوضاح بن العباس عن أبيه العباس: إنه لا بدل عليه فيما فاته من صلاة العيد ولا الجنازة.
مسألة: ومن صلى خلف الإمام، ولا يسمعون التكبير ولا يدرون كم يريد أن يكبر، فليكبروا أطول ما يكون من التكبير الذي ينتهي إليه تكبير الإمام يوم الفطر والأضحى.
مسألة: ومن أم الناس يوم النحر فلم يسمع الناس التكبير فليكبر من سمع، ومن لم يسمع فليكبر على حياله سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة، فليس على من خالف الإمام في التكبير بأس ما لم يسمع، ومن سمع فليكبر كتكبير الإمام، وهذا موضع موسع.
مسألة: ومن صف في آخر الصف يوم العيد، ولا يسمع تكبير الإمام إنه يوجه، ثم يقف حتى يرى الناس قد ركعوا، ثم يحرم فيركع معهم، فإذا سجدوا وقاموا في الركعة الثانية، فليقرأ فاتحة الكتاب، ثم يقف بقدر ما يرى أن الإمام قرأ سورة، ثم يكبر خمس تكبيرات، فإذا رأى الناس قد ركعوا، فليركع معهم، فإذا استوى من الركوع فليكبر ثلاث تكبيرات فإذا سلم الإمام، ورأى الناس قد قاموا فليقم يبدل ما فاته من الصلاة، ويبدأ بالتكبير، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة، ثم ليقعد.
مسألة: ومن صلى يوم الفطر مع الإمام، ولم يكبر، فصلاته جائزة.
مسألة: ومن قدم القراءة على التكبير غلطا منه في الركعة الأولى، فصلاته فاسدة.
مسألة: وعن الأصم الذي لا يسمع التكبير يوم العيد، قال: يكبر غاية (15/174)
صفحة 3845
ثلاث عشرة تكبيرة، ويوجد أنه يكبر ما شاء من وجوه التكبير، وكل ذلك جائز.
مسألة: وعن أبي علي -رحمه الله- فيمن لم يسمع تكبيرة خلف الإمام، فلم يكبرها وكبر ما سمع، ولم يكبر ما لم يسمع أو نسي فلم يكبرها؟ قال: لا نقض عليه، وقال من قال: من زاد تكبيرة أو نقصها فعليه النقض، وقيل: لا نقض عليه.
مسألة: قال أبو سعيد: فيمن فاتته صلاة العيد عند الإمام، إنه قد قيل إنه لا له أن يصلي بصلاة الإمام بالتكبير، ولا عليه، لأنه لا تقع صلاة العيد إلا بجماعة وخطبة أو ما يقوم مقام الخطبة، بما قد قيل، وليس معي هي أنه أراد هي صلاة فرادى، ولا جاءت بها السنة كذلك، قيل له: فعليه أن يصلي ركعتين؟ قال: ليس عليه واجب، ولكنه يؤمر بذلك.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن، ومن لم يسمع مع الإمام تكبير العيد فكبر ما سمع، ولم يكبر ما لم يسمع، إنه لا نقض على قول بعض المسلمين المروي عنه ذلك.
مسألة: ومنه، وأما الأصم الذي لا يسمع التكبير فإنه يكبر بعدما يركع الإمام.
مسألة: عن أبي الحواري فيمن كان في صلاة العيد أو غيرها، والصفوف مختلفة، فقال: سووا صفوفكم، وسبقه الإمام وكبر وهو بعد يوجه، ثم كبر هو ما فاته من تكبير الإمام، والإمام بعد في تكبير لم يتمه، فأما صلاة العيد فكذلك يفعل، وصلاته تامة إذا سبقه الإمام فأحرم، وأحرم هذا الرجل وكبر ما فاته من تكبير الإمام، ثم دخل مع الإمام في تلك الحالة، وأما صلاة الفرائض، فإنما تكون مع الإمام فيما هو فيه إذا سبقه الإمام فأحرم، ووجه بهذا الرجل -نسخة- ثم أحرم ثم اتبع الإمام في الحد الذي هو فيه. (15/175)
صفحة 3846
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل تفوته صلاة العيد مع الإمام، فروينا عن ابن مسعود أنه قال: يصلي أربعا، وبه قال أحمد بن حنبل، واستحب ذلك سفيان الثوري، وأصحاب الرأي إن شاء صلى، وإن شاء لم يصل، فإن شاء صلى أربع ركعات، وإن شاء ركعتين، وفيه قول ثان: وهو أن يصليها كصلاة الإمام، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور، وفيه قول ثالث: وهو أن يصلي ركعتين، ولا يجهر بقراءة، ولا يكبر تكبيرة الإمام، وهذا قول الأوزاعي، وفيه قول رابع: وهو إن صلى في الجبان صلى كصلاة الإمام، وإن لم يصل في الجبان صلى أربعا، هذا قول إسحاق بن راهويه، قال أبو بكر: سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد ركعتين، وكل من صلاها صلاّها كما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يصح حديث ابن مسعود.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، إنه من فاتته صلاة العيد وتركها لمعنى عذر، إنه يصلي ركعتين كسائر الركوع بغير جهر ولا تكبير، أو ما شاء من الصلاة، إذا فصل بين كل ركعتين، إلا أنه يخرج في بعض قولهم: إنه إذا خرج إلى الجبان، فوجد الإمام قد صلى، وفاته الصلاة معه إنه يصلي صلاة العيد بالقراءة والتكبير، إلا أنه لا يجهر، وأما في غير الجبان فلا أعلم من قولهم منصوصا، إلا أنه يصلي ركعتين، ولا أجد مانعا عن الصلاة في التكبير والقراءة، ولو لم يكن في الجبان، لأن ذلك من الفضل، إلا ن صلاة الواحد لا جهر في سنة ولا فريضة من صلاة النهار.
مسألة: ومن غير الكتاب؛ قال غيره: يخرج في معاني قول أصحابنا، إنه من خرج يوم العيد فسبقه بالصلاة، إنه إذا برز إلى الجبان صلى صلاة الإمام، وقال من قال: يصلي ركعتين، وقال من قال: إن سبقه وقد برز إلى الجبان فليمض حيث صلى الإمام، فليصل ركعتين صلاة العيد، وإن انتقل ولم يكن برز من القرية إلى الجبان، فليصل ركعتين في بيته، وإن كانوا جماعة فسبقهم الإمام بالصلاة، فلا بأس أن يصلوا جماعة، أو كل واحد ركعتين، وفي موضع إذا كان في الخطبة (15/176)
صفحة 3847
فليصلوا جماعة، وإن كان قد فرغ من الخطبة صلى بهم أحدهم، وخطب في الجبان الذي صلى فيه القوم، إنه لا بأس أن يصلي فيه القوم بعد قوم.
مسألة: ويقال أيضا رجل سبقه الإمام بالصلاة يوم الفطر والأضحى، وكان الرجل قد برز إلى الجبان، فليمض حيث صلى الإمام فليصل ركعتين، ويكبر فيهما بتكبير الأضحى والفطر، وإن انفتل ولم يكن هو برز من القرية إلى الجبان فليصل ركعتين في بيته.
مسألة: ومن فاتته الصلاة مع الإمام وهو وحده، أو لم يخرج لعذر صلى ركعتين بلا تكبير مثل تكبير صلاة العيد.
مسألة: الرجل يخرج يوم العيد إلى المصلى فيسبقه الإمام بالصلاة؟ قال: إذا برز إلى الصعيد صلى صلاة الإمام، وبعض الفقهاء قال: يصلي ركعتين.
مسألة: وعن قوم خرجوا جماعة يريدون أن يصلوا جماعة يوم العيد، فوجدوا الناس قد صلوا، فإن كانوا جميعا، لم أر بأسا أن يصلوا، وإن لم يفعلوا فلا أرى بأسا أن يصلي كل واحد منهم ركعتين.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن؛ ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام، صلى وحده ركعتين بلا تكبير العيد، على قول بعض الفقهاء، وهذه مسألة من غير كتاب الإشراف؛ والله أعلم، ومن كتاب الإشراف.
مسألة: ومن لم يسمع التكبير لصلاة العيد خلف الإمام؟ فقيل يقف حتى يرى الناس قد ركعوا، ثم يحرم ويركع ويتبعهم في الصلاة، فإذا قرأ فاتحة الكتاب في الركعة الثانية، وقف بقدر ما يرى أن الإمام قد قرأ سورة ثم يكبر خمس تكبيرات، فإذا ركعوا فليركع معهم، فإذا استوى من الركوع كبر ثلاثا، فإذا سلم ورأى الناس قد قاموا فليقم يبدل ما فاته من الصلاة يبدأ بالتكبير، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة ثم ليقعد، وقال من قال: يكبر أكثر ما يكون من التكبير الذي ينتهي إليه تكبير الإمام، وقال من قال: يكبر ما شاء من وجوه الصلاة إن شاء سبعا أو تسعا (15/177)
صفحة 3848
أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة، وأما إن سمع بعض التكبير ولم يسمع بعضه وكبر ما سمع ولم يكبر ما لم يسمع، فلا نقض عليه في قول بعض المسلمين، وقال من قال: من صلى يوم الفطر مع الإمام ولم يكبر، فصلاته جائزة.
مسألة: ومن صلى يوم الفطر مع الإمام، ولم يكبر فصلاته جائزة.
مسألة: ومن سها خلف الإمام في صلاة العيد، فعليه سجدتا الوهم.
مسألة: ومن صلى مع الإمام صلاة العيدين، ثم انتقضت صلاته، فإنه يعيدها كصلاة الإمام، متى ما ذكر ولو بعد أيام، إلا أن يحسن صلاة العيدين، فقد رخص بعض الفقهاء للذي أدرك مع الإمام من صلاة العيد شيئا وفاته منها شيء، أن يعيد ما فاته بلا تكبير، فمن هنالك رأيت عليه أن يعيد الركعتين بلا تكبير إذا لم يحسن التكبير، وإن أحسن التكبير، فليعدهما بالتكبير.
مسألة: ومن صلى يوم النحر، فلما انصرف ذكر أنه على غير طهور، أو أن ثوبه ليس بطاهر، فإنه يؤمر أن يصلي البدل ركعتين.
مسألة: ومن ذهب عليه شيء من تكبير صلاة العيدين من وسطها أعاد الصلاة كما صلى الإمام، فإن لم يعرفها كما صلى الإمام، فقام رجل إلى قرية فجعل يكبر له وهو يتبعه، فلا أرى بأسا عليه.
مسألة: ومن انتقضت عليه صلاة العيد، وقد كان صلاها مع الإمام، فعليه أن يعيدها كما صلاها، كان ذلك في الوقت أو بعد الوقت.
مسألة: وعن رجل دخل في صلاة العيد، وقد سبقه ببعض التكبير، لما سلم الإمام لم يقم يقضي ما سبقه، قال: إذا لم يقم يقض ما فاته، انتقضت صلاته، ومن غيره؛ وقال من قال: لا بدل عليه فيما فاته.
مسألة: وعن أبي بكر مختصر من كتاب الإشراف؛ عن قومنا في تكبير أيام التشريق، فقال من قال: إنما التكبير على من صلى في جماعة، وقال من قال: إنما (15/178)
صفحة 3849
هي في الصلاة المكتوبة في جماعة، وقال من قال: يكبر وإن صلى وحده، وكان ابن عمر لا يكبر إذا صلى وحده، واختلفوا في التكبير في دبر النوافل، فقال من قال: لا يكبر في صلاة التطوع، وقال من قال: يكبر خلف النوافل والفرائض على حال، واختلفوا فيمن سبقه الإمام ببعض الصلاة، فقال من قال: يقض ثم يكبر، وقال من قال: يكبر ثم يقض ثم يكبر، وقال من قال: إذا لم يكبر الإمام كبر وراءه، وقال من قال: إذا قام من مجلسه كبر ما شاء كما هو، وقال من قال: إذا خرج من المسجد فليس عليه أن يكبر، فإن ذكر الإمام قبل أن يقوم من مجلسه ولم يتكلم كبر، وكبر من معه، واختلفوا فيمن عليه سجود السهو، فقال من قال: يسجدهما ثم يكبر، وقال من قال: في المحرم يوم عرفة يبدأ بالتكبير، ثم التلبية، وكان سفيان يبدأ بالتشهد، ثم التكبير ثم التلبية، واختلفوا في تكبير النساء، فقال من قال: ليس عليهن تكبير إلا في جماعة، وقال من قال: ليس على جماعة النساء إذا صلين، وليس معهن رجل تكبير، واختلفوا في المسافر، فقال من قال: يكبر، وقال من قال: ليس عليه تكبير، قال أبو بكر: بل هو للحاضر والمسافر والرجل والمرأة، من صلى في جماعة الصلوات المكتوبات أو النوافل منفردين أو مجتمعين رجالا أو نساء، قال الله تعالى: (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ) (البقرة:203)، فلا يستثنى من صلى وحده، ولا من كان مسافرا.
قال أبو سعيد: قول أبي بكر هذا الآخر أحسن، وكل ما حكاه من هذا الاختلاف، فيخرج معناه عندي إلا الذي بقي عليه بدل من صلاة الإمام، فإنه لا يجوز عندي في قول أصحابنا، أن يكبر قبل أن يتم ما عليه من الصلاة، ويعجبني إذا كان عليه سجدتا السهو وكان محرما أن يسجد للوهم، ثم يكبر ثم يلبي، وإن سجد ثم لبى ثم كبر فحسن، وسائر ما مضى لا يخرج عندي من معاني الاختلاف في هذا الفضل، ومن غيره، وعن أبي الحسن، إن التكبير في أيام التشريق ليس بلازم، وقد قيل عن بعض الفقهاء، إنه لم يكن يكبر، وقيل: إن جابر بن زيد صلى بأصحابه بمنى ولم يكبر كما يكبر الناس أيام منى، ولم يكن (15/179)
صفحة 3850
موسى بن علي ولا غيره من الفقهاء بإزكي يكبرون، وعندنا أن كل ذلك جائز، ومن غيره وفي بعض قولهم: إن التكبير ليس بواجب، وإن لم يكبر في أيام التشريق بمنى ولا غيرها، والتكبير حسن وفيه الفضل.
مسألة: ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه؛ مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان، ورجل سبقه الإمام بتكبيرة أو أكثر من صلاة العيد، فاتبعه ولم يكبر، ومر ولم يبدل على حال في العمد أو ناسيا أو جاهلا، هل تتم صلاته، فمعي إنه قد قيل: عليه البدل على حال في العمد والخطأ والنسيان، وقد قيل: عليه البدل في العمد، وليس عليه في الجهل والنسيان، حتى يترك ثلاث تكبيرات.
مسألة: ورجل سبقه الإمام فكبر تكبيرة الإحرام في صلاة العيد أو أكثر أو عامة ذلك فبادر التوجيه والتكبير المسبوق حتى صار عنده، هل تتم صلاته؟ فإذا تم ذلك ولم ينقصه في مبادرته فمعي؛ إنه يجوز له ذلك، ومعي إنه قيل له أن يكبر ما سبقه الإمام، ويلحقه ولا يدعه، ولو كان الإمام قد صار إلى القراءة والركوع، لأنه قد حد في الصلاة في بعض ما قيل.
مسألة: ورجل سبقه الإمام بشيء من صلاة العيد، فإن أراد أن يبدل فلم يعرف كيف صلى الإمام، فأبدل مخالفا له، صلى الإمام ثلاث عشرة تكبيرة، وصلى هو تسعا أو أقل أو أكثر، قلت: هل تتم صلاته إن كان عارفا، أو أتم ذلك كسائر النافلة، هل تتم صلاته؟ فمعي إنه قد قيل يبدل كما يعرف من سنة صلاة أهل بلده، فإن لم يعرف صلى بأحد وجوه صلاة العيد، وإن لم يعرف صلى ما فاته كصلاة سائر النوافل، وقلت: إن فاتته الصلاة كلها، وكان له عذر في حضرتها، فصلى ركعتين كسائر النافلة، وهو عارف كيف صلى الإمام؟ وعالم بصلاته أو جاهل بصلاته، إلا أنه لا يعلم كيف صلاة العيد، هل تتم صلاته؟ فمعي إنه قد قيل يجزئه ذلك، وتتم صلاته.
مسألة: ومما وجدته بخطه أيضا، ورجل دخل مع الإمام في صلاة العيد (15/180)
صفحة 3851
أو غيرها في أول الصلاة، ثم سبقه الإمام حتى صار بينهما حد، لا أحدهما فيه أو أكثر، ثم صلى الإمام، وصلى هو وأدرك الإمام وقعد للتحيات، وأخذ في القراءة، أو قد قرأ إلى محمد عبده ورسوله، وقام هو يقرأ التحيات، وسلم معه أو قد قرأ التحيات وقام يتشهد، وقرأ هذا التحيات وسلم معه، قلت: هل تتم صلاته بصلاة الإمام؟ قال غير المؤلف للكتاب والمضيف إليه: قد علقت جميع هذه المسألة وما تتضمنه من الأجوبة في باب اتباع المأموم للإمام، وما يجب عليهم إذا سبقوه، أو تخلفوا عنه في سبق الإمام بهم، في الجزء الرابع من الصلاة، في صلاة الجماعة، لما أرجو أنه موضعها إن شاء الله. (15/181)
صفحة 3852
[صفحة بيضاء] (15/182)
صفحة 3853
الباب السابع والخمسون
في الأصم إذا حضر صلاة العيدين عند الإمام
متى يكبر؟ وكيف يكبر؟
مسألة: من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه؛ مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان.
مسألة: والأصم إذا كان عند الإمام في صلاة العيدين، قلت: كيف يجوز يكبر الإمام، ومتى يكبر؟ فمعي أنه قد قيل لا يكبر إذا لم يستدل على إحرام الإمام حتى يركع، فإذا ركع الإمام أحرم وركع معه وسجد، وأتم معه الصلاة، فإذا أتم الإمام صلاته قام وأبدل التكبير الأول في الركعة الأولى، والقراءة، لأنه لم يكبر مع الإمام، وقيل: إنه تكون صلاته خلف الإمام، وفي البدل على ما يكون عليه صلاة أهل بلده في التعارف، فإن لم يعرف واحتاط، وكان بدله وصلاته على وجه ثلاث عشرة تكبيرة، لأنه أكثر شيء، وقلت: إن قال لأحد يعلمه كلما كبر الإمام، أو تكون صلاتهما جميعا تامة على ذلك أم لا؟ فأما هو فصلاته تامة، وأما المعلم له، فإن أعلمه بما يجوز في الصلاة فصلاته تامة، وإن كان بغير ذلك، وإنما قصد إلى دلالته مثل أنه ينخسه أو يسدعه، عمدا، فأرجو أنه قد قيل في ذلك الاختلاف، فقيل عليه الإعادة، وقيل صلاته تامة، وإن أشار بيده له إلى دون شحمة أذنيه، ولم ذلك أو أشباه ذلك، فأرجو أن يجوز ذلك، ولا أعلم في ذلك اختلافا. (15/183)
صفحة 3854
مسألة: وعن الأصم الذي لا يسمع التكبير يوم العيد، قال: يكبر عامة التكبير ثلاث عشرة تكبيرة، ويوجد أنه يكبر ما شاء من وجوه تكبير الصلاة، وكل ذلك جائز، وعن أبي عبد الله -رحمه الله- فيمن لم يسمع تكبيرة خلف الإمام، فلم يكبرها، وكبر مع الإمام ما سمع، ولم يكبر ما لم يسمع، أو نسي فلم يكبرها، قال: لا نقض عليه.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن؛ وأما الأصم الذي لا يسمع التكبير، فإنه يكبر بعدما يركع الإمام. (15/184)
صفحة 3855
الباب الثامن والخمسون
في حدود صلاة العيد وما يضارع فيه الفريضة من الأحكام
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه؛ مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان.
مسألة: وعن القيام في صلاة العيد، أكله حد أو القراءة حد في الأولى والثانية؟ فقد قيل: إن القيام فيما معي كله حد، وقيل: إن التكبير حد مع القيام، وأما القراءة فهي حد من القيام، وعن صلاة العيد قلت: أهي كصلاة الفريضة؟ في السبق والسهو والبدل والحدود وغير ذلك، أم بينهما فرق؟ فمعي إنها مثل الفريضة في العمل فيها والحدود، إلا أنه قد قيل: إن التكبير حد زائد في صلاة العيد، ليس مثله في صلاة الفريضة، وهو حد فيما قيل في صلاة العيد. (15/185)
صفحة 3856
[صفحة بيضاء] (15/186)
صفحة 3857
الباب التاسع والخمسون
في تكبير التشريق
وعن أبي الحسن أن التكبير في أيام التشريق ليس بلازم، وقد قيل عن بعض الفقهاء أنه لم يكبر.
مسألة: ومن غيره، وقيل: إن جابر بن زيد صلى بأصحابه بمنى، ولم يكبر كما يكبر الناس أيام منى، ولم يكن موسى بن علي ولا غيره من الفقهاء بإزكي يكبرون، وعندنا أن كل ذلك جائز، ومن غيره، وفي بعض قولهم: إن التكبير ليس بواجب ولم يكبروا في أيام التشريق بمنى ولا غيرها، والتكبير حسن، وفيه الفضل.
مسألة: عن أبي الحسن، وعن التكبير في أيام التشريق قلت: هو لازم وكيف هو؟ فعلى ما وصفت فليس هو من اللازم، إلا أنه قد عمل من عمل من المسلمين، وجاء به الأثر، ونحن نكبر بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى آخر يوم الثالث من بعد النحر، في دبر صلاة العصر من اليوم الثالث، وقد قيل عن بعض الفقهاء: إنه لم يكن يكبر، والتكبير معنا نحن نقول: لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا، لا إله إلا الله والله أكبر تكبيرا، لا إله إلا الله والله أكبر على ما هدانا، فمن كبر ففضل واتبع أثر، ومن ترك فلا بأس عليه.
مسألة: ومن غيره، وقد قيل: إن كبر فقال: الله أكبر كبيرا الله أكبر تكبيرا، الله أكبر على ما هدانا، أجزأه ذلك، ومن الجواب من حفظ أبي سعيد أنه رفع عن (15/187)
صفحة 3858
جابر بن زيد لم يكن يكبر في أيام التشريق، والله أعلم.
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: قال الله جل ذكره: (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَات) قال أبو بكر: كان ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين يقولون: إنها أيام التشريق، وبه قال مالك بن أنس وأبو عبيدة معمر بن المثنى وإسحاق بن راهويه، وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله».
قال أبو سعيد: معي، إنه هكذا يخرج في قول أصحابنا إنها أيام معدودات، وهي أيام التشريق.
مسألة: ذكر اختلافهم في التكبير في أيام الصلوات أيام منى، قال أبو بكر: واختلفوا في الوقت الذي يبدأ فيه التكبير أيام منى، ووقت قطعه، وكان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس يقولون: يكبر مع صلاة الصبح من يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق يكبر مع العصر، ثم يقطع، وبه قال سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأبو ثور ويعقوب ومحمد، وقال ابن مسعود وعلقمة والنخعي والنعمان، يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، روينا عن ابن مسعود أنه كان يكبر من صلاة الفجر من يوم عرفة، ويقطع في الظهر يوم النحر، قال يحي بن سعيد الأنصاري: السنة عندنا أن يكبر من صلاة الظهر من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق يكبر الظهر ثم يمسك، وقال الزهري: مضت السنة أن يكبر الإمام في الأمصار دبر صلاة العصر من يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق، وفيه قول سادس: وهو أن التكبير من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، هذا قول مالك والشافعي، وروي ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز، وفيه قول سابع: وهو أن التكبير في الأمصار يوم عرفة عند الظهر إلى بعد صلاة العصر من أيام التشريق، روي هذا القول عن ابن عباس وسعيد بن جبير، وروي ذلك عن الزهري خلاف القول الأول، وقد روينا عن الحسن البصري أنه قال: التكبير من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول، (15/188)
صفحة 3859
وفيه قول تاسع: حكاه أحمد بن حنبل عن عتبة واستحسنه أحمد قال: أهل منى يبدأون بالتكبير يوم النحر صلاة الظهر، لأنهم يقطعون التلبية عند رمي الجمرة، ثم يأخذون في التكبير، وأهل الأمصار يبدأون غداة عرفة، ومال أبو ثور إلى هذا القول، وفيه قول عاشر: اختلف فيه عن أبي وائل روينا عنه أنه قال كقول يحي بن سعيد الأنصاري، والقول الآخر: أنه يكبر من يوم عرفة صلاة الظهر يعني من يوم النحر، قال أبو بكر: القول الأول أحب إليّ.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في قول أصحابنا أن التكبير للتشريق أدبار الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة العصر، من اليوم الثالث من آخر يوم التشريق، وفي بعض قولهم: إن أوله من صلاة الفجر من أول يوم من أيام التشريق إلى صلاة العصر من آخر يوم التشريق، ومعي إن القول الأول هو الأكثر من قولهم، وسائر هذه الأقاويل لا أعلمها من قولهم، وفي بعض قولهم إن التكبير ليس بواجب، ولم يكن في أيام التشريق بمنى ولا غيرها، والتكبير حسن وفيه الفضل، لأنه من ذلك الله، ومن فعل ذلك في وقت الفضل مما ذكر، وحكى من هذه الأقاويل كلها فهو حسن، وفيه الفضل، لأنه من ذكر الله، ما لم يرد بذلك مخالفة لغيره، أو إثبات ذلك على اللازم، ومن الكتاب؛ ذكر كيفية التكبير في أيام التشريق، قال أبو بكر: روينا عن عمر بن الخطاب وابن مسعود أنهما كانا يقولان: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، وبه قال سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والنعمان ومحمد، وقال مالك بن أنس والشافعي: يكبر ثلاثا الله أكبر الله أكبر الله أكبر، وروينا عن ابن عباس أنه كان يقول: الله أكبر الله أكبر كبيرا، الله أكبر تكبيرا، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد، وفيه قول رابع: وهو أن يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، قد روينا هذا القول عن ابن عمر، وقال الحكم بن حماد: ليس فيه شيء مؤقت، وبه أقول.
قال أبو سعيد: أصح ما يخرج عندي من هذه الأقاويل هذا القول، إذ ليس (15/189)
صفحة 3860
هنالك شيء مؤقت، وبما ذكر الله من التكبير والذكر فقد ذكره، وأكثر ما سمعنا من قول أصحابنا ووجدناهم يكبرون هذا التكبير، وهو قوله لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا، لا إله إلا الله والله أكبر تكبيرا، لا إله إلا الله والله أكبر على ما هدانا، وقد يوجد عنهم غير هذا من الزيادة والنقصان ونحو هذا، ومن الكتاب؛ وجماع التكبير قال أبو بكر: واختلفوا فيمن صلى وحده، فكان ابن عمر إذا صلى وحده لا يكبر في أيام التشريق، وقال ابن مسعود: إنما التكبير على من صلى في الجماعة، وقال سفيان الثوري: في أيام التكبير إنما هي في الصلاة المكتوبة في الجماعة، وبه قال أحمد بن حنبل والنعمان، وقالت طائفة: يكبر وإن صلى وحده، فهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي ويعقوب ومحمد، واختلفوا في تكبير النساء في أيام التشريق، فكان سفيان الثوري يقول: ليس على النساء تكبير في أيام التشريق، فكان إلا في جماعة، واستحسن قول الثوري وأحمد والنعمان، قال: ليس على جماعات النساء إذا صلين وليس معهن رجل تكبير، واختلفوا في المسافر أن يكبر، فممن مذهبه أن يكبر المسافر مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور ويعقوب ومحمد، وقال النعمان: ليس على المسافر تكبير، واختلفوا في التكبير دبر النوافل، فكان سفيان الثوري وأحمد بن حنبل يقولان لا تكبير في دبر صلاة التطوع، وبه قال إسحاق، وقال الشافعي: يكبر خلف النوافل والفرائض على كل حال، واختلفوا في الوقت الذي يسبقه الإمام ببعض الصلاة، فقالت طائفة: يقضي ثم يكبر، هكذا قال ابن سيرين والشعبي ومالك بن أنس وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال الحسن البصري: يكبر ثم يقضي، روينا عن مجاهد ومكحول أنهما قال: يكبر ثم يقضي ثم يكبر، قال أبو بكر: القول الأول أحسنها، كان سفيان الثوري يقول: إذا لم يكبر كبر من ورائه، وقال الشافعي: إذا قام من مجلسه كبر ما شاء كما هو، وقال أصحاب الرأي: إذا خرج من المسجد فليس عليه أن يكبر، فإذا ذكر الإمام قبل أن يقوم من مجلس، ولم يتكلم كبر وكبر من معه، كان إسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي يقولون فيمن عليه سجود السهو، يسجدهما ثم يكبر، وهذا على مذهب (15/190)
صفحة 3861
الشافعي، وكان سفيان الثوري يبدأ بالسهو ثم التكبير، ثم التلبية يعني المحرم في يوم عرفة، وقال أصحاب الرأي في المحرم: يوم عرفة يبدأ بالتكبير ثم التلبية، قال أبو بكر: قال الله تبارك وتعالى: (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَات) فلا يجوز أن يستثني من صلاة وحده، ومن كان مسافرا بل هو للحاضر والمسافر والمقيم والرجل والمرأة، من صلى في جماعة الصلوات المكتوبات، والنوافل منفردين ومجتمعين رجالا ونساء.
قال أبو سعيد: قول أبي بكر هذا الأخير حسن، وكل ما حكاه من هذا الاختلاف، فيخرج معناه عندي، إلا الذي بقي عليه بدلا من صلاة الإمام، فإنه لا يجوز عندي في قول أصحابنا، أن يكبر قبل أن يتم ما عليه من الصلاة، لأن الصلاة لم تتم، وإنما التكبير دبر الصلوات، ودبرها تمامها، ويعجبني إذا كان عليه سجدتا السهو، وكان محرما أن يسجد للوهم، ثم يكبر ثم يلبي، وإن سجد ثم لبى ثم كبر فحسن، وسائر ما مضى لا يخرج عندي في معاني الاختلاف، في هذا الفصل.
مسألة: ومن غير الكتاب ومن جامع ابن جعفر؛ قال أبو عبد الله -رحمه الله-: يبدأ بالتكبير بعد النحر على أثر صلاة النحر، وفي نسخة يبدأ بالتكبير، تكبير التشريق بعد النحر على أثر صلاة الظهر، إلى أن يكبر على أثر صلاة العصر من اليوم الثالث غير يوم النحر، ومن غيره، قال محمد بن المسبح: قد قالوا ذلك، وأما الذي عرفنا أن التكبير على أثر صلاة المغرب من ليلة النحر، وهي أول ليلة التشريق لقول الله تعالى: (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ) (البقرة:203)، فهي الثلاث أولهن ليلة النحر على أثر صلاة المغرب، وآخر التكبير على أثر صلاة العصر من يوم ثالث، وقوله تعالى: (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (البقرة:196)، لقوله: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) (الحج:28)، فيوم النحر من الأيام المعلومات، وفيها النحر والحلق، وكيف يكبر من عليه المناسك، وهو يقول: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ) (البقرة:200). (15/191)
صفحة 3862
مسألة: ومن الكتاب؛ وقد قيل عن جابر بن زيد -رحمه الله- صلى بأصحابه بمنى، ولم يكبر كما يكبر الناس أيام منى، ولم يكن موسى بن علي -رحمه الله- ولا غيره من الفقهاء بإزكي يكبرون، وعندنا أن كل ذلك جائز.
مسألة: ومن كان يجمع الصلاتين فأرجو أن تكبيرا واحدا يجزئه إذا جمع، ومن غيره، ومن جامع أبي الحسن؛ وقد اختلفوا في تكبير التشريق بعد النحر فقال قوم: من يوم عرفة بعد صلاة العصر، وقال أصحابنا: م يوم النحر على أثر صلاة الظهر، لأن الصلاة جمع بمنى إلى آخر يوم الثالث من أيام التشريق، وهو عندنا إذا كبر الله فقد كبره، وإن قال الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد فذلك حسن إن شاء الله.
مسألة: وسألته عن حد وقت تكبير التشريق بعد النحر قال: معي إنه قد قيل من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة العصر من يوم الثالث من أيام التشريق، وقيل: إنه من صلاة المغرب من أيام التشريق إلى صلاة العصر من آخر يوم التشريق، قلت له: فأيام التشريق ثلاث غير يوم النحر، أم ثلاث بها؟ قال: معي إن أيام التشريق غير يوم النحر، ولا أعلم أن يوم النحر يسمى من أيام التشريق، والله أعلم.
مسألة: عن قومنا في التكبير أيام التشريق، فقال من قال: إنما التكبير على من صلى في جماعة.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر؛ في تكبير أيام التشريق، قال أبو عبد الله -رحمه الله-: يبدأ بالتكبير على أثر صلاة النحر -نسخة- الفجر وفي -نسخة- على أثر صلاة الظهر، ومن غيره، وقال من قال: على أثر صلاة الفجر من أول أيام التشريق إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام غير يوم النحر، وقد روي عن الحسن البصري أنه إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول، وأما الذي عرفناه عن أصحابنا إلى العصر من آخر أيام التشريق، ولا أعلم أنا عرفنا عنهم غير ذلك، ومن غيره، عن قومنا من كتاب الإشراف؛ إنه يبدأ بالتكبير مع صلاة (15/192)
صفحة 3863
الصبح من يوم عرفة، إلى العصر من آخر أيام التشريق، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وقال من قال: مع صلاة الصبح من يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، وقال من قال: إلى الظهر من يوم النحر، وقال من قال: يبدأ من صلاة الظهر من يوم النحر إلى الظهر من آخر أيام التشريق، وقال من قال: يبدأ مع صلاة العصر من يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق، وقال من قال: يبدأ من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وقال من قال: يبدأ عند الظهر من يوم عرفة إلى بعد صلاة العصر من أيام التشريق، وقد روينا عن الحسن البصري أنه يبدأ من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول، وقال من قال: أهل منى يبدأون غداة عرفة.
قال أبو سعيد: يخرج في قول أصحابنا أنه يبدأ من صلاة الظهر من يوم النحر، وقيل: من صلاة الفجر من أول يوم من أيام التشريق إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وسائر هذه الأقاويل لا أعلمها من قول أصحابنا، وفي بعض قولهم: إن التكبير ليس بواجب، والتكبير حسن، وفيه الفضل لأنه من ذكر الله، ومن فعل ذلك في وقت مما ذكر، وحكي من هذه الأقاويل كلها فهو حسن، وفيه الفضل، لأنه من ذكر الله، ما لم يرد بذلك مخالفة لغيره أو إثبات ذلك على اللازم.
مسألة: قال أبو سعيد: ليس في التكبير في أيام التشريق شيء مؤقت وأكثر ما سمعنا من قولهم، ووجدناهم يكبرون هذا التكبير، لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا، لا إله إلا الله والله أكبر تكبيرا، لا إله إلا الله والله أكبر على ما هدانا، أجزأه ذلك، وقيل ذلك إن كبر فقال: الله أكبر كبيرا، الله أكبر تكبيرا، الله أكبر على ما هدانا، أجزأه ذلك، وعن أبي الحسن في جامعه، إنه إذا كبر الله فقد كبره، وإن قال: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد فذلك حسن إن شاء الله. (15/193)
صفحة 3864
[صفحة بيضاء] (15/194)
صفحة 3865
الباب الستون
في صلاة القيام في شهر رمضان
ومن جواب موسى بن علي، وعن الذي يصلي بقوم في شهر رمضان، فلما قضى الفريضة قام يصلي بلا توجيه، فإنه يجتزئ بالتوجيه الأول إن شاء الله.
مسألة: وعن الذي يصلي بقوم في شهر رمضان ما يلزمه، أيوجه في كل شفع أو لا؟ فقد قيل في ذلك باختلاف، والذي كان يأخذ به أبو عبد الله أنه كان يوجه إذا ابتدأ النافلة، ثم كلما صلى ركعتين وسلم، قام فإذا استوى قائما كبر محرما، واجتزأ بالتوجيه الأول، استعاذ كان إماما أو غير إمام.
مسألة: وعن الذي يصلي القيام في شهر رمضان كم يقرأ في كل ركعة؟ فأرى أنه إذا قرأ عشر آيات من سورة طويلة الآيات فهو وسط، وأقل ما يقرأ خمس آيات، وقال أبو عبد الله: بلغني أن والدي كان يقرأ بالناس في شهر رمضان بثلاثين آية، فقال من قال للربيع: يا أبا عمر، وإن أبا سفيان يطيل القراءة في كل ركعة ثلاثين آية، فقال الربيع: كان ضمان يقرأ في كل ركعة خمسين آية.
مسألة: قال أبو عبد الله في صلاة قيام شهر رمضان إنما يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا تمت السورة فأما كلما قام من سجوده، وقرأ فاتحة الكتاب ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وقال زياد بن الوضاح: أما موسى بن علي، فكان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في كل ركعة من القيام.
مسألة: وعن إمام سها في قيام شهر رمضان، فصلى ركعة، ثم قعد وسلم، (15/195)
صفحة 3866
فقالوا: يقوم الذين خلفه يزيدون ركعة، ثم يسلمون إذا لم ينتبه لذلك فيقوم بهم.
مسألة: وقيام شهر رمضان بعد العشاء الآخرة من السنة أيضا، وليس هو شيء مفروض إلا ما فتح الله، ويصلون جماعة وإن كان الإمام لا يحفظ القرآن فقرأ في مصحف فلا بأس، وإن حفظ شيئا من القرآن فردد الآية فلا بأس، وكل ذلك جائز.
مسألة: وإن حفظ القرآن أو بعضه ولم يكن بإمام فصلاته وحده قيل أفضل من صلاته مع الإمام، وذلك في القيام، قال غيره: وقد يوجد في الأثر أن صلاته مع الإمام أفضل من صلاته وحده، لفضل الجماعة، ولا يستحب له أن يترك صلاة الجماعة في القيام، ولكن يصلي معهم ما فتح الله من المفروضة لا يدعها، ثم إن أحب أن يخرج يصلي وحده فحسن، وإن أتم معهم صلاة قيامهم، ثم صلى وحده ولم يتول بالجماعة كان أفضل، وذلك إذا لم يكن هو إمام.
مسألة: وقال: من صلى بقوم صلاة العتمة جماعة في رمضان، ثم صلى بهم الوتر جماعة على أثر العتمة، ثم انصرف وقام القوم من بعده يصلون القيام، فذلك جائز في رمضان، ولا يجوز في غير رمضان.
مسألة: قلت: فرجل قرأ في آخر الوتر بخمس سور، أيجوز ذلك؟ قال: جائز.
مسألة: ومن صلى ليلة العيد أو ليلة الجمعة أو ليالي العشر، أو غير ذلك جماعة فجائز، وقيل: إن أبا حذيفة صلى بالناس ليلة الفطر في العسكر.
مسألة: وبلغنا عن هاشم، إن قوما من المسلمين من أهل خراسان، كانوا يقومون شهر رجب، وقيل: إن مخلد بن الوليد قال: صليت بوارث الإمام في مسجد ليلة تروية أو قال عرفة، وسئل سليمان بن عثمان عن ذلك، قال: نعم، وكل ليلة جمعة. (15/196)
صفحة 3867
مسألة: وقيل من أم الناس في رمضان فليأخذ بهم باليسر، فإن كان ثقيل القراءة فليختم بهم ختمة، وإن كانت قراءته بين القراءتين فختمة ونصف، وإن كان سريع القراءة فمرتين.
مسألة: وعن سعيد بن المسيب، قال: إذا كان مع الرجل ما يقرأ به ليلة، فلا يقرأ في المصحف ويكرر ما معه.
مسألة: ومن جواب محمد بن محبوب -رحمه الله- وعن القيام في شهر رمضان كيف العمل فيه؟ وكيف عدد ذلك من ركعة عندهم؟ فما عندنا من ذلك حد محدود، إلا أنهم يصلون ما فتح الله لهم مع أئمة مساجدهم فيها، فمن أكثر الصلاة كان له فضل ذلك، ومن أقل منهم لم يكن عليه بأس، ويصلون الوتر جماعة في شهر رمضان، وقلتم ما يستحب لمن استظهر القرآن أن يصلي مع جماعة الناس أفضل له، أم القيام وحده في بيته؟ فكل ذلك إن شاء الله واسع، والصلاة في الجماعة عندنا أفضل له من القيام، وقد قيل من استظهر القرآن فليصل به، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجعلوا لبيوتكم نصيبا من صلاتكم تبتغون بها البركة، وقيل أيضا عن عمر بن الخطاب -رحمه الله- قال: إن الصلاة للرجل في بيته نور، فأي ذلك فعل جاز له، والصلاة في الجماعة أحب إلينا وحيث كان أنشط له في الصلاة فليصل في جماعة، أو في بيته.
مسألة: ومن جوابه وعمن سبقه الإمام ببعض الركوع، في قيام شهر رمضان، فدخل مع الإمام حين بلغ الإمام الوتر، أي ذلك أفضل للداخل مع الإمام، أيصلي معه الوتر ثم يبدل ما سبقه الإمام بعد ذلك؟ أم يعتزل كيف قول المسلمين في ذلك؟ فالذي عندنا إذا سلم الإمام قام الداخل معه وأتم ما سبقه من صلاته في مقامه ذلك، ولا يعتزل ثم يسلم ويدخل مع الإمام في صلاة الوتر، فإن كان إنما دخل معه في صلاة الوتر وقد سبقه منه شيء، أتم ما سبقه به إذا سلم الإمام إن شاء الله.
مسألة: ومن جوابه -رحمه الله- وعمن كان في سفر في شهر رمضان وهو (15/197)
صفحة 3868
صائم، فربما كان ليلة برد شديد أو حر شديد، وكان وحده مع الحالين، أيجوز له أن يصلي القيام على بعيره أو ينقص مما كان يركع المسلمون من أجل سفره؟ فليصل القيام كما أمكن له، وما فتح الله من ذلك على الأرض أو على دابته، فإنه يجوز له ذلك، وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي راكبا على دابته وهو سائر، وذلك في النافلة وليس الفرائض، وقد جاء في الأثر عن الفقهاء من المسلمين أن الرجل إذا كان خائفا وهو راكب على دابته، ولم يمكن له النزول ليصلي لحال خوفه، جاز له أن يصلي المفروضة وهو على دابته راكب، فإذا أراد أن يحرم وهو مستقبل القبلة، ثم ليصل حيث كان وجهه ووجه دابته في مسيرها، ولو أدبر بالقبلة فصلاته تامة إن شاء الله، وقيل أيضا في الرجل المسافر تكون تحته الدابة الصعبة التي لا يمكنه النزول عنها، فيحضر وقت الصلاة فلا يمكنه النزول عن دابته ليصلي لحال صعوبتها، وما يخاف منها، فإذا خاف فوت الصلاة جاز له أن يصلي وهو راكب عليها، على نحو ما وصفت في المسألة الأولى، وإنما تكون صلاته بالإيماء، ولو لم يصل المسافر القيام في شهر رمضان، لم نر عليه بأسا إن شاء الله، وقد رخص في ترك الصيام وهو فريضة، فالقيام أحرى أن يكون يجوز له تركه، لأنه غير فريضة، وإنما سن القيام عمر بن الخطاب، وما جاء عنه فهو متبع مأخوذ به، وقد يستحب له إذا ترك القيام والصيام في شهر رمضان، ثم رجع إلى الحضر فأبدل أن يصلي في الليل ما فتح الله له، وليس بواجب.
مسألة: ومن صلى بقوم في شهر رمضان الفريضة، فلما قضاها قام يصلي بهم بلا توجيه، فإنه يجتزأ بالتوجيه الأول إن شاء الله، والتوجيه واحد أول ما يقوم المصلي للنافلة يجزئه لجميع ما صلى من النوافل، ما لم يقبل إلى المشرق أو لم يتكلم، وكذلك الاستعاذة، وعن أبي عبد الله قال: وأنا أستعيذ في كل شفع.
مسألة: ومن صلى في رمضان فيختلف فيه أيوجه لكل شفع أم لا؟ والذي كان يأخذ به أبو عبد الله، أنه كان يوجه إذا ابتدأ النافلة، ثم كلما صلى ركعتين وسلم قام وكبر محرما، واجتزأ بالتوجيه، واستعاذ كان إماما أو غير إمام، فإن دخل (15/198)
صفحة 3869
مع قوم في صلاتهم، وقد قرأ الإمام فاتحة الكتاب، مختلف فيه، يقرأ فاتحة الكتاب أم يستمع؟ والذي كان يأخذ به أبو عبد الله قول من قول من الفقهاء، إذا دخل في صلاتهم، وقد فرغ الإمام من فاتحة الكتاب ودخل في قراءة السورة، فلينصت وليستمع ويجزيه الاستماع إذا أدرك من بعد إحرامه من قراءة الإمام آية واحدة اجتزأ بها، وإن أدرك من بعد إحرامه من قراءة الإمام أقل من آية، فعليه إذا سلم الإمام أن يقوم فيتم ما بقي عليه من صلاته، فيقرأ فاتحة الكتاب.
مسألة: ومن ينظر في المصحف، وصلى بسورتين أو ثلاث من ظهر، قلت يكررهن فجائز ما فعل من ذلك، وبين كل ركعتين تسليم، ومن صلى وحده القيام، فأحب إلينا أن يجهر بصلاته وإن لم يجهر فلا بأس، ولا يصلح الإمام في القيام أن يقوم يصلي والناس جلوس.
مسألة: وإذا جف حلق المصلي فأساله بجرعة من ماء فعليه التوجيه ولا توجيه على من خلفه.
مسألة: ومن شق عليه القيام خلف الإمام فليقم معه حين يقوم، فإذا قرأ فاتحة الكتاب فليجلس، حتى إذا أراد أن يركع قام فركع معه، ولو أنه قعد فلم يقم حتى يريد أن يركع قام فركع معه جاز له.
مسألة: ولا بأس أن يصلي الناس بصلاة الإمام في رمضان إذا سمعوا صوته وبينه وبينهم دار أو حائط، ما لم يكن بينهم طريق ويسمعون الصوت.
مسألة: وسألته أبا سعيد كم يؤمر أن يقرأ في كل ركعة من صلاة القيام في رمضان؟ قال: كانوا يقرأون عشر آيات من آيات النساء والبقرة وأشباهها، وهو أقل ما يكون عندهم ذلك فيما معي، والله أعلم، قلت له: فالمأمور به في القيام في شهر رمضان، أن يكون لكل ترويحة توجيه واستعاذة؟ قال: هكذا عندي، غنه كان على ذلك الأصل، وإنما سميت ترويحة لأنهم يستريحون فيها ويتجممون للصلاة، ويدعون إذا أرادوا، ويشرب من احتاج إلى الشرب، ويتروح (15/199)
صفحة 3870
مستريح، ويريح أصحابه ثم يوجه ويصلي ترويحة، على هذا كانت الصلاة فيما قيل في القيام، قلت له: وهو أفضل للإمام والجماعة من توجيه واحد واستعاذة؟ قال: هكذا عندي لإحياء السنة، ولا أحب أن يوجه في الترويحة إلا مرة واحدة، قلت له: فالسنة في القيام بعد العشاء الآخرة وآخر الليل؟ قال: أما في الأصل الذي سبق فيه القيام في أيام عمر بن الخطاب، فأحسب أنهم قالوا إنما كان في أول الليل، وأما أصحابنا من أهل عمان، فسنتهم على ما تجري عليه أكثر عادتهم القيام في أول الليل وآخره.
قلت: فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه القيام جماعة في شهر رمضان؟ فمعي إنه قد قيل كانوا يصلون جماعة، وأما سنة ظاهرة مأمور بها مكتوب بها إلى الأمصار، ففي أيام عمر فيما قيل إنه سن ذلك على الناس فيما أحسب، قالوا: لحفظ القرآن، قلت له: وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يصلون القيام بعد العشاء الآخرة كما سنها عمر، أم كانوا يصلون في أي وقت كان من الليل، في أوله وآخره، قبل العشاء الآخرة أو بعدها، أو آخر الليل؟ فلا أجدني أنص ذلك نصا إلا أنهم قد قالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شهر رمضان، أحسب معنى القيام في شهر رمضان في مجاز الكلام، ويدل على ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم يما يروي عن الله تبارك وتعالى في الذكر، وفضل يوم الفطر وشهر رمضان، وفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومما يعطون يوم الفطر، وإنه قال عن الله تبارك وتعالى إنه قال: يقول للملائكة، ملائكتي ما جزاء الأجير عند فراغه من عمله؟ فكان من ذلك كلام إلى أن قال: «هؤلاء عبادي فرضت عليهم الصيام فصاموا، وسننت لهم القيام فقاموا»، وهذا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلولا أنها كانت هنالك سنة، لم يكن ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقلت: فهل يجوز أن يصلي القيام جماعة في شهر رمضان، بعد المغرب قبل العشاء الآخرة؟ قال: فلا أعلم ذلك من أفعال المسلمين، ولا أحب مخالفتهم، أو من سبب خوف يعوقهم عن أمر الصلاة بعد الصلاة، فقدموا ذلك للفضل، لئلا يفوتهم في موضعه، فأرجو أن يسع ذلك إن شاء الله ويجوز. (15/200)
صفحة 3871
قلت له: فإن لم يعوقهم أمر، وكان ذلك أنشط لهم من بعد العشاء الآخرة، هل يجوز لهم قبل العشاء الآخرة أن يصلوا على هذا؟ قال: فإن لم يكونوا يقدرون على ذلك أم أحب ترك ذلك وامتناعهم عنه، وإن كانوا لا يمنعهم عن ذلك مانع، فلا أحب أن يقوم ذلك مقام القيام إلا من عذر، قلت له: فإن فعلوا متعمدين، ولم يصلوا بعد العشاء الآخرة شيئا، أيكونون آثمين لذلك؟ قال: ما لم يريدوا خلافا للسنة، فلا أقول إنهم آثمون، قلت له: فيرجى لهم الثواب على ذلك؟ فإذا قاموا بالسنة بعد الصلاة، على ما جاءت به، وأرادوا ذلك غير خلاف السنة، رجوت لهم الثواب في ذلك، لأنه طاعة وفضل، فإن ضيعوا السنة المعروفة بعد العشاء الآخرة، لم يقم ذلك قبلها عندي مقامها إلا من عذر.
قلت له: فإن تركوا القيام بعد العشاء الآخرة أول الليل وأقاموا آخر الليل، هل يجوز لهم ذلك، فليس لهم ذلك عندي إلا من عذر، لأن السنة أول الليل، وإن فعلوا ذلك لم يجز ذلك عن سنة أول الليل إلا من عذر.
قلت له: فما أفضل للنساء، أن يصلين القيام في المساجد مع الرجال جماعة، أم يصلين الفريضة وحدها، أم يقعدن في بيوتهن؟ قال: معي، إن الأفضل لها أن تصلي الفريضة في بيتها، وتتطوع بما فتح الله لها، وتجلس في بيتها، ومعي إنها ولو لم تصل في بيتها كان عندي أفضل لها من البروز في رمضان وغيره، إلا للازم، قلت: فإن صلت القيام في المسجد، ولم تقعد في بيتها نرجو لها على ذلك؟ قال: فإذا كانت في نيتها لله في ذلك، وسلمت من آفات البروز من أمر الرجال من نظر أو تذكر أو استماع، بمعنى شهوة، فأرجو ألا يضيع الله أجرها إن شاء الله، قلت له: وإن برزت لاستماع القرآن والحديث والقراءة؟ قال: إن برزت للتذكر لأمر الآخرة فمعي؛ إنه مثل الصلاة، وأما إن برزت لاستماع حسن صوت القارئ، وصوت المحدث، وتستمع الحسن من ذلك والقبيح، فأخاف عليها الإثم في هذا، قلت له: فمن ترك القيام في شهر رمضان كله ما يلزمه في ذلك؟ قال: معي إنه قد قيل أن عليه البدل، يصلي مثل ذلك، ومعي إنه قد قيل لا بدل عليه، ولم (15/201)
صفحة 3872
أعلم أنه يبلغ معهم إلى ترك ولاية ولا براءة، وأحسب أنه قد قيل إنه خسيس الحال، ولا آمن عليه ذلك، لأنها سنة مشهورة ومجتمع على فعلها في الأمصار مع الفاجر والبار، إلا من شاء الله ممن يذهب إلى الروافض من أهل القبلة والشيعة وأشباههم، فأحسب أنهم فيما قيل يذهبون إلى تركها خلافا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رحمه الله- وعداوة، أخزى الله كل عدو للمسلمين، ولا جعلنا الله منهم، قلت له: فعلى قول من يقول: إن عليه البدل، كم أقل ما يجزئه أن يبدل من ترويحة؟ قال: فيقع أنه إذا لزمه عنده البدل، لم يكن يلزمه إلا بشيء معروف، وقد ثبت في الأصل الذي جاء به الخبر أن الذي كان عليه العمل في الأصل من القيام خمس ترويحات، ويعجبني إذا ثبت البدل، فلا يثبت إلا في شيء معروف، وهذا كان هو المعروف فيما قبل، قلت له: فإذا لزمه البدل فيبدل في وقت القيام في رمضان، أو أي وقت أراد من الأوقات، من النهار أو الليل؟ قال: يعجبني أن يكون وقت القيام في رمضان في سائر الزمان، قلت له: قبل الوتر أو بعده؟ قال: كل ذلك عندي سواء.
قلت له: فالمسافر، فهل عليه قيام شهر رمضان كان سائرا أو ماكثا؟ فقال: فلا يبين لي ذلك عليه؟ فإن فعل ذلك فهو حسن، قلت له: هل يجوز أن يصلي الوتر جماعة في الحضر؟ قال: معي؛ إنه لا يصلي جماعة في الحضر ولا في السفر إلا في شهر رمضان، فإنه يجوز في الحضر والسفر في شهر رمضان عندي، عند القيام، قلت له: فإن لم يصلوا قياما، فهل يجوز أن يصلوا جماعة؟ قال: فلا يعجبني ذلك، إلا مع القيام، كما جاءت السنة، قلت له: فإن فعلوا ذلك أيلزمهم البدل؟ قال: فأرجو أن لا بدل عليهم فيما قيل، قلت له: فما العلة إذا جاز أن يصلي في شهر رمضان جماعة، ولم تجزه في غيره، وما حجة ذلك؟ قال: فمعي إنه لإجماعهم على تركه في الأمصار في سائر الزمان، أن يصلي جماعة، وإجماعهم عليه في شهر رمضان خاصة، وإجماعهم على ترك الشيء حجة، واتباعهم فيه وعليه، قلت له: فهل تعلم أنه ثبت ذلك في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز أن تصلى جماعة إلا في شهر رمضان؟ قال: أما قول فلا أعلمه، وأما هو فعندي (15/202)
صفحة 3873
أنهم كانوا يصلون فرادى في سائر الزمان، وأما في رمضان، فالله أعلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل عليه، ولم يبلغني في ذلك شيء أعلمه.
قلت: فلو أن قوما صلوا جماعة الوتر في الحضر في غير شهر رمضان، هل يلزمهم البدل، أم تكون صلاتهم تامة؟ قال: أما إن فعلوا ذلك برأي، وهم من أهل ذلك، واتباع الرأي أو بجهالة فيعجبني أن لا بدل عليهم، وأما إن فعلوا ذلك خلافا لسنة المسلمين، فيعجبني أن يكون عليهم البدل، قلت له: فهل يجوز أن يصلى الوتر في السفر جماعة في غير شهر رمضان على التعمد والجهل؟ قال: أما على التعمد فلا يعجبني ذلك، وأما على الجهل فمعي إنهم إن فعلوا ذلك، فأرجو أن لا بدل عليهم فيما قيل، والسنة في الوتر، أن تصلى فرادى، إلا في شهر رمضان، كما جاء عن المسلمين، وهكذا عندنا، ولا نحب مخالفة ذلك بتعبد ولا غيره، قلت له: فهل تعلم أن أحدا من أصحابنا أجاز ذلك في السفر، أن تصلى الوتر جماعة على التعمد؟ قال: فلا أجدني يصح معي ذلك، إلا أن بعضهم قد فعل ذلك، ومعي إنه من أهل العلم، والله أعلم كان بعذر سفر، فاستخف ذلك، لأن ليس هنالك نافلة في الجمع، وإنما الوتر على أثر ركعة في عامة قول أهل العلم، فلعله قد استخف ذلك لهم جماعة يصلون الوتر ركعة جماعة، إلا أن معي أن بعضهم قد صلاه جماعة في السفر، ولم يروا عليه إعادة، ولا أجدني أحفظ استحسان ذلك منهم له، إلا أنه إن قال ذلك قائل، واستحسنه لهذه العلة التي ذكرتها لك، إن كانت كما وصفتها، وكان فيها حقا لهم، لأن السفر قد جاء فيه ترخيص في الفرائض من الصوم والصلاة، وغير ذلك من الأشياء التي يفعلها أهل العلم، في الحضر يلجأون إلى تركها في السفر، وليست بعادة في الحضر يلجأون إليها في السفر، لاختلاف معاني السفر والحضر، فلا أجدني بعد ذلك ولا أمر به إلى حالي هذا لأنه لا يبين استحسانه، ولا أعرف من أحد من أهل العلم يستحسنه، إلا ما قد روي عن بعضهم فعلا، والفعل قد يخص ويعم، كما وصفت لك في الإنسان بعينه خاصة، دون غيره، قلت له: فإن صلى أحد الوتر جماعة في الحضر، ولم يبدل، هل يكون على ولايته في غير شهر رمضان، إذا كان (15/203)
صفحة 3874
متعمدا لذلك؟ قال: فإذا فعل ذلك يريد به خلاف السنة للمسلمين، وإجماعهم لم يعجبني ولايته إن لم يرجع عن ذلك، وأما البدل، فلا يعجبني أن تترك ولايته على تركه، إن رجع وتاب من مخالفة المسلمين، قلت: فيبرأ منه؟ قال: ما لم يخطئ المسلمين في ذلك، فلا يعجبني البراءة منه، قلت له: فإن برئ منه أحد على ذلك، هل يكون مصيبا على ذلك ما لم يخطئ من لم يبرأ منه؟ قال: فلا يعجبني تصويبه في ذلك، قلت له: فإذا لم يصوب في ذلك أيكون على ولايته أم يبرأ منه؟ قال: فيعجبني الوقوف عن ولايته، قلت له: فإذا لم يعجبك ولايته فبرئ منه أحد على ذلك؟ قال: لا أتولى المتبرئ على ذلك، ولكني أقف عن هؤلاء كلهم برأي حتى أسأل المسلمين عن عدل ذلك، ووقوف الرأي وقوف الضعفاء وأنا منهم واحد، قلت: فهل لمن يصلي ليلة الجمعة، وليلة الفطر ولياي العشر، ورجب، القيام جماعة، أن يصلي الوتر جماعة في الحضر؟ قال: فلا يعجبني ذلك، قلت له: فإن فعلوا أعليهم بدل؟ قال: يعجبني أن يكون عليهم البدل إذا فعلوا ذلك على التعمد، وهم عالمون بسنة المسلمين، قلت له: فإذا جهلوا ذلك، وظنوا أنه مثل رمضان أن يصلى جماعة بعد القيام، هل ترى عليهم بدلا؟ قال: فيعجبني ألا يكون عليهم بدل على هذا؟
قلت له: وكذلك النساء يجوز لهن أن يصلين الوتر جماعة عند الرجال، في شهر رمضان؟ قال: فمعي أن لهن ذلك، إذا صلين معهم بصلاتهم، قلت له: فإن لم يصلين عندهم القيام، وصلين الوتر وحده، هل ترى صلاتهم تامة؟ قال: هكذا عندي إذا كانت الصلاة بصلاة الرجال، قلت: فهل يجوز للنساء أن يصلين القيام جماعة في شهر رمضان، وتأمهن إحداهن؟ قال: معي إنه قد قيل ذلك، وهو عندي حسن، لأنه زيادة في الفضل.
قلت له: ويصلين الوتر جماعة بعد القيام، كمثل الرجال؟ قال: لا يعجبني ذلك، لأنه ليس لهن ولا عليهن جماعة وحدهن في الفرائض واللازم، والوتر سنة لازمة، قلت له: فإن فعلن ذلك بتعمد منهن أو بجهالة، هل ترى عليهن إعادة (15/204)
صفحة 3875
الوتر؟ قال: فيعجبني أن يكون عليهن إعادة ذلك على حال، قلت له: فإن لم يعدن أيكن على ولايتهن؟ قال: يعجبني أن لا تترك ولايتهن على ترك البدل، إذا أتين من الفعل الذي به لزم فيه البدل، قال: وهن أشد من الرجال في صلاتهم الوتر جماعة في غير شهر رمضان عندي.
قلت: فمن أين حجر عليهن وحدهن لصلاة جماعة للفرائض، واللازم من السنة من إجماع المسلمين؟ قال: معي، إنه لسقوط ذلك عنهن في الجمعة في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجماعة شبها عندي من المسلمين، كالجمعة، لأن الجماعة والجمعة معناهما واحد، قالوا: لا جمعة عليهن ولا جماعة، فلما أن ثبت ليس عليهن ذلك، لم يكن ذلك منهن، ولم يكن فعلهن له قائم، إذ غير متعبدات به، وإذ هو لازم لهن في الأصل على غير الجماعة، وجاز لهن في قيام شهر رمضان، إذ ليس متعبدات به، ولا لازم لهن في الأصل، وإذا الجماعة إذا لم تكن لازم غيرها في الأصل أفضل من غير الجماعة، كان صلاتهن الجماعة الفضيلة أفضل من صلاتهن فرادى، إذ هو في الأصل كله فضيلة، وإذا لم ينعقد فيه السنة، إلا على الجماعة بمن لزمه، أو لم يلزمه.
قلت له: فإن صلين الجماعة، أين تكون التي تؤمهن؟ قال: معي إنه قد قيل إنها تكون في وسطهن، ولا تكون قدامهن كالرجال، قلت له: فذلك مما يستحب لهن، أم ذلك محجور عليهن أن تكون قدامهن؟ قال: فلا أعلم ذلك حجرا، ولا يبين لي ذلك أنه حجر، قلت له: فإذا صلين جماعة وكانت قدامهن، أترى صلاتهن تامة؟ قال: فيعجبني أن تتم صلاتهن، لأنه في الأصل ليس عليهن.
قلت له: فهل يجوز أن يأمهن صبي، ويكون قدامهن؟ قال: فمعي إنه إذا عقل الصلاة، إن ذلك يجوز إذا عقل الصلاة، وحافظ عليها، قلت له: فما أحب إليك؟ أن يؤمهن الصبي إذا عقل الصلاة، وحافظ عليها أم تؤمهن امرأة؟ قال: فالصبي أحب إلي أن يؤمهن، قلت له: وما هذه المحافظة التي إذا حافظ عليها جاز (15/205)
صفحة 3876
أن يؤمهن؟ قال: فمعي إنه قد قيل إن المحافظة أن يعرف حدودها التي تقوم بها، قال: يعرف ذلك كمعرفة العلماء بها، إن القيام حد، والركوع حد مثله، أم إذا صلاها مستوية فقد عرفها وحافظ عليها؟ قال: فمعي إنه إذا صلاها مستوية بحدودها التي تتم بها بمعرفة منه بذلك، فقد عرف حدودها هذه المعرفة فيما قيل، لا معرفة العلماء، قلت له: فهل يجوز أن يؤم الصبي الرجال في الفريضة؟ قال: معي إنه قد قيل ذلك إذا عقل الصلاة وحافظ عليها وكان مراهقا، وقيل: لا يجوز ذلك، ومعي إنه أكثر القول، قلت له: والمراهق ما حده؟ قال: فحده عندي الذي يقرب حاله من البلوغ، فإذا أقر به لم ينكر عليه إقراره به، قلت له: فإذا لم يكن مراهقا، إلا أنه يعقل الصلاة، كمثل المراهق، هل يلحقه الاختلاف؟ قال: فلا أعلمه إلا في المراهق فيما عندي، لأن المراهق يذهب فيه بعض أن يلحقه أحكام البالغ.
مسألة: وسألته عن الرجل يجوز له أن يصلي عند الإمام الوتر جماعة، إذا لم يكن يصلي هو عنده القيام في رمضان أم لا يجوز؟ قال: معي، إنه يجوز. (15/206)
صفحة 3877
الباب الحادي والستون
في النية لقيام شهر رمضان
وينوي المصلي إذا أم في صلاة قيام شهر رمضان، ويقول: أصلي قيام شهر رمضان أداء السنة إماما، لمن يصلي بصلاتي إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله.
مسألة: والمأموم يقول: أودي سنة قيام شهر رمضان اتباعا للإمام، أصلي بصلاته.
مسألة: ويستحب للمسافر إذا ترك القيام والصيام في شهر رمضان، ثم رجع إلى الحضر فأبدل الصيام، أن يصلي في الليل ما فتح الله، وليس بواجب.
مسألة: قال أبو محمد: وصلاة التراويح في الجماعة أفضل من صلاة المنفرد، ومن لم يقم رمضان فيصلي كما يصلي الناس، فقد أساء ولا شيء عليه أوجبه، وإن فعل خيرا فهو خير له.
مسألة: قال أبو الوضاح: لا يجوز لرجل ولا امرأة أن يصلي الوتر في مسجد وراء قوم يصلون القيام في رمضان، وعن الفضل فيمن يأتي المسجد والناس في صلاة الفجر، أو في صلاة شهر رمضان أن له أن يصلي العتمة، وله أن يوتر خلفهم، ولا بأس عليه، إذا كانت صلاته غير صلاتهم، قال: ويصلي خلفهم نافلة، وهم يصلون القيام إن شاء، والصلاة آخر الليل خير من التي أول الليل.
مسألة: عن أبي عبد الله، في إمام قوم في قيام رمضان تكلم بعدما سلم، ثم (15/207)
صفحة 3878
كبر لإحرامه، ولم يكبر الذين خلفه لإحرامهم، فعلى الإمام التوجيه إذا تكلم، وليس على من خلفه توجيه، إلا أن يتكلموا.
مسألة: وقال أبو سعيد: من صلى ليالي العشر جماعة تطوعا بالجهر، إنه يكون الوتر من بعد أن يفرغوا من ذلك بمنزلة رمضان، وتكون الوتر فراد.
مسألة: ومن جامع أبي محمد؛ وصلاة التراويح في الجماعة أفضل من صلاة المنفرد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فضل صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد ببضع وعشرين درجة، ولم يخص جماعة من جماعة، وقد روي أن عمر بن الخطاب -رحمه الله- كان يأمر أبي بن كعب أن يصلي بالناس صلاة التراويح في شهر رمضان، ويحثه على ذلك، ويبعثه عليه، ولا يجوز أن يأمره بصلاة أفضل منها.
مسألة: وعن إمام سها في قيام شهر رمضان، فصلى ركعة ثم قعد وسلم؟ قال: يقوم الذين خلفه يزيدون ركعة، ثم يسلمون، إذا لم ينتبه لذلك فيقوم بهم.
مسألة: وروي عن هاشم أن من حفظ القرآن قام في رمضان بأربعمائة آية، وزعم هاشم أنه أول ما أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالقيام في رمضان، كانوا يصلون بمائتي آية، عشرة أشفاع، في ركعة عشر آيات.
مسألة: وعن محمد بن المسبح: وسألته عن القيام في شهر رمضان، إذا قضينا القيام أوتر، ثم أدعو، أو الدعاء ثم الوتر؟ قال: يوتر ثم يدعو، وهو أحب إلي، وقال: إن عمر بن الخطاب -رحمه الله- لما أمر أبي بن كعب الأنصاري إمام الناس في شهر رمضان، فصلى بهم بعد الفريضة أربعين ركعة، إلا ركعة بالوتر، فذلك تسع ترويحات في ثلاث ركعات للوتر، فلهذا استحب الدعاء بعد الوتر، لأن أبي بن كعب وصل الوتر بالقيام، وأما ليلة الختم، فإنه أحب إلي أن يكون الدعاء ثم الوتر، لأنه ترجى إجابة الدعاء عند الختم.
مسألة: عن أبي سعيد قلت له: وكذلك من دخل في صلاة القيام في شهر (15/208)
صفحة 3879
رمضان في الركعة الثانية، وفاتته الأولى وتنحى الإمام وسلم، وقام بتكبيرة في الشفع المؤخر، ودخل في الصلاة، هل لهذا الرجل ا، يقضي ما فاته من تلك الركعة، ويلحق الإمام، ولا يضر ذلك؟ قال: هكذا عندي، قلت له: فهل له أن يؤخرها حتى يقضي الإمام الشفع، ويدخل هو مع الإمام فيه؟ قال: ليس له ذلك عندي، أن يعمل في غير ما قد وجب عليه إتمامه من الصلاة التي قد دخل فيها.
مسألة: رجل يصلي القيام في شهر رمضان آخر الليل، ويلتفت ينظر الصبح إذا سلم، ويحول وجهه إلى المشرق، ويعود يقبل إلى القبلة، فعلى ما وصفت، فإذا أدبر بالقبلة، وكان جميع وجهه إلى المشرق، ابتدأ التوجيه، وإن كان إنما هو بحرف ولم يدبر بالقبلة، لم يكن عليه إعادة التوجيه. (15/209)
صفحة 3880
[صفحة بيضاء] (15/210)
صفحة 3881
الباب الثاني والستون
في صلاة الضحى
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى الضحى حين تكون الشمس من قبل المشرق بقدر ما تكون من المغرب وقت صلاة العصر ركعتين كتب الله له أجر يومه وحسنته وكفى إثمه وخطيئته».
مسألة: قال أبو علي: وركوع الضحى نصف النهار في الشتاء، فلا بأس، وأما في الحر فقد كره، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى الضحى حين تكون الشمس من قبل المشرق بقدر ما تكون من المغرب وقت صلاة العصر ركعتين كتب الله له أجر يومه وحسنته وكفى إثمه وخطيئته».
مسألة: وبلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي الضحى إلا أن يقدم من سفر، فيصلي الضحى قبل أن يدخل إلى أهله، عن عكرمة أن ابن عباس، كان يصلي الضحى يوما، ولا يصليها عشرة أيام، وقيل: كان أبو عبيدة يصليها ويتركها زمانا، وحدث الربيع: أنه لقي أبا عبيدة وهو في الجبان فقال: انتظر حتى أصلي ركعتين، فلا عهد لي بهما منذ حين.
مسألة: ومن صلى من الضحى أجزأ وكلما كثر كان أفضل، وقيل: لا يحافظ على صلاة الضحى إلا كل من يطلب الخير، وهي صلاة الأوابين. (15/211)
صفحة 3882
فصل في صلاة الضحى
من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه؛ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أوصاني جبريل عليه السلام بصلاة الضحى»، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا معاذ إن للجنة بابا يقال له الضحى لا يدخل من ذلك الباب إلا من كان مصليا للضحى»، وعنه صلى الله عليه وسلم: «من حافظ على شفعة الضحى غفر الله له ذنوبه»، أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت صلاة الضحى أكثر صلاة داود صلى الله عليه وسلم»، ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد قباء، فإذا قوم يصلون صلاة الضحى، قال: «فهذه صلاة رغبة كان الأوابون يصلونها حين ترمض الفصال»، قال أبو الحسن: روي عن ابن عباس ما ظننت أن لصلاة الضحى فضيلة، حتى أتيت على هذه الآية: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) (ص:18)، ووقتها مذ ترتفع قدر رمح، إلى نصف النهار، وأفضل ذلك إذا رمضت الفصال، على ما قالوا به، وفي رواية: "ما فطنت لصلاة الضحى وفضلها حتى أتيت على هذه الآية"، قال أبو المؤثر: من صلى عند كسوف القمر جماعة، فلا بأس بذلك، ويؤمهم أحدهم، ويجهر بالقراءة بهم، وإن صلوا فرادى فحسن، ومختلف في صلاة كسوف الشمس، وفي آثار أهل عمان أن القمر جماعة، والشمس فرادى، وروي عن ابن عباس أنه صلى في الزلزلة بالبصرة، قال ابن مسعود: إذا سمعتم هادا من السماء فافزعوا إلى الصلاة، ووجدت لأصحابنا في صلاة الرجفة قولا: إنها لصلاة الشمس، والله الموفق للصواب. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).
مسألة: وصلاة الضحى سنة، فضيلة أقله ركعتين، وأكثر ذلك أفضل، ووقتها مذ ترتفع الشمس قدر رمح إلى نصف النهار، وأفضل ذلك إذا رمضت الفصال، على ما قالوا به، وأقول فضل ذلك الوقت الذي يكون العبد فيه أشد نشاطا وإقبالا إلى الصلاة، أي ساعة كانت، وعن النبي صلى الله عليه وسلم من حافظ على شفعة الضحى غفر الله له ذنوبه، وروي عن ابن عباس قال: ما ظننت أن لصلاة الضحى فضيلة حتى أتيت على هذه الآية: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ)، ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتى مسجد قباء، فإذا قوم يصلون صلاة الضحى فقال: «هذه صلاة رغبة ورهبة كان الأوابون يصلون حين ترمض الفصال».
مسألة: قلت لأبي سعيد، هل تجوز الصلاة للنافلة بالتسبيح بغير قراءة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل ذلك، قلت له: فيجوز بالدعاء بلا تسبيح ولا قراءة؟ قال: لا يعجبني ذلك، قلت له: فإن صلى كذلك أحد، هل ترى عليه بدلا؟ قال: معي؛ إنه لا بدل عليه. (15/212)
صفحة 3883
الباب الثالث والستون
في صلاة التطوع
ومن كتاب الإشراف؛ وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر، حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، فدل قوله لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة، وقوله: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان»، ومع قول عقبة بن عامر: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن حتى تطلع الشمس بازغة، حتى ترتفع، وحين تقوم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس حتى تغرب مع سائر الأخبار المذكورة في غير هذا الكتاب، غير أن الوقت المنهي عن الصلاة فيه هذه الأوقات الثلاث.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني ما يشبه الاتفاق من قول أصحابنا عندي إنه لا صلاة تطوع، ولا ما يشبهها بعد صلاة الفجر، حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وأجازوا في هذين الوقتين بدل اللوازم كلها، وصلاة الواجب مثل صلاة الجنازة، وما أشبه ذلك، وما خرج على معنى التطوع فعندهم لا يجوز، ومعي، إن من قولهم إنه لا يجوز في هذا الوقت ركعتي الفجر في ذلك اليوم، فإذا فاتاه ودخل في الجماعة لم يصلها بعد صلاة الفجر ذلك اليوم حتى تطلع الشمس ذلك اليوم، ويصليهما في بعض قولهم بعد العصر وبعد الفجر، في غير ذلك اليوم، وهذا القول فيه نظر؛ لأنه إن ثبت بدلهما بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر في يوم آخر لم يجد مانعا لذلك لبدلهما بعد صلاة الفجر في ذلك اليوم، وإن لم يجز في ذلك اليوم، فمثله في غير ذلك اليوم، إلا أن يكون ثم (15/213)
صفحة 3884
دليل فالله أعلم، وأما إذا طلع من الشمس قرن من الشمس حتى يستوي طلوعها وإذا غرب منها قرن حتى يستوي غروبها، وإذا صارت في كبد السماء قائمة، كما جاءت الرواية، وذلك عندهم في الحر الشديد، فلا صلاة في هذه الأوقات عندهم تطوعا، ولا بدلا ولا فريضة، ولا على جنازة، وأما في غير الحر، فعندي أن هذا الوقت كسائر الأوقات من النهار، وهو قبل زوال الشمس، وأما حين طلوعها أو غروبها، فذلك عندي سواء من قولهم في الحر والشتاء، ومنه، واختلفوا في صلاة التطوع بعد صلاة العصر، فرخصت طائفة في التطوع بعد العصر، فممن روي عنه الرخصة في ذلك، علي بن أبي طالب، وروينا معنى ذلك عن الزبير وتميم الداري والنعمان بن بشير وأبي أيوب الأنصاري وعائشة أم المؤمنين، وفعل ذلك الأسود بن زيد وعمر بن ميمون ومسروق وسروج، وعبد الله بن الهزيل وأبي بردة وعبد الرحمن بن الأسود وعبد الرحمن السلماني وأحمد بن قيس، وقال أحمد: لا نفعله ولا نعيب، وبه قال أبو خيثمة وأبو أيوب، وذكر الشافعي النهي عن الصلاة في الساعات التي نهى عن الصلاة فيها، فجعل ذلك كل صلاة لا تلزم، وكل صلاة كان صاحبها يصليها، فأغفلها، وكل صلاة أكدت، ولم تكن فرضا كركعتي الفجر، وإجماع المسلمين في صلاة الصلاة على الجنازة بعد الفجر والعصر، قال أحمد وإسحاق: لا يصلي بعد الفجر إلا صلاة فائتة، أو على جنازة إلى أن تطلع الشمس، وإلا إذا قامت الشمس، إلى أن تزول، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا صلاة فائتة، أو على جنازة، أو على أثر طواف، أو صلاة لبعض الآيات لكل ما يلزم من الصلوات، فلا بأس أن يصلي في هذه الأوقات، وقال أصحاب الرأي: يصلي في كل وقت، ما خلا أربع ساعات، إذا طلعت الشمس إلى أن ترتفع، وإذا انتصف النهار إلى أن تزول الشمس، وإذا احمرت الشمس إلى أن تغرب، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، واختلفوا في التطوع بعد طلوع الفجر سوى ركعتي الفجر، روينا عن عبد الله بن عمر، وعمر كرها ذلك، وليس بثابت ذلك عنهما، وكره ذلك الحسن البصري، وقال النخعي: كانوا يكرهون ذلك، وكره ذلك ابن المسيب وعلاج وعلي بن زياد وحميد بن عبد الرحمن، وأصحاب الرأي، وممن رخص فيه الحسن البصري، وقال مالك: نرى أن يفعل ذلك من فاته صلاة بالليل.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه قد مضى ما يستدل به على كثير ممن مضى في هذا الفصل، ويخرج عندي في معاني قول أصحابنا إنه لا تجوز الصلاة للطواف بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وبعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، لأن (15/214)
صفحة 3885
ذلك يقع موقع التطوع، إذ ليس واجبا لوقت من الأوقات، أعني الطواف، ولو طاف فيه لواجب من عمرة أو زيارة، فإنما يقع من فعله ذلك تطوعا، لأنه قد كان له في سائر الليل والنهار في غير هذين الوقتين سعة، وليس ذلك بواجب عليه في وقت مؤقت، فخرج معناه نفلا، وقد أجازوا أن يطوف اللازم أو غيره ويصلي بعد طلوع الشمس، إن كان ذلك بعد الصبح، وقبل غروب الشمس، إن كان بعد العصر، وكذلك لا يبين لي في معنى قولهم: إن في هذا الوقت لا صلاة كسوف شمس، ولا لشيء من الآيات، لأن ذلك كله يخرج مخرج التطوع، ليس بمؤكد فيه شيء ثابت، وأما صلاة العيد إن لم تصح لمعنى من المعاني أمر العيد حتى يصح من هذين الوقتين، فمعي إنه يخرج في بعض قولهم: إنه إذا كان ذلك يقع موقع البدل جازت الصلاة، والخروج من هذين الوقتين لبدل السنة الواجبة التي قد قامت، ومنهم من لا يجيز ذلك لموضع، إذ هي غير مؤكدة إلا في وقتها، وإذا أراد الخروج لغير هذين الوقتين في معنى قول من قال بذلك، ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل مثنى مثنى» وجاء عنه الحديث أنه قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»، وروي هذا القول عن الحسن البصري وسعيد بن جبير وبه قال ابن عباس والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال حماد بن أبي سليمان: صلاة النهار مثنى مثنى، وفيه قول ثان: وهو أن صلاة الليل مثنى مثنى، وبالنهار أربعا، ثبت عن ابن عمر أنه كان يصلي بالنهار أربعا قبل أن يسلم، وقال يعقوب ومحمد: صلاة الليل مثنى مثنى، وقال النعمان: صلاة النهار إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعا، وكان إسحاق بن راهويه يقول: صلاة النهار إن صلى اختيار أربعا، وإن صلى ركعتين، قال أبو بكر: القول الأول أصح.
قال أبو سعيد: معي، إن صلاة النفل ما لم يثبت معناه من كتاب الله، أو سنة إجماع مؤكد، فهو في معنى الفضل، وليس بمعنى اللازم، وأكثر ما عليه العمل والقول، إن صلاة النفل في الليل والنهار مثنى مثنى، وهو أثبت ما قيل وأحسنه، فإن صلى مصل أربعا لم يكن ذلك عندي خارجا عن معنى الإجازة، لثبوت ذلك في الفريضة وما جاز في الفريضة، فلا يبعد أن يجوز في النافلة، وإذا ثبت أربعا بمعنى السنة فالست مثله، لأنه فضيلة، وقد قيل عن بعض أصحابنا إنه يجوز في صلاة النافلة توجيه واحد لجميع ما يصلي في مقامه، وثبت أن التسليم إنما هو أذن في الصلاة، وليس بلازم، وكذلك لو صلى مصل ركعة أو ثلاثا أو خمسا (15/215)
صفحة 3886
لم يبعد ذلك عندي لثبوته في الوتر والمغرب، وأحسن ذلك عندي اتباع ما قيل، وما جاء عليه أكثر العمل من الناس، وهو أن يفصل بين كل ركعتين، بتسليم، وتكون صلاته مثنى مثنى، ثم يوجه بعد ذلك إن شاء، أو لا يوجه ما دام في مقامه، ومنه، قال أبو بكر: ثبت أن ابن عمر لم يكن يصلي في السفر مع الفريضة شيئا قبلها ولا بعدها، إلا من جوف الليل، وكان علي بن الحسن لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها، وروي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وفيه قول ثان، وهو إباحة التطوع في السفر، روينا ذلك عن عمر وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن عباس وأبي ذر، وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، هذا قول جماعة من التابعين، يكثر عددهم، والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: وبه نقول للثابت عن نبي الله (انه قال: «تطوع في السفر من وجه».
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بمعنى الاتفاق بإجازة التطوع من الصلاة في السفر، ولا فرق في الحضر والسفر في ذلك، ولا معنى يدل على ذلك إلا أنه من مذهبهم إنه إذا جمع الصلاتين في السفر الأولى والعصر أو المغرب والعشاء أن لا تطوع بينهما، ولا تطوع بعد صلاة العصر إذا صلاها مع الظهر جميعا، ولو كانت في وقت الظهر، والمعنى جميع الصلوات لا يفصل بينهما بصلاة ولا غيرها، ولمعنى ثبوت النهي عن الصلاة بعد العصر، وقد صلى الجامع العصر وما سوى هذا، فلا معنى معي يدل على منع الصلاة، ولا كراهيتها في سفر ولا حضر، إلا من وجه إدخال الضرر على نفسه، ولو خاف الضرر من أمر الفرائض، زالت عند دخول الضرر على نفسه، ولم يجز له أن يحمل على نفسه الضرر، فكيف في معنى التطوع، ومنه قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته حيث توجهت به ويومئ إيماء، وممن روينا عنه أنه كان يفعل ذلك علي بن أبي طالب وابن الزبير وأبو ذر وابن عمر وأنس بن مالك، وبه (15/216)
صفحة 3887
قال طاووس وعطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور، وكانا يستحبان للمصلي في السفر على الدابة أن يستقبل القبلة التكبير، لحديث، وروينا عن أنس بن مالك، واختلفوا في الصلاة على الدواب في السفر الذي لا يقصر في مثله الصلاة، فكان مالك بن أنس يقول: لا يصلي أحد في غير سفر، يقصر في مثله الصلاة على دابته، وقال الشافعي: يصلي في قصير السفر وطويله وقريبه وبعيده، وهذا قول الأوزاعي وأصحاب الرأي.
وقال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا إجازة صلاة التطوع على الراحلة، في قصير السفر وطويله وقريبه وبعيده، وغير السفر إذا أراد المتطوع وكان له فيه معنى، ولو جاز ذلك اختيارا لنفسه، وقد أجازوا الصلاة قاعدا، ولو قدر على الصلاة قائما من غير علة ولا عذر، ولا مشقة، ونائما ولو قدر على القعود والقيام، وصلاة التطوع ليس فيها شيء محدود وإنما تقع مواقع الذكر لله، فحيث ما ذكر الله العبد، وعلى أية حال ذكر الله بعد أن يجوز له ذلك يتطهر، فهو مباح له مأجور عليه، إلا أنه قيل من صلى بحرف من القرآن قائما تطوعا كتب الله له مائة حسنة، ومن صلى قاعدا كتب له خمسون حسنة، ومن قرأ بغير صلاة كتب له خمس حسنات، ومن استمعه بغير صلاة ولا قراءة كتب له حسنة واحدة، فالخير درجات وكل خير لمن وقع منه خير، ومنه قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى ترتفع الشمس، وقد اختلف في ذلك، فممن روينا عنه أنه نهى عن الصلاة نصف النهار عمر بن الخطاب، وقال ابن مسعود: كنا ننهى عن ذلك.
وقال سعيد المغيري: أدركت الناس وهم ينهون عن ذلك، وكان أحمد بن حنبل يكره ذلك في الشتاء والصيف، ورخص في ذلك الحسن البصري وطاووس، وقال مالك: لا أنهى عنه ولا أحبه، ورخص فيه الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ويزيد بن أبي مالك وابن جابر والشافعي وإسحاق وأباح ذلك عطاء في الشتاء، ومنه منه في الصيف، وقال ابن المبارك: أكره الصلاة في الشتاء والصيف، إذا (15/217)
صفحة 3888
علمت بانتصاف النهار، قال أبو بكر: لا يجوز ذلك لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كنت في موضع لا أعلم ولا أستطيع أن أنظر، أراه واسعا.
قال أبو سعيد: معي، إنه قد مضى ذكر هذا في معنى قول أصحابنا قبل هذا للفصل، قال أبو بكر: لا يجوز ذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم.
مسألة: من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه؛ في صلاة التطوع، وهي النافلة.
فصل
في الخبر، النافلة هدية المؤمن إلى ربه، فليحسن أحدكم هديته وليطيبها وعنه صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ»، فالحذر الحذر، فإنما هي عند الله خير وأبقى، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجعلوا لبيوتكم نصيبا من صلاتكم تبتغون بها البركة»، هاشم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم»، بعد صلاة الجماعة. (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (15/218)
صفحة 3889
الباب الرابع والستون
في صلاة التطوع والنافلة
قال أبو جابر محمد بن جعفر في الجامع قال: أفضل صلاة التطوع في الليل من نصف الليل إلى آخره وبالنهار بين صلاة الأولى والعصر، ويقال إن صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال، قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة: الذي سمعنا أن صلاة التطوع في النصف الأول من الليل أفضل لقول الله تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً) (المزمل:6)، وصلاة النهار كلها سواء بعد صلاة الضحى، وأما قوله: إن صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال، فالذي عندنا إن صلاة الأوابين هي التي ندب الله إليها، لقول الله جل ثناؤه: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) (غافر:55)، والله أعلم.
مسألة: يقال إحياء الليل أن تصلي ركعتين، وفي الآثار أن من صلى كل ليلة ركعتين لحقه معنى الآية: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً) (الفرقان:64).
مسألة: قال أبو سعيد: معي؛ إنه يوجد أن الصالحين يجزئون الليل على ثلاثة أجزاء، فالجزء الأول يكون في أداء الفرائض من الصلاة والذكر لله، وما يحتاجون إليه، والثلث الأوسط ينامون، والثلث الثالث يقومون للذكر والعبادة، فيما أحسب أنه قيل والله أعلم.
مسألة: وقال أبو سعيد: في قول الله: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاما)، قال التأويل فيما يقال في هذه الآية، القيام آخر الليل، ويقال إن من صلى (15/219)
صفحة 3890
ركعتين لحقته الآية، والله أعلم بذلك.
مسألة: سئل بشير، هل في صلاة الليل وقت على الناس؟ قال: لا نعرف وقتا، فقال منازل للسائل: نخبرك بما حفظنا أنه من صلى بأربعين آية كان من القائمين، ومن صلى بمائة آية لم يكن من الغافلين، ومن صلى بمائتي آية كان من المتهجدين.
مسألة: قيل: ويجزئ في التطوع توجيه واحد في أول ما يقوم، ثم من بعد ذلك ما دام في مقامه ولم يتكلم بغير ذكر الله والدعاء، ولم يدبر بالقبلة فكلما استوى قائما كبر للإحرام، ويصلي ما شاء، قال غيره: إن قام بالتكبير مرة وانتشأ بها قائما، وأراد وصول الصلاة ما لم يجب عليه التوجيه والإحرام جاز له ذلك، والإحرام فلا يكون إلا قائما، وأما الاستعاذة فإذا كان قد استعاذ أول مرة، فإني أحب أن يستعيذ كل ركعتين، وإن تشهد وذكر الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا بعدها يقضي التحيات فإني أرى أنه لابد له من الاستعاذة، وقال أبو المؤثر: ولو ذكر الله ودعا بعد التحيات اجتزأ بالاستعاذة الأولى، فلا بأس.
مسألة: وسألته عن الرجل إذا صلى الفريضة، وأراد أن يتنفل، هل يجزئه أن يكبر بعد توجيهه؟ قال: نعم، ما لم يتكلم أو يدبر بالقبلة، قلت: فإن انتحى عن مقامه ذلك؟ قال: قال سعيد بن محرز عن هاشم بن غيلان، أنه قال: لا بأس إذا انتحى من مقامه ذلك نحو ذراع، أو ذراعين ما لم يخط.
مسألة: ومن صلى نافلة بثوب نجس، ولم يعلم، ثم علم بعد ذلك، فلا بدل عليه، ومن حج نافلة ثم فسد حجه عليه، فعليه البدل للحج باتفاق عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: «ابن آدم صل في أول النهار أكفك آخره»، وفي خبر: «صل أول النهار أربع ركعات أكفك آخره».
مسألة: ولا يجوز لأحد أن يتطوع بركعة سوى الوتر، ولا أربع ولا ثلاث بل ركعتين ركعتين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»، وقد أجاز بعض (15/220)
صفحة 3891
أربع ركعات.
مسألة: أجمعوا أن الركعتين قبل الفجر وبعد الظهر، وقبل العصر وبعد المغرب، وقيام شهر رمضان تطوع كله، من شاء فعل ومن شاء تركه، وقال الشافعي: أفضل التطوع مثنى مثنى، ولا يجوز أكثر منه، قال أبو حنيفة: الأفضل أربعا أربعا، ولا يجوز أن يزاد بالنهار على أربع، وبالليل على ثمان. (15/221)
صفحة 3892
[صفحة بيضاء] (15/222)
صفحة 3893
الباب الخامس والستون
في قيام الليل
وقيل إذا لم تقدر على صيام النهار وقيام الليل، فاعلم أنك محروم ومكبل، قد كبلتك خطيئتك، وقال موسى عليه السلام: "إلهي ما جزاء من قام بين يديك يصلي؟ قال: يا موسى أباهي به ملائكتي راكعا وساجدا وقائما، ومن باهيت به ملائكتي لم أعذبه بالنار"، وروي والله أعلم، إن الله تعالى قال: "أيحسب راعي غنم أو إبل حتى إذا آوى الليل عليه انجدل أن أجعله كمن يبيت ساجدا وقائما وأنا الحكم العدل"، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب والبرية»، وهو يوم تطهير الله جل وعز من الأولاد والشركاء، أبو هريرة أنه (قال: «إذا قام أحدكم من الليل فليفتح صلاته بركعتين خفيفتين» (). ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث عليّ فريضة وهي لكم تطوعا، قيام الليل والوتر والسواك»، قال أبو الحسن: فأما قيام الليل فهو التطوع لغير النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الوتر فقد صار واجبا وليس بتطوع، والسواك فقد صار سنة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، وهو من الكلمات التى ابتلي إبراهيم ربه بهن على (15/223)
صفحة 3894
ما قيل، والله أعلم، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في اللي فإذا مر بآية فيها تنزيه لله جل وعز قال سبح.
مسألة: ومن جامع أبي محمد؛ وكذلك يجوز له التطوع على الراحلة، وهو سائر حيث توجهت به راحلته، إذا ابتدأ بصلاته على نحو القبلة، وقد روي ذلك عن ابن عمر وأنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يصلي تطوعا على راحلته استقبل القبلة بناقته وكبر ثم أرسلها حيثما توجهت، وفي الرواية عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان ربما أوتر على الراحلة».
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ لعله، من غير كتاب الإشراف؛ وتجوز صلاة النافلة إلى غير القبلة إذا ابتدأها مستقبلا، يوجه جهة القبلة، لما تقدم من ذكرنا لذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يصلي في ثلاث ساعات من النهار، إذا طلعت الشمس حتى ترتفع، وإذا تضيفت للغروب، ونصف النهار، لما روي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث ساعات من النهار وأن نقبر فيها موتانا، وذكر هذه الأوقات، وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة نصف النهار، وقال إنها ساعة فيها تستجر جهنم، ولهذا الخبر ذهب أصحابنا إلى جواز الصلاة نصف النهار، إلا في الحر الشديد، وأجمع الناس على جواز الصلاة يوم الجمعة نصف النهار، لأن في الرواية التي ذكرناها إلا يوم الجمعة، فإن جهنم لا تسجر فيه، ولا يجوز للإنسان أن يصلي نافلة إذا كان مخاطبا للجماعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة».
مسألة: ومن كتاب أبي جابر؛ وفي الحديث: «إن أفضل صلاة التطوع بالليل من نصف الليل إلى آخره وبالنهار بين صلاة الأولى والعصر»، ويقال: إن صلاة الأوابين في الضحى، إذا رمضت الفصال، وأفضل ذلك عندنا الساعة التي يكون العبد فيها أحسن نشاطا ورغبة وإقبالا، ما كانت من الساعات.
مسألة: ومن غيره، وأما الركعتان قبل العصر وقت العصر، فترك ذلك (15/224)
صفحة 3895
أفضل من فعل ذلك، ولم نر أحدا من العلماء يفعل ذلك، ولا نخطئ من فعل ذلك.
مسألة: قال أبو صفرة: سألت محبوبا عن الصلاة، أيها أفضل؟ قال: إن كان طول القراءة أخف عليك فهو أفضل، و إن كان كثرة الركوع والسجود أخف، فهو أفضل، وإن كان كثرة الدعاء والتضرع في القعود أخف فهو أفضل.
مسألة: ومن غيره، ومن صلى نافلة وهو نائم؟ قلت يجوز ذلك، فقيل قيل يجوز ويؤمر أن يقوم المرء إلى الصلاة بالنشاط والمحبة، ويصطاد العبد ذلك من نفسه وقلبه، وهو سائق من نفسه مطيته، ليس على العبد أن يسوق مطيته عند مطايا غيره فيعرجها على ضعافها، ولا يسابق بها جيادها، وإنما هو ناظر لنفسه في جميع أموره، وقد قيل في الحكمة، وأحسب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القلوب تحيا وتموت فإذا ماتت فطالبوها بأداء الفرائض، وإذا حييت فاغتنموا منها الوسائل».
مسألة: وقيل: يجوز أن يصلي الرجل النافلة قاعدا، وهو محتبيء ومتربع، ويصلي نائما، ويسجد ويصلي ماشيا، ويحرم وهو مستقبل القبلة، ثم يصلي حيث كان وجهه وطريقه، وقال من قال: إذا أراد الماشي أن يركع أو يسجد فيرجع إلى القبلة، والقول الأول أحب إلي، وكذلك الراكب يصلي نافلة وهو راكب دابته، ويركع ويسجد بالإيماء، قال محمد بن هاشم لسعيد بن محرز رحمهما الله: وأنا محاضر إن والدهما هاشم بن غيلان كان يصلي النافلة محتبيا، وليس على ظهره شيء. فقال سعيد: كنت أحب معرفة ذلك.
مسألة: قلت فما أفضل صلاة النافلة، في المنزل أو في الجبان إذا أمكنا جميعا؟ قال: أما في الليل وسائر الأحوال غير الضحى إذا ارتفع النهار، فيعجبني أن تكون الصلاة في البيت أفضل، لأنه قد ثبت في ذلك فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا، فأما القول فيحث على ذلك، وأما الفعل ففعل منه، وكان فيما قيل أكثر أحوال صلاته من النفل في منزله، وقد قيل: إنه قد كان ربما خرج إلى الجبان، وذلك عندي وقت الضحى فيما قيل، وأنا يعجبني أن يكون المنزل في صلاة النفل (15/225)
صفحة 3896
أولى من جميع المواضع من غير أوقات الصلاة المفروضة، وأما في أوقات الصلاة المفروضة لحضور صلاة الجماعة وللرباط لها فيما بين الصلاتين الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وأدبار الليل لصلاة الفجر على ما يرجى ويخاف من فوت الجماعة في حضور ذلك الوقت، فهذه الأوقات عندي أفضل الصلاة فيها من النفل في المسجد لحضور صلاة الجماعة من الفرائض، ولأن لا تفوته صلاة الجماعة، وهو مستقبل بالنفل في منزله، أو في غير ذلك من المواضع إلا صلاة الشروق، فإن الحضور لها بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس، ثم الصلاة لها عندي في المسجد أفضل من الخروج، والصلاة لها في المنزل. وقد قيل: إن الصلاة خير موضوع خذ منه كلما شئت، وأقول أنا من حيث ما شئت، فإنه كنز لا ينفذ وذخر، وقد قيل: إن أفضل النفل ما يقع فيه نشاط النفس، وحيثما كان ذلك، فاغتنمه في مسجد أو في غيره، منزل أو في جبان أو في سائر المواضع أو في جماعة، فإنك لا تدري متى تطلب ذلك من نفسك فلا توجده، ولا تؤخره إذا لاح وحضر، خوف ألا تعود تدركه ولا تجده، وكذلك جميع الخيرات إذا عرضت فاستكثر، ولا تبغيها بعد، ولا لساعة بعد ساعتك، خوفا ألا تدركها وإن حال بينك وبينها، قلت له: فما أفضل النوافل إذا عملها على شقة نفسه، وحمل على نفسه ذلك، وإذا عملها على نشاط؟ قال: معي إنه قيل هذا، وهذا فقيل إنه أفضل الطاعة ما جبرت نفسك عليها، وقيل: إن أفضلها ما نشطت نفسك لها، وفي بعض ما قيل يورى أنه قيل: لا تحمل نفسك على الطاعة فتعمى، إنه تأويل فضل أجبر نفسك على الطاعة إذا كنت تلاقي منها في جبرك لها إحياء ستر الخير، وخوفا أن تتمادى بك فتغلبك على ترك جميع الخير، ففي جبرك لها على هذه الصفة فضلا أفضل عندي من مساعدتك لها على ترك هذه الحالات، وجبرك لها عند معارضات العاهات التي تنتقض بها عن حالات المكنة لما عودت منها في حال العافية والخلوة والنشاط، لا تأمن عند ذلك أن يحملها مشقة، تنكسر عن حالات ما ترجو منها في تحميمها وتعقيبها، فتعوج عليك في الرياضة، عن سبيل ما كنت تعهد منها من المساعدة، فتعمى كما قيل.
مسألة: ومن غيره، وسألته عن الجهر بالتكبير والقراءة في صلاة النافلة في (15/226)
صفحة 3897
الليل، هل تعلم أن أحدا من المسلمين من العلماء كره ذلك؟ قال: لم أعلم أن أحدا من العلماء كره ذلك، إلا أن يكون من طريق دخول الفتنة من الشهرة فيكون السر والسريرة في ذلك أفضل، وأما الكراهية للجهر فلا، فإذا سلم المذهب من المصلي أو من دخول الفتنة من المتكلمين، فليمض قدما على ما هو فيه وسط -لعله- ويغيظ بذلك الشيطان، ومن كرهه من أعوانه، فإنه لا يكره الطاعة وإشهارها إلا الشيطان وأعوانه من الجن والإنس، وقد قيل: إن أعمال العلانية تضاعف على أعمال السريرة سبعين ضعفا، وذلك إذا كان العامل لذلك العمل لا يريد به رياء ولا شيئا من أسباب الدنيا، وإنما يريد به تذكرة للغافلين ومعونة للعاملين وإثبات سنن الطاعة، وإحيائها في مواضعها، وقد قيل إن المحيي للسنة كالمميت للبدعة وقد سن عمر بن الخطاب -رحمه الله- قيام شهر رمضان، ولم يكن في ذلك مع أحد إلا أنها فضيلة، ولم يعب عليه ذلك، ولم يكن شاهرا قيل كشهرته في أيامه ومن بعده، وقد ثبت عن المسلمين أن الصلاة في الليل جائزة في كل وقت من الأزمنة في رمضان، وغيره ثبت في الإجماع، فمن رأى القيام في شهر رمضان، إن المصلي في بيته وفي غيره وفي المسجد وفي الجبان يجهر بالصلاة بالقراءة بإجماع الناس على العمل بذلك، وكذلك قد ثبت عن بعض المسلمين إنه كان يقوم شهر رجب وليالي عشر ذي الحجة وكل جمعة، فإذا ثبت هذا وثبت القيام في شهر رمضان وفي رجب وفي ليلة الجمعة، وفي العشر، ثبت في غيره من الليالي لأنه طاعة، ولم يجز إنكاره لمنكر، وكان المنكر منكر المعروف معروضا للمحقين، وإذا ثبت إجازة القيام للجماعة ثبت للواحد من الإجازة ما يجوز للجماعة، فليس لمتكلم على محق كلام، ولا حجة، فيما أتى به من الحق لاعتراضه عليه، لأنه يريد الباطل.
مسألة: وسئل جابر عن الذي يصلي، وقد غربت الشمس قبل أن يصلي المغرب؟ قال: إذا غربت الشمس، فصل قبلها وبعدها ما شئت. (15/227)
صفحة 3898
[صفحة بيضاء] (15/228)
صفحة 3899
الباب السادس والستون
في صلاة التطوع
جاء الحديث، لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، والتطوع حتى يؤدي اللازم، وقيل: لا يقبل الله نافلة بتضييع فريضة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى صلاة الليل قال: «الله أكبر تكبيرا» ثلاث مرات، ويقول: «لا إله إلا الله» ثلاث مرات، ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويصلي.
مسألة: ومن صلى تطوعا ركعة قائما وركعة قاعدا، فلا بأس.
مسألة: هاشم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم بعد صلاة الجماعة»، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجعلوا لبيوتكم نصيبا من صلاتكم تبتغون بها البركة»، وعن عمر -رحمه الله- الصلاة للرجل في بيته نور.
مسألة: وفي الخبر: النافلة هدية المؤمن إلى ربه فليحسن أحدكم هديته ويطيبها، قال صلى الله عليه وسلم: «النوافل تهدم الذنوب السالفة بعد أداء الفرائض»، وعنه: «أفضل الصلاة صلاة يسبح بالليل أو وسطه»، وقيل: أفضل صلاة النهار ما بين الظهر إلى العصر.
مسألة: حفظت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الإقامة ركعتين خفيفتين مثل ركعتي الضحى. (15/229)
صفحة 3900
مسألة: وليس في صلاة التطوع أذان ولا إقامة.
مسألة: وقيل: يجوز للرجل أن يصلي النافلة، وهو محتبئ ومتربع ويصلي نائما ويسجد، ويصلي ماشيا، ويحرم هو مستقبل القبلة، ثم يصلي حيث كان وجهه وطريقه، وقيل: إذا أراد الماشي أن يركع أو يسجد، فيركع إلى القبلة، والقول الأول أحب إلي، وكذلك الراكب يصلي النافلة وهو راكب في دابته، ويحرم إلى القبلة ويتم صلاته كلها حيث كان وجهه وطريقه في دابته، ويركع ويسجد بالإيماء.
مسألة: ومن صلى نافلة وأراد أن يجهر بالقراءة، فله ذلك في الليل، وأما في النار، فلا يجهر بالقراءة في فريضة ولا نافلة.
مسألة: وليس لأحد أن يصلي التطوع الكثير لا يقطع بينه بالتسليم، قيل: قالوا إن الذي يقطع يجب أن يقطع بين كل ركعتين بالتسليم أو أربع ركعات، وهو أكثر ما قالوا تمام المسألة من منثورة الشيخ أبي محمد -رحمه الله- وإن سلم، ولم يشتغل بالدعاء، وتطاول ذلك، لم يكن عليه أن يأتي بالتوجيه عند كل تسليم، والتوجيه الواحد يغنيه للصلوات الكثيرة، ما لم يشتغل بشيء عن الصلاة، أو يتطاول في حال الدعاء، ومن نسي وسلم، ثم عاد أتى بالدعاء، ثم ذكر أنه لم يتم الصلاة، فإنه يقوم ويأتي ما بقي، فإن قال قائل: أليس قد تكلم بشيء ليس هو من الصلاة؟ قيل له: لهذا قد يجوز أن يكون منه وهو في الصلاة، فإذا أتى به ناسيا جازت صلاته، فإن قال: فإن كان منه الدعاء في حال الصلاة في حال قراءة، أو ركوع أو سجود ناسيا، فإن صلاته فاسدة، وذلك أنه إذا أتى في موضع ليس هو موضع له، وليس هو من السنة أن يدع -لعلة- يدعو الرجل إلا في آخر الصلاة، فإذا أتى به في غير موضعه، فسدت صلاته، لأنه كلام والكلام محرم على المصلي، إلا ما قام دليل بإباحته، مثل الدعاء في آخر الصلاة.
مسألة: ومن دخل في صلاة تطوع أو صوم يوم ينتفل به، ثم أفطر في يومه بعد أن دخل فيه، أو قطع صلاته بعد أن صلى بعضها، فعن أبي مالك أنه يكره (15/230)
صفحة 3901
له ذلك الفعل، قال: واختلف أصحابنا في إلزامه الإعادة لذلك، قال بعضهم: عليه الإعادة، وقال بعضهم: لا إعادة عليه.
مسألة: وصلاة النهار إن شئت، فصل ركعتين، وإن شئت فصل أربعا، ونحن نسلم في كل ركعتين.
