صفحة 1
الكتاب: جامع الجواهر
المؤلف: العلامة/ جمعة بن علي الصائغي
الجزء: الرابع
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان.
تاريخ النشر: 1406هـ - 1986م
طبع: مطابع سجل العرب
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
جامع الجواهر
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العلامة جمعة بن علي الصائفي
الجزء الرابع
1406هـ - 1986م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
جامع الجواهر
تأليف
العلامة جمعة بن علي الصائفي
الجزء الأول
1406هـ - 1986م (1/2)
صفحة 3
[صفحة بيضاء] (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
فصل
في تفسير تكبيرة الإحرام والإستعاذة
يبتدأ بتكبيرة الإحرام وهي تكبيرة الافتتاح؛ لأنَّها تفتتح الصلاة ويبتدأ بها، وسميت تكبيرة الإحرام، لأنَّ بذكرها يحرم على المصلى ما كان حلالاً قبل ذلك، وإنَّ بها يحرم الكلام كما قال النبي (ص): «إنَّ صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين». وقوله عليه السلام: «وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» وهذا القول منه دلالة على أنَّ تكبيرة الإحرام أول الصلاة، كما أنَّ التَّسليم منها آخرها، فهذا القول قد عقدها بطرفين الإحرام والتسليم، والذي ذهب إليه أصحابنا أنَّ من ترك الإقامة والتوحيد تبطل صلاته محتاجٌ إلى دليل.
وتكبيرة الإحرام فرض في كتاب الله جل ذكره قوله تعالى: {يا أيُّها المدثر قم فأنذر ورك فكبر وثيابك فطهِّر}. قيل: إنَّه نزلت هذه الآية والنبي (ص) نائم متدثر في ثيابه، وكان سبب الأمر له بالصلاة. (1/5)
صفحة 6
والمتدثر: هو النائم الملتوي في ثيابه المضطجع في ثيابه، والمزمل: هو الملتوي في ثيابه وهو قاعد مضب بيديه، وقوله: {وربك فكبر} قال أصحابنا: هذا موضع تكبيرة الإحرام، ثم الاستعاذة بعد الإحرام عند أول افتتاح القرآن.
وهذا في موضعها عندنا لتكون قراءتها تلقاء القراءة ومعها لقول الله تبارك وتعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} ومعنى أعوذ بالله امتنع واعتصم، ومعنى الشيطان من الشيطنة: وهو العلو وطلب الارتفاع والسمو. يقال شاط الشيء إذا ارتفع وخرج من حده، وشاط الرجل: إذا فعل فعلاً مكروهاً، وقال أهل اللغة: سمى شيطاناً لخروجه من رحمة الله ولهلاكه، ويقال: شاط هلك وبطل.
من كتاب القناطر:
وأمَّا الاستعاذة، فإذا قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فاعلم أنَّه عدو لك ومتربص لصرف قلبك عن الله عز وجل حسداً لك على مناجاتك مع الله سبحانه وسجودك له مع أنَّه لعن بسبب سجدة واحدة تركها، وإن استعاذتك بالله منه أن يعيذك هو ترك ما يحبه الشيطان وتبديله بما يجب الله عزَّ وجل لا لمجرد قوله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإنَّه من قصده فقال أعوذ منك بذلك الحصن الحصين وهو ثابت في مكانه غير هارب منه، فإن ذلك لا ينفعه. (1/6)
صفحة 7
فصل
في تفسير الركوع والسجود وما يقال فيها
ومعنى الركوع والسجود: هو الخشوع لله تبارك وتعالى: وقوله: {ألم تر أنَّ الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر} الآية، فهذا يدلُّ على أنَّ السجود هو الخضوع لله جل ذكره والركوع مثله، وقال قوم: إنَّ الركوع معناه مأخوذ من الميل، والأول عندي أظهر والله أعلم.
وفي الرواية: إنَّ النبي (ص) أمر أصحابه عند نزول {فسبح باسم ربك العظيم} فقال اجعلوها في ركوعكم.
ولماَّ نزلت {سبح اسم ربك الأعلى} قال: اجعلوها في سجودكم ومعنى التكبير الذي في الصلاة، فهو التعظيم لله جل ذكره، فقال قوم: هو حق معناه بالتكبير.
وقال أبو المنذر بشير بن محمد: إنَّ قصد الذاكر لهذا إلى جنة أو عظم صورة فقد كفر، وعندي: أنَّه أراد بتكفيره إيَّاه الخروج من الملة والله أعلم.
والوصف: بأنَّه كبير كبر المنزلة وعظم القدر. (1/7)
صفحة 8
وأمَّا التسبيح الذي في الركوع والسجود، فقد صبرناهما فيما تقدم من كلامنا هذا.
ومعنى ربنا لك الحمد: فهو يا ربنا لك الحمد، فإنَّا نحمدك، والمحمود: من نفع ينفع حسن، والمذموم: هو ضد المحمود، وهو من ضمير يضر قبيح كبير، ومعنى: سمع الله لمن حمده من حمده، وهو عند غير هؤلاء لأنَّ المعنى المنع من فعلك في ذلك قبل الله ذلك منه، وهذا أقرب إلى النفس وأشبه بما عليه العلماء، إنَّ من سمع الله كلامه فقد استجاب له وقبل منه دعاءه، سبحانه العالم بجميع المسموعات فلا يخفى عليه منها شيء تبارك وتعالى.
الدليل على ذلك ما عليه المسلمون من دعائهم الله اسمع لنا واسمع دعائنا أي اقبل منا وارحمنا والله أعلم. (1/8)
صفحة 9
فصل
في تفسير التحيات
ومعنى التحيات: هو الملك وهو القائل لغيره حياك الله أي ملكك الله، وقال الشاعر:
من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية.
ووجدت في الأثر: عن أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب: معنى التحيات النجدة.
ومن غير الكتاب:
وقال محبوب: التحيات المجد السلام المؤمن المهيمن المنان الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور، فهذا هو المجد المباركات الأسماء الرحمن الرحيم الطيبات الأعمال الصالحات.
ومن غيره: عبد الله بن القاسم أبو عبيدة الصغير: قال التحيات العظمة والمجد والقدرة، والمباركات: الأسماء. والطيبات: الأعمال الصالحة. ومعنى المباركات: قيل أنَّهن الأسماء الحسنى وأنَّهنَّ بركة على من ذكرهنَّ. (1/9)
صفحة 10
ومعنى الصلوات: أنَّهنَّ الصلوات المفروضات. وقد قيل: إنَّ منعى ذلك الأعمال الصالحات، ومعنى الطيبات: الزاكيات، لأنَّ الطيب هو الزكي، ومعنى السلام على النبي: فهو رحمة من الله عليه. والسلام: هو التحية من الله جل ذكره على خلقه وهو الرحمة والنعمة والكرامة منه عظيم. والسلام بين المسلمين من بعضهم على بعض، فهو تحية الإسلام والسلام أيضاً فهو مصدر، وهو دعاء بالسلامة.
قال محمد بن ملاد:
سلام الله والسقيا جميعاً ... على تلك الديار الهامدات
ديار كنت أعهدها شموساً ... تلألأ بالتحية مشرقات
ديار ضمت الأشراف منا ... وعلمنا كالبحور الطاميات
والسلام: هو الله تعالى. والسلام مصدر: سلمت سلاماً.
والدليل على ذلك قوله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} (1/10)
صفحة 11
قالوا قولاً يسلمون به مع إنكارهم عليهم.
ومدحهم الله على قولهم الذي يسلمون به مع إنكارهم عليهم والموعظة لهم، والمباركات: قال الأسماء والطيبات: قال الأعمال الصالحة. والسلام: هو التحية من الله على النبي (ص). وبركاته: هي البركة. كذلك تبارك اسمك وتعالى. وسبحان الله: هو التعظيم، والجد: هو الخظ*.
قال غيره: الجد صفة من صفات الله. العظمة والجد من صفة الخلق الخظ*.
حنيفاً مسلماً؟ قال غيره: نعم، قد قيل هذا، وقيل: حنيفاً حاجاً ومسلماً.
قال أبو المؤثر: التسبيح التنزيه، وقيل: التعظيم.
قال: وقوله الله أكبر: يعني فيه أنَّه أحق بالتكبير والمستحق التكبير ونحو هذا.
وقال: وأمَّا من قصد إلى أنَّه كبير أكبر من خلقه يعني به صورة أو جثة كبيرة، فهذا هالك. (1/11)
صفحة 12
فصل
في تفسير فاتحة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم: معنى تفسير الله الرحمن الرحيم: هو بالله على معنى الاستعانة. واختلف في اسم الله: فقال قوم: اسم الله فهو الله، وقال قوم: بسم الله لا هو الله ولا هو غير الله، واسم الله: عند هؤلاء من صفات ذاته، وأنَّه لم يزل مستحقاً لهذه الأسماء. قال قوم: اسم الله غير الله، وإذا ذكرنا الله أو ذكرنا اسم الله أثبتنا عدداً والواحد لا يقع عليه العدد، ولكل فريق من هؤلاء احتجاج يطول شرحه، وأمَّا الرحمن الرحيم فهما اسمان لطيفان لله تبارك وتعالى، وقال قوم: الرحمن اسم خص به نفسه. وقال آخرون: قد كان بعض ملوك الجاهلية يتسمى بالرحمن. وأمَّا الرحمن الرحيم: فهما اسمان لطيفان لله تبارك وتعالى. وقال قوم: الرحمن اسم خص به نفسه. وقال آخرون: قد كان بعض ملوك الجاهلية يتسمى بالرحمن، وقال قوم: معنى الرحمن الرحيم معناهما واحد وهو مثل قولهم ندمان ونديم. (1/12)
صفحة 13
وكما يقال عالم وعليهم. والرحيم: من كثر منه فعل الرحمة يسمى رحيماً والله أعلم.
وأمَّا قوله تبارك وتعالى: {الحمد لله رب العالمين} إنَّ قوله الحمد لله رب العالمين عبادة منهم له، لأنَّ يصفوه لأنَّه المحمود، إنَّ المحمود: ضد المذموم، لأنَّ من كثرت نعمه وأياديه وإحسانه وجب على من كثر ذلك عليه منه أن يحمده، ومعنى قوله رب العالمين: فهو مالك كل عالم، والرب: هو المالك. والعالمون: هو جمع عالم واحده عالم وجمعه عالمون، وكل جنس من أجناس الحيوانات يسمى عالم، وقد قيل: إنَّ الدنيا بما فيها عالم، وإنَّما سميت هذه الدنيا، لأنَّها أقرب وأدنى من الآخرة، إنَّ الآخرة دار فسميت هذه دنيا؛ لأنَّها دنت وهي أقرب إلينا وأدنى، وسميت الآخرة، لأنَّها تجيء بعد الدنيا فصارت هذه دنيا، والتي تليها الآخرة قال محمد بن مداد:
دنيا دنت من جاهل وتأخرت
أخرى فسام الجاهلون طلاقها (1/13)
صفحة 14
وهما لعمري ضرتان فمن يرد
إحداهما سامته تلك فراقها
لا تطلب الدنيا لعيش عاجل
يفنى ويكره طعمها ومذاقها
من ذاق منها عصته وكدرت
وسقته من سم القنا ترياقها
تهوى عجوزاً قتلت أزواجها
وتعاف جارية يلذ عناقها
إن كنت ذا عقل فطلَّق هذه
تطليق من عرف الأمور وذاقها
واعمل لتلك فإنَّها أمنية
الراجي عليك إن تشتاقها
لو أشرقت تلك العروس لأشرقت
دنيا نشقت خلوقها وخلاقها
ولعز منك فريقها وفراقها
ولروحت نفساً تخاف سباقها
والعز في ذل الحياة تذللاً
لله ترضى نفسه خلاقها
وتذم أهبتها وتعمل صالحاً
فلتفرحنَّ إذا رأت ما راقها
من يعمل المثقال يعط بوزنه
عشراً نذلل صعبها وإباقها (1/14)
صفحة 15
نفسي خئون وهي غير مطيعة
تهوى مطاوعة الهوى وخناقها
ارجع إلى الكتاب:
ومعنى الرحمن الرحيم قد تقدم تفسيره، ومعنى قوله: مالك يوم الدين، فهو رب الدين؛ لأنَّ مالك الشيء هو ربه، كما يقال: رب الدار والعبد ومالك الدار والعبد وكل ذلك سواء.
وقال قوم من المفسرين: أنَّ معنى مالك يوم الدين أنَّه قادر على يوم الدين، لأنَّ مالك الشيء قادر عليه في الحقيقة. ويوم الدين: ما يوحد والأول هو الجواب والله أعلم. ويوم الدين: هو يوم الحساب، ويقال: أنَّه يوم الجزاء على الدين، كما يقال: كما تدين تدان وكما تزرع تحصد، ومعنى قوله: إيَّاك نعبد معناه لك نعبد، وإيَّاك نستعين بك نستعين على طاعتك، ومعنى: اهدنا دلنا على الصراط المستقيم. والصراط المستقيم: هو الطريق المستقيم، فإن قال قائل: قد هداهم إلى الحق ودلهم عليه. (1/15)
صفحة 16
فما معنى سؤالهم له اهدنا إلى ما قد هديتنا ودلنا على ما قد دللتنا، قيل له: هو معناه الطلب للزيادة ممَّا يتفضل به، كما قال جل ذكره: {والذين اهتدوا زادهم هدى} وقال: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} والهدى هو الدلالة، والهداية في اللغة: هو الدليل.
وأمَّا قوله: صراط الذين أنعمت عليهم يعني سبيل الذين أنعمت عليهم بالإسلام.
والتفضيل من النعيم والمودة التي تنال بها الثواب العظيم، وأمَّا قوله: غير المغضوب عليهم ولا الضالين وهم اليهود والنصارى وسائر أعدائه.
هكذا وجدنا تفسير المفسرين أو في معنى تفسيرهم والله أعلم، ونستغفر الله من الخطأ والنسيان والزلل والذنوب كلها قليلها وكثيرها صغيرها وكبيرها.
ويؤمر المصلي بإظهار لضاد من الضالين؛ لأنَّ حرف الضاد تختص به العربية دون غيرها.
ومن غير كتاب بيان الشرع: عن أبو الحسن قال: قال رسول الله (ص): «من قرأ فاتحة الكتاب فكأنَّما قرأ التوراة والإنجيل والفرقان أولها تحميد وأوسطها إخلاص وآخرها دعاء» (1/16)
صفحة 17
وقيل: أفضل الدعاء الحمد لله، لأنَّه يجمع ثلاثة أشياء: ثناء على الله، وشكر الله، وذكر الله.
قال ابن عباس: في الرحمن الرحيم إنَّ الرحمن رحمن الدنيا والآخرة. والرحيم الآخرة.
والحمد لله رب العالمين: وهي سبع آيات مختصرة من سبعة من كتب من التوارة والإنجيل والزبور والفرقان وصحف إبراهيم وصحف موسى وصحف إدريس.
وقيل: إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال المولى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم قال سبحانه: صدقني عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين قال الله: عظمني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد (1/17)
صفحة 18
قال الله: وحَّدني عبدي، وإذا قال: وإياك نستعين قال الله: توكل عليَّ عبدي، وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم قال الله: سألني عبدي، وإذا قال: صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم، قال الله: ذلك اليهود هم المغضوب عليهم، وإذا قال: ولا الضالين قال هم: النصارى. والحمد سبع آيات، وجوارح جهنم سبع، فإذا قرأها العبد أعتق الله بكل آية جارحة منه من دركات جهنم، وذلك قوله: لها سبعة أبواب، وملك يوم الدين نقرأ مالك بألف، لأنَّ مالك الشيء قادر عليه في الحقيقة وهي قراءة عاصم والكسائي، وأمَّا الباقون فقرأوها ملك يغير ألف. (1/18)
صفحة 19
ومالك أمدح من ملك، لأنَّه يجمع بين الاسم والفعل في قول بعضهم. وقال بعضهم: بل ملك يجمع مالكا، ومالك لا يجمع ملكا، ومالك يوم الدين أي هو مالك ذلك اليوم بعينه، وملك يوم الدين: ذلك اليوم وغيره، ويوم الدين: ذلك اليوم وغيره، ويوم الدين: هو يوم الحساب، وقيل: إنَّه يوم الجزاء، ومعنى نعبد أي نؤمن ونوحد ونطيع ونذل ونخضع ونخدم والعبادة هي الطاعة، وإيَّاك نستعين أي نستعين أي نسألك العون على طاعتك، ومعنى: اهدنا أي أرشدنا ودلنا، وأكثر القراءة في الصراط بالصاد الصافية، وقد قرئ بالسين والراء جميعاً، والذين أنعمت عليهم: هم الأنبياء وأتباعهم الذين آمنوا بهم. وغير المغضوب: قيل غضب الله عليهم معاني سخطه وعقوبته وناره، ومحبته رضاه وثوابه جنته.
ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/19)
صفحة 20
باب
في كيفية تأدية الصلاة وبيان ما يذكر في تأديتها من القول والعمل والنية عند القيام للصلاة والوقوف في الصلاة والقراءة عند التلاوة ومعاني ذلك.
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه: قيل سبع درجات:
الإقامة درجة، والتوجيه: درجة، والإحرام: درجة، والإستعاذة: درجة، والقراءة في حال القيام: درجة، والركوع: درجة، والسجود: درجة، فإن قال: كم في الصلاتين من نية، فقيل: نيات كثيرة، فأمَّا نية الدخول في الصلاة بمعنى المدح لله والتنزيه له ونفي الأشباه عنه. (1/20)
صفحة 21
وأمَّا النية في تكبيرة الإحرام بمعنى الإخلاص لله، وأمَّا النية في الإستعاذة بمعنى التحرز من الشيطان الرجيم، وأمَّا النية بمعنى العبادة كشخص يرى شخصاً إنَّ الله واحد ليس كمثله شيء لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وأمَّا النية في الإقامة بمعنى أداء الفرض، وأمَّا النية في الركوع بمعنى التواضع والخضوع لله، وأمَّا النية في السجود بمعنى التذلل لله، وأمَّا النية في قراءة التحيات بمعنى الثناء على الله، وأمَّا النية في التسليم على اليمين بمعنى السلام على الملكين والانصراف من الصلاة، وأمَّا النية على الشمال بمعنى الرحمة للمؤمنين إن الله يعطى على القول والعمل.
ومن كتاب القناطر:
فإذا قات الرحمن الرحيم، فانظر في أبواب لطفه ثم استشعر التعظيم والخوف بقلبك.
ملك يوم الدين ثم جدد الإخلاص بقولك إياك نعبد وجدد العجز والتبرئ عن الحول والقوة بقولك وإياك نستعين، وتحقق أنَّه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته (1/21)
صفحة 22
وإنَّ له المنة إذا وفقك لطاعته.
ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين، وقيل: اهدنا الصراط المستقيم الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك، وكذلك ينبغي أن يفهم ما نقرؤه من السورة، ويجتهد في الصاد والضاد، وتقرأ الفاتحة بتمام تشديداتها وحروفها. (1/22)
صفحة 23
فصل
في كيفية تأدية الصلاة وبيان ما يذكر في تأديتها
عن الشيخ أبي محمد عثمان بن أبي عبد الله: إذا أراد الإنسان الصلاة صف قدميه وجعل بينها مسقط نعل واستقبل القبلة وقال: أصلي صلاة كذا الحاضرة الواجبة مستقبل الكعبة إذ الفرض طاعة لله ولرسوله محمد (ص) أن يقول هذا بقلبه ونظر إلى موضع سجوده ثم قال الله أكبر الله أكبر في نسم واحد الله أكبر الله أكبر في نسم.
أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله في نسم واحد.
أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله في نسم.
حي على الصلاة حي على الصلاة في نسم
حي على الفلاح حي على الفلاح في نسم واحد
قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة في نسم واحد
الله أكبر الله أكبر في نسم
لا إله إلا الله في نسم.
ثم سكت ليتنفس، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وجهت وجهي بتحريك الياء للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، (1/23)
صفحة 24
ثم سكت ليتنفس ثم قال: الله أكبر بفتح الألف من اسم الله فتحة خفيفة قصيرة ممَّا يعلم أنَّه قد فتح الألف، ولا يطول الفتحة فتنقض صلاته، ويسكن اللام الأول من اسم الله وشدد اللام الثاني من اسم الله حتى يطبق اللسان في الحنك، ثم يطلق لسانه بمدة على هذه اللام، وفي نسخة: ومد اللام الثاني من اسم الله، وإن شاء لم يمد، ثم ضم الهاء من اسم الله ضمة قصيرة مسمومة غير ممدودة، فإن مدَّها زاد واواً وانتقضت صلاته لزيادة الواو وفتح الألف من أكبر وسكن الكاف وفتح الباء من الباء من أكبر بفتحة قصيرة غير ممدودة وسكن الراء وبينه، فهذه تكبيرة الإحرام على ما حفظتها في آثار المسملين.
وعن الشيخ عادي بن يزيد الهلاني أنه قال: إن الألف من اسم الله غير موصول وأنَّه ليس بألف وصل، فإذا ما كبَّر على ما وصفت لك سكت سكتة بقدر ما يتنفس، وإن لا يصل التكبيرة بالإستعاذة، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم سكت ليفصل بينها وبين البسملة، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد له رب العالمين فلا سكون في ذلك حتى يبلغ نستعين* (1/24)
صفحة 25
ثم لا سكون بعد ذلك حتى يبلغ الضالين، وفي نسخة: فإذا قال ولا الضالين سكت ولا يصل الضالين بقراءة بعد ذلك، ثم قرأ ما تيسر من القرآن، فإذا فرغ من القراءة سكت، ثم لا سكوت في ذلك حتى يتمَّ القراءة ويريد الركوع، ولا يصل القراءة بالركوع، ثم خرَّ راكعاً بتكبيرة وبيدها مذ يطاطئ رأسه إلى أن قبل أن يعتدل بقليل، فإذا اعتدل قال سبحان ربي العظيم بتحريك الياء ثلاثاً، ويكون يديه على ركبتيه مفرقاً بين أصابعه وأطلق يديه من بدنه ليرى بياض إبطه وفرق بين ركبتيه قدر عرض كف وسوى ظهره معتدلاً، وصوب رأسه إلى القبلة ومد عنقه، ولم يرفع رأسه ولم ينكسه، فإذا سبَّح ثلاثاً وأراد أن يقول سمع الله لمن حمده قالها في الانتشاء نفسه، و ذلك مكانها ومبتدأها منذ يأخذ في الانتشاء للقيام إلى أن يبقى مطأطأً رأسه كما ابتدأ بها عند تطاطئ رأسه، ثم قطع فإذا اعتدل قائماً ورجع كل عظم إلى مفصله، قال: ربنا ولك الحمد، (1/25)
صفحة 26
فإذا قطعها وهو قائم طأطأ رأسه حينئذ للخرور للسجود وقال الله أكبر ومبتدأها مذ يطأطئ رأسه إلى أن يبقى بينه وبين سجوده عرض أصبعين.
وقيل: إلى وضوع رأسه في الأرض وخر على أطراف أصابع رجليه مفرقاً بين ركبتيه مقدماً ركبتيه قبل يديه إن قدر على ذلك وإلا قدم يديه قبل ركبتيه، فإذا قدم ركبتيه وصارتا إلى الأرض أطلق يديه هاوياً وجعلهما على الأرض ضاماً لأصابعه الخمس إن قدر، وإلا فليضم الأربع، فإذا سجد جعل يديه حذو أذنيه أصابعه نحو القبلة وأمكن جبهته من الأرض ولا يعتمد عليها ويعتمد على يديه وأنال طرف أنفه الأرنس وفرَّق بين مرفقيه وأطلقهما من بدنه حتى يرى بياض إبطه وأطلق بطنه من فخذاه وتجافى في سجوده ممَّا لو خطف سئور لو* من تجافيه في سجود، فإذا اعتدل في سجوده كما وصفت لك قال سبحان ربي الأعلى بتحريك الياء، وإن شاء لم يحرك الياء في التوجيه والركوع والسجود، فإذا سبح ثلاثاً وقد سجد على الأعضاء السبعة وهي اليدان والركبتان والقدمان والجبهة وينصب قدميه في سجوده ويفرق بينهما قدر مسقط نعل ويضم أطراف أصابع رجليه إلى الأرض، ولا يرفع قدميه فتتنفس صلاته، وفي رفعه قدَّمه الواحدة اختلاف، (1/26)
صفحة 27
ولا يرفع ركبتيه من سجوده فتنتقض صلاته، ولا يفرش ظاهر قدميه على الأرض في سجوده، ويكره له ذلك، فإذا قال سبحان ربي الأعلى كما قد وصفت لك يرفع رأسه بتكبيرة وقعد، فإذا قعد قطعها، فإذا رجل كل عضو إلى مفصل ولم يبق يتحرك منه بدن في قعوده قال حينئذ الله أكبر أخذ في الثانية ومبتدأ ما مذ كونه قاعداً إلى وضوع جبهته على الأرض للسجود، وقيل: تمكين القعود هاهنا بين السجدتين فريضة، فإذا سجد الثانية رفع رأسه بتكبيرة ومبتدأها منذ يطلق رأسه من الأرض إلى أن قبل أن يعتدل في قيامه ممَّا يكون مطأطئًا كأخذه في التكبيرة، إذا أراد السجود من بعد فراغه من قراءته في حد قيامه، فإذا انتشا من السجود قائماً في صلاته جعل يديه على ركبتيه ونهض قائماً على أطراف أصابع رجليه من قبل أن يستوي قائماً ثبت قدميه جميعاً على الأرض، ولا يستقبل قائماً إلا بعد أن يرسخ جميع قدميه على الأرض لئلا ينتشي على أطرف أصابعه إلى أن يستقل قائماً، ويزداد في قيامه لعلة ولا يزاداد في قيامه فوق ما خلقه الله عليها، (1/27)
صفحة 28
فإنَّ من فعل ذلك انتقضت صلاته، فإذا استقلَّ قائماً وصفت لك سكت حتى يتنفس ويرجع كل عضو إلى مفصله ولم يبق يتحرك بدنه من اعتداله، قال حينئذ بسم الله الرحمن الرحيم أخذ في القراءة للركعة الثانية، فإذا سجد للركعة الثانية كما وصفت لك وجلس لقراءة التحيات يجلس على وركه الأيسر وجعل ظاهر قدمه الأيسر ممَّا يلي الأرض وباطنه ظاهر ممَّ يلي السماء، وكذلك ظاهر قدمه الأيمن فوق اخمص قدمه الأيسر وجعل ظاهر أصابع قدمه اليمنى ممَّا يلي الأرض وباطنها ظاهرة ممَّا يلي السماء وجعل بين ركبتيه أقل من افتراق عرض كف مفرقاً بينهما وجعل ركبتيه على الأرض جميعاً وجعل أصابع يديه جميعاً على فخديه ممَّا قاصد الركبة وفرق بين أصابعه فالقابض على ركبتيه، وإن شاء جعلهما فوق فخديه وضم أصابعه وجلس متمكناً لا يرفع بيديه ولا يحنيه بل يجلس الجلسة التي خلقه الله عليها وجعل نظره ما بين ركبتيه وسجوده، أو بين ركبتيه، فإذا جلس كما وصفت لك قال التحيات المباركات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، (1/28)
صفحة 29
فإذا أراد أن ينهض قائماً لتعلم باقي صلاته لم يطلق يديه من فخديه أو ركبتيه ونهض عليهما إن أطاق وإلا أطبق يديه على الأرض وضم أصابعه ثم ركَّز قوائمه ثم جعل يديه على ركبتيه وفرَّق أصابعه ونهض على أطراف أصابع رجليه كما وصفت لك أول مرة، فإذا أراد أن يكبِّر فلا يكبِّر حتى يطاق يديه من الأرض ويجعلهما على ركبتيه ويصير في نصف القيام وقد أطلق ركبتيه من الأرض، فإذا أطللق ركبتيه قائماً قال حينئذ الله أكبر، فهذا مبتداها وآخرها ما قد بينت لك ذلك، فإذا ركع الراعة وجلس لقراءة التحيات، فإذا وصل إلى عبده ورسوله قال (ص) أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ثم سلَّم، وإن شاء الدعاء قرأ ما تيسر من الدُّعاء من القرآن وتحاميده ودعا لأمر آخرته، ولا يذكر أمر دنياه في صلاته ثم سلَّم، فإذا أراد التَّسليم صفح بوجهه يميناً وشمالاً ولا يحرك جسده حتى يميله يميناً وشمالاً مع رأسه حيث مال يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنه عنقه ويصفح بوجهه حتى يكاد ذقنه يصير فوق منكبيه وينظر ما خلقه، وإن لم يفعل ذلك فما صفح بوجهه ولو قل ذلك وسلم لقى ذلك، والمأمور به ما وصفت لك، (1/29)
صفحة 30
فإذا أراد التَّسليم قال سلام عليكم ورحمة الله في نسم واحد يميناً وشمالاً، وكان لا يبادر ويقول سلام عليكم يميناً ثم يقطع نسمه ثم يقول ورحمة الله شمالاً، وإذا هو قطع التسليم في تسميتين لم تفسد صلاته، ولا يقول السلام عليكم ورحمة الله بألف ولام، وإن قال ذلك فلا بأس ونحن نستحب ما وصفت لك. (1/30)
صفحة 31
فصل
في الصلاة وذكر الركوع
وهو بعد القراءة، فإذا فرغ من القراءة خر راكعاً بتكبيرة وهي سنة ولقم راحتيه ركبتيه وفرَّق بين أصابعه واعتمد على رصغيه* وساعديه في حال ركوعه، ويمد ظهره معتدلاً ولم يشخص برأسه إلى السماء، ولا يصوبه إلى الأرض.
قد روي عن النبي (ص): أنَّه كان إذا ركع أو وضع على ظهره قدح من ماء لم يتحرَّك لاستواء ظهره.
وروي عنه أيضاً أنَّه نهى عن التدبح في الركوع وهو أن يطأطئ رأسه ويرفع عجزه كالحمار، ثم يسبح في حال ركوعه وهو سنة يقول سبحان ربي العظيم سبعاً وهو أكثر التَّسبيح، أو خمساً وهو أوسطه، أو ثلاثاً وهو أقله هذا في أقوال الحسن، أمَّا في قول أصحابنا ثلاثاً، وإن زاد عنهم أو نقص فلا بأس، ويكون نظره في حال ركوعه إلى موضع سجوده. (1/31)
صفحة 32
وقال بعضهم: يكون نظره إلى قدميه، ويكون ركوعه متواضعاً خاضعاً متذللاً لله، فإذا فعل ذلك صار مطيعاً، وقد قال الله تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}. وعن ابن عباس أنَّه قال: خاشعون خائفون ساكنون.
