صفحة 1
الكتاب: جامع الجواهر
المؤلف: العلامة/ جمعة بن علي الصائغي
الجزء: الثالث
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان.
تاريخ النشر: 1406هـ - 1986م
طبع: مطابع سجل العرب
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
جامع الجواهر
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العلامة جمعة بن علي الصائفي
الجزء الثالث
1406هـ - 1986م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
جامع الجواهر
تأليف
العلامة جمعة بن علي الصائفي
الجزء الأول
1406هـ - 1986م (1/2)
صفحة 3
[صفحة بيضاء] (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
باب
ما ينقض الوضوء من مس الدواب والبشر الأحياء أو الأموات وما ينقض الوضوء من مس الفرج أو نظرها أو ذكرها وما لا ينقض وما كان من معانيها ونقض الوضوء بالمأكولات وما مسته النار.
*مسألة: قال أبو سعيد رحمه الله: إن حد الوضوء إذا مس الفرج وهو في الصلاة انتقض الوضوء إنه من الرصفة وما سفك منها.
*مسألة: من كتاب قواعد الإسلام لحديث النبي صلى الله عليه وسلم «أيما رجل أفضى يده إلى ذكره انتقض وضوءه». وذهب العلماء إن الأمر بذلك لمراعاة وجود اللذة. واختلفوا أصحابنا في مس الميت المؤمن. فقول: لا ينجس من مسه رطبا كان ولا يابسا قبل أن يطهر وبعد ان يمس منه رطوبة وذلك في الولى.
وقال محمد بن محبوب وأبو مالك وأبو محمد مس الميت ينقض الوضوء كان وليا أو غير ولي رطبا كان أو يابسا. وسألته عمن يخرج القملة من ثوبه ويقتلها بحجر أو خشبة وهو متوضئ على ذلك قول. (1/5)
صفحة 6
أينتقض وضوءه؟ قال: لا. إلا أن يخرج منها رطوبة فحينئذ ينتقض وضوءه. إذا مس الانسان القملة وهو متوضئ فيخرج منها رطوبة انتقض وضوءه. وإن لم يخرج منها شيء لم ينتقض وضوءه. وسألته عن رجل كان متوضأ فيمس دابة شاةكانت أو ثورا أو حمارا أو شيئا من الأنعام. هل ينتقض وضوءه؟ قال: لا. إلا أن يكون يرى نجاسة بعينها. قلت: فولد الأنعام الصغير الذي يرضع. هل يفسد الوضوء إذا مسه الرجل؟ قال: إذا كانت أمه قد لصته ويبس أثر ذلك القذر وامتحى فلا بأس. وإن كان به أثر فسد وضوءه.
*مسألة: وسألته عن رجل قال: لا بارك الله فيك من دابة أو من مال. (1/6)
صفحة 7
أو قال هجس كذا. أو قبح أو لمن وهو متوضئ. هل ينتقض وضوءه؟ قال: لا ويستغفر ربه.
*مسألة: وسألته عن رجل قبح رجلا أو لعنه وهو متوضئ. هل ينتقض وضوءه؟ قال: لا وقد أثم ويستغفر ربه. *مسألة: عمن قاللم أوجبت على من كذب متعمدا أن وضوءه ينتقض ما جوابه؟ فجوابه: أن الوضوء من الإيمان. وإن الكذب ينقض الإيمان. وقد جاء الأثر عن النبي صلى الله عله وسلم أنه قال: «من كذب كذبة فهو منافق إلا أن يتوب». وكل ما نقض الإيمان من القول نقض الطهارة. ولأن الوضوء من الإيمان فلا يكون الإيمان ينتقض. (1/7)
صفحة 8
وتثبت الطهارة إذا كان الإيمان انتقاضه من جهة القول باللسان فهذا من الجواب عليه.
*مسألة: وحفظت عن أبي سعيد أسعده الله أنه قال الذي يقول أن المعاصي تنقض الوضوء بقول أن الكذب ينقض الوضوء. وقد وجدت أنا في الآثار أن الأكثر من قول المسلمين أن المعاصي لا ينقض الوضوء. وقد وجدنا أيضا أن الكذب المعتمد عليه لا ينقض ولا الصيام. وقد وجدنا أيضا في بعض القول أنه ينقض وهو أكثر القول فيما عرفنا. فإن كذب كاذب وصلى ولم يتمسح وهو يعلم أن الكذب ينقض الوضوء فقد وجدنا في هذه المسألة أن عليه الكفارة. والكفارة على ما وجدنا فيه. وعرفنا عن أبي سعيد عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين. أو إطعام ستين مسكينا فخير في ذلك فيما عرفنا والله أعلم بالصواب.
*مسألة: من الزيادة المضافة: النقض افساد كل عمل من بناء أو غيره. والنقض اسم البناء المنقوض. يعني اللبن إذا خرج منه. (1/8)
صفحة 9
فصل ما ينقض الوضوء من مس الفروج أو ذكرها وما لا ينقض
وقال: إذا مس الرجل فرج امرأته اينقضوضوءه دونها. وكذلك إذا مست الزوجة فرج الزوج انتقض وضوءها ولا بأس على وضوءه. وإنما النقض على الفاعل فقط. وليس في هذا إجماع ولكن هذا اتفاق من أصحابنا. ذلك على قول النبي صلى الله عليه وسلم من أفضى بيده إلى فرجه انتقض وضوءه.
*مسألة: وروى الشيخ أبو محمد عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله لا يستحي من الحق إذا فسا أحدكم فليتوضأ»
*مسألة: وسألته عن الفرج من المرأة. فقال: الفرج من المرأة موضع الجماع. وفرج الرجل ما يقع عليه اسم الفرج. (1/9)
صفحة 10
*مسألة: وسألته عمن ينظر فرج صبية أو يمسه بيده وهو متوضئ. هل ينتقض وضوءه. وإن مس الفرج انتقض وضوءه.
*مسألة: قال أبو المؤثر: قد سمعنا أن رجلا ذكر فرج اتان بالاسم الذي أوله زاء فرأى عليه الربيع أن يعيد الوضوء. *مسألة: ومن ذكر العذرة وهو متوضى. هل ينتقض وضوءه؟ قال: إذا قال لأحد يا فاعل يعني بالعذرة انتقض وضوءه. وأما من ذكرها فلا.
*مسألة: وسألته عمن ينظر فروج الدواب متعمدا أو يمسه وهو متوضئ. (1/10)
صفحة 11
أينتقض وضوءه؟ قال: لا إلا أن مس منها رطوبة. وقال: لو أن رجلا كان متوضأ ثم أمسك ذكر حمار او بغل أو فرس فأهداه إلى موضع الجماع من الدواب؟ لم ينتقض وضوءه إلا أن يمس منه رطوبة.
*مسألة: وسألته عمن مس انثاوية متعمدا. هل ينتقض وضوءه؟ قال: قد قال من قال أنه ينتقض وضوءه وقال من قال: لا ينتقض حتى يمس الثقب. وقال من قال: حتى يمس الحشفة. وقال من قال: حتى يمس القضيب. وانا أقول: لا بأس عليه من مس انثويته حتى يمس القضيب. قلت له: فإن سدع القضيب ولم يعتمد على مسه. هل يفسد وضوءه؟ قال: لا. (1/11)
صفحة 12
*مسألة: وعن امرأة وجدت ريحا خرجت من قبلها وهي متوضئة. هل ينتقض وضوءها؟ قال: بلغنا أن الربيع سئل عن هذا فلم يرد عليها أعادة الوضوء.
*مسألة: ومن جواب لمحمد ابن الحسن رحمه الله: وذكرت في رجل نظر إلى عورة نفسه أو نظر إلى فرج امرأته عمدا وهو على وضوء. قلت هل عليه نقض وضوئه؟ فليس عليه نقض وضوئه على ما وصفت.
*مسألة: وعمن نظر امرأة بشهوة. قلت: هل عليه توبة أو نقض وضوئه؟ قال: إذا نظر إليها بشهوة الحرام فيعيد وضوئه. وعليه أن يستغفر ربه إذا كان نظره إلى بدنها من تحت الثياب. إذا نظره متعمدا لشهوة أو لغير شهوة انتقض وضوئه ولزمته التوبة. (1/12)
صفحة 13
إلا أن ينظر إلى وجهها أو كفيها بدون شهوة متعمدا فلا نقض على وضوئه أن شاء الله؟ قال: نعم بلا شهوة.
*مسألة: قلت من نظر إلى امرأة فأعجبته صورتها وحسن وجهها بلا شهوة. قلت: هل ينتقض ذلك وضوئه؟ لا ينتقض ذلك وضوئه معنا.
*مسألة: وعمن نظر رأس مملوكة أو بدنها عمدا. قلت: هل عليه نقض؟ فلا نقص عليه في ذلك النظر. إلا أن يكون نظر إلى الفرج أو بشهوة والله أعلم بالصواب. قال غيره: الذي عندنا أن من حد سرة الأمة إلى ركبتها بمنزلة الرجال والله أعلم.
*مسألة: وعمن نظر إلى ركبة رجل أو فخذه أو سرته عامدا. (1/13)
صفحة 14
هل عليه نقض؟ فعلى ما وصفت فالركية في بعض القوك. والفخذ أشد من السرة. وليس على من نظر السرة متعمدا نقض. وأما الركبة والفخذ يوجد. أحسب في ذلك اختلافا. ولعل بعضهم لم يوجب النقض. وبعض يوجب النقض على من نظر على التعمد. فانظر ما كتبناه به إليك. ولا تقبل إلا ما هو وافق الحق والأثر في قول أصحابنا أهل البصر. فما خالف الحق فهو منا ونستغفر الله من خطايانا. قال غيره: وعندنا أن بعضا فرق بين الركبة الفخذ. فالزم النقض بنظر الفخذ ولم ير ذلك في الركبة. قال المضيف وقال بشير رحمه الله فالذي حفظنا عمن حفظ عنه أن الركبة والسرة ليستا بعورتين. ولا يؤثم النظر إليهما ولا كشفهما. والنظر المحرم عنده ما جاز حد منابت الشعر إلى حد مستغلظ الفخذين. (1/14)
صفحة 15
*مسألة: أحسب عن أبي إبراهيم وسألته عن رجل نظر إلى كف امرأة متعمدا وهو على وضوئه؟. هل عليه نقض وضوئه؟ قال: لا. قلت فإن مس كفها. أترى أن عليه نقض وضوئه؟ قال: لا. وقال: وكل شيء جاز النظر إليه جاز مسه.
*مسألة: عن أبو المؤثر وغيره: إن كشف الركبة والسرة ونظرهما محرم ينقض من غير شهوة الوضوء. وروى عن بشير بن محمد بن محبوب: أن المحرم عنده من ذلك ما كان من حد منابت الشعر إلى مستغلظ الفخذين وقول أن العورة ما بين السرة إلى الركبة وهما غير داخلتين في الصورة. (1/15)
صفحة 16
*مسألة: عن أبي إبراهيم فيمن قال وهو على وضوء هذا بول هذا الصبي أو بول فلان أراد بذلك الشتم؟ قال: عليه الوضوء. ومن غيره: قال من قال: لا إعادة عليه. وعله التوبة من الشتم.
*مسألة: وعمن مس احليله وهو على وضوء. قال أبو إبراهيم: حتى يمس الثقبين وهو رأى موسى بن على رحمه الله. وأما غيره: فقد قال غير ذلك. ومن غيره وقال من قال: إن مس الثقبين خطأ لم ينقض عليه. وإن مس الثقبين متعمدا نقض. ولا اختلاف في ذلك فيما قيل في قول أصحابنا والله أعلم.
*مسألة: وسئل عن رجل نظر إلى فرج امرأة فلما عرف أنه فرج غض نظره ثم نظر ثانية لينظر استترت أم لم تستتر بعد. (1/16)
صفحة 17
ما تكون هذه النظرة الثانية خطأ أم عمدا؟ قال: معي أنه خطأ.
*مسألة: وسألته عن رجل نظر إلى امرأة عارية في الماء على أنها زوجته فإذا هي غيرها أينتقض وضوءه أم لا؟ قال: معي أن فيه اختلافا. قول: ينتقض. وقول: لا ينتقض. والنقض في هذا أحب إلي. وإن نظر على أنها زوجته فمعي أنه يشبه معنى الاختلاف. قول يتنقض وضوءه بمثل هذا. وقول: لا ينتقض وإن نظر إلى محرم وهي في الماء. فمعي: أن النظر في الماء إلى نفس المحرم كنظره إليه في غير الماء. وأما النظر إلى ظل الفرج وخياله في الماء والنظر في المرآة وخيالها. (1/17)
صفحة 18
فمعي: أنه يختلف فيه: قول: ينتقض الوضوء. وقول: لا ينقضه.
*مسألة: من الزيادة والمفاضلة: قيل كان الربيع يرى أنه إذا نظر إلى جوف الفرج فعليه الوضوء. وأن النظر إلى ظهره فلا وضوء عليه.
*مسألة: روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نظر في كتاب انسان فكأنما نظر إلى الناس». وكان يقال من غض بصره التماس ثواب الله أتاه عبادة يحب طعمها. أو قال: لذتها وقيل أنما يكره ان يطلع في الفرجإلى داخلها. فأما إلىظاهرها عن الزوجين فلا بأس. وقيل: إن معنى قول عائشة نظرت إلى فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أي لم تقل عائشة أنه لم ينظر ولا أنه نهى عنه ولا أنه كره ذلك. (1/18)
صفحة 19
إنما قالت لم أفعله أنا وقد كانا يغسلان من إناء واحد والله أعلم. وقال أبو عبد الله: في نساء تهامة ونحوها التي لا تستتر وتبرج انهن مثل الاماء. وقال بشير لا لعمرى الاماء مال. وأما الحوائر فعض ما استطعت. ويقال: النساء نقاب ولا بأس بالنظر إلى وجوههن من غير شهوة.
*مسألة: من كتاب الأشياخ: وعن رجل مس فرجه بظاهر كفه انه لا نقض على وضوئه. قال: وهذا أكثر القول عند الفقهاء. وقال: وإنما المس عندهم ما مسه بباطن كفه.
*مسألة: وعن أبي الحوارى وعمن مس فرجه من أي موضع ينقض الوضوء. فقد قالوا في ذلك بأقاويل كثيرة. والذي تأخذ به إذا مس الكو من الدبر من حيث يخرج الغائط نقض وضوئه. وإن مس من فوق الثوب أو حكه لم ينقض وضوئه. (1/19)
صفحة 20
وإن كان في صلاة فمسه لم ينتقض صلاته. وإن أمسكه في الصلاة للبول حتى يذهب عنه انتقضت صلاته. وليس له أن يعالج الأخبثين البول والغائط في الصلاة.
*مسألة: وحفظ محمد بن جعفر عن عمر بن محمد بن موسى بن علي: أنه وجد ريحا تخرج من دبره وهو على وضوئه ثم اشتبه عليه ذلك. أنه لا ينقض ذلك وضوئه حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا وإلا فوضوئه تام. قال: ومن توضأ ثم سرق سرقة انتقض وضوئه. قال غيره: وقد قيل لا ينقض عليه. وعليه التوبة.
*مسألة: في الرجل يمس الميت. فقال إن كان رطبا فعليه إعادة الوضوء. وإن كان يابسا فلا بأس عليه. قال غيره: وهو أبو سعيد فيما عندي. وقد قيل: ينتقض رطبا كان أم يابسا. (1/20)
صفحة 21
*مسألة: ومن صافح سفيها يستحب له أن يجدد الوضوء. وحكم أهل القبلة الطهارة سفيها كان أو غير سفيه. *مسألة: منسوبة من كتاب جوابات الشيخ أبي سعيد رحمه الله أخذت معناها في الرجل إذا نظر إلى شيء من بدن امرأة ليست منه بمحرم متعمدا. فمعي: أنه يختلف في نقض وضوئه. قول: ينقض. وقول: لا ينتقض. وكذلك أن نظرها وهي في بيت متعمدا فمعي أنه يلحقه الاختلاف. ومن وجد حركة في دبره لخروج الريح لم تنتقض طهارته حتى يشم ريحا أو يسمع صوتا. وعن أبي ابراهيم أن أخاه يونس بن سعيد قال: وكان معه أن من خرجت منه ريح وعلم أنها من أسفل وليست من الجوف فلا ينتقض وضوئه. (1/21)
صفحة 22
فصل في نقض الوضوء بالمأكولات وما مسته النار وعن الطعام المطبوخ والشراب واشتباه ذلك
فقال لا بأس عليك فكله مطبوخا وغير مطبوخ. قال ابن عباس: كان يقول لمن يكره أن يصلي وقد أكل شيئا قد مسته النار حتى يتوضأ. فقال كيف تكرهون وأنتم توضئون وتغسلون بالماء المطبوخ بالنار. وكيف تكرهون الطعام ولا تكرهون الماء وكله قد أصابته النار. وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار يوما حيا من أحياء الأنصار وكان لا يزال يزورهم. فأتته امرأة بكتف شاة وهو قاعد فأكلها وتعرفها. ثم قام فصلى ولم يتوضأ منها. واختلفوا في الوضوء مما مسته النار. قال أبو سعيد: قال من قال مس من مسته النار ينقض الوضوء شاذ عندنا في معاني الاتفاق. وثبوت الكتاب والسنة لأن الأشياء ظاهر أصلها أن النار ولا بغيرها ولا يحيلها إلى النجاسة بحال. (1/22)
صفحة 23
لم يرجا في معان كثيرة إن النار لا تطهر النجاسات لعله أن النار تطهير النجاسات إذا ذهبت بها من الطهارات العارض لها النجاسات. وهذا لا معنى له. والعجب ممن يذكر في معاني الفقه. ولعله يثبت في معاني الاتفاق من قولهم أنهم أجازوا التطهر بالماء المسخون. ولعل ذلك يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن كتاب: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق بلال قال: حدثني مولاي أبو بكر الصديق رضي الله عنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا يتوضأ أحدكم من طعام أحل الله أكله». فإن ثبت الخبر الذي رواه مخالفونا أن النبي صلى الله عليه وسلم وسام أمر بالوضوء مما مست النار فإنه يحتمل أن يكون أمرهم بتنظيف أيديهم من الدسم. أن الوضوء في كلام العرب مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة والحسن. ومنه يقال فلان وضيء الوجه أي حسن نظيف ولا من إذا ورد بالوضوء كلن ظاهره يوجب على المتعمد أن يأتي بفعل يسمي به متوضيا. وإذا وضي يده من الذمومة يسمى بذلك متوضيا. (1/23)
صفحة 24
وخرج مما تعبد به إلا وضوء. واجمعوا أنه لا يخرج إلا هو. ومن كتاب: وليس في المأكول والمشروب وضوء لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. ولما روي عن جابر بن عبد الله أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار. ولو كان فيه وضوء لكان ذلك أظهر وأشهر من حكم الغائط لكثرة البلوى به. (1/24)
صفحة 25
باب نقض الوضوء بالدماء وفي نقض الوضوء بما يخرج من الجوف والغم وفي نقض الوضوء بما كان من الدواب وما ينقض الوضوء من إزالة الشعر والجلد وغسل الجنابة
واختلفوا في الوضوء من الرعاف. فكان ابن عمر إذا رعف انصرف فتوضأ ثم رجع فبنا على صلاته. وقال قوم: لا وضوء فيه. قال أبو سعيد: يخرج على معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن كل دم سائل قابض من موضعه قليلا كان أو كثيرا. وقد ثبت فيه حكم السيلان من رعاف أو جرح أن ذلك كله ناقض الوضوء. وأما ما لم يفض من جميع الدماء الحادثات في البدن فيخرج في ذلك معاني الاختلاف من قولهم بنقض الوضوء كان قليلا أو كثيرا. وأما ما خالط ذلك غيره من ريق أو مخاط أو شبه ذلك وصار في ذلك إلى موضع تدرك طهارته من فم أو منخرين أو زايل ذلك. فكل ذلك مما يختلف فيه معهم في نقض الطهارة ما لم يغلب على الطهارة من ذلك مما خالطه. (1/25)
صفحة 26
فإذا غلب عليه وصار مستهلكا له نقض معهم في معاني الاتفاق كان قليلا أو كثيرا.
ومن غير كتاب الإشراف: وذكرت في الذي يخرج من وسط أنفه الدم وليس بداخل إلا إذا أدخل أصبعه في وسط أنفه خرج الدم. قلت هل يفسد عليه صلاته ووضوئه؟ فعلى ما وصفت: فإذا كان الدم في أنفه حيث يبلغ الاستنشاق كان مفسدا للوضوء والصلاة. وإذا كان حيث لا يصل الاستنشاق فأرجو أن لا يفسد حتى يحمل إلى موضع استنشاق. *مسألة: وسألته عن الجرح إذا كان طوله من اجنه في رجله أو بدنه فدى الجرح من أعلاه وسال في الجرح إلى أسفله ولم يفض من الجرح إلى الجلد الحى. هل يكون غير فايض ويخرج من أحكام الجرح إلى غيره من البدن الصحيح ولا يفسد الوضوء حتى يفيض. كذلك قال: معي أنه ما لم يفض من الجرح فهو عندي غير فايض. ويجري فيه أحكام الدم الذي غير فايض من الجرح الطري. قلت له: فإن كان قديما وطريا فكله سواء. (1/26)
صفحة 27
قال: معي أن في بعض القول كله سواء. وفي بعض القول: أنه مختلف. قلت له: فالذي يقول أنه مختلف يقول أن الطري أشد أم القديم أشد. قال: معي أنه يقول أن الطري أشد.
*مسألة: من الزيادة المضافة: وسألته عن المخاط إذا خرج فيه دم فكان المخاطب هو الغالب. هل ينقض وضوئه؟ قال: قد قال بعض أنه لا ينقض الوضوء. قلت وكذلك البزاق؟ قال: نعم.
*مسألة: منسوبة من كتاب جوابات الشيخ أبي سعيد رحمه الله: أخذت معناها في الرجل إذا مص قصب السكر فلما فرغ وجد في فمه عقورا ولا يدري خرج منه دم أم لا. هل وضوئه تام أم منتقض؟ (1/27)
صفحة 28
قال: معي أنه إذا احتمل أن يكون مثل هذه العقور بغير جرح دم فوضوئه على حاله حتى يعلم نقضه مما لا مخرج له فيه من النقض. وإن لم يحتمل إلا بخروج الدم مما ينقض مثله كان عليه إعادة الوضوء.
*مسألة: لعله أبو سعيد ومن طعنته سلاة أو إبرة وهو على وضوء. هل يتم وضوئه ولا يكون عليه أن ينظرها كان ذلك في ليل أو نهار. وقال: إذا كان لم يخرج منها دم فليس عليه أن ينظرها. وإن كان الأغلب معه الخوف والتهمة أحببت له النظر وتفقد أحوال وضوئه من حال التهمة والريب إلى البراءة. فإن كان الأغلب معه أنه قد خرج الدم فتركها ولم ينظرها وصلى. هل تتم صلاته؟ قال: أما في الحكم لا حكم عليه بذلك إلا أن يستيقن سيلان الدم أو نحوه فيما لا شك فيه. وأما الاحتياط فأحب له أن يعيد صلاته. (1/28)
صفحة 29
*مسألة: ومن تخلل فخرج على الورقة التي تخلل بها دم فبزق فلم ير عليه ذلك أن فيه نجس. قال: أبو سعيد: وذلك علة قول من يقول أن قليل الدم وكثيره يفسد الوضوء. (1/29)
صفحة 30
فصل في نقض الوضوء بما يخرج من الجوف والفم
قال أبو سعيد: يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن كلما خرج من الجوف من طعام أو شراب وام أشبه ذلك من ماء أو شبهة متغير ففاض على اللسان من فم الإنسان من قليل أو كثير وكان على مقدرة من لفظه بغير معالجة ينينح وما شابهه. إن ذلك كله ناقض الوضوء من قولهم في معاني الاتفاق. إن ذلك نجس وأن جميع ما خرج من النجس من مجراه من الأدبار والاقبال من الفروج أنه ناقض الوضوء بمعاني اتفاقنا واياهم. فلا معنى الاختلاف ذلك الاختلاف ذلك ولا فرق بينه وهو متساوي في النجاسة.
*مسألة: وأما الريق الذي يخرج من فم إنسان الناعس فحفظ لنا الثقة عن محمد بم محبوب أنه لا ينتقض ولا بأس به. قال غيره: معي أنه قد مضى ذكر الريق من الإنسان. ويخرج معاني ذلك على شبه الاتفاق بطهارته. ولا فرق في ذلك عندنا بين الناعس واليقظان. وكل ما جاء من الإنسان من رطوبته مما خرج من فمه أو مناخره أو رأسه او صدره ما لم يأت من جوفه أو من قبله أو دبره. (1/30)
صفحة 31
من غير الدم وما أشبهه فذلك كله من الإنسان من جميع أهل الأقذار من الصغار منهم والكبار والحائض والجنب. فكل ذلك يخرج عندي على معنى الطهارة ما لم يخصه حكم معنى شيء من النجاسة بحكم أو غلبة حال شبهة أو ارتياب.
*مسألة: من الزيادة المضافة: وعن ابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «من أصابه قيء أو قلس أو مذى أو رعاف وهو في صلاته فليتوضأ».
*مسألة: ومن كتاب قواعد الإسلام: وقد استحب أبو عبيدة مسلم رضي الله عنه التوضوء من القليل إذا وجد الإنسان طعمه في الحلق. وإن لم يرجع الفم (ارجع). وقيل: من شرب الماء ثم طلع من حينه إلى حلقه فسد وضوءه. وقول: إن صعد إلى حلقه ساعة يشرب فلا بأس بذلك من بعد ذلك. وقول: كل شيء يطلع من الجوف على أصل اللسان بعد أن دخل الجوف أفسد الوضوء. (1/31)
صفحة 32
وقال أبو المؤثر ما خالط الجوف فهو مفسد. وما لم يصل إلى الجوف وإنما هو مرتفع في الصدر إلى الحلق فلا يفسد. وإن وجد في حلقه حما صالحا أنه من الجوف فما حد ظهوره؟ قال: إذا صار على مقدرة من لفظه بغير تنحنح ولا معالجة فهناك يفسد الفم. وقال: وقد يمكن أن يكون من الجشا والحما. فلذا كانت من الجشا والحما وهو متيقن فما أمكن ذلك بوجه فلا يحكم بنجاسة إلا بصحة. وفي موضع: من وجد طعم الحموضة في حلقه انتقض وضوئه. وقول: حتى يطلع على أصل اللسان. (1/32)
صفحة 33
فصل في نقض الضوء بما كان من الدواب
وعن رجل توضأ ووطى على أرواث الدواب قدميه رطبة؟ قال: يغسل قدمه. قلت: أرأيت إن كان قدمه جافا والأرواث رطبا. قال: يغسل قدمه. قلت: أرأيت إن صلى ولم يغسل قدمه من الأرواث. أعليه إعادة الصلاة؟ قال: لا. قال غيره: هذا معنا في الأرواث التي غير نجسة من الأنعام والخيل والبغال وأشباه ذلك مما يخرج من غير النجاسات. وغسل ذلك يخرج معنا على وجه التنزه لا على وجه اللازم. وأحسب أن نحو هذا يروى عن أبي عبيدة الكبير أنه غسل رجله من نحو هذا أو أمر بغسل نحو هذا.
*مسألة: وسئل عمن قتل قملة وهو على وضوء. (1/33)
صفحة 34
قال جابر: يقول من قتل قملة بيده فليعد وضوئه. ومما يوجد أنه من كتب الحوارى بن محمد: وأما الذي ذكرت من رجل مس قملة وهو متوضئ. أعليه أن يتوضأ؟ قال: لا.
*مسألة: ما ينقض الوضوء من إزالة الشعر والجلد والأظافر وغسل الناجسة. وعمن توضأ للصلاة ثم قلم اظافره أو نتف إبطه أو خف أو احد شاربه. هل ينتقض وضوئه؟ وإن كان صلى فما يلزمه؟ فإن مل يخرج دم فلا بأس عليه وصلاته تامة. وقد كان ينبغي له أن يمسح موضع الأظافر والخف والشارب بالماء. قيل: ان يصلى.
*مسألة: قال أبو المؤثر: إن من كان في ثوبه نجاسة من دم أو غيره ثم أدخلها الماء الجاري فغسلها في وسطه وهو متوضئ؟ (1/34)
صفحة 35
لم ينتقض وضوئه إلا أن يلصق بيده.
*مسألة: من الزيادة المضافة.: من الأثر: وعن رجل كان متوضأ فأخرج جلده من بدنه أو رجله بضروسه. هل ينتقض وضوئه؟ فإذا كانت الجلدة ميتة؟ فقد قال من قال: والفقهاء لا ينتقض وضوئه وبيل مكانها بالماء. زلمن كانت حية رطبة ومسها بيده انتقض وضوئه. وغن كانت يابسة فيل مكانها ولا ينتقض وضوئه. ومن غيره: قال قد قيل: أن الجلدة الحية في البدن بمنزلة الميتة. فإذا مسها انتقض وضوئه كانت رطبة أو يابسة. وقال من قال: حتى تكون رطبة.
*مسألة: قال أبو مروان: من قطع شيئا من أظفاره بضروسه وهو متوضئ فقد انتقض وضوئه. ومن قلمها بالمقص وأحد شاربه وهو على وضوء غسل موضع الأظفار والشارب ولا ينتقض وضوئه. (1/35)
صفحة 36
ومن غيره: قال نعم. وقد قيل: إن قطع ذلك بأضراسه أو غير أضراسه أو بمقص فلا نقض عليه. وعليه أن بيل موضع ذلك. وقال من قال: بغسله. وقال من قال: يستحب له أن يبله. وليس بواجب بماء أو ريق إن لم يجد ماء. قال غيره: وقد قيل لا بلل عليه في ذلك. من منهج الطالبين: ومن قص شعر رأسه وبقي في رأسه أو ثوبه شعر مقصوص وصلى به. فقول: عليه البدل لأنه ميت. وقول: أن نفضه وبقي في ثوبه منه شيء فلا بأس بذلك ومن قطع شعرة من لحيته أو بدنه فلا نقض عليه. وإن قطعها بأسنانه فقول عليه النقض. وقول: لا نقض عليه. ومن توضأ ثم طرح جيرا في تنور فاحترق شيء من شعره فلا نقض عليه. (1/36)
صفحة 37
ولكن يبل ما أصابت النار من موضع الشعر والجلد على قول. وفيه اختلاف.
*مسألة: وعن متوضئ يريد الصلاة فسأله رجل عن مسألة من حلال المسائل فقال له قولا لا يحفظه فأصاب الحق. أيفسد وضوئه؟ قال: لا يفسد إن شاء الله. والكف عما لا يعلم أولى والهين في ذلك والشديد سواء. ومن تورع عن الكبير تورع عن الصغير. وقلت إن سئل عن شيء لا يحفظه وهو يحفظ شبهه أو شبهة من شبهه فيقول فيه بلا أن يحفظه على الجهة فيصيب أنه في ذلك أجزأ. والإمساك عن ذلك أفضل وأسلم له. فأما من أصاب الحق على ما ذكرت فلا إثم عليه. وقد قيل: من قال علم أن أصاب لم يؤجر وإن أخطأ أثم- رجع. (1/37)
صفحة 38
باب نقض الوضوء بالكلام السيء من الإثم والضحك وما ينقض الوضوء والصلاة من الضحك وما ينقض من النعاس وما يؤلمه من بدنه وفي المتوضئ إذا كان فيه جرح أو كسر
من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: وقال من قال: إنما ينقض الطهارة أشياء معروفة مثل الكذب والسرقة والنظر إلى ما لا يحل. فأما ما يكون من المعاصي بعد طهره فإنه لا ينتقض طهره. وكان ينبغي على القول الأول أن كل معصية تنقض الوضوء ولكن لم يقولوا كذلك.
*مسألة: ومن لعن عبده فالذي لا يجيز ذلك يلزمه نقض الوضوء. وإن لعن نفسه أو قبح وجهه فعليه التوبة لا غير حتى يخلف به.
*مسألة: ومن دعا محمدا محمدوه أو سعيدا سعيدوه أو لقبه باسم لا يغضب منه. (1/38)
صفحة 39
وكان ذلك تعريفا له وبه يجيب فلا نقض على وضوئه. ومن قال لرجل هذا ابليس انتقض وضوئه. وإن قال له هذا شيطان أو من الشياطين وكان الرجل من المترفين المتمردين لم ينتقض وضوئه لأن الله تعالى يقول شياطين الجن والإنس.
*مسألة: ومن قال امرأته كأنها الشمس الطالعة. أو قال ثابت. والفعل أشد من القول لو ضاق ذلك ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا أقوى عندي حجة من الأول إذ محتمل في الآية نفي الحقيقة وإطلاق المجاز والل أعلم. ارجع إلى بيان الشرع. (1/39)
صفحة 40
فصل ما ينقض الوضوء بالكلام والضحك.
من كتاب الأشراف: أجمع أهل العلم إن الضحك في غير الصلاة لا ينقض الطهارة ولا يوجب وضوء. وأجمعوا على أن الضحك في الصلاة ينقض الوضوء. قال أبو سعيد: هكذا يخرج عندي على قول أصحابنا في هذين الشيئين. واختلفوا في نقض طهارة من ضحك. فقالت طائفة: على من ضحك في الصلاة والوضوء. وقالت طائفة: لا وضوء على من ضحك في الصلاة. قال أبو سعيد: الضحك في قول أصحابنا على وجهين التبسم وهو ناقض الصلاة في قولهم. ولا ينقض الوضوء بمعاني الاتفاق من قولهم معي. وأما القهقهة من الضحك فيخرج في معاني الاتفاق من قولهم أنه ناقض في الصلاة لعله في الوضوء والصلاة. وقد جاء ما يشبهه عن انبي صلى الله عليه وسلم أن على الضاحك القهقهة في الصلاة نقض الوضوء والصلاة والضحك في الصلاة مزايل لمعنى الصلاة. (1/40)
صفحة 41
وأجمع كل من يحفظ عنه من علماء الأمصار على هذا القذف وقول الزور والكذب والغنيمة لا يوجب طهارة ولا ينقض وضوءا. قال أبو سعيد أما الكذب المعتمد عليه ما لم يحل ذلك إلى الشرك بالله فيخرج في معنى الاتفاق أنه ينقض الطهارة. والعجب من ذلك كيف افترق معنا بهما. فإذا ثبت ذلك بالغيبة بالتفاق فالكذب مثله. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يشبه نقض الوضوء بالغيبة. ونقض الطهارة أقرب من نقض الصوم بمعنى ذلك. والكذب مثل الغيبة. وما أشبه ذلك من كلام الكفر على العمد من جميع ما يكفر ويكفر كفر النعمة لا كفر شرك فهو خارج معي على معنى هذا. زمن كتاب: وعن سعيد بن محرز: فيمن يكشر في الصلاة فغنه ينقض صلاته. ومن قهقه انتقض وضوئه وصلاته. قلت له: وما القهقهة؟ قال: إذا علا الصوت واهتز البدن. (1/41)
صفحة 42
وسألت أبا سعيد رحمه الله عن القلب إذا تحرك بالضحك في الصلاة ولم يبتسم المصلي ولم يقهقه. قال: معي أن بعضا يقول أن تحرك القلب من الضحك فهو من الضحك. قلت له: فعلى قوله هذا يفسد الصلاة والوضوء؟ أم الصلاة وحدها؟ قال: معي أنه يقول من القهقهة لأنه حركة في حسب ما يذهب إليه. ورأيته يومى أن بعضا يقول أن حكرة القلب ليس بشيء حتى يقهقه هو أو يبتسم وعرضته. قال: هكذا معي أن بعضا يذهب إلى هذا.
*مسألة: وحفظ محمد بن جعفر عن عمر بن محمد عن أبي علي على أنه إن ضحك المصلي في صلاته ما دون القهقهة وكثر الأسنان فلا نقض عليه في صلاته ولا وضوئه. ومن غيره: وعمن يعينه ضحك في الصلاة فسد فاهه سدا. ومن غيره: وعمن يعينه ضحك في الصلاة فسد فاهه سدا شديدا من شدة الضحك حتى لا يبرز من أسنانه شيء؟ فلا نقض عليه في صلاته. (1/42)
صفحة 43
وعن رجل عرض له في الصلاة ضحك فأمسك عن الصلاة وبقى لا يضحك ولا يصلي حتى يذهب الضحك. ثم مضى في صلاته ولم يضحك ولم يبتسم؟ انه لابأس عليه مالم يضحك أو يبتسم. قلت: فإن بقى ممسكا في الصلاة واقفا فيها. فقال: لابأس عليه. ومن غيره: وحدثنا عن أبي عثمان أنه قال من كذب وهو متوضئ فليستغفر ربه وليصلي. قال غيره: وقد قيل عليه الوضوء.
*مسألة: والمزاح إذا كان كذبا؟ نقض الوضوء والصوم. والغلط لا ينقض.
*مسألة: وحفظ محمد بن جعفر عن عمر بن محمد عن موسى بن علي أن من ضحك وقهقه في صلاته انتقض وضوئه وصلاته. ومن ضحك حتى يكشر عن أسنانه انتقضت صلاته وانتقض وضوئه. ومن ضحك ما دون هذه القهقهة وهذ الكشر الذي وصفناه؟ (1/43)
صفحة 44
لم ينتقض ذلك وضوئه ولا صلاته. ومن غيره: عن أبي المؤثر فيما أحسب قال أن أبا عبيدة رحمه الله كان في الصلاة فسمع من رجل كلاما فوجد الضحك أبو عبيدة فأمسك على شفتيه بيده لكيلا يكشر وهو في الصلاة. وذلك أنه لما ازدحم الناس في مسجد البصرة ودفع بعضهم بعضا. فقال: ان دمنا على هذا وقعنا في البحر. وقال وقعنا في الماء. أو كما قال: فلما سمع بذلك أبو عبيدة جاءه الضحك فأمسك شفتيه بيده وهو في الصلاة ومضى على صلاته. سمعت أبا المؤثر يحدث بذلك. فإذا كان على هذا وإذ أسفر الوجه وتحرك القلب والملحى لم تنتقض صلاته حتى تبدو أسنانه. ومن جامع أبى محمد: والقهقهة في الصلاة تنقض الطهارة والصلاة جميعا. ومن كتاب: اجمع أصحابنا فيما تناهى إلينا عنهم أن القهقهة في الصلاة تنقضها وتفسد الطهارة.