مسألة: قلت له: فهل تجوز النافلة بعد طلوع الفجر قبل الركعتين، وقبل صلاة العصر بعد الأذان، وقبل صلاة المغرب بعد الأذان؟ قال: معي، أما في الصلاة قبل صلاة العصر، وقد حضر وقتها فأحسب أن في بعض القول كراهية ذلك من غير حجر، وفي بعض القول نأمر بذلك، ونوجبه من السنن في النفل، وفي بعض القول إنه لا يؤمر بذلك، ولا يكرهه وترك ذلك أحب إلي، وفي بعض القول إن ذلك يفعله العباد، ويتركه العلماء، أو فعله العباد، وتركه العلماء، وأما بعد الفجر قبل صلاة الفجر، فأحسب أنه يستحب ألا يصلي إلا ركعتين وإن ذكر الله في ذلك الوقت أحب إليهم من الصلاة، وأحسب أن بعض القول أنه إن فاته التهجد في الليل استحب له الصلاة، ولم يكره له ذلك، وإن كان قد أدرك شيئا من الصلاة آخر الليل أمر بذكر الله، ويترك الصلاة إلا ركعتي الفجر، وأما قبل صلاة المغرب بعد غروب الشمس فأحسب أن بعضا أجاز ذلك، وبعضا كرهه، ولا أعلم أن أحدا أمر بذلك، وأما ما كان من بدل الفرائض، فيجوز في سائر الأوقات، إلا في الأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة، ومعي، إن ذلك وقت طلوع الشمس حتى يستوي طلوعها، ووقت غروبها حتى يستوي غروبها، وإن صارت في كبد السماء في أيام الحر، إذا لم يكن لها في.
مسألة: وتوجيه واحد أول ما يقوم المصلي للنافلة يجزئه لجميع ما صلى من النوافل، ما لم يقبل إلى المشرق أو يتكلم، وكذلك الاستعاذة، وعن أبي عبد الله رضيه الله، أنه قال: أنا أستعيذ في كل شفع.
مسألة: وعن رجل يصلي في الليل نافلة، وأراد أن يجهر بالقراءة، هل له ذلك؟ قال: نعم في الليل، وأما في النهار فلا يجهر بالقراءة في فريضة ولا نافلة. (15/231)
صفحة 3902
مسألة: وقال يجوز أن يصلي تطوعا بفاتحة الكتاب وحدها، إلا بفاتحة الكتاب وسورة، قال غيره: وقد يجوز ذلك بفاتحة الكتاب وحدها وبالتسبيح وحده بغير قراءة، قال الناسخ: أجاز موسى بن أبي جابر صلاة النافلة بقراءة الحمد وحدها، فيما يروى عن هاشم بن غيلان رحمها الله.
مسألة: أخبرني محمد بن هاشم بن غيلان، أنه رأى الشيخ هاشما -رحمه الله- يصلي تطوعا، وهو محتبئ بإزار ورداء، فإذا أراد الركوع والسجود حل الحباء.
مسألة: وبلغنا أن جابرا وأبا عبيدة، كانا يصليان في التطوع وهما محتبيان، قال أبو عبد الله: نعم، وإذا أراد أن يسجد فليسجد ولا يومئ، قال غيره: وقد قيل يومئ إلا أن يكون في مسجد أو في مصلى أو يمكنه السجود فإنه يسجد، وإن أومأ على حال جاز له ذلك عندي فيما عندي في النافلة، ويصلي كيفما شاء.
مسألة: وعن رجل صلى نافلة ففسدت عليه صلاته، أيبدل أم لا؟ فقال لا أرى عليه بدلها، إلا أن يكون دخل في ركعتين فقطعهما هو، فإنا نحب أن يبدلهما، فإن لم يبدلهما، فلا بأس عليه.
مسألة: ومن صلى التطوع وبجنبه من يصلي الفريضة، فلا يجهر بالقراءة ليغلط على الذي بجنبه. (15/232)
صفحة 3903
الباب السابع والستون
في صلاة الكسوف والآيات
سألت عن صلاة كسوف الشمس والقمر قال: ليصل ما بدا له أو يقعد فيدعو، قال غيره: وبلغنا أنه أصيب القمر فقال قائل لأبي زياد الوضاح بن عقبة -رحمه الله- يا أبا زياد أصيب القمر قال: يعافيه الله إن شاء الله، قال وهو نائم: لم يقم.
مسألة: وقال أبو قحطان: ومما سنه أهل العلم الصلاة جماعة عند كسوف القمر، ويستحب تطويل القنوت وهو القيام، والرغبة إلى الله، وأما كسوف الشمس، فيصلون فرادى ويكثروه الدعاء والرغبة.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن وسئل عن صلاة الكسوف، أهي سنة؟ قيل له: نعم، قد عمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بلغنا واتبع ذلك المسلمون، وفي الراية قال: انكسفت الشمس يوم موت إبراهيم ولده، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى قياما طويلا، ثم ركع فأطال، وقد روي أنه صلى ركعتين، ثم قال: «إن الشمس لا تنكسف لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلوا»، وقد روي أن نبي الله (قال: «إذا انكسفت الشمس والقمر فصلوا كأحدث صلاة صليتموها»، فهذا إن كان -نسخة- كلما روي في هذا الباب أنه أمر منه عليه السلام، وقد روي أنه كان يجهر بالقراءة فيها، لأنها صلاة تطوع لجماعة في وقت خاص -نسخة- حاضر، جعل وقتها حالا كصلوات العيدين، والصلاة في كسوف القمر تطوع في وقت أحوال التطوع -نسخة- القمر، فهذه الصلاة كسائر التطوع، فإن كان آخر الليل (15/233)
صفحة 3904
الوتر عنها، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين»، فلو صلى الفريضة إذا دخل المسجد أجزأ عن الركعتين، ولا يصلي في الأوقات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها، وقد روى بعض أهل الخلاف، أنه صلى ست ركعات في أربع سجدات، وجهر فيها يوم مات إبراهيم.
مسألة: ومن غير -الكتاب- قال أبو المؤثر: في صلاة القمر في الليل من صلاها تطوعا جماعة، فلا بأس بذلك أن يؤمهم أحدهم ويجهر بالقراءة بهم، وإن صلوا فرادى فحسن، وعن الربيع في كسوف الشمس والقمر قال: فليصل ما بدا له ويقعد فيدعو، وبلغنا أن جابر بن زيد قعد ودعا حتى انجلى كسوف الشمس، وقال غيره: لم يبلغني أن أحدا من أهل العلم صلى الجماعة بإظهار القراءة عند كسوف الشمس، والذي جاء عن الفقهاء في كسوف الشمس الدعاء والصلاة كل امرئ وحده، ولا يظهر القراءة فيها، وقال أبو قحطان: ومما سنه أهل العلم الصلاة عند كسوف القمر، ويستحب تطويل القنوت، وهو القيام والرغبة إلى الله، وأما كسوف الشمس، فيصلون فرادى ويكثرون الدعاء والرغبة. (فصل) عن أبان بن أبي عباس عن الحسن البصري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم من هذه الأفزاع فافزعوا إلى الصلاة»، قال أبو محمد: يقال خسف القمر وكسفت الشمس، ولا يقال: كسف القمر، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه جماعة عن كسوف الشمس، واختلفوا في قراءة صلاة الكسوف، فروي أن ابن عباس قرأ في الركعات الأولى بالبقرة، وقرأ بالأواخر بآل عمران، وروي عن علي أنه قرأ العنكبوت والروم ويس، وعن أبان بن عثمان أنه قرأ سأل سائل، وفيه اختلاف كثير، واختلف في الخطبة للكسوف، فقال بها قوم.
مسألة: قال أبو الحسن: روي أن الشمس انكسفت يوم موت إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصيبت الشمس لموت إبراهيم، فبلغه ذلك صلى الله عليه وسلم فقام فصلى ركعتين جماعة، فأطال فيهما القيام والقراءة، فلما قضى الصلاة خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيات من آيات الله لا ينكسفان لأحد من خلقه ولكن يذكر بذلك عباده فإذا رأيتهم ذلك فصلوا (15/234)
صفحة 3905
وادعوا الله أن ينجلي كسف أيهما كسف»، ومعنى الرواية ليس الإسناد بعينه، واختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: إن كليهما يصلى جماعة، وقال قوم: القمر فرادى والشمس جماعة، وفي آثار أهل عمان، القمر جماعة والشمس فرادى، والصلاة في كسوف القمر تطوعا في وقت أحوال القمر، فهذه الصلاة كسائر التطوع، فإن كان آخر الليل أخر الوتر عنها، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين»، فلو صلى الفريضة إذا دخل المسجد أجزأ عن الركعتين، ولا تصلى إلا في الأوقات (لعلة) أراد ولا تصلى في الأوقات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها، (فصل) واختلفوا في صلاة الكسوف في قوت لا يصلى فيه، فقالت طائفة: يذكرون الله ويدعون، وقال قوم: يصلون بعد الفجر، ما لم يطلع جانب من الشمس، وبعد العصر ما لم تضيف للغروب، وقال قوم: يصلى في كل وقت، إلا وقت غروب الشمس ووقت طلوعها، ووقت الزوال. (فصل) واختلفوا في الصلاة عند الزلزلة وسائر الآيات، فقالت طائفة: يصلى عندها كما يصلى عند الكسوف، استدلالا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال إن الشمس والقمر آياتان من آيات الله، وكذلك الزلزلة، والهاد وما أشبه ذلك، من آيات الله، وروي عن ابن عباس أنه صلى في الزلزلة بالبصرة، وقال ابن مسعود: إذا سمعتم هادا من السماء فافزعوا إلى الصلاة، وكان مالك لا يرى ذلك، وبه قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي: الصلاة في ذلك حسنة، يعني في الظلمة. (15/235)
صفحة 3906
وادعوا الله أن ينجلي كسف أيهما كسف»، ومعنى الرواية ليس الإسناد بعينه، واختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: إن كليهما يصلى جماعة، وقال قوم: القمر فرادى والشمس جماعة، وفي آثار أهل عمان، القمر جماعة والشمس فرادى، والصلاة في كسوف القمر تطوعا في وقت أحوال القمر، فهذه الصلاة كسائر التطوع، فإن كان آخر الليل أخر الوتر عنها، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين»، فلو صلى الفريضة إذا دخل المسجد أجزأ عن الركعتين، ولا تصلى إلا في الأوقات (لعلة) أراد ولا تصلى في الأوقات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها، (فصل) واختلفوا في صلاة الكسوف في قوت لا يصلى فيه، فقالت طائفة: يذكرون الله ويدعون، وقال قوم: يصلون بعد الفجر، ما لم يطلع جانب من الشمس، وبعد العصر ما لم تضيف للغروب، وقال قوم: يصلى في كل وقت، إلا وقت غروب الشمس ووقت طلوعها، ووقت الزوال. (فصل) واختلفوا في الصلاة عند الزلزلة وسائر الآيات، فقالت طائفة: يصلى عندها كما يصلى عند الكسوف، استدلالا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال إن الشمس والقمر آياتان من آيات الله، وكذلك الزلزلة، والهاد وما أشبه ذلك، من آيات الله، وروي عن ابن عباس أنه صلى في الزلزلة بالبصرة، وقال ابن مسعود: إذا سمعتم هادا من السماء فافزعوا إلى الصلاة، وكان مالك لا يرى ذلك، وبه قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي: الصلاة في ذلك حسنة، يعني في الظلمة. (15/236)
صفحة 3907
الباب الثامن والستون
في الاستسقاء -1 -
ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: وقال الله جل ثناؤه: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ) (الأعراف: 160)، وثبت أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: قحط المصر فادع الله أن يسقينا، قال: فدعا فمطرنا، وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس إلى المصلى يستسقي فاستقبل القبلة، وحول رداءه، وقال أبو بكر: وليس لصلاة الاستسقاء أذان ولا إقامة، واختلفوا في الوقت الذي يخرج فيه الإمام لصلاة الاستسقاء، فكان مالك بن أنس والشافعي وأبو ثور يقولون: يخرج كالخروج إلى صلاة العيد، وقد روينا عن أبي بكر بن عمر وابن حزم، إنه يخرج إلى الاستسقاء، وذلك في زوال الشمس، قال أبو بكر: القول أصح، لأن في حديث ابن عباس، وصلى كما يصلي في العيد، واختلفوا في إخراج أهل الذمة في الاستسقاء، فروينا عن مكحول أنه لم ير بذلك بأسا، وقال ابن المبارك: إذا خرجوا يعزلون عن مصلاهم، وحكي ذلك عن الزهري، وقال إسحاق بن راهويه: لا يؤمرون ولا ينهون عنه، وقال الشافعي: يكره إخراجهم ويأمرهم بمنعهم، فإن خرجوا لم يمنعهم، وقال أصحاب الرأي: لا نحب إخراجهم، قال أبو بكر: قول إسحاق بن راهويه حسن، وكان الشافعي يقول: أحب أن يخرج الصبيان، وينطلقون وينطقون الاستسقاء، وكبار الناس -نسخة- وكذلك النساء، ومن لا هيئة له منهن، ولا أحب خروج ذات الهيئة، ولا آمر بإخراج البهائم، وكره يعقوب ومحمد خروج النساء، ورخص في خروج العجائز، وقد (15/237)
صفحة 3908
روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استسقى، فخرج فخطب قبل الصلاة، وروينا عن أنس أنه خطب، ثم صلى وفي الناس البراء بن عازب وزيد بن أرقم، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وروينا عن عبد الله بن زيد أنه صلى بهم في استسقاء، وقال مالك بن أنس والشافعي وابن الحسن: يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه خطب قبل الصلاة، وبه نقول، وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور ومحمد بن الحسن، واختلفوا في عدد التكبير في صلاة الاستسقاء، فكان مالك بن أنس وإسحاق بن راهويه وأبو ثور يقولون: لا يكبر فيهما تكبير العيد، وقالت طائفة: يكبر فيهما كما يكبر في العيد، هذا قول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وأبي بكر ومحمد بن عمران وابن حزم والشافعي، ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى وحول رداءه، واختلفوا في تحويل الرداء فقال مالك: إذا فرغ من الصلاة في الاستسقاء خطب الناس قائما يدعو في خطبته مستقبلا الناس، فإذا استقبل القبلة حول رداءه، جعل ما على يمينه على شماله، وما على شماله على يمينه، ودعا قائما واستقبل الناس جميعا القبلة، كما استقبلوا الإمام قعودا، وحولوا أرديتهم جميعا كما حول الإمام، فإذا فرغ مما يريد من الدعاء تحول بوجهه إلى الناس ثم انصرف، وممن كان يرى أن يجعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين، أحمد بن حنبل وأبو ثور، وبه كان الشافعي يقول بالعراق، ثم قال بمصر آخر قوليه، قال آخر: إلا أن من ينكس رداءه فجعل أعلاه أسفله ويريد مع نكسه، فجعل شقه الذي كان على منكبه اليمين على منكبه الأيسر، والذي كان على منكبه الأيسر على منكبه الأيمن، وفيه قول ثالث: قال محمد بن الحسن قال: ويقلب الإمام رداءه كما قال أحمد بن محمد وأبو ثور، وليس ذلك على من خلف الإمام، واختلفوا في خطبة الاستسقاء، قال مال والشافعي يخطب خطبتين، يفصل بينهما بجلسة، وقال عبد الله بن مهدي: يخطب خطبة خفيفة، يعظهم ويحثهم على الخير، واختلفوا في الاستسقاء بغير صلاة، فكان قيس بن أبي حازم يستسقي بغير صلاة، ورأى ذلك الشافعي، وكان الثوري يكره ذلك، وكان مالك (15/238)
صفحة 3909
يقول: لا بأس أن يستسقي الإمام في العام مرة أو مرتين أو ثلاثا، إذا احتاجوا إلى ذلك، وقال الشافعي: إن لم يسقوا يومهم ذلك، أحببت أن يتابع الاستسقاء ثلاثة أيام، يصنع في كل منها ما صنعه في اليوم الأول، وقال إسحاق: لا يخرجون إلى الجبان إلا مرة، ولكن يجتمعون في مساجدهم إذا فرغوا من الصلاة، فيدعو، ويدعو الإمام يوم الجمعة عند المنبر ويؤم الناس.
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة ا لاستسقاء، وخطب وبه قال عوام أهل العلم، إن أخا النعمان قال: لا صلاة في الاستسقاء إنما فيه الدعاء، وخالفه ابن الحسن، فقال: يصلي في الاستسقاء نحوا من صلاة العيد، قال أبو بكر: والسنة مستغني بها عن كل قول.
قال أبو سعيد: لم نعرف من قول أصحابنا ولا جاء في آثارهم المعروفة عنهم في أمر الاستسقاء مؤكدا شيئا من الصلاة، ولا من الدعاء، ومعي أن هذه الأقاويل كلها حسنة لا بأس بشيء منها، ما لم يرد بشيء منها خلاف على غيره أو لسنة، ومن ترك هذا كله، وسأل الله تبارك وتعالى، بما فتح الله له من الدعاء، كان ذلك مجزيا إن شاء الله، ولا ينبغي أن يستصغر أو يستحقر شيئا من أمور الله تبارك وتعالى، ولا من مسؤوليته، فمن فتح لله له شيئا من الدعاء في شيء من المسألة بأمر شيء من الدنيا، ومن شيء من أمر الآخرة فليصدق الله نيته في سره وعلانيته، كان في وحدة أو جماعة، فإنه لا يخيب سائله بصدق، ولا يكون صادقا موافقا في شيء من الأمور، إلا من كان لجميع معاصيه مفارقا ولجميع طاعته موافقا، وما التوفيق إلا بالله في جميع الأمور.
مسألة: ومن غير الكتاب؛ ومن جامع أبي الحسن، وسئل عن الاستسقاء أسنة؟ فقد قيل إنه سنة، وفي ذلك المطلب إلى الله، فأما واجب فلا، قال الله تعالى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً) (نوح: 10 - 12)، وقال مؤكدا في ذلك: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ (15/239)
صفحة 3910
وَالأَرْضِ) (الأعراف:96)، وعند تتابع المطر ودوام النعم، شرط التوبة والتقوى، وروي في هذا المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل وهو يخطب على المنبر، وسأله الاستسقاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ربنا اسقنا الله اسقنا»، من غير صلاة، وعلى هذا المثال قيل مضى عمر بن الخطاب، لما قيل له يا أمير المؤمنين استسق لنا، فقال: لقد سألت الله، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالناس إلى المصلى واستسقى بهم، فدعا قائما ثم توجه إلى القبلة وحول رداءه، ثم صلى ركعتين، فذكر أنه استستقى، فقيل: إنهم سقوا، روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في الاستسقاء متخشعا، فصنع كما صنع في الفطر والأضحى، وقيل: إنه صلى ركعتين فيهما القراءة.
مسألة: قال: وإذا أراد أحد فعل ذلك، فإنه يبرز بمن معه إلى الجبان، وقت الضحى ويقلب ثوبه أو لا يقلبه، ويصلي بالناس ركعتين أو أربعا، ويصلي القراءة جهر جماعة بمن حضر معه، ثم يحمد الله بما فتح له ويصلي على محمد النبي صلى الله عليه وسلم ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ثم يسأل الله من فضله، ويحمده على نعمه، ويسأله أن يسقيه من الغيث غيثا مغيثا عاما، تخصب به البلاد ويصلح به العباد، ويدعو ويجتهد في الدعاء بما فتح الله له من حوائج الدنيا والآخرة، قال: وليس ذلك بواجب، وفي الحديث، أن عمر بن الخطاب -رحمه الله- خرج إلى الاستسقاء، فصعد المنبر فلم يزد على الاستغفار حتى نزل، فقيل له إنك لم تستسق، فقال استسقيت بمجاديح السماء، والمجاديح واحدة مجداح، وهو نجم من النجوم كانت العرب تقول إنها تمطر له به، كقولهم في الأنواء، والذي نراه من هذا الحديث أنه جعل الاستغفار والاستسقاء، يتأول قول الله تعالى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارا)، وقول عمر: هذا إلا على تحقيق إنما هي كلمة جارية على ألسنة العرب، فجعل الاستغفار هو المجاديح لا الأنواء، وقيل: إنما قلب النبي صلى الله عليه وسلم رداءه في الاستسقاء، لكي ينقلب القحط إلى الخصب، وحول الأيسر على الأيمن والأيمن على الأيسر، وعن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب -نسخة- حجاب الشمس، فقعد على المنبر فكبر (15/240)
صفحة 3911
وحمد الله ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن أبان زمانه عنكم وقد أمر الله جل وعز أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم ثم قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل الله ما يريد، اللهم أنت الله الذي لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين»، ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض أبطه صلى الله عليه وسلم ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه وهو يرفع يديه، ثم أقبل على الناس فصلى ركعتين، فأنشأ الله سبحانه فأرعدت وأبرقت، ثم أمطرت بإذن الله عز وجل، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه فقال: "أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله" ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه، بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما انتخبه أبو الحسن علي بن عمر -رحمه الله- من كتاب الضياء، قيل: إنه عن أبي المنذر سلمة بن إبراهيم بن مسلم -لعله- سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي الصحاري لا يؤخذ بما فيه حتى يعرض على المسلمين، إلا من أبصر عدله. (15/241)
صفحة 3912
[صفحة بيضاء] (15/242)
صفحة 3913
الباب التاسع والستون
في الاستسقاء -2 -
حدثنا عباد أن بني إسرائيل قحطوا قحطا شديدا، فأتوا على عيسى عليه السلام فقالوا له: يا نبي الله لو خرجت عندنا فاستسقيت لنا، فخرج وخرج الناس معه، ولم يبق أحد إلا خرج معهم، حتى استودت الجبال، فقال عيسى عليه السلام: من كان قد أذنب منكم ذنبا فليرجع، فرجع ناس من الناس، ثم قال للناس مثل ذلك، فرجع ناس فما زال يقول من أصاب منكم ذنبا فليرجع، فرجع الناس كلهم حتى ما بقي إلا رجل واحد أعور، فقال له عيسى عليه السلام: ما لك يا فتى ألم تصب ذنبا، فقال الفتى: أما والله شيئا أعلمه فلا، إلا أنني كنت يوما أصلي فمرت بي امرأة فنظرت إليها بعيني هذه، فما جاوزت المرأة حتى أدخلت أصبعي في عيني فانتزعتها فأتبعتها المرأة، فقال عيسى عليه السلام: «فأنت صاحبي قم فادع حتى أؤمن على دعائك»، فدعا الرجل وأمن عيسى على دعائه، فتخللت السماء سحابا ثم صبت غزاليها، فسقاهم الله مطرا تاما وغيثا دائما جودا.
الغزالي جمع الغزلا وهو مصب الماء من الرواية حتى يستفرغ ما فيها وذلك إنما سميت غزالي السحاب تشبيها بها يقال أرسلت السماء غزاليها إذا جادت بمطر منهمر، وعن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله قحط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس فقعد عل المنبر فكبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إنكم (15/243)
صفحة 3914
شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن أبان زمانه عنكم وقد أمركم الله بالدعاء أن تدعوا ووعدكم أن يستجيب لكم ثم قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله الذي لا إله إلا الله، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوتا ومتاعا إلى حين»، ثم رفع يده فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطه صلى الله عليه وسلم ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه، وهو يرفع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ سحابة فرعدت وأبرقت، ثم أمطرت بإذن الله عز وجل، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه. فقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم». أنس بن مالك قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أتيناك ومالنا بعير يئط ولا صبي يغط وأنشد:
أتيناك والعذراء تدمي لبانها
وألقى بكفيه الفتى لاشتكائه
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا
وليس لنا إلا إليك فرارنا
من الجوع هونا ما يمر ولا يحلى
سوى الحنظل العامي والعنقر الفصل
وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
قوله: بعير يئط، من أطيط الإبل، يكون أنينها من ثقل الحمل عليها، أو صوت هز ما عليه، وأنينها للكضة، والأطيط والأط، صوت يقبض الحامل، والأطيط من شدة الجوع، وقوله يغط، الغطغطة ضرب من الصوت، وقوله العامي لليابس، وقوله العنقر أول ما ينبت من أصول القصب، وقوله عبقر رخص قبل أن يظهر من الأرض، والواحدة عبقرة.
وقوله الفصيل: يزيد به المقطوع من أوسطه، أو أسفل من ذلك، وسمي الفصيل الذي تعلف به الدواب فصيلا، لسرعة افتصاله ورخاصته، فقام (يجر رداءه، حتى صعب المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم رفع يده -نسخة- يديه إلى السماء وقال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا غدقا طبقا عجلا غير رائث، نافعا (15/244)
صفحة 3915
غير ضار تملأ به الضرع وتنبت به الزرع وتحيي به الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون»، فو الله ما رد يده إلى نحره حتى الفت السماء بأوراقها، وجاءت بمطر كأفواه القرب وعزالي المزاد حتى جاء أهل البطالة يصيحون الغرق الغرق، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى السماء ثم قال: «اللهم حوالينا لا علينا» قال: فانجاب السحاب وأحرق بالمدينة كالإكليل فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: «لله رد أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه من ينشدنا شعره؟» فقال علي بن أبي طالب: بأي وأمي يا رسول الله لعلك تريد قوله:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه
تطيف به الهلاك من آل هاشم
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فهم عنده في نعمة وفواضل
أبيات له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك أردت» وفي نسخة «نعم ذلك أردت يا أبا الحسن» ثم نزل. وكان ابن عمر كثيرا ما ينشد لغته هذا في مسجده (ويقول: من سمعه هكذا كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله صلى الله عليه وسلم مريعا، المريع من الكلأ الكثير، تقول مرع يمرع مرعا وهو الكلأ، والمرعى، وقد أمرع القوم إذا أصابوا الكلأ المريع وأمرع المكان، والوادي إذا أكلأ والمرع الاسم من ذلك، والغدق الكثير ومطر، مغدوق كثير، والطبق العام الذي يشبع ويطبق الأرض، والرائث البطيء، والغزالي قد مر تفسيره أو النواجذ جمع ناجذة، وهي السن بين النياب والأضراس، وقول العرب بدت نواجذه إذا بدا ذلك منه ضحكا أو غضبا، وقول أبي طالب ثمال اليتامى أي غياثهم، وقوله: عصمة للأرامل، كل شيء اعتصمت به وقد اعتصمت إذا لجأت إلى شيء اعتصمت به، والغريق يعتصم بما تناله يده أي يلي إليه، قال النابغة:
بطل من خوفه الملاح معتصما
بالخيزرانة بين الأين والنجد
الملاح صاحب السفينة، والخيزرانة السكان، والأين الإعياء، والنجد الغرق، وقوله: الهلاك الصعاليك الذين ينتابون الناس لطلب معروفهم، قال جميل: (15/245)
صفحة 3916
أتيت مع الهلاك ضيفا لأهلها
واهل قريب موسعون ذوو فصل
والصعاليك جمع صعلوك، وهو الذي لا مال له. قال الشاعر:
كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى
ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا
والصعاليك جمع صعلوك، وهو الذي لا مال له، وقيل: إنما قلب النبي صلى الله عليه وسلم رداءه في الاستسقاء، لكي ينقلب القحط للخصب وحول الأيسر على الأيمن والأيمن على الأيسر، قال أبو أمامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مطر قوم قط إلا برحمة ولا قحطوا إلا بسخط».
مسألة: قال أبو الحسن قيل الاستسقاء سنة، وفي ذلك المطب إلى الله تعالى، وأما واجب فلا، قال الله تعالى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارا)، وفي الحديث أن عمر -رحمه الله- خرج إلى الاستسقاء، فصعد المنبر فلم يزد على الاستغفار حتى نزل فقيل له: إنك لم تستسق، فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء، والذي يراد من هذا الحديث أنه جعل الاستغفار استسقاء، بتأويل قول الله تعالى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارا)، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الاستسقاء متخشعا فصنع كما صنع في الفطر والأضحى، وقيل: صلى ركعتين، فقرأ فيهما القراءة.
مسألة: وإذا أراد واحد فعل ذلك، فإنه يبرز بمن معه إلى الجبان وقت الضحى ويقلب ثوبه، أولا يقلبه، ويصلي بالناس ركعتين، أو أربعا جماعة، ويجهر بالقراءة ثم يحمد الله تعالى بما فتح الله له، ويصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، ثم يسأل الله تعالى من فضله ويحمده ويسأله أن يسقيه غيثا مغيثا عاما يخصب به البلاد، ويصلح به العباد، ويدعو ويجتهد في الدعاء بما فتح الله له من حوائج الدنيا والآخرة، قال: وليس ذلك بواجب. (15/246)
صفحة 3917
(فصل)
استسقى الناس بمكة في قحط أصابهم، إذ أقبل غلام أسود عليه خيشتان متزر بإحداهما مترد بالأخرى، فوقف في غمار الناس في المسجد الحرام فسمع وهو يقول: إلهي وسيدي ومولاي أخلقت الذنوب وجوهنا يا حليما إذا أناة يا من لا يعرف عباده منه إلا الحسن الجميل، اللهم اسقهم الساعة الساعة، وبكى فتغيمت السماء، وأقبل المطر من كل مكان حتى خاض الناس في الماء، ثم صلى المغرب وخرج من المسجد (رجع إلى كتاب بيان الشرع). (15/247)
صفحة 3918
[صفحة بيضاء] (15/248)
صفحة 3919
الباب السبعون
في المصلي إذا كان يصلي فرضا فصلى على أنه نفل وما أشبه ذلك
سألت أبا سعيد رضيه الله عز وجل، قام ليصلي الفريضة فسها عند الإحرام، فظن أنه يصلي نافلة، فأحرم على نية النافلة، وصلى ركعتين، ثم ذكر أنه في فريضة، فأتم صلاته على نية الفريضة، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي إنه قد اختلف في ذلك، فقال من قال: إنه إذا صلى أحد على نية النافلة، فسدت صلاته، وقال من قال: إذا صلى أكثر صلاته على نية النافلة فسدت صلاته، وقال من قال: إذا ذكر في آخر حد من الصلاة قبل أن يتمه، فرجع إلى نية الفريضة، فصلاته تامة.
قلت له: وكذلك إن دخل في صلاة الظهر، فلما أحرم ومضى ودخل في الصلاة، ظن أنه في العصر حتى ذكر في آخر صلاته، فعاد إلى ذكر الظهر، وعمل على ذلك، هل تتم صلاته؟ قال: هو عندي كالمعتقد للنافلة إذا كان قد دخل في الفريضة وعمل الفريضة، إلا بالنية إنه كان يريد بذلك النافلة على نسيانه، قلت له: فإن كان دخل في التوجيه على أنه في الفريضة، ثم أحرم على أنه نافلة، ثم رجع إلى ذكر الفريضة، هل تتم صلاته؟ قال: لا يبين لي ذلك، وصلاته عندي فاسدة، ولا يبين لي في ذلك اختلاف، قيل له: فإن أحرم ودخل في الصلاة، ثم لم يدر كان أحرم على نية النافلة أو على نية الفريضة، ما يلزمه؟ ولم يدر كيف كان ذلك؟ قال: عندي إن عليه الإعادة ويبتدئ الصلاة، إذا كان في وقت الصلاة.
قلت له: فإن كان قد فات الوقت؟ قال: ليس عليه بدل، لأنهم قالوا (15/249)
صفحة 3920
لو شك فلم يدر صلى أو لم يصل؟ فإن كان في الوقت، فعليه أن يصلي حتى يعلم أنه قد صلى، وإن كان قد انقضى الوقت، فهو قد صلى حتى يعلم أنه لم يصل، قال: لو أنه كان إماما، فأقيم له الصلاة، وأقام هو الصلاة، ثم أحرم ودخل في الصلاة، فلم يعرف أحرم على الفريضة أو على النافلة؟ فهو معي، في الفريضة حتى يعلم أنه في نافلة.
قلت له: فإن كان نوى حين قام يريد الوضوء أنه يصلي الفريضة فتوضأ وصلى، ثم شك فلم يعرف أنه اعتقد أنه يصلي الفريضة حين دخل في الصلاة، أو لم ينو، إلا أنه ذكر أنه كان ينوي حين قام إلى الوضوء، هل تجزئه تلك النية؟ قال: نعم، يجزئه ذلك إذا نوى، ولو نوى قبل ذلك لأجزأه أيضا، ما لم يرجع عن نيته، إذا قام إليها بالنية بعد حضور وقتها إذا شك، فلم يدر نواها أو لم ينوها، ولم يعلم أنه أتى بغيرها، ولا رجع عن نيته التي قام إليها؟ فلا يبين لي عليه إعادة على هذا يعلم أنه لم يصلها.
تم الكتاب بعون الله الوهاب، وصلى الله على محمد وآله والأصحاب. (15/250)
صفحة 3921
كلمة المحقق
قد انتهى بعون الله وحسن توفيقه تحقيق ومراجعة الجزء الخامس عشر من كتاب بيان الشرع، ويبحث هذا الجزء أحكام صلاة الجمعة ووجوبها وشروطها وكيفية أدائها وسننها وواجباتها ومن تجب عليه ومن لا تجب عليه، وفي صلاة العيدين وصفتها وفي خروج النساء لها وكيف العمل إذا وصل خبر الهلال وقد انقضى وقتها وفي أيام التشريق وفي قيام شهر رمضان وصلاة التطوع والكسوف والاستسقاء ومعاني ذلك والحمد لله رب العالمين.
سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
12 ربيع الأول سنة 1404هـ
17/ 12/1983م (15/251)
صفحة 3922
ترتيب الأبواب
الباب الأول:
في صلاة الجمعة 5
الباب الثاني:
أين تجب صلاة الجمعة؟ 13
الباب الثالث:
أين تلزم صلاة الجمعة بالإجماع وما يأخذ به أهل عمان ويعملون به 17
وذكر سقوط صلاة الجمعة عن أهل نزوى؟
الباب الرابع:
الاغتسال يوم الجمعة 23
الباب الخامس:
فيمن يجب عليه حضور الجمعة 27
الباب السادس:
في الحد الذي يجب على من كان ساكنا به الحضور إلى الجمعة 29
الباب السابع:
في الوقت الذي يخرج فيه إلى الجمعة 31
الباب الثامن:
في الجماعة الذين يجوز لهم أن يصلوا الجمعة 35 (15/252)
صفحة 3923
الباب التاسع:
في صفة صلاة الجمعة 37
الباب العاشر:
في خطبة العيد والجمعة 39
الباب الحادي عشر:
في الداخل في المسجد والإمام يخطب 47
الباب الثاني عشر:
في الخطبة لسلطان عدل أو جائر وفي الجلوس بين الخطبتين 51
الباب الثالث عشر:
في الخطبة أنها لا تقوم مقام ركعتين 55
الباب الرابع عشر:
في الإمام إذا سافر وحضرت صلاة الجمعة 57
الباب الخامس عشر:
في الدخول في صلاة الجمعة 59
الباب السادس عشر:
فيمن يصلي بالناس يوم الجمعة 61
الباب السابع عشر:
فيمن سبقه الإمام في صلاة الجمعة 63
الباب الثامن عشر:
فيمن ترك صلاة الجمعة 67 (15/253)
صفحة 3924
الباب التاسع عشر:
فيما يجب به العذر من حضور صلاة الجمعة 69
الباب العشرون:
في صلاة الجمعة خلف الجبابرة 71
الباب الحادي والعشرون:
في الكلام والقراءة يوم الجمعة والإمام يخطب 77
الباب الثاني والعشرون:
في الكلام والقراءة يوم الجمعة والخطيب يخطب 81
الباب الثالث والعشرون:
في البيع يوم الجمعة والحبوة وتخطي رقاب الناس والإمام يخطب 85
الباب الرابع والعشرون:
في العمل والحبوة وتخطي الناس والكلام يوم الجمعة والإمام يخطب 87
الباب الخامس والعشرون:
فيمن انتقضت عليه صلاة الجمعة 91
الباب السادس والعشرون:
فيمن يصلي الظهر يوم الجمعة ثم يدرك صلاتها مع الإمام 93
الباب السابع والعشرون:
في صلاة العيدين ووجوبها وحكم تاركها من الكل والبعض 95
الباب الثامن والعشرون:
في صلاة العيدين والتكبير عند الخروج إلى صلاة العيد 101 (15/254)
صفحة 3925
الباب التاسع والعشرون:
في الاغتسال يوم العيد 105
الباب الثلاثون:
في الخروج إلى المصلى 107
الباب الحادي والثلاثون:
في لزوم الخروج إلى العيدين ومن له العذر في التخلف عنه والصلاة
وحده حيث لا تكون صلاة العيد 109
الباب الثاني والثلاثون:
في وقت العيد إذا غمي على القوم شهر شوال 111
الباب الثالث والثلاثون:
في ترك الأذان والإقامة للعيد 117
الباب الرابع والثلاثون:
الأكل يوم الفطر قبل الغدو 119
الباب الخامس والثلاثون:
في ذكر المكان الذي يؤتى منه العيد 121
الباب السادس والثلاثون:
في خروج النساء إلى الأعياد 123
الباب السابع والثلاثون:
في صفة تكبير صلاة العيدين 125
الباب الثامن والثلاثون:
في خروج الناس إلى العيد واللباس وما يستحب من ذلك 129 (15/255)
صفحة 3926
الباب التاسع والثلاثون:
في التكبير في العيدين 135
الباب الأربعون:
في صفة التكبير 137
الباب الحادي والأربعون:
في الاغتسال يوم العيد 139
الباب الثاني والأربعون:
الأكل يوم العيد 141
الباب الثالث والأربعون:
في الموضع الذي يجب على من كان فيه أن يخرج إلى العيد 143
الباب الرابع والأربعون:
في الأمر بالخروج لصلاة العيد 145
الباب الخامس والأربعون:
في الموضع الذي نصلي فيه العيدين 149
الباب السادس والأربعون:
فيمن زاد في تكبير العيدين أو أنقص وفي رفع اليدين في التكبير 151
الباب السابع والأربعون:
في التقديم والتأخير في صلاة العيدين 155
الباب الثامن والأربعون:
النية في صلاة العيدين 157 (15/256)
صفحة 3927
الباب التاسع والأربعون:
في الإمامة في صلاة العيدين والإمام بعد الإمام في موضع واحد وأحكام ذلك 159
الباب الخمسون:
في صلاة العيدين ومن تجوز خلفه 161
الباب الحادي والخمسون:
في الإمام إذا صلى ثم جاء آخرون فصلى بهم 163
الباب الثاني والخمسون:
فيمن ينتقض وضوؤه عند صلاة العيد وفي عدد من تجب بهم صلاة العيد 165
الباب الثالث والخمسون:
في عدد من تجب لهم صلاة العيد 167
الباب الرابع والخمسون:
في صلاة المسافرين والعبيد والنساء الجمعة والعيد 169
الباب الخامس والخمسون:
في صلاة العيد للمسافرين ولمن لا تجب عليه الجمعة 171
الباب السادس والخمسون:
فيمن سبقه الإمام في صلاة العيد 173
الباب السابع والخمسون:
في الأصم إذا حضر صلاة العيدين عند الإمام متى يكبر؟ وكيف يكبر؟ 183 (15/257)
صفحة 3928
الباب الثامن والخمسون:
في حدود صلاة العيد وما يضارع فيه الفريضة من الأحكام 185
الباب التاسع والخمسون:
في تكبير التشريق 187
الباب الستون:
في صلاة القيام في شهر رمضان 195
الباب الحادي والستون:
في النية لقيام شهر رمضان 207
الباب الثاني والستون:
في صلاة الضحى 211
الباب الثالث والستون:
في صلاة التطوع 213
الباب الرابع والستون:
في صلاة التطوع والنافلة 219
الباب الخامس والستون:
في قيام الليل 223
الباب السادس والستون:
في صلاة التطوع 229
الباب السابع والستون:
في صلاة الكسوف والآيات 233 (15/258)
صفحة 3929
الباب الثامن والستون:
في الاستسقاء -1 - 237
الباب التاسع والستون:
في الاستسقاء -2 - 243
الباب السبعون:
في المصلي إذا كان يصلي فرضا فصلى على أنه نفل وما أشبه ذلك 249 (15/259)
صفحة 3930
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء السادس عشر
1404هـ/1984م (16/1)
صفحة 3931
[صفحة بيضاء] (16/2)
صفحة 3932
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء السادس عشر
1404هـ/1984م (16/3)
صفحة 3933
[صفحة بيضاء] (16/4)
صفحة 3934
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الأول
في الموت
والمستحب للمصاب بمصيبة الموت أن يقول ما روت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم إني عبدك أحتسب مصيبتي وأجرني فيها وأبدلني بها خيرا منها»، وكذلك يستحب لجار الميت وأقربائه أن يتخذوا لورثته من أهل المصيبة به طعاما، لما روي من طريق عبد الله بن جعفر، أنا لما جاء نعي جعفر قال صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتى ما قد شغلهم».
مسألة: وجائز البكاء على الميت، إلا من طريق النوح والقول المحرم، ويستحب لمن حضر الميت وهو يجود بنفسه، أن يذكره ما يقربه إلى الله تعالى، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله».
مسألة: وقد قيل: لا بأس بالبكاء على الميت.
مسألة: والرجل يأتيه الموت وأنت عنده، فتدعه على أي حالة كان عليها أولا؟ فأحب إلي أن تستقبل به القبلة، وأن تتركه وإن لم توجه به القبلة، فلا بأس بذلك إن شاء الله، وقلت: وكذلك عند طهره وتكفينه، فالاستقبال به في كل (16/5)
صفحة 3935
ذلك أحب إلي، وإن لم يمكن ذلك فلا بأس إن شاء الله.
مسألة: خبر في الموت عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه وقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثا، ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة تنزل عليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد النظر، قال: ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما يسيل القطر من السقاء حتى يأخذها ملك الموت، فإذا أخذها لم يدعها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويصعدون بها، قال: ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها السماء السابعة، قال: فيقول الرب عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولون له: من ربك؟ فيقول: ربي الله عز وجل، فيقولون له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولون له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: ما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به، وصدقت، قال: فينادي مناد من السماء إن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا من الجنة، قال: فيأتيه من روحه وطيبها ويفسح له في قبره مد نظره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي بشرك، هذا يومك الذي كنت فيه توعد، قال: فيقول: من (16/6)
صفحة 3936
أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، قال: أنا عملك الصالح، قال: فيقول رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي، قال: وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل عليه ملائكة من السماء سود الوجوه، معهم المسوح حتى يجلسوا منه مد النظر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده، فينزعها فيقطع منها العروق والعصب كما ينتزع السفود من الصفوف المبلول، فيأخذها والذي أخذوها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المسوح فيصعدون بها، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة، وجدت على وجه الأرض، ولا يمرون به على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ قال: فيقولون فلان بن فلان بأسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) (الأعراف: 40)، قال: فيقول الله تبارك وتعالى: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فيطرحونه طرحا، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج:31)، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، قال: فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء إن كذب فافرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار، قال: فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه القبر حتى تختلف فيه أضلاعه، قال: ويأتيه رجل قبيح الوجه نتن الرائحة، قبيح الثياب فيقول له: أبشر بالذي يسوؤك، فهذا يومك الذي كنت توعد، قال فيقول من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالبشر فيقول: أنا عملك الخبيث قال فيقول: رب لا تقم الساعة، رب لا تقم الساعة». (16/7)
صفحة 3937
(فصل)
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة وهو يمد يده ويقول: «يا جبريل أين أنت ثم يقبضها ويبسطها، يقول: يا جبريل اشفع لي عند ربّك يهوّن عليّ الموت». وذكرت عائشة أنها سمعت جبريل وهو يقول: «لبيك لبيك»، وروي عنها أنها قالت: «كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ركوة ماء يدخل يده فيها يمسح بها وجهه ويقول: «لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ثم نصب يده وهو يقول: للرفيق الأعلى، حتى قبض صلوات الله عليه وسلم ومالت يده»، وروي عنه عليه السلام أنه قال: «ما من ميت يموت إلا له خوار تسمعه كل دابة عنده إلا الإنسان لو سمعه لصعق»، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أكثروا من هادم اللذات فإنكم لا تذكرونه في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كفى وأجزى، وروي عن عمر مولى عفرة أنه كان يقول: ما من يوم من أيام الدنيا إلا وملك الموت يقوم على كل باب من أبواب أهل الدنيا خمس مرات يتصفح الوجوه فمن نفد رزقه وانقطع أجله لم يناظره، فإذا صرع للموت أتاه ملكاه اللذان كانا يتعقبانه بالليل والنهار، فإن كان رجلا صالحا قالا له: جزاك الله عنا خيرا، فلقد كنت تملأ علينا ما نحب، وقد خرجت إلى ما تحب، وإن كان رجل سوء قال له: جزاك الله عنا شرا، قد كنت تملأ علينا نكرهه وقد خرجت إلى ما تكرهه، ويقوم أهل البيت ولهم وجبة منهم الصاكة وجهها، والناشرة شعرها، والداعية بحرها، فيقول ملك الموت: فيم يجزعون؟ والله ما ذهبت لكم برزق، ولا نقصت لكم من عمر، وإن لي فيكم لعودة ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحدا، فلو يرون مقامه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم (1) من غير أن ينقصوا من أجورهم شيئا، وعنه عليه السلام أنه قال: «الميت يبعث في أكفانه التي يموت فيها»، قال حاتم الأصم: أربعة لا يعرف قدرها إلا أربعة، قدر الشباب، لا يعرفه إلا الشيخ، وقدر (16/8)
صفحة 3938
العافية، لا يعرفها إلا أهل البلاء، وقدر الصحة لا يعرفه إلا المريض، وقدر الحياة لا يعرفه إلا أهل الموت، وفي –نسخة- إلا من يموت، قال جابر بن زيد -رحمه الله- ما وجه أحب إليّ من وجه أموت فيه، من قتل في سبيل الله، فإن أخطأني ذلك ففي حج بيت الله الحرام، فإن أخطأني ذلك أكون أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، ثم تلا هذه الآية: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل: 20)، وقال أبو محمد روي عن جابر بن زيد أنه قال: إذا حضرتم الميت فاقرأوا عنده سورة الرعد، فإن ذلك تخفيف عن الميت وعنكم، وقيل: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت، عند رأس رجل من الأنصار، فقال: «يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن»، قال ملك الموت: طب نفسا وقر عينا، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم يا محمد أني لا أقبض روح ابن آدم، فإذا صرخ صارخ من أهله قمت في ناحية الدار ومعي روحه، فقلت: والله ما ظلمنا ولا سبقنا أجله، ولا استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، فإن ترضوا بما يصنع الله وتصبروا تؤجروا، وإن تجزعوا وتسخطوا تأثموا وتؤزروا، وما لكم عندنا من عنت ولنا فيكم لعودة وعودة، فالحذر الحذر، والله يا محمد ما من أهل بيت شعر ولا مدر ولا سهل وجبل، ولا بحر ولا بر، إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم وليلة خمس مرات، حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله لو أردت قبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك، حتى يكون الله تعالى هو الآمر بقبضها. أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدعو أحدكم بالموت لضر نزل به ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن حتى يموت يعرق الجبين»، وقال صلى الله عليه وسلم: «اغسلوا موتاكم ولقنوهم عند سكرة الموت بالحق لا إله إلا الله وتغمض عينا الميت عند مفارقة روحه».
ولا يجوز شق بطن الحامل، لأن الله تعالى حرم علينا البسط في أبدان الناس في حال حياتهم وبعد وفاتهم، والمسلمون يجمعون على من شق بطن الميت فهو عاص لله مستحق للعذاب، عاجلا وآجلا، فمن ادعى أن ظهور أعلام الحمل
---------------
(1) زيادة في نسخة وقيل: «إذا مات ابن آدم فقد انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وعن النبي (قال: «من أصاب مالا من حلال وأدى زكاته فورثه عقبه فكل شيء يصنع ورثته من الحسنات فله مثل ذلك». (16/9)
صفحة 3939
مبيحة لشق بطن المرأة فإنه محتاج إلى دليل، وقد قال بذلك كثير من مخالفينا، وتغمض عين الميت برفق، ويسد لحيه الأسفل، لينضم فوه، ولا يبقى مفتوحا.
وعن سعيد بن المسيب أنه ما مات ميت إلا أجنب، وقيل: إن الغريق من الرجال يظهر على قفاه، ومن النساء على وجهه، ولا يموت في الأرض مجوسي فيحرم على موته، ويحمل إلى الناووس، إلا بعد أن يدنى منه لا يأكل إلا حيا، فأما اليهود فإنهم يتعرفون ذلك من الميت بأن يدهنوا أسته، قيل: -والله أعلم- إذا مات الإنسان نودي من السماء يا ابن آدم تركت الدنيا أم الدنيا تركتك، فإذا جعل على المطهرة نودي يا ابن آدم أين نفسك القوية؟ ما أضعفك، فإذا جعل على النعش نودي يا ابن آدم قتلت الدنيا، أم الدنيا قتلتك؟ فإذا سيّر به نودي يا ابن آدم جمعت الدنيا أم الدنيا جمعتك؟ فإذا جعل في اللحد نودي يا ابن آدم ورثت الدنيا أم الدنيا ورثتك؟ قيل: وجد على حجر بدمشق مكتوب، يا ابن آدم، لو رأيت يسير ما بقي من أجلك مع طول ما ترجوه من أملك، وإنما يلقاك ندمك، لو زلت قدمك فودعك الحبيب وأسلمك القريب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد. (16/10)
صفحة 3940
الباب الثاني
في غسل الموتى والنفساء والجنب
وسألت عن النفساء والحائض، إذا ماتت أتغسل غسلين؟ قال: إذا نظفت فحسبها إنما يغسل الميت لينظف.
مسألة: وسئل: هل تغسل الميت المرأة الحائض؟ والرجل الجنب، إذا افتقر إليهما؟ قال: لا بأس بذلك.
مسألة: وعن القتيل يغسل بالماء، ينقطع يغسل بالماء ينقطع منه شيء وينفذ بطنه أو يجدع بالحديد، فإن شاءوا صبوا عليه الماء صبا، فلا بأس، وأما من قتل وجدع بالحديد وانبتر فإنه يضم ويدفن بلا غسيل.
مسألة: ومن جواب أبي محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر -رحمه الله- وعن ا لميت إذا طهر وكفن وضاق الوقت، فترك حتى أصبح، هل يعاد غسله؟ فما معي في هذا حفظ، ولكني أقول لا يعاد غسله، لأني وجدت في الأثر في الميت إذا ألقيت عليه الأكفان، ثم خرجت منه نجاسة لم يعد غسله، وهذا معي أشد والله أعلم، ومن غيره، قال: نعم وقد قيل يعاد غسله، إذا ظهرت النجاسة على الأكفان.
ومن جواب أبي الحسن -رحمه الله- وصل كتابه، تسأل فيه عن الميت، إذا غسل ثم ضاق الوقت، فلم يمكن دفنه فترك حتى أصبح، هل يجتزى بالغسل الأول، أو يعاد غسله ثانية؟ فعلى ما وصفت فهذه مسألة لم يحفظ فيها بعينها (16/11)
صفحة 3941
شيئا، إلا أنا نرجو أنه يجزئه الغسل الأول إن شاء الله، وذكرت عن الإمام في الصلاة على الجنازة قلت: هل يجوز له أن يسوي الثوب على الميت، إذا حملته الريح، حتى لا يظهر الميت، ويرجع يبني على صلاته، أو يستأنف الصلاة؟ وقلت: كيف رأي المسلمين في ذلك؟ فعلى ما وصفت، وهذه أيضا معنا فيها حفظ بعينها، إلا أنا نرجو أن ذلك يجوز له، ويبني على صلاة على حسب ما وجدنا في أسباب الصلاة، فإذا انكشف الثوب على الجنازة ما وجدنا في أسباب الصلاة، فإذا انكشف الثوب عن الجنازة فسواه وبنى على صلاته رجونا أن ذلك واسع له إن شاء الله، لأن في أسباب الفريضة أسبابا تشبه هذا، وهي بعد أعظم، والله أعلم بالصواب.
وذكرت في الميت، إذا كان في وجهه الخضاب، هل يلزم من يلي غسله أن يبالغ في ذلك حتى لا يبقى له أثر وليس ذلك بلازم؟ فعلى ما وصفت، وهذه لم نحفظ فيها شيئا بعينها، إلا أنا نرجوه إذا وصل الغسل إلى بدن الميت، ولم يحل الخضاب بين الماء والبدن، ولو بقي لذلك أثر أجزأه إن شاء الله، وذكرت في ا لميت، هل يجوز لأحد أن يجعل فيه الخضاب أو لا يحل لمسلم أن يفعل ذلك، فعلى ما وصفت، وهذه لم نسمع فيها قولا، إلا أنه قد قال أبو عبد الله: أحسب أنه قال ما لم يكن الميت محرما، فلا بأس أن يضع فيه الخضاب، وأحسب أنه من غير حفظ، وكذلك قولنا نحن ما لم يكن مات، وهو محرم بالحج فلا بأس أن يضع فيه الخضاب، والله أعلم بصواب ذلك وغيره.
مسألة: وإذا ماتت المرأة، وقد طهرت من الحيض أو الجنب أجزأها غسل واحد، والميت إذا غسل وكفن ثم ذكر أنهم غسلوه بماء نجس، فإذا كان الوقت واسعا أعادوا الغسل، ما لم يخافوا من الميت فسادا، وإن خافوا الوقت وخافوا دفنوه ولو صلوا عليه ثم تبين أنهم تركوا شيئا من الصلاة، فإنهم يعيدون عليه الصلاة، ولو كان في اللحد صلي عليه من فوق، فأما إذا سد عليه بالطين ترك بحاله ولم يعيدوا. (16/12)
صفحة 3942
مسألة: وإذا خرج من الميت غائط أو دم، وقد صار في الأكفان غسل موضع النجاسة، ولا يعاد عليه الغسل، فإن ذكروا أنه غسل بماء نجس، فإن أمكن أن يخرج ويغسل فعل ذلك، وإن ضاق الوقت، ولم يمكن غسله بالماء فإنه يجتزى له بالتيمم، ودفن ولم يعد غسله، فإن صلي عليه ثم ذكروا ما ينقض الصلاة من الإمام، أو ثوب نجس فليعيدوا الصلاة عليه، فإن كان قد صار في اللحد فالصلاة عليه، وهو في اللحد ما لم يدفن.
مسألة: وقد نحب أن يلي الطهور الأرحام، ومن طهره فلا بأس.
مسألة: والأمة مجمعة على غسل موتاهم، فإن كان للميت أهل ففرض غسله لازم لأولادهم به دون غيره، فإن لم يكن فممن كان من أهل الستر والأمانة، وما من مسلم غسل ميتا منه شيئا فستر عليه إلا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة.
مسألة: وإذا صلي على الميت ولم يغسل فإنه يغسل إذا قدر على ذلك منه، ولا يعاد عليه الصلاة، وهو بمنزلة من صلى بغير وضوء، فإنهم يخافوا عليه أن يتغير إن هم أخذوا في غسله، يمموه بالصعيد، ثم أعادوا الصلاة عليه، وهم بمنزلة من لم يجد ماء، وإن دفن ولم يغسل ترك، ولا ينبش.
مسألة: عن عبد الرحمن وعن أبيه قال: لما أخذ الرهط في غسل النبي صلى الله عليه وسلم اطلع عليهم إبليس لعنه الله من كوة البيت فقال: ما تصنعون تغسلونه، ألم يكن طيبا حيا وميتا؟ فأجابه علي من بينهم اخرج، فما نفعل به إلا كما يفعل هو في أمته).
مسألة: ولا يغسل الميت إلا الثقات من النساء والرجال، وليتقوا الله ولا يبدوا من شأن الميت شيئا، فإن ذلك مالا يحسن ولا يحمد.
مسألة: ومن دفن ولم يغسل قال أكثر أهل العلم يخرج فيغسل، وبه قال مالك والثوري والشافعي، ما لم يتغير، وإن نسوا الصلاة عليه لم يخرج، (16/13)
صفحة 3943
وصلي على القبر، وإن كانوا نصبوا اللبن وأهالوا عليه التراب لم ينبغ لهم أن ينبشوه من قبره.
مسألة: وغسل الموتى فرض على الكفاية، إذا قام بذلك بعض سقط عن الباقين.
مسألة: من الزيادة المضافة قيل لأبي معاوية: فالميت لم يكن إلا الذاجرة، ولم يأذنوا لهم أن يأخذوا منها، فيمموه ويقبر كما هو؟ قال: نعم.
مسألة: وإن رأيت الدم يخرج من فم الميت، إذا غسله أو من أنفه أو دبره أو شيئا يريب غير الدم، فاغسله وأحشه بالقطن، والميت يبدأ فيغسل رأسه بالخطمي، ولا يصيبه دهن، ويغسل حتى ينظف، فإن جرى من أنفه أو فيه أو مقعدته دم أو شيء حشي بقطن، فإن كثر ما يخرج حشي بالطين الحر.
مسألة: وإن جاء من الفم أو الدبر ما يغلب القطن، حشي بالطين.
مسألة: فإن نز من الميت دم أو ماء، سكن كيفما أمكن وغسل وكفن، فإن لم يسكن بعد انتهاء الغسل أدرج في أكفانه ودفن.
مسألة: ومن مات وعليه جمة، فلا يسحج شعره ولا يفرق، ولكن يسرح كما هو، فإن فعله الغاسل وخرج من رأسه شعر، فليرده على رأسه، والشعر يرسل، ولا يضفر.
مسألة: ولا يؤخذ من شعر الميت، ولا من أظفاره، وإن كان فاحشا فإن فعل ذلك كان مخطئا، لأن الإنسان ممنوع من البسط في جسده غيره، إلا بدليل يوجبه ما يوجبه التسليم له، كما يوجبه، وقال مخالفونا إنه يؤخذ من شعره وأظفاره، وتنقى أظافيره، ورووا في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم: «افعلوا به ما تفعلونه برؤوسكم» ولم ير ذلك أصحابنا، وقالوا: يترك على حاله، وعن عائشة حين سئلت عن الميت يسرح رأسه؟ فقالت: (ينصون ميتهم) أرادت أن الميت لا يحتاج إلا تسريح الرأس، بمنزلة الآخذ بناصيته، يقال نصوت الرجل إذا بدأت بناصيته. (16/14)
صفحة 3944
مسألة: فإذا مات الرجل، وهو جنب، قال أبو مالك: قد أوجب أصحابنا غسلين، غسلة للجنابة، وغسلة ليطهر الميت، وقال الأكثر: غسل واحد يكفي، عن أبي علي الحسن بن أحمد، وأما الحامل إذا ماتت ولم يعرف حال ولدها جاز تطهيرها وقبرها، والله أعلم.
مسألة: ولا يجوز شيء من الصراخ على الموتى، ولا غيرهم، فيما لا عذر فيه، وقليل الصراخ محرم كتحريم كثيره، لأن النهي ورد فيه عاما، لقوله صلى الله عليه وسلم: «صوتان ملعونان وملعون من استمعهما صوت مزمار عند نغمة وصوت مرنة عند مصيبة»، فهذا نهي يقع على تحريم قليل الصراخ وكثيره.
مسألة: وقال أبو الحسن: لا يجوز الصراخ على الميت، ليشهر موته بذلك، وجاء في بعض الآيات، إن بعض الأئمة كان يعزر على صراخ النساء، إلا أني قد بلغني عن بعض قال: يصيح ثلاثة أصوات ليعلم موت الميت والله أعلم بذلك، ولا يناح ولا يلطم على الميت، ولا يندب ولا يبكى بالمراثي ولا يصاح على جنازته حين تبرز، ولا إذا مرت، ولا حين يقبر، ومن صاح أو لطم أو ناح، فهو منكر، والإنكار واجب على القوام بالأمر وسائر الناس ينكرون، بالقول إن رجي أن يقبل منهم، وإلا أنكروا بقلوبهم، والإنكار بالسوط على الأئمة وأمرائهم لا غيرهم، والله أعلم بذلك.
(فصل)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النائحة على طريق بين الجنة والنار سرابيلها من قطران ويغشى وجهها النار إذا لم تتب»، وقال: «إن قول النائحة واه واه كلمة بالسريانية تفسيرها بالعربية لا رضينا بقضاء الله»، رضينا بقضاء الله عز وجل، والنوح مما ينكر، وهي أن تقول المرأة، وتأخذ عليها غيرها، فذلك هو النوح مما ينكر، وعن محمد بن محبوب أن سليمان بن عبد العزيز إمام حضرموت، كان يحبس على الصراخ النساء الأحرار، وقالوا: ليس ينبغي أن يقعد مع الباكية والنائحة فإنه مكروه، ويقال: إنه وزر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن النائحة، قال محمد بن المسبح: (16/15)
صفحة 3945
رأيت محمداً بن محبوب وبشير بن المنذر في جنازة، فجاءت نائحة فتمثلت ببيت من الشعر، فتكلم محمد بن محبوب، فقام إليها بشير بنفسه، فقال: وارث بن مسدد: أنا أكفيكها فطردها، وقيل عن الحضارم: إن الإمام بحضرموت كان يرسل إلى أهل الميت يتعاهد أن لا يكون بواكي، قيل: لما حضر حذيفة الموت قال: لا تنعوني، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النعي، وسمعت أعرابية صوارخ في دار مات فيها ميت، فقالت: ما أراهم إلا من ربهم يستغيثون، وبقضائه يتبرمون، وعن ثوابه يرغبون، وقيل شعرا:
مالي مررت على القبور مسلما
أحبيب مالك لا تجيب مناديا
فيها الحبيب فلم يرد جوابي
أمللت بعدي خلة الأصحاب؟
وأنا رهين جنادل وتراب
وحجبت عن أهلي وعن أصحابي
بيني وبينكم عرى الأسباب (16/16)
صفحة 3946
الباب الثالث
في غسل المحرم ودفنه وتكفينه
من جامع بن جعفر وأما المحرم، يغسل بالماء، ويكفن في ثوبيه اللذين أحرم فيهما، أو مثلهما، ولا يلف على رأسه ولا على وجهه، ولا يحنط.
مسألة: محرم توفي يغسل بالماء، ويكفن إلا بثوبيه، ولا يلف على رأسه الثوب، ولا يخمر ولا يحنط.
مسألة: وعن المحرم يموت قال: يغسل بالماء، ولا يكفن إلا بثوبيه، ولا يلف على رأسه الثوب، ولا يخمر ولا يحنط.
مسألة: عن النبي صلى الله عليه وسلم في محرم مات، يرون عنه أنه قال: «إذا كفنتموه فلا تغطوا وجهه حتى يبعث يوم القيامة ملبيا»، ومن غيره، ومن الأثر، إن المحرم إذا مات كفن في ثوبيه اللذين أحرم فيهما، ولا يغطى رأسه ولا يخمر.
مسألة: وعن رجل محرم ومات كيف غسله؟ قال: يغسل بالماء ولا يكفن إلا بثوبيه اللذين أحرم فيهما، ولا يلف على رأسه الثوب، ولا يخمر ولا يحنط.
مسألة: وفي الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يغسل المحرم بماء وسدر».
مسألة: والمحرم إذا غسل لم يكفن إلا في ثوبيه، ولا يمس بطيب ولا يخمر رأسه.
مسألة: والمحرم إذا مات، فقيل: يغسل بالماء، وقيل: بالماء والسدر، (16/17)
صفحة 3947
وقيل: لا يكفن إلا في ثوبيه، وقيل: في ثوبيه ومثلهما، وقيل: لا يلف على رأسه الثوب، وقيل: لا يلف على رأسه، ولا على وجهه، وقيل: لا يغير ولا يحنط ولا يمس بطيب.
مسألة: ولا يكفن المحرم في قميص، ولا يكفن في ثلاثة أثواب، يلف فيهن، ولا يلبس رأسه، ويكفن في ثوبيه إذا لم يكن معه غيرهما.
مسألة: وإذا مات محرم لم يغط وجهه، ولم يطيب بالطيب.
مسألة: وقال أبو قحطان: وإن مات محرم في الحل، دفن في الحل أحب إلينا، وإن مات في الحرم، دفن في الحرم أحب إلينا، ولو دفن في الحرم كان حسنا إن شاء الله.
مسألة: وإن مات جنب، وهو محرم، لم يحنط ولم يغسل بسدر، وغسل بماء قراح، وكفن في ثوبيه، وأخرج رأسه ووجهه، وقال بعض: يغطى وجهه خلافا لليهود، وعن ابن عباس: لا يغطى رأسه، فإنه يأتي يوم القيامة يلبي.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- ويغسل المحرم بماء وسدر، ومن -الكتاب- والمحرم إذا غسل لم يكفن إلا في ثوبيه، ولا يمس بطيب، ولا يخمر رأسه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. (16/18)
صفحة 3948
الباب الرابع
في المحرم إذا مات
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أن رجلا محرما وقع من على راحلته فرضته فمات، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا»، و من غيره، قال: وكذلك لا يغطى رأسه، وإنما يكون على حاله من الإحرام، وعن علي بن أبي طالب وابن عباس في المحرم يموت أنه لا يغطى رأسه، ولا يحنط، عن جابر عن أبي جعفر مثله، وعن عائشة: المحرم يموت، قالت تصنعون به كما تصنعون بموتاكم، من الغسل والكفن والحنوط، فإنه حين مات ذهب عنه الإحرام، وعن ابن عمر مثل ذلك، إلا أنه قال: لولا أنا محرمون لطيبناه، ومن غيه، وعن ابن عمر أنه ابنه مات وهو محرم، فلم يغط رأسه ولم يحنطه.
مسألة: من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في تخمير رأس المحرم الميت، وفي تطييبه، وكانت عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- تقول: نصنع به كما يصنع بسائر الموتى، وبه قال عمر وطاووس والأوزاعي وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا بأس أن يحنط الحلال المحرم بالطيب، وقالت طائفة: لا يغطى رأسه ولا يمس طيبا، وفي هذا القول عن علي بن أبي طالب، وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال ابن عباس: يغطى رأسه، قال أبو بكر: وبهذا نقول لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي مات: «وخمروا وجهزوا ولا تخمروا رأسه ولا تمسوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا». (16/19)
صفحة 3949
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج معاني قول أصحابنا على حسب هذا القول الأخير، وهو المضاف إلى أبي بكر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أعلم في قولهم غير هذا في المحرم. (16/20)
صفحة 3950
الباب الخامس
فيما يعاد منه غسل الميت
وعن الميت إذا ظهر وخرج منه شيء بعد الطهور، أيغسل الميت كله، أو ذلك الموضع الذي فيه النجاسة؟ قال: يغسل موضع النجاسة وحده، وقال أبو المؤثر: يغسل موضع النجاسة ويفاض عليه الماء، إذا كانت النجاسة خرجت من الدبر، غسلت النجاسة، وأفيض على الميت الماء، فإن كان خرج منه دم من جرح وأشباه ذلك، غسل الموضع وحده -نسخة- كان سائلا أو قاطرا.
مسألة: وقيل: إذا خرج من الميت شيء بعد غسله، فإن كان الذي خرج سائلا أو قاطرا، غسل إلى خمس مرات، وإن لم يكن سائلا ولا قاطرا غسل وحده، وذلك قبل أن يكفن، أعيد غسل ذلك المكان وحده، وإنما ذلك عندي قبل أن يكفن، وأما إذا كفن فلا أرى أن يرد غسله، ومن غيره، قال: وقد قيل يعاد إلى ثلاث مرات، وقال من قال: إلى سبع، وقال من قال: لا يعاد.
مسألة: وعن ميت طهر وحنط، ثم تحرك، فأحب أن يحدث له غسل آخر.
مسألة: وعن ميت خرج من فيه دم أو من دبره؟ قال: اغسله، قلت: فإنه معروض لا يقر؟ قال: فاحشه إذاً بقطن أو غيره.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- واختلف الناس في غسل الميت، يغسل ثم يحدث قبل أن يدخل في أكفانه؟ فقال بعضهم: يعاد عليه الغسل ما أمكن، وقال أصحابنا: يعاد عليه الغسل خمس مرات، ثم يدرج في أكفانه، وقال غيرهم: إذا (16/21)
صفحة 3951
غسل ثم أحدث لم يعد عليه الغسل ثانية، ووضئ وضوء الصلاة، والنظر يوجب عندي بأن يوضأ وضوء الصلاة، لأن فرض غسله لا يجب، إلا بخبر يقطع العذر، ويلزم العمل به.
مسألة: أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حين توفيت ابنته قال: «اغسلوها ثلاثا فإن أحدث بعد ذلك شيء فاغسلوها خمسا، فإن حدث بعد ذلك شيء فاغسلوها سبعا»، وكل ذلك، فليكن وترا بماء وسدر، وليكن آخر غسله بماء وكافور، وقال بعضهم: إذا ظهر من الميت شيء من بعدما فرغ من غسله غسل ذلك الموضع، ولا يعاد غسله.
مسألة: ابن عباس يغسل الميت، ولا يكفى على وجهه، وليكن بخرقة على جنبه كلما يغسل طهره، يغسله ثلاثا، فإن ظهر منه شيء بعد ذلك من فرجه أو دم سائل، فاغسله غسلين، مثل الأخيرين أو الثانية والثالثة، ثم دبره، ولا تزده على عشر غسلات.
مسألة: وقيل: إن خرج من الميت شيء بعدما فرغ من غسله أعيد غسله، وقيل: إلى خمس مرات، فإذا كفن فما خرج بعد ذلك، فإنما يغسل الموضع وحده، وقال قوم: لا يعاد.
مسألة: وإذا خرج من الميت بعد الطهارة ماء أو دم أعيدت الطهارة إن لم يكفن، فإذا كفن غسل ذلك الموضع وحده، وفيه اختلاف.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- واختلف الناس في غسل الميت، يغسل ثم يحدث قبل أن يدخل أكفانه، فقال بعضهم: يعاد عليه الغسل، ما أمكن، وقال أصحابنا: يعاد عليه الغسل خمس مرات ثم يدرج في أكفانه، وقال غيرهم: إذا غسل ثم أحدث لم يعد عليه الغسل ثانية، ووضئ وضوء الصلاة، وقال آخرون: يغسل الحدث وحده، والنظر عندي يوجب أن يوضأ وضوء الصلاة، لأن فرض غسله قد سقط عنهم بالغسلة الأولى، وإعادة الغسل عليه لا يلزمهم، لأنه (16/22)
صفحة 3952
فرض ثان، لا يجب إلا بخبر يقطع العذر، ويلزمهم العمل به، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع بين الحي والميت في الحرمة، فيجب أن يفعل فيه كما يفعل في المحدث الحي، إذا أحدث بعد سقوط الغسل منه، والله أعلم.
مسألة: وسألته عن الميت إذا غسل، فخرج منه بعد غسله نجاسة، هل يعاد غسله أم يغسل ما حدث وحده ويجزئ ذلك؟ قال: معي، إنه قد قيل يعاد غسله، قلت له: فإن كانت النجاسة من أحد الفرجين أو غيرهما وكله سواء؟ قال: يقع لي أنه سواء في بعض ما قيل، ومعي إن بعضا يقول: إذا كان ذلك من الفرجين، وأحسب أنه من الفم.
مسألة: وإذا خرج من الميت غائط أو دم، وقد صار في الأكفان غسل موضع النجاسة، ولا يعاد عليه الغسل، وقال في موضع: إن خرج من الميت بعد غسله من دبره شيء سائل أو قاطر، أعيد غسله إلى خمس مرات، وقال في كتاب الشرح: إن الحي إذا غسل الميت، فقد سقط عنه فرض الغسل في الميت، فإن خرج منه حدث من الأحداث التي تنقض طهارة الحي من مخارج النجاسات، لم يجب على الحي فرض ثان، لأن فرض غسل الميت سقط عنه بغسله الأول، والموجب عليه تكرير الغسل محتاج إلى دليل، قال: والذي نختاره أن يغسل الحدث، ويوضأ وضوء الصلاة، والله أعلم.
مسألة: وقال أصحابنا: يعاد على الميت الغسل خمس مرات، ثم يدرج في أكفانه، وقال غيرهم: إذا غسل ثم أحدث، لم يعد الغسل عليه ثانية، ويوضأ وضوء الصلاة، وقال آخرون: يغسل الحدث وحده، والنظر يوجب عندي أن يوضأ وضوء الصلاة، لأن فرض غسله قد سقط عنهم بالغسلة الأولى، وإعادة الغسل عليه لا يلزمهم، لأنه لا يجب إلا بخبر يقطع العذر، ويلزم العمل به، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين الحي والميت في الحرمة، فيجب أن يفعل به كما يفعل في الحي إذا أحدث، بعد سقوط الغسل عنه، والله أعلم.
مسألة: وقال هاشم إذا غسل الميت ووضع في اللفافة، ثم خرج منه شيء (16/23)
صفحة 3953
من أسفله أو فمه أو أنفه، فلا غسل عليه، ولكن يغسل ما خرج منه ويحشى بالقطن، وقال بشير بن مخلد: ثلاث مرات، ثم يحشى.
مسألة: وقال أبو سعيد: قد قيل في إعادة غسل الميت، إذا خرج منه شيء بعد الغسل اختلاف، فقال من قال: مرة بعد ذلك يغسل ما خرج منه، وقال من قال: ثلاث مرات، وقال من قال: خمس مرات، وقال من قال: إلى سبع مرات، ولا يعاد بعد السبع إلا غسل الموضع ما لم يكفن، فإذا كفن لم يعد غسله، ما لم يظهر الحدث على الأكفان، ويؤمن الضرر على الميت، ومعي إنه قد قيل: أن ليس على الميت إعادة الغسل، إلا ما خرج من الفرجين وسائر ذلك، إنما يعاد غسل الحدث، وقد قيل: إنما على الميت الغسل ما خرج من غسل واحد، وهو غسل السنة، وما خرج منه بعد ذلك غسل الموضع، ويعجبني هذا القول لثبوت الغسل في التعبد مرة واحدة، في معنى الجنابة والحيض، ومن بعد ذلك فإنما فيه الوضوء من الحي، ولا يكون الميت أوجب في التعبد من الحي في نفسه، والله أعلم. (16/24)
صفحة 3954
الباب السادس
فيمن يجب عليه غسل الموتى و من لا يجب عليه
قال أبو عبد الله: وجوب غسل الميت وتكفينه ودفنه والصلاة عليه، وفرض ذلك على الكفاية، إذا قام به بعض سقط عن البعض، وكل ميت من أهل الإسلام مات، من ذكر أو أنثى، حرا كان أو عبدا. صغيرا كان أو كبيرا، فواجب غسله، على كل من أقر بالإسلام، وواجب على أهل الإسلام غسل موتاهم وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم، فإن قال قائل: إن غسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم واجب على الرجال والنساء والعبيد، أم على بعض دون بعض من هؤلاء؟ قيل: بل واجب على الرجال دون النساء، وعلى الأحرار دون العبيد، إذا كانوا موحدين قادرين على غسلهم، مستطيعين لذلك، وكان واجبا عليهم دون غيره من النساء والعبيد، لأن الخطاب متوجه عليهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا على موتاكم»، وقوله عليه السلام: «اغسلوا موتاكم»، إنما يتوجه ذلك إلى الرجال الأحرار، وليس العبيد منا على الحقيقة، وإنما هم مضافون إلينا، لقول الله تبارك وتعالى: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُم) وإن كان اسم الرجال يجمعهم معنا، فإنهم أيضا مضافون إلينا، وليس هم من رجالنا في الحقيقة، وإن لم تجز شهادتهم، وقول الله تعالى: (عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) (النحل:75)، فليس يملكون لأنفسهم شيئا فيكون لهم فيه التصرف، ولما لم يكن لهم تصرف في أنفسهم، إلا بإذن ساداتهم لم يكن لأزمالهم ذلك، ولم يكن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم متوجها إليهم بتطهير الموتى والصلاة عليهم ودفنهم، وإنما قلنا ليس يجب عليهم فرض (16/25)
صفحة 3955
ذلك ولا يلزمهم، والله أعلم.
وأما النساء فإذا وجد الرجال القادرون لم يكن عليهن غسل الموتى، ولا دفنهم، وإن كن من جملتنا، وإنما يسقط عنهن غسل الذكور من الرجال دون النساء، وأما إذا كانت المرأة حرة أو أمة صغيرة كانت أو كبيرة، فعلى النساء غسلهن دون الرجال، لإجماع المسلمين على ذلك، إذا كن حاضرات قادرات على الغسل، مشاهدات للميت، إلا أن يكون الميت امرأة ذات بعل، وكان بعلها حاضرا أو جارية، كان سيدها حاضرا أو جارية كان سيدها يطأها، وكان مشاهدا لموتها، فهذان بالخيار، إن شاء غسلا ميتهما، وإن شاء أمرا النساء بغسلهما، والزوجان أولى ببعضهما بعضا في المحيا والممات، وبعد الزوجين، فالنساء أولى بغسل الإناث من الرجال مع القدرة منهن على ذلك، والله أعلم، وإن لم يجد الزوجان ولم يحضر أحد منهم، وكان الميت أنثى أو ذكرا، وحضرته النساء، فعليهن غسله ودفنه، بعد الاستطاعة لذلك، وأما الصلاة منهن عليه فقد اختلف المسلمون في ذلك، فقال قوم: يصلين عليه، وقال آخرون: لا يصلين عليه، والقول الأول أشيق إلى نفسي، وأعدل عندي، لأنهن لما لزمهن غسله دفنه مع عدم الرجال باتفاقهم جميعا على ذلك، إن ذلك عليهن، قلنا: إن الصلاة عليه واجبة، والله أعلم.
مسألة: وأولى الناس بغسل الميت وليه من الرجال أو يأمر من يغسله إذا كان الولي مسلما، وكذلك قال المسلمون: إن أولى الناس بغسل الميت وليه، والله أعلم.
مسألة: وقد يجب أن يلي الطهور الأرحام، ومن طهره فلا بأس.
مسألة: والأمة مجمعة على غسل موتاهم، فإن كان للميت أهل ففرض غسله لازم لأولادهم به دون غيره، فإن لم يكن فما كان من أهل الستر والأمانة.
مسألة: ولا يغسل الميت إلا الثقات من النساء والرجال، وليتقوا الله ولا يبدوا من شأن الميت شيئا، فإن ذلك مما لا يحسن ولا يجمل. (16/26)
صفحة 3956
مسألة: وما من مسلم غسل ميتا فرأى منه شيئا، فستر عليه إلا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة.
مسألة: عائشة -رضي الله عنها-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غسل ميتا وأدى فيه الأمانة وستر عنه ما يكون منه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، قالوا: والأمانة أن يستر عليه ما يكون منه عند ذلك.
مسألة: ابن عباس قال: اجتمع القوم لغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في البيت إلا أهله وعمه العباس وعليّ والفضل بن العباس وأسامة بن زيد وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اجتمعوا لغسله أسنده علي إلى صدره وعليه قميصه، وكان العباس والفضل وقسم يقلبونه على علي، وكان أسامة بن زيد وصالح يصبان الماء، وعلي يغسله فلم ير من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء مما يرى من الميت، وهو يقول: بأبي وأمي طبت حيا وميتا، وكان يغسل بالماء والسدر، وكفنوه، وصنع به مثلما يصنع بالميت، وفي هذا الحديث سنن كثيرة منها: أنه لا يحضر مع الغاسل إلا ثقة مأمون من أهل الميت، وفي حضوره معونة ومنفعة، ومنها: أنه يغسل في قميص إن أمكن، ومنها: أنه يجلس الميت إن أمكن، ومنها: أنه يغسل مرتين، ومنها: أنه يغسل بالماء والسدر، ومنها: أنه يغسل في بيت، ومنها أن الميت يغسله من أهله من كان يحسن، ولا يغسله الغريب، إلا أن لا يحسنوا الغسل، فليلتمس له غاسلا مأمونا عالما، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في غسل الميت: «ليَلِهِ أقرب أهله إن كان يعلم، فإن كان لا يعلم فمن يرون عنده حظا من ورع وأمانة».
مسألة: ويجب للغاسل أن يتعلم كيف غسل الشهيد، والمحرم والمحترقين، والغريق والمقطع قطعا، ويكون معه علم بأدب الغسل، ووجوبه، وقبيح لمن يغسل الموتى أن يكون جاهلا بذلك.
مسألة: قال أبو بكر: واختلفوا في الجنب والحائض، يغسلان الميت، فكره ذلك الحسن البصري وابن سيرين وعطاء، وقال علقمة ومالك: الحائض تغسل (16/27)
صفحة 3957
الميت، قال أبو بكر: قول الحسن البصري صحيح، لأن المؤمن طاهر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس بنجس».
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في قول أصحابنا معاني إجازة غسل الميت من الجنب والحائض، ولا معنى يدل على حجر ذلك ولا كراهية فيما عندي، قال أبو بكر: واختلفوا في الجنب والحائض، إذا ماتا قبل أن يغسلا، فقال الحسن: يغسل الجنب غسل الجنابة، والحائض غسل الحيض، ثم يغسلان غسل الميت.
قال سعيد بن المسيب: ما مات الميت إلا أجنب، وروينا عن عطاء أنه قال: يصنع بهما ما يصنع بغيرهما، قال أبو بكر: وهذا قول كل من أحفظ عنه من علماء الأمصار وبه نقول.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج من الاختلاف نحو ما حكي من قول أصحابنا من ثبوت الغسلين في الحائض والجنب، والاستكفاء بغسل واحد، وهو عندي أكثر ما قيل، وأصح المعنى فيه.
مسألة: ومن غيره، وسألت عن الحائض إذا ماتت كيف تغسل؟ تنظف كل تغسل إذا ماتت وهي طاهرة.
قال أبو سعيد: قد قيل على الحائض إذا ماتت تغسل غسلين، وقال من قال: غسلا واحدا، وهو أحبهما إليّ، وكذلك الجنب، والنفساء مثل الحائض فيما قيل.
مسألة: الميت إذا مات بين ظهراني العبيد المماليك، فليس عليهم أن يغسلوه ولا يصلوا عليه، ولا يدفنوه، ولو بقي بين ظهرانيهم أياما لم يكن يكفروا بتركهم له ولا يلزمهم ذلك، وقول الله تبارك وتعالى: (عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ)، فليس يملكون لأنفسهم شيئا، فيكون لهم فيه التصرف، ولما لم يكن لهم تصرف إلا بإذن ساداتهم لم يكن لازما لهم ذلك، والله أعلم، إلا أن يكون ساداتهم مبيحين لهم ذلك، فإذا أباحوا لهم ذلك الإطلاق والتصرف في كل ما يريدونه من (16/28)
صفحة 3958
أمورهم، فعليهم غسل هذا الميت إذا مات بين ظهرانيهم ودفنه، والله أعلم.
مسألة: وإذا مات الميت في محلة فلم يدفن، لم يكفر بذلك أهل البلد، إذا لم يدفنوه ويصلوا عليه، وإنما يكفر من علم أنه لم يدفن وتركه أولئك يكفرون.
مسألة: وإذا مات الميت في بلد، فلم يغسل ولم يصلى عليه ودفن، كفروا بعد علمهم بذلك، والقدرة منهم على دفنه وغسله والصلاة عليه، فهم بذلك كفار بعد العلم والمعرفة بموته، وتركهم له، والله أعلم، وأما إذا علم به بعض دون بعض وكان في محلة أو في موضع من البلد، فلم يغسلوه ولم يصلوا عليه، فإنما يكفر من علم بذلك، وقدر عليه فلم يفعله، وأما من لم يعلم من أهل ذلك البلد أو من أهل ذلك الموضع، فليس على من لم يعلم كفر، وواسع لهم عذر ذلك ما لم يعلموا، أو تقوم عندهم الحجة، أن ذلك الميت متروك، فلم يقبروه، وهم قادرون على فعل ذلك، فبذلك يكفرون، والله أعلم.
مسألة: وإذا امتنع من علم بالميت من الناس أن لا يغسلوه ولا يحملوه إلى قبره، ولا يدفنوه إلا بالكري أواسع لهم ذلك أم لا؟ فالذي عندنا ويوجبه النظر أن على الناس دفن موتاهم وغسلهم، بلا عوض يكون لهم من ذلك، لأن ذلك واجب عليهم، عند قدرتهم عليه، والله أعلم، إلا أن لا يكون لهؤلاء الذين مات الميت بين ظهرانيهم كفاية، ولا قوت يرجعون إليه إذا اشتغلوا بهذا الميت ودفنه وحفر قبره، وكان في مال الميت سعة وفضل، عندي أنهم يأخذون من ماله بقدر عنائهم، والله أعلم، وإن لم يكن للميت مال فعليهم أن يغسلوه ويحملوه ويدفنوه، فإن كانوا أغنياء عن ذلك ولهم قوت يرجعون إليه فعليهم الضمان إن أخذوا، ولا نحب أخذ شيء من ماله، والله أعلم، وأما الصلاة على الميت، فليس لهم عليها عوض، كانوا أغنياء أو فقراء، والله أعلم، فإن كان قال قائل: لم أجبت لهم ذلك، إذا لم يكن لهم كفاية، وكان عليهم الفرض أن يغسلوه ويدفنوه؟ قيل له: ألا ترى أن الشاهد عليه فرض أداء الشهادة، وأجازوا له باتفاقهم أخذ الكري، إذا كان ذهابه إلى الشهادة اشتغالا عن معاشه، فقد أجازوا له أخذ الكري (16/29)
صفحة 3959
من المشهود له، ولذلك قلنا ذلك هؤلاء الذين يقبرون الميت ويغسلونه، إذا لم يكن لهم قوت أو كفاية باشتغالهم بعمل الميت، فلهم أن يأخذوا من ماله العوض، والله أعلم. (16/30)
صفحة 3960
الباب السابع
في غسل الرجل والمرأة، والمرأة الرجل
والرجل يغسل امرأته وتغسله، وهما أولى ببعضهما بعضا، في المحيا والممات، ومن بعد الزوجين فالرجال أولى بغسل الرجل من نسائه، فإن كان ذوات محرم منه، إلا أن لا يكون رجل غسلنه، إذا كن منه بمحرم، إلا الفرج فلا يمسسنه ولا ينظرنه، والنظر إلى عورة الميت مكروه، وليس هو بمنزلة الحي، وكذلك النساء بعد الزوج أولى بغسل المرأة من أبيها وأخيها وابنها، وإن لم يكن النساء غسلها من كان هو أولى إلا الفرج فلا يمسوه ولا ينظروا إليه، وقال بعض الفقهاء: إلا أن تكون يهودية أو نصرانية فتغسل يدها وتغضي عن الفرج، ويعلم بغسل المرأة المسلمة إذا لم يكن إلا الرجال، وإن لم يكن إلا الرجال صبوا عليها الماء من فوق الثياب، ثم صلوا عليها، وإن مات الرجل مع النساء ولم يكن رجل يغسله صببن عليه الماء صبا من فوق الثياب، ومن غيره، وقال من قال: إن المسلم أولى بتطهير المسلمة من الذمية، وكذلك المسلمات أولى بتطهير المسلم من الذمي، وقد رخص في ذلك من رخص، وقال من قال أيضا: إن النساء إذا مات معهن رجل ولم يكن من ذات المحارم منه فإنهن ييممنه بالتراب، وكذلك الرجال إذا لم يكونوا ذوي محارم من المرأة يمموها بالتراب، وهذا القول فيه بعض السهولة، وقد وسع فيه من وسع، وقال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: إذا مات الرجل مع النساء وليس فيهن ذات محرم منه يممنه بالصعيد، وكذلك (16/31)
صفحة 3961
المرأة إذا ماتت مع الرجال، وليس فيهم ذو محرم يمموها بالصعيد.
مسألة: وسألته عن رجل مات وترك أباه وابنه وامرأته، من يطهره؟ قال: امرأته أحق بعورته، قلت: وهو مثل ذلك، قال نعم.
مسألة: وسألته عن المرأة تموت مع الرجل كيف تغسل؟ قال: يصب عليها الماء صبا من فوق الثياب، ثم يكفن بثوب فوق الثياب التي طهرت، وهي عليها.
مسألة: وعن امرأة ماتت، وليس عندها إلا الرجال، كيف تغسل؟ قال: تغسل وعليها الثياب، ولا ينظر منها إلى عورة، والنظر إلى عورة الميت مكروه، وليس هو بمنزلة الحي، ومن غيره قال: نعم، وقد قيل: النظر إليها ميتا كالنظر إليه حيا.
مسألة: ومن جواب أبي عبد الله سألت عن الميت إذا صبت عليه النساء الماء صبا من فوق الثياب إذا لم يكن معهن من الرجال أحد، أيدفن في تلك الثياب؟ فنعم يدفن فيها، ولا يخرجونه منها.
مسألة: ويغسل النصراني؟ إذا لم يوجد غيره، ويدليه في حفرته إذا لم يكن إلا نساء.
مسألة: فأحق الناس بغسل المرأة من الرجال الزوج ثم ابنها ثم أبوها ثم أخوها.
مسألة: وقيل: إن تزوج الرجل بأخت امرأته من يومه، فلا يطهرها.
مسألة: وقال الربيع: لا يغسل المؤمن الكافر، ولا الكافر المؤمن، ولا المؤمنة الكافرة، ولا الكافرة المؤمنة، ولكن إذا مات بعل لم يكن معه أحد من المسلمين، إلا رجال كفار، ونساء غسلته النساء المؤمنات من فوق الإزار، ولا ينظرن إلى عورته.
مسألة: والرجل يغسل امرأته وتغسله، وهما أولى ببعضهما بعضا، في المحيا (16/32)
صفحة 3962
والممات، وبعد الزوجين فالرجل أولى بغسل الرجل من نسائه، وإن كن ذات محرم منه، إلا أن لا يكون رجل، فالنساء يغسلنه إذا كن منه بمحرم، إلا الفرج فلا يمسنه ولا ينظرن إليه، وكذلك النساء أولى بعد الزوج، بغسل المرأة من أبيها وولدها، وأخيها وإن لم يكن نساء غسلها من كان من هؤلاء إلا الفرج فلا يمسسنه، ولا ينظرون إليه، وقال بعض الفقهاء: إلا أن تكون يهودية أو نصرانية تغسل يدها وتعلم بغسل المرأة المسلمة، وإن لم يكن إلا الرجال صبوا الماء عليها من فوق الثياب صبا وصلوا عليها، وذكر هاشم أن الوهبيين أخبروه أن موسى -رحمه الله- توفت أخته في طريق مكة، وطهرها إذا لم يكن معه نساء، قال هاشم: ولو كن نساء غرائب كن هن أولى بذلك، وقال مسبح: يطهرن إذا لم يكن نساء، فإذا أراد طهر شيء من العورة لف على يديه خرقة، ثم أدخل يده من تحت الثوب، وأما هاشم فتحير في أمر غسل العورة ثم قال: إذا أراد غسل شيء منها هنالك صب الماء صبا، من غير أن يمس العورة، وإن مرض قال مسبح: إنه يقع في نفسي أنه يجوز له في الحي ما يجوز له في الميت من ذلك، إن لم يكن نساء، وقال هاشم: إن جاز هذا في الحياة جاز في الموت، وقال: إن لم يدخل يده فيطهر المريضة، ثم يتقي صب الماء صبا.
مسألة: وإن مات رجل مع النساء، ولم يكن رجل يغسله صببن الماء عليه صبا من فوق الثياب.
مسألة: ومن مات في سفره، وليس معه إلا نساء ليس هو بمحرم، ومعهن رجل ذمي أو مشرك، فأقول: تطهره النساء يصببن عليه الماء صبا من فوق الثياب، ولا يطهره الذمي ولا المشرك، وكذلك إذا ماتت المرأة مع الرجال، وليس معهم لها محرم، ولا امرأة إلا ذمية أو مشركة، فإن الرجال يصبون عليها الماء من فوق الثياب، ولا تطرها الذمية ولا المشركة.
مسألة: وإذا غسلت المرأة جمع شعرها في مؤخرها بين كتفيها.
مسألة: وشعر المرأة يجمع ثم يضع في رأسها، ولا يسرح بالمشط، ولا بأس (16/33)
صفحة 3963
أن يرسل ولا يقعد، وجمة الرجل ترسل، وإذا غسل رأس المرأة بالغسل، وذلك بالماء حتى ينقى، ويولج الماء أصول الشعر اكتفي بذلك، فإن خرج من شعر الميتة شيء غسل بالماء ورد في شعرها، وإن سفوا شعرها وأرسلوه، فكل ذلك جائز إن شاء الله.
مسألة: والمرأة يفرق شعرها عند غسلها، وكذلك في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن امرأة ماتت، وأمر بفرق شعرها عند غسلها، وقال فيها ذكر محمد بن جعفر من إرسال شعر المرأة، فإنه يترك مرسلا إن كانت ضفائرها قد حلت، وإن كانت غسلت وضفائرها لم تحل تركت أيضا بحالها، والله أعلم. من الإشراف: واختلفوا في أم ولد الرجل يغسلها وتغسله، فرخص فيه أبو القاسم صاحب مالك، وقال أبو الحسن لا يغسله.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا في غسل النساء للمرأة إذا لم يكن من نسائها من المسلمات، أولى من غسل جميع أرحامها من الرجال، ما خلا زوجها، وكذلك غسل الرجل للرجل، أولى من جميع أرحامه من النساء ما خلا زوجته، فإذا لم يجد الرجل للرجال ولا النساء للنساء فذوو الأرحام عندي من ذات المحارم، يقمن مقام الرجال في تطهير الرجل، وكذلك الرجل من ذوي المحارم يقومون في غسل المرأة مقام النساء، إذا كانت من ذوات المحارم منهم، وإن غسل ذوو المحارم من الرجال ذات محرم منهم مع وجود النساء خرج ذلك عندي مخرج الكراهية، وكان ذلك عندي شبيها بالجائز، لأنهم كلهم عندي سواء، بمعنى العورات، وكذلك ذوات المحارم من النساء، في ذوي المحارم من الرجال عند وجود النساء.
ومنه، قال أبو بكر: واختلفوا في المرأة تموت مع الرجال، والرجل يموت مع النساء، فقال إبراهيم النخعي: وبه قال الزهري وقتادة وقال الحسن البصري وإسحاق بن راهويه: يصب عليها الماء من فوق الثوب، وروينا عن ابن عمر ونافع أنهما قالا: ترمس في ثيابها، وقالت طائفة: معنا أنه إذا أراد أن يتيمم بالصعيد، (16/34)
صفحة 3964
هكذا روينا عن سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان، وفيه قال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل، وأصحاب الرأي، وقال الأوزاعي: تدفن كما هي ولا تيمم، قال أبو بكر: قول مالك بن أنس صحيح.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف، إلا قول أنها تدفن بغير غسل ولا تيمم، فإن هذا لا أعلمه لثبوت التطهير على المسلمين، فإنها سنة ثابتة، ولا يجوز لعلة تركها إلا من عذر لزوم التيمم في كل موضع طهارة عند عدم الطهارة، بمعنى الاتفاق في الأحياء وكذلك شبه معناه في الأموات، ويعجبني التيمم لثبوت العذر واغتنام الرخصة خوفا أن يتولد من صب الماء على الميت من على الثياب بشيء نجس، فيكون ذلك أشد، لأنه قيل: إنه على قول من يقول: إنها تغسل في ثيابها فتغسل بحالها، وتكفن بثيابها، لأنها لا تجرد، فلما أن ثبت هذا، كان معي أن التيمم أحق وأشبه بمعنى الاحتياط.
مسألة: أجمع المسلمون على أن للمرأة أن تغسل زوجها، إلا ما ذكرت عن حذيفة أنه قال: لا يجوز لأحدهما أن يغسل صاحبه، يعني الزوج والزوجة.
مسألة: وإذا ماتت المرأة في سفر ولا نساء معها، فالزوج أحق بها من الأخ، والعم والأنساب كلهم، والأب أحق منهم في الصلاة، وإن لم يكن معهم إلا مشركة، فقيل: تعلم المشركة بغسلها، وقيل: لا تغسلها المشركة، ويصب عليها الماء صبا، وإذا مات رجل مع نساء لا رجل معهن فليصببن الماء عليه، ويصلين عليه، وتكون أعملهن بالسنة في وسط الصف عند الجنازة وتكبر، قال: وقد قال من قال: ليس للنساء صلاة، قال: وإذا ماتت المرأة مع الرجال صبوا الماء عليها صبا، وصلوا عليها.
مسألة: والزوج أولى بالغسل من الأب والابن، وأما الصلاة فالأب أولى من الزوج، والزوج أولى من الابن.
مسألة: وإذا ماتت امرأة مع الرجال، ليس هم منها بمحرم، صبوا الماء عليها (16/35)
صفحة 3965
صبا، وإن كانت صبية، وكذلك يفعلون، فإن كانوا منها بذي محرم غسلوها من فوق الثياب، وإذا جاءوا إلى العورة لفوا على أيديهم خرقة وغسلوها، وكذلك إن كانت صبية، فإن كانوا ممن يحل لهم نكاحها فهم إذاً بمنزلة الغرباء.
مسألة: و إذا ماتت امرأة مع رجال جاز لهم أن يجعلوا الحنوط منها، فيما لهم أن ينظروا إليه في حياتها، من غير أن يمس ذلك، فأما غيره فلا.
مسألة: والمرأة الحائض تغسل ولدها، صبيا جارية أو غلاما، ولا بأس بغسل المرأة الحائض للميت، إذا افتقروا إلى ذلك.
مسألة: والحائض تطهر الميت فلا بأس، وتغسل يدها أولا.
مسألة: والمرأة تغسلها النساء على قدر ما يغسل الرجل.
مسألة: والرجال أولى بغسل الرجال، والنساء أولى بغسل النساء، فإن لم يوجد للرجال رجال وللنساء نساء، فذو المحرم يتولى ذلك من المرأة، ولا ينظر إلى الفرج ولا يمسه، وكذلك المرأة يتولى من تغسله من الرجال، ممن يحرم عليها نكاحه، فإن امتحن رجال بموت امرأة بينهم في سفر ولم يجدوا لغسلها غيرهم صبوا عليها الماء من فوق الثياب، وقد أجاز الفقهاء في حال الضرورة مسألة: أبدان النساء اللواتي ليس هن بمحارم لهم إلا نفس الفرج، وقد يتبقى هذا الموضع أن تغسل المرأة لأجل الضرورة، والعدم على غير ما أعطوا في هذا الموضع، والله أعلم.
وقال محمد بن جعفر: وقال بعض الفقهاء: إن لم يكن من النساء إلا يهودية أو نصرانية، علمت فغسلت يدها، وتغسل المرأة المسلمة، إذا لم يكن إلا الرجال؟ الجواب أن الذمية إذا حصلت منها طهارة، جاز أن تغسل بحضرة مسلم يعرفها حكم الغسل، ولا يجوز أن تكون أمينة للمسلمين، فيما لم يكن يعتقد وجوبه في دينها، والله أعلم. قال: والذي يوجبه النظر أن حكم الصغار من الذكور وحكم الكبار منهم، والصغار من الإناث، حكم الكبار من النساء في الغسل، والله أعلم. (16/36)
صفحة 3966
مسألة: وعن المرأة تموت عند الرجال، وليس فيهم لها ولي، وفيها حلي في يديها وعنقها ورجليها، هل يخرجون منها ذلك؟ فنعم لهم أن يخرجوا ذلك منها كيفما أدركوا ذلك إن أمكنهم أن يضعوا ثياباً فوق أيديهم، وإن لم يدركوا ذلك إلا بالمس جاز لهم ذلك، إذا لم يقدروا على إخراجه إلا بمسها.
مسألة: والمملوكة لا يغسلها غير سيدها في السفر، إذا لم توجد امرأة ولا زوج.
مسألة: وإذا مات رجل عند نسوة ليس عندهن رجل ولا امرأته ولا جاريته يممنه بالتراب، ويقمن صفا واحدا ليه، ويصلين عليه ويقتدين بامرأة تقوم وسطهن ثم يدفنه في ثيابه، وإن قدر على رجل مشرك فليغسله.
مسألة: وللزوجين أن يغسل كل واحد منهما صاحبه، لأن العصمة باقية بينهما بعد الموت، قال الله جل ثناؤه: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ) (النساء: 12)، وقال: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً) (البقرة:134)، والمدعي قطع العصمة بينهما محتاج إلى دليل.
مسألة: وإذا ماتت المرأة والولد يتحرك في بطنها فلا يخرق بطنها ويخرج الولد، فإن خرق بطنها زوجها وأخرج الولد، قال أبو عبد الله: على من خرق بطنها أرش ما أحدث فيها بمنزلة أرشها، لو كانت حية، وعليه الاستغفار مما صنع فيها.
مسألة: ولا يجوز شق بطن الحامل إذا ماتت، ومن شق بطنها فقد أخطأ، لأن الحمل لا يعلم حقيقته، ولا يشق بطنها، ولا يعلم أيكون أم لا يكون.
مسألة: وإذا ماتت امرأة وقد طهرت من الحيض أو الجنب أجزأه غسل واحد، لأن غسل الميت فرض على الأحياء، وغسل الحائض والجنب هو المتعبد به في حال حياته، فلا ينتقل إلى غيره، والغسل من الجنابة والحيض والنفاس يوجب (16/37)
صفحة 3967
الطهارة، والميت قد زالت عنه الصلاة.
مسألة: وإذا وجب على امرأة غسل من جماع فلم تغتسل حتى حاضت ولم تطهر من حيضها حتى ماتت، أو طهرت من حيضها فلم تغتسل حتى ماتت، فقال أبو مالك على قول: إنها تغتسل ثلاث غسلات، غسل للجماع، وغسل للحيض، وغسل لطهارة ا لميت، قال: والاختلاف في هذا كله كالاختلاف في التيمم. (16/38)
صفحة 3968
الباب الثامن
في غسل الشهداء ودفنهم وتكفينهم وما أشبه ذلك
وأما الشهيد فإذا قتل في المعركة فإنه لا يغسل، ويكفن في ثيابه التي قتل فيها، ولا ينزع منه إلا الخفين والكمة، وإن كان فوق الكمة عمامة تركت بحالها، وإن كان الشهيد جنبا غسل، وقال أبو الحواري: وقالوا: ينزع من الشهيد الدرع، وما كان من لبس الحديد.
مسألة: وإن اعترض لصوص لرجل فقتلوه، وحمل الشهيد أيضا من المعركة وفيه رمق حياة حتى مات بعد، فهذا يغسل، وقيل: غسل عمر بن الخطاب -رحمه الله- وصلي عليه، وكان شهيدا، وإنما جاء الأثر في الشهداء الذين يلقون العدو ويقتلون في المعركة، أولئك لا يغسلون ويدفنون بثيابهم التي عليهم من بعد الصلاة، وقيل: قال بعض الصحابة: ألا لا تغسلوا عني دمي ولا تنزعوا عني ثوبا إلا الخفين، وأرمسوني في الأرض رمسا، فإني رجل محاج، أحاج يوم القيامة، يعني أخاصم يوم القيامة، ويوجد عن الشعبي أنه قال: في رجل قتله اللصوص لا تغسلوه، وقال سفيان الثوري: إذا قتل مظلوما لم يغسل، ونحن نحب أن يغسل، ومن غيره، قال محمد بن المسبح: من قتل مظلوما لم يغسل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد».
مسألة: وعن شهيد قتل في المعركة، أيغسل أم حين يرد إلى رحله، فإنه يغسل؟ قال أبو الحواري: إن قتل خارجا من القرية دفن ولم يغسل، وإن قتل في البلد غسل قبل أن يدفن. (16/39)
صفحة 3969
مسألة: وسألته عن القتيل يرفع من المعركة، هل يغسل ويصلى عليه؟ قال: لا يغسل، ولكن يصلى عليه إذا كان في سبيل الله، ويكفن في أثوابه التي قتل فيها، ويراد (1) أرواح ويدفن بدمه.
مسألة: وحدثني ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن، فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، يدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا.
مسألة: ومن غيره، وسألته عن الشهيد إذا رفع من المعركة قتيلا، هل تنزع منه ثيابه التي قتل فيها؟ قال: ينزع السلاح والخفين والكمة، ولا ينزع من الثياب شيء، ولا يزاد فيها شيء، إلا أن يكون فوق الكمة عمامة فلا تنزع، قلت: يحنط؟ قال: لا.
مسألة: وعن الوضاح بن عقبة قال: بلغني عن عزان أنه قال: إنما الشهيد من إذا مات دخل الجنة.
مسألة: والشهداء هم الذين يقتلون في الحرب، وليس كل مقتول ظلما فهو شهيد.
مسألة: ومن قتل في قتال فأتي به وبه رمق حياة، فمكث ليلة أو بعض يوم ثم مات، فإنه يكفن ويغسل.
مسألة: والشهداء إذا خرجوا من معترك الحرب وفيهم رمق حياة غسلوا وكفنوا، وإذا قتلوا في معركتهم كفنوا في ثيابهم التي كانت عليهم بعد الصلاة عليهم، ولا يغسلون ولا ينزع عنهم إلا الخفان والكمة إن لم يكن عليها عمامة، من كتاب الإشراف: قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في شهداء أحد: «أنا أشهد على هؤلاء»، وأمر بدفنهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا، وقال صلى الله عليه وسلم
(1) كذا بالأصل وهو غير مفهوم. (16/40)
صفحة 3970
مالك بن دينار ومن تعبه من أهل المدينة: لا يغسل الشهيد، وبه قال الحكم بن عيينة وحماد، وأصحاب الرأي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور، وكذلك قال عطاء وسليمان بن موسى ويحي بن سعيد الأنصاري وإبراهيم النخعي، وكان الحسن البصري وسعيد بن المسيب يقولان: يغسل فإن كل ميت يجيب؟ وسئل ابن عمر عن غسل الشهيد فقال: قد غسل عمر وكفن وحنط، وصلي عليه، وكان شهيدا، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول للسنة الثابتة التي ذكرناها.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا بما يشبه الاتفاق، أن شهيد المسلمين من قتل منهم في المعركة في المحاربة أنه لا غسل عليه، ومنه قال أبو بكر: واختلفوا في الصبي والمرأة يقتلان، فقال الشافعي: يفعل بهما كما يفعل بالشهداء، وبه قال أبو ثور ويعقوب ومحمد، قال النعمان: والنساء والرجال كما في هؤلاء، وقال في الولدان يغسلون، قال أبو بكر: القول الأول هو صحيح.
قال أبو سعيد: معي، إنه إذا ثبتت الشهادة في الصبي، وكان بحد المراهق الذي يحارب فقتل في المعركة، أو المرأة لحقه عندي ما يلحق الشهيد، وليس كل مقتول عند أصحابنا شهيداً في معنى ما يزول به ثبوت الغسل، وإنما الشهيد عندهم المقتول في المعركة في ا لمحاربة، ومنه قال أبو بكر: واختلفوا فيمن قتله أهل الشرك، فقال عامر الشعبي والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: فيمن قتله اللصوص لم يغسل، وكذلك الأوزاعي فيمن قتل في بيته، قال سفيان الثوري: من قتل مظلوما لم يغسل، وكان مالك والشافعي يقولان: يغسلون ويصلون عليهم، وبه نقول.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا أن من قتله اللصوص في الجبان بين القرى أو أشباههم ممن يقع في موضع الظالمين في مثل هذا الموضع، أنه بمنزلة الشهيد، ولا غسل فيه، وكذلك لو حمل من المعركة، ولم يدروا حتى مات، ففي بعض قولهم: إنه لا غسل عليه، وفي بعض القول: إن الغسل في (16/41)
صفحة 3971
هؤلاء كلهم، وأحسب أنه يخرج في معنى القولين الآخرين، أنه كان مظلوم مقتول إلا الظلم لا غسل فيه، وإذا ثبت فيمن قتل في الجبان لم يبعد في غيره عندي، وأما الصلاة فلا أعلم في قول أصحابنا تركها من أهل الإقرار، ممن قتل مظلوما، وإما قالوا لا يصلى على أهل البغي وأشباههم، من قتل على حد متوليا عن الحق مدبرا غير تائب ولا مقبل، ومنه قال أبو بكر: واختلفوا في الجنب يقتل في المعركة، فقال أبو ثور: لا يصلى عليه ولا يغسل، وقال يعقوب ومحمد: جنبا كان أو غير جنب، وقال النعمان: يغسل، وقال أبو بكر: لا يغسل، لأن ما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو عام لجميع الشهداء.
