صفحة 1
الكتاب: بيان الشرع لمحمد الكندي 18-21 [ج21 ناقص]
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بيان الشرع ـــ18ــــ
في ذكر الشركاء في الذهب والفضة والزرع والثمر
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: كثير من أهل العلم يقول في الجماعة تكون بينهم خمسة أواق من الفضة، لا زكاة عليهم، حتى يكون في حصة كل واحد منهم ما تجب فيه الزكاة. هذا قول مالك وسفيان الثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، وكذلك قال الشافعي، إذ هو بالعراق. يقول كما قال هؤلاء، ثم قال بمصر: عليهم الزكاة في الحب والثمر، وخالفه في الذهب والفضة. وقال مالك: في الشريكين في الزرع، إذا كان خمسة أوسق لا صدقة عليهما، وقال الأوزاعي والشافعي وإسحاق: فيها الصدقة.
قال أبو سعيد: إنه يخرج معنا ما حكاه من الاختلاف كله في معنى قول أصحابنا، فأما في الذهب والفضة، فأكثر قولهم إنه لا زكاة فيه بالمشاع وبالمشاركة، وأما الثمار فإن أكثر القول عندهم أن فيها الزكاة، إذا أدركت الثمرة وهي مجتمعة بالمشاع غير مقسومة [بيان، 18/5]
في ذكر الجمع بين الذهب والفضة (1/1)
صفحة 2
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في الجمع بين الذهب والفضة، فكان ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وشريك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وأبو ثور، لا يرون ضم الذهب إلى الورق، ولا يوجبون الزكاة، حتى يملك من كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة. وقالت طائفة: يضم الذهب إلى الفضة، كذلك قال الحسن البصري وقتادة ومالك والأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي، واختلفوا في إخراج الزكاة منهما، كيف يضم أحدهما إلى الآخر؟ فكان الأوزاعي يقول: إذا كانت عشرة دنانير ومائة درهم من الذهب ربع دينار، ومن الفضة درهمان ونصف، وقال سفيان الثوري: يضم القليل إلى الكثير، فإن كانت إذا ضمت الدراهم إلى الدنانير كانت عشرين مثقالا ضمها إلى الدنانير، وكذلك القول في ضم الدنانير إلى الدراهم يزكها على هذا الحساب. وقال أصحاب الرأي: في رجل يكون له عشرة مثاقيل تبرا أو دنانير ومائة درهم، عليه الزكاة، وكذلك إن كانت له خمسة عشر دينارا وخمسون درهما، أو كان له مائة درهم وخمسون درهما، وخمسة مثاقيل ذهب عليه الزكاة.
/20/وقال مالك: إذا كانت عشرة دنانير ومائة درهم، عليه الزكاة، فإن كانت تسعة دنانير قيمتها مائتا درهم فلا زكاة عليه، إنما ينظر في هذا العدد يكافئ دينار بعشرة دراهم، على ما كانت في الزمان الأول، فإن كانت تسعة دنانير ومائة درهم وعشرة دراهم وجبت فيها الزكاة، تؤخذ من الفضة ربع عشرها.
قال أبو بكر: القول الأول صحيح. (1/2)
صفحة 3
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق من قولهم، بحمل الذهب على الفضة، وحمل الفضة على الذهب في الزكاة، وأما حمل أحدهما على الآخر مع اتفاقهم على حملها على بعضها بعضا، فمعي أنه يختلف في ذلك، وأحسب أن بعضا يحمل الذهب على الفضة، وأحسب أنه يذهب في ذلك إذ هي النقد. وقال من قال: يحمل الأقل منهما على الأكثر في معنى القيمة. وقال من قال: ينظر في ذلك، ما كان أوفر للزكاة، فيحمل أحدهما على الآخر بالأوفر للزكاة، ولا أعلم من قولهم إنهم يحملون شيئا من ذلك العدد، وإنما يحملون ذلك بالقيمة على الصرف، فينظر في قيمة الذهب، فإن كان إذا جمع على الفضة كان جميع ذلك مائتي درهم، كان فيها الزكاة، ثم في بعض القول: يؤدي عن الفضة فضة، وعن الذهب ذهبا، وفي بعض القول: على ما حمل عليه، وهو من الفضة في هذا الوجه، وإن كان معه من الذهب والفضة ما إذا حمل الفضة على الذهب بالصرف، لحق ذلك عشرين مثقالا، كان فيه الزكاة، والقول في التسليم على ما مضى فالذي يقول بالأوفر على الزكاة، إذا لم تجب الزكاة في أحد المعنيين، إذا حمل الذهب على الفضة بقيمة الفضة، ووجبت الزكاة فيه، إذا حمل الذهب على الفضة بقيمة الذهب كان في الأوفر الزكاة [بيان، 18/20]
في ذكر زكاة المال الذي لا تجب في أصله
ويحول عليه الحول وهو مقدار فيما تجب عليه فيه الزكاة
ومن كتاب الأشراف قال أبو بكر: كان مالك يقول: إذا كانت له خمسة دنانير، فاتجر فيها، فحال عليها الحول، حتى بلغت ما تجب فيه الزكاة يزكيها، وقال في الغنم مثل ذلك. وقال الثوري: لا تجب في ذلك الزكاة حتى يحول عليها الحول منذ يوم صار أصلا تجب فيه الزكاة، وهذا قول أهل العلم والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور. قال أبو بكر: وبه أقول. (1/3)
صفحة 4
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في أكثر ما جاء عنهم، إنه لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، وهو أصل تجب فيه الزكاة، ولعله يوجد نحو هذا القول الأول من صاحب الكتاب، ولا أعلم عليه منهم عملا.
مسألة: من كتاب الأشراف قال أبو بكر: كان عبد الملك بن الماجشون يقول في الدراهم والدنانير: تجوز جواز الورثة، وإن لم /28/يكن وزنا ففيه الزكاة. قال: وهذا قول مالك، وكان الشافعي وإسحاق يقولان: لا زكاة في ذلك، وإن نقصت حبة. قال أبو بكر: وبه أقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق أنه لا زكاة في الورق إلا في تمام الوزن، ولو جازت في معنى شيء من النقود قامت مقام مائتي درهم.
/29/في ذكر زكاة الحلي
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في وجوب الزكاة في الحلي الذهب والفضة، فروينا عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر أنهما قالا فيه الزكاة، كذلك قال عبد الله بن عباس وابن مسعود وسعيد بن المسيب وعطاء وسعيد بن جبير، وعبد الله بن أسيد وميمون بن مهران وابن سيرين ومجاهد وجابر بن زيد والزهري وسفيان الثوري وأصحاب الرأي، وأسقطت طائفة الزكاة عن الحلي، وممن قال ليس في الحلي زكاة عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة وأسماء بنت أبي بكر وعامر الشعبي ومحمد بن علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد وعمر ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو ثور، وقد كان الشافعي يقول: هذا هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر، وقال هذا مما استخبر الله فيه، وقال أنس بن مالك: يزكي عاما واحدا. وقال الحسن البصري: زكاته عاريته، وبه قال عبد الله بن عتيبة وقتادة، وقال أحمد بن حنبل مرة هكذا، وقال مرة لا زكاة فيه. قال أبو بكر: الزكاة واجبة فيه، لظاهر الكتاب والسنة، وقد ذكرت هذا في أول الفصل. (1/4)
صفحة 5
/30/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا ما يشبه معنى الاتفاق وجوب الزكاة في الحلي من الذهب والفضة، على معنى ثبوتها في الدنانير والدراهم والذهب والفضة. ومن غير الكتاب، وعن حلي المرأة فإن فيه الزكاة... [بيان، 18/30]
مسألة: من كتاب الأشراف قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن العروض التي تزاد للتجارة، الزكاة إذا حال عيها الحول، وممن روينا هذا القول عمر بن الخطاب وابن عمر وعائشة أم المؤمنين وابن عباس والفقهاء السبعة، سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن بن هشام وخارجة بن زيد وعروة بن الزبير وعبد الله بن عبد الله وابن عيينة وابن مسعود، وبه قال الحسن البصري وجابر بن زيد وطاووس وميمون بن مهران وإبراهيم النخعي، وقال: يحمله هذا القول مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي /39/محمد بن إدريس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو ثور والنعمان وأصحابه.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معاني الاتفاق، على نحو ما حكي في هذا الفصل، في جميع ما ليس فيه في الأصل زكاة من جميع الأشياء، إنها إذا دخلت في التجارة أنه ثابت عليها حكم زكاة التجارة، وأما ما كان من الأشياء في أصله الزكاة، فأدخله مدخل في التجارة يريد به التجارة، فلا يتفق فيه عندي من قول أصحابنا أن فيه زكاة التجارة، بل يختلف فيه. فقال من قال: زكاته لا تتحول إلى زكاة التجارة. وقال من قال: فيه زكاة التجارة على حال. وقال من قال: إذا وجبت في التجارة الزكاة كان هو تبع للتجارة، وإن لم تكن فيه زكاة كان فيه زكاة نفسه. ومنه ذكر العروض تقيم عند الرجل سنين. (1/5)
صفحة 6
قال أبو بكر: واختلفوا في العروض تقيم عند الرجل سنين، ثم يبيعها، فقالت طائفة: يُقوّمه إذا حال عليه الحول، ويخرج زكاته في كل سنة، هذا قول الشافعي، وهو على مذهب سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي، وكان عطاء بن أبي رباح يقول: يزكيه لسنة واحدة، وبه قال مالك بن أنس.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا إن كان العرض داخلا في جملة التجارة، وكان فيه الزكاة، أن الزكاة فيه كل سنة، ما كانت التجارة فيها الزكاة، أو كانت في ماله الزكاة الذي يحمل تجارته عليه، ويحمله على تجارته من الذهب والفضة، ولا يبين لي في هذا الفصل بينهم اختلاف. ومنه [بيان، 18/38].
في ذكر تحول رب السلعة في صرف ما كان للتجارة إلى القيمة
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: اختلف أهل العلم فيما يباع للتجارة، ثم بدا له فجعله للناس، أو ابتاعه لغير التجارة، ثم نواه للتجارة، فقال مالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: إن ليس عليه زكاة. وقال إسحاق بن راهويه: من بين أهل العلم في سائمة المواشي، إذا أراد صرفها إلى التجارة، أو من التجارة إلى السائمة، إذا نواها سائمة، وكانت للتجارة فهي سائمة. واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (الأعمال بالنيات). (1/6)
صفحة 7
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه إذا حول ما كان اشتراه من الماشية للتجارة إلى السائمة بالنية، يحول بالنية إذا كان قبل وجوب الزكاة فيه للتجارة، وكذلك ما حول من الثياب للكسوة، ومن الآنية للمنافع، ومن الرقيق للخدمة أو للغة، فإذا كان ذلك قبل وجوب الزكاة فيه بالحول في معنى التجارة، ولا أعلم في هذا الفصل بينهم اختلافا، وإذا ثبت شيء من هذا لغير معنى التجارة للمنافع بتحول منه، أو بشراء على ذلك، أو بوجه من الوجوه، فحوله بالنية إلى /42/التجارة، لم يتحول بالنية، وكان على أصله الذي قد ثبت له، ولا أعلم بينهم في هذا الفصل اختلافا، فالله أعلم. وقالوا: لا يتحول إلى التجارة، حتى ينقله إلى غيره ببيع أو إبدال، يريد بذلك التجارة.
مسألة: قال أبو بكر: واختلفوا في العرض يشتريه الرجل بأقل من مائتي درهم، ثم يحول عليه، وهو يساوي ما تجب فيه الزكاة. فقال سفيان الثوري: ليس عليه فيه زكاة حتى يكون اتباعه مما فيه الزكاة، زكاة من يوم ملك العرض، ولا أنظر إلى قيمته في أول السنة، ولا ينتظره. (1/7)
صفحة 8
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، وهو قيمته مائتا درهم، إذا كان يراد به التجارة، فإذا حال عليه الحول وهو يساوي مائتي درهم كان عندي في بعض قولهم فيه الزكاة، ولو كان اشتراه بأقل من مائي درهم، ولعل في بعض قولهم: إنه لا ينظر في تحول القيمة في العروض، ما لم يكن في الأصل مما تجب فيه الزكاة، ويحول عليه الحول، وهو تجب فيه الزكاة، وذلك أن يتم له الحال التي يكون قيمته مائتي درهم سنة، وكذلك إن كان أصله مائتي درهم، ثم انحطت قيمته في شيء من السنة، والنصاب قائم، ثم حالة السنة، وهو قيمته مائتا درهم، كان فيه الزكاة على قول من يقول: إن الزكاة تكون بالأصل من الثمرة، وعلى قول من يقول: إنه إنما الزكاة في القيمة، فلا يبين لي فيه زكاة، إذا انحطت قيمته في شيء من السنة، حتى يصير إلى حال لا تجب فيه الزكاة في شيء من السنة، وهذا إذا لم يكن معه ما تجب فيه غيره من ذهب أو فضة أو تجارة. [بيان، 18/42]
مسألة: ذكر كيف يخرج زكاة العروض- من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا فيما يجب فيه أو في ثمنه الذي اشترى به العروض في قيمته، وكان الحسن يقول: يزكي على الثمن الذي اشترى به، وقال جابر بن زيد: يقومه بنحو من ثمنه يوم خلت التي اتجره فيها، وقال قتادة: يقومه بقيمته يومئذ، وقال الأوزاعي: إن شاء زكا ثمنه الذي اشتراه، وإن شاء قوم متاعه فزكاه بالقيمة، وقال الشافعي: يقومه بالذي كان اشترى به العروض، وقال أبو ثور: يقومه برأس ماله، دنانير أو دراهم، وحكى النعمان أنه كان يزكيه بأي ذلك شاء. (1/8)
صفحة 9
/46/ قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قولهم في مثل هذا معاني الاختلاف أنه يزكي العروض من التجارة بما يثبت فها من النقد، وقال من قال: بقيمتها يوم تجب فيها قيمة وسطة، وقال من قال: بقيمة يقدر بها على بيعه النقد، لأنه إنما عليه في الأصل زكاة النقد. وقال من قال: له الخيار، إن شاء زكى من نفس العروض مما يتجر، أو إن شاء بالقيمة، وهو مخير في ذلك، والله أعلم. [بيان، 18/46]
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في وجوب الزكاة في الدين المأخوذ عن ذلك، فقالت طائفة: يؤدي زكاة ما كان منه على ما يرجى أخذه لكل سنة، هذا قول عثمان بن عفان وابن عمر وجابر بن عبد الله وطاووس وإبراهيم النخعي وجابر بن زيد والحسن البصري والزهري وميمون بن مهران وقتادة وحماد بن أبي سليمان وحماد والشافعي وإسحاق وأبي عبيدة، وقالت طائفة: يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة، كذلك قال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وعطاء الخراساني وأبو زياد ومالك بن أنس، وقالت طائفة: يزكيه إذا قبضه، لما مضى من السنين. هذا قول سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأصحاب الرأي، غير أنهم قالوا يزكي في السنة الثانية بعد أن يطرح مقدار زكاة ما وجب في السنة الأولى، وعن روينا إخبارا عن الأوائل أنهم قالوا: لا زكاة في الدين حتى يقبضه صاحبه، ويحول عليه الحول من يوم قبضه، هذا عن ابن عمر وعائشة أم المؤمنين وعطاء وعكرمة. (1/9)
صفحة 10
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في الدين الحال، إذا كان على الملي الوفي، وكان صاحبه على مقدرة من أخذه، أن فيه الزكاة قبضه أو لم يقبضه، فإن شاء قبضه وزكاه، وإن شاء زكى /57/عنه، إذا كان على مقدرة من أخذه، ولا أعلم في هذا الفصل بينهم اختلافا من الديون إلا في الصداق العاجل من الذهب والفضة، فإنه يشبه فيه معنى الاختلاف ما لم يقبض في معاني قولهم، دخل بها الزوج أو لم يدخل، وأما سائر الديون فمعي أنه فيه الزكاة عندهم حتى أنه يخرج في قولهم عندي أنه لو كان على ملي غير وفي، وكان إذا رفع عليه أدرك حقه بالمحاكمة، وإن بم يحاكمه لم يقدر على أخذه، إنه يخرج في بعض قولهم: أن عليه الزكاة، وفي بعض قولهم: لا زكاة عليه لأنه لا يقدر على أخذه إلا بما كان موضوعا عنه، إن أراد في الأصل، وأشبه المعاني في قولهم، إذا ثبتت فيه الزكاة إذا كان يقدر عليه بالمحاكمة، ما لم يدخل عليه في ذلك تقية أو ضرر. (1/10)
صفحة 11
مسألة: ومنه: ذكر زكاة الدين الميؤوس منه. قال أبو بكر: واختلفوا في الدين الميؤوس منه. فقالت فرقة: يزكيه لما مضى إذا قبضه. كان سفيان الثوري وأحمد بن حنبل يقولان: يزكيه لما مضى. وقال عمر بن عبد العزيز والحسن البصري والليث بن سعد والأوزاعي يقولون: يزكيه لسنة واحدة، وكذلك قال مالك بن أنس: في المال الذي غصبه أو ظلمه سنين ثم رد عليه. وكان قتادة يقول: لا زكاة في المال الضماني، وبنحو منه قال إسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد الضمان على الغائب الذي لا يزكي. وقال الشافعي: فيها قولان: أحدهما أن لا زكاة عليه لما مضى، حتى يحول عليه الحول من يوم قبضه صاحبه، أو يكون علي الزكاة لما مضى، وقال أصحاب الرأي: في المال يغلب عليه العدو أو قبضه المرء لا زكاة عليه فيه. (1/11)
صفحة 12
قال أبو سعيد: معي، أنه يخرج في قول أصحابنا في هذا الفصل نحو ما حكي من الاختلاف، ففي بعض قولهم إنه يزكيه لما مضى من السنين قليلا كان أو كثيرا، وقال من قال: إنما /58/يزكي لما مضى لسنة، ثم يستقبل وقت زكاته فيزكيه إذا حال حوله، وقال من قال: ليس عليه فيه زكاة، حتى يحول حوله من بعد إن قبضه، ويخرج معه كأنه فائدة استفادة، ويشبه فيه عندي ما حكي عن الشافعي من أحد معنيين، إما أنه بمنزلة الفائدة، وإما أنه بزكاته فيزكى عما مضى، وأشبه فيه معنى الأحكام على قول من يقول: إن الزكاة شريك أن يكون فيه الزكاة لما مضى، لأنه قد علم أنه فيه زكاته، فمتى وجد المال وجده بزكاته، فهو وإن لم يكن متعبدا بأداء الزكاة للعدم، فإنه متى وجده وقدر عليه كان مالا بزكاته، كما أنه لو كان له مال ولغيره، فمتى وجده وقدر عليه كان لشريكه، وعلى قول من يقول إن كان الضمان على ربها، فيشبه فيه عندي أنه إذا لم يستطع أداء الزكاة زال عنه حكم المخاطبة، لما مضى إذا كان في حال العدم، فإذا وجده كان كأنه مال مستفاد، وقد انتقضت أحواله الذي كان تعمل بها فيه إلا أن يكون له مال غيره فإنه يحمله عليه إذا كان وقت زكاته في قول أصحابنا، ولا يبين لي في الفائدة في قولهم اختلاف، إلا أنها محمولة على المال في وقت الزكاة من أي وجه كانت الفائدة. [بيان، 18/58] (1/12)
صفحة 13
مسألة: ذكر ما يملكه المرء من إجارة عسده، وكراه مساكنه، ومن الكتاب قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل يؤجره عبده ويكري مسكنه بما يجب عليه الزكاة، وكان مالك بن أنس يقول: لا تجب في شيء من ذلك زكاة، حتى يحول عليه الحول من يوم يقبضه، وبه قال النعمان: إذا لم يكن له مال غير ذلك، وقال يعقوب ومحمد: إذا قبض منها درهما أو أكثر زكاة، وبه قال أبو ثور قال سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا إن إجارات الثابتة هي بمنزلة الديون، إلا أنه يختلف عندي في معاني قولهم في ثبوت الكراء، إذا كانت الأجرة سنتين أو سنة أو شيئا معروفا، ففي بعض قولهم: إنه إذا كانت الأجرة صحيحة، كان المال مستحقا من حين وقعت الأجرة، وفي بعض قولهم: حتى تنقضي المدة التي وقع عليها /64/الأجرة من العمل والسكن، ثم حينئذ يستحق المؤجر أجرته، فإذا استحقها بأخذ الوجهين، وكانت مالا حالا عندي، فإن كان على قدرة من أخذها، فالقول فيها كالقول الموجود، وإن كان لا يقدر على أخذها، فالقول فيها كالقول في الدين الميؤوس منه، ولا يبين لي في الأجر فرق غير معاني الديون، إلا أن يكون ثم نسيت، لم أقف عليه، والله أعلم.
مسألة: ومنه، ذكر قبض السيد كتابة مكاتبه. قال أبو بكر: واختلفوا فيما يقبضه السيد من مكاتبه، فكان مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون: لا زكاة عليه في شيء من ذلك، حتى يحول عليه الحول من يوم يقبضه، وقال سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه: إذا قبضه أدى الزكاة لما غاب عنه، وقال الأوزاعي: إذا حلت نجومه فأخرها، وهو موسر زكاه، وإن كان معسرا فلا زكاة عليه. (1/13)
صفحة 14
قال أبو سعيد: إنه يخرج في قول أصحابنا إن المكاتبة بيع من البيوع، وإن اشترى المكاتب نفسه من سيده عتقه، فإن كانت المكاتبة إلى أجل فمحلها آجلها، أو ما كان منها إلى أجل، وما كان منها إلى غير أجل فهو حال، والحال من الحقوق، وكلها عندي معنا واحد، فإذا كان على قدرة من أخذه بعد محله كان فيه الزكاة، بمعنى المال الموجود، وما لم يكن على قدرة من أخذه فمعناه معنى المال الميؤوس منه، وقد مضى القول فيهما جميعا. [بيان، 18/64]
في ذكر شراء الأرض والنخل للتجارة
فتزرع الأرض وتثمر النخل
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في المرء يشتري الأرض والنخل للتجارة، فيزرع الأرض ويثمر النخل، فكان سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يقولون: يقومه قيمته إذا حال عليه فزكاه، وقال أبو ثور: إذا اشتراه لغير تجارة فأدرك زكاة، فإن كان قبل ذلك ضمن، وقال أصحاب الرأي إذا كان أرض فزرعها عليه العشر، وعليه زكاة التجارة، وقال أبو ثور: عليه زكاة ما زرع، ويقوم الأرض عند رأس الحول ويزكيها، وقال الشافعي: إذا كانت غراسا غير نخل، وزرع غير حنطة زكاها زكاة التجارة. (1/14)
صفحة 15
قال أبو سعيد:معي إنه يخرج في قول أصحابنا في الأرض والنخل خاصة الأصل منها إنه إذا اشترى للتجارة، أنه داخل في جملة التجارة بنفسه، وكذلك جميع الأصول التي ليس فيها بنفسها زكاة، فإن هذا النوع محمول بنفسه في التجارة، وكذلك يخرج عندي ما أثمرت الأصول من جميع الثمار التي ليس فيها زكاة بزكاة الثمار، فهو مثل قيمة الأصول وتبع له، وأما ما أثمر هذا النوع من التجارة ثمرة تجب فيها /88/الزكاة بالسنة من الثمار، فمعي أنه يختلف في ذلك، فقال من قال: الزكاة فيه زكاة التجارة، وقال من قال: زكاته زكاة الثمار، ولا ينتقل لمعنى التجارة، وعمل على ماله من الثمار في هذا المعنى، وهذا القول عندي، وقال من قال: يزكي زكاة الثمار، ثم يدخل عليه زكاة التجارة إذا جاء وقت زكاتها، وثبتت عروضا في التجارة، وإذا ثبت أن فيه زكاة الثمار في ذلك القول، فإذا زكى زكاة الثمار فلا زكاة فيه، وإن بقي حتى تنتقل إلى تجارة إلى غيره، أو تباع بذهب أو فضة، فإنه يلحقه أحكام الزكاة، ولو لم يرد به التجارة. [بيان، 18/88]
في ذكر أبواب الركاز والمعادن
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في الركاز الخمس، وهذا قول الزهري ومالك بن أنس والشافعي وأبي ثور والنعمان وأصحابه، ولا نعلم أن أحدا خالف ذلك إلا الحسن البصري فإنه فرق بين ما يؤخذ منه في أرض الحرب وأرض العرب فأوجب الخمس فيه إذا ما وجد في أرض الحرب ففيه الزكاة. قال أبو بكر: بظاهر الحديث أقول.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معاني الاتفاق أن فيه الخمس وهو معهم ما كان من كنوز الجاهلية إن كان أراد بالركاز معنى كنوز الجاهلية. ومعي أنه يختلف في ثبوت الخمس. [بيان، 18/91]
في ذكر اختلافهم في تفسير الركاز (1/15)
صفحة 16
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: قال الحسن البصري: الركاز المدفون دفن الجاهلية، دون المعادن، وبه قال الشافعي ومالك بن أنس والحسن بن صالح والأوزاعي وأبو ثور، وقال الزهري وأبو عبيد: الركاز المال المدفون والمعدن جميعا، وفيهما جميعا الخمس، وكان عمر بن عبد العزيز يأخذ من المعادن الزكاة إن باع العشر، إلا أن يكون زكاة ففيه الخمس. هذا على مذهب مالك والأوزاعي.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إن المعادن إنما فيها الزكاة، وهو كسب مكتسب لا زكاة فيه، إلا أن يحول عليه الحول، وأما الكنوز إذا ثبتت من كنوز الجاهلية ففيها الخمس، لأنها تخرج بمعنى الغنيمة في المال الذي لا يعرف ربه، فهو أشبه بأحكام الغنيمة، وهذا مال لا رب له، وإنما هو من رزق الله، ومما أخرجت الأرض.
/94/95/في ذكر ما تجب فيما يخرج من أرض المعدن
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا فيما يخرج من المعدن، وكان مالك يقول: إذا بلغ ما يخرج من المعدن عشرين دينارا أو مائتي درهم زكى مكانه، وشبه ذلك بالزرع يخرجه أرض المرء، وكان عمر بن عبد العزيز يأخذ من المعادن من كل مائتين خمسة دراهم، وكذلك قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وأوجب الزهري وأبو عبيد وصحاب الرأي فيما يخرج من المعادن الخمس. وقالت طائفة: ما يخرج من المعادن فائدة من الدنيا من القابل، فإذا اجتمع منه مقدار ما تجب فيه الزكاة، وحال عليه الحول ففيه الزكاة. هذا قول الشافعي. قال أبو بكر: وبه أقول. (1/16)
صفحة 17
قال أبو سعيد: معي أنه يحتاج في أكثر القول من معاني قول أصحابنا معنى القول الآخر، أنه لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، خرج ذهبا أو فضة أو تبرا يعالج بالنار، ومعي أن في بعض القول: إنه ما خرج ذهبا وفضة كان فيه الزكاة في الوقت، ثم حوله فيما يستقبل، وما كان من التراب الذي يعالج بالنار، فهو بمنزلة المكتسب لا زكاة فيه، /96/إلا بعد الحول، أن يحمل على ماله، ولا يبين لي فيما يعالج بالنار اختلاف في معنى الزكاة [بيان، 18/96]
في المقدار الذي يجب فيه الخمس من الركاز
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في مقدار الركاز الذي تجب فيه الخمس، فقالت طائفة: يجب إخراج الخمس من الركاز قليله وكثيره، على ظاهر الخبر، هذا قول مالك بن أنس بن مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأصحاب الرأي، واختلف قول الشافعي في هذا الباب. فقال: إذ هو بالعراق أشبه بظاهر الحديث وهذا القول، وقال بمصر: لا يبين لي أن أوجبه على رجل إذا كان أقل مما تجب فيه الزكاة. قال أبو بكر: الأول أولى لظاهر الحديث، وبه قال أكثر أهل العلم.
قال أبو سعيد: لا أعلم أنه يحضرني من قول أصحابنا من تفسير هذا شيء معروف، فيما تجب من قليل ذلك أو كثيره، إلا أن يوجد في معنى قولهم: إنه يشبه الغنيمة، وهو يشبه أحكام الغنيمة، وقد قيل في معنى قولهم، إنها لا تكون في أقل من خمسة، وإنها تجب من خمسة دوانيق فصاعدا، أحسب أن معنى قولهم في هذا بخمسة دوانيق من الفضة، ويعجبني معنى هذا القول في كنوز الجاهلية. [بيان، 18/97]
في ذكر وجوب الخمس في ركاز الحديد والنحاس وغير ذلك (1/17)
صفحة 18
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن الخمس يجب في ركاز الذهب والفضة، على ما ذكرته عنهم، واختلفوا في وجوب الخمس فيما يوجد من ركاز الجوهر والحديد وغيرها، فقالت طائفة: تجب في ذلك الخمس، هذا قول أحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد وأصحاب الرأي، وقال الشافعي في هذا كقوله في المسألة قبلها. فقال الأوزاعي: ما أرى بأخذه الخمس من ذلك كله ناسا. واختلف فيه عن مالك، وأصح قوليه ما عليه سائر أهل العلم. قال أبو بكر: وبالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: لا أعلم أنه يحضرني من قول أصحابنا فيما وجد من كنوز الجاهلية من الجواهر شيئا معروفا بوجوب ذلك، ولكنه إذا ثبت أنه من معنى الغنيمة فأشبه معاني ذلك أن يكون مثلها، لأن الخمس من الغنيمة في جميع الغنائم، إذا كانت قيمة تجب فيها الخمس بحكم الغنيمة.