وعن النبي (ص) أنَّه كان أولاً إذا صلى رمى بنظره إلى السماء، ويقال: نحو القبلة.
فلمَّا نزلت: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} رمى بنظره إلى نحو قدميه إلى أن مات (ص).
وفي قوله تعالى: {إنَّ الخاشعين والخاشعات} يعني في الصلاة متواضعين لله تعالى لا يعرف من عن يمينه ولا من على شماله، ولا يلتفت من الخشوع لله تعالى، وفي الحديث أنَّ الخشوع خشوعان، فخشوع له الجسد ولا يخشع له القلب، فذلك خشوع النفاق، وخشوع يخشع له القلب والجسد فذلك خشوع الإيمان. (1/32)
صفحة 33
وقيل: إذا زاد خشوع الجسد على خشوع القلب فذلك نفاق. وإذا أردت أن تركع فلا تكبر حتى تطأطئ رأسك، فإذا أخذت في التطأطئ قلت الله أكبر وتقطع التكبير قبل أن يستوي ظهرك بالركوع وأنت بعد لم تقطع التكبيرة، فإذا أردت أن ترفع رأسك من الركوع فاقطع التحميد قبل أن تستقل قائماً.
وإيَّاك وإن تصل التحميد بالقيام، فذلك يكره من غير أن يبلغ إلى نقص صلاتك، فإذا استقليت قائماً قلت ربنا لك الحمد، تقولها وأنت قائم ثم تخر ساجداً، ولا تكبر حتى تأخذ في الانحطاط، فإذا خرجت من القيام وصرت فيما بين القيام وقبل السجود قلت الله أكبر.
وإيَّاك أن تسجد قبل أن تقطع التكبير أو تبتدئ بها وأنت منتصب، ثم تسبح ثلاثاً وتقطع التَّسبيح قبل أن ترفع رأسك وتفرغ منه قبل أن تستوي جالساً أو قائماً على قدميك، فإذا قمت فلا تقرأ إلا بعد سكتة هنية.
وقد يؤمر المصلي إذا رفع رأسه من الركوع أن يبقى قائماً متمكناً حتى يرجع كل عضو إلى مفصله كنحو ما يقعد ما بين السجدتين. (1/33)
صفحة 34
وفي الصلاة ثلاث سكتات: عند الإحرام، وعند الفراغ من القراءة، وعند القيام من السجود، وأمَّا العلة أنَّ الركوع واحد والسجود اثنان، وذلك أنَّ رسول الله (ص) قال: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم إذا لم يكن به علة»، وكان في التقدير أنَّ السجود من حال القعود، والركوع من حال القيام، فجعل السجود اثنين ليكافئ الركوع، لأنَّه واحد وأيضاً فإنَّ السجود أسهل من الركوع وكانتا السجدتان يقومان مقام الركوع الواحد.
وفي الحديث عن الرسول (ص): أنَّ لله تعالى ملائكة في السماء الثانية ركعا مذ خلقهم الله تعالى إلى أن تقوم الساعة.
أرجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/34)
صفحة 35
فصل
ذكر الوقوف في الصلاة والقرآن عند التلاوة من غير بيان الشرع والإضافة إليه.
قيل: الوقوف في الصلاة في أربعة مواضع: قبل تكبيرة الإحرام وبعدها، وقبل الاستعاذة وبعدها، وفي أوسط فاتحة الكتاب عند قوله نستعين، وبعد قراءة الحمد.
وعن الشيخ محمد بن سلمان العيني رحمه الله، وسألته أين مواضع الوقوف في الصلاة؟ فقال: بعد تكبيرة الإحرام، وبعد قراء الحمد، وبعد قراء السورة، وبعد فراغه من قول ربنا لك الحمد. وقال: كان النبي (ص) في هذه المواضع حتى يظنَّ به أنَّه قد سها وبين السجدتين وقف، وقبل التحيات وقف وبعدها. (1/35)
صفحة 36
وعند القراءة إذا قام من السجود، ففي هذه المواضع وقوف كلها وحسن قوله، وقيل: قدر وقفة تسبيحة أو ثلاثاً.
ذكر الوقوف في القرآن: اعلم أنَّ الوقوف على ثلاثة أوجه: وقف تام، ووقف قبيح ليس بحسن ولا تام، ووقف حسن ليس بتام، فالوقف التام: هو الذي يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده ولا يكون بعده، ولا يكون بعده بما يتعلَّق به كقوله تعالى: {أولئك على هدى من ربههم وأولئك هم المفلحون} فهذا وقف تام؛ لأنَّه يحسن أن يقف على المفلحون.
ولحسن الابتداء بما بعده والوقف الحسن وليس بتام كقوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين}.
الوقف على هذا حسن لأنَّك إذا قلت الحمد لله عقل عنك ما أردت، وليس بتام إذا ابتدأت رب العالمين. (1/36)
صفحة 37
فإذا ابتدأت برب العالمين قبح الابتداء بالمخفوض، وكذلك الوقوف على اسم الله ليس تعطيل هاهنا، فإذا قلعت بسم الله يسن بسم الله فحسن وليس بتمام، لأنَّك تبتدئ بالرحمن الرحيم بالخفض، والوقوف القبيح: الذي ليس بتام ولا حسن. فقوله: بسم فالوقف على بسم قبيح، لأنَّه لا يعلم إلى أي شيء أضفته، وكذلك الوقوف على بسم قبيح، لأنَّه لا يعلم إلى أي شيء أضفته، وكذلك الوقوف على مالك والابتداء بيو الدين قبيح فيقاس على هذا كلَّما تريده ممَّا يشاكله إن شاء الله. انقضى. (1/37)
صفحة 38
باب
في الإقامة والتوحيد والإحرام ولفظها وما يتمُّ بلفظها الصلاة وما ينقض بلفظها الصلاة في تكبيرة الإحرام وفي القنوت.
وعن رجل أقام الصلاة ثم تكلَّم من بعد ذلك بكلمة ليس هي من الصلاة، فصلُّوا ولم يبدلوا الإقامة، فلمَّا صلوا خلفوا أن تفسد صلاتهم. هل يبلغ بهم ذلك إلى نقض؟ قال: لا أقدم على نقض صلاتهم.
وسمعت يقال: روي عن النبي (ص) أنَّه قال: «أول الصلاة رضوان الله وأوسطها رحمة الله وآخرها عفو الله».
أوائل أوقات الصلاة قريب
من الله جل الله حين يثوب
فأولها رضوان ربى ورحمة
وأوسطها أنَّ الصلاة نصيب
وآخرها عفواً إذا ما تأخرت
فحذرك لا تعطف عليه ذنوب
وقال محمد بن محبوب في هذا المعنى: (1/38)
صفحة 39
أوائل أوقات الصلاة هدية
إلى الله جلت في العيون وخلت
وأوسطها من ذي المعرج رحمة
ولت تدرك الأولى بنعم تولت
وآخرها عفو من الله أنَّه
عفو غفور أنَّ ذنوب تعدت
فحذرك لا تعطف عليك مصائب
توالت على ترك الصلاة وحلت
فإن اللتيا والتي في أتراكها
فحذرك من فعل اللتيا والتي
فإن تدرك الخيرات إلا بفعلها
لأوقاتهم فهي التي وهي التي
أدمها على أوقاتها واجترز بها
فكان طواغيت الضلال أظلت
قواعد إيمان الهدى هي أنَّها
إلى الله قد حلت مكاناً وحلت
ودلت على باب الجنان هداية
ودلت على الخيرات كلا وذلت
فأولها نور وأوسطها رضا
وآخرها عفو وإبلاغ رتبت
هي النور في الدنيا هي الفوز في غد
هي العورة الوثقى فخذها أهبت (1/39)
صفحة 40
مقام جليل عظم الله قدره
ينال بها خيراً بدار المقامة
فكن طالباً فيها رضا الله وحده
تنل ما ترجى من سرور ورحمة
مسألة: ذكر أنَّ أبا عبيدة أقام، فقال له أصحابه: إنَّك لم تقل قد قامت الصلاة، فقال: قد قامت الصلاة ولم يعد الإقامة.
مسألة: ومن كتاب الأصفر: رجل أقام لصلاة الظهر قبل أن تزول الشمس وصلى بعد زوالها. قال: إن كان كبر تكبيرة الإحرام بعد الزوال فقد جازت الصلاة.
مسألة: من كتاب محمد بن جعفر: والإقامة مثنى مثنى، ويستحب الحرم في الإقامة.
ومنه: ومن نسي شيئًا من الإقامة حتى صلى فلا نقض عليه. (1/40)
صفحة 41
ومن ذكر ما نهى منها قبل أن يصلي أعاده وعده، ومن تكلَّم في الإقامة فأحبُّ إلي أن يعيدها، وإن صلى فلا نقض عليه، وقال من قال: من أهل الرأي من جاء إلى الصلاة والإمام قد سلَّم ولم ينتقض الصفوف واكتفى بإقامتهم تلك، وقال من قال: ما لم يدخل في صلاتهم فيقيم هو الصلاة وذلك أحبُّ إلي.
ومن غيره: أرخص ما قيل تجزيه إقامتهم ما لم يخرجوا من المسجد.
وقيل عن بعض أهل الفقه: إن من ترك الإقامة متعمداً وصلى فلا نقض عليه وقال من قال: بل عليه بدل تلك الصلاة، وهذا الرأي أحبُّ إلي. وفي نسخة قال أبو عبد الله: لا نقض عليه.
وأمَّا إن نسي الإقامة كلَّها حتى أحرم للصلاة ودخل فيها فلا نقض عليه.
في نسخة: قال أبو المؤثر: إذا كان في الصلاة فعليه النقض.
ومن غيره: من نسي الإقامة فإن ذكر قبل أن يحرم فليقم. (1/41)
صفحة 42
وإن ذكر بعد أن يحرم فليمض على صلاته ولا نقض عليه.
ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: وسئل أبو سعيد عن الإقامة فريضة أم سنة؟ قال: معي أنَّه قد قيل: فريضة. وقيل: سنة.
قلت: فالذي يقول بفرضها أين يثبت فرضها من كتاب الله؟ قال: معي أنَّه في قول الله عزَّ وجل إذا قيل انشزوا فانشزوا، وقالوا: إنَّ النشوز هو فرض الإقامة.
قلت: فالتوحيد فريضة أم سنة؟ قال: معي قد قيل أنَّه فريضة. وقد قيل: سنة.
قلت: فالذي يقول أنَّها فريضة أين يثبت فرضه من كتاب الله؟ قال: معي أنَّه في قوله تبارك وتعالى: {فسبح بحمد ربك حين تقوم} (1/42)
صفحة 43
مسألة: من الزيادة المضافة: فيما أحسب، وإذا أراد المؤذن أن يقيم للصلاة ويعتقد الإقامة لصلاته، فإنَّه ينوي أن يقيم لصلاة الجماعة التي اعتقدها أن يصلي بها ما كانت من الصلوات، هل عليه ما نقض أن يقيم؟ قال: لا.
قلت: هل عليه أن يوجه فوقف؟ قال غيره: وقد قيل: إن شكَّ في صلاته فرجع إلى نقضها من بعد أن جاوز تكبيرة الإحرام أو يدخل في الصلاة، فإنَّه يرجع إلى الإقامة والتوجيه.
فإن رجع إلى النقض بعد ذلك؟ وقال من قال: حتى يجاوز الركوع ثم يرجع إلى الإقامة والتوجيه.
قلت له: فإن كان رجل يصيبه* الشك في صلاته والنقض، فإن رجع إلى النقض بعد ذلك؟ قال: حتى يتعمد ذلك. وقال من قال: يرجع إلى التوجيه، ولا يرجع إلى الإقامة لأنَّه موقف واحد. وقال من قال: يرجع إلى الإحرام فإنَّه قد أقام ووجَّه وهذا ما لم يفرغ من الصلاة، (1/43)
صفحة 44
فإن جرت عليه أحكام فراغ تلك الصلاة ثم لزمه أعادتها لسبب فعليه الإقامة والتوجيه، ولا نعلم في ذلك اختلافاً، وإنَّما الاختلاف ما دام لم يكمل تلك الصلاة.
مسألة: ومن منثورة أبي محمد: وسألته عمَّن يقيم الصلاة في آخر المسجد ويمشي إلى موضع، هل له ذلك؟ قال: في قول محمد بن محبوب يأمره بالإعادة، وقال في قول أبي معاوية: فلا بأس.
مسألة: من كتاب الضياء: وقيل: إنَّ أبواب السماء تفتح عند إقامة الصلاة وترجى إجابة الدعاء.
وعن أبي علي قال: ما أقيمت الصلاة قط إلا قالت الملائكة عليها السلام قوموا يا بني آدم إلى ناركم التي أوقدتموها على أنفسكم فافطفئوها بصلاتكم.
قال أبو بكر: كان أنس بن مالك إذا قيل: قد قامت الصلاة وثب فقام إلى الصلاة. (1/44)
صفحة 45
قال أبو سعيد معي: أنَّه لا يخرج معاني هذا كله حجر ولا حتم، والمسارعة إلى القيام إلى الصلاة من الفضل إلا أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا لمن المأموم يقوم إلى الصلاة إذا قال المقيم حي على الصلاة، لأنَّه قد حثَّ عليها.
وفي بعض قولهم: أنَّه يقوم إذا قيل قد قامت الصَّلاة، وإذا وافى القائم إلى الصلاة أنَّه يوجه قبل تحريم الإمام حتى يخرج مع تحريم الإمام، ولا يفوته من صلاة الإمام شيء.
ولا يضره سبقه قبل ذلك بل إن أراد إلى المسارعة إلى الفضل كان له فضل ذلك.
مسألة: من كتاب الضياء: في حديث عمر أنَّه قال المؤذن بيت المقدس إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فأجزم.
قال الأصمعي: الحزم في الإقامة قطع التطويل، والحجَّة على أنَّ الحزم في الإقامة ترك المد لا ترك الأعراب وقول الرسول عليه السلام: «يؤذن لكم أنصحكم» مع ثبوت الآذان جزماً والفصاحة لا تكون إلا بالأعراب. (1/45)
صفحة 46
فلذلك علمنا أنَّه يريد ترك المد لا ترك الأعراب والله أعلم.
أرجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: عن أبي الحواري: وعن رجل دخل المسجد، وقد أخذ المؤذن في الإقامة؟ فقد كرَّه بعض الفقهاء أن يمتدَّ ويكون قائماً إلى أن يدخل في الصلاة.
مسألة: عن أبي الحواري: وعن المقيم إذا أقام الصلاة ثم حول وجهه إلى المشرق لمعنى أو غير معنى، هل عليه إعادة الإقامة؟ فليس عليه إعادة إلا أن يتكلَّم بكلام في غير معنى الصلاة، فقد قال من قال: إنَّ عليه إعادة الإقامة للصلاة.
وإن صلوا ولم يعد الإقامة؟ فقد قيل: إنَّ صلاتهم تامة كان المقيم الإمام أو غير الإمام.
قال أبو سعيد: معي أنَّه هو يخرج معناه فيما يكون عن الكلام في غير معاني الصلاة أو ذكر الله وإنَّما ذلك في كلام المقيم للصلاة لا غير منهم. (1/46)
صفحة 47
فصل
في لفظ التوجيه
ومن جامع أبي محمد:
روي عن النبي (ص) أنَّه كان إذا قام إلى الصلاة قال سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
واختار أصحابنا إن ضموا إلى هذا توجيه إبرهيم عليه السلام وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين.
مسألة:
ومن كتاب محمد بن جعفر:
وأول الصلاة بعد الإقامة ويوجبه النبي (ص): هو التوجيه الأول إلى «ولا إله غيرك».
وقيل: من تركه متعمداً فعليه النقض، والباقي توجيه إبراهيم (ص)، ولا نقض على من تركه، والمأمور به أن يوجه به كله، فإن نسي التوجيه جميعاً حتى دخل في الصلاة فلا نقض عليه ولا يرجع إليه. (1/47)
صفحة 48
وقال بعض الأول: أحبُّ إليَّ أن النقض على من ترك التوجه كله متعمداً ولا نقض عليه في النسيان.
وبلغنا عن الأزهر بن علي: على أنَّه قال للإمام بشير أنَّه قال: إذا حئت وخفت أن يسبقني الإمام في الصلاة قلت سبحان الله وبحمده ثم أحرمت لقول الله تعالى: {فسبح بحمد ربك حين تقوم}، وقيل: من خاف الفوت في الجماعة بدأ بالتوجيه إذا دخل المسجد، وقال من قال: إذا عرف مكانه من الصف.
قال المضيف: وفي كتاب الضياء قال هاشم: سمعنا أنَّه جاء من المشرق ودخل المسجد فليوجه إذا خاف السبق وهو مستقبل القبلة، وإذا وجاء من ناحية لا يستقبل القبلة فليصرف وجهة ناحية القبلة وليوجه. قال مسبح: اكتبوا ما قال الشيخ فكتبنا.
قلت: فإن سبقه على ذلك المقام الذي أراد رجل وأقام في غيره؟ قال: لا بأس عليه إن شاء الله إن كان وجهه إلى القبلة.
مسألة: والتوجيه هو سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك (1/48)
صفحة 49
وجل ثناؤك ولا إله غيرك وجهت وجهي للذي فطر الأرض حنيفاً وما أنا من المشركين.
ومن غيره: حفظنا عن أبي سعيد رحمه الله أنَّه قال: يوجد في آثار أصحابنا القديمة أنَّه كان بعضهم يقول جل ثناؤك؟ قال: ففزع أهل الزمان إلى ترك هذا الحرف بغير نظر إلا ما في الأثر، ولعلَّ ذلك من قلة البصر واللفظ يحتمل هذا المعنى.
ومن غيره: وقلت: وما معنى وجل ثناؤك، فالمعنى قوله في ذلك أنَّه جل على جميع الأشياء بقدرته وعظمته وملكه وسلطانه، وكذلك الثناء عليه بذلك جل على جميع الأشياء على جميع خلقه.
مسألة: من الزيادة المضافة: تركت بعضها وكانت مسألة قد وقعت في أيام الأشياخ في امرأة قالت المرأة وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفة لأنَّها امرأة، فأنكر عليها ذلك من أنكر. (1/49)
صفحة 50
وقال: إنَّما سمع هذا في قول الله ولا يحمل أمر الصلاة على ما يجوز في لغات النَّاس.
مسألة: عن إبراهيم إن قالت المرأة في التوجيه وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفة؟ فقد قال من قال: إنَّه جائز ذلك.
ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/50)
صفحة 51
فصل
في تكبيرة الإحرام
وسئل عمَّا كان يحرم قبل التوجيه جاهلاً، هل عليه بدل؟ قال: عندي أنَّه يختلف في ذلك؟ فقيل: عليه البدل، وقيل: لا بدل عليه، لأنَّ بعضاً ينزل الجاهل منزلة النسيان، والخطأ في جميع أخطائه في الصلاة، وهذا لو نسي حتى أحرم قبل التوجيه لم يكن عليه، وأمَّا الذي يرى ذلك ثم يرجع إلى رأي المسلمين وتاب فلا أعلم اختلافاً إلا أنَّه لا يلزمه البدل.
مسألة: وعن المصلي إذا أخذ في تكبيرة الإحرام وهو مبتسم يضحك ترك الضحك.
قال غيره: الذي أقول أنَّه إذا أخذ في تكبيرة الإحرام وهو باسم يضحك، فقيل: أن يتم الإحرام ترك الضحك وصلى على ذلك ولم يعد التكبيرة؟ (1/51)
صفحة 52
فمعي: أنَّه لا تتم الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، ولا تتم التكبيرة إلا بتمامها.
مسألة: من كتاب الأشياخ: عن الإتمام إذا كبر بعض تكبيرة الإحرام فطول وكبَّر رجل خطفه ففرغ قبل الإمام، فلا بأس، ومن سبق الإمام بتكبيرة الإحرام انتقضت صلاته.
ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
قال أبو سعيد: الاتفاق من قولهم أنَّه لا يجزي ترك تكبيرة الإحرام على عمد ولا نسيان.
ومن كتاب أبي جعفر:
عن النبي (ص) أنَّه قال: {مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم}، يعني إذا كبَّر فقد دخل في الصلاة، والتَّسليم إذن للنَّاس أي قد انصرفت، وتكبيرة الإحرام من تركها ناسياً أو متعمداً فصلاته فاسدة، (1/52)
صفحة 53
ومن كبَّرها قبل أن يكبِّر الإمام فصلاته فاسدة.
وقيل: من كان خلف الإمام ولم يسمع إذا كبر فلا يكبر تكبيرة الإحرام حتى يركع الإمام.
ومن غيره: قال أبو عبد الله: من لم يسمع من الإمام تكبيرة الإحرام تحرى بالنَّاس إلا الأصم والأعجم.
يعني يجزي إذا سمع من خلف الإمام كبروا تكبيرة الإحرام وعرف ذلك ممَّن خلف الإمام كبر هو تكبيرة الإحرام.
مسألة: وسألته عن تكبيرة الإحرام إذا لم يسع الرجل أذنيه في جميع الصلوات بالليل والنَّهار؟ قال: لا بأس، وإن أسمعها فهو أحبُّ إلي.
وسألت هاشماً: عن الرجل إذا لم يسمع نفسه تكبيرة الإحرام؟ قال: لا بأس إذا كبَّر، وإن أسمع نفسه فلا بأس.
مسألة: ومن غيره: ومن شكَّ في تكبيرة الإحرام من بعد ما دخل في الإستعاذة فمضى على صلاته ولم يرجع يحرم؟ (1/53)
صفحة 54
قال: صلاته تامَّةٌ.
ومن غيره قال: وسألت محمد بن محبوب رحمه الله عمَّن شكَّ في تكبيرة الإحرام وهو في الاستعاذة؟ قال: إن رجع فموضعه قريب، وإن مضى على صلاته فصلاته تامَّةٌ.
ومن غيره: وسأته عمَّن نسي تكبيرة الإحرام؟ قال: عليه النقض.
قلت: فإن شكَّ فيها؟ قال: إذا جاوزها في القراءة مضى على صلاته ولا نقض عليه.
ومن غيره قال: نعم. وذلك أنَّ القراءة حد، وتكبيرة الإحرام حدٌ، فإذا جاوز الحدَّ إلى حدٍّ غيره ثم شكَّ في ذلك الحدِّ أو في شيء منه فليس له أن يرجع إليه على الشكِّ، ولا عليه في ذلك.
فإن رجع إلى الشك؟ فقال من قال: إنَّه تفسد صلاته. (1/54)
صفحة 55
وقال قومٌ: إذا رجع وهو يظن أنَّ ذلك جائز له واحتاط في ذلك على صلاته فلا إعادة عليه في هذا.
مسألة: وسألت عزان من الصقر عن رجل قام إلى الصلاة فوجَّه وأحرم واستعاذ وقرأ ثم شكَّ في التوجيه أنَّه لم يتمه رجع فأتمَّ التوجيه وأحرم ولم يكن له نية أن يهمل الإحرام الأول، وإنَّما كانت نيته في الإحرام الآخر تثبيتاً؟ قال: صلاته تامَّةٌ ولا نقض عليه.
قال أبو المؤثر: إذا كبَّر الرجل تكبيرة الإحرام ثلاث غلطاً أو أكثر كانت تكبيرة الإحرام هي آخرهنَّ، ولا يلزمه النقض في صلاته.
قال غيره: وقد قيل: إنَّه إن كان رجع إلى تكبيرة الإحرام على التثبيت لها والشك فتكبيرته هي الأولى، وإن كبَّر ثانية أو ثالثة على أنَّه ممهل لما قد كبَّر فإحرامه الآخر منهنَّ. (1/55)
صفحة 56
فصل
في اللفظ بتكبيرة الإحرام
وهي الله أكبر، فالألف: من اسم الله ليس بموصول بل مفتوح فتحة مقصورة من غير مدٍّ، واللام: الأولى مسكن. والثاني مشدَّد تشديدةطابقة بالحنك ثم ينحلق به مع مده، وإن لم يمد فوجه من وجوه الصواب، وقد قال بعض: لا يمد، فإذا مدَّ السلام وطلَّق به لسانه وطلَّق ذلك، فعلى الحال يضم الهاء من الله وزيادته في اسم الله. والألف من كبر مفتوح مقطوع. والكاف: مسكن. والباء: من أكبر مفتوح. والراء: يبين تبيناً بناء أن يسمع من الذي يليه نسخة مبنية كأنَّما نطق برائين اثنين من بيانه للراء. (1/56)
صفحة 57
مسألة: من كتاب عمرو بن علي: وقالوا بالمد على تكبيرة الإحرام يكون المد على اللامين مع التَّشديد لها مع قطع الألف من أكبر مع شم الضمة من الهاء التي في الله.
مسألة: من جواب محمد بن أبي إبراهيم إلى الحواري بن عثمان، قال في قول المصلي الله أكبر، فإذا زاد واواً ثانية ففي نفسي من ذلك لاتباع السنة وإنَّما يرجع إلى ما رأى المسلمون من ذلك ذكر المدات التي في تكبيرة الإحرام.
ومن كتاب عمرو بن علي المعقدي قال: وفي تكبيرة الإحرام أربع مدات، فالأولى: لا تجوز وهي التي على الألف الأول من اسم الله لأنَّها تخرج مخرج الاستفهام فيبطل الإيجاب، والثانية: وهي التي تكون على الهاء من اسم الله، لأنَّها زيادة واو، وإذا ثبت فيها الواو كان في الصلاة فساد، والرابعة: أيضاً مكروه وهي التي تكون على الباء من أكبر.
مسألة: وقالوا بالمد على تكبيرة الإحرام (1/57)
صفحة 58
ويكون المد على اللامين مشدَّداً مع قطع الألف من أكبر مع ثمة الضمة من الهاء التي في اسم الله.
مسألة: والمسلمون يستحبون حزم التكبيرة في الصلاة، إلا أنَّه قد قال من قال: بيد تكبيرة الإحرام وحدها وقال آخرون: الحزم في تكبيرة الإحرام، وسائر التكبير أحب إلينا، وأنا أقول بمد تكبيرة الإحرام وبمد تكبيرة العيدين وتكبير الجنائز ليسمع من خلقه. (1/58)
صفحة 59
فصل
في القنوت
من كتاب الأشراف:
قال أبو بكر: ثبت أنَّ رسول الله (ص) كان يقول إذا كبَّر في الصلاة: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم ونقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد». قال أبو بكر: بهذا القول نقول.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّه ليس للإمام ولا غيره أن يدعو لنفسه بشيء من الدعاء من لدن إحرام الصلاة إلى أن يتمَّ التشهيد من العقود الأخير من الصلاة، أنَّ الدعاء كلام ولا يجوز الكلام في الصلاة لعلَّه نسخ الكلام.
وقد جاء في الأثر: إنَّه كان بدء الإسلام يجوز الكلام في الصلاة، إن كان هذا قد قيل عن النبي (ص) فعله قبل النهي عن الكلام في الصلاة.
قيل: إنَّه كان في بدء والأمر يستجيزون الكلام في الصلاة.
إنَّه قد قيل: إنَّه كان في بدء الأمر حتى نزلت آية الخشوع فعهد إليهم النبي (ص): إنَّ الله قد نهى عن ذلك، وقد يمضي ذكرنا شيء من لك فيما تقدم من الكلام. (1/59)
صفحة 60
ويخرج في معاني قول أصحابنا: أنَّ الدعاء لا يجوز في صلاة الفريضة على التعمُّد إلاَّ بمعنى ما جرى من الاختلاف في الذكر لله.
إنَّ ذلك قد يشبه الدعاء إلاَّ أنَّه ليس بدعاء خارجٍ عن معنى ذكر الله، فأمَّا جميع الدعاء الذي هو مخصوص به معاني الدعاء في غير ذلك فمفسد للصلاة في معاني قولهم على التعمُّد، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافاً.
وقال أبو سعيد أيضاً: معي أنَّه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أنَّه ليس في صلاة الفريضة دعاء بشيء من هذا ولا غيره من لدن إحرامها إلى تمامها، ولا يقال فيها إلا القرآن في مواضعها، والتكبير في موضعه، والتَّسبيح في موضعه، والتحيات في موضعها، وهذا يخرج في معاني قولهم أنَّه لا يجوز في الصلاة على معنى العمد.
ويخرج في معاني قولهم بما يشبه الاتفاق أنَّ التوجيه في الصلاة قبل تكبيرة الإحرام.
وهذا الذي يذكر هو ممَّا يخرج في معاني قولهم: أنَّ التوجيه وما يشبهه الذي ثبت عن النبي (ص) قبل تكبيرة الإحرام، (1/60)
صفحة 61
ويخرج معي في معاني الاتفاق، ومن قول أصحابنا أنَّ قوله آمين دعاء وأنَّ الدعاء لا يجوز في الصلاة.
كانوا يعملون في الصلاة بغير معانيها حتَّى أنزل الله آية الخشوع فيما قيل، وقدم إليهم النبي صلىَّ الله عليه وسلَّم وقد رآهم بعد ذلك يفعلون ما كانوا يفعلون من من الكلام والعمل، إنَّ الله قد ذمَّ فيه ومنعه وكان ذلك لمعنى المنسوخ ممَّا مضى.
ومعي: أنَّه يخرج في قول أصحابنا أنَّ القنوت في الصَّلاة في الوتر والصبح وجميع الصَّلوات بدعة وجدت أحدته* الناس.
وعن ابن عباس أنّه قال: لم يقنت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ولا أبو بكر ولا عمر، وقيل عنه: لماَّ بلغه خير القنوت في الصَّلاة في العراق ومن أهل العراق لعلَّه قال: واعجبا من أهل العراق إذ هم لا يعملون ولا يصلون ولا تاركون الصلاة، ونحو هذا معناه القنوت أنَّهم لا تاركون الصَّلاة فيكونون في راحة من الصَّلاة ولا يصلون؛ لأنَّ القنوت لا تتمُّ به الصّلاة فلا ضلُّوا ولا تركوا الصلاة.
وكذلك عندنا الأشراف:
وقال أبو بكر: روينا عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك، (1/61)
صفحة 62
ولا تدع بظهورها، فإذا فرغت فامسح بهما وجهك.