قال أبو سعيد: أما معنى الصلاة في أعلم تركها، يخرج عندي في أحد من أهل القبلة، إلا من ذكرناه فيما مضى من الكتاب، وأما الشهيد الجنب فيلحقه عندي معنى الاختلاف لثبوت الجنابة فيه، ولثبوت معنى زوال الغسل للشهيد في الجملة، وأنا يعجبني قول من قال: إن الشهيد يغسل على كل حال إذا لم يخف الضرر فيه وأمكن غسله، لأن ذلك زيادة في طهارته وكرامته، من غير قصد مني إلى خلاف، بل أرجو في ذلك الفضل من الله على حسن ظني فيه.
مسألة: من -الزيادة المضافة- وسئل عن رجل وجد رجلا قتيلا، فلم يستطع على حمله، هل له أن يجره على الأرض؟ قال: يجره على الأرض، ويدفنه مكانه إن قدر على ذلك، فإن عجز عن دفنه في الأرض، عق عليه ما يأمن به عليه من الحجارة والتراب أو الشجر، قيل له: فيصلي عليه؟ حتى يعلم أنه مشرك، وقال من قال: إن كان من أمصار أهل الإسلام صلى عليه حتى يعلم أنه مشرك.
مسألة: عن أبي الحسن -رحمه الله- قال: وأما الذي يقتل في القرى أو في بيته أو في السوق، فإن ذلك يغسل، وهو أيضا شهيد إذا كان من المسلمين، وقتل مظلوما.
مسألة: وقال موسى بن أبي جابر: القتيل لا يغسل، إلا أن ينقطع منه شيء، أو ينقر بطنه أو يجدع بالحديد، فإن شاءوا أن يصبوا الماء عليه صبا فلا بأس، (16/42)
صفحة 3972
وأما ما قطع أو جدع وانتثر فإنه يجمع ويدفن.
مسألة: ومن -جامع ابن جعفر- والشهداء إذا خرجوا من معركتهم وفيهم حياة ثم ماتوا بعد ذلك غسلوا وكفنوا، وإذا قتلوا في معركتهم دفنوا في ثيابهم التي كانت عليهم بعد الصلاة عليهم، ولا ينزع عنهم شيء، إلا الخفان والكمة إن لم يكن عليها عمامة، وإن وجد بعض جسد الشهيد وبعضه قد أكل وذهب، غسل ما وجد منه وكفن وصلي عليه، ومن غيره قال: لا غسل على الشهيد إذا وجد في المعركة، والله أعلم، فينظر في ذلك.
ومن -الجامع أيضا- وإن وجد أيضا بعض جسد الشهيد وبعضه قد أكل وذهب غسل ما وجد منه وكفن وصلي عليه، فإن وجد الباقي من جسده بعد أن صلي على ما دفن غسل وحنط وكفن ولم يصل عليه، وذلك إذا عرف أنه بدن مسلم، أو كان في موضع قتل المسلمين.
مسألة: وإذا وجد بعض جسد الشهيد غسل وكفن وصلي عليه، فإن وجد الباقي غسل وحنط وكفن ولم يصل عليه.
مسألة: ومن -جامع ابن بركة- والمقتول في المعركة لا يغسل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دم المقتول في سبيل الله يفوح مسكا يوم القيامة»، وفي هذا من الأخبار كثير في دماء الشهداء، ومن قتل في غير المعركة فليس هذا سبيل، ومن - الكتاب- وغسل الميت فرض على الكفاية، إذا قام بغسله البعض سقط عن البعض، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلوا موتاكم» فهذا خطاب للمسلمين، وكل ميت من أهل الإسلام واجب غسله بأمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا الشهيد فإن النبي صلى الله عليه وسلم خصه من جملة موتى المسلمين، فأخرجه منهم بالنهي عن غسله لقوله: «زملوهم في ثيابهم ودمائهم»، والشهداء هم الذين يقتلون في الحرب، وليس كل مقتول ظلما هو شهيد، وإن كان قد خالفنا كثير من مخالفينا، فزعم أن كل مقتول ظلما فهو شهيد، حتى ذكر أن الساقط من النخلة، ومن سقط عليه شيء فقتله فهو شهيد، والشهداء عندنا هم عندنا هم المتفق عليه، من قتل في حرب المسلمين محاربا (16/43)
صفحة 3973
معهم، ومعنى قوله عليه السلام: «زملوهم في ثيابهم» أي لفوهم فيها، فكل ملفوف فهو مزمل.
مسألة: ومما يوجد عن محمد بن محبوب -رحمه الله- أنه قال: الشهداء كثير، منهم البطون، والغريق والنفساء، والمتردي والذي يقع عليه الجدار، وأما الشهدء المرزوقون فمن قتل بالسيف. (16/44)
صفحة 3974
الباب التاسع
في غسل الصبي
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن للمرأة أن تغسل الصبي الصغير، وممن قال ذلك الحسن البصري ومحمد بن سيرين، وحفظه ابن سيرين ومالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل، وأصحاب الرأي، واختلفوا في سن الصبي الذي تغسله المرأة، فقال الحسن البصري: إذا كان فطيما أو فوقه شيء، وقال مالك وأحمد بن حنبل: ابن سبع سنين، وقال الأوزاعي: ابن أربع سنين وخمس، وقال إسحاق: ابن ثلاث إلى خمس، وقال: إذا كانت الجارية مثل ذلك غسلها الرجل، وقال أصحاب الرأي: تغسل المرأة الصبي الذي لم يتكلم، ويغسل الرجل الصغيرة التي لم تتكلم.
قال أبو سعيد: معي، إنه يخرج في معنى قول أصحابنا أنه يجوز أن تغسل المرأة الصبي الذكر الذي لم يكن بحد من يستحيي ويستتر، ولا يغسل الرجل الصبية، لأن فيها العورة بما يوجد فساد النكاح، ونقض الوضوء، كانت صغيرة أو كبيرة، ولعله رخص من رخص في غسل الرجل الصبية، ولا أجد ذلك يعجبني إلا أن لا يجد النساء. (16/45)
صفحة 3975
[صفحة بيضاء] (16/46)
صفحة 3976
الباب العاشر
في غسل الصبي وفي السقط
وسألته عن الصبي الصغير إذا مات مع النساء، ألهن أن يطهرنه؟ قال: نعم، قلت: والصبية إذا ماتت مع الرجال هل لهم أن يطهروها؟ قال: لا. ومن غيره، وإذا مات المرضع غسله النساء دون الرجال، ويحمله الرجال على أيديهم غلاما كان أو جارية، ما لم يفطم ويكفن في ثوب واحد، وإن أحب أن يزيده فليزده، ويستحب أن يكون الكفن وترا، هذا ما لم يفطم، غلاما كان أو جارية، وأما إذا مات أحدهما بعدما نشأ فليغسل الرجال الغلام، والجارية النساء، ويكفن في ثلاثة أثواب لفافتين ودرع أو قميص، ومن غيره: ويجوز للنساء غسل الصبي ما لم يكن في حد من يستحي ويستتر، وكذلك الصبية أيضا إن غسلها من الرجال ذو محرم منها، وهي عندنا أشد من الصبي، وغسل النساء لها أحب إلي.
قال غيره: يعجبني أن لا يستعمل هذا إلا مع العدم، ولا يكون إلا من ذوي المحارم، وأما عند المكنة فلا، وقيل: مات أبو الشعثاء جابر بن زيد -رحمه الله- فغسلته امرأته، وبلغنا أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- غسلته امرأته، قال أبو المؤثر: رفع إلي في الحديث أن جابر بن زيد غسل امرأة له ماتت قبله، وغسلته امرأته التي كان معها، وكان يقال لها أمينة، وذكر لنا أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر الصديق -رحمه الله-.
قال غيره: رجل تزوج يتيمة فماتت قبل زواجه بها، ولم تبلغ فيعلم (16/47)
صفحة 3977
رضاها، أيجوز له غسلها بنفسه أم لا؟ أحب إلي أن لا يتولى غسلها، قلت: من أولى بالصلاة عليها الزوج أم الأخ؟ بل الأخ في هذا أولى.
مسألة: ويجوز للنساء غسل الصبي ما لم يكن في حد من يستحيي ويستتر، وكذلك الصبية أيضا من غسلها الرجال وذو محرم منها، وهي عندي أشبه من الصبي، وغسل النساء لها أحب إليّ.
مسألة: قال من قال: لا يغسل الصبية الرجال، ويغسل الصبي النساء، ولم يرخص في غسل الرجال للصبية، وذلك أحوط.
مسألة: وإذا كان سقط تام الخلق فيطهر ويحنط ويكفن، ولا يصلى عليه.
مسألة: ويوجد في الأثر أنه إذا كان تام الخلق، صلي عليه أيضا.
مسألة: وإذا مات الرضيع غسله النساء، دون الرجال، وحمله الرجال على أيديهم. قال غيره: فالذي معنا أرادوا، وتحمله الرجال على أيديهم غلاما كان أو جارية ما لم يفطم، ويكفن في ثوب واحد، وإن أحب أن يزيد فليزده، ويستحب أن يكون الكفن وترا، هذا ما لم يفطم غلاما أو جارية، وإذا مات أحدهما بعد ما نشأ فليغسل الغلام الرجال، والجارية النساء، ويكفن في ثلاثة أثواب، لفافتين ودرع أو قميص.
مسألة: والصبي الذي يولد ميتا، يغسل ويكفن، ولا يصلى عليه.
مسألة: ويجوز للنساء غسل الصبي ما لم يكن في حد من يستحيي ويستتر، وكذلك الصبية أيضا، من غسلها من الرجال ذو محرم منها، وهي عندي أشد من الصبي، وغسل النساء لها أحب إلي.
مسألة: ويجوز للنساء غسل الطفل الذي لا يستترن منه.
مسألة: والرضيع تغسله النساء دون الرجال، ويحمله الرجال على أيديهم ذكرا كان أو جارية ما لم يفطم، ويكفن في ثوب واحد، ومن أحب أن يزيده (16/48)
صفحة 3978
فليزده، ويستحب أن يكون الكفن وترا، وهذا ما لم يفطم غلاما كان أو جارية.
مسألة: وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المرأة تغسل الصبي الصغير، واختلفوا في سنه، فقال الحسن: إذا كان فطيما أو فوقه سنا، وقال مالك وأحمد بن حنبل: ابن سبع سنين، وقال الأوزاعي: ابن أربع سنين وخمس، وقال إسحاق: ثلاث إلى خمس، وقال: إذا كانت جارية مثل ذلك غسلها الرجل، وقال أصحاب الرأي: الرأي تغسل المرأة الصبي الذي لم يتكلم، ويغسل الرجل الجارية التي لم تتكلم. (16/49)
صفحة 3979
[صفحة بيضاء] (16/50)
صفحة 3980
الباب الحادي عشر
في غسل أصحاب العلل
والمجدور الذي لا يحتمل بدنه الغسل إذا مات وخيف عليه إن غسل أن يتساقط لحمه، فإنه يجتزى له بالتيمم.
مسألة: ويقال: إذا كان بالميت جدري أو حصبة، غسل بخرقة نظيفة تبل بالماء ثم يتبع بها جسده.
مسألة: وإن كان الميت مجدورا أو متغيرا لا يستمسك لمس الأيدي صب عليه الماء صبا، يجزيه، وقيل: ييمم.
مسألة: ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في غسل من يخاف أن يتهرأ لحمه إن غسل، فقال سفيان الثوري: إن لم يقدر على غسله صب عليه الماء، وقال مالك: مثله إذا تفاحش، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: ييمم إذا خيف عليه أن يتهرا لحمه، وبه نقول يفعل به بعد موته، كما يفعل به في حياته.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج نحو هذا في معاني قول أصحابنا (1).
---------------
(1) زيادة من نسخة من كتاب أبي جابر قيل له: فإن قتل قتيل فقطع، هل يغسل أم يجوز دفنه بلا غسل؟ قال: عندي إنه إذا أمكن غسله بحال فلابد من غسله، وإن كانت أعضاؤه منقطعة بائنة هل يجوز أن تغسل كل جارحة على حده أم يضم كله ويغسل؟ قال: عندي إنه يضم ويغسل أحب إليّ ويغسل في مقام واحد، وإن غسل كل جارحة على حده فعندي أنه لا يضيق ذلك، وأرجو أنه جائز إن شاء الله، قلت له: فإن لم يكن غسله؟ قال: عندي إنه ييمم له، قيل له: فإن كان منقطعا لم يمكن أن ييمم ولا يدرك، قال: عندي إنه إن لم يمكن أن لم يكن عليهم عندي أن ييمموه يدفنوه، وقال: ما أمكن غسله غسل، وما لم يمكن غسله وأدرك أن ييمم يمم، وهذا كله على معنى قوله. (16/51)
صفحة 3981
[صفحة بيضاء] (16/52)
صفحة 3982
الباب الثاني عشر
في الرجل يموت مع رفقائه في السفر
في بر أو بحر، وكذلك إذا عدم الماء
عن أبي الحواري وسألته عن الرجل يموت مع رفقائه في السفر، في موضع لا يقدرون على الماء، إلا بالشراء أيشترون له من ماله من الماء ما يجزيه لتطهيره وتطيين لحده، والرش على قبره؟ قال: نعم. قلت له: وكذلك ما لزمه من حفر القبر، وما لزم من جمع البناية من ماله؟ قال: نعم.
مسألة: ومن مات في السفينة ولم يقدروا على الأرض، فإنه يغسل ويكفن، ويجعل في الماء.
مسألة: ولا بأس بغسل الجنب إذا افتقر إليه.
مسألة: ومن غسل في سفر فالمأمور به أن يكون شيء من السدر، فإن لم يجد فلا بأس إن شاء الله.
مسألة: ومن مات في السفر، ولم يحضر ماء فإنه يوجد في الكتب أنه ييمم، كما ييمم الرجل للصلاة إذا لم يقدر على الماء، وإن قدر على الماء قريبا فأحب إلينا أن يحمل إن لم يشق ذلك عليهم.
مسألة: وإذا هلك رجل في طريق مكة -نسخة- الحج في موضع لا ماء فيه، وخلف قربة فيها ماء قليل، وبه نجاسة كثيرة في جسده وثيابه، والماء الذي في قربته لا يقوم بغسل النجاسة، وله بنون أيتام وللماء في ذلك الموضع ثمن، فإنه يغسل (16/53)
صفحة 3983
بمائه، لأن غسله وكفنه من رأس ماله، وإن لم يكفه الماء كان على من حضر دفنه تمام غسله، وإن لم يمكنهم ماء غير ذلك يمموه بما بقي، ويبدأ بغسله الأول، فالأول على ما ذكروا من غسل الميت، فإن لم يجزه يمموه على بعض القول، لأنه بمنزلة من لم يجد الماء بعد فراغ مائه.
مسألة: وإذا عدم الماء للميت وجب على المسلمين أن ييمموه، ولا ييمم إلا بالصعيد وهو التراب لا غيره، فإن عدم الماء والصعيد دفن، ولم ييمم بغير الصعيد، وذلك إن عدم الماء لم يجز أن يغسل بالنبيذ ولا بماء الورد، ولا بغير ذلك إلا بما يقع عليه اسم الماء مطلقا، وإذا لم يوجد الماء إلا بالثمن وكان للميت مال وجب أن يشترى له الماء الذي يغسل به باتفاق الأمة، فإن لم يكن له مال وجب على المسلمين أن يشتروا له الماء إذا لم يجدوه إلا بالثمن، وإن قام به البعض سقط عن الباقين، ولا يجوز أن يعدل به إلى التيمم مع وجود الماء بالثمن.
مسألة: والغريق في البحر يجب غسله، وليس وقوعه في البحر مجزيا عن غسله المأمور به.
مسألة: وإذا مات الرجل في المركب غسل وكفن، وجعل بين لوحين، وصلي عليه ثم رمي به في البحر، فلعل بعض المسلمين إذا قذفه البحر يجده فيدفنه، فإن لم توجد الألواح فرمي به في البحر، فلا بأس وهو قول الشافعي.
مسألة: وإن مات في البحر وغرق ولم يقدر على دفنه في البحر غسل وصلي عليه وألقي في البحر، وجعل في رجليه شيء ثقيل لئلا يطفو على الماء، ولا نعلم في إلقائه في البحر خلافا إذا لم يقدر على البر.
مسألة: ومن علم بالغريق في البحر من الناس فعليه إخراجه إن قدر، وغسله وتكفينه والصلاة عليه، ولا يجزي وقوعه في البحر عن الغسل المأمور به.
مسألة: ويصلى على الميت في السفينة إذا شاءوا قعودا، وإن شاءوا قياما، (16/54)
صفحة 3984
بمنزلة المكتوبة، ثم يقذف في البحر إن خافوا أن يتغير، قبل أن يصلوا البر، وإن لم يخافوا تغيره أخروه حتى يأتوا به البر فيدفنوه بالساحل، وإن هم قذفوه في البحر ولم يصلوا عليه نسيانا أو جهلا صلوا عليه ودعوا له، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، فإن الله يعلم ويعطي على القول ما يعطي على العمل، وفي نسخة فإن الله يعلم النيات، ويعطي عليها ما يعطي على القول والفعل، وكذلك إذا كبروا تكبيرتين أو ثلاثا ثم قذفوه في البحر، فأحب أن يعيدوا الصلاة على النية، على اسم الميت، لأنه لابد من الصلاة عليه، وليس الصلاة على الجنازة إلا بكمالها وتمامها، وإلا فكأنه لم يصل عليها.
مسألة: من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: قال الحسن البصري والثوري: يجعل الميت في البحر في زنبيل ثم يقذف به، وقال عطاء بن أبي رباح: يفعل به ما يفعل بالميت من الحنوط والكفن والصلاة عليه، ويربط في رجليه شيء ثم يرمى به في البحر، وبه قال أحمد بن حنبل، وقال الشافعي: إن قدروا على دفنه وإلا أحببت أن يجعل بين لوحين يربطونهما ليحملاه إلى أن ينبذه اليم بالساحل، فلعل بعض المسلمين أن يجدوه فيواروه، وإن لم يفعلوا وألقوه في البحر رجوت أن يسعهم، قال أبو بكر: إن كان البحر الذي مات فيه الميت الأغلب منه أن تخرج أمواجه به إلى سواحل المسلمين فعل به ما قال الشافعي، وإلا فعل به ما قال عطاء.
قال أبو سعيد: معي يخرج في قول أصحابنا أن الميت إذا مات في البحر ولم يمكن قبره استن به السنن كلها المقدور عليها، من غسله وتكفيه والصلاة عليه، ثم يجعل في فقعة أو شيء من أكفانه من الأواني، وربط إلى حجر أو شيء نحوه في البحر، والذي رواه عن الشافعي فهو عندي حسن، ولكنه بعد تكفينه وتجهيزه إن كان في العرف والعادة أن يفضي به اليم إلى سواحل المسلمين، وإن اشتبه ذلك فالأخذ فيه بالحزم، ونفسه إلى إن شاء الله. (16/55)
صفحة 3985
[صفحة بيضاء] (16/56)
صفحة 3986
الباب الثالث عشر
في موتى المشركين -1 -
وسألته عن رجل مسلم له امرأة نصرانية ماتت وهي حامل، أين تدفن؟ قال: لا أرى إلا النصارى أولى بها، ما لم يخرج الولد من بطنها، قلت: فإن خرج الولد من بطنها حيا كان أو ميتا؟ قال: والده أولى به، والنصارى أولى بصاحبتهم، والله أعلم.
مسألة: وسئل عن ذمي مات مع مسلمين، كيف يكون فعلهم في دفنه وجهازه؟ قال: معي إنه قيل لا يغسل كتطهير المسلمين، ومعي إنه لا يكفن كتكفينهم ولا يحنط، وأحب أن يلوى بثوب يستر به عورته، وقيل: إنه يشق له في الأرض شقا، ويطرح فيه ويدفن عليه.
مسألة: ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللحد لنا والشق لغيرنا» يعني به فيما قيل: إن المسلمين لا يقبرون إلا في اللحود، ولا يشق لهم في الأرض، وقيل: إنه يشق له شق في الأرض، يطرح فيه إذا قدر على ذلك، والشق للمشركين. (16/57)
صفحة 3987
[صفحة بيضاء] (16/58)
صفحة 3988
الباب الرابع عشر
في موتى المشركين -2 -
عن أبي الحواري، وسألته عن رجل مسافر ومعه مشرك من أهل الذمة، فمات المشرك؟ قال: تدفنه ولا تجعل وجهه إلى القبلة.
مسألة: سألت أبا المؤثر عن الذمي إذا مات بين أظهر المسلمين، ولم يكن بالحضرة من أهل دينه أحد، من يقوم في دفنه، كيف الرأي فيه؟ قال: يحفر له حفرة بلا لحد ويطرحوه فيها، ويدفنوه عليه ولا يغسلوه.
مسألة: ومن كان والده أو ولده مشركا، ومات فلا يصلى على جنازته، ولا يقم على قبره، وإن أراد أن يمضي خلف جنازته ويدفنه فلا بأس.
مسألة: وعن أبي عبد الله قال: ولا يدفن المشرك في قبور المسلمين، وقال الربيع: إذا ماتت نصرانية تحت مسلم دفنت في مقابر النصارى، ويلي النصارى دفنها، ويحضرها ولدها، ويقوم عليها.
مسألة: وإذا مات مشرك من أهل الذمة مع رجل مسافر فإنه يدفنه ولا يجعل وجهه إلى القبلة.
مسألة: وإذا ماتت يهودية وقد خرج نصف ولدها والولد يصيح ثم مات وأبوه مسلم؟ قال أبو محمد: إنه يدفن كما هو فيها، ولا يصلى عليه، وإن ماتت نصرانية وهي حامل من مسلم، فلا أرى إلا النصارى أولى بها ما لم يخرج الولد من بطنها، فإن خرج من بطنها حيا أو ميتا فوالده أولى به، والنصارى (16/59)
صفحة 3989
أولى بصاحبتهم، والله أعلم.
مسألة: والنصرانية واليهودية إذا ماتت وفي بطنها حمل من مسلم دفنت مع أهل ملتها، لأن الحمل الذي في بطنها لا يعلم حقيقته أحي هو أم ميت، نفخت فيه الروح أم لم تنفخ فيه، واختلف مخالفونا في الصلاة عليها، فقال بعض: لا يصلى عليها، وتدفن مع المسلمين، وقال بعضهم: يقصد بالصلاة الحمل، ولم تجب عليها هي صلاة.
مسألة: من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في النصرانية تموت وفي بطنها ولد من مسلم، فروينا عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه دفنها في مقبرة المسلمين، وبه قال مكحول وإسحاق، غير أن أحدهما قال في حاشية، وقال الآخر: في أدنى مقابر المسلمين، قال أحمد بن حنبل: تدفن في مقبرة ليست للمسلمين ولا للنصارى، واحتج بحديث عن وائلة بن الأسقع لا يثبت ما روي عن عمر بن الخطاب -رحمه الله- في هذا الباب.
قال أبو سعيد: إنه يشبه معاني قول أصحابنا معنى القول الآخر، إنها تدفن في مقابر أهل ملتها، لأن حكم ما في بطنها غير محكوم به في حكم الحياة، بوجه من الوجوه لا في مواراته ولا قبره، وذلك على حكمه حكم الذمية في معنى الاتفاق، وإنما يشبه معنى ما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في قول أصحابنا لو خرج من الولد شيء فاستهل بمعنى ما يثبت حكمه بالحياة في الدنيا بالموارثة، وعرف ذلك، ثم مات بحاله، وماتت فقد قيل في هذا إنه يدفن في مقابر المسلمين لحكمه الثابت فيها، وإن أمكن غسله هو غسل ويصلى عليه، ولو كانت متعلقا بها، وإنما يقصد بالصلاة عليه هو، من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في غسل الكافر ودفنه، فكان مالك بن أنس يقول: لا يغسل المسلم ولده إذا مات كافرا، ولا يشيعه، ولا يدخله في قبره، إلا أن يضيع فيواريه، ولا بأس لإنسان ذي قرابة من المشركين ويعنيه ويدفنه، وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: ليس في غسل المشرك سنة تتبع، وفي حديث علي بن أبي طالب أن (16/60)
صفحة 3990
النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إن الظالم قد هلك قال: «اذهب فواره»، وأمره أن يغتسل.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا أنه لا غسل في المشرك، فإنه إن غسل لم يثبت له معنا طهارة بعد موته لأنه رجس، وإنه ثبت الغسل في المسلمين من أهل الإقرار، كرامة من الله لهم الطهارة، والصلاة عليهم، ولا يجوز لا يثبت في المشركين، ومنه قال أبو بكر أحمد بن أبي سلمان والشافعي: إذا كان الطفل بين أبويه وهما مشركان لم يصل عليه، وإن لم يكن كذلك صلي عليه، وحكى أبو ثور هذا القول عن الكوفي، قال أبو ثور: إذا نشأ مع أبويه أو أحدهما أو نشأ وحده، ثم مات قبل أن يختار الإسلام لم يصلّ عليه، وقال عامر الشعبي: فيمن جلب الرقيق صلى عليه، وإن لم يصل فلا يصلى عليه.
قال أبو سعيد: أما أولاد المشركين ما لم يلحقهم رق للمسلمين فيخرج عندي بمعنى الاتفاق أنه لا يصلى عليهم، وأما إذا سباهم المسلمون وكانوا في جملة الغنيمة لم يقسموا، فمات منهم ميت وهو طفل، فأحسب أنه في الصلاة عليه اختلافا، ولا يبين لي صحة ذلك بل الحكم يوجب الصلاة عليه، لأنه يتعلق عليه حكم الإسلام أو جملة المسلمين، وأما إذا قسموا ووقع لأحد من المسلمين بعينه، فهو تبع له في معنى الصلاة والطهارة، ولا يلحق حكمه حكم أبويه، كان معه أحد أبويه أو كلاهما، لأنه قد زال عنه حكم الحر إلى الرق وثبت له حكم الملك بالإسلام.
مسألة: ومن -كتاب الإشراف- وأما إذا مات أحد من أهل الذمة فإنه يكفن، ولا يغسل ولا يصلى عليه ولا يلحد له، ويشق له شق في الأرض، ويدفن فيه ولا يدفن في مقبرة المسلمين، وإن كان لأهل الذمة مقبرة قبر فيها، وإلا قبر في خراب من الأرض في غير مقبرة المسلمين، على حسب هذا عرفنا. (16/61)
صفحة 3991
[صفحة بيضاء] (16/62)
صفحة 3992
الباب الخامس عشر
في غسل الخنثى وتكفينه وما أشبه ذلك
والخنثى إن كان معه خناث كانوا أولى بغسله، وإلا فذو محرم من النساء، فإن لم يوجد له محرم من النساء فذو محرم من الرجال، ولا ينظرون إلى الفرج، فإن لم يوجد أحد من هؤلاء صب عليه الماء صبا من فوق الثياب، قال غيره: وقد قيل يصب عليها الماء صبا، إلا أن يكون معها خنثى مثلها.
مسألة: ويكفن الخنثى بقميص وإزار وخمار ولفافة، ويجعل إزاره أسفل من الثديين، ويجعل إزاره من تحت القميص. (16/63)
صفحة 3993
[صفحة بيضاء] (16/64)
صفحة 3994
الباب السادس عشر
في الكفن
وكفن الميت من رأس المال، فإن لم يكن له مال إلا كفنه، وعليه دين يحيط بكفنه، وطلب غرماؤه أخذ الكفن ويدفن عريانا، فقد قيل ذلك لهم، وقال أبو عبد الله: ليس ذلك لهم، ويكفن بثوب واحد وسط.
مسألة: وقيل فيمن مات وكفن له وترك عشرة دراهم، وعليه لرجل عشرة دراهم، فاشتري له كفن بعشرة دراهم، إن العشرة تكون بينهما بالحصة.
مسألة: ومن لم يكن له إلا كفنه، وعليه دين يحيط بكفنه، وطلب غرماؤه أن يأخذوا الكفن ويوزعوه بينهم، ويدفن عريانا، فليس لهم ذلك، ويكفن ويدفن.
مسألة: ومن أوصى أن يكفن بثوب له ثمن غال في جملة أكفانه، فكره ذلك الورثة أو بعضهم، فإنه يكفن به، لأن الكفن من رأس المال.
مسألة: ومن كان عليه عشرة دراهم دينا، فمات ولم يوجد له غير عشرة دراهم، ولا كفن له، ولم يوجد من يتصدق عليه بكفن، ولا يوجد كفن بأقل مما ترك، فالدين أولى من الكفن، يعطى صاحب الدين حقه، ويدفن مجردا، فإن الله تعالى لا يسأله لم دفن مجردا، ولا يسأل من دفنه، وهو يسأل عن حقوق الناس.
مسألة: ولا يكفن الميت من زكاة المسلمين، ولا من العشور من الصدقات. (16/65)
صفحة 3995
مسألة: ومن توفي ولا كفن له، فاشتري له ثوب بعشرة دراهم، وعليه لآخر قبل ذا عشرة دراهم، وترك عشرة دراهم موضوعة، قال موسى بن علي: إنها تكون بينهما بالحصة، وقال ابن محبوب: الكفن يكون من رأس المال.
مسألة: ومن كان عليه دين ولا مال له غير الكفن، فإنه يكفن به ولا يعطى الغرماء، قال: وإن أوصى أن يشترى له كفن بمائة درهم وليس له غير مائة درهم وعليه دين، فليشترى له بقدر ما يكفنه والباقي للغرماء.
مسألة: و إذا مات رجل أو امرأة عند أرحامهما، فاشتروا لهما كفنا بثلث أموالهما، أو أكثر أو أقل في غيبة من الوارث، ثم أنكر الوارث، فأكثر الكفن عندنا ثلاث أثواب، قميص وعمامة وسراويل، فما زاد على هذا فعليهم الغرم للورثة، وإذا كان الميت عند غير وارثه فينبغي القصد في ذلك، ولا يبالغ به إلى هذا كله، كذلك إن كان في ورثته أيتام، قيل له: فما حد الإسراف في الكفن؟ فقال: الله أعلم. ولا يجوز أن يكفن الرجال في ثياب القز والحرير.
مسألة: ومن مات جامع أبي محمد قال أبو محمد: الكفن من رأس المال لقول النبي صلى الله عليه وسلم في ميت مات بحضرته، فقال: «كفنوه في ثوبيه» فأضاف الملك إليه، وقد غلط من ذهب إلى أن الكفن من ثلث ماله.
مسألة: ومن مات ولم يوص بوصية، فاشتري له كفن وحنوط وعود وكافور من ماله، فإن الفاعل لذلك هو كالمتطوع لشرائه.
مسألة: ومن سأل أن يدفعوا إليه في كفن ميت، فدفعوا إليه ففضل من الدراهم شيء أو جميعها، وقد سبق إلى الميت من كفنه، قال أبو مالك: إنه يرجع إلى من سلمها إليه فيردها إليهم، فإن قبلوها منه وأخذوها فلا شيء عليه، وإن لم يأخذوها سألهم أن يجعلها في كفن ميت غيره، إن كان سألهم لميت بعينه، وإن كان سألهم في كفن ميت ولم يقصد بها ميتا بعينه أو لم يجدهم فيجعلها في كفن ميت. (16/66)
صفحة 3996
مسألة: و إذا لم يكن للميت كفن فأراد أحد أن يكفنه، أشهد أنه يكفن الميت من مال نفسه، ويأخذ من مال الهالك قيمة الكفن، وإن لم يشهد على ذلك وكفن الميت برأي نفسه فليس له أن يأخذ من مال الهالك إلا برأي الورثة، وأما بينه وبين الله فجائز له أن يأخذ.
مسألة: وقال بعض أصحاب الشافعي: إذا كفن الرجل ميته فأكله السبع أو أخرج من كفنه فعرف أو أكله سبع، فإن الوارث يأخذ الكفن ميراثا بإجماع.
مسألة: وعن بعض قومنا في رجل مات، فجمع له في ثمن كفنه شيء من الناس، ففضل شيء عن كفنه، قال: يرده على أربابه، فإن لم يعرف حق كل واحد كان بينهم بالحصص على قدر ما أخرجوا، قال: ولا يجعل في أكفان الموتى لأنهم إنما أعطوا في كفن ميت بعينه، فلا يجوز أن يجعل ذلك في غيره ولا يعطى ورثة الميت، فإن لم يقدروا على رده على أربابه تصرفوا به، وإن كان أهل الميت فقراء فتصدق عليهم به جاز إن شاء الله.
مسألة: أبو الحسن، وإذا كان على الميت دين وليس له إلا كفنه، فإنه يكفن بثوب أقل من الكفن، وللدين بقية الكفن، قال: ومختلف في الكفن، والحجة من رأس المال أو الثلث، ونحن نقول: إن الكفن من رأس المال والحجة من الثلث.
مسألة: و إذا فضلت خرقة من كفن ميت فهي للوارث.
مسألة: ومن هلك ولم يوص بكفن، وخلف ثوبين، ولا وارث له حاضر ولا ولي، وكفن الهالك واحد أجنبي بثوبه، فلا شيء عليه من كفنه، وكفن الميت من رأس ماله.
مسألة: ومن أوصى في قضاء دينه ولم يوص بكفن، فالكفن من رأس ماله، ولا مدخل للوصي فيه إلا أن يأمره بذلك ويوصي إليه. (16/67)
صفحة 3997
مسألة: وإذا كان للوارث يتيم وكان للهالك مال أخرج من ماله كفن، وكفنه إذا لم يكن له أولياء بالغون.
مسألة: والنباش توبته الاستغفار ولا يعد، ويرد ثمن الأكفان إلى أربابها إن عرفهم، وإن لم يعرفهم تصدق بها.
مسألة: وإذا نبش رجل ثيابا ثم أراد التوبة، فإنه يوجد لأصحابنا أن يردها إلى الورثة إذا أراد التوبة، وقال الشيخ: إنه يجب أن يردها إلى الأكفان، لأنه حق لله تعالى.
مسألة: وقيل: إن كفن الميت والماء الذي يطهر به، وأجرة تطهيره وأجرة حفر قبره، وأجرة الحاملين له والقابرين له والدافنين عليه، كل ذلك من ماله، قيل: وأما السرير فلا يكون من ماله، لأن الحاملين له يحملونه كيف شاءوا على غير سرير، وقيل: والحنوط فلا يكون من ماله، فإن فعلوا ذلك ضمنوه، إلا أن يكون وارثا، وقيل في الحنوط: إنه من ماله وهو أشد من الماء والنعش، قيل: وأما الماء الذي يرش على القبر فليس يستحب إن لم يوجد إلا بالثمن أن يكون من ماله إلا بأمر ورثته إذا كانوا بالغين، فإن فعلوا ذلك فلا ضمان عليهم، لأن الأثر قد جاء بذلك، وقيل: وكذلك المرأة قد جاء الأثر أن يجعل عليها النعش، فإن لم يكن ذلك إلا من مالها لم يستحب ذلك، فإن فعلوا ذلك لم يكن عليهم ضمان، وقيل: في اللّبِن الذي يجعل على لحد الميت إنه يكون من ماله، وقيل: إن الجماعة الحاضرين للميت يفعلون ذلك، ويخرجونه من مال الميت إذا كان وارثه يتيما أو غائبا، ويجوز لهم ذلك من مال الغائب.
مسألة: ومن وجد ميتا في فلاة وعليه ثوبان أو ثلاثة أثواب فجائز أن يكفنه فيهن، لأن الميت يكفن في ثلاثة أثواب إذا كان فيهن قميص، وإن لم يكن قميص كفنه باثنين، وحفظ واحداً للورثة، وإن كانت امرأة فإنه يصب الماء عليها صبا من فوق الثياب ولا يمسها ويدفنها على كل حال، فإن لم يصل على الميت ولا كفنه ومضى وتركه، فقد قيل: من ترك الميت ولم يصل عليه (16/68)
صفحة 3998
ولم يدفنه كفر، إذا كان عنده أن ذلك الميت لا يقوم به غيره فتركه، فإن رجع إليه ليصلي عليه ويدفنه فلم يجده فلا أعلم أن عليه غير التوبة من تركه إياه في الأول، وإن كان قد دفن فلا شيء عليه، فإن وجد عنده دراهم أو ثيابا تفضل عن كفنه وهو لا يعرفه ولا يعرف بلده فإنه يكفنه بما يكفن فيه مثله، ويحفظ الباقي لورثة الميت إن عرفهم دفعه إليهم وإلا أنفذه في الفقراء، وإن ترك ذلك أو دفنه فإن عليه الضمان، لأنه ضيعه. (16/69)
صفحة 3999
[صفحة بيضاء] (16/70)
صفحة 4000
الباب السابع عشر
في تكفين النساء والصبيان
وقال محمد بن محبوب: يكره الحرير للرجال والنساء في الكفن، وقيل: لا بأس به للنساء والصبيان، عن موسى بن علي.
مسألة: والمرأة توزر من تحت الدرع ثم اللفافة، وإذا كفنت المرأة بخمسة أثواب لفف الفخذان بخرقة يضمان بها ثم الإزار ثم الدرع ثم الخمار، ثم اللفافة، وكذلك الصبية، وإذا وجد للصبي إزار ولفافة شد بهما جميعا، إلا أن يكون سقطا فتجزيه خرقة، وقيل: تكفن المرأة مثل الرجل، وتوزر من تحت الدرع من فوق الثديين ويرد فضله، وتوزر على صدرها كما يوضع للرجل، والمرأة تكفن بنحو ما يكفن به الرجل.
مسألة: وتكفن المرأة في ثلاث أثواب، إزار ودرع ولفافة، وما سوى ذلك فهو فضل، يصنعه من يشاء، والخمار أفضل إن صنعته، وإن تركته فلا بأس.
مسألة: وتكفن المرأة في إزار ودرع ولفافة، ولا يعقد شعرها، ولكن يرسل.
مسألة: والمرأة والرجل في الكفن سواء، يضع القطن على وجوههم، ثم يلف على وجوههم باللفافة، ولا تخرق المرأة.
مسألة: وإذا ماتت المرأة وليس لها كفن، أخذ الزوج بذلك، ولا تؤخذ هي بكفنه، لقول الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء) (النساء:34)، وفي بعض الآثار، (16/71)
صفحة 4001
إن لم يكن لها مال فكفنها على جميع ورثتها، وهذا يدل على أن كفنها غير لازم على زوجها، وأنه من مالها، والله أعلم.
مسألة: وعن موسى إنه لا بأس بالحرير للمرأة والصبي.
مسألة: وقال: تكفن المرأة في خمسة أثواب، خمار وجلباب وقميص وإزار ولفافة، ولا تكفن في أقل من هذا إلا أن لا يمكن، وقال: وقد قال بعض الفقهاء بالسادس، أرجو أنه قال عصابة، والله أعلم.
مسألة: والمستحب خمسة على حكم استتارها في الحياة، وبعض الفقهاء اختار أن خرقة تلف على فخذيها، وأما مخالفونا فجعلوا تلك الخرقة لها نفارا، وسموها خرقة الحمام، وكفن الصبية التي لم تبلغ على نحو لباسها في حياتها ولابد من لفافة، وسل عن ذلك.
مسألة: وقال: يستحب من الأكفان البياض من الثياب للنساء والرجال، وليس بواجب، وإن كفن النساء بالحرير والإبريسم فجائز، وليس جائز ذلك للرجال الأحياء منهم ولا الأموات.
مسألة: وقال أبو الحسن: تكفن المرأة في أربعة أثواب، قميص ورداء وإزار صفيف ولفافة، وقال: ثوب واحد يجزي، وإن زاد على أربعة أثواب فلا بأس.
مسألة: وقال بعضهم: إن خمرت المرأة أو لم تخمر فلا بأس، وقال أبو محمد: إنها تخمر، وقال أبو الحسن: لا تخمر والله أعلم بالصواب من ذلك.
مسألة: وقال حذيفة: حين أوتي بكفنه ربطتين، فقال: الحي أحوج إلى الجديد من الميت، إني لا ألبث إلا يسيرا حتى أرى بهما خيرا منهما أو شرا منهما، وقال محمد بن الحنفية، ليس للميت من الكفن شيء إنما هو شيء إنما هو مكرمة للحي، ومنهم من يقول: إنهم يتزاورون في أكفانهم.
مسألة: ومن -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في (16/72)
صفحة 4002
ثلاثة أثواب سحولية طيبة بيض، ليس فيها قميص ولا عمامة، أدرج فيها إدراجا، وقد روينا عن ابن عمر أن عمر كفن في ثلاثة أثواب، وقالت عائشة: لا يكفن الرجل في أقل من ثلاثة أثواب لمن قدر، وممن رأى أن يكفن في ثلاثة أثواب طاووس ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبيّ، وكان سويد بن علقمة يكفن في ثوبين، وكان ابن عمر يكفن أهله في خمسة أثواب، عمامة وقميص وثلاث لفائف، قال أبو بكر: أحب الأكفان إلي ما كفن فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ويجزي فيما كفن في ثوب أو ثوبين.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني هذا كله في معاني قول أصحابنا، ومنه، قال أبو بكر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب، منهم عامر الشعبي ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأصحاب الرأي، وكذلك نقول: درع وخمار ولفافتين وثوب نظيف، يشد على وسطهما بجميع ثيابها، وكان عطاء بن أبي رباح يكفن في ثلاثة أثواب: درع وخمار وثوب من تحت الدرع يلف به، وثوب فوقه يلف فيه، وقال سليمان بن موسى: درع وخمار ولفافة، يدرج فيها إدراجا.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج نحو هذا في قول أصحابنا، في معاني القول به، ومنه قال أبو بكر: كان سعيد بن المسيب يقول: يكفن الصبي في ثوب واحد، وقال الثوري: ثوب يجزيه، وقال ابن حنبل وإسحاق: في خرقة، وإن كفنوه في ثلاثة أثواب فلا بأس، وروينا عن الحسن البصري أنه يكن في ثوبين، وقال أصحاب الرأي: يكفن في ثلاثة، أو في ثلاثة خرق، ويجزي ما كفن فيه.
قال أبو سعيد: معي إنه يلحق معنى الصبي من أهل الإسلام ما يلحق في معنى الكبير منهم، لأنه لا فرق في ذلك بين الصبي والكبير في الصلاة، ولا في الكفن، ولا في التطهير، ومنه، قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (16/73)
صفحة 4003
«ألبسوا الثياب البيض وكفنوا فيها موتاكم»، وقال: «إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه»، وممن روينا عنه أنه استحب تحسين الأكفان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ومعاذ بن جبل والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وذكر إسحاق بن راهويه أن ابن مسعود أوصى أن يكفن في حلة بمائتي درهم، وروينا عن حذيفة أنه قال: يتغالون بكفني.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا الأمر بترك التغالي في الكفن، ويخرج في الرواية في قولهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأحياء أحق بالجديد والموتى أحق وأحق بالخلق»، وأحسب أن أبا بكر فيما يروى عنه أنه أوصى أن يكفن في قصيبين كانا عنده، أحسب أن القصيب المخلق، وكل امرئ ما نوى، وهذا المعنى في الموتى، أصح عندي من الأمر الأول، ومنه، قال أبو بكر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحل لبس الحرير والذهب لأناث أمتي وحرم على ذكورها»، فلبس الحرير للرجال مكروه، وأكره أن يكفن فيها الموتى إلا حيث لا يوجد غيرها، فمن كره ذلك الحسن البصري وعبد الله بن المبارك وأنس بن مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، ولا نحفظ عن غيرهم خلافا، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مات أحدكم فليحسن كفنه، فإن لم يجد فليكفنه في بردي حبره»، وأوصى عبد الله بن المفضل أن يكفن في قميص وبرد حبره، وقال إسحاق بن راهويه: إن كان موسرا ففي ثوبين حبره، وقال الأوزاعي: لا يكفن الميت في الثياب المصبغة إلا ما كان من القصب.
قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا معنى ما قال للكراهية للرجل من لبس الحرير وتكفينهم فيه، إلا أن لا يجد غيره، وكذلك البياض للرجال والنساء فيما قيل: في المحيا والممات يؤمرون بذلك، ومعي إن ذلك على غير معنى الحجر كغيره من الثياب، لأنه قد يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يلبس بردين يمانيين، وقال حمزة: كفن في بردة، وكانت له يمانية، ولا أجد شيئا يمنع لباس المصبوغ من الثياب للرجال والنساء، إلا أن يخرج على معنى القصد إلى الزينة به، ولمعنى غير اللباس. (16/74)
صفحة 4004
مسألة: من غير كتاب الإشراف.
قال أبو سعيد: معي إنه قيل في كفن المرأة إذا لم يكن لها مال باختلاف فقال من قال: إن ذلك على زوجها دون الورثة، وقال من قال: عليه وعليهم بالحصص، وذلك إذا كانوا بالغين، وقال من قال: ليس عليه ولا عليهم، وهو عندي أثبت في الحكم.
مسألة: قال محمد بن خالد: إن المرأة إذا ماتت وكفنت لم يدخل رأسها في جيبها، وذلك خلاف السنة.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: وتكفن المرأة في خمسة أثواب، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم دفع في كفن ابنته أم كلثوم خمسة أثواب.
مسألة: من الزيادة المضافة؛ وعمن حضر طهور الميت، فأمر إنسانا شق من كفن الميت خرقة، طرحها على فرج الميت عند الطهر، هل على الأمر بأس؟ قال: نعم، لأنه أمر بما لا يجوز، لأن ذلك جعل كفنا ولم يجعل لغيره، فمن أتى فيه بفعله لغير الكفن، خفت عليه الضمان، إلا أن الأمر فيه اختلاف، إنه يستغفر الله ولا ضمان عليه.
مسألة: ومن جامع أبي محمد؛ ويكره تضعيف الثياب على الميت وكثرتها، لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، ومن طريق غيرها إنه كفن في ثوبين، والمأمور به في الكفن البياض من الثياب للذكور والإناث، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بهذه الثياب البياض، ألبسوها أحياءكم وكفنوا بها موتاكم فإنها من خير ثيابكم»، ومن الكتاب؛ ولا يجوز الكفن للرجال إذا كان من القز أو الحرير، لقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخذ قطعة من ذهب وخرقة من حرير، وقال: «هذان محرمان على رجال أمتي محللتان لنسائها».
مسألة: ومن غير الجامع؛ قال: تكفن المرأة بالحرير إن احتيج إليه. (16/75)
صفحة 4005
مسألة: ويكفن الرجل بثلاث أثواب، إزار وقميص ولفافة، يبدأ بالقميص ثم الإزار ثم اللفافة، ويوزر الرجال من فوق الثديين، فإن كفن بخمسة أثواب قميص وإزار ولفافتين وعمامة، قال محمد بن محبوب: ويعمم، قال: وقد شهدت أزهر بن علي يكفن ابنه فعممه، قيل فيرده على حلقه؟ قال: الله أعلم، وإن كان للميت ثوبان جعلا جميعا في طوله، ثم لف فيهما، وإن كان قميص أو ثوبان أوزر بأحدهما فوق الثندوة، ثم أخرج من تحت ظهره، حتى يرد إلى صدره فيغرز غرزا آخر كما يتزر الحي، يبدأ بشقه الأيسر ثم يرده إلى الأيمن، ولا يشده كما يشد الحي على جنبه الأيسر، ولكن يرده من تحت ظهره حتى يخرج إلى صدره، فيغرز غرزا عند ثندوته، أو حيث بلغ، والإزار الذي يؤزر به يجعل فوق القميص فوق الثندوة، ويكفن في ثلاثة أثواب، فوق ثوبين، فإن لم يقدر على ثوبين فثوب واحد يجزيه، وقيل: كفن حذيفة في ثوبين وعمامة، الناس على ثلاثة أثواب، وكل ذلك جائز إن شاء الله.
مسألة: ويستحب أن يكون الأكثر من الكفن مما يلي الرأس، والأقل مما يلي الرجلين، لتكون إن قصر عن الميت كان النقصان مما يلي الرجلين اقتداء بما فعل في حمزة لما نقص كفنه، غطي رأسه بالثوب وغطيت رجلاه بالأذخر فيما قيل، فدل ذلك على أن تغطية الرأس أولى، والله أعلم.
مسألة: وقيل الرجل يكفن في ثوبين: إزار ورداء أو ثلاثة أثواب، إزار ورداء وقميص، قلت: هل يكفن الرجال والنساء بالمعصفرات؟ وأحب ذلك إلي ما تيسر منه، وليست فيه سنة، وقد كان المهاجرون يكفنون بالشعر والصوف ويجعل على الشعر ما تيسر، مما لا يخالف السنة، والثوب الأبيض أعجب إلي مما سواه.
مسألة: أخبرنا الوضاح بن عباس أنه شهد أباه يكفن في قميص، ثم بسط الإزار واللفافة جميعا، يلف فيهما، ولا بالثوب المصبوغ بالعصفر.
مسألة: وقال موسى بن علي: إذا كان ثوبان فإنا نحن نؤزر الميت بأحدهما (16/76)
صفحة 4006
ونلفه بالآخر، ولم يكن الربيع يرى للرجل عمامة، ولا للمرأة خمارا، وللرجل قميص وإزار وللمرأة درع وإزار ولفافة.
مسألة: وإذا كفن الرجل في إزار ورداء بسطا جميعا طولا، أحدهما على الآخر، ثم يلف بالإزار ثم يلف عليه اللفافة، فإن كفن في ثلاثة أثواب ألبس القميص ثم أوزر على القميص فوق الثديين، وتحت اليدين ويلف باللفافة بعد ذلك.
مسألة: وقيل: تكفن المرأة في ثلاثة: درع وإزار ولفافة تخمر بها، وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب وقال بعض المسلمين: وخمار وخرقة تحت الإزار، تأخذ من الوركين إلى الركبتين، وعن الربيع أنه لم يكن يرى للرجل عمامة ولا للمرأة خماراً، أو غيره أوجب الخمار.
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الكفن من أين يخرج؟ فقال أكثر أهل العلم: يخرج من جميع المال، كذلك قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، والزهري وعمر بن دينار، وقتادة ومالك بن أنس، وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وابن الحسن، وبه نقول، وفيه قولان شاذان: أحدهما قول خلاس بن عمر أن الكفن من الثلث، والآخر قول طاووس أن الكفن من جميع المال، فإن كان المال قليلا فمن الثلث، واختلفوا في المرأة ذات الزوج، فقال عمار الشعبي وأحمد بن حنبل: الكفن من مالها، وقال مالك بن أنس: كفنها على زوجها إذا لم يكن لها مال، وقال عبد الملك الماجشون: هو على الزوج وإن كان لها مال.
قال أبو سعيد: عندي إنه يخرج معاني ما قيل في هذا الفصل كله، إلا أن قول من قال: إن كفن المرأة على زوجها، ولو كان لها مال فلا أعلم ذلك يخرج في معاني قول أصحابنا، لأنه ممنوع عنها بعد الموت في معنى الاتفاق، لا عولة فيها ولا معاشرة، وثبوت معنى الاتفاق أن الكسوة لا تكون إلا بالمعاشرة، وأما إذا لم (16/77)
صفحة 4007
يكن للمرأة مال يكون فيه كفنها، فيخرج عندي قول أصحابنا أن كفنها على زوجها دون سائر ورثتها، لأن ذلك كان عليه في المحيا بمعنى الاتفاق، ويشبه هذا عند العدم، وأحسب أن في بعض قولهم: إن الكفن لها على الزوج وسائر الورثة بالحصص من البالغين، وقال من قال: ليس على الورثة، ولا على الزوج على حال، وهو عندي أثبت في الحكم، لأنه إنما يخرج كفن الميت من ماله، وسائر ذلك تطوع ممن قام به، إلا ما ليس فيه غرم، مما لابد له من غسله ودفنه، فإن ذلك لابد للحاضرين له يلزمهم ذلك إذا قدروا عليه.
مسألة: من الزيادة؛ في طلب كفن لفقير، إن للإمام أن يعطيه من الصدقة، ويقول له: هذا لك أنت لأنك ضعيف، ولا تعطيه في الكفن، فإن شاء المعطي جعله في كفن قريبه. (16/78)
صفحة 4008
الباب الثامن عشر
في الكفن
سألت أبا المؤثر عن رجل هلك ولم يوص بكفنه، أيكون الكفن من الثلث أم من رأس المال؟ قال: قد اختلف الفقهاء في ذلك، فمنهم من قال: الكفن من الثلث، ومنهم من قال: من رأس المال، وبالقول الأول نأخذ، وقال: لو أن رجلا هلك ولم يخلف إلا كفنا كفن به، وسألته أيكفن الميت في قميص ورداء بلا إزار؟ قال: نعم، يلبس القميص ثم يلف في الرداء.
مسألة: وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، وعن غيرها إنه كفن في ثوبين، وفي العمامة في الكفن اختلاف، ويستحب أن يكون الكفن وترا، ويؤزر الرجل من فوق القميص والمرأة من تحتها، وهذا في الكفن، قال أبو المؤثر: ذكر لنا حمزة بن عبد المطلب -رحمة الله عليه- قتل في برد، فكفن به فلم يتمه البرد، فغشوا ما فضل من بدنه بالشجر.
مسألة: غريب مات وليس له ولي ولا وصي، ولا أوصى بكفنه، وخلف ثيابا، أيجوز أن يكفن منها أم لا؟ بل جائز كفنه مما ترك من ماله، قلت: فإن ترك دراهم وليس له كفن، أيجوز أن يشتري له من تلك الدراهم ثيابا ويكفن بها أم لا؟ بل جائز فعل ذلك لمن حضره من المسلمين.
مسألة: وحفظت عن أبي سعيد في الميت إذا أخذ في تكفينه، أنه قال: من (16/79)
صفحة 4009
قال: يجوز أن يخرق من الكفن حزام، ويحزم بها على كفن الميت، وقال من قال: لا يخرق من الكفن شيء ويربط عليه بخيوط (1).
مسألة: ومن جامع بن جعفر؛ ويكفن الميت فيما أمكن من الثياب ويستحب غسلها وإن كانت طاهرة، وإن لم تغسل فلا بأس، وقيل: يستحب من الكفن البياض، وأن يكفن الرجل مما كان يلبس، ومن غيره، وقيل: يستحب الكفن بالقطن والكتان، قلت لأبي عبد الله نبهان بن عثمان: الصوف يكفن به؟ قال: نعم، وكذلك قال أبو الحواري: ومنه، وإن كان ثوبا لف فيه على يمينه أولا، ثم على يساره لطول الثياب، وإن كان ثوبان فكذلك، وإن كان قميص وإزار ورداء، كان الإزار نحو الصدر على القميص، وأما المرأة فتؤزر من تحت الدرع، وإذا كفن في قميص وسراويل ألبس القميص وتكون السراويل فوق القميص على الصدر -نسخة- وتفتق السراويل، وتشق السراويل، ويدخل الرجلان كلتاهما في كم واحد يشد بالتكة.
مسألة: وعن الميت كم يكفيه من الثياب؟ قال ابن عباس: ثوب أو ثلاثة أثواب.
مسألة: ويكفن ا لرجل في ثوبين إزار ورداء، وفي ثلاثة إزار ورداء وقميص، والمرأة في ثلاثة: إزار ودرع ولفافة، وما سوى ذلك فضل، والخرقة التي يشد فخذاها فضل، ومن شاء صنعه، وإزار المرأة من تحت الدرع فوق الثديين، وقيل: يسرول الرجل الميت فوق القميص على الصدر، وكذلك يوزر أيضا فوق القميص نحو الصدر، أما المرأة فتوزر من تحت الدرع.
مسألة: وإذا كفن الرجل في ثوبين، يبسط طول إحداهما على الآخر، ثم يلف في الإزار ثم الرداء فوق ذلك، وإن كفن في ثلاثة ألبس القميص ثم الإزار على القميص فوق السرة، وتحت اليدين، ثم يلف عليه الرداء.
مسألة: رجل من المسلمين تكون معه زكاة المسلمين، فيموت الميت منهم
---------------
(1) زيادة في نسخة، وقال موسى بن علي وهو يسألهم: يشق من الثوب ما يسد به أكفانه أو بخيوط، فقال الأزهر: شهدت بعض أشياخنا يشقون من الثوب، وقال المنذر بن الحكم عن سليمان بن عثمان قال بخيوط. (16/80)
صفحة 4010
ليس له شيء، فهل يشترى له منها كفن؟ قال: لا، ولكن يكفن ما كان، فإن الناس كانوا يكفنون بالكساء والثياب المشققة وما يستر، وقد كفن حمزة فيما بلغنا بثوب، فلم يغطه كله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضعوا على ما بقي منه بإذخر» وهو السخبر، وكفن أبو بكر -رحمه الله- في طمرين كان يلبسهما خلقين، قال لهم: إغسلوهما ثم كفنوني فيهما، فإن الأحياء أحق بالجديد.
مسألة: وكان محبوب لا يرى أن تكفن المرأة بالحرير، وقيل عن محمد بن محبوب أنه أجاز أن تكفن المرأة بالحرير.
مسألة: وكل ثوب تجوز فيه الصلاة فهو يجوز فيه الكفن من البياض للرجال من القطن والكتان والصوف، قول نبهان بن عثمان وأبي الحواري -رحمه الله- ولا يكفن الميت بالحرير، ولا القز، ولا الإبريسم، وجميع ما كان من الحرير.
مسألة: امرأة من المسلمين هلكت، هل يذر الحنوط على كفنها وبدنها؟ وكره ذلك ونهى عنه.
مسألة: فإن كان في الكفن قميص وإزار ورداء، فابدأ فذر على القميص شيئا من الذريرة أو الكافور، وهو الحنوط إن قدرت على كافور، ويذر في رأسه ولحيته، ثم ألبسه القميص، ثم خذ قطنا وضع فيه من الحنوط، ثم ضعها في فمه وشفتيه، وقطنا وحنوطا في منخريه، وعينيه وأذنيه، وقيل في إبطيه، ثم يأخذ الذي يكفنه خرقة يضعها على يده نظيفة، ويأخذ قطنا وحنوطا ثم يدخله إلى دبره، ويضع في الإبطين قطنا وحنوطا، ومن غيره، وقد قيل لا يجعل إلا على المناسم والعينين والدبر، ومنه، ثم يوزر ثم يزر نحو الصدر على القميص، والمرأة توزر تحت الدرع، قال محمد بن المسبح: الرجل يوزر فوق الثديين من فوق القميص، والمرأة توزر تحت الثديين، ومن غيره، قال: وكذلك يوجد عن محمد بن محبوب وقول بن المسبح، ولا يسد زر القميص على الحلق، ثم يأخذ قطنة واسعة فيملأها ثم يضعها على وجهه كله، ومن غيره، وقد قيل إنما يجعل على مناسمه، ولا يجعل على وجهه كله، وإن جعل فهو أحب إلينا، ومنه، وينشر بين (16/81)
صفحة 4011
أصابع يديه ورجليه ذريرة وحنوطا، وإذا لم يوجد حنوطا فيحنط فيما قيل بالأذخر، وإن كان في الكفن قميص وسراويل ألبس القميص، ثم تكون السراويل فوق القميص على الصدر، وتفتق السراويل وتدخل الرجلان كلتاهما في كم واحد ولا يشد بالتكة، ثم تمد يديه فيضعهما حيث بلغ طولهما، يضع اليدين فوق الشمال، ولا يمدا على بطنه ولا ينشر الكمين على اليدين ويمدهما كما هما، قال محمد بن المسبح: ينشر عليه الكمال، ويمد اليدان بطولهما إلى فخذ الميت من الرجال إلى الفخذ، والمرأة تمد اليدان إلى نحو الركب وكله جائز، والركب نحو الفرج، ثم تدرجه في الثوب الثالث، يمد الثوب على طوله ويجعل الطرتين عند الرأس، والطرتين الآخرتين عند الرجلين، ويلقيه فيه، ويجعل طرة الثوب من الطول على يمينه أولا، ثم يرده على صدره، ثم على يساره، ثم كذلك يقع ما وسع الثوب، ويكون آخر الثوب على الشمال، ثم يشق من الثوب شيئا من طول الثوب يعقد به عليه، يكون العقد على الشمال، لأن العقد يفتح إذا دخل في قبره، وترخى الربط عن وجهه، ولا يكشف عن وجهه.
مسألة: وسألت محمد بن المسبح عن جنازة المرأة إذا كفنت، ينشر الكمان على اليدين أم لا؟ قال: ينشرا على اليدين، ويضم عليهما بأصابع الميت، فيوضع بين أصابع اليدين والرجلين قطنا وذريرة، قال: إلا أنه يستحب أن يوضع على الراحتين ذريرة وقطنا، ويضم عليه بأصابع الميت، وإن لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه، يلف فيه، يفعل فيه أيضا كما وصفنا، يمد الثوب على طوله فيجعل الطرتين عند الرأس، والطرتين الآخرتين عند الرجلين، ويلف على طول الثوب، يجعل على يمينه أولا، ثم يرد على صدره، ثم على يساره، وكذلك إن كان ثوبان، فإذا لم يكن في الكفن قميص لم يوزر الميت، وجعل الكفن كله لفائف كان ثلاثة أو خمسة أو سبعة، وثوبان يجزيان، وثوب يجزي، إذا لم يكن غيره، ومن غيره قال: وقد قيل يوزر، كان هنالك قميص، أو لم يكن قميص، وأكثر ما يكفن فيه الميت ثلاثة أثواب، إزار وقميص ولفافة، وقال من قال: عمامة للرجل وخمار للمرأة. (16/82)
صفحة 4012
وقال من قال: لا يجوز أن تخمر المرأة، ولا يعمم الرجل، وإن فعل ذلك جاز ذلك إن شاء الله، وأيما فعل من ذلك جاز، فذلك أربعة أثواب، ولا يكون كفن الميت بأكثر من ذلك إلا برأي وارثه إن أراد ذلك، إذا كان وارثه بالغا حاضرا، ومن غيره، عن أبي عبد الله محمد بن محبوب -رحمه الله- أن المرأة تخمر والرجل يعمم.
ومنه، فتبسط الثياب كلها بالطول ويدرج فيها إدراجا، وشق من الثوب الآخر منهن شيئا يعقد به عليه تكون العقدة على الشمال، لأن العقد تفتح إذا أدخل في قبره ويرخى عن وجهه، ولا يكشف عن وجهه، ثم يوضع الميت على سريرة، ويستقبل بالسرير القبلة، ثم يؤخذ عودا مبري، ويوضع على جمر، ثم يغبر به الميت يدار به حول السرير، يبدأ من عند الرأس ثم يديره حتى يبلغ ثلاث مرات، بارك الله لنا في الموت.
مسألة: وسئل هل تكفن المرأة والرجل في الثوب المعصفر؟ قال: أحب ذلك إلى ما تيسر منه، وليس فيه سنة تتبع، وقد كان المهاجرون يكفنون بالصوف والشعر، فخذوا بما تيسر مما لا يخالف السنة، والثوب الأبيض أعجب إلي مما سواه.
مسألة: وعن أبي عبد الله محمد بن روح -رحمه الله- وإذا فرغت من غسل الميت جففت بدنه من الماء، وأدرجته في أكفانه، فجعلته على عرض الإزار وبسطته على طول اللفافة، ثم حطنه فبدأت بالفم، ثم المنخر اليمين، ثم المنخر الشمال، ثم بالعين اليمين، ثم بالعين الشمال، ثم بالأذن اليمين، ثم بالأذن الشمال، ثم جعلت على وجهه نفكة تغطي جميعه، وفي جميع ذلك يجعل الحنوط مما يلي جسد الميت، ويجعل نفكة فيها الحنوط، تغشى بها الفرجين جميعا، وإن جعلت الحنوط في الأباط والكفين والقدمين فجائز، وإن لم تفعل ذلك أجزى ما وصفت لك إن شاء الله، ثم تلف اللفافة من الميت من رأسه إلى قدميه، كنحو ما تلف الإزار على حقويه، ثم تخرم اللفافة بحزائم برفق لا يضغط بها جسد الميت، ثم تجعله فوق السرير، وتستره (16/83)
صفحة 4013
بالثياب وتطرح عليه ما أمكن من طيب وتجمره بريح العود ثلاث مرات، تدور ذلك حول كنن السرير من تحت السرير ثلاث مرات فمرتين من داخل الكنن ومرة واحدة من خارج الكنن، ثم تحمله إلى قبره، وعليك السكينة والوقار.
مسألة: وسألت في كم تكفن المرأة؟ قال: في ثلاثة أثواب؛ إزار ودرع ولفافة، قلت: فإن ناسا يقولون: تكفن في خمسة أثواب؟ قال: لا نعلم ذلك، وليس كل يقدر على خمسة أثواب، قلت: فالرجل؟ قال: في ثوبين أو ثلاثة، إزار وقميص ولفافة.
مسألة: قال يوزر الرجل من فوق الثدي والمرأة أسفل من الثدي، وقال: إذا كان في ثوب سعه أخرج منه لفافة، وقال: يوزر الرجل من فوق القميص، ومن غيره قال: نعم، توزر المرأة من تحت القميص.
مسألة: حدثني ابن شهاب عند عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجل من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن، فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا أشهد على هؤلاء يوم القيامة، يدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا.
مسألة: ومن غيره، وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب: إن المرأة تكفن توزر ويكون الإزار من تحت الثديين، ويكون الدرع من فوق الإزار، وتخمر واللفافة من فوق ذلك ويلف عليها، وقال من قال: تكون خرقة يوزر بها من تحت الإزار ويجزئها الخمار من الرداء، وأما الرجل فإن كان له قميص أدخل في القميص، ثم وزر فوق القميص من فوق الثديين، ويعمم إن كانت عمامة، والإدراج في لفافة، وإن لم يكن الإزار ولفافة أزر بإزار ولفافة، وإن لم يكن إلا ثوب واحد اجتزئ به إن شاء الله.
مسألة: ومن -جامع أبي الحسن- وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم غسل، وعليه قميصه وكفن في ثلاثة أثواب بياض، وقيل غير ذلك، وقد روي عنه أنه قال: «البياض (16/84)
صفحة 4014
خير لباسكم فالبسوه أحياءكم وكفنوا به أمواتكم»، وقيل: كفن النبي صلى الله عليه وسلم في حلة يمانية، ثلاثة أثواب بيض، وقيل: كفن آدم عليه السلام في ثلاثة أثواب.
مسألة: وسألته عن الثوب المصبوغ هل يكفن به؟ فأجاز ذلك بعد أن يغسل، وقال: ما جازت به الصلاة جاز به الكفن إلا الحرير، قلت: ولو وجدوا البياض يكفن بالمصبوغ، فأجاز ذلك.
مسألة: ويكفن الخنثى في قميص وإزار وخمار، وفي -نسخة- ولفافة، ويجعل إزاره أسفل من الثديين، ويجعل إزاره من تحت القميص، فإن كان عنده خناثا كن أولى بغسله، وإلا فذو محرم من الرجال، ولا ينظرون إلى الفرج، فإن لم يوجد أحد من هؤلاء صب عليه الماء صبا من فوق الثياب، ومن غيره، وقد يصب عليها الماء صبا، إلا أن يكون معها خنثى مثلها.
مسألة: وعن قوم كسروا في البحر، فخرجوا عراة والات البحر رجلا عليه ثوب والرجل ميت أفيأخذوا ثوبه ويقبروه عريانا؟ فما أرى لهم ذلك، وهو أحق بثوبه أن يكفن به، ويجزي عليه بثوبه، فإن كان في الثوب فضل عن كفنه قطعوه واستتروا به، وأدوا ثمن ما قطعوه منه إلى ورثته.
مسألة: معروض على أبي علي والي أبي الحواري، وسألت أبا عبد الله عن الميت إذا كفن في قميص وسراويل، تكون السراويل من تحت القميص، أو من فوقه؟ قال: يكون من فوقه، مثل الإزار يدخل الرجلان كلتاهما في أحد الكمين، أو يقطع من بين الرجلين، أو يدخل حتى تكون على الصدر، ولا تشد التكة.
مسألة: من -كتاب أبي قحطان- وقيل: يكره الحرير للرجال والنساء في الكفن، ولا يكفن الميت في شيء من الخز والقز، وإنما يجوز للميت القطن والكتان والصوف.
مسألة: فإذا فرغت من غسل الميت ألبسته ثوبا تجففه فيه، غير ثيابه التي يكفن فيها، فإذا جف ألبسته الحنوط وأدرجته في أكفانه، فتوزره بثوب وقميص (16/85)
صفحة 4015
ولفافة، وإن لم يكن فإزار ولفافة، فإن لم يكن اجتزى بثوب يلف على رأسه.
مسألة: وإن كانت مفاصل الميت يابسة فلا يجوز أن تغضن ولا تلين، وإنما تضم إلى بدنه، وتشد بالأكفان ولا يحدث فيه حدث على من فعله ضمان من دية الميت، وعلى من كسره الدية كذلك، لأنه فعل عامدا، إلا أن يكون من حيث يقلبه انكسر خطأ فلا دية، وعلى العمد تلزمه الدية.
مسألة: والبياض في الكفن أحب إلى الفقهاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألبسوا البياض فإنها أطيب وكفنوا بها موتاكم»، وقال عليه السلام: «من استطاع أن يحسن كفن أخيه فليفعل».
مسألة: وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه فإنهم يتزاورون».
مسألة: ومن أعطى ثوبا يكفن به ميت فخرقه للحزام، فذلك جائز.
مسألة: ومن كفن ميتا، فلا يخرق من الثوب شيئا، ويشد بخيط وعرفت أنه لا يضمن إن خرق.
مسألة: قال: والذي عرفت عن الشيخ في الأكفان أنه قال: لا يخرق، ولم أره ألزم ضمانا، وقال: لا يقع فيها هي للبعث، فعلى هذا لا يضمن الثياب من خرقها، فأما الحنوط فذلك لا يمنع منه عند الفعل، ولا ضمان على الغير في ذلك إذا لم يتعمد.
مسألة: وإذا فضلت خرقة من كفن ميت فهي للوارث.
مسألة: ومن جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب، أن المرأة تخمر والرجل يعمم.
مسألة: ومن غسل ميتا فأدرجه في أكفانه فوقع على أكفانه قطر من السقف الذي هو تحته فدعى بمقراض وقص موضع القطر، فإنه إن كان الكفن نجسا (16/86)
صفحة 4016
غسل موضع النجاسة بالماء، فأما بالمقراض فهذه بدعة ما سمعنا بها، قال: ويلزم الرجل ما أفسد من الثوب للوارث.
مسألة: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها».
مسألة: عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألبسوا البياض فإنها أطيب وكفنوا بها موتاكم»، وإن كفن الميت في غير البياض جاز ذلك بإجماع الأمة.
مسألة: ويستحب أن يكفن الرجل في ثوبيه اللذين كان يصلي فيهما، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كفن في ثوبيه اللذين كانا يصلي فيهما، فالله أعلم، ويقال: كفن أبو بكر رضي الله عنه في مصرتين كان يلبسهما خلقتين، وقال لهم: اغسلوها ثم كفنوني فيهما، فالأحياء أحق بالجديد.
مسألة: واستحب بعض الفقهاء أن يغسل كفن الميت على كل حال، وليس ذلك بواجب، وكلما ثبت له حكم الطهارة من الثياب والماء فجائز استعماله للحي والميت، والله أعلم.
مسألة: والكفن من رأس المال لقول النبي صلى الله عليه وسلم في ميت مات بحضرته فقال: «كفنوه بثوبه» فأضاف الملك إليه، وقد غلط من ذهب إلى أن الكفن من ثلث ماله.
مسألة: وقيل: يكره للرجال والنساء الحرير في الكفن، ولا يكفن الميت في شيء من الخز والقز، وإنما يجوز للميت القطن والكتان والصوف.
مسألة: عن إبراهيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن حمزة في كساء من صوف، وقيل: إن عليا كان يستحب في الأكفان الصوف.
مسألة: ومن هلك ولم يترك من الكسوة إلا ثياب صوف، ولم يجد غيرها كفن بها، وعن بعض الفقهاء أنه قال: لا يكفن الميت إلا في القطن والكتاب والصوف، وأما المرأة فإن كفنت في الحرير مصبوغا أو غير مصبوغ، فذلك (16/87)
صفحة 4017
جائز، وإن غسل المصبوغ فهو أحب إلينا.
مسألة: والرجل يكفن في ثلاثة أثواب، فإن زاد الورثة على ذلك فلا بأس، فإن كان فيهم أيتام فالضمان على من فعل ذلك.
مسألة: والرجل لا يكفن في الحرير، فمن فعل ذلك غلطا فلا شيء عليه.
مسألة: وعن رجل هلك، ولم يكن له كفن، وإن قوما طلبوا له كفنا ففضل في أيديهم شيء على كفنه، فكيف يصنعون بذلك الفضل، أيعطونه أولاده أو كيف يصنعون به؟ قال: يستأذنوا القوم الذين أعطوا في الكفن، ويخبروا بالفضل، فإن جعلوه لأولاده كان لهم ذلك، وإن جعلوه في كفن رجل آخر كان له.
مسألة: وعن رجل أو امرأة يموتون عند أرحامهم فيشترون لهم كفنا بثلث أموالهم أو أكثر أو أقل، في غيبة من الوارث، ثم ينكر ذلك الوارث، هل يلزمهم ذلك إن أسرفوا وما حد الإسراف في الكفن؟ فعلى ما وصفت فأكثر الكن عندنا ثلاثة أثواب، قميص وعمامة وسراويل، فما زاد على هذا فعليهم الغرم للورثة، وأما الإسراف فالله أعلم، وإذا كان الميت عند غير وارثه فينبغي القصد في ذلك ولا يبالغ به إلى هذا كله، وكذلك إن كان في ورثته أيتام، ومن غيره فالذي معنا أنه أراد إزار وقميص ولفافة أو سراويل وقميص ولفافة، والعمامة فيها اختلاف، ولا اختلاف في الإزار والقميص واللفافة والسراويل، والقميص واللفافة إذا أمكن ذلك.
مسألة: ومن جواب أبي علي الحسن بن أحمد -حفظه الله- وعن امرأة (16/88)
صفحة 4018
ماتت وخلفت ثيابا عند رجل، أيجوز لهذا الرجل أن يسلم من هذه الثياب إلى من يكفنها ليكفنها بها أم لا، كان لهذه المرأة وارث أو لم يكن لها وارث؟ فعلى صفتك فإن كان لهذه المرأة وارث حاضر بالغ لم يسلم ذلك إلا برأيه، وإن لم يكن لها وارث حاضر وكانت غريبة فإن كان عليها من الثياب ما يكفي لكفنها لم يكن له أن يسلم من أمانته شيئا، وإن لم يكن عليها ثياب تسترها للكفن كفنها من ثيابها بأقل ما يكفيها للكفن، ولا يسرف في كفنها، ويكون ذلك برأيه ورأي الحاضرين معه، والله أعلم. (16/89)
صفحة 4019
[صفحة بيضاء] (16/90)
صفحة 4020
الباب التاسع عشر
في الحنوط
ويحنط الميت بقطن وذريرة، ويدخل من ذلك في منخريه وعلى عينيه وفيه وأذنيه ودبره، وبين شفتيه وإبطيه، قلت: فيوضع بين أصابع اليدين والرجلين قطنا وذريرة؟ قال: لا، ولكن يستحب أن يضع في الراحة وذريرة.
مسألة: وعن الحنوط بأي يبدأ فإنه بالفم ثم المنخرين، وكل ذلك جائز إن شاء الله، قال: وقد قيل بالفم ثم المنخرين، ثم العينين ثم الأذنين، ثم الوجه ثم الإبطين، ثم الدبر.
مسألة: امرأة من المسلمين هلكت هل يذر الحنوط على كنفها وبدنها؟ فكره ذلك ونهي عنه.
مسألة: وإن كان الكفن قميصا وإزارا ورداء، فابدأ فذر على القميص شيئا من الذريرة أو الكافور، وهو الحنوط إن قدرت على الكافور، ويذر في رأسه ولحيته ثم ألبسه القميص، ثم خذ قطنا فيه من الحنوط، ثم ضعها على فمه وشفتيه، وقطنا وحنوطا في منخريه وعينيه وأذنيه، وقد قيل في إبطيه، ثم يأخذ الذي يكفنه خرقة على يده نظيفة، ويأخذ قطنا وحنوطا، ثم يدخله إلى دبره، ويضع في الإبطين قطنا وحنوطا، ومن غيره؛ وقد قيل: لا يجعل منه إلا على المناسم والعينين والدبر، ثم يأخذ قطنة واسعة فتملأها ثم يضعها على وجهه كله، ومن غيره؛ وقد قيل: إنما يجعل على مناسمه ولا يجعل على وجهه كله، (16/91)
صفحة 4021
وإن جعل فهو أحب إلينا، وينثر بين أصابع يديه ورجليه ذريرة وحنوطا، وإذا لم يوجد حنوطا فيحنط فيما قيل بالأذخر.
مسألة: ثم يوضع بين أصابع اليدين والرجلين قطنا وذريرة، قال: لا. إلا أنه يستحب أن يوضع على الراحتين ذريرة وقطنا، ويضم عليه بأصابع الميت.
مسألة: عن أبي عبد الله محمد بن روح، وإذا فرغت من غسل الميت جففت بدنه من الماء، وأدرجته في أكفانه، فجعلته على أرض الإزار وبسطته على طول اللفافة ثم حنطه، فبدأت بالفم، ثم المنخر اليمين، ثم المنخر الشمال ثم بالعين اليمين، ثم بالعين الشمال، ثم بالأذن اليمين، ثم بالأذن الشمال، ثم جعلت على وجهه نفكة فيها الحنوط تغطي جميعه، وفي جميع ذلك النفك يجعل الحنوط مما يلي جسد الميت، ويجعل نفكة فيها الحنوط يغشي بها الفرجين جميعا، وإن جعلت الحنوط في الإباط والكفين والقدمين فجائز، وإن لم تفعل ذلك أجزى ما وصفنا لك إن شاء الله، ثم تلف اللفافة على الميت من رأسه إلى قدميه، كنحو ما تلف الإزار على حقويه، ثم تحزم اللفافة بحزائم لا يضغط بها جسد الميت، ثم تجعله على السرير.
مسألة: وإذا حشي بالقطن والذريرة جعل على وجهه قطن وذريرة عليها.
مسألة: قال أبو بكر: كان ابن عمر يطيب بالمسك، وقد جعل في حنوط أنس بن مالك صرة من مسك أو مسك، وروينا عن علي بن أبي طالب أنه أوصى أن يجعل في حنوطه مسكا، وقال: هو فضل حنوط النبي صلى الله عليه وسلم، وممن رأى أن يطيب الميت بالمسك محمد بن سيرين ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال أبو بكر: وكذلك نقول، وقد روينا عن الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ومجاهد أنهم كرهوا ذلك، ويستحب إجمار ثياب الميت، وأحب ما استعمل في حنوط الميت الكافور، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «واجعلن في الآخر كافورا أو شيئا من كافور»، ويكره أن يتبع الميت بنار، وتحمل معه إذا حمل، وممن روينا عنه أنه نهى عن ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبو هريرة (16/92)
صفحة 4022
وعبد الله بن معقل بن يسار، وأبو سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ومالك بن أنس.
قال أبو سعيد: عندي أنه يخرج معاني ما قال في هذا الفصل كله في معاني قول أصحابنا، منه ما يحسن عندي في قولهم، ومنه ما هو منصوص، وإذا ثبت معنى الكافور فالمسك مثله، وكذلك سائر الطيب فيما قيل عند عدم الكافور، ويستحب أن يدخل في طهور الميت إن أمكن ذلك، وفي كفنه.
مسألة: ومن جامع أبي محمد؛ ويستحب الطيب للميت، ويتبع به مواضع السجود.
مسألة: ويحنط الميت بالمسك والكافور والعنبر والعود، وما يصلح له في الحياة يصلح في الممات، ولا يمسه الزعفران.
مسألة: والذي يجعل في فم الميت ومنخريه وأذانه ودبره مخافة الحدث، وإنما تدخل الثياب والحنوط، ويبدأ بالفم ثم المنخرين، وكل ذلك جائز إن شاء الله تعالى، والقطن والحنوط يسكر به مناسم الميت، حتى لا يخرج منه شيء؛ لأنه إذا مات كانت مناسمه منطلقة، وروي أن عليا أوصى أن يجعل في حنوطه مسك، وقال: هو فضل حنوط النبي صلى الله عليه وسلم.
مسألة: وعن موسى في الذريرة أتجعل في مواضع السجود؟ قال: لا نعرف ذلك.
مسألة: ويحشى من الميت خمسة مواضع بالقطن والحنوط: الأذنان والعينان والمنخران والفم والدبر والقبل، وأما غير ذلك فلا.
مسألة: والميت يحنط بقطن وذريرة تدخل ذلك في منخريه، وعلى عينيه وفمه وأذنيه ودبره، ويطيب رأسه ولحيته بما شاء من الطيب، ويضمخ موضع سجوده، ومفاصله وكفيه وإبطيه وركبتيه وقدميه بذريرة وكافور، ويحشى أذنيه ومنخريه بالقطن والذريرة، ويحشى فمه حشوا رقيقا، ويغطى وجهه بالقطن والذريرة (16/93)
صفحة 4023
ويطيب الرأس والجسد بينه وبين القميص وبينه وبين الإزار وليس فوق الإزار، ولا فوق اللفافة شيء م الطيب والذريرة.
مسألة: وقيل: يضع على وجه الميت القطن وبين أصابع يديه ورجليه، ولا يضع تحت إبطيه.
مسألة: ويجعل القطن في دبره وقبله، وفيه ومنخريه وأذنيه، وإن جعل على عينيه فجائز، وإن لم يجعل فلا بأس، وليس عليه أن يجعل في موضع من جسده غير هذه المواضع.
مسألة: اختلف أهل العلم في استعمال المسك في حنوط الميت، فرخص فيه جماعة.
مسألة: والحنوط والقطن يجعل في مناسمه من الفم والمنخرين والعينين والأذنين والفرج، وأما غير ذلك فلا يجعل شيء لا معنى له، فإن لم يحنط ولم يجعل فيه القطن فلا يكون ذلك نقصانا لطهره، ولكن تركوا السنة المأمور بها في تحنيط الميت.
مسألة: وإذا أعطي رجل عودا ليطيب به الميت فلم يطيب، وفضل منه فليرده إلى من سلمه إليه، وإن أعطي ليطيب به الموتى لم يرده إليه، وطيب به موتى آخرين.
مسألة: فإذا فرغت من غسل الميت جعلت في مناخره القطن بذريرة.
مسألة: امرأة من المسلمين هلكت، هل تذر الحنوط على كفنها وبدنها؟ فكره ذلك ونهى عنه.
مسألة: وسئل أبو سعيد عن الميت أيضع الحنوط في المناسم وحدها؟ قال من قال: المناسم والثقوب، وقال من قال: المناسم والثقوب واليدين والرجلين. (16/94)
صفحة 4024
الباب العشرون
في حمل الميت، وتشييعه، والسرير، والكلام خلف الجنائز
والضحط والاحتباء، وما أشبه ذلك -1 -
الجنازة بالكسر السرير، والجنازة بالفتح الميت بعينه، وعلى المسلمين تمام الجنازة والأخذ بأكفانها والصمت فيها.
مسألة: وإذا مرت الجنازة بقوم قعود فإنهم يجلسون على هيئتهم إن شاءوا، وإن اتبعوا الجنازة فهو أفضل.
مسألة: ومن مات والمقبرة عنه بعيدة، فإنه يحمل على أعناق الرجال، إلا أن يضعفوا فإن ضعفوا عن مله حمل على دابة، والله أعلم.
مسألة: ابن عباس قال: من مشى على جنازة فصلى عليها فله قيراط من الأجر، وإن أقام عليها حتى تدفن فله قيراطان، والقيراط مثل جبل أحد.
مسألة: ومختلف في السير بها، فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسرعوا بالجنازة»، وروي ذلك عن عمر وأبي هريرة والشافعي، ويُسرع بالجنازع إسراع سجية مشي الناس، وروي عن ابن عباس أنه حضر جنازة ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تزلزلوا وارفقوا فإنها أمكم، قال: إنها لا تشيعكم وإنما تشيعونها، فامش عن يمينها وعن شمالها، يعني عن يسارها، وقال حذيفة: رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمام الجنازة، وقال: إنما فعلنا ذلك لضيق سكك المدينة، لقد علمنا أن فضل من (16/95)
صفحة 4025
مشى خلفها على أمامها كفضل المكتوبة على النافلة، والمشي خلف الجنازة أفضل، هكذا قال أصحابنا.
مسألة: كان ابن عباس والحسن والحسين قاعدين، فمرت جنازة فقام أحدهما وجلس الآخر، فقال الذي قام: إنك والله لقد علمت بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قام، فقال الآخر: إنك لتعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلس، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم شيع جنازة ماشيا، ورجع راكبا، فسئل عن ذلك، فقال: «رأيت الملائكة تمشي فمشيت فلما ذهبت الملائكة ركبت».
مسألة: وقال: والسنة أن يسرع بها دون مشي الخبب، قال: والسنة حمل جوانب السرير الأربع، ثم تطوع إن شئت، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا شهد جنازة أخذ مقدم السرير الجانب الأيمن، فوضعه على عاتقه الأيسر، ثم الذي يليه من مؤخرة، ثم دار فوضع الجانب الأيسر على منكبه الأيمن، ثم الذي يليه من مؤخره.
مسألة: ويكره للمرأة أن تتبع الجنازة، ونحب أن يسار بالجنازة دون الخبب، ولا يسرع بها إسراعا عنيفا، وأوصى أبو هريرة عند موته أن لا يشيعوه برنة ولا مجمر، واغتنموا الخلوة وأسرعوا المشي.
مسألة: ولا يجوز للرجل إذا تبع الجنازة أن يقول: استغفروا له غفر الله لكم، عن بعض الفقهاء: يقال: إنه سعيد بن جبير كان يقول في جنازة رجل فقال رجل: استغفروا له غفر الله لكم، فنهاه مرتين فلم ينته، فقال سعيد: لا غفر الله لك.
مسألة: ومما يكره للرجال أن يدخلوا بين يدي السرير، فيضع جانب السرير على عاتقه.
مسألة: ولا يجوز تشييع جنائز أهل الذمة.
مسألة: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة تتبع الجنازة فأمر بردها.
مسألة: ومن حمل جنازة ميت، فالتقى عبد مملوك فأخذها من يده فسلمها (16/96)
صفحة 4026
إليه، فلا يلزمه الضمان، وهذا عادة الناس، ما لم يقل: تعال احمل.
مسألة: عن عبد الرحمن أنه قال: من حمل جنازة مرة فله عشرة آلاف حسنة، ومن حملها مرتين، فله عشرون ألف حسنة، ومن حملها ثلاث مرات، فله ثلاثون ألف حسنة، ومن حملها أربع مرات فله أربعون ألف حسنة حقها، أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تبع جنازة فله أربعة قراريط، وكل قيراط مثل جبل أحد»، قال أبو هريرة: خذوا من أتى أولياءها فعزاهم فله قيراط، وإن رفعها فله قيراط وإن صلى عليها فله قيراط، وإن صبر حتى يقضي دفنها فله قيراط، فذلك أربعة قراريط، فلما بلغ ذلك ابن عمر قال: فكم من قيراط قد فاتنا.
مسألة: أبو سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني، و إن كانت غير صالحة قالت: يا ويلتاه إلى أن تذهبون بها، يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق».
مسألة: وعن أبي بكر قال: لقد رأينا مع النبي صلى الله عليه وسلم وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا، الرمل دون مشي العدو، وفوق مشي العدو، وعن الحسن أنه قال: إذا ازدحموا على الجنازة فلا تقربهم، فإن الشيطان معهم، أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وضعت الجنازة على عواتق الرجال فاجلسوا»، وقال حين أتى بكفنه في ربطتين فقال: «الحي أحوج إلى الجديد من الميت إني لا ألبث إلا يسيرا حتى أرى بها خيرا منها أو شرا منها».
مسألة: وعن الذي يعطش وهو في الجنازة، هل له أن يشرب من الماء المحمول للقبر؟ فلا يجوز له ذلك إلا بمشورة رب الماء، وأما إن شرب من القرب المتخذة للقبور فلا يجوز ذلك، معي؛ إنه فإن شرب أحد رش على القبر ماء بقدر ما شرب، يرش على القبر في ذلك اليوم، أو في غيره، إذا اكتفى القبر في ذلك. (16/97)
صفحة 4027
مسألة: أحسب عن أبي علي الحسن بن أحمد، والذي يحمل الصبي الميت على وسادة وعليه ثياب فيأخذه ويسلمه إلى من أتاه، أيكون له ذلك أم لا؟ فذلك له؛ لأن هذا هو المتعارف، وليس عليه حفظ الثياب إذا حمله، والله أعلم. أنظر يا أخي في جميع ما أجبتك به، ولا تأخذ منه إلا بما وافق الحق والصواب، ولعل أن يكون فيه سقط، فإني كتبته ولم أقرأه. (16/98)
صفحة 4028
الباب الحادي والعشرون
في حمل الميت، وتشييعه، والسرير، والكلام خلف الجنائز
والنعش والسرير والضحط والاحتباء، وما أشبه ذلك -2 -
وعمن يكون خلف الجنازة فيسلم عليه، هل على من يسلم عليه؟ قال: كان جابر بن زيد لا يتكلم خلف الجنازة، قلت: فمن رد السلام عليه إثم؟ قال: لا.
مسألة: قال أبو المؤثر: والذي سمعنا أن الماشي مع الجنازة يتقدم ويتأخر، وأحب إلينا أن يكون خلفها، وأما الراكب فلا يتقدم.
مسألة: وسألته عن النعش الذي يجعل على جنائز النساء، أهو من سنة أم ذلك مما يستحب؟ قال: معي؛ إنه قيل: أول من جعل ذلك عمر بن الخطاب -رحمه الله- على امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وذلك أنه قيل: كانت تلك المرأة خلقها كبير الجثة، فكره عمر أن يدعها كما هي، فتنظر جثتها العيون، فجعل عليها ذلك، ثم قال: لو كان الأمر إلي ما أبصرتكن العيون، فأخذ الناس ذلك، قلت له: فيكره مخالفة ذلك إن خالفه أحد؟ قال: هكذا معي إنه يكره ذلك في النساء.
مسألة: وقال محمد بن محبوب: رأيت رجلا يكلم أبا عيسى الخراساني خلف جنازة وهو يرد عليه. (16/99)
صفحة 4029
مسألة: ومن جوابي أبي الحوري -رحمه الله- وعن السرر الذي في المساجد، يحمل عليها الأموات، وفيها فضل، هل يجوز أن يؤخذ من تلك السرر سرير يحمل إلى قرية لها فيها سرير يحمل عليها الأموات، والسرر التي في المساجد مكتوب عليها، هذا أمر به فلان بن فلان لمسجد فلان بن فلان؟ فعلى ما وصفت فإن كانت هذه السرر إنما جعلت لهذا المسجد وهذه القرية لم يجز لأحد أن يحمل من تلك السرر شيئا إلى بلد آخر، وإنما تكون هذه السرر للموضع الذي جعلت له، والله أعلم.
مسألة: وعن الكلام عند الجنازة؟ قال: يكره إلا تسبيح وتكبير، وما يعني فيها، قال غيره: قد قيل ذلك أيضا، إلا ذكر الله، والمذاكرة في الحلال والحرام من فضل ذكر الله.
مسألة: ويستحب المشي خلف الجنائز، ولا يتقدم الجنائز، ولا يتقدمها إلا من تقدم لحملها، وقال بعض الفقهاء: رأى راكبا خلف الجنازة، فقال: تركبون وملائكة الله مشاة، قال غيره: يوجد عن أبي المؤثر أن الجنازة يتقدمها الناس ويتأخرون خلفها، وكل ذلك جائز، ويركب خلفها ويمشي، ولا يتقدمها الراكب، وقيل: كان عمر بن الخطاب وأبو بكر -رضي الله عنها- يمشون قدام الجنازة، وابن مسعود وغيره خلف الجنازة، فقال له القائل: بذلك قال أنهما يعلمان أن المشي خلفها آجر، ولكنهما رفيقان يحبان الرفق بالناس، وكان معناه أنهما يريان ذلك الناس إنه جائز.
مسألة: وعن جنازة خرجت في الليل، هل تتبع بالنار؟ فقال: إن كان للإنس فلا بأس.
مسألة: رجل مات، والمقبرة عنه بعيدة، أيحمل على دابة أم على أعناق الرجال؟ فإنه يحمل على أعناق الرجال؛ إلا أن يضعفوا عن حمله، فإنه يحمل على دابة والله أعلم، قال أبو جعفر: وقال الحواري بن محمد عن المسلمين، تمام الجنازة الأخذ بأكنافها والصمت فيها. (16/100)
صفحة 4030
مسألة: من جواب هاشم بن غيلان -رحمه الله- عن الاحتباء على الجنائز، فما نرى أحدا من أهل الأدب -نسخة- الحقيقة يفعل ذلك، وعن الضحك خلف الجنازة، فما يرى أحد من أهل الحقيقة يفعل ذلك، وأما الحديث خلف الجنازة فهو ينهى عنه.
مسألة: من جواب أبي الحسن -رحمه الله- وعن الذي يلي جنازة امرأة فيضيق عليه الوقت، فيحمل جنازة المرأة كما يحمل جنازة الرجل بغير نعش، قلت: هل ذلك صواب؟ فليس ذلك بصواب إلا على الاضطرار في وقت لا يمكن ذلك، ولا يطاق من أمر حابس، فالمضطر معذور، ولا يضيع سنن الإسلام لاختيار العام، فإذا وقع الضرر فالله أولى بالعذر، وله الحمد، وقلت: وإن فعل ذلك من سعة من الوقت وفسحة، له يتولى هذا في فعله بمنزلة الخطأ، وهل عمل النعش من الأمر الذي لا يصلح تركه؟ فعمل النعش قد جاء به فيما عرفنا من قول المسلمين أنه لا يترك، ويعمل على ما جاء به الأثر، عن الجارية إذا ماتت وهي ممن تستتر وتستحي، ثم صاعدا في ذلك على النساء، فمن صنع ذلك بجهل منه وتعمد لترك آثار المسلمين فهذا يستغفر ربه، ويدع خسة حاله في ذلك، ويتحول إلى اتباع قول الفقهاء، ولا يستخف بشيء من قوائم أبواب الإسلام، والله تواب رحيم.
مسألة: ومن جواب أبي الحسن -رحمه الله- وعن الجنازة إذا حملت ولم تغير، قلت: هل يصلح ذلك؟ فإن وجد ما يجمر به الميت حول نعشه، فلا يترك ذلك ولا يصلح تركه، وإن لم يوجد فلا بأس.
مسألة: وعن أبي عبد الله محمد بن روح، ويجمر الميت بريح العود ثلاث مرات، يدور ذلك حول كنن السرير من تحت السرير ثلاث مرات، فمرتين من داخل الكنن، ومرة واحدة من خارج الكنن، ثم يحمل إلى قبره.
مسألة: عن محمد بن المسبح، ثم يوضع الميت على سريره ويستقبل بالسرير القبلة، ثم تأخذ عودا مرا، ثم يوضع على جمر ثم يغبر به الميت، يدار به حول (16/101)
صفحة 4031
سريره، يبدأ من عند الرأس، ثم يديره حتى يبلغ ثلاث مرات، بارك الله لنا في الموت.
مسألة: عن أبي عبد الله محمد بن روح؛ ويجمر الميت بريح العود ثلاث مرات يدور ذلك حول كنن السرير ثلاث مرات، فمرتين من داخل الكنن، واحدة من خارج الكنن، ثم تحمله إلى قبره وتمشي به، وعليك السكينة والوقار، ويكره العجلة في المشي ممن يحمل السرير، فإذا أتيت به قبره فليتقدم بالناس في الصلاة رجل عن أمر ولي الميت.
مسألة: اختلف في نقل الميت من بلد إلى بلد، فعن عائشة رضي الله عنها أنها كرهت ذلك، وعن الزهري عن مالك فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن يزيد من العقيق إلى المدينة.
مسألة: ويكره حمل الميت من بلد إلى بلد يخاف عليه التغيير فيما بينهما، وحدثني عن نافع عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشيا معا فليقم حتى تلحقه أو توضع من قبل أن يخلف»، قال الليث بن سعد: حدثني يحي بن سعيد عن نفر قد سماهم، عن علي بن أبي طالب أنه قال في الجنائز: قام رسول الله ثم قعد، وحدثني عن نافع أن عبد الله كان إذا سبق الجنازة إلى البقيع وكان قد جلس قام إذا طلعت عليه حتى يخلفه، أو يوضع قبل ذلك، وحدثني ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة العدوي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم»، قال الليث: حدثني يحي بن سعيد عن واقع بن عمرو بن سعيد بن معاذ عن نافع بن جبير عن مسعود بن الحكم عن علي بن أبي طالب أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنائز حتى توضع ثم قعد.
مسألة: سألته عن الجنازة إذا مرت ونحن جلوس كيف نصنع؟ قال: اجلسوا كهيئتكم، وإن اتبعتم الجنازة فهو أفضل.
مسألة: سألت أبا علي الحسن بن أحمد -حفظه الله- فيمن لزمه ضمان لسرير (16/102)
صفحة 4032
مجعول للمقابر من جهة حدث أحدثه فيه، كيف وجه الخلاص من ذلك؟ قال: يجعله في صلاح ذلك السرير، قلت: فإن تلف ذلك السرير أو غمي عليه فلم يعرف أي الأسرة هو؟ قال: الله أعلم، يوجد أن كل شيء لم يعرف له رب فهو للفقراء، وأنا شاك أنه قال: فهو للفقراء أو قال: فرق على الفقراء، والله أعلم.
مسألة: من -كتاب أبي قحطان- وعن الجنازة إذا مرت بقوم وهم جلوس، كيف يصنعون؟ فاعلم أنهم يجلسون كهيئتهم إن شاءوا وإن اتبعوا الجنازة فهو أفضل.
مسألة: ومنه؛ وعن رجل ي موت والمقبرة بعيدة، فهل يحمل على دابة أم على أعناق الرجال؟ فإنه يحمل على أعناق الرجال، إلا أن يضعفوا عن حمله، حمل على دابة، والله أعلم. قال أبو جعفر: قال الحواري بن محمد: عن المسلمين، ثم الجنازة الأخذ بأكنافها والصمت فيها.
مسألة: عن ليث بن أبي سليمان قال: بلغني أن داود سأل ربه قال: «إلهي ما جزاء من شيع جنازة ابتغاء وجهك والدار الآخرة؟ قال: جزاؤه أن تشيعه ملائكتي إذا مات وأصلي على روحه في الأرواح، قال: إلهي ما جزاء من عزّى أخاه المسلم؟ قال: جزاؤه أن ألبسه لباس التقوى».
مسألة: ويكره أن يسرع بالجنازة إسراعا خفيفا، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على جنازة ماشيا ورجع راكبا، ويكره أن تتبع النساء الجنائز، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة تتبع جنازة فأمر بردها.
مسألة: وقيل: يكره لأصحاب الدواب أن يتقدموا الجنازة، والماشي يتقدم ويتأخر، إن شاء فعل ذلك.
مسألة: و قال مالك بن غسان: الذي يعجبني لمن أخذ الجنازة يحملها أن يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله، فإذا أراد أن يسلمها إلى غيره، فلم نسمع في (16/103)
صفحة 4033
ذلك عن الفقهاء شيئا، والسكوت أولى به.
مسألة: عن جابر بن زيد قال: كان أنس بن مالك يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حمل قوائم السرير الأربع حط الله عنه أربعين كبيرة»، يعني أربعين ذنبا.
مسألة: ويكره الكلام خلف الجنازة، حتى يصلى على الميت، وقال بعضهم: حتى يدخل القبر، وقال بعضهم: حتى يدفن، ومن غيره قال: وقد قيل حتى يقع رش الماء على القبر، إلا لما يحتاج إليه من أمر الجنازة.
مسألة: وقيل: يستحب أن يقول خلف الجنازة: لا إله إلا الله الحي الذي لا يموت، وكل ذكر الله حسن.
مسألة: وإن انصرف الذي خلف الجنازة إذا صلى فذلك له، وإلا فحتى يدفن الميت، قال غيره: يستحب ذلك إلا بإذن أولياء الميت.
مسألة: ويكره الكلام خلف الجنازة، ويكره الانصراف حتى يرش الماء على القبر إلا أن يستأذن الولي، فإن أذن له الولي انصرف.
مسألة: وعن الكلام عند الجنازة فقال: يكره إلا بتسبيح وتكبير، وما يعني دفنها.
مسألة: قال أبو محمد: اتفق أصحابنا على تكريه الكلام خلف الجنازة، إلا بما يمكن من طاعة الله -نسخة- طاعة الله تعالى من قراءة القرآن، أو التسبيح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسؤال والجواب عن أمر الدين، واختلفوا في جواز الكلام وإباحته بعد هذه الكراهية، فقال قوم: إلى أن يصلى على الميت، وقال قوم: حتى يوضع في قبره، وقال آخرون: حتى يدفن، وقال آخرون: حتى يدفن ويرش -نسخة- على قبره الماء -نسخة- عليه الماء، وكل ذلك تعظيم للموت.
مسألة: وأخبرني هاشم بن الجهم عن العلاء بن أبي حذيفة؛ أن سائلا سأل أبا عبيدة، وهو يشيع جنازة فقال أبو عبيدة: أنا في شغل عن كلامكم، فقلت أنا لهاشم سأله عن حلال وحرام أو عن غير ذلك، فقال: لم يقل العلاء لي شيئا من (16/104)
صفحة 4034
ذلك، قال غيره: السؤال عن الحلال والحرام من أفضل الذكر، وقد قيل: لا يستحب الكلام خلف الجنازة؛ إلا بذكر الله، وذلك من أفضل ذكر الله.
مسألة: وإذا خرج إنسان على الجنازة، فصلى عليها، فله إن شاء انصرف بغير إذن وليها، وإن قعد حتى يدفن، لم يكن له أن ينصرف حتى يرش الماء على القبر، إلا بإذن الولي.
مسألة: ولا وضوء على من حمل الجنازة.
مسألة: قال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من صلى على جنازة فلينصرف بإذن وليها.
مسألة: وقال محمد بن محبوب: إذا خرج إنسان على جنازة، فله أن ينصرف بغير إذن أوليائها، وإن قعد حيث يدفن لم يكن له أن ينصرف حتى يرش الماء على القبر إلا بإذن الولي.
مسألة: ويكره الكلام خلف الجنازة؛ إلا ما كان من ذكر الله، وذكر الموت والآخرة، وما يعني فيها، وقال ابن محبوب: يكره عند خروج الناس على الجنازة حتى يخرج من القبر، وقال من قال: حتى يقع رش الماء.
مسألة: عن العلاء، لا يتخذ على الصبية النعش ما كانت تربى، فإذا دخلت وخرجت وانقطع عنها الرضاع، اتخذ عليها النعش، وقال أبو عبد الله: إذا سترت عورتها اتخذ عليها النعش، وقال أبو محمد: يجعل النعش على الصبية إذا استحيت من الرجال.
مسألة: و قال محمد بن محبوب: إذا استحي الصبي حمل على السرير، وإن حمل قبل ذلك، ويقال: إذا وضعت الجنازة عن أعناق الرجال فاجلس إن شئت.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- ويستحب تعجيل دفن الميت؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ينبغي أن تحبس جيفة مسلم بين ظهراني أهله»، ويكره أن (16/105)
صفحة 4035
يسرع بالجنازة إسراعا خفيفا، ويكره أن يتقدم الجنازة، لأنها متبوعة والمستحب هذا، وإن اتبعها أحد راكبا فلا بأس.
مسألة: من -الزيادة المضافة- عن البسياني، وعن الغبار للميت بالعود أفيه سنة؟ قال: يستحب ذلك أن تطيب ثياب الميت وتجمر، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جُعل في أكفانه المسك.
مسألة: وكانوا يكرهون على الجنازة ثوبا أو مرفقة فيها تصويرة، وكان بعضهم يكره أن يضع على عانسة السرير ذريرة. وقال سفيان: إن رأيت زحاما ووجدت من يكفيك الجنازة فلا تدنوا منها، فإن دنوت فإنك إلى الوزر أكثر مما تؤجر، وشيع الجنازة وامش إليها على التؤدة، وامش خلفها وعليك السكينة والوقار، وعليك بالصمت؛ إلا من ذكر الله، ولا تكلم في أمر الدنيا شيئا، فإنك في طريق الآخرة.
مسألة: وفي –كتاب بني بيزن- وعن الذي يحمل الجنازة من أين يبدأ بها؟ فقال: رأيناهم يحملون الجنائز من حيث يليهم، وقال الأوزاعي بأي الجوانب شئت فابدأوا، وفي أثر أظنه عن محمد، أنه قال: لا بأس أن يتبع الرجل الجنازة، ثم يرجع ولم يحملها إذا لم يحتاج إليه في حملها، ولا وضوء على من حمل الجنازة، ولا في النزول في القبر.
مسألة: وقال الربيع: رأينا النساء تتبع الجنائز، والفقهاء يرونهن، فلم ينهونهن عن ذلك، ولو كرهوا لعابوا ذلك، ونهوا عنه إلا أنهم يكرهن لهن ذلك في الريح الشديد والمطر، وقيل: لم يزل النساء يخرجن على عهد جابر بن زيد وغيره، فلم نسمع أحدا يقل لهن ارجعن مأزورات غير مأجورات.
مسألة: ولا يجوز ترك الجنازة وتعطيل القيام بها، وما يجب على المسلمين من فرض دفن موتاهم والصلاة عليهم. إذا كان هناك نوح وأصوات مناكر لا يمكن صرفها، ولا يترك حقا لباطل، وقد قال الحسن البصري لرجل: ياهذا؛ إن كان (16/106)
صفحة 4036
كلما سمعت منكرا تركت لأجله معروفا أسر ذلك في دينك، وكان هذا الرجل سمع نوحا خلف جنازة، فهم بالانصراف عنها، فقال له الحسن: هذه المقالة، وجائز تحمل النساء على سرير الرجال، والرجال على سرير النساء، إذا لم يجد غيره.