/101/في ذكر الذمي يجد الركاز
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: قال كل من يحفظ عنه من أهل العلم على الذمي في الركاز يجده الخمس، هذا قول مالك بن أنس وأهل المدينة وسفيان الثوري وأهل العراق وأصحاب الرأي وغيرهم والأوزاعي والشافعي، ومن تبعهم من أهل العراق. قال أبو بكر: وكذلك أقول. وهذا يدل على أن خمس الركاز ليس سبيله سبيل الصدقات؛ لأن الذمي لا زكاة عليه، إنما سبيله سبيل مال الفيء.
قال أبو سعيد: لا أعلم أنه يحضرني في معاني قول أصحابنا في هذا شيء ف حكمه على الذمي، ولكنه يوجب عندي حكم ما قال. [بيان، 18/101]
في الصدقة في العوامل من الإبل والبقر (1/18)
صفحة 19
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في وجوب الصدقة في العوامل من البقر والإبل، وروينا عن علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أنهما قالا لا صدقة في البقر العوامل، وبه قال جابر بن عبد الله وسعيد بن جبير والنخعي ومجاهد والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وسفيان الثوري والليث بن سعد وسعيد بن عبد العزيز والحسن بن صالح والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: في الإبل النواضح والبقر السوداني وبقر الحرث صدقة، هذا قول مالك بن أنس ومكحول وقتادة. وقال حماد بن أبي سليمان: في أثمانها إذا بيعت صدقة. قال أبو بكر: ليس في العوامل صدقة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (في كل أربعين من الإبل سائمة ابنة لبون). وفيه دليل أن لا زكاة في غير السائمة، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الجواميس بمنزلة البقر، كذلك قال البصري وإبراهيم النخعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي كذلك.
/108/ قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنها تجب الصدقة في جميع الإبل والبقر، العوامل وغيرها، وهو أكثر ما معي أنه من قولهم: إن الصدقة فيها على كل حال، إلا أنه قد قيل عن بعضهم إنه إذا عمل عليها، فبلغ فيما أصاب من علمها الزكاة من الحرث أنه تنحط عنها الزكاة، بمعنى وجوب الزكاة في عملها، وأكثرهم لا يذهب إلى هذا القول، ويبعده في مذاهبهم عمن قال به، ويعجبني معنى القول الأول لثبوت الصدقة في الإبل والبقر على الانفراد، ففي الحروث على الانفراد، وأما ما حكاه عن حماد في صدقة العوامل فلا يخرج عندي ذلك في معنى قول أصحابنا، إلا أن يباع بذهب أو فضة، فيحول على أثمانها الحول، أو يكون له مال يجب عليه فيه الزكاة، فيحمل عليه، وأما ما على الوقت في أثمانها لمعناها هي فلا يبين لي ذلك. [بيان، 18/108]
في ذكر الماشية تشري للتجارة سوى أن تكون سائمة (1/19)
صفحة 20
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في الماشية للتجارة، ينوي صاحبها أن تكون سائمة، فكان سفيان الثوري يقول: لا يزكيها حتى يحول عليها الحول من يوم نوى، وكذلك قال أبو ثور وأصحاب الرأي. قال سفيان: وإن كانت عنده غنم سائمة، فبدا له أن يجعلها للتجارة، فلا تكون للتجارة حتى يصدقها من زكاتها زكاة السائمة. وقال أصحاب الرأي: إذا اشترى الإبل للتجارة، ثم بدا له فجعلها سائمة، فحال عليها الحول منذ يوم اشتراها، وإنما له منذ يوم جعلها سائمة ستة أشهر، فعليه الزكاة إذا مضت لها ستة أشهر، فعليه زكاة إذا مضت لها سنة منذ يوم جعلها سائمة، فعليه زكاة السائمة. وقال الشافعي: إذا اشترى السائمة للتجارة زكى زكاة السائمة، وبه قال أبو ثور، وقال الشافعي: إذا ملك السائمة بميراث أو هبة زكاها لحولها زكاة السائمة. (1/20)
صفحة 21
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه إذا اشترى الماشية للتجارة، ثم حولها بالنية للسائمة قبل محل زكاته للتجارة، أن له /114/ذلك، ويتحول إلى السائمة، وزكاتها زكاة السائمة إذا حال عليها الحول، ولا زكاة عليه فيها بزكاة التجارة، وإن حولها بعد وجوب الزكاة فيها بزكاة التجارة كان عليه زكاتها للتجارة في بعض ما قيل، وأرجو أنه قيل لا زكاة عليه فيها للتجارة، وزكاتها للسائمة، ولا أعلم في الأول اختلافا، وقد قيل إذا اشتراها للتجارة فإنما زكاتها زكاة السائمة للأصل الذي ثبت فيها، لأن تحويلها إلى التجارة لا يزيل السنة فيها بزكاة الأصل، وقيل زكاتها زكاة التجارة إلا بالنية لها في التجارة. وقيل إن كانت تجارته تجب فيها الزكاة كانت زكاتها هي زكاة السائمة، وإن كانت تجارته لا تجب فيها الزكاة حملت على التجارة حتى يجد بها الزكاة في التجارة، وأما إذا اشتراها للسائمة أو كانت في يده بوجه من الوجوه، ثم حولها بالنية إلى التجارة، فمعي أنه قد قيل لا تتحول بالنية، وزكاتها زكاة الأصل، إلى أن يزيلها في غيرها من العروض أو النقود أو غيرها من الحيوان، يريد بذلك التجارة. [بيان، 18/114]
في كم رأس يخرج صدقة البقر؟ (1/21)
صفحة 22
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في صدقة البقر: (في كل ثلاثين بقرة تبيع أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة) وهذا قول أكثر أهل العلم، وممن قال بهذا القول إبراهيم النخعي والحسن البصري والشعبي ومالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري والشافعي وعبد الملك الماجشون وإسحاق وأبو ثور ويعقوب ومحمد وأبو عبيدة، وقال لا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم، وفيه قول ثان: وهو أن في كل خمس شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بقرة إلى خمس وسبعين، فإذا جاوزت فبقرتان إلى عشرين ومائة، فإذا جاوزت ففي كل أربعين بقرة بقرة. هذا قول سعيد المسيب. وروي عن أبي قلابة قال في مثل ذلك، وروي عنه أنه قال: في كل خمس شاة حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع، وفيها قول ثالث: وهو أن في ثلاثين جذعا أو جذعة، وفي أربعين مسنة، فإذا بلغت خمسين فبحساب ذلك، هذا قول حماد بن أبي سليمان، وقال الحكم بن عيينة كذلك، إلا أنه قال في خمسين مسنة، وقال النعمان فيما زاد على الأربعين فبحساب /122/ذلك، وفسر أبو ثور ذلك من قوله، قال في خمس وأربعين مسنة وثمن، وفي خمسين مسنة وربع، وكذلك ما زاد قل أو كثر، وكان إبراهيم النخعي يقول في ثلاثين بقرة تبيع، وفي أربعين مسنة، وفي خمسين مسنة وربع، وفي ستين تبيعان. قال أبو بكر بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقول. (1/22)
صفحة 23
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معاني الاتفاق أن صدقة البقر مثل صدقة الإبل، لأنها مثلها في كتاب الله تبارك وتعالى، ففي خمس من البقر معهم شاة، وفي العشر شاتان، وفي كل خمس شاة إلى خمس وعشرين، ثم فيها صدقة، وما دون الصدقة من الإبل والبقر هو معهم شنقه، ففي خمس وعشرين وما زاد على ذلك إلى خمس وثلاثين، ففيها جدعة، وهي سن بنت مخاض عندهم من الإبل، وفي الست والثلاثين ثنية من البقر، ثم على ترتيب معنا، صدقة الإبل يكون معنا ترتيب صدقة البقر، والجدعة من البقر عندي إنها تقوم في موضع سن بنت مخاض، والثنية تقوم مقام ابنة لبون، والرباع يقوم مقام حقة، والسدس يقوم مقام الجدعة من الإبل. وعى هذا يجري حسابها. [بيان، 18/122]
في ذكر إسقاط الزكاة عن الخيل والرقيق
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)، واختلفوا في صدقة الخيل، فقال كثير منهم: لا صدقة، روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب وابن عمر، وبه قال الشعبي وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو حنيفة وأبو بكر بن أبي شيبة ويعقوب ومحمد، واحتج محتجهم بظاهر هذا الحديث، ويقول: عفوت عن الخيل والرقيق، لكن في كتب عقودهم قدر كل فرس دينارا، وأن سبب قومها دراهم، فجعلت في كل مائتي درهم خمسة دراهم، والزكاة التي يطلب. (1/23)
صفحة 24
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا بمعنى ما فيه الاتفاق أنه لا زكاة في العبيد، ولا في الخيل، ولا في البغال، ولا في الحمير، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (عفي عن أمتي زكاة العبيد والخيل والجبهة) وقيل: الجبهة الحمير، فلا أعلم بين أصحابنا في هذا اختلافا، إلا أن يكون ذلك للتجارة فإن فيه الزكاة في جملة زكاة التجارة، /130/ولا أعلم في ذلك اختلافا بينهم، وإنما الزكاة في الماشية بمعنى الزكاة في الأنعام لا في شيء من الحيوان غير هؤلاء في شيء من البهائم، ولو جرت في الأملاك، وكثر عدده، إلا أن يكون بمعنى زكاة التجارة. [بيان، 18/130]
في ذكر تفريق الغنم لأخذ الصدقة
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: روينا عن عمر بن الخطاب أنه لقي سعدا فقال له إذا صدقتم الماشية فاقتسموها ثلاثا، ثم يختار رب الغنم الثلث، ثم اختاروا من الثلثين الباقيين، وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: يختار المصدق من الثلث الأوسط، وبه قال الزهري وأبو القاسم، وقال الحكم بن عيينة وسفيان الثوري: يفرق فرقتين، وقال الشافعي: يجب على رب المال الوفاء به وبه يقول. (1/24)
صفحة 25
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معنى قول أصحابنا أن المصدق ورب المال يقسمان الغنم نصفين، ثم يختار رب المال لأي النصفين، ثم يختار المصدق من النصف الباقي شاة، مما يجوز له أن يأخذ من الغنم، ثم المصدق شاة رب المال شاة حتى يستوفي، وقال من قال: إذا قسمت نصفين كان الخيار لرب المال أن يختار من أحد النصفين شاة، ثم المصدق، ثم على هذا حتى يستوفي المصدق، وفي بعض قولهم: أن يدخل في الغنم بغير قسمة، فيصاح فيها فيتصدع بفرقتين، ثم يكون الاختلاف في الخيار على ما ذكرت لك، ولا أعلم من قولهم إنها /136/تقسم أثلاثا، ويحلو في نفس ما قال أبو بكر: إنه إذا ثبت على رب المال الفرائض أحضرها من غنمه كيف شاء، إذا كانت موجودة بأسنانها، غير خارجة من صفة ما يجوز، وإن كنت لم أعلمه من قول أصحابنا، ولكنه لما أشبه العدل لم يبعد عندي ولو كانت الزكاة إنما هي جزء من المال وتقسم قسمة لما جاز إلا بالقسم بالنظر.
/137/في صدقة الغنم
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: أجمع أهل العلم أن لا صدقة فيما دون الأربعين من الغنم، وأجمعوا أن في أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة شاة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، وثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أوجب ذلك. (1/25)
صفحة 26
مسألة: ذكر الغنم تزيد على المائتين والثلاث مائة. قال أبو بكر: واختلفوا في الغنم تزيد عن المائتين والثلاثمائة، وكان عمر لن الخطاب يقول: إذا زادت شاة على المائتين ففيها ثلاث إلى ثلاث مائة، فإذا كثرت الغنم، في كل مائة شاة، وهكذا قال الشافعي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور والنعمان، وقد روينا عن معاذ بن جبل أن الشياه إذا بلغت مائتين لم يقربها حتى تبلغ أربعين ومائتي شاة، فإذا بلغت أربعين ومائتي شاة أخذ منها ثلث شاة، فإذا بلغت ثلاثمائة لم يقربها عن فرضها حتى تبلغ أربعين وثلاثمائة، فإذا بلغت ذلك أخذ منها أربع شياه. قال أبو بكر: وليس يثبت هذا الحديث عن معاذ؛ لأن الشعبي روي عنه، وهو لم يقله.
/138/قال أبو سعيد: معي أنه يشبه ما حكاه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : معنا ما هو متفق عليه من قول أصحابنا في صدقة الغنم إلى المائتين، إنه إنما قال فيها شاتان، ثم يخرج في معنى قولهم: إنه إذا زادت على المائتين شاة ففيها ثلاث شياه، ولا أعلم بينهم في هذا الفصل اختلافا، ثم هي ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ولا أعلم في ذلك اختلافا، ثم يخرج في بعض قولهم: إنها إذا زادت واحدة ففيها أربع شياه، إلى أربعمائة، وهي زكاتها أربع، فإذا زادت على الأربعمائة فلا زكاة في زيادتها إلى أن تبلغ الزيادة مائة، فإذا زادت الغنم على أربعمائة، فقد استوت صدقتها ف كل مائة شاة شاة، ما كانت بلا زيادة ولا نقصان، ومعي أنه يخرج في معنى بعض قولهم: إن صدقة الغنم ما زاد على مائتين بواحدة، ثلاث شياه، ثم لا زيادة فيما زاد إلى أربعمائة، ثم استوت صدقتها ما كان في كل مائة شاة، ونظر في ذلك. [بيان، 18/138]
في ذكر الضأن والماعز في الصدقة (1/26)
صفحة 27
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الماعز والضأن يجتمعان في الصدقة، واختلفوا في الصدقة في أي الصنفين تؤخذ؟ فروينا عن عكرمة أنه قال: تؤخذ من أكثر العددين، وبه قال مالك بن أنس وإسحاق بن راهويه قال: أن ستونا أخذ من أحد العددين شاء، وقال الشافعي: القياس أن يأخذ من كل صنف قدر حصته. قال أبو بكر: هذا أحسن.
قال أبو سعيد: معنى أنه يشبه معاني القولين جميعا ما يخرج في قول أصحابنا، وعندي ما استحسنه أبو بكر عن الشافعي، فحسن عندي في هذا المعنى. [بيان، 18/139]
في الماشية إذا توالدت قبل مجيء المصدق
بيوم فوجبت فيها الزكاة
من كتاب الأشراف من غير الكتاب والزيادة المضافة إليه قال أبو بكر: قال مالك في الماشية: لا تجب في أصلها الصدقة فتوالدت قبل أن يأتي المصدق بيوم، فجاء المصدق وعددها ما تجب فيه الصدقة عليه، قال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأصحاب الرأي: لا زكاة عليه، حتى يحول عليها الحول من يوم تصير أصلا تجب في مثله الزكاة، وبه نقول.
قال أبو سعيد: أما في معنى اللازم في التعبد فلا أعلم فيه اختلافا، إلا على ما حكي، وأما في شأن المصدق إذا وصل إليه فمعي أنه في بعض قول أصحابنا: إنه إذا خرج للصدقة في وقتها فوجد في المال مجتمعا تجب فيه الزكاة أخذه، ولم يسأل عن ذلك، وأحسب أن في بعض قولهم ولو صح أنه لم يحل عليه الحول، فله أن يأخذ الصدقة من المجتمع، وفي قولهم: إنه ليس له ذلك حتى يحول عليه الحول، منذ بلغت ما تجب فيه الزكاة، ولا يطيب له ذلك إلا بإقرار من رب المال أو بصحة بمعنى هذا القول.
/145/في الجمع بين المفترق، والفرق بين المجتمع في الماشية (1/27)
صفحة 28
من كتاب الأشراف قال أبو بكر:ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال بعد ذكره صدقات الإبل والغنم: (لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)، وثبت ذلك عن عمر، وروي مثله عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر، واختلفوا في معنى قوله هذا، فكان مالك بن أنس يقول: إنما تعبد بذلك أصحاب المواشي يطلق الغنم لكل واحد منهم أربعون، وقد وجبت عليهم الصدقة، فإذا أطلبهم المصدق جمعوها، لئلا يكون عليهم فيها إلا شاة واحدة فنهوا عن ذلك، وبه قال الأوزاعي، وبمعناه قال الثوري، وفيه قول ثان وهو أن على الذي يجبي الصدقة، وأرباب الأموال لا يفرق بين ثلاثة في عشرين ومائة خشية إذا جمع بينهم أن يكون، ولا يجمع بين المتفرق رجل له مائة وآخر مائة شاة، فإذا تركا على افتراقهما كانت فيها شاتان، وإذا جمعتا كانت فيها ثلاث شياه، ورجلان لهما أربعون شاة، فإذا افترقت فلا شيء فيها.
مسألة: والخشية خشية الوالي أن تقل الصدقة، وخشية رب المال أن تكثر الصدقة، هذا قول الشافعي، وقال أبو ثور وأبو عبيد: في قوله لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع على رب المال وعلى الساعي، وقال /146/النعمان لا يفرق بين مجتمع، يكون للرجل عشرون ومائة شاة ففيها شاة، وإذا افترقت أربعين أربعين ففيها شاة، وقوله: لا يجمع بين متفرق، والرجلان بينهما أربعون شاة، فإذا جمعتا كان فيهما شاة، فإن فرقها لم تكن فيها شاة، وكان أحمد بن حنبل يقول في رجلين لكل واحد منهما أربعون شاة أن يعد ما بينهما فعليه شاتان، كان أحد الراعيين في البصرة، وإن كان له ببغداد عشرون شاة، وبالكوفة عشرون فلا شيء عليه؛ لأنه لا يجمع بين متفرق. قال أبو بكر: لا نحفظ هذا عن غيره. (1/28)
صفحة 29
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج عندي على ما يحسن فيه التأويل، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع حذار الصدقة) فهو تأويل حسن، لا أعلم فيه ما لا يخرج من قول أصحابنا. [بيان، 18/146]
في ذكر زكاة الخلط
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال بعد قوله: (لا يجتمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالتسوية)، واختلف أهل العلم في معنى قوله: وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالتسوية، قال يحي بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس والأوزاعي: إذا كان الراعي والفحل والمراح واحدا فإنهما خليطان. قال الشافعي: إذا راحا وسرحا وسقيا معا، واختلطت فحولتهما فإنهما يكونان خليطين.
قال أبو سعيد: حسن ما قال في معنى هذا، في بعض قول أصحابنا.
ومنه: واختلف مالك بن أنس والشافعي في المراح، فقال الشافعي: إذا افترقا في خصلة من هذه الخصال لم يكونا خليطين، يعني الخصال التي بدأنا بذكرها، وقال مالك إن فرقها المبين هذه فرقة، وهذه فرقة فهما خلطاء، وقال عطاء بن أبي رباح وطاووس: إذا عرفا أموالهما فليسا بخليطين. قال أبو بكر: وهذه غفلة، إذ غير جائز أن تراجعا بالتسوية، والمال بينهما لا يعرف أحدهما ماله من مال صاحبه. (1/29)
صفحة 30
/150/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في أكثر معاني قول أصحابنا: أنه لا يكون الخليطان في ثبوت الصدقة إلا ما جمعه الماء والمرعى والحلب، وقال من قال: ما جمعه الماء والحلب، وإن اختلف المرعى، وقال من قال: بالحلب. فإذا جمعه الحلب فقد اجتمع. وأكثر قولهم إنه إذا لم يجمعه فليس بمجتمع، ولا أعلم من قولهم إنه يكون مجتمعا بأقل من الماء والمرعى، ولا أعلم بأحدهما دون صاحبه اجتمعا، وفي بعض قولهم: أنه لا يكون مجتمعا إلا بالمشاع على ما حكي عن بعض من حكى، وإذا ثبت المعنى ولزوم الترادد من الخليطين عن واجب الصدقة، إذا أخذت ثبت معنا ما قال: إنها شبهة العقلة ممن قال به لا يكون الاجتماع إلا بالمشاع؛ لأنه لو كان الترداد إنما هو بين الشريكين في المال بالمشاع، كانت الزكاة حيثما أخذت كان من رأس المال، ولم يكن بينهما مراددة ولا ضمان لأحدهما على الآخر.
مسألة: واختلفوا في الرجلين يكون بينهما الماشية، وليس لكل واحد منهما من المال ما لو كان منفردا غير خليط وجبت فيه الزكاة، فقالت طائفة: لا زكاة عليهما، هذا قول مالك بن أنس وسفيان الثوري وأبي ثور وأهل العراق، وكان الشافعي يقول: عليهما الزكاة، وبه قال الليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وقال أبو بكر: الأول أصح.
قال أبو سعيد: معي أنه يشبه معاني ما حكاه من معنى القولين جميعا، وأكثر ما عندي أنه قيل: إن المشاع من الماشية فيها الصدقة، وإنما عندي إنه قيل: إنه لو كان لأحدهما أربع من الإبل والبقر بينهما جميعا واحدة، فقال من قال: في هذا عليهما الصدقة ويترادّان، وقال من /151/قال: لا زكاة في مثل هذا، وإذا ثبت معنى الاختلاف في هذا لم يبعد في المشاع كله أن لا يكون لا زكاة فيه. (1/30)
صفحة 31
ومنه: واختلف مالك والشافعي في الرجلين يخلطان ماشيتهما قبل الحول بشهرين أو ثلاثة، فقال مالك: يزكيان زكاة الخلط، وكان الشافعي يقول: لا يكونان خليطين حتى يحول حول منذ يوم اختلطا، واختلفوا في الرجلين يكونان أحدهما مكاتب أو صبي أو معتوه، والآخر حرّ بالغ عاقل. فقال الشافعي: لا يكون زكاة الخلطاء، إلا أن يكونا مسلمين، فإن خلطا نصرانيا أو مكاتبا صدق صدقة المفرد. وفي قول أبي ثور إذا خالطا المكاتب وجبت فيه الزكاة، وحكي عن الكوفي أنه قال لا شيء.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا: إنه إذا كانت المخالطة ممن لا حجة عليه، ولا منه مثل صبي أو معتوه، وشبه ذلك عندي الأعجم، وأمثال هذا، ولا يقضي عليهم ف ذلك بصدقة الخلطاء بالاجتماع، وقال من قال: إذا كان اليتيم في حجر المخالط من والده أو محتسب، أو مثل هذا، وكان اجتماع ذلك جائزا في مصالحهم كان بمعنى ذلك وجوب الصدقة، وإذا كان على غير هذا لم يكن فيه اجتماع، ويعجبني هذا القول، وإذا ثبت معنى هذا أشبه عندي المعتوه والأعجم، والمكاتب عند أصحابنا تجري فيه حكم المخالطة منذ كانت، وأما الذمي فلا يقع لي أن يكون يقع به معنى المخالطة، لأنه لا زكاة عليه، وإنما تثبت المخالطة على الخليطين من أهل الزكاة [بيان، 18/151] (1/31)
صفحة 32
ومن كتاب الأشراف قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق) وثبت ذلك عن عمر بن الخطاب، وروينا ذلك عن علي بن أبي طالب، وروينا عن ابن مسعود أنه قال: لا يؤخذ في الصدقة ذكر، ولا هرمة، ولا جدع، ولا ذات عوار من الشاة، والهرمة أخير له أخذها، وكذلك قال الشافعي، واختلفوا فيه إذا كانت مهابل أو ذات عيب، وكان مالك يقول: إذا كانت كلها جرباء أخذ منها المصدق واحدة، وبه قال الشافعي ويعقوب ومحمد، إلا أن محمدا قال: يؤخذ أفضلها، وقال مالك والشافعي: فإن كانت الفريضة صحيحة أخذها، وقال مالك: إذا كانت هشيما يشتري له بنصيبه، وقال الشافعي: يأخذ منها واحدة.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا: ليس على المصدق أن يأخذ هرمة ولا مهزولة، ولا ذات عوار، ولا جدعة، وليس له أن يأخذ تيس الغنم، ويخرج عندي في قولهم: إن أذن رب المال بتيس الغنم، وكان ذلك مثل الفريضة أو أفضل جاز ذلك، وكذلك يخرج /157/عندي في معنى قولهم: إنه إن كان في شيء من تلك الأسنان التي ليس على المصدق أن يأخذها أفضل في الزكاة من الفريضة في النظر، كان له ذلك؛ لأن المعنى في هذا إنما هو ليس عليه، أي ذلك محمول عليه لرب المال، فإذا شاء ذلك رب المال، وكان ذلك أفضل في الصدقة، فلا وجه يمنع ذلك، وإن كان في معنى القول ليس عليه ذلك، فإذا كان ليس عليه ذلك، وكان الحق لغيره فلعله يلحقه معنى القول إنه يجب عليه أن لا يأخذ لا ما يجوز في الفريضة؛ لأن المال لغيره، وهو في المال بمنزلة الوكيل والأمين. [بيان، 18/157]
فيما يعد من المواشي الصغار ويؤخذ منه الصدقة (1/32)
صفحة 33
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في صدقة الفصلان والحملان، فكان الشافعي يقول: تؤخذ الصدقات من كل صفة، من هذا واحد منه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق ويعقوب، وقال مالك: على صاحب الأربعين من السخال أن يأتي بجدعة أو ثنية من الغنم، ولا يؤخذ من الصغار شيء، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور، وكذلك صدقة البقر والإبل. وفيه قول ثالث: وهو أن شيء فيها، هكذا قال النعمان ومحمد، وحكي ذلك عن الثوري، وفي هذه المسألة قول رابع: وهو أن يأخذ المصدق مسنة، يم يرد على رب المال فضل ما بين المسنة والصغيرة التي في ماشيته، حكي هذا القول عن سفيان الثوري، وكان سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل والنعمان ومحمد ويعقوب يقولون في أربعين حملا فيها مسنة، يؤخذ من المسنة. (1/33)
صفحة 34
قال أبو سعيد: معي أنه معاني ما حكي من هذه الأقوال كلها ما يخرج عندي في قول أصحابنا، وأثبت ما يخرج من قولهم معنا قولين: أحدهما الذي يقول إن عليه منها. فإن قال قائل من أفضلها، فلا يبعد /160/عنده، وإن قال من الأوسط لم يبعد، وإن قال بالأجزاء منها على القدر لم يبعد أيضا. والقول الثاني: إنه إذا ثبت فيها الصدقة كان فيها الفريضة، وهي الثنية فصاعدا في المعز والضأن، وأما قوله: ليس فيها صدقة، فلا يخرج ذلك عندي في معنى قولهم، إلا أن يكون من صفة ما لا يعد في الصدقة من أولاد الأنعام، فإذا كانت من تلك الصفة، مع صاحب القول الذي لا يعدها مع الماشية، حان عنده معنى هذا القول: إنه لا زكاة فيها في هذا الفصل، ولهذا في قولهم أقاويل: أحدهما إنه لا يعد من الماشية كل منتوج فصاعدا، ولو كان تلك الليلة، أو المصدق، ومنها ما لا يعد إلا ما خلط الشجر مع اللبن، ومنها قول: إنه لا يعد إلا ما قطع الوادي راعيا على أثر أمه، وقال من قال: ما قطع الوادي هكذا، وقال من قال: ما استغنى عن أمه، ولا أعلم فوق هذا الحال شيئا إلا يعد، والله أعلم بقوله هذا ليس فيها صدقة على ما يخرج، ولا يخرج عندي إلا على أحد هذه المعاني عند أصحابنا. [بيان، 18/160]
في ذكر المبادلة بالمواشي
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: اختلف أهل العلم فيمن بادل بماشيته قبل حول الحول إلى ماشية الآخر فرارا من الصدقة، فكان الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون: لا زكاة على كل واحد منهما، فيما قبض من صاحبه، حتى يحول على ما يشتري من يوم اشتراه. وقال سفيان الثوري كذلك، غير أنه لم يذكر الفرار من الصدقة، وكان مالك بن أنس والأوزاعي وعبد الملك وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد يرون في ذلك الزكاة، إذا كان فرار من الصدقة. (1/34)
صفحة 35
قال أبو سعيد: ليس في معاني قول أصحابنا في هذا الفصل شيء مؤكد، إلا أنه يعجبني القولان جميعا، أن يكون لكل واحد منهما متعلق بمعنى يثبت به، فأما معنى من يقول: لا زكاة فيه إلا بعد الحول؛ لأنه مال متنقل عن ملكه كله، وهذا مال جديد، وإنما تجب الزكاة في المال إذا حال عليه الحول، وأما معنى القول الآخر فإنه إنما انتقل المال من يده بمال مثله مخاطب فيه بمثل المخاطبة في المنتقل عنه من ملكه، ولم يستحل إلى غير ما يبطل معنى الصدقة، والله أعلم، وتنظر في ذلك كله.
/165/ في ذكر الأوقاص
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: أكثر أهل العلم يقولون: لا شيء في الأوقاص، كذلك قال أنس بن مالك وسفيان الثوري والحسن بن صالح.. والشافعي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور ومحمد، وقد ذكرنا ما قال النعمان في الباب الأول، وقال الشافعي: لا شيء فيه كذلك يقول، وفي حديث معاذ أنه قال: لم يأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها بشيء.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج نحو هذا في قول أصحابنا، وأرجو أن معنى الأوقاص ما بين الفريضتين، كأنه يقول ليس فيما زاد من الفريضة شيء، وبعض يقول إن زكاة الفريضة الأولى داخلة معنى حكمها فيما زاد، وزكاة له، ولا يقال لا زكاة فيها، وإنما المعنى لا زيادة فيها، والمعنى داخلة في الزكاة، والزكاة الأولى تأتي عليها، وهذا عندي أصح.
