صفحة 1
الكتاب: جامع الجواهر
المؤلف: العلامة/ جمعة بن علي الصائغي
الجزء: الثاني
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان.
تاريخ النشر: 1406هـ - 1986م
طبع: مطابع سجل العرب
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
جامع الجواهر
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العلامة جمعة بن علي الصائفي
الجزء الثاني
1406هـ - 1986م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
جامع الجواهر
تأليف
العلامة جمعة بن علي الصائفي
الجزء الأول
1406هـ - 1986م (1/2)
صفحة 3
[صفحة بيضاء] (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
فصل: في الوضوء مع الغسل ونحوه
ومن كتاب المعتبر: قال بشير عن أبيه: إنّ من غسل من الجنابة، أنّ عليه أن يتوضّأ.
ومن غيره: فيما يوجب أنّه عن أبي عبد الله –رحمه الله-. قلت: فالرجل يريد أن يغسل في نهر من الجنابة، ويريد أن يكون وضوءه غسله. قال: إذا دخل الماء استنجأ وغسل موضع الجنابة، فإذا اتقاه تمضمض واستنشق ثمّ غسل، ويعرك ولا يمس فرجه، فإذا فعل ذلك اجتزئ به عن الوضوء. قلت: فإن لم يتوضّأ؟ قال: إذا لم يتوضّأ لم يكن عليه.
قلت: فإنّه حيث كان يعرك ولا يمسّ فرجه. فإذا مسّ فرجه، وأراد أن يجتزئ بغسله، فليعد فليتمضمض ويستنشق، ثمّ يفيض الماء على بدنه. (1/5)
صفحة 6
أو يدخل في جوف الماء، حتّى يدخل بدنه كلّه، ثمّ يقوم ولا يمسّ فرجه ويصلّي. قلت: فإن كان غسله من الإناء. فكيف يصنع؟ قال: يفيض الماء على كفّيه فيغسلهما، ثمّ يستنجئ ويتوضّأ وضوء الصلاة، ثمّ يغتسل ولا يمسّ فرجه ويصلّي ولا وضوء عليه.
قلت: فإن لم يتوضّأ واستنجى واغتسل ولم يمس فرجه؟ قال: يعيد الوضوء إذا فرغ غسله.
قلت: فإن هو استنجأ ثمّ توضّأ، فغسل وجهه وبدنه، ثمّ اغتسل ولم يمس فرجه. فإذا فرغ من غسله قدميه، يجوز له أن يصلّي على هذا النحو؟ قال: نعم.
قال غيره: معي، أنّ القول الذي يضاف إلى بشير عن أبيه، وهو بشير بن محمّد محبوب –رحمه الله-. وأمّا قوله: إنّ الجنب إذا غسل من الجنابة، فعليه أن يتوضّأ يخرج عندي على معنيين: أحدهما: إنّه يوجب عليه الوضوء، وضوء الصلاة قبل الغسل، ولا يغتسل حتّى يتوضّأ وضوء الصلاة. (1/6)
صفحة 7
وقد قيل: ذلك فيما يؤمر به المغتسل، فيتوضّأ وضوء الصلاة بعد الاستنجاء. وعلى حسب هذا يخرج معاني صفة الغسل، في عامة ما يؤمر به، من قول أهل العلم، ولعلّه يشبه الاتفاق من القول، وكلا أخذ بهذا القول، ويخرج عندي على معنى الأدب في الغسل والمبالغة في الطهارة، ولا أجده يخرج عندي عن معنى اللزوم، ويجوز عندي الغسل، ويقع وينعقد حكمه، بمعنى الاتفاق، إذا أراد الغسل، فغسل شيئا من بدنه، من أيّ موضع، ولو لم يتوضّأ وضوء الصلاة، ولم يستنج، وإنّما يخرج هذا القول على هذا المعنى، في وضوء المغتسل قبل الغسل، بمعنى الأدب والمبالغة في الطهارة، والمعنى الآخر عنديمن المعنيين، أنّه لا يجزيه الغسل عن الوضوء للصلاة. ولو اغتسل من بعد الاستنجاء، فلم يمس فرجه من بعد شيء من جوارح وضوءه. أنّه قد قيل ذلك: إنّه لا يجزئ المغتسل غسل الجنابة بذلك عن الوضوء للصلاة، ولو اغتسل من بعد الاستنجاء، فلم يمس فرجه من بعد شيء من جوارح وضوءه. (1/7)
صفحة 8
أنّه قد قيل ذلك: إنّه لا يجزئ المغتسل غسل الجنابة بذلك عن الوضوء للصلاة. وقد قيل: إنّه يجزئ ذلك؛ لأنّ غسل الجنابة فريضة، وإذا وقع حكم الغسل من بعد الطهارة، من النجاسة من بدنه، ولم يمس بعد غسل جوارحه، أحد فرجيه، فقد وقع الغسل والوضوء جميعا. اعتقد الوضوء في الغسل أو لم يعتقده. وقد قيل: إنّ الوضوء الأكيد. ومعي: إنّه قيل: لا يجزيه ذلك، إلا أن يعتقد الغسل والوضوء جميعا. وإذا اعتقد ذلك كلّه في معنى الغسل، وخرج معنى الوضوء بعد التطهير من النجاسة، ولم يمس فرجه، جاز له ذلك، وثبت له الوضوء والغسل. ومعي: إنّه قد قيل: لو اعتقد الوضوء في الغسل لم يجزه. وعليه أن يتوضّأ على الانفراد؛ لأنّ الفريضة لا تدخل في فريضة على بعض ما قيل. وورد ذلك على قول من يقول: إنّ غسل الحيض لا يدخل في غسل الجنابة، وأنّ عليها غسلين للجنابة غسلا، وللحيض غسلا. ومعي: إنّه إذا غسل موضع الأذى والنجاسة من بدنه، ثمّ توضّأ وضوءه (1/8)
صفحة 9
للصلاة، ونوي ذلك، ثمّ غسل سائر بدنه واغتسل من الجنابة، أنّه يخرج ذلك بمعنى الاتفاق، أنّه يجزيه ما لم يمس في غسله أحد فرجيه، أنّه يجزيه، ولو كان وضوءه للصلاة وهو جنب غير متطهّر، إذا غسل الأذى من بدنه، وكان وضوءه من بعد غسل الأذى، ولا تضرّه جنابة بدنه؛ لأنّه طاهر. ومعي: إنّه إذا ثبت معنى غسله على غير الترتيب من وضوءه، على التعمّد لذلك، لم يجزه ذلك الوضوء. وعلى قول من يقول: إنّ الوضوء لا يقع إلا على الترتيب. وعلى قول من يقول: إنّه لا يجزيه الغسل عن الضوء. ولعلّ في بعض القول: لا ينظر في الترتيب في الغسل، لمعنى الوضوء، أنّه إذا غسل غسل الجنابة، بعد أن يغسل موضع الأذى والنجاسة من بدنه، أنّ ذلك يجزيه للغسل والوضوء، أنّه لا يختلف عندي في الغسل، أنّه واقع وثابت، ولو لم يكن على معنى الترتيب، وأنّه واقع فريضة. وإذا ثبت غسل الفريضة على جوارح الوضوء، وثبت غسلا ووضوءا، إلا أنّه فريضة. (1/9)
صفحة 10
هذا القول يعجبني على حال، أنّه إذا وقع غسل الجنابة بعد طهارة النجاسة، ولم يمس المغتسل فرجه بعد غسل شيء من جوارح وضوءه، أنّ ذلك يقوم مقام الغسل، والوضوء اعتقد الوضوء أم لم يعتقد، أتى بالغسل على ترتيب الوضوء أو لم يأت بذلك، وأمّا تفريقه بين الغسل من الإناء والنهر، وأنّه يجزيه الغسل عن الوضوء من النهر، ولا يجزيه من الإناء، إلا أن يعيد الوضوء أو يتوضّأ وضوء الصلاة قبل الغسل وبعد الطهارة من النجاسة، فلا يبيّن لي وجه التفريق بين ذلك، من أيّ وجه. ومعي، أنّه سواء اغتسل في نهر، أو من إناء، إلا أنّه في النهر أقرب في معنى الأدب. وإذا بيت وضوء بالغسل من النهر، والماء الذي يقوم مقامه، إذا كان فيه في وسطه، أو على جانبه، فالإناء مثله عندي، لا فرق في ذلك، وإن لم يجز من الإناء، لم يجز من النهر؛ لأنّه لا معنى عندي يفرّق بين ذلك. ومعي: إنّه سواء على حسب ما مضى فيه القول، من معاني الاختلاف، كان من نهر أو من وسط النهر، أو على جانبه، ويعجبني من ذلك الإناء مثله في النهر، أنّ ذلك يجزيه، وأنّه لا فرق فيهما ولا بينهما، إذا ثبت معنى ذلك. (1/10)
صفحة 11
وعلى ما مضى من القول، في الوضوء، إذا دخل في الغسل، لموضع يثبت فيه الوضوء من البشر. وأمّا قوله: إذا مس فرجه من بعد غسل جوارحه، أنّه يرجع يتمضمض ويستنشق، ثمّ يفيض الماء على بدنه، أو يدخل الماء حتّى يبتل جميع بدنه، ويجزيه ذلك على الوضوء، فهذا ممّا يدلّ من قوله عندي، أنّ وضوءه كان قد انتقض بمس فرجه، وإن صب الماء على بدنه وسائر جوارح وضوءه، يقوم عنده مقام الوضوء. كذلك يخرج في معاني قوله عندي: إنّه إذا دخل الماء، حتّى يبتل جميع بدنه، أنّ ذلك يقوم مقام الغسل والوضوء، وهذا دليل على أنّ مماسة الماء لبشرة الجنب، إذا ابتل، يقوم مقام الغسل ويجزيه، وقد يوجد نحو هذا مؤكدا، وإذا ثبت في الغسل، وهو فريضة، فليس ببعيد أن يثبت في الوضوء ومثله، أنّ بلوغ الماء إلى البدن موجب الطهارة؛ لأنّه طهور، ومعنى الطهور أنّه مطهّر. فبلوغ الماء الطهور إلى البدن، الذي ليس فيه نجاسة تبقى في الاعتبار بعد بلوغه. (1/11)
صفحة 12
وإنّما الغسل فيه تعبّد للوضوء أو غسل جنابة أو حيض أو نجاسة لا تبقى.
مسألة: ومن الكتاب المضاف إلى أبي جعفر محمّد بن جعفر: والغسل من الجنابة فريضة في كتاب الله تعالى، لا عذر لمن جهلها، وهي أمانة يسأل عنها العبد يوم القيامة.
قال غيره: معي، أنّه يختلف في لزوم فرض الغسل من الجنابة، وثبوت فرضه في كتاب الله تعالى قوله: {إن كنتم جنبا فاطّهروا} بعد أمره تبارك وتعالى بالوضوء للصلاة. فكان أمره بالتطهّر من الجنابة فرضا ثابتا، غير معنى ثبوت فرض الوضوء. وكذلك قوله: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتّى تغتسلوا}. فثبت لزوم الغسل من الجنابة، من كتاب الله نصا، ومن سنّة رسوله (ص) أمرا وفعلا. وثبت في معاني الاتفاق، من قول الأمّة، من جميع أهل القبلة، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك، وهي أمانة كما قال، ومعنى الأمانة في ذلك، أنّ العبد مؤتمن عليها فيما بينه وبين نفسه. (1/12)
صفحة 13
وهي ليست من ظواهر الأعمال، التي يطلع عليها في عامّة الأحوال غيره. وإن كان الدين كلّه أمانة لله تبارك وتعالى، يسأل العبد عنه كلّه، وما لزمه وخصّه وجوبه، فإنّ شبه ما يكون العمل به طاهرا من الطاعة، ويظهر على العباد، وتركه طاهرا ممّا يظهر على العباد، فيكاد من لا يعمل ذلك لله، باعتقاد صدق ونيّة حق وعمل ذلك، على وجه الموافقة. نسخة: المنافقة للعباد، ورجاء الموافقة لهم وخواف منه على نفسه من عقوبات الله من العبادة، وهذه الأمانة هي في سائره، التي لا يكاد أن يعلم بوجوبها عليه ولا بأدائه لها، فكانت من سرائر أمانات الله في دينه على العبد، وقد قيل عن النبيّ (ص) أنّه قال: الوضوء للصلاة من السرائر، والوضوء يكاد أن يكون أظهر وأشهر، من مقال العبد في عامة أحواله، في تعاهده له ووجوبه عليه، في كثير من أحواله، فإذا ثبت أنّه من السرائر، كان الغسل من الجنابة أولى؛ لأنّه أبعد من الظهور في علم وجوب ذلك، وتأديته في العبد، فكان ذلك من الأمانات والسرائر. (1/13)
صفحة 14
وأمّا قوله: لا عذر لمن جهلها، فإنّه يخرج في معاني القول: إنّه لا عذر لمن جهلها، إلا أن يكون يجهل العمل بها، وهو قادر على العلم بها، وطلب علمها، فلا يطلب علم ذلك، مع جهله له، ولا يعمل به ولا يعتقد طلب علم ذلك، حتّى ينقضي وقت صلاة حاضرة، ذلك ممّا يلزمه أداءها بالطهارة، أو يصلّيها بغير طهارة، وينقضي وقتها على ذلك، ويترك العمل بها، وتأديتها لجهله بذلك، وهو يقدر على علم ذلك. وفي بعض ما قيل: إنّه إذا حضر وقت العمل بها، لم يسعه إلا علم وجوبها، والعمل بها بعد العلم بوجوبها. وفي بعض القول: إنّه إذا عمل بها، قصدا منه إلى طاعة الله بها، أو عبادة الله، أو عمل في جملة ما هو منعقد للطاعة، فقد جاز له ذلك، وكان معذورا، متى علم لزومها. وكذلك الصلاة على هذا، والوضوء للصلاة، فالقول في ذلك على حسب هذا. (1/14)
صفحة 15
ومن جامع ابن جعفر: قيل عن النبيّ (ص) يجزئ الغسل من الجنابة صاع من ماء، فهذا خبر لم أحفظه، والذي جاءت الأخبار ونقلته جملة الآثار، أنّ النبيّ (ص) توضّأ بمد من ماء، واغتسل من الجنابة بصاع، هكذا جاءت الأخبار، فإن كان ذهب ابن جعفر، إلى ما اجتزأ به النبيّ (ص) من فعله، فهو آمر به، فغلط من التأويل، أنّ الرواية عنه –عليه الصلاة والسلام- أنّه قال: يجزئ الصاع من غير الرواية عنه، أنّه اجتزأ بصاع. وقد قال النبيّ (ص): «رحم الله امرئ سمع مقالتي فأداها كما سمعها. فرب حامل فقه أقرب إلى من هو لا فقه له وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه». وفي الرواية عنه (ص) أنّه قال: «من كذب عليّ متعمّدا يتبوّأ مقعده من النار». وأمّا الزبير بن العوّام، فإنّه قال: والله ما سمعت النبيّ (ص) يقول: متعمّدا، وإنّما قال: من كذب عليّ يتبوّأ. والكذب هو الإخبار عن النبي (ص) بخلاف ما هو به. (1/15)
صفحة 16
فالواجب على المسلم، أن يتورّع عن رفع الأخبار عن النبيّ (ص) وعند الإخبار عن أفعاله، وأن ينقل كلّ شيء منه على صفته ولفظه، وأيضا فإنّ النبيّ (ص) لا يجوز أن يظنّ فيه، أنّه يأمر بالصاع، لكلّ من لزمه الاغتسال، مع علمه باختلاف أحوال الناس، وفيهم من يحسن الاقتصاد في صب الماء، وفيهم من درايته بذلك أقل، ومنهم قليل البدن، وفيهم الغليظ البدن، وفيهم من عليه الشعر الكثير، وفيهم الأجرد من لا شعر على رأسه، ومنهم النساء. وقد روي عن طريق عائشة أنّها قالت: اغتسلت أنا ورسول الله بصاعين نصف ماء وكنّا نتنازع الماء من إناء واحد كلّ منّا يقول لصاحبه: ابق لي. فهذا يدلّ على أنّ الماء الذي يتطهّر به غير موقن مقداره. ولو كان موقنا لكان المتجاوز لذلك مخالفا لسنّة الرسول (ص) والله أعلم. (1/16)
صفحة 17
ومن جامع ابن جعفر: وقيل عن النبيّ (ص) يجزئ الغسل من الجنابة صاع من ماء. وقال غيره: معي أنّه قد قيل هذا، ولا أعلم الغسل به على من لزمه الغسل من الجنابة والحيض والنفاس، إن كان مثله، وكذلك كلّ غسل لازم، وليس المعنى في ذلك عندي، أنّه يجزئ على معنى الدلالة؛ لأنّه قد يجزئ دون ذلك، لمن أبصر ذلك، وإنّما يخرج معنى القول: إنّ ذلك يلزم به كمال الغسل، إذا حضر وأمكن الصاع أن يتمّ به غسل جميع جوارحه وبدنه بكماله، وعليه أن يعمل بذلك، ولا يتركه ولا يترك شيئا من بدنه، ولا من جوارحه، لجهل منه بلزوم ذلك، أو لتضييع منه للماء، دون كمال ذلك، والشك منه وضيق صدر عن جواز ذلك وكفايته له، فافهم معنى ذلك القول، أنّه يجزئ للغسل صاع من ماء. وكذلك الوضوء للصلاة مد من ماء. وإذا لم يسعه ترك الغسل كلّه، لم يسعه ترك شيء بجهل، ولا تجاهل؛ لأنّه لا يكون إلا بكماله ولا يتمّ إلا بتمامه. (1/17)
صفحة 18
قال أبو عبد الله –رحمه الله-: إنّ رسول الله (ص) أنّه قال: اغتسل بصاع من ماء من الجنابة. أو اغتسل هو وعائشة بصاعين ونصف.
ومن غيره: قال أبو بكر –رحمه الله-: إنّ إنسان يلزمه أن يعلم أنّ الصاع يجزئ لغسل. فإذا كان عنده صاع من ماء، كان عليه أن يتعلّم كيف يغتسل به. وقال: إنّه يحفظ ذلك عن الشّيخ أبي سعيد.
ومن الكتاب: قد يجزئ الماء القليل، لما روي عن النبيّ (ص) كان يتوضّأ بمد من ماء، وهو ربع الصاع، ويغتسل بصاع، والله أعلم. في معنى الرواية وثبوتها اختلافا، وخارج معنى ذلك منه، إذا أمكن الصاع من الماء وجب.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: ولا بأس على الجنب، أن يعرك بدنه بيده، ويردّها إلى الماء، ولا بأس بما طاب من الماء، من غسل يده، إذا كان قد بقي الأذى قبل أن يغتسل، ولا بأس بما وقع في إناء به من الماء، الذي قد غسل به وتوضّأ منه. (1/18)
صفحة 19
وهذا ممّا لا يختلف فيه، إلا من الغسل المستعمل المنفرد؛ لأنّه لا يستعمل مرّة أخرى، فلا يتوضّأ بالمستعمل، وأمّا إذا وقع في ماء آخر، لا يفسده ولم يغيّر عن أحكام طهارته، والله أعلم. (1/19)
صفحة 20
باب فيمن أصابته جنابة ولم يعلم بها واغتسل من غبار أو شيء ولم ينو به غسل الجنابة وفيمن وقف في غيث الغسل من الجنابة وفيمن غيب بامرأته ثمّ تركها وأنزل من بعد
مسألة: قلت له: والجنب إذا قعد في الماء الواقف، ولم يتحرّك، ولم يكن للماء حركة، إلا حين الموج، وقد عرفه طهّر بدنه، وبلغ الماء أصول الشعر. أكان يجزيه ويطهّر أو حتّى يعرك بدنه؟ قال: معي، أنّ وقوعه في الماء، لا يكون معي إلا بحركة. وعلى قول من يقول: إذا حصلت الحركة مع مماسته الماء أجزأه، فذلك يجزيه عندي، إذا أراد الغسل. وعن رجل أصابته الجنابة، ولم يعلم بها، فذهب واغتسل كما يغتسل الرجل يوم الجمعة، وكمثل ما كان في ضيعة، أو كان عليه غبرة، أو تبرد لحر أصابه وتوضّأ، ثمّ علم بعد ذلك، أنّه كان جنبا؟ فقد قالوا: يجزيه ذلك الغسل. (1/20)
صفحة 21
كذلك قال لنا أبو محمّد بن محبوب –رحمه الله-.
ومن غيره قال: وقد قيل: إذا غسل ولم ينويه للجنابة، ولم يعلم أنّه جنب لا يجزيه، وإذا علم أنّه جنب ونسي الجنابة، أجزأه إذا غسل وهو ناسي للجنابة، وقد كان علم بها. وقال من قال: إنّه لا يجزيه في كلا الوجهين، إلا على النيّة لغسل للجنابة. وقال من قال: إنّه لا يجزيه على كلّ حال ذلك، ويجزيه أن لو كان في موضع لا يجد ماء، فتيمّم للصلاة، أنّ ذلك يجزيه على الجهل والنسيان. وقال من قال: لا يجزيه على الجهل، ويجزيه على النسيان. وقال من قال: لا يجزيه على كلّ حال، إلا باعتقاد للتيمّم للجنابة. قال المصنف: أرجو أنّه أبو سعيد. فمعي، أنّ في بعض ما قيل: إنّه إذا غسل غسلا مثل ما يجزيه للغسل من الجنابة، أي أنّه لو قصد إليه أجزأه ذلك؛ لأنّه قد حصل الغسل الذي كان مخاطبا به، وإنّما منعه من ذلك، أن يقصد إلى الغسل، إذا لم يكن يعلم ذلك، وهو معذور فيما لم يعلم. (1/21)
صفحة 22
ومعي: إنّه قيل: إن كان قد علم بالجنابة، ثمّ نسيها فغسل هذا الغسل أجزأه؛ لأنّه كان قد علم، وكان مخاطبا بذلك، والناسي معذور، ولا يجزيه إذا لم يكن علم بالجنابة، وفرق صاحب هذا القول بين من لم يعلم بجنابته، وبين من علم بها، ثمّ نسيها لمعنى ما مضي ذكره لهما. ومعي: إنّه قيل: يجزيه ذلك الغسل على الوجهين جميعا؛ لأنّهما كلاهما معذور، وقد حصل لهما العمل الذي يقع به أداء الواجب. ومعي: إنّه قيل: لا يجزيه ذلك الغسل، على الوجهين جميعا. من وجه أنّ الغسل من الجنابة عمل، ولا يقوم إلا بالنيّات، فإذا وقع على غير النيّة، لم يتم. ومعي: إنّه يخرج في معنى القول: إنّه لا يجزيه ذلك، إذا كان قد علم ونسي، أنّه يجزيه، وإذا لم يكن علم على ما يشبه ما قيل، فيمن تيمّم، وفي رجله ماء، فلمّا صلّى وجاء الماء في رجله حاصرا، ولم يكن طلب الماء. ففي بعض القول: إنّه لا يجزيه؛ لأنّ الماء بحضرته، ولو طلبه لوجده، وعليه إن علم أن يعيد. ويعجبني من هذا كلّه في الغسل، إذا حصل للجنب نيّته أو بغير نيّة، أنّه يجزيه، وقد حصل له ذلك، وأتى بما وجب عليه. (1/22)
صفحة 23
ومن الكتاب: ومن وقف في غيث للغسل من الجنابة، فضربه الغيث، حتّى يطهّر أجزاه. ومن وقع في ماء له حركة أو موج يضرب، بقدر ما ينظّف أجزأه، وإن لم يتعرّك.
قال غيره: معي، أنّه قد قيل هذا. وثابت معنى ذلك عندي بحصول الطهارة، ذلك بمعنى ثبوت ممّا سبّبته الماء للبدن، مع الحركة التي تقوم مقام العرك في الغسل، ومن وقوع الماء على البدن، أو من حركة البدن في الماء. ومعي: إنّه قد قيل: يجزئ ممّا مسّته الماء لبشرة البدن، إذا بلغ من حيث يجب الغسل، وبل البدن كلّه بالماء مجرى ذلك في الغسل، لبلوغ الماء الطهور من البدن، إذا كان طهورا مظهرا. ومعي: إنّه قد قيل: إنّ ذلك يجزيه ولو لم يرد به الغسل، إذا حصل له ذلك، إذا ثبت له معناه، مع الإرادة للغسل به والتطهير به، ولا يجزيه إذا وقع ذلك على غير نيّة. ذلك على قول من يقول: إنّه لا يثبت الغسل، إلا بالنيّة له والقصد إليه. ولا أعلم اختلافا يبيّن لي، أنّه إذا حصل له معنى الغسل بالحركة، التي تقوم مقام العرك، كان من قبله أو فعل غيره، أو من حركة الماء عليه، مع قصده إلى إرادة الغسل به. (1/23)
صفحة 24
أنّ ذلك يجزيه، إذا كان قصده ذلك إلى الغسل من الجنابة، وغيره من اللوازم. ولعلّه يختلف فيه، إذا وقع ذلك موقع الغسل، أن لو قصد إليه به، ولا فرق بين ذلك، إذا حصل معنى الغسل، ولو فعل به ذلك، وألقى في الماء مجبورا، وثبت عليه من الحركة في الماء، حين ألقى فيه ما يجزيه ويقوم به الغسل. قد مضى في مثل هذا، ما أرجو أنّ فيه كفاية عن إعادته، وإعادة ذكره.
ومن كتاب المعتبر: وممّا أحسب عن أبي علي –رحمه الله-: وعن رجل عبث بامرأة، حتّى نشز فأهمز ذكره، ثمّ تركها، فلمّا سكن ذكره أنزل. أعليه غسل؟ نعم، أرى أنّه عليه الغسل؛ لأنّه عن شهوة أنزل.
قال غيره معي: إنّه إذا ثبت معنى خروج الجنابة منه، بأيّ وجه في يقظة أو منام، من شهوة أو من غير شهوة، إلا أنّه يصح أنّها جنابة، ليس هي من المذي ولا الوذي، فإذا لم يكن ذلك من الماء الدافق، مع حضور الشهوة واضطراب الذكر قبل السكون؟ فمعي، أنّه مختلف فيه: فقال من قال: كلّ جنابة حيّة أو ميّتة، ففيها الغسل بثبوت اسم الجنابة. (1/24)
صفحة 25
وقال من قال: إنّما عليه الغسل من الماء الدافق، مع الشهوة مع الاضطراب والانتشار. ومعي: إنّه يشبه معنى ذلك، خروج النطفة مع الشهوة في خروجها، ولو كان بعد السكون من الذكر، أو غير اضطراب ولا انتشار. إذا كان ذلك الماء الدافق، خرج مع الشهوة، كان في يقظة أو منام، مع معالجة ومع غير معالجة، مع احتلام أو من غير احتلام. فإذا خرج معنى الماء الدافق بالشهوة، فهذا الفصل عندي، ممّا يشبه معاني الاتفاق، في وجوب الغسل؛ لأنّه قد ثبت معناه، فسواء كان بانتشار واضطراب، أو غير ذلك، وهو معنى الشهوة، وأشدّ سائر هذا، بعد هذين الفصلين خروج النطفة، بعد سكون الاضطراب، وفتور الشهوة التي بها، ومعها ينزل الماء الدافق، إذا كان مع الاضطراب وحضور الشهوة، أو مع حضور الشهوة، ولو لم يكن اضطراب ممسكا مجرى الماء الدافق بيده، وبغير ذلك ممّا يمسكه، ويحتمل إمساكه به، من شد أو حبس أو وجه من الوجوه، فلمّا زال ذلك الامساك، خرجت النطفة معا. ويحتمل أن تكون لم تخرج النطفة، مع الشهوة إلى مجرى الذكر الذي يحبس منه النطفة عند الإمساك. فإن كان يحتمل هذا، وهذا عنده، فيما تجري به العادة، كان هذا أقرب عندي إلى معنى الشبهة، إذا كان ذلك بعد حضور الشهوة، التي نزل بها الماء الدافق، ومن بعد سكوتها. (1/25)
صفحة 26
ويعجبني في هذا الموضع لزوم الغسل للأغلب من الأحوال، أنّ مع حضور الشهوة، ينزل الماء الدافق، وقد كان ثمّ حائل يحول بينه وبين الخروج، فلمّا زال ذلك خرج، فهذا أقرب عدي إلى جنابة النطفة، ثمّ بعد هذا عندي: إذا خرجت النطفة مع الاضطراب، ولو لم يكن هنالك حضور شهوة؛ لأنّه قد كان مع ذلك، ما يقرب إلى خروج النطفة الحيّة. فإن كان بعد الانتشار والاضطراب، من غير الشهوة، سكن الإجليل عن الاضطراب، ثمّ بعد سكونه، خرجت النطفة. فذلك عندي أبعد وأشبه بالمذي والنطفة الميّتة، فإذا كان مذيا، فلا غسل فيه، ثمّ من بعد هذا الفصل، أقرب إلى الشبهة، أن يحضر الشهوة التي بها نزول مع الاضطراب، ويكون ذلك كلّه، ثمّ يسكن الاضطراب، وتفتر الشهوة، ويزول ذلك كلّه، ثمّ تخرج النطفة معا، فهذا عندي أقرب إلى معنى الحياة، ودخول الشبهة، في ثبوت الغسل؛ لأنّها أقرب إلى الحياة، وهذا كلّه عندي، ممّا يشبه عندي معنى الاختلاف. وإذا لم يكن إنزال مع حضور الشهوة والاضطراب، الذي ينزل به الماء الدافق، وأنّه إن كان كذلك، فهو الذي يخرج فيه عندي معنى الاختلاف. (1/26)
صفحة 27
كان خروج ذلك من يقظة أو منام، بمعالجة أو باحتلام، أو بوجه من الوجوه، فذلك فيه ثبوت معنى الغسل، بمعنى الاتفاق عندي، إذا ثبت خروج النطفة منه، بوجه من الوجوه، ولو كانت ميّتة، فقد قيل في ذلك باختلاف. وكلّ ما كان أقرب إلى الشبهة، كان أقرب من معنى لزوم الغسل. ومعي: إنّه يخرج في بعض معاني القول، عن بعض أهل العلم. وقد سئل عن المذي والوذي والمني؟ فقال: أمّا المذي نطفة، غير أنّه يخرج من الرجل، بعد سكون الانتشار. والوذي: نطفة بيضاء، تخرج من غير شهوة، ولا انتشار على أثر البول، وقبل البول، أو كيف خرجت على معنى قوله. وأمّا المني، فنطفة بيضاء، تخرج من الرجل عند الاضطراب، وحضور الشهوة، فقد سمّى هذا كلّه نطفة، وإذا ثبت هذا معه نطفة، فالنطفة هي الجنابة، لقول الله تبارك وتعالى في خلق الإنسان: {إنّه من نطفة من ماء مهين}. وقال: {من ماء دافق}. وذلك كلّه يجتمع في اسم الجنابة. (1/27)
صفحة 28
فعلى قول من يقول: في النطفة الميتة، أنّ فيها الغسل. فعند صاحب هذا القول: إنّ هذا كلّه نطفة، لا يتعرّى أن يثبت عنده معنى الغسل، من جميع ذلك، ذلك لثبوتها نطفة وجنابة وماء دافق؛ لأنّها مجتمعة في الأسماء، مع أنّ أكثر القول من قول أصحابنا، في المذي والودي، محدد فيه القول: إنّه لا غسل فيه. وأنّ المني محدّد فيه القول: إنّ منه الغسل، وأنّ النطفة الميتة، يلحق منها معنى الاختلاف في الغسل، فينظر في ذلك كلّه، ومعنى ثبوت النطفة الميتة ما هي؟ إذا ثبت الفرق بين المذي والوذي والمني، بحال آخر من النطفة الميتة، كان ذلك عندي خارجا على معنى ما وصفت لك من تلك الفصول، أو اختلاف معاني قربها وبعدها، وثبوت معاني الاختلاف، فيها من الأحوال، من حضور الاضطراب والشهوة. وكذلك إذا خرجت نطفة بيضاء، من غير حضور شهوة، ولا اضطراب لحقّها عندي حكم الاختلاف، وهو أبعد ما يكون عندي، من معاني الشهوة. فإذا خرجت لغير أسباب اضطراب ولا شهوة، وهي النطفة الميّتة الصريحة عندي، بلا شبهة، وما أشبهها فهي مثلها. وفيها معنى الاختلاف بثبوت الغسل بمعناها. (1/28)
صفحة 29
وما خرج من شيء، بعد ذلك، من أبيض أو أغبر، ليس بغليظ يلحق شبه الماء الدافق، في البياض والغلظ، فما كان منه أغير، فهو عندي المذي ولا غسل فيه، وما كان منه أغبر، فهو عندي المذي ولا غسل فيه. وما كان منه أبيض، دون النطفة في الغلظ، ممّا يشبه الماء الدافق، في أيّ وجه خرج فهو الودي، فلا أعلم اختلافا في الودي والمذي، أنّ فيهما وجوب الاغتسال، ولو خرج المذي والوذي، الذين هما دون الماء الدافق، في الشبهة في البياض والغسل، على أثر اضطراب أو شهوة، لم يكن ذلك عندي موجبا الغسل، إذا صح أنّه مذي أو وذي، ولا يصح اختلاف الأحكام، إلا في اختلاف المعاني، وأمّا المذي والودي، كيف خرجا فلا غسل معهما ولا فيهما، ولا أعلم في ذلك اختلافا، في معنى النص من القول، والنطفة الميتة، وهي البيضاء الغليظة، يلحقها معنى الاختلاف، والنطفة الحيّة، وهي البيضاء الغليظة، الخارجة مع الشهوة الحاضرة، فتلك هي الماء الدافق، والجنابة والنطفة، التي بها وجوب الغسل، بمعاني الاتفاق عندي، فافهم معاني الاختلاف في ذلك. واختلافه في أوقاته وألوانه وشبهه، وما خرج على معنى الرطوبات، ممّا يشبه البول، فذلك خارج عن معنى النطفة. (1/29)
صفحة 30
وعن المذي والودي، إلى معنى شبه البول، ولا شبهة في ذلك عندي، في وجوب الغسل وإنّما فيه الاستنجاء، بمنزلة البول، عند خروجه، فهو ينتقض الوضوء بمنزلة البول، والمذي والوذي والنطفة الميّتة، على قول من يقول: لا غسل منهم أو فيهم الاستنجاء والوضوء منهم. (1/30)
صفحة 31
باب في كيفية الغسل وترتيبه وفي نقض المرأة ضفائر شعرها وفي المرأة ترى كمثل ما يرى الرجل وفي المرأة إذا عبث بها زوجها أو عبثت بنفسها حتّى قذفت وفي المرأة تجامع ثمّ تحيض قبل الغسل
ومن جامع ابن جعفر: ومن اغتسل من إناء، فيبدأ أوّلا بغسل كفّيه، ثمّ ليغسل الأذى، ثمّ ليتوضّأ وضوء الصلاة، إذا طهر الأذى، فلا بأس أن يمسّ بدنه، أو يعرك بيده ويردّها على ذلك الماء. فإن وقع في نهر، فبدأ بالغسل قبل الوضوء، فلا بأس. ولو فعل ذلك إذا اغتسل من الإناء، ثمّ أبصر فسادا، وقد ترك ما يؤمر إذا أمكنه. وأحبّ إليّ لمن يغسل من الجنابة، أن يبدأ بعد المضمضة والاستنشاق بغسل رأسه. وفي نسخة: بشق رأسه الأيمن، ثمّ الأيسر، ووجهه وعنقه ثمّ يده اليمنى وما يليها، ثمّ اليسرى وما يليها، ثمّ ظهره وصوره، ثمّ رجليه. وفي نسخة: اليمنى ثمّ اليسرى ويعرك بدنه. فإنّه قيل: تحت كلّ شعرة جنابة. (1/31)
صفحة 32
وإن قدم جارحة قبل الأخرى، فلا بأس.
ومن غيره: قال محمّد بن المسبح: يغسل كفّيه ثمّ الأذى، ثمّ يمضمض ثمّ يستنشق، ثمّ يغسل وجهه، ثمّ ذراعيه، ثمّ يفيض الماء على رأسه، ثمّ على بدنه، وغسل المرأة من الحيض والجنابة سواء.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: وسأل عن كيفية الغسل من الجنابة، فإنّه يبدأ فينوي الغسل من الجنابة، ثمّ يذكر اسم الله، ويغسل يده ثلاثا، احتياطا من كلّ نجاسة في بدنه، ثمّ يستنجي ويغسل، كلّ ذي نجاسة عليه علمها، لقول رسول الله (ص): «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتّى يغمسها ثلاثا». وقد قيل: إنّه قال: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه. وقد قيل: إنّه لا يدري أين باتت يده، ثمّ يتوضّأ وضوء الصلاة غير قدميه. هكذا رواية عمر بن الخطّاب (ض). (1/32)
صفحة 33
ثمّ يفيض الماء على رأسه وسائر جسده، مع إمرار يده على مواضع الغسل. وإن لم يصب اليد على موضع منه، فإنّ الماء يجزيه؛ لأنّ الله تعالى، جعل الله طهورا، فهو مطهر لما أصاب منه. كذلك ما روي عن النبيّ (ص) أنّه إذا أفاض الماء على رأسه وسائر جسده. وكذلك قوله –عليه السلام-: «إذا وجدت الماء فامسسه بشرتك». والمأمور به يقتدي لمن أراد الاقتداء برسول الله (ص)، إذا أراد الغسل، فعليه أن يبدأ بذكر اسم الله، ثمّ يغسل يده ثلاثا وكفّيه، قبل أن يدخلهما في الماء، ثمّ يستنجي ويغسل كلّ نجاسة فيه، وما يتخوّف أنّه أصابته نجاسة، ثمّ يتوضّأ وضوء الصلاة، كأحسن ما يتوضّأ به المصلّي للصلاة. وإن كان في موضع قذر، لم يغسل قدميه.
ومن غيره: فإن غسلهما، ثمّ وضعهما على الأرض كالإضاعة للماء، فإذا توضّأ للصلاة، بدأ ما فاض الماء على رأسه، وغسل عنقه وحلقه وخلل لحيته، (1/33)
صفحة 34
ثمّ أفاض الماء على جسده، يمينا وشمالا، يبدأ بيده اليمين، ثمّ الشمال، ويعرك بدنه لما جاء في الحديث: أن تحت كلّ شعرة جنابة. ثمّ تنجّا فغسل قدميه، وإن بدأ بالغسل قبل الوضوء، أجزأه ولا نقض عليه، قد جاز غسله؛ لأنّ الله تعالى قال: {ولا عابري سبيل حتّى تغتسلوا} ولم يأمر بأكثر منه. وكذلك قول النبيّ (ص): «إذا وجدت الماء فامسسه بشرتك». ولم يأمره بغيره، ومن قدم جارحة قبل الأخرى، فلا بأس، وغسل المرأة من الحيض والجنابة سواء.
مسألة: من كتاب المعتبر: ومن جامع ابن جعفر: وغسل المرأة من الحيض والجنابة سواء. وقيل: إن لم تنفض المرأة ضفائر شعرها وعركتها، كذلك أجزأها ويبلغ الماء أصول الشعر. قال محمّد بن المسبح: إلا أن تكون عاقدة شعرها بخيط فلتحلّه ليصله الماء. (1/34)
صفحة 35
قال غيره: ومعي، أنّه قد قيل في المرأة، إذا كانت ضافرة شعرها ولزمها الغسل اللازم، من جنابة أو حيض أو نفاس. إنّ عليها أن تنفض ضفائرها للغسل. وقيل: إنّ ليس عليها ذلك، إذا دلكته بالماء، إلى داخل الضفائر، وإلى أصول الشعر، في معنى الاعتبار، فإنّ ذلك يجزيها على هذا الوجه. والقول الأوّل، يخرج إذا لم تدلك شعرها، على هذه الصفة، وهذا القول يجزئ إذا كان يخرج معها على هذا الوجه. وكذلك قول من قال: إنّها إن كانت عاقدة على ضفيرتها، بخيط أو بغيره، فإن كان في الاعتبار يحول بين الماء وبين الشعر، حتّى لا يبلغه من ذلك المماسة، ما يقوم مقام الغسل، كان عليها عندي، أن تحلّ؛ لأنّ الشعر كلّه يلزم غسله، طال أو قصر، من أصوله إلى أطرافه، كما يلزم بشرة البدن كلّه؛ لأنّ جميع ما حمل البدن من ذاته، يلزمه معنى الغسل، من شعر أو غيره، إلا ما عارضه من غير ذواته، إلا أنّه إن كان من عذر ذلك المعارض، من غير ذواته، وكان يحول بين البدن أو الشعر من البدن. فقد قيل: إن لم يخف من الضرر، أجرى الماء والغسل على ذلك، المعارض بقدر ما يبلغ الماء، إلى موضع الغسل بالبلل، إن لم يقدر إلى بلوغ الحركة إليه مع البلل. وإن قدر على بلوغ الحركة إليه، مع البلل وجب ذلك. وكذلك على قول من يقول به: إنّه لابد منه مع بلوغ الماء. (1/35)
صفحة 36
قال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج على حسب ما قال من الاختلاف. وفي قول أصحابنا: إنّ بعضا يأمر الجنب والحائض، بنفض شعرها في الغسل. وبعضا: لا يأمرها بذلك. ويجزئ معه، أن تدلكه بالماء، حتّى نرى أنّه قد عمه وبلغ إل أصوله. وأمّا الصب عليه بغير تدليك، فلا أعلم أنّه يجزئ في قولهم، إلا أن يخرج في الاعتبار معها، أنّ حركة الصب تعم جميع الشعر، داخله وخارجه. فلعلّه يخرج على هذا المعنى، أو على معنى قول من يقول: إنّ مماسة الماء للمتطهّر مطهّرا له، ولو لم تكن حركة توجب معنى الغسل، ولا أعلم بينهم اختلافا، فرقا بين الحائض والجنب، في هذا المعنى. (1/36)
صفحة 37
فصل: في المرأة ترى كمثل ما يرى الرجل
وأمّا المرأة، فإذا رأت كمثل ما يرى الرجل في نومها، حتّى قذفت؟ فلا غسل عليها.
قال غيره: وقد يوجب أنّ عليها الغسل من ذلك. وعن أبي معاوية –رحمه الله- قال: اختلف الناس في ذلك. فبعض قال: عليها الغسل. وبعض قال: عليها الغسل. وبعض قال: ليس عليها. ومن عبث بها زوجها، فيما دون الفرج، أو عالجها هو أو غيره، أو عبثت هي بنفسها، حتّى قذفت الماء الدافق، فإنّ عليها الغسل.
ومن غيره: قد يوجب إلا غسل عليها، إلا من جماع أن يولج، أو يكون ثيبا فيصب الماء على فرجها. (1/37)
صفحة 38
فصل: في المرأة تجامع ثمّ تحيض قبل الغسل
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: اختلف أصحابنا في المرأة، تجامع ثمّ تحيض قبل الاغتسال. قال بعضهم: إذا طهرت، لم يجب عليها الغسل من الجنابة من قبل. أنّ الاغتسال ليس بواجب بعينه، وإنّما يجب بغيره من العبادات به في الصلاة وقراءة القرآن، وهذا المعنى ساقط عنها بالحيض، فلذلك سقط عنها الغسل من جهة الجنابة.