قال أبو سعيد: أمَّا في الصلاة فقد مضى القول فيه: أنَّه لا يجوز ببطون كفيه ولا ظاهرهما، وأمَّا الدعاء في غير الصلاة فقد استحب بعض أصحابنا ألا يحدث الداعي في دعائه حالاً من رفع يديه ولا ضمهما، وإن يرفعهما فعلى صفحهما بنيتها على ما قيل، ولعلَّ بعضاً يكره ذلك لمعنى التجديد لله تبارك وتعالى، فإن فعل ذلك فاعل على صدق النية والمذهب فلا مانع له، وليس ذلك ممَّا يوجب في الله تعالى تحديداً إلا على الإرادة بسوء المذهب.
قال أبو بكر: واختلفوا في الجمعة الجماعة.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا إنَّ القنوت بالدعاء إن كان يعنيه، فلا يجوز في الصلوات المفروضات ولا الواجبات من جمعة ولا غيرها، وأمَّا القنوت بالقيام، فهو لازم في جميع الصلوات المفروضات وبالطاعة، فإنَّ القيام في الصلاة قنوت. (1/62)
صفحة 63
والطَّاعة قنوت فقنوت القيام والطاَّعة لازمان في الصَّلاة وقنوت الدعاء حدث فيها.
وعنه قال أبوسعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا بأنَّ* بترك رفع اليدين عند: تكبيرة الإحرام وتكبير العيد وفي تكبير الصَّلاة كلِّها، ويأمرون بترك ذلك وينهون عن فعله.
إنَّ ذلك واقع موقع السبت في الصَّلاة ولا معنى له والمأمور بغيره من السكون والخشوع في الصَّلاة، ومنه ثبت أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يأخذ شماله بيمينه إذا دخل في الصلاة.
قال أبو سعيد: يخرج في قول أصحابنا ثبوت الترسل في الصلاة لجميع الأعضاء وترك الحركات فيها والعمل* إلاَّ لنعاني القيام بها من ركوعها وسجودها وما يدخل فيها من معاني صلاحها من صلاح اللباس لها وأشباه ذلك (1/63)
صفحة 64
باب
في الإستعاذة وفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم وفي قراءة القرآن في الصَّلاة كان إمامًا أو غير إمامٍ وفي الجهر في موضع السرِّ وفي اللحن في القراءة وفيما يترك به المصلِّي القراءة والتَّبديد وفي التكبير ومعاني ذلك في نظر المصلِّي أين يكون
وسئل عن رجل نسي الاستعادة حتَّى ذكرها في موضعٍ من صلاته، هل يجب عليه حيث ما كان من الصَّلاة على قول من يقول إنَّها فريضة؟
قال: معي أنَّه على معنى قول من يقول أنَّها فريضة إذا ركع ولم يستعذ فقد فسدت صلاته،
وأمَّا على معنى قول من يقول أنها سنَّة؟ فمعي: أنَّه قد قيل: يستعيذ حيث ما كان من أمر الصَّلاة، وبعض يقول: أنَّه يستعيذ حيث ما ذكرها إلاَّ في السُّجود أو الركوع، وفي بعض القول: أنَّه لا استعاذة عليه.
مسألة: وعن رجل جهر بالاستعاذة (1/64)
صفحة 65
فإن كان استعاذ قبل التكبير فلا بأس، وإن فعل ذلك بعد التكبير سجد سجدتي الوهم.
قال أبو الحواري: قال بعض الفقراء من جهرٍ بالاستعاذة قبل من بعد الاحرام فسدت صلاته إلاَّ أن يكون استعاذ لشك بعينه.
قال غيره: وقد قيل: إن كان ناسياً أو جاهلاً فقد قصَّر*ولا تفسد صلاته ولا يرجع إلى ذلك.
وقال من قال: على العلم أيضًا وهو مقصر، والقول أوَّل أشبه بمعنى الصَّواب أعني في النسيان والجهل أقرب من التعمُّد.
مسألة: من الزيادة المضافة فيما أحسب، وسألته هل قال أحد من الفقهاء أنَّه من نسي الاستعاذة أو التكبير وقول: سمع الله لمن حمده ثمَّ ذكر من في غير وقتهنَّ أنَّه ليس عليه إعادة؟.
قال: لا أعلم ذلك من قول أحد من الفقهاء.
ومن غيره قال: وقال ذلك من قال من الفقهاء. (1/65)
صفحة 66
قلت: فإن نسين* كلُّهن في موضع واحد، كيف يصنع وبما يبدأ؟ ولعله قال: بالاستعاذة ثمَّ الأول فالأول.
مسألة: قلت وما يقول في الاستعاذة التي على تكبيرة الإحرام أهي من كتاب الله؟، من قال أنها ليست من كتاب الله فقد كفر، فنعم قد قال الله عزَّ وجلَّ فيما أنزل على نبيِّه محمد صلَّى الله عليه وسلَّم: فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، فقد قيل أنَّ ذلك في الصلاة فمن قال أنَّ الله لم ينزِّل فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وليس ذلك من كتاب الله؟ فقد جحد وأشرك بجحوده.
مسألة:
من كتاب المجالس: ما الحكمة في أنَّ الله تعالى خصَّ حال القراءة بالاستعاذة منها به؟
الجواب: أنَّ كلَّ طاعة كانت أفضل (1/66)
صفحة 67
فنزعات الشَّيطان فيها أكثر: فلما كان القرآن أعظم وأفضل لما فيه من التوحيد والذكر والدُّعاء كانت تلاوته أشدَّ الطَّاعات على إبليس لعنه الله وكانت أشد محاربته للمؤمن فيها أكثر من سواها، وأيضاً فإنَّها إذا كانت في القراءة وفي غيرهما كانت في الصلاة أوجب على الاقتصاد والله أعلم.
اختصرته من كتاب المجالس: قال الله عزَّ وجل: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} ما الحكمة في أنَّ الله تعالى سمى كيد الشيطان ضعيفاً ثم أمر الإستعاذة منه؟ الجواب: أنَّه ليس في الاعتبار في الإستعاذة منه لضعفه وقوته إنَّما أمر بها، لأنَّها في عينها طاعة، قال الله عزَّ وجل لنبيه: {واستغفر لذنبك}، وقد قال: {ليغفر لك الله ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر}، فلم يأمر ليغفر له بل، لأنَّ الاستغفار في نفسه طاعة وهو قد غفر له، وأيضاً فلم يأمرنا بذلك أننا أضعف من الشيطان إذ لو لم يكن للمؤمن إلا قوة العظمة والتوفيق لكفته، ولو لم يكن للشيطان إلا ضعف الخذلان لكفاه، بل سمى كيده ضعيفاً لئلا يرهب منه المؤمن وينهزم. (1/67)
صفحة 68
وأمرنا بالاستعاذة منه تنبيهاً لنا وتذكرة ونفياً للمجب منا بأنفسنا، وأيضاً: فإنَّ ما فينا من الشهوة والهوى والحرص والكسل والفترة معين له علينا، فأمرنا بذلك حتى يحفظنا من الشيطان والأعوان.
أرجع إلى كتاب بيان الشرع.
قال الله تبارك وتعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} وجاء في الحديث عن رسول الله (ص): أنَّه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه وبغيه».
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا ثبوت معنى الاستعاذة في الصلاة بمعاني الاتفاق من قولهم. وفي بعض قولهم: أنَّها فريضة لقول الله: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}. وفي بعض قولهم: إنَّ هذا في الصلاة واجب. وفي بعض قولهم: إنَّها سنة.
ويخرج في معاني الاتفاق من قولهم أنَّها في كل صلاة مرة واحدة لا غيرها. وفي بعض قولهم: إن الاستعاذة قبل الإحرام، (1/68)
صفحة 69
والقراءة بعد الإحرام، وفي بعض قولهم: إنَّها قبل القراءة بعد الإحرام، وسواء ذلك في قولهم كان إماماً أ وغير إمام أو يصلي وحده أو خلف إمام، ذلك على قول من يثبت القراءة خلف الإمام، فذلك كله في قولهم ثابت في الاستعاذة.
مسألة: وعن الاستعاذة سنة أم فريضة ومن لم يستعذ تنتقض صلاته أم لا؟ وإن نسيها ثم ذكرها وقد تعداها، هل عليه أن يستعيذ إذا ذكرها، وإن لم يستعذ هل تنتقض صلاته، فقد قيل: إنَّها فريضة، وقيل: إنَّها سنة، ومن تركها ناسياً فقد اختلف فيه، ونحن أن تتم صلاته، فإذا نسيها حتى ذكرها في بعض صلاته؟ فقد قيل: ليس عليه أن يقولها في صلاته بعد أن جاوزها. (1/69)
صفحة 70
وقيل: أنَّه يقولها إذا ذكر حيث ما كان من صلاته، وقيل: إلا أن يكون راكعاً أو ساجداً.
ويجب له إن كان بقي عليه شيء من القراءة تركها إلى موضع القراءة ثم استعاذ عند القراءة، وإن استعاذ من حيث ما ذكرها جاز له ذلك، إلا أن يكون راكعاً أو ساجداً وإنَّما يفعل ذلك، فهو جائز إن شاء الله، وإن لم يقلها جاز له ذلك، إذا كان أصل ذلك على النسيان، والذي يقول أنَّها تفسد الصلاة كالنسيان؟ فإذا نسيها حتى يقرأ، فإن ذكرها وهو في القراءة رجع فاستعاذ ثم قرأ، فإذا نسي حتى يركع فسدت صلاته.
مسألة: وعن أبي علي رحمه الله: قال موسى بن علي قال: من نسي الاستعاذة وصلى فصلاته تامة، ومن تركها متعمداً فصلاته فاسدة.
قال أبو سعيد: معي أنَّه قد قيل: من ترك الاستعاذة ناسياً أو عامداً فلا نقض عليه، وقيل: عليه النقض في العمد، (1/70)
صفحة 71
ولا نقض في النسيان. وقيل: عليه انتقض في الحمد والنسيان، وكذلك قيل: في التوجيه ومن جهر بها ناسياً فصلاته تامَّةٌ، ومن جهر بها متعمداً فصلاته فاسدة وصلاة من صلَّى خلفه، وكذلك عن محمد بن محبوب رحمه الله.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: أحسبه معروضاً على أبي المؤثر أرأيت من نسي الاستعاذة حتى يجاوز القراءة أو بعض صلاته، هل يلزمه النقض؟ قال: إذا كان مأوذناً في تأخيرها وهو يرجو ألا ينساها فنسيها فلا أرى عليه نقضاً في صلاته.
قلت: فإن تركها إلى القراءة وهو يخاف أن ينساها فنسيها حتى قضى صلاته، أيلزمه النقض؟ قال: نعم، لأنَّه خاطر بتركها.
قال المضيف: وقد قيل: لا نقض عليه. (1/71)
صفحة 72
مسألة: وسألته عمَّن نسي الاستعاذة فذكرها وهو في فاتحة الكتاب فلم يستعذ حتى فرغ من قراءتها في آخر ركعة من صلاته، أيلزمه النقض؟ قال: نعم أرى عليه النقض.
قلت: وكذلك إن نسي الاستعاذة وهو في فاتحة الكتاب أول الركعة من صلاته ولم يستعذ حتى فرغ من فاتحة الكتاب، أيلزمه النقض في صلاته؟ قال: نعم.
قلت: فلم ذلك؟ قال: لأنَّ موضع الاستعاذة القراءة فلمَّا ذكرها وهو في موضعها، فلم يستعذ حتى جاوز القراءة فقرأ آية من فاتحة الكتاب، أرأيت عليه النقض؟ قلت: أرأيت إن ذكر الاستعاذة وهو في فاتحة الكتاب ثم استعاذ، أيلزمه النقض في صلاته؟ قال: نعم.
وقال: وموضع الاستعاذة حتى ذكرها فقد تركها من موضعها فعليه النقض. (1/72)
صفحة 73
وقال: وإذا نسي الاستعاذة فلم يذكرها حتى لم يبق شيء من قراءة الصلاة ثم ذكرها فلا يستعيذ وصلاته تامة.
قال المصنف: وقد قيل: أنَّه لا نقض عليه على كل حال. قال: وإن استعاذ وهو يرى أنَّها عليه فلا نقض عليه، وإن استعاذ وهو لا يرى أنَّها عليه فعليه النقض.
مسألة: وسأته عن الإمام إذا صلى بقوم فنسي الاستعاذة ثم ذكرها وهو في قراءة السورة بعد فاتحة الكتاب؟ أيستعيذ من حيث ذكرها ما خفية؟ قال: نعم، انتقضت الزيادة المضافة.
مسألة: وسألته عن الاستعاذة؟ أيسمع الرجل أذنيه في الصلاة ويجهر فيها بالقراءة؟ قال: لا، فإن سمعها تفسد صلاته.
قلت له: فالرجل يستعيذ بقول أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم؟ قال: لا بأس.
قلت: فإن قال: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؟ قال: نعم، وكذلك أنا أستعيذ. (1/73)
صفحة 74
فصل
في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
من كتاب الضياء:
فإذا فرغ المصلي من الاستعاذة قرأ بسم الله الرحمن الرحيم.
وذكر عن أم سلمة أنَّ النبي (ص): قام يصلي فقال: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين.
وقال أبو هريرة: قال رسول الله (ص): الحمد لله رب العالمين هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب والسبع المثاني.
وبسم الله الرحمن الرحيم: منها يقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر من القرآن.
قال الله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}، يعني في الصلاة فرض الله ذلك وأمر به فيها ولم يوقت شيئًا محدوداً إلا ما تيسر.
وقال عزَّ وجل: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم}، قيل: هي فاتحة الكتاب تثنى* في كل ركعة من الصلاة بإجماع الأئمة. وفاتحة الكتاب: السبع المثاني. (1/74)
صفحة 75
وأم الكتاب: هي أعظم وأقدم ما أنزل الله فيه كما سميت مكة أم القرى؛ لأنَّها أقدمها.
قال الله تعالى: {إنَّ أول بيت وضع للنَّاس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين}.
مسألة: بسم الله الرحمن الرحيم: يجهر فيها مع الجهر ويسر في كل صلاة يسر فيها القراءة، ويؤمر إذا بدأ بالسورة أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وهي أنَّه من فاتحة الكتاب في بعض قول قومنا.
وقيل: دعت عائشة خائطاً وقالت: هل سميت حين ضربت بإبرتك؟ قال: لا. قالت: فافتق ما خطت.
والبسملة: تسعة عشر حرفاً لقارئها بكل حرف عشر حسنات.
وقال أبو الحسن رحمه الله: إنَّها من فاتحة الكتاب: ومن كل سورة؟ قال: وفيها قول.
روى أبو هريرة: أنَّ النبي (ص) قال: «اقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم في أول فاتحة الكتاب، فإنَّها أم القرآن وأم الكتاب وهي السبع المثاني (1/75)
صفحة 76
وإنَّ بسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها»
وعن علي قال: قال رسول الله (ص): «كيف تقرأ إذا قمت للصلاة؟ فقلت: الحمد لله رب العالمين، قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم ناسياً فلا نقض عليه.»
ومن نسيها في فاتحة الكتاب يعيد إذا ذكر وقد جاوز حدًّا، وإن ذكر ولم يجاوز حدًّا ولم يصل إلى الحدِّ الثالث رجع فقرأها ثم قرأ وركع وسجد، ومن نسيها عند افتتاح السورة بعد فاتحة الكتاب فلا إعادة عليه، وإن تركها متعمداً عند فاتحة الكتاب فعليه النقض في تركها عمداً عند السورة بعد فراغه من فاتحة الكتاب فلا إعادة عليه.
قال أبو الحسن: قد أجمعت الأمة أنَّ بسم الله الرحمن الرجيم: قرآن فنحن في قراءتها جهراً مع الجهر وسراً مع السر.
ومن نسي قراءتها فلا نقض عليه، ولا يجب له تركها.
ومن قرأ سورة وغلط فيها فتركها وقرأ غيرها، فإن بدأ بسورة فإنَّه يؤمر أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم.
ومن قرأ آية الكرسي في الصلاة فليس عليه أن يقرأ فيها باسم الله الرحمن الرحيم، فإن فعل ذلك متعمداً خفت عليه الفساد. (1/76)
صفحة 77
وإن نسي أوظنه جائزاً لم أتقدم على فساد صلاته لجهله وظنه ولا شيء عليه في النسيان، ولا يعود إلى فعل ذلك متعمداً.
ومن غيره: وسئل عن بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: حدثني الزهري عن عبد الله بن عمر: أنَّه صلى خلف أبي بكر وقال: صليت خلف عمر حتى مات وهو يقول اقرأها ولا أدعها حتى أموت.
قال غيره: الحديث المرفوع في الرواية أنَّ النبي (ص): قرأها حتى مات، وقرأ هنا أبو بكر حتى مات. وقرأها عمر حتى مات.
وسئل عنها ابن عباس؟ فقال: أو قد تركت، وقال: أنَّ أول شيء اختلسه الشيطان من بني اسرائيل بسم الله الرحمن الرحيم.
وقال: اختلسها منهم إبليس لعنه الله، وقال: إنَّ الله قد أمرهم بها إذا قال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}. وقال: {إنَّه من سليمان وإنَّه بسم الله الرحمن الرحيم}. (1/77)
صفحة 78
وهي أكرم آية في القرآن هنَّ أربع آيات من تركهنَّ فقد ترك الكرم ولا يتركهنَّ إلا منافق.
قال غيره: الذي معنا أنهنَّ الآيات التي في فاتحة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. ملك يوم الدين.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا بمعنى الاتفاق على قراءة بسم الله الرحمن الرحيم مع فاتحة الكتاب في السر والجهر، وأنَّه يجهر فيما يجهر به ويسر مع السر.
ولا أعلم في معاني قولهم ترخيصاً في تركه ولا ما يشبه ذلك مع فاتحة الكتاب.
وفي معاني قولهم: إن تركها تارك مع قراءة فاتحة الكتاب حيث يجب قراءة فاتحة الكتاب عامداً أنَّ صلاته تنتقض بذلك وعليه الاعادة.
ومن تركها على النسيان؟ فمعي: أنَّه يخرج في معاني قولهم اختلاف: ومعي أنَّه في أكثر قولهم على أنَّ لها معى التَّرخيص في إعادة الصلاة منه. (1/78)
صفحة 79
وقد يلزمهم في ذلك عندي لمعنى قولهم أنَّه يلزمه الاعادة لقول النبي (ص): كل صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج. ولا تكون قراءة فاتحة الكتاب إلا بتمامها.
ولعلَّه يخرج في معنى اختلاف من قولهم أنَّ فيما يشبه قولهم أنَّ بسم الله الرحمن الرحيم معها نسخة منها وليس منها.
فإذا ثبت أنَّها منها لم يجز تركها على العمد والنسيان بمعتل القول، وإذا ثبت أنَّها معها، وليست منها ثبت في ذلك معنى التَّرخيص في الاعادة على تركها على العمد والنسيان. ومعي: أنَّه يخرج ذلك.
وقيل: بذلك من قولهم مع الاتفاق من أمرهم بذلك.
مسألة: من كتاب قواعد الإسلام.
هل البسملة آية من الفاتحة وكل سورة؟ فعند مالك وأصحابه ليست بآية إلا في سورة النحل، وأصحابنا ومن وافقهم هي آية عندهم من الفاتحة. وأنَّه عندهم الفاتحة سبع آيات وعد فيها بسم الله الرحمن الرحيم. (1/79)
صفحة 80
فصل
في قراءة الحمد والسورة
ومن جامع أبي محمد:
ولا تجوز صلاة المأموم إلا بفاتحة الكتاب، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنَّه لا يقرأ خلف الإمام إلا بفاتحة الكتاب، وقد ذهب بعض أصحابنا وقد احتجُّوا بقول الله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلَّكم ترحمون}. فاعتلَّ من ذهب إلى هذا القول بظاهر الآية، وكذلك الحجَّة عليهم بيان النبي (ص): «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب».
وخبر النبي (ص) لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب هو المعترض على الآية؛ لأنَّ النبي (ص) وهو الموكل بالبيان، فإن قال قائل ممَّن يحتجُّ بظاهر الآية إنَّه قد روي عن النبي (ص) أنَّه قال: «مالي أنازع في القرآن» قيل له: قد ثبت عنه الخبر.
وأبين من هذا أنَّه قال عليه السلام: «أتقدمون خلف الإمام؟ قالوا: نعم نفعل هذا. (1/80)
صفحة 81
قال: لا تقرأوا إلا بفاتحة الكتاب وقال: الصلاة لا يجوز إلا بها»
ومن الكتاب: ومن ترك قراءة شيء من فاتحة الكتاب حيث يلزم قراءتها ناسياً فلا نقض عليه حتى ينسى القراءة كلها أو أكثرها ثم عليه النقض، وإن ترك منها شيئًا متعمداً فعليه النقض.
مسألة: وعن رجل يقرأ في الصلاة في نفسه.
قال أبو نوح: إن كانت الصلاة مفروضة فليس له حتى يسمع أذنيه، وأمَّا الأعور فيقول: أنَّه إذا خرج لعله أراد حرك لسانه فقد جاز عنه.
مسألة: قال أبو عبد الله: بلغني أنَّ رجلاً سأل أبا عبيدة، فقال هل يجوز أن أقرأ في صلاة النَّهار بفاتحة الكتاب وسورة من القصار مثل قل هو الله أحد؟ فقال له أو عبيدة: لا. قال: وإن فعلت. (1/81)
صفحة 82
قال: تكون مخالفاً الأشراف.
ثبت أنَّ رسول الله (ص) قال: «لا صلاة لمن يقرأ فيها بأم الكتاب فصاعداً».
قال أبو سعيد: لا يخرج في معاني قول أصحابنا مطلقاً بالتحديد أن لا يقرأ من صلَّى خلف الإمام فيما يسر به الإمام، وأمَّا فيما يجهر فيه الإمام فقد يخرج معاني ما قال بمعاني الاختلاف من قولهم: فبعض يرى على المأموم القراءة بفاتحة الكتاب، وبعض: يستحب له ذلك أن يفعل، وإن لم يفعل أجزاه. وبعض: لا يرى له ذلك ويرى عليه الانصات لمعنى قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلَّكم ترحمون}.
ويخرج في معاني قولهم بما يشبه معاني الاتفاق أن لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر به أو لا يجهر به ما فوق فاتحة الكتاب، ولا يقرأ إلا بفاتحة الكتاب.
وفي معنى قولهم: أنَّ عليه قراءة فاتحة الكتاب، ولا يقرأ إلا بفاتحة الكتاب، وفي معنى قولهم: أنَّ عليه قراءة فاتحة الكتاب على العموم فيما لا يجهر فيه خلف الإمام وحده، (1/82)
صفحة 83
إلا أنَّه رخص من رخص فيمن لم يقرأ فاتحة الكتاب فيما يسر به فلم ير عليه في ذلك إعادة.
وبعض: رأى عليه في ذلك الإعادة إذا ترك القراءة خلف الإمام في الركعتين الأوليتين من صلاة النهار من الظهر والعصر.
ثبت أنَّ رسول الله (ص): كان يقرأ في الركعتين الأوليتين من صلاة الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة في الآخرتين بفاتحة الكتاب.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج بمعاني الاتفاق من قول أصحابنا: أنَّه لا يقرأ المصلي في صلاة الظهر والعصر ولا في الركعتين الأخيرتين من صلاة العشاء الآخرة، ولا الركعة الآخرة من المغرب بشيء من القرآن وإنَّما يقرأ في ذلك بفاتحة الكتاب.
وفي معاني الاتفاق وممَّا يخرج من قولهم أنَّ الإمام إذا صلى أو صلى المصلي وحده أنَّه لابد له أن يقرأ في الركعتين الأوليتين من صلاة الظهر والعصر بفاتحة الكتاب، ولا يجزيه من دون ذلك القراءة بفاتحة الكتاب في أكثر قولهم، وكذلك على من كان خلف الإمام.
وأمَّا في الأواخر من هذه الصلوات فمعي أنَّه يخرج في معاني قولهم نحو ما حكى من الاختلاف. فبعض يقول: أنَّ القراءة في كل ذلك، ولا يرخص في تركها لعموم القول: (1/83)
صفحة 84
أنَّ كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فليست بإزكي من حداج والصلاة كلها سواء.
ومعي في بعض قولهم: أنَّه إن قرأ كان أفضل، وإن سبحَّ أجزاه في هذه الركعات الأواخر من هذه الصلوات، ولعلَّ في بعض قولهم: أنَّه يؤمر بالتَّسبيح والخروج من معاني الاختلاف إلى معاني الاتفاق أفضل.
وقراءة الإمام والمأموم والفرد بفاتحة الكتاب في جميع الركعات في جميع الصلوات أولى.
وأثبت لعموم القول أن كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج أو ليست بإزكي من خداج، واختلفوا فيمن ترك قراءة فاتحة الكتاب في ركعة من صلاته أو أكثر من ركعة.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن من ترك في الركعتين الأوليتين من المغرب والعشاء الآخرة أو صلاة الفجر بفاتحة الكتاب وشيء من القرآن من آية فصاعداً أو ما أشبه الآية كان إماماً أو مفرد؟ إن عليه الإعادة ولا تتم صلاته عامداً كان أو ناسياً، كذلك إذا ترك القراءة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوليتين من صلاة الظهر والعصر فعليه الإعادة، (1/84)
صفحة 85
وأمَّا ما سوى هذا فيلحقه معاني الاختلاف. ومعي في قولهم وهذا في الإمام والمفرد، وأمَّا المأموم فقد مضى معاني القول به.
مسألة: قلت له: هل يجوز للمصلي أن يردد الآية والآيتين من القرآن وقد استيقن على قراءتها، وهل تتم صلاته؟ قال: هكذا عندي.
قلت له: ويجوز أن يقرأ السورة مرتين في الركعة الواحدة وقد استيقن على قراءتها أو لا؟ قال: هكذا عندي.
قلت له: فالحمد والتحيات، هل له أن يرددهما الكلمة والكلمتين بعد أن استيقن على قراءتها؟ قال: لا يجوز له ذلك عندي. وفيما قيل: إذا كان متعمداً من غير عذر.
قلت له: فإن لم يكن له عذر وظنَّ أنَّ ذلك جائز له؟ قال: أحسب أنَّ هذا ممَّا يختلف فيه. (1/85)
صفحة 86
وأحبُّ على الجهالة أن لا تفسد صلاته.
قلت: وكذلك النَّاسي؟ قال: النَّاسي عندي أهون.
قلت له: فإن أراد أن يثبت، هل يجوز له أن يردد ذلك على التثبيت؟ قال: معي أنَّه يجوز له ذلك ولا نقض عليه فيما قيل.
قلت له: فما الفرق بيت تردد القرآن وتردد الحمد والتَّحيات إذا جاز في هذا ولم يجز في هذا وكلُّه تقوم به الصَّلاة؟ قال: عندي أنَّ قراءة قاتحة الكتاب والتحيات لا يجوز مكانهما غيرهما.
والقرآن يجزئ بعضه عن بعض ويجوز يقرأ غيره دون بعض.
وما قرأ منه من الآية فصاعداً أخرى ممَّا لا غاية له ممَّا أوتي به في الصلاة، وهذا لا يزاد فيه حرف ولا ينقص منه حرف، فلمَّا إن كان هكذا لا يزاد فيه غيره، وكذلك لا يزاد فيه منه والتردد زيادة بعد الكمال. (1/86)
صفحة 87
مسألة: من الزيادة المضافة: فيما أحسب سألت أبا المؤثر عن رجل أحرم في الصلاة وهو خلف الإمام في صلاة يجهر فيها بالقراءة فنوى في نفسه أن يسمع القراءة ولا يقرأ فاستمع من السورة آية أو آيتين أو أكثر من ذلك ثم بداله إن عاد فقرأ فاتحة الكتاب؟ قال: أكره له هذا ولا أبلغ به إلى فساد صلاته.
قلت له: وسواء إن كان افتتح الصلاة مع الإمام أو دخل فيها وقد سبقه الإمام بركعة؟ قال: نعم.
قلت: والركعة الأولى والثانية سواء؟ قال: نعم.
مسألة: وقال أبو عبد الله رحمه الله: من لم يدرك مع الإمام قراءة آية كاملة في صلاة يجهر بها بالقرآن، فعليه بدل فاتحة الكتاب إذا سلم الإمام، فإن لم يفعل بدل تلك الصلاة.
قلت: وعليه بدل القراءة ولو أدرك بعض آية؟ قال: نعم. (1/87)
صفحة 88
فإن كان لا يعرف إلا آيات؟ قال: فرجو أن لا نقض عليه حتى يعلم أنَّ الذي أدرك أقل من آية، فأمَّا أبو زياد فقال: لا أتقدَّم على نقض صلاته ما لم يدرك آية ولم يبدل القراءة، وأمَّا الأول الذي قال لا نقض على من لم يقرأ فاتحة الكتاب في شيء من الصَّلاة خلف الإمام، فهو حفظي عن محمد بن محبوب رحمه الله، وكذلك أحب.
وقال ما أتقدم على نقض صلاة من سبح بعد قراءة فاتحة الكتاب في الأوليتين والآخرتين من صلاة الأولى والعصر.
مسألة: وقيل: في من قرأ في صلاة النَّهار سورة باختلاف؟ فقال من قال: لا إعادة عليه ولو قرأ في الصلاة كلها وعليه سجدتا الوهم، وقال من قال: لا وهم عليه في قراءة القرآن إذا كان ذلك ناسياً، وقال من قال: عليه في الركعتين الأخيرتين، وأمَّا الركعتين الأوليتين فلا وهم عليه في القرآن منهما. وقال من قال: إذا قرأ مع فاتحة الكتاب سورة في صلاته كلها صلاة النَّهار فعليه إعادة الصلاة إن ذكر ذلك في وقت الصلاة، وإن علم بعد ما انقضى الوقت فلا إعادة عليه، (1/88)
صفحة 89
وقال من قال: إذا قرأ في أكثر صلاته فعليه الإعادة في الوقت، وقال من قال: إذا قرأ في الركعتين في أكثر من ركعة فعليه الإعادة في الوقت، وقال من قال: إنَّ السنة جاءت بأن لا يقرأ فيها القرآن، ولا يجوز خلاف السنة على النسيان ولا على السمد وعليه الإعادة، إذا كان قرأ في أكثر من ركعة.