/167/فيما إذا يوجد السن الذي يجب في المال (1/35)
صفحة 36
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في المال الذي لا يوجد فيه السن الذي يجب، ووجد دون ذلك أو فوقه، وكان إبراهيم النخعي والشافعي وأبو ثور يقولون: إذا أخذ سنا فوق سن رد عليهم عشرين درهما أو شاتان، وإذا أخذ سنا دون سن ردوا عليه عشرين درهما أو شاتان، واختلف فيه عن إسحاق فقال مرة كقول هؤلاء، وقال مرة عشرة دراهم أو شاتان، روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب، وبه قال سفيان الثوري وأبو عبيد. وفيه قول ثالث: وهو أن يأخذ قيمة السن الذي كتب عليه، هكذا قال مكحول والأوزاعي. وفه قول رابع: وهو أن على رب المال أن يبتاع المصدق الذي تجب له، هذا قول مالك بن أنس. وفيه قول خامس: وهو أن يأخذ السن الذي يوجد عنده، ويعطي فضل ما بين قيمتها وقيمة السن الذي يأخذ، وإن كانت الذي عنده أفضل رد عليه المصدق ما بين القيمتين، هذا قول حماد بن أبي سليمان.
قال أبو سعيد: القول المضاف إلى حماد بن أبي سليمان موافق لعامة /168/قول أصحابنا.
ومنه: وقال أصحاب الرأي: يأخذ قيمة التي وجب عليه، وإن شئت أخذت دونها، وأخذت الفضل دراهم.
قال أبو سعيد: وهذا موافق لقول حماد. ومنه قال أبو بكر: بالقول الأول أقول. للثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ذلك. قال أبو بكر: وممن قال بأن عليه في ست وعشرين من الإبل، إذا لم يوجد عنده بنت مخاض ابن لبون، ذكر مالك والشافعي والثوري وغيرهم، واختلفوا في الرجل تجب عليه السن، فلا يوجد عنده ولا التي يليها، ووجد السن الذي يلي ما وجب عليه، فكان سفيان الثوري يقول: لا يحسب بذلك، ولكن يؤخذ بالقيمة، وكان الشافعي يقول: إن ارتفع سنين أعطاه رب المال أربع شياه أو أربعين درهما، ثم ارتفع سنا ثالثا زاده شاتين فأعطاه ست شياه أو ستين درهما، وبذلك قال إسحاق بن راهويه. قال أبو بكر: لا يجاوز ما في الحديث. (1/36)
صفحة 37
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا إنه إذا لم يجد المصدق ما يجب له من الأنعام، ففي بعض قولهم: إنه مأخوذ رب المال بالسن الذي عليه من الزكاة، وعليه أن يحضره ويبتاعه، وكذلك ليس للمصدق أن يأخذ غيره، وإن اتفقا على غير ذلك لم يكن لهما، ولأن الحق لهما، وفي بعض القول: إن للمصدق أن يأخذ ما دون السن الذي له، ويزداد من رب المال فضل القيمة ما بين القيمتين، وكذلك لرب المال أن يدفع ما فوق السن الذي وجب عليه، ويزيد من المصدق فضل ما بين القيمتين، ثم كذلك فيما زاد. وفي بعض القول: لا يكون ذلك لهم إلا بالاتفاق منهما، وفي بعض القول: إن ذلك لرب المال خاصة، وليس ذلك للمصدق، لأن رب المال مأذون له في بيع ماله على /169/المصدق، وليس المصدق بمأذون له في بيع الصدقة قبل قبضها، لأنه بيع مضمونا على غيره، فعلى نحو هذه المعاني يخرج القول بمعنى هذا، ولا فرق عندي في قولهم في ارتفاع السن بدرجة أو درجتين أو أكثر، ولا في انحطاطه بعد ذلك، والمعنى فيه واحد، ويخرج من معاني قولهم على ما حكي في الكتاب أن تكون تلك الزيادات المحدودة إنما هي على مخصوص ما يقع القيمة به في الوقت، لا على معنى العموم، وينظر في ذلك إن شاء الله.
/171/في ذكر المال يباع بعد دخول الحول أو قبله
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في المال بعد أن يحول عليه الحول يباع، فكان أبو ثور يقول: يأخذ المصدق الصدقة منها، ويرجع به المشتري على البائع، وقال الشافعي: فيها قولان: أحدهما أن البيع فاسد، لأنه باع ما يملكه وما لا يملكه. والقول الثاني: أن المشتري بالخيار بين أن يرد البيع أو يجيز المبيع، وقال أصحاب الرأي: هو بالخيار إن شاء أخذ البائع حتى يؤدي صدقتهما، وإن شاء أخذ مما في يد المشتري. (1/37)
صفحة 38
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا نحو ما حكي بالاختلاف في المعنى، وذلك أنه يخرج معهم في الزكاة قولان: أحدهما أنها شريك في المال، وأحدهما أنها مضمونة في ذمة رب المال، فعلى قول من يقول إنها مضمونة ف الذمة، يثبت ولا حجة للبائع على المشتري، ولا للمشتري على البائع، والزكاة على البائع، لأنها كانت في ذمته، والذي يقول: إن الزكاة شريك فيخرج في البيع قولان: أحدهما أن البيع باطل، لأنه باع مال غيره وماله في صفقة واحدة، وأحدهما أنه يثبت /172/بيع حصته، ويبطل بيع الزكاة، ويكون للمصدق على هذا الخيار، إن شاء لحق ماله من يد المشتري، وكان للمشتري الثمن على البائع، وإن شاء لحق البائع بالثمن، ولا حق له على المشتري، ولا حق للمشتري على البائع.[بيان، 18/172].
في ذكر المال يحول عليه الحول قبل أن تخرج منه الصدقة
من كتاب الأشراف: واختلفوا في خمس من الإبل حال عليها حولان، فقال مالك: فيها شاتان في حكاية أبي عبيد عنه، وبه قال أبو عبيد وأحمد بن حنبل والشافعي، فيما حكاه أهل العراق عنه، وقال بمصر فيها قولان: أحدهما كما قال هؤلاء، والآخر أن عليه شاة، وقال أبو ثور: في عشر من الإبل حال عليها حولان عليه أربع من الغنم، وحكي ذلك عن الشافعي، وحكي عن الكوفي أنه قال عليه في الأولى شاتان، وفي السنة الثانية شاة، ومعنى ذلك قول مالك، كما قال أبو ثور، وقال الشافعي: في خمس وعشرين من الإبل حال عليها حولان تثبت مخاض في السنة الأولى، وفي السنة الثانية أربع من الغنم، وحكي ذلك عن الكوفي. (1/38)
صفحة 39
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا: إنه إذا كانت الزكاة إنما هي شنقة عن الإبل والبقر، والشنقة ما لم تكن الفريضة من الإبل والبقر، فما دامت الزكاة فيها من الغنم، فإنما هي شنقة عنها، وكلما حال عليها حول كان فيها الشنق بحاله، وهي غير منتقصة، ولا أعلم في هذا الفصل يخرج في معاني قول أصحابنا فيه اختلافا، /174/ويعجبني أن لا يبعد ذلك إذا كانت الشنق عنها، إذا أخذ منها نقص عددها، عما تجب فيه الزكاة؛ لأن رب المال لو لم يؤد الزكاة عنها لم تجب عندي في ماله في غير الماشية عليه سبيل، ولا يعترض مال، وإنما الزكاة في نفس ما وجب فيه، فإذا تعلق بهذا المتعلق متعلق لم يبعد أن يثبت فيه معنى ما قال عن الشافعي بمصر، إذا كان ذلك يدخل عليه بنقص العدد، وأما ما كان من الزكاة إنما هو فريضة من المال، وإذا أخذت نقصت لا محال إنه يخرج عندي من معنى قول أصحابنا في ذلك اختلاف؛ لأن ذلك شيء معروف، ففي بعض قولهم: إن الزكاة مضمونة على ربها، وكلما حال عليها الحول فهي عليه، والزكاة بحالها، لأنه لو شاء صرف ماله كله، وأعطى من غيره، إذا كانت فريضة تامة، وقال من قال: إذا حال عليها الحول فوجب فيها الصدقة التي تنقصها فقد صارت الصدقة شريكا له في عدد الماشية من مال، ولا زكاة عليه، إلا في أول حول، وإذا ثبت ذلك المعنى لم يبعد ما قال؛ لأن الزكاة لا زكاة فيها، فيلحقه من طريق المخالطة؛ لأن خليطه لا زكاة عليه، ولا من طريق العدد بالاجتماع، والله أعلم بالصواب.
ومنه: وقال الشافعي وأصحاب الرأي: في رجل له أربعون شاة، لم يصدقها أعواما شتى، ولم تزد فيها شاة واحدة.
قال أبو سعيد: الشاة معي من الأربعين شاة فريضة، وليس عليه عندي إلا شاة واحدة على قياد قول من يقول: بأن الزكاة شريك في المال، وأما على قول من يقول بأن الزكاة في المال في ذمة المالك، فتجب في قياد قوله: إن عليه في كل عام حال عليها شاة. (1/39)
صفحة 40
/175/في ذكر السن الذي يؤخذ من صدقة الغنم
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: روينا عن عمر بن الخطاب أنه قال لعامله: رد العناق والجدعة والثنية. قال غيره: معي أنه أراد خذ العناق، ويخرج ذلك في خاص من الغنم، وقد يسمي أهل الحجاز الضأن غنما، وذلك عدل بين المعز وخيار الغنم، وبه قال الشافعي، وروينا عن ابن عمر أنه قال: يجوز في الأضحية ما يجوز في الصدقة. وقال مالك بن أنس: لا يجوز إلا الجدع والثني، وبه قال أبو عبيد وإسحاق وأبو ثور، وقال إبراهيم: لا تؤخذ جدعة في صدقة الغنم، وبه قال أصحاب الرأي.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنها لا تؤخذ في فريضة الزكاة من المعز إذا ثبتت فريضة دون الثنية فصاعدا؛ لأنها قد ثبتت ثنيا، كما لا يجوز في الأضحية عن المتة والهدي اللازم، دون الثنية من المعز فصاعدا، وأحسب أنه كذلك في بعض قولهم: إنه لا يكون إلا الثنية من الضأن أيضا، ولعله قد يشبه المعنى لو قيل: أن يجوز في الفريضة الجدع من الضأن السمين القارح، /176/أن يجوز ذلك، إلا أن المعنى والمعمول به أنه لا يكون إلا الثني فصاعدا من المعز والضأن، إلا أن يكون الغنم كلها جداعا، أو دون ذلك، فعندي أنه في أكثر القول: إنه لا يكلف إلا منها، ولعل في بعض القول: إنه لثبوت السنة فيها لا تكون إلا ثنية، ويخص بها حيث شاء.
/177/ في جماع أنواع الصدقة من الإبل والبقر والغنم (1/40)
صفحة 41
من كتاب الأشراف –بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على وجوب الصدقة من الإبل والبقر والغنم، إذا كانت سائمة، وأجمعوا أن لا صدقة فيما دون خمس من الإبل، وثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليس فيما دون ذود صدقة)، وأجمع أهل على أن في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم يكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، إلى خمس وثلاثين، فإن زادت واحدة ففيها حقة طروقة إلى ستين، فإن زادت واحدة ففيها جدعة إلى خمس وسبعين، فإن زادت واحدة ففيها ابنتان لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، كل هذا مجمع عليه، ولا يصح هذا عن علي بن أبي طالب ما روي عنه في خمسة وعشرين.
قال أبو سعيد محمد بن سعيد العماني: معي أن هذا الذي ذكره يشبه معاني قول أصحابنا، ولا يبين لي فيه اختلاف لمعنى بشيء من قول /178/أصحابنا في هذا.
ومنه: ذكر الإبل تزيد على عشرين ومائة. قال أبو بكر: واختلفوا في الإبل تزيد على عشرين ومائة إلى ثلاثين ومائة، فقال محمد بن إسحاق صاحب المغازي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد الله: ليس في الزيادة شيء حتى تبلغ ثلاثين ومائة، وحكي عن عبد الملك الماجشون عن مالك أنه قال كقول هؤلاء. قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور: فيها ثلاث بنات لبون، إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة. وفيه قول ثان: وهو أنه فيما زاد على العشرين ومائة في خمس شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، فإذا بلغت مائة وأربعين ففيها حقتان وأربع من الغنم، فإذا بلغت مائة وخمسين ففيها حقتان وبنت مخاض، حتى تبلغ خمسين ومائة، ثم فيها ثلاث حقائق، فإذا زادت استؤنفت الفرائض كما استؤنفت في أولها، هذا قول إبراهيم النخعي. وفي المسألة قول رابع: قال حماد بن أبي سليمان: في خمسة وعشرين ومائة حقتان وبنت مخاض. (1/41)
صفحة 42
قال أبو سعيد: معي أنه مما يشبه معاني الاتفاق من قول أصحابنا: ما حكي في الفصل الأول إلى بلوغ قوله عشرين ومائة، فإذا بلغت الإبل عشرين ومائة فمعي أن من قولهم إنه لا شيء في زيادتها إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة، فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها حقة وابنتان لبون، ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ خمسين ومائة، فإذا بلغت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقائق، ثم على هذا معنى قولهم: كلما ازداد عشرين أنزلت هذا التنزيل، في كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة. [بيان، 18/178]
في ذكر وفاة المرء بعد وجوب الزكاة عليه
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في موت بعد وجوب الزكاة عليه، فقالت طائفة: يخرج من ماله، كديون الآدميين، هذا قول عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وقتادة والزهري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور. قال أبو بكر: وبه نقول.
القول الثاني: وهو أن ذلك يخرج من ماله كسائر الوصايا، إذا كان أوصى بها، فليس على ورثته إخراج ذلك من ماله، هذا قول ابن سيرين وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وداود بن أبي هند وحميد الطويل وسفيان الثوري، وقال الليث بن سعد والأوزاعي: يؤخذ من ماله، ويبدأ على أهل الوصايا، وأن ذلك بمنزلة الدين، وقال مرة لا يجاوز الثلث، وقال أصحاب الرأي: إن كان أوصى بها وأمر أن تنفذ، جعلنا ذلك من الثلث، وإن كان أوصى بوصايا مختلفة تحاصوا، ولم يبدأوا بالزكاة على غيرها، وإن لم يأمر بها الميت فليس يلزمهم أن يفعلوه. (1/42)
صفحة 43
/188/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا: أنه إذا صح أن هذا المال بعينه زكاة، لم يؤدوا منه، وقد وجبت، وصح ذلك بإقرار من رب المال أو بينة، فيخرج في معاني قولهم عندي على قول من يقول: إن الزكاة شريك ثابتة في المال مخروجة على وجهها، وما بقي فهو على الورثة أوصى بذلك أو لم يوص، وعلى قول من يقول: إنها مضمونة في الذمة عليه، فإن أوصى بإنفاذها، ففي ذلك معنا اختلاف، فقال من قال: تثبت من رأس المال، وقال من قال: من الثلث، وإن لم يوص بها، وكذلك إذا صحت عليه، فالذي يقول إنها من رأس المال فهي عليه أوصى بها أو لم يوصي بها، لأنه دين متعلق عليه، وعلى قول من يقول إنها من الثلث، فلعله حتى يوصي بإنفاذ ذلك، وقد يوجد في بعض قولهم: إنها مقدمة قبل سائر الوصايا إلا ما هو مثلها من اللوازم، إذا أوصى بالوصايا ونقصت من الثلث ابتدأ باللوازم منها، وقال من قال: كل الوصايا في الثلث، إذا ثبتت من الثلث كلها. [بيان، 18/188]
في ذكر الزكاة إذا أمكن إخراج الزكاة فلم يفعل حتى هلك المال
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في المال يحول عليه الحول، ويمكن المرء دفعها إلى المساكين، فلم يفعل حتى ضاع المال؟ فقال مالك بن أنس والسحن بن صالح والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور: يضمن الزكاة، وهي دين عليه، وفرق مالك بين زكاة المواشي وبين سائر الأموال، فقال: في الماشية لا تجب فيها الزكاة، وإن حال عليها الحول حتى يجيء المصدق، فإن تلفت قبل مجيئه فلا شيء عليه. (1/43)
صفحة 44
قال أبو سعيد: معي أنه يشبه في قول أصحابنا معاني ما قال: وقد مضى القول فيه قبل هذا الفصل بما أرجو أن يستدل به عليه، وإذا كان المال زكاته مدفوعة إلى الفقراء من رب المال، وقدر على أداء الزكاة بحضور أهلها والقدرة على أدائها، ثبت معنى الاختلاف في ذلك عندي، ولم يختلف معنى شيء من الزكاة من ماشية، ولا ورق ولا ذهب ولا حبوب، إلا معنى ما يكون صنفا من غير جنس الماشية، فقد يتعلق معنى ضمان ذلك على حال إذا كان من العين، وقد يشبه /202/معنا اشتباهه لسائر المال إذ هو غير مجبور عندي أن يؤدي من غيرها، وأما إذا كانت الزكاة لا تجوز إلا إلى السلطان كان منتظرا لصاحبهم، إذ لا يجوز الدفع إلا إليه، فلا يبين لي في ذلك ضمان، لأنه ممنوع في الأصل دفع ذلك إلى غيره. [بيان، 18/202]
في ذكر الزكاة يخرجها المرء فتضيع منه
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: قال الحسن البصري وقتادة: إذا أخرجها فضاعت تجزي عنه، وقال الزهري والحكم وحماد وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأبو عبيد: هو ضامن لها حتى يضعها مواضعها، وقال مالك: إن أخرجها عند محلها فسرقت منه، أو سقطت أراها مجزية عنه، وإن أخرجها بعد ذلك بأيام ثم سقطت أو سرقت ضمنها، وقال الشافعي: إذا أخرج زكاة ماله بعد ما خلت، فإن كان فرط فيها كان لها ضامنا، وإن لم يفرط رجع إلى ما بقي من ماله، فإن كان فيما بقي زكاة، وإن لم يكن فيما بقي زكاة لم يزكه، وقال أبو ثور: عن كان فرط في أداء الزكاة كان عليه زكاة الجميع، وإن كان لم يفرط كان عليه زكاة ما بقي عليه من المال. وقال أصحاب الرأي: إذا حال الحول فهلك بعضه فليس عليه أن يزكي ما هلك، ولكن يزكي مائتا درهم، بعض أهل العلم في المال يهلك بعد حول الحول، ومذ يبقى مائتي درهم فيها خمسة دراهم، وإن هلك ولم يبق إلا عشرة دراهم أدى زكاتها، مثل الشريكين يتلف بعض المال يكونان شريكين فما بقي. قال أبو بكر: هذا صحيح. (1/44)
صفحة 45
/208/قال أبو سعيد: معي أنه يشبه معاني ما قال كله ما يخرج عندي في معاني قول أصحابنا: في الاختلاف منهم في أمر الزكاة، ويخرج في معاني قولهم: إن الزكاة إذا وجبت مضمونة في الذمة، وعليه إخراجها، فإن أخرجها أدى عن نفسه، إن لم يخرجها حتى تلفت أو تلف ماله ميزها أو لم يميزها، بعد أن يقدر على إخراجها فلا يخرجها، وهو ضامن لها بأي وجه كان تلفها، وبأي وجه كان إمساكه عنها وإخراجها، إلا من عذر لا يمكنه إخراجها فيه، فإنه إذا لم يمكنه إخراجها حتى تلفت أو تلف ماله، فلا أعلم في ذلك اختلافا بينهم، إنه لا شيء عليه فيما تلف، وأما ما بقي من ماله مما كان يجب فيه الزكاة وتلف ما تلف منه بقدر يجب له، فيخرج عندي في معاني قول أصحابنا إن ما بقي من المال، إذا كان مما تجب فيه الزكاة، ففيه الزكاة على حال، وإن كان لا تجب فيه الزكاة، ففي بعض القول مما يخرج من قولهم: إنه لا زكاة فيه، وفي بعض القول إن فيما بقي الزكاة، إذا كان مما تجب فيه الزكاة عندهم، وهذا القول يقتضي معنيين: أحدهما عندهم الذي يقول لا تكون الزكاة في المكسر، فلا يكون فيما بقي، إلا في أربعين درهما فصاعدا، وفي عشرة أصواع من الثمار، وقول: إن الزكاة في جميع المال بمنزلة الشريك، فإذا لم يحدث في المال حدثا من بعد وجوب الزكاة، معنا لا يكون للشريك دون شركيه حتى يتلف المال، على اعتقاده لأداء الزكاة فلا ضمان عليه في ذلك، وإن أحدث فيه حدثا أو ضيعه بمعنى ما لا يجوز فيه تضيع الأمانة، أو فرط فيه فتلف فهو ضامن، فعلى هذين الفصلين يخرج عندي معاني القول في الزكاة، فإذا خرج معناها أمانة فميزها، ولم يضيع حتى تلفت مميزة، أو صارت إلى من يستحقها فلا ضمان عليه، لأنه هكذا القضاء في الأمانة، وعلى ما يكون مضمونة فلا يبرأ منها /209/لا بأدائها، ولو ميزها إلى أن لا يقدر على أدائها بوجه، ولا يحدث فيها حدثا، فقد مضى القول في ذلك. [بيان، 18/209].
بيان الشرع ــــــ 19 ــــــــ (1/45)
صفحة 46
في ذكر تعجيل الزكاة
من كتاب الأشراف
قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن الزكاة تجب في المال بعد دخول الحول، وأن من أدى ذلك بعد وجوبه عليه أن ذلك يجزئ عنه. واختلفوا فيمن أخرج ذلك قبل وجوبه، وقبل الحول، فرخص سعيد بن جبير والزهري وإبراهيم النخعي والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي.
قال سفيان الثوري: أحب إلي ألا يعجلها. وكره مالك والليث بن سعيد تعجيلها قبل وقتها.
وقال ابن سرين ولمَِ يعجلها؟
وقال الحسن البصري: من زكى قبل الوقت أعاد كالصلاة.
قال أبو بكر: لا تجزئه إن عجل.
/6/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى الاختلاف في تعجيل أداء الزكاة قبل وجوبها فقال من قال: لا يجوز ذلك وإن فعل لم يجزه بحال. وقال من قال: يجزيه ذلك إذا فعل ذلك قبل حلوله بالشهر والشهرين، ورأى وقت حاجته. وقال من قال: يجزيه إذا كان في يده من المال ما تجب فيه الزكاة، وأدى عنه في سنته تلك، وإن أدى قبل دخول السنة لم يجز عنه على حال، ولا أعلم في هذا الفصل اختلافا بينهم. وقال من قال منهم: إن كان أداؤه ذلك إلى الإمام أجزأه ذلك قبل الحول، وإن كان إلى الفقراء لم يجزه، لأن الإمام إذا حال عله الحول ووجبت الزكاة كان أولى بها دون غيره، ولأنه لا يستحيل أمره من فقر إلى غنى، ولأنه لو مات لم يكن مستحلا عن حال ما يجب له فيه من قبضها، وإنما قبضها على معنى ما يستحق قبضها لله، لا حال فقره ولا لنفسه. [بيان، 19/6]
الأوقات التي فيها الزكاة
من كتاب الأشراف
قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن المال إذا حال عليه الحول أن الزكاة فيه تجب، واختلفوا في الفوائد.
فقال كثير منهم: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول. روي هذا القول عن أبي بكر الصديق –رحمه الله- وعلي بن أبي طالب وابن عمر وعائشة وعطاء وعمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله وإبراهيم النخعي والشافعي وأبي ثور. (1/46)
صفحة 47
وفرق مالك بين الذهب والفضة وبين سائر الأموال فقال: فيما أفاد من الذهب والفضة لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول من يوم أفادها، ومن أفاد ماشية فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول إلا أن يكون له نصاب ماشية، والنصاب ما تجب فيه الصدقة، فإذا كان كذلك ثم أفاد ماشية مع ماشية صدقها حين صدقها، وإن لم يحل على الماشية التي أفادها الحول.
/42/وفرق أحمد بين الفائدة من صلة أو ميراث وبين ما ينمو من المال، فقال في الصلة والميراث: لا زكاة فيهما حتى يحول عليه الحول، وما كان من نماء من شيء وجبت فيه الزكاة فإنه يقوّمه ويزكيه، وبه قال إسحق بن راهويه وأبو ثور.
وقال ابن عباس والحسن البصري والزهري: من الفائدة من المال عليه الزكاة حتى يستفيده.
وقال النعمان: إذا كانت عنده مائتا دينار فأراد مالا ضم الفائدة إلى المال فزكاهما.
قال أبو بكر: لا زكاة في مال يستفيده المرء حتى يحول عليه الحول، إلا ما كان من زكاة الثمار والزرع ونتاج المواشي إذا كانت الأمهات مما تجب فيه الزكاة، ويكون نتاجا قبل الحول، فإن زكاة ذلك تجب على أرباب المواشي.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا ما يشبه معنى الاتفاق أنه إذا كان للمرء مال يزكيه من ذهب أو فضة أو ماشية وقد حال عليه الحول وهو تجب فيه الزكاة ففيه الزكاة إذا حال حوله، وفيما استفاد من مثله بأي الوجوه استفاد من ميراث أو شراء أو هبة أو وجه من الوجوه أو ربح منه بتجارة أو نتاج أو نماء في المواشي، وكل ذلك سواء معهم، وتجب عندهم في جميع الفائدة الزكاة إذا استفادها، وصارت ملكا له فيما تجب فيه الزكاة، أن لو كانت غير فائدة قبل الحول أو بعد الحول قبل أن يزكي كل ذلك سواء، ولا يبين لي ف شيء من هذا اختلاف. [بيان، 19/42] (1/47)
صفحة 48
ومن كتاب الأشراف ذكر الفقراء والمساكين قال أبو بكر: قال الله جل ذكره: إنما الصدقات للفقراء والمساكين. واختلفوا في معنى قوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين}. فقال مجاهد وعكرمة والزهري: المساكين الطوافين، والفقراء فقراء المسلمين. وقال قتادة: الفقير الذي به زمانة، المسكين الصحيح المحتاج. ورينا عن الضحاك أنه قال: الفقراء فقراء المهاجرين، والمساكين الذين لم يهاجروا.
وفيه قول رابع وهو –والله أعلم-: أن الفقير من لا مال له ولا حرفة يقع منه موقعا زمنا كان أو غير زمن، سائلا كان أو ضعيفا، والمسكين من لا مال له ولا حرفة يقع منه موضعا ولا يغنيه، سائلا كان أو غير سائل، هذا قول الشافعي.
وفيه قول خامس: وهو أن المسكين الذي يخشع ويستكين، والفقير الذي يتحمل ويقبل الشيء.
هذا قول عبد الله بن الحسن ومحمد بن مسلمة: الفقير الذي له مسكن يسكنه، والخادم إلى من هو أسفل من ذلك، والمسكين الذي لا مال له.
وفيه قول سابع، قاله بعض أهل اللغة قال: المسكين الذي لا شيء له، والفقير الذي له البلغة من العيش.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن المساكين كانوا قوما من أهل الكتاب أهل مسكنة، وكان الله قد جعل لهم سهما. /65/والفقراء فقراء أهل القبلة من كان منهم يلحقه اسم الفقر، فسهم المساكين منتقل في أحكام القسمة إلى فقراء المسلمين، ولا شيء لأهل الذمة في زكاة المسلمين. وهو مطروح كحنو ما قيل في المؤلفة.
وفي بعض قولهم: إن الفقراء هم المساكين، والمساكين هم الفقراء، وكلهم عندي يجري عليهم واحد كنحو قوله: {إطعام ستين مسكينا} و{إطعام عشرة مساكين}. فهم الفقراء والمساكين لا يختلف في معنى هذا.
وفي بعض قولهم: إن المساكين من غدى على المسكنة ولم يكن له غنى فافتقر عنه، والفقراء من كان له غنى فافتقر بعد غنائه، وكل هذا عندي يشبه بعضه بعضا إلا قولهم: إن المساكين من أهل الكتاب وإن سهمهم مطروح، ومعنى هذا غير معنى غيره. (1/48)
صفحة 49
وكل ما حكي من أقاويل من حكى عنه هو داخل عندي في معاني قول أصحابنا ولأنه يتقارب المعنى فيه بعضه بعضا.
وأحسب أنه يخرج في معنى قوله في الحرفة من لم يكن له مال وله حرفة في صنعته ومعالجته، وهو يجهد نفسه في العمل، والحرفة يقع منه موقعا كأنه لا يعمل ولا يجتهد. هكذا كان عندي في بعض معاني قولهم؛ لأن الصانع الذي يرزق من صناعته ويدر عليه كسبه، ولا يقع عليه الحرفة لشبه معاني الغنى بماله ونحو ذلك، يوجد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا تحل الصدقة لنبي ولا لآل نبي ولا لغني ولا لذي مرة سوي).
/66/فيخرج معنا (ذي مرة سوي) ذي صنعة قوي عليها بجسده، ويخرج منها ما يعنيه كما يغنيه ماله فيما يتعارف من أحواله وهو غني ولو لم يكن في يده مال إلا قوت يومه؛ وهو وصنعته بمنزلة الغني.
ومنه ذكر حد الفقر من حد الغنى، قال أبو بكر: كان سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يقولون: لا يعطى من الزكاة من له خمسون درهما أو قيمتها من الذهب.
