صفحة 1
الكتاب: جامع الجواهر
المؤلف: العلامة/ جمعة بن علي الصائغي
الجزء: الأوّل
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان.
تاريخ النشر: 1406هـ - 1986م
طبع: مطابع سجل العرب
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
جامع الجواهر
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العلامة جمعة بن علي الصائفي
الجزء الأول
1406هـ - 1986م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
جامع الجواهر
تأليف
العلامة جمعة بن علي الصائفي
الجزء الأول
1406هـ - 1986م (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وعليه نتوكّل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. الحمد لله على الإعانة والتيسير، وعلى نعمه الظاهرة والباطنة، التي لا تحصى بتفسير، ربّ السموات والأرض وما فيهن، وما في الهواء يطير، خالق كلّ شيء من ساكن ومتحرّك، وطائر ويسير، والبحار وحيتانها، وجعل الفلك فيها تسير، مرسل الرياح مبشرات، وجعل السحاب يثير، منزّل الغيث من السماء، وجعل منه النفع الكثير، جاعل الجنّة لأوليائه، وما فيها من ألوان النعيم، وذلك الفوز الكبير، والنار لأعدائه، وما فيها من أنواع العذاب وبئس المصير. عالم السر والعلانية، وما يكنّه الصدر والضمير، هو الله لا إله إلا هو العليّ الكبير، أستغفره وأتوب إليه، من كبير الذنب والصغير، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله النذير البشير، الأمين الصادق، على ما جاء به من المجمل والتفسير. (1/3)
صفحة 4
وصلّى الله عليه وعلى آله وعليه الصلاة والسلام، الدائم الكثير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. إنّ ما جاء به محمّد رسول الله عليه وآله عن الله، فهو الحق المبين. أمّا بعد: فهذا كتاب جمعته وألّفته من بيان الشرع، وفيه شيء من المصنف، وما شاء الله من غيره، أرجو بذلك تكفير السيّئات، وجزيل الثواب من الملك الوهّاب، صنّفته لي وللجاهل بذلك لا للعلماء العارفين، ووضعت له الأبواب والفصول على الترتيب، لحصول الفائدة منه، وليسهل للمطالعة، وسمّيته جامع الجواهر، ولعلّي قد زدت أو نقصت أو حرّفت أو غيّرت المعنى، فمن قرأ كتابي هذا، أو قرئ عليه، فليتدبّره تدبير مشفق على نفسه، طالبا لرضا ربّه؛ لأنّي لست بعالم ولا فقيه، ولا آمن على نفسي، من الخطأ والعمد والنسيان، فلا يؤخذ منه ولا من غيره، إلا ما وافق الحق والصواب عند الله، من قول وعمل ونيّة، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت وإليه أنيب. والحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على رسوله وعبده صلاة دائمة، أبدا مدى الليالي والأيّام والشهور والدهور، بعدد قطر الأمطار وورق الأشجار وأمواج البحار، وما جنّ عليه الليل وأضاء عليه النهار، أضعافا مضاعفة، إلى يوم القيامة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. /04/ (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وعليه نتوكّل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.
باب في النجاسات وفي أشدّ النجاسات وغسلها بالماء وبغير ماء، وفي تطهير النجاسات وفي نجاسة المانع والحامل ومعاني ذلك
قال أبو المؤثر محمّد بن محبوب: البول والغائط أشدّ من الجنابة، والجنابة أشدّ من الدم.
مسألة: وسئل عن بول البشر: أهو أشدّ نجاسة من جميع الأبوال؟ قال: هكذا عندي، الذين يأكلون الطعام من البشر. قيل له: ثمّ ما بعده؟ قال: معي، أنّ الخنزير والقرد والخنزير أشدّ، والدليل على ذلك، أنّه محرّم كلّه. قيل: فمن أين كان بول البشر أشدّ نجاسة؟ قال: معي، إذ هو لا يجوز أكل لحومهم، في حال ضرورة، ولا غيرها، ولا في حال من الأحوال. /05/ (1/5)
صفحة 6
قيل له: ثمّ ما بعد الخنزير والقرد. قال: الكلب لثبوت مجراه عندي على جلده، وهو نجس بمعنى الاتفاق، ودخوله في سائر السباع، فزاد بمعنى النجاسة في جلده عندي. /06/ (1/6)
صفحة 7
فصل في تطهير النجاسات
من الزيادة المضافة في كتاب الضياء:
الطهارة: اسم يقع على معنيين، أحدهما إزالة النجاسات، والأخرى إنفاذ عباده. فالنجاسة تجرى مجرى الديون في إزالتها، ويصح اسم التطهير منها، بزوال عينها بماء، أو ما يقوم مقامه، ويرتفع حكمها بما ذكرناه، بغير نيّة وقصد، ممّن فعل ذلك. ألا ترى أنّ الدين الذي شبهناه بها، لو أدّى غير من لزمه ذلك الدين، بأمره أو غير أمره، سقط فرض الأداء عن متضمّنه. وكذلك يجب أن تكون النجاسات، إذا أزالها من لزمته في نفسه، أو في ثوبه، فتولّى إزالة ذلك عنه غيره، بأمره أو غير أمره؟ إنّ ذلك يكون مزيلا عنه فرض الطهارة. وأمّا الطهارة، التي هي إنفاذ عبادة، فالمحدث بالبول، ويخرج ريح، فإسقاط فرض الطهارة عنه، لا يكون إلا بفعله، والقصد لذلك منه بدليل قول الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} فأمر جل ثناؤه، من تعبّد بعبادة يتعلّق فعلها بذمّته، أن يقصد قصدا إليها، وينوي فعلها، أنّ الإخلاص لا يكون إلا بالقلب، في جميع العبادات، التي طريقها ما ذكرنا، ولا يسقط فرض أدائها، إلا عن طريق المقاصد، والله أعلم. /07/ (1/7)
صفحة 8
فصل: في نجاسة الكلب وسور السباع وسائر النجاسات
ذلك كالبول أو غيره، ممّا لا عين له قائمة، فإنّها تطهّر بثلاث غسلات، لما روي أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، أنّه قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتّى يغسلها ثلاثا فإنّه لا يدري أين باتت يده. ذلك احتياطا من كلّ نجاسة أصابتها، في حال نومه نحو كلب لحسها، أو بال عليها، أو وقعت على نجاسة، أو في نومه ممّا يتوهّم إصابتها في حال نومه. وأبو هريرة: روي الخبر على النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا. ويروى الخيرين جميعا، ثمّ فتواه في ولغ الكلب ثلاث غسلات، ثمّ لا يختلف عند من خالفنا، أنّ سور الكلب وبول الإنسان وغيره من النجاسات، المانعات في النهر، حكمها واحد في باب التطهير. كذلك مرافقتهم لنا في باب تطهير البئر، يدلّ على صحّة قولنا إذا لم يختلف، واختلف قول من خالفنا، والله أعلم. /08/ (1/8)
صفحة 9
فصل في النجاسات
ومن الكتاب: مسألة: وسألت أبا سعيد عن الحلول، إذا غسل فيه الثوب النجس. أيطهّر إذا طهّر الثوب؟ قال: إذا غسل الثوب بثلاثة مياه، فقد طهر الثوب والماء الثالث، والإناء الذي غسل فيه الثوب. وقال من قال: يطهّر الثوب وحده، أمّا الماء الثالث، والإناء الذي غسل فيه الثوب نجس، والرأي الأوّل أحبّ إلينا. ومن غسل فوجه، ثمّ وطئ حيث جرى الماء، لم ينجسه؛ لأنّ النجس يجرى عليه ماء طاهر فيطهّره. وفيه قول غير هذا. وقال محمّد بن المسبح: إذا أراق الرجل البول، وإن كان قد خرج من الماء، وليس فعله، فلا بأس عليه. ومن قعد في النهر، يستنجي من البول، ثمّ وقع في النهر، ونسي أن يعرك /09/ (1/9)
صفحة 10
موضع البول والغمس في النهر، فإن كان جرى الماء متّصلا، فحكمه حكم المياه الجارية، لا ينجسه إلا ما غلب عليه. وإن لم تبصره حين جربه، ولم يعرف أغالب عليه أم لا، فإذا كان جاريا، فهو طاهر حتّى يعلم أنّ النجاسة قد غلبت عليه.
مسألة: وسئل عن آخر ماء زالت به النجاسة، طاهر أم نجس؟ قال: معي، أنّه قيل له: فعلى قول من يقول: إنّه طاهرا، يكون طاهرا مطهّرا لغير تلك النجاسة، أم يكون مستعملا. قال: الرأي الذي معي، أنّ الطهور غير الطاهر، والطاهر قائم بنفسه.
مسألة: من الزيادة المضافة في كتاب الأشياخ: وسألته عن دم وقع في طشت، إذا صب عليه الماء صبا، من غير عرك. أيجزيه ذلك؟ قال: نعم. قيل له: فإن كان قدحا؟ قال: لا بأس بذلك. /10/ (1/10)
صفحة 11
مسألة: قلت: الحصير تصيبه النجاسة، وهو في المسجد، ثمّ يصب عليه الماء، ويغسل وتزول العين، وهو في موضعه. فما القول في الماء الذي قد جرى تحت الحصير؟ وما حكم الأرض التي قد لقيها الماء والنجاسة؟ أيجزيه هذا أم يخرج من موضعه، ويغسل باطنا وظاهرا؟ قال: الذي عرفت إن فعل ذلك يجزي. وإن كان الماء غالبا على النجاسة، فلا حكم للنجاسة إذا يبس الموضع من المسجد طهر. ولو أخرج لكان أبلغ وأحوط، والله أعلم. إرجع إلى كتاب بيان الشرع. /11/ (1/11)
صفحة 12
فصل في تطهير النجاسات بالنار
وإذا مسّ اليهودي الذهب والفضّة برطوبة، ثمّ أدخله النار وأحماه، فقد نظف.
مسألة: قال أبو الحواري: في الخشب إذا مسّته النجاسة، مثل البول والدم، ثمّ أوقد بالنار، أنّه لا بأس برماده. وقال: إنّ النجاسة قد أكلتها النار. وسألته عن التنور إذا مسّه ماء نجس فحمم. قال: فقد نظّف، فهذا عندي مثل الحلي.
مسألة: وقال في اللحم، إذا كان نجسا، ثمّ شوى، فإنّه يطهّر على معنى قوله، وهو أقرب من العجين، إذا خبز وهو نجس.
مسألة: وعن الحطب النجس. هل ينتفع به وبرماده؟ فقد قالوا: إذا حرقته النار، فلا بأس برماده. وكذلك من أراد أن يخبز به، فلا بأس به. /12/ (1/12)
صفحة 13
إذا أكلته النار خبز بجمرة أو بحموه.
قال غيره: نعم. وقد قيل ذلك إذا كانت النجاسة من غير الدواب. وقد قيل أيضا في الدواب.
مسألة: وعن النيران والتنّور، إذا خبز بهما عجين نجس؟ فقد بلغنا عن موسى بن علي، أنّه أجاز أكل ذلك الخبز. وقال: قد ذهبت النار بذلك الماء، وكذلك قد طهر التنّور والنيران، على ما قال موسى بن علي –رحمه الله- فلا غسل عليها.
مسألة: من حاشية الكتاب يذكر أنّها من الضياء: والطين النجس إذا أوقد عليه النار، فإنّها تطهّره. والطين إذا عمل من طين نجس حمم مرّتين، مرّة تطهّره ومرّة تخبز بها. والتنور إذا شوى فيه ميّته، فلزقه دسم، فمختلف فيه. قال قوم: يكسر. وقال قوم: يغسل. /13/ (1/13)
صفحة 14
وقال قوم: يحمم بنار حتّى يذهب. وإذا حميت حديدة بالنار، وجعلت على الدابة للعلامة، ولم يخرج دم فهي طاهرة. وفي تطهير النار، لما كان نجسا فيه اختلاف. وإذا وقعت فأرة في تنّور، قد طرح فيه خبز رطب، لم ينضج وثار غبار الفأرة في التنّور؟ قال: أخاف أن يفسد؛ لأنّ الخبز رطب ويعلّقه الدخّان.
مسألة: من الزيادة المضافة: والعود إذا سهم بغسل نجس، فلا بأس أن تبخر به الثياب، ما لم يؤثر فيها، والأثر منه السواد. وإن كان الثوب رطبا، فجائز أن يبخر من هذا العود. وسبيله سبيل الثوب اليابس، ما لم يؤثر فيه. وقيل: دخّان النجس نجس، وما زاكيه نجسه. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. /14/ (1/14)
صفحة 15
فصل في غسل النجاسات بغير ماء
من جامع أبي محمّد: النجس اسم يقع على معنيين: أحدهما يكون نجس لعينه، والآخر نجس لنجاسة حلّته. فما كان نجسا لعينه، فزوال اسم النجس عنه غير جائز، ما كانت عينه قائمة كالدم والعذرة والبول ونحو ذلك. والضرب الثاني، سمّي نجسا بحلول نجاسة فيه. فزوال ما صار به متنجّسا، يرفع اسم النجس عنه. ويدلّ على ذلك، أنّ بعض أصحابنا، كان يذهب إلى أنّ النجاسات، أعيان ينجس ما لاقته في حال تعلّقها به، وظهورها عليه. وإذا كانت عين النجاسة قائمة، بشيء تقدّمت له الطهارة، انتقل إلى حكم ما لاقاه من النجاسة. فإذا زالت عين النجاسة، عن الشيء، بماء أو غيره، وذهبت عين النجاسة منه، عاد إلى حكم ما كان عليه، من حكم الطهارة. والاسم الأوّل قبل حدوث النجاسة فيه، ألا ترى إلى قولهم في الأرض، يصيبها البول وغيره من النجاسات، فحكم المكان نجس، حتّى يصيب الماء عليه، أو يذهب عنه بغير ماء. /15/ (1/15)
صفحة 16
وكذلك قالوا في النعل والخف، يطأ بهما في النجاسة، فهما نجستان. فإذا ذهبت عين النجاسة عنهما، صار طاهرين، ومختلف في الحطب النجس، منهم من أجاز الخبز به، ومنهم من لم يجزه. وكذلك ما ذكر محمّد بن جعفر في الجامع، أنّ البيض، إذا كان رطبا، وحمله المصلّى في ثوبه، فإنّ صلاته تفسد بحكم نجاسته بالرطوبة، التي خرج بها من المخرج النجس. فإذا صلّى به وقد جف، وليس عليه رطوبة، فإنّ صلاته جائزة. وكذلك قالوا في الدواب، يضعن أولادهن ملتحفن بالدماء وغيرها من الأنجاس. فإذا جف ما ظهر على أبدانهن من النجاسة، بشمس أو تراب أو لحس، فذهبت عنه عين النجاسة. بذلك صار حكمه حكم الطاهر. وكذلك قالوا في الشاة وغيرها من الدواب، تأكل النجاسة بفيها، وتشرب النجس، وتتقلّب بضرعها في البول، فإذا ذهبت عينه بتراب أو شمس أو ريح أو غير ذلك، عاد إلى حكمه من الطهارة. وكذلك ما يعاين على منقار الدجاجة، من العذرة والجلالة، من الحمير والبقر وأكل السنّور للفأر، وظهور الدم بفمه. فإذا غابوا، ثمّ عادوا في مدّة قصيرة، ولم يعاينوا عليهم من تلك النجاسة شيئا، حكموا لهم بحكم الطهارة، وصار سؤرهم طاهرا. /16/ (1/16)
صفحة 17
مسألة: وقيل في الأرض، إذا وقعت منها النجاسة، من غير الذوات، فغشيها الماء ففيها اختلاف: قول: تطهّر بغير عرك. وقول: لا تطهّر إلا بالعرك. قال: والبدن مثله. وقال أبو سعيد –رحمه الله-: إنّ الماء إذا كانت له حركة. قالوا: في عظم المشرك والميتة وقرتها، نجس في حال الرطوبة النجسة به، فإذا جفّت وزالت الرطوبة، صار طاهرا عندهم. ونحو هذا من قولهم كثير. ويدلّ على صحّة هذا، ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: أيّما أهاب دبغ فقد طهّر. فلمّا كان أهاب الميتة، يطهّر بالملح أو بالشمس أو بالتراب أو بالرماد أو ما يذهب الرطوبة منه، التي هي عين النجاسة، وجب أن تكون عين النجاسة، إذا زالت عن الشيء، صار طاهرا، والله أعلم. فإن قال قائل: إنّ الفعل تأكلها الأرض، فتذهب عين النجاسة، وما لاقته النجاسة. /17/ (1/17)
صفحة 18
قيل له هذا المقال ممّن احتجّ به. وذلك أنّ النعل قد يطأ بها في المائع، من النجاسات، كالبول والماء النجس، وما جرى مجراه. فإذا نشفت النعل منه، حتّى تنتهي إلى ظاهرها، أو دون ظاهرها، فلا يؤمر صاحبها أن يجتنبها، إذا تطهّر للصلاة، ثمّ لبسها حتّى تأكل النعل الأرض، إلى منتهى ما بلغت النجاسة إليه أو يفنى. فلمّا أجازوا له الصلاة فيها، ولبسها والقدم رطبة، إذا زالت عين النجاسة عنها، علمنا أنّ هذه علّة، تكلفها بعض المتأخّرين، لقول من ذكرنا قوله من المتقدّمين، والله أعلم بالصواب.
مسألة: وسألته عن الممحاة والقراز، يتنجسان ثمّ يستعملان بالتراب الطاهر، حتّى يبرأ أثر النجاسة منها. هل يطهّران؟ فقال: على قياس النعل، أرجو أن يطهّرا. وقال: وهما عندي إلى ذلك، وإنّما ذكرته في استعمالهما في التراب الطاهر. /18/ (1/18)
صفحة 19
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: وعن السماد إذا أبرز من المرابط والأزراب، ثمّ ضربته الشمس وهاجت عليه الريح، حتّى لم يبق فيه أثر البول. هل يطير بذلك أم لا؟ قال: نعم، قد طهّر إن شاء الله. ولا بأس على من مسّه برطوبة. (ارجع إلى كتاب بيان الشرع). /19/ (1/19)
صفحة 20
فصل في النجاسات
وقال فيمن يكون في يده نجاسة، لا عين لها مثل بول أو غيره، ثمّ نسيها فصب في يده دهنا على تلك النجاسة ودهن به؟ إنّه لا ينجس ما مسّه من ذلك الدهن. وقال: إنّ الدهن لا يمنع تلك النجاسة، وأنّه يلصقها في موضعها. وقال من قال: في مثل الدم أو غيره، ممّا له عين من النجاسات، أنّ الدم لعلّه الدهن، ولا يمنع تلك النجاسة، إلا أن يراها قد ماعت منه، فحينئذ به ما مسّت. وقال من قال: إنّ ذلك قد فسد ويفسد ما مسّ ماله عين، وما ليس له عين.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: واختلفوا في الكيمخت. فقال مالك: يقف عن الجواب فيه. وقال أحمد: هو ميتة لا يصلّى فيه. وقال قائل: يختلف فيه: /20/ (1/20)
صفحة 21
منه ما هو ميتة. ومنه ما هو جلود يؤكل لحمه. فإذا اشترى منه رجل شيئا، رجع أمره لم يحرم هو بعينه ولا شراؤه. قال أبو بكر: إن كان الأمر كما ذكره هذا القائل، واحتمل الكيمخت ما قال. ولم يحرم ماء هذه والورع والوقوف عن المشكلات، في قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبين ذلك أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات اليسيرة معناه أنّه التمس البيّنة لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام أنّ ذلك كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه إلا وأنّ لكلّ ملك حمى».
من المصنف أيضا: مسألة: عن ابن عمر قال: كان عند النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث سأله رجل عن فأرة، وقعت في ودك جامد. /21/ (1/21)
صفحة 22
قال: اطرحوها وما حولها وكلوا ودككم. قالوا: يا رسول الله أنّه مائع. قال: انتفوا به ولا تأكلوه فأفاد هذا الخبر أنّ الجامد يزال ما حول الفأرة، والمائع يراق.
من كتاب المصنف: نقول: ماع الماء والدم يميع ميعا، إذا جرى على وجه الأرض جريا مبسطا. وقال: من الدماء مائع، والمائع هو ضد الجامع، وأميعه ماعا.
مسألة: والاستدلال على الجامد من المائع، أن يطرح خاتما أو حصاه بقدرها نعلة بقدرة. فإن سقطت إلى أصل الإناء، فذلك مائع جميعه؛ لأنّ الذي لاقى النجاسة الجميع. وإن لم ينزل رمى ما حول النجاسة، ويجوز أن يكون الأعلى مائعا، والأسفل جاهرا. /22/ (1/22)
صفحة 23
مسألة: وكل مائع وقعت فيه نجاسة أفسدته. ذلك مثل اللبن والسمن والخل والعسل، لا نعترف بقلّته أو كثرته، للرواية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن كان مائعا فأريقوه وإن كان جامدا فألقوها وما حولها». فأفسد المائع من ذلك حملة، ولم يفصل كثرة من قلّة. فهو على هذا الحكم محمول. وإنّ حما الله محارمه. قال أبو سعيد: لا أعلم في قول أصحابنا في الليمخت قولا محدّدا، بفساد ولا طهارة، والله أعلم بذلك. إلا أنّه نقتضي منه القول عندي، ما يضاف إلى أبي بكر، ما لم يعرفه حلاله ولا حرامه. فأولى به الوقوف على معنى التنزّه، والخروج من الشبهات. ومعنى الرواية عند أصحابنا، عندي أنّه قال: الحلال بيّن والحرام بيّن وبين ذلك مشبهات يهلك فيها كثير من الناس كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه إلا وأنّ لكلّ شيء حما وإنّ حمى الله محارمه. وما لم يصح حلاله لم يقم في الفعل الإقدام عليه. /23/ (1/23)
صفحة 24
مسألة: من الزيادة المضافة: وجدت في كتاب الضياء: وقال محبوب: لا خير في مصاب المباح، ولا في مكحلة العاج.
قال غيره: لا بأس به ولا بالكمتحب. كذلك وجدت في كتاب الضياء، والله أعلم. /24/ (1/24)
صفحة 25
فصل في صب الماء على النجاسات
قال أبو محمّد: يجري صب الماء على بول الشاة، ما لم ييبس، فإذا يبس بالمكان، لم يجيز له إلا بإجراء اليد عليه، ويمرّ بالماء، والله أعلم.
مسألة: والصبي إذا دسع على ثوب، وهو يرضع لفسده. ويجزى أن يصيب بالماء عليه، وينفض ولا يعرك. قال أبو محمّد: يجرى صب المال عليه، ما لم ييبس. فإذا يبس لم يجزئ له إلا بإجراء الماء عليه باليد، والله أعلم.
مسألة: وإذا قلس الصبي على أمّه وهي ترضعه، فأصاب ثيابها من دمعه، وصلت بها قبل أن تغسلها؟ عليها غسله، وإعادة الصلاة، فإنّه مفسد.
مسألة: والصبي إذا كان مراهقا في حال البلوغ غير مختتن، وأقرّ في وقت بالبلوغ فهو نجس. /25/ (1/25)
صفحة 26
مسألة: والصبي يغسل من الآنية، ما يعرفه الناس بينهم، أنّ مثله ينظّف ويزيل عين النجاسة منه، مثل الآنية في المنزل ونحوها، ما لا غنى للناس عنه، وذلك عادة الناس مثل سكون النفس، وأمّا الثياب فلا.
مسألة: ومن صب عليه ماء في أيّام النوروث، فهو طاهر حتّى تعلم نجاسته.
مسألة: ومن قطع بحديدة نجسة شيئا طاهرا، أو كان الشيء نجسا، والحديدة طاهرة؟ إذا كان كلاهما يابسا فجائز.
مسألة: ومن استعمل ببراء، بما يلحق منه المضرّة، مثل الخل وكناز الثمر؟ فلا يقبل ممّن أخبر بتنجيسها، إلا أن يكون ثقة، وإلى هذا القول يذهب أيضا أبو الحواري. قال المصنف: وقد وجدت عند أبي سعيد، في هذا الكتاب: إنّه لا يقبل العلّة، ممّن قال بتنجيسها، حتّى يفسّر صفة ذلك، والله أعلم. /26/ (1/26)
صفحة 27
مسألة من الضياء: فإذا كان بالموسى دم سنه بالمس، فإذا فزالت عين النجاسة طهر ذلك، إذا كان بالمس أو غيره أو بماء أو بريق.
مسألة: عن أبو سعيد: كلّ نجاسة أزالها من موضعها، بالماء الطاهر من البدن والثوب وغير ذلك، أنّها قد طهرت. ولو لم يكن المبتلى بها فعل ذلك، إذا أزالها الماء، والله أعلم.
مسألة: قال أبو سعيد: يقع الإجماع، أنّ الشمس والريح، لا يطهران البدن والثوب، والله أعلم. /27/ (1/27)
صفحة 28
باب فيمن بال في الماء أو طرح فيه نجاسة فطار منه وفي غسل العقور والجراحة وفي نجاسة الفم والبزاق والمنخر والمخاط وفي غسل النجاسات بغير الماء
مسألة: ورجل فيه جرح، فخاف إن غسله، أن يعود ويرمى عليه، فتركه وصلّى. هل له ذلك؟ قيل: له ذلك. وقال أبو هران: إنّه أصاب.
مسألة: في رجل تبوّل في الماء، وأراد الاستبراء فيه. قيل: عليه أن يخرج من الماء ويستبرئ. وقيل: يستبرئ في الماء، بقدر ما عود ليستبرئ خارجا، إذا كان في وسط الماء. وقيل: إنّ الماء يقطع الماء، ولا استبراء عليه ولا استنجاء، إذا بال في وسط الماء، ومحكوم عليه بالطهارة في الإطلاق. /28/ (1/28)
صفحة 29
قلت له: فرجل بال في الماء الذي لا ينجس. هل يكون الموضع الذي بال فيه حكمه، حكم الماء حتّى يصح غلبة البول، وما طار به، فلا بأس به؟ قال: هكذا عندي، أنّ حكم الماء هو الأغلب. وكنت عنده على ساقيته، سيتوضّأ للصلاة. فقال: حتّى يرفعه هكذا، وأشار بكفّه فيجده غالبا، فهذه هي حد الغلبة التي تفسد الماء.
قلت له: فإنّي أرى موضع البول أصفر من الماء، متغيّرا عن حال الماء، إلا أنّي لا أعرف. هل يغلب جوهر البول جوهر الماء أم لا؟ هل يكون ذلك الموضع طاهر، حتّى يعلم أنّه غير الماء، ولا تضرّه الصفرة من البول؟ قال: معي، أنّه كذلك، حتّى يصح أنّه قد غلب عليه بطعم أو لون، أنّ الحكم عندي حكم الأكثر، وقد يكون الماء كدرا، وهو يسمّى ماء. ولا يكون بذلك خارجا عن المعنى، فيكون صفرة أو كدرة.
قلت له: فيكون ذلك عندي بمنزلة الماء، إذا وقع فيه البرء من /29/ (1/29)
صفحة 30
الثوران وغيره، ممّا يصفر الماء، ويكون لون الماء أصفر، إذا رفع في الكف، كان حكم الماء هو الغالب. أيكون هكذا في البول؟ قال: هكذا عندي.
قلت: فما طار به حين وقع البول في الماء. أيكون ذلك طاهرا، حتّى نعلم أنّه من البول؟ قال: هكذا عندي، إذا كان الماء هو الأغلب، والأكثر من بعد أن يمازجه ويخالطه.
مسألة: قلت له: في رجل تنجس فمه، فلم يغسله في الوقت، وكان البزاق النجس لمس شفتيه وماضغيه من البزاق، في حين النجاسة، أم لا تطهّر شفتاه وماضغاه، حتّى يزول ذلك البزاق الذائب منها بالغسل؟ قال: إذا غسل الفم، والموضع الذي فيه البزاق غسل النجاسة. إذا لم يكن ذلك الذائب عين النجاسة، وإنّما هو جوهر طاهر تعارضه النجاسة، فإذا غسل ذلك الموضع، غسل النجاسة. /30/ (1/30)
صفحة 31
ويأتي الطهارة على الفم، وما فيه من جوهر النجاسة، المعارض له، كان النجاسة ما لم يغلب عليه، ويصير جوهر النجاسة.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ: وسألته عن رجل رمى بحجر نجس، في ماء جار، فطار لي من ذلك الماء؟ قال: قد سمعت فيه اختلافا. /31/ (1/31)
صفحة 32
فصل في غسل العقور والجراحة وما أشبه ذلك
قلت له: في رجل كان في رجله شق أو جرح، غسله من ظاهره، ولم تصل اليد والجه، فخرج كلّه من والجه وخارجه، وهو يقدر على الغسول من والجه. هل يكون قد طهر كلّه، بلا أن يعرك الوالج؟ قال: فإذا خرج الدم بحركة من صب الماء، أو عرك بحرك الشق، بعضه ببعض، فأرجو أن يجزيه ذلك إن شاء الله. ولو قدر على عركة باليد، فإنّ جميع الحركات بغير اليد، التي تشبه حركة اليد. ويزيل مثلها تلك النجاسة، مع صب الماء عندي، مثل حركة اليد.
قلت: فإن غسل خارج الشق، وترك والجه، وهو يقدر على إخراجه بلا أذى. هل يكون ما خرج من الشق من الدم طاهرا، على قول من يقول ذلك؟ قال: فمعي، أنّه ما لم يكن قابضا من الشق، فإنّه يلحقه عندي معنى الدم، الذي لم يفض كلّه. ولو كان قد فاض منه شيء، فحكم ما فاض فائض، وحكم ما لم يفض غير فائض، في معناه عندي. /32/ (1/32)
صفحة 33
مسألة: وسئل عن رجل كان فيه جرح يسيل منه الدم، فغمسه في الماء الجاري، من قبل أن ينقطع، وغسل ثلاثا، غسل الجنابة، ثمّ رفع الجرح، فلم ير شيئا من الدم. أيكون قد طهّر؟ قال: نعم، هكذا عندي.
مسألة: ما خرج من الحجامة، بعد أن غسلت، من كدرة أو صفرة أو حمرة، فهو طاهر. هكذا عرفت. ويوجب أنّ الحمرة والصفرة والكدرة، إذا خرجت بعد الغسل، من جرح طري، أنّه لا بأس بها. وإن خرجت قبل الغسل، من جرح طرى، فمختلف فيه: قيل: نجس. وقيل: طاهر.
وفي كتاب جوابات إلى سعيد قال: إنّ الحمرة والصفرة والكدرة، إذا خرجت بعد الغسل، من خرج طرى، أنّه لا بأس به. /33/ (1/33)
صفحة 34
قلت له: وإن خرج من جرح طرى حمرة، قبل الغسل أو صفرة، أو كدرة، ولم يتقدّمه دم مفسد؟ قال من قال: ينجس. وقال من قال: طاهر.
قلت له: فإن خرج من هذا الجرح بعد الغسل دم على هذه الصفة. ما يكون من حكم ثياب صاحبه طاهرة أم لا؟ قال: معي، إذا كانت الثياب لها مخرج من مماسة هذا الدم، فهي طاهرة، حتّى يعلم أنّها نجسة. وإن كان لا مخرج لها من ذلك، ولا يحتمل لها مخرج، فهي نجسة أو ما كان على هذه الصفة.
قلت له: فإن طلب أثر الدم، من الثوب الذي لا مخرج له، ممّا سببه هذا الدم؟ قال: معي، أنّه قيل: يطلب النجاسة، فإن وجدها غسلها. وإن لم يجد النجاسة، غسل الثوب كلّه، إذا ثبت عليه حكم النجاسة.
مسألة: عن أبي الحسن قال: وكان أبو الحواري –رحمه الله- يقول: كان أبو المؤثر –رحمه الله-، إذا غسل شيئا من جسده من الدم، فإذا غسلوا قال لهم: لا ترجعوا تنظروا إليه ودعوه. /34/ (1/34)
صفحة 35
وكان مذهبه إذا غسل موضع النجاسة من ذلك، الذي يخاف أن يرجع فتخرج منه النجاسة، ليس عليه أن يرجع ينظر إليه، وقد طهّره.
مسألة: وقال أبو الحسن: في السلاة، إذا وقعت في رجل الإنسان، فدخلت في رجله، ثمّ نقشها أو أخرجها بلا نقش، وقد كانت دخلت رجله. فإن لم يخرج عليها دم، فهي طاهرة، حتّى يكون فيها دم.
قلت له: فإن خرجت هي، ثمّ اتبعها الدم، غير أنّه لم ير فيها الدم. فقال: هي طاهرة حتّى يكون فيها الدم.
مسألة: وسألته عن الرجل، يصيبه الجرح في الليل، فيجد الاختراق ولا يعرف خرج الدم أم لا؟ ما يكون حكم ذلك عنده؟ قال: إن أمكنه أن ينظر إليه، وإلا فليصل ولا بأس عليه، حتّى يعلم أنّه دم مبين له ذلك.
مسألة: وقال أبو الحسن: كان أبو الحواري –رحمه الله-، يقول: كان منير –رحمه الله- يقول: /35/ (1/35)
صفحة 36
إذا غسلت الحجامة والجرح، فرجع يخرج منها دم، أنّ ذلك الدم لا يفسد. وقال: ولا نعلم أحدا قال بذلك إلا هو. قال: والذي نأخذ به أنّه يفسد، إذا كان عبيطا، وأمّا الصفرة والحمرة، من بعد الغسل، فلا بأس به.
مسألة: وعن الذبيحة. هل يغسل لحمها، إذا كان فيها دم؟ قال: إذا غسل المذبح، فلا بأس بما سواه. وذلك جائز إذا لم يغسل، ويغسل المذبح، حتّى يخرج الماء صافيا. قال: لا يمكن ذلك، ولكن بقدر ما يغسل الدم العبيط.
مسألة: وعن رجل كان فيه عقر في رجله، فغسله ومسح ما به، وبعد أن صلّى رأى دما خارجا منه. أيّهم أن يكون خروجه ورجله رطبة؟ هل يكون في الحكم، لا ينجس عليه إلا الدم، الذي يراه يابسا في موضعه؟ قال: معنى ذلك، أنّه إذا احتمل أن يخرج بعد الصلاة، ويجف إلى /36/ (1/36)
صفحة 37
الوقت، الذي يراه، فلا يبيّن لي عليه حكم بنجاسة، حتّى يعلم ذلك، أو لم يعلم أحكام الشبهة، أنّه لا يحتمل ذلك.
قلت له: فإن كان يحتمل خروجه، من بعد أن خلع نعليه، ولا يحتمل خروجه بعد الصلاة. هل يفسد صلاته، ولا بأس على نعليه؟ قال: هكذا عندي في الحكم.
قلت له: فإن وقعت الشبهة. فما أولى به؟ قال: إن وقعت الشبهة، أحببت أن يعمل على الأغلب، ممّا يقع له. فإن لم يكن كذلك عنده أغلب، فالاحتياط أحبّ للخروج من الشبهة. /37/ (1/37)
صفحة 38
فصل في نجاسة الفم والبصاق بشحم البصاق والمنخر والمخاط وما أشبه ذلك
وسئل عمّن فاص مد خشونة إلى فيه، ولم يغيّر بذاقه. هل يكون بزاقه طاهرا، ولا يفسد ما طار به، حتّى تغلب على البزاق النجاسة، على قول من يقول: إنّ البزاق يطهّر النجاسة؟ قال: معي، أنّه يخرج أنّه كذلك. وقال من قال: إنّه بمنزلة الدم، حتّى يغلب على البزاق. وأنّه يفسد، ولا يفسد الدم البزاق، حتّى يغلب عليه. ومعي، أنّ القيء والدم، بمعنى واحد؛ لأنّ كلّه نجاسة.
قلت له: فيعجبك لمن ابتلى بشيء من ذلك، وعمل بهذا المعنى، أنّ ما لم يغيّر القيء والبزاق، أن لا بأس من الحاجة إليه، ومعنى شعوفتهن أم الأخذ بالاحتياط. قال: يعجبني أن لا يكون في ذلك بأس إن شاء الله، على معنى ما يخرج في ذلك.
قلت له: فإذا غسل الإنسان فمه، من نجاسة دم أو غيره. هل يكون الماء الذي تمضمض به أوّل مرّة طاهرا، ما لم يغلب عليه النجاسة؟ /38/ (1/38)
صفحة 39
ولو كان في الفم بعد على قول من يقول: إنّ الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب عليه. قال: هكذا عندي أنّه كذلك.
قلت له: فإذا فاض حشوته إلى فيه. هل يكون حكم البزاق طاهرا، حتّى يعلم أنّ النجاسة غلبت على البزاق؟ قال: معي، أنّ البزاق ليس له حد معروف، وإنّما يكون قليلا وكثيرا، يخرج على معنى الشهادة، في معنى الاعتبار في الوقت، إذا صح هذا المعنى، أسست عليه هذه المشاهدة.
مسألة: قال بشير: سألت الفضل: عن رجل شرب ماء نجسا، ثمّ مضمض فاه مرّة واحدة. هل تجزيه؟ فوقف ثمّ قال: مرّة واحدة. قلت: نعم. قال: أرجو أنّه يجزيه. وقال: وشبه بشير نبيذ الجر بذلك.
قال غيره: كلّ ما لم تكن له ذات تبقى، أو عين تبقى، فوقع عليه /39/ (1/39)
صفحة 40
غسل واحد بعرك أو مضمضة أو خضخضة، فقد حصل غسله، وصحّت طهارته. أنّه يكون قد ثبت له حكم الغسل، وإزالة العين. ورخّص بشير في رجل في فيه دم، فبزق حتّى ذهب نفس الدم، أنّه غسل عليه.
وقال غيره: نعم قد قيل هذا. وقيل: لا يطهّر إلا بالغسل.
قال بشير: كذلك من غسل دما من ثوب ببزاق، حتّى يسل البزاق في الأرض، مثل ما لو غسله بالماء، أنّه يجزيه. وشبه النجاسات، في مثل الدم في هذا المعنى. قال: وكذلك إن غسله بالدهن وبالخل وباللبن، أنّه يجزى له، وشبّه الدهن أيضا بذلك.
قال غيره: نعم، قد قيل هذا. وقيل: لا يطهّر إلا بالماء. وقال بشير: لا بأس أن يأخذ من ماء للعجين، من عند ثقة، إذا قال: إنّه من إناء يجوز فيه الشراب للنبيذ. وكذلك قال غيره: وقيل: لا يؤخذ إلا من ثقة، إلا أن يقف هو على الإناء، الذي يأخذ منه الدرن، فيراه موكثا من الأديم، من المعز أو الضأن. /40/ (1/40)
صفحة 41
وأمّا النجاسة من الفم وغيره؟ فقد قيل: لا يطهّرها إلا الماء، ولا يطهّرها البزاق ولا غيره. وكذلك قيل: لا يطهّر الفم إذا تنجّس البزاق. وقيل: لا يطهّر إلا بالماء.
مسألة: قلت: فأبقى أتخلّل بالماء فأجد طعم الدم؟ قال: لا بأس إلا أن تستيقن على الدم، فإنّه ينجس وينقض الوضوء، ويعصى من بلعه. وأمّا إذا لم يبلغ حد الفم، فلا بأس، والله أعلم. وقيل: ما فاض من أحشائه إلى فيه، ولم يغيّر بزاقه فهو طاهر، ولا يفسد ما طار به، حتّى تغلب النجاسة على البزاق. وقول: إنّه يغسل ولو لم يغلب على البزاق. وقول: إنّه يغسل ولو لم يغلب على البزاق، ومن ابتلى بمثل هذا، فجائز له الأخذ بالرخصة.
مسألة: قلت له: ما شهر من الشفتين، إذا اشتدّ الفم. /41/ (1/41)
صفحة 42
هل يجزيه جري الماء عليه، ويطهّر من النجاسة، ويكون بمنزلة الفم في الطهارة؟ أم أنّ ذلك كسائر البدن، ولا يجزيه إلا العوك. وكيف الحق في ذلك؟ قال: ما ظهر من الفم، ممّا لا يجري عليه المضمضة، فهو عندي بمنزلة ما ظهر من البدن، ويجب عليه عندي الغسل، أو صب من الماء، يقوم مقام الغسل.
مسألة: وفي الصبي إذا قاء، ثمّ رضع مرّة واحدة، ينظّف فمه أم لا؟ فقال: بلى.
مسألة: ومن كتاب الشرح: ومن جامع ابن جعفر: من غسل منخريه من رعاف أو فاه من دم أو قيء، فإنّما عليه أن يغسل ما ظهر منه، وأمكنه غسله من ذلك، ثمّ لا يغسل ما خرج من منخريه بعد ذلك من مخاط، ولا ما خرج من صدره من نخاعة. قال أبو محمّد: الذي ذكره من غسل الفم، من القيء والأنف، من دم الرعاف، فعليه أن يغسل ما أمكنه غسله، من غير أن يعرض نفسه، والظاهر من غسل الفم والأنف، ما يمكن وصول الماء إليه، بغير ضرر، والله أعلم. /42/ (1/42)
صفحة 43
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ومن خرج من فيه دم، فبزق حتّى تقيّأ الدم. هل يحل له أن يفرّق ريقه، إذا لم يحضر ما يمضمض فاهه، وهو في قرية أو سفر؟ قال: نعم، يحلّ له فهو نجس، إن طار به شيء من البزاق، قبل أن يمضمض فاهه أفسده. وقد قيل: لا يفسد ويوجب ذلك عن محمّد بن محبوب وولده بشير –رحمهما الله-.
قال غيره: يوجب هذا. ويخرج في معاني قول أصحابنا: إنّه إذا تنجّس فيه شيء من الدم، خرج منه ما يكون نجسا، فيبزق حتّى يخرج الريق صافيا، إذا كان صائما أو مفطرا، أن يصرط ريقه، ولا حرج عليه في ذلك، من طريق الإثم، ولا من نقض الصوم، ولا أعلم في هذا مخرج، في معاني قولهم اختلافا في هذا الفعل: إنّه جائز. ويخرج الاختلاف في معاني قولهم في طهارة الفم بذلك. فمعي، أنّه من قولهم: إنّه لا يطهّر الفم إلا بالغسول. وما مس من ريقه، من ثوب أو بدن أو شيء من الطهارات، أفسده كان في حال عدم الماء. /43/ (1/43)
صفحة 44
إن لم يكن في حال عدم الماء، فهو في معنى النجاسات، ما لم يغسل. ومعي: إنّه يخرج في معاني قولهم: إنّه كان في حال عدم وجود الماء، كان ذلك طهارته في حال العدم، وإذا وجد الماء غسله ولزمه غسله، ونفّرق بين عدم الماء ووجوده. فعلى معنى هذا القول، لموضع ثبوت زواله، زوال النجاسة، بمعنى ما يسبّبه الطهارة من الماء، وعدم الماء، كان ذلك عذرا، وخارج من النجاسة طهرا. فإذا وجد الماء، لزمه حكمه. وقيل: أن يجد الماء، فهو بحال الطهارة، من مس ما مس، من الطهارات، من ثوب أو بدن أو طعام. فإذا كان في حال وجود الماء، فلم يغسله، فلمّا كان واجدا للماء في حاله تلك، تاركا لغسله، وهو قادر على غسله؟ كان حكمه نجسا، لما مسّ حتّى يغسله في حاله ذلك. ومعنى أنّه يخرج في معاني قولهم: إنّه إذا بزق، حتّى يخرج الريق صافيا، أنّ تلك طهارة الفم، عند عدم الماء، أو وجده لمعنى ما يثبت من قول. وقال من قال: إنّه إذا لم يكن الدم أكثر من الريق، أو غالبا عليه لا ينجسه، قبلت معناه. /44/ (1/44)
صفحة 45
بمعنى ما يثبت في الماء في الشبه. فكما كان لا ينجسه الدم، حتّى يغلب عليه، أو يكون أكثر منه. وكذلك إذا زال الدم، وزال حكمه عن حكمه، كان مزيلا لحكمه طاهرا بنفسه بمنزلة الماء، وإذا تغيّر بالنجاسة وغلب عليه، كان نجسا. فإذا زال التغيير عنه، بزوال عين النجاسة، وغلبتها عليه وزوال حكمها، عند زوال حكم نجاسته، وطهّر بنفسه، ولا يثبت له ذلك الحكم، حتّى يشبه بثبوت هذا الحكم فيه. ومعي: إنّه يخرج في معاني ما قيل: إنّه إذا خرج الريق صافيا، زال عين النجاسة عنه، لم يطهّر حتّى يبزق بعد ذلك ثلاث مرّات، تمضمض بالبزاق فاهه، فمعنى أنّ الطهارة بالماء من النجاسة، ويجعل الريق في هذا، بمنزلة الماء، أي كان مشبها فيما سواه، في ثبوت هذا المعنى فيه، أي أنّه لا ينجس حتّى يكون الدم أكثر منه، أو غالبا عليه. وكذلك الماء هو بهذا الحكم، وإذا هو مشبه في السبيلا، وإزالة النجاسة من المكان، بمعنى ما يصح بحكم العيان، فليس الماء بزائد عليه إلا بالاسم، ولما الشبه والفعر، فقد ثبت معناه فيه، لمعنى الماء. /45/ (1/45)
صفحة 46
ومعنى أنّه يخرج في معاني ما قيل، أي أنّه إذا خرج من الريق صافيا، ثمّ مضمض فاه بالريق مرّة واحدة، طهّر بمنزلة الماء. ومعي: إنّه قيل: إنّما يطهّر الريق بهذا المعنى، فأخذ ما يخرج من هذه الأقاويل الدم. وأمّا سائر النجاسات، فلا يطهّرها؛ لأنّ معنى الدم فيه. وفيما قالوا بمعنى النجاسة في الماء، حتّى يكون أكثر منها، أو يغلب عليها، وكان فيها. وفي معانيها بمنزلة الماء في النجاسة، وبمنزلة النجاسة في الماء، ليس كذلك سائر النجاسات فيه. وممّا يخرج من معاني قولهم: إنّه لو تقيّأ قليلا أو كثيرا، كان مفسدا لفمه وريقه. وعلى ذلك كان له عينا قائمة في الريق، أو لم تكن عين، ولا أثر إذا ثبت معنى الطريق. وكذلك سائر النجاسات، ممّا يعارض الفم من غير الدم، من بول أو غيره. فما كان من ذلك من قليل أو كثير، فيخرج في معاني قولهم، بما يشبه معاني الاتفاق، أنّ ذلك مفسد للفم والريق، والذي في الفم كثيره وقليله، إذا ثبت معنى هذا، كان خلافا للدم في أحكامه في الفم. /46/ (1/46)
صفحة 47
وإذا ثبت معاني اختلاف ذلك، في ثبوت النجاسة، لم يتغيّر من اختلاف ذلك، في وجوب التطهّر من الريق، كسائر النجاسات في الفم، فيما سوى الدم، لمعنى ما يثبت فيه من التشابه فيها، والتساوي بالماء في الحكم والمخالفة ذلك في سائره. وإذا ثبت هذا في الفم، في حكم الدم، للشبه له، ومعنى سوابه لم يشعر من غلب عليه، وخرج صافيا؛ لأنّه كذلك. قيل فيه: في معاني الاختلاف، بما يشبه الريق في الفم، في معاني ممّا رجعة للدم. فالقول فيهما واحد، في معاني ما قيل. وإذا ثبت في معنى التساوي في النجاسة، ثبت في معنى التساوي في التطهير للنجاسة، على حب ما ثبت. وقيل: في الريق؛ لأنّهما مستويان. وهذا المعنى في معاني الاختلاف. وفيما معي: إنّه قيل: ولا أعلم أنّ أحدا قال بذلك في الريق، وأخرجه في الأنف في المخاط في الأنف، بل هما مستويان. كذلك معي في معاني الاختلاف في قولهم. ومعي: إنّه قد قيل: إنّ الريق يطهّر الفم من سائر النجاسات، إذا تنجّس بمعنى شبهة في الماء، في معاني ما وصفناه، من أشباهه له في السيلان وإزالة عين النجاسة والفعل. /47/ (1/47)
صفحة 48
وإذا ثبت ذلك في الريق، لم يتعدّ ذلك من المخاط، أن يكون بمعناه لتشابههما وتساويهما معا في ذلك. فإذا ثبت هذا مطهّرا، ثبت هذا مطهّرا كلّ واحد منهما في موضعه. وعلى ما كان حكمه في موضعه حكمه، في موضعه مشبها له، ولما كانا جميعا مشبهين للماء مساويين له. ومعي: إنّه قيل: إنّ مهر النجاسة من حيث ما كانت من الفم، وغيره من الأبدان والثياب. كذلك سائر الأشياء كلّها من الطهارات، إذا تنجّست فغسلت النجاسة بالريق، حتّى زالت النجاسة بالغسل بالريق. وثبت معنى ذلك في معاني الغسل بالريق، كما ثبت بالماء، فهو سواء. وإذا ثبت ذلك بالريق بالماء في هذا المعنى، فكذلك المخاط مثله. وإذا ثبت هذا المخاط مطهّرا للفم والريق مطهّرا للفم من الدم، ومن جميع النجاسات، ولا أعلم أنّ أحد قال: إنّ الريق والمخاط بأنّهما ماء. ولا أعلم أنّ أحدا قال: إنّهما أشبه بالماء من غيرهما من الطهارات، من السائلات المزيلات للنجاسة، بمعنى المشبهات للماء في الفعل والمعنى. فمن هنا قيل: إنّ النجاسة تطهّر بجميع ما يزيلها من الخل والنبيذ الطاهر، أو الأدهان أو للين أو ماء الأشجار. /48/ (1/48)
صفحة 49
ومعي، أنّه قد قيل في هذا كلّه وما أشبهه، بمثل ما قيل في الريق، ويخرج معانيه سواء في معاني الاختلاف، في حال عدم الماء. وفي حال غير عدمه، وما جرى معي في القول في الريق، على ما قد مضى من الاختلاف. فمعي، أنّه قد قيل في هذا مثله. وإن لم يكن في هذا عندي، في غير أحكام الفم، أشبه من الريق والدم والخل والنبيذ الطاهر. وكذلك ماء الأشجار، لم يكن بدونه في معاني مثله وأشباهه.
