صفحة 1
الكتاب: تلقين الصبيان لنور الدين السالمي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
المؤلف: نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي (المتوفى: 1332هـ/1914م
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب تلقين الصبيان
للشيخ العلامة المحقق الامام : نور الدين عبد الله بن حميد السالمي
الأقسام
المقصد الأول: في بيان ما يجب على الإنسان من الاعتقاد في الجنان
المقصد الثاني: في بيان ما يجب على الإنسان من العمل بالأركان
المقصد الثالث: الزكاة
المقصد الرابع: الحج
المقصد الخامس: الجهاد
الخاتمة
-------------------------------
المقدمة :
بِسم اللّهِ الرحمنِ الرحيمِ
الحمدُ لِلّهِ الَّذِي خَلقَ الإنسانَ وعلَّمهُ البيانَ ، وجَعَلَ لَهُ السَّمعَ والبَصرَ والْجَنان ، والصَّلاةُ والسلامُ على سيِّدِ الخلقِ المبعوثِ مِنْ وَلِد عدنانٍ ، وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وعَلَى تابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ .
سبب تأليف الكتاب
أما بعدُ: فقد سَأَلَني بعضُ الإخوانِ أصلحَ اللّهُ لِي وَلَهُ الشَّأْنَ أَنْ أَضَعَ لَهُ رِسَالَةً يَسِيرةً في بَيَانِ أَوَّلِ ما يَجِبُ على الإِنْسَانِ في أَوَّلِ حَالِ التَّكلِيفِ ، وفي بَيَانِ بَعْضِ ما يُؤمَرُ بِه ، واقْترحَ عليَّ أَنْ يكونَ ذلِكَ بِعِبَارةٍ ظَاهِرَةٍ يَفْهَمُهَا الذَّكيُّ والضَّعِيفُ ، فَأَجَبتُه إِلىَ ذلِكَ إِسعافاً لِمُرادِهِ واللَّهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالى وَلِيُّ التَّسدِيدِ لَمِنْ لَجَأَ إِليهِ مِنْ عِبَادِهِ ، فَهَا أَنا أجْعلُ مَقصُودَ السَّائِل في مَقْصَدَيْنِْ وخاتمةٍ ، وأَزيدُ عليهِ نافِلَةً مُقدَّمةً نافِعَةً لِلْعَامَّةِ .
فَأَمَّا ( المقصدُ الأولُ ): فَهُوَ في بَيَانِ أَوَّلِ ما يَجِبُ على الإِنْسَانِ مِنَ الإِعْتِقَادِ بالجَنانِ ، وَأَمَّا ( المقصدُ الثَّانِي ):فَهُوَ في بَيَانِ أَوَّلِ ما يَجِبُ على الإِنْسَانِ مِنَ الْعَمَلِ بالأَركانِ ، وَأَمَّا ( الخاتِمَةُ ): فَهِيَ في بَيَانِ أَوَّلِ ما يَجِبُ على الإِنْسانِ اجتنابُهُ وتْركُهُ منْ فعلٍ بَدَنِيٍّ أَوْ خُلقٍ نَفْسانِيٍّ . (1/1)
صفحة 2
وَأَمَّا ( المقدِّمةُ ): فَهِيَ في بَيَانِ مَا يُؤمَرُ بِهِ وَلِيُّ الصَّبِّي كَانَ أَباً أو غير أبٍ مِنَ المراعاةِ لِلصَّبِّي والسِّيَاسَةِ لَهُ إِلى حالِ بُلُوغِهِ .
المقصد الأول: في بيان أول ما يجب على الإنسان من الاعتقاد بِالجنان
سقوط التكليف عن الصبي
اعْلمْ أَنَّ الصَّبِيَّ لا يَجِبُ عليهِ مادَامَ صَبِياً شَيءٌ من الإِعتقادَاتِ وَلاَ شيءٌ مِنَ الْعَملِيَّاتِ ، وإِنَّما جَازَ ضَربُهُ على تَركِهِ بَعضَ ما يُؤْمَرُ الوليُّ بأَمرِهِ بِهِ ، إنّما هوَ مِنْ بابِ السِّيَاسَةِ لهُ ، وليسَ ذلكَ مِنْ بابِ تَرْكِ ما يَجِبُ على الإنسانِ فِعْلُهُ .
عَلاَماتُ البُلُوغ : فإذا بَلغَ الصَّبيُّ حَدَّ البلُوغِ وهُوَ حُصُولُ الحُلُمِ أَي الماءِ الدّافِقِ أو نَبَاتُ الشَّعرِ في الْمَوضِعِ المُعْتَادِ أو بُلوغُ خَمْسَ عَشَرةَ سنةً على قَولٍ وهُو الأَصَحُّ ، أو سَبْعَ عَشَرةَ سنةً على قَوْلٍ آخَرَ ، ( والمرأةُ إِنْ وَجَدَتِ الْحَيضَ أو الْحَمْلَ أو تَكَعَّبَ ثَديَاهَا ) ، فَإِذَا وَجَدَ الصَّبِيُّ إِحدَى هذِهِ الْعَلاَمَاتُ حُكِمَ لَهُ وعلَيهِ بِأحْكامِ الْبَالغِ . وَيُوَجَّهُ إِليّهِ التَّكليفُ بالْعِبَاداتِ والْخِطَابُ بِتْركِ الْمحْجُوراتِ . (1/2)
صفحة 3
ما يجبُ عليهِ بعدَ البلُوغ : فأوّلُ ما يجِبُ عَلَيْه بَعْدَ البُلوغِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ لَهُ صَانِعاً وخَالِقاً خَلقَهُ ، وَأَنَّ هَذَا الصَّانِعَ وهذا الْخالِقَ الَّذي أوجَدَهُ مِنَ الْعَدَم إِلى الوُجودِ هُوَ الّذي أوْجدَ كُلَّ شْيءٍ وَخَلَقَ كُلَّ مَوْجُودٍ ، وَأَنَّ جميعَ المخْلوقاتِ مُحتاجةٌ إِليْهِ وَهُو غَنِيٌّ عنهَا ، وَأَنَّهُ لا يكوُنُ بِهذهِ الْحالَةِ إلاَّ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِالْكمَالِ الذَّاتَّي، مُبَايِنٌ لِجَمِيعِ الأَشْياءِ في ذَوَاتِهَا وَأحوَالِهَا وأَفْعالِهَا ، وَأنّ إسْمَ خَالِقِهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَخَلَقَ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا هُوَ اللّه .
ما يَستحِيلُ على اللّه
وَأنَّهُ تَعَالى لا يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ بِشْيءٍ مِنْ صِفَاتِ النَّقصِ ، فَيسْتحِيلُ عَلَيهِ الإتِّصَافُ بالْجهْلِ وَالعَجْزِ وَالعَمَى والصَّمَمِ والحُلوُلِ في الأَمْكِنَةِ وَالحدُوثِ في الأزْمِنَةِ ، وَيَسْتَحِيلُ أنْ تَحُلَّهُ الأشْيَاءُ كما يَسْتَحِيلُ عَليهِ أنْ يَحُلَّهَا ، ويَستَحِيلُ عليْهِ أنْ يُرَى بِالأَبصَارِ ، ويَستحِيلُ عليْه إِدْراكُ ذاتِهِ تَعَالى بالْعَينِ أو بِالقَلبِ أو غَيرِهِمَا مِنْ جميع الْحوَاسِّ ، ِلأَنَّ ذلِكَ كُلَّهُ نَقْصٌ تَعَالى ربُّنا عَنْهُ عُلوَّاً كبيراً .
ما يَجِبُ أنْ يوصفَ بِهِ اللّه (1/3)
صفحة 4
وأنَّه تَعالَى يَجِبُ لَهُ الإتِّصَافُ بالكمَالِ ، فَهُوَ تَعالَى ، قَدِيمٌ حَيٌّ عَلِيمٌ ، قَادِرٌ مُرِيدٌ ، بَصِيرٌ ، سَمِيعٌ، بَاقٍ ، لا يَجُوزُ عَلَيهِ الْفَنَاءُ ، وأنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِذَاتِهِ وقَدِيرٌ بِذَاتِهِ ، ومُرِيدٌ بِذَاتِهِ ، وَحَيٌ بِذَاتِهِ ، بِمَعْنَى أَنَّ ذاتَهُ تعالَى مُتَّصفِةٌ بِهذِهِ الكَمالاتِ غَيرُ مُحتَاجَةٍ إِلى زِيادَةِ صِفَاتٍ يُوجِدُ بِها الْموجُوداتِ . وَيَعْلَمُ بِها المعْلومَاتِ ويُبْصِرُ بِهَا الْمُبْصِرَاتِ ، ويَسْمَعُ بِهَا المسْمُوعَاتِ لِئَلاَّ يَلزَمَ احْتِياجُهُ إِلى غَيْرِهِ ، وَهوَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى غَنِيٌّ بِنَفسِهِ كَامِلٌ بِذَاتِهِ .
ما يَجُوزُ على الله
وَأنَّه تَعَالَى يَجوُزُ عليْهِ بَعْثُ الرُّسُلِ وإِنْزَالُ الكُتُبِ وخَلْقُ الْخَلْقِ وَإماتَتُهُمْ وبَعثُهُمْ وَحَشرُهُمْ وحِسَابُهمْ وثوابُهُمْ وَعِقَابُهُمْ ، وأنَّهُ تَعالَى قَدْ مَنَّ عَلَينَا بِبَعْثِ الرُّسُلِ وإِنْزالِ الكُتُبِ وكَلَّفنَا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ تَفَضُّلاً مِنهُ تَعَالَى وَمَنََّا .
الأنبياءُ والرُّسُلُ والكُتُب (1/4)
صفحة 5
وَجُملَةُ مَنْ بَعثَ اللّهُ تَعَالَى مِنَ الرُّسُلِ ثَلاَثُمَائَةٍ وَثَلاَثَةُ عَشَرَ رَسُولاً أوَّلُهمْ آدَمُ عَليهِ السَّلامُ وهُو رَسُولٌ إِلى بَنِيهِ ، وآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ، وهُوَ رَسُولٌ إِلى الْكَافَّةِ مِنْ عَرَبٍ وعَجَمٍ وإِنْسٍ وَجِنٍّ . وجُمْلَةُ الأَنبياءِ مائَةُ أَلْفٍ وأربْعَةٌ وعِشرُونَ أَلْفاً : مِنْهُمُ الرُّسُلُ الثَّلاثُ المائَةُ والثَّلاثةُ عَشرَ ، وجُملَةُ الكُتُبِ التَّي أَنزلَهَا اللّهُ تَعَالَى عَلى أنْبيائِهِ ورُسُلِهِ مَائَةُ كِتَابٍ وأرْبَعَةُ كُتُبٍ : خَمْسُونَ مِنْها على شِيثَ ، وثلاثُونَ على إِدْرِيِسَ وَعَشرةٌ على إِبراهيمَ وَهِيَ صُحُفُهُ ، وعَشَرةٌ على مُوسَى قَبْلَ التَّوْراةِ وهِيَ صُحُفُ مُوسَى ، ثُمَّ التَّوَراةُ على مُوسَى أَيضاً و الإِنْجِيلُ على عِيسَى ، والزَّبُورُ على داوُدَ والقرآنُ على مُحمَّدٍ صَلَّى اللّهُ عليهِ وَسَلَّمَ .
الإيمان بالأنبياء والكتب : و الإِيمانُ بِجُمْلَةِ الرُسُلِ وبِجُملَةِ الْكُتُبِ واجِبٌ ، ويُجِزِيءْ الإِيمانُ بِجُملَتِها فِيما عَدا مُحمَّداً صلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَسَلّم ، وما عَدا القُرآنَ العظيمَ فإِنَّهُ يَجِبُ على كُلِّ مُكلَّفٍ أنْ يَخُصَّ مُحمَّداً بالإِيمانِ بِهِ ، وَبِمَا أُنْزِلَ عليهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الأِنبِيَاءِ ، وكَذَا يَجِبُ عَلَيهِ أنْ يَخُصَّ بالإِيمانِ مَن قَامَتْ عليهِ الحُجَّةُ بِهِ مِنْ هَؤُلاءِ الرُسلِ ومِنْ هَذِهِ الكُتُبِ .
صفاتُ الرسل : ويَجِبُ عليهِ أَيضاً بعدَ قِيَامِ الحُجَّةِ أنْ يعْرِفَ أَنَّ لِلرُّسُلِ صِفَاتٍ واجِبةً في حَقَّهمْ ، وأَنَّ لَهُمْ صفاتٍ مُستحِيلَةً في حقَّهِم ، وَأنّ لَهُمْ صفاتٍ جِائِزَةً عَليْهم كَغَيْرِهِمْ .
بيان الصفات الواجبة للرسل (1/5)
صفحة 6
أَمّا الصِّفَاتُ الواجِبَةُ لَهُمْ فَهِي الصِّدقُ في أَخبَارِهِمْ و اْلأَمَانةُ لهُمْ ، والتّبلِيغُ عَنْ رَبِّهمْ فِيمَا أَمَرهُمْ بتَبلِيغِهِ ، و الضَّبطُ لما أُمِرُوا بِضَبْطِهِ و الفَطَانَةُ ، و النَّبَاهَةُ في مُخَاطَبَتِهِمْ و أَحوَالِهِمْ .
الصفات المستحيلة للرسل
هِيَ : الكَذِبُ ، و الخِيَانَةُ ، و قِلَّةُ المبالاةِ بأَوَامِرِ رَبَّهِمْ و الفَهَاهَةُ والبلادَةُ ، فَهَذا مِمَّا لا يجُوزُ في حَقّهِمْ .
الصفات الجائزة للرسل
وأمّا الجائِزُ في حَقِّهِمْ : فَهُوَ الأَكْلُ و الشُّربُ ، والْجِمَاعُ الْمبَاحُ وَمَخَالَطةُ النِّاسِ ، و الْمشيُ في الأَسواقِ ، واتِّخَاذُ الأزواجِ والأَصحابِ ، و حصُولُ الذُّرَّيةِ إِلى غَيْرِ ذلِك .
الملائكة
وَيَجِبُ عَليهِ أيضاً أَنْ يَعرِف أَنَّ لِلّهِ ملائِكةً و أنَّهُمْ جِنْسٌ غَيْرٌ الإِنسِ و الجنِّ و أنَّهُمْ لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أمَرَهُمْ و يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ و أَنَّهُمْ لا يَأكلُونَ ولا يشْرَبُونَ ولا يَبُولونَ ولا يتَغَوَّطونَ ولا يُوصَفُونَ بِذُكُورِيَّةٍ ولا أُنُوثِيَّةٍ ، وإِنَّما هُمْ خَلْقٌ خَلَقَهُمْ اللّهُ تَعالَى لِعبادَتِهِ ولِتدْبِيرِ أوامِرِهِ .
الموت وما بعده : ويَجِبُ عَليهِ أنْ يَعلمَ أنّ الموتَ حَقٌّ و هُوَ مُفَارَقَةُ الروُحِ لِلْجَسَدِ ، ويَجِبُ عَليهِ أيضاً أنْ يَعَلمَ أنَّ كُلَّ شيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ اللّهَ تَعالَى .
البعث : وَيَجِبُ عليهِ أيضاً أنْ يعلَمَ أنَّ كُلَّ إِنسانٍ يُبْعَثُ يوْمَ الْقِيَامَةِ ، وهَذَا الْبَعثُ هُوَ المُعَبَّرُ عَنْه بِقِيَامِ السَّاعَة . (1/6)
صفحة 7
وَيَجِبُ عليهِ أيضاً أنْ يَعلمَ أنَّهُمْ يُحْشَرُون أيْ يُجْمَعُونَ إِلى أَمْرِ رَبِّهِمْ ، فيُحاسَبُونَ كَمَا شاءَ رَبُّنا تَعالَى ، وَيَجِبُ عَليهِ أيضاً أنْ يَعْلمَ أنَّ لِلّهِ ثَوَاباً واسْمُ ثَوَابِهِ الْجنّةُ وقَدْ أعَدَّهُ لِمنْ أطاعَهُ ، وَأنَّ هَذَا الثَّوابَ لا يُشْبِهُهُ ثَوَابٌ ، و أنَّ مَنْ أُدْخِلَ فِيها لا يَنْتًقِلُ مِنها و لا يَمُوتُ ، ولا يَسمَعُ فيها لَغواً ولا يَمرَضُ ولا يُصِيبُهُ بأْسٌ .
وَيَجِبُ عَليهِ أيضاً أنْ يَعْلمَ أنَّ لِلّهِ عِقَاباً واسْمُ عِقَابِهِ النَّارُ ، وقَدْ أعدَّهُ اللّهُ ِلأهلِ الْكَبَائِرِ مِنَ العُصاةِ مِنْ مُشرِكٍ وَفَاسِقٍ ، و أنَّ عِقَابَهُ لا يُشْبِهُهُ عِقَابٌ . وأنَّ مَنْ دخَل فِيهِ لا يَخْرُجُ مِنهُ أبداً ، أَعاذَنَا اللّه ُ مِنهُ ومِمَّا يُقِّرِبُ إِليهِ .
الخوف والرجاء
ويَجِبُ على الْمُكلَّفِ أنْ يَكونَ راجِياً لِثوابِ اللّهِ تَعالَى وَخَائِفاً مِنْ عِقابِهِ ، وقِيلَ : يَجِبُ علَيْهِ أنْ يُسَاويَ بَينَ الخوْفِ والرَّجاءِ ِلأَنَّهُ إنْ زادَ الخْوفُ خِيفَ عَليهِ الإِيَاسُ ، وإِنْ رَجَحَ الرَّجاءُ خِيفَ عليهِ الأَمنُ ، والْكلُّ حرَامٌ ، والظَّاهرُ أَنَّهُ لا يَجِبُ تَساوِيهِمَا فَما لمْ يُفْضِ بِهِ الْحَالُ إِلى اْلإِياسِ الْمُحَّرَّمِ أو الأمْنِ الْمحْجُورِ فَلاَ بأسَ عَليهِ ، واللّهُ أَعْلَمُ .
بيان القضاء والقدر : وَيَجِبُ عَلَيْهِ أيضاً أنْ يَعْلمَ أنَّهُ لا يَتَحرَّكُ مُتَحَرِّكٌ وَلاَ يَسْكُنُ سَاكِنٌ في الْمَوْجُودَاتِ جَمِيعِهَا إِلاَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ .
المنن والدلائل (1/7)
صفحة 8
وَيَجِبُ عَليهِ أيْضاً أنْ يَعْلَم النِّعمَةَ الَّتِي أنْعَمَ اللّهُ بِهَا عَليْهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا وُجُودُهُ بَعدَ الْعَدَمِ وَصِحَّتُهُ مِنَ السَّقَمِ ، وأعْظَمُها نِعمةُ الإِسلاَمِ إِلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مِنَنِهِ تَعَالَى عَليهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ قِيامِ الْحُجَّةِ عَلى الْمُكَلَّفِ ، كَانَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِالسَّمْعِ فِيمَا فِيهِ الْحُجَّةُ بِالسَّمْعِ أوْ بِالْعَقْلِ فِيمَا يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمعْقُولاتِ .
وَتَدْخُل هَذِهِ الأشْياءُ كلُّها تَحتَ الجُملةِ ، وهِيَ قَوْلُ (( لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ مُحمَّدٌ رسُولُ اللهِ ، وَأنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحمَّدٌ هُوَ الْحقُّ )) فَإذَا تَشَهَّدَ الْمكلَّفُ بِهَذِهِ الجُملةِ صَارَ مُؤمِناً مُسلِماً عِنْدَ اللّهِ وَعِنْدَ الْخَلْقِ حَتَّى يَنْقُضَهَا بِإنْكارِ شَيْءٍ مِنْها أوْ جَهْلِهِ ، أوْ إنْكارِ شَيْءٍ مِمَّا يَجِبُ عَليهِ اعْتِقَادُهُ مِنْ تَفْسِيرِهَا .
الولاية والبراءة والوقوف : وَيَجِبُ عَليْهِ أيضاً أنْ يَتَولَّى جَمِيعَ أولِيَاءِ اللّهِ مِنَ الأوّلِينَ والآخِرِينَ إِلى يَومِ الدِّينِ ، وأنْ يَبْرأَ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَاءِ اللّهِ مِنَ الأوّلِينَ و الآخِرِينَ إِلى يوْمِ الدِّينِ . وَهذِهِ هِيَ ولاَيَةُ الجُملَةِ وبَرَاءَةُ الجُمْلةِ ، وَهِيَ فَرْضٌ على كُلِّ مُكلَّفٍ قامَتْ عليهِ حُجَّتُهَا ، ويَجِبُ عليهِ بَعدَ ذلِكَ أنْ يَتَولَّى مِنْ عَلِمَ ولايتَهُ مِنْ أِئِّمَّةِ المسلمينَ وَخَواصَّهِمْ ، وأنْ يَبْرَأَ مِمَّنْ عَلِمَ عَدَاوتَهُ مِنْ أئِمَّةِ الظَّلمَةِ وَعَامَّتِهِمْ ، وَأنْ يقِفَ عَمَّنْ جَهِلَ حَالَهُ فَلا يُعْلمُ مِنهُ مَا يُوجِبُ الولايَةَ ولا مَا يُوجِبُ البَراءَةَ حَتَّى يَعلَمَ فيه شَيئاً مِنْ ذلكَ ، واللّهُ أعلَمُ .