قال أبو عبيد: لا يعطى من له أوقية (والأوقية أربعون درهما). وكان البصري يقول: ومن له أربعون درهما فهو غني. وكان الشافعي يقول: قد يكون للرجل مال ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفقته وكثرة عياله. وقال النعمان: لا بأس أن يأخذ من له أقل من مائتي درهم، ولا تحل الزكاة لمن له درهم فصاعدا.
قال أبو سعيد: معي أنه تخرج هذه المعاني كلها من هذه الأقاويل على معنى ما وصفت لك فيما تقدم من الكتاب، وأشبه هذه الأقاويل عند أصحابنا قول الشافعي: إنه إنما ينتظر لكل واحد بقدر ما يكون غنيا به فيثبت له اسم الغنى ولو لم يكن مثله به غنيا من مال أو احتيال، وفي حقه مؤونته وقلة عولته ومعاني ما يستظهر له به في مصلحته. /67/وليس كل الناس بسواء في معاني الفقر والغنى، وأرجو أن في ذلك كفاية عن إعادته. [بيان، 19/67]
في المؤلفة وعطائهم (1/49)
صفحة 50
وجدت في بعض الكتب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى أبا سفيان مائة، ومعاوية مائة، والحكيم بن حزام مائة، والأقرع بن حابس مائة، والعلاء بن حارثة مائة، وزهرة مائة، وسهيل بن عمرو مائة، والحرث بن هشام مائة، وصفوان بن أمية مائة، ومالك بن عوف مائة، ومخزمة بن نوفل خمسين، وعمرو بن وهب الجمحي مائة، وهشام بن عمر خمسين، وسعيد بن يربوع خمسين، والعباس بن مرداس خمسين، وحصن بن حذيفة بن بدر مائة.
مسألة: -من كتاب الأشراف- في المؤلفة قلوبهم، قال الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم} (الآية).
قال أبو بكر: واختلفوا في سهم المؤلفة قلوبهم. فكان الحسن البصري يقول: المؤلفة قلوبهم الذين يدخلون في الإسلام.
/72/وقال أبو ثور: لهم سهم يعطيهم الإمام قدر ما يرى.
وقالت طائفة: لا سهم للمؤلفة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
هذا قول أصحاب الرأي قالوا: إنما كان ذلك على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأما اليوم فلا.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أن المؤلفة كانوا أقواما من الأغنياء والرؤساء ممن لاحق له في الصدقة بالفقر، ولا من الغارمين، ولا من العاملين عليها، إلا أنهم كانوا يخافون على الإسلام إذا لم يعطوا أن يظهر منهم الفساد، فجعل الله لهم سهما يتألف قلوبهم من الإسلام في كسر شوكتهم عن الإسلام واستمداد معونتهم له.
وقال من قال: إن سهم هؤلاء مطروح وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقال من قال: إن نزل أحد بمنزلتهم كان للإمام وللمسلمين في ذلك على الاجتهاد ما للنبي - صلى الله عليه وسلم - . (1/50)
صفحة 51
ويعجبني هذا لقول على هذا المعنى، وإذا ثبت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ونصره الله له بملائكته، وإظهاره على عدوه فأشبه ذلك أن يكون لمن ينزل /73/بتلك المنزلة غيره في معنى الدين ونصره وإحياء أهله، وأن لا يرجى أن يقوم أحد مقامه، ولا يؤتى ما أوتي من النصر. [بيان، 19/73]
ذكر أسهم الرقاب والغارمين والعاملين عليها
(من كتاب الأشراف)
قال الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين} (الآية).
قال أبو بكر: واختلفوا في سهم الرقاب. فقالت طائفة: يعتق منها الرقبة. هذا قول الحسن البصري ومالك بن أنس وعبد الله بن عمر وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور.
وقالت طائفة: لا يعتق منها رقبة كاملة، إنما يجعل ذلك للمكاتبين، هذا قول الشافعي.
وقال مالك: لا يعجبني أن يعان منها المكاتبون.
وقول الليث بن سعد كقول الشافعي. /76/وروينا عن إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير أنهما قالا: لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة. فقال النخعي: ولكن يعطى منه في رقبة ويعتق منه مكاتبا.
وفيه قول ثالث قاله الزهري: وهو أن سهم الرقاب نصفان: نصف لكل مكاتب ممن يدعي الإسلام. والنصف الثاني يشترى به رقاب ممن صلى وصام وقدم إسلامه من ذكر أو أنثى يعتقون.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن سهم الرقاب إنما هو خاص في معنى العتق، وتستريح الرقاب عن الرق.
ويخرج في معاني قولهم أن المكاتب حر من حينه وإن له في الصدقة سهما لما لزمه من المكاتبة دون سهم الفقراء، كما أن للغريم سهما لسائر الديون غير سهم الفقراء، وإنما هذا أبانه الله تبارك وتعالى في مواضع ما يجعل فيه الزكاة، إلا أنه فرض هذه السهام كلها، ولكان أن يحاصص في الزكاة، ولو كان ذلك كذلك كان ذلك يورث بمنزلة سهام المواريث، ولكان لا يجوز لأحد أن يفضل أحدا من أهل السهام على أحد سبق الفضل بمعنى واحد بغير تفضيل. (1/51)
صفحة 52
وإذا ثبت أنه يجوز أن يجعل منها في هذا الوجه لرقبة قد عتقت لم يبعد أن يشتري منها الرقاب. ويعتق إذا كان ذلك مواضع لها لثبوت المكاتبة /77/ولحق المكاتب فيها، ولأنه لا يختلف أن مكاتبة المكاتب ثابتة بينه وبين سيده. وكذلك أن كاتبه له غيره بلفظ غيره كان ذلك خارجا في أحكام المكاتبة. كذلك إذا كاتبه اشترى بالقصد منها لعتقه يخرج معنى ذلك بما يشبه معنى سهم الرقاب، وقد يوجد ذلك في قول أصحابنا إن للرجل أن يشتري العبد بزكاته ويعتقه أو من زكاته.
ويعجبني ذلك أن يكون ذلك بأمر العبد أن يشتريه لنفسه من سيده حتى يعتق ويلزمه الضمان ويعطي من الزكاة فيما لزمه.
وإن اشتراه المشتري بالزكاة وأعتقه جاز ذلك عندي. وكذلك إن اشتراه على هذا بالقصد إلى العتق واعتقاد أنه يؤدي الزكاة فيه، كان ذلك عندي مما يشبه فيه معنى الاختلاف، إذ قد لزمه ضمان ذلك في ذمته وإنما كان اعتقاد نيته أن يؤدي فه الزكاة. ولو اشتراه على غير اعتقاد كان ذلك حقا لزمه هو في ماله. ولا يجوز أن يؤدي ما لزمه هو من الزكاة عليه، ولا يبين لي في هذا الفصل اختلاف. [بيان، 19/77]
ذكر إعطاء الزكاة في الحج
(من كتاب الأشراف)
قال أبو بكر: واختلفوا في إعطاء الزكاة في الحج، فروينا عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا أن يعطى الرجل من زكاته في الحج.
وعن ابن عمر أنه قال: من سبيل الله. وقال أحمد بن حنبل: يعطى من ذلك في الحج. وكان سفيان الثوري والشافعي وأبو ثور يقولون: لا يعطى منها في حج ولا عمرة. وحكى أبو ثور ذلك عن الكوفي.
قال أبو بكر: هكذا أقول. (1/52)
صفحة 53
/94/ قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق بأن الزكاة لا تعطى في الحج وليس الحج في معنى قوله من مواضع سهامها التي دل الله عليها، إلا أنه يخرج في بعض معاني قولهم إنه إن لزمه الحج ثم افتقر وكان الحج قد وجب عليه دينا أن يعان من الزكاة فيما قد لزمه من وجوب الحج. وكان هذا كأنه غارم في ماله الذي لا يلزمه فيه في الأصل تبعه بالحج، وإنما لزمه إذا صار إليه غرما وكان يأخذ من الزكاة بمعنى الغارمين.
وقال من قال: لا يجوز ذلك وكذلك لو لزمه زكاة فلم يؤدها حتى صارت عليه دينا أشبه معنى الاختلاف من طريق ثبوت سهم الغارمين لا من طريق أن الزكاة يعطى في الزكاة ولا في الحج، ولكن في الغرامة التي قد لزمته، ووجب أن يباع فيها المرء الذي كان يجوز للغارم أن لا يبيعه، ويأخذ من الزكاة في مؤونته وقضاء دينه إذا لم يكن غنيا فيه ... وفي غلته.
/95/في سهم ابن السبيل
قال الله تبارك وتعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل}.
قال أبو بكر: قال قتادة: ابن السبيل هو الضيف والمسافر إذا قطع به وليس معه شيء.
وقال مالك: الحاج المنقطع به هو ابن السبيل يعطى من الزكاة. (1/53)
صفحة 54
قال أصحاب الرأي: قال أبو سعيد: ابن السبيل هو المسافر وإن للمسافر في الزكاة سهما لمعنى سفره كان غنيا أو فقيرا في وطنه، إذا نزل في سفره بمنزلة الحاجة إلى أخذ شيء من الزكاة لمعنى حاجته ف سفره إلى أن يأمن على نفسه من الضرورة والحاجة، وليس عندي في ذلك فرق فيما كان المسافر، إلا أن يكون في معصية الله، فإنه لا يعجبني أن يعان أهل معصية الله على معصيتهم من مال الله إذا كان قصدهم وسفرهم لذلك. /96/ولا يعجبني أن يلزم المسافر أن يدان في حاجته التي قد لزمته ولو كان غنيا في وطنه، لأنه لا يدري ما الحوادث والعوارض في معاني لزوم الدين. ويعجبني أن يكون له، وإذا وجد أن يأخذ من الزكاة لحاجته في سفره إلى أن يرجع إلى حد غناه، ولو وجد الدين إذا ثبت معنى حق ابن السبيل فهذا لغير معنى الفقير. وذلك هو الثابت إذ قال للفقراء والمساكين وابن السبيل وكان معنى ابن السبيل غير الفقير. [بيان، 19/96].
ذكر القدر الذي يعطى الفقراء من الصدقة
(من كاتب الأشراف)
قال أبو بكر: سفيان الثوري يقول: لا تدفع إلى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما.
وقال أحمد بن حنبل: لا يأخذ منها أكثر من خمسين درهما.
وقال أصحاب الرأي: أعطى مائتي درهم إذا لم يكن عليه أو ألفا وهو يحتاج أجزأه ذلك، ويكرهون أن يبلغ له مائتي درهم إذا لم يكن عليه دين وله عيال.
وقال أبو ثور: يعطى من الصدقة حتى يغنى ويزول اسم الضعف والمسكنة، ولا بأس أن يعطى الفقير الألف وأكثر من ذلك، وذلك أنه فقير. وحكي ذلك عن الشافعي. (1/54)
صفحة 55
/98/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني هذا الأقاويل على حسب حكم الخاص والعام ما قد رأى كل واحد من أهلها أن ذلك هو حد الاستظهار لصاحبها. وأثبت ذلك عندي وأشبه بمعاني قول أصحابنا من قال: يعطى الفقير حتى يغنى لأنه فقير حتى يستغني، وما دام فقيرا فلا معنى يمنعه لمعنى فقره حتى يصير إلى حد الغنى الذي ينتقل عن حد الفقر، وليس بين الفقير والغني منزلة ثالثة، إلا أن الفقراء يختلفون في فقرهم وكلهم فقراء، والأغنياء يختلفون في غناهم وكلهم أغنياء.
/99/ذكر إعطاء من له دار وخادم
(من الكتاب)
قال أبو بكر: أجمع كل من نحفظ عنهم من أهل العلم على أن من له دار وخادم لا يستغني عنهما أن يأخذ من الزكاة، وللمعطي أن يعطي، هذا قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وأصحاب الرأي وأبي ثور. وكان مالك يقول: إذا كانت فليس في ثمنها فضل إن بيعت.
قال المضيف: لعله إن كانت داره ليس في ثمنها فضل إن بيعت واشترى من ثمنها دارا وفضلت فضلة لا يعيش فيها رأيت أن يعطى، وإن كانت داره في ثمنها ما يشتري مسكنا ويفضل له فضل يعيش فيها لم يعط شيئا، والخادم مثل ذلك.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه ليس عليه أن يبيع الأصول من ماله، وإذا لم يكن في الأصول من ماله غلة أو ثمرة /100/بعينها كان فقيرا، وكان له أن يأخذ من الزكاة لأنه إذا كان فقيرا وفي يده المال فإذا باعه كيف يستغني.
وكذلك العبد المغل، وكذلك الحيوان المغلة في مثل المال إذا كان ذلك من ماله كان بمنزلة الأصول. [بيان، 19/100]
ذكر الفقير يعطى على ظاهر الفقر شيئا ويتبين غناه
(من كتاب الأشراف)
قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل يعطي الفقير من الزكاة على ظاهر فقره، ثم يعلم غناه، وكان الحسن البصري وأبو عبيد والنعمان يقولون: يجزيه.
وقال سفيان الثوري والحسن بن صالح ويعقوب: لا يجزيه. (1/55)
صفحة 56
وقال الشافعي فيها قولان: أحدهما أنه يضمن، والآخر أنه لا يضمن.
قال أبو بكر: أصح ذلك أن يضمن.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا صح ذلك أنه غني لا يجوز له قبضها بحال أنه يضمن ما سلم إليه إذا صح ذلك لأنها قد صارت في غير موضعها.
/102/وقد يشبه معاني الاختلاف أنه إذا سلمها على الحكم الظاهر أن لا يستحيل إلى معنى الضمان لثبوت ذلك الحكم. [بيان، 19/102]
مسألة: في الغارمين من كتاب الأشراف:
قال الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين}.
قال أبو بكر: كان مجاهد يقول: إذا ذهب مال الرجل السبيل وأدان على عياله، واحترق ماله هو من الغارمين.
وقال قتادة: إذا أغرقه الدَّين في غير إملاق ولا تبذير ولا فساد.
قال الشافعي: الغارمون صنفان: صنف دانوا في مصلحتهم، أو بمعروف وعن معصيته، ثم عجزوا عن ذلك في الفرض والنفقة، فيعطون في غرمهم. /104/وصنف أدانوا في حملات ذات بين معروف ولهم عروض أن يعتاض بهم فيعطي هؤلاء ويوفون عروضهم، وذلك كان دينهم في غير فسق ولا تبذير ولا معصية.
واختلفوا في الرجل يموت وعليه دَيْن يعطى في دينه من الزكاة؟ فقال إبراهيم النخعي وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي: لا يعطى في دين ميت ولا في كفنه.
وقال أبو ثور: ويقضى عن الميت دينه من الزكاة، لأن الله –تبارك وتعالى- جعل للغارمين فيها سهما.
وقال سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد: لا تدفع إلى غني ولا في بناء مسجد ولا شراء مصحف.
وقال مالك بن أنس وأصحاب الرأي: لا يعطى منها في كفن ميت، ولا يجوز أن يعطى في قول الشافعي من الزكاة مما ذكرنا.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن معنى صفة الغارمين أنه كل من لحقه غرم، وثبت عليه حق إلا في القتل من طريق الديّات، وما كان من الفساد وسائر ذلك غرم إذا لم يكن ذلك عن فساد في الأرض، أو شيء لا يسعه جنايته. (1/56)
صفحة 57
وقد يخرج في بعض قولهم إنه يجوز أن يعطى فيما لزمه من قبل الخطأ، أظنهم يذهبون بذلك إذ هو غير مفسد ولا آثم في ذلك. /105/وكذلك أحسبه أنه يجوز أن يعطى في العاقلة لما يلزمهم في دية الخطأ كلها على هذا القول، كان غارما في معنى الغارمين. وإذا ثبت حكم الغارمين وأن لهم سهما في الزكاة فقد قال من قال: إنه ما كان للغارم مال يؤدي منه ما لزمه فلا يوفر له ماله حتى لا يبقى له مال، وكذلك إن كان لع عروض في معنى هذا القول، والعروض آكد إذا كان فضلا عن ما ينتفع به وبعينه في رقبته.
وفي بعض القول إنه له حق في الزكاة بمعنى الغرامة ولو كان غنيا فيجوز له الزكاة، أنه لا معنى لقول الله –تبارك وتعالى-: و(للغارمين) بعد أن قال (للفقراء)، ولو كان لا يجوز له في غرامته إلا ما يجوز له في حال فقره، لم يكن محتاجا إلى حكم الغارمين، ولكنه لحق غرامته حقا غير حق فقره.
ومن ذلك إنه قيل: لا تجب الصدقة إلا لمسافر احتاج في سفره أو لمن قد لزمه غرم احتاج أن يأخذ منها لغرمه، فقد ثبت أن للغني فيها لهذين المعنيين حقا لهما وفي معناهما.
ويعجبني إذا كان له من المال ما لو باع من ماله قضى دينه منه لغرامته، وبقي في يده من المال ما يكفيه غلته لقوته، وعول من يلزمه عوله في سنته، ألا يكون له حق في الزكاة بمعنى الغرامة، لأن هذا غنى بعد قضاء دينه من ماله كذلك مثله في تجارته وصناعته.
وغن قال قائل: إن لهم سهما في الغارمين على حال لثبوته مفردا عن حال فقره، لم يكن ذلك عندي ببعيد. [بيان، 19/105]
ذكر منع الذمي صدقات المسلمين
(من كتاب الأشراف)
قال أبو بكر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الذميّ لا يعطى من زكاة الأموال شيئا. وممن أحفظ عنه ذلك ابن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة ومالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وأبو ثور والنعمان. (1/57)
صفحة 58
قال أبو سعيد: معي أنه لا يخرج في معاني قول أصحابنا معنى الاتفاق على معنى تسليم الصدقة إلى فقراء أهل الذمة، بل يخرج في معنى قولهم الاختلاف في ذلك. ومن قال بذلك يحتج بقول الله تبارك وتعالى: {ليس عليك هداهم} بمعنى الصدقة على ثبوت معنى الصدقة. وقوله: {مسكينا ويتيما وأسيرا} وكان الأسارى يومئذ لا يكونون إلا مشركين لا نعلم غير ذلك.
ولا يكون ثبوت الإطعام إلا في معنى الفضل أو اللازم، فإن كان فضلا فقد ساوى بين اليتيم والمسكين والأسير، وإن كان فرضا /108/فكذلك، إلا أنه يستحب للمسلم إذا كان يلي الزكاة نفسه أن يجعلها من أهل الفضل من المسلمين، من أهل ولايته وموافقته من أهل نحلته، ولو لم تكن لهم ولاية. ثم في أهل دعوته، ولو كانوا ممن ينتهكون ما يدينون بتحريمه. ثم في أهل قبلته ولو كانوا يدينون بمخالفته. ثم في أهل دينه ولو كانوا يجحدون مثله. ثم في فقراء أهل حربه إذا عدم هذا كله لأنه لا يأتي على المرء حال يمنع فيها دفع زكاته، فيستحيل الحكم إلى أن يتعبد بما لا يطيق ولا يلزمه. وأما إذا كان الإمام فعليه دفعها إلى الإمام، وقد مضى القول في مثل هذا.
ومن الكتاب: ذكر منع الصدقة ومن له قوة لكسبها.
قال أبو بكر: كان الشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد يقولون: لا يعطى من الزكاة من له قوة يقدر بها على الاكتساب.
وفي قول أصحاب الرأي من لم يملك مائتي درهم فله أن يأخذ من الزكاة، وللمعطي أن يعطيه قوتا مكتسبا أو غير قوي ولا مكتسب.
وقال يعقوب: قبيح، وأرجو أن يجزي.
قال أبو بكر: كما قال الشافعي أقول. (1/58)
صفحة 59
/109/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن الزكاة تجوز للفقراء، وإنه من لم يكن غنيا لحقه اسم الفقر ودخل في جملة الفقراء، وإن من استغنى بأي وجه استغناؤه، بمال أو احتيال كان غنيا، وأن من افتقر ولزمه معنى الفقر والحاجة من أي وجه كان سبيله كان ذا مال أو احتيال أنه فقير، وفي عامة ما يخرج من قول أصحابنا أنه من لم يكن معه ما يجزيه ويجزي عولته لكسوتهم ونفقتهم ومؤونتهم التي لا غنى لهم عنها في سنته، أو من ثمرته إلى ثمرته، أو فيما يدور عليه من صنعته أو تجارته، أو جميع احتياله لنفسه فهو فقير، وله أن يأخذ من الزكاة، ولمن أراد أن يعطيه ما لم يصبر بعطيته وأخذه إلى حال الانتقال من الفقر إلى حال الغنى.
وقد يخرج في بعض قولهم إنه لو كان في يده شيء يفضل عنه في سنته عن مؤونته ومؤونة من تلزمه مؤنته، كان له أن يأخذ من الزكاة ما لم يكن الفضل الذي في يده خمسين درهما، كأنهم يعنون أن يستظهر بها على معنى الأحداث في معيشته وفيما في يده.
وقال من قال: حتى يكون فاضلا معه مائتا درهم ولا يبين لي في هذا المعنى إلا أنهم أرادوا الاستظهار له في معنى الفضلة التي جعلوها له.
وإذا ثبت معنى الاستظهار لم يكن لذلك عندي عليه دون أن يستظهر بمثل ما يكفيه لسنته، إن حدث بما في يده حدث كان مستظهرا بما يجزئه في سنته عند انقطاع حال ما يرجو من عطيته، لأنه إذا ذهب ذلك ثم حدث عليه الحدث كان في النظر مفتقرا إلى ما يستظهر به مما أخذوه له.
/110/ويعجبني أن يخرج ذلك في الخمسين والمائتين، ومثل هذا أن يكون كل واحد قال في ذلك بما يرى أنه مستظهر به فحسن عندي معنى الاستظهار بمثل ما يجزي في السنة، وينظر في ذلك والله أعلم. [بيان، 19/ 110]
ذكر دفع الزكاة إلى الوالدين والقرابات
(من كتاب الأشراف) (1/59)
صفحة 60
قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين والولد في الحال الذي يجيز الدفع ذلك إليهم على النفقة، واختلفوا في دفع الزكاة إلى سائر القرابات. فكان سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وشريك وأبو عبيد يقولون: من يجبر المرء على نفقته فلا يعطى منها شيئا.
وكان ابن عباس يقول: إذا كانت له قرابة محتاجون فليدفعها إليهم، وبه قال عطاء بن أبي رباح.
وقال الحسن البصري وطاووس: لا يعطى ذو القرابة بقرابته من الزكاة شيئا.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول الاتفاق من قول أصحابنا أن الزكاة لا تجوز له أن يعطيها يدفع بها عن ماله حقا قد لزمه، /162/لا يتحول عنه إلا لسبب ذلك الدفع، وما خرج على غير هذا المعنى أن يكون دفعها تقية لماله في معنى الحكم، أو فضل لم يمنع ذلك إذا كان المدفوعة إليه من أهل السهام بوجه من الوجوه، وكل حال من هذا من جميع الأحوال فهو ممنوع دفعه عليه، وكل من خالفه فلم يقصد بها إلى الوقاية لماله، لم يكن ممنوعا لذلك في معنى قولهم عندي.
وممن لا أعلم أنه يستحيل عنه نفقته بحال في معاني الأحكام زوجته وأولاده الصغار، إذا لم يكن لهم مال ومن سوى هؤلاء يجري في معاني ثبوت أحكامهم الاختلاف (1/60)
صفحة 61
ففي بعض القول: إنه لا يجوز له أن يعطي من يلزمه عوله في معنى الحكم، حكم عليه بذلك أو لم يحكم، طولب بذلك أو لم يطالب، لأنه في الأصل تقع العطية موقع الوقاية لماله والدفع عنه. وقال من قال: ما لم يحكم عليه بنفقته حكما يلزمه كان له أن يعطيه من زكاته. وقال من قال: ولو حكم عليه ببعض نفقته في بعض أحواله وثبت عليه الحكم بذلك كان أن يعطيه لمعنى الأيام التي لا يلزمه ذلك له في الحكم. وقال من قال: ليس له ذلك، وسواء كان للوالدين أو غيرهما في معنى هذا القول. وقال من قال: في الوالدين خاصة لا يعطيهما من الزكاة. /163/وقال من قال: في الوالد لا يعطيه من زكاته على حال كيف ما كان من الأحوال، ولعل صاحب هذا القول يقول إن ما له لوالده، ولا يأخذ زكاة نفسه. وأما الوالدة فإذا كانت بحد من لا يلزمه عولها جاز له أن يعطيها، وحد من يلزمه عولها إذا كانت فقيرة، وكانت بحد من لا يراد للتزويج من الكبر أو بها علة أو زمانة تمنعها طلب المعاش.
مسألة: واختلفوا فيمن يجبر المرء على نفقته. فكان مالك بن أنس وسفيان الثوري وأبو ثور وأبو عبيد يقولون: يجبر الرجل على أن ينفق على والديه إذا كانا محتاجين.
وقال الشافعي: يجبر الرجل على نفقة والديه إذا كانا زمنين، ولا مال لهما.
واختلفوا في الحد. فكان مالك لا يرى أن يجبر الرجل على نفقة جده.
وكان الشافعي وأبو ثور يقولان: لا يجبر الرجل على النفقة على جده، غير الشافعي إنما يوجب ذلك على من كان منهم لا مال له.
وكان مالك بن أنس يقول: الذي يلزمه نفقتهم الولد ولد الصلب، دينا يلزمه في الذكور حتى يحتلموا، وفي النساء حتى يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن، فإن طلقها أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها، فإن طلقها قبل البناء كان على أبيها نفقتها. (1/61)
صفحة 62
/164/وكان الشافعي يقول: يجبر الرجل على أن ينفق على ولده حتى يبلغوا المحيض والحلم ثم لا نفقة لهم إلا أن يكونوا زمناء، سواء في ذلك الذكر والأنثى، وسواء والده وولد ولده وإن سفلوا، ما لم يكن لهم أب دونه يقدر على أن ينفق عليهم.
وقال أحمد وإسحاق بن راهويه: لا يعطى من الزكاة الولد وإن سفل، ولا يعطى الجد وإن ارتفع.
وقال سفيان الثوري: يجبر الرجل على ذوي أرحامه الذين يرثهم على قدر ميراثه. ومن لم يرثه لم يجبر على نفقته.
وقال النعمان: يعطي زكاته كل فقير إلا امرأته أو ولده أو والده أو زوجته.
قال أبو سعيد: أما معاني دفع الزكاة فقد مضى من ذكر ذلك ما أرجو أن فيه كفاية إن شاء الله، وعلى حال ممن مستثنى أنه لا سهم له في الزكاة، ولا تجوز عطية العبيد ولو كان مواليهم فقراء، ولا أعلم في ذلك اختلافا. وأما ثبوت النفقة بمعنى النفقة على المرء فلا أعلمه متفقا عليه بل يختلف فيه إلا لزوجة كانت غنية أو فقيرة وأولاده الصغار إذا لم يكن لهم مال. وأما إذا كان لهم مال فقد اختلف في نفقتهم عليه ومماليكه كانوا صغارا أو كبارا، فعليه نفقتهم ومؤونتهم. ولا أعلم في هؤلاء اختلافا. وأما ما سواهم فلا أعلم عليه إلا بمعنى الميراث، لقول الله –تبارك وتعالى-: { أو على الوارث مثل ذلك } .
/165/فقيل في بعض التأويل: إن على كل وارث نفقة من يرثه إذا لم يكن له مال ولا مكسبة يستغني بها لسبب زمانة أو عاهة قد عرضت له في ذلك.
وقال من قال: على الوارث النفقة، وإنما ذلك في الرضاع إنما على الوارث رضاعة من يرثه، إذا لم يكن له مال إذ كان ذلك في نسق الرضاعة.
وقال من قال: في الوالدين خاصة إذا لم يكن لهما مال لم يخرجا إلى الاحتيال، وكان على الولد نفقتهما. وكذلك قد قال من قال: في أولاده من الإناث إذا بلغن أن عليه نفقتهن إلى أن يتزوجن، وثبتت نفقتهن على أزواجهن. (1/62)
صفحة 63
وقال من قال: لا نفقة لهم إذا بلغن، فإذا تزوجن ثم طلقن أو مات عنهن أزواجهن، فمعي أنه يختلف في ثبوت نفقتهن عليه، وهذا بغير الزمانة ولا العاهة.
ومنه ذكر إعطاء المرأة زوجها من الزكاة
قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة لأن نفقتها تجب عليه وهي غنية بغناه.
واختلفوا في المرأة تعطي زوجها من الزكاة. فكان أبو ثور وأبو عبيد يقولان: جائز أن تعطيه من الزكاة.
وقال النعمان: لا تعطيه من الزكاة لأنه يجبر على نفقتها.
/166/وقد حكى الأثر عن أحمد بن حنبل أنه قال: لا تعطيه، وحكى عنه آخر أنه قال: تعطيه.
وقال أبو بكر: جائز أن تعطيه لأنه فقير وهو من جملة الفقراء.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما ذكر في الزوجة أنها كذلك، ولا يعطيها زوجها من زكاته، ويخرج ذلك عندي في معنى الحكم، وأما عطية الزوجة لزوجها فلا أعلمه مما يختلف فيه من قول أصحابنا، ولا معنى يجبره على نفقتها أن لا تعطيه من زكاتها، لأن ذلك ليس بقية مالها في معنى الحكم، إلا أن تقصد إلى ذلك فلا أحب لها ذلك أن تقصد إلى إعطاء زكاتها لواجب الحق الذي لها عليه لتصل إليه، فإن فعلت ذلك لم آمن أن يلزمها معنى الاختلاف، ولا يبين لي في ذلك في الحكم لأنه غير مجبور أن يعطيها الذي يلزمه لها من ذلك بعينه، وله أن يصرفه فيما شاء وبما شاء [بيان، 19/166]
مسألة: ذكر من في يده مال تجب في مثله الزكاة، وعليه من الدين مثله. –من كتاب (الأشراف)-.