مسألة: قال أبو سعيد: كما يولج فم الإنسان من الطعام، وغلب حكم الريق عليه، فهو عندي مثل الريق على عقب الدم، وله أن يفرّق ريقه بعد زوال الدم، ولا أعلم في ذلك اختلاف، وأمّا طهارة الفم، فيختلف في ذلك عندي.
مسألة: وعن أبي الحواري: وعمّن يتوضّأ للصلاة، ثمّ يجد طعم الدم في فيه /49/ (1/49)
صفحة 50
ثمّ بزق فنظر، فإذا في البزاق شيء من الدم، شيء يسير، غير أنّ البزاق الأبيض معه الغالب على حمرة الدم. فإذا كان البزاق أكثر من الدم، لم يفسد ذلك الدم وضوءه، ووضوءه تام وصلاته تامّة، ولا يفسد ذلك البزاق، ما مسّ من ثوب أو غيره. وكذلك الصفرة لا تفسده. /50/ (1/50)
صفحة 51
فصل في غسل النجاسات بغير الماء مثل البزاق وماء الأشجار والنبيذ واللبن وما أشبه ذلك
وعن أبي سعيد: سئل عن الخل والنبيذ: هل يكون مثل الريق وماء الأشجار، في ثبوت التطهير أو التطهّر به، من النجاسة والضوء عند عدم الماء، على قول من يرى ذلك؟ قال: أمّا على إطلاق العمل، فلا يعجبني، وأمّا على التشبيه واتفاق المعنى، يشبه الأواني نسخة الألوان. فمعي: إنّه كذلك يلحقه معاني الاختلاف.
مسألة: قال بشير: كذلك من غسل دما من ثوب ببزاق، حتّى يسيل البزاق على الأرض، مثل ما لو غسله بالماء، أنّه يجزيه. وقال: وكذلك إن غسله بالدهن وباللبن وبالنبيذ، أنّه يجزي له، وشبّه الدهن أيضا لذلك.
قال غيره: نعم، قد قيل هذا. وقد قيل: ألا يطهّر إلا الماء.
ومن غيره: فأمّا النجاسات في الفم. /51/ (1/51)
صفحة 52
وغيره فقد قيل: لا يطهّرها إلا الماء.
قال غيره: فأمّا النجاسات من الفم.
وغيره فقد قيل: لا يطهّرها إلا الماء، ولا يطهّرها البزاق ولا غيره.
مسألة: وإذا كانت قطعة دم، في وسط البزاق، ممتزجة به، أنّها تفسده. قال أبو سعيد –رحمه الله-: إذا كان المخاط والبزاق أكثر من هذه العلقة، وهي في وسط البزاق والمخاط مشتمل عليهما، لا يغطّى إلى شيء من الطهارات. أنّ ذلك كلّه طاهر، إلا أن تكون هذه العلقة من الدم، أكثر ممّا هي من المخاط والبزاق، ثمّ هي وما مازجها مفسد. وكذلك لو ماعت فيه، حتّى تغلب لونه، فهو فاسد، كان قليلا أو كثيرا. وأمّا إذا كان جامدا من العلقة، فما أفضت إليه العلقة من الطهارات، فسبقه وما خالطها من الريق، فأحكامه طاهر.
مسألة: قلت له: ماء الورد والدهان وماء الأشجار. هل تقوم مقام الماء، إن أمكن الماء، إن لم يمكن في جميع الطهارات، من النجاسة وغيرها، ممّا لا تقوم إلا به؟ /52/ (1/52)
صفحة 53
قال: إنّه قد قيل في جميع ما ذكر: إنّه لا يطهّر النجاسات، عند وجود ولا عدم، وإنّما يطهّرها الماء الطهور، الذي سواه الله طهورا. وهذا ماء طهور، ليس بطهور.
قال غيره: لعلّه أرد هذا ماء طاهر، ليس بمطهّر، والله أعلم.
ارجع إلى الكتاب: وأحسب أنّ بعضا قال: يجزي عند الاضطرار والعدم للماء المطهّر، وأحسب أنّ بعضا قال: يجزئ ذلك على كلّ حال؛ لأنّ هذا مثله ومثل الشيء منه. ويعجبني القول الأوّل، وإن استعمل عند العدم، فهو أحبّ إلي. فإذا وجد الماء الطهور، استعمل عند الوجود، ولم يثبت أحكام ذلك، هكذا أحب.
قلت له: فإذا استعمل غير الماء الطهور، في حال العدم، ثمّ وجد الماء الطهور. هل عليه غسل ما كان من غسل النجاسة، بغير الماء الطهور؟ قال: هكذا يعجبني على ما قلت لك؛ لأنّ ذلك يستعمله في حال العدم. فتقوم مقام الطهور، في حال العدم عندي. /53/ (1/53)
صفحة 54
فإذا وجد الطهور، استعمل في حال وجوده.
مسألة: من الزيادة المضافة: قال المضيف: العلّة الجامعة بين الماء والريق، هي السيلان والميع وإزالة عين النجاسة. فكذلك شبّهوا الريق بالماء، وشبّهوا الخل والورد وغيره من المائعات بالماء، كذلك أيضا هكذا. ووجدت معناه عن أبي سعيد محمّد بن سعيد. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. /54/ (1/54)
صفحة 55
باب في البئر وطهارتها ونجاستها وفي نجاسة البئر إذا كانت بقرب كنيف ومعاني ذلك وما أشبه ذلك
مسألة: عن بئر وقعت فيها نجاسة، ولم يعلم بها، فتغيّر طعمها ولونها؟ إنّ الحكم في نجاستها، من حين وجد منها النجاسة، إلى أن يصح أنّ ذلك التغيّر من النجاسة، ولا يحتمل غير ذلك عندي، وعلى هذا ثبوت نجاستها، متى تغيّرت التغيّر الذي يغلب عليها، أنّها فاسدة من حين التغيّر، أو من حين ما أصيبت، وأنّ ذلك احتياط.
مسألة: عن قملة وقعت في بئر وهي حيّة. فعن أبي إبراهيم: إنّها لا تفسدها حتّى يعلم أنّها ماتت فيها.
مسألة: وعن أبي الحسن: في رجل علم من رجل، أنّ بئره نجسة، وذلك الرجل صاحب البئر من أهل القبلة. /55/ (1/55)
صفحة 56
وغاب عن البئر، ثمّ رجع إليه، فتاه بماء من ذلك البئر. فقال: إن كان صاحب البئر، قد علم بنجاستها، فله أن ينتفع بتلك البئر. وإن لم يكن علم بنجاستها، لم ينتفع بها، حتّى يعلم أنّها نزحت.
قال غيره: نجب إذا علم بالبئر، أنّها نجسة، لا ينتفع بها حتّى يعلمه من يأتيه، أنّها قد نزحت، إلا أن يكون الذي قد علم بنجاستها ثقة مأمونا، ويجيء هو بالماء إليه، فذلك جائز. ولو كان من تلك البئر، وما لم يأته به العالم بنجاسة البئر، من البئر، فلا يصلح له الانتفاع، حتّى يعلم طهارتها؛ لأنّها نجسة. ذلك حتّى يعلم أنّها طاهرة.
مسألة: وقيل: في البئر إذا وجد فيها ميتة أو نجاسة، ولم يعرف متى وقعت فيها؟ فقال من قال: إنّه يحكم بنجاستها، من بعد أن يعلم بنجاستها، إلا أن يتغيّر طعمها أو عرقها. فإذا تغيّرت، ثمّ وجدت فيها النجاسة، التي بها تلك الرائحة، وذلك التغيّر. أنّه يحكم بنجاستها، منذ تبيّن تغييرها. وقال من قال: إنّ عليهم أن يبدّلوا آخر صلاة صلّوا منها، منذ وجدوا فيها النجاسة، /56/ (1/56)
صفحة 57
ذلك؛ لأنّهم لم يعلموا متى وقعت فيها النجاسة. وقال من قال: عليهم بدل خمس صلوات، منذ وجدوا فيها النجاسة، وهذا إذا تغيّر طعمها ولونها. وأمّا تغيّر عرقها ولم يتغيّر طعمها ولونها، وإنّما تغيّر عرقها، ففي ذلك اختلاف: فقال من قال: إنّ ذلك يدلّ على نجاستها. وقال من قال: ليس العرق ممّا يغلب على الطهارة. وإنّما يغلب عليها تغيّر اللون والطعم.
مسألة: وعن أبي الحواري: وعن رجل كان بدنه نجسا، فنسي حتّى توضّأ من بئر ونجسها. ولعلّه لم يكن له أن يبرحها، فقال لقوم من جيران البئر أو غيرهم: إنّي قد نجست هذا البئر، فأحب أنّ تنزحوها فوعدوه ذلك، ثمّ لم ينزحوها. هل يسلّم عن ذلك، أو حتّى نعلم أنّ البئر قد طهرت، فنقول: إذا أنعموا له بذلك، فنزحوا أن يسلّم إن شاء الله. وقال من قال من الفقهاء: إذا قال صبي أو أمة: إنّ هذه البئر قد فسدت صدقا على ذلك. /57/ (1/57)
صفحة 58
ذلك إذا كانا يحافظا على الصلاة، فإذا صدقا على فسادها، صدقا على صلاحها. وكذلك إن أمر ثقة، أن يأمر من ينزحها؟ فقيل له: الثقة بذلك، فهو سالم إن شاء الله. وكذلك إذا قيل له غير الثقة فنزحها، جاز له ذلك، إن شاء الله، حتّى يعلم أنّها لم تنزح، إذا كانوا يدينون بذلك.
مسألة: وعن بئر وقعت فيها نجاسة، ويستقى منها بدلو، ثمّ أراد صاحب البئر أن ينزح البئر بذلك الدلو، ولم يغسل، وقد كان مس ماء البئر، قبل أن ينزح. فعلى ما وصفت، فإن كان نزح من البئر أربعين دلوا، فقد طهرت البئر، ولا بأس بمس الدلو ماء البئر، قبل أن تنزح. وإن غسل الدلو والرشا، فلا بأس بذلك، وحسن إن شاء الله. وإن لم يغسل، فلا بأس بذلك، إن شاء الله. وما أصاب حجارة البئر، الذي يقدر على غسلها غسلت. وإن كانت الحجارة لا يقدر على غسلها، إلا أن يعود الماء في البئر، لم يكن غسلها. /58/ (1/58)
صفحة 59
مسألة: وعن فأرة وقعت في بئر، وماتت فيها، وحلالها منذ وقعت فيها سنة أو أكثر أو أقل، والبئر ماؤها كثير. ولم يقدر أحد أن يغوص إليها، يخرج ما أدرك فيها. قلت: فهل يجوز أن ينزح من هذه البئر أربعون دلوا؟ قال: فمعي، أنّه قيل: إذا كان ماؤها كثير لا ينزح. وإذا كان قدر قامتين، أو فيها قدر أربعين، فله أن لا يفسدها من النجاسة، إلا ما غلب على طعمها ولونها أو ريحها في بعض القول. وفي بعض القول: معي، أنّه لا يفسدها ما غلب على ريحها. وإذا فسدت بأحد هذه الوجوه، وهي ممّا لا يفسد، إلا أنّها تفسد، فإنّما تحت النزح فيها، إلى أن يتحوّل عليها حكم ما غلب عليها. ولو كان ذلك بأقل من أربعين دلوا أو أكثر، ولا يضرّها عين النجاسة فيها، ولو كانت باقية، إذا كانت كثيرة الماء، وإذا كان لم يتغيّر أحكامها، بأحد ما وصفته لك، فإذا زال ذلك، فلا يضرّها كينونة النجاسة بها، وإذا كانت تفسد من قلّة مائها، ولو لم يغلب عليها حكم النجاسة، فهذه هي التي قيل: ينزح منها أربعون دلوا. ذلك عند من قال بذلك، لفساد الماء منها، بغير التغيير. /59/ (1/59)
صفحة 60
وما حد هذا الدلو؟ فمعي، أنّه قيل: دلو كبير، إلا أن يخرج عن حال تسميته دلوا، عن حال التعارف في الصغر، فإنّها تكون به لو وسط. وكذلك إن خرج عندي عن المتعارف في الكبر، رجعت عندي إلى الوسط من الدلاء، من دلاء مثلها.
قلت: كيف هذا النزح، وما رجع من الدلو في البئر؟ فمعي، أنّه قيل: لا يضرّها ما رجع من الدلو، في حال النزح في البئر؛ لأنّ ذلك ما لا يمتنع منه. فإذا تمّ النزح بأربعين دلوا، فقد تمّ معنا طهارة البئر. فما معنى ما قيل؟ قلت لأبي سعيد: إذا تحرّك الدلو، في حين النزح، فخرج منه شيء. هل يكون ذلك مجزئا؟ قال: معي، أنّه إذا لم يخرج ذلك، من حركة النزح بشيء، أو لشيء غير معنى حركة النزح، لشيء عرض له، أنّ ذلك لا يضرّه شيء. وقال أبو سعيد –رحمه الله-: إنّ البئر إذا كانت قامتين، أو قدرها أو أكثر، فقد قيل: إنّ هذا حكمها. ولو كانت تنزح كما وصفت لك، في التي لا تنزح. وإذا زال حكم الغالب عليها من النجاسة، فلا بأس بها. /60/ (1/60)
صفحة 61
ولو كانت حالة فيها النجاسة، بعد ممازجة لها أو غير ممازجة، من الذوات أو من غير الذوات. قال أبو سعيد –رحمه الله-: إنّ البئر، إذا كانت لا تنزح، فلا ينجس إلا أن يغلب عليها حكم النجاسة. فإذا غلب عليها حكم النجاسة، بلون أو عرق أو طعم؟ فإذا غلب عليها حكم النجاسة، نزح منها من الماء، بغير ما غلب عليها من حكم النجاسة، ليس لذلك، حتّى في قلّة ولا كثرة، ولا زوال ذلك الغالب، ولو بدلو واحد أو ألف دلو.
مسألة: وعن الدلو الذي ينزح به البئر النجسة، ويكون هو نجس من غير نجاسة البئر؟ فقال من قال: إنّه يجزي ذلك، ويطهّر الدلو، إذا طهّرت البئر وذهبت النجاسة في ذلك. وقال من قال: لأنّ ذلك لا يجزئ، وأنّها نجاسة حتّى يطهّر الدلو، ثمّ ينزح بعد ذلك. وسئل عن القملة الحيّة، إذا وقعت في الطولى. تنجسها أم لا؟ قال: معي، أنّها لا تنجس حتّى يعلم، أنّها ماتت فيها. /61/ (1/61)
صفحة 62
مسألة: منسوخة من كتاب جوابات الشّيخ أبي سعيد –رحمه الله-: عن البئر إذا وقعت فيها ميتة، أو عذرة، فهجرها أصحابها وتركوها، فإذا أصاب الغيث وطاب ماؤها، وكثر وصار أكاثر من قامة، فلم يقدروا أن ينزحوا مائها. قال: فلا بأس، إن لم تنزح، وقد طهرت وإن رجعت. قلت: فلا نجاسة فيها، حتّى يكون ماؤها به شيء من النجاسة بعينها، وتتحوّل النجاسة عنها، بوجه من الوجوه، جاز ذلك. ويجفّف طينها ويستقوا منها، بعد أن ينزحوها أربعين دلوا. وإن قلّت بعد ذلك، صارت تجد ما لا يتنجّس.
مسألة: وإذا كانت البئر ممّا يتنجّس، وماتت فيها القملة؟ فمعي، أنّه في بعض القول: إنّها تنزح، وليس عليهم أكثر من ذلك. وقيل: يجفّ ظاهر طينها، ثمّ تنزح ويجزئها ذلك. وأحسب أنّ في بعض القول: إنّها لا تطهّر بمثل هذا، إذا كان فيها شيء من النجاسة من الذوات، ثمّ لم يوجد فيخرج حتّى تدفن كلّها، ويغلب الطين على مائها كلّه فيستهلكه، ثمّ يحفر حتّى يقع الحكم، أنّها قد خرجت لا محال في الطين، ثمّ تنزح. /62/ (1/62)
صفحة 63
مسألة: وعن رجل ماتت له حمارة، ثمّ طرحها في البئر، فخلا لها في البئر ما شاء الله، ثمّ أرادوا أن ينزحوا البئر، فحفروا من طين البئر ما حفروا، وأخرجوا من عظام الحمارة ما أخرجوا، ثمّ أنّهم طلع عليهم الماء. قيل: إن استفرغوا العظام من البئر والطين؟ فقال: إذا طلع الماء من البئر، قدر قامتين، فقد طهرت، ولا فساد على من مسّها وتوضّأ منها، ولا إعادة عليهم في صلاتهم. فإن أعاد خرج منها عظم، فإنّها تفسد وقت ما خرج العظم، ولا فساد على ما كان قبل ذلك، حتّى يعلموا أنّ هذا العظم من عظم من تلك الحمارة الميّتة، علما يقينا، ما لو حلف حالف بالطلاق والعتاق، أنّ هذا العظم من عظام تلك الحمارة الميتة، لم يحنث. فإذا كان على هذا اليقين، فسد ما مسّ من مائها، وعليهم بدل صلاتهم. وإن لم يصح ذلك، فحتّى يكون كما وصفت لك. واعلم أنّه قد جاء في الماء تشديد وترخيص، والله أعلم.
مسألة: عن أبي معاوية: قلت له: فإن كانت بئر تزجر ويستقى منها للشراب بدلو غير دلو الزجر، فبما تنزح؟ /63/ (1/63)
صفحة 64
قال: فبدلو الزجر، إلا أن تكون لا تزجر. وإنّما هي للشراب والوضوء، فتنزح بدلوها أربعين دلوا.
قلت: فما تقول في بئر، تزجر عشرون دلوا بالغداة، وعشرون دلوا بالعشي. قال: لا يزجيهم إلا أن يزخروا منها أربعين دلوا، في مقام واحد، إلا أن يكون ماؤها قليلا، فينزح منها عشرون دلوا، ثمّ يفرغ ماؤها فيدعوها حتّى تجم. فكذلك لا بأس أن ينزحوا منها كذلك. قلت: فهل يغسل الدلو، إذا نزح منها أربعون دلوا؟ قال: لا ولكن يغسل الحبل، إذا كان مسّه من مائها شيء، قبل أن تنزح منها أربعين دلوا، وأمّا الدلو، فهو نظيف إن شاء الله.
وفي منهج الطالبين: وقول: المستجرة هي التي إذا قام عليها الرجل الشديد، استقى منها بدلها فتغلبه. وقول: ولو نقصت عن حالها، إذا وفقت على حال لا تنزح، والماء في الدلو، تمّ الأربعين فيه قولان: أحدهما: إنّه نجس. والآخر: إنّه طاهر.
مسألة: وسألته عن الشاة، إذا وقعت في البئر. هل تنزح؟ /64/ (1/64)
صفحة 65
قال: اختلف في ذلك. فقال أبو زياد: ينزح منها؛ لأنّ فيها مجاري البول. وقال محمّد بن محبوب: لا تنزح؛ لأنّ الشاة طاهرة. إذا بالت الشاة، فيبس موضع البول، فهو طاهر، إلا أن يعلم أنّ بها بولا رطبا، وقت ما وقعت فيها فتفسد. وقد قيل عن بعض الفقهاء عن أبي عبيدة –رحمه الله- قال: إذا كان الماء أكثر من البول، لم يفسده البول، والله أعلم.
من غيره: يوجد عن أبي معاوية، برفع ذلك عن بعض المسلمين: إنّه إذا كان الماء أكثر من البول، فلا يفسد الماء.
مسألة: من الأثر: واختلفوا في نزح البئر. فقال قوم: التي لا تنزح، هي التي لا ينقص ماؤها، من على النزح من نزع الماء. ولو اختلفت عليها الدلاء أو دامت. وقال قوم: لو نقصت ولم يفرغ ماؤها، فهي مستنجرة. ذلك ليس بنزح، وإنّما النزح الفراغ والنقصان المضرّة. /65/ (1/65)
صفحة 66
وقال قوم: ولو كان ينقص حتّى يخرج الدلو نصفه أو ثلثه، فذلك ليس ينزح، وتلك مستنجرة، ما لم يفرغ إذا مسكت على ذلك، أمّا إذا خرج من الدلو، أقلّ من نصفه، ليس بمستنجرة. وقال قوم: إذا نزع منها أربعون منها، ولم يفرغ ماؤها فراغا، لا ينتفع به إلا بالمضرّة، فهي بحر.
مسألة: وعن الطوى النجسة، إذا نزحت بدلو نجس، تطهّر أم لا؟ وإن استقى منها بلا نيّة، ما يزيد على الأربعين، تطهّر أم لا؟ قال: لا تطهّر في كلا الوجهين، والله أعلم.
مسألة: ومن الضياء: وقيل: إنّ موسى بن علي، توضّأ يوما من بئر، وكان كثير الشكوك، فلمّا انصرف وقارب ليدخل المسجد، فاتبعه رجل وقال له: إنّ البئر وجدت فيها ميتة. فقال: لعلّها سقطت بعدنا. فقال: إنّها منفسخة. قال: لعلّ طيرا اختطفها وألقاها في البئر. /66/ (1/66)
صفحة 67
مسألة: ومنه: ومن تاب في بيت، وكان جاهلا بالموضع، فأخذه البول، ودخل خلاء لقوم، وفيه بئر، فبال في البئر، ثمّ أنكر الموقع، فأمسك وتحوّل إلى غيره، ثمّ قعد ولم يعلمهم حياء. فلا شيء عليه، حتّى يعلم أنّ
البول وصل إلى البئر، وأنّه ينجسها، ما وقع فيها من البول هنالك عليه إعلامهم ونزحها، وهي على الطهارة، حتّى يصح معه فسادها، والله أعلم.
مسألة: من حاشية الكتاب: ومن غيره: وممّا يوجد بخط الفقيه عثمان بن أبي عبد الله الأصم –رحمه الله-: وعن رجل بال في بئر قوم، ولم يعلمهم حتّى نضحوا منها، أي لعلّهم توضّؤوا منها من تلك البئر، وغسلوا ثيابهم وصلوا منها صلوات كثيرة، ثمّ أعلمهم بعد أيّام. فعلى ما وصفت، فليس عليهم أن يصدّقوا هذا الرجل، وهو متعمّد، فلا يقبلوا قوله. لا بأس عليهم وثيابهم وصلاتهم، كان هذا الرجل ثقة أو غير ثقة. فإن كان ثقة، فقد بطلت ثقته، بسوء فعله، وعليه التوبة من فعل ذلك، إذا أراد التوبة، وعليه أن يستغفر الله، ويندم على ما فعل. /67/ (1/67)
صفحة 68
وليس عليه أكثر من ذلك. ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
ومن الكتاب: قال بعض المسلمين: من يذهب إلى تنجيس البئر، إذا حلّ بها النجاسة القليلة، وهي تمدر آخرها، أنّها تنزح خمسين دلوا بدلها، بعد أن يكون الدلو طاهرة، أو يطهّر الدلو بعد فراغ النزح بها. وإن كانت النجاسة مستجدّة، لها عين قائمة في البئر، لم يطهّرها النزح، الذي ذكرنا، إلا بعد إخراجها من البئر؟ قال: وإن وقعت الدلو في بئر أخرى، قبل أن يغسل نزحت البئر الثانية أيضا خمسين دلوا، بعد أن يطهّر الدلو. وكذلك كلّ بئر هذا سبيلها. وقال: إذا بقي فيها دلو واحد من الخمسين، لم ينزح في ذلك المقام، لنسخة اليوم، وأخّرت إلى اليوم التالي، استقبل نزحها من أوّله. وقد كان يجب على أصله، أن لا يوجب إخراج غير ذلك الدلو الباقية، التي تتمّ بها نزح البئر، ويطهّر به؛ لأنّ بقاؤها في البئر قبل إخراجها، لم يجب إخراج غيرها. كذلك إذا عادت إليها، يحدث حكما لم يكن في حال كونه في الماء، والله أعلم.
مسألة: عن أبي الحواري: وعن بئر وقعت فيها ميتة أو عذرة، فتركها /68/ (1/68)
صفحة 69
أصحابها كما هي، ولم يخرجوا منها الميتة، ولا العذرة، وهجروها ما شاء الله، إلى أن أصاب الغيث، ويكثر ماؤها. هل يجوز أن يستسقى منها للوضوء والصلاة؟ قلت: ما تقول إن قلّ ماؤها. هل يجوز أن يتوضّأ منها، ويشرب منها؟ فعلى ما وصفت، فإذا استخرت، جاز لهم أن يستقوا منها. وإن قلت بعد ذلك، فقد طهرت ويستقى منها، إلا أن يتغيّر ماؤها بطعم أو ريح، وإلا أن تكون الميتة قائمة بحالها ولا عذرة.
قال غيره: لعلّه أراد والعذرة، والله أعلم. وإذا قلّت، فسدت. وإذا كثرت البئر طهّرت، فإن كانت العذرة والميتة قد هلكا، لم يضرّها القلّة بعد الكثرة.
مسألة: قال أبو عبد الله في أهل بيت، أخبرهم رجل أنّ في بئرهم وجد ميّتا، فطلبوه فلم يجدوه. فقال: إن كانوا لا يتّهموه بكذب، فلينزحوها. وإن كانوا يتّهموه بكذب، فلا بأس عليهم ما لم يشمّوا لها ريحا. فإنّ ذلك لهما ما فسد، حتّى يخرجوا اللغ، إلا أن تكون البئر بحرا. /69/ (1/69)
صفحة 70
فصل في نجاسة البئر إذا كانت بقرب كنيف أو غيره من الزنادة المضافة من الأثرة
وسألته عن الطوى، إذا كان تحتها كنيف أو بالوعة. ما الحد الذي تنجس منه الطوى، إذا كانت ممّا يتنجّس؟ قال: إذا كان الكنيف أو البالوعة، فوق ستّة أذرع أو سبعة أذرع، فليس عليهم في ذلك فساد في الطوى، ولو تغيّر طعمها وريحها، إلا إذا عملوا أنّ ذلك التغيير من الكنيف، أو من النجاسة. وأمّا إذا كانت دون ذلك، وتغيّر عرقها أو طعمها، فليس فيها بأس. ذلك لو كانت قريبة من الكنيف. قلت: وكذلك قرب الطوى موضع مسمود بعذره، فإذا سقى تغيّر طعم الطوى. أهو في مثل الكنيف؟ قال: إذا كان الماء نقي منه العذرة، فما ينجس فهو بمنزلة الكنيف من البعد والقرب، على معنى قوله.
مسألة: وقال في موضع آخر: إنّ البالوعة، إذا كان جنبها بئر وجد في مجاورتها، أنّ ذلك يطلب معرفته بالقير والقطران. /70/ (1/70)
صفحة 71
فإن أدّى ذلك بطعم أو رائحة، في ماء البئر انتقل عنها. وإن لم يؤدّ، لم يزل حكم الطاهر عن مائها. وليس لتحديد القرب والبعد معنى؛ لأنّ الشبه لم يزل بذلك، ولا اجتمعت الأمّة عليه. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. /71/ (1/71)
صفحة 72
باب فيما يخرج من والج الفرج من ماء أو قيح وفي البول والغائط ودخول الخلاء وفي نجاسة البول والمني والمذي والوذي وفي نجاسة الثياب ومعاني ذلك
قلت: فما تقول في المرأة، إذا غسلت موضع الجماع، وأدخلت يدها فأنقته، ثمّ أنّها احتاجت أن تدخل يدها فيه، لدواء تحتمله، أو لغير ذلك، فأدخلت يدها في موضع الجماع. أتكون يدها طاهرة أم نجسة؟ قال: تكون طاهرة؛ لأنّها إذا نقّته، فهو طاهر، حتّى تعلم أنّه نجس.
قلت: فإذا جامعها زوجها، فأدخلت يدها، وغسلت موضع الجماع، ثمّ قامت تصلّي، وبعد ذلك خرج عليها ماء من الفرج من والج. قال: قالوا: ما جاء من ذلك الموضع، فهو نجس، إلا أن تعلم هي، أنّ ذلك بتخفيف من الماء، في موضع الطهارة، فهو طاهر.
مسألة: عن أبي بكر أحمد بن محمّد: فيمن تخرج منه الفقارة، ثمّ لا ترجع إلى موضعها، ويتوضّأ للصلاة، ثمّ يجد منها رطوبة، وهو يصلّي وتمسّ الرطوبة ثيابه. /72/ (1/72)
صفحة 73
ما حال صلاته وثيابه؟ فعلى هذه الصفة، فهذه الرطوبة من الماء الطاهر، وكان حكمه طاهرا، إن شاء الله.
مسألة: ومن غيره، أحسب عن إبراهيم، وقيل: في امرأة إذا تطهّرت، ثمّ خرج من فرجها، من موضع ما تناله الطهارة، ماء ممّا يحتمل أن يكون ممّا يبقى من الماء الطاهر. فهو كذلك، وذلك لم يكن متغيّرا، وكان ما ليس فيه تغيير، بمنزلة ما يخرج من الفرج. وأمّا غير ذلك، فما أتى من الفرج من غير الماء الطاهر، فهو نجس.
مسألة: وعن امرأة استنجت بالماء، فأمسكت على فرجها بخرقة صغيرة، وبعض الخرقة داخل في الفرج. فإذا صلت نظرت، فإذا بعض رأس تلك الخرقة، التي كانت مدخلة في الفرج رطبة. هل عليها إعادة الوضوء والصلاة، أم لا؟ قال: نعم، والله أعلم. قال أبو سعيد: إن كان ذلك في موضع الطهارة، حيث تبلغ الطهارة من فرجها، وكانت الرطوبة، لا يحتمل أن تكون من الطهارة باقية بالخرقة، فعليها إعادة الوضوء. وأمّا الصلاة، فإن احتمل أن يكون ذلك، وجدت بعد ما صلت وقضت صلاتها. /73/ (1/73)
صفحة 74
فيخرج عندي، أنّه لا بدل عليها، حتّى تعلم أنّه كان في الصلاة، وخرج أنّ عليها البدل، حتّى تعلم أنّه حدث من بعد الصلاة. ويعجبني أن لا بدل، إذا احتمل من بعد الصلاة، وإذا ارتابت، فلم تعلم ما تلك الرطوبة من طهارة، أو نجاسة حادثة، فاحتمل هذا وهذا. فقد قيل بنجاسته، حتّى تعلم طهارته. وقيل: بطهارته حتّى تعلم بنجاسته، فيما يقع لي. وعندي، ويعجبني أن تحمل نفسها على الأغلب، ممّا يقع لها، ولا تحمل نفسها على ريب في هذا.
مسألة: منسوبة من كتاب الشّيخ أبي سعيد –رحمه الله-: وسألته عن الثوب، إن كانت فيه جنابة أو نجاسة، فسلّمه إلى الغسّال، غير الذي له الثوب، وقد علم المسلم بنجاسته، وقال الغسّال: لعلّه للغسّال، أنّه نجس. هل لصاحب الثوب أن يصلّي فيه؟ قال: معي، أنّه إذا كان الذي سلّم إلى الغسّال ثقة، مأموما مصدّقا، جاز لصاحب الثوب أن يصلّي فيه.
قلت: فإن كان صاحب الثوب، لم يعلمه الذي سلّم الثوب إلى الغسّال، أنّه نجس إلى أن غسل الثوب، وقال صاحبه: إنّ هذا الثوب نجس. /74/ (1/74)
صفحة 75
فقال الذي سلّم الثوب إلى الغسّال: إنّه قد عرف الغسّال، أنّه نجس، وأمره أن يغسله غسل الطهارة. هل لصاحبه أن يصدّقه ويصلّي فيه؟ قال: معي، أنّه إذا كان الذي سلّم الثوب إلى الغسّال، ثقة مأمونا مصدّقا، جاز لصاحب الثوب أن يصلّي فيه، كنحو ما مضى من القول، في المسألة الأولى.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الرهائن: وسألته عمّن يخرج من قضيبه قيح ينجسه أم لا؟ قال: إن خرج من مخرج البول نجسه. وإن كان غير ذلك، لم ينجسه. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. /75/ (1/75)
صفحة 76
فصل في نجاسة الثياب
ومن جواب أبي الحسن: وعن رجل قاعد، فلمّا قام وجد ثقب القضيب، انطلق من الثوب مذي، كأنّه عالق، فلمّا نظر ذلك، لم ير بللا ولا شيئا من الثقب ولا في الثوب. فإن كان يصح معه، أنّه كان التزاقه من رطوبة منه، بغسل ذلك الموضع من الثوب، وذلك أحبّ إلينا. وإن كان لم يصح له ذلك، فحتّى يعلم ذلك، أنّه قد مسّ الثوب منه رطوبة فاسدة، والله أعلم بصواب ذلك. وقلت: وما ترى في ثوبي، إذا كنت قد شككت فيه، ثمّ نسيت حتّى صلّيت به صلاة أو أكثر. قلت: أيلزم النقض أم لا؟ فعلى ما وصفت، فليس الشك من أمر الدين في شيء، ما كنت عالما بطهارته. فهو على طهارته، حتّى يصح معك نجاسة، فهذا في الحكم، ليس يوجب عليك نقض، حتّى يتبيّن لك فساد ذلك الثوب، الذي صلّيت به. وأمّا ما يستبرئ القلب من شكّه، فليس ذلك محكوم به، إلا من تبرّع، فكلّ يفضّله، والله أعلم.
مسألة: أحسب عن أبي الحسن: وأمّا ما ذكرت فيمن يتوضّأ في ثوب نجس /76/ (1/76)
صفحة 77
أو غسل ثمّ لبس ثوبا نجسا، فهذه مسألة، فنحن لا نعمل بها، ولا بخطأ من عمل بها. وقد وجدنا فيها: إنّها مسألة متروكة، ووجدنا أنّه جائز. ووجدنا أحسب أنّه من يجيز ذلك، أنّ الشّيخ أبا الحواري قال في معنى قوله: إنّه لا يعمل بها، ولا بخطأ من يعمل بذلك. ويوجد في الأثر جائز، والله أعلم.
قال غيره: يأخذ بقول أبي الحسن وأبي الحواري –رحمهما الله- وهو أحوط.
ومن كتاب شرح جامع جعفر: وبلغنا أنّ بشيرا –رحمه الله-، لم يكن يرى بأسا، أن يلبس الرجل الشرب، وفيه جنابة يابسة، وجسده رطب، ولعلّه كان يذهب، إلى أنّ الرطب لا يأخذ من اليابس، وأنّ اليابس يأخذ من الرطب، وكره غيره ذلك. ورأى من كره أحبّ إليّ.
ومن غيره: قال محمّد بن محبوب: هذه مسألة متروكة. قال أبو محمّد بن بركة: تفسير والدي ذكره عن بشير. إنّنا لا نراه عدلا، لخروجه عمّا يعرف، من عادة النجس والطاهر، إذا التقيا وأحدهما رطب. /77/ (1/77)
صفحة 78
وأمّا قوله: إنّ اليابس، لا يأخذ من الرطب، فهذه تجوز في مدّة يسيرة. وأمّا إذا تطاول الوقت، بتجاورهما والتصاق أحدهما بالآخر، فإنّ كلّ واحد منهما يأخذ من صاحبه. ألا ترى أنّهم أجمعوا أنّ الفأرة، إذا وقعت في السمن المائع، وهي ميّتة، ولو كانت يابسة، أنّ السمن يراق بأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم. وكذلك لو غمس في دهن أو سمن، قطعة عذرة يابسة، فغمست فيه غمسة واحدة، ثمّ أخرجت أيّما القيت فيه محكوم له، بحكم النجاسة، والله أعلم.
مسألة: وسألته عن الثوب، إذا أصابه فيه الجنابة، فوقعت فيه. أينجس ما تحته؟ قال: يروى عن أبي المؤثر –رحمه الله- أنّه قال: إذا كان طاقا واحدا، تنجس الثاني، وأمّا الثالث، فهو طاهر حتّى يعلم أنّه مسّته النجاسة. قال: وأمّا الشّيخ أبو الحسن، فرفع عن أبي الحواري –رحمهما الله- أنّه قال: إذا وقعت في الثوب النجاسة، تسمّى الجنابة. فالثاني طاهر، حتّى يعلم أنّه مسّته النجاسة فيغسله. /78/ (1/78)
صفحة 79
مسألة: قال سليمان بن عثمان: يغسل الثوب، إذا طار به من الاستنجاء من الغائط. وفي موضع ماء الاستنجاء مختلف فيه: فما طار به. فقول: لا ينجسه، إلا أن تطير النجاسة بعينها، وما أرى منه. وقول: وماء يغسل منه الأوّل والثاني والثالث، فلا إذا كان قد عركه. قال أبو الحسن: ما طار من الاستنجاء من الثلاث، فهو نجس، ولا بأس بالباقي بعد ذلك.
مسألة: وعن أبي الحسن محمّد الحسن: وسألته عن رجل تكون يده نجسة، من استبراء أو غيره، فيأتي إلى الماء ليتوضّأ، ومعه يعرف من نفسه، أنّه لا يمسّ ثيابه، إلا من بعد أن يغسل يده وينقّيها، ثمّ سدغ ثيابه بيده، وهي رطبة وفيها رسم الغسل. فقال: إن كان يعرف نفسه بذلك، وجاء إلى الماء ليتطهّر، ثمّ سدغ يده شيئا من الطهارات، فذلك طاهر حتّى يعلم أنّه لم يغسل يده. وقال: وكان أبو الحواري –رحمه الله- يقول: كان أبو المؤثر –رحمه /79/ (1/79)
صفحة 80
الله- إذا غسل شيئا من الدم من جسده، فإذا غسلوا قال لهم: لا ترجعوا تنظروا ودعوه. وكان مذهبه أنّه، إذا غسل موضع النجاسة من ذلك، الذي يخاف أن يكون يرجع يخرج منه النجاسة، أنّه ليس عليه أن يرجع ينظر إليه، وقد طهّره.
مسألة: وسألت أبا الحواري –رحمه الله-: عن الثوب إذا وقع على موضع من الأرض، وهو ثرى من البول. هل يفسد الثوب؟ قال: لا يفسد الثوب، حتّى يعلم أنّه أخذ من الثرى، فعند ذلك يفسده. /80/ (1/80)
صفحة 81
فصل في البول والغائط ودخول الخلاء وما أشبه ذلك
قال أبو بكر: ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا أراد حاجة، أبعد في المذهب، وأثبت أنّه إذا أراد البول، فبال ولم يتباعد، وليستتر من أراد الحاجة عن الناس. وروينا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال لرجل: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». وليقل الإنسان عند دخول الخلاء: إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث، كذلك السنّة. وثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولكن شرقوا أو غربوا». وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب: فقال طائفة بظاهر هذا الحديث، منهم سفيان الثوري. وقال أحمد: يعجبني أن يتوضّأ في الصحراء وفي البيوت. كذلك قال عروة بن الزبير: أين أنت منها؟ وحكى ذلك عن ربيعة. وقال قائل: والأخبار في هذا الباب جاءت مختلفة. /81/ (1/81)
صفحة 82
ويجب اتفاقها وترك الإباحة كما كانت. ورخّصت فرقة في استقبال القبلة للغائط، والبول في المنازل، ومنعت ذلك في الصحراء، هذا مذهب الشعبي. وبه قال الشافعي وإسحاق، واحتجّ بحجّته في النهي عن ذلك، بخبر أبي أيّوب. وفي الرخصة، يخبر ابن عمرو وبه لقول أبو سعيد. ومعي، أنّ هذا كلّه يخرج على معنى الأدب، في المبالغة في حفظ العورة، وسترها في جميع الأحوال. ومعي: إنّه ممّا يدلّ على ذلك، كراهية إظهار العورة عند جميع ذوات الأرواح، من معاني الأدب. وأمّا استقبال القبلة، فيخرج عندي أنّ ذلك تعظيم للقبلة؛ لأنّها أشرف المجالس، ما نستقبل فيه القبلة، إلا لمعنى يرجى فيه ما هو أفضل، من استقبالها في كلّ حال؛ لأنّها وجهة. وأحسب أنّ الذي يذهب إلى هذا، من كراهية استقبال القبلة، عند الغائط، إنّما ذلك في الصحاري وظواهر الأرض. وأمّا إذا كان في البر، فذلك أهون على حسب ما قيل.
ومن الكتاب: قال أبو بكر: واختلفوا في البول قائما، وفعل ذلك ابن شبر وابن عروة بن الزبير. وقد روينا عن ابن مسعود، أنّه قال: من الجفاء أن تتبوّل وأنت واقف قائم. /82/ (1/82)
صفحة 83
وكان سعيد بن إبراهيم، لا يجيز شهادة من بال قائما. قال أبو بكر: أحبّ إليّ والبول قائما مباح. وقال أبو سعيد: كلّ ما قيل من هذا، فهو خارج على معنى المبالغة في الأدب، وثبوت ما يحسن من الاختلاف. وكلّ ما بالغ الإنسان، مذهب بنفسه، إلى أحسن الأخلاق لله، كان يرجى أن يتمّ الله عليه نعمه، وأن يصرف الله عنه نقمه. وأمّا قول من قال: لا تقبل شهادته، فلا يخرج عندي إلا على مخصوص من الأمور. وقد يجوز ذلك على معنى الاعتبار، في أحد بعينه. قال: فيه وفيما يتولّد عليه من ذلك الأمور، التي تغيب عن غيره، وشاهدها من قال به.
ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: روينا عن ابن عبّاس، أنّه قال: أكره أن يذكر الله في حالين: الرجل على خلائه. والرجل يواقع أهله. وممّن كره ذلك، معبد الجهني وعطاء بن أبي رباح. وقال عكرمة: لا يذكر الله وهو على الخلاء بلسانه، ولكن بقلبه. /83/ (1/83)
صفحة 84
وقال إبراهيم النخعي: لا بأس أن يذكر الله في الخلاء. وسئل ابن سيرين عن الرجل، عطس في الخلاء. قال: لا أعلم بأسا، أن يذكر الله على كلّ حال. وقال أبو بكر: يقف عن ذكر الله، في هذه المواطن، أحبّ إلي، ولا إثم في ذكر الله فيها. قال أبو سعيد: ذكر الله معنا جائز. وفضل في كلّ موطن، وعلى أيّه حال من الأحوال. وإنّما يكره ذكر الله معنا، في هذه الأحوال بالقرآن، ولا يقرأ القرآن في هذه المواطن، إلا أن يكون متطهّرا، وهذه المواضع، ليست بمواضع طهارة، وإنّما كره في هذه الأحوال، الكلام بغير ذكر، ومعنى ذلك فيما قيل: إنّ الحفظة عليهم السلام، إذا كشف المرء عورته في أحد هذه المواضع، غضّوا عنه أبصارهم. وإذا تكلّم أقبلوا عليه ليحفظوا عليه، فإذا كان منكشفا، كان ذلك ممّا يؤذيهم؛ لأنّهم كرام الأخلاق. فأمّا جميع ذكر الله، فلا يكره في أيّ موضع كان. /84/ (1/84)
صفحة 85
وأمّا الذي يدخل الخلاء، ورجله يابسة، ويرجع ورجله رطبة، فإذا احتمل لوجه من الوجوه، أنّ تلك الرطوبة التي لحقت رجله، طاهرة فرجله على طهارتها. وإن لم يحتمل، إلا أنّها نجسة، فعليه طهارة رجله، لما تحب من ذلك.