المقصد الثاني :
في بيان ما يجب على الإنسان من العمل بالأركان (1/8)
صفحة 9
وَهُوَ نَوْعانِ : ِلأَنَّهُ إِمَّا أنْ يكونَ عِبَادةً بَدَنِيَّةً ، وَإِمَّا أنْ يَكونَ عِبَادَةً مَالِيَّةً ، فالْمالِيَّةُ هِيَ الزَّكَاةُ وَأَداءُ الحُقُوقِ إِلى أَهْلِهَا مِنْ نَحْوِ الُّديونِ والضيَّفِ ، وَحَقُّ الجارِ ، وَغَيْرِ ذلِكَ . والعِبَادَةُ الْبَدِنِيَّةُ نوْعانِ : ِلأِنَّها إِمَّا أَنْ تَكُونَ بَدِنِيَّةً خَالِصةً وَهِيَ الصَّلاةُ ووظَائِفُهَا ، وَالصِّيامُ وَصِلةُ الأَقارِبِ ومُوَاصَلَةُ الْجَارِ ، وَنَحْوُ ذلِكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بَدَنِيَّةً مَالِيَّةً بِمعنىَ أَنَّهَا تَحتَاجُ إِلى إِنْفَاقِ مَالٍ ، وَذَلِكَ نَحْوُ الْحَجِّ والجِهَادِ ، وَهَا نحنُ نذكُرُ بعضَ هذِهِ الْعِبَادَاتِ على الوَجْهِ الَّذِي يُوافِقُ غَرَضَ السَّائِل ِ فنقولُ .
(باب) في الصلوات الخمس
فأَمَّا الصَّلاةُ : فَهِيَ عِبَادَةٌ بَدِنِيَّةٌ خَالِصَةٌ تَجِبُ على المُكَلَّفِ في الْيَومِ والَّليلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، وهِيَ أولُ اللَّوازِمِ بَعدَ عِلْمِ الإعتِقَادِ .
المفروضات
وبعض السنن والنوافل
الظهر : فَيَجِبُ عليهِ في وَقْتِ الظُّهرِ أربعُ ركعاتٍ يقرأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ بِفاتِحَةِ الكتَابِ سِرّاً ، ولا يَزِيدُ عليها شيئاً مِنَ القرآنِ ، ثُمَّ يُؤْمَرُ أَنْ يُصَلَّيَ بَعدَ هَذِهِ الأَرَبعِ ركْعَتَيْنِ يقرأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ فاتِحَةَ الكتابِ وسورةً ثُمَّ يُستَحَبُّ لَهُ أن يُصَلِّيَ بعدَ هَاتَينِ الركعَتَينِ ركْعَتَيْنِ تَطَوُّعاً ، يَقْرَأُ في كَلِّ ركعةٍ فَاتِحَةَ الكتابِ وَسُورَةً ، وتكونُ القِراءةُ في جَمِيعِ ذلكَ سِرّاً .
العصر : وَيَجِبُ عليهِ في وَقْتِ الْعَصْرِِ أرْبَعِ رَكَعَاتٍ ، وهِيَ فَرِيضَةُ الْعَصْرِ يقرأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ منهَا فاتِحَةَ الكتَابِ وحدَهَا ، وتكونُ القِرَاءةُ فيها سِرّاً . (1/9)
صفحة 10
المغربُ : وَيَجِبُ عليهِ في وَقْتِ الْمَغْرِبِ ثَلاثُ رَكَعَاتٍ ، وهَيَ فَرِيضَةُ الْمَغرِبِ يَقرأُ في الرَّكعتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فاتِحَةَ الكِتَابِ وسُورَةً ، وفي الرَّكعَةِ الثَّالِثَةِ فاتِحَةَ الْكِتَابِ وَحْدَهَا ، فَإِنْ كانَ إِمَاماً قَرَأَ جَهْراً في الرَّكعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ وَأَسَرَّ القِرَاءَةَ في الرَّكْعَةِ الثَّالثَةِ ، وإِنْ كانَ مَأمُوماً أَسَرَّ القِرَاءَةَ في الثَّلاَثِ الرَّكعاتِ كُلِّهَا ، ولا يقرأُ المأمُومُ خَلْفَ الإِمَامِ إِلاَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ سِرّاً ، ويُسَنُّ لهُ سُنَّةً مُؤَكَدَّةً صَلاةُ ركْعَتَيْنِ مِنْ بعدِ فَرِيضَةِ المغربِ ، يَقرأُ في كلِّ ركعةٍ مِنهُمَا فاتِحَةَ الكِتَابِ وَسُورةً ، ويُستَحَبُّ لَهُ أنْ يُصَلَّيَ بَعدَهُمَا رَكعَتَيْنِ تَنَفُّلاً يقرأُ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُمَا فاتِحَةَ الكِتَابِ وسُورَةً .
العشاء : ويَجِبُ عليهِ في وقْتِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ أَرْبَعُ رَكَعَاتِ فَرِيضَةَ العِشَاءِ الآخِرَةِ يَقْرأُ في الرَّكعَتَيْنِ الأُولِيَيْنِ فاتِحَةَ الكِتَابِ وسُورَةً جَهْراً . إِنْ كانَ إِمَاماً وسِرّاً إِنْ كانَ مَنْفَرِداً ، ولا يَقْرَأُ المأْمُومُ خَلْفَ الإِمَامِ إِلاَّ فاتِحَةَ الكِتَابِ سِرّاً ، ويَقرأُ في الرَّكعتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ فاتِحَةَ الكِتَابِ وَحْدَهَا سِرّاً ، انْ كانَ إِمَاماً أو مَأمُوماً أو مُنْفَرِداً ، وَيُؤْمَرُ أَنْ يُصَلِّيَ بعدَ هَذِهِ الفَرِيضَةِ رَكْعَتَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةً .
الوتر : وَيَجِبُ عليهِ مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ الأخِيرَةِ إِلى الْفَجْرِ ثَلاَثُ رَكَعَاتٍ وَهِيَ الْوَتْرُ يَقْرأُ في الثَّلاَثِ كُلِّهَا فاتِحَةَ الكِتَابِ وسُورَةً . (1/10)
صفحة 11
الفجر : فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ سُنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ ركْعَتَيْنِ وَهِيَ سُنَّةُ الْفَجْرِ ، فَيَقْرَأُ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُمَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً وَيَجِبُ عليهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ ركْعَتَيْنِ وَهِيَ فَرِيضةُ الْفَجْرِ يَقْراُ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُمَا فاتِحَةَ الكِتَابِ وسُورَةً جَهْراً إِنْ كانَ إِمَاماً ، وَسِرّاً إنْ كانَ مُنْفَرِداً ، وَلاَ يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ خَلْفَ إِمَامِهِ إِلاَّ فاتِحَةَ الكِتَابِ وحْدَهَا سِرّاً .
بيان أوقات الصلاة
وَ أوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ : إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ ، وَآخِرُهَا إذا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُهُ بعدَ الْقَدْرِ الَّذِي زَالَتْ عليهِ الشَّمْسُ .
وَ أوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ : إِذَا زَادَ الْفَيْءُ قَلِيلاً عَنْ وَقْتِ آخِرِ الظُّهْرِ ، وَآخِرُ وَقْتِهَا إِذَا غَابَ مِنَ الشَّمْسِ قَرْنٌ وقِيلَ إِذَا أصْفَرَّتِ الشَّمْسُ .
وَ أوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ : إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ كُلُّهَا وَآخِرُهَا إِذَا غَابَ الشَّفَقُ اْلأَحْمَرُ ، وقِيلَ الأَبْيَضُ .
وَ أوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ : إسْتِكْمَالُ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأَحْمَرِ ، وَقِيلَ الأَبْيضُ ، وآخِرُهَا إِلى ثُلُثِ الَّليْلِ ، وَقِيلَ إِلى نِصْفِ الَّليْلِ .
وَ أوَّلُ وَقْتِ الْفَجْرِ : إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي ، وآخِرُه إِذَا طَلَعَ مِنَ الشَّمْسِ قَرْنٌ .
الأوقاتُ الَّتي لا يجوزُ فيها الصَّلاةُ (1/11)
صفحة 12
وَيُنْهَى عَنْ أَدَاءِ الصَّلاَةِ وَعَنْ قَضَائِهَا في ثَلاَثَةِ أَوْقَاتٍ : (أَحَدُهَا) إِذَا طَلَعَ مِنَ الشَّمْسِ قَرْنٌ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ طُلُوعَهَا ، ( وثََانِيَهَا) إِذَا غَابَ مِنَ الشَّمْسِ قَرْنٌ فَلاَ تَجُوزُ الصَّلاَةُ حَتَّى تَغْرُبَ كُلُّهَا ، (وَثَالِثُهَا) إِذَا وَقَفَتِ الشَّمْسُ في كَبِدِ السَّمَاءِ ، وذَلِكَ في الْحَرِّ الشَّدِيدِ فَلاَ يُصَلِّيَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ، وَمَنْ صَلَّى في هَذِهِ اْلأَوْقَاتِ الثَّلاثَةِ شَيْئاً مِنَ الْفَرَائِضِ أَوِ النَّوافِلِ فَلاَ تَتِمُّ صَلاَتُهُ .
وَيُنْهَى عَنْ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ إِلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَبَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلى غُرُوبِ الشَّمْسِ .
وَتُكْرَهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلاَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَاللّهُ أعْلَمُ .
كيفيةُ الصَّلاة
وَصِفَةُ الصَّلاَةِ أَنْ يَنْتَصِبَ قَائِماً بَعْدَ مَا يَكُونُ طَاهِرَ الْبَدَنِ والثِّيَابِ مُتَطَهِّراً مِنْ جَمِيع اْلأَحْدَاثِ فَيَنْتَصِبُ فِي بُقْعَةٍ طَاهِرَةٍ صَالِحَةٍ لِلصَّلاَةِ عَلَيْهَا ، وَيَسْتَقْبِلُ بِوَجْهِهِ الْكَعْبَةَ ، وَيَقْصِدُ بِقَلْبِهِ أَدَاءَ ذَلِكَ الْفَرْضِ بِعَيْنِهِ نَاوِياً ِلأَدَائِهِ بِجَمِيعِ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ ، مُلاَحِظاً لِعَدَدِ رَكَعَاتِهِ ، مُخْلِصاً فِي عِبَادَتِهِ لِرَبِّهِ لا يُرِيدُ بِهَا غَيْرَ وَجْهِهِ ، وَكَذلِكَ يَفْعَلُ فِي السُّنَنِ والنَّوَافِلِ ، مَعَ الْقَصْدِ إِلى السُّنَّةِ أَنَّها سُنَّةٌ وَمَعَ الْقَصْدِ إلى النَّافِلَةِ أِنَّها نَافِلَةٌ . (1/12)
صفحة 13
لَفْظُ النِّيَّة : وَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يُؤَكِّدَ هَذَا الْقَصْدَ بِلَفْظِ الِّلسانِ فَيقُولُ مَثَلاً فِي فَرِيضَةِ الظُّهْرِ بَعْدَ مَا يُؤَذِّنَ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ مُنْفَرِداً ، وَبَعْدَمَا يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ ، فَيَقُولُ : أُصَلِّي لِلّهِ تَبَارَكَ وَتَعالَى فِي مَقَامِيِ هَذَا فَرِيضَةَ الظُّهْرِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ مُتَوَجِّهاً إِلى الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ أَدَاءً لِلْفَرْضِ طَاعَةً لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم .
الأذانُ وما بعده
اْلإقَامَةُ لِلذُّكُورِ دُونَ النِّسَاءِ ، وَكَذَلِكَ اْلأَذَانُ إِنَّمَا هُوَ لِلذُّكُورِ دُونَ النِّسَاءِ ، ثُمَّ يُوَجِّهُ تَوْجِيَهَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فَيَقُولُ : ( سُبْحَانَكَ الَّلهُمَّ وَبِحَمدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ وَلاَ إلهَ غَيْرُكَ ) ثُمَّ يَضُمُّ إِلَيْهِ تَوْجِيهَ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَيَقُولُ : ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَواتِ واْلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ، ثُمَّ يُؤَكِدُ الْقَصْدَ اْلأَوّلَ بِمِثْلِ الّلفْظِ اْلأَوَّلِ فَيَقُولُ مَعَ مُطَابَقَةِ قَصْدِهِ لِلَفْظِهِ : أُصَلِّي لِلّهِ تَعَالَى فَرِيضَةَ الظُّهْرِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَتِي ، ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ اْلإِحْرَامِ .
الإحرام والركعة الأولى (1/13)
صفحة 14
يَقُولُ : (( اللّهُ أَكْبَرُ )) ثُمَّ يَسْكُتُ سَكْتَةً خَفِيفَةً ، ثُمَّ يَسْتَعِيذُ بِلِسَانِهِ سِرّاً مَعَ حُضُورِ قَلْبِهِ ، فَيَقُولُ : أَعُوذُ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، ثُمَّ يَسْكُتُ سَكْتَةً خَفِيفَةً ، ثُمَّ يُبَسْمِلُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ إِلى آخِرِهَا ثُمَّ يَسْكُتُ سَكْتَةً خَفِيفَةً ، ثُمَّ يَرْكَعُ بِتَكْبِيرَةٍ فَيَضَعُ كَفَّيْهِ عَلى رُكْبَتَيْهِ وَيَنْصِبُ سَاعِدَيْهِ وَعُضُدَيْهِ حَتَّى يَعْتَدِلَ ظَهْرُهُ فِي الرُّكُوعِ اعْتِدَالاً مُسْتَوِياً ، وَيُصَوِّبُ بِرَأسِهِ وَلاَ يَرْفَعُهُ وَلاَ يُدلِّيهِ . ثُمَّ يَقولُ فِي رُكَوعِهِ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمْ ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلى الْقِيَامِ وَيَقُولَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ : سَمِعَ اللّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَإِذَا اسْتَوى قَائِماً قَالَ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، ثُمَّ يَسْجُدُ بِتَكْبِيرَةٍ يَقْطَعُهَا قَبْلَ أَنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلى اْلأَرْضِ . (1/14)
صفحة 15
وَيُقَدِّمُ في سَجَودِهِ رُكْبَتَيْهِ ، ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ ، وَيُجَافِي بَيْنَ عَضُدَيْهِ وَجَنْبَيْهِ مُجَافَاةً لاَ تَضُرُّ بِغَيْرِهِ ، بَلْ تَكُونُ مِقْدَارَ مَا يَنْفَصِلُ الْعَضُدُ عَنِ الْجَنْبِ وَيَنْصِبُ قَدَمَيْهِ وَيَجْعَلُ أَصَابِعَهُمَا إِلى اْلأَرْضِ ، ثُمَّ يُتِمُّ سُجُودَهُ عَلى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ وَهِيَ : الْجَبْهَةُ ، والْيَدَانِ ، ( وَيَجْعَلُ أَصَابِعَهُمَا إِلى اْلأَرْضِ ) ، والرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ : سُبْحَانَ رَبِّيَ اْلأعْلى ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بِتَكْبِيرَةٍ يَقْطَعُهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ جَالِساً ، ثُمَّ يَجْلِسُ حَتَّى يَقِرَّ كُلُّ مَفْصَلٍ فِي مَوْضِعِهِ ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَةً أُخْرَى تُضَاهِي السَّجْدَةَ اْلأُولَى ، وَيَفْعَلُ فِيهَا كَمَا فَعَلَ فِي اْلأُولَى .
الركعةُ الثانية
: ثُمَّ يَقُومُ إلى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِتَكْبِيرَةٍ يَقْطَعُهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِماً ، ويُقَدِّمُ جَبْهَتَهُ ، ثُمَّ يَدَيْهِ ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ ، ثُمَّ يُبَسْمِلُ ، وَيَقْرأُ الْفَاتِحَةَ ، ثُمَّ يَسْكُتُ سَكْتَةً خَفِيفَةً ، ثُمَّ يَركَعُ وَيَسْجُدُ عَلَى حَسَبِ مَامَرَّ فِي الرَّكْعَةِ اْلأُولى ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ إِلى الْجُلُوسِ ، فَيَقْعُدُ لِلتَّحِيَّاتِ وَهِيَ التَّشَهُدُ اْلأَوّلُ فَيَقُولُ :
التشهدُ الأول
(( التَّحِيَّاتُ الْمبَارَكَاتُ لِلّهِ ، والصَّلَوَاتُ والطَّيِّبَاتُ ، السَّلاَمُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، والسَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلىَ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ )) . (1/15)
صفحة 16
الركعةُ الثالثة
ثُمَّ يَقُومُ إِلى الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ بِتَكْبِيرَةٍ ، وَيَقْطَعُهَا قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ فِي الْقِيَامِ ، ثُمَّ يَقْرأُ الْفَاتِحَةَ وَحْدَهَا فِي قِيَامِهِ ، ثُمَّ يَرْكَعُ وََيَقُولُ فِي رُكُوعِهِ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلاً : ((سَمِعَ اللّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ )) فَإِذَا اسْتَوَى قَائِماً قَالَ : ((رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) ، ثُمَّ يَسْجُدَ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ .
الركعةُ الرابعةُ والتشهدُ الأخير
ثُمَّ يَقُومُ إلى الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ بِتَكْبِيرَةٍ وَيَقْرأُ فِيهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَحْدَهَا ، ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ عَلى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ .
التشهدُ الأخير : ثُمَّ يَقْعُدُ لِلتَّحِيَّاتِ وَهِيَ التَّشَهُدُ اْلأَخِيرُ فَيَقْرَأُهَا كَمَا مَرَّ ، فَإِذَا انْتَهَي إِلى قَوْلِهِ : (( وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ )) فَهُنَالِكَ إِنْ شَاءَ سَلَّمَ ، وَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُهُ ، وَإِنْ شَاءَ زَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ : (( وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَرْسَلَهُ بِاْلهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، رَبَّنَا أتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وفِي اْلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )) ثُمَّ يُسَلِّمُ .
صلاة المغرب
وَإِنْ صَلَّى فَرِيضَةَ الْمَغْرِبِ ، صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ اْلأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ ، ثُمَّ قَعَدَ وَتَشَهَّدَ إِلى عَبْدِهِ وَرًسُولِهِ ، ثُمَّ قَامَ لِلرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَقَرأَ الْحَمْدَ وَحْدَهَا ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَتَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ اْلأَخِيرَ وَسَلَّمَ ، وقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُهُ .
الصَّلاَةُ خلفَ الإمامِ (1/16)
صفحة 17
وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ إِمَامٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلاَّ قِرَاءَةَ الْحَمْدِ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ وَجَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ، وَلاَ يَقُولُ وَرَاءَ الإِمَامِ ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ )) عِنْدَ ارْتِفَاعِهِ مِنَ الرُّكُوعِ ، لكِنْ يَقُولُ ( رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ) بَعْدَ قَوْلِ اْلإِمَامِ (( سَمِعَ اللّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ )) وَإِنْ قَالَ وَرَاءَ الإِمَامِ سَمِعَ اللّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ .
وَيَجِبُ عَليْهِ أَنْ لاَ يَتَقَدَّمَ إِمَامَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الصَّلاَةِ لا بِتَكْبِيرَةٍ ، وَلاَ بِقِراءَةٍ وَلاَ بِرُكُوعٍ ، وَلاَ بِاْرتِفَاعٍ ، بَلْ يُكَبَّرُ إِذَا كَبِّرَ اْلإِمَامُ ، وَيَقْرأُ إِذَا قَرَأَ الإِمَامُ ، وَيَرْكَعُ إِذَا رَكَعَ ، وَيَقُومُ إِذَا قَامَ ِلأَنَّ الإِمَامَ إِنَّمَا جُعِلَ إِمَاماً لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا تَقَدَّمَهُ الْمَأْمُومُ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ فَسَدَتْ صَلاَتُهُ ، وَكَذلِكَ إِذَا تَأَخَّرَ عَنْهُ تَأَخُّراً بَعِيداً حَتَّى صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اْلإِمَامِ حَدٌّ فَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلاَتُهُ وَكَذلِكَ إِذَا قَامَ مَعَهُ وَقَعَدَ مَعَهُ فَسَدَتْ صَلاَتُهُ عَلى قَوْلٍ لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ قَلِيلاً .