ومن الكتاب: واختلف أصحابنا في المرأة، تجنب ثمّ تحيض قبل الاغتسال. قال بعضهم: إذا طهرت اغتسلت غسلين؛ لأنّ فرض كلّ واحد منهما غير الفرض الآخر. وهي مأمورة بالتطهير من حدث منهما، ولا يخرج ممّا أمرت به إلا بفعله. وقال آخرون: يجزيها غسل واحد للجميع؛ لأنّ النبيّ (ص) كان يطوف على نسائه في الليلة، ثمّ يغتسل لذلك غسلا واحدا. (1/38)
صفحة 39
ومن كتاب الأشراف: واختلفوا في المرأة، لعلّه تجامع ثمّ تحيض قبل الغسل. قال أبو سعيد: أكثر معاني قول لعلّه أصحابنا: إنّها تغتسل من الجنابة وهي حائض. فإن لم تغتسل حتّى طهّرت؟ فمنهم من يقول: يجزيها غسل واحد للجميع. ومنهم من يقول: عليها غسلان. والحائض عندي كالجنب، في بعض معاني القول، إلا أنّه يعجبني غسلها لبعض معاني ما قيل: إنّها جنب أشدّ منها حائض، بمعنى الأكل والشرب والنوم. وما قيل في ذلك في الجنب، ولم يقولوا مثل ذلك في الحائض، فلهذا المعنى أحبّ لها الغسل، فإذا لم تغتسل، فغسل واحد يجزيها، ولا معنى لثبوت الغسلين في وقت واحد، إلا بالقياس كما قال.
مسألة: وعن امرأة وطئها زوجها، ثمّ أتاها الحيض، ثمّ طهرت. أيجزيها غسل واحد أم لا؟ (1/39)
صفحة 40
قال: معي، أنّه قد قيل ذلك. وقيل: تغسل غسلين. وكذلك المرأة يجب عليها الغسل من الجنابة، يأتي المرأة النفاس، من قبل أن تغتسل، ثمّ تطهّر من نفاسها. هل يجزيها غسل واحد أيضا؟ قال: هي عندي مثلها في الحيض.
مسألة: وعن امرأة أيضا، أصابتها الجنابة، ثمّ جاءها الحيض قبل أن تغتسل من الجنابة. هل عليها أن تغتسل من الجنابة، قبل أن تطهّر من الحيض؟ قيل: قال: معي أنّ في بعض قول أصحابنا: يستحب لها أن تغسل من الجنابة، ولو لم تطهّر من الحيض؛ لأنّه يفرّق بين الحائض والجنب، أشياء في الأكل والشرب والنوم والنفاس والخروج إلى الناس، وكلّ هذا في بعض القول. ويكره للجنس ولا يكره للحائض. أنّ الحائض لا يكره لها الأكل ولا الشرب ولا النفاس ولا الخروج إلى الناس. (1/40)
صفحة 41
وكذلك شعر الحائض وأظفارها، يفرّق بعض بينه وبين شعر الجنب وأظفارها. ويرى ذلك من الجنب، أشدّ من الحائض. وبعض يجعلهما في هذا سواء. وفي بعض القول: إنّها إذا أخّرت الغسل، إلى أن تطهّر من الحيض، كان لها ذلك على معنى قوله. قلت له: فإن أخّرت الغسل للجنابة، حتّى طهّرت من الحيض، يجزيها غسل واحد لهما جميعا؟ أم يلزمها غسلان؟ قال معي: إنّه يختلف في ذلك: فقال من قال: يجزيها غسل واحد. وقال من قال: تغسل غسلين على معنى قوله.
مسألة: وسئل عن امرأة جنب، أتاها الحيض قبل أن تغسل من الجنابة. هل عليها أن تغسل قبل أن تطهّر من الحيض؟ قال: معي، أنّه يخرج في معنى ذلك الاختلاف. ففي بعض المعنى، أنّه يلزمها ذلك، ويخرج أنّها تؤمر بذلك ولا يلزمها. (1/41)
صفحة 42
ويخرج أنّه لا يلزمها ذلك. وهكذا يخرج عندي.
مسألة: عن أبي الحسن البسياني: فيما أحسب الجواب في المرأة، التي عبثت بفرجها أو عبث بها زوجها، حتّى رأت رطوبة، إن أنزلت الماء، كان عليها الغسل من ذلك. وقوم قالوا: لا غسل عليها، إذا عبثت بنفسها، وعليها الغسل من عبث الرجل بها، إذا أنزلت. وأمّا الرطوبة غير إنزال الماء، فلا غسل فيه على الرجل، ولا على المرأة، والله أعلم.
مسألة: معي، أنّه قد قيل: بأيّ وجه أنزلت، وخرج منها الماء الدافق، فهي جنب وعليها الغسل. وقيل: ليس عليها الغسل، إلا من الجماع، وهي أن تغيب الحشفة في الفرج، ويلتقي الختانان من زوج أو غيره، من زنا أو شيء من الدواب، أو ما يقوم مقام الجماع. وأمّا لمعنى إنزال الماء الدافق، فلا غسل عليها في ذلك، في يقظة أو منام. (1/42)
صفحة 43
مسألة: وروي عن النبيّ (ص): أتته امرأة فقالت: يا رسول الله، برح الخفاء، إنا تصيبنا الشهوة ويدفق الماء علينا. أبذلك غسل؟ قال: نعم. (1/43)
صفحة 44
باب في حد الماء الذي يغسل به من الجنابة وفي صفة الغسل من الجنابة وما أشبه ذلك
ويجوز الغسل من الجنابة، في ماء مجتمع، قدره خمس جرار، إلا غسل الأذى.
قال غيره: نعم، وإذا كان ماء قدر ما يغسل به، أن أو غسل به جنب، ويفضّل منه، ولا يكون مستهلكا له. ماذا كان كذلك جاز الغسل به إلا الأذى، واغتسل بشير –رحمه الله- بصاعين من ماء من الجنابة. قال: وقد قيل عن بعض أهل الفقه: إنّه اغتسل بنحو الصاعين من الجنابة الغسل.
مسألة: ومن جاء إلى ماء راكد، فانغمس فيه، ولم يتعرّك. إنّه لا يجتزئ بذلك الغسل، من الجنابة للغسل.
قال غيره: وقد قيل: يجزيه ذلك، ولا إعادة عليه، إذا طهرت النجاسة.
مسألة: وسئل جابر عن رجل معه ماء يسير، وهو لا يخاف الظمأ. كيف يصنع وقد أصابته الجنابة؟ (1/44)
صفحة 45
قال: إذا كان الرجل غسل مذاكيره، وتوضّأ وضوء الصلاة. وقال بعضهم: يصلّي.
مسألة: وعن رجل انتهى إلى ماء مستنقع، ليس بكثير، فاغتسل فيه من جنابة، ثمّ أتاه قوم وقد علموا ذلك، ولم يجدوا غيره. فلا نرى عليهم بأسا، إذا لم يجدوا غيره، والماء لا ينجسه شيء، غير أنّه يستحبّ لمن يلي بذلك، أن يغسل موضع الجنابة، ثمّ يقع فيه من بعد.
مسألة: وسألته عن جنب، اغتسل ونسي أن يمسح تحت خاتمه. قال: ليس أحد اغتسل أو توضّأ، وعليه خاتم إلا وقد ابتلّ تحته.
ومن الكتاب: وأحبّ غسل الفم وداخل الأنف من الجنابة. والدليل على ذلك، قول النبيّ (ص): فبلوا الشعر واتقوا البشرة. فما كان داخل الفم وداخل الأنف، يباشران الفعل، وجب غسلهما لاستحقاقهما البشرية، والله أعلم. وداخل الأنف كداخل الأذن.
مسألة: فيما يوجد عن أبي عبد الله –رحمه الله- (1/45)
صفحة 46
قلت له: فالرجل يريد أن يغتسل في نهر من الجنابة، ويريد أن يكون وضوء في غسله. قال: إذا دخل الماء استنجاء، وغسل موضع الجنابة. وإذا نقّاه وتمضمض واستنشق، ثمّ يغسل ويعرك ولا يمسّ فرجه. فإذا فعل ذلك، اجتزأ به من الوضوء.
مسألة: وسألته عن رجل اغتسل من جنابة، ونسي أن يدخل يده في أذنيه، حتّى فرغ من غسله. قال: يغسل أذنبه وليس عليه بدل الغسل.
مسألة: وعن رجل يغسل من جنابة، ولا ينال عرك بعض ظهره. هل يجوز أن يفيض على ذلك الموضع الماء؟ فليجتهد في عرك ما نال من ظهره، ومن جسده، وما لم ينل من عرك غيره ظهره، رجوت أن يجزيه إفاضة الماء إن شاء الله. وسألته عن رجل أصابته الجنابة، فدخل النهر أو البحر، فاغتسل وغمس، فله بغسل الجنابة. أيطهّر؟ قال: حتّى يغسل النجاسة. (1/46)
صفحة 47
قلت: فإن غسل النجاسة، ولم يتوضّأ وضوء الصلاة قبل الغسل. قال: لا بأس بذلك. قلت: خرج ولم يتوضّأ وضوء الصلاة. أيجزيه عن الوضوء؟ قال: لا، ولكن إن غسل غسلا آخر، غير غسل الجنابة، ولم يتوضّأ وضوء الصلاة، أجزأه إن شاء الله. قال أبو الحواري: يجزيه غسل الجنابة عن الوضوء، ما لم يمس فرجه بعد الغمسة الأخيرة.
مسألة: قال محمّد بن جعفر: حفظ لي الفضل بن خلف، عن سعيد بن محرز قال: إنّ الجنب إذا غسل من الجنابة، ولم تنل يده ظهره، فيعركه صب الماء عليه، في الموضع الذي لا تناله يده ثلاث مرّات، وأجزأه ذلك عن العرك. قال: نعم. هكذا وجدن في جواب من الشّيخ أبي الحواري –رحمه الله- على نحو هذا من القول: إنّه يجزيه.
مسألة: وسئل موسى وهاشم، عن رجل تصيبه الجنابة، فيخرق الدلو، وقد غسل بعض جسده، وينقطع الدلو، ولا يجد الماء حتّى يجف. (1/47)
صفحة 48
هل يجزيه فاغسل من ذلك؟ قال: نعم، إذا كان لم يشغله شيء من عرض الدنيا. وكذلك زعم في الوضوء للصلاة، إذا توضّأ بعض وضوءه، ثمّ انقطع دلوه، أو إحراق ماؤه حتّى يجف وضوءه الأوّل. فإذا أصاب الماء، فإنّما عليه ما بقي من وضوءه. وإن كان تواتيه بشيء من عرض الدنيا، فليس يجزيه الوضوء.
مسألة: وسئل عن الجنب، إذا اغتسل وتمضمض واستنشق، ولم يدخل أصبعه في فيه ولا في أنفه، ناسيا أو متعمّدا. قال: غسله تام.
مسألة: قال شبر عن أبيه: إنّ من غسل من الجنابة، أنّ عليه أن يتوضّأ.
مسألة: وإذا غسل الجنب، وبقي شيء لم ينضّفه من الجنابة؟ فعليه إعادة الوضوء. وإن كان من سائر بدنه؟ فإنّما عليه غسل المواضع. (1/48)
صفحة 49
ومن غيره: وعن أبي الحواري قال: وكذلك الجنب، إن غسل ثمّ نظر، فإذا هي في بدنه موضع مقدار الدرهم، لم يمسه الماء. قال: يعيد الغسل كلّه.
ومن غيره قال: وقد قيل: إنّما عليه أن يغسل ذلك الموضع ويصلّي. وقال من قال: يغسل ذلك الموضع، ويتوضّأ ويعيد الصلاة. وقال من قال: يعيد ذلك وحده، ما لم يجف الغسل. وقال من قال: عليه إعادة الغسل والوضوء. (1/49)
صفحة 50
باب فيمن شك أنه غسل من الجنابة أو لم يغسل وفيمن يرى الجماع ولا يقذف أو ينتبه ولم يدر قذف الجنابة أو لم يقذفها.
وقال: إذا كان الرجل جنبا، ثمّ صلّى صلاة أو صلوات، ثمّ لم يعلم أنّه كان غسل أو لم يستيقن، أنّه لم يغسل. فهو قد غسل، حتّى يعلم أنّه يغتسل أو لم يستيقن، أنّه لم يغسل إذا تعدّى الصلاة، إذا كان من أهل القبلة، ويدين بغسل الجنابة، ولا يعرف نفسه بتركه غسل الجنابة.
ومن كتاب المعتبر: وممّا يوجد أنّه عن أبي الحسن –رحمه الله- وقال: إذا كان الرجل جنبا، ثمّ صلّى صلاة أو صلوات، ثمّ لم يعلم أنّه كان غسل، أو لم يستيقن أنّه لم يغسل، فهو قد كان غسل حتّى يعلم، أنّه لم يغسل، إذا كان قد كان قد تعدّى صلوات، إذا كان من أهل القبلة، ويدين بغسل الجنابة. كما وأنّه لا يعرف نفسه بترك غسل الجنابة.
قال غيره: معي، أنّ هذا يخرج على معنى حكم الاطمنانة، ولو كان ممّن يدين بغسل الجنابة، وليس الغسل من الجنابة عندي (1/50)
صفحة 51
مثل الوضوء؛ لأنّ الوضوء عندي يخرج في أكثر حالات الإنسان، أن لا يصلّي إلا بوضوء. كما وأنّه على حال، إذا لم يكن على علم منه بوضوءه، أن لا يصلّي حتّى يتوضّأ، وليس عليه غسل الجنابة كذلك عندي. وكذلك عندي في الحكم في الغسل، أنّه يجزئ عليه معنى النسيان، وإذا علم أنّه جنب، فقد لزمه حكم الغسل، وهو عليه حتّى يعلم أنّه قد غسل، فإذا ذكر أنّه كان ذاكرا لغسله، حتّى مضي إلى الماء، فوقع فيه الغسل، أو مضي ليغسل، أو عرف بذلك، أو ذكر شيئا من هذا، كان هذا ممّا يزيد في معنى الاطمنانة، إذا كان قد صلّى، أو مضي عليه وقت الصلاة، ولم يعلم أنّه لم يصلّها، إلا أنّه إذا مضي عليه وقت الصلاة، وحان وحكم وقتها، ثمّ شكّ فيها صلاها أو لم يصلّها؟ قد قيل: إنّه ليس عليه أن يصلّيها، حتّى يعلم أنّه لم يصلّها، إذا كان في وقتها فشك فلم يعلم صلّى أو لم يصل؟ فقيل: إنّ عليه أن يصلّي حتّى يعلم أنّه قد صلّى. فقيل: إنّ عليه أن يصلّي حتّى يعلم أنّه قد صلّى. وأرجو أنّ هذا المعنى، يخرج على معنى الحكم، لا معنى الاطمنانة؛ لأنّه ليست الصلاة في زوال وقتها، كمثل الغسل؛ لأنّه ليس للغسل وقت معروف. (1/51)
صفحة 52
ولا يخرج في أكثر العادة، أن يصلّي إلا بغسل، كما لا يصلّي إلا بوضوء. فيخرج عندي معنى الوضوء والصلاة، أنّه إذا صلّى صلاة، ثمّ شكّ صلاة بوضوء أو بغير وضوء، كان في وقتها أو فات وقتها، إلا أنّه علم أنّه صلاها، فيخرج عندي في معنى الحكم، ممّا يشبه ذلك. ومعي: إنّه لا إعادة عليه، حتّى يعلم أنّه صلّى بغير وضوء.
مسألة: عن الزيادة المضافة من الأثر: اختصرته فيمن أصابته الجنابة، في ثوب، ثمّ لم يطلبها من الثوب، حتّى بات فيه ليلة أخرى، ثمّ رأى فيه جنابة. قال: الذي عرفنا: إنّه إذا لم يعرف متى أصاب الثوب الجنابة، ثمّ رأى في ثوبه جنابة، فإن حكم تلك الجنابة من آخر نومة نامها، في ذلك الثوب. قلت: فهذا قد أصابته الجنابة، ولم يطلبها من الثوب أوّل يوم، حتّى رأى فيه الجنابة من الغد؟ قال: نعم، حكم هذه الجنابة حكم آخر، نومة نامها في ذلك الثوب. إلا أن يتقرّر في قلبه هو، أنّ تلك الجنابة التي رآها في الليلة الأولى. (1/52)
صفحة 53
مسألة: من كتاب الضياء: ومن أعار رجلا ثوبا في أوّل الليل أو آخره، فلمّا أصبح إذا به جنابة؟ فعليهما الغسل جميعا، المعير والمستعير، إن ناما فيه تلك الليلة جميعا، ويصدّق بعضهما بعضا. (1/53)
صفحة 54
فصل: فيمن يرى الجماع ولا يقذف أو ينتبه ولم يدر قذف أم لا
وعمّن يرى في النوم، أنّه يجامع ثمّ ينتبه قبل أن يقذف، إلا أنّه يجد شهوة شديدة، لحال الجماع، وليسها الشهوة التي يقذف منها، فيخرج منه مذي كثير. هل عليه الغسل؟ وغن وجب عليه الغسل، فلم يغسل. ما يلزمه؟ فليس عليه غسل. وسئل أبو سعيد: عن رجل يرى الجماع في المنام، ويستيقن على ذلك من حينه، فلم يجد بللا. قال: لا غسل عليه. وإن نعس بعد أن رأى بقدر ما يخف، أن لو كان خرج، فلمس فلم يجد؟ كان عليه الغسل عندي فيما قيل، وهو عندي احتياط.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: وأخبر رسول الله (ص) على من احتلم أن يغسل. (1/54)
صفحة 55
وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. قال أبو سعيد: معي، أنّه إنّما يجب الاغتسال من الاحتلام، من الجنابة، إذا نزل الماء الدافق عند الاحتلام، وما أنزل الماء الدافق، وهو المني بثبوت الغسل، كان في الاحتلام، أو في منام، أو يقظة بجماع أو غيره، لثبوته جنبا، وهذا ما لا يخرج عندي فيه الاختلاف، وليس لمعنى الاحتلام، يجب الغسل، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومن كتاب الأشراف: أجمع كلّ من نحفظه عنه من أهل العلم، على أنّ الرجل إذا رأى في منامه، أنّه احتلم أو جامع، ولم يجد بللا، أن لا غسل عليه. قال أبو سعيد: هذا إذا لم يجد بللا في الوقت، وأمّا إذا لم ينتبه أو انتبه، فلم ينظر ولم يلمس بقدر ما يمكن جفوف ذلك بعد خروجه، ثمّ لمس بللا، فقد وقع عليه الإشكال، لزمه غسل عندي. وفيما* قيل: ويخرج ذلك عندي على الاحتياط، لا لمعاني الحكم، واختلفوا فيمن يرى بللا، ولم ذكر احتلاما. فقالت طائفة: يغسل. وقال إسحاق: الغسل إذا كان بلة نطفة. (1/55)
صفحة 56
روينا عن الحسن البصري أنّه قال: إن كان انتشر إلى أهله من أوّل الليل، فوجد من ذلك بلة، فلا يغسل. وإن لم يكن كذلك اغتسل. وقول: أن لا غسل، حتّى يدفق الماء الدافق. قال أبو سعيد: أمّا البلة وحدها، إذا انتبه بغير أن يرى جماعا، ولا ما يشبهه من اللمس. فمعي، أنّه يخرج في قول أصحابنا، نحو ما مضي فيه من الاختلاف، ولبعضهم فيه قول ثالث، إذا أشكل عليه. فقيل: إنّه يشمّه، فإن وجده رائحة المني، اغتسل وكان عليه الغسل. وإن لم يكن فيه رائحة المني، لم يكن عليه غسل، وأمّا إذا وجد البلة، بعد رؤية الجماع، عقد ذلك. فمعي: إنّه يخرج في معاني الاتفاق من قولهم: إنّ عليه الغسل، إلا أن يعلم غير المني من البلل، ولا يخرج عندي هذا، على حال معنى الحكم، إلا في معاني الاحتياط، إلا أن يثبت منيا بعين أو رائحة، فهنالك يجب عندي بمعاني الحكم ثبوت الغسل.
مسألة: ومن غيره: ومن جواب أبي الحواري: فيما أحسب سألت –رحمك (1/56)
صفحة 57
الله-، عمّن رأى في منامه، أنّه يجامع، وأنّ الجنابة تخرج منه، ثمّ انتبه فمس أو نظر فلم يجد رطوبة، أو نظر فلم ير شيئا. هل عليه الغسل؟ فعلى ما وصفت، فليس عليه غسل، وذلك حلم. وقد سألت أبا المؤثر عن ذلك، فلم ير عليه غسلا. وكذلك سألته عن الذكر، إذا اضطرب، ثمّ سكن الذكر، ثمّ خرجت الجنابة بعدما سكن الذكر. قال: لا غسل عليه. قلت: وإن اضطرب الذكر، ثمّ أمسكه بيده، حتّى سكن، ثمّ خرجت الجنابة؟ قال: تلك جنابة ميّتة، ولا غسل عليه.
مسألة: وسئل عمّن يرى الجماع، ورأى الإنزال وتوضّأ ولم يلمس. قال: يعجبني الاحتياط للغسل. وإن رأى الإنزال والجماع، ومسّ فلم يجد شيئا، فلا غسل عليه. وإن وجد البال، ولم ير الجماع ولا الإنزال؟ فقد قيل: إنّه لا غسل عليه، حتّى يعلم أنّها جنابة. وقيل: عليه الغسل. (1/57)
صفحة 58
وقيل: يشمّه، فإن وجد عرف الجنابة فعليه الغسل. وإن لم يجد، عرف الجنابة، فلا غسل عليه. وهذا كلّه على الاحتياط، وأمّا الحكم، حتّى يعلم أنّها جنابة.
مسألة: وسئل أبو سعيد –رحمه الله- عن رجل استيقظ من نومه، فوجد رطوبة في إجليله، لم يعرف ما هو. هل عليه غسل؟ قال: قد اختلف في ذلك: فقال من قال: لا غسل عليه، حتّى يعلم أنّها جنابة. وقال من قال: عليه الغسل، حتّى يعلم أنّها ليست جنابة. وقال من قال: يشمّها، فإن وجد فيها ريح، عرف الجنابة، فعليه الغسل. وإن لم يكن فيها رائحة للجنابة، فلا غسل عليه. قلت: وسواء عليه رأى أشباه النساء في النوم، أو لم يره، فالاختلاف واحد على ما وصفت لي. قال: أحسب أنّ هذا إنّما هو إذا لم يكن رأى. (1/58)
صفحة 59
وفي نسخة: من أسباب الجماع شيئا.
مسألة: لجامع ابن جعفر: فإن عبث بذكره أو عنته شهوة، فقذف الماء الدافق؟ فقد لزمه الغسل، كان ذلك في نوم أو يقظة. ومن رأى في منامه، أنّه يجامع، ولم يعلم أنّه قذف ولم ير بللا؟ فلا غسل عليه، إلا أن يرى الجماع، ويرى بللا، أو شيئا من ذلك في بدنه أو ثيابه، فعند ذلك يلزمه الغسل. وكذلك في الذي تخرج منه النطفة الميّتة. وحفظ لنا الثقة عن بعض أهل الفقه: إنّه لا غسل على من خرجت منه النطفة الميّتة، بلا شهوة ولا انتشار.
ومن غيره: وعن أبي معاوية عزان بن الصقر –رحمه الله- قال: لا غسل من الجنابة الميّتة. وقال: إنّ الجنابة الميتة، أنّ الرجل يرى أنّه يجامع ويضطرب الإجليل ثمّ سكن. فإنّ الإجليل ويبرد ويخرج من ذلك جنابة، فهذه هي الجنابة الميّتة، فلا غسل فيها. قال أبو محمّد بن المسبح: إذا رأى الجماع في منامه، بانتشار (1/59)
صفحة 60
الإجليل واضطرابه، ثمّ استيقظ من نومه، ولم يمس في ثقب الإجليل بدلا، فلا غسل عليه. فإن سكن من اضطرابه، ثمّ خرجت منه رطوبة. فعليه الغسل، إذا وجد الشهوة، كأنّه نطفة باضطراب الإجليل وارتعاش البدن بالشهوة، لاحقا بها من البدن. فإذا ترك الإجليل في حينه أو بعده، فعليه الغسل.
ومن غيره: فيما أحسب، وعن أبي علي –رحمه الله-: وعن رجل عبث بامرأته، حتّى نشر فأهمز ذكره، ثمّ تركها، فلمّا سكن ذكره أنزل. أعليه غسل؟ نعم، أرى عليه الغسل؛ لأنّه أنزل عن شهوة.
ومن غيره: فإذا أمسك القضيب من بعد حضور الشهوة، وأنزل النطفة، حتّى فتر، ثمّ خرجت النطفة، فعليه الغسل. وقد قيل: عليه بدل نومه، وهذا في الذي عارضته الشهوة، وهو يستبرئ من البول.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: ومن رأى في نومه، أنّه جامع ولم يقذف، ولا رأى بللا؟ فلا غسل عليه، إلا أن يرى الجماع، أو يرى بللا أو شيئا من ذلك، أو من جنابة في بدنه أو ثيابه أو منامه، فعند ذلك يغسل. (1/60)
صفحة 61
باب في تيمّم الجنب لصلاته وفي صلاته
قال أبو سعيد: في الجنب إذا كان لا يجد الماء، وحضرت الصلاة. فقال من قال: يجزيه تيمّم واحد. وقال من قال: لا يجزيه إلا تيمّم للغسل من الجنابة، وتيمّم للوضوء.
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: وإذا عدم الجنب الماء، أجزأه التيمّم في الحضر، وفي السفر، فإذا وجد الماء، اغتسل ولم يكن عليه إعادة ما صلّى بالتيمّم. ومن الكتاب: قال الله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء}. الدليل على أنّ الجنب لابد يتيمّم، إذا لم يجد الماء، أنّ الله تعالى، ذكر في ابتداء الآية، بأنواع الطهارات بالماء. فلمّا قال: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} أراد أن يكون طهارة التيمّم مقام طهارات الماء، والله أعلم. فوجب أن يقول: إنّ قوله: {أو لامستم النساء} كناية عن الجماع، فيقوم ذلك مقام قوله: {وإن كنتم جنبا فاطّهروا}. (1/61)
صفحة 62
ويؤكّد ذلك، ما روي عن عمّار، أنّه أجنب فتمسّك بالتراب، فقال له رسول الله (ص): إنّما يكفيك هكذا. ومسح بكفّيه وجهه ويديه. ومن طريق أبي ذر، أنّ النبيّ (ص) سئل عن الجنب أيتيمّم؟ قال: التيمّم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسّه بشرته. وظاهر الخبر، يدلّ على أنّ الغسل باليد، ليس بواجب، والله أعلم.
ومن الكتاب: وحسب من أجنب ولم يجد من الماء ما يكفيه لغسله، وهو في سفر تيمّم؛ لأنّ الله –عزّ وجلّ- قال: {وإن كنتم جنبا فاطّهروا} فمن لم يدخل في هذه الجملة، ممّن أجنب، دخل في قوله تعالى: {فإن لم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا} فإنّ هذا غير واجد، لما أمر به، والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة: وسئل عن الجنب في السفر. هل يجزيه التيمّم؟ لعلّه تيمّم واحدا وعليه تيمّمان. قال: معي، أنّه يختلف فيه. (1/62)
صفحة 63
قلت: فعلى قول من يقول: إنّ عليه بتيمّمين. أيكون ذلك ثابتا على الأبد، ما لم يصب الماء؟ أم عليه ذلك، إلا في صلاة واحدة؟ قال: معي، أنّه صلاة واحدة، ما لم يجد الماء؛ لأنّ أحكام الأوّل، قد ذهب بالتيمّم الأوّل.
قلت له: فإن كان صائما رمضان، فتيمّم لإحراز صومه، فلمّا أصبح فلم يجد ماء، حتّى آواه الليل، ثمّ عاد أصبح من الغد. هل عليه تيمّم ثان، لإحراز صومه، ثمّ كذلك على الأبد، ما لم يصب الماء. قال: لكلّ جنابة تيمّم واحد في الصلاة، وليس عليه أكثر من ذلك، ما لم يجد الماء. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. قال أبو سعيد: التيمّم على الجنب، وله عند عدم الماء. ولما ثبت له من العذر، ثابت في كتاب الله تبارك وتعالى، لعموم الآية: {فإن كنتم جنبا فاطّهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر} الآية. {فإن لم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا} وكلّ من لم يجد الماء، وخوطب بفرض أو بواجب، لا يقوم به إلا بالطهارة من الوضوء أو الغسل، كان التيمّم بالصعيد ثابتا عليه، بدلا عن الطهارة عندنا، بكتاب الله وسنّة نبيّه وإجماع المسلمين. (1/63)
صفحة 64
ومن الكتاب: قال أبو بكر: واختلفوا في غشيان من لا ماء معه من المسافرين. قالت طائفة: لمن هذا صفته أن يجامع؟ قال مالك: لا أحبّ له أن يغشى أهله، إلا ومعه ماء. وقد روينا عن ابن عبّاس، أنّه أباح له أن يغشى ويتيمّم ويصلّي، وبه قال جابر بن زيد وجماعة. وكذلك به نقول: قال أبو سعيد: لا أعلم في قول أصحابنا، شيئا يدلّ على منع الجماع، من طريق عدم الماء، وهو جائز عندنا، في أنّه حال مسافرا أو مقيما، إذا كان لا علّة تمنعه عند عدم الماء. وورد بكتاب الله تبارك وتعالى، حيث يقول في معنى التيمّم: {أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا} لم يكن عند عدم الماء في المخاطبة في الجماع، بل يدلّ ذلك على الإطلاق في كلّ موضع.
ومن الكتاب: قال أبو بكر: واختلفوا في الجنب، يخشى البرد على نفسه، إذا اغتسل. فقال عطاء: يغسل وإن مات ولم يجعل الله له عذرا. (1/64)
صفحة 65
وبه قال الحسن البصري. والقول الثاني: أن يتيمّم ويصلّي ويعيد الصلاة. والقول الثالث: أن يتيمّم ويصلّي ولا يعيد. وفيه قول رابع: وهو أنّه يجزيه ذلك في السفر، ولا يجزيه إذا كان مقيما، وأجمع كلّ من يحفظ عنه من أهل العلم، على أنّ المسافر إذا كان معه ماء وخشي العطش، أنّه يبقى ماءه للشرب ويتيمّم. قال أبو سعيد: معي، أنّ كلّ ما مضي من القول، يخرج عندي في معاني قول أصحابنا. كما حكي من الاتفاق والاختلاف وأشدّها. وقال: إنّ عليه الغسل ولو مات، وهذا ما لا يخرج عندي على معاني الأصول، أنّ الله تبارك وتعالى، لم يكلّف أحدا فوق طاقته، وهذا يقتضي أنّه حمل عليه فوق طاقته. وقال أبو سعيد: معاني الاتفاق من قول أصحابنا، يخرج عندي: إنّه على الجنب، إذا وجد الماء أن يغتسل به، ولا يجزيه التيمّم دون الغسل. (1/65)
صفحة 66
وكذلك يغسل ما أمكنه من بدنه، من قليل وكثير، لثبوت الغسل على جميع البدن، كثيره وقليله، ويتيمّم لما بقي من جسده، لثبوت التيمّم على الجنب، إذا لم يجد الماء لجميع جسده، فهو في ثبوت التيمّم عليه، كمن لم يجد الماء، وإذا وجد الماء لبعض جوارحه، فهو كمن وجد الماء لجميع جوارحه، من معنى ثبوت الغسل. قال أبو سعيد: وأمّا الجنب، إذا لم يعلم بجنابته، فتيمّم للصلاة وصلّى، تمّ علم بجنابته، فيختلف في ذلك عندي، ذلك من قولهم: فقال من قال: يجزيه التيمّم للوضوء والجنابة والضوء. وقال من قال: لا يجزيه ذلك، وذلك يخرج عندي، في قول من يقول منهم: إنّ الجنابة تيمّما وللوضوء تيمّما إذا علم بذلك. وقال من قال: إن كان علم بجنابته، ثمّ نسيتها وتيمّم لصلاة أجزاه؛ لأنّه قد كان علم، ثمّ نسي ذلك، وأمّا إذا لم يكن قد علم بالجنابة، فلا يجزيه، وفرّق هذا بين نسيانه الجنابة وجهله لها. (1/66)
صفحة 67
وكلّ ذلك يتواطأ عندي، في قول من يقول: إنّه يجزيه لكلّ ذلك تيمّم واحد على العلم. وعن الحسن بن أحمد: ومن تيمّم لصلاتين، وكان جنبا، وجهل أن ينوي التيمّم للجنابة وللصلاة وصلّى. هل يجزيه ذلك؟ الذي عرفت أنّه يجزيه ذلك، والله أعلم. (1/67)
صفحة 68
باب منع الجنب والحائض والمشرك الدخول في المساجد ونحوها وقراءة القرآن ومس الجنب والحائض المصحف وتعليقهما التعاويذ وفي عرق الجنب وريقه ورطوبته ومعاني ذلك
ومن كتاب الأشراف: واختلفوا في مس الحائض والجنب المصحف: فكره ذلك طائفة، إلا أن يكون له علاقة. وقالت طائفة: ولا يقرأ في المصحف، إلا متوضّئا لقول النبيّ (ص): «لا يمسّ القرآن إلا طاهرا». وكرهت طائفة مس الدراهم، التي فيها ذكر الله على غير وضوء، وكره مالك أن يحمل المصحف بعلاقته، وهو غير طاهر. قال أبو بكر: لا يمسّ المصحف الجنب ولا الحائض، ولا غير المتوضّئ، أنّ الله قال: {لا يمسّه إلا المطهّرون} قال أبو سعيد: أمّا قراءة القرآن على طهارة، من غير جنب ولا حائض. فمعي: إنّه يختلف فيه من قول أصحابنا: فقال من قال: منهم بمعنى ما مضى من القول، في الجنب والحائض، أنّه لا يقرأ القرآن إلا متطهّرا بوضوء تام، إلا لمعنى ضرورة. (1/68)
صفحة 69
وقال من قال: فيما أحسب بالإجازة لذلك، على غير ضرورة، الآية والآيتين، لمعنى الدرس بذكرا، أو فتح على أخيه، ولا يتعمّد القراءة إلا على طهارة. وفي بعض قولهم: إجازة ذلك إلى سبع آيات ونحو ذلك، وأرخص ما يخرج من قول من قراءة القرآن، على غير طهارة، إذا لم يفتتح بعد السورة ولم يختمها، ويقرأ ما بين ذلك، وأمّا حمل المصحف، فلا يخرج عندي من قولهم بمنزلة القراءة، ولا أعلم في قولهم، نهيا عن ذلك، إلا الجنب والحائض، وأن يدخلا به الخلاء. ويعجبني أن ينزّه المصحف عن حمله أو مسّه منزلة قراءة القرآن، للقول الذي قيل به من تأوّل ذلك؛ لأنّه لا يمسّه إلا المطهّرون الكتاب المكنون. فإذا ثبت في معنى ذلك، كان في معنى مسّه من الأرض، كمسّه من السماء، ولا يجب أن يكون إلا متطهّرا، والله أعلم.
مسألة: وجدتها في كتاب التاج: ومن جامع أبي محمّد: واختلفوا في التعاويذ من القرآن: تكون في الرجل والمرأة، ثمّ يجنب الرجل وتحيض المرأة، فرخّص فيه بعض الفقهاء، وشدّد فيه آخرون. (1/69)
صفحة 70
فصل منع الجنب والحائض والمشرك الدخول في المساجد وقراءة القرآن
من كتاب ابن جعفر: والجنب والحائض والمشرك، لا يدخلون المساجد، ولو دخلها أحدهم لم يفسدها. وكذلك المصلّيات. فإن كان الجنب مريضا في المسجد، أو شيء له فيه، ولابد له من أخذه؟ فإن فعل ذلك، لم أر عليه بأسا. وإن تيمّم ثمّ قضي حاجته في المسجد، فهو عندي أحوط.
ومن غيره قال: وقد قيل: لا يدخله إلا متوضّئا، إذا لم يجد الماء هو كان الماء فيه. وقد قيل: إنّ الجنب فيه أيضا، فيخرج منه. فإن لم يمكنه لعلّة؟ فقال من قال: يتيمّم ويقعد. وقال من قال: ليس عليه تيمّم. (1/70)
صفحة 71
فإذا خرج منه، فلا يرجع يدخله، إلا بعد الغسل والتيمّم. (رجع). وكذلك لا يقرأ القرآن إلا آية أو بعضها، ولا يحمل المصحف، وإن حمله بستره الذي يعلق به، فلا بأس.
ومن غيره: الذي عرفت أنّ قراءة القرآن، على غير وضوء، فيه اختلاف كثير. وأرخص ما عرفت، أنّه يخرج في بعض معاني الروايات. وأحسب عن النبيّ (ص) أنّه قال: «اقرأ القرآن بآية حالة شئت إلا جنبا». وبأيّ حالة كنت فيها إلا جنبا، وأدخل المسجد في أيّ حالة شئت إلا جنبا، واجعل المصحف في أيّ حالة شئت إلا جنبا. وكان معنى الرواية، أنّه يدلّ على إطلاق هذا للإنسان، إذا لم يكن جنبا. ومعي: إنّه قد قال من قال: ما لم يكن على طهر تام، ووضوء تام، كالوضوء للصلاة، فهو بمنزلة المحدث. وهذه أنزه ما عرفت، والله أعلم. وعرفت أنّ الحائض والنفساء والجنب، لهم أن يقرؤوا الآية أو بعضها. (1/71)
صفحة 72
ولعلّه الآيتين يستأنس بذلك عن الوحشة. وكذلك عند طلب ما يلزمه علمه، وأن يتلوه بغير تحريك اللسان.
مسألة: ومنه: وقيل: كره أبو عثمان أن يقرأ الرجل، وعليه الثوب الجنب.
مسألة: وفي جواب عزان بن الصقر: وعن الرجل الجنب. هل يكتب بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لا. وقد قيل: إنّ الكتاب ليس بكلام، ما لم يتكلّم، فلا بأس بالكتاب.
ومن كتاب الأشراف: واختلفوا في دخول الجنب المسجد: فقال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا، عندي يشبه الاتفاق من ذلك، أنّه لا يدخل الجنب المسجد، إلا لمعنى ضرورة، فإن اضطرّ إلى ذلك، مسافر كان أو مقيما، فليتيمّم وليدخل المسجد، ذلك في معاني قولهم. وإن لم يمكنه التيمّم في حال الضرورة، جاز له الدخول، لثبوت الضرورة. (1/72)
صفحة 73
وأمّا إن أجنب في المسجد؟ فمعي، أنّه من بعض قولهم: إنّه لا بأس عليه، أن يتمّ نومه أو قعوده، فإذا خرج من المسجد، فلا يدخله إلا متطهّرا أو ضرورة على ما مضى من القول. ومن بعض قولهم: يقعد في المسجد، ولو أجنب فيه إلا لضرورة، فإن أوجب ذلك، فمنهم من يرى عليه التيمّم، ومنهم من لا يرى عليه، وكذلك في جوازه في المسجد، خارجا وقد أجنب فيه، أحسب أنّ منهم من يوجب عليه التيمّم، ولا يختار فيه إلا متيمّما، ومنهم من رخّص له في ذلك، ولم ير الخروج منه، كالدخول فيه، والحائض والجنب يشبهان معنى المشرك في معنى التطهير، وقد قال الله تبارك وتعالى: {إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} فثبت بمعنى هذا مع أصحابنا، أنّه لا يقرب المسجد الحرام، ولا المساجد الأخرى كلّها، ولا يدخلونها إلا باستدلال من كتاب الله. كذلك الحائض والجنب، يشبهان هذا في معاني قراءة القرآن، ودخول المساجد، إلا لمعنى الضرورة. (1/73)
صفحة 74
مسألة: أحسب أنّ أبا إبراهيم: وسألته عن رجل تصيبه الجنابة، وهو في المسجد. كيف يصنع؟ قال: يكون في مكانه، إلى أن يبرز بغسل، فإن خرج من المسجد، وأراد الدخول فيه، قبل أن يغسل تيمّم ودخل، ويكره أن يكون الثوب الجنب في المسجد.
مسألة: من كتاب جوابات أبي سعيد –رحمه الله- عن الرجل إذا أحدث من بول أو غائط. هل له أن يأكل قبل أن يستنجي؟ قال: معي، أنّ له ذلك، ويكره له أن يقعد بغير تطهّر لطعام أو غيره، حتّى يتطهّر إذا أمكنه ذلك. قلت: فهل له أن يدخل المسجد، قبل أن يستنجي، أم هو مثل الجنب؟ قال: إنّه يكره له أن يدخل المسجد إلا متطهّرا، إن أمكنه ذلك، (1/74)
صفحة 75
وليس هو كالجنب عندي، ولا الحائض لا النفساء.
قلت له: فإن كان دخوله متعمّدا، بعد أن علم بالكراهية في ذلك. هل يكون آثما؟ قال: معي، لا يكون متعمّدا لمخالفة قول المسلمين ف ذلك.
مسألة: ومنه: أخذت معناها، والذي أصابه جرح، فلم يقر دمه. هل له أن يقرأ القرآن؟ فإذا كان الدم مسترسلا، فبعض يرى عليه الوضوء ولا يتيمّم، وبعض يرى عليه الوضوء والتيمّم.
ومن جواب الشّيخ ناصر بن خميس –رحمه الله-: ومن جزء الطهارات، من منهج الطالبين، وبلاغ الراغبين، وفي دخول الجنب المسجد اختلاف، بعض لم يجزه، وبعض كرهه. والأكثر على جوازه، وإلى هذا يذهب أبو محمّد –رحمه الله-. أيجوز العمل بهذا، على هذه الصفة أم لا؟ (1/75)
صفحة 76
الجواب: وبالله التوفيق، يجوز ذلك على هذا القول، والله أعلم.
ومنه: ما يقول شيخنا في الجنب، أواسع له قراءة القرآن العظيم، بقلبه إذا لم يحرّم بذلك لسانه. وإذا أراد بذلك العبادة لله –عزّ وجلّ- على هذه الصفة أم لا؟
الجواب: وبالله التوفيق، واسع له ذلك عنده، على هذه الصفة، والله أعلم. (1/76)
صفحة 77
فصل: في عرق الجنب وريقه ورطوباته وما مس من شيء
ومن جامع ابن جعفر: ولا بأس بعرق الجنب والحائض، وما مسّاه من رطب، ما لم يكن في أيديهما شيء من الأذى، ولا بأس بسؤرهما، من الوضوء والشراب للوضوء وللشراب، إلا أنّه كره من كره سؤر الحائض، من الوضوء للوضوء، فأمّا الشرب فلا بأس. قال محمّد بن المسبح: كلّه واحد الوضوء والشراب، ذلك لما جاء عن رسول الله (ص) إذا قال لعائشة –عليها السلام-: تناولي الحمرة من المصلّى. قالت: إنّي حائض. فقال: ليست بيدك الحيضة، فلا بأس بها، لعلّه أراد الحيضة. فأرجو أن يوجد كذلك.
ومن كتاب الشرح: وأمّا قوله: لا بأس بعرق الجنب والحائض، وما مسّاه من رطب، (1/77)
صفحة 78
ما لم يكن في أيديهما شيء من الأذى، الذي ذكره من عرق الجنب والحائض، هو عندنا كما قال؛ لأنّهما طاهران، وأنّ النجاسة منهما في موضعهما ومحلّها، وسائر بدن الجنب والحائض طاهر.
مسألة: ومنه: أعني كتابات جواب الشّيخ أبي سعيد –رحمه الله-، وسئل عن رجل. هل يجوز له أن يقرأ كتب العلم والرواية والأخبار وسائر الكتب كلّها وينسخها ويمسّها؟ قال: معي، أنّ ذلك جائز، سوى المصحف وقراءته ومسّه، فلا يجوز الجنب والحائض قراءته ولا مسّه.