مسألة: ومختلف في اتباع النساء الجنائز.
مسألة: والركوب خلف الجنائز غير محرم، إلا أن المشي أفضل، وروي عن ابن عباس أنه قال: الراكب في الجنازة كالقاعد في أهله، وقد قال بعض: إن الركوب غير محرم، ولكن الراكب لا أجر له.
مسألة: عن قيس بن عبادة أنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند ثلاثة: عند القتال، وعند الجنائز، وعند الذكر، وذكر الحسن أنهم كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز، وعند القرآن، وعند القتال.
مسألة: قال أبو الحسن: السنة حمل جوانب السرير الأربع، ثم تطوع إن شئت.
مسألة: ويكره الكلام في القبور على الجنازة، وقال قوم: حتى تدفن، وقال قوم: حتى يضرب بالطين على القبر، وقال آخرون: حتى يصلى عليه، وأحب كراهية الكلام حتى يدفن. (16/107)
صفحة 4037
[صفحة بيضاء] (16/108)
صفحة 4038
الباب الثاني والعشرون
في تشييع الجنائز
من كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بعيادة المرضى واتباع الجنائز، واختلفوا في صفة حمل الجنازة، فقالت طائفة: يبدأ الحمل بياسرة السرير المقدمة، على عاتقه الأيمن، ثم يمنة السرير المقدمة على عاتقه الأيسر، كأنه يدور عليها، هذا قول سعيد بن جبير وأيوب بن أبي خثيمة السحياني، وبه قال إسحاق، ويروى معناه عن ابن مسعود وابن عمر، وفيه قول ثان، وهو إن حملها أن يضع ياسرة السرير المقدمة الأيمنة، ثم ياسرة المؤخرة على ميمنة السرير المقدمة على عاتقه الأيسر، ثم ميمنة المؤخرة، هذا قول الشافعي وأحمد بن حنبل والنعمان، وقالت طائفة: ليس في ذلك موقوف يحمل من حيث شاء، هذا قول مالك بن أنس، وقال الأوزاعي: ابدأ بأيها شئت من جوانب السرير.
واختلفوا في حمل الجنازة بين عمودي السرير، فروينا عن عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير أنه (لعله) إنهم حملوا بين عمودي السرير، وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل، وكره ذلك الحسن البصري وإبراهيم النخعي وإسحاق بن راهويه والنعمان، قال أبو بكر: وبما روينا عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نقول.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا في حمل السرير أن (16/109)
صفحة 4039
يبدأ بميمنة السرير من أولها، ثم آخرها بميسرة السرير من أولها ثم آخرها، والميامن كلها مقدمة في معنى ما يؤمر به، وإن حملت السرير على غير الميامن والمياسر على نحو العمود جماعة أو اثنين، فلا يمنع ذلك عندي، والحسن ذلك، والرفق أولا ما استعمل، وليس التقديم والتأخير في الميامن والمياسر في هذا عندي يوجب كراهية بمعنى يستدل به على ذلك، ومنه؛ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اسرعوا بالجنازة» وروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وعمران بن الحصين وأبي هريرة، وقال الشافعي: ويسرع بالجنازة إسراع سجية مشي الناس، وقال أصحاب الرأي: العجلة أحب إلينا من الإبطاء لها، وقد روينا عن ابن عباس أنه حضر جنازة ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تزلزلوا وارفقوا فإنها أمكم، قال أبو بكر: بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم نقول.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معنى قول أصحابنا معنا استحباب الإسراع في المشي بالجنازة، وذلك عندي بمعنى ما يخاف من العوائق عن ذلك، وإنما يخاف على الميت من الضرر، وإلا فمعنى الرفق كله أثبت معاني أحكام الإسلام، وإذا حمل الناس على غير معنى الرفق لم يؤمن معنى الضرر.
ومنه؛ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة، وهذا قول ابن عمر وأبي هريرة والحسن بن علي وعبد الله بن الزبير وأبي أسيد الساعدي وأبي قتادة وعبيد بن عمير وشريح الكندي والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والزهري ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل، واحتج بتقديم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الناس أمام جنازة زينب بنت جحش، وقال أصحاب الرأي: المشي قدامها لا بأس به، والمشي خلفها أحب إليّ، وقال الأوزاعي: المشي أفضل عندنا خلفها، وقالت عائشة: إنما أنتم مشيعون تكونوا بين يديها وخلفها، وعن يمينها وشمالها، هذا قول أنس بن مالك ومعاوية بن قرة وسعيد بن جبير، قال أبو بكر: المشي أمامها أحب إليّ، ويجزي حيث شاء. (16/110)
صفحة 4040
قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا إجازة المشي بين يدي الجنازة وخلفها، وعن يمينها وعن شمالها، ومعي إن قولهم إن خلفها أفضل لاتباعها، وذلك لثبوت المعنى للتشييع، والْمُشيِّع في المعنى لا يكون قدّام الْمُشيَّع.
ومنه؛ قال أبو بكر: روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها»، روي ذلك عن ابن عمر أنه كان يصلي أمام الجنازة، وكره علقمة وإبراهيم النخعي أن يتقدم الراكب أمام الجنازة، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: الراكب خلف الجنازة، وقد روينا عن ابن عباس قال: الراكب مع الجنازة كالجالس في أهله، وروينا ذلك عن الشعبي، وقال عبد الله بن رواحة الأنصاري: للماشي خلف الجنازة قيراطان، وللراكب قيراط.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا نحو ما قال في الراكب والماشي، ولا معنى يمنع الركوب خلف الجنازة، ولكل امرئ ما نوى، إلا أنه من تعب في ذات الله ونصب قصدا منه إلى ذلك لغير إدخال ضرر على نفسه، رجى له من الثواب أكثر من لم يمسه ذلك، ومن رفه نفسه في ذات الله رجى أن يبلغ بذلك إلى قوة إلى طاعة الله كان له فضل ذلك أيضا، ومن كان قصده لغير الله فلا خير له ولا فيه، رفه نفسه أو أتعبها.
ومنه؛ قال أبو بكر: روينا عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنهم كرهوا للنساء اتباع الجنائز، وكره ذلك مسروق والحسن البصري وإبراهيم النخعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق، وروينا عن أبي الزناد الزهري وربيعة أنهم لم ينكروا ذلك، وروينا عن الحسن البصري أنه كان لا يرى بأسا أن يصلي النساء على الجنازة، وكان مالك لا يرى بذلك بأسا، وكره ذلك للشابة، قال أبو بكر: أعلى شيء في النار، هذا حديث أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا كراهية اتباع النساء الجنائز، وفي ذلك معاني التشديد في بعض القول حتى يروى في أنهن يرجعن (16/111)
صفحة 4041
مأزورات غير مأجورات، وفي بعض القول: إنهن يرجعن من الوزر بمثل ما يرجع به الرجال من الأجر، ولا يثبت معنى هذا عندي، بمعنى إصلاح على نية صدق وفلاح، وما إذا خرجن لغير معنى الأجر، والذي يظهر منهن، فأخاف أن يلحقهن معنى الرواية.
ومنه؛ قال أبو بكر: روينا عن قيس بن عبادة أنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند ثلاث: عند القتال، وعند الجنائز، وعند الذكر، وذكر الحسن البصري عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز، وعند قراءة القرآن، وعند القتال، وكره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، قول القائل خلف الجنائز: استغفروا، قال عطاء: مخربة، وقال الأوزاعي: بدعة، قال أبو بكر: ونحن نكره من ذلك ما كرهوا.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج معاني ما رواه من خفض الصوت حسن عندي، في معاني قول أصحابنا عند الجنائز وعند قراءة القرآن، وأما الحرب فالله أعلم؛ إلا أن يكون في معاني خفض الصوت عند الحرب سبب يدرك به القصد، من الطعن في الحرب، فلعل ذلك يخرج حسنا على هذا، وأما قول القائل: استغفروا، فإن كان مؤمنا ويقول ذلك لمن يعلم أنه مؤمن مستحق للولاية، لم يكن ذلك عندي بدعة ولا مكروها، وإن كان ممن لا يستحق الاستغفار وأمر بولاية من لا يستحقها، فذلك عندي بدعة في معنى الحرب، وكذلك عندي عند الذكر خفض الصوت أفضل من ذكره، وعند الذاكر والمذكور كل هذه المواطن عندي فيها خفض الصوت أفضل.
مسألة: قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعد حتى يوضع»، في حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم للجنازة ثم يجلس، قال أبو بكر: وأكثر من يحفظ عنه يقول الحديث، بدأت بذكره، ومن رأى أن لا يجلس ثم يتبع الجنازة حين توضع على أعناق الرجال؛ (16/112)
صفحة 4042
الحسن بن علي وأبو هريرة وابن الزبير وابن عمر والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وذكر إبراهيم النخعي وعامر الشعبي أنهم كانوا يكرهون أن يجلسوا حتى توضع عن مناكب الرجال، وبه قال ابن الحسن، وقد اختلف أهل العلم في القيام للجنائز إذا مرت؛ فممن كان يقوم أبو سعيد البدري وأبو سعيد الخدري وقيس بن سعد وسهل بن حنيف وسالم بن عبد الله وأحمد بن حنبل، إن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس به، وبه قال إسحاق بن راهويه، ورأت طائفة أن لا يقوم المرء للجنازة، وفعل ذلك سعيد بن المسيب، وهو قول عروة ومالك والشافعي، وقال: القيام فيها منسوخ.
قال أبو سعيد: عندي أنه لا معنى للقيام للجنائز، إلا لمعنى القيام بها وحملها وتشييعها أو أحد ذلك؛ وعندي انه يكره لمن اتبع الجنازة أن يقعد عن الفضل من حملها، والناس في ذلك إلا من عذر؛ لأن في ذلك الفضل، وفي تركه التقصير، وإن كان له عذر فلا بأس بذلك، وإن قام لها فحملها لمعنى الفضل ثم قعد عنها لمعنى عذر، أو طلب فضل أفضل منها أن من الحاضرين فيهم كفاية بحملها، كان له في ذلك نيته عندي ووسعه ذلك، وإن قعد عنها أو في جماعة الحاضرين موضع، إلا من عليها أنهم يقومون بها لعذر، أو لما يرجى أنه أفضل منها، كان ذلك فضلا وجائزا، فلا ينبغي لمؤمن أن يرغب بفضل لغير معنى، ويقصر عن القيام به من جنازة، ولا غيرها إلا من عذر، أو اشتغال بمثله، أو أفضل منه.
ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في نقل الميت من بلد إلى بلد، فكرهت ذلك عائشة -رضي الله عنها-، وكره الأوزاعي، وسئل الزهري عن هذا فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة، قال ابن عيينة: مات ابن عمر هاهنا، فأوصى أن يدفن بها، وأن يدفن بسرو فغلبهم الخب، وكان رجلا ناديا، قال أبو بكر: يكره حمل الميت من بلد إلى بلد يخاف عليه التغيير فيما بينهما.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا معنى الكراهية أن يحمل ميت من بلد إلى بلد، وأن يدفن الميت حيث قبض، وأحسب أنه في بعض الروايات (16/113)
صفحة 4043
عن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وأصح ما يخرج من ذلك عندي ما حكى أبو بكر أن يحمل إلى بلد يخاف تغييره قبل الوصول إلى البلد، ولأن هذا يوجب المنع بدخول الضرر، وما سوى هذا من ثبوت خوف الضرر، فأرجو أنه يخرج بمعنى الوسيلة والأدب، وقيل: إنه ما دفن نبي قط إلا حيث قبضت روحه في بقعته التي مات فيها، وفي هذا دليل على الفضل، إذ خص الله بذلك الأنبياء.
مسألة: عن أبي الحواري، وعن مسجد فيه بواري كثير يصلى عليها، وفيها فضلة، ومسجد آخر في القرية هم بالقرب منه، ليس فيه شيء، فعلى ما وصفت فالذي حفظنا من قول المسلمين إن البسط التي تكون في المسجد مثل الحصر وغيرها إنها هي للعمار وليسها للمساجد، وإذا كانت للعمار لم يكن لأحد أن يأخذ منها شيئا لعمار مسجد آخر، ولا يجوز ذلك، وعنه أيضا وعن السرر التي في المساجد يحمل عليها وفيها فضل، هل يجوز أن يؤخذ من تلك السرر سرير يحمل إلى قرية ليس فيها سرير يحمل عليها الأموات، والسرر التي في المساجد مكتوب عليها؛ هذا ما أمر به فلان بن فلان لمسجد فلان بن فلان؟ فعلى ما وصفت فإذا كانت هذه السرر إنما جعلت لهذا المسجد ولهذه القرية، لم يجز لأحد أن يحمل من تلك السرر شيئا إلى بلد آخر، وإنما يكون هذه للمواضع التي جعلت له، والله أعلم بالصواب. (16/114)
صفحة 4044
الباب الثالث والعشرون
في تقديم الجنائز إذا اتفقت عند الصلاة
وإذا اتفقت الجنائز من الرجال قدم نحو القبلة أقرأهم وأفضلهم، وكذلك في القبر، وإن رجال وصبيان ذكران، كان الرجل ثم الصبيان الأكبر ثم الأصغر، والعبد أولى بالتقديم من المرأة إذا صلي عليهما جميعا، وكذلك إذا قبروا في قبر واحد، وإن كانوا عبيدا، كان العبيد الذكران من الصبيان، ولو كان العبيد بالغين، وإن كان نساء حرائر وإماء، وإنما يكن النساء الحرائر من بعد العبيد الذكران، ثم الإمام من بعد النساء الحرائر، ويكون آخر جنازة ناحية الإمام، وأول جنازة ناحية القبلة.
قال محمد بن المسبح: يقدم أفضلهم ويقدم الرجال ثم الصبيان، ثم العبيد الذكور، ثم النساء الحرائر ثم الإماء، وإن كان رجل أو امرأة فلا بأس إذا لم يكن إلا ذلك، ويكون الرجل ناحية القبلة.
قال غيره: قيل: يقدم الرجال البالغين الأحرار، ويقدم أفضلهم ثم الصغار الأحرار، ثم بعد الرجال الأحرار، ثم بعد العبيد الذكران البالغين بعد الصبيان الأحرار الذكران، من بعد العبيد الصبيان خلف الذكران البالغين من العبيد، ثم الحرائر البالغات خلف الصبيان من العبيد، ثم الصغار من الحرائر خلف البالغات من الحرائر، ثم الإماء البالغات خلف الصبيان من الحرائر من النساء، ثم الصبيان من الإماء من الإناث خلف الإماء البالغات، هكذا عرفنا. (16/115)
صفحة 4045
مسألة: وعن أبي علي في جنازة الصبي والمرأة، يقدم الصبي والمرأة تلي الإمام، كذلك حفظ موسى عن جده.
مسألة: سألت عن الجنائز إذا اجتمعت رجالا ونساء، منهم من أتولاه ومنهم من لا أتولاه أو رجلان في الولاية، أو أحدهما لا ولاية له، أو رجل وصبي، أيهم أولى بالتقديم، وكيف الصلاة عليهم؟ فأما إذا كان رجالا ونساء، فإن الرجال أولى بالتقديم من النساء، ويكن النساء خلف الرجل مما يلي الإمام، وأما إذا كان رجلان أحدهما من أهل الولاية وأحدهما لا ولاية له، فأولى بالتقديم في الصلاة أفضلهما في الدين، ويكون الآخر خلفه مما يلي الإمام، وإن كانا في الولاية والفضل سواء فذو السن أولى بالتقديم، وأما إذا كان رجل وصبي فالرجل أولى بالتقديم من الصبي، وتكون جنازة الصبي مما يلي الإمام، إن شاء الله.
مسألة: وعن صبي حر مسلم وعبد وامرأة ماتوا جميعا، كيف يصلى عليهم في التقديم والتأخير؟ قال: يقدم الصبي مما يلي القبلة، ثم العبيد ثم المرأة، مما يلي الإمام، قال أبو الحواري: قال من قال: يقدم العبد إذا كان بالغا، ثم الصبي ثم المرأة، وبهذا نأخذ.
مسألة: وإن اتفقت الجنائز من الرجال والنساء، قدم نحو القبلة أقرؤهم وأفضلهم، وكذلك في القبر، وإن كان صبيان ذكران كان الرجال ثم الصبيان، ثم النساء، وإن كانوا عبيدا وإماء، كان الرجال الأحرار ثم الصبيان ثم العبيد الذكران ثم النساء الحرائر بعد العبيد، ثم الإماء بعد ذلك، ويصلى عليهم صلاة واحدة.
مسألة: واختلف الناس في الذي يقدم إذا اجتمعت الجنائز، فقال قوم: يكون الرجال مما يلي الإمام، والنساء خلف ذ لك، وقال آخرون: الرجال إلى القبلة والنساء مما يلي الإمام، وقال غيره: هكذا قيل: إنه يقدم الرجال الأحرار ثم الصبيان الأحرار، ثم المماليك البُلغ، ثم المماليك والصبيان، ثم النساء الحرائر، ثم الجواري الصغار الحرائر، ثم النساء المماليك، ثم الجواري الصغار (16/116)
صفحة 4046
المماليك، فعلى هذا الترتيب يكون أنصر لله، فافهم ذلك.
قال غيره: نعم كذلك عندي أنه يبدأ بالأحرار رجالهم ثم صبيانهم، ثم المماليك الذكور بُلغهم ثم صبيانهم، ثم الإناث الأحرار، فافهم هذا.
مسألة: وإذا اجتمع جنائز النساء قدم أفضلهم، إلا قول منير فإنه قال: يعترض الجنائز، فتصف بين يدي الإمام، قال: وكذلك جنائز الرجال، قال هاشم: ولم أسمع هذا القول إلا عن منير.
مسألة: وقال محمد بن محبوب: إذا اجتمعت الجنائز قدم الرجال الأحرار، ثم الصبيان الأحرار الذكران، ثم العبيد الرجال، ثم الصبيان من العبيد الذكران، ثم النساء الحرائر، ثم الصبايا الحرائر ثم الإماء، ثم الصبايا من الإماء يكن مما يلي الإمام، قال: وكل صف من هؤلاء يقدم ذو الفضل منهم، وإن استووا قدم الأسنان، ويقدم من الصبيان من كان والده أفضل في دينه، وإذا هلكت امرأة وصبي قدم الصبي، ثم المرأة من خلفه، فإن هلك رجلان قدم أفضلهما، فإن كانا فاضلين قدم أسنهما.
مسألة: فإذا اجتمع من جنائز النساء اثنتان إلى ما أكثر، فإنهم يوضعن بعضهم إلى جنب بعض، ثم يصلى عليهن جميعا أربع تكبيرات، ويقوم الإمام آخرهن، وقال الربيع: توضع الجنائز بعضا خلف بعض كعرف الديك، ويقدم الرجال وتؤخر النساء، وقال عن أبي عبيدة: يكون الرجال مما يلي القبلة، والنساء مما يلي الإمام.
وقال أبو الحسن: إذا اتفقت الجنائز قدم الأفضل من الرجال، مما يلي القبلة، ثم الذي دونه، ثم المرأة، إلا أنهم اختلفوا في تقديم الجنائز عند الصلاة، فمنهم من قال يكون يقدم ذلك، والأفضل مما يلي الإمام، وقال آخرون: يكون الأفضل مما يلي القبلة، والذي دونه مما يلي الإمام، فانظر في ذلك، وإن مات عشرة أنفس في موضع واحد، جاز أن يصلى عليهم صلاة واحدة، ويكون الرجال ثم الصبيان ثم النساء. (16/117)
صفحة 4047
مسألة: وإذا اتفقت الجنائز من الرجال والنساء، قدم نحو القبلة أقرؤهم وأفضلهم، وكذلك في القبر، وإن كان صبيان ذكران كان الرجال ثم الصبيان ثم النساء، وإن كانوا عبيدا وإماء كان الرجال الأحرار ثم الصبيان ثم العبيد الذكران، ثم النساء الحرائر بعد العبيد، ثم الإماء بعد ذلك، ويصلى عليهم صلاة واحدة.
مسألة: من كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: إذا اجتمعت جنائز الرجال والنساء، جعلت الرجال نحو الإمام، والنساء أمام ذلك، روينا هذا القول عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس والحسن والحسين وزيد بن ثابت وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأبي قتادة وسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي وعطاء والزهري ويحي الأنصاري ومالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي، وقال الحسن البصري والقاسم وسالم بن عبد الله: يجعل النساء مما يلي الإمام والرجال مما يلي القبلة، وفيه قول ثالث وهو: أن يصلى على المرأة على حده، وعلى الرجال على حده، فعل هذا ابن معقل، وقال: هذا لا شك فيه.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول للسنة التي ذكرها ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة، قالوا: هو السنة.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا معنى القولين جميعا الأولين، فبعضهم يرى أن تقديم ما يقدم على القبلة، وبعضهم يرى التقديم ما قرب إلى الإمام، ولكل معنى في ذلك، ومعي؛ إنه يخرج في بعض قولهم أن الجنائز إذا اجتمعن صففن صفا، كيفما كان، وصلى عليهن المصلي صلاة واحدة، ولا تقدم بعضا على بعض، وإن صلى على كل واحد على حده فلا شك في ذلك بمعنى ذلك، أنه قد أصاب، وإنما هذا نحبه تخفيف من المصلين وعليهم.
مسألة: عن أبي علي فيما أظن، وعن رجلين هلكا فخرجوا بهما أحدهما أصغر سنا من الآخر، غير أن أصغرهما سنا أحسنهما دينا، وأقرأهما للقرآن، وأعرفهما (16/118)
صفحة 4048
بالسنة وله أصل ولاية، والآخر أمره مضطرب مع المسلمين، فإن كان السبق بينهما قريب قدم ذو الدين والولاية، وإن كان بينهما بعيد في السن، ولم يكن الذي هو أضعفهما دينا مشهور بالخبث قدم، وإذا صلى عليهم صلاة واحدة تولى ذو الولاية، واستغفر له، وكف عن الآخر، وإذا كانا ذوي ولاية بدأ بهما جميعا عند ذكر الولاية.
قال أبو الحواري: يقدم ذو الولاية، ولو كان أصغرهما سنا، قال غيره: نعم، يقدم ذو الولاية ولو صغر سنه، فإن استويا في الدين قدم ذو السن.
مسألة: من كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم؛ أن الحر والعبد إذا اجتمعا أن الذي يلي الإمام منهما الحر، روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي، وبه قال سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وكان سفيان الثوري يقول: إذا صليت على جنازة فكبرت عليها تكبيرة أو اثنتين، ثم أوتي بجنازة أخرى فتتم صلاتك على الأولى، ثم صل على الأخرى، هكذا مذهب أنس بن مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال الأوزاعي: كلما كبر أربع تكبيرات على واحدة حملت، وقال أحمد بن حنبل: يكبر على سبع، ثم يقطع، ولا يزيد على سبعة.
قال أبو سعيد: إنه يخرج في قول أصحابنا في اجتماع الحر والعبد، معنا اجتماع المرأة والرجل وثبوت معنى قولهم: أن يقدم الحر على العبيد البالغين بعضهم بعضا، والصبيان بعضهم بعضا، فمن يرى التقديم منهم مما يلي القبلة يقدم الحر البالغ، ثم الحر الصبي، ثم العبد، ومن يرى التقديم مما يلي الإمام، وكذلك يخرج في معنى قولهم: أن يثبت في كل ميت صلاة تامة، وهي أربع تكبيرات، واجتماع الصلاة على الموتى إذا اجتمعوا، فإذا كبر تكبيرة على نيته، ثم أوتي بميت ثان، فإن قطع صلاته على أربع تكبيرات بالأولى، استقبل الصلاة على الثاني بأربع تكبيرات حسن ذلك، على معنى ما قال، وإن كبر خمسا على الميتين جميعا، وقد كبر على كل واحدة منهم أربعا، وقد اجتمعت، وكذلك إن كبر تكبيرتين، ثم أوتي (16/119)
صفحة 4049
بالثاني فكبر سنا، فعلى هذا النحو يخرج عندي معنى الترتيب فيمن ذكر من الموتى واحد بعد واحد، ما لم يتم الصلاة على الأولى، أو الأولين منهم، فإذا كان قد أتم الصلاة أعجبني أن يستقبل على الحادث بصلاة جديدة بأربع تكبيرات. (16/120)
صفحة 4050
الباب الرابع والعشرون
فيمن خرج على الجنازة وهو متوضئ فانتقضت وضوؤه،
أو كان ثوبه طاهرا فتنجس
قال أبو المؤثر: قال محمد بن محبوب: إنه من خرج على جنازة فانتقض وضوؤه فليتيمم وليصلي، وكذلك إن فسد ثوبه فلا بأس أن يصلي به على الجنازة، والذي أقول به أنا، أنه إن خاف أن تفوته الصلاة على الجنازة إن ذهب توضأ أو غسل النجاسة من ثوبه، فلا بأس أن يتيمم، ويصلي مع الناس على الجنازة، ولا أحب أن يؤم، فإن كان ولي الجنازة فليأمر من يصلي، وأقول إنه إن فاجأته الجنازة وهو على غير وضوء، وعليه ثوب ليس بطاهر، فإن رجع يتوضأ أو يأخذ ثوبا نظيفا فاتته الجنازة، لم أر عليه بأسا أن يتيمم، ويصلي مع الناس على الجنازة، والله أعلم.
وكذلك الذي يخرج من بيته إلى الجنازة، وعليه ثوب غير طاهر لم يذكر نجاسته حتى صار في موضع إن رجع يأخذ ثوبا طاهرا فاتته الصلاة على الجنازة، فذكر النجاسة التي في ثوبه فلا بأس عليه أن يصلي على الجنازة على تلك الحال، وفي كل هذا إن خرج وأحد ثوبيه فاسد فاشتمل في الصلاة على الجنازة، فذلك جائز، فإن خرج من بيته وأحد ثوبيه فاسد يريد الجنازة، متعمدا لذلك فأرى أن يشتمل بالنظيف منهما، وليصل على الجنازة، ولا يؤم، وإن كان ثوباه جميعين فاسدين، وخرجت الجنازة ولم يقدر على ثوب نظيف فأراد أن يخرج معهم، (16/121)
صفحة 4051
فما أرى بأسا أن يصلي بهما، على تلك الجنازة على تلك الحال، وأكره أن يؤم، فإن فعل لم أر عليه نقضا، وإن كان جنبا، فلا يصلي على الجنازة وهو جنب، لأن الجنب لا يقرأ القرآن، ولا يصف مع الناس وهو جنب؛ فإن خرج عليهما وهو جنب فليعتزل حتى يصلي الناس، ثم يحضر دفن الميت، وتعزية أهله، فإن صلى الإمام على الجنازة، ثم ذكر أنه لم يتوضأ، فلا إعادة عليهم في الصلاة، إلا أن يكون جنبا، فإن عليهم الإعادة، ما لم يوضع في لحده.
مسألة: ومن خاف فوت الجنازة تيمم وصلى، ولو كان في القرية، وإن كان الإمام متيمما جازت صلاته على الجنازة (من الزيادة) وقيل: إن حضرت جنازة أخرى فله أن يصلي عليها بتيممه ذلك.
مسألة: وإذا صلى رجل على جنازة، وثوبه جنب أيبدل صلاته؟ قال: نعم، قال غيره: قد قيل أن ليس عليه بدل.
مسألة: ومن خاف فوت الجنازة تيمم وصلى ولو كان في القرية، فإن كان هو الذي يصلي الصلاة عليها، فإن قدر على الماء فليتوضأ، وإن لم يقدر عليه فليتيمم ويصلي على الجنازة التي هو أولى بالصلاة عليها فهو أولى ذلك.
مسألة: قال أبو الحواري: من حضر جنازة فدعي للصلاة عليها وهو غير متوضئ، فتيمم فجائز أن يصلي عليها بالتيمم، وهم متوضؤون، وليس فيهم من يحسن الصلاة غيره، وجائز ذلك.
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ قال الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور: لا يتيمم للجنازة في الحضر.
قال أبو سعيد: يحسن ما قال ما لم يخف على الميت ضرر، فإن خاف ذلك تيمم وصلى عليه، ومنه؛ وفيه قول ثالث؛ وهو أن يصلي على غير وضوء، وليس فيها ركوع ولا سجود، وهذا قول الشعبي، قال أبو بكر: بقول الشعبي أقول.
قال أبو سعيد: لا يحسن هذا عندي في قول من يقول: لا يقرأ القرآن بغير (16/122)
صفحة 4052
وضوء، وسائر أحوال الجنازة إنما هو ذكر، والذكر يجوز بغير وضوء.
ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في التيمم للصلاة على الجنازة، إذا خاف فواتها فكان الشافعي وعطاء وسالم والنخعي والزهري وسعيد بن إبراهيم ويحي بن سعيد الأنصاري وربيعة والليث بن سعد وسفيان الثوري والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي يقولون: يتيمم ويصلي عليها، وقال مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور يقولون: لا يصلي عليها بتيمم، وفيه قول ثالث: وهو أن يصلي عليها على غير طهارة، لشيء ليس فيه ركوع ولا سجود، هذا قول الشعبي، قال أبو بكر: بقول مالك أقول.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن يتيمم إذا خاف فوت الصلاة على الجنازة، فهذا من معنى العذر للفوت، ويخرج في معنى قولهم إنه لا يصلي عليها إلا بطهارة، إذا كان يجد الماء لثبوت القول منهم إنه لا يقرأ القرآن إلا على طهور تام، ولا أعلم أنه يخرج في قولهم: إنه يصلي عليها بغير تيمم، ولا طهارة ولا معنى بمنع ذلك من الدخول عليها إذا ثبت التيمم في موضع وجود الماء.
مسألة: من جامع أبي محمد؛ وإذا كان الإنسان في موضع يقدر على الماء لم يكن له أن يتيمم للجنازة؛ لأن الله أباح العدول إلى التراب عند عدم الماء، وأما عند وجود الماء والقدرة على استعماله فلا سبيل إلى العدول عنه، وقد وجدت عن محمد بن جعفر يذكر في -الجامع- أن من خاف فوت الجنازة وهو في الحضر ولم يكن الماء بحضرته وهو محدث أنه يتيمم ويصلي، فالله أعلم ما وجه هذا القول، ونحن نطلب الحجة لهذا القول الذي ذكره إن كان قولا من قول أصحابنا رضي الله عنهم.
فإن قال قائل: ممّن يحتج بهذا القول إني رأيت الله تبارك وتعالى أباح التيمم إذا خشي الإنسان فوت الصلاة، وإن كان يصل إلى الماء بعد خروج وقتها، ألا ترى أن الإنسان إذا كان في موضع بينه وبين الماء مسافة، وهو يقدر عليه (16/123)
صفحة 4053
بعد خروج الوقت أنه يؤمر أن يتيمم ويصلي، وإن كان يقدر على الماء بعد خروج الوقت لئلا تفوته الصلاة، ورأينا الجنازة تفوت المحدث، قلنا إنها تشابه الصلاة التي يخشى فوتها، قيل له: صلاة الجنازة لا تشبه الصلاة التي شبهتها بها، لأن الحاضرين للجنازة لا يخلوا أن يكونوا غير متطهرين كلهم، وفيهم محدثين وغير متطهرين، أو يكون من حضرها فيهم متطهرين بالماء وغير متطهرين، فإن كان الكل محدثين فقد قال الكل من الناس أن عليهم أن يتطهروا بالماء ثم يصلوا، إلا أن يكونوا في موضع قد أيسوا من وجود الماء ويخاف على الميت إن أخروه إلى وجود الماء، فحينئذ يجتمعون على التيمم، ويصلون عليه، وإن كان بعض من حضر الجنازة متطهرا بالماء، ومنه من ليس متطهرا به ففرض الصلاة لزم المتطهرين بالماء دون من كان محدثا؛ لأن الصلاة على الجنازة على الكفاية إذا قام بها البعض سقط عن الباقين، إذا كان الفرق قد لزم المتطهرين بالماء دون المحدثين، لم يكن لمتنفل تيمم في الحضر، إلا بطهارة الماء، إذ وقت النفل في كل زمان، إلا وقت منع المتنفل فيه والله أعلم.
ووجه آخر من الدليل يوجب بصحة ما قلنا: إن الأمة أجمعت على أن من خشي فوت الجمعة لم يكن له التيمم، وإن فاتته وليس له أن يصليها إلا بطهارة الماء، فلو كانت العلة التي ذهب إليها من قال بجواز التيمم لصلاة الجنازة هي فوات الصلاة، لوجب أن يجيز التيمم لمن خشي فوت الجمعة أن يتيمم، والجمعة وسائر الصلوات المفروضات أشبه؛ لأن الجمع ليست بفرض على الكفاية، كما أن صلاة الجنازة ليست بفرض على الكفاية لو شبه بالطهر كان دليله أهدى من أن يشبه الصلاة التي موضعها على الكفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، فإن قال: إن الجمعة لها بدل والجنازة ليست لها بدل، قيل: إذا قدت أنت الجمعة صار لها بدل، فعليك يوجب ألا تفوته، والذي أوجب له الصلاة التيمم على الجنازة ليس بواجب عليه إتيان تلك الصلاة، ولا يشبهها بالصلاة التي ليس له تركها، وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد، وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين، وهو قوله: (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً (16/124)
صفحة 4054
مَّا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف:3)، والسنة أيضا مأخوذة من الكتاب، قال الله جل ذكره: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (النساء:59)، وقال جل ذكره: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63)، وقال: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) (النساء:80)، وقال: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً) (النساء:65)، وقال: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3 - 4)، والسنة علمت بكتاب الله، وبه وجب اتباعها، والإجماع أيضا علم بالكتاب وبالسنة التي هي من كتاب الله؛ لأن الإجماع توقيف، والتوقيف لا يكون إلا من الرسول صلى الله عليه وسلم، والسنة أيضا على ضربين، فسنة قد اجتمع عليها، قد استغني بالإجماع عن طلب صحتها، وسنة مختلف فيها لم يبلغ الكل علمها، فهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها، فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها، ثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان رجوعهم إلى الكتاب.
مسألة: ومن انتقض وضوؤه وهو يصلي خلف الإمام على الجنازة، فليتمم ويرجع يصلي معهم ما أدرك، ولا يبتدئ -نسخة- وإن انتقضت صلاة الإمام بريح أو قهقهة ضحك، فليتأخر ويتقدم غيره يتم الصلاة، وإن صلى بهم بعد انتقض وضوؤه، أو كان على غير وضوء في الأصل، فأحب أن يعيدوا الصلاة عليه ما لم يدفن.
مسألة: قال: وقد يوجد في الأثر أنه يجزيه التيمم في القرية من غير عدم الماء.
مسألة: إمام صلى على جنازة وهو غير طاهر، فلما دفن الميت ذكر، فلا إعادة عليه.
مسألة: قلت: وإذا صلى رجل على جنازة وثوبه جنب، يبدل صلاته؟ (16/125)
صفحة 4055
قال: نعم، ومن غيره؛ قد قيل ليس عليه بدل.
مسألة: وعن الذي تمر به الجنازة وهو على غير وضوء، وإن هو ذهب ليتوضأ فاتته الصلاة عليها، أيجوز له أن يتيمم؟ قال: نعم؛ قلت: فإن كان هو الذي يصلي على الجنازة؟ قال: إن قدر على الماء فليتوضأ، وإن لم يقدر عليه فليتيمم، وليصل على الجنازة التي هو أولى بالصلاة عليها، وهو أولى بذلك، وقال مروان أيضا: قال والده: مرت بنا جنازة يوما ونحن مع بشير، ولم نكن على وضوء، فخفنا إن ذهبنا إلى الماء لنتوضأ فاتتنا الصلاة على الجنازة، قال: فقال لنا بشير: تيمموا بالصعيد، قال: ففعلنا.
مسألة: ومن كتاب أبي قحطان؛ ومن انتقض وضوؤه خلف الإمام، وهو يصلي على الجنازة فليتيمم، ويرجع يصلي ما أدرك، ولا يبتدئ.
مسألة: ومن انتقض وضوؤه خلف الجنازة فقد أجازوا له التيمم -نسخة- جاز له التيمم، وبعض لم ير ذلك.
مسألة: ولا يصلي على الميت بثوب نجس، وبعض قال: إن تنجس في الطريق، أو لم يعلم -نسخة- ولم يعلم فلما حضر ذكر أنه نجس صلى به عليه.
مسألة: ولا يصلى على الجنازة بغير طهارة.
مسألة: ومن حضر الجنازة وثيابه نجسة، فقد أجاز بعض الفقهاء أن يصلي بها.
مسألة: ومن صلى بغير طهور على الجنازة وهو إمام؛ فإنه يأثم وعليه التوبة، وتاركها ودفن الميت بلا صلاة مع الإمام يؤثم من فعله.
مسألة: ومن تعمد للصلاة على الجنازة بثوب نجس، فلا يجوز له، و الاختلاف بينهم إذا تنجس في الطريق، أو كان نجسا ولا يعلم، ثم علم عند الصلاة، فقال قوم: يصلي، وأبى آخرون، فإن كانت صلاة فاسدة لم يلزمه شيء، ومن كان غير متطهر، فمنهم من قال: يتيمم ويصلي، وقال قوم: إن (16/126)
صفحة 4056
انتقض طهره تيمم وصلى، وأما يجر إليها بلا طهارة فيتيمم ويصلي فلا يجوز، وأرجو أنه إذا خاف الفوت تيمم وصلى، وقال آخرون: إذا كان الماء لم يجز التيمم، فإن فاتته الصلاة فلا شيء عليه، وقد صلى على الميت غيره أجزى عنه، فإن أدرك تكبيرة أو ثلاث أو سلم الإمام فليتم التكبير ما لم يرفع الميت من موضعه، وإذا رفع الميت سلم، ولا تكبير عليه ولا بدل في ذلك، وإذا فرغت من الرابعة فسلم على رسول الله، وعلى من سلم الله عليه، ثم سلم تسليمة خفيفة يصفح بها وجهه يمينا وشمالا، لا يسمعها إلا من بقربك، ثم يحمل الميت. (16/127)
صفحة 4057
[صفحة بيضاء] (16/128)
صفحة 4058
الباب الخامس والعشرون
في صفة الصلاة على الميت والنية
وإذا أردت الصلاة على الميت جعلته أمامك إلى القبلة، وقمت حذاء صدره، ثم دنوت منه نحو مقامك في المحراب إذا قمت لصلاة الفريضة، أو أقرب من ذلك قليلا.
مسألة: رفع إلي أن الذي يصلي على الجنازة يكون قريبا من الميت بينه وبين الميت بقدر ما لو سجد لم يصل سجوده إلى الميت، وقال أبو الحسن: في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة فقام عند وسطها وكذلك الرجل، وعن بعض أصحابنا يستحب أن يقوم على الجنازة مما يلي الصدر، وعلى جنازة المرأة قرب الرأس، وقيل: يقوم الإمام على جنازة الرجل حذاء صدره، وقيل: حيال صدره، وقيل: عند وسطه، وعن أبي سعيد أن أصحابنا يأمرون أن يقوم المصلي على جنازة الرجل من حيال وسطه مما يلي صدره، وعلى المرأة مما يلي الصدر، وإنه يخرج عنده أن هذا على المعنى الأدب، وإنه إذا استقبل المصلي الميت ولم يخرج منه من حيثما استقبله، فقد استقبله وصلى عليه، وقيل: يقوم على المرأة مما يلي صدرها، وقيل: يكون إلى رأسها أدناه، وقيل: يكون قرب رأسها، وقيل: يكون عند رأسها، وقيل: حذاء رأسها، وفي بعض الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قام عند وسطها، فإذا قام الإمام على الجنازة اعتقد الصلاة عليها، ثم وجه توجيه الصلاة على الميت، أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وتعالى الله، ثم يكبر. (16/129)
صفحة 4059
وإن شئت قلت: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ثم كبرت، إذا لم يحسن التوجيه الأول، وإن وجهت بهذا التوجيه وأنت تحسن الأول فلا بأس، والأول أحب إلينا في الصلاة على الميت، قال أبو إبراهيم: ومن وجه توجيه الصلاة على الميت أو قال: الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله وتعالى الله فجائز ذلك، ثم يكبر، وقيل: كان الرامي يقول لعبد الملك بن غيلان: وجه توجيه الصلاة، قال هاشم بن غيلان: وقال أبو عثمان يقول: الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله ثم يكبر.
مسألة: من كتاب الشيخ محمد بن إبراهيم؛ وإذا أراد الإمام أن ينوي في صلاة الجنازة بمن خلفه؛ فإنه يقول: أصلي على الجنازة السنة التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إماما لمن يصلي بصلاتي بأربع تكبيرات إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
مسألة: وينوي المأموم ويقول: أصلي على الميت سنة اتباعا للإمام، أصلي بصلاته طاعة لله ورسوله.
مسألة: يقول الذي يريد أن يصلي على الجنازة: أصلي ما ثبت عليّ من السنة من صلاة الجنازة إماما لمن يصلي خلفي، ولمن يأتي. (16/130)
صفحة 4060
الباب السادس والعشرون
في صفة الصلاة على الميت والدعاء له
أخبرنا هاشم بن غيلان قال: كان موسى يعلمنا صلاة الميت قال: تكبر الله ثم تقرأ فاتحة الكتاب، ثم تحمد الله وتسبحه وتهلله ثم تكبر الثانية، ثم تقرأ ثم تحمد الله وتسبحه وتهلله ثم تحمد الله حمدا مجملا، ثم تصلي على النبي وتستغفر الله لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم تكبر الثالثة، ثم تستأنف أمر الميت، ولا تخلط معه غيره، ثم تكبر الرابعة وتسلم على رسول الله، ثم تسلم على من خلفك تسليمة خفيفة يسمعها من يليك ولا تجهر، قلت: فإن كان الميت ممن لا أتولاه؟ قال: فليكن الدعاء لك وللمؤمنين والمؤمنات، وتسأل الله من فضله ورحمته لأمر الآخرة، قال هاشم: قلت لموسى: هذه صلاة من؟ قال: صلاة خلف بن زياد، وقال هاشم: صلاة الربيع يكبر ثم يقرأ، ثم يكبر، ثم يقرأ، ثم يكبر ثم يحمد الله حمدا مجملا، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تستأنف أمر الميت وتستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ثم تكبر وتدعو بما فتح الله لك من الدعاء، ثم يكبر الرابعة ويسلم، وزعم سعيد بن مبشر هذه صلاة بشير، وقال: قلت بشير قوله فحمدا مجملا هو أن يقول: الحمد لله على كل حال؟ قال: نعم، أو يقول الحمد لله على كل حال؟ قال: نعم، أو يقول الحمد لله كما يحب ويرضى، الحمد لله كما ينبغي لوجه ربنا والحمد والثناء الذي هو له أهل في الدنيا والآخرة، قلت لهاشم: أوجه توجيه الصلاة؟ قال هاشم: قال أبو عثمان: استعذ في صلاة الميت، قال: أما أنا فأستعيذ، قلت: أفأوجه توجيه الصلاة؟ قال: كان الرامي يقول لعبد الملك بن غيلان: وجه (16/131)
صفحة 4061
توجيه الصلاة، قال هاشم: قال أبو عثمان: يقول الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله ثم يكبر.
وقال محمد بن هاشم بن غيلان: إن قول موسى في التوجيه مثل قول الرامي، وعن هاشم بن زائدة قال أبو سعيد: قول أصحابنا الذي أدركناه في عامة آثارهم وأخذناه عمن أخذناه عنهم شفاها فيها أنه مخير في التوجيه إن شاء وجه توجيه الصلاة، وإن شاء قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وتعالى الله ثم يكبر الأولى ثم يستعيذ ويقرأ فاتحة الكتاب بغير استعاذة، ثم يكبر الثانية، ثم يقرأ فاتحة الكتاب بغير استعاذة، ثم يكبر الثالثة ثم يحمد الله ويصلي على محمد صلى الله عليه وسلم وتستغفر لذنبك و للمؤمنين والمؤمنات، وإن كان الميت ممن يستحق الدعاء والولاية تولاه ودعا واستغفر له، وإن كان ممن لا يستحق الولاية ألقى الدعاء لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات، ثم يكبر الرابعة ثم يسلم على رسول الله وعلى ملائكة الله وعلى من سلم عليه ثم يسلم تسليمة خفيفة يسمع بها من عن يمينه ومن عن شماله يسمعها من كان قربه.
مسألة: وقيل: كانوا يكبرون على الجنائز ستا وخمسا وأربعا، فلما ولي عمر بن الخطاب -رحمة الله عليه- جمع أصحابه وقال: إن اجتمعتم اجتمع من بعدكم، وإن اختلفتم اختلفوا، فاجتمع رأيهم على أربع تكبيرات.
مسألة: ولا تصل على ميت إلا أن يأمرك وليه بالصلاة عليه، فإذا أردت الصلاة عليه جعلته أمامك إلى القبلة وقمت حذاء صدره، وقال غيره: ذلك في الرج، وأما المرأة فيكون إلى رأسها، كذلك عرفنا، ومن غيره؛ قال: ويستحب للإمام أن يقوم على الجنازة مما يلي الصدر، وللمرأة يكون قيامه على جنازتها قرب رأسها، قال محمد بن المسبح: أما النساء فيقوم مما يلي الصدر، وأما الرجل حيث توسط كما شاء.
مسألة: و إذا أردت الصلاة على الميت جعلته أمامك إلى القبلة، وقمت حذاء صدره، ثم دنوت من نحو مقامك في المحراب إذا قمت لصلاة الفريضة أو أقرب من (16/132)
صفحة 4062
ذ لك قليلا، ثم وجهت توجيه الصلاة على الميت، أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وتعالى الله ثم يكبر.
وإن شئت قلت: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك، ثم كبرت، هذا إذا لم يحسن التوجيه الأول، وإن وجهت بهذا التوجيه، وأن تحسن الأول فلا بأس، والأول أحب إلينا في الصلاة على الميت، لأن هذا التوجيه توجيه النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفريضة، والأول يسبح به الفقهاء في الصلاة على الجنازة.
وقد قال بعض الفقهاء في توجيه صلاة الجنازة: الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله وتعالى الله وتقديم التسبيح أحب إلينا، وهو كما وصفت لك في التوجيه الأول، قال: إذا وجهت للصلاة على الميت، ثم كبرت التكبيرة الأولى فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم اقرأ فاتحة الكتاب وحدها، ثم كبر الثانية، ثم اقرأ فاتحة الكتاب وحدها، ثم كبر الثالثة ثم أحمد الله ثم صلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات.
وإن كان الميت من المسلمين الذين يستحقون الولاية في دين المسلمين، فادع له واستغفر له وترحم عليه، وإن كان طفلا من أطفال المسلمين فترحم عليه ثم كبر الرابعة، ومن غيره؛ قال أبو المؤثر -رحمه الله- قال محمد بن محبوب -رحمه الله-: يبدأ بالدعاء على الميت قبل الدعاء لنفسه وللمؤمنين، وقول أبي المؤثر مثل قول محمد بن محبوب.
ومن غيره؛ قال: أحسب أن الدعاء للمؤمنين والمؤمنات هو المقدم لأن ذلك الدعاء يجمع المؤمنين والمؤمنات، وكذلك أمر الله فإذا كبرت الرابعة فقل الحمد لله والسلام على رسول الله ثم تسلم تسليمة خفيفة يسمعها من على يمينك تصفح بها وجهك يمينا وشمالا كتسليم الصلاة، وإن كان الميت ممن ليس له ولاية أو كان طفلا ممن لا ولاية له، فإذا حمدت الله وصليت على النبي صلى الله عليه وسلم واستغفرت لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات كبرت الرابعة، ولم تذكر الميت بشيء، ثم قلت: الحمد لله والسلام على (16/133)
صفحة 4063
رسول الله ثم سلمت، ومن غيره؛ قال: يقول الحمد لله والسلام على رسول الله وعلى ملائكة الله وعلى جميع من سلم الله عليه.
ومنه؛ وقد كان بعض الفقهاء يكره أن يحدد شيئا معروفا من التحميد ومن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الدعاء للميت في صلاة الجنازة، ويقول: يفعل من ذلك ما فتح الله، ومنهم من كان يحمد الله حمدا مجملا، يقول: الحمد لله كما ينبغي لربنا من الحمد والثناء، وكما قال الله له أهل في الآخرة والأولى.
وقد كان بعض الفقهاء يعلم من ذلك قولا حسنا من الدعاء للميت والثناء على الله من غير أن يجعل ذلك شيئا واجبا، يأثم من تركه، وإنما تفعل من ذلك ما أحسنت وتيسر لك إن شاء الله، وهذا من القول الذي كانوا يقولونه بعد التكبيرة الثالثة، الحمد لله الذي منه المبدى وإليه الرجعى وله الحمد في الآخرة والأولى، والحمد لله من الأرض خلقنا وإليها يعيدنا ومنها يخرجنا تارة أخرى، الحمد لله كما ينبغي لربنا من الحمد والثناء وكما الله له أهل في الآخرة والأولى، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم تستقبل شأن الميت.
ومن الفقهاء من قال: يبدأ بشأن الميت، فإذا فرغ من الدعاء للميت استغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات والدعاء للميت يقول: اللهم إن فلان عبدك بن عبدك وابن أمتك، توفيته وأبقيتنا بعده، اللهم اغفر له ذنبه، وألحقه بنبيه، اللهم عظّم أجره، وارفع درجته وصعّد روحه في أرواح الصالحين، واجمع بيننا وبينه في دار تبقى فيها الصحبة ويذهب عنا فيها النصب واللغوب، اللهم افسح له في لحده، ونور له في قبره وأبدله دارا خيرا من داره وقرارا خيرا من قراره، وأهلا خيرا من أهله، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده واكفنا بالإسلام فقده، وإن لم يحسن هذا القول مما أحسنت منه وما فتح الله من غير هذا القول من الدعاء، والقول الجميل، فهو حسن، إن شاء ا لله.
وإن قدمت بعض هذا القول على بعض وأخرت بعضه عن بعض أو زدت فيه أو نقصت منه، فذلك كله جائز، وإنما يراد بهذا الدعاء للمسلم التقرب به إلى (16/134)
صفحة 4064
الله، وإن كان طفلا من أطفال المسلمين قلت: اللهم ارحمه واجعله لنا سلفا وقرضا حسنا ولا تحرمنا أجره، ولا تضللنا بعده واكفنا بالإسلام فقده، فإذا قضيت الدعاء وكبرت وسلمت كما وصفت لك فقد أحسنت الصلاة على الميت إن شاء الله، وصلى الله على محمد النبي وآله وصحبه وسلم تسليما.
ومن كان إماما في الصلاة على الميت أو خلف الإمام، وكلهم سواء في التكبير والقراءة والدعاء وجميع ما وصفت لك، الإمام ومن خلفه إلا من كان خلف الإمام، لا يكبرون حتى يكبر الإمام، ثم يكبروا هم.
مسألة: وإن كان الإمام على الجنازة وكبر أربع تكبيرات متواليات بلا قراءة فليعد الصلاة ما لم يدفن الميت، وكذلك ما يكون من نحو هذا، ومن غيره قال: يوجد في الأثر وهو معنا أثر صحيح أنه قد خالف السنة وقد مضت صلاته ولا يعيد الصلاة عليه.
مسألة: قيل: وإن كبر الإمام ثلاثا وانفتل فليكبر من خلفه الرابعة، وقد بلغنا أن رجلا كبر على جنازة ثلاثا وكان موسى بن علي -رحمه الله- خلفه فكبر الرابعة من خلفه ورفع صوته -لعله- أراد أن يتبعه للناس فيكبروا، قال محمد بن المسبح: الذي حفظت عنه أنه أزهر بن علي كبر وقال: زد واحدة فزاد.
مسألة: قيل: من قام إلى الصلاة على الميت فليوجه بتوجيه الصلاة ويقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وتعالى ثم يكبر ثم يستعيذ ثم يقرأ فاتحة الكتاب، ثم يكبر الثانية، ثم يقرأ فاتحة الكتاب، ثم يكبر الثالثة ثم يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات.
فإن كان للميت ولاية دعا له بما فتح الله من الدعاء، وكان بعضهم يقول: لا أحب أن يكون لذلك الدعاء حد معروف، فيتخذ سنة إلا ما فتح الله، وفي بعض الآثار يقول: اللهم إن فلانا عبدك بن عبدك بن أمتك توفيته وابقيتنا بعده اللهم اغفر له ذنبه وألحقه بنبيه صلى الله عليه وسلم، اللهم وأفسح له في قبره وارفع درجته وعظم أجره، ولا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده، اللهم أبدله دارا خيرا من داره من داره وقرارا خيرا (16/135)
صفحة 4065
من قراره، وأهلا خيرا من أهله، وصعد روحه في أرواح الصالحين، واجمع بيننا وبينه في دار تبقى فيها الصحبة ويذهب عنا النصب واللغوب، وما فتح من الله من هذا، ثم يدعو لنفسه بما أراد، ثم يكبر الرابعة ثم يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من سلم عليه، ثم يسلم على من خلفه تسليمة خفيفة، يصفح بها وجهه يمينا وشمالا، لا يسمعها إلا من كان قربه.
قلت لمحمد بن المسبح: فإن لم يعرف اسم الميت؟ قال: يقول إنه عبدك بن عبدك بن أمتك توفيته وأبقيتنا بعده، وتدعو بما فتح الله، قيل: وإن كان الميت ممن لا يتولى فالصلاة واحدة إلا الدعاء، فإذا استغفرت لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ودعوت لنفسك فكبر الرابعة وسلم، وإن كان الميت طفلا من أطفال المسلمين الذين تتولاهم وكان أبوه من أهل الولاية فترحم عليه وقل: اللهم اجعلنا لنا سلفا وقرضا وأجرا حسنا ولا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده، ثم كبر الرابعة وسلم، وإن كان الطفل الميت ممن لا يتولى أباه فاستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ثم سلم.
مسألة: وذكرت في جماعة الجنائز، فإن كان فيهم من يتولى فليدع له، ولا يضرع ذلك عند الجنائز التي لا يدعى لها.
مسألة: وعن رجل يصلي على جنازة فيكبر ثلاثا، ونسي أن يكبر الرابعة؟ قال: فإن لم يكن يكلم فليكبر أخرى بعدما يدعو وينفتل، وإن كان تكلم أعاد الصلاة هو وأصحابه.
مسألة: وقد صلي على أبي بكر -رحمه الله- أربع تكبيرات، وسألت عن الذي يبرأ منه كيف يقال له إذا صلى على جنازته، فلا يضرك إن تركته وتدعو لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات.
مسألة: وعمن زاد تكبيرة في صلاة الجنازة سهوا منه لم يعد، قلت: فإن صلى ثلاث تكبيرات سهوا منه يعيد؟ قال: نعم، إذا نقص من الأربع، وإذا زاد فلا إعادة عليه. (16/136)
صفحة 4066
مسألة: ومن جواب أبي عبد الله محمد بن روح -رحمه الله- سألت عن غسل الميت والصلاة عليه وأمر تجهيزه، فاعلم رحمك الله أن غسل الميت كنحو الاغتسال من الجنابة، تبدأ بكفه الأيمن فتغسلها واليسرى وتذكر الله، ثم تغسل فرجيه بخرقة وتيرة على كفك من تحت ثوب تستر به فرجيه عند ذلك، وذلك بعد أن تقعد وتعصر بطنه عصرا غير ضار، ثم بعد ذلك تفعل هذا، فإذا غسلت له فرجيه بخرقة لا تحس بأصابعك عند ذلك حدود الفرجين، وضيته وضوء الصلاة، ثم غسلته بالغسل والأشنان، فإذا طهر من الغسل والأشنان صببت عليه ماء فيه كافور، إن أمكن ذلك، ثم جففت بدنه من الماء، وأدرجته في أكفانه، فجعلته على عرض الإزار وبسطته على طول اللفافة، ثم حنطته فبدأت بالفم ثم المنخر اليمين، ثم المنخر الشمال، ثم العين اليمين ثم العين الشمال، ثم الأذن اليمين ثم الأذن الشمال، ثم جعلت على وجهه نفلة تغطي جميعه، وفي جميع ذلك النفك، تجعل الحنوط مما يلي جسد الميت، تجعل نفكة فيها الحنوط في الإباط والكفين والقدمين، فجائز، وإن لم تفعل ذلك أجزى ما وصفنا لك إن شاء الله، ثم تلف اللفافة على الميت من رأسه إلى قدميه كنحو ما تلف الإزار على حقويه، ثم تحزم اللفافة بحزائم برفق ولا تضغط بها جسد الميت، ثم تجعله فوق السرير وتستره بالثياب وتطرح عليه ما أمكن من طيب، وتجمره بريح العود ثلاث مرات، تدور ذلك حول كنن السرير من تحت السرير ثلاث مرات، فمرتين من داخل الكنن ومرة واحدة من خارج الكنن، وتحمله إلى قبره وتمشي به، وعليك السكينة والوقار ويكره العجلة في المشي ممن يحمل السرير، فإذا أتيت به إلى قبره فليتقدم بالناس في الصلاة رجل عن أمر ولي الميت.
ونحن نستحب أن يكبر على الميت أربع تكبيرات، ولا يكبر الذين خلف الإمام إلا من بعد انقطاع صوت الإمام من التكبير، وكلما كبر تكبيرة وانقطع صوته منها كبروا على أثره، وتقول قبل التكبيرة الأولى: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وتعالى الله، ثم يكبر التكبيرة الأولى ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب سرا، فإذا فرغ من قراءة فاتحة الكتاب كبر الثانية (16/137)
صفحة 4067
ثم قرأ بعدها فاتحة الكتاب ثانية، ثم كبر الثالثة ثم حمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وصلى جميع آله وأوليائه من جميع العالمين مجملا، ثم استقبل بعد ذلك الدعاء، وليس مع الفقهاء بعد ذلك حد محدود وإنما هو ما فتح الله للداعي فيبدأ فيدعو لنفسه ولجماعة المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، والمتقدمين منهم والمستأخرين، كائن ما كان من جميع العالمين، وإنما يدعو لهم بالمغفرة وما فتح الله من سعادة الآخرة، ثم يدعو للميت إن كان له وليا بالمغفرة، وما فتح الله من سعادة الآخرة، من ذكر الله على لسانه، وإن لم يعلمه بالولاية ولم يعلمه بالفسق، وكان الميت من المستورين، فإن شاء قال في دعائه: اللهم إن كان عبدك هذا مات على سبيل مرضاتك فاغفر له ذنبه وافسح له في لحده وارفع درجته وروحه في أرواح الصالحين ودرجاتهم، واجمع بينه وبينهم وإيانا في جنات النعيم، وما فتح الله من الدعاء في مثل هذا، ويختصر في دعائه ولا يطول على الناس، ثم يكبر الرابعة ثم يقول بعد التكبيرة الرابعة سرا: السلام عليك أيها النبي السلام على من اتبع الهدى، ثم يسلم بصوت رفيق يسمع به أذنيه كتسليم الصلاة.
وجاء الأثر أن الصلاة على الميت سنة على المسلمين، يصلونها على البر والفاجر من أهل القبلة، إذا أرادوا دفنه في قبره، وهذا خاصة على المسلمين دون النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه الله أن يصلي على المنافقين، وكان أصحابه يصلون عليهم في حياته (اذا أرادوا أن يدفنوهم في قبورهم، فتدبر ما كتبت إليك في هذا الكتاب، ولا تأخذ من قولي إلا ما وافق الحق والصواب، فإني قد أطلت لك الوصف رغبة في رشدك ولا آمن الغلط في كثرة قولي، ولا حجة لأحد أن يأخذ ما خالف الصواب، فكن من ذلك على يقين، واتق الله وكن مع الصادقين يحشرك الله في زمرة المتقين، والحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا دائما وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
مسألة: وعمن صلى على ثلاث جنائز أو أكثر جميعا، فمنهم من له ولاية، ومنهم من لا ولاية له؟ قال: يذكر من يتولاه، ويقف عمن بقي. (16/138)
صفحة 4068
مسألة: ومن -كتاب بخط الشيخ أبي سعيد- أخبرنا هاشم بن غيلان قال: كان موسى يعلمنا صلاة الميت، قال: يكبر الله ثم يحمده ويسبحه ويهلله، ثم تقرأ فاتحة الكتاب، ثم يكبر الثانية ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم تحمد الله حمدا مجملا ثم تسبحه وتهلله -نسخة- ثم يهلله، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويستغفر لذنبه -نسخة- وتستغفر الله لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم تكبر الرابعة، ثم تسلم على رسول الله، ثم تسلم على من خلفك تسليمة خفيفة يسمها من يليك، ولا تجهر، قلت: فإن كان الميت ممن لا يتولى؟ قال: فليكن الدعاء لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات، وتسأل الله من رحمته وفضله لأمر الآخرة.
قال هاشم: قلت لموسى: هذه صلاة من قال خلف بن زياد، وقال هاشم: وصلاة الربيع، يكبر ثم يقرأ ثم يكبر ثم يقرأ ثم يكبر ثم يحمد الله حمدا مجملا، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم تكبر وتدعو ما فتح الله لك من الدعاء، ثم تستأنف أمر الميت ثم تكبر وتسلم.
وزعم سعيد بن مبشر أن هذه صلاة بشير، قلت لبشير حمدا مجملا ما هو؟ قال: أن يقول الحمد لله على كل حال أو يقول الحمد لله كما يحب ويرضى أو الحمد لله كما ينبغي لوجه ربنا من الحمد والثناء الذي هو له أهل، في الدنيا والآخرة.
قلت لهاشم: أستعيذ في صلاة الميت؟ فقال: أما أنا فأستعيذ، قلت: أتوجه بتوجيه الصلاة؟ قال: كان الرامي يقول لعبد الملك بن غيلان: وجه توجيه الصلاة.
قال هاشم: قال أبو عثمان: يقول الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله، ثم يكبر، وحدثنا همام بن زياد أنه سأل موسى فقال له: مثل قول أبي عثمان.
مسألة: والتوجيه في صلاة الجنازة كتوجيه الصلاة، وقد قيل: يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وتعالى الله ثم يكبر للإحرام، ثم يستعيذ ويقرأ الحمد، ثم يكبر الأخرى ويقرأ الحمد، ثم يكبر الثالثة ويقول بعدها الحمد لله الأول والآخر (16/139)
صفحة 4069
والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، الحمد لله الذي يميت الأحياء ويحي الموتى ويبعث من في القبور، الحمد لله الذي منه ا لمبدأ وإليه الرجعى وله الحمد في الآخرة والأولى، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، وإن كان الميت له ولاية دعي له بما فتح الله، وإن لم يكن له ولاية لم يدع له، ودعي للمؤمنين والمؤمنات.
وقال قوم: إنه يدعو بالآية: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (غافر:7 - 9)، وإن شئت قلت: اللهم إن فلانا عبدك بن عبدك وابن أمتك توفيته وأبقيتنا بعده، والبقاء بعده قليل، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده، وافسح له في قبره، وأبدل له دارا خيرا من داره، وقرارا خيرا من قراره، وأهلا خيرا من أهله، وألحق روحه في أرواح الصالحين، واجمع بيننا وبينه في دار يذهب عنا فيها النصب واللغوب، ثم يدعو لنفسه بما أراد، ويكبر الرابعة ثم يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من سلم الله عليه، ثم يسلم على من خلفه تسليمة خفيفة يصفح بها وجهه يمينا وشمالا.
مسألة: وفي بعض الحديث، إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة، فقام عند وسطها، وكذلك الرجل، وعند بعض أصحابنا يستحب أن يقوم على الجنازة مما يلي الصدر، وفي قيامه في الصلاة على جنازة المرأة قرب الرأس.
مسألة: وإذا صلى الرجل على الجنازة وكبر تكبيرا متتابعا، لم يقرأ ولم يدع فيه، فقد مضت الصلاة، وقد خالف السنة، فإذا كبر الإمام أربعا أو خمسا فزاد فيه من التكبير، لم يكبر معه من خلفه بمنزلة من صلى الظهر أربعا، فذهب يريد أن يزيد فلم يتابعوه.
مسألة: وعن رجل صلى بقوم على جنازة، فكبر أربعا متتابعا بغير قراءة؟ قال (16/140)
صفحة 4070
موسى: لا بدل عليه، وقال الأزهر: إن علم ذلك في مقامه أبدل وأبدلوا، وإن لم يعلم حتى ينصرف فلا بدل عليه.
مسألة: وإذا صليت على الميت، فقل: اللهم نحن عبادك بنو عبادك وبنو إمائك، وفلان عبد ابن أمتك، توفيته وأحييتنا بعده، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، اللهم ألحقه بنبيه، وبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وقرارا خيرا من قراره، اللهم إن كان زاكيا فزكه، وإن كان مذنبا فاغفر له، واخلفه في عقبه، وأضيء له قبره وعظم نوره وأجره، ثم تكبر الرابعة ثم تسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من ورائك.
مسألة: ومن دعا في كل صلاة على الجنازة يقول: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْما) إلى قوله: (إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم)، جاز ذلك على الولي وغير الولي.
مسألة: والميت إذا لم يعرف أنه ولي أو غير ولي، فقال أولياؤه معاشر الناس ادعوا لهذا المسكين بالرحمة، فمن أراد السلامة في الدعاء فليدع للمؤمنين والمؤمنات.
مسألة: ولا تجوز صلاة الجنازة إلا بقراءة فاتحة الكتاب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فكل صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج»، ولم يخص صلاة من صلاة، ولا يخرج منها إلا بالتسليم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، يعني الصلاة، وهذه صلاة، ولا يجوز إتيانها إلا بطهارة.
مسألة: وعن ابن عباس قالوا: كان عمر يقول على الميت: هذا عبدك ابن عبدك ابن أمتك إن تغفر له تغفر لفقير، وإن تؤاخذه تؤاخذه بكبير أصبح قد افتقر إليك وأنت أرحم الراحمين.
مسألة: وإذا كان الميت الطفل ممن لا يتولى ولا يتولى والده، فاستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم سلم.
مسألة: وإذا أردت الصلاة على الميت فقم حذاء صدر الرجل، وقم حذاء (16/141)
صفحة 4071
رأس المرأة من الجنازة إذا كنت إماما، وتعتدل الصفوف خلفك، ثم تعتقد الصلاة على الجنازة، وتستقبل القبلة، ثم وجه توجيه الصلاة.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن الإمام إذا ضحك في صلاة الجنازة هل تنتقض الصلاة بذلك، مثل الفريضة والنافلة؟ قال: لا أعلم ذلك أنه تنتقض صلاة الجنازة، قلت له: ولا ينتقض وضوؤه؟ قال: لا أعلم ذلك، قلت له: فإن خرجت منه ريح أو نجاسة وهو في الصلاة، هل يكون القول فيها مثل القول إذا ضحك فيه؟ قال: فليسه عندك سواء، قلت له: فما الفرق عندك في ذلك، وقد كان الضحك مفسداً لصلاة الفريضة في إجماع المسلمين؟ قال: معي؛ إن الفرق أن صلاة الجنازة ذكر كلها، وإنما هو كلام لا ركوع فيها ولا سجود ولا قعود كصلاة الفريضة، هما مختلفان عندي، قلت له: سواء كان الضاحك فيها متعمدا أو مغلوبا لا يفسدها على حال؟ قال: لا يبين لي ذلك على الوجهين جميعا، وهو مقصر في التعمد عندي، لأنه ليس بموضع ضحك، وإنما هو موضع خوف، وذكر الله تبارك وتعالى، وأداء للسنة، قلت له: فهل يجوز أن تصلي صلاة الجنازة ثلاث تكبيرات، أو أكثر من أربع؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: لا يجوز ذلك إلا من عذر في الأقل من الأربع، وكذلك الأكثر، أو الأكثر، أترى عليهم أن يعيدوا الصلاة ما لم يدفن؟ قال: أما في الأكثر فلا يبين لي ذلك؟ لأنهم قد صلوا وقد زادوا في الذكر، وليس هنالك شيء يفسد بالزيادة عندي؛ لأنها ليس فيها حدود تستوي بعضها بعضا، وإنما الحدود التكبير، فإذا كبر الأربع فقد تمت صلاته عندي، والزيادة ليس شيء مفسد، إلا المخالفة للسنة من فعله هو إن زاد، وأما النقصان فمعي إنه قد قيل: إن ذكروا ذلك في موضع الصلاة زاد التكبير ولم يعد، وإن تحولوا عن ذلك، وتحولوا عن الصلاة فأحسب أنه قيل: يعيدون أربعا إن كانوا في فسحة من أمرهم، وإن كانوا في ضيق وقد كبروا ثلاثا فأرجو أنه يجزيهم. (16/142)
صفحة 4072
الباب السابع والعشرون
ذكر عدد تكبير الصلاة وموقف الإمام من الرجل والمرأة
من كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: كان الحسن البصري لا يبالي أين قام من الرجل والمرأة، وقال أصحاب الرأي: يقوم بحيال صدر الرجل كان أو امرأة، وكان سفيان الثوري يقوم مما يلي صدر الرجل، وقال أحمد بن حنبل: يقوم من المرأة وسطها، ومن الرجل صدره، قال أبو بكر: يقوم من المرأة وسطها، وعند رأس الرجل، روينا هذا القول عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا أنهم يأمرون أن يقوم المصلي الإمام على جنازة الرجل من حيال وسطه فما يلي صدره، وعلى المرأة مما يلي الصدر، ويخرج هذا عندي على معنى الأدب، وإذا استقبل المصلي الميت ولم يخرج منه من حيثما استقبله، فقد استقبله وصلى عليه، ومنه؛ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث، فأجمع عوام أهل العلم على أن المصلي على الجنائز يرفع في أول تكبيرة، واختلفوا في رفع اليدين في سائر التكبير، فكان ابن عمر يرفع في كل تكبيرة على الجنائز، وبه قال عطاء وعمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله وقيس بن أبي حزام والزهري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، واختلف فيه عن مالك، وقالت طائفة: يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يرفع بعد ذلك، هذا قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: وبالقول الأول أقول. (16/143)
صفحة 4073
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بمعنى الاتفاق، أنهم لا يرفعون أيديهم في التكبير في الصلاة على الجنازة في جميع ذلك، ولا يأمرون به، ويخرج عندي كراهية ذلك بمعنى رفع اليدين، إلا من عذر في ذلك على ثبوت معنى صلاة الجنازة، فإن رفعوا أيديهم لمعنى يقتدي بعضهم ببعض في التكبير؛ لأنه ليس فيها ركوع ولا سجود، ولا فصول بالحدود، وإنما هي تكبير في صعيد واحد، فربما كان الناس كثيرا وفيهم من لا يسمع التكبير، فإن فعلوا لهذا المعنى أو لما يشبهه، كان ذلك عندي أشبه بالحسن في صلاة الجنازة خاصة، ومنه؛ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي وكبر أربعا، وبه قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وزيد بن ثابت وابن أبي أوفى وابن عمر والحسن بن علي والبراء بن عازب وأبو هريرة وعقبة بن عامر ومحمد بن الحنفية وعطاء بن أبي رباح وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقالت طائفة: يكبر خمسا، هذا قول ابن مسعود وزيد بن أرقم، وفيه قول ثالث: وهو أن يكبر ثلاثا، هذا قول ابن عباس وأنس بن مالك، وقال ابن سيرين: إنما كانت التكبيرات ثلاث، فزاد واحدة، وفيه قول رابع: وهو أن يزاد على سبع، ولا ينقص من أربع، ولا تزاد على سبع، ولا ينقص من ثلاث، هذا قول أبي بكر بن عبد الله المزني، وقال أحمد بن حنبل: لا ينقص من أربع، ولا يزاد على سبع، وفيه قول سادس: وهو أن يكبروا بما كبر إمامهم، روي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وقال إسحاق بن راهويه: إذا كبر الإمام إلى أن يبلغ سبعا لزم المقتدي به أن ينتهي أن يكبر الإمام، وفيه قول سابع: وهو أن يكبر ستا، روينا ذلك عن علي بن أبي طالب، وقال أبو بكر: بالقول الأول أقول، وقد اختلف في رأي الإمام أن يكبر الإمام أربعا، ويكبر خمسا، فقال الثوري: ينصرف، وبه قال النعمان، وهذا قول مالك، يقف حيث وقفت السنة، وقال أحمد بن حنبل: يكبر خمسا إذا كبر الإمام خمسا، وقال إسحاق بن راهويه بمعناه، وكان الثوري وإسحاق يستحب أن يقول المرء عند التكبيرة الأولى من الصلاة على الجنازة: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك، ولم نجد ذلك في (16/144)
صفحة 4074
سائر كتب أهل العلم، وهو من المباح إن شاء الله قاله وإن شاء لم يقله، وكان ابن عمر يشير بإصبعيه إذا صلى على الجنازة، وكان الأوزاعي يفعله، وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن لا يكون به بأسا.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إن الصلاة على الجنازة كانت في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيام أبي بكر، تكبيرا غير مؤقت، فلما كان في أيام عمر -رضي الله عنه- نظر الاختلاف في ذلك، وهي سنة جامعة، فقيل: إنه جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار عليهم بالاجتماع على شيء، وقال: إنكم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن اجتمعتم على شيء اجتمع الناس بعدكم، وإن اختلفتم اختلف الناس بعدكم، فاجتمعوا على أربع تكبيرات، على معنى ما قيل، وهي ثابتة في قول أصحابنا أربع تكبيرات، لا يزاد فيها ولا ينقص، إلا لمعنى عذر، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة على الجنازة، وكان ابن عباس يقول ذلك من السنة، وروينا عن عبد الله بن مسعود أنه قرأها، وروي عن ابن الزبير وعقبة بن عمير، وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وفيه قول ثان: وهو أن ليس فيها قراءة، هذا قول ابن أبي رباح وطاووس ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير وعامر الشعبي ومجاهد والحسن بن عتبة وحماد ومالك بن أنس وسفيان الثوري وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة، وقد روينا عن الحسن بن علي بن أبي طالب أنه قال: في الصلاة على الجنازة قراءة فاتحة الكتاب ثلاث مرات، روي ذلك عن محمد بن سيرين وشهر بن حوسب، وقال الحسن البصري: اقرأ فاتحة الكتاب في تكبيرة، وروينا عن المسور بن مخرمة أنه صلى على جنازة قرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معاني الاتفاق، من قراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة مرتين، بعد التكبيرة الأولى، بعد قراءة فاتحة الكتاب، وبعد التكبيرة الثانية، ولا أعلم في ذلك اختلافا، ومعي؛ إنه (16/145)
صفحة 4075
يخرج في قولهم: إن لم يقرأ الإمام فيها بفاتحة الكتاب ناسيا، فإن ترك ذلك كله ولم يقرأ فيها شيئا، لم تقع الصلاة عندهم، وكان عليه الإعادة، وإن قرأها في أول مرة وتركها في آخر مرة تمت صلاته، وفي بعض قولهم: إن صلاتهم تامة على حال إذا نسيها، وأحسب أنه في بعض قولهم: إنه ولو تركها عامدا كان قد أخطأ السنة، ولا إعادة عليه، ومنه؛ قال أبو بكر: روينا عن عائشة أنها سئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الميت كيف كانت؟ قالت: قال: «اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان»، قال أبو بكر: وبهذا قال سفيان الثوري، وقد روينا عن أنس بن مالك ووائلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا بغير هذا الدعاء، وروينا عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- وعلي بن أبي طالب وجماعة من أهل العلم أنهم دعوا بدعوات مختلفة، وهي مذكورة في كتابنا، وما دعا المرء يجزي عنه.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا: إن الدعاء على الميت في الصلاة ليس بمؤقت ولا محدود، وإنما يستحب كل واحد منهم شيئا يدعو به ويعلمه، ومعي إنه لابد من الدعاء أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، فهذا عندي يخرج بمعنى الاتفاق، وكذلك إن كان الميت ممن يتولى خرج عندي بمعنى الاتفاق، والدعاء له بمعنى الولاية، وبما دعا له من ذلك أجزى، وبما يفعل ذلك، وقصد إدخاله في جملة المسلمين رجوت أن يجزيه، ومنه، قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في عدد التسليم على الجنازة، فقال كثير من أهل العلم: تسليمة واحدة، وروينا هذا القول عن علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله ووائلة بن الأسقع وابن أبي وقاص وأبي أمامة بن سهل وأبي هريرة وأنس بن مالك وابن عباس وابن عمر، وبه قال محمد بن سيرين والحسن البصري وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وابن عيينة وعبد الله بن المبارك وعيسى بن يونس ووكيع بن ا لجراح وعبد الرحمن بن مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال (16/146)
صفحة 4076
الشافعي: مرة بتسليمتين، وقال مرة: إن شاء سلم تسليمة، وقال أصحاب الرأي: يسلم تسليمتين، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج بمعنى الاتفاق في قول أصحابنا أن التسليم عن صلاة الجنازة تسليمة واحدة خفيفة يصفح بها وجهه يمينا وشمالا، وكذلك سائر الصلوات إنما يسلم معهم واحدة.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- ولا تجوز صلاة الجنازة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل صلاة لا يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج»، ولم يخص صلاة من صلاة، ولا يخرج منها إلا بالتسليم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، يعني الصلاة، وهذه صلاة لا يجوز إتيانها إلا بطهارة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول».
ومن الكتاب؛ ولا يجوز أن تصلي على ميت في موضع ورد النهي عن الصلاة فيه، لأن النهي لم يرد بتخصيص صلاة من صلاة، وعن أبي سعيد: إن أصحابنا يأمرون أن يقوم المصلي على جنازة من حيال وسطه مما يلي صدره، وعلى المرأة مما يلي الصدر، وإنه يخرج عنده أن هذا على معنى الأدب، وإنه إذا استقبل المصلي الميت، ولم يخرج منه من حيث استقبله، فقد استقبله وصلى عليه، وذكرت عن الإمام في الصلاة على الجنازة.
قلت: هل يجوز له أن يسوي الثوب على الميت إذا حملته الريح حتى لا يظهر الميت ويرجع يبني على صلاته ويستأنف الصلاة؟ وقلت: كيف رأي المسلمين في ذلك؟ فعلى ما وصفت فهذه أيضا ليس معنا فيها حفظ بعينها، إلا أنا نرجو أن ذلك يجوز له، ويبني على صلاته، على حسب ما وجدنا في أسبب الصلاة، فإذا انكشف الثوب عن الجنازة فسواه وبنى على صلاته رجونا أن ذلك واسع له إن شاء الله، لأن في صلاة الفريضة أسباب تشبه هذا، وهي بعد أعظم، والله أعلم بالصواب.
مسألة: وإذا سمع الرجل صوت الإمام على الميت بالتكبير، فليكبر ويمشي، (16/147)
صفحة 4077
فإن كانوا ثلاثة فأحبوا أن يصفوا وخافوا أن تفوتهم الصلاة إذا سمعوا تكبير الإمام صفوا.
مسألة: ومن جواب أبي علي، وعن رجل خاف فوت تكبير الجنازة، فسمع التكبير وهو يمشي، هل يكبر؟ قال: يقف ويكبر وذلك يجزيه إن شاء الله.
مسألة: ومما يوجد عن موسى، وعن رجل منتعل في جلد حمار، أو جمل أيصلي منتعلا على جنازة؟ فأحب أن لا يفعل، إلا أن يكون مدبوغا.
مسألة: وسألت عن الذي يصلي على جنازة وأمامها قبور، فذلك مكروه، فليتحولوا عنها.
مسألة: والإمام إذا انتقضت صلاته تأخر وقدم غيره يتم بهم الصلاة.
مسألة: واختلف أصحابنا في الصلاة على القبر بعد ما يدفن فيه الميت، فأجازها بعضهم ولم يجزها آخرون، وحجة من أجازها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي وهو بالحبشة بعد أن أتاه خبر موته بمدة، فجمع أصحابه بالمدينة وصلى عليه، وحجة من لم يجوز الصلاة على الميت بعد أن يدفن أن الصلاة على النجاشي كانت مخصوصة، وهذا القول أشيق إلى نفسي، والنظر يوجبه، والذي عندي، والله أعلم أن النجاشي لم يكن صلي عليه، ومن لم يكن صلي عليه فجائز أن يصلى على قبره، لأن الصلاة على موتى المسلمين واجبة.
مسألة: وإذا صلوا على الجنازة جلوسا وهم يستطيعون القيام، والإمام صحيح، فإنهم يعيدون الصلاة، بمنزلة من صلى صلاة العيدين جالسا بغير ضرورة، إلا أن يكون الإمام قد صلى على الجنازة قائما، وصلى بعض من خلفه جالسا، فقد مضت الصلاة، ولا إعادة على الجالسين.
مسألة: وإذا صلوا على الجنازة على حد الركوع والسجود جهلا، وجهلوا ذلك، فإن تلك ليست بصلاة، وعليهم الإعادة إن لم يكن دفن، وإن كان دفن صلوا على قبره. (16/148)
صفحة 4078
مسألة: وإذا صلى الإمام على الجنازة وهو على غير طهور، فإن صلاة القوم قد جازت، ولا يعيدوا هم، لأن الأصل ليس مفروضا، ألا ترى لو أن رجلا كبر على جنازة لم يكن عليه أن يعيد التكبيرة، وإن كان الإمام ومن خلفه على غير وضوء كلهم فصلوا فأرى عليهم الإعادة، ولو كان الإمام على غير وضوء لم يعيدوا الصلاة، دفن الميت أو لم يدفن، وإذا صلي عليه ولم يغسل فإنه يغسل إذا قدروا على ذلك، وهو بمنزلة من صلى بغير وضوء، فإن هم تخوفوا عليه أن يتغير إن أخذوا في غسله يمموه بالصعيد، ثم أعادوا الصلاة عليه، وهو بمنزلة من لم يجد الماء.
مسألة: والصلاة على الجنازة بالليل كالصلاة على الجنازة بالنهار.
مسألة: ومن سبقته صلاة الجنازة فليصل ما أدرك، ولا بدل عليه، وقال أبو محمد: يعيد ما فاته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته»، وإن مر شيء مما يقطع صلاة الفريضة على الجنازة لم يقطعها بذلك.
مسألة: وإذا حضرت صلاة مكتوبة وصلاة جنازة، فأيهما شاؤوا أن يصلوا فليبدأوا، فإن خشوا فوت المكتوبة إذا اشتغلوا بالجنازة، فليبدأوا بالمكتوبة، وقيل: يبدأوا بالجنازة، ثم صلاة المغرب بعدها، وقيل: يرى في الكتب أنه يبدأ بالجنازة قبل الصلاة، ولم نرهم يبدأون إلا بالصلاة.
مسألة: وإذا حضرت صلاة المغرب والجنازة فصليت المغرب فصل على الجنازة بعد ركوع المغرب، وقيل: إلا أن يخاف فوت الوقت، وقيل: يبدأ بالجنازة ثم الصلاة، ولم يشترط بشيء، وقال محمد بن محبوب: يبدأ بالجنازة قبل الفريضة، وكذلك عن جابر بن زيد رحمهما الله.
مسألة: وإن خافوا أن يتغير الميت فإنهم يبدأون بالجنازة إذا خافوا، إلا أن يدركوا منه ما يحبون، وإن خافوا أن يتغير في الحر الشديد يوم الجمعة صلوا عليه وتركوا الجمعة. (16/149)
صفحة 4079
مسألة: رفع إليّ أن الذي يصلي على الجنازة يقوم قرب الميت، وقيل: يكون بينه وبين الميت بقدر ما قالوا إنه لو سجد لم يصل سجوده إلى الميت.
مسألة: ومن سبقه الإمام في الجنازة ببعض الصلاة، فليوجه ثم يقف حتى يكبر الإمام، فإذا كبر معه فليس عليه إعادة ما سبقه.
مسألة: وإن حمل قوم جنازة فقدموا الرجلين وأخروا الرأس نسيانا منهم، وصلوا عليها كذلك، ثم علموا بعد الصلاة فيعجبني بلا حفظ إن كان الميت لم يدفن أعادوا الصلاة، وإن كان قد دفن فلا بأس عليهم إن شاء الله.
مسألة: وإن مات رجل في دار قوم فخافوا على الميت إن خرج به أن يحرق أو يعذف صلوا عليه ودفنوه معهم، وإذا مات رجل في منزل مخافة لقوم هاربون على ظهور دوابهم في حال، لا يستطيعون النزول فيها، وخافوا تغيير الميت فإن قدروا على صعيد فيمموه، وإلا صلوا عليه ثم يلقونه، فالله أولى به.
مسألة: ومن جامع أبي محمد؛ ولا تجوز الصلاة على الجنازة إلا بطهارة.
مسألة: وإذا فات المصلي من صلاة الجنازة شيء أعاده لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فليصل ما أدرك ويبدل ما فاته»، وقال أصحابنا: لا إعادة عليه فيما فاته.
مسألة: وجائز الصلاة على الجنازة في المقبرة، ولو استقبلها المصلي وكره ابن عباس وابن عمر الصلاة على الجنازة في المقبرة، ومنع علي من ذلك، وروي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى على جنازة في المسجد فلا صلاة له».
مسألة: قال أبو الحسن: الصلاة على الجنازة مختلف فيها، فقال قوم: فرض على الكفاية، وقال قوم: سنة على الكفاية.
مسألة: قال أبو بكر: ذكر نافع أنهم صلوا على عائشة رضي الله عنها وأم سلمة وسط قبور البقيع، صلى على عائشة أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر، وفعل ذلك عمر بن عبد العزيز، وكره ذلك محمد بن سيرين الصلاة بين القبور، وكره طائفة الصلاة في المقابر، وروينا عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس (16/150)
صفحة 4080
وابن عمر، وبه قال عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، واختلف فيه عن مالك، فحكى عنه ابن القاسم أنه قال: لا بأس به، وحكى عنه غيره أنه قال: أحبه، قال أبو بكر: الصلاة في المقابر مكروهة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأرض كلها مسجد وطهور إلا المقبرة والحمام».
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معنى قول أصحابنا الكراهية للصلاة في المقبرة، فمنهم من يفسد الصلاة فيها هي المكتوبة، ومنهم من لا يفسد ذلك، ما لم يكن المصلي على القبر، وإنما يخرج معي إفساد صلاتهم، لاستقبال القبور في معنى قولهم في قطع الصلاة معهم، كما استقبل المصلي، وفي معنى قولهم إنه لا يقطع صلاة الجنائز شيء كما يقطع صلاة الفريضة، من ممر ولا نجاسة قدام المصلي، فإذا ثبت هذا المعنى فصلاتهم تامة هنالك، وإن أمكن الصلاة في غير المقبرة كان عندي أحسن.
قال أبو بكر: واختلفوا في جنازة حضرت، وصلاة مكتوبة، فقال قوم: يبدأ بالمكتوبة، هذا قول سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإسحاق بن راهويه والحسن، وقد اختلف عن الحسن البصري فيه، قال أبو بكر: يبدأ بالمكتوبة.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى الاختلاف في ذلك، ولعل الاختلاف يقع على الخصوص من الأمور، وأما معنى المخاطبة في أمر التعبد، فيوجب أن يبدأ بالمكتوبة، وإن خيف على الميت ضرر، ورجى فسحة فتؤخر المكتوبة ويبدأ بالصلاة على الميت في معنى الخاص، وذلك إذا وجب عذر غير هذا، وقد يروى عن جابر بن زيد -رحمه الله- أنه حضر جنازة نحو مغيب الشمس، فأمر الإمام أن يكبر عليها ثلاث تكبيرات، وإذا إنه خشي أن يغيب من الشمس شيء قبل أن يكبر الأربع ولم يحب تأخير الجنازة حتى تغيب الشمس ثم يستقبل الصلاة، فأوجب العذر عنده أن يكبر ثلاثا لمعنى، قيل له: فقال له (16/151)
صفحة 4081
الإمام (1) فإني أخاف الحجاج، فقال: إن قال لك الحجاج شيئا، فقل له أمرني جابر.
مسألة: ومن جامع أبي محمد؛ قال الله تعالى: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ) (التوبة:84)، نزلت هذه الآية على أن الصلاة على الميت، والقيام على قبره أمر معمول به، ودل على ذلك أيضا ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى على جنازة وانصرف كان له من الأجر قيراط، ومن تبعها وصلى عليها ثم قعد حتى يدفن الميت كان له من الأجر قيراطان) ولم تختلف الأمة في وجوب غسله وتكفينه، وحمله والصلاة عليه.
مسألة: قال أبو بكر: واختلفوا في قضاء ما يفوت من التكبير على الجنازة، فروينا عن ابن عمر أنه قال: لا يقضي، قال الحسن البصري وأيوب بن تيمة السجستاني والأوزاعي وفيه قول ثان: وهو أن يقضي ما فاته من التكبير، هذا قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل والنعمان، قال أبو بكر: بها أقول، وإنما يقضيه تباعا قبل أن ترفع الجنازة، فإذا رفعت سلم وانصرف.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لا بدل على المصلي فيما فات من صلاة الجنازة، وإنما يصلي ما أدرك وينصرف بانصراف الإمام والناس، ولا أعلم بينهم في هذا اختلافا والمعنى في ذلك أنها ليست بصلاة واجبة على العبد إلا بمعنى الجنازة، وصلاة الجنازة إنما هي جماعة، فإذا قامت السنة بما قامت انحط على الجميع الصلاة على الميت بمعنى الوجوب، وإن أبدل على غير قصد إلى خلاف ولا تخطئة فلا يبين لي في ذلك بأس، والله أعلم، لأنه ذكر.
ومنه، قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل ينتهي الإمام وقد كبر الإمام، فقال الحارث بن يزيد ومالك وسفيان الثوري والنعمان وابن الحسن: لا يكبر حتى يكبر
---------------
(1) هنا وفي بعض الروايات قال له يزيد بن المهلب: إني أخاف الحجاج فقال: إن قال لك ... إلخ وذلك لما مات المهلب بن أبي صفرة. (16/152)
صفحة 4082
الإمام، فإذا كبر كبر إلى أن ينتهي الإمام، لا ينتظر المسبوق الإمام أن يكبر ثانية، ولكن بفتحه بنفسه، وبه قال يعقوب، وسهل أحمد في القولين جميعا، قال أبو بكر: قول الشافعي أحبهما إلي، لأنه في الصلاة المكتوبة كذلك نفعل للخبر إذا انتهى إلى الإمام.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا انتهى الرجل إلى صلاة الجنازة وقد كبر الإمام التكبيرة الأولى، فإنه يوجه ويكبر ما فاته من الإمام من هذا الحد، وهو التكبيرة الأولى ما لم يكبر الإمام التكبيرة الثانية، إذا كبر الإمام التكبيرة الثانية فقد فاته حدان مع الإمام، وهما التكبيرتان الأوليتان بجملتهما وحدهما، ويكبر مع الإمام، لأن التكبيرة الثانية عن التوجيه، ولابد من التوجيه في معنى قولهم لافتتاح الصلاة به، وفي معنى قولهم إنه يقرأ فاتحة الكتاب في هذا الحد الثالث، ويلحق الإمام بما هو فيه، فإذا كبر في الثالثة أخذ في التحميد والدعاء، ولا يقرأ فاتحة الكتاب ثانية، لأنه إنما هو تبع للإمام فيما الإمام فيه، ولا بدل عليه، وليس له في قولهم أن يكبر إذا أدرك الإمام تكبيرا متواليا غير تكبير الإمام، ويشبه معاني قولهم شبه ما حكي من قول الشافعي.
مسألة: وعند أصحابنا أن الصلاة على الجنازة لا يقطعها شيء مما يقطع على المصلي في غيرها، ولا يقطعها ما مر أمام المصلي.
مسألة: والصلاة على الميت في كل وقت جائز إلا في ثلاثة أوقات، النهي عن الصلاة فيها على الميت وغير ذلك، ولا يدفن فيها الأموات عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند أصحابنا في الحر الشديد نصف النهار.
مسألة: ويكره الصلاة على الجنازة منتعلا على قول ولا بأس بذلك.
مسألة: وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا غسلتموني وحنطتموني وكفنتموني فدعوني، فإن أول من يصلي علي ربي»، ونقلت الكافة أنهم كانوا يسمعون تكبير الملائكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يصل عليه جماعة بل صلوا عليه متفرقين، دخل (16/153)
صفحة 4083
الناس عليه إرسالا حتى إذا فرغوا دخل النساء، حتى إذا فرغن دخل الصبيان، ولا يؤم عليه أحد، ثم دفن وسط الليل، ليلة الأربعاء.
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ وقال أبو بكر: واختلفوا في الصلاة على الجنازة بعد العصر وبعد الصبح، فكره سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه الصلاة وقت الطلوع ووقت الغروب، ووقت الزوال، وفيه قول ثان، وهو أن الرخصة في الصلاة عليها بعد العصر ما لم تصفر الشمس، وبعد الصبح ما لم تسفر، فعلى قول مالك وأنس، وكان ابن عمر يقول: يصلى على الجنائز بعد العصر، وبعد الصبح إذا خلتا لوقتهما، وكان عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي والأوزاعي يكرهون الصلاة على الجنائز في وقت يكره الصلاة فيها، وقال الشافعي: يصلى على الجنائز أي ساعة شاء من ليل أو نهار، قال أبو بكر: بالقول الأول أفعل لحديث عقبة بن عامر.
قال أبو سعيد: في معاني قول أصحابنا أن الصلاة على الجنائز جائزة بعد صلاة الصبح، إلى أن يطلع من الشمس قرن حتى يستوفي طلوعها، وبعد صلاة العصر إلى أن يغرب من الشمس قرن حتى يستوفي غروبها، وإذا كانت الشمس في كبد السماء، فهذه الأوقات لا صلاة فيها فريضة ولا سنة ولا تطوعا، ومنه؛ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قبر، وبهذا قال ابن عمر وأبو موسى الأشعري وعائشة أم المؤمنين ومحمد بن سيرين والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه أمر فضة أن يصلي على جنازة قد صلي عليها مرة، وقال النعمان: إذا دفن قبل أن يصلى عليه صلي على القبر، وبه قال الحسن وإبراهيم النخعي ومالك بن أنس والنعمان، لا تعاد الصلاة على الميت.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا نحو هذا الاختلاف إذا كان قد صلي عليه، وأما إذا لم يصل عليه لنسيان أو لمعنى من المعاني فالصلاة لازمة، ويصلي على القبر إذا أمكن ذلك، وإلا فحيث كانت الصلاة عليه إذا قصد بها إليه، ومنه قال أبو بكر: كان أحمد بن حنبل يقول: يصلى شهر، (16/154)
صفحة 4084
وقال إسحاق بن راهويه: يصلى عليه إلى شهر الغائب من سفر، وإلى ثلاثة للحاضر، وقال النعمان: إذا نسي أن يصلي عليه صلى عليه ما بينه وبين ثلاث، وقد روينا عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قدمت بعد موت أخيها بشهر فصلت على قبره.
وقال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج إذا ثبتت الصلاة عليه بعد القبر، فلا يمنع ذلك قرب ولا بعد، فإن كان قد صلي عليه فإنما الصلاة عليه بمعنى التخيير، وإن لم يكن صلي عليه فيصلي عليه صلاة واحدة، وما في ذلك بمعنى التحسن، ومنه؛ قال أبو بكر: قال كان لا يجيزهم أن يصلوا على الجنائز ركابا، وحكي ذلك عن الشعبي والكوفي، وقال أبو الحسن: القياس أن يجزئهم، ولكن استحسن وأمرهم بالإعادة.
قال أبو سعيد: عندي أنهم إن صلوا ركابا أحببت لهم الإعادة للمبالغة في فضل الصلاة، فإنه لم يبعد عندي صواب فعلهم في ذلك، وكلا القولين عندي حسن، ومنه؛ قال أبو بكر: روينا أن أبا بكر الصديق وغيره صلى على الجنازة في المسجد، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال مالك: لا يصلى عليها في المسجد إلا أن يتضايق المكان، وكره وضع الجنائز في المسجد.
قال أبو بكر: يصلى على الجنائز في المسجد، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه أراد لم أعلم أنه جاء في قول أصحابنا بمعنى النص في أمر الصلاة في المسجد على الميت بشيء، ولكنه معي أنه جائز، لأن الميت إذا طهر وكان من أهل القبلة ففي بعض قولهم أنه طاهر، فإذا كان طاهرا فلا معنى لكراهية إدخاله في المسجد، والصلاة فأفضلها في المسجد إذا أمكن ذلك، كذلك جميع الذكر.
مسألة: في الصلاة على القبر، ومن جامع أبي محمد؛ اختلف أصحابنا في الصلاة على القبر، فأجازها بعضهم ولم يجزها آخرون، وحجة من أجازها أن (16/155)
صفحة 4085
النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي وهو بالحبشة بعد أن أتاه خبر موته بمدة، فجمع أصحابنا بالمدينة وصلى عليه، وحجة من لم يجوز الصلاة على الميت بعد أن يدفن أن الصلاة على النجاشي كانت مخصوصة (1)، وهذا القول أشيق إلى نفسي والنظر يوجبه، والذي عندي والله أعلم أن النجاشي لم يكن صلي عليه، ومن لم يصل عليه قام البعض بذلك، لأن صلاة الموتى وجوبها على الكفاية، فإذا سقط الغرض لم يبق الكلام إلا في النفل، ولم يرد خبر بجواز النفل على القبور، ولا أجمع الناس على ذلك العمد على ما الناس عليه اليوم، إذ لا إجماع تقدم في ذلك، ولا خبر يقطع العذر بوجوه، مما يدل على أن الصلاة على القبر لا تجوز إذا كان قد صلي عليه، إنا وجدنا الأمة جميعا وهي تسافر إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم زائرة له من كل وطن وخارج على مشقة السفر وعظم المؤنة مع الرغبة وطلب الفضل من الله والثواب على ذلك، ومع ذلك فلا يصلون على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وصلوا إليه، ولو كانت الصلاة جائزة على القبر لكان قبره (احق القبور بذلك وأوفر أجرا على الصلاة، فلما أجمعوا على ترك ذلك واقتصروا على الدعاء علمنا أن قبر غيره أولى بأن لا يجوز أن يصلى عله بعد أن يدفن وبالله التوفيق.
---------------
(1) حديث الصلاة على النجاشي رواه الجماعة، وفي بعض الروايات أن ه كشف للنبي (عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه، وعليه فلا خصوصية وإنما كانت الصلاة على الميت قبل أن يدفن، لكن عند الدار قطني عن ابن عباس أن النبي (صلى على قبره بعد ثلاث وفي رواية بعد شهر. (16/156)
صفحة 4086
الباب الثامن والعشرون
في دفن الميت قبل الصلاة عليه وفي الصلاة على القبر
ومن جواب أبي سعيد، وذكرت في ميت دفن قبل أن يصلي عليه، قلت: هل يصلى عليه وهو مدفون؟ فمعي أنه إذا كان لعذر جاز ذلك، وكذلك إن كان لغير عذر أعجبني أن يتوبوا من ذلك ويصلوا عليه، ولو كان قد قبروه.
مسألة: وسئل عن قوم قد قبروا صبيا ولم يصلوا عليه، وقد خالفوا الأثر بذلك؟ قال: معي إن عليهم التوبة، قلت له: فهل عليهم أن يصلوا عليه بعد أن قبر؟ قال: هكذا عندي، قلت له: فإذا كانوا قد انصرفوا من المقبرة، أعليهم أن يرجعوا من منازلهم يصلوا على قبره؟ قال: معي إنهم يصلون عليه في مواضعهم حيث كانوا تجوز الصلاة عليه، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي حين بلغه خبره وهو بأرض الحبشة، قلت له: فإن لم يعرفوا الصلاة؟ قال: عليهم أن يتعلموا يصلوا عليه، هل لهم أن يصلوا على قبره، ويتقدم إمام منهم يصلي بهم أم لا؟ قال: معي إن لهم ذلك، وهو عندي أفضل، قلت له: فإن لم يكن في الجماعة أحد يصلي عليه، وقبر الميت قبل أن يصلى عليه، وإن لم يفعلوا لم يكن عليهم، هل يجوز لهم أن ينبشوه ويصلوا عليه؟ قال: معي إنه يجوز لهم أن يصلوا عليه ولا يجوز لهم نبش القبور، قلت له: فإن صلي على الميت وقد قبر الرجل رجلا واحدا هل يجزي عن الجماعة أو يصلوا عليه الجماعة؟ قال: معي إنه إذا صلي على الميت فقد صلي عيه، وليس عليهم. (16/157)
صفحة 4087
مسألة: وإذا صلى على الميت واحد وحده، ولم يصل الباقون، أجزت صلاته وكان الباقون مقصرين.
مسألة: ومن فاته شيء من الصلاة على الميت، فليس عليه إعادة ما فاته منها، فليصل ما أدرك منها ولينصرف، والإمام يجهر بالتكبير خاصة، ومن خلفه يسرونه.
مسألة: قيل: ومن سبقه شيء من صلاة الجنازة صلى ما أدرك ولا بدل عليه.
مسألة: وإن مر شيء مما يقطع الصلاة على الجنازة لم يقطعها ذلك.
مسألة: وعن أبي عبد الله -رحمه الله- أنه يجوز أن تصلي المرأة على الجنازة بالنساء، إذا لم يكن رجلا كان أو امرأة، وتكون في وسط صف النساء.
مسألة: وجدتها في الحاشية، وإذا لم يحضر الجنازة إلا النساء فقد قيل يدفنه ولا يصلين عليه، وقيل: يصلين عليه، وقيل: إنهن لا يصلين على الرجال.
مسألة: وعن النساء، هل عليهن الصلاة على الجنازة؟ قال: ليس عليهن صلاة، ولكن من أتى منهن ذلك للاحتساب، وطلب ثواب كان لها أجر وثواب، ومن أتى منهن ذلك لزينة أو لغير زينة فبيتها أولى بها وأفضل لها.
المرور أمام صلاة هل يقطعها؟
مسألة: وسئل عن صلاة الجنازة؟ قال: لا يقطع المار إلا صلاة فيها ركوع وسجود.
مسألة: ومن جواب أبي الحسن -رحمه الله- و إذا صلى الإمام على الجنازة وكبر أربع تكبيرات متواليات، ثم انصرف، فيعيد الصلاة ما لم يدفن، وكذلك فيها يكون من نحو هذا، ومن أثر، وإذا صلى الرجل على الجنازة فكبر تكبيرا (16/158)
صفحة 4088
متتابعا لم يقرأ فيها ولم يدع، فقد مضت صلاته، وخالف السنة.
مسألة: و إذا كبر الإمام أربعا أو خمسا، ثم وهم فزاد فيه من التكبير لم يكبر معه من خلفه، بمنزلة من صلى الظهر أربعا فأوهم فأذهب يزيد، فأوهم فلم يتابعه أحد، قال أبو محمد: فيما وجد عنه إن كبر ثلاثا وانصرف ناسيا، فليسبح له الذين خلفه، فإذا عرف فليرجع يكبر الرابعة ثم يسلم، وإن لم ينته حتى تكلم أو التفت إلى المشرق فليعيدوا الصلاة على الجنازة، وإن غلط الإمام فكبر أقل من أربع تكبيرات وسلم، أعيدت الصلاة على الميت وصلي عليه.
مسألة: وعن جابر بن زيد أنه كبر ثلاث تكبيرات، وبذلك يقول أنس، وأكثر أهل العلم على أن التكبير أربع، وهو العمل به.
مسألة: ومن يصلي على ميت فكبر اثنتين ناسيا أو متعمدا فعليه إعادة الصلاة ما لم يدفن، والله أعلم، وإن غلط الإمام فكبر أقل من أربع تكبيرات أو سلم أعيدت الصلاة على الميت من ذي قبل كما وصفت لك.
مسألة: فإن زاد الإمام التكبير أو نقص فلا إعادة في ذلك، لأنهم كانوا يكبرون من قبل أكثر من أربع، وقد روي عن جابر أنه أجاز تكبير ثلاث لضيق الوقت، فعلى هذا لا إعادة عليهم في ذلك.
مسألة: وسألته عمن صلى على جنازة ولم يحمد الله، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو بعد التكبيرة الثالثة شيئا، وكبر الرابعة على أثر الثالثة، هل تتم صلاة الجنازة، دفن الميت أو لم يدفن؟ قال: معي إنه قد قيل إنه أساء، وأرجو أن صلاته تامة إذا كبر التكبيرات، وأرجو أن بعضا يذهب أنه لا تتم إلا على وجهها الذي كانت موصوفة به، ويعجبني على النسيان أو الجهل أن يجزي ذلك، ولا يعجبني على التعمد أن يجزي، قلت له: فعلى قول من يقول: إنه يجزي وقد أساء، كذلك لو كبر أربع تكبيرات ولم يقرأ، ولم يدع إنه كله سواء، وتتم صلاة على ذلك، أم ذلك خاص في ترك الدعاء والتحميد؟ قال: يقع أن ذلك كله سواء على معنى قوله، إن كان كما وقع لي أنه قيل.
مسألة: قال أبو بكر: واختلفوا فيمن دفن قبل أن يغسل، فقال أكثرهم (16/159)
صفحة 4089
يخرج يغسل، هذا قول مالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي، إلا أن مالكا قال لم ينبش، قال أصحاب الرأي: إذا وضع في اللحد ولم يهل عليه التراب أخرج فغسل وصلى عليه، وإن كانوا هالوا عليه التراب لم ينبغ لهم أن ينبشوا الميت من قبره، قال أبو بكر: قول مالك صحيح.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا لم يطهر حتى قبر أنه لا غسل فيه، ولا يخرج من قبره، لأنه قد ثبت فيه، وعليه حكم القبر، ولا أعلم معنا هذا الاختلاف من قولهم إلا أنه إذا كان بمعنى الاتفاق ثبوت غسله، ما لم يخف الضرر عليه، لم يبعد عندي ما قال، لأن لا يضيع واجب، وأحسب أن من قول أصحابنا: إنه إن طين عليه فقد ثبت معنى القبر، وما لم يطين عليه ولو وضع اللبن، ثم ذكر أنه لم يغسل أو لم يكفن فإنه يخرج، وهذا عندي أقل ما يكون به حد القبر، وهو التطيين، وإنما حسن ثبوت هذا المعنى لثبوت معنى نبش القبور وإخراجه من قبره، وإنما حسن عندي معنى ما قالوا، ولم يبعد إذا كان لمعنى، لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خيف على قبر أن يحمله السيل فأذن في تحويله، ولو كان لا يجوز على حال لم يجز أن يحول.