*مسألة: ومن قهقهة بالضحك في الصلاة انتقض وضوئه وصلاته. (1/44)
صفحة 45
وفي موضع تعظيما لشأن الصلاة. وحفظ لنا الثقة عن أبي موسى بن علي رحمه الله أن القهقهة هي التي يتحرك منها القلب والبدن في الصلاة. وقال بعض الفقهاء: ان قهقهة قبل أن يحرم في الصلاة أو بعد ما قضى التحيات الآخرة فلا نقض على وضوئه ولا صلاته. وعن رجل خلف على نفسه الضحك وضحك؟ قال أبو عبيدة رحمه الله: أخاف أن يفسد وضوئه مع صلاته. قال أبو زياد: أرجو أن يسلم له وضوئه لأنه قد سلم متعمدا قبل أن يضحك. رجع أبو عبيدة ووقف عن نقض وضوئه. وذكر أبو صالح بن المنازل بن جيفر أنه قال في رجل يشرب الماء فيجده يطلع إلى فيه فلا ينقض عليه وضوئه إذا طلع حينه. قال أبو المؤثر: ما خالط الجوف فهو مفسد وما لم يصل إلى الجوف وإنما هو مرتفع في الصدر إلى الحلق فلا يفسد. (1/45)
صفحة 46
فصل ما ينقض من النعاس
قال أبو المؤثر قد اختلف الفقهاء في النعاس وهو جالس أو متكئ. فقال محمود بن نصر إذا استوسن ناعسا وهو جالس فقد انتقض وضوئه. قال غيره: لا ينقض وضوئه إلا أن يكون متكئا مسترخيا. وقال آخرون: لا ينتقض وضوئه ولو نعس حتى يكون رأسه على وساد الأرض. وقد ذكر لنا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نعس وهو جالس حتى غط. أي نخر ثم انتبه. فقال له بعض أزواجه يا نبي الله إنك نعست حتى غططت وأنت متكئ. فقال إن النائم ما لم يكن جنبه على الأرض فهو يعقل ما يخرج منه يصلي بوضوئه. وبهذا القول نأخذ ان إذا نعس الناعس وجنبه على الأرض متوضئ فعليه ان يعيد الوضوء. ولا انظر في رأسه كان على وساد أو على يده. (1/46)
صفحة 47
وغنما انظر غي جنبه كان على الأرض كما روى رسو الله صلى الله عليه وسلم.
*مسألة: قال أكثر أصحابنا من نام متكئا وزالت مقعدته عن موضع جلوسه انتقضت طهارته. وقول: إن كان خرج الشيء المتكئ به سقط انتقض وضوئه. وإن لم يسقط لم ينتقض وضوئه.
*مسألة: من جامع أبي محمد: والنوم من الاضطجاع ينقض الطهارة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم أن الوضوء على من نام مضطجعا. وروى عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم وكان أبو موسى الأشعري لا يرى النوم ينقض الطهارة على كل حال. ومن طريق ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فنام حتى غط فنفخ فقام فصلى. فقلت: يا رسول الله عليك وسلم انك قد نمت. فقال صلى الله عليه وسلم: انما الوضوء على من نام مضطجعا. وقال صلى الله عليه وسلم العينان وكاء أسه. (1/47)
صفحة 48
والوكاء هو الخيط الذي يسد به رأس القارورة. فجعل صلى عليه وسلم العينين وكاء الدبر عن طريق المجاز لأن رأسه في اللغة هي حلقة الدبر على ما ترى العرب. ويسمى أصل كل شيء أسه. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الوكاء حيث قال في اللقطة فليعرف عفاصها ووكاءها. يريد بذلك الخيط والعفاس الوعاء. فجرى هذا المعنى من النبي صلى الله عليه وسلم في النوم الذي ينقض الطهارة منه في معنى قول الله تبارك وتعالى (حرمت عليكم الميتة). ثم قال صلى الله عليه وسلم انما حرم أكلها فصار المحرم منها مخصوصا. كذلك النوم الذي ينقض الطهارة منه مخصوص بالاضطجاع والله أعلم. عليه إذا تغير عقله ولو طرفة عين. وفي موضع قيل ان المتوضئ إذا زال عقله في أي حال قاعدا أو متكئا أو راكعا أو ساجدا أنه ينتقض وضوئه كالغمى. ومن كتاب: قال أكثر أصحابنا من نام متكئا وزالت مقعدته عن موضع استواء جلوسه انتقضت طهارته. (1/48)
صفحة 49
وقال بعض: من لا عمل على قوله منهم أن طهارته لا تنتقض حتى يضع جنبه نائما. وهذا القول: من قلة استعمالهم له عندي. انظر لأن السنة تشهد بصحته لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم اتكأ على يده نائما حتى نفخ فقام وصلى. فقيل له: انك نعست. فقال صلى الله عليه وسلم تنام عيناي ولا ينام قلبي ولم يعد الطهارة. فقال: من ذهب إلى نقض طهارة من نعس متكئا. أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره لقوله عليه السلام نتام عيناي ولا ينام قلبي. ويقال لهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم مستو هو وغيره في حكم البشرية. إلا فيما أخبرنا أنه مخصوص. وكيف وقد نام حتى طلعت الشمس عليه ولو لم ينم قلبه لم يؤخر الصلاة عن وقتها حتى يذهب وقتها ويصليها في غير وقتها هو وأصحابه والله أعلم. وبتأويل الخبر الذي يعتمدون عليه هو من الكتاب. ألا ترى أن النوم مضطجعا ينقض الطهارة والنوم. (1/49)
صفحة 50
وفي حال القعود لا ينقضها. ولو نام إنسان على وجهه في السجود انتقضت طهارته إذا لم يكن في الصلاة. ولو كان نومه في حال السجود للصلاة لم تنتقض طهارته. ومثل هذا في الشرع لا ينكر.
*مسالة: من الزيادة المضافة: وعن النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام العبد في السجود باهى الله به الملائكة. ومن جامع ابن جعفر: ومن نعس وهو قاعد. فقال من قال: ينتقض وضوئه. وقال من قال: إذا زالت مقعدته واسترجعت عن موضع قعوده. وقال من قال: لا نقض عليه حتى يضع جنبه على الأرض. أو غيرها مما ينام عليه ثم ينعس فهذا ينتقض وضوئه. وكذلك لا نقض عليه إذا نعس وهو راكع أو ساجد. وأما من أغمي عليه حتى يتغير عقله وهو قاعد فساعة ذهب عقله من ذلك انتقض وضوئه. ارجع إلى بيان الشرع. (1/50)
صفحة 51
فصل في المتوضئ إذا كان فيه جرح أو كسر أو جدري
وعن رجل طلى رجله بطلاء فأراد الوضوء. قال: يغسل الطلاء ثم يتوضأ إلا أن يكون جرحا يخاف عليه. وقال محمد بن هشام عن أبيه: أما الجرح بعينه فلا يغسل ولكن يغسل ما حوله. من كتاب الأشراف: قال أبو بكر: واختلفوا في المسح على الجبائر والعصائب. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه ما عرض شيء من مثل هذا فمنع ذلك بلوغ الغسل إليه بمعنى خوف ضرر أو عدم أن يبلغ ذلك إليه مما قد حال عليه بنيه من قليل ذلك وكثيره من الجارحة. إن له يوضئ سائر جوارحه وسائر تلك الجارحة ويمسح على ما بقي مما لم يمكن غسله إلا أن يأتي ذلك على الجارحة كلها. فقد قيل: يتوضأ ويتيمم لتلك الجارحة. ومعي أنه قيل: يتيمم لكل ما أعدم غسله من جوارحه.
*مسألة: من كتاب شرح جامع ابن جعفر: ومن قطعت يده أو غيرها من الجوارح الوضوء. (1/51)
صفحة 52
فإن بقي من تلك الجارحة شيء من حدود الوضوء غسله. وإلا فإنما عليه ما بقي من جوارح الوضوء. قال أبو محمد: كما قال لأنه غير مأمور بتطهير ما لا يصل إليه وما أعدم منه. وأما قوله: ومن كان في جارحة من حدود وضوئه جرح أو كسر عليه جبائر. ويخاف أن يمسه الماء إن ازداد عليه. فليس عليه ان يمسه الماء ويوضئ بقية الجارحة ويجري الماء حوله. وإن استفرغ تلك الجارحة توضأ لبقية جوارح الوضوء ويتيمم أيضا. فالذي ذكر من سقوط فرض التطهير عما لا يقدر عليه إلا بأن يعرض جرحه للزيادة. فهو كما قال. ويغسل ما قدر عليه من بقية الجارحة. وأما قوله: ويتيمم إذا استفرغ الجارحة فتفرقته بين الجارحة إذا استفرغها الجرح وبقي منها ما يطهره. والتطهير يوجب التسوية بينهما وتفرقه بين حكميهما. ولا وجه له عندي لأن العذر بالبعض كالعذر بالكل. بل العذر بالكل أولى لأنه مأمور بطهارة الأعضاء. (1/52)
صفحة 53
ومنهى عن تطهيرها عند الخوف على نفسه من تطهيرها أو تطهير شيء منها لقول الله تبارك وتعالى (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما). كأنه قيل له تطهروا إذا كنتم على ذلك قادرين. فما عجز عن تطهيره كان بمنزلة من أعدم منه أو لم يؤمر بتطهيره. ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فاتوا به ما استطعتم». فما كان المأمور بتطهير الأعضاء قادر عليه كان عليه فعله. فالزم له بظاهر التيمم مع العذر. ووجود الماء محتاج إلى دليل وبالله التوفيق. *مسألة: وعن كسر إذا كان في يد الرجل محير في موضع لا يمكن أن يطلق الجبائر ويتوضأ. كيف يفعل؟ قال: يمسح فوق الجبائر بالماء. فإن خاف أن يضره مسح ما بقي من يده ولم يمسح الجبائر بالماء. وإن لم يبق من يده شيء توضأ ثم تيمم لتلك الجارحة التي لم يمسها الماء. (1/53)
صفحة 54
وكذلك إن كان جرحا في موضع الوضوء لا يستطع أن يمسه الماء أو عليه دواء. كذلك يفعل كما وصفت. هذه المسألة أحسبها عن أبي الحوارى.
*مسألة: ومن أطلى جرحه بطلاء فأراد الوضوء؟ فليغسل الطلاء ثم يتوضأ إلا أن يخاف عليه. قال هاشم: لا يغسل الجرح بنفسه ويغسل ما حوله. وعن أبي محمد: إن كان به جرح في موضع الوضوء عليه طلاء فإنه إذا تمسح لا يبل الجرح بالماء إذا خاف الضرر.
*مسألة: فإن أصابه جرح فإذا أراد أن يجعل عليه دواء؟ قيل: إن يغسل الدم وهو يخاف ألا يخرج. فإذا كان يرجو منفعة أو صرف مضرة فذلك جائز.
*مسألة: ومن جامع أبي محمد: وعمن كان أقطع اليد أو ممتنعة لعذر كان الفرض عليه فيما بقي. (1/54)
صفحة 55
وسقط فرض ما عدم إذا امتنع بالعذر. ولا يجب عليه التيمم مع ذلك. وإن كان قد خالفنا فيه بعض أصحابنا فأوجب المسح بالماء والتيمم بالصعيد في وقت واحد. فأوجب أحد الفرضين مع القدرة والوجود. والزم مع العدم والعذر فرضين. فيجب أن ينظر في ذلك.
*مسألة: عن أبي الحوارى: وعن رجل في يده جرح في موضع الوضوء والماء يؤذيه. قال: فيجنبه الماء ولا يغسله. قيل: هل هل ذلك؟ فنعم يجوز ذلك إذا كان الماء يضره. وعليه أن يغسل ما حوله ولا يمسه الماء وكذلك الجبائر. فإذا كانت جارحة تامة لا يمكنه أن يغسلها كلها غسل سائرها من البدن والجوارح وتيمم بالصعيد لتلك الجارحة إن كان جنبا. فكذلك يغسل سائر الجوارح ويتيمم لتلك الجارحة للوضوء. (1/55)
صفحة 56
*مسألة: والمسح على الجبائر والعصابة على الجرح في موضع يجزى. ولا إعادة على المصلي بهذا الوضوء. الدليل على ذلك أن عليا كسرت إحدى يديه يوم أحد فأمره النبي بوضع الجبائر عليها والمسح فوقها. ولم يأمره بإعادة الصلاة ولا بوضع الجبائر والعصابة على الطهارة.
*مسألة: قلت له: فرجل توضأ ثم أصابه شيء مما يؤلمه ولا يدميه مثل جدار يصد منه أو خشبة تساعده. هل ينتقض وضوئه؟ قال: لا أعلم أن هذا ينقض بمعنى الألم.
*مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الضياء: واختلفوا في الولد ينجى والده أم لا. فمنهم من أجاز وقال لا ينظر عورته وينجيه بخرقة. ومنهم من قال: يتيمم بالتراب. (1/56)
صفحة 57
باب في الصلاة وما جاء فيها من المحافظة عليها والمبادرة إليها وفي فضائلها وفي التهاون بها وما جاء فيها وفي القيام بها والإقبال عليها والخشوع منها وما ينبغي فيها وتخفيف القيام إليها وما يجب على المصلي فيها وبيان ذلك
من غير كتاب معاني الشرع: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جعل الصلاة عماد الدين وقرة أعين الأنبياء والمهتدين. وصلى الله على رسوله خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد الاولين والآخرين «وبعد». فإن الصلاة للدين عماد. وبها يرضى الله عن العباد ومن الكتاب. وجاء في الحديث إن الله تبارك وتعالى أوصى إلى عيسى بن مريم عليه السلام ان إذا قمت بين يدي فقم مقام الحقير الذليل. الذام لنفسه فإنها أولى بالذم. فإذا دعوتني فادعني وأعضاءك تنتقض. وإذا خرج أحدكم من منزله إلى الصلاة فليحدث نفسه فكرا (1/57)
صفحة 58
غير ما كان فيه قبل ذلك إذا كان هو في حالات الدنيا واشتغالها فليخرج بسكينة ووقار. ان النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أمر وليخرج برغبة ورهبة وخوف ووجل وخضوع وخشوع لله ذل وتواضع لله. إن الإنسان كلما تواضع لله وخضع وخشع لله وذل كان أزكى لصلاته وأجرى لقبولها واشرف للعبد واقرب له من الله. وجاء في الحديث أنه قال: أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته. فإذا تقبلت منه صلاته تقبل منه سائر عمله. وغن ردت صلاته رد عليه سائر عمله. وصلاتنا آخر ديننا وهي أول ما نسأل عنه غذا من أعمالنا. فليس بعد ذهاب الصلاة سلام ودين. فتمسكوا رحمنا الله وإياكم بآخر دينكم. وليعلم المتهاون بالصلاة والمستخف بها أنه إذا ذهبت صلاته فقد ذهب دينه. فعظموا الصلاة وتمسكوا بها واتقوا الله فيها خاصة وفي أموركم عامة. فالصلاة خطرها عظيم وأمرها جسيم. وبالصلاة أمر الله رسوله أول ما أوحى إليه. (1/58)
صفحة 59
واصطفاه للرسالة قبل الفرائض كلها. وبالصلاة أوصى الله النبي صلى الله عليه وسلم أمته عند خروجه من الدنيا في آخر وصيته إياهم. وجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجود بنفسه وأنه يقول الصلاة الصلاة. الصلاة الصلاة. فالصلاة أول فريضة فرضت عليه. وهي آخر ما يذهب من الإسلام. وهي أول ما يسأل عليه العبد من عمله يوم القيامة. وهي عمود الإسلام. وليس بعد ذهابها دين ولا إسلام. وجاء عن عمر العفري الذي كان يقال له عامر بن عبد القيس في حديث هذا بعضه انه قال: لأن تختلف الخناجر في كتفي أحب إلى من أن أتفكر في شيء من أمور الدنيا وأنا في الصلاة. وأعلم أن أول مخارج الإخلاص إذا عملت عملا صغيرا أو كبيرا فريضة أو نافلة سرا أو علانية. فنجاتك أن تحب ألا يعلم بذلك أحد. وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «أن العبد يسجد السجدة في أخفى موضع فتصعد بها الملائكة متباشرة». (1/59)
صفحة 60
فيقال لهم: اقذفوا بذلك في أسفل السافلين. فيقولون: وعزتك وجلالتك ما رفعناها إلا خفيا. فيقول: صدقتم ولكني أنا أعلم به منكم قام يصلي وهو يجب أن يعلم الناس به. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى لا يحب أن يحمده أحد على العمل لله». وقد جاء في بعض الآثار أنه قيل: الدنيا كلها جهل إلا العلم. والعلم كله حجة إلا العمل. والعمل كله هباء إلا إخلاص والإخلاص. والإخلاص خطر عظيم. قال غيره: من يروي والمخلصون على وجل ومن غيره السفلة من يأكل بدينه. ومن غيره: كما يجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات. والجهات كذلك يجب حراسة القلب عن الالتفات إلى غير الصلوات. وحكى عن عامر انه قال: الوسواس يعتريني في الصلاة. فقيل له: أفي أمر الدنيا؟ فقال: لأن تختلف في الأسنة أحب إلي من ذلك ولكن يشغل قلبي عن الوقوف بين يدي الله كيف أتعرف- فعد ذلك وسواسا. وهو كذلك لأنه يشغله عن فهم ما هو فيه والله أعلم وبه التوفيق. (1/60)
صفحة 61
فصل في المحافظة على الصلاة
وروى عن جابر بن زيد قال: أجمع علم العلماء علة أن ليس للعبد من صلاته غلا ما عقل منها. ورفعه بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق عمار رحمه الله أن الرجل ليصلي الصلاة ولا يكتب له نصفها ولا ثلثها ولا عشرها والله أعلم. ومن غيره: لا يستحق ثواب الصلاة إلا المقيمون الصلاة. والمقيمون هم المحافظون على الصلاة في أوقاتها بوظائفها وخشوعها أن المصلين كثيرون والمقيمون قليلون. وقال الله تعالى في المنافقين الذين هم عن صلاتهم ساهون مصلين ويسمى المؤمنين المقيمين. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حافظ على الصلوات الخمس فصلاهن في وقتهن غير مضيع لهن ولا مفرط فيهن حشره الله يوم القيامة مع إبراهيم خليله ومحمد نبيه صلى الله عليه وسلم». «ومن لم يحافظ على الصلوات الخمس ولم يصلهن لوقتهن وضيعهن وفرط فيهن وتهاون بأمرهن حشره الله مع أبي لهب وفرعون ذي الأوتاد». وقال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا صلى الصلاة لوقتها قائما بركوعها وسجودها وطهورها صعدت إلى السماء ولها نور وهي تقول حفظك الله كما حفظتني. (1/61)
صفحة 62
حتى إذا انتهت إلى أبواب السماء فتحت لها وصعدت إلى السماء تشفع لصاحبها. وإذا هو ضيعها عن وقتها ولم يتم ركوعها ولا سجودها ولا طهورها قالت ضيعك الله كما ضيعتني ثم تصعد لها ظلمة. حتى إذا انتهيت إلى السماء غلقت أبوابها دونها ثم تلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها» وقال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء ولا المنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا». قال الله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}. ومن صلى رياء وسمعة لم تبلغ صلاته تراقيه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الفرض خمس صلوات من حافظ عليهن كن له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة. ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة». وقيل: المصلي كأنه قائم على باب الجنة يستفتح وينادي به المنادي إيها المصلي لو تدري من تتأجى ما التفت. وقيل: لا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن. وقيل: الصلاة برهان والصيام جنة. والصلاة تطفئ غضب الرب كما يطفئ النار الماء البارد. وكل مستخف بالصلاة مستهين بها فهو مستخف بالإسلام وإن (1/62)
صفحة 63
ما جاءهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة ورغبتهم في الصلاة. فاحذر أن تلقى الله ولا قدر الاسلام عندك. فإن قدر الإسلام في قلبك على قدر الصلاة فيه. وفي مناجاة موسى: إلهي ما جزاء من صلى الصلوات لوقتها ولم يشغله عنها شيء من دنياه. قال: يا موسى أعطيه سؤله وادخله جنتي. وقال عليه السلام: لا يقبل الله من عبد صلاته ما لم يحضر فيها قلبه ما حضر من بدنه. قيل: أول الوقت إلى آخره سبعون درجة. وإن صليت في وسط الوقت أو ثلثه أو ربعه فلك من الدرجات مقدار ذلك. وفي الحديث أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال؟ فقال: الصلاة لأول وقتها. وفي حديث آخر: «لو يعلم العبد ما يفوته من فضل أول الوقت لافتدى من ذلك بما قدر عليه من أهل ومال». وقيل: الذين يسارعون في الخيرات هم الذين على الصلاة حيث كانوا وأين كانوا. (1/63)
صفحة 64
وقال سبحانه وتعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}. أي فرضا مفروضا. وفي دعاء إبراهيم: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء). وعن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وتعالى: {الذين هم على صلاتهم ساهون} قال: إضاعة الوقت. وفي حديث آخر عن بعضهم أنه قال: «ظن أحدكم بنهر على بابه فيغسل فيه كل يوم خمس مرات فماذا بقي عليه من الدران بعد الغسل». وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات». قالوا: بلا يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره. وكثرة الخطى إلى المساجد. وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فذلك الرباط». ومن حديث آخر: «وقيل إن الشيطان يتنقل للمؤمن كل ما عصمه الله من باب أتاه من باب آخر. وان العبد أول ما يحاسب عليه يوم القيامة صلاته فإذا صلحت صلح سائر عمله. (1/64)
صفحة 65
وإن كانت صلاته فاسدة فسد سائر عمله». وقيل: توضأ عليه الصلاة والسلام ثم تبسم. وقال: لا تسألوني فيم أضحكني؟ فقال: إن المسلم إذا توضأ فأتم الوضوء ثم صلى فأتم الصلاة خرج منها كما يخرج من بطن امه من الذنوب. وقيل ينبغي للمؤمن أن يكون اتيانه إلى الصلاة على: وفاء وسكينة. وحياء وخجل وخوف ورجاء. ووجل مقلق من ذنوبه. ومنقطع إلى ربه عز وجل. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وقف العبد في صلاته نادت الملائكة من السماء لو علم ابن آدم ماذا نزل عليه من كرامة الله عز وجل سبحانه ما اثقلت ثم تحقق استقباله للقبلة باعراض قلبه عن ما سوى الله تعالى كما أعرض بوجهه عن سواء جبهته». وقد روي عن ذي النون المصري أو غيره أنه قال: من وقف بنفسه في المحراب وهرب بقلبه عن الوهاب فليس له عند الله ثواب. فينبغي للعبد ان يجعل قلبه قبلة لله. ويجب أن يتوجه إليه كما جعل الكعبة قبلة بدنه. (1/65)
صفحة 66
فرحم الله عبدا مسلما أقبل في صلاته إلى ربه خاشعا ذليلا خاضعا خائفا راجيا وجلا راهبا. فجعل أكثر همه في الصلاة لربه تعالى ومناجاته إياه وانتصابه بين يديه قائما راكعا وساجدا. وفرغ قلبه لذلك. واجتهد في أداء فرائضه كأنه ينظر غلى الله تعالى. وإن لم يكن يراه فإن الله عز وجل يراه. فإنه لا يدري أيصلي صلاة بعد التي هو فيها أو يتعجل قبل ذلك. فقام بين ربه محزونا مشفقا يرجو قبولها ويخشى ردها. فإن قبلها الله تعالى سعد. وغن ردها شقى. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء. والأزيز يعني الغثيان أي جوفه بالبكاء. ويجب على الإنسان أن يكون قيامه في الصلاة مطمئنا ساكنا لا يتمايل يمينا ولا شمالا. ويشاهد اطلاع الله عليه فتموت جوارحه عن الحركات. (1/66)
صفحة 67
فقد روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يصلي ويمسح رأسه ولحيته. فقال صلى الله عليه وسلم: «لو خشع القلب هذا لخشعت جوارحه». وقال عائشة: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه. وكان بعض العلماء إذا صلى لم تنقطع الدموع من خديه على لحيته. وقال بعضهم: إن العبد يسجد السجدة عنده أنه تقرب إلى الله تعالى بها ولو قسمت ذنوبه في سجدته على أهل مدينة هلكوا. وقيل: يكون ساجدا عند الله وقبله مع أهوائه ومشاهد البطالة قد استولى عليه. وفي حديث ان الحسن بن علي كان إذا توضأ تغير لونه وارتعدت فرائصه. قيل له: في ذلك؟ فقال: حق لمن يقف بين يدي ذي العرش أن يصفر لونه وترتعد فرائصه. وكان علي بن أبي طالب إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ويتلون. فيقال له: مالك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: جاء وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال (1/67)
صفحة 68
فأبين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا. فلا أدري أحسن ما حملت أم لا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا أبا ذر ما من مؤمن يقوم مصليا إلا تنلثر ينه وبين الرعش ووكل الله به ملكا ينادي يا ابن آدم لم تعلم مالك في صلاتك من تناجي ما التفت. يا أبا ذر ما تقرب العباد إلى الله أفضل من سجود خفى. ركعتان من عالم أفضل من سبعين ركعة من عابد». وعن ابن عباس ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساهي. وكان ابن مسعود إذا صلى كأنه ثوب نقي. وركعتين يعقلهما المصلي ويحسن إقباله فيهما أفضل من صلاة كثيرة على غير ذلك. وروي عن سفيان بن عتيبة أنه قال: للشيطان ثلاثمائة وستون ملكا فإذا قام العبد في الصلاة يرفع الله إليه صكا صكا. فإذا نظر إليه وإن لم ينظر إليه رفع الله آخر فآخر إلى أن يرفع إليه الصكوك جميعا. وقد جعل جميع ما يشغله من هم ومن سهو عن صلاته فإن لم ينظر إليه قال مالي ولهذا وتركه وانصرف إلى غيره. (1/68)
صفحة 69
وأجمع الفقهاء أنه لا يحسب للرجل صلاته إلا ما عقل منها. وقال ابن عتيبة في قوله: قل أعوذ برب الناس إلى آخرها ... نزلت السورة في إبليس لعنة الله ان له ثلاثمئة وثمانون صكا فيها غروب ومكايدة يعرضه كله على قلب المصلي واحدا بعد واحد فأي صك نظر فيه صاده. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الرجلين ليقومان من أمتي إلى الصلاة ركوعهما واحد وسجودهما واحد وأن ما بين صلاتهما كما بين السماء والأرض». وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من لم يتأهب للصلاة قبل حضورها لم تقر عينه بها. وقيل: قال موسى: إلهي ما جزاء من قام بين يديك يصلي؟ قال: يا موسى أباهي به ملائكتي راكعا ساجدا. ومن باهيت به ملائكتي لم أعذبه بالنار. (1/69)
صفحة 70
فصل في تحقيق القيام إلى الصلاة
ومن تحقيق القيام غلى الصلاة أن يقف الرجل في صلاته كالفقير البائس كالعبد الخاطئ عند سيده منكسر القلب متذلل النفس خاشع الطرف. أو يقف في صلاته كالفقير البائس عند الغني القادر غاية الأقدار والتذلل والاضطرار. وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم يصلي فما له من صلاته النصف ولا الثلث ولا الخمس حتى انتهى إلى العشر».
*مسألة: وقال صلى الله عليه وسلم الذي أوصاه إذا صليت صلوات فصل صلاة مودع. قيل: معناه مودع لنفسه ولهواه. ومودعا لعمره سائرا إلى مولاه. كما قال تعالى: {واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه}. (1/70)
صفحة 71
فصل في بناء الصلاة
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بنيت الصلاة على أربعة أسهم: سهم منها الوضوء. وسهم منها الركوع. وسهم منها السجود. وسهم منها الخشوع. قيل: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم وما الخشوع قبل التواضع في الصلاة. قال: الإقبال عليها بكل قلبه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سهو أحدكم خلسة يختلسها الشيطان من صلاة أحدكم». وقال بعض أهل الحكمة: الصلاة على خمسة أوجه أحدكم من يصلي بغير تدبر ولا مراقبة ساهيا لا هيا غافلا عن صلاته لا يدري أين هو ولا فيما هو. فصلاته غير مقبولة بل مردودة عليه. ومن الناس من يتبدئ صلاته بنية وقصد وإنابة إلى الله عز وجل فيأتيه الوسواس في صلاته فيزيله عن حاله. (1/71)
صفحة 72
فهذا مصل له من صلاته قدر قصده ونيته. والثالث يصلي محاربا مع هواجسه ووساوسه ويجاهد نفسه كلما ذهب به وسواسه جاهدهما مع الذكر والانتباه إلى آخر صلاته. فمنزلته منزلة المجاهد في سبيل الله. والرابع أيس منه العدو وذلل الشيطان كما يذلل له قعوده. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «من الناس من يذلل له الشيطان كما يذلل له قعوده» فإذا كان كذلك سهلت عليه الصلاة. ومنهم من يكون فيها ذاكرا خائفا باكيا حزينا وجلا. وقد روي عن عائشة أنها كانت إذا أرادت السجود قالت هذا فأين البكاء. قال الله عز وجل: {ويخرون للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا}. والخامس من ان يصلي على طمأنينة وسكون وراحة وتنعم وتلذذ. كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لولا ثلاث خصال لأحببت الموت. أضع وجهي لربي. وأسير في سبيل الله. وأجالس أقواما ينتقون أطايب الكلام كما تنتقى أطايب الثمار. (1/72)
صفحة 73
فصل في خشوع الصلاة
وعن بعض أهل المعرفة يجب على المصلي في صلاته ودعائه ثلاثة أشياء. أن يعلم أين هو. وان يعلم من هو. فإنه في بساط ربه فمن عرفه هابه اذ هو عبد ذليل مذنب. فإن عرفه خجل أو خاف أو وجل واستغاث اذ هو عند ربه الجليل العظيم. فغن عرفه لم يلتفت إلى غيره ما دام عنده لأنه ما عرفه قلب عبد حق معرفته إلا خشع ولا بدن إلا اتضع. وكان ذلك كما قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله متى يعرف الإنسان ربه. فقال: «إذا عرف نفسه». فالجواب على كل ذي متعبد معرفة ربه ومعرفة نفسه. وقد قال في ذلك بعض العارفين: من لم يعرف ربه فغير مؤد لفرضه. ومن سهى عن تدبره في صلاته فقد اختلس الشيطان خالص صلاته ولبانها وذهب بحقيقتها. (1/73)
صفحة 74
وقد روي عن أبى بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال ركعتان في تدبر أحب من ألف عنان يقاتل في سبيل الله. وروي في الخبر: أن أدنى ان أضيع من ضيع وأن أنزع حلاوة مناجاتي من قلبه. وقد سئل يحي بن معاذ: أنا نخدم ولا نجد حلاوة الخدمة. قال: إنكم لا تحبون المخدوم. وقال محمد بن علي: لو خير العاقل بين الجنة وركعتين لاختار الركعتين على الجنة. لأن الجنة حظه ورضا نفسه والركعتين رضا ربه وخدمته. وقال غيره: حرمة الطاعة أعظم من حرمة الجنة من عرفه لأنه عز وجل هو المبين لهما جميعا. ان الطاعة خدمته والجنة نعمته. وقالت رابعة: أي جنة أحسن من الطاعة؟ وأي نار أشد من المعصية؟ وقال ابراهيم بن أدهم: لئن يدخلني النار وقد أطعته أحب إلى من أن يدخلني الجنة وقد عصيته. فمن عرف الله على ما عرفنا تجنبته الغفلة والكسل. (1/74)
صفحة 75
وقال لقمان لابنه: يا بني إن كنت تحب الجنة فإن مولاك يحب الطاعة فأحب ما يحب مولاك ليدخلك فيما تحب. وإن كنت تكره النار فإن مولاك يكره المعصية فاكره ما يكره مولاك لينجيك مما تكره. وروي عن عيسى عليه السلام أنه مر بشاب يصلي مشتغل بعبادة ربه. فوقف عليه ينظر إلى حسن صلاته وحسن خشوعه وحسن قيامه لربه. فقال: عيسى: ألا تطلب إلى ربك حاجة فيعطيك. فقال الشاب: إني أستحي من ربي أن أسأله أكثر مما أعطاني. فقال: وما أعطاك. فقال: أليس قد هداني للإسلام. أليس قد أقامني بين يديه وأنا ذا هو راكع وساجد. فمن أين أقدر اؤدي شكر هذا. (1/75)
صفحة 76
فصل في الخشوع
ومن غيره: أي عبدي فرضت عليك من طاعتي ما تطيق. وذكرتك إلى ما فيه رشدك. ومن أفضل ما افترضته عليك الصلاة. فأنت تصليها بغير حقها. فانصف نفسك واقض عليها بالحق. ما بالك عندي يقعد إليك الرجل فيحدثك فتقبل إليه بوجهك وقلبك لا تميل عنه يمينا ولا شمالا. ولا تلتفت إلى غير ما دام يحدثك. وإن كلمك مكلم غيره أو مأت إليه أن أمسك اعظاما وانصاتا إلى حديثه. وتقوم أي عبدي في صلاة لي فبدنك قائم في الصلاة وقلبك في غيرها. حتى ربما قلت قد سهوت في صلاتي فلا تدري كم صليت. أفمن الانصاف أن ترضى لي ما لا يرضاه منك محدثك. أنا كنت أحق أن تقبل بوجهك وقلبك في صلاتي أم محدثك ذلك. ما تقول يا عبدي في هذا؟ (1/76)
صفحة 77
أترى أن أقبلها وأرفعها. أم أردها عليك إذا تهلك يا عبدي تعطب في الدنيا والآخرة لا تفعل. أي عبدي أقبل إلي في صلاتك بوجهك وقلبك لأقبل عليك بالرأفة والرحمة. ياعبدي قد كان ينبغي لو أن طاعنا طعنك وانت في الصلاة لربك لا تشعر بتلك الطعنة لشغل قلبك. ثم لو علمت أي عبدي من تناجي إذا صليت ما رفعت رأسك طول ليلك ونهارك. يا عبدي أقرب ما يكون العبد مني إذا كان ساجدا. ومع هذا اعلموا أن أمر الله وقع بإتيان الصلاة. فلا يجوز إتيانها إلا بإخلاص لله تعالى. والمخالف لله تعالى غير مخلص له بها. وقيل: كانت الكرب تكشف عن الأولين بالصلاة. وأقل ما نزل بأحد منهم من كرب إلا كان مفزعة إلى الصلاة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة. ومن حديث آخر: قال كعب الأحبار وجد فيما أنزل الله على موسى يا موسى أن الصلاة قربان المؤمن تقربه إلي. (1/77)
صفحة 78
وهي خدمتي من جميع الطاعات اخترتها. ومن تركتها من غير عذر عاتبته في الدنيا بعشر خصال: أولها الشك يدخل في إيمانه فيفسده عليه وهي النعمة العظمى. والثانية ارزقه حرمان العلم وهو سراج المؤمن في دينه. والثالثة حرمان الورع وغلبة الفجور والكذب وهو مجانب للإيمان. والرابعة حرمان الصبر فيغلب عليه الجزع. والخامسة حرمان الحياء فتغلب عليه القسوة. والسادسة أسلط عليه الكسل فيفسد عليه دينه ومعاشه. والسابعة أسلط عليه الحقد وانزع منه الرفق حتى يهتك ستره. والثامنة أكره له الخير. والتاسعة أسلط عليه الكبر فيكون فظا غليظا. والعاشرة أرزقه من الغلول والسحت. (1/78)
صفحة 79
فصل فيمن تهاون بالصلاة وفيمن واظب عليها
وعن ابن عباس من لم يصل فلا دين له. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تهاون بالصلاة من الرجال والنساء عاقبه الله بخمس عشر خصلة ستا في حياته وثلاثا عند موته وثلاثا في قبره وثلاثا عند خروجه من القبر. فأما الست التي في حياته: فأولها: تنزع البركة من عمره. والثانية: ينزع الله البركة من رزقه. والثالثة: ينزع الله سيماء الصالحين من وجهه. والرابعة: لا يكون له في دعاء الصالحين نصيب. والخامسة: لا يرفع الله له إلى السماء دعاء. والسادسة: كل عمل عمله من أعمال البر لم يؤجره الله عليه. وأما الثلاثة التي عند موته. فأولها: يموت ذليلا. والثانية: يموت جائعا. والثالثة: يموت عطشانا ولو سقى بحار الدنيا ما روى منها إلى يوم القيامة. (1/79)
صفحة 80
وأما التي في القبر: فأولهن: ظلمة القبر. والثانية: يضيق الله عليه قبره. والثالثة: يوكل الله به ملكا يسحبه على وجهه يقرعه إلى يوم القيامة. وأما الثلاث التي عند خروجه من القبر: أولهن: يحاسبه الله حسابا طويلا. والثانية: لا يفتح الله له بابا إلى الجنة. والثالثة: يفتح الله له بابا من أبواب النار. ومن صلى الصلوات الخمس في مواقيتها أعطاها الله خمس عشر خصلة ستا في الدنيا وثلاثا عند الموت وثلاثا في القبر وثلاثا إذا أخرج من القبر. فأما الست التي في الدنيا: فأولهن: ينزل عليه الرحمة. والثانية: يبارك الله في رزقه. والثالثة: يبارك الله له في عمره. وفي نسخة في عمله. والرابعة: يؤجره الله في كل عمل يعمله لله عز وجل. (1/80)
صفحة 81
والخامسة: يستجيب الله له دعاء. والسادسة: يجعل له نصيبا في دعاء الصالحين. وأما الثالث عند الموت. فأولهن: يخرج الله له روحه مثل إبراهيم خليل الرحمن. والثانية: يموت شبعانا. والثالثة: يموت ريانا. وأم الثلاث التي في القبر: فأولهن: ينور الله له قبره. والثانية: يوسع الله له قبره. والثالثة: يكون له فرج في قبره إلى يوم القيامة. وأما الثلاث التي إذا خرج من القبر: فأولهن: يكون وجهه مثل القمر المنير. والثانية: يغلق الله عنه أبواب جهنم. والثالثة: يفتح الله له أبواب الجنة الثمانية وذلك لمن اتقى الحدود ولم يركبها وأدى الحقوق ولم يظلمها وكان مخلصا لله تعالى في جميع أموره وتائبا من جميع ذنوبه. وليس ذلك لمن أضر ولا لمن ارتكب المحارم ولم يقلع ولم يتب واستكبر والله اعلم. (انقضى الذي من كتاب المبتدى). ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/81)
صفحة 82
باب في الصلاة أيضا وفي الإخلاص في الصلاة وفي ذكر فرائض الصلاة وسننها كم هي وما هي وفي فرائض الصلاة التي لا تتم إلا بها
الحمد لله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد النبي وآله وبالله نستعين. أما بعد- فإن الله تعالى فرض على خلقه الصلاة في كتابه في غير موضع. واثنى على من أدى ما افترض عليه من الصلاة حافظ عليها في مواقيتها ولم تلهه تجارة ولا بيع عن ذكر الله. ثم بين على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كيف الصلاة إذا صلاها المصلي كان مؤديا لما فرض الله. ثم أمر الخلق بالقبول من بيته. كما أمر بالطاعة والانتهاء عما نهى عنه. فقد بين صلى الله عليه وسلم لأمته ما فرض الله عليهم. ثم اعلموا أن في الصلاة فرائض وسننا وخشوعا وفضائل يجب عملها والعمل بها إذا كانت لازمة لهم في كل يوم وليلة. خمس صلوات لابد منها بكمالها. (1/82)
صفحة 83
ولا عذر بجهلها. وروى عن عبد الله بن عمر: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر يوما الصلاة. فقال صلى الله عليه وسلم: من حافظ عليها كانت نورا وبرهانا وإضاءة ونجاة يوم القيامة. ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورا ويأتي يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان. وروي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس من جاء بهن يوم القيامة مع الإيمان دخل الجنة. من حافظ على الصلوات الخمس على وجوههن وركوعهن وسجودهن ومواقتهن وإعطاء الزكاة من ماله: بطيب النفس. قال: فكان يقول لا يفعل ذلك إلا مؤمن. وصيام شهر رمضان وحج البيت ان استطاع إليه سبيلا واداء الأمانة. قالوا: يا أبا الدرداء وما الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة. وقال محمد بن الحسن: نظرت وإذا جميع المسلمين في الصلاة على طبقات. (1/83)