قلت له: فيجوز للإنسان أن يقرأ القرآن، وهو في جوف الماء متعرّيا، لا ثياب عليه. قال: معي، أنّه قيل: المتعرّي لا يجوز له، ويكره له أن يتكلّم إلا بمعنى، يكون الكلام أحسن من السكوت.
قلت له: فما العلّة في كراهية الكلام للمتوضّئ؟ قال: معي، أنّه قيل: إذا كان الإنسان متعرّيا، أغضى عنه المكان، ولا ينظرا منه حياء من الله. (1/78)
صفحة 79
فإذا تكلّم الإنسان، وهو متعرّ التفت إليه الملكان، فيكره الكلام من هذا الوجه، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: ولا بأس بعرق الجنب والحائض، وما مسّاه من رطب أو يابس، ما لم يكن في أيديهما شيء من الأذى، ولا بأس بنسورهما في الوضوء والشراب، وقد روي عن النبيّ (ص) أنّه قال لعائشة: ناوليني الحمرة. فقالت: إنّي حائض. قال: فليست الحيضة في كفك، وكان يناوم الحائض من غير جماع، فرخّص ما فوق الأزار، ويقول غير الفرج.
ومن كتاب المعتبر ومن جامع ابن جعفر: ولا بأس بعرق الجنب والحائض، وما مسّاه من الرطب، ما لم يكن في أيديهما شيء من الأذى.
ومن غيره: عندي أنّه يخرج في معنى الاتفاق، من قول أصحابنا، وأرجو أنّه من قول قومنا. (1/79)
صفحة 80
إن عرق الجنب والحائض وريقهما، وجميع ما مسّهما من الرطوبة، أو مسّاه وما خرج من أنفهما، وجميع ما كان يخرج منهما، أنّه لا فرق بينه وبين الطاهر في ذلك، من الرجال والنساء. أنّ ذلك منهما كلّه طاهر، إلا ما مسّ منه ذلك شيئا، من موضع الأذى من النجاسة، من دم أو جنابة. وكذلك سؤرها من الماء والطعام من شرابهما ووضوئهما، يخرج عندي في معاني الاتفاق، أنّه طاهر جائز للشراب منه، والوضوء والاغتسال إلا سور الحائض من الوضوء، عند الاستنجاء والغسل. فمعي: إنّه قد كره من كره من فضل وضوئهما، من هذا الوجه، لا من شرابهما للوضوء والغسل، ولم يكن يكره للشرب، وغير ذلك من الطهارات، ولا معنى عندي لذلك، ولا فرق بين ذلك في الوضوء ولا غيره، ولا يخرج ذلك عندي، إلا على وجه التنزّه. ويخرج ذلك عندي، إذا كانت تتوضّأ وتستنجي من الإناء، وهي حائض لم تطهّر، أنّها لا تطهّر في حين ذلك، ولو توضّأت ما دامت حائضا، وأمّا إذا طهرت، كانت هي والجنب سواء. (1/80)
صفحة 81
ومعي: بمنزلة واحدة، يطهّرهما الماء ويتساويان في جميع الأحوال، وإذا لحقهما في هذا المعنى، وفي هذا الفصل، كراهية سورهما من الوضوء والغسل، كان الجنب عندي مثلها، ومشبها لها، ولكنّه إنّما يشبه عندي، أن تخالفه في هذا الفصل، ما دامت حائضا لم تطهّر لهذا المعنى. وكذلك يخرج في ظاهر اللفظ، أنّها حائض؛ لأنّها في معنى اللغة، إذا طهرت لا تسمّى حائضا، ولكنّها طاهرة من الحيض، ويكاد يخرج معنى استنجائها ووضوئها، ما دامت حائضا إلى معنى الكدرة؛ لأنّها لا يخرج لذلك لها طهارة، ولا نقصد فيه إلى تطهير لقصدها إلى ذلك، إذا طهرت، فإن اشتبه معنى كراهية عندي، فلهذا الوجه، ولكنّه إذا ثبت في الكراهية منه لهذا الوجه، ثبت كلّ شيء من الوضوء والشراب وغير ذلك من الطهارات. وإن أفرده مفرد في معنى الوضوء للصلاة، فليس ذلك عندي ببعيد، لتعظيم أمر الصلاة، وقد يأتي في معاني أمر الصلاة، في أمر التنزّه وتعظيمها، ما لا يأتي في الأكل والشرب، وسائر ذلك من غير وجه. (1/81)
صفحة 82
وقد روي عن أبي علي موسى بن علي –رحمه الله- أنّه دعاه ذمي إلى طعام، أحسب أنّه قيل: من الرطوبات الأطبخة وغير ذلك. فمعي: إنّه قيل: استحيا منه أن يرده. وأحسب أنّه قيل: كان جارا له وكره إلا يأكل من طعامه. ويخرج عندي على التنزّه، لا على التنجّس؛ لأنّه لو تنجّس به معنا، لم يستح منه فيما يرى أنّه لا يسعه. وقد بلغنا أنّه قال لأصحابه: وقد اتبعه فيما أحسب، هو وأصحابه، كلوا واتقوا ثيابكم. يخرج في معاني تأويل الحديث، أنّه أراد بالاتقاء عن الثياب، لمعنى الصلاة وإسحاره* في معنى الأكل، فأمر الصلاة والطهارة، لها قد يأتي على أمرها، ما لا يأتي في غيرها. وأمّا تناول الحائض من المصلّى، الشيء من غير أن تدخله؟ فمعي، أنّه يخرج في معاني قول أصحابنا في ذلك اختلافا: فمعي، أنّ بعضهم كره لها ذلك، لثبوت منعها أن تدخله. وينبغي أن ينزّه المصلّي وهواه، ولا دخول يدها منه، أنّها قد دخلته. ومعي: إنّ بعضا لم ير به بأسا، أن تتناول الشيء من المصلّى والمسجد، فنجعله فيه. (1/82)
صفحة 83
أو يأخذه من غير أن يمسّها، أعني المصلّى والمسجد، ولا يمسّها من يدها، إلا إدخال يدها في هواهما، فإن ثبت هذا عن النبيّ (ص) أنّه أجازه، فهو أولى ممّا عمل به وأخذ به، وأمّا غسل المرأة وزوجها بالإناء الواحد، فلا معنى يدل على منع ذلك، بل ذلك خارج في معنى الاتفاق، أي أنّه جائز من وجه، كان غسلهما كليهما من جنابة، أو هي من حيض، وهو من جنابة؛ لأنّهما معنى واحد، إذا كانت قد طهرت من الحيض؛ ولأنّهما لا معنى يمنعهما عن التبرّج لبعضهما بعض، إلا من معنى حسن الخلق والتنزّه.
مسألة: والجنب يستاك، وكره من كره لأجل حرس الأسنان. (1/83)
صفحة 84
باب في فعل الجنب وهو جنب من أكل وشرب ونوم قبل الاغتسال ومعاني ذلك
وسألته عن الجنب. هل يجوز له أن يأكل قبل أن يغتسل؟ فقال: قال محمّد بن محبوب: يغسل كفّيه ويمضمض فاه، ثمّ يأكل. فإن كان فعل ذلك، لم يكن عليه خلال، وإن لم يمضمض، لم أر عليه بأسا، ويتخلّل. فإن غسل كفّيه وتمضمض قبل أن يريق البول ثمّ أكل؟ فعليه أن يتخلّل إن خرج منه شيء بعد أن أكل، وإن لم يخرج منه شيء؟ فليس عليه خلال.
مسألة: وسألته عن رجل افتضى وهو جنب. هل عليه شيء؟ قال: يتقّي أن يصيب ثوبه نصيب. وكان محمّد بن محبوب، إذا أراد أن يصلّي ويقتضي غسل ذلك الموضع بالماء، ثمّ فعل ما يريد. (1/84)
صفحة 85
مسألة: وعن الجنب والحائض. هل يجوز له أن يحمل المصحف بسيره؟ وهل يجوز له أن يقرأ في نفسه، ولا يحرّك به لسانه؟ قال أبو المؤثر: نعم، يجوز له ذلك، وأرى أن يحمل المصحف بسيره.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: ثبت أنّ رسول الله (ص) كان إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضّأ وضوء الصلاة، وكان ابن عمر، إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب، توضّأ وضوء الصلاة، إلا غسل قدميه. وقال أصحاب الرأي: إن شاء توضّأ وإن شاء لم يفعل. قال أبو سعيد: قيل هذا. ولا يخرج هذا عندي، في معنى اللزوم؛ لأنّه لا معنى يدل على ذلك. وإنّما يخرج عندي على معنى التطوّع والفضيلة، (1/85)
صفحة 86
أنّ النوم على الطهارة أفضل من النوم على غير الطهارة، وإزالة النجاسات. وإن لم يغتسل معنا من الطهارة، من النجاسات المعنية؟ ولا أجد معنى يدلّ على ثبوت الوضوء للنوم، ولا للأكل والشرب، إذا تمضمض للأكل وأراق البول، إلا أنّه من وجه إذا لم يتمضمض، فأكل ودخل شيء من الطعام، بين شيء من أضراسه، أو فيه، ثمّ غسل، وهو كذلك أنّ عليه بعد خروجه غسل ذلك الموضع، فهذا موضع الفائدة بمعنى اللزوم، وما عدى فضيلة عندي.
مسألة: ومن غير كتاب الأشراف: وسألته عن الجنب: هل ينام قبل أن يتوضّأ لحال البرء والكسل، فأخبره أنا لم نجد في ذلك رخصة. وأنا عاتب على نفسي في ذلك، فاسأل الله أن يعفو عنّي ويوفّقني للذي هو خير.
ومن جامع أبي الحسن: وإن أكل الجنب وشرب قبل أن يغتسل؟ (1/86)
صفحة 87
فلا بأس وإن نام. وقد روي ابن عبّاس لعلّه ابن عمر: سأل النبيّ (ص) عن الجنب ينام قبل أن يغتسل. فقال له: اغسل رأس ذكرك ونم. والذي يأمر بالوضوء قبل الأكل والبروز والدوم، أمره استحبابا؛ لأنّه أعقب ذلك بقوله، وإن فعل فأكل ونام، فلا بأس عليه، ويستحبّ له أن يتوضّأ، فإن لم يتوضّأ غسل فاهه وحده، فأكل ونام، فلا بأس عليه. وإن غسل فاهه، ثمّ أكل، لم يلزمه إخلاله، وإن أكل قبل أن يغسل فاهه، فإنّه يأمره أن يخلّل فاهه.
مسألة: من كتاب الشرح: إنّ الجنب لا يأكل ولا يشرب، ولا ينام للنعاس، ولا يخرج إلى الناس، حتّى يتوضّأ وضوء الصلاة، فإن فعل ذلك قبل أن يتوضّأ، فلا ينبغي له، ولا نرى عليه شيئا. فهذا عندي أنّه قاله عن طريق الاستحباب والاستحسان؛ لأنّ النبيّ (ص) كان يغسل غسلا واحدا من الطوف على نسائه. (1/87)
صفحة 88
وقد كان من الصحابة من يخرج إلى الجهاد، وإلى الحرب، فقتل وهو جنب.
ومن كتاب معروض على الفضل بن الحواري: قال أبو عبد الله محمّد ابن محبوب: جاء الخبر أنّ رجلا كان في منزله في المدينة، ثمّ سمع ميعة* قتال المشركين والمسلمين في أحد، فخرج حتّى انتهى إليهم. فلم يزل يضارب بسيفه، حتّى قتل فرأى رسول الله (ص) الملائكة تغسله، فقال رسول الله (ص): أرى صاحبكم تغسله الملائكة. فاسألوا أهله عن حاله. فسألوا أهله فقالوا: إنّه كان جنبا سمع هيعة القتال، فخرج وهو جنب، وفي هذا المعنى أخبار كثيرة. قال المصنّف: وجدت في كتاب الإمامة، أنّ غسيل الملائكة لحنظلة بن عامر، قال النبيّ (ص): «رأيت الملائكة يغسلونه وآخرون يسترونه». وفي الرواية عنه –عليه الصلاة والسلام- عن طريق أبي هريرة، أنّه قال: لقيت النبيّ (ص) فمدّ يده ليصافحني فقبضت يدي عنه. قلت: يا رسول الله إنّي جنب. (1/88)
صفحة 89
فقال (ص): المؤمن لا ينجس حيّا ولا ميّتا. وأيضا، فإنّ النبيّ (ص) لم ينكر على أبي هريرة الخروج وهو جنب، والسلام عليه، وهو المعلّم لأمّته، ما ذهب عليهم من واجب أو أدب، فهذا يدلّ على جواز خروج الجنب، ولقاء الناس والكلام والنوم قبل الاغتسال، والله أعلم.
مسألة: سألت أبا عبد الله محمّد بن محبوب: عن رجل أصاب من أهله، فأراد أن ينام ولم يتوضّأ، وأراد أن يأكل ويشرب ولم يتوضّأ، أو أراد أن يجامع أهله، ولم يتوضّأ. أله ذلك؟ أم حتّى يتوضّأ وضوء الصلاة؟ قال: إذا أراد أن يأكل فليمضمض فاهه، ويأكل ويشرب، فلا بأس عليه، إن نام أو راجع ولم يتوضّأ.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقيل: الجنب لا يأكل ولا يشرب ولا ينام للنعاس، ولا يخرج إلى الناس، حتّى يتوضّأ وضوء الصلاة. (1/89)
صفحة 90
فإن فعل ذلك قبل أن يتوضّأ، فلا ينبغي له ولا نرى عليه بأسا، فإن غسل فاهه وحده، ثمّ أكل أو شرب، فجائز إن شاء الله. قال محمّد بن المسبح: جائز ويكره.
ومن غيره: معي، أنّ كلّه يخرج في معنى الأدب، لا في معنى اللزوم، ولا يخرج عندي في هذا كلّه، معنى فائدة في اللزوم، إلا في الأكل، إلا إذا كان قبل أن يمضمض. فإن خاف أن يعلّق في فيه، شيء يحول بينه وبين الغسل، بين أضراسه؟ فإنّه قيل: لو أنّه أكل قبل أن يمضمض فاه، ثمّ غسل بعد ذلك، ثمّ دخل بين أضراسه، أو شيء من فيه من الطعام، يخرج في الاعتبار، أنّه يحول بين المواضع، وبين الغسل، ولا يصله الماء، وكان ذلك مقدار ظفر؟ إنّ عليه غسل ذلك، وكذلك إعادة الصلاة، ولعلّة هذا، قد يخرج أنّ عليه إعادة غسله، والوضوء للصلاة، ولعلّه يخرج أنّ عليه الإعادة على هذا الوجه، كان قليلا أو كثيرا، إذا كان يحول بين الموضع وبين الماء. ومعي: إنّه قيل: إنّ لا إعادة عليه، إذا لم يعلم بذلك، أنّه كان فيه، كان قليلا أو كثيرا، إذا كان في الفم. (1/90)
صفحة 91
أي بمعنى الترخيص في المضمضة والاستنشاق على النسيان، ذلك أنّه في بعض القول: إنّه لو نسي الجنب، بعض المضمضة والاستنشاق، في بعض غسله، حتّى صلّى أنّه لا إعادة عليه في صلاته. ومعي: إنّه لو أكل، ثمّ لم يتمضمض فاه، حتّى جامع أو حتّى أصابته الجنابة، فهو سواء. وعلى ما وصفت لك، في معنى ما بقي في فيه، ممّا يمول بينه وبين الماء عند الغسل. وكذلك لو غسل فاهه، ولم يتخلّل من بعد أكله، أو يتخلّل فلم ينق فاهه، حتّى غسله، ثمّ خرج منه ما وصفت لك، فهو على حسب ما ذكرت لك. وكذلك يخرج عندي بهذا الحسب، أن لو تمضمض الجنب فاهه، ولم يكن أراق البول، ثمّ أكل ثمّ أراق البول بعد ذلك، وغسل وكان باقيا هنالك شيء على ما وصفت، ثمّ خرج منه شيء، أو استحال إلى حال يجب عليه الغسل، بمعنى أن لو لم يبل، وغسل فاهه يلزمه في هذا المعنى، إذا كان أكل سد* المضمضة، قبل إراقة البول، ما يلزمه أن لو أكل قبل أن يمضمض، لو كان أراق البول، أو لم يرق البول، فافهم هذا الفصل وما يخرج في معناه من الفائدة في الفقه. أمّا الشرب، فلا يخرج معناه عندي في الشرب، قبل المضمضة من وجه الأدب. وقد قيل: إنّ الأكل والشرب قبل الغسل من الجنابة، ما يورث النسيان، (1/91)
صفحة 92
أو ممّا يخاف من النسيان، فهذا في معنى الأدب، وممّا يخرج في الفلسفة والطب، على معنى الفقه في الدين. وأمّا النوم، قبل التطهير، فيخرج عندي من التقصير في المبالغة في الطهارة؛ لأنّه ممّا جاء في الحكمة في المبالغة في الطهارة، أن يؤمر المؤمن أن لا يبيت ولا ينام، إلا متطهّرا متوضّئا وضوء الصلاة، فإذا كان يؤمر ألا ينام إلا متطهّرا، فأحرى وأجدر أن يؤمر أن لا ينام جنبا؛ لأن الجنب أشدّ من غيره، ممّن ليس بطاهر متوضّئ وضوء الصلاة، ويؤمر المؤمن أن ينام متوضّئا وضوء الصلاة، وقد قيل: من نام طاهرا فمات، كان شهيدا ووجبت له معنى الشهادة، وذلك المؤمن، ولا يكون خير ولا فضل، إلا بفضل الله للمؤمن لا لغيره، في يقظة ولا في نوم في غسل ولا في غيره، وأمّا حديثه للناس وخروجه إليهم، هو جنب غير متطهّر؟ فذلك عندي: إذا أمكنه التطهّر، فلم يتطهّر لغير معنى يعرض له تقصير في الفضل. وقد قيل: إنّ التطهّر من العادة، ولو لم يرد بالتطهير شيئا من النسك. (1/92)
صفحة 93
إلا أنّ نفس التطهّر، كان التطهّر نفسه عبادة وطاعة، إذا أريد به الله. وأحسب أنّه قيل: ما دام المؤمن على وضوئه، أو طهارته في عبادة، صلّى أم لم يصلّي، قرأ أو لم يقرأ، فتركه الطهارة تركا منه، أفضل العبادة، إذا كانت الطهارة عبادة، فهذا ولو لم يكن جنبا. فإذا كان جنبا، فأحرى أن يكون أولى به التطهّر، فهذا من الفضائل والوسائل، ليس من معنى اللوازم. ومعي: إنّه قد يروى عن بعض فقهاء المسلمين، أنّه سئل عن النوم جنب. فكان في جوابه: إنّا نعاتب أنفسنا في ذلك المعنى فيه، أنّه يفعل ذلك وينام جنبا، ويعاتب نفسه في ذلك، وهو كذلك عندنا. وحال الطهارة فضل، ومن قصر في الفضل، لم يكن كمن نال الفضل، ولا يلحق في معناه، إلا أن يكون له معنى أفضل منه في تركه، والاشتغال بغيره، ذلك الذي هو أفضل منه في حاله ذلك؛ لأنّه تعرّض ما أفضل منه في تركه والاشتغال بغيره. ذلك الذي هو أفضل منه في حاله ذلك؛ لأنّه تعرّض ما أفضل منه وأوجب منه. فعلى هذا ونحوه، تخرج هذه المعاني عندنا. (1/93)
صفحة 94
قال غيره: نعم. إلا أن يكون له عذر، عني الجنب وغيره من برد مضر، أو خوف، أو ما يشبه ذلك، ومتى عاقه سبب له فيه عذر، أحببنا له التيمّم، حتّى يمكنه الغسل، والله أعلم. (1/94)
صفحة 95
باب فيمن ترك شيئا من بدنه أو علّق به شيء وفي صلاة من ترك الغسل من الجنابة ومعاني ذلك
ومن جامع ابن جعفر: وإن كان قد علق على شيء من بدن الجنب، قارا أو غيره، ممّا يلزق به، حتّى يحول بين الماء وبين ذلك الموضع، قلع ذلك وغسل موضعه، وأعاد الصلاة إن صلّي. وإن كان الذي لزق رقيقا، بقدر ما يصل الماء إلى ذلك الموضع، فلا بأس. وفي بعض الآثار: إنّه كان لزقا، أنّ من ظفر فلا بأس، والرأي الأوّل أحبّ إليّ. وفي نسخة قلت: فإن كانت سفطة سمك وقدم الجنابة أو توضّأ للصلاة وصلّي ثمّ وجدها. أعليه بأس في صلاته أم لا؟ قال: إن كان جنبا غسل موضعها. وإن لم يكن جنبا، فلا بأس عليه. قلت: فإن علم قبل الصلاة، وقد كان جنبا، أو توضّأ للصلاة. (1/95)
صفحة 96
قال: يغسل بعضها ويبدّل صلاته. قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: إن كان موضع القار والقسط، أقل من الظفر وغسله، فلا نقض عليه في صلاته، كان جنبا أو غيره.
مسألة: ومن غيره: وعن رجل يكون في فمه دم أو تصيبه الجنابة، ثمّ يغتسل ويتوضّأ، ثمّ بعد الصلاة يخرج من بين أضراسه لفظه من المسواك، أو من الطعام؟ ولعلّها أن تكون نجسة. قال أبو المؤثر: إن خرج من فيه، من بعد الغسل، أو الصلاة، مقدار ظفر، أعاد الوضوء والصلاة. وقال: وكذلك الجنب إن غسل، ثمّ نظر، فإذا في بدنه موضع مقدار الدراهم، لم يمسّه الماء. قال: يعيد الغسل كلّه.
ومن غيره قال: وقد قيل: إنّما عليه أن يغسل* ذلك الموضع ويصلّي. وقال من قال: يغسل ذلك الموضع، ويتوضّأ ويعيد الصلاة. وقال من قال: يعيد ذلك وحده، ما لم يجف الغسل. وقال من قال: عليه إعادة الغسل والوضوء. (1/96)
صفحة 97
ومن غيره قال: إذا غسل وبقي شيء لم ينظّفه، من الجنابة، فعليه إعادة الوضوء. وإن كان من سائر سمنة البدن، فإنّما عليه غسل ذلك الموضع.
ومن جواب: يوجد عن أبي الحواري –رحمه الله-: وعن رجل في يده جرح في موضع الوضوء، والماء يؤذيه فجنبه الماء لا يغسله. هل يجوز له ذلك؟ نعم، يجوز له ذلك، إذا كان الماء يضرّه، عليه أن يغسل ما جاوزه، ولا يمسّه الماء. وكذلك الجبائر إذا كانت جارحة تامّة، لا يمكنه أن يغسلها كلّها؟ غسل سائر ذلك البدن، وتيمّم بالصعيد لتلك الجارحة، إذا كان جنبا، وإن لم يكن جنبا؟ فكذلك يغسل سائر الجوارح، وتيمّم لتلك الجارحة للوضوء. وسألت أبا الحسن –رحمه الله- عمّن كان في يده جرح، لا يقدر أن يمسّ الماء، وأصابته الجنابة. كيف القول في ذلك؟ قال: إن كان الجرح في حدود الوضوء، غسل سائر جسده. وإن كان يأتي الجرح على الجارحة، تيمّم وصلّى. (1/97)
صفحة 98
وإن كان لا يأتي على الجارحة. فليس عليه تيمّم ويغسل ما أمكنه وتوضّأ ما أمكنه ويصلّي. وإن كان الجرح في غير موضع الوضوء؟ فيغسل ما أمكنه ويصلّي ولا تيمّم عليه، ولو أتى على موضع يكون أكثر من جارحة، ولا تيمّم عليه، إلا أن يكون في حدود الوضوء، ويأتي على جارحة تامّة. وعنه وفي موضع آخر: إنّه إذا كان الجرح أو الجارحة، في غير مواضع الوضوء، كان يأتي على قدر مثل جارحة من جوارح الوضوء، كان عليه التيمّم، وقال: إنّه أصغر جوارح الوضوء عنده. وبمثله يلزم التيمّم عنده في معنى قوله هذا، في الأذن؛ لأنّها من جوارح الوضوء في معنى قوله. (1/98)
صفحة 99
فصل: في صلاة من ترك الغسل من الجنابة وصيامه
وعن رجل وطئ زوجته، حتّى التقى الختانان، ولم يغسل هو ولا المرأة وذلك؛ لأنّه لم ينزل الماء الذي يجب به الغسل، حتّى مضت صلاته. هل عليه كفّارة؟ فعلى ما وصفت، فلا يسعهم جهل ذلك، وعليهم الغسل وإعادة الصلاة والكفّارة، وهذا ممّا لا يسع جهله. وقال من قال: إنّ عليهم الإعادة في ذلك، ولا كفّارة عليهم، وعذرهم بجهل ذلك، وكذلك عرفنا.
مسألة: وسألته عن الذي يجد النطفة في ثوبه، فيظنّ أنّه لم ير احتلاما، أن ليس عليه غسل، فلم يغسل وصلّى على ذلك. ما يلزمه في صلاته وصيامه إن كان صائما؟ قال: أمّا غسل الجنابة، فلا يسع جهله. وأمّا هذا إذا ظنّ هذا الظن، ولم يكن رأى الجماع، وظنّ أن ليس عليه غسل. وقال: لا عليه الغسل.
مسألة: قلت له: فمن تعمّد لشيء من بدنه، لم يغسله أقل من درهم. هل يسعه ذلك؟ قال: لا يسعه ذلك عندنا، ولا نرى عليه كفّارة، إن صلّي بذلك حتّى يكون مثل الدرهم. (1/99)
صفحة 100
فإن كان مثل الدرهم وصلّى بذلك عامدا، فعليه الكفّارة إذا فات وقت الصلاة.
مسألة: وعن رجل كان مسافرا، فأتى إلى مورد عليه زحام كثير، وكان جنبا وهو يطمع بالماء، ولا ينال من زحام الناس، ويخاف أن تطلع الشمس، حتّى وقع في يده الماء، وقد طلعت الشمس. فعلى ما وصفت، فبئس ما فعل، وكان عليه أن يتيمّم بالصعيد ويصلّي. فإذا لم يفعل ذلك، حتّى نال الماء، وطلعت الشمس، فصلاته تامّة، ولا كفّارة عليه.
مسألة: وعن رجل أصابته جنابة واغتسل، فلمّا صلّى صلوات نظر، فإذا هو في فخذه جنابة. قال: فيغسل أثر ذلك، ويبدّل صلاته التي صلاها. قال أبو سعيد: هذا يخرج عندي، أنّه إذا علم أنّ هذه النجاسة من تلك الجنابة، التي كان قد غسل منها، وأنّها متبقّية، وإذا كان كذلك، فعليه الوضوء في قول أصحابنا. وإن كان لا يعلم ممّ هذه الجنابة، ويمكن أن يكون حدثت له في نوم بعد ذلك؟ فمعي: إنّه يخرج في قول أصحابنا: إنّه يؤمر بالغسل، ويبدّل ما صلّى إلى آخر نومة تامها، أو إلى آخر وقت يمكن فيه ذلك، من حدوث الجنابة. (1/100)
صفحة 101
باب في جنابة المرأة وفي غسل المرأة من الجنابة ومعاني ذلك
قلت: فإذا أنزل زوجها الماء الدافق على فرجها، ولم يولج. أيجب عليها الغسل؟ قال: قالوا: إذا كانت ثيبا، وجب عليها الغسل.
قلت: والثيب المغتضة؟ قال: نعم.
قلت له: فإنّها هي لا تعلم أنّها يلج فيها شيء؟ قال: هكذا قالوا إذا كان ثيبا؛ لأنّها تشف.
مسألة: وجدت في الأثر: لو أنّ امرأة أخذت بأصبعها نطفة رجل، فأولجتها في فرجها، لزمها الغسل.
مسألة: ومن احتلم فأنزل الماء من امرأة أو رجل، فعليه الغسل. وإن عبثت المرأة بنفسها، أو عبث بها زوجها، فأنزلت، فإنّ الغسل يلزمها لذلك.
ومن غيره: ومن جامع ابن جعفر: وأمّا المرأة إذا رأت مثل ما يرى الرجل في نومها، حتّى قذفت، فلا غسل عليها. (1/101)
صفحة 102
مسألة: وسئل عن المرأة تحتلم وتجتنب. هل عليها الغسل؟ قال: عندي أنّ عليها الغسل. وقد قيل عن النبيّ (ص) أمرها بالغسل، وقيل غير ذلك.
ومن غيره: وعن أبي معاوية –رحمه الله- قال: اختلف الناس في ذلك: وبعض قال: ليس عليها. فبعض قال: ليس عليها. وقال: الذي أقول: أنا به إذا كانت شهوة، وظفر الماء، رأيت عليها الغسل.
ومن الجامع: وإذا عبث بها زوجها، فيما دون الفرج، أو عالجها هو أو غيره، أو عبث بنفسها، حتّى قذفت الماء الدافق، فإنّ الغسل عليها.
ومن غيره: ويوجد إلا غسل عليها، إلا من جماع أن يولج، أو تكون ثيبا، فيصب الماء على فرجها.
ومن غيره: إن عبثت المرأة بنفسها، أو عبث بها زوجها، فأنزلت الماء، فإنّ الغسل يلزمها لذلك. (1/102)
صفحة 103
وكذلك الرجل إذا عبث بنفسه فأنزل، لزمه الغسل.
مسألة: وقال أبو الحسن: فيما يوجد عنه، أنّه إذا تعرّض الرجل لزوجته، فيما دون الوطء، فوجدت المرأة بللا. فإن كان في تعرّض زوجها بها ووطئه إيّاها في سائر جسدها، أو فرّق فرجها، ووجدت الشهوة منها، وقذفت الماء الدافق، لزمها الغسل. وإن لم تقذف الماء الدافق، لم يلزمها الغسل من ذلك البلل، أمّا إذا نزل الماء الدافق، كان ذلك الماء في ظاهر الفرج، أو ما لنه* الغسل فعليها الغسل.
مسألة: وعن امرأة غسلت من جنابة، ثمّ خرج منها المني وهي نائمة قائمة أو قاعدة. قال: ليست المرأة مثل الرجل في ذلك؛ لأنّ الذي يخرج من المرأة، إنّما هو نطفة الرجل. فإنّما عليها التنظيف.
مسألة: وسألته عن رجل تزوّج صبية، ثمّ وطئها زوجها. (1/103)
صفحة 104
هل عليهما غسل؟ قال: تؤمر بفعله، وتؤخذ بفعله، وليس بفرض عليها. قال: فإن لم تغسل. هل يلزمها شيء في تركه غير الأدب؟ قال: لا.
قلت: فمن أمرها بترك الغسل. هل يكون آثما؟ قال: نعم.
مسألة: امرأة تزوّجها رجل صبي ووطئها. أيجب عليها الغسل أم لا؟ الذي أقول به: إنّ عليها الغسل، في استمتاعها به، وبالله التوفيق.
مسألة: وعن امرأة جنب، أتاها الحيض قبل أن تغسل من الجنابة. هل عليها أن تغسل قبل أن تطهّر من الحيض؟ قال: معي، أنّه يخرج في ذلك معنى الاختلاف: (1/104)
صفحة 105
ففي بعض القول: إنّه يلزمها ذلك، ويخرج أنّها تؤمر بذلك، ولا يلزمها، ويخرج أنّه لا يلزمها ذلك.
مسألة: عن المرأة الجنب، ترى الدم قبل أن تغسل. قال: لا تدع الغسل من الجنابة، فإنّ عليها الغسل، وإن حاضت.
مسألة: ومن جوابات أبي الحواري: وقد قالوا: إذا أنزل النطفة على فرج البكر، فلا غسل على البكر. وإن كانت ثيبا، فعليها الغسل.
ومن غيره قال: وقد قيل: الغسل كانت بكرا أو ثيبا.
مسألة: ومن كتاب المعتبر: ومعي: إنّه يخرج معاني الاختلاف، في غسل داخل فرج الثيب عليها: ففي بعض القول: إنّ عليها أن تغسل وتبالغ في غسله، ما لم يؤذي موضع الولد من الحيض والجنابة. (1/105)
صفحة 106
وفي كلّ غسل لزمها معناه، بمنزلة غسلها لسائر بدنها. ومعي: إنّ في بعض القول: إنّه إنّما عليها أن تنحى الفرج عن الجماع، إذا نزل الماء في فرجها، وليس عليها ذلك من الحيض. ويخرج معي هذا القول؛ لأنّه ليس عليها ذلك في الغسل، من أوطئ إذا لم ينزل فيها الماء الدافق، ولا من مائها هي، إذا كان ليس عليها ذلك من الحيض. فمعي: إنزالها الماء منها، هي بمنزلة الحيض، ولا فرق في ذلك عندي بينهما، في ثبوت الغسل من الحيض ونجاسته، بل قد يخرج في بعض المعاني، أنّ الحيض أشدّ ذلك، على قول من يقول: إنّها إذا أنزلت الماء الدافق، من غير جماع، أنّه لا غسل عليها، مثل الاختلاف وأشباهه. ماذا كان لا غسل منه، والغسل ثابت من الحيض، ولا استنجاء عليها بإدخال يدها في الفرج من الحيض، ممّا لا يلزمها فيه الغسل. أحرى ألا يكون عليها ذلك، وصاحب هذا القول، لا يستقيم له عندي، أن يلزمها ذلك في الجماع مع الإنزال فيها، ولا يلزمها ذلك في الحيض. (1/106)
صفحة 107
وكلّ الموضع واحد، وقد ثبت نجاسته، إن كان بمعنى النجاسة، وقد ثبت غسله، إن كان بمعنى الغسل؛ لأنّه نجس من الوجهين جميعا. فإن كان من معنى النجاسة، فهو سواء. وأنّ لعلّه كان من معنى الغسل، فهو سواء. ومعي: إنّه قد قيل: لا غسل عليها في الفرج، من حيض أو جنابة، ولعلّ صاحب هذا القول، يذهب أنّه من داخل البدن، الذي غير متعبّد بغسله، بمنزلة الدبر، ولا يبعد ذلك عندي، لمعاني الاتفاق، أنّه لا غسل عليها من حيض ولا استحاضة، إذا لم يفض الدم في خارج الفرج، وإنّما كان مكمنا في الرحم، وفي والج الفرج، وأعلم في هذا الفعل اختلافا، ولذلك لا غسل عليها في الجماع، ما لم تغب الحشفة. وكذلك لا غسل عليها، ولو وجبت الشهوة، ما لم تنزل الماء الدافق ظاهرا على الفرج. وفي المعنى: إنّه لو كان شيء خرج في معنى الجماع، ولم يظهر لم يكن من ذلك غسل ذلك، على قول من يلزمها الغسل في الاحتلام. (1/107)
صفحة 108
فما لم يفض فلا يوجب، كما لا يوجب عليها الحيض بمثله، إذا لم يفض الدم ويخرج، فكلّ هذا معي أحكام متساوية متشابهة، ولو كان الموضع خارجا من البدن، للزم حكمه في هذه الأشياء كلّها، ولم يختلف معانيها فيه.
ومنه: ولو كان الداخل من البدن، يلزم غسلها، ما أدرك منها، لكان الدبر غسله؛ لأنّه قد يدرك إدخال اليد فيه بغير مضرّة، ولا يخرج معي في هذا كلّه، إلا أحد معنيين: إمّا أن يكون عليها غسله من كلّ نجاسة، ومن كلّ غسل لازم، ويكون معناه معنى حكم الظاهر من بدنها، وإمّا أن يكون لا غسل عليها منه في شيء، من معنى نجاسة، يتنجّس بها، أو لغسل لزمها، ومعنى ثبوت غسله أحبّ إليّ. ويخرج عندي على معنى الاحتياط، في أشباه المعاني، أن لا غسل عليها فيه. أنّ ذلك بمنزلة القبل والدبر، ولو أمكنها إدخال يدها فيها؛ لأنّه لا شكّ أنّه من دواخل بدنها، وهما الفرجان. (1/108)
صفحة 109
القبل والدبر، مستويان في الأسماء والمعنى والظاهر والباطن والمدخل والمخرج، وكلاهما يجب بهما الجماع في الغسل والحد. قال الناسخ: لعلّه أراد أنّه يجب بهما في الجماع الغسل والحد، وكلاهما ينقض الوضوء، ممّا خرج منهما، إذا ثبت أنّه من دواخل بدنها، كان كلّ ماء كمن فيه، ولم يفض من موضع الجماع، خارجا من دم أو ماء صفرة أو كدرة، فليس يحدث ممّا تنقض الطهارة، بمعنى الاتفاق، أي أنّه لا يكون حيضا ولا استحاضة، إلا بخروج الدم منه خارجا، وهذا القول عندي، أشبه بمعاني الأصول، في هذا الوجه، لتساوي هذه المعاني منه واتفاقها.
في منهج الطالبين: وكلّما خرج منه وظهر، فهو ناقض للطهارة، من دم أو ماء أو صفرة أو كدرة وقيح وبيس، ولو صح أنّه من حيث خرج، تبلغ الطهارة، وأمّا ما خرج من والج فرج البكر، فهو نجس أو غيره. ولو صح أنّه من ما دخل فيه من الماء الطاهر. (1/109)
صفحة 110
وكذلك ما دخل في الدبر، من ماء طاهر أو غيره، أو في الذكر حتّى تعدّى موضع الطهارة، ثمّ خرج كان نجسا. وكذلك قيل في داخل الدبر، من فتح أو يبس أو ماء. ولو استيقن أنّه ليس من معنى الغائط، ولا من الجوف، من مواضع الطعام ولا الشراب، ولو أدرك ذلك باليد، وطهّر موضعه لكان سواء، ولا ينقله حكم ما ثبت عنه، وعن أبي بكر أحمد بن محمّد بن الحسن –رحمه الله-: في بكر تزوّجها رجل، وكان يجامعها، وإذا غسلت لم تدخل أصبعها في الفرج. قال: فكان أبو القاسم، يشدّد في ذلك، ويرى عليها البدل والكفّارة، وإن غسلت من تجد من ماء الزوج، وأمّا أبو محمّد، فإنّه أوجب عليها البدل بلا كفّارة، ولا يفسدها على زوجها فتنظر في ذلك، ارجع. (1/110)
صفحة 111
باب في التيمّم وفي صفة التيمّم وفي ضرب اليدين ومعاني ذلك
اعلم أنّ التيمّم من خصائص هذه الأمّة، التي فضّلت بها على من سواها، ذلك بدليل ما روي عن النبيّ (ص) قال: فضلنا على سائر الناس بثلاث خصال جعلت لنا الأرض مسجدا وترابها طهورا إذا لم نجد الماء. وأجمع أهل العلم، على أنّ من تطهّر بالماء، قبل دخول وقت الصلاة، أنّ طهارته كاملة. واختلفوا في الوقت الذي يجزئ المسافر، أن يتيمّم فيه، وكان الشافعي يقول لمن لم يجد الماء، أن يتيمّم في أوّل الوقت، ويصلّي وهو الصحيح من مذهبه. قال إسحاق: يتيمّم في أوّل الوقت، إذا لم يكن له طمع في وجود الماء من قريب. وفيه قول: وهو أن يتلوّم فيما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا تيمّم ويصلّي. وقال الزهري: لا يتيمّم حتّى يخاف ذهاب الوقت. قال الأوزاعي: أيّ ذلك صنع وسعه. (1/111)
صفحة 112
قال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج في معاني قول أصحابنا كلّ هذا، وإنّما يخرج معنى هذا على معاني من يقول، في تعجيل المصلّى للصلاة، إذا لم يجد الماء في أوّل وقتها، والتوسّط بها والتأخرّ فيها، ولعلّه يخرج في المعنى من الأقاويل، أنّه من يطلّق عليه معاني الصلاة عند عدم الماء، فهنالك يطلّق التيمّم بالصعيد.
ومن الكتاب: أجمع أهل العلم، على أنّ من تيمّم وصلّى، ثمّ وجد الماء قبل خروج الوقت، فكان عطاء وغيره، يقولون: يعيد الصلاة، واستحبّ الزهري ذلك، وليس بواجب، وفيه قول ثاني: فعل ذلك ابن عمر ولم يعد، به قال الشعبي وغيره، أي أنّه فرض لزمه، فغير جائز أن يوجب الإعادة بغير حجّة. قال أبو سعيد معي: إنّه كلّه يخرج في معاني قول أصحابنا، إلا قول بالإجماع، أنّه ليس عليه إعادة بعد خروج الوقت، فقد يخرج عليه، أنّ عليه الإعادة في بعض ما قيل. وأصحابنا يفرّقون في تيمّمه عن الجنابة، وتيمّمه من غير الجنابة، إذا وجد الماء في الوقت، وكلّ ذلك ممّا يختلف فيه من قولهم. (1/112)
صفحة 113
ومن الكتاب: واختلفوا في الرجل يصلّي الصلاتين، والصلوات بتيمّم واحد. قالت طائفة: يتيمّم لكلّ صلاة. وقالت طائفة: يصلّي ما لم يحدث. وفيه قول ثالث: وهو أنّه من صلّى صلوات في أوقاتها، يتيمّم لكلّ صلاة، فإذا فاتته صلوات وتيمّم، صلاها كلّها بذلك التيمّم. قال أبو سعيد معي: أكثر قول أصحابنا: إنّه لا يثبت التيمّم إلا بعد حضور وقت الصلاة، إذا عدم الماء لتلك الصلاة، فتيمّم لها، وأنّه لا يجوز معهم الصلاة، بالتيمّم على معنى حفظه، كحفظ الوضوء. وقد يوجد معنى إجازة ذلك في قولهم، ولعلّه ليس بالمعمول به. وفي بعض قولهم: إنّ في الصلوات الفائتة اختلاف. فقال من قال: يصلّيها بتيمّم واحد، في وقت واحد، ولو كثرت الأوّل قول: قال أبو سعيد: إنّه يخرج في قول أصحابنا، معنى القول الأوّل. أي أنّه لا يقرأ القرآن ولا يسجد. وقيل: لكلّ صلاة فائتة تيمّم. (1/113)
صفحة 114
وأمّا الصلوات المنتقضة، فإذا أراد أن يبدّلها في وقت واحد، صحّ ذلك. وإن كان قد صلاها، إلا أنّها انتقضت. فمعي: إنّه يخرج في معاني لعلّه القول: إنّه يجزيه تيمّم واحد، لتلك الصلوات، ولا أحسب أنّ في ذلك اختلافا، ولا يبعد عندي ثبوت حفظ التيمّم، إذا لم يجد الماء، بعد أن ثبت التيمّم عند عدم الماء؛ لأنّه يدلّ عن الوضوء. وعندي: إنّه يخرج في معاني الاتفاق، إذا وجد الماء، انتقض تيمّمه، ولو لم يحدث حدثا ينقضه.
ومن الكتاب: كان عطاء وغيره، يقولون بتيمّم لصلاة النافلة، ويتيمّم لفي أجوبه من القرآن، ويسجد سجود القرآن، وسجود الشكر. وفيه قول ثاني: وهو أن يتيمّم إلا بمكتوبة، وكره الأوزاعي، أن يمسّ المتيمّم المصحف. وبالقول: سجدة القرآن، وينسك شيئا من المناسك من صلاة نافلة ولا جنازة، ولا شيئا ممّا يقع موقع الصلاة، إلا بوضوء أو تيمّم عند عدم الماء. (1/114)
صفحة 115
إلا أن يكون شيء من ذلك يخلف فوته، إذا مضى للوضوء ويدركه إذا تيمّم ما ينقضي مثل الصلاة على الجنازة، فإنّه قيل: يتيمّم ولو كان يجد الماء إذا مضي له، أي إذا خاف فوت الصلاة على الجنازة وما أشبهها، فهو عندي مثلها. ومعي: إنّه قد اختلفوا في صلاة العيد، إذا خاف فوتها مع الإمام جماعة: فقيل: بالتيمّم لها والصلاة مع الإمام جماعة. وقيل: بالتيمّم لها والصلاة مع الإمام جائز لازم، إن لزم القيام. وقيل: لا تيمّم لها يتوضّأ ويصلّي ركعتين أفضل.