مسألة: وسئل عن الرجل إذا خرج في أثر جنازة، فوصل إلى المقبرة وقد قبر الميت، هل له أن يصلي على الميت وهو في قبره؟ قال: معي إن له ذلك والصلاة جائز له إذا كان الميت من أهل الولاية، ويقوم على القبر، وتكون نيته الصلاة على الميت، ولو كان قد صلي عليه، قلت له: فتجوز الصلاة على الجنازة في وسط المقبرة؟ قال: معي إنهم إن وجدوا غير المقبرة كان أحب إلي، وإن صلوا على الجنازة فيها فعندي أنه لا بأس بذلك، قلت له: فهل يجوز على الميت، وقد قبر جماعة بعد جماعة في ذلك اليوم الذي فيه قبر؟ قال: معي إنه جائز بعد أن يقبر، وقبل أن يقبر، قلت له: فيجوز لهذه الجماعة التي قد صلت على هذا الميت مرة أن يصلوا عليه مرة ثانية، في ذلك اليوم أو بعده؟ قال: معي إن لهم ذلك ما لم يخافوا في ذلك أن يتأسى بهم ويثبت ذلك، ويكون ذلك شبه (16/160)
صفحة 4090
اللازم إذا كانوا ممن يتأسى به.
مسألة: وعن إمام صلى على جنازة وهو غير طاهر، فلما دفن الميت تذكر أنه غير طاهر؟ فلا إعادة عليه.
مسألة: سئل عن رجل هلك، ولم يصل عليه حتى أكلته السباع، ثم أصيبت عظامه، فإنها تجمع ثم يصلى عليها، ثم يدفن.
مسألة: من كتاب أبي جابر؛ ومن سنن الإسلام الصلاة على الميت من بعد غسله وتكفينه، وعن هاشم قال: ثلاث إذا اجتمع عليهن كان كافرا وإن لم يجتمع عليهن لم تكن كفرا، إذا ترك الناس جميعا صلاة الجماعة فقد كفروا، وإن تركوا الصلاة على الجنازة جميعا فقد كفروا، وإن تركوا الجهاد في سبيل الله جميعا فقد كفروا، وإذا فعل ذلك بعض وترك بعض لم يكفروا.
مسألة: وسألته عن الجنازة، وصلاة المغرب إذا حضرته يصلى على الجنازة بعد صلاة المغرب والركوع، أم بعد الصلاة؟ قال: بعد الركوع.
مسألة: وهل يبدأ بصلاة الجنازة أم بصلاة الفريضة؟ فقال من قال: يبدأ بصلاة الفريضة؟ وقال من قال: يبدأ بصلاة الجنازة ما لم يخف فوت وقت صلاة الفريضة.
مسألة: وهل تدفن الجنازة عند غروب الشمس، وقد غرب بعضها؟ قال: حتى تغرب كلها، قال: أيصلى عليها إذا غربت الشمس إن صلي المغرب؟ قال: يبدأ بالجنازة يصلى عليها، ثم تصلى المغرب ولا يصلى على جنازة، وقد طلع بعض الشمس حتى تطلع كلها.
مسألة: مكررة: و إذا حضرت صلاة الفريضة وصلاة الجنازة بدء بصلاة الجنازة. (16/161)
صفحة 4091
[صفحة بيضاء] (16/162)
صفحة 4092
الباب التاسع والعشرون
في الصلاة على الميت ومن أولى بها
وحدثني محمد بن مالك أن جنازة حضرت وخرج عليها أبو المؤثر، ولم يكن لها ولي، ولم يخرج عليها أحد فاستأذن أبو المؤثر امرأتين كانتا وليتين لها، وصلى عليها، قال أبو المؤثر: رفع إلي في الحديث أنه لما مات المهلب بن أبي صفرة، وأحسب أنهم كانوا على عجلة فقال جابر بن زيد لابن ا لمهلب: كبر عليه في الصلاة ثلاث تكبيرات، فقال له: إني أخاف الحجاج، فقال له: إن كلمك الحجاج في ذلك فقل له أمرني جابر بن زيد، والذي أتوهم أن هذا كانوا خافوا غروب الشمس، فبادروا قبل أن يغيب منها قرن، قلت: فإن كبر الإمام على الجنازة تكبيرتين ثم ذكر من بعد ذلك أنه لم يتم التكبير، هل عليه بدل؟ قال: نعم، ما لم يضع الميت في لحده.
وسألته: عن رجل مات ولم يكن له ولي من الرجال، إلا النساء يصلى عليه أو يستأذن النساء يأمرن من يصلي عليه؟ قال: إن خرجن في الجنازة فهن أولى أن يأمرن من يصلي عليه، وإن لم يخرجن صلى عليه رجل من المسلمين.
مسألة: وسألته عن رجل من أولياء الميت، يأمر رجلا أن يصلي على الميت، وولد الميت حاضر؟ قال: لا يجوز.
مسألة: وما تقول في رجل له قرابة عصبة أو أولاد، وحضرته الوفاة، أيجوز له أن يوصي إلى رجل أجنبي يصلي عليه إذا مات أم لا؟ ما أرى له فعل ذلك، (16/163)
صفحة 4093
وفي الصلاة على الموتى شرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى عليها بإذن أوليائها، ومن ذلك أن أصحابنا يستأذنوا الأولياء، فإن لم يكن رجال استأذنوا النساء، وبعض أصحابنا رأى أن الصلاة إلى القوم، يقدمون من وثقوا به، كما يقدمونه في الفريضة، هكذا عرفت.
مسألة: رجل صلى هو بقوم على جنازة، فعلم أن صلاتهم فاسدة، والميت بعد لم يدفن، ما ترى يلزمهم؟ الجواب: إن عليهم إعادة الصلاة.
مسألة: وقال أبو سعيد: إن السقط التام الخل إذا خرج ميتا إنه يختلف في الصلاة عليه.
قلت له: فإن لم يعرف خرج حيا أو ميتا وأمكن ذلك، ما أولى به؟ قال: معي إنه إن أدرك ميتا فهو على ما أدرك عليه، حتى يصح غير ذلك.
مسألة: وسألته عن جنازة حضرت، فصلى عليها واحد وحده، ولم يصل الباقون، هل يجزي الواحد عن الجميع عن أداء سنة الصلاة على الميت الذي يلزم الجماعة القيام بها؟ قال: معي إن هذه صلاة تجزي على الجنازة، وعلى من حضر فعليهم التقصير. (16/164)
صفحة 4094
الباب الثلاثون
من أولى بالصلاة على الجنازة؟
وأولى بالصلاة على الجنازة الأب ثم الزوج، ثم الابن ثم الأخ ثم العم ثم الأقرب فالأقرب، ومن غيره، وأولى الناس بالصلاة على الميت أبوه، ثم ولده الذكر البالغ، ثم جده، ثم أخوه لأبيه وأمه، ثم أخوه لأبيه، ثم عمه ثم الأقرب فالأقرب، وإن كانت امرأة فأولى الناس بالصلاة عليها أبوها، ثم جدها ثم زوجها، ثم ابنها ثم أخوها لأبيها وأمها، ثم عصبتها الأقرب فالأقرب، وابن ابن الرجل، والمرأة أولى من الأخ ومن غيره، قال: وقد قيل هذا، وقال من قال: أولى بالصلاة عليه، إذا كان رجلا أولى الناس بدمه الأب، ثم الابن ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الجد وإن علا، ثم الأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب ثم ابن الأخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب وهو على هذا ثم الأعمام لها في المحيا والممات، ثم الابن ثم الأخ على ما ينزله في الرجل، ومن غيره، وكذلك ابن ابن الأخ وإن سفل أولى من العم، كذلك عرفنا.
مسألة: وإن أوصى موص أن يصلي عليه فلان، فأرى أن يصلي عليه من هو أولى بالصلاة إلا أن لا يكون له من يلي الصلاة، فينفذ ما أوصى به، وقال محمد بن المسبح: وصيته أولى، ومن غيره، وعن ميت أوصى أن يصلي عليه فلان، وكره الورثة ذلك، هل يكون لهم أن يمنعوا الرجل؟ قال: نعم، هم أولى بذلك. (16/165)
صفحة 4095
مسألة: و لا تصلي على ميت إلا أن يأمرك وليه بالصلاة عليه.
مسألة: وأولى بالصلاة على الميت إذا حضر الإمام أو أمير الخميس، فإن لم يحضر الأب ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ ثم الأقرب فالأقرب، لرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يصلى عليها بإذن أوليائها»، ومن ذلك أن أصحابنا يستأذنون الأولياء، فإذا لم يكونوا رجال استأذنوا النساء، وبعض أصحابنا رأى أن الصلاة إلى القوم، ويقدمون من رضوا به يصلي بهم في الجنازة كغيرها.
مسألة: وسيد العبد يصلي على عبده دون والده وإن كان والده حرا.
مسألة: وأولى بالصلاة عندي أفضل القوم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليؤم القوم أفضلهم»، وهذا الخبر عموم، ولم يخص صلى الله عليه وسلم صلاة من صلاة، وقال أصحابنا: غير هذا.
مسألة: ومن أوصى إلى رجل يطهره ويكفنه ويصلي عليه وله أولياء، فله ذلك دون الأولياء.
مسألة: وأولى بالصلاة على الجنازة الأب ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ ثم العم، ثم الأقرب فالأقرب، فإن لم يكن والدها حيا وكان جدها لأبيها فالجد أولى بالصلاة عليها، ويقوم مقام أبيها، وقال ابن عباس: قال بعضهم: الابن أولى من الأب.
مسألة: وإن أوصى موص أن يصلي عليه فلان أو لا يصلي عليه، فأرى أن يصلي عليه من يلي الصلاة فيتقدم أوصياؤه، وفي -نسخة- إلا أن لا يكون له من يلي الصلاة فيتقدم ما أوصى به.
مسألة: وإذا ماتت المرأة جاز لزوجها وولدها أن يصليها عليها، ولا يليان القود بها إذا قتلت، إلا أن يكون لها عصبة، فإن لم يكن لها عصبة فالولي أولى، فإن لم يكن لها ولد فالدم لزوجها، وأما إذا عفى أولياؤها عن القود كانت الدية لورثتها، وللزوج والولد من ذلك بقدر ميراثهما منها. (16/166)
صفحة 4096
مسألة: وأولى بالصلاة على الجنازة الأب ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ، ثم الأقرب فالأقرب من عصبتها، وولدها لا يلي القود، وإنما له الدية، وزوجها لا يلي من دمها شيء، فإن لم يكن لها عصبة فالولد أولى، فإن لم يكن لها ولد فالدم لزوجها.
مسألة: وأولى بالجنازة أقربهم في الرحم، إذا كان يحسن الصلاة.
مسألة: وقال الفضل بن الحواري: ومن يلي الصلاة على جنازة فله أن يقدم الصلاة عليها من لا يتولاه إن شاء، وإذا حضر قوم في موضع جنازة فأمر رجل منهم رجلا بالصلاة عليها إلا من غيره أولى بالصلاة منه، قال أبو إبراهيم: فإذا كان الولي يعرف أنه يكبر للأمر في نفس المأمور، أنه إنما أمره برأي الولي، فلا بأس، وإن كان شيء يرتاب فيه فنحب أن لا يصلي إلا برأي الولي.
مسألة: ومن دعي إلى جنازة ليصلي عليها، فأبى ولي الجنازة وكره أن يصلي عليها فلا يصلي عليها إلا برأي ولي الجنازة.
مسألة: وقال مالك بن غسان: ومن قال في صحته أو في مرض موته، فلان في حرج من الله إن مت فغسلني أو شيع جنازتي، أو صلّ عليّ أو ضعني في قبري أو عزّ فيّ، ثم مات وكأن هذا أولى الناس به، فلا نرى بأسا إن فعل شيئا من ذلك، لأن فعل أبواب البر وهو ولي ذلك منه، وكذلك إن كان غيره أولى بالميت منه، ثم أمره الولي أن يفعل شيئا من ذلك ففعله، فليس عليه بأس إن شاء الله، وسيد العبد يصلي على عبده دون ابن العبد، وإن كان حرا.
مسألة: وإذا مات رجل بأرض الغربة مع نساء فيهن أمه وأخته، ورجل غريب، فإنه يصلي عليه الغريب دون النساء، ويصلين النساء خلفه.
مسألة: ولا تجوز الصلاة خلف الفاسق في الجنائز، فانظر في الفرق بين صلاة الفريضة والنافلة، وفي كل هذا تفسير لمعناه لقول الله تبارك وتعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124). (16/167)
صفحة 4097
مسألة: والأولى بالصلاة -نسخة- وأولى بالصلاة على الميت عندي أفضل القوم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وليؤم القوم أفضلهم» وهذا الخبر عموم، ولم يخص صلى الله عليه وسلم صلاة من صلاة، وقال أصحابنا: غير هذا فإن اعتل معتل بقول الله تعالى: (وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ) (الأنفال:75)، قيل له: قد يكون الأولى بالميت من طريق الرحم عبدا أو ذميا، فلا يكون أولى به في الصلاة.
مسألة: وإذا حضرت جنازة ولم يحضر إلا النساء، فمنهم من قال: يدفنه ولا يصلين عليه، ومنهم من قال: يصلين عليه، وعن أبي علي الحسن: إن النساء لا يصلين على الرجال، ومن غيره، وعن أبي عبد الله -رحمه الله- إنه يجوز أن تصلي المرأة على الجنازة بالنساء إذا لم يوجد رجلا كان أو امرأة، ويكون في وسط صف النساء.
مسألة: وإذا أمر رجل من أولياء الميت رجلا أن يصلي على الميت، وولد الميت حاضر، فلا يجوز.
مسألة: وأولى الناس بالصلاة على الميت وغير الميت أفضلهم جميعا.
مسألة: ومن أوصى أن يصلي عليه رجل بعينه، ففيه اختلاف بين أصحابنا، وبين مخالفينا أيضا.
مسألة: والعبد إذا حضر جنازة ابنته وهي حرة، فإن شاء العبد تقدم وإن شاء أمر من يتقدم للصلاة.
مسألة: والأولى بالصلاة على الميت إذا حضر الإمام، أو أمير الجيش، فإن لم يحضر فالأب ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ، ثم الأقرب فالأقرب، وبعض أصحابنا يرى الصلاة إلى القوم يقدمون من رضوا به يصلي بهم في الجنازة كغيرها، فإن تقدم مصل يصلي عليه بغير أمر من الخارجين ولا الأولياء، قال: هذا من الأئمة الحاضرين، فكيف يجوز ذلك له، وجعل نفسه في غير موضعها، فإن صلوا على الميت المسلم لم تعد عليه الصلاة مرة أخرى. (16/168)
صفحة 4098
مسألة: وإذا لم يكن للميت ولي، تقدم رجل من المسلمين بأمر الخارجين وصلى بهم، وإذا لم يكن للمرأة ولي أمر المسلمون رجلا يصلي عليها، وهو أيضا الذي يلي دفنها، هكذا عرفت من بعض المسلمين.
مسألة: وأحق النساء بالصلاة الوالدة ثم البنت ثم الأخت، ثم الأقرب فالأقرب، فأما الزوجة فليس لها في الصلاة حق، إلا كغيرها من النساء ما كانت قرابة دونها، لأن الزوج إنما قربت منزلته في حال الصلاة على المرأة بعد أبيها دون ولدها وأخيها من أجل أن الله تعالى جعله في منزلة الجنازة في كتابه وسنة نبيه، إماما لها وقوامها عليها في جميع أمرها، والزوجة ليس لها على زوجها ذلك، ولا تكون قوامة عليه، وغيرها من القرابة أحق بالصلاة عليه وأولى به، وعن ابن عمر قال: ليس للنساء في الجنازة نصيب.
مسألة: و إذا حضر الذمي جنازة أحد أولاده، وهم مسلمون استؤذن في الصلاة عليه، والمسلمون يصلون عليها، وإنما يستأذن في هذا الباب خاصة، وأما سائر الأرحام مثل الأخ وغيره من أهل الذمة فلا، والله أعلم.
مسألة: قال أبو سعيد رضي الله عنه: إن صلاة الجماعة أفضل من الجنازة، إذا كان في الجنازة من يقوم بها.
مسألة: وسئل عن رجل حضرته صلاة الفريضة وصلاة الجنازة، بأيهما يبدأ؟ قال: معي إنه يبدأ بصلاة الفريضة، إلا أن يخاف على الميت ضرر، وكان في الوقت سعة، صلى على الجنازة,
مسألة: قلت له: فإن حضرت صلاة العيد وصلاة الجنازة بأيهما يبدأ؟ قال: معي إنه يبدأ بصلاة العيد، إلا أن يخاف على الميت ضرر، فإنه يبدأ عندي بالصلاة عليه لدفنه قبل الضرر.
مسألة: وسئل عن الإمام إذا مات يقدم إمام ثان قبل أن يقبر، أم حتى يقبر؟ قال: معي إنه قد قيل إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا، أن لا يصلي على الإمام الميت (16/169)
صفحة 4099
إلا إمام معقود له الإمامة.
قلت: فإن لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، من يصلى على هذا الإمام الميت؟ قال: معي إنه قد قيل: يصلي عليه قاضي المصر.
قلت: فإن لم يكن قاضي المصر حاضرا، ولم يكن قاض في الوقت من يصلي عليه؟ قال: معي إنه قيل يصلي عليه المعدي، والمعدي هو الذي يلي الأحكام بحضرة الإمام في بلده.
قلت له: فإن لم يكن المعدي حاضرا؟ قال: معي إنه يصلي عليه أفضل أعلام المصر في الدين إن كان حاضرا من العلماء.
مسألة: وسئل عن الرجل إذا خرج في أثر الجنازة، فوصل إلى المقبرة، وقد قبر الميت.
مسألة: قلت له: فتجوز الصلاة على الجنازة في وسط المقبرة؟ قال: معي إنهم إن وجدوا غير المقبرة كان أحب إليّ، وإن صلوا على الجنازة فيها فعندي أنه لا بأس بذلك.
قلت له: فالميت إذا كان من أهل الولاية، ولم يكن الرجل يخرج على الجنازة، هل له أن يصلي في بيته أو في المسجد، وتكون نيته في الصلاة على ذلك الميت بعينه؟
مسألة: قال أبو سعيد: تجوز صلاة الجنازة في كل وقت إلا إذا طلع قرن الشمس أو غاب، فإنه ينظر حتى يستتم.
مسألة: وهل يصلي على الميت بعد العصر، وقبل غروب الشمس، وبعد الفجر قبل طلوع الشمس؟ قال: نعم إلا أن تكون الشمس قد اصفرت للغروب، أو برز منها للطلوع قرن، فأخرها حتى تطلع كلها.
مسألة: قيل تجوز الصلاة على الجنازة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، (16/170)
صفحة 4100
ما لم يطلع من الشمس قرن أو يغيب منها قرن.
مسألة: ويصلي على الميت بعد صلاة العصر قبل الغروب، وبعد الفجر قبل الشروق.
مسألة: ولا يصلي على جنازة، وقد طلعت الشمس حتى تطلع كلها.
مسألة: والصلاة على الميت في كل وقت جائزة إلا في ثلاثة أوقات للنهي عن الصلاة فيها على الميت، وغير ذلك ولا يدفن عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند أصحابنا في الحر الشديد نصف النهار. (16/171)
صفحة 4101
[صفحة بيضاء] (16/172)
صفحة 4102
الباب الحادي والثلاثون
من سبقه الإمام في صلاة الجنازة بشيء من الصلاة
وسألته عن رجل أتى الجنازة للصلاة عليها، فوجدهم قد سبقوه بتكبيرة، كيف يصنع أيدخل معهم من حيث هم ولا يوجه أو يوجه؟ قال: يوجه ويكبر إذا كبروا الثانية ثم يقرأ فاتحة الكتاب، فإذا كبروا الثالثة كبر معهم في الدعاء.
قلت: فإن أتاهم فلم يعلم بكم سبقوه من التكبير؟ قال: يبتدئ صلاة الميت بالتوجيه ثم يمضي التكبيرتين كما جاء الأثر، يفعل لو كان مبتدئا معهم، وإذا فرغوا من التكبير فإن شاء أن يدعو للميت إذا كان من أهل الولاية، فلا بأس عليه، وليس عليه بدل ما سبقوه به، قال غيره: يبدأ صلاة الجنازة بالتوجيه، فإذا كبروا تكبيرتين إن كان قد سبقوه بتكبيرتين، وكبر معهم الثالثة ودعا في دعائهم، إذا علم أنهم قد فاتوه بتكبيرتين.
مسألة: وقال: صلاة الميت معنا أربعة حدود، التوجيه والتكبيرة الأولى حد، وقراءة فاتحة الكتاب مع التكبيرة الثانية حد، وقراءة فاتحة الكتاب والتكبيرة الثالثة حد، والتحميد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء مع التكبيرة الرابعة حد رابع، فإذا سبق الإمام الداخل في صلاة الجنازة بالتكبير وكبر قبل أن يدخل في الصلاة فإنه يوجه إذا جاء إلى الصلاة ثم يكبر، ولابد من التوجيه ثم يكبر معهم التكبيرة الثانية إذا كبر الإمام، فإذا كبر قرأ فاتحة الكتاب، ثم كبر الثالثة معهم إذا كبروا، ثم يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذ في أمر الميت، ولا يقرأ فاتحة الكتاب إلا مرة إذا سبقه (16/173)
صفحة 4103
الإمام بتكبيرة لم يدركها معه، وإذا جاء وقد كبر الإمام ثلاثا فإنه يوجه على كل حال، فإن وجه وكبر قبل أن يكبر الإمام الرابعة فإنه يكبر ويحمد الله ويدعو، وقد أدرك الحد الثالث، فإذا أدرك الإمام الرابعة كبر معه، وقد أدرك حدين، وإن لم يكبر الثالثة حتى كبر الإمام الرابعة فإنه كبر معه، وقد فاته ثلاثة حدود، وأدرك حدا واحدا من الصلاة، فإذا جاء وقد كبر الإمام أربعا فقد فاتته صلاة الجنازة كلها، ولا صلاة عليه، وقد أجزى عنه من حضر الصلاة، لأن البعض في ذلك يجزي عن البعض.
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في صلاة الأمراء والإمام على الجنازة، ووليها حاضر، فقال أكثر أهل العلم: الإمام أحق بالصلاة عليها من الولي، وروينا هذا القول عن علي بن أبي طالب، ولا يثبت ذلك عنده، وقد تقدم الحسين بن علي على سعيد بن العاص، وهو وال على المدينة ليصلي على الحسن بن علي، وقالوا: لولا أنها سنة ما تقدمت، وهذا قول علقمة بن الأسود وسويد بن كاهل والحسن البصري ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأصحاب الرأي، وفيه قول ثان وهو أن الوالي أحق، هذا قول الشافعي، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي إنه قد قيل نحو هذا أن السلطان العادل ولي صلاة الجنازة، وقبض الزكاة والجمعة والعيدين دون غيرهم من الناس، ويعجبني أن تكون الصلاة على الميت يلي ذلك وليها، ولا يقدم على السلطان العادل أحدا، فإن قدم عليه أحدا كان ذلك عندي تقصيرا منه، ويجوز ذلك.
ومنه، قال أبو بكر: واختلفوا في الزوج وأولياء المرأة يحضرون جنازتها، فروينا عن أبي بكر وابن عباس وعامر الشعبي وعطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز وإسحاق بن راهويه أنهم قالوا: الزوج أحق بالصلاة عليها، وقال أحمد بن حنبل: إلى هذا القول وفيه قول ثان، وهو أن القرابة أولى، هذا قول سعيد بن المسيب والزهري وبكر بن الأشبح والحكم بن عيينة، وقتادة ومالك بن (16/174)
صفحة 4104
أنس والشافعي، وقال الحسن البصري والأوزاعي: الأب أحق، ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ ثم العصبة، وقال النعمان: إن كانت الميت امرأة معها زوجا وأبوها، فينبغي أن يقدم الأب.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن أولى الناس بالصلاة على الجنازة أولى الناس بالميت من العصبة بمعنى الاتفاق، إلا الزوج فإنه قد قيل فيه، هذا وقول أصحابنا أن الأب أولى منه، ثم هؤلاء من سائر العصبة ممن يحضر الجنازة، فهو أولى بالصلاة عليها، يصلي أو يقدم من يصلي، ولا ولاية للأرحام فيها، إلا أن لا يكون عصبة، فإذا لم تكن عصبة تولى الصلاة على الجنازة أقرب الأرحام ممن حضر الجنازة، ومنه، قال أبو بكر: في الرجل يوصي إلى رجل أن يصلي عليه، فاختلف هو والولي ففي مذهب أنس بن مالك وزيد بن أرقم وأبي بردة وسعيد بن زيد وأم سلمة وابن سيرين، الوصي أحق وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال سفيان الثوري: الولي أحق.
قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج نحو هذا من الاختلاف في قول أصحابنا، وأحسب أنه أكثر ما يذهبون إليه أن الوصي أولى لاجتماعهم أن الوصي أولى، بأسباب ما أوصى إليه فيه الميت في جميع قضاء دينه وإنفاذ وصيته من ماله، وأنه لا ولاية للوارث في ذلك، إلا عن أمر الوصي، وكانت الصلاة تشبه معاني أسباب الميت.
مسألة: ومن غير كتاب الإشراف؛ عن أبي سعيد، واختلفوا في الصلاة إذا أوصى أن يصلي عليه بعد موته رجل بعينه، فقال من قال: إن الوصي أولى، وقال من قال: الولي أولى، وكذلك في دفنه وتطهيره وتكفينه، مثل الصلاة والاختلاف. (16/175)
صفحة 4105
[صفحة بيضاء] (16/176)
صفحة 4106
الباب الثاني والثلاثون
في الصلاة على القتلى
وكل من قتل على بغيه فيما هو في أحكام الحق عند المسلمين باغ، فلا يصلى عليه كان في الزحف أو في غيره، إذا قتل على بغيه ذلك، ولو أنه قتل في غير حال بغيه، وقد كان في الأصل من البغاة في غير هذا، إلا أنه قتل بوجه من الوجوه بقود أو غيره، أو قتل غير ذلك، وهو ممن يستحق البراءة، وهو من أهل القبلة، فإن هذا يصلى عليه، فافهم ذلك، والله أعلم بالصواب.
مسألة: وإذا اختلط قتلى المسلمين بقتلى المشركين، قصد بالصلاة على قتلى المسلمين، ودعي لهم.
مسألة: والبغاة إذا قتلوا لا يغسلون ولا يصلى عليهم، ولكن يدفنون لتوارى جيفهم عن الناس.
مسألة: وإذا اختلط المشركون بالمسلمين صلى على الكل، ونوى بالصلاة على المسلمين دون المشركين، وبذلك يقول الشافعي.
مسألة: ومن أقر بالقتل فقتل تائبا، فإنه يغسل ويحنط ويكفن ويصلى عليه، وأما المنكر الذي يقوم عليه البينة، فإنه يغسل ويدفن، ولا يصلى عليه، فإن لم يكن للمقر التائب أولياء فأحب أن يصلوا عليه، ولا ينصرفوا عنه ويدعوه بغير صلاة، فإن لم يوجد له من يدفنه بغير جعل، فأحب أن يدفن ولا يدع في مصرعه (16/177)
صفحة 4107
جيفة للسباع، ونحتسب عليه من يدفنه، ولا يعطى ذلك من بيت مال الله.
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال لأولياء سراحة المرحومة: اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم، وقال جابر بن عبد الله: يصلى على من قال: لا إله إلا الله، وهو قول عطاء والنخعي والأوزاعي والشافعي وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وأصحاب الرأي، وفيه قول ثان، وهو قول الزهري، يصلى على الذي يقاد منه في حد يصلي عليه الإمام، ولا يصلي على قاتل نفس من أقيد منه، وقال مالك بن أنس: من قتله الإمام لا يصلي الناس عليه، ويصلي عليه أهله.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا أنه يصلى على جميع أهل القبلة إلا من قتل على بغيه محاربا للمسلمين، ومن صح عليه حد فأقيم عليه من غير توبة، أو مثل من قتل مؤمنا ظلما له، ثم لم يتب، وقامت عليه البينة بذلك وأقيد منه على هذا النحو، فهؤلاء ونحوهم ممن قتل لا يصلى عليه من أهل القبلة، وأما من تاب من أصحاب الحدود والقتل بعد قيام البينة، أو إقرار منه وأقيم عليه الحد أو القود بعد التوبة، فذلك يصلى عليه، قال غيره: ويغسل، ومنه، قال أحمد بن حنبل: ولد الزنا لا يقاد منه في حد يصلى عليه، إلا أن الإمام لا يصلي على قاتل نفس، وكان الحسن البصري يقول في امرأة ماتت في نفاسها من الزنا: لا يصلى عليها ولا على ولدها، وقال يعقوب: من قتل من هؤلاء المحاربين أو صلب لا يصلى عليه، وإن كان يدعى الإمام، وكذلك الباغية لا يصلى على قتلى هؤلاء، وبه قال النعمان قال: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، ولم يستثني عليهم أحدا، أيضا على جميع المسلمين الأخيار منهم والأشرار إلا الشهداء الذين أكرمهم الله بالشهادة.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنه يصلى على الشهداء بالاتفاق منهم، وإنما قيل لا يطهرون، هكذا عندي، ولا أعلم لولد الزنا معنى يوجب أن لا يصلى عليه، ولا لمن صح عليه الزنا، ولم يقم عليه الحد حتى (16/178)
صفحة 4108
مات، وكذلك أهل الكبائر، ممن لم يقم عليه الحد على ما أتى هو ويموت به بقود أو بغيره من الحدود لا محاربة، فجميع أهل القبلة ما سوى هذا النحو ممن قيل إنه لا يصلى عليه، ومنه قال أبو بكر: إذا اختلط قتلى المشركين والمسلمين صلي عليهم، ونوى بالصلاة على المسلمين، هكذا قال الشافعي، وقال أبو الحسن: إن كان الموتى كفارا وفيهم رجل من المسلمين لم يصل عليهم، وإن كانوا مسلمين وفيهم كافرا يستحب الصلاة عليهم، قال أبو بكر: بقول الشافعي أقول.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه يصلى على المسلم ولا يدع الصلاة عليه، ولو كان واحد في جماعة صلي على الجماعة كلهم، وقصد بالصلاة على المسلم، وأحب في هذا الفصل أن يجمعوا ولا يفرقوا، ولا يفرد كل واحد منهم على حياله، فتكون قد وقعت الصلاة على الانفراد على مشرك، فإن فعلوا ذلك وإنما قصدهم بالصلاة على المسلم، خرج معنى قولهم على الصحيح عندي إن شاء الله، لأن هذا من الاحتياط.
مسألة: وعن أبي محمد، وإذا اختلط قتلى المسلمين بقتلى المشركين قصد بالصلاة على قتلى المسلمين ودعي لهم. (16/179)
صفحة 4109
[صفحة بيضاء] (16/180)
صفحة 4110
الباب الثالث والثلاثون
من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه
مسألة: والمولود إذا استهل صلي عليه، واستهلاله أن تتبين حياته من صياح أو غيره، وإذا كان سقطا تام الخلق يطهر ويحنط ويكفن، ولا يصلى عليه، ومن غيره، وقيل: يصلى عليه.
مسألة: والمرجوم إذا جاء تائبا صلي عليه، وإن أرجم ولم تكن منه توبة فلا يصلى عليه.
مسألة: ومن كان له والد أو ولد مشرك ومات فلا يصلي على جنازته، ولا يقم على قبره، وإن أراد أن يمضي خلف الجنازة ويدفنه فلا بأس.
مسألة: وعمن قتل في قصاص غير فتك يصلى عليه إذا لم يمنع القصاص، وذلك أنه دان به ورضي بحكم كتاب الله.
مسألة: وما ترى في الصغير يسبى فيموت، وهو في ملك المسلمين أيصلون عليه؟ قال: نعم، يصلون عليه، وسئل عن السبي الصغار يسبون بأرض الروم فيموت؟ قال: إذا ماتوا في ملك مسلم صلى عليهم، وإن كانوا في جماعة الفيء لم يصل عليهم، وبه يأخذ أبو أيوب، ومن غيره، وقال من قال: يصلى عليهم لأنهم هم المسلمين، وقد صاروا في حكم المسلمين.
مسألة: وعن المشرك إذا أسلم في مرضه، ولم يقدر على أن يختتن حتى (16/181)
صفحة 4111
مات، أيصلى عليه؟ فإنا نرجو أن يصلى عليه أحسن إذا منعه المرض.
مسألة: وسألته عن رجل ليس له أب يعرف أيصلى عليه؟ فنعم، وله في الإسلام ما لغيره، إن كان صالحا يصلى عليه ويستغفر له، إن كان صالحا، وعنه وإن كان طفلا صغيرا؟ فنعم يصلى عليه.
مسألة: والأقلف لا ولاية له، ولا يصلى عليه إذا مات.
مسألة: وعن السقط، هل يصلى عليه؟ قال: لا.
مسألة: وعن الصبي يولد ميتا هل يصلى عليه؟ قال: لا. إلا أن يولد حيا فيموت عند ذلك، فيصلى عليه؟ فإذا كان سقط تام الخل يطهر ويحنط ويكفن، ولا يصلى عليه، ومن غيره، وقد قيل: يصلى عليه.
مسألة: وقال في امرأة ولدت ولدا فلم يخرج كله، ومات وقد خرج بعضه وهو حي، ثم خرج كله ومات، هل يصلى عليه؟ قال: نعم.
مسألة: وعن السقط قال: كان بعض الفقهاء يقول: إذا استهل صلي عليه وورث، وقال بعضهم: إذا كان تاما صلي عليه.
مسألة: وعن أبي عبد الله قلت: فإذا أسلم صبي ذمي، وكان يصلي إلى أن راهق البلوغ، ثم مات من قبل أن يبلغ أيصلى عليه؟ قال: لا.
مسألة: وسألته عن رجل اشترى من أرض الحرب غلاما لم يدرك فمات في السفر؟ قال: يغسل ويكفن ويدفن، قال غيره: معي إنه إذا ملكه بوجه من الوجوه من بيع أو غيره، وهو صبي لم يبلغ، ثم مات من حينه فمن حيث مات بعد أن ملكه فهو تبع له في الصلاة، وكذلك عندي لو مات بعد أن أدرك في يد المسلم وقد ملكه وهو صبي، ولم يعلم منه شركا فهو تبع له عندي في الطهر والصلاة والقبر.
مسألة: قلت: والميت إذا وجد على الساحل أو في الصحراء أو في موضع من (16/182)
صفحة 4112
المواضع، فإن كان سالم الجوارح، أو قد ذهب من جوارحه شيء، وفيه رأسه بعد، وكان في دار الإسلام يصلى عليه، وإن كان قد ذهب رأسه وبقي البدن وحده صلي عليه أيضا، وإن وجد الرأس وحده صلي عليه أيضا، وإن ذهب الرأس وبقي شيء من الجوارح، وفي نسخة بقي شيء من الجوارح، لم يصل عليه، وإن كانوا في دار حرب لم يصل عليه، وإن وجد شيء من جوارحه غير الرأس مثل يده أو رجله أو شبه ذلك، فلا يصلى عليه، فإن كان في البحر وكان يقاتل العدو وأنت تراه حتى ضرب ووقع في البحر، وأنت تراه، ثم وجدته في الساحل، وقد ذهب بعض أعضائه فصل عليه إذا عرفته.
وإن وجد ميتا قد انقطعت أعضاؤه وذهب وبقي نصفه الذي فيه الرأس فصل عليه، وإن لم يكن فيه الرأس، فلا يصلى عليه، وإن وجد النصف الذي مما يلي الرجلين فلا يصلى عليه، فإن رأيته يقاتل حتى ضرب فقطع نصفين، فوقع نصف في البحر، والنصف الذي مما يلي الرجلين وقع معهم في المركب، فلا يصلى عليه، وإن صلي عليه فحسن، ولا أرى بذلك بأسا.
مسألة: وإذا وجد رجل ميتا أو مقتولا جسدا بلا رأس، فإنه يغسل ويصلى عليه، كذلك إن وجد رأسه وصدره، غسل وصلي عليه، وإن وجد نصفه مما يلي الرجلين، فلا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن، وإنما يغسل ويصلى عليه، ما وقع عليه اسم إنسان، وما كان من الأعضاء يدفن ولا يغسل، ولا يصلى عليه، مثل الرأس وغيره، ولا يصلى على عضو من أعضاء المسلمين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة على موتى المسلمين، فلا يجوز أن يصلى على ميت في موضع ورد النهي عن الصلاة فيه، لأن النهي لم يرد بتخصيص صلاة من صلاة.
مسألة: وروي عن عمر من طريق لا يثبت أنه صلى على عظام الشام.
مسألة: وإذا وجد بعض جسد الشهيد وبعضه قد أكل وذهب، غسل ما وجد منه وكفن وصلي عليه، وإن وجد الباقي بعدما صلي على ما دفن غسل وحنط وكفن، ولم يصل عليه. (16/183)
صفحة 4113
وكذلك إن عرف أنه بدن مسلم، في موضع قتلى المسلمين، قال الربيع: إذا وجد القتيل في المعركة جسده، أو نصف جسده، يصلى عليه ويدفن ولا يغسل، ويلف ويجمع في ثوب، ويصلى عليه ويدفن.
مسألة: واحتج من أجاز الصلاة على بعض الجسد ما روي أن جابر لقي بمكة يدا من وقعة الجمل، فعرفوها بالخاتم فغسلوها أهل مكة وصلوا عليها، وعن أبي عبيدة أنه صلى على رؤوس، وعن أبي أيوب الأنصاري أنه أتى برجل رجل مقطوعة فصلى عليها، وروي أن طائرا ألقي بمكة يدا في وقعة الجمل فعرفوها بالخاتم، فغسلوها وصلوا عليها، وقيل: كانت كف عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، وقيل: إنها كانت كف طلحة.
مسألة: وإذا وجد بعض جسد الشهيد غسل وكفن وصلي عليه، وإن وجد الباقي من جسده بعدما صلي على ما دفن غسل وحنط، ولم يصل عليه، وذلك إذا صح أنه بدن مسلم في موضع قتلى المسلمين.
مسألة: وإذا مات ميت ولم يصل عليه حتى أكلته السباع، ثم أصيبت عظامه فإنها تجمع ويصلى عليها وتدفن.
مسألة: وإذا وجد من القتيل في المعركة جسده أو نصف جسده صلي عليه ودفن ولم يغسل، ويلف وتجمع العظام في ثوب ثم تدفن ويصلى عليه.
مسألة: ومن وجد ميتا في أرض الإسلام ولا يعلم أمسلم هو أم مشرك؟ فالحكم على الأغلب أيما كان أغلب كان حكمه، فإن كان أهل الإسلام أكثر طهرا وصلي عليه وإن كانوا سواء نظر علامات الإسلام، وأثر السجود في الجبهة والرجلين، وقلم الأظافر والشارب، وما يستدل به عليه، فإن علم أنه مسلم صلي عليه بتلك العلامات ودفن، وإن علم أنه مشرك حفر له حفرة ويسحب فيها كالجيفة ودفن ولا يلحد له، ولا يطهر ولا يصلى عليه، ولكن يدفن كما تدفن جيفة الميتة، إذا ماتت وهذا ما عرفته. (16/184)
صفحة 4114
مسألة: ومن قتل نفسه عمدا كان كافرا، ولا يصلى عليه، ومن قتل نفسه خطأ فلا إثم عليه في ذلك، والصلاة عليه جائزة، ومن ألقى نفسه في الحريق متعمدا لتأكله النار كان آثما كافرا، ولا يصلى عليه.
مسألة: والزنجي إذا مات وهو بالغ مختون، فإنه يصلى عليه، وإن كان بالغا غير مختون لم يصل عليه، والصبي يصلى عليه، وإن كان في يد المسلمين.
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ واختلفوا في الصلاة على ولد الزنا، فقال أكثر أهل العلم: يصلى عليه، كذلك قال عطاء والزهري وإبراهيم النخعي ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وكان قتادة يقول: لا يصلى عليه، واختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه، وكان الحسن البصري وقتادة يرون الصلاة عليه، وقال الأوزاعي: لا يصلى عليه، وذكر أن عمر بن عبد العزيز لم يصل عليه.
قال أبو سعيد: أما ولد الزنا فقد مضى القول فيه، وأما من قتل نفسه بغير حق متعديا على ذلك، متعديا بما يشبه ذلك بمعنى القتل من غيره ظلما، إنه لحقيق أن تلحقه معنى ما لحق المضر المقتول، أو من يقام عليه الحد على نحو ذلك غير تائب، وإن لم يعلم معناه في ذلك وأمكن فيه العذر، لم يزل عنه حكم ما ثبت فيه من الصلاة في جملة أهل الإقرار.
مسألة: ومن جامع أبي محمد؛ ولا يصلى على عضو من أعضاء المسلمين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة على موتى المسلمين.
مسألة: وعن أبي عثمان أن من خرج من بطن أمه فيه حياة، بلغت الحياة ما بلغت، وإن لم يستهل، فإنه يصلى عليه ويورث.
مسألة: من الزيادة المضافة؛ عن القاضي أبي علي في الصلاة عليه.
مسألة: وإذا رأى رأس إنسان فعليه أن يواريه، ولا يلزمه الصلاة عليه، وقيل: إن عرف أنه رأس فلان صلى عليه، والله أعلم. (16/185)
صفحة 4115
مسألة: وجاء الأثر عن الفقهاء من المسلمين أنه من كان من أهل الصلاة ومات وهو أقلف لم يصل عليه.
مسألة: والمرجوم إذا جاء تائبا صلي عليه، وإن رجم بلا توبة فلا يصلى عليه.
مسألة: ومن وجد في الزنا إن أقر تائبا صلي عليه، وإن قامت عليه بينة عدل وهو منكر ولم يقر تائبا وأقيم عليه الحد فإنه يدفن ولا يصلى عليه.
مسألة: وعن علي، إذا عرفتم الجنازة أنها من أولياء الله فصلوا عليها، وإن عرفتم أنها من أعداء الله فلا تصلوا عليها، وإن لم تعرفوا أي ذلك هي فصلوا على المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، فإن يكن منهم تصيبه دعوتك.
مسألة: وإذا أسلم صبي ذمي وكان يصلي إلى أن راهق البلوغ ثم مات قبل البلوغ لم يصل عليه.
مسألة: والصبي يسبى فيموت وهو في ملك المسلمين، فإنه يصلى عليه، ومن وقع من السبا من الصغار في سهم مسلم ثم مات صلى عليه، لأن حكمه حكم العبيد، ومن مات وهو في ملك مسلم صلي عليه، وإن كانوا في جماعة الفيء لم يصل عليهم، وبه يأخذ أبو أيوب.
مسألة: والمولود إذا استهل صلي عليه واستهلاله أن تتبين حياته بصياح أو غيره، والمولود إذا قالت القابلة أنه خرج أوله حيا، وآخره في الرحم لم يخرج حتى مات، فإذا لم يخرج من الرحم لم يورث، ولم يصل عليه، والنغل إذا مات صلي عليه، وقال الربيع: النغل ولد الزنا يصلى عليه.
مسألة: والمتلاعنان إذا ماتا وقد تلاعنا صلي عليهما.
مسألة: ومن ولد ميتا فلا يصلى عليه، إلا أن يولد حيا فيموت بعد ذلك، فيصلى عليه. (16/186)
صفحة 4116
مسألة: ومن مات تحت الرجم بالبينة منكرا فلا يصلى عليه، ولا بأس بالصلاة على من أقر على نفسه تائبا، ومن أقر على نفسه بغير بينة وأقيم عليه الحد ومات، فإنه يصلى عليه.
مسألة: قال: إنما نهى الله نبيه أن يصلي على المنافقين إذا ماتوا على الكفر، قوله في سورة براءة: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ) (التوبة:84)، ثم أخبر عنهم أنهم كفروا بالله ورسوله، يعني أنهم كفروا بتوحيد الله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، فأما من مات من أهل الكتاب، ومن أهل التوحيد والبغي، فللمسلمين أن يصلوا عليه وأصل الدين ثلاث خصال من السنة، الجهاد مع كل خليفة عدل والصلاة مع كل أمير، والصلاة على كل من مات من أهل القبلة، فإن صلاتهم عليهم سنة، وقال قائل من الفقهاء: إن لم تصلوا على أهل قبلتكم فدعوهم لغيركم.
وقال أبو المؤثر: وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي، ثم حرم الله عليه خاصة دون المؤمنين، وأحل لسائر المسلمين الصلاة عليهم.
مسألة: وقال ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على عبد الله بن أبي ذلك المنافق، وذلك قبل أن نهي عن الصلاة على المنافقين.
مسألة: وقيل: إذا مات مسلم ومجوسي فلم يعرف هذا من هذا، غسلا ثم صلي عليهما، وتكون الصلاة على المسلم.
مسألة: ومن أكله السبع فذهب به ولم يقدر عليه، ولا على شيء منه، فإنه يصلى عليه، فإن قدر على شيء منه غسل ذلك الشيء وكفن وصلي عليه، وكذلك النساء عندنا، وإن قطعت يد رجل بالقصاص، ثم قتل جمع ذلك كله فغسل ثم صلي عليه.
مسألة: وإن مات المسلم بأرض ليس فيها مسلم، ووليه الكفار ودفنوه، فإن للمسلمين يصلون عليه، ويصلي عليه وليه، ومن حضر إذا علموا أنه لم يصل (16/187)
صفحة 4117
عليه، فإن لم يعلموا صلي عليه أو لم يصل عليه، ولا يدرون وليه المسلمون أو الكفار، لم يصل عليه.
مسألة: عن قتادة عن عطاء عن جابر عن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه موت النجاشي استغفر له: قال بلغنا ذلك، وقال ابن عباس: صلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة، فقام بالمصلى، وقام أصحابه واستقبل القبلة وصلى عليه وكبر أربعا، وعن موسى قال: بلغنا أن موسى بن أبي جابر صلى على الربيع بإزكي حين بلغه موته بالبصرة.
مسألة: عن قتادة عن أبي هريرة قال: لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة، بلغنا أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: لا حرمة لها.
مسألة: ولا يجوز أن يصلي على الميت مرتين، لأن الغرض قد سقط بالمرة الأولى والثانية، لو فعلت لكان نفلا، ولا يصلح النفل بالصلاة على الميت، والإجماع أيضا مانع من ذلك أنه ليس لأحد أن يعيد الصلاة على الميت، والله أعلم.
مسألة: وأحب الصلاة على المصلوب من المسلمين ظلما، كذا وجدت عن بعض أصحابنا، والله أعلم.
ومن -كتاب- أن المصلوب لا يصلى عليه، والله أعلم.
مسألة: ولا يصلى على المولود حتى يستهل خارجا ويعلم حياته، ولكن يلف في خرقة نظيفة ويدفن بغير صلاة لأنه كان ميتا، وإنما تكون الصلاة على من مات بعد حياة كانت له بعد خروجه من بطن أمه، قلت الحياة أو كثرت.
مسألة: قال أبو الحسن: ويصلى على البار والفاجر من أهل القبلة.
مسألة: ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على امرأة زانية ماتت في نفاسها.
مسألة: ولا تجوز الصلاة على الميت مرتين، ولا على القبر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي سعيد الخدري لا يصلى على قبر ولا إلى قبر عن علي أنه دعي إلى (16/188)
صفحة 4118
جنازة فجاء وقد فرغ الناس من الصلاة عليها فقال: إن سبقتموني بالصلاة فلا تسبقوني بالدعاء، ثم وقف فدعا ولم يصل، ولو جاز إعادة الصلاة لصلى عليها، ولم يجتزئ بالدعاء، وعن عبد الله بن سلام أنه جاء إلى جنازة عمر بعد ما صلي عليه، فقال مثل مقاله علي، وجعل القبر بينه وبين القبلة، ووقف ودعا ولم يصل.
مسألة: قال أبو محمد: اختلف أصحابنا في الصلاة على القبر، فأجازها بعضهم ولم يجزها آخرون، وحجة من أجازها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي وهو بالحبشة، بعد أن أتاه خبر موته بمدة طويلة، فجمع أصحابه بالمدينة وصلى عليه، وحجة من لم يجز الصلاة على الميت بعد دفنه أن الصلاة على النجاشي كانت مخصوصة له، وهذا القول أشيق إلى نفسي، ولو كانت الصلاة جائزة على القبور لكان قبره صلى الله عليه وسلم أحق القبور بذلك، وأوفر أجرا على الصلاة، فلما أجمعوا على ترك ذلك واقتصروا على الدعاء علمنا أن قبر غيره أولى بأن لا تجوز أن لا يصلى عليه بعد أن يدفن، وبالله التوفيق.
مسألة: ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل صلي عليه، واختلفوا في الطفل الذي لم تعرف حياته، فروينا عن ابن عمر وابن عباس وجابر والنخعي والحسن البصري وعطاء والزهري، أنهم قالوا إذا استهل المولود صلي عليه، وقال الحكم بن عيينة وحماد ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي: إذا لم يستهل لم يصل عليه، وقد روينا عن ابن عمر قولا ثالثا، وهو أن يصلى عليه وإن لم يستهل، وبه قال محمد بن سيرين وسعيد بن المسيب، وهو مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والطفل يصلى عليه».
قال أبو سعيد: إذا صحت حياة الطفل الصبي بعد خروجه من بطن أمه، وكان من أهل القبلة فلا أعلم في الصلاة عليه اختلافا، والصلاة عليه ثابتة، وأما إذا تم خلقه ولم تصح حياته، فقد يختلف في الصلاة عليه، فأوجب ذلك (16/189)
صفحة 4119
بعض ولم يوجبه بعض، كنحو ما رواه، ولعل أكثر القول من أصحابنا أنه إنما الصلاة على الميت بعد الحياة.
مسألة: ومن كتاب أبي قحطان؛ والميت إذا وجد على الساحل أو في الصحراء، أو في موضع من المواضع، فإن كان سالم الجوارح وقد ذهب من جوارحه شيء وفيه رأسه بعد، وكان في دار الإسلام صلي عليه، وإن كان قد ذهب منه رأسه وبقي البدن وحده صلي عليه أيضا، وإن وجد الرأس وحده صلي عليه أيضا، وإن ذهب الرأس وبقي شيء من الجوارح لم يصل عليه، وإن كان في دار حرب لم يصل عليه، وإن كان وجد شيء من جوارحه غير رأسه مثل يده أو رجله أو شبه ذلك فلا يصلى عليه، قيل له: فإن كان في البحر، وكان يقاتل العدو وأنا أراه حتى ضرب ووقع في البحر وأنا أراه، ثم وجد في الساحل وقد ذهب بعض أعضائه، هل أصلي عليه؟ قال: نعم إذا عرفته فصل عليه، قلت: إن وجد ميتا قد تقطع، وبقي بعضه الذي فيه الرأس؟ قال: إذا كان فيه الرأس فصلي عليه، وإن لم يكن فيه الرأس فلا تصل عليه، قلت له: فإن وجد النصف الذي فيه الرجلان؟ قال: لا يصلى عليه.
مسألة: قال أبو سعيد: في رجل وجد ميتا، ولا يعلم ما هو إنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ثم يدفن، وكذلك ولد الجنة إذا وجد ميتا فعل به ذلك، وقال أبو الحسن: إذا وجد في أرض الإسلام فلم يعلم أمسلم أو مشرك، فالحكم على الأغلب إن كان أهل الإسلام أكثر طهر وصلي عليه، وإن كانوا سواء نظر في علامات الإسلام وأثر السجود في الجبهة والرجلين، وقلم الأظفار والشارب وما يستدل به، فإن علم أنه مسلم صلي عليه بتلك العلامات ودفن، وإن علم أنه مشرك لم يطهر، ولم يصل عليه ولم يلحد له، ولكن يحفر له حفرة فيسحب فيها كالجيفة ويدفن كما تدفن الميتة إذا ماتت، هذا ما عرفته.
مسألة: ومن قتل نفسه متعمدا، كان كافرا ولا يصلى عليه، ومن قتل نفسه خطأ فلا إثم عليه في ذلك، والصلاة عليه جائزة. (16/190)
صفحة 4120
مسألة: ومن ألقى نفسه في الحريق متعمدا لتأكله النار فإنه أثم كافر، ولا يصلى عليه، فإذا خرج من النار فإن أمكن غسله بالأيدي غسل غسلا وإلا صب عليه الماء صبا، وإن كان صب الماء يضره يممم بالتراب.
مسألة: ومن اعتكف في مسجد فقتل ولم يصل عليه، ولم يعلم أين هو، فوجدت رأسه أو شيئا منه قد عرفته، فأجمع ذلك وصل على ما وجدت وادفنه.
ومن كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: كان الشافعي وأحمد بن حنبل يصلي على العضو من أعضاء الإنسان، وروينا عن عمر صلى على عظام بالشام، وعن أبي عبيدة أنه صلى على رؤوس من رؤوس المسلمين، لا يصح ذلك عنهما، وقال الأوزاعي: في العضو يوجد يواري، وقال عامر الشعبي: صلى على البدن، وبه قال مالك بن أنس: لا يصلى على يد ولا على رأس ولا على رجل، وهذا قول أصحاب الرأي إذا لم يوجد البدن، وإذا وجد نصف البدن وفيه الرأس غسل وكفن، وصلي عليه عندهم.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا نحو من هذا الاختلاف، فقال من قال: إذا وجد من الميت رأسه صلي عليه، وإن لم يوجد رأسه ووجد سائر بدنه لم يصل عليه، وقال من قال: يصلى عليه إذا وجد سائر بدنه، ولا يصلى على العضو منه، وقال من قال: يصلى على العضو منه كما يصلى على بدنه، وهذا كله إذا ثبت له حكم الإسلام، وإنما هو متفرق الأعضاء، وأما إذا لم يعرف مسلم هو أو غير مسلم؟ فقال من قال: حتى يعرف أنه مسلم، وقال من قال: لا صلى عليه حتى يوجد رأسه ويعرف أنه من أهل الإقرار، لأنه إنما الصلاة عليهم بمعنى الولاية للمسلمين خاصة، وإذا مات المولود وإحدى أبويه مسلم، فأيهما كان مسلما فهو أحق به وميراثه، ولا حق للآخر فيه.
مسألة: وإذا قال النصراني عند الموت: إني مسلم أو أسلم صلي عليه وورثه، لأنه لا يعرف الحال التي لا يقبل الله من أهلها عند الموت، ولا يوصف ولا يعلمها أحد إلا الله تعالى، فإنه يصلى عليه. (16/191)
صفحة 4121
مسألة: والخنثى يصلى عليه على حد ما يصلى على الرجال والنساء من حيث يخرج البول.
مسألة: وعن يهودية ولدت من مصل فخرج بعض الولد ثم مات، كيف القول في الصلاة؟ فعلى ما وصفت فليس على هذه صلاة، لأن الولد لم يستهل ومات الولد في بطنها من قبل أن يخرج كله، وإن خرج بعضه حيا ثم مات بعد موتها وصلي على الولد رجونا أن لا يكون بذلك بأسا، وإنما تكون الصلاة على الولد، وذلك إنه قيل: إذا مات مسلم ومجوسي، ولم يعرف هذا من هذا، غسلا جميعا، ثم صلي عليهما، وتكون الصلاة على المسلم.
قال غيره: ومعي إنه قد قيل إنه يصلى على الصبي وتدفن هي من أجله في مقابر المسلمين، وأقول يلحد لها من أجله، وكذلك المسلم والمجوسي يلحد لهما جميعا، إذا لم يعلم أيهما، ويقصد بذلك للمسلم.
مسألة: قال: وقالوا إذا وجد رأس ميت ومعه شيء من بدنه، جمع وصلي عليه ودفن، وأما إذا لم يوجد رأسه فلا يصلى عليه ويدفن.
مسألة: وعن رجل وامرأة أصيبا ميتين لا يعرف مصلي أو يهودي، هل يصلى عليه؟ فقد قيل: إنه لا يصلى عليه حتى يعرف أنه من أهل القبلة، فإن عرف أنه من أهل القبلة صلي عليه، وإن وجد رأسه صلي عليه، وإن وجد بدنه تاما صلي عليه.
مسألة: وفي جواب أبي عبد الله، وعن المولود إذا خرج أوله حيا، وآخره في الرحم لم يخرج حتى مات لم يورث ولم يصل عليه.
مسألة: وإذا علم حياة السقط باستهلال وغيره صلي عليه، وإذا لم يعرف له حياة لم يلزمنا الصلاة عليه، لأن من لم يعلم له حياة لا يسمى ميتا، وذلك أن الأصل أن الروح لم تنفخ فيه، وإذا كان كذلك لم تجد الصلاة إلا بيقين حياته.
مسألة: قال أبو محمد: إذا خرج الولد ميتا، قال أصحابنا: يغسل، (16/192)
صفحة 4122
ولا يصلى عليه، وقال أبو محمد: إذا خرج حيا أو ميتا قد كمل خلقه غسل وصلي عليه.
مسألة: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة على موتى المسلمين من الأطفال والبله والمجانين، ولم يستثن منهم أحدا، فالواجب إجراء العموم على ظاهره وعمومه، إلا ما خصه دليل، قال جابر: وصلوا على من قال لا إله إلا الله.
وجدت بخط الشيخ أبي سعيد:
وهذا آخر غسل الميت منا
وإدراج له في الثوب لفا
وحمله والصلاة عليه شفعا
ويكفن له عند الحنوط
وشد بالحزائم والخيوط
والتكبير أربع عند الحبوط
من سن ذلك، وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ودفنه ثابتات واجبات
ويجزي البعض عن بعض إذا ما
وفي أمر الطهارة مع وضوء
على كل يقوم بلا فروط
مضت بالحزم والأمر المحوط
وفي أمر الصلاة على الخلوط
أجل هذا من شعره، والله أعلم. (16/193)
صفحة 4123
[صفحة بيضاء] (16/194)
صفحة 4124
الباب الرابع والثلاثون
في صفة غسل الموتى وتيممهم
وعن الميت الجنب يجزئه الغسل الواحد أو غسلان؟ قال: معي، إنه يختلف فيه، قال من قال: يجزئه غسل واحد، وقال من قال: حتى يغسل غسلان غسل للجنابة وغسل للطهارة، قلت له: فإن كانت امرأة ماتت وكانت جنبا وحائضا، فكم تغسل؟ قال: معي إن القول في هذه مثل الأولى، قال من قال: يجزئها غسل واحد، وقال من قال: تغسل ثلاث مرات غسل للجنابة وغسل للحيض وغسل للطهارة.
مسألة: قال هاشم بن غيلان: سألت موسى بن أبي جابر عن غسل الميت، فقال: كما يغسل من الغائط، قال موسى: يمضمض وينشق، وقال حيان البغدادي: لا يمضمض ولا ينشق.
مسألة: ومن مات جنبا فنرجو أن يجزئه غسل واحد، ولو أن حائضا ماتت كانت مثل ذلك، قال غيره: وقد قيل غسلان للحائض والجنب.
مسألة: ومن جامع أبي محمد، وأما الميت فإذا أردت غسله نزعت ثيابه كلها إلا خرقة تستر بها عورته، ثم غسلت كفيه، ثم توضئه وضوء الصلاة، ومن غيره، وقال من قال: ينجي قبل أن يوضأ وضوء الصلاة، ثم يوضأ وضوء الصلاة بعد ذلك، ومنه، ثم يغسل بسدر أو نحو إن حضر ذلك، وإن لم يكن ذلك فلا بأس، ونحب أن يطهر في موضع مستتر، وإن كانت تحت سقف فحسن. (16/195)
صفحة 4125
ومن غيره، وقيل: تغسل كفيك، وآخر يصب عليك، فتبدأ فتصب الماء عليه من رأسه إلى قدميه وأنت تغسله، فإن كان في رأسه أو بدنه أذى بدأت فغسلته بالماء، والآخر يصب عليك، ثم تغسله كله حتى تطهره، ثم تلين مفاصله، يديه ورجليه تفكهما وتبسطهما، ثم تغمز بطنه غمزا رفيقا حتى تلينه بيدك، ولا تشد في غمزك فإنه ربما كان في شدك حدث، تجري يدك على البطن من العقص إلى الشعر إجراء أو غمزا رفيقا، ويجلس الميت وافتح رجليه ليسترخي ما في البطن منه، فإنه يخرج ما في البطن وينصب ما في الفم حتى ترجو أن يكون قد نقي ما في بطنه، واسترج الفرج ما قدرت، ثم تنيمه على قفاه.
ومن كتاب آخر؛ فإذا وضع الغسل عليه كله عصر بطنه عصرا رفيقا بكفيه في موضعه إن شاء الله أيضا، ثم تغسل كفيه، وتضع على يدك خرقة نظيفة، أو تلوي على يدك طرفا من الثوب الذي يكون على الفرج، إذا كان واسعا، ثم توضئه وضوء الصلاة، فتبدأ بالدبر والقبل، فتغسلهما وصاب الماء يصب عليك، حتى ينقى وينظف، ثم تغسل يدك والخرقة، ثم تغسل الفم تمضمضه، ثم المنخرين تنشقه، ثم تغسل الوجه واليدين، ثم تمسح برأسه، ثم تغسل الرجلين، ثم توضئه وضوء الصلاة، ثم تغسله بالغسل إن حضر، وإن لم يكن فلا بأس.
ومنه، ويبدأ بشق رأسه الأيمن على لحيته، ثم الأيسر كذلك وعنقه، ومن غيره، قال محمد بن المسبح: ثم شق رأسه الأيسر على لحيته على وجهه من ظهره وصدره، ثم يده اليسرى، ثم ظهره وصدره.
ومنه، ويبدأ بشق رأسه الأيمن على لحيته، ثم الأيسر كذلك عنقه ثم يده اليمنى وما يليها، ثم اليسرى ثم جنبه، وما يلي ذلك من الأيسر، ثم يدخل الذي يغسله يده في خرقة ويدخلها تحت ثوبه فيغسل فرجه ودبره، آخر يصب عليه الماء، ثم رجله اليمنى ثم اليسرى ويغسل ما تحت الإزار أيضا بالخرقة، وآخر يصب عليه ويقعده وتمسح بطنه مسحا رقيقا، فإذا فرغ من هذا غسله بالماء، يبدأ كما صنع بالغسل حتى ينقى وينظف، فإذا فرغ من غسله نظر في أظفاره، فإن نظر فيها شيئا مما (16/196)
صفحة 4126
يكون من الوسخ أخرجه ونظفه.
ومن غيره، قلت لأبي عبد الله محمد بن المسبح: إذا طهرت الميت وصرت إلى يديه ورجليه ابدأ من الأصابع إذا غسلته، قال: كيف فعلت جائز، وأحب أن يكون ذلك من المنكب إلى الأصابع، قلت: والرجلين أيكون صب الماء على الوركين حتى تكون آخر ذلك إلى الأثرين، أو ابدأ من الأثرين حتى يكون آخر الوركين؟ قال: يبدأ بالوركين حتى ينحدر إلى الأثرين، ونحب أن يقعد فيعصر بطنه عصرا رقيقا، ثم يفاض عليه الماء حتى ينقى، ويستحب أن يكون في آخر مائه شيء من الكافور.
ومن غيره، فإن كان كافورا أخذ ماء فيه كافور من بعد الفراغ، فيطرح كافور في جرة فيها ماء، ثم يصب ذلك الماء على الميت من رأسه إلى قدميه على البدن كله.
ومنه، ثم يلف في ثوب نظيف ينشف الماء، ثم يحنط بقطن وذريرة، ويدخل من ذلك في منخريه، وعلى عينيه وفيه وأذنيه ودبره وبين شفتيه وإبطه، قلت: فيوضع بين أصابع اليدين والرجلين قطنا وذريرة؟ قال: لا، ولكن يستحب أن يضع في الراحة ودبره، ثم يكفن فيما أمكن من الثياب، ويستحب غسلها، وإن كانت طاهرة فلم تغسل فلا بأس.
ومن غيره، وإذا جففته بسطت كفيه على منظف، وإن لم يكن منظف ولا بساط فعلى الأرض، فإذا كان يقدر على كافور وضع على مساجد الميت على جبهته، وعلى أنفه وراحته وعلى ركبتيه، وهو على موضع المساجد من الأثرين.
مسألة: وقيل: غسل الميت كغسل الغائط، وقيل: إنه يمضمض وينشق، وقال من قال: لا يمضمض ولا ينشق، وقيل: تغسل الخرقة التي يغسل بها فرج الميت ثلاث مرات بالغسل، ويعود فيغسل بها حتى يفعل ذلك مرتان والثالثة لتنظف، وقال من قال: مرتين، وقال من قال: مرة واحدة تنظف الأذى، والخرقة في مرة واحدة. (16/197)
صفحة 4127
مسألة: ومن جواب أبي عبد الله بن روح -رحمه الله- وسألت عن الميت والصلاة عليه وأمر تجهيزه، فاعلم -رحمك الله- أن غسل الميت كنحو الاغتسال من الجنابة، يبدأ بكفه اليمنى فيغسلها واليسرى ويذكر الله، ثم يغسل فرجيه بخرقة وتيرة على كفك من تحت ثوب تستر به فرجيه عنك، وذلك بعد أن تقعده وتعصر بطنه عصرا غير ضار، ثم بعد ذلك تفعل هذا، فإذا غسلت له فرجيه بخرقة لا تحس بأصابعك عند حدود الفرجين، وضئه وضوء الصلاة ثم غسلته بالغسل والأشنان، فإذا طهر من الغسل والأشنان صببت عليه ماء فيه كافور إن أمكن ذلك، ثم جففت يديه من الماء، وأدرجته في أكفانه، فجعلته على عرض الإزار، وبسطته على طول اللفافة.
مسألة: قلت: هل يغسل الميت بشيء معلوم من الماء، وقدر معلوم؟ قال: لا، ولكن ينظف.
مسألة: وسألته عن الميت إذا غسل رأسه بالخطمى أيغسله بعد ذلك بالماء؟ قال: حسبه الخطمى، فإن شاء غسله.
مسألة: والمستحب للغاسل أن يبدأ عند غسل الميت بميامنه.
مسألة: وأجمع الجميع أن الماء القراح جائز لغسل الأحياء والأموات.
مسألة: والمرأة يفرق شعرها عند غسلها.
مسألة: والميت إذا أردت غسله نزعت ثيابه، إلا خرقة تستر بها عورته، ثم غسلت كفيه، ثم توضئه وضوء الصلاة، ثم تغسله بسدر أو نحوه إن حضر ذلك أو خطمى، فإن لم يكن ذلك فلا بأس ويستحب ذلك في موضع مستتر، وإن كان تحت سقف فحسن، ويبدأ بشق رأسه الأيمن على لحيته ثم الأيسر كذلك، ثم جنبه الأيمن، وما يلي ذلك، ثم الأيسر وما يليه، ويدخل الذي يغسله يده في خرقة ويدخلها تحت ثوبه، ويغسل فرجه ودبره، وآخر يصب الماء عليه، ثم رجله اليمنى ثم اليسرى، ويستحب أن يقعد فيعصر بطنه عصرا رفيقا، يفاض (16/198)
صفحة 4128
عليه الماء حتى ينقى، ويستحب أن يكون في آخر مائه شيء من الكافور، ثم يلف في ثوب نظيف، ينشف ماؤه، ثم يحنط بقطن و ذريرة يدخل ذلك في منخريه وعلى عينيه وفمه وأذنيه ودبره.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن؛ وسألت عن غسل الميت كيف يكون؟ فقد اختلف فيه، فقال قوم: غسل الميت كغسل الجنابة يوضأ ثم يغسل يمينا وشمالا، وقال قوم: إذا أردت غسله نزعت ثيابه وألقيت عليه ثوبا سترت به عورته، ثم تغسل كفيه، توضئه وضوء الصلاة، ثم تغسل بسدر أو نحو إن حضر ذلك، ويغسل في موضع مستتر، ثم تبدأ بشق رأسه الأيمن على لحيته وما يلي ذلك، ثم الأيسر وما يلي ذلك، ويجعل الذي يغسله في يده خرقة، ويدخلها تحت إزار الميت فيغسل فرجه، ثم يخرج يده فيغسل رجله اليمين ثم الشمال، ويستحب ذلك أن يقعد فيعصر بطنه، ثم يصب عليه الماء حتى ينقى، ويستحب أن يكون في آخر ماء يفاض عليه شيء من الكافور، وقال قوم: إذا أردت أن تغسل الميت أدرجته في ثوب تستر به عورته، ثم تبدأ بذكر اسم الله عليه، ثم تغسل غسلا نظيفا ثلاثا، ثم تعصر بطنه عصرا رفيقا، ثم تغسل كفيه، ثم تنجيه دبره وقبله، بعد أن تجعل على يدك خرقة وتيرة، تبدأ بها فرج الميت، نسخة لا تمس بها فرج الميت، وكلما نجيته مرة غلت الخرقة ويدك، ثم ترجع كذلك ثلاث مرات، فإذا أحكمت الاستنجاء وضأته وضوء الصلاة، وتجري يدك على أسنان الميت عند الوضوء، فإذا فرغت من وضوئه غسلته بماء، تبدأ بشق رأسه الأيمن على لحيته ويده وجنبه وما يلي ذلك من ظهره، ثم الشمال، وما يلي ذلك من جنبه وصدره وظهره، ثم رجله اليمين ثم الشمال يصب عليه كذلك كل جانب ثلاثة أمواه، فإذا غسلته ثلاثا ثلاثا ألبسته الغسل، وأجريت يدك عليه ثلاثا ثلاثا، وتبدأ بالأيمن ثم الأيسر على ما وصفت لك، فإذا عممته الغسل صببت عليه الماء حتى ينقى تبدأ برأسه -نسخة- تبدأ بشق رأسه، ثم يده اليمنى، وما يلي ذلك، ثم صدره وظهره، ثم اليسرى وما يلي ذلك من جنبه وصدره، فإذا فرغت من غسله وفي آخر ماء يفاض عليه، يستحب أن يكون فيه شيء من الطيب، ثم تلبسه ثوبا تجففه فيه، (16/199)
صفحة 4129
غير ثيابه التي يكفن فيها، فإذا جف ألبسته الحنوط، وأدرجته في أكفانه، فتؤزره بثوب وقميص ولفافة، فإن لم يكن فإزار ولفافة، فإن لم يكن أجزي بثوب يلف على رأسه.
مسألة: وقيل: ليس في غسل الميت وقت، يغسل حتى ينقى وينظف، ويقلب على شقه الأيمن والأيسر، ولا يكفأ على وجهه، ولا يقعد ويستر الفرجين، المقدم والمؤخر، ويغطى وجهه، ويبدأ في غسله برأسه ولحيته، ثم شقه الأيمن ثم الأيسر، وذلك بعد أن ينظف من العذرة، ويغسل يديه ووجهه وذراعيه وتغسل فمه وتنشق منخريه بالماء، ويوضأ وضوء الصلاة، بعدما ينظف ويعصر عصرا رفيقا مرتين أو ثلاث، ثم يغسل حتى ينقى، ثم يجفف في ثوب نظيف، ثم يكفن.
مسألة: فالميت يبدأ فيغسل رأسه بالخطمى، ولا يصيبه دهن، ويغسل حتى ينظف، وتمسح بطنه، ولا تنضح على وجهه، ولكن يحول على جنبه، ويغطى وجهه وفرجه بخرقة كيلا يرى إن جرى من أنفه أو فيه أو مقعدته دم وشيء من عذرة حشي بقطن، فإن كثر ما يخرج حشي بالطين الحر.
مسألة: وعن رجل يأتيه الموت وهو عندك أتدعه على أي حال كان عليها أولا؟ فأحب أن تستقبل به القبلة، وإن تركته ولم توجهه إلى القبلة فلا بأس بذلك إن شاء الله، قلت: وكذلك عند طهره، وتكفيه فالاستقبال به في كل ذلك أحب إلي، وإن لم يمكن ذلك فلا بأس إن شاء الله.
مسألة: قال: وقد قيل في الميت إذا لم يوجد ماء، فإنهم ييمموه كما يتيمم الرجل للصلاة إذا لم يقدروا على الماء قريبا منهم، فأحب إلينا أن يحملوه إلا أن يشق ذلك عليهم.
مسألة: واغسل المحل بما شئت من الطيب، أما المحرم فلا يغسل بشيء من الطيب، وإنما يغسل بالسدر، ولا يمس طيبا ولا يلبس رأسه.
مسألة: قال ابن عباس: إذا غمزت بطن الرجل فارفع من ظهره ورجليه، (16/200)
صفحة 4130
وليكن على يدك اليسرى خرقة فأدخلها تحته فاغسل عنه ما خرج من القذر، ورجل يصب الماء حتى تنقيه، واغسل الخرقة عند كل عركة فاغسله، ولا يكفى على وجهه، ولكن خرقة على جنبه كلما يغسل ظهره حتى تغسله ثلاثا، فإن ظهر منه شيء بعد ذلك من فرجه، أو دم سائل فاغسله غسلين مثل الآخر، واثن الثانية والثالثة ثم ذره ولا تزد على عشر غسلات.
مسألة: ويكره أن يجلس الميت جالسا، ويكره أن يمسك رأسه.
مسألة: وقال أبو الحسن: الواجب أن يبدأ بعصر بطن الميت ثم ينجيه، لأن الاستنجاء هو أول الغسل، وقد قيل إنه إنما يعصر بطنه بعد أن يلبسه الغسل، لأن ذلك أسلس للبطن وكلاهما جائز، وقال أبو محمد: يعصر بطن الميت عند غسله قبل أن ينجى، ويمسح مسحا تاما، يغسل بماء فرد بغير غسل ولا أشنان، غسلة واحدة يمرها الغاسل على أعضائه، الأول يبدأ بشق رأسه الأيمن، ويختم بقدمه الأيسر، واعلم أن الماء الأول يحسن يسخن كذلك، قال أبو محمد وأبو مالك: ثم تغسله بماء ثان، فتجعل فيه الغسل والأشنان كما وصفت لك الغسل الأول غسلة واحدة ويمرها على أعضائه كلها، يبدأ بشق رأسه الأيمن ويختم بقدمه الأيسر، ثم تعيد الماء عليه ثالثة كما وصفت لك الأولى والثانية، ويستحب أن يكون في هذا الماء الأخير شيء من الكافور، ومن جهل هذا الغسل وغسل غسلة واحدة يعركه فيها ثلاث عركات مع صب الماء، غير أنه لا يصير إلى آخر أعضائه إلا عند كمال طهره في ماء واحد، ثم يفيض عليه الماء بعد ذلك بما يمكن له ويطيب به نفسه من الطهار وذلك جائز إن شاء الله.
مسألة: وأجمع الجميع أن الماء القراح جائز لغسل الأحياء والأموات، والخرقة التي تستتر بها عورة الميت إنما يراد بها ستر الفرج، ولا بأس بالنظر إلى ركبتيه وسرته.
مسألة: والمستحب لمن يغسل الميت أن يستره بالمكان، ويستر على فرجه ثم تغسله بعد الوضوء بالماء القراح، فإن حضر السدر غسل به غسلة ثانية، وإن حضر (16/201)
صفحة 4131
الكافور غسل به الثالثة، والغرض في غسل الميت غسله واحدة بالماء، والمستحب ثلاث غسلات والله أعلم.
والمستحب أن يغسل الميت كغسل الجنب، تبدأ بتنقيته وعصر بطنه، ثم ينجى ثم يوضأ وضوء الصلاة، إلا أنه لا يبالغ له في المضمضة والاستنشاق، حذارا من تولج الماء إلى فيه وخياشيمه، ثم يغسل، والمأمور أن يبتدأ بميامنه في الغسل، وإن غسل على غير ذلك أجزى والله أعلم.
مسألة: وإن لم يكن للميت سدر ولا خطمى فالماء القراح جائز والله أعلم.
وغسلة واحدة للميت بالماء هو الفرض والمستحب ثلاث غسلات، وإن غسله أكثر من ثلاث أجزأه، وقال: لا يكشف وجه الميت لغير معنى، ومع الغسل جائز، ويجب أن تستتر محارم الميت عند غسله، وهي من حد السرة إلى الركبة.
مسألة: وعن الذين يغسلون الميت يغتسلون؟ قال: لا، ولكن يتوضؤون وضوء الصلاة.
مسألة: وعن الرجل يطهر الميت هل عليه غسل؟ قال: أما عن غسل المسلم فلا، لأن المسلم أطهر من ذلك، قال غيره: وليس عليه غسل من غسول غير الولي، ولكن يعيد الوضوء، إلا أن يطير من أول عركة من ماء الميت، فإنه يغسل ما مسه أول ماء من الميت من العركة.
مسألة: عن نافع أنه قال: كنا نغسل الميت فيتوضأ بعضنا ويغسل بعض، ثم يعود فنكفنه ثم نحمله ونصلي عليه، ولا نعيد الوضوء، ولا ينكر ذلك عبد الله.
مسألة: وحدثني عن نافع أنه رأى عبد الله بن عمر حنط ابن عبد الرحمن بن سعيد بن زيد، وحمله فيمن حمله للمسجد فصلى عليه ولم يتوضأ.
مسألة: ومن جامع أبي محمد؛ واختلف الناس في حكم الميت، هل هو (16/202)
صفحة 4132
نجس بعد الموت أو طاهر؟ فقال أصحابنا: نجس حتى يطهر، وقال بعض مخالفيهم هو طاهر، وغسله لا أنه ليس نجس، وإنما هو عبادة على الأحياء، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا»، فإن كان الخبر صحيحا فحلول الموت فيه لا ينقل حكمه عما كان عليه قبل ذلك، والله أعلم.
مسألة: ومن غسل الميت فلا غسل عليه، المسلم أطهر من أن يغسل منه، وعن عبد الله أنه سئل عمن يغسل الميت الغسل؟ فقال: فإن كان صاحبكم نجسا فاغسلوا منه، ولا وضوء على من حمل الجنازة أيضا، ولم يوجب جابر بن زيد على غاسل الميت نقض طهارة، وقال: المسلم أطهر من أن يغسل من طهوره.
مسألة: واختلف الناس في حكم الميت هل هو نجس بعد الموت أو طاهر؟ فقال أصحابنا: نجس حتى يطهر.
مسألة: من كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: واختلفوا في اغتسال من غسل الميت، فقالت طائفة: لا غسل على من غسل ميتا، هذا قول ابن عباس وابن عمر وعائشة والحسن وإبراهيم النخعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي، وقد روينا عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة أنهما قالا: من غسل ميتا فليغسل، وبه قال سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والزهري، وقال إبراهيم النخعي وأحمد بن حنبل وإسحاق يتوضأ، قال أبو بكر: لا شيء عليه فيه حديث يثبت.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا أنه لا غسل على من غسل ميتا، وما معنى يدل على ذلك عندي ويخرج من قولهم: إنه من غسل الميت يتوضأ لا غسل عليه، وفي بعض قولهم: إلا أن يكون الميت من أهل الولاية، ولم يمس منه نجاسة ولا فرجا فلا وضوء عليه ووضوؤه جائز، و إذا ثبت معنى هذا في الولي ففي أهل القبلة مثله عندهم، لأنهم في حكم الطهارة سواء في المحيا والممات، وإذا ثبت الوضوء على من غسل الميت من أهل الإقرار من لا ولاية له، فمثله عندي في الولي، ولا فرق عندي منهما في معنى الطهارة. (16/203)
صفحة 4133
مسألة: والميت إن أمكن سقف غسل تحته، وذلك المأمور به، وإن لم يمكن غسل كما أمكن تحت سقف أو غير تحت سقف.
مسألة: وإذا أردت غسل الميت بدأت بذكر اسم الله، ثم غسلت كفك غسلا واحدا أو اثنين أو ثلاثا، ثم تقعد الميت فتعصر بطنه عصرا رفيقا، ثم تبدأ بغسل كفيه ثم تنجيه بعد أن تجعل على يدك خرقة، لأن لا تمس فرجه، وتغسل الخرقة عند كل عركة، وتغسل كل أذى كان به، ثم توضئه وضوء الصلاة، وتجعل على أصبعك نفكة، وتجلو بها أسنانه، ثم ترمي بذلك ثم تمضمض بماء طهور، وتجعل على إصبك نفكة عند الاستنشاق نظيفة فيخرج ما ظهر من مقدم الأنف، ثم تكمل وضوءه بأحسن الوضوء، فإذا أكملت وضوءه سابغا أخذت في غسله بالماء ثلاثا، ثم بالغسل ثلاثا، ثم عممته بالماء حتى تنقيه، ثم تجعل في مخارجه القطن بذريرة.
مسألة: قال ابن عباس -رحمه الله- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كانت المرأة حبلى فلا تغمز بطنها»، ومن الكتاب؛ وواجب غسل الميت قبل دفنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلوا موتاكم» وغسل الموتى فرض على الكفاية، وإذا قام بذلك بعض سقط عن الباقين، ويستحب للغاسل أن يبدأ عند غسل الميت بميامنه، والغرض من ذلك غسلة واحدة، والمأمور به ثلاث غسلات.
مسألة: ومن غسل الميت بالأشنان فقال قائل: عن أبي عثمان أنه إن فعل ذلك لينقي الوسخ في الميت فليعصر ماء الأشناء. صح. (16/204)
صفحة 4134
الباب الخامس والثلاثون
في القبر ووضع الميت فيه وما أشبه ذلك
وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم مات صلى الله عليه يوم الاثنين ودفن يوم الأربعاء، وروي أن أعرابيا حضر دفن النبي صلى الله عليه وسلم فلما أرادوا أن يدخلوه القبر جذب الأعرابي قطيفة من على نفسه، فرمى إليهم بها ففرشوها للنبي صلى الله عليه وسلم في قبره، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير القبور ما درس»، معنى ذلك والله أعلم أنه ما درس ما يساوي الأرض، ولا يشرف عليه بناء ولا غيره، وروي أن حذيفة بن اليمان مر على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر وأخته عائشة قد بنت عليه بناء فسأل عنه لمن هذا القبر؟ فأخبر أنه قبر عبد الرحمن وأن أخته بنت عليه، فقال: ابلغوا عائشة أنه إنما يظله عمله، فبلغها ذلك فقالت صدق حذيفة، وقيل: إنها أرسلت إلى البناء فقلعته، والله أعلم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير القبور أوساطها».
مسألة: وسئل عن الميت إذا وجد منبوشا من قبره، هل يقبر في حفرة بلا لحد؟ قال: معي، إنه إذا كان من أهل القبلة فلابد من اللحد إن أمكن ذلك، قلت له: فإن كان الميت منتنا نتنا يمنع القابر له أن يتمكن حتى يضعه في القبر؟ قال: إن كانت جيفة مانعة فلا يقدروا على ذلك، فإن لهم أن يقبروه كيفما قدروا، قلت له: فإن سحبه يريد قبره فقطع منه شيئا هل عليه ضمان؟ قال: معي، إنه إذا لم يقدر على حمله، فلا ضمان عليه، لأنه يقوم مقام الخطأ إذا لم يقدر على قبره إلا بذلك، وإن قدر أن يحفر له تحته، ويقبره بغير سحب فسحبه فانخرم من (16/205)
صفحة 4135
السحب، وانقطع شيء من أعضائه كان عليه الضما، في أرش ما جرحه من السحب، وأما الأعضاء فلا ضمان عليه.
مسألة: قلت: ما تقول في القعود على القبر عند إحدار الميت فيه، يجوز لمن أراد ذلك إمساك الثوب والحثوة عليه، أو إنما يسحب لأولياء الميت دون غيرهم؟ قال: معي إنه جائز ويؤمر به، وإذا كان يريد بذلك الفضل، كان له ذلك.
مسألة: وبلغنا أن امرأة نصرانية كانت تحت مسلم، وكانت حاملا فماتت، فأمر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن تقبر في مقبرة المسلمين.
مسألة: امرأة أسقطت وماتت هي وولدها، هل يقبر ولدها معها في قبرها؟ قال: نعم، يوضع قدامها مما يلي القبلة، وقيل: يوضع معها في الكفن؟ قال: لا.
مسألة: والنصرانية واليهودية إذا ماتت، وفي بطنها حمل من مسلم، دفنت مع أهل ملتها، لأن الحمل الذي في بطنها لا يعلم حقيقته، أحي هو أم ميت، أنفخت فيه الروح أم لم تنفخ فيه.
مسألة: ويستحب تعجيل دفن الميت، يقال: دفن أبو بكر -رضي الله عنه- في الليل، ويقال: دفن ابن مسعود ليلا، عن شريح أنه كان يدفن ولده بالليل إذا ماتوا.
مسألة: ولا بأس إن دفن اثنان في قبر، يقدم الرجل في القبلة، وتؤخر المرأة، ويقدم الكبير ويؤخر الصغير.
مسألة: وإذا وضع الميت في القبر أضجع على يمينه ووجهه إلى القبلة، ويقول الذي يضعه بسم الله وعلى ملة رسول الله، وإذا كان من أهل الولاية قال: اللهم أفسح له في قبره ونور له في جدثه وألحقه بنبيه بالقول الثابت في قبره، كما تثبته في الدنيا.
مسألة: وقيل: إذا وضع الميت في اللحد يقول: بسم الله، وعلى ملة رسول (16/206)
صفحة 4136
الله، أو سنة رسول الله، ثم يدعو له، وقيل: يقال: بسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم (منْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (طه:55).
مسألة: وروى ابن عمران أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تدفنوا موتاكم ليلا»، وروى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن رجلا ليلا.
مسألة: وإذا وضع الميت في القبر قال الذي يضعه: بسم الله وعلى ملة رسول الله، اللهم أفسح له في قبره وألحقه بنبيه، ولا تحرمنا ولا تفتنا بعده، وأكفنا فقده، وقل: اللهم أخلفه في أهله وبارك لهم في موته واكفهم فقده.
مسألة: ولا يدفن الميت في ثلاث ساعات، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن دفن الميت فيهن، عند طلوع قرن من الشمس حتى ينفصل، وعند غروبها حتى يغيب، ونصف النهار عند استوائها في كبد السماء حتى ترتفع، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثلاث ساعات من النهار، وأن يقبر فيهن موتانا، وذكر هذه الأوقات.
مسألة: وجائز أن يقبر عدة أنفس في قبر إذا لم يكن إلا ذلك، ويقدم الأفضل.
مسألة: ولا بأس أن يدفن الاثنين والثلاثة من النفر في قبر واحد، ويقدم أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه، فإذا استووا في ذلك قدم أقدمهم سنا في الإسلام، ثم يشق للذي يليه في وسط القبر، ثم يشق للآخر، واعلم أن الرجل يقدم على المرأة في القبر.
مسألة: وإذا دفن رجل وامرأة قدم الرجل، وكذلك إذا دفن صبي وامرأة في قبر واحد، قدم الصبي في اللحد، وشق من ورائه للمرأة.
مسألة: وقيل: فرش في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيفة، وقيل: فرش في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحد له، ونصب عليه اللبن نصبا، وأدخل فيه القبلة، ورفع قبره من الأرض قدر شبر. (16/207)
صفحة 4137
مسألة: ويستحب لمن وسع عليه الله وكان موسرا أن يوضع تحته في قبره مضربة، أو غيرها من شيء لين، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقيت تحته قطيفة في قبره.
مسألة: وإذا دفن الميت ولم يغسل، فقد مضى ذلك، ولا ينبش.
مسألة: ومن جواب أبي عبد الله، سألت عن الميت إذا صببن عليه النساء صبا من فوق الثياب إذا لم يكن معهن من الرجال أحدا، أيدفن في تلك الثياب؟ فنعم، يدفنه فيها، ولا يخرجونه منها.
مسألة: أخبرنا هاشم بن غيلان أن موسى بن أي جابر كان يأمر بالميت إذا وضع في لحده، أن يكشف الثوب عن عينه اليمين وحدها، حتى تظهر إلى الأرض، ومن غيره، قال: وقد قيل يرخى عن الميت الحزائم، وعن وجهه الثوب، وقال من قال: يظهر خده الأيمن بالأرض كله، والله أعلم، ومن غيره: ويوجد في موضع آخر در في هذه المسألة، وهو قال غيره: وقال من قال: يرخى الثوب من على وجهه حتى يظهر خده الأيمن، ويوضع خده في الأرض، وقال من قال: يرخى ولا يبرز خده، ويدع بحاله، إلا أنه ترخى الحزائم، ومن غيره.
قال أبو سعيد: قد قيل: يؤمر أن يخرج الثوب عن شق وجهه كله، فالله أعلم، وبعض لا يقول في ذلك شيئا، ومن غيره، وقد يوجد عن موسى بن أبي جابر أنه يكشف الثوب عن عين الميت اليمنى ليعاين بها عند المساءلة منكرا ونكيرا، ومن غيره، وإذا وضع الميت في قبره قطعت الحزائم، ولا يخرج عن وجهه الثوب، ويخرج عن خده الأيمن.
ومن غيره، قال محمد بن محبوب: إذا وضع الميت في لحده قطعت الحزائم، ولا يخرج عن وجهه، ومن غيره، ولم أعلم أن إخراج الثوب عن وجهه في اللحد لابد منه، وإنما قالوا: تحل عنه الحزائم، والله أعلم بالحق، ومن غيره، وقال مالك بن غسان: إذا وضع الميت في لحده لم يحسر منه إلا خده الأيمن الذي يكون على التراب، ولا يحسر عن فمه ولا صدره، ولكن ترخى حزائمه المحزوم بها. (16/208)
صفحة 4138
مسألة: وأما الذي دفن الميت ونسي شيئا مما يؤمر به أو جهل أو سقط عليه تراب أو حصى، فلا شيء في ذلك إن شاء الله، والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ؛ عن أبي محمد؛ ومن دفن ميتا للمشرق فيرد إلى القبلة إن كانوا في الموضع بعد، وإن كانوا لم يعرفوا فلا، وإن كانوا تعمدوا لخلاف السنة هلكوا وأجهلوا، ويجوز أن يلحد في وسط القبر وفي جنبه، ويقبل بوجهه للقبلة.
مسألة: قال أبو سعيد: في رجل وجد قبرا محفورا إنه لا يجوز أن يقبر فيه، قال: إلا أن يظهر عليه علامات أنه متروك، وإن الذي حفره مستغن عنه، ولا يرجع إليه، فعندي أنه يسعه أن يقبر فيه على اطمئنانة قلبه، إذا طمأن قلبه إلى ذلك، قال: وأما في الحكم الظاهر فعندي أنه يسعه أن يقبر فيه حتى يعلم أصل ذلك، ويدل على خلاف لا شك فيه، قلت: وسواء كانت سنة البلد -نسخة- الموضع يحفر بأجر أو بغير أجر؟ قال: نعم.
مسألة: وسئل عن الميت إذا وجد منبوشا، هل يدفن في حفرة بلا لحد؟ قال: معي إنه إذا كان من أهل القبلة فلابد من اللحد إذا أمكن ذلك، قلت: فإن الميت منتنا يمنع القابر له أن يتمكن يضعه في اللحد؟ قال: إن كان جيفة مانعة لا يقدر على ذلك أن يقبر وقبروه، كيف قدروا، قلت: فإن سحبه وقطع منه شيئا هل عليه ضمان؟ قال: معي إنه إذا لم يقدر على حمله فلا ضمان عليه، لأنه يقوم مقام الخطأ، إذا لم يقدر على قبره إلا بذلك، وإن قدر أن يحفر له تحته ويقبر بغير سحب فسحبه فانجرح من السحب، وانقطع شيء من أعضائه، كان عليه الضمان في أرش ما جرحه من السحب، وأما الأعضاء فلا ضمان عليه. (16/209)
صفحة 4139
[صفحة بيضاء] (16/210)
صفحة 4140
الباب السادس والثلاثون
في القبر ودفن الميت في بيته
ابن عباس عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لحد له ولأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- وقد يقال: إن لم يستطع اللحد فالشق جائز، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لحد له في قبره ونصب له اللبن نصبا، وأدخل في القبر لا يبصرون في ذلك، وأدخل من عرض ورفع من الأرض نحو شبر، وقالوا: لا بأس أن يسبح على قبر الرجل إذا دفن، ويسبح على قبر المرأة إذا دفنت. من الأثر؛ ويكره أن تزاد على القبور غير ترابها وتطين القبور، والألواح فأمر محدث، فإن طين مخافة أن يدرس أو يخرب، أو وضعت الألواح ليعرف فلا بأس، ويكره أن يوضع على القبر الأجر والخزف، وكل شيء مسته النار، ويكره صب الحصى على القبر من غير حفرته، وأما صب الماء على القبر فهو سنة، ولا بأس أن يطين القبر، وقال الفضل بن الحواري: ينبغي أن يمنع الناس من البناء على القبور.
مسألة: قال: وإن لم يحضر ماء يصب على القبور فلا بأس، فإن حضر ولو قدر على صاع ماء رش ذلك حيث بلغ، وإن أمكن الماء صب عليه، وعن جابر قال: رش على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو هريرة قال: دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم، فأمر بقربة من ماء فرشت عليه، قال الربيع: يكره أن يزاد على القبر غير ترابه الذي أخرج منه.
مسألة: ويكره أن يذبح على القبر، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا عقر في (16/211)
صفحة 4141
الإسلام»، لأن العرب كانت تنحر على قبور موتاها، ويكره القعود على القبور والمشي عليها، والتجصيص لها والبناء عليها وإظهار العمارة فيها، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير القبور ما درس»، معنى ذلك والله أعلم أنه ما درس ما ساوى الأرض، ولا يشرف عليه بناء، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اعمقوا في قبوركم لأن لا تريح عليكم»، واللحد أولى من الضريح، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم «اللحد لنا والضريح لغيرنا»، وقد كان بعض الفقهاء يكره المشي بين القبور بالنعل، ويكره المشي فوق القبور، فأما بين القبور فلا يضر ذلك، قال أبو بكر: روينا عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه أوصى أن يعمق قبره قامة وبسطة، وعن عمر بن عبد العزيز وإبراهيم النخعي أنهما قالا: يحفر للميت السنه، وقال مالك بن أنس: أحب إليّ أن لا تكون عميقة ولا قريبة من أعلا الأرض، روينا عن أبي موسى الأشعري أنه أوصى أن يعمقوا قبره، وقال الشافعي: أحب إليّ أن يعمق قدر بسطة، فلا يعرف على أحد إن أراد نبشه، ولا يظهر له ريح.
وقال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا استحباب عمق القبر، وأحسب أنه في الرواية أنه لا يجاوز به ثلاثة أذرع، حسب معنى القبر على اللحد، وأحسب أنه نحو ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى عن تعمق القبور فوق ثلاثة أذرع»، والله أعلم بما حكي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في بسطة، والبسطة معنا أكثر من ثلاثة أذرع، وإن أوجب الرأي ذلك لمعنى خوف ضرر من ستر من سبع، أو يستر الموضع بثوبه الأرض وسهولتها، كان النظر عندي موجبا حكم الشهادة، لأن الأرض لعلها تختلف، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره من الأرض قدر شبر، ويكره المشي على القبور، وإن اضطر إلى ذلك فلا شيء عليه، ومن وطئ على القبر عند حمل الجنازة إذا لم يمكنه إلا ذلك لم يضره، وباب القبر من عند الرجلين، فمن هنالك يدخل منه، ومنه يدخل من يدفن الميت، ومنه يدخل اللبن والله أعلم، ومن خرج من عند رأس الميت فلا أعلم أنه يأثم إذا خرج، وقد ضرب عليه بالطين، ولا يجوز أن يكسر على القبر آنية أمر بذلك الميت، أو لم يأمر، وهذا من إضاعة المال، ومن فعل أثم إن كان ماله أتلفه، وإن كان مال غيره (16/212)
صفحة 4142
ضمنه، والكسر على القبر لا نفع فيه يصل إلى الميت، ولا إلى الحي.
مسألة: ولا يجوز لأحد أن يقوم على القبر إلا من يخدمه، وأما من هو خلي فليخرج عن رأس القبر، وصب الماء على ظاهر القبر، وقال بعض أهل العلم: أقل ذلك صاع من ماء يصب على القبر، ويرش عليه، ولا يجوز الوطئ على القبور، ويكره أن يرفع القبر إلا بقدر ما يعرف أنه قبر، فيتقى أن يمشي عليه.
(فصل)
روي عن عمر -رضي الله عنه- أوصى أن يعمق قبره قامة وبسطة، وعن عمر بن عبد العزيز والنخعي أنهما قالا يحفر للميت إلى السرة، وقال مالك: أحب إليّ أن لا يكون عميقا جدا ولا قريبا من أعلا الأرض، ولا يتغوط في أحد المقابر، فإنه مما يؤذي.
(فصل)
قال الشافعي: يرفع القبر ويسطح، قال أبو حنيفة: يسنم، وروي عن علي أنه قال: سنمت قبر النبي صلى الله عليه وسلم ووضعت عليه ثلاثة أحجار، وقال معاذ: المذبوح عند القبر ميتة في الإسلام، ومن طريق أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عقر في الإسلام»، ابن عباس قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور والمتخذي عليها السروج والمساجد.
مسألة: واختلف في ستر الثوب على القبر، فكره قوم ذلك للرجل، وأجيز للمرأة، وقال قوم: لا بأس فيهما جميعا، وقال قوم: للمرأة أوكد من الرجل.
مسألة: والثوب على قبر المرأة وعلى نعشها، لأن لا ترى لها جثة تصف بها، وأما الرجل فليس له ذلك، ولا يجعل على قبره ثوب، ولا هو سنة ولا فريضة، قيل (16/213)
صفحة 4143
له: فإن الناس يستعملون الثوب على قبر الرجال؟ فقال: لعلهم يجزعون من الموت، فيجعلون بينهم وبينه حجابا لا يرونه.
مسألة: من كتاب الإشراف؛ قال أبو بكر: كان عبد الله بن زيد وشريح الكندي وأحمد بن حنبل يكرهون نشر الثوب على القبر، وكان أحمد بن حنبل يختار أن يفعل ذلك بقبر المرأة، وكذلك قال أصحاب الرأي، ولا يضرهم عندهم أن يفعلوا ذلك بقبر الرجل، وقال أبو ثور: لا بأس بذلك في قبر الرجل، وستر المرأة، وقال الشافعي: ستر المرأة أوكد من ستر الرجل إذا أدخلت قبرها.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا ثبوت ستر القبر بالثوب عند إدخال الميت في لحده في الرجل والمرأة والصغير والكبير، ويخرج ذلك عندي على معنى الأدب، ولا يبين لي لزومه، ولعل الصغير من الذكران أشبه بالرخصة في ذلك في معنى الأدب معه، ومنه، قال أبو بكر: روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «احفروا ووسعوا وادفنوا الاثنين والثلاثة وقدموا أكثرهم قرآنا»، قال أبو بكر: لم يختلف من أحفظ عنه من أهل العلم أن دفن الموتى لازم، وواجب على الناس لا يسعهم تركه عند الإمكان، وإن قام به بعض سقط فرض ذلك عن سائر المسلمين، واختلفوا في اللحد والشق فاستحب كثير منهم اللحد، روينا عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه أوصاهم إذا وضعتموني في لحدي، فأفيضوا بجلدي الأرض، واستحب إبراهيم النخعي وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: إذا كانوا بأرض شديدة يلحد لهم، وإن كانوا ببلاد رفيق شق لهم، قال أبو بكر: هذا حسن.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني ما قال في قول أصحابنا، بنحو ما حكاه كله، إلا ما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إذا وضعتموني في لحدي فأفيضوا بجلدي الأرض، فإنه يخرج من معنى قولهم: إن بعضا يحده إلى الأرض، ولعله له ذلك، والله أعلم، وأما اللحد فإنه سنة للمسلمين، وذلك ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللحد لنا والشق لغيرنا» يعني لنا بذلك للمسلمين (16/214)
صفحة 4144
في معنى الرواية، ولا نحب في ذلك إلا في معنى الحاجة إلى ذلك والضرورة، فإن كان في موضع أرض لا يمكن فيها اللحد لينة أو رخوة تتهامى، فإن أمكن الحجارة يحتال بذلك للحد، ويقضي به السنة، أو خشب بألواح، فقد يفعل ذلك أهل الأمصار، فهو حسن عندي، ويقوم مقام اللحد، وإن لم يكن إلا شق فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والشق أن يحفر له حفرة يجعل فيها ويدفن عليه، ومعنى القول الثاني حسن، وهو الذي في المعنى استحسنه أبو بكر، ويخرج تأويله على نحو هذا في التفسير.
ومنه، قال أبو بكر: واختلفوا في صفة أخذ الميت عند إدخاله القبر، فقال قوم: يسل سلا من قبل رجل القبر، روينا هذا القول عن ابن عمر وأنس بن مالك وعبد الله بن زيد الأنصاري وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي والشافعي، وقال آخرون: يؤخذ من قبل القبلة معترضا، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن الحنفية وبه قال إسحاق بن راهويه، وقال مالك بن أنس: لا بأس أن يدخل الميت من نحو رأس القبر أو رجله أو وسطه، قال أبو بكر: الأول أحب إليّ.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا في معنى الاتفاق، فيما يأمرون به القول الأول: إن الميت يدخل من نحو الرجلين، كذلك يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لكل شيء باب وباب القبر مما يلي الرجلين»، فيؤمر أن لا يدخله أحد إلا من بابه، ولا يدخل فيه شيء إلا من بابه من ميت أو لبن أو طين، ولا يخرج منه أحد إلا من بابه.
ومنه، قال أبو بكر: روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا وضعتم موتاكم في قبورهم فقولوا بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم»، روينا عن ابن عمر أنه كان إذا سوى على الميت قال: اللهم أسلمه إليك الأهل والمال والعشيرة، وذنبه عظيم فاغفر له، روينا عن أنس بن مالك وعروة أنهم دعوا بدعوات مختلفة، وهي مذكورة في غير هذا الموضع.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي أن (16/215)
صفحة 4145
الذي يجعل الميت في قبره إذا جعله في لحده قال: بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يقول: بسم الله والحمد لله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الدعاء على الميت فلا يكون في الصلاة ولا بعد الصلاة إلا المستحق للولاية، وأما غير ذلك فلا يفرد بالدعاء إلا في جملة المسلمين، والدعاء للميت كله تصديق إلا في الولي، إلا بما هو في أمور الآخرة، وإذا ثبتت ولايته جاز وثبت الدعاء له والاستغفار بما فتح الله، يحسن ذلك في السر والجهر والوحدة والاجتماع، وكل ما اجتمع عليه كان أفضل، ما لم يتفق في ذلك تقية أو تولد فتنة.
ومنه، قال أبو بكر: واختلفوا في الدفن في الليل، فدفن أبو بكر وفاطمة وعائشة وعثمان بن عفان ليلا، ورخص في ذلك عقبة بن أبي عامر، وسعيد بن المسيب وشريح الكندي، وعطاء بن أبي رباح وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وكان الحسن البصري يكره الدفن بالليل، قال أبو بكر: الدفن بالليل مباح، لأن مسكينة دفنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، ولم ينكر ذلك عليهم.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا إجازة دفن الميت بالليل كمثله في النهار، والليل معي أستر، وإنما هي عورات، كلما كان الوقت أستر كان عندي أفضل، ما لم تقع مشقة أو ضرر، وعندي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه يقدم دفن الميت في الليل، ويستحب لمعنى الستر، وأما المسكينة التي دفنت في الليل، فقد يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعود المساكين في مرضهم، فعاد مسكينة يوما وقال لهم: «إن ماتت فأعلموني حتى أشيع جنازتها أو أخرج في جنازتها»، فقيل ماتت المسكينة في الليل أو آخر النهار، وأحسب أنه في الليل، فكره أهلها أن يوقظوا النبي صلى الله عليه وسلم من نومه فدفنوها ولم يعلموه، وكان من عذرهم أنا لم نحب أن نوقظ النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: إنه لامهم إذ لم يعلموه، حتى يشيع جنازتها، ولم نعلم أنه لامهم في دفنها، وإنما المعنى أنه لامهم إذ لم يعلموه حتى يليها معهم في الليل. (16/216)
صفحة 4146
ومنه، قال أبو بكر: روينا عن علي بن أبي طالب أنه حثا على زيد بن المهلب ثلاثا، وكان الزهري يرى ذلك، وروينا عن ابن عباس أنه لما دفن زيد بن ثابت حثا عليه التراب، ثم قال: هكذا يدفن العلم، وكان الشافعي يحثوا على سفيان القبر بيديه ثلاثا.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه يستحب لمشيع الجنازة أن يلي حضور القبر لمعاني مصالح دفن الميت إن أمكنه جميعا، وإلا ما أمكنه منها، فإذا صلى على الميت استحب له أن يحثوا عليه حثوات من ترابه، أحسب أنهم يريدون المشاركة في الفضل كله في حمل الجنازة، والصلاة ودفنه، لأن ذلك لازم وفضل، ومنه، قال أبو بكر: واختلفوا في دفن المرأة والرجل في القبر، وكان الحسن البصري يكره ذلك، ورخص في ذلك غير واحد، روينا عن عطاء بن أبي رباح ومجاهد، في الرجل والمرأة يدفنان في القبر، يقدم الرجل، وبه قال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والنعمان، غير أن الشافعي وأحمد بن حنبل قالا: يدفنان في مواضع الضرورات، وبه يقول، ويقدم أفضلهم وأسنهم وأكثرهم قرآنا.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج نحو هذا في قول أصحابنا، أنه إذا حضر معنى الضرورة فلا بأس أن يجمع الرجل والمرأة في القبر، ويقدم الرجل مما يلي القبلة قبل المرأة، ثم المرأة من كان من الرجل من حر أو عبد، إذا كان من المسلمين، وإذا اجتمع الرجال قدم أفضلهم، وإذا اجتمع النساء قدم أفضلهن، ومعي إنه يجب معنى الضرورة جمع الموتى في القبر الواحد على معنى اللحد الواحد، وأما إذا كانت لحود وكان القبر واسعا فاللحد لكل منهم لحد على حياله لم يفتح ذلك عندي في الضرورة وغير الضرورة، لأن اللحد ساتر لكل ميت في موضعه، ويعجبني على كل حال إذا كان القبر فيه لحود لكل ميت لحد، أن يقدم من أولى بالتقديم مما يلي القبلة، وإن لم يقدم وكان كل في لحده لم يبن لي هنالك معنى يوجب بأسا، لأن هذا يخرج معنا قبور عندي، لأنه إنما حكم القبر (16/217)
صفحة 4147
اللحد حيث يكون الميت.