مسألة: وسئل عمَّن يقرأ في صلاة النَّهار سورة ناسياً، هل تفسد صلاته؟ قال: معي أنَّ في ذلك اختلافاً إذا قرأ في الركعات كلهنَّ على معنى قوله.
ويعجبني: أن لا يكون في الواحدة أو الاثنتين إعادة الركعة والركعتين.
مسألة: وعن قراءة القرآن بعد فاتحة الكتاب في صلاة الظهر والعصر، هل يكون ذلك عبثاً في الصلاة؟ قال: معي أنَّه لا يكون القرآن عبثاً وهي تقوم مقام العمل.
قلت له: فمن نسي حتى قرأ في الركعتين الأوليتين؟ (1/89)
صفحة 90
هل تفسد صلاته؟ قال: أرجو أنَّه قد قيل: لا تفسد على النسيان، ولعله يخرج على أنَّها تفسد، ولا يعجبني فسادها.
قلت له: وكذلك الركعة مثل الركعتين في هذا؟ قال: هكذا عندي، وإن كانتا الركعتين أكثر، فإن المعنى في الواحدة كالاثنتين.
قلت: فعليه سجدتا الوهم إذا سلَّم؟ قال: معي أنَّ ذلك ممَّا يجري فيه الاختلاف.
قلت له: فإن نسي حتى قرأ في ثلاث ركعات؟ أيكون ذلك سواء مثل الركعتين من الاختلاف في الفساد والوهم؟ قال: معي أنَّه في بعض القول سواء.
قلت له: وكذلك إن قرأ في الأربع الركعات، فهو سواء في القول في الثلاث والاثنتين؟ قال معي: في بعض القول سواء.
مسألة: وسألت أبا عبد الله رحمة الله: عن رجل نسي أن يقرأ قل هو الله (1/90)
صفحة 91
أحد فراغه من قراءة السورة من صلاة الفجر في الركعة الآخرة فرفع رأسه من الركوع ثم قرأ قل هو الله أحد ثم ركع وسجد وأتمَّ صلاته، هل يفسد هذا صلاته؟ قال: لا. وقال: وسمعت سائلاً يسأل عن هذه العلا بن أبي حذيفة قال: عليه نقض صلاته. قال: ثم سألت عن ذلك أبا علي رحمه الله فقال: صلاة تامة وعليه سجدتا الوهم.
مسألة: ومن نسي قراءة التحيات كان وحده أو خلف إمام حتى جاوزها إلى حد غيرها، فإن عليه النقض، وإن نسي فاتحة الكتاب كان خلف الإمام أو وحده في صلاة ليس يقرأ فيها سورة فصلاته تامة، وإن كانت صلاة يقرأ فيها القرآن، فإذا كان وحده فعليه الإعادة، وإن كان خلف الإمام فنسي فاتحة الكتاب فلا أرى عليه نقضاً.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: والذي يوجد في جامع محمد بن جعفر: أنَّ محمد بن محبوب كان لا يرى القراءة خلف الإمام، (1/91)
صفحة 92
وروي أنَّه رجع عن ذلك.
وأمَّا ما يوجد لبعض فقهائنا أن جمرة تكون فيه أحب إليه من القراءة خلف الإمام، فهذا عندي إغفال من قابله والله أعلم.
مسألة: من كتاب جعفر: ومن نسي يقرأ سورة مع فاتحة الكتاب في صلاة النهار فلا بأس، وإن تعمد فقيل أنَّ صلاته تنتقض.
ومن غيره: قال أبو عبد الله: لا نقض عليه وقد أساء.
مسألة: أحسب أنَّه من الكتاب ومن لم يقرأ في الركعتين الأخيرتين من صلاة الظهر والعصر ولا سبح ناسياً أو متعمداً فصلاته تامة.
وكل صلاة فيها قراءة فلم يقرأ فيها مع فاتحة الكتاب شيئًا من القرآن فهي منتقضة، وإن قرأ شيئًا من القرآن ولو آية مع فاتحة الكتاب فلا أبصر عليه نقضاً، ولا بأس أن يقرأ السورتين والثلاث في ركعة والسورة في ركعتين. (1/92)
صفحة 93
والذي يستحب أن يقرأ في صلاة الفجر من كبار سور الفضل وفي العتمة بعد ذلك، وفي صلاة المغرب من آخر سورة الفضل.
قال أبو الوليد: قال موسى بن علي رحمه الله: اقرأ في صلاة الغداة من أول الفصل إلى سورة الحاقة وأقرأ في صلاة العتمة من الحاقة إلى والليل إذا يغشى وفي المغرب والضحى إلى آخر الفصل.
وقد يقرأ النَّاس في المغرب سبح اسم ربك الأعلى وليس في هذا شيء محدود، وكلَّما قرأ من سورة البقرة تحت به الصلاة كلَّها. (1/93)
صفحة 94
ففاتحة الكتاب أليست هي من القرآن؟ قيل هي من القرآن، وقد قيل: إنما هذا في الصلاة وذلك فيما قيل كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا قرأ في الصلاة وهو يصلِّي بأصحابه قرأ من كان خلقه القرآن.
وفي ذلك حديث يطول فأنزل الله قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}.
وقد كان بعض يقرأ خلف الإمام شيئًا لا فاتحة الكتاب ولا غيرها.
مسألة: وعن نجدة بن الفضل النخلي: وما تقول في المصلى إذا انحطَّ يحك رجله عن شيء عرض له، هل يقرأ وهو في تلك الحال؟ فالله أعلم وأقول بغير حفظ أنَّه إن امسك أو قرأ فلا شيء عليه والله أعلم.
وهذا جواب من أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي النزوي حفظه الله فيه أعلم إني حفظت في هذا المعنى شيئًا إلا أنَّه إن وقف عن القراءة إلى أن يرجع إلى القيام أحسن عندي ذلك أنَّ القراءة إنَّما هي في القيام، (1/94)
صفحة 95
وإن قرأها وهو منحط لم أر ذلك ممَّا يفسد صلاته إذ قد أجيز له ذلك معي أنَّه إذا أراد أجيز له الانحطاط.
مسألة: عن أبي سعيد: فيما عندي وعن الرجل إذا كان يصلي صلاة يقرأ فيها فاتحة الكتاب وسورة فقرأ فاتحة الكتاب ونسي فركع، فلمَّا أتم الركوع ذكر أنَّه نسي أن يقرأ السورة يرجع ويقرأ السورة، ويركع أو يقرأ السورة ويجتزئ بالركوع الأول؟ قال معي: أنَّه قد قيل: يرجع يقرأ ويركع ولا يستعيذ بما على النسيان. وفي بعض القول: إنَّه يستعيذ بما عمل ولا يضيع عمله. وفي بعض القول: إنَّه تفسد صلاته إذا تعمدي حدًّا إلى حد.
مسألة: عن أبي سعيد رحمه الله: فما أحسب وأمَّا الذي يترك السورة ناسياً حتى يركع ويسبح، فإنَّه يقوم فيقرأ سورة ثم يستأنف الركوع، ولو كان قد أتمه ولا يعقد ذلك في أكثر ما قيل عندي من أهل العلم. (1/95)
صفحة 96
وأحسب إنَّ بعضاً يقول: إنَّه يعتد بالركوع، إذا كان قد أتمه على النسيان، وإذا نسيء القراءة حتى دخل في السجود فمعي أنَّه قد قيل يبتدئ صلاته من أولها ما لم يدخل في السجود، ولو كان قد أتمَّ الركوع وقام منه فمعي أنَّه يقوم فيقرأ ويركع ويسجد، وإذا نسي إذا تعدَّى إلى الحد الثالث ففي أكثر القول عندي على ما وصفت لك.
وقد قيل: ما لم يزد ركعة تامة على النسيان بركوعها وقيامها فله أن يرجع كما وصفت لك إلى ما نسي فيقرأ ثم يبني على صلاته.
وقد قيل: إذا نسي الحد الذي كان عليه حتى دخل في الحد الثاني أعاد صلاته وهو أن يترك القراءة ويركع أو يترك الركوع ويسجد، وهذا أضيق ما معي فيما قيل في هذا أو وسطه حتى يتعدَّى إلى الحد الثالث كما وصفت لك، وأوسع ذلك حتى يزيد ركعة تامة كما وصفت لك.
مسألة: رجل يصلي، هل يجوز لرجل أن يكلمه في حاجة يوصيه بها ويذهب؟ فلم ير بذلك بأساً. رجع. (1/96)
صفحة 97
فصل
في قراءة القرآن في الصلاة
قال أبو المؤثر: في نسخة الحواري ذكر لنا أنَّ النبي (ص) قرأ سورة مريم في الركعة الأولى، وقرأ في الركعة الثانية قل هو الله أحد، فلمَّا انصرف قال: إني سمعت صبياً يصيح فرحمته فظننت أن أمة تصلي خلفي فرحمته ورحمت أمه.
وذكر لنا رسول الله (ص): وهو مسافر صلاة الغداة فقرأ المعوذتين قل أعوذ برن النَّاس وقل أعوذ برب الفلق.
وذكر لنا أنَّ عمر بن الخطاب رحمه الله قرأ في صلاة الغداة قل يا أيها الكافرون وكانت غداة شاتية.
وذكر لنا أن عبد الرحمن بن عوف غداة طعن عمر بن الخطاب (ض) صلى بالنَّاس عبد الرحمن بن عوف صلاة الغداة فقرأ إنَّا أعطيناك الكوثر وإذا جاء نصر الله والفتح.
مسألة: عن محمد بن محبوب رحمه الله: وقلتم هل من اللحن في القرآن في الصلاة ما يفسدها من تبديل في خلاف ما يقرأ، (1/97)
صفحة 98
فليس ذلك ممَّا يفسد الصلاة وليس كل أناس يقرأون القرآن بالنحو والإعراب فيه.
وقد بلغنا عن عمر بن الخطاب رحمه الله قال لرجل وقد كان يقرأ باللحن أو أقرأ كما تعرف أو كما تحسن، فإنَّ الله يرفعه كما أنزله، وسواء ذلك عندنا في إمام أو غير إمام فمن أمكن له أن يفهم ويتعلَّم فليفعل.
مسألة: وسألته عن رجل صلى صلاة يقرأ فيها بالقرآن فقرأ في الركعتين بسورة واحدة، هل تفسد صلاته؟ قال: لا.
وسألته عمَّن قرأ في صلاته كلها سورة واحدة مع فاتحة الكتاب متعمداً؟ إنَّ صلاته صحيحة تامة.
مسألة: وعن أبي عبد الله وعن رجل يقرأ في صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورة ناسياً أو متعمداً؟ قال: إن كان متعمداً فلينتقض، (1/98)
صفحة 99
وإن كان ناسياً فإن جهر بها فلتنتقض، وإن لم يجهر بها فلا نقض عليه.
وقال: وقد قيل عن سليمان بن عثمان أنَّه إذا جهر بشيء فلا بأس عليه، وقال: وقد سئل موسى بن علي عن ذلك فقال: لا نقدر أن ينقض عليه، لأنَّ النقض شديد.
مسألة: وحفظت عن أبي سعيد رضيه الله في المصلي إذا أراد أن يرجع يحرم في الركعة الأولى لشك أو غيره؟ أنَّه ما لم يدخل في الركوع ولو كان قد قضى القراءة كلَّها أنَّ التوجيه الأول يجزيه ما لم يدخل في الركوع.
مسألة: وحفظت عن أبي سعيد في المصلي يقرأ ويتنفس ولا يقف لنفسه وهو ماض على قراءته؟ أنَّه مكروه وصلاته تامة على معنى قوله.
مسألة: وعن رجل دخل في صلاة الإمام فوجه وأحرم والإمام راكع ثم ركع عند الإمام قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع. (1/99)
صفحة 100
هل يجزيه عن إعادة القراءة كان في صلاة الليل أو في صلاة النَّهار؟ قال: قد قيل: ذلك فيما عندي. وقيل: لا يجزيه ذلك على كل حال وعليه الإعادة، وقيل: يجزيه فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة من صلاة الإمام، ولا يجزيه فيما يجهر فيه بالقراءة من صلاة الإمام إلا أن يدرك من قراءة الإمام آية فما فوقها أو قدر آية.
مسألة: وسألته عن رجل صلَّى فغلط في قراة فاتحة الكتاب فانقحم آية ومضى على صلاته؟ فصلاته على هذا تامة إن شاء الله حتى يترك ذلك على التعمد.
مسألة: وقيل: صلى النبي (ص) الغداة بسورة البقرة وآل عمران، وقيل: لا تقرأ فيها بسورة أقل يا أيها الكفارون في صلاة الغداة في السفر. (1/100)
صفحة 101
مسألة: عرفت أنَّ قراءة مدهامتان في البدل تجزئ.
وقد قيل: في الذي يتنفس وهو ماض في صلاته وقراءته ولا يقف لنفسه؟ إنَّ ذلك مكروه ولا تفسد صلاته والله أعلم.
مسألة: أحسب عن أبي الحسن محمد بن الحسن، وسألته عن رجل يصلي فقرأ في صلاته إذا السماء انفطرت فيقرأ وأنَّه عليكم لحافظين.
قلت له: هل تنتقض بذلك صلاته؟ قال: لا أرى عليه نقضاً في هذا.
قلت: فهل يجوز هذا على بعض الوجوه أن يقرأ هذا وأنا عليكم لحافظين؟ فقال: لم أعلم ذلك ولم نقل بإجازته في القراءة.
قلت له: فإن قرأ في ألهاكم التكاثر فقرأ ثم لا ترونها عين اليقين - أو قرأ ثم لا تسألنَّ- نسخة تسألون يومئذ عن النعيم، هل تفسد بذلك صلاته؟ (1/101)
صفحة 102
قال: نعم.
قلت: فهل يكون بذلك هالكاً؟ قال: لا إلا أن يكون مذهبه ذلك واعتقاده.
قلت له: وكذلك إن قرأ فقرأ إنَّ الإنسان لا يطغى، أينتقض بذلك صلاته؟ قال: نعم.
مسألة: وسئل أبو سعيد عمَّن شكَّ في فاتحة الكتاب في آخرها وهو في الصلاة أنَّه لم يقرأ أولها، هل له أن يرجع أن يبتديها؟ قال: معي أنَّه قد قيل: عليه أن يبتدئ. وقيل: إذا قرأ أكثرها لم يقل نسخة لكن عليه أن يبتدئ ويمضي على صلاته.
قلت له: فإن ابتدأ على قول من يقول بذلك أيعتدُّ بما صحَّ من القراءة من آخرها، أم إذا ابتدأ قرأ الحمد كلها؟ قال: معي أنَّه قيل عليه الحمد إذا ابتدأها. (1/102)
صفحة 103
وقيل: أنَّه يعتد بما صحَّ له من القراءة، وأمَّا أنا فلا يعجبني ذلك كما يعجبني هذا.
مسألة: وسألته عمَّن صلى خلف الإمام فيما يجهر فيه بالقراءة، هل عليه وله أن يقرأ الحمد خلف الإمام أم ليس له ذلك ولا عليه؟ قال: معي أنَّ بعضاً يقول له ذلك ولا عليه.
قلت له: وكذلك ما لم يجهر بالحمد فيه بالقراءة في جميع الصلوات، أهو معك مثل ما يجهر فيما مضى من الاختلاف؟ قال: لا يبين لي ذلك الإمام أنَّه سواء.
قلت له: وعليه أن يقرأ خلف الإمام أم ليس له ولا عليه؟ قال: معي أنَّ له وعليه فيما قيل وخاصَّة في الأوليتين من الظهر والعصر.
وعن رجل دخل في صلاة الإمام فإلى إن أحرم فرغ الإمام من القراءة، هل تثبت له هذه القراءة أم لا؟ قال: ليس معي أنَّ هذا يثبت له في قول واحد منهم بمعنى استماعه إلا بعد الإحرام. (1/103)
صفحة 104
قيل له: فإن دخل مع الإمام فوجه وأحرم ودخل الإمام في السورة ما أولى به أن يقرأ أو يستمع؟ قال: معي أنَّه يختلف فيه. وأمَّا أنا فأستحسن قول من يقول بالاستماع إذا كان الإمام قد خرج من فاتحة الكتاب ودخل في السورة لئلا يكون في حدٍّ قد يخرج منه الإمام.
مسألة: وسألت أبا سعيد: عن المصلي فيما لا يجهر فيه وهو إمام أو إمام، هل له أن يسمع أذنيه القراءة ولو قدر على أن يسر؟ قال: معي أنَّه قد قيل: أنَّه لا تسمع أذنيه إن قدر على ذلك من غير عذر.
لعلَّه إن أسمع أذنيه في صلاة النَّهار من غير عذر فعندي أنَّ بعضاً يرى عليه الإعادة. وبعض: لا يرى عليه الإعادة. ومعي: أنَّ بعضاً يرى أن يسمع أذنيه، فإن لم يفعل فلا شيء عليه. ومعي: أنَّ بعضاً لا يرى له أن يسمع أذنيه. (1/104)
صفحة 105
قلت له: وكذلك المصلي إذا كان فيما يجهر فيه وهو غير إمام، هل عليه أن يسمع أذنيه القراءة؟ قال: قد قيل: ذلك إذا كان فيما يجهر فيه الإمام في صلاة الفجر والليل.
قلت له: فإن لم يفعل أعليه نقض أم لا؟ قال: فعندي أنَّه قد قيل: يلزمه النقض. وقال من قال: لا نقض عليه.
مسألة: وسألت أبا معاوية عزان بن صقر رحمه الله عن رجل يصلي خلف الإمام صلاة العشاء الآخرة فكان إذا قرأ الإمام السورة قرأها حتى يتمها مع الإمام عمداً؟ نرى أنَّ ذلك جائزاً له.
وقال بئس ما فعل ولا نرى أنَّ عليه نقضاً إن شاء الله والله أعلم.
قال غيره: وقد قيل: أنَّ عليه النقض إذا تعمَّد لذلك.
قلت: فما تقول إن كان لا يقرأ خلف الإمام فاتحة الكتاب ولا غيرها؟ قال: بئس ما صنع ولا أرى عليه نقضاً والله أعلم. (1/105)
صفحة 106
قلت: فإن جهر بالقراءة فلم يسمعه أحد من الذين صلوا خلفه؟ قال: إذا جهر بالقراءة كجهر من يسمع فلا أرى عليه نقضاً ولا عليهم، إلا أن يكون لا يجهر جهراً سمعه مثله فأرى عليهم النقض ولا نقض عليه فهو. (1/106)
صفحة 107
فصل
في الجهر في الصلاة والسر وما يجوز من ذلك وما لا يجوز
روى لنا عمر بن المفضل أنَّ عمر بن الخطاب رحمه الله صلَّى بالنَّاس صلاة المغرب فلم يجهر فيها بالقراءة حتى قضى الصلاة، فلمَّا انصرف سألوه شيئًا حفظته عن رسول الله (ص) أم سهوت؟ قال: بل سهوت كنت أجهز جيشاً إلى الشام حتى وصل فأعاد وأعادوا الصلاة.
مسألة: وعن أبي سعيد محمد بن سعيد رضيه الله وسألته عن الذي يجهر في الصلاة بما يسر فيه القراءة لشك بعينه.
قلت: هل له ذلك؟ قال: هكذا عندي أنَّه قد أجيز له ذلك.
قلت له: فلو نسي حتى يجهر بما يسر فيه القراءة، هل عليه أن يستأنف القراءة بالسر؟ قال: ليس عليه عندي ذلك فيما قيل، ولا أعلم فيه اختلافاً (1/107)
صفحة 108
ويمضي على صلاته.
قلت: أرأيت إن أسرَّ بما يجهر فيه متعمداً، هل تفسد صلاته وصلاة من صلى خلفه؟ قال: هكذا عندي في بعض القول. وفي بعض القول: لا تفسد صلاتهم ولا تفسد صلاته. وفي بعض القول: صلاتهم كلهم جميعاً تامة.
وقد خالف السنة إذا أتى بالعمل نسخة بالعمد.
قلت له: فإذا نسي حتى سر بما يجهر فيه ثم ذكر، هل له أن يبنى على القراءة حيث وصل؟ قال: قد قيل له ذلك. وقد قيل: يستأنف القراءة.
قلت له: ولو أتمَّ الركعتين كلتيهما على السر، هل له أن يبنى على صلاته وصلاتهم تامة على قول من يرى له أن يبني؟ قال: هكذا عندي.
قلت له: ولو أنتم الركعتين كلتيهما على السر؟ قال: هكذا عندي. (1/108)
صفحة 109
قلت له: أرأيت المصلي إذا جهر بما يسر فيه من القراءة متعمداً مثل الحيات ونحوها؟ قال: عندي أنَّه يختلف في نقض الصلاة. فقال من قال: لا نقض عليه. وقد خالف السنة على قول من بعض ما يوجد وأكثر قولهم أنَّه ينتقض.
قلت له: فما حدُّ الجهر الذي يكون جهراً؟ قال: عندي أنَّه يختلف في بعض القول إذا سمع أذنيه فقد جهر. وفي بعض القول: حتى يسمعه من يصلي خلفه إذا كان إماماً.
قلت له: وعلى قول من يقول: أنَّه إذا سمع أذنيه فقد جهر يجزئ ذلك ما لم يأثم به ولو لم يسمعوا قراءته؟ قال: هكذا يخرج عندي على معنى قوله، لأنَّ الإمام قد يجهر ولا يسمعه من خلفه كلهم وصلاتهم تامة على ذلك، فإذا أثبت أنَّه يتم صلاة المأمومين ولو لم يسمعوا قراءته لبعدهم منه ثبت وحسن، ولو لم يسمعه أحد إذا اعتقد فقد أتى بالعمل على السنة. (1/109)
صفحة 110
قلت له: فلو جهر الإمام متعمداً بما يسر فيه، هل تفسد صلاة من صلَّى خلفه؟ قال: هكذا عندي.
قال غيره: ووجدت أنا عن أبي سعيد رحمه الله قال: وأمَّا إذا جهر الإمام بالقراءة ناسياً في موضع السر فمعي: أنَّه قد قيل يجزيه ذلك، وأرجو أنَّه قيل لا يجزي الجهر عن السر، وعليه أن يعيد ذلك، ولا يجزيه السر ناسياً في موضع الجهر وعليه الإعادة، وقيل: يجزيه ذلك كله عن السر عن الجهر والجهر عن السر ناسياً، وأرجو أنَّه قيل: لا يجزي الجهر عن السر؛ لأنَّ في ذلك خلافاً للسنة. ولعلَّ هذا شاذ من القول.
وكذلك عندي في جميع ما يكون من أمر الصلاة في مواضع السر والجهر من التكبير وغيره من أمور الصلاة.
مسألة: ويقال صلاة النهار عجماً. (1/110)
صفحة 111
ويستحب للمصلي أن يسر في نفسه إماماً كان أو غير إمام، وأمَّا الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة، فإذا صلَّى وحده أسمع أذنيه.
ومن سمع أذنيه القراءة في صلاة النهار فلا نقض عليه، ويكره له ذلك. (1/111)
صفحة 112
فصل
فيما يدرك به في الصلاة من القراءة والتبديل
قال أبو سعيد: معي أنَّ من قرأ في صلاته في فاتحة الكتاب إيَّاك نعبد بكسر الكاف أنَّ هذا من التبديل الذي لا يجوز في الصلاة وتفسد به.
وكذلك إن قال صراط الذين أنعمت عليهم بضم التاء أنَّه من التبديل الذي تفسد به الصلاة أيضاً وهذا إذا كان على التعمد، وأمَّا إذا قرأ ذلك على الخطأ؟ فمعي: أنَّه يختلف في نقض صلاته.
قلت: فإن كان جاهلاً كذلك؟ قال: معي أنَّ الجاهل في ذلك مثل المتعمد في بعض القول. وبعض: يرخص في الجاهل، ولعلَّه بمثل منزلة الخطأ على معنى قوله. فعندي: أنَّ الذي يجعل الجاهل مثل: المتعمد هو أكثر القول.
قال: لعلَّه يتواطأ على ذلك قولهم، لأنَّا وجدنا الجاهل لا عذر له في الجهل، ويلزمه أن يتعلم إذا كان يقدر على ذلك على معنى قوله.
مسألة: قلت: فما تقول فيمن يصلي فقال: أشهد أن لا إله ثم عرض له سبب التفت إليه فأتمَّ إلا الله. (1/112)
صفحة 113
قلت: هل ينقض ذلك وضوءه؟ وهل يجب عليه في ذلك شيء؟ فعلى ما وصفت، فهذا موضع ممَّا قد وجدنا أنَّه لا يجوز الوقف عليه، فإن كان هذا الذي قطع الشهادة بهذا متعمداً فقد انتقض وضوءه وأيمانه وقد لحق الشرك في الحكم ويراجع التوبة والندم، وإن كان مخطئًا أو ناسياً فليستغفر الله ربه، وأرجو أن لا نقض عليه في وضوءه ولا يرجع يقف على هذا ويشهد الشهادة بتمامها لا إله إلا الله عجل أو لم يعجل، وليس بمعذور في عجلته في هذا ومن غيره.
مسألة: ورجل صلى بقوم فقرأ كلا إن إلى ربك الرجعي؟ قال: قد قيل: لا بأي بالزيادة والنقصان في القرآن.
قلت: وقرأ أيضاً، فذلك الذي يدعو اليتيم؟ فلا بأس ومن غيره. وقد قيل: من قرأ يدعو اليتيم أعاد صلاته، لأنَّه بدَّل المعنى. (1/113)
صفحة 114
مسألة: أبو سعيد رحمه الله: عن رجل قرأ في صلاته الصراط الدين جاهلاً؟ قال: عندي أنَّ هذا قد أحال المعنى، ويخرج عندي أنَّه قد بدل. قيل: فعليه البدل؟ قال: عندي أنَّهم قد اختلفوا في الجاهل إذا بدل. قيل: فبعض جعل له العذر ولم ير عليه بدلاً وألحقوه بالناسي والغائط. وبعض قال: عليه البدل.
مسألة: وعن رجل قرأ في صلاة لا ترون الجحيم، هل عليه في ذلك شيء؟ الجواب: أنَّ عليه بدل صلاته وهذا من التبديل، وكذلك الذي قرأ سراجاً وهاجاً بالتخفيف. فقد قيل: بالتبديل أنَّه ينقض الصلاة، وقال من قال: إنَّ التبديل بمنزلة النسيان ولا بدل عليه إذا لم يتعمَّد ذلك. (1/114)
صفحة 115
وعن أبي الحواري: وعمَّن قرأ في صلاته يوم تكون السماء كالعهن وتكون الجبال كالمهل غلطاً منه، هل تفسد صلاته؟ فلا نقض عليه في صلاته وصلاته تامة إذا لم يتعمَّد ذلك.
وعنه وعمَّن قرأ الآية التي في إبراهيم رب اغفر لي ولوالدي صلاته تام أم لا؟ وهل تسمع أحد من المسلمين يقرأها على ذلك؟ فهذا في بعض القراءة وبذلك كان يقرأ القرآن بالاستغفار للوالدين، وكذلك يعرف في القراءة القديمة وعلى ذلك تعلمنا. (1/115)
صفحة 116
فصل
في نظر المصلي أين يكون
ومن جامع أبي محمد:
ويستحب للمصلي أن يجعل نظره إمام وجهه، وأحب أن يكون موضع سجوده، لأنَّ في ذلك ضرباً من الخشوع قال الله تبارك وتعالى: {والذين هم في صلاتهم خاشعون}، فإن نظر المصلي ما على رأسه من سقف أو سماء بطلت صلاته.
كما روي عن أنس بن مالك عن النبي (ص): أنَّه قال: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في صلاتهم قبل السماء». واشتدَّ قوله عليه السلام في ذلك فقال: «لينتهين عن ذلك ولتخفض أبصارهم» نسخة لنحفظن أبصارهم.
مسألة: من كتاب أبي جعفر: ويكون نظره نحو موضع سجوده ويرسل يديه إرسالاً في قيامه.
ومن غيره: وسألته عن المصلي أين يؤمر أن يكون نظره في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده؟ (1/116)
صفحة 117
قال: ما قيل مجملاً، فإنَّهم قالوا أن يضع المصلي نظره في موضع سجوده. وقد قيل: لا يجاوز المصلي نظره موضع سجوده. وقد قيل: لا يحد المصلي نظره موضعاً من دون الموضع وإنَّما هو يفلح نظره. وقال من قال: كمون نظره من رجليه إلى موضع سجوده.
وقد وجد في بعض قول قومنا فيما أحسب شيئًا أعجبني أحسب: أنَّه قال إذا قام جعل نظره موضع سجوده، وإذ ركع جعل نظره فيما بين سجوده ورجليه، وإذا كان نظره إلى أنفه، وإذا قعد كان نظره بين ركبتيه إلى فخديه وهذا يعجبني إن أمكن. (1/117)
صفحة 118
فصل
في التكبير في الصلاة
وسئل عن رجل يصلي ويكون قائماً فيريد السجود أيجر بالتكبير وهو قائم أو يحني صلبه ثم يكبر؟ قال: إذا دنا من السجود كبر ما يقطع التكبيرة ويضع جبهته على الأرض.
وقال المسلمون يستحبون حزم التكبير في الصلاة، إلا أنَّه قد قال: إنَّه يمد تكبيرة الإحرام وحدها إلا أنه قد قال: إنَّه يمد تكبيرة الإحرام وحدها، وقال من قال: الحزم في تكبيرة الإحرام. وسائر التكبير أحب إلينا.
وأنا أقول: إن المدَّ بكتبيرة الإحرام أن يمد تكبيرة الإحرام وتكبير العيد وتكبير الجنائز ليسمع من خلفه.
مسألة: ومن جامع بن جعفر: ويجب أن يحزم التكبير ويقطع قبل أن تصل جبهت إلى الأرض في السجود.
قلت: فإن ترك تكبيرة من تكبير الصلاة عامداً غير تكبيرة الإحرام؟ قال: عليه النقض. (1/118)
صفحة 119
ومن غيره قال: قيل أنَّها سنة، ومن نسيها أعاد صلاته.
قال غيره: ومعي أنَّه قد قيل لا إعادة عليه ولو تركها متعمداً.
مسألة: ومن نسي تكبيرة من صلاته حتى قرأ التحيات من آخر صلاته؟ قال: يعيد الصلاة.
مسألة: وقال فيمن يقول بالتكبير من الصلاة أو الكلمة من التحيات مرتين أو أكثر من ذلك وقد استيقن على التكبير أو الكلمة الأولى قام ولا أحب له ذلك ولا نقض عليه.