ومن الكتاب: أجمع أهل العلم، على أنّ من تيمّم كما أمر، ثمّ وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، أنّ طهارته تنتقض، وعليه أن يعيد الطهارة ويصلّي، واختلفوا فيمن تيمّم ودخل الصلاة، ثمّ وجد الماء: فقالت طائفة: يمضي في صلاته ويتمّها، ولا إعادة عليه. وقول ثان: وهو أن ينصرف ويتوضّأ ويستقبل الصلاة. وفيه قول ثالث: قاله الأوزاعي فيمن تيمّم وصلّى ركعة، ثمّ جاء إلى الماء ينصرف ويتوضّأ. (1/115)
صفحة 116
على أن يضيف إلى الركعة، إذا صلّى ركعة، فيكون متطوّعا ويستأنف المكتوبة. قال أبو سعيد: معي، أنّ في معاني قول أصحابنا: إنّه إذا وجد المتيمّم الماء، وباق عليه من صلاته شيء موحد فصاعدا، أنّ عليه أن يتوضّأ ويصلّي لثبوت الوضوء، فإنّ التيمّم إنّما هو بدل عن الوضوء، إلا أن يكن في حد، لو أخذ في الوضوء، لم يتمّه ويصلّي إلا حتّى يفوت الوقت، لذا فإنّه ليس عليه في بعض قولهم، أن يتوضّأ ويمضي على تيمّمه يصلّي. فهذا ما يخرج عندي في معاني قول أصحابنا، ولا يبعد عندي ما ذكر من معاني الاختلاف، لثبوت الحكم بالعدل، والدخول فيه.
ومنه: وقال أبو الحسن البصري: إذا تيمّم المكتوبة في أوّل الوقت، ثمّ مرّ بالماء، فلم يتوضّأ، ثمّ صار إلى مكان لا ماء به؟ أنّ عليه أن يعيد التيمّم، ولا يجزيه عن ذلك؛ لأنّه حين وصل إلى الماء، انتقضت طهارته، ولا أعلم في هذا اختلافا. قال أبو سعيد معي: إنّه هكذا في قول أصحابنا إذا أمكنه. (1/116)
صفحة 117
وإذا مرّ المسافر بماء في غير وقت الصلاة، ثمّ أدركته الصلاة. فقال الأوزاعي: وإن ظنّ حين مرّ بالماء، يدرك لعلّه ماء بين يديه، فيتيمّم حين لم يجد الماء وصلّى، فلا شيء عليه، وإن مرّ بالماء وهو يعلم أنّه لا ماء بين يديه، ثمّ أدركته الصلاة تيمّم. فإذا وجد ماء توضّأ وأعاد الصلاة، أعني ما صلّى. قال أبو سعيد: لا يدلّ على هذا في معاني قول أصحابنا.
مسألة: قال: وذكر لنا أنّ سبب التيمّم نزل في عائشة. وذلك أنّ النبيّ (ص) خرج في بعض غزواته، وأنّه حمل معه عائشة فاستعارت قلادة لأختها، تتزيّن بها، فنزل (ص) في منزل مبيت، لا ماء فيه، وتأمّلوا أن يدخلوا البلاد، ويأتوا يقول لعائشة: أشفقت على المسلمين. فلمّا حضر وقت الصلاة، ولم يدر المسلمون كيف يصنعون، إذ لا ماء معهم، فأنزل الله آية التيمّم رحمة منه ورخصة. (1/117)
صفحة 118
فتيمّم النبيّ (ص) والمسلمون وصلّوا، فلمّا فرغوا من صلاتهم وجدوا القلادة عند مناخ البعير، فعرف المسلمون فضل عائشة. وفي خبر أنّها قالت: يا رسول الله، أنسلت قلادة أسماء من عنقي. فبعث رسول الله (ص) رجلين يلتمسان فوجداها، فحضرت الصلاة، فصلياها بغير طهور، فأنزل الله تعالى: {فإن لم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا} الآية. قال أسيد: رحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه قط، إلا جعل الله فيه للمسلمين فرجا.
ومن الكتاب: وإذا تيمّم الرجل لصلاة الفريضة، فقضى به الصلاة، فليس له أن يصلّي التطوّع، حتّى يحدث له تيمّما غيره، بعد أن طلب الماء وآيس منه، كما فعل قبل ذلك لصلاة الفريضة.
ومن الكتاب: وليس للمسافر أن يتيمّم للصلاة قبل دخول وقتها، فإن تيمّم لها قبل دخل وقتها، عند عدمه الماء، أو يأسه من وجوده له، كان تيمّمه باطلا. ذلك لقول الله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة .. فإن لم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا} معناه والله أعلم، إذا أردتم القيام إلى الصلاة. (1/118)
صفحة 119
وهي الصلاة المعهودة، فليس له أن يتقدّم بالطهارة قبل دخول وقتها، على موجب الطهارة، غير أنّ الأمّة أجمعت، أنّ له أن يتقدّم بطهارة قبل دخول الوقت، فسلّم ذلك للإجماع، وتنازعوا له. هل له أن يتقدّم بالتيمّم، قبل دخول الوقت والقرآن، ودخل بعد دخول الوقت، فيحق على موجب، إلا أنّه عند التنازع، فلمّا رأينا الأمر بالآية والخطاب لها، بعد دخول الوقت، كان الواجب استعمال ذلك، في دخول وقته بالماء والصعيد، فلمّا رخّص لنا تقديم طهارة الماء، قبلنا الرخصة من الله تعالى، وعملنا بها، وبقي طهارة الصعيد على حكمها، والله أعلم. فإن تيمّم لنافلة أو لجنابة، أو لصلاة وجبت عليه، من طريق النذور، أو صلاة فائتة، تركها بنسيان أو غيره، فقد انتيت الطهارة، فإذا دخل وقت الصلاة، صار مخاطبا لها بالطهارة. فإن لم يجد الماء، أعاد التيمّم، والله أعلم. وجائز التيمّم في أوّل وقت الصلاة، أو في وسطه وآخره. (1/119)
صفحة 120
وذلك لقول الله تبارك تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة .. فإن لم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا} ولم يشترط آخر الوقت، إذا قمتم في آخر الوقت، وقد ذهب أصحابنا، إلى أنّ التيمّم في آخر وقت الصلاة، وليس له التيمّم في أوّل الوقت، لما يرجو من وجود الماء، وهذا القول الذي ذهبنا إليه، من قول بعضهم، أنظر أنّ الله عقب ما ذكر من ذكر الطهارة بالماء: {فإن لم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا} فكان من أراد القيام إلى الصلاة، وقد خوطب بفعلها عند دخول وقتها، فالواجب الطهارة بالماء. فإن لم يجد الماء يتيمّم، فليس عليه أن يؤخّرها إلى آخر وقتها، بل يجب تعجّل الصلاة، لما يلحق التأخير من الأسباب والعوائق، والمخصّص لوقت دون وقت محتاج إلى دليل، وأجمعوا أنّ الإنسان إذا كان في موضع، يعلم أنّه يصل إلى الماء، قبل خروج الوقت، أنّ عليه قصد الماء. وليس له أن يتيمّم؛ لأنّه داخل في قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة}. وهذا بقدر أن يأتي الطهارة، التي أمر بها، وهي الماء، وليس له أن يعدل إلى التراب، إذا علم أنّه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت. (1/120)
صفحة 121
ولا تنازع بين أحد من أهل العلم في ذلك.
ومن الكتاب: وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا البصريين، أنّ التيمّم لا ينقضه إلا وجود الماء والحدث، كطهارة الماء الباقية، ولعلّهم يحتجّون بقول النبيّ (ص): «التيمّم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين». فإذا وجدت الماء، فامسسه بشرتك، الله أعلم.
ومن الكتاب: والتيمّم لكلّ مسافر طال سفره أو قصر، أنّ عموم الآية وظاهرها، يوجب ذلك، وكذلك المريض إذا خاف زيادة المرض بالماء. وروي عن ابن عبّاس قال: نزلت الآية، فيمن به جراح أو قروح.
مسألة: ومن تيمّم لصلاة، فلم يصل به في الوقت، وتكلّم وجاء وذهب، فقد قيل: إنّ تطاول ذلك، أعاد تيمّمه؛ لأنّ عليه في وقت طلب الماء. فإذا لم يجد الماء تيمّم؛ لأنّ الماء يحدث في كلّ وقت. (1/121)
صفحة 122
فصل: في صفة التيمّم وما أشبه ذلك
وسئل: هل تجزئ ضربة واحدة للتيمّم للوجه واليدين؟ قيل: تجزئ ذلك. وقيل: لا يجزئ إلا للوجه ضربة ولليدين ضربة.
ومن كتاب الأشراف: واختلفوا في التيمّم: فقالت طائفة: يبلغ الوجه واليدين إلى الأنامل. وقالت طائفة: التيمّم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين، إلى الرسغين. ومنه قول رابع: وهو أنّ التيمّم ضربة واحدة للوجه والكفّين. قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا، جميع ما يشبه ما مضى من القول الأوّل، إلا قول من قال: إنّ التيمّم إلى الباط. فإنّ هذا لم أسمع به، كما أنّه لا يخرج في معاني ما يثبت من وقوع الاسم على اليدين إلى الإبطين كلّه. (1/122)
صفحة 123
وفي التسمية، ولوقوع الاسم للمسح على اليدين بلا تحديد، وأكثر قول أصحابنا، معي: إنّ التيمّم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لظاهر الكفّين إلى الرسغين.
مسألة: ومن غير الكتاب: وسألته عن الرجل إذا تيمّم للصلاة، فمسح وجهه وظاهر كفّيه، بضربة واحدة في الأرض. هل يجزيه ذلك؟ قال: معي، أنّه قد قيل ذلك. وقيل: لا يجزيه.
قلت: فإذا مسح ظاهر أصابعه، ولم يمسح ظاهر الراحتين إلى الرسغ، وجهل ذلك وصلّى. هل تتمّ صلاته؟ قال: معي، أنّه لا يتمّ تيمّمه وعليه الإعادة، ولا أعلم في ذلك اختلافا في التعمّد والجهل، إذا ترك قليلا من مواضع التيمّم، أو كثير، فكلّه سواء. (1/123)
صفحة 124
وأمّا الناسي، فمعي: إنّه قد قيل: في ذلك اختلاف: فقال من قال: إذا ترك كموضع الدرهم، فلا إعادة عليه. وقال من قال: عليه الإعادة على حال.
ومن كتاب الأشراف: ثبت أنّ رسول الله (ص) لما ضرب بيده التراب للتيمّم نفخ منها، واختلفوا في ذلك، فكان الشافعي يقول: ينفضهما. قال مالك: نفضا خفيفا. وقال الشافعي: لا بأس إن نفض منه، إذا بقي في يده غبار، ممّا بين الوجه. وقال أحمد: لا يضرّه فعل أو لم يفعل. وقال أصحاب الرأي: ينفضها. وقال ابن عمر: لا ينفض يده. وقول أحمد: حسن. وقال أبو سعيد، معي: إنّه يخرج جميع ما قال فيما يشبه قول أصحابنا، ولعلّ في بعض قل أصحابنا للتأكيد بالنفض لليدين. (1/124)
صفحة 125
وذلك عندي إذا كان في اليدين من التراب، ما يقع به الخشونة على الوجه في المسح، وباق في اليدين، ما يقع به حكم المسح من ثبوت التراب في اليدين، وقد نهى عن ذلك، بعض من نهى عليه؛ لأنّه إنّما ثبت التيمّم بالتراب، فإذا أنفضه فقد زال حكم ما أراده.
ومن الكتاب: كان الشافعي يقول: لا يجزيه إلا أن يأتي بالغبار، على ما يأتي عليه الوضوء، وجهه ويديه إلى المرفقين. وقال غيره: وهو بمنزلة مسح الرأس، يجزيه أن يصيب بعض كفّيه، أو بعض وجهه. وقال أصحاب الرأي: إن تيمّم بثلاث أصابع يجزيه، فإن تيمّم بأصبع أو أصبعين، لم يجزه. قال أبو سعيد: معي، أنّه يخرج في قول أصحابنا: إنّه لا يجزئ التيمّم إلا لعموم المسح للوجه. ذلك على معنى الوضوء؛ لأنّه يدلّ عن الوضوء، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وإذا وقع المسح عندي على الوجه عاما بالصعيد؟ (1/125)
صفحة 126
فقد ثبت معنى ذلك ممّا كان من الكف، ولعلّه لم يختلف في ذلك على ما قال، ويخرج عندي ثبوت ذلك، إذا لم يفاض، فالوجه بالمسح كما أمر الله.
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: فرض التيمّم أربع خصال: النيّة والصعيد الطيّب وضربة للوجه ضربة لليدين، والحجّة في وجوب الضربتين، وهو ما رواه عمّار بن ياسر وعبد الله ابن عمر، أنّهما قالا: تيمّمنا مع رسول الله (ص) فضربنا ضربة للوجهين وضربة لليدين.
من الكتاب: والتيمّم أن يضرب بيده على الأرض، ويفرق بين أصابعه، ولا بأس أن ينفضهما ثمّ يمسح بهما وجهه، ثمّ يضرب بهما ضربة أخرى. فيضع اليسرى على ظاهر يده اليمنى، ويمرّها على ظاهر الكف، ثمّ يعمل كف اليمنى على ظاهر كفّه الأيسر مثل ذلك. (1/126)
صفحة 127
وإن أخطأ شيئا من مواضع الوضوء، لم يصبه التراب أجزأه، وليس عليه أن ينوي بالتيمّم فريضة ولا صلاة تطوّع، ولكن ينوي به طهارة للصلاة، أو لرفع الحدث.
ومن الكتاب: وقال أهل المدينة: إذا ضرب المتيمّم بيده على الأرض أجزأه، علّق بيده شيء أو لم يعلّق، وبهذا القول عندي غلط من قال به، والدليل على ذلك قوله –جلّ ذكره-: {فتيمّموا صعيدا طيّبا} {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} منه يعني من الصعيد. وقول النبيّ (ص): «جعلت لي الأرض مسجدا وجعل ترابها طهورا «. فمن مسح بغير التراب، لم يمسح بالصعيد، نسخة بالقصد، والله أعلم.
مسألة: قال ابن الأنباري: أصل التيمّم في اللغة القصد. وقال الله تعالى: {ولا آمين البيت الحرام} فمعناه ولا قاصدين. (1/127)
صفحة 128
باب: في طلب الماء عند التيمّم وفي حد طلب الماء وفي التراب الذي يتيمّم به ومعاني ذلك
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: وإذا صار المسافر في موضع الإياس، من وجود الماء، وحضرت الصلاة، فالمأمور به أن يطلب الماء، ويجتهد في بغيته، ولابد من الطلب والملاحظة يمينا وشمالا، ويسأل أصحابه إن كان معه أناس، والطلب فريضة لقوله تعالى: {فإن لم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا} فلم يبح التيمّم إلا بعد العدم من الماء، والعدم لا يكون إلا بعد الطلب والاجتهاد، فإن جهل الطلب من إياسه، من وجود الماء، وتيمّم وصلّى. فأحرى أن تلزمه الكفّارة لتركه المفروض عليه. كذلك عدوله إلى ما سواه بغير عذر. (1/128)
صفحة 129
ولا يعذر بالتضييع لما أمره الله من طلب الماء، مع الإمكان له من الطلب، أنّ حدوث الماء في تلك الأمكنة جائز، في قدرة الله تعالى –عزّ وجل- أن يحدثه في أماكن الإياس من وجوده، إذا كان غير محال منه –جلّ وعلا-، فإذا لاحظ فلم يجد الماء، ثمّ تيمّم وصلّى، ثمّ حضرت فريضة أخرى، فإنّه يلاحظ أيضا، ويطلب أحوط له في دينه. وإن كان عهده بالملاحظة والطلب قريبا، وموضع الفريضة الثانية، هو موضع الفريضة الأولى، أو قريبا منه، ولا يجوز حدوث الماء لتلك المدّة اليسيرة، ولا يرى علامات تدلّ على حدوثه، مثل المطر أو نزول أحد في تلك الأمكنة، فأرجو أن يكون جائزا أن يتيمّم بلا ملاحظة، مع هذه الصفة، والله أعلم.
مسألة: وطلب الماء بعد دخول الوقت، شرط في صحّة التيمّم. فقال أبو حنيفة: ليس شرطا فيه الحجّة عليه قوله تعالى: {فإن لم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا}. ولا يقال: لم يجز إلا إذا طلب فلم يجد، والله أعلم. (1/129)
صفحة 130
مسألة: والمسافر إذ يسأل أصحابه عن الماء، ويراهم تيمّموا وصلّوا تيمّم هو وصلّى. فقد كان عليه أن يسألهم، فإذا لم يسألهم، فعليه بدل الصلاة في الوقت وبعد الوقت.
مسألة: ومن كان عنده قوم، فنزلوا على غير ماء، فعليه أن يسأل ويطلب الماء من القافلة. فإن لم يسأل هو عن الماء، ولم يطلب، فعليه البدل في الوقت وغير الوقت، وعليه أن يسأل ويطلب ويلاحظ الأرض.
مسألة: قال قومنا: ومن كان في سفر، احتاج إلى الماء لوضوءه، فعرض عليه. لزمه قبوله، ولم يجز له التيمّم. وقال بعض الشافعية: إنّ الرجل إذا لزمه كفّارة، ولم يكن عليه ثمن الرقبة أو ثمنها، لم يلزمه قبول ذلك الفرق بينهما، أنّه أصل الإباحة ولا فيه منه. (1/130)
صفحة 131
وكذلك قال النبيّ (ص): يشرب من الأنهار. ذلك مع كون تحريم الصدقات عليه؛ لأنّه لم يكن عليه في ذلك غضاضة، ولا تلحقه منه.
مسألة منسوبة من كتاب جوابات الشّيخ أبي سعيد –رحمه الله-: وعن مسافر غدا في الليل، ثمّ أدركه الصبح في قرية، ولم يعرف موضع الماء. أله أن يتيمّم ويسير، كان وحده أو عند جماعة؟ قال: معي، أنّه قد قيل في معنى المسافر، إذا كان جاهلا بموضع الماء، وكان يدخل عليه المشقّة في سفره، إذا غدا إلى طلب الماء والاستدلال عليه، أنّه ليس عليه أن يتعوّق عن سفره، في مثل هذا، وله أن يتيمّم ويصلّي ويمضي لسفره، وسواء ذلك كان في قرية أو غيرها؛ لأنّ المسافر أمره غير المقيم، ويدخل عليه المشاق والمضار. قلت: فإن وجد بئرا، ولم يجد دلوا. هل عليه أن يطلب من القرية، أو لجاره دلوا يستقى به؟ قال: معي، أنّه لم يلحقه في ذلك مشقّة ولا ضرر، ولا يعوقه عن سفره، وكان عليه ذلك. وإن كان يلحقه ما ذكرت، لم يكن عليه ذلك عندي. (1/131)
صفحة 132
فصل: في حد طلب الماء
ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: روينا عن ابن عمر أنّه كان في السفر، فالماء علوبين ولم تعدل إليه. وقال الأوزاعي: يثاب الماء في السفر، على علوبين في طريقه. قال أبو مالك: كما شق على المسافر، من طلب إن عدل إليه، فإن أصابه، فإنّه يجوز له التيمّم دونه. وقال إسحاق: لا يلزمه الطلب إلا في موضعه. وذكر كذلك حديث ابن عمر. وقال الشافعي: إذا لم يقطع به الطلب صحبة أصحابه، ولا يخاف على رجله، إذا وجه إليه، ولا في طريقه إليه، ولا يخرج عن الوقت حتّى يأتيه، فعليه أن يأتيه، وإن خاف بعض ما ذكرنا، فليس عليه طلبه. قال أبو بكر: النيّة للتيمّم من مذهبه، أنّ الأعمال بالنيّة، وأنّ المتيمّم لا يجزيه إلا بنيّة. (1/132)
صفحة 133
قال أبو سعيد: لا أعرف ما عنى به من الحد، وأمّا معنى ما يخرج فيه من قول أصحابنا: أن ليس على المسافر أن يعدل عن سفره، في طلب الماء، في جميع ما يلحقه فيه الضرورة، من وجه من الوجوه، في مال ولا نفس. فإذا كان غير ذلك، وإنّما هو على ما يقع عليه من المشقّة ومن التعوّق عن سفره، فقد يخرج في بعض قولهم: إنّه يمضي لسفره، ولا يعدل في طلب الماء، إذا لم يعرفه، ولو سمع مثل صوت الزاخرة، ولم يعرف أين هي. وأمّا إذا عرف الماء، وكان يرجوه بلا مشقّة تدخل عليه، فيما معنى الضرورة. فعليه أن يعدل إلى الماء، وأمّا إذا كان يدخل عليه المشقّة، عن معنى سفره، فليس المسافر كالمقيم، وقد يخرج في معاني قولهم، تحديد ذلك في النظر، لا على التحديد في المسألة، وقد مضى ذكر النيّة، في باب النيّة للطهارة قبل هذا. (1/133)
صفحة 134
فصل: في التراب الذي يتيمّم به
من كتاب الأشراف: قال أبو بكر: قال الله –جلّ ذكره-: {فتيمّموا} وقال الثوري: يجيزوا ويتعمّدوا، وأجمع أهل العلم، على أنّ التيمّم بالتراب ذي الغبار، جائز. وقال ابن عبّاس: أرض الحرث. وقال الشافعي: لا يقع اسم الصعيد، إلا على تراب ذي غبار. وقال أحمد: الصعيد التراب. قال أبو بكر: في قول النبيّ (ص): جعلت لنا الأرض مسجدا وجعل ترابها طهورا. دليل على التيمّم بكلّ تراب. قال أبو سعيد: معي، أنّ معاني قول أصحابنا، يخرج على أنّ الصعيد جائز بجمع التراب، إذا كان له غبار. وأنّه لا يجوز التيمّم بغير تراب ذي غبار، إذا وجد هذا التراب أو غيره من التراب، الذي ليس بذي غبار. فإذا عدم التراب ذو الغبار؟ فالتيمّم بالتراب، ولو لم يكن ذا غبار واجب، لمعنى ثبوت الصعيد به. وممّا قالوا: إنّه لا يتيمّم به تراب السيخ من الأرض، التي لا تنبت إذا وجد غيره من التراب. (1/134)
صفحة 135
وكذلك الثري من آثار الماء، ولو من غير أرض السبخ، فإذا اتفق تراب السبخ والثرى من الماء من الأرض، التي غير سبخ، فأشبهها تراب الغبار أوّلا، فإن استويا كان السبخ أحبّ إليّ وأولى، وما لم يستحلّ التراب عندهم إلى معنى الطين، فالتيمّم به ثابت، واجب لثبوته في اسم الصعيد.
ومن الكتاب: قال حماد بن أبي سليمان: لا بأس أن يتيمّم بالرخام. وقال الأوزاعي: بالرمل، هو الصعيد يتيمّم به. وقال مالك: يتيمّم بالحصى. وقال أبو ثور: لا يتيمّم إلا بالتراب أو برمل. وقال أصحاب الرأي: كلّ شيء يتيمّم به من تراب أو طين أو جص أو نورة أو زرنيخ، وما يكون من الأرض، يجزئ التيمّم بذلك كلّه. قال أبو سعيد، معي: إنّه يخرج في معاني قول أصحابنا، إذا عدم التراب، يتيمّم بكلّ ما يوجد منه، ولو لم يكن فيه غير قائمة للتراب، وأقرب ذلك في النظر بوجود الغبار، ومخالطة التراب أولى، إذا وجد من رمل أو حصى أو ورخام أو صفا. (1/135)
صفحة 136
وإذا عدم الاختيار من ذلك، فكلّما وجد ممّا فيه غبار، فالتيمّم به جائز ثابت، مقدّم على جميع الأشياء من غير التراب، وإذا وجد التراب، الذي أصله من التراب، ولو كان قد غيّرته النار، مثل الآجر ما أشبهه، ممّا أصله من التراب، فالصعيد به ثابت، وأمّا النورة وما أشبهها، ممّا هو من الحجارة، وليس أصله من التراب؟ فمعي، أنّه يختلف في التيمّم به لاشتباهه بالتراب؛ ولأنّه من الأرض، والصلاة عليه ثابتة، بحكم أشباه الأرض، وما كان أشبه منه لمعاني التراب، كان أولى منه، وأمّا الرماد ونحوه. فمعي: إنّه قد قيل: لا يتيمّم به؛ لأنّه ليس ممّا يشبه التراب.
ومن الكتاب: واختلفوا في التيمّم بالتراب النجس: قال قوم: لا يجوز التيمّم بالتراب النجس. قال أبو سعيد، معي: إنّه لا يجوز التيمّم بالتراب النجس، إذا كان لا يختلف في نجاسته، وما يثبت مجتمعا على نجاسة، فالتيمّم به للإجماع على لزوم التيمّم عندي؛ لأنّه لا يزيل الإجماع إلا إجماع مثله. (1/136)
صفحة 137
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء: ومن كان في طين، ولم يجد ماء، فإن كان مع أبد لا يعلم أنّه نجس نفضه أو سرج، فليأخذ من الطين شيئا، فليلطّخ به بعض ثيابه، فإذا جفّ تيمّم به. فإن لم يكن جف، ولم يجد ماء ولا صعيدا، انتظر حتّى يجف الطين. فإن علم أنّ الطين لا يجف، حتّى تفوت الصلاة، صلّى إذا لم يجد، فإذا وجد جف الطين، أعاد الوضوء إذا تيمّم. إنّي سألت أبا عبيدة، عن رجل كان في ثلج لا يستطيع الوضوء منه، ولا يجد صعيدا. فقال: يضرب بيده على الثلج، ثمّ يمسح به وجهه، كما يصنع في الصعيد. ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
ومن الكتاب: فالتراب النجس هو عندي كالماء النجس، وتراب الآجر والخزف هو عندي كالماء المستعمل، أنّ اسم التراب قد زال عنه، وصار مضاعفا إلى غيره. (1/137)
صفحة 138
كما أنّه تغيّر بالصنعة الحادثة فيه، كالماء المستعمل الذي قدّ تغيّر عن وضعه الأوّل، لحدوث الواقع فيه، والخارج منه، والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة: وإن تيمّم رجل وامرأة، فلا بأس أن يصنع غيرهما يده في ذلك الموضع ويتيمّم، لا يتيمّم بالتراب، الذي يقع منهما وبالله التوفيق، والله أعلم.
مسألة: ولا يجوز التيمّم بهك ولا رماد ولا بجص ولا قمح ولا ملح ولا بتراب بيوت أهل الذمّة ولا تراب قد تيمّم به مرّة؛ لأنّه يكون كالماء المستعمل. وكذلك قد نهى عن استعماله. وقيل: لا يتيمّم الرجل من التراب، الذي سقط من ضربته الأولى، وأجازوا له الصلاة عليها، والله أعلم. ويجوز التيمّم على بقعة واحدة لضربتين. والصعيد القذر، الذي يكون فيه البول وقد جف، فلا يجوز التيمّم به، فإن صلّى أعاد التيمّم والصلاة. (1/138)
صفحة 139
مسألة: من كتاب الضياء: قد رأيت أبا عبيدة، مرض مرضا، وكان له تراب في شيء موضوع، وكان إذا حضرت الصلاة، تيمّم بذلك الصعيد، وهو مقيم بالبصرة. انتقضت الزيادة المضافة. (1/139)
صفحة 140
باب: فيمن وجد الماء فتركه وتيمّم عنده أو سار عنه وتيمّم بعده وفي الذي يجوز له التيمّم في عدم الماء وغير عدمه وفي تيمّم أصحاب العلل وما أشبه ذلك
وسألته عن المسافر، إذا حان عليه وقت الصلاة، وهو قدمنا من الماء، ويطمع أن يدركه في وقت الصلاة، أوّلها أو أوسطها. هل يجزيه أن يتيمّم، في حين ما يحضر وقت الصلاة، ويصلّي قبل أن يجيء إلى الماء؟ قال: معي، أنّه قد قيل ذلك في بعض القول. وبعض القول: إنّ له أن يتيمّم ويصلّي في أوّل الوقت، ويجزيه له ذلك، إذا كان اختيارا منه، من غير خوف وعلّة. قال: هكذا عندي.
قلت له: فإن جاء إلى الماء في أوّل وقت الأولى، فكان قد جمع الأولى والعصر، أو كان قد صلّى وفي بدنه نجاسة، أو كان طاهرا. هل عليه بدل الأولى والعصر، أو أحدهما؟ قال: أمّا الأولى فعندي أنّه قد قيل في ذلك باختلاف: (1/140)
صفحة 141
ويعجبني أن لا إعادة عليه، ولو كان بالتيمّم، وأمّا الآخرة فعندي أنّ في ذلك اختلاف: ويعجبني أن يعيد إذا كان بالتيمّم.
قلت له: فإن جاء إلى بئر وعليها دلو، وقد حضر أوّل وقت الصلاة وهو مسافر. هل يجوز له أن يترك البئر، ويسير وهو لا يرج ماء غيره، أم لا يجوز له ذلك؟ قال معي: إذا كان يقدر على الوضوء من البئر، بذلك الدلو، وقد حضر وقت الصلاة، أنّ عليه الوضوء، ولا يدع الوضوء إلا من عذر.
قلت له: أرأيت إن ودّع الوضوء، من غير عذر وسار هو لا يرجو ماء غيره صلّى بالتيمّم. هل يتمّ صلاته؟ قال معي: إنّ بعضا يقول: إنّ صلاته تامة، إذا كان في وقت من الصلاة وفسحة. وبعض يقول: عليه الإعادة، إذ كان قد وجد الماء، فلم يتوضّأ على حال، فعليه الإعادة.
قلت له: فإن كان عند البئر في آخر وقت الصلاة، فمضي ولم يعرج على الوضوء منها، ولا يرجو غيرها. (1/141)
صفحة 142
فمضى ولم يتيمّم ولم يصلّ الأولى، حتّى فات وقتها، ثمّ جمع الأولى أو العصر بالتيمّم. هل ترى صلاته تامّة، وتكون مثل الأولى؟ قال معي: إذا كان يريد الجمع، وكان في فسحة من ترك الجمع، ولم تكن نيّته في ترك الصلاة في وقت الأولى، إلا ما هو فيه، من مشقة السفر، إذا لا يمكنه في السفر، ما يمكنه في الحضر، ولم يخف فوت وقت الجمع في مشبه ذلك، وتركه الوضوء معي أنّه واحد، والقول في ذلك واحد على هذه الصفة.
قلت له: فإن كان عند أصحاب له، فتوضّؤوا من البئر، في أوّل وقت الأولى وأجمعوا، وخاف هو إن توضّأ، دخل عليه في ذلك المشقة، وخاف تولّد النجاسة، وإن تنجّس الدلو. هل له أن يترك البئر، يسير وهو لا يرجو ماء غيره، ويتيمّم ويصلّي؟ وإن فعل ذلك. فهل تتمّ صلاته على هذا؟ قال: فإن كان في فسحة من الوقت، على ما وصفت له، وهو ينوي الجمع، أو في وقت من فسحة القصر، فالمعنى فيه واحد عندي (1/142)
صفحة 143
ذلك، سواء توضّأ أصحابه أم لم يتوضّؤوا، وإن ترك الوضوء وهو يقدر عليه، لغير معنى، ليس له فيه عذر، وتيمّم وصلّى، فعليه الإعادة عندي أقلّ ما يكون.
قلت له: فإذا كان يخاف المشقّة من الوضوء، من هذه البئر؛ لأنّ عليها دلوا صغيرا. هل ترى له عذر، حتّى يترك الوضوء علّة ويسير؟ قال معي: إنّ ليس له عذر، إلا فما لا يطيقه في الوقت، أو ما يخاف ما يتولّد عليه مضرّة، في مال أو نفس أو دين.
مسألة: والمسافر، إذا حان وقت الصلاة، وهو عند الماء لم يخرج، حتّى يتوضّأ. فإن جهل ذلك، وخرج على غير وضوء، بم يصعد ويصلّي. فلم ير عليه إلا البدل.
مسألة: وعن رجل مسافر، نزل بين ماءين، مضي على أحدهما، فجاوزه ونزل دون الآخر، ثمّ حضرت الصلاة، فتيمّم وصلّى، وهو يعلم أنّه لو رجع إلى الماء الذي خلفه، لأدرك وقت الصلاة. وكذلك لو مضى إلى الماء الذي قدّامه. (1/143)
صفحة 144
قال: لا بأس عليه. ولو مضي إلى الماء، لكان أفضل.
مسألة: حفظ الفضل بن يوسف، عن أبي المؤثر –رحمه الله-: إنّ الخائف كمن لم يجد ماء يتيمّم بالصعيد، في بلد فيه الماء، حال بينه وبين الخوف. (1/144)
صفحة 145
فصل: في الذي يجوز له التيمّم في عدم الماء وغير عدمه في تيمّم أصحاب العلل
والذي سمعت أنّ المسترسل البطن، والذي يطلق به القيء، ولا يستمسك أنّه يتيمّم بالصعيد، ويومئ إيماءا.
مسألة: سألت هاشما عن رجل لا يستطيع إمساك قطر الدم من أنفه، وحضرت الصلاة. كيف يفعل؟ يسدّه بقطنة أو بخرقة ثمّ يصلّي. قلت: أيرى له أن يفعل ذلك في أوّل الوقت وآخره، فلم يجد فيه شيئا. قال أبو المؤثر: ينظر إلى ما يرجو، أن يدرك الوضوء والصلاة، قبل فوت الوقت، ولا ينظر انتظار مخاطرة. فإن انقطع الدم غسله وتوضّأ وصلّى، وإن لم ينقطع فإن استمسك إن خشي منخريه بشيء، ولم يتكرّب فليمشوا منخريه، وليغسل الدم وليتوضّأ وليصليّ. (1/145)
صفحة 146
فإن لم يمكنه أن يحشوا منخريه وغلبه الدم، ولم يمكنه أن يتوضّأ لكثرة الدم، وخاف إن مس وجهه الماء، خالط الدم، وتنجّس بدنه وثيابه فليتيمّم، فإنّي أحسب أنّه قد قال من قال ذلك.
قال غيره: إنّ الذي يقول: إنّه يغسل بالماء من حدود الوضوء، ما أمكنه، وما لم يمكنه، فليدعه ثمّ يتيمّم بعد ذلك، فإن أمكنه أن يصلّي قياما، ويضع بين يديه شيئا يقطر فيه الدم، فليفعل وليصلّي، وإن لم يمكنه ذلك، وخاف أن يطير الدم، فليقعد ويضع بين يديه شيئا يقطر فيه الدم، وعليه أن يطأطئ رأسه ويصلّي، ويومئ إيماء، ويجعل السجود إذا خفض من الركوع، وإن خرج الدم على شاربه، فلا ينقض ذلك وضوءه، ولا تيمّمه، وقد سألت محمّد بن محبوب عن ذلك، فقال: لا بأس إن سال على الشارب، فإنّ ذلك موضع ما جرى الدم، وأنا أقول إن لم يستطع أن يحبسه عن سائر وجهه، ولا لحيته، فلا يكلّف الله نفسا إلا وسعها، (1/146)
صفحة 147
ولا بأس عليه أن يصلّي على تلك الحال، والله أعلم.
مسألة: من كتاب قواعد الإسلام: المرض الذي يخاف من الوضوء، فوت روح أو ضعفه أو إتلاف عضوا وزيادة مرض أو حدوثه، فإنّه يتيمّم وصاحب الجدري فاستقفط فأمروا بالغسل. فقال النبيّ –عليه السلام-: «من خاف من استعمال الماء نزلة أو حمى فله أن يتيمّم». لأنّ كلّ ذلك مرض ظاهر. راجع. مضافة لهذه المسألة من المصنف قيل: فإن كان جاهلا بموضع الماء، فتيمّم وصلّى، ثمّ مشى غير بعيد، فأصاب الماء في وقت الصلاة. قال: هل يجزيه ذلك؟ إن كان ناسيا للماء وموضعه.
ومن كتاب الإشراف: قال أبو بكر: واختلفوا في التيمّم للمريض الواجد للماء، أو كان غير واجد لمن به الجروح والقروح والجدري، وخاف على نفسه أن يتيمّم ومعه ماء فأجنب، وخاف أن يغتسل فيموت بالصعيد. (1/147)
صفحة 148
ورخّص مجاهد في التيمّم للمجدور. وقول مالك: في المجدور والمحصوب. وفيه: إنّ الرخصة في التيمّم للمريض، الذي لا يجد الماء، فأمّا من وجد الماء، فليس يجزيه إلا الاغتسال. وقال الحسن: المريض تحضره الصلاة، وليس عنده من يناوله الماء يتيمّم ويصلّي. وقول: الذي لا يستطيع الوضوء لما به من المرض، ويجزيه التيمّم. قال أبو سعيد: التيمّم بالصعيد للمريض ثابت، في قول أصحابنا. وفي كتاب الله حين يقول: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء} فعدد الأشياء التي يجب منها الطهارة، ثمّ أباح التيمّم، فقال: إنّ المريض شيء ما يجزيه العذر، وأجازوا له التيمّم لمعنى المرض لا لغيره، وإلا فعموم الآية، يأتي على جميع من لم يجد الماء. وكذلك يخرج معاني الاتفاق من قول أصحابنا: إنّ المريض إذا خاف على نفسه، أن لا يطيق الغسل أو الوضوء. (1/148)
صفحة 149
أو خاف على نفسه الضرر من ذلك، أنّ له أن يتيمّم.
ومن الكتاب: قال أبو بكر: واختلفوا في المسح على الجبائر والعصائب. قال أبو سعيد، معي: إنّه يخرج في قول أصحابنا: إنّه ما عرض شيء من مثل هذا، فمنع ذلك بلوغ الغسل إليه، بمعنى خوف ضرر، أو عدم أن يبلغ ذلك إليه، ممّا قد حال عليه حال بينه من قليل وكثير من الجارحة، أنّ له أن يوضّئ سائر جوارحه وسائر تلك الجارحة، ويمسح ما بقي ممّا لم يمكنه غسله، إلا أن يأتي ذلك على الجارحة كلّها. فقد قيل: يتوضّأ ويتيمّم لتلك الجارحة. وقيل: إنّه يوضّئ ما بقي من سائر جوارحه، ولا يتيمّم عليه، ما كان الباقي من الجوارح أكثر جوارحه. ومعي: إنّه قيل: يتيمّم لكلّ ما عدم غسله، من جوارحه، كان قليلا أو كثيرا من الجارحة. ومعي: إنّه قيل: إذا كان أكثر الجارحة بتيمّم. وإن كان أقلّ من أكثرها، مسح عليها بالماء، إذا أمكن ذلك، ولا تيمّم عليه. (1/149)
صفحة 150
مسألة: ومن جامع أبي محمّدك والتيمّم لكلّ مسافر طال سفره أو قصر. وكذلك كلّ مريض يخاف زيادة مرضه بالماء.
ومن الكتاب: ومن صلّى وبه جبائر، لم يمكنه غسلها، صلّى على ما أمكنه من جبائر أو غيرها. ولا إعادة عليه، ألا ترى أنّ المستحاضة تصلّى مع سيلان دمها. (1/150)
صفحة 151
باب في المصلّى إذا لم يجد ماء ولا صعيدا وفي تيمّم الحاضر إذا خاف فوات الوقت وكذلك المسافر وفيمن صلّى بالتيمّم في الحضر ثمّ أدرك الصلاة قبل أن تفوت في تتريب الثوب وفي من عدم الماء وجهل أن يتيمّم
من كتاب الأشراف: واختلفوا فيمن حضرته الصلاة: فقال قوم: لا يصلّي حتّى يقدر على الوضوء والتيمّم. والقول الثاني: وهو أن يصلّي كما قدر عليه ويعيدها. وقول: أن يصلّي ولا يعيد البت بالمعنى. قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا: إذا لم يجد المصلّى ماء ولا صعيدا، أنّه يختلف في قولهم: فمنهم من قال: يتأمّل الوضوء بالماء ويعمل به، إذا عدم الصعيد، فرجع إلى معنى ما كان عليه في الأصل.
وقال من قال: يتأمل التيمّم، والذي يقول يتأمّل التيمّم فقيل: إنّه يضرب بيده الهواء، ويمسح على مواضع التيمّم. (1/151)
صفحة 152
وكذلك عندي الذي قال: يتأمّل الوضوء، فمثله في هيئة أخذ الماء، ويمسح على جوارحه؛ لأنّه لا يمتنع من العمل، وإنّما عدم الماء والصعيد، ولعلّه في بعض قولهم يخرج أنّه يقدر ذلك في نفسه بغير عمل، والذي نقول بذلك، فعلى معنى الاختلاف، ومن تقدير التيمّم والوضوء، إنّما يقصد بقلبه ونيّته ويصلّي، ولا إعادة عليه في أكثر قولهم، إلا على معنى قول من يقول: إنّ المتيمّم عليه الإعادة، إذا وجد الماء، ولا يجوز ترك الصلاة على حال في مذهب أصحابنا، ولو لم يجد الماء، وهذا من قولهم معي شاذ عن الأصول، ولا أعلم إجازة ترك الصلاة، لمعنى من المعاني.
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: وإذا خوطب الإنسان بفعل الصلاة، وقد حضر وقتها، فلم يجد ماء ولا صعيدا، فإنّ عليه الصلاة، وليس عجزه عن وجود ما يتطهّر به لها، بمسقط عنه فرضها. (1/152)
صفحة 153
كما قال بعض مخالفينا، واحتجّ بما يروى عن النبيّ (ص): لا تقبل صلاة بغير طهور.
مسألة: وسألته عمّن جهل التيمّم، في موضع لا يجد الماء، وصلّى بلا تيمّم. هل عليه كفّارة؟ قال معي: إنّ بعضا يذهب في هذا إلى الكفّارة، وأحسب أنّ بعضا يذهب إلى البدل بلا كفّارة، وفي السفر إلى الكفّارة والبدل.
مسألة: من كتاب قواعد الإسلام: وإذا كان الماء حاضرا، ولكن يتعذّر وصوله إليه، لعدم الآلة التي يتوصّل بها إليه، فإنّه يتيمّم؛ لأنّه فاقد للماء، وإن وجد الآلة، ولكن كان الماء في بئر بعيدة القمر، فإن انشغل بالنزع، فإنّه الوقت، ففيه اختلاف بين العلماء: قيل: إنّه يتيمّم؛ لأنّ عدم القدرة على الاشتغال في الوقت، كالعادم المطلق. وكذلك لو كان الماء بين يديه، يمكنه استعماله ولكن لو تشاغل باستعماله لخروج الوقت لضيقه، فقولان: (1/153)
صفحة 154
قيل: يتيمّم ويصلّي ويستغل بعد ذلك بالوضوء. وقيل: يستغل بالوضوء. وكذلك لو كان عند الماء سبع يهلكه، أو سبع يتلفه، فكلّ هذه الأحوال التيمّم له بها جائز، وليس عليه ولا له أن يحمل نفسه على حالة مخوفة، وقد يسّر الله على عباده تخفيفا، وقيل: إنّ الخوف على المال، لا يلحق بالخوف على الناس في الإباحة. ارجع.