مسألة: قال أبو سعيد -رحمه الله-: إذا لم يمكن قبر القتلى كل واحد في قبر على الانفراد فإنه قيل معي إنه يجوز أن يقبروا جميعا في قبر واحد، في عويرا أو خبة أو طوي، حيث يسع ذلك، ويجوز أن يطرح النساء مع الرجال في ذلك ولو لم يكن عليهم أكفان وكانوا عراة، إذا لم يكن إلا ذلك، قلت له: فإن أمكن القابرين لهم أن يكفنوهم هل يلزمهم ذلك إذا لم يكن للقتلى أموال يشترى لهم أكفان؟ قال: معي إنهم لا يلزمهم ذلك، فإن فعلوا ذلك فهو شيء على معنى الوسيلة، قلت له: فيجوز أن يطرح التراب عليهم من غير أن يجعل عليهم ما يحول بينهم وبين التراب؟ قال: إن أمكن ذلك لم يعجبني أن يطرح عليهم التراب، وإن لم يمكن ذلك فلا بأس عندي أن يطرح كما هو، قلت له: فإن لم يمكن تراب، وكان حصى فيه حجارة وخاف أن يعقرهم إذا وقع عليهم، هل عليهم ولهم أن يطرحوا عليهم الحصى والحجارة يواروهم بذلك، ولو أحدثوا فيهم؟ قال: هكذا يعجبني أن لهم ذلك، وعليهم إذا لم يكن إلا ذلك، قلت له: وليس لهم تركهم إ لا حتى يواروهم، ولو خافوا عليهم أن يحدثوا فيهم؟ قال: هكذا عندي.
مسألة: وإذا كان في قبر عظام ميت، عزلت ناحية وقبر في ذلك القبر ولا بأس، وإن كان القبر واسعا جمعت العظام، والميت فيه ولا بأس.
مسألة: ومن جامع أبي محمد؛ وفي الرواية أن المسلمين كانوا في بدء الإسلام إذا أرادوا دفن الميت وعند وضعهم إياه في قبره لم يجلسوا حتى يدفن، كل ذلك تعظيم منهم للموت حتى مر بهم حبر من أحبار اليهود، وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآهم قياما، فقال: هكذا نفعل بموتانا، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه أن يجلسوا، ولعل ذلك كان منه صلى الله عليه وسلم ليخالفهم في فعلهم، لئلا يتوهموا أنه اقتدى بهم، والله أعلم.
وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قلم أظافيره دفنها، فبلغه أن بعض (16/218)
صفحة 4148
اليهود قال: اقتدى بنا محمد في هذا الفعل، فروي أنه كان بعد ذلك ينثرها يمنة ويسرة، والله أعلم.
ومن الكتاب؛ والإنسان مخير إذا وضع الميت في قبره بين القيام والقعود إن شاء قام وإن شاء قعد، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مر به حبر من أحبار اليهود وهو وأصحابه قيام، وميت من المسلمين يدفن، فقال اليهودي: هكذا نفعل عند دفن موتانا، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالقعود.
مسألة: من الزيادة المضافة؛ وعن رجل دخل بلدا جاهلا بها، ومات له ميت فأراه رجل مقبرة، هل يجوز له أن يحفر فيها قبرا، وهو لا يعلم أمر المقبرة؟ قال: إن لم يكن الرجل ثقة، ولا كان هنالك تعارف يسكن إليه قلبه، وهو بين الأموال لم يجز له حتى يعلم أنها لكل من قبر فيها جائز.
قلت له: فإن كان قرب المسجد لبن فأمر رجل رجلا أن يحمل من ذلك اللبن لحال القبر، وكان عندهم رجل لم يتعرض باللبن إلى أن غطوا به الميت، ثم دفنوا عليه ودفن معهم، ما يلزمه؟ قال: لا يلزمه شيء إلا أن يعلم أنهم مغتصبين، فعليه الإنكار عليهم إن أمكنه، عن نافع بن عبد الله قال: وجد الناس وهم صادرون عن الحج امرأة ميتة بالبيداء يمرون بها فلا يرفعون لها رأسا، حتى مر بها رجل من بني ليث يقال له كليب، فألقى عليها ثوبه، ثم استعان عليها حتى دفنها، فدعى به عمر فقال: أمررت بهذه المرأة الميتة؟ فقال: لا. فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لو حدثني أنك مررت بها لنكلت بك، ثم قام عمر بين ظهراني الناس فغلظ عليهم فيها، ثم قال: لعل الله أن يدخل كليبا الجنة بفعله بها، فبينما كليب يتوضأ عند المسجد جاءه أبو لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فنقر بطنه قال نافع: قتل أبو لؤلؤة مع عمر بن الخطاب سبعة نفر.
مسألة: سألت أبا علي الحسن بن أحمد، وعن الميت إذا وجده قوم وقدروا على دفنه، أعليهم أن يدفنوه؟ قال: نعم، قلت: فإن لم يقدروا على دفنه؟ قال: لا بأس عليهم دفنه. (16/219)
صفحة 4149
مسألة: وإذا دفن قوم رجلا ومعهم دراهم وعليه ثياب، فالذي عندنا أنهم إن تعمدا لذلك فدفنوه، وعليه أكثر من كفنه، ومعه دراهم لزمهم الضمان، والله أعلم.
مسألة: ومما يوجد أنه معروض على بن أبي عبد الله -رحمه الله- وسألته، هل يزاد على القبر غير ترابه، وهل يكره التطيين ووضع الألواح عليها؟ قال: أما القبور فيكره أن يزاد عليها غير ترابها، وأما التطيين والألواح فأمر محدث، فإن طين مخافة أن يدرس أو يخرب ويضع اللوح ليعرفه، فليس عليه بأس، وقال أبو سفيان محبوب بن الرحيل: يكره أن يضع على القبر الآجر والجص والخزف، وكل شيء مسته النار.
مسألة: وسألته عن المرأة الميتة من يضعها في قبرها؟ قال: أولياؤها أحق بها من غيرهم، وإن دخل غيرهم فلا بأس.
مسألة: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القعود على القبور، وقال: «لأن يقعد أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه وما كان من جسده خير له من أن يطأ قبرا ويقعد عليه»، ونهى أن يقعد الرجل عند القبر فيتعرى، وقال: «ذلك من فعل أهل الجاهلية»، وكره أن يكون آخر زاد الميت نارا تتبعه إلى قبره، يعني المجامر، ونهى عن الضريح في القبر وقال: «اللحد لنا والشق لغيرنا»، قال: ورخص في الضريح لأهل الاضطرار، ونهى أن يقبر من مات من المسلمين بين قبور المجوس أو اليهود أو النصارى أو الصابئين، يعني بين ظهراني قبورهم، قالوا: ونهى أن يقبر اليهودي والنصراني والمجوسي والصابئ بين قبور المسلمين، يعني بذلك كله، ظهراني قبورهم، ونهى أن يتخذ قبره مسجدا.
مسألة: وقيل: لكل بيت باب، وباب القبر من ناحية الرجلين.
مسألة: والمرأة الميتة يضعها في قبرها أولياؤها أحق بها من غيرهم، وإن دخل غيرهم فلا بأس. (16/220)
صفحة 4150
مسألة: ويكره أن ينظر في القبر إذا ستر بالثوب، ولا نقض على وضوء من فعل ذلك.
مسألة: والميت إذا حف فلم ينل رأسه التراب، قال أبو إبراهيم: أرجو أن لا بأس أن يوسد حجرا إن شاء الله، وإذا جعل عليه اللبن وسد اللحد ثم وقع هنالك عيب من هدم أو غيره فلا أحسب أنهم يرجعون يخرجونه بعد ذلك.
مسألة: وقال الربيع: والمرجوم والمرجومة، لا يخرجان من حفرتهما، قال: ويجعلان في الحفرة إلى النحر، وأيديهما في الحفرة.
مسألة: وقال محمد بن محبوب: إذا قبر عبد مملوك وامرأة حرة في قبر واحد فالعبد أولى بالتقديم في الصلاة والقبر.
مسألة: و إذا دفن الميت فانهدمت سقيفة من سقائفه، فليس لهم نبشه والتسوية عليه إذا كانوا قد هالوا عليه التراب، إلا أن يكون أول ما ردوا به التراب، وإن نسوا فيه شيئا فليس لهم أن ينبشوه، قال: وقد بلغني أن المغيرة بن شعبة قال: كنت آخر الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه قيل لما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر ألقى خاتمه فيه حيلة منه، ثم قال: خاتمي نسيته، فاستأذنهم فأذنوا له فأخذ خاتمه.
مسألة: وإذا وضع ثلاثة نفر ميتا في قبره، فليس ينبغي لمن دخل القبر أن يخرج منه قبل أن يواري الميت في لحده، فإذا واراه في لحده فليخرج من أراد.
مسألة: وإذا ماتت امرأة فأمر وليها رجلا أجنبيا أن يطأطئها في قبره، فإن كان هذا الأجنبي ثقة مأمونا جاز له أن يطأطئها في قبرها، بأمر وليها، وقد قالوا: لا يؤتمن على المرأة في قبرها إلا الثقة، أو يكون غير الثقة، فيكون معه أحد من أوليائها.
ومن غيره، وعن وائل إنه يجوز للرجل أن يدخل امرأة وليس هو بمحرم لها قبرها، فإن كان معه ذو محرم لها كان الولي عند أسفلها، وكان الآخر عند رأسها. (16/221)
صفحة 4151
ومن غيره، وإن أدخلها في القبر أبوها وأخوها وزوجها فليكن الزوج والابن في الوسط، قال غيره: أحب أن يكون الزوج في الوسط، والأب مما يلي الرأس والابن مما يلي القدم، والأخ مكروه.
مسألة: رجل قال: فلان مات وأنا الذي توليت قبره ودفنه، فلا يحكم بقوله، فإن أراد أولياؤه نبش القبر ليعرفوا أنه مات فيطيب لهم قسم ماله، فأرجو أنه يجوز لهم على هذا المعنى.
مسألة: مما عرض على أبي سعيد محمد بن سعيد أسعده، أخبرنا هاشم بن غيلان أن موسى بن أبي جابر كان يأمر بالميت إذا وضع في لحده أن يكشف الثوب عن عينه اليمين وحدها، حتى تنظر إلى الأرض.
قال أبو سعيد: قد قيل يؤمر أن يخرج الثوب من شق وجهه كله، فالله أعلم، وبعض لا يقول في ذلك شيئا.
مسألة: وحفظت عن أبي سعيد في الثوب يمد على القبر في حين إدخال الميت في لحده، إنه يؤمر أن لا يخرج الثوب حتى يطين على الميت بالطين على اللبن.
قال غيره: وقد عرفت أن الثوب يمد القبر ليلا كان أو نهارا، لأن ذلك سنة.
مسألة: وإذا وضع الميت في لحده حل عنه عقد اللفائف، أخبرنا هاشم بن غيلان أن موسى بن أبي جابر يأمر بالميت إذا وضع في لحده أن يكشف الثوب عن عينه اليمنى وحدها حتى ينظر إلى الأرض.
قال غيره: وقال من قال: يرخى الثوب من على وجهه حتى يظهر خده الأيمن، ويوضع في الأرض خده الأيمن، وقال من قال: يرخى ولا يبرز خده ويدع بحاله إلا أنه يرخي الحزائم.
مسألة: وقيل: من وضع الميت في قبره فليقل: بسم الله على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن غيره قال: ويوجد في الآثار أنه يقول: بسم الله والحمد لله وعلى ملة (16/222)
صفحة 4152
رسول الله، قول الربيع، وقيل: لكل بيت باب وباب القبر من ناحية الرجلين.
قال محمد بن المسبح: يستحب أن يكون دخوله القبر وخروجه منه مما يلي الرجلين، فإن دخل من عند الرأس خرج من عند الرجلين.
مسألة: فهل يجوز أن يصب على القبر الحصى، أو يكتب في اللوح؟ قال: لا لم ندرك المسلمون يفعلون غير أنه كان يكتب في اللوح اسم الشهيد، فيجعل على قبره، وإن كان رجل وامرأة فلا بأس، إذا لم يكن إلا ذلك، ويكون الرجل ناحية القبلة، وإن لم يحضر ماء يصب على القبر فلا بأس، وإن حضر ولو قدر صاع من ماء رش ذلك حيث بلغ، وإن أمكن الماء صب عليه كله.
وقال محمد بن المسبح: أخبرني راشد بن جابر عن والده وعن محمد بن محبوب أنه يجزي القبر ولو تور من ماء يرش عليه.
مسألة: ويكره أن ينظر في القبر إذا ستر بالثوب، ولا نقض على وضوء من فعل ذلك.
مسألة: وعن امرأة ماتت فأدخلها في القبر أبوها وزوجها وأخوها، فليكن الزوج والابن في الوسط.
قال غيره: أحب أن يكون الزوج في الوسط والأب مما يلي الرأس، والابن مما يلي القدم أو الأخ. (16/223)
صفحة 4153
[صفحة بيضاء] (16/224)
صفحة 4154
الباب السابع والثلاثون
في القبر
ويكره أن يذبح على القبر، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا عقر في الإسلام» لأن العرب كانت تنحر على قبور موتاها.
مسألة: ويكره القعود على القبور والمشي عليها والتجصيص لها والبناء عليها وإظهار العمارة فيها، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير القبور ما درس».
مسألة: وقد كان بعض الفقهاء يكره المشي بين القبور بالنعل، لرواية ذكروها عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمر أصحابه بخلع النعال بين القبور.
مسألة: وقيل رفع قبر النبي صلى الله عليه وسلم قدر شبر، وروت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
مسألة: ويكره أن يجصص القبر، أو يتخذ إلى جنبه مسجدا يصلى فيه، أو يبنى على القبر، مما يرفع به قدر ما يعلم أنه قبر، فيتقى أن يمشى عليه، وأنه يكره أن يصلى بين ظهراني القبور، وهي بين يديه.
مسألة: وسمعته يقول: لا ينتفع بحجر القبر ولا بشجره.
مسألة: وقلت: إن عمل سقاء للمقابر، أيجوز لأحد أن يشرب من ذلك السقاء؟ فإذا جعله واستثنى للمقابر، فلا يجوز لأحد أن يشرب منه. قلت: حديد جعل لحفر المقابر، أيجوز لأحد أن يحفر به بئرا، أو يقطع به شجرا؟ فلا يجوز (16/225)
صفحة 4155
ذلك، إلا ما جعل له من حفر المقابر.
مسألة: وقيل عن عمر أنه كان يقول: إذا أتى المقابر ما أقرب غيبتكم وأوحش دياركم، يا أهل المقابر نسيتم الجيران والأحبة والإخوان، يا أهل المقابر استبدل بكم الجيران جيرانا، واستبدل بكم الإخوان إخوانا، يا أهل المقابر فإن الدور قد سكنت، وأما العيال فقد نسيت وأما الأموال فقد قسمت، وأما الأزواج فقد تزوجت، فيا ليت شعري ما عندكم، ثم قال لأصحابه: أما إنهم لو أذن لهم في الكلام لقالوا ما قدمنا وجدنا، وما أنفقا ربحنا، وما خلفنا خسرنا، يا أهل المقابر كيف وجدتم مرارة الموت وثقل الذنوب ثم يبكي.
مسألة: وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي قال: «أحسنوا الكفن ولا تؤذوا موتاكم بالعويل، ولا بالتزكية ولا بتأخير الوصية، وعجلوا قضاء دينه، وإذا حفرتم قبره أعمقوه ووسعوه واعزلوه عن جيران السوء، ولا تجصصوا القبور ولا تبنوها ولا تخطوا ولا تمشوا عليها، ولا تتخذوا عليها المساجد ولا يصلي أحدكم والقبر أمامه» وأمر بتسوية القبور.
مسألة: وكان بعضهم يكره أن يزيد في القبر أكثر مما أخرج من حفرته.
مسألة: وقيل: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى خلل في قبر من لبن أو غيره، فأمر بسده، فقيل يا رسول الله أينفع الميت؟ قال: «لا، ولكن يطيب بنفس الحي»، ومن جامع أبي محمد؛ ويروى أن عبد الله بن عمر مر بقبر قد بني عليه بناء، فسأل عنه فقيل له: هذا قبر عبد الرحمن بن أبي بكر أحببت أخته عائشة أن تجعل عليه ظلا، قال: فقولوا لها إنما يظله عمله، فلما بلغها ذلك قالت: صدق عبد الله.
مسألة: من الزيادة المضافة؛ قال أبو سفيان: سألت والدتي الربيع عن زيارة القبور فقال: إن كنت تذهبين فتأسين بالموت وتذكرين حال الموت وفظاعته وتذكرين هول المطلع، فلا بأس عليك، وإن كنت إنما تذهبين لتندبين وتبكين فلا ينبغي لك ذلك. (16/226)
صفحة 4156
الباب الثامن والثلاثون
في زيارة القبور
وعن رجل مات له قريب فعظمت عليه مصيبته في ذلك، هل يجوز له أن يأتي قبره أحيانا، ويدعو الله ويتضرع إليه في الدعاء والمسألة، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته وبركاته، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ولنفسه ولا يتكلم بالإثم، ولا يرفع صوته بالبكاء إلا في نفسه، هل عليه إثم في ذلك؟ قال: لا أرى عليه إثما في ذلك إن شاء الله إذا كان ذهابه إلى القبر لما ذكرت، وإنما كره زيارة القبور أن يقول هجرا، وإنما قال أبو الحسن: لا تحبون أن يذهب متعمدا للزيارة إلا أن يكون مع جنازة، أو يكون الممر عليه، فلا بأس أن يدعو ويصنع ما ذكرت.
مسألة: وسألت عن زيارة القبور؟ قال: من زارها للدعاء لهم والاستغفار، والترحم عليهم إن كانوا من أهل ذلك، وجدت منهم موعظة فلا بأس.
مسألة: نقول: إذا دخلت على القبور: السلام على المؤمنين والمؤمنات من أهل القبور، أنتم لنا سلف ونحن بكم لاحقون، بارك الله لنا ولكم في الموت وما بعد الموت، اللهم رب الأجسام البالية والعظام النخرة، التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، اللهم أدخل عليها روحا منك وسلاما مني.
مسألة: ويروى عن الحسن بن أبي الحسن البصري إنه من قال حين يمضي إلى المقابر، اللهم رب هذه الأجسام البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا، وهي بك مؤمنة، ادخل عليها منك روحا ومنا سلاما، كان له من الأجر بعدد ما خلق من ولد آدم إلى أن تقوم الساعة. (16/227)
صفحة 4157
[صفحة بيضاء] (16/228)
صفحة 4158
الباب التاسع والثلاثون
في القبر الجاهلي
ومن أخرج حجارة من قبر جاهلي، واخرج منه ترابا وغيرها من الآنية فمعي، إنه لا يجوز أن ينبش القبر جاهليا كان أو إسلاميا، فإذا فعل ذلك، وصح أنه جاهلي، فلا بأس مما استخرج منه وأخذه، ويعجبني له التوبة من نبش القبور، وإذا لم يجد فيه علامات الميت، لم يكن عليه دفنه إذا كان جاهليا، وإذا أشكل عليه هذا القبر إسلامي أو جاهلي، فحكمه في أيام الإسلام إسلامي، حتى يصح أنه جاهلي بما لا يشك فيه بحكم أو طمئنانة، وإذا كان إسلاميا كان عليه دفنه، وما خرج منه، كان بمنزلة اللقطة. (16/229)
صفحة 4159
[صفحة بيضاء] (16/230)
صفحة 4160
الباب الأربعون
في عذاب القبر ومنكر ونكير
في قول الله تعالى: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (إبراهيم:27)، يثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة في القبر، هذا قول قتادة، وقال الضحاك في الحياة الدنيا بلا إله إلا الله، وفي الآخرة إذا سئل في القبر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في جنازة فانتهى إلى القبر فجلس وجلس القوم إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن إذا حمل على سريره إلى قبره فأدخل القبر أتاه ملكان فقالا له من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول الله ربي وديني الإسلام ونبي محمد، فيقولان له: صدقت هكذا كنت في الدنيا، ثم يفتحان له بابا إلى النار، فإذا نظر إليها وجد ريحها قالا له: هذه النار التي لو كنت كذبت بها أدخلت هذه النار ولكنك صدقت بها وعملت لها، قال: ثم يفتح له باب الجنة حتى إذا عرف ما فيها وعرف أنها الجنة قيل له: مصيرك إلى هذه، فيقول: دعوني أبشر أهلي، فيقال له كما أنت، ثم يضرب على أذنيه فيكون كالنائم حتى يأتيه أحب أهل إليه كنومة العروس ويفتح له في قبره مد بصره ويأتيه من روح الجنة وريحها، وأما الكافر إذا دخل لحده أجلسه منكر ونكير ثم يظهر له منهما الغلظة فينتهي أنه ويقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان له: لا دريت هكذا كنت في الدنيا ثم يضربانه بمرزبة من حديد، لو أصابت جبلا لانقض ما أصاب فيه فيصيح عند ذلك صيحة لا يبقى منها شيء مما خلق الله تعالى إلا سمعها إلا الثقلين الإنس والجن، ولا يسمع صوته شيء إلا لعنه، فذلك قوله تعالى: (يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (البقرة:159)، ثم يفتح له باب إلى الجنة حتى يعلم (16/231)
صفحة 4161
أنها الجنة ويرى ما فيها فيقال له: هذه الجنة التي لو صدقت بها كان مصيرك إليها، ثم يفتح له إلى النار فيرى مقعده منها ويدخل عليه سمومها لا يغلق ويقال له: نم نومة اللديغ لا يجد طعما للنوم ثم يطبق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، فذلك قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة)، وفي الآخرة يعني في القبر إذا سئل عنها فمن ثبته الله في الدنيا بلا إله إلا الله في عمل صالح فمات عليه ثبته الله في القبر، إذا سئل عنها ويضل الله الظالمين، من صرف الكافر عن لا إله إلا الله فلا يقولها.
وكان جابر بن زيد -رحمه الله- وغيره يذكرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا وضع الميت في قبره وسوي فإنه يسمع نعال القوم حين ينصرفون عنه لأنه إذا حمل من بيته فروحه مع الملائكة، فإذا وضع في قبره يأتيه ملكان أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيقعدانه فيقولان له يا هذا: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فإن كان مؤمنا قال: الله ربي والإسلام ديني، ومحمد نبي، فيقال له: على هذا حييت وعليه مت وعليه تبعث، فانظر عن شمالك فيفتح له باب في قبره إلى النار فيقال له: هذا الذي كان منزلك لو عصيت الله فأما إذا أعطته فانظر عن يمينك فيفتح له باب من قبره إلى الجنة فيدخل عليه برد منزله ولذته فيريد أن ينهض فيقال له: لم يأت وقت نهوضك بعد، نم سعيد نم نومة العروس فما شيء عليه أحب إليه من قيام الساعة حتى يصير إلى أهل ومال وإلى جنة النعيم، وأما إذا كان كافرا أقعداه فقالا له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان له ما تقول في هذا الرجل؟ يعني محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: كنت أقول كما يقول الناس، فيقال له: لا دريت ولا كنت على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث، انظر عن يمينك فيفتح له باب من قبره إلى الجنة فيقولان له: هذا كان منزلك لو أطعت الله، فإذا قد عصيته فانظر عن شمالك فيفتح له باب من قبره إلى جهنم يدخل عليه غم من منزله وأذاه، فما شيء أبغض إليه من قيام الساعة ثم يصير إلى العذاب، فالناس في المحنة رجلان رجل يقول الله ربي، ورجل يقول لا أدري، فمن قال أنا أدري فهو مؤمن ومن قال لا أدري فهو كافر». (16/232)
صفحة 4162
قال أبو عبد الله: روي عن عائشة أنها كانت تقول: ويل لأهل معصية الله من أهل القبور، كيف تتخلل قبورهم حيات وعقارب كالبغال الحمش، ويوكل بالشقي منهم حيتان حية عند رأسه وحية عند رجليه ويفترسانه حتى يلتقيان في الوسط ثم يعادلهما ويعادان له البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، وقيل: عذاب القبر من البول والغيبة والنميمة.
مسألة: من الزيادة المضافة؛ وقد قيل: إن المؤمن يكون قبره روضة من رياض الجنة، وقبر الكافر حفرة من حفر النار، والله أعلم.
مسألة: قال أبو عبد الله: قيل إنه إذا أدخل الميت في قبره أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لهما منكر ونكير، يخطان الأرض بأنيابهما ويشقانها بسعانهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، في يدل كل واحد منهما مرزبة من نار، فيأتيان القبر فيضربانه بمرزبتهما فيصدع القبر، فيأتيان إليه فيرفعانه فيمسك كل واحد منهما بعضه، ويرد الله تعالى فيه الروح فيهزانه هزا شديدا، ويقولان له: من إلهك، فإن كان مؤمنا لقاه الله حجته، بما اتبع رضاه في الدنيا، فقول: الله إلهي، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: الإسلام ديني، قيل فيفتح له بابا من أبواب النار فينظر إلى أغلالها وأنكالها وسلاسلها، وقطرانها وما أعد الله لأهلها فيها، فيقال له: انظر ما صرف الله عنك بما أطعته في الدنيا، ثم يفتح له بابا من أبواب الجنة فينظر إلى أشجارها وأنهارها وثمارها وما أعد الله لمن أطاعه فيها، فيقال له: انظر إلى منزلك فيها، ثم يقول له الملكان: نم نومة العروس إلى يوم القيامة.
قال أبو محمد: كان زياد بن مثوبة يقول: في هذا الحديث يقولان له أرقد رقد ة العروس، قال أبو عبد الله: إن كان كافرا فإذا سألاه من إلهك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان: من نبيك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان له؟ من إمامك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان: لا دريت ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فينظر إلى أشجارها وقصورها وأنهارها وما أعد الله لمن أطاعه فيها، فيقولان له: انظر من حرمته ماله، ارتكبت من معصية الله، ثم يفتح له باب من (16/233)
صفحة 4163
أبواب النار فينظر إلى سلاسلها وأنكالها وما أعد الله لمن عصاه فيها ويقولان له: انظر إلى مقعدك منها ويضربانه الملكان بمرزبتهما حتى يدخل بطنه في بدنه ويقولان له: نم نومة المثمولين إلى يوم القيامة، ويصيح صيحة يسمعها جميع من في الأرض إلا الثقلين، وقال: إن المؤمنين تجد أرواحهم لذة النعيم، وهم في قبورهم قبل دخولهم الجنة.
قال: وأرواح في سجين، وقيل: إن سجين واد من أودية النار، وقال من قال: إنه الوادي الذي في حضرموت، يسمى برهوت، وهو واد وحش مظلم كما شاء الله خلقه، عائشة -رضي الله عنها- قالت: دخلت علينا اليهودية فوهبت لنا طيبا فقالت: أجارك الله من عذاب القبر، قالت: فوقع في نفسي من ذلك، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله أللقبر عذاب؟ قال: «نعم إنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم»، وعنه عليه السلام: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وفتنة الدجال».
ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات ليلة الجمعة وقاه الله فتنة القبر»، وعن ابن عباس أن العذاب يرفع عن أصحاب ما بين النفختين، فإذا نفخ في الصور النفخة الآخرة قاموا فحسبوا أنهم كانوا نياما فذلك قوله تعالى: (يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) قالت لهم الملائكة: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) (يس:52).
مسألة: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان يتعوذ بكلمات منها: «أعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر».
وقد وردت الأخبار بصحة عذاب القبر عن الرسول عليه السلام، وإن جهلنا كيف ذلك، وبالله التوفيق، والله قادر على عذاب القبر إن شاء عذب، وقد يوجد في الدعاء أن يسأل الله ويستعاذ به من الكفر والفقر وعذاب القبر، وموقف الخزي في الدنيا والآخرة، وقد اختلف الناس في عذاب القبر اختلافا كثيرا، وقولنا قول المسلمين، ولا يعجز الله شيء من ذلك.
وأما منكر ونكير، فقد يوجد في الآثار عن ابن عباس وجابر بن زيد (16/234)
صفحة 4164
وموسى بن أبي جابر، ولم يصح لاختلاف الأخبار فيه، والله أعلم بذلك، وعذاب القبر ففيه أيضا الاختلاف، فمنهم من قال: إن المنافق يعذب في القبر، وقال آخرون: في البرزخ، ولا عذاب عليهم إلى يوم القيامة، وقال قوم: إن عذابهم في القبر تملى عظامهم في القبر أفزاعا وأهوالا، كما يرى النائم في منامه، قال أبو الحسن: وأحب قول من قال: إن عذابهم في الآخرة بالنار، كما قال الله عز وجل: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (الشورى:7)، ويقال: المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة، فيسلموا عليه ومشوا مع جنازته وصلوا عليه مع الناس، والله أعلم.
قال أبو محمد: ونحن نقول إنه جاز في العقول وصح في النظر بالكتاب وبالخبر أن الله عز وجل يبعث من في القبور بعد أن تكون الأجساد قد بليت والعظام قد رمت جاز أيضا في المعقول، وصح في النظر وبالكتاب وبالخبر أنهم يعذبون بعد الممات في البرزخ، فأما الكتاب فإن الله عز وجل يقول: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً) الآية (غافر:46)، فهم يعرضون بعد مماتهم على النار غدوا وعشيا قبل يوم القيامة، وبعد القيامة يدخلون أشد العذاب، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل إذا وضع في قبره وكان يتلوا القرآن في حياته دخل القرآن معه في قبره، فيؤتى عن يمينه فيجادل عنه القرآن، ثم يؤتى من قبل رأسه فيجادل عنه، ثم يؤتى عن يساره فيجادل عنه، ثم يؤتى من قبل رجليه فيجادل عنه، فلا يزال يجادل عنه إلى أن يصرف عنه العذاب.
وعند اليهود أن عذاب القبر لابد منه للصالح والطالح، فأما المؤمن فثلاثة أيام، وأما الكافر فسبعة أيام. (16/235)
صفحة 4165
[صفحة بيضاء] (16/236)
صفحة 4166
الباب الحادي والأربعون
في البكاء والصراخ على الميت
وجائز البكاء على الميت، لا من طريق النوح والقول المحرم، وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم)، وروي أنه قيل يا رسول الله أتبكي وتنهانا عن البكاء؟ فقال: «إنما أبكي رحمة له إنما نهيت عن صوتين أحمقين وآخرين خدش الخدود، وشق الجيوب، ورنة الشيطان لعنه الله»، وعن أبي يزيد المدني قال: اجتمع ابن عمر وابن عباس في جنازة رافع بن خديج فسمع صوت باكية، فقال ابن عمر: إن صاحبكم شيخ كبير وإنه لا طاقة له بعذاب الله، وإن الميت ليؤذى بقول هذا الحي، فقال ابن عباس: رحمك الله يا أبا عبد الرحمن ما إنك وأباك لتقولان ذلك ويا عليكما بقول الله: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) (النجم:43 - 44)، وأنه (الَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (النجم:38)، الله أجل وأعدل من أن يؤاخذ هذا الميت بقول هذا الحي، قيل له: عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه، ويقال: إن معنا ذلك إن صح أنهم يوصون بالبكاء عليه والنياحة والندبة فعذبوا بذلك أنه لا ذنب، وقد قال عليه السلام: «من سن سنة فعمل بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها»، وفي سير الجاهلية ما يدل على أنهم كانوا يوصون بذلك.
إذا مت فانعيني بما أنا أهله
وشقي على الجيب يا ابنة معبد
وقال آخر:
إذا مت فاعتادي القبور وسلمي
على الرمس سقيت السحاب الغواديا (16/237)
صفحة 4167
وأما الخبر الذي رواه أهل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عمر وعبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الميت يعذب ببكاء أهله» فهذا خبر غير موافق لكتاب الله، ولا توجب صحته العقول، ولم يرد ورود الأخبار التي ينقطع العذر بصحتها، قال ا لله تعالى: (ولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وقال جل ذكره: (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ) (العنكبوت:40)، فوجه التأويل فيه والله أعلم أنه ما أمر به الميت من الفعل المحرم عليه، فهذا يعذب بذلك البكاء المنهي عنه من ا لفعل الذي لا يجوز، ووجه آخر أن النساء كن يبكين موتاهن بعد مجيء الإسلام، بما كن يبكين موتاهن في الجاهلية من المدح لهم بذلك، من الأفعال التي كانوا يأتونها ويتشرفون بها عندهم، فقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم مضى بامرأة وهي تبكي على ميت، وتقول أنت الذي أغرت على بني فلان، وعلى ديارهم فقتلت أبطالهم، وكذا وكذا من الأفعال القبيحة في الإسلام، فقال عليه السلام: لا تبكين بهذا، فإن الميت يعذب بهذا البكاء الذي هو عندك مدح والله أعلم، والبكاء على الميت على وجوه، أحدها أن يقع البكاء بالغلبة واختناق العبرة الذي لا يطيق من ابتلى به على دفعه، كالضحك، قال غيره -لعله- أراد الضحك في الصلاة الذي لا يريده المصلي ولا يقدر على دفعه، فالباكي على هذه الصفة لا إثم عليه، ومنه ما يكون الباكي لغم لحقه وحزن وضيق صدر، فيكون فرجة في بكائه وجلاء قلبه واستراحة بدنه، وخروج الكرب من صدره، فهذا على هذه الصفة غير حرج ولا إثم، ومنه ما يكون بكاؤه ويدعو إلى التذلل والخضوع لله عز وجل والتذكر للذنوب على شيء في ماضي أيامه وبرغبة في المسارعة لفعل الخيرات وإتيان الصالحات ويزهده في إتيان المعاصي، ويذكره نزول الموت به وحلوله في قبره، فالباكي على هذه الصفة يكون بكاؤه من أفضل طاعة لربه، ويقربه من خالقه، ويجتبيه إليه ويرفع منزلته لربه، وعندها ينال العبد رضوانه ومغفرته لقول الله عز وجل: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) (البقرة:156) إلى قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:157)، فمن امتحن صبره بمصيبة فسلم أمره لله وصبر لقضاء الله وقدره، وفوض أمره إلى الله رجاء لثوابه ورغبة فيما عنده ومسارعة إلى ما أعد الله لأهل طاعته، فهذا البكاء من أفضل ما ندب إليه، (16/238)
صفحة 4168
وأفضل الصبر عند أول المصيبة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصبر عند الصدمة الأولى» يعني والله أعلم، أول المصيبة، وأما أن يكون بكاؤه مستعظما لمصيبته، منكرا لما نزل به كارها لذلك على نية الإنكار، يرى أنه وردها بما استحق الامتحان بمثله، غير راض به ولا مسلم لقاء خالقه، فبكاؤه هذا من أعظم معاصيه، فيستحق به السخط من ربه، لأنه غير متبع لبكائه، ولا مقتد بسنة نبيه).
(فصل)
وقيل: إنه ما من شيء إلا وهو يبكي على المؤمن إذا مات، تبكي عليه دابته وطريقه ومدخله ومخرجه، وتبكي عليه السماء والأرض، وتقول مالي لا أبكي على من كان يضع جبهته على بقاعي، ويكثر ذكر الله في فجاجي فعزة ربي ما في بطني ولا على ظهري أحب إلي منك، ولا إصرابك ولا يسيغن عليك جهدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما مات امرئ بأرض غربة فغابت عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض، وإنما لا يبكيان على كافر»، ثم قرأ: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ) الآية (الدخان:29)، عن علي وعطاء قالا: بكاء السماء حمرة أطرافها، قال أبو هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فيها نساء يبكين فانتهرهن عمر، فقال النبي عليه السلام: «إن النفس مصابة والعين دامعة، والعهد قريب»، قيل: لما دفنت رقية بكت فاطمة عليها السلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان باليد واللسان فمن الشيطان وما كان بالقلب والعين فمن الرحمة»، ومن جامع أبي محمد؛ وجائز البكاء على الميت إلا من طريق النوح والقول المحرم، وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم)، وروى جابر بن عبد الله الأنصاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ابنه وهو يجود بنفسه فوضعه في حجره وبكى»، فقال عبد الرحمن: أظنه ابن عوف يا رسول الله أتبكي وتنهانا عن البكاء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أبكي رحمة له وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين خدش الخدود وشق الجيوب ورنة الشيطان»، وفي رواية أخرى عنه (16/239)
صفحة 4169
صلى الله عليه وسلم في مثل هذا المعنى أنه قال: «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نغمة وصوت مرنة عند مصيبة»، وأما الخبر الذي رواه أهل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عمر أو عبد الله بن عمران أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الميت يعذب ببكاء أهله»، فهذا خبر غير موافق لكتاب الله، ولا توجب صحته العقول، ولم يرد ورود الأخبار التي ينقطع العذر بصحتها، قال الله تبارك وتعالى: (ولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وقال جل ذكره: (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِه)، فإن كان الخبر صحيحا فوجه التأويل فيه والله أعلم أنه ما أمر به الميت من الفعل المحرم، فهو يعذب بذلك البكاء المنهي عنه، والفعل الذي لا يجوز، ووجه آخر أن النساء كن يبكين موتاهن بعد مجيء الإسلام، بما كن يبكين به في الجاهلية من المدح لهم بذلك، من الأفعال التي كانوا يأتونها ويشركون بها عندهم. فقيل ن النبي صلى الله عليه وسلم: مضى بامرأة وهي تبكي على ميت، وتقول أنت الذي أغرت على بني فلان وعلى ديارهم وقتلت أبطالهم، وكذا وكذا من الأفعال القبيحة في الإسلام، فقال عليه السلام: «لا تبك بهذا فإن الميت يعذب بهذا البكاء الذي هو عندك مدح» والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة؛ ما تقول فيمن يخرج من منزله يستمع النواح في المآتم إلا أن استماعه لغير معنى ما يكون حاله، قال: معي إن كان له نية يخرج من ضياع نيته، فلا إثم عليه ولا تقصير، وإن كان نيته إلى استماع ما ليس هو في الأصل من الكذب ولا من المعاصي، ولو غاب عنه ذلك فلا إثم عليه، قيل له: وكذلك الصياح على الموتى؟ قال: كل شيء استمعه يريد به التقرب إلى أمور الآخرة، ويذكرها مما لا يكون من الماضي أو ينكرها، فلا يقبل، فإن ذلك من أسباب ما يرجى له قيد الثواب ولا إثم عليه، والله أعلم. (16/240)
صفحة 4170
قال المحقق
تم الكتاب تكاملت
وعافا الإله بمنه
حال السرور لصاحبه
وبفضله عن كاتبه
ثم الكتاب وتم الفراغ من نسخه في يوم الخميس/ التاسع والعشرين من شهر ذي الحجة 1403هـ الموافق السادس من أكتوبر 1983م.
وقد استعرضناه على نسختين الأولى بخط حمد بن محمد بن سليمان الريامي فرغ منها عام 1367هـ.
والنسخة الثانية بخط عامر بن راشد بن سالم القراوشي فرغ منها عام 1182هـ وكتبه سالم بن حمد بن سليمان الحارثي. (16/241)
صفحة 4171
[صفحة بيضاء] (16/242)
صفحة 4172
ترتيب الأبواب
الباب الأول:
في الموت 5
الباب الثاني:
في غسل الموتى والنفساء والجنب 11
الباب الثالث:
في غسل المحرم ودفنه وتكفينه 17
الباب الرابع:
في المحرم إذا مات 19
الباب الخامس:
فيما يعاد منه غسل الميت 21
الباب السادس:
فيمن يجب عليه غسل الموتى ومن لا يجب عليه 25
الباب السابع:
في غسل الرجل المرأة والمرأة الرجل 31
الباب الثامن:
في غسل الشهداء ودفنهم وتكفينهم وما أشبه ذلك 39 (16/243)
صفحة 4173
الباب التاسع:
في غسل الصبي 45
الباب العاشر:
في غسل الصبي وفي السقط 47
الباب الحادي عشر:
في غسل أصحاب العلل 51
الباب الثاني عشر:
في الرجل يموت مع رفقائه في السفر في بر أو بحر وكذلك إذا عدم الماء
عن أبي الحواري 53
الباب الثالث عشر:
في موتى المشركين -1 - 57
الباب الرابع عشر:
في موتى المشركين -2 - 59
الباب الخامس عشر:
في غسل الخنثى وتكفينه وما أشبه ذلك 63
الباب السادس عشر:
في الكفن 65
الباب السابع عشر:
في تكفين النساء والصبيان 71
الباب الثامن عشر:
في الكفن 79 (16/244)
صفحة 4174
الباب التاسع عشر:
في الحنوط 91
الباب العشرون:
في حمل الميت وتشييعه والسرير والكلام خلف الجنائز والضحك
والاحتباء وما أشبه ذلك -1 - 95
الباب الحادي والعشرون:
في حمل الميت وتشييعه -2 - 99
الباب الثاني والعشرون:
في تشييع الجنائز 109
الباب الثالث والعشرون:
في تقديم الجنائز إذا اتفقت عند الصلاة 115
الباب الرابع والعشرون:
فيمن خرج على الجنازة وهو متوضئ فانتقض وضوؤه أو كان ثوبه
طاهرا فتنجس 121
الباب الخامس والعشرون:
في صفة الصلاة على الميت والنية 129
الباب السادس والعشرون:
في صفة الصلاة على الميت والدعاء له 131
الباب السابع والعشرون:
في ذكر عدد تكبير الصلاة وموقف الإمام من الرجل والمرأة 143 (16/245)
صفحة 4175
الباب الثامن والعشرون:
في دفن الميت قبل الصلاة عليه وفي الصلاة على القبر 157
الباب التاسع والعشرون:
في الصلاة على الميت ومن أولى بها 163
الباب الثلاثون:
من أولى بالصلاة على الجنازة 165
الباب الحادي والثلاثون:
من سبقه الإمام في صلاة الجنازة بشيء من الصلاة 173
الباب الثاني والثلاثون:
في الصلاة على القتلى 177
الباب الثالث والثلاثون:
من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه 181
الباب الرابع والثلاثون:
في صفة غسل الموتى وتيممهم 195
الباب الخامس والثلاثون:
في القبور ووضع الميت فيه وما أشبه ذلك 205
الباب السادس والثلاثون:
في القبر ودفن الميت في بيته 211
الباب السابع والثلاثون:
في القبور 225 (16/246)
صفحة 4176
الباب الثامن والثلاثون:
في زيارة القبور 227
الباب التاسع والثلاثون:
في القبر الجاهلي 229
الباب الأربعون:
في عذاب القبر ومنكر ونكير 231
الباب الحادي والأربعون:
في البكاء والصراخ على الميت 237 (16/247)
صفحة 4177
كلمة المحقق
بسم الله الرحمن ا لرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الأمين وعلى آله وصحبه أجمين وبعد ... فقد انتهى بعون الله وحسن توفيقه تحقيق وتصحيح الجزء السادس عشر من كتاب بيان الشرع، ويبحث هذا الجزء أحكام الميت وصفة غسل وتكفينه والصلاة عليه وتشييعه ودفنه وما يلزم من حنوط وفي صفة القبر وكيفية الدفن والتعزية وفي المواعظ بذكرى الموت ومعاني ذلك والحمد لله رب العالمين.
كتبه سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
5 سنة 1404هـ
20/ 12/1982م. (16/248)
صفحة 4178
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء السابع عشر
1405هـ/1985م (17/1)
صفحة 4179
[صفحة بيضاء] (17/2)
صفحة 4180
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بيانُ الشَّرع
تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي
الجزء السابع عشر
1405هـ/1985م (17/3)
صفحة 4181
[صفحة بيضاء] (17/4)
صفحة 4182
الباب الأول
في الزكاة من كتاب أبي جابر
قال الله تبارك وتعالى: (أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) (البقرة، 43)، وأوجب لأهلها جنته ورضاه، وأنه من الله، وفكرة ورحمة خص بها أهل البصر، لعبد لم يكن شيئا فكونه الله خلقا حيا، ثم أعطاه من رزقه جزيلا وفضله على كثير من خلقه تفضيلا، ثم اختبره بالزكاة فاستقرضه جزءا من أجزاءه كثيرة مما أعطاه، فالشقي من كفر، وتولى على الله إذا أمر، ولم يستح من الله حين اختبره، فلا دنيا له ولا آخرة، ولا له إلا النار المسعرة، وقل عن ابن عباس في قول الله تبارك وتعالى: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً) (البقرة، 245). قال ألف ألف حسنة وزيادة.
وقال الله تبارك وتعالى: (وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم، 39). قال: يعني يضاعف بالواحد من عشرة إلى سبعمائة فصاعدا، والصدقة فكاك من النار، وغسل من الخطايا.
قيل: وكان بعضهم يقول إذا جاء المسكين قال: جاء الغسال. وقيل: مثل الصدقة مثل الرجل طلب بدم فأخذه أولياء المقتول، فلم يزل يعطي من قليل وكثير حتى عتق. وقال الله تعالى: (وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ (17/5)
صفحة 4183
الكتاب: بيان الشرع
المؤلف: محمد بن إبراهيم الكندي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر للأجزاء 1 - 17: 1402 - 1405هـ / 1982 - 1985م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة، 195)، الله يقول لا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا.
وقال بعض: ولا تمسكوا عن الجهاد فتهلكوا.
ومن غيره: وقال أبو عبد الله –رحمه الله-: هو العبد يرتكب الذنب الصغير والكبير فيتمادى في المعصية، ولا يجعل التوبة فيوقعه ذلك فيما هو أعظم مما ارتكب شبه الإياس والقنوط، فنهى عن ذلك.
(رجع). وقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة، 34). قيل: من كان له مال فوق الأرض أو في باطنها تجب فيه الزكاة، فلم يؤد زكاته، ولا حق الله فيه فهو الكنز، وقوله: (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل، 5 - 7) قيل هو أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- اشترى تسعة نفر من المسلمين، كان كفار مكة يعذبونهم ليردوهم إلى الشرك. منهم بلال بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اشتراهم أبو بكر وأعتقهم، وقيل الذي بخل واستغنى وكذب بالحسنى، أبو سفيان بن حرب بخل بالمال في حق الله، واستغنى عن الله وكذب، أبعده الله، وفي -نسخة- بعّده الله. وقال الله تعالى: (وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ) (البقرة، 267) يعني في الصدقة، ولا تغمضوا إلى الردي. وقال: (وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ) (البقرة، 267). يعني لو كان الحق لأحدكم على آخر لم يأخذه إلا أن يحمل على نفسه، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما حضره الموت قال: «الصلاة والزكاة وما ملكت اليمين الصلاة والزكاة وما ملكت اليمين»، ثم قال: «يا ذا العرش هل بلغت» فلم يتكلم بعدها حتى خرج من الدنيا، وقد سمى الله أهل الصدقات، فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا (17/6)
صفحة 4184
وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة، 60). ففي التفسير أن الفقراء فقراء المسلمين الذين لا يسألون الناس، والمساكين الذين يسألون الناس، والعاملين عليها الذين يجبون الصدقات، والمؤلفة قلوبهم قيل اثنا عشر رجلا من قادة العرب دخلوا في الإسلام كرها، منهم أبو سفيان بن حرب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من الصدقة ليتألفهم على الإسلام، وقد انقطع حق المؤلفة اليوم، إلا أن ينزل قوم بمنزلة أولئك فإذا أسلموا أعطوا من الصدقة ليتألفوا على ذلك، ويكونوا دعاة إلى الإسلام، وفي الرقاب وهم المكاتبون، والغارمون وهو الرجل يلزمه غرم في غير فساد.
وقال غيره: في غير الديات وما كان من غير الديات فهو من الغارمين، إذا لزمه غير ذلك، وفي سبيل الله يعني الجهاد، وابن السبيل وهو المسافر، وفي –نسخة- وهو المسافر غني أو فقير، فهذه ثمانية أسهم، فذهب سهم المؤلفة، والمساكين وهو الفقراء لهم سهم واحد.
ومن غيره: ويوجد أيضا هم الفقراء الذين ينبت لحمهم على المسكنة والفقر.
(رجع)
وبقي ستة أسهم، فإن كان إمام عدل، فالرأي فيها إليه يعطي العاملين عليها ما يستحقون عنده من ذلك، وتقسم صدقة كل موضع، وكل قرية على فقراء تلك القرية، وقد قيل لا يخرج منها شيء إلى غيرها، إلا عن فضل عنهم، يعطيهم ما يكفيهم من طعامهم وكسوتهم، إلى مثلها من قابل إن كان في المال سعة، فإن فضل بعد ذلك (17/7)
صفحة 4185
شيء أخرجه أقرب القرى إليها، فقسمه في فقرائهم، وإن لم يكن في المال سعة قسم ما وجد، ويفضل الضعيف والعجوز، وذا العيال وأهل الفضل في الإسلام.
ومن كان من أهل الصدقة غائبا في حج أو عمرة، فإنه يرفع له نصيبه حتى يقدم، وإن لم يحضر الإمام أخذ من أهل تلك السهام، ولم يكونوا مثل العاملين أو الغارمين وابن السبيل، كانت صدقة للفقراء والمساكين، وإن كان أحد من أولئك أعطاهم الإمام على ما يرى وذلك إليه، فإن قسم الإمام شيئا من الصدقة على الفقراء، وأبقى الباقي عنده لمن طلب إليه من أهل هذه السهام، ولما يحتاج أن يقوي به أمر الدعوة والإسلام، وينفقه على من يقوم بمجاهدة العدو والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فذلك جائز، وقد فعل المسلمون ذلك وأخرجوا للفقراء الثلث من الصدقات، وقسموها عليهم، والثلثان يقبضه للإمام، وإن احتاج الإمام أيضا إلى الصدقة كلها لمجاهدة العدو وعز الدولة فذلك واسع له، وقد جعل الصدقة في وجهها، وإن لم يكن إمام وكان صاحب الصدقة هو الذي يريد إنفاذها إلى أهلها، فمن أعطاها من أهل هذه السهام فقد برئ منها، وأحب أن تتجزأ بها للفقراء.
(رجع)
وقد قيل كل نفقة في غير حق الله فهي تبذير، وإن قلت، وقيل لا يعطى من الصدقة في دين الميت، ولا في كفن ميت، ولا بناء مسجد، ولا شراء مصحف، ولا في حج، ولا المملوك، ولا لغني مسافر، ولا لمن يعوله (17/8)
صفحة 4186
الغني من أولاده الصغار ولا زوجته، ولا يستأجر من الصدقة في إنفاذها إلى أهلها، والمعنى عندنا في ذلك أنه لا يفعل ذلك الذي هي عليه إذا أخرجها؛ لأن عليه أن يصل بها إلى أهلها تامة.
مسألة: قال أبو سعيد –رحمه الله-: لا يشتري من الزكاة أصلا ولا يحج منها، إلا ذو غنى أو ذو عنا، قال: ذو الغنى الفقيه الذي به الغنى في أمور المسلمين، وذو العنا الذي له العنا في قبض الصدقة، وقد قيل عن بعض: إنما ذلك أيام الدولة، وقل غير ذلك في كل وقت.
مسألة: وقال فيمن تلزمه زكاة فيخلطها في شيء من ماله، ثم يعطيها الفقراء، إنه يجوز له ذلك، إذا كان فقيرا، ويسلمها على وجه ما يجوز له، ولو لم يعلمه إنها من الزكاة. (17/9)
صفحة 4187
[صفحة بيضاء] (17/10)
صفحة 4188
الباب الثاني
فيمن لا يخرج الزكاة
على نسق مسائل غير أبي عبد الله محمد بن روح، وعمن علم بقرين أو غير قرين أو شريك أو غير شريك، أنه لا يخرج الزكاة تغافلا منه لها. فاعلم أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وليس على من علم ذلك إلا ما يلزمه في الإنكار والنصيحة، وليس له أن ينكر على الناس ما يسعهم في دينهم، إلا أن يعلم أنهم قد خرجوا من السعة إلى الضيق، ومن الضيق في ذلك إلا يدين بالزكاة، ومن السعة في ذلك أن يدين بالزكاة، ويتأمل إخراجها، ولا يتم أمل ولا عمل لأحد إلا بفضل الله وعفوه.
مسألة: ومن غيره، وعن رجل عليه زكاة فطلبها إليه المسلمون، قال: نعم ثم تربص في ذلك سنة ثم مات ولم يوص، فإن كان مات مطلق اللسان، فأهون ما يكون من أمره الوقوف عنه، ومن كان ممن يقر بالزكاة ويدين بها، غير أنه بلي بالتواني، فمات ممسك اللسان أو مفاجأة أخذت الزكاة من ماله، ولم يبلغ به إلى أن يحول عن ولايته التي كانت له من قبل.
مسألة: وعن رجل وكّل رجلا في ماله وأمره، أن لا يخرج زكاته، وأمره أن (17/11)
صفحة 4189
يتركها في جملة الطعام أو الدراهم. أيجوز له أن يدخل فيه على هذا؟ فإذا كان الوكيل يعلم أن الذي وكله لا يخرج الزكاة وأمره أن يتركها في جملة الطعام أو الدراهم، فلا يدخل له في هذه الوكالة، وقد قيل عن بعض الفقهاء: قبح الله مالا لا يزكى، وقبح أهله.
مسألة: ويوجد في الرواية أنه قال: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا لخائن، أو يكون أمينه خائنا. قال غيره: ويوجد وقيل من كان له مال تجب عليه فيه الزكاة، فلم يكن يؤدي الزكاة حتى افتقر، فله أن يأخذ من الزكاة ويؤدي ما لزمه من الزكاة التي قد لزمته. قال: وقد يوجد في بعض قولهم إنه إذا كان المرء مسرفا على نفسه، ويتلف زكاته، ويضيع حقوق الله، ثم تاب من بعد ذلك، أنه لا يلزمه ضمان من حقوق الله، ويرجى له أن يعفو الله عنه، ولو كان يقدر على أداء ذلك عنه بعد التوبة.
قال غيره: يعجبني أنه إذا كان قادرا على أداء ذلك أن يؤديه، وإن عجز عن أدائه فالعاجز معذور، والله أعلم فينظر في ذلك.
من -كتاب أبي جابر-: ومن أقر بالإسلام وأنكر أنه لا زكاة عليه، ودان بذلك ثم تاب، فإن عليه الزكاة لما مضى؛ لأنه مقر بالجملة.
مسألة: ومن ضيع الزكاة حتى هلك، وأوصى بها كانت مع الوصايا في ثلث ماله، وهو على ولايته.
مسألة: ومن جحد الزكاة أقيم عليه الحجة لله، فإن تاب قبل، وإن قاتل قتل، وكذلك إن أقر بالزكاة وكره أن يعطيها احتج عليه، فإن امتنع أن يعطيها قتل. وقول إذا أقر بالزكاة ولم يقاتل غير أنه منع الزكاة، فلا يقتل ولكن يحبس حتى يؤدي الزكاة. (17/12)
صفحة 4190
مسألة: اختلف فيمن علم أنه لا يخرج الزكاة، فقول: لا يجوز بيع ثمرة ماله الذي تجب فيه الزكاة، وإنما يجوز منعه أعشارها. وقول: يفسد البيع كله؛ لأنه مشترى في صفقة واحدة. وقول: إنه بيع فيه عيب إن أتمه المشتري تم، وإلا انتقض. وقول: إنه جائز وللمصدق الخيار إن شاء أخذ من الثمن والثمرة. وقول: يجوز بقدر الحلال.
مسألة: وقيل في امرأة كان لها دراهم على رجل يجب فيها الزكاة، فلما وجبت الزكاة صيرت الدراهم لولدين لها يتيمين أو غيرهما؟ قال: إنها ضامنة للزكاة في مالها، فإن ماتت المرأة، أو أفلست ولم يقدر لها على شيء والدراهم قائمة، فأحب أن تؤخذ الزكاة منها؛ لأن تلك الزكاة قد كانت وجبت، لم يكن لها أن تضيعها، وإن كانت صيرت ذلك بحق صيرته إليه، رجع عليها بمثل ما أخذت من الزكاة. (17/13)
صفحة 4191
[صفحة بيضاء] (17/14)
صفحة 4192
الباب الثالث
في الزكاة على من تجب من الناس
ومن جامع أبي محمد: الزكاة تجب في مال كل مسلم بالغ، أو كان غير بالغ، مغلوبا على عقله أو عاقل، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم». فإن قال قائل: إن الخطاب لا يقع إلا على عاقل بالغ، فكيف تكون الزكاة واجبة على من لا يلحقه بالمخاطبة؟ قيل له: الزكاة فيها معنيان، أحدهما حق يجب للفقراء، والآخر حق يجب على الأغنياء، فمن زال عنه الخطاب من الأغنياء لم يكن زوال الغرض عنه مبطلا لما وجب لغيره في ماله، فإن قال: فقد قال الله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) (التوبة، 103). والطفل لا يطهره أخذ ماله، قيل له: هذا شيء لا يوصل إلى علمه، وقد يجوز أن ينفع الله الطفل إذا بلغ بما أخرج الإمام، والوصي المتولي له من ماله قبل بلوغه. والدليل على ذلك ما وري أن امرأة أخذت بعضد صبي فرفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر». وبعد فإنا لم نقل إن الزكاة كلها وجبت بآية واحدة فنحمل الخلق على حكمها. قال الله جل ذكره: (وأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) (البقرة، 43)، فلا يدخل في هذا الخطاب إلا عاقل بالغ الحلم. وقال: (خُذْ (17/15)
صفحة 4193
مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) (التوبة، 103) فلا يدخل في هذه الآية إلا من أخذها طهارة منه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن آخذها من أغنيائكم» فكل من وقع عليه اسم الغني من المسلمين صغيرا أو كبيرا، عاقلا كان أو مجنونا، فالإمام مأمور بأخذ الزكاة من ماله، والمشرك لا يدخل في هذه الجملة؛ لأن الكاف والميم من قوله: أمرت أن آخذ الزكاة من أغنيائكم، راجعة على المسلمين بذلك. على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذ أن يقول لهم هذا بعد أن يقروا بأن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والله أعلم وبه التوفيق، وأما من شبه الصلاة بالزكاة فغلط؛ لأن الصلاة عمل على البدن، ليس لأحد فيه حق، والزكاة دين يقوم في ماله، ويخرجها هو ويخرجها غيره بأمره، ويخرجها الإمام إلى أهلها إذا غاب أو منعها بغير رأيه؛ لأن الإمام حاكم يحكم بما يثبت عنده من حق على الغائب والحاضر والممتنع، والله أعلم.
ومن -الكتاب-: وكان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعائشة وابن عمر والشعبي وعطا ومالك والشافعي وداود، يوجبون الزكاة في مال اليتيم، وأما ابن عباس وغيره من الصحابة فالرواية عنهم وعنه أنهم قالوا: لا تجب الزكاة في مال اليتيم حتى تجب عليه الصلاة، وأما أبو حنيفة فلم يوجب في مال اليتيم الزكاة وأوجب عليه زكاة رمضان، والزكاة في اللغة مأخوذة من الزكاء وهو النماء والزيادة، وسميت بذلك لأنها تنمي المال، ومنه: يقال زكا الزرع وزكت البقعة إذا بورك فيها، ومنه قول الله تعالى: (أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّة) (1) (الكهف، 74) وزاكية، أي نامية وزايدة. ومنه تزكية القاضي للشهود؛ لأنه رفعهم بالتعديل
---------------
(1) (17/16)
صفحة 4194
والذكر والجميل. ويقال: فلان أزكى من فلان، أي أطهر، ثم قيل زكاة الفطرة، فالفطرة الخلقة في هذا الموضع، ومنه قول الله تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم، 30) أي الخلقة الجبلة التي جبل الناس عليها.
ومن –الكتاب-: ولا تجب الزكاة إلى على مخاطب بها من أهل الإسلام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن، فقال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله فرض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم». فبين النبي صلى الله عليه وسلم بها إلى أن الزكاة إنما خوطب بها من استحق اسم الإيمان.
ومن -الكتاب-: والزكاة في مال اليتيم واجبة، لما روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعائشة، واختلفت الرواية عن علي بن أبي طالب في ذلك، أنهم قالوا: إن الزكاة في مال اليتيم واجبة، فإن قال قائل: فإن الزكاة خوطب بها من خوطب بالصلاة، فلا تجب إلا على من تجب عليه الصلاة، واليتيم لا صلاة عليه، وكذلك إذا أنكرتم أن لا تجب الزكاة عليه، يقال له لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم» فكان فيمن يرجع إليه الصغار والكبار، فكذلك يجب أن تؤخذ من الأغنياء صغارا كانوا أو كبارا، يدل على ذلك ما روي عن عائشة: كانت تخرج عن أولاد أخيها بحق ولايتها عليهم.
ومن -الكتاب-: وثمار أموال أولاد المسلمين فيها الزكاة لإجماع الناس، والاختلاف في سوى ذلك، وإنما روي عن علي بن أبي طالب كان يخرج الزكاة من أموال بني أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أيتام. (17/17)
صفحة 4195
فقال أهل الكوفة: يحتمل أن يكون زكاة حرث، ويحتمل أن يكون زكاة عين أو ماشية، وإذا احتمل هذا وذاك لم يكن حجة علينا في إسقاط الزكاة من مال الأيتام؛ لأنهم غير مخاطبين، وقالوا: وعلي بن أبي طالب هو الرافع للخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: في «رفع القلم عن الثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» وقد كان من قول علي: إن الماعون الذي توعد الله على مانعه بالويل هو الزكاة. قالوا: فقد علمنا أن الصبي ممن لا يتوجه إليه الوعيد، فالحجة عليهم بأن الخبر ورد بأن عليا كان يخرج الزكاة من أموال بني أبي رافع، فالمدعي لتخصيص الخبر عليه إقامة الدليل، والخبر إذا ورد فالواجب إجراؤه على عمومه، ولا يخص إلا بحجة، وأيضا فلو كان ما احتجوا به من قول النبي صلى الله عليه وسلم من رفع القلم عن الصبي يسقط الزكاة من ماله، مع قوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن آخذها من أغنيائكم». فالصبي إذا كان ذا مال فهو مستحق لاسم الغني، والزكاة في ماله واجبة، لظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النائم تسقط الزكاة من ماله لارتفاع القلم في حال نومه، وقد أجمعوا أن الزكاة في ماله في حال نومه ويقظته. (17/18)
صفحة 4196
الباب الرابع
في ذكر الأرض تخرج وقد أدان صاحبها
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا فيمن زرع أرضه حبا، وقد أدان صاحبه عليه، فقالت طائفة: يقضي دينه ويزكي ما بقي، إذا كان فيما يبقى الزكاة، هذا قول عبد الله بن عمر وابن عباس ومكحول، وبه قال سفيان الثوري وشريك وإسحاق بن راهويه وأبو ثور. وقال أحمد بن حنبل: لا يزكي ما أنفق على ثمرته خاصة، وأوجبت طائفة في ذلك العشر ولم يسقط عنه شيئا مما أدان عليه، هذا قول الزهري ومالك بن أنس والأوزاعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح، وهو يشبه مذهب الشافعي، والمشهور من قوله قال إنك هنا (1) ولا يجمع المذهبي فلا صدقة عليه، وإن كان لا يعلم إلا بقوله لم يقبل دعواه.
قال أبو بكر: وهذا إلى الخروج من المذهبين أقرب، وبالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في عامة قول أصحابنا أن زكاة الثمار لا تحطها الديون عليها، وأن الزكاة من رأس المال والدين عليه في ذمته في جميع ما أدان عليها. ومعي إنه يخرج في بعض القول في
---------------
(1) (17/19)
صفحة 4197
بعض معنى قولهم إنه إن كان الدين من جنسها، فحل عليه قبل وجوبها، كانت مستهلكة بمعنى ثبوته عليها، وإن كان الدين من غير جنسها أو حل عليه من بعد وجوبها عليه، ولو كان من جنسها لم يحط عنه زكاتها ولا شيء منها. ومعي إنه يخرج من قولهم إنه إن كان دينه ذلك على عياله كان مرفوعا له من الزكاة، وإن كان في غير ذلك كان ما كان من جنسها لم يحط عنه، وأما ما بقي من بعد الدين إذا ثبت أن يحط عنه من الزكاة، ففي بعض قولهم عندي إنه فيما بقي من الزكاة كان مما يجب فيه الزكاة أو لا يجب، وجب في جملة الثمرة الزكاة، إذا كان الباقي مما يخرج منه الزكاة من غير تكاسر. وفي بعض قولهم: إذا وجب رفع الزكاة منه لم يكن له فيما بقي زكاة حتى يبقى ما تجب فيه الزكاة. ومن غيره: ومعي إنه يخرج في بعض ما قيل: إن الزكاة من الثمار لا يطرح منها الدين، وأن تؤدى الزكاة من الثمار قبل الدين، وإن فعل ذلك إن شاء الله ابتغاء ما عند الله، ووافق في ذلك رضى الله عنه في أعماله فهو أفضل عندي.
مسألة: الحاشية قلت: فالرجل يكون معه الإبل والبقر والغنم سائمة، حول الحول عليه، وعليه دين، فطلب أن يحبس له في ماشيته ويؤخذ من الباقي، قال: لا يطرح عنه إلا من التجارة، وأما الماشية السائمة فلا يطرح عنه دينه، وكذلك إذا أصاب من زراعته ما تجب فيه الزكاة، فطلب أن يطرح عنه دينه، فلا يطرح عنه وعليه الزكاة، إلا أن تكون هذه السائمة في –نسخة- الماشية في يده للتجارة، فأقول إنه يطرح دينه، ويؤخذ من قيمة الباقي منها ما وجبت فيها الزكاة. (17/20)
صفحة 4198
مسألة: ومن الأثر مما يوجد عن جابر عن ابن عباس في الرجل يستقرض وينفق على أهله وعلى ثمرته. قال ابن عمر: يبدأ بما استقرض فيعطيه ثم يزكي ما بقي. وقال ابن عباس: يقضي بما استقرض على الثمرة من الثمرة، ثم يزكي ما بقي. (17/21)
صفحة 4199
[صفحة بيضاء] (17/22)
صفحة 4200
الباب الخامس
في ذكر مبلغ الصدقة في الحبوب والثمار
والفرق بين ما يسقى بالأنهار وبين ما يسقى بالرشا
من كتاب الإشراف قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا بالعشر، وفيما يسقى بالنضح نصف العشر. وقال بجملة قال القول مالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأصحاب الرأي، وروينا ذلك عن جماعة من التابعين وبه يقول.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج هذا على نحو ما يشبه معاني الاتفاق من قول أصحابنا إلا قوله وكان عثريا (1) فلا أعرف ما كان به. وأرجو أنه يخرج مما كان عثريا في ماله بعينه أراد به الزكاة، وذلك أن في الأموال مالا يكون فيه الزكاة، أيكون فيه الزكاة. ويخرج مخرج الفيء، أو يثبت فيه معنى الفيء من الجزية فليس ذلك بعشر ولا يسمى عشرا، أو يكون ذلك يثبت في مال بعينه قد ثبت فيه السنة أو صح على أن فيه العشر لا محال فذلك لا يتحول وهو على حاله، وهو عشر بأي شيء سقي وعلى أي شيء أدرك.
---------------
(1) (17/23)
صفحة 4201
[صفحة بيضاء] (17/24)
صفحة 4202
الباب السادس
في ذكر الزرع يسقى بعض الزمان بماء السماء وبعض بالدلو
من كتاب الإشراف قال أبو بكر: كان عطاء بن أبي رباح ينظر إلى أكثر السقيين، وكانت زكاته على ذلك. وقال سفيان الثوري: ما كان أكثر وغلب عليه صدقة. وقال مالك: إذا كان نصفا ونصفا أخرج نصفا من نصف ذلك عشر تام، والنصف الآخر نصف العشر. وقال الشافعي: القياس أن ينظر إلى ما عاش بالسقيين ذلك كأنه إن كان عاش بهما نصفين أخذ ثلاثة أرباع العشر على هذا المعنى.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا في هذا الفصل من الزكاة إنه في بعض القول على ما أسس، وتأسيسه فيما عندي غرسه. وقال من قال: على ما أدرك. وقال من قال: على الأكثر من ذلك. وقال من قال: بالأكثر من ذلك إن كان عليه إدراك. وقال من قال: بالاجزاء من الزمان مما ربا عليه الزرع من الأشهر والأيام من المياه، والنظر يوجب أنه لا زكاة إلا فيما أدرك. قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، وأنه إن لم يكن قبل أن يدرك ثابتا فيه معنى الزكاة، فأشبه معنى المعاني أن يكون على ما أدرك عندي يكون حكم زكاته أن يوجب في الاتفاق أنه لا يجب فيه الزكاة في حال من أحواله تلك، إن لو بيع عليها أو تلف، ولو انتقل إلى غير المالك قبل إدراكه بوجه من الوجوه ثبت بها ملكه له، ثم أدرك في ملكه كان محمولا على (17/25)
صفحة 4203
ماله، ولا زكاة على من زال من ملكه قبل ذلك.
مسألة: ومن غير الكتاب ومن جواب أبي علي –رحمه الله- أنه يؤخذ في الزكاة، أنها على ما أدركت عليه الثمار. قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، وأحسب عن أبي عبد الله –رحمه الله- أنه على الأكثر مما سقيت عليه من الزجر وغيره، فهو الأكثر، وعن أبي المؤثر –رحمه الله- فيما أحسب أنه بالحصص على ما سقيت عليه الثمار بالحصص يكون الزكاة، وقال من قال من فقهاء المسلمين: على ما أسست، وقال أبو زياد فيما يوجد عنه أن أبا عبد الله كان يأخذ مما أدركت عليه.
مسألة: وقيل في زرع على فلج، فلما بقي له ماء يبس الفلج، فسقي بزاجرة، فقال: إن كان يحتاج إلى ذلك الماء يسقى على الزاجرة، ففيه نصف العشر، وكذلك إذا زرع على الزاجرة ث بقي له ماء فسقاء الغيث، أن فيه العشر.
مسألة: أحسب عن ابي الحسن –رحمه الله- وسألته عن نخلة فسلت أو نبتت في بيت قوم، فبارك الله فيها، حتى أثمرت ما تكون ثمرتها، إذا كان له مما تجب فيه الزكاة؟ قال: إذا كانت تثمر على غير سقي الماء الذي يخرج من البئر بنزع الدلاء، ففيها العشر كاملا، وإن كانت لا تثمر إلا على السقي مما ينزف بالدلاء، ففيها نصف العشر، وكذلك قال في النخل التي في الأرض التي تزرع بالزجر، فإذا زرعت الأرض سقيت النخلة، إن كانت تثمر على غير سقي، ولو لم يزرع هذه الأرض ففي هذه النخل العشر كامل، وإن كانت لا تثمر هذه النخل إلا بهذا السقي من الزراعة، ففيها نصف العشر.
قلت له: فإن هذه النخل تحمل بغير سقي، غير أنها بالسقي يكون لها أكثر وأخير؟ قال: لا ينظر في ذلك إذا كانت تحمل وتثمر بغير هذا السقي، ففيها عشر كامل. وقال غيره: إن النخل في هذا مثل الزراعة، (17/26)
صفحة 4204
فإن أدركت هذه النخل، وكان دراكها على الزجر، ففيها نصف العشر، وإن أدركت على غير زجر فالعشر كامل، وقال: يحسب كم شربت في السنة، فإن كانت شربت نصف السنة أو أقل أو أكثر، قسمت الزكاة على حساب ذلك، فحصة ما شربت من السنة نصف العشر، وحصة ما لم تشرب العشر كامل، فإن لم تسق هذه الأرض في سنة كاملة حتى حصدت، ففيها عشر كامل، ويوجد في الآثار أن زكاة هذه النخل نصف العشر على حال إذا لم يكن تسقى بالفلج.
مسألة: ومن غيره: وقال لا يجمع بين الغرب والسيح، حتى يبلغ كل واحد منها على حاله.
مسألة: وسألته عن رجل زرع قطعة له فأسقاها بالزاجرة ثلاث شربات في شهر، وسقاها ثلاث شربات في ثلاثة أشهر بالفلج، وأدركت على الفلج، أيجب عليه نصف العشر أو العشر كله؟ فقد قيل العشر كامل، وقد قيل نصف العشر، وقيل عشر ثلاثة أرباعها، ونصف عشر ربعها.
مسألة: وعن سقي النخل إذا سقى صاحب النخل المال خمسة أو زاد إلى عشرة إلى خمسة عشر؟ قلت: ما وقت ذلك، وما يهدم العشر؟ فليس معنا في ذلك وقت، والذي معنا أن الصدقة تؤخذ على ما أدركت، وإن كان إنما حملها وصلاحها بصلاح الزجر، وبه أدركت وتم أمرها، فهو عندنا نصف العشر.
قال أبو المؤثر: قد قيل هذا وقال من قال: إن كانت أدركت على الزجر، وكان الزجر أكثر ففيها نصف العشر، وإن كانت أدركت على الزجر وكان الزجر أقل ففيها العشر، وبهذا القول نأخذ، وقال آخرون: إن الزكاة على قدر الأجر يحسب ما سقي بالزجر، وما لم (17/27)
صفحة 4205
يزجر، ثم يحسب بالاجزاء ويخرج منه الزكاة.
مسألة: ومن جواب أبي علي إلى أبي مروان –رضي الله عنهما- في الذي يؤخذ منه الزكاة، أن أهل الباطنة يسقون إذا حضروا نحلهم، أو من سقى منهم وذلك عند حضورهم الشهرين، وأقل وأكثر ثم يرجعون إلى منازلهم، وهي بحالها يحمل وينبت بالسقي، حتى يحضروا، وقد عرفت النخل بألوانها وأدركت الثمرة، ثم يراجعون بالسقي، ومنهم من يعطي نخله بزرع لحال السقي، ومنهم من يزرع صيفا ويسقي النخل إلى أن يحصد، ومنهم من يعطي نخله يزرع لحال السقي. وقلت إن كثيرا من نخلهم لو تركت لم تقص، فقد نظرنا يا أخي في ذلك، فأما من سقى نخله في المحضر، وقد عرفت النخل بألوانها وأدركت، فذلك لا يبريه من الصدقة لهذه السنة التي قد أدركت، ولا يبريه ذلك السقي للثمرة المقبلة أيضا؛ لأن هذه قد صارت في حد دراك وسقي القيظ للحول، لا نراه إلى العشر تاما، وأما من زرع صيفا فزرع وسقى الزرع إلى أن يحصده، فما نقول إن سقي الصيف يبطل العشر، إلا أن يعلم أنها أثمرت فحملت من ذلك السقي، وأما من أعطى نخلة نزرع لحال السقي فهو عندنا بمنزلة الذي يسقي لنفسه، إن كان دراكها على السقي فإن فيها نصف العشر، وإن كان إنما يسقى صيفا أو قيظا فنراه تاما، إلا أن يكون دراكها على السقي، أو يعلم أن بالسقي، والذي سقيته قبل ذلك حملت وأثمرت.
مسألة: وقال أبو المؤثر في الزراعة إنها إذا أدركت على الزجر، فكان الزجر أكثر، ففيها نصف العشر، وإن كانت أدركت على الزجر، وكان الزجر أقل ففيها العشر، وبهذا القول نأخذ. وقال آخرون: على قدر الاجزاء يحسب ما سقي بالزجر، وما لم تزجر، ثم يحسب بالاجزاء فتخرج منه الزكاة. (17/28)
صفحة 4206
مسألة: من -كتاب الإشراف-: وكل نخل لا يسقى بنهر ولا يزجر فالعشر في ثمرها، فإن زرعت زراعة في تلك النخل أو فسلت شجرا أو سقي ذلك بالزجر وشربت حتى أدركت ثمرتها على ذلك فإن فيه نصف العشر، وما تسقى من هذه الثمار بالزجر والأنهار أو سقاه الغيث فقد اختلف أهل الفقه في صدقته، فقال بعضهم: صدقة تلك الثمرة على ما أسست. وقال بعضهم: بل صدقتها على ما عليه أدركت. وقال بعضهم: بل صدقتها بالمقاسمة، ولينظر كم شربت من شربة، ثم ينظر ما كان من ذلك بالزجر، وما كان بغير الزجر من سقي الغيث أو الأنهار فيعلم أنه نصف أو ثلث أو ربع أو أقل أو أكثر، فتؤخذ الصدقة على ذلك من الجزء الذي شربت بالغيث والأنهار والعشر تام، والجزء الذي شرب بالزجر نصف العشر، وهذا الرأي أحب إلي، فكل رأي العلماء حسن جميل، ولكل رأي من هذه الآراء حجة ومذهب، وبما أخذ به من عني بذلك، فلا بأس إذا أراد العدل والتمس الصواب.
مسألة: ومن غيره: وعن النخل إذا فسلت على الزجر، وصارت نخلا، ثم رفع السقي عنها ما يجب فيها، نصف الزكاة أم الزكاة كاملة؟ فعلى ما وصفت، فأما تلك الثمرة التي سقيت بالزجر، ففيها نصف العشر، وأما إذا أثمرت النخل بعد ذلك، وقد رفع عنها السقي بالزجر ففيها العشر تام.
مسألة: من –جامع أبي محمد- وفي ثمار الأرضين المملوكة العشر إذا شربت بالسماء والعيون، وفيما سقي بالنواضح والسواقي ففيه نصف العشر، لما روى سالم بن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان بعلا العشر وفيما سقي بالنواضح والسواقي نصف العشر». (17/29)
صفحة 4207
مسألة: ومن -كتاب الكفاية- من جواب الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم –حفظه الله- إلى معان بن الحسن، أفتنا –رحمك الله- في رجل فسل نخلا في الباطنة على الزجر، وثمرها سنين كثيرة على الزجر، ثم إنه بعد لم يسقها أعني نخلة، وكانت تحمل بغير زاجرة وربما في السنة تشرب بالغيث أو لا تشرب بالغيث. قلت: أتكون هذه النخل سبيلها في الزكاة سبيل الزرع؟ منهم من يقول: على ما أسست الزراعة، ومنهم من يقول: على ما أدركت، ومنهم من يقول: بالمحاصصة، وإن كان كذلك، وأخذ صاحب النخل يقول من يقول إن الزكاة في ذلك على ما أسست، هل يكون هذا قولا جائزا الأخذ به والعمل أم لا؟ الذي عرفت أن النخل إذا فسلت على الزجر، ثم تركت من الزجر، وصارت تحمل بغير زجران، الزكاة فيها العشر، وأما إذا شربت الزجر وبالغيث، فقد قيل إن سبيلها سبيل الزرع، وقد اختلف في ذلك، ومن أخذ بقول من أقاويل المسلمين لم يضق عليه.
قلت: فإن كانت النخل في ذلك مخالفة للزرع، فكم الحد الذي إذا لم تشرب في السنة، من ماء يرجع إلى حال العشر ثلاثة أو أربعة أم مائتين؟ ذلك مثابا بما أعرف إن شاء الله، فلم أعرف في ذلك حدا، والذي عندي أنه إذا كانت لا تحمل إلا بالزجر لم تكن الزكاة فيها العشر، وإنما تكون الزكاة فيها العشر، إذا كانت تحمل بغير زجر، والله أعلم. وقد قيل: في النخل التي لو لم تزرع فيها لحملت الزكاة فيها العشر، وإن كانت لا تثمر إلا بهذا السقي من الزراعة ففيها نصف العشر، وقال من قال: إنها مثل الزراعة، فإن أدركت على الزجر، ففيها نصف العشر، وإن أدركت على غير زجر ففيها العشر. قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، وقيل يحسب كم شربت في السنة، فإن كانت شربت نصف السنة أو أقل أو أكثر، فما شربت من السنة ففيه (17/30)
صفحة 4208
نصف العشر، وما لم تشرب فيه من السنة ففيه العشر، وقيل إن زكاة هذه النخل على حال نصف العشر، إذا لم تسق بالفلج والله أعلم.
مسألة: وسألته عمن كان زرع زرعا، فلما سبل أو قبل أن يسبل باعه بدراهم، أيجب عليه فيه زكاة؟ قال: لا. قلت: فإن باعها وقد صارت حبا في سنبله وباعه؟ قال: يخرج زكاته. قلت: فإن كانت الدراهم لا تصل فيها الزكاة؟ قال: يكيل الزرع، ويخرج زكاته حبا. قلت: فالحب الذي تجب فيه الزكاة من بعد الدواس والشايف، وكل من عمل فيه بكر؟ قال: ذلك كله على صاحب الحب. (17/31)
صفحة 4209
[صفحة بيضاء] (17/32)
صفحة 4210
الباب السابع
في الصدقة مما تخرج الأرض وما يكون منها فيه العشر
من كتاب الأموال تأليف أبي عبيدة القاسم بن سلام قال أبو عبيدة: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فرض الزكاة فيما سقت السماء، وفي البعل وفيما سقت بالعيون العشر، وفيما سقت السواقي نصف العشر، وقيل: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وهو باليمن أن فيما سقت السماء أو سقي –بعلا العشر، وفيما سقى الغرب نصف العشر. وقيل: كان في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وكتاب عمر في الصدقة ما كان عثريا أو تسقيه السماء أو الأنهار، وما كان يسقى من بعل ففيه العشر، وما كان يسقى بالنواضح ففيه نصف العشر.
قال أبو عبيدة: فهذه الأسقاء التي ذكرت في هذه الأحاديث مختلفة المعاني، فالبعل منها ما كان من نخل يشرب بعروقه من غير سقي سماء ولا غيرها، وقد قال بعضهم: إنه ما سقته السماء، والأول عندي هو التفسير، وأما العثري فما سقته السماء، لا اختلاف بينهم فيه، وأما الغيل فكل ماء جار كما العيون والأنهار والأطايم والقنى، وهما يقاربان في المعنى، وكذلك الفتح هو مثل الغيل، وإنما سمي فتحا لتشقق أنهاره في الأرض، وفتح أفواهها للشرب، فهذه كلها الأسقاء (17/33)
صفحة 4211
العشرة، وأما النواضح فالإبل التي يسقى عليها لتشرب الأرضين، وهي السواقي بأعيانها، وكذلك الغرب إنما هو دلو البعير الناضح، وأما الدالية فهي الدلاء الصغار التي تديرها الأرجا، وكذلك الباعورة وهي مثلها، وهذا سقاء نصف العشر، وإنما نقصت عن مبلغ تلك في الصدقة لما في هذه من المئونة على أهلها، وإنما يجب في هذا العشر أو نصف العشر بعد بلوغ ما تخرج الأرض خمسة أوسق فصاعدا، بذلك جاءت السنة والآثار، وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة». (17/34)
صفحة 4212
الباب الثامن
في زكاة الأولاد وحمل مالهم على مال أبيهم
وعن رجل نحل أولاده الصغار حلي ذهب وفضة، ونيته فيه أنه لهم، فإن احتاج إليه أخذه وقضى حاجته. قلت: أعليه أن يحمل هذا الحلي على ما في يده ويزكيه أم لا؟ قال: معي، إنه يحمل على ما في يده ويزكيه على هذا الوجه، فإن زكاه منه جاز له.
مسألة: ومن غيره، عن أبي عبد الله، وعن رجل له بنون ومعهم دراهم، وفيهم حلي، هل يحملون على أبيهم في الصدقة؟ فقال: إذا كان يخرج الصدقة حملوا عليه إذا كانوا في حجره. قلت: فإن أصابوا ذلك الحلي وتلك الدراهم من غيره؟ قال: وإن أصابوا من غيره فهم يحملون عليه من بلغ منهم، ومن لم يبلغ إذا كانوا في حجره من أولاده البالغين حمل عليه ما استفادوا من عنده، وما استفادوا من عند غيره لم يحملوا عليه.
مسألة: وعن أبي عبد الله –رحمه الله- وعن الوالد يكون عليه لولده دراهم، هل يحسب في صدقته؟ فهي ماله وعليه أن يحسبها في صدقته، إلا أن يبرئ الوالد منها نفسه من قبل محل الصدقة، فإن برأ نفسه منها برئ منها، ولم يكن للولد شيء، ولم يحسب في الصدقة، وإن هو أبرأ (17/35)
صفحة 4213
نفسه منها بعدما وجبت الصدقة على الوالد، فإنها تحسب عليه مع صدقته، وقد برئ الوالد منها.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- والمرأة محمولة على زوجها في صدقة الزراعة، إذا كانا متفاوضين، ويحمل على الرجل أولاده، إذا كانوا في حجره، ولو كانوا بالغين.
ومن غيره: وأما زكاة الدراهم، فيختلف في ذلك، وأكثر القول إنهم لا يحملوا. ومن غيره: والرجل يحمل عليه بنوه وبناته –نسخة- أولاده، إذا كانوا في حجره ولو كانوا بالغين، ويحمل بعضهم أيضا على بعض، إذا كان الحلي من عنده هو، وإذا كان الحلي لأولاده من قبل غيره حملوا عليه، ولا يحمل بعضهم على بعض، إذا لم يكن عنده ما يؤدي عنهم الصدقة، وإذا بلغ على كل واحد منهما الصدقة أخذت منه.
مسألة: وإذا كان صبي والده حي تولى إعطاء الزكاة من ماله.
مسألة: وإن كان صبي مسلم، ووالداه مشركان قد ارتدا عن الإسلام، وله مال، ففي ماله الزكاة، وكذلك إن أسلم أحد والديه، فهو تبع لمن أسلم منهما، وعليه في ماله الزكاة.
مسألة: ومن كان له ولد معتوه بالغ قد بان عنه قبل ذهاب عقله، فلا يحمل على أبيه في الزكاة، وليس يقبل من صبي زكاة، إلا برأي أبيه، فإن كان يتيما أقيم له وكيل.
مسألة: وعن الجارية التي قد أدركت وهي مع أمها، ومعها حلي ولها تجارة من كدها، ومن والديها جميعا، هل يحمل مالها على مال والدتها؟ فقد قيل بحمل على مال والدتها ما كان من قبل والدتها من نحلة (17/36)
صفحة 4214
أو عطية، من كل ما ينسب من قبل والدتها في ذلك، ولا يحمل على مال والدها ما اكتسبه واستحقه من قبل غير والدتها من كدها أو غيره، وكذلك الثمار فهو مثل ذلك، وهل على والدها إخراج ذلك من ماله إذا لم تخرجه هي أو ذلك خاص بها؟ إذا كانت بالغا فإن أخرجته، وإلا فهو عليه وإن كانت صبية لم تبلغ فعليه أن يخرج.
مسألة: ومن منح ولده وهو بائن عنه أو غيره أرضا فزرعها، فلا تحمل تلك الزراعة على صاحب الأرض، فإن بلغت الصدقة فيها على الممتنح أخرجها إلا أن يكون ولد في حجر والده، فهو محمول على زراعته. (17/37)
صفحة 4215
[صفحة بيضاء] (17/38)
صفحة 4216
الباب التاسع
في زكاة الأولاد
أحسب عن أبي علي الحسن بن أحمد –رحمه الله- في رجل كان في أولاده حلي، وهم في حجره، وليس له هو نصاب ولا شيء مما يضيفه إليهم، وأخر زكاتهم عن وقتها، أيكون سبيلها سبيل زكاة الفائدة، وفيما يحصل عنده، أم بينهما فرق؟ لم أحفظ في ذلك شيئا، ولا أحب أن يكون سبيل ذلك ماله، إلا أن يكون الحلي من عنده لهم، والله أعلم. وقد كتبت أطلبها من الأثر، وأسأل عنها فلم ألقها بعد.
مسألة: أحسب عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر، وأما الرجل الذي له ولدان وورثوا جميعا مالا، وقسموه ثم انضاف أحد الولدين إلى والده في المعيشة، غير أن ماله متميز عن مال أبيه؟ قلت: أيحمل ماله على مال أبيه في الزكاة أم لا؟ فأما الصبي فإن ماله محمول على مال أبيه، وأما البالغ إذا كان في حجر أبيه حمل على أبيه في الزكاة، هكذا يوجد في الجامع، والله أعلم.
مسألة: أحسب من حفظ أبي معاوية عن أبي عبد الله، وعن رجل له ولد ولولده ولد، ولهم كلهم مال؟ قال يحمل مال الولد على والده إذا (17/39)
صفحة 4217
كان في حجره، ويحمل مال ولده أيضا عليه حتى يحمل كل ذلك على الأب الأكبر، فإن كان الأوسط ميتا لم يحمل مال ولده على الجد. (17/40)
صفحة 4218
الباب العاشر
في زكاة مال العبد
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: كان سفيان الثوري وأحمد بن حنبل والشافعي وإسحاق يقولون: زكاة مال العبد على مولاه، وهو مذهب أصحاب الرأي. وقال آخرون: ليس عليه فيه شيء ولا على مولاه، هذا قول ابن عمر وجابر والزهري وقتادة ومالك وأحمد بن حنبل وأبو عبيد، وأوجبت طائفة على العبد الزكاة، وروينا هذا القول عن عطا، وبه قال أبو ثور، وروي ذلك عن ابن عمر.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إن مال العبد لسيده، وأنه محمول عليه في الزكاة، وهو متعبد بزكاة ذلك، لأنه ماله، فإن شاء زكاه وإن شاء أذن للعبد أن يزكيه إذا كان العبد مأمونا على ذلك، وعلى إنفاذه على وجه العدل، ولا أعلم بينهم في معاني ذلك اختلافا فيما ثبت مال له من جميع ما كسبه، أو ملكه إياه سيده بوجه من الوجوه.
ومنه قال أبو بكر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لا زكاة في مال المكاتب.
مسألة: في زكاة مال المكاتب حتى يعتق، غير أبي ثور، وممن قال (17/41)
صفحة 4219
بجملة هذا القول جابر بن عبد الله وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعطاء ومسروق، وبه قال مالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: في مال المكاتب الزكاة كما تجب في مال الحر.
قال أبو بكر: لا زكاة في مال المكاتب.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا ما يوجبه معهم الاتفاق أن المكاتب حر حين يكاتب وماله مال حر، وفيه الزكاة إذا كان من أهل القبلة.
مسألة: ومن غير الكتاب: وعن حلي العبيد، يقول المولى هذا لهم من وصية أو غيرها، ولا شيء لي فيه. قال: يحمل عليه على كل حال.
مسألة: ومن –كتاب أبي جابر-: وأما المملوك فماله لسيده، وليس عليه هو زكاة، والزكاة على المولى، ويقوم العبد بذلك من قبل مولاه، حتى يخرج زكاة ما في يده.
مسألة: ومنه، فإذا عتق العبد وفي يده مال كثير، قد خلا له سنون لم يؤد منه زكاة وصيره المولى للعبد، فلا زكاة فيه على العبد حتى يحول عليه حول، منذ صار له، وعلى المولى زكاة ما مضى لأنه كان له.
مسألة: من –كتاب الكفاية- قلت له: فالعبد إذا عتق وفي يده مال، هل عليه أن يرده إلى سيده طلبه سيده أو لم يطلبه؟ قال: معي إنه قد قيل: إذا كان المال ظاهرا لم يستثنه السيد حين أعتقه فهو للعبد، (17/42)
صفحة 4220
وإن كان مستترا فهو للسيد. وقال من قال: كله للسيد حتى يشترط السيد للعبد. ومعي إنه قد قيل: إنه كله للعبد حتى يشترطه السيد، إذا ثبت مال له، أعني العبد. قلت: فإن كان المال في يد العبد حتى حال عليه أحوال لم يؤد عنه الزكاة، وكان مما تجب فيه الزكاة، هل على العبد أن يزكي المال لما مضى من السنين على قول من يقول إنه له حتى يشترط عليه السيد؟ قال: معي إنه يجب عليه ذلك في قول من يقول: إن الزكاة على العبد في ماله، وعلى قول من يقول: إن الزكاة على السيد في مال العبد، مما مضى على السيد إذا وجب عليه، وما يستقبل منذ عتق العبد وثبت له المال بالحرية، فعليه زكاته. قلت له: فعلى قول من يقول إن الزكاة على السيد لمال العبد، إذا لم يعلم أن عند العبد مال، هل عليه أن يخبر السيد بذلك في حال العبودية أو بعد العتق، أم ليس عليه ذلك؟ قال: معي إنه إذا كان في يده مال تجب فيه الزكاة فعليه أن يعلمه ليؤد الزكاة التي هي أمانة في يده، وإذا ثبت أن في الزكاة أمانة، وشريك ثان وعلم العبد أن الزكاة في المال لم تؤد لما مضى من السنين، حتى صار إليه زكاته، كان أشبه أن يكون عليه الزكاة عندي على هذا المعنى؛ لأنه قد علم أن فيه زكاة إذا علم بذلك. قلت له: فعلى قول من يقول إن زكاة مال العبد عليه، هل يجوز له أن يعطي سيده من زكاته إذا كان السيد فقيرا؟ قال: معي إن العبد ليس له مال دون سيده، ولا يجوز له أن يعطي من الزكاة؛ لأنه مال للسيد. (17/43)
صفحة 4221
[صفحة بيضاء] (17/44)
صفحة 4222
الباب الحادي عشر
في المفاوضة في الزكاة
وعن المفاوضة بين الزوجين ما حدها؟ قال حدها أن يخلط الثمرة ثم لا تسأله على شيء حمل بعضها على بعض. قلت: فإن لم تسأله وسألها هو وحاسبها؟ قال: إذا فوضته مالها في يده، وخلط ثمرتها معه، حمل بعضها على بعض ولو حاسبها هو، إلا الورق فإن الورق لا مفاوضة فيه، ولو أن أحدهما كان معه مائتا درهم، إلا خمسة دراهم خلطها مع الآخر، ما كان في المائتين إلا خمسة دراهم، ففيها زكاة.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري، وعن إخوة لهم مال ومالهم مقسوم، وكل واحد منهم أرضه على حده، فأخذوا عاملا يعمل لهم كلهم، فإذا داسوا تفاوضوا في طعامهم ومؤنتهم، هل في هذه الزراعة زكاة إذا بلغت في جملتها الزكاة؟ فعلى ما وصفت، فإذا كان البذر والماء على كل واحد منهم ما يجب عليه من البذر، وما يجب عليه من الماء؟ فليس هؤلاء بمتفاوضين، ولا زكاة لهم، ولو جمعهم الطعام حتى يكون الماء واحدا، والبذر واحد متفاوضين في البذر والماء، فعند ذلك (17/45)
صفحة 4223
يحمل بعضهم على بعض، وتجب عليهم الزكاة، وإذا كان الزوج هو يلي أمر المال جميعا، وأمره فيه جائز ونهيه، ويفعل فيه ما شاء بغير رأي المرأة، فهذا مفاوضة، يحملان بعضهما على بعض، وإن كانت المرأة التي تلي أمر مالها لم يحمل بعضهما على بعض، وكان كل واحد منهما ما يجب عليه من الزكاة، والعامل تبع لهما، إذا كانا متفاوضين.
ومن غير الكتاب قال: الذي أحفظ عن أبي سعيد في العامل اختلاف، فبعض يقول إنه تبع لرب المال إذا وجب على صاحبه الزكاة، كان العامل تبعا له، وقال من قال: لا يكون العامل تبعا لرب المال، إلا أن يصيب العامل ما يجب في حصته الزكاة ثلاث مائة صاع، فحينئذ تجب على العامل، وروي هذا القول عن عزان بن الصقر –رحمه الله- قال أبو سعيد: إنه قول يعجبه القول به والعمل به، ولكن قال لا أحب مخالفة الأثر مما يؤخذ من الذي جاء عن أصحابنا.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- والمرأة أيضا وزوجها يحمل بعضهما على بعض في صدقة الثمار، إذا كانا متفاوضين، وقال من قال: أن المفاوضة أن يكون مالها في يده يفعل فيه ما أراده.
مسألة: وعن أبي علي –رحمه الله- في أخوين زرعا أرضا مقسومة بينهما، ولهما أرض أخرى لهما فيها عمل، فإذا جمع العمل والزراعة بلغ فيه العشر؟ قال: إن كان زراعتها مخلوطة وهما متفاوضان جمع العمل والزراعة وأخذ منه الزكاة، وإن كان يعرف كل واحد حصته من الزراعة ويجمعانه بعد ذلك ويأكلانه، فلا يجمع عليهما ذلك حتى تبلغ في حصة كل واحد منهما الزكاة.
مسألة: وعن أبي مالك عن مال الزوج وزوجته من الثمرة (17/46)
صفحة 4224
لا يحمل المال جميعا حتى يكونا متفاوضين تاركة مالها في يده، ويأمر فيه وينهى، ويقبضه، فإذا كانت تعرف غلة مالها وتفعل فيه ما تشاء فلا يحمل مالها على ماله.
مسألة: ومنه، وعن امرأة لها بعير ولزوجها له أربعة أبعرة، فإن كان متفاوضين فعليهما الصدقة.
مسألة: وعن أبي إبراهيم، قلت: يجوز للرجل وزوجته أن يحملا بعضهما على بعض في الزكاة، قال: نعم، في الثمرة، وأما الحلي والورق فلا يجوز ذلك. قلت: فما المفاوضة؟ قال: إذا باع مالها لم تغير عليه.
مسألة: وقال عدي بن يزيد مكتوب من ديوانه شعرا:
أفاوضهم مالي بغير نكيثة
علمت المنايا طارقات فواجعا
أفاوضهم مالي، أي أجعل مالي مع مالهم. وقال الناسخ:
أفاوض أهل الود، ودي ولم أزل
أفاوضهم مالي وإن لم يفاوضوا
المفاوضان الشريكان اللذان خلطا مالهما، والنكيثة الغدر، فواجع أي تأتينا المنايا على غرة. وعن أبي الحواري، وعن رجل عليه زكاة من قبل تجارة، ولزوجته حلي ذهب وفضة يصل عشرة مثاقيل أو أكثر، فاعلموا أن الزوجين لا يحمل بعضهما على بعض في الورق كانا متفاوضين أو غير متفاوضين، وإنما ذلك في الثمار إذا كانا متفاوضين، فهذا الذي يعرف في قول المسلمين، وأدركناهم عليه.
مسألة: من الحاشية في الزوجين يتفارقا أو يموت أحدهما، وقد زرع في ماله ومالها، فإن كانا متفاوضين في مالهما في حياتهما، فإذا حصد الثمرة على المفاوضة ففي جملتها الزكاة، وإن كانا متفاوضين ثم افترقا قبل (17/47)
صفحة 4225
حصاد الزراعة أو مات أحدهما، فقد بطلت المفاوضة، إلا أن يكونا مشتركين في الزراعة كلها.
مسألة: قال أبو الحواري في زوجين متفاوضين، إلا أنهما لا ينفذ كل واحد منهما شيئا من مال صاحبه إلا بإذنه، وإنما أمرهما على نحو الحل لبعضهما بعض، فإذا كان مخلوطا لا تمييز فيه حمل جميعا على الصدقة، وإن كانت الثمرة مميزة وعارف منهما ثمرة ماله، فعلى كل واحد منهما زكاة نفسه لا يحملان.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن المفاوضة بين الزوجين إذا تفاوضا في مالهما، ما تكون هذه المفاوضة؟ قال: معي إنها بمنزلة الإباحة منهما لبعضهما بعضا في التسمية، لأن هذا كله بالكلام، وداخل بالأحكام. ولكن تخرج عندي مخرج الإدلال، لأنها ليست من طريق الفعل من رب المال، وإما هو من تركه على ما تخرج اطمئنانة القلوب حله من قبله، فهي خارجة مخرج الإدلال عندي، والله أعلم.
قلت: فتقع المفاوضة في إزالة الأصل والفروع والثمار، أم المفاوضة في الفروع وليس تقع في الأصول؟ قال: كلها وقع عليه وفيه حكم اطمئنانة القلوب من إزالة أصل أو فرع، فهو خارج مخرج المفاوضة، في أول المسألة إنها تخرج مخرج الإدلال، وإنما يقع الإدلال بحكم اطمئنانة القلوب. قلت: فالمفاوضة كلام يحتاج فيه المتفاوضان إليه، ولا تثبت بهما المفاوضة إلا به، أم إنما ذلك إلى اطمئنانة القلوب بغير كلام؟ قال: المفاوضة تقع على معنيين عندي، بالحل والإباحة بحال حتى تأتي على سبيل المفاوضة من القول أو بالمتاركة، والمسألة على ما لا تشك القلوب على الرجاء من بعضهم بعض، ومن طيبة النفس. (17/48)
صفحة 4226
قلت له: فإذا قايض الزواج بمال زوجته أحدا من الناس بعد المفاوضة، وهي حاضرة لا تغير ولا تنكر، هل يجوز ذلك للمقايض للزوج؟ قال: معي إنه إذا ثبتت المفاوضة في مالها، مثل ما فعل في مالها حكم المفاوضة جاز ذلك، وإلا فهو كغيره من الناس لأنه غيره. قلت له: فمن علم بمفاوضة الزوج، ومفاوضته هو وزوجته ويسمي به وبثمره، وهلك الزوج، ما يكون حكم ذلك المال للزجة، أم ميراث لورثة الزوج؟ قال: حكم المال للعوض وهو يدل على مال الزوجة حتى يصح غير ذلك. قلت: فإن قايض الزوج رجلا قد علم بمفاوضة الزوجين لبعضهما بعضا، فلما تقايضا بالمالين أنكرت الزوجة ذلك، ولم ترض به، هل ينتقض القياض؟ قال: أما في الحكم فهو منتقض وغير ثابت في الحكم، وأما في الحل فإذا علم المقايض بمفاوضتهما جاز ذلك به فيما بينه وبين الله. ومن غيره.
مسألة: وعن رجل زوج ابنه وهما في منزل أبيه، وهما في منزل واحد وطعامهما واحد، ولكل واحد منهما مال معروف، ولم يبلغ على واحد منهما الزكاة، وبلغ على أحدهما الزكاة، ولم تبلغ على الآخر، فإنما الزكاة على من بلغ عليه حق الزكاة.
مسألة: وإذا بلغ ما عند الرجل وامرأته مائتا درهم، ففيه خمسة دراهم.
ومن غيره: وقال من قال: إن الورق والذهب لا يحمل بعضهما على بعض فيه ولو كانا متفاوضين.
مسألة: ومن غيره: ومن جواب أبي عبد الله محمد بن روح –رحمه الله- وعن رجل له مال ببلده، وعنده زوجة ولها مال ببلدها، (17/49)
صفحة 4227
لا تجب عليها فيه الزكاة، وله هو مال في بلده لا تجب عليه الزكاة، مهي مبيحة مالها له، فاعلم أنها إذا كانا متفاوضين وكان رفق المال لهما جميعا، ومؤنة المال يقوم بها واحد منهما، أو هما جميعا على المفاوضة، وجب في المالين إذا جمعت ثمرتهما الزكاة، فالزكاة على هذه الصفة واجبة في أموالهما.
مسألة: قال: وكان وائل وموسى يقولان على الرجل زكاة ما ثبت عليه بأنه من بيته، وامرأته إذا كانت المرأة مفوضة. وقال بشير: ليس عليه حلي امرأته.
مسألة: وعن رجل له زراعة تجب فيها الصدقة، وله ولد يجلب من أموال الناس، هل يحمل ما كان لولده الذي جلب في مال غيره، على ما كان له ويوجد منه الصدقة؟ قال: إذا كان الولد في حجر الأب حمل عليه ما كان لولده.
مسألة: وعن أيتام تكلفهم والدتهم، دفعت أرضهم إلى عامل فخلط زرعها، أعليهم زكاة في جملتها؟ قال: ليس على اليتامى ضمانة حتى تبلغ في نصيب كل واحد منهما الزكاة.
مسألة: اختلف في المفاوضة فقول تجب بها الزكاة وتحمل، وقول لا تجب بها حمل، ولا يحمل إلا بالمشاركة في الأصل والثمرة، وقول إن المفاوضة إذا كانت الثمار مختلطة يفعل فيها الزوج ما أراد، وليس للزوجة في ذلك رأي، والمفاوضة في الثمار، ولكل واحد أصله، إلا أن الزوج قائم على المال، وأما الأصول فلا يجوز فعله، فإن تفاوضا في بعض المال حمل ما تفاوضا فيه على بعضه بعض، وما لم يتفاوضا فيه. (17/50)
صفحة 4228
فإن وقع لكل واحد منه ما إذا جمعه إلى نصيبه الذي فيه المفاوضة وجب فيه الزكاة ففيه الزكاة، وإلا فلا زكاة فيه، والله أعلم.
وسألته عن المفاوضة بين الاثنين، هل يحمل بعضهما على بعض في الزكاة في الثمار وغيرها من الدراهم والدنانير والذهب والفضة؟ قال: أما في الزوجين فمعي، إنه قد قيل يحملان في كل شيء، وغيرهما عندي مثلهما إذا ثبتت المفاوضة. ومعي إنه قيل: لا يحملان في الذهب والفضة، ويحملان في الثمار والماشية. قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ. وقيل: لا يحملان في شيء، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع من أجل الصدقة. (17/51)
صفحة 4229
[صفحة بيضاء] (17/52)
صفحة 4230
الباب الثاني عشر
في زكاة الشركاء
في رجل له حصة في مال فتركها لشريكه، والمال تجب فيه الزكاة، فأراد الذي له الشركة أن يسلم زكاة المال كله إلى الرجل الذي أعطاه الحصة. أيجوز له ذلك أم لا؟ الجواب: إذا كان الترك قبل دراك الثمرة وحازها فذلك جائز على قول من يثبت عطية المشاع، وإن كان إقرارا فهو آكد، وإذا كان بعد الدراك فلا يجوز ذلك عندي، والله أعلم بالصواب.
مسألة: مسائل عن أبي عبد الله محمد بن روح، وعن رجل له مال لا تجب فيه الزكاة، إلا إذا جمع إلى جميع الشركاء، هل تجب عليه وعلى شركائه الزكاة؟ فاعلم أنه إذا كان الشركاء منقطع ثلاثمائة صاع وجب على جميع أهلها فيها الزكاة، ولو وقع لكل واحد من الشركاء صاع واحد، لما جاز به السنة في الزكاة، ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، وأما إذا لم يصل مال الشركاء ثلاثمائة صاع لم يكن على أحد منهم في ذلك زكاة، إلا أن يكون له مال غيره، إذا حملت حصته وحصة العمال مما يقع لهم من عملهم من حصته من هذه الشركة، فوصل ذلك (17/53)
صفحة 4231
مع ثمرة مال له آخر ثلاثمائة صاع، وجب عليه وعلى العمال الزكاة في ذلك خصوصا ولم يجب على العمال زكاة في حصصهم من حصص الشركاء الباقين.
مسألة: قلت فرجلان بينهما أرض أعطياها غلاما بالنصف، فبلغ مائتي مكوك، فبلغ على كل واحد منهما في حصته، إذا حملت على مال له آخر، وهذا لم تبلغ، أعليه في ماله؟ قال: يحمل عليه حصته من العامل ثم يؤخذ منه إذا بلغ عليه. ومن غيره، قال الله أعلم. إلا أنه إذا كان كل واحد من الشريكين بالأصل، إذا حمل حصته مما وقع له من هذه الأرض على حصة له أخرى من مال آخر له أصل، وجب عليه في جميع ذلك الزكاة ويكون على العامل الزكاة، ولو لم يبلغ أحد الشريكين في أصل ماله الزكاة، والآخر لا تجب عليه الزكاة في ماله على هذه الصفة، إذا حمل على أصل ماله، فإنما على العامل الزكاة فيما يقع له من حصة الذي له المال الذي تجب عليه فيه الزكاة.