/170/قال أبو بكر: واختلفوا فيمن بيده مال وعليه قدر ما تجب في مثله الزكاة، وعليه من الدين مثله. كان سليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور يقولون: لا زكاة عليه.
وقال حماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى وربيعة: يزكي كل ما في يده. (1/63)
صفحة 64
واختلف الشافعي فيه، فقال مرة كقول الثوري، وقال مرة كقول ابن أبي ليلى.
وفرقت طائفة بين من المواشي في ذلك والذهب والفضة فأوجب الزكاة في الماشية التي على صاحبها دين، وأسقطت الزكاة من الذهب والفضة والمتاع إذا كان على صاحبها دين يحيط بماله. هذا مذهب مالك والأوزاعي. فأما أصحاب الرأي، فإنهم يوجبون الصدقة فيما أخرجت الأرض وإن كان على صاحبها دين يحيط بمال، ويسقطون الصدقة عن سائر الأموال من الذهب والفضة والمواشي، إذا كان على مالكه دين يحيط بماله.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا من الاختلاف نحو ما حكي أو ما يشبهه، فمعي أن في بعض قولهم إنه إذا /171/كان الدين عليه قد حل قبل حلول الزكاة، وكان من جنس ما في يده من المال أنه لا زكاة فيه، وإنه مستهلك في الدين.
وقال من قال: إن كان كذلك وأراد قضاءه في سنته تلك ما بينه وبين الحول، لم يكن عليه زكاة، وإن لم يرد قضاءه في سنته كان عليه الزكاة.
وفي بعض القول: إن الزكاة عليه على حال، والدين عليه، ويشبه هذا عندي معنى قول من قال: الزكاة شريك لرب المال؛ لأنه إذ ثبتت إنها شريك لم يستهلك مال شريكه ما عليه هو من حق، ولا يشبه عندي في معاني قولهم اختلافا أنه إذا لم يكن الدين قد حل حتى حلت عليه الزكاة، فإذا لم يكن قد حل الذي عليه حتى حلت الزكاة، فالزكاة عليه لتلك السنة على حال بمعنى هذا القول.
ومعي أنه في قولهم إنه إنما هذا في الدراهم والدنانير خاصة، وأما الذهب والفضة وغير ذلك مما يكون عروضا لا من النقود ففيه الزكاة ولا تحط عنه الزكاة بالدين. وقال من قال: إنه سواء. (1/64)
صفحة 65
ومعي أنه يخرج في معاني قولهم: إن التاجر إن زكى تجارته من العروض بالأجزاء لم يرفع عنه الدين، ولو كان قد حل عليه، وإن كان زكاها بالقيمة من الدراهم والدنانير رفع عنه دينه، وإذا ثبتت هذه المعاني فيما يشبه العروض لحق ذلك معاني المواشي الواجبة فيها الزكاة، ولم يتعر من الاختلاف، وكذلك في الثمار لا يبعد عندي من معاني الاختلاف، وإن كان أكثر قول أصحابنا في الدراهم والدنانير.
/172/وقد يوجد عن بعضهم ما يشبه معاني الاختلاف في غيرهما [بيان، 19/172]
في الدين يكون على المعسر
(من كتاب الأشراف)
قال أبو بكر: واختلفوا في الدين يكون على المعسر يحسبه من الزكاة. فقال الحسن: يحسبه من زكاته، وروينا ذلك عن عطاء بن أبي رباح.
وقال الليث بن سعد: يضع عنه زكاته يقبض ما عليه ويقسم ما سوى ذلك على أهل السهام.
وقال أحمد وأبو عبيد: لا يجوز ذلك.
وقال أبو عبيد: ولا أعلم أحدا قال غير ذلك من الأثر وأهل الرأي.
وقال أصحاب الرأي: لا يجزيه، وإن قضاه ثم تصدق به عليه أجزاه.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في أكثر القول من معاني قول /192/أصحابنا أنه لا يجوز لصاحب الزكاة أن يقاصص الفقير بالحق الذي له عليه من الزكاة، ولا يضعه له على وجه البراءة مما عليه.
وقال من قال: إنه لا يجوز له ذلك، وإذا ثبت معنى إجازة ذلك فإن شاء وضعه له كله، وإن شاء بعضه، وأما إذا أعطاه الحق الذي له عليه ثم أعطاه إياه من الزكاة أو أعطى هو الفقير من الزكاة التي عليه ثم قضاه الفقير ذلك من الحق الذي له فذلك جائز عندي في معاني قولهم، ولا يبين لي في ذلك اختلاف من طريق الحكم، وأما من طريق التنزه في قصد صاحب الزكاة إلى عطية الفقير من الزكاة ليعطيه ذلك، فلا يعجبني ذلك على قول من يقول لا يقاصصه ولا يدفع له، لأنه كان قصد بهذا إلى معنى المقاصصة والدفع إذ يعطيه ليعطيه ذلك فلا يعجبني [بيان، 19/192]
في نقل الصدقة من بلد إلى بلد من كتاب (الأشراف) (1/65)
صفحة 66
قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في نقل الصدقة من بلد إلى بلد. فاستحب أكثر أهل العلم أن لا يفعل لك، هذا مذهب طاوس وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير، وبه قال مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي، فإن أخرجها وفرقها في غير بلده فهو جائز في قول الليث بن سعد والشافعي وأصحاب الرأي.
وروينا عن الحسن البصري والنخعي أنهما كرها نقل الزكاة من بلد إلى بلد، إلا لذي قرابة، وكان أبو العالية يبعث بزكاة ماله إلى المدينة.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق لأنهم يستحبون أن لا تحمل الزكاة من بلد إلى بلد غيره إلا أن /212/يستغني فقراء ذلك البلد ممن يستحق عندهم الزكاة. ولا أعلم ذلك يخرج في معاني الحكم أنهم ممنوعون ذلك إلا من طريق الخطرة عليهم للضمان إذا لم تصل الزكاة وتلفت.
وفي بعض معنى ما قيل: إنها لا تحمل على حال.
وفي بعض معنى ما قيل: إنها لا تحمل إلا إلى من لا يوجد مثله في البلد الذي يحمل منه في الفضل.
وفي معاني الاتفاق فيما يخرج عندي من قولهم إنه لو حملها حامل وسلمت وأداها إلى أهلها من أهل السهام إنه لا ضمان عليه، ولا أعلم في تضمينه لذلك اختلافا في معنى قول أصحابنا [بيان، 19/212]
مسألة: ذكر العاملين عليها من كتاب (الأشراف) قال الله تبارك وتعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم } . قال أبو بكر: كان الزهري يقول: هم السعاة.
وقال قتادة: هم جباتها الذين يجبونها.
وقال الشافعي: المتولون لقبضها.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج كله معنى واحد في قول أصحابنا، وكل من عمل فيها بنفسه فهو عامل بأي وجه عمل، ولحقه اسم العمل عليها، ولا يختلف هذا النحو ولا هذا المعنى، وإن اختلف معنى عنائهم وسعايتهم ببعد المسافة وكثرة التعب فكلهم سواء، وهو عاملون. (1/66)
صفحة 67
ومنه واختلفوا في قدر ما يستحقه العامل على الصدقات. فقال الشافعي: يعطون منها بقدر أجور أمثالهم.
وقال مالك بن أنس: إنما ذلك إلى الإمام واجتهاده، وذكر أبو بكر أن هذا قول سفيان الثوري وأهل العراق، وبه قال أبو عبيد.
وقال محمد بن الحسن: قدر ما يرى.
وقال أبو ثور: بعطيهم عماله مثلهم وإن كان أكثر من الثمن.
قال أبو سعيد قال: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا إن سهم العاملين عليها إذا لم يكن إمام قد فرض لها فرائض معلومة في بيت مال /236/الله، فإنما يعطون منها ما رآه الإمام باجتهاد النظر والمشورة على أهل البصر، واختلاف منازل العاملين في فضلهم وفقرهم وكثر عولهم وقلة عنائهم، وكل هذا مما لا يخرج عندي إلا بالنظر، ولا أعلم يخرج في قول أصحابنا بمنزلة الأجرة إلا أن يرى ذلك الإمام لمعنى، فلا يبعد عندي إذا أوجبه النظر ولا أجعل ذلك واجبا بمنزلة أجرة الجير إذا لم يستعمل بأجرة معروفة، لأنهم قد قالوا إن للإمام أن يجعلها إذا وجب النظر بذلك كلها في سبيل الله وإقامته، ولا يعطي منها لسائر أصحاب السهام شيئا إذا أوجب النظر ذلك [بيان، 19/236]
ذكر سهم سبيل الله
(من كتاب الأشراف)
قال الله تبارك وتعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل } . قال أبو بكر: واختلفوا في سهم سبيل الله.
فقالت طائفة: يعطى الغازي منها وإن كان غنيا، هذا قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور.
وقال أحمد بن حنبل: يحمل من الزكاة في السبيل.
وقال النعمان ومحمد ويعقوب: لا يعطى الغازي في سبيل الله إلا أن يكون منقطعا.
وقال أبو بكر: وهذا خلاف ظاهر القرآن والسنة، فأما الكتاب فقوله: { في سبيل الله } ، وأما السنة فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (لا تحل الصدقة لغني إلا خمسة) آخرها (أو غاز في سبيل الله). (1/67)
صفحة 68
/240/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا نحو ما قال: إنه لا يجوز أن يعطى من الزكاة الغني، ولو كان غازيا في سبيل الله إلا أن يكون يقبضها الإمام، فيجعها حيث شاء فإنه يجوز له أن يجعلها في سبيل الله. وفي الغني والفقير، وفي أرباب الزكاة في حال ما يكون دفعها بالقسم فلا يسلمونها إلا إلى الفقراء.
وقال من قال: إذا ثبت معنا سبيل الله من الخارجين فيه، ولم تكن هنا لله شبهة كان ذلك لرب الزكاة والإمام، وكان ذلك كله سواء، وهذا القول عندي أشبه إلا أنه لا يصح عندي هذا إلا أن يسلم إلى الثقات الذين يؤمنون إن يجعلوها في سبيل الله وأنهم هو الذين ينفقونها في سبيل الله على أنفسهم [بيان، 19/240]
مسألة: من كتاب (الأشراف) في استحلاف أرباب الأموال.
قال أبو بكر: واختلفوا في استحلاف أرباب الأموال على ما أظهروا من الصدقات. فقال طاووس وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل: لا يستحلفون لأنهم مؤتمنون على أموالهم.
وقال مالك بن أنس والشافعي وأبو ثور والنعمان: يستحلفون إذا اتهموا.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي في هذا من الاختلاف [بيان، 19/247.]
مسألة: ومن كتاب (الأشراف) قال أبو بكر: وإذا غلبت قوم من الخوارج على بلد ولم يؤدِّ أهل ذلك البلد الزكاة أعماما....بياض. ومذهب الشافعي.... بياض....دار حرب أسلموا، فإن أقاموا سنين ثم خرجوا إلى دار الإسلام لأن كا....بياض.
وجواب أبي ثور في هذه المسألة كجوابه في الأولى.
قال أبو بكر وكذلك نقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج معنا هذه المسألة في إمام ملك مصرا قد حال على أهله أحوال لم يزكوا وزكاتهم في أموالهم فيخرج عندي في معنى بعض ما قيل إنه يجوز له أن يجبرهم على قبض ما في أيديهم من الصدقة بالحماية التي يستوجب بها جباية قبض الصدقة منه، لأنه في بعض القول لو أدرك زكاة الثمار قبل أن يخرج زكاتها ولو كانت في الدوس كان له أن يجبرهم عليها. (1/68)
صفحة 69
وفي بعض معاني القول عندي: حتى يحميهم في الثمار منذ أوان غرس الثمرة إلى دراكها.
/256/وفي الماشية والورق سنة، ثم حينئذ يجبرهم على قبض زكاة أموالهم، فإذا كان على هذا لم يثبت معنى جبرهم لهم فيما استحق عليهم، والزكاة فيما لم يكن حماهم إلا أن يسلموا هم عن طيبة أنفسهم.
وقد قيل: لو أحدث محدث حدثا في غير سلطانه، وقبل أن يظهر ويملك البلاد لم تكن له عقوبة على حدثه ذلك، ولكن يؤخذ منه الحق الذي يجب في الحكم في الأحداث. وأما العقوبة فليس له أن يعاقب بها إلا لمن أحدث في سلطانه [بيان، 19/256]
مسألة: ذكر تفريق الصدقات على الأصناف التي ذكرها الله أو في بعضها من كتاب (الأشراف)
قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على من فرق صدقة في الأصناف التي ذكرها الله في سورة براءة قوله: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } (الآية). أنه مؤد لما فرض عليه، واختلفوا فيمن فرق ذلك في بعض الأصناف دون بعض.
فقالت فرقة: في أيها وضعتها أجزى عنك، روي هذا القول عن حذيفة وابن عباس، وبه قال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح والضحاك وسعيد بن جبير وسفيان الثوري أبي عبيد وأصحاب الرأي.
وقال أحمد بن حنبل: يفرق أحب إليّ ويجزيه في صنف واحد.
وقال مالك بن أنس: يكون ذلك على وجه الاجتهاد من الإمام فأي الأصناف كانت فيه الحاجة والعذر أي ذلك الصنف.
قال أبو ثور: إذا قسمه الإمام قسمة على من سمى الله أنه له، وإذا قسمه الناس على أموالهم فإن أعطاه الرجل بعض الأصناف رجوت أن يجزي.
وقد روي عن النخعي قول رابع قال: إذا كان المال كثيرا فرقه في الأصناف، وإذا كان قليلا أعطى صنفا واحدا.
/260/وفيه قول خامس وهو إيجاب أن يفرقها في الأصناف التي سمى الله، هذا قول عكرمة والشافعي. (1/69)
صفحة 70
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا إنه إذا فرقها رب المال، فمن حيث جعلها في السهام على معنى قصد الصواب في ذلك أجزأه، ولا أعلم في ذلك اختلافا إذا جعلها فيمن يجوز أن يجعلها فيه في حينه، ذلك إذا كان على المصر إمام عدل كان تسليمها إليه أو إلى عماله وذوي أمره، وكان على الإمام اجتهاد النظر في قسمها، وأن يجعلها من أهلها، فمن حيث رأى اجتهاد نظره ورأى من حضره من أهل الرأي جاز ذلك إن شاء الله. وإن فرقها على جميع أهل السهام، وحبس لمن لم يحضره ما شاء، ورأى ذلك جاز له ذلك، ولا ضمان على الإمام في ذلك. وأما رب المال فإذا وجد من يعطيه من أهل السهام من بعضهم فحبس لغيرهم، فمعي أنه ضامن إن تلفت ولو لم يضيّعها لأنها لم تخرج من ذمته ولا من ضمانه. [بيان، 19/260]
في دفع الزكاة إلى الأمراء
(من كتاب الأشراف)
قال أبو بكر: أجمع أهل العلم أن الزكاة تدفع إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلى رسله وعماله، وإلى من أمر بدفعها إليه، واختلفوا في دفع الزكاة إلى الأمراء: فكان سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعائشة أم المؤمنين والحسن البصري وعامر الشعبي ومحمد بن علي وسعيد بن جبير وأبو رزين والأوزاعي والشافعي يقولون: تدفع إلى الأمراء.
وقال عطاء: أعطهم إذا وضعوها في مواضعها.
وقال طاووس: لا تدفع الزكاة إليهم إذا لم يضعوها موضعها.
وقال سفيان الثوري: احلف لهم وخنهم وأكذبهم ولا تعطهم شيئا إذا لم يضعوها موضعها.
/266/واختلفوا في وضع أرباب الأموال زكاة أموالهم دون السلطان: فكان الحسن البصري ومكحول وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران يقولون: دعها في موضعها.
وقال الشافعي: لا أحب لأحد أن يولي زكاة ماله غيره.
وقال أحمد بن حنبل: تفرق وهو أحب إليّ.
وقال أبو ثور: لا يسعه ذلك ولا يجزيه إذا وضعها موضعها ولم يأذنه السلطان. (1/70)
صفحة 71
وقال أبو عبيد في زكاة الذهب والفضة: إن لم يدفعها إلى الأمراء أو فرقها يجزيه، وقال في المواشي والحب والثمار لا يليها إلا الأئمة، وإن فرقها لم يجزه وعليه الإعادة.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا إنه إذا كان على المصر أمير عادل أو إمام عادل كان قبض الزكاة إليه وإلى عماله، ويخرج في معنى الاتفاق أن ذلك يجزي للدافع إليهم إذا دفعها إليهم وهم أهل لذلك من العدل والأمانة عليها. ومعي أنه يختلف في قولهم: إن لم يدفعها دافع إلى الإمام وعماله وهو أهل العدل، وسلمها إلى أهلها من السهام.
فقال من قال: لا يجزيه ذلك وهو ضامن.
/267/وقال من قال: يجزيه ذلك لأنها صارت إلى أهلها.
ومعي أنه يخرج في بعض قولهم إنه إن سألوه ذلك لم يجزه إلا أن يسلمها إليهم، وإن لم يسألوه إياها لم يضمن.
مسألة: وأما إذا لم يكن أمراء عدل ولا أئمة عدل وكانوا من الجبابرة أو ممن ينتهك ما يدين بتحريمه أو ممن يدين بالضلال، فمعي أنه يخرج في معاني قولهم إنه لا يجب على حال أن يدفعها إليهم، وإن له أن يسلمها في السهام، ويلي قسمها بنفسه، كانوا مأمونين على قسمها أو لم يكونوا مأمونين فيما يظهر منهم ويصح.
وعندي أنه يخرج في معاني قولهم: إنهم إن كانوا مأمونين على قسمها على أهلها قسمها على أهلها فسلمها إليهم جاز له ذلك، وإن لم يكونوا مأمونين لم يجز له على حال أن يسلمها إلى غير من لم يأمنه على قسمها على أهلها والسيرة بعدلها، ولا أعلم في معاني قولهم إيجاب ذلك عليه إذا لم يكن السلطان عادلا في جميع سيرته.
ومنه ذكر دفع الزكاة إلى الخوارج.
قال أبو بكر: روينا عن ابن عمر أنه سئل عن مصدق ابن الزبير ومصدق نجدة فقال: أيهما دفعت الزكاة أجزى عنك؟
وروينا عن سلمة بن الأكوع أنه دفع صدقته يعني إلى نجدة.
/268/وكان الشافعي وأحمد وأبو ثور يقولون: يجزي. (1/71)
صفحة 72
وقال أصحاب الرأي في الخوارج: إذا ظهروا على قوم وأخوا زكاة أموالهم ثم ظهر الإمام عليهم احتسبوا لهم به من الصدقة، وإذا مر الإنسان على عسكر الخوارج فعشروه فلا يجزيه من زكاته.
وقال أبو عبيد في الخوارج: يأخذون الزكاة فقال من قال: على من أخذوا منه الإعادة.
قال أبو سعيد: معي أنه قد مضى القول على ما يخرج عندي من معاني قول أصحابنا في السلطان، إذا كان عادلا أو جائرا، والخوارج عندنا في مذاهب قول أصحابنا إنهم سلطان جائر ممن يدين بالضلال، فإذا كان أحد منهم قد استولى على أحد من المسلمين وكان غير مأمون في قسم الصدقة على أهلها ووضعها في مواضعها لم يجز تسليم الصدقة إليهم على معنى الاختيار ولا على الجبر، في أكثر ما يخرج من معاني قول أصحابنا: فعلى من أخوا صدقته وهم سلطان جائز لا يؤمنون عليها ضمان صدقته وبذله، ولا يبين لي في قول أصحابنا إنه إذا ظهر إمام العدل أن يكون له سلطان على الرعية فيما مضى من الصدقة قبل وقته وظهوره، فيرافعهم بالزكاة أو لا يرافعهم وذلك إليهم، وليس له أن يحط عنهم ما لم يحط الله عنهم مما هو مضمون عليهم. /269/وأما جبر السلطان الرعية على أخذ الصدقة ولم يكن منهم تسليم إليه إلا أخذها من غير أن تقدر الرعية على إنفذها، فمعي أنه لا ضمان على الرعية في الزكاة في هذا الفصل، وإن أمكنهم إنفاذها فلم ينفذوها حتى غصبها السلطان وأخذها، فمعي أنه يختلف في ذلك من قول المسلمين.
ففي بعض القول: إنه لا ضمان عليهم إذا لم يكونوا أدخلوا أيديهم في المال بعد وجوب الزكاة فيه بما لا يجوز للأمين أن يدخل يده في أمانة شريكه، ولك على قول من يرى الزكاة شريكا وأمينا ثابتا. وعلى قول من يقول: إنها مضمونة فقدر على إخراجها فلم تخرجها فمعي أنه يلزمه الضمان. (1/72)
صفحة 73
وقد يوجد في بعض القول إذا أنه أجبروه على أخذها فسلمها إليهم أنه لا ضمان عليه إذا سلمها إليهم بغضا، أو سلم إليهم ماله وهي فيه وأجبروه على ذلك من التسليم، ولعل ذلك يخرج في معنى أنه يفدي بذلك بنفسه لا ماله والله أعلم ما يخرج هذا القول إذا ثبت معناه [بيان، 19/269]
في ذكر الصدقة يتأخر عنها الساعي بعد الحول
(من كتاب الأشراف)
قال أبو بكر: واختفوا في الماشية يتأخر عنها الساعي حتى هلك بعضها. فقال مالك: يأخذ صدقة ما وجد ليس عليه فيما هلك شيء، وبه قال أبو ثور والشافعي إذا أمكنه دفعها إلى المصدق أو إلى المساكين فلم يفعل فهو ضامن لما هلك. هذا مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق.
قال أبو بكر: وكذلك نقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف على غير النص من قولهم في الساعي وتأخيره. ولكن معي إذا وجبت الزكاة فلم يخرجها حتى هلك شيء من المال أو هلك المال، ففي بعض قولهم إنه لا ضمان عليه، إذا كان دائنا بالزكاة معتقدا لذلك ما لم يتلف المال أو يحدث فيه حدثا يتلفه أو يضيعه فيهلك من طريق تضييعه، /276/وهذا يشبه عندي معنى قول من يقول: إن الزكاة شريك وإنها أمانة في يده، فما لم يضيع أمانته أو يلحقه فيها ما يلزمه فيها الضمان فلا ضمان عليه.
ومعي أن في بعض قولهم إن عليه الضمان، إذا قدر على إخراجها وإنفاذها فلم يفعل ذلك، ويشبه هذا عندي معنى من قال: إن الزكاة مضمونة في الذمة لأن له صرف ماله حيث شاء، ويؤدي الزكاة من حيث شاء.
ومعي أن بعضهم يفرق في ذلك، فإذا كان ذلك في أيام ليس له أن يدفع زكاته إلا إلى السلطان كان منتظرا لهم إذ ليس عليه حملها إليهم فهو في ذلك إلى أن تلف المال فلا زكاة عليه، لأن هذا له عذر، وإن كان مطلقا له أداها بنفسه إلى الفقراء فلم يؤدها وهو قادر على أدائها حتى تلفت فعليه الضمان، ويعجبني هذا المعنى وهذا الفصل. (1/73)
صفحة 74
مسألة: قال أبو بكر: قال مالك في الماشية: لا يجب في أصلها الصدقة، فتوالدت قبل أن يأتي المصدق بيوم، فجاء المصدق وعددها ما تجب فيه الصدقة عليه. قال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأصحاب الرأي: لا زكاة عليه حتى يحول عليها الحول من يوم تصير أصلا تجب في مثله الزكاة، وبه نقول.
قال أبو سعيد: أما في معنى اللازم في التعبد فلا أعلم فيه اختلافا إلا ما حكي، وأما في شأن المصدق إذا وصل إليه فمعي أنه في بعض /277/قول أصحابنا إنه إذا خرج للصدقة في وقتها فوجد المال مجتمعا تجب فيه الصدقة أخذه، ولم يسأل عن ذلك.
وأحسب أن في بعض قولهم ولو صح لم يحل عليه الحول فله أن يأخذ الصدقة من المجتمع.
وفي بعض قولهم: إنه ليس له ذلك حتى يحول عليه الحول منذ بلغت ما تجب فيه الزكاة، ولا يطيب له ذلك إلا بإقرار من رب المال أو بصحة معنى هذا القول [بيان، 19/277]
ذكر رجوع المرء في صدقته بشراء
ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في فرس كان حمل عليه عمر بن الخطاب –رحمه الله- رجلا في سبيل الله. فقال له: (لا تبتعها ولا ترجع في صدقتك).
وممن كره ذلك ابن عمر وجابر بن عبد الله ومسلمة بن الأكوع وطاووس وعبد الله بن الحسن ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل. ورخص فيه الحسن وعكرمة وربيعة والأوزاعي، للمرء أن يشتري صدقته التي تصدق بها.
قال أبو بكر: الأول أصح.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف. ولعل أكثر القول عندهم أنه لا يرجع فيما تصدق به يريد وجه الله.
وقال من قال: منهم في ذلك: ولو رده عليه ميراث فليمضه ولا ينتفع به.
/328/مسألة: وفي بعض القول: ليس له أن يرجع إليه إلا أن يرده إليه ميراث؛ لأن هذا حكم من أحكام الله وقد أثبته كما أثبت عليه حكم الصدقة.
ويخرج في بعض معاني قولهم: إنه لا ينتفع به بعطية ولا هبة. (1/74)
صفحة 75
وفي بعض قولهم: أن لا بأس بذلك؛ لأن هذه الأحكام ثابتة في معانيها وفي مواضعها، وقد وقعت الصدقة في موضعها، وثبتت العطية في موضعها، والبيع في موضعه، والميراث في موضعه، ولا ينقص شيء من الأحكام غيره [بيان، 19/327].
بيان الشرع __________ 20 ___________
ومن كتاب الأشراف، ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان). [بيان، 20/17]
في صوم شهر رمضان إذا التبست الشهور من كتاب (الأشراف)
في صوم الأسير
قال أبو بكر: واختلفوا في صوم الأسير، فكان مالك والشافعي وأبو ثور يقولون: إذا أصاب شهر رمضان أو شهرا بعده يجزيه ولا يجزئه إن صام قبله، وكذلك قال أصحاب الرأي إذا قصد به صيام شهر رمضان.
وقد حكى الشافعي وأبو ثور قولا ثانيا: وهو أن ذلك الصوم يجزيه وإن صام قبله، وشبه ذلك الشافعي بخطأ عرفة وخطأ القبلة، ولا يجزيه ذلك عند أصحاب الرأي إذا صام شهرا قبله.
وفيه قول ثالث: وهو أن ذلك لا يجزيه بحال حتى يعلم، وعليه القضاء، هذا قول الحسن بن صالح.
وإذا صام الأسير شهر رمضان على أنه تطوع لم يجزه ذلك في قول الشافعي وأحمد بن حنبل. وقال أصحاب الرأي: يجزيه.
/42/وإذا نوى الفطر في صومه ولم يأكل فعليه القضاء والكفارة في قول أبي ثور. وقال أصحاب الرأي عليه القضاء.فإن نوى الصوم قبل أن ينتصف النهار يجزيه.
وقال أحمد بن حنبل: قد أفسد الصوم إذا عزم على الفطر، فهذا شبه مذهب الشافعي. (1/75)
صفحة 76
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في الأسير إذا عمي عليه عدة الشهور وكان في أرض الشرك حيث لا يجد دلالة على معرفة هلال شهر رمضان أن عليه التحري لشهر رمضان وصومه على معنى التحري له، وليس له إهماله، فإن تحرى وصام شهرا على أنه شهر رمضان في التحري ثم صح معه أنه شهر رمضان فلا أعلم في ذلك اختلافا إلا أنه قد تم صومه. وإن صح معه أنه فاته شهر رمضان وإنما صام بعده على أنه هو. ففي بعض القول: إنه يجزيه لأنه قد صام ما يلزمه من البدل ولا يقدر عليه أن يصومه بعينه على حال.
وقال من قال: عليه البدل لأنه لم يعتقده هو بعينه ولم يصمه على وجهه فعليه البدل. في معنى الاعتقاد لصحة ذلك إذا علمه، ولا يشبه عندي في قولهم إنه يجزيه إذا وافق ذلك قبل رمضان، ولا يشبه ذلك في قولهم إنه يجزيه معنى القبلة، وأما خطأ عرفة فلا أعرف ما عنى بذلك، وأما خطأ القبلة وقد تحرى بخطأ القبلة فأخطأها، فذلك موضع فرضه الذي أوجب الله عليه التأدية له عند حضور الصلاة، وهذا غير اليوم الذي خاطبه الله به، وقد أثبت الله عليه عدم الصوم له من مرض أو سفر عدة /43/من أيام أخر ليس كذلك في الصلاة في الكتاب والسنة لأن من أعدم أداها بوجه كانت عليه، وأما عرفة فلو أخطأها مخطئ فوقف في غير عرفة لكان يخرج عندي في قول أصحابنا لأنه لا حج له، ولو أراد عرفة في قصده لم يكن ينفعه ذلك في معاني قول أصحابنا والله أعلم.