الاستدراكُ في الصلاة (1/17)
صفحة 18
فَإِذَا جَاءَ اْلمَأْمُومُ ، وَأْلإِمَامُ قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ ، دَخَلَ مَعَهُ فِي صَلاَتِهِ وَصَلَّى مَا أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ الإِمَامِ ثُمَّ يَقُومُ بَعْدَ أَنْ يُسَلِّمَ الإِمَامُ فَيَقْضِيَ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلاَةِ ، فَإِذَا فَاتَتْهُ الْحَمْدُ مَثَلاً قَامَ وَقَرَأَ الْحَمْدَ ثُمَّ جَلَسَ وَسَلَّمَ بِلاَ تَكْبِيرٍ في قِيَامِهِ وَلاَ فِي جُلُوسِهِ لأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ ، وَإِنَّمَا فَاتَتْهُ الْحَمْدُ وَحْدَهَا ، وَإِذَا فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ كُلُّهَا قَامَ بَعْدَ تَسْلِيِم الإِمَامِ بِلاَ تَكْبِيرَةٍ ، فَإِذَا اسْتَوَى قَائِماً ، اسْتَعَاذَ ِلأنَّ الإِسْتِعَاذَةَ في جُمْلَةِ مَا فَاتَهُ ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْحَمْدَ والسُّوَرةَ إِنْ كَانَتْ فَاتَتْهُ سُورَةٌ مَعَ الْحَمْدِ ، وإِلاَّ قَرَأَ الْحَمْدَ وَحْدَهَا ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ، ثُمَّ قَامَ بِتكْبِيرةٍ حَتَّى يَسْتَوِىَ قائِماً ِلأَنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ مَعَ الإِمَامِ بَعْدَ قِيَامِ الإِمَامِ إِلى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ، وهَذِهِ النَّهْضَةُ هِيَ قَضَاءٌ لِتِلْكَ الْقَوْمَةِ الَّتِي فَاتَتْهُ مَعَ الإِمَامِ ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيُسَلِّمُ ، وَعَلى هَذَا فَقِسْ جَمِيعَ مَا فَاتَكَ مِنْ صَلاَةِ الإِمَامِ ِلأَنَّهُ إِنَّما يَقْضِي مَا فَاتَ مِنْ غَيْرِ زِيادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ ، فَلَوْ أدْرَكْتَ الإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ مَثَلاً صَلَّيْتهَا مَعَهُ ، ثُمَّ قَضَيْتَ ثَلاثَ الرَّكعَاتِ عَلى تَرْتِيبِهَا ، فَتَقُومُ بَعْدَ أَنْ يُسَلِّمَ الإِمَامُ بِلاَ تَكْبِيرَةٍ فَتَقْرَأُ ثُمَّ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ ، ثُمَّ تَقومُ فَتَقَرأُ ، ثُمَّ تَركَعُ وتَسْجُدُ ثُمَّ تَتَشَهَّدُ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ ثُمَّ تَقُومُ فَتَقْرأُ ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَسْجُدُ ثُمَّ تَقُومُ وَهاهُنَا قَدْ وَافَقْتَ (1/18)
صفحة 19
الْمَوْضِعَ الَّذِي قَدْ دَخَلْتَ فِيهِ مَعَ الإِمَامِ ، ثُمَّ تَجْلِسُ وَتُسَلِّمُ ، وَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُك .
باب في صلاةُ السفر ونيةُ الجمع
إِذَا كنت مُسَافِراً وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَقْصِرَ مِنْ صَلاَةِ الظّهْرِ والْعَصْرِ والعِشَاءِ الآخِرَةِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فَتُصَلِّي الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ والعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ والعِشَاءَ الآخِرَةِ رَكْعَتَيْنِ فإِذَا شِئْتَ صَلَّيْتَ كَلَّ صَلاَةٍ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ فِي وَقْتِهَا .
وَإِنْ شِئْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ الظُّهْرِ والْعَصْرِ في وَقْتٍ واحِدٍ ، وبَيْنَ الْمَغْرِبِ والعِشَاءِ الآخِرَةِ في وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَأنْتَ مُخَيَّرٌ فِي تأْخِيرِ الأُولى إلى وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، وفي تَقْدِيمِ الثَّانِيَةِ إِلى وَقْتِ الأُولى .
نيةُ صلاة السفر
فَإِنْ صَلَّيْتَ كُلَّ وَاحِدَةٍ في وَقْتِهَا قُلْتَ : أُصَلِّي لِلّهِ فَرِيضَةَ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ أَوِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ رَكْعَتَيْنِ قَصْراً صَلاَةَ سَفَرٍ ، وَيُسْتَحَبُّ لَكَ أَنْ تُصَلِّي بَعْدَهَا السُّنَنَ والنَّوَافِلَ الَّتِي كُنْتَ تُصَلِّيَهَا فِي الْحَضَرِ ، وَإِنْ تَرَكْتَهَا في السَّفَرِ فَلاَ بَأْسَ إِلاَّ سُنَّةَ الْمَغْرِبِ فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ تُتْرَكَ إِلاَّ لِحَالِ الْجَمْعِ بِينَ الصَّلاَتَيْنَ .
الجمع (1/19)
صفحة 20
وَإِنْ جَمَعْتَ قُلْتَ أُصَلِّي لِلّهِ تَعَالَى : فَرِيضَةَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ :وَأُصَلِّي فَرِيضَةَ الْعَصْرِِ رَكْعَتَيْنِ أُصَلِّيهِمَا جَمْعاً صَلاَتيْ سَفَرٍ ، فَإِذَا صَلَّيْتَ رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ سَلَّمْتَ ، ثُمَّ قُمْ لِفَرِيضَةِ الْعَصْرِ بِإِقَامَةٍ وَتَوْجِيهٍ وَإِحْرَامٍ ، وَلَكَ أَنْ تَجْمَعَ مَعَ الْعِشَاءَيْنِ الْوَتْرَ فَتُصَلِّيهِ مَعَهُمَا في وَقْتِ الأُولى ، فَإِنْ شِئْتَ صَلَّيْتَهُ مَعَهُمَا رَكْعَةً ، وإِنْ شِئْتَ صَلَّيْتَهُ ثَلاثاً ، وَلَكَ أَنْ تُؤَخِّرَهُ إِلى وَقْتِ الْعِشَاءَ الآخِرَةِ أَوْ إلى مَا بْعَدَ ذَلِكَ مِنَ الْوَقْتِ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ .
وَتَقُولُ إِذَا جَمَعْتَ بَيْنَ الْمغْرِبِ والْعَتَمَةِ والوَتْرِ : أُصَلِّي لِلّهِ تَعَالَى فَرِيضَةَ المْغرِبِ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ ، وأُصَلِّي فَرِيضَةَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخِرَة رَكْعَتَيْنِ ، وَأُصَلِّي الْوَتْرَ الوَاجِبَ رَكْعَةً أَوْ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ أُصَلِّيهُنَّ جَمْعاً صَلَواتِ سَفَرٍ ، فَإِذَا سَلَّمْتَ مِنْ فَرِيضَةِ الْمَغْرِبِ قُمْتَ إلى فَرِيضَةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ بِإِقَامَةٍ ، وَتَوْجِيهٍ ، وَإِحرامٍ ، فَإِذَا سَلَّمْتَ مِنْ فَرِيضَةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ قُمْتَ إِلى الْوَتْرِ بِلاَ إِقَامَةٍ فَتُوَجِّهُ وَتُحْرِمُ .
وَكَذَلِكَ السُّنَنُ كُلُّهَا لاَ تَحْتَاجُ إِلى إِقَامَةٍ ، وَكَذَلِكَ النَّوَافِلُ والتَّطَوُّعَاتُ .
ما لا يجوز قصرُه من الصلوات وما يجوز
وَلاَ يجُوزُ قَصْرُ شَيْءٍ مِنْ فَرِيضَةِ الْمِغْرِبِ ، وَلاَ مِنْ فَرِيضَةِ الْفَجْرِ ، إِلاَّ لِخَوْفٍ أِوْ مَرَضٍ لاَ تَسْتَطِيعُ مَعَهُ عَلى تَمَامِها ، فَأَمَّا صَلاَةُ الْخَوْفِ فَهِيَ على أنْواعٍ :
صلاة المواقفة (1/20)
صفحة 21
النوع الأول :صَلاَةُ الْمُواقَفَةِ : وَهِيَ أَنْ يُوَاقِفَ وَاحِدٌ مِنَ الزَّحْفَيْنِ الآخَرَ ، وَصِفَتُهَا أَنْ يَقَوْمَ الإِمَامُ وَيَنْقَسِمَ الزَّحْفُ إِلى طَائِفَتَيْنِ فَتُصَلِّي طَائِفَةٌ مِنْهُمَا خَلْفَ الإِمَامِ رَكْعَةً ثُمَّ تَنْصَرِفُ وَتُوَاجِهُ الْعَدُوَّ ، وَتَأْتِيَ الطَّائِفَةُ اْلأُخرَى فَيُصَلِّيَ بِهِمُ الإِمَامُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُ فَتُسَلِّمُ الطَّائِفَتَانِ مَعاً ، فَيَكُونُ رَكْعَتَانِ لِلإِمَامِ وَلُكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةٌ ، وَلَيْسَ عَلى الَّذِينَ هُمْ في وَجهِ الْعَدُّوِّ تَحِيَّاتٌ وَلاَ تَشَهُّدٌ، وَلكِنْ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ سَلَّمَ الجَمِيعُ مَعاً ، وَهِيَ في الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا والْحَضَرِ والسَّفَرِ سَوَاءٌ .
صلاةُ الْمُسَايَفَةُ
النوع الثاني : صَلاةُ الْمُسَايَفَةُ ، وََذَلِكَ أَنْ يَتَداخَلَ الزَّحْفَانِ بِالسُّيُوفِ أَوْ نَحْوَهَا مِنَ اْلأَسْلِحَةِ ، فَلاَ يَجِدُ كُلُّ وَاحِدِ مِنْهُمُ انْفِكَاكاً مِنْ عَدُوِّهِ حَتَّى يُصَلِّي ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُصَلِّي بالْفِعْلِ وَلاَ بِاْلإِيمَاءِ كَبَّرَ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ ، وَكَانَ ذَلِكَ مُجْزِياً عَنْهُ .
صلاة مطلق الخوف (1/21)
صفحة 22
النوع الثالث : صَلاَةُ مُطْلَقُ الْخَوْفِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَشْتَدَّ الْخَوْفُ في مُقَابَلَةِ الْعَدُوِّ ، أَوْ مُدَاخَلَتِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يُصَلُّوا صَلاَةَ الْمُوَاقَفَةِ ، فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ كَيْفَ مَا أَمْكَنَهُم كَمَا قَالَ اللّهُ تَعَالَى : ( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ) وَحَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، والْخَائِفُ عَلى دَمِهِ وَمَالِهِ ، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَصِّرَ مِنْ صَلاَتِهِ عَلى قَدَرِ مَا وَجَدَ وَيُقَصِّرَ مِنْ وَظَائِفَهَا مَا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَأْتِي بِهِ ، وَيُقَصِّرَ مِنْ نَفْسِ صَلاَتِهِ مَا لَمْ يُمْكِنْهُ مِنْهَا مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ إِلى الإِيمَاءِ قَائِماً ، وَمِنَ الْقِيَامِ إِلى الإِيمَاءِ قَاعِداً أَوْ رَاكِباً عَلى دَابَّتِهِ مُتَوَجِّهاً إِلى سَبِيلِهِ .
صلاة المريض
وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَلَهُ ، أِنْ يُقَصِّرَ مِنْ صَلاَتِهِ ، وَمِنْ وَظَائِفَهَا مَالاَ يُمْكِنْهُ فِعْلُهُ ، فَإِذَا لَمْ يِسْتَطِعْ التَّطَهُرَ بِالْماءِ تَيَمَمَّ وَصَلَّى قَائِماً ، وّإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْقِيَامَ صَلَّى قَاعِداً ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْقُعُودَ صَلَّى مُضْطَجِعاً عَلى يَمِينِهِ ، وَوَجْهُهُ إِلى الْقِبْلَةِ وَيُؤْمِيءُ بِرَأْسِهِ لِمَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ ، وَيَقْرَأُ الصَّلاَةَ بِلِسَانِهِ ، وَإِنْ لَمْ يِسْتَطِعْ قِرَاءَتَهَا وَلاَ الإِيمَاءَ كَبَّرَ لِلْفَرْيْضَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ التَّكْبِيرَ كَانَ مَعْذُوراً وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ ْلأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى لاَ يُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا .
صلاة الجمعة وكيفيتها (1/22)
صفحة 23
وَتُقَصْرُ صَلاَةُ الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَتُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ مَعَ اْلإِمَامِ في الْمِصْرِ الْمُمَصَّرِ ، وهِيَ صَلاةُ الْجُمُعَةِ وَلاَ تُصَلَّى إِلاَّ جَمَاعَةً ، بِأَذَانٍ وَخُطبَةٍ وَإِقَامَةٍ ، وَصِفَتُهَا أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ عَلى الْمِنْبَرِ مَسْتَقْبِلاً بِوَجْهِهِ الْجَمَاعَةَ ، فَيَحْمَدُ اللّهَ وَيُثْنِي عَلَيهِ وَيُصَلِّي وَيُسَلِّمُ على نَبِيِّهِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَيَسْتَغْفِرُ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، وَيَأْتِي بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَلاَ يُطِيلُ في ذَلِكَ بَلْ يَقْتَصِرُ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ ، ثُمَّ يُقِيمُ الْمُؤَذِّنُ ، ثُمَّ يَنْزِلُ الإِمَامُ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ، يَجْهَرُ فِي كَلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْقِراءَةِ ، فَيَقْرأُ مَعَ الْحَمْدِ لِلّهِ مَا تَيَسَّرَ مِنْ سُوَرِ الْقُرآنِ ثُمَّ يَقْعُدُ وَيَتَشَهَّدُ ، وَقَدْ تَمَّتْ الصَّلاَةُ ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ وَاْلإِمَامُ يَخْطُبُ ، بَلْ يَسْتَمِعُونَ الْخُطْبَةَ ، وَمَنْ تَكَلَّمَ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَ مَعَ الدَّاخِلِينَ فَيَسْتَمِعَ إِلى مَا بَقِيَ مِنَ الْخُطْبَةِ وَقَدْ فَاتَهُ فَضْلُ السَّبْقِ .
سنن الجمعة
وَيُسَنُّ الإِغْتَسَالُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ شَاءَ حُضُورَهَا فَيَغْتَسِلُ كَمَا يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَكذلِكَ يُسَنُّ لَهُ التَّزَيُّنُ بِأَحْسَنِ لِبَاسِهِ ، وكذلِكَ يُسَنُّ لَهُ التَّطَيُّبُ ، بِأحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنْ طِيبِهِ ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَخَطَّى رَقَابَ النَّاسِ ، بَلْ يَجْلِسُ حَيْثُ مَا انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ .
صَلاةُ الْعِيدَيْن (1/23)
صفحة 24
وَتَجِبُ عَلى الْكِفَايَةِ صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ : عِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ النَّحْرِ ، فَتُصَلَّى رَكْعَتَانِ جَمَاعَةً ، وَيَجْهَرُ الإِمَامُ فِيهِمَا بِالْقِراءَةِ ، فَيَقْرَأُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً ، وَيُسَنُّ فِيهمَا التَّكَابِيرُ وَالْخُطْبَةُ ، وَصِفَةُ ذَلِكَ أنْ يَقُومَ الْمُصَلِّي فَيَقُولَ : أُصَلِّي لِلَّهِ سُنَّةَ عِيدِ الْفِطْرِ ، أَوْ عِيدِ اْلأَضْحَى رَكْعَتَيْنِ بِثَلاَثِ عَشَرَةَ تَكْبِيرَةً ، مُتَوَجِّهاً لِلْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةَ ، ثُمَّ يُوَجِّهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ إِذَا كَبَّرَ اْلإِمَامُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ بَعْدَ تَكْبِيرةِ اْلإِحْرَامِ ، خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ يَتْبَعُ فِيهَا تَكْبِيرَ اْلإِمَامِ ثُمَّ يَقْرأُ الإِمَامُ الْحَمْدَ وَسُورَةً ، وَيَقْرَأُ المأمُومُ وَرَاءَهُ الْحَمْدَ وَحْدَهَا ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ ثُمَّ يَقومُ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَيَقْرأُ الإِمَامُ الْحَمْدَ وَسُورَةً ، وَيَقْرَأُ المأْمُومُ الْحَمْدَ وَحْدَهَا ، وَيَسْتَمِعُ السُّورَةَ ثُمَّ يُكَبِّرُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ يَتْبَعُ فِيهَا تَكْبِيرَ اْلإِمَامِ ، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ، فَيُكَبِّرُ فِي الْقِيَامِ ثَلاَثَ تِكْبِيرَاتٍ فَتِلْكَ ثَلاَثَ عَشَرَةَ تَكْبِيرَةً غَيْرَ تَكْبِيرِ الصَّلاةِ ثُمَّ يَسْجُدُ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ ، وَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُهُمْ .
خطبةُ العيد (1/24)
صفحة 25
ثُمَّ يَقُومُ الإِمَامُ فَيَخْطبُ في النَّاسِ خُطْبَةً يَفُتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ والنَّاسُ يِسْتَمِعُونَ ثُمَّ يُوصِيهِمْ بِتَقْوَى اللّهِ ، وَيَأْمُرُهُمْ بِمَا يَلْزَمُهُم فِي يَوْمِهِمْ ، وَيَحُضُّهُم فِي حَالِهِمْ ، ثُمَّ يَعِظُهُم بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَبَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ الْخُطْبَةِ يَنْصَرِفُونَ ، وَقَدْ أَدَّوا مَا أُمِرُوا بِهِ وَيُؤْمَرُونَ أَنْ يَخْرجُوا بِصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ فَيُصَلُّونَهَا فِي فَنَاءِ الْمِصْرِ وَلاَ كَذَلِكَ صَلاَةُ الْجُمَعَةِ فَإِنَّهَا تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ .
الجنائز (1/25)
صفحة 26
وَمِنَ الصَّلَوَاتِ مَا لَيْسَ فِيهِ رُكْوعٌ وَلاَ سَجُودٌ وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الكِفَايَةِ وذَلِكَ صّلاَةُ الجَنَازَةِ ، وَصِفَتُهَا أَنْ يَقُومَ الْمُصَلِّي وَالْمَيِّتُ عَلى قِبْلَتِهِ ، بَعْدَ أَنْ يُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ وَيُطيَّبَ بِمَا حَضَرَ مِنَ الطِّيبِ ، فَيَقُولُ الْمُصَلِّي : أُصَلِّي لِلَّهِ تَعَالَى عَلى هَذَا الْمَيِّتِ السُّنَّةَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ ، طَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يُوَجِّهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ التَّكْبِيرَةَ الأُولى مِنَ الأرْبَعِ التَّكْبِيرَاتِ ، ثُمَّ يِسْتَعِيذُ وَيَقْرَأُ الْحَمْدَ ثُمَّ يُكَبِّرُ التَّكْبِيرَةَ الثَّانِيَةَ : ثُمَّ يَقْرَأُ الْحَمْدَ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ التَّكْبِيرَةَ الثَّالِثَةَ وَيَحْمُدُ اللَّهَ وَيُصَلِّي عَلى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَغْفِرُ لِذَنْبِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ و الْمُؤْمِنَاتِ ، وَيَدْعُو بِمَا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ الميِّتُ وَلِيّاً قَالَ المُصَلِّي فِي دُعَائِهِ (( الَّلهُمَّ إِنَّ فُلاَناً عَبْدِكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ تَوَفَّيْتَهُ وَأبْقَيْتَنَا بَعْدَهُ ، الَّلهُمَّ أبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ ، وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلِهِ ، وَقَرَاراً خَيْراً مِنْ قَرَارِهِ ، وأَصْعِدْ رُوحَهُ فِي أَرْوَاحِ الصَّالِحِينَ ، وَأجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي دَارٍ تَبْقَى فِيهَا الصُّحْبَةُ وَيَذْهَبُ فِيهَا النَّصَبُ واللُّغُوبُ )) وَماَ فَتَحَ اللَّهُ مِنْ هَذَا ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا أَرَادَ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ التَّكْبِيرَةَ الرَّابِعَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وَعَلى مَنْ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ (1/26)
صفحة 27
الْمُرْسَلِينَ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلى مَنْ خَلْفَهُ تَسْلِيمَةً خَفِيفَةً ، يَصْفَحُ بِهَا وَجْهَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً ، وَلاَ يَسْمَعُهَا إِلاَّ مَنْ كَانَ قَرِيباً مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ لاَ يُتَولّى فَالصَّلاَةُ وَاحِدَةٌ إِلاَّ الدُّعَاءَ وَاْلإِسْتِغْفَارَ ، فَإِذَا أسْتَغْفَرْتَ لِذَنْبِكَ ولِْلمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، دَعَوْتَ لِنَفْسِكَ ثُمَّ كِبَّرْتَ وَسَلَّمْتَ ، وَقْد تَمَّتْ صَلاَتُكَ .
وَيَنْبَغِي لِمَنْ لاَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَغْيَرِهِ أنُ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ اْلأوَّلِ والآخِرِ ، وَالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مِنْهُ الْمَبْدَأُ وَإِلَيْهِ الرُّجْعَى وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَالأُولى رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَأتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيم ، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكِ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . ثُمَّ يُصَلِّي عَلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيُسَلِّمُ .