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: والذي يختاره المسلم، إذا أراد التطهّر والبراز في الأرض. فيجب أن يقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم في فعله، والاتباع لأمره، والانتهاء عمّا نهى عنه في آدابه، ويجب ألا تستقبل القبلة لغائط أو بول. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنّه كان من أدبه، ألا يكشف أزاره، إذا أراد حاجة الإنسان، حتّى يقرب من الأرض. وقد روي عنه عن طريق عبد الله بن عمر، أنّه مرّ به صلى الله عليه وسلم وهو يريد البول، أو في حال من يبول، فسلّم عليه فلم يرد عليه السلام. فينبغي لمن يرغب في الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في آدابه، ألا يسلّم على أحد، وهو مشتغل ببول ولا غائط، ولا يردّ البائل أيضا السلام. /85/ (1/85)
صفحة 86
وقال بعض أصحابنا: إنّ عليه أن يردّ السلام، إذا فارق الحال، التي كان عليها. وكذلك قالوا في المصلّى، إذا سلّم عليه رجل عليه، أن يردّ السلام، إذا فرغ من صلاته. وفي الرواية، ما يدلّ على سقوط ردّ السلام، في تلك الحال وبعدها؛ لأنّ ليس في الرواية، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ردّ السلام على المسلم بعد ذلك. إن ردّ السلام، فرض والفرض لا يجب إلا أن يوجبه ما يوجب التسليم له، ولسنا نوجب ذلك، إلا أن يوجبه اتفاق أو سنّة. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنّه نهى عن البول والغائط في الأحجرة. وفسّر ذلك بعض أهل العلم فقالوا: إنّما نهى عليه السلام؛ لأنّها مساكن إخوانكم من الجن. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «إذا بال أحدكم فلا يمسّ ذكره بيمينه». فعلى هذا دليل، أنّه قد نهى عن الاستنجاء من البول والغائط باليمين. ولعلّه من كتاب أبي محمّد: الاستنجاء مأخوذ من النجوة، وهو ما ارتفع لعلّه من الأرض. /86/ (1/86)
صفحة 87
كان الرجل إذا أراد قضاء حاجته، استتر بنجوة. وقيل: ذهب بنجوا، كما قيل: ذهب يتغوّط إذا أتى الغائط، وهو الموضع المطمئن من الأرض، ثمّ سمّى الحدث نجوا باسم الموضع، واشتق الاسم من المكان الذي ينتهي إليه، كما سمّى المتمسّح بالأحجار، الماسح بها مستجمرا؛ لأنّ الحجارة الصغار، يسمّى جمارا، كما سمّى حجارا العقبة جمارا. ومنه الحديث، إذا توضيت فاستجمر، وإذا استجمرت فأوتر.
مسألة: من الزيادة المضافة: عن قتادة: إنّ قوم من الجن، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: زوّدنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلّ روثة لكم خضر وكلّ عظم لكم لحم». فقالوا: إنّ بني آدم يخبثونه علينا، فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بروث أو عظم.
ومن الضياء ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان إذا أراد /87/ (1/87)
صفحة 88
الدخول إلى الخلاء، قدّم رجله اليسرى، وقال: بسم الله. ولم يكشف حتّى يقرب إلى الأرض. ويقول عند قعوده: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فإذا خرج منه النجو قال: الحمد لله، الذي أطعمني طعاما أذاقني شهوته، وأذهب عنّي أذاه. وفي الخبر أنّ قول الله تعالى في مدحه لنوح –عليه السلام- أنّه كان عبدا شكورا، يجيز أنّ هذا كان فعله. وفي بعض التفسير: {فلينظر الإنسان إلى طعامه}. يعني ذلك الغائط، الذي كان طعاما، ثمّ رجع إلى هذه الحال، فليعتبر بذلك. قال ابن عبّاس: إذا قضى حاجته، نظر إلى حدثه. وقال أبي بن كعب: إنّ الله تعالى الإنسان بذلك، لينظر ما يحلّ به إلى ما صار الحسن. وقال مالك: لعلّه ملك موكّل بابن آدم، إذا جلس في خلائه ثنى ذقنه، حتّى ينظر إلى ما يخرج منه.
مسألة: ومنه: وقيل: إن كان على فصى خاتمه اسم الله تعالى، فليحفظه في فمه أو في جنبه. وقيل: يدير فصه إلى ناحية كفّه، وليقبض عليه، والله أعلم. /88/ (1/88)
صفحة 89
مسألة: ومنه: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم فإنّه مأواهم. فإذا جلستم على خلائكم فشمّروا ثيابكم وجنّبوها القذر منه. واعتمدوا في الخلاء على شقكم الأيسر، وانصبوا الساقين، فإنّ ذلك أسرع لقضاء حاجتكم. ولا تتربّعوا على الثوب، لعلّه البول، فإنّ ذلك يورث الوسواس، ولا تنظروا إلى ما يخرج منكم، فإنّ ذلك يورث الباسور. ولا تنظروا إلى فروجكم، ولا تقوموا حتّى تعلموا أنّكم قضيتم حاجتكم، واتخذوا الحق، والله أعلم.
مسألة: ومنه: وقال أبو عبيدة: في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه خرج يريد حاجة، فاتبعه بعض أصحابه فقال: تنح فإنّ لكلّ مائلة تفتح. قال أبو زيد: إلا فاحت الحدث من خروج الريح خاصة. ويروى عن أبي ذر، أنّه بال ورجل قريب منه. فقال: يا ابن أخي، قطعت لذّة بيلتي. /89/ (1/89)
صفحة 90
كأنّه استحيى من قرب من معه، فمنعه ذلك من التنفّس عند البول.
مسألة: ومنه: وقال أبو علي: من كان يبول أو يستنجي أو يغتسل، فما نرى بأسا، أن يكلّم غيره، إذا كلّمه أو يندبه أو يتكلّم بحاجة، إذا عنته، والله أعلم. /90/ (1/90)
صفحة 91
فصل في نجاسة البول والمني والمذي والودي
من كتاب بيان الشرع: قال غيره: لعلّه من كتاب الأشراف، جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على إثبات نجاسة البول، وبه قال عوام أهل العلم، منهم مالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق من أصحاب الرأي وغيرهم، والشافعي وأصحابه، وكلّ من حفظت عنهم من أهل العلم. وكذلك قوله، واختلفوا في البول اليسير، مثل رؤوس الإبر. يقول في البول ينضح على الثوب، مثل رؤوس الإبر، ليس هذا شيء وبه قال الحسن. وبالقول الأوّل أقول: قال أبو سعيد: معي، أنّ قول أصحابنا، يشبه ما قال في القول الأوّل، الذي عليه عوام الناس. ولا أعلم بينهم تفريقا في قليل البول وكثيره، إلا أنّه مفسد، إذا ثبت فساده، يفسد قليله وكثيره، بمعاني قولهم عندي.
ومن الكتاب: ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بغسل المذي من البدن. /91/ (1/91)
صفحة 92
وقال أبو بكر: فإذا ثبت غسله من البدن، وجب غسله من الثوب، الذي يريد أن يصلّي فيه؛ لئلا يصلّي إلا في ثوب طاهر. وممّن أمر بغسل المذي عمر بن الخطّاب وابن عبّاس. وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي ثور وإسحاق. وكذلك كثير من أهل العلم، غير أحمد بن حنبل قال: إسحاق بن منصور، حكى عنه أنّه قال في المذي: أرجو أنّ النضح يجزيه، والغسل أحبّ إليّ. وقال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج معاني الاتفاق، من قول أصحابنا، على القول الأوّل. ولا أعلم بينهم اختلافا، إلا أنّ فيه الغسل من البدن والثوب، قليله وكثيره، وأنّه نجس ما كان من قليل وكثير، وتركت الإسناد. وقال أبو سعيد: معي، أنّه يشبه معاني الاتفاق، من قول أصحابنا في الترخيص، في الصب على بول الرضيع، ما لم يطعم ويخلط الطعام، ولا أعلم في ظواهر قولهم، معنى يفرّق بين بول الصبي والصبية. وقد يوجب هذا الحديث بالفرق بين بول الصبي والصبية، والصب على بول الصبي والغسل لبول الصبية. فإذا ثبت عندي الغسل في بول الصبية، فالصبي مثله. وإذا ثبت الصب على بول الصبي، فالصبية مثله في الاستدلال. /92/ (1/92)
صفحة 93
فمن هنالك أشبه من الإجماع في معاني الاختلاف، في ثبوت الغسل في بول الصبي، طعم أو لم يطعم. والصبيّة عليه ما لم تطعم. والعجب من قولهم في الترخيص في بول الصبي، ما لم يطعم مع إجماع القول فيه من الأمّة، على أنّه نجس. ولولا ذلك، لم يثبت فيه معاني الغسل والصب، وإثباتهم في بول بهائهم الأنعام، ولو لم يطعم. وقالوا: لا يجزئ في ذلك الصب، ويجزئ في هذا الصب. وهذا عندي إذا ثبت الصب في بول الصبي، الذي يطعم بهذا المعنى. ففي بول البهائم، ما لم يطعم قرب. وإذا ثبت معنى الغسل، في بول الأنعام، ما لم يطعم، ففي بول الصبي أولى وأثبت. وتركت الأقاويل والاختلاف أيضا. وقال أبو سعيد: معاني الاتفاق من قول أصحابنا، يخرج معي: إنّ المني نجس قليله وكثيره، في البدن والثوب. وكلّ هذه الأخبار التي حكيت ونقلت عن أهل العلم، يحتمل فيها عندنا معناه، أن يكون ذلك تزويرا عليهم. /93/ (1/93)
صفحة 94
ومنها أن يكون ذلك منهم، قبل تكامل السنّة، في معنى الطهارة؛ لأنّ السنّة في معاني الطهارات، وقد ثبت في كثير منها نسخة لبعضه بعضا، ونسخة بكتاب الله، وهذا الفصل من أعجب ما ذهبوا إليه قومنا، واتفقوا على معناه، على مخالفة ما يشبه حكم كتاب الله تبارك وتعالى، إذا ثبت في حكم كتاب الله تعالى، الغسل على الجنب من جماع أو احتلام، وثبت مثله بكتاب الله على الحائض، ومثله في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلّم، على النفساء ومعاني الإجماع والاتفاق، يخرج أنّ البدن قبل ذلك كان طاهرا، لا علّة فيه توجب الغسل، حتّى عرض للحائض الحيض، وللجنب الجنابة والنفساء النفاس، فثبت معنى الحيض والنفاس، فيما يوافقونا فيه، بأجمعهم أنّه نجس، وأنّه إنّما ثبت الغسل عليهما، بمعناه وخالفونا في نجاسة المني، وهو الجنابة، وهو مشبه ومثل الحيض والنفاس، في معناه ما يثبت به حكم الغسل والطهارة. ولا يقوم في معنى العقول، أن يلزم الطهارة من طهارة، إلا من معنى نجاسة.
ومن كتاب الأشراف: دلّت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أنّ بول بني آدم نجسة، يجب غسلها من البدن والثوب، الذي يصلّى فيه الإماء، ويناعنه عن بول الغلام، الذي لم يطعم الطعام. /94/ (1/94)
صفحة 95
قال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنّ بول الغلام الذي لم يطعم الطعام فاسد نجس، لا مخرج له من حكم بولهم، وإنّما اختلف في تطهيره، ولم يثبت الإجماع على تطهيره، إلا وأنّه نجس، ولكن تطهيره لمعاني الاختلاف، ما يرى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم عندي لشبه السنّة في طهارة النجاسات، من غير الذوات، ممّا يشبهه في النظر، أنّه يجري فيها ما يجري فيها، من الصب والنضح؛ لأنّ الصب والنضح بالماء الطهور، إذا ثبت عليه النجاسة من غير الذوات، ثبت مستهلكا بها؛ لأنّه مزيل لها في الاعتبار، إذا ثبت طهوره. واختلفوا في بول ما يؤكل لحمه ولا يؤكل. فقالت طائفة: ما أكل لحمه، فلا بأس ببوله. ورخّص في بول الغنم والإبل الزهري، ويحيى الأنصاري، ورخّص في ذرق الطائر أبو جعفر. وتركت باقي الاختلاف. قال أبو سعيد: معي، أنّه في معاني الاتفاق من قول أصحابنا، أنّ أبوال الأنعام كلّها، وما أشبهها ممّا هو مثلها، من اسمه أو جنسه، أنّ أبوال ذلك كلّه مفسد، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك. وأمّا أبعارها وأرواثها، فأكثر معاني قولهم: إنّها طاهرة، إلا ما عارضها من العلل، بمعنى غيّرها. /95/ (1/95)
صفحة 96
وكذلك أبوال جميع الدواب من البغال والحمير والخيل، وما أشبه ذلك، فلا أعلم في قولهم ترخيصا في أبوالها. وهي عندنا أشدّ من أبوال الأنعام، للاتفاق على كراهية لحمها، والإجماع على طهارة لحوم الأنعام، وأمّا أرواث الحمير وما أشبهها، فيشبه عندي من قولهم أرواث الأنعام وأبعارها، وإن كان عندي يلحق ذلك من الكراهية. وأمّا أخباث السباع من الدواب النواهش، من الطير من ذوات الناب والمخالب، فيخرج عندي في الاتفاق، في معاني قول أصحابنا، أنّ ذلك مفسد كلّه أخباثه وأخزافه وأبواله. وذلك عندي معلول من طريق، إذا ثبت عداه النجاسة، ممّا هو أغلب على أمره. وأمّا ما كان من الطير، من غير النواهش وما أشبهها، ممّا يؤكل لحمه، فعندي أنّ معاني الاتفاق من قول أصحابنا، على طهارة حزقه والاختلاف في بوله. وقد يشبه إذا ثبت معنى الاختلاف في أبوال هذا الطير، لمعنى طهارة لحمها، فقد كان يشبه ذلك في الأنعام. وإذا لم يشبه ذلك عندي في الأنعام، في هذا المعنى، ومثله في هذا الجنس، من الطير في أبواله، وأمّا سائر الدواب، ممّا ثبت نواهش والرواعي للنجاسات، على الأغلب من أحواله، مثل: الفأر وما أشبهه، فيخرج عندي من قولهم في أبعاد ذلك اختلاف. /96/ (1/96)
صفحة 97
وكذلك يشبه عندي في أبواله، وأبواله عندي أوحش، وأقلّ ما يلحق بأبوال الأنعام، إن لم يكن أوحش، وأقلّ ما يلحق بأبوال الأنعام، لم يكن أوحش في النظر، وأمّا الدجاج الأهلي، فهو وإن كان من الطير الطاهر، وأغلب من أحواله أكل النجاسات، فلذلك يلحق حزمه معاني الاتفاق، من قول أصحابنا: إنّه نجس. وإن ثبت منه شيء على غير ذلك الحال في الاعتبار، لم يخرج عندي من سائر الطير الطاهر لحمه، وما أشبهه من الطير، فهو مثله بما يلحق بمعاني العلّة بالمرعى، كمثل ما لحقه.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ: عن أبي الحسن: وعرّفني عن المني والمذي والودي قال: المذي شيء رقيق، يخرج عند الانتشار، وليس له عرف، والمني هو الجنابة، وهو الذي يجد الشهوة، ويضطرب القضيب، ويقذف وهو غليظ له رائحة الطلع. والودي هو التبع الذي يخرج من بعد الجنابة.
من المصنف: مسألة: فيمن يرى في ثوبه نوكة تشبه نوكة الجنابة، ولا يدري أهي نوكة جنابة أو غيرها، أنّه ليس عليه غسل ذلك، حتّى يصح معه أنّها جنابة. /97/ (1/97)
صفحة 98
باب في الدم وفي من يرى في ثوبه دما وفي الميتة وفي أهابها إذا دبغ ومعاني ذلك وما أشبه ذلك
وممّا يوجد أنّه جواب أبي محمّد عبد الله بن محمّد –رحمه الله-: فيمن يرى في ثوبه شيئا من الدم، لا يعرف ما هو في الصلاة. قال: هذا عليه أن ينقض صلاته. فإن كان صلّى بذلك الثوب والدم الذي يراه، مثل الظفر، فعليه أن يعيد آخر صلاة صلاها في ذلك الثوب. وإذا رأى الرجل في ثوبه نقطة لا يدري ما هو، دم بعوضة أم غيره؟ فإن كان معه أنّه دم بعوض وإلا غسله.
قال غيره: قد اختلف في الدم، الذي في الثوب، ولا يعرف ما هو من الدماء، فقيل: إنّه بمنزلة المسفوح، بغسل قليله وكثيره، حتّى يعلم غير ذلك. وقد قيل: إنّه طاهر حتّى يعلم أنّه نجس.
وقال غيره: قيل: إنّه بمنزلة الشائع، ويفسد منه ما يفسد من الدماء النجسة. ولا يحكم عليه بأنّه مسفوح، ويحتذى به حكم الدم الشائع. /98/ (1/98)
صفحة 99
مسألة: وهل تكون غسالة المذبحة، ممّا يطهّر لحمها، فقد اختلف في ذلك المسلمون: منهم من قال: إذا نظّف الذبيحة، وغسلت من الدم وطهّرت، فلا بأس بأكل لحمها.
وممّا وجدت عن أبي المؤثر –رحمه الله-: إنّه إذا غسلت المذبحة والأوداج، وهو الدم الذي يحتقن في الودج، فلا بأس بأكل لحمها، وما خرج من دم بعد ذلك، من غير المذبحة والأوداج، فلا بأس. وقال من قال: إنّ كلّ دم عرق، خرج من المذبحة، فهو نجس، وهو لأبي المؤثر يأخذ، أمّا دم الفؤاد والرئة والكبد، فلا بأس بدمهن. وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه أجاز ذلك. وقال من قال: لا بأس بدم العروق.
زيادة من المصنف: قال أبو سعيد: يوجد في البدن أو الثوب، ولا يعلم أنّه مسفوح أو غير مسفوح. فقول: ذلك طاهر لطهارة البدن والثوب. وقول: إنّه دم مسفوح، يفسد قليله وكثيره؛ لأنّه لا يتعدّى من ذلك، في الأحكام. وقول: إنّه دم نجس غير مسفوح ولا طاهر، حتّى يعلم أنّه غير ذلك. /99/ (1/99)
صفحة 100
وقول: على الأغلب في ذلك الوقت، الذي يجده، فإن لم يكن له أغلب في ذلك، فتحب أن يستعمل الوسط، أن يكون دما غير مسفوح، والله أعلم.
مسألة: ومن أصابه دم في الليل، فخرج منه دم، فغسله وصلّى، فلمّا أصبح، رأى الدم في الجرح، فلا بدل عليه. وقال: من رأى في ثوبه شيئا، فلا شيء عليه، حتّى يعلم أنّه دم. وقال المصنف أيضا: إنّ مسّه دم، وجده في الثوب، في وقت يجوز أن يكون قد حدث بعد الصلاة غسله، ولا نقض على صلاته.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ: وعن دم البعوض، يكون في الثوب منتشرا، أنام في ثوبي في الليل، وليس فيه شيء، فيصبح به دم منتشرا، وأنا لم أره بعوضا. أيكون حكمه حكم البعوض، أو حتّى أراه يخرج من البعوض نفسه؟ أم كيف يكون حكمه؟ قال: بلّغني أنّ الوضاح بن عقبة، كان يصلّى وفي ثوبه دم كثير. فقيل له: إنّ في ثوبك دم بعوض. قال: لا بأس به. /100/ (1/100)
صفحة 101
مسألة: من الضياء: الرجل له دم واحد، وهو دم نفسه. والإماء لها أربعة دماء: دم نفسها، ودم حيضها، ودم استحاضها، ودم نفاسها. والحيض أربعة أشياء: الدم العبيط، والحمرة، والصفرة، والكدرة، ودم الجارية ودم الغلام سواء في النجاسة.
مسألة: ومنه: اختلف أصحابنا في جهة الدم المسفوح: قال بعضهم: ما انتقل من مكانه، فقد سفح، ولو لم يظهر على وجهه فم الجرح. وقال آخرون: هو ما انتقل من مكانه، وسفح إلى غيره. وأمّا ما كان ظهوره، لا يتعدّى الجرح الذي خرج منه، فليس بمسفوح ولو امتلأ فم الجرح، الذي خرج منه.
مسألة: ومنه: ومن لقي رجلا حاملا أحما، فمسّه منه دم؟ فحكمه نجس، حتّى يعلم أنّه غسل المذبحة. وأمّا إذا باع عليه، فحكمه الطهارة؛ لأنّه إذا حمله، فيحتمل أن يكون لم يغسله. /101/ (1/101)
صفحة 102
وإذا باعه، فلا يجوز إلا أن يكون حكمه طاهرا؛ لأنّه متعبّد بأن لا يبيع إلا طاهرا، وقد غسل مذبحه، والله أعلم. ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: وعن أبي سعيد: في دم البدن، لا تسح له الثياب، فلم يجد فيها أثر ولا دماء. قال: إذا كان يحتمل أن تمسّه، وأن لا تمسّه، فلا نجاسة عليهن، حتّى يعلم أنّه مسّهن شيء. ولو وجده ميّتا، إذا احتمل أن تمسّه بغيرها. وإن كنّ لا يخرج لهن من مسّه غسل، ما لا مخرج له من مسّها. كما قال العلماء –رحمهم الله-: مدافعة التغيّر تجارة المنافقين.
مسألة: من كتاب الأشراف: قال أبو بكر: واختلفوا في الدم، الذي يعاد منه الصلاة: فكان ابن عبّاس يقول: إذا كان كثيرا أعاد الصلاة، واختلفوا في مقدار الدم الفاحش: فقال أحمد: إذا كان شبرا في شبر، وحكى عنه أنّه قال: شيء كثير. وقال قتادة: موضع الدرهم فاحش. وقال مرّة: مثل الظفر وتركت بغية الاختلاف. /102/ (1/102)
صفحة 103
قال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنّ الدماء معهم ثلاثة ضروب: ضرب منها مفسد، قليله وكثيره، وهو الدم المسفوح، مفسد قليله وكثيره في البدن والثوب، لمعنى الصلاة، وأنّ المصلّى به في البدن، أو الثوب، قليلا كان أو كثيرا، على عمد أو نسيان، أو علم، أو جهل، أنّ عليه الإعادة في صلاته، وأنّ صلاته لا تتم. والمسفوح في معاني قولهم: إنّه يخرج بمعاني الاتفاق، منهم قيدا ممّا قطع الحديد من الأبدان الصحيحة، من جميع ذوات الأرواح البرية، من ذوات الدماء الأصلية، من بشر أو دواب أو طير. وفي بعض قولهم: إنّ كلّ دم خرج من جرح طرى، من هذه الأبدان كلّها، من هذه الأشياء، فهو مسفوح لاحق بما قطع الحديد. وقال من قال: ليس بمسفوح إلا ما قطع، ولا معنى يدلّ على الفرق، فيما قطع الحديد وغيره من الجروح الطرية. وفي بعض قولهم: إنّ من الدم المسفوح من الذبائح، دم الذبيحة من الأنعام، من جميع المحللات من الصيد وغيره. وما سوى ذلك من الدم، فهو غير مسفوح. وقال من قال: إنّ دم الأوداج مسفوح. وما سوى ما خالط اللحوم، من غير هذين، فغير مسفوح. /103/ (1/103)
صفحة 104
ويخرج في معاني قولهم: إنّما دون الدم المسفوح، من الدماء المفسدة، يفسد قليله كثيره، في البدن والثوب، على المتعمّد في الصلاة فيه. وأمّا على النسيان للصلاة في الثوب، فمختلف فيه: إذا كان دون مقدار الظفر، أو الدنانير، أو الدراهم المشبهين لظفر الإبهام من البدن. وإذا كانت مقدار الظفر فصاعدا، فسد على العمد والنسيان، في الثوب والبدن. وقد قيل في بعض قولهم: إنّه مفسد في البدن، قليله وكثيره، وليس حكمه في البدن، على النسيان، كحكمه في الثوب. وقد قيل: إنّه واحد، لا يختلف حكمه في هذا الفصل، في البدن والثوب، والذين لا يفسدون الصلاة به، في الثوب، إذا كان أقل من ظفر، على غير علم يختلفون فيه، إذا علم به في ثوبه، ثمّ نسي وصلّي فيه. فمنهم من يقول: عليه الإعادة، إذا كان على علم. ومنهم من يقول: لا إعادة عليه. ويتّفق معنى قولهم: إنّه إذا لم يعلم به قبل ذلك، ولا في وقت الصلاة، حتّى صلّى، ثمّ علم انّه لا إعادة عليه. /104/ (1/104)
صفحة 105
ويخرج في الاتفاق من قولهم عندي، إذا علم بهذا الدم في ثوبه، أو بدنه، قليلا كان أو كثيرا، أو في صلاته. وباق عليه منها حد لم يتمّها، أو أكثر من ذلك، أنّ عليه الإعادة، وعليه أن ينصرف ويأتي لصلاته، بغير ذلك الحكم، لعلّة الثوب الذي دخل فيه في الصلاة، والدم الثالث معهم، لا يفسد قليله ولا كثيره، في معاني ذلك مختلفون، فمن ذلك دم السمك واللحم. وفي أكثر قولهم: إنّه لا يفسد قليله ولا كثيره. ويخرج في معاني قولهم: في كل ذات دم من الأرواح البرية، من غير ذوات الدماء الأصلية، وإنّما هي مجتلبة للدم، أنّ دم كلّ شيء من هذا النحو، يختلف فيه من قولهم: إنّه لا يفسد.
مسألة: واختلفوا في البراغيث والبعوض ودم البق: فرخّص في دمه عطاء والحسن البصري وغيرهم. وقال الشعبي وغيره: لا بأس ببول الخفافيش، ورخّص عروة في دم الذباب، وتركت بقية الأقاويل. /105/ (1/105)
صفحة 106
قال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج شبه ما مضى، في معاني الاختلاف من قول أصحابنا، إلا في قوله في بول الخفافيش والخنافيش، فلا أدري ما أراد. وإن كان على بقوله الخنافيش: فمعي، أنّه يخرج في معاني الاتفاق، من قول أصحابنا: إنّه لا بأس به، وإن كان عنى بقوله الخفافيش من الطير: فمعي، أنّه يخرج في بعض قول أصحابنا: إنّ بول جميع الطير، مفسد ما أفسد حزقه أو لم يفسد حزقه. وفي بعض قولهم: إنّ كلّ ما أكل لحمه، من غير النواسر وما أشبهها، فحزقه طاهر. وإن كان الخفافيش ممّا يخرج حزقه طاهرا في الشبه، للنواسر من الطير. فلا أعلم في حزق ذلك الطير، ولا في بوله اختلافا، إلا أنّه نجس في معاني قول أصحابنا.
ومن كتاب القناطر: القيح هو الذي غلب على الدم، أعني الصديد. وكذلك البزاق الذي غلب على الدم، وأشباه ذلك فرخّص فيه.
مسألة: وإذا قطع من البهيمة جارحة، فما دامت تتحرّك، ففيها اختلاف: /106/ (1/106)
صفحة 107
قول: إنّها حيّة حتّى تموت؛ لأنّ أصلها الحياة. وقول: إذا بانت من الجسد، فهي ميّتة، ولو كان الرأس، وباقي الجسد، ما دام يتحرّك، فهي حيّة حتّى الموت، وقطع الجسد، فإن كان ممّا يلي الرأس، أكثر كان سائر الرجلان ميّت نجسا، إلا أن يكون نصفين، فيذكى ما فيه الرأس. ولو كان الرأس والرجلان، ذكى ما بقي من الجسد، وإن تحرّك أكل.
مسألة: ومن غير الكتاب: أحسب عن أبي الحسن محمّد بن الحسن: وسألته عن القيح والييس من الجراحة، إذا كان فيها الدم. هل يكونان نجسين؟ قال: إذا كان الدم مختلطا بالبوس، أو القيح، لم يكن نجسا، حتّى يكون الدم أكثر من القيح أو الييس. وإن كان شيء من الدم متوجدا عن البوس أو القيح، يفسد ما مس.
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: ودم الرعاف نجس عند أصحابنا، لا خلاف بينهم، فيما علمنا أنّهم يقولون بتنجيسه. ووافقهم على ذلك أبو حنيفة. فقال بتنجيسه قياسا على دم الاستحاضة. /107/ (1/107)
صفحة 108
والنظر يوجب عندي، أنّ المستحاضة لما كان دمها، ينقض الطهارة بإجماع، إذا كان مخرجه مخرج النجاسات. وأنّه أذى وأنّه دم عرق، لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم فنحبّ أن يكون هذا أولى وأقوى في باب الإصحاح، فكلّ دم عرق فهو نجس؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نبّه عن نجاسة الدم، لقوله –عليه السلام-: إنّه دم عرق وهو نجس وناقض للطهارة. وإذا كان القياس على أصلين، أو ثلاثة أصول، فهو أقوى من التعلّق بأصل واحد. والسنّة تؤيّده، وحكم الشريعة يوجبه. وكان الراجع لقياسه إلى أصلين، أعمّ لعلّته، والله أعلم. والقياس لا يصح إلا في أصل مجتمع عليه. وكلّ القياسين، ومن تعاطى الحكم بالقياس، ورام الحكم به، قد رجع إلى أصل بقياسه، واستنباط علّته، وما اختلف فيه، يكون أصلا ولا يقاس عليه. /108/ (1/108)
صفحة 109
فصل في الميتة
قال أبو بكر: ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بشاة لمولاته ميمونة. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما على أهل هذه الشاة لو أخذوا أهابها فدبغوه وانتفعوا به. واختلفوا في الانتفاع بجلود الميتة، قبل الدباغ وبعده، وتركت الاختلاف. قال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج في معاني قول أصحابنا، نحو هذا الاختلاف. وأحسب من علّة من أجاز الانتفاع بأهاب الميتة، بعد الدباغ ذهب إلى هذا الحديث، أو نحو في هذه الميتة. والذي لم يجز ذلك، ذهب إلى حديث أو أحاديث، تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لا ينتفع من الميتة بأهاب ولا بعض. وفي حديث آخر: إنّه لا ينتفع بأهاب ولا بعصب، والمعنى واحد. /109/ (1/109)
صفحة 110
ولو ثبت معنى الاختلاف، لم يتعدّ ذلك من طهارته بالدباغ، لثبوت أصله حلالا قبل الميتة، وأنّ الميتة معارضة له، وداخله معنى النجاسة على الطاهرة في الأصل في الاعتبار. فإنّما اللحم نفسه، فلا معنى إلى تحويله من جوهره، باحتيال إذا ثبت محرما، وأمّا الأهاب فقد يخرج في الاعتبار معنى طهارته، لأصلها قبل معارضة النجاسة. وكذلك يخرج في الشبه لذلك الأهاب، أهاب جلد الخنزير والقرد، وما أشبههما من المحرّمات، بمعاني في كتاب الله، تحريم لحم الخنزير، ولم يأت النص على جلده. وإن كان جلده يقتضي حكمه في معنى، فإنّ التحريم وقع على الميتة كلّها، وعلى تحريم الخنزير دون كلّها، فلا يبعد أن يكون يشبه جلد الميتة؛ لأنّه إنّما يقع عليه النجاسة المعارضة، من قبل التحريم.
ومن الكتاب: واختلف أهل العلم بالانتفاع بشعور الميتة وأصوافها وأوبارها. /110/ (1/110)
صفحة 111
ومن أباح ذلك الحسن البصري، وكثير غيره لم أذكرهم. وقال بعضهم: يغسل. وكره ذلك عطاء. ونهى عنه الشافعي. قال أبو بكر: أجمع أهل العلم، على أنّ الشاة والبعير والبقرة، إذا قطع من ذلك عضو وهو حي، أنّ المقطوع منه نجس. وأجمعوا على الانتفاع بأشعارها وأوبارها وأصوافها، جائز إذا أخذ منها وهي حية. قال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج في معاني قول أصحابنا، معاني الاختلاف، بحسب ما قيل في هذا الفصل. وأحسب أنّ بعضا أجاز ذلك بعد الغسل، ولم يجزه قبل الغسل، وبعض أجازه قبل الغسل، وبعد الغسل، وبعض أجازه، إذا جز ولم يجزه إذا نتف نتفا. ومعي، أنّه قيل: إذا لم يحتمل شيئا من الجلد، مثبتا فيه، ولا من الرطوبة، فلا بأس. وهذا على قول من يجيز الانتفاع به. وعنه: معي، أنّ بعضا يقول فيما يخرج في معاني قول أصحابنا، يمنع ما كان من الميتة، من شعر أو سن أو ظلف أو قرن أو عظم. /111/ (1/111)
صفحة 112
ولمعنى ما ذهب إليه، أنّها ميتة وجميع ما فيها. ومن بعض قولهم: إنّه لا بأس بالانتفاع منها بالسن والقرن والظلف، الميّت من غير الحي، المحتمل اللحم؛ لأنّه لو خرج منها شيء في حياتها، لم يكن نجسا، وذلك يلحق معنى هذا القول في عظامها، إذا ذهب اللحم والوبر وحصلت إلى حكمها، أنّها كانت في الأصل طاهرة، وعارضها معنى النجاسة من الميتة، فإذا زائلها ما عارضها، زال عنها معنى النجاسة، وأمّا إذا كانت موجودة، ولا نعلم أنّها من ميتة من عظام فيل أو غيره، ممّا أصله حلالا إذا ذكى. فإن كانت من حيث يقضي لذلك بالزكاة في ظاهر الأمر، والزكاة طاهرة، فحكم ذلك خارج على معنى الزكاة، وأنّه من ذكى حتّى يصح أنّه من غير ذكى. وإن كانت ذلك حيث لا تجوز ذكاة أهله، من أرض الشرك، فظواهر ذلك معلول، لا مخرج له من حكم الميتة في ظاهر الأمر، حتّى يخصّه حكم ذكاة طاهرة. فإن كان مذكى أو ميتة، فكلّه بمعنى الميتة لفساد الذكاة. /112/ (1/112)
صفحة 113
فصل: عن أبو الحسن: أحسب محمّد بن الحسن، فيما وجد لعلّة من العظام الدنسة، التي فيها الودك في البرية أو في القرية، ذلك من حيث لا يستحلّ الميتة. مثل عمان، تلك ظاهرة حتّى أعلم أنّها ميتة، ويكون بها ودك. /113/ (1/113)
صفحة 114
باب في شعور بني آدم وفي القمل من غير الكثاف والزيادة المضافة
ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ناول الحالق شقه الأيمن، فحلقه ثمّ ناوله شقه الأيسر، فحلقه ثمّ ناوله أبا طلحة، فقسمه بين الناس. وقد اختلف الناس في شعر بني آدم: فكان عطاء وجماعة لا يرون به بأسا. ويرون أنّه طاهر في قسم من قسم شعر النبيّ صلى الله عليه وسلم بيان على طهارة الشعر. كان الشافعي يرى أنّ شعور بني آدم نجسة. وقال النعمان ويعقوب: لا خير في بيع شعور بني آدم ولا ينتفع به. وقال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج في معاني الاتفاق، من قول أصحابنا، أنّ شعور أهل القبلة من بني آدم، طاهرة كانت فيهم أو زائلتهم، إلا ما عارضها من ذلك نجاسة وأشعارهم تبع لهم. ولا معنى في نجاستها، إذا زائلتهم في الحياة، ما لم يلحق شيء من جلد أو لحم، فيكون بذلك ما مسّها نجسها، وأمّا بيعها، فمعي أنّه يكره ذلك من وجه أنّه لا ينتفع به، ولا يجوز البيع لشيء لا ينتفع به؛ لأنّه من الباطل /114/ (1/114)
صفحة 115
وإن ثبت لشيء من شعورهم منفعة بعد زواله، لم يجز معنا كراهية بيعه، وإنّما يثبت معنى كراهية بيعه؛ لأنّه لا ينتفع به. ارجع إلى كتاب بيان الشرع، فصل في القمل. وأمّا من تراه يأخذ القمل، أكثر نهاره ولا تراه يغسل يده. فإذا لم تر في يده نجاسة، واحتمل ألا يمسّه من ذلك النجاسة، فيده طاهرة، حتّى يعلم نجاستها. وإذا رأيت في يده، وقد عرق بها، ثمّ غاب عنك بقدر ما يحتمل غسلها، ثمّ مسّ بعد ذلك شيئا من الطهارة، فلا بأس بطهارته؛ لأنّ أصلها طاهرة ما أمكن طهارتها، أنّه قد احتمل أن يكون قد طهر يده، والناس في أغلب أمورهم على ذلك.
مسألة: أحسب أبا إبراهيم: ومنه أيضا فيمن أخذ قملة، ثمّ مسّ بيده الخل، قبل أن يغسل يده من القملة. قال: الخل طاهر حتّى يعلم أنّ مس يده من القملة رطوبة.
مسألة: وفي غيره: وإذا سقطت جلدة ميتة، من بدن الإنسان، فهي طاهرة، وما مسّته من الطهارات الرطبة واليابسة، فلا تنجسه. /115/ (1/115)
صفحة 116
وأمّا الجلدة الحيّة، فهي نجسة. وكذلك اللحم، وأمّا الظفر الميّت والشعر الميّت، فهو طاهر، وما اتصل باللحم منهما، فهو نجس.
ومن جامع ابن جعفر: ويوجد من قطع جلدة حيّة، من موضع الوضوء، ولم يخرج منه دم، فيستحب له أن يمسح موضعها بالماء، وإن لم يفعل وصلّى، فصلاته تامّة.
مسألة: من الزيادة المضافة: وسألته عن رجل مسّ قملة ميتة يابسة. قال: لا تنقض وضوءه.
مسألة: ومن كتاب الضياء: إنّ في رمي القملة حية معصية، وفي قتلها طاعة، وفي الحديث إن نبذ القمل، يورث النسيان. وفي حديث آخر: إنّ الذي ينبذ القملة، لا يكفي الهم. /116/ (1/116)
صفحة 117
ومنه: وحكم القلّة حكم الإنسان. وحكم ما يخرق منها من ذرق ودم حكمه؛ لأنّها لا تؤخذ في موضع مفارقة له، فهي مقارنة له، ولا تفارقه من الثياب وغيره، وذرقها نجس. وأمّا ما يوجد في الثوب، من ذلك السواد، فلم أرهم اجتنبوه. قال المصنف وفي المختصر قال: ذرقها نجس، ولا بأس به في الثياب، ولعلّ ذلك يريد به الذرق، إذ لا يقدر على الامتناع منه، فرخّص فيه للضرورة، والله أعلم. أو لعلّه أراد لا بأس به في الثياب، يعني القمل؛ لأنّه قال على أثر ذلك، وإن مات فيها أخرج منها، وإن مات فيها وهي رطبة، غسل موضعه، والله أعلم. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. وعن أبي محمّد: إنّه مكروه قتل القمل على الجسد؛ لأنّه نجس. وقال أبو حمد: إنّ دمه من دم الإنسان، أمّا البول والغائط، فلا بأس به. قلت: لم؟ قال: لأنّه ينجسه، ولا يطهّر إلا بالماء والناس يسقون به./117/ (1/117)
صفحة 118
ومن كتاب المصنف: مسألة: وإن ماتت القملة في طعام رطب، أو ماء أفسدته، والله أعلم.
مسألة: وذرق القملة نجس. وأمّا ما يوجد في الثوب من ذلك السواد، لم أرهم اجتنبوه. ومنه من مسّ القملة، فخرج منها ماء نقض وضوءه، ومن قتله بيده، انتقض وضوءه. وإن أخذها ممّا يلي رأسها، لم تنجسه، متوضّأ كان أو غير متوضّئ. قال أبو محمّد: وإذا ماتت القملة، فهي نجسة، سواء ماتت في بئرا أو في البدن أو في الثوب. ولا يجوز للمصلّي أن يصلّي، وهو يعلم أنّها في ثوبه أو في بدنه، فإن صلّى فسدت صلاته.
مسألة: والثوب إذا كان فيه قمل، جاز الصلاة به. ولم يجتنبوا الثياب التي فيها القمل، ولا اجتنبوا ما يخرج من القمل غير دمه وذرقه، وإن أصابا البدن أو الثوب غسلا. /118/ (1/118)
صفحة 119
وأجمعت الأمة على استعمال الثياب التي فيها القمل، ولم يروا فيها بأسا، حتّى يعلموا موتها فيها، وحكم كلّ شيء ظاهر الطهارة، حتّى يصحّ فيه نجاسة من القمل وغيره، وأيضا فإنّ القمل، لا يقدر أحد أن يمتنع منه، ولا من كونه في ثوبه. وهو مقارن لابن آدم ولثيابه، وأصل ابن آدم والثياب الطاهرة، فلا يجب أن يحكم على طاهر، بين يجدون نجاسة أفسدت بهما، أو أحدهما. وقيل: إذا كانت في الثوب، ثمّ غسل في الماء، وهي حيّة، لم ينجس الثوب. وإذا طهّر الثوب، فقد طهرت لطهارته. فأمّا إن ماتت في الثوب، ينجس ما لاقى الثوب منها في موضعها، إذا كان الثوب رطبا، وهي رطبة أو كان يابسا. وأمّا إذا كانا يابسين، فلا بأس بهما، والله أعلم. ولا يرمي بها، ولا تحرق بالنار ولا تعذّب بعذاب الله، إلا الله –عزّ وجلّ-. وفي رميها معصية، وفي قتلها طاعة، وفيمن رأى قملة ميّتة في ثوبه، ثمّ يخليها ويصلّي؟ /119/ (1/119)
صفحة 120
فعلى قول الشّيخ: ليس عليه إعادة، كانت في بدنه أو ثوبه. وعن أبي الحواري: إنّ عليه إعادة. وقال: قولنا الأوّل. والقملة إذا وقعت في ماء، وهي حيّة، فالماء طاهر. وقال أبو عبد الله: فيمن وجد في ثوبه قملة، فلا بأس ما لم يكن في الثوب منها دم. والصبيان التي تكون في الثوب، يبقى منها الماء في الثوب، أو في البدن، لا تفسد. قال: أليس هو من أولاد القمل أو بيضه. قال: الله أعلم. قيل: فإنّه يوجد مع القمل. وقال: لا يفسد ما خرج من ذلك، ما أصاب فيه، إلا أن يعلم أنّه من القملة. وإن كانت في الثوب الرطب، فلا ينجسه، حتّى يعلم أنّه خرج منها في الثوب شيء.
مسألة: من جامع ابن جعفر: وعن الرجل يمسّ القملة التي وجدها على يده. هل عليه أن يغسل ذلك الموضع من يده؟ فليس عليه غسل ذلك الموضع من يده، إلا أن يرى رطوبة من القملة. /120/ (1/120)
صفحة 121
وكذلك لا يغسل يده، إلا أن يكون فيها رطوبة. وما مسّت تلك الرطوبة، من ثوب وغيره، فهو فاسد. وقيل: من مسّ القملة، أن ينقض وضوءه على حال؛ لأنّ من عادته إذا مسّت ذرفت، والله أعلم.
ومن كتاب القناطر: واختلف في دم البعوض والبقل والقمل: فبعض: رخّص في ميتة البعوض والقملة نجسة. وإن ماتت في البدن أو الثوب، فلا يحق للمصلّى أن يصلّي فيه، وهو يعلم أنّها فيه. وقول: إن ماتت القملة في البدن أو الثوب، فلا تفسده، كان رطبا أو يابسا، كانت هي رطبة أو يابسة؛ لأنّها من ذواته.
مسألة: قيل في ذرق القمل من الإنسان: إنّه مفسد، إلا ما يخرج منه في البدن والثوب. وقيل في القملة: إنّها إذا ماتت في البدن أو الثوب شيء غيرها، فلا تفسده، كان رطبا أو يابسا، كانت هي رطبة أو يابسة؛ لأنّها من ذاته. ولو كان في البدن والثوب شيء غيرها، لأفسدته إذا مسّته وهي رطبة، أي القملة ميّتة. ولو كان في البدن أو الثوب. /121/ (1/121)
صفحة 122
قال محمّد بن خالد: سمعنا كلّ شيء خرج من القملة، من دم أو ماء أو بلة، فإنّه مفسد. وأمّا مسّها، فلا بأس ما لم يخرج منها شيء. ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: فيمن أخذ بيده قملة، ثمّ مس بيده الخل، قبل أن يغسل يده من القملة. قال: الخل طاهر، حتّى يعلم مسّ يده من القملة رطوبة.