صفحة 84
فطبقة فقهوا عن الله وعن الرسول صلى الله عليه وسلم فطلبوا العلم فأدركوه. وطبقة تؤدي الصلاة وتجتهد بغير علم فقد ضيعوا كثيرا مما يجب عليهم العمل به. فمنعه الحياء من طلب علم ذلك والبحث عما يلزمهم وما هذا بالمحمود. وطبقة تؤدي الصلاة مجازفة تشهد عليهم جميع العلماء أن عليهم الإعادة لأنهم لا يتمون ركوعها ولا سجودها. وروي عن ابن مسعود انه قال: وسيصلي قوم لا دين لهم. قال حذيفة لرجل نظر إليه لا يتم الركوع ولا السجود. فقال: منذ كم تصلي. قال: منذ أربعين سنة. فقال: والله ما صليت ولو مت وانت تصلي هذه الصلاة من على غير الفطرة فطرة محمد صلى الله عليه وسمل. وطبقة: لا تصلي الصلاة ولا تبالي بها. فمن صلى وقتا فإنهما هو خوف من الناس فهؤلاء كفار بتركها. وقال كثير من العلماء: من ترك الصلاة استتيب. فإن تاب وإلا قتل. (1/84)
صفحة 85
فصل الإخلاص في الصلاة
قال حاتم الأصم: يقوم بالأمر ويمشي بالإحسان ويدخل بالسنة ويكبر بالتعظيم ويقرأ بالترتيل ويركع بالخشوع ويسجد بالخضوع ويرفع بالسكينة ويتشهد بالإخلاص ويسلم بالرحمة. ثم قال فإذا قمت إليها فاعرف أن الله مقبل عليك. فأقبل على من هو مقبل عليك. وأعلم من جهة التصديق بقلبك فغنه قريب منك قادر عليك. فإذا ركعت فلا تأمل أن ترفع. وإذا رفعت فلا تأمن أن تضع جبهتك على الأرض. ومثل الجنة عن يمينك. والنار عن شمالك. والصراط تحت قدميك. فإذا فعلت كنت مصليا. وقيل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: وجعل قرة عيني في الصلاة. قال: كان إذا قام إليها رأى فيها ما تقر به عينه. (1/85)
صفحة 86
وعن بعضهم قال: إذا قمت إلى الصلاة فتذكر من أنت إليه قائم. وبين يدي من تقف. واعتقد كره ما يجري عليك فيها. فإذا فرغت فاستغفر الله فإن الله يشكر العقد الأول والأخير ويغفر ما بينهما. وعن بعضهم: من قام إلى الصلاة ليلا فاستفتح القراءة فوجد لها لذة فلا يركع ولا يسجد. وإذا وجد للركوع لذة فلا يقرأ ولا يسجد. وغذا وجد للسجود لذة فلا يقرأ ولا يركع. الوجه الذي يفتتح له فيه فيلزمه. قيل لبعض العلماء: متى تقرب القلوب من الله. قالوا: إذا كانت قائمة تذكره غير شاهية عنه. (1/86)
صفحة 87
فصل في الصلاة
عن أبي سعيد محمد بن سعيد: بسم الله الرحمن الرحيم وبعد. فإن عماد الدين الصلاة. وبها يستوجب العبد من الله رضاه إذا راقبه في القيام بها واتقاه وأطاعه في جميع اوامره ونهياه. كذلك إذا خلفه في جميع أموره ورجاه. وتوكل عليه في جميع الامور واكتفاه واستسلم في جميع ما قدر عليه وقضاه ورمنى نفسه في جميع الأمور وأمضاه. وشكر له جميع ما ابتلاه وصبر له على جميع ما ابتلاه. ودان له في التوبة في جميع ما أسخطه فيه وعصاه. وأدى إليه جميع ما تعبده بأداه. ودان بجميع ولايته من أطاع الله وألاه. وعداوة جميع من أسخطه الله وعاداه. وآثر أمر الله على جميع من سواه. وأخلص لله بالطاعة وأرضاه. (1/87)
صفحة 88
وصدق الله في جميع ما قاله ونواه. واجتهد لله في العمل بطاعته. وحاز الإيمان بكماله وحقيقته. واستقام على منهج الحق وطريقته. وتوجه لله في جميع مذهبه وإرادته. وأشعر قلبه بتقوى الله وحقيقته. ومراقبة الله وخشيته. والهرب من سخطه وعقوبته. وعلق قلبه بحب الله وثواب الله وجنته برضوان الله ورحمته. والتفرغ إلى مناجاة الله وعبادته. وأيده الله بالنصر والعصمة وأمده بنور الحكمة. وكذلك عصمه من زيغ الضلالة وهواه من العمى والجهالة. ؤ ... وسلك له سبيل الاستقامة ومنهاج الفوز والسلامة من عرصات يوم القيامة من تلك الحسرات والندامة. واستوجب من الله الرضوان. وحقت له من الله سابغات الإحسان وفوزه الله بطول الجنان ونفحه بمعانقة الحور الحسان. (1/88)
صفحة 89
وأتحفه بالوصائف والولدان. وأكرمه بغاية الأنعام. وعظم الله أمره غاية الإعظام اذ جعل ثوابه الملائكة الكرام يحيونه بتحية السلام ورضوان عنه أجل وأكبر وعطاء الله له أعظم وأكثر من علينا وعلى جميع المسمين بذلك. وسلمنا وإياهم من جميع المهالك. وأعلم أن الصلاة من الله فريضة لازمة. وشواهد فرضها في كتاب الله قائمة وذلك قوله تبارك وتعالى حيث يقول أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله. قوله: {وما أومروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة}. وقوله: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى} الآية. وقال: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله}. فهذا ومثله مما لعله لا يحضرنا كثير من ذكره مما فيه بيان اثبات لفرض الصلاة ووجوبها وغير ذلك. وفي هذه الآي على جميع مواضع أوقات فرض الصلاة إلا الأمر بها والحث عليها والندب لها. (1/89)
صفحة 90
ذلك مما لا يرتاب فيه من لزوم فرضها. وقد بين الله مواضع فرض العمل في أوقات ما أوجب الله العمل فيها. وفي مواضع فرض العمل بها في غير آي من كتاب الله ذلك قوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا}. فجاء في التأويل الذي لا يعلم فيه اختلافا أن معنى قوله: {لدلوك الشمس} وهي صلاة الظهر والعصر {إلى غسق الليل} وهو ظلمة الليل وهي صلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة. {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا}. ذلك على ما قيل في التأويل أن لبني آدم ملائكة يحفظونه في الليل وملائكة يحفظونه في النهار. وإذا جاء الليل نزل الملائكة وعرج ملائكة النهار. وإذا جاء النهار نزل ملائكة النهار وعرج ملائكة الليل. ولا تعرج ملائكة الليل حتى تنزل ملائكة النهار فيشهدون جميعا صلاة الفجر أو نحوه هذا. والله أعلم بتأويل كتابه. وهذا موضع فرض الصلاة الخمس. وبيان ذلك من كتاب الله قوله تبارك وتعالى: {سبحان الله حين (1/90)
صفحة 91
تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون}. فجاء في التأويل أن كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. فقوله: {فسبحان الله حين تمسون} صلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة. {وحين تصبحون} صلاة الغداة. {وعشيا} صلاة العصر. {وحين تظهرون} الظهر. فهذا في فرض الصلاة وبيان أوقاتها في موضع. وكذلك قوله تعالى: {أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل}. {طرفي النهار} صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر. {وزلفا من الليل} صلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة. وغير هذا من كتاب الله عز وجل مما يدل على فرض الصلاة وفرض أوقاتها وإتيانها في مواضعها. ولا يختلف في ذلك لثبوت ذلك من الكتاب والسنة وإجماع المحققين من الأمة. وقد ثبت ذلك عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله بما لا يرتاب ولا يختلف فيه مما يطول وصفه ويتسع الكتابة (1/91)
صفحة 92
مما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثبوت ذلك في أوقاته والعمل به فيه ولثباته عنه وعن الأمة المهتدين عنه. وأول ما خاطب الله به المؤمنين عنه وأول ما خاطب الله به المؤمنين في أمر الصلاة عند حضور وقتها والعمل بها والطهارة لها بعد إزالة النجاسات والأذى عن البدن وذلك قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين.}. فثبت الأمر في فرض الوضوء للصلاة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ويقول صلى الله عليه وسلم: «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صلاة لمن لا طهور له». فالفرض في الوضوء غسل الوجه باستفزاغ حدوده حتى يأتي عليه الغسل كله. وأقل ذلك واحدة وهو الفرض الذي لا يقبل الله دونه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم وقد توضأ فغسل مواضع الوضوء واحدة واحدة. ثم قال صلى الله: «هذا وضوء لا يقبل الله صلاة بدونه». ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ثانية فغسل مواضع الوضوء مرتين مرتين. ثم قال صلى الله عليه وسلم: «هذا كاف لمن فعله». (1/92)
صفحة 93
ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ثالثة فغسل مواضع الوضوء ثلاثا ثلاثا. ثم قال صلى الله عليه وسلم: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي». وهذه السنة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يجزي في الوضوء للصلاة واحدة لمن قل ماؤه واثنان لمستعجل وثلاث شرف وأربع سرف». فلا صلاة لمصل إلا بوضوء إذا وجد الماء. ولا وضوء إلا بعد إزالة الأذى عند والنجاسات غير ما خاطب الله به المؤمنين من الوضوء فيما يعقله العالمون معاني ما أمر الله من التطهر قبل الوضوء من النجاسات. ثم قال تعالى وإن كنتم كذلك ولم تجدوا ماء تطهرون به {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم}. فإنما فرض الوضوء بعد إزالة النجاسات بالطهارة بالماء. ولا يقع حكم الوضوء إلا بعد طهارة الجسد من الأذى والنجاسات. وبذلك جانت السنة المجتمع عليها من المسلمين المحقين الذين للسنة موافقين ولمن خالف الحق مفارقين. ولا معنى في اتباع من خالف الحق ولا من قصر دون موافقة الحق وبالله التوفيق. (1/93)
صفحة 94
والفرض في الوضوء غسل الوجه على ما ذكرناه وحسب ما وصفناه فيه وشرحنا لقول الله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق}. فغسل الوجه واليدين إلى المرافق فريضة وهو إلى استفراغ المرفقين. {وأرجلكم إلى الكعبين} وهو تقديم من الكلام وتأخير أي واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين. {وامسحوا برؤوسكم} فهذا هو الفرض في الوضوء وهو أربع فرائض وضوء الصلاة. ولا يترك شيء منها ولا يسع جهلها ولا جهل شيء منها إذا وجب العمل بها بعد حضور وقت العمل بها. وأقل من ذلك فرض الوضوء في الصلاة بعد ما ذكرنا من الواحدة والثنتين على ما وصفنا في أمر القول في الوجه الأول. وكل ذلك سواء والقول فيه واحد لا يختلف القول ولا العمل منه والأمر فيه واحد على ما مضى من القول. فمن ترك الفرض في الوجه وهو هذا وهو الذي وصفنا أو شيئا منه بجهل أو بعلم فلا عذر له في ذلك. ولا يسعه إذا صلى على ذلك تاركا لجارحة من جوارح الوضوء المفروضة أو أكثر منها أو ما يقع عليه اسم الكثير منها. وما لا يكون الجارحة كاملة الغسل بتركه منها وهو ما يقع عليه مال ظفر الابهام أو الدراهم الوازن أو الدينار المثقال. (1/94)
صفحة 95
فقد جاء الأثر المجتمع عليه أنه لا يسع جهل ترك ذلك على العمد ولا على الجهالة. وغن ترك ذلك على العمد أو على الجهالة فلا عذر له إذا صلى على ذلك. وهذا ترك لكمال الفرض وعليه بدل الصلاة بعد إسباغ الوضوء والكفارة على ما يوجبه الحق من لزوم الكفارة. وأما إن ترك شيئا من ذلك دون ما وصفنا مما يقع عليه هذا المثال. قد قيل: أنه لا يهلك بذلك. وعليه البدل ولا كفارة وليس له ترك شيء من الفرائض. ومتى جاز ترك شيء من الجارحة جاز ترك الجارحة كلها. ومتى جاز ترك الجارحة جاز ترك الوضوء كله. فهذا على هذا إن شاء الله. وأما إن ترك الفرض أو شيئا منه وهو قع عليه على المثال على حد الغلط أو النسيان. او أراد غسل الجارحة فتبين له أنه قد مضى دون أحكامها بترك ما ذكرنا مما يقع عليه هذا المثال. فهذا عليه إعادة الصلاة إذا صلى ذلك بعد أحاكم الوضوء وكماله. (1/95)
صفحة 96
وإن ترك على النسيان أو الغلط أقل مما وصفنا مما يقع عليه هذا المثال حتى صلى. فلا إعادة عليه في صلاته في بعض قول المسلمين. وقال من قال: عليه الإعادة لأنه لا يجوز ترك شيء من الفرائض على عمد ولا على نسيان. وهذا الذي تركه من جارحة هو فرض. كما كمال الفرض. فلا يكون تمام الفرض إلا باستكمال الفرض فافهم ذلك وبالله التوفيق. وأما السنة الثانية في الوضوء المأخوذة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بها والعمل منه بها فهو المضمضة والاستنشاق. فلا يجوز ترك ذلك معنا على التدين ولا على التعمد بخلاف السنة ولا على الاستخفاف بثوابها. فإن تارك ذلك هذا الذي وصفنا؟ فلا يسعه ذلك وهو هالك. وإن ترك ذلك على غير التعمد أو الجهل على ما وصفنا من التدين أو اخلاف السنة أو الاستخفاف؟ فقد ترك المأمور به وعليه الاستغفار من ذلك والرجوع إلى العمل فيما يستقبل. (1/96)
صفحة 97
فإن صلى على ذلك؟ فقد قال من قال: أن عليه البدل. وقال من قال: لا بدل عليه. وقول من يقول: عليه البدل هو الأكثر والمعمول به إن شاء الله. وأما من ترك على الخطأ والنسيان؟ فقد قيل: لا يجوز ترك السنة على عمد ولا نسيان ولا خطأ. وعليه بدل الصلاة إن صلى على ذلك بعد احكام الوضوء. وقال من قال: لا بدل. وهو القول الأكثر أنه لا بدل عليه. وأما الأذنان؟ فقد جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالندب إلى مسحهما. فلا يستحب تركهما. فإن تركهما تارك على عمد أو نسيان لم يدن بتركهما أو يخطئ من عمل بهما. ولم يرد خلاف السنة في تركهما فلا إثم عليه وصلاته تامة. ولا نعلم في تمام صلاته اختلافا. (1/97)
صفحة 98
واعلم أنه لا ينفع قول وجب القول به ولا عمل وجب العمل به من وضوء الصلاة. ولا صلاة إلا بعلم. إن العلم بذلك لازم للعامل يعمل به. وإلا فلا ينفع بعلم بلزوم العمل. فإذا عمل العامل بما يلزمه من العمل بغير علم بلزوم العمل ولا نية في أداء العمل من العامل بالعلم منه. فلا ينفع العمل بغير علم ولا نية. فإذا حضرت الصلاة فعلى العبد أن يعلم أنها لازمة له. ولازم له العمل بها. وأنه لا يعذر بتركها ويجعلها إذا وجب عليه العمل بها. وأن يعلم أنه لا يجوز إلا بالطهور كما أمر الله. وان الطهور لازم له للصلاة التي قد لزمه العمل بها. ولا ينفعه العمل إلا بعلم منه لأنه لازم له العمل به. واعلم أنه قد جاء في الأثر فيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور واحرامها التكبير واحلالها التسليم». فأول باب يدخله العبد من أبواب الصلاة الطهور وهو فريضة كما وصفنا على العلم والنية. (1/98)
صفحة 99
فإذا أكمل الوضوء بإسباغه قام إلى الصلاة في وقتها بعلم منه بفرضها ولزومها. فيقوم إليها بأربع فرائض وذلك أنه يأتيها بطهارة من جسده وكمال من وضوئه وبما يستر عورته من اللباس. وهو فرض لقول الله: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد}. فهو اللباس للصلاة من طهارة الثياب التي يلبسها في الصلاة. كذلك مع طهارة البقعة التي يصلي فيها. ومع استقبال القبلة باعتقاد النيةللتوجه إلى الكعبة بعلم منه بلزوم استقبال الكعبة باسمها أو معناها إذا لم يجد من يغير له اسمها. والطهارة فريضة. ولباس الثياب فريضة. واستقبال القبلة فريضة. فإذا أراد افتتاح الصلاة استوى قائما إن أمكنه ذلك. فإنه لا يجزيه إلا القيام ان قدر على القيام وهو فريضة. وفرضه من كتاب الله في غير موضع من ذلك قوله: {وقوموا له قانتين}. والقيام ها هنا في الصلاة. وأما القنوت فقد اختلف في ذلك. (1/99)
صفحة 100
فقال من قال: هو القيام لأن القيام هو القنوت. والقنوت هو القيام. وإنما معنى {قوموا} أي صلوا لله قائمين. أي قوموا للصلاة. ومن ذلك قوله: {وان تقوموا لليتامى بالقسط}. فالقيام هو العمل. والقنوت هو القيام في الصلاة. ومن ذلك ما يروى عن عائشة عليها السلام أنها قالت: أفضل الصلاة أطولها قنوتا. أي أطولها قياما. وقال من قال: أن القيام هو القيام والقنوت وهو الطاعة. ذلك أن أهل الملل والأديان كانوا يقومون إلى الصلاة وهم على غير طاعة. فلا ينفعهم الله بصلاتهم. فأمر الله المؤمنين أن يقوموا لله في الصلاة مطيعين. فقال تعالى: {وقوموا لله قانتين}. أي قوموا لله مطيعين تائبين من كل معصية. (1/100)
صفحة 101
وقال من قال: إن المسلمين في بدء الإسلام كانوا إذا قاموا إلى الصلاة قاموا وهم يتكلمون ويعملون فيها ما ليس منها من استعمال ايديهم وألسنتهم بغير أمر الصلاة. فأمرهم الله {قانتين} مقبلين على صلاتهم تاركين لجميع الأعمال فيها. وكل هذه الأقوال صواب تخرج على معنى الصواب. من جامع أبي محمد: وقوموا لله قانتين يعني راغبين. وقد قيل دائمين. وقوله عز وجل: {يا مريم اقنتي لربك}. معناها أطيلي القيام لربك والله أعلم. ارجع إلى كتاب الشيخ أبي سعيد. وفي جملة الأقاويل اثبات فرض القيام في الصلاة. وإنما الاختلاف في القنوت على ما وصفناه. ومن ذلك قوله تعالى: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}. وقوله: {فاذكروا الله قياما وقعودا}. أي صلوا قياما فإن لم تستطيعوا القيام فصلوا قعودا. (1/101)
صفحة 102
{وعلى جنوبكم} إي فإن لم تستطيعوا قعودا فصلوا على جنوبكم. وكذلك قوله: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم}. انما معنى هذا في الصلاة فهذا موضع فرق القيام في الصلاة وغير هذا مما لعله لا يحضرنا كثير من ذكره ويطول ذكره ان لو ذكرنا. فغذا قام إلى الصلاة الفريضة بدأ بالإقامة وهي مثنى مثنى كان إماما أو غير إمام. ولا يترك الإقامة وهي سنة واجبة مأمور بالعمل بها. فإن تركها تارك من الرجال على التعمد منه لتركها؟ فقال من قال: لا يسعه ذلك وعليه إعادة الصلاة. وقال من قال: لا إعادة عليه ويستغفر ربه من تركه السنة. والقول الأول أحب إلينا. وأما إن ترك الإقامة ناسيا؟ فقال من قال: لا إعادة عليه. وقال من قال: عليه الإعادة. ولا يجوز ترك السنة. والقول الأول أحب إلينا أنه لا إعادة عليه في النسيان. وقال من قال: إذا نسي الإقامة في الصحراء أو حيث لا يسمع الإقامة فعليه الإعادة. (1/102)
صفحة 103
وغن نسيها في المصر حيث تقام الصلاة فلا إعادة عليه. وهذا قول حسن. ووجدنا هاذ مما يرفعه أبو المؤثر عن محمد بن محبوب رحمهما الله. واما النساء فقد قيل في ذلك من الإقامة لهم باختلاف. وقال من قال: لا إقامة عليهن لأن الإقامة إنما هي لصلاة الرجال لوضع الجماعات. وقال من قال: عليها الإقامة إلى أشهد أن محمدا رسول الله ثم يوجه. وقال من قال: عليها مع ذلك ان تقول الله أكبر لا إله إلا الله. وأما إن تركت الإقامة على النسيان أو التعمد فقد أتمت على من يرى عليها الإقامة. ولا إعادة فيما علمنا. وأما قول التوحيد فهو سنة واجبة والرجال والنساء فيه سواء. فإن تركه تارك في الصلاة متعمدا؟ فقال من قال: عليه إعادة الصلاة. وقال من قال: لا إعادة عليه. (1/103)
صفحة 104
والقول بالإعادة هو الأكثر. واما إن تركه على النسيان؟ فقال من قال: عليه الإعادة. وقال من قال: لا إعادة عليه. والقول الآخر هو الأكثر. وأما تكبيرة الإحرام فهي فريضة من فرائض الصلاة ولا يجوز تركها على العمد ولا النسيان. فمن تركها متعمدا جاهلا؟ فلا يسعه جهل ذلك ولا يعذر بذلك. وعليه البدل في النسيان. والبدل والكفارة في الجهل والعمد. وفرضها من كتاب الله حيث يقول وكبره تكبيرا. وإنما سميت تكبيرة الإحرام لأنه إذا كبرها المصلي وقع في الحرام. وإنما الحرام ها هنا تحريم الكلام والعمل كله إلا ما يأتي في أمر الصلاة وكل شيء من غير أمر الصلاة. فلا يجوز للمصلي ان يأتيه ما كان في الصلاة إلى تمام الصلاة وإحلالها التسليم. (1/104)
صفحة 105
وأما الاستعاذة في الصرة فقد اختلف فيها: فقال من قال: أنها سنة وانها قبل تكبيرة الإحرام. وأصح القول معنا أنها فريضة. وأنها بعد تكبيرة الإحرام. وفي إثبات فرضها قول الله تبارك وتعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}. فجاء التأويل أن هذا في أمر الصلاة. ثم القراءة في الصلاة فريضة. وفرضها في كتاب الله حيث يقول: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}. وقوله: {فاقرؤوا ما تيسر منه} وهذا في امر الصلاة. ثم الركوع وهو فريضة. وتكبير الركوع غلى الركوع سنة. والتسبيح في الركوع سنة. وقوله سمع الله لمن حمده سنة. وتكبيرة السجود إلى السجود سنة. والتسبيح في السجود سنة. والسجود فريضة. (1/105)
صفحة 106
وإثبات فرض ذلك قول الله تبارك وتعالى: {يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} فذلك في الصلاة. والقعود في الصلاة فريضة. والتحيات سنة. فهذا ما حضر من ذكر الفرض والسنة. واختصرنا ذلك بغير تفسير وإثبات كل فرض في موضعه وأما حدود الصلاة: فقد قيل: أن تكبيرة الإحرام حد. والقراءة حد. وقال من قال: قراءة فاتحة الكتاب حد. وقراءة القرآن فيما فيه قراءة حد ثاني. وقال من قال: كل القراءة حد. والركوع حد. والسجود حد. وقال من قال: أن كل سجدة حد. وقال من قال: السجدتان كلتاهما حد واحد. والقول الأول هو الأكثر. (1/106)
صفحة 107
والقعود في التحياتحد كله في الصلاة كلها حد. وتكبير الركوع كله في الصلاة كلها حد. وقول سمع الله لمن حمده في كلها حد. والتسبيح في السجود كله حد. والتسبيح في الركوع كله حد. فمن ترك حدا من هذه الحدود عامدا أو جاهلا فلا يسعه جهل ذلك. ولا يجوز ترك حد من حدود الصلاة ناسيا أو عامدا. فافهم ذلك وبالله التوفيق. والحمد لله حق حمده وصلى الله على رسوله محمدا وآله وسلم. (1/107)
صفحة 108
فصل في ذكر علم فرائض الصلاة
اعلموا رحمنا الله وإياكم أن للصلاة فرائض لا تتم الصلاة إلا بكمالها. وذلك بدليل الكتاب والسنة وقول أكثر علماء المسلمين. فأول ذلك الطهارة ثم اللباس لما يستر العورة في الصلاة. ثم طهارة الثياب والوقت لكل صلاة واستقبال القبلة. وكذلك ان يصلي المصلي قائما إلا من عذر. وكذلك طهارة الموضع الذي يصلي عليه المصلي فهو سبع فرائض. ثم إذا أراد الدخول في الصلاة فالنية للصلاة وتكبيرة الإحرام وقراءة الحمد والركوع. ثم الرفع بعد الركوع قائما معتدلا والسجود ثم الجلوس بين السجدتين معتدلا والتشهد الأخير. والصلاة فيه على النبي صلى الله عليه وسلم والتسليم من الصلاة. فهذا سبع عشر فرضا لا يجوز ترك واحد منها. فمن ترك واحدا منها وجب عليه إعادة الصلاة. قال أبو سعيد: ومن ترك تكبيرة على التعمد فصلاته فاسدة. ومن تركها على النسيان فقد اختلف في ذلك. (1/108)
صفحة 109
ونحن نحب أن يتم صلاته حتى ينسى أكثر التكبير. فإذا نسي أكثر التكبير فإن عليه إعادة الصلاة. وعنه سئل كم في الصلاة من فريضة. قال: معي أنه قيل ست فرائض. منها تكبيرة الإحرام فريضة. والقراءة فريضة. والقيام فريضة. والركوع فريضة. والسجود فريضة. والقعود فريضة. (1/109)
صفحة 110
فصل في ذكر علم سنن الصلاة وما هو
ما لم يذكر مع الفرائض في الصلاة فهو من السنن. وذلك مثل الآذان والإقامة وسائر التكبير سوى تكبيرة الإحرام
ورفع اليدين والافتتاح مثل قولك سبحانك اللهم وبحمدك والتسبيح في الركوع والتشهد الأول والتورك في التشهد الأخير. فينبغي لكل مصل ألا يترك شيئا من هذه السنن. وبعض هذه السنن أوكد من بعض. وقد اختلف العلماء فيمن ترك شيئا من هذه السنن. فمنهم من قال: قد أساء ولا يعيد. ومنهم من قال: عليه الإعادة. قال محمد بن الحسن: من ترك شيئا من هذه السنن فالاحتياط له أن يعيد. ان من ترك السنن عامدا لتركه فليس يخلو أن يكون مخالفا للسنة. فإن كان مخالفا للسنة؟ فقد روى عن ابن عمر أنه قال: من خالف السنة كفر. فهذا على حال يقضي الصلاة ويتوب إلى الله. (1/110)
صفحة 111
وإن كان جاهلا بعلم الصلاة وما يلزمه فيها مما يصلحها أو يفسدها فهو مؤدي للصلاة بما تهوى نفسه لا يلتفت إلى ما ترك. فهذا عليه الإعادة لأن الله عز وجل تعبدنا أن لا نخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن عبد الله عز وجل في الصلاة بمخالفة رسوله فهو عاص لله مستحق بما بجب عليه من حق نبيه. وأم الناسي لما ذكرنا فلا إعادة عليه. واعلموا أن المفروضة خمس صلوات في كل يوم وليلة بدليل القرآن السنة. فأما دليل القرآن: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون}. {حين تمسون} المغرب والعشاء الآخرة. {وحين تصبحون} الصبح. {وعشيا} العصر. وحين {تظهرون} الظهيرة الظهر. وقول آخر من بعد صلاة العشاء. وفي غير هذا دلائل كثيرة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة أسرى به قال: «فرض الله عز وجل علي خمسين صلاة فراجعت ربي فقال خمس». (1/111)
صفحة 112
وروى طلحة بن عبد الله أن أعرابيا جاء النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله أخبرني ما افترض الله علي من الصلوات. قال: «الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا». ولم يختلف العلماء بأن الفجر ركعتين. والظهر أربع. والعصر أربع. والمغرب ثلاث. والعشاء الآخرة أربع. ولا تجب الصلاة على من لم يبلغ. فإذا بلغ الصبي والصبية وجبت عليهما الصلاة. وحد البلوغ ثلاثة أشياء: الاحتلام. أو بلوغ خمس عشر سنة. أو الانبات. فإن اجتمعت هذه فهو رجل. فإن تفرد بواحدة فهو رجل. (1/112)
صفحة 113
وأما بلوغ النساء فهو الحيض أو خمس عشر سنة أو الانبات. وأقول أن على الآباء أن يعلموا أبنائهم الصلاة وهم بنو سبع سنين. فإذا بلغوا عشرا فقصروا عن ضربهم عليها بعد التعاهد ثم بحسن الأدب والرفق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «علموا أولادكم الصلاة وهم بنو سبع واضربوهم عليها وهم بنو عشر سنين». وأقول أن من قصر عن تعليم ولده الطهارة والصلاة فقد عصى الله عز وجل.
*مسألة: سئل أبو سعيد كم في الصلاة من سنة؟ قال: معي أنه قيل: فيها ست سنن بعد الدخول فيها. منها الاستعاذة سنة. والتكبير للركوع سنة. والتسبيح سنة. وقول سمع الله لمن حمده سنة. (1/113)
صفحة 114
وقول ربنا ولك الحمد سنة. التحيات سنة. وقيل الدخول فيها سنتان: منها الإقامة سنة. والتوجيه سنة. (1/114)
صفحة 115
فصل في الفرائض التي لا تتم الصلاة إلا بها
من جامع أبي محمد: الفرائض التي لا تتم الصلاة إلا بها سبع خصال. النية. والطهارة. والسترة الطاهرة. وطهارة الموضع الذي يستقر عليه المصلي. والعلم بالوقت. والتوجه إلى الكعبة. والقيام منتصبا عند الصلاة. والحجة في وجوب النية قول الله جل ذكره: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}. والحجة في وجوب طهارة الموضع قول الله عز وجل: {فإن لم تجدوا ماء فتييموا صعيدا طيبا}. وهو الطاهر ولكل خصلة من هذه الخصال. (1/115)
صفحة 116
والحجة في وجوب الطهارة قول الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية. والحجة في وجوب ستر العورة قول الله عز وجل: {يا بين آدم قد أنزلنا عليكم لباسا} الآية. وخذوا ما قال الله عز وجل: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} الآية. (1/116)
صفحة 117
باب في الصلاة وفي النيات في الصلاة والنية عند الدخول في الصلاة وفي كل حد من حدود الصلاة
من جامع أبي محمد: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تبارك وتعالى: {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال}. وقال الله عز وجل: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين}. وقال عليه السلام عام حجة الوداع: «أيها الناس إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم فاعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا أركانكم طيبة بها أنفسكم. وأطيعوا ولاة أموركم تدخلون جنة ربكم». وقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا خمسكم» وقول الله تعالى: {والصلاة الوسطى} يدل على أن الفرض خمس. وأن الوتر ليس بفرض. ولو كان الوتر فرضا لقال صلى الله عليه وسلم ستا. ولم يكن لقول الله تعالى والصلاة الوسطى معنا نعرفه إذا الوسطى لا يكون إلا ما قبلها من عدد مساويا لما بعدها. وتسمى متوسطة لذ هي بشيئين مستويين فهذا يتهيأ في الخمس. (1/117)
صفحة 118
فإن قال قائل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال زادكم الله صلاة سادسة. قيل له زادكم ولم يقل زاد عليكم يريد بذلك الثواب والله أعلم. وقال الله تبارك وتعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا}. فالذي ينبغي لمن قصد إلى الصلاة أن يقوم إليها بأولى الجهات فيها غير متشاغل بغيرها ولا متكاسل عن أداء فرضها. ومن كتاب: ولا يجوز الاقعاء في الصلاة ولا افتراش الذراعين في السجود لما روي عن على بن طالب. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا علي إني أحب بك ما احب لنفسي واكره لك ما أكره. لا تقرر راكعا ولا ساجدا. ولا تنظر قبل وجهك ولا عن يمينك. ولا تصلي وأنت عاقص شعرك. ولا تقعدن على عقبيك في الصلاة. ولا تفترش ذراعيك في الصلاة كما يفترش الكلب. ولا تعبثن بالحصى في الصلاة». (1/118)
صفحة 119
ويستحب للمصلي أن يجعل نظره أمام وجهه. وأحب أن يكون موضع سجوده لأن في ذلك ضربا من الخشوع. ولا يضع المصلي يديه على خاصرته في الصلاة. وقال الله عز وجل: {ليبلوكمأيكموا أحسن عملا}. وكل من تعبد بالتقرب إليه فهو حسن لا يدخل في خبر القبائح. ومن أتى قبيحا أو فعله فقد تقدم الدليل باستحقاق العقاب على ذلك. ولا يدخل في خير الطاعات. وإن كان الحكم واقعا به. وأمر الله عز وجل باتيان الصلاة ليبلونا بها أينا أحسن عملا. ومن كتاب: الفرائض في الصلاة خمس خصال باتفاق تكبيرة الإحرام والقراءة والركوع والسجود والجلوس والتشهد. واختلفوا فيما سوى ذلك. وقد قيل: من الواجب على المصلي الاعتدال بعد الفراغ من الركوع. والجلسة بين السجدتين. والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. (1/119)
صفحة 120
والحجة في فرص تكبيرة الإحرام قول الله تعالى: {وكبره تكبيرا} معناه وعظمة تعظيما والله أعلم. والحجة في وجوب التشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن. فذلك يدل على تأكيده ووجوبه. والحجة في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قول الله جل ذكره: {يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}. والحجة في وجوب اعتدال الركعة والجلسة بين السجدتين قوله عليه الصلاة والسلام: «اعتدلوا في ركوعكم وسجودكم ولا ينبسطن أحدكم كانبساط الكلب». والحجة في وجوب التسليم قوله عليه السلام تحريمها التكبير وتحليلها السلام. وأما الاقعا والنقر في السجود فهما يفسدان الصلاة. وكذلك كثرة التلفت الذي يشغل المصلي عن صلاته فهو أيضا مفسد. وليس بمفسد للصلاة ما كان دون ذلك من التلفت. ولكن ينقض فضل الصلاة والله أعلم. ومن كتاب: وقال من قال: في قول الله عز وجل: {وقوموا لله قانتين} طول القيام في الصلاة هو القنوت. وقال من قال: الخشوع فيها. (1/120)
صفحة 121
قال أبو عبد الله رحمه الله: الصلاة كلها فريضة إلا أن صفتها تأويل وحملتها تنزيل. قلت: أما الوضوء. قال الوضوء كله فريضة. قلت: فمسح الأذنين. قال: مسح الأذنين من الرأس. من كتاب أبي جابر: قال لي الحكم بن بشير: إذا صليت الفرائض فكن فيها مؤخرا غير مستريح فإنه أحرى ألا يزلك الشيطان. فإذا صليت النوافل فإن شئت فأطل.
*مسألة: ومن جامع أبي الحسن: وقد روى أنه قال لأعرابي يركع حتى يطمئن راكعا ثم يرفع حتى يطمئن يعتدل فيكون تاما من غير تقصير فيه. وما نقصت من ذلك فإنما نقصه من صلاتك. ثم تسجد بتكبيرة حتى تهوى. وتمد التكبيرة وتضع ركبتيك على الأرض. قيل: يديه إن أمكن. (1/121)
صفحة 122
ويضع يديه حذا وجهه عند أذنيه. وكذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويمد التكبيرة في حال الخفض والرفع. ويضع أولا ركبتيه ثم يديه ثم وجهه ويسبح ثلاثا. ويرفع يديه أولا بعد وجهه ثم ركبتيه. ولأن آخر ما يضع على الأرض وجهه. أرجع إلى كتاب بن جعفر: فإذا قام المصلي للصلاة فبالخشوع والخضوع فإنه في مقام عظيم بين يدي جار كريم. وقيل: إن أول أوقات الصلاة أفضلها. ويستحب أن تكون الركعة الأولى من الصلاة أطول من الثانية. ويكون بين قدميه قدر مسقط نعل في عرضها. وإن كان أقل أو أكثر فلا بأس. ويكون نظره نحو موضع سجوده. ويرسل يديه إرسالا في قيامه. فإذا ركع قال: سبحان ربي العظيم. وقال بعضهم: ويحمده. (1/122)
صفحة 123
فإذا ركع ورفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده واستقام حتى يرجع كل عضو إلى موضعه. ويقول: ربنا ولك الحمد أو الحمد لله لا شريك له. فما قال من ذلك مرة واحدة. وقال من قال: في المصلي إذا قام من التحيات والسجود رفع ركبتيه قبل يديه. وقال من قال: يديه قبل ركبتيه وهو أكثر القول.
*مسألة: عن مسروق وعن أبي بكر: أنه كان كأنما يقعد على الرضف إذا انصرف عن الصلاة حتى يقوم. يعني لا يقعد بعد التسليم وهو قول أبي حنيفة. وقال أسد: إلا في الفجر والعصر. قال غيره: معنا أنه يخرج ذلك في أمر الصلاة بعد الصلوات. ويستحب أن يوصل ما يستحب من السين على أثر المكتوبات. ولا يقعد عنها إلا في ذكر ودعاء. ولا يقعد لمعنى غير ذلك حتى يقوم لها. وأما ثبوت المغرب فلثبوت ركعتيها يستحب تعجيلها قبل الدعاء ليرفعها معا. (1/123)
صفحة 124
*مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وعن أبي عبد الله: أن من قعد في صلاته على قدميه جميعا متعمدا. أو يقعد على يمينه متعمدا من غير عذر. أو لم يمس أنه الأرض واعتمد على أحد يديه في ركوعه وسجوده. ولم يعتمد على الأخرى ولم يضعهما على ركبتيه ولا على فخذيه في ركوعه. ولم يضعهما على الأرض في سجوده متعمدا. وكذلك الركبتين في السجود والقدمين. لا أبلغ في ذلك إلى فساد ولو فعل ذلك في جميع ركوعه وسجوده متعمدا. ولا يجب له ذلك ولا يؤمر به. وأما إذا جلس مقعيا فلا آمن عليه النقض إلا من عذر. قال أبو عبد الله: لا نقض عليه في الاقعاء. وقد نهى عنه. ومن غيره قال محمد بن المسبح: إذا مس بيده الثانية أو برجله الثانية في الركوع والسجود والقدمين فقد جازت صلاته إن شاء الله. (1/124)
صفحة 125
ويوجد عن بعضهم أنه قال: ما صليت صلاة قط إلا استغفرت ربي من تقصيري فيها. وقال: أخبرنا هاشم بن الجهم عن جابر بن النعمان عن ابن المعلا عن الربيع أنه سئل ما يقول إذا قام الرجل للصلاة. قال: إذا قام الرجل يريد الصلاة: قال: اللهم إني أستغفرك مما ضيعت مما أمرتني به. وأستغفرك مما ركبت مما نهيتني عنه. وقيل: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اجعلوا لبيوتكم نصيبا من صلاتكم تبتغون بذلك البركة والجماعة أفضل.
*مسألة: وعن أبي الحوارى: في رجل تراه يصلي ولا يعرف كم في الصلاة من ركعة ولا سجدة ولا ما يقرأ فيها وتعلم ذلك منه. فعلى ما وصفه فقد قال بعض الفقهاء عليك أن تعلمه إذا رأيته لا يحسن الصلاة.
*مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: وجاء الأثر عن النبي صلى عليه وسلم أن الله لا يقبل صلاة العجلان. فتأول ذلك الفقهاء أنه استعجل عن تمام الصلاة ولم يتم ركوعها ولا سجودها فضيع أو أنقص حدا من حدودها فذلك لا تيم صلاته. (1/125)
صفحة 126
فصل في النيات في أمر الصلاة ما يقول الامام إذا أم في صلاة الجماعة بمن خلفه كيف ينوي ويقول في نيته وإذا أراد أن يصلي يهم صلاة الجمعة كيف يكون نية الذين يصلون خلفه وما يقولون في نيتهم
قال: فإن الإمام ينوي ان يصلي الفريضة التي افترضها الله عليه وهي صلاة الجمعة أو غيرها كذا كذا ركعة لله ورسوله إلى الكعبة الفريضة إماما لمن يصلي. وأما المأموم فإنه ينوي ان يؤدي الفريضة التي افترضها الله عليه صلاة الجمعة وغيرها بصلاة الإمام إذا كان وليا. وإن كان غير ولي نوى أن يصلي بصلاة الجماعة والله أعلم. قلت: ما تقول في المصلي في قيام شهر رمضان. كيف ينوي ويقول في نيته إذا كان إماما وكيف تكون نيته إذا كان غير إمام؟ قال: الذي عرفت ان قيام شهر رمضان سنة نافلة. وينوي أن يصلي قيام شهر رمضان أداء السنة إماما لمن يصلي بصلاته. والمأموم ينوي اتباع الإمام يصلي بصلاته والله أعلم. (1/126)
صفحة 127
قلت: ما تقول في المسافر إذا حضرته الأولى وهو حال سفره وأراد أن يصليها في وقتها ويضيف إليها صلاة الاخرة. أو أراد أن يصليهما جميعا. كيف يبتدئ ويقول نيته؟ فإذا أراد أن يصلي الظهر في وقتها ويجر إليها الآخرة يقول أصلي في مقامي هذا فريضة صلاة الحاضر ركعتين. وأضيف وأجر إليها فريضة صلاة العصر الآخرة ركعتين أصليهما جميعا صلاتي سفر طاعة لله ولرسوله. وإذا نوى تأخيرها وصلاها في وقت الآخرة يقول أصلي في مقامي هذا فريضة صلاه الظهر الفائتة ركعتين إلى صلاة العصر الحاضرة ركعتين أصليهما جمعا صلاتي سفر طاعة لله ولرسوله. ويقدم الأولى. وكذلك صلاة المغرب والعشاء الآخرة على هذه الصفة والله أعلم. قلت: ما تقول فيمن حضره شهر رمضان وأراد أن يعقد النية للشهر كله. كيف ينوي ويقول في نيته. وأي وقت تكون النية في أول الليل عند مبيته أو قبل طلوع الفجر؟ (1/127)
صفحة 128
قال: فإنه ينوي صوم شهر رمضان المفترض صومه من أوله إلى أخره. واستفراغ المفترض منه فريضة واحدة كما أمر الله. هذا في قول من يقول: أن شهر رمضان فريضة واحدة. وتكون النية في أول الشهر في بعض القول. وأما من يقول: ان كل يوم فريضة. فإن النية يجددها غب كل ليلة. ويحتسب أن تكون عند السحور. وعليه أن يقول: غذا إن شاء الله أصبح صائما الفريضة من شهر رمضان طاعة لله ولرسوله من طلوع الفجر إلى الليل والله أعلم. قلت: ما تقول في نية في صوم البدل. وكذلك في الكفارة إذا أراد أن يصومها أو غير ذلك في العتق والإطعام. فإنه ينوي أن يبدل ما لزمه من فساد شهر رمضان والكفارة. كذلك ينوي لها أن صومه كفارة شهر رمضان كان يصوم أو عتق أو إطعام والله أعلم. قلت: ما تقول في الإمام إذا أم في صلاة الجنازة بمن خلفه. كيف يبتدئ ويقول في النية. (1/128)
صفحة 129
وكذلك الذين يصلون من خلفه كيف يبتدون ويقولون في النية. وكذلك أعليهم أن يأتوا بجميع الدعاء الذي يأتي به الإمام في الصلاة أو لا وإن يكونوا عارفين بذلك الدعاء أتجزيهم قراءة الحمد وحدها خلف الإمام؟ قال: فإنه ينوي ان يصلي على الجنازة التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنه قد صلى الله عليه وسلم مستقبل الكعبة. والمأمون ينوون أن يصلون على الميت اتباع الإمام. ويعتقدون أنها سنة طاعة لله ورسوله مستقبلين إلى الكعبة. ويقرؤون خلف الإمام سورة الحمد. ويأتون بالدعاء كما يفعل الإمام لمن أحسنه. ومن لا يحسنه أجزاه قراءة الحمد ومن عرف من ذلك والله أعلم. قلت: ما تقول فيمن كان عليه بدل صلوات وأراد أن يقضي البدل الذي عليه وتلك الصلوات. كيف يبتدئ ويقول في نيته؟ قال: فإنه ينوي بدل ما لزمه من صلاة فائتة او فاسدة وهي صلاة كذا وكذا إلى أن يستكمل ما لزمه من ذلك والله أعلم. (1/129)
صفحة 130
فصل في ذكر النية عند الدخول في الصلاة في كل حد من حدود الصلاة
فأما النية في الإقامة بمعنى أداء الفرض. وأما التوجيه بمعنى المدح لله. وأما تكبيرة الإحرام فهي بمعنى الإخلاص لله. وأما الاستعاذة فهي بمعنى الامتناع والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم. واما القراءة فهي بمعنى الدرس كشخص يرى شخصا. وأما النية في الركوع بمعنى التواضع لله والخضوع لله. وأما السجود بمعنى التذلل لله. وأما القعود لقراءة التحيات بمعنى الثناء على الله. وأم التسليم على اليمين بمعنى السلام على الملكين وتنت الصلاة وأريد الانصراف. وأما التسليم على الشمال بمعنى الرحمة على المؤمنين. (1/130)
صفحة 131
*مسألة: والزيادة المضافة من كتاب المجالس: وأما الحكمة في بناء الصلاة على الأحوال الأربعة القيام والركوع والسجود والقعود. أن المخلوقات أربعة أصناف: صنف قائم مثل الأشجار والحيطان وما أشبهها. وصنف راكع مثل البهائم وذوات الأربع. وصنف في هيئة الساجدين كالهوام. وصنف في هيئة القاعدين كالنبات. وكلهم يسبح بحمد الله تعالى الا ثرياه يقول: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}. والأثواب لشيء من هذه الأحوال الأربعة على تسبيحه لأنهم مجبورون فيه. فأمرك الله بصلاة على هذه الأحوال الأربعة ليعطيك بالقيام في الصلاة ثواب القائمات. وبالركوع والسجود والقعود ثواب البهائم والهوام والنبات وفيه شعرا.
كن في المساجد ساكنا متواضعا ... وأبسط إذا صليت ظهرك راكعا (1/131)
صفحة 132
وإذا سجدت فناج ربك واقترب ... بالقلب منه في سجودك خاشعا
واجعل همومك في صلاتك واحدا ... هما يكون لما أهمك جامعا
ومن الموسوس واحترس متيقظا ... واحذر سنانا نحو صدرك شارعا
متعوذا بالله من نزعاته ... اني رأيت له التعوذ قامعا
متخشعا فيها وقورا ساكنا ... للقلب في كل الخواطر نازعا
أقم الصلاة فإنها موزونة ... ان لم تقمها كان سعيك ضائعا
كم بين راح للقبول وخائف ... للرد واجعل حسن ظنك شافعا
وإذا دعوت الله فاضرع وابتهل ... حقت إجابة من دعاء طائعا
ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/132)
صفحة 133
باب في ترك الصلاة بعد وجوبها عليه وفيمن غاب على عقله وفي معرفة أوقات الصلاة وما على المتعبد بعلم الوقت للصلاة وفي الأوقات التي لا تجوز الصلاة فيها وفي الصبي متى يؤمر بالصلاة وما يجب على الإنسان من تعليم ولده وفي معرفة الفجر والشفقين وذكر صلاة الوسطى وما أشبه ذلك
إن من ترك الصلاة وقال لا أصلي فقد كفر. وواجب على السلطان إذا علم به أن يستتيبه ثلاثة أيام. فإن صلى قبل ثلاثة أيام وإلا قتله. وينبغي أن يأمره عند وقت كل صلاة بالصلاة. فإن لم يصل ضربه ضربا وجيعا. فإذا نقضت ثلاثة أيام ولم يصل ضرب عنقه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم مما بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة. وقد قال أصحابنا: لا يرفع عنه الضرب حتى يصلي أو يموت بالضرب. (1/133)
صفحة 134
فصل فيمن غلب على عقله
فإن الغلبة على وجوه: فمن غلب عل عقله بجنون دائم ثم أفاق بعد يوم أو بعد سنة فلا قضاء عليه لأن الكلم عنه مرفوع. ومن أغمي عليه في أوقات الصلاة أو صلاة واحدة فقد اختلف الفقهاء هل عليه قضاء؟ فالذي أرى أن عليه الصلاة باتفاق قبل أن يغمى عليه. فأما أغمي عليه اختلفوا هل يسقط عنه أم لا؟ فلا تسقط عنه الصلاة إلا باتفاق. وقد اتفقوا كلهم لا أعلم بينهم اختلافا أنه إذا أغمي عليه يوما من اشهر رمضان أو أكثر أن عليه قضاء الصوم. ومن تداوى بدواء فذهب عقله فلا إثم عليه وعليه القضاء. ومن شرب مسكرا فذهب عقله عن الصلاة أو الصلوات فهو عاص له عز وجل وعليه الحد وعليه القضاء إذا فاق افترض عليه أن يتوب إلى الله من شربه. ومن فوت الصلوات ومن شرب سما فذهب عقله فقد عصى الله. وعليه قضاء الصلوات إذا أفاق. (1/134)
صفحة 135
ولا حد عليه. ومن وثب وثبه مرحا ولعبا في غير منفعة فذهب عقله. فالجواب فيه كشارب السم. ومن نام عن الصلوات أو صلاة فلا إثم عليه. وعليه القضاء إذا استيقظ أي وقت استيقظ. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس التفريط في النوم انما التفريط في اليقظة». ومن نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. ولا كفارة لها إلا ذلك. (1/135)
صفحة 136
فصل المواقيت للصلاة
اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الله فرض على خلقه خمس صلوات في كل يوم وليلة في مواقيتها. فمن أداها في وقتها الذي افترضت عليه أخرت عنه. ومن أراد قبل وقتها لم تجز وعليه الإعادة. ومن أخرها عن وقتها بغير عذر فهو عاص لله عز وجل. وكذلك عليه قضاؤها. ثم اعلموا رحمنا الله وإياكم أن لكل صلاة وقتين: أولا وآخرا إلا المغرب فوقتها واحد. فمن صلى في أول الوقت فجائز. ومن صلى بين الوقتين فجائز. ومن صلى في آخر الوقت فجائز. ثم إن أول وقت الظهر إذا زالت الشمس. فاعرف علة كم قدر زالت. فالوقت محدود إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس من الأقدام ذلك اليوم فهو آخر وقت الظهر. (1/136)
صفحة 137
ووقت العصر أول وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس. وآخر وقتها ان يصل ظل كل شيء مثليه بعد القدر الذي زالت عليه الشمس. فمن اخر الصلاة إلى ذلك الوقت كان مفرطا وصلاها قضاء. ووقت المغرب إذا غربت الشمس. فمن اخرها إلى أن تبدو النجوم فقد أخطأ. ذلك أن جبريل أمّ النبي صلى الله عليه وسلم عند الكعبة كل صلاة وقتين أولا وآخر في يومين إلا المغرب. فإنه أم به حين غربت الشمس في اليومين جميعا. ووقت صلاة العشاء الآخر عند غيبوبة الشفق. والشفق هي الحمرة التي تكون في مغرب الشمس وآخر وقتها إلى ثلث الليل. ووقت صلاة الفجر إذا طلع الفجر الثاني وهو البياض الذي يطلع من مطلع الشمس. والفجر فجران فجر قبل هذا وهو بياض في السماء بعد يسار القبلة طويل فذلك البياض. فذلك البياض لا تحل به الصلاة ولا يحرم به الطعام والشراب على الصائم. (1/137)
صفحة 138
وآخر الوقت ما لم تطلع الشمس. وواجب على الأئمة إن يؤذنوا ويصلوا الصلوات على قدر حضور الناس. فان علموا أن الناس تضيق عليهم الصلاة لعلة بفلس اخروا حتى يسفر وتكثر الجماعة في المسجد. وهذا أحب إلي ان يؤخر صلاة العشاء الاخرة بعد غيبوبة الشفق بمدة ليجتمع الناس. ولا يؤخرها إلى ثلث الليل فيثقل عليهم الجماعة. وكذلك يضيق على الناس وتقل جماعتهم. ولكن يتوسط بهم في العصر.
*مسألة: وسئل لعله أبو سعيد عن مغيب قرن الشمس. قلت أهذا القرن الموصوف. قال: معي قيل أنه انما يكون ذلك مغيب شيء من فم الشمس نفسه في موضع مغي بالشمس الموضع الذي لا تتورى بشيء من المعارضات لها من الجبال وأشباه ذلك غلا لعلة مسقطها من موضعها. وينبغي أن نستعد قبل الزوال لصلاة الظهر ونتوضأ. (1/138)
صفحة 139
ويجب أن نحضر المسجد ونصلي تحية المسجد وننتظر المؤذن فنجيبه. ثم نقوم ونصلي أربع ركعات عقب الزوال. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطولهن ويقول: «هذا وقت تفتح فيه أبواب السماء فأحب أن يرفع لي فيه عمل صالح». ففي الخبر أن من صلاهن فأحسن ركوعهن وسجودهن صلى معه سبعون ألف ملك يستغفرون له إلى الليل. (1/139)
صفحة 140
فصل في وقت صلاة الظهر
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد معي أنه يشبه الاتفاق من قول أصحابنا. أن أول صلاة الظهر من حين ما يتبين زوال الشمس بقليل أو كثير. وآخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله. إلا الزوال على نحو هذا يخرج عندي ظواهر قولهم. ومعي: أنه قد قيل ان الصلاة لا تصلى بالظل وإنما تصلى بالاعتبار بالشمس. فإذا صارت الشمس على جانب عينه اليسرى بعماة في الشتاء إذا استقبل القبلة فذلك آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. فإذا صارت في وجهه إذا كان مستقيما في استقباله القبلة في الحر. فذلك آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. وقد جاء في معنى قولهم استحباب المؤذنين والأئمة أن يبردوا بصلاة الظهر في الحر. ولعل ذلك مما تأتي فيه الرواية بالأمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. (1/140)
صفحة 141
ويخرج معنى ذلك بالرفق بالناس فيما عندي من الإرادة في المعنى وقد يخرج عندي في ذلك على العموم في الحر الشديد في الجماعة وغير الجماعة إذا صارت الشمس في كبد السماء. إن ذلك الوقت في قولهم النهى عن الصلاة فيه. ولا أعلم بينهم في ذلك اختلاف. إلا أن بعضهم رخص ذلك يوم الجمعة. فإذا ثبت هذا المعنى فحسن الخروج منه العامة بالصلاة إلى حال الأثر والخروج من الريب فيه واختلفوا فقال بعضهم: آخر الوقت أول العصر. قال أبو سعيد: يخرج معنا كما قال بغير تمكين أن يكون آخر الوقت هذه مع أول وقت هذه. واختلفوا أن آخر وقت العصر. قال أبو سعيد: الذي معنا أن آخر وقت العصر إلى غروب الشمس في بعض ما قيل. واختلفوا بالتعجيل بصلاة العصر وتأخيرها. فقالت طائفة: تعجيلها أفضل. قول ثان: عن ابي هريرة وابن مسعود أنهما كانا يؤخران العصر. (1/141)
صفحة 142
وقال قوم: العصر في آخر وقتها والشمس بيضاء لم تتغير. والأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أفضل الأمرين تعجيل العصر في أول وقتها والله أعلم. قال أبوا سعيد: معي أنه يشبه معانى ما قد قال عندي. يخرج في قول أصحابنا الا قوله آخر وقت العصر غروب الشمس قبل أن يصلي المرء فيها ركعة فإنه يريد هذا إلى آخر وقتها أن يصليها. ويبقى وقتها قبل غروب الشمس قدر ما يصلي ركعة فحسن. وإن أراد انه بقدر ما يصلي ركعة قبل غروب الشمس هو آخر وقتها. فقد يخرج أنه آخر وقتها. ولكن إذا لم يتم الصلاة في وقتها فليس ذلك بتمام وقتها. وفي المعنى أنه آخر وقتها بتمامها. وإنما يخرج أنه آخر وقتها إذا صلاها قبل الغروب بتمامها. لا يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لو نام عنها أو نسيها أو تركها لمعنى حتى بدأبها فصلى بعضها وغاب من الشمس بعضها. (1/142)
صفحة 143
فيخرج في معاني قولهم أنه لا صلاة بعد ذلك. وأنه يمسك عن الصلاة حتى يستوي مغيب الشمس. ثم في بعض قولهم يأتي بها من أولها لأنها قد فسدت بالوقت الذي لا تجوز فيه الصلاة. وفي بعض قولهم: أنه يبنى عليها ويثبت له العمل المتقدم. ومعي أنه لو بقي عليه حد مما لا تجوز الصلاة إلا به لحقه معنى القول. جواب من حاشية الكتاب: وعن ابي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله سألته عن وقت صلاة العصر في الشتاء على كم يكون الظل في أوله وآخره وعند منتهاه. وكيف تفسير ذلك وكيف تعرفونه؟ فاعلموا رحمنا الله وإياكم أن ذلك حفظه لنا الثقة عن المسلمين من حملة العلم عن الثقة أيضا من حملة العلم من المسلمين. عن سليمان بن عثمان وكان سليمان من فقهاء أهل زمانه أنه قال: ينقضي وقت صلاة الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال. (1/143)
صفحة 144
وقد رأينا في آثار المسلمين عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه قال آخر صلاة الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال. وآخر وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثله (لعله مثليه) بعد الزوال. فبلغنا ذلك وأخذنا به. وقد قال موسى بن أبي جابر فيما بلغنا لم ير أحدا يقيس الصلاة بالظل. وكان لا يرى وقت الصلاة بقياس وإنما هو التحري والنظر وهو عندنا في الشتاء والحر سواء. ويروى عن أصحابنا أيضا أنه يروى عن علي بن ابي طالب أنه قال: إذا زاد الفيء ستة أقدام ونصف قدم بعد الزوال. فقد خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر. وهو ثلاثة أرباع النهار. فمن صلى صلاة الظهر بعد ستة أقدام ونصف قدم بعد زوال وهو ظل كل شيء مثله؟ (1/144)
صفحة 145
فإنه صلاها في وقت صلاة العصر. في ذكر صلاة المغرب قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا. أن أول وقت المغرب إذا غربت الشمس في موضعها حيث لا توارى بالحجاب من الجبال ونحوها. وحين ذلك يطلع الليل بمعاني ما قيل. فذلك أول وقت المغرب. وكذلك أول وقت افطار الصائم. وقد يوجد في بعض قولهم التأكيد في صلاة المغرب والصلاة لها في أول وقتها هذا. وما بعد فقد خرج من الوقت. ويخرج ذلك في معنى الحث عليهما المخوف من فوت وقتها. وقد يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل بدو النجوم». وفي ذلك تشديد وتأكيد حتى أنهم يرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام صلى به الصلوات كلها. فجعل لكل صلاة منها أولا وآخرا إلا صلاة المغرب فإنه صلاها به مرتين حين غربت الشمس. (1/145)
صفحة 146
فكان ذلك يخرج دالا على وقتها لا يعدوه. وأما في معنى قول أصحابنا على معنى أن أول وقتها وقت غروب وطلوع الليل. وآخر وقتها إلى مغيب الشفق. ومنه واختلفوا في الشفق. فكان قوم يقولون: الشفق الأحمر. وقال آخرون: أن الشفق البياض. وقال أحمد: لا يعجبني أن يصلي إذا ذهب البياض في الحضر. ويجزيه في السفر إذا ذهب الحمرة. قال أبوا سعيد: ومعي أنه يخرج في معنى قول أصحابنا في الشفق نحو ما حكى من الاختلاف. ويعجبني ألا يترك المغرب إلى مغيب البياض. ولا يصلي العشاء الآخرة قبل مغيب البياض. وإذا ثبت معنى الاختلاف ففي ثبوت وقت المغرب إلى مغيب الشفق ثبوت لوقتها إلى مغيب البياض عند من قال به. والحضر والسفر سواء في القصر والتمام لأن الشفق قد يمكن فيه الضيق والعذر. (1/146)
صفحة 147
فإن افتق معناه فمعاني العذر عندي. واما الجمع والبياض هو الضوء المعترض من الشفق. والفجر ليس ما يبقى مستطيلا ولا ما يتقدم الفجر من مثل ذلك. من كتاب البصيرة: الذين لم يروا القياس بالقدم قالوا يقوم الإنسان مستقبل القبلة ثم يعتدل. فلا يرفع رأسه ولا ينكسه. ويغل رقبته ثم يقبض بيده على نحره لئلا يميل يمينا ولا شمالا ولا فوق ولا تحت. ثم يرفع طرفه في ذلك الحال إلى الشمس من غير ان يتحرك. فإذا رآها قد نزلت وكان الشتاء فوق الحاجب الأيسر وفي عينه اليسرى فقد حضر وقت صلاة العصر. وبعض يقول إذا صارت في وجهه. واما في الحر إذا صارت في حاجبه الأيمن أو في عينه اليمنى فقد حضر وقت صلاة العصر. وقال من قال: بأن يمد الإنسان كفيه جميعا ويبسط أنامله كلها ويستقبل الشمس سهيلها أو نعشيا. (1/147)
صفحة 148
ثم يرفع إبهام يده التي ما يلي الغرب والمسبحة التي يسميها العوام السبابة. واما النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يسموها المسبحة. فيبقى بين المسبحة والإبهام كالحلقة ثم ينظر إلى الشمس. فإذا صارت داخل الحلقة وإذا وقعت على راحة يده الأخرى فيعلم أن صلاة العصر قد حضرت. وإذا لم يقع بعد فبعد ذلك وقت صلاة الظهر. ولهم دلائل كثيرة تركت البحث عنها. (1/148)
صفحة 149
فصل في ذكر وقت العشاء الآخرة
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا أن آخر وقت العشاء إلى ثلث الليل. وفي بعض قولهم إلى نصف الليل. ولا أعلم من قولهم أنه إلى ربع الليل ولا إلى أكثر من نصف الليل والله اعلم بذلك. وفي بعض ما يدل من قولهم أن تعجيل الصلاة في أول وقتها أفضل. إلا انه قد يخرج في معاني قولهم أنه يستحب في الحر تعجيل العشاء الآخرة. ويستحب في الشتاء تأخيرها. ولعل ذلك على معنى ما قيل طلب الرفق بالناس والفصل. أن الحر ليله قصير وتعجيل الصلاة جماعة أخف على الناس لما يعرض لهم من أمور النوم والرباط بين صلاتين فضل عظيم. فإذا لم يكن هناك سبب يوجب ضررا فمعنا الرباط أفضل. فهذا استحب من استحب صلاة العشاء الآخرة جماعة. أنه يرجى من ذلك من الفضل أكثر من الضرر. (1/149)
صفحة 150
فاجتهد أن تعود إلى المسجد قبل غروب الشمس واشتغل بالتسبيح والاستغفار. ان فضل هذا الوقت كفضل ما قبل الطلوع. قال الله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} ولتغرب عليك الشمس وأنت في الاستغفار. ثم تصلي الفرض بعد جواب المؤذن. (1/150)
صفحة 151
فصل في ذكر وقت الصلاة الفجر
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن أول صلاة الفجر منذ ان يطلع الفجر إلى أن يطلع قرن الشمس قليل أو كثير. ويخرج في معاني قولهم عندي: أنه لا صلاة إذا طلع من قرن الشمس من فريضة ولا نافلة ولا بدل. وأنه من أدرك من صلاته شيئا فصلى قبل ان يطلع من قرن الشمس شيء. ثم ان طلع عليه منها شيء انه لا صلاة له في ذلك الوقت. ويلزمه الامساك عن الصلاة حتى يستقيم طلوع الشمس. فإذا أتم طلوعها: فمنهم من يقول: يبنى على ما صلى. ومنهم من يقول: يبتدئها. ويعجبني أن يمضي في صلاته ويتمها. انه قد صلاها على السنة وقد منعته السنة الصلاة فانقاد لها. ولم يخرج من معاني الصلاة إلا بالسنة. فما لم يعمل أو يتكلم بما يفسد الصلاة ولا يرى الخروج من الصلاة وكان على نية اتمام الصلاة؟ (1/151)
صفحة 152
فأجب له تمامها باتمامه لها بعد طلوع الشمس. ومنه: واختلفوا في التعجيل بصلاة الفجر وتأخيرها. قال أبو سعيد: معي أن عامة قول أصحابنا يخرج على استحباب تعجيل الصلوات في أول أوقاتها. الا أن قد يخرج في بعض معاني قولهم استحباب الفلس لصلاة الفجر في الشتاء والرفق بها في الحر في الجماعات. وأحسب أن صاحب هذا القول منهم يذهب إلى الرفق لطول ليل الشتاء. وكذلك قصر ليل الحر وما يدخل على الناس في ذلك من المشاق والرفق. فيتحرى بهم معاني الرفق في النظر. فإذا لم يكن في الشتاء خوف ضرر من طريق النوم كان الفلس للصلاة أفضل. والتارك لذلك لمعنى العدل. وإذا كان في الحر قصر الليل ومعنى ضيق النوم كان ما يجري من اجماع الناس للجماعات للرفق بهم أفضل. ولا يعجبني أن تبعد بذلك على حال وسط الوقت وهو ثلث وقتها الأوسط. *مسألة: من بعض كتب المسلمين: عن بعض المسلمين رحمهم الله تعالى (1/152)
صفحة 153
منسوبة من جامع الشيخ أبي الحسن رحمه الله تعالى وأما وقت المغرب فروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في يوم الأول حتى غابت الشمس. وصلاها في اليوم الثاني حين كاد الشفق أن يغيب. وعلى هذا وقتها منذ تغرب الشمس إلى أن يغيب الشفق. وقد روى أنه صلاها والشفق البياض المفترض في الأفق. قال أبو سعيد: معي في معنى الاتفاق من قول أصحابنا أن صلاة الفجر من طلوع الفجر إلى أن يطلع من الشمس قرن. وإن صلى شيئا من صلاته ثم طلع قرن من الشمس؟ قول: يبني على ما صلى. ومنهم من يقول: يبتدئها. ويعجبني يمضي على صلاته. ومن كتاب البصيرة: قالوا أن عند طلوع الفجر الدليل على ذلك ان يكون نفس الرجل في المنخر الأيسر أكثر نفسيا من المنخر الأيمن. وما لم يطلع الفجر يكون العكس. وعن عروة بن الزبير قالت عائشة رضي الله عنها قلت يارسول الله ما هذه الصلاة؟ فقال: رسول الله صلى الله لعيه وسلم هو مواريث آبائي وإخواني من الانبياء. (1/153)
صفحة 154
فأما صلاة الفجر فتاب الله على آدم عند طلوع الفجر فصلى لله ركعتين شكرا فجعلهما لي ولأمتي كفارات وحسنات. وأما صلاة الهاجرة فتاب الله على داود حين زالت الشمس أتاه جبريل فبشره بالتوبة فصلى لله أربع ركعات فجعلها لي ولأمتي تمحيصا وكفارات ودرجات. واما صلاة العصر فتاب الله على أخى سليمان حين صار ظل كل شيء مثله أتاه جبريل فبشره بالتوبة فصلى لله أربع ركعات شكرا فجعلها الله لي ولأمتي تمحيصا وكفارات ودرجات. وأما صلاة المغرب فبشر الله يعقوب بيوسف حين سقط القرص وحل الافطار للصائم. ثم أتاه جبريل فبشره أنه حي مرزوق. فصلى لله ثلاث ركعات شكرا فجعلها لي ولأمتي تمحيصا وكفارات ودرجات. وأما صلاة العشاء الآخرة فأخرج الله يونس من بطن الحوت كالفرخ لا جناح له حين اشتبكت النجوم وغاب الشفق. فصلى لله أربع ركعات شكرا. فجعلها الله لي ولأمتي تمحيصا وكفارات ودرجات. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن نهرا على باب أحدكم فاغتسل منه في كل يوم خمس مرات هل يبقى عليه من الدرن شيء». (1/154)
صفحة 155
قالوا: لا يا رسول اللهقال: فهذه الصلاة تغسلكم من الذنوب غسلا. ومن كتاب آخر: عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمني جبريل صلى الله عليه وسلم عند الكعبة مرتين بي الظهر حين مالت الشمس قدر الشراك. ثم صلى بي الظهر من الغد حين كان كل شيء قدر ظله في وقت العصر. وعن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة قالت: ما رأيت أحدا أشد تعجيلا الظهر من النبي صلى الله عليه وسلم ما استثنيت أباها ولا عمر. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبردوا عن الصلاة في الحر فإن شدة الحر من فيح جهنم». وعن العلا بن عبد الرحمن قال: دخلنا على أنس ابن مالك بعد الظهر فقام يصلي العصر. فلما فرغ من صلاته ذكرنا له تعجيل الصلاة أو ذكرها. فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين ثلاثا يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر فيها الله منها إلا قليلا. (1/155)
صفحة 156
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمني جبريل عليه السلام عند الكعبة مرتين. فصلى بي المغرب حين أفطر الصائم. ثم صلى بي من الغد حين أفطر الصائم. وفي موضع آخر: حين غابت الشمس ثم أتاني من الغد ثم أقام للمغرب حين غابت الشمس. عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ان أسرع الصلاة فوتا المغرب. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال هذه الأمة على الفطرة ما لم يؤخروا إلى أن يطلع النجوم». وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمني جبريل عند الكعبة مرتين صلاتي العشاء حين غاب الشفق ثم جاء من الغد فصلا بي العشاء حين ذهب من الليل ثلثه. (1/156)
صفحة 157
فصل في ذكر الصلاة الوسطى
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنها صلاة المغرب. ومعي صلاة العصر تخرج عندي أكثر ما قيل والله أعلم. ومن جامع أبي محمد قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس ملأ الله قبورهم نارا».
*مسألة: عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله: وسألته عن الصلاة الوسطى. فقال: قد اختلف في ذلك. فقال من قال: صلاة العصر. وقال من قال: صلاة الظهر. وقال من قال: صلاة الغداة. قلت: فما تقول أنت؟ (1/157)
صفحة 158
قال: أما أنا فأقول أنها صلاة الظهر لأنه قيل أن الناس لم يكونوا يحضروا النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الظهر إلا قليلا منهم. وكانوا يشتغلون بضياعهم من المحاضرة لصلاة الظهر. فذمر بالمحاظرة عليها وان لا يتخلفوا عنها. (1/158)
صفحة 159
فصل في معرفة الفجر والشفقين الأحمر والأبيض في السماء
فالأحمر في أفقها. والأبيض فوقه ويغيب الأحمر. ويصير الأبيض في محله. وبين غيبوبة الشفق الأحمر وبين غيبوبة الشفق الأبيض كما بين غيبوبة الشمس إلى غيبوبة الشفق الأحمر فيما سمعنا والله أعلم. والفجر فجران فجر يطلع إذا بقي من الليل مقدار الساعة التي يستطيعها الناس في الوقت والساعتين فيتطاول إلى ربع السماء كذنب السرحان. هكذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. والسرحان ولد الديب. وهذا الفجر لا يكون بياضه أسفل. ويكون أسفله سواد. ثم ينحط إلى المشرق ويبقى أصله مثل قيد الرمح في رأي العين طويلا. (1/159)
صفحة 160
ثم يبدوا أشبه بالخيوط والغبار في السواد الذي أسفل منه حتى يغلب ذلك البياض السواد. ثم يختلط بالبياض الفوقاني ويعترض يمنة ويسرة وهو الفجر الذي يحرم الطعام به ويوجب صلاة النهار. فإذا أردت أن تعرف ذلك فقف في موضع تطالع منه طلوع الشمس. فإذا طلعت علمت ذلك الموضع ثم إذا كانت الليلة الثانية وقفت في ذلك الموضع وطلبت الفجر عن يسرته على مقدار ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع في رأي العين. فيتبين لك ما وصفت لك من الفجرين بإذن الله تعالى. وإذا كانت ليلة فمر فإنه ليس يبين لك جيدا كما وصفته إذا كانت ليلة مظلمة. وإذا أردت أن تعرف زوال الشمس في أي زمان كنت ولم يكن بحضرتك من يعرفك الزوال؟ وقفت في موضع مستوى من الأرض قبل أن تزول الشمس فتعلم قدميك والموضع الذي بلغ في رأسك ثم تنحا عنه ثم تعود إليه. فما دام الظل ينقص فالنهار في الزيادة. فإذا انتهى نقصانه وزاد قليلا فقد زالت الشمس أن الفيء في أكثر الزمان باقي. (1/160)
صفحة 161
وإذا صار ظل كل شيء مثله من موضع الزوال فهو آخر وقت الظهر. ويجب أن يعلم الفيء من الموضع الذي زاد الظل بعد نقصانه. فإذا زاد على ستة أقدام ونصف من موضع الذي زاد الزوال فقد دخل وقت العصر. وغروب الشمس تدرك وقته بالعيان. فإذا كان في الليل غيم أو حائل بينها وبين الشمس نظرت إلى المشرق والذي يحذاها. والشمس إذا انحطت حتى يبقى بينها وبين موضع غروبها مقدار ذراع ابتداء السواد من المشرق ومقداره قامة في نظر العين. فإذا غاب بعض الشمس صار على السواد حمرة كالعصابة حتى إذا غابت الشمس كلها فشا ذلك السواد في تلك الحمرة. فإذا لم يبق من الحمرة إلا شيء يسير وغابت الشمس وتبين لك في ذلك اليوم الذي لا يكون بينك وبين الشمس حائل فتستدل بما قلت لك بتوفيق الله. وقد قيل: ان أحد الدلائل الشفق الأحمر إذا خفى وقته بغيم أو حائل بينه وبين الطالب له إذا ظهرت النجوم الصغار وبانت وكثرت فقد غاب الشفق الأحمر. وينبغي أن يستدل على صحته بما يقصد إليه الإنسان إلى طلب (1/161)
صفحة 162
ذلك في الليلة التي لا غيم فيها ولا حائل بين الشفق والطالب لمعرفته وبالله التوفيق. ومن كتاب: والفجر فجران أحدهما الأول وهو المشكل الذي لا يحرم شيئا ولا يحله. وكانت العرب تسميه الكاذب وهو مستدق صاعدا في غير اعتراض وهو كالاشمط. والأمشط من الرجال إذا كان رأسه سواد وبياض. وكذلك الفجر الأول. وأما الفجر الثاني هو المسيطر. وإنما سمى مسيطرا لأنه منتشر في الأرض وكل شيء انتشر في الأرض سمى مستطيرا. وهو الفجر الصادق. وانما سميته الصادق والمصدق لأنه يصدق عن الصبح ويبينه. وقال بعض المفسرين حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الأسود من الفجر. وقال بعض أصحابنا هو بياض النهار من سواد الليل. (1/162)
صفحة 163
وكذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم السحور غدا لأنه بين الفجرين قبل أن ينتشر الضوء ويكثر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسميه الغد المبارك. وأما الشفقان أحدهما أحمر والآخر بياض يرى في الغرب. والأبيض يكون بعد الشفق الأحمر وبعد سواد يكون بينهما كالظلمة الساطعة. ثم يطفوا المغرب يكون الشفق الثاني والثاني مختلفون في مقدار ما بين الشفقين. فاختلف الفقهاء في وقت وجوب صلاة العشاء الآخرة: فقال قوم: إذا غاب الشفق الأول وجبت الصلاة تجب بغيبة الشفق. ونحن نراعي وجوب الاسم. وتعلقوا بقول من قال: بأوائل الأسماء. وقال آخرون: لا تجب الصلاة إلا بعد غيبة الشفق الثاني. أنا أمرنا بفعلها بعد غيبة الشفق. وما كان الشفق قائما فنحن ممنوعون من الصلاة والله أعلم بالأعدل من القولين. وفي الأخذ بالقول الثاني احتياط. (1/163)
صفحة 164
والأخذ بالقول الأول فيه مخاطرة للاختلاف. والقول الثاني عليه الاتفاق وزوال الشمس الذي يجب به فرض صلاة الظهر. وهو انحطاطها عن كبد السماء. وكبدها وسطها الذي تقوم فيه عند الزوال. يقال عند انحطاطها زالت الشمس ومالت وزاغت الشمس. وأما الصما الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها في الصلاة وهو ان يلبس الرجل ثوبه ويشده على يديه وبدنه. هكذا عند العرب صفة الصما إذا تحلل به ولم يرفع منه جانبا. وإنما سميت صما لأنه يشده على بدنه ويديه كالصخرة الصماء التي لا فيها صدع ولا خرق. وأما السحل الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم في الصلاة وهو أن يرسل ثوبه من جانبيه ولا يضم طرفيه. وكذلك قيل رخا الستر على الزوجين أسدل عليهما. ومن كتاب: اتفق أصحابنا أن المصلي العصر يدرك وقتها ما دامت الشمس بيضاء نقية. واختلفوا فيمن صلى بعد ذلك. (1/164)
صفحة 165
فقال بعضهم: يدركها إلى أن يغيب من الشمس قرن. وقال بعضهم: حتى تصفر الشمس. وقال قوم: غيبوبة القرن من الشمس هو صفرتها وتغيير ضوئها. واختلف أصحابنا. فمنهم من قال: المصلي في هذا الوقت الذي ذكرنا مؤد لفرضه كان ذاكرا أو ناسيا. وقال بعضهم: هذا وقت النائم والناسي. وأما الذاكر فآخر وقته قبل اصفرار الشمس وغيبة القرن. وقد ورد في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس للغروب قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا». وهذا يدل على أن المدرك لذلك الوقت الناسي والنائم. فلو كان الوقت وقتا لهذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنها صلاة المنافقين وكان يقول أنها صلاة المطيعين. والقول به أقوى في باب الاحتياط. واجمعوا أن من صلى وهو يرى أنه متوجه إلى القبلة ثم تبين أنه صلى لغير القبلة لمانع منعه من غيم أو غيره. انه لا إعادة عليه في الوقت ولا غير الوقت. (1/165)
صفحة 166
وأجمعوا أنه لو صلى وهو يرى أن الوقت قد دخل ثم تبين له أنه قد صلى في غير الوقت. أن عليه أن يعيدها متى علم بذلك في الوقت وغير الوقت. واجمعوا أن أول وقت الصلاة أفضل وأوفر على المصلي ثوابا. الدليل على صحة قول أصحابنا أن من لزمه فرض فسارع إلى أداءه كان أوفر لثوابه. وقد يجوز على من أخره أن يحترمه الوقت قبل أن يؤديه إلا في الوقت الذي أمر فيه النبي فيه النبي صلى الله عليه وسلم بتأخير الصلاة فيه لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتد الحر فأدبروا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم». وهذا خير نخص به صلاة الظهر وحدها من سائر الصلوات لأجل العلة التي ذكرها صلى الله عليه وسلم. ويدل أيضا على فضل تعجيل الصلاة قول النبي صلى الله عليه وسلم. أول الوقت رضوان الله وأجره عفو الله. وأقل ما للمصلي في أول وقتها ان يكون عليها محافظا. ومن المخاطرة بالشغل والنسيان عن الأوقات خارجا. ورضوان الله انما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين والله أعلم. (1/166)
صفحة 167
*مسألة: من كتاب أبي جعفر: وذكروا عن ابن عباس ان أول صلاة فرضت من الخمس الأولى وهي صلاة الظهر. فلذلك سميت صلاة الأولى. قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم الأولى والمسلمون خلف النبي صلى الله عليه وسلم يقتدون به والنبي صلى الله عليه وسلم يقتدي بجبريل عليه السلام. ثم جاءه في وقت العصر فصلى به العصر. ووقت العصر عندنا الذي يدخل فيه إذا ظل كل شيء مثله غير الزوال. وفي نسخة: بعد الزوال إلى ان يغيب قرن من الشمس. ثم جاء جبريل حين ما غابت الشمس فصلى بهم المغرب. ثم جاء حين ذهب بياض النهار. وجاء ظلام الليل فصلى بهم العتمة. ووقتها عندنا إلى ان يمضي نصف الليل. ثم جاء حين انفجر الصبح فصلى به الصبح. (1/167)
صفحة 168
ووقت صلاة الفجر من طلوع الفجر البين إلى ان يطلع قرن من الشمس. ومن غيره: وسألته عن ميقات صلاة العتمة. فقال: لا يؤخرها بعد منتصف الليل. وقال: جميع من سمعنا من أصحابنا يقولون بذلك إلا أبا مهاجر فإنه قال إلى ثلث الليل. ومن غيره: وعن قوم يصلون العشاء الاخرة والحمرة قائمة. قال: لا أرى ذلك إلا لمسافر مضطرا أو مريض أو شباه ذلك. وهو أحسن وأجمل الا يخالف. وان فعله انسان وقد اشتبكت النجوم فلا أراه الا قد صلى. ولكن اذا توارى الشفق أجمل. ومن غيره: قال أبو سعيد رحمه الله: ان أصحابنا اختلفوا في الظل بعد الزوال. فقال من قال: ستة أقدام وثلثى قدم. وقال من قال: ست ونصف. وقال من قال: سبع. (1/168)
صفحة 169
وانما قال لكل قائل منهم على ما عرف من طوله لأن الناس يختلفون. فواحد يجيء ست ونصف. وواحد يجيء ست وثلثين. وواحد يجيء سبع. قال غيره: كان غده بن الفضل التخلي يحتاط بقدم عند القياس فينظر في ذلك. وقال الله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس}. يعني زوال الشمس وهي الأولى. والعصر فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم {إلى غسق الليل}. يعني ظلمة الليل يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة. {وقرآن الفجر} يعني صلاة الغداة. وقال في موضع آخر: {أقم الصلاة طرفي النهار}. يعني الفجر وصلاة الأولى والعصر. {وزلفا من الليل} صلاة المغرب والعشاء. وقال أيضا: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون}. يعني حين تمسون صلاة المغرب والعشاء. (1/169)
صفحة 170
{وحين تصبحون} يعني صلاة الغداة. وعشيا يعني صلاة العصر. {وحين تظهرون} يعني صلاة الأولى. فهؤلاء الصلوات الخمس المكتوبة خاصة. وكذلك وجدنا التفسير فيما قدر الله من الآثار والله أعلم بالحق.