قال غيره: وقد قيل إذا تعمَّد لذلك من غير عذر، ولا أظن إنَّ ذلك يجوز له نقض.
مسألة: وسألته عن تفسير قول أهل العلم في أنَّ التكبير محروم أهل من طريق الأعراب أم من طريق المد؟ قال: معي أنَّه إنَّما يحزم من طريق لا يمد وأولى به الأعراب، إلا ما وقف عليه المكبر من آخر كلمة، فإنَّه أولى فيها الحزم عن الأعراب لاتفاق الأمة في القراءة. (1/119)
صفحة 120
إنَّ القارئ لا يعرب ما وقف عليه ويعرب ما سواء.
قلت له: فإن قال قائل إن المعنى في ذلك من طريق الأعراب أنَّه لا يعرب، ما الحجة عليه؟ قال: تقول أنَّه داخل في معنى الدين والصلاة من الدين، ولأنَّ الدين ترك أمله وتفسيره بلسان عربي على لسان نبي الله (ص) فجميع أحكامه خارج في أحكام العربية، إلا ما خصه.
والصلاة هي من أوثق عرى الدين ولا يجوز إلا بالتكبير، كذلك ثبتت السنة فعلاً وأمراً.
وممَّا يدل على ذلك وتقوى معناه قول المسلمين من أهل العلم منهم أنَّه يستحب مد تكبيرة الإحرام وتكبير الصلاة على الجنازة وتكبير صلاة العيدين، ويسمع النَّاس بذلك ويحرم ما وراء ذلك من التكبير، فهذا هو المعنى الموجود ممَّن يشبهه وبه الاستغناء عمَّا سواء، إن الجزم لم يكن هاهنا إلا عن الأعراب.
قلت له: والآذان هو عندي كغيره من التكبير أم يختلف فيه أعني في مده وحزمه؟ (1/120)
صفحة 121
وقال: عندي أنَّه قيل التكبير كلَّه والآذان والإقامة محزوم ولا أعلم فيه اختلافاً، وإنَّما قيل: يحرم الجزم ويرفع الموت في الآذان والإقامة فتأولها بعض من لا يبصر المعنى في ذلك.
وأخطأ بتأويله الأصل المؤثر: عن أهل العلم إن حزمه هو ألا يقرب وليس كذلك بل الأصل المعروف الذي جاء به الأثر من قول أهل البصر، إن الحزم بغير مد مع ثبوت الأعراب فيه وليس من حق الصلاة معي.
أنَّه يؤدي بلحن الكلام الذي يقال فيها بل كلَّما قدر على شيء من تشريفها وتعظيمها لم يجب التقصير دونه إلا من عذر عندي والله أعلم.
والدليل على ذلك أيضاً قول النبي (ص) أنَّه قال: «يؤذن لهم أفصحهم» مع ثبوت الآن عنه حزماً. ولا تقوم الفصاحة إلا بالأعراب في معنى الاتفاق، ولا أعلم في ذلك اختلافاً.
إنَّ الفصيح لا يكون إلا معرباً هذه المسألة رد على المسألة التي في أول باب الإقامة من جامع ابن جعفر الأشراف ثبت أنَّ رسول الله (ص) كان إذا كبَّر في الصلاة سكت هنيةً قبل أن يقرأ.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في قول أصحابنا فيما أحسب أنَّه يروى عن النبي (ص): أنَّه كان له أربع سكنات في الصلاة. (1/121)
صفحة 122
وجاء عنه في بعض الخبر أربع سكنات، وفي بعض الحديث سكتات، إلا أنَّه يخرج في معاني قولهم أنَّ في الصلاة سكتتين لا يخرج في معاني قولهم اختلاف منهما، أنَّهما مستحبتان نسخة مستحسنتان جائزتان يؤمر بهما، ولا يخرج على ذلك معنى اللازم، وهما سكتة بعد تكبيرة الإحرام من الإمام.
وسكتة بعد فراغ الإمام من فاتحة الكتاب فيما يقرأ فيه بالقرآن، والسكتتان الأخرتان بعد فراغه من القراءة قبل الركوع، وسكتة بعد قيامه من السجود إلى الركعة الثانية قبل القراءة. وفي بعض القول: أنَّه قد وصل في هذين الموضعين من وصل، ولعلَّه يختلف في هاتين السكتتين.
ولا أعلم في بعض قول أصحابنا أمراً ولا إجازة الدعاء في شيء من الصلاة الفريضة للإمام وللمأموم ولا في حال سكوت الإمام ولا قراءته، إلا أنَّ بعضهم قد أجاز لمن خلف الإمام إذا أبطأ الإمام في قراءة شيء ممَّا يقرأ من الحدود من كتاب أو قراءة فاتحة الكتاب فيما يسر، وإذا فرغ المأموم أن يسبح إلى أن يفرغ الإمام. (1/122)
صفحة 123
والتسبيح داخل في أمر الصلاة خارج من معاني الدعاء. وبعض: لا يأمر بذلك. وبعض: يأمر بالسكوت حتى يفرغ الإمام، ولا أعلم من قولهم إنَّ أحداً منهم يأمر بالقراءة قبل قراءة الإمام فيما يجهر فيه الإمام، ولا شيء ممَّا يسره المصلي معاً يجهر به الإمام بل يؤمر أن يكون تبعاً للإمام.
ومعي: أنَّ في بعض قولهم إن قرأ قبل الإمام فيما يجهر فيه أنَّه قيل أنَّ عليه الإعادة وأنَّه سابق للإمام.
وقيل: قد أساء ولا إعادة عليه؛ لأنَّ ليس بحد من حدود الصلاة، وإنَّما يجتمع على فساد صلاته، إذا سبق الإمام بحد من حدود الصلاة في الصلاة.
ومن غير الكتاب:
وسألته كم في الصلاة من سكتة؟ قال: لا يكون الصلاة إلا بكلام.
وقد قيل: أنَّ فيها أربع سكتات على سبيل الأدب، وليس هو بمفروض وهو أن يسكت سكتة بقدر ثلاث تسبيحات بعد تكبيرة الإحرام، وهي الإستعاذ. (1/123)
صفحة 124
وقيل: دخوله في القراءة.
والثانية: بعد قراءة فاتحة بعد الكتاب وبين السورة فيما يقرأ فيه من الصلاة بالجهر. والثالثة: بعد تمام القراءة في جميع الصلوات. والرابعة: عند القيام من السجود إلى القراءة وعند القيام من العقود من التحيات الأولى.
من كتاب الأشراف: ثبت أنَّ رسول الله (ص): كان يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود، وكذلك أبو بكر وعمر.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق بثبوت بالسنة، والاتفاق بالتكبير في الصلاة مع كل رفع وخفض، إلا في رفعه من الركوع فإنَّه يخرج في معنى الاتفاق من قولهم.
إنَّ ثبوت السنة بذلك بغير التكبير، وأنَّه قول سمع الله لمن حمده، ولا معنى لمخالفة السنة والإجماع بترك شيء من ذلك، ومتى ثبت في شيء منه ثبت في جميعه بالاستدلال، ومتى جاز تركه في جميعه بالاستدلال، وإذا جاز تركه كله لمخالفة أهل القبلة بما هم عليه في فعله.
ارجع إلى كتاب بيان الشرع (1/124)
صفحة 125
باب
في الركوع وقول سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد وفي السجود وفي القعود في الصلاة وفي التحيات وفي التسليم في الصلاة ومعاني ذلك
من كتاب أبي جعفر:
وإذا ركع قال: سبحان ربي العظيم. وقال بعضهم: وبحمده. فإذا ركع رفع رأسه بقول: سمع الله لمن حمده واستقام حتى يرجع كل عضو إلى مفصله.
وقال: ربنا لك الحمد أو الحمد لله لا شريك له، فما قال من ذلك كفاه مرة واحدة.
ويوجد عن أبي عبد الله رحمه الله أنَّه قال: إن استيقن أنَّه قال: ربنا لك الحمد، ثم تعمَّد لقولها مرة ثانية أنَّ عليه النقض. ونحن نحب أنَّه يلزمه نقض في ذلك، فإن كان خلف الإمام فلم يقل سمع الله لمن حمده فلا بأس.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: أنَّه ليس عليه قول سمع الله لمن حمده. (1/125)
صفحة 126
قال: ولا نقول ذلك ولا نأمر به لمن كان يصلي الإمام إلا لمن يصلي وحده.
قال غيره: أرجو أنَّه رفع إلى أنَّه ليس عليه ذلك، إذا كان يصلي خلف من يتولاه والله أعلم.
مسألة: وإذا قعد فقال من قال: يضع كفيه على فخديه ويضم أصابعه.
وسألت عن المصلي إذا ركع واستوى راكعاً فقال: الله أكبر من بعد ذلك، هل تتم صلاته؟ قال: قد قيل: أنَّه قد أساء وصلاته تامَّة.
قلت له: وكذلك إذا سجد قال سمع الله لمن حمده بعد أن سجد وهو منحط للشهود قبل أن يستوي ساجداً وأخذ في القراءة وهو ينشأ في القيام قبل أن يستوي قائماً، هل تتم صلاته؟ قال: فأمَّا إذا قال سمع الله لمن حمده من بعد أن سجد لغير عذر من نسيان، فهذا عندي كمن لم يقل سمع الله لمن حمده.
وأمَّا إذا قال سمع الله لمن حمده قبل أن يدخل في السجود فقد أساء، (1/126)
صفحة 127
وأرجو أن تتم صلاته.
وكذلك إذا قرأ قبل أن يستوي قائماً فقد أساء وصلاته تامَّة إذا أخذ في القراءة قبل أن يستوي قائماً.
من كتاب الأشراف:
ثبت أنَّ رسول الله (ص) وضع يديه على ركبتيه في الركوع.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أنَّ المصلي إذا ركع وضع يديه على ركبتيه، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافاً، وإنَّما يختلف في معنى قولهم في ذلك أنَّ بعضاً قال: يفرق أصابعه، وبعض قال: يضم أصابعه. ولعلَّ أكثر القول ممَّن يؤمر به أن يفرق أصابعه على ركبتيه.
وممَّا يدلُّ أنَّه كان من فعل النبي (ص) أنَّه كان يفعل ذلك بمعنى الاتفاق عنه كان إذا ركع ساوى ظهره معتدلاً حتى لو كان إناء فيه ماء جعل على ظهره لاعتدل أو لاستمسك.
ولا يثبت في معاني الاعتبار اعتدال الراكع إلا أن يجعل يديه على ركبتيه ويبسطهما، (1/127)
صفحة 128
وإلا فلا يثبت له معنى الاعتدال والاستواء معنا ولابدَّ له من الاختلاف عن حال الاعتدال.
ومنه جاء الحديث عن النبي (ص): أنَّه كان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم وبحمده.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّ المصلي يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم.
وكذلك جاء الحديث عن النبي (ص): أنَّه كان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم.
وقد روي عن بعض أهل العلم أنَّه كان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم وبحمده في ركوعه.
وسئل عن ذلك فقال: إنَّما ذلك من قولنا فاستحسنه يعني القائل به من أهل العلم من أصحابنا.
ومعاني قولهم: أنَّه إنَّما يقول سبحان ربي العظيم في الركوع وسبحان ربي الأعلى في السجود، فإن قال سبحان ربي العظيم وبحمده في الركوع وفي السجود سبحان ربي الأعلى وبحمده فحسن ذلك.
ومن غير الكتاب:
وسألته عن المصلي إذا قال سمع الله لمن حمده قبل أن يستوي قائماً خرَّ للسجود، (1/128)
صفحة 129
هل يكون ذلك نقصاناً منه ينقض عليه صلاته؟ قال: معي أنَّه إذا قام عن حال الركوع إلى معنى ثبوت القيام بما لا يختلف فيه، أنَّه لو حلف لا يقوم كان قد حنث ولم يطمئن قائماً.
كما يروى عن النبي (ص) أنَّه قال: في الأمر بالقيام عن الركوع «أنَّه يقوم حتى يطمئن قائماً». فعندي: أنَّه يلحق في معاني ذلك ما يشبه الاختلاف، ففي بعض القول: أنَّه مشيء ولا بدل عليه. وفي بعض القول: أنَّه ما لم يأت بذلك على وجهه فيقوم حتى يطمئن قائماً ولم يصل إلى حد القيام.
وإذا لم يقم لم يخرج من حد الركوع ولم يتمه، لأنَّ تمام الركوع القيام عنه؟ فعندي: أنَّه يلحقه معاني النقض في هذا السبب في بعض القول والله أعلم.
مسألة:
من كتاب ابن جعفر:
ومن نسي قول سمع الله لمن حمده فليقلها حيث ذكرها من الصلاة، ومن نسي قول ربنا لك الحمد فليس عليه أن يسجد سجدتي الوهم. (1/129)
صفحة 130
مسألة: وسألته عن المصلي إذا ركع فتطأطأ في ركوعه فوق ما يؤمر به منتكساً متعمداً، هل تتم صلاته؟ قال: عندي أنَّه قد قصَّر في الأدب، وصلاته عندي تامة إذا كان راكعاً.
قلت له: وكذلك إذا رفع رأسه من السجود الأول فقعد وحصل له القعود.
قال أبو سعيد: قول سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد والتَّسليم من الصلاة سنة.
ومن كتاب المصنف:
واختلفوا في الركوع: فقال من قال: حدُّ الركوع إلى أن تصير جبهته على الأرض ساجداً. وقال من قال: حدُّه إذا استقلَّ قائماً من ركوعه.
مسألة: ومنه: قال أبو عبد الله: حدُّ الركوع إلى أن يصير ساجداً، ووجدت في سمع الله لمن حمده اختلافاً؟ (1/130)
صفحة 131
فقيل: من الركوع، وقيل: من السجود.
مسألة: وسألته أين يكون الركوع إلى انقطاعه؟ قال: هو من حين تخرُّ راكعاً إلى أن تسجد.
قلت: فإن خرَّ السجود ثم ذكر شيئًا أيرجع فيه؟ قال: نعم.
قلت: فما لم يسجد فكلُّ شيء ذكره أنَّه لم يفعله في ركوعه ففعله فقد أدرك؟ قال: نعم.
مسألة: قال أبو سعيد: في الذي يركع في الصلاة أنَّه يؤمر أن يستوي راكعاً ويعتدل ولا يعالج ذلك وإنَّما هو على ما يمكنه، فإن اعتدل ولم يستو ظهره لحدوبة فيه أو حنوفة، وكان في حال ركوعه منتكساً أو منتصباً من أجل ذلك فلا بأس عليه.
مسألة: ومنه: وفي رجل سبَّح في الركوع والسجود سواء؟ (1/131)
صفحة 132
فإن كان تعنى أنَّه يقول في الركوع سبحان ربي الأعلى، فمعي: أنَّه لا بأس عليه في ذلك، ويؤمر أن يسبح كما جاء في الأثر أن يقول في الركوع سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى.
وإن كنت تعني أنَّه سواء في العدد في ذلك، فكذلك يؤمر وقد وافق إن شاء الله.
وقلت: أرأيت إن ذكر وقد رفع رأسه من الركوع، أيرجع يركع ويقول ما يؤمر به؟ فمعي: أنَّه ليس له في ذلك ولا عليه إذا خرج من حدِّ الركوع، ويرجع يركع لمثل هذا، وإنَّ ذلك في الركوع وقد سبَّح كما وصفت فيجزيه ذلك عندي، وإن عاد سبَّح ما دام في الركوع بما يؤمر به في التَّسبيح في الركوع جاز له ذلك عندي ما لم يطل إذا كان في فريضة.
قال أبو عبد الله: حدُّ الركوع إلى أن يصير ساجداً.
ومن جواب لأبي علي الأزهر بن محمد بن جعفر: وعن مصلي قال في الركوع سبحان ربي الأعلى فلا نقض عليه، إذ لم يتعمَّد لخلاف السنة، وعليه أن يسجد سجدتي السهو ذلك من جوابات أبي عبد الله رحمه الله. (1/132)
صفحة 133
وقلت: إن جعل تسبيح الركوع في السجود، وتسبيح السجود في الركوع ناسياً أو متعمداً؟ فأمَّا ناسياً: فلا نقض عليه. وأمَّا متعمداً: فقد أساء ولا نقض عليه.
وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب: تسبيح الفريضة ثلاث إلى خمس، وأحب ثلاث. وأمَّا النافلة: فيسبح فيها ما شاء.
ومن جعل تسبيح الركوع في السجود وتسبيح السجود في الركوع ناسياً أو متعمداً؟ فقد أساء وليس عليه نقض لعلة.
ومن قال في الركوع: سبحان ربي وفي السجود سبحان ربي، ولم يقل العظيم ولا الأعلى خطأ منه أو عمداً؟ فلا نقض عليه، وصلاته تامة، وبئس ما فعل وقد أساء لخلافه السنة.
قال أبو محمد: في الرواية أنَّ النبي (ص): أمر أصحابه عند نزول فسبح باسم ربك العظيم أن يجعلوها في ركوعهم.
ولمَّا نزلت سبِّح اسم ربك الأعلى قال: اجعلوها في سجودكم ولم يأمر بعد ذلك.
انقضى الذي من كتاب المصنف - ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/133)
صفحة 134
فصل
في السجود
سأل سعيد بن محرز هاشم بن غيلان عن الرجل تنحط عمامته أله أن يرفعها عن جبهته؟ قال: لا بأس بذلك.
مسألة: وممَّا يوجد أنَّه من جواب أبي محمد عبد الله بن محمد وعمَّن يصلي في مسجد فسجد على حصاة واحدة؟ فذلك مكروه أن يتعمد للسجود على حصاة واحدة. ولم أره يبلغ به ذلك إلى نقض.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن المصلي إذا سجد على حصاة أخذت أقل سجدة وجهل أن يسجد على غيرها وظنَّ أنَّه يجزيه ذلك وأتمَّ صلاته على ذلك، هل تتم صلاته؟ قال: معي أنَّها لا تتم.
قلت له: فإن جهل ذلك وقد صلَّى ذلك زماناً، (1/134)
صفحة 135
هل عليه بحل؟ قال: معي أنَّ عليه البدل. ويعجبني ذلك.
قلت له: فإن أخذت الحصَّة نصف مسجده، هل يجزيه ذلك؟ قال: لا يعجبني ذلك تأخذ أكثر مسجدة فصاعد.
قلت: فإن أخذت الحصاة نصف مسجدة وظنَّ أنَّه يجزيه وقد صلَّى على ذلك زماناً، هل عليه بدل؟ قال: لا يعجبني أن يكون عليه بدل إذا أخذت نصف مسجدة فصاعداً. ولا يعجبني ذلك على الابتداء منه.
مسألة: ورجل يصلي فإذا سجد رفع قدميه من الأرض وهو في سجوده أو عند السجود متعمداً أو ناسياً أو جاهلاً، هل تتم صلاته؟ فأمَّا إذا كان ناسياً أو جاهلاً فأحب أن يتمَّ. (1/135)
صفحة 136
وأمَّا على العمد بخلاف السنة فأحبُّ أن يعيد.
مسألة: قلت له: وكذلك إذا رفع رأسه من السجود الأول فقد وحصل له القعود في التسمية إلا أنَّه منكب إلى أقدامه وقد وضع يديه على ركبتيه في قعوده ذلك، هل تتم صلاته؟ فقال: معي أنَّه إذا كان له معنى وإلا خفت أن يكون ذلك عبثاً منه على قوله.
قلت له: فإن لم يضع يديه على ركبتيه إلا أنَّه قعد كما وصفت لك، هل يكون مثل الأولى؟ قال: لا يبين لي بينهما فرق.
مسألة: قال أبو سعيد: معي أنَّه قد قيل من نسي فسجد سجود صلاته كلها وشيئًا منه على ما لم ينبت من الأرض من الصوف والشعر والحرير وأشباه ذلك؟ أنَّه قد اختلف في ذلك فيما معي، فقال من قال: إذا سجد سجدة واحدة ناسياً فسدت صلاته، وقال من قال: لا تفسد صلاته حتى يكون سجوده بركعة تامَّة سجدتين. (1/136)
صفحة 137
وقال من قال: ما لم يكن سجوده وكان ما دون الأكثر فلا تفسد، وأمَّا إذا سجد أكثر سجوده أو كله فصلاته فاسدة عندي، ولا أعلم في ذلك اختلافاً.
من كتاب الأشراف:
فيما أحسب قال أبو بكر: واختلفوا في سجود الشكر، فاستحبَّ الشافعي سجود الشكر.
قال أبو سعيد: لا أعلم هذا القول من قول أصحابنا منصوصاً بأمر فيه ولا نهى عنه. ويعجبني أن يكون جائزاً وفضلاً؛ لأنَّ السجود له حيث ما كان يخرج على معنى الطاعة والعبادة له والتضرع إليه من حيث ما خلصت نية العبد وسجد شكراً للله وتواضعاً وتقرباً إليه كان ذلك ثابتاً معناه إن شاء الله.
مسألة: بلغنا عن عمران بن حصين أنَّه قال: إنَّ أول من قال سبحان ربي الأعلى وسبحان ربي العظيم ملك من الملائكة وذلك أنَّه خطر بباله، هل فوق الله؟ فقال: ياربائدن لي فارتفع فأعلو فأذن له فطار من ساق العرش ثم طار ثلاثين ألف سنة ثم وقف، (1/137)
صفحة 138
ثم نظر فإذا هو عند العرش، ثم طار ثلاثين ألف سنة ثم خمسين ألف سنة ثم نظر، فإذا هو والله فوقه وفوق كل شيء فقال: سبحان ربي الأعلى ثم لمَّا رجع إلى مرتبته فقال سبحان ربي العظيم، فلمَّا أخبر جبريل محمداً (ص) بقصة هذا الملك، فقال: يا محمد لو طار ذلك إلى يوم ينفخ في الصور لكان الله المكان، إذ لو جاز ذلك لكان المكان أعظم من الله ولكان الله أيضاً محتاجاً إلى المكان الذي هو حلل فيه، ولكان أيضاً تحتنا خا من الله والله تعالى في كل مكان بل يقال إنَّ الله فوقنا أنَّ تدبيره وقدرته علينا وعظمته وعلو شأنه. هكذا نقول.
ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: أحسب عن أبي سعيد رحمه الله: وسئل عن المصلي إذا كان يصلي على حصير ويسجد على جانب منه وهو مرتفع من موضع سجوده، (1/138)
صفحة 139
فإذا سجد عليه ألزق بالأرض، وإذا رفع رأسه ارتفع الحصير، هل يجوز له السجود على هذا الموضع من الحصير؟ قال: معي أنَّه يؤمر أن يسجد على غير هذا الموضع إن أمكنه ذلك تقدَّم في سجوده أو تأخر، ولا يميل بسجوده عن يمينه وعن شماله.
قلت له: فإن صلَّى وسجد على هذا الموضع المرتفع، أصلاته تامة أم منتقضة؟ قال: معي أنَّ بعضاً يقول إذا كان الحصير إذا سجد لزق بالأرض بغير معالجة منه ولا بجبهته فصلاته تامة.
ومعي: أنَّه في بعض القول أنَّه إذا كان ارتفاعه عرض أصبعين فصاعداً لم تجز الصلاة عليه إلا من عذر لا يجد موضعاً غيره.
مسألة: ومن جوابات أبي سعيد رحمه الله: وعن الحصير إذا كان يصلي عليه وهو مرتفع من الأرض من موضع السجود أو موضع اليدين أو الرجلين، هل يكون في ارتفاعه حد ما لا تجوز عليه الصلاة؟ (1/139)
صفحة 140
فأمَّا في سائر المواضع إلا الجبهة، فإذا كان إذا وضع رجليه أو أحد مساجده ثبت عليها أو على ما هو عليه مفروش، فذلك جائز ولا أعلم في ذلك اختلافاً، والجبهة قد قيل: أنَّه إذا كان ارتفاعه عن الأرض عرض أصبعين لم تجز عليه الصلاة. وكذلك لو كانت تثبت على الأرض أو على ما فرش عليه إذا كان يسجد عليه.
وقال بعض: أنَّه إذا سجد عليه بلا معالجة وألقى جبهته عليه أخذ بالسجود ما هو مفروش عليه جازت صلاته، وإن كان لا يلصق بالأرض أو ممَّا هو مفروش عليه إلا بمعالجة من المصلي غير السجود لم يجز له ذلك.
مسألة: جاء الحديث عن النبي (ص): أنَّه كان يقول في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثاً.
وروى ذلك لنا علي وابن مسعود.
قال أبو سعيد: عامة ما يتواطأ عليه قول أصحابنا في التسبيح في الركوع والسجود أنَّه ثلاث في كل ركوع وسجود. وقد قيل: أنَّه واحدة يجزي لمعنى عذراً وعجلة. وقد قيل: يجزي على كل حال، لأنَّه قد سبَّح، (1/140)
صفحة 141
وليس في التسبيح حد محدود وسنة ثابتة معنا ولا إجماع، إلا أنَّه معنى الاتفاق ويوجب أنَّ التسبيح سنة في الركوع والسجود ثابتة.
وقد قيل: في بعض قول أصحابنا أنَّ أقل التسبيح في صلاة الفريضة ثلاث، وأوسطهنَّ خمس، وأكثره سبع.
ولعلَّ هذا يخرج في معاني الاستحسان لا في معاني الحجر واللازم، إلا أنَّه لا ينبغي التطول في الفرائض على معنى الاقتصاد وخاصة إذا كان إماماً، وأمَّا من ترك التسبيح في الركوع والسجود في صلاته كلها أو في شيء منها.
فمعي: أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا ما حكى من الاختلاف أنَّه لا إعادة على من ترك في عمد ولا نسيان، وأنَّ عليه الإعادة في ترك ذلك كله في العمد والنسيان، وأنَّ عليه الإعادة في العمد ولا إعادة عليه في النسيان، وأنَّ عليه الإعادة في ترك التسبيح في ركوع أو سجود واحد ولا إعادة عليه في النسيان ما لم يترك أكثر ذلك. (1/141)
صفحة 142
وإذا ثبت في معاني هذا فلا معنى يوجب عذراً لمن ترك القليل إذا كان ترك الكثير مفسداً؟ أنَّه لا تجوز الصلاة إلا بركوع وسجود، فإذا كان لا يجوز إلا بركوع وسجود لم يكن الركوع إلا بتمام التَّسبيح بما جاءت به السنة، كما لم يكن القيام إلا بالقراءة والقعود إلا بالتحيات.
مسألة: ومن غيره: فإذا سجد قال سبحان ربي الأعلى. وقال بعضهم: وبحمده.
ومن كتاب ابن جعفر:
فإذا سجد أمكن جبهته من الأرض لا أن يجعل عليها الاعتماد، ولكن إذا سجد اعتمد في الأرض على كفيه وجعلهما حذا أذنيه أو نحو ذلك. ويبسط أنامله نحو القبلة ويضمهما ويفتح.
وفي نسخة: وضمهما وفتح بين مرفقيه وسوى ظهره معتدلاً، ويضع الرجل ركبتيه قبل يديه، ويرفع يديه قبل ركبتيه. (1/142)
صفحة 143
وفي نسخة: قال أبو عبد الله: يرفع ركبتيه قبل يديه إذا قام من السجود. وقيل: أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد أن يمكن جبهته من الأرض وطرف أنفه.
من كتاب الأشراف: وكان عمر بن الخطاب يضع ركبتيه قبل يديه.
قال أبو سعيد: معاني الأمر من قول أصحابنا يخرج عندي على القول الأول أنَّ المصلي يضع ركبتيه في السجود قبل يديه ثم جبهت، كذلك يروى عن النبي (ص): أنَّه كان يفعل في أول أمره.
كما أنَّه كان في آخر أمره ربَّما وضع يديه قبل ركبتيه، وأحسب في الرواية أنَّ ذلك لضعف.
وكذلك يؤمر المصلي إلا من ضعف أو من علَّة يوجب ذلك، ولا أعلمه من اللازم ولكنَّه من أدب الصلاة، وفيما أحسب أنَّه قيل: فمن فعله فحسنٌ، ومن فعل غيره وقدم يديه فجائز إن شاء الله فيما عندي.
وقيل: أنَّه أقرب إلى التواضع في معنى الصلاة والركوع والخشوع وهو تقديم اليدين. (1/143)
صفحة 144
مسألة: واختلف أهل العلم على السجود دون الأنف؟ قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني الاتفاق من قول أصحابنا في الأمر أنَّ المصلي يؤمر أن يسجد على الجبهة وأن يمسَّ ما نال من أنفه الأرض إن أمكنه ذلك، فإن لم يفعل فلا أعلم أنَّ عليه بأساً في قول واحد منهم إذا لم يكن ذلك عندي يريد مخالفة السنة، ولا أعلم في قولهم: أنَّه يجزيه السجود على الأنف دون الجبهة إذا قدر على السجود على الجبهة.
قال: ومعي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّه إذا لم يقدر على السجود على الجبهة ومواضع السجود لعذر أنَّه يومئ ولا يسجد على أنفه، لأنَّه ليس موضع السجود.
وأحسب أن في بعض قولهم: أن يسجد على أنفه ولا يوصئ إذا لم يقدر على السجود على جبهته. والقول الأول: أشبه عندي لموافقة الأصول، وقد يخرج هذا المعنى أنَّه إذا سجد على أنفه فقد أومأ، فإن كان سجوداً فقد ثبت وإلا فقد ترك السجود ولم يحصل له السجود.
فعلى معنى الاحتياط أن يسجد على أنفه إذا لم يستطع السجود على جبهته وحسن عندي لهذا المعنى. (1/144)
صفحة 145
واختلفوا في المصلي بين السجود على سائر الأعضاء غير الجبهة والأنف؟ قال أبو سعيد: ولا يخرج في معاني قولهم أنَّه يجزيه السجود دون أكثر جبهته إلا من ضرورة، وأمَّا سائر أعضائه التي قد قيل أنَّها مساجد فقد يخرج في معاني القول، لأنَّه يجزيه ترك شيء منها وأنَّها مثل الجبهة لا يجوز إلا السجود عليها أو على أكثرها منها لما جاء به الأثر.
والقول عن النبي (ص): أنَّه قال: «أمرت بأن أسجد على سبعة أعضاء ولا الكف شعراً ولا ثوباً».
ثبت الإيماء وإذا ترك السجود على الأنف، فإن كان لازماً في معاني الاختلاف فقد صحَّ.