وقال غيره: هو كذلك، إن مسّ يده منها رطوبة. فإن علم ذلك، وكانت رطوبة من رأسها، فقد اختلف في ذلك. فقال من قال: لا بأس به. وقال من قال: إنّه نجس. فعلى القول الأوّل: فإن مسّ الخل بيده، وفيها تلك الرطوبة، فلا بأس بذلك. وعلى القول الآخر: فالخل فاسد. فإن مسّ يده رطوبة من دبرها، وعلم ذلك، فما خرج من دبرها، فهو فاسد، ولا اختلاف في ذلك، والله أعلم. /122/ (1/122)
صفحة 123
باب في عرق الدواب وحشوتها أرواثها وأبوالها وسورها وحرثها وما كان يفسد منها ومعاني ذلك
مسألة منسوبة من كتاب جوابات الشّيخ أبي سعيد –رحمه الله-: وسألته عن جرّة الشاة والبقرة والجمل، إذا بزقت من حلوقهن ووقعت في ماء طاهر، في إناء أو بئر قليل ماؤها. هل يتنجّس، كان رقيقا أو غليظا، قليلا أو كثيرا؟ قال: معي، أنّه يختلف في الأنعام. فقال من قال: نجسه. وقال من قال: لا ينجسه. وكذلك النوى الذي يسقط من الدواب من الجرة. معي، أنّه مثل الجرة. قال أبو المؤثر: قال المسلمون: إنّ الدواب من البقر والخيل والحمير والغنم وأمثالها من البغال والحيات والأماحي والبراذين، أرواثها أعراقها وقيئها، لا ينجس ما أصاب، كان الإنسان متوضّئ أو غير متوضّئ. وقد روي عن أبي عبيدة، أنّه وطئ على روث في طريق، ثمّ دخل المسجد، فصلّى ولم يتوضّأ. وأمّا الجمل الهارم، فإن مزّق ولم يمس البول، مزقه لم يكن نجسا، وأمّا إن مسّ المزق بوله، فهو رجس. /123/ (1/123)
صفحة 124
فإن وطئ أحد مزقه في الطريق، ولم ينظره حين مزق، وإنّما وجده في الطريق، لم أره نجسا، والله أعلم. وقال بعض المسلمين: لا يفسد شيء من عرق الدواب، إلا ما مسّه البول. وبهذا القول نأخذ. وقد قال بعض الحراسانيين: إنّ روث البقرة الأنثى، يفسد بحسب، أنّهم يريدون أنّه يجري على موضع البول، ولا أعلمه مجتمعا عليه، والله أعلم. وأمّا الأبوال من جميع الدواب، فهو نجس. ولم ير المسلمون بأسا بسور السنور، ولا يؤكل لحمه. وكذلك الثعلب وأقول الأرنب والصرت، بمنزلة الثعلب، لا بأس بأكل لحمه. وما حلّ أكل لحمه، لا يفسد سوره، إلا أن يكون رآه أكل نجاسة، ثمّ مسّ الماء قبل أن يأكل شيئا، أو يغيب منه. وأمّا الكلب، فإنّه نجس مكروه لحمه. والذئب والأرنب مكروه لحمهما. /124/ (1/124)
صفحة 125
وأمّا النجاسة منها، فالله أعلم. والطير الذي يؤكل لحمه، لا يفسد مزقه، إلا أنّ الحقم الأهلي، قد اختلف فيه. فمنهم من قال: يفسد. ومنهم من قال: لا يفسد. والرخم والغربان والتنور، مفسد مزقه، ولحمه مكروه. وأمّا بعر الختار، فالله أعلم. قال: السنور والكلب والضبع وجميع الغشات يفسد، وأمّا الفأر وبعره لا يفسده. وقال: وإذا ماتت الضفدع في المال، لم تنجسه، وأمّا إذا ماتت في غير الماء، كانت نجسة، وإذا جاءت من عند الماء، لم يفسد بولها، فإذا جاءت من البر، كان بولها مفسد. وقال ذلك محمّد بن محبوب. وقال غيره: تنجسه. ويقول محمّد بن محبوب: نأخذه. والخناز إذا مات في الربس أو السمن، أو أشباه هذا فسد، إلا أن يكون الربس جامدا، فإنّه يؤخذ ما مسّ منه ويطرح. /125/ (1/125)
صفحة 126
ولا بأس بأكل الباقي، والذباب لا ينجس ما وقع فيه. وكذلك الذباب لا يفسد، ودم البعوض لا يفسد. قالوا: كلّ دم مجلب لا يفسد، والحيّة سؤرها نجس. وكذلك إذا ماتت في ماء غير جاري، ولا يكون أربعين قلّة، فإنّه ينجسه، وأمّا العرب الدنى، فإنّه لا يفسد الماء ولا ينجسه إذا ماتا فيه. وكذلك كلّ دابة ليس فيها دم، فإنّها لا تنجس ما ماتت فيه. وقال: والطرح لا بأس بأكله، ولا يفسد بوله، وأمّا القملة فإنّ دمها نجس، وما خرج منها من رطوبة فهو نجس، وأمّا الصوب الذي لا دم فيه، فلا أراه نجسا. وقال: والدجاج لا يفسد سؤره، إلا أن ترى بمنقاره نجاسة، وبعر الخناز لا حفظ فيه شيئا. وقد حدثنا الوضاح بن عقبة عن عبد الله بن النصر الخراساني، أنّه قال: إنّ قوما طبخوا أرزا، فوجدوا فيه بعر فأر، فرفعوا ذلك إلى نصر بن سليمان، فلم ير به بأسا. /126/ (1/126)
صفحة 127
والقراد والضمخ والحلم، إن كان دمهن أصليا، فهو مفسد، وإن كان مجتلبا لم يفسد.
ومن كتاب القناطر: مزق الفأر مرخّص فيه، إذا لم يقلب على الطعام الذي خالطه.
مسألة: وعن حبشي السنور، إذا أصيب في الحب. هل يفسد وهل يفسد بوله وبول الفأر؟ قال: نعم، يفسد ما مسّ ذلك من الحب. وقال أبو المؤثر: كان معنا سخلة، فوقعت في الطوى وأخرجت حيّة. قال: فسألت محمّد بن محبوب فقال: إذا تغيّر ما خرجت به، حين نتاجها ولمستها أمّها، حتّى يبس، فلا بأس بها. وقال: مهما مس من الدواب، من النجاسات، ثمّ تغيّر أثره وأمحى، فمسّه أحد برطوبة لم ينجسه. وقيل: سقى علق في بطن الحمار وهو رطب، فسيدع السقيا بطن الحمار، حتّى علق شعر الحمار بالسقا. فقال: فلا بأس به، ولا ينجسه. وكان يقول: إذا وقعت الشاة وأشباهها في بئر، ثمّ أخرجت حيّة، لم تنزف البئر. /127/ (1/127)
صفحة 128
وأمّا وضاح بن عقبة، فقد حدثني من حدّثني عنه، أنّه قال: تنزف البئر منها؛ لأنّ فيها مجاري البول. ويقول أبي عبد الله محمّد بن محبوب: نأخذ.
مسألة: وعن روث الدواب وفي الجمال. هل فيه نجاسة؟ قال: لا. قال أبو المؤثر: حدثنا الوضاح بن عقبة، عن العبّاس بن زياد، أنّه قال في البعير: إنّه لا يفسد. وحدثنا محمّد بن محبوب، ورفع الحديث إلى أبيه محمّد محبوب ابن الرحيل، أنّه قال في رجيع الأنعام: إنّه ما خرج من أدبارها، لا يفسد وهو أفصح. فكيف يفسد ما خرج من أفواهها. وحدثني محمّد، ورفع الحديث إلى أبي عبيدة، أنّ قوما قدموا إليه، يريدون أن يسألوه عن روث الدواب، فبلغه ذلك قبل أن يسألوه، فمشى إلى المسجد وهم معه، فمرّ بروث رطب، فخلع نعليه، ثمّ قصد إليه، ووطئ فيه، وهم ينظرون إليه، ثمّ مث رجله ودخل المسجد. فعلموا أنّه لم يكن يرى به بأسا.
مسألة: وسألته عمّن يطأ في موضع ثري. /128/ (1/128)
صفحة 129
قال: كلّ أثر السباع على هذا الحد نجس. وسألته عن دسع الجمال. قال: فيه اختلاف. وقال محبوب: رخّص فيها.
مسألة: وعن روث الدواب الذي يخرج من بطونها إذا ذبحت. هل يفسد ذلك أم لا؟ قال: معي، أيضا أنّ بعضا يفسد، وبعض لا يفسد.
مسألة: ممّا يوجد عن بشير بن محمّد بن محبوب قال: ما تقول في السجل من مسّه؟
قال غيره: الذي معنا أنّه أراد من مسّه ويده رطبة، من بعد أن حف شعره. وهو كذلك إذا يبس وتغيّر لون النجاسة منه، رجع من بعد أن جف شعره. وقال: أرجو أن لا بأس به. /129/ (1/129)
صفحة 130
مسألة: وعن أبي إبراهيم في سؤر التنور، فلم ير به بأسا. وقال: فحطمه مفسد ومن غيره. وقال من قال: إنّ مخطمه وسؤره طاهران جميعا على حال. وقال من قال: نجسان جميعا على حال. وقد روي القول الأوسط عن أبي الحواري –رحمه الله-: إنّه لا بأس لمخطمه وسؤره. وروي هذا القول الآخر عن أبي علي: إنّه كرهه. وأحسب أنّ الفضل بن الحواري، كان يذهب إلى رأي أبي علي –رحمه الله-.
مسألة: وسألته عن ثوب قرضه الفأر. هل تجوز الصلاة فيه، قبل أن يغسل بالماء؟ قال: لا، حتّى يغسل.
قلت: فإن وجد ثوبا فيه الشكوك، أنّ ذلك القرض قد صلّيت فيه. قال: حتّى يصحّ أنّ ذلك القرض من الفأر
ومن غيره: وقد قيل: لا يصلّى فيه، حتّى يغسل، وذلك على قول من يقول: إنّ سؤره نجس. /130/ (1/130)
صفحة 131
وقال من قال: إنّ سؤر الفأر لا بأس به. فعلى ذلك، فإن صلّى بالثوب، قبل أن يغسل من قرض الفأر، فصلاته تامّة، والله أعلم.
مسألة: وعن فأرة أصيبت في الحب ميّتة؟ فأرجو أنّي كتبت إلى أبي الحواري، أسأله عن ذلك، فكتب إلى أن يغسل ما مسّت الميتة من الحب. وقال غيره: إذا لم يمس الحب فيها رطوبة، فلا بأس ولا غسل عليه. وإن مسّته منها رطوبة، غسل ما مسّته منها بذلك.
ومن كتاب الأشراف: في سؤر الهر. قال أبو بكر: أجمع أهل العلم، على أنّ سؤر ما يأكل لحمه طاهر، يجوز شربه والوضوء به. واختلفوا في سور الهر، فكان ابن عمر وغيره، يكره أن يتوضّأ بسور الهر. وقال آخرون: في سور الهر يغسل مرّتين أو مرّتين. وقال آخرون: يغسل سبع مرّات بمنزلة الكلب. وقول آخر: قال عوام أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل الشام، وهو أن لا بأس بسؤره. /131/ (1/131)
صفحة 132
قال أبو بكر: ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «الهر ليس بنجس أنّها من الطوافين عليكم والطوافات». وبه نقول. قال أبو سعيد: معي، أنّه يختلف فيه من قول أصحابنا. ويخرج فيه ما قد قيل في هذا الباب، على معاني ما يستدلّ به من القول. وأثبت ذلك عندي قولهم طهارة سوره، لثبوت طهارة الشيء من الماء وغيره. فإذا ثبت طهارة الشيء، بمعنى طهارته، لم يستحلّ إلى حكم النجاسة، لا مخرج له من حكم النجاسة بمعاني.
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: اختلف أصحابنا في رجيع الأنعام، فحكم بنجاسته بعضهم، ولم ير ذلك آخرون. ويوجد عن أبي عبد الله: إنّ رجيع الخيل والحمير، وما لا يجتر فلا بأس برجيعه. وقال العباس والمغيرة: إنّ رجيع ما لا يؤكل لحمه من الخيل والحمير وما أشبهها، أولى أن يكون نجسا. وما يؤكل لحمه، فهو أشبه بالجواز في حكم التطهير؛ لأنّ الناس اختلفوا في بول ما يؤكل لحمه. /132/ (1/132)
صفحة 133
ولم يختلفوا في بول ما لم يؤكل.
ومن الكتاب: وروث ما يؤكل لحمه غير نجس، والدليل على ذلك، ما روي أنّ الجن شكوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم الزاد. قال –عليه الصلاة والسلام-: «كلّما مررتم بعظم قد ذكر اسم الله عليه فهو لكم لحم غريض وكلّما مررتم بروث فهو علف لدوابكم». فقالوا: يا رسول الله، أنّ بني آدم ينجسونه علينا. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تنجيسه عليهم، والله أعلم.
مسألة: وقال أيضا: حدثني جليد بن الصلت، أنّ محمّد بن نارسة، حدّثه أنّ أبا صفرة، وصل إليه فقال له: إنّ معنا طعاما لا نأكل منه، ولولا ذلك لقربناه إليك. قال أبو صفرة: ولم؟ قال: لأنّ السنور أكل منه. قال: قدم إلى الطعام. قال محمّد: فقدمته إليه. قال: أرني حيث أكل السنور. قال: فأريته فبدأ به، فأكل منه ثمّ أكل. /133/ (1/133)
صفحة 134
مسألة: سألت أبا سعيد عن سور الكلب من الماء، إذا لعق الماء بلسانه، ولم يمسّه شيء من نثرته. هل ترى به بأسا؟ قال: سور الكلب نجس. هكذا قال.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: قلت: أرأيت الدبرة، تكون في الحمار، فيمسّها الرجل وهي رطبة. قال: لا بأس بذلك، ما لم يكن فيها دم.
قلت: أرأيت الحمار يربط بالحبل في رأسه أو رجله، وهو يبعر أو يبول. هل يفسد ذلك الحبل؟ قال: إذا لم يعلم إن مسّه بول أو نجاسة، فلا بأس بذلك.
ومن كتاب الضياء: والحبوب التي تبول عليها البقر في الجنوب، فأيّما أصابه من البول تنجس. /134/ (1/134)
صفحة 135
الدليل عليه ما أجمعوا عليه، أنّ الدواب ولو بالت على الحب، وقد صغى أنّه يحكم له بالنجاسة. وإنّما قالوا ما كان في حال الدوس، لا يحكم بنجاسة الحب، لعدم العلم بأنّ بولها قد مسّ الحب، لاختلاط التبن به، وعلوّ التبن عليه، ومن شأن التبن الارتفاع والحب النزول، وإذا كان هذا هكذا، كانت الدواب، إنّما ترشّ لبول على التبن، ويجوز أن ينال لحب أيضا منه، ولكن لما لم يعلموا ذلك يقينا، لم يحكموا بتنجيسه، والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة: والرجيع معناه، أنّه رجع عن حالته الأولى إلى غيرها؛ لأنّه كان طعاما أو علفا. وكذلك كلّما رجع فيه من قول أو فعل، فهو رجيع عند العرب. قال الشاعر:
ليث الشباب هو الرجيع على الغنى ... والشيب كان هو البدي الأوّل
مسألة: عن أبي عبد الله محمّد بن أحمد السعالي: سألت عن مسك الضب والورد، إذا جعل فيها السمن والدهن، فلا بأس بذلك، على نحوه عرفت. /135/ (1/135)
صفحة 136
مسألة: ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: واختلفوا في سؤر الحمار والبغال، فكره ابن عمر والنخعي وغيرهم سؤر الحمار. وقال حماد: أحبّ إليّ أن يعيد الصلاة، إذا توضّأ بسور الحمار والبغل. وقال الحكم: لا يعيد. ورخّصت طائفة في الطهارة بسور الحمار والبغل، ورخّص كثير في الوضوء، بفضل الحمار. قال الشافعي: لا بأس بأسوار الدواب كلّها، ما خلا الكلب والخنزير، وتركت كثيرا من اختلافهم. قال أبو سعيد: تواطئ قول أصحابنا، يخرج عندي على تطهير أسوار الدواب كلّها، من الأنعام والخيل والبغال والحمير، من الماء وغيره من الأشياء. وكذلك ما يشبه هذه الدواب كلّها، وخرج مخرجها، فهذا يخرج عندي على ظاهر قولهم. وقد يخرج عندي كراهية أسوار الخيل والحمير وما أشبهها، لموضع كراهية لحومها؛ لأنّه كلّما فسد لحمه، ففي الاعتبار أنّه مفسد سوره. وكلّما كره لحمه، فكذلك يخرج في الاعتبار كراهية سوره. /136/ (1/136)
صفحة 137
وأمّا السباع، فيخرج في معاني قولهم كراهيتها، من غير فساد بمعاني الاتفاق. وقد قيل: إنّ أسوارها فساد. ولعلّ ذلك يخرج على معنى قول من يفسد لحومها، للنهي عن ذوات الناب من السباع، وإذا ثبت طهارة لحمها، مع من ثبت معه ذلك، فسورها عندي مثل لحمها، إلا نعدوه إلا أن تصح نجاستها لمعارضة غيرها، بمعاني الحكم، أو حين ما يشبه ذلك.
ومن كتاب الأشراف: وأمّا عرق الحمار، فقد حكي عن مالك وغيره، أنّهم كانوا يرون به بأسا. وقد اختلف فيه عن النعمان، في عرق الحمار. وقال أيّوب: لعاب الحمار طاهر. وقال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج في قول أصحابنا معاني الاختلاف، في عرق الحمار ما لم يصن. فإذا أصين، فلا أعلم بينهم اختلافا، ولا أنّه طاهر والسائد طهارته، بمعنى الحكم، حتّى تصح فيه نجاسة ولعابه مثل عرقه عندي، إلا أنّي لا أعلم من قولهم فساد ذلك، يخرج عندي كراهية. /137/ (1/137)
صفحة 138
مسألة: وسألته عن بول الأماحي وسورهن وبعرهن أنجس، أم ليس بنجس؟ قال من قال: إنّه نجس. قلت: ما تقول أنت؟ قال: أقول: إنّه ليس بنجس. وما كان فيه الرفق بالسائر، فهو أحبّ إليّ.
قلت له: وكذلك الحيّات ومثل الأماحي. قال: نعم، إنّما كرهوا سور الحيّة، من أجل خوف المضرّة، وسأله سائل إذا ماتت الأمحاة في البئر. هل تنجسها؟ قال من قال: إنّها تنجسها. وقال من قال: إنّها لا تنجسها.
قلت له: كذلك الحيّة؟ قال: نعم.
مسألة: قال أبو الحسن في بعر الضب: إنّه يرجو أنّه لا بأس به. قلت له: فبعر الثعلب فما فوقه من السباع. أهو مفسد؟ قال: نعم.
مسألة: العلّة الموجبة لطهارة سؤر الهرّة؛ لأنّها لا يستطاع الامتناع عن /138/ (1/138)
صفحة 139
سورها، لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أنّها من الطوافين عليكم». وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّها من ساكني البيوت فمن وجدت هذه العلّة فيه لم ينجس سوره».
مسألة: من الزيادة المضافة: وجدت في الضياء: إنّ سور الفيل وروثه طاهر. وقال بعض في لحمه: إنّه من الأنعام. وقال بعض: يكره وكذلك الخيل. ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
ومن الكتاب: ذكر سلخ الإبل، وقد رخّص من رخّص في الجمال الشرر، الذي يطير من بولها، ما لم يضيّع، وما ظربت به الإبل من أذنابها، من سلخها فهو مفيد. فمن طار به شيء من ذلك، ولم يعلم أنّه ممّا طريت بأذنابها، فلا فساد عليه، حتّى يعلم.
ومن غيره: وفي بعض الآثار: إنّه لا يفسد ما مجت بأذنابها، حتّى يعلم أنّه مسّ بذلك البول، لا أنّ أصل ذلك طاهر غير نجس، حتّى يعلم أنّه قد أفسد، والقول الأوّل هو الأكثر. وتنظر في هذا، فإنّي لا أقول: إنّه مخالف للحق، وله حجّة حق. وما يخرج من منخر الجمل، سوى الدم لا ينتقض.
قال غيره: إلا أن يكون حلالا. /139/ (1/139)
صفحة 140
وقال محمّد بن المسبح: عرق الجمل لا يفسد، إلا حيث ضرب بذنبه إذا خطر. وأمّا الحمير، فإنّما أفسدت بتمرغها في أبوالها، فإذا أصيبت وحبست، لم يفسد عرقها. وقال: والبعير يفسد من عرقه، ما بلغ خطره، يعني ما بلغ ضرب ذنبه. وقال غيره: كان القول الأوّل فيما ضرب الإبل، بأذنابها من الهرم، فمسّ من سلخها من أذنابها، أكثر قول أصحابنا. فإنّ الحكم يقضي للآخر منهما، بموافقة معاني الأصول؛ لأنّ كلّ شيء أصله طاهر، فهي على معنى طهارته، في كلّ شيء منه بعينه، حتّى تصح نجاسته، وأصل سلخ البعير طاهر في معاني الاتفاق، حتّى يصح بنجاسته بمعاني الاتفاق، ولن يصح ذلك على سبيل الاسترابة، إلا في نجاسة. ولن يصح ذلك على سبيل الاسترابة، إلا في كلّ شيء بعينه. ومعي: إنّ في معنى قول من قال: وعرق الإبل، أنّه مفسد، حيث بلغ خطره بذنبه وضربه به، فإنّما يخرج معنى ذلك، أنّه يفسده. وأنّ ذلك فاسد فيه، من حيث بلغ ومس، وذلك على قول من يقول بنجاسته على الاسترابة. /140/ (1/140)
صفحة 141
وأمّا على معاني الحكم، فحتّى تصح نجاسته من حيث ما وجد، أعني أسلخ البعير على معاني ما قيل بذلك، والاسترابة قد تلحقه في بدنه كلّه، والحكم قد يقضى له بطهارة بدنه كلّه، ما لم يعاين في حين ذلك فيه نجاسة، لا مخرج لها من لزوم النجاسة لها. فإذا ثبت ذلك، فسد عرقه الماس لتلك النجاسة، لا لمعنى عرق البعير. وكذلك قوله في الحمير: إنّه إنّما أفسد عرقها، لموضع تمرغها في أبوالها. وكذلك الخيل والبغال والبقر والغنم، فلا يلحقهما هذا كلّها، في مرابطها ومعاطنها ودروسها وزروبها، وجميع الدواب من الأنعام وغيرها، لا يتعرّى في الاسترابة من هذا، وأمّا ما خرج من مناخر الأنعام كلّها والدواب، فقد مضى فيه القول، وهو طاهر بمعناها. وأمّا الجلالة منهما، فكما قال فعنا. ويلحقها حكم النجاسة في جميع رطوباتها، ممّا خرج من منخرها وفمها وأعراقها وأرواثها، وجميع ما خرج منها.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن قول من قال: إنّ شرر بول الإبل، لا يفسد إلا أن يخضب القدم. ما حدّ هذا الإخضاب؟ /141/ (1/141)
صفحة 142
قال: أحسب أنّ بعضا يذهب، حتّى يرى ولو تيقّن أنّه وجد مسّه، حتّى وأسباغه، حتّى يبصره موجودا. ومعي: إنّ بعضا يذهب أنّه، إذا جرى يده عليه وجده.
مسألة: من كتاب قواعد الإسلام: وأمّا بول ما يؤكل لحمه، فقد اختلف فيه أيضا. فقال قوم: إنّه طاهر. وقال كثير أصحابنا: إنّ الأبوال كلّها نجسة، سواء كانت من بني آدم أو من البهائم. ولم يقطع أصحابنا عذر، من شرب أبوال المأكولات، واتفق الجميع على أبواب المكروهات والمحرّمات حرام نجس، والله أعلم. فقيل: أسبع وأفسده. وأحسب أنّ بعضا يذهب، حتّى سبغ قدمه، يعني يربطها والأسباغ العاق على الشيء. وكلّ هذا عندي لا يبعد، إذا ثبت معنى ما قيل فيه. وممّا عندي، أنّه قيل في موضع الضرورات في القوامل، الذي لا يستطيع أيّما شيء، أن يخرج من جملتها. /142/ (1/142)
صفحة 143
كما ميل في الضرورات من الدباس والداببسات من الإبل والبقر، لا يمكن إخراجها، وليس عندي أنّ الأثر مجتمع عليه، وأحسب أنّ فيه اختلافا، أعني بول الإبل. وفي موضع عنه آخر، وأحسب أنّ بعضا ذهب إلى فساد ذلك كلّه، من قليل وكثير.
قلت له: وكذلك هو في البدن والثوب، مثل القدم والقول في ذلك واحد. قال: هكذا عندي، إذا ثبت. وقال: لعلّ أبو سعيد، أمّا أسوار الدواب من الأنعام، وما أشبهها من الأملال وغيرها من الأهلية والوحشية. وكذلك الخيل والبغال والحمير، وما أشبهها في مثل ذلك من الأملاك وغير الأملاك، من الأهلية والوحشية، فإنّ أسوارها ولعابها، وما خرج من أفواهها ومناخرها وصدورها، وجميع ما خرج من رطوباتها، من مثل هذا وما أشبهه. فمعي، أنّه جارح في معاني الاتفاق، أنّه طاهر هذا كلّه منها. ولا يبيّن لي في ذلك اختلاف، ولا أعلمه من قول أصحابنا، ولا من قول قومنا. وأمّا ما خرج منها، على وجه القيء، من غير الأنعام من الخيل والبغال /143/ (1/143)
صفحة 144
والحمير، وما أشبه ذلك، من غير ذوات الحرة وغير ذوات الكروث والفروث. فمعي، أنّه خارج معاني الاتفاق فيه، أنّ ذلك منه طاهر، بمعنى سائر ما يخرج منها من أفواهها ومناخرها، ولا يبيّن لي في ذلك اختلافا في قول أصحابنا؛ لأنّهم لا يفسدون شيئا منها، من أرواثها من ماء، ولا من جميع ما خرج منها، من جوفها في حياتها، إلا بولها ولا من بعد ذكاتها، من معاني ما في جوفها، من غير أسباب دمها. وأمّا ما كان من ذوات الجرة والأكراش والفروث، من الأنعام وما أشبهها، فيخرج في معاني أسباب فيها وفرثها والاختلاف. وكذلك حرثها وهي خارجة بمعنى الفرث من جوفها. ومعي: إنّه إذا ثبت ذلك فقها، ممّا أشبه معاني فرثها وجرتها. هل مثل فرثها؟ ولا فرق فيه عندي؛ لأنّه هو في المعنى والشبه سواء، فالذي يذهب إلى فساد فرثها، يلزمه أن يفسد جرتها وقيئها، والذي لا يفسد فرثها، يلزمه فساد الجميع منها. ويلزم من قال بفساد الفرث، أن يفسد الروث؛ لأنّه منه ومخالط له، ومتّصل به، ومتنقّل من حاله إليه، ويلزمه في الاعتبار أن يكون ما خرج من الدبر الروث، أشدّ ممّا خرج من الفم؛ لأنّه أبطأ في حال النجاسة. وأعتق إن كان نجسا، وإلا فلا معنى في انتقاله، من حال إلى حال، أن يطهّر به في حال الانتقال، من هذا الوجه، وهذا المعنى ومن الكتاب. /144/ (1/144)
صفحة 145
باب ذكر السباع من الدواب والنواهش من الطير وذكر السنور والفأر ومعاني ذلك
وشدّد من شدّد من المسلمين، في سؤر الرخم والغراب، وبلغنا أنّ محمّد بن محبوب، لم ير به بأسا. وقال غيره: مكروه. وأمّا السباع كلّها، غير الصيد فمفسد سؤرها، ومن مسّها وهو رطب، إلا الكلب، فإنّه قيل: لا يفسد سوره، ولا ما بأس وهو رطب. وقال غيره: سور السباع، ما سوى الكلب والقرد والخنزير. قيل: إنّه يكره وليس بنجس، وهو بمنزلة الرخم والغراب من الطير. وقال غيره: معي، أنّه يخرج في معاني أحكام الدواب كلّها، أنّها خارجة على ثلاثة أصناف، ما سوى البشر. فمنها محرم بكتاب الله وسنّة رسوله، أو بالإجماع، وذلك معنا الخنزير والقرد وجلد الكلب. فأمّا الخنزير، فبكتاب الله محرّم. /145/ (1/145)
صفحة 146
وأمّا القرد، فمعنا أنّه مشبه للخنزير، مساوي له في بعض أحكام كتاب الله. ومعي، أنّه قيل: إنّ تحريم القرد، ثبت من سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلّد الكلب معنا، أنّه خارج بمعاني الاتفاق، أنّه رجس، فنخرج معاني أحكام هذا الصنف من الدواب، أنّه مفسد سؤره رجس، وأعراقه وجميع ما خرج منه، من رطوبة من فم أو منخر وأبواله وأخباثه، أمّا القرد والخنزير، بمعنى تحريمه كلّه. وأمّا الكلب، فجميع ما خرج منه، من رطوبة وسؤر، فمعي نجاسة جلده وفساد في معاني الاتفاق. وأمّا بوله وخبثه، فلمتى ثبوته في جملة السباع، من ذوات الناب منها، وأنّه من السباع النواهش. ويخرج من معاني الاتفاق: إنّ جميع النواهش من السباع، من ذوات الناب، أنّه مفسد بوله وخبثه. ولا نعلم في ذلك اختلافا. وما عدا هذا الصنف، الذي قد مضى ذكره، وما أشبهه من الخنزير والقرد والكلب، من سائر السباع النواهش، من ذوات الناب، فيخرج في معاني أحكام ما كان منها، من سور أو عرق أو رطوبة، من فم أو أنف /146/ (1/146)
صفحة 147
وما كان من رطوبة ما سوى ما خرج منها، من بول أو خبث أو قيء أو دم، على ثلاثة أحوال وثلاثة أقوال، فحال منها، أنّها في جملة الظواهر، في جميع هذا؛ لأنّها لم يثبت تحريمها. وهي حلال في الأصل، لمعنى قول الله تبارك وتعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} الآية. وقوله: {إنّما حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير}. وإنّما كان معنى تحريم هذا، وحلاله في الدواب من المطاعم، ليس أنّه لم يحرّم الله، إلا هذا من المحرّمات، فقد حرّم غير هذا من المناكح، الربا وغير ذلك من المحرّمات، وإنّما المعنى في تحريم هذا، استثناء من جميع الدواب والطير، أنّه محرّم. وما سوى ذلك من اللحوم، من جميع الدواب البرّية، من ذوات الدماء الأصلية، إذا كانت مذبوحة ذكية، بوجه من الوجوه، التي تصح ذكاتها به، من نحر أو ذبح. وكلّ ما كان أصله حلالا، كان جميع ما كان فيه من ذواته طاهرا، وما مسّه طاهر، حتّى يصحّ تحريمه ونجاسته، بوجه يخرجه من حال صحّة الاستثناء، من المحرّمات والخروج منها. فهذا معنى قول من قال: معي أنّ أسوار هذه الدواب من السباع، وهذه النواسر من الطير، من ذوات المخاطب من ذوات الناب. /147/ (1/147)
صفحة 148
أنّها كسائر الدواب من الطاهرات، إلا ما ثبت فيها لمعنى لنسر والهش للمحرّمات من الميتة، ومثلها من أكل الدواب بغير زكاة، وعرف بذلك، فثبت فيها لمفارقتها للظواهر من الأنعام، وما أشبهها، والخيل والبغال، وما أشبهها فساد أبوالها وخبثها. وأمّا سائر ذلك من معانيها، فكسائر الطواهر من هذا الدواب. ومعي: إنّه يلحق هذه السباع من الدواب والنواشر، من الطير من معاني الريب، للإدمان منها، على أكل النجاسات وحدها، إلا أنّه يكاد على أكثر الحال، أن يكون ذلك أكلها من النجاسات، فلمّا لزمتها الريبة من هذا الوجه، ولو صح عليها، مع أكل النجاسة، لا تخلط معها غيرها، للزمها حكم الجلالة والتحريم والرجس، لجميع ما فيها من معانيها، من رطوباتها وجميع ما مسّت أو مسّها من رطوبات. فكلّ مستراب يلزمه حكم الإشكال. وكلّ مشكوك موقوف، حتّى يعلم ما يخرجه عن حاله الإشكال إلى الطهارة، لا شكّ فيها، أو نجاسة لا شكّ فيها، فيثبت له حكم ما صح فيه، فيلزم هذه الدواب، وهذا الطير من هذين الصنفين من الدواب، والطير في هذه الحال، حكم الإشكال والوقوف والكراهية، لأكل لحومها، وفي جميع رطوباتها، على معاني الترك له، وإلى ما هو أصح منه، في حال الطهارة والتحليل، من غير أن يحكم عليه بنجاسة ولا تحريم، تركت بقية المسألة. ومن الكتاب. /148/ (1/148)
صفحة 149
فصل في ذكر السنور والفأرة ونحوهما
وقد اختلف في سور السنور والفأر. فبعض كرهه، وأحب ترك ذلك إلى غيره. وبعض لم ير به بأسا، وإنّما أخذ به من رأى الفقهاء، فجائز. ويؤخذ عن أبي –رحمه الله- في سور السنور من الماء، أنّه أحبّ تركه. وأمّا من الضياع والطعام، فأجازه. ومن غيره: وقال من قال: لا بأس بذلك كلّه، ولا نقض على من مسّ المخطمة منه. وقال من قال: إن تمسّ مخطمة السنور. أينقض وضوءه؟ وعن محمّد بن محبوب –رحمه الله-: في فأرة وقعت في خل، وأخرجت منه حيّة. قال: إنّها قذرة، وما أتقدّم على تحريمه. وكذلك قيل عنه، إذا دخلت في الماء، وخرجت حيّة، ولعلّ سؤرها عندهم أشدّ. /149/ (1/149)
صفحة 150
وكذلك إذا قرضت الثوب، فهو مثل سؤرها. ومن غيره: كلّ ذلك لا بأس به. قال محمّد بن المسبح: لا بأس بسؤر الفأر، ولا قرضه الثياب، وأمّا إذا مات في شيء، أفسده إلا أن يموت في شيء جامد، مثل سمن أو عسل أو غيره، فإنّه يقلع ما مسّه، لا بأس بالباقي. وحفظ الثقة، أنّ أبا عبد الله، سئل عن فأرة، وقعت في إناء، أو في بئر، أنّها تفسد لموضع البول منها. قال أبو الحواري: الذي نأخذ به، إذا وقعت فأرة في ماء، أو في غيره، وخرجت حيّة، أنّ ذلك الشيء لا يفسد.
قال غيره: والسنور والفأر، معي جملة الدواب الثابت لها الخروج بالاستثناء، من جملة المحرّمات. ومن جملة الظواهر، بمنزلة سائر الدواب، لما ذكرنا من تأكيد كتاب الله تبارك وتعالى، في ذلك إلا ما عارض عن كلّ شيء، من جميع المستثنيات، من جميع الدواب، من معنى يلحقه معنى التحريم، أو شبه بسبب يوجب ما شبه حكم الكتاب أو السنّة أو الإجماع، وإلا فجميع ما يخرج عمّا سمّاه الله محرّما، من جميع الدواب، من ذوات الأرواح البرّية، من ذوات الدماء الأصلية. فحكمها حكم التحليل والطهارة، في المحيا والممات، إذا كان ذكيا. /150/ (1/150)
صفحة 151
وقد جاء في السنور، فيما يروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «من متاع البيع ومتاع البيت لا يكون إلا طاهرا». وجاء عنه صلى الله عليه وسلم فيما يروي أنّه قال: «فيه من الطوافين عليكم ومن الطوافات أنّه من العيال». وقد ثبت في العيال، في معاني الإجماع، أنّ أولاد المسلمين على الطهارة، حتّى تعلم نجاستهم. ويروى عنه صلى الله عليه وسلم في السنور، أنّه كان يأتي إليه، وهو يتطهّر حسب وضوء الصلاة، إلا أنّه يأتي إليه وهو يتطهّر من الإناء، لعلّه يتعرّض للماء. فقيل: إنّه كان يميل إليه الإناء، أي يحرفه إليه، لينال الشرب معه، ويصل إليه، ويشرب السنور من مائه صلى الله عليه وسلم، ثمّ يتطهّر من ذلك الماء، وهذا في السنور هو الثابت، فسور السنور معنا ورطوباته، وجميع ما خرج من فمه ومنخريه وعرقه، معنا بمعنى الطهارة، فيما يحيه من أمره. وأمّا قيئه وبوله وخبثه، فهو معنا بمعنى السباع، لثبوت ذلك فيها بمعاني الإجماع، وشبّهها لها في معاني ما يلحقها الحكم، بإخراجها* من معاني الأنعام. /151/ (1/151)
صفحة 152
وما أشبهها والخيل والبغال والحمير وما أشبهها، وتركت بقية المسألة.
وفي منهج الطالبين: اختلف الناس في سور الهر والفأر: فقول: إنّه نجس كسور الكلب. وقول: إنّه طاهر. وقيل: إنّ سؤر السنّور ورطوباته، وما خرج من فيه ومنخريه، وعرفه كلّه طاهر، وأمّا قيئه وبوله وخبثه، فهو نجس بالإجماع. وكذلك ميتته، والله أعلم.
ومنه: فصل: واختلف أصحابنا في سؤر الفأر وبعره، فالحق بعض بالسنور. وقال بعضهم: إنّه مشبه للسنور في بوله وسوره. وفي بعره اختلاف، وكان ابن محبوب يقول: إنّ بعر الفأر، لا يفسد ويغسل بوله. وقال هاشم –رحمه الله-: إنّ بعر الفأر، لا يفسد السمن، ما لم يتغيّر طعمه، ويكون البعر، مثل السمن، فإن غلب البعر على السمن، فتركه أحبّ إليّ. /152/ (1/152)
صفحة 153
وقال أبو عبد الله: إذا وقع في السمن، فأولى أن يستعمل في معانيه دون المحرّمات، النجاسات بعينها، كان هذا الموقوف أولى من المحرّمات وأطيب. فإذا لم يوجد الطاهر الحلال بعينه، ووجد هذا المشكل في هذا الحال. وإن كان لا يعدم أن يأكل شيئا من الطاهرات، ولا يصح عليها معاني أكل النجاسات.
مسألة: من كتاب قواعد الإسلام: وأمّا الهر ففيه اختلاف. والأصح أنّه طاهر؛ لأنّه من الطوافين والطوافات على الناس، ولحديث أبي قتادة، أنّه صفى إليه إناء فشرب منه، فمن ذهب إلى نجاسته؛ لأنّ الأصل فيه سبع، والفأر كذلك فلعمري أنّهما كما زعم. لكن الرخصة وردت في الهر للحاجة إليه، ولتعذر الاحتراز منه في البيوت لعلّة، ويلحق به الفأرة لتعذر الاحتراز منها. وقول: إنّه طاهر عند الضرورة، ونجس عند المكنة. /153/ (1/153)
صفحة 154
وقول: إنّه إذا كان رطبا، فهو نجس. وإن كان يابسا، فهو طاهر. وقول: إذا وقع في الشيء، وكان نصفه أفسده، وإن كان أقل من ذلك، لم يفسده. وقول: حتّى يكون هو الأكثر، وذلك في كلّ شيء، واختلف أيضا في بوله. فقول: إنّه نجس. وقول: إنّه لا ينجسه. /154/ (1/154)
صفحة 155
باب ذكر أسوار الطير وحزقه والجلالة ونحوها من الدواب وذكر الدجاج ونجاسته وطهارته ومعاني ذلك
وكذلك سؤر الطيور جميعا وحزقه، لا تبصر فساد إلا الحمام الأهلي. فقد شدّد أكثر الفقهاء في حزقه وحزق الكفاف والأجدل، ورخّص من رخّص من الفقهاء، في العقاف وذلك أحبّ إليّ. وقال من قال: لا بأس بحدث العقاف وبوله، إذا وطئ عليه الرجل وهو متوضّئ. وقال من قال: لا بأس بحزق الحمام الأهلي والعقاف والأجدل، وبه نأخذ. وأمّا حمام الحرم الأهلي، فلا بأس به على حال. والحمام الأهلي، كره حزقه لما يرعى مثل الدجاج. وأمّا الطائر منه الطاهر، فلا بأس بحزقه، وقد أسكنه الله حرمه، فلا أهلي أهل من ذلك.
قال غيره: معي، أنّ جميع الطير البرّي، من ذوات الدم الأصلي، من جميع ما خرج صيدا حلالا، ما دون النواسر، من ذوات المخالب، من جميع الطير، فإنّه خارج عندي بمعاني الاتفاق، من قول أصحابنا. /155/ (1/155)
صفحة 156
ولعلّه أنّه من غيرهم، أنّه بمنزلة الدواب الطاهرة، من الأنعام وما أشبهها. وإلى شبه الأنعام أصحّ لمعاني الاتفاق من أحلال لحومها وذكاتها وطهارتها؛ لأنّه قد يلحق الحمير ومشبهها وما يلحقها. وهذا الجنس من الطير، لا يلحقه معنا سنّة ولا ما يشبه ذلك، وأنّه مشبه من جميع حالاته الطهارة للأنعام من الدواب، وفي أسوارها وجميع ما خرج من رطوباته، من مناقيره من سائر بدنه وحزقه، فمنزلة أرواث الأنعام وأبعارها، ولا أعلم في ذلك اختلافا. وهذا النحو من الطير، وهو شبه هذا النحو من الدواب على الأرض، في جميع أحوالها، وإن ثبت لهذا الجنس من الطير بول، وكان يبول وله بول، كان عندي بمنزلة بول الأنعام لشبهه له. ومعي، أنّه قد قيل: إنّ بول هذا النحو من الطير وما لم يفسد حزقه، طاهر بمنزلة حزقه. وقد كان يعجبني ذلك، أن يكون في الأنعام لموضع طهارتها. وإذا قد قيل في هذا الجنس من الطير، ممّا معي أنّه من قول أصحابنا، كان ذلك ممّا يعجبني فيه لموضع طهارته. ولو جاء عن أصحابنا في الأنعام ترخيص في بولها، لكان ذلك أحبّ إليّ ممّا قد قيل بنجاسته. /156/ (1/156)
صفحة 157
ومعي، أنّه يخرج القول في هذا الطير في بوله، أنّه مفسد بمعنى بول الأنعام. وكذلك عندي أنّه مختلف في بيضه. فأحسب أنّ في بعض القول: إنّه نجس طاهرة بمنزلة بيض الدجاج. ومعي أنّ بعضا يذهب إلى طهارة بيض هذا الطير كلّه، من جميع ما كان من الطير، خارجا بهذا الشبه، ممّا خرج على هذه الصفة، من غير النواسر، على ما تقدّم ذكره. أنّ جميع ما كان منه، من حزقه وبيضه ورطوبة وبول، أنّه طاهر لمعنى طهارته في الأصل كلّه. وأمّا الحمام الأهلي، الذي يرعى مرعى الدجاج، ممّا يدخل عليه الريب، من الأنجاس في رعيته. فمعي، أنّ بعضا يفسد حزقه، ويخرج ذلك عندي على وجه الاسترابة، لموضع رعيه، في المواضع المسترابة من الأنجاس. ومعي، في أصل من أمره، على معاني ما يخرج حكم الأصول فيه، أنّه طاهر ما لم يثبت معناه حلالا، لا يخلط مع النجاسة غيرها من الطهارة، فإذا ثبت ذلك فيه، كان سوره وحزقه، وجميع ما خرج من رطوباته ولحمه، في معنى واحد من النجاسة معي. /157/ (1/157)
صفحة 158
وأمّا إذا صح أنّه أكل شيئا من النجاسة، فهو خارج بمعنى الأنعام والدواب، ما لم يكن جلاله. فإذا ثبت فساد لحمها، لمعنى ذلك، كانت في ذلك الحال فاسد لحمها. وجميع ما كان منها، بمعاني ما يخرج من الحكم. وقد قيل: لا يفسد إلا لحمها، وهو من العجائب، وهذا الطير عندي مثله، لم يكن حلالا، وما لحق من الطير الذي يكون أصله وحشيا، اسم الاستئناس، حتّى يكون مثل هذا الحمام، بمثل ذلك الطير الطاهر في الأصل، فهو عندي مثل الحمام، وأمّا الأجدل والعقاف، وما خرج مخرجهما وأشبههما؟ فمعي، أنّه يختلف في حزقهما وسورهما. فأحسب أنّ بعضا ذهب بذلك الجنس من الطير، إلى أحكام هذا الطير الطاهر؛ لأنّه ليس من النواهش، ولا من ذوات المخالب. وهو في معنى الطير الطاهر؛ لأنّه ليس من النواسر فحزقه وسوره طاهر. ومعي، أنّ بعضا يذهب إلى معنى التشبيه للفأر؛ لأنّه ليس من ذوات المناقير، بمنزلة الطير وشبهه إلى الفأر، وما أبه الشيء فهو مثله. /158/ (1/158)
صفحة 159
وسور الفأر وبعره في بعض ما قيل فيه: إنّه نجس. وفيما قيل: إنّ ذلك كلّه طاهر، وليس مراعى العقاف، والأجدر كمراعي الفأر، ولا هو من الدواب التي تشبه بالفأر. ومعي، أنّ كلّ شيء أصله طاهر. فالطهارة أولى به، حتّى يعلم نجاسته بمعاني هذا الطير كلّه، ما لم يخرج في النواسر. فأحكامه طاهر بمعنى الأنعام من الدواب والصيد من الوحش، ممّا خرج على شبه الأنعام، من الظباء والأوعال وما أشبه ذلك.
فصل: وقيل في الحزق إذا وجد أنّه يحكم بنجاسته، وأنّه مفسد لما مسّه، وبعض يراه طاهرا؛ لأنّه يحتمل أن يكون من حزق العصافين، وبعض يعتبر بالموضع، ويحمله على الأغلب من طير ذلك الموضع، مثل الباطنة، يرى فيها الأغلب هو الغراب. فعلى هذا يخرج الحكم فيه، والله أعلم. /159/ (1/159)
صفحة 160
فصل ذكر الجلالة ونحوها من الدواب
ومعي، أنّه قيل في الجلالة من الدواب، فهي التي تعتلف النجاسات، لا يخلط معها غيرها من الطهارات. فإذا ثبت معنى شيء من الدواب حلالا، فمعي أنّه خارج معنى أحكامه بمعنى المحرّمات، من الذوات في بيعه وشرائه، وأكل لحمه ولبنه والانتفاع به. ومعي، أنّه يخرج معنى الجلالة من الذوات، في أسوارها وأعرافها وأرواثها، وجميع ما خرج منها، أنّه نجس بمعنى المحرّمات، من الدواب من القرد والخنزير. وكذلك مفسد كلّ ما كان منها، من الرطوبات وما عارضها من الرطوبات، أفسدتها من الطهارات، كانت الجلالة من الأنعام أو غيرها ومثلها، أو من الخيل والبغال وشبهها ومثلها. فما ثبت حكمه حلالا، فهو بمعنى واحد، معنا في معاني ما يخرج من هذا كلّه. ومعي، أنّه قد قيل: إذا أكلت الدابة من الأنعام النجاسة، قليلا كان أو كثيرا، فلا يؤكل لحمها، حتّى تحبس بقدر ما يقتضي ذلك منها، ولا يجوز أكل لبنها في تلك الحال. وقيل: يؤكل لبنها ولا يفسد إلا لحمها، ولا يستقيم معي ثبوت فساد اللحم في حال، إلا وفسد فيه اللبن من الدابة التي يفسد لحمها. /160/ (1/160)
صفحة 161
فإذا ثبت فساد لحمها، كانت في تلك الحال، الذي قد فسد فيها لحمها، خارجة مخرج الجلالة عندي، في فساد جميع ما كان منها، من لحم أو لبن أو روث أو عرق. وكذلك ما خرج من فم أو منخر، بمنزلة الجلالة، إلا فلا يفسد منها شيء من اللحم ولا غيره، حتّى تصير بمنزلة الجلالة، فلا يستقيم معي شيء، يكون محرّما، في حال تكون رطوباته طاهرة. فإن كان من وجه التنزّه عن لحمه، فكذلك يلحقه التنزّه عن رطوباته. وإن كان في حد الحكم في التحريم في لحمه، فمثله في رطوباته.