مسألة: ومن جواب أبي عبد الله –رحمه الله- وعن ثلاثة إخوة أخذوا بئرا بالثمن وزرعوها، وأخذوا بئرا أخرى من قوم آخرين، وزرعوها فجاءت إحداهما ثلاثمائة صاع، وجاءت الأخرى مائتي صاع، هل تحمل إحداهما على الأخرى؟ فنعم. أرى ذلك عليهم، ويوجد منهم الصدقة من جملتها. (17/54)
صفحة 4232
الباب الثالث عشر
زكاة المال المشترك
وعن أرض بين قوم مشتركة، تجب في ثمرتها جملة الزكاة، وإذا قسمت لم تصل في حصة كل واحد إلى حد الزكاة، هل يكون في ثمرتها الزكاة؟ قال: هكذا عندي معي في قول أصحابنا، وقد يوجد في بعض القول في بعض الآثار أنه لا زكاة عليهم حتى يصل لكل واحد منهم ما يجب فيه الزكاة، أو يحمل حصته على مال له آخر فتجب فيه الزكاة.
مسألة: وسئل عن ثلاثة نفر، اشترطوا على أيما أصابوا من عملهم، فهو بينهم شركة، وكل واحد منهم يعمل ناحية، بمعنى فأصاب كل واحد منهم من عمله ما لا يجب عليه فيه الزكاة، ولو جمع لوجب فيه الزكاة، فليس عندي عليهم في ذلك زكاة، ولا يثبت ذلك من شركتهم، لأن ذلك يخرج بمعنى مشاركة الأبدان، ومشاركة الأبدان لا تثبت.
مسألة: سألت عن قوم بينهم نخل يكمل في جملتها الصدقة، فلما أطعمت النخل قسموها على رؤوس النخل، فبعضهم أكله رطبا (17/55)
صفحة 4233
وبسرا، وبعضهم صرم حصته يابسا؟ فمن أكل حصته بسرا ورطبا فليس عليه شيء، وأما من تركها حتى يبست بعضها على بعض، فلما بلغ فيما بقي الصدقة أخذت منه. ومن غيره وقال من قال: إنه إذا أكلت الثمرة رطبا وبسرا، ففي ذلك الزكاة، ويحمل بعضها على بعض، ويخرج منها الزكاة، لأنها قد أدركت، وقد بلغنا عن بعض أهل العلم أنه كان يخرج ما أكله رطبا وبسرا، وهذا القول هو أحوط وأبعد من الشبهة، والله أعلم.
مسألة: وسألت عن قوم يكون بينهم أرض يختلف قسمها، يكون لرجل نصف أرض وثلث أرض وربع أرض، ليس هي على قسم واحد، وليس في أرض أحد منهم ما تكمل فيه الصدقة، ولا تخلص لرجل منهم حصته منهن ما يكمل فيه الصدقة، وإذا جمعهن أكمل بعضهم بعضا؟ فأقول في ذلك: ورأينا والله أعلم، أن القول إذا كانوا شركاء في جميع القطع، أن عليهم الزكاة، وإن كانوا لا يشتركون في جميع القطع التي بلغ في جميعها الزكاة، وكانوا الشركاء لا يجتمعون في جميع الأرض التي بلغ في جميعها الزكاة، فلا زكاة إلا أن تبلغ في كل قطعة الزكاة، فإن بلغ في القطعة أخرج منها، وإن لم تبلغ لم تخرج منها.
ومن -غير الكتاب- قال: قد حفظ هذا القول من حفظه من أهل العلم .. وقال من قال: ليس عليهم الزكاة إذا لم تبلغ في حصة كل واحد منهم ما تجب فيه الزكاة، ولو كانت الأرض مشاعة، هكذا قيل إنه يوجب في آثار المسلمين. ومن جواب أحسب عن أبي الحواري وقال أبو الحواري –رحمه الله- في رجلين شاركا في زراعة، وزرع هذا مع هذا في أرض بالخمس، وزرع هذا مع هذا أرضا له بالخمس، فأصاب كل (17/56)
صفحة 4234
واحد منهما خمسة وعشرين جربا؟ قال: تجب على كل واحد منهما الزكاة.
مسألة: قلت له: فلم وجبت عليها الزكاة؟ قال: لأن هذا مع هذا خمسة أجربة، ولهذا مع هذا خمسة أجربة، فكمل مع كل واحد منهما ثلثين جريا بماله مع صاحبه، وإنما يخرج كل واحد منهما على خمسة وعشرين، ولا يخرج على الخمسة التي يأخذها من عند صاحبه. قال غيره: ومعي أنه قد قيل ليس على واحد منها زكاة؛ لأن الخمسة التي يخرجها من صاحبه ساقطة مثلها منه، وأما التي يأخذها منه صاحبه، وإنما في يد كل واحد منهما خمسة وعشرون، وفي بعض القول إنه يؤدي كل واحد عن ثلثين، ولعل العمل بمنزلة الأجر عليه.
مسألة: قلت لأبي سعيد: في الأرض تكون مشاعة بين شركاء ويزرعوا مشاعة، فيجيء ثلاثمائة مكوك نحو هذا من اللفظ، قلت: أتجب في ذلك زكاة، أم حتى يكون لكل واحد ما يجب عليه في حصته الزكاة؟ قال: أما في حفظي الذي أحفظه فإنه يجب عليهم الزكاة، إذا وجب في الجملة، أما هو فقد يوجد في الآثار أنه يجب عليهم، ونص القول إن الزكاة تجب في كل واحد منهم، والقول الذي حفظته رأيته يذهب إليه.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- وكل أرض مشتركة لأناس جاء في زراعتها ثلاثمائة صاع، ففيها الصدقة وإن لم يكن كل واحد من الشركاء تجب عليه الصدقة في الذي له والعامل تبع لهم، وإن جاءت بدون ما تجب فيه الزكاة الصدقة، وكان في الشركاء من له زراعة غير هذا إذا حملت حصته من هذه على تلك، تمت ثلاثمائة صاع أو أكثر، فعليه (17/57)
صفحة 4235
الصدقة في حصته وحده، وعامله في هذه الحصة تبع له.
مسألة: منه، وكذلك إن كان مال بين شركاء في أصله، فأصابوا منه ثلاثمائة صاع، فالزكاة فيه، وعلى كل واحد بقدر حصته، وكذلك إن قسموها عذوقا؟ فقال من قال: فيه الصدقة، وإن وجبت في جميعه؛ لأن ذلك قسم ضعيف، وكذلك إن قسموه أصلا من بعد أن أدركت الثمرة، فالصدقة في جميعه إذا بلغت فيها الصدقة، وإن قسموا النخل من قبل دراك فلا صدقة في ذلك إلا أن تبلغ على كل واحد منهم، وإن كان أحد الشركاء له مال غير ذلك، حمل ما أصاب من هذه الشركة على ماله من غير ذلك، فإذا بلغت الصدقة، فيخرجها وفي –نسختين- أخرجها، وإن كان العامل الذي يعمل لجماعة الشركاء الذين لم تصل عليهم الزكاة وفي –نسخة- تبعا له بقدر حصته من جملته، وهو تبع لهم، وتبع للذي تجب عليه الصدقة منهم، ويكون على العامل من ذلك بقدر حصته من عمله.
ومنه مسألة: ومن كان عامل وهو شريك أيضا في تلك الزراعة، ولم تجب في الزرع المشترك صدقة، فكان لصاحب هذه الزراعة زراعة أخرى، بقدر ما تلزمه الصدقة، حملت حصة العامل عليه من عمله في الصدقة، فلا تلزمه صدقة في الذي له من الشركة. ومنه، وقيل في رجلين لكل واحد منهما قطعة، أصاب كل واحد منهما مائتين وخمسين مكوكا، ولكل واحد مع صاحبه خمس في العمل، فلا زكاة في هذا. ومن غيره، وقد قيل في رجلين زرعا أرضا وعمل كل واحد منهما مع صاحبه في أرضه، ولكل واحد منها خمس من العمل، وأصاب كل واحد منهما مائتين وخمسين صاعا، فقالوا إن الصدقة لا تجب (17/58)
صفحة 4236
في هذا، ومنهم من أوجب الصدقة عليهما. وفي –نسخة- في ذلك، وإنما يخرج كل واحد منهما عن الخمسة والعشرين.
مسألة: ومن -غير الكتاب- عن أبي الحواري، وعن رجل يكون له زراعة، ويقعد أرضا ويطن ماءه، فيصيب من زراعته ما لا تجب فيه زكاة، ويصيب من قعادة أرضه، وطني ماءه ما إذا اجتمع هو وزراعته وجب عليه الزكاة، أيزكي زراعته أم لا؟ فعلى ما وصفت، فإذا كان أطنى ماءه وأقعد أرضه بكيف معروف، لم يحمل ذلك على زراعته، ولم يكن عليه زكاة، إلا أن يكون أطنى ماءه وأقعد أرضه بنصيب معروف، حمل ذلك النصيب على زراعته إن بلغ فيه الزكاة أخرج الزكاة. قال مؤلف الكتاب: وبهذا القول نأخذ.
مسألة: وعن قوم قسموا نخلا بعدما أثمرت، ولم تجب الزكاة على كل واحد، وإن اجتمعت وجت عليهم؟ قال: عليهم الزكاة لأنها قسمت بعدما أدركت ثمرتها. (17/59)
صفحة 4237
[صفحة بيضاء] (17/60)
صفحة 4238
الباب الرابع عشر
في زكاة المال المشترك بين الذمي والمصلي
وسئل عن رجل يصلي إذا كانت زراعته بينه وبين نصراني إذا جمعت فيها الزكاة، فإذا حصل للمصلي نصيبه لم تبلغ الزكاة أعلى المصلي في حصته الزكاة أم لا؟ قال: معي إنه يختلف فيه فقال من قال على المسلم الزكاة في حصته، إذا وجبت في جملة الثمرة الزكاة، لأنه شريك بحصته. ومعي إنه في بعض القول إنه لا زكاة فيه حتى تجب في حصته خاصة.
مسألة: وسئل هل يؤخذ من المشركين مضاربة؟ قال: لا بأس بذلك، قلت فإنهم لا يزكون. قال: إنما يكره أن يأخذ دراهم فيها واجبا على أهلها، ولا يزكوها، فأما المشركون فليس عليهم زكاة.
ومن –كتاب أبي جابر- ومن كان شريكه في الأرض ذميا أو ممن لا تجب عليه الصدقة من صافية أو نحو ذلك، فلا صدقة عليه في حصته، ولو جاءت الأرض كلها بما تجب فيه الصدقة، حتى تتم في حصته هو، وأما إن كان الشريك ممن تلزمه الصدقة، إلا أنه لا يدين بها ولا يخرجها، فعلى هذا أن يخرج من حصته ما يلزمه، وإذا كان ذمي (17/61)
صفحة 4239
ومسلم مشتركين في حرث، فقول لا يحملان على بعضهما بعضا حتى يقع لكل واحد ما تجب فيه الزكاة، وقول يحملان على بعضهما بعض، وبهذا نعمل، إلا أن تكون الأرض لأحدهما، ويأخذها الآخر بزراعة، وعليه الماء والبذر بنصيب معروف، فلا يحمل بعضهما على بعض، حتى يقع لكل واحد ما تجب فيه الزكاة، ولا نعرف في هذا اختلافا.
قال غيره: إذا كانت الأرض للذمي وكانت من أرض العشر، ففيها الزكاة على الذمي والمصلي، وكذلك إن كانت للمصلي، وإن كانت للذمي وهي مما لا تجب فيه العشر، فقد قيل إنها إذا وجبت فيها الزكاة كان على المصلي في حصته الزكاة، وقول لا تجب عليه الزكاة حتى يصيب من حصته ما تجب فيه الزكاة. ويحمله على ماله من غير هذه الحصة، وقول ليس عليه زكاة على حال؛ لأنها أرض لا زكاة فيها، وفيها الجزية.
مسألة: من –كتاب الضياء- ومن كان شريكه ذميا، فجاءت الزراعة ثلاثمائة صاع، فعلى المسلم في نفسه، ولا شيء على الذمي، وقال قوم: لا شيء عليه حتى تتم حصته ثلاثمائة صاع، وإن كان شريكا في صافيه فهي مثل الأولى، وقال قوم: لا شيء عليه حتى يتم في حصته هو الصدقة، والله أعلم بذلك.
مسألة: ومنه، وإذا كان الرجل شريك ذمي أو يهودي في الزراعة، فجاءه ثلاثمائة صاع، فلا زكاة على المسلم في حصته حتى يحصل له في يده منها غير شريكه الذمي خمسة أوسق، ولو كانا مسلمين لوجب عليهما فيها الزكاة، ولو كانت ثلاثمائة.
مسألة: ومنه، وإذا اشترك يهودي أو نصراني ورجل مسلم في (17/62)
صفحة 4240
زراعة، فأصابا ثلثي جربا؟ قال أبو علي: لا أرى على المسلم زكاة في حصته حتى تبلغ عليه الصدقة. (17/63)
صفحة 4241
[صفحة بيضاء] (17/64)
صفحة 4242
الباب الخامس عشر
في زكاة مال الأيتام
وإخراج الوصي والمحتسب لذلك، وما أشبه ذلك
وعن وكيل اليتامى في أموالهم، ووصيهم من أبيهم بعد موته، إذا لم يعرف زكاة مالهم التي يتولاها حتى بلغوا، فلما بلغوا أخبرهم بذلك، ويكون هو بريء من ضمان ذلك أو يضمنه؟ قال: معي إنه إذا ترك ذلك لمعنى يسعه تركه، وأخبرهم بذلك، فأرجو أن لا يكون عليه أكثر من ذلك، وأما إذا تركه من غير عذر، فلا ينبغي ترك ذلك إلا من عذر. وقلت إنهم إن لم يصدقوه يكونوا سالمين أو غير سالمين؟ قال: معي إنه قيل إذا سلم إليهم ما أقر فيه عليهم بزكاة، وإنما صار إليهم من يده كان قوله حجة عليهم في الزكاة، كما كان حجة لهم في المال، وينظر في ذلك، وكذلك عندي إذا كان المال تجب فيه الزكاة، وقد علموا أن السنين التي مضت كان ملكا لهم؟ فقال: إنه لم يكن يؤدي منه الزكاة أشبه عندي أن يكون عليهم فيه الزكاة، حتى تصح أنه أدى منه الزكاة. وقلت: إن مات الأيتام وورثتهم ورثة، فأخبر الورثة، أيلزم الورثة بخبره ضمان أم لا ضمان عليهم؟ قال: معي إنه إذا مات الأيتام يتامى قبل البلوغ كان المعنى عندي فيه واحدا، بخبره للورثة، وإن (17/65)
صفحة 4243
ماتوا وقد بلغوا بعد ما يلزمهم معنى التعبد بأداء الزكاة، ويمكن أداؤهم لها، ويصير إليهم المال، ويعلموا أنه ثم لم يوصوا بالزكاة، أعجبني أن لا يكون هذا مثل الأول. قلت: وهل يلزمه هو الضمان، إذا ماتوا قبل بلوغهم؟ قال: معي إنه قد مضى القول في ضمانه هو إذا تركه لعذر، وإذا أبطل الزكاة لغير عذر يجوز له، ما أحقه عندي بالضمان.
مسألة: قلت فإن لم يكن لليتيم محتسب ولا وصي، فاحتاج رجل إلى شيء من طني النخل، فأراد أن يقوم شيئا من نخل اليتيم بقيمة عادلة، ويأخذها ويحتسب الطنى على نفسه، ويطني نفسه على هذا، وينفذه في صلاح اليتيم وماله، هل له ذلك؟ قال: إذا كان ذلك أصلح لليتيم جاز ذلك بحكم الاطمئنانة، وأما في الحكم فلا. قلت: وما تكون هذه الدراهم التي جعلها لليتيم من طنى نخلة، وبعد لم ينفذها في صلاح اليتيم أمانة هي عليه ضمان؟ قال: عندي أنها ضمان عليه.
قلت له: فعليه أن يخرج زكاة ما وقع على اليتيم منها؟ قال: قد قيل ذلك في بعض القول إذا خرجت من ضمانه إلى مال اليتيم، يقبض محتسب أو وكيل حتى يزيلها من ضمانه، وأما مادامت مضمونة في ماله فزكاها، عندي إن كان يجب عليه الزكاة، ولا يعجبني أن يزكيها؛ لأنها لم تصر بعد في ضمانه، وقال: واختلف في المحتسب لليتيم. فقال من قال: عليه وله أن يخرج زكاة مال اليتيم التي تجب في ماله. (17/66)
صفحة 4244
وقال من قال: له ولا عليه، وقال من قال: لا له ولا عليه. قلت له: وكذلك زكاة الفطرة مثل زكاة المال؟ قال: نعم. هي مثلها .. والاختلاف فيها سواء. (17/67)
صفحة 4245
[صفحة بيضاء] (17/68)
صفحة 4246
الباب السادس عشر
في ذكر زكاة اليتيم
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في وجوب الزكاة في مال اليتيم، فقالت طائفة: تجب الزكاة في ماله، وروينا القول عن عمر، وبه قال علي بن أبي طالب وابن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة أم المؤمنين والحسن بن علي وعطاء وجابر بن زيد ومجاهد وابن سيرين، وبه قال ربيعة ومالك بن أنس وسفيان الثوري والحسن وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور وسليمان بن حراث، وقال إبراهيم النخعي وأبو وائل والحسن البصري وسعيد بن جبير: ليس في مال اليتيم زكاة. وقال سعيد بن المسيب: لا يزكي حتى يحضر الصلاة ويصوم شهر رمضان. وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: في ماله الزكاة، غير أن الولي لا يخرجه، ولكن يحصيه، ولكن إذا بلغ أعلمه ليزكي عن نفسه. وقال ابن أبي ليلى: في ماله الزكاة، ولكن الوصي إن أداها ضمن، وقد روينا عن ابن شبرمة أنه قال: لا أزكي مال اليتيم الذهب والفضة، ولكن البقر والغنم والإبل، وما ظهر من مال زكيته، وما غاب لن أطلبه. وقال أصحاب الرأي: لا زكاة في مال الطفل، إلا فيما (17/69)
صفحة 4247
أخرجت أرضه، فإن الصدقة واجبة عله فيما أخرجت أرضه دون سائر ماله.
قال أبو سعيد: إنه يخرج في معاني قول أصحابنا إن الزكاة في مال الصبي إذا كان من أهل القبلة، إذا كان من الثمار والماشية، ولا أعلم في قولهم إن ذلك يؤخر، وأنه مخروج من ماله، إلا أنه إذا لم يكن يلي ذلك وصي ووالد من ماله، فلعل في ذلك اختلافا في معنى إنفاذه من ماله من غير الوالد والوصي. فقال من قال: إن ذلك له وعليه، وقال من قال: إن ذلك ليس له ولا عليه. وقال من قال: لا له ولا عليه، وما أشبه ذلك، إذا ثبت معنى الزكاة في المال أن كل من ولي المال زكاه، إذا كان في يده وقادر على إنفاذ الحق منه، وأما في الذهب والفضة فقد قال من قال: إن الوصي ينفذ ما وجب عليه من زكاة ذلك. وقال من قال: إنه إن شاء أنفذ ذلك، وإن شاء حسب ذلك، إذا بلغ أخبره، وقالوا: إنه عليه حجة إذا أعلمه بذلك إذا كان أمينا على المال.
ومن -جامع أبي صفرة- مسألة: وسألته عن رجل توفي وترك ابنا صغيرا عند أمه، وله مال، وقد كانت له أخت يعولها، هل لها أن تأكل من مال أخيها، وهي محتاجة، وقد أذنت لها أمه؟ قال: لا. قلت: فهل لها أن تزكي ماله؟ قال: نعم.
مسألة: عن أبي معاوية –رحمه الله- وعن حلي اليتيم لا يعرف وزنه، كيف يصنع فيه حتى يخرج منه الزكاة؟ وله حلي أيكسر أم لا من ذهب وفضة؟ إذا كان لا يعلم. فأرى أن يكسر حتى يعلم ما هو، ويعطي زكاته على علم. ومن غيره، وقد قيل يقوّم ولا يكسر. (17/70)
صفحة 4248
مسألة: وعن ثلاثة يتامى لهم خمسمائة درهم مجموعة مع وكيل لهم من غلة أو غيرها، حتى خلالها حول، فيها الزكاة أم لا؟ فإذا كانت بينهم بالسواء، وليس لهم غيرها، فليس عليهم فيها زكاة حتى يبلغ لكل واحد منهم مائتي درهم، إلا أن تكون هذه الدراهم ورثوها من والدهم، ممن تجري عليه الزكاة، فإن في هذه الدراهم الزكاة، حتى يقسموها إذا بلغوا أو يقسمها بينهم وكيلهم من قبل بلوغهم.
مسألة: ومن غيره، ومن بعض الجوابات، وعن امرأة لها يتيم قد دنا أن يحتلم، وله مال ألف درهم ونيف، فتزاوله على أن يخرج زكاة ماله فيكره، فكتبت تسألني عن ذلك، فرأيي في ذلك أن يجبر على ذلك ويخرج زكاة ماله، وهو خير له، وأخبرك أني قلت لجابر أرأيت أن رجلا في حجره يتيم، وله مال، أيخرج زكاة ماله؟ قال: نعم، فليزكه. فنظرت إليه، فقال: إن مالا لا تخرج زكاته خبيث، وبلغني أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كان في حجرها القاسم بن محمد بن أبي بكر، وكان له مال تزكيه، وكان أئمة المسلمين يزكون مال اليتيم إذا قدروا عليه.
مسألة: ومن غيره: وسأله عن رجل معه مال الأيتام، ولم يزك عنه سنين؟ قال: إذا بلغوا فليعلمهم أنه لم يزك مالهم سنين، وليس عليه شيء. وقال أبو بكر: ذلك إلى الوصي إن شاء أعطاه، وإن شاء أخر إلى أن يدركوا فيعلمهم.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- ووصي اليتيم مؤاخذ بزكاة ما في يد اليتيم، وإن كان حلي لا يعرف كم فيه، أو مال غائب عنه معرفته، وكره أن يتعرض له إلى بلوغ اليتيم، فلا بأس عليه في ذلك، ويعلم اليتيم إذا بلغ حتى يؤدي الزكاة، وكذلك إن قال الوصي لما بلغ اليتيم إنه لم يكن (17/71)
صفحة 4249
أخرج الزكاة لما مضى، والزكاة واجبة فيه، وعليه أن يخرج من ذلك المال لما مضى.
ومنه، مسألة: وإن جاء رجل بزكاة إلى الوالي فقال: إن هذه الزكاة عن يتيم عندي، وكان ذلك المال مشهورا، أخذها منه، ولا يقبل قول من يقول: إن هذا المال لفلان اليتيم، وقد خلا له عشر سنين أو أقل أو أكثر لم يؤد منه زكاة، ولكن يؤخذ المقر بالمال بإقراره لليتيم، فإذا أحال عليه حول مذ أقر به أخذت منه الزكاة إذا بلغت فيه، وقول: إن وصي اليتيم بالخيار، إن شاء أدى الزكاة عنه، وإن شاء تركها إلى بلوغه، ويعلمه حتى يؤدي، وعلى اليتيم إذا بلغ أن يصدق الوصي في ذلك. وقول على الوصي أن يخرج الزكاة، ولا يدعها في مال اليتيم. (17/72)
صفحة 4250
الباب السابع عشر
في زكاة الغائب واليتيم
ومن جواب أبي الحسن –رحمه الله- وعن رجل كان في يده ألف درهم ليتيم أو غائب، وكان يخرج زكاتها كل سنة، حتى بلغ اليتيم أو قدم الغائب، فأدرك منها مائتي درهم، فطالب الذي له، قلت: هل يلزم هذا غرم لليتيم أو للغائب فيما أدى من زكاة ما لزمهم من الزكاة؟ فعلى ما وصفت، فأما اليتيم فإن كان هذا وصيا لليتيم أو وكيلا له في ماله فأخرج زكاة ماله، فلا غرم عليه في ذلك إن شاء الله، وأما الغائب فإن أمره إن يخرج زكاة ماله من تلك الدراهم، وإلا فلا يخرج زكاته حتى يقدم؛ لأن الغائب لعله يحدث ما لا يكون عليه زكاة، أو يزكي ماله، فإن كان أقر معه أن ذلك المال له ثم غاب، فبدع المال بحاله حتى يقدم، ولا ينبغي أن يضمن مالا لا يؤدي زكاته، فإن حاكمه في ذلك فأقر أنه لم يأمره بإخراج زكاة ماله هذه، وأنه هو يزكي ماله أو زكى ماله، كان عليه الغرم في الحكم، وإن كان أمره بإنفاذ زكاة ماله فلا غرم عليه.
وقلت: ما تقول إن كانت هذه الدراهم في يد هذا الرجل فأقرها مع وال من ولاة المسلمين، فقبض منها الزكاة، إلى أن رجعت إلى مائتي (17/73)
صفحة 4251
درهم، وقد أخذها الوالي، وبلغ اليتيم وقدم الغائب فطلب مالهما.
قلت: ما يلزمه لهما إذا أقر أن والي المسلمين أخذ زكاتهما؟ فأما مال اليتيم إذا قبض والي المسلمين زكاة ماله، فلا غرم في ذلك على أحد، وهو حق الله أخذ من حق الله، وأما الغائب فلا يتقدم الوالي على أخذ زكاة ماله حتى يقدم الغائب؛ لأن الغائب لا تؤخذ زكاة ماله من الورق حتى يقدم؛ لأنه يحدث له الأحداث مما يزيل عنه الزكاة، وأما الثمار فتؤخذ الزكاة من ماله.
وقلت: وإذا كانت هذه الدراهم في يد هذا الرجل لنفسه أو اليتيم أو الغائب، فأقر مع الوالي أن فيها زكاة عشر سنين لم تخرج، قلت: هل يجوز للوالي أن يأخذ زكاة عشر سنين؟ فعلى ما وصفت فأما ما أقر به في مال نفسه فذلك يأخذ الوالي زكاته، وأما اليتيم فإن كان وصيا لليتيم عن أبيه في ماله أو وكيلا عن المسلمين فأقر بذلك ودفعها هو إلى الوالي، قبضها الوالي ولا يتولى الوالي أخذ الزكاة في عشر سنين بإقراره، إلا إذا دفعها الوصي أو الوكيل إلى الوالي، وأما الغائب فيدع ماله حتى يقدم، إلا أن يكون وكيلا للغائب في ماله، وأمره بإخراج زكاة ماله من الورق فذلك جائز، وأما مال الغائب من الثمار فيؤخذ منها الزكاة، إذا وجبت فيها على كل حال، والذي أقر بعشر سنين في مال اليتيم يؤخذ من حين ما أقر بالمال فيما يستقبل الوالي في السنة المستقبلة، وأما العشر فإن سلم إليه الوصي أو الوكيل قبض ما سلم إليه من الزكاة، والله أعلم بالصواب.
مسألة: ومن غيره، وأحب أن لا يؤخذ وكل الغائب بزكاة مال الغائب، إلا أن يكون الغائب أمره بذلك أمره بذلك وأعطى هو برأيه؛ لأن الغائب (17/74)
صفحة 4252
لا تعرف حجته، وكذلك المؤتمن ليس عليه أن يخرج الزكاة من أمانته.
مسألة: وعن أبي سعيد –رحمه الله- فيما أحسب، وقلت: كيف تؤخذ الزكاة من مال الغائب والمفقود، إذا لم يكن له وكيل؟ فعلى ما وصفت، فإذا وجبت الزكاة في الزراعة بعلم من الوالي أو صاحب الصدقة الذي يقبضها أخذها من المال، كان صاحب المال حاضرا أو غائبا، إذا كان الإمام في حال يجبر على الزكاة، وإذا كان الإمام لا يجبر على الزكاة فلا يكون قبض الزكاة إلا على رأي صاحب المال أو وكيله الذي جعله لذلك، وكذلك إن غاب عن الوالي الوجوب في الزكاة لم يكن للوالي ولا لمن يلي قبض الزكاة إلا من يد رب المال أو من يد وكيله الذي أجاز له ذلك، أو يقر أحد من الناس بشيء في يده أنه من الزكاة، أو أنه زكاه، فإن الوالي يقبضه على هذا.
قلت: وكذلك المرأة تكون في البيت، ولها عامل فعلى ما وصفت فقد مضى الجواب، والمرأة مثل الغائب والمفقود.
مسألة: وعن الغائب واليتيم، إذا قدم الغائب، وبلغ اليتيم فسلم إليه رجل ألف درهم، وأخبره أنها لم تكن تزكى، ولم يعرف كم سنة وجبت فيها الزكاة، قلت: ما يفعل الغائب واليتيم في زكاة هذه الدراهم؟ فعلى ما وصفت، فإذا لم يعرف كم مضى من السنين لم تزك احتاط في ذلك، حتى يكون معهما أنهما قد أخرجا باحتياطهما عن زكاة ما مضى، وليس عليها غير ذلك. فإذا علم الله صدقهما في ذلك، نصحه الإرادة فذلك خلاصهما إن شاء الله.
مسألة: وذكرت في مال الأيتام، وهل يجوز الأخذ من أموالهم؟ (17/75)
صفحة 4253
فاعلم رحمك الله أن الزكاة واجبة في أموال الأيتام والأغياب، فإذا سلم إليك وصي اليتيم أو المحتسب الذي يحتسب له جاز قبضها إن شاء الله، وكذلك الزكاة تجب في مال اليتيم والغائب، إذا كان لهم عامل، وقال لهم هذه الزكاة اقبضها، رجوت أن يجوز قبضها لك.
مسألة: وقال أيضا: في رجل له دراهم بعمان، والرجل بالبصرة، وله وكيل بعمان، إن المزكي يذهب إلى الوكيل فيطلب منه زكاة مال الغائب ويأخذ زكاته، إلا أن على الغائب دينا فليس عليه زكاة، فإذا لم يقل شيئا فليس على المزكي أن يسأله عن صاحب المال؛ لأن الوكيل هو قائم مقام صاحب المال، فإذا لم يحتج بشيء عنه أخذت منه الزكاة.
ومن جواب أبي سعيد رحمه الله- أيضا، عن الإمام حفص بن راشد قلت: وكذلك العمال لمال الغائب واليتيم، هل لهم أن يخرجوا زكاة الثمار من أموالهم على وه الاحتساب؟ فإذا لم يجب للإمام فقد قيل إن ذلك يجوز للشريك أن يسلم زكاة المال من مال الغائب واليتيم إلى الفقراء أو إلى الإمام، ولو لم يجب له ذلك في الحكم. ومن غيره، وأما الغائب ففيه الاختلاف، فقال من قال: يوقف حتى يحضر الغائب ثم يخرج ما عليه فينظر في ذلك.
مسألة: ومن -كتاب أبي جابر- وكل غائب فلا زكاة في ماله من الورق حتى يعرف ما عنده، لعله حدث له دين بسبب زالت زكاة الورق، وأما الثمار فلا تقاس بهذا، لأنها واجبة على كل حال في الذي يجب فيه النخل أو غيرها من الأرض والثمار، ولا يرفع ما يلزم صاحبها من الدين، ووكيل الغائب واليتيم يقوم مقامه في ذلك في أداء (17/76)
صفحة 4254
زكاة ماله، وإن كان يتيم لا وصي له ولا وكيل، أقام الحاكم له وكيلا، وأخرج الزكاة من ماله، وكذلك الأعجم والمعتوه والشيخ الذي ضل عقله، يقام له وكيل، ويؤدي الزكاة من أموالهم.
مسألة: من –الزيادة- رجل في يده مال لقوم أعراب، وهو يقوم به ويأمر ويقبض ثمرته، أيجوز أخذ زكاة هذا المال من عنده؟ قال: إن كان مأمونا على مثل ذلك لأنه لا يفعله إلا برأي أهله جاز ذلك بمعنى الاطمئنانة، وإن كان متهما أو لا يؤمن على مثله ذلك لم يعجبني أن يؤخذ ذلك منه إذا علم أنه من المال، أو عن زكاة هذا المال، جاز عندي أن يقبض منه ما في يده، ما لم يقر به أنه من المال أو يعلم ذلك.
مسألة: عن أبي عبد الله، في شريكين: أحدهما غائب، هل يقبل قول شريكه الحاضر أنه قد أدى زكاة حصته؟ قال: يأتمنه على ذلك.
قال غيره: أما فيما يلزمه هو من الزكاة فيقول له الشريك: إنه قد أدى عنه فلا يجزيه ذلك، حتى يكون ثقة، وقول يجزيه إذا يجزيه إذا كان أمينا، وأما فيمن يلزمه الشريك من زكاة حصته وهو الشريك في المال، فقيل: ليس ذلك على شريكه ما كان، وقيل عليه في زكاة شريكه كمثل ما عمله على الاختلاف؛ لأنها أمانة لهما في الأصل.
مسألة: ومن –كتاب الكفاية- وقلت: هل في المال الحرام زكاة، وهل على المسلمين أن يأخذوا منه الزكاة؟ فعلى ما وصفت، فإذا وجبت في المال بعينه الزكاة أخذ منه الزكاة إذا كان من مال أهل القبلة، ولو كان مغتصبا أو مأخوذا من باب ربوي أو من وجه ربا، فافهم ذلك. لأن مال (17/77)
صفحة 4255
أهل القبلة واجبة فيه الزكاة على كل حال إذا كان الإمام يجبر على الزكاة، والله أعلم بالصواب.
كذلك مال اليتيم إذا علمت أنت أن مال اليتيم قد وجبت فيه من الثمار، وكنت تأخذ الزكاة بالجبر من الرعية، جاز لك ذلك أن تأخذ من مال اليتيم، إذا علمت أن الزكاة قد وجبت فيه، وأما إذا لم يعلم ذلك، فإن كان الذي يقول ذلك إن هذا زكاة من مال هذا اليتيم وصي، ولك يكن يعلم خيانته، جاز لك أن تأخذ منه الزكاة، وأما إذا لم يكن وصيا لليتيم، وغاب عنك علم وجوب الزكاة في مال اليتيم، وأقر هذا أن هذا من ما اليتيم زكاة، وجبت فيه، أو من زكاة وجبت فيه لم يقبل ذلك، إلا أن يكون ثقة فإن الثقة مصدق في ذلك، وكذلك إن أقر هو أن هذا زكاة، أو من الزكاة، لم يفسر من أين هي أخذت أنت الزكاة منه، فافهم ذلك، والله أعلم. (17/78)
صفحة 4256
الباب الثامن عشر
فيمن يخرج زكاة ماله ثم شك فيخرج زكاة شيء من ماله
ومن جواب أبي الحواري –رحمه الله- وعن رجل يخرج زكاته، ثم يشك في شيء من ماله إنه لم يخرج عنه زكاة، ويرجو أنه قد أخرج عنه، أيرجع يزكيه، فلا بأس عليه؟ فعلى ما وصفت، فإن كان وقت زكاته فعليه إخراج ما يشك فيه حتى يعلم أنه قد زكاه، وإن كان قد انقضى الوقت فليس عليه زكاة حتى يعلم أنه لم يزك. (17/79)
صفحة 4257
[صفحة بيضاء] (17/80)
صفحة 4258
الباب التاسع عشر
في زكاة ما أخرجت الأرض من الحبوب
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: أجمع عوام أهل العلم على أن الصدقة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، واختلفوا في وجوب الصدقة في سائر الحبوب والثمار، فقالت طائفة: لا صدقة إلا في هذه الأربعة الأشياء، هذا قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن صالح وعبد الله بن المبارك ويحيى بن آدم وأبو عبيد. وفيه قول ثان وهو ضم السلت إلى الأصناف الأربع، هذا قول ابن عمر. قيل: إن السلت نوع من الشعير، فإن كان هكذا فهو موافق لقول هؤلاء. وفيه قول ثالث: وهو ضم الذرة إلى الحنطة والشعير والزبيب والسلت، هذا قول إبراهيم النخعي. وفيه قول رابع: وهو إيجاب الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسلت والزيتون، روينا هذا القول عن ابن عباس. وفيه قول خامس: وهو إيجاب الصدقة في النخل والعنب والحبوب كلها، هذا قول عطاء بن أبي رباح ومكحول وعمر بن عبد العزيز وحماد بن أبي سليمان. وقال الزهري في القطاني العشر، وبه قال مالك بن أنس والأوزاعي. وفيه قول سادس: وهو جميع ما يزرعه الآدميون وييبس، ويدخر، (17/81)
صفحة 4259
ويقتات به، مأكولا خبزا أو سويقا أو طحينا، ففيه الصدقة، والقطاني فيها الزكاة، وليس في الابازير والقت، ولا القثاء ولا حبوب البقول ولا السوس صدقة. لا يؤخذ من شيء من الشجر صدقة، إلا النخل والعنب، هذا قول الشافعي. وقد اختلف فيه عن أحمد بن حنبل، فحكي عنه أنه كما قال أبو عبيد، وحكي أنه قال: كل شيء يدخر ويبقى فيه الزكاة. وقال إسحاق: كل ما وقع عليه اسم الحب فهو مما يبقى في أيدي الناس، مما يسير في بعض الأزمنة عند الضرورة طعاما لقوم، وهو حب يؤخذ منه العشر. وقال أبو ثور: في الحنطة والشعير والأرز والحمص والعدس والذرة، كل جميع ذلك مما يؤكل ويدخر، والتمر من الزبيب والسلت والدخن واللوبيا والقرطم، وما أشبه ذلك صدقة. وقال أصحاب الرأي: في الحنطة والشعير والحلبة والتين والزيتون والذرة والزبيب والسمسم والأرز وجميع الحبوب كلها، إذا كان في أرض الصدقة العشر.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه الاتفاق من قولهم إن الزكاة مما أنبتت الأرض في ستة أصناف: وهو التمر والزبيب والبر والذرة والشعير والسلت. فقال من قال: إنه الشعير الأقشر، والذي يثبت هذا منهم لا يرى في سائر الحبوب ما أنبتت الأرض صدقة غير هذه الأصناف. قال من قال: إن السلت هو سائر الحبوب مما يستبقى في أدي الناس ويقتات به، مما هو سنبل، وما كان على غير معنى السنبلة في جميع ذلك فلا زكاة فيه. وقال من قال: إن السلت جميع ما وقع عليه اسم الحب مما كان سنلة أو قرونا، مثلا الباقلأ واللوبيا وما أشبه ذلك، وما كان (17/82)
صفحة 4260
سنبلة فهو مثل الدخن والأرز وأشباه ذلك، فعلى حسب هذا يخرج معاني قولهم عندي، ولا أعلم في غير هذه الصنوف معهم زكاة، ولو كان يبقى في أيدي الناس مثل الثوم والبصل وأشباه ذلك، ولو كان يقتات به، ولا أعلم مدار قولهم: إن الزكاة تجب في شيء مما أنبتت الأرض إلا المأكول، إلا أنه قد يوجد عن بعضهم إن في القطن الزكاة، ولا أعلم ذلك مما عمل به الأئمة، إلا أنه قد يوجد أنه عرض على بعضهم فلم يثبته. فقال له السائل: أفأضرب عليه، قال: لا فالله أعلم ما أراد ذلك أنه لم يخرج معه إلى معنى الباطل، أو كان له فيه نظر.
قال المؤلف للكتاب: وفيه رأي آخر إذا بلغ القطن ثلاثمائة من، ففيه الزكاة، والله أعلم.
مسألة: ومن –كتاب أبي جابر- والصدقة في الثمار في التمر والزبيب. ومن غيره: وعن أبي زياد أن الزبيب يحمل على التمر في الصدقة. ومن غيره: ولا يحمل الزبيب على التمر إذا لم تجب في أحدهما الزكاة، ولا البقر على الإبل ولا الإبل على البقر.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، والله أعلم.
(رجع)
والحنظة والشعير والسلت والذرة، وقيل السلت هو الشعير الأقشر. وقال من قال أيضا من الفقهاء: الصدقة أيضا في السمسم والعدس والدرسق والدخن والماش واللوبيا والجرجر. وقال من قال: الصدقة في الحبوب كلها.
ومن –الكتاب المعروف بكتاب الأموال- تأليف أبي عبيدة (17/83)
صفحة 4261
القاسم بن سلام، ومن باب الصدقة قال أبو عبيد: يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والنخل والعنب، وقال أبو عبيد: ويروى أو قال من التمر والزبيب. وقال: إنه كان يأخذ الثياب بصدقة الحنطة والشعير. قال أبو عبيد: وعن الحسن أنه كان لا يرى العشر إلا في الحنطة والشعير والزبيب، وكذلك يروى عن ابن سيرين. قال أبو عبيد: وبهذا القول كان يأخذ ابن أبي ليلى وسفيان بن سعيد أن الصدقة لا تجب في شيء مما يخرج من الأرض إلا في هذه الأربعة أصناف على ما سن رسول الله، وامر به معاذا، ثم قال ابن عمر. قال أبو عبيد: وقد قال قوم أئمة سوى هذا القول، وزادوا في هذه الأصناف ونقصوا، فمن زاد ابن عباس وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري والأوزاعي ومالك بن أنس، وأهل العراق، وغير ابن أبي ليلى وسفيان، وممن قال بقولهما، وممن كان نقص منهم شريح والشعبي.
فأما الذين زادوا فروي عن ابن عباس أنه قال: الصدقة في الحنطة والشعير والزبيب والذرة والسلت، فأما من قال بالنقصان فيروى عن شريح قال: تؤخذ الصدقة من الحنطة والشعير والتمر، وكان لا يرى في العنب صدقة، وكذلك يروى عن الشعبي بمثله، وكان مذهب هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حكم على العرب في صدقاتها بما يعرف من أقواتها ما هو طعام لها في حاضرتها وباديتها، فلم يكن إلا هذه الثلاثة الأصناف، فكانت بالحنطة والشعير لأهل المدر، وكان التمر لأهل الوبر، وخرج الزبيب من هذا المعنى.
يقولون: فإنما وجبت الصدقة للفقراء على الأغنياء فيما لا حياة لهم (17/84)
صفحة 4262
بعد الله إلا بهم، ليعيشوا معهم كالإبل والبقر والغنم التي خصها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة من بين جميع سوائم الخيل والبغال والحمير، فجعل الله ألبان تلك ولحومها معاشا للناس من دون هذه، فلذلك وجب في تلك الصدقة دون الأخرى.
يقولون: وكذلك هذه الأصناف الثلاثة من الطعام البر والشعير والتمر، هن في قوت الناس ومعاشهم عند العرب. قال أبو عبيد: الذي أختار من ذلك الاتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لا صدقة إلا في الأصناف الأربعة التي سماها ونسبها مع قول من قال من الصحابة والتابعين، ثم اختار ابن أبي ليلى وسفيان ثم عيينة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين خص هذه بالصدقة، وأعرض عما سواها، قد كان يعلم أن للناس أموالا مما تخرج الأرض، وكان تركه ذلك عندنا عفوا منه كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق. (17/85)
صفحة 4263
[صفحة بيضاء] (17/86)
صفحة 4264
الباب العشرون
في ذكر زكاة ما أخرجت الأرض من الحبوب
من كتاب الإشراف قال أبو بكر: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض (، وقال عز وجل: وآتوا حقه يوم حصاده (. فروينا عن ابن عباس أنه قال: العشر ونصف العشر. وقال: من حقه الزكاة يوم يكال ويعلم كيله، وبه قال جابر بن يزيد وسعيد بن المسيب والحسن البصري وطاووس وقتادة. وقال مجاهد: إذا حصد زرعه ألقى لهم من السنبل، وإذا أجذ نخله ألقى لهم من الشماريخ، فإذا كاله زكاه.
وقالت طائفة: كان هذا قبل الزكاة، لأن هذه السورة مكية. وممن قال: إن الآية منسوخة إبراهيم النخعي وأبو جعفر.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا نحو ما حكي بمعاني الاختلاف، وأثبت ما عندهم فيما عندي أنه لا يجب فيها الزكاة بالكيل، وقد قيل في معنى قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده (إن عليه بمعنى الحصاد حقا غير الزكاة بالمعروف، حتى قال من قال: إنه يجب في مال اليتيم. وقال من قال: ليس في مال اليتيم إلا الزكاة، والله أعلم. (17/87)
صفحة 4265
مسألة: وعن رجل أصاب من ذرته مائتي مكوك، وباع علفا من الذرة بمائتي مكوك قبل دراكها، أيحمل العلف على الحب؟ قال: لا أرى عليه شيئا في هذا.
مسألة: وعن رجل زرع أرض رجل بغير رأيه، فأعطاه ما أراد، وأخذ ما أراد لنفسه، أعلى صاحب الأرض زكاة هذه الزراعة؟ قال: لا، إلا أن يقدر على أخذ الحب، فيعطي زكاته إذا وجبت فيه الزكاة.
ومن غيره، ومن كتاب أبي المؤثر.
مسألة: وعن رجل له مال تبلغ الزكاة، فيعطيه رجل من ماله ما إذا اجتمع وجبت عليه الزكاة؟ قال: إذا كان أعطاه ثمره، فليس عليه زكاة، وإن كان أعطاه أصلا، وكانت العطية قبل دراك الثمرة، فعليه الزكاة، وإن كانت عطيته وقد أدركت الثمرة فلا زكاة عليه.
مسألة: وعن أبي عبد الله محمد بن الحسن، رجل له قطع فزرع تلك القطع حنطة، فلما أدركت ويبست وهب زرعا من تلك القطع لإنسان وحصده، فبلغ في الزرع الزكاة، على من تذهب زكاة ذلك الزرع، على الواهب أو على الموهوب له؟ الجواب: إذا قبض الموهوب له الهبة فالصدقة عليه، والله أعلم. (17/88)
صفحة 4266
الباب الحادي والعشرون
في زكاة ثمرة النخل
ورجل أعطى فقيرا نخلة على أنها من زكاته، فأكلها الفقير رطبا وبسرا، هل يجزيه أن يطرح مقدارها من زكاته على قول من يقول: ما أكل بسرا ورطبا ففيه الزكاة؟ قال: معي إنه إن كان يؤدي زكاته رطبا وبسرا أجزى ذلك. وإن كان هو لا يذهب إلى ذلك، وإنما يؤدي زكاته تمرا لم يجزه ذلك أن يحط ذلك.
مسألة: قال أبو سعيد –رحمه الله-: في رجل أعطى رجلا نخلا رطبا وبسرا وحبسها عليه مما عليه، أيلزمه من زكاة التمر؟ إن ذلك عنده بمنزلة العروض، ولا يجزيه على بعض القول، حتى يصير تمرا يابسا على معنى قوله، وعن رجل أطعم رجلا نخلة من نخله وحسبها من زكاته، إذا رجا أن تصل ثمرتها جرابا، حسبها تسعة أقفرة أو ثمانية، هل يجزي ذلك عنه، وهل يجوز أن يقوّم زكاته قبل حصادها وهي لم تدرك؟ فقد قيل فيمن أعطى نخلة فقيرا أو حسبها من زكاته، فإن ذلك يجزي عنه، ولا يحسب قبل دراكها، وإنما يسحب بعد دراكها.
مسألة: عن أبي سعيد –رحمه الله- وعن رجل عليه في ماله الزكاة، (17/89)
صفحة 4267
أعطى نخلة فقيرا عما يجب عليه من الزكاة، قلت: هل يجزيه ذلك؟ فعلى ما وصفت فقد عرفنا في ذلك اختلافا، إذا أعطاه نخلة بسرا ورطبا، فقال من قال: تجزيه ذلك على قول من يقول: إن في الرطب والبسر الزكاة. وقال من قال: لا يجزيه ذلك، وأما إذا قبضها تمرا يابسا أو تمرها وصارت إليه تمرا في يده، فقده أجزأه ذلك عن الزكاة.
مسألة: في العسل، وعنه وأما الذي كنز تمره ولم يخرج منه الزكاة فنضد التمر، وخرج منه العسل، ثم أراد أن يخرج منه الزكاة فمعي، إنه إذا لم يتغير التمر، وبلغ إلى معرفة إخراج الزكاة، واحتاط حتى لا يشك أنه قد أدى مال لزمه هنالك عندي جائز، وإنما الزكاة في التمر ليس في العسل، وإن أخرج منه بالوزن بالورق فحسن، وإن تغير التمر بوجه من الوجوه عن حاله الذي كان عليه حين وجوب الزكاة، لم يجز عنه ذلك، وكان عليه أن يعطي تمرا غير متغير، مثل التمر الذي لزمه من الزكاة.
مسألة: وقال أيضا في النخل إذا تعينت ثمرتها فلا يؤكل منها شيء إلا بكيل، لأن فيه الزكاة، وقال من قال: يؤكل منه، وليس فيما يؤكل منه زكاة. ومن غيره، قال: نعم، قد قيل هذا، وقال من قال أيضا: ما كيل من ذلك كله وجب فيه الزكاة، وما أكل بغير كيل فلا زكاة فيه. ومن غيره، وقال من قال: يؤكل من المصطاح والرطب والحمل، فلا زكاة فيه. ومن غيره، وقال من قال: وقد قيل أيضا فيما أكل من المصطاح بالاختلاف، فقال من قال: ما أكل فلا زكاة فيه، وقال من قال: فيه الزكاة، وقال من قال: ما كيل فأكل ففيه الزكاة، وما لم يكال فلا زكاة فيه. (17/90)
صفحة 4268
مسألة: وإن باع من الرطب ببقل أو سمك أو بشي، فعليه فيه الزكاة. ومنه، قال: وقد قيل ما اشترى لعياله مثل الباقلاء والسمك وأشباهه مما يدخل في إدامهم فلا زكاة فيه، وقال من قال فيه الزكاة، وذلك في التمر اليابس من المصطاح وغيره، وأما الرطب فإنما هذا على قول من يقول بالرطب إن فيه الزكاة.
مسألة: وعن البسر المطبوخ أخرج زكاته بسرا أم من التمر؟ قال: إذا أخرجت زكاته من ثمرة النخلة التي هو منها، فلا بأس إن كان مكان البسر تمرا.
مسألة: من –كتاب الكفاية- ومن وجب عليه زكاة في تمر فرض، أو مصين، فأخرج بدله أو أقل منه، فعلى قول يجزيه، ويخرج فضل القيمة تمرا من ذلك حتى يكمل ذلك، وقال آخرون: من كل ما يجب فيه يخرج منه قسطه.
مسألة: وعن أبي سعيد –رحمه الله- في رجل أطعم فقيرا أو غنيا، أو باع لأحد رطبا، ثم لم يدر ما حاله تركه حتى صار تمرا أو أذهبه رطبا، فمعي إنه على قول من يقول: إنه قيل ليس في الرطب زكاة، فيخرج عنيد في الحكم أنه لا زكاة فيه حتى يعلم أنه صار تمرا، أو يكون الأغلب من ذلك أنه يصير تمرا عند مشتريه، فإذا كان كذلك فعندي إنه يختلف في الزكاة فيه.
مسألة: أبو الحواري، اختلف في زكاة التمر، فقول: كل شيء من التمر ففيه الزكاة، وقول: لا زكاة إلا فيما جمع المصطاح، فما ذهب من غير أن يصل إلى المصطاح فلا زكاة فيه. إذا ذهب مما أكل (17/91)
صفحة 4269
أو عطيه، إلا أن يكون بيع بيعا بدراهم، أو بغير ذلك، ففيه الزكاة، وأما ما اشترى به الإدام مثل الجرجر وغيره، فلا زكاة فيه، إلا من المصطاح، وقول إذا نضح التمر، ففي كل شيء منه الزكاة، وليس في اللقاط زكاة، إلا أن يكون ريحا خاربا ويجمعه أيضا في المصطاح، وكذلك الشخار. قال غيره: ما أكل من الرطب مجملا فلا زكاة، كان بكيل أو غيره.
مسألة: وقيل ليس في الحشف زكاة. قال هاشم: والحشف من التمر قبل أن يكال، فمعي إنه يختلف في الزكاة فيه إذا أكل بغير كيل أو أكله العيال، وأما العلة في ذلك فمعي إنه هو مستهلك بوجوب حق العيال فيه، كما كان مستهلكا في الدين، وحق العيال عندي أوجب من حق الدين.
مسألة: من كتاب أبي جابر، ولا زكاة عندنا إلا فيما يبس وصار تمرا، إذا بلغ فيه الصدقة، وفي بعض القول إنما الصدقة فيما جمعه المصطاح، والقول الأول أحوط، وهو أحب إليّ. ومنهم من قال: فيما كيل، وما لم يكال فلا زكاة فيه.
مسألة: وإذا يبس التمر في رؤوس النخل، فما أكل منها أحصي كله للزكاة، وأما ما يطعم الصارم، فإنه إن كيل ففيه الزكاة، وما لم يكل فلا، وقول آخر: إن كيل أو لم يكل فلا شيء فيه. قال غيره: وقد قيل إن قيل أو لم يكل ففيه الزكاة.
مسألة: ورجل أخرج زكاة تمره ونضده مع تمره، فخرج منه عسلا فقام يخرج بمقدار العسل ويعطي الفقراء عن نية، أو يعطيه هكذا على غير (17/92)
صفحة 4270
نية، أو على أنه من عسل الزكاة، حتى أخرج بمقدار ما خرج، أيجزيه ذلك ويكون مؤديا أم لا؟ فلا يبين لي أن في العسل زكاة، وأرجو أنه إن لم ينقص قيمة التمر عن حاله أو يضره ذلك أن التمر يجزيه عن الزكاة. ومعي إن هذا احتاط جعله من الزكاة أو من الصدقة والعطية للفقراء. وقلت: أعتقد ذلك بعد العطاء، أيكون مؤديا أم لا؟ فإذا كان لازما وغير مميز بعينه، فقد قصد به للزكاة ثم أنفقه، فمعي إنه لا يجزيه عن الزكاة.
وقلت: لو أعطى من العسل جملة من عسله، ومما يخرج من الزكاة، أو من تمر- خاصة بمقدار ما يخرج من ثمرة الزكاة، والعسل بعد يخرج فسلمه إلى الفقراء على نية أنه عسل الزكاة، أو على غير نية لشيء، ثم نوى بعد ذلك، فسلمه إليهم وسلم التمر إلى آخرين، وأخذ هو الباقي الخارج من ثمرة الزكاة، أيكون مؤديا أم لا؟ فمعي إنه إذا كان التمر لا ينقصه خروج العسل عن حال ما وجبت فيه الزكاة أنه يجزيه عن الزكاة، والعسل لا يبين لي فيه زكاة، وإن وجبت فيه زكاة لمعنى هذا عندي، فأخرج أولا عن آخر أجزأه ذلك عندي، لأنه لا يجوز أن يعطي عن الزكاة مثلها أو أفضل منه، ولا يعطي من كل شيء بعينه زكاته.
مسألة: ورجل سلم إلى رجل تمرا من الزكاة لعمرو ولبعض ليقبضه أو يسلمه إليه، فمر زيد فقال لعمرو فإن فلانا دفع إلي تمرا لك، أبلغك إياه أو توجه إليه من يحمله أو تصده لك مع تمرك، فجاء هذا فأخذ التمر فكنزه مع تمره، ولا نية له في القبض، إلا أنه فعل ما قال له أن يكون قد صار لعمرو أم لا؟ فمعي إنه إن كان الأول قبضه (17/93)
صفحة 4271
لعمرو، وأتم ذلك عمرو، فهو من ماله عندي على بعض القول، وإن كان إنما هو رسول إليه ليسلمه، فلا يبين لي أن ذلك قبض حتى يقبضه، كما أمرت بالزكاة. وقلت: إن كان لم يصر له ما لم يقبضه زيد ويرضى بذلك أو يأمره بقبضه، أو غيره فوقع في التمر مضرة وزيد ثقة مع رب المال فضمان المضرة على من، على زيد أو رب المال، وفعل ما وصفت بغير أمر المرسل، فوقع من فعله في التمر مضرة، فلا آمن عليه الضمان لذلك، لأن فعل ذلك بغير أمر زيد، إذا لم يكن قد قبضه لعمرو ولا قبضه عمرو منه، وقيل ليس في الحشف زكاة. قال هاشم: والحرث مثله، وقول في الحرث الزكاة، فمن أخرج الحشف من التمر فليعط من الذي خلص منه الحشف، فإن أعطى من تمر غير منقى حسب ما أخرج من التمر من الحشف، وأعطى منه.
مسألة: قال زياد فيمن ميز الحشف من التمر، فلم يبلغ في التمر للصدقة، ولو خلط فيه لبلغ. قال: ليس فيه صدقة.
ومن غيره، قال أبو سيعد: في الذي ينتقي تمره من الحشف قبل أن يزكيه، أن عليه أن يعطي الزكاة من التمر المنتقى، وإن أداها قبل أن ينتقي ولم يعلم أنه كان هنالك في كثرته الفاسد أو قلته، فلا يبين لي عليه فيه ضمان، وفي نفسي من ذلك، ولا آمن من أن يميز الفاسد فيما قد وقع في الزكاة فيضرها. ومن غيره، وقلت إن كان على رب المال أو زيد، فجاء عمرو الضعيف فقبض التمر، وأبرأ الضامن مما لزمه من التمر، أيجوز لعمرو ذلك ولا يبرأ أم لا؟ فإن كان قد صار التمر يقبض زيد له، وأتم أنه يجوز أن يبرأ من زيد، وإن كان لم يصر إليه، وإنما هو لصاحب الزكاة، فإنما أمر ذلك إلى رب المال، وعلى رب المال أن يؤدي عن الزكاة (17/94)
صفحة 4272
بقدر ما نقص التمر، قبل أن يصل إلى الفقير.
وقلت: إن خرج من التمر عسل فأضر ذلك بالتمر، وكان مع ذلك فتحرى مقدار ما خرج من الزكاة، وأعطاه عمرو أو غيره. أيكون قد سلم زيد ورب المال، ويجوز أخذ ذلك أم لا؟ فمعي أن زيدا ما لم تصر إلى لعمرو وعلى ما وصفت لك، فهو لرب المال وأمر ذلك كله إليه، وعليه أن يتحرى ما نقص من التمر في الزكاة إلى عمرو أو غيره، وإن فعل ذلك زيد بأمر رب المال، وفعل زيدا تم له رب الزكاة جاز ذلك عندي.
وقلت: أن كان يجزئهم فوقع عليه قبل قبضه نجاسة، فقبضه وهو نجس، أو بمقدار وأعطاه زيدا صبيا، أيكون قد سلم الجميع أم لا؟ فالله أعلم بسلامة الجميع، وقد مضى عندي القول في مثل هذا.
وقلت: إن كان لا يجزئهم، فيكون الخلاص أن يعطي عسلا مثله عمروا أو غيره، أو بقيمته؟ فقد مضى القول عندي في مثل هذا، إن كان زيد قبض لعمرو أو كان رسولا، فانظر في ذلك واعمل بحسب صواب ما بان لك من القول.
وقلت: لو تلف التمر بعد ذلك، أيكون الجميع سالما، أو يعطى عمرو أو غيره مثله أو قيمته؟ فقد مضى القول عندي في مثل هذا، أرأيت إن كان الضمان على رب المال، ولا يلزم زيد شيئا، فأعطى زيدا بقدر المضرة تمرا أو عسلا أو قيمته، ولم يعلم رب المال المجزي للجميع، وجائز الأخذ علم أنه يلزم رب المال أم لا؟ فقد مضى عندي في مثل هذا، فإن كان زيد رسولا فالتمر لرب المال، ورب المال ضامن لما نقص من التمر من الزكاة، وزيد ضامن لرب المال مما أخذ من ماله بغير (17/95)
صفحة 4273
أمره، فإن فعل على ذلك زيد، وأدى ما لزمه لرب المال في الزكاة، فأتم له ذلك رب المال. فمعي إنه يجوز له، وإن لم يتم له ذلك، فلا يجوز له معي فيما قد ضمنه، وإن كان زيد قابضا لعمرو، وذلك وأتم له ذلك فجميع ذلك عندي لعمرو، وليس لزيد أن يسلم إلى عمرو ذلك عندي، ولا إلى غيره بعد أن ضمنه إلا بأمر رب المال أو يتم له ذلك.
وقلت له: لو نضد تمر الزكاة مع ثمره فأضر به ذلك النضد، وإنما أراد بذلك لنفعه، وكان المال له أو لغيره قابضا أو رسولا، ثم أعطى مقدار العسل قوما، وأعطى التمر قوما، أيجزيه ذلك، ويكون سالما أم لا؟ فمعي إنه إن كان رب المال أداها جاز له أن يفعل في ماله ما يشاء، ولا يبين لي أن في العسل زكاة، ولكن يعطي ما نقص من التمر، وأما إن كان رسولا فأمر ذلك رب المال، وإن كان قابضا وأتم ذلك المقبوض أو قبضه له بأمره، فذلك إلى المقبوض له عندي.
وقلت: لو سلم زيد زكاة لعمرو وقبضها على اطمئنانة أنه يرضى أو يسر، ثم تلفت قبل أن يصل إليه شيء أو يأمره بقبضه، أيكون ذلك مجزيا للجميع، ويكون قد صار له أم لا، حتى يخبره بذلك؟ فقد مضى القول عندي في مثل هذا، واستدل عليه في أمر الرسالة والقبض، وأرجو أنه قبض له فأتم ذلك، ولو كان قد تلف أخذ ذلك يجزي عن رب المال.
وقلت: لو كان هذا التمر لعمرو من الزكاة، هل يكون قد صار له بمقالته، أم لا يكون له بقبض أو ما يقوم مقام القبض؟ فمعي إنه يكون له في الحكم بإقرار رب المال، قبض أو لم يقبض، ولا يبرأ رب المال من الزكاة عندي إلا بقبض. (17/96)
صفحة 4274
وقلت: لو قال هذا لزيد من الزكاة، أو أحمل هذا لزيد من الزكاة، أو أكثر هذا لزيد، أو أقبض هذا لزيد، أو قال: هذا من الزكاة لزيد. افعل له كذا وكذا، وهو يريد بذلك قبضا له، ولا نية له إلا بما قال. أيكون ذلك قد صار بأخذه لزيد أم لا يكون له إلا بقبض زيد أو ما يقوم مقامه؟ فمعي أن ذلك كله لزيد في الحكم بجميع قوله، هذا عندي في قوله اقبض هذا لزيد من الزكاة، فإني أحب أن لا يكون له حتى يتم ذلك، أو يكون قد أمره بذلك زيد، وأما رب المال فإن كان قد سلم زكاته بهذا، فلا يكون ذلك عندي له مجزيا إلا بقبض أو إتمام.
مسألة: عن أبي الحواري، وعمن وصل ما كان له من الزراعة خمسة وعشرون جربا بهذا المكوك اليوم، أيجب عليه فيما أصاب الزكاة؟ فاعلم أن الزكاة بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان هذا الحب ثلثين جربا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم فعليه الزكاة، وإن كان لا يعلم ذلك، فلا زكاة حتى يعلم ذلك.
قال غيره: وقد قيل إذا بلغت ثلاثمائة صاع وجب فيها الزكاة، وعليه السؤال عن ذلك ولا ينفعه جهله.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- وإذا بلغت الثمرة ثلاثمائة صاع بالصاع الأول، ففي كل عشرة أصواع صاع، وليس دون العشرة شيء حتى يتم عشرة، بعد أن يتم ثلاثمائة صاع، وذلك العشر فيما سقته السماء والأنهار، وأما ما سقي على النواضح والدوالي فإنما يؤخذ منه إذا تمت الصدقة نصف العشر، من كل عشرين واحد، ومن العشرة نصف واحد، وهو نصف صاع. (17/97)
صفحة 4275
مسألة: ومنه، وعن الزراعة التي تزجر، هل تؤخذ الصدقة من عشرة مكاكيك؟ فليس من عشرة شيء؛ لأنها كسر حتى تتم عشرين مكوكا، وكذلك فيما يسقى بالأنهار لا يؤخذ من دون العشرة أمكاك شيء، وفي موضع آخر أن العشرة من الزجر فيها نصف مكوك، ومن غير الزجر مكوك، ومن أخذ بذلك فلا بأس. (17/98)
صفحة 4276
الباب الثاني والعشرون
في زكاة ثمرة النخل وذكر اختلاف العلماء
في النخل يخرج التمر الرديء والجيد
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: قال الله جل ذكره: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) الآية. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجعروف ولون الحبيق أن يعطى في الصدقة. واختلفوا في الرجل له الثمرة المختلفة، فكان مالك والشافعي يقولان: لا يؤخذ من الرديء وما أشبهه، وإنما يؤخذ من وسط التمر، وشبه ذلك في الغنم يكون فيها السخال وغيرها. وقال من قال: يؤخذ عشر ذلك من كل بقدره. وقال أبو بكر: وهذا أصح.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق معنى القول الآخر إنه يجب على رب المال أن يؤدي من كل جنس من التمر منه، إلا أن يفضل بأفضل فذلك له. فمعي إنه يجزي عنه فيما يشبه معنى الاتفاق من قولهم، وليس عليه أفضل منه.
مسألة: من غير –الكتاب- وقال زياد بن الوضاح: في رجل أخذ (17/99)
صفحة 4277
ثمرة نخله، وفيها حشف، فميز الحشف من التمر، ثم كال التمر فلم تبلغ فيه الصدقة، ولو خلط فيه الحشف لبلغ فيه الصدقة. قال: ليس عليه صدقة.
قال المؤلف للكتاب: والحشف إذا كان إحشافه بعد أن حلا ففيه الزكاة ويتم به التمر، وأما حشف مر فلا، والحرث إذا كان أحرث بعد أن حل ففيه الزكاة. (17/100)
صفحة 4278
الباب الثالث والعشرون
في زكاة الطنى وزكاة البيع للمال والزرع قبل إدراكه أو بعده
وعن رجل أطنى ثمرة نخل له، واشترى بثمن الثمرة سلعة قبل أن يزكيها ربح فيها قليلا أو كثيرا، ثم إنه أراد أن يخرج ما وجب عليه من زكاة ثمن الثمرة، وقد زادت في التجارة، ما يجب عليه؟ قال: معي أن عليه زكاة الثمرة، وليس عليه فيما زاد شيء، إلا أن يحول الحول، ويجب عليه زكاة الورق.
قلت له: وكذلك ما وجب عليه فيه من الزكاة من الثمار، والمسألة على حالها فلا يجب عليه إلا زكاة الثمرة؟ قال: هكذا معي أنه ليس عليه إلا زكاة الثمرة، إذا لم تنتقل الثمرة إلى ذهب أو فضة أو شيء من غيره، عروض أو طعام يراد به التجارة.
مسألة: وسئل عن رجل باع نخلا وثمرتها، وكانت الثمرة مدركة، على من زكاة الثمرة؟ قال: معي إنه في قول أصحابنا إنها على البائع، وقول على المشتري.
مسألة: ومن –جامع ابن جعفر- ومن باع ثمرة أرضه واشترط على المشتري أن يعطي زكاتها، فذلك مكروه أن يولي زكاته إلا من يثق به، (17/101)
صفحة 4279
ومن غيره، وقال من قال: إن كان ذلك من جهة الثقة على الزكاة فذلك كذلك، وإن كان من جهة الشرط فذلك لا ينقض البيع، فإن وقع البيع ثبت، فان كان الرجل ثقة عند المشتري، وإلا كان على البائع أن يؤدي الزكاة.
مسألة: وسألته عن رجل أطنى ثمرة نخله بثلاثمائة درهم، فلم يخرج عشرها إلى أن حال الحول، وهي في يده، ما يخرج عشرها ثم يزكي بعد العشر إذا وجب في الطنى العشر، أم يزكي الجميع؟ قال: معي أن بعضا يقول يطرح ما وجب فيه الزكاة، ويزكي ما بقي، وفي بعض ما قيل: إنه يزكي عن الجميع، وذلك إذا كانت الزكاة في الدراهم.
قلت: أرأيت إن أطناها بثمانين درهما، ووجب في الطنى العشر فلم يخرج عشره، إلى أن حال الحول، وهي في يده، هل عليه فيها زكاة غير زكاة الطنى؟ قال: إذا كانت الزكاة في الدراهم، فقد مضى القول، وإذا كانت الزكاة في الثمر فهذه الدراهم بحالها. قيل له: فعلى هذه الصفة يكون عليه زكاة الدراهم، وزكاة الطنى؟ قال: هكذا عندي، ولا أعلم في ذلك فرقا.
مسألة: وعن رجل يجب عليه في ماله الزكاة فأطنا من ماله شيئا، الأغلب من أحكامه أنه يؤكل رطبا؟ ولم يعلم ما حاله، أكل أو جمع؟ هل له ترك الزكاة منه حتى يعلم أنه جمع تمرا؟ قال: معي إنه على قول من يقول إنه لا يجب عليه في البسر والرطب زكاة، إنه لا زكاة عليه حتى يعلم أنه جمع تمرا.
قلت له: أرأيت عن جمع ثلثه تمرا أو ربعه، ما يجب عليه فيه، (17/102)
صفحة 4280
وهل تجب عليه بقدر ذلك من دراهمه زكاة، أم لا يجب عليه، ولو جمع الكل تمرا؟ قال: معي إنه قد قيل ما صار منه تمرا في يد المطني كان في ثمنه الزكاة، إن اختار المصدق الزكاة من الثمن، وإن اختار من التمر يرجع المطنى على المطني بقدر الثمن.
قلت له: فإن لم يكن أحد يقبض الزكاة وكانت للقراء، قال: معي إنه إذا لم يكن من ينظر للصدقة أشبه أن يكون النظر على رب المال، فنظر من ذلك الأوفر بالاجتهاد في النطر.
قلت: فإن كان فد نظر الأوفر في الثمن وقد أطنى ذلك، يرجع على المطني بقدر الزكاة أو يشتري تمرا مثله، إن قدر على ذلك، أم له الخيار في ذلك؟ قال: معي إنه قد قيل إنه ضامن لما أتلف من الزكاة بالبيع، وعليه هو أن يؤدي مثلها، وقيل إنما يثبت من البيع بقدر حصته هو، ولا تثبت الزكاة، وقيل إن البيع فاسد، لأنه باع ماله ومال غيره صفقة واحدة، وهو باطل.
قلت له: فإن أعطى من الثمن، لم يعط تمرا، وكان التمر أوفر في النظر، هل يجزيه ذلك؟ قال: لا يبين لي ذلك على هذا القول الذي يقول: إن عليه الاجتهاد بالنظر.
قلت له: فعندك إنه قيل مخير في ذلك، ولو كان في النظر أن التمر أوفر؟ قال: أرجو أنه قد قيل ذلك.
قلت له: فهل يخرج عندك أو يعجبك إذا أطنى من ماله رطبا وبسرا، أنه لا زكاة عليه في مقداره، ولو جمع تمرا؟ قال: الله أعلم، وليس أعلم أحدا قال ذلك من أصحابنا. (17/103)
صفحة 4281
مسألة: فيمن أطنى نخله إلى أجل، وطلب المصدق الزكاة، فقول ينظر إلى محل الأجل، وقول يأخذ منه قيمة الثمرة بالنقد، وقول يأخذ منه زكاة الطناء ولا ينتظره.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ والله أعلم.
مسألة: وسئل عن رجل أطنى ثمرة نخله بسلعة، ولم يذكر دراهم، ما يزكي دراهم أو من السلعة تمرا؟ قال: معي إنه يوجد أن بعضا يجعل في ذلك الاختيار إن شاء من الثمن، أو من التمر، فعلى هذا القول إنه تقوم السلعة دراهم، ويخرج زكاته، أو يخرج الزكاة تمرا.
مسألة: قلت له، فإن أطنى نخلا له فقيرا، وجعل ما يجب عليه فيها من الزكاة لذلك الفقير الذي أطناه النخل، هل يجزيه ذلك عن إخراج الزكاة، إذا ترك من الثمن مقدار الزكاة؟ قال: أرجو أنه يختلف فيه. قلت له: فما أحب إليك من ذلك؟ قال: أرجو أنه إذا قاصصه بذلك لحقه معنى الاختلاف، ورأيه أحب إلي أن لا يقاصصه.
مسألة: رجل أطنى ثمرة نخله أرخص طناء من القرية لحاجته إلى الطنى من قبل الخوف، وأخرج زكاة ماله على ذلك، هل عليه أن يحمل على نفسه في الزكاة بقدر ما يعلم أن الطناء يحتمل من الزيادة في جميع ثمرته، أو في طنائه؟ فعلى ما وصفت، فهذا يخرج الزكاة تمرا مثل عشر ما أطنى من النخل، فإن لم يقف على ذلك زاد بقدر ما يرى أنه قد أبلغ في الزكاة، فإن زاد في الدراهم أو في التمر أجزأه ذلك إن شاء الله.
مسألة: وقيل عن أبي جعفر أنه حفظ أن الأشياخ اجتمعوا فرأوا في (17/104)
صفحة 4282
رجل طنى ثمرة، ثم أتت عليها آفة وهي بسر ورطب، أنه ليس عليه فيها زكاة.
مسألة: ومن غيره، وإذا أطنى الرجل ثمرته فلما يبست ذهبت بها الريح، فليس عليه في تلك الثمرة شيء. وإذا يبس التمر في رأس النخل، فما أكل منها أحصى كيله للزكاة، وأما ما يطعم الصارم فإنه إن كيل ففيه الزكاة، وإن لم يكل فلا، وقل آخر إن كيل أو لم يكل فلا شيء فيه. قال غيره: وقد قيل كيل أو لم يكل ففيه الزكاة.
ومنه، مسألة: وعن رجل اشترى زرعا علفا لدوابه فأدرك، فبلغ وبلغ فيه الزكاة، هل في زكاة مؤاده أم لا زكاة فيه، وعلى من الزكاة على البائع، أم على المشتري فيه الزكاة؟ الزكاة على البائع، إلا أن يشترط البائع على المشتري أنه إن بقي منه شيء يكون فيه الثمن فعليك زكاته.
مسألة: وعلى رجل خرف من نخله رطبا وبسرا، وباعه لرجل، واستوفى الثمن، وأن المشتري جعله في الشمس حتى صار تمرا، فلا نرى عليه فيه زكاة.
وقال أبو المؤثر: الزكاة على من باع، إذا كان تمرا يابسا، فإن عرف كيله أخرج تمرا، وإن لم يعرف الكيل زكى دراهم.
قال المؤلف للكتاب: هذا إذا بلغ ما في مال البائع النصاب، وأما إذا لم يبلغ في مال البائع النصاب فلا زكاة عليه، والله أعلم.
مسألة: وليس على الرجل فيما باع، أو فيما أكل بسرا زكاة، ولا فيما لم يبلغ خمسين ومائة قفير بقفيرنا زكاة، أحسب عن أبي سعيد.
مسألة: وعن رجل أطنى رجلا نخلا، واتزن منه الثمن فمرت (17/105)
صفحة 4283
بالنخل جائحة مثل الريح والمطر فمرت بالثمرة من رؤوس النخل، هل على صاحب النخل زكاة في الدراهم الذي طنى بها هذا النخل؟ قال: فليس عليه زكاة في قول بعض المسلمين، إلا أن يحصد تمرا يجب فيه الزكاة، فهنالك تجب في الطنا من الدراهم الزكاة.
قلت: فان تلف بعض وبقي بعض؟ قال: الزكاة فيما بقي من القيمة من الطنى، ويحط عنه من ذلك ما تلف إذا بقي في يده من ماله، ومما أطنى ما تجب فيه الزكاة في التمر، وإن لم يبق من جملة ماله من التمر ما تجب فيه الزكاة فلا زكاة فيه.
قلت: فإن أطنى رجل مالا، وقال المطني إني آكله بسرا ورطبا، وكان المطني غير ثقة، هل يصدق في قوله؟ قال: فقد قالوا إذا كانت النخل .. الأغلب من أمرها أنها تؤكل رطبا وبسرا، فليس على المطني فيها زكاة حتى يعلم أنها جمعت تمرا، ثم حينئذ تجب فيه الزكاة، وإذا كان الأغلب من أمرها يجمع تمرا فيها الزكاة، حتى تعلم أنها أكلت رطبا وبسرا، إلا أن يكون ثقة، وإذا وجبت الزكاة بالوجه الأغلب، لم يزل بقول المطني أنه أكلها رطبا وبسرا، إلا أن يكون ثقة، وإذا زال حكم الزكاة بالأغلب لم يثبت بقول المطني به جمعها تمرا، إلا أن يكون ثقة أو يصدقه في ذلك فذلك إليه.
مسألة: وسألته عن رجل تجب عليه الزكاة في ماله، فباع في السوق من ذلك المال رطبا لا يدري صار في يد المشتري تمرا، هل عليه فيه زكاة أم لا؟ قال: معي إنه على الأغلب من أموره فإن كان على الأغلب من أمره أنه يصير تمرا كان ذلك، وإن كان الأغلب أنه يؤكل رطبا وبسرا فهو على ذلك. قلت: أرأيت إن باع منه شيئا في السوق بدون (17/106)
صفحة 4284
سعر يومه، وباعه رطبا فيزكي منه ما فضل من تمره دراهم أم لا؟ قال: معي أنه إذا صار تمرا على الأغلب فعليه زكاة ما حصل من الثمن على قول من يجعل له التخيير في ذلك، فإن حصل في يد المشتري تمرا أو بيع بدون السعر كان عليه عندي، أما أن يخرج تمرا بقدره، وأما أن يزيد على التمر إلى أن يصير يعدل السعر، إذا كان بيع محاباة، وكذلك عليه ذلك، على قول من يقول: إن عليه الزكاة فيما صار بسرا ورطبا.
قلت له: فيما أخذ السلطان منه من ضريبته عليه في السوق من التمر، أيحمل ذلك على زكاته ويخرج من الجميع؟ قال: معي إنه كذلك إذا كان هو المعرض له ذلك.
قلت له: فما اتجر يحمله إلى السوق، أتحمل ذلك على الجميع في الزكاة؟ قال: ليس ذلك عندي بصلاح للثمرة، فكان لمعناه أنه تجب عليه في ذلك، وقال: وإنما قيل فيما اتجر للجداد والخراف من الثمرة، فكأني رأيته يذهب إلى أنه قيل في ذلك إنه فيه باختلاف. ومعي، أما أنه كان قد أجابني في ذلك باختلاف في الأجرة في مثل هذا. وينظر في ذلك من أجل هذا. قلت له: فإذا لم يبق من ماله ما تجب فيه الزكاة، دون ما قد باع إلا بالذي باع، أيحمل عليه ويجبر به الزكاة؟ قال: إنه على قول من يقول إنه ليس فيه زكاة، ولا يجبر به الزكاة.
مسألة: ورجل تجب عليه الزكاة في ثمرة ماله من النخل، ثم إنه أطنى موضعا من ماله رجلا، ثم إن الرجل توانى عن قضائه ولم يطلب هذا منه إلى أن مات الرجل ولم يوص له بشيء، هل يجب عليه في ذلك شيء من قبل الزكاة؟ قال: معي، إنها تجب عليه الزكاة عندي على هذه الصفة. (17/107)
صفحة 4285
قلت له: أرأيت ولو كان عليه دين بقدر طنائه هذا، وكان يتأمل قضاءه من ذلك إذا أعطاه فمات، ولم يأخذ شيئا، هل تنحط زكاة ذلك؟ قال: معي أن ذلك إنما هو تختلف في زكاة الورق، وأما زكاة الثمار فلا أعلم فيها.
مسألة: وسئل عمن أخذ بقول من يقول: إنه لا زكاة في دراهم الطناء إذا أتت جائحة على الثمرة فذهبت قبل الحصاد، هل يجوز له ذلك؟ قال: معي إنه يجوز له ذلك، ما لم تصر في حد الحصاد.
مسألة: ومن غيره، وعن رجل اشترى زرعا علفا لدوابه فأدرك فبلغ، وبلغت فيه الزكاة، على البائع أم على المشتري؟ ففيه الزكاة على البائع، إلا أن يشترط البائع على المشتري أنه إذا بقي منه شيء يكون فيه الثمن، فعليك بالزكاة. ومن غيره، قال: وقد قيل إن الزكاة على المشتري إذا أدركت؛ لأنه له في بعض القول، وقد استحقه قبل الدراك، وهناك أبقاه البائع في ماله حتى أدرك، فهو بمنزلة المنحة من صاحب الأرض للمشتري، وقال من قال: هو على البائع على حال، لأنه منتقض، إن نقضه صار له قائما وإن أتم له ذلك وقد صار المال له والزكاة عليه، وقال من قال: إنه إذا أطنى نخلا أو باع ثمرة مدركة، واشترط الزكاة على المشتري، أن ذلك لا يفسد البيع على البائع، ولا على المشتري.
وقال من قال: إن ذلك يجزي عن البائع وتكون الزكاة على المشتري، ولا شيء على البائع، لأنه أوجب على نفسه ذلك، وقال من قال: إن ذلك لا يجزي عن البائع والزكاة عليه، إلا أن يكون المشتري ثقة، فإنه يجزيه من طريق الأمانة والثقة. (17/108)
صفحة 4286
وقال من قال: ولو كان ثقة فحتى يعلم هو أنه قد أدى عنه الزكاة التي تجب في تلك الثمرة.
مسألة: وعن رجل خرف من نخله رطبا وبسرا وباعه لرجل، واستوفى الثمن، وأن المشتري جعله في الشمس حتى صار تمرا ويبس، فما ترى عليه زكاة. ومن غيره، قال: وقد قيل إن فيه الزكاة، إذا صار مع المشتري تمرا، وتكون الزكاة على البائع، إذا وجبت عليه في ماله الزكاة.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، والله أعلم.
مسألة: ومن جواب أبي علي، يقول أبو علي: عافانا الله وإياك بأوسع العافية، وصل إليّ كتابك تسأل عن رجل له حائط من نخل، أطناه بألف درهم ولم يبق قيظا، وأطنى من رجل آخر بخمسمائة درهم، فطلب إليه المصدق زكاة الألف، وقد أكل الرجل وبنوه ما أطنى رطبا، وطلب أن يطرح عنه زكاة الخمسمائة؟ فما نقوى على إبطال زكاتها، وقد أطنى ماله ولم يأكل منه، وأكل من غيره. قال غيره: إذا صار ما أطنى من ماله تمرا فعليه الزكاة في ثمنه، ولو أطنى به كله قيظا، وأكله رطبا وبسرا، فعليه الزكاة في الطناء.
مسألة: ومن غيره، وعن رجل أطنى بألف درهم، ثم طلب إليه المطني أن يحط عنه، فحط عنه مائتي درهم، فإن كان لم يحط عنه محاباة له فما أرى أن يؤخذ من المائتين إلا أن يحب المصدق أن يأخذ من المائتين فهو الأصل. قال غيره: المصدق بالخيار، إن شاء أخذ من التمر، وإن شاء أخذ بما وقعت فيه الصفقة بالطناء، وذلك مال حكمه الزكاة ليس له أن يحطه. (17/109)
صفحة 4287
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، والله أعلم.
مسألة: وعن رجل أطنى بثلاثين درهما وأكله قيظا فليس عليه فيما أكل رطبا شيء، فإن كانت تجب فيما أطنى زكاة لو كان تمرا، أخذت من الثلاثين الزكاة، وإلا فلا.
مسألة: ومن جواب، أحسب أنه عن أبي علي الأزهر بن محمد بن جعفر، وعن رجل أطنا بسرا بمائتي درهم، وليس له دراهم غيرها ولا نخل، فهذه تحمل على الورق إذا حضر وقت إخراج زكاة الورق، يحتاج أن يحملها على دراهم الورق، وهي أصلها من التمر، فيحتاج أن ينظر إلى ذلك، وإن شاء أخذ من التمر، لأنه الأصل، ويرجع المطني على من أطناه، وإن ذهبت آفة قبل دراكها لم يكن فيها زكاة، وإن غاب أمرها، ولم يعلم كم أصيب منها، وكم يصير سعر التمر، وكم تصل لهذه الدراهم من بهار، فإن كان ثلثه أبهره أخرج الصدقة على حساب ذلك، وإن أكلت رطبا وبسرا أكلها المطني على ذلك. فأكثر القول إنه لا زكاة في هذا، إلا أنهم كانوا قد تحروا وأخذوا برأي أبي مهاجر الحضرمي في هذا، وأما إذا كان له نخل غير ذلك يصيب منها ما تجب فيه الصدقة، فهذا لاشك أنه يحمل على ما بقي له، وتكون الزكاة في الجميع، والمصدق بالخيار يأخذ من الدراهم أو من التمر، إلا ما أكل رطبا وبسرا، فقد أعلمتك أنه أكثر القول إنه لا زكاة فيه.
مسألة: وعن الذي يطني نخلة لتؤكل رطبا قلت: هل تجب فيها زكاة؟ فروى أبو إبراهيم عن الإمام أنه كتب للمنير أن يعطي رزقه من زكاة الرطب، ويعلمه أنها من زكاة الرطب، فأخذها منه، وقد أجاز ذلك أبو إبراهيم. (17/110)
صفحة 4288
الباب الرابع والعشرون
ذكر الطناء وما أشبهه وفيما يحتاج إليه طناء النخل
ولم يختلفوا فيما أكل رب المال وعياله، وقد اختلفوا فيه، فقال بعضهم إن ما أكل رطبا وبسرا فلا زكاة فيه، وأطعمهم بسرا ورطبا أنه لا زكاة فيه من ماله، أو ما أطنى، وقال بعضهم ما أطنى فعلى صاحبه الزكاة فيه، ورووا ذلك عن سليمان بن عثمان عن هاشم بن المهاجر، وهو أبو المهاجر، فأخذته من ولي السلطان ومضت على ذلك أئمة، وفيه الاحتياط؛ لأن من أخذ بالاحتياط فيما اختلف فيه الفقهاء فقد احتاط لنفسه، والحيطة أولى بأهل الورع، وقد يكون للرجل المال الكثير الذي لاشك أن الزكاة تجب فيه، فعلى ما عملوا به من أخذ الطناء أنهم يأخذون مما أطنى من تجب الزكاة في ماله، من كل عشرة دراهم درهما، وأما من لا تجب الزكاة عليه في ماله فلا زكاة عليه فيما أطنا، ولا على المطني إذا كان جميع ماله لا يبلغ ثلاثمائة صاع تمرا، ولا يحسب عليه ما أكل هو وعياله من ماله رطبا وبسرا على ما أطنى، إنما يحمل ما أطنى على ما بقي معه مما يعيب، ووجبت فيه الزكاة، فإن بلغ ما أطنى وما يعيب ثلاثمائة صاع، فعليه الزكاة في الطناء، وإن لم تبلغ لم يكن عليه شيء.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، والله أعلم. وقد يكون (17/111)
صفحة 4289
للرجل النخل القليلة، إلا أنها غالية الرطب، فإذا نظر ثمرها لم تبلغ ثلاثمائة صاع، وطنا لغلاها بالدراهم الكثيرة، فإذا كانت لا تبلغ ثمرتها الزكاة لم يكن فيما أطنيت به زكاة، وإن أطنيت بدراهم كثيرة؛ لأن الزكاة تجب في ثمن التمر الذي تجب فيه الزكاة، كما أنه لو جمع ثمرها فبلغ مائتي صاع أو أقل أو أكثر، ولم تبلغ ثلاثمائة صاع، ولم يكن فيه الزكاة، فما لم تكن فيه الزكاة فليس في ثمنه زكاة، إلا أن يحمل الثمن على دراهم أخرى، فيكون فيها الزكاة، فأما من قبل زكاة النخل فلا.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ. وكذلك العنب ما أطنى أو أكل رطبا، وليس تجب فيه الزكاة، ولم يعب لم يكن في ثمنه، وإن كانوا لم يسمعهم يسألون عن طناء العنب، ولا يدري ما يزكوه أو غفلوا عنه، وقد قيل: فما أتلف من ثمره رطبا وبسرا أو تمرا، ولم يعلم تجب فيه زكاة أو لا، إنه ينظر الثمن الذي باع به، وينظر سوق التمر، فإن كان يكون بتلك الدراهم التي أطنى بها أو بيع بها ذلك التمر فيها تبلغ ثلاثمائة صاع، أخذ منها الزكاة، وإن لم تبلغ ثلاثمائة صاع لم يؤخذ من الدراهم شيء، وكذلك لو أطنى نخلا، فأكلت رطبا وبسرا، أو بيع رطبا وبسرا ولم يعلم ما تبلغ جميع ذلك مما تجب فيه الزكاة، ولا كان مثل الأول أن بلغ على سوق التمر بتلك الدراهم ما تبلغ ثلاثمائة صاع، أخذ من تلك الدراهم، وإن لم تبلغ قيمة تلك الدراهم ثلاثمائة صاع لم يؤخذ من الثمن شيء، وقد قالوا: إنه ربما يقبل الرجل من الرجل حائطا السنة بألف درهم أو بألفين، على أن له جميع غلته، فعلى قولهم إنهم يأخذون من الطناء بنظر هذه النخل وحملها، فإن كان فيها ما لا يشك فيه أنه تجب فيها الزكاة، أو له بها مال يحمل عليه فيجب عليه الزكاة، فإن (17/112)
صفحة 4290
لهم على المطني أن يتركها بحالها حتى يعيب ويأخذ زكاتها أ ينظر قيمتها في الطنى برأي العدول على قدر الطناء بين الناس، فيأخذون منه الزكاة على ذلك، لأنه لا وجه غيرها دين، لأنه لو نظر كم الثمن من غلة شجر البستان، وكانت غلة شجرة مثل ما يصيبه لم يبطل الزكاة، ولكن الزكاة واجبة في النخل، وليس المصدق من الشجر في شيء، إنما زكاة النخل ما بلغت تمرا أو رطبا، وانظر فيها واطلب فيها الأثر، إن وجدته عن المسلمين فخذ به، فلعل فلانا أن يقول هذا حرام، والحرام لا يجوز، وإنما هذا طلب معرفة النخل ما فيها من زكاة، ولعل صاحبها يأكلها رطبا وبسرا، فلا يعرف زكاتها، ولا أرى لها وجها يستدل به عليها.
مسألة: من كتاب أبي جابر- وأما طناء النخل، فقال من قال من الفقهاء: إنه جائز إذا عرفت بألوانها، وقال من قال من الفقهاء: حتى يكون الغالب على النخل الفضح، وقال من قال: حتى تصير النخلة إلى حد إذا انكسر العذق منها أتمر ولم يفسد، ثم يجوز طناه، وبأي الآراء أخذ احتاج إلى ذلك فلا بأس.
مسألة: وقال أبو عبد الله –رحمه الله-: وقد قيل إذا ظهر الفضح في قطعة نخل جاز طناءها، إذا ظهر في عامتها، وإن لم تظهر في جماعتها، فلا يجوز طناها كلها، وأخبرني محمد بن دياسة بعد موت أبي عبد الله، أنه سأله عن هذه المسألة، وقال له: إن طلب المطني النقض، هل له ذلك؟ قال: له نقض ما لا يجوز طناه، وثبت عليه ما جاز طناؤه، ولم يفسر غير هذا.
ومن غيره، مسألة: وإذا كان في الحائط نخلة أو أكثر، لم تعرف (17/113)
صفحة 4291
بألوانها، فكان الغالب في الثمرة الصفرة والحمرة جاز طناها، ولا ينتقض إذا طلب أحدهما ذلك.
مسألة: فيمن عليه دين لرجل فأطناه به بألف درهم ما يساوي خمسمائة درهم، قال غيره: أما على ملي والحق حال، فالمصدق بالخيار وإن كان غير قادر عليه فإنما نأخذه من الفائدة، وإنما عليه الزكاة فيما وقع في يده من تمر أو قيمته دراهم، وإن كان قبل محل حقه، وهو قادر على أخذه، أو غير قادر، فقول الزكاة في رأس المال والسلعة، أيهما كان أوفر، والمصدق بالخيار، وقول إنما عليه في التمر أو قيمته.
(رجع إلى الكتاب) فمن أطنى من ماله قليلا أو كثيرا، وله غير ذلك ما تجب فيه الصدقة، فالصدقة فيما أطنا، وإن لم يكن له إلا ما أطنى، فلا صدقة فيه حتى تبلغ ثلاثمائة صاع، والمصدق بالخيار، إن شاء أخذ من التمر، وإن شاء أخذ من الدراهم، وإنما يحمل على ما أطنى من بقية ماله بعد ما أكل، وأذهب من البسر أو الرطب، فان كان ما يبقى معه بعد ذلك من الثمرة، والذي أطنى يبلغ ثلاثمائة صاع، ففي الذي أطنى الصدقة، وإلا فلا صدقة عليه، وكذلك إن كانت الصدقة تجب عليه في ماله، وغير ما أطنى، إن أطنى بدراهم ما أصاب منه مائة صاع، فالصدقة فيه لازمة له، والمصدق بالخيار، أن يأخذ من التمر أو من الفضة، وكذلك لو أطنا بمائة درهم ما يصاب منه عشر أصواع، ولم يكن لصاحب المال ما يتم به ثلاثمائة صاع، فلا صدقة في ذلك، ولو أطنى بأكثر، وإنما يرجع في هذا إلى أصل الثمرة، ووجوب الصدقة فيها على صاحب المال، وكذلك العنب بمنزلة إذا أصيبت منه ثلاثمائة (17/114)
صفحة 4292
صاع ففيه الزكاة، من كل عشرة واحد، لا أن يكون يسقى بالزجر، ففيه نصف العشر، وإن أطناه مطني فأصاب كذلك المطني، فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ من الدراهم، وإن شاء أخذ من العنب.
وقد اختلف الفقهاء فيما أطنى من النخل، فأكله المطني رطبا وبسرا، أو باعه كذلك، فقال من قال: لا زكاة فيه وهو بمنزلة صاحب المال، وهذا الرأي هو الأكثر، وعليه عامة العلماء. وقال من قال منهم بالصدقة في الطناء، ولو أكله المطني رطبا وبسرا، إذا كان صاحب المال قد بقي عنده من التمر ما يجب فيه الصدقة، أو كان هذا الطناء يبلغ فيه ثلاثمائة صاع، وممن قال بهذا أبو مهاجر، ويوجد هاشم بن المهاجر الحضرمي، وكان من الفقهاء، وعمل بهذا أئمة أهل عمان، والرأي الأول أحب إلي، وكل رأي المسلمين صواب.
مسألة: ومنه، وقال من قال من الفقهاء: من أطنى نخلا، ولم يكن لصاحبها غيرها وغاب ما أصيب منها، وأكله المطني رطبا وبسرا، فإنه على قول من يرى الصدقة في ذلك، وينظر الدراهم التي هي من ثمن ذلك التمر، وما أطنيت به تلك النخل، وينظر سوق التمر، فإن كان يكون بتلك الدراهم ثلاثمائة صاع من التمر أخذت الصدقة من تلك الدراهم، وإن لم تبلغ ثلاثمائة صاع، لم يؤخذ من تلك الدراهم صدقة.
مسألة: ومنه، وقيل أيضا لو يقبل رجل حائطا من نخل سنة بدراهم معروفة، أو أطنى نخلا أو شجرا مما ليست فيه زكاة، أو نخل لناس عدة أطنوها مشاعة بلا أن يعرف ثمن مال كل واحد منهم، وفيهم من تجب عليه الصدقة، وفيهم من لا تجب عليه الصدقة. فقال من قال (17/115)
صفحة 4293
من الفقهاء: إن الوجه في هذا أن تترك هذه النخل حتى يكن تمرها للحصاد، وبين ما يصاب منها، أن يقوم قيمة وسطا حتى تعرف قيمة النخل من الشجر، وقيمة ما لكل واحد من أصحاب تلك النخل، ثم تؤخذ الصدقة ممن بلغت عليه، وهو وجه من الصواب، فالله أعلم بالصواب، وينظر في ذلك واسأل عنه.
مسألة: ومنه، وإن كانت نخل لرجل وفيها حصة لعامل يعملها وأطنى صاحب المال ماله، وحبس العامل حصته، وأكلها رطبا وبسرا فلا زكاة عليه فيما أكل، وإن حبسها حتى صارت تمرا، وهي محمولة على صاحب المال، فإن كانت الصدقة واجبة عليه، فعلى العامل أن يخرج الصدقة من ذلك التمر، وإن لم تكن الصدقة واجبة على صاحب المال فلا شيء على العامل، وكذلك الشركاء في الأصل، إذا أطنى واحد، وأمسك الآخر حصته، أكله رطبا وبسرا على ما وصفنا في العامل.
مسألة: ومنه، وقال أبو عبد الله –رحمه الله- وفي رجل له شريك في النخل غائب، وحاسبه المصدق المحاصر على ما سقى النخل بالمقاسمة، إنه لا بأس أن يأخذ من حصته الغائب على ما حاسب عليه شريكه.
مسألة: ومنه، ومن أطنى ماله بمائتي درهم أو أكثر وقبضها، فأتت آفة فذهبت بتلك الثمرة، وهي بسر ورطب، فلا زكاة في تلك الدراهم، وإن ذهبت الثمرة بعد أن أدركت وصارت تمرا، ففيها الزكاة، وإن بقي منها بعد الذهاب ثلاثمائة صاع، ففي الدراهم عندنا الزكاة، وإن بقي من ذلك ولم يكن لصاحب المال غيرها ما تتم فيه الصدقة، فليس عندي في تلك الدراهم صدقة، لأن الأصل قد ذهب، لا زكاة (17/116)
صفحة 4294
فيما كان من البسر إلا أن يطبخ أو يغلى أتم فيه الزكاة، كمثل التمر.
مسألة: ومنه، وفي جواب أبي علي –رحمه الله- وعن رجل أطنى بألف درهم، ثم طلب إليه المطني أن يحط عنه، فحط عنه مائتي درهم، فإن لم يحط عنه محاباة، فما نرى أن يؤخذ، إلا أن يحب المصدق أن يأخذ من التمر، وهو الأصل.
مسألة: ومنه، وعن رجل أطنى ماله بثلاثمائة درهم، ثم أطنى هو بمائة درهم لقيظه فما أحب أن يأخذوا من المائة الدرهم التي أخذها هؤلاء من الثمرة التي تجتمع عنده، ويؤخذ من طناء النخل، وفي –نسختين- الرجل.
مسألة: من غير –الكتاب- وأما من أطنى نخلة من ماله بدرهم أو أكثر، فإن أكلت رطبا وبسرا، فلا زكاة فيها، وفي بعض القول، وهو المعمول به عندنا، وأما إن صارت تمرا يحمل ذلك على ماله، ويخرج منه الزكاة، إن شاء من الثمن، وإن شاء من التمر إن علمه، وإلا فاحتاط فيه على نفسه، وأما إن لم يعرف أكلت رطبا أو بسرا وصارت تمرا، فأما في الحكم في الزكاة فلا مخرج له من الزكاة على الاختلاف، حتى يعلم أنها أكلت رطبا وبسرا، وغير ذلك على الاختلاف، وأما على قول الذي لا يرى الزكاة إلا في التمر، فلا يحكم عليه في ذلك بحكم حتى يعلم أن ذلك صار تمرا، وأما الذي عرفنا من ذلك من أوسط القول بأنهم قالوا: إن كانت هذه النخلة مما يؤكل رطبا وبسرا، ولا يعرف أنها تجمع تمرا على حال، ولا يحتمل ذلك، فلا زكاة عليه، حتى يعلم أنها صارت تمرا، وأما إن كانت مما يجمع تمرا، ومما يؤكل رطبا فعليه الزكاة حتى يعلم أنها أكلت رطبا وبسرا. (17/117)
صفحة 4295
مسألة: وسألته عن رجل أمر رجلا أن يبيع ثمرة نخل مدركة، قبل أن تصير تمرا يحكم بزكاتها على قول من يقول: إنه لا زكاة في الرطب والبسر، فباع المأمور هذه الثمرة، وأمر رب المال أن يسلم إلى زيد الثمن ففعل، هل على البائع شيء من ضمان الزكاة، إذا يبس عند المشتري التمر وصار تمرا؟ فلا يبين لي على البائع ضمان في ذلك؛ لأنه حين باع الثمرة بأمر ربها لم يكن فيها زكاة، فإذا أيبست الثمرة في يد المشتري، ووجب منها الزكاة، فالزكاة على رب المال الآمر بالبيع، وإن كان هذا البائع باع هذه الثمرة في وقت صرامها ووجوب الزكاة فيها، فعندي أنه يختلف في لزوم ضمان الزكاة عليه، إلا أن ينفذها على ما يسعه، أو ينفذها رب المال، ويعلم هو ذلك، وذلك على قول من يقول: الزكاة شريك، فإذا علم أن الشريك أنصف شريكه الأمر بالبيع، فليس على الآمر من ضمان وإن لم يعلم ذلك، وسلم الثمن إلى البائع، فأخاف أن لا يبرأ من الضمان حتى يعلم أن رب المال قد أدى الزكاة عن ذلك، على قول من يقول: إن الزكاة مضمونة كالديون في الذمم، فلا أبصر على البائع ضمانا في ذلك، إن شاء الله.
مسألة: عن أبي سعيد فيما أحسب، قلت له: فإن أطنى من ماله بمائتي درهم، وأصاب من ماله ثلاثمائة صاع، هل يجب عليه في الدراهم زكاة؟ قال فعليه في الدراهم التي من ثمن الطناء زكاة، إذا وجبت في المال الذي أطناه الزكاة، فإن لم يجب في المال الذي أطناه الزكاة في الثمن لم يجب عليه في الدراهم الزكاة، فإن أصاب المطني من هذا المال ثلاثمائة صاع وعشر أصاع، فعليه في جملة الدراهم الزكاة، وهذا إذا لم يكن له مال إلا ما أطنى، وأما إذا كان له مال غير ما أطنى قد وجبت فيه الزكاة (17/118)
صفحة 4296
على ما ذكرت، فإنه تجب عليه الزكاة في الدراهم في جميع ما أصابه المطني من التمر، وينحط عنه من زكاة الدراهم قيمة ما أكله المطني رطبا وبسرا، إذا لم يصر تمرا في يد المطني فيما يجب عليه فيه الزكاة، فإن أصاب منه ثلاثمائة صاع وتسعة عشر صاعا، أو ما دون العشرة أصاع فعليه الزكاة في قيمة ثلاثمائة صاع، من جملة التمر من الطناء، وينحط عنه قيمة ما لم يلحق الزكاة من التمر من جملة الطناء، وهو قيمة التسعة أصاع التي لم يجب فيها الزكاة، إلا أن يكون في التمر الذي أصابه هو تكاسير، فحملها على هذه الفضلة من هذا الطناء، فإنه يكون عليه الزكاة في الجملة، إذا جبر التكاسير ما عنده ما في يد المطني من التمر عشرة أصاع.
قلت له: فإن أطنى ماله بمائتي درهم فأصاب المطني أقل من ثلاثمائة صاع، هل على صاحب النخل زكاة في المائتي درهم؟ فليس عليه من وجه زكاة التمر.
قلت له: فإن أطنى من ماله بمائة درهم، وأصاب من ماله ثلاثمائة صاع، هل عليه في المائة درهم زكاة؟ قال: نعم عليه الزكاة في زكاة التمر في العشر أو نصف العشر من الدراهم.
مسألة: فيمن يبيع ثمرة مدركة، وضمن المشتري بالزكاة، فقول يجزي البائع ذلك، وقول لا يجزيه إلا أن يكون المشتري ثقة، وقول لا يجزي ولو كان ثقة، حتى يعلم أنه قد أدى الزكاة.
مسألة: وعنه، وسئل عن رجل أراد أن يطني رجلا نخلا، يعلم أنها مقلحة أو مقرفدة، هل عليه إعلامه؟ قال: أما القرفد –فعندي أنه (17/119)
صفحة 4297
عيب، لأنه خارج من معنى الجمال، وكذلك يعجبني في القلح، لأنه عيب لا يدرك في دراك النخل، ولا يأتي على ما يأتي عليه النخل الصحيح فهو عندي عيب على هذا، ومن أحكام أبي زكريا. (17/120)
صفحة 4298
الباب الخامس والعشرون
في قبض المصدق وزكاة الطنى وما أشبهه
وعن رجل أطنى نخله إلى أجل وطلب المصدق الزكاة، ففي بعض القول إنه ينتظره إلى محل الأجل، وقال من قال: إنه يأخذ من قيمة الثمرة بالنقد.
مسألة: وعن رجلين أطنى أحدهما من عند صاحبه نخلا بدراهم، فلما حصد الثمرة طلب رب المال السؤال عما يجب عليه من الزكاة، أيكون في الدراهم أم يكون تمرا؟ قال: أصل الزكاة تمرا، فإن وثق المطني وعلم مبلغ الثمرة فعليه أن يخرج الثمرة، وإن خفي عليه أمر ذلك ولم يثق بالمطني رجع إلى الدراهم وعليه عشر الدراهم، إذا كان على النهر، ونصف العشر إن كان على الزجر.
قلت: فإن كان صاحب المال قد طمع المطني أنه يصبر عليه إلى أن يبيع التمر، على أنه ما أراد على رأس المال في الطناء كان بينهما نصفان، ولم يذكر ذلك عند عقد الطني ما يكون الطني، وما يجب فيه من الزكاة؟ قال: إذا طمع المطني ولم يكن مع العقد، فالثمرة للمطني، وليس ذلك مما يقدح في فساد البيع، وقد مضى الجواب في الزكاة أنها في (17/121)
صفحة 4299
الثمرة على ما وصفت لك في ثقة المطني وأمانته.
قلت: فإن كان شرط عليه ذلك قبل الطناء، أو مع الطناء ما يكون ذلك، وما يجب فيه من الزكاة؟ قال: الزكاة كما عرفتك والثمرة للمطني، وللمطني العناء لأن هذا شرط يفسد البيع، وهو من وجه المضاربة، ولا تكون المضاربة إلا بدراهم؛ لأن المضاربة متى كانت بعروض فسدت، وإذا فسدت كان للمضارب العنا، والربح لصاحب المال، وهذا إذا كان الشرط عند البيع، وأما إن كان الشرط قبل العنا، فليس ذلك مما يقدح في فساد الطناء، والطناء للمطني، والزكاة على صاحب المال.
قلت: فإن خرج في ذلك اختلاف وتمسك المطني بما كان، فما الحكم في الزكاة؟ قال: القول قول المطني على ما في يده، وعلى صاحب المال البينة على ما يدعيه من فساد البيع.
قلت: فإن كان المصدق لما حضر الثمر طلب الزكاة منه، فقال صاحب المال إنه أطناه، هل يكون القول قوله، أ م كيف الحكم في ذلك؟ قال: الخيار للمصدق إن شاء أخذ تمرا إذا رأى ذلك أوفر، وإن شاء أخذ دراهم، إذا رأى ذلك أوفر، ورجع المطني على صاحب المال.
قلت: فإن تلفت الثمرة من يد المطني قبل أن يعرف مبلغ التمر، يجب عليه في الدراهم زكاة أم لا شيء عليه؟ الزكاة لا تبطل إذا كان للثمرة عوض، وإنما قلنا ذلك من طريق الاحتياط والتوفير لمال المسلمين، فالزكاة في الدراهم.