ويثبت في معاني تأويل ذلك أنَّ الجبهة واليدان والركبتان والقدمان، وأحسب في بعض القول: أنَّه أو سجد على أحد اليدين والركبتين دون الأخرى والقدمين دون الأخرى أجزأه، وإن ترك الجميعين* من العضوين في سجوده عامداً لم يجزه، ولعلَّ في بعض القول ترخيصاً في ترك ذلك إلا الجبهة على نحو ما حكى.
ويعجبني أنَّه لا يترك ذلك كله ويجزيه، ولكنَّه إذا سجد على أكثر جبهته وأكثر أعضائه الباقية من السبعة واعتدل في سجوده وأمكنه ذلك فلا يؤمر بذلك، (1/145)
صفحة 146
وأرجو أنَّه يجزيه.
وإن كان أقل من ذلك لم يعجبني أن يجزيه إذا سجد على الأقل من الأعضاء، لأنَّ هذه الأعضاء إنَّما معناها تبعاً في السجود للجبهة، وإنَّما السجود في الجبهة في المعقول من القول إلا أن يكون ذلك من عذر.
مسألة: وعن رجل يرفع رأسه من السجود وقام ثم جاءه الشك في السجدة قبل أن يدخل في القراءة؟ فليمض في صلاته.
مسألة: ومن كتاب ابن جعفر: وإذا سجد وضع ظاهر أصابع قدميه ممَّا يلي الأرض.
ومن غيره: قال محمد ابن المسبح: يستقبل بأصابع رجليه الأرض، ولا يجعل ظاهر أصابع رجليه ممَّا يلي الأرض.
مسألة: قال محمد بن المسبح: يستقبل بأصابع رجليه الأرض. (1/146)
صفحة 147
وقال ذلك محمد بن محبوب رحمه الله: ويسم الأرض أصابع رجليه الأطراف من باطن الأصابع وظاهرهما كله يستقبل القبلة، فإذا قعد جعل باطن اليسرى تحت أخمص رجله اليمنى وجعل ظاهر أصابع قدمه اليمين ممَّا يلي الأرض.
مسألة: وسألته عن المصلي إذا سجد على حصاة وحصاتين، هل له أن يجر جبته من على ذلك؟ فقال: يخر جبهته يميناً وشمالاً.
وسألت أبا علي الحسن بن أحمد رحمه الله عن المصلي إذا سجد على شيء لم يتمكن من السجود عليه، أيجوز له أن يرفع رأسه ويزله عن ذلك الموضع؟ قال: جائز له.
مسألة: وعن إنسان صلَّى وكان موضع سجوده مرتفعاً على الأرض قدر شبر أو أقبل، هل له أن يسجد على ذلك الموضع المرتفع؟ فقد أجاز ذلك أبو المؤثر أنَّ يسجد المصلي على الموضع المرتفع ولم يجعل لذلك حداً، (1/147)
صفحة 148
ونقول على ما وصفت إذا كان شبراً جاز له ذلك إن شاء الله، وكذلك يقول في الموضع الخانق يجوز له أن يسجد عليه، وينبغي للمصلي أن يحسن في صلاته.
مسألة: قال أخبرني سعوة بن المفضل الإيراني قال: كنا بمكة فلمَّا دخلت أيام العشر وكثر الزحام في المسجد نهانا محبوب أن نصلي في المسجد في الجماعة؟ قال: فليصل كل واحد منكم وحده لحال ازدحام النَّاس.
مسألة: ورجل يصلي فإذا وضع جبهته للسجود كبر، هل تتم صلاته؟ فقد قيل: تتم وقد قصَّر.
مسألة: وعن رجل يصلي فيكون وضع سجوده أو طئ من موضع قدميه شبراً أو أكثر أو أقل، هل ينقض صلاته؟ (1/148)
صفحة 149
قال: معي أنَّه يجوز إذا كان شبراً أو أقل، أمَّا أكثر من الشبر فما فوقه فقد قيل: في ذلك باختلاف. فقال من قال: تتم صلاته بذلك. وقال من قال: لا تتم.
قلت له: وكذلك إن كان موضع قدميه أرفع من موضع سجوده، هل يكون سواء؟ قال: معي أنَّه سواء.
مسألة: قلت له: فأين يضع يديه في السجود؟ قال معي: أنَّه قيل: يضعها حذا موضع سجوده. وقيل: يضعهما حذا موضع أذنيه، فهذا الذي يؤمر به.
مسألة: من جامع أبي محمد: اختلف أصحابنا في السجود على كور العمامة في الصلاة، فجوَّز بعضهم (1/149)
صفحة 150
وكرَّهه آخرون، ولم يقدم الأمر بإعادتها، وأفسدها بعضهم.
وهذا القول الأخير عندي أنظر بدليل ظاهر كتاب الله: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} فأخبر جل ذكره أنَّ السجود له تأثير في الوجه.
فمدح المؤمنين بدوامهم على الصلاة التي أثر سجودها في وجوههم، ومن سجد على كور العمامة وأدام فعل ذلك لم يكن لفظه في وجهه تأثير سجود ولا سمة الممدوح حين يكثر السجود في وجهه، ولا ينبغي للإنسان أن يرغب في ظهور علامة كثرة ليعلم النَّاس ذلك منه.
وليستدلوا بما يظهر إليهم من وجهه من كثير فعله، لأنَّ في ذلك ضرباً من النفاق والله أعلم.
وقد روي عن الحسن البصري: لأن أكون بريئًا من النفاق أحبُّ إلي من طلاع الأرض ذهباً يعني ملئها.
وقد روي عن عطاء أنَّه قال: خفوا على الأرض يريد بذلك السجود. يقول: لا ترسل نفسك على الأرض إرسالاً ثقيلاً فتؤثر في جبهتك أثر السجود والله أعلم. (1/150)
صفحة 151
وروى أنَّ جاهداً سأله رجل فقال إنِّي أخاف أن يؤثر السجود على جبهتي. فقال: إذا سجدت فتخاف يعني خفف نفسك وجبهتك على الأرض.
مسألة: من كتاب المصنف: عن أبي قحطان: إنَّ من لم يمكنه الحصى أن يسجد عليه فجائز أن يسويه مرة واحدة.
وقال أبو الحمد: لا يتعمد المصلي أن يحول كل سجدة على حدة.
مسألة: ومن ركع فلم يكبر حتى سجد أو رفع رأسه من السجود فلم يكبر حتى قعد؟ فلا بأس كان إماماً أو مأموماً أو وحده.
مسألة: ومنه: ويكره للرجل أن يلزق بطنه في فخديه إذا سجد ولا بأس أن يجعل مرفقيه على فخديه وركبتيه إذا سجد.
قال غيره: قد نهى عن ذلك. (1/151)
صفحة 152
من كتاب الضياء:
كان رسول الله (ص): إذا سجد أو مرت هرة تحت زراعية لنفذت من شدة مبالغته في إبعاد مرفقيه وكفيه.
مسألة: من جوابات الشيخ أبي سعيد: قلت: وإن ارتفع قدماه عن الأرض بعد أن سجد أو قيل أن يضع جبهته على الأرض، هل تنتقض بذلك صلاته؟ فإذا كان ارتفاعهما من عذر فلا بأس.
وإذا كان لغير عذر وكان ذلك في أكثر سجوده؟ فمعي: أنَّ بعضاً قال تنتقض صلاته، وبعض ذهب إلى تمامها وقد أساء.
مسألة: ومن لم يسجد حتى ينال طرف أنفه الأرض؟ فيكره له ذلك بلا نقض. والمأمور به أن ينل طرف طرفه الأرض.
انقضى الذي من كتاب المصنف. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/152)
صفحة 153
فصل
في القعود في الصلاة والتحيات
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا النهي عن القعود مقفياً في الصلاة وما أشبهه كله.
ومعنى القعود عندهم وما تأمرون به ويفعلونه أن يقعد الرجل في صلاته بين سجدتيه والتحيات مستوياً مفترشاً رجله اليسرى ناصباً رجله اليمنى جاعلاً رجله اليمنى في انتصابها في أخمص رجله اليسرى وما أشبه ذلك.
فهذا عندي يخرج في معاني قعودهم ممَّا خالف معنى الاتفاق وممَّا يخالف معاني التربع.
قال محمد بن مدَّاد: تربع الرجل إذا باعد بين فخديه يميناً وشمالاً.
ومنه قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا، ولا أعلم فيه اختلافاً من قولهم في التحيات وهو المسمى التشهد أن يقول المصلي إذا قعد التحيات المباركات لله والصلوات والطيبات السلام على النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله.
هذا ما عليه ثبوت معاني قولهم الذي يأمرون به ويقولونه. (1/153)
صفحة 154
وفي معنى قولهم: أنَّه كان في حياة النبي (ص) السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته لما كان حاضراً على معنى المخاطبة أو الإشارة.
فلمَّا مات كان من الإجماع من قول المسلمين بعده أن قالوا السلام على النبي ورحمة الله وبركاته لمعنى ثبوت ذلك له ولم يكن مخاطباً وإذا لم يكن حاضراً.
وفي معاني قولهم: أنَّه لا يجوز ترك شيء من هذا في التشهد في الصلاة في القعدة الأولى ولا في الآخرة على معنى العمد لترك شي من ذلك.
ومنه: روينا عن ابن عباس أنَّه قال: من السنة أن يخفي التشهد.
واختلفوا في معنى التحيات: حكى أبو عبيدة عن ابن عمر أنَّه قال: التحية: الملك، وعليه قول الشاعر: من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية.
وروينا عن ابن عباس أنَّه قال التَّحية: العظمة. وعليه قول الشاعر:
يحيون بالريحان يوم السباسب ... والصلوات الخمس والطيبات الأعمال الزاكية
قال محمد بن مدَّاد:
إنَّ التحيات المباركات هنَّ لعمري طرق الخيرات
وما يؤتيك إلى الحنان من صلوات (1/154)
صفحة 155
الخمس من الأوقات
على فراغ وعلى هيئات
متممات ومؤديات
على تمام الظهر والأدات
إلى الذي أنشاك للحياة
من بعد ما كنت من الأموات
ثم تصير بعد وفي البعاث
إلى قرار الأرض والكفات
مضاجع القبر إلى الميقات
ثم ينادي بعد بالأموات
إن خرجوا يا معشر الأموات
إلى حسنات الله ذي الهبات
وذي العطايا المتواترات
سير إلى النَّار والجنَّات
يا ربنا يا قادر الأقوات
اغفر خطاياي وسيئات
رب السموات المزخرفات
بشهب يزهرن جاريات (1/155)
صفحة 156
يارب زحزحنا عن النَّارات*
ثم اهدنا لطرق الخيرات
وطيب جنات معرفات
بالمسك والكافورارجات
والحور والولدان والقينات
الله فاعبده إلى الممات
ومنه كان عطاء يقول: في النشأ الأول إنَّما هو التشهد.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّه لا يزيد المصلي في القعود في الركعتين الأوليتين على هذا التشهد شيئًا، وإن زاد ذلك على النسيان ففي بعض القول أنَّ عليه سجدتي السهو، ولعلَّ بعضاً يقول ليس عليه وهم.
ويعجبني ثبوت الوهم عليه إذا ثبت أنَّه يفسد فعله ذلك على التَّعمد، لأنَّه موضع السهو في مجمل ما قيل على النسيان ممَّا يفسد على العمد من قول أو فعل منه.
ويستحبُّ أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلَّى فيها على رسول الله (ص).
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّ صلاته إذا تشهد التشهد الذي قد مضى ذكره في القعود الأول والآخر، (1/156)
صفحة 157
وأنَّه لا إعادة عليه، ولو لم يصل على النبي (ص).
ولولا ما قد سبق من معاني ثبوت بالقول بذلك لأعجبني ما قال الشافعي إن بقيت عليه عند قوله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله أن يصلي عليه في التشهد الآخر، وإلا لم يجزه لما ثبت عنه (ص).
يروى عنه (ص) أنَّه قال: «أبخل البخلاء من ذكرني أو ذكرت عنده فل ميصل علي»، ثم إنَّ على كل مصلي بعد فراغه من التحيات أن يصلي على النبي (ص) لقول الله تعالى: {إنَّ الله وملائكته صلون على النبي} الآية.
وعن ابن مسعود قال: إذا صليتم فأحسنوا على النبي الصلاة. وقال: إنَّها فريضة أمركم الله بها.
فقال عزَّ وجل: {يا أيُّها الذين آمنوا صلوا عليه وسلِّموا تسليماً}.
ولما رووا عنه أنَّ الدعاء محبوس بين السماء والأرض حتى يصلى على أو عليه (ص).
ولما قيل: أنَّ الصلاة عليه دعاء فيما يخرج معناه من العبادة في معاني كثيرة، لأنَّ العبادة دعاء والصلاة من العبادة، فإذا ثبت الدعاء لا يرفع إلا بالصلاة دخل ذلك على الصلاة لقول الله تبارك وتعالى: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} يعني لولا عبادتكم.
قال محمد بن مدَّاد: في الحث على الصلاة على النبي (ص): (1/157)
صفحة 158
لمبنى لا تدع الصلاة على النبي
إذا تشهد في الصلاة مقيماً
قد قال في آي الكتاب لتفهموا
وكفى برب العالمين عليما
صلى الإله وحملة الأملاك قد
صلوا عليه وزادنا تعليما
ياأيها الحزب الذين آمنوا
صلوا عليه وسلِّموا تسليما
إنَّ البخيل إذا ذكرت له فلم
يتمم على صلاته محروما
إنَّ العبادة كلَّها في ذكرها
صلوا عليه وسلِّموا تسليما
وله باب يذكر في فضل الصلاة عليه (ص). وهي صلاة تبقى مع الباقيات الصالحات.
صلاة تبدأ أقطار الأرض والسموات وصلى الله على جميع الأنبياء والمرسلين.
ارجع إلى الكتاب: (1/158)
صفحة 159
مسألة: روينا عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنَّه قال: من لم يشهد في صلاته فكلُّ صلاته له.
مسألة: من جامع أبي محمد: ولا يجوز الإقعاء في الصلاة لما روي عن علي بن أبي طالب أنَّه قال: قال لي النبي (ص): لا تقعدنَّ على عقبيك في الصلاة، ونهى عليه السلام عن عقبى الشيطان. وعقبى الشيطان هو أن يضع إليته على عقبيه. والإقعاء: هو أن يقعد على اليدين وقدميه وينصب الركبتين.
ومن الكتاب: واختلف أصحابنا في المصلي وحده أو الدَّاخل في الصلاة مع الإمام إذا أحدث في التشهُّد فقال بعضهم: إذا قعد ثم أحدث فقد تمت صلاته. وقال بعضهم: إذا قعد ثم أحدث فقد تمت صلاته. وقال بعضهم: ما لم يتم التشهد ويخرج من الصلاة بالتَّسليم فعليه الإعادة، لأنَّ الصلاة عند صاحب هذا القول ما بين الإحرام والتَّسليم.
وقال محمد بن محبوب: إذا بلغ إلى الصلوات والطيبات ثم أحدث، (1/159)
صفحة 160
فقد تمت صلاته وأجمعوا أنَّه إن تعمَّد الخروج من الصلاة قبل تمام التشهد من غير حدث أنَّ عليه الإعادة.
وروي عن علي أنَّه قال: إذا قعد الرجل مقدان التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته.
وروي عنه أيضاً أنَّه قال: من وجد رعافاً أو قيئًا أو رزاً وقد تشهد فليقم وقد تمت صلاته ولا ينظر الإمام.
مسألة: من جامع ابن جعفر: فإذا قعد جعل باطن قدمه اليسرى تحت أخمص رجله اليمين، وعليه أن يجعل ظاهر أصابع قدم اليمين ممَّا يلي الأرض.
قال الله تعالى: {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} يعني إذا فرغ من التحيات قبل أن يسلم فينصب في الدعاء ويرغب إلى ربه.
فهذا الذي نحب له أن يفعله المصلي في صلاته بلا أن يوجب النقض على من فعل ذلك غير ذلك ممَّا يجوز أيضاً في الصلاة.
وعن أبي عبد الله: إنَّ من قعد في صلاته على قدميه جميعاً أو يقعد على يمينه متعمداً من غير عذر أو لم يمس أنفه الأرض أو اعتمد على إحدى يديه في ركوعه وسجوده ولم يتعمَّد على الأخرى أو لم يضعها على ركبتيه أو على فخديه في ركوعه ولم يضعهما على الأرض في سجوده، (1/160)
صفحة 161
متعمداً وكذلك الركبتين في السجود والقدمين فلا أبلغ به في ذلك إلى فساد ولو فعل ذلك في جميع ركوعه وسجوده متعمداً، ولا نحب له ذلك ولا يأمر به.
وأمَّا إن جلس مقعياً* فلا آمن عليه النقض إلا من عذر.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح إذا مسَّ يده أو رجله الثانية في الركوع والسجود والقدمين فقد جازت صلاته إن شاء الله، وأمَّا إن جلس مقعياً فلا آمن عليه النقض إلا من عذر.
قال أبو عبد الله: لا نقض عليه في الإقعاء وقد نهى عنه.
مسألة: عن أبي علي الحسن بن أحمد: والمصلي إذا قعد لقراءة التحيات وجعل رجلاً على أخرى انفسخت قدمه عن الأخرى فكانت أثرة جنب الأخرى، أعليه بأس أم لا؟ فلا أعلم في ذلك بأساً في صلاته والله أعلم.
مسألة: وسألته عن المصلي إذا قعد في التحيات الآخرى ثم غفل أو نعس ثم انتبه وهو قاعد فلم يدر سلم ولم يطمئن قلبه ولا استيقن وسلَّم، (1/161)
صفحة 162
هل تفسد صلاته؟ قال معي: أنَّها تفسد فيما قيل.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: ومن شكَّ في التحيات بعد أن سلَّم فيرجع يبدي التحيات ما لم ينحرف أو يأخذ في غير أمر الصلاة.
وكان الشافعي يقول من ترك التشهد الأول والصلاة على النبي (ص) فيه الإعادة عليه.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّه لا يجوز ترك التشهد في القعود الأول من الصلاة على العمد ولا النسيان، وكذلك لا وجه من الوجوه إلا من عذر لا يطيقه.
وأنَّه إن ترك ذلك على حد لعلَّه على غير حد ممَّا تعذر فيه إنَّ عليه الإعادة.
وكذلك يخرج في معاني قولهم في التشهد في القعود الآخر أنَّه لا يجوز تركه على التَّعمد ولا شيئًا منه كان إماماً أو مفرداً أو مأموماً، إلا أنَّه يختلف في قولهم أنَّه إذا حدث حدثاً ممَّا ينقض الصلاة في القعود الآخر قبل التشهد الكامل.
ففي بعض قولهم: أنَّه إذا أحدث قبل تمام التشهد كله أعاد. (1/162)
صفحة 163
وفي بعض قولهم: إذا بلغ إلى قوله وأشهد أن لا إله إلا الله، فإذا تشهد بقوله أشهد ثم أحدث تمت صلاته، وإن أحدث قبل ذلك فسدت صلاته.
وفي بعض قولهم: أنَّه إذا بلغ قوله والطيبات ثم أحدث تمته صلاته وإلا فسدت.
وفي بعض قولهم: أنَّه إن قال: التحيات ثم أحدث تمت صلاته، وهذا على معنى العذر من الحدوث والعذر الحادث، فلا يتعرَّى عندي أن يشبه معنى النسيان، ويسع عندي فيما يشبه معنى العذر، وإذا ثبت معنى النسيان والعذر فلا يتعرَّى أن يلحق ذلك في معنى التعمُّد ما لحق النسيان والعذر فلا يتعرَّى أن يلحق ذلك في معنى التعمد ما لحق النسيان، فليس بعد أن يجوز في التعمُّد وإلا فلا يجوز في العمد ولا في النسيان.
وإنَّما ذكرت هذا على معنى ما يخرج من مقالاتهم في غير هذا في النظر بأن لا يكون ما حكى يلحق ملحق الخلاف الذي لا يجوز في معنى الدينونة تركه لم يزل عندي في معنى العذر بحدوث نقض الوضوء ولم يخرج في النسيان، ولعلَّ قد قال: إن لم ذلك على العمد، (1/163)
صفحة 164
ولا يجب ذلك ولا يبعد ذلك عندنا من الحقِّ والله أعلم بالصواب فلمعنى هذا ذكرنا هذا.
مسألة: من كتاب محمد بن جعفر: وقيل: التحيات هي الملك لله.
وبلغنا أنَّ بدوها أنَّ جبريل قال للنبي (ص): أنَّ الله يقول لك التحيات لله أي الملك لله. فقال النبي (ص): قال وأنا أقول والصلوات والطيبات فقال جبريل عليه السلام: وأنا أقول السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته.
وقيل: كذلك كان يقال في حياة النبي (ص). وقال من قال: من أصحاب النبي (ص): وأنا أقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
وقال آخر: وأنا أقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله وأحسبهما أبو بكر وعمر رحمهما الله. وقال من قال: من أصحاب النبي (ص): وأحسبه ابن عباس قال: التحيات المباركات لله فصارت سنة معمولاً بها.
ومن غيره: قال أبو عبد الله: ويروى عن ابن عباس أنَّه كان يقول: (1/164)
صفحة 165
التحيات المباركات لله والصلوات والطيبات لقول الله تعالى تحية من عند الله مباركة طيبة.
قال من قال من الفقهاء: إذا قرأت التحيات حتى تبلغ إلى وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله في القعدة الآخرة فقد قضى الصلاة.
ويؤمر من بعد ذلك أيضاً أن يحمد الله ويصلي على الرسول (ص) ونستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات وأن يحوي بمحاميد القرآن ونحو ما فيه من الدعاء ففي ذلك الفضل العظيم.
ويجتهد في الدعاء لا من الآخرة ويؤمر أن لا يدعو بشيء من أمر الدنيا حتى يسلم، ولو فعل لم تفسد ذلك صلاته.
مسألة: ويوجد في الأثر: وأمَّا المصلي الذي يكرر التحيات في صلاته فيقول التحيات؟ فمعي: أنَّه كان على العمد لغير عذر له؟ أنَّه قيل: عليه الإعادة. وقيل: قد أساء ولا إعادة عليه.
ومن غيره: وقد عرفت أن من أتمَّ التحيات في القعدة الأولى إلى قوله ولو كره المشركون ناسياً أنَّه يخالف في فساد صلاته، وكذلك على الجهل.
وأمَّا التَّعمد بعد العلم فأخاف أن يلحقه معنى الفساد على معنى الاتفاق، (1/165)
صفحة 166
فإن أعادها وظنَّ أنَّ ذلك جائز له لم يفسد عليه صلاته.
مسألة: ومن كتاب الضياء:
ومن كان يصلي فريضة فلمَّا بلغ إلى محمداً عبده ورسوله ونسي فدعا بشيء من أمر الدنيا في الجلسة الأولى؟ قال بعض: يبتدئ الصلاة.
قال أبو الحواري: تتم صلاته ولا يضره دعاءه إذا كان ناسياً.
مسألة: عن أبي الحواري: وعمَّن يصلي فبعد أن يقرأ التحيات الأولى وتشهد وظنَّ أنَّه في التحيات المؤخرة ذكر فأعاد التحيات مرة ثانية وهو مستيقن عليها؟ فعلى ما وصفت: فإذا كان هذا جاهلاً فصلاته تامَّة، وإن كان عالماً أنَّ ذلك لا يجوز له ففعل ذلك وهو في التحيات الأولى فسدت صلاته وعليه البدل.
مسألة: ومن كتاب المصنف: وأمَّا إذا سها في التحيات الأولى ناسياً ودعا ثم علم أنَّها التحيات الأولى فعاد وقال وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله؟ (1/166)
صفحة 167
فمعي: أنَّه إذا تعمَّد لتكرير ذلك وترديده لغير سبب ولا عذر فقد قيل في مثل هذا تفسد صلاته، وإن كان لمعنى يثبت الكلمة أو لمعنى من المعنى التي يكون له فيها العذر فصلاته تامَّة ويبني عليها.
مسألة: ومنه: وإن أتمَّ التحيات الأولى إلى قوله ولو كره المشركون ناسياً؟ فمعي: أنَّه يختلف في فساد صلاته.
وكذلك على الجهل وأمَّا على العمد بعد العلم فأخاف أن يلحقه معنى الفساد على معنى الاتفاق.
ومن غيره: معروض على أبي الحواري رحمه الله وعمَّن يصلي الفريضة فلمَّا بلغ إلى محمد عبده ورسوله من التحيات في الجلسة الأولى نسيء حتى دعا بشيء من أمور الدنيا فلم يتمَّ ثم يعود فيبتدئ الصلاة ثانية.
قال أبو الحواري: تتم صلاته وصلاته تامَّة، ولا يضره دعاؤه ذلك إذا كان ناسياً.
وقد اختلفوا أيضاً في التحيات؟ فقال بعضهم: فرض. وقال آخرون: سنة. (1/167)
صفحة 168
فالتحيات إن لم تكن فريضة فهي واجبة، وللتارك لها متعمداً تفسد صلاته، وإن نسيها كلَّها فسدت صلاته.
انقضى الذي من كتاب المصنف. ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
وقال من قال: من الفقهاء إذا بلغ إلى السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ثم أحدث حدثاً فقد تمت صلاته. وقال من قال: إذا قعد بقدر ما يقول التحيات ولو لم يقل منها شيئًا فقد تمت صلاته، فإن لم يحدث له شيء لعلَّه أراد ولو لم يحدث شيء، لأنَّ التحيات سنة وليس هي فريضة.
مسألة: وسئل عن الذي يردد التحيات على العمد، هل تفسد صلاته؟ قال معي: أنَّه قيل تفسد.
قلت له: فالجاهل كذلك؟ قال: عندي أنَّه يختلف فيه.
قلت: وكذلك سمع الله لمن حمده هي بمنزلة التحيات؟ (1/168)
صفحة 169
قال: هكذا عندي.
قلت له: وكذلك الحمد والاستعاذة والتكبير في الصلاة؟ قال: هكذا عندي.
قلت له: فقرأه الفصل تجوز لكلام في الصلاة مرتين أو ثلاثاً لا يفسد ذلك؟ قال: هكذا عندي.
قلت له: فإذا أراد التثبيت لم يفسد عليه؟ قال: هكذا عندي.
مسألة: وسألته عن التشهد بعد التحيات كيف يعجبك أن يتشهد المصلي؟ وكيف تشهد أنت في صلاتك؟ قال: يعجبني أن يتشهد المصلي بأحسن ما يمكنه من التشهد وأفضله يجزيه إلى محمد عبده ورسوله.
وبعد ذلك كله يختلف فيه المتوسلون وربَّما فتح الله لي من التشهُّد بقوله: {أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}. (1/169)
صفحة 170
وأشهد: أن قول الله في جميع الأمور حق، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور، وإن الله يحي ويمت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. (1/170)
صفحة 171
فصل
في التسليم في الصلاة
من كتاب ابن جعفر: وعن النبي (ص): أنَّه قال: «مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم يعني إذا كبَّر فقد دخل في الصلاة». والتَّسليم: هو أذن للنَّاس بالانصراف يعني قد انصرفت.
وفي حديث أيضاً قال: أرأيت رسول الله (ص): ينتقل عن يمينه وعن شماله، ورأيته يصلي حافياً منتعلاً، ورأيته يصوم في السفر ويفطر، ورأيته يشرب قائماً وقاعداً.
وقيل: كان النبي (ص): في الصلاة عن يمينه فتحول النَّاس عن يمينه لذلك فسلم عن يمينه وشماله.
وإن قال المسلم: السلام عليكم سواء فلا بأس. وقيل: كان حمام يسلم مرتين.
مسألة: وسئل عن الذي سلَّم من صلاته ما تكون نيته؟ (1/171)
صفحة 172
والمسلم على من يسلم؟ قال معي: أنَّه يعقد النية في السلام على ملائكة الله وعلى المؤمنين.
قلت له: فالنية تجزيه في أول ما يعتقد الصلاة لم عليه أن يحضر النية كلَّما أراد أن يسلم من صلاته؟ قال معي: معي أنَّه إذا كان له نية فيما مضى ثم نسي وقت تسليمه ذلك أن يحضر النية أجزأه ذلك.
مسألة: عن أبي الحواري: وعن رجل تسلَّم إذا قضى صلاته تسليمتين، هل يجوز له ذلك؟ فأمَّا التَّسليم مرتين فليس ذلك من فعل المسملين، فمن فعل ذلك لم يبلغ به ذلك إلى مكروه ولا إلى فساد صلاته.
من كتاب الأشراف:
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا في التَّسليم في أمر الصلاة أنَّه واحدة يصفح بها عن يمينه وشماله في أكثر معاني قولهم.
وقد روي عن بعضهم: أنَّه كان يسلم عن يمينه.
وقد روي عن بعضهم: أنَّه لم يكن يصفح يميناً ولا شمالاً وسلَّم وهو على هيئته مستقبل القبلة بوجهه. (1/172)
صفحة 173
ولا أعلم فيما جاء عنهم ثبوت التَّسليم بل في معاني قولهم أنَّه كان (ص): عن يمينه وشماله فاعتدل النَّاس يميناً وشمالاً، ولا نعلم إلا أنَّها تسليمة واحدة وليس في زيادة التَّسليم عنت بل هو فضيلة ما لم يرد مخالفة السنة وما عليه المسلمون.
ومن كتاب المصنف: والتَّسليم سنة. وقيل: يستحب وليس بلازم.
واختلف فيه أيضاً إن تركه: فقول يفسد؛ لأنَّه منها. وقول: أنَّ ذلك يقع موقع إجلال الصلاة وأذن، ولا يفسد تركه كإحلال المحرم.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: اختلف أصحابنا في المصلي يخرج بغير تسليم؟ فقال بعضهم: ليس له الخروج من الصلاة إلا بعد التَّسليم وقراءة التحيات، (1/173)
صفحة 174
فإن قصَّر عن ذلك كانت عليه الإعادة.
والحجة لمن ذهب إلى هذا الرأي قول النبي (ص): «تحريمها التكبير وتحليلها التَّسليم». وقال بعضهم: إنَّ الدخول فيها لا يصحُّ إلاَّ بالتَّكبير، والخروج قد يصحُّ بالتَّسليم وغير التَّسليم؛ لأنَّ الإحرام عليه الاتفاق.
والخروج من الصلاة فيه الاختلاف.
والحجَّة لأصحاب هذا القول أنَّ الخروج ثم يكون معلقاً بالتَّسليم دون غيره.