مسألة: يروى عن أزهر، أنّ سائلا سأله عن عسالة، وقعت في بئر، فشرب منها وسقيت منها شاة، أنّ ذلك الماء حرام، وتستبرأ الشاة يومين، ثمّ بعد ذلك يؤكل لبنها، وتغسل من الثياب ما أصاب الماء.
قال غيره: وذلك إذا ماتت العسالة في البئر، وهي ممّا تنجس. وقد قيل: لا يفسد لبن الشاة على حال. /161/ (1/161)
صفحة 162
فصل في ذكر الدجاج
خبث الدجاج مفسد، وأمّا سؤره فلا نرى فيه بأسا، حتّى يكون على منقارها قذر عند شربها من الماء وأكلها. وكذلك الجعل قال أبو الحواري: لم ير بعض الفقهاء بأسا بحزق، ما يؤكل لحمه من الطير. وقال محمّد بن المسبح: وحزق الطير غير مفسد إلا النواهش، أعني النواسر منه، وإن حزقها مفسد. والدجاجة أخذوا فيها بالرخصة، والتنزّه منها أحسن، إذا كانت جلالة ترعى الأقذار.
قال غيره: معاني قول أصحابنا يشبه الاتفاق، على حزق الدجاج الأهلي، فإنّه مفسد. وعلى سورها، كأنّه طاهر، حتّى يعلم فيه نجاسة. ومعاني قولهم: إنّ كلّ شيء من الطير، يؤكل لحمه، فلا يفسد حزقه. والدجاج معنا من الطير الذي يؤكل لحمه، ولا أعلم في ذلك اختلافا. /162/ (1/162)
صفحة 163
ومعي، أنّه يخرج معاني اتفاق قولهم، على ذلك من أجل أنّها ترعى الأقذار والنجاسات، ولا أعلم أنّها من النواسر، التي تنسر الجيف، ولا تضاف إليها، وإنّما هي من الرواعي. وقد ترعى الأنعام والدواب الطاهرة المواضع القذرة، وتأكل القذر. إن لم تكن جلالة، فلا يفسد لحمها ولا روثها، إذ هي طاهرة في الأصل. وإن كانت هذه الدجاجة جلالة؟ فلا يجوز لحمها، ما كانت في حال الجلالة، ولحمها نجس وسؤرها وجميع ما كان منها. وإن كانت ليست بجلالة؟ فلا يخرجها من سائر الطير أكل لحمه مثلها في حزقها، إلا الدليل يوجب عليها ذلك دون غيرها. وإن كان من جهة الاسترابة؟ فالاسترابة لا توجب تحويل الأحكام. وأحسب أنّه قد يوجد في بعض قولهم: إنّ حزقها لا يفسد. وكذلك فيه ترخيصا. ومعي، أنّه قد قال بعض أهل العلم فيها: إنّها لو حبست من مراعي الأقذار، كان حزقها طاهرا. وإذا ثبت هذا المعنى فيها، أنّه إنّما فسد حزقها من جهة المرعى والاسترابة لها فيه. /163/ (1/163)
صفحة 164
فكذلك قد يكون الشيء من الأنعام مسترابا برعيه الأقذار، وأكل العذرة، ويعرف بذلك على الدوام، إلا أنّه يخلط معه غيره من الطهارات، فلا يتحوّل بذلك حكمه من روثه، ولا في سؤره، حتّى يكون جلالا، لا يخلط مع النجاسة غيرها من الطهارات. وكلّ شيء على أصله من الطهارة، حتّى تصح نجاسته، ومن النجاسة حتّى تصح طهارته، وما كان أصله نجسا، فهو نجس على الأبد، ولو أنّ شيئا من السباع، ممّا أصله نجس وخبثه حبس عن البشر، وعن أكل الأنجاس. وإن أطعم ما تطعم الأنعام، لا يخلط معها غيرها من الأسدان والنمور وأشباه ذلك، لكان خبثها مفسدا على أصله. وكذلك الخنزير، لو تغذّى بالطهارات من المعيشة، لم يكن ذلك محولا لحكمه من التحريم إلى التحليل. ولا إلى طهارة خبثه، والدجاج معنا مشبه للطير، وهو طير مجتمع على إجازة أكل لحمه وطهارته، فلا يجب أن يعزل حكمه عن سائر الطير الطاهر، إلا بشاهد ودليل، فإن لحقه فساد حزقه، من طريق الاسترابة؟ /164/ (1/164)
صفحة 165
فعلى غير ما يشهد معاني الأصول في حكمه معنا، ما يشبه من معاني الأصول، وإثباته في جملة الطير، الطاهر لحمه من الرواعي، ليس من النواسر والنواهش، ويلحق كلّ اسمه وحكمه، وقولنا قول المسلمين، وإنّما تراعى مذاهبهم وتردّ مشاربهم، وبالله التوفيق. وينظر في هذا ولا يؤخذ من قولنا فيه، إلا ما وافق الحق والصواب. وأمّا الجعلان وما أشبهها من الخنافس ومثلها، ممّا لا دم فيه من الطائر أو الدواب، فإنّ معاني أحكامه خارجة عن معاني الاتفاق، على ما يشبه السنّة، أنّ كلّ ذلك طاهر، لا بأس بسؤره، ولا بأس بما مسّ حيّا أو ميّتا، ولو عرف بحمل النجاسات وأكلها، ولو لم يعرف بأكل غيرها، ولا مواضع من المراعي سواها. فإنّ ذلك لا يحول حكمه، ولا ينقل اسمه، ما لم يعاين فيه نجاسة في ظاهره، فهو طاهر في الحكم، حتّى تعلم نجاسته بشيء فيه قائم بعينه. /165/ (1/165)
صفحة 166
ومعنى طهارته من النجاسة وزوالها عندي، بأيّ وجه كان في معاني ما يخرج من حكمه، في قول أصحابنا في الدواب الطاهرة. كذلك ما كان من مثل هذا من الدواب، ممّا أصله لا دم فيه ولا دم له. فهو بهذا المعنى، ولو عرف بهذا السبيل في المرعى والأكل.
مسألة: من كتاب قواعد الإسلام: وأمّا الدجاج وما كان في معناه، ممّا لا يمتنع من أكل القذر، فإنّهم قد شدّدوا في روثه أنّه نجس. ورخّصوا في سوره ما لم يعاين النجس على منقاره، في حين وقوعه في الماء. ونجسوا بيضه، حتّى يغسل. (رجع). /166/ (1/166)
صفحة 167
فصل في البيض ونجاسته وطهارته
ممّا يوجد عن بعض أهل العلم، معروض على أبي الحواري –رحمه الله-. وسألته عن بيض الدجاج وبيض النعام، إذا طبخ قبل أن يغسل وأكل لحمه؟ قال: لا بأس بذلك. وأمّا البيض، فإن لم ينشف في القدر، لم يدخل الماء فيه، فلا بأس إذا لم يدخل ماؤه فيه.
قلت: فالماء يطبخ به نجس. قال: نعم. والدجاجة إذا ماتت ووجد في بطنها بيض سالم، فلا يجوز أكله؟ قال أبو علي: إن كان البيض جامدا غسل وأكل. وإن كان غير جامد، فلا يجوز أكله. وعنه فيما أحسب عن الدجاجة، إذا ماتت فوجد فيها بيض. هل يؤكل؟ فقال: إذا كان جامدا أكل. /167/ (1/167)
صفحة 168
مسألة: قلت له: فدجاجة ماتت، فوجد في بطنها بيض بالغ. هل يؤكل؟ قال: معي، أنّ بعضا يقول: يؤكل. وبعض يقول: لا يؤكل. وأمّا غير البالغ، فلا أعلم أنّه يجوز أكله، ولا أعلم فيه اختلافا. قيل له: فإن ذكيت ووجد في بطنها بيض بالغ؟ قال: معي، أنّه يجوز أكله، ما لم يكن دما أو شيئا من النجاسات، خارجا من الطهارة؛ لأنّها هي حكمة، كان صار بيضا؛ لأنّه لا ذكاة عليه. (رجع).
مسألة: وعن البيضة إذا كانت فيها حمرة دم؟ فإذا تحوّلت البيضة، عن حالها التي كانت فيها الحمرة، فلا تؤكل.
قال غيره: إذا صارت دما أو لحمة، لم تؤكل حتّى يكون فيها فرخا حيا ويذكى، وأمّا الحمرة، فالله أعلم. /168/ (1/168)
صفحة 169
مسألة: وكذلك قيل في معاني الطير، وفي بيضه، إذا ما أفسد حزقه، كان بيضه نجسا لمعنى حزقه. وما كان حزقه طاهرا، كان ظواهر بيضه طاهرا، فثبت معنى البيض بمعنى الحزق.
مسألة: والطير الذي يفسد ذرقه، بيضه مفسد، حتّى يغسل، والذي لا يفسد ذرقه، لا يفسد بيضه، إلا أن يكون في البيض شيء من الدم، فإنّه مفسد، والله أعلم.
مسألة: وكذلك يختلف في بيض الطير، كبيض الدجاج. وقول: بيضه طاهر، ما كان من الطير خارجا بهذه السنة، من غير النواسر، والله أعلم.
زيادة من المصنف: وإذا طبخ بيض، فوجد في بعضه فراخ، فلا يؤكل ما فيه الفراخ. وإن وجدت فيه عروق؟ /169/ (1/169)
صفحة 170
فما لم تكن فيه خلق، وإنّما هو عروق بلا دم ولا غيره، فلا أرى بذلك بأسا، ما لم تثنه الزفر من البيض.
مسألة: وإذا شوى البيض وهو غير مغسول وانكسر، فلا بأس به. وإن طبخ وهو غير مغسول، فانكسر، فإنّه نجس. ولا يجوز أكله والماء المطبوخ به نجس.
مسألة: في طبيخ البيض قبل أن يغسل، فكان أبو المؤثر يقول: إن انكسر وهو في الماء، فلا يؤكل ما ينشق منه وكسر، وما لم ينكسر ولا ينشق فيؤكل، إلا أنّ موسى بن علي قال: قال أبو سعيد: وإن وجد منشفا جامدا، غسل ما بقي الشق وأكل؛ لأنّه طاهر حتّى يغسل نجاسته.
مسألة: وقيل في بيض طبخ في الأرز، فلمّا نضج الأرز، وجت بيضة منشقة، وفيها فرخ، أنّ ذلك الطعام نجس كلّه. /170/ (1/170)
صفحة 171
وإن كان ذلك لما نضج الأرز، وغرف منه بمغرفة، فخرجت البيضة منشقة في المغرفة؟ ففي الحكم، أنّه لا ينجس إلا ما في تلك المغرفة، إذا كان يمكن أنّها انشقّت عند الغرف. وإن كان لا يمكن انشقاقها، إلا عند الطبخ، قبل الغرف، ففساد ما في القدر أقرب. /171/ (1/171)
صفحة 172
فصل في لبن الشاة إذا حلبت دما
وسأل أبا سعيد عن الشاة، إذا حلبت من ضرعها لبن غالب عليه الدم الفحت. أيكون الشجب الثاني، إذا خرج لبن، وليس فيه دم طاهرا أم نجسا؟ قال: ليس أقول: إنّه نجس. وأحبّ ألا ينتفع به، حتّى يحلب بعد ثلاثة أشجاب. /172/ (1/172)
صفحة 173
باب فيالحيّات والأماحي والخنازير وذكر العقارب والدبى ونحوه والذباب ممّا ليس فيه دم والضفادع ونحوها
من كتاب المصنف: وإذا ماتت الضفدع في وعاء فيه خل، فإنّه ينجس. وكذلك بعرها وبولها، إذا جاءت من البر نجس، ولا بأس ببولها إذا جاءت من الماء.
مسألة: وإن ماتت في الدم لم تفسده. وإن ماتت في طعام أفسدته. وإن ماتت في قدر أفسدت ما طبخ فيها.
مسألة: قال أبو عبد الله: إن ماتت في طوى أو إناء، لم تفسده؛ لأنّها من ذوات الماء، ويفسد اللبن وغيره، إذا ماتت فيه سوى الماء. /173/ (1/173)
صفحة 174
قال أبو معاوية: إذا ماتت في البئر، فغيّرت ريحها، فلا أقول: إنّها تفسدها؛ لأنّها من ذوات الماء.
مسألة: وإن ماتت في قدح ماء أو في دبس أو سمن أو خل أو برمة، أفسدت بذلك.
مسألة: وأمّا الطعام، فليس يسكن لها وهي تنجسه، إذا ماتت فيه. وليس سبيلها سبيل العقرب والجراد، ممّا فيها من الشحم واللحم.
مسألة: وأمّا الضفادع، فمن ذوات الأرواح والدماء الأصلية، ويلحقها أحكام الدواب البرّية في عامة أحكامها. وأمّا سؤرها، فلا أعلم فيه قولا بالكراهية، إلا أنّها خارجة في الاسترابة، إذا جاءت من البر لمراعي الأقذار. فإن جاءت من البر، فلا يبعد أن يلحقها فساد سؤرها، ورطوباتها وكراهيته، على الاختلاف في غيرها من المسترابة، وإذا لحقها ذلك، لم يبعد الاختلاف في لحمها وجميع رطوباتها. /174/ (1/174)
صفحة 175
مسألة: وأمّا أبوالها، فيختلف فيها، إذا جاءت من الماء، أو ما يقرب منه وجده، لم يجد الاسترابة من المراعي؛ لأنّها من ذوات الماء. فيعجبني أن يحكم لها على هذا بأحكامها المائية، كان مجيئها من الماء إلى البر، أو من البر إلى الماء، ما لم يسترب. فعلى هذا في بولها اختلاف: فقول: إنّه مفسد. وقول: ليس بمفسد. ويلحقها الاختلاف بمنزلة سائر الدواب في أبوالها. وإن لم تكن فيه أقرب، فليست بأبعد. إذا ثبت طهارة بول الحيّة والأماحي، فالضفدع عندي أقرب في طهارة بولها، من أيّ وجه جاءت. وفي موضع لا فرق بين بول الفأر والضفدع. ولو جاءت من البر؛ لأنّه لا يختلف في ميتته، أنّها تفسد. واختلف في سؤره. وأمّا سؤرها، فظاهر لا أعلم خلافا.
/175/ (1/175)
صفحة 176
مسألة: وقيل في بعر الضفدع: إنّه مفسد على حال. وقول: إنّه ليس بمفسد على حال، من أيّ موضع كانت. وقول: إنّه ليس بنجس، إلا أن تأتي مواضع الأقذار، ويعرف منها ذلك، ويخرج أنّه يلحق ذلك بولها، وأنّه قيل: إنّه مفسد، إذا جاءت من الأقذار. ولا تفسد ما لم تكن كذلك. ويشبه ذلك؛ لأنّها من ذوات الماء، وذوات الماء طواهر، وطاهر ما جاء منها، إلا ما ثبت حكمه محرّما. فإذا أنفلت إلى الأقذار، لحقها حكم ذلك، حتّى تتحوّل وتنتقل إلى الماء. ويرجع حكمها حكم المائية.
مسألة: عن أبو سعيد: في الذباب تقع على صوف ذواة نجسة، ثمّ يقع على ذواة طاهرة وهي رطبة. قال: لا ينجسها؛ لأنّه يمكن أن لا يأخذ منها شيئا. /176/ (1/176)
صفحة 177
وكذلك إن وقع الذباب على شيء من النجاسة الرطبة والبول، ثمّ وقع على شيء من الأبدان أو الثياب أو شيء من الطهارات رطبة، أو يابسة؟ فإنّها مثلها في ذلك، لم ير شيئا بعينه، ممّا يلصق بالطهارة من النجاسة. وقال: وما لم ير على الذباب شيئا من النجاسة، لم يكن عليه نظر في ذلك.
زيادة من المصنف: وعن شاة تحلب لبنا فيه كدرة أو صفرة أو حمرة أو شائعا أو متواجدا، غالبا على اللبن ومتواجدا. قيل: إنّه طاهر ما لم يكن دما عبيطا. عن أبي الحواري: فأمّا الدم فمفسد اللبن. وأمّا الحمرة والكدرة، فلا تفسد اللبن، إذا كانت الحمرة ليست عدم، وإنّما تغيّر في اللبن.
مسألة: وسئل عن الضرة، إذا وقعت في النشاء وماتت فيه. هل تفسده أم لا؟ قال: معي، أنّها تفسده. /177/ (1/177)
صفحة 178
قلت له: فهل تدرك طهارة هذا النساء، وكذلك النيل، إذا أصابته النجاسة، وكلّ شيء يصطل الماء منه، ويبقى هو خالصا. قال: معي، أنّه قيل في مثل هذا، أنّه إذا كان إذا صب عليه الماء وحرّك، بلغ الماء والحركة، على ما يأتي على جملة ذلك في الاعتبار، ثمّ ترك حتّى يصفوا الماء منه. ويصل إذا صفا فعل ذلك ثلاث مرّات، فإنّها تكون طهارته والعجين مثل هذا، فيما معي، والله أعلم. /178/ (1/178)
صفحة 179
فصل في الضفدع والسلم والأماحي والحيات
سئل أبو سعيد في الضفدع والسلم والأماحي والحيّات، وما خرج من حال النواهش من السباع والنواسر من الطير. أيكون بعره وبوله مثل الفأر؟ قال: أمّا السلم والفأر وما أشبه ذلك، ما لم يعرف بالنهش وأكل الميتة، فيعجبني منه ذلك في بعره. أمّا بوله، فيعجبني أن يكون فاسدا. وأمّا الحيّات والأماحي، وشبهها من السباع، يفسد بولها وبعرها، ولا يخرج مثل السلم وأشباهه، وأمّا البعرة في بعرها، فلاحقة بالسلم، وأمّا بولها، فإذا كانت في الماء، فبالت ففيه اختلاف: ويعجبني فساده؛ لأنّ البول أشدّ من البعر. وإن جاءت من البول، فبولها مفسد، لا أعلم فيه اختلافا. والفأر في البول أشدّ من الضفدع، في حال ما يكون في البئر، أو في الماء. ويعجبني فساد البول، من جميع الدواب، لإجماع أصحابنا على طهارة روث الأنعام وبعرها. /179/ (1/179)
صفحة 180
وعلى فساد بولها وبول جميع ما لا دم فيه طاهر في النظر، إذا كان طاهرا حيّا وميّتا. وما أفسد دمه فبوله مفسد.
مسألة: عن أبي سعيد: في بول الخناز، إذا اتفقا أنّه لا بأس ما خرج من وسطه، إذا لم يكن فيه دم. وعلى قول من يقول: إنّ بيضه لا يفسد وبيضه مثل بعره، وبيض السلم مثل الحيّات. وكذلك العسالة. وأمّا الحيّات والأماحي، فبيضها لاحق ببعرها، إن كان لها بيض. قيل: فإذا لم تفسد ميتة الضفادع. هل يحلّ أكلها ولا يفسد دمها؟ قال: هكذا يشبه عندي.
مسألة: والحيّات والأماحي والخناز، مفسد سورهن وخبثهن، وما متن فيه؟ فيه قول يكون قذرا ولا ينجسه. أمّا الحيّة، فإنّها سبع تنجس ما وقعت فيه. /180/ (1/180)
صفحة 181
وإن خرجت حية والأماحي، واللغ فيه اختلاف، إذا وقع في خل وخرج حيا، ويوجد أنّ بول الأماحي والحيّات فيه الاختلاف، بعض ينجسه، وبعض لا ينجسه، وإنّما خرجوا سور الحيّة، من أجل خوف المضرّة. قال أبو إبراهيم: والسلمة وهي العسالة، التي على شوارع الماء، حفظنا أنّها إذا ماتت في الماء أو الطعام، من الأصبغة وغيرها أفسدته؛ لأنّ ميتة البر حرام.
مسألة: ومن لدغته الحية، وهو متوضّئ فسد وضوءه. وقول: يغسل موضع اللدغة. والقول: لأنّ قرضه نجس. فإن لم يغسل حتّى ينفجر الجرح، ويشتدّ أجرى الماء حوله. وكذلك قرض الأماحي نجس. وقرض الأجدل نجس. وقرض الفأر فيه اختلاف. /181/ (1/181)
صفحة 182
مسألة: عن أبو سعيد: الحيات والأماحي وما أشبهها من الخنانيز، وشبهها وإن اختلفت أسماؤها في اللغات وأجناسها، فما لم يثبت تحريمه بكتاب أو سنة أو إجماع، فهو خارج من جملة المحللات الطاهرات، إلا ما لحق حكم استرابة تؤديه إلى نجاسة أو كراهية، فكلّ شيء له حكمه. قال ابن محبوب: لا بأس بالكلب، ينغمس في الماء النظيف، ثمّ يخرج فينتفض فيصيب إنسانا منه ذلك من شعره أو بدنه، فلا بأس به. وقول بعض: إنّ ذلك يفسد.
مسألة: وإذا كانت أثر الكلب رطبة، ووطئ عليها نقض وضوءه؟ فإن كانت أثر الكلب يابسة، ووطئ المتوضّئ عليها وأثره رطبة، ينقض وضوءه. إرجع إلى كتاب بيان الشرع. ومن الكثان والحيات والأماحي والخنانيز، مفسد سؤرهن وما متن فيه وخبثهن. /182/ (1/182)
صفحة 183
وكذلك خبث الفأر مفسد. وقال من قال من الفقهاء: لا بأس ببعر الفأر اليابس، إذا طبخ مع الأرز وغيره. وحفظ لنا النقة محير، أنّه إذا كان الفأر والدهن، يكون البعر نحو النصف، والنصف من ذلك، والدهن النصف، أنّه لا يفسد.
مسألة: ترفع إلى أبي سعيد في النيل المائع، إذا وقعت فيه النجاسة. كيف طهارته؟ قال: يجعل فيه الماء، ويخضخض ثمّ يراق بعد أن يترك ثلاث مرّات، في كلّ مرّة يقعد فيها الماء الطاهر يوما وليلة، ثمّ قد طهّره، ثمّ قد طهّره. وقول: يحصر بنفعه ويعلم، ولا يلحق الانتفاع به ويراق، والله أعلم. علله علي بن سعيد بيده، ويؤخذ عدله ويترك باطله.
/183/ (1/183)
صفحة 184
باب في موت الدواب في طعام أو ماء ومعاني ذلك وما أشبه ذلك
ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كلّه ثمّ ليطرحه فإنّ في أحد جناحيه داء والآخر فيه شفاء». وقال عوام أهل العلم: إنّ الماء لا يفسد بموت الذباب والخنفساء، وما أشبه ذلك فيه. قال أبو سعيد: معي، أنّ كلّ ما ليس له دم، أصلّي من الدواب والطير، ولا مكتسبا دما، وليس الدم من ذاته، فيخرج في مشبه معاني الاختلاف، من قول أصحابنا. ومعي، أنّه ما لم يصح اكتسابه للدم، من جميع ذلك، فهو على أصله، حتّى اكتسابه بما يميله. وأكثر ممّا في قول أصحابنا: إنّه إن كان مكتسبا، وليس ذلك من ذوات الدماء الأصلية، من الدواب أو الطير البرّية، وهو بحاله. لا يغيّر اكتساب ذلك عن أصله. وممّا يستدل عندنا في ذلك، قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في إحلال ميتة الجراد. /184/ (1/184)
صفحة 185
وهو من ذوات الأرواح البرية، فكلّما أشبهه فهو مثله. وكلّ ما عاش في الماء، ولم يعش في البر، بحال من الأحوال، في مالح من الماء، أو عذب فميتته طاهرة، لثبوت ما يشبه ذلك، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في إحلال ميتة السمك. وأمّا ما كان يعيش في الماء والبر جميعا، وفي أحدهما على حال، ويمكن له الحياة في جميعهما من دابة أو طير، فيخرج في معاني قول أصحابنا: إنّ ميتة هذا، مفسد لجميع الأشياء، إلا الماء، إذا كانت من ذوات الماء الأصلية، فإنّه يختلف في ميتتها في الماء. فبعض يفسده وبعض لا يفسده.
مسألة: عن أبي الحواري: وعن فأرة وقعت في عسل، وخرجت منه حيّة، وبقي شيء من شعرها في العسل. فإذا خرجت حيّة، فشعرها لا يفسد.
مسألة: من الزيادة المضافة: وعمّن فتح جرابه، فوجد فيه فأرا ميّتا. /185/ (1/185)
صفحة 186
يفسد كلّه أم لا؟ قال: لا أعلم بفساد ما ذكرت، إلا ما مسّ من التمر والطرف، فإنّه يقلع الفأرة، وما حوله من التمر، ولا بأس بالباقي من الجراب، ولا بأس بما سأل من عسل أو اختلط بعسل غيره من الجراب، فلا فساد في ذلك، والله أعلم.
مسألة: منسوبة من كتاب جوابات الشّيخ أبي سعيد –رحمه الله-: وسألته عن قبرة وقعت في طعام، وخرجت منه، فتحرّكت، ثمّ بعد ذلك ماتت؟ قال: معي، أنّه طاهر، يعني الطعام وفي غيره. وأمّا الذباب، فحكمه طاهر حيا وميّتا، ولا يفسد ما وقع فيه من الطاهرات. ووجدت في الأثر: إنّ المتوضّئ إذا لدغته حية أو غول، انتقض وضوءه، وذلك من قبل النجاسة، أمّا العقرب، فلا والله أعلم. (رجع). /186/ (1/186)
صفحة 187
مسألة: قال المضيف: وجدت في كتاب الضياء: إنّ مجاورة النجس للطاهر على ضربين: فما كان نجسا لذاته، نجس الطاهر بمجاورته، وما كان نجسا لنجاسة حلّته، فلا ينجس الطاهر بمجاورته. قال: والدليل على ذلك، ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. سئل عن فأرة ماتت في سمن جامد. فقال: ألقوها وحولها نجس، بمجاورتها للميتة، ولا ينجس ما حول المتنجّس، بمجاورة النجاسة، والله أعلم.
مسألة: وسألته عن الفأرة واللغ، أو شيء من الدواب، يقع في الماء أو الدبس، أو شيء من الطهارة، فيخرج منه وهو يتحرّك بعد، ولم يمت فيموت من حين ما خرج. أيعدّ طاهر؟ قال: نعم، ما لم يمت فهو طاهر، ليس فيه بأس. قال له قائل: ولو تحرّك منه جارحة، أو شيء، ولم يتحرّك كلّه. قال: نعم، ما لم يمت فهو طاهر، ولا بأس بما وقع فيه، إذا كان هو لا ينجس حتّى يموت. /187/ (1/187)
صفحة 188
مسألة: وسألته عن الفأرة، إذا انقطع ذنبها، أو شيء من جوارحها، فبان عنها ناحية منها، وهو يتحرّك بعد، وسدع شيئا من رطوبات الطهارة، أو مسّه متوضّئ، وهو يتحرّك، ولم يمسّه ممّا يلي الدم. أهو بمنزلة المعيشة، أو هو حي حتّى تبرد حركته؟ قال: هو ميّت، إن كان بان منها عضو، فهو ميّت. قلت: فما دام متعلّقا فيها، فحكمه حكم الحي، حتّى يموت نهي؟ قال: نعم. وقال غيره: فما دام يتحرّك، ففيه عندي حكم الحياة، ولم يمت. من المصنف مسألة أبو سعيد: في زرع عفر بسماد نجس، وضربته الشمس، ولم تخرج من الورق، أنّه إذا ثبت له اسم الطهارة بالشمس والريح، أنّه يطهّر؟ فقول: في ثلاثة أيّام. وقول: ولو في يوم واحد زاده على بيده. لعلّه أراد ولو، والله أعلم زده على بيده فينظر فيه. /188/ (1/188)
صفحة 189
باب في
أكل الطعام إذا تنجّس والزرع إذا سمد وفي نجاسة الجلبة وفي الزراعة إذا سمدت بنجاسة ومعاني ذلك
وعن سمن لبن تنجّس. هل يطعم بهيمة؟ فلا يجوز أن يطعم البهائم شيئا وهو نجس.
قال غيره: وقد قيل بإجازته.
مسألة: وعن الشجر، إذا نبت في عذرة خالصة. هل يؤكل ثمرها؟ فإن كانت لا تصل إلى الأرض، وإنّما تعيش في النجاسة، فقد قالوا: لا يؤكل ثمرها؟ فإن كانت لا تصل إلى الأرض، وإنّما تعيش في النجاسة، فقد قالوا: لا يؤكل ثمرها.
قال غيره: وقد قيل: لا بأس بذلك من ذوات التمر، أمّا البقول فهو أشد.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: واختلفوا في العجين إذا عجن بالماء النجس. /189/ (1/189)
صفحة 190
فقالت طائفة: يطعم الدجاج. وقال الحسن بن صالح: يطعم ما لا يؤكل لحمه. وقال أحمد: لا يطعم شيئا يؤكل لحمه. وقال آخرون: لا يطعم ما يؤكل لحمه، ولا ما يؤكل لحمه. قال أبو سعيد: معي، أنّه قد قيل في مثل هذا باختلاف. وهذه الأقاويل، مشبه فيما عندي، أنّه قيل: غير خارج منها شيء عندي، في معاني أنّه قيل. ومعي، أنّه قد قيل أيضا: إنّه يجوز إطعام ذلك الأطفال، الذين لا حجر عليهم، ولا ثابت تعبد بترك ذلك، ولا يكون المطعم لهم معينا على مأثم، وليس ذلك كلّه عندي، إلا فيما كان من الطهارات، فعارضتها النجاسة. وأمّا ما كان أصله نجسا حراما، فلا يلحقه معي هذا المعنى.
مسألة: وعن الشجرة تنبت في العذرة الخالصة وتثمر. هل يؤكل ثمرها؟ قال: معي، أنّه جائز في بعض القول، إذا كان من ذوات الثمر. وقلت: فإن كان من بصل أو غيره، مثل الأشجار التي تؤكل، ولا يؤكل ثمرها. /190/ (1/190)
صفحة 191
هل يؤكل؟ قال: معي، اختلف فيه. قال من قال: حتّى يشرب ثلاثة أمياه طاهرة. وقال من قال: ماء طاهرا. وقال بعض: إنّه طاهر، ويؤكل إلا ما مسّه من النجاسة يغسل.
مسألة: وفي بعض الآثار: وعن الميتة، وقعت في طوى والزرع المزروع عليها. قلت: هل يغسل؟ قال: لا.
قال غيره: معي، أنّه قيل: إنّ الزرع إذا سقى بماء نجس، كان هو وما فيه من الثمرة، وما أثمر من قبل أن يسقى ثلاثة أمياه طاهرة نجسا كلّه. ومعي: إنّه قيل: حتّى يسقى بمائين. وقيل: حتّى يسقى ماء طاهرا غير نجس. ومعي، أنّه قيل: طاهر كلّه، إلا ما مسّه من ذلك الماء النجس، فهو نجس لمعنى مماسته للنجاسة له، حتّى يسقى بماء طاهر. /191/ (1/191)
صفحة 192
وبغير أثر النجاسة، وتضربه الريح والشمس، على قول من يقول بذلك. قال أبو سعيد: إذا طبخ الطعام بماء نجس فيفسد. فمعي، أنّه قيل: يبخر ولا ينتفع به، وليس فيه حيلة بطهارة. وقال من قال: إنّه يحتال عليه بالغسل، حتّى يبلغ إلى موضع ما بلغت إليه النجاسة، من نشف الماء الطاهر، كما ينشف الماء النجس.
/192/ (1/192)
صفحة 193
فصل في نجاسة الجلبة والإجالة وأجلة النخلة
ومن جامع ابن جعفر: قلت: والنجاسة التي تكون في أجلة النخلة، مثل العذرة وغيرها، إذا سدّ الماء. فحكمه الطهارة. فإذا نقص حتّى يصير بحد ما ينجسه النجاسة نجس. وقال آخرون: لا يكون نجسا، إلا موضع النجاسة وما حولها ثلاثة أذرع، إذا كانت النجاسة قائمة العين.
مسألة: وعمّن يسمد السماد، ويمسّه بيده وثيابه، ويعفر به الزرع، هو رطب؟ فإنّه يفسد ما مسّه منه. وقال: والسماد الفاسد، مثل الدروس والروث الكنف. وأمّا ما يكسر من المنازل ويجمع، فإن كان يعلم أنّه نجس، فهو مثل ذلك. /193/ (1/193)
صفحة 194
وإن كان لا يعلم أنّه فيه فسادا، فهو طاهر حتّى يعلم أنّه نجس.
قال غيره: وقد قيل: الروث من الدواب والدروس، لا بأس بها، إلا أن يعلم أنّ في ذلك بول. وقد حفظ ذلك عن بعض أهل العلم.
مسألة: وسئل أبو سعيد: عن الجلبة إذا عفرت بتراب نجس، ثمّ سقيت ماء واحدا. هل تطهّر؟ قال: معي، أنّه قد قيل: إذا عفرت بسماد نجس. وقال: من أنّها قد طهّرت. وقال من قال: لا تطهّر حتّى تسقى بماءين. وقال من قال: ثلاثة أمياه، وهذا على المعنى من قوله، لعلّه إذا سقيت بماء واحد. /194/ (1/194)
صفحة 195
باب في غسل الطعام والحبوب والتمر والعجين واللحم ومعاني ذلك وما يجوز الانتفاع به من النجاسات وما لا يجوز
ومن جامع أبي محمّد: وروي عن ابن عبّاس: في برمة لحم وقع فيها طائر فمات، قالوا: يؤكل اللحم ويراق المرق. والذي عندي أنّ الخير لم يزل مفسّرا، والواجب أن يعتبر. فإن كان الطائر مات فيها، وقد سكنت غليان البرمة، أكل اللحم بعد أن يغسل ويصب المرق. فإن كان مات في حال نسخة، حين غليان البرمة؟ لم يؤكل اللحم ولا المرق؛ لأنّ النجاسة قد تداخلت في اللحم، والله أعلم.
مسألة: ومن كتاب المعتبر: ومن بعض الآثار: وفي دابة أو بشر بال على جراب. فإن علم أنّ البول قد صار إلى التمر، شق الجراب وغسل تمره بالماء فيؤكل. /195/ (1/195)
صفحة 196
وعن جراب كنز بماء وقع فيه ميتة، أو كان عجن به التمر، حين كنز. فأقول: إنّه يغسل ذلك التمر غسلا، يرون أنّه قد طاب من ذلك التمر. وكذلك التمر الذي نضح بالماء، الذي فيه الميتة، يغسل وينضح عليه، وعجين التمر نجس.
وفي جواب إلى محمّد بن هاشم: في خناز وقع في سمك في برمة ثمّ مات، فأمّا الماء الذي في الجرة فيهراق، وأمّا السمك، فإن بلغوا فيه الغسل بالماء، حتّى يبلغ حيث بلغ الأوّل، أن يكون يؤكل.
قال غيره: وأمّا الجراب، فإذا سأل عليه البول، ففي ظاهر الحكم، أنّه إنّما يغسل ما طهر، حتّى يصح أنّه مسّ شيئا من ذلك، ما استتر إن أمكن ذلك في المعتبر. وإن لم يمكن إلا مسّه للتمر في معاني النظر؟ فمعي، أنّه قد قيل بغسل ما أمكن غسله من الجراب، ثمّ يصب عليه من الماء، بقدر ما يبلغ حيث بلغ البول في الاعتبار. وتلك طهارته؛ لأنّ هذا ممّا يشبه موضع الضرورة، إلى مثل هذا. ومعي، أنّه يخرج في بعض معاني ما قيل: إنّه يخرج لمعنى طهارة، ما ظهر من الجراب، إذا خرج من النظر. /196/ (1/196)
صفحة 197
أنّ في ذلك يصل بما استتر، كان طهارة ما ظهر، تأتي على طهارة ما استتر، إذا كان مثل ذلك الماء، الذي في النظر، يبلغ حيث بلغ الماء النجس. والبول على معنى ما قيل في السمة والحصير، إذا تنجّس ظاهر ذلك بالبول. فغسل ظاهره وعرك، فسأل الماء حتّى بلغ حيث بلغت النجاسة من الجانب الآخر. ففي بعض ما قيل: إنّ تلك طهارته كلّه، ما ظهر وما بطن. وفي بعض ما قيل: إنّه حتّى يغسل حيث بلغ البول أو النجاسة، ولا يجزيه بلوغ الماء إليه، إلا بماء جديد وغسل جديد، أو بصب يقوم مقام العرك والغسل. ومعي، أنّه قد قيل: لو كانت النجاسة، إنّما كانت في ظاهر الجراب في النظر، فغسلت النجاسة، فأولج الماء المغسول به من النجاسة، في الجراب في الاعتبار. والنظر أنّ طهارة ما ظهر، هو طهارة ما استتر، ولا يبيّن لي في معنى هذا الآخر اختلاف. فغسل ظاهره، وعرك فسأل الماء، حتّى بلغ حيث بلغت النجاسة، من الجانب الآخر. ففي بعض ما قيل: إنّ تلك طهارته، كلّه ما ظهر وما بطن. وفي بعض ما قيل: إنّه حتّى يغسل حيث بلغ البول أو النجاسة، ولا يجزيه بلوغ الماء إليه، إلا بماء جديد وغسل جديد، أو بصب يقوم مقام العرك والغسل. ومعي، أنّه قد قيل: لو كانت النجاسة، إنّما كانت في ظاهر الجراب في النظر، فغسلت النجاسة فأولج الماء المغسول به من النجاسة، في الجراب في الاعتبار. والنظر أنّ طهارة ما ظهر، هو طهارة ما استتر، ولا يبيّن لي في معنى هذا الآخر اختلاف. وذلك فيما أشبه هذا، ممّا هو مثله. فالقول فيه على حسنة وحذوه. ومعي، أنّه قيل: إنّ تنجّس الجراب بمثل هذا، أنّه يغسل ظاهره. /197/ (1/197)
صفحة 198
ثمّ يقطع عن الموضع النجس، من التمر موضعه، من الظروف، حتّى يطهّر، ثمّ يصب عليه الماء، حتّى يكون أكثر من النجاسة، ويبلغ في النظر، حيث بلغت النجاسة. ومعي، أنّه قد قيل: يغسل ما ظهر من التمر، إذا انكشف، فتلك طهارته. وأحسب أنّه يقع في التمر المكنوز الضرر، ولا يعجبني إدخال الضرر، ما وجد إلى طهارة ذلك، من سبيل بغير ضرر. وأمّا التمر الذي قد كنز وصحى، وكنز بالماء النجس. فمعي، أنّه قد قيل: ينكل ويفتّت بحسب ما يرجى أن يبلغ، إذا صبّ عليه الماء، مبالغ ما بلغت إليه النجاسة، ثمّ يصب ليه الماء صبا، حتّى يكون أكثر من النجاسة، ويبلغ حيث بلغت في الاعتبار. ومعي، أنّه قد قيل: إذا أنكل وقد غسل غسلا، كنحو ما قيل في الجراب من الاختلاف. ويعجبني من ذلك، كلّما لا يدخل فيه ضرر، في معاني الحكم، وأمّا في الاحتياط والتنزّه، فذلك إلى صاحبه. /198/ (1/198)
صفحة 199
وكذلك يخرج عندي في معاني التمر والحب، إذا أصابته النجاسة. والتمر غير مكنوز، أنّه قد قيل: إنّه يجري فيه طهارة الصب عليه صبا، إذا كان الماء أكثر من النجاسة، وبلغ حيث بلغت في الاعتبار، وذلك في المسح والتمر والحبوب كلّها. ومعي، أنّه قد قيل: إنّه لا يجزئ في ذلك، إلا بالغسل والعرك، أو الحركة أو التقلّب الذي يقوم مقام العرك. ويعجبني في ذلك، لم يكن فيه ضرر على التمر، ولا شقوقة تؤدّي إلى ضرر، أن يغسل غسلا. وإن كان تم ضرر، أو ما يؤدّي إلى ضرر؟ أعجبني ما أوسع بغير ضرر، لمعاني ما قد جاء في الماء، أنّه مطهّر لما مسّه، إذا لم يبق. ثمّ عيّن ولا أثر؛ لأنّه الطهور معنى والمطهّر، ولا أعلم أنّه يخرج في معاني الجرب، إذا وقعت عليها النجاسة من ظاهرها، أن يلزم فيها بذلك، لكلّ تمرها، إلا أن يخرج ذلك في معنى المشاهدة، بوجه من الوجوه، فيما يوجب حكم ذلك في الاعتبار. فكلّ شيء خصّه حكم لزمه معانيه، في مخصوصه ومعمومه، بحكم المشاهدة أو الصفة التي تدلّ على المعرفة، وأمّا التمر إذا عجن بالماء النجس؟ /199/ (1/199)
صفحة 200
فيخرج عندي في معاني ما قيل في بعض القول: إنّه نجس، وكان نجسه كلّيا لمعنى فيه، أنّه لا يبلغ فيه إلى طهارة ولا غسل. ومعناه معنا المتروك الثابت فيه النجاسة على الأبد، ومنتقل إلى ذات النجاسة، بمعنى هذا القول. ومعي، أنّه قد قيل: إنّه إن نكل وفتت، وجعل في الشمس حتّى يجف، وتزول عنه أحكام رطوبات النجاسة، في معاني الاعتبار والنظر، وتذهب الشمس والريح، بمعاني رطوبات النجاسة منه، أنّ تلك الطهارة طهارته؛ لأنّه لا يبلغ إلى غسله، إلا بالمضرّة، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وعند الضرورة تزول الأحكام، ويتبدّل الضيق سعة، والاختيار غير الاضطرار، وإذا لم يثبت معاني مثل هذا، عند لزوم الاضطرار، لم يثبت معاني ما قيل في الدواس والزواجر، وشرر بول الإبل عند التزاحم، ولم يثبت معنى ما قيل في طهارة الخبز، إذا كان العجين قد تنجّس، والدقيق الحب، بمعاني ما كان من النجاسة، من غير الدواب؛ لأنّ هذا كلّه معنا واحد. /200/ (1/200)
صفحة 201
وقد قيل في ذلك، أعني الخبز، إذا تنجّس العجين باختلاف. فمعي، أنّه قيل: لا يطهّر على حال، وهو متروك وأحكامه أحكام النجاسة. وقيل: إنّه يغسل ولو كلّه، وإذا ثبت معاني غسله عندي، لم يلزمه غسلا يضرّه. وكذلك إذا صبّ عليه الماء صبا، بقدر ما يأتي عليه كلّه دواخله وخوارجه، كان ذلك معنى طهارته. وكذلك إن غمس في الماء، الذي ينجس بقدر ما يبلغ الماء إلى جميعه في الاعتبار؟ كان ذلك عندي معنى طهارته. ومعي، أنّه قيل: إنّ ذلك إنّما هو في خبز التنور، دون الحصى والطابخ وأشباهه. ومعي، أنّ ذلك كلّه سواء. وإذا ثبت معي زوال رطوبة النجاسة، بأيّ وجه من المذهبات، من أسباب النار، فهو سواء. ويثبت معنى طهارته، على هذا المعنى عندي، وأمّا السمك الممقور، فمعي أنّه قيل: إذا تنجّس شيء من النجاسات /201/ (1/201)
صفحة 202
بعد أن صار بحد ما لا ينشف من النجاسات شيئا؛ لأنّه قد شرب من الماء الطاهر الطهور. وما لا يحتاج إلى زيادة من الماء النجس، فإنّه يخرج في معاني القول فيه: إنّه يغسل من حينه، ويخرج معاني طهارته بذلك الغسل. وأمّا إذا كان يخرج في معاني الاعتبار له، أنّه قد شرب من الماء النجس، ما ولج فيه، بقدر ما لا يبلغه في الاعتبار ذلك الغسل في الوقت، ولا يبلغه الماء الطاهر عند غسله؟ إنّه يخرج في معاني غسله، أن يغسل ثمّ يجفّف في الشمس، أو يشوي بالنار، حتّى يزول عنه معاني رطوبات النجاسة، ثمّ بعد ذلك، فإن كان لا مضرّة في غسله غسل، وتلك طهارته في بعض ما يخرج من القول. وفي بعض ما يخرج من القول: إنّه يجعل في الماء الطاهر، إن كان لا مضرّة عليه، بقدر ما يبلغ الماء الطاهر، حيث بلغت النجاسة في الاعتبار. وتلك طهارته، إذا صب منه ذلك الماء. وفي بعض القول: إنّه يصب منه ذلك الماء ويغسل، ثمّ تلك طهارته. ومعي، أنّه إن أمكن أن يشوي بالنار، حتّى يذهب معاني رطوبات النجاسة منه، كان ذلك بمنزلة واحدة من الشواء، يخرج معاني طهارته، على حسب ما قد قيل. /202/ (1/202)
صفحة 203
ولعلّه يخرج في بعض القول: إنّ هذا بمنزلة المطبوخ من السمك، ونجس متروك، إذا كان قد تنجّس بنجاسة شفتها. والقول عندي في المطبوخ، كالقول في هذا، إذا أمكن فيه ما أمكن في هذا، من جميع الأشياء، التي أصلها طاهر، وإنّما عارضتها النجاسة. فهذا عندي خارج من جميع الأشياء، إذا احتملت هذه المعاني من اللحوم والسمك والحبوب والباقلاء واللوبيا والأرز، وجميع ما خرج مخرج هذا. فكلّ هذا معناه عندي واحد، إذا حسن النظر فيه. وكذلك في تطهيره بأحد معاني ما قد قيل فيه، من هذه الأقاويل، ولا يختلف ذلك عندي، في شيء يخرج مخرجه في هذه المعاني كلّها عندي، في جميع المطبوخات المتنجّسات، بمعاني الطبيخ منه.