مسألة: من كتاب المصنف: والذي لا يجد الماء للوضوء، إلا ماء يحال بينه وبينه، حتّى يحتاج إلى المداومة. فإن كان يحول بينه وبينه ظالم له، كان له أن يحتجّ عليه، وإن اتقّى في ذلك تقية، وتوسّع بالتضييق على نفسه، وعلى ماله، وعلى دينه، فأرجو أن يسعه ذلك، وإن كان الذي يحول بينه وبينه أرباب الماء، تحتاج إليه وهنالك شبهة، فأولى به عندي التيمّم وترك الشبهة والتعريض للأبدان بغير حق. (1/154)
صفحة 155
فصل: في تيمّم الحضر إذا خاف فوت الوقت وكذلك المسافر
ومن كتاب الأشراف: واختلفوا في التيمّم في الحضر، لغير المرض، إذا خاف فوت الصلاة، إذا ذهب إلى الماء: ففي قول مالك: إنّه يتيمّم ويصلّي. وقال آخرون: يغسل وإن طلعت الشمس أثبت المعنى. وقال الحسن البصري: المريض يخاف ذهاب الوقت، وليس عنده من يناوله الماء يتيمّم ويصلّي، ولا يجوز في قول الشافعي، الحاضر غير المريض، التيمّم بحال، فإن فعل أعاد. قال أبو سعيد: إنّه يخرج نحو جميع ما قالوا، في معاني قول أصحابنا في الاختلاف من قولهم. وأحسب ذلك عندي، أنّه لم يكن باشتغاله بالماء، أو يطلب الماء لمعنى الوضوء، والغسل يبلغ به إلى الصلاة في وقتها، كان عندي معدما للماء بالمخاطبة للصلاة. (1/155)
صفحة 156
وكذلك عندي عليه التيمّم والصلاة في وقتها على حال، فإذا أعاد الطهارة في الوقت أو بعد الوقت، فقد قيل ذلك، وإن لم يفعل ذلك؟ فقد قيل ذلك، إذا خرج معنى الصلاة على هذا النحو.
مسألة: ومن غير كتاب الأشراف: وأمّا ما ذكرت في أمر المسافر، الذي حضرته الصلاة، وعلى طريقه ماء، فمضي يريد الماء للصلاة، فوصل وقد ضاق وقت الصلاة، وخاف أن تطهّر فاتته الصلاة قبل ذلك. فمعي: إنّه قد قيل فيمن كان الماء بحضرته، وحضره وقت الصلاة، وخلف أن تطهّر فاتته الصلاة، وإن تيمّم وصلّى، أدرك وقت الصلاة، أنّه قال من قال: يتيمّم يصلّي؛ لأنّ الصلاة وجوبها في وقتها، لا بعد ذلك. فمن لم يقدر على الطهارة، حتّى يفوت وقتها، فليس ذلك بطهارة لها، هذا كمن لم يجد الماء. وقال من قال: إذا كان بحضرته، لا يطلبه توضأ وصلّى، ولو فاته الوقت؛ لأنّه واجد للماء. وإنّما التيمّم إن لم يجد الماء. (1/156)
صفحة 157
ولعلّ أثبت المعنيين أداء فرض الصلاة في وقتها، بطهارة إن أمكن وإلا تيمّم.
مسألة: من المصنف: عن أبو المؤثر: في الجنب يأتي الماء، ويخاف إن غسل لم يدرك الصلاة. قال: إن لم يطمع أن يدرك من الصلاة شيئا، فليتيمّم ويصلّي ثمّ يغسل، وعليه يعيد الصلاة. وقال: وإن طمع أن يدرك من الصلاة ركعة، بعد أن يغسل، قبل أن تطلع الشمس أو تغيب أو في الهاجرة والعصر، قبل أن تفوت صلاة إذا غسل. قيل: إذا طمع أن يغسل ويدرك ركعة، فلم يدرك شيئا. قال: لا شيء عليه. قيل: فإن خاف أن لا يدرك إذا غسل وتوضّأ، فغسل وتوضّأ عمدا. قال: لا شيء عليه ذلك استحباب. قال أبو الحسن: إذا كان الجنب واحدا للماء، فاغتسل وصلّى، ولو فات الوقت. (1/157)
صفحة 158
وإن كان يستقى من بئرا أو يلتمس من نهر؟ فهو كما قال: إذا خاف الفوت.
مسألة: وعن أبي الحواري: وعن امرأة كانت مسافرة، طمعت أن تدرك الماء قبل صلاة الصبح، وعميت أن تتيمّم عما منها، فصارت إلى الماء وطلعت الشمس. فعلى ما وصفت، فلا عذر لهذه المرأة، وعليها الكفّارة. وكذلك قال لي نبهان بن عثمان في هذه المسألة: إنّ عليها الكفّارة، إذا لم تتيمّم ولم تصل، حتّى طلعت الشمس.
مسألة: قلت: فمن صلّى في القرية بالتيمّم، ثمّ وجد الماء من قبل أن يفوت الوقت وقت الصلاة. هل عليه إعادة؟ قال: أمّا أبو الحواري –رحمه الله- قال: أرجو أنّه ليس عليه إعادة فيما سألته عنه. قال: وأمّا أنا فأحبّ أن يعيد، إذا وجد الماء في وقت الصلاة. (1/158)
صفحة 159
مسألة: وسألته عن رجل كان مسجونا في قرية، أو خائفا، فصلّى بالتيمّم، ثمّ خرج من السجن، أو أمن من خوفه، وأدرك الماء قبل فوت الصلاة. هل عليه أن يعيد الصلاة بالوضوء؟ فرأيته يجب أن يعيد الصلاة بالوضوء. قلت له: فإن لم يعد الصلاة بالوضوء، ومضى على ما قد صلّى. لم ير في ذلك عليه شيئا، وكان يجب أن يصلّى إذا أدرك الماء في وقت الصلاة.
مسألة: وقال الذي تحضره الصلاة، ولا ماء بحضرته والماء عنه نازح. أيذهب إليه أم كيف يفعل؟ قال: قال من قال: إنّه يذهب ما لم يخف أن تفوته الصلاة، قبل أن يصل إلى الماء. وقال من قال: إنّما عليه أن يذهب إلى الماء، إذا كان في موضع يصل إليه فيتوضّأ منه. ويرجع ويصلّي في موضعه، من قبل أن تفوت وقت الصلاة، وإنّما هذا في وطنه. (1/159)
صفحة 160
مسألة: وعن رجل ينام في بلده، فيذهب به النعاس، حتّى يقوم في وقت يخاف منه فوت صلاة الفجر أو غيرها. فيذهب إلى الماء فيخاف أن تفوته الصلاة، قبل أن يصل إلى الماء وهو في بلده. هل يجوز له التيمّم للصلاة ويصلّي؟ أم هذا مخالف للسفر وله أن يذهب؟ قول: يعيدها. وقول: لا إعادة عليه.
مسألة: من المصنف: ومن خاف التلف من استعمال الماء، لشدّة البرد، تيمّم وصلّى، وفي إعادة الصلاة اختلاف بين أصحابنا، وبين قومنا أيضا. قال الشافعي: يعيد. وقال أبو حنيفة: لا إعادة عليه. وكذلك من كان على فرجه دم، يخاف من غسله، ففيه اختلاف. وكذلك من حبس في حبس، أو في موضع نجس، أو ربطت على جبينه، صلّى على حسب حاله. (1/160)
صفحة 161
قال الشافعي: يعيد. وقال أبو حنيفة: لا يعيد، والله أعلم.
مسألة: وعن أبو المؤثر: إن جاء إلى الماء وهو جنب، وخاف الفوت إن غسل، فتيمّم وصلّى، ثمّ لم يغسل حتّى جاء وقت الصلاة. قال: أحبّ إليّ أن يغسل ويعيد الصلاة. فإذا لم يفعل، حتّى جاء وقت الظهر، فإنّه يغسل ويصلّي الفجر، ثمّ الظهر. فإن خاف فوت الظهر، صلّى ثمّ أبدل الصبح. فإن غسل ونسي؟ أعاد الصبح، حين ذكرت، وهو في الظهر، فقد اختلفوا في ذلك، غير أنّ الذي به أقول، يقطع صلاته، ما لم يخف فوت الظهر. فإن خاف فوتها أتمّها، ثمّ صلّى الصبح وحدها. فإن ذكر وقد صلّى الظهر فليعد الصبح وحدها.
مسألة: من المصنف: وقيل: إنّ البادي إذا كان منزله من الماء، إذا ذهب إليه في أوّل (1/161)
صفحة 162
وقت الصلاة، لم يرجع إلى منزله، حتّى تفوت قبل أن يصل إلى منزله يصلّي فيه، لم يكن عليه أن يذهب إلى الماء ليتوضّأ.
مسألة منسوبة من كتاب جوابات الشّيخ أبي سعيد –رحمه الله-: إنّ الرجل إذا تيمّم الصلاة، وقام فأحرم، ثمّ حضره الماء؟ فمعي: إنّه يقطع للصلاة، ثمّ يتوضّأ ويصلّي، إلا أن يكون في وقت يخاف فوت الصلاة، فيمضي في صلاته. وكذلك إذا كان يجمع الصلاتين، فتيمّم وصلّى إحداهما، ودخل في الثانية، ثمّ حضره الماء؟ إنّه يقطعها ويتوضّأ، وفي بدل صلاته الأولى اختلاف، يتوضّأ ويصلّي بأيّ وقت وجد الماء، ولو فاتت الصلاة؛ لأنّه كان ذهب به النعاس، ولم يفرّط، فهذا له أن يصلّي بالتيمّم، ولا فرق في ذلك في السفر أو الحضر، في عامة قول أصحابنا. وقد قيل: في ذلك بخلاف هذا، ولا ينصر الفرق بين ذلك، لوجوب الفرض في وقته، ونزول العذر من عدم الماء، متّصل بما يليه من الوضوء.
ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: مذهب الشافعي: إنّه تيمّم في السفر ويعيد. (1/162)
صفحة 163
هكذا قال الشافعي: وقد قيل: لا تيمّم إلا في سفر تقصر مثله الصلاة. قال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا يخرج: إنّه من لم يجد الماء، عند حضور الصلاة، من مسافر أو مقيم، ولا يرجو بلوغه في وقت الصلاة، أنّ له وعليه أن يتيمّم ويصلّي. فإن كان من غير جنابة؟ فمعي: في أكثر قولهم: إنّ صلاته تامّة، ولو وجد الماء في الوقت، من تلك الصلاة. وقد قيل: يعيد إذا أدرك في الوقت، وإذا كان ذلك من جنابة؟ فمعي: إنّه في أكثر قولهم: إنّ عليه أن يعيد إذا أدرك الوقت. وقد قيل: لا إعادة عليه. وقد اختلفوا فيه، من بعد الوقت، جنبا كان أو غير جنب. وذلك لعلّه ممّا على غيره، أكثر القول. وفرّق منهم من فرّق، بين المسافر والمقيم، فأثبت الإعادة على المقيم دون المسافر. والمسافر معهم من جاوز الفرسخين من وطنه، في معاني الاتفاق من قولهم. (1/163)
صفحة 164
وما كان دون ذلك، فليس بمسافر.
ومن الكتاب: وقال مالك: يقوم إذا تيمّم لا يتنفّل قبل المكتوبة، ويتنفّل بعدها. وقال الشافعي: يتنفّل قبل المكتوبة وبعدها. وقال أبو سعيد: فأمّا الانتقال من موضع الصعيد، قبل أن يصلّي المكتوبة، فلا أعلم. فما يختلف فيه من قول أصحابنا: إنّه يجوز الانتقال قبل أن يصلّيها. وأمّا النافلة، فله أن يتيمّم وينتقل حيث شاء. وهو على تيمّمه، ما لم ينتقض تيمّمه في قول أصحابنا.
مسألة: ومنه: في من يحفظ للناس أموالهم، مثل الشائق والراقب، والمؤتمن بأجرة أو غير أجرة، إذا كان في موضع ليس فيه ماء، والماء قريب منه أو بعيد، ولم يمكنه أحد منه يأتمنه، وهو يخاف السرق أو الدواب. قالوا: إذا خاف على ماله، أو على ما قد لزمه حفظه بوجه: فقول: إنّ له العسلة في ذلك، ويتيمّم حيث ما يأمن على قول من يقول: إنّ الخائف كمن لم يجد الماء. قيل: فإن ائتمن من لا يعرفه فخان. (1/164)
صفحة 165
هل يضمن؟ قال: إن ائتمن من لا يؤمن فخانه، لزمه ما خان فيها. وإن كان لا يعرفه، فليس له أن يأمنه على أمانته.
مسألة: هذه المسألة، أرجوها عن الشّيخ أبي سعيد –رحمه الله-: ومثل ذلك فخان الأمين أمانته، فذلك إلى خيانته، ولا ضمان على المؤتمن، وعلى هذا قول من يقول: إنّ للأمين أن يأتمن على أمانته غيره.
مسألة: والجنب إذا تيمّم وقام للصلاة ودخل فيها وحضره الماء. فإن كان الوقت واسعا، فله أن يقطع الصلاة، ويغتسل ويتوضّأ ثمّ يصلّي. وإن خاف الفوت، مضى على صلاته، واغتسل بعد ذلك. (1/165)
صفحة 166
فصل: في تتريب الثوب
من كتاب المصنف: وإذا كان بالثوب جنابة يابسة، كست حتّى تذهب من الثوب، عند عدم الماء. وإذا كانت رطبة تربت، وإن تربت رطبة أو يابسة، فحسن. فقول: يغيّرها منه بكسى أو بترتيب أو مبالغة في إزالتها. وعن أبي مالك: في تتريب الثوب أن يكسى ويجتهد في إزالة ذلك، رطبة كانت أو يابسة. وإذا كانت الجنابة رطبة، وضع عليها التراب عند عدم الماء، حتّى يلزق به مرّة أو ثلاثا، فإنّه يجزيه ذلك، واليابسة يكسيها أو يعركها من ثوبه، ويغسله بالماء. وقول: إنّ تتريب الثوب من النجاسة، يستحبّ وليس بواجب. وتتريب الثوب النجس، أن يبسط على الأرض، ثمّ يعيد التراب عليه، حتّى يعطى الثوب كلّه بالتراب. فلا ينظر من بياضه شيء مرّة واحدة. (1/166)
صفحة 167
قال أبو عبد الله: إنّ وضعه على الأرض، أجزأه أن يتربه من وجهه الأعلى، فإن هو بسطه على غير التراب، فأحبّ أن يتربه مرّتين من الوجهين جميعا. وفي موضع: إذا كانت النجاسة من جانب واحد أجزأه. وإن كانت من الجانبين جميعا، لم يجز ذلك، إلا أن يثور عليه غبار ويعمّه التراب، فأرجو أن يجزيه. ومن لم يجد الماء، وترب ثوبا وصلّى فيه؟ فقول: عليه إعادة تلك الصلاة. وقول: لا إعادة عليه، وقد تمّت صلاته.
مسألة: ومنه: إذا عرف مكان النجاسة من الثوب، ترب موضعها. وليس عليه أن ييمّم الثوب، إن لم يعرف موضعها. فإذا كان يلزمه أن يغسله كلّه، أشبه فيه أن ييمّمه كلّه، وحينئذ تأتي عليه الطهارة.
مسألة: ومنه: وليس مقيم ولا مسافر التطهير بالماء، عند الخوف منه، لشدّة البرد، إذا خاف على أنفسهما الهلاك. (1/167)
صفحة 168
ومنه: يؤدّي إليه لما روي عن عمرو بن العاص، أجنب فخاف من شدّة الماء، فتيمّم وصلّى. فضحك النبيّ (ص) ولم ير عليه شيئا.
مسألة: ومنه: قال أبو المؤثر: حدّثنا أبو زياد، أنّ المسلمين، كانوا إذا سافروا من ازكى، صلّوا بالتيمّم وصبّوا فضل مائهم على جبل في فرق. (1/168)
صفحة 169
بسم الله الرحمن الرحيم
باب: في طهارة الماء ونجاسته وقلّته وكثرته وفي العلّة وفي ضرورة المياه وأقسامها في الماء الجاري والماء الراكد
من كتاب المصنف: قال الله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماءا طهورا} والطهور الطهر للشيء، وهو الفعول للطهارة، والحجّة في طهارة الماء قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} والحجّة من السنّة، قوله (ص): «الماء لا ينجسه شيء». وما روي عنه (ص)، أنّه قال: «خلق الماء طهور إلا ما عدا لونه أو ريحه». كأنّه يريد إذا حلّته النجاسة.
مسألة: تنازع المسلمون في القليل من الماء، إذا حلّته النجاسة، فلم تغيّر له لونا ولا طعما ولا ريحا. (1/169)
صفحة 170
قول: الماء نجس مع ارتفاع أعلام النجاسات. وقول: الماء طاهر، إذا لم يكن فيه شيء من إمارات النجاسة والقرآن. وقد ورد أنّ الماء طهور، فهذا الطاهر، يوجب أن يكون البول قد طهر بغلبة الماء عليه، مع ارتفاع أعلام النجاسة التي حلّته، وأنّ الله تعالى، قلب عينه؛ لأنّه سبحانه يجعل الماء بولا، والبول ماء، والقائل: إنّ الماء غير مطهّر في هذا الموضع، يحتاج إلى دليل. ودليل آخر، ما ذكرنا: إنّ الطهور، هو فعول الطهارة على الكثرة، والله أعلم. قالوا: وإذا فسد الماء، فما الذي يطهّره، وهو الطهور، فلا يوجد له مطهّر.
مسألة: وقيل عن أبي عبد الله: في جر فيه ماء تردّه الصبيان والعيال، ويشربون منه، فلا بأس بكلّ ذلك، ولا بالوضوء منه، حتّى يستيقن على نجاسة معيّنة. وقال أيضا في وعاء فيه ماء بين يدي حجام، ترطب للناس منه، ومسنى من مائه. قال: لا بأس، حتّى تعلم فسادا. (1/170)
صفحة 171
مسألة: والماء قبل حلول النجاسة، فيه طاهر بإجماع، ومختلف فيما حلّت فيه نجاسة، لم تغيّر له طعما ولا لونا ولا ريحا، ولا يجوز فساد ما أجمعوا على طهارته إلا بإجماع مثله، ولا معارض له.
مسألة: وحكم الماء طاهر، حيث ما وجد جاريا أو راكدا، صافيا كان أو كدرا، قليلا أو كثيرا، حتّى يصح حلول نجاسة فيه تنقله عن حكمه، وتغيّره عن وصفه. ويوجد عن النبيّ (ص) أنّه قال: «السباع والكلاب والوحوش والبهائم ما أخذت بأفواهها وبطونها ولكم سائر ذلك». وقيل: وهذا يدلّ على أنّ الماء لا ينجسه شيء. وقد مرّ عمر بن الخطّاب –رحمه الله- وعمر بن العاص، على حوض، فقال عمرو بن العاص: يا راعي أتردّ السباع حوضك. فقال عمر –رحمه الله-: يا راعي لا تخبرنا. وفي هذا القول من عمر معاني من الفقه. أحدها: إنّ الماء حكمه الطهارة، حيث ما وجد، حتّى يعم نجاسته، والثاني: إنّ سور السباع نجس، والثالث: إنّ قول الراعي حجّة في ذلك، (1/171)
صفحة 172
والرابع: إنّ السؤال عن مثل هذا ليس بلازم.
مسألة: واختلف الناس في تنجيس الماء وطهارته، على سبعة أقوال: السابع: إنّ الماء لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه.
مسألة: موسى بن علي: له ضرب يشرب منه الصبيان والعبيد، ويردّون السور فيه ويمسّون الكوز الذي يغرف به. فإن كان يعلم في يدي من يعرف منه قذرا، فما أحبّ أن يتوضّأ منه، والله أعلم.
مسألة: وجائز الوضوء من الماء، الذي يمسّه الصبي، إلا أن يعلم أنّ يده نجسة.
مسألة: عن أبو سعيد: يروى عن النبيّ (ص): الماء الكثير لا ينجسه إلا ما غلب عليه. ثمّ اختلفوا في الكثير: فقول: إذا كان الماء قربتين أو قدرهما لم ينجسه شيء. (1/172)
صفحة 173
وقول، أحسب عن أبي سعيد بن محرز: إذا كان ماء مجتمعا، قد خمس، فقال*: إنّ ذلك لا ينجسه شيء، إلا ما غلب عليه. وقول: إذا كان خمس قرب. وقول: إذا كان أربعين قلّة، وإنّما قيل: واختلفوا أيضا: فقول: هذا في الأطواء وغيرها سواء. وقول: إنّ ذلك خاض في الماء المستنقع، من غير البور والأطوى، وحكم الآبار غير ذلك، والله أعلم.
مسألة: اختلف الناس في مقدار الماء ووصفه اختلافا كثيرا، قال: وأكثر قول أهل الجوف، على قول الربيع أربعين قلّة كثير، لا ينجسه شيء، إلا ما غلب عليه. وقول كقول أبي حنيفة: إذا حرّك من الطرف الأوّل، لم يتحرّك من الطرف الآخر، لم ينجسه شيء، وإن تحرّك فهو فاسد. وقول: حتّى تغلب عليه النجاسة. وزعم عبد الله بن سليمان: إنّه رأى البرك يغسل فيها الناس، ويغسلون ثيابهم. (1/173)
صفحة 174
وقال: فسألت محبوبا. فقال: الماء لا يفسده شيء. وقيل: إنّ أبا عبيدة قال: إذا كان الماء أكثر ممّا وقع فيه، من بول أو غائط أو دم أو غيره، لم ينجسه. وبذلك يقول هاشم الخراساني.
مسألة: وقيل: إنّ أبا عبيدة الكبير، مضى يريد المسجد، وقد أصاب غيث استنقع منه في الطريق، وقد بالت فيه الدواب، وكان يقوده رجل، وقد ذهب بصره يومئذ، فأعلمه أنّ في الطريق ماء، وفيه بول. قال أبو عبيدة: ما أكثر البول أم الماء؟ قال: الماء. قال: فمضينا وخاض به ذلك الماء، فلمّا صعد باب المسجد، طلب ماء فغسل رجليه من الطين وصلّى ولم يتوضّأ. قيل لأبي عبد الله: أفتأخذ بذلك؟ قال: نعم. قال أبو عبد الله: لا يجوز الوضوء من مثل هذا الماء، الذي خاضه أبو عبيدة. (1/174)
صفحة 175
ومن مسّ منه ثوبه أو بدنه، أو أصاب إنسانا منه شيء، لم أبلغ به إلى فساد، وأحسب أنّه قال: لو توضّأ وصلّى، لم أبلغ به إلى فساد صلاته. قال أبو عبد الله: أو أخذ بذلك، لم أر عليه بأسا.
مسألة: ولو أنّ رجلا كان يتوضّأ من نور، فغرق فقطرت منه قطرة، من دم أو بول في ذلك الماء. قال: لم يفسده على قول أبي عبيدة. وأمّا أنا فأرى في هذا الفساد.
مسألة: ولو وقعت قطرة من دم أو بول في بئر، أفسدته حتّى تنزح، إذا كانت دما تنزحها الدلاء، إلا أنّ الذين اختلفوا في هذه، اجتمعوا على أنّه ما وقع في الماء، من نجاسة، فغيّر لونه أو طعمه أو ريحه أفسده.
مسألة: ولو كان الماء جاريا، مثل الفلج الذي تغسل فيه الكروش، يوم النحر، من الفروث، فيختلط بالماء الجاري، فيغيّر لون الماء. فذلك يفسد الماء الجاري فيه هذا الفرث، والله أعلم. (1/175)
صفحة 176
مسألة: تنسب من كتاب جوابات الشّيخ أبي سعيد –رحمه الله-، وسئل عن متيمّم في ساقية تجري عليها مسبخة صغيرة. أتفسد أم لا؟ قال، معي: إنّ الماء الجاري لا ينجس قليله ولا كثيره، ولا يفسده من النجاسة إلا ما يغلب عليه. وعن الماء إذا كان أقلّ من أربعين قلّة، وطرح فيه طفالة فيها نجاسة، فحين سقطت الطفالة في الماء، طار شرر فأصاب ثوب رجل. أيكون طاهرا أم نجسا؟ قال، معي: إنّه قيل: لو سقطت في الماء الجاري، أو في البحر، لكان ذلك الشرر منها نجسا. وقيل: لا يكون نجسا، حتّى يكون الماء ممّا يتنجّس بوقوعها فيها. ومعي: إنّه في أكثر قول أصحابنا: إذا كان الماء أقلّ من أربعين قلّة، أفسد ما مسّه من النجاسة، ولو لم تغلب عليه.
مسألة: وأمّا إن كان الماء يجري على الساقية، ولا يخرج منها، أو يخرج منها، ولا يجري إليها، فوقع فيه نجس. ففيه اختلاف، والله أعلم. (رجع). (1/176)
صفحة 177
فصل: في القلّة وحدها
وقيل عن الربيع، إذا كان الماء بقدر أربعين قلّة، لم ينجسه شيء. قال أبو صفرة: القلّة الجرّة الكبيرة، سبعة عشر مكوكا بالصاع. قال أبو محمّد: القلّة في لغة العرب، ما هو نقل بالأيدي، والكوز يسمّى قلّة، والجرّة الصغيرة والكبيرة أيضا، يقع عليها اسم قلّة، وأكثر قول أصحابنا: القلّة هي الجرّة التي تحملها الخدم. وفي العادة الجارية من استخدام العبيد بها.
مسألة: والقلّة مأخوذة من استقلّ فلا يحمله. وأقلّه إذا طاقه وحمله. وإنّما سمّيت الكيزان قلالا؛ لأنّها تقلّ بالأيدي. وكذلك تحمل ويشرب منها، فهذا يدلّ على أنّ القلّة اسم يقع على الكوز الصغير والكبير. (1/177)
صفحة 178
مسألة: من كتاب قواعد الإسلام: الماء المستعمل للوضوء الاغتسال، قد تنازع العلماء فيه، مع اتفاقهم على طهارته. وقال من قال: في القلّة، إذا كانت تسع قدر خمس مكاكيك. وقال من قال: أجزى. وقال من قال: خمس مكاكيك. وقيل: غير ذلك. قال أبو سعيد: إذا كان الماء قدر أربعين قلّة، لم يفسده شيء. قلت له: فما حد الجرارة؟ قال: أوسط الجرار. (1/178)
صفحة 179
فصل: في ضروب المياه وفي الماء الجاري والراكد
والماء على ضربين: فماء مطلق، وماء مضاف. فالمطلق الذي ذكره الله في كتابه بقوله: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} وفي موضع: {ليطهّركم به} وفي موضع: {فسلكه ينابيع في الأرض} فالماء النازل من السماء، وماء العيون، الذي أسلكه لنا من السماء، هو الماء المطلق، الذي سمّاه الله تعالى. يعني مطهّر اتّضح به الطهارة من النجس، وتنفذ به العبادات من غير نجس، أنّ الله تعالى سمّاه مطهّرا. والمضاف هو الذي لا يعرف إلا بماء أضيف إليه، وإلى الواقع فيه، نحو ماء الباقلاء والحمص والورد ومثله. فهذا المضاف الذي قلناه، والمطلق الذي لا يعرف إلا بصفة تنزيله. (1/179)
صفحة 180
فالمضاف الذي بيّناه، تزال به النجاسات؛ لأنّه في نفسه طاهر، ولا تنفذ به العبادات؛ لأنّه غير مطلق عليه اسم الماء، بغير تقييد ولا إضافة. وفي موضع: والمياه كلّها ثلاثة. فماء مضاف إلى الواقع فيه، وماء مضاف إلى الخارج منه، وماء مضاف إلى القائم به، فالمضاف إلى الواقع فيه هو: ماء الزعفران، وماء الباقلاء، وماء الحمص، وما كان في هذا المعنى، والماء المضاف إلى الخارج منه: ماء الورد، وماء الحج، وماء القرع، وما كان مثله. (1/180)
صفحة 181
المضاف إلى القائم به: ماء البئر، وماء النهر، وماء البحر.
مسألة: وأمّا المستعمل يطهّر النجاسة؛ لأنّ الأصل في ذلك، إزالة الأذى عن نفسه.
مسألة: والماء الجاري على ضربين، فجار فيه نجاسة متجسّدة، لا يتنجّس بها إلا ما طابقها أو لقيها من أجزائه بأجزائه دون سائره، ثمّ إذا انتقلت دفعت مادة الماء مكانها فطهّرته، والضرب الثاني من الجاري، أن تكون النجاسة فيه ممّا حلّته، تفرّقت أجزاؤها وصار على سبيل المجاوزة، فحكمه التنجّس، إلا أن يكثر عليها الماء، فتصير فيه كالشيء المستهلك. فحكم ذلك حكم الطهارة، لئلا تبيّن النجاسة فيه، والله أعلم. وفي موضع: الماء الجاري، لا ينجسه شيء، إلا ما غلبه من نجاسة، وظهرت أمارتها فيه شائعة، في جميع ظواهر الماء، لا يتّصل بها. والجاري هو المتنقّل والناقل للشيء الخفيف. (1/181)
صفحة 182
وقالوا: ما حمل بعرة شاة.
مسألة: وإذا كان ماء يجري فانقطع من أوّل، وآخر بقي يجري من الوسط، فهو جار من الموضع الذي يجري فيه، والله أعلم.
مسألة: وإذا حمل الماء الجاري بعرة شاة، أو لفظة كنحوها، فهو جار لا يفسده من النجاسة، إلا ما غلب عليه.
مسألة: والجاري إذا نقطع من أوّله وآخره، وبقي يجري من الوسط، حتّى يجتمع في موضع قدر جرّتين أو أكثر. فذلك المجتمع مثالك عندي، بمنزلة الجاري، أنّ الجاري يطرح إليه، وذلك إذا كان يقف في أرض تشربه، مثل واد أو رمل مثله، ما كان مجتمعا في حض لا يشربه، فذلك يفسد ما يقع فيه من نجاسة، حتّى يكون كثيرا، لا ينجسه شيء، والله أعلم.
مسألة: وعن ماء يكون في الصفاء قدر جرّتين، أو أقل أو أكثر، والماء يطرح عليه، ولا يرى يخرج منه شيء. (1/182)
صفحة 183
فجائز إذا كان يدخله الجاري.
مسألة: والنهر إذا غسل فيه الثوران، فقلب عليه حمرة الثوران، فما غير الماء من الطاهر، لم يفسده، وجائز التطهر به، وكرهه بعض، وإن توضّأ فجائز، إلا أن يقع عليه اسم مضاف، كأن يقال: ماء للثوران، ولا يسمّى مطلقا، فلا يتوضّأ منه، والله أعلم.
مسألة: كان الربيع يكره أن يستنجي في النهر. وعن موسى: إنّه لا بأس بالبول في الماء الجاري. وكره بشير البزاق في النهر. وقال عبد الله بن القاسم: إن وضعت فيه الغائط، فلا بأس، وكان بعض الناس، لا يلفظ الماء الذي يتمضمض به في الفلج. (1/183)
صفحة 184
رخّص بشير في ذلك. قال هاشم: الماء الجاري قد استقام رأي الناس، أنّه لا بأس به.
مسألة: وإذا لم يكن الأخبثة واحدة في ساقية، يسحبها حتّى جرت؟ جاز له أن يستنجي فيها فيما قيل. قيل: فإن كان الماء متّصلا في الحصى وجبا منقطعة، إلا أنّه لو كان متّصلا فوق الحصى، لم ينجس، هذا يكون حكمه حكم الماء الجاري؟ قال: نعم، هو عندي متّصل، إذا تبيّن ذلك من أمره. قيل: فإذا كان الماء غزيرا، فتغيّر لونه ممّا يلي الأرض، من أسفل وأعلى، صافيا وكلّه موضع واحد. ما حكمه؟ قال: طاهر، وإنّما يفسد من الماء الكثير، ما غلب عليه حكمها بعينها.
مسألة: عن شبكة ماء في الوادي، يطمئن القلب أنّ مائها يجزي من تحت الحصى. (1/184)
صفحة 185
هل له أن يغسل فيه النجاسة؟ قال: نعم، في حكم الاطمنانة، وأمّا في الحكم، فلا يجوزه. قال أبو سعيد: الحكم حكمان، اطمنانة وحكم الطاهر.
مسألة: والماء الراكد على ضربين: راكد قليل، وراكد كثير. والخبر إذا سلّم طريقه، وصح نقله، فالنهي عن القليل، لا يحمل النجاسة لقلّته. ويؤيّد ذلك قوله (ص): الماء لا ينجسه شيء. يريد والله أعلم، أنّه لا ينجسه شيء لكثرته وغلبته على النجاسة.
مسألة: وكلّما حرك من طرفه، رجع ولم يتحرّك من الطرف الآخر، فقد جاء الأثر فيه، أنّه كثير لا ينجسه شيء؛ لأنّ اتصاله يقوم مقام الجاري. ولولا ذلك لكان قبيحا، أن يتّصل الماء ثلاثة أميال، ويكون نجسا كلّه. (1/185)
صفحة 186
قال أبو محمّد: والتقدير في حركة الماء لا وجه له؛ لأنّ الحركة تختلف حركة الثقيل، غير حركة الخفيف.
مسألة: وما ينقطع في السواقي من الماء، بعد أن يرفع من الفلج، فلا بأس أن يتوضّأ منه بلا استنجاء فيه، ولو لم يجر إذا لم يعلم به بأسا. وقال بعض: إذا كان متّصلا في طول الساقية، وهو قائم، بقدر ما إذا حرّكه من طرفه، لم يتحرّك من الطرف الآخر، فهو كثير لا يفسده شيء، ولو لم يكن جاريا.
مسألة: والبئر الكثيرة الماء التي لا تنزح، فإنّها لا ينجسها شيء. وفي موضع: البئر إذا لم يكن تنزح، فلا ينجسها مثل الفأر والعصفور، إذا ماتا فيها. انقضى الذي من كتاب المصنف. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/186)
صفحة 187
باب:
في الأمواه وفي شراء الماء وفي الاستنجاء من الغائط والبول وفي المقرن والمسترسل البول وما أشبه ذلك
ثبت أنّ رسول الله (ص) قال: في البحر الطهور ماؤه الحل ميّته. فمن روينا عنه قال: ماء البحر طهور. ذلك أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب، وابن عبّاس وغيرهم. وقد روينا عن ابن عمر أنّه قال: في الوضوء من ماء البحر التيمّم أحبّ إليّ منه. وعن أبي ابن عمر أنّه قال: لا يجزئ من الوضوء ولا من الجنابة التيمّم أعجب إليّ منه. قال أبو سعيد، معي: إنّ معاني الاتفاق يوجب في قول أصحابنا، إثبات إجازة التطهّر بماء البحر، وأنّه من الماء الطهور المطهّر. ولا معنى للمعارضة للقول في ماء البحر؛ لأنّ الماء كلّه ماء، ما لم يثبت ما مضى.
قال غيره: معنى المياه، فإن كان لمعنى إضافة إلى البحر، فكذلك ماء النهر مضاف إلى النهر. (1/187)
صفحة 188
ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: الماء الساخن داخل في الميّاه. وممّن روينا عنه: إنّه رأى الوضوء بالماء الساخن، عمر بن الخطّاب وابن عبّاس، وكثير غيرهم. غير أنّ مجاهد كره الوضوء بالماء المسخّن، وأجمع كلّ من يحفظ عنه من أهل العلم، على أنّ الوضوء غير جائز بماء الورد وماء الشجر وماء العصفر. قال أبو سعيد: إذا وجد الماء الطهور، فهو أولى من الميّاه المضافة ومياه الأشجار وغيرها، وإذا لم يوجد الماء الطهور، ووجد الماء المشبّه للماء الطهور، بمعنى استدلّ به، أنّه يزيل معنى ما يزيل الماء الطهور، أو يقوم مقامه في غسل نجاسة أو ضوء، فلا معنى لتركه بعد وجوده، قد أشبه بالاسم والمعنى المراد، ويلحقه في ذلك عندي معاني الاختلاف، أن يكتفيا به دون التيمّم، ويستعمل مع التيمّم. ويعجبني في الاحتياط أن يستعمل مع التيمّم.
مسألة: ومن كتاب المصنف: والوضوء بالماء المسخّن جائز. (1/188)
صفحة 189
وبه قال عمر وابن عمر وابن عبّاس، وجائز بالشمس، ويكره عن طريق الطب.
ومن كتاب: أجمع كلّ من يحفظ قوله، على أنّ الوضوء بالماء الآجن من غير نجاسة، جائز غير ابن سيرين. قال أبو عبيدة: الآجن: الذي يطول مكثه بالمكان، حتّى يتغيّر طعمه أو ريحه. وقال أبو سعيد: ما ثبت اسم الماء وجوهره، على ما وصفنا، فلا يضرّه إبطاؤه في الإناء ولا غيره من البقاع، وهو ماء طهور؛ لأنّه لا اعتراض بقول يزيله عن حكمه، بذلك من المعاني ولا بغيرها.
مسألة: وعن أبي الحواري: وعن رجل يتوضّأ أو يغسل بماء، قد استعمل الجارحة أخرى، أو بماء قد غسل به جرجر، أو وضع فيه غزل نسج به، أو إناء غسل به من طعام أو غيره، أو ماء قد طبخ فيه بسر. (1/189)
صفحة 190
أو ماء وزق فيه خوص أو غضف، ولم يجد ماء غيره، أو قد وجد غيره، وتوضّأ به وصلّى. فعلى ما وصفت: لم يجيزوا أن يتوضّأ بالماء المستعمل، مثل الذي يقطر من الوضوء والغسل. وكذلك الذي يغسل به الإناء، ويطبخ به البسر، فلا يجوز الوضوء بذلك. فمن توضّأ من ذلك وصلّى، كان عليه إعادة الصلاة، وأمّا الذي وزق فيه الغزل والجرجر والخوص والغضف؟ فمن توضّأ بشيء من هذا وصلّى، تمّت صلاته، وما نحب له أن يفعل. فإن فعل، فقد تمّت صلاته، وجد غيره أو لم يجد؛ لأنّ هذا على حاله، وهو عندنا مثل من الماء المستعمل. فمن وجد ماء مستعملا، مثل ما وصفت، من طبيخ البسر غسل الإناء، ومن لم يجد ماء غير هذا، قلنا: يتوضّأ به، ثمّ يتيمّم ثمّ يصلّي، فأمّا الذي يجد الماء الذي قد قطر من المتوضّئ، أو من الغاسل، فإنّه يتيمّم ولا يتوضّأ بذلك الماء؛ لأنّ ذلك الماء قد هلك. (1/190)
صفحة 191
مسألة: ومن الزيادة المضافة: وسألته عن الماء، إذا كان فيه بعر غنم، أو روث كثير، أو بسر، أو نيق، أو خوص، وكان ذلك غالبا على طعمه ولونه. هل يجوز أن يتوضّأ به؟ قال: يجوز أن يتوضّأ به، إلا أن يصير الماء إلى حد، يكون مستهلكا بالذي يكون فيه، كماء العشرق أو الباقلاء، ويصير مضافا إلى الذي هو فيه. (1/191)
صفحة 192
فصل: في الماء
وسألته عن الماء القائم، شرب منه أو مسّه. هل ينجسه؟ قال: لا. إلا أن يرى فيه نجاسة. وكذلك إن توضّأ منه للصلاة، فلا بأس إلا أن يرى فيه نجاسة. قال: الماء طاهر، حتّى نعلم أنّه نجس.
مسألة: قد قال محمّد بن محبوب: في الكلب إذا دخل ماء نظيفا، مثل فلج جاري أو حبة من ماء غزير، لا ينجسها شيء، ثمّ بزر منها فانتقض، فطار بإنسان من ماءه، أنّه لا بأس عليه في ذلك، في هذه المسألة نظر، وعندي أنّه نجس.
مسألة: وعن أبي إبراهيم: فيمن وجد ماء منقطعا، في ساقية فشحب من واحدة إلى واحدة. فلمّا أجرى الماء، قصد إليه فتوضّأ منه. (1/192)
صفحة 193
قلت: هل يجوز له ذلك؟ قال: نعم.
قال غيره: وكذلك لو لم يكن إلا حبّة واحدة في ساقية، فشحبها حتّى جرت، جاز له أن يستنجي فيها. وفيما قيل: وإن كان ماء مجتمعا قدر خمس قلال، فقد يوجد عن بعض أهل العلم، وأحسب أنّه سعيد بن محرز –رحمه الله-: إنّ ذلك لا ينجسه إلا ما غلب عليه من النجاسة، بلون أو طعم أو رائحة، ذلك على معنى قول ابن جعفر، والله أعلم. وقال من قال: لا بأس في الرائحة وهو العرف، والله أعلم.
مسألة: قال أبو سعيد: إذا كان الماء قدر أربعين قلّة، لم يفسده شيء. قلت له: فما حد الجرار؟ قال: أوسط الجرار. وقال من قال: إذا يسع قدر خمس مكاكيك. وقال من قال: جرى. (1/193)
صفحة 194
مسألة: عن شبكة في واد وماؤها يتسرّب من تحت الحصى. قلت: هل يستنجي فيها؟ قال: لا حتّى تفيض من فوق الحصى.
مسألة: وقيل: إذا كان الماء تستبين جريته، قليلا كان أو كثيرا، إذا استبان مشيه وجريه، جاز أن يتوضّأ منه، ويستنجي فيه.
مسألة: وقد قيل عن بعض الفقهاء: وعن أبي عبيدة –رحمه الله- أنّه قال: إذا كان الماء أكثر من البول، لم يفسده، والله أعلم.
ومن غيره: وكذلك يوجد عن أبي معاوية، يرفع ذلك عن بعض المسلمين: إنّه إذا كان الماء أكثر، لعلّه من البول، فلا يفسد الماء.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ: وعن رجل توضّأ في ماء واقف. (1/194)
صفحة 195
هل يصح وضوئه؟ قال: إذا كان الذي يقطر منه، ويتمسّح به من الثلث، فما دونه فقد صح وضوئه.
مسألة: وقالوا في الماء الراكد، يدخله ماء جاري: إنّ في ذلك اختلافا. قال من قال: إنّه ماء جاري ولو وقل. قال بعض: حتّى يكون ماء كثيرا، لا ينجسه شيء، وذلك إذا كان صفا بصاروج، لعلّه أراد بصاروج لا ينشف، وأمّا إذا كان يخرج منه ولا يدخله، فحكمه حكم الجاري، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
مسألة: أحسب عن أبي سعيد: وسألته عن الثوب إذا صيغ بشوران أو زعفران نجس. والنجاسة الحالة في الصبغ م الذوات، أو غير الذوات، فغسل ذلك الصبغ في ماء جاري، فقلب الصبغ على الماء. أيكون الذي غلب عليه الصبغ، غالب عليه طاهرا أم نجسا؟ (1/195)
صفحة 196
قال: لا يبيّن لي نجاسته إذا كان ممّا لا ينجس، حتّى يغلب عليه النجاسة من الذوات، لا من الذوات الطاهرة، الحالة فيها النجاسة. قلت له: وكذلك التبخ والنيل والسمد، هو مثل الثوران والزعفران. قال: هكذا عندي.