كيفيةُ غسل الموتى (1/27)
صفحة 28
وَصِفَهُ غُسْلِ الْمَيَّتِ بَعْدَ أَنْ يَتَحَقَّقَ مَوْتُهُ ، يَأْتِي مَنْ أَرَادَ تَغْسِيلَهُ فَيَغْسَلُ يَدَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَيَدَ الْمَيِّتِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ الْيُسْرَى ، ثُمَّ يَلُفُّ يَدَهُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَغْسِلَهُ بِهَا ، فَإِنْ كَانَ المَيِّتُ مَرِيضاً مُدْنَفاً فِي مَرَضِهِ فَليَأْخُذْ فِي غَسْلِهِ مِنْ سُرَّتِهِ إِلى أَسْفَلَ ، حَتَّى يَنْتَهَي إِلى عَوْرَتِهِ فَيَغْسِلُهَا كَمَا يَغْسِلُ لَنَفْسِهِ ، وَيُطَهِّرُهَا كَمَا أَمْكَنَ مِنْ غَيْرٍ تَفْتِيشٍ وَلاَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ فُرُوجِهِ ، وَإنْ كَانَ المَيِّتُ غّيْرَ مُدْنَفٍ فِي مَرَضِهِ فَليَقْصِدْ فِي غَسْلِهِ إِلى فُروجِهِ فَيَغْسِلُهَا وَيُنَظِّفُهَا ، ثُمَّ يَغْسِلُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إِلى رُكْبَتَيْهِ يَفْعَلُ هَذَا كُلَّهُ وَيَدُهُ مَلْفُوفَةٌ ، فَإِذا اسْتَنْجَى لَهُ فَلِيَضَعْ الْخِرْقَةَ الَّتِي لَفَّ بِهَا يَدَهُ عَلى عَوْرَةِ الْميِّتِ إِنْ كَانَتْ لْلَّذِي غَسَلَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَيِّتِ فَلِيَدْفَعْها إِلى الْوَرَثِةِ وَلاَ يَنْزَعُ الَّلفَّ عَنْ يَدِهِ حَتَّى يَغْسِلَ مَا بَيْنَ سُرَّةِ الْمَيِّتِ إِلى رُكْبَتَيْهِ ، ثُمَّ يّبْدأُ فَيَتَوضَّأُ لَهُ كَمَا يَتَوضَّأُ لِلصَّلاَةِ ، وهَوَ سُنَّةٌ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ ، وَقَالَ قَوْمٌ لا وُضُوءَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ والْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ ثُمَّ يَبْدأُ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَيَغْسِلَهُ بِسِدْرٍ أَو نَحْوِهِ إِنْ حَضَرَ أَو خِمْطِيٍّ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلاَ بَأْسَ ، وَيَبْدأُ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ ، ثُمَّ عُنُقِهِ مِنَ الْجَانِبِ الأَيْمَنِ ، ثُمَّ الأَيْسَرِ ثُمَّ يّدِهِ اليَمْنَى وَمَا يَلِيهَا ، ثُمَّ الْيُسْرَى وَمَا يَلِيهَا ، ثُمَّ جَانِبِهِ الأَيْمَنِ وَمَا يَلِيهِ ، ثُمَّ جَانِبِهِ الأَيْسَرِ (1/28)
صفحة 29
وَمَا يَلِيهِ ، ثُمَّ يَغْسِلُ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ كَمَا يَغْسِلُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، ثُمَّ يَغْسِلُ مَا بَيْنَ رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى إِلى قَدَمِهِ ثُمَّ الْيُسْرَى كَذلِكَ ، ثُمَّ يَعُمُّهُ بِالْغُسْلِ وَيَرْفُقُ بِغُسْلِهِ جُهْدَهُ .
التيممُ للميت
وَإِنْ عُدِمَ الْمَاءُ أَوْ كَانَ فِي جَسَدِ الْمَيِّتِ فَسَادٌ لاَ يُمْكِنُ مَعَهُ غَسْلُهُ أَوْ إِتّصَلَ مِنْهُ خُرُوجُ النَّجِسِ اِتِّصَالاً لاَ يُمْكِنُ مَعَهُ نَظَافَتُهُ فَلِيَتَيَمَّمُوا لَهُ ، مَكَّانَ الْغُسْلِ ، بِالتُّرَابِ الطَّاهِرِ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ التَّيمُّمَ لِلْحَيِّ .
كيفيةُ التَّيمّم له
وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ لِلْمَيِّتِ أَنْ يَضَعَ الْمُتَيَمِّمُ يَدَيْهِ عَلى التُّرَابِ ، ثُمَّ يَرْفَعُهُمَا وَيَنْفُضُهُمَا نَفْضاً خَفِيفاً وَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَ الْمَيِّتِ فَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلى خَدِّ الْمَيِّتِ الْيَمِينِ ، والْيُسْرَى عَلى الأَيْسَرِ كَمَا يَتَيَمَّمُ لِنَفْسِهِ ، ثُمَّ يَضَعَهُمَا عَلى التُّرَابِ مَرَّةً أُخْرَى و يَرْفَعُهُمَا وَيَجْعلُ يَدَ الْمَيِّتِ الْيُمْنَى عَلى ظَاهِرِ يَدِهِ الْيُسْرَى وَيَمْسَحُهَا بِيِدَهِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ يَأْخُذُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَضَعُهَا عَلى يَدِهِ الْيُمْنَى وَيَمْسَحُهَا بِيِدَهِ الْيُسْرَى ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا وَتَيَمَّمَ كَمَا أَمْكَنًَهُ أَجْزَاهُ ذَلِكَ ، وَمَا لاَ يُجْزِيء الْحَيَّ فِي هَذَا لاَ يُجْزِئِهِ وَيَنْوِي بِجَمِيعِ ذَلِكَ أَدَاءَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ وَتَيَمُّمِهِ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي النِّيَّةِ التَّلَفُّظ بِالْقَوْلِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ ، ويُسَمِّي اللَّهَ عَلى فِعْلِهِ ، وَإِنْ أَكَّدَ بِقَوْلِهِ قَصْدَهُ كَانَ حَسَناً .
نية غسل الميت (1/29)
صفحة 30
وَيقُولُ عِنْدَ تَغْسِيلِ الْمَيِّتِ : الَّلهُمَّ إِنِّي نَوَيْتُ أَنْ أَغْسِلَ هَذَا الْمَيِّتَ مِنْ كَلِّ خَبَثٍ وَحَدَثٍ أَدَاءً لِمَا وَجَبَ عَليَّ مِنْ غُسْلِهِ طَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ .
نية التيمم له
وَيقُولُ عِنْدَ التَّيَمُّمِ لَهُ : الَّلهُمَّ إِنِّي نَوَيْتُ أَنْ أَتَيَمَّمَ لِهَذَا المَيِّت بِهَذَا التُّرَابِ الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ ، رَفْعاً لِحَدثِهِ وَطَهَارَةً لَهُ مِنْ كُلِّ نَجَاسَةٍ طَاعَةً لِلَّهِ ولَِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
سنة الميت في الغسل
وَلاَ بُدَّ مِنْ ثَوْبٍ يَسْتُرُهُ فِي حَالِ تَغْسِيلِهِ فَيُمَدُّ عَلَيْهِ مِنْ أَعْلاَهُ ثَوْبٌ سَاتِرٌ لَهُ عَنِ الْعُيُونِ فَيُمْسِكُهُ غَيْرُ الْمُغَسِّلِ ، وَلاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَاتِهِ ، واللَّهُ أَعْلَمُ .
التكفين والتحنيط (1/30)
صفحة 31
ثُمَّ يَأْخُذُونَ فِي تَكْفِينِهِ بِثَوْبٍ فَصَاعِداً مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الصَّلاَةُ ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكْفِّنَهُ بَعْدَ أَنْ فَرَغْتَ مِنْ غَسْلِهِ ، فَجِّففْ بَدَنَهُ مِنَ الْمَاءِ وأَدْرِجْهُ فِي أَكْفَانِهِ وأَجْعَلْهُ عَلى عَرْضِ الإِزَارِ وَابْسِطْهُ عَلى طُولِ الَّلفَافَةِ ثُمَّ حَنِّطْهُ ، فَابْدأْ بِالْفَمِ ثُمَّ الْمِنْخَرِ الأيْمُنِ ثُمَّ الْمِنْخَرِ الشِّمَالِي ، ثُمَّ الْعَيْنِ الْيُمْنََى ثُمَّ الْعَيْنِ الشِّمَالِي ثُمَّ الأُذُنِ الْيُمْنََى ثُمَّ الأُذُنِ الشِّمَالِيَّةِ ثُمَّ أجْعَلْ عَلى وَجْهِهِ نَفَكَةً تُغَطِّي جَمِيعَهُ وَفِي جَمِيعِ ذلِكَ النَّفَكِ تَجْعَلُ الْحَنُوطَ مِمَّا يَلِي جَسَدَ الْمَيِّتِ وَتَجْعَلُ نَفَكَةً فِيهَا الحَنُوطُ تُغَشِّي بِهَا الْفَرْجَيْنِ جَمِيعاً ، وَإِنْ جَعَلْتَ الْحَنُوطَ فِي الآبَاطِ والْكَفَّيْنِ و الْقَدَمَيْنِ فَجَائِزٌ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ أَجْزَأَ ، ثُمَّ تَلُفُّ الَّلفَافَةَ بِحَزَائِمِ رَافِقَةٍ فَلاَ تَضْغَطُ بِهَا جَسَدَ المَيِّتِ ثُمَّ تَجْعَلُهُ عَلَى السَّرِيرِ وَتَسْتُرُهُ بِالثِّيَابِ وَتَطْرَحُ عَليهِ مَا أَمْكَنَ مِنْ طِيبٍ ، وَتُبَخِّرُهُ بِرِيحِ الْعُودِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تَدُورُ ذِلكَ حَوْلَ السَّرِيرِ وَمِنْ تَحْتِهِ .
كيفية التكفين (1/31)
صفحة 32
وَإِنْ كَانَ فِي الْكَفَنِ قَمِيصٌ وَسَراوِيلُ أَلْبِسَ الْقَمِيصَ ، ثُمَّ تَكُونُ السَّراوِيلُ فَوْقَ الْقَمِيصِ عَلى الصَّدْرِ وَتُفْتَقُ السَّرَاوِيلُ وَتُدْخَلُ الرِّجَلاَنِ كِلْتَاهُمَا في كُمٍّ واحِدِ وَلاَ تُشَدُّ السَّرَاوِيلُ بِالتَّكَّةِ ، ثُمَّ تُمَدُّ يَدَاهُ إِلى فَخْذَيْهِ ثُمَّ يُدْرَجُ فِي الثَّوْبِ الثَّالِثِ يُمَدُّ الثَّوْبُ عَلى طُولِهِ ، وَيَجْعَلُ الطَّرَّتَيْنِ عِنْدَ الرَّأْسِ و الطُّرَّتَيْنِ الأُخْريينِ عِنْدَ الرِّجْلَيْنِ ، وَيَلُفُّهُ فِيهِ ، وَيَجْعَلُ طُرَّةَ الثَّوْبِ مِنَ الطُّولِ عَلى يَمِينِهِ أَوَّلاً ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ عَلى يَسَارِهِ ، ثُمَّ كَذلِكَ يَصْنَعُ مَا وَسِعَ الثَّوْبُ وَيَكُونُ أخِرَ الثَّوْبِ عَلَى الشِّمَالِ ، ثُمَّ يَشُقُّ مِنَ الثَّوْبِ شَيْئاً مِنْ طُولِ الثَّوْبِ يَعْقُدُ بِهِ عَلَيهِ يَكُونُ الْعَقْدُ عَلى الشِّمَالِ ، ِلأَنَّ الْعَقْدَ يُفْتَحُ إِذَا أُدْخِلَ فِي قَبْرِهِ وَيُرْخَى الرَّبْطُ عَنْ وَجْهِهِ .
حمل الميت
فَإِذَا وَضَعُوهِ عَلى سَرِيرِهِ فَلْيَسِيرُوا بِهِ سَيْراً رَفِيقاً وَلْيُقَدِّمُوا رَأْسَهُ إِنْ سَارُوا بِهِ إِلى مَوْضِعِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ أَوْ إِلى الْقَبْرِ .
الصلاة على الميت
وَمِنَ الصَّلَوَاتِ مَا لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ وَلاَ سُجُودٌ وَهُوَ فَرْضٌ عَلى الكِفَايَةِ ، وَذَلِكَ صَلاَةُ الْجَنَازَةِ ( انظر باب كيفية الصلوات ) .
صفة دفن الميت
وَلْيَأْخُذُوهُ عِنْدَ إِنْزَالِهِ فِي الْقَبْرِ مِنْ رَأْسِ السَّرِيرِ وَيُقَدِّمُوا رَأْسَهُ وَيُنْزِلُوهُ فِي لَحْدِهِ مُضْطَجِعاً عَلى جَنْبِهِ اْلأَيْمَنِ مَسْتَقْبِلاً لِلْقِبْلَةِ ثُمَّ يَضَعُوا عَلَيْهِ الَّلبِنَ ثُمَّ يَدْفِنُوهُ بِالتُّرَابِ . (1/32)
صفحة 33
وَتَشْيِيعُ الْجَنَازَةِ مَأْمُورٌ بِهِ وَفِيهِ الْفَضْلُ الْعَظِيمُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثَرَ وَرَاءَهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَقِيلَ : يُسْتَحُّب أَنْ يُقَالَ خَلْفَ الْجَنَازَةِ (( لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الْحَيُّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ )) وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( شروط الصلاة )
واعلمْ أنّ للصَّلاةِ شُرُوطاً لابُدَّ مِنْ فِعْلِهَا ، ِلأَنَّ الصّلاةَ لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بِهَا وَهِيَ :
الشرط الأول (1/33)
صفحة 34
أدب قضاءُ حاجة الإنسان : وَهُوَ أَنْ لاَ يَصَلِّي وَهُوَ يُدافِعُ الأخْبَثَيْنِ فقد قِيلَ أَنَّ صَلاَتَهُ لا تَتِمُّ بِمَنْزَلِةِ مَنْ صَرَّهُمَا فِي ثَوْبِهِ ، بَلْ يُؤْمَرُ أَنْ يَذْهَبَ إلى الْمذْهَبِ فَيَقْضِيَ حَاجَتَهُ ، وَيَتأدَّبَ فِي مَذْهَبِهِ بِالآدَابِ المنْقُولَةِ عَنْ رسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمِنْ ذلِكَ الإِبْعَادُ فِي الْمذْهَبِ إِذَا كَانَ فِي الْفَضَاءِ ، أو الاسْتِتَارُ بِسَتْرٍ يَسْتُرُ شَخْصَهُ عَنِ النَّاسِ ، والحِكْمةُ في ذلكَ أَنْ لاَ تُرَى عَوْرتُهُ وَلاَ شَخْصُهُ ولا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ ولا يُؤْذي أَحَداً ، فإِذَا حَصَلتْ هَذِهٍِ الْحَالَةُ فِي الْمَكَانِ القَرِيبِ جَازَ لَهُ ، وَإِلاَّ فلْيُبْعِدُ المذْهَب في الْفَضَاءِ ، ولْيَسْتُرْ نَفْسَهُ بِثَوْبٍ ولْيَتَجنَّبْ الْمَواضِعَ الصَّلْبَةَ ، وَلاَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ولاَ يَسْتَدْبِرْهَا بِبَوْلٍ ولاَ غَائِطٍ ، وَلاَ يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلاَ القَمَرَ وَلاَ الرَّيْحَ ، لِئَلاَّ تَرُدَّ إِلَيْهِ شَرَرَ الْبَوْلِ ، وَلاَ يَقْضِيهَا فِي مَواضِعِ الجُلوسِ ، ولاَ فِي مُسْتَظَلِّ النَّاسِ ، وَلاَ فِي مَسْقَطِ اْلأَثْمَارِ ، وَلاَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي وَلاَ الرَّاكِدِ ، وَيَجُوزُ فِي الإِضْطِرَارِ مَالاَ يَجُوزُ فِي اْلإِخْتَيَارِ وَيُقَدِّمُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْمُستَرَاحَ رِجْلَهُ الشِّمَالَ ، وَيَقُولُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الرَّجِسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، وَإِنْ قَضَاهَا فِي الْخَلاَءِ فِلْيَقُلْ ذَلِكَ عِنْدَ رَفْعِ ثِيَابِهِ ، وَإِنْ نَسِيَ حَتَّى جَلَسَ فَلْيَقُلْ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ، وَلاَ يَرْفَعُ ثِيَابَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ اْلأَرْضِ ، لِئَلاَّ تَنْكَشِفَ عَوْرَتَهُ وَلْيُهَيِّءْ لَهُ ثَلاَثَ أَحْجَارٍ صِغَارِ ، وَمَا (1/34)
صفحة 35
كَانَ فِي مَعْنَى الْحِجَارَةِ مِنْ كُلِّ جَامِدٍ يُمْكِنُ إِزَالةَ النَّجِسِ بِهِ ، وَلاَ يَسْتَجْمِرُ بِالْعَظْمِ ولاَ بِالرَّوْثَةِ وَلاَ بِحَشِيشٍ وَلاَ بِزَرْعٍ وَلاَ بِثَمَرَةٍ ، وَلاَ يُجْزِيءُ أَقَلُّ مِنْ ثَلاَثِ حَجَراتٍ ، وَإِنْ شَاءَ زَادَ إِلى خَمْسٍ أَوْ سَبْعَ وَلاَ يَكُونُ الْعَدَدُ إِلاَّ وَتْراً ثُمَّ يِسْتَجْمِرُ بِهَا الْخَبَثِ بِيَدِهِ الْيُسْرَى ، ثُمَّ يَسْتَبْرِيءُ مِنَ الْبَوْلِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْمَدَدُ ثُمَّ يَقُومُ إِلى الْمَغْتَسَلِ . وَلْيُقَدِّمْ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْخَلاَءِ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ، وَلْيَقُلْ : الْحَمْدَ لِلَّهِ الَّذِي أَزَالَ عَنِّي اْلأَذَى ، فَالْخَلاَءُ : الدُّخُولُ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ بِعَكْسِ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسْجِدَ تُقَدَّمُ فِي الدُّخُولِ إِليْهِ الرِّجْلُ الْيُمْنَى وَتُقَدَّمُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ الرِّجْلُ الْيُسْرَى ، وَأَمَا الْمَنْزِلُ فَتُقَدَّمُ فِيهِ الْيُمْنَى دُخُولاً وخُرُوجاً وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشرط الثاني
الاستنجاء وغسل النجاسات (1/35)
صفحة 36
أَنْ يَغْسِلَ مِنْ بَدَنِهِ النَّجَاسَاتِ حَيْثُ مَا كَانَتْ ، وَمِنْ ذَلِكَ اْلإِسْتِنْجَاءُ مِنَ الْبَوْلِ والْغَائِطِ بِالْمَاءِ مَعَ الْقُدْرةِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لاَ يَتِمَّ وُضُوءُهُ ، وَلاَ صَلاَتُهُ ، وَلاَ حَدَّ لِلإِْسْتِنْجَاءِ لأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ إِنَّما هِيَ إِزَالَةُ النَّجَسِ ، فَإِذا زَالَ بِالْعَرْكِ والماءِ أَجْزَأَ ذَلِكَ وَأَقَلُّ مَا يَجْزِيءُ مِنَ الْعَرْكِ ثَلاَثُ عَرْكَاتٍ ، وَإِنْ زَالَ النَّجَسُ بِمَا دُونَهَا فَلاَ بُدَّ مِنْ إِتْمَامِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَزُلْ فَلاَ بُدَّ مِنْ إِزَالَتِهِ وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ وَكَثُرَ الْعَدَدُ ِلأَنَّ الْمَشْرُوعَ النَّظَافَةُ لاَ أَعْدَادُ الْعَرَكَاتِ ، فَلاَ مَعْنَى لِلتَّحْدِيدِ بِالْعَشْرِ وَنَحْوِهَا مِنَ الأَعْدَادِ .
أنواع النجاسات
والنَّجَاسَاتُ الَّتِي يَجِبُ غَسْلُهَا مِنَ الْبَدَنِ والثِّيَابِ وَغَيْرِهِمَا لِلصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا ، هِيَ الْبَوْلُ ، والْغَائِطُ ، والْمَنْيُ ، والْمَذْيُ والْوَذْيُ والدَّمُ الْمَسْفُوحُ والرَّعَافُ ، وَدَمُ الْحَيْضِ ، وَدَمُ الإِسْتِحَاضِةِ ، وَأَرْوَاثُ السِّبَاعَ وَبَوْلُهَا وبَوْلُ جَمِيعِ الدَّوَابِّ ، والْقَيءُ ، والْقَلَسُ ،وَرُطُوبَاتُ الْمَيْتَةِ ، ِلأَنَّ ذَاتَ الْمَيْتَةِ نَجَسٌ ، والْخِنْزِيرُ نَجَسٌ والْكَلْبُ نَجَسٌ والْمُشْرِكَ نَجَسٌ فَيَجِبُ اجْتِنَابُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ وَيَجِبُ غَسْلُ رُطُوبَاتِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشرط الثالث
الوضوء وصفاته (1/36)
صفحة 37
أَنْ يَتَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ، وَصِفَةُ الْوُضُوءِ أَنْ يَتَمَضْمَضَ ثَلاَثاً وَيُبَالِغَ فِي الْمَضْمَضَةِ فَيُدْخِلَ إِصْبَعَ يَدِهِ الْيُمْنَى فِي فِيهِ ، وَكَذا يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي فِيهِ إِلى مَا دُونَ حَلْقِهِ ، وَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلاَ يُبَالِغُ فِي الْغَرْغَرَةِ ، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِأَنْ يأْخُذَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى فَيَجْعَلُ مِنْهُ فِي أنْفِهِ ، ثُمَّ يَسْتَنْثِرُ بِهِ وَيُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أَنْفِهِ ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ ثَلاَثاً ،ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَهُ الْيُمْنَىَ مَعَ الْمَرْفَقِ ثَلاَثاً ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ دَاخِلَهُمَا وَخَارِجَهُمَا ، ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلى الْكَعْبَيْنِ ثَلاَثاً ، ثُمَّ رِجْلَهُ الْيُسْرَى كَذَلِكَ ، وَيُسَمِّيَ الَلَّهَ تَعَالَى عَلى وُضَوْئِهِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ، فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يُسَمِّ عَلى وُضَوْئِهِ فَلاَ وُضُوءَ لَهُ .
بعض سُنَنِهِ
وَيُسَنَّ لَهُ أَنْ يَتَسَوّكَ قَبْلَ وَضَوْئِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلاَثاً قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي اْلإِنَاءِ .