ومن غيره: إنّ ذلك متروك لنجاسته، ولا طهارة فيه ولا له، وكذلك الخبز يحقّه بمعنى ذلك. ولعلّه أكثر ما قيل: إنّ هذه الأشياء كلّها، إذا تنجّست وما أشبهها وما خرج بمعناها، أنّه لا وجه إلى تطهيرها، وتدفن ولا تطعم شيئا من الدواب، ولا أحدا من الناس صغيرا ولا كبيرا ولا تباع، ولعلّه يخرج في معاني ذلك، أنّه لا توهب، إلا أنّه إذا ثبت أنّه لا ينتفع بها بوجه بطل بيعها وهبتها، وكانت لا تقع عليها الأملاك، وهي باطلة متروكة. /203/ (1/203)
صفحة 204
ومعي: إنّه قد قيل: إنّها وإن تنجّست وثبت أنّه لا وجه لطهارتها، أو ما كان منها، لا وجه إلى طهارته، فقد قيل: أن يطعم الدواب، ذلك ولو كان نجسا؛ لأنّ الدواب لا إثم عليها، وليس هي في أكلها متعدّدة ولا آثمة. وكذلك المعين على ذلك، غير معين على الإثم والعدوان. ومعي، أنّ الذي يقول: إنّها لا تطعم الدواب، يخرج من معنى قوله: إنّ ذلك إثم ومحرم، ولا يطعم المحرم أحد من الخلق. وإن كانت الدابة ليست بآثمة، ولا النجاسة عليها محرّمة، فإنّ الإنسان محجور عليه الإثم والحرام، أن ينتفع به، أو أن يعين على الانتفاع به. ومعي، أنّه يخرج في معاني القول: إنّه يجوز أن يطعم ذلك الدواب والأطفال من الناس، وكلّ من لا إثم عليه؛ لأنّ ذلك يقع لهم موقع النفع، وليس معي عليهم فيه مضرّة، ولا إثم عليه. ولا يبيعه البائع ولا ينتفع بثمنه، ولو أخبر بذلك وبنجاسته، وإذا ثبت ذلك، أنّه لا يبيعه، فلا يبيعه لأهل الذمّة، ولا لأهل الإسلام؛ لأنّ ذلك مخالط للحرام، ولا يجوز بيع الحرام والحلال، بصفقة واحدة، ولا بيع الحلال والحرام، في صفقة واحدة، كلّه حرام. /204/ (1/204)
صفحة 205
ومعي، أنّه قد قيل: يجوز أن يباع، إذا علم المشتري بذلك، وإنّما ذلك عيب عارض الحلال، وليس هو في الأصل من المحرّمات، وإنّما النجاسة له معارضة، ويجوز الانتفاع به، إذا ثبت إطعامه للدواب والأطفال، وجاز ذلك، ولو جاز ذلك، ولو كان لا يجوز الانتفاع بوجه من وجوه الحلال، ولا يجوز في الأصل في الاعتبار معانيه، لم يجز بيعه بحال، ولو تراضيا على ذلك البائع والمشتري، وعلما به؛ لأنّ في ذلك إدخال الضرر من المشتري على نفسه، وكلّ شيء من الضرر، فهو غرر، وكلّ غرر باطل، ولا يجوز بيعه، وهو من السحت. وأمّا إذا كان يخرج من معانيه، أنّه يلحق منه، الانتفاع بما يجوز في الأصل، ويدرك في بعض القول تطهيره، أو ينتفع به لإطعام دواب، أو أطفال، ويلحق الانتفاع به، في أكل أو شرب، في بعض ما يجوز من قول أهل العلم، فالبيع له جائز، والشري له جائز، والبائع والمشتري فيه سواء. /205/ (1/205)
صفحة 206
وهذا عندي، إذا ثبت معاني الانتفاع به، في أكل أو شرب لشيء من الدواب، أو الشيء من الأطفال، أو لمعنى من المعاني، بحال من الحال. كما قد قيل في العذرة: إنّها فحية من الحرام، من ذوات النجاسة، ولا يخرج في معاني ذلك الاختلاف، وأنّها إذا أحبأ اختلطت بالتراب وغيره، من الطواهر من رماد أو روث أو بعر، أو شيء من الطواهر. أنّ بيعها في حملة حلال جائز؛ لأنّ معنى الانتفاع بها ثابت، في معاني الاعتبار، وأنّ الشري لها، لا يقع موضع الضياع، ولا إضاعة المال، وإنّما يشتري للانتفاع بها، بمعاني الجائز والحلال. ومعي: إنّه قد قيل: إنّه لا يجوز بيعها على حال، في شيء مخلوطة فيه، من الطواهر، لمعنى الصفقة من البيع، أنّها واقعة على حلال وحرام، ورجس وطاهر، وهي صفقة واحدة، وهذا كلّه باطل، إذا اتفق. ومعي، أنّه إذا ثبت معاني إجازة بيع العذرة، لمعنى الانتفاع بها مخلوطة في غيرها، وأنّ معاني الانتفاع بها في الجائز والحلال، على الانفراد ثابت، ولو لم يخالطها شيء غيرها. فإذا كان منتفعا بها وحدها، جائز الانتفاع بها وحدها. /206/ (1/206)
صفحة 207
وثبت معناها إذا ملكت لمعاني الانتفاع بها في الجائز، والحلال لم يبعد أن يجوز بيعها وحدها، لمعنى ثبوتها بنفسها نافعة، جائز الانتفاع بها مخلوطة بغيرها. ووجدها إذا كانت في معاني الامتلاك، وهذا ما لم يزل عليه الناس، أن يتّخذوا ذلك من البواليع والكنيف، وينفعوا بها، ولا يخرج ذلك على معاني الاباحة، لغير متّخذه ومالكه، في معاني التعارف بينهم ذلك، حتّى يخرج منه مخرج الإباحة والترك، أمّا ما خرج معناه من الأشياء، أنّه لا ينتفع من المحرّمات، إلا بمعاني الإثم، أو حال الضرورات، فلا يجوز بيعه ولا شراؤه، وذلك محجور محرّم معي، بمعاني الاتفاق من كلّ ما كان أصله، حراما أو رجسا، وليس الرجس ممّا له من رجس غيره. ولا أعلم في بيع مثل هذا وشرائه اختلافا، وذلك مثل الخمر والخنزير والميتة، وكلّما كان أصله حراما أو رجسا، لا نفع به في معاني الانتفاع، في الجائز، إلا بمعاني الضرورة والإثم.
مسألة: سئل عن رجل يطبخ بسرا، بماء نجس، فغلا به الماء، حتّى نضج /207/ (1/207)
صفحة 208
كيف يصنع به حتّى يطهّره؟ قال: معي، أنّه قيل: يغسل غسل الجنابة، ثمّ يجفّف بقدر ما يذهب الماء، الذي غلا به أو يجفّف، ثمّ يغسل ثمّ يغلا بماء طاهر، بقدر ما يدخله منه، مثل ما دخله من الأوّل، ثمّ يغسل غسلا ثانيا، ويجزيه ذلك.
مسألة: وفي غيره قلت: فالعجين إذا تنجّس، ثمّ هرس وصب عليه الماء الطاهر، لم يصل بفعل. هل يطهّر؟ قال: إنّه إذا جرى مع الماء، بلغت الحركة والماء، إلى ما يحيط به كلّه النظر في الاعتبار، كان طهارته إذا فعل فيه مثل هذا، ويكون طاهرا، إذا بلغته الحركة، مع وصول الماء. ارجع إلى كتاب المصنف.
مسألة: وعن أبي محمّد قال: أجاز أصحابنا استعمال السمن المائع المتنجّس للسراج، وما أشبه ذلك، ولا يحرم إلا أكله وخلطه في الطهارات. /208/ (1/208)
صفحة 209
وقيل: يحق بيع الدهن النجس والصبغ النجس، وكلّما كانت النجاسة جاز فيه، على أن يعلم البائع المشتري بنجاسته. وقول: لا يجوز بيعه. (رجع).
مسألة: ومن الزيادة المضافة: وسئل عن سنور بال على جراب. هل تجزيه صب الماء صبا، كان البول رطبا أو يابسا، حتّى يلج الماء، حيث بلغ البول؟
قال غيره: عندي أنّه قد قيل ذلك في الرطب، وأمّا اليابس فحتّى ينكل. وقال من قال: إنّه إذا كان يابسا، وغسل من الجراب ما أدرك غسله من خارج، ويصب الماء على الجراب من خارج، حتّى يلج الماء في التمر، إلى حيث يبلغ البول، وليس عليهم أن ينكأوه، والله أعلم بالصواب.
مسألة: ومن كتاب الأشياخ: قلت: بفأرة تنتج في جب، فلا أدري وقع منها فيه شيء أم لا؟ /209/ (1/209)
صفحة 210
هل يجب على طهارته؟ قال: لا.
قلت له: إن لم يطهّر، إلا أنّه قد طحن وخبز وأكل. هل تنجس من أكله أو مسّه، وكذلك التنور الذي خبز به؟ قال: لا حتّى يعلم أنّه نجس.
مسألة: من كتاب الضياء: وإذا أصاب بول سنور طرفا فيه حب، أخرج ما علم أنّ البول أصابه وغسل، ولا بأس بالباقي. وقد قيل: إنّ الحب ينخل عند الغسل، حتّى يدخل الماء الطاهر، مداخل النجس؛ لأنّ الحب ينشف الماء.
مسألة: من كتاب المصنف: فيمن يكثر جرابا، وعليه ثوب غير طاهر، فإذا صب الماء في التمر، طار في الثوب، وقطر من الثوب في الجراب. فقيل: ليس عليهم فساد في ذلك. /210/ (1/210)
صفحة 211
مسألة: ومنه: والعجين إذا عجن بماء نجس، وخبز بالنار. فقول: يجوز أكله. وقول: لا تطهّر النار النجاسات. وقول: يطرح أو يدفن ولا يؤكل.
مسألة: ومنه: وإذا نضح تمرا، وعجن عجين، ثمّ وجد في البئر فأر ميّت؟ فإن كان يابسا فيسبغ، وإن كان قد اختلّ بالماء فقد فسد.
مسألة: ومنه: والجرجر إذا طبخ بماء نجس، فإنّه يطبخ مرّة واحدة بماء طاهر ويغسل. فإذا طبخ صب ماؤه، وأكل فقد طهّر.
مسألة: ومنه: وأمّا اللحم، إذا طبخ بالنجس، أو وقع فيه النجس، ومازجته النجاسة، فمختلف فيه: فقول: يلقى. /211/ (1/211)
صفحة 212
وقول: يغسل.
مسألة: عن أبو سعيد: في اللحم إذا كان نجسا، ثمّ شوى؟ قال: إنّه يطهّر وهو أقرب من العجين، إذا خبز وهو نجس.
مسألة: سئل أبو سعيد عن دجاجة باضت في حب؟ قال: في الحكم لا بأس به، حتّى يعلم أنّه ينجس. وقيل: فإن أصيبت السنورة نائحة في الحب. هل تفسده؟ قال: أمّا في الحكم، فلا يفسد، إذا أمكن أن تنتج في غيره، ثمّ تنقلهن فيه.
مسألة: والمستحقة إذا وقع بها عذرة رطبة، ثمّ ضرب بها التراب عشرين مرّة، أو عشر مرّات، ولم ير بها شيئا، فأرجو أن لا بأس بها؛ لأنّه قد جرى عليه التراب.
مسألة: اختلف في الشمس والريح. هل يطهّر ما دون البدن أو الثوب؟ فقول: يطهّره. /212/ (1/212)
صفحة 213
وقول: لا يطهّره. وقول: يطهّر الثوب والأرض، سائر ذلك لا يطهّر إلا المياه، ولا يبعد الحصير والسمة من الاختلاف.
مسألة: وعن أبو سعيد: فيمن كان في رجله بول فرس برجله، ولم يمسّه حتّى أعمّ الماء مواضع البول، ذلك يجزيه عنده. وقال: وهو أحبّ إليّ من العرك؛ لأنّه يلج أكثر من العرك، إذا كان في الرجل شقوق. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. /213/ (1/213)
صفحة 214
باب في المشرك يجب عليه عند إسلامه غسل أم لا، وكذلك إذا أشرك شرك الخطأ وفي من ارتدّ وهو متوضّئ وفي رطوبات اليهود
ومن كتاب الأشراف: ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أسلم أن يغتسل، واختلفوا في الكافر يسلّم، فكان مالك وغيره يرى أن يغتسل. وقال الشافعي: أحبّ أن يغتسل. فإن لم يكن جنبا، أجزاه أن يتوضّأ، واختلفوا فيمن ارتدّ عن الإسلام. وقد كان إذا توضّأ قبل أن يرتدّ، فكان الأوزاعي يقول: ليستأنف المعل وبعيد الحجّة، إن كان حج لما حبط عمله. قال أبو سعيد: معي، أنّ معنى الاتفاق من قول أصحابنا، يخرج معنا، أنّ على جميع من أسام من مشرك من كتابي أو غيره، من جميع المشركين الغسل، لثبوت قول الله تعالى: {إنّما المشركون نجس} وكذلك عندي. /214/ (1/214)
صفحة 215
ويخرج معاني قولهم في المرتد، بقول أو عمل، ما يشبه الاتفاق، على ثبوت الغسل عليه، إذا أسلم بعد ردّته؛ لأنّ ذلك ما ينساغ غيره، إذا ثبت في المشرك، أنّ عليه النجس بكثير، فالقليل منه ولو طرفة عين. وأمّا من ارتدّ في نفسه، فمعي أنّه ممّا يخرج فيه معاني الاختلاف من قولهم. فأحسب أنّ من قولهم: إنّ عليه الغسل. ومنه: إنّ عليه الوضوء ولا غسل عليه.
ومنه: إنّ وضوءه لا ينتقض، ولا مخرج له عندي من الغسل، الذي ثبت مشركا، أنّه سواء عندي، إذا أشرك شركا يكفر به، فبأيّ المعاني أشرك، فهو نجس. وعليه إذا أسلم الغسل، إذا أسلم لمعنى ثبوت الشرك فيه، وإذا ثبت أنّه لا ينتقض وضوءه في هذا المعنى، على هذا القول، فيتمّمه عند مثله.
مسألة: من المصنف: واختلفوا فيهم، إذا غسلوا أيديهم: فقول: إنّها طاهرة ما لم تيسّر. /215/ (1/215)
صفحة 216
وقول: ما لم تعرّق. واختلفوا في نجاسات الحصير. فقول: لا يطهّرها إلا الماء. وقول: إذا زال أثرها، فإنّها تطهّر ولو كانت داخل بيت لا تنالها الشمس والريح. وقول: حتّى ينالها أحدهما. وقول: حتّى يظهرا عليها جميعا.
مسألة: ومنه قول: إذا حمل المجوسي لمسلم لحما، ثمّ تواري عنه خلف جدار، فلا يأكله. وقول: لا بأس بما حملوه، وكان عندهم من الفاكهة اليابسة.
مسألة: ومنه قول: وقد أجازوا صبغ الذمي. واختلفوا في تطهيره: فقول: إذا طهّر طهر النجاسة طهّر. وقول: ما دام الصبغ يخرج من الثوب، فهو نجس. وعن عبد الله بن المؤثر: إنّ صبغ اليهودي ما دام السواد يخرج من الثوب، فلا يجوز أن يصلّي به. /216/ (1/216)
صفحة 217
مسألة: وإن مسّ الثوب رجل مسلم، ثوب ذمي، ويده رطبة، فسد وضوءه.
مسألة: عن أبو الحسن: قلت: ومن تكلّم بكلمة يشرك بها، من حيث لا يعلم. هل يلزمه الغسل؟ قال: نعم. قلت له: فإن لم يغتسل وصلّى على ذلك؟ قال: أرى أنّه جائز. /217/ (1/217)
صفحة 218
فصل فيمن ارتدّ وهو متوضّئ
ومن كتاب الأشراف: واختلفوا فيمن ارتدّ عن الإسلام وهو طاهر، ثمّ رجع إليه. كان الأوزاعي يقول: يستأنف الوضوء ويعيد الحج، إن كان قد حجّ ويستأنف العمل. وقال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج في قول أصحابنا: إنّ المشرك عليه الغسل، وأنّ المرتدّ مثله، ولا أعلم عنهم اختلافا في ثبوت الغسل على المشرك، إذا ارتدّ بقول أو فعل. وأمّا من ارتدّ باعتقاد أو نيّة، فأرجو أنّه قيل: فيه اختلاف، وأرجو أنّه قيل: لا غسل عليه. وقيل: عليه الوضوء. وقيل: عليه الغسل، إذا ثبت شركه وردّته. فلا فرق في ردّته عندي، بقول ولا بنيّة وهو مشرك. ويلحقه معاني ثبوت الغسل عندي. /218/ (1/218)
صفحة 219
ويختلف فيه ان ارتدّ بشك أو نيّة، بدون الفعل أو القول. فبعض قال: عليه الغسل. وبعض يرى: عليه الوضوء. ولعلّ بعضا لا يرى عليه شيئا من ذلك، في وضوء أو لا ترى عليه غسلا، ويحتمل معاني ذلك، وأثبت ذلك عندي، بثبوت الغسل لثبوته مشركا.
مسألة: من المصنف: أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم، إلى معاني في اليهودي، إذا صاغ صوغا مجوّفا، ثمّ طهّر خارجه. هل فيه اختلاف؟ وما الأحوط؟ فالأحوط ترك الصلاة به؛ لأنّه إذا صلّى به، دخل في الاختلاف، ولا أحبّ للمقتدى به الغسل، وبعض اتباع شواذ الأقاويل. وأمّا صوغ اليهودي، فتكثر العلل فيه: فقول: لا بأس برطوباتهم، ما لم يعلم أنّهم مسوّها.
مسألة: ومن حفظ أبي معاوية: وعن أبي معاوية: وعن أبي عبد الله: وقال في الذي يكون عنده الخمر والحرام، ويسلّم إذا كان بعينه، فلا يجوز له. /219/ (1/219)
صفحة 220
وإن كان قد حوّله إلى غيره، فهو له جائز.
قلت له: وكذلك الذي يستحلّ مال أهل القبلة؟ وبعضهم إذا جاز بهم، ثمّ يسلّم ويتوب، وذلك قد حوّله في شيء غيره؟ قال: لا في هذا خلاف ذلك، وهو وما حول إليه حرام عليه، ويردّه إلى أهله.
مسألة: وعن أبي الحسن: وقلت: ما تقول فيمن تكلّم كلاما يلحقه فيه الشرك. هل يلزمه فيه غسل؟ وهل تفسد عليه امرأته، إن جامعها قبل أن يتوب، أو يغسل إن كان يلزمه فيه غسل؟ إذا كانت التوبة بلسانه، والرجوع عن خطأ به، ولا بأس عليه في زوجته، ولا يلزمه من غير اعتماد، والله أعلم بالصواب.
ومن غيره قال: الله أعلم. والذي معنا، لا يسعه جهل ارتكاب ما جهل من الشرك، ولا من حرمة زوجته في حال الشرك، إذا كان يعرف. وكذلك إذا كان ذاكر ما كان منه من الشرك، أو ذكر بعد ذلك، ما كان فيه من الشرك. /220/ (1/220)
صفحة 221
وأمّا إذا كان ذلك عند الخطأ، ثمّ نسي ذلك وتاب في الجملة، ولم يكن ذلك اعتماده، ولا يدين به. فإن تاب في الجملة مع النسيان، بعد إحداث التوبة باعتقاد التوحيد، والحق بالجملة، مع النسيان لذلك، إلى أن يموت على ذلك، والله أعلم بالصواب. وليس الخطأ بمرفوع في كلّ معاني الحق، وإنّما الخطأ الذي يرفع، إذا أراد أن يقول شيئا من الحق والعدل، فأخطأ فقال شيئا من الشرك، فهذا لا نفع به شرك. وأمّا إذا قصد إلى معنى الشرك، وجهل ذلك، فلا يسعه جهل ذلك، إلا أن يكون أراد غيره، فخطأ به. وأجاز محبوب الصلاة في ثوب سجي عمله مجوسي، في موضع، وما باعوا من الثياب المقموطة، فلا بأس به، وما كان منشورا، فلا يصلّى فيه. وقول: إذا نشر الذمي ثوب المسلم، أو طواه، فلا يصلّى فيه، إذا كان غائبا عنه، وذلك عن أبي عبد الله.
مسألة: قالوا: ولا بأس بشري الجرب المكنوزة من التمر، من اليهود، ما لم يعلم أنّهم مسوا ما فيها من التمر بأيديهم أو ثيابهم. /221/ (1/221)
صفحة 222
وقول: إن كان كنز يهودي جرابا لمسلم أفسده، أرى عليه البدل والغسل، ويبدل الصلاة إلى وقت ما يعلم أنّه غسله، وقال له قائل: فإن كان قد وطئ زوجته. هل تحرم عليه؟ قال: لا تحرم عليه زوجته. (رجع). /222/ (1/222)
صفحة 223
فصل في رطوبات اليهودي
وعن رجل مصلي، أعطاه يهودي خاتمه الذي يعلّقه. هل يجوز لهذا المصلّي أن يصلّي بذلك الخاتم، إذا غسله أم لا؟ قال: أرجو أنّه إن غسله جاز له ذلك.
قلت له: وكذلك ثوب اليهودي إذا غسله المصلّى، يجوز له الصلاة فيه مثل الخاتم؟ قال: هكذا عندي.
قلت له: فإن لم يغسل الثوب والخاتم، ولم يعلم أنّ بهما نجاسة، ولا أنّ اليهودي عرق فيهما. هل يجوز له أن يصلّي بهما في الحكم، حتّى يعلم نجاسته؟ قال: معي، أنّه إذا كان من لباسه، فقد قيل: إنّه لا يجوز له الصلاة به، حتّى يعلم أنّه طاهر.
قلت له: فإن قال له اليهودي: إنّه قد غسله ولم يلبسه بعد غسله. هل يجوز أن يصلّي به إذا آمن اليهودي على ذلك؟ قال: لا يبيّن لي ذلك؛ لأنّه غير مأمون على النجاسة، وهو نجس، أعني اليهودي. /223/ (1/223)
صفحة 224
قلت له: فما الفرق بين المأمون الثقة في دينه، من أهل الكتاب، وبين الفاجر من أهل القبلة الذي يؤمن؟ وهل يجوز أن يؤمن على النجاسة، ولم يجز أن يؤمن اليهودي أم لنجاسة اليهودي لشركه؟ فقال: لا يؤمن على النجاسة، عندي من هو نجس، وأحكام النجاسة. من المصنف أيضا: اختلف المسلمون في رطوبة أهل الكتاب: فقال بعضهم: بنجاستهم واحتجّ بقول الله تعالى: {إنّما المشركون نجس} وقال بعضهم بطهارتها، واحتجّ بأنّ هذه الآية، نزلت في مشركي العرب، أنّ عمر –رحمه الله- توضّأ من جرّة نصرانية، وأنكر ذلك بعض، ولم يصحّحه على عمر، وتأوّل الآية، أنّه في طعامهم وذبائحهم، والله أعلم.
مسألة: وسئل عن البئر وأشباهه، يصوغه اليهودي فينقب البئر، فيدخل فيها الماء ويخرج. ما حكم الماء؟ قال: معي، أنّه طاهر. /224/ (1/224)
صفحة 225
باب في تطهير الأواني التي تنشف الماء وفي غسل الثياب ومعاني ذلك وما أشبه ذلك
من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: وإذا تنجّس أواني الطير، اعتبر حالها. فإن كانت النجاسة حلتها وهي رطبة، أو في الماء، أو لم تمكث النجاسة فيها، قدر ما يتولّجها، ويحتذ بها أطراف الوعاء إلى نفسه، فإنّها تغسل كما يغسل وعاء الرصاص والزجاج، وما لا يجتذب دمه نجاسة، إذا كان ما فيها من الرطوبة، يدفع عنها، كما يدفع ما ذكرناه من الرصاص والزجاج. وإن مكثت النجاسة فيها مدّة ما يعلم من طريق العادة، أنّها قد احتذيت إلى نفسها من النجاسة، وتولّجت فيها، واحتاج صاحبها إلى استعمالها غسلها، ويجب صب عليها الماء الطاهر، حتّى يرتفع عن مواضع النجاسة، بقدر ما يغلب على ظنّه، أنّها لا توسّخ ذلك المكان، ثمّ يدع الماء فيها، بقدر ما يبلغ إلى مبالغ النجاسة، ثمّ قد طهرت إن شاء الله.
مسألة: وإذا كان إناء من خزف، في ماء نجس، وفي الإناء ماء. /225/ (1/225)
صفحة 226
فحكم الماء الذي فيه الطهارة، حتّى يصح بلوغ النجاسة إلى الماء الذي به الإناء، أمّا الإناء، فهو نجس من ظاهر أسفله، والله أعلم. ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
ومن جامع أبي محمّد: في أواني الطين، إذا أصابتها النجاسة وهي رطبة، غسلت بالماء وقد طهرت، وإن أصابتها وهي يابسة، فتولّجتها ودخلت النجاسة فيها، لم تطهر حتّى يغسل ظاهرها، واختلف أصحابنا في تطهير ما كان هذا وصفه، وحلته النجاسة، حتّى خالطت جسمه. قال قوم: يطهّر بثلاثة أمواه، كلّ ماء يبقى فيه يوما وليلة، ثمّ يراق الماء منه. وقال بعضهم: ثلاثة أمواه أيضا، يكون الماء في الليل وفي النهار، يصب الماء منه، ويقام في الشمس فارغا من الماء، ثلاث مرّات على هذا، ثمّ يطهّر. وقال بعضهم: يطهّر بماء واحد، يكون فيه يوما وليلة. وقال بعضهم: لا أجد لذلك حدا، ولكنّي أعتبر الوقت، وحال الإناء إذا حلّته النجاسة، وفيه الماء أو رطب أو يابس فارغا من الماء، فأمر بصب الماء فيه، ثمّ أحكم له بحكم الطهارة، بقدر ما يغلب على ظنّي، أنّ الماء الطاهر، قد بلغ إلى حيث انتهت إليه النجاسة. /226/ (1/226)
صفحة 227
ذلك قياسا على بول الأعرابي، لما بال في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بصب الماء عليه وحكم بطهارته، وهذا هو عندي، الذي يوجبه النظر، ويشهد بصحة الخبر، والله أعلم. وإذا جف الإناء وسائر أواني الطين، بشمس أو ريح أو مدّة أذهبت منه عين النجاسة ورطوبتها، أنّه يصير طاهرا بغير ماء، قياسا على ما اتفق عليه أصحابنا من الأرض، إذا حلّتها النجاسة، فذهبت عينها بشمس أو ريح أو مدّة طويلة، إن حكم الموضع يصير طاهرا. وكذلك أواني الطين، إن هي من الطين، هذا سبيلها، والله أعلم. وعن أبي سعيد: وعن الذي نجده لأصحابنا، أنّ أواني الطين، لا تطهّر إلا بالماء، فلا أعرف لهم فرقا فيما حكمه في الطاهر واحد، والله نستهديه لما يقرب إليه.
مسألة: ومن غير الكتاب: وسئل عن الأوعية التي تنشف: كيف يفعل فيها إذا ارتدّ طهرها، إذا كانت قد نشفت النجاسة؟ قال: معي، أنّه يختلف في ذلك. /227/ (1/227)
صفحة 228
ومعي أنّه في القول: إنّه لا ينتفع بها، وتترك إذا لم يبلغ إلى طهارتها في الطاهر أن تطهّر، وينتفع بها في غير الرطوبات أو تكسر. ومعي، أنّ في بعض القول: إنّها تغسل غسل النجاسة، على حكم الظاهر وينتفع بها. في بعض القول: إنّها تطهّر، ثمّ يجعل فيها الماء الطاهر، بقدر ما قعدت فيها النجاسة، التي تنشفها. فإن كان سبعة أيّام أو أكثر، وإن كان دون ذلك، فبقدر ما قعدت فيها النجاسة. قلت: فما صفة التسبيع لها، على قول من يقول بذلك؟ قال: معي، أنّها تغسل غسل النجاسة، ثمّ تجفّف في بعض القول. وفي بعض القول: محجلا إذا غسلت، ثمّ يجعل فيها الماء الطاهر سبعة أيّام، ثمّ تغسل بعد ذلك. هو معنى تسبيعها. وقال من قال: يجعل فيها الماء والطفال، على نحو ذلك سبعة أيّام ثمّ تغسل. وقال من قال: يغسل في السبعة أيّام ثلاث مرّات، ويخلف فيها الماء أو الماء في الطفال، على قول من يقول بذلك، ثمّ تغسل. /228/ (1/228)
صفحة 229
وقال من قال: يجعل فيها تسعة أيّام، على نحو هذا الاختلاف. وقيل: تكون هذه الأوعية في الشمس، عند تسبيعها. وقيل: لو كانت في الظل، بلا شمس تجري.
ومن كتاب المصنف: مسألة: وإن وقع في إناء ينشف ميتة، وخرجت من صينها، والإناء رطب غسل. وإن كان جافا من الماء، غسل غسل الجنابة، من الأوعية التي تنشف. فإذا غسلت أواني الطين بالماء، وهي رطبة طهّرت، إن كانت يابسة، فتولجتها النجاسة، لم تطهّر تغسل ظاهرها، والله أعلم.
مسألة: وعن أبو سعيد: إن كانت النجاسة فيها قائمة في الماء، فكفى وتغيّرت النجاسة بلا غسل، ثمّ وضع فيها ماء طاهر، بقدر ما قعدت فيها النجاسة، ثمّ غسلت، فلا يبيّن لي تطهّر، حتّى تغسل غسلا تاما، ثمّ يجعل فيها الماء الطاهر، بعد جفوفها من الغسل التام. /229/ (1/229)
صفحة 230
مسألة: ومنه اختلف في الماء، الذي يجعل في الأوعية، في السبعة أيّام: فقول: إنّه طاهر. وقول: أوّله نجس وآخره طاهر. وقول: كلّه نجس، ويغسل الإناء غسلا جديدا.
مسألة: ومنه: والجندل وسائر الخشب، إذا تنجّس ثمّ زالت عين النجاسة، ثمّ ضربته الشمس والريح، فحكمه حكم التراب، ولا فرق معي في ذلك، ألا ترى أنّهم قالوا في الدابة، إذا تنجّس ضرعها وظهرها، ثمّ تقلّبت في التراب، وذهبت عينه أنّه قد طهّر، وإذا وقع الخشب في ماء نجس، وبوزق فيه؟ إنّه يخرج ويجفّف في الشمس، ثمّ يوزق في ماء طاهر، ويبالغ في غسله.
مسألة: ومنه: إذا كان دعن وجذوع نجسا، فأصابها الغيث؟ /230/ (1/230)
صفحة 231
فإنّها تطهّر إذا سال عليها الماء، وتغيّر أثر النجس، وضرب الغيث يقوم مقام العرك لها، إذا جرى عليها الماء وسال عليها.
مسألة: ومنه: سئل أبو الحواري عن السواك، إذا استاك به وهو يابس، وفمه نجس من دم أو غيره، ثمّ غسله من النجاسة. هل يطهّر بذلك، ولو كان قد نشف من رطوبة الفم، في حين السواك به؟ قال: أنا أفعل إذا طهر ما ظهر منه، ولا أعلم أنّه بقي فيه شيء من النجاسة، وكان معناه أنّ الماء يدخل إلى حيث تدخله النجاسة، وتنشف مثل الماء، مثل ما تنشف النجاسة. والماء يستهلك النجاسة، عند ملاقاته لها، وإن كان قد تعلّق ولان، فأحبّ إن خرج في الاعتبار، أنّه إذا دلك باليد، بلاغة في الطهارة، وأدرى بذلك أن يفعل به كذلك، وأجوز أن يطهّر إن شاء الله. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. /231/ (1/231)
صفحة 232
فصل في غسل الثياب
ومن قال لغسال طهّر هذا الثوب فجاء به مغسولا، فليس عليه أن يسأله عن طهارته، وإنّما يسأله إذا لم يقل له طهره.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: وإذا غسل ثوب نجس غسلا جيّدا، بلا نيّة من النجاسة، إذا لم يرد صاحبه، استعماله غير لازم له، والله أعلم.
مسألة: قال الفضل بن الحواري: من سلم إلى عبد أو أمة ثوبا نجسا، ولم يعلمه أنّه نجس، فأتاه به مغسولا، وأثر الغسالة به، فله أن يصلّي فيه، ولو لم يسأله عن شيء، إذا كان الذي غسله بالغا، وغسالة الصبي للثياب لا تجوز.
مسألة: قال أبو سعيد: فيمن عرق في ثوب نجس، فلم يعرف أنّه ممّا يمازج النجاسة، أو خلف دون ذلك؟ /232/ (1/232)
صفحة 233
فإذا اشتبه عليه، فليس عليه أن يعمل بالشبهة، ويترك الحكم، إذا كان بدنه في الأصل طاهرا، إلا أن يكون شبهة تغلب عليه. فإن أراد أن يأخذ بالاحتياط، ممّا له فيه التخيير، فلا يترك الجماعة على التخيير، وأمّا إذا كان الاحتياط لازما، فاللازم غير التخيير، والله أعلم.
مسألة: وإذا غسل ثوب نجس غسلا جيّدا، بلا نيّة من النجاسة، وزالت عين النجاسة، فجائز أن يصلّى به.
مسألة: من الضياء: ومن نجس ثوبا لرجل أو غيره، لزمه غسله. فإن لم يغسله، فليعرفه أنّه كان نجسا. فإن كان الرجل قد غسله، فلتمسّه من تنجيسه إيّاه، ويعطيه غرم ما يغسل من تلك النجاسة. وإن كان الثوب مصبوغا، فنجسه عمدا، فإنّه يلزمه قيمة ما ذهب من صبغه، من كرى من يغسله، وأمّا الخطأ، والله أعلم. /233/ (1/233)
صفحة 234
فصل في طهارة الثياب
قال الله –جلّ ذكره-: {يا أيّها المدثّر قم فأنذر وربّك فكبّر وثيابك فطهّر} فقال غير واحد من أهل العلم، في معنى قوله: وثيابك فطهّر من الإثم. وقال ابن عبّاس: لا يلبسها على عذرة ولا على معصية. وقال مجاهد وأبو ثور: زيّن عملك وأصلحه. وروينا عن الحسن أنّه قال: خلقك فحسنه. وكان ابن سيرين يقول: هو الغسل بالماء. وقد قيل: إنّ معنى قوله: وثيابك فطهّر، أي وقلبك فطهّره. قال أبو سعيد: معي، أنّه قد قيل نحو ما مضى في معنى تأويل هذه الآية. قال من قال: إنّ الثياب هاهنا، إنّما أراد به القلب، فأمره أن يطهّره من الكذب والمعاصي، وإذا ثبت معنى ذلك، ثبت أن يكون القلب والبدن جميعا؛ لأنّ المعاصي يدخل حكمها على نجس القلب والبدن. وقال من قال: إنّه أراد بالآية، تطهير الثياب من النجاسات. /234/ (1/234)
صفحة 235
وكذلك ثبت في معنى السنّة والاتفاق، ثبوت معنى غسل النجاسات من الثياب، لمعاني الصلاة، كما تطهّر النجاسات من البدن، فيعمّ الآية المعنيين جميعا، في ثبوت: غسل النجاسات من البدن، والقلب من المعاصي ومن البدن، والثبات من النجاسات، ويصح التأويلات جميعا، بمعاني الاتفاق، ممّا لا يختلف فيه، من ثبوت المعنى، ولو لم تتفق فيه في القول.
مسألة: من الزيادة المضافة: وعن رجل على ثوبه نفك، وذلك النفك نجس. هل يجزى بنفضه ولا يغسله إذا خرج بالنقض أجزأه ذلك. قلت: ما تقول إن نفضه والثوب أبيض، ويف الثوب شعر منه، أم يدر خرج ما علقه من القطن النجس أم لا؟ فإذا كان القطن نجسا، وفي الثوب منه شيء لم يخرج، وهو عندي فاسد، حتّى يخرج كلّه أو يغسله. /235/ (1/235)
صفحة 236
ارجع إلى كتاب بيان الشرع. واختلفوا في الثوب، تصيبه النجاسة ويخفى مكانه. فقالت طائفة: ينضحه كذلك. وقال أحمد في المذي ينضحه.
قال غيره: يتحرّى ذلك المكان، فيغسل من البول مكانه. وفيه قول ثالث: وهو أن يغسل الثوب كلّه. قال أبو بكر: يغسل الثوب كلّه. قال أبو سعيد: معي، أنّه يشبه معاني الاتفاق، من قول أصحابنا، في معنى النص، ما قال أبو بكر أن يغسل الثوب كلّه. وأمّا في معاني اعتبار قولهم، فقد يجوز أن يتحرّى موضع النجاسة، إذا لم يثبت الثوب كلّه نجسا، فيغسل ذلك المتحرّي من الثوب، أنّه موضع النجاسة، ويجزئ ذلك. إنّ في بعض قولهم: إنّه لو مسّ من ذلك الثوب، موضع شيء من الطهارات، لم يفسد ذلك، ما مسّ حتّى يعلم أنّه مسّ موضع النجاسة، وأمّا النضح على الثوب من النجاسات، من الذوات، فلا أعلمه. كذلك أنّه يخرج من معاني قولهم. /236/ (1/236)
صفحة 237
إلا أنّه يصح في النظر، أنّ ذلك الصب والنضح، مزيل لتلك النجاسة، فلا يبعد ذلك عندي، في مخصوص الأمور، واختلفوا في دم يغسل فيبقى أثره في الثوب، فرخّصت في ذلك عائشة أمّ المؤمنين، وصلّى علقمة في ثوب فيه أثر الدم وقد غسل، وهذا قول الشافعي، وكان ابن عمر، إذا وجد في ثوبه دما، فغسل فلم يخرج، فدعى بجلمين فقص مكانه. قال أبو بكر: بالقول الأوّل نأخذ. وقال أبو سعيد: بمعنى أنّه يخرج هذا في معنى ما أشبه أثر الزمح من أثر الدم، أي أنّه إذا صار ذلك بحد ما لا يرجى خروجه، بمعاني الغسل لمثله من الدم. فإذا ثبت أنّ ذلك زوك لا عين قائمة، خرج في معانيه الاختلاف عندي. قال من قال: إنّه طاهر، وذلك ليس بعين ولا أثر، وإنّما ذلك زوك الشيء، ليس الشيء عينه. وقال من قال: هو مفسد، إلا أن يغيّر أثره فيستحيل. /237/ (1/237)
صفحة 238
ولو غير شيء من الطهارات، استحال في معنى هذا القول، مثل شيء من الصبغ أو سواه. وقال من قال: إنّه نجس على حال، وما بقي حتّى يخرج أو يحرج من الثوب.
مسألة: أحسب عن أبي بكر أحمد بن محمّد بن بكر في النجاسة: إذا كانت في بدن الرجل البالغ، وغاب ولم يعلم أنّه أزالها؟ فالذي اتضح من قول أصحابنا: إنّه إذا علم بها الذي هي في بدنه، وغاب بقدر إزالتها؟ أنّه يكون في الحكم، أنّها قد طهّرت، إذا كان ممّن يدين بنجاستها، وأمّا إذا لم يعلم أنّه قد علم بها، فلم أحفظ فيه شيئا، غير أنّ بعض أصحابنا قال: إنّه وجد إذا حلا له ثلاثة أيّام، كان حكم النجاسة أنّها قد زالت، والله أعلم. وأمّا الثوب فقالوا: حكمه حكم النجاسة، حتّى يصح زوالها منه؛ لأنّ صاحبها له الخيار في إزالتها في الوقت، أو بعد الوقت، وأمّا الصبي، فقالوا: حكمه غير البالغ؛ لأنّه غير متعبّد بإزالة النجاسة، وأمّا قول والدته: إنّها قد أزالتها، فيعجبنا أنّه يقبل قولها إذا سكن إلى ذلك، والله أعلم. /238/ (1/238)
صفحة 239
مسألة: في غيره وسألته عن الثوب، إذا كان فيه نجاسة أو جنابة، فيسلّمه إلى الغسّال، غير الذي له الثوب، وقد علم المسلم بنجاسته، وقال للغسّال: إنّه نجس. هل لصاحب الثوب أن يصلّي فيه؟ قال: معي، أنّه إذا سلّم إلى الغسّال ثقة مأمونا مصدقا، جاز لصاحب الثوب أن يصلّي فيه؟
مسألة: وسألته عن ثوب فيه نجاسة، لم يعرف مكانها، ثمّ أنّ إنسانا من ذلك الثوب، ولم يعلم مس النجاسة، أم ما يكون حكم يده؟ قال: معي، أنّها ظاهرة، حتّى يعلم أنّه مس النجاسة، ولا أعلم في ذلك اختلاف. فإن قلت له، أو إن كان لا يعرف مكانها؟ فمعي، أنّه قيل: في ذلك باختلاف: قال من قال: إذا مسّ الثوب، ولا يدري همس على النجاسة أم لا. وقال من قال: يحكم على الموضع بالنجاسة، حتّى يعلم أنّ الموضع طاهر. وقال من قال: إنّه طاهر حتّى يعلم أنّه نجس. /239/ (1/239)
صفحة 240
ومن كتاب المصنف: قال أبو سعد: فيمن أصابته جنابة في الليل، فنظر ثوبه، فلم ير فيه شيئا. هل له أن يصلّي فيه؟ قال: إذا كان أصله طاهرا، ولم تغلب عليه استرابة، تنقله عن حمك أصله، فهو على أصله.
مسألة: وإذا أصابته الجنابة، فوقعت في ثوب تنجس ما تحته. وعن أبي المؤثر: إن كان طلقا ينجس الثاني، أمّا الثالث، فهو طاهر، حتّى يعلم أنّه مس النجاسة. وقال: وأمّا عن أبي الحواري قال: إذا وقعت في الثوب، فالثاني طاهر، حتّى يعلم أنّه مسّته النجاسة. وقال: إلا أنّ محمّد ابن خالد، كان يقول: أن يتّهمه إن مسّته النجاسة فيغسله، والله أعلم.
مسألة: عن أبو الحسن: فيمن التزق ثقب قضيبه بثوبه، كأنّه كان عالقا به؟ فإن كان يصح معه، إن كان التزاقه من رطوبة ظهرت منه، فيغسل ذلك الموضع من الثوب، وذلك أحبّ إلينا. /240/ (1/240)
صفحة 241
وإن كان لم يصح له ذلك، حتّى يعلم ذلك أنّه قد مسّ الثوب منه رطوبة فاسدة، والله أعلم.
مسألة: ومنه: في نجاسة جافة، مثل بول أو عذرة أو جنابة، وقع عليها ثوب، وهو بين اليابس والرطب. قال: هو طاهر، حتّى يعلم أنّه أخذ منها شيئا، حتّى تكون النجاسة مايعه، أو ممّا يلزق ولا مخرج للثوب من الأخذ منها.
مسألة: وعن أبي الحواري: في الثوب يقع على موضع ثري من البول. قال: لا يفسده، حتّى يعلم أنّه أخذ من الثرى. فعند ذلك يفسده.
مسألة: ومنه: إذا غسل ثوب نجس غسلا جيّدا، بلا نية من النجاسة؟ فجائز أن تصلّي به.
مسألة: ومنه: وغسل النجاسات ثلاث مرّات، بأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم في التعبّد في غسل النجاسة إزالتها. /241/ (1/241)
صفحة 242
فلا يجوز غسل الثوب من النجاسة والجنابة، إلا ثلاث عركات، مع زوال عين النجاسة، وإذا كان في ثوب نجاسة، يزيلها غسل واحد، فالواجب أن يغسل ثلاثا، ذلك بالخبر المروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قيل لأبي محمّد: إن صب الماء، يجزئ إذا زال العين. قال: نصب ثلاثا بالخبر المروي، والصب إنّما هو على الأرض لا غير.
وفي المختصر: إنّ غسل الثياب من النجاسة، ثلاث عركات، وقد طهر، إلا أن تكون عينها قائمة لم تذهب بالثلاث، فحتّى يخرج فهي على وجهين. أمّا أن تذهب لو تغسل حتّى تذهب.
مسألة: ومنه: إذا أصاب الثوى احتلام، ولم يعرف المكان؟ فليغسل الثوب كلّه، فإن عرف غسل وحده. /242/ (1/242)
صفحة 243
مسألة: وعن أبو سعيد: في موضع جنابة عرك أربعين عركة، ولم يخرج كلّه إلا أن تغيّر عن حاله، كلّما عرك، وكذلك الخمر والدم؟ فقيل: ما دامت العين من النجاسة قائمة، فلا تطهّر حتّى تذهب العين، ولا غاية لذلك، حتّى يصير إلى حد الزوك، الذي لا ينحل منه شيء، ولا بأس بذلك. وقول: إنّه نجس حتّى يغيّر بشيء من الطهارات، مثل الصبغ والأدوية.
مسألة: ومنه أبو سعيد: إنّ العرك والخبش والعصر، كل ذلك ينقّى النجاسة، ويطهّرها أيّهن كان على الانفراد، والله أعلم.
مسألة: وعن أبو سعيد: في الثوب إذا خيّط وهو نجس، ثمّ غسل؟ إنّه يعتبر أمره في ذلك، في وقت الغسل. فإن كان يصل إليه الطهارة بالعرك، أجزأه ذلك. وإن كان لا يصل إليه ذلك، لا يجزئه. وفي موضع قال: يغسل ويبالغ في غسله، وليس عليهم أن ينقضوا الخياطة. /243/ (1/243)
صفحة 244
مسألة: ومنه: إذا صبغ الثوب بصبغ نجس؟ فقول: يغسل حتّى يخرج الماء صافيا. وقول: إذا غسل النجاسة بمقدار ما يزيل الغسل، تلك النجاسة أن لو عارضت الثوب وحدها، لكان ذلك الغسل يجزيها أنّه يطهّر، ويجزيه ذلك، ولو كان الماء يخرج متغيّرا من الثوب، أسود أو أحمر، فإذا كان أحمر؟ قال: ويعجبني هذا القول؛ لأنّ ذلك السواد، ليس من جوهر النجاسة، وإنّما كان أصله الطهارة، وقد جرى عليه النجاسة من الغسل، ما يزيل حكمها من ذلك الصباغ، ولو لم يصف الماء. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. /244/ (1/244)
صفحة 245
باب في تطهير الأرض وما أنبتت وفي الجندل وفي نجاسة الموتى وطهارتهم وفي نقض وضوء من مسّهم وما أشبه ذلك
وسئل عن البول النجس والماء النجس، إذا ضربته الشمس ويبس. هل يطهّر؟ قال: معي، أنّ الماء إذا يبس، ولو لم يتغيّر الأثر، فقد طهّر، والبول لا يطهّر، حتّى يزول أثره ولو يبس، وبينهما عندي فرق.