قلت: فإن أكلها المطني رطبا وبسرا، أو باعها رطبا وبسرا، (17/122)
صفحة 4300
أيلزم فيها زكاة أم لا؟ قال: الزكاة واجبة، وقد قيل إن المطني لا يكون سبيله سبيل المال، ومنهم من قد ألزمها واحدا أن لا شيء على المطني ولا على رب المال.
قلت: فإن لم يخرج المطني ولا رب المال زكاة التمر حتى كنزه، كيف يمز الزكاة، وقد خفي عليهم الكيل؟ قال: يعجبني أن يوزن بالقفان.
مؤلف الكتاب: وجدت في بعض الآثار أن التمر إذا بلغ ثلاثمائة صاع، وجبت فيه الزكاة، والله أعلم.
رجع
فإن أعدموا القفان؟ قال: فالبحتري في إخراج الزكاة، ويشاور الإمام في ذلك.
قلت: فإن أخذ صاحب المال أجراء يجمعون له التمر فأعطاهم تمرا، أيكون فيه زكاة أم لا؟ قال: يعجبني أن يكون فيه الزكاة.
قلت: فإن لم يعرف مقدار ما أخذه الأجراء؟ قال: يتحرى العدل مما أتلف، ويأخذ لنفسه بالوثيقة.
مسألة: وسألته عن يهودي اشترى ثمرة نخل لم تصر؟ فإن كان اشتراها بسرا فصرمها يسرا قبل الجداد، فلا نرى عليه صدقة إلا في الورق، وإن كان باع ثمرته في زمانه الذي يزكي فيه ورقه، وإلا فهي مع ورقه ويزكيها إذا زكى ورقه، وإن ترك اليهودي النخل حتى تصير تمرا، وصرمت تمرا، فعلى صاحب الأرض أن يؤدي عنها صدقة التمر، إلا أن (17/123)
صفحة 4301
يكون اشترط على اليهودي أن عليك الصدقة إن صرمتها تمرا، وليس لصاحب الثمرة أن يبيع ثمرة النخل، إلا على شرط أن يؤدي صدقتها عند الجداد. ومن غيره، قال: نعم. وقد قيل إن الشرط في ذلك لا يفسد البيع، إلا أنه لا يجزي ذلك عن صاحب المال، إلا أن يكون المشتري ثقة مأمونا على ذلك، ويقول أنه قد أدى الزكاة، فإن ذلك لا يجوز، وإلا فعلى البائع الزكاة.
مسألة: وسألته عن رجل أطنى ثمرة نخله بدراهم، وعنده قبلها دراهم قد بلغ عليه الزكاة، كيف يزكي دراهم الطنا؟ قال: إن كانت تمرة مما بلغ عليه العشر، فعليه في ثمنها العشر، إلا أن يكون قد أدى عشرها، فليس يرى فيها شيئا إلى حوالي سنة، وإن أخرج عنها كان أفضل. وبعضهم يرى عليها العشر، إذا كانت مع الرجل دراهم يزكيها أيضا تجرى عليها الصدقة في صدقة دراهمه.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، وعليه جل أصحابنا، والله أعلم. (17/124)
صفحة 4302
الباب السادس والعشرون
في الحد الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة
وذكرت عن عبد المقتدر أنه قال: لا تترك الزكاة للنقصان ثلاثة مكاكيك، ويخرج الزكاة. قال أبو المؤثر: لو نقص عن ثلاثمائة صاع واحد لم يخرج حتى تتم ثلاثمائة صاع، وقال الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس فيما دون خمس من الذوذ صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر والزبيب صدقة». وفي حديث آخر يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس فيما دون مائتي درهم صدقة» وخمسة أواق مائتي درهم، لأن الأوقية أربعون درهما، والوسق ستون صاعا.
قال مؤلف الكتاب: يقول أبو المؤثر: في هذا نأخذ، وما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو صواب، والله أعلم.
مسألة: قال أبو المؤثر: ما كان من سخالة الجعد والغنم فتخطت الوداي على آثار أمهاتها عدت مع الغنم والجعد، وأخرج الزكاة عناه.
مسألة: قال أبو المؤثر: حدثني محمد بن أبي الخزاعي وقد قدم من البصرة وكيلا لبني أبي حرب الصغار، وكان يوصف بشيء من الظرافة (17/125)
صفحة 4303
والبصرة، حدثنا ورفع الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل حضرموت: «بسم الله الرحمن من محمد بن عبد الله إلى الأقيال العباهلة. أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وفي التيعة شاة والتيمة لصاحبها، ولا خلاط ولا وراط ولا شناق، ومن أجبى فقد أربى والسلام». قال أبو المؤثر: الشناق ما بين الصدقتين، والتبيعة أربعون شاه، والتيمة العليفة التي تعلفونها، والخلاط لا يجمع بين متفرق، ومن أجبى فقد أربى .. قال بعضهم: تبع الثمار قبل دراكها.
مسألة: وعن رجل كان معه مائتا درهم إلا درهما، وحال عليها الحول، فلما جاء وقت الزكاة دخله درهم من عاله، هل عليه الزكاة؟ قال: لا حتى يحول على ما في يده مائتي درهم وزنه، فإذا حال عليها حول وفي يده مائتا درهم فعليه الزكاة.
مسألة: وعن رجل بلغت زراعته ثلاثمائة صاع، نحو شايفها ودايسها وبيدارها، هل يلزمه فيه زكاة أم لا؟ قال: نعم، فيها الزكاة على أكثر القول، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب لوائل بن حجر الحضرمي ولقومه: «من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة من أهل حضرموت أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله وإقام –لعله- الصلاة وإيتاء الزكاة وعلى التيعة شاة والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، ولا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار، ومن أجبى فقد أربى وكل مسكر حرام». تفسير ذلك على ما انتهى إلينا، والله أعلم، الأقيال ملوك اليمن، دون الملك الأعظم، واحدهم قيل يكون مالكا على قومه، ومخالفه ومحجره، والعباهلة الذي أقروا على ملكهم، (17/126)
صفحة 4304
ولا يزالون عنه، وقوله عليه السلام: وعلى التيعة شاة، والشاة أربعون من الغنم، واليتمة يقال لها الزيادة على الأربعين حتى تبلغ الفريضة الأخرى، ويقال: أيضا الشاة تكون لصاحبها في منزله يحلبها سائمة، وتسمى أيضا أجمعهن الربائب، وقال: قال بعض الفقهاء ليس في الربائب صدقة، وربما احتاج صاحبها إلى لحمها فذبحها فقال عند ذلك أيام الرجل واتأمت المرأة، والسيوب الزكاة.
قال أبو عبيدة: ولا أراه إلا أخذ من السيب، وهو العطية، يقال هو سيب الله وعطاؤه، وأما قوله: لا خلاط ولا وراط فإنه يكون بين الشريكين عشرون ومائة شاة، لأحدهما ثمانون وللآخر أربعون، وهي مشاعة بينهما غير مقسومة، فإذا أتى المصدق فأخذ منهما شاتين، رد صاحب الثمانين على صاحب الأربعين ثلث الشاة، فيكون عليه شاة وثلث، وعلى الآخر ثلثا شاة، وإن أخذ المصدق من العشرين ومائة شاة شاة، رد على صاحب الأربعين ثلثي شاة، فيكون على صاحب الثمانين ثلثا شاة، وعلى الآخر الثلث، وإنما أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشرين ومائة شاة شاة واحدة، فهذا في الخليط والمشاع، لأن ظاهر السنة يدل على ذلك، وهو معنى الاختلاط، وفي رواية أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذا، وهو قوله عليه السلام: «وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية»، ولا وراط مثل قوله: لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، وقوله عليه السلام: «لا شناق» فإن الشنق بين الفريضتين، وهو ما زاد من الإبل على الخمس إلى العشر، وما زاد على العشر إلى الخمسة عشر. يقول لا يؤخذ من ذلك شيء، وقوله عليه السلام: «من أجبى فقد أربى» الأجبى بيع الحرث قبل أن يبدو (17/127)
صفحة 4305
صلاحه، وفي الخليطين اختلاف بين أهل العراق وأهل الحجاز. قال أهل العراق: إذا كان أربعون شاة بين رجلين مع راع واحد مشاعة أو غير مشاعة، فلا يؤخذ منها شيء، ولا على واحد منهما شيء حتى يكون لكل واحد منهما أربعون شاة، وأهل الحجاز يعتبرون الراعي ولا يعتبرون المال، وقد كان هذا قول مالك بن أنس: لا تؤخذ الصدقة إلا بعد أن يملك كل واحد أربعين شاة فصاعدا، وهو قول أبي بكر الموصلي فيما أظن، والله أعلم.
قال أبو عمر: الوقص ما بين الفريضتين، وكذلك الشنق، وجمعه أوقاص وأشناق، وبعض الفقهاء يجعل الأوقاص في البقر خاصة، والأشناق في الإبل خاصة، وهما جميعا ما بين الفريضتين.
مسألة: ومنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي الرقة ربع العشر ولا يجب حتى تبلغ النصاب» وهو من الورق مائتا درهم، ومن العين عشرون مثقالا، هكذا روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «ليس فيما دون خمس من ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق صدقة، وليس فيما دون خمس أوسق صدقة». والذود خمس من الإبل، والوقية أربعون درهما، والوسق ستون صاعا، ولولا الإجماع لوجب أن تكون الصدقة في كل ما وقع عليه اسم ذهب أو فضة، وفي الرقة ربع العشر، ليس في ظاهر ما يدل على أن لا صدقة فيما دون عشرين مثقالا، ولا فيما دون مائتي درهم، وقد قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ). فظاهر الكتاب يوجب الإنفاق منهما أو اتفاقهما، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي الرقة ربع العشر» بيان للمقدار الذي يجب أن يخرج. (17/128)
صفحة 4306
اجتمعت الأمة على بيان ثان أنه لا يجب أن يخرج ربع العشر من هذا المال، حتى يكمل المقدار الذي أجمعوا عليه، وهو عشرون مثقالا ومائتا درهم، والفائدة في الذهب والفضة، والماشية لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول.
مسألة: والزكاة على وجوه، منها زكاة حول في غير ورق وماشية، فتلك يراعى فيها مقدار الملك وصفة المالك، فأما المقدار فالنصيب والحول، وأما الصفة فالإسلام ولزوم الخطاب، ومنها زكاة الحرث بجب في الملك، ولا يراعى بها وقت ولا مالك.
مسألة: وعن رجل كان له مائتا درهم، لم يخرج منها زكاة، قال: خمسة دراهم. ومن غيره، وعن أبي عبد الله أنه ليس فيما زاد من العشرين صاعا، حتى تبلغ الزيادة عشرين صاعا. قال نصر: عشرة أصواع. قال: الذي أحفظ عن أبي سعيد في هذا اختلاف. قال من قال: لا زكاة في الزيادة، ولا يلزمه شيء من الزكاة. وقال من قال: يؤخذ منه، وكذلك أيضا ما كان فيه العشر هو كذلك من الاختلاف إذا كان قد وجب في أصل المال الزيادة، والله أعلم. ومنه، وعن الرجل يحسب صدقته فتبلغ معه من الذهب والورق مائتي درهم، ويبقى في يده فضة من الحلي الرديء، مثل ما يباع درهم ونصف، أو أقل أو أكثر يكون معه من ذلك سبعون درهما، كيف يحاسب عليها؟ قال: يحسب الأربعين فيؤخذ منها درهم كسرا، أو قيمة صرف، وليس في الثلثين شيء.
مسألة: في فرائض الزكاة من –جامع أبي محمد- فرائض الزكاة (17/129)
صفحة 4307
ثلاث خصال: استكمال النصاب، واستقرار الملك، استكمال الحول. الحجة في استكمال النصاب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون عشرين دينارا صدقة، وليس فيما دون مائتي درهم صدقة». والحجة في استكمال الحول قوله عليه السلام: «ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول»، وقوله عليه السلام لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «انتظر بأرباب الأموال حولا ثم خذ منهم ما أمرتك به». (17/130)
صفحة 4308
الباب السابع والعشرون
فيما يؤخذ من أموال أهل الذمة
من كتاب الإشراف: واختلفوا فيما يؤخذ من أهل الذمة من التجارة، فروينا عن عمر بن الخطاب أنه أمر أن يؤخذ من أهل الذمة نصف العشر فيما يختلفون به، ومن أهل دار الحرب العشور، وقال بقول عمر بن الخطاب سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وكان مالك بن أنس يقول في تجارة أهل الذمة إذا اتجروا في بلاد المسلمين، يؤخذ منهم العشور فيما يديرون من التجارات إذا اختلفوا فيه، وأجمع من يحفظ عنهم من أهل العلم أنه لا صدقة على أهل الذمة في شيء من أموالهم ماداموا مقيمين. قال: أما أهل الذمة من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس، وممن له دين متعلق به، ممن يثبه له حكم أهل الكتاب في الجزية فثابت عليهم حكم في رؤوسهم الجزية، على معنى ما قد ثبت، فإن كانوا كم أهل أمصار المسلمين، فمعاني قول أصحابنا يخرج عندي منهم أنه يؤخذ منهم لكل شهر الجزية على قدر ما سموه من أحكام الجزية.
وأما أهل الشرك من أهل الحرب، وممن لم تثبت له هذه المعاني (17/131)
صفحة 4309
فمعي إنه يخرج في قول أصحابنا: إن بعضا يأخذ منهم العشور من أموالهم إذا قدموا على المسلمين، وبعض يقول: يؤخذ منهم في بلاد المسلمين كما يأخذ ملك أرضهم من المسلمين، إذا قدموا عليهم هكذا. وإن كان العشر فالعشر، وإن كان أكثر أو أقل، ولعل هذا القول أكثر.
ولا أعلم في قولهم في اليهود إذا لم يكونوا في أرض المسلمين ما يؤخذ منهم إذا قدموا شيء يحضرني، ويعجبني أن يكون لهم ما لأهل الكتاب ما كان في أمصار المسلمين، وأهل القبلة وأهل ذمة لأحد من المسلمين من أهل القبلة، وإن كانوا في دار الحرب ليسوا بأهل حرب متمسكين بأحكام أهل الكتاب، أعجبني أن يؤخذ منهم نصف العشر على ما قال هاهنا إذا لحقهم، بمعنى أهل الحرب، وإذا لم يثبت له ذمة أهل الإسلام مع أحد من أهل القبلة، وإذا قال من قال: إنه يأخذ من أهل الحرب العشر، وإذا قد قالوا: هؤلاء بنصف فيهم، وهذا فيما قدموا به، فإن أوطنوا على أنهم كتابيين استحال عندي حكمهم إلى معنى الجزية بحكم، وزال عنهم أشباه الجزية عندي. فإذا فقدوا فقدوا في بلاد المسلمين ما يجب به عليهم الجزية كان عليهم الجزية.
وفي قول بعض أصحابنا: إذا وقع الذمي شهرا حيث يحموه المسلمون أخذوا جزيته، وفي بعض قولهم حتى يقعد ثلاثة أشهر يؤخذ منه الجزية لما مضى ثلاثة أشهر، ويعجبني في الذي يقيم من أهل الحرب بأمان يدير في يده تجارة في حماية المسلمين أن يأخذوا منه ما يأخذ ملكهم –لعله أراد- إذا قدم أهل بلاد المسلمين في إقامتهم معه في تجارتهم، وإذا عليهم العشر في بعض القول كان بعد السنة عندي. (17/132)
صفحة 4310
ومنه: واختلفوا في المقدار الذي إذا مر الذمي على العاشر وجب الأخذ منه، فروينا عن عمر بن الخطاب أنه أخذ من المسلمين من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب أن يؤخذ من أهل الذمة من كل عشرين دينارا دينار، فما نقص فبحساب ذلك إلى أن تبلغ عشرة دنانير، فإن نقصت من عشرة دنانير بثلث دينار فلا شيء فيها، وكان سفيان الثوري يقول: إذا كان مقدار ما يبلغ به مائة درهم أخذ منه خمسة دراهم، وإن كان أقل من مائة فلا شيء عليه، فإذا مروا من تجار الحرب بشيء تبلغ خمسين درهما أخذ منه خمسة دراهم، وبه قال أبو عبيدة والحسن بن صالح وأصحاب الرأي: لا يؤخذ من الذمي والحربي حتى يبلغ ما مع كل واحد منهما مائتي درهم فصاعدا، وكان مالك بن أنس يقول: يؤخذ منهم العشر فيما يزيدون ويختلفون به، ولم يحد في ذلك حدا. وقال أبو ثور: يؤخذ من الذمي نصف العشر فيما يزيدون.
قال أبو سعيد: لا يحضرني حد مما يجب فيه على الحربي من قول أصحابنا بشيء مؤكدا، إلا أنه أحسب أنهم قالوا: يجب عليه العشر، وإنما يسأ ما به من ملكه معنى ثبوت العشر على المسلمين، يعني ما يجب فيه الزكاة، وهو عندي حسن، إلا أن يكون الحربي يأخذ ملك أرضه من المسلمين، إذا قدموا عليه من أقل من ذلك القول، يعجبني على هذا المعنى أن يؤخذ منه مقدار ما يؤخذ من ملك أرضه، وأما الكتابي من أهل الذمة ومن يثبت له فقد مضى القول في إقامته أو قدومه، وإذا ثبت عليه معنى ثبوت نصف العشر إذا كان من أهل الحرب، أعجبني أن لا يكون ذلك من أقل ما يجب فيه الزكاة على (17/133)
صفحة 4311
المسلمين، أشبه معاني أحكام المسلمين في ذلك، ولا أجد هذه التي ذكرها يخرج معناها من تشبيه معاني قائمة العدل في ذلك، وأقل ذلك أسسا أجده موافقا لما يشبه العدل بالعشر فيما يلزم المسلمين. وذلك أن المسلمين لا تلزمهم الزكاة إلا في مائتي درهم فصاعدا، أو عشرين مثقالا، ثم فيها ربع العشر، فلما أن كانت هكذا أشبه أن يكون من أربعين درهما يجب معنى العشر، لثبوت العشر في معناه في أشباه الزكاة، لأن الزكاة على المسلمين في الذهب والفضة نصف العشر، وفيما سقته الأنهار وما أشبهها من الثمار العشر، وفيما سقي على غير ذلك من المعالجات بالدلاء نصف العشر، فإذا ثبت معنى العشر أشبه عندي ما يوافقون المسلمين في معناه في بلوغ ذلك من أموالهم.
ومنه: واختلفوا في الخمر والخنزير يمر به على العاشر، فقال أصحاب الرأي بعشر الخمر ولا يعشر الخنازير. وقالت طائفة: لا يعشران، وهذا قول أبي عبيد وأبي ثور، وبه قال عامة أصحابنا. وروي هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وكان إسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، وأصحاب الرأي يقولون: إذا انصرف إلى بلده ثم عاد إلى ادر السلام عليه العشور كائنا ما كان.
قال أبو سعيد: لا يبين لي في قول أصحابنا ثبوت حق لهم من عشر، ولا غيره في محرم، والخمر والخنازير عندهم حرام، وقول من قال: لا عشر فيه أحب إلي، لأني لا أعرف فيه يعينه من قول أصحابنا شيئا، إلا أنه إن ثبت معنى ذلك بعشر انتصار من الحربي، أو من أشبهه إذ يأخذون من المسلمين من كل ما قدموا به، فإن ثبت على معنى الانتصار أخذ قيمة ذلك من الذمي، إذا كان يعترف أنه له حلال وأنه (17/134)
صفحة 4312
ملك، ولأنه قد ثبت عليه لمسلمة حق من ذلك من طريق مناكحة كان عليه قيمة ذلك لها يجبر على ذلك، ولا يقدر أن يعطيها خمرا وخنازير، فذلك يشبه هذا عندي على هذا المعنى، وينظر في هذا كله.
ومنه: واختلفوا في الذمي يمر على العاشر مرار؟ فقال مالك بن أنس: من خرج منهم من أهل مصر إلى الشام، ومن الشام إلى العراق فعليه العشر، واختلفوا في العام الواحد مرارا، فإن أقام في بلدة مصرت في أعلامها وأسفلها فلا عشر عليه، إلا أن يخرج من بلده إلى بلده، وقال أصحاب الرأي وأبو ثور: لا يؤخذ من أهل الذمة إذا مروا على العاشر إلا مرة واحدة، وبه قال أبو عبيد إذا كان المال الذي مر به يعينه في المرة الأولى، وإن كان مالا سواه أخذ منه. قال أبو بكر: كل ما ذكرته في أهل الذمة سوى نصارى بني تغلب. قال جماعة من أهل العلم: قالوا في نصارى بني تغلب تضاعف عليهم الصدقة، هذا قول سفيان الثوري وأبي ليلى والشافعي وأبي عبيد وأصحاب الرأي، ورووه في ذلك أخبار عن عمر بن الخطاب، ولا أعلم غيرهم خالفهم.
قال أبو سعيد: معي إنه مضى القول في الحربي والذمي من أهل الكتاب، ويعجبني في الحربي قول من يقول: إنه يؤخذ منه حسب ما يأخذ ملك بلده في تردده مرة بعد مرة في السنة أو في إقامته، وأما نصارى العرب فمعي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما قال إنه يضاعف عليهم الضعف ما يؤخذ من المسلمين من أموالهم، وأرجو أن ذلك في جميع الأملاك مما تجب فيه الزكاة على حسب الضعيف مما يؤخذ من المسلمين في كل شيء من ذلك، وأرجو أنه يخرج في معنى القول إنه لا شيء عليهم، إلا حتى يبلغ أملاكهم من ذلك ما تجب فيه الزكاة من (17/135)
صفحة 4313
أموال المسلمين لم يضاعف عليهم، وهكذا معي إنه قيل في يهود العرب من ثبت منهم باليهودية من العرب، ولا أعلمه في نصارى تغلب، وإنما هو في نصارى العرب، فإذا ثبت في نصارى العرب، ومن ثبت له معنى في الشرك تشبيها بالنصارى.
مسألة: وإن عمل مصلي مع ذمي كان في حصته الزكاة، إذا بلغ في ماله ما تجب عليه الزكاة خالصا له، وكذلك مازال من أهل الذمة، ومن أهل الإسلام إلى النصارى، ومن العرب، ففيه الخمس، ومازال إلى أهل الذمة من نصارى العرب، ولم أصله فيه الزكاة، فعليه الخمس، لأنه بحالة لا ينتقل عن حكمه بحكم أهل الذمة.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- وليس في زراعة أهل الذمة ولا في ثمارهم صدقة، وإنما الصدقة على أغنياء المسلمين، وإنهم يؤخذ منهم ما وافقوا عليه من العهد بينهم وبين المسلمين. (17/136)
صفحة 4314
الباب الثامن والعشرون
في مال نصارى العرب واليهود
وقال في مال نصارى العرب التي فيها الخمس إذا زالت إلى امرأة أو إلى ذمي، أو إلى مصلي أن فيها الخمس حيثما زالت؛ لأن الخمس أصل في المال، وليس هو على الرءوس فقالوا: إن زرعها مصل ففيها الخمس.
مسألة: وقالوا في الذمي يشتري مال المصلي أن لأهل الصلاة أن يأخذوه منه إن شاء، وإن لم يكن لهم فيه شفعة، وحفظ أبو عبد الله عن أبي صفرة عن محبوب ذلك. وحفظ أبو مروان وأبو عبد الله عن الأزهر بن علي عن أبيه ذلك، وقال من قال: ليس لهم أن يأخذوه إلا أن يكون شفعة لأحد، فلصاحب الشفعة أخذه.
مسألة: وسئل عن المصلي إذا اختار بالذمي وهو يدوس زرعه، أو يجذ نخله أيأخذ منه صدقة أم لا؟ قال: معي، إنه قيل أما ماله الأصل فلا يأخذ منه شيئا، وأما ما استفاد من أموال أهل القبلة، كان عليه فيه حكم الزكاة على سبيل أحكام المسلمين، ولا أعلم في ذلك اختلافا. (17/137)
صفحة 4315
مسألة: وسألت عن مشركي العرب؟ قال: يؤخذ من أموالهم ضعف ما يؤخذ من أموال المسلمين. قال أبو معاوية: إنما يؤخذ الضعف من نصارى العرب. (17/138)
صفحة 4316
الباب التاسع والعشرون
فيما يؤخذ من أهل الذمة من الجزية ونحو ذلك
وإذا ظفر الإمام بأرض المسلمين، وفيها أهل ذمة قد كان عقدها لهم جبار تلك الأرض التي كان قد استولى عليها قبل الإمام، لم يكن للإمام أن ينقض ذمة الجبار، ويحل عليه ما عقدها لهم، وكذلك الجبار إن كان قد أخذ منهم الجزية لأعوام قد انقضت في حال استيلائه على تلك الأرض. فإن قال قائل: فلم جعلتم فعل الجبار كفعل الإمام في العهد، وأخذ الجزية عندكم أن لا يستحق أخذها؟ قيل له: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم» فهذا الخبر يوجب إسقاط الجزية منهم، بعد أن أخذها من هو أدنى المسلمين، والله أعلم.
مسألة: ومن –الكتاب- والجزية ساقطة على النساء والصبيان والعبيد بإجماع الأمة. قال أصحابنا: ولا تجب على الزمنى ولا الشيخ الفاني، وقد وافقهم بعض مخالفيهم على ذلك، والنظر يوجب أخذ الجزية منهم، إلا من خرج من الإجماع. قال الله تعالى في كتابه: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ (17/139)
صفحة 4317
عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون) فظاهر الآية يوجب أخذ الجزية من الرهبان والزمنى والشيوخ وغيرهم، إلا من خصه الإجماع، والله أعلم.
مسألة: ومن –جامع بن جعفر- وقال من قال: إذا عتق المسلم عبدا يهوديا أو نصرانيا فلا جزية عليه، فينظر في ذلك.
مسألة: ومن جواب أبي الحسن –رحمه الله- وقال الله: (يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون). قلت: كيف يعطي هذه؟ قال: وجدنا في التأويل أنهم يمشون بها صغرة يقبلون بها، والله أعلم بتأويل كتابه.
مسألة: ومن –كتاب موسى بن أبي جابر- رحمه الله- إلى أهل نزوى، أنه ليس على اليهودي والنصراني والمجوسي زكاة في أموالهم، وإنما عليهم الجزية. على الرجل درهمان في الشهر، فإن كان غنيا موسرا فأربعة دراهم، وإن كان مسكينا يأكل بالدين ولا غلة له في الأرض ولا عبيد ولا تجارة، فليس عليهم شيء، ولا على النساء، ولا على الذرية جزية.
مسألة: ومعي، إنه إنما قيل ليس عليهم زكاة في أصول أموالهم، وما ما استفاد وانتقل إليهم من أموال أهل الصلاة التي قد جرت فيها الزكاة، ففيه الزكاة.
مسألة: وسئل عن يهود خيبر، أعفيهم الجزية أم لا؟ قال: معي، إنه قيل ليس عليهم جزية. قلت له: من أي وجه زالت عنهم الجزية؟ قال: إنه قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم حط عنهم الجزية. قلت له: فعليهم أن يغيروا لباسهم، ويربطوا الكساء، وهو الزنار، ويفعلوا كما (17/140)
صفحة 4318
يفعلوا أهل الذمة من غير زيهم، عن زي المسلمين؟ قال: معي إن هذا على جميع أهل الذمة عندنا من أهل الذمة.
مسألة: وليس على النساء والصبيان والمماليك جزية، وكذلك الزمنى والشيخ الفاني، ومن حبس نفسه منهم من النصارى في الصوامع، وهم الرهبان عباد النصارى، والشماسون عليهم الجزية، وهم القوام على بيعهم، وكنائسهم وبيت نارهم، ومن كان منهم مسكينا قد ظهر عدمه وفقره، ولا يقدر على الجزية فلا جزية عليه أيضا، ومن كان من غير هؤلاء فإنه يؤخذ منه في كل شهر درهم، ومن ظهرت بشرته منهم فإنه يؤخذ منه في كل شهر درهمان، حتى يكون دهقانا مكثرا، فكذلك يؤخذ منه في كل شهر أربعة دراهم، ولا يؤخذ منهم أكثر من أربعة دراهم، ولا يؤخذ أقل من درهم، وإنما يؤخذ منه بإهلال الشهر الماضي، وإذا ملك الذمي أربعين ألف درهم أو قيمتها من الأصل فهو عندي دهقان، وقال من قال: أقل من ذلك، ولا جزية على يهود خيبر إذا استبان ذلك، وقد قيل إذا كان للذمي مال أو عيال بعمان، وكانت غيبته إلى بلاد الشرك، ثم قدم أخذت منه الجزية، وإن لم يكن له بعمان مال ولا عيال، لم يؤخذ منه لما مضى، وإن كانت غيبته إلى أرض الإسلام لم يؤخذ منه الجزية إذا رجع إلى عمان، فإن كان له بها أهل ومال، إلا أن يقر أنه لم يكن أعطى الجزية فإنما يؤخذ منه لما غاب.
مسألة: وعن الذمي كان في بلاد الشرك هنالك مسا وكان، ولم يكن خروجه من عمان، ولم يكن تؤخذ منه جزية، فلا يؤخذ منه جزية حتى يقيم عندكم ثلاثة أشهر، ثم أخذوا منه الجزية فيما يستأنف، هذا في (17/141)
صفحة 4319
جواب أبي عبد الله –رحمه الله- إلينا، وفي رأي آخر حتى يقيم شهرا، وهذا الرأي أحب إلي.
مسألة: قال محمد بن محبوب –رحمه الله-: قال بلغنا أن سليمان بن عثمان –رحمه الله- قال: لا تؤخذ الجزية إذا رجع إلى أرض المسلمين، إلا أن يقيم معكم ثلاثة أشهر، ثم خذوا الجزية لهذه الثلاثة الأشهر، ولما يستأنف إن أقاموا معكم. قال محمد بن محبوب –رحمه الله-: أنا آخذ بهذا القول.
مسألة: عن أبي سعيد –رحمه الله- وأما اليهود وأهل الذمة فتؤخذ منهم الجزية على قدر منازلهم. وقد اختلف المسلمون في حد ما يؤخذ منهم، فقال من قال: حتى تخلوا ثلاثة أشهر، ثم يؤخذ منهم لما مضى من الثلاثة أشهر، وقال من قال: إذا حموهم شهرا أخذ منهم لذلك الشهر.
مسألة: ومن –غير جامع ابن جعفر- وسئل أبو سعيد كيف تؤخذ الجزية من أهل الكتاب، وممن يؤخذ منهم؟ قال: معي، إنه قيل إنما تؤخذ ممن لا يأكل بالدين منهم من الرجال، ولا يلحقه معنا دين في معيشته في أحواله ويصير بمنزلة الفقير، كل شهر درهم، ومن أوساطهم فمن هو فوق ذلك، من كل واحد درهمين، ومن دهاقينهم، وما أشبههم في المعنى، في كل شهر أربعة دراهم عن رؤوسهم، لا عن أموالهم ذلة لهم بذلك عن أيد صغار لهم من ذلك، وإذا سلموها فذلك هو الصغار والذلة، سلموها بأيديهم أو وكلائهم، أو من أمروا بذلك. قلت له: وهل للوقت الذي يجب عليهم الجزية بمعنى الشهور تحديد، كانوا موطنين في بلد، أو مسافرين أو متسوقين؟ قال: معي، إنه قيل إذا (17/142)
صفحة 4320
كانوا في بلد المسلمين وجبت، يجزى عليهم حفظهم وعدلهم في برهم أو بحرهم مسافرين كانوا أو مقيمين ثلاثة أشهر، أخذ منهم الجزية فيما مضى من الثلاثة أشهر، ثم استقبلوا كل شهر يؤخذ منهم، لما مضى من الشهور، ولا يؤخذ منهم لما استقبلوا حتى يقيموا شهرا، وقال من قال: إذا أقاموا شهرا أخذ منهم، ولا ينتظر بهم ثلاثة أشهر.
قلت له: وما معك في علة من يقول ألا يؤخذ من أهل الذمة جزية حتى يمضي لهم ثلاثة أشهر، والعلة عليه من قولهم إنه يأخذ منهم عن كل شهر جزية معلومة؟ قال: لا أجد علة، ولا يشبه مواطي معنى قوله، والله أعلم، وأشبه المعاني عندي في معنى هذا القول الآخر، ولا يكون أعظم حرمة من المسلمين؛ لأن معنى الاتفاق يوجب أن المسلم إذا قام سنة وجب عليه الزكاة، بمعنى ثبوتها عليه في التعبد.
قلت له: وما صفة من تؤخذ منه الجزية بمعنى التعبد منه؟ قال: معي، إنه قيل من البالغين فصاعدا، ولا أعلمه على الصبي أن يكون شيخا، فإن ثم عندي أنه يختلف في الشيخ الفاني عندهم، ويعجبني إذا صار بحد من لا يقابل من الضعف والكبر لم يكن عليه، لأنه يزول عنه معنى ما ثبت في المقاتلة الذين قصد إلى ذلهم وصغارهم.
قلت له: والعلة التي أوجبت سقط الجزية بالكبر، أهي بالسنين أن بالاعتبار، وإن كان بالاعتبار، فبالسنين أم بالمسافات؟ قال: لا يبين لي في السنين، وإنما هو بالاعتبار، ويعجبني أن يكون إذا كان في حد من يقاتل ويحارب في موضعه، ولم يكن في حد الفاني.
قلت له: فما القول معك كسقوط الجزية عن الصبيان، أهو بالاتفاق؟ قال: هكذا عندي، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وإن قال قائل: إذا (17/143)
صفحة 4321
صاروا بحد المحاربة من المراهقة للبلوغ ممن يحكم عليه بأحكام البلوغ، يثبت عليه الجزية في معنى الاختلاف، لم يبعد عندي ذلك.
قلت له: أليس القول في الغلام إذا كان بحد المراهق، وأقر بالبلوغ أنه يثبت عليه حكم ما أقر به؟ قال: معي إنه كذلك يختلف فيه، فبعض يثبت عليه في تلك الحال ما أقر به من البلوغ، وعندي أنه قد قيل غير ذلك، إذا لم يقر بالبلوغ.
قلت له: وما علة من يقول إنه مصدق في ذلك؟ قال: لأنه يلزمه أحكام البالغين لاشتباهه للبالغين، قلت فبالشبه يثبت عليه البلوغ أم بالإقرار؟ قال: معي، إنه يثبت عليه بالشبه معاني أحكام البلوغ وبالإقرار يثبت عليه الإقرار؛ لأنه ثابت من البالغين.
قلت له: فهل تثبت أحكام البلوغ بأحد هذين الشبه أو الإقرار؟ قال: معي، إنه بالإقرار بالبلوغ يثبت عليه أحكام البالغين، ما لم يكن إقراره محالا في معنى النظر، وأن يقر بمعدوم في معنى الاعتبار.
قلت له: فما معنى الشبه الذي يكون حجة عليه بالبلوغ، وأن الإقرار بالبلوغ؟ قال: معي، إنه يصير بحد البالغين في النظر، أو يبلغ من السنين ما يبلغ به مثله، أو يبلغ من هو أصغر منه أو من هو من أترابه، فهذه الأحوال كلها قل قيل إنه يشبه بها معنى البالغين في معنى الأحكام، دون الحدود وما أشبهها من القصاص والقود. وقال من قال: حتى يبلغ أو يصح بلوغه أو يقر، ويصير بحد من لا يرتاب في بلوغه وبحال غير بالغ في معنى النظر، ثم هنالك يجب عليه حكم الاتفاق في أحكام البلوغ في إيجاب الحدود وغيرها. (17/144)
صفحة 4322
قلت له: فالاتفاق على سقوط الجزية عن الصبيان من أهل الذمة من السنة أو من الصحابة؟ قال: لا أعلم في ذلك شيئا مؤكدا، والله أعلم.
قلت: فهل على نساء أهل الذمة جزية؟ قال: لا أعلم ذلك. قلت له: وكيف معك أو قيل نجبي الجزية من أهل الذمة؟ قال: معي، إنهم إذا حماهم المسلمون شهرا جبوا منهم الجزية إن كنت أردت هذا الفصل. قلت: فثبوت الجزية واجب على أهل الذمة من العرب، أم إنما ذلك في العجم؟ قال: معي إنه قيل إنما ذلك في العجم من أهل الكتاب والمجوس، وأما أهل الكتاب فمن حكم الكتاب يثبت عليهم، وأما المجوس فمعي، إنه قيل من السنة، وأما العرب فمعي إنه قيل إذا كانت قد أثبتت لهم الذمة بوجه من الوجوه أخذ من أموالهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين، ولا أعلم عليهم جزية.
قلت له: ومن أين يلحقوا بأهل الذمة من العجم في الجزية، وقد ثبت عليهم عهد أهل الذمة؟ قال: معي، أنهم مخالفون في الشبه لأهل الذمة من العجم، ومشتبهون بحكم أهل الإسلام من العرب في الشبه، كان عليهم بالصغار ضعف ما على المسلمين، ولم يستن بهم سنة العجم.
قلت له: وهل قيل أو يخرج عندك أنه يجب على أحد من المشركين الجزية غير اليهود والنصارى والمجوس، أو من تعلق بأحد معاني هؤلاء؟ قال: لا أعلم ذلك، في سائر أهل الشرك من العجم، إلا أن يكون قد ثبت ذلك عليهم بمصالحة المسلمين، فعليهم ما قد ثبت من الصلح بينهم وبين المسلمين من جزية، أو خمس أو غير ذلك. (17/145)
صفحة 4323
قلت له: فيكون للمسلمين مصالحة أهل الحرب من المشركين غير أهل الكتاب على أكثر من الخمس؟ قال: معي، إنه ليس للمسلمين مصالحهم حتى يضيئوا إلى أمر الله، أو تذهب أرواحهم على ذلك، إلا أن يروا أن صلحهم أصلح للإسلام وأهله، فلهم أن يصالحوهم على ما شاؤوا، ولو على أموالهم كلها عندي.
قلت له: وكيف كان ثبت عهد الذمة للمجوس وليس لهم كتاب؟ قال: فأما معنى ذلك معي أنه قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سنوا في المجوس سنة أهل الكتاب» أحسب أراد بذلك معنى الجزية على معنى القول، وقد يشبه عندي إخراجهم من جملة أهل الشرك، لقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا). فكان لهم اسم في غير معنى جملة أهل الشرك، وإن كان يلحقهم الشرك فإن لهم اسم يفردهم مثل اليهود والنصارى والمجوس.
قلت: وهل كان علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا المجوس إلى الإسلام، وهل لذلك دليل في كتاب الله؟ قال: ولا أعلم ذلك في معنى ما بلغني، ولا في جملة ما دخلوا فيه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم) وقول الله تبارك وتعالى: (قاتلوا المشركين كافة) والمجوس داخلون في جملة أهل الشرك. وقال الله تبارك وتعالى: (جاهد الكفار والمنافقين) والمجوس داخلون في جملة الكفار.
قلت له: يجوز وثبت للمسلمين أن يأخذوا بالجزية من أهل الذمة عروضا أو ذهبا بما يجب عليهم من النقد؟ قال: فلا أعرف ذلك نصا، (17/146)
صفحة 4324
ولكنه إذا ثبت أن يأخذوا من الزكاة من المسلمين العروض، وجاز ذلك فالجزية عندي مثلها إن لم يكن أشبه بإجازة ذلك، لأنه حق واجب بنفسه في الذمة بلا اختلاف، والزكاة قد يختلف فيها، ففي بعض القول إنها شريك. وقال من قال: إنها في الذمة، ولا يبين لي اختلاف في منع ذلك المسلمين أن يأخذوا عروضا بالزكاة عن اتفاقهم، ورب المال، لأن الحق لهم ليس لغيرهم، وإنما يبين لي معنى الاختلاف، إذا دفع ذلك إلى الفقراء؛ لأن الحق ليس لفقير دون فقير.
قلت له: وهل يجوز أن يأخذ ما يجب عليهم من الجزية من ثمن الخمر والخنازير؟ قال: فإذا صح ذلك أنه من ثمن الخمر والخنازير لم يبن لي أن يكون ذلك لهم على المسلمين ولهم أن يأخذهم بالجزية من غيره، فإن أخذوا ذلك من الجزية لما ثبت من الحق عليهم، لم يبن لي حرام ذلك، معنى الاتفاق وأشبه عندي فيه معنى الاختلاف.
قلت: أريت إن أبى أحد من أهل الذمة أن يدفع ما لزمه من الجزية، ما يكون للمسلمين أن يفعلوا فيه عند ذلك؟ قال: معي إنه إذا امتنع بما يجب عليه عاقبوه بالحبس، فلا يزال فيه إلى أن يؤدي أو يحارب على ذلك، فيكون حربا فيقاتل عليه.
قلت: فهل يجوز للمسلمين أو يثبت لهم عند امتناع من يأخذوا منه الجزية، أن يأخذوا الجزية من ماله؟ قال: معي أن لهم الخيار في ذلك إن شاؤوا أخذوها وإن شاؤوا حبسوه، حتى يؤديها عن يده وهو صاغر.
قلت: فإن ثبت لهم وجاز أن يأخذوه من ماله، فهل يجب عليه حبس بامتناعه لأدائها؟ قال: إن الإمام يخير في ذلك على ما يرى من (17/147)
صفحة 4325
عقوبتهم في الامتناع، وحقيقون بذلك عندي أن يعاقبوه بالحبس إذا امتنعوا، وقد ثبت عليهم أن يؤدوا عن يد وهو صاغرون، فقليل عندي ذلك لهم.
قلت له: وهل يجب عليه في امتناعه ووجوب الحبس لهم ضرب أدب؟ قال: معي إنه لا يبعد ذلك فيهم، ونظر الإمام لهم؛ لأنهم ليسوا كأهل الإسلام، وإنما عليهم ذلك عن يد وهو صاغرون.
مسألة: قيل يجوز بيع النخل والزراعات لأهل الذمة، فإذا بيع عليهم ففي وجوب الزكاة عليهم اختلاف؟ قول: تجب، وقول لا تجب.
مسألة: يهودي قال: إنه خيبري ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا يؤخذ منه الجزية؟ فنعم عليه الجزية، ولا يقبل إلا بشاهدي عدل من أهل الصلاة أنه خيبري أو يقيم بينة أن أحد من أئمة المسلمين أو قضاتهم رفع عنه الجزية، فإن ذلك يرفع عنه الجزية. (17/148)
صفحة 4326
الباب الثلاثون
في ذكر الذمي يزرع أرضا من أرض العشر
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في الذمي يزرع أرضا من أرض العشر بملك أو غير ملك، فكان مالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وشريك وأبو عبيد يقولون: ليس عليه في ذلك شيء. وقال النعمان: إذا اشترى الذمي أرضا تحولت أرض خراج. وقال أيضا: يضاعف عليه العشر. وقال محمد: عليه العشر على حاله. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إن كل مال ثبتت فيه الزكاة على أحد من المسلمين، ولم يثبت في أيدي أهل الذمة بما لا يصلح فيه ملك للمسلمين فلا ينتقل حكمه عن ثبوت حكم الإسلام فيه، وفيه الزكاة، كانت الزراعة لأحد من أهل الذمة، بملك أو غير ملك، بمشاركة أو منحة أو أجرة وأحكام، هذا الفصل من الأموال حكمه مال المسلمين في ثبوت الزكاة، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافا.
مسألة: ومن -غير الكتاب- وسئل عن رجل من المسلمين ابتاع من رجل من أهل الذمة مالا .. تجري فيه الصدقة؟ قال: لا بأس بذلك، (17/149)
صفحة 4327
ويشترط عليه صدقة الثمرة. قال أبو عبيد الله: الصدقة فيها.
مسألة: فيما يؤخذ من نصارى العرب من –كتاب أبي جابر- ونصارى العرب يؤخذ منهم الضعف مما يؤخذ من المسلمين من الصدقة، وهو الخمس، ولا جزية عليهم، ولا تجب الصدقة في مالهم حتى تبلغ فيه كما يبلغ في أموال أهل الصلاة، ويحول على الورق الحول مذ ملكوه، وكذلك قال يهود العرب أيضا، وعامل النصارى الذي يلزمه الخمس، إذا كان من أهل الإسلام، فإنما عليه في حصته العشر، وفي حصة النصارى الخمس، وتؤخذ الصدقة من مال الرجل منهم والنساء والصبيان، على ما يؤخذ من أموال أهل الإسلام، إلا أن عليهم الضعف في الصدقة، وكل مال ورثوه أو اشتروه أو صار إليهم بوجه من الوجوه، ففيه عليهم الضعف من الصدقة. وما اشترى الذمي من النخل والأرض والغنم والبقر من أرض المسلمين، ففيها الزكاة على أهل الذمة، صارت إليه، وليس لهم أن يخرجوا بالماشية من أرض المسلمين إلى أرض الشرك إذا كانت تجري فيها الصدقة، وما اشترى المسلمون من أموال نصارى العرب الذي كان تجري فيه الخمس عندهم، فإنما على المسلمين فيه العشر.
قال أبو علي الحسن بن أحمد: وقد قيل الخمس؛ لأن الخمس أصل ثابت، وقول إذا زالت إلى ذمي أو مصلي أن فيها الخمس، وقول: إذا زالت إلى المصلين ففيها الزكاة، لأن المصلي لا يكون عليه خمس ولا جزية، كذلك إذا زال مال أهل الذمة إلى المصلي، كان عليه الزكاة. (17/150)
صفحة 4328
الباب الحادي والثلاثون
في العشر على بني تغلب
من –كتاب الأموال- تأليف أبي عبيدة القاسم بن سلام. قال أبو عبيدة: روي أن عمر بن الخطاب –رحمه الله- أراد أن يأخذ من نصارى بني تغلب الجزية فانفوا منها وأرادوا أن يلحقوا بالروم، فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية، فلا تعن عدوك بهم، فصالحهم عمر على أن أضعف عليهم الصدقة، وإنما استجازها فيما يروى وترك الجزية، لما رأى من نفارهم وأنفهم منها، وعلم أنه لا ضرر على المسلمين من إسقاط ذلك الاسم عنهم، واستوفاها منهم حين ضاعف عليهم الصدقة، فكان في ذلك رنق ما خاف من منعهم، مع استيفاء حقوق المسلمين من رقابهم، فكان مسددا كما روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه»، وكقول عبد الله فيه: ما رأيت عمر قد إلا وكأن ملكا بين عينيه يسدده، ومثل قول علي: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. وكقول عائشة فيه: كان والله أجود نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها. (17/151)
صفحة 4329
قال أبو عبيد: فكان فعلته هذه التي أعد في كثير من محاسنه لا تحصى. قال أبو سعيد: يؤخذ من نصارى العرب الضعف، ممن التجارة والذهب والفضة، وكذلك يهود العرب، ولا أعلم عير ذلك (1).
مسألة: ومن اشترى ثمرة اليهودي والنصراني، فلا صدقة عليه، وله أن يشتري ثمرة أهل الذمة، ودوابهم مواشيهم وأمتعتهم، وقول إن اشترى الثمرة بعد دراكها فلا زكاة فيها من حيث كانت على المشتري، وإن صارت قبل الدراك بوجه، فأدركت في يده، فعليه الزكاة فيه فيما قيل من حيثما كانت.
---------------
(1) (17/152)
صفحة 4330
الباب الثاني والثلاثون
في ذكر زكاة العبد يجد الركاز
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: قال سفيان الثروي والأوزاعي وأبو عبيد: إذا وجد العبد ركازا يرضخ له، ولا يعطى كله، وقال أصحاب الرأي وأبو ثور: هو له بعد الخمس، وحكى أبو ثور عن مالك والشافعي الذي قاله والكوفي. قال أبو بكر: وبه نقول، وقول الشافعي الذي قاله بمصر: إن ذلك إذا صار في يد العبد يصير ملكا لسيده.
قال أبو سعيد: لا يحضرني من معاني قول أصحابنا في هذا شيء، ولكن يوجب عندي معنى الرضخ للعبد مما أصاب، إذا كان في عسكر المسلمين، وأصاب مغنما من ذلك رضخ له، وأما إذا كان هو الواجد له وحده على الانفراد فهو عندي اكتساب منه، وماله لسيده، وفيه الخمس، وما بقي لسيده، وما رضخ له من ذلك من غنيمة أو غيرها فهو كسب، وكسبه لسيده. (17/153)
صفحة 4331
[صفحة بيضاء] (17/154)
صفحة 4332
الباب الثالث والثلاثون
في الصبي والمرأة يجدان الركاز
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: قال الأوزاعي وأصحاب الرأي: في المرأة والصبي يجدان الركاز هو لهما، وكذلك قال أبو ثور وأصحاب الرأي في المكاتب، وذكر أنه قول مالك والشافعي، وكان الثوري يقول: لا يكون لهما. قال أبو بكر: ظاهر الحديث يوجبه لهما.
قال أبو سعيد: يخرج عندي معنى ما قالوا، إذا كان في غير معنى الحرب ولا الغنيمة، وكل من وجده فهو له من امرأة أو صبي أو مكاتب أو حر أو عبد، وكسب العبد لسيده. (17/155)
صفحة 4333
[صفحة بيضاء] (17/156)
صفحة 4334
الباب الرابع والثلاثون
في ذكر الركاز يجده المرء في ملك غيره
من كتاب الإشراف قال أبو بكر: واختلفوا فيمن وجد ركازا في دار رجل أو أرضه، فقال الحسن بن صالح وأبو ثور هو للواجد، واستحسن يعقوب ذلك، وقال النعمان محمد: هو للذي يملك فيه الدار، وكذلك قال الشافعي: إن ادعاه رب المال، وإن لم يدعه فإن كانت له قبل، وقال الأوزاعي: إذا استأجرت أن يحفر لي في داري، فوجد كنزا فهو لي، وإن استأجرت أن يحفر لي هاهنا رجاء أخذ كنز سميت فله أجره، ولي ما وجد.
قال أبو سعيد: معي إنه إذا ثبت كنز من كنوز الجاهلية بمعنى ما يوجب ذلك فيخرج حكمه أنه لمن وجده من رب البيت أو غيره؛ لأنه غنيمة بمنزلة الغيب، وليس هو من ذات الأرض، ولا بما أخرجت الأرض، فيكون في الحكم لرب المال في معنى الحكم عندي، ولعله يشبه معنى الاختلاف في قول أصحابنا في نحو هذا، وأبين ذلك عندي أن الأملاك تقع عليه بمنزلة المال، ويخرج عندي في معنى المؤجر للحفر إذا كان اسؤجر لطلب الكنز لصاحب الأرض المستأجر، وللأجير أجرته، وإن (17/157)
صفحة 4335
كان استأجره لغير ذلك خرج عندي معنى حكم الكنز للحافر الواجد له.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- وأما من وجد ركازا فهو أحق به، وليس عليه فيه تعريف، وهو دفن الجاهلية، وإن وجده ظاهرا على وجه الأرض فلا أحفظ قولا، وأحب أن يكون سبيله سبيل اللقطة، لأنها عندي بمنزلة ما يسقط من الناس من الأموال، ولأنها مخالفة لوصف الركاز الذي هو كنز، والله أعلم.
مسألة: وعن أبي عبد الله، وعن رجل وجد في أرض رجل كنزا من كنوز الجاهلية قال هو لمن وجده ظاهرا أو باطنا، وفيه الخمس إذا كان ذهبا أو فضة، وذلك إذا كان لكنز جاهلا.
مسألة: ومن غيره، وسألته عن رجل وجد كنزا عاديا في أرض قوم آخرين لمن يكون المال؟ قال لصاحب الأرض. ومن غيره، قال: وقد قيل إنه لمن أصابه. وقال من قال: إن كان من حصن فهو لصاحب الأرض، وإن كانت مباحة غير محصونة فهو لمن أصابه. (17/158)
صفحة 4336
الباب الخامس والثلاثون
في ذكر الكنز يوجد في دار الحرب
من -كتاب الإشراف-: قال أبو مالك في الكنز يوجد في دار الحرب هو بين الجيشين. وقال الأوزاعي: يؤخذ منه خمسه، والباقي بين الجيش، وقال الشافعي: هو لواجده، وقال النعمان: إن دخل بأمان فوجد كنزا في دار رجل رده عليه، وإن كان في صحراء فهو له وليس فيه خمس، وقال يعقوب ومحمد فيه الخمس، وقال أبو ثور هو لمن وجده، إلا أن يكون لرب الدار فيكون له.
قال أبو سعيد: لا أعلم أنه يحضرني في معاني قول أصحابنا في هذا شيء، ولكنه يعجبني ما قاله من الاختلاف أن يكون غنيمة لجميع الجيش، أو يكون لمن وجده، وأحب ذلك إن كان الواجد له لم يبلغ بذلك على حال، إلا بموضع العسكر كان غنيمة، وإن كان غير هذا المعنى، فالاعتبار كان في الاعتبار له خالصا، وعلى كل حال فمعي إنه فيه الخمس بجميع من ثبت له من خاص أو غنيمة، ويعجبني ما قال في الذي في أخذه متعمدا إن وجد ذلك في بيت يقع عليه معنى السكن، كان مالا لرب البيت، لأن ذلك داخل في جملة أحكام الشرك، وهو ماله لهم، (17/159)
صفحة 4337
وإن وجده في الصحراء أو غيره ما يقع عليه الإملاك بالإسكان المباحات، أعجبني أن يكون له، وليس الشرك من أهل الحرب عندي مثل المسلمين فيما يؤخذ من إسكانهم، والله أعلم.
مسألة: قال أبو بكر: قال أبو ثور إذا أصاب الرجل ركازا لم يسعه أن يتصدق بخمسه، فإن فعل ضمنه الإمام، وقال أصحاب الرأي يسعه ذلك. قال أبو بكر: هذا أصح.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنا الاختلاف في خمس كنوز الجاهلية، إذا لم يكن عندي بمعنى ثبوت الغنيمة لأهل معسكره، ففي بعض قولهم: إنه للفقراء، وفي بعض قولهم: إنه يقسم على سبيل قسم الغنيمة، ويعجبني القول الأول إنه للفقراء لأنه أخذ عن غير حرب، ولا إيحاف بخيل ولا رجال. (17/160)
صفحة 4338
الباب السادس والثلاثون
في وقت الزكاة
وعن أبي الحواري، وعمن كانت عليه زكاة، وكان يخرجها في المحرم، فأخرها حتى دخل عليه ربيع الأول فلم يخرجها، فإذا حال عليه الحول، ثم رجع يخرجها في المحرم كما كان يخرجها من قبل، أو يرجع يخرجها في ربيع الأول، بل وقته في شهر المحرم، وإنما يخرجها في شهر المحرم. (17/161)
صفحة 4339
[صفحة بيضاء] (17/162)
صفحة 4340
الباب السابع والثلاثون
في إسقاط الزكاة عن اللؤلؤ والجوهر والعنبر
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا فيما يجب في العنبر، فروينا عن ابن عباس أنه قال: لا شيء فيه، وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد والنعمان ومحمد، وقال الحسن البصري: ليس في صيد السمك، وكذلك قال مالك بن أنس وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والنعمان ومحمد، وقد روينا عن ابن عبد العزيز أنه قال: في العشر الخمس، وكذلك الحسن والزهري يخرج منه الخمس، ويعقوب ومحمد وإسحاق في العشر، وكان عطاء يقول: ليس في لؤلؤ ولا في زبرجد ولا ياقوت ولا فصوص صدقة، وقال القاسم بن محمد: ليس في اللؤلؤ زكاة، إلا فيما يدار للتجارة، وكذلك قال عكرمة في الياقوت والجواهر، وهذا قول مالك وسفيان الثوري والشافعي ومحمد.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق أنه لا زكاة في شيء من الجواهر، إلا في جوهر الذهب (17/163)
صفحة 4341
والفضة، وليس في سائر ما أخرجت الأرض من الجواهر زكاة غيرها، ولا ما خرج من بر ولا بحر، وكذلك قال الله تبارك وتعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) إنما الزكاة فيها من جميع الجواهر، إلا ما دخل من جميع ذلك في معنى التجارة فإنه فيه الزكاة بمعنى زكاة التجارة، ولا أعلم في ذلك اختلافا في قول أصحابنا.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- ولا زكاة فيما أصاب المصيب من اللؤلؤ والجوهر والعنبر من عوض، إلا أن يكون من التجارة، فيحسب قيمته عند جميع ما كان له من التجارة، ويبيعه بدارهم أو ذهب فيحمله على صدقته، وإن كان ممن لا يؤدي فحتى يحول على مائتي درهم من ثمن ذلك أو أكثر حولا، ثم يجب فيه الزكاة.
مسألة: من –كتاب الكفاية- والعنبر واللؤلؤ لا شيء فيه على من أصابه حتى يبيعه، ويصير ثمنه ذهبا أو فضة، ويحول عليه الحول، إلا أن يكون له مال، وقد وجب إخراج زكاته، فيضم ثمن اللؤلؤ والعنبر إذا باعه فيخرج منه أيضا. (17/164)
صفحة 4342
الباب الثامن والثلاثون
فيما ليس فيه زكاة – في ذكر إسقاط الصدقة في الخضر والفواكه
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: روينا عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب أنهما قالا: ليس في الخضروات صدقة، وبه قال مالك وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن صالح وسعيد بن عبد العزيز والليث بن زيد والشافعي وأبو ثور، وقال النعمان: في الرياحين والبقول والرطاب القليل والكثير والزعفران والورد في قليله وكثيره العشر ونصف العشر. قال يعقوب ومحمد: ليس في شيء من هذا زكاة، إلا ما كان له ثمرة باقية، إلا الزعفران ففيه العشر، هذا على قول يعقوب، وقال محمد: لا يكون في الزعفران شيء حتى يكون خمسة أمنان. وقال محمد في قصب السكر الذي يكون منه السكر ويكون في أرض العشر ما في الزعفران. وقال آخرون: لا زكاة في الخضروات لكن تزكى أثمانها إذا بيعت، وبلغ الثمن مائتا درهم، هذا قول الحسن البصري والزهري، فأما مذهب مالك والشافعي والثوري فلا صدقة فيها ولا في أثمانها حتى يحول على أثمانها الحول في ملك مالكها. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول. (17/165)
صفحة 4343
قال المؤلف للكتاب: أنا آخذ بقول من يقول: لا زكاة فيها ولا في أثمانها حتى يحول الحول على الثمن، وهو مائتا درهم، أو يكون له مال من روق أو تجارة قد باعه بذهب أو فضة أو يبيعه بشيء من العروض يريد به التجارة، ويحول عليه الحول، أو يحل وقت زكاته، ولو لم يحل الحول فإنه يحمل على زكاة ماله في زكاة الورق والتجارة، والله أعلم.
قال أبو سعيد: إنه قد مضى القول بمعاني ما تثبت فيه الزكاة في قول أصحابنا، ويوافق ذلك عندي من هذه الأقاويل قول من قال: لا زكاة فيها ولا في أثمانها بحال حتى يحول الحول على الثمن، وهو مائتا درهم، أو يكون له مال من ورق أو تجارة قد باعه بذهب أو فضة، أو يبيعه بشيء من العروض يريد به التجارة، ويحول عليه الحول، أو يحل وقت زكاته، ولو لم يحل الحول فإنه يحمل على زكاة ماله في زكاة الورق والتجارة.
مسألة: عن الفقيه ورد بن أحمد بن مفرج- وسألته عن العظلم، هل فيه زكاة قال: لا.
مسألة: من جواب الفقيه صالح بن وضاح، وأما السكر والقطن والكتان، وجميع الشجر فلا زكاة فيه، ولا قال به أحد، والله أعلم.
مسألة: وسألته عن اللوبيا والحمص والعدس. قال: كان بعض الفقهاء لا يرى الزكاة إلا في البر والشعير والذرة والزبيب والتمر، وكان بعضهم يرى في الحبوب ما يؤكل ويدخر أن فيه العشر، والله أعلم، وأما البصل والثوم وحب الرمان، فليس فيه زكاة، وكان أبو عبيدة (17/166)
صفحة 4344
لا يرى أن يخلط البر ولا الشعير حتى يكون البر خمسة أوسق والشعير خمسة أوسق فتحل من كل نوع واحد، وقد قيل أيضا يحمل أحدهما على الآخر، والله أعلم. ذكر العشور من كتاب الإشراف قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن لا عشور على المسلمين في شيء من أموالهم، إلا في بعض ما أخرجت أراضيهم.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معنى ما قال: إنه لا عشر على المسلمين من جميع أهل القبلة فيما يثبت في أيديهم من الأملاك لازم في معنى أعشار ما يلزمهم من أسباب الزكاة العشر، إلا فيما أخرجت أراضيهم ونخيلهم وأعنابهم مما سقته الأنهار، أو كان على البجوس والأمطار، وجميع ما لا يسقى بالنواضح والمعالجات، وهو كذلك عندي لا عشر عليهم إلا في هذا الصنف من أموالهم، والعلة إنما أكد هذا لأن لا يشبههم (1) بما يريد أن يثبت على أهل الشرك من العشر في أموالهم.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عفي لكم عن صدقة الخيل» فقال قوم: هذا عموم، وقال آخرون: إذا لم يكن للتجارة.
---------------
(1) (17/167)
صفحة 4345
[صفحة بيضاء] (17/168)
صفحة 4346
الباب التاسع والثلاثون
في ذكر زكاة الزيتون
من -كتاب الإشراف-: وكان الشافعي يقول بقول مالك، ثم قال بمصر: لا أعلمها تجب في الزيتون. واختلفوا في صدقته كيف تؤخذ، فكان الزهري يخرص زيتونا ويأخذ زيتا صافيا، وبه قال الليث بن سعد والأوزاعي، وقال مالك يؤخذ العشر بعد أن يعصر وبلغ الزيتون خمسة أوسق.
قال أبو سعيد: لا أعلم في قول أصحابنا إثبات الزكاة في الزيتون حبا ولا عصيرا. (17/169)
صفحة 4347
[صفحة بيضاء] (17/170)
صفحة 4348
الباب الأربعون
في صدقة العسل
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في صدقة العسل، فممن رأى فيه العشر مكحول وسليمان بن موسى والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال النعمان: إذا كان العسل في أرض العشر، ففي قليل العسل أو كثيره العشر، وقال يعقوب: ليس فيما دون خمسة أوسق من العسل صدقة. وفي قول مالك وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن صالح والشافعي: لا زكاة فيه، وقد روينا ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز. قال أبو بكر: ليس في وجوب صدقة العسل شيء يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا إجماع ولا زكاة فيه.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق بما قال أبو بكر في القول. (17/171)
صفحة 4349
[صفحة بيضاء] (17/172)
صفحة 4350
الباب الحادي والأربعون
في ذكر وجوب الزكاة في الثمار المحبسة أصولها
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: قال مالك بن أنس في الحوائط المحبسة في سبيل الله أو على قوم بأعيانهم تؤخذ منهم الصدقة، وبه قال الشافعي في الصدقة الموقوفة يكون خمسة أوسق، روينا عن محكول أنه قال: لا زكاة فيها، وروي ذلك عن طاووس. وقال أحمد بن حنبل: إذا أوقف أرضا على المساكين لا أرى فيها العشر إلا أن يوقف الرجل على ولده فيصيب الرجل خمسة أوسق ففيها الصدقة. وقال أبو عبيد: إذا كانت الصدقة على أهل الخراج فلا زكاة فيها، وإن كان على قوم بأعيانهم ففيه الصدقة.
قال أبو بكر: هذا حسن. قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا إذا كان الوقف على الفقراء أو على المساكين أو سبيل الله أو ابن السبيل على وجه الإطلاق أو لسبيل من سبيل الله تبارك وتعالى، أو لشيء من الفضائل إن هذا كله لا زكاة فيه، لأن هذا ليس ممن خوطب بالزكاة، وإن كان لقوم معروفين ممن يزول حكم وقفهم إلى ملك معروف، ولو لم ينتقل إلى مواريث، إلا أنه يقع على أملاك (17/173)
صفحة 4351
معروفة، فعلى أصحاب الأملاك من المتعبدين حكم الزكاة، إذا ثبت معنى الزكاة في المشاع، على قول من يقول بذلك، وكذلك إن اقتسموه فوجب لكل منهم في حصته ما تجب فيه الزكاة، فلا اختلاف في ذلك في وجوب الزكاة في هذا المعنى، وهذا الوجه من الوقوف.
ومن غير الكتاب، وفي جواب أبي زياد –رحمه الله- وعن زكاة الصوافي، فقيل فيما بلغنا فيها أقاويل ثلاثة: قال من قال: لا زكاة على العمال حتى تبلغ لكل واحد ثلاثون جربا، وقال من قال: إذا بلغت حصة العمال ثلاثين جربا، أخذ من كل واحد منهم من حصته الزكاة، وقال من قال: الصوافي بمنزلة قطعة واحدة، فإذا بلغ في الصافية الزكاة أخذ من العمال مما أقل أو أكثر الزكاة.
ومن غيره، وقال من قال: لا زكاة في الصوافي؛ لأن أصلها لله ليس مال تجب فيه الزكاة.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- وليس في الحوائط المحبسة على الفقراء زكاة، لأنها لا مالك عليها معين في الناس.
مسألة: من –كتاب الكفاية- ونخل المسجد ونخل السبيل لا زكاة فيها ولو بلغت الزكاة، ولا زكاة في الوقوف ولا الصوافي، ومختلف فيها. قال بعض: فيها الزكاة إذا بلغت غلتهم ثلاثين جريبا، يعني حتى تبلغ غلة كل واحد ثلاثين جربا، وقال قوم ليس فيها زكاة ولو بلغتا أكثر من ذلك، وذلك إلى الحاكم، فإن لم يكن حاكم، فقال بعضهم فيها الزكاة، وقال بعض: ليس فيها زكاة. (17/174)
صفحة 4352
الباب الثاني والأربعون
في وجوب العشر في أرض الخراج
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في وجوب العشر فيما تخرج أرض الخراج من الحب، فقال أكثر أهل العلم: العشر في الحب، والخراج على الأرض، كذلك قال عمر بن عبد العزيز وربيعة بن عبد الرحمن والزهري ويحيى الأنصاري ومالك بن أنس والأوزاعي وسفيان الثوري والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد، وقالت طائفة قليلة عددها: لا تجب فيما أخرجت أرض الخراج العشر ولا نصف العشر. قال أبو بكر: فلا معنى لقول خالف قائلة الكتاب والسنة، فأما في الكتاب فقوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». قال عبد الله بن مبارك: في قول الله عز وجل: (ومما أخرجنا لكم من الأرض).
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج معنى تثبت أرض الخراج في معنى قولهم هذا في الأرض التي تثبت صافية للمسلمين، وأخذها أهلها بالخراج، لأنهم يقولون بالخراج على ما قال الله، على نحو ما يروي (17/175)
صفحة 4353
عمر بن الخطاب أنه ما سيح على الأرض على إخراج معروف، وإذا ثبت المعنى هكذا إن كان، فمعي إنه يخرج في قول أصحابنا في الصوافي أنه إذا كانت الزراعة للمسلمين في جملة مال المسلمين، فلا زكاة فيها، ولا أعلم في هذا الفصل من قولهم اختلافا. وكذلك إن كانت المشاركة للمسلمين على شيء منها بسهم معلوم في جملة ثمرتها فلا زكاة في سهم المسلمين قل أو كثر، إذا بلغت الزراعة الواحدة الزكاة، أو لم تبلغ أو بلغت الجملة، وما ثبت للمتعبدين بأحكام الزكاة من ثمرة الصافية على معنى الزراعة، فإن كان الخراج أجرة معروفة ليس بسهم معروف من المسلمين لهم، فيخرج عندي في معنى الاتفاق أن على الزارع لهذه الصوافي على هذا النحو الزكاة؛ لأنها مال له قد استحقها بالأجرة، ولا شركة للمسلمين معه. ومعي إنه يختلف فيه إن كان المسلمون شركاء بسهم معلوم من الزراعة، فمعي إنه في بعض القول: لا زكاة على شريكهم في الزراعة على حال، وفي بعض القول: إن على شريكهم الزكاة على حال، إذا كان جملة ما أيديهم من مال الله ما يجب فيه الزكاة على حال، إذا كان عاملا في هذا الفصل، وإذا لم يكن عاملا وكان داخلا فيه بسبب مشاركة، فلا يكون تبعا لهم حتى تجب في زراعته هو الزكاة، وفي بعض القول حتى تجب عليه في ماله خاصة الزكاة كل واحد من الشركاء على الانفراد، ولو كانت الزراعة واحدة لم يحمل بعضهم على بعض، وفي بعض القول إنه إذا كانت الزراعة واحدة نصيب جميع الشركاء ما تجب فيه الزكاة، وجب علهم وحملوا على بعضهم. (17/176)
صفحة 4354
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- والأرض الخراجية إذا بلغت فيها الزكاة كانت الزكاة في الكل، ولا يسقط الخراج شيئا من الزكاة؛ لأن الخراج بمنزلة الإجارة للأرض، فأرض عمان ليس أرض خراجية. (17/177)
صفحة 4355
[صفحة بيضاء] (17/178)
صفحة 4356
الباب الثالث والأربعون
في زكاة الصوافي
وعن رجل طلب إلى الإمام صافية وزرعها، فوصلت بما تجب فيه الزكاة، هل عليه زكاة؟ قال: معي إنه قد قيل لا زكاة عليه. وقال من قال: عليه الزكاة.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، والله أعلم، وأما إذا زرعت للإمام لجملة مصالح الإسلام فلا زكاة فيها، ولا أعلم في ذلك اختلافا، لأنهم أهلها، ولا زكاة عليه.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ والله أعلم.
مسألة: وقال أيضا: في عمال الصوافي، هل عليهم الزكاة؟ فقال: قالوا فيها ثلاثة أقاويل: قال من قال لا زكاة عليهم، لأن الأصل فيء، وقال من قال: إذا أصاب العمال الواحد ثلاثمائة صاع، أخذ منه زكاة ما أصاب، لا زكاة عليه في أقل من ذلك. وقال من قال: إذا بلغت الصافية ثلاثمائة صاع أخذ منه زكاة ما أصاب قليلا كان أو كثيرا، والقول الأوسط أحب إلينا، وبه نأخذ.
ومن غيره، قال: نعم قد قيل هذا كله، وقال أيضا من قال: (17/179)
صفحة 4357
إن الصوافي كلها مال واحد، وإن العامل للمال عليه في حصته الزكاة، إذا أصاب من جميع الصوافي ثلاثمائة صاع، لأن العامل تبع للمال، فعليه في حصته الزكاة.
قال مؤلف الكتاب: ويعجبني هذا القول، والله أعلم. وقال من قال: إذا أصاب العامل من الصافية ما تجب في حصصهم الزكاة، حمل بعضهم على بعض، وكانوا شركاء في حصصهم كأنه مال مشروع، كذلك سائر الشركاء غير العمال، وقال من قال: يحمل العمال وسائر الشركاء في زراعة الصافية بعضهم على بعض، إذا كانت زراعتهم مشاعة مشتركة، فقد وجبت عليهم في حصصهم الزكاة، كانت حصصهم كان لها شركة وجبت فيها، ويطرح عنهم ما تستحقه للصافية، لأنه ليس في حصة الصافية زكاة، ثم يؤخذ منهم الزكاة إذا بلغ في جميع مالهم الزكاة، كل واحد منهم ما يلزمه، وقول لا زكاة في الصافية على عامل، ولا على غيره، وجبت فيها الصدقة أو لم تجب، أصاب كل واحد من العمال ما تجب فيه الصدقة أو لم يصب، وقول على جميع الشركاء الزكاة من عامل أو شريك، إلا حصة الإمام؛ لأنه استحق الأصل، والأصل لا صدقة فيه.
قال مؤلف الكتاب: ويعجبني هذا القول وبه آخذ، والله أعلم. (17/180)
صفحة 4358
الباب الرابع والأربعون
في حمل الأموال على بعضها بعضا
وذكر صنوف الأموال التي يجوز ضم بعضها إلى بعض
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: جمع كل من يحفظ عنه أهل العلم على أن الإبل لا يضم إلى الغنم ولا إلى البقر، وعلى أن البقر لا تضم إلى الإبل ولا إلى الغنم، وعلى إسقاط الزكاة عن كل صنف منها حتى تبلغ المقدار الذي تجب أخذ الصدقة منها مما ذكرنا من اختلافهم في صدقة البقر، وكذلك لا يجوز ضم التمر إلى الزبيب.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما قال بمعنى ما يشبه الاتفاق أنه لا يضم شيء من الأنعام إلى غيره، وذلك مثل الإبل إلى غيرها من الأنعام، والغنم إلى غيرها، والبقر إلى غيرها، وأن هذه الأصناف الثلاثة لا يحمل بعضها على بعض. ومعي إنه يخرج معنى قولهم إن الضأن محمول على الماعز، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وأن النجاب محمولة على الإبل، وان الجواميس محمولة على البقر، وأكثر القول عندهم فيما يقع لي.
ومنه: واختلفوا في ضم سائر الحبوب، فقالت طائفة: لا يضم منها نوع إلى نوع، ولا يجب فيها الزكاة حتى تكمل من كل نوع (17/181)
صفحة 4359
منها خمسة أوسق، هذا مذهب عطاء بن أبي رباح ومحكول والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح وشريك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وأبي ثور. وقالت طائفة: بضم القمح إلى الشعير، ولا يضاف القطاني إلى القمح والشعير، هذا قول مالك بن أنس، قال مالك: الحنطة الشمساء والبيضاء والسلت والشعير صنف واحد، القطاني هو الحمص والعدس واللوبيا والجلجلان، فإذا حصد الرجل من ذلك خمسة أوسق ففيه الصدقة. وقال الزهري: ولا يضم القطاني إلى القمح والشعير. وقال الحسن البصري: القمح نصان طاووس وعكرمة قولا ثالث: وهو أن الحبوب تجمع صاحب بيان وهو قول صاحب الشرع. قال أبو بكر: ولا نعلم أحدا قال يحمله، والذي نقول به أن لا يضاف صنف من الحبوب إلى صنف غيره، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ستون صاعا» وهو ستة أجربة، وهذا قول كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا في ضم الشعير إلى الحنطة في الزكاة في أكثر معاني قولهم، وأنه محمول بعض إلى بعض. وقال من قال: لا يضاف شيء منه إلى غيره، ولا يقع في معنى قولهم اختلاف، إلا أن الشعير الأقشر محمول على سائر الحبوب، وأما الزبيب والتمر فأرجو أنه يخرج في معنى قولهم اختلاف في ذلك، لأنهما يتشابهان، وأحسب أن أكثر القول إنه لا يحمل أحدهما على الآخر، وأما النخل وإن اختلف ألوانها وصنوفها وأسماؤها فمحمول جميع بعضها على بعض، وكذلك في الأعناب، ولا أعلم في سائر الحبوب ما بقي من معنى يصرح فيه أن يحمل بعضه على بعض، إلا أنه يشبه عندي معنى القول في ذلك أن يحمل ما كان منه سنبله على بعضه بعض، ويحسن ذلك (17/182)
صفحة 4360
عندي بقولهم في البر والشعير إذا اشتبه، وما كان منه قرونا مشتبها حسن فيه معنى الاختلاف، وينظر في ذلك، والذرة وإن اختلفت ألوانها وأسماؤها فمحولة بعضها على بعض، ولا أعلم في ذلك اختلافا، ولا أعلم لها شيئا من الحبوب يشبهها، فإن أشبهها شيء من الحبوب كشبه الشعير للحنطة حسن فيها عندي معنى الاختلاف.
مسألة: ومن غير -كتاب الإشراف- قلت له فالبقر، هل يحمل على الإبل وعلى الغنم، لأنها كلها ماشية؟ قال: لا. إذا لم يكن معه من كل معه من كل نوع ما تجب فيه الزكاة، فلا زكاة عليه إذا كانت سائمة، وأما إذا كانت للتجارة، فإنها مقومة كلها محمولة بعضها على بعض.
قلت له: فهل تحمل البقر على الجواميس، والجواميس على البقر، وتؤخذ منها الصدقة؟ قال: إن كانت من جنس واحد حمل بعضها على بعض، وقد يقال إنها من البقر بمنزلة النجب من الإبل.
قلت: فهل تحمل الضأن على المعز والمعز على الضأن؟ قال: نعم. (17/183)
صفحة 4361
[صفحة بيضاء] (17/184)
صفحة 4362
الباب الخامس والأربعون
في حمل الثمار بعضها على بعض إذا كانت مختلفة
محبوب فيمن يزرع الذرة زراعة مختلفة ولها أسماء بعضها أقدم من بعض، فيحصد بعضها قبل بعض ويأكلها، ويدرك بعدها بأشهر، فإن كان الذي حصد أولا لا تجب فيه الزكاة فليس عليه شيء حتى يدرك بعضه بعضا، وما أكل أو باع أو تلف فليس عليه شيء، وما بقي في يده إلى حصاد القطعة الأخرى، ثم يجمعهما جميعا ثم زكاه إن كان من جنس، وقول إنما يحمل منهما ما أدرك حصاده قبل أن يقسم الأول، فإن قسم الأول قبل دراك الآخر لم يحمل، ولعله قد قيل: إنما يحمل ما أدرك قبل أن يحصد، فإذا أدرك الآخر قبل أن يحصد الأول كانت تمرة واحدة، وإلا كانت متفاوتة.
قال أبو الحواري: ما أدرك فيما دون الثلاثة أشهر حمل الأول على الآخر، وقال خامس: إذا أحضر الآخر قبل أن يحصد الأول حمل، وإلا لم يحمل، وسألته عن ثمرة تكون في سنة وزمان مرار، هل يكمل بعضها بعضا. ولو لم يلحق الأول الآخر؟ فإن كانت هذه الثمرة في زراعة ففيها الزكاة، ولو لم يلحق بعضها بعضا، وذلك في زراعة (17/185)
صفحة 4363
تزرع فيكون أولها مقاربا أوسطها وآخرها، فذلك يحمل بعضه على بعض، لأنه قد حدث في زمن واحد، فإن كان أدركت الأولى فأدركت الآخرة، والأولى محبوسة لم تقسم، ففيها أيضا الصدقة، وإن كانت قد قسمت وأكلت فلا نرى أن يجمع الأول على الآخر.
قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء إذا كان بين التمرتين ثلاثة أشهر لم تحمل الآخرة على الأولى، ولو أدركتها لم تقسم، وقالوا: المنتظر ثمرة ثانية، ولا يحمل على الأولى التي نظرت من أصولها، ولو أدركتها لم تقسم، وبهذا نأخذ.
قال المؤلف للكتاب: إذا كان بين الثمرة الأولى، والمنتظرة أقل من ثلاثة أشهر، حمل الأول على الآخر أكلت إحدى الثمرتين أو لم توكل قسمت أو لم تقسم، ويعجبني هذا القول، وبه نأخذ، والله أعلم.
مسألة: ومن جواب أبي الحسن –رحمه الله- وقلت ما تقول فيمن زرع ذرة سريعة، فأصاب منها عشرين جريا، وله ذرة بطيئة أدركت ولم يبق من السريعة شيء، وأصاب من البطيئة عشرين جريا أو أدركت الذرة الآخرة معه من الأولى ما لا يتم فيه الزكاة، هل تجب على هذا الرجل على هذه الصفة زكاة؟ فعلى ما وصفت، فالذي عرفنا في هذا من جواب أبي الحواري –رحمه الله- قال: قد كان أبو المؤثر –رحمه الله- يقول عن محمد بن محبوب: إذا كان بينهما ثلاثة أشهر لم يحملا على بعضهما بعض في الزكاة، إن كان أقل من ذلك كان فيها الزكاة، ونحن نأخذ بهذا القول على ما رفع عن أبي المؤثر يرفعه عن أبي عبد الله –رحمهم الله- جميعا ورفعهم شرفا رفيعا.
مسألة: وعن أبي زياد أن الزبيب يحمل على التمر في الصدقة. (17/186)
صفحة 4364
ومن غيره، ولا يحمل الزبيب على التمر في الصدقة، إذا لم يجب في أحدهما الزكاة، ولا البقر على الإبل، ولا الإبل على البقر.
قال المؤلف للكتاب: ويعجبني هذا القول، وبه آخذ، والله أعلم.
مسألة: ومن –كتاب أبي جابر- ولا يحمل شيء من الثمار على بعضها بعض إلا الشعير، فقد قال من قال إنه يحمل على البر، وممن قال بذلك أبو عبد الله محمد بن محبوب –رحمه الله- وقال من شاء الله من الفقهاء إنه لا يحمل، وكل رأي العلماء واسع لمن أخذ به إذا تحرى العدل.
قال المؤلف للكتاب: ويعجبني قول من قال إنه لا يحمل الشعير على البر، وبه آخذ، والله أعلم.
مسألة: وعن رجل له حروث متفرقة في قرى شتى لا تبلغ في شيء منها الصدقة، إلا أن يجمع والحروث نوع واحد، فنرى أن ما كان منها نوع، ففي جماعته الصدقة، وذكرت أنه إن يخرج ذلك في أرض واحدة، فلا نرى بذلك بأسا إن شاء فرقها في قراها، وإن شاء أخرجها في قرية واحدة.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- وقال من قال: إن النظر الذي يأتي من أصول الذرة تحمل ثمرته على الذرة الأولى، إذا أدركت شيئا منها بقدر ما يكونان ثلاثمائة صاع، وقال آخرون: لا يحمل النظر على الذرة الأولى، ولا تؤخذ منه الصدقة حتى تجب فيه. قال محمد بن محبوب: كنت ممن يقول إنه يحمل، ثم رجعت إلى قول من قال: إنه لا يحمل، وهذا القول أحب إلينا. (17/187)
صفحة 4365
قال المؤلف للكتاب: ويعجبني القول الأول أنه يحمل المنتظر على الذرة الأولى، إذا كان بينهما أقل من ثلاثة أشهر، وبه آخذ، والله أعلم.
مسألة: وعن عبد الله بن محمد بن بركة، اختلف أصحابنا في الثمار إذا تداركت في وقت واحد نحو البر والشعير أن أحد الجنسين يحمل على الآخر، ليتم به الزكاة، وهو قول أبي عبد الله محمد بن محبوب –رحمه الله، وقال غره من فقهائنا: لا يحمل أحدهما على الآخر، وإنما زكاة كل واحد منهما في عينه، فإن حصل ثلاثمائة صاع من كل جنس بصاع النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الزكاة منه، وإن حصل من الجنسين ثلاثمائة صاع لم تجب في كل واحد منهما، ولا أكثر حتى يحصل من كل واحد ثلاثمائة صاع فصاعدا، ووجه قول محمد بن محبوب إنه يخرج على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» والوسق يشتمل على جملة المكيال، سواء كان من جنس واحد أو من أجناس مختلفة الله وأيضا فإنها لما كانت زكاة واحدة ووقتها واحد كانت كالدراهم والدنانير، يحمل بعضها على بعض، وكذلك الكيل، والله أعلم.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- واختلفوا في حمل الشعير على البر في الصدقة، قال محمد بن محبوب –رحمه الله- ويحمل أحدهما على الآخر ليتم به الصدقة، ثم يخرج منهما، وأما وائل بن أيوب فكان لا يحمل الشعير على البر في الصدقة. ورآهما جنسين مختلفين وثمرتين متفاوتتين، وخالفه في أيامه موسى بن أبي جابر، ورأى أن أحدهما يحمل على الآخر، وبالله التوفيق. (17/188)
صفحة 4366
قال مؤلف الكتاب: ويعجبني قول ابن أيوب وبه أخذ، والله أعلم، وكان محمد بن محبوب لا يجوز أخذ الذكر من البقر عن الأنثى في الصدقة، وقال لم أسمع بجواز ذلك، ورأي جواز أخذ ابن لبون مكان بنت مخاض من الإبل في الصدقة، فهذا سنة متفق عليها، فترك القياس مع وجوب السنة. (17/189)
صفحة 4367
[صفحة بيضاء] (17/190)
صفحة 4368
الباب السادس والأربعون
في الثمار إذا خرجت منها الزكاة
ثم حال عليها الحول أو بيع الحب وحال عليه الحول
أرجو أنه عن بشير بن محمد بن محبوب، وسألته عمن كان معه مال تجب فيه الزكاة، ثم جعله في منزله حتى حالت السنة، أيعود يزكي مادام معه؟ أرأت إن كان حبا فحبسه حتى حالت عليه السنة الثانية، أيجب عليه فيه الزكاة؟ قال: أما الحبوب فلا تجب عليه فيها زكاة في السنة الثانية، وأما العين والورق فإنه عليه ما كان في يده، والتجارة إذا كانت في المتاع يُقوّم المتاع، فإذا وجبت فيه الزكاة أخرجت منه. قال أبو الحواري –رحمه الله-: إن كانت الحبوب من الزراعة فهو كما قال، وإن كانت من غير زراعة يريد بها التجارة زكاها كل سنة.
مسألة: أحسب أنها عن محبوب بن الرحيل –رحمه الله- وقال في رجل أطنا ماله أو داس زراعته فأخرج زكاته، ثم باع الحب بدراهم، وحلت زكاة دراهمه، أنه ليس عليه في الذي خرج صدقة ثمرة نخله أو ثمرة بره شيء حتى تحول السنة، ثم تخرج من تلك الدراهم، وأكثر القول عندنا أن هذا يحمل على الورق، إذا جاء وقت زكاة الورق، وبه نأخذ. (17/191)
صفحة 4369
[صفحة بيضاء] (17/192)
صفحة 4370
الباب السابع والأربعون
في الخرص
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرص على امرأة حديقة لها بوادي القرى، وبعث ابن رواحة الأنصاري إلى اليهود فخرص عليهم النخل، حيث تطيب أول التمر ممن كان يرى الخرص عمر بن الخطاب –رحمه الله- وسهل بن أبي خيثمة ومروان بن الحكم والقسم بن محمد والحسن البصري وعطا بن أبي رباح والزهري وعمرو بن دينار وعبد الكريم بن أبي الممارق ومالك بن أنس والشافعي وأبو عبيد أبو ثور. وقال آخرون: الخرص اليوم بدعة، روي ذلك عن عامر الشعبي. قال أبو بكر: وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على شطر مما يخرج من تمر أو زرع، وبعث بن رواحة خارصا يخرص على خيبر، وهذا قول عوام أهل العلم، إلا النعمان، فإنه أنكر ذلك، وقال: من دفع نخلا معاملة على أن للعامل من ذلك شطر ما يخرج من التمر فهي معاملة فاسدة، وخالفه أصحابه، فأجازوا المعاملة في النخل والأشجار، ففي قول النعمان مفردا مخالفا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول أهل العلم. (17/193)
صفحة 4371
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا معنى ما قال إن الخرص لا يثبت لأنه بدعة لا نعلمه مما قالوا به، ولا عمل به أحد منهم، ولا يخرج معنا ثبوته بوجه يثبت فيه الحكم، وكل ما لم يثبت فيه الحكم فلا معنى للتبعة فيه من المسلمين والسلطان، إلا أن نرى ذلك أوفر على الزكاة في التقدمة عليهم بذلك، فإذا وجبت الزكاة كانوا إلى أمانتهم في ذلك، كان هذا وجها على هذا النظر، ولم نر في ذلك وقارا على معنى الزكاة على حال لم يكن للخرص عليهم معنى. ومنه: وكان عطاء بن أبي رباح وابن سيرين ومالك بن أنس والشافعي يرون أن وقت الخرص إذا بدا صلاحها وجاز بيعها، وقال عمر بن الخطاب لسهل بن أبي خيثمة: إذا أثبت على كل قوم قد خرصها قوم، فيدع لهم ما يأكلون، وبه قال الليث بن سعد وأحمد بن حنيب وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد، وكان مالك بن أنس يقول: إذا كان الخارص مأمونا فزاد أو نقص فهو جائز على ما خرص، وقال ابن سيرين: يرد الزيادة إلى المصدق، وكان الشافعي يقول: إن ذكر أهل التمر أنهم أحصوا جميع ما فيه، وكان في الخرص عليهم أكثر قبل منهم مع أثمانهم، فإن كانت زيادة أخذوا منه ما أقروا به، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على الخارص إذا خرص التمر ثم أصابته جائحة أن لا شيء عليه إذا كان ذلك قبل الجداد، وهذا قول عطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وجماعة من غيرهم.
قال أبو سعيد: معي إنه إذا ثبت معنا الخرص باجتهاد النظر من الإمام للتوفير على الزكاة، فيشبه معنا الاتفاق ما قال إنه لا زكاة على أرباب الأموال فيما يذهب بجائحة، وأنهم إلى أمانتهم فيما أصابوا من (17/194)
صفحة 4372
أموالهم، فمن اتهم منهم فقد قال من قال من المسلمين: إنه يحلف إذا اتهم في خيانة زكاته، وقال من قال: لا يمين عليه في ذلك، وهم إلى أمانته، ويشبه عندي في الحكم أن لا يمين عليهم؛ لأن المال مشترك، وإذا كان مشتركا زال الإيمان فيما يشبه هذا من جميع الأمور. ومنه: واختلفوا فيمن يأخذ منه زكاة الزرع يباع في أكمامه، والتمر يباع بعد أن يبدو صلاحه. قال الحسن ومالك بن أنس والأوزاعي وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل: الزكاة على البائع، وبه قال الليث بن سعد، إنه على البائع، إلا أن يشترطه المبتاع. وفيه قول ثان: وهو أن البيع فاسد؛ لأنه باع ما يملك وما لا يملك.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من القولين جميعا. وقول ثالث: إن المتصدق بالخيار إن شاء أخذ من رب المال من الثمن الذي باع المال به، وإن شاء لحقها من يد المشتري، وأخذها ورجع المشتري على البائع بثمن الزكاة التي أخذت منه من جملة ثمن المال.
مسألة: ومن –جامع الشيخ أبي الحسن علي بن محمد البسياني- فأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر على امرأة في حديقة لها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحصي ما يخرج منها» فلما رجع إليها قال: «كم جاءت حديقتك» قالت: عشرة أقسط يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا تقدير وليس مما يوجب شيئا، لأن رسول الله جعل الأمر إليها، وإنها أمينة فيما قالت، ألا ترى أنه جعل الإحصاء إليها، والقول قولها، لأنها أمينة في الزكاة، فعلى هذا الحديث كل مؤتمن في زكاة ماله ومبلغ ثمرته، فإن قال صاحب الثمرة: إنها سرقت أو أتت عليها جائحة فالقول قوله، والله أعلم. (17/195)
صفحة 4373
[صفحة بيضاء] (17/196)
صفحة 4374
الباب الثامن والأربعون
في ذكر إسقاط الزكاة
عما دون خمسة أوسق مما فيه الزكاة من الحبوب والثمار
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». وهذا قول ابن عمر وجابر بن عبد الله وأبي أمامة بن سهل بن حنيف وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومكحول وإبراهيم النخعي، وبه قال مالك بن أنس من أهل المدينة وسفيان الثوري ومن واقعه من أهل العراق والأوزاعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وعبد الله بن المبارك وشريك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو ثور ويعقوب ومحمد، ولا نعلم أن أحدا خالف هذا القول غير النعمان، فإنه أحدث قولا خلاف ما عليه أصحابه وأهل العلم من علماء الأمصار، وزعم أن الزكاة كل ما أخرجته الأرض، قليل ذلك أو كثير، إلا الطرف والقصب والفارسي والحشيش والشجر الذي ليس له ثمر، مثل السمر وما أشبهه.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه (17/197)
صفحة 4375
معاني الاتفاق أنه لا زكاة على شيء مما أنبتت الأرض من جميع ما تجب فيه الزكاة، وإن اختلفت معاني ذلك عندهم فيما أقل من خمسة أوسق، وهي ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الوسق ستون صاعا. ومن غير الكتاب: وعن أبي عبد الله أنه ليس في الكسر فيما يؤخذ منه نصف العشر، فيما زاد على ثلاثمائة صاع بما دون عشرين صاعا شيء حتى تبلغ الزيادة عشرين صاعا.
ومن غير الكتاب، قال: الذي أحفظ عن أبي سعيد في هذا اختلافا قال من قال: ليس في الكسر شيء من الزكاة، وقال من قال: يؤخذ منه كذلك أيضا كان فيه العشرة الأصواع إذا لم يتم العشرة، هو كذلك من الاختلاف، إذا كان قد وجب في أصل المال الزكاة، والله أعلم. (17/198)
صفحة 4376
الباب التاسع والأربعون
في ذكر الأرض يستأجرها المرء ويزرعها
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في الأرض يستأجرها المرء ويزرعها فتخرج حبا، فقالت طائفة: الزكاة على ذلك الزرع دون رب المال، هذا قول مالك بن أنس وسفيان الثوري وشريك وعبد الله بن المبارك وأبي ثور، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي. وقال أصحاب الرأي: العشر على رب الأرض، وليس على المستأجر شيء. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معاني الاتفاق معنا القول الأول، ولا أعلم بينهم اختلافا، فإذا ثبتت الأجرة.
مسألة: ومن غير الكتاب: وعن رجل له مال من أرض فأقعد أرضه وهي قطع متفرقة أناسا شتى فوجبت في جميعها الزكاة ولم تجب على أحد من المقتعدين في زراعته زكاة قال على رب المال الذي أقعد الزكاة في حصته إذا وجبت في جميع المال الزكاة وإن لم تصل في حصته زكاة؛ لأن رب المال الذي زرع ماله، فهو جامع للمال فهو شريك لهم جميع والحكم (17/199)
صفحة 4377
فيما يلزمه هو من الزكاة بالسبب الذي شاركهم به شريك لجميعهم فكانت الزراعة فيما يلزمه وهو زراعة واحدة. وقال من قال ليس عليه زكاة حتى يصيب هو من مفترقها ما يجب عليه فيها الزكاة أو يصيب أحد الشركاء في الزراعة ما يجب فيه الزكاة فيكون عليه في حصته منه الزكاة، وذلك أن الزراعة إنما تجب فيها الزكاة حين حصادها فوجدناها حين حصادها متفرقة غير مجتمعة إلا ما جمعه الأصل مبينا على الزكاة إلا بالزراعة معا في وجوب الزكاة.
مسألة: وإذا اكترى رجل أرضا لناس شتى لا يجب في واحد من تلك الأرض زكاة، وإذا جمعت زراعتها وجب فيها الزكاة، قال فإن الزكاة تجب في هذه الزراعة على المكترى لهذه الأرض، وليس على المكري زكاة في أجرة أرضه.
قال مؤلف الكتاب: ويعجبني هذا القول وبه أخذ، إلا أن يكون رب الأرض شاركهم على جزء من الأجزاء قل أو كثر فالزكاة إذا وجبت تلزم رب الأرض وشركائه، والله أعلم.
مسألة: وعن العمال يخرج عنهم الزكاة ويأمرهم بتفريقها أو يخرج العشر عن الجميع ثم يقسم الباقي، فقد سألت عن ذلك موسى بن محمد أيامه فلم ير أن يعطي العامل حصته بزكاتها، وقال أبو الحواري –رحمه الله-: يسلم إلى العامل حصته كاملة بزكاتها، وآمره أن يفرقها، وقد برئ، كان العامل ثقة أو غير ثقة، وكذلك قال لي بعض أصحاب أبي المؤثر، وقال لي محمد بن خالد أن أبا المنذر –رحمه الله- يقول بذلك، ثم رجع، ذكر محمد بن خالد أنه رجع عن ذلك، وقال له: أنتم ثلاثة شركاء، أخذت أنت الذي لك، وأخذ شريكك الآخر حصته منها، قال لي نعم، والذي حفظنا في الزكاة، وأمر العامل مع هذه الأقاويل قولين (17/200)
صفحة 4378
آخرين. فقال من قال: يسلم إلى العامل حصته، وليس عليه أن يعلمه آن عليه الزكاة إذا علم هو بذلك، لأنه متعبد بما يلزمه هو من الزكاة، وقال من قال: يسلم إليه حصته ويقول له إن زكاتها فيها.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري، وأما العمال فيعطون حصتهم بزكاتهم، ويعلمهم أن زكاتهم معهم.
مسألة: ومما يوجد أنه عن بشير بن محمد بن محبوب –رحمه الله- وسألته عن الرجل يشارك الرجل فيصيبان الحب الذي تجب فيه الزكاة جملة، فإذا قسم لم تجب فيه الزكاة، لا يسلم إليه الزكاة. قلت: فإن سلمها إليه؟ قال: هو ضامن لزكاة الفقراء. قال أبو الحواري –رحمه الله-: إنما عليه زكاة حصته.
مسألة: وعن ثلاثة شركاء في مال وجب في ثمرته الزكاة، أيجوز للمسلم أن يقاسمهما، ويعطيهما حصتهما من الزكاة، وهما غير أمينين على الزكاة؟ فنعم، يجوز للمسلم أن يأخذ حصته ويسلم إلى شريكه حصتهما بزكاتهما، فهما أولى بذلك.
مسألة: وسئل عن عامل بسهم، هل قيل إن لرب المال أن يسلم حصته ولا يأمره بإخراج الزكاة من حصته، إذا كانا عالمين بوجوب الزكاة في المال؟ قال: معي إنه قد قيل ذلك. (17/201)
صفحة 4379
[صفحة بيضاء] (17/202)
صفحة 4380
الباب الخمسون
في زكاة الرموم بمنحة أو غير منحة
وفي موضع من جواب محمد بن محبوب –رحمه الله- وسألت عن الذين زرعوا في رم أهل إزكي من غير أهل الرم بغير منحة من أهل الرم، هل عليهم صدقة؟ فإني أرى عليهم الصدقة، إذا لم يكونوا من أهل الرم، ولم يكونوا زرعوا في الرم بمنحة من أهل الرم، وإن أعطوا القوم فليس ذلك بشيء، والمنحة إنما تكون من جهة القوم أو من أحد قد أقامه أهل الرم، في أمر الزراعة والقيام بما يعنيهم فيه.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- وقيل من زرع في الرم بلا رأي أهله، وليس هو منهم، أن عليه الصدقة فيما أصاب، ولو لم يبلغ ثلاثمائة صاع، إذا كان أهل الرم تبلغ عليهم الصدقة، لأن الزرع لهم، وإن زرع برأي أهله، أو كان هو من أهله فزرع بمنحة أو غير منحة، فلا صدقة في هذه الزراعة، حتى تبلغ ثلاثمائة صاع. وهذا قول محمد بن محبوب –رحمه الله-. وعن أبي علي –رحمه الله- أنه لا تؤخذ الصدقة من الذي زرع قوم بلا رأيهم.
مسألة: ومن جواب لمحمد بن محبوب –رحمه الله- عن قوم (17/203)
صفحة 4381
يزرعون أطوى بزجر، وهي رم بينهم يعطونها بالسدس، فلا تجب في الأطوى الصدقة، ويجمع أهل القرية سدسهم فيبلغ أكثر من ثلاثمائة مكوك، يقع لكل إنسان مكوك إذا قسموها؟ قال: نعم، أرى عليهم الصدقة، لأنهم شركاء فيها، فإن أعطوها تزرع بثلاثمائة مكوك، فهذه إجارة والإجارات ليس على أهلها فيها صدقة، وليس ذلك مثل المشاركة.
مسألة: ومنه، ولا زكاة في دراهم لقوم من رم لهم حتى يقع لكل إنسان منهم مائتا درهم، ويحول عليه حول، مذ صارت إليه تلك الدراهم. (17/204)
صفحة 4382
كلمة المحقق
قد انتهى بحمد الله وحسن توفيقه تحقيق الجزء السابع عشر من كتاب بيان الشرع، وهذا الجزء أحد الأجزاء الثلاثة التي تبحث أحكام الزكاة، وقد ضاع الذي ألفه الشيخ محمد بن إبراهيم، فتجرد لتأليف هذا الجزء الشيخ العلامة مداد بن عبد الله بن مداد أحد أقطاب العلم في دولة الإمام عمر بن الخطاب في القرن التاسع للهجرة.
ويبحث هذا الجزء أدلة فرض الزكاة، وفيمن عليه دين ووجبت عليه الزكاة، وفي الحد الذي تجب منه الزكاة من حبوب وتمر وزرع وتجارة، وفي صفة الشركة التي تجب فيها الزكاة، وفي حمل الأولاد على أبيهم والزوجة على زوجها في الزكاة، وفي زكاة اليتيم والغائب، وفي أموال أهل الذمة، وفي ذكر نصارى بني تغلب، وفي الركاز والكنز يوجد بدار الحرب، وفي أحكام ما يخرج من البحر، وفي زكاة الزيتون والعسل والموقوف، وفي حمل الثمار وضم الأراضي بعضها إلى بعض، وفي ذكر الخرص، وفي ذكر الأرض يستأجرها الرجل للزرع، وفي زكاة الرموم ومعاني ذلك.
وكان تمامه في يوم الأحد: التاسع من شهر المحرم سنة 1404هـ الموافق: السادس عشر من شهر أكتوبر سنة 1983م. معروضا على نسختين الأولى بخط سالم بن خميس بن حمد المدسري، فرغ منها عام 1319هـ، والنسخة الثانية بخط سيف بن خلف بن محمد بن غفيلة، فرغ منها 1175 هجرية.
سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
28 ربيع الأول سنة 1404هـ
1/ 1/1984م (17/205)
صفحة 4383
[صفحة بيضاء] (17/206)
صفحة 4384
ترتيب الأبواب
الباب الأول:
في الزكاة من كتاب أبي جابر 5
الباب الثاني:
فيمن لا يخرج الزكاة على نسق مسائل غير أبي عبد الله محمد بن روح 11
الباب الثالث:
في الزكاة، على من تجب من الناس 15
الباب الرابع:
في ذكر الأرض تخرج وقد أدان صاحبها من كتاب الإشراف 19
الباب الخامس:
في ذكر مبلغ الصدقة في الحبوب والثمار والفرق بين ما يسقى بالأنهار
وبين ما يسقى بالرشا من كتاب الإشراف 23
الباب السادس:
في ذكر الزرع يسقى بعض الزمان بماء السماء وبعض بالدلو من كتاب الإشراف 25
الباب السابع:
في الصدقة مما تخرج الأرض وما يكون منها فيه العشر من كتاب
الأموال تأليف أبي عبيدة القاسم بن سلام 33 (17/207)
صفحة 4385
الباب الثامن:
في زكاة الأولاد وحمل مالهم على مال أبيهم 35
الباب التاسع:
في زكاة الأولاد، أحسب عن أبي علي الحسن بن أحمد رحمه الله 39
الباب العاشر:
في زكاة مال العبد من كتاب الإشراف 41
الباب الحادي عشر:
في المفاوضة في الزكاة 45
الباب الثاني عشر:
في زكاة الشركاء 53
الباب الثالث عشر:
في زكاة المال المشترك 55
الباب الرابع عشر:
في زكاة المال المشترك في الذمي والمصلي 61
الباب الخامس عشر:
في زكاة مال الأيتام وإخراج الوصي والمحتسب لذلك وما أشبه ذلك 65
الباب السادس عشر:
في ذكر زكاة اليتيم من كتاب الإشراف 69
الباب السابع عشر:
في زكاة الغائب واليتيم 73 (17/208)
صفحة 4386
الباب الثامن عشر:
فيمن يخرج زكاة ماله ثم شك فيخرج زكاة شيء من ماله 79
الباب التاسع عشر:
في زكاة ما أخرجت الأرض من الحبوب من كتاب الإشراف 81
الباب العشرون:
في ذكر زكاة ما أخرجت الأرض من الحبوب من كتاب الإشراف 87
الباب الحادي والعشرون:
في زكاة ثمرة النخل 89
الباب الثاني والعشرون:
في زكاة ثمرة النخل وذكر اختلاف العلماء في النخل يخرج التمر
الرديء والجيد من كتاب الإشراف 99
الباب الثالث والعشرون:
في زكاة الطنى وزكاة البيع للمال والزرع قبل إدراكه أو بعده 101
الباب الرابع والعشرون:
في ذكر الطناء وما أشبهه وفيما يحتاج إليه طناء النخل 111
الباب الخامس والعشرون:
في قبض المصدق وزكاة الطني وما أشبهه 121
الباب السادس والعشرون:
في الحد الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة 125
الباب السابع والعشرون:
فيما يؤخذ من أموال أهل الذمة من كتاب الإشراف 131 (17/209)
صفحة 4387
الباب الثامن والعشرون:
في مال نصارى العرب واليهود 137
الباب التاسع والعشرون
فيما يؤخذ من أهل الذمة من الجزية ونحو ذلك 139
الباب الثلاثون
في ذكر الذمي يزرع أرضا من أرض العشر من كتاب الإشراف 149
الباب الحادي والثلاثون
في العشر على بني تغلب من كتاب الأموال تأليف أبي عبيدة القاسم بن سلام 151
الباب الثاني والثلاثون
في ذكر زكاة العبد يجد الركاز من كتاب الإشراف 153
الباب الثالث والثلاثون
في الصبي والمرأة يجدان الركاز من كتاب الإشراف 155
الباب الرابع والثلاثون
في ذكر الركاز يجده المرء في ملك غيره من كتاب الإشراف 157
الباب الخامس والثلاثون
في ذكر الكنز يوجد في دار الحرب من كتاب الإشراف 159
الباب السادس والثلاثون
في وقت الزكاة 161 (17/210)
صفحة 4388
الباب السابع والثلاثون
في إسقاط الزكاة عن اللؤلؤ والجوهر والعنبر من كتاب الإشراف 163
الباب الثامن والثلاثون
فيما ليس فيه زكاة في ذكر إسقاط الصدقة في الخضر والفواكه من كتاب الإشراف 165
الباب التاسع والثلاثون
في ذكر زكاة الزيتون من كتاب الإشراف 169
الباب الأربعون
في صدقة العسل من كتاب الإشراف 171
الباب الحادي الأربعون
في ذكر وجوب الزكاة في الثمار المحبسة أصولها مثل الصوافي والفقراء
والمساجد والأرض الخراجية وما أشبه ذلك من كتاب الإشراف 173
الباب الثاني والأربعون
في وجوب العشر في أرض الخراج من كتاب الإشراف 175
الباب الثالث والأربعون
في زكاة الصوافي 179
الباب الرابع والأربعون
في حمل الأموال على بعضها بعضا وذكر صنوف الأموال التي يجوز ضم
بعضها على بعض من كتاب الإشراف 181
الباب الخامس والأربعون
في حمل الثمار بعضها على بعض إذا كانت مختلفة 185 (17/211)
صفحة 4389
الباب السادس والأربعون
في الثمار إذا خرجت منها الزكاة ثم حال عليها الحول أو بيع الحب وحال عليه الحول 191
الباب السابع والأربعون
في ذكر الخرص من كتاب الإشراف 193
الباب الثامن والأربعون
في ذكر إسقاط الزكاة عما دون خمسة أوسق مما فيه الزكاة من الحبوب
والثمار من كتاب الإشراف 197
الباب التاسع والأربعون
في ذكر الأرض يستأجرها المرء ويزرعها من كتاب الإشراف 199
الباب الخمسون
في زكاة الرموم بمنحة أو غير منحة 203 (17/212)