أدعية الوضوء (1/37)
صفحة 38
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ مَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ مِنَ اْلأَدْعِيَةِ ، وَكَذَا عِنْدَ غْسَلِ سَائِرِ الْجَوَارِحِ ، وَإِنْ قَالَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ :اللَّهُمَّ اسْقِنِي مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ كَانَ ذَلِكَ حَسَناً ، وَيَقُولُ عِنْدَ اْلإِسْتِنْشَاقِ اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنِي رَوَائِحَ جَنَّتِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وَيَقُولُ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ : اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِيَ بِنُورِكَ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وَيَقُولُ عِنْدَ غَسْلِ يَدِهِ الْيُمْنَى اللَّهُمَّ اعْطِنيْ كِتَابِي بِيَمِينيْ وَحَاسِبْنِي حِسَاباً يَسِيراً ، وَيَقُولُ عِنْدَ غَسْلِ يَدِهِ الْيُسْرَى : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تُعْطِيِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي ، وَيُقُولُ عِنْدَ مِسْحِهِ رَأْسِهِ اللَّهُمَّ أَظِلَّنِي بِظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّكَ ، وَيَقُولُ عِنْدَ مَسْحِهِ أُذُنَيْهِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ يِسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ، وَيَقُولُ عِنْدَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمَيَّ عَلى الْحَقِّ وَالدِّينِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وأسْتَحَب بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَمْسَحَ عُنُقَهُ بَعْدَ مَسْحِ أُذُنَيْهِ .
التيمم (1/38)
صفحة 39
وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَوْ وَجَدَهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ بِالتُّرَابِ الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ ، فَيَضْرِبُ بِكَفَّيْهِ اْلأَرْضَ ثُمَّ يَرْفَعُهُمَا فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ ، ثُمَّ يَضْرِبُ ضَرْبَةً ثَانِيَةً فَيَمْسَحُ بِهِمَا يَدَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا إِلى الرِّسْغَيْنِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا يُسَمِّيَ اللَّهَ عَلى تَيَمُّمِهِ ، وَيَقْصِدُ بِتَيَمُّمِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِبَاحَةِ الصَّلاَةِ .
ما يجوز به التيمم وما لا يجوز
وَلاَ يَتَيَمَّمَ بِرَمَادٍ ، وَلاَ بِجَصِّ وَلاَ صَارُوجٍ ، وَلاَ بِنُورَةٍ وَلاَ بِسَبْخَةٍ ، وَلاَ بِرَمْلَةٍ وَلاَ بِطِينٍ رَطْبٍ ، وَإِنَّمَا يَتَيَمَّمُ بالتُّرَابِ الَّذِي لَهُ غُبَارٌ فَإِنَّ لَمْ يُمْكِنْكَ وُجُودُهُ فَتَيَمَّمْ بِمَا هَُوَ أَقْرَبُ شَبَهاً إِلى التُّرَابِ مِنْ هَذِهِ اْلأَشْيَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشرط الرابع
الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَة
ِ : وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الإِنْسَانُ جُنُباً كَمَا إِذَا خَرَجَ مِنْهُ الْمَاءُ الدَّافِقُ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ ، أَوْ اَدْخَلَ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِ حَيَوانِ حَتَّى انْتَهَى إِلى الْخِتَانِ فَإِنَّهُ يُلْزَمُهُ الْغُسْلُ ، وَإِنْ لِمْ يَنْزِلِ الْمَاءُ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ ذَكَراً كَانَ أَوْ أُنْثَى .
كيفية الغسل (1/39)
صفحة 40
فَإِذَا أَرَادَ الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ أَزَالَ النَّجَسَ مِنْ مَوضِعِهِ ، ثُمَّ تَمَضْمضَ وَاسْتَنْشَقَ ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَسَائِرَ جَوَارِحِ الْوُضُوءِ كَمَا يَصْنَعُ فِي وُضُوءِ الصَّلاَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلاَ بَأْسَ عَلَيْهِ ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الْمضْمَضَةِ واْلإِسْتِنْشَاقِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ثُمَّ يَحْثُو عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ بِالْمَاءِ ، ثُمَّ يَغْسِلُ أَيْمَنَ الرَّأْسِ ثُمَّ أَيْسَرَهُ ثُمَّ أَيْمَنَ الْعُنُقِ ثُمَّ أَيْسَرَهُ ثُمَّ أَيْمَنَ الْجَسَدِ ثُمَّ أَيْسَرَهُ ثُمَّ أَيْمَنَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَيْسَرَهُمَا ، وَيَمُرُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِيَدِهِ عَلَى جَسَدِهِ ، مَعَ مُرُورِ الْمَاءِ حَيْثُمَا أَمْكَنَهُ ، وَإِنْ أَعَمَّ جَسَدَهُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ أَجْزَأهُ ، وَلاَ بُدَّ مِنْ تَعْمِيمِ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ مَعَ مُرُورِ الْيَدِ عَلَيْهِ .
وَهَذَا الْغُسْلُ بِعَيْنِهِ يَجِبُ عَلى الْحَائِضِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا ، وَذَلِكَ هُوَ الْغُسْلُ مِنَ الْحَيْضِ ، وَلاَ تَتِمُّ الصَّلاَةُ إِلاَّ بِهِ إِنْ وُجِدَ الْمَاءُ ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَلْيَتَيَمَّمِ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضَ بِالتُّرَابِ كَمَا يَتَيَمَّمُ لِلصَّلاَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشرط الخامس
بعض سنن سيدنا إبراهيم (1/40)
صفحة 41
أَنْ لا يُصَلِّي وَشَعْرُ عَانَتِهِ قَدْ طَالَ اسْتِطَالَةً فَاحِشَةً ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ عَانَتَهُ إِذَا طَالَ شَعْرُهَا ، وَقِيلَ يَجِبُ عَلَيْهِ حَلْقُهَا مِنْ شَهْرٍ إِلى شَهْرٍ ، وَقِيلَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوماً إِلى أَرْبَعِينَ يَوْماً وَاْلإِنَاثُ مِنْ عِشْرِينَ يَوْماً إِلى عِشْرِينَ يَوْماً ، وَكَذَا يُؤْمَرُ أَنْ يَنْتِفَ إِبْطَيْهِ وَيَجُزَّ شَارِبَهُ وَيُقَلِّمَ أَظَفَارَهُ ، وَيَفْرِقَ شَعْرَ رَأْسِهِ إِنْ طَالَ ، وَهَذِهِ الْخِصَالُ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْخِصَالِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ .
الشرط السادس
البقاعُ الَّتي تجوزُ الصَّلاةُ فِيهَا والَّتِي لاَ تَجُوزُ
أَنْ يَخْتَارَ لِصَلاَتِهِ بُقْعَةً طَاهِرَةً ، وَلاَ تَكُونُ تِلْكَ الْبُقْعَةُ قَارِعَةَ الطَّرِيقَ وَلاَ مَعْطِناً لِْلإِبِلِ فَإِنَّ الصَّلاَةَ فِي قاَرِعَةِ الطَّرِيقِ وَفِي مَعْطِنِ اْلإِبِلِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا ، وَلاَ تَجُوزُ الصَّلاَةُ فِي الأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ ، وَلاَ فِي مَوْضِعٍ قَدْ أَحْرَقَتْهُ النَّارُ ، مِثْلُ الْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَالصَّارُوجِ و الرَّمَادِ وَلاَ تَجُوزُ عَلى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ ِلأَنَّ الْمُصَلِّي عَلى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَسْتَقْبِلْ بِصَلاَتِهِ الْقِبْلَةَ .
الشرط السابع
لباسُ الصَّلاة (1/41)
صفحة 42
الِّلبَاسُ الطَّاهِرُ السَّاتِرُ فَإِنَّ صَلاَةَ الْعُرْيَانِ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي جَالِساً بِاْلإِيمَاءِ ، وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ بِالتُّرَابِ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُهُ صَلَّى كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ ، فَإِنْ وَجَدَ الثِّيَابَ الطَّاهِرَةَ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّي بِالثَّوْبِ النَّجِسِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ ثَوْباً نَجِساً وَلَمْ يُمْكِنْهُ غَسْلُهُ سَتَرَ بِهِ عَوْرَتَهُ وَصَلَّى وَلاَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ الْحَرِيرِ إلاَّ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ مِنَ الَّلبَاسِ فَإِنَّهُ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ وَيُصَلِّي .
الشرط الثامن
الاستقبال
اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَهِيَ الْكَعْبَةُ الْمَشَرَّفَةُ فَإِنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بِاسْتِقْبَالِهَا ، وَعَلى الْمُصَلِّي أَنْ يَعْرِفَ اْلأَدِلَّةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الْقِبْلَةِ ، مِنْ نَحْو طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وطُلُوعِ الْقَمَرِ وَغُرُوبِهِ وَمعْرِفَةِ الْجِهَاتِ إِلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُمُكِنُهُ مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةَ إِلاَّ بِهِ ، فَإِنْ تَوَصَّلَ إِلى مَعْرِفَتِهَا بِشَيْءٍ مِنْ وُجُوهِ الْحَقِّ أَجْزَأَهُ ، ولَهُ أَنْ يَصَدِّقَ مَنْ سَكَنَ قَلْبُهُ إِلى صَدْقِهِ مِنَ النَّاسِ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ ، وَإِنْ كَانَ المْخُبِرُ فَاسِقاً فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّي عَلى دَلاَلَتِهِ إِنْ لَمْ يَتَّهِمْهُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ عَلِمَ بِالدَّلاَئِلِ وَجَبَ عَليْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ حَيْثُ عَلِمَ ، وَإِنْ تَحَيَّرَ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْبِرُهُ تَحَرَّى جِهَتَهَا وَصَلَّى إِلى نَحْوِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الصَّوم (1/42)
صفحة 43
وَأَمَّا الصَّوْمُ فَهُو مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدِنِيَّةِ الْخَالِصَةِ والْوَاجِبُ مِنْهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ صِيَامُ شَهْرٍ فِي كُلِّ عَامٍ ، وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُبَارَكُ .
صِفَةُ الصَّوْم : وَصِفَةُ الصَّوْمِ أَنْ يُمْسِكَ الصَّائِمُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلى الْغُرُوبِ ، عَنِ اْلأَكْلِ وَالشُّرْبِ وّالجِمَاعِ ، وَيَتَعَفَّفَ عَنِ الْقَوْلِ الْفُحْشِ وَالْغَيْبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَيَتَجَنَّبَ جَمِيعَ الْمَعَاصِي ، فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ مُفْطِرَةٌ لِلصَّائِمِ وَمُبْطِلَةٌ لِصِيَامِهِ ، وَكَذَلِكَ اْلأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالجِمَاعُ وَاْلإِسْتِمْنَاءُ فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مُفْطِرَةٌ لِلصَّائِمِ ، وَاْلإِخْتِلاَفُ فِيمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِياً ، قِيلَ : فَسَدَ صِيَامُهُ وَعَلَيْهِ ، الْبَدَلً ، وَقِيلَ : لاَ بَدَلَ عَلَيْهِ ِلأَنَّ النِّسْيَانَ مَعْفُوٌّ عَنِ اْلإِنْسَانِ .
شرط الصوم : وَشَرْطَ صِحَّةِ الصُّومِ أَنْ يَنْوِيَ مِنَ الَّليْلِ أَنَّهُ يَصْبِحَ صَائِماً فَرْضَ رَمَضَانَ طَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنَ الَّليْلِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ وَلاَ يُصْبِحُ جُنُباً فَإِنْ اَصْبَحَ جُنُباً فَلاَ صِيَامَ لَهُ وَعَلى الْجُنُبِ أَنْ يَقُومَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَيَغْتَسِلَ ، وَمِنَ احْتَلَمَ فِي نَهَارِهِ فَلْيُبَادِرْ إِلى الْغُسْلِ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قيام رمضان (1/43)
صفحة 44
وَيُؤْمَرُ أَنْ يَقُومَ لِيَالِيَ رَمَضَانَ مَا بَيْنَ الْعَتَمَةِ إِلى الْفَجْرِ فَيُصَلِّي مَا شَاءَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الصَّلَواتِ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ عِشْرِينَ رَكْعَةً لاَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَأِن اقْتَصَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً أَجْزَاهُ ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الْوَتْرِ فِي لَيْلِ رَمَضَانَ .
الصوم المحرّم والمكروه والمستحب
الصومُ المحرمُ والمكروهُ : وَيَحْرُمُ صِيَامُ الْعِيدَيْنِ ، وِيُكْرَهُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَيَوْمُ الشَّكِّ ، وَقِيلَ إِنَّ صِيَامَ يَوْمِ الشَّكِّ حَرَامٌ .
والصَّومُ المستحَبُّ : وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ اْلأَيَّامِ الْبِيضِ وَهِيَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَأَوَّلُهَا الْيَوْمُ الثَّالِثُ عَشَرَ ثُمَّ الرَّابِعُ عَشَرَ ثُمَّ الْخَامِسُ عَشَرَ ، وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَهِيَ تِسْعُ اْ لأَيَّامُ الَّتِي قَبْلَ الْعِيدِ وَصِيَامُ عَاشُورَاء مِنْ مُحَرَّمٍ ، وَسِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ ، وَيْوَمٍ مِنْ ذيْ الْقِعْدَةِ وَهُوَ الْخَامِسُ والعِْشْرُونَ ، وَيَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ وَهُوَ السَّابِِعُ والْعِشْرُونَ ، وَيَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ وَهُوَ الْخَامِسُ عَشَرَ ، وَبَعْضُ هَذِهِ الأَيَّامِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حُقوقُ الأَولاد (1/44)
صفحة 45
ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ حُقُوقُ الأَوْلاَدِ عَلى آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ ، لَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم : (( يَلْزَمُ الْوَالِدَينِ مِنَ الْحُقُوقِ مَا يَلْزَمَ وَلَدَهُمَا مِنْ حُقُوقِهِمَا )) وَحَقُّ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ أنْ يُحْسِنَ أَدَبَهُ وَتَرْبِيَتَهُ وَتَعُلِيمَهُ الْقَرَآنَ وَالْحِسَابَ ، و الصَّلاَةَ و الْفَرَائِضَ وَكُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيُكْسِيَهُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَطْلُبَ الْمَعَاشَ وَالْكَسْبَ وَيَجَدَ إِلى ذَلِكَ سَبِيلاً ، وَمِنْ حَقِّه أَيْضاً أَنْ يَخْتَارَ لَهُ أَخْوَالَهُ ، فَإِذَا وُلِدَ فَلْيَخْتَرْ لَهُ خَيْرَ اْلأَسْمَاءِ وَخَيُرَ اْلأَسْمَاء أَسْمَاءُ اْلأَنْبِيَاءِ وَأَسْمَاءُ الصَّالِحِينَ بَعْدِهُمْ . وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ صَلاَحُ الْوَلَدِ لِدِينِهِ وَدُنْيَاهُ يُعَلِّمُهُ إِياهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حُقوقُ الرَّحِمْ
ثًُمَّ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ حَقُّ الرَّحِمِ ، وَهُمُ اْلأَنْسَابُ الَّذِينَ يَجْمَعُكَ وَإِيَّاهُمْ جَدٌّ وَاحِدٌ ،فَإِنَّ ِصلَتَهُمْ تَجِبُ وَلَمْ يَحُدُّوا لِذَلِكَ حَداً ، وَقِيلَ إِنَّ الْقَرَابَةَ الَّذِينَ يَجِبُ حَقُّهُم هَمْ مَا دُونَ سَبْعَةِ آبَاءٍ ، وَقِيلَ مَا دُونَ خَمْسَةِِ آبَاءٍ ، وَقِيلَ مَا دُونَ أَرْبَعَةِِ آبَاءٍ ، وَقِيلِ لاَحَدَّ لِذَلِكِ إِلاَّ الشِّرْكُ وَأَمَّا مِنْ لِمْ يُشْرِكْ مِنْهُم فَحَقُّهُ ثَابِتٌ وَإِنْ بَعُدَ وَاْلأَقْرَبُ أَوْجَبُ ، وَقِيلَ لَيْسَ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ حَدٌّ يُعْرَفُ وَلكِنْ يَكُونُ عَلَى النِّيَّةِ لِلْوُصُولِ ، إِذَا قَدَرَ مَتَى كَانَ ، وَالصِّلَةُ عَلَى مَنْ قَدَرَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ إِذَا اسْتَطَاعَ إِلى ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِذَا خَافَ أَنْ يَهْلَكُوا جُوعاً . (1/45)
صفحة 46
وَمَنْ كَانَ لَهُ أَرْحَامٌ فَعَجَزَ عَنِ الْوَصُولِ إِلْيْهِمْ وَهُوَ يَدِينُ بِالْوُصُولِ إِلَيْهِمْ إِلاَّ أنَّهُ يَمْنَعُهُ الشُّغْلُ عَنْ ذَلِكَ ، فَإِذَا كَانَ عَلَى نِيَّةِ الْوُصُولَ وَهُو مُشْتَغِلٌ فَجَائِزٌ مَا لَمْ يًَقْطَعْ النِّيَّةَ عَنِ الْوُصُولِ إِليْهِمْ . وَأَفَضَلُ الصِّلَةِ صِلَةُ الْهَدَايَا ، وَأَضْعَفُ الصِّلَةِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بِالسَّلاَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حُقوقُ الْجَارِ
وَأَمَّا مُوَاصَلَةُ الْجَارِ فَإِنَّهَا حَقٌّ ثَابِتٌ عَلَى الْجِيرَانِ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ ، كَانَ الْجَارُ قَرِيباً أَوْ بَعِيداً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : (( والْجَارِ ذِي الْقُرْبِى وَالْجَارِ الْجُنُبِ )) وَقَالَ رسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَا زَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوَّرَثُهُ كَالْوَلَدْ مِنْ وَالِدَيْهِ )) وَحَدُّ الْجَوَارِ هُوَ مَا ثَبَتَ فِي الْعُرْفِ أَنَّهُ جَارٌ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ بَادِيَةٍ أَوْ حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ ، وَمِنْ حَقِّ الْجَارِ عَلى جَارِهِ أَنْ يَرْفَعَ الأَذى عَنْهُ فَإِنَّهُ لاَ يَجُُوزُ لَهُ أَنْ يُؤْذِي جَارَهُ وَإِنْ كَانَ الْجَارُ مُشْرِكاً ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصِلَهُ فِي وَقْتِ فَرَحِهِ بِوُصُولِ غَائِبِهِ ، وَفِي وَقْتِ تَرَحِهِ بِمَصَائِبِهِ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاسِمَهُ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَيْسَ عِنْدَهُ مِنُهَا شَيْءٌ إِذَا عَلِمَ بِهَا أَنَّهَا عِنْدَهْ وإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حقوقُ الصَّاحبِ في السَّفَر (1/46)
صفحة 47
ولِلصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ حَقٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : (( والْجَارِ ذِي الْقُرْبِى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بَالْجَنْبِ )) وَالصَّاحِبُ بَالْجَنْبِ هُوَ الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ ، فَعَلَيْكَ أَنْ تَصْحَبَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ ، وَرَفْعِ اْلأَذَىَ ، وَالْمُواسَاةِ فِي الْمَالِ والْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ ، وَلاَ تَخْتَصَّ عَنْهُ بِشَيْءٍ ، وَلاَ تُنَاجِ عَنْهُ فِي حَضْرَتِهِ ، وَإِنْ مَرِضَ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَقُومَ بِهِ فِي مَرَضِهِ ، وَتُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ ، وَإِنْ لَمْ يِكُنْ لَهُ مًَالٌ فَانْفِقْ عَلَيْهِ مِنْ مَالِكَ ، وَأَنْ تَحْفَظَ لَهُ وَصِيَّتَهُ وَتَرِكَتَهُ حَتَّى تُبَلِّغَهَا وَرَثَتَهُ ، وَمِنْ حُقُوقِ الصَّاحِبِ أَنْ يَبْدَأَ بِزَادِهِ فَيَأْكُلاَهُ قَبْلَ زَادِ صَاحِبِهُ ثُمَّ يَأْكُلاَنِ بَعْدَ ذَلِكَ زَادَ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلاَ فَلْيِأُكُلْ مِثلَ مَا يَأْكُلُ صَاحِبُهُ أَوْ دُونَهُ .
وَمِنْ حُقُوقِ الصَّاحِبِ عَلى صَاحِبِهِ : أَنْ لاَ يَمْضِي بِحُمُولَتِهِ عَنْ حُمُولَةِ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِصَاحِبِهِ حَاجَةٌ يَشْتَغِلُ فِيهَا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلْيَنْتَظِرَهُ حَتَّى يَفْرُغ مِنْهَا ، وّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَحِلاَ فَلْيَرْفْعَ عَلى حُمُولَةِ صَاحِبِهِ أَوَّلاً ، وكَذَلِكَ النُّزُولُ إِذَا أَرَادَاهُ فَلْيَحُطَّ عَنْ دَابَّةِ صَاحِبِهِ أوََّلاً ، وَيَقِفْ لَهُ عِنْدَ الْبَيْعِ والشِّرَاءِ وَيَحْفَظْهُ مِنْ جَمِيعِ مَا يَضُرُّهُ ، وَلاَ يُضَيِّعْ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ مَنَافِعِهِ .