ومن كتاب المغازي انه لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رحمه الله إلى اليمن فكان مما أوصاه به «يا معاذ ليكن أكثر همك الصلاة فإنها رأس الاسلام بعد الاقرار بالدين. يا معاذ إذا كان الشتاء فصل صلاة الفجر ثم أطل القراءة على قدر ما تطيق ولا تملهم ولا تكره إليهم أمر الله. ثم عجل الصلاة الأولى بعد ان تميل الشمس. وصلاة العصر والشمس بيضاء مرتفعة. والمغرب حين تغيب الشمس وتوارى بالحجاب، وعجل العشاء واعتم بها فإن الليل طويل. فإذا كان الصيف فأسفر بالصبح فإن الليل قصير وإن الناس ينامون آخر الليل ويهمدون ومهلهم حتى يدركوها. وصل الظهر بعد أن ينقض الظل ولا تحرك الرياح فإن الناس يقبلون فأمهلهم حتى يدركونها. (1/170)
صفحة 171
وصل العصر والمغرب على ميقات واحد في الشتاء والصيف. وصلى العتمة ولا تعتم فإن الليل قصير. ولا تصليها حتى يغيب الشفق. وذكر الناس بالله واليوم الآخر. وأشع الموعظة فإنها أقوى لهم على العمل لما يحب الله. وثبت في الناس المعلمين. واحذر الله الذي إليه ترجع. ولا تخف في الله لومة لائم فإن الله ان علم منك الصدق وفقك للخير». ومن غيره: عن النبي صلى الله وسلم قال: «لا تزال امتي بخير ما أسفروا لصلاة الصبح وصلاة المغرب قبل اشتباك النجوم». قال غيره: لعل المعنى ما صلوا صلاة الصبح والنجوم مشتبكة وصلاة المغرب قبل اشتباك النجوم. والله أعلم فينظر في ذلك ان شاء الله.
*مسألة: ومن نام متعمدا قبل صلاة العتمة فلا بأس عليه. ويكره ذلك. (1/171)
صفحة 172
وقد كنت بأزكى مع أبي جعفر فكان ربما نام ونعس قبل ان يصلي العتمة. ثم يخرج وأنا معه فيتوضأ ويصلي.
*مسألة: قال أبو سعيد: اختلف في وقت العصر بعد الزوال ستة آثار ونصف فقد حانت العصر. وقال من قال: سبع إلا ثلث. وقال من قال: سبع. قلت: فما يعجبك أنت؟ قال: يعجبني إذا صار ظل كل شيء مثله غير الزوال. فقول إذا صار بعد الزوال فصل أبو محمد رحمه الله القمر يسقط أول ليلة من الشهر على نصف سدس. والثانية على سدس. والثالثة على ربع. وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي لسقوط القمر ليلة ثلاث ذلك ربع الليل. وليلة ربع ثلث يمضي من الليل. وليلة خمس لثلث ونصف سدس. (1/172)
صفحة 173
وليلة ست لنصف الليل. وليلة سبع لنصف ونصف السدس. وليلة ثمان لثلثي الليل. وليلة تسع لثلاثة أرباع الليل. وليلة عشر لسدس يبقى. وليلة احدى عشر لنصف سدس يبقى من الليل. وليلة الثاني عشر لما بين الفجر وطلوع الشمس. وليلة ثلاث عشر قبل طلوع الشمس. وليلة ربع عشر مع طلوع الشمس. فترى بطلوع القمر فيطلع ليلة خمس عشر لنصف سدس مضى من الليل. وليلة ست عشر لسدس. وليلة سبع عشر لربع. وليلة ثمان عشر لثلث. وليلة تسع عشر لثلث ونصف السدس. وليلة عشرين لنصف. وليلة احدى وعشرين لنصف ونصف سدس. وليلة اثنى وعشرون لثلثي الليل. (1/173)
صفحة 174
وليلة ثلاثة وعشرون ثلاثة أرباع. وليلة اربع وعشرون لسدس الليل. وليلة خمس وعشرونلنصف سدس يبقى من الليل. وليلة ست وعشرون مع طلوع الفجر. وليلة سبع وعشرون ما بين طلوع الفجر والشمس. وليلة ثمان وعشرون مع طلوع الشمس. (1/174)
صفحة 175
فصل في الأوقات التي لا تجوز الصلاة فيها
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. وعن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس. وهذا الحديث عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم. والني عن الصلاة في هذين الوقتين انما هو الا يتطوع الانسان فيهما. فأما صلاة فريضة إذا نسيها فليصلها اذا ذكرها في هذين الوقتين، وكذلك أيضا الصلاة جائزة على الجيائز بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر. وكذلك ان طاف بالبيت طائف بعد الفجر وبعد العصر فصلى ركعتين عند المقام دل ذلك على سنن رسول اللهصلى الله عليه وسلم. وروى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ان الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني الشيطان». ونهى صلى الله عليه وسلم عن عن الصلاة في هذ الأوقات. فلا ينبغي لمن صلى الفجر ان يصلي صلاة تطوع. وأما من مان عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس فانا نأمرهم ان يتطهروا ويؤذنوا ان كانوا جماعة. (1/175)
صفحة 176
ثم يركعوا ركعتي السنة. ثم يقوموا فيصلوا صلاة الفجر. والحجة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مسير له فنزلوا فنام هو وأصحابه فلم يستيقظوا إلا بحر الشمس فأمر بلالا فأذن. ثم أمرهم بالطهور. ثم ركعوا. ثم أمره قام فصلى بهم. فقال له قائل: يا رسول الله نقضها من غد. قال: لا. ثم قال: ليس التفريط في النوم وانما التفريط في اليقظة. من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها لا كفارة لها غير ذلك». وأما ان فاته شيء من السنن المؤكدة فليصلها في هذين الوقتين. ان النبي صلى الله عليه وسلم انفتل من صلاة الفجر فنظر إلى رجل من أصحابه يقال له قيس يصلي ركعتين. فقال صلى الله عليه وسلم ما هاتان الركعتان يا قيس. قال له: ركعتي الفجر لم أكن صليتهما. (1/176)
صفحة 177
فلم يقل له النبي صلى الله عليه سلم شيئا. ودخل صلى الله عليه وسلم على أم سلمة بعد العصر فصلى ركعتين. فسألته أم سلمة عنهما. فقال: ركعتين كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما الوفد فذكرتهما فصليتهما. ومن نسي صلاة فذكرها وهو في صلاة فإنه يمضي في صلاته. فإذا سلم منها قضى التي نسيها وأعاد هذه الصلاة. كذا روى عن ابن عمر. وقد اسنده قوم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم. ومن صلى الظهر أو المغرب أو العشاء الآخرة منفردا وظن أن الناس قد صلوا. فإذا مر بمسجد تقام فيه تلك الصلاة فإنا نأمره ان يصلي من تلك الجماعة وفرضه الأولى فتكون هذه نافلة والأولى فريضة لفضل الجماعة على المنفردة. وان كانت صلاة الفجر أو العصر فلا يصلي معهم. ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس». (1/177)
صفحة 178
ونهى عن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس. فإذا دخل المسجد لحاجة مثل طلب العلم أو زيارة أو انتظار جنازة فأقيمت الصلاة فانا نأمره أن يصليها معهم. وتكون هذه نافلة والأولى فريضة. فإن قال قائل: لم يجب عليه في هذه الأوقات ان يصلي ولم يبح له أو لا. قيل له لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى جابر بن زيد عن الأسود عن أبيه عن جده قال: شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف مسجد منى. فلما قضى صلاته اذ هو برجلين في آخر القوم لم يصلوا معه. فدعا بهما فأدنى بهما ترتعد فرائصهما. فقال: ما منعكما ان تصليا معنا. قال: إنا قد كنا صلينها. قال: فلا تقعدا إذا صليتما في رحالكم ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة. (1/178)
صفحة 179
فصل ما على المتعبد تعلم الوقت للصلاة والصلاة عند عدم المعبرين لكيفية ذلك أو عند وجودهم كان عالما لما يلزمه أو جاهلا والاعتقاد لذلك والقصد لفعله وما أشبه ذلك
*مسألة: ورجل حان عليه وقت صلاة وعلم أنها أربع أو أقل الا أنه لم يعرف كلها فريضة أم كلها سنة أم فريضة وسنة. إلا انه قد علم أنها عليه فقام يصلي وانما يريد أن يصلي تلك الصلاة الحاضرة التي عليه فأتى بها فعلا. قلت أيكون مؤديا أم لا كان قادرا على المعبرين ام لا؟ فمعي انه قد قيل: يجزيه ذلك إذا أتى بها فعلا عما يلزمه. قلت: ولو علم أنها قد حانت ولم يعلم انها وجبت عليه أم لا كلها سنة أم كلها فريضة أم لا فقام يصلي تلك الصلاة الحاضرة وأتى بها فعلا. هلي كون مؤديا ما وجب عليه فيها؟ فمعي: أنه قد قيل أنه مؤدي. قلت: لو كان عالما بلزومها الا أنه لم يعرف كم وهو قادر (1/179)
صفحة 180
معيريها فصلى كما هي أو أكثر وانما يريد بذلك مؤديا ما وجب عليه فيها. هل يكون مؤديا. فمعي أنه إذا وافق ما يسعه أن لو كان به عالما جاز له ذلك إذا أتى به على وجهه أو زاد فيه زيادة لا تفسد صلاته على النسيان أو الاحتياط.
*مسالة: ورجل حلن وقت صلاة فلم يعلم أن وقتها قد حان وهو قادر على معبر له فصلى على انه إن كان قد حان وقت الصلاة فهي صلاته التي عليه وصلى كمثلها. أيكون مؤديا أم لا؟ فمعي: أنه يكون مؤديا إذا وافق الحق. وقلت: لو كان عليه ولم يعلم –أهو معذور بجهله ما لم يفت وقت الصلاة. فغذا فاتت الصلاة لم يسعه تركها ولا شيء عليه في جهل أو علم الوقت إذا أتى بها أن يجزيه لوقتها كان سالما ولو جهل معرفة الوقت. أم لا يسعه جهل الوقت إذا حان وهو ممن يجب عليه قام إليها أو لم يقم إذا كان قادرا على تأديتها. (1/180)
صفحة 181
فإذا أداها فقد انحط عنه جميع ذلك. وقلت: إن كان عليه معرفة الوقت مع الوجوب عند القيام أو قبله فحان عليه وهو مسافر أو حائض أو معتوه. أعليه أن يعلم الوقت وقت فرض الصلاة عليه أم لا؟ فمعي أنه إذا كان لم يكلف أداء ذلك لوجه من الوجوه ولا مكلف عمل ذلك لم يكلف العلم عندي. وانما كلف العمل نسخة العلم لما ألزمه العمل به. والعلم لما ألزمه علمه. والترك لما ألزم تركه. وهذه هي الأصول كلها فيما معي.
*مسألة: ورجل حان عليه وقت صلاة وهو لا يعلم أن عليه تتم صلاته أم لا باطمئنانة قلبه بياض في الحكم وهي تامة أم لا فاعتقاد انه يريد أن يصلي الصلوات التي عليه في ذلك الحين واعتقد ان الصلاة التي يصليها هي التي عليه في ذلك الحين. قلت أكل ذلك اعتقاد واحد ويكون سالما فيه إذا وافق التمام. فمعي: أن اعتقاده أنه يصلي الصلاة التي عليه في ذلك الحين أصح من اعتقاده أن الصلاة التي يصليها هي التي عليه في ذلك الحين لأنه شاهد بغير علم. (1/181)
صفحة 182
الا أن يكون يعلم والآخر قاصد إلى ما يلزمه ليخرج منه على حال علمه أو جهله إذا وافق التمام على هذا الاعتقاد. فهو سالم ولو جهل ما يلزمه في ذلك بالعلم. وإذا وافق غير التمام فهو غير سالم إذا كان قادر على علم ذلك فضيعه. قلت: وكذلك الفرائض التي لا تقوم الا بالنيات؟ فمعي: أن ذلك يصح في جميع الفرائض إذا قصد إليها أو إلى ما يلزمه منها ونحو ذلك. وأما إذا صلاها وهو يعلم أحكامها وكان معه في الحكم انها تلزمه وهي غير تامة في الأصل فيما غاب من علم ذلك. فهو عندي سالم في الحكم حتى يعلم أنها غير تامة. وإذا خرج منها في الحكم في حال لا تكون تامة في الحكم عند أهل العلم؟ فهو غير معذور ولو كانت في الأصل عند الله تامة ولا تغنيه مخالفة ما تعبده الله به في ظاهر دينه إذا خالفه وهو يقدر على ألا يخالفه. وكذلك جميع الفرائض فهي عندي على هذا. وانما يقصد في جميع ذلك إلى تأدية جميع ما لزمه الله في دينه أو طاعته ان كان عالما فقطعها بالشهادة به. وان كان غير عالم به فقصد إلى ذلك على بادئة ما يلزمه من ذلك (1/182)
صفحة 183
ان كان لا زما وإلى عبادة الله وابتغاء مرضاته ان لم يكن لازما له في الأصل. وهو سالم بهذا في جميع الفرائض اذا وافق الحق في هذا ولم يخلفه. وكذلك جميع الوسائل لو أتى بها على هذا. انها ان كانت لازمة له فقد أدى ما يلزمه والا فذلك منه تقرب إلى الله وطاعة له. (1/183)
صفحة 184
فصل في الصبي متى يؤمر بالصلاة
*مسألة: روى عن عمر بن الخطاب انه قال: الصلاة على من عقل. والصيام على أطاق. والحدود على من بلغ. وقال الفضيل بن الحوارى: يؤمرون بذلك قبل أن يبلغوا. ولا يجب عليهم فرض الا بعد البلوغ. وقال موسى بن علي: تكتب حسناته ولا تكتب سيئاته. قال أبو سعيد: معي أنه في قول أصحابنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي يؤمر بالصلاة لسبع سنين. وقال من قال: ابن ثمان سنين. ويضرب عليها ابن عشر سنين. وجاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: الصلاة على من عقل. والصيام على من أطلق. فإذا ثبت معنى هذا فمتى يستدل به على عقل الصبي إذا عرف يمينه من شماله والسماء من الأرض وأشباه هذا من معنى ما يراد به من استفهامه في عقله في معنى الترويح الذي أجازه منه من أجازه منهم. (1/184)
صفحة 185
ولا يستقيم ان يؤمر بشيء لا يعقله فيكلف ما لا يطيق. فإنما يراعي به في التعليم للصلاة والأمر بها أحوال ما يرجى به عقله بذلك واطاقته له. ويؤمر بفعله عند اطاقته. *مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقيل: لا يضرب اليتيم على الصلاة. وأما الرجل فله ان يضرب ولده على الصلاة. وقال من قال: إذا كان ابن عشر سنين.
*مسألة: وعلى الرجل ان يعلم زوجته وعبده ما يدينون به إذا طلبوا ذلك. ومن طريق الأدب لن يبتديهم ويسألهم ويعلمهم. وإذا دعا زوجته إلى ذلك فامتنعت فلا شيء عليه. ومنهم من قال: عليه أن يعلمهم وهو أصح في ذلك. ويقول الله عز وجل: {يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا}. (1/185)
صفحة 186
ومن غيره: قال على الوالد أن يعلم أهله الفرائض وما يجب عليهم فيها. الدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: {يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا}. فأوجب على الإنسان أن يعلم أهله كما أوجب الله عليه أن يتعلم هو ما يوقي به نفسه من النار. قال غيره: أرجوا أني عرفت أن ذلك في الصبي. وأما إذا بلغ فعليه أن يعلمه والله أعلم فينظر في ذلك. *مسألة: وعن رجل اشترى اعتما لا يفهم العربية. هل تطيب له ملكته إذا لم يصل؟ فعلى ما وصف فإذا كان موحدا طابت له ملكته ويأمره بالصلاة ويضربه عليها. وإن لم يكن موحدا؟ فقد قيل: يبيعه في الأعراب. (1/186)
صفحة 187
فصل فيما يجب عبى الإنسان من تعليم ولده وزوجته وعبيده
ويوجد عن أبي المؤثر رحمه الله وعن الرجل يكون معه ولده. هل عليه أن يعلق الطهارة ويعلمه الأنجاس ويعله الصلاة. قال: نعم. قلت: فإن لم يسأله عن ذلك. قال: نعم. وقد قال الله تبارك وتعالى: {يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة}. فقال في تفسيرها قوا أهليكم بالأدب الصالح. قلت: أرأيت إذا كان مع الرجل خادم. أعليه ان يعلمه الطهارة والصلاة؟ قال محمد بن محبوب: الولد يعلم الصلاة. والعبد يؤمر عليها. وعلى قول محمد بن محبوب: فما أدرى ذلك على سيد العبد ولكن يأمره باتقاء النجاسات. وكذلك يأمره بالصلاة. (1/187)
صفحة 188
فإن سأله عن شيء كان عليه أن يعلمه ما علم من ذلك إذا كان العبد بالغا. ولو كان مراهقا يعقل ما يعلم من ذلك يأمر وينهى.
*مسألة: قال أبو سعيد محمد بن سعيد: معي أنه قد قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الصبي أنه: «يؤمر بالصلاة لسبع سنين أو ثمان سنين ويضرب عليها ابن عشر سنين». ويخرج معنا في الأمر في التعليم الصبيان للصلاة على معنى الوسيلة إذا كان لا فرض عليه لازم يخرج معنى الاتفاق. وان كان قيد قيل الصلاة على من عقل من الصبيان. والصوم على من أطاق. فقد قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القلم مرفوع عن ثلاثة الصبي حتى يحتلم والناعس حتى يستيقظ والمجنون حتى يصح عقله أو يرجع إليه». هذه الرواية لا نعلم ان أحدا يختلف فيها مان كان في معانيها التأويل. وزوال التعبد بمعناها عند أكثر أهل العلم عن النبي اثبت من لزوم التعبد بالصلاة. والصوم على من أطاق وعقل. (1/188)
صفحة 189
والحر والعبد عندي في ذلك سواء. والمملوكشبه الولد في معنى لزوم الحق إذا كان تبعا لسيده إذا ملكه وهو صبي وقد كان أبوه مشركا فكان تبعا له في الاسلام طاهر بطهارته.
*مسألة: ومن جامع أبي محمد: وينبغي للآباء والقوام بأمور الأطفال ان يعلموهم الآذان والإقامة والصلاة وشرائع الإسلام إذا صاروا في حال يعقلون ما يراد منهم.
*مسألة: وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: الصلاة على من عقل. والصيام على أطاق. والحدود على من بلغ. وقال الفضل بن الحوارى: يؤمرون بذلك قبل ان يبلغوا. ولا يجب عليهم فرض الا بعد البلوغ. وقال: قال موسى بن علي أن الصبي تكتب حسناته ولا تكتب سيئاته. (1/189)
صفحة 190
*مسألة: وقال أبو سعيد: على الرجل ان يعلم أولاده الصغار وملك يمينه الطهارة الصلاة. ويجب عليه ذلك حتى ولو لم يسألوه عن ذلك إذا علمهم بالجهالة في ذلك. وأما زوجاته وأولاده الكبار وغيرهم من أرحامه فهم في ذلك أهون. ولا يلزمه اعتراضهم كلزوم هؤلاء إلا ان يرى من أحدهم منكرا ويعلمه بتضييع شيء من الفرائض وينكر عليه ذلك. ويدله على الحق ان كان يقدر على الانكار عليه وما سأله عنه من أمر دينه فعليه ارشاده على ما علم منه ومعونته على ما يعلم منه. وكل من كان أقرب كان اولى لقوله تبارك وتعالى: {يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} الآية. والمعنى في ذلك والله أعلم بتأويل كتابه. قوا أنفسكم بالعمل الصالح وترك ما نهى عنه. وقوا أهليكم بالأمر بالحق وبطاعة الله لقول الله تبارك وتعالى لنبيه {وأنذر عشيرتك الأقربين}. وقال الله تبارك وتعالى: {يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين}. فأولى بالمرء نفسه. (1/190)
صفحة 191
وعل كل أحد أن يقوم لها وعليها مما يرجو لها به الفكاك وبما يرجو أن يسلم به من الهالك. ثم عليه القيام بعد ذلك على أهله وأقاربه والأقرب فالأقرب على ما يبلغ إليه طوله من القيام لهم بالقسط وعليهم. ثم بعد ذلك حيث بلغت قدرته ليس ذلك منه غاية ولا له معه نهاية حتى يموت على ذلك إن شاء الله. (1/191)
صفحة 192
باب في الأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة وفي الصلاة في الموضع النجس وما لا يجوز الصلاة فيه من المواضع وفي الصلاة في أراضين الناس وفي الأرض المغتصبة ومعاني ذلك
من كتاب أبي جعفر: ولا تجوز صلاة نافلة بعد صلاة العصر إلى الليل. ولا تجوز صلاة بعد صلاة الفجر إلى ان تطلع الشمس. إلا من أراد أن يقضي صلاة فإنه يصليها في ذلك الوقت إن أراد أو صلاة جنازة ما لم يطلع قرن الشمس أو يغيب منها قرن. فإن كان ذلك الوقت فلا يجوز شيء من الصلاة. ومن كان في الصلاة ثم طلع قرن أو غاب قرن من الشمس فليقف على حاله حتى يستقيم طلوعها أو غروبها ثم يتم صلاته. وقال من قال: يبتدئ صلاته إذا طلعت الشمس أو غابت. وقال من قال: ان مغيب القرن منها هو اصفرارها. وقال من قال: هو مغيب بعضها أو طلوعه وكذلك طلوعها. ومن غيره: قال محمد بن المسبح إذا غامر القرص شيء. قال غيره: معي أنه يغيب شيء من القرص في موضع مغيبه وهو أصح. (1/192)
صفحة 193
وقد قيل من كان عليه بدل صلاة ركعتي الفجر فايبدلها بعد صلاة العصر ان أراد. ومن غيره: وقال محمد بن المسبح يصلي ركعتي الفجر متى ذكرهما إلا بعد الفجر وبعد العصر.
*مسألة: من كتاب قواعد الاسلام: وأما قبل الطلوع والغروب فيقضي فيه الفوائت المفروضة. ويصلي فيه على الجنازة. وزاد آخرون قضاء ركعتي الفجر بعد الصلاة. ومن جامع أبي محمد: أجمع أهل الحديث ونقلة الأخبار عن أصحابنا ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر. وفسر ذلك علماؤنا وقالوا النهي منه صلى الله عليه وسلم عن صلاة النفل وهذا هو الصحيح. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». فالصلاة التي نسيها أو نام عنها يصليها في كل وقت كما قال صلى الله عليه وسلم الا في وقت الذي نهى عن الصلاة باتفاق. (1/193)
صفحة 194
ويكون هذا الوقت عند طلوع الشمس وعند غروبها. وإذا كانت في كبد السماء قبل الزوال والأخبار كلها صحيحة. والقول بها جائز والعمل بها ثابت. *مسألة: ومن جامع أبي جعفر: ولا يجوز الصلاة نصف النهار في الحر الشديد الا يوم الجمعة. وكذلك قال موسى بن على رحمه الله.
*مسألة: وسألته عن صلاة النافلة نصف النهار والشمس في كبد السماء قبل نزولها. ها تجوز ذلك الحين؟ قال: معي أنه قيل لا يجوز ذلك الحين في الحر الشديد. ولا أعلم في غير الحر الشديد في ذلك كراهية عندي في ذلك. وقلت: فما العله عندك في ذلك الوقت؟ والفرق إذا لم يجز في الحر الشديد. قال: الله أعلم ما عندي في ذلك علة اعتمدها الا ما قالوا فالله أعلم بقولهم. (1/194)
صفحة 195
فصل في المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها
قال أبو سعيد: معي أنه قد جاء معنى الكراهية في الصلاة في المقبرة. وفي بعض قول أصحابنا: انهم لا يؤمرون بذلك إلا من ضرورة. فإن صلى مصل هنالك ففي بعض قولهم ان صلاته تامة. وفي بعض قولهم: ان عليه الاعادة. وثبت ذلك عندي اجازة صلاته لأنها من سائر الأرض والأرض كلها طاهرة ما لم يعلم نجاستها ما لم يصح فيها معنى يوجب الاجماع على نجاستها. فطهارتها أولى بمعنى الحكم. وأما في التنزه فذلك إلى الفاعل. فإن كانت الصلاة على قبر فمعي أنه يشبه قولهم ان عليه الاعادة إذا لم يكن من عذر. وقد يخرج عندي إجازة صلاته إن كان من معنى الميت فهنالك سترة تحول بينهما ولو كان طاهرا. ويعجبني إذا كانت الصلاة على القبر أن يعيد الأشراف. ففي قوله هذا دليل على ان المقبرة ليست بموضع للصلاة. (1/195)
صفحة 196
قال نافع مولى ابن عمر: صلينا على عائشة وأم سلمة وسط البقيع والامام يومئذ أبو هريرة. وكره عمر بن الخطاب وأنس بن ملك الصلاة في المقبرة والصلاة في معاطن الإبل ومرابض الغنم. وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم. قال أبو سعيد: ان أكثر الكراهية من قول أصحابنا في مواضع الأنعام ومعاطن الإبل. ولا أعلم في قولهم بالصلاة فيها ترخيصا عند المكثة لغيرها. وأما مرابض الغنم والبقر فعندي أنه معهم أرخص. ولا أعلم في هذا الفصل أنهم يفسدون شيئا من ذلك بمعاني الاتفاق إلا أن يصح في شيء من نجاسة من أبوالها لما يأتي عليها حكم الطهارة. ويخرج عندي معنا كراهيتهم للصلاة في مطاعن الابل إذا كان يحول بين المصلي والأرض. وأما إذا كان مثل الفقر وأشباهه مما يكون في بعض الأرض ولا يكون في بعض. فلا أجد بين ذلك وبين سائر الأنعام فرقا. وعلى كل حال أعلم منها فسادا لشيء من أرواث الأنعام ولا أبعارها. (1/196)
صفحة 197
وحكم الأرض طاهرة حتى يعلم نجاستها. فكل ما كان أنزه عند المكثة وأبعد من الريب كان أفضل أن تكون هناك الصلاة. ومن الكتاب: واختلفوا في الرجل يصلي في موضع نجس. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه إذا صلى في قول أصحابنا أنه إذا صلى في موضع من الأرض في حال ضرورة ما لم تكن بنجسة ويلصق به أن صلاته تامة لأنه قد صلى ما كان مخاطبا به. ولا يبعد ما قال من قولهم: إذا أمكن ذلك من الأرض أن يشبه لزوم الاعادة على كل حال. وأصل معنى الحكم منه أنه قد صلى. ومن غير الكتاب: وسئل عن مسجد مصموحة أرضه بالخص والناس يصلون عليه بلا حصير. أتجوز صلاتهم أم لا؟ قال: معي أنه قيل يجوز ذلك لأنه مما أنبتت الأرض.
*مسألة: قلت: فما تقول في الصلاة على الصفاء. قال: قد كره من كره ذلك. (1/197)
صفحة 198
واما أنا فلا أرى بأسا. *مسألة: ومن غيره قال: لا نقص على من صلى على قبر ولكنه مكروه.
ومن جامع ابن جعفر: ومن صلى في خيمة. وفي نسخة: في قبة أو ما شابه ذلك ولم يستطيع أن يقوم حتى يستقيم في قيامه؟ فليصلي كما أمكن له إذا كان ذلك من عذر غيث أو غيره أو في شمس. ولا يصلي قاعدا.
*مسألة: من الزيادة المضافة: قال أبو سعيد: عندي أنه يختلف في بيع النصارى وكنائس اليهود. فقال من قال: يجوز في بيعة النصارى. ولا يجوز في كنائس اليهود. وأما أنداد المجوس التي يعبدونها فيها النار فلا تجوز الصلاة فيها. ولا أعلم في ذلك اختلافا. (1/198)
صفحة 199
قلت: فلا أرى علة لم تجز في أنداد المجوس. قال: فأرى علة قطع الصنم الصلاة. قلت له: من علة إذا كان يعيد عندك. قال: نعم. كذلك الأنداد من طريق التعبد فيها بالباطل ليس لهم دين. ومن جامع ابن جعفر: وقيل: يكره الصلاة في المجزرة والمتجرة. المجزرة مكان النحر إذا خلا. والمتجرة الذي فيه الأنعام. والمزبلة المكان الذي يرمى فيه الأقذار وتسميه العامة العقيق والمقبرة والمزبلة والحمام وقارعة الطريق ومعاطن الإبل. ولا صلاة أيضا على ظهر الكعبة. ولو صلى مصل في الحمام لم أر عليه نقضا. وكذلك في قارعة الطريق ما لم يعلم في الموضع الذي صلى فيه بأسا واضطر إلى ذلك. ومن غيره: قال أبو عبد الله: لا يجوز وأنه ينقض على الاضرار. (1/199)
صفحة 200
ومن غيره قال: ولا تجوز الصلاة في الكعبة. ولا تجوز فوق ظهرها ولا مقدمة الحجر. ومن غيره: ولا بأس بالصلاة في ساحل البحر إذا جزر وبقي الموضع جافا يمكن فيه من القيام والسجود والقعود. فلا بأس بالصلاة فبه.
*مسألة: من منثورة قديمة من كتب المسلمين قال هاشم: لا بأس بالصلاة في مسجد وغير مسجد يمر الماء من تحته. أو طريق يمرون الناس فيها فلا بأس والله أعلم.
*مسألة: ومنه: ولا بأس بالصلاة على التخت الوثيقة الكبيرة إذا لم تكن تتحرك الفريضة عندها. وكذلك الدعن المرفوعة والعرش إذا كان على حصير فهو أحب إليّ. وإن لم يكن فلا بأس. وقد شدد من شدد في الدعن المرفوعة إذا كانت متفرقة يبصر المصلي الأرض منها. وليس أبلغ به في ذلك إلى فساد. (1/200)
صفحة 201
*مسألة: وعن أبي الحسن وقلت: ما نقول بالصلاة في مسجد مصموح بالحصى. قلت: جائزة الصلاة عليه لأم لا؟ قال: فنعم جائزة عليه الصلاة معنا إن شاء الله. وأكثر القول: لا تجوز الصلاة على الحصى والله أعلم. *مسألة: أحسب عن أبي ابراهيم: وسألته عمن يصلي في الساحل؟ قال: لا تجوز الصلاة حيث يضرب الموج. ومنه: فيمن يصلي على الشجر. قال: إن كان الشجر لازقا بالأرض فلا بأس. وإن كان الشجر مما يرتفع ويتصفح فلا يجوز الصلاة عليه. واما إذا كان صفا متصلا فجائز الصلاة عليه.
*مسألة: وسألت أبا سعيد عن الصلاة على الدعن المرفوعة على الجذوع. هل تجوز الصلاة عليها إذا كان المصلي يبصر من خللها الأرض؟ (1/201)
صفحة 202
قال: معي أنه قد كره ذلك. ومعي: أنه إذا كانت ثابتة فلا يعجبني فساد صلاته إلا أن تكون خربة من حال الدعن. فلا يعجبني عليها الصلاة. قلت له: فغن كانت خربة على حال الدعن وجهل وصلى عليها أو تعمد ذلك. هل تتم صلاته؟ قال: ويعجبني انه كان محتاجا إلى ذلك وأمكنه الصلاة عليها لموضع مساجده وثبت في الصلاة عليها لموضع مساجده وثبت في الصلاة عليها حتى أدى صلاته أن لا يكون عليه الاعادة. ولا يرجع يفعل ذلك بفعل غيره. قلت له: فإن كان يمكنه أن يصلي على غيرها وصلى عليها باختيار منه متعمدا لذلك. هل ترى عليه إعادة؟ قال: نعم. ومعي أنه إذا صلى عليها صلاة تامة ولم يمنعه ذلك شيء من حدود صلاته ولا من صلاته فلا يبين لي فساد صلاته إلا لعلة. قلت له: وما هذه العلة؟ (1/202)
صفحة 203
قال: الله أعلم وإذا صلى صلاته فهي تامة إلا أن يأتي بشيء ينقصها.
*مسألة: وسئل عن السيخ هل تجوز الصلاة عليه. قال: معي أنه قد قيل في ذلك باختلاف: فقال من قال: إذا كان سيخا لا ينبث به الشجر فلا تجوز الصلاة عليه. وقال من قال: إذا أمكن الصلاة عليه ولم ينخسف فالصلاة عليه جائزة. وهذا على الاختيار. واما إذا لم يجد غيره فلابد من الصلاة حيث ما كانت. والذي ينبت من الأرض أحب إلي من الذي ينخسف إذا أمكنا جميعا ولم يؤخذ غيرهما.
*مسألة: وقيل في الأثر: من صلى في قبة أو كهف من غيث أو غيره لا يمكنه القيام التام من ضيق رفع الذي فيه. فقيل: أنه كما استطاع ولو منكبا. وكذلك قال أبو سعيد في ذلك. (1/203)
صفحة 204
وقيل: الصلاة في المحمل على الدواب قاعدا ولو قدر على القيام. وقيل: أنه من الاجماع فيما يروى. وقال أبو سعيد: كذلك لأنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على ناقته قاعدا. ولا يبين لي فيه اختلاف. وإنما الاختلاف في السفيية. ومن كتاب المصنف: ومن جواب أبي سعيد وقلت والذي يريد أن يسجد وتقع عمامته أو ثوبه في موضع سجوده والثوب والعمامة صوف أو قطن. فهل عليه أن يخرجه من موضع سجوده أو يسجد عليه ولا يضر ذلك صلاته. قلت: وإن سجد على ذلك بعض صلاته ولم يسجدها كلها. وقلت: فهل في ذلك فرق؟ قال: وأما القطن فلا بأس أن يسجد عليه. وإن شاء عزله عن موضع سجوده. وهو مخير في ذلك. وما سجد عليه من صلاته فهو جائز. (1/204)
صفحة 205
وأما الصوف فلا يسجد عليه إلا من ضرورة. وعليه أن يخرج الصوف من موضع سجوده أن أمكنه ذلك. وأن يسجد على شيء من الصوف من غير ضرورة متعمدا ولو سجد سجدة واحدة فعليه الإعادة. وإن سجد عليه ناسيا. فقد قيل: ما لم يسجد عليه أكثر صلاته فلا فساد عليه. وإن سجد عليه صلاته كلها أو أكثرها فقد قيل تفسد صلاته فيما معي. وأحسب أنه قد قال من قال: إن سجد عليه ناسيا سجود ركعة تامة فسدت صلاته. وأما سجدة واحدة ناسيا فلا أعلم. أن احدا قال فيها بفساد صلاته. ويجوز فيه من القول في فساد صلاته عندي لأنه حد من حدود الصلاة ومنه: ومن سجد وهو في الصلاة فوقع جبينه على شوك أو وعوثة أو شيء جرزة. قلت له: هل له أن يرفع جبينه ويسجد في موضع آخر. فإذا لم يمكنه أن يسحبه سجبا ولم يقدر على يقدر على السجود هنالك جاز له أن يرفع رأسه لتمام سجوده. (1/205)
صفحة 206
قلت: فإن ارتفع جبينه عن موضع سجوده بعد أن سجد. هل تنتقض صلاته؟ فإذا كان لعذر لم تنتقض صلاته. وفي الصلاة على الدعن قول أنها جائزة ولو كان يبصر الأرض من خللها قال ولا أبصر ذلك. وكذلك إن كانت تتحرك إلا أنه يمكنه الصلاة عليها. *مسألة: ومن جواب الشيخ أبي سعيد: وعن المصلي فوق دعن رفيعة يبصر المصلي من خللها الأرض وهي تتحرك بالمصلي غير أنه هو مستمسك عليها. أيجوز الصلاة عليها على هذه الحال أم لا؟ فإذا أمكنه الصلاة عليها قيامه وركوعه وسجوده وقعوده فقد كره ذلك من كرهه وصلاته تامة.
*مسألة: وعن الدعن والحصير يكونان مرتفعين على الأرض قدر عرض ثلاث أصابع أو أقل أو أكثر. (1/206)
صفحة 207
هل تفسد الصلاة بذلك؟ فأما ارتفاع الدعن والحصير فجائز الصلاة عليهما. وأما ارتفاعهما إذا ارتفعا. فقد قيل: أنه إذا ارتفعا عرض أصبعين فصاعدا فصلاته تنتقض. وقال من قال: أنه إذا كان قد سجد تمكن من الأرض في سجوده. فصلاته جائزة كان الحصير يرتفع أو يتضع.
*مسألة: وأما الصلاة في البيوت المغتصبة؟ فإن كان المصلي فيها هو الغاصب لها ويمكنه في الوقت أو يصلي في غيرها فأرجو أنه يختلف في صلاته. وإن كان غير غاصب لها وقد دخلها لمعنى يسعه الدخول فيه وحضرت الصلاة فالصلاة له عندي جائزة على هذا ما لم يحدث حدثا.