قلت له: فما حد زوال أثر البول؟ قال: معي، أنّه إذا لم يبق للبول، أثر ممّا يعرف بعلاماته المعروف بها. وكذلك النجاسة، إذا كانت في الأرض، وضربتها الشمس والريح، فقد ظهرت إذا أمحى أثر النجاسة.
مسألة: وفي بول في الأرض، صب عليه ماء ينضف من حينه، فإذا صب عليه ماء أكثر، ثمّ نشفت الأرض الماء، فقد طهرت. وكذلك الحصى بمنزلة الأرض، يجزيه صب الماء. /245/ (1/245)
صفحة 246
قال غيره: إذا صب عليه الماء أكثر منه، فقد طهر هو، والماء جف الماء، أم لم يجف. وقد قيل: إنّ الحصى لا يجزيه صب الماء، ولكن الحصى يقلب، والصفا يعرك والتراب والسمة يجزيهما الصب.
مسألة: وروي أبو سعيد: عن الحسن أنّه قال: في الجدار إذا بنى من طين نجس، أنّه أذا يبس، فقد طهر خارجه وداخله.
مسألة: من كتاب قواعد الإسلام: واختلف في المدّة التي تطهّر فيها بالشمس والريح. فقيل: سبعة أيّام في الصيف، وأضعاف ذلك في الشتاء. وقيل غير ذلك، وإذا ذهبت عين النجاسة عن الأرض، بشمس أو ريح أو وطئ أو حك. كما قدمنا فقد طهر المحل ولو بقي الأثر. وكذلك الريح والشمس والمطر، فإنّها طهارة لها، وجميع أجزائها ونباتها المتصل بها، وما يخرج من معادنها، واختلف في الثمار البائنة عنها، وفي معمول نباتها. /246/ (1/246)
صفحة 247
وإذا بقي الأثر، وذهبت الرائحة، ففي الأرض والثوب، فلا بأس رجع.
ومن كتاب المصنف: عن أبو جعفر محمّد بن علي، أنّه قال: ذكاة الأرض يبسها يريد طهارتها من النجاسة. وعنه: إنّ الأرض يطهّر بعضها بعض، يعني أنّ اليابس منها يطهّر من نجاسة الرطب، والطيب منها يطهّر الخبيث منها، وشبّه الأرض، إذا كان يطهّرها، ويحلّ للمصلّى الصلاة فيها، كالذكاة للذبيحة، إذا كان يطيبها ويحلّلها.
مسألة: قال أبو جعفر: النجس من الأرض، ببول أو غيره من النجاسات، إذا ضربته الشمس أو الريح، حتّى يتغيّر ويذهب، فقد طهر وإن لم يغسل. وفي موضع: اختلف في الشمس بغير ريح، أو الريح بغير شمس. فقول: يجزي ذلك. وقول: لا يجزئ ذلك، حتّى يضرباه جميعا. وأمّا ما لم تناله الريح أو الشمس، فهو بحاله، حتّى يطهّر أو تضربه الشمس والريح أو أحدهما. /247/ (1/247)
صفحة 248
مسألة: ومنه الماء أجزي عنك. يريد إذا صببت الماء على بول، فجرى عليه الماء، فقد طهر المكان، ولا حاجة بك إلى غسله، من نشف الماء بخرقة أو غيرها، كما يفعل كثير من الناس. والأصل في هذا حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم حين أمر بصب الماء على بول الأعرابي، في المسجد الحرام، ولم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بغسل المكان، ولا نشف الماء. وقوله: أجزي عنك، أي أقضي عنك وعنّي من قوله تعالى: {لا تجزي نفس عن نفس شيئا}. واختلف في الشمس والريح، في كم تطهّر النجاسة من يوم. فقول: ثلاثة أيّام. وقول: يوم واحد. وذلك في النجاسات المعارضة، وأمّا القائمة بعينها، مثل الدم وشبهه. فلا يطهّره إلا الماء، ما دام قائم العين، فإن زال أثرها وضربتها الشمس والريح، فأرجو أنّها تطهّر إلا في البدن والثوب. /248/ (1/248)
صفحة 249
مسألة: واختلف في الماء الذي يطهّر به النجاسات في الأرض. فقول: ما دام رطبا، فهو نجس، إلى أن ييبس الماء والثري. وقول: إنّه نجس حتّى ييبس الماء بعينه، ولا بأس بالثرى. وقول: إنّما ذلك فيما يغسل به النجاسة، من الذوات العذرة والدم. وقول: لا بأس بذلك أيضا، كانت من الذوات أو غيرها. وفي موضع آخر: قال أبو الحواري: إذا كان الماء أكثر من النجاسة، فقد طهّر ويصلّى عليه، ولو كان رطبا.
مسألة: ومنه: اختلف في بادرة الماء، الذي تغسل به النجاسات: فقول: إنّه نجس، تلك البادرة ولو طالت وتباعدت. وقول: إذا جرى على النجاسة حكم الطهارة، فقد طهر ذلك كلّه، إذا كان متّصلا. وقول: إذا كان الماء الطاهر من بعد طهارة النجاسة أكثر، جاز ذلك. ولم يفسد إذا أدرك بعضه بعضا. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. /249/ (1/249)
صفحة 250
فصل في نجاسة الموتى وطهارتهم
ومن غسل ميّتا توضّأ لحال مسّه إيّاه، وذلك على قول من رأى النقض في مسّ الميّت.
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: واختلف الناس في حكم الميّت. هل هو نجس بعد الموت أو طاهر؟ قال أصحابنا: نجس حتّى يطهر. وقال بعض مخالفيهم: هو طاهر وغسله ليس يطهّره؛ لأنّه نجس، وإنّما هو عبادة على الأحياء. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «المؤمن لا ينجس حيا ولا ميّتا». وإن كان الخبر صحيحا، فحلول الموت فيه، لا ينقل حكمه عمّا كان عليه قبل ذلك، والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء: ومن مات على فراش، أو وضع بعد ما مات، فلا يقبل بالماء، ويستعمل وهو طاهر. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. /250/ (1/250)
صفحة 251
باب في الرجل يمشي في النجاسة وهو حافي أو منتعل ويمس النجاسة، ثمّ يمشي ويمس بعد ذلك الطهارة وفيمن كانت فيه نجاسة ثمّ نسيها فلم يدر غسلها أم لم يغسلها، وفي نجاسة النعل وطهارتها وفيمن تراه يمس نجاسة أو يقرّ أنّه مسّ نجاسة، وفي الطاهر إذا وقع على نجاسة أو النجاسة على الطاهر، وعمّن يدخل الكنيف ثمّ يمشي إلى المحازة وطريق المحازة تلا في طريق الكنيف
يجب عليه أن يتوضّأ ولا ينتقل، وهو يطأ في الطريق، ولا يرى فيها نجاسة، إلا أنّه يطأ ورجليه كانتا في النجاسة. هل عليه بأس في وضوئه؟ فلا بأس عليه ما لم يكن يطأ في تلك الطريق، بنجاسة رطبة، أو تكن رجله نجسة والطريق رطبة. فإذا كان كذلك، فسدت الطريق، فإذا مسّها برطوبة، أفسدت وضوءه. قلت: فإن كان ثري؟ قال: إذا كان لا يعلّق فلا بأس. /251/ (1/251)
صفحة 252
من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: ومن وطئ بنعله في نجاسة، فلم تلصق النجاسة بالنعل، فإذا خطا بها سبع مرّات طهرت، وإن لصقت النجاسة بها، طهرت بالماء، ما دام بها عين قائمة، وعلّة من قال بتطهير النعل، بغير غسل قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أيّما أهاب ذبغ فقد طهر». فقال –عليه السلام-: «الشمس والريح دباغ». وقالوا: فإذا يبست بالشمس فقد طهرت. ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: ورفع عن أبي بكر الموصلي، أنّه حدث عن حصين بن أبي وديعة السدفسي قال: كنت أقود أبا عبيدة إلى المسجد، فوطئ بنعله بقدر إنسان. فلمّا دخل المسجد، أراد أن يصلّي بنعله. فقلت له: يا أبا عبيدة، أنّك كنت وطئت بقدر إنسان، فرفع إحدى رجليه إليّ ثمّ قال: أترى شيئا في النعل؟ قلت: لا، ثمّ رفع الأخرى قال: أترى شيئا في النعل؟ /252/ (1/252)
صفحة 253
قلت: لا. قال: فصلّى بنعليه، ثمّ عرضت هذا الحديث على أبي عبد الله محمّد بن محبوب فقال: نعم، إذا سحقته الأرض وأرخصه في الخفين. وقال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا، عندي أنّ الخف والنعل، وما أشبههما إذا تنجّس وسحق بالأرض، وهو التراب أو سحقته الأرض، حتّى استحال إلى ذهاب العين، والأثر والعرق، وما كان من النجاسات، أنّ ذلك يجزئ عن تطهيره بالماء. وقد قيل: لا يطهّر إلا بالماء، كلّ شيء من الأشياء، ولعلّ القول الأوّل في معاني قولهم، وأمّا الأبدان والثياب، فلا أعلم في قولهم: إنّه يطهّر بغير الغسل، إلا أنّه إذا عدم الماء، فإزالة النجاسة من البدن والثوب، بما قدر عليه، من تراب أو غيره ثابت، في معنى ما يشبه الاتفاق، من قول أصحابنا، أنّه إذا عدم الماء، ثبت معنى التيمّم، عن حكم الطهارة في الوضوء، ولمعنى الطهارة من النجاسات، مع إزالتها ما يمكن؛ لأنّ ذلك وجه التعبّد فيه، فلا يستحلّ فيه عنه، إلا بما لا يقدر عليه، وما عدمه، /253/ (1/253)
صفحة 254
ولا يكلّف القيام بشيء، ممّا يعدم القيام به، في شيء من دينه.
مسألة: في نجاسة النعل، إذا كانت في باطنها، فلا تطهّر إلا بالغسل، وأمّا طهارتها ممّا يلي الأرض، فقد اختلف فيه، وأحبّ أن تجزيه إن سحقته الأرض مشي به أو حكمه. /254/ (1/254)
صفحة 255
فصل في من كان فيه نجاسة، ثمّ نسيها فلم يدر غسلها أو لم يغسلها وممّا يوجد
إنّه جواب أبي محمّد عبد الله بن محمّد –رحمه الله-: وعن رجل أصابته الجنابة، وكان قبل ذلك، قد جاء من الغائط، فذهب فاغتسل من الجنابة، ونسي الغائط، حتّى قام يصلّي، فلم يدر أغسل الموضع أم لم يغسله. فالذي وجدت عن المؤثر، عن أبي المؤثر –رحمه الله- أنّه قال: من كانت به نجاسة، فدخل الماء الجاري، هو ذاكر لما فيه من النجاسة، وإنّما دخل ليغسل تلك النجاسة وغيرها، فلمّا قام شكّ فلم يدر غسل تلك النجاسة أم لا، وقد لبس ثيابه. فقال: لا بأس في ثيابه. وكذلك أقول في وضوئه، إذا كان توضّأ، إلا أن يرى أثرا من النجاسة فيه، فإنّه يعيد الوضوء. وما مسّ ثوبه من تلك النجاسة وهي رطبة، أفسدته.
قال غيره: إذا دخل الماء وهو ذاكر للنجاسة، ويريد غسلها، أو أقام إلى الماء، يريد غسلها أو ذهب ليغسلها، ثمّ لم يعلم أنّه نسي ذلك، فلمّا خرج من الماء، أو قام من الماء، نسي ذلك، فهو على أحكام /255/ (1/255)
صفحة 256
الطهارة والقيام بها، حتّى يعلم أنّه نسي ذلك، أو أهمل ذلك، أو تركه أو رجع عن نيّته تلك، من القيام إلى الطهارة. وإن كان الماء، ولم يعلم أنّه كان ذاكرا للنجاسة، حتّى قام من الماء، فلبس ثيابه، فهذا عليه أن يغسل النجاسة، ويغسل ما مس ثوبه من تلك النجاسة، ويعيد الوضوء، وهذا عندي مثل ذلك، ولكن أقول: يعيد الوضوء. وأمّا موضع النجاسة، فإذا كان قد عركها للغسل. قد وجدت في الأثر: إنّ عركة واحدة في الماء الجاري، بعد ذهاب أثر النجاسة يجزئ، وذهاب أثره بعد عركة واحدة أو ثلاثا، ولم يبق من النجاسة شيء، وكان ذلك في الماء الجاري، وزالت بالثلاث فقد طهرت. ولو كانت لم تزل إلا بالنجاسة، إلا أنّه قد حصل غسل النجاسة بالثلاث، وزالت العين. وكذلك عرفنا عن بعض أهل العلم. وكذلك قد قيل في غسل النجاسة، في غير الماء الجاري، أجزأه ذلك ثلاث صبات وعركات. /256/ (1/256)
صفحة 257
مسألة: ومن أصاب أحد بنجاسة بغير قصد منه؟
فعليه أن يعلمه، فإن لم يعلمه، كان عاصيا بذلك. /257/ (1/257)
صفحة 258
فصل فيمن تراه يمس نجاسة أو يقرّ أنّه مسّ نجاسة، ولم يعلم أنّه غسلها وفي الطاهر إذا وقع على نجاسة وما أشبه ذلك
وقيل فيمن تكون في يده نجاسة، لا عين لها مثل بول أو غيره، ثمّ نسيها فصب في يده دهنا على تلك النجاسة ودهن به؟ إنّه لا ينجس ما مسّه من ذلك الدهن. وقال: إنّ الدهن لا يمنع تلك النجاسة، وأنّه يلصقها في موضعها. وقال من قال: أيضا في مثل الدم وغيره، ممّا له عين من النجاسات، أنّ الدهن أيضا لا يمنع تلك النجاسة، إلا أن يراها قد ماعت منه، فحينئذ ينجس ما مسّت. وقال من قال: إنّ ذلك قد فسد، ويفسد ما مس وما ليس له عين.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: وسألته عن رجل عنده لرجل أمانة، مثل الحل أو الخل أو شيء من الطهارات. /258/ (1/258)
صفحة 259
فقال له الأمين: إنّه نجس أو وقعت فيه نجاسة. قلت: أيفسد عليه ما له ذلك بقوله؟ قال: إن كان ثقة كان حجّة عليه. وإن كان غير ثقة، فليس عليه أن يصدّقه.
قلت له: فإن كان ثقة. فهل له أن لا يصدّقه؟ لم ير له ذلك إلا أن يصدّقه. وقال: الثقة حجّة عندي في مثل هذا. وقوله: وفيمن يكون قوله حجّة في طهارة النجاسة، ونجاسة الطهارة، وأمّا في تحريم الأموال، فيشهد عليه بتحريم مال، قد أخذه من وجه حلال، فلا يكون ذلك حجّة عليه، إلا أن يشهد عدلان بذلك، فإن أعار رجلا ثوبا من أهل القبلة، ثمّ أخبره المستعير أنّ الثوب نجس. ما يلزمه في ذلك؟ قال: فرأيته يجب أن يصدّقه في ذلك، ذلك كان ثقة أو غير ثقة، في نجاسة الثوب خاصة.
قلت له: إن كان قد صلّى صلاة أو صلوات، وأخبره وهو غير ثقة؟ فلم ير عليه أن يصدّقه فيما مضى من صلاته، وأحسب أنّه أحبّ أن يصدّقه فيما يستأنف في غسل الثوب. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. /259/ (1/259)
صفحة 260
باب في الاحتشاء وفي الشك وفيمن شك أنّه خرج من ذكره شيء أم لا ومعاني ذلك
ومن جامع أبي الحسن –رحمه الله-: ومن كان يحتشى في ذكره القطن، فخرج منه شيء، حتّى رطب القطنة من داخل. فلا بأس عليه، حتّى يظهر شيء ممّا يخرج منه. وإن كان شيء من القطن، من ظاهرها ليس برطب، وترطب داخلها. فلا بأس حتّى يعلم أنّ تلك الرطوبة، قد ظهر منها شيء؛ لأنّ الإنسان إنّما يغسل ما ظهر، وليس عليه ما في جوفه، ولا ما في جوف الذكر.
مسألة: ومن جامع أبي جعفر: ومن كان يحتشى بقطن في ذكره، فخرج منه شيء، حتّى ترطبت القطنة التي في ذكره، فلا بأس عليه، حتّى يظهر شيء ممّا يخرج منه. وفي نسخة: خرج منه، وإن كان شيء من القطنة ظاهرا ليس برطب، وترطّب داخلها؟ فلا فساد عليه، حتّى يعلم أنّ تلك الرطوبة، التي في باطن تلك القطنة، قد دخلت في الذي ظهر منها. وكذلك قال من قال من أهل الفقه: وبلغنا عن بعض الفقهاء: إنّه كان إذا احتشى غسل رأس ذكره أيضا. /260/ (1/260)
صفحة 261
وفي ذلك رخصة بلا أن يكون ذلك عليه.
ومن غيره: قال أبو صفرة: قلت لمحبوب في الاحتشاء. قال: يلوي القطنة في خشبة، ثمّ يدخلها في الإجليل، ويجذب الخشبة.
قلت له: فإن أدخلت الخشبة في الإجليل بالقطنة، فيبقى بعض القطنة خارجا. قال: لا بأس.
قلت: فإن كان في أصل القطنة، من داخل الذكر بول، والخارج نظيف؟ قال: لا بأس لا ينقض عليه وضوءه. وسأله سائل عن القطنة، إذا انقلعت من موضع الاحتشاء من البول؟ قال: يعيد الوضوء. وقال غيره: ومعي، أنّه قيل: ما لم يصير إلى موضع الطهارة، فلا ينتقض.
مسألة: وعن رجل احتشى من المذي، ثمّ بال فلم يخرج الحشى مع البول. كيف يصنع؟ أيتوضّأ ويصلّي كما هو؟ أم يعالج الحشو حتّى يخرجه؟ /261/ (1/261)
صفحة 262
فعلى ما وصفت، بل يعالج الحشو حتّى يخرجه. وقد سألت أبا المؤثر عن رجل بال، ثمّ احتشى ثمّ استنجى ونسي أن يخرج الحشو وصلّى. قال: صلاته تامّة.
ومن غيره: وقال رجل ممّن ابتلى بالاحتشاء، أنّه قد استعمل خشبا كثيرا من أصناف الشجر، فلم يجد شيئا من الخشب، أصلح في ذلك من الأسل والعبل.
ومن كتاب الأشياخ: وأمّا قوله في الزح، ومن كان يحتشي في ذكره بقطن، فخرج منه شيء، حتّى ترطّبت القطنة التي في ذكره، فلا بأس عليه، حتّى يظهر شيء ممّا يخرج منه. وإن كان شيء من القطنة طاهر، ليس برطب وترطب داخلها؟ فلا بأس عليه، حتّى يعلم أنّ تلك الرطوبة، التي في باطن تلك القطنة، قد دخلت في الذي قد ظهر منها. وكذلك قال من قال من أهل الفقه: الذي ذكره في أمر القطنة، فإنّها إن ترطّبت وهي باطنة في الذكر، فحكمها حكم محلّها. وإن ترطّبت وهي ظاهر الذكر، ورطوبتها ممّا يخرج من الذكر، فهي نجسة. وإن كان بعضها ظاهرا، وبعضها باطنا؟ /262/ (1/262)
صفحة 263
فما كان في الباطن منها، فحكمها حكم محلّها، وما كان ظاهرا منها، فحكمها حكم الظاهر إن كان طاهرا أو نجسا، والله أعلم. أمّا قوله: وبلغنا أنّ بعض الفقهاء، كان إذا احتشى غسل ذكره أيضا، وفي ذلك رخصة، فلا يكون ذلك عليه.
مسألة: أحسب عن أبي الحسن محمّد بن الحسن قال: في رجل يرى في رجل نجاسة، في موضع من جسمه. وقد علم الذي فيه النجاسة بالنجاسة التي فيه، ثمّ غاب عنه ذلك الرجل، بمقدار ما يغسل تلك النجاسة، ثمّ لقيه فمسّه برطوبة من ذلك الموضع، الذي رأى فيه النجاسة من جسده. فقال: إذا كان من أهل القبلة، ممّن يدين بتحريم تلك النجاسة، ولم يعلم أنّه ممّا لا يتّقي النجاسة، لا يبالي بها، فإذا كان كذلك، وهو من أهل القبلة، ممّن يدين بتحريم تلك النجاسة، فإنّه طاهر، إذا غاب عنه بمقدار ما يرجو أنّه قد طهر تلك النجاسة، ما لم ير هذه النجاسة بعينها، وأمّا إذا لم يعلم هذا الذي قد رأى منه هذه النجاسة، أنّه هو قد علم بتلك النجاسة، فإنّه نجس حتّى يعلم أنّه طهره. وكذلك إن كان ممّن لا يدين لعلّة بتحريم النجاسة، أو ممّن لا يتّقي النجاسة، فإنّه نجس، حتّى يعلم أنّه طاهر. /263/ (1/263)
صفحة 264
قال: وكذلك إذا تنجّس شيء من آنيته وثيابه، وهو عالم بنجاستها، يعني صاحبها ثمّ غاب هذا عنها، بمقدار ما يطهّرها، ثمّ سقاه بتلك الآنية، أو مسّه من ثوبه ذلك رطوبة، أو أعاره إيّاه لصلاة، فهو طاهر إذا لم ير في النجاسة. وكذلك إذا كان على هذه الصفة، ممّن يدين بتحريم النجاسة، ويتّقي ولم يعلم منه، أنّه ينتهك النجاسة، ولا يبالي بها. وعن غيره وعن أبي سعيد: لعلّه على معنى الاتفاق: إنّه إذا تنجّس شيء من الدواب، أنّ طهارته تغيّر حال النجاسة منه، بأيّ وجه تغيّرت، وأنّ طهارة أفواهها إذا تنجّست أن تغيب بقدر ما تأكل شيئا، أو تشرب أو تأكل شيئا، أو تشرب شيئا في الحفرة، أنّ طهارة أفواهها، أن تأكل أو تشرب أو تغيب بقدر ما تأكل وتشرب، ولا أعلم في معاني هذا بينهم اختلافا. /264/ (1/264)
صفحة 265
فصل فيمن شك أنّه خرج من ذكره شيء أم لا؟
من جامع ابن جعفر: ومن وجد في ذكره بللا أو انتشارا، وظنّ أنّه قد أفسد ثوبه، وكان إذا عساه ذلك منظر، وجد شيئا، قد خرج، وربّما لم ير شيئا. وفي نسخة: فنظر فلم ير شيئا، وربّما قد خرج، وإذا نظر وجده قد خرج منه، فعناه ذلك، ولم يعلم أخرج منه في هذه المرّة شيء أو لم يخرج، فلا بأس حتّى يعلم أنّه قد خرج في هذه المرّة، ما قد أفسد عليه. وكذلك عندنا عن محمّد بن محبوب –رحمه الله-: ومن كانت به رطوبة من غسل، أو استنجاء، ثمّ وجد رطوبة، ولم يعلم ممّا هي وشك أنّها خرجت منه، فهي من الرطوبة الأولى، حتّى يعلم أنّها قد خرجت منه من بعد.
ومن غيره: وقال: وذلك إذا كانت الرطوبة، في وقت يمكن أن تكون باقية، إلى ذلك الوقت، والله أعلم.
ومن الكتاب: وقد بلغنا أنّ بعض من كان عنده، علم أنّه كان يرطب عمدا. وفي نسخة: متعمّدا لحال الشك. ووجدنا ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه كان يفعل ذلك. /265/ (1/265)
صفحة 266
قال غيره: أمّا الذي يجد كالشيء يخرج من إجليله، ولم يستيقن على خروج شيء من ذلك، قد كان ربّما وجد إذا نظر، وربّما لم يجد إذا وجد شيئا من ذلك. فيخرج عندي في معاني الحكم، إذا كان طاهرا على وضوئه، أنّ حكمه الطهارة، حتّى يعلم أنّ ذلك خرج منه شيء. ولو كان إذا وجد شيئا من ذلك، وأبصر وجد شيئا، قد خرج على أكثر ما يعينه، أو في حالاته، إلا أنّه لم يستيقن في حاله، هذا على خروج شيء، بوجود بلل، بلا شك فيه، فهو على حكم الطهارة، وثوبه على حكم الطهارة المتقدّمة، حتّى يعلم بنجاسة لا شك فيها، وهذا على معنى الحكم. ومعي: إنّه إن نظر بعد ذلك، إن كان وجد ذلك، لم ينظره في وقت ما وجده، ومضى ثمّ نظر بعد ذلك، فوجد شيئا خارجا، لم يعرف متى خرج، ففي معنى الحكم على قول من يقول: ليس عليه النظر ولا المس، حتّى يستيقن أنّه خرج منه شيء. فإذا أمكن أنّ خروج ذلك، الذي وجده خارجا، بعد تمام صلاته، إن كان في صلاة أو لمعنى من المعاني مستحيل عن حكمه، خارجا في وقته على ما عاينه وأبصره، فليس عليه في حكم ما مضي شيء. /266/ (1/266)
صفحة 267
وصلاته تامّة، حتّى يستيقن أنّ ذلك كان خرج في حين ما وجده، وهذا صحيح في معنى الحكم. ومعي، أنّه يخرج على قول من يقول: إنّ عليه النظر والمس، فإذا لم ينظر، أو يمس، صح في وقت ما كان يجده يخرج، أو ينزل من إحليله حتّى أبصر بعد ذلك. فإذا هو خارج، فمعي أنّه قيل: إنّ عليه فساد صلاته، إن كان في صلاة، حتّى يعلم أنّه إنّما خرج من بعد تمام صلاته، ولو أمكن ذلك، لما قد تقدّم من دخول ذلك عليه، ولو لم يكن وجد ذلك. فإذا فرغ من صلاته نظر، فإذا هو خارج منه ذلك لمعنى المسألة الأولى، لم يكن عندي في القولين عليه إعادة في صلاته، حتّى يعلم أنّ ذلك خرج في صلاته، وفرّق صاحب القول القائل فيه بالاحتياط، بين وجده لذلك في هذا المعنى، وبيّن إذا لم يجد، ويخرج ذلك عندي في معنى الاحتياط، وأمّا في معنى الحكم فسواء؛ لأنّ ذلك يخرج من المعارضة، من أمر الشيطان، ممّا يريد به اشتغال الإنسان، مع ثبوت حكم طهارته، والأخذ بمعنى الحكم، أقوى عندي من معارضة الشيطان، والأخذ بالاحتياط، ما لم يجد في ذلك دخول الشك والوسواس عليه، إلى ما يخرجه من معنى الحكم والاحتياط. /267/ (1/267)
صفحة 268
ولا بأس به، ولعلّه أحوط، ولكنّه ربّما كان من ترك الحكم، وطلب المبالغة في الخروج، في مثل هذا تولّد من الشكوك والوسواس، حتّى يخرج صاحب ذلك إلى معنى مفارقة الحكم والاحتياط، من ترك الفضائل في وقتها، والجماعات مع أهلها، وفاته لذّة ما أدرك غيره، ممّن أخذ بالحكم، واستقام عليه. وإن استعمل مستعمل معاني الاحتياط، في مواضع ما يرجى الفسحة، في مواضع الاحتياط، فليس ذلك مضار بأن يستعمل الاحتياط، ما لم يخف تولّد المضار، والحكم عند الاضطرار وخوف تولّد الأضرار، ومن نال الحكم، فقد أدرك حكم الأصول، ومن أخذ بالأصول، واستقام عليها، كاد أن يقدر به على كثير من أموره، والله الموفّق للصواب، وأمّا إن تعمّد المتوضّئ أو الغاسل إلى النضح بالماء، لما تمّ من مواضع المخارج من النجاسة، وما يليها من ثوبه وبدنه. فمعي، أنّه قيل عن بعض أهل العلم: إنّه كان يفعل ذلك، ويأمر به. والمعنى في ذلك ليقوى به على الشيطان عند معارضته، بما يوهمه أنّه يخرج منه النجاسات، ويجده كالرطوبة، فتكون هذه الرطوبة التي قدمها، ممّا دفع عنه الشك، ويترك ما يجد من الرطوبة هنالك، أنّها تلك الرطوبة الطاهرة. /268/ (1/268)
صفحة 269
ومعي، أنّ بعضا لا يأمر بذلك بالقصد إلى هذا، خوفا أن تكون هنالك نجاسة صحيحة، فيدعها لتلك الرطوبة التي قصد إليها، ويخرج هذا القول عندي، على معنى الاحتياط، والأوّل على معنى الحكم، والاحتياط على معنى ثبوت الحكم. ويعجبني ذلك، لمن كان يعرف نفسه بالشك، ووسواس الشيطان ومعارضته، فيفعل ذلك. ويعجبني ترك ذلك، لمن لم يعرف نفسه بالشكوك. وإن فعل ذلك، فهو وجه على ما يقوى على أمر الشيطان، وواضح على معاني الأصول وما أشبهها، فهو عندي أقوى، والميل إليه آكد وأولى في معنى الإلزام، ومعنى الاحتياط يكون على معاني الاختيار.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: ومن وجد بللا في ذكره أو شيئا، وظن أنّه أفسد ثوبه، وكان إذا عناه ذلك، فنظر فرأى شيئا، وربّما لم يره، وقد خرج، وإذا نظر وجده، فعناه ذلك ولم يعلم أخرج أم لم يخرج؟ فلا بأس فيه، حتّى يعام أنّه قد خرج منه ما قد أفسد عليه ثوبه. ومن كانت به رطوبة من وضوء أو غسل أو استنجاء، ووجد رطوبة /269/ (1/269)
صفحة 270
ولم يعلم ما هي، وشكّ أنّها خرجت منه، فهي من الرطوبة الأولى، حتّى يعلم أنّها منه؛ لأنّ الشك متروك، والطاهر على طهارته، حتّى يصح فساده.
ومن كتاب الشرح: وأمّا قوله: ومن وجد بللا في ذكره، أو انتشار، وظنّ أنّه قد أفسد ثوبه، وكان إذا عناه ذلك، فنظر فلم ير شيئا، وربّما قد خرج منه. فإذا نظر وجده قد خرج منه، فمعناه ذلك، ولم يعلم أخرج منه في هذه المرّة شيء أو لم يخرج منه، فلا بأس عليه، حتّى يعلم أنّه قد خرج منه في هذه المرّة، ما أفسد عليه. وكذلك عندنا محمّد بن محبوب، الذي ذكره هو الواجب من طريق الحكم والاحتياط، وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أجوبة مختلفة: فمنهم من أوجب الاحتياط؛ لأنّ الدين بني على الاحتياط، ومنهم من بناه على الحكم الظاهر، ومنهم من أوجبه من طريق العبادة، لعلّة العادة منهم، وألزم الحكم بالإعادة، أو تركها للأغلب من عادة الإنسان، وما يعرفه من نفسه، إذا وجد ذلك، حتّى أمره صاحب هذا القول بالتوقيف على الصلاة، إذا كان فيها والنظر، إذا أمكن النظر، إذا كان في النهار، أن يكشف عن عورته وينظر إليها. /270/ (1/270)
صفحة 271
وإن كان في ليل، أجرى يده على موضع من فخذه، بعد أن يجري رأس ذكره على هذا الموضع، ويحكم بما يؤدّي إليه حاسته، ثمّ يعود إلى صلاته، وإن تطاول الوقت وتراخت المدّة، ثمّ بنى على صلاته، إن لم يتيقّن على حدث، وهذا ما عليه العمل في هذه المسألة، على ما تناهى إلينا، والله أعلم. وأمّا قوله: من كانت به رطوبة من غسل أو استنجاء، ثمّ وجد رطوبة، ولم يعلم ما هي، وشكّ أنّها خرجت منه، فهي من الرطوبة الأولى، حتّى يعلم أنّها خرجت منه، والذي ذكره في هذه المسألة، كما قال: إنّ الحكم يوجب ذلك، ولكن إن كان الذي يجد الرطوبة، يخرج فيه في العادة الجارية. فعليه أن يحتاط ويأخذ بما كان في أغلب عادته، على ما ذكرنا في المسألة الأولى. وأمّا قوله: وبلغنا أنّ بعض من عنده علم، كان يرطب عمدا أحال الشك. ووجدنا ذلك في الحديث، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه كان يفعل ذلك الذي ذكره بعض أهل العلم، أنّه كان يقول هذا الذي حكاه عنه. /271/ (1/271)
صفحة 272
ولا أعرف وجه فعله، إن كان الخبر صحيحا، أنّ الصفة التي تليق بأهل العلم، أن يكونوا محتاطين على دينهم، محافظين على طهارتهم، لا يدفعون بالماء عادة يعرفونها من أنفسهم، وأمّا ما رواه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه يفعل ذلك، فما علمت أنّ أحدا من أهل الحديث وأصحاب السير، وصف النبيّ صلى الله عليه وسلم بالأبردة، ولا سلس البول، ولو كان فيه بعض ما ذكره، لوردت السير بحكم ذلك عنه، قول منه، وعمل منه، منقولا مقبولا، كما روي عن فعل غيره، ممّا لا يبلغ درجة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يقاربها من الصحابة.
ومن كتاب المصنف: عن محمّد بن الحسن: فيمن صلّى بثوب قد شكّ فيه، فليس الشك من أمر الدين في شيء، إذا كنت عالما بطهارته، فهو على طهارته، حتّى يصح معك نجاسته، فهذا الحكم ليس يوجب عليك نقضا، حتّى يتبيّن لك فساد ذلك الثوب. وأمّا ما استبرئ بقلب من شكّه، فليس ذلك محكوما به، إلا من تبرّع بكلّ ذلك بفضله، والله أعلم.
مسألة: ومنه: أبو سعيد، فيمن في ثوب نجس، فلم يعرف أنّه ممّا يمازج النجاسة، أو هو دون ذلك. /272/ (1/272)
صفحة 273
فإذا اشتبه عليه ذلك، فليس عليه أن يعمل بالشبهة، ويترك الحكم، إذا كان بدنه في الأصل طاهر، إلا أن تكون شبهة تغلب عليه. فإن أراد أن يأخذ بالاحتياط، وخاف فوت الجماعة؟ فإن كان الاحتياط ممّا له فيه التخيير، فلا يترك الجماعة على التخيير، وأمّا إذا كان الاحتياط لازما، فاللازم غير التخيير، والله أعلم.
مسألة: ومنه: فيما احتمل أنّه حلال وحرام، أو أنّه طاهر وأنّه نجس؟ فكلّ شيء أصله حلال عارض الشك فيه، بأنّه حرام بوجه من الوجوه، فهو حلال في الحكم، حتّى يعلم أنّه قد عارضه بما يحرمه بما لا شك فيه. وكذلك جميع الطهارات، إذا عارض فيها الشكوك، بما يحتمل طهارتها ونجاستها، فهي طاهرة حتّى تصح نجاستها، والله أعلم.
مسألة: ومن كتاب المصنف: وإذا كانت أوعية فتنجست، ومنها شيء من المأكولات، ولا يدري أيّهما؟ فإن كان الطعام ممّا يمكن غسله، فيتم غسله وأكله. /273/ (1/273)
صفحة 274
وإن كان لا يمكن غسله، مثل الخل ممّا يكون مائعا، فإنّه إن تحرّك النجس، فتركه وأكل الباقي فجائز. وإن تنزّه عن الجميع، كان أحوط له، وأمّا في الحكم، فحتّى يعلم النجس منها. فإن كان صحيحا معه، أنّ أحدهما نجس لا محالة، ولا يعلم ذلك ولم يقدر أن يتحرّى الطاهر فيأكله، ولا النجس فيتركه ولا على طهره فيغسله. فإن قرّ طريق الورع، ترك الجميع أولى من ارتكاب الشبهة في الحرام.
مسألة: وإن وجد في ثوبه ما يشبه الجنابة، لا يعرف من أين هي وقعت فيه، ولا متى وقعت. أيغسل أو لا غسل عليه، حتّى يعلم أنّه جنابة؟ ليس هو نجسا، حتّى يعلم أنّه نجس. وإذا احتمل ذلك، فلا غسل عليه وهو طاهر، ويصلّى به.
مسألة: ومنه: وفيمن اغتسل ولبس ثوبا فيه بول جاف، لم ير به بأسا. قال: إلا أن يكون بولا كثيرا. /274/ (1/274)
صفحة 275
مسألة: حفظ أبو زياد عن الوضاح بن العبّاس قال: نضح دما ماء، فوقع على عذره يابسة ورجع الماء على.
مسألة: ومنه: وفيمن طرح نجاسة من الذوات الرطبة في ماء جاري، لعلّه ينجس أو لا ينجس؟ فقد اختلف في مثل هذا، إذا وقع فيه الاحتمال من الطهارة والنجاسة. فقول: يكون نجسا؛ لأنّه يحتمل النجاسة، وإنّما طهارة بسبب وقوعها. وقول: إنّه طاهر حتّى يعلم أنّه نجس لطهارة أصل الماء، والنجاسة لم تغلب عليه فتثقله، وطهارته عندنا أشبه بالإجازة لمعاني كثيرة، غير الاحتمال.
مسألة: ومنه: في موضع الأرض نجس، انصبّ عليه ماء فطار. قال: ما لم يتمكّن من موضع البول، حتّى يرطبه، ثمّ يطير بعض ذلك فهو طاهر. وقول: إذا كان الماء أكثر من البول، فهو طاهر.
مسألة: وفيمن كان في يده نجاسة، ممّا له عين أو لا عين له، ثمّ غمس يده في خل أو طعام، ثمّ ذكر فأخرجها. /275/ (1/275)
صفحة 276
قال: إذا كانت تمكث في الطهارة بقدر ما ترطّبت، ونماذج رطوبتها رطوبة الطهارة، ففيه اختلاف. فقول: يفسد الطهارة. وقول: لا يفسدها.
مسألة: ومنه: في ماء صب على رجل، لا يعرف ما هو. فقول: إنّه طاهر. وقول: يسأل عنه. فإن قالوا: إنّه طاهر قبل منهم. وإن قالوا: إنّه نجس قبل منهم. وقول: لا يسأل عن ذلك. وقول: ولو قالوا له بعد ذلك: إنّه نجس، لم يكن عليه أن يقبل منهم نجاسة ثيابه؛ لأنّهم فعلوا ذلك به.
مسألة: وعن أبو سعيد: فيمن كانت فيه نجاسة ذانية أو غيرها يابسة أو رطبة، فحركها في الماء الجاري حتّى ذهبت، فإذا زالت النجاسة، وقد حصلت الحركة التي مثلها، يزيل تلك النجاسة، مع مس الماء، أجزى ذلك. /276/ (1/276)
صفحة 277
وإن كان ثوبا أو إناء فسواء ويجزي، والله أعلم.
مسألة: وعن أبو سعيد: نجاسة في شيء يهلك بالعرك. ذلك مثل قرطاس، أنّه يجزئ أن يصب عليه الماء مرّة، إذا كان أكثر من النجاسة، وإذا لم يكن للنجاسة عين قائمة، وأثر باق، وأحبّ ثلاثا، وإذا كان يهلك من صب الماء عليه، فإذا بلغ إلى طهارته بأيّ وجه أجزى.
مسألة: والإنسان طاهر جملة، ذكر كان أو أنثى، حرّا كان أو عبدا، صغيرا كان أم كبيرا، وأمّا ما يخرج منه، فنجس وطاهر، فالنجس منه الغائط والبول والريح والمني والمذي والوذي والدم والقيء. والطاهر: الدموع والبصاق والنخاع والمخاط والقيح والعلق، الذي ليس بدم صريح الشعر والجلد الميّت والظفر. وسؤر الإنسان طاهر على كلّ حال، متوضّئا كان أو غير متوضّئ، جنبا كان أو غير جنب، ما لم يكن بفمه نجاسة حادثة. /277/ (1/277)
صفحة 278
وكذلك المرأة مثله، والله أعلم.
مسألة: وعن ابن عبّاس أنّه قال: أربع لا خبثين: الثوب والإنسان والأرض والماء. وفسّره إسحاق بن راهوية فقال: الثوب إن أصابه عرق الجنب، لم ينجس. وكذلك إن أصابه عرض الحائض، والإنسان إن صافحه جنب لم ينجس، والأرض إن اغتسل عليها، لم تنجس، وكلّ شيء طاهر، فهو على طهارته، حتّى يصح فساده.
مسألة: وعن أبو سعيد: كلّ نجاسة أزالها من موضعها الماء الطاهر، من البدن والثوب وغير ذلك، أنّها قد طهرت، ولو لم يكن المبتلى بها، فعل ذلك، إذا أزالها الماء، والله أعلم. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. /278/ (1/278)
صفحة 279
باب الغسل من الجنابة وفيما يجب به الغسل وفيما يجب على من أولج الحشفة وفيمن اغتسل قبل أن يريق البول ومعاني ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم
وممّا يوجد أنّه من جواب أبي عبد الله –رحمه الله-: وعن رجل أجرى ذكره على فرج امرأته وهما نائمان، من غير أن ينزل. هل عليهما غسل؟ ومن أنزل النطفة منهما، فعليه الغسل، وإن لم تغمض الحشفة غسل عليهما. ومن إنزال النطفة منهما، فعليه الغسل، وإن لم تغمض الحشفة في الفرج. وقلت: كيف التقاء الختانين، إذا جرى عليه من خارج، أم إذا أولج الرأس؟ هو عند الفقهاء: إذا أغمض الحشفة، وفيه الغسل واجب، ولو لم ينزل النطفة.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: /279/ (1/279)
صفحة 280
اختلف أهل العلم فيمن جامع امرأته ولم ينزل. فقالت طائفة: لا غسل عليه. وقال بعضهم: الماء من الماء. وأوجبت طائفة الاغتسال، إذا جاوز الختانان، ولو لم ينزل. وروينا عن عمر بن الخطّاب وكثير غيره. وذلك الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «إذا جلس بين شعبيها والتزق الختان بالختان فقد وجب الغسل». قال أبو سعيد: هذا القول عندي، ممّا يخرج معاني الاتفاق، من قول أصحابنا عليه. ومعي: إنّ ذلك القول الأوّل، لا معنى له لثبوت الاغتسال، بكتاب الله بالملامسة، ولثبوت الملامسة من الجماع، الذي يجب به الحد في الزنا والعدّة من الطلاق، وكثير من المعاني، الذي يجب به حكم الجماع، بالتقاء الختانين، ومغيب الحشفة. وكذلك يخرج عندي في معاني الاتفاق، من قول أصحابنا: إنّه غابت الحشفة، مجامعا في ذكرا أو أنثى، من قبل أو دبر من الأنثى، أنّ الغسل لازم للجميع الناكح والمنكوح، وأحسب أنّه يخرج كان خطأ أو عمدا. وكذلك مغيب الحشفة، في فروج جميع الدواب، ممّا معنا، أنّه يجب عليه الغسل، ولو لم ينزل. /280/ (1/280)
صفحة 281
ومعي: إنّه من معاني ثبوت السنّة، تثبت في معاني قولهم، في مثل هذا، واختلفوا في الجنب، يغتسل فيحدث قبل أن يتمّ غسله. فقال قوم: يتمّ غسله ويتوضّأ. وقال آخرون: استأنف الغسل. قال: معي، إن كثر قول أصحابنا: إنّ الأحداث لا تنقض طهارة الاغتسال من الجنابة، وأنّه إذا ثبت الغسل لشيء من الجوارح، على أيّة حال، لم يلزم إعادتها من الحدث ولا غيره، ولا يبعد عندي ما قال لمعنى قول من قال منهم: إنّه إذا غسل الجنب بعض جوارحه، واشتغل عن تمام غسله، حتّى جف أنّ عليه الإعادة، وإذا ثبت معنى هذا لهذا المعنى، كان بالحدث أقرب عندي، ولعلّ الذي ذهب إلى هذا، يشبه الغسل بالوضوء المخاطبة به جملة. وكذلك المخاطبة بالوضوء جملة.
ومن الكتاب: واختلفوا في الجنب: يخرج منه المني بعد الغسل. قال قوم: يتوضّأ. وقال أبو سعيد بن جبير: لا غسل إلا عن شهوة. وقال الحسن والأوزاعي: إن كان بال قبل أن يغتسل، فلا إعادة عليه ويتوضّأ. /281/ (1/281)
صفحة 282
وإن كان لم يبل حتّى اغتسل أعاد الغسل. وفيه قول ثالث: وهو عليه أن يغتسل، خرج منه ذلك، قبل أن يبول أو بعده، وهذا قول الشافعي. قال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج في معاني قول أصحابنا جميع ما قال: إنّه قيل. إلا أنّه لا يخرج على النص، أنّه إذا كان* بال ثمّ خرج شيء بعد ذلك، أنّه لا غسل عليه. وعامة قولهم: إنّه إذا لم يكن بال واغتسل، ثمّ خرج منه بعد ذلك منّي، أنّ عليه الغسل، إلا أنّه يعلم أنّها نطفة ميّتة، فإنّ قولهم يختلف في من خرج منه نطفة ميّتة. فمنهم من يقول: عليه الغسل؛ لأنّها نطفة خارجة من معنى المذي والودي، إلى شبه المني. ومنهم من يقول: إنّه لا غسل عليه في ذلك. ومعي: إنّه يختلف في قولهم: إذا اغتسل ولم يبل، ثمّ خرج منه مذي أو ودي، ما دون المني. فقيل: عليه الغسل. وقيل: لا غسل عليه. وأحسب أنّ في بعض قولهم: إن لم يبل لمعنى، أنّه لم يحضره بول وغسل على ذلك. /282/ (1/282)
صفحة 283
أنّ ذلك عذر ولا غسل عليه، إن خرج منه بعد ذلك مني؟ وقيل: عليه الغسل على حال. وكان يعجبني أن يكون عليه الغسل على حال. وإذا اغتسل، بال أو لم يبل؛ لأنّه لا أجد معنى يدلّ على ثبوت المتعبّد، في حكم الطاهر، على مسّه، لم يخرج منه، ولم يفض باستنجاء. فكيف بالغسل؟ قال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج في معاني الاتفاق، من قول أصحابنا: إنّ عرق المشرك مفسد. واليهودي والنصراني معهم مشركان. وما يدلّ على طهارة الجنب، قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: «إنّ المؤمن لا ينجس». ويدلّ على طهارة عرق الحائض، قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعائشة: «إنّ حيضك ليس في كفّك». قال أبو سعيد: أمّا الحائض والجنب. فمعي، أنّه يخرج في معاني الاتفاق. وقول بعض أصحابنا: إنّ عرقها طاهر، إلا ما مسّ بنجاسة.