حقُوقُ الصَّاحِب في طلَبِ الْعِلمْ (1/47)
صفحة 48
وَكَذلِكَ الصَّاحِبُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ مِنْ حُقُوقِهِ أَنْ يَنْصَحَهُ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَأخِرَتِهِ ، وَيُفَهِّمَهُ مَا لَمْ يَفْهَمْ مِمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ اْلأَدَبِ وَالْعِلْمِ وَالسِّيرةِ ، فَإِذَا رَأَى لَهُ زَلَّةً فَلْيَزْجُرْهُ عَنْهَا وَيَسْتُرْهَا لَهُ ، وَيُذَكِّرْهُ إِذَا غَفَلَ ، وَيُرَغِّبْهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيمَا يَطْلُبُ ، وَلاَ يَفْعَلْ مَا يُمَرِّضُ بِهِ قَلْبَهُ مِنَ التَّنَاجِي عَنْهُ ، وَصُحْبَةِ مَنْ لاَ يُرِيدُ صُحْبَتَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حقوقُ الضَّيف
وَأَمَّا الضَّيْفُ فَلَهُ الإِكْرَامُ حَقّاً ثَابِتاً لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اْلآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ )) ، والضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ ، فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ ، وَلاَ يَحِلُّ لِلضَّيْفِ أَنْ يَقِيمَ عِنْدَ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ حَتَّى يُمِلَّهُ ، وَيَنْبَغِي لِمَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الضَّيْفُ أَنْ يُكْرِمَهُ وَيَلِي أَمْرَ ضِيَافَتِهِ بِنَفْسِهِ وَلاَ يَكِلْهُ لِغَيْرِهِ . ومِنْ حُقُوقِ الضَّيْفِ عَلى أَهْلِ الْبَيْتِ أَنْ يُقَدِّمُوا لَهُ خَيْرَ مَا فِي بَيْتِهِمْ وَأنْ يُسارِعُوا لَهُ بِعَيْشِهِ وَيَحْفَظُوا لَهُ أَوْقَاتَ الصَّلاَةِ ، وَيَحْفَظُوا لَهُ دَابَّتَهُ بِالْعَلَفِ وَالسَّقْي ، وَلاَ يَغِبْ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ عَنْ وَجْهِهِ ، وَلاَ يِسْأَلْهُ : أُقَدِّمْ لَكَ شَيْئاً أَمْ لاَ ، وَلاَ تُقَدِّمْ طَعَاماً إِلاَّ وَمَعَهُ الْمَاءُ .
المكروه في حق الضيف (1/48)
صفحة 49
وَمِنَ الْجَفَاءِ أَكْلُ رَبِّ الْبَيْتِ مَعَ الضَّيْفِ ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الضَّيْفُ مِنَ الْمُلُوكِ و الرُّؤَسَاءِ ، وَلاَ تُنَاوِلْ بَعْضَ أضْيَافِكَ دُونَ بَعْضٍ ، وَلاَ تُنَاجِ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ وَلاَ تُنَاوِلْ أَحَداً مِنْهُمْ شَيْئاً عَلى مَائِدَةِ غَيْرِكَ ، وَلاَ تُكْثِرِ السُّكُوتَ عَنْ أَضْيَافِكَ فَتَدْخُلُهُمْ وَحْشَةٌ ، وَلاَ تَسْتَخْدِمُ الضَّيْفَ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْمُروْءَةِ ، وَلاَ تُجْلِسْ مَعَ ضَيْفِكَ مَنْ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الثَّقِيلَ يُنَغِّصُّ الطَّعَامَ وَلاَ تَغْضَبْ عَلى الْخَادِمِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ أَضْيَافِكَ فَيَسْتَوْحِشُوا مِنْكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
المقصد الثالث : في الزكاة
وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَهِيَ عِبَادةٌ مَالِيَّةٌ خَالِصَةٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَرَضَ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي مَالِهِ حَقّاً يُخْرِجُهُ فِي أَصْنَافٍ مَخْصُوصَةٍ إَذَا بَلَغَ الْمَالُ قَدْراً مَعْلُوماً .
ما تجب الزكاة فيه : فَيَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الذَّهَبِ ، والْفِضَّةِ ، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ ، والْحُبُوبِ الْمُقْتَاتِ بِهَا ، كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالذَُرَةِ ، وَفِي اْلإِبِلِِ وَالبقَرِ وَالغَنَمِ ، وَأَنْوَاع التِّجَارَةِ .
ما لا تجب فيه الزكاة : وَلاَ زَكَاةَ فِي الْعَبِيدِ وَلاَ فِي الْحَمِيرِ وَلاَ فِي الْخَيْلِ ، وَلاَ فِي الصُّفْرِ وَأَنوْاعِ النُّحَاسِ وَلاَ فِي الْمَعَادِنِ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ إِلاَّ إِذا اتُّخِذَ ذَلِكَ لِلتِّجَارَةِ فَإِنَّهُ تَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ الْمَتْجَرِ .
زكاة الذهب (1/49)
صفحة 50
فَأَمَّا الذَّهَبُ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ إِذَا بَلَغَ عِشْرِينَ دِينَاراً فَصَاعِداً ، فَمَنْ مَلَكَ عِشْرِينَ دِينَاراً وَحَالَ عَلَيْهَا مَعَهُ الْحَوْلَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ نِصْفَ دِينَارٍ ، فَإِنْ زَادَ فَوْقَ الْعِشْرِينَ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ أَخْرَجَ نِصْفَ دِينَارٍ عَنِ الْعِشْرِينَ ، وَعُشْرَ دِينَارٍ عَنِ اْلأَرْبَعَةِ ، وَهَكَذَا إِذَا زَادَتْ أُخَرَ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْهَا عُشْرَ دِينَارٍ آخَرَ إِلى مَا لاَ غَايَةَ لَهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ الذَّهَبُ عِشْرِينَ دِينَاراً شِيءٌ إِلاَّ إِذَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْفِضَّةِ مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْمِلَ الذَّهَبَ عَلى الْفِضَّةِ ، وَيُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِنْهُمَا جَمِيعاً .
زكاة الفضة
وَأَمَّا الْفِضَّةُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا إِذَا بَلَغَتْ مَائَتَيْ دِرْهَمٍ وَلَيْسَ فِيهَا إِنْ لَمْ تَبْلُغْ مَائَتيْ دَرْهَمٍ شَيْءٌ ، فَإِنْ مَلَكَ مَائَتَيْ دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَهِيَ مَعَهُ ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْهَا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، فَإِنْ زَادَ فَوْقَ الْمَائَتَيْنِ أَرْبَعُونَ دِرْهَماً أَخْرَجَ مِنَ الْمَائَتَيْنِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، وَمِنَ الأَرْبَعِينَ دِرْهَماً واحِداً ، وَهَكَذَا يَصْنَعُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً زَادَتْ فَإِنْ مَلَكَ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ ذَهَباً وَمَائَةَ دِرَْهَمٍ فِضَّةً َجَعَلَ عَشَرَةَ الدَنَانِيرَ مَكَانَ مَائَةِ الدِّرْهَمِ وَأَخْرَجَ مِنَ الْجَمِيعِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، وَكَذَلِكَ يَجْعَلُ أرْبَعَةَ الدَنَانِيرَ مَكَانَ الأَرْبَعِينَ دِرْهَماً فَيَحْمِلُ الذَّهَبَ عَلى الفِضَّةِ ، والفِضَّةَ عَلى الذَّهَبِ وَيُزَكِّيهِمَا زَكَاةً وَاحِدةً ، و اللُّهُ أَعْلَمُ . (1/50)
صفحة 51
زكاة الحبوب
وَأَمَّا التَّمْرُ والزَّبِيبُ وَسَائِرُ الْحُبُوبِ فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ إَذَا بَلَغَتْ ثَلاَثِمائَةَ صَاعٍ وَلاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ ، وَلاَ يُشْتَرَط فِيهَا الْحَوْلُ ، بَلْ مَتَى مَا حُصِدَتْ زُكِّيَتْ ، فَإِنْ بَلَغَتْ ثَلاَثِمائَةَ صَاعٍ أَخْرَجَ مِنْهَا الْعُشْرَ إِنْ كَانَتْ تُسْقَى بِالسَّيْلِ أَوِ اْلأَنْهَارِ والْعُيُونِ أَوْ كَانَتْ لاَ تَحْتَاجُ إِلى سَقْيٍ فَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْعُشْرُ ، وَإِنْ كَانَتْ تَسْقَى بِالنَّزْحِ وَالنَّضْحِ فَفِيهَا نِصْفُ الْعُشْرِ .
زكاة الإبل (1/51)
صفحة 52
وَأَمَّا الإِبْلُ فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ إَذَا مَلَكَ خَمْسَ سَوَائِمَ فَصَاعِداً وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مَعَهُ ، فَإِنْ بَلَغَتْ خَمْساً فَفِيها شَاةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ عَشْراً فَفِيها شَاتَانِ ، وَفِي خَمْسِةَ عَشَرَ ثَلاَثُ شِيَاهٍ ، وَفِي الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ ، فَإِنْ بَلَغَتْ خَمْساً وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ ، وَهِيَ إِبْنَةُ سَنَةٍ مِنَ اْلإِبِلِ ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَابْنُ لَبُونٍ وَهُوَ إبْنُ سَنَتَيْنِ ، فَإِنْ بَلَغَتْ سِتاً وَثَلاَثِينَ فَفِيهَا إبْنَةُ لَبُونٍ ، وَهِيَ إِبْنَةُ سَنَتَيْنِ ، فَإِنْ بَلَغَتْ سِتاً وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ وَهِيَ إبْنَةُ ثَلاَثِ سِنِينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ وَهِيَ إبْنَةُ أَرْبَعِ سِنِينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتاً وَسَبْعِينَ فَفِيهَا إِبْنَتَا لَبُونٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ ، فَإِذَا بَلَغَتْ مَائَةً وَإِحْدى وَعِشْرِينَ فَفِيهَا ثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلاَثِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا إِبْنَتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ ، ثُمَّ عَلى هَذَا الْقِيَاسِ كُلَّمَا زَادَتْ عَشْراً فَفِي كُلِّ أرْبَعِينَ إِبْنَةُ لَبُونٍ ، وَفَي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَلاَ شَيْءَ بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ .
زكاة البقر : وَأمَّا الْبَقَرُ فِحُكْمُهَا فِي الزَّكَاةِ حُكْمُ اْلإِبِلِ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ فِي التَّسْمِيَةِ ، وَأَمَّا النِّصَابُ وَالْقَدْرُ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْهَا فَوَاحِدٌ . (1/52)
صفحة 53
زكاة الغنم : وَأَمَّا الْغَنَم فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً فَصَاعِداً وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَهِيَ فِي مُلْكِ مَالِكِهَا ، فَإِنْ بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً فَيَجِبُ مِنْهَا شَاةٌ إِلى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلى مِائَتَيْنِ فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً عَلى ذَلِكَ فَفِيهَا ثَلاَثُ شِيَاهٍ إِلى أَرْبَعِمِائَةٍ إَلاَّ وَاحِدَةٍ فَإِذَا كَمُلَتْ أَرْبَعِمِائَةٍ فَفِي كَلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ إِلى مَا لاَ غَايَةَ لَهُ .
زكاة التجارة
وَأَمَّا التِّجَارَةُ فَإِنَّهَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ إِذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا تَبْلُغُ قَدْرَ عِشْرِينَ دِينَاراً مِنَ الذَّهَبِ أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِنَ الْفِضَّةِ ، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَهِي كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهَا مِثْلُ زَكَاةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا رُبْعَ عِشْرِ قِيمَتِهَا ، فَإِنْ زَادَ عَلى ذَلِكَ الْقَدْرُ الْمَذْكُورِ قِيمَةُ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً وَجَبَ فِيهِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ ، وَهَكَذَا تَعْتَبِرُ الزِّيَادَةَ فِي التِّجَارَةِ كَمَا تَعْتَبِرُهَا فِي الذَّهَبِ والْفِضَّةِ ، فَهَذِهِ زَكَاةُ اْلأَمْوَالِ
زكاة الفطر ووقتها (1/53)
صفحة 54
وَأَمَّا زَكَاةُ الأَبْدَانِ وَهِي الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِفِطْرِةِ اْلأبْدَانِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلى الْغَنِيِّ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ وَهِيَ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ ذُرَةٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ زَبِيبٍ ، يُخْرَجُ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَليْهِ فَيُخْرِجُهَا الْغَنِيُّ عَنْ نَفْسِهِ ، وَعَنْ وَلَدِهِ وَعَنْ عَبْدِهِ وَعَنْ كُلِّ مَنْ يَلْزَمُهُ قُوتُهُ ، إِلاَّ الزَّوْجَةَ فَفِيهَا قَوْلان : قِيلَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَطِّرَ عَنْهَا و قِيلَ لاَ يَلْزَمُهُ ، وَوَقْتُ إِخْراجِهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يِوْمِ الْفِطْرِ إِلى وَقْتِ خُرُجِهِمْ إِلى الْمُصَلَّى حَتَّى يَخْرُجَ النَّاسُ إِلى صَلاَةِ الْعِيدِ ، وَكَلٌّ مِنْهُم عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ وَزِيَادَةٌ ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ ذلِكَ أَجْزَاهُ. وَتُعْطَى الْفُقَرَاءَ والْمَسَاكِينَ .
الأصناف الذين تجوز لهم الزكاة (1/54)
صفحة 55
وَأَمَّا الأصْنَافُ الَّذَيْنَ تَجُوزُ لَهُمُ الزَّكَاةُ فَهُمْ ثَمَانِيَةٌ : أَحُدُهُمُ الْفُقَرَاءُ ، وَهُمْ الَّذِينَ لاَ يَمْلِكُونَ قُوتَ سَنَتِهِمْ . الصَّنْفُ الثَّانِي : الْمَسَاكِينُ وَهُمْ أَشَدُّ حَالاً مِنَ الْفَقَرَاءِ . الصَّنْفُ الثَّالِثُ : الْعَامِلُونَ عَلى الزَّكَاةِ ، وَهُمْ وُلاَةُ الإِمَامِ وَشُرَاتُهُ وَأَهَلُ الْمَعُونَةِ لَهُ فِي إِمَامَتِهِ . الصَّنْفُ الرَّابِعُ : الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ وَهُمْ رُؤَسَاءُ الْعَرَبِ إِذَا أُلِّفُوا على الإِسْلاَمِ بِالْعَطَاءِ . الصَّنْفُ الْخَامِسُ : الرِّقَابُ وَهُمْ الْمُكَاتِبُونَ وذَلِكَ كَمَا إِذَا اشْتَرَى الْعَبْدُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ مِنَ الْمَالِ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَانُ مِنَ الزَّكَاةِ فِي أَدَاءِ ذلِكَ الْحَقِّ . الصَّنْفُ السَّادسُ : الْغَارِمُونَ ، وَهُمْ الَّذِينَ لَزِمَهُمْ غُرْمٌ مَالِيٌّ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلاَ تَبْذِيرٍ . الصَّنْفُ السَّابِعُ : سَبِيلُ اللَّهِ وَهُوَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تُنَفَّذُ فِيهِ أَيْضاً . الصَّنْفُ الثَّامِنُ : إِبْنُ السَّبِيلِ : وَهُوَ الْمُنْقَطِعُ مِنْ أَهْلِهِ بِلاَ مَالٍ ، وَكَانَ انْقِطَاعُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَلَوْ كَانَ غَنِيَّاً فِي وَطَنِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ إِمَامٍ عَادِلٍ وَجَبَ أَنْ تُسَاقَ إِلَيْهِ الزَّكَاةُ ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى وَضْعَهَا فِي أَهْلِهَا ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الإِمَامُ وَجَبَ عَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنْفَاذُ زَكَاتِهِ إِلى الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ ، وَإِنْ وَضَعَهَا فِي صَنْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَجْزَاهُ و اللُّهُ أَعْلَمُ .
المقصد الرابع : الحج
الحج (1/55)
صفحة 56
وَأَمَّا الْحَجُّ فَهِي عِبَادَةٌ تَلْزُمُ الْمُوَحِّدَ الْبَالِغَ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ إِذَا احْتَاجَ فِي أَدَائِهَا إِلى الإِنْفَاقِ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ صَحِيحَ الْبَدَنِ ، مَعَهُ مِنَ الزَّادِ مَا يُبَلِّغُهُ الْحَجَّ وَيَرُدُّهُ إِلى أَهْلِهِ ، وَمَعَهُ مِنَ القُوتِ مِقْدَارَ مَا يَتْرُكُهُ لِمَنْ يَلْزَمُهُ قُوتُهُ إِلى وَقْتِ رُجُوعِهِ إِلَيْهِمْ ، وَكَانَ آمِناً فِي مَسِيرِهِ عَلى نَفْسِهِ ، وعَلى مَنْ يَلْزَمُهُ حِفْظُهُ مِنْ أَهْلِهِ ، وَكَانَ وَاجِداً لِلَّراحِلَةِ الَّتِي تُبَلِّغُهُ الْحَجَّ فَإِنْ قَدَرَ عَلى الْمَشِي مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَلاَ يُشْتَرَطُ وُجُودُ الرَّاحِلَةِ فَإِذَا كانَ عَلى هَذَا الْحَالِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فِي عُمْرِهِ مَرَّةً واحِدةً ، فَإِنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ وَأَرْكَانُهُ ثَلاَثَةٌ :
الركن الأول : الإحْرامُ لِلحَجِّ فَمَنْ لِمْ يُحْرِمْ فَلاَ حَجَّ لَهُ إِجْمَاعاً .
الركن الثاني : الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَمَنَ لَمْ يَقِفْ فَلاَ حَجَّ لَهُ إِجْمَاعاً .
الركن الثالث : زِيَارَةُ الْبَيْتِ وَمَنْ تَرَكَهُ بَطَلَ حَجُّةُ إِجْمَاعاً . (1/56)
صفحة 57
ما يفعله العازم على الحج : فَإِذَا أَرَدْتَ الْخُرُوجَ إِلى الْحَجِّ فَاقْضِ دُيُونَكَ ، وَتَخَلَّصْ مِنْ تَبَاعَاتِكَ ، وَكَفِّرْ أَيْمَانَكَ وَأوْفِ بِنَذْرِكَ ، وَصِلْ أَرْحَامَكَ ، وَاعْتُبْ عَلى مَنْ وَجَدَ عَلَيْكَ مِنْ جِيرَانِكَ وَإِخْوَانِكَ وَوَسِّعْ مِنْ زَادِكَ لِيَتَّسِعَ خُلْقُكَ ، وَلاَ تُمَاكِسْ فِي الْكِرَاءِ وَلكِنْ سَاوِمْ ، فَإِنْ غَلاَ عَلَيْكَ فَاتْرُكْهُ ، وَإِذَا أَوْقَفْتَ رَاحِلَتَكَ وَأَرَدْتَ الْخُرُوجَ فَصَلِّ فِي مَنْزِلِكَ رَكْعَتَيْنِ وَقُلِ الَّلهُمَّ أَنَّكَ افْتَرَضْتَ الْحَجَّ وأَمَرْتَ بِهِ فَاجْعَلْنِي مِمَّنِ اسْتَجَابَ مِنْ وَفْدِكَ الَّذِينَ رَضِيتَ وَكَنَّيْتَ وَسَمَّيْتَ . وأَخْلُصِ النِّيَّةَ واقْصُدْ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ سَلِّمْ عَلى أَهْلِكَ وَوَدِّعْهُمْ واظْهِرْ لَهُمُ الشَّفَقَةَ . (1/57)
صفحة 58
الخروج إِلى الحج : فَإِذَا رَكِبْتَ رَاحِلَتَكَ فَكَبِّرْ ثَلاَثاً وَقُلْ : (( سُبَحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينِ ، وَإِنَّا إِلى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ )) الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلَكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى والْعَمَل بِمَا تَرضَى ، الَّلهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ واطْوِ لَنَا اْلأَرْضَ ، الَّلهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ ، وأَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي اْلأَهْلِ والْمَالِ جَمِيعاً ، الَّلهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا وَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا ، وَإِذَا سِرْتَ فَقُلْ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَمَلَنَا فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ وَرَزَقَنَا مِنَ الطَّيبَّاتِ وَفَضَّلَنَا عَلى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ تَفْضِيلاً ((سُبَحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينِ وَإِنَّا إِلى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ، والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) فَإِذَا صَعَدْتَ شَرَفاً فَكَبِّرْ ، وَإِذَا هَبَطْتَ فَسَبِّحْ ، وَإِذَا نَزَلْتَ مَنْزِلاً فَقُلِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنَا سَالِمِينَ ، الَّلهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْنَا مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ، الَّلهُمَّ ارْزُقْنَا بَرَكَةَ مَنْزِلِنَا هَذَا و أَصْرِفْ عَنَّا شَرَّهُ وَبَأْسَهُ فَإِذَا أَقْدَمْتَنَا مِنْ مَنْزِلٍ إِلى مَنْزِلٍ فَأْبْدِلْ لَنَا مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ .
الميقات ووقت الحج (1/58)
صفحة 59
فَإِذَا انْتَهَى الْحَاجُّ إِلى الْمِيقَاتِ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ أَهْلُ نَاحِيَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُجَاوِزَهُ إِلاَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ إِنْ كانَ فِي زَمَانِ الْحَجِّ ، وَبِالْعُمْرَةِ إِنْ كَانَ قَبْلَ زَمَانِ الْحَجِّ ، وزَمَانُ الْحَجِّ هُوَ أَشْهُرُ الْحَجِّ ، وهي شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ والْعَشُر اْلأَوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَإِنْ أَحْرَمَ بالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يُجْزِئْهُ ذَلِكَ عَنِ الحَجِّ بَلْ يَكُونُ عُمْرَةٌ .