*مسألة: وسألته عن السمة يكون فيها النجاسة في جانب منها وسائر ما طاهر. (1/207)
صفحة 208
أيصلي عليها؟ قال: نعم إذا كانت النجاسة عن يمينه أو عن شماله أو خلف ظهره. قلت: فإن كانت قدامه إلا أن موضعه حيث يصلي طاهر. قال: لا نقض عليه والله أعلم. ولا ينبغي له أن يصلي إذا كانت قدامه. ومن غيره: أخبرنا عمر بم محمد قال سألته أبا زياد عن المنضف يكون باطنه غير طاهر. فقال: لا يصلي عليه. وقال: ابنه زياد مثل ذلك. وقال أبو عبد الله: بل يصلي عليه. ومن جوابات لأبي عبد الله إلى بشير وعن رجل في مصلى مرتفع صدع عنه حتى وقع لجنبه ثم رجع فقام إلى المصلى. قال: لا بأس عليه. ويبني على صلاته ولا يفسد ما مضى منها.
*مسألة: في حد المصلي الرطب الذي لا تجوز الصلاة فيه أنه إذا كان يلزق به الطين. (1/208)
صفحة 209
وقيل: إذا كان يمكن السجود والقيام والقعود ولو احتمل فذلك جائز. انقضى الذي من كتاب المصنف. ومن غيره: لا يجوز أن يصلى على ما لا يمكن السجود عليه إن كان ظاهرا كالسداه. وكذلك حبال السرير التي تجئ وتذهب وترتفع. وكذلك لا الطين الذي ترسخ فيه الجبهة والسبخ والتراب الذي ترسخ فيه الجبهة وإن كان طاهرا. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/209)
صفحة 210
فصل في موضع النجس وما لا يجوز الصلاة فيه من المواضع
وحفظت عنه أحسب أنه أبو سعيد أن الرجل يصلي إلى سترة أولى وأفضل من أن يصلي في موضع الصف خلف الإمام في صلاة النافلة وصلاة نفسه.
*مسألة: وسألته عن صفاة منقطعة تسع الإنسان يصلي عليها. هل تجوز الصلاة عليها؟ قال: معي أنها جائزة عليها. قلت له: فحيث يعد البحر ويجزر. هل تجوز الصلاة هنالك؟ قال: معي أنه جائز إن شاء الله. وسألت أبا سعيد عن الصلاة بين المقام والبيت. هل يجوز هنالك؟ قال فيما رأته يذهب في ذلك اختلافا: فبعض: يجيز ذلك. (1/210)
صفحة 211
وبعض: لا يجيزه. وكأني رأيته يذهب إلى الاجازة. قلت له: فالصلاة على الكعبة هل تجوز؟ قال: أما في قول أصحابنا فلا يجوز ذلك فيما عندي. قلت: فالصلاة على الحطيم هو الحجر. هل تجوز؟ قال: معي أنه قول أصحابنا لا يجوز ذلك لأن شيئا منه داخل في الكعبة. فعلى هذا الجواب وشيء منه فيما قالوا أنه ليس من الكعبة. فعلى هذا الجواب وشيء منه فيما قالوا أنه ليس من الكعبة فاعل فيها اختلافا.
*مسألة: وإذا لم يجد المصلي بقعة يصلي فيها من الطهارات إلا دروس الحمير والبغال أو الخيل أو البقر أو روث الغنم أو معاطن الإبل والخيل والبغال والحمير. كلهن عندي سواء وهن أشد من الأنعام عندي فالله أعلم. وإذا صحت النجاسة من أحد هذه البقاع وكانت رطبة تلصق بالمصلي. فقد قيل: أنه لا يصلي في ذلك الموضع. (1/211)
صفحة 212
وقد قيل: يصلي قائما والصلاة أن تؤدى وقتها بما أمكن اصح والله أعلم. والذي يفرش حصيرا على عذرة ويصلي عليه. أيجوز ذلك؟ وقلت: إن كان فعل ذلك فما يلزمه؟ فإن كانت العذرة يابسة فلا أرى بأسا وصلاته تامة. ولا يفعل ذلك متعمدا إلا أن يكون مضطرا. فإن كانت تلطخ في الحصير فإني أرى عليه النقض. قال غيره: وقد قيل أنه يجوز على العمد من غير الضرورة إذا كنت النجاسة يابسة. وقال من قال: لا يجوز ذلك كانت يابسة أو رطبة. إلا أن لا يجد إلا ذلك الموضع فإنه يجوز من الضرورة.
*مسألة: وحفظت عن أبي سعيد في رجل حضرته الصلاة وهو في موضع نجس من خوف أو علة فأراد الصلاة. فقال: معب أن بعضا قال: له ان يصلي قائما ويؤمئ. قلت له: فهل له أن يقعد مقيما ويؤمئ للسجود ويقرأ التحيات. قال: إن فعل ذلك فحسن. (1/212)
صفحة 213
*مسألة: من كتاب أبي جعفر: في المصلي وقد جاء الأثر أنه يصلي في موضع النجاسات إذا عزم موضع الطهارات. فإذا جهل الصلاة في موضع ما يلزمه فيه وجوب الصلاة فلم يصل فيه فعليه الكفارة. وعرفنا من قول الشيخ رحمه الله أنه لم يعذروا من جهل الصلاة فتركها فلم يصلها عن الكفارة. إلا من صار بحد التكبير مثل الغريق في البحر والمريض الذي صار بحد من يصلي بالتكبير. وكذلك أحسب في المسابق أيضا. فقال أن جهل هؤلاء الصلاة فلم يصلوها كان عليهم البدل ولا كفارة عليهم. واما غير هؤلاء فلم نعلم لهم في ترك الصلاة عذرا فيما علمنا والله أعلم. ومن غيره قال أبو سعيد رحمه الله: على ما عرفنا من مذهبه على ما عنده أنه إذا لم يجد المصلي بقعة طاهرة يصلي عليها اختلافا. فقال من قال: يصلي قائما على النجاسة ويومئ للركوع والسجود قائما. وقال من قال: يركع ويومئ للسجود. (1/213)
صفحة 214
وقال من قال: يركع ويومئ برأسه إلا إلى موضع المسجد حتى يبغي من السجود إلا ما منعه من مماسة النجاسة إن قدر على ذلك وأمكنه. وقال من قال: يسجد حيث ما كان لفرض السجود وقدرته عليه بيديه. وإذا لم يقدر على زوال النجاسة فقد عدم الطهارة وثبت فرض السجود بحاله. وقال من قال: إذا لم يجد إلا موضعا نجسا فلا يصلي على النجاسة وليس عليه صلاة النجاسة حتى يجد موضعا طاهرا ثم يصلي لثبوت فرائض الصلاة التي ذكرت حتى قيل وبقعة طاهرة. وانما قيدنا هذا من لفظنا نحن على ما نرجو من مذهب أبي سعيد رحمه الله لا يؤخذ من هذا إلا ما وافق الحق والصواب.
*مسألة: من جامع ابن جعفر: ولا يصلي المصلي على بساط صوف ولا شعر. فإن صلى على ذلك وسجد على غيره مما يجوز فلا بأس. وبلغنا عن بعض الفقهاء أنه صلى على بساط كذلك فلما أراد السجود رفعه وسجد على الأرض. وأما إن سجد على ذلك من ضرورة فلا بأس. (1/214)
صفحة 215
وكذلك قيل يسجد على الأدم للضرورة ومثل التطوع وغيرها. وأما الصلاة في الجلود فجائز. وذلك مثل الصوف والشعر يصلي به ولا يصلي عليه إلا عند الضرورة. ومن غيره: وسألته هل يصلي في بيوت اهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس. قال: إن كان تظهر عليه الشمس والريح ولم ير فيه نجاسة فلا بأس بالصلاة فيه.
*مسألة: أحسب أنها عن أبي سعيد رحمه الله وسئل عن رجل يصلي على حصير وفي موضع منه نجاسة. أصلاته تامة أم لا؟ قال: معي أنه قيل إذا كانت النجاسة خلفه في الحصير فصلاته تامة. قلت له: فإن كانت النجاسة خلفه ومست ثيابه وهي يابسة. قال: معي أن صلاته فاسدة إذا مسته النجاسة وهو في صلاته أو مست ثيابه. قلت: فإن كانت النجاسة مدبرة به خلفه وقدامه وعن يمينه وشماله وهو يصلي على الحصير ولا يمسه شيء منها وهي يابسة. (1/215)
صفحة 216
قال: معي أنه مختلف فيه. قال من قال: تفسد صلاته بما كان أمامه من النجاسة فيما دون خمسة عشر ذراعا. وقيل: فيما دون ثلاثة أذرع. وقيل: لا يفسد عليه ما لم يمسه أو شيئا من ثيابه أو يكون في موضع صلاته ولو لم يمسه. وسألته عن رجل يصلي وبين يديه نجاسة من دم أو بول أو عذرة تحاذي صدره ولا يمسها هو ولا شيء من ثيابه وهي بين ركبتيه وبين سجوده لا عن يمينه ولا شماله. قال: عليه النقض. (1/216)
صفحة 217
فصل في الصلاة في ثوب المغتصب والأرض المغتصبة
الصلاة في أرض قوم فيها زراعة. فإذا اضطر إلى ذلك كان عليه عندي تأدية الصلاة والدينونة بما يلزمه من الضمان في ذلك إذا كان يقدر على الخلاص منه. كما يلزمه شراء الماء للصلاة إذا أمكنه الماء وقدر على ثمنه. ويكون ذلك برأي العدول في قيمته وإذا لزمه في هذه الصلاة من هذا المال ومن هذا الزرع. ولا يدرك أصحابه ولا يدرك معرفتهم فسبيل هذا سبيل الأموال لا تعرف أربابها. وقال من قال: إن سبيله إلى الفقراء يسلم إليهم. وقال من قال: أنه بحالة حتى تصح بالبينة. فإن لم يصح بالبينة حتى حضره الموت أوصى بذلك أو أقر به على الصفة. *مسألة: وأما الصلاة في البيوت المغتصبة: فإن كان المصلي فيها هو الغاصب لها يمكنه في الوقت ان يصليها في غيرها فأرجو أنه يختلف في صلاته. (1/217)
صفحة 218
وان كان غير الغاصب لها وقد دخلها لمعنى يسعه الدخول فيها وحضرت الصلاة فالصلاة له عندي جائزة على هذا ما لم يحدث حدثا. ومن كتاب: اختلف أصحابنا في الثوب المغتصب والأرض المغتصبة على قولين. فأجازها أكثرهم ورأوا أنما وقعت طاعة من عاص وان الفعل وقع موقعه من أداء الفريضة. وعلى المصلي رد الثوب على صاحبه والخروج من الأرض المغتصبة منه. فكان ممن يقول بهذا القول. وأيده واحتج له أبو محمد عبد الله بن محمد بن محبوب فيما حفظه لنا عند أبي مالك رضي الله عنهما وكان ممن يبصر الآخر ويقويه. ويستدل على صحته أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب وهو مشهور من قوله. وكان آخر ما يحتج به ان قال: رأيت الصلاة طاعة أمر الله بها. ورأيت المغتصب قد نهى الله المغتصب له في كل حال أن يلبسه. وكان من فرض الصلاة وشروطها وما لا تقوم إلا به الاستتار الثوب والقراب الذي يكون عليه. (1/218)
صفحة 219
فلما كان الثوب الذي يقف فيه للصلاة قد نهى عنه وقد أمر برد الثوب على صاحبه. وكذلك الخروج عن الأرض في كل أحواله. ولم يجز ان تكون صلاته واقعة منه. وكانت الصلاة مأمورا بها لأنها تقوم إلا بما قد نهي عنه لم يجز ان يكون طاعة مأمور بها والطاعة والمعصية متنافيان. ومما يؤديه قوله ان المصلي مأمور بالصلاة في الأرض الطاهرة من غصب ونجس. كما أمر بالصلاة في ثوب طاهر من غير غصب ونجس. فلما كان المصلي في الأرض النجسة مخالفا لما أمر به وكانت صلاته فاسدة بالإجماع. كذلك وجب أن يكون إذا صلى في الأرض المغتصبة تفسد صلاته لمخالفة الأمر فيها. وكذلك القول في الثوب المغتصب والنجس لأن النهي عن الأرض المغتصبة والثوب كالنهي عن الصلاة في الأرض المغتصبة النجسة والثوب النجس. وهذا القول أقرب إلى النفس وأصح دليلا. *مسألة: من كتاب محمد ابن جعفر: وقيل من سرق ثوبا فصلى فيه فصلاته تامة وعليه الخلاص منه. (1/219)
صفحة 220
*مسألة: وسألته عمن فرش حصيرا على نجاسة يابسة من الذوات أو غيرها. هل يجوز له أن يصلي عليه؟ قال: معي أنه قد قيل في ذلك باختلاف. قلت له: وكذلك إن غطاها بالحصى والتراب. أهو مثل الحصير؟ قال: معي أنه سواء إلا أن يكون التراب أكثر مما يسترها وكذلك الحصى. (1/220)
صفحة 221
باب فيما يصلى عليه ولا يسجد عليه من غير ما أنيتت الأرض في الضرورة وفي النية للصلاة وفي القبلة وفي تحري القبلة وفيمن صلى أدبر بالقبلة وفي السترة وما يقطع الصلاة من النجاسات وفي حدود الصلاة
قال ابو سعيد: عندي انه يخرج في قول أصحابنا أن الصلاة على كل شيء طاهر من الأشياء جائزة. إلا أنه يخرج في عامة قولهم أنه لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتت فإنه لا يجوز السجود على غير ما أنبتت الأرض. ولا يجوز السجود إلا من علة توجب من حر أو برد أو ما اشبه ذلك من عذر. ومعي: أنه غن كانت الأرض نجسة يابسة جاز السجود على غير ما أنبتت الأرض إذا بسط عليها لمعنى الاتقاء. أي أنه لا يجوز الصلاة بالنجاسة ولا على النجاسة كان ذلك عندي عذرا. وكل ما انبتت الأرض ولم يخرج من مخرجها ولا ما يشبهها من الصفا وأشباهه وإنما خرج من معنى الحيوان أو ما أشبهه فهو ضرب لا يجوز السجود عليه. ذلك ورد في قول أصحابنا الا من عذر. وكلما خرج مخرج الأرض أو ما أشبهها من غير معنى الحيوان أو ما أشبهه فهو كمثل الأرض. (1/221)
صفحة 222
وقد كره من كره منهم أن يقوم المصلي على شيء من الأشياء لا يسجد عليه. واستحب له أن يكون سجوده على مثل ما يقوم عليه. وهذا يخرج عندي على معنى الاستحباب. ولا معنى له الحجر واللزوم لأن هذا لا يكاد يمكن.
*مسألة: من جامع أبي محمد: اختلف علماؤنا في الصلاة على الصفا والسجود عليه. فجوز ذلك بعضهم. وكرهه آخرون. والنظر عندي أن لا يجوز.
*مسألة: من كتاب ابن جعفر: ولا يصلي المصلي على بساط صوف ولا شعر. فإن صلى على ذلك وسجد على غيره مما يجوز فلا بأس. وبلغنا عن بعض الفقهاء أنه صلى على بساط كذلك فلما أراد السجود رفعه وسجد على الأرض. واما إن سجد على ذلك من الضرورة فلا بأس. (1/222)
صفحة 223
ومن غيره قال أبوسعيد رحمه الله: معي أنه قد قيل فيمن نسي فسجد سجود الصلاة كلها أو شيئا منه على ما لم ينبت من الأرض من الصوف والشعر والحرير وأشباه ذلك. انه قد اختلف في ذلك فيما معي. فقال من قال: إذا سجد سجدة واحدة ناسيا فسدت صلاته. وقال من قال: لا تفسد حتى يكون سجوده ركعة تامة سجدتين. وقال من قال: ما لم يكن اكثر سجوده وكل ما دون الأكثر. فلا يفسد صلاته. واما غذا سجد أكثر سجوده أو كله فصلاته فاسدة عندي. ولا أعلم في ذلك اختلافا. ولا يجوز الصلاة على الحديد ولا الصفر ولا الرصاص ولا النحاس ولا الذهب والفضة ولا أشباه ذلك. ويجوز على الحب والتمر إذا أمكن ذلك. وكذلك وجدنا عن محمد بن محبوب رحمه الله ذلك.
*مسألة: وما يوجد عن أبي المنذر معروض على أبي الحوارى وسالته عن السجود على ثوب القطن والكتان وما انبتت الأرض. (1/223)
صفحة 224
قال: يسجد عليه من حر الشمس ومثله مما يؤذي. فقلت: فالشعر والصوف. قال: مكروه. قال أبو الحواري رحمه الله: يسجد على ثياب القطن والكتان في الضّرورة وغير الضّرورة. قال غيره: معي أنّه قد قيل في كلّ ما لم تنبت الأرض أنّه لا يسجد عليه إلا من عذر يشبه الضّرورة ونحو هذا. وأمّا ما أنبتت الأرض من الثّياب وعيرها فلا بأس بالسّجود عليها لعذر ولغير عذر.
مسألة: ومن بسط ثوبا يصلّي عليه ويسجد على الأرض؟ فقد أجاز ذلك بعض الفقهاء. وقال لنا ذلك أبو المؤثر. وسمعت الفضل بن الحواري يقول: قالوا يسجد على ما يقوم عليه. وكلّ ذلك جائز عندنا إن شاء الله.
مسألة: من كتاب محمّد بن جعفر: وقيل لا يسد المصلّي على عود ولا فراش. (1/224)
صفحة 225
فأمّا العود فلا يسجد عليه. وأمّا الفراش فلا بأس على من سجد علي من ضرورة. قال غيره: لا بأس على ما أنبتت الأرض من عود أو فراش أو وسادة إذا أمكن ذلك السّجود عليه من ضرورة وغيرها. وإنّما تأويل ذلك عندي أن يرفع العود والوسادة إليه.
مسألة: ومنه كذلك المريض الشّديد إذا صلّى على فراش غير طاهر ولم يمكن إلّا ذلك. فقد قيل: يجزيه.
مسألة: و من غيره: ويكره الرّجل أن يسجد على ثوب إلا من ضرورة من حرّ أو برد. قلت: فمن التّراب؟ قال: لا. قلت: فإن فعل؟ قال: لا يبلغ بذلك فساد صلاته. (1/225)
صفحة 226
مسألة: ورجل يسجد على ثوب أكثر سجوده أو أقله من غير نبات الأرض من غير ضرورة. قلت: هل تتم صلاته؟ فقد قيل: تتم. وقد كره ذلك بعض.
مسألة: عن رجل قائم يصلّي على بساط ويسجد على الأرض؟ فقد أجاز ذلك بعض الفقهاء. وكره ذلك بعضهم.
مسألة: ومن منثورة الشيخ أبي محمّد: وعن رجل كان يسجد على الصّوف في كلّ صلاة إلى أن مات جاهلا بذلك. قال: مات هالكا. قال المضيف: ولعلّ ذلك إذا كان متعمّدا من غير ضرورة. (1/226)
صفحة 227
فصل في النّية للصّلاة من كتاب الأشراف: قال جلّ ذكره: " فولّ وجهك شطر المسجد الحرام". وثبت أن رسول الله (ص) قال:" إنّما الأعمال بالنّيات". ولمع كلّ من يحفظ عنه من أهل العلم على أنّ الصّلاة لا تجزئ إلّا بالنّية. واختلفوا في الوقت الذي يحدث فيه النّية للصّلاة. فكان الشّافعي يقول: يكون مع التّكبيرة. وحكى عن النّعمان أنّه قال: إذا كبّر. ولا نية له لأنّ إذا تقدّمت فإنّ الصلاة جائزة. قال أبو سعيد: معي أنّه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو هذا أنّه لا تجوز الصّلاة إلّا بنية. وكذلك الأعمال. وكذلك لعلّه يخرج في معاني قولهم ما يشبه ما حكاه عن الشّافعي أنّه لا تكون النّية نافعة إلّا مع الدخول في الصّلاة والتّمام عليها إلى أدائها وإفراغها وهي تكبيرة الإحرام بمعاني اتفاقهم. (1/227)
صفحة 228
إنّها أوّل الفرائض من الصّلاة الداخلة فيها. فهو صحيح من القول عندنا إذا ذكر ذلك وخطر بباله عند الدّخول في الصلاة لم يثبت له العمل إلّا باعتقاد النّية مع ذلك. فيخرج في معاني الاتّفاق أن النّسيان مرفوع عن المؤمن. وأنه على نيته المتقدّمة في الأعمال اللاّزمة. ومضى ذكر ذلك في اعتقاده ومذهبه تجديد ذلك والثّبوت عليه. فدخوله في العمل على تقدّم النّية ثابت له على نسيان التّحديد وعلى هذا يخرج عندي ما حكاه عن النّعمان. وأمّا إذا ذكر ذلك فلم يعتقده واعتقد غيره استحال العمل عندي في معاني الاتّفاق ولم ينفع لأنّ الأعمال بالنّيات ولا تتمّ إلا بها.
مسألة: ومن حاشية الكتاب: وجدت عمن يصلّي الظّهر فنواها. فلمّا أن أراد لن يجدّد النّية عند تكبيرة الإحرام نسى فنوى صلاة العصر. ثمّ ذلك بعد ذلك وقد دخل في الصّلاة وقرأ الحمد أو نصفها ثمّ ذكر. أيبني على صلاته أم يجدّد النّية؟ (1/228)
صفحة 229
الجواب بل إذا ذكر يبني على صلاته. قلت: أرأيت إن رجع وجدّد النّية وكبّر تكبيرة الإحرام أتنقض صلاته أم لا؟ الجواب: فلا ينتقض أيضا على هذه الصّفة لأنّه أعاد في حدّ ثاني والله أعلم. من جامع أبي محمّد: والواجب على المرأة ألا تدخل الصّلاة بنية لما ثبت من إيجاب النّيات عند إنفاذ* العبادات. ومن غيره: وعن الذي خرج من منزله أو غيره يريد أن يتوضّأ لصلاة الفريضة في وقتها ثمّ نسي أن يعتقد ذلك عند الوضوء أنّه لصلاة الفريضة. ثمّ نسي أن يعتقد ذلك عند الوضوء أنه لصلاة الفريضة أو اعتقد النّية لصلاة الفريضة ثمّ قام يصلّي فنسي أن يحضر نيته أن يصلّي صلاة الهاجرة أو غيرها من الفرائض وذكر ذلك في الصّلاة أو لم يذكر حتّى قضى الصّلاة ونيته قد تقدّمت من قبل إنّما أخرجه من موضعه الوضوء والصّلاة به حال صلاته. فمعي أن صلاته تامّة وله نيته التي قام إليها. ولها من وضوء أو صلاة حتّى يعلم أنه أحالها. وقلت: إن كان إماما فنسي أن ينوي أنه إمام لمن صلّى معه جماعة. (1/229)
صفحة 230
هل تكون صلاته تامّة؟ فمعي: أن صلاته تامّة إذا كان أمام المسجد في المتقدّم وإلى ذلك قصد حين تقدّم أم حين قام أو حين أمّ لم يعلم أنّه استحال ذلك إلى غيره حتّى أتمّ صلاته.
مسألة: من حاشية الكتاب يذكر أنّها من الأثر: وأمّا الذي سافر وأراد أن يصلّي صلاة السّفر فنوى صلاة الحضر نسيانا. أو كان في حضرة فنواها سفرا نسيانا. أو كانت ظهرا فنوها عصرا. أو كانت صلاة العشاء المغرب فنوها العشاء الآخرة، أو العشاء الآخرة فنواها العشاء المغرب نسيانا من ذلّة* لسان لم يتابعها قلبه. وذكر وهو في الصّلاة أو قد خرج منها. أيتمّ صلاته أم لا؟ الجواب: فعلى هذه الصّفة فصلاته تامّة ولا نقض عليه والله أعلم. ووجدت في الأثر أيضا: أن المصلّي إذا نسي اعتقاد النّية فذكرها وقد صلّى فلا بأس عليه وصلاته تامّة./ 230/ (1/230)
صفحة 231
وإن ذكرها وهو في الصّلاة يجدّدها فلا صلاة له. وعليه النّقض لأنّ الأعمال بالنّيات والله أعلم- ارع إلى الكتاب. مسألة: وعن رجل يصلّي ولا يعرف الفريضة من الصّلاة لعلّه أراد من السنّة. قلت: هل يسعه ذلك. وهل تتمّ صلاته إذا اعتقد أنّه إنّما يصلّي الفريضة التي تعبّد الله بها؟ فصلاته تامّة إن شاء الله. وليس له أن يعتقد السنّة فريضة إلا على وجه اللزوم. وقلت له: وكذلك الفريضة والسنّة والنّافلة؟ فنعم لا يلزمه علم ذلك ما لم يجعل الفريضة تفلا ولا النّفل فرضا.
مسألة: وعن الذي يقوم في الصّلاة فيسهو عن الكعبة أن يذكرها وهو يعلم أنها قبلة. قلت هل عليه بأس في صلاته؟ فلا بأس عليه في صلاته والنّاس معذور إذا أتى بالعمل على وجهه وإنّما نسى اعتقاد النّية. (1/231)
صفحة 232
ومن غيره قال بشير: لا أعلم أن أصحابنا اختلفوا في الذي يفعل شيئا من الفرائض أن يقدّم نية في ذلك. واختلفوا في شهر رمضان: فقال بعضهم: كلّه فريضة واحدة. وقال بعضهم: في شهر رمضان كلّ يوم منه فريضة. واحتجوا بالسّحور إن النبي (ص) كان يحثّ على السّحور لتأكيد الاعتقاد للصّوم في كلّ ليلة. قال غيره: نعم الأعمال لا تقوم إلّا بالنّيات. إلا أن نية المصلّي في أداء الفرائض وعمل الطّاعات وهو على نيته ما لم يحوّلها. ويذكر ذلك نسخة ويذكر غيرها.
مسألة: ومن كتاب محمّد بن إبراهيم: وإذا أراد المصلّي إن ينوي الصّلاة. فإنّه يقول أصلّي في مقامي هذا الفريضة التي افترضها الله عليّ وهي صلاة كذا وكذا ركعة إلى الكعبة فريضة طاعة لله ولرسوله محمّد (ص). (1/232)
صفحة 233
فصل في القبلة أوجب الله تعالى على من خوطب بالصّلاة التّوجّه إلى الكعبة لقوله تعالى: " فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره" فلذا كان المصلّي على التّوجّه قادرا وجب عليه استقبالها. وإذا كان المصلّي مشاهدا لها صلّى إليها من طريق المشاهد. فلذا كان عنها غائبا استدلّ عليها بالدّلائل التّي نصّبها الله تعالى عليها مثل الشّمس والقمر والأرياح والنّجوم وما أشبه ذلك. ولا خلاف بين أهل الصّلاة في إيجاب ذلك عليه. إذا خفت عليه الأدلّة سقط عنه فرض التّوجّه وكان عليه فرض التّحرّي نحوها. فإذا صلّى بعض الصّلاة ثمّ انكشفت له بعض الأدلّة التّي يستدلّ بها على الكعبة توجّه إليها وبنى على ما مضى من صلاته. إن فرض التّوجّه لزمه عند علمه بالجهة. إنّ ذلك لما روي عن ابن عمر قال: بينما النّاس في صلاة الصّبح بقباء إذا* أتاهم آت فقال: إن رسول الله (ص) نزل عليه قرآن وأمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. ففي هذا خير دليل على وجوب العمل بالخبر الواحد. (1/233)
صفحة 234
وكانت وجوههم نحو القيام فاستداروا إلى الكعبة. وكذلك إذا صلّى جميع صلاته ثمّ علم لم يكن عليه إعادتها خرج الوقت أم لم يخرج. ويدلّ على هذا ما روى بعض الصّحابة أنّه قال: كنّا مع رسول الله (ص) في ليلة مظلمة فلم ندر القبلة. فصلّى كلّ واحد منّا حياله. ثمّ أصبحنا فذكرنا النّبيّ (ص) فقرأ " فأينما تولّوا فثمّ وجه الله". ولا تجوز الصّلاة المفروضة في الكعبة. وإن كان بعض أصحابنا قد جوّز ذلك. الدّليل على أنّها لا تجوز أنّ الله تبارك وتعالى أوجب على القائم إلى الصّلاة استقبالها. وأمره باستقبالها. ونهى عن استدبارها أو استدبار بعضها. فلزم استقبال جميع الكعبة. والاستقبال على قدر طاقته. والمصلّي في الكعبة قد ترك شيئا من الكعبة مع قدرته على استقبالها. ولو سمّى التّوجّه إلى بعضها مستقبلا للكعبة لسمّى المستدبر لبعضها مستدبر الكعبة/ 234/ (1/234)
صفحة 235
وقد روي أنّ جابر بن زيد رأى رجلا يصلّي على الكعبة. فقال: من المصلي لا قبلة له. ويجوز أن يصلي في الكعبة تطوعا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين تطوعا. فيجوز لمن فعل ذلك تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن كتاب: ولا تجوز الصلاة إلا بالتوجيه إلى الكعبة مع القدرة عليها. والمصلي لا يخلو من ثلاثة أحوال: فمصل تحضره الكعبة ذو بصر فالواجب عليه أن يتوجه إليها من طريق الخير. وكذلك إذا غاب عنها ولم يكن له حاسة يدرك بها الدليل عليها- ارجع إلى الخبر. ومصل غابت عنه فعليه أن يستدل بالأعلام المغصوبة من الشمس والقمر والنجوم والرياح. فإذا عرف المصلي هذه الدلائل استدل بها على الجهة التي يقصد بها بالصلاة إليها. وروي عن على بن طالب أنه قال أوضح الدلائل على القبلة الرياح. ولعمري أنه قد قال قولا لأن الرياح أربع والكعبة لها أربع جهات فلكل جهة منها ريح يستدل بها عليها وهي دبور وصيا. (1/235)
صفحة 236
وسمى قبول وجنوب وشمال. وقد قيل أن العرب سمت الرياح بهذه الأسماء بالكعبة لأنها قبلة لأهل الدنيا. فلما رأت الرياح جاءت فضربت جنب الذي من الشمال فسموها شمالا. ولما جاءت فضربت الجانب الآخر الذي ليس بشمال فسموها جنوبا. ولما جاءت فضربت وجه البيت سموها قبولا وصيا لأنها جاءت من قبل البيت ولما جاءت فضربت ظهر البيت سموها دبورا لأن الظهر يسمى دبرا. قال الله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره}. يعنى ظهره والله أعلم. ومن غيره: صفة الارياح لاستدلال القبلة. فقال: حد ريح الشمال من موضع القطب إلى غروب الشمس عند استواء الليل والنهار. وحد ريح الدبور من هذا المغرب إلى مغرب سهيل، وحد ريح الجنوب من حد مغرب سهيل إلى مطلع الشمس عند استواء الليل والنهار. وحد ريح القبول من هذا المشرق إلى حد القطب. والنظر يوجب عندي أن الإنسان إذا كان جاهلا بالقبلة وهو عارف بالدلائل التي يستدل بها على مر الرياح والنجوم والشمس والقمر. (1/236)
صفحة 237
أو يجد من يعرفها أو يعرفه الدلائل عليها فإنه لا يعذر بجهلها. وعذره مقطوع لقيام الحجة عليه مما ذكرنا والله أعلم.
*مسألة: في أدلة القبلة: أعلم أن الإنسان يكتفي في البلاد والقرى بالمحاريب والمساجد والقبور عن طلب الأدلة عن القبلة. ومن كتاب: ومن حول وجهه عن الصلاة عن القبلة مختارا لذلك وكان يجد السبيل على الاستدلال عليها فلم يفعل؟ فسدت صلاته بإجماع الأمة. إلا أنهم أجمعوا أن المحاريب يصلي حيث توجه. فعندي: أن ما كان في معناه كان مثله وكان ضرورة كالمطلوب والمريض لا يجد السبيل إلى الانتقال ونحو هؤلاء. وتجوز صلاة النافلة إلى غير القبلة إذا ابتدأها مستقبلا وجهه القبلة. ذلك لما تقدم من ذكرنا لذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. (1/237)
صفحة 238
ومن كتاب: وللإنسان أن يصلي إلى غير القبلة إذا خشي من التوجه إليها. وكذلك يجوز أن يصلي راكبا وراجلا من طريق الايماء. من كتاب أبي جابر: وقيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو بيت المقدس لئلا يكذبه به اليهود. فصلى هو وأصحابه أول ما قدموا المدينة سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس. وقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: «وددت ان ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها». فقال جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم انما أنا عبد مثلك فسل ربك. فصعد جبريل إلى السماء. وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بما سأل. فأتاه بذلك وأنزل الله عليه: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها}. وهي الكعبة فصارت قبلة بيت المقدس منسوخة. وقيل: أنزل الله عليه ذلك وهو في الصلاة فتحل في الصلاة عن قبلة بيت المقدس إلى الكعبة. (1/238)
صفحة 239
وكذلك من عميت عليه القبلة ثم استبان ذلك له في الصلاة يحول. وإن أكمل صلاته قبل أن يستبين له فلا إعادة عليه. *مسألة: ومن غيره: وعن الذي يقوم في الصلاة فيسهو عن الكعبة إن يذكرها وهو يعلم أنها قبلة. قلت: هل عليه بأس في صلاته؟ فلا بأس عليه في صلاته. والناسي معذور إذا أتى بالعمل على وجهه وإنما نسى اعتقاد النية. *مسألة: ومن غيره: وذكرت في الذي ينوي وإذا أراد الصلاة انه مستقبل القبلة. أو ينوي أنه مستقبل بيت الله الحرام. أو ينوي أن قبلته الكعبة التي بمكة. قلت: وإن نسي أن ينوي حين قصد الصلاة شيئا من هذا ونيته فيما يستقبل من عمرة أن قبلته الكعبة التي بمكة وإنما هو ربما نسي النية حين ذلك وليس نيته في عمره فيما يستقبل من صلاته إلا أن نيته ان قبلته الكعبة التي بمكة فما يكون حاله بالنسيان وما يلزمه ان يحضره من النية؟ (1/239)
صفحة 240
فمعي أنه يكون اعتقاده إذا كان عارفا بمعاني الثبوت الكعبة وأسمائها كما قال الله تبارك وتعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}. فهذا على معنى التسمية والقصد. وقد قيل: ان الكعبة هو البيت المسمى في هذا الموضع على معنى ما قيل قبله لأهل المسجد الحرام. والمسجد كله قبله لأهل الحرم. والحرم كله قبلة لأهل الآفاق ممن علينه أو غاب عنه على القصد إليه. ومعي أنه يختلف في معنى قصد المصلي إلى ما يقصد. فقيل: أنه لا يجزيه بنيته إلا إلى الكعبة وهو البيت حيث ما كان وافقه أو وافق شيئا من الحرم خارجا منه في قصده وجهته. فقد خرج من معاني الاحتياط إلى استقبال البيت على معنى النظر. وقيل: يجزيه أن يقصد إلى استقبال الحرم إذ هو قبلة. وكذلك يجزيه أهل الحرم ان يقصدوا إلى استقبال المسجد إذ هو قبلتهم. وقد يخرج ان الحرم كله كعبة. ويقول الله تبارك وتعالى: {هديا بالغ الكعبة}. (1/240)
صفحة 241
فأجمع أهل العلم لا أعلم بينهم اختلافا ان الهدي إذا بلغ الحرم فنحر في شيء منه أنه قد بلغ الكعبة وأنه مجز لصاحبه. فثبت ان الحرم كله كعبة. وقد قال الله تبارك وتعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس. فهو في معنى الصلاة في استقبالها غب الصلاة. فثبت في معاني ما قيل أن الحرم قبلة لمن خرج منه من أهل الآفاق. ولولا ذلك لضاق المعنى فيه. وأما النية المتقدمة في استقبال الكعبة في نية المصلي للصلاة فثابته له فيما لا أعلم فيه اختلافا. فإن ذكر ذلك عند قيامه للصلاة أو دخوله فيها واستفتاحها أو هو في شيء فيها حد ذلك الاعتقاد وتلك النية ومضى عليها. وإن نسي ذلك حتى فرغ من صلاته وهو متوجه للقبلة؟ فقد تمت صلاته فيما لا أعلم فيه اختلافا لأن الناسي معذور. *مسألة: قال أبو سعيد: معي أنه قيل أنه ما بين مآب سهيل إلى مآب نبات نعش قبلة لأهل المشرق. (1/241)
صفحة 242
وما بين مطلع نبات نعش إلى مطلع سهيل قبلة لأهل المغرب. وما بين مآب نبات نعش إلى مطلعها قبلة لأهل سفالة وما بين مآل سهيل إلى مطلعه قبلة لأهل العلاية.
*مسألة: من الزيادة المضافة: قال أبو سعيد من وجد من يدله إلى القبلة وقد عميت عليه فتحرى وجهل أن يسأله الدلالة؟ فمعي أن عليه البدل. فإن فات الوقت ولم يبدل الصلاة؟ فمعي أن بعضا يرى عليه الكفارة لأنه لا يسعه ترك الحجة. قال قائل: فما تقول في هذه المساجد إذا اعتقدت أن القبلة قبلتي فصليت فيها محرابها ولا أعلم هي مستوية إلى القبلة أم زالت. هل تكون صلاته تامة؟ قال: هكذا عندي إن شاء الله لأن أهل القبلة لا يجمعون على الباطل في مثل هذا.
*مسألة: من كتاب الأشياخ: عن أبي الحسن البسياني. (1/242)
صفحة 243
قلت: النية للقبلة في أول الصلاة إذا كان يجمع يجزيه نية واحدة. أم عند كل صلاة نية؟ قال: يجزيه النية مرة واحدة لما صلى في مقامه ذلك ما لم يتحول إلى غيره. وقال آخرون: تجزيه نية القبلة مرة واحدة في جميع عمره إذا دان باستقبال القبلة. ويعتقد أن الكعبة قبلته أجزأه. ومن غير الزيادة المضافة: *مسألة: وقلت لو كان بعض الأمصار دون الحرم قبلته وأن الكعبة قبلته قبل صون الصلاة وكان في نيته أنه يصلي إلى القبلة. فلما قال يصلي نسي القبلة أو ذكرها فلم يعتقد شيئا إلا أنه يصلي إليها وإنما يريد أنه مؤدي لما وجب عليه من تلك الصلاة وفي تلك الصلاة. هل يكون مؤديا؟ فمعي: أنه يكون مؤديا إلى القبلة ما لم يعلم أنه وجع عن اعتقاده ذلك في حين صلى أو لعلة تدين أو برأي أو بجهل أو بعلم. وقلت: لم كان ناسيا القبلة فاعتقد ذلك في الصلاة وقد مر منها شيء أو نقضت. (1/243)
صفحة 244
هل يكون مؤديا؟ فمعي أنه مؤدي. قلت: وإن كان جاهلا لقبلة ولا يعلم أين هي. ولا يعلم أن الله تعبده بصلاة إلى القبلة واعتقد في نيته أنه إنما يريد بصلاته هذه مؤدي ما أوجب الله عليه فيها أو منها أو لها وصلى إلى القلبة. هل يكون مؤديا؟ فمعي: أنه يكون مؤديا كان قادرا على معبر بها في وقته ذلك أم لا.