مسألة: وسألته عن شبكة في الوادي فيها ماء، ويطمئن القلب، أنّ ماؤها يجري من تحت الحصى. هل يجوز أن يغسل فيه النجاسة؟ قال: نعم، في حكم الاطمنانة، وأمّا في الحكم، فلا يجوز. وقال أبو سعيد: الحكم حكمان. حكم اطمنانة، وحكم الظاهر. (1/196)
صفحة 197
فصل: في شراء الماء
ومن الكتاب: وإذا وجد الماء بثمن، وكان الثمن يحجف به من ذهاب نفقة أو راحلة أو خشي عند إخراج ذلك الثمن من يده على نفسه، لم يكن عليه شراء الماء وتيمّم، وهذا لا تنازع فيه بين الناس، فيما علمنا. فإذا وجده بثمن يجد مثل الماء، بدون ذلك الثمن، لم يكن عليه شراؤه، ويعدل إلى الماء الذي بدون ذلك الثمن، إذا كان الوقت قائما. فأمّا إذا لم يجد إلا ذلك الماء، فالواجب عليه شراؤه؛ لأنّ ثمن المطلوب منه، وحيث لا ماء غيره. كذلك لو جاء إلى بئر، وليس عنده حبل ولا دلو؟ وجب عليه شراء الحبل والدلو، ليتوصّل إلى الماء، إذا وجد السبيل إلى شرائهما، وبالله التوفيق.
مسألة: قال أبو سعيد: أمّا شراء الماء، عندي في قول أصحابنا، في بعض ما قيل: إنّه ليس عليه أن يشتريه بأكثر من ثمنه وقيمته. وفي بعض قولهم: إنّه إذا كان يقدر على ثمنه ولا يخاف الضرر على نفسه، كان عليه أن يشتريه، إذا وجد الوضوء والغسل. فأمّا إذا خاف على نفسه الضرر، لم يكن عليه أن يشتريه. (1/197)
صفحة 198
فصل: في الاستنجاء من الغائط والبول
قلت له: فالرجل إذا استنجى، عليه أن يدخل أصبعه في دبره، مبالغة في النظافة أم لا؟ قال، معي: إنّه قيل: ليس عليه، وإنّما عليه أن يغسل ما ظهر من الحلقة الظاهرة وما يليها، من خارج ما أدركته حواسه. قلت له: فالمرأة إذا استنجت، عليها أن تدخل أصبعها في قبلها؟ قال، معي: إنّه قيل: إنّ الثيب عليها أن تدخل أصبعها في الفرج الحيض والجنابة والجماع. وأمّا إذا استنجت من البول، فليس عليها أن تدخل أصبعها، وإذا مسحت من الحيض والجنابة، فلا تؤذي الولد إن كانت حاملا. قلت: فالبكر كيف تستنجي؟ قال، معي: إنّها تغسل ما ظهر من الفرج، من جميع الطهارة.
مسألة: ومن كتاب شرح الجامع: وليس عندنا على من استنجى من غائط وبول، أن يدخل في كو الذكر والدبر. (1/198)
صفحة 199
وإنّما عليه أن يغسل ما ظهر منه. وقال بعض أهل العلم: إنّه يجب إذا استنجى أن يكون ثقب الذكر مسندا. قال أبو محمّد: هذا الذي ذكره كما ذكر؛ لأنّ الإنسان يتعبّد، بتطهير ما ظهر دون ما بطن، والمستحب له أن يرتخي الاستنجاء، لتكون الطهارة أبلغ، وليس بواجب ذلك عليه، أمّا قوله: قال بعض أهل العلم: إنّه يجب أن يكون ثقب الذكر مسندا، فلا أعرف وجه قوله في ذلك، ولم يحفظ فيه سنّة ولا أثر من أهل العلم.
مسألة: من كتاب الشرح: وأمّا قوله: وعنه فيمن أراق البول، لم يفض بوله على سمة ذكره، أنّه لا استنجاء عليه. وكذلك إن خرج الغائط، بلا أن يفيض منه شيء، فهو كما قال: إذا رمي رميا، لم يطهّر ولم يبق له على ظاهر البدن شيء من النجاسة، لم يبن لي عليه غسل ذلك الموضع؛ لأنّه متعبّد بغسل ما ظهر من النجاسة دونا ما بطن. (1/199)
صفحة 200
وأمّا قوله: وحفظ لنا الثقة عن موسى بن علي –رحمه الله- قال: الاستنجاء من الغائط عشر مرّات، والاستنجاء من البول خمس مرّات، وأمّا الذي ذكره عن موسى بن علي، فلا تحفظه عنه، ولا عن ثقة رفعه إلينا، وهذا تجديد يدلّ على إغفال صاحبه، عن وجه التعبّد بطهارة النجاسة، وأمّا قوله: وقال غيره: ثلاث مرّات، ولم يجعل من الغائط حد، إلا حتّى يطهّر؛ لأنّ طهارة تلك تختلف لحال القليل والكثير. فأمّا محمّد بن محبوب فقال: إن قعد في نهر وعرك، في موضع الغائط ثلاث مرّات، ولا نعلم أنّه بقي من الأذى شيء، أجزأه ذلك. قد قلنا: إنّ غسل الغائط والبول فيه إعادة فطهارة، فالعدد الذي حدوده للغائط، لا وجه له من قبل، أنّ العبادة إزالة النجاسة، مع كمال العدد، الذي ذكره النبيّ (ص) في الاستجمار، وفي غسل اليد، عند إصابتها للحدث في حال النوم. فإذا طهّر المكان وزالت عين النجاسة بدون الثلاث، لم يكن بد من استكمال العدد الذي تعبّدنا به. (1/200)
صفحة 201
وإن كمل العدد والنجاسة باقية، ففرض الطهارة باق، إلى أن ينتهي بذلك إلى تطهير النجاسة، ولا نهاية لعدد في ذلك، والله أعلم، وأمّا ما بقي في اليد من العرف، بعد الغسل، فلا يرى به بأسا. وكذلك حفظت عن أبي صفرة: أمّا الذي ذكرته من العرف، الباقي من الثوب أو البدن أو غيره، إذا صحّت الطهارة له، وإذا لم يكن اللون والرائحة، شيء من حكم النجاسة؛ لأنّ النجاسات أجسام، والأجسام لا تتنجّس.
ومن الكتاب: ومن جامع ابن جعفر: وقيل: لسان الماء السائل من الاستنجاء يفسده، وما سال بعد ذلك، فلا بأس به. قال أبو محمّد: الذي ذكره من لسان الماء، وما اتصل معه، من النجاسة، وامتزج به منها، والماء قليل، فأمّا لسان الماء الذي فيه شيء من نجاسة الاستنجاء، أو تتابع الماء بعده، حتّى كثر، فحكم النجاسة، يرتفع بغلبه الماء الطاهر عليه، إذا كثر. ولو كان لسان الماء يكون نجسا في ابتداء به، وفي حال تكاثر الماء الطاهر عليه، لوجب أن يكون نجسا، ولو دفع السيل خلفه، أو بلغ من قرية إلى قرية، ولا أظنّ هذا يقول به قائل من أهل العلم، والله أعلم. (1/201)
صفحة 202
مسألة: ومن غير الكتاب: وعن من يستنجي من ماء، فيمسّ ثوبه لسان الماء، وهو يستنجي، ثمّ مرّ عليه بعد ذلك الماء الطاهر، فرووا عن بعض الفقهاء: إنّه قد طهر. قال: وأنا يعجبني أن يغسله.
مسألة: قال المضيف: وقد وجدت عن الربيع بن حبيب، أنّ الماء الذي يصيب ثوب الرجل وهو يستنجي، فلا بأس، أنّه إذا استنجى أكثر من ثلاث نضحات، كان هذا الماء المؤخّر طهور الأوّل، ولو كان الماء مستنقعا.
مسألة: وقيل: على المرأة تدخل يدها في فرجا، للاستنجاء من الجنابة والحيض. وأمّا البول، فليس عليها ذلك من البول. (1/202)
صفحة 203
مسألة: وعن شيخ زمن أو رجل مريض. هل تطهّره وتنجسه ابنته، أو ابنه، أو أخته، أو الرجل الغريب أو القريب، أو من حرم عليه نكاحه. هل يجوز له أن يطهّره أو ينجيه أحد من هؤلاء؟ قال: أحفظ عن جعفر، وأظنّه كان يرويه عن أبي يزيد. قال: لا ينجي الرجل إلا امرأته أو أمته، ولا ينجي المرأة إلا زوجها، وهذا أحبّ إليّ. وقال أب عبد الله: إذا كان مضطرا، فلا بأس بذوات المحارم، أن يلقين ويوضين، وكذلك الآباء.
مسألة: وقال أبو معاوية: غسل البول والغائط بالماء واجب بسنّة النبيّ (ص)، وإجماع الناس على غسل الأذى، الذي يكون في الإنسان، قبل الوضوء، والبول والغائط من أشدّ الأذى. (1/203)
صفحة 204
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: والمستحب الاستنجاء بالشمال، لما روي عن النبيّ (ص) أنّه قال: «اليمين لما على والشمال لما سفل». قال المضيف: لعلّه يعني لما على للأكل، لما سفل للاستنجاء، الله أعلم. (رجع). ويستحبّ للاستنجاء أن يبدأ بالقبل قبل الدبر. فإن بدأ بالدبر قبل القبر، فجائز. وفي موضع: ومن شكّ في غسل البول، وهو في غسل الغائط، لم يجاوزه حتّى يحكمه، أنّ الاستنجاء واحد؛ لأنّه بما شاء بدأ منهما، ومن شكّ في الاستنجاء، أنّه لم يحكمه أو لم يغسل، فلا يرجع إليّ الشك.
مسألة: وسألته عمن يريق البول. هل عليه غسل الفرجين جميعا، مثل ما يلزمه من غسلهما، عند غسل الجنابة. (1/204)
صفحة 205
قال: ليس عليه بغسل، إلا موضع البول، إذا لم يكن منه غير البول. وقلت: فإن خرج من رجل ريح. هل عليه من ذلك استنجاء؟ قال: لا. (1/205)
صفحة 206
فصل: في المقرن والمسترسل البول
وعن موسى بن علي قال: إذا كان الرجل يقطر بوله، لا يحتبس فيجعل كيسا، أو شيئا يجعله فيه، ثمّ يتوضّأ ويصلّي. قال أبو محمّد: الذي سمعناه، أنّ الواجب على من لم يستمسك بوله، أنّ فرض طهارة الماء لازمة، وإن قطر بوله. فإنّه يكون متطهّرا، مع تقطير البول، إذ لا يستمسك بوله. فإن أمكنه أن يصون ثيابه شيء عنه؟ فالواجب عليه فعل ذلك، والله أعلم.
ومن جامع ابن جعفر: ثلاثة لا يطهّرهم الماء: الحائض، والمقرن، والأقلف الذي يتبعه البول والغائط. قال أبو محمّد: إنّ الطهارة لا تصح من الحائض. (1/206)
صفحة 207
فهي كذلك؛ لأنّها لا تكون متطهّرة بالماء، واسم التطهّر لا يحصل لها إلا بعد ارتفاع حيضها، وانقطاع الدم منها، وأمّا الذي يتبعه البول والغائط. فإنّ الطهارة لا تصح في حال ظهور الغائط والبول، فأمّا إذا ارتفعا، فإنّ الطهارة تصح منه، أنّ من كان البول والغائط، لا يفتر خروجهما منه، فإنّه ماء مس بالتطهّر للصلاة، مع دوام خروجهما، ولا يجوز أن يكون مأمورا بالتطهّر، ولا يصح له ما أمر بفعله. فإذا كان مأمورا بفعل ذلك، ففعل ما أمر به وامتثله، فقد استحقّ اسم المتطهّر، والله أعلم.
مسألة: وقيل: ثلاثة لا يطهّرهم الماء: الأقلف والحائض (1/207)
صفحة 208
والمقرن. قلت له: المقرن ما هو؟ قال: الذي يزحمه البول والغائط جميعا. قال حيان: كأنّه مصروفا في ثوبه. وقال غيره: وقد قيل: المقرن الذي يدافع البول والغائط، مدافعة، يشغل ذلك عن حفظ صلاته أو شيء منها، فذلك المقرن. (1/208)
صفحة 209
باب: فيمن كان معه ماء قليل لا يجزيه لغسل نجاسة أو لغسل ثيابه أو جنابته أو وضوئه وفي الجنب والميّت ومن منهما أولى بالماء وما أشبه ذلك
قال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا، يخرج عندي لمن كان معه ماء قدر، ما يتوضّأ به وثوبه نجس. فإن غسل ثوبه، لم يبق له ما يتوضّأ به، وإن توضّأ، لم يبق له ما يغسل به ثوبه، أنهم يختلفون في ذلك؟ فبعض يقول: ليتوضّأ ويلملم ثوبه ويصلّي. وبعض يقول: يغسل ثوبه ويتيمّم ويصلّي. ويعجبني غسل الثوب للإجماع على تيمّم البدن، والاختلاف في تيمّم الثوب، وكذلك النجاسة في البدن، من غائط أو غيره. وكان الماء لا يجزي غسل النجاسة والوضوء، يجزي أحدهم. (1/209)
صفحة 210
فالاختلاف فيه من قولهم واحد. ويعجبني الاستنجاء وغسل النجاسة من البدن والتيمّم للوضوء، ولثبوت ذلك مجتمعا عليه، والاختلاف في النجاسات؛ ولأنّه لا ينعقد الوضوء ولا التيمّم، إلا بعد إزالة النجاسات، بما قدر عليه، من إزالتها. وكذلك في معنى التيمّم، عند عدم الماء في معاني قولهم: إنّ عليه أن يزيل ما قدر على إزالته من النجاسات، من بدنه وثوبه. ويكون له ذلك بحك أو مت أو كسى اليابس منه، ثمّ يتيمّم بعد ذلك، ويلمام ثوبه يصلّي.
ومن الكتاب: ولو كان رجلا محدثا، ومعه ماء قليل، وليس عنده غير ثوب نجس، والماء لا يكفيه لحدثه، وطهارة ثوبه، كان له أن يستعمله لحدثه إن شاء، وإن شاء لطهارة ثوبه؛ لأنّ تطهير الثوب فرض، ذلك لقول الله تبارك وتعالى: {وثيابك فطهّر}. فالطهارة من الحدث بالماء، فرض عند وجوده لقوله تعالى: {وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية. (1/210)
صفحة 211
قال بعض أصحابنا: إنّه يستعمل الماء لحدثه، ويصلّي بالثوب.
مسألة منسوبة من كتاب جوابات الشّيخ أبي سعيد –رحمه الله-: وعن رجل جنب، ومعه ميّت، وعندهما ماء يغنى غسل أحدهما. من أولى بالغسل منهما؟ قال، معي: إنّه إذا كان الماء للجنب، اغتسل به. وإن كان للميّت، طهّر به. قلت له: فإنّ القوم وجدوا ماء مباحا وفيهم ميّت وفيهم جنب والماء قليل. ما يغسل به أحدهما أيّهما أولى أن يغسل به؟ قال، معي: إذا كان الماء مباحا، كان عندي أنّ الجنب يغسل به.
قلت له: فإن كان الماء شركة بين الجنب والميّت، ولا يسعه فيه لغسلهما جميعا؟ قال، معي: إنّه يغسل به الجنب، ويضمن لورثة الميّت حصّة صاحبهم من الماء.
مسألة: من الزيادة المضافة: وإن كان جماعة، وليس معهم ماء إلا ما يكفي واحدا. (1/211)
صفحة 212
فإن كان لهم إمام لصلاتهم، فليدفعونه إليه، وبالله التوفيق.
ومن كتاب المصنف: وإذا تغوّط المسافر ومعه ماء قليل، لا يكفيه لوضوئه كلّه. ففي ذلك اختلاف: فقول ابن جعفر: يستنجى ويتيمّم لوضوئه. قال أبو محمّد: استحسنه بعضهم. وقيل: له أوّل الطهارتين. وقول: يتمسّح ولا يستنجي. قال أبو الحسن: والأنظر عندي، أنّه يتمسّح ولا يستنجي بالحجارة إن أمكنه. قال أبو محمّد: اختار بعض هذا؛ لأنّ الأعضاء لعلّه غسل فرض، والاستنجاء ليس بفرض.
مسألة: وكذلك إن كان معه ماء، لا يغنيه لكلّ أعضائه؟ غسل ما نال منها الماء، وتيمّم أيضا لما بقي من أعضائه. وكذلك إن كانوا جماعة، ليس معهم ماء، إلا ما يكفي واحدا. فإن كان لهم إمام صلاتهم، فليدفعونه إليه. (1/212)
صفحة 213
مسألة: ومنه قال: والذي عندي أنّ غسل الجنابة، مع وجد الماء فرض، غسل الأعضاء بالماء فرض مع وجوده. فإذا اجتمع على المتعبّد فرضان بطهارة الماء، ولم يجد إلا لأحدهما، كان مخيّرا أن يوقعه فيما شاء منهما، والله أعلم. وفي موضع بيدي يغسل النجاسة.
مسألة: ومن كان معه ماء قليل، وكان جنبا ومعه ثوبه نجس؟ فإنّه يبدأ بغسل جسده من الجنابة والطهارة للصلاة. فإن بقي منه شيء غسل ثوبه، وإلا فلا شيء عليه، أنّ الله أمره حين يقوم للصلاة، أن يغسل جسده إن كان جنبا، وأظنّ عن محبوب يغسل ثوبه ويتيمّم.
مسألة: ومنه: سئل أبو يحيى، عن رجل كان معه ماء قليل، ومعه ثوب فيه دم، وتحضره الصلاة. قال: يتوضّأ بالماء، ويدع الدم. (1/213)
صفحة 214
قال أبو يحيى: وقال الكوفيون: يغسل الدم بالماء، ويتصاعد ويصلّي. وقال أبو الحواري: كلاهما يعجباني من أحدهما كلاهما جائز.
مسألة: ومنه أبو محمّد: وإذا كان عند المسافر رجل من أهل الفضل، أو ممّن يجب عليه إكرامه أو والده، وعنده ماء قليل، فلا يجوز أن يعطيه الماء الذي له ويتيمّم. فإن فعل ذلك في موضع لا يرجو فيه الماء، حقّت عليه الكفارة. وإن كان يطمع أن يلحق الماء، فلا بأس عليه إن شاء الله. انقضى. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/214)
صفحة 215
باب في الوضوء وفي النيّة وفي ترك اسم الله عند الوضوء فيمن توضّأ للنافلة وأراد أن يصلّي به الفريضة أو لفريضة، وأراد أن يصلّي به النافلة وغيرها
ومن جامع أبي محمّد: الفرائض في الطهارة للصلاة ست خصال: الماء الطاهر، والنيّة، غسل الوجه واليدين، مسح الرأس، وغسل القدمين. الحجّة في وجوب النيّة، قول الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}. والنية عقد بالقلب وعزيمة على الجوارح، والحجّة في وجوب التطهّر بالماء، قول الله –عزّ وجلّ-: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}. (1/215)
صفحة 216
والحجّة في وجوب غسل الأعضاء، قول الله –عزّ وجلّ-: {يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} والسنّة في الوضوء للصلاة ستّ خصال: التسمية وغسل اليدين والاستنجاء والمضمضة والاستنشاق والمسح للأذنين. والحجّة في التسمية، قول النبيّ (ص): «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه». والفائدة في هذا ما لا ينصرف الإنسان من الطاعات، فأرشدنا (ص): إنّ الاعتصام بذكر الله. في ذلك يصرفنا فيما أردناه من الطاعات لله –عزّ وجلّ-. والحجّة في غسل اليدين قوله –عليه الصلاة والسلام-: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الماء حتّى يغسلها ثلاثا فإنّه لا يدري أين باتت يده». (1/216)
صفحة 217
والحجّة في الاستنجاء بظاهر التنزيل. ذلك ما أثبته من المدح لأهل قباء، قول الله تبارك وتعالى: {فيه رجال يحبّون أن يتطهّروا والله يحبّ المتطهّرين} والحجّة في المضمضة والاستنشاق، وهو ما نقل عن النبيّ (ص) من فعله مواظبا عليه، وأنّه كان يبدأ بهما قبل الأعضاء، فهذه سنّة منقولة إلينا عنه، عملا في الليل والنهار، والحجّة في مسح الأذنين، مستنبط من الإجماع، وهو أنّهم أجمعوا جميعا، أنّ الماسح عليهما، لا يجزيه من المسح على رأسه. والمحرم لا يجزيه الأخذ من شعريهما، عن تقصيره في إحرامه، فدلّ هذا أنّ حكمهما خارج من حكم الرأس وحكم الوجه، وقد أجمعوا بعد إجماعهم، على أن ليس على المتيمّم أن يمرّ يده عليهما، مع مسح الوجه، فالإجماع يدلّ على خروجهما، من حكم الرأس وحكم الوجه، فصارتا بهذا الدليل سنّة على حيالهما، وبالله التوفيق.
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء: قال الشافعي: الوضوء يجمع فرضا وسنّة وهيئة. (1/217)
صفحة 218
فالهيئة غسل اليدين قبل إدخالهما الماء والتسمية، وتسمّى هيئة؛ لأنّها سبب إلى الطهارة، والله أعلم.
مسألة: وروي عن النبيّ (ص) أنّه قال: إذا أردتم الوضوء فضعوا الإناء عن أيمانكم وأفيضوا منه على يساركم واغسلوا أيديكم ثلاث مرّات وقولوا بسم الله العظيم الحمد لله على الإسلام.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: قال الله تبارك وتعالى في كتابه: {يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطّهروا}. وقيل: لا يحافظ على الوضوء منافق. ولا تقبل صلاة بغير طهور، والوضوء أن يذكر اسم الله عليه، ثمّ يبدأ بكفّيه فيغسلهما، ثمّ يتمضمض ثمّ يستنشق ثمّ يغسل وجهه، (1/218)
صفحة 219
ثمّ يغسل يديه إلى المرفق، ثمّ يمسح رأسه، ثمّ أذنيه، ثمّ يغسل رجليه إلى الكعبين، وكلّ عضو يغسل ثلاثا، وإن زاد أو نقص، فلا بأس إذا أسبغ الوضوء.
من غيره قال: لا تقبل صلاة بغير طهور، ويروى ذلك عن النبيّ (ص) وقيل عنه أنّه قال: «لا صلاة لمن لا طهور له». وقال (ص): «إنّ الوضوء نصف الإسلام». وبلغنا أنّ الطهور من السرائر، وبلغنا أنّه لا يحافظ على وضوئه منافق. حدثنا أنّ رجلا توضّأ على عهد رسول الله (ص) وترك موضع درهم من رجله، ثمّ صلّى. فقال رسول الله (ص): «إنّ الوضوء نصف الإسلام فإذا توضّأت فاسبغ وضوءك». ثمّ أقبل على أصحابه، (1/219)
صفحة 220
فقال: وأنتم فاسبغوا وضوءكم أجمعين. فتوضّأ الرجل وأعاد صلاته. وبلغنا أنّ النبيّ (ص) كان يقول: «من لم يسبغ الوضوء بعث الله يوم القيامة عقاب وحيّات ينهشن ويلدغن ما ترك في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتّى يقضي بين العباد». قال: «ما من شعرة لا يمرّ عليها الماء إلا استقلّت يوم القيامة». ويروى أنّ ذلك في الغسل من الجنابة. وبلغنا أنّ النبيّ (ص) كان يقول: «خلّلوا أصابعكم قبل أن تخلّل بمسامير من النار». ويقول: «ويل للأعقاب من النار». ويقال: «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن».
مسألة: من الزيادة المضافة: قال أبو سعيد: قد قيل: لا تثجوا الماء ثجاوبثوه بثا. قيل: وما تفسير البث؟ قال: هو عندي، أن يؤخذ ماء قليل، فيبث على الجارحة لمسحها أو غسلها. (1/220)
صفحة 221
مسألة: من كتاب الضياء: وما من مسلم كان على وضوء، إلا سبحت أعضاؤه واستغفر له ملكاه، وكان في عبادة وأحبّته الحفظة، وقيل: الطهارة قرّة عين المسلم. وفي الخبر: إنّ المؤمنين يوم القيامة يكونون غرا محجلين وذلك علامة لمواضع وضوئهم. وعن أبي هريرة: إنّ النبيّ (ص) قال: «أنتم الغر المحجّلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته بالماء فليفعل». ومعنى قوله (ص): يطيل غرّته بالماء: يريد إسباغ الوضوء، وإسباغ الوضوء في اللّغة هو المبالغة فيه، أي يعمّ الجارحة بالوضوء، ومعنى قوله: الغر يعني البيض، أي أنّ الله يحشرهم وقد بيّض وجوههم، كما يجعل مواضع الطهور لها، فضلا في الحسن والبياض. (1/221)
صفحة 222
مسألة: وروي عن النبيّ (ص) أنّه قال: أوّل من علّمني الوضوء جبريل (ص).
مسألة: ويستحبّ الاقتصاد في الماء، ويكره السرف فيه، لما روي عن النبيّ (ص) أنّه مرّ برجل وهو يغرف من النهر ويسرف، فقال (ص): لا تسرف. فقال: يا رسول، ومن النهر أيضا. فقال (ص): ومن النهر. ولا بأس بقلّة الماء، إذا عمّ الجوارح. فقد روي أنّ النبيّ (ص) لا يتوضّأ. قال المضيف: لعلّه أراد كان يتوضّأ بماء لا يبل الثرى. وعنه (ص) قال: «اعلموا أن أحبّ الوضوء إلى ما أخفّ وأكرهه إليّ ما ثقل». وإتمام الوضوء إسباغه في مواضعه، وخيار أمّتي الذين يتوضّؤون بالماء اليسير، فإنّ الوضوء يوزن وزنا. (1/222)
صفحة 223
فما كان بتقدير وسنّة رفع وختم، تحت العرش، فلا يكسر إلى يوم القيامة، وما كان منه بإسراف أو بدعة، لم يرفع، وتوضّؤوا بالمد واغتسلوا بالصاع.
من منهج الطالبين: وعن بشير: إنّ الإنسان إذا انغمس في الماء، حتّى يرطب بدنه كلّه، أنّه يجزئ. قد جاء في الخبر، عن النبيّ (ص) أنّه قال: «يجزئ في الوضوء مد». وهو ربع الصاع. قال: وأحسب أنّه قال: «وسيأتي أقوام من بعدي يستغلّون ذلك أولئك على خلاف سنّتي». ويقال: إنّ ذلك من وهن علم الرجل وأوّل ما يبدأ الوسواس من قبل الطهور. (1/223)
صفحة 224
فصل: النيّة للطهارة
قال أبو بكر: ثبت أنّ رسول الله (ص) قال: إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ ما نوى. وكان قوم يقولون: لا يجزئ وضوء من لم ينو الطهارة. وقال الثوري وأصحاب الرأي: يجزئ الوضوء بغير نيّة، ولا يجزئ التيمّم إلا بنيّة. قال أبو سعيد: التواطئ من قول أصحابنا، على أنّه لا تجوز الأعمال إلا بالنيّات، أنّ الوضوء عمل ممّا يلزم فيه النيّة مع العمل، وقد أتى من معاني قولهم: إنّ الوضوء الكامل بعمله التام، إلا أنّه لم ينو الوضوء اختلاف: ففي بعض قولهم: إنّه وضوء لثبوت العمل، مع تقدّم النيّة؛ لأنّ المؤمن متقدّم بنيّته بأداء المفروضات عليه وعمل الطاعات، وقد منّه العمل الذي هو إيمان، وأن يضيّع إيمانه، لنسيانه لإحضار النيّة عند الوضوء. (1/224)
صفحة 225
فإذا ذكر ذلك، وصرف ذلك العمل إلى غيره، لم يعتقد أو اعتقد غيره، لم يثبت العمل في ذلك، ولم ينعقد الوضوء. وفي بعض قولهم: إنّه لا ينعقد إلا أن يحضره النيّة في وقت العمل، فهذا في ثبوت الوضوء بالنيّة، وبعض النيّة في الوضوء، وأمّا من توضّأ لغير الفرائض، ممّا لا يقوم إلا بالوضوء. فمعي: إنّه يخرج من قولهم: إنّه لا يصلّي به الفرائض؛ لأنّه ليس بفرض، والفرض لا يقوم إلا بالفرض. وفي بعض قولهم: أن يصلّي به إذا حفظه. وأمّا التيمّم فيخرج عندي مخرج الوضوء، إذا وقع موقعه حيث ينعقد التيمّم، وينعقد التيمّم عند عدم الماء، وحضور المخاطبة، وبلوغ الإجازة به، في الحد الذي يكون مطهّرا، فإذا وقع ذلك التيمّم في هذا الحال، خرج عندي مخرج الوضوء، لثبوت نيّة المؤمن المتقدّمة، وأنّه لا يضيع عليه، إذا وقع موقعه في موضعه. (1/225)
صفحة 226
مسألة: من الكتاب: قال الله –جلّ ذكره-: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} وأجمع المسلمون، على أنّ التطهّر عبادة تعبد الله بها خلقه، فلا تجوز إلا بنيّة. وقد روي عن النبيّ (ص) أنّه قال: «إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ ما نوى». فإذا لم تكن له نيّة، لم يكن له إلا ذلك العمل. وجه آخر: هو أنّ صورة الفعل وهيئته، لا تدلّ على طاعة ولا معصية، وإنّما يصير الفعل طاعة ومعصية، إذا أضيفت إليه النيّة، والدليل على ذلك قول الله –عزّ وجلّ-: {ويطعمون الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا}. مدحهم الله تعالى، بإنفاقهم أموالهم، إذا كانت المقاصد لله –عزّ وجلّ-. وقال في موضع آخر: {الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} فذمّهم بالإنفاق؛ لأنّهم لم يقصدوا الله –عزّ جلّ- بها، وقد استوى الإنفاق في الظاهر، وهذا منفق وهذا منفق، حصل أحدهم طالبا للإخلاص والقصد إلى الله –عزّ وجلّ-. (1/226)
صفحة 227
والآخر عاصيا، لتعريه من هذا الحال، مع تساويهما في الإنفاق، وأيضا فإنّ الإنسان لو أصبح غير ناو للصوم، واشتغل عن الأكل والشرب والنكح، حتّى غربت الشمس، أنّه لم يستحق اسم صائم، ولا يسمّى مطيعا؛ لأنّه تعرّى مع الإمساك من النيّة، وما أتاه، فهو صورة الصوم، ولو تقدّم هذا الإمساك نيّة في الليل، يسمّى مطيعا واستحقّ اسم صائم، وإذا كان هكذا، فقد صح أنّ هيئة الفعل صورته، لا تدلّ على طاعة ولا معصية، وقد قال الله تبارك وتعالى: {ليبلوكم أيّكم أحسن عملا} فالإنسان إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار، لم يسمّى مطيعا، وإنّما يسمّى المطيع، أن يرقب أمر المطاع، فيأتيه امتثالا لأمره، فحينئذ يستحق اسم المطيع.
ومن الكتاب: والواجب على الإنسان، استصحاب النيّة للعبادات، إذا أراد فعلها. واستصحابه لها هو، ألا ينقلها عن عمل هو فيه إلى غيره. (1/227)
صفحة 228
وأمّا غروب النيّة من غير أن يكون هو الناقل لها، ولا يقترح في الاستصحاب، فلا أعلم لذلك خلافا، والله أعلم وبه التوفيق.
ومن الكتاب: وإذا نوى فتوضّأ، ثمّ غربت نيّته أجزأته نيّة واحدة، ما لم ينقلها فيحدث مع الفعل، أنّه يتبرّأ بالماء ويتنظّف به. فإن قال قائل: إذا كان الوضوء عندكم لا يجزئ إلا بنيّة، فلم لا يحتاج الإنسان إلى دوام النيّة، إلا أن يفرغ من الفعل الذي له ينوى. وما الفرق الذي بين أوّله وآخره؟ قيل له: إذا نوى الطهارة في حال مباشرة الفعل لها، فليس عليه ذكر ذلك، إلى أن يفرغ منها، إن توقّى النسيان، إلى أن يفرغ من الرفض، لا يمكن ويلحق فيه مشقّة، ألا ترى أنّ الصوم لا يجزى إلا بنيّة، ثمّ ينسى صاحبه وينام ويأكل ناسيا ولا يضرّه ذلك. وكذلك لا يجوز له الدخول في الصلاة إلا بنيّة، ثمّ قد ينسى ويسهو، ولا يضرّه ذلك إذا عرض له ما ذكرنا باتفاق، أنّ استدامة ذلك، إلى أن يفرغ من الفرض، يثق ويؤدّي إلى بطلان الفرائض، والله أعلم. (1/228)
صفحة 229
وقد روي عن النبيّ (ص) أنّه قال: لا صيام لمن لا يثبت الصيام من أوّل الليل. فأجاز تقدّم النيّة في الصيّام والطهارة. كذلك عندي، والله أعلم. غير أنّ نيّة الطهارة، مع الدخول فيها، وكذلك النيّة في الصلاة والزكاة والحج، مع الفعل لذلك، والنيّة للصيام وقتها أبعد، وكان التقدير في الصيّام كغيره، غير أنّ الصائم وقته طلوع الفجر، وهو وقت لا يتهيّأ لأكثر الناس ضبطه؛ ولأنّ أكثرهم فيه نيام، فلو أخذوا أن يكونوا في ذلك الوقت، منتبهين لشق عليهم مراعاة وقته، ولحقهم في ذلك ضرر شديد، وإذا نوى فهو على نيّته، وعليه استصحاب النيّة، واستصحابه لها، لا ينقلها إلى غير ما دخل فيه ونواه، وبالله التوفيق. (1/229)
صفحة 230
مسألة: النيّة في الطهارة: يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أرفع بطهارتي جميع الأحداث للصلاة وأتوضّأ لصلاة كذا كذا، طاعة لله ولرسوله محمّد (ص).
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: قال: وجدت في الأثر عن رجل توضّأ وضوء الصلاة، ولم يحضر نيّة لوضوئه ذلك. قال: فسألت عمر بن المفضل عن ذلك. فقال: إذا أحكم وضوؤه، وحافظ عليه، وحضرت الصلاة، فليصل. وقال أبو محمّد: هذا قول المراقبين والمسلمون، يذهبون إلى خلاف قولهم في هذا. فإن شذّ أحد من أصحابنا، فوافق مخالفينا، فقوله متروك. (1/230)
صفحة 231
فصل: في ترك اسم الله عند الوضوء
قال أبو بكر: ثبت أنّ رسول الله (ص) قال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». وجاء الحديث عن النبيّ (ص): «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله». قال أبو سعيد: أمّا ثبوت الطهارة للصلاة، فذلك ممّا لا يدفع، وثبوت ذلك من كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه وإجماع الأمّة، إلا ما شذّ في غير ترك إلا المخالفة في شيء، لا حجّة له فيه. أمّا ترك التسمية على الوضوء. فمعي: إنّه قد جاء الاختلاف في انعقاد الوضوء، بترك التسمية مع تواطؤ الأمر على الوضوء، وصحّة الخبر، عن النبيّ (ص) أنّه أمر بذلك وفعله. ومع صحّة ذلك عنه، فلا ينعقد الوضوء، على تركه، إن كان الأمر واجبا. وإن كان أدبا، فقد ينعقد على تركه، ما لم يأت فيه خبر، أنّه أمر وجوب. فلعلّه من أجل ذلك اختلف فيه. (1/231)
صفحة 232
مسألة: من الزيادة المضافة: فإذا قال المتوضّئ: بسم الله يطهّر جسده كلّه. فإذا لم يقل: بسم الله تعالى، لم تطهّر إلا ما مسّه لعلّه الماء.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وإن ترك اسم الله عند وضوئه، فقد ترك ما ينبغي له، ولا ينكر ذلك ممّا ينقض وضوؤه.
قال غيره: ويروى عن النبيّ (ص) أنّه قال: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه. فمن ذكر اسم الله بقلبه، وأراد به الله تبارك وتعالى، فقد ذكر اسم الله، وهذا القول عنه (ص) تأكيدا على النيّة عند الوضوء، والله أعلم.
ومن غيره: وأمّا ذكر اسم الله عند افتتاح وضوئه، فقد جاء بذلك التأكيد والأمر، حسبه عن النبيّ (ص)، وأنّه كان يفعل ذلك ويأمر به. ومعي: إنّه قد قيل في ترك ذلك على التعمّد، ينقض الوضوء، إذا كان ذلك على القصد، إلى مخالفة السنّة. (1/232)
صفحة 233
ولعلّه يخرج على العمد، إذا تعمّد لترك ذلك، إن ذكر اسم الله تبارك وتعالى، قد جاء في التأكيد، أن يكون فاتحة كلّ شيء، من طاعة الله، ولا نعلم شيئا من طاعة الله، ولا شيئا من الأمور، التي تضاف إلى أمر الطاعة، وأمر الحلال، إلا مؤكّدا فيه السنّة، عن النبيّ (ص) ذكر الله تبارك، وهو أهل لذلك. وكلّ شيء لم يذكر فيه اسم الله، ولا ذكر عليه اسم الله، فلا يرجى له معنى صلاح، ولا يدركه به معنى فلاح ولا نجاح، وأحسب أنّه قد قيل: قد أسى ولا نقض عليه، أعني في تركه ذكر اسم الله على الوضوء، وأحسب أنّه يخرج معنى فساد صلاته، بترك اسم الله، إذا لم يقصد بوضوئه الله، على ما خوطب به من التعبّد، فهو ذلك من اسم الله، أي من ذكر الله في قصيدة إلى ذلك له، وهو حسن.
ومن كتاب القناطر: إنّ النبيّ –عليه الصلاة والسلام- قال: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه. أي لا وضوؤه كامل الأجر. (1/233)
صفحة 234
ويقول عند ذلك، أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك ربّي أن يحضرون، إلا أنّه قد يخرج العذر في النسيان، للقصد إلى ذلك، مع تقدّم النيّة في جملة التعبّد. قال أبو زياد، فيمن توضّأ ولم يقل: بسم الله، متى ذكر قال: قال الله تعالى: {واذكر ربّك إذا نسيت}. (1/234)
صفحة 235
فصل: فيمن توضّأ لنافلة الفريضة وأراد أن يصلّي به صلاة غيره
وقد جاء الاختلاف في الوضوء والنيّة. فقال من قال: لا يجزيه اعتقاد الوضوء للصلاة، إلا مع الوضوء مع ابتدائه. فإذا اعتقد الوضوء لصلاة بعينها، أو لصلوات صلّى بذلك الوضوء، تلك الصلاة أو لصلوات، حتّى يعلم أنّه انتقض. وأمّا إذا لم ينو لصلوات؟ فإنّما يصلّي به ما نوي أن يصلّي من الصلوات، وأمّا ما لم ينو، فلا يصلّي به تلك الصلاة عند الوضوء. وقال من قال: لا يصلّي به إلا ما نوى أن يصلّي به. وقال من قال: يجزيه الاعتقاد للوضوء، ما لم يتم الوضوء كلّه، ولو بقيت جارحة. فإذا فرغ من وضوئه كلّه؟ لم يجزه الاعتقاد بعد ذلك، وكان القول فيه على ما مضى من الاختلاف. (1/235)
صفحة 236
وقال من قال: إذا توضّأ لصلاة، فإنّه يصلّي به تلك الصلاة، وإن نوى أن يصلّي به صلاة أخرى، قبل أن يصلّي تلك الصلاة التي نواها، وفي دبرها قبل أن يهمل وضوؤه أجزأه. وكذلك إن اعتقد لصلاة بعد صلاة، في وقت واحد، أو أوقات مختلفة. وقال من قال: إذا توضّأ وضوء الفريضة، واعتقد وضوء الفريضة، ولم ينو لصلاة معروفة؛ لأنّه اعتقد وضوء الفرضة، فإنّه يصلّي بهذا الوضوء، ما لم يعلم أنّه انتقض. فإذا كان نوي صلاة فريضة بعينها، كان الاختلاف فيه كما مضى. وقال من قال: إذا توضّأ لصلاة فريضة، صلّى به ما كان من الصلوات الفريضة، ما لم يعلم أنّ وضوؤه انتقض. وقال من قال: ولو توضّأ لنافلة أو لنسك، أو لشيء من الطاعات، فإنّه يصلّي به الفرائض وغير ذلك، حتّى يعلم أنّ وضوؤه انتقض. وكلّ هذا من قول المسلمين، ويخرج على مذاهب الحق إن شاء الله.
مسألة: من جواب أبي سعيد: وعمّن توضّأ للهاجرة، ولم ينو لغيرها في مصلّى أو مسجد، فلم يزل في المصلّى أو في المسجد، حتّى حضرت صلاة العصر. (1/236)
صفحة 237
فأحسب أن يصلّي بوضوء الهاجرة صلاة، لعلّه العصر، ولو لم يكن اعتقد بعد الهاجرة، أنّه يصلّي به العصر. قلت: هل يجوز له ذلك، حتّى يعلم أنّه أحدث؟ فمعي: إنّه قد قيل: له ذلك، حتّى يعلم منه انتقض؛ لأنّه على طهوره في الحكم، حتّى يعلم أنّه انتقض. وقيل: ليس له ذلك، حتّى يعلم أنّه لم ينتقض ثمّ يصلّي. وقيل له: ليس له ذلك حتّى يكون نوى ذلك لذلك. ولو علم أنّه لم ينتقض، وكلّ ذلك عندي يخرج على الصواب، إن شاء الله.
قال غيره: قد قيل: هذا كلّه. وقال من قال: يصلّي النافلة بوضوء الفريضة، ولا يصلّي الفريضة بوضوء النافلة.
ومن الكتاب: وإذا تطهّر الإنسان للنافلة، جاز له أن يصلّي به الفريضة. وإن توضّأ لنافلة أو لقراءة مصحف أو لجنازة أو لسجود قراءة قرآن، أجزأه أن يصلّي به فريضة، وهذا باتفاق منهم فيما علمت. (1/237)
صفحة 238
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: ومن غسل بعض جوارحه، ثمّ نواه للطهارة، وبنى على مسجد، لم يجزه؛ لأنّه قدم عمله على نيّة، ولا تكون الطهارة إلا بتقديم النيّة لها بأسرها.
مسألة: وسألت عن رجل توضّأ لصلاة فريضة، فلمّا أن صار في بعض وضوئه، اعتقد لصلاة ثانية، فرفع أبو سعيد عن أبي الحسن –رحمه الله- أنّه قال: ما لم يتم وضوؤه، لما اعتقده لما يريد من الصلاة، جاز ذلك إن شاء الله. (1/238)
صفحة 239
باب في الوضوء ومعانيه وفي الترتيب فيه وفيمن صح وجهه بالمنديل أو بثوبه وفيمن ينفض الماء من يديه عند الوضوء وفي فضائل تقال عند الوضوء
قال أبو بكر: جاءت الأخبار عن رسول الله (ص) أنّه توضّأ مرّة مرّة. وجاءت أنّه توضّأ مرّتين مرّتين، وتوضّأ ثلاثا ثلاثا، فالوضوء يجزى مرّة، ومرّتين تجزى، وثلاث أحبّ إليّ. وقال آخرون: غسل الأعضاء ثلاثا، إلا غسل الرجلين، فإنّه ينقّيهما. وقال أصحاب الرأي: يتوضّأ ثلاثا ثلاثا، إلا المسح بالرأس، فإنّه مرّة. ويجزى واحدة سابغة عندهم، وكان مالك لا يوقت في ذلك مرّة ولا ثلاث. (1/239)
صفحة 240
واختلفوا في المتوضّئ يزيد على الثلاث في الوضوء، بحديث عبد الله بن عمر، عن النبيّ (ص) أنّه ذكر الوضوء ثلاثا. قال: فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدّى وظلم. قال أبو سعيد، معي: إنّه يخرج كما قيل في معاني قول أصحابنا، أو ما يشبهه، أو ما هو داخل فيه. وإن لم يكن يأتي فيه هذا النص، عن النبيّ (ص): إنّه من زاد على ثلاث فقد ظلم وتعدّى. ولكنّه قيل عنه فيما يخرج من قولهم: إنّه قال في الوضوء: واحدة لمن قل ماؤه، واثنتان للمستعجل، وثلاث شرف، وأربع سرف، والسرف معنى خارج إلى حال التعدّي. وقيل: عنه كثرة الوضوء من الإسراف. ويخرج معاني ذلك عندي، على معنى ما يشبهه في التأويل، وليس من احتاط على نفسه، كان ذلك إسرافا، ولكنّه من الإسراف مخالفة السنّة على العمد. (1/240)
صفحة 241
وكذلك على الاستنقاص لها، ومن ذلك الاشتغال بمعنى الوسيلة في الوضوء، وترك أداء الفريضة في وقتها حتّى تفوت، أو حتّى يذهب الفضل على معاني العادة من أمره، فهذا يخرج من التعدّي والإسراف وما أشبهه، ولا نعلم أنّ شيئا من قول رسول الله (ص) ثبت ولا روى عنه، إلا وله معنى يدلّ على فائدة.