العمرة
والْعُمْرَةُ هِيَ أَنْ يُحْرِمَ كَمَا يُحْرِمُ لِلْحَجِّ ، ثُمَّ يَأْتِي الْبَيْتَ فَيَطْوفُ وَيَسْعَى كَطَوافِ الحَجِّ وَسَعْيِهِ ، وَتَجُوزُ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، وَلاَبُدَّ مِنَ الْقَصْدِ إِلَيْهَا بِالنِّيَّةِ إِنَّهَا عُمْرَةٌ عِنْدَ الإِحْرَامِ ، وَكَذَلِكَ لاَ بُدَّ فِي الْحَجِّ مِنَ الْقَصْدِ إِلَيْهِ بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الإِحْرَامِ .
صفةُ الإحرام : وَصِفَةُ الإِحْرَامِ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي بَدْءِ إِحْرَامِهِ ، وَقِيلَ يُجْزِيهِ الْوُضُوءُ ، وَيَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَا جَدِيدَيْنِ أَو غَسِيلَيْنِ لِمْ يُلْبَسَا مُنْذُ غُسِلاً ، وَيُصَلِّى لِْلإِحْرَامِ رَكْعَتَيْنِ إِنْ لَمْ تَحْضُرِ الصَّلاَة الْمَكْتُوبَةُ وَإِنْ حَضَرَتْ المكتوبَةُ أَحْرَم بَعْدَهَا .
التلبية (1/59)
صفحة 60
ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَمَا يَعْقِدُ النِّيَّةَ لِلإِْحْرَامِ : لَبَّيْكَ الَّلهُمَّ لَبَّيْكَ ، لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، فَإِنْ كُنْتَ مُتَمَتِّعاً بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَقُلْ : لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ تَمَامُهَا وَبَلاغُهَا عَلَيْكَ يَا اللَّهُ ، وَإِنْ كُنْتَ قَارِناً بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالحَجِّ فَقُلْ : لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ و عُمْرَةٍ تَمَامُهُمَا وَبَلاغُهُمَا عَلَيْكَ يَا اللَّهُ ، وَإِنْ كُنْتَ مُفْرِداً بالْحَجِّ قُلْتَ : لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ تَمَامُهَا وَبَلاغُهَا عَلَيْكَ يَا اللَّهُ ، تَقُولُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسِكَ ثُمَّ تَقُومُ وَقَدْ تَمَّ إِحْرَامُكَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَبِّيَ كُلَّمَا سَارَتْ بِهِ رَاحِلَتَهُ أَوْ عَلاَ شَرَفاً أَوْ هَبَطَ وَادِياً أَوْ سَمِعَ مُلَبَِياً ، وَكُلَّمَا أَكْثَرَ مِنَ التَّلْبِيَةِ كَانَ أَفْضَلَ ، وَيَسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ بِذَلِكَ صَوْتَهُ .
ما لا يجوز للمحرم : وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبِسَ الْمَخِيطَ مِنَ الثِّيَابِ ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ إِلاَّ مِنْ ضَرُورَةٍ وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً غَطَّتْ رَأْسَهَا وَكَشَفْتَ وَجْهَهَا وَلَبَّتْ خُفْيَةً وَجَازَ لَهَا لِبْسُ الْمَخِيطِ ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَيَّاً كَانَ إِسْتِعْمَالُ الطِّيبِ ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ الْجِمَاعُ ، وَلاَ الإِصْطِيَادُ ، وَلاَ إِلْقَاءُ التَّفَثِ فَلاَ يَأْخُذَ شَيْئاً مِنْ شُعُورِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ مَا دَامَ مُحْرِماً .
دخول مكة (1/60)
صفحة 61
فَإِذَا قَدِمَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَدْخُلُهَا وَهُوَ يُلَبِّي وَلاَ يَقْطُع التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَقِفَ عَلى بَابِ الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا وَقَفَ عَلى الْبَابِ وَقَابَلَ الْكَعْبَةَ فَإِنَهُ يَسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْبَيْتَ وَيَقُولَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، الَّلهُمَّ أنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ وَالْبَلَدُ بَلَدُكَ وَالْبَيْتُ بَيْتُكَ وَالْحَرَمُ حَرَمُكَ ، جِئْتُ أَطْلُبُ رِضَاكِ وَإِتْمَامَ طَاعَتِكَ ، وَيدعُو بِمَا أَحَبَّ ، فَإِذَا دَخَلَ مِنَ الْبَابِ قَالَ : الَّلهُمَّ إِنَّكَ أنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ السَّلاَمُ فَحَيَّنَا يَا رَبَّنَا بِالسَّلاَمِ وأدْخِلْنَا دَارَ السَّلاَمِ ، وَإِذَا دَنَا مِنَ الْبَيْتِ قَالَ : الَّلهُمَّ زِدْ بَيْتَكَ هَذَا شَرَفاً وَتَعْظِيماً وَبِرّاً وَتَكْرِيماً . وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ وَاْلإِسْتِغْفَارِ لِذُنُوبِهِ وَيَمُدُّ يَدَهُ إِلى الْحَجَرِ اْلأَسْوَدِ وَيَمْسَحُهُ بِيَدِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ وَيُكَبِّرُ ثَلاَثاً ، وَيَقُومُ حِيَالَ الْحَجَرِ ، وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالَمُؤْمِنَاتِ وَيُصَلِّي عَلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم .
الطواف (1/61)
صفحة 62
وَإِذَا أَرَادَ الطَّوَافَ لاَذَ بِالْبَيْتِ بِقَدَرِ مَا لاَ يُقَابِلُ الْبَابَ ، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ عَلى يَمِينِهِ وَيَقُولُ عِنْدَ رُكْنِ الحَجَرِ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَاناً بِكَ وَتَصْدِيقاً بِكِتَابِكَ وَوَفاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّبَاعاً لِسُنَّتِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ، ثُمَّ تَمْشِي فِي الطَّوَافِ وَأَنْتَ تَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِله إِلاَّ اللَّهَ واللَّهُ أَكْبَرُ ولاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ . وَإِذَا أَتَيْتَ الْبَابَ فَقُلْ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، الَّلهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقَنِّعْنَا بِمَا رَزَقَتْنَا وَقِنَا شُحَّ أَنْفُسِنَا وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُفْلِحِينَ ، ثُمَّ تَمْشِي وَأَنْتَ تَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِله إِلاَّ اللَّهَ واللَّهُ أَكْبَرُ ولاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ .
وَإِذَا أَتَيْتَ الْمِيزَابَ فَكَبِّرْ ثَلاَثاً وَقُلْ : الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ والْعَفْوَ عِنْدَ الحِسَابِ وَالنَّجَاةَ مِنَ الْعَذَابِ . ثُمَّ تَمْشِي وتَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِله إِلاَّ اللَّهَ واللَّهُ أَكْبَرُ ولاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمْ. (1/62)
صفحة 63
وَ إِذَا أَتَيْتَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ فَكَبِّرْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ وَقُلْ : الَّلهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدَّنْيَا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابِ النَّارِ ، وَاسْتَلِمِ الرُّكْنَ إِنْ قَدَرْتَ عَلى ذَلِكَ ، وَامْسَحْهُ وَلاَ تُؤْذِ أَحَداً ثُمَّ تَمْشِي وَأَنْتَ تَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِله إِلاَّ اللَّهَ واللَّهُ أَكْبَرُ ولاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمْ .
فَإِذَا وَصَلْتَ إِلى رُكْنِ الْحَجَرِ فَاسْتَلِمْهُ و إِلاَّ فَكَبَّرْ حِيَالَهُ وَلاَ تُؤْذِ أَحَداً ثُمَّ تَقُولُ عِنْدَ رُكْنِ الْحَجَرِ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَاناً بِكَ وَتَصْدِيقاً بِكِتَابِكَ وَوَفاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّبَاعاً لِسُنَّتِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ حَتَّى تَتِمَّ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ وَتَدْعُو عَلى مَا وَصَفْنَا لَكَ فِي طَوَافِكَ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ عَلى مَا وَصَفْنَا ، وَتَسْتَكْمِلُ بِالشَّوْطِ السَّابِعِ جُمْلَةَ الرُّكْنِ حَتَّى لاَ يَبْقَى عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ أَمْكَنَكَ أَنْ تَمْسَحَ الرُّكْنَ فِي كُلِّ شَوْطٍ ، وَإِلاَّ فَكَبِّرْ عِنْدَ حِيَالِهِ وَلاَ تُدْخِلِ الْحَجَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَوَافِكَ ، وَإِذَا تَمَّتْ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ مَقَامِ إِبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَوْ حَيْثُ مَا أَمْكَنَكَ .
زمزم (1/63)
صفحة 64
ثُمَّ تَأْتِي زَمْزَمَ وَتَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا وَتَصُبُّ عَلى رَأْسِكَ ، ثُمَّ تَقُولُ : الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَاناً تَامّاً وَيَقِيناً ثَابِتاً وَدِيناً قَيِّماً وَعَمَلاً صَالِحاً وَعِلْماً نَافِعاً وَرِزْقاً حَلاَلاً طَيِّباً وَاسِعاً وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ ثُمَّ تَأْتِي الرُّكْنَ أَعْنِي رُكْنَ الْحَجَرِ فَتَدْعُو حِيَالَهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ لَكَ وَلاَ تُطِلْ .
السعي
فَإِذَا أَرَدْتَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ فَاخْرُجْ مِنْ بَابِ الإِسْطِوَانَتَيْنِ المُذَهَّبَتَيْنِ ثُمَّ مِنْ بَابِ الصَّفَا وأَنْتَ تَقُولُ : الَّلهُمَّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ، وَاصْعَدْ عَلى الصَّفَا وَلاَ تَعْلُ عَلَيْهِ ولكِنْ بِقَدَرِ مَا تَسْتَقْبِلُ الْبَيْتَ ، وَقَدْ قِيلَ إِلى خَمْسِ دَرَجَاتٍ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَامَ بِأَصْلِ الصَّفَا ، والْمَرْأَةُ تَقُومُ فِي أَصْلِهِ . (1/64)
صفحة 65
ما يُقال عند الصَّفَا : وَإِذَا صَعَدْتَ عَلَيْهِ فَكَبِّرْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَقُولَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أكْبَرُ كَبِيراً والحمدُ لِلَّهِ كَثِيراً وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أكْبَرُ عَلى مَا هَدانَا وَأَوْلاَنَا وَالْحَمْدُ لَلَّهِ عَلى مَا أعْطَانَا ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ وَهُوَ عَلى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ إِلهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ إِلهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ إِلهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ إِلهاً وَاحِداً فَرْداً صَمَداً مُبْدِئاً مُعِيداً لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيًلِ وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ الْجَمِيلِ ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ لاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ، لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْمَشْرِكُونَ ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ اْلأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، ثُمَّ تُصَلِّي عَلى مُحَمَّدِ النَّبِيِّ وَتَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ .
ثُمَّ تَقُولُ : الَّلهُمَّ اسْتَعْمِلْنَا لِسُنَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وَأَعِدْنَا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، تَقُولُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ . (1/65)
صفحة 66
بين الصَّفا والمروة : ثُمَّ تَنْحَدِرُ مِنَ الصَّفَا قَاصِداً إِلى الْمَرْوَةِ تَمْشِي وَأَنْتَ تَقُولُ : الَّلهُمَّ أَجْعَلْ هَذَا الْمَشْيَ كَفَّارَةً لِكُلِّ مَشْيٍ كَرِهْتَهُ مِنِّي وَلَمْ تَرْضَهُ ، فَإِذَا أَتَيْتَ الْعَلَمَ هَرْوَلْتَ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ وَأَنْتَ تَقُولُ :رَبِّ أغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ وَاهْدِنَا إِلى الصِّرَاطِ اْلأَقْوَامِ إِنَّكَ أَنْتَ اْلأَعَزُّ اْلأَكْرَمُ ، وَأَنْتَ الرَّبُّ وَأَنْتَ الْحَكَمُ ، الَّلهُمَّ نَجِّنَا مِنَ النَّارِ سِرَاعاً سَالِمِينَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الدِّينِ .
ما يقال عند المروة : فَإِذَا أَتَيْتَ الْعَلَمَ الَّذِي يَلِي الْمَرْوَةَ أَمْسِكْ عَنِ الْهَرْوَلَةِ وامْشِ إِلى الْمَرْوَةِ فَاصْعَدْ عَلَيْهَا بِقَدْرِ مَا تُقَابِلُ الْبَيْتَ ، ثُمَّ تَدْعُو بِدُعَائِكَ عَلى الصَّفَا تَقُولُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ شَوْطٍ وَعَلى الْمَرْوَةِ .
الإحلال من العمرة : فَإِذَا أَتْمَمْتَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ مِنَ الصَّفَا إِلى الْمَرْوَةِ تَبْدَأَ بِالصَّفَا وَتَخْتِمُ بِالْمَرُوَةِ فَانْحَدِرْ مِنَ الْمَرْوَةِ وَاحْلِقْ رَأْسَكَ فَقَدْ اَحْلَلْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ ، وَقَدْ حَلَّ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْحَلاَلِ إِلاَّ الصَّيْدَ مِنَ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ عَلى الْمُحِلِّينَ وَالْمُحْرِمِينَ ، هَذَا إِنْ كُنْتَ مُتَمَتِّعاً بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ ، وَإِنْ كَنْتَ قَارِناً بَيْنَهُمَا فَلاَ تُحِلَّ مِنَ الْعَمْرَةِ حَتَّى يَتِمَّ الْحَجُّ .
الإحرام بالحج (1/66)
صفحة 67
فَإِذَا اَحْلَلْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ وَأَرَدْتَ الإِحْرَامُ بِالْحَجِّ عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ وَهِيَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ فَاغْتَسِلْ بِالْمَاءِ وَتَوَضَّأْ كَمَا مَرَّ وَالْبَسْ ثَوْبَيْ إِحْرَامِكَ ثُمَّ طُفْ سَبْعاً وَصَلِّ رَكْعِتِينِ ، وَلَيْسَ هَذَا الطَّوافُ وَاجِباً لَكِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ثُمَّ أَجْهَرْ بِالتَّلْبِيَةِ وَتَقُولُ : لَبَّيْكَ الَّلهُمَّ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ وَالْمُلْكَ لَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ تَمَامْهَا وَبَلاَغُهَا عَلَيْكَ يَا اللَّهُ . تَقُولُ ذَلِكَ ثَلاَثاً ، وَالْمُسْلِمُونَ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَكْونَ هَذَا الإِحْرَامُ مِنَ الْبَطْحَاءِ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَسْجِدُ الْجِنِّ ، وَحَيْثُمَا أَحْرَمَ مِنَ الْبَطْحَاءِ أَجْزَاهُ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْحَرَمِ أَجْزَاهُ .
الخروج إلى مِنَى (1/67)
صفحة 68
ثُمَّ تَوَجَّهْ إِلى مِنَى وَابْتَهِلْ إِلى اللَّهِ فِي الدُّعَاءِ فَإِذَا أَتَيْتَ مِنَى قُلْتَ : الَّلهُمَّ إِنَّ هَذِهِ مِنَى وَهِيَ مِمَّا دَلَلْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ أَسْأَلُكَ أَنْ تَمُنَّ عَلَيَّ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا بِمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلى أَوْلِيَائِكَ وَأَصْفِيَائِكَ فَهَا أَنَا ذَا عَبْدُكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَفِي قَبْضَتِكَ . وأنْزِلْ بِهَا وَصَلِّ فِيهَا خَمْسَ صَلَواتٍ تَجْمَعُ فِيهِنَّ بَيْنَ الظًّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ ، وَالصَّلاَةُ الْخَامِسةُ هِيَ الْفَجْرُ ، وَبِتْ فِيهَا مَعَ النَّاسِ وَأَكْثِرْ فِيهَا مِنْ ذِكْرْ اللَّهِ ، وَيُسَتَحَبُّ أَنْ يِكُونَ مَسِيرُكَ مِنْ مَكَّةَ إِلى مِنَى ثُمَّ إِلى الْمُزْدَلِفَةِ ثُمَّ إِلى عَرَفَة وَرُجُوعُكَ إِلى مَكَّةَ كُلُّ ذلِكَ فِي الطَّرِيقِ الأَعْظَمِ إِلاَّ إِذَا مَنَعَكَ مِنْهَا عُذْرٌ .
التوجه إِلى عَرَفَات
ثُمَّ خُذْ فِي الرَّحِيلِ إِلى عَرَفَاتٍ وَلاَ تُجَاوِزْ مِنىً إِلاَّ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَامْضِ إِلى عَرَفَاتٍ وَأَنْتَ فِي ذلِكَ تُلَبِّي وَلاَ تَقْطَعِ التَّلْبِيَةَ وَقُلْ فِي غُدُوِّكَ : الَّلهُمَّ إِلَيْكَ صَمَدْتُ وَإِلَيْكَ قَصَدْتُ وَمَا عِنْدَكَ أَرَدْتُ أَسْأَلْكَ أَنْ تُبَارِكَ لِي فِي رِزْقِي وَأَنْ تُلَقِّينِي فِي عَرَفَاتٍ حَاجَتِي وَأَنْ تَبَاهِيَ بِي مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنِّي . (1/68)
صفحة 69
ما يُقال عند النزول في عرفات : فَإِذَا أَتَيْتَ عَرَفَاتٍ فَانْزِلْ بِهَا وَقُلْ : الَّلهُمَّ هَذِهِ ، عَرَفَاتٌ فَاجْمَعْ لِي فِيهَا جَوَامِعَ الْخَيْرِ كُلِّهِ وَاصْرِفْ عَنَّي فِيهَا جَوَامِعَ الشَّرِّ كُلِّهِ وَعَرِّفْنِي فِيهَا مَا عَرَّفْتَ أَوْلِيَاءَكَ وَأَصْفِيَاءَكَ وَأَهْلَ طَاعَتِكَ واجْعَلْنِي مُتَّبِعاً لِسُنَّتِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ، وَتَقْعُدُ فِيهَا ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَاغْتَسِلْ إِنْ أَمْكَنَكَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌ وَإِلاَّ أَجْزَأَكَ الْوُضُوءُ ثُمَّ تُصَلِّي صَلاَةَ الظُّهْرِ والْعَصْرِ مَعَ النَّاسِ ، وَادْعُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ وَاجْتَهِدْ فِي الدُّعَاءِ وَاسْأَلْهُ وَادْعُ مِثْلَ دُعَائِكَ عَلى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ ((، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَصَلَّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ )) وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، وَاسْأَلْهُ حَوَائِجَكَ كُلَّهَا وَأَكْثِرْ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالدُّعَاءِ حَتَّى تَغْرُبُ الشَّمْسُ .
الإفاضة
ثُمَّ أَفِضْ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَأَنْتَ تَقُولُ : الَّلهُمَّ إلَيْكَ أَفَضْتُ وَإلَيْكَ قَصَدْتُ وَمَا عِنْدَكَ أَرَدْتُ وَمِنْ عَذَابِكَ أَشْفَقْتُ . (1/69)
صفحة 70
المشعر الحرام : فَإِذَا أَتَيْتَ جَمْعاً فَقُلْ : الَّلهُمَّ هَذِهِ جَمْعٌ فَاجْمَعْ لِي فِيهَا جَوَامِعَ الْخَيْرِ كُلِّهِ وَاصْرِفْ عَنَّي فِيهَا جَوَامِعَ الشَّرِّ كُلِّهِ ، وَاجْتَهِدْ فِي تِلْكَ الَّليْلَةِ فِي الدُّعَاءِ بِمَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ صَلِّ الْمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ جَمْعاً ، وَبِتْ مَعَ النَّاسِ ، وَهَيِّءْ مِنْهَا سَبْعِينَ حَصَاةً مِثْلَ حَصَا الْخَذْفِ وَاغْسِلْهَا ، و إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلِّ ، ثُمَّ قِفْ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ و ادْعُ مِثْلَ دُعَائِكَ عَلى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَاحْمَدِ اللَّهَ و اثْنِ عَلَيْهِ وَصَلِّ عَلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، ثُمَّ أَفِضْ مِنْ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَأَنْتَ فِي ذلِكَ تُلَبِّي وَلاَ تقْطَعِ التَّلْبِيَةَ حَتَّى تَأْتِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ .
رمي الجمار : فَإِذَا أَتَيْتَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ اقْطَعِ التَّلْبِيَةَ وَقُلْ : الَّلهُمَّ أَهْدِنَا لِلهُدَى وَوَفِّقْنَا لِلتَّقْوَى وَعَافِنَا فِي الآخِرَةَ و الأُولى ثُمَّ أرْمِ الْجَمْرَةَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَكَبِّرْ فِيهَا مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً وَقَلْ فِي إِثْرِ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ : وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، فَإِذَا تَمَّ رَمْيُكَ قُلْ : الَّلهُمَّ هَذِهِ حَصَيَاتِي وَأَنْتَ أَحْصَى لَهُنَّ مِنِّي فَتَقَبَّلْهُنَّ مِنِّي وَاجْعَلْهُنَّ في الآخِرَةِ ذُخْراً لِي وَأَثِبْنِي عَلَيْهِنَّ غُفْرَانَكَ ، ثُمَّ انْصَرِفْ وَأَنْتَ تَقُولُ : الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ حَجّاً مَبْروراً وَسَعْياً مَشْكُوراً وَارْزُقْنَا نَضْرَةً وَسُرُوراً . (1/70)
صفحة 71
الذبح والحلق وزيارة البيت : ثُمَّ اذْبَحْ و احْلِقْ وقَلْ : الَّلهُمَّ بَارِكْ لِي فِي تَفَثِي وَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، وَاشْكُرْ لِي حَلْقِي ، وَأَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ رَبِّ السَّمَواتِ السَّبْعِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَواتِ وَالأَرضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، في كَلِّ مَوْقِفٍ ، ثُمَّ تَمْضِي لِزَيَارَةِ الْبَيْتِ . فَإِذَا حَلَقْتَ فَقَدْ حَلَّ لَكَ الْحَلاَلُ كُلُّهُ إِلاَّ النِّسَاءَ وَالصَّيْدَ فَحَتَّى تَزُورَ الْبَيْتَ .