*مسألة: من كتاب قواعد الإسلام: وقيل: من تحير عن القبلة فليصل الصلاة أربع مرات إلى أربع جهات مختلفات والله أعلم. وأما الأعمى فرضه التقليد وإنه يقلد شخصا عالما بدلالة الكعبة مسلما مكلفا. وإن عدم من يقلده فليجتهد ويصلي الصلاة أربع. (1/244)
صفحة 245
فصل في تحري القبلة
وسألته عن رجل عميت عليه القبلة وصلى ثم تبين له القبلة أنه صلى على غير القبلة وهو في وقت الصلاة. هل عليه إعادة؟ قال: عمي أنه إذا لم يجد دليلا ولم يستدل هو على القبلة وصلى على التحري فقد تمت صلاته عندي على معنى قوله فتحرى القبلة.
*مسألة: وأما الرجلان اللذان اختلفا في القبلة فقال كل واحد منهما أن القبلة معه فصليا على ذلك ثم بان قول أحدهما أنه الصواب. فإن كان ذلك التحري من كل واحد منهما فكلاهما مصيبان. وكذلك يؤمر أن يصلي كل واحد منهما على ما وقع له من التحري ولا يتبع أحدهما الآخر. فإن كان ذلك من المصيب منهما عالما بذلك فإنما يقول ذلك على القطع بالشهادة فهو حجة على صاحبه. وليس له مخالفة المصيب منهما. وعليه البدل إلى الكعبة. وإن نجا من الكفارة عندي فحسن. (1/245)
صفحة 246
*مسألة: ومن جامع أبي محمد: واجمعوا أنه لو صلى وهو يرى أن الوقت قد دخل ثم تبين له أن كان صلى لغير القبلة لمانع منعه من غيم أو غيره أنه لا إعادة عليه في الوقت ولا في غير الوقت. وأجمعوا أنه لو صلى وهو يرى أن الوقت قد دخل ثم تبين له أنه صلى في غير الوقت إن عليه أن يعيدها متى ما علم بذلك في الوقت وغير الوقت. *مسألة: من كتاب أبي جابر: وقيل: خرج أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفر وحضرت الصلاة في يوم غيم فتحروا القبلة. فمنهم من صلى قبل المشرق. ومنهم من صلى قبل المغرب. فلما قدموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم. فنزلت فيهم: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله}. وقيل عند ذلك طلب النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرف عن قبلة بيت المقدس. وقيل: قبلة الكعبة لأهل المسجد. (1/246)
صفحة 247
والمسجد قبلة لأهل الحرم. والحرم قبلة لأهل الأرض جميعا. ومن غيره: قال محمد بن المسبح: يستحب لكل مصلي يعتمد قبلته الكعبة. فإن أخطأ ذلك وقال الحرم .... لقول الله عز وجل: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} يعني الكعبة. (1/247)
صفحة 248
فصل في المصلي إذا أدبر بالقبلة
وعن رجل يصلي فنعس في صلاته حتى أدبر القبلة ثم انتبه وهو مدبر بالقبلة. هل له أني يبني على صلاته؟ قال: معي أن له ذلك على معنى قوله. قلت: فإن نسي حتى أدبر بالقبلة وظن أنه قد أتم صلاته ثم ذكر. هل تنتقض صلاته؟ أيبني عليها؟ قال: معي أنه تنتقض صلاته إذا أدبر بالقبلة على النسيان.
*من جامع ابن جعفر: وقيل في إمام استقبل الذين يصلون ولا يدري حتى أتم الصلاة. ان الصلاة تامة. وإن علم في الصلاة تحول. قال محمد بن المسبح: هذا في الظلام إذا لم يبصرهم. وقال: إذا علم ذلك في وقته أبدلوا فإن ذهب الوقت فقد صلوا. (1/248)
صفحة 249
فصل الحدود في الصلاة
تكبيرة الإحرام حد. والقيام في موضع القراءة حد. وكل سجدة حد. والقعود حد. والتحيات حد. قال غيره: أما الحدود المسماة المتفق عليها فإنها هي ما يقع موقع العمل. وفي نسخة: أن القول موقوع إلا تكبيرة الإحرام. فإنه معي: أنه يتفق عليها أنها حد من حدود الصلاة. والحدود من الأفعال هو القيام في الصلاة حد وهو فريضة. والركوع في الصلاة حد وهو فريضة. وقيل: السجدتان فريضة كلاهما حد واحد. وقيل: كل واحدة حد. والقعود بين السجدتين أو السجدتين والتحيات حد. (1/249)
صفحة 250
والتكبيرة في الصلاة حد. وقول سمع الله لمن حمده حد. وكل تسبيح في الركوع والسجود حد. ومعنى الحد وتفسيره أنه لا يجوز تركه فهذا لا يجوز تركه. فهذا حد لمعنى قول الله تبارك وتعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن تعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}. (1/250)
صفحة 251
فصل في الستر
*مسألة: من كتاب أبي جعفر: وأما الكنيف لا يجزئ عنه إذا كان بين يدي المصلي في أقل من خمسة عشر ذراعا الا سترتان جداران أو حضاران. وقال من قال: وإن كان ثوبان مد واحد بعد واحد فهما سترتان. وأما خشبة تنصب بعد خشبة مثل السترة. فقيل: إن ذلك لا يجزي. كذلك ولو كان جدار غليظ لم يجز عن السترتين. وإن كان الكنيف تحت المصلى عليه إلا من فوق غمليين. قال أبو الحوارى: غمليين بينهما هواء. وقيل: إن كان الكنيف أمام المصلى في الأرض وهو يصلي على ظهر بيت من خلفه فلا بأس.
*مسألة: وكذلك قيل: إن مر كلب على جدار بين يدي المصلي فإن فضل من الجدار قدر عرض اصبع أو أكثر فلا بأس على المصلي. (1/251)
صفحة 252
وإن استفرغ الجدار كله ولم يكن للمصلي سترة غير ذلك نقض عليه صلاته وصلاة من صلى خلفه. ومن غيره: قال أبو عبد الله إذا كان رفع الجدار أكثر من ثلاثة أشبار لم يقطع عليه. وقيل: إن الإمام سترة ان خلفه. فإن مضى شيء مما ينقض بين يدي الإمام بينه وبين السترة انتقضت صلاته وصلاة من صلى خلفه. ومن غيره قال أبو عبد الله: تنتقض صلاة الإمام. وأما من خلفه فلا تنتقض صلاتهم ويتقدم منهم مصلي يتم صلاتهم. وإن مضى بين الإمام وبين الصف الأول انتقضت صلاة الصف الأول وكذلك من يليه منهم ولم يضر الإمام ولا من كان خلفه إلا ذلك الصف الأول. وكذلك إن مضى بين الصفوف انتقضت صلاة الصف الذي مضى بين أيديهم. ولا نقض على من كان خلف ذلك الصف ولا قدامه. وأما إن مضى الكلب أو غيره مما ينقض خلف الإمام بين يدي المصلي الصف الأول. فقيل: إن مضى على أول الصف ثم رجع قبل أن يتعدى الإمام فلا نقض عليهم أن الإمام سترة لهم. (1/252)
صفحة 253
وإن تعدى الإمام حتى جاوزه من خلفه؟ انتقضت صلاة الذين تقدمهم من ذلك الصف لأنه قد جاز بينهم وبين السترة. ومن غيره قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: إذا مر بين أيديهم ثم رجع انتقضت صلاة الذين من بين أيديهم. ومن غيره قال: وقد قيل أنه كان ممره أو مضى من قدام الإمام لم ينتقض على أحد. ولو كان مضى خلفه نقض على الذين مر قدامهم كما قال. *مسألة: وقيل: إذا كان بين المصلي وبين ما يقطع نهر جاري لم يقطع الصلاة. وقال آخرون بل يقطع. وفي نسخة: الصلاة. ومن غيره قال: وقد قيل هذا. وقال من قال: لأن الماء الجاري سترة للمصلي. وقال من قال: ليس بسترة. وقال من قال: يقطع الصلاة. والحسن من القول أن الماء الجاري الطاهر لا يقطع الصلاة. (1/253)
صفحة 254
والجاري سترة. وأما الطريق فلا يدفع عن قطع الصلاة.
*مسألة: قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تركز له الحربة فيصلي إليها. وقال الجذري: كنا نستتر بالسهم والحجر في الصلاة. وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستتر بالبعير. وقال الشافعي: لا يستتر الرجل بامرأة ولا دابة. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا ثبوت معنى السترة للمصلي أن يجعلها بين يديه. وثبت ذلك عنده في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك وأمر به. ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمرنا بالتقرب من السترة. وأن لا يكون بين المصلي وبين السترة شيء بينهما وبين سجوده فإن الشيطان يقعد هنالك. وأكد عنه في أمر السترة حتى قيل عنه أنه لو قال لو يعلم المصلي إذا صلى إلى غير سترة ما عليه لما صلى ونحو هذا. كذلك لو يعلم المار بين يدي المصلي وليس بينهما سترة لا تنظر ولو إلى أربعين خريفا. (1/254)
صفحة 255
وفي قول أصحابنا أن السترة جائزة مما كان من الطهارات. ومعي: أنه يجوز في قولهم الاستتار بالدواب والبشر من الرجال والنساء ما كان منها طاهرا. والرجل للرجل أحب من المرأة. والمرأة أحب إليّ من الدابة ومن جميع الأنعام. الأنعام أحب إليّ من الخيل والبغال وما أشبه ذلك. وغير ذوات الأرواح أحب إليّ من ذوات الأرواح مثل الجدار والخشب والحضار. ومعي: أنه يؤمر إذا كان الإنسان سترة للإنسان قائما أو قاعدا أن يدبر عنه ولا يقبل عليه. قال أبو سعيد أيضا: أنه يخرج في قول أصحابنا في معنى صفة السترة التي تكون بين يدي المصلي وتكون له سترة من جميع الممرات التي يدخل عليه العلل في صلاته. فأكثر قولهم في ذلك أنها تكون أشبار فصاعدا. ومعي: أنه قد قيل يجزئ في ذلك ذراع. وقيل: بقدر الشبر يجزي في ارتفاعه. وأما العرض فلا أعلم أنهم حدوا في ذلك حدا عن الممرات إلا أن يقع موقعا لا يكون سترة في برقع. (1/255)
صفحة 256
وأحسب أنه قال من قال: أقل ما يكون يشبه مثل السهم فعاصدا ولا يكون دون ذلك. وقال من قال: يجزئ مثل الأسلة. وقال كم قال: يجزي من السترة ولو قدر الشعرة إذا كانت مرتفعة قدر ما يكون سترة. فلا أعلم أن شيئا أدق من الشعرة أو ما هو مثلها. وقال: يجزي الخط عن السترة ولو وجد غيره من السترة. وقال من قال: لا يجزيه إلا أن يجد غيره من السترة المنتصبة أجزأ الخط وكان سترة. وقال من قال: الحجر الذي لا يطرح على الأرض ما كانت هي خير من خط في السترة لأنها أرفع. وقال من قال: الخط خير من حجر. وإنما معنى قول أصحابنا في ثبوت السترة في مثل هذا في ممرات الدواب النجسة لما في قولهم أن ذلك يفسد على المصلي صلاته فيكون هذا سترة له عن فساد صلاته. وكذلك قالوا في الجنب والحائض. وكذلك قعود هذه الدواب والجنب والحائض قدام المصلي خلف هذه السترة مجزية له هذه السترة إلا من النجاسات المجتمعات والراكدات بين يدي المصلي مثل الكنيف وما أشبهه إلا سترة تأخذ عرض المصلي في صلاته مع رفع ثلاثة أشبار. (1/256)
صفحة 257
فقال من قال: سترة واحدة تجزي عن فعل هذا. وقال من قال: سترتان بينهما خلل. وقال أبو بكر: كان عبد الله بن معقل يجعل بينه وبين سترته ستة أذرع. وقال من قال: أقل ما يكفيك ثلاثة أذرع. قال أبو سعيد: إن كان يعني هذه الأسباب التي ذكرها من الستة أذرع. وأشباه هذا أن يكون يجزي ويقوم مقام السترة في الممرات وما يقطع الصلاة منها. ولا أعلم في قول أنه لا يجزي ستة أذرع ممر شيء مما يقطع الصلاة. ولكن يخرج عندي في قولهم أنه سترة لصلاة المرأة مع الرجل بصلاة الإمام جماعة. فإذا كانت قدامه أو عن يمينه أو عن شماله ستة أذرع فصاعدا لم يضره على قول من يقول أنها تفسد صلاته. وأما الثلاثة الأذرع فيخرج أنها مجزية في النجاسة المجتمعة مثل العذرة الرطبة والدم الرطب وما أشبه ذلك. فقالوا: يجزيه في مثل ثلاثة أذرع إنفساحا عنه. (1/257)
صفحة 258
وقال من قال: ما لم يكن مثل هذا في موضع صلاته لم يضره ذلك ما لم يكن مجتمعا مثل الكنيف وما أشبه. وأما الستر عن الممرات والكنيف وما أشبهه من المسافات فلا أعلم في قول أصحابنا أنه يجزي من ذلك أقل من خمسة عشر ذراعا فصاعدا. وقد قيل: أقله تسعة عشر ذراعا. وإن كان يعني بهذه المسافات أنه يجوز أن يكون بينه وبين سترة ولا يضره ما مضى خلف السترة فليس لذلك حد معنا. ونستحب أن يكون قرب سترة ولا ينفسح عنها. فإن كان بعيدا منها بقليل أو كثير وكان الممر المفسد خلف السترة فلا فساد عليه.
*مسألة: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا. فإن لم يجد فلينصب عصا فإن لم يجد فليخط خطا ثم لا يضره ما مر من بين يديه. وحكى عن الكوفي أنه قال: لا يقطع الخط شيئا. قال أبو سعيد: قد مضى القول في ذكر هذا ما وواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو حسن أن يكون الأولى من ذلك أولا إذا أمكن. وإن كان قد جاء عن أصحبنا محملا أن السترة عن الممرات ما كان ارتفاعه ثلاثة أشبار فصاعدا. (1/258)
صفحة 259
ولا أعلم بينهم اختلافا بالتأكيد في العرض إلا ما وصفت لك في الكنيف وما أشبهه. ولعل في بعض قولهم أنه يجزئ عن السترة من سائر مما ذكر من السترة عن الكنيف مثل خشبتين ينصبهما قدامه واحدة جلف الأخرى وما أشبه ذلك. وهذا لعله أرخص ما قيل. وأما الخط فيعجبني أن يكون سترة عند العدم. وقال من قال: وأن يكون ما كان مرتفعا من السترة أولا منه حجر أو بعل أو غير ذلك. من كتاب المختصر: فمن صلى إلى شيء مما يستره فهو سترة له. وإن لم ينوه ستره ومن خشبة أو عود أو شيئا لا يواريه لم يكن سترة حتى ينويه أنه سترة.
*مسألة: ومن كتاب الأشراف: وأما الذي صلى وقدامه عذرة ولم يعلم حتى صلى؟ فمعي أنه قيل لا يفسد عليه في بعض القول حتى يمسه أو يكون في موضع صلاته. وأما إن كان قدامه خلاء ولم يعلم حتى صلى؟ (1/259)
صفحة 260
فمعي: أنه قيل عليه البدل إذا كان الخلاء دون خمسة عشر ذراعا ما لم يكن بينهما سترتان. وقيل: لا بدل عليه إذا لم يعلم حتى صلى. وأما الخطان والخشبتان ففي أكثر القول أنه لا يجزئ عن الكنيف. وقد قيل يجزئ. واما سائر المفسدات للصلاة فقد قيل تجزئ فيه سترة واحدة. والخشبة تجزئ إلا من الكنيف وما أشبهه. وأما الخط فقد قيل لا يكون سترة وقيل يكون سترة إذا لم يجد غيره من الساترات. وقيل يكون سترة على الممرات المفسدات. ومنه ومن الزيادة المضافة من الأثر: أحسبه معروضا على أبي المؤثر فإن لم يجد فيخط خطا. وقال بعضهم: مستطيلا أمامه كالعود الموضوع. وقال بعضهم: يكون خطا مستديرا وليعرضه أمامه. وأحب إلينا أن يكون مستديرا أو متعرضا قدامه.
*مسألة: وقيل إن كانت شجرة عيدانها في الأرض عود بعد عود فهو سترة الكنيف. (1/260)
صفحة 261
والذي تختاره للمصلى إذا أراد الصلاة أن يجعل تلقاء وجهه شيئا قائما مثل السارية والعصى. فإن لم يقدر على شيء خط في الأرض أمامه خطا. وروى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا صلى أحدكم فليجعل بين تلقاء وجهه سيفا. فإن لم يجد فلينصب عصا. فإن لم يكن معه عصا فليخط بين يديه خطا ثم لا يضره ما مر بين يديه». وقد خالفنا بعض أصحابنا في الخط والسترة وقال: إن الصلاة لا يقطعها شيء وليس هي كالحبل الممدود. وقد غلط من قال منهم بهذا القول لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في العصى والخط. وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك دليل على أن الصلاة تفسد ببعض ما يمر بين يدي المصلي لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو من فائدة. وقد روي عن طلحة بن عبيد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان بين يدي المصلي مثل مؤخرة الإنسان لم يبال ما مر بين يديه». وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «يدرأ المصلي عن نفسه ما مر بين يديه ما استطاع» دليل ما قلنا وغيرها من الأخبار عن عمر بن الخطاب وغيره ما يدل على ذلك. (1/261)
صفحة 262
ونأمره أيضا أن يمنع المسار بين يديه وهو في الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك. وفي الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدرأ المصلي عن نفسه ما استطاع فإن أبى أن يمتنع المار فليقاتله فإنما هو شيطان». وينظر في هذا الخبر لأن في آخره عن طريق أبي سعيد الخذري أن النبي صلى الله عليه وسلم نظرا لأنه قد روي عنه عليه السلام من طريق آخر: «لا يقطع الصلاة شيء فأدبروا ما استطعتم». وإذا صح الخبر إن لم يكن أحدهما ناقضا للآخر. فكأنه قال عليه السلام أن الصلاة لا يقطعها شيء إلا من أمرتكم بقتله أو صرفه». وعلى كل حال فإن المار بين يدي المصلي من غير عذر إذا لم يكن ممن يقطع الصلاة مروره أثم والله أعلم. ويقول عمر بن الخطاب لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لأقام حولا خيرا له. (1/262)
صفحة 263
فصل ما يقطع الصلاة من النجاسات
من الزيادة المضافة: أحسبه معروضا على أبي المؤثر. وإذا كان بين يدي المصلي وبين الكنيف أقل من خمسة عشر ذراعا قطع عليه صلاته إلا أن يكون بين يدي المصلي وبين الكنيف سترتان اثنتان غير جدار الكنيف المبني عليه. فإن كان كذلك فلا نقض عليه وتكون السترتان ما كانتا إذا كانتا طولهما ثلاثة أشبار كل واحدة منهما خلف الأخرى وبينهما فرجة لا يكون أحدهما لازقة بالأخرى. فإن كانتا لازقتين بعضهما بعضا وليس بينهما فرجة والله أعلم. قال غيره: إذا لم تكن فرجة فلا يجزه. وقال أبو المؤثر: إذا كان على الكنيف جدار أجزأه سترة واحدة من وراء جدار الكنيف إذا كان جدار الكنيف رقعة ثلاثة أشبار.
*مسألة: وإذا اجتمعت العذرة في موضع فهي بمنزلة الكنيف ولو لم يتخذ كنيفا في الأصل. ومن غيره قال: وقد قيل لا تكون بمنزلة حتى تسمى بالكنيف وتتخذ كنيفا. (1/263)
صفحة 264
وإنما يقطع إلى ثلاثة أذرع إذا كان رطبة على العمد من المصلي. وقال من قال: رطبة أو يابسة فلا تفسد الا أن تمس المصلي ويكون في موضع صلاته. وقال من قال: تفسد إلى ثلاثة أذرع كانت يابسة أو رطبة إذا صلى على التعمد إليها ويجري فيها السترة الواحدة ما لم يكن كنيفا.
*مسألة: ومنه ومجتمع مياه البواليع ومجاري الكنيف الذي يجتمع من العذرة بمنزلة الكنيف. ومن غيره قال: وقد قيل ليس هو بمنزلة الكنيف وهي بمنزلة العذرة وإنما هي تقطع على التعمد.
*مسألة: ومنه: وأما مياه المطاهر التي يخرج من الاستنجاء فليس هي مثل الكنيف وهي نجسة. ومن يصلي وهي بين يديه قريبا منه ومن غيره قال معي أن الماء الذي يقطع الصلاة إلى ثلاثة أذرع.
*مسألة: وإذا كان الكنيف مرتفعا مقدار ثلاثة أشبار أو اكثر وهو في قبلة المصلى وبينهما أقل من خمسة عشر ذراعا فإنه يقطع عليه حتى يكون بينهما سترتان ولا ينفعه ارتفاعه عنه. (1/264)
صفحة 265
قال أبو المؤثر: الله أعلم. ومن غيره قال: وقد قيل ينفعه ذلك إذا كان مرتفعا ثلاثة أشبار وكان قدامه ولم يكن فوقه أعلا منه أو أسفل في موضع الدواب. وإذا كان الكنيف على ظهر البيت وكان المصلي في داخل البيت إن كان الكنيف قدام المصلي بقليل كان أو كثير متقدما وموضع كنيف قدامه لا ينال من موضعه الذي يصلي فيه صلاته تامة ولو لم يكن بينهما سترة غير القماء. وكذلك إذا كان المصلي على ظهر البيت والكنيف داخل البيت. قال: وأما إذا كان المصلي تحت الكنيف أو فوقه ويناله ويصلي أمامه من أسفل واعلا لا متقدم الكنيف ولا متأخر عنه يفسد صلاته. قال المضيف: لعله أراد فإنه يفسد صلاته إلا أن يكون بينهما سترتان بينهما فرجة. وقال: وإذا كان المصلي مرتفعا عن موضع قدامه كنيف يكون ارتفاع ذلك الموضع الذي يصلي فيه ما يزيد على قامة المصلي الذي يصلي من ذلك الموضع قليل أو كثير فإن صلاته تامة. ويجوز له أن يصلي في ذلك الموضع. وكذلك إن كان الكنيف مرتفعا عن موضع قدام المصلي يكون ارتفاع ذلك الموضع قدر ما يزيد على قامة المصلي؟ فإنه يجوز الصلاة في ذلك الموضع والله أعلم. (1/265)
صفحة 266
باب في بناء المساجد وفضلها وفي الآذان وفي فضل الآذان وما جاء منه وفيما ينبغي للمؤذن ومعاني ذلك وما أشبه ذلك
كتاب بناء المساجد: إن الله تبارك وتعالى ذكر المساجد في كتابه فعظم شأنها وبين فضلها وحث على عمارتها. فقال تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال}. وقال عز وجل: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر}. ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المساجد بعضها أفضل من بعض لقوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والبيت المقدس». وعن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قلت يا رسول افتنا في بيت المقدس. قال: «أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره». (1/266)
صفحة 267
قلت: من لم يطق ان يحتمل إليه. قال: «فليهد إليه زيتا يسرج فيه فإن صلاة أهدى له كمن صلى فيه». وقال صلى الله عليه وسلم: «إن خير البقاع المساجد». وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة». وروي عنه عليه السلام أنه: «من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة». وينبغي لمن بنى لله بيتا أن يكون جيدا واسما للصلاة والذكر ويكره له التزاويق بالخضرة والصلاة. وهكذا النقوش بالسنادح والجص والشرف وهكذا كثرة الحلوق فيه. وروي عنه صلى الله عليه وسلم: «ما ساء عمل قوم قط إلا أن زخرفوا مساجدهم». وروي عن عثمان أنه قال: كان في المسجد اترجة فقال: «ألقوا هذا فإنه يشغل المصلي». وروي عن علي بن أبي طالب أنه مر على مسجد مشرف بالحجفة فأمر بها فأتلفت وألقيت. (1/267)
صفحة 268
فهذا يدل على عمارة المساجد ليس هو مما يفعله الناس. إنما عمارتها أن تصان عن رفع الأصوات بالخصومات وعن البيع والشراء. وكذلك عن قامة الحدود وعن الصناعات وعن اللغط في الكلام والخوض فيما لا يعني وعن حضور الصبيان وعن المجانين. ويعمر بالصلاة والذكر والقرآن ومدارسة العلم وتكنس وتنظف ويخرج منها القذى وتكسى بالحصر الجياد لمن أحب ذلك. ومن لم يمكنه جعل الحصى فإنه سنة. ويسرج فيها ليلا لصلاة الناس وتغلق أبوابها إلا عند أوقات الصلاة. روي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرضت أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد». وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كنس يوم الجمعة مسجد ولو ما يقذى العين كان له به عتق رقبة». وروي عن مجاهد قال كسح المساجد مهور حور العين. وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وروي عن أنس بن مالك أنه قال البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها. (1/268)
صفحة 269
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخاعة في القبلة فشق عليه ذلك حتى رؤى ذلك في وجهه فقام حكه بيده وقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته قائما هو يناجي ربه عز وجل فلا يبزق أحدكم في قبلته ولكن على يساره أو تحت قدمه اليسرى. فإن أخذ طرفا من ردائه فيبزق فيه رد بعضه على بعض. ثم قال: أو يفعل هكذا». روي عن أبي سعدي الخذري: أن النبي صلى الله عليه سلم كان يمشي في المسجد إذ رأى بزاقا في جدار فحكه أو مسحه ثم جعل مكانه زعفرانا أو طيبا. روي عن عمر بن شعيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن البيع والشراء في المسجد أو تنشد فيه الضالة أو أمر بالمعروف أو نهي عن منكرا ومعنى من معاني الطاعة. ولم يزد فيه حرفا وألحانا عند الإنشاد فلا بأس بمثل هذا فيما معنا والله أعلم. وفي موضع: فإذا رأيت في المسجد من يبيع أو يبتاع فقل لا أربحالله تجارتك. وإذا رأيت من ينشد ضالة في المسجد فقل لا ردها الله عليك. وعن وائله بن الأشفع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم ورفع أصواتكم وسل سيوفكم وعمروها بالجمع». فأما الصبي إذا أدخله أهله لقراءة القرآن فلا يمنع. (1/269)
صفحة 270
وإذا أفاق المجنون فلا يمنع في الحصة. ومن قال الشعر فيما يذمه العلماء مما يهجو به أحدا أو شعرا مكروها فيه ذكر النساء وما أشبه ذلك فينهى قائله عنه. وأما من قال الشعر يمدح فيه الإسلام أو شعر فيه تشويق إلى الجنة أو تحذير من النار أو يحث به قائله على طاعة الله. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أن من الشعر لحكمة وبنى النبي صلى الله عليه وسلم لحسان منبرا يقول فيه شعرا. وعن عمر بن عبد العزيز قال: كانت المساجد فيما مضى على ثلاثة أصناف. صنف في صلاتهم لهم من الله نور ساطع. وصنف ذكر معروج به إلى الله. وصنف سكت سالم فانتقل ذلك إلى .... السوء من أفنية الدور وبرية الأسواق إلى مساجدهم فصارت المساجد معادن ومزاحم صوتهم يتفكهون بالغيبة ويفيد بعضهم بعضا النميمة. وينبغي لمن دخل المسجد ألا يجلس حتى يركع فيه ركعتين. روي عن قتادة قال: دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الناس فجلست. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس. فقلت: بلا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيتك جالسا والناس جلوس. (1/270)
صفحة 271
فقال: «إذا دجل احدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين». وفي موضع «حتى يصلي ركعتين». فينبغي للمسلم أن يلزم نفسه ذلك ولا يتوانى عنه. ثم ليعلم المصلي أنه إذا صلى جمع فيه خصالا شريفة منها أنه تعظيما لبيت الله عز وجل إذا لم يجعله كسائر البيوت. وثانية طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به. وثالثة: لفضل الصلاة وأن المصلي مناج لربه. فإذا سجد قرب من مولاه الكريم. وإن كان دخوله لقضاء حاجة من حوائج الدنيا رجوت له إذا بدأ بالصلاة عجل الله عز وجل ويجيب دعوته ويحسن له الاختيار. وإن كانت حاجته من حوائج الآخرة ثم استفتح بالصلاة رجوت له أن يبلغه مولاه أمله إذا عظم بيته وأطاع رسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كبيرا. (1/271)
صفحة 272
فصل في الآذان وفضله
من جامع ابن جعفر: ومن غير الكتاب وزياداته: بسم الله الرحمن الرحيم وجدت أن الآذان للأعلام وهو عند أصحابنا سنة على الكفاية إذا قام بها البعض سقط عمن من لم يقم به. واختلف الناس أيضا فيه. فقال بعضهم: هو فرض. وقال آخرون: هو سنة. وقال بعضهم: هو فرض على الكفاية عنه صلى الله عليه وسلم أن المؤذنين يحشرون يوم القيامة رقابهم كرقاب الضباء وشعورهم من الزعفران يفرحون بالإسلام. قالوا: زدنا يا رسول الله. قال: «وإن المؤذن إذا صف قدميه إلى الآذان صفت الملائكة أقدامهم في أعنان السموات. فإذا قال الله أكبر الله أكبر لم يبق ملك في السماء إلا قال لبيك لبيك داعي الله بالإيمان. وإذا قالها ثانية قالت الملائكة كبرت تكبيرا وعظمت تعظيما. فإذا قال أشهد أن لا إله إلا الله قال عز وجل صدق عبدي أنا الله الذي لا إله إلا انا. (1/272)
صفحة 273
فإذا قال أشهد أن محمدا رسول الله قال عز وجل رسول من رسلي استخصصته بوحي لخلقي. فإذا قال حي على الصلاة قال: الصلاة تقام لذكري. فإذا قال حي على الفلاح قال قد أفلح من اتبعها وواظب عليها. ووجدت في حديث لعمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اغفر للمؤذنين ثلاث مرات. قال عمر رحمه الله: تركتنا يا رسول الله نجتلد على الآذان بالسيوف. قال: كلا يا عمر سيأتي على الناس زمان يتركون الآذان على ضعفائهم وتلك اللحرم حرمها الله على النار لحوم المؤذنين. وروى أبو عبد الله يرحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو تعلم أمتي فضل الآذان لتجادلوا عليه بالسيوف». فقال من قال: تركت يا رسول الله أمتك نخاف أن يقتتلوا على الآذان. قال كلا لا يكون مؤذنوا أمتي إلا ضعفائها. ثم قال أبو عبد الله: قيل لا تأكل الأرض النبيين ولا الشهداء ولا الأئمة العدل ولا المؤذنين. ويبعث الله المؤذنين يوم القيامة لهم اعناق يعلنون على الناس يشهد لهم من سمع أصواتهم من شجر أو حجر أو مدر أو غيره. (1/273)
صفحة 274
قيل أن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة يلبي الملبي ويؤذن المؤذن. ويغفر للمؤذنين مد أصواتهم. ويشهد للملبي والمؤذن كل شيء سمع صوته من شجر أو مدر أو رطب أو يابس. ويكتب للمؤذن بكل إنسان يصلي في ذلك المسجد مثل حسناتهم ولا ينقصون من حسناتهم شيئا. ويعطيهم الله في الآخرة وله ما بين الآذان والإقامة كالمنتظر وما في سبيل الله لكل يوم يؤذن فيه مثل أجر خمسين شهيدا. ولم مثل أجر القائم بالليل الصائم والحاج المعتمر وأجر جامع القرآن والفقه وأقام الصلاة وصلة الأرحام. وأول من يلبي يوم القيامة إبراهيم الخليل الرحمن لخلقته ثم محمد صلى الله عليه وسلم ثم النبيون المرسلون. ثم يكسي المؤذنون وتلقاهم الملائكة عليهم السلام يوم القيامة على نجايب من ياقوت أحمر أزمتها من زمرد ألين من الحرير ورجلاها من الذهب الأحمر وحافتها مكلل بالدر والياقوت عليها حبار من السندس ومن فوق السندس الاستبراق ومن فوق الاستبراقحرير أخضر وعلى كل واحد ثلاثة أسورة سوار من ذهب وسوار من فضة وسوار من لؤلؤ وفي أعناقهم الذهب مكلل بالدر والياقوت وعليهم التيجان مكلل بالدر (1/274)
صفحة 275
والياقوت والزبرجد نعالهم من ذهب وشراكها من الدر ولنجابهم أجنحة تضع خطوطها مد نظرها على كل واحد منها فتى شاب أمرد جعدي الرأس له كسوة على ما اشتهت نفسه حشوها المسك الأذفر ولو تناثر منها مثقال دينار بالمشرق لوجد ريحه أهل المغرب أبيض الجسم أنور الوجه اصفر الحلى أخضر الثياب. يشيعهم سبعون ألف ملك من قبورهم إلى المحشر. يقولون تعالوا انظروا إلى حساب بني آدم وبني إبليس لعنه الله كيف يحاسبهم ربهم وبي يديهم سبعون ألف حربة من نور البرق. فذلك قول الله تعالى يوم نحشر إلى الرحمن وفدا أي ركبانا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا يقول عطاشا. اختلف الناس في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة. فقيل: معناه على ظاهره وإن الله تعالى يحدث في أعناقهم طولا علامة لهم في المحشر وتخصيصا. وقيل: أطول الناس أعناقا أي جماعات يقولون هؤلاء أعنق الناس. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذن سبع سنين محتسبا حرم الله لحمه ودمه على دواب الأرض. وعن أبي هريرة قال: إن أطول الناس أعناقا يوم القيامة المؤذنون. (1/275)
صفحة 276
قال أبو بكر: يعني أطول الناس بالثواب. وعن محمد بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليم وسلم من أذن سبع سنين صابرا محتسبا غفر الله له ذنبه. ومن أذن سبع سنين حرم الله لحمه ودمه على النار. وعن أبي عمر البسياني قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا يقول أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: أما هذا فقد برئ من الكفر. فقال: أشهد أن محمدا رسول الله. وقال صلى الله عليه وسلم: آمن بنبيه ولم يره. وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا نوى بالآذان فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء ولا يرد الدعاء بين الآذان والإقامة. عن ابي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لم يجدوا الا أن .... ولو يعلمون ما في التجهير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوه ولو حبوا. وعن علي بن أبي طالب قال كنا في سفر فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الله اكبر الله أكبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا على الفطرة. (1/276)
صفحة 277
فقال أشهد أن لا إله إلا الله- فقال برئ من الشرك. فقال أشهد أن محمدا رسول الله- قال خرج من النار. فتبعنا الصوت فإذا براع قام حين حضرت الصلاة فأذن فبشرناه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤذنين ليعرفوا يوم القيامة بطول أعناقهم وإنه ليغفر له مد صوته. ويشهد له كل رطب ويابس. وهم يوم القيامة على كثبان المسك لا تصيبهم شدائد يوم القيامة ولا يحزنهم الفزع الأكبر. والمؤذن فيه كالشهيد المشتحط في دمه يتمنى على الله ما شاء وهو اول من يكسى بعد إبراهيم من كسوة الجنة. وعن ابي هريرة وابن عباس قال: من توالى الآذان في مسجد من مساجد الله فأذن لله صابرا محتسبا حافظا على المواقيت يريد به وجه الله أعطاه الله ثواب أربعين ألفا. وعن أمس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حوضي يشرب منه أنا ومن آمن بي ومن استسقاني من الأنبياء ويبعث ناقة ثمود صالح فنخليها ونشرب منها ولها رغاء والذين آمنوا به من قومه ثم يركبها من عند قبره حتى يوافي بها المحشر لها رغاء يلبي عليها». فقال معاذ: يا رسول الله وأنت تركب العصماء. (1/277)
صفحة 278
قال: لا ولكن تركبها ابنتي فاطمة واركب لنا البراق اختصت به من دون الأنبياء. ثم نظر إلى بلال. فقال: «وهذا يبعث يوم القيامة على ناقة من نوق الجنة ينادي على ظهرها بالآذان مخلصا أو حقا. فإذا سمعت الأنبياء وأمتها أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله نظروا إليه كلهم فقالوا شهدنا على ذلك فيقبل من قبل ورد من رد عليه. فإذا فرغ من آذانه استقبل بحلة من الجنة فلبسها. وأول من يكسى من حلل الجنة النبيون ثم الشهداء ثم بلال ثم صالح المؤذنين». وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفتح أبواب الجنة لثلاث خصال لمنادي الصلاة ولقارئ القرآن وعند نزول الغيث تستجاب الدعوة وفي الصف عند الصلاة ولدعوة المظلوم يبرز شرر كشرر النار لا ترد دعوته دون العرش يقول لها ابشري ابشري انتصر لك عاجلا وآجلا». عن ابي المليح عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله لي هل تدري فيم اختصم الملأ الأعلى. قلت: يا رب أنت أعلم به وبكل شيء. قال: اختصموا في الكفارات والدرجات. (1/278)
صفحة 279
ثم قال: يا محمد هل تدري ما الكفارات وما الدرجات. قلت: يا رب أنت أعلم. قال: أما الكفارات فإسباغ الوضوء في النبرات ونقل الأقدام إلى الخطوات وانتظار الصلاة بعد الصلاة. وأما الدرجات فإطعام الطعام وإفشاء السلام والتهجد بالليل والناس نيام. عن ابن عباس قال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن إسباغ الوضوء في المكروهات». (1/279)
صفحة 280
فصل في كتاب المجالس
فإن قيل إذا كان للمنادي للصلاة هذه الفضائل كلها فلم إذا تولى النبي صلى الله عليه وسلم الامامة ولم يتول الآذان؟ الجواب: منه من وجوه أحدهما انه لو تولى الآذان لاحتاج إلى تغيير بعض كلماته عن موضعها وذلك قوله أشهد ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو ذكر هذه الكلمة على هذه اللفظ أو هم السامعين أنه يشهد لغيره بالرسالة. ولو قال أشهد أني رسول الله كان قد غير بعض كلمات الآذان وذلك غير مستحسن. والثاني: أنه كان سيد الأولين والآخرين وليس من شرط السادة رفع الصوت. ومن شروط الآذان المبالغة في رفع الآذان وغير ذلك تركته. ويستحب للمتكلم ألا يتكلم في آذانه. فإن تكلم في آذانه بشيء يسير فيما يعنيه فلا بأس وإن تطاول به الكلام أي الآذان. وينبغي أن يكون قائما ويستقبل للقبلة بوجهه ويضع أصبعيه السبابتين في أذنيه ويرفع صوته وينظر إلى السماء. (1/280)
صفحة 281
وللآذان أصل في القرآن قال الله عز وجل: {يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة}. وقال فيما ذم به الكفار: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا}. ومن المصنف: ويروى عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه قال لو استطعت الآذان من الخلافة أذنت. وقال: لولا إمارتكم هذه لكنت مؤذنا. ولو كنت مؤذنا لكل امرئ ولما باليت إن لها انتصب لقيام ليلي ولا صيام نهاري. ويقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اغفر للمؤذنين» ثلاث مرات والله أعلم. من جامع ابن جعفر: عن محمد بن المسبح إذ قال حي على الصلاة. فقال: صلاة مفروضة وسنة متبعة. وإذا قال: حي على الفلاح. قال: أفلح من أجابك. وعن موسى بن على ثلاث من الجفا. ترك اتباع المؤذن. (1/281)
صفحة 282
وترك مسح الجبهة من بعد الصلاة. ومسحها في الصلاة. قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذن الله أكبر قلنا مثله. وإذا قال: حي على الصلاة قلنا ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله اللهم رب هذه الدعوة المستجاب لها دعوة الحق وشهادة الحق وكلمة الحق أحينا عليها وابعثنا عليها واجعلنا من صالحي أهلها لا حول ولا قوة إلا بالله وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما. وكلما أذن فقال مثله. وكذلك تتبعه في الإقامة إذا قام. وفي ذلك حديث مشهور وفضل عظيم. ارجع إلى كتاب بيان. (1/282)
صفحة 283
فصل في الآذان
من كتاب الأشراف: وجاء الحديث عن أبي محدرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب فأذن لأهل مكة. وقال أذنت بالأولى من الصبح الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم. وقال أنس: أشبه أن يقول في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لم يكن في الآذان الأول قول الصلاة خير من النوم. ما فعل ذلك .... ولا مشايخهم وإنما ذلك من فعل قولهم على معنى ما يخرج من قولهم. وفي معنى قولهم إن ذلك حدث في فعلهم والأحداث ما لم تكن فمن الأحداث ما لا يخرج إلى معنى القبيح إلا أنه لا يجتمع على معنى. ولا يتبع لمعنى إذا كان الأصل على غيره. ومعنى التثويب عند أصحابنا فيما عندي علامة لحضور الصلاة إذ في المتعارف معهم إن الآذان يجوز لصلاة الفجر قبل حضور الصلاة ووقتها. (1/283)
صفحة 284
فلما أن ثبت ذلك عندهم في التعارف لم يكن بد أن يفرق بين آذانها وغيره بسبب يعرف به من آذان المؤذن أنه إذا أذن في وقتها أو بعد فجعلوا التثويب في ذلك علامة من المؤذنين. فمن قول أصحابنا في ذلك أنه إذا أذن في وقت الصلاة حث بالصلاة على معنى يتعارف بينهم في ذلك. وهذا على معنى سبب التثويب في الآذان لصلاة الفجر دون غيرها من الآذان. ولو كان من المؤذنين في مواضعهم في سنتهم شيء غير هذا مما يعرف به الفرق بين ذلك كان جائزا على معنى التعارف. ومنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لماكل بن الحويرث ولابن عم له: «إذا سافرتما فأذنا وأقيما الصلاة وليؤمكما أكبركما». قال أبو بكر: فالآذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالآذان وأمره على الفرض. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن الآذان سنة في المساجد للجماعات للصلوات المفروضات على ما ثبت. كذلك وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمر من خلفاء المسلمين وأئمتهم. ويخرج معي ثبوت ذلك عن عامة أهل القبلة. ولا أعلم أن أحدا من أصحابنا أنه قال فريضة إلا أنه قد يخرج معناه مما يشبه معنى الفرض لقول الله تبارك وتعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا}. (1/284)
صفحة 285
كان هذا مما يدل على معنى ثبوته. كما قيل أن الجماعة فريضة وتقلبك في الساجدين فمضى هذا. قال من قال: إن الجماعة فريضة. وقيد قيل: أنها سنة ولعل أكثر ما قيل فيه. وكذلك معنى هذا لا يبعد عندي من اختلاف القول فيه. وقد قيل: أنها سنة ولعله أكثر ما قيل فيه. و أعلم أنه يخرج عندي في قولهم أن من ترك الآذان أنه لا صلاة له بمعنى الإعادة. إلا أنه تارك لمعنى الواجب لسنة وصلاته تامة. وأما الإقامة فيخرج معنى الاختلاف من قولهم في تركها. قال المضيف: هكذا عرفنا في المصلي وحده. والاختلاف عندنا في بعض الصلاة بترك الآذان في صلاة الجماعة في السفر والله أعلم.