ومن الكتاب: واختلفوا في المسح بالمنديل بعد الوضوء. قال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا، يخرج بكراهية مسك مواضع الوضوء على التعمّد له، وأكثر ذلك بالمنديل. وفي معنى قولهم: إنّ الوضوء نور، وأثره يبقى على الجسد نورا، فلا يستحب إزالة ذلك بثوب الذي يصلّي به بغير المنديل، فهو أيسر معهم في الكراهية. وكلّ ذلك على معنى الفضيلة، لا على معنى الحجر. قال المضيف: قال أبو عبد الله: أمّا بمنديله فلا يجوز له. (1/241)
صفحة 242
وأمّا ثوبه الذي يصلّي فيه، فلا بأس، ويروى أنّ ابن عبّاس كرهه، ولم يكره من الاغتسال من الجنابة، وكرهه غيره في الوضوء والجنابة معا. وقال بعضهم: ذلك مباح كلّه، والله أعلم. واختلفوا في تفريق الوضوء والغسل، فقالت طائفة: لا يجوز حتّى يتّبع بعضه بعضا. وقال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا، يخرج عندي إن اشتغل المتوضّئ بأسباب وضوئه من الماء، أو نحوه، ممّا يدخل في معاني الوضوء، فيفرّق ذلك غسل أعضائه، حتّى إذا جفّت أو لم تجف، أنّ ذلك سواء ولا بأس. ووضوؤه تام بيني، على ما كان اشتغاله بمعنى وضوئه، وبقي عليه من أعضائه شيء، حتّى جف ما مضى، أنّ عليه إعادة ما مضى على ما بقي على هذا النحو. ومعي: إنّه يخرج من قولهم: إنّه إنّما عليه وضوء ما بقي من أعضائه، وبيني على ما مضى على كلّ حال، وكان يعجبني هذا القول لثبوته عملا. (1/242)
صفحة 243
وأنّه لا يضيعه بعد ثبوته، ولعلّ أكثر قولهم القول الأوّل، والله أعلم.
ومن الكتاب: قال أبو بكر: واختلفوا في تقديم المرء عضوا قبل عضو. فروينا عن علي أنّه قال: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأيّ أعضائي بدأت. وقال قوم: يعيد حتّى يغسل كلا في موضعه. قال أبو سعيد: يخرج معي في معاني قول أصحابنا، نحو معنى ما ذكر من جميع ما مضى، أنّه لا يجوز تقديم بعض الأعضاء، على بعض على كلّ حال، ذلك إلا على ما في الترتيب، في قول الله تبارك وتعالى. ومعي: إنّه في بعض قولهم، لا يجوز على التعمّد، فإن فعل على النسيان، جاز وثبت. وفي بعض قولهم: إنّه لا يجوز، إلا على إرادته لمخالفة السنّة، وأكثر قولهم هذا، أنّه إن فعل ذلك على غير مخالفة السنّة ثبت.
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: اختلف الناس في غسل الأعضاء (1/243)
صفحة 244
فقال بعضهم: يجوز تقديم ما تأخّر ذكره في الآية. وقال بعضهم: لا يجوز إلا على الترتيب، التي ذكر في التلاوة. وذهب أصحابنا إلى جواز التقديم والتأخير، ما لم يقصد المتطهّر بذلك الفعل، مخالفة السنّة، والنظر عندي يوجب أن يكون على الترتيب. ومن جامع ابن جعفر: كثرة للوضوء من الشيطان. قال أبو محمّد: أمّا قوله: كثرة الوضوء من الشيطان، فإنّه أراد بقوله كثرته من الشيطان، أي أنّه يحدث لكلّ صلاة تطهّرا، ويحتاط عند كلّ شك تطهّرا مبتدئا، ويفعل ذلك قربة إلى الله، فليس هذا من عمل الشيطان، بل يجب أن تكون لطيفة وقعت من الرحمن، وإن أراد كثرة الوضوء، أنّه يقيم في الماء، ويردّد على العضو الواحد الماء الكثير، ليعلم أنّه قد أجرى عليه مرّة واحدة، فهذا يجوز أن يكون من أمر الشيطان ليؤذيه بذلك، ويقطعه عن طاعات أخر، يفعلها لو خالفه. (1/244)
صفحة 245
وربّما أداء ذلك إلى تضييع الصلاة أو فرائض غيرها، والله أعلم.
ومن كتاب المعتبر: قيل: إنّ جابر بن زيد –رحمه الله-، كان لا يتوضّأ وضوء إلا مسح وجهه بثوب لا يتّهمه. قال: وقد قيل: إنّ الربيع وقف على رجل، وهو يتوضّأ فوقف ينظره، فلمّا أراد الرجل أن يمسح رأسه، حمل الماء بكفّيه، ثمّ نفضهما. فقال له الربيع: يا هذا حملت الماء لتتوضّأ، ثمّ رددت الطهور ورجعت عن وضوئك.
قال غيره: أمّا مسح الوضوء، فقد مضى فيه القول، ويجزئ في ذلك اختلاف، وأقصى ما قيل في ذلك بالكراهية، ولا أعلم في ذلك نقضا، إذا مسح مواضع وضوئه، أو شيئا منها، شيء من الثياب الطاهرة، وأمّا نفض الماء من يديه، بعد أن أخذه لمسح رأسه، أو لشيء من غسل جوارحه لوضوئه. فأمّا الوضوء، فلا يقع بمثل ذلك عندي؛ لأنّه يقع موقع المسح، والمسح لا يقوم مقام الوضوء في الغسل. (1/245)
صفحة 246
وأمّا في المسح: فإن كان باقي في يده شيء من الماء، ما يمسح به رأسه، ويثبت به في ذلك مسح رأسه بماء موجود في يده، فقد قصر. وأرجو أنّه يجزيه ذلك، وإن لم يكن تمّ ماء مدروك إلا رطوبة، فإن كانت الرطوبة تبل ما مسّها، أو ما مسّته من الرأس، حتّى يكون ثمّ ماء، أو ما يقوم مقام الماء، فأرجو أنّه يخرج في بعض ما قيل: إنّه يجزيه. وإن كان ليس، ثمّ ماء ولا رطوبة تبل، وإنّما هي رطوبة لا يوجد منها شيء، ولا ينحل فيها شيء، فلا يبيّن لي في ذلك الوضوء، أنّه يجزيه المسح ولا الوضوء، ويخرج عندي ذلك باطلا في المسح والوضوء، ولا يجزئ.
مسألة: وحدثنا أبو الوليد عن موسى بن أبي جابر قال: ورفع الرواية إلى علي بن أبي طالب، أنّ عليا توضّأ فتمضمض واستنشق ثلاثا. (1/246)
صفحة 247
وغسل يديه ثلاثا، ووجهه ثلاثا، ومسح رأسه اثنتين، غسل رجليه حتّى أنقاهما، ثمّ بقي في إنائه ماء فشربه. وقال: هكذا أرأيت رسول الله (ص).
مسألة: قال: وكان يقال: إنّ كثرة للوضوء من الشيطان، وكان يقال: إنّ في كلّ شيء إسرافا، حتّى في الوضوء، وإن سنّت على شط الماء.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن ما أفضل حفظا لوضوء، لكلّ صلاة حضرت. قال، معي: إنّ بعضا يذهب إلى حفظ الوضوء أفضل، وبعض يذهب إلى الوضوء، لكلّ صلاة لتجديد نيّة الصلاة، والذي أدركنا عليه ممّن أدركنا، أنّهم كانوا يذهبون إلى حفظ الوضوء. وإذا كان متوضّئا، كان أحرز لدينه فيما يجري من الأمور الحادثة، والانقباض عن القبيح من الكلام، وغير ذلك من الأعمال. (1/247)
صفحة 248
ومقيما على فريضة محافظا عليها، فهو عندي أحبّ إليّ، وقد قيل: الطهور على الطهور، نور على نور. كأنّه يعني لو حفظ وضوؤه، ثمّ توضّأ، كان فضلا على فضل.
مسألة: من الزيادة المضافة: وعن الذي يؤمر به في الوضوء: أهو أن يأخذ الماء بكفّيه جميعا، أم بكف واحدة؟ فما علمت أنّه يؤمر أن يغرف الماء في وضوئه بكفّه اليمنى، وكذلك أدركنا أشياخنا يفعلون، ولكن إذا غرف الماء بكفّه اليمين، على وجهه عرك بكفّيه جميعا. وروي أبو سعيد: عن النبيّ (ص) أنّه مرّ برجل يتوضّأ وهو يصب الماء صبّا. فقال له النبيّ (ص): «لكلّ شيء آفة وآفة الماء ثجه لا تثج الماء ثجا وليّه ليا». قال أبو سعيد: أجمع علماء الأمّة، مع ثبوت ذلك عن النبيّ (ص) أنّه يجزئ الوضوء مدّ من الماء. (1/248)
صفحة 249
وهو ربع الصاع، ويجزئ للغسل من الجنابة صاع من ماء.
مسألة: قال أبو بكر: ثبت أنّ رسول الله (ص) كان يعجبه المتيمّن من استطاع في رجيه ونعله ووضوئه. قال أبو سعيد: ظواهر الأمر من قول أصحابنا في عامّة ما يأمرون به، من صفات الوضوء، أن يبدأ باليمين، ثمّ باليسرى، ويخرج ذلك عندي، على شبه معاني الاتفاق، مع ما يثبت أنّه يبدأ قبل مسح الرأس بالوجه، قبل اليدين على الترتيب، ولا نحبّ مخالفة ذلك على العمد.
مسألة: من جامع ابن جعفر: في فضائل تقال عند الوضوء: فإن قال: إذا فرغ من وضوئه، اللّهم اجعلني من التوّابين واجعلني من المتطهّرين. فحسن وكذلك يستحب. قال أبو محمّد بن بركة: هو حسن. كما قال: وإن زاد في الدعاء أفضل. (1/249)
صفحة 250
مسألة: من كتاب محمّد ابن جعفر: وهذه فضيلة واضحة، في ذكر الله عند الوضوء. فإذا مسح وجهه قال: اللّهم بيّض وجهي يوم تسود الوجوه، وإذا غسل يده قال: اللّهم أعطني كتابي بيميني، وإذا مسح رأسه قال: اللّهم خالني رحمتك، وإذا مسح أذنيه قال: اللّهم سمّعني فتوح أبواب جنّتك، وإذا غسل قدميه قال: اللّهم ثبّت قدمي على الصراط المستقيم، ويمسح رقبته قبل رجليه ويقول: اللّهم فك رقبتي مع النار، وهذه زيادة عمّا قال محمّد ابن جعفر، من الكلام عند الوضوء. قال محمّد بن المسبح: وإذا غسل شماله قال: اللّهم لا تعطيني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري. وقال: إذا مسح رأسه قال: اللّهم توّجني من تيجان رحمتك في جنّتك. قال محمّد بن المسبح: وإذا مسح أذنيه قال: اللّهم سمّعني زبور داوود في جنّتك. وقال أبو الحواري: إذا مسح أذنيه قال: اللّهم أحسن سمعي وبصري إيمانا بك. (1/250)
صفحة 251
وقال أبو الحواري: إذا غسل قدميه قال: اللّهم ثبّت قدمي على صراطك المستقيم، وثبّتني بالقول الثابت في الدنيا والآخرة.
مسألة: من الزيادة المضافة: فإذا فرغت من الوضوء، فقل: سبحانك اللّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأستغفرك وأتوب إليك، اللّهم اجعلني من التوّابين واجعلني من المتطهّرين، وزاد الناسخ: واجعلني من عبادك الصالحين اللّهم اجعلني عبدا طهورا، واجعلني صبورا شكورا، واجعلني أذكرك كثيرا وأسبّحك بكرة وأصيلا.
ومن كتاب الهداية: وينبغي ألا تغرب نيّتك قبل غسل الوجه، فلا يصح وضوء ثمّ أخذ غرفة وتمضمض بها ثلاثا. وبالغ في رد الماء إلى الغاصمة، إلا أن تكون صائما فترفق وقل: اللّهم اسقني من الرحيق المختوم. (1/251)
صفحة 252
ثمّ خذ غرفة لأنفك واستنشق بها ثلاثا، وقل: اللّهم نشّقني روائح رحمتك في جنّتك، ثمّ اغسل وجهك ثلاثا، وقل: اللّهم بيّض وجهي يوم تبيض وجوه أوليائك، ثمّ اغسل يدك اليمنى ثلاثا، وقل: اللّهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا، ثمّ اغسل يدك اليسرى ثلاثا، وقل: اللّهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري، ثمّ استوعب رأسك بالمسح ثلاثا، وقل: اللّهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، ثمّ امسح رقبتك ثلاثا، وقل: اللّهم اعتق رقبتي من النار وأعوذ بك من السلاسل والأغلال، ثمّ اغسل رجلك اليمنى ثلاثا، وقل: اللّهم ثبّت قدمي على الحق وعلى الصراط المستقيم. (1/252)
صفحة 253
باب: في المضمضة والاستنشاق وفي غسل الوجه في الوضوء وفي غسل اليدين وفي مسح الرأس في الوضوء وفي مسح الأذنين وفي وضوء الرجلين ومعاني ذلك
من كتاب قواعد الإسلام: وسألته عن المضمضة والاستنشاق. فقال: سنّة في الوضوء، وأمّا في غسل الجنابة، فهما فريضة، فقلت: لم فرّقت بين الوضوء والغسل من الجنابة؟ قال: الدليل على أنّهما فريضة في غسل الجنابة، إجماع الأمّة على غسل داخل الأذنين، وباطن اللحى في غسل الجنابة، وأنّهما فريضة بالإجماع.
ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: ثبت أنّ رسول الله (ص) قال: «إذا توضّأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثمّ ينثره». واختلفوا في من ترك المضمضة والاستنشاق من الجنابة والوضوء، كان قوم يقولون: يعيد إذا تركهما في الوضوء. (1/253)
صفحة 254
وقال قوم: لا يعيد. وأمّا أحمد قال: يعيد في الاستنشاق خاصة، ولا يعيد في ترك المضمضة. وقول رابع: وهو أن يعيد من تركهما في الجنابة، ولا إعادة إن تركها في وضوء. قال أبو سعيد، معي: إنّه يخرج في معاني قول أصحابنا، جميع ما مضى من القول، إذا كان ذلك على* النسيان والاختلاف فيه. وعامّة قولهم: إنّه إذا ترك ذلك في غسل الجنابة، أنّ عليه إعادة الصلاة، إذا صلّى على ذلك، في غسل الجنابة، فعليه إعادة الصلاة، إذا صلّى على ذلك. وقد قيل: لا إعادة عليه. وفي عامّة قولهم في غير الجنابة: إنّه لا إعادة عليه في الصلاة، وأمّا إذا ترك ذلك على التعمّد، على أنّ عليه إعادة الصلاة، ويخرج في معاني قولهم: إذا ترك المضمضة والاستنشاق، من جنابة أو غير جنابة، إنّما عليه إعادة المضمضة والاستنشاق. وكذلك إذا ثبت عليه أعادهما، وفي بعض قولهم: إنّ عليه الاستنشاق والمضمضة وإعادة الوضوء. (1/254)
صفحة 255
مسألة: عن رجل نسي المضمضة والاستنشاق حتّى صلّى. هل عليه إعادة؟ ففيه اختلاف: منهم من رأى أنّ عليه أن يبدل صلاته. وقال من قال: جازت صلاته على النسيان، إلا أن يكون نسي المضمضة الاستنشاق، في غسل الجنابة، فإنّه يبدل صلاته.
ومن غيره قال: نعم. قد قيل: إنّه إذا ذكر ذلك من نسيان المضمضة والاستنشاق، أو أحدهما، قبل أن يدخل في الصلاة، فعليه البدل، وإن دخل في الصلاة، فليس عليه إعادة. وقال من قال: عليه الإعادة، ما لم يتم صلاته على النسيان. وقال من قال: عليه الإعادة ولو أتمّ صلاته. وقال من قال: إذا نسي فلا شيء عليه ولا إعادة.
قال غيره: في القول في نسيان المضمضة والاستنشاق والاختلاف فيهما، وعلى قول من يقول بالإعادة لها منهما، مثل سائر الجوارح. (1/255)
صفحة 256
مسألة: ومن غيره: قلت له: وكذلك إن استنشق وأجرى الماء على ما ظهر من منخريه، ولم يولج الماء إلى حيث يصل الاستنشاق، أن لو بالغ فيه صلّى بذلك. هل تتمّ صلاته؟ قال، معي: لا يكون مستنشقا إذا غسل ما ظهر.
قلت: فإن ترك الاستنشاق وحده وتمضمض، وصلّى متعمّدا أو جاهلا. هل تتمّ صلاته؟ قال: أمّا على العمد، فلا أعلم ذلك. وأمّا على الجهل، فأرجو أن يلحقه الاختلاف، في تمام صلاته ونقضها.
قلت له: وكذلك إن تركها جميعا على الجهل. أهو كالتارك لأحدهما؟ قال، معي: إنّه مثله في الوضوء.
مسألة: ومن الزيادة المضافة: وأصل الاستنشاق الشم، كأنّه إذا أدخله في أنفه، فقد شمّه. (1/256)
صفحة 257
مسألة: قال أبو عبد الله: من تمضمض ولم يدخل يده في فيه، فلا بأس عليه، إلا أن يكون جنبا.
قال غيره: أحب أن يدخل الرجل أصبعه في فيه، إذا توضّأ يدلك أسنانه. وقال محبوب: أظنّ الربيع كان يدخل اليمنى واليسرى. وقال أبو بكر الموصلي: لا إلا اليسرى، وكره اليمين. وقال بعض: تجزى المتوضّئ في المضمضة بغير إيلاج الأصبع، ولو كان جنبا. وقال هاشم: يجزى المضمضة بغير إيلاج الأصبع. قال: وأمّا أنا، فلا تطيب نفسي حتّى أولج الأصبع، وفي الأصبع عن أبي إبراهيم، فيما أظنّ أنّه لا يدخل المتمضمض والمستنشق أصبعه في فيه ولا في أنفه، إلا أن يشاء ذلك. (1/257)
صفحة 258
فصل: في غسل الوجه في الوضوء
قال أبو بكر: واختلفوا في تخليل اللحية. فكان قوم لا يرون تخليل اللحية واجبا، ومذهب أكثرهم، أنّ ما مرّ علي على ظاهر اللحية يجزى، وكان عطاء يرى بالأصول اللحية. وقال سعيد بن جبير: ما بال الرجل، يغسل لحيته، قبل أن تنبت، فإذا نبتت لم يغسلها، وكان أبو بكر يوجب الإعادة على من ترك غسل أصول الشعر، وقال إسحاق: إذا ترك التخليل عامدا، أعاد. ومن روينا عنه، أنّه كان يخلّل لحيته: علي بن أبي طالب وابن عبّاس. وقال سعيد والأوزاعي: ليس عرك العارضين وتشبيك اللحية بواجب. وقال أبو بكر: غسل ما تحت شعر اللحية في الوضوء غير واجب، إذ لا حجّة تدلّ على وجوب ذلك. قال أبو سعيد: إنّه يخرج في معاني قول أصحابنا، سنّة ما مضى كلّه. (1/258)
صفحة 259
وما يدلّ عليه وأكثرهم ما وجدنا يؤكّدون في غسل ما أقبل إلى الوجه من اللحية، ذلك لثبوته من الوجه عندي، قبل ان تنبت فيه اللحية. وكذلك الفتيل وهو عندي فيما معي، طرف اللحية وأشدّ ممّا أقبل.
مسألة: وسألت أبا سعيد، عن الرجل إذا أخذت لحيته شيئا من وجهه. هل عليه إذا أراد أن يتمسّح، أن يدلك الشعر المتّصل من اللحية بوجهه، حتّى يصل الماء الجلد من تحت الشعر. قال، معي: إنّ عليه ذلك، في جميع ما كان من وجهه، كان فيه شعرا أم لم يكن فيه.
قلت: فعليه أن يبل الجلد من تحت لحيته، من غير الوجه؟ قال: إنّ معي بعضا يقول ذلك، وبعضا يقول بمسح اللحية من فوق الشعر.
قلت له: فحد الوجه عندك، إلى أين من اللحية؟ قال، معي: إنّ ما أقبل إلى اللحى الأسفل، وأحب أن يكون من الوجه في الوضوء.
مسألة: قلت له: أرأيت أن يمسح للصلاة، وغمض عينيه متعمّد لذلك، وصلّى بذلك الوضوء. (1/259)
صفحة 260
هل تتمّ صلاته؟ قال، معي: إذا بلغ في غسل ما ظهر، فقد يؤمر أن يشرب عينيه الماء، ولا يتعمّد لفتحهما، ولا يسدّهما، فإن سدّهما، فلا يبيّن لي عليه فساد صلاته.
مسألة: وسألت الوضاح بن عقبة عن غسل الوجه. فقال: من الأذن ويرخى عينيه، وليجري يده على عارضه من لحيته، وعليه أن يخلّل ذقنه، ويمسح الرأس ثلاثا، والأذنين ثلاثا، بماء عبيط.
مسألة: ويخلّل المتوضّئ لحيته، وكان بعضهم يخلّل ما يلي الوجه منها، وكان ذلك جائزا.
ومن جامع ابن جعفر: ويخلّل بين أصابع يديه ورجليه. (1/260)
صفحة 261
ومن غيره: وقال بعض الفقهاء: يمسح على لحيته مسحا، وكان بعضهم يخلّل ما يلي الوجه منها، وكان ذلك جائز، إن شاء الله.
ومن الكتاب: واللحية ليست من مواضع الطهور، إلا أنّه يستحب أيضا أن تخلّل. فإن لم يفعل، فلا نقض عليه، ويؤمر أن يرطب الفتيل، وهو ظاهر اللحى الأسفل، من أوّل اللحية.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: وليس على الناس أن يخلّلوا الحاجبين، ولا العنفقة، ولكن يجري عليهما الماء، وكان بعض المسلمين، يخال الذقن، وهو الموضع الذي فيه الشعر أسفل من العنفقة، وكان سليمان بن عثمان يخلّله، وكان يسن الماء سنا، أي يصيبه. (1/261)
صفحة 262
مسألة: ويؤمر أن يمسح موضع الفتيل، وهو ظاهر اللحى الأسفل من اللحية.
مسألة: ويكره لطم الوجه بالماء عند الطهارة، وفي حديث عمر، أنّه يسن الماء سنا، أي يصبّه.
مسألة: وحدّ الوجه من منابت شعر الرأس إلى الذقن إلى الأذنين، سواء إن كان المطهّر ذا لحية أو بغير لحية، والمنشأ داخل في الوجه، وهو البياض الذي بين العارض والأذن، وليس عليه إيصال الماء إلى أصول شعر اللحية، الدليل على ذلك، أنّ النبيّ (ص) توضّأ واحدة واحدة، وليس في وسع الإنسان وطاقته، إيصال الماء إلى أصول الشعر، إذا كان كثيفا بمرّة واحدة.
مسألة: ومن كتاب الشرح: وحد الوجه المأمور بغسله، هو ما يواجه صاحبه. (1/262)
صفحة 263
فخذّه من أعلى منتهى جبينه، عند الإشكال من رأس الأقرع، أو من ارتفع شعره عن وجهه، وأمّا من شعره في أماكنه، فغسل وجهه إلى شعر رأسه ومن أسفله إلى ذقنه، ثمّ يعمّم الماء ما خرج من شعر لحيته إلى أذنيه، وإنّما انتهينا بذكر الغسل إلى الأذنين، للاختلاف بين الفقهاء، في منتهى الوجه إليهما أو إلى دونهما. قال بعضهم: مقدّمهما من الوجه. وقال بعضهم: يغسلان مع الوجه. وقال بعضهم: المنسى ليس من الوجه، وهو مس بين صفحة الأذن وصفحة الوجه. وقال بعض: الوجه إلى العظم الثاني، دون الوجه، وهذا يوجد لمحمّد بن محبوب، في حد الوجه عند الاقتصاص، وقد قام الدليل، أنّ الأذنين ليستا من الوجه، لما رأينا من إجماعهم على ترك الأمر، لمن ترك غسلهما عند غسل الوجه، فدلّ على أنّهما ليستا من الوجه، ووجب استيعاب ما دخل في الاختلاف بغير دليل. (1/263)
صفحة 264
ومن الكتاب: ويكره لحلم الوجه بالماء عند الطهارة.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقيل، عن النبيّ (ص) أنّه قال: «أشربوا عيونكم الماء». وليس أرى على من توضّأ أو غسل، أن يتعمّد لفتح عينيه، ولا يتعمّد على أن يغمضهما. قال محمّد بن المسبح: إلا أن يكون جنبا فيبلهما بالماء.
مسألة: وسألته عن رجل توضّأ وهو يغمض عينيه. قال: فما أرى بذلك بأسا.
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: وحد الوجه المفترض غسله من أوّل منابت شعر الرأس، إلى أصل الأذن، وممّا أقبل الوجه إلى الذقن. (1/264)
صفحة 265
فصل: في غسل اليدين
واختلفوا في وجوب غسل المرفقين مع الذراعين، فكان عطاء والشافعي وإسحاق يقولون: يجب ذلك. وقال مالك: الذي آمر به أن يبلغ إلى المرفقين. وقال من قال: لا يجب غسل المرافق. قال أبو سعيد، معي: إنّ عامّة قول أصحابنا، يخرج بغسل المرفقين، لعلّه يجري في ذلك اختلاف. وأحسب أنّ معنى قول من قال: لا غسل على المرافق، أنّهما غاية من الذراعين، ذلك لقوله: إلى المرافق. فكان قوله: إلى المرافق. غاية كقوله: {ثمّ أتمّوا الصيّام إلى الليل}. معي: قول من قال: يغسلهما. ويقول: إنّه أمر بغسلهما في قوله كما قال: {لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} يعني مع أموالكم. كذلك قال: {اغسلوا أيديكم إلى المرافق}. (1/265)
صفحة 266
ولعلّ قد قيل: يستحبّ غسل ما بعد المرافق، لغير وجوب. قال أبو بكر: واختلفوا في تحريك الخاتم في الوضوء. قال أبو سعيد: على حسب هذا يخرج في معاني قول أصحابنا، من الإثم في الخاتم وتحريكه، كان هو في أمر ما يجري عليه من الحركة، في حد الوضوء يبلغ الماء إلى تحته، مع حركته على الموضع، ما يجتز أنّ من الغسل أجزى ذلك عندي، وإن لم يكن كذلك، فموضعه ممّا يثبت عليه الغسل أجزى ذلك عندي. وإن لم يكن كذلك، فموضعه ممّا يثبت عليه الغسل، فلا بد من حركته، حتّى يصح لموضعه الغسل في معاني الاعتبار في موضعه.
مسألة: ومن كتاب الشرح: وغسل اليدين إلى المرفقين، كما قال الله –عزّ وجلّ-: والمرفقان داخلان في الغسل بالإجماع، والدليل أنّهما حد جنس المذكور. وأمّا قوله: ويخلّل أصابع يديه ورجليه عند الوضوء، هذا يستحب كما قال. (1/266)
صفحة 267
وأمّا قوله: وقيل عن النبيّ (ص): اشربوا الماء عسى ألا ترى نارا حامية وخلّلوا أصابعكم قبل أن تخلّلها النار. فالخبر إن صح، فهو على الندب؛ لأنّ الإجماع من الأمّة، يوجب إجازة مسح من لم يشربهما، ولم يخلّل الأصابع، ولولا الإجماع لكان هذا الخبر يوجب فرض العمل بذلك، عند من يثبت الخبر بذلك، والله أعلم بذلك.
مسألة: من الزيادة المضافة من الضياء: وقيل: كان النبيّ (ص) إذا بلغ المرفقين، أدار الماء عليهما، والله أعلم.
مسألة: من كتاب قواعد الإسلام: قال –عليه السلام-: خلّلوا بين أصابعكم في الوضوء قبل أن تخلّل بمسامير من نار. وصفة تخليل الأصابع أن يجعل باطن كفّه اليسرى، على ظاهر اليمنى وباطن اليمنى، على ظاهر اليسرى. فإن فعل فيخلّلهما كذلك، والله أعلم. (رجع).
مسألة: وغسل اليدين في الوضوء، من أطراف الأصابع إلى المرفقين. (1/267)
صفحة 268
فصل: في مسح الرأس من الوضوء
وحفظ الثقة أنّ أبا عثمان قال: مسح الرأس ضربه بالماء، وترد ذلك على رأسك ثلاث مرّات. ومن طريق ابن مسعود: إنّه –عليه السلام- مسح رأسه مرّة واحدة، ولا يجوز لماسح رأسه في الوضوء، إذا حمل الماء بكفّه، أن ينفضه منها. فإن فعل ذلك، لم يجزه عن المسح، والله أعلم.
مسألة: وقال الثقة: إنّ أبا عثمان قال: لا يمنع الرجل مضمضة فاهه، وهو صائم.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: كان الحسن البصري وعروة يقولان: يجزى المرء، أن يمسح بما فضّل من البدل في اليد، عن فضل الذراع، ولا يجزى ذلك في قول الشافعي. (1/268)
صفحة 269
قال أبو بكر: يجزيه ويأخذ ماء جديدا، أحبّ إليّ. قال أبو سعيد، معي: إنّ معاني الاتفاق من قول أصحابنا، يخرج على أنّ المتوضّئ أن يأخذ ماء جديدا لمسح رأسه، إلا أن يكون ما أخذ ذراعيه، يكون في الاعتبار، فيه فضل عن غسل الذراع، حتّى لا يكون مستهلكا. ويبقى من ذلك بقدر ما يمسح الرأس غير مستهلك في غسل الذراع، فلعلّ يخرج هذا فيما يشبه قولهم، على هذا النحو، وعلى هذا المعنى، يكون الأمر، وأمّا على الإطلاق بالاختلاف فيه على التعمّد، فلا أعلمه يخرج معي، إلا أن يكون نسيانه مسح رأسه، حتّى يفارق الماء، فقد قيل في بعض قولهم: إن وجد في لحيته بللا، أو جسده بقدر ما يمسح به أجزأه. وقيل: لا يجزيه على حال، إلا بماء جديد، على النسيان وغيره، واختلفوا في صفة مسح الرأس: فكان قوم يقولون: يبدأ بمقدّم رأسه، ثمّ يذهب بيده إلى مؤخّر رأسه، ثمّ يردّهما إلى مقدّمه. وقال الأوزاعي: إنّ مسح مقدّم الرأس، يجزي ويعمّ رأسه أحبّ إليّ. وقول: يمسح رأسه مرّة وثلاث أحبّ إليّ. (1/269)
صفحة 270
واختلفوا فيمن مسح رأسه بأصبع واحدة وبثلاث أصابع. قال أبو سعيد، معي: إنّ عامّة قول أصحابنا، يخرج عندي ممّا عليه العمل قولان: أحدهما: يصح الرأس كلّه، ولا يجزى دونه. وأحدهما: إنّه يجزي مقدّم الرأس، دون مؤخّره. وقد يخرج في معاني القول: إنّه ما مسح من رأسه أجزأه، وذلك من مقدّم الرأس، ولا أعلم أنّه يجزيه مؤخّر رأسه كلّه، مع ما يليه ولو كان أكثر رأسه، إذا ترك مقدّم رأسه، وأثبت المسح في الرأس، من أوّل مقدّم الرأس فصاعدا، ومن ترك ذلك، لم يثبت المسح، ولو مسح غير أكثر رأسه، وبما مسح، فقد ثبت معنا مسحه، من أصبع أو أكثر. وقد جاء في معاني الاختلاف في ذلك، قول أصحابنا، كنحو ما ذكر، وما معنى يدلّ عندي في كثرة الأصابع في المسح ولا قلّتها، إذا ثبت معنى المسح. وسئل أبو سعيد، عمّن نسي رأسه حتّى صلّى. هل يتمّ صلاته؟ قال: لا يبيّن لي ذلك في بعض القول. (1/270)
صفحة 271
مسألة: وسأله سائل عمّن شكّ في مسح رأسه، وهو يمسح أذنيه. هل له أن يمضي على وضوئه؟ قال: نعم، في حكم الاطمنانة، وأمّا في الحكم، فلا قيل له ذلك. وكذلك من كان يغسل وجهه، فشكّ في المضمضة والاستنشاق. هل له أن يمضي على وضوئه؟ قال، معي: إنّه مثل الأذنين.
قلت له: فإذا صار في حد ثالث، ثمّ شكّ في الأوّل. هل له أن يمضي على وضوئه في الحكم؟ قال: هكذا عندي، ثمّ رجع عن ذلك، بعد أن عرضه عليه. وقال: إنّ هذا حكم، وكذلك إذا خرج إلى الثاني، لا فرق في ذلك عندي، ولا يعجبني هذا، ولا يعجبني. قلت له: فماذا في الوضوء، ولو في آخر جارحة، فشكّ في الأولى. (1/271)
صفحة 272
قال: خرج أنّه لا يرجع إليه على الاطمنانة. وقال: هكذا عندي؛ لأنّه تعدّ في حال الوضوء. قلت: فإذا فرغ من الوضوء، فشكّ في جارحة من وضوئه، من آخر جوارحه، أو من أوّل جوارحه، وقد خرج من حال الوضوء، لم يكن عليه أن يرجع في الحكم؟ قال: هكذا عندي. وسألته عمّن نسي مسح رأسه، ثمّ ذكره، وقد يبس وضوؤه كلّه. هل يجزيه أن يعيد مسح رأسه، من غير أن يعيد الوضوء؟ قال، معي: إنّه قد قيل ذلك. وقيل: يبتدئ الوضوء.
مسألة: من الزيادة المضافة: ولا يجوز لماسح رأسه في الوضوء، إذا حمل الماء بكفّيه، برفع عمامته، فيمسح رأسه إذا توضّأ وهي عليه.
ومن الكتاب: وتنازع الناس في مسح الرأس: فقال يوم يمسح جميعه. (1/272)
صفحة 273
وقال آخرون: الربع. وقال آخرون: الثلث. وقال آخرون: بالناصية. وقال آخرون: أقلّ ما يقع عليه اسم ما صح.
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: ومسح جميع الرأس، واجب في الطهارة عند بعض أصحابنا، والنظر عندي يوجبه.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ثمّ يمسح رأسه ثمّ أذنيه.
ومن غيره: قال محمّد بن المسبح: يسح برأسه وأذنيه. وقيل: إن مسح المتوضّئ رأسه بأصبع واحدة، أو أصبعين، لم يجزه ذلك. وإن مسح بثلاث أصابع أجزاه؛ لأنّه مسح بالأكثر من أصابعه.
ومن غيره: قال محمّد بن المسبح: إنّ مسح رأسه بأصبع أو أصبعين أجزأه. (1/273)
صفحة 274
وبجميع الكف أحبّ إلينا، وإذا مسح مقدّم الرأس أجزأه، وإن مسح قفاه وترك مقدّمه، لم يجزه.
ومنه: بلغنا عن أبي عبيدة: عن جابر –رحمهما الله- أنّه توضّأ. وقال: ولا أحسب إلا أنّه ذكر، أنّ عليه عمامة أو كمة أو قلنسة. قال: فأخرج الكمة عن رأسه أو العمامة أو القلنسوة، بإحدى يديه، ثمّ مسح مقدّم رأسه، ثمّ أعاد العمامة أو الكمة أو القلنسوة.
مسألة: قال الحواري محمّد بن جعفر: ينزل عمدا الشاني. وعن محمّد بن هاشم: في رجل توضّأ ونسي أن يمسح رأسه، قال: إن كان في لحيته بلل. وقال: ما أخذ من لحيته ومسح رأسه، ولا يصلّي بذلك الوضوء، غير تلك الصلاة.
ومن غيره قال: وقد قيل: يأخذ برأسه ماء غير مستعمل، مبتدئا لذلك. وقال: يمسح برأسه من لحيته، ويصلّي ولا نقل لا يصلّي به، إلا تلك الصلاة. (1/274)
صفحة 275
ولا يأخذ لغير رأسه من أعضائه، إلا ماء مبتدئا. وقال من قال: يأخذ لجميع ما نسي من يديه، إن وجد شيئا. وعند الوضوء ذواييها، إلى أطراف الشعر، هذا عن أبي المؤثر موسى بن علي. وقال أبو محمّد: المسح على الرأس جائز للرجال.
مسألة: ويجزئ المرأة في مسح رأسها، ما يجزئ الرجل، إذا وضعت راحتها على هامتها أجزأها. وفي موضع تمسح برأسها. (1/275)
صفحة 276
فصل: في مسح الأذنين
قال أبو بكر: ثبت أنّ رسول الله (ص) مسح ظاهر أذنيه وباطنها. واختلفوا في الأذنين: فقالت طائفة: الأذنان من الرأس. وقال الزهري: من الوجه. وقال الشافعي: ما أقبل منهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس. وفيه قول رابع: وهو أنّهما ليستا من الوجه، ولا من الرأس، ولا شيء على من تركهما. قال أبو سعيد، معي: إنّه قد جاء نحو هذا، في معاني قول أصحابنا، مع ثبوت مسح الأذنين في الوضوء، عن النبيّ (ص) فعلا وأمرا فيما أحسب، ولا يجوز تركهما عندنا، على التعمّد، لثبوت التأسّي بالنبيّ (ص) فمن تركهما على التعمّد، ففي أكثر القول معنا: إنّ عليه إعادة الصلاة. ولعلّه قد يشبه أنّه، لا إعادة عليه. (1/276)
صفحة 277
وفي تركهما على النسيان، معاني الاختلاف، ولعلّ أكثر القول: أن لا إعادة عليه في الصلاة ناسيا.
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: اختلف الناس في حكم الأذنين: فقال قوم: همسا من الرأس. وقال بعضهم: هما من الوجه. وقال آخرون: ظاهرهما من الرأس، وباطنهما من الوجه. ومن ذهب إلى أنّ ظاهرهما من الرأس، وباطنهما من الوجه، مسح ظاهرها مع الرأس، وغسل باطنهما مع الوجه، والنظر يوجب عندي، أنّ مسحهما غير واجب، ولست أنكر أن يكونا من الرأس، وإنّما تنازع أهل العلم، أنّهما من الرأس المأمور بمسحه أم لا.
مسألة: ومن توضّأ وسها عن الأذنين، حتّى قضي صلاته. فما تقول؟ أنّ عليه الإعادة. (1/277)
صفحة 278
مسألة: قيل له في الأذنان: أهما عندك من الوجه، أم من الرأس؟ قال، معي: إنّه قد قيل: إنّهما من الرأس في الوضوء. وقيل: إنّهما من الوجه. ومعي: إنّه قيل: ما أقبل منهما من الوجه، وما أدبر من الرأس في أمر الصلاة. ومعي: إنّه قد قيل: لا هما من الرأس، ولا من الوجه، في أمر الوضوء.
قلت له: فالذي يقول: إنّهما من الوجه، يوجب غسلهما لغسل الوجه؟ أم لا ترى عليه إلا غسل الوجه إليهما؟ قال، معي: إنّه يوجب ذلك مع غسل الوجه.
قلت له: فالذي يقول: إنّهما لا من الوجه، ولا من الرأس، لا يوجب غسلهما عند الوجه، ولا يحسبهما عند الرأس. قال، معي: إنّه كذلك فيما قيل. (1/278)
صفحة 279
فصل: في وضوء الرجلين
ومن كتاب الشرح: وأمّا القدمان، فالآية قد دلّت على مسحهما، وعلى غسلهما، هما قراءتان صحيحتان بالنصب والخفض، فمن نصب غسلهما، ومن خفض مسحهما، ونحن نختار غسلهما؛ لأنّ العمل على ذلك، من الناس، حتّى صار كالإجماع والكعب من القدم. وقال قوم: هو مفصل القدم، دون العظم الثاني في جنبه. وقال قوم: الكعب هو ذلك العظم. ونحن نقول بهذا، ونأمر بإدخاله في الغسل، وأنّه كان حدا؛ لأنّه من جنس المحدود إليه، والله أعلم.
ومن كتاب القناطر: ظاهرهما وباطنهما بماء جديد، أفضل ويدخل مسبحته في صماخي أذنيه، ويدير إبهامهما على ظاهر أذنيه، ثمّ يضع كفّيه على الأذنين استظهارا، أو يمسح أذنيه، ويكرّر ثلاثا. (1/279)
صفحة 280
ويستحب مسح رقبته بماء جديد؛ لأنّه قيل عن النبيّ (ص) أنّه قال: مسح الرقبة أمان من الغل يوم القيامة، وليس بواجب.
ومن غيره: ويل لبطون الأقدام من النار، فليبالغ في غسل بواطن القدمين والعرقوبين في الوضوء. (رجع).
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: الحجّة في وجوب غسل القدمين: فإنّ الغسل أول المسح عليهما، وإن كانا في التلاوة سواء؛ لأنّ بعض القراءة قرأ، وأرجلكم بالغصب، وبعضهم قرأ وأرجلكم بالخفض، فمن قرأ بالنصب، فصل بين المسح والغسل بالأعراب، وكلّ ذلك ليس بفعل النبيّ (ص) وبأمره لأمّته. أنّ المنقول إلينا عنه فعل الغسل، وما نقل إلينا من قوله (ص): «ويل للمراقيب من النار». وهذا شهى يوافق ما أوجبت القراءة، التي يذهب إليها على أنّ الأغلب من القرّاء، على ما يذهب إليه. (1/280)
صفحة 281
فنحن مع الأغلب منهم، وقد أمر رسول الله (ص) بلزوم الجماعة، ودليل من دليل الإجماع، إلى أنّهم أجمعوا جميعا، أنّ من غسل قدميه، فقد أدّى الفرائض التي عليه، واختلفوا في من مسح عليهما، فنحن معهم فيما اتفقوا عليه، والإجماع حجّة، والاختلاف فيه ليس بحجّة.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ويخلّل لحيته ويخلّل بين أصابع يديه ورجليه.
ومن الكتاب: وقيل: عن النبيّ (ص) أنّه قال: «أشربوا عيونكم الماء لعلّها لا ترى نارا حامية وخلّلوا أصابعكم قبل أن تخلّلها النار». وفي نسخة: قيل: «أن تخلّل بمسامير من نار يوم القيامة». وبلغنا أنّ عائشة زوج النبيّ (ص) عائشة –عليها السلام-،كانت تقول: خلّلوا أصابعكم الماء قبل أن تخلّل بالنار. وتقول: ويل للأعقاب من النار. (1/281)
صفحة 282
مسألة: وقال: غسل الرجلين، أن يعركهما من أوّل غسلة، ويكون ذلك إذا خرج آخر الماء صافيا، من غير عرك.