زيارة البيت
فَإِذَا أَتَيْتَ الْبَيْتَ لِلزِّيَارَةِ فَافْعَلْ فِي زِيَارَتِكَ جَمِيعَ مَا فَعَلْتَهُ فِي عُمْرَتِكَ ، مِنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالدُّعَاءِ والتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ . (1/71)
صفحة 72
ثُمَّ انْصَرِفْ إِلى مِنىً وَلاَ تَبِتْ بِمَكَّةَ وَاقْعُدْ بِمِنىً أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، وَارْمِ الْجِمَارَ بَعْدَ مَا تَزُولُ الشَّمْسُ ، وَابْدَأْ بِالْجَمْرَةِ الَّتِي تَلِي الْمَشْرِقَ ، وَارْمِهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَكَبِّرْ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ رَمْيِهَا فَتَقدَّمْهَا وَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَادْعُ مِثْلَ دُعَائِكَ عَلى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ امْضِ إِلى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى فَاجْعَلْهَا عَلى يَمِينِكَ وَارْمِهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، وتَُكَبِّرْ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ رَمْيِهَا فَتَقدَّمْهَا إِلى يَسَارِهَا عِنْدَ الْمَسِيلِ وَادْعُ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الأُولى ، ثُمَّ ائْتِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَارْمِهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي ، وَكَبِّرْ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً ، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ رَمْيِهَا ، فَانْصَرِفْ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ وَلاَ تَقِفْ عِنْدَهَا إِذَا رَمَيْتَهَا ، وَافْعَلْ ذلِكَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ .
الوداع (1/72)
صفحة 73
فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ رَمْيِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَوِ الثَّانِي إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تُعَجِّلَ في يَوْمَيْنِ فَرُحْ مَعَ النَّاسِ إِلى مَكَّةَ فَأَقِمْ بِهَا مَا بَدَا لَكَ ، وَأَكْثِرْ مِنَ الطَّوَافِ ، فَإِذَا أَرَدْتَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ فَاْئتِ الْبَيْتَ وَطُفْ بِهِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ ، ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ ائْتِ زَمْزَمَ وَاشْرَبْ مِنْ مَائِهَا وَصُبَّ عَلى رَأْسِكَ ، وَقُلْ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ عِنْدَ الْعُمْرَةِ ، ثُمَّ ارْجِعْ فَقُمْ بينَ البَابِ وَالْحَجَرِ الأَسْوَدِ واعْتَمِدْ بِيَدِكَ الْيُمْنِى عَلى أَسْكُفَّةِ الْبَابِ حَيْثُ تَبْلُغُ يَدُكَ ، وَيَدْكَ الْيُسْرَى قَابِضَةٌ أَسْتَارَ الْكَعْبَةِ وَادْعُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ لَكَ مِنَ الدُّعَاءِ ، وَقُلْ عِنْدَ ذَلِكَ : الَّلهُمَّ لَكَ حَجَجْنَا وَبِكَ آمنَّا وَلَكَ أَسْلَمْنَا وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَبِكَ وَثَقْنَا و إِيَّاكَ دَعَوْنَا فَتَقَبَّلْ نُسُكَنَا وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا وَاسْتَعْمِلْنَا لِطَاعَتِكَ ، الَّلهُمَّ إِنَّا نَسْتَوْدِعُكَ دِينَنَا وَإِيمَانَنَا وَسَرَائِرَنَأ وَخَوَاتِمَ أَعْمَالِنَا وَصَلَّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمْ الَّلهُمَّ اقْلِبْنَا مُنْقَلَبَ الْمُدْرِكِينَ رَجَاءَهُمْ ، الْمَحْطُوطَةِ خَطَايَاهُمْ ، الْمُمْحَاةِ إِسَاءَتُهُمْ الْمُطَهَّرَةِ قُلُوبُهُمْ ، مُنْقَلَبَ مَنْ لاَ يَعْصِي لَكَ بَعْدَهَا أَمْراً وَلاَ يَحْمِلُ وِزْراً ، مُنْقَلَبَ مَنْ عَمَّرْتَ بِذِكْرِكَ لِسَانَهُ ، وَزَكَّيْتَ بِزَكَاتِكَ نَفْسَهُ ، وَدَمَعَتْ مِنْ مَخَافَتِكَ عَيْنَاهُ ، الَّلهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ حَمَلْتَنِي عَلى دَابَّتِكَ وَسَيَّرْتَنِي في بَلَدِكَ فَقَدْ أَقْدَمْتَنِي حَرَمَكَ وَأَمْنَكَ فَقَدْ رَجَوْتُ بِحُسْنِ ظَنِّي (1/73)
صفحة 74
أَنْ تَكُونَ قَدْ غَفَرْتَ لِي فَازْدَدْ عَنِّي رِضاً وَقَرِّبْنِي إِلَيْكَ زُلْفَى وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَغْفِرْ لِي فَمُنَّ الآن عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ تُبَاعِدَنِي عَنْ بَيْتِكَ ، وَهَذَا أَوَانُ انَصِرَافِي غَيْرَ رَاغِبٍ عَنْكَ وَلاَ عَنْ بَيْتِكَ وَلاَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ ولاَ بِبيْتِكَ ، الَّلهُمَّ لاَ تَجُعَلْ هَذَا آخِرَ الْعَهْدِ مِنِّي عَنْ بَيْتِكَ الحَرَامِ فَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَلاَ تَنْزَعْ رَحْمَتَكَ مِنِّي ، الَّلهُمَّ إِذَا أَقْدَمْتَنِي إِلى أَهْلِي فَاكْفِنِي مُؤْنَتِي وَمُؤْنَةَ عِيَالِي و مُؤْنَةَ خَلْقِكَ فَإِنَّكَ أَوْلى بِخَلْقِكَ مِنِّي ، الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وكآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَسُوءِ النَّظَرِ فِي اْلأَهْلِ و الْمَالِ وَالْوَلَدِ . تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ وإِلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ وَإِنَّا إِلى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ . وَأخْرُجْ إِذَا وَدَّعْتَ وَلاَ تَبِعْ وَلاَ تَشْتَرِ بَعْدَ الْوَدَاعِ ، وَتَمُرَّ وَأَنْتَ مَحْزُونٌ عَلى فِرَاقِ الْبَيْتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
المقصد الخامس : في الجهاد
الجهاد (1/74)
صفحة 75
وَأَمَّا الْجِهَادُ فَهُوَ عِبَادَةٌ شُرِعَتْ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ قَالَ تَعَالَى : (( أِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )) وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، إِنَّ الَّذِينَ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ انْتِفَاءِ الرَّيْبِ عَنْهُمْ فِي إِيمَانِهِمْ هُمُ الصَّادِقُونَ فِي الإِيمَانِ فَمَنْ قَصَّرَ فِي خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي الآيَةِ فَلَيْسَ بِصَادِقٍ فِي إِيمَانِهِ ، وقَالَ تَعَالَى : (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ )) وقَالَ تَعَالَى : (( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون )) وقَالَ تَعَالَى : (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )) وقَالَ تَعَالَى : (( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارةٌ تَخْشَوْن كَسَادَهَا وَمَسَاكِنَ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ (1/75)
صفحة 76
وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يُهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )) فَفِي هَذِهِ الآيَةِ الْعَظِيمَةِ مَا لاَ يَخْفَى مِنْ وُجُوبِ إِيثَارِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللّهِ عَلى الآباءِ وَالأَبْنَاءِ وَالإِخْوَانِ وَاْلأَزْوَاجِ وَالْعَشِيرَةِ وَجَمِيعِ أَحْوَالِ الدُّنْيَا . فَمَنْ عَاقَهُ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللّهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ اْلأُحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي الآيَةِ فَهُوَ إِنَّمَا يَتَرَبَّصَ إِتْيَانَ أَمْرِ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ التَّهْدِيدِ وَالتَّوَعُّدِ بِالْعَذَابِ لِتَارِكِ الْجِهَادِ الْمُتَعَلِّلِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ اْلأَعْذارِ .
وجوب الجهاد وفضله
وَبِالجُمْلَةِ فَكَثِيرٌ مِنَ الآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ بَلْ غَالِبُ الْقُرْآنِ مُحَرِّضٌ عَلى الْجِهَادِ وَدَالٌّ عَلى وَجُوبِهِ وَفَضْلِهِ ، أَلاَ تَرَاهُ كُلَّمَا ذُكِرَ فِيهِ بَعْضُ الصَّالِحِينَ مِنَ اْلأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَثْنَى عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللّهِ ، وَكَذَلِكَ اْلأَوَامِرُ الْمُتَوَجِّهَةُ إِلى هّذِهِ الأُمَّةِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى : (( يَا أَيُّهَا الِّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) وَكَذَلِكَ السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ إِلى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْتُرْ عَنِ الْجِهَادِ مُنْذُ أَمَرَهُ رَبُّهُ بِالْجِهَادِ ، وَقَدْ سَلَكَ طَرِيقَةُ الْوَاضِحَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُهُ الْكِرَامُ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ اْلإِسْلاَمِ ، وَلَوْ لاَ الْجِهَادُ لَمْ يُوَحَّدِ اللّهُ فِي أَرْضِهِ ، وَلَمَا عَلَتْ كَلِمَتُهُ وَلَمَا ظَهَرَ دِينُهُ . (1/76)
صفحة 77
مشروعية الجهاد : فَهُوَ إِنَّمَا شُرِعَ لإِظْهَارِ اْلإِسْلاَمِ وَإِخْمَادِ الْكُفْرِ وَقَمْعِ الْبَغْيِ وَإِزْهَاقِ الْبَاطِلِ .
المحاربون
فَالْمحَارِبُونَ عَلى نَوْعَيْنِ : أَهْلِ شِرْكٍ ، وأَهْلِ بَغْيٍ . فَأَمَّا الْمَشْرِكُونَ فَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئُونَ وَالْمَجُوسُ وَعَبَدَةُ الأَصْنَامِ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لاَ دِينَ لَهُمْ سِوَى عِبَادَةِ صَنَمِهِ .
أهل الكتاب والمجوس و عبدة الأوثان : فَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئُونَ وَالْمَجُوسُ فَيَقَاتَلُونَ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي اْلإِسْلاَمِ أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ، وَأَمَّا عَبَدَةُ الأَصْنَامِ فَيَقَاتَلُونَ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي اْلإِسْلاَمِ ، وَلاَ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ فَلَيْسَ لَهُمْ إِلاَّ اْلإِسْلاَمُ أَوِ السَّيْفُ . وَتَجُوزُ غَنِيمَةُ أَمْوَالِ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ فِي حَالِ الْحَرْبِ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ سَبْيُ نِسَائِهِمْ وَذَرا رِيهِمْ فِي حَالِ الْحَرْبِ ، إِلاَّ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا مِنْ أَهْلِ عُمَانَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلى أَنَّهُمْ لاَ يُسْبَوْنَ وَلكِنْ تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ .
الغنيمة وقسمتها (1/77)
صفحة 78
ثُمَّ تُجْمَعُ الْغَنِيمَةُ مِنْ بَعْدِ الْهَزِيمَةِ هَزِيمَةِ الْمُشْرِكِينَ فَتُقْسَمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ فَيُؤْخَذُ مِنْهَا الْخُمُسُ ، وَتُقْسَمُ اْلأَرَبَعْةُ اْلأَسْهَمُ فِي الْمُقَاتِلَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيُعْطى الْفَارِسُ سَهْمَيْنِ وَالرَّاجِلُ سَهْماً ، و أَمَّا السَّهْمُ الْخَامِسُ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلْ : (( و اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى واليَتَامى والمسَاكَينَ وَابْنَ السَّبِيلِ )) .
البُغَاةُ : وَأَمَّا الْبُغَاةُ فَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ لَكِنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ بَغْياً وَعُدْوَاناً ، فَإِنَّ الإِمَامَ يُقَاتِلُهُمْ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عِلِيهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي طَاعِتِهِ وَيَنْقَادُوا لِحُكْمِهِ وَلاَ تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ تُسْبَى ذَرَا رِيهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فيما يَجِبُ عَلى الْمُكَلَّفِ تَرْكُهُ مِنْ عَمَلٍ بَدَنِيٍّ وَخُلُقٍ نَفسَانِيٍّ وَأَوَّلُ ذَلِكَ الْكُفْرُ بِنِعْمَتِهِ .
كفر الشرك (1/78)
صفحة 79
فأَمَّا الْكُفْرُ بِاللّهِ فَهُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَذَلِكَ كَالتَّكْذِيِبِ لِشَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَكَالْتَّكْذِيبِ لِنَبِيِّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ ، أَوْ رَدِّ حَرْفٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ ، أَوْ إِنْكَارِ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ ، وَكَالشَّكِ فِي وُجُودِ اللَّهِ ، وَكَالْجَهْلِ بِمَعْرِفَةِ اللّهِ وَكَالْجَهْلِ بِمَعْرِفَةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ ، والْجَهْلِ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْواجِبُ إِعْتِقَادُهَا مِنَ الْكَمَالاَتِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي لاَ يَسَعُ مُؤْمِناً الشَّكُّ فِيهَا وَلاَ الْجَهْلُ بِهَا وَكَإِنْكَارِ الْمَوْتِ أَوِ الْبَعْثِ وَالْحَشْرِ أَوِ الْحِسَابِ أَوِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ ، أَوْ إنْكَارِ حُكْمِ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ هَذَا كُلُّهُ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ شِرْكٌ .
كفر النعمة
وَهِيَ إرْتِكَابُ شَيْءٍ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ مِنَ الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ .
المعاصي الباطنة
فَأَمَّا الْمَعَاصِي الْبَاطِنَةُ فَهِيَ : الْعُجْبُ ، وَالْكِبْرُ ، وَالْحَسَدُ ، و الرِّيَاءُ ، وَمَا تَولَّدَ مِنْهَا مِنَ الأَخْلاَقِ الرَّدِيَّةِ . (1/79)
صفحة 80
العُجْب :فَأَمَّا الْعُجْبُ فَهُوَ أَنْ يَسْتَعْظِمَ الإِنْسَانُ النِّعْمَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا مَعَ قطع النَّظَرِ عَنْ إِنْعَامِ الْمُنْعِمِ بِهَا ، فَيَرَى لِنَفْسِهِ فِي تِلْكَ النِّعْمَةِ حَظّاً ، وَسَبَبُ ذَلِكَ حُصُولُ كَمَالٍ في الصُّورَةِ ، أَوْ في الصِّفَاتِ ، أَوْ في الْمَالِ كَالْجَمَالِ وَالْحَسَبِ وَالْعِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَكْثَرَةِ الْمَالِ ، فَإِذَا اسْتَعْظَمَ الْمَرْءُ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ وَرَأَى أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ إِنَّمَا صَدَرَتْ عَنِ اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُ لَهَا فَذَلِكَ هُوَ الْعُجْبُ ،وَ عِلاَجُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ لاَ أَثَرَ لِنَفْسِهِ فِي شِيءٍ مِنْهَا .
الْكِبْرِ : وَأَمَا الْكِبْرُ فَهُوَ أَنْ يَحْتَقِرَ الْخَلْقَ وَيَرُدَّ الْحَقَّ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنْ يَرَى لِنَفْسِهِ عَظَمَةً وَخُصُوصِيَّةً ، وَعِلاَجُهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلى أَصْلِهِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ وَإِلى مُنْقَلَبِهِ الَّذِي يَصِيرُ إِلَيْهِ .
الرِّياء : وَأَمَّا الرِّيَاءُ فَهُوَ الْعَمَلُ ِلأجْلِ الْخَلْقِ فَإِذَا أَرَادَ بِفِعْلِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُرَاءٍ ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ جَمِيعَ الْخَلْقِ فَلاَ يَقْصِدُ بِعَمَلِهِ إِلاَّ رِضَا رَبِّهِ ، وَعِلاَجُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْخَلْقَ لاَ يَمْلِكُونَ لَهُ نَفْعاً وَلاَ يَدْفَعُونَ عَنْهُ ضُرّاً ، بَلِ الْفَاعِلُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدًُ اْلأَحَدْ . (1/80)
صفحة 81
الْحَسَدْ : وَأَمَّا الْحَسَدْ فَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَةِ الْغَيْرِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ فَيَتَمَنَّى هُوَ زَوَالَهَا عَنْهُ ، وَهُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الذُّنُوُبِ ، فَالْوَاجِبُ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَتْرُكَ الْحَسَدَ وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ، وَإِنَّمَا يَعُودُ .
إِلَيْهِ بِخَالِصِ الضَّرَرِ بِحَيْثُ يَشْقَى بِهِ في الدُّنْيَا و الآخِرَةِ وَيَجُوزُ أَنْ نَتَمَنَّى مِثْلَ نِعْمَةِ الْغَيْرِ وَهَذَا الْمَعْنَى يُسَمَّى (غِبْطَةً) وَيَجُوزُ أَنْ نَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَةِ مَنْ أَبَاحَ اللَّهُ قِتَالَهُ وَزَوَالَ نِعْمَتِةِ وَالدُّعَاءَ عَلَيْهِ بِالنَّكَالِ ، وَذَلِكَ كَالْمُحَارِبِ لِلْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ نِعْمَتَهُ بَلاَءً عَلى الْمُسْلِمِينَ .
الكبائر الظاهرة
وَ أمَّا الْكَبَائِرُ الظَّاهِرَةُ : فَكَالزِّنَا وَالرِّبَا وَأكْلِ المَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَقَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَظُلْمِ الْعِبَادِ وَالسَّرِقَةِ وَإِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَتَخْوِيفِهِمْ وَالسَّعْي بِالْفَسَادِ فِي اْلأَرْضِ وَنُصْرَةِ الْبَاطِلِ وَمُكَابَرَةِ الْحَقِّ وَمُعَانَدَةِ أَهْلِهِ ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَجَمِيعِ الْمُسْكِرَاتِ وَلُبْسِ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ ، إِلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اْلأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ بِنَصَّ الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ .
دعاء الختام (1/81)
صفحة 82
وَ الْحَمْد لِلَّهِ عَلى تَمَامِ النِّعْمَةِ ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلى نَبِيِّ اْلأُمَّةِ وَمِصْبَاحِ الظُّلْمَةِ ، سَيِّدِ اْلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ قَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ إِلى رِضَاءِ رَبِّ الْعَالَمِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ ثُمَّ الصَّلاَةُ عَلى آلِ النَّبِيِّ وَصَحْبِهِ وَجَمِيعِ الْمُقْتَدِينَ بِهِ إِلى يَوْمِ الدِّينِ .
هَذَا آخِرُ مَا يَسَّرَ اللّهُ كِتَابَتَهُ إِسْعَافاً لِلسَّائِلِ ، وَاللَّهُ نَسْأَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنْ أعْظَمِ الْوَسَائِلِ ، فَإِيَّاهُ نَعْبُدُ وَرِضَاهُ نَقْصِدُ وَبِهِ نَسْتَعِينُ وَمِنْهُ نَطْلُبُ الثَّبَاتَ عَلى الدِّينِ وَأَنْ يُمِيتَنَا مُسْلِمِينَ الَّلهُمَّ رَبَّنَا أَحْيِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا مُسْلِمِينَ ، وَأَمِتْنَا إِذَا أَمَتَّنَا مُسْلِمِينَ وَاحْشُرْنَا حِينَ تَحْشُرُنَا مُسْلِمِينَ ، وَاجْعَلْنَا فِي زُمْرَةِ أَوْلِيَائِكَ الْمُحْسِنِينَ ، وَأغْفِرْ لَنَا وَلأَئِمَّتِنَا وَأَشْيَاخِنَا وَإِخْوَانِنَا مَنْ عَلِمْنَا مِنْهُمْ ومَنْ جَهِلْنَا ، وَتَجَاوَزْ لَنَا وَلَهُمْ عَنْ سَيِّئَاتِنَا ، وَاخْتِمْ لَنَا وَلَهُمْ بِصَالِحِ تَرْضَاهُ فَإِنَّكَ ذُو الْفَضَلِ الْعَظِيمِ تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَ كَانَ تَمَامُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ ضَحْوَةَ الْجُمُعَةِ الزَّهْرَاءِ فِي غُرَّةِ رَبِيعِ الأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ ثَمَانَ عَشَرَةَ وَثَلاَثِمِائَةٍ وَأَلْفٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضلُ الصَّلاَةِ وَأَزْكَى التَّحِيَّةِ آمِينَ .
تم بعون من الله تعالى وتوفيقه (1/82)