*مسألة: من بعض كتب المسلمين رحمهم الله في ترك الآذان للجماعة حيث لا يسمع الآذان فيه اختلاف. وحيث يسمع الآذان لا أعلم اختلافا أن صلاتهم تامة. (1/285)
صفحة 286
*مسألة: من مختصر البشوى: والآذان يؤمر بها. فالرجال لا أحب لهم أن يصلوا جماعة إلا بآذان. وإن كانوا في بلد يؤذن فيه فإن الآذان لهم أفضل. والمتفرد جائز له أن يصلي بلا آذان. ويستحب الآذان في السفر لمن يكن حيث يسمع الآذان. وإن صلى فلا بأس.
*مسألة: روينا عن بلال وإلى محدوره أنهما كانا يجعلان أصبعيهما في أذانهما. قال أبو سعيد: معي أن معنى ذلك من قول أصحابنا مما يختلف فيه على الاستحباب للواجب. ومنه: أجمع أهل العلم أن من السنة أن يستقبل القبلة. قال أبو سعيد: هكذا يخرج معي إلا لمعنى إن كان يريد بذلك اجتماع الناس في المنارات إذا كان أحد أبوابها مستدرة للقبلة. فقد قيل: أن له أن يجعل كل شيء من آذانه باب من أبواب تلك المنارة حتى يبلغ بذلك نواحي من يرجو اجتماعه وفعله على هذا لمعنى اجتماع الناس عندي أفضل من استقباله القبلة في آذانه كله إذا كان لا يبلغ بذلك من يرجو اجتماعه. (1/286)
صفحة 287
ومنه أجمع أهل العلم على أن من السنة أن لا يؤذن للصلاة قبل دخول أوقاتها إلا في الفجر. وإنهم اختلفوا في الآذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لا يؤذن لشيء من الصلوات قبل دخول وقتها ألا صلاة الفجر. فإنه يجوز الآذان لها قبل وقتها في معاني ما يثبت من قولهم. فيخرج ذلك عندي على معنى التعارف من سنة الآذان في البلد وفي الموضع. فإذا كان ذلك معروفا فإنه لا يؤذن لصلاة من الصلوات إلا بعد أن يحين وقتها كان ذلك ثابتا والمخلف له محدث. وإذا كان شيء من الصلوات يجوز لها الآذان في التعارف قبل وقتها فلا بأس بذلك الآذان. إنما هو دلالة وبينة للصلاة. ومنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بعد طلوع الشمس يوم ناموا عن الصبح حتى طلعت الشمس أن يؤذن فأذن. ثم أمره صلى الله عليه وسلم فأقام الصلاة فصلى الغداة. قال أبو سعيد: هكذا يخرج في معاني قول أصحابنا. وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بلالا بالآذان. (1/287)
صفحة 288
كما ذكروا وقد ناموا في سفر لهم حتى أشرقت الشمس فأمر بلالا بالآذان فاجتمع الناس وركعوا ركعتي الفجر ثم أقام بلال وصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم. إن الآذان إنما هو الاجتماع لصلاة الجماعة وتنبيه وتذكرة لمعنى الصلاة. ويخرج معنا أن ذلك إذا كان القوم كلهم بتلك الحال كان الآذان سواء في وقت الصلاة أو بعد وقتها لأنهم بمعنى واحد. ولو أن مؤذنا نام عن الصلاة حتى فات وقتها ولزمته وأراد به الصلاة في نفسه كما أمرنا ولا حس معنا له أن يؤذن جهيرا بعد فوت وقت الصلاة إلا لمعنى يخصه لغير معنى الآذان الصلاة. وأما الآذان الجمع فيخرج في قول أن الجمع بآذان وإقامتين. كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في الجماعات لازم وفي غير الجماعات فضيلة ووسيلة. واختفوا في الآذان على غير طهارة. قال عطاء: لا يؤذن المؤذن إلا متوضئا. وكره آخرون ويجزيه أن فعل. وقال أحمد: لا يؤذن الجنب. وإن أذن على غير طهارة فأرجو ألا يكون به بأس. ورخص فيه آخرون. (1/288)
صفحة 289
قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا اختلاف في الآذان على غير طهارة. وأحسب أن من قولهم أنه إذن على غير وضوء وصلوا بذلك أن عليهم الإعادة. وفي بعض قولهم: عندي أنه لا إعادة عليهم. ومعاني الكراهية من قولهم عندي أن يؤذن على غير طهارة إلا من عذر. والجنب وغير الجنب في هذا سواء. وإن كان الجنب أشد معنى فإنه سواء في الآذان لأنه ليس فيه من القراءة شيء. وكذلك عندي أنه يختلف من قولهم في الإقامة على غير طهارة. وأحسب أن في بعض قولهم أنه لا يجوز صلاتهم على ذلك. وفي بعض قولهم: أنه لابأس على القوم في صلاتهم. وعلى المقيم الإعادة إذا كان على معنى يجب عليه إعادة الصلاة. وهذا القول عندي أشبه لمعاني قولهم لأنه يكون داخلا في الصلاة إلا تكبيرة الإحرام. ومنه: وإن اختلفوا في الآذان الصبي والعبد. قال أبو سعيد: عندي انه في قول أصحابنا أنه لا يؤذن الصبي حتى يحت يحتلم. (1/289)
صفحة 290
ويخرج هذا عندي من قولهم على معنى قول من قال بإعادة الصلاة على الآذان بغير طهارة. وقال من قال: أنه لابأس عليهم في صلاتهم. فلا معنى عندي أن يمنع آذان الصبي إذا حافظ على أوقات الصلاة وأذن في الأوقات وأحسن ذلك. وكذلك العبد عندي على هذا القول لا بأس بآذانه. والعبد أحب إليّ من الصبي ومنه. واختلفوا في آذان الأعمى. فرخصت طائفة فيه إذا كان له من يعرفه الوقت. وقال النعمان: يجزيه آذانه. وآذان البصير أحب إليّ. وكره آخرون آذان الأعمى. قال أبو سعيد: معنى الآذان عندي يخرج على القولين اللذين مضى ذكرهما. فعلى قول: من يشبه بمعنى الامامة ويفسد بمعناه الصلاة. فيدخل معانى هذا كله على قول من يقول لا يؤم الأعمى. وعلى قول من يجيز إمامته فلا يدخل معي في آذانه ولا إمامته شيء من هذا. (1/290)
صفحة 291
وكل هذا عندي يخرج على معنى هذين القولين. ومنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجلين إذا اسفرتما فأذنا وأقيما. قال أبو سعيد: معاني قول أصحابنا يخرج عندي على الأمر بالآذان في الجماعة في السفر والحضر والنهي عن ترك ذلك إلا بسبب عذر. إلا أنه يخرج عندي من قولهم أنه لو ترك الجماعة الآذان في السفر لحقهم معنى التقصير بلا إعادة صلاة إلا في صلاة الصبح. فمعي: أنه يختلف في قولهم في ترك الآذان لها من الجماعة في السفر. فبعض: يرى عليهم الإعادة. وبعض: لا يرى عليهم الإعادة أعني إعادة الصلاة. ويعجبني أن لا إعادة إذا تركوا الآذان حيث يسمعون الآذان في القرية وحيث الآذان والجماعات للصبح ولغيرها. فلا أعلم في ذلك اختلافا. ولعله بما قال للإعادة وفي ذلك اختلاف في السفر والحضر إلا أن صلاتهم تامة. فمعي أنه يختلف في قولهم في ذلك. وأكثر القول عندي ان على تاركها الإعادة جماعة عندي كانت أو فرادي. (1/291)
صفحة 292
ومنه: واختلفوا فيمن أراد أن يصلي في منزله مفردا له بغير آذان ولا إقامة. قال أبو سعيد: لا يؤمر الرجل بترك الجماعة في معاني قول أصحابنا في المساجد وصلاة الفرائض في منزله إلا من عذر. فإن فعل ذلك من غير عذر وسبب فمعي أنه يخرج في بعض معاني قولهم أنهم كانوا يأمرون بالآذان في المنازل لكل صلاة ويحثون على ذلك. ومعي أن بعضا منهم كان يؤذن في منزله لكل صلاة ويخرج الجماعة. ومعي أنه يريد بذلك عمارة منزله بالذكر. ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجعلوا لبيوتكم حظا من صلاتكم ولا تخذوها قبورا ولا مقابر». فالآذان من الفضل وفيه التذكرة لله. فهو حسن عندي في كل موضع بالجهر من الرجال. ومنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص: «اتخذوا مؤذنا لا يأخذ على آذانه أجرا». واختفوا في أخذ الأجر على الآذان. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في الأجر على الاذان لن يحسب ما يشبه ما مضى لأنه من طاعة. وفي بعض قولهم: أنه لا يجوز أن يأخذ أجرا على الطاعة كانت تلك الطاعة فريضة أو وسيلة. (1/292)
صفحة 293
وفي بعض قولهم: أنه لا بأس أن يأخذ الأجرة على الوسيلة على الطاعة لأن ذلك ليس بواجب عليه أن يعمله إذا لم يكن واجبا عليه لمعنى يلزمه من عمارة هذا المسجد خرج فيه معنى الاختلاف. ولا اعلم في قولهم له إجازة أخذ أجرة على طاعة يلزمه القيام بها من الفرائض. واللوازم. وأنه إن فعل ذلك لم يسعه ذلك وكان عليه رده مع التوبة في معنى قولهم. وغن كان في بيت مال الله فضل فأجري منه الإمام على المسلمين لمعنى ضعفهم في قيامهم بشيء من مصالح الإسلام من آذان أو إقامة. فلا بأس بذلك عندي لأن ذلك لهم في بيت مال الله إذا كان فيه فضل وإنما بيت الله في مصالح الإسلام بعد إقامة الدولة التي يحيا بها الحق ويموت منها الباطل.
*مسألة: قال أبو سعيد: إذا كان وقت الغيم وتحرى المؤذن للصلاة كان له أن يؤذن وليس التحري للآذان بأشد من الصلاة. وقال من قال: أنه لا يؤذن إلا عن يقينه. انه بآذانه يقع معناه دلالة لغيره على الصلاة. فإن أصاب فذلك. وإن لم يصب الصواب كان قد دل على غير الصواب. (1/293)
صفحة 294
وقال في المؤذن والحث منه للصبح في رمضان أنه حجة إذا كان ثقة في بعض القول. وقال من قال: لا يكون حجة في ذلك إلا بالبينة فيما قيل. *مسألة: من جامع أبي محمد: الذي يؤمر به المؤذن إذا أراد الآذان أن يكون على طهارة للصلاة. ولا يؤذن إلا أوقات الصلاة وإلا صلاة الفجر. فقد اتفق الناس على إجازة ذلك إلا في شهر رمضان فإنه لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر لما في ذلك من منع الناس عن الأكل وخاصة العوام الذين لا يعرفون الأوقات. وإنما يرجعون في ذلك إلى تقليد المؤذنين. وينبغي له ان يرفع صوته بالآذان لما في ذلك من فضل. وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليؤذن لكم خياركم وليؤمكمأقرؤكم». ويستحب أن يكون المؤذن فقيها عارفا بالأوقات بصيرا بما يجب على المقيم للصلاة ما يفسدها ويثبتها. واتفقوا على أن الآذان المقصود به الصلوات المفروضات. واتفقوا على أن التطوع لا آذان له ولا إقامة. واتفقوا على ان من أدرك شيئا من الجماعة فلا آذان عليه ولا إقامة. (1/294)
صفحة 295
واختلفوا في تقليد المؤذنين والصلاة بآذانهم. فقال بعضهم: لا تقليد في أوقت الصلاة وأن الفرض لا يؤدى إلا بيقين. قال الشيخ رضي الله عنه: كان قول ابن عمر أخذه عنه عن بعض المتقدمين من أصحابنا والجمهور من الناس يذهب إلى أنهم حجة في أوقات الصلاة لأن أهل الإسلام حجة. والدليل على ذلك ما عليه الناس أن القوم يكونون في المسجد ويأتي المؤذن فيؤذن ويقيم ويصلي بهم ويكون الإمام غيره وهو في جماعتهم قد تقدم قعوده مع القوم قبل دخول الوقت. وكذلك المرأة في منزلها والرجل أو الأعمى يسمعون الآذان في مثل الوقت الذي يرجونه ولا ينكرونه فيصلون بأذان المؤذن. ولا نجد الفقهاء يمنعون ذلك عن ذلك ولا لهم مع تعليمهم الناس أمر الدين يشرطون عليهم ترك تقليد المؤذنين. وقال كثير من أصحابنا بإجازة الآذان قبل دخول وقت الصلاة الجمعة والفجر. والعلة التي أوجبت إجازة الآذان الفجر قبل وقته بقوله عليه الصلاة والسلام: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم كلثوم». ثم قال في خبر آخر: «إن بلالا يوقظ نائمكم ويرد غائبكم». فكانت هذه العلة موجودة في صلاة الجمعة لأن أكثر الناس في أيام (1/295)
صفحة 296
النبي صلى الله عليه وسلم ان صلاة الصبح تفوتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم. فقال عليه السلام: «من سمع ندانا فليجب» وسألت الشيخ أبا مالك رضي الله عنه. فقلت له: أكون في منزل حيث لا أرى الشمس ولا أعرف الوقت دخل أم لم يدخل واسمع المؤذن يؤذن فأصلي بآذانه. فقال: ان كان المؤذن فقيها بأوقات الصلاة. وهو مع ذلك عدل لأنه لا يستحق اسم الفقيه ألا بأن يجمع له اسمان معرفة وورع. ان اسم الفقيه اسم مدح والله أعلم. واتفق أصحابنا فيما علمت أن عدد الآذان الذي جاءت به الرواية خمس عشرة كلمة. والاقامة سبع عشرة كلمة.
* مسألة: والمؤذنون في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة بلال وابن أم كلثوم ومجدوره. (1/296)
صفحة 297
ومن غير الكتاب: وعن موسى بن علي رحمه الله وعن مؤذن مسجد يكذب أيصلي بآذانه؟ فما نحب أن نتخذه مؤذنا إذا جرب ذلك منه. لعله ومن غيره: ويروى أن الشيطان يدبر إذا سمع الأذان. فإذا سكت المؤذن أقبل الشيطان لعنه الله. ولا يجوز الآذان قبل الصلوات. ومن أذن قبل دخول الصلاة أعاد آذانه. ويجلس المؤذن بين كل آذان واقامة الا المغرب. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «بين كل آذنين صلاة إلا المغرب».
* مسألة: فيما يقال عند آذان المغرب وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع أذان الفجر. قال «اللهم إني أسألك عند إقبال نهارك وأدبار أيلك وحضور صلواتك وأصوات دعاء عبادك أن تتوب علي وتغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم». وإذا سمع آذان المغرب قال مثل ذلك. ومن قال ذلك عندهما فمات من يومه أو ليلته كان له أجر شهيد. (1/297)
صفحة 298
وان عاش عاش مغفورا له.
* مسألة: وعمن يؤذن في المساجد. ما أفضل أن يؤذن في أول الزوال أم حتى يتوسط الوقت؟ قال: حتى يتوسط الوقت. وكذلك في العصر أو ما يدخل أم حتى يمسى عن ذلك. قال: المأمور بالآذان في أول الوقت ليقوم الناس للصلاة والطهارة.
* مسألة: قال أبو سعيد: قد قيل فيما يروى أنه قيل كن إماما أو مؤذنا لإمام. ولا تكن الثالث فيفوتك فضل الامامة والآذان. ان المؤذن قالوا له فضل كل من صلى بآذانه. والإمام له فضل صلاته وفضل كل من صلى بصلاته. ولن ينقض ذو فضل من الفضل شيئا.
* مسالة: وقال لا يؤذن في المسجد وعماره كارهون لذلك. قلت: وما حد الكراهية أهم كارهون حتى يعلم من ألسنتهم الرضا أوهم راضون حتى يعلم من ألسنتهم الكراهية. (1/298)
صفحة 299
قال: إذا اطمأن قلبه انهم راضون بذلك كان له أن يؤذن ويملي على اطمئنانة قبله حتى يعلم الكراهية منهم بألسنتهم. قلت: فهل لإمام المسجد أن يقدم غيره في المسجد يؤو القوم صلاة القيام في شهر رمضان. قال: نعم إذا رجا أنهم لا يكرهون ذلك.
* مسألة: قال بشير عن فضل إذا سمعت مناديا للصلاة وأنت لا تعرف الوقت. فلا بأس أن تصلي إلا أن يكون مناديا يعلم أنه ين قبل الوقت. قال غيره: نعم لأن أهل القبلة مأمونون على أوقات الصلوات.
* مسألة: من كتاب أبي جابر: و الآذان هو آذان للصلاة.
* مسألة: ولا بأس بالآذان في السفر على ظهر الدابة. وعن أبي الحسن: أنه سمع مؤذنا يؤذن قبل طلوع الفجر. (1/299)
صفحة 300
فقال علوج يتنازونتنازي الديكة كلما اطرب الديك طربوا. هل كان الآذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد طلوع الفجر. إن بلالا أذن مرة قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد. وان ابن عمر مثل ذلك. وزاد مرة مع الاعادة ان ينادي على نفسه الا ان العبد قد نام فصعد المنبر وقال ليت بلالا لم تلده أمه واقبل من نضح الجبين دمه. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة والمناداة على نفسه بالغفلة دليل على أنه لم يقع موقع الصحة. قال المضيف: وقد أخبرنا الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد بن صالح أن موسى ابن أحمد المنجى أذن ليلة قبل طلوع الشمس لعله وهي فأمره القاضي أبو عبد الله بإعادة وضوئه والله أعلم.
* مسألة: وقيل: يجوز آذان الأعمى و الأصم إذا كان مع الأعمى ثقة يعلمه بأوقات الصلاة.
* مسألة: وسألت أبا سعيد رحمه الله عن الآذان إذا قام المؤذن يؤذن. أيستقبل القبلة به كله أم يصفح بوجهه في شيء منه يمينا وشمالا؟ (1/300)
صفحة 301
وكيف المأمور به في ذلك؟ قال: مع أنه في بعض ما قيل أنه يستقبل به القبلة كله. وفي بعض ما قيل: أنه يستحب له أن يصفح بقوله حي على الصلاة يمينا. و حي على الفلاح شمالا. ومع: أنه قيل يصفح بأول قوله حي على الصلاة يمينا ويستقبل بأخره القبلة. وكذلك يصفح بأول قوله حي على الفلاح شمالا. ويستقبل بآخره القبلة.
*مسألة: ويوجد أنه عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله في المؤذن أنه يبلغ في ارتفاع صوته بما أمكن من ذلك. ومن جوابه أيضا: رحمه الله وذكر فيمن يؤديه وقد طلع الصبح واستبان له. أعليه بعد الآذان أن يجب؟ فعلى ما وصفت فيمن يفعل نحث بعد طلوع الفجر طلع عند الآذان أم لم يطلع. ونأمر بذلك إذن في طلوع الفجر أو لم يؤذن إلا قبل الصبح. (1/301)
صفحة 302
فليحث عند طلوع الصبح. وأما يلزمه ذلك بمحكوم به فلا يحكم عليه. واتباع الأثر أولى والله أعلم. ومن كتاب الضياء: المنسوب إلى أبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبى الصحارى رحمه الله. والآذان يكبر أربع مرات كل مرتين في صوت. ثم يشهد أن لا إله إلا الله مرتين. كل مرة في صوت. ثم يشهد أن محمدا رسول الله مرتين كل مرة في صوت. ثم يقول حي على الصلاة مرتين كل مرة في صوت. ثم يقول حي على الفلاح مرتين كل مرة في صوت. ثم يقول الله أكبر في صوت واحد. ثم يقول لا إله إلا الله. ويكره أن يقيم غير الذي أذن. ومن غيره: وسألته عن اليوم الذي لا ترى فيه الشمس من سحاب. (1/302)
صفحة 303
هل لأهل المسجد أن يؤذنوا ويصلوا جماعة؟ قال: إذا تحرى المؤذن الوقت ورجا أن يؤذن في الوقت أذن وصلى جماعة. وإن تبين بعد ذلك أنهم صلوا في غير الوقت أعادوا الصلاة جميعا. وليس للإمام أن يقطع برأيه دون مشاورة من حضر في المسجد من الناس. فإن لم يحضره أحد تحرى هو الصلاة وأذن وصلى.
*مسألة: وقيل: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها. قالت اليهود والنصارى: قد قاموا لا قاموا. فإذا رأوهم ركعا سجدا استهزءوا بهم وضحكوا منهم. وكان فاجرا إذا سمع الآذان قال أحرق الله هذا الكاذب. قيل: فدخل علامة بنار فوقعت شرارة في البيت فاحترق اليهودي بالنار. ويستحب أن يكون بين الآذان والإقامة قعدة. وقيل: أن بين الآذان والإقامة روضة من رياضة الجنة. (1/303)
صفحة 304
وقيل: أن أبواب السماء تفتح عند إقامة الصلاة ويرجى إجابة الدعاء. ومن حديث المبعث: وقيل بدء الآذان عبد الله بن يزيد رأى في منامه الآذان. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إني طاف بي هذه الليلة طائف مر بي وعليه ثوبان أخضران حمل ناقوسا. فقلت له: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس. قال: وما تصنع به. قلت: أجمع به الناس إلى الصلاة. قال لي: أفلا أدلك على خير من ذلك. فقلت: وما هو. قال: تقول الله أكبر الله أكبر أربعا. أشهد أن لا إله إلا الله مرتين. أشهد أن محمدا رسول الله مرتين. حي على الصلاة مرتين. حي على الفلاح مرتين. الله اكبر مرتين. (1/304)
صفحة 305
لا إله إلا الله. قال: فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال إنها رؤيا حق إن شاء الله قم مع بلال فألقها عليه فإنه احد منك صوتا. فلما أذن بلال مسع ذلك عمر بن الخطاب رحمه الله وهو في بيته خرج يجر رداءه حتى صار إلى المسجد رسو الله صلى الله عليه وسلم. فقال: رسول اللهوالذي بعثك بالحق نبيا لقد رأيت هذه الرؤيا بعينها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله على ذلك». (1/305)
صفحة 306
باب في تفسير الآذان والإقامة والتوحيد وفي تفسير تكبيرة الإحرام والاستعاذة وفي تفسير الركوع والسجود والتحيات وفي تفسير فاتحة الكتاب وغير ذلك من أمر الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو محمد معنى قول القائل الله أكبر الله أكبر. هو التعظيم لله تبارك وتعالى والذكر له ذلك والوصف له بأنه كبير لا كبر جثة ولا شخص وإنما المراد في ذلك كبر القدر وعظم المنزلة. ومعنى الله أكبر والله أكبر والله الجليل والله العظيم كله بمعنى واحد. ولكن يقال في الآذان والإقامة إلا ما عليه المسلمون من قولهم الله أكبر وإن معنى ذلك ومعنى ما ذكرنا واحد. ومعنى أشهد ان لا إله إلا الله أني اعلم أن لا إله إلا الله لأن الشهادة لا تجب إلا بعلم. وقد قيل أنه يستحب للمؤذن والمقيم أن يذكرا بقلوبهما. يجب أن يحضرا الذكر عند قولهم أشهد أن لا إله إلا الله. أن الشهادة لا تجب إلا بعلم. وكذلك قيل أنه يستحب للمؤذن. وكذلك قوله أشهد أن محمدا رسول الله أي أعلم ذلك علما يقينا لا شك فيه. قال المضيف: وقيل معنى أشهد أبين. (1/306)
صفحة 307
ومعنى لا إله إلا الله أي لا ثاني معه ولا أحد يستحق العبادة سواء. ومعنى قوله أشهد أن محمدا رسول الله أي أعلم أن رسالته صحيحة وأني لا أشك في ذلك وأن ما أخبر به عن الله هو الحق. ومعنى قوله حي على الصلاة فهو الحث على فعل الصلاة والعرب تحث على فعل بحي أسرع وبادره والصلاة الشريعة التي يحث المؤذن عليها ويأمر بالمبادرة إلى فعلها هي هذه الصلاة التي يفعلها المسلمون في الليل والنهار. ومعنى قوله حي على الفلاح قد بينا في معنى حي من لغة العرب أنه الحث والمبادرة والأمر والمسارعة إلى الفعل الذي سناك به بيتنا مراد الحث عليه. والفلاح معناه في كلام العرب على وجوه. فمنهم من قال: الفلاح هو النجاة. ومنهم من قال: هو الجباه. ومنهم من قال: هو الظفر. قال المصنف: وقيل السعادة. ويحتمل غير هذه الوجوه مما تكلمت به العرب. قال محمد بن مداد الفلج والفلاح البقاء. والذي عندي والله أعلم أن الفلاح هو الظفر في هذا الموضع. يقول الله عز وجل: {قد أفلح المؤمنون}. (1/307)
صفحة 308
وقوله: {أولئك هم المفلحون}. أي ظفروا بمرادهم والله أعلم. ومعنى قوله قد قامت الصلاة أخبار عن وجوب القيام إليها وإلى فعلها. وقد استحب بعض الفقهاء أن يقول المقيم قد قامت الصلاة والناس في حال القيام. وكذلك روي أن بلال كان يشترط على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يسبقه بتكبيرة الإحرام حتى يتم الإقامة. وإقامة الصلاة قيام الناس بها وفعلهم لها. وقول القائل: الناس في الصلاة والإمام في الصلاة في حال فعله لها والله أعلم. ومعنى قول لا إله إلا الله قد صدرنا به عند ذكر أشهد أن إله إلا الله. فهذا تفسير الآذان والإقامة. ومعنى الآذان في اللغة الإعلام. الدليل على ذلك قول الله تعالى: {وأذن في الناس بالحج} أي أعلمهم وادعهم. والآذان إعلام لوقت الصلاة ودعاء إليها. (1/308)
صفحة 309
فصل في تفسير التوجيه
معنى سبحانك اللهم وبحمدك أي سبحانك يا الله. والأصل فيه سبحانك يا الله فبدلت الميم من فصار سبحانك اللهم. ومعنى اللهم يا الله يا الله مرتين. قال الشاعر:
إذا ما حدث الما ... أقول ياللهم يا اللهما
أي أقول يا الله يا الله. وقيل: اللهم اسم الله الأعظم. ومعنى سبحان الله هو التنزيه لله عز وجل ذكره عما لا يليق به من الصفات القبيحة ومن صفات المخلوقين. وسبحانه الغني عن الحاجة. ووجدت لأبي المنذر بن محمد بن محبوب رحمه الله: يقول سبحان الله هو التنزيه لله تعالى. فهذا والذي قلناه بقرب معناهما والله أعلم. ومعنى قوله ونحمدك وأحمدك فكأنه قال: سبحانه يا الله وأحمدك. (1/309)
صفحة 310
أنه لا أحد يستحق الحمد على الحقيقة إلا الله لأنه المنعم على عباده والمتفضل عليهم بغير استحقاق ومن لم يكن منه إلى غيره الأفعال الجميلة فهو يستحق أن يحمد. كما أن من كانت منه أفعال قبيحة يجب أن يذم. ومعنى وتعالى جدك من الارتفاع والعلو. والأصل فيه أنه علا فتعالى وهو ارتفاع القدر والمنزلة لا من طريق العلو. ومعنى جد هو العظمة. قال الشيخ أبو مالك الجد في هذا الموضع هو الشأن. والذي عليه الأكثر من الناس وأهل اللغة هو العظمة. تبارك علام الغيوب ومن له يسبح موج البحر طوعا ويصطدم. ومعنى قوله ولا اله غيرك – قد بينا معناه فيما تقدم من كلامنا. قالوا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة ابتدأ بسبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك. ثم يفتتح الصلاة بتكبيرة الإحرام. ومن غير الكتاب: من كتاب عمر بن على: ثم يقول ولا اله غيرك بضم الهاء. ولا يجوز ولا اله غيرك بفتح الراء وجائز ولا اله غيرك بنصب الهاء من اله ورفع الراء من غيرك (1/310)
صفحة 311
قال غيره: ولا اله غيرك فيه أربعة أوجه في العربية. وعند أهل النحو ولا اله غيرك بنصب الأول على التنزيه وغيرك مرفوع على خير التنزيه. والثاني ولا اله غيرك الذين يرفع بغير وغير باله. والثالث ولا اله غيرك بنصيب الأول على التنزيه ونصب غيرك لوقوحها موقع الأداة. وأجاز القراملجاني: غيرك على معنى ما جاءني إلا أنت ونصيب غيرك بحلولها محل الا. و الوجه الرابع ولا اله غيرك بنصيب غير ورفع اله. واله يرتفع بغير وغير ينصبها حلولها محل الا كأنه قال لا اله الا أنت. ارجع إلى كتاب بيان الشرع وضم نسخة: فزاد أصحابها توجيه ابراهيم عليه السلام مع توجيه نبينا عليه السلام قبل تكبيرة الإحرام افتتاح. فهذا يدل على أن التوحيد قبل تكبيرة الإحرام. فمن قال أن التوحيد بعد تكبيرة الإحرام وجعله في الصلاة فقد خالف نبيه عليه السلام في فعله. وقد كان أبو عبيدة الشيخ رحمه الله: يرى جواز التوحيد بعد تكبيرة الإحرام وهذا إغفال عند ممن فعله والله أعلم. (1/311)
صفحة 312
ومعنى توحيد ابراهيم صلى الله عليه وسلم في قوله وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا- أي قصدت وذهبت به نحو الموضع الذي أمرني به ربي قوله للذي فطر السموات والأرض أي خلقها. كما قال عليه السلام: أني ذاهب إلى ربي- ذكر الرب وأراد المكان الذي أمره أن يصلي اليه. كذلك قوله وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا يعني مستقيما. ومعنى قوله وما أنا من المشركين أي أني مستقيم بالإسلام الذي قصدته واخترته لنفسي. وما أنا من المشركين يعني أهل الزيع والاعوجاج عن الحق والله أعلم. ومن كتاب القناطر: وفي قولك ولا اله غيرك اعتقد وحدانيته وأفرده عن خلقه بالألوهية والعبادة. أنه لا يشبه شيئا. ولا يشبهه في اسم ولا صفة ولا ذات ولا فعل. قال الشيخ أحمد بن النضر: أرادوا ولا أبا. ولكن معنى الجد هو ربنا العظيم له الأمر تبارك الله العالمين. (1/312)
صفحة 313
الفهرس
الصفحة
باب: ما ينقض الوضوء من مس الدواب والبشر الاحياء أو الأموات وما ينقض الوضوء من مس الفروج أو نظرها أو ذكرها وما لا ينقض وما كان من معانيها ونقض الوضوء بالمأكولات وما مسته النار ... 5
فصل: ما ينقض الوضوء من مس الفروج أو ذكرها وما لا ينقض. ... 9
فصل: في نقض الوضوء بالمأكولات وما مسته النار وعن الطعام المطبوخ والشراب وأشباه ذلك ... 22
باب: نقض الوضوء بالدماء وفي نقض الوضوء بما يخرج من الجوف والفم وفي نقض الوضوء بما كانمن الدواب وما ينقض الوضوء من ازالة الشعر والجلد وغسل النجاسة. ... 25
فصل: في نقض الوضوء بما يخرج من الجوف والفم. ... 30
فصل: في نقض الوضوء بما كان من الدواب ... 33
باب: نقض الوضوء بالكلام السيء من الاثم والضحك وما ينقض الوضوء والصلاة من الضحك وما ينقض من النعاس وما يؤله من بدنه وفي المتوضى إذا كان فيه جرح أو كسر. ... 38 (1/313)
صفحة 314
فصل: ما ينقض الوضوء بالكلام والضحك ... 40
فصل: ما ينقض من النعاس ... 46
فصل: في المتوضى إذا كان فيه جرح أو كسر أو جدرى ... 51
باب: في الصلاة وما جاء فيها من المحافظة عليها و المبادرة اليها وفي فضائلها وفي التهاون بها وماجاء فيها وفي القيام بها والاقبال عليها والخشوع منها وما ينبغي فيها وتخفيف القيام اليها وما يجبعلى المصلى فيها وبيان ذلك. ... 57
فصل: في المحافظة على الصلاة ... 61
فصل: في تحقيق القيام إلى الصلاة ... 70
فصل: في بناء الصلاة ... 71
فصل: في خشوع الصلاة ... 73
فصل: في الخشوع ... 76
فصل: فيمن تهاون بالصلاة وفيمن واظب عليها ... 79
باب: في الصلاة أيضا وفي الإخلاص وفي ذكر فرائض الصلاة وسننها كم هو وما هو في فرائض الصلاةالتي لا تتم الا بها ... 82 (1/314)
صفحة 315
فصل: الاخلاص في الصلاة. ... 85
فصل: في الصلاة ... 87
فصل: في ذكر علم فرائض الصلاة ... 108
فصل: في الفرائض التي لا تتم الصلاة إلا بها ... 115
باب: في الصلاة وفي النيات في الصلاة والنية عند الدخول في الصلاة وفي كل حد من حدود الصلاة ... 117
فصل: في النيات في أمر الصلاة ما يقول الامام إذا أم في صلاة الجماعة بمن خفه كيف ينوي ويقولفي نيته وإذا أراد أن يصلي بهم الجمعة كيف يكون نية الذين يصلون خلفه وما يقولون في نيتهم ... 126
فصل: في ذكر النية عند الدخول في الصلاة في كل حدود الصلاة ... 130
باب: في ترك الصلاة بعد وجوبها عليه وفيمن غلب على عقله وفي معرفة أوقات الصلاة وما على المتعبد بعلم الوقت الصلاة وفي الأوقات التي لا يجوز الصلاة فيها وفي الصبي متى يؤمر بالصلاةوما يجب على الإنسان من ... 133 (1/315)
صفحة 316
تعليم ولده وفي معرفة الفجر والشفقين وذكر صلاة الوسطى وما أشبه ذلك ... 134 ... فصل: فيمن غلب على عقله
فصل: المواقيت الصلاة ... 136
فصل: في وقت صلاة الظهر ... 140
فصل: في ذكر وقت العشاء الآخرة ... 149
فصل: في ذكر وقت صلاة الفجر. ... 151
فصل: في ذكر صلاة الوسطى ... 157
فصل: في معرفة الفجر والشفقين الأحمر والأبيض في السماء ... 159
فصل: في الأوقات التي لا تجوز الصلاة فيها ... 175
فصل: ما على المتعبد تعلم الوقت للصلاة والصلاة عند عدم المعبرين لكيفية ذلك أو عند وجودهمكان عالما لما يلزمه او جاهلا والاعتقاد لذلك والقصد لفعله وما أشبه ذلك ... 179
فصل: في الصبي حتى يؤمر بالصلاة ... 184 (1/316)
صفحة 317
فصل: فيما يجب على الإنسان من تعليم ولده وزوجته وعبيده ... 187
باب: في الأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة وفي الصلاة في الموضع النجس وما يجوز الصلاة فيهمن المواضع وفي الصلاة في أراضين الناس وفي الأرض المغتصبة ومعاني ذلك ... 192
فصل: في المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها ... 195
فصل: في الموضع النجس وما لا تجوز الصلاة فيه من المواضع ... 210
فصل: في الصلاة في الثوب المغتصب والأرض المغتصبة ... 217
باب: فيما يصلى عليه ولا يسجد عليه من غير ما أنبتت الأرض في الضرورة وفي النية للصلاة وفي القبلة وفي تحري القبلة وفيمن صلى أدبر القبلة وفي السترة وما يقطع الصلاة من النجاسة وفي حدود الصلاة ... 221
فصل: في النية للصلاة ... 227
فصل: في القبلة ... 233
فصل: في تحري القبلة ... 245
فصل: في المصلي إذا أدبر القبلة ... 248 (1/317)
صفحة 318
فصل: الحدود في الصلاة ... 249
فصل: في السترة ... 251
فصل: ما يقطع الصلاة من النجاسات ... 263
باب: في بتاء المساجد وفضلها وفي الآذان وفضل الآذان وما جاء منه وفيما ينبغي للمؤذن ومعاني ذلك وما أشبه ذلك ... 266
فصل: في الآذان وفضله ... 272
فصل: في كتاب المجالس ... 280
فصل: في الآذان ... 283
باب: في تفسير الآذان والإقامة والتوحيد وفي تفسير تكبيرة الإحرام والاستعاذة وفي تفسير الركوع والسجود والتحيات وفي تفسير فاتحة الكتاب وغير ذلك من أمر الصلاة ... 306
فصل: في تفسير التوجيه ... 309 (1/318)