وإن كان أراد وقف بعرفة في غير يوم عرفة على معنى غير معنى الصواب فيه، ويعجبني لهذا الذي غمي عليه عدة الشهر أن يتحرى صوم هذا الشهر الذي يقصد إليه على أنه من صيام شهر رمضان، فإن كان هو وإلا كان صائما عما يلزمه من بدله، فإن فعل ذلك فوافقه هو أو قد فته فلا يبين لي في ذلك اختلاف إلا أنه قد أجزاه يخرج في معاني قول أصحابنا، ولا يعجبني له تحري الشهر على القطع لأن هذا يشبه الغيب [20/43].
ذكر أحداث الصوم
(من كتاب الأشراف) (1/76)
صفحة 77
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، وروي عنه أنه قال: (من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له)، وأجمع أهل العلم على أن من نوى الصيام كل ليلة من ليالي شهر رمضان فصام أن صومه تام، واختلفوا فيمن نوى في أول ليلة أنه يصوم شهر رمضان كله. فكانت حفصة بنت عمر تقول: لا صيام لمن لم يجمع قبل الفجر ونحوه.
قال ابن عمر وقال الشافعي أحمد بن حنبل: لا يجزيه الصوم حتى ينوي كل ليلة، وكان إسحاق بن راهويه يقول: إذا دخل في شهر رمضان نوى صومه كله.
وقال أبو بكر: لا يجزيه الصوم حتى ينوي أنه صائم من الغد.
/48/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا نحو ما حكي كله أو ما يشبهه، ولك عندي كله صحيح إلا أنه قد ثبت بمعنى الاتفاق، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: معي أنه أراد (رفع لأمتي الخطأ والنسيان)، فعلى اعتقاد النية للأعمال الواجبة عليه إذا حضرت وأراد الدخول فيها فإن نسي ذلك ودخل في ذلك العمل بعينه وأتى به في وقته وهو ناس لتجديد النية في هذا الحاضر بعينه أجزأه تقدم النية إذا لم يستحل عنها ولم يرجع.
وقد قيل: وأحسب أنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (المؤمنون على نياتهم)، ومع قوله: (الأعمال بالنيات) ثبت مع ذلك أن لكل امرئ ما نوى وعليه ما نوى.
ومنه اختلفوا فيمن أصبح يريد الإفطار ثم بدا له أن يصوم تطوعا، فكان طلحة يأتي أهله من الضحى فيقول عندكم غداء، فإن قيل لا، قال: إني صائم. وهذا قول ابن مسعود وحذيفة وأبي الدرداء والشافعي وأحمد بن حنبل.
وكان ابن عمر لا يصوم تطوعا حتى يجمع النية من الليل ويتسحر.
وقال جابر بن زيد: إذا أدركه الصبح وهو مفطر فلا صوم له ذلك اليوم الآن جئت بالحق.
وقال مالك بن أنس: لا أحب أن يصوم أحد إلا لنية تكون قد ثبتت من الليل في صوم نافلة إلا رجلا من شأنه سرق الصوم. (1/77)
صفحة 78
وقال أصحاب الرأي: إذا بدا له بنصف النهار فعزم على الصوم فأجزاه، وإذا صام بعد ما تزول الشمس لم يجزه ويجزيه التطوع.
/49/وقال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لا يقع معنى الصوم في لازم ولا نفل، إلا بعقد النية للصوم وتمامه من الليل إلى الليل، وكذلك قال الله تبارك وتعالى: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل } فلا يتم صوم إلا من الليل إلى الليل، ولا أعلم في معنى قولهم هذا اختلافا.
وقد تروي هذه الروايات في غير هذا الموضع ولعله يُروى نحوها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسأل أهله عن الطعام في النهار، فإن لم يكن عندهم شيء من الطعام أظهر لهم أنه يمر ذلك اليوم صياما أو نحو هذا، ولا يخرج هذا في معنى الأحكام، وإن فعل ذلك لمعنى التعبد على غير اعتقاد لذلك دينا، ولا يريد بذلك مخالفة لرأي المسلمين لم يتبين لي في ذلك عليه بأسا [بيان، 20/49].
ومن كتاب الأشراف قال أبو بكر: روينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: /62/"لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة قبله ثم تصوموا حتى تروا الهلال وتكملوا العدة".
وثبت عنه أنه قال: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن عمي عليكم فاقدروا له".
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو هذا الذي حكاه إلا معنى قوله: "فاقدروا له" فإني لا أدري معنى ما قال: "فاقدروا له". والذي يخرج في قول أصحابنا في الرؤية أنه قال - صلى الله عليه وسلم - : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن عمي عليكم فأتموا العدة ثلاثين يوما" [بيان، 20/62] (1/78)
صفحة 79
مسألة: ذكر صوم يوم الشك: واختلفوا في الصوم يوم الشك على أنه من شهر رمضان. فقالت طائفة لا يجوز صومه، روينا هذا القول عن عمر بن /63/الخطاب –رضي الله عنه- وعلي بن أبي طالب وحذيفة وابن مسعود وعمار بن ياسر. وبه قال ابن عباس وأبو هريرة وأنس بن مالك وأبو وائل وعكرمة وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وعمار وعامر والشعبي وابن جريج والأوزاعي.
وقال مالك بن أنس: سمعت أهل العلم ينهون عنه. وكانت أسماء بيت أبي بكر تصوم اليوم الذي يعمى على الناس.
وقالت عائشة: أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان.
وروينا عن الحسن وابن سيرين انهما قالا: يفعل الناس كما يفعل إمامهم.
وقال عامر الشعبي وإبراهيم النخعي: لا تصم إلا مع جماعة من الناس.
وقال ابن عمر وأحمد بن حنبل: إذا لم يُر لِعلة في السماء صام، وإن كان صحوا أفطروا.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا فيما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن صوم يوم الشك.
/64/ومعي أنه يختلف في معنى الرواية إذا ثبت ولا أعلم فيه اختلافا في ثبوت الرواية. وأما تأويل النهي عنهما فمعي أنه يخرج على معنى الترخيص في وجه ما يلزمهم ويلزموه أنفسهم بمعنى الاجتهاد فيها عن ذلك ترخيصا لهم في ذلك.
والذي يخرج معه المعنى على هذا لا يذهب إلى تحريم الصوم ولا إبطاله، ويخرج في بعض معاني ذلك أنه نهى عن الصوم له على وجه الإلزام لنفسه صومه.
وهذا المعنى محجور متفق على النهي عنه. ومعنا أنه لا تصح معاني صوم الفرض على الشك، ولا يكون إلا على اليقين، وهذا يخرج على معنى التخيير. (1/79)
صفحة 80
وأكثر معاني أصحابنا عندي على معنى هذا القول، وأنه إذا كان الصحو بقدر ما لا يرتاب في هذا أمر هذا الهلال ليس يحول بينه وبين الرؤية أمروا في ذلك بالإفطار ولم يكن ثم شبهة، وإن كان شيء يحول بينه وبين الرؤية استحبوا معنى الصوم على الاحتياط حتى تصل الأخبار من غير الموضع، أو من الموضع بمعنى ما ويطمأن إليه أنه لو كان الهلال اتصلت أخباره، ثم لهم أن يفطروا إن أرادوا.
ومن مضى على الصوم على معنى التطوع لم يكن في ذلك على هذا الوجه عندي بأس، وإن صام على أنه إن كان من رمضان أو عما يلزمه منه، وإن لم يكن من رمضان كان تطوعا كان ذلك جائزا عندي على حال معنى الاحتياط كان صحوا أو غير صحو.
/65/ومنه ذكر الصوم يوم الشك على التطوع.
قال أبو بكر: واختلفوا في صوم يوم الشك على أنه تطوع فكرهت فرقة ذلك. كان ابن عباس يأمر بفصل بينهما، وبه قال أبو هريرة.
وقال عكرمة: من صام هذا اليوم يريد يوم الشك فقد عصى الله ورسوله. ورخصت طائفة في صومه تطوعا، حكى مالك هذا القول عن أهل العلم، وبه قال الأوزاعي والليث بن سعد ومحمد بن مسلمة وإسحق وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي.
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتعجل شهر بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم يوما فيأتي ذلك على صومه.
قال أبو سعيد: ومعي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من الكراهية والترخيص، ولا يخرج ذلك كله عندي على الحجر ما لم يقصد الصائم إلى التزام ذلك.
ومما لا يسعه عندي أن يقصد إلى الصوم يوم الشك على أنه لازم له لغير معنى صحة، وهذا عندي تأويل قول من قال: من صام الشك فقد عصى الله ورسوله.
ويعجبني قوله في الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على معنى ما قد مضى من حسن التأويل لا على حمل الرواية على كل المعاني. (1/80)
صفحة 81
/66/ومما يحسن من المعاني عندي ما ذكر أن يكون للرجل يوم يصومه مثل الاثنين والخميس على نحو قد حكى فيهما من القصد أو ما أشبه ذلك، وإن كان قد اعتاد ذلك على معنى الفضيلة، فأتى يومه ذلك في يوم الشك فلا يقع عليه عندي معنى الكراهة كغيره.
وكذلك في قول بعض أصحابنا فيمن كان صائما قبل ذلك، يعني تطوعا لا معنى القصد إلى صوم يوم الشك حتى جاء يوم الشك، وهو على نية الصوم لم يكره له ذلك، ولم يكن هذا مما نهي عنه. وكذلك من كان يصوم الدهر في عادته لم يلحقه على هذا المعنى كراهية لأنه لم يقصد بصومه ليوم الشك، وإنما كان يصومه لغيره والقصد إليه. [بيان، 20/66]
ومنه: ذكر الهلال يراه أهل بلاد دون سائر البلدان: قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في الهلال يراه أهل بلد ولا يراه غيرهم.
روينا عن عكرمة أنه قال: لكل قوم رؤيتهم، وبه قال إسحاق بن راهويه، وهو مذهب القاسم. وقال ابن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل، ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي. (1/81)
صفحة 82
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق أن لكل هلالهم، ولعله يشبه ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لكل قوم هلالهم" في معنى ما يجب حكم الأهلة، وذلك عندي إذا ثبت حكم الهلال فيما يجب به حكم الخاص وانقضى معنى إحكامه. /75/وأما إذا لم ينقض معنى إحكامه حتى يصبح الهلال كان قد ثبت ذلك فإنه يثبت في معاني قول أصحابنا عندي أنه ينتقل إلى معنى الصحة إذا لم يكن وقع معنى الحكم أو انقضاء العمل، ويخرج تأويل ذلك عندي في شهر رمضان أنه إذا صح أن أهل موضع سبقوا بيوم بصحة رؤية الهلال فلا يستقم أن يكون الهلال يختلف بعد بصحته، فإذا صح وجب معنى الحكم بالعمل به، فإذا كان ذلك قبل تمام شهر رمضان بمعنى الحكم وهو في ساعة واحدة، وجب الحكم بذلك ولزمهم التمام. فإذا انقضى حكم شهر رمضان فالحكم الذي يثبت لهم لمعنى ذلك الهلال الذي يخصهم لم يلزمهم صوم ذلك اليوم وخصهم حكم هلالهم، ويعجبني أن يكون انقضاء ذلك إذا لم يصح الهلال قبل أن يصبحوا مفطرين بعد طلوع الفجر من يوم تمام عدتهم، إلا أن يصبح الهلال أو رأوه. وإنما أفطروا للرؤية فإنه إذا لم يصبح ما سبقوا به حتى دخل الليل من ليلة الهلال كان قد انقضى الحكم به عنهم ولم يلزمهم حكم ذلك في معنى الحكم.
ومعي أنه يختلف فيه إذا صح أنهم سبقوا بيوم بعد انقضاء أحكام شهر رمضان، وإنما يصير بدلا بعد انقضاء شهر رمضان لمعنى الأحكام.
فقال من قال: عليهم بدل ذلك اليوم. وقال من قال: لا بدل عليهم. ولعل معنى قول من يقول لا بدل عليهم أصح في الحكم.
/77/ ذكر في قبول شهادة الواحد على هلال الصوم وهلال الفطر (1/82)
صفحة 83
ومن الكتاب: قال أبو بكر: واختلفوا في شهادة الواحد على هلال الصوم وهلال الفطر. فقال قوم: لا يقبل ذلك إلا بشاهدي عدل، كذلك قال مالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد والماجشون وإسحق بن راهويه، وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء بن أبي رباح، وهو قول الشافعي غير أنه قال أحب إليّ لو صاموا بشهادة العدل.
وقال الثوري مرة بشهادة رجلين أحب إليّ، وقال يجوز شهادة رجل وامرأتين في هلاله.
وقال الليث بن سعد والشافعي وعبد الملك الماجشون: لا يقبل فيه شهادة النساء.
وقال أبو ثور وطائفة من أهل الحديث: يقبل شهادة الواحد في الصوم والفطر.
وفيه قول ثالث: وهو أن يقبل الشاهد الواحد على هلال الصوم، ولا يقبل في الفطر إلا شاهدان، وهذا قول أحمد بن حنبل.
/78/وفيه قول رابع قاله النعمان يجوز على هلال رمضان شهادة الرجل العدل وإن كان عبدا، وكذلك الأَمة، ولا يجوز في هلال الفطر إلا رجلان أو رجل وامرأتان إذا كانوا عدولا، وكذلك قال يعقوب.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف في قبول الشهادة على هلال الفطر والصوم، ولعل أظهر قول أصحابنا جواز شهادة الواحد الثقة ممن تجوز شهادته على هلال شهر رمضان. ولا يجوز على هلال الفطر إلا شاهدان، ولا أعلم مصرحا في قولهم إجازة شهادة العبد، ولو كان ثقة على الأهلية ولو كان شهر رمضان، إلا على قول من يجوز شهادته في سائر الأحكام، فإنه قد جاء في شهادته اختلاف في الأحكام، فأما الحدود فالله أعلم هل تجوز شهادتهم.
وإذا ثبت معنا شهادة الواحد جاز شهادة امرأتين عن واحد فيما تقوم شهادة الواحد. (1/83)
صفحة 84
ومعنى أنه الذي يقول في شهادة الواحد في شهر رمضان خاصة لموضع الصيام ولا يجزيه في الفطر إنما تخرج إجازته في ذلك على الاحتياط لا على معنى الأحكام لأنه في قوله أن يصوموا بشهادة الواحد ويصوموا ثلاثين يوما لعدة ما صام فإن رأى الهلال أجزأه ذلك في العدد، وإن لم ير الهلال لم يجزه إلا أن يرى الهلال أو يصوم لتمام ما صح معه من هلال الأول ثلاثين يوما، ولا يجزيه أن يصوم بشهادة الواحد ثلاثين يوما، وهذا لا يشبه معاني الأحكام لأنه لو كان يشبه معاني الأحكام لكان يصوم ثلاثين يوما ثم يفطر لأنه كذلك قيل.
/79/وإذا صحت البينة برؤية هلال شهر رمضان صام الناس ثلاثين يوما ثم أفطروا بحجة البينة لذلك.
ومنه ذكر من رأى الهلال وحده.
قال أبو بكر: كان مالك بن أنس والليث بن سعد وأحمد بن حنبل يقولون: إذا رأى هلال شهر رمضان وحده صام، وإذا رأى هلال الفطر وحده لم يفطر.
وكان الشافعي يقول: يصوم ويفطر.
وقال أصحاب الرأي: يصوم إذا رأى هلال شهر رمضان.
وقال عطاء وإسحق بن راهويه: لا يصوم ولا يفطر.
قال أبو بكر: يصوم ويفطر.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى قول أبو بكر أنه يصوم ويفطر برؤيته وحده، لأن ذلك من خاص الأحكام عليه وله، إلا أنه في بعض قولهم إنه ليس ذلك في الإفطار، وأما في الصوم فليس عليه أن يسره، ولعله يخرج قول من يقول يجعله حجة على هلال الصوم.
ويعجبني ألا يكون عليه إسرار في الصوم لأنه فضل وعدل لا يقع على وجه المنكر وإن له إظهاره، فإن قبل منه كان قد قام بعدل، وإن لم يقبل منه لم يكن عليه عندي تبعة فينكر عليه ما يمكن صدقه فيه. (1/84)
صفحة 85
/80/وأما الإفطار فيعجبني له أن يسر ذلك من وجه ما يتأسى به العوام، وليس هو لهم حجة، ومن وجه أن بعضا يرى عليه العقوبة لإظهاره ذلك، ولا يعجبني أن يكون عليه عقوبة على حال، إذا كان ممن لا يتهم، وكان ثقة مأمونا لأنه لا يظهر من ذلك إلا ما هو عنده. وإن كان متهما في ذلك أعجبني ألاّ يدع ذلك، فإن أظهره منع ذلك، فإن لم يمتنع من بعد أن ينهاه الإمام أو السلطان أعجبني أن تكون عليه العقوبة كما يراه الحاكم.
ومنه ذكر هلال شوال يرى نهارا، قال أبو بكر: إذا رأى هلال شوال يوم ثلاثين من شهر رمضان نهارا لم يفطر، رأى هذا القول عمر وابن مسعود.
قال غيره: معنا أنه أراد روى هذا القول عمر وابن مسعود وبه قال ابن عمر وأنس بن مالك والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحق. وقال سفيان الثوري إذا رأى الهلال قبل الزوال أفطر، ولا يفطر إذا رأى بعد الزوال.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه الاتفاق معنى القول الأول. ولا أعلم في قولهم اختلافا في معنى إجازة الإفطار لذلك إذا رأى الهلال قبل الزوال وبعد الزوال، ومعي لو رأى قبل الليل واستحقاق مغيب الشمس كلها ساعة ما كان ذلك حجة وإنما كان /81/حكمه بمعنى الاتفاق إذا أدرك ورأى في الليل بعد غروب الشمس بكاملها أو تبيّن طلوع الليل.
ومنه ذكر صوم يوم الشك على أنه من رمضان، قال أبو بكر: وإذا أصبح يوم الشك ثم علم بالهلال أول النهار أو آخره أجزأه في قول الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي إذا نواه من الليل ووافق أنه من شهر رمضان، وروي ذلك عن عطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري.
وقال حماد بن أبي سليمان وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أبي ليلى والحسن بن صالح: لا يجزيه وعليه الإعادة.
وقال الشافعي: وقد قال مرة لا يجزيه، وقال أبو بكر قول مالك صحيح، معنا أنه أراد ما قال مالك صحيح. (1/85)
صفحة 86
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا صام يوم الشك على أنه إن كان من شهر رمضان فقد صامه على غير معنى حجة يصح له، وإنما هو على التحري.
ففي بعض القول: إنه لا يجزيه على حال لأن الفرض لا يؤدي بالشك عند ثبوت العلم به ودركه، وإنما التحري عند غياب أحكام العلم.
وفي بعض القول: إنه إن صح أنه من شهر رمضان في أول النهار قبل الزوال أجزأه، وإن لم يصح معه حتى انتصف النهار وزالت الشمس لم يجزه في بعض القول. /82/وفي بعض القول إنه يجزيه إذا صح ذلك قبل الليل ما كان في ذلك اليوم، فإن لم يصح حتى انقضى ذلك اليوم وقد صامه على الشك لم يجزه ذلك الصوم عن لازمه لذلك اليوم، ولا أعلم في هذا اختلافا أنه لا يجزيه إذا لم يصح في ذلك اليوم.
وأصح معاني الأحكام عندي أنه لا يجزيه في موضع ما تدرك الأحكام، وإن كان في موضع ما ينفعه التحري وغاب عن موضع صحة الأحكام وغمي عليه صحة ذلك قضاه على التحري فصحّ ذلك أنه قد صامه ثبت عندي أنه جائز له، ولو صح بعد انقضاء اليوم أو بعد انقضاء الشهر، إذا كان قد وافق الصوم وقد ثبت له معنى التحري لبعض الشهر أو الشهر كله. [بيان، 20/82].
ذكر من جامع عامدا في نهار الصوم في شهر رمضان
(من كتاب الأشراف)
قال أبو بكر: واختلفوا فيما يجب على من جامع في نهار الصوم في شهر رمضان. فقالت طائفة: عليه القضاء، روينا هذا القول عن سعيد بن جبير وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة وأوجبت طائفة عليه مع القضاء الكفارة، كذلك قال عطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والنعمان وصاحباه.
قال المصنف: وأحسب أن النعمان ها هنا أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
وفيه قول ثالث: وهو إن كفّر الذي أصاب أهله في شهر رمضان بصيام شهرين دخل صيام يومه في صيام الشهر الذي كفّر بها، وإن كفّر بعتق رقبة أو إطعام صيام يوم (هذا قول الأوزاعي).
قال أبو بكر: وبقول عطاء نقول. (1/86)
صفحة 87
/118/واختلفوا في الكفارة التي تجب على من جامع في نهار الصوم. فقالت طائفة: يعتق رقبة فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، هذا قول سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور والنعمان وصاحبيه.
وقالت طائفة: هو مخير بين عتق رقبة أو صوم شهرين أو الصدقة في كل يوم أفطر، هكذا قول مالك بن أنس. وحكي عنه أنه قال: الإطعام أحب إلي من العتق والصيام.
وقال الحسن البصري: عليه عتق رقبة أو هدي بدنة أو إطعام عشرين صاعا لأربعين مسكينا.
وقال مالك: إذا أطعم يطعم كل مسكين مدا، وكذلك قال الشافعي.
وقال أبو ثور: أرجو أن يجزي مد، ونصف صاع أحب إليّ.
وفيه قال ثان: وهو أن يطعم كل مسكين مدين، هذا قول قاله بعض أهل العلم.
قال أبو بكر: يجزي أن يطعم كل مسكين مدا.
قال أبو سعيد: يخرج من معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق ثبوت معنى الكفارة على من أكل في شهر رمضان أو شرب أو جامع متعمدا من غير عذر، ولعل ما يشبه ذلك قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بثبوت معنى الكفارة في ذلك.
/119/وعندي أنه يختلف قولهم في معنى الكفارة، وأشبه ما عليه أكثر قولهم إن الكفارة في ذلك عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا مخيرا في ذلك المكفر كان غنيا أو فقيرا.
وفي بعض قولهم: إن عليه هذه الكفارة وبدل ما مضى من صومه ومن يومه ذلك الذي أفطر فيه لما مضى من عدد أيامه.
وفي بعض قولهم: إن عليه شهرا ليومه ذلك من الكفارة التي يكفر بها.
ومعي أن الذي يذهب إلى البدل لما مضى من صومه يخرج معنى قوله إن كل يوم من شهر رمضان فريضة على حالها، فإنما يفسد عليه ما مضى ويتم له ما بقي، والذي يقول إن عليه صيام الشهر يفسد بذلك صيامه كله لشهره في ذلك لأنه كيوم واحد فريضة واحدة، وهذا يخرج في معاني قولهم فيمن أتى ذلك يوما واحدا. (1/87)
صفحة 88
وقد يخرج في بعض قولهم: إنه يجزيه من الكفارة صوم شهر، ولا ينظر في أي يوم كان ولو كان في آخر يوم من شهر رمضان، فقال: يجزيه صوم شهر ليومه ذلك، ولا يجزيه عنه الإطعام ولا عتق، وإنما هو صيام، وإذا ثبت هذا أشبه أن تكون الكفارة كنحو البدل لأنه قد يمكن أن يكون هذا اليوم في آخر يوم من شهر رمضان وكأنه جعل عليه معنى البدل للكفارة ثم لم يجزه عنده إلا الصوم، كما لم يجز في البدل إلا الصوم لأنه يخرج عنده أنه لا يجزيه غير ذلك من العتق والإطعام ولو أكثر من ذلك.
/120/وقد يأتي في بعض قولهم نحو ما حكي أن على الفاعل البدل مع اتفاقهم على ثبوت الكفارة، فلعل البدل خرج مع صاحب هذا القول أنه كفارة عليه، ولا أعلم هذا مصرحا به من القول في معنى العمل، إلا أنه قد يخرج ذلك فيما هو معمول به، فإذا ثبت معناه من قول صاحب الشهر الذي جعله كفارة وبدلا ولم يلزمه غير ذلك أن لو كان ذلك اليوم آخر يوم من أيام الشهر، فإذا ثبت هذا بمعنى المعمول له لم يتعد ثبوت البدل وحده كفارة للفعل، وهو بدل ما مضى من الشهر.
ومنه، واختلفوا فيما يجب على المرأة يطأها زوجها في شهر رمضان. فقالت طائفة مثل ما على الرجل، هكذا قول مالك وأبي ثور وأصحاب الرأي.
وقال الشافعي: يجزي الكفارة التي كفر الرجل عنهما.
قال أبو بكر: قول مالك صحيح.
قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا أن على المرأة مثل ما على الرجل إذا طاوعته على ذلك، ولا فرق بينهما، ولا أعلم في ذلك اختلافا. وأما إذا لم تساعده على ذلك واضطرها إلى ذلك فكانت على حال الامتناع والاضطراب عنه حتى جامعها ولم ترجع إلى معنى المساعدة في حال من أحوالها حتى أتم الجماع، ففي بعض قولهم: إنه لا شيء عليها. (1/88)
صفحة 89
/121/وفي بعض قولهم: إن عليها بدل يومها، ولا أعلم عليها الكفارة إلا أنه إذا ثبت عليها البدل فلا يكون إلا كفارة لأن كل شيء يلزم فإنما هو معنى كفارة لما فعل، ويشبه معناها لا كفارة عليها ببدل ولا غيره لأنها مغلوبة.
ومنه، واختلفوا فيما يجب على من قبل أو باشر أو جامع دون الفرج وأمنى، وكان الحسن البصري يقول: عليه ما على المواقع.
وقال عطا: إذا لاعب فأمنى فعليه الكفارة، وبه قال مالك بن أنس وعبد الله بن المبارك وأبو ثور وإسحاق بن راهويه.
وقال آخرون: عليه القضاء، هكذا قال قتادة وسفيان الثوري والشافعي وأصحاب الرأي.
قال أبو بكر: هكذا أقول وليس مع من أوجب عليه حجة. (1/89)
صفحة 90
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق أنه إذا باشر أو قبل أو يستزيد بذلك إنزال النطفة وقضاء الشهوة، فكان على ذلك حتى أنزل ثم نزع عنه أنه في حال معنى الكفارة بمنزلة المجامع لأنه قد بلغ إلى الأمر المحجور كان عليه ما على المجامع، وليس الجماع ها هنا إنما حجرة اتقاء الختانين، وإنما معنى حجرة البلوغ إلى قضاء الشهرة وبأي شيء وصل إلى ذلك كان مشبها لمعنى الجماع به في معنى الحجر، لأنه ما أشبه الشيء فهو مثله وإن كان منه شيء إلى ذلك، قال /122/المصنف: لعله أراد من ذلك يريد بمعنى قضاء الشهوة وإنزال النطفة، ثم نزع من ذلك ورجع عن نيته فتزايد عليه معنى الشهوة التي استشعرها على نفسه إلى أن أنزل الماء الدافق، فيخرج في معاني قولهم إن عليه بدل ما مضى من صومه، وليس مثله مثل الأول بمعنى ثبوت الكفارة والحجر، وكذلك إن كان تعرضه لزوجته لمحبة لها أو لشهوة عرضت له في ذلك منها إلا أنه لا يريد إنزال النطفة ولا قضاء الشهوة بذلك وكان على ذلك إلى أن أنزل كان عليه في قولهم في هذا بدل ما مضى من صومه. وإن نزع ذلك ورجع عن تلك النية فزادت عليه الشهوة حتى أنزل، فمعي أنه قد قيل بدل يومه إذا ترك ما كان فيه حتى صار بحال لا يمكنه إمساك الماء، فليس له في ذلك عذر عندي لأن رجعته تلك إنما كانت بعد ما حصل له معنى إرادته، ومعي ذلك في الوجهين جميعا في الذي كان يريد إنزال النطفة بحصول معنى الجماع وثبوت الكفارة، والذي كان لمعنى الشهوة فعليه بذلك البدل لما مضى ولا تنفعه عندي رجعته هذه ذكر من ردد النظر إلى المرأة حتى أمنى.
من الكتاب، قال أبو بكر: واختلفوا في الناظر إلى المرأة فردد النظر إليها حتى يمني، فكان جابر بن زيد سفيان الثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون لا قضاء عليه ولا كفارة.
وقال عطاء: عليه القضاء، روينا عن الحسن البصري أنه قال: هو بمنزلة الذي غشي في شهر رمضان،وكذلك قال مالك. (1/90)
صفحة 91
وفيه قول رابع: وهو أن عليه كفارة الظهار، هذا قول الحسن بن صالح، وقال مالك إن لم يتابع في النظر فعليه القضاء ولا كفارة عليه.
قال أبو بكر: لا شيء عليه، ولو احتاط صام يوما كان حسنا.
/123/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في النظر أنه بمنزلة المس، فإن كان نظره إليها لمعنى قضاء الشهوة وإنزال النطفة فلم يزل على ذلك إلى أن أمنى كان عليه ما على المجامع، وهذا موضع محجور عليه بمعنى الوطء، وكذلك إن كان النظر لمعنى المحبة والشهوة إلا أنه لا يريد إنزال النطفة إلى أن أمنى فعليه ما على الماس بنحو ذلك فيما مضى من القول، وإن كان لغير ذلك بغير معنى شهوة من النظر المباح فحضرته الشهوة في تزيده لذلك النظر المباح إلى أن أمنى فمعي أنه يخرج في معاني قولهم أنه لا شيء عليه.
وفي بعض قولهم إن عليه بدل يومه لعله (بدله)، لأنه جاءه من سبب ما ولّد على نفسه، وإن كان مغلوبا على سبب كان منه فغلبته الشهوة حتى أنزل، فمعي أنه في بعض قولهم إن عليه بدل يومه بحصول خروج المني منه وهو حال التعبد غير نائم ولا مغلوب العقل.