وقد يكون الخروج كنحوه بالتَّسليم وبغيره.
مسألة: من كتاب المصنف: إذا أطال الإمام التشهد وللمأموم حاجة؟ قال الربيع: إذا قضى تشهده فليسلم ويذهب ولا ينتظر الإمام.
مسألة: ومنه: قال هاشم من نسي التَّسليم وقام ثم ذكر سلَّم وهو قائم؟ (1/174)
صفحة 175
قال أبو الوليد: إن كان لم يتكلَّم فليسلم إذا ذكر، وإن تكلَّم فلا سلام عليه، ورأى ذلك أبو عبد الله.
ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
قال أبو سعيد: أنَّه يكون التَّسليم للمسلم من الصلاة إحلالاً منها.
وسمعنا أن يكون تسليم المسلم من الصلاة يقصد بذلك إلى موافقة السنة بالتَّسليم من الصلاة بالخروج منها.
ويقصد بذلك إلى التَّسليم على الملائكة عن يمينه وعن شماله وعلى المؤمنين والمسلمين عامَّة فيكون في ذلك اعتقاده ويجب أن تكون تلك نيَّته إن ذكر في الوقت وإلا فهو على نيَّته. (1/175)
صفحة 176
باب
في سجدتي الوهم وفيما يقول في آخر الصلاة وما يقال في السجود بعد الصلاة وما يقول من عطس في الصلاة وما يجوز من القول لمن عناه شيء في الصلاة.
من كتاب الأشراف:
قال أبو بكر: ثبت أنَّ رسول الله (ص): في سجدتي الوهم وقد اختلف فيه: قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا، ويخرج في بعض قولهم أنَّ لها التَّسليم بلا تشهد.
وفي بعض قولهم: إنَّ له التَّشهد والتَّسليم. وفي بعض قولهم: أنَّه لا تشهد لهما ولا تسليم. وفي بعض قولهم: أنَّه يسلم فيهما على النبي (ص): ولا تسليم الصلاة.
وكذلك هذا يخرج عندي في معاني قولهم أنَّه جائز؛ لأنَّ معاني قولهم يخرج أنَّهما يسجدان بعد التَّسليم من الصلاة فإنَّهما أضافه إلى الصلاة بعد تمامها لقول النبي (ص) وإحلالها التَّسليم، فإذا سلَّم المصلي فقد خرج من صلاته، (1/176)
صفحة 177
ولا تسليم ثابت بعد الاحلال.
واختلفوا في المصلي يسهو مراراً: فقال أهل العلم يجزيه لجميع سهوه سجدتان.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا أنَّ لكل صلاة سجود سهو واحد ولو أكثر سهوه.
وفي بعض قولهم: إنَّ لكل سهو سجدتين ولو كثر ذلك السهو في الصلاة.
ولا أعلم في قولهم أنَّ سجود السهو يكون قبل التَّسليم بمعاني النَّص، وإن خرج في معاني التَّأويل فلا يبعد ذلك، وإن ثبت عن النبي (ص): أنَّه يسلم في سجدتي السهو مع قولهم أنَّ إحلالها التَّسليم خرج بعد التَّسليم بعد سجدتي السهو، وإنَّ تمام الصلاة إنَّما هو بعد تمام السجدتين.
وهذا كلُّه عندي قريب المعاني في الاختلاف والاتفاق ما لم يرد ذلك خلافاً للمسلمين أو في معنى لا يسع في الإرادة.
قال أبو بكر: كان الحسن البصري وابن سيرين يقولان: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يبنى ولم يسجد سجدتي السهو. (1/177)
صفحة 178
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّ سجودهما بعد التَّسليم، وإن نسي أن يسجدها على إثر ذلك تلك الصلاة التي وهم فيها فعله أن يسجدهما في أثر صلاة أخرى إن كانت فريضة فريضة، وإن كانت نافلة نافلة.
ويخرج عندي في معاني قولهم: أنَّه إذا قام من مجلسه لصلاته وخرج إلى حال غير معنى الصلاة أنَّه لا سجود بعد ذلك لهما.
ويعجبني: أن يكون ما دام في مجلسه ولو أدبر بالقبلة أو تكلَّم بشيء من الكلام أنَّ له يسجدهما الثبوت معناهما علم أنَّهما خارجان من الصلاة وأنَّهما على أثر الصلاة.
معي: أنَّ في بعض قولهم أنَّه لابأس أن يسجدهما على أثر ما كان من الصلاة فريضة كانت أو نافلة كان سهوه في فريضة أو نافلة.
وفي بعض قولهم: أنَّه يسجد للنافلة خلف النافلة والفريضة، ولا يسجد لوهمه في الفريضة خلف النافلة.
وإذا ثبت معاني هذا كلِّه لم يبعد عندي أن يسجد لبعض معاني ما قالوا ممَّا حكى ما دام في المسجد أو من بعد إذا كان في حال يجوز له السجود من الطَّهارة، ولا أعلم في تركهما إذا وجبتا ترخيصاً.
ومعي: أنَّه قيل في تاركها أنَّه خسيس الحال إن تركها على العمد، (1/178)
صفحة 179
لغير عذر؛ لأنَّه سبباً سلباً في معاني ما قلنا عن النبي (ص) أمراً وفعلاً.
أكثر ما نحفظ عنه من أهل العلم يقولون ليس على من سها خلف الإمام سهو.
قال أبو محمد بن سعيد: معي: أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّ للسهو على من سها في صلاته من إمام أو مأموم، ولا سهو على المأموم بسهو الإمام، ولا يزول عن المأموم سهوه لموضع الإمام.
ومنه قال أبو بكر: روينا عن ابن عباس أنَّه قال: إذا وهمت في التطوُّع فاسجد سجدتين.
قال أبو سعيد: معي أنَّه قد مضى القول بمعنى هذا، وإذا ثبت معناه وهو في النفل تطوع وإذا ثبت معناه وهو في الفرض ألزم منه في التطوع.
فإذا ثبت معناه في الفرض فمثله في التطوع من إتمامه إذا دخل فيه التطوع، وقد كان مخيراً ما لم يدخل فيه أولاً أن يدخل أو لا يدخل، فإذا دخل فيه ثبت عليه إتمامه بجميع معانيه حتى تتم.
مسألة: من جامع أبي محمد: وسجود السهو بعد التَّسليم. (1/179)
صفحة 180
ومن الكتاب: وسجدتا السهو واجبتان على من سها بالسنة المنقولة عن النبي (ص) أنَّه فعل ذلك.
واختلف النَّاس في حكمها من الصلاة: فقال قوم: هما جبر ما لحق في الصلاة من ثلم. وقال قوم: هما ترغيم للشيطان لعنه الله.
قال محمد بن مدَّاد بن محمد:
ي ركعة السهو رضا الرحمن
وإنَّ فيها وهنة الشيطان
إذ سجدت ملائكة الرحمن
لآدم في طاعة الديَّان
وإذ عصى إبليس عن إتيان
طاعة رب ملك ديان
محتقر الفطرة الإنسان
من طينة غفراء لامتهان
فحطَّه الله على العصيان
إلى الجحيم والعذاب الآني
فكلَّما سجدت للرحمن
ذكرت ذا الحرمان بالعصيان (1/180)
صفحة 181
فهو يذوب دونه القطران
عليه لعن الله من فتَّان
من جامع محمد بن جعفر: وفي بعض آثار المسلمين: أنَّ المصلي إذا نسي عند قراءة السجدة أن يسجد ومضى في صلاته حتى ذكر من بعد وهو في الصلاته؟ أنَّه يسجد حيث ذكر، ويسجد سجدتي السهو إذا سلم فتنظر في ذلك.
قال غيره: وقد قيل: إذا جاوزها ناسياً ثم ذكر لم يسجد حتى يتمَّ.
مسألة: أخبرنا الفيض نسخة الفياض عن هاشم الخراساني عن الربيع أنَّه قال: إذا سها الرجل في صلاته ثم انصرف عنها ونسي أن يسجد سجدتي الوهم؟ فليس عليه بعد ذلك سجود.
قال الفيض: وقال سليمان بن عثمان: إذا سها الرجل في الفريضة فنسي أن يسجد انتظر حتى يسجد على أثر فريضة أخرى، وإن كانت نافلة فعلى أثر النافلة ولو بعد شهرين. وروي ذلك عن أبي مهاجر.
قال أبو سعيد: القول بالآخر أنَّه يسجد متى ذكر أحب إلينا لأنَّه متعلق عليه السجود في السنة من بعد الصلاة. (1/181)
صفحة 182
مسألة: وسألته عن سجدتي الوهم فيما يجب أن يسجد من الوهم؟ قال: قد قيل: أنَّه فيمن كان عليه القيام فقعد أو القعود فقام أو الركوع فسجد أو السجود فركع وأشباه هذا ومثله ممَّا معي: أنَّه مجتمع عليه أن يؤتى به في سجدتي الوهم.
قلت: فإن كان في التحيات الأولى فقرأ إلى عبده ورسوله وسها أن يقوم إلى القراءة فأخذ في الدعاء ثم ذكر فقام إلى القراءة، هل عليه سجدتا الوهم؟ قال: قد قيل ذلك.
قلت: وكذلك إن زاد تكبيرة توهماً أنَّه لم يكبرها، أعليه أن يسجد للوهم؟ قال: لا أعلم ذلك إذا شكَّ أنَّه لم يكن يكبر وكبَّر، لأنَّه في حد التَّكبير، وإن سجد الوهم فحسنٌ.
وعندي: أنَّه ممَّا يخرج فيه الاختلاف في سجدتي الوهم، وقال من قال: عليه أن يسجد للوهم لكل وهم دخل عليه في صلاته بزيادة أو نقصان.
ومن الكتاب: وكذلك كل من نسي فقال بشيء ممَّا يقال به في حد آخر من حدود الصلاة، (1/182)
صفحة 183
فقال به في الحدِّ الآخر أو كان عليه القعود فقام أو القيام فقعد أو الركوع فسجد أو نسي فسلَّم قبل تمام الصلاة؟ ففي هذا كلِّه يرجع إلى حدث ويقوم ويقول بما يؤمر به، فإذا سلَّم سجد سجدتي الوهم، ويسبح فيهما بما يسبح في سجوده للصلاة.
مسألة: وقال أبو المؤثر: وقد قال: بعض أهل الرأي إذا نسي سجدتي الوهم حتى ينصرف فليس عليه سجود.
قال المضيف: وهو عندي قول الربيع. وقولنا: أن يسجد على ما وصفنا.
وإذا كانت صلاة إيماء أومأ بسجود الوهم كما يومئ في الصلاة.
مسألة: وسألته عمَّن سها وهو خلف الإمام عن قراءة الإمام حتى لم يعرف ماقرأ الإمام من السورة ولا فهم منها شيئًا؟ قال: عليه البدل.
ووجدت في الأثر عن موسى بن علي رحمه الله: أنَّه قال تتم الصَّلاة ويسجد للسهو سجدتين. (1/183)
صفحة 184
وكذلك يوجد عن غيره.
ومن غيره: وسألت عمَّن سها وهو خلف الإمام عن قراءة الإمام حتى لم يعرف ما قرأ الإمام من السورة ولا فهم منها شيئًا؟ قال: عليه البدل.
قلت: فإن سمع مقدار آية يجزيه؟ قال: نعم.
ومن غيره: قال وليس على من سجد سجدتي الوهم تسليم، إلا أنَّه قد يستحبُّ بعضهم أن يقول الحمد لله والسلام على رسول الله (ص) ولا يصفح بتسليم الصلاة.
ومن غيره: وسألته عمَّن سها في صلاته سهوين؟ قال: عليه بسهوات.
مسألة: والوهم على من صلَّى فريضة أو تطوعاً أو كانت صلاته سنة من عيد أو غير ذلك أو صلاة خوف أو صلاة راكب أو ماش أو عريان أو قاعد كل ذلك عليه الوهم، إلا من صلَّى بتكبير أو صلَّى على جنازة فليس عليه وهم.
وإن سها حتى قام ثم ذكر قبل أن يحرم لصلاة غيرها أو تكلَّم بكلام غير ذكر الله أو الدعاء أو أدبر القبلة؟ (1/184)
صفحة 185
يرجع فيقعد ثم يسجدها.
فإن أحرم لغيرهما أو تكلَّم أو أدبر القبلة، فإنَّه يحفظ ذلك، فإذا صلَّى صلاة أخرى سجدهما، فإن نسيهما فمتى ذكرهما على إثر صلاة وسجدهما فلا بأس.
مسألة: وقال محمد بن أحمد: روى لي من لا أتَّهمه عن عبد الله بن محمد ابن بركة أنَّه قال: إنَّما الوهم الذي يجب فيه السجود في سبعة مواضع:
لعلَّه من كان عليه القيام فقعد، أو القعود فقام، أو الركوع فسجد، أو السجود فركع، أو قرأ التحيات في القيام، أو القراءة في موضع التحيات، أو نسي فسلم. ففي هذا يلزمه سجدتا الوهم.
قال أبو سعيد رحمه الله: إنَّ المصلي إذا جهر في صلاته في موضع السر في الصلاة أو السر في موضع الجهر بما يكون به مخالفة السنة في صلاته لحقه معي وجوب السهو لعلَّه أراد الوهم بذلك. (1/185)
صفحة 186
وكذلك كل ما أتى المصلي على النسيان من جميع الأمور في صلاته، أمَّا إذا أتاه على التَّعمد فسدت صلاته، ولا تفسد في الخطأ ولا في النسيان.
فقال: ذلك على الخطأ والنسيان فمعي أنَّه قيل عليه سجدتان الوهم في هذا الموضع. وأمَّا مثل التوجيه والدعاء في الصلاة والذكر الذي ليس هو مطلق بالإتِّفاق في الصلاة، فإذا سها المصلي حتى قاله في موضع صلاته؟ فمعي: أنَّه في بعض القول تفسد صلاته.
وفي بعض القول: أنَّها لا تفسد بذلك وعليه السهو. لعلَّه أراد الوهم.
وأمَّا ما قاله المصلي ممَّا هو خارج من معاني أمر الصلاة، أو فعله من الأفعال والمقال الذي هو خارج في أسباب الدنيا وأعمالها؟ فهذا المعنى عندي أنَّه يفسد الصلاة على الخطأ والنسيان والعمد.
وأمَّا من كبَّر في موضع التسبيح والركوع والسجود؟ فهذا وأشباهه من معاني الصلاة إذا قال المصلي على التعمُّد خيف عليه فساد صلاته بالا تفاق. (1/186)
صفحة 187
وإن قال خطأ أو نسياناً؟ فمعي: أنَّه يختلف في لزوم السهولة في ذلك. فقال من قال: عليه السهو. وقال من قال: إن قرأ في موضع الركعتين الأوليتين من صلاة النهار لم يكن عليه سهو.
وإن كان في الآخرتين أو في الآخرتين من العشاء الآخرة أو في الآخرة من المغرب؟ فكلُّ هذا لا سهو عليه فيه. وقال من قال: يلزمه السهو له في جميعه. وقال من قال: عليه السهو في جميعه.
مسألة: وعن رجل عليه القعود في صلاته فأراد أن يقوم ثم ذكر؟ قال: ما لم ينهض يخرج فلا توهم عليه.
مسألة: وقيل عن ابن مسعود رحمه الله: أنَّ رسول الله (ص): سها في صلاته فصلى بهم خمساً، فقيل: يا رسول الله: صلى الله عليك وسلَّم، هل حدث لك في الصلاة من شيء؟ (1/187)
صفحة 188
قال: ولما ذلك؟.
قالوا: إنَّك صليت بنا خمساً. قال: فسجد سجدتين حيث سلَّم، ثم قال: «إني بشر ومن سها في صلاته فليصنع هكذا.»
مسألة: من كتاب أبي قحطان: ومن جميع الصلوات فوهم في الأولى منهما فلا يسجد سجدتي الوهم حتى يقض الصلاة الثانية.
مسألة: وحفظت في الذي يجمع بين الصلاتين عن أبي سعيد: أنَّه إذا وهم في الأولى أنَّه يسجد سجدتي الوهم إذا سلَّم من الأولى.
قال أبو الحسن بن أحمد رحمه الله: وقد قيل: إذا أتمَّ الصلاة والله أعلم.
مسألة: وأمَّا من يصلي بالإيماء إن نوى القيام في موضع القعود أو القعود في موضع القيام فليوهم بالإيماء. ومن وهم في وهمه فلا وهم عليه. (1/188)
صفحة 189
وقيل: عليه الوهم.
مسألة: ومن الكتاب: في رجل أحرم للصلاة الفريضة ثم سها فمضى في قراءة سورة وظنَّ أنَّه في نافلة حتى صلَّى ما صلَّى من صلاته؟ قال أبو عبد الله: إن مضى في سهوه ذلك حتى قضى التحيات الآخرة خفت عليه النقض.
وقيل له: ولم يسلم؟ قال: نعم.
فإن هو ذكر فائتة من قبل ذلك ورجع إلى ذكر الفريضة أنَّه فيها فلا بأس عليه إن شاء الله.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: إذ أتمَّ صلاته فلا نقض عليه، لأنَّه دخل في الصلاة على أنَّها فريضة.
وأنا أخاف عليه النقض إذا مضى في صلاته على أنَّه نافلة إلا أن يذكر ذلك وهو بعد في القراءة ويرجع إلى ذكر الفريضة وصلاتها.
مسألة: وعن رجل سها في صلاته عن القراءة إلى أن يسجد ثم ذكر ما يصنع؟ (1/189)
صفحة 190
قال: معي أنَّه قد قيل في ذلك باختلاف: فبعض القول: إذا ترك ذلك وصار في غيره ثم ذكر أنَّه يبتدئ صلاته. وبعض يقول: حتى يصير في حد ثالث فما لم يصر فيه، فإنَّه يرجع إلى ما تركه ولا ينتقض صلاته. وبعض يقول: ما لم يصل ركعة تامة، فإنَّه يرجع إلى ما ترك ولا يعيد. وبعض يقول: ما لم تتم صلاته، فإنَّه يرجع إلى ما تركه ولا ينقض صلاته.
قلت له: فإن رجع إلى ما ذكره على أحد الأقاويل وقد عمل شيئًا من ذلك ففعل ما كان عليه؟ ما يصنع يستأنف ما كان عليه، أو يرجع إلى ما تركه ويتمُّ له ذلك؟ قال معي: أنَّه قد قيل في ذلك باختلاف: فالذي لا يفسد ذلك ويتممه له يقول أنَّه يرجع إلى ما تركه ويبني على صلاته وينفعه ذلك. والذي يقول أنَّه يبتدئ لا يتمُّ له ذلك على معنى قوله. (1/190)
صفحة 191
فصل
فيما يقال في آخر الصلوات
من قال في دبر كل صلاة المغرب قبل أن ينصرف ثلاث مرات بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم دفع عنه تسعة وتسعين نوعاً من أنواع البلاء منها الخبوثة والجذام والبرص.
قلت: ثلاث مرات؟ قال: هكذا الحديث وأنا أقولها مائة مرة.
مسألة: بلغنا أنَّ الله عزَّ وجل أوحى إلى موسى بن عمران صلَّى الله عليه أنَّه قال: من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة نسخة كل الصلاة المكتوبة أعطاه الله: قلوب الشاكرين. ثواب النبيين. وأعمال الصديقين.
وبسط عليه يمينه بالرحمة ولا يحجبه من الجنة شيء إلا ملك الموت يأتيه ينزل به فيقبض روحه فيدخل الجنة.
وجدت في بعض الكتب: أنَّ من قال في كل يوم بعد صلاة العتمة سنة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة، (1/191)
صفحة 192
أو يرى له سبحان الدائم القائم على كل نفس بما كسبت سبحان الحي الذي لا يموت سبحان الحي القيوم سبحان الله وبحمده. سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح سبحان ربي الأعلى سبحانه وتعالى.
وقيل: سيد الا ستغفار أن يقول العبد في سجوده: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وعلى عهدك ووعدك ما استطعت أبوء بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر لي إنَّه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
من قالها: صباحاً فمات قبل أن يمسي غفر له ودخل الجنة. ومن قالها: حتى يمسي فمات قبل أن يصبح غفر له ودخل الجنة.
مسألة: من كتاب ابن جعفر: وقيل: كان النبي (ص): إذا صلَّى مسح بيده اليمنى جبهته وقال: «اللهم عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أسألك أن تذهب عني الهم والغم والحزن والفتن ما ظهر منها وما بطن.» وإذا انصرف قال: «اللهم بنعمتك أنصرفت وبذنبي اعترفت وأعوذ بك من سوء ما افترقت».
ومن غيره: وإن قال أستغفرك منه أعجبني ذلك لتثبيت له التوبة منه. (1/192)
صفحة 193
من كتاب قواعد الإسلام: قال الله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} يعني من الصلاة. فانصب يعني في الدعاء.
وفي الحديث لكل شيء ثمرة وثمرة الصلاة للدعاء بعدها، وإذا أراد المصلي أن يدعو فليقدم بين يدي دعائه التنويه والصلاة على النبي (ص). وقيل: إنَّها فريضة في كل صلاة. وقال أصحابنا: هي فرض واحدة مع الذكر له (ص).
وقد جاءه في الرواية أنَّه من صلى صلاة الغداة ثم جلس يذكر الله حتى تشرق الشمس كان أشرف من حطم السيوف في سبيل الله.
ومن صلَّى صلاة الغداة ثم جلس يذكر الله حتى تشرق الشمس ثم صلَّى ركعتين كان أفضل من إعطاء الجياد في سبيل الله.
ولو أنَّ رجلين صليا صلاة الغداة ثم جلس أحدهما يعطي المال بلكتا كفيه إلى أن تشرق الشمس ثم يصلي ركعتين وأحدهما جلس يذكر الله إلى أن تشرق الشمس ثم يصلي ركعتين كان الذي يذكر الله أفضل.
ومن حديث قال النبي: (ص): «من صلى الفجر وثبت مكانه يذكر الله تعالى وكَّل الله به ملكاً من خزان الجنة يكتب له الحسنات ويمحو عنه السيئات ويبني له الدرجات حتى ينصرف». (1/193)
صفحة 194
ومن حديث آخر: «إنَّ الصلاة أفضل من القرآن والقرآن لفضل من الذكر والذكر أفضل من الصدقة والصدقة أفضل من الصيام جنة من النار».
مسألة: من الزيادة المضافة: قال النبي (ص): «لكل شيء صقالة وصقالة القلوب ذكر الله».
ويقال: كل نفس تخرج من الدنيا عطشانة إلا ذاكر الله.
وقال الفضل: الذاكر ناعم سالم ناعم بالذكر سالم من الوزر غانم بالأجر.
وقيل: كان في وصية النبي (ص): لمعاذ بن جبل: «اذكر الله عند كل حجر ومدر وشجر وكل رطب ويابس يشهدون لك يوم القيامة». (1/194)
صفحة 195
فصل
فيما يترك وما لا يترك في الصلاة
وقيل: كان بعض يقول ما قال عبد الصمد لله إلاَّ وجبت لله عليه نعمة لقوله: الحمد لله، وما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول: الحمد لله جاءت نعمة أخرى فلا تنفذ نعم الله.
مسألة: من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ:
وسمعت ثلاثاً من الجفاء: ترك اتباع المؤذِّن، ترك مسح الجبهة من بعد الصلاة، ومسحها في الصلاة.
قال محمد بن مدَّاد: ثلاث من فعل الجفاء: مسح الوجه أول الصلاة، وترك القول لاتباع المنادي إذا نادى على الصلاة، وترك المسحد آخر مايلي.
مسألة: قال: يستحب الدعاء في صلاة الفجر والعصر، وأمَّا غير ذلك من الصلوات فيسلم ويقوم. (1/195)
صفحة 196
فصل
فيمن يستغفر المؤمنين والمؤمنات
وقيل: من استغفر للمؤمنين والمؤمنات دخل استغفاره على آدم في قبره وعلى إدريس ونوح وإبراهيم وموسى وهارون وسليمان وعيسى وجميع النبيين والمرسلين وسائر المؤمنين ممَّن اتَّبعهم من بدء الدنيا إلى يوم القيامة الأحياء منهم والأموات، فإذا كان يوم القيامة أعطاه الله بكل واحد منهم حسنة مضاعفة وزاده ثوابه.
وعن النبي (ص): من دعا للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أعطى بكل واحد من الأجر أصنافاً.
وقال (ص): «أيُّما عبد دعا للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات كل يوم أربعين مرة حرمه الله على النَّار وأعطاه بعدد الأحياء منهم والأموات حسنات ودرجات». (1/196)
صفحة 197
فصل
فيما يقال في السجود بعد الصلاة
تقول وأنت ساجد في الصلاة اللهم ارحم ذلي بين يديك وتضرعي إليك ووحشتي من النَّاس وأنسى إليك يا كريم.
وكان أبو جعفر يقول وهو ساجد: يا كائن قبل كل شيء ويا كائن بعد كل شيء لا تفضحني فأنت بي عالم ولا تعذبني فأنت على قادر.
اللهم إني أعوذ بك من العزلة عند الموت ومن سوء المرجع إلى ما في القبور ومن الندامة يوم القيامة.
وفي سجدة أخرى اللهم لا إله إلا أنت سبحانك ونحمدك عملت سواءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنَّه لا يغفر الذنوب إلا أنت سبحانك وبحمدك.
وفي مؤخرة سجدة أخرى أستغفرك من سوء ما اقترفت ولا حول ولا قوة إلا بك يا رحيم أستغفرك وأتوب إليك فاغفر لي أنَّك أنت الغفور الرحيم سبحانك لا إله إلا أنت إن لم تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين. (1/197)
صفحة 198
فصل
ما يقول من عطس في الصلاة وما يجوز من القول لمن عناه شيء من الصلاة
وسألته عمَّن جهر بالحمد في الصلاة بعد أن عطس متعمداً، ما تقول في صلاته تامة أم لا؟ قال: فإذا جهر متعمداً فقد قيل: إنَّ صلاته فاسدة. وقيل: تامة. وأحبُّ إلي على الجهل والنسيان أن تتم. وعلى العمد وخلاف المسلمين أن يعيد.
ومن غيره: قلت: فكيف يحمد الله العاطس إذا عطس وهو في الصلاة؟ قال: قالوا يحمد الله في نفسه يقول الحمد لله لا شريك له.
قلت: فإن حمد الله بذلك فجهر؟ قال: كره له أن يجهر، ولا أتقدَّم على نقض صلاته.
مسألة: وعن رجل يصلي فجشأ آخر فحمد الله هو.، (1/198)
صفحة 199
هل تتم صلاته؟ قد قيل: باختلاف. وأحب أن تتم صلاته على النسيان، ويعيد لعلَّه أراد في الجهل وعلى العمد.
مسألة: وقال أبو عبد الله رحمة الله: في الرجل يكون في الصلاة فيعطس؟ قال: يقول الحمد لله، فإن رجع عطس فيقول الحمد لله ولا يجهر بها.
وعن الرجل إذا عطس فقال بينه وبين نفسه وحرك بها شفتيه، هل تنتقض صلاته؟ قال: عندي أنَّه يختلف فيه.
قيل له: فإن جهر بقول الحمد لله لما عطس على أثر العطاس، هل تنتقض صلاته؟ قال: معي أنَّه قال ذلك بلسانه بينه وبين نفسه كلَّما يقرأ في صلاته ويكبر إذا كان وحده فسمعه من خلفه أو من كان قربه ولم يخرج ذلك جهراً على وجه الجهر؟ فعندي: أنَّ هذا هو ممَّا يختلف فيه، وإن كان جهر بذلك على وجه الجهر الذي يخرج جهراً من غير (1/199)
صفحة 200
عذر. فعندي أنَّه أتى بما لا يجوز له أن يأتيه في الصلاة على معنى قوله.
مسألة: وزعم مسبح بن عبيد الله: أنَّ محمداً بن زيد صلى بالنَّاس في العسكر فقرأ حتى فرغ من السورة. ثم قال: صدق الله. فسئل عن ذلك بشير. فقال: صلاتهم منتقضة ولم ير ذلك مسعدة.
مسألة: ويوجد في قول المصلي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ونحو هذا.
فقد قيل: لا فساد عليه في صلاته في العمد ولا في الخطأ. وقيل: تفسد صلاته في العمد ولا تفسد بالخطأ في هذا.
مسألة: ومن جشأ في صلاته فحمد الله بلسانه، هل تفسد صلاته؟ معي: أنَّه قد قيل: تفسد صلاته. (1/200)
صفحة 201
وقيل: لا تفسد.
مسألة: وسألته عن رجل كان إماماً في صلاة فيها قرأ سورة فلمَّا كان بعض السورة تعابا في قراءته وتردد فاستعاذ وجهر بالإستعاذة، هل تفسد صلاته وصلاتهم أم لا؟
مسألة: ومن كتاب ابن جعفر: والرجل يقول في صلاته سبحان الله عند المعنى الذي يعرض له، وإن قال غير ذلك فسدت صلاته.
قال غيره: وقد قيل: إن جهر بما هو فيه من الصلاة لما يعرض له كان ذلك وهو مخير بين التسبيح والجهر.
قال محمد بن مسبح: يقول سبحان الله أو سبحان الله وبحمده. أنَّه هكذا جاء الأثر.
مسألة: ومن عطس في الصلاة حمد الله في نفسه بقول الحمد لله أو الحمد لله لا شريك له، فإن جهر بالحمد فإنَّ ذلك يكره له ولا يبلغ به ذلك إلى فساد صلاته، (1/201)
صفحة 202
وإن جهر بغير الحمد لله لا شريك له أو زاد عليها.
فعن أبي عبد الله قال: أخاف أن تفسد عليه صلاته إذا قال بغير ما يؤمر به، وإن تكلَّم بكلمة من صلاته بعد أن عطس ثم حمد الله من بعد. فقال: إنَّ صلاته تنتقض حتى يحمد الله على أثر العطاس.
وقد حفظت عن بعض أهل العلم أنَّ الذي يعطس في الصلاة يتكلَّم بلسانه بالحمد ولا يجهر. ذلك بسم الله الرحمن الرحيم. (1/202)
صفحة 203
باب
في الشك في الصلاة وفي الزيادة في الصلاة والنسيان وفي الذي شكَّ أنَّه في الركعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة ومعاني ذلك.
من كتاب الأشراف: واختلفوا في المصلي يشك في صلاته. فقالت طائفة: يبني على اليقين ويسجد للسهو. وقالت طائفة: إذا لم يدرك أعاد حتى يحفظ.