مسألة: قال: وعن رجل يكون في فمه دم، أو تصيبه الجنابة، ثمّ يغسل ويتوضّأ ويصلّي، ثمّ بعد الصلاة يخرج من بين أضراسه لفظه من المسواك، أو من الطعام، أو لعلّها تكون نجسة. /283/ (1/283)
صفحة 284
قال أبو المؤثر: إن خرج من فيه بعد الغسل، أو الصلاة، مقدار ظفر، فعليه الوضوء والصلاة. وكذلك الجنب، إن اغتسل، ثمّ رأى في بدنه مقدار الدرهم، لم يمسّه الماء؟ قال: يعيد الغسل.
مسألة: من كتاب جوابات الشّيخ أبو سعيد –رحمه الله-: أخذت معناها. قال: معي، أنّ المني هو: وهو النطفة الغليظة البيضاء، التي تخرج عند الجماع والتشهّي الانتشار، وهي التي يجب فيه الغسل، وأمّا المذي فعندي أنّه قيل: هو الماء الرقيق الأغبر، الذي يخرج على أثر الانتشار. ومعي: بعد السكون. ولا أعلم أنّه يجب في هذا غسل، وأمّا الودي فعندي أنّه قيل: الماء الأبيض الذي يشبه النطفة، وهو يخرج على غير شهوة ولا اضطراب. /284/ (1/284)
صفحة 285
ومعي: إنّ بعضا يوجب فيه الغسل. وبعضا لا يوجب الغسل. ومعي: إن أكثر* قولهم: لا غسل فيه. وأمّا المذي والدي، فمعي أنّهما نجسان.
مسألة: والغسل من المني، ولا غسل من المذي والودي. والوضوء من المذي. قال أبو معاوية: قال من قال: وإذا اغتسل الرجل قبل أن يبول، ثمّ خرج منه شيء، أنّ عليه إعادة الغسل والصلاة. وقال من قال: إنّما عليه إعادة الغسل، إذا خرجت منه جنابة، وأنا أرى أنّه أحوط أن يغتسل من كلا الوجهين، وأرجو ألا يلزمه إعادة الصلاة.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وينبغي للخبث أن يريق البول، قبل أن يغتسل. فإن اغتسل ولم يرق البول، ثمّ خرج منه شيء من مني، بعد ذلك، فعليه إعادة الغسل. /285/ (1/285)
صفحة 286
وإن لم يخرج منه مني، فلا إعادة عليه.
ومن غيره: قال محمّد بن المسبح: إذا لم يرق البول واغتسل، لم ينتفع بغسله، حتّى يريق البول، إلا أن يكون خاف فوت الصلاة بشحط ذكره شحطا، ثمّ اغتسل وصلّى، ثمّ إذا وجد إهراق البول وغسل الجنابة. أخبرني وضاح بن عقبة: إنّ عبد الله بن محمّد، أخبره عن سليمان بن عثمان، أنّه برز عليهم. فقال: من غسل ولم يرق البول، لم ينفعه غسله. وأمّا المرأة فليس عليها أن تريق البول؛ لأنّها تبلع والرجل يدفع.
ومن جامع أبي الحسن: والمأمور به الجنب، ألا يغتسل حتّى يستبرئ. فإن اغتسل ولم يرق البول، فخرج منه شيء من جنابة، فعليه إعادة الغسل. وإن لم يخرج جنابة، فلا إعادة عليه. وعن الجنب يجامع أو تصيبه الجنابة، ثمّ يغسل ولا يريق البول، ولا يرجع يخرج منه شيء، ثمّ يريق البول بعد ذلك. فعلى ما وصفت، فإذا أصابته الجنابة من جماع أو احتلام، ثمّ يغسل ولم يرق البول. فسألت أبا المؤثر عن ذلك فقال: قال من قال: إذا أراق البول بعد ذلك، فخرج منه مذي، فعليه الغسل وإعادة الصلاة. فإن كان لم يخرج مع البول شيء، فغسله تام وصلاته تامّة. /286/ (1/286)
صفحة 287
وقال من قال: غسله تام، حتّى يخرج مع البول جنابة. فإن بال، فخرجت الجنابة مع البول، فعند ذلك يجب عليه الغسل وإعادة الصلاة. فقلت له: فإن أراق البول في الليل، ولم يعرف خرج منه شيء، أو لم يخرج. قال: غسله تام، ولا غسل عليه، حتّى يعلم أنّه خرج مع البول شيء. وأنا أقول: حتّى يعلم أنّه خرج من البول جنابة، ثمّ يجب عليه الغسل من بعد ذلك. فإن لم يعلم أنّه خرج مع البول شيء، فلا غسل عليه.
مسألة: وذكرت في رجل أصابته الجنابة، ولم يجد بولا، فغسل بدنه من الجنابة وصلّى، ثمّ وجد شهوة باضطراب، فخرجت نطفة من غير مجامعة. قلت: هل عليه بدل الصلاة والغسل؟ فمعي، أنّه إذا كان ذلك من شهوة حادثة، فعليه الغسل ولا إعادة عليه في الصلاة التي قد صلاها. وإن كانت بغير شهوة حادثة، وكان نطفة؟ فمعي، أنّه قيل: عليه الغسل وإعادة الصلاة. ومعي، أنّه قيل: عليه الغسل ولا إعادة عليه في الصلاة. /287/ (1/287)
صفحة 288
مسألة: ومن جامع بن جعفر: وقيل في الجنب، لم يجد الماء، إلا في مسجد، أنّه يتيمّم، ثمّ يدخل المسجد فيخرج الماء ويغتسل به. فإن كانت عين صغيرة، ولا يستطيع أن يغترف منها؟ فقيل: يتيمّم، ولا يقع فيها فيفسدها على نفسه وعلى غيره. قال محمّد بن المسبح: إلا أن يقدر على الماء، فيناله إذا كان كفاه نظيفين، فيغسل الأذى من نفسه، ثمّ يقع في الماء فيغتسل. حدثنا هاشم بن غيلان بذلك، ولا ينجس على الناس مواردهم.
قال غيره: وذلك عندي، إذا لم تكن العين تجري، وكانت قليلة الماء، بما ينجسه النجاسة. وقيل: إذا أتى الرجل إلى الماء، الذي لا يقدر عليه، فإن أمكنه أن يأخذ بثوبه منه، ثمّ يعصره في موضع ويستنجي به، ثمّ يتوضّأ أو يغسل فليفعل. وإن لم يمكنه، فليتيمّم إذا لم يقدر على الماء.
ومن جامع أبي الحسن: ومن وجد ماء قليلا، لا يستطيع أن يغرف منه، وإن وقع فيه أفسده تيمّم؛ لأنّه بمنزلة المعدوم، ولا يقع فيه فيفسده على نفسه، أو على غيره. /288/ (1/288)
صفحة 289
أنّ الحديث جاء بنهي عن الغسل في الماء الدائم. وقد قيل: الماء الراكد، والله أعلم بذلك. ومن جاء إلى ماء، لا يمكنه أن يأخذ منه بثوبه ولا بغيره، فليتيمّم إذا لم يقدر عليه. أنّه إذا كان لا يقدر، كان بمنزلة من لم يجد.
مسألة: وأجمع المسلمون، لا نعلم بينهم اختلافا، أنّه إذا غابت الحشفة في قبل أو دبر، من ذكر أو أنثى أو حيوان، أو غيره من ذوات الأرواح، أنّه يجب الغسل ولو لم ينزل. وكذلك على المنكوح من المتعبّدين من ذلك الغسل.
مسألة: سألت أبا معاوية –رحمه الله-: وعن رجل عبث بامرأته، ولم يقذف النطفة، ثمّ قام، فلمّا أصبح، إذا في فخذه بلل، ولم يعرف أنّه قذف. فقال: ينظر تلك البلة ويشمّها، فإن لم تكن جنابة، فلا غسل عليه. وإن كان ريحها ريح جنابة، فعليه الغسل.
مسألة: ومن كتاب المعتبر: ومن جامع ابن جعفر: /289/ (1/289)
صفحة 290
وينبغي للجنب أن يريق البول قبل أن يغتسل. فإن اغتسل ولم يرق البول، ثمّ خرج منه شيء من مني بعد ذلك، فعليه إعادة الغسل. وإن لم يخرج منه شيء، فلا إعادة عليه.
قال غيره: معي، أنّه قد قيل: إنّ الجنب من الرجال، يؤمر بإراقة البول قبل الغسل، لاستنضاف مادة المني، ممّا يتبقّى في مجرى البول؛ لأنّ ذلك من المبالغة في الطهارة في النظر. وإن لم يأت في ذلك فيما أعلم، أنّه سنة ثابتة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يشبه ذلك من الأمر، بالاستبراء من البول. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم، فإنّه قد جاء عنه صلى الله عليه وسلم، وأنّه حتّى إذا جاء عند التحديد في ذلك بثلاث نترات، لمعنى ما يثبت في الطهارة من الغائط، بثلاثة أحجار، ولا يخرج في معاني الاعتبار، بثبوت الاستبراء، لما يأتي في غير ما هو في الإجليل. أنّ ذلك ممّا لا يخرج في التعبّد في المعنى، وإنّما هو استبراء لما يأتي في الإجليل في النظر، ويخرج ذلك في المبالغة في التطهير، وقطع مادة النجاسة، وعند ذلك يخرج من فضائل سنن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أعني استبراء من البول؛ لأنّه يخرج في معاني الاتفاق. وعندي أنّه لو لم يستبرأ الرجل من البول، إلا أنّه استنجى وتوضّأ /290/ (1/290)
صفحة 291
وصلّى ولم يعلم أنّه بقي شيء من بعد الاستنجاء، في ظاهر الثقب في الإجليل، حيث يبلغ الاستنجاء، ويلزم ولا انتفع شيئا من ذلك، إلى أن يطهّر هنالك، حتّى إذا صلّى، فإنّ صلاته تامّة، ولو خرج بعد ذلك منه شيء من البول، من بعد الصلاة، فصلاته تامّة. ولا أعلم في ذلك اختلافا. فلمّا إن كان هذا يخرج في معنى الاستبراء من الرجال، من فضائل السنة، لا من فرائضها، ولما أن ثبت معنى الاستبراء من البول، من معنى ما لم يطهّر، إذا كان استبراء ممّا يستبرأ به معاني اتصال البول في الإجليل، كان مثله معنى استبراء المني، من الإجليل بالبول، إذا كان ممّا يخرجه ويكون طهارة له. وشبه ذلك بعضه بعضا وتساوى. فيخرج معي معنى اتفاق من قول أصحابنا، الأمر للجنب بالبول، قبل أن يغتسل لمعنى هذا، على ما يشبهه ويساويه. فإن لم يقدر على ذلك، ولم يمكنه؟ فإن لم يمكنه ذلك ولم يحضره، فعندي أنّه معذور في معنى قولهم، بما يشبه معاني الاتفاق. فإن لم يرق البول واغتسل وصلّى، ثمّ خرج منه بعد ذلك مني؟ يخرج عندي في معاني قول أصحابنا، بما يشبه معاني الاتفاق من قولهم، على أنّ عليه إعادة الغسل، إذا لم يرق البول، قبل الغسل لغير عذر. /291/ (1/291)
صفحة 292
وأمّا إذا ترك ذلك لعذر، إذا لم يحضره وخاف فوت الوقت، واغتسل وصلّى؟ فعندي أنّه يخرج في معاني ذلك الاختلاف، في لزوم الغسل له. ومعي، أنّ الذي يوجب عليه الغسل لهذا المعنى، إذا خرج منه المني بعد الغسل، ولم يكن أراق البول قبل الغسل، أنّ بعضا لا يوجب عليه إعادة الصلاة، وإنّما يوجب عليه الغسل، بحدوث خروج المني، فصلاته تامّة. ويعجبني ذلك، لاتفاقهم أنّه لو لم يخرج منه شيء من المني، أنّ غسله تام. وكذلك صلاته تامّة، ولو أراق البول بعد ذلك، فلم يخرج منه مني قبل البول ولا بعده. وإذا ثبت أنّ البول منضف ومطهّر له، فإذا أراق البول من بعد ذلك الغسل، الذي لم يكن أراق قبله البول، قبل أن يخرج منه شيء من المني، ثمّ خرج منه بعد ذلك مني من البول، خرج ذلك عندي، قاطعا لمعنى المادة، التي يلزم بها ثبوت الغسل، لترك البول والغسل قبله. وثبت أنّ هذا المعنى حادث من النطفة الميّتة؛ لأنّ البول قد خرج منضّفا للمادة، التي يجب بها الغسل، إذا كان قد استبرأ لها. ويخرج عندي في هذا المعنى الاختلاف، في لزوم الغسل منه. ويعجبني قول من لا يوجب فيه غسلا. /292/ (1/292)
صفحة 293
وكذلك إذا ثبت معنى الاختلاف في الغسل عليه. فإذا ترك البول لعذر، ثمّ خرج منه المني بعد ذلك، قبل أن يريق البول من بعد الغسل؟ فيعجبني قول من لا يوجب عليه غسلا؛ لأنّه لم يفرّط، وقد كان له عذر، والمعذور معذور، فلا يلزمه حكم التفريط، في معنى من المعاني؛ لأنّه قد صلّى على السنّة، ولم يجد موضعا يصلّى فيه المصلّى على العذر، وقد ثبت العذر في ذلك، على معنى الأبد، وإذا ثبت معنى الاختلاف في الإعادة للصلاة، التي صلاها بذلك الغسل، الذي لم يرق فيه البول، ثبت معنى ذلك، أنّه لم يكن جنبا حين صلّى. ولو كان جنبا، لم يكن معذورا عن الصلاة، وإذا لم يكن جنبا في حال، لم يجب عليه بعد الحال، حكم الاغتسال. بمعنى أنّه قد زال عنه حكم الجنابة فيه، لمعنى حدوث خروج المني. ولا يخرج عندي حدوث خروج المني، من بعد فتور الشهوة وانقضاء معنى خروج الماء الدافق، قبل البول، ولا بعد البول، ما لم يكن متّصلا خروجه في الوقت، إلا بمعنى خروج النطفة الميّتة، أنّ معنى الخروج النطفة الميّتة، إذا خرجت لغير شهوة، أو متّصلة لمعنى خروجها مع الشهوة، لمعنى خروج الماء الدافق. /293/ (1/293)
صفحة 294
وقد اختلف في الغسل من النطفة الميّتة، إذا ثبت حكمها ميّتة، وثبوت حكمها ميّتة، إذا خرجت لغير شهوة حاضرة، بمعنى الماء الدافق في جماع أو احتلام أو غيره، ممّا يشبه ذلك. وأكثر القول عندي من قول أصحابنا: إنّه ليس في النطفة الميتة غسل. ولا يبيّن لي هذا خروج النطفة، من بعد انقطاع اتصالها من الماء الدافق، إلا بمعنى النطفة الميتة، بمعنى الاتفاق من قولهم، أنّه لو وجد الشهوة، لمعنى ماي نزل الماء الدافق، فلم ينزل الماء الدافق حين ذلك، حتّى فترت الشهوة، وسكن الاضطراب من الإجليل، ثمّ خرجت بعد ذلك، أنّ ذلك حكم الميتة؛ لأنّ حياتها الشهوة، وموتها زوال الشهوة. كذلك خروجها من بعد انقطاع اتصالها بالماء الدافق، والنطفة الحية، وزوال حكم الشهوة، وانقضاء حال ذلك، بمثل ما يخرج مع الاستبراء من البول، ممّا يتّصل في الإجليل منها، وبها يؤخذ في معنى النظر والاعتبار، فإنّما يخرج ذلك، تبعا له، من بعد انقطاع الشهوة، من ميّت النطفة. فلا يثبت عندي في الحكم، في معنى الاستبراء من بول ولا نطفة، لما يأتي من غير ما هو متّصل في الإجليل من البول والنطفة. ومعنى ذلك عندي، لا يخرج في النظر، إلا أن يدوم في الإجليل من المتّصل بالبول والنطفة، أكثر من انقطاع ذلك. /294/ (1/294)
صفحة 295
والاستبراء عنه من بعد انقطاعه بثلاث نترات، وما بعد ذلك، فلا يخرج عندي إلا حدث غير المتّصل في الإجليل بالبول، والماء الدافق، من بعد ثبوت انقضائها، فلا يثبت الاستبراء منها، بأكثر من ذلك، وما خرج من ذلك عندي، خرج لمعنى الحادث غيرهما، وغير حكمهما، ليس من معناهما، ولا مم يستبرأ عنه منهما. وقد كان يعجبني أن لا يجب عليه غسل، ولو لم يرق البول، إذا كان قد انقطع مادة الماء الدافق، واستبرأ عنه واغتسل، وانقطع من معنى ذلك في النظر، ومواده المتّصلة به، ولا أعلم أنّه يوجد من قول أصحابنا في ذلك، قولا مصرّحا به: إنّه لا غسل عليه. وأمّا فيما يجود في عامة قول قومنا: إنّه لا غسل عليه، ويعجبني ذلك من غير مخالفة، لقول أصحابنا، لمعنى اتفاق قولهم: إنّه لو لم يستبر من البول، ويستنجئ وتوضّأ وصلّى، ويعلم أنّه بقي شيء ممّا يوجب الغسل، في ظاهر الثقب، حيث لا يجب الغسل، أنّه لا إعادة عليه في الصلاة. ولمعنى اتفاقهم، أنّه لو غسل وصلّى ولم يرق البول، أن تكون صلاته تامّة، ما لم يأت بعد ذلك منّي، ولا يكون المني بعد هذا، إلا حادث في معنى الاعتبار، ولا يجوز أن يصلّي وصلاته تامّة، وهو في معنى الجنب. /295/ (1/295)
صفحة 296
ولا يخرج عندي هذا الحادث، إلا على ما وصفت لك، من حكم النطفة الميّتة، وقد مضى القول في ذلك، وننظر فيه. ومعي، أنّه قد قيل: عليه الغسل، إذا لم يرق البول. واغتسل إن خرج منه بعد ذلك مني أو مذي. وقيل: لا غسل عليه، إلا في المني، وهو معنى أشبه أن يلحق فيه معنى الاختلاف. وأمّا في المذي والوذي، فيخرج عندي شاذ من القول، لمعنى الاتفاق، أنّه لا غسل عليه في ذلك، ولمعنى الاتفاق، أنّه إذا غسل ولم يرق البول، أنّ غسله تام، إذا لم يحدث منه شيء. فلا يكون الحادث يوجب حكما، قد ثبت ضدّه من الطهارة، لمعنى الاتفاق، بما قد ثبت أنّه لا غسل منه بمعنى الاتفاق. فإن كان وجوب الغسل من جماع، بولوج الحشفة من غير إنزال نطفة؟ وكذلك لا حضور شهوة، يوجب معنى إنزال الماء الدافق؟ فلا يبيّن لي على الجنب بهذا، إراقة البول، إلا أنّه لو خرج منه شيء بعد ذلك، لم يكن حكمه حكم الميّت من النطفة الحادثة. /296/ (1/296)
صفحة 297
وكذلك من المذي والوذي، الذي لا غسل فيه، ولا أعلم أنّه قيل: إنّ عليه من المذي والوذي بولا. بل قد قيل: إنّه لا شيء عليه في ذلك، أعني أنّه ليس عليه أن يريق البول من المذي والوذي، ولا من أحدهما، ولا من النطفة الميّتة، ذلك على قول من يقول: لا غسل منهما. وعلى قول من يقول: إنّ منهما الغسل. فعندي فيه يشبه معاني ثبوت ذلك على معنى الاستبراء. ومعنى أنّه قيل: إنّما يؤمر بإراقة البول، الرجال دون النساء في الجنابة إراقة بول، أنّ مجرى البول منهن، ليس من مجرى الجنابة، ولا من موضع الجماع، وليس لثبوت ذلك عليهن معنى، بوجه من الوجوه الاستبراء، ممّا يخرج منها، ولا ما يلج منها من نطفة الرجال. فلا يجب عليها ذلك بغير معنى.
ومن الكتاب: وكلّ من أولج الحشفة في الفرج، حتّى يلتقي الختانان، فقد لزمه الغسل، وإن لم يقذف الماء، وما كان دون ذلك، فلا غسل عليه في ذلك، وإلا فيما يخرج منه المذي. /297/ (1/297)
صفحة 298
قال أبو سعيد: معي، أنّ ثبوت الغسل، بمعنى الجماع، إذا غابت الحشفة في جميع ذوات الأرواح من الدواب والبشر، من أنثى وذكر، في قبل أو في دبر، أنّ على المجامع من الرجال في ذلك على هذا المعنى الغسل، ولو لم ينزل الماء الدافق. وقد جاء في معنى ثبوت الغسل في ذلك، ما يشبه معاني الاتفاق من قول أصحابنا. وأرجو أنّه من قول قومنا، ولا أعلم في ذلك اختلافا. ومعي: إنّه جاء في الأثر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بمعنى ما يوجب ثبوت الغسل، بمعنى الجماع، ولم ينزل المجامع النطفة، ولا المجامع من ذكر وأنثى، كان المجامع في قبل أو دبر، من المجامع من ذكر أو أنثى. وأمّا في مغيب الحشفة والتقاء الختانين بالنص من القول، وأمّا في الدبر، فإن لم يكن ذلك بالنص، فبمعنى ما يشبه ذلك، أو ما هو مثله. فإذا غابت الحشفة في الدبر، ولو لم يكن تمّ ختان، وجب معنى الغسل، بثبوت معنى الجماع. ومعنى ثبوت الاتفاق، أنّ الجماع يوجب الغسل من كتاب الله تبارك وتعالى، وسنّة نبيّه محمّد صلى الله عليه وسلم، واتفاق قول أهل العلم، وهو قوله: {أو لامستم النساء} فصح التأويل، أنّ الملامسة هاهنا الجماع. /298/ (1/298)
صفحة 299
وأنّ الجنب في معنى الاتفاق، خارج من معنى الملامسة بالتسمية لقوله: {وإن كنتم جنبا فاطّهروا} والقصّة كلّها أو لامستم النساء. فالجنب هاهنا ثبت عليه معنى الغسل، بكلّ ما كان من الجنابة، أو بالملامسة يجب الغسل، ولم يثبت إن تمّ حصل جنابة، إلا بمعنى الجماع، فإنّه قد صار حكمها شبها للجنب، في ثبوت الغسل بالكتاب والسنّة والإجماع. فلمّا إن ثبت بمعنى الاتفاق أنّ الجماع الذي يوجب الغسل، ويوجد الحد في الزنا، ويوجب ثبت العدّة على المجامعة بالنكاح، وهو أن تغيب الحشفة، ويلتقي الختانان في القبل من المرأة، وثبت معنى ذلك، أنّه بمغيب الحشفة، يحصل معنى الجماع في الدبر، من ذكر أو أنثى، بما يوجب حد الزنا والغسل؛ لأنّه لا معنى لالتقاء الختانين. وقد صح أنّه لما غابت الحشفة في القبل، كان ذلك ملتقى الختانين، أنّ الختان من المرأة لا يلقط الختان من الرجل، وإنّما هو يساويه ويصير في حده؛ لأنّه منه من حيث لا يمسّه في الجماع، ولا تغيب الحشفة، حتّى يلتقي الختانان بالتساوي، ولا يلتقي الختانان حتّى تغيب الحشفة. /299/ (1/299)
صفحة 300
فيثبت أنّه بمغيب الحشفة، وجب الغسل والحد، لا لمعنى التقاء الختانين، أنّه يخرج في معاني الاتفاق، أنّه لو مسّ الختان بوجه من الوجوه، من المماسة من الفرجين والتقيا على هذه، من غير أن تغيب الحشفة في الفرج، لم يكن ذلك التقاء الختانين في الجماع. كذلك يكون موجبا للغسل في معنى الجماع، ولا موجبا للعدّة، ولا للحد في الزنا. فلمّا أن ثبت هذا كذا، كان مغيب الحشفة في الدبر، من ذكر أو أنثى، من البالغين والصغار، موجبا لثبوت الجماع، من المجامع والمجامع. وكذلك موجبا على البالغين، منهم الغسل والحد في الزنا، ذلك على معنى من يوجب في ذلك، وأمّا الصغار، فإن كان المجامع للصغير بالغا، أو كان الصغير ممّن يفعل الصلاة؟ فمعي، أنّه قد قيل في الغسل عليه باختلاف: فقال من قال: عليه الغسل، لثبوت الغسل للصلاة. وأنّه لا صلاة إلا بغسل وطهور، إذ جاء الأثر: إنّ الصلاة على من عقل، والصوم على من أطاق، فلا صلاة إلا بطهور. ومعي: قد قيل: إنّه ليس على الصغير غسل من جماع؛ لأنّه ليس من المتعبّدين كان مجامعا أو مجامعا. /300/ (1/300)
صفحة 301
وكذلك عندي، أنّه قيل: إذا كان المجامع بالغا، والمجامع صغيرا غير بالغ، إلا أنّه يحد من يجب عليه الغسل في الاختلاف، فيلحق المجامع البالغ في ذلك معنى الاختلاف. ويعجبني قول من لا يوجب على البالغ، من جماع الصغير غسلا؛ لأنّه قيل: إنّ ذكر الصبي، مثل أصبعه في معنى الجماع، فيما يوجب الحد والعدّة، وتحلّ المطلّقة ثلاثا، وتفسد النكاح من الممسوس. ويخرج في معاني الاتفاق: إنّه لو أدخل بالغ أصبعه في فرجه بالغ، من قبل أو دبر، من ذكر أو أنثى، أنّ ذلك ممّا ليس يوجب حكم الجماع، في وجه من الوجوه، أو ممّا يوجب حكمه، من غسل أو حد، في زنا أو عدّة. فلمّا أن ثبت هكذا، كان لا معنى لإدخال ذكر الصبي في الفرج، في معنى ما يوجب الجماع، إذا كان كأصبعه في بعض القول، ولعلّه إذا صار بحد من يشتهي الجماع، وراهق ذلك، لحقه معنى الاختلاف، في دخول الشبهة في وجوب ذلك. وأمّا الرجل إذا جامع صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، فغابت الحشفة منه في قبل أو دبر، فقد لزمه معنى الجماع، وثبت عليه حكمه من وجوب الغسل، والحد على التعمّد، ووجوب الحرمة فيما يوجب ذلك في النكاح. ومعنى أنّه قد قيل: إذا غابت الحشفة خطأ أو عمدا، فقد وجب الغسل. وكذلك عندي يجب بذلك، على معنى الفساد في النكاح، والعدّة في الطلاق، وإجلال المطلّقة ثلاثا. /301/ (1/301)
صفحة 302
وأمّا في وجوب الحد في الزنا، فلا أقول ذلك، أنّه يجب بالوطء خطأ، والله أعلم أنّ الخطأ لا يوجب معاني العقوبة. وقد يوجب معاني ما يثبت به من الأحكام، من غير معاني العقوبة، وإذا ثبت معنى الوطء، بمغيب الحشفة في القبل والدبر، من الرجال أو النساء، والصغار أو الكبار من الناس. ثبت ذلك عندي مثله، إذا غابت الحشفة مجامعا في شيء من الدواب، من قبل منها أو دبر، لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه أنّه قال: «اقتلوا البهيمة وناكحها». وإن اختلف معاني ما يجب في حكم ذلك في الحد، فلا مخرج له من وجوب ثبوت النكاح والوطء، إذا ثبت ذلك وطئا وجماعا، فلا مخرج له من ثبوت الغسل، أنزل الماء الدافق أو لم ينزل، بثبوت الجماع من ذلك، بما يوجب الحد. ولا يوجب الحد إلا الجماع. وكذلك ثبت عندي معنى هذا، في مجامعة الإنس للجن، من ذكرانهم وإناثهم. وإذا ثبت ذلك عندي وصح بالمشاهدة والمعرفة على البالغين من الجن في ذلك عندي. وكذلك على البالغين من الإنس /302/ (1/302)
صفحة 303
ذلك، إنّما يكون في الفرجين من المتعبّدين، أو من الدواب كلّها، ممّا يقع عليه اسم البهيمة، وثبت له معنى الفروج. فالجماع فيها من القبل والدبر، بمغيب الحشفة عندي يجب الغسل على المتعبّدين. كذلك يوجب الحد في الزنا على العمد، وإذا ثبت معنى هذا كلّه من الدواب، أنّه يكون بمعنى مجامعتهن، يجب معنى الغسل والحد. وكذلك من أوطئ نفسه من المتعبّدين، من ذكر أو أنثى، شيئا من البهائم من الذكران، في قبل أو دبر، بذلك يثبت عليه عندي الغسل، في معنى التشابه، وينظر في ذلك، أنّه قد خرج معنى زوال، على ثبوت قول من يقول: إنّ فرج الصبي كأصبعه، ذلك لمعنى إذا زايل عنه التعبّد، وخرج معنى الاتفاق، أنّ المجامع للصغير، يثبت عليه حكم الجماع. ومعي، أنّه لو غابت الحشفة، في غير الفرجين، يريد بذلك الجماع وقضاء الشهوة من شيء من المناسم، من ذكر أو أنثى، من زوجة أو غيرها، أو غير ذلك من الأماكن، لم يجب بذلك معنى ثبوت الجماع فيما يوجب به الغسل، كما يكون ذلك في الفرجين. /303/ (1/303)
صفحة 304
ومعي: إنّ ثبوت معنى الغسل، بحصول الجماع على الذكر والأنثى، من البالغين، أشبه بثبوت الاتفاق عليهم من غيره، في معاني ما يثبت ذلك، بمعنى الجنابة في النساء. وأمّا في الرجال، فكلّ ذلك عندي يتساوى فيهم، لثبوت معناه بما لا يشبه فيه الاختلاف، وأمّا المذي والوذي، وما دون المني، فلا أعلم أنّه يجب بذلك عليه غسل. وفيما معي، أنّه لا يجب الغسل، إلا لمعنى ثبوت الجماع، أو من المني، إلا أنّه قد يوجب في المرأة، إذا مسّها زوجها بما دون الجماع، أو غيره من الرجال، فيخرج منها رطوبة أو بلل، نحو هذا، أنّ عليها الغسل من ذلك، وهذا عندي يشبه معنيين: إمّا أن يريد بذلك، أنّ الرطوبة في الماء الدافق منها، فذلك يشبه معنى ما قيل. وإمّا أن يريد به القاتل لذلك، ما كان من الرطوبات، فيخرج هذا على هذا المعنى شاذا من القول. أنّ الرطوبة منها، ممّا هو دون الماء الدافق، يخرج عندي مخرج المذي والوذي من الرجل، ولا أعلم أنّ الغسل يلزم إلا بجماع أو جنابة. /304/ (1/304)
صفحة 305
وذلك لقول الله تبارك تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطّهروا} فثبت معنى الجنابة، بما لا أعلم فيه اختلافا، أنّه من الماء الدافق، أو من جماع، ولو لم يكن منه ماء دافق، لقول الله تعالى: {أو لامستم النساء} فلا أعلم أنّ الغسل يجب، إلا بأحد هذين ذكر أو أنثى من الرجال والنساء. فأمّا في الرجال، فلا أعلم في ثبوت الغسل عليهم من هذين الوجهين اختلافا. وأمّا النساء، فمعي، أنّه يخرج في لزوم الغسل لهن، في معاني الجنابة، ما يشبه الاختلاف. وأرجو أنّ ذلك يأتي في موضعه، إن شاء الله.
مسألة: ومن غير الكتاب: وسألته عن رجل تصيبه الجنابة في البرد الشديد، ولا يصيب إلا فلجا باردا، فيشقّ عليه به الغسل مشقة شديدة، غير أنّه لا يخاف الموت من ذلك، ولكنّه يصيبه من الماء ألم شديد. هل له أن يؤخّر الغسل، إلى أن يرتفع النهار، وتهون برودة الماء؟ /305/ (1/305)
صفحة 306
قال: معي، أنّه إذا لم يخف ضررا من ذلك، وكان يطيق المشقّة التي يحتملها، فلا يبيّن لي عذر له في ذلك. وإن كان لا يقدر على المشقّة أن يحتملها في الوقت، أو يخاف تولّد ضرر، فأرجو أن يكون له ذلك.
مسألة ومن كتاب المعتبر: وسألته عن رجل اغتسل من جنابة، ونسي أن يدخل يديه في أذنه، حتّى فرغ من غسله. قال: يغسل أذنيه، وليس عليه بدل الغسل.
مسألة: وعن أبي ذر (ض) أنّه قال: أقبل عشرة من أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمّد أخبرنا لم أمر الله بالغسل من الجنابة، ولم يأمر بالغسل من البول والغائط، وهما أقذر من النطفة. فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة تحوّلت في عروقه فإذا جامع أنزل من أصل كلّ شجرة جنابة فافترضه الله عليّ وعلى أمّتي تطهيرا وتكفيرا وشكرا لما أنعم الله». فقالوا له: صدقت نشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله صلى الله عليه وسلم. /306/ (1/306)
صفحة 307
مسألة: ومن غسل جارحة من جوارحه، مثل رأسه أو غيره، ثمّ خرج لشيء عناه، فليس عليه أن يغسل إلا ما بقي من بدنه. واختلفوا في الصبي، إذا جامع المرأة البالغة والصبية، إذا جامعها الرجل البالغ: فقول: إذا كان الصغير منهما، ممّن يعقل أنّ عليه الغسل؛ لأنّه لا صلاة إلا بطهر، وأنّ الصلاة على من عقل. وقول: ليس على الصغير غسل في جماع الصغير ولا الكبير؛ لأنّه ليس من المتعبّدين، كان مجامعا أو مجامعا. قال: ويعجبني قول من لا يوجب على البالغ غسل في جماع الصغيرة. وأمّا إذا كان كلّ من يشتهي الجماع، وقد راهق البلوغ لحقه الاختلاف في دخول الشبهة في وجوب الغسل.
قال غيره: أبو سعيد: معي، أنّه يخرج عندي في أكثر ما قيل: إنّ الغسل غير معنى الوضوء في معنى الترتيب. ولا معنى للتفريق له، وأكثر ما عندي أنّه قيل: إنّ الغسل يقع على التفريق، على التعمّد والنسيان. وأنّه أيّ شيء غسل من بدنه، ثبت له الغسل، من أيّ موضع منه، ثمّ ترك الغسل عامدا أو ناسيا، لعذر أو لغير عذر، حتّى جف غسله. /307/ (1/307)
صفحة 308
أو لم يجف بعد ذلك، أو قرب نام عن ذلك، أو لم ينم، ثمّ رجع وغسل بقية غسله. إنّ ذلك يجزيه، وإنّما عليه غسل ما بقي، كان ما غسل من بدنه الأقل أو الأكثر، كان قد طهر فرجه وموضع الأذى من جسده أو لم يتطهّر. ومعي، أنّه يخرج في بعض ما قيل، إلا نفع الغسل بالتطهّر، إلا من بعد غسل الأذى من البدن، وأنّه إن غسل شيئا من بدنه، قبل أن يتطهّر، كان عليه إعادة غسله ذلك، إذا تطهّر، ولعلّ ذلك إذا وقع اسمه ذلك، تطهّرا لقوله: {إن كنتم جنبا فاطّهروا} وأحسب أنّه يخرج في بعض ما قيل: إنّه إن فعل ذلك عامدا أو ناسيا، فهو سواء. ومعي، أنّه يخرج أنّه إن فعل ذلك ناسيا، فلا إعادة عليه، وإن فعل متعمّدا، كان عليه الإعادة. ومعي، أنّه قيل: إنّ غسل شيئا من جوارحه، ثمّ اشتغل عن كمال غسله بغير من الأسباب، حتّى جف ما غسل، أنّ عليه إعادة الغسل، لما جف من الغسل، ما بقي من جسده. ولعلّ صاحب هذا القول، شبه الغسل بالوضوء، ولا أعلم أنّ أحدا شبّه الغسل بالوضوء، في معنى الترتيب، على معنى اللازم. /308/ (1/308)
صفحة 309
وقد قيل: ذلك على معنى ما يؤمر في الأدب. ومعي، أنّه يخرج في بعض معاني ما قيل، أي أنّه لو نسي شيئا من غسل جسده، وتوضّأ وصلّى، أنّ عليه إعادة غسل ما نسي، ويصلّي، ولا إعادة عليه في الوضوء. ومعي، أنّه قيل: عليه إعادة غسل ذلك، والوضوء والصلاة. ومعي، أنّه قيل: يعيد الغسل والوضوء والصلاة، إذا كان قد صلّى على ذلك. وأثبت ما يكون عندي في هذا قول من يقول: إنّ الغسل يقع متفرّقا على العمد والنسيان، جف أو لم يجف، صلّى أم لم يصل، فإنّما عليه إعادة غسل ما نسي أو ترك من غسله وصلّى. وإن كان على وضوء، لم يكن عليه إلا غسل الذي تركه وإعادة الصلاة.
ومن الكتاب: وعن رجل تغسل من الجنابة، لا ينال بعض عرك ظهره. هل يجوز أن يفيض على ذلك الموضع الماء؟ يجتهد في عرك ما نال من ظهره، ومن جسده، وما لم ينل عرك ظهره، رجوت أن يجزيه إفاضة الماء عليه، إن شاء الله. /309/ (1/309)
صفحة 310
قال غيره: معي، أنّه قيل: إنّه إذا كان صب الماء له من الحركة على الجسد، بقدر ما يقع موقع العرك، الذي يثبت معنى الغسل، وهو ما كان من العرك، الذي يقع عليه اسم العرك، ولو خف وقوعه، فهو موجب حكم العرك، فإذا وقع الصب موقع العرك، فلم أعلم اختلافا، أنّه مجزئ للغسل، ولو أمكن عركه باليد، أو بغير صب يجزئ، إذا ثبت معناه على الجسد، ثبت معنى الغسل به على الاختيار، وإن صبّ الغاسل الماء وعرك، كان ذلك أفضل، وإنّما يخرج الصب عندي مجزيا، إذا لم يكن الغاسل عرك شيئا من جسده، إن صبّ الماء عليه صبا، بغير معنى حركة تقوم مقام العرك يجزئ، ولا أعلم في ذلك اختلافا عند عدم العرك، أنّ الماء يجزئ صبّه على الجسد، بدون العرك. وقد قيل: ليس على من لم يقدر على عرك شيء من بدنه، لعذر أو لم تنله يده، أنّ الصب يجزئ، وليس عليه أن يغسل له غيره، إن لم ينله. /310/ (1/310)
صفحة 311
وليس عليه أن يحرّكه بغير يده، بخشبة ولا ثوب ولا غيره، ويعركه بشيء، إذا لم يمكنه غسله بنفسه بيده، ويجزئه صب الماء عليه على حال، ولو لم يكن صب الماء له حركة تقوم مقام العرك، وتكون مباشرة الماء للجسد، قائما مقام العرك، في هذا الفصل. ومعي، أنّه قد قيل: إنّ ذلك يجزئ عذر أو لغير معنى عذر، وقد مضى ذكره فيما مضى من هذا الجزء.
مسألة منسوبة من كتاب جوابات الشّيخ أبي سعيد –رحمه الله-: وسألته عن رجل اغتسل من الجنابة، وتمسح للصلاة، ثمّ علم أنّ موضعا من يده، لم يصيبه غسل فغسله. هل يتم وضوءه الأوّل، أم عليه إعادة الوضوء؟ قال: معي، أنّه إذا تطهّر من النجاسة من جميع بدنه، ثمّ توضّأ ولم يمس فرجه بعد الوضوء. فمعي، أنّه قيل: يتم وضوءه. قلت له: أرأيت إن كان ذلك من حدود وضوءه، فلم يصيبه الغسل. هل يكون سواء؟ قال: معي، أنّه سواء./311/ (1/311)
صفحة 312
فهرس
الموضوع ... الصفحة
باب: في النجاسات وفي أشدّ النجاسات وغسلها بالماء وبغير ماء وفي تطهير النجاسات وفي نجاسة المانع والحامل ومعاني ذلك ... 05
فصل: في تطهير النجاسات ... 07
فصل: في نجاسة الكلب وسور السباع وسائر النجاسات ... 08
فصل: في النجاسات ... 09
فصل: في تطهير النجاسات بالنار ... 12
فصل: في غسل النجاسات بغير ماء ... 15
فصل: في النجاسات ... 20
فصل: في صب الماء على النجاسات ... 25
باب: فيمن بال في الماء أو طرح فيه نجاسة فطار منه وفي غسل العقور والجراحة وفي نجاسة الفم والبزاق والمنخر والمخالط وفي غسل النجاسات بغير الماء ... 28
فصل: في غسل العقور والجراحة وما أشبه ذلك ... 32
فصل: في نجاسة الفم والبصاق بشحم البصاق والمنخر والمخاط وما أشبه ذلك ... 38 (1/312)
صفحة 313
فصل: في غسل النجاسات بغير الماء مثل البزاق وماء الأشجار والنبيذ واللبن وما أشبه ذلك ... 51
باب: في البئر وطهارتها ونجاستها وفي نجاسة البئر إذا كانت بقرب كنيف ومعاني ذلك وما أشبه ذلك ... 55
فصل: في نجاسة البئر إذا كانت بقرب كنيف أو غيره من الزنادة المضافة من الأثرة ... 70
باب: فيما يخرج من والج الفرج من ماء أو قيح وفي البول والغائط ودخول الخلاء وفي نجاسة البول والمني والمذي والوذي وفي نجاسة الثياب ومعاني ذلك ... 72
فصل: في نجاسة الثياب ... 76
فصل: في البول والغائط ودخول الخلاء وما أشبه ذلك ... 81
فصل: في نجاسة البول والمني والمذي والوذي ... 91
باب: في الدم وفيمن يرى في ثوبه دما وفي الميتة وفي أهابها إذا دبغ ومعاني ذلك وما أشبه ذلك ... 98
فصل: في الميتة ... 109
باب: في شعور بني آدم وفي القمل من غير الكثاف والزيادة المضافة ... 114 (1/313)
صفحة 314
باب في عرق الدواب وحشوتها وأرواثها وأبوالها وسورها وحرثها وما كان يفسد منها ومعاني ذلك ... 123
باب: ذكر السباع من الدواب والنواهش من الطير وذكر السنور والفأر ومعاني ذلك ... 145
فصل: في ذكر السنور والفأرة ونحوهما ... 149
باب: ذكر أسوار الطير وحزقة والجلالة ونحوها من الدواب وذكر الدجاج ونجاسته وطهارته ومعاني ذلك ... 155
فصل: ذكر الجلالة ونحوها من الدواب ... 160
فصل: في ذكر الدجاج ... 162
فصل: في البيض ونجاسته وطهارته ... 167
فصل: في لبن الشاة إذا حلبت دما ... 172
باب: في الحيات والأماحي والخنازير وذكر العقارب والدبى ونحوه والذباب ممّا ليس فيه دم والضفادع ... 173
فصل: في الضفدع والسلم والأماحي والحيات ... 179
باب: في موت الدواب في طعام أو دماء ومعاني ذلك وما أشبه ذلك ... 184 (1/314)
صفحة 315
باب: في أكل الطعام إذا تنجّس والزرع إذا سمد وفي نجاسة الجلبة وفي الزراعة إذا سمدت بنجاسة ومعاني ذلك ... 189
فصل: في نجاسة الجلبة والإجالة وأجلة النخلة ... 193
باب: في غسل الطعام والحبوب والتمر والعجين واللحم ومعاني ذلك وما يجوز الانتفاع به من النجاسات وما لا يجوز ... 195
باب: في المشرك يجب عليه عند إسلامه غسل أم لا وكذلك إذا أشرك شرك الخطأ وفي من ارتدّ وهو متوضّئ وفي رطوبات اليهودي ... 214
فصل: فيمن ارتدّ وهو متوضّئ ... 218
فصل: في رطوبات اليهودي ... 223
باب: في تطهير الأواني التي تنشف الماء وفي غسل الثياب ومعاني ذلك وما أشبه ذلك ... 225
فصل: في غسل الثياب ... 223
فصل: في طهارة الثياب ... 234
باب: في تطهير الأرض وما أنبتت وفي الجندل وفي نجاسة الموتى وطهارتهم وفي نقض وضوء من مسّهم وما أشبه ذلك ... 245
فصل: في نجاسة الموتى وطهارتهم ... 250 (1/315)
صفحة 316
باب: في الرجل يمشي في النجاسة وهو حافي أو منتعل ويمس النجاسة ثمّ يمشي ويمس بعد ذلك الطهارة وفيمن كانت فيه نجاسة ثمّ نسيها فلم يدر غسلها أم لم يغسلها وفي نجاسة النعل وطهارتها وفيمن تراه يمس نجاسة أو يقر أنّه مس نجاسة وفي الطاهر إذا وقع على نجاسة أو النجاسة على الطاهر وعمّن يدخل الكنيف ثمّ يمشي إلى المحازة وطريق المحازة تلا في طريق الكنيف ... 251
فصل: في من كان فيه نجاسة ثمّ نسيها فلم يدر غسلها أو لم يغسلها وممّا يوجد ... 255
فصل: فيمن تراه يمس نجاسة أو يقرّ أنّه مسّ نجاسة ولم يعلم أنّه غسلها وفي الطاهر إذا وقع على نجاسة ... 258
باب: في الاحتشاء وفي الشك وفيمن شك أنّه خرج من ذكره شيء أم لا ومعاني ذلك ... 260
فصل: فيمن شكّ أنّه خرج من ذكره شيء أم لا ... 265
باب: الغسل من الجنابة وفيما يجب به الغسل وفيما يجب على من أولج الحشفة وفيمن اغتسل قبل أن يريق البول ومعاني ذلك ... 279 (1/316)