مسألة: من الزيادة المضافة: وحد نقاء القدمين، إذا صببت عليهما الماء، فانصبّ منهما ماء صاف بغير عرك. وقال إبراهيم: من غمس رجليه في الماء غمسا بلا عرك ولا دلك، أو لم يخلّل أصابع رجليه أو لم يمسح على عرقوبيه، أنّ صلاته تفسد وطهارته حتّى يتوضّأ جيّدا. ومن صبّ الماء على رجليه صبا ولم يغسلهما، لم يجزه إلا أن يكون ممّن يرى المسح يجزي معه، أنّ المسح لا يكون إلا باليد.
مسألة: والمتوضّئ يغسل رجليه بالشمال، ويصب الماء باليمين، ولا يغسلهما بيديه جميعا. (1/282)
صفحة 283
مسألة: من الزيادة المضافة: وأمّا المسح فوق الخفين، من غير غسل الرجلين، فلا يجوز عند أصحابنا؛ لأنّه عندهم بدعة، ولا يرون للماسح عليهما صلاة، ولا الصلاة خلفه، ومن مسح على الخفين، إلى أن مات، فهو هالك، هكذا وجدت في الضياء.
ومن كتاب القناطر: ويغسل رجله اليمنى ثلاثا، ويخلّل بخنصر اليد اليسرى، من أسفل أصابع الرجل اليمنى، ويبدأ بالخنصر من الرجل اليمنى، ويختم بالخنصر من الرجل اليسرى، ويبلغ بالماء إلى أنصاف الساقين.
مسألة: من كتاب قواعد الإسلام: وليجتهد في غسل الرجلين من الكعبين، ويخلّل أصابعهما وليبالغ في غسل أخمص رجليه وعرقوبيه. (1/283)
صفحة 284
أنّه روى عن النبيّ (ص) أنّه قال: ويل للعراقيب من النار وويل لبطون الأقدام من النار. أراد بذلك من ترك عرقوبيه وباطن قدميه.
مسألة: وعن أبي سعيد: وعن الرجل الذي يتوضّأ للصلاة، فإذا بقي عليه، غسل رجليه، خفض بهما في الماء قليلا أو كثيرا. قلت: هل يجزئه ذلك عن العرك، ويقوم مقام العرك؟ فإذا عمّت الحركة موضع الوضوء، من رجليه، بقدر عركة واحدة، من غير ممر الماء، أجزأه ذلك عندي على حسب ما قيل. (1/284)
صفحة 285
باب: فيمن توضّأ عاريا وفي الوضوء قائما أو عاريا أيضا، ومعاني ذلك
ومن جامع أبي الحسن: ومن قعد في ماء، وتوضّأ فيه، ولم يره أحد؟ فلا بأس، وبعض شدّد في ذلك.
ومن جامع ابن جعفر: ولا يتوضّأ المتوضّئ، وهو عريان ولا قائم. فإن فعل، فلا نقض عليه، إلا أن لا يمكنه القعود. وإن كان في ماء وتوضّأ فيه، فلا بأس.
ومن غيره: قال أبو الحواري –رحمه الله-: إن توضّأ قاعدا، فهو أحسن، وإن توضّأ قائما، فهو جائز.
ومن كتاب الشرح: وأمّا قوله: ولا يتوضّأ المتوضّئ وهو عريان ولا قائم؟ فإن فعل، فلا نقض عليه، إذا كان لا يمكنه قعود. (1/285)
صفحة 286
فإن كان في ماء وتوضّأ فيه، فلا بأس بالذي ذكره، أنّه لا يتوضّأ وهو قائم ولا عريان، فهذا النهي على وجه الاستحباب والأدب، وليس بواجب ذلك، ألا ترى إلى قوله، فإن فعل، فلا نقض عليه، يدلّ على ما قلناه. وقوله: إلا أن يمكنه عندنا، أنّه إن أمكنه القعود أو لم يمكنه، فإنّ الطهارة تصح منه، على أيّ حال فعلها، قاعدا أو قائما، ويحصل بفعلها متطهّرا. وأمّا عن طريق الأدب، فإنّه يؤمر أن لا يتطهّر، إلا وهو جالس مستتر بثوبه، ساتر لعورته، في ليل كان أو نهار. وقد قال بعض الفقهاء: وأحبّ أن يكون على عاتق المتوضّئ في حال تطهيره ثوبا أو خرقة. فهذا الذي ذكرناه يستحسنه الفقهاء، والله أعلم. (1/286)
صفحة 287
فصل: في الوضوء قائما أو عاريا
ومن جامع ابن جعفر: ولا يتوضّأ المتوضّئ وهو عريان ولا قائم، فإن فعل، فلا نقض عليه، إذا لم يمكنه القعود، وإن كان في ماء وتوضّأ فيه، فلا بأس. قال أبو الحواري –رحمه الله-: إنّه من توضّأ قاعدا، فهو أحسن، ومن توضّأ قائما، فهو جائز.
وقال غيره، معي: إنّه أراد لا يتوضّأ الإنسان قائما وضوء الصلاة ولا عاريا، فأمّا وضوؤه قائما، إذا كان لابسا ساترا عورته، فيخرج عندي نهي أدب، ولا أعلم فيه حجرا ولا نقضا، إلا أنّ العقود عندنا، أحسن في الوضوء. وقد بلغنا أنّ بعضا، أتى بعض أهل العلم، ليسأله عن الوضوء قائما، فوجده يتوضّأ قائما. وأرجو أنّه سأل عمّا أراد أن نسأله عنه. (1/287)
صفحة 288
فقال: أتراني قائما وتسألني أو نحو هذا، وأمّا الوضوء للصلاة عريانا. فمعي: إنّه أشدّ كراهية، إلا أن يكون في موضع مستتر، يأمن فيه على نفسه. فمعي: إنّه يخرج في معاني ما قيل: إنّ وضوؤه تام، إذا كان في موضع مستتر، يأمن فيه على نفسه، أنّه لا يراه أحد، ولا يجوز له النظر إليه، في موضع وضوئه، ولا إذا قام ليلبس ثيابه، لم يبصر عورته من هنالك. فإذا كان على هذا، فمعي: إنّه قيل: إنّ وضوؤه تام، حيث ما كان على هذه الصفة، في ليل أو في نهار، وأمّا إذا كان في موضع منكشف، إلا أنّه لا يأمن أنّه يمضي عليه في ذلك الوقت، لاعتزاله عن كثره المار والجاي، والذاهب في القرى وفي البراري. فمعي: إنّه يختلف في ذلك: ففي بعض القول: إنّه لا يجوز وضوؤه، ولا ينعقد في النهار، إذا كان عاريا في هذا الموضع، إذا لم يكن في مأمن يستر على ما وصفت لك من سكن أو سترة أو في غير سكن. وفي بعض القول: إنّه ما لم يبصره أحد في هذا الموضع، ممّن لا يجوز له النظر إليه، حتّى توضّأ واستتر تمّ وضوؤه. وإن أبصره أحد في حال وضوئه، كان عليه الإعادة في وضوئه. (1/288)
صفحة 289
ولا يتم له، إلا أن يكون كما وصفت لك، حتّى يتوضّأ أو يلبس ثيابه، وإذا كان في موضع مخاطرة، ليس في موضع يأمن على نفسه، في الوقت الذي يتوضّأ فيه في النهار. فمعي: إنّه في أكثر ما قيل: إنّه لا يجوز وضوؤه هنالك، عاريا في النهار، ولو لم يره أحد، إذا كان في غير مأمن. ومعي: إنّه يخرج في بعض ما قيل: إنّه ما لم يبصره أحد، من لا يجوز له النظر إليه، حتّى أتمّ وضوؤه، أنّ وضوؤه تام، وهو مقصر في ذلك، إلا أن يكون في ضرورة عندي في ذلك. ومعي: إنّه يخرج بمعنى الاتفاق، إذ لعلّه توضّأ في الليل، أو في موضع ستر في النهار، أنّ وضوؤه تام، حيث ما توضّأ على هذا، كان في ماء جار أو من إناء، أو كان على جانب الماء الجاري، وهو عاري، فكيف ما توضّأ في هذا الموضع في الليل، أو في الستر، من سكن أو غيره، فلم يبصره أحد ممّن لا يجوز له النظر إليه. أنّ وضوؤه تام، ولا يجوز له أن ينظر إليه في ذلك الحال على هذا، إلا زوجته أو سريته التي يطأها. (1/289)
صفحة 290
ولا يجوز للمرأة في ذلك إلا زوجها، والمرأة والرجل عندي في هذا الوجه، من أمر الوضوء سواء، وإذا ثبت هذا المعنى، أنّ الوضوء ينعقد بمعنى الاتفاق عاريا، إذا كان في موضع ستر، أو في الليل إذ هو لباس. فمعي: إنّ ذلك إنّما هو على هذا السبيل، من طريق الإثم، لا من طريق، أنّه لا يثبت الوضوء عاريا، ولو كان من طريق التعرّي، لم يجز في ليل ولا في نهار، في سترة ولا غيره، كما أنّه إذ لا تجوز الصلاة، إلا باللباس الذي يستر العورات، فلا يجوز في ليل ولا في نهار، في سترة ولا غيره، وحكم ذلك في الليل حكمه في النهار، في المساكن والمساتر، كغيره من الموضع، فإنّما يخرج عندي في هذا الفصل، أنّه إنّما لا يجوز الوضوء من هذا الوجه، من أجل إثم المتعرّي، وإذا ثبت ولا تصح عندي فيه، إلا من أجل هذا لمعنى الاتفاق، أنّه جائز في الليل أو في موضع الستر في النهار، أو عند من يجوز نظره إليه، ولأجل هذا، ثبت أنّه إنّما فسد من طريق الإثم. (1/290)
صفحة 291
فإذا توضّأ المتوضّئ وأتمّ وضوؤه على هذا، في أيّ موضع إذا لم يره أحد، ممّن لا يجوز له النظر إليه، حتّى يتمّ وضوؤه، خرج عندي، أنّ وضوؤه تام، ما لم ينظر إليه من يأثم بنظره إليه، على هذا المعنى، ولو كان في غير مأمن، ما لم يكن له نيّة في قعوده، في ذلك الوضع، لا تسعه ويأثم بها، فإذا كان كذلك، خرج عندي معنى الاختلاف في وضوئه، وإذا ثبت أنّه إنّما نقض وضوؤه من طريق الإثم، بالنظر إليه، من لا يسعه النظر إليه، خرج عندي نقض وضوئه بذلك، ممّا يجزي فيه الاختلاف في قول أصحابنا. ومعي: ينقض الوضوء في قولهم، بمعنى الإثم، بغير نظر الفروج وأشباهها من المتوضّئ، إلا في نقض وضوئه بذلك معاني الاختلاف، ولا يلحقه معنى الاتفاق من قولهم، كائنا ما كان، ما يأثم به إلا شرك بالجحود بشيء من الكلام والفعل، ممّا يرتد به إلى الشرك، فإنّي لا أعلم في هذا الفصل من قولهم اختلافا، في نقض وضوئه، بل يخرج عندي معنى الاتفاق من قولهم، بنقض وضوئه على هذا الفضل، وأمّا إن ارتدّ في نفسه، بغير قول أو فعل؟ (1/291)
صفحة 292
فمعي: إنّه يختلف في نقض وضوئه بذلك. وأمّا سائر الإثم، ففيما عندي، أنّه في نقض الوضوء بذلك، كان من الشرك بما يجب به القطع، أو سائر ذلك من الكبائر، أو الكذب المتعمّد عليه. ففي معاني ذلك، كلّه في نقض الوضوء به اختلافا، في قول أصحابنا، ولعلّ الاتفاق من قول قومنا، أو أكثر قولهم: إنّه لا ينتقض الوضوء بشيء من ذلك، إلا من الأحداث من النجاسات، وما أشبهها لا من طريق الإثم بغير معنى ذلك. كذلك ما يشبه من الأحداث، من أمر الفرجين والملامسة، ولا نعتمد قول قومنا، ولا منه إلا ما وافق العدل. وكذلك ينبغي أن يكون جميع ما جاء لا يقبل منه، إلا ما وافق العدل، ولا فرق بين قول القائلين من الجميع، فمن وافق قوله العدل، فهو العدل، وإيّاه يعتمد، وبه نأخذ، وإليه نستند، ومن خالف قوله العدل، فلا يجوز قبول غير العدل منه، لما تقدّم منه من العدل، في غير ذلك الذي قاله، من غير العدل. ولا نقول أنّ أحدا من المسلمين من العلماء المهتدي، يقول في الدين بغير ما يوافق العدل، ولا ما يخالف العدل، إلا أن يكون منه ذلك (1/292)
صفحة 293
على وجه الغلط، وأنّ له ثبوت منها، أو تحرف معنى، ما قيل عنه، وما يوافقوا فيه أصحابنا، في معنى الدين والرأي، ولا يزد على أحد من الخليقة شيء من العدل، ولا يجوز ذلك، ولا يقبل من أحد من الخليقة، ما يخالف العدل، ولا يجوز ذلك أمر الدين فيما يكون أحكامه أحكام البدع، وتحليل الحرام وتحريم الحلال، أو ما يكون حكمه حكم الدعاوي، فكلّ ذلك غير جائز، قبول باطل منه، ولا رد حق بما يخالف حكم العدل، بعلم بباطل ذلك أو بجهل، وإذا ثبت معنى الوضوء، للمتوضّئ عاريا، في موضع ما يجوز بمعاني الاتفاق أو الاختلاف، فسواء عندي، كان يتوضّأ في الماء قاعدا فيه أو قائما، إلا أنّ القعود عندي أحسن في معاني الأدب والستر، وأمّا في معنى اللازم، فسواء كان قائما أو قاعدا أو نائما، إذا أحكم وضوؤه في موضع وضوئه، في موضع ما يجوز. ومعي: إنّه في بعض القول على معنى قول من يقول، إذا كان في موضع الستر، ثبت وضوؤه عريانا، إذا كان في الماء، وكان الماء يستر عورته، إذا قعد أنّ وضوؤه فيه تام، ولو كان في غير سترة، ولعلّه يذهب أنّ الماء في ذلك ستره. (1/293)
صفحة 294
ويخرج هذا القول في الرجال لا في النساء، في نظر الرجال إليهم. وكذلك عندي، إذا ثبت معناه في الرجال، من نظر الرجال إليهم، فمثله عندي في النساء من النساء، ومن ذوات محارمهن من الرجال، وقد يكون الماء عندي سترة، ما لم يتقرّب الناظر إلى القاعد في الماء، فإذا تقرّب منه وصف الماء القاعد فيه؛ لأنّ الصافي، يصف العورة ولا يسترها، إلا من بعيد، ولكن إذا كان الماء كدرا، لا يصف العورة ولا يبصر منها، كان عندي ستره على معن ما قيل في هذا القول، وهذا القول عندي مطلقا، إذا كان ستر السرّة من القاعد فيه، ولا يذكر فيه تفسير في قيام إلى ثيابه ليلبسها، كان معناه، أنّه إذا كان في موضع ستره، إلى أن ينعقد وضوؤه، وهو مستتر، فقد ثبت وضوؤه وقيامه إلى لبس ثيابه، حال آخر لا يدخل في معنى الوضوء، فإن توضّأ وقام إلى ثيابه، فلبسها ولم ينظر إليه أحد، ممّن لا يجوز له النظر إليه، نظرا يأثم فيه المنظور إليه من التبرّج، بغير عذر لحقه عندي معنى الاختلاف، في بعض وضوئه. ويدخل على هذا القول؛ لأنّه قد توضّأ وهو مستتر، وقيامه إلى لبس ثيابه، غير معنى وضوئه، وإنّما ذلك حدث يدخل على وضوئه، إن لم يسلم منه. (1/294)
صفحة 295
وإن سلّم منه، إلى أن يلبس ثيابه، ولا يدخل عليه في ذلك مأثمه، ثمّ وضوئه على هذا المعنى، وهذا القول عندي، أشبه بمعنى الأصول، في انعقاد الوضوء، أنّه ينعقد إذا لم يأثم، في حين الوضوء، إذا ثبت أنّه، إنّما لم ينعقد الوضوء من أجل الحدث فيه، فإذا كان الماء يستره إلى تمام الوضوء، فمعناه ينعقد الوضوء له، وقيامه إلى لبس ثيابه، حال آخر. ويخرج عندي في القول الأوّل، أنّه لا ينعقد الوضوء له، إلا حتّى يكون في موضع يستره في حال وضوئه. وكذلك إلى أن يلبس ثيابه التي يسلّم بها من الإثم، على معنى ما قيل. وفي المجامع في الليل في شهر رمضان، أنّه لا يجوز له أن يجامع في آخر الليل، إلا أن يكون من الليل، في الوقت الذي فيه، ويتطهّر من الجنابة، قبل أن يصبح، وإنّما منع في الأصل في الجماع في النهار، فقد تولّد عليه من معنى الخوف، أنّه لا يغسل قبل الصبح، منع الوطء، بمعنى إذ لا يخرج من حكم الوطء، في وقت الإباحة له الوطء، أنّ الواطئ لا يكون خارجا من أحكام الوطء، حتّى يخرج بالطهارة من أحكام الوطء. (1/295)
صفحة 296
كما لا يكون الحائض خارجة من حكم الحيض إلا بالتطهّر من الحيض، ذلك في معنى انقضاء العدّة، وإطلاق الفرج للوطء، وحكم الصلاة، والحائض بعد طهرها في معاني أحكام، ما يصح منها، ولا يصح في الحيض بمنزلتها، قبل أن تطهّر. وكذلك معي: حجر الوطء في معنى النهي، في الوقت لا يخرج الوطء فيه، من أحكام الوطء بالتطهّر، وهو مشبه معناه، إذا لم يكن يخرج فيه من جماع، قبل الصبح؛ لأنّ كمال الجماع التطهّر، كذلك يشبه معنى ما قيل في أنّه لا يتم الوضوء بستر العورة في حال الوضوء، إلا لكمال ذلك، إلى أن يستر عورته باللباس، ويصل إلى ذلك وهو مستتر، وإلا فلم يكن له ثبوت معنى حكم الستر على هذا المعنى، وإذا ثبت هذا المعنى، فإنّما يخرج على معنى هذا القول، أن يكن الماء الذي يتوضّأ فيه، يستر سرّته، إذا قام للباس ثوبه، حتّى لا ينظر له عورة، حتّى يلبس ثيابه، ومعنى القول الثاني: إنّه إذا كان مستترا في حين عقد الوضوء، فليس يضرّه ما بعد ذلك، في معنى عقد الوضوء، إلا أن يحدث حدثا في غير معنى الوضوء. (1/296)
صفحة 297
ومن ذلك ما يخرج في معنى الاتفاق: إنّه لو توضّأ في موضع الستر، الذي يستره ينعقد له الوضوء، ثمّ أنّه يبرج بعد فراغه من الوضوء، في موضع يجوز له التبرّج فيه، في موضع لا ينظر إليه أحد نظر. أيأثم فيه؟ إنّ هذا التبرّج لا يضرّ وضوؤه، في معنى الاتفاق، إذ قد انعقد وضوؤه، ولم يعص في معنى تبرّجه، فإذا لم يدخل الوضوء، في حال العصيان، حتّى انعقد، فإنّما ينقضه الحدث بأيّ وجه كان، وليس خروجه من الوضوء، بعد تمامه، ممّا يدخل عليه حكم نقضه، إذ قد انعقد إلا بحدث ممّا ينقض الوضوء، وليس تبرّجه في موضع، لا ينظر إليه أحد، ولو كان في غير مأمن، إذا لم ينظر إليه أحد في وقت تبرّجه، ذلك نظر، ألا يسعه في وقت تبرّجه ذلك، فليس ذلك عليه نظر، في أمور الدين، في معنى الإثم، لعلّه في معنى الأدب، إذا كان في غير عذر، فقد يكره للإنسان في معنى الأدب، أبدأ عورته في كلّ حال، ولو كان خاليا إلا لمعنى يخرج له فيه معنى عذر. (1/297)
صفحة 298
وقد قيل: إنّه ينهى أن يقوم الإنسان منتصبا، بين غسله للبس ثيابه، أو لمعنى عاريا، إلا من عذر لا يمكنه ذلك، وكذلك ينهى عن إبداء شيء من عورته، ولو كان خاليا في منزله، إلا من عذر، وهذا كلّه يخرج عندي على معنى الأدب، لا معنى المحارم والمآثم.
ومن كتاب قواعد الإسلام: ومكروهات الوضوء عشرة: وهي الإكثار من صب الماء فيه، والزيادة على مغسولة، فوق الثلاث، وعلى الواحدة في ممسوحة، والوضوء في موضع الخلاء، والكلام فيه بغير ذكر الله تعالى، والاقتصار على مرّة واحدة، لغير العالم، والوضوء من الماء المشمس؛ لأنّه يثير البرص، والتوضّؤ عريان، ولو كان في ظلمة وخلوة، والتوضّؤ من الماء المضاف، ومسح الوضوء بالمنديل مكروه؛ لأنّه يكتب له الحسنات، ما دام على أعضائه ولم يجف. (رجع). (1/298)
صفحة 299
باب: في المتوضّئ إذا شكّ أنّ وضوؤه انتقض وفي من نسي وضوؤه أو تشاغل حتّى جفّ وضوؤه وفي وضوء الشباك والصياد والحطاب وجناه الشوع والجراد وطالب الضالة والراعي
من كتاب الأشراف: قال أبو بكر: وإذا أيقن المرء في الطهارة، ثمّ شكّ في الحدث، فهو على طهارته. وروي عن الحسن أنّه قال: إن شك في وضوئه، قبل أن يدخل في الصلاة، فإنّه يتوضّأ، وإن شكّ وهو في الصلاة، مضى في صلاته. قال أبو سعيد: التواطئ من قول أصحابنا: إنّه إذا ثبت الوضوء، فلا يزيله الشك بالأحداث، المعارضة له، حتّى يستيقن المتوضّئ، أنّه قد أحدث حدثا به، انتقض وضوؤه. وأمّا إذا شكّ في الوضوء توضّأ، أم لم يتوضّأ؟ فمعي: إنّه يخرج من قولهم: إنّه لا وضوء عليه، لدخوله في حكم الصلاة، وموجب له الحكم، أنّه لا يدخل في الصلاة، إلا بحكم بوضوء. (1/299)
صفحة 300
ومعي: إنّه من قولهم: إنّه ما لم يتم الصلاة، وبقي عليه حد، فشكّ أتوضّأ أم لم يتوضّأ، ولم يثبت له علم ذلك. فعليه الوضوء وإعادة الصلاة.
ومن كتاب الشرح: وأمّا قوله: ومن شكّ في عضو أنّه لم يحكم وضوؤه، من بعد أن خرج منه إلى العضو الثاني؟ فلا نرى عليه، أن يرجع إليه، إلا أن يستيقن أنّه لم يغسله. وكذلك إذا شكّ في وضوئه كلّه، بعد أن فرغ منه، فلا إعادة عليه، وكذلك حفظ لنا الثقة، عن موسى بن علي –رحمه الله-. قال أبو محمّد: إذا خرج من فرض، كان قد دخل فيه بعلم، وإنّما يوجب العام الظاهر من الاستدلال على ذلك، وقد كان قصد بذلك، وأراده وهو يتحرّى موافقته، والتديّن بفعله، ثمّ اعترض الشك عليه فيه، ولم يرفع الشك، ما ثبت حكمه بما ذكرنا، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع أبي محمّد: ومن تيقّن حدثا، ثمّ شك. هل تطهّر أم لم يتطهّر؟ (1/300)
صفحة 301
كلّ على حدثه. ومن تيقّن طهارة ثمّ شك، أحدث أم لم يحدث، فهو على طهارته، الدليل على ذلك، أنّ التيقّن لا يرتفع بالشك؛ لأنّه يقين بعلم، وما شكّ فيه، فغير معلوم، والمعلوم فلا يرفع بغير معلوم. وفي موضع قيل: إنّ عليه أن يرجع ما لم يكن فرع من الوضوء كلّه. وقيل: إذا تعدّى الحد الذي شكّ فيه، إلى غيره من حدود الوضوء، لم يكن عليه إذا شكّ فيه، إلا أن يستيقن أنّه تركه، ولو كان خاليا، إلا لمعنى يخرج له فيه معنى عدم. وقد قيل: إنّه ينهى أن يقوم الإنسان منتصبا من مغسله، للبس ثيابه، أو لمعنى عاريا، إلا من عذر لا يمكنه إلا ذلك، وكذلك ينهى إبداء شيء من عورته. (1/301)
صفحة 302
فصل: في الشك
من الزيادة المضافة: وقيل: على الماء شيطان، يقال له: الولهان، لولع الناس به لكثرة استعمال الماء عند الوضوء، واستعمال الشكوك مكروه ومتروك؛ لأنّه من عوارض الشيطان، ويقال: كثرة الوضوء من الشيطان، ورأى أبو محمّد –رحمه الله- رجلا يتوضّأ ويطيل المضمضة والاستنشاق، وهو يتشكّك في وضوء الصلاة، فقال له: أرك تتشكّك، ولو كان في التشكّك، مكرمة يتقرّب بها إلى الله تعالى، لكان النبيّ (ص) قد سبق الناس إلى التشكّك، والنبيّ (ص) ينهى عن الإسراف في الماء، ثمّ قال: حلال وحرام، ومشبهات بين ذلك، فدع ما يشتبه لما لا يشتبه.
مسألة: ومن شكّ في المضمضة، وهو في الاستنشاق، أو في يده اليمنى، وهو يغسل اليسرى. فليس عليه أن يرجع؛ لأنّه قد جاوز ذلك الحد إلى غيره. (1/302)
صفحة 303
مسألة: عن أبو سعيد: وينبغي للمبتلى بالشكوك في الصلاة والطهارة، وللطهارة يؤمر أن يأخذ بأرخص أقاويل المسلمين، التي لا تمزج من العدل؛ لأنّه يتقوّى بذلك، على أمر الشيطان، ولا يساعد الشكوك، فإنّ ذلك يفسد عليه دينه، وينشغل بذلك عن أمر آخرته، وخلوته لعبادة ربّه، يقول (ص): «يسّروا فإنّ الله يحبّ اليسر». (1/303)
صفحة 304
فصل: فيمن نسي بعض وضوئه أو تشاغل حتّى جف وضوؤه
أرجو عن أبي سعيد: وسألته عمّن نسي مسح رأسه، من غير أن يعيد الوضوء. قال، معي: إنّه قد قيل ذلك. وقيل: يبتدئ الوضوء. فإن يمسح بعض وضوئه، ثمّ تشاغل بغيره، من أمور الدنيا. هل يجزيه أن يبني على وضوئه، من غير أن يبتدئ؟ قال، معي: إنّه قد قيل: يبتدئ الوضوء، إذا جف وضوؤه. وقيل: يبني على وضوئه.
مسألة: وسألت أبا سعيد، عمّن يمسح للصلاة بعد الوضوء، ثمّ اشتغل بشيء من أمور الدنيا، حتّى يبس وضوؤه. هل له أن يبني على وضوئه، من غير أن يبتدئ؟ قال، معي: إنّه قد قيل: يبتدئ، إذا كان اشتغاله، في غير أمر وضوئه، بغير عذر. (1/304)
صفحة 305
وأحسب أنّه قد قيل: يبني، ولعلّه قال: ما يؤخذ إلا على معاني إجازة ذلك.
قال غيره: أمّا الراعي وطلب الضالة، فلم نسمع أنّهم يخرجون متوضّئون، فإذا حان وقت الصلاة، ولم يجدوا الماء، ولم يمكنهم الرجوع إلى القرية، لفوات حاجتهم؟ إنّهم يتيمّمون ويصلّون، إذا كانوا خارجين من القرية، بعيدا عن الماء، والله أعلم. وعن الأزهر بن محمّد بن جعفر: عن جاني الشرع، وطالب الجراد والحطب، ونحو هذا، إذا حضرت الصلاة، ولم يجدوا الماء؟ ففي بعض أقاويل: قول: ليس المحتاج إلى ذلك كالمستغنى، أنّ المستغنى يمكنه أن يرجع ويترك ذلك، والمحتاج لا يمكنه، ويجوز له التيمّم، وإنّما هذا على أنّه لم يصل إلى حدّ الفرسخين، فأمّا إذا جاوز الفرسخين، فالتيمّم جائز له، إذا لم يجد الماء. (1/305)
صفحة 306
مسألة: وفي موضع في الحاطب والجاني: هل عليه حمل الماء، أو يخرج متوضّئا، قبل فوت الوقت؟ قال: ليس عليه ذلك، تكن مكسبته أو شيء يعينه، على أمر معاشه، ممّا يخاف دخول النقصان في منسبه. فقول: يؤمر بحمل الماء، ويخرج متوضّئا، فإن انتقض وضوؤه، وليس معه ماء، وحان وقت الصلاة، فله أن يصلّي بالتيمّم. وقول: عليه أن يرجع إلى الماء، ولا يصلّي إلا متوضّئا، فإن خاف الفوت، يتيمّم ويصلّي. وقول: ليس عليه التيمّم ولا الوضوء للصلاة، قبل دخول الوقت؛ لأنّه لم يتعبّد به. (1/306)
صفحة 307
فصل: فيمن كان في بدنه من حدود الوضوء تم
من جامع ابن جعفر: قال بعض أهل الرأي: من كان في بدنه، من حدود الوضوء، دم أو غيره، ممّا ينجس، أنّه كما* توضّأ ثمّ وصل إليه غسل له غيره، أو غسله هو بحجر أو غيره، ثمّ أتمّ وضوؤه ولم يمسّه؟ إنّه لا بأس بذلك. قال أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة: هذا قول لا يشبه قول أصحابنا. فإن يكن أراد قول مخالفينا من العراق، فليس بنا حاجة إليه.
مسألة: عن أبي المؤثر، عن أبي عبد الله محمّد بن محبوب: فالذي يكون فيه شيء من حدود الوضوء أو غيره من النجس، فتوضّأ الإنسان حتّى صار إليه، ولم يمسّه بيده أو غسله غيره، أنّ وضوؤه تام، وروي ذلك عن ابنه محبوب –رحمهم الله-. (1/307)
صفحة 308
مسألة: وممّا يوجد أنّه من كتب أبي محمّد الحواري بن محمّد: وأمّا الذي ذكرت من رجل مسّ قملة وهو متوضّئ. أعليه أن يتوضّأ؟ قال: لا. وأمّا البول والدم، فإنّهم اختلفوا فيه، فمنهم من يقول: اغسله، ولا طهور عليه، إلا ممّا خرج منك. ومنهم من يقول: يطهّر إذا مسّه، والطهور أذهب للريبة وأطيب للنفس.
مسألة: وسألته عمّن أصابته نجاسة في شعر رأسه وهو طويل، ولم يمسّ شيئا من بدنه. هل ينتقض وضوؤه؟ قال، معي: إنّ وضوؤه ينتقض.
قلت له: فإن قطع الشعر الذي أصابته النجاسة، وصلّى بوضوئه، وظنّ أنّه جائز له. هل ترى عليه الإعادة؟ قال، معي: إنّ عليه الإعادة لوضوئه وصلاته. (1/308)
صفحة 309
فصل: في وضوء الشباك والصياد والحطاب وفي حناء الشوع والجراد وطالب الضالة والراعي
وسألته عن الشباك، إذا حضرته الصلاة، وهو في شباكه. هل له أن يتيمّم ونوى في عنته، كان ذلك معاشه أو تركه، ينقص من معاشه ويخاف بطلان ما هو فيه، من أجل ذلك. فمعي: إنّه قد قيل: له ذلك، وإذا لم يكن على هذه الصفة؟ فمعي: إنّه قد قيل: ليس له ذلك، إذا كان إنّما يخاف ما لم يقع في يده بعده، على حال، وإذا خاف فوت ماله، أو شيء منه، أو الضرر فيه، من محصول، كان معاشه أو لم يكن.
مسألة: ومن خرج من بلده، يريد الحطب لأهله، ولا يعرف حد القصر، أو يشتبه عليه. فإذا أتى على الفرسخين، فليقصّر، وما اشتبه عليه من ذلك، فليتم صلاته، حتّى يستبين له منتهى الفرسخين. (1/309)
صفحة 310
مسألة: وقال الربيع: الراعي وطنه غنمه، يصلّى أربعا.
مسألة: أحسب عن أبي عبد الله قال: والراعي إذا كان من منزله، أكثر من فرسخين، فإنّه يقصّر الصلاة.
مسألة: ومن الزيادة المضافة: وعن محمّد بن محبوب، في قوم من الشراة رصدوا لقوم من الأخواف، على مورد، فحضرت الصلاة، فخالفوا إن ذهبوا إلى الماء، أن يعلم بهم القوم، فصعدوا وصلّوا، والماء قريب منهم، فلم ير عليهم الكفّارة.
قال غيره: وقد قيل في مثل هذا، عليهم الإعادة بالوضوء؛ لأنّهم ليسوا خائفين على أنفسهم.
مسألة: وقد بلغنا عن موسى بن علي، في شباك يشبك للطير، وقد مدّ شبكه وهو في خيمة، وهو في القرية، وحضرت الصلاة، وهو ليس متوضّئ، وخاف إن خرج من خيمته إلى الماء، ذهب الطير فتيمّم وصلّى في خيمته. قال موسى: إن كانت تلك مكتسبه، فصلاته تامّة بالتيمّم. (1/310)
صفحة 311
مسألة: من كتاب الأشياخ: وسألته عن رجل خرج في طلب عبد آبق ودابة له ذهبت. هل يجوز له أن يتيمّم وهو يخاف أن يفوته؟ قال: لا، ولكن يتوضّأ بالماء ويصلّي.
مسألة: عن أبي عبد الله: في راعي الغنم أو حمّال حمل على جمله، حمالا أو غير حمال، أو خاف الراعي على غنمه، أن تذهب أو تفسد على الناس، وهو في البلد، وخاف صاحب الجمل أن تطرح دابته. هل له أن يتيمّم ويصلّي، وهو في القرب من البلد والماء؟ قال: نعم، هذا إذا خاف الفوت.
من المصنف: وأمّا الذين يخرجون إلى القنص والجراد والحطب، ونحو هذا، ولا يريدون أن يتعدّوا الفرسخين، فيؤمرون بحمل الماء للوضوء؟ إن لم يكونوا على وضوء، وحضرت الصلاة، رجعوا توضّؤوا من القرية، إذا لم يكونوا قد صاروا في حد السفر، أو خاف فوت الذي يطلبه، فيتيمّم ويصلّي. (1/311)
صفحة 312
قال أبو محمّد: من خرج إلى الجراد والقنص والرعى، ولم يحمل الماء لوضوئه، وحضرت الصلاة، فعليه أن يرجع إلى الماء ليتوضّأ، إلا أن يكون إذا رجع إلى الماء، فاتت حاجته، وكان في وقتها، لعلّه فوتها هلاك عياله، فإنّه يتيمّم ويمضي لحاجته، والفقير والغني في هذا واحد؛ لأنّه واجب في الغني والفقير، فلهم أن يخرجوا في التماس الرزق.
مسألة: ومنه أبو الحواري: فأمّا الحاطب والجاني، فقالوا: لا يخرج من القرية، حتّى يتوضّأ، فإن انتقض وضوؤه، فعند ذلك يتيمّم، فإن خرج من قريته، ولم يتوضّأ، فأدركته الصلاة، وليس معه ماء، فإنّ ذلك مكسبته، فإنّه يتيمّم ويصلّي ويمضي لحاجته، وإن لم يكن مكتسبه، وهو مستغن عنها.
مسألة: من المصنف: قال أبو سعيد: في الجاني والحاطب عليه الصلاة قبل أن يجني ويحطب شيئا. (1/312)
صفحة 313
وهو في موضع لو التمس الماء لوجده، في وقت الصلاة، ففي هذا الموضع، فرّقوا فيه، أنّه إذا كان ذلك مكتسبه، مضى لما توجّه إليه، وليس عليه أن يرجع لطلب الماء، وإن لم ذلك مكتسبه، كان عليه طلب الماء، ولم يكن له أن يذهب لذلك، حتّى يجد الماء ويصلّي، فإن كان لا يجد الماء في وقت الصلاة، أن لو التمسه، لم يكن عليه أن يتبرّج إلى طلب الماء، كان ذلك مكتسبه أو غير مكتسبه، وأمّا إذا كان قد جنى وحطب شيئا، وصار ملكا له، وخاف عليه إن طلب الماء، أن يضيع أو لا يصل إليه، فليس عليه أن يطلب الماء، ويصلّي بالصعيد؛ لأنّ عليه حفظ ماله، وليس عليه أن يضيّعه، كان ذلك مكتسبه أو غير مكتسبه، كان غنيا أو فقيرا، وعليهم إن أرادوا الخروج، فإنّهم يخرجون متوضّئين، فذلك عندي، إذا كانوا يرجو أنّهم يحفظون طهرهم، وذلك في قرب الصلاة، وأمّا من خرج بعد الفجر، فكيف يرجو أن يحفظ للظهر، وأمّا قوله: فيؤمرون بحمل الماء للوضوء. فليس كلّ من يخرج لذلك، يكون عنده وعاء يحمل فيه الماء. (1/313)
صفحة 314
فهرس
الموضوع ... الصفحة
فصل: في الوضوء من الغسل ونحوه ... 05
باب: فيمن أصابته جنابة ولم يعلم بها واغتسل من غبار أو شيء ولم ينويه غسل الجنابة وفيمن وقف في غيث الغسل من الجنابة وفيمن غيب بامرأته ثمّ تركها وأنزل من بعد ... 20
باب: في كيفية الغسل وترتيبه وفي نفض المرأة ضفائر شعرها وفي المرأة ترى كمثل ما يرى الرجل في المرأة إذا عبث بها زوجها أو عبثت بنفسها حتّى قذفت وفي المرأة تجامع ثمّ تحيض قبل الغسل ... 31
فصل: في المرأة ترى كمثل ما يرى الرجل ... 37
فصل: في المرأة تجامع ثمّ تحيض قبل الغسل ... 38
باب: في حد الماء الذي يغسل به من الجنابة وفي صفة الغسل من الجنابة وما أشبه ذلك ... 44
باب: فيمن شكّ أنّه غسل من الجنابة أو لم يغسل وفيمن يرى الجماع ولا يقذف أو ينتبه ولم يدر قذف الجنابة أو لم يقذفها ... 50 (1/314)
صفحة 315
فصل: فيمن يرى الجماع ولا يقذف أو ينتبه ولم يدر قذف أم لا ... 54
باب: في تيمّم الجنب لصلاته وفي صلاته ... 61
باب: منع الجنب والحائض والمشرك الدخول في المساجد ونحوها وقراءة القرآن ومس الجنب والحائض المصحف وتعليقهما التعاويذ في عرق الجنب وريقه ورطوبته ومعاني ذلك ... 68
فصل: منع الجنب والحائض والمشرك الدخول في المساجد وقراءة القرآن ... 70
فصل: في عرق الجنب وريقه ورطوباته ... 77
باب: في فعل الجنب وهو جنب من أكل وشرب ونوم قبل الاغتسال ومعاني ذلك
باب: فيمن ترك شيئا من بدنه أو علّق به شيء، وفي صلاة من ترك الغسل من الجنابة ومعاني ذلك ... 95
باب: في جنابة المرأة وفي غسل المرأة من الجنابة ومعاني ذلك ... 101
باب: في التيمّم وفي صفة التيمّم وفي ضرب اليدين ومعاني ذلك ... 111
فصل: في صفة التيمّم وما أشبه ذلك ... 122
باب: في طلب الماء عند التيمّم وفي حد طلب الماء وفي التراب الذي يتيمّم به ومعاني ذلك ... 128 (1/315)
صفحة 316
فصل: في حد طلب الماء ... 132
فصل: في التراب الذي يتيمّم به ... 134
باب: فيمن وجد الماء فتركه وتيمّم عنده أو سار عنه وتيمّم بعده وفي الذي يجوز له التيمّم في عدم الماء وغير عدمه في تيمّم أصحاب العلل وما أشبه ذلك
فصل: في الذي يجوز له التيمّم في عدم الماء وغير عدمه وفي تيمّم أصحاب العلل ... 145
باب: في المصلّي إذا لم يجد ماء ولا صعيدا وفي تيمّم الحاضر إذا خاف فوات الوقت وكذلك المسافر وفيمن صلّى بالتيمّم في الحضر في إدراك الصلاة قبل أن تفوت وفي تتريب الثوب وفيمن عدم الماء وجهل أن يتيمّم ... 151
فصل: في تيمّم الحاضر إذا خاف فوت الوقت وكذلك المسافر ... 155
فصل: في تتريب الثوب ... 166
باب: في طهارة الماء ونجاسته وقلّته وكثرته وفي العلّة وفي ضرورة المياه وأقسامها في الماء الجاري والماء الراكد ... 169
فصل: في القلّة وحدها ... 177
فصل: في ضروب المياه وفي الماء الجاري والراكد ... 179 (1/316)
صفحة 317
باب: في الأمواه وفي شراء الماء وفي الاستنجاء من الغائط والبول وفي المقرن والمسترسل البول وما أشبه ذلك ... 187
فصل: في الماء ... 192
فصل: في شراء الماء ... 197
فصل: في الاستنجاء من الغائط والبول ... 198
فصل: في المقرن والمسترسل البول ... 206
باب: فيمن كان معه ماء قليل لا يجزيه لغسل نجاسة أو لغسل ثيابه أو جنابته أو وضوؤه وفي الجنب والميّت ومن منهما أولى بالماء وما أشبه ذلك ... 209
باب: في الوضوء وفي النيّة وفي ترك ذكر اسم الله عند الوضوء وفيمن توضّأ النافلة وأراد أن يصلّي به الفريضة أو لفريضة وأراد أن يصلّي به النافلة وغيرها ... 215
فصل: النيّة للطهارة ... 224
فصل: في ترك اسم الله عند الوضوء ... 231
فصل: فيمن توضّأ لنافلة الفريضة وأراد أن يصلّي به صلاة غيرها ... 235 (1/317)
صفحة 318
باب: في الوضوء ومعانيه وفي الترتيب فيه وفيمن مسح وجهه بالمنديل أو بثوبه وفيمن ينفض الماء من يديه عند الوضوء وفي فضائل تقال عند الوضوء ... 239
باب: في المضمضة والاستنشاق في غسل الوجه في الوضوء وفي غسل اليدين وفي مسح الرأس في الوضوء وفي مسح الأذنين وفي وضوء الرجلين ومعاني ذلك ... 253
فصل: في غسل الوجه في الوضوء ... 258
فصل: في غسل اليدين ... 265
فصل: في مسح الرأس من الوضوء ... 268
فصل: في مسح الأذنين ... 276
فصل: في وضوء الرجلين ... 279
باب: فيمن توضّأ عاريا وفي الوضوء قائما أو عاريا أيضا ومعاني ذلك ... 285
فصل: في الوضوء قائما أو عاريا ... 287
باب: في المتوضّئ إذا شكّ أنّ وضوؤه انتقض وفيمن نسي وضوؤه أو تشاغل حتّى جف وضوؤه وفي وضوء وفي وضوء الشبك ... 299 (1/318)
صفحة 319
والصياد والحطاب وجناه الشوع والجراد وطالب الضالة والراعي ... 302 ... فصل: في الوضوء
فصل: فيمن نسي بعض وضوئه أو تشاغل حتّى جف وضوؤه ... 304
فصل: فيمن كان في بدنه من حدود الوضوء دم ... 307
فصل: في وضوء الشباك والصياد والحطاب وفي حناء السوع والجراد وطالب الضالة والراعي ... 309 (1/319)