وفي بعض القول: إنه لا شيء عليه، ويعجبني هذا إذا لم يكن منه سبب من الأسباب يتولد عليه ذلك منه.
ومنه ذكر الصائم يلتمس فيمذي.
قال أبو بكر: واختلفوا في الصائم يلمس فيمذي، فقالت طائفة: لا شيء عليه من قضاء ولا غيره، وروي هذا القول عن الحسن البصري والشعبي، وبه قال الشافعي والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.
وقال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل: عليه قضاء يوم.
/124/قال أبو بكر: لا شيء عليه.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف في المذي أن بعضا قال: لا شيء عليه وقد صح صومه. وبعضا قال: عليه بدل يومه، ولعل في أكثر القول فيما يخرج عندي أنه لا شيء عليه بمعنى المذي. [بيان، 20/124].
ذكر الوقت للمسافر أن يفطر فيه عند خروجه
(من كتاب الأشراف) (1/91)
صفحة 92
قال أبو بكر: واختلفوا في الوقت الذي فيه الخارج إلى السفر فقالت طائفة يفطر من يومه إذا خرج مسافرا. هذا قول ابن عمر وابن شرحبيل وعامر الشعبي، وقال أحمد بن حنبل يفطر إذا برز عن البيوت.
وقال إسحاق بن راهويه: لا بل حتى يضع رجله في الرحل.
وقال الحسن البصري: يفطر إن سافر من بيته يوم يريد الخروج.
قال أبو بكر: قول أحمد بن حنبل صحيح لأنهم يقولون لمن أصبح صحيحا ثم اعتل له أن يفطر بقية يومه، وكذلك إذا أصبح في الحضر ثم خرج في السفر فله كذلك أن يفطر.
وقالت طائفة: لا يفطر يومه، كذلك الزهري ومكحول ويحي بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.
/134/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق معنى هذا القول الآخر أنه لا يفطر يومه ذلك الذي يسافر فيه إذا كان قد أصبح في وطنه ولو ساعة من نهار بعد طلوع الفجر، وليس له أن يفطر ولا يعتقد الإفطار مادام لم يخرج من وطنه ومن حدود وطنه وإنما له أن يفطر إذا صار يجد السفر خارجا من وطنه ومن حدود وطنه لأنه إذا أصبح في وطنه فقد لزمه حكم الوطن، وليس له أن يفطر في صوم قد انعقد عليه في وطنه.
ومنه ذكر وطء المسافر زوجته التي قد طهرت بعد قدومه من السفر.
قال أبو بكر: واختلفوا في المسافر يقدم فيجد زوجته قد طهرت من الحيض، فقال يحي الأنصاري ومالك بن أنس والشافعي وأبو ثور يقولون له أن يطأها، وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز في نسخة ابن جبير لا يصيبها ولا يأكل بقية يومه.
قال أبو سعيد: إنه يخرج في معاني قول أصحابنا ما يشبه معنى هذا من الاختلاف في هذا الفصل، وأشبه ذلك عندي بمعنى الحكم إجازة وطئها وإتمام إفطارهما ليومهما لأن الاتفاق أن عليها بدله وأن الصوم لا يتجزأ في اليوم الواحد. ومنه ذكر من صام بعض الشهر ثم سافر. (1/92)
صفحة 93
قال أبو بكر: واختلفوا فيمن أدركه شهر الصوم وهو مقيم ثم سافر فقال عبيدة السليماني ليس له أن يقضي باقي الشهر محتجا بقوله جل ثناؤه { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وبه قال شريك بن علقمة وأبو مجاز إذا حضر شهر رمضان فلا يسافرن أحد. فإن كان لابد فليصم إذا /135/سافر. وقال أكثر أهل العلم إن شاء صام وإن شاء أفطر، هذا قول الحسن البصري وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومن تبعهم.
قال أبو بكر: وبه أقول، وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان فأفطر بالكديد، قال المصنف: لعله أراد فأفطر بالكديد، والكديد موضع بالحجاز على ما وجدت في الكتاب العين، وإنما نأمر من شهد الشهر كله أن يصوم، ولا يقال لمن شهد بعض الشهر أنه شهر الشهر.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى هذا القول إنه جائز له في الشيء من الشهر ما يجوز له فيه كله كان من أوله أو آخره أو وسطه، ولا معنى في اختلاف ذلك، ومن كتاب أبي جابر وكذلك المسافر الذي يكون مفطرا في سفره ثم تقدم من بقية يومه إلى بلده، فإن جهل ذلك فأفطر فأرجو أن لا تكون عليه كفارة. وفي نسخة وإنما عليه بدل يومه ذلك، ويستحب له أن يمسك عن الأكل وهو بمنزلة الحائض. [بيان، 20/135].
(ومن كتاب الأشراف): ذكر الصوم في السفر والإفطار، قال أبو بكر: واختلفوا في الصوم والإفطار في السفر والإفطار فكان ابن عباس يقول إن شاء صام وإن شاء أفطر.
وذكر أنس بن مالك وأبو سعيد الخدري ذلك عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والأوزاعي والليث بن سعد.
وكان ابن عمر وسعيد بن جبير يكرهان الصوم في السفر، وروينا عن ابن عمر أنه قال: إن صام في السفر قضى في الحضر.
/142/وروي عن ابن عباس أنه قال: لا يجزيه. وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. (1/93)
صفحة 94
قال أبو بكر: إن شاء صام وإن شاء أفطر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لحمزة بن عمرو الأسلمي.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا ما يشبه معاني الاتفاق بما يشبه القول المضاف إلى أبي بكر أن المسافر مخير بين الصوم والإفطار والصوم أفضل، ولا يستقيم بطلانه لقول الله تبارك وتعالى: { وأن تصوموا خير لكم } .
ومنه ذكر الأفضل بين الصوم في السفر والإفطار.
قال أبو بكر: واختلفوا في أفضل الأمرين في الصوم والإفطار، كان أنس بن مالك يقول: إن الصوم أفضلهما، روي ذلك عن عثمان بن أبي العاص، وبه قال إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وسفيان الثوري وأبو ثور، وكان مالك بن أنس والفضل بن عياض والشافعي يقولون: الصوم أحب إلينا لمن قوي عليه.
وكان حذيفة بن اليمان وعائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وعبده، قال عين لعله وعروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن والأسود بن يزيد يصومون في السفر، وكان عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وعامر الشعبي /143/والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يقولون: الفطر أفضل، وبه قال.
وفيه قول ثالث: قال أبو بكر: وبه نقول، وهو أن أفضلهما أيسرهما على المرء، لقول الله جل ذكره: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وروينا هذا القول عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن الصوم أفضل ما لم يكن في ذلك على الصائم مشقة يخاف منها على نفسه مضرة، فإذا كان هكذا أعجبني أن يكون قبول الرخصة أفضل.
ومنه ذكر المسافة التي إذا سافرها المرء كان له أن يفطر.
قال أبو بكر: واختلفوا في حد السفر الذي للمسافر أن يفطر فيه، فرينا عن عطاء وعمر الشعبي أنهما قالا إذا سافر سفرا يقصر في مثله الصلاة فله أن يفطر، وبه قال أحمد بن حنبل.
قال عطاء: كان ابن عباس وابن عمر يصليان ركعتين ويفطران ويقصران في أربع يرددها لا فوق ذلك. (1/94)
صفحة 95
وروينا عن عمر أنه قال: لا يفطر إلا في مسيرة ثمانية أيام، وبه قال سفيان الثوري، وكان الزهري يقول يفطر في السفر الممعن لمسيرة يومين.
وقال قائل: أباح الله جل ذكره للمسافر في شهر رمضان الصوم لعلة الإفطار، وأوجب عليه القضاء ولم يجعل لذلك حدا، فكل مسافر في غير معصية فله أن يفطر إلا أن تمنعه حجة.
/144/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معاني الاتفاق أن السفر الذي يجوز فيه الإفطار من الصوم ويلزم فيه القصر من الصلاة سواء، وهو مجاوزة الفرسخين عن وطنه، ولا أعلم بينهم اختلافا. [بيان، 20/144].
ذكر الشيخ الكبير والعجوز العاجزين عن الصوم
من كتاب الأشراف: قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن الشيخ الكبير. قال المضيف: لعله أراد والمرأة العجوز العاجزين عن الصوم أن يفطرا، ثم اختلفوا فيما عليهما إذا أفطرا، فكان الأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي يقولون: يفطران ويطعم كل واحد منهما عن كل يوم مسكينا واحدا، روينا هذا القول عن سعيد بن جبير وطاووس، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق في الشيخ أن يطعم مدا إن شاء، وإن جفن جفانا كما صنع أنس بن مالك، وقال ربيعة بن عبد الرحمن وخالد بن دريد وأبو ثور وأيوب لا شيء على الشيخ الكبير من كفارة ولا غيره، وروي ذلك عن مكحول، قال وبه نقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف أن على الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة الذين لا يطيقان الصوم وهما يعقلان أن يطعما عن كل يوم مسكينا إذا كانا موسرين لذلك ويفطرا.
وقال من قال: إذا لم يطيقا ذلك ولم يوسرا به صيما عنهما فيصوم عنهما بعض أرحامهما إذا أفطروا، وإن أطاقاه بعد ذلك على حال فعليهما البدل. (1/95)
صفحة 96
وأحسب أن في بعض القول أن عليهما أن يأتجرا من يصوم عنهما بدل /174/ما أفطرا إذا كانا موسرين لذلك، وفي بعض قولهم إن ليس عليهما ذلك من إطعام ولا صيام غيرهما عنهما، ولا بدل يبدل عنهما غيرهما، وإن أطاقا الصوم صاما، وإن لم يطيقا أفطرا، وإن قدرا على بدله وأطاقاه كان عليهما، وإن تم عجزهما عنه ولم يطيقا بدلا فلا شيء عليهما إذا كانا إفطارهما عن عجز وعذر، وليس إفطار الكبير عندي على معنى التخيير، وإنما هو على معنى العجز لأنه يصوم حتى لا يطيق، فإن لم يقدر أفطر بمقدار ما يجيء به نفسه ويأمن على نفسه فتلك حالة وكل يوم قدر على الصوم فيه ولو كان كل شهر رمضان على ذلك، وهذا القول عندي أصح في معنى الصوم لأنه من عمل الأبدان، ولأنه يجوز فيه الفدية كما كانت في أول الصوم والفدية منسوخة، فإذا كان لا تجزي الفدية فعليه البدل ولا يجتمع عليه إطعام وصيام إذا قدر عليه. [بيان، 20/174]
في صوم الحائض والنفساء
قال عطاء والحسن البصري وحماد بن أبي سليمان وقتادة وتأكل وتشرب منه، وبه قال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز إذا طهرت المرأة في شهر رمضان لم تأكل لتعظيم حرمة شهر رمضان، وهذا قول أحمد بن حنبل وإسحاق، وقال أصحاب الرأي تدع الأكل والشرب.
قال مالك: تأكل وتشرب بقية نهارها.
قال أبو بكر: تأكل في الحالين جميعا إن شاءت.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف في التي تحيض في النهار والتي تطهر بعد ثبوت الحيض مع اتفاقهم أن عليها إعادة ذلك اليوم.
فقال من قال: لا تفطر وتمسك عن الأكل والإفطار إذا حاضت وتمسك عن إتمام الإفطار إذا طهرت وتطهرت. (1/96)
صفحة 97
/180/وقال من قال: ليس عليها ذلك، وأرجو أن في بعض القول أن عليها ذلك إذا طهرت وليس عليها ذلك إذا حاضت. وأصح معاني ذلك عندي في الحكم أن لا يجب عليها إتمام الصوم فيما لا يتم لها ولا ينفعها وما مجتمع على فساده من صومها وإعادته عليها.
ذكر المرأة تطهر قبل طلوع الفجر فتأخر الاغتسال
قال أبو بكر: واختلفوا في المرأة تطهر قبل طلوع الفجر فتؤخر الاغتسال حتى تصبح.
فقال أبو بكر: تقضي، فرطت في الاغتسال أو لم تفرط في قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
قال المضيف: لعله يفسد صومها وهي بمنزلة الجنب روي ذلك عن عطاء، قال أبو بكر: وبه نقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في الحائض تطهر في الليل فلا تغتسل حتى تصبح معتمدة لذلك، ففي بعض قولهم إن عليها بدل ما مضى من صومها والكفارة، وفي بعض قولهم إن عليها بدل ما مضى من صومها ولا كفارة عليها، وفي بعض قولهم إنه إنما عليها بدل يومها وهذا على التعمد، ووجدت معاني قولهم يشددون عليها في معنى الكفارة في هذا الموضع أكثر من الجنب لأني لا أعلم من قولهم في الجنب أنهم يلزمونه الكفارة إذا ترك الغسل متعمدا حتى أصبح، ولا أعلم /181/من قولهم مصرحا أنه إذا ترك الغسل متعمدا حتى أصبح أنه إنما عليه بدل يومه، وقد قالوا ذلك في الحائض نصا من قولهم إنه إنما عليها بدل يومها، وحكمها عندي مشتبه سواء، وحكمها في وجوب الغسل سواء والصوم، فإن أشبه في الحائض معنى الكفارة إذا تركت الغسل متعمدة أشبه ذلك عندي في الجنب، إن أشبه أن يكون إنما عليه بدل يومه في هذا المعنى. [بيان، 20/181]
في صوم الحامل والمرضع
(من كتاب الأشراف) (1/97)
صفحة 98
قال أبو بكر: افترق أهل العلم في الحامل والمرضع إذا أفطروا أربع فرق، فروينا عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما، وبه قال سعيد بن جبير، وقال الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والضحاك والنخعي والزهري وربيعة والأوزاعي وأصحاب الرأي يفطران ويقضيان ولا إطعام عليهما بمنزلة المريض يطعم ولا يقضي.
قال غيره: معنا انه أراد يقضي ولا يطعم، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور، وحكى ذلك أبو عبيد عن سفيان الثوري، وقال الشافعي وأحمد بن حنبل يفطران ويطعمان ويقضيان، وروي ذلك عن مجاهد. وفرق فرقة بين الحبلى والمرضع فقالت طائفة في الحبلى هي بمنزلة المريض وتفطر وتقضي ولا إطعام عليها، والمرضع تفطر وتطعم وتقضي، هذا قول مالك بن أنس.
/202/قال أبو بكر: بقول الحسن وعطاء نقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في الحامل والمرضع إذا صارتا إلى الحد الذي تخافان فيه على ولدهما إذا صامتا أن لهما أن يفطرا ويقضيا إذا أمنتا على ولديهما وتهيأ لهما ذلك، ولا يشبه عندي قولهم معنى إطعام عليهما وإنما يشبه معنى عذر المريض عندي فإن لم يكن أرخص عندي لأنهما إذا خافتا على ولديهما الضرر خفت عليهما أن لا يجوز لهما الصوم، ولعل في نفسيهما لهما النظر واحتمال المشقة ما لم تخافا على نفسيهما فإذا خافتا على نفسيهما من الصوم الهلاك والسقوط عن معنى أداء الفرائض لزمهما عندي الإفطار والبدل كذلك معناهما في الولد قد يزول به معنى الأحكام ووجوب الحدود على الحامل والمرضع فيؤخر عنهما الحكم بالحد حتى تضع حملها وترضعه حولين، وإقامة الحدود المكفرات على الأئمة. [بيان، 20/202].
في صوم المشرك إذا أسلم في شهر رمضان وكذلك الصبي إذا بلغ فيه
(من كتاب الأشراف) (1/98)
صفحة 99
قال أبو بكر: واختلفوا في النصراني يسلم في شهر رمضان فقالت طائفة: يصوم فيما بقي وليس عليه قضاء ما مضى فيه، هكذا قال الشعبي وقتادة ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقال غيرهم: يصوم ما بقي ويقضي ما مضى، هذا قول عطاء، واختلف فيه عن الحسن البصري فقال مرة كقول عطاء وقال مرة كما قال مالك، وقال الأوزاعي كما قال مالك.
قال الأوزاعي: في الصبي يبلغ الحلم، وفي نسخة إذا بلغ الصبي الحلم في النصف من رمضان ولم يبلغ خمس عشرة سنة يصوم ما بقي، ويقضي ما أفطر من النصف الأول لأنه كان مطيقا لصيامه، وإن كان لا يطيقه فلا قضاء عليه، واختلفوا في قضاء اليوم الذي يسلم فيه الكفار، وكان مالك بن أنس وأبو ثور لا يوجبان عليه قضاء ويستحبان لو فعل ذلك.
/208/وقال عبد الملك الماجشون: يكف عن الأكل في ذلك اليوم ويقضيه. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه مثله.
وقال أبو بكر: ليس عليه أن يقضي ما مضى من الشهر ولا ذلك اليوم.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف في الصبي والذمي، إذا بلغ الصبي وأسلم الذمي في البعض من شهر رمضان فقد قال من قال: عليهما بدل ما مضى جميعا وصوم ما بقي. وقال من قال: ذلك على الذمي لأنه في حد التعبد، وليس ذلك على الصبي لأنه لم يكن عليه تعبد، وكذلك في اليوم الذي كان بلغ فيه الصبي وأسلم فيه الذمي فيلحقه الاختلاف بالقول في بدله والحكم يوجب عندي أن لا بدل عليهما في ذلك اليوم ولا فيما مضى من الشهر، وقد يوجد في بعض القول عليهما صوم ما بقي من شهر رمضان الذي لم يصوما أوله أحسب أن صاحب القول يوجب أن الشهر كله فريضة واحدة فنقول عليه تمام الشهر كله بمعنى صوم واحد، ولا يكون متفرقا في بدل كما لا يكون متفرقا في صومه، والنظر في هذا عندي تعبد، وإن كان لا يبعد لمعنى في هذه العلة في ثبوت الحجة إن احتج محتج بذلك. (1/99)
صفحة 100
ومن كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في القوت الذي يؤمر فيه الصبي بالصوم، فكان محمد بن سيرين والحسن البصري وعطاء /209/والزهري والشافعي يقولون: يؤمر به أطاقه، وقال مالك بن أنس: يؤمر به إذا احتلم، وقال الأوزاعي: إذا أطاق ثلاثة أيام تباعا لا يحول فيهن ولا يضعف حمل على صوم شهر رمضان.
وقال عبد الملك الماجشون: إذا أطاقوا الصوم ألزموا، وإن أفطروا فعليهم القضاء إلا عن علة أو عجز.
وقال إسحاق: إذا بلغ الصبي اثني عشرة سنة أحببت له أن يتكلف الصيام للعادة.
وقال أبو بكر: لا يجب عليه الصوم حتى يبلغ الحلم، ويؤمر به إن أطاق ليعتاده.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا قول أبي بكر أنه لا يلزمه الصوم في معاني التعبد حتى يبلغ، ويؤمر به إذا أطاق. [بيان، 20/209].
ومن كتاب الأشراف
ذكر ما يجب على من أغمي عليه في شهر الصوم
قال أبو بكر: واختلفوا فيما يجب على من أغمي عليه في صوم شهر رمضان، فقال الزهري: يقضي، وقال الحسن يقضي إلا اليوم الذي أفاق فيه. وقال الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور: إن أغمي عليه قبل الفجر لم يجزه، وإذا نوى الصيام من الليل وأغمي عليه في النهار أجزأه ذلك اليوم.
/223/وقال مالك: إن أغمي عليه في أول النهار إلى الليل قضى، وإن أغمي عليه وقد مضى أكثر النهار أجزأه ذلك اليوم.
وقال النعمان: إذا أغمي عليه رمضان كله قضاه، وإن أغمي عليه بعد ما يدخل أول ليلة منه قضى ما بقي من الشهر ويجزيه يوم تلك الليلة. قال قائل: إذا نوى الصوم من أول الليل ثم أغمي عليه في بعض الليل فهو بمنزلة النائم في ذلك الوقت ويجزيه ذلك اليوم. (1/100)
صفحة 101
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا أغمي عليه بذهاب عقله قبل طلوع الفجر في يوم من أيام شهر الصوم ولم يكن يعقل ذلك عند انفجار الصبح وكان عقله ذاهبا ذلك الوقت أن عليه بدل ذلك اليوم، وإذا مضى عليه هذا الوقت وهو صحيح العقل فلا يضره ذهاب عقله بعد ذلك ولا قبله، ولو أغمي عليه ليله ونهاره إلا هذا الوقت في شهر الصوم كله.
ومعي: أنه يخرج في معاني قولهم إنه لو أغمي عليه الشهر كله أنه لا بدل عليه ولا أعلم أن هذا يخرج من قولهم إلا على قول من يقول إن الشهر كله فريضة واحدة، فإذا كان صحيح العقل حتى اعتقد صومه من بعد وجوبه عليه من أول يوم من شهر رمضان ثم أغمي عليه من بعد ذلك فقد يشبه معاني ثبوت صومه على هذا الوجه، قول أصح في معاني قولهم لثبوت الأعمال بالنيات وأنه لا عمل إلا بالنية، وأن أحكام النيات عن ذاهب العقل زائلة وأن الصوم من الليل إلى الليل، ولا يثبت الدخول فيه /224/إلا بصحة العقل عند الدخول فيه، فإذا دخل فيه بصحة العقل كان قد انعقد العقل ولا يضره ما عارضه بعد ذلك إذا لم يكن منه ما يوجب الإفطار.
ذكر ما يجب على المجنون في شهر الصوم
قال أبو بكر: واختلفوا في قضاء المجنون إذا أفاق ما يقضي من الصوم في أيام صومه؟ فقال مالك: يقضي وإن مضى في صومه سنين، وكان الشافعي يقول بنحو من قول مالك إذ هو بالعراق ثم قال بمصر فيمن خبل أو جن أو وسوس أو عته.
وقال سفيان الثوري والنعمان: من جن في شهر رمضان كله فلا قضاء عليه، وإن كان في شيء منه يفيق فعليه القضاء.
وقال أحمد بن حنبل وأبو ثور يقضي المغمى عليه ولا يقضي المجنون، وقال قائل لا يجب على المجنون ولا على المغمى عليه قضاء إلا أن توجبه حجة، وحكي عن مكحول أنه لا قضاء على المغمى عليه فإني لأحب أن يتطوع بالقضاء. (1/101)
صفحة 102
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في جميع ذهاب العقل بأي وجه من الوجوه في معاني الصوم ما قد مضى في القول الأول لأن الصوم قد ثبت فيه عند العذر البدل الدليل في أحكام الكاتب والسنة لعدة من أيام أخر، وذهاب العقل من العذر الذي قد أوجب الله لصاحبه العذر عن أداء الفرائض في وقت ذهابه إلا أن يأتي على /225/ذاهب العقل حال حكم له بأنه يرجع عن ذهاب عقله ويأنس منه عن الانتقال، فإذا كان كذلك فيما مضى عليه في شهر رمضان وهو في حالته تلك أشبه في معاني قولهم أن لا بدل عليه لأنه لا يكاد أن يرجع عن حالته تلك إلى هذه الحال التي يحكم له بها، وعندي أن تلك الحال فيما قيل أن يذهب عقله دائما سنة، فإذا ذهب عقله سنة حكم له بالعتوة وسقط عنه أداء الفرائض وصار معتوها، فإن جرى عليه هذا الحال وهذا الحكم ثم استحال عن حاله تلك إلى صحة العقل وأخاف أن لا يكون ذلك أشبه عندي في معاني قولهم إن ذلك حكم قد سقط عنه في حاله تلك ولا بدل عليه، وقد يشبه عندي أنه إذا أغمي عليه في الشهر كله أنه لا بدل عليه بالتعلق بذلك القول من قول أصحابنا أو ما يشبه من قولهم لأن الشهر كله مضى حكمه وهو غير متعبد لا يلزمه أداء شيء من فرضه، فإذا زال عنه الحكم كله وهو غير متعبد حسن في المعنى أنه لا يلزمه حكم ما مضى كله كما أنه قد قيل لو أكل يوم من شهر رمضان بمعنى لم يصح الهلال ثم لم يصح ذلك اليوم أنه من شهر رمضان حتى انقضى ثم صح أنه لا بدل عليه لذلك اليوم، وهو أكثر القول من قول أصحابنا، فهذا إذا خصه حكمه لعله زال عنه حكم البدل ولو صح عنده لانقضاء الشهر كله كذلك يشبه عندي معنى هذا إذا انقضى وهو غير متعبد أن يزول عنه أحكام التعبد فيه، ويشبه هذا المعنى عندي أن لو ذهب عقله قبل دخول شهر رمضان كله ثم لم يفق حتى انقضى فيشبه هذا المعنى هذا الفصل في هذا الوجه. [بيان، 20/225]. (1/102)
صفحة 103
من كتاب الأشراف قال أبو بكر: واختلفوا في السعوط للصائم، فكان سفيان الثوري والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي يقولون إذا استعط فعليه القضاء، وقال مالك يقضي إذا دخل طعم ذلك في فمه، وقال الشافعي يقضي إذا وصل ذلك إلى الدماغ، وقال أبو عبيد عليه القضاء والكفارة إذا دخل حلقه، وقال قائل لا قضاء عليه، وقد روينا عن ابن عباس والحسن البصري أنهما قالا في الصائم يدخل الذباب في حلقه لا شيء عليه وبه قال مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نحفظ عن غيرهم خلاف. قال أبو بكر: وبه نقول. وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي في الحصاة يبلعها الصائم عليه القضاء والكفارة. (1/103)
صفحة 104
قال أبو سعيد: أما السعوط فعندي أنه في معنى قول أصحابنا إذا استعط فعليه البدل ليومه بمعنى السعوط، وفي بعض قولهم لا بدل عليه ما لم يدخل حلقه طعم ذلك أو لم يلج فيه، وفي بعض قولهم ولو وجده في حلقه لم يكن عليه بدل، وأما إذا وجد في فيه فمعي أنه إذا لم يثبت عليه البدل بالسعوط إلا لدخول في فيه فيبزقه، ولا شيء عليه لاتفاق قولهم أنه /241/يمضمض فاه ويبزقه ولا شيء عليه ما لم يدخل حلقه الماء ويوق طعم الطعام والشراب والصباغ إذا احتاج إلى ذلك ويخرجه من فيه ولا شيء عليه، وليس معنى دخول الفم حصول معنى إفطار وإنما هو بمعنى السعوط على حال أو حتى يصل إلى حلقه لأنه قد بلغ إلى حيث ثبت به معنى الأكل والشرب، ولا يرجع منه بعد ذلك، وأما معنى الكفارة فلا أعلمه يخرج ف معاني قول أصحابنا، وأما ما دخل في فم الصائم من جميع الأشياء من غير فعله من ذباب أو غيره فولج في حلقه من غير صنع منه فلا شيء عليه من بدل ولا غيره عندي، ولا أعلم في هذا الفصل اختلافا، وأما ما بلعه الصائم من غير الطعام وما هو معروف أنه غير المأكول والمشروب فأرجو أنه في أكثر معاني قول أصحابنا أنه أكل، أن كل شيء أكله فهو أكل، وما أكل فقد أفطر به وعليه معنا ما على المفطر من الكفارة، وأرجو أنه قد قيل في مثل هذا الفصل أن عليه البدل لما مضى من صومه ولا كفارة عليه. [بيان، 20/241].
ومن كتاب الأشراف: واختلفوا فيمن احتقن وهو صائم، قال عطاء بن أبي رباح وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والنعمان ومحمد: إذا فطر في إحليله فلا شيء عليه، وقال يعقوب: عليه القضاء، وقال أبو ثور: في الحقنة إذا احتقن فيه فلا شيء عليه، وقال مرة لا شيء عليه، وقال الشافعي والنعمان: إذا داوى جرحه برطب من الأدوية أو يابس منها فخلص إلى جوفه فعليه القضاء، وقال أبو ثور ومحمد ويعقوب: لا شيء عليه. (1/104)
صفحة 105
/263/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن المحتقن في ذكره فلا شيء عليه لأنه ليس مجرى الطعام، ولا يلج منه إلى الجوف شيء بمعنى الطعام الممنوع عنه الصائم، وكذلك احتقان المرأة في قبلها، وأما المحتقن في دبره فإذا بلغت الحقنة في موضع لا يمكن يدرك إخراجها إلا لمعنى خروج الغائط أو ما أشبه وصار في معاني الجوف فمعي في معنى قول أصحابنا أن عليه بدل يومه، وفي بعض قولهم بدل ما مضى من صومه، ولا أعلم في ذلك كفارة. [بيان، 20/263.].
فيما يفطر الصائم وما لا يفطر وغير ذلك
قال أبو بكر: لم يختلف أهل العلم أن الله جل كره حرم على الصائم في نهار الصوم الرفث وهو الجماع والأكل والشرب، وأجمع أهل العلم على أن من استقاء في نهار الصوم عليه القضاء، ودلت الأخبار الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجوب الكفارة على من جامع في نهار الصوم من شهر رمضان عامدا.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما ذكر إلا في قوله من استقاء، فإن كان يعني معنى يقي القيء فلا يخرج في معنى قولهم أنه يتفق على فساد صومه بل هو مما يختلف فيه إذا تقيأ فلم يرجع عليه من فيه شيء.
فقال من قال: عليه بدل يومه. وقال من قال: لا بدل عليه، وأصح المعنى عندي في قولهم أنه لا بدل عليه لأن القيء يخرج ولا يدخل، وأما إن تقيأ فقاء فرجع عليه من فيه شيء على معنى الغلبة برجعته عليه وقد كان في الأصل تقيأ فمعي أنه /266/عليه بدل يومه، ولا أعلم في ذلك اختلافا لأن ذلك من فعله الذي عرض لنفسه فيه، وإن انزعه القيء فرجع عليه من فيه شيء مغلوبا على ذلك فلا بدل عليه، ولا أعلم في ذلك اختلافا وإن كان بمعنى الاستقاء غير هذا فالله أعلم، ومنه ذكر من ذرعه القيء أو استقاء عامدا. (1/105)
صفحة 106
قال أبو بكر: وروينا عن علي بن أبي طالب وعن عمر وزيد بن أرقم أنهم قالوا: لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء، وبه قال مالك وسفيان الثوري والأزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي، وهذا قول كل من يحفظ عنه من أهل العلم، وروينا عن الحسن أنه كما قال هؤلاء، وروينا عنه أنه قال عليه القضاء.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، وأجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامدا، واختلفوا فيما يجب عليه إذا فعل ذلك فكان ابن عمر وعلقمة والزهري ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي يقولون عليه القضاء وليس عليه كفارة، وروينا عن علي بن أبي طالب وزيد بن أرقم.
وقال عطاء بن أبي رباح وأبو ثور: عليه القضاء والكفارة، وقال أبو بكر: بقول ابن عمر أقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما ذكر فيمن ذرعه القيء أنه أكثر القول لا شيء عليه، ولا يبين لي معنى يوجب عليه البدل ولو رجع عليه شيء من القيء إذا كان لم يستق، ولعله إن رجع عليه شيء فأرجو أن فيه اختلافا من قولهم ولا يعجبني ذلك، وأما من تقيأ فمعي أنه يختلف فيه من قولهم.
/267/فقال من قال: عليه بدل يومه. وقال من قال: لا بدل عليه، وكذلك يعجبني، وأما الكفارة فلا أعلمها عليه إلا أن يرد شيئا من فيه عامدا فإنه قد قيل في معاني قولهم إنه إذا تقيأ ثم رد شيئا من فيه عامدا فعليه الكفارة، وإن غلبه القيء فرجع عليه وقد تقيأ فإنما عليه بدل يومه، ومنه مضغ العلك للصائم. (1/106)
صفحة 107
قال أبو بكر: وروينا عن عائشة أم المؤمنين وعطاء بن أبي رباح أنهما رخصا في مضغ العلك للصائم، وروينا عن ابن عباس أنه قال: لا بأس أن تمضغ لصبيها الطعام، وبه قال الحسن البصري وإبراهيم النخعي، وبه قال الأوزاعي ثم رجع عنه وكرهه، وقال أصحاب الرأي صوم من يذوق الشيء بلسانه تام، وكره المضغ للصائم عطاء والشعبي وإبراهيم النخعي ومحمد بن علي وقتادة وأحمد بن حنبل، وكره مالك للصائم أن يمس بلسانه شيئا له طعم، وكره الشافعي وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي مضغ العلك للصائم، وإن مضغ لم يفطر.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا كراهة المضغ لا لشيء من الأشياء مما يخلى منها لتعويض الصائم لصومه إلا لمعنى فإن فعل ذلك لمعنى أو لغير معنى فلم يدخل حلقه شيء من ذلك لم يثبت عندي في شيء من معاني قولهم عليه الإفطار.
ذكر الكحل للصائم
قال أبو بكر: واختلفوا في الكحل للصائم، فرخص في ذلك عطاء والحسن البصري والنخعي والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وكره سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق في ذلك، وكان /268/ سليمان التميمي ومنصور بن المعتم وابن أبي ليلى وابن شبرمة يقولون: إن اكتحل فعليه أن يقضي يوما مكانه، وكره قتادة الاكتحال بالصبر، ورخص بالإثمد للصائم.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا الترخيص للصائم في الكحل كله لمعنى لأن العين ليست من مجاري الطعام وإن وجد في فيه شيئا من ذلك كله بزقه، إلا أني أرجو أنه يخرج في بعض قولهم الكراهية للكحل بالصبر فالله أعلم ما أرادوا بذلك.
/269/ ذكر السواك للصائم
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة". (1/107)
صفحة 108
قال أبو بكر: يدخل في هذا شهر رمضان وغيره، واختلفوا في السواك للصائم، فرخص في السواك بالغداة والغشي إبراهيم النخعي وابن سيرين وعروة بن الزبير ومالك بن أنس وأصحاب الرأي، ورويت رخصة عن عمر وابن عباس وعائشة، ورخص في السواك في أول النهار للصائم، وكره ذلك آخر النهار الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وروي ذلك عن مجاهد وعطاء.
واختلفوا في السواك بالعود الرطب للصائم، فمن قال لا بأس به أبو أيوب بن أبي تميمة السيحساني وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وروينا ذلك عن ابن عمر ومجاهد وعروة بن الزبير، وكره مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ذلك، روينا عن الشعبي وعمر بن شرحبيل والحكم وقتادة.
/270/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من الكراهية والترخيص في السواك للصائم، ولا أعلم من قولهم أن عليه في شيء من السواك في وقت من الأوقات إفطار، ويعجبني فضل السواك في وقت من الأوقات إلا لمعنى يرجى أن يكون أفضل منه أو يوجب إثما أو إبطال حكم وإلا فيثبت معنى فضل السواك في كل حال وعلى كل حال.
ذكر ازدراد الصائم ما بين أسنانه من فضل سحوره وغيره
قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن لا شيء على الصائم فيما يزدرد مما يخرج مع الريق مما بين أسنانه ومما لا يقدر على الامتناع منه.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما ذكر أنه لا بأس على الصائم فيما غرق من ريقه ولو كثر، وأما ما بين أسنانه فإن كان معنى الريق الذي يمر عليه وهو من الطعام فهو كذلك ما يحل منه في الريق شيء من الذات أو بغير معنى الريق فيغلب عليه من معنى الطعام أو الشراب فإنه إذا كان كذلك لم يجز، وأما إن أساغ من ذلك كله من الطعام ولو كان باقيا بين أسنانه بعد العلم به، فلا يجوز ذلك وهو بمنزلة الطاعم والشارب. (1/108)
صفحة 109
ومنه: واختلفوا في بعله ما بين أسنانه مما لا يقدر على إخراجه وطرحه، وكان النعمان يقول الصائم يكون بين أسنانه لحم فيأكله متعمدا لا قضاء عليه ولا كفارة، وفي قول سائر أهل العلم إنما عليه القضاء وإنما الكفارة على سبيل ما اختلفوا فيه مما يجب على الصائم في الأكل عامدا.
قال أبو بكر: عليه القضاء.
/271/قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن عليه البدل والكفارة إذا كان متعمدا لذلك لأنه أكل، وسواء أكل قليلا أو كثيرا، وليس اللحم من ذات فمه. [بيان، 20/271].
ذكر من احتجم في نهار الصوم
قال أبو بكر: واختلفوا فيما يجب على من احتجم في نهار الصوم، فكان أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه يقولان: عليهما القضاء، وكان مالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأبو ثور يقولون: لا شيء عليه، وقد ذكرنا اختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين عنا أنه أراد في غير هذا الموضع.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال غيره: معنا أنه أراد بقوله ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لا بدل على المحتجم، يعني الحجامة، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه احتجم وهو صائم، ولا معنى يوجب الإفطار على الصائم بالحجامة، وإنما قيل تأول أصحابنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "أفطر الحاجم والمحجوم" لمعنى أنهما كانا يغتابان، وهذا خبر خاص في معنى الغيبة يخرج ظاهره في معنى الحجامة.
ذكر الصائم يمضمض ويستنشق فدخل الماء حلقه
قال أبو بكر: واختلفوا في الصائم تمضمض واستنشق فيدخل الماء حلقه، فكان عطاء بن أبي رباح وقتادة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يقولون: لا شيء عليه في ذلك.
/274/وقال الحسن البصري والأوزاعي: لا شيء عليه في المضمضة، وقد اختلف عن الشافعي فيه. وقال أبو ثور: لا شيء عليه. (1/109)
صفحة 110
وقال مالك بن أنس: في الاستنشاق يقضي يوما مكانه، وقال أصحاب الرأي في المضمضة إذا كان ذاكرا لصومه قضاء يوم مكانه.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن الصائم إذا مضمض فاه لشيء لازم فدخل الماء حلقه أنه لا شيء عليه، فإن كان غير لازم وهو ذاكر لصومه غير مريد لإدخال الماء حلقه، فمعي أنه قد قيل: إن عليه بدل يومه، ويختلف فيه إذا كان ناسيا لصومه عندي إذا مضمض فاه أو دخله الماء على النسيان بغير لازم.
فقال من قال: عليه بدل يومه. وقال من قال: لا شيء عليه، والاستنشاق أقرب إلى الرخصة إلا أنه إذا كان من معنى فعله لم يبعد أن يتساوى في ذلك لما يوجد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يؤمر بالاستنشاق: "فإذا استنشقت فبالغ ما لم تكن صائما" فقد ثبت معنا أنه في الصوم فيه معنى غير معنى الإفطار وهو عندي أرخص على حال لأنه يخرج في بعض قول أصحابنا أن الصائم لو استعط /275/فدخل الدهن حلقه أنه يختلف فيه في معنى صومه، فالسعوط عندي أوحش لأنه إنما يراد به معنى ما يلج في الرأس، وقد جاء في معنى السعوط أنه يقوم مقام الرضاع، فإذا ثبت معناه أنه يقوم مقام الرضاع فلا يكون إلا كالأكل والشرب، ولا أعلم في قول أصحابنا نصا في معنى الاستنشاق ودخول الماء في الحلق منه شيئا مؤكدا إلا هذا الذي يشبه في معاني قولهم والله أعلم بالصواب مما جاء في هذا الكتاب. [بيان، 20/275].
بيان الشرع ــــ 21 ــــ
ومن كتاب الأشراف: ذكر من جامع في قضاء شهر رمضان
قال أبو بكر: واختلفوا فيمن جامع في شهر رمضان. فقالت طائفة: عليه يوم مكان يوم، هذا قول عطاء ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأصحاب الرأي ومن تبعهم.
قال قتادة: عليه القضاء والكفارة.
قال أبو بكر: كما قال عطاء أقول. (1/110)
صفحة 111
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أن على المجامع في بدل شهر رمضان عامدا فساد صومه لما مضى من البدل قليلا كان أو كثيرا، وعليه استقبال صومه لما لزمه من البدل في شهر رمضان من شهر واحد.
ويخرج في معاني قولهم إن كان البدل عن شهرين أو أكثر فإنما يفسد عليه بدل ما هو صائم له من الشهور، ولا يفسد عليه بدل ما صام لغير ذلك الشهر من الشهور إذا كان قد مضى صومه قبل ذلك.
ومنه: ذكر من وطئ زوجته يوما بعد يوم من شهر رمضان
قال أبو بكر فيمن جامع امرأته في شهر رمضان في أيام شتى فقالت طائفة عليه كفارة واحدة ما لم يكفر، فإن كفر ثم عاد فوطئ فعليه كفارة أخرى، هذا قول الزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي.
وجواب أصحاب الرأي في الأكل والشرب كجوابهم في الجماع.
/57/وقالت طائفة: لكل يوم كفارة. كذلك قال مالك بن أنس والليث بن سعد والشافعي وأبو داود.
وقال عطاء: عليه في كل يوم يفطر من رمضان كفارة. وبه قال مكحول.
قال أبو بكر: كذلك أقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف كله.
ومنه: ذكر الصائمة توطأ وهي نائمة أو مستكرهة
قال أبو بكر: واختلفوا في المرأة توطأ وهي مستكرهة، قال سفيان الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي: عليها القضاء ولا كفارة عليها، وروي ذلك عن الحسن البصري.
وقال مالك بن أنس: عليها القضاء وعليه الكفارة عنها، وفي قول مالك إذا جومعت وهي نائمة عليها القضاء ولا كفارة عليها.
وقال أبو المؤثر: ليس عليها قضاء ولا كفارة إذا استكرهها وأتاها وهي نائمة.
قال أبو بكر: وكذلك نقول لأنها لم تفعل شيئا في الحالتين.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معنى قول أصحابنا بدل يوم لا أعلم غير ذلك ولا أعلم عليها هي كفارة ولكن الاختلاف منهم في القول بثبوت كفارتها عليه وهو أصح معاني الحكم عندي أن لا كفارة عليها لأنه لم يكن منها هي فعل فتعاقب عليه.
/58/ومنه: ذكر المرأة تجامع في الصوم ثم تحيض آخر النهار (1/111)
صفحة 112
قال أبو بكر: كان مالك بن أنس يقول: إذا جامعها ثم حاضت في آخر النهار عليها القضاء والكفارة. وكذلك الرجل يطأ في أول النهار ثم يمرض في آخر النهار عليه الكفارة، وبه قال الليث بن سعد وعبد الملك الماجشون.
وقال سعيد بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه وأبو ثور كما قال مالك في التي جومعت ثم حاضت فعليها القضاء ولا كفارة عليها، وعلى الرجل القضاء والكفارة.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن على المرأة إذا كانت مطاوعة ما على الرجل من القضاء والكفارة، ولا أفرق في ذلك، ولا يثبت حجة تنزيل معنى الاستباحة محرمة يوجبها بحدوث عذر لم يكن نزل. وأصح القول عندي كما قال إن عليها القضاء والكفارة وهي مثله.
ومنه: ذكر من جامع في نهار الصوم ثم مرض في آخر النهار
وقال أبو بكر: كان مالك بن أنس والماجشون وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور يقولون إذا جامع في نهار الصوم ثم مرض من يومه ذلك عليه الكفارة.
وقال أصحاب الرأي: عليه القضاء ولا كفارة عليه.
وقال أصحاب الرأي والشافعي: إن جامع ثم سافر فعليه الكفارة لأن السفر شيء يحدثه.
/59/مسألة: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق أن هذا ليس من العذر الذي يزيل معنى الكفارة، إلا أنه قد يوجد في بعض قولهم بما يشبه معاني هذا أنه إذا كان من المفطر أو المجامع في شهر رمضان في آخر يومه شيء يوجب له العذر ويبيح له الإفطار زال عنه معنى الكفارة وثبت عليه معنى القضاء لما مضى لا يبين لي في ذلك اختلاف، ولا أعلم من قولهم إنه إنما يلزمه بدل يومه في مثل هذا، وليس هذا في معنى الحكم شيء يوجب عذر ولا يزيل حكما، والله أعلم، لأنه قد حصل استباحة الحرمة قبل نزول العذر والبلوغ إلى الرخصة. [بيان، 21/59].
من كتاب الأشراف: ذكر من وطئ زوجته ناسيا في نهار الصوم. (1/112)
صفحة 113
قال أبو بكر: واختلفوا فيمن وطئ زوجته ناسيا في نهار الصوم، فروينا عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا: لا شيء عليه، وبه قال سفيان الثوري والشافعي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأصحاب الرأي. وكان عطاء بن أبي رباح ومالك والأوزاعي والليث بن سعد يقولون: عليه القضاء.
وقال أحمد بن حنبل: عليه الكفارة والقضاء.
قال أبو بكر: لا شيء عليه.
وقال مالك بن أنس والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: إذا أكل ناسيا وظن أن ذلك قد أفطره فجامع عامدا أن عليه القضاء ولا كفارة عليه.
قال أبو بكر: وبه أقول.
قال أبو سعيد: أما الجماع على معنى النسيان فمعي أنه يخرج في قول أصحابنا على حسب ما يخرج معنى الأكل والشرب ناسيا، وفيه معنى الاختلاف من بدل يومه ولا أعلم فيه أكثر من ذلك، ولا أعلم عليه كفارة بمعنى الوطء ناسيا.
/69/وأما إذا وطئ بعد ذلك الوطء عامدا يظن أن ذلك يفطره وأن له في ذلك عذرا، فمعي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لا عذر له ليس في ذلك من طريق الإثم ولا يسعه ذلك.
وفي بعض قولهم إن عليه الكفارة، وأرجو أن في بعض معنى قولهم إن عليه بدل ما مضى من صومه إذا لم يتعمد على الوطء، وإذا كان له في ذلك سبب فأشبه معاني قولهم عندي بثبوت الكفارة.
ومنه ذكر إباحة إناءة الجنب الاغتسال من الجنابة
إلى طلوع الفجر في شهر رمضان
قال أبو بكر: واختلف أهل العلم فيمن أصبح جنبا في شهر رمضان، وكان ابن عمر وعائشة أم المؤمنين ومالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون: يتم صومه ولا شيء عليه.
وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي ذر وابن عباس.
وقد روينا عن الحسن البصري آخر قوليه أنه قال: يتم صومه ويقضيه، روي ذلك عن سالم بن عبد الله.
وقد اختلف فيه عن أبي هريرة، وأشهر قوليه عند أهل العلم أنه قال: لا صوم عليه. (1/113)
صفحة 114
/70/وفيه قول ثالث: روي ذلك عن أبي هريرة قال: إذا كان علم بجنابته ثم نام حتى أصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم حتى يصبح فهو صائم، روي ذلك عن طاووس وعروة بن الزبير.
وقد روينا عن إبراهيم النخعي قولا رابعا: وهو أن ذلك يجزيه في التطوع، ويقضي في الفرض.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق إنه إذا أصبح جنبا وهو عالم من غير عذر أن صومه ينتقض، وأما إذا كان جاهلا ولم يعلم جنابته حتى أصبح ثم علم أنه جنب ففي بعض قولهم إن صومه منتقض، وفي بعض قولهم ما لم يمض أكثر يومه فصومه تام.
وفي بعض قولهم: ما لم يومه كله وهو جنب فصومه تام إذا لم يقصد في الغسل من حين ما يعلم في القولين، فإن مضى يومه كله جنبا ولم يعلم بذلك فسد صومه.
وقد قيل: لا فساد عليه على حال إذا لم يعلم بالجنابة، وأما إذا علم بجنابته في الليل ثم نام حتى أصبح ففي بعض قولهم: إن نام على أن يقوم يغسل في الليل فذهب به النوم فإنما عليه بدل يومه.
وقال من قال: بدل ما مضى، وبدل يومه عندي أكثر ما قيل. وإن نام مهملا لنيته حتى أصبح فمعي أنه يختلف فيه على نحو ما قال في الأول إذا نام على النية ينتقض يومه وما مضى من صومه.
/71/ومعي أن أكثر القول في هذا أن عليه نقض ما مضى من صومه إذا نام على إهمال نيته للغسل، وأما النافلة فلا يقع معنا لزومها إلا بتمامها واعتقادها بعد الفجر، ويعجبني ما قيل عمن قيل إنه يجزيه في النافلة لأنه لا يلزمه التعبد عندي بذلك.
ومنه ذكر القبلة للصائم
قال أبو بكر: واختلفوا في القبلة للصائم، فرخص فيها كثير من أهل العم.
روينا الرخصة فيها عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وابن عباس وعائشة أم المؤمنين.
وقال عطاء وعامر والحسن البصري وأحمد وإسحاق، وكان سعد بن أبي وقاص لا يرى بالمباشرة للصائم بأسا. (1/114)
صفحة 115
وكان ابن عمر ينهى عن ذلك. وروينا عن ابن مسعود أنه قال: يقضي يوما مكانه. وكره مالك القبلة للشيخ والشاب في رمضان، وأباحت فرقه ذلك للشيخ وحظرت ذلك على الشاب، وروي هذا القول عن ابن عباس. وكان الشافعي يكره ذلك، لعله أراد كراهية ذلك حركته، ولا ينتقض صومه.
وقال الثوري: التنزّه عن ذلك أحب إليّ.
وقال أحمد بن حنبل: إذا كان لا يخاف أن يأتي منه شيء.
وقال أبو ثور: إذا كان عليه أن لا يتعدى إلى غيره لم يتعرض له.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا الاختلاف في /72/معنى القبلة للصائم بالكراهية كنحو ما حكي، وإن كان اللفظ ليس بعينه. وفي بعض قولهم إن ذلك من الشاب أشد، ويرى بعضهم عليه النقض بمعنى القبلة ولو لم يكن منه غير ذلك.
ويعجبني أن لا يكون عليه نقض في ذلك كله، ولا تعجبني أن يتعرض لذلك لغير شهوة تبعته ولا الشهوة فيتعرض لها، وإن كان ذلك يكره أو ابتغاء وسيلة كان ذلك عندنا حسنا لا مكروها، وإن كان لمعنى الشهوة فهو مكروه لأن ذلك من أسباب الشهرة ما يأتي نقض الصوم بمعاني الاتفاق. [بيان، 21/72].
ذكر السحور للصوم والفطر
(من كتاب الأشراف)
قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تسحروا فإن في السحور بركة".
قال أبو بكر: أمر ندب لا أمر فرض، وعلى ذلك القول أجمعوا على أن ذلك مندوب إليه مستحب، ولا مأثم على من تركه.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما قال من استحباب السحور، وذلك عندهم على معنى القول لتجديد النية للصوم، وإذا ثبت معنى ذلك أجزأ تجديد النية بغير أكل ولا شرب.
ومن كان يعرف نفسه بأن السحور مما يتقوى به على الصوم وكان تقويه على اللازم من الصوم من الفضائل، ومن كان يعرف نفسه أنه يضرّه السحور لم يكن له إدخال المضرّة على نفسه من الفضائل والناس في ذلك تختلف أحوالهم. [بيان، 21/73].
من كتاب الأشراف
ذكر من أكل ناسيا في نهار الصوم (1/115)
صفحة 116
قال أبو بكر: واخلفوا فيما يجب على من أكل في نهار الصوم ناسيا، فقالت طائفة: لا شيء عليه، وروي هذا القول عن عليّ بن أبي طالب، وبه قال أبو هريرة وعمر وعطاء وطاووس وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأصحاب الرأي.
/83/وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس: عليه القضاء.
وعجبت بقول مالك وسعيد بن عبد العزيز.
وقال أبو بكر: لا شيء عليه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن أكل وشرب ناسيا يتم صومه، وإذا قال يتم صومه فإنه هو صوم تام كامل.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف، ففي بعض قولهم إن عليه بدل يومه، وفي بعض قولهم لا بدل عليه، وأرجو أنه يخرج في أكثر قولهم البدل عليه ليومه لثبوت الأكل منه. [بان، 21/83]
ومن كتاب الأشراف: ذكر اختلاف أهل العلم على من أكل أو شرب في نهار الصوم.
قال أبو بكر فيما يجب على من أكل في شهر رمضان عامدا، فقال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وحماد بن أبي سليمان والشافعي وأحمد بن حنبل: عليه القضاء ولا كفارة عليه.
وقال أصحاب الرأي والزهري وسفيان الثوري والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور: عليه ما على المجامع من الكفارة.
وروينا ذلك عن عطاء بن أبي رباح والحسن البصري.
وقال سعيد بن المسيب: عليه صوم شهر.
/95/وقد روينا عن عطاء قولا رابعا: وهو أن عليه تحرير رقبة، فإن لم يجد فبدنة أو بقرة أو عشرون صاعا من طعام يطعمه المساكين فيمن أفطر يوما من شهر رمضان من غير علّة.
وفيه قول خامس: وهو أن عليه أن يصوم اثني عشر يوما لأن الله جل وعزّ يقول: { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } . هذا قول ربيعة بن عبد الرحمن، وهذه حجّته.
وقد روينا عن النخعي أنه قال: صوم ثلاثة آلاف يوم.
وروينا عن عبد الله بن عباس أن عليه عتق رقبة أو صوم شهر أو إطعام ثلاثين مسكينا. (1/116)
صفحة 117
وروينا عن علي وعبد الله أنهما قالا: لا يقضيه أبدا وإن صام الدهر كله.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في بعض قول أصحابنا أن للفطر عامدا بأكل أو شرب مثل المجامع، ولا أعلم بينهم اختلافا.
وإذا ثبت معنى الكفارة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المجامع فمثله في الأكل والشرب، إذا الاتفاق على منع ذلك لمعنى استوائهما لقول الله: { وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل } .
/96/فالصيام عن هذه الخصال سواء، والإفطار بأحدهن سواء.
وقد مضى ذكر معنى الكفارة في قولهم عندي، وقد جاء في بعض قولهم إن كفارة ذلك صوم سنة، وفي بعض قولهم إنه لو صام الدهر كله ما كان كفارة عن ذلك اليوم أو لما أجزى عنه لأنه لا يلقى مثل ذلك اليوم أبدا، ولا أعلم في قولهم كفارة في هذا أن تجزي عندهم بدنة ولا إطعام ثلاثين مسكينا ولا صوم اثني عشر يوما، وإنما أقل ما قيل عندي من قولهم فيما أرجو أنه قيل معمولا به صوم شهر على ما قد مضى ذكره ولا إطعام فيه. [بيان، 21/96].
(ومن كتاب الأشراف) ذكر الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب على من يريد الصيام.
قال أبو بكر: كان مالك بن أنس والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون: يحرم الطعام والشراب عند اعتراض الفجر الآخر في أفق السماء. روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب وابن عباس، وبه قال عطاء بن أبي رباح وعوام علماء الأمصار.
قال أبو بكر: كذلك نقول.
وفي هذا الباب قول ثان: روينا عن علي بن طالب أنه قال حين صلى الفجر الأخير تبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
وروي عن حذيفة أنه لما طلع الفجر تسحّر ثم صلى، وروي معنى ذلك عن عبد الله بن مسعود. (1/117)
صفحة 118
وقال مسروق: لم يكن يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق، وكذلك إسحاق بن راهويه يميل إلى القول الأول. ثم قال من قال: من غير أن يطعن على الذين تأولوا الرخصة في الوقت الذي بينا ولا قضاء على من أكل في الوقت الذي بينا من الرخصة ولا كفارة.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى القول الأول إن وجوب الصيام ومنع الأكل والشرب وجميع ما كان في الصيام حرام يجب ذلك كله إذا تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود وهو طلوع الفجر الذي يجب به دخول النهار وانقضاء الليل، ولا أعلم بينهم في ذلك بينهم اختلافا، وهو قوله تبارك وتعالى: { وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط /99/ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل } . وإنما يخرج معنى القول في الصبح الأول أنه لا يعد صبحا في معاني الصلاة والصوم وليس ذلك بصبح إنما سمي صبحا لقربه من الصبح ولاشتباهه له، وهو الذي قيل إن بعض العرب تسميه الفجر الكذاب، فذلك ليس بصبح تجب به الصلاة ولا الصوم، وإنما الصبح الذي هو من النهار فلا يجوز فيه عندي معنى الاختلاف وفي معنى الصوم.
ومنه ذكر الأكل وهو يشك في طلوع الفجر
قال أبو بكر: واختلفوا فيمن أكل وهو يشك أنه في طلوع الفجر، فقالت طائفة: الأكل والشرب مباح.
قال غيره: معنا أنه أراد حتى أراد يوقن بطلوع الفجر. هذا قول ابن عباس وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأصحاب الرأي.
وروي معنا ذلك عن أبي بكر الصديق وابن عمر.
وقال مالك بن أنس: يقضي، فإن كان عليه فقد قضاه وإلا فقد أجزأه إن شاء الله.
قال أبو بكر: القول الأول أصح.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى القول الأول أن للصائم أن يأكل ويشرب حتى يصبح ولا يشك في الصبح. (1/118)
صفحة 119
/100/وقد قيل عن ابن عباس، وقد سئل عن ذلك فقال آكل حتى أشك؟ فقال: كل حتى لا تشك، وينبغي أن يكون معنى الإطلاق لا يكون إلا من خصه معرفة الصبح ومن كان به عارفا. وأما من لا علم له بالصبح ومتى يصبح، ولا يعرف هذا ليس له بحجة أن يأكل بعد أن يرى الصبح الذي هو صبح عند من عرفه ولو جهله هو، وهذا ما لا يسع جهله عندي.
وعلى من جهل ذلك الإمساك عن الأكل في الصبح، فإن لم يعرف ذلك لزمه معنى الاحتياط أن يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه من ذلك.
ومنه ذكر من أكل وهو لا يعلم بطلوع الفجر ثم علم
قال أبو بكر: واختلفوا فيمن أكل وهو لا يعلم بطلوع الفجر ثم علم به. فقالت طائفة: يتم صومه ويقضي يوما مكانه، وروي هذا القول عن محمد بن سيرين وسعيد بن جبير، وبه قال مالك بن أنس والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي.
وروينا عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير أنهم قالوا: لا قضاء عليه.
وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: لا قضاء عليه، وأحب إلينا أن يقضيه.
/101/وجعل من جعل هذا القول ذلك بمنزلة من أكل ناسيا ولأنه والناسي أكل كل واحد منهما، والأكل عنده له مباح.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف.
وإذا أكل الآكل أو شرب وهو لا يرى الصبح أو قبل أن يصبح معه الصبح لغيبته في الصبح أو لمعنى يكون فيه عذر ثم صح أنه أكل في الصبح فقال من قال: عليه بدل يومه.
وقال من قال: لا بدل عليه.
ولعل أكثر معاني قولهم يخرج على معنى البدل لصحة أكله، وقد يحسن ألا بدل عليه لأنه في الليل في معنى الحكم حتى يصبح معه النهار.
وأحسب أنه يخرج في بعض قولهم إنه إن أكل وهو مخاطر بصومه وخائف على نفسه أن يدركه الصبح فتبين له بعد ذلك أنه كان في الصبح أن عليه بدل ما مضى من صومه، وإن كان آمنا على صومه فتبين له فعليه بدل يومه.
ومنه ذكر من أفطر وهو يرى أن الشمس
قال أبو بكر: اختلف (1/119)