وروى عن طائفة كانوا إذا شكوا في الصلاة أعادوا ثلاث مرات.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّه إذا شكَّ المصلي في شيء من أمر صلاته أنَّه لم يحطه، فإن كان شكَّه وهو في حد من الحدود التي هو فيها من الصلاة ولم يجاوز إلى غيره من الحدود؟ فيخرج في معاني قولهم أنَّ عليه أن يأتي به حتى يستيقن أنَّه قد عمله ولو شكَّ عمله أم لم يعمله.
فإذا جاوزه إلى حد غيره من الحدود ثم شكَّ في الذي جاوزه فقد يخرج في معاني قولهم أنَّه يرجع إلى أحكامه ما لم يكن بينه وبينه حد ثان وهو في الحد الثالث (1/203)
صفحة 204
فإذا كان هكذا ففي بعض قولهم أنَّه يعيد صلاته.
وفي بعض قولهم: أنَّه إذا جاوزه ثم شكَّ فيه لم يكن عليه رجعة وهذا في الحدود، وإن شكَّ في شيء معا يقال في الحدود.
ولو شكَّ في الحد بعد أن جاوز الحد فأرجو أنَّه على معنى قولهم أنَّه لا رجعة عليه إلى الذي يشك فيه أنَّه لم يقتله في ذلك الحد.
ويبني على صلاته حتى يستيقن أنَّه لم يقله، وأمَّا إذا شكَّ في ركعات الصلاة فذلك يختلف فيه من قولهم ويكثر فيه الاختلاف: فيخرج في معاني قولهم أنَّه لا يهمل شيئًا من ذلك إلا على العلم، وما شكَّ فيه من ذلك إعادة؛ لأنَّ الصلاة لا تؤدي على الشك.
وفي بعض قولهم: إنَّه إذا خرج له القرى في معنى ما يشكَّ فيه على معنى ما يكون زائداً فيه في الصلاة احتاط في صلاته وأتمَّها، وذلك مثل أنَّه يشك في الثانية أو الثالثة من صلاة المغرب أو الوتر ثلاثاً، ويستقين على الواحدة أنَّه صلاها.
فمعي: أنَّه في قولهم في هذا الموضع أنّ َه يقعد للقراءة التحيات إلى محمد عبده ورسوله، ثم يقوم فيأتي ركعة تامة وتحيات، لأنَّه ليس في هذا الموضع في التحري في الصلاة إن كان قد تمت صلاته في الماضي. (1/204)
صفحة 205
وإنَّما وقعت الزيادة بهذه الركعة بعد تمامها، وإن لم يكن تمت كانت هذه متهمة لها في التحري، وما خرج من هذا المخرج وهذا انفصل أشبه في معنى قولهم.
وقد قيل: يعيد على حال في سائر هذا الفصل في شكه في الركعات معاني الاختلاف ممَّا يطول ذكره.
مسألة: ثبت أنَّ رسول الله (ص) قال: «أيُّكم ما شكَّ في صلاته فليتحرَّى أحرى ذلك الصلوات فليبني عليه ويسلم ثم يسجد سجدتي السهو» فقالت طائفة: إذا شكَّ المصلي في صلاته فإنَّه يتحرَّى، والمتحري عليه أن يميل قلبه إلى أحد العددين.
وقال أصحاب الرأي: إذا سها فلم يدر ثلاثاً صلى أم أربعا ً وما سها؟ استقبل الصلاة، فإن لقي غير ذلك مرة تحري الصلاة، فإن كان أكثر رأيه أنَّه أتمَّ مضى على صلاته، وإن كان أكثر رأيه أنَّه صلَّى ثلاثاً ثم الرابعة ثم يسجد سجدتي السهو. وقد جعلت طائفة معنى التحري الرجوع إلى اليقين. (1/205)
صفحة 206
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكى فيما يخرج من معاني اختلافهم في التحري، إلا أنَّه لا يوجد في معنى قولهم التَّصريح بأنَّه يعمل على ما استيقن عليه ويبني عليه من الركعات.
وقد يعجبني هذا القول لما يدخل من تأويل ما يخرج في المعاني قولهم، وإن لم يكن مصرحاً أن يكون يجوز له أن يبني على ما استيقن من الركعات على معنى التَّحري لتمام الصلاة حتى لا يعلم أنَّه ترك منها شيئًا، ولا يضره ما زاد على معنى التَّحري.
وأصل ما يخرج في مذهبهم على أكثر ما عندي من قولهم أنَّه لا يجوز الزيادة في الصلاة، كما لا يجوز فيها النُّقصان فإنَّه مثله، فلهذا ضاق أهل مذهبهم في معاني التحري على اليقين من المصلي لصلاته.
مسألة: ثبت في حديث أنَّ النبي (ص): قام من اثنين الظهر والعصر لم يرجع حتى فرغ من صلاته ثم سجد سجدتي السهو جالساً قبل التسليم. (1/206)
صفحة 207
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا إذا سها عن القعود الأول فقام ولم يقعد، فيخرج في بعض قولهم أنَّه إذا قام ناسياً فسدت صلاته من حينه.
وفي بعض قولهم: أنَّه حتى يدخل في القراءة. وفي بعض قولهم: أنَّه حتى يركع ناسياً ثم تفسد صلاته، فإذا ذكر دون هذا ما لم يرجع على قول من يقول بذلك رجع فقد وسجد ثم قام فبنى على صلاته وسجد للوهم.
وفي أكثر معاني قول أصحابنا أنَّ السجود للوهم بعد التَّسليم من الصلاة.
وقد يخرج في بعض قولهم: أنَّه ما لم يتمَّ ركعة تامة وهو أن يقرأ ويركع ويسجد السجدتين جميعاً فله إذا ذكر قبل أن يتمَّ الركعة أن يرجع يقعد ويتشهد ثم يتمَّ صلاته.
وفي بعض قولهم: أنَّه متى ذكر ما لم يتمَّ صلاته، فإنَّه يرجع يقعد ويقرأ التحيات ويتمُّ صلاته.
ويخرج ذلك عندي ما يفي عليه حد من حدود الصلاة، فإذا أتمَّ الصلاة وخرج منها؟ خرج عندي من معاني الاتفاق منهم، إنَّ صلاته فاسدة؛ لأنَّ القعود معهم حد. (1/207)
صفحة 208
ويخرج في معاني قولهم: أنَّه فريضة ولا يجوز تركه على العمد والنسيان.
ومنه: ثبت أنَّ رسول الله (ص): صلى الظهر خمساً فسجد سجدتي السهو.
وقد اختلفوا في هذا:
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّه إذا زاد ركعة ناسياً أ ومتعمداً في صلاته فصلاته فاسدة.
وفسر ذلك من فسَّر منهم عند معاني الاتفاق من قولهم إلا ما شاء الله ممَّا يخرج في التأويل أنَّه إذا زاد الركعة التَّامة على وسط صلاته على غير فضل منها يستحق تمامها فسدت صلاته، وإن زادها من بعد تمام صلاته؟ فلا تضره الزيادة.
ومن ذلك أنَّه لو زاد الخامسة في الظهر ولم يقعد الرابعة فهذا موضع ما تفسد به صلاته بمعاني الاتفاق إلا ما شاء الله إذا أتمَّها.
ولو أنَّه قعد للرابعة فتشهد ثم قام ناسياً فزاد ركعة أو ركعتين لم تفسد صلاته في معاني هذا القول، إنَّ صلاته قد تمت حين تشهد.
وفي بعض معاني قولهم: أنَّه لو زاد هذه الركعة الخامسة على النسيان ولم يقصد الرابعة فما يخرج منها بالتمام. (1/208)
صفحة 209
فله أن يرجع يقعد ويتشهد ويسجد للوهم ولا شيء عليه.
وفي بعض قولهم: إذا صار إلى الركوع في هذه الركعة الزائدة فسدت صلاته.
ويقتضي عندي في هذه المسألة في هذا الفصل من زيادة الركعة ما يقتضي في المسألة الأولى فيمن نسي حدًّا وجاوزه إلى غيره.
إنَّ هذا ممَّا نسي معهم القعود فسواء كان في الصلاة أو آخرها على معنى النظر على معاني قولهم.
وكذلك ما كان مثل هذا في الثلاث والركعتين إذا زاد الرابعة في الثلاث قبل القعود وبعده، فهو مثل زيادة الخامسة في المعنيين.
وكذلك إذا زاد الثالثة في صلاة الفجر قبل القعود وبعده فالمعنى فيه واحد والاختلاف فيه واحد.
ومنه: اختلف أهل العلم فيمن صلَّى المغرب أربعاً ساهياً. فقالت طائفة: سجد سجدتي السهو. وقال الزهري: هي صلاته. وقال الأوزاعي: يصلي إليه ركعة فتكون ركعتين تطوعاً. وقال أبو سليمان: يعيد الصلاة.
وقال أبو بكر: الجواب في هذه المسألة وفي الذي صلَّى الظهر جميعاً واحدة يجزيه ويسجد للسهو. (1/209)
صفحة 210
قال أبو سعيد: معي أنَّه قد مضى القول في معنى هذا، فإن كانت الزيادة للركعة في الثالثة من غير أن يقعد لها، فهو موضع ما تفسد به الصلاة في قول أصحابنا.
وإذا كان حدُّ القعود والتشهد فيلحقه معاني الاختلاف. ومعنى: أنَّه إذا ثبت من معنى قولهم أنَّ له ما لم يتمَّ الركعة أن يرجع فيقصد ويشهد، فإذا أتمَّ الركعة بالسجود وقعد وتشهد فقد وقع موقع التشهد، ولا يبعد عندي ما قالوا في هذا الفضل من معاني ما قيل في تأويل ذلك، وإن لم يكن نصاً، لأنَّه قد ثبت في المعنى الأول من قولهم أنَّه ما لم يتمَّ صلاته كان له أن يرجع، وقد كان تمام صلاته بأكثر من ركعة تامة.
وتمام الركعة ها هنا السجود الثاني، فقد تمت الصلاة في القول الأول على ركعتين.
وكان على معنى هذا القول أنَّه ما لم يتشهد كان له الرجوع إلى صلاته.
مسألة: في الذي يشكُّ أنَّه صلى أم لم يصل. (1/210)
صفحة 211
فإذا شكَّ في وقتها فعليه أن يصلي حتى يعلم أنَّه قد صلَّى، وإن كان قد فات وقتها؟ فليس عليه أن يصلي حتى يعلم أنَّه لم يصل وذلك إذا يعلم أنَّه دخل في الصلاة أو مضضى إليها أو مضى ليصليها واستيقن على ذلك وشكَّ فمعي أنَّه لا صلاة عليه.
مسألة: وسألت الفضل بن الحواري: عن رجل شكَّ في ركعة بعد ما قضى صلاته. قال: قال محمد بن محبوب فعليه الإعادة ما لم يتحوَّل عن مكانه.
قلت: ولو سلَّم؟ قال: نعم ما لم يتحوَّل عن مكانه.
وقال أبو معاوية: إذا كان إنَّما شكَّ من فوره فلا إعادة عليه.
وقال أبو المؤثر: إذا كان شكه بعد ما قضى الصلاة سلم أو لم يسلم فلا إعادة عليه.
مسألة: وقال في الذي يصلي فيشكُّ في صلاته؟ فعندي: أنَّه يختلف في ذلك. (1/211)
صفحة 212
قال من قال: أنَّه يمضي على أقوى ظنه ووهمه إذا كان له وهم ولا شيء عليه. وقال من قال: يبدل مرة. وقال من قال: ولو فات الوقت حتى يستيقن وتكون نيته أنَّ صلاته تامَّة منهنَّ.
واختلفوا في القول الأول في أقوى الظنِّ والوهم؟ فقال من قال: فيمن ليس من أبناء الدنيا الذين يعالجون شيئًا من الأشياء فيعارضهم في ذلك الوهم، وإنَّما ذلك لمن قبل على صلاته وليس له عرض في الدنيا. وقال من قال: كل ذلك سواء.
مسألة: وعن المصلي إذا شكَّ في ركعة بعد أن قضى التحيات الآخرة قبل التَّسليم؟ قال: عندي أنَّه يختلف فيه. قال من قال: ليس عليه شكٌّ حتى يعلم يقيناً. وقال من قال: يدخل عليه ما لم يسلم. وقال من قال: ولو سلَّم فالشَّكُ داخل عليه من الصلاة (1/212)
صفحة 213
فإذا خرج من حدِّ الصلاة فلا شكَّ عليه، ولا أعلم في ذلك خلافاً.
مسألة: وسألته عن المصلي إذا شكَّ في صلاته بعد أن أتمَّها ثم أبدلها فشكَّ فيها ثانية، هل عليه أن يعود يبدل ثانية وثالثة؟ قال: أنَّه قد قيل: إذا دخل عليه الشَّكُ في إتمام صلاته في الركعات في موضع ما يلحقُ الشَّك ويلزمه الإعادة، فقيل: أنَّه يعيد مرة، فإن استيقن وإلا مضى على أحسن ظنه، وليس عليه أن يعيد ثانية. وقيل: أنَّه يعيد ثانية وليس عليه أن يعيد ثالثة على هذا. وقال بعض: إنَّه ما لم يستيقن على تمامها فعليه البدل ما لم ينقض وقتها.
قلت: فإن دخل عليه الشَّكُ في أول ملاة واطمأنَّ قلبه أنَّها تامة، هل يجزيه الاطمئنان ولا يلزمه البدل؟ قال: معي أنَّه قد قيل ذلك.
ويعجبني ذلك لمن كان مقبلاً على صلاته وإنَّما يعارضه الشَّك شك معارضة. (1/213)
صفحة 214
وأمَّا من كان مدبراً عن صلاته بالاهتمام بغيرها فلا يعجبني له هذا إلا على اليقين.
مسألة: سألت أبا معاوية عن رجل يكون في الصلاة، فإذا قعد يقرأ التحيات لم يعرف هو في الجلسة الأولى أم الآخرة؟ قال: يتمُّ ثم يسلم ليستقبل صلاته.
مسألة: من جامع أبي محمد: الواجب على المرء أن يلقى علانيَّة قبل القيام إليها ليكون مقبلاً بجوارحه معروف الهمة إليها منقطع الخواطر عن غيرها، فإذا قام إليها بهذه الصفات التي أمرناه بها فشكَّ فيها أو سها عن بعضها ممَّا لا يكون من فرضها ولا تتم إلا به من أعمالها ما لم يكن عليه خرج يتعرَّض للسهو عنها إذ قد تجرَّى بحسب طلَّقته، ولم يكلِّف الله أحداً ما ليس في قدرته وللمصلي أن ينصرف عن صلاة إذا كان عنده أنَّه صلاَّها ولو لم يكن متيقناً.
وروي عن النبي (ص): أنَّه صلَّى بأصحابه ركعتين ثم سلَّم وقام لينصرف. فقال: ذو اليدين أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ (1/214)
صفحة 215
قال رسول الله (ص) لأصحابه صدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم.
فقال رسول الله (ص): {كل ذلك لم يكن يعني بذلك والله أعلم أنَّ كل ذلك لم يكن عندي إنِّي نسيت ولا أنِّي قصرت}
وزعم بعض مخالفينا: أنَّه بنى على صلاته بعد أن سألهم.
وقال أصحابنا: كان ذلك في وقت كان الكلام في الصلاة جائزاً قبل أن يرد نسخ الكلام في الصلاة جائزاً قبل أن يرد نسخ الكلام في الصلاة.
وفي هذا الخبر دلالة على أنَّ المصلي إذ انصرف عن صلاته على أنَّه قد صلاها لما عنده من اليقين كان مؤدياً لفريضة ولو كان لا ينصرف إلا عن يقين لا شكَّ فيه.
كما قال بعض أصحابنا: أنَّه لمَّا كان النبي (ص): ينصرف عن ركعتين حتى أخبره أصحابه أنَّه انصرف عن غير يقين، ولو كان انصرف عن يقين لم يصدقهم ويعود إلى صلاته ويزيل يقينه. وهذا يدلُّ على جواز غير هذا في باب العبادات.
وقد عظمت فائدة هذا الخبر وجلَّ خطره، لأنَّ النبي (ص): خرج من الصلاة ولم يكملها.
وعنده أنَّه قد فرغ منها فجائز للنَّاس أن يخرجوا من الفرائض إذا كان عندهم في الظاهر أنَّهم قد أكملوا، (1/215)
صفحة 216
وإن لم يعلموا ذلك علماً يقيناً لا يجوز عليه الانقلاب.
ومن الكتاب:
ومن سها حتى قدم شيئًا قبل شيء؟ أعاد فعل ما نسي ثم فعل الذي بعده، والذي كان فعله باطل.
ومن الكتاب:
وكلُّ من قدم شيئًا من فرائض الصلاة قبل وقته وآخر شيئًا منها عن موضعه بطل ما قدَّمه وما أخَّره وعاد أتى بالأول ثم يسبق عليه بالثاني، وإن تعمَّد لفعل ذلك فسدت صلاته.
وممَّا يوجد عن أبي عبد الله رحمه الله ومن قام إلى الصلاة فلم يذكر منها إلا الحد الذي هو فيه تلك الساعة، فليس عليه نقض ولا سجدتا الوهم إذا أتى على حدود الصلاة بفعله نسخة لعقله.
قال غيره: نعم.
وكذلك حفظنا أنَّه إذا انتبه المصلي من نسيانه وغفلته في صلاته، وكان معه في حين ذلك أنَّه في الركعة الأولى والثانية أو الثالثة أو السجدة الأولى أو الثانية أو القعود الأول أو الثاني، فهو على ذلك، فإن عارضه الشَّك بعد ذلك لم يكن عليه، إلا أن يستقين على ذلك.
وإن كان حين انتباهه إلى حفظ صلاته وجد حفظه لها لا يتعمَّد فيه على شيء وكان على الشَّك في حين ذلك؟ (1/216)
صفحة 217
فعليه ما على الشاك في صلاته.
ومن غيره: والشَّك شكان: شك الالتباس. وشك المعارضة.
فإذا كان الرجل حافظاً لصلاته مقبلاً عليها ثم عارضه الشَّك في شيء من صلاته في القراءة أو الركوع أو السجود أو كم من ركعة فلا يلتفت إلى ذلك وليمض على ما أوثق ما في نفسه من ذلك وهذا شكُّ المعارضة.
وشكُّ الالتباس: أن يكون الرجل مشتغلاً بذكر الدنيا وهمومها، فذلك إذا شكَّ فلم يدر ما صلَّى فذلك الذي ينتقض عليه صلاته ويعيد صلاته.
قال غيره: نعم، قد فرَّق بين من هو مقبل على صلاته فيعارض الشَّك وبين من لا يعرف نفسه بالإقبال على حفظ صلاته ويعرف نفسه بمعارضات اشتغال الدنيا حتى قبل ذلك من أبناء الدنيا.
وقد قيل: إذا عناه ذلك الشَّك مضى على أحسن ظنه فأتمَّ الصلاة ثم رجع فاستأنفها. وقال بعضهم: يقطعها ويستأنفها.
مسألة: وعن رجل شكَّ في حدِّ أو فضل قد خرج منه وقد صار في آخر فرجع إلى الذي شكَّ فيه متعمداً احتياطاً، (1/217)
صفحة 218
هل تتم صلاته؟ فقد قيل: فسد صلاته إذا رجع إلى الشَّك من بعد مجاوزة الحدِّ.
وقد قيل: أن يرجع على الاحتياط لظنه أنَّه يجوز له ذلك إتمام صلاته.
قلت: ولو شكَّ في حدِّ وقد قرأ أكثره فشكَّ في أوله وهو في آخره فرجع فاستأنفه من أوله فقرأ وهو يعلم أنَّه قد قرأ آخره. فقد قيل: جائز له ذلك ما لم يستيقن.
وقلت: ولو أنَّه تعمَّد فقرأ حدَّا من الحدود أو فصلاً أو كلمة مرتين أو أكثر متعمداً أو جاهلاً أو ناسياً، هل تتم صلاته؟ فأمَّا إذا فعل ذلك ناسياً أ ويظنُّ ذلك فجائز فأرجو أنَّ صلاته تتم، وأمَّا التَّعمد لذلك فأحبُّ أن يعيد.
مسألة: رجل بعينه الشَّكُ فيقرأ شيئًا من الحدود والفصل ثم شكَّ فيه قبل أن يقرأ أكثره؟ فقد قيل: يرجع إلى أحكامه.
وقلت: أوشك في ركعة تامة قبل أن يقرأ من التَّحيات شيئًا فمضى على أحسن ظنِّه ولم يعد شيئًا في أول صلاة صلاَّها، هل يجزيه ذلك؟ (1/218)
صفحة 219
فقد قيل: يجزيه. وقيل: لا يجزيه. وأحب أن يجزيه إن كان مقبلاً على صلاته ويعارضه الشَّك.
مسألة: وعن غيره ومن الأثر: وسمعت أبا مردود وغيره وأبا الوليد يقولان أنَّ من شكَّ في صلاته، فإن كان ذلك أمر يعتاده من قبل إبليس لعنه الله وهو مقبل على صلاته فليمض على صلاته ولا يتهم لعلَّة ويزعم إبليس لعنة الله، إن كان من أهل الدنيا فليمض على أكثر ظنه حتى إذا قضى صلاته تلك فليعد الصلاة ولا ينصرف إلا من حفظ.
فذكرت ذلك لأبي الوليد هذا من بعد ما كتبته. فقال: كذلك سمعنا. ثم قال: كذلك فإنَّ منازل يقول يمضي على أحسن ظنه حتى يتمَّ شفطاً. وقال: وعسى أن يكون يحفظ حاله. قال: وأعجبني قول منازل.
قال غيره: نعم قد قيل: هذا كلِّه. وقال من قال: يمضي أكثر ظنه حتى يتمَّ، لأنَّه لا يخرج من (1/219)
صفحة 220
الصلاة وقد التزمها حتى يتمَّها على أحسن ظنه، لأن لا يكون تامة ويخرج منها.
فإذا خرج منها على أحسن ظنه على الاحتياط؟ فقال من قال: إنَّ تلك صلاته ليس عليه غير ذلك. وقال من قال: يبتدل مرة أخرى.
فإن لم يحفظ مضى على أحسن ظنه. وقال من قال: يبدل ما لم يخف فوت الوقت.
فإن لم يستيقن مضى على أحسن ظنه. وقال من قال: يبدل ما دام الوقت حتى يفوت.
فإن لم يحفظ مضى على حسن ظنه. وقال من قال: لا يزال يبدل ما لم يستيقن ولو فات الوقت ولا يفارق الصلاة، إلا على يقين وإنَّما هذا إذا شكَّ في ركعة تامة. وقال من قال: إذا شكَّ في حد من حدود الصلاة، فهو بمنزلة من شكَّ في ركعة.
وكلُّ ذلك سواء، لأنَّه لا يجوز أن يدع حداً من حدود الصلاة، كما لا يجوز أن يدع ركعة من ركعات الصلاة إلا على يقين.
مسألة: في الذي يشكُّ في صلاته فحفظ عليه غيره أنَّه إن أمر ثقة أن يحفظ عليه فليس عليه أن يسأله وله قبول قوله ولو لم يأمره. (1/220)
صفحة 221
وإن لم يكن ثقة لم يقبل قوله إلا أن يكون أمره أن يحفظ عليه، وإذا أمره فعليه أن يسأله ولا يكتفي بسكوته والله أعلم.
مسألة: من الزيادة المضافة:
قال محمد بن جعفر: كنت أعني بالشَّك فأسأل محمد بن محبوب وسعيد بن محرز وسليمان بن الحكم والوضاح بن عقبة وغيرهم من الفقهاء. وقال محمد بن محبوب: إنَّما القلب لحمة.
فإذا أكثر فيه الشَّك وكثر عليه انقطع الاطمئنان فلم يعرف لنفسه موجهاً كمنزلة اللحمة كلَّما مستها أكثر.
وكان يقول إنَّ الكلمة إذا خرجت منك ليس بصورة مصوَّرة فتبصرها ولا تبقى بينة لتعرفها، وإنَّما هي كلمة مضت فلا ترجع ولا تردد في صلاتك ولا ترجع.
وقال: وكنت أسأل سعيد بن محرز، فإذا أفتاني بشيء فربَّما رجعت فكنت أقول له: لم أعرف.
فيقول لي: أقبل ما قولك فلا أقنع حتى أعرف كيف حل ذلك الشيء وكيف حرم.
فقول: إنَّما لم أخبرك كيف ذلك مخافة إن أخبرت بذلك فيعود (1/221)
صفحة 222
يدخل عليك في ذلك معنى آخر من الشَّك ويفتح لك الشيطان لعنه الله فيه شكا آخر.
رجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: من جواب أبي سعيد رحمه الله: في رجل يعارضه الشَّك في صلاته حتى لا يحفظ كل كلمة خرج منها ولا كل فصل ولا حدَّ وقلبه مطمئن أنَّه لا يقدم كلمة قبل كلمة ولا فصلاً قبل فصل ولا حداً قبل حد، إلا أنَّه يخرج من الكلمة على يقين أنَّه قد قالها، فإذا صار إلى غيرها شك.
وكذلك الفصل والحد إلا أنَّه إذا نص حفظه بعد أن يخرج من الكمة والفصل والحد إلى غيره لم يستيقن أنَّه قاله.
قلت: ما أقول في صلاته. فقد قيل: في هذا على ما وصفت باختلاف: فأمَّا الحد فقد أوسع أكثر القول أن يتمَّ صلاته حتى يستيقن.
والفصل يوسع مع الكلمة. والكلمة مع الشَّك عندي مثل الفصل.
وأرجو أن يسع صاحب الشَّك ذلك على ما ذكرت أنت في مسألتك هذه. (1/222)
صفحة 223
وكذلك لو أنَّه كان إذا فرغ من الحد أو الفصل اعتقد أنَّه فرغه ثم عارضه الشَّك بعد أن صار في الحد فعرف أنَّه قد كان اعتقد ومضى لاعتقاده ولم يعد، هل يجوز له ذلك؟ فنعم يجوز ذلك.
مسألة: ومن غيره: قلت له: لو أنَّه ذكر وهو في قراءة السورة ولم يدر قرأ الحمد أم لا، هل عليه أن يرجع فيقرأ الحمد؟ فالجواب في هذا لا يرجع إلى ذلك حتى يستيقن.
وقد قيل: عليه أن يرجع ما لم يخرج من القراءة الأولى أحبُّ إلي.
مسألة: وسئل أبو سعيد: عمَّن شكَّ في الركعة الرابعة من الصلاة ولم يدر أهذه الرابعة أم الثالثة، كيف صنع؟ قال: معي أنَّ بعضاً يقول أنَّه يقعد فيقرأ التحيات إلى محمداً عبده ورسوله، ثم يقوم يأتي بالركعة، ثم يقعد فيقرأ التحيات مرة ثالثة. (1/223)
صفحة 224
وقد تمت صلاته على هذا القول عندي.
قلت له: فإن لم يقرأ التحيات المرة الثالثة، هل تتم صلاته إذا ظنَّ أنَّ ذلك جائز له؟ قال: معي أنَّه لا تتم له الركعة إلا بالتحيات.
قلت له: فإن شكَّ في صلاته في الركعة الرابعة أهي الثالثة من الصلاة أم الرابعة؟ كيف يصنع؟ قال: معي أنَّه قد قيل: يقرأ التحيات إلى عبده ورسوله ثم يأتي بركعة ويقرأ التحيات.
فإن تكن صلاته قد تمت لم تضره الزيادة عندي، وإن تكن ناقصة فقد تمت. ومعي: أنَّه قيل يعيد الصلاة.
مسألة: ومن غيره: وأخبرنا أبو زياد أنَّ أبا عبيدة وأبا نوح أخلفا في رجل يصلي فتختلط عليه صلاته فلا يدري كم صلَّى؟ قال أبو نوح: يمهلها ويستقبل صلاة أخرى.
وقال أبو عبيدة: يمضي على أحسن ظنه ثم يستقبل صلاة أخرى ولا يقعد بالتي صلَّى (1/224)
صفحة 225
قال أبو المؤثر: برأي أبي نوح نأخذ.
ومن غيره قال: وقد قيل: يمضي على أحسن ظنه حتى يتمَّ ركعتين يسلم عنهما. وقال من قال: يمضي على أقوى وهمه حتى يتمَّ صلاته وليس عليه غير ذلك، وأنَّ ليس عليه إعادة صلاته.
ومن غيره: أخبرني بشير عن أبيه أنَّه قال: إذا كان الرجل شكَّ في صلاته صلَّى ثلاث مرات ثم مضى على أحسن ظنه في الرابعة.
ومن غيره: قال محمد بن جعفر: قالت لي عبيدة بنت محمد: إنَّ أبا علي موسى بن علي رحمه الله رآها قد صلَّت العتمة وشكت في صلاتها فأبدلتها ثم شكت في البدل. فقال لها: إنَّما البدل من الشَّك مرة واحدة.
وإن شكَّكت أيضاً، فإنَّ ذلك من الشيطان لعنه الله فلا ترجمي تبديلها. قالت: قلت: فإنِّي قد شككت في البدل وأنا أصلي والذي معي السَّاعة إني لم أصلها؟ قال: دعيها ونامي، فإنَّ ذلك من الشيطان لعنه الله.
قالت: فلم أصلها برأيه ونمت فذهب عني الشَّك. (1/225)
صفحة 226
مسألة: ومن الكتاب:
وعن أبي عبد الله رحمه الله فيمن شكَّ في قراءة فاتحة الكتاب بعد أن فرغ منها؟ قال: إن استيقن أنَّه كان فيها فليمض في صلاته ولا يرجع، وكذلك الذي شكَّ في القراءة بعد أن يصير في الركوع وشكَّ في الركوع بعد أن يصير إلى السجود؟ فلا رجع حتى يستيقن.
مسألة: في المصلي يقعد للتحيات فيشكُّ أنَّه لم يكبر، هل عليه أن يكبِّر ما لم يدخل في التحيات؟ قال: هكذا عندي. وهذا هو موضع التَّكبير.
ولو ترك ذلك متعمداً حتى كبَّر في هذا الموضع نفسه لم تفسد صلاته.
مسألة: ومن غيره: قال يعجبني في الذي يبتلى بالشَّك أن يأخذ بأرخص الأقاويل من المسلمين لينوي بذلك على دفع الشَّك ويقبل على صلاته. (1/226)
صفحة 227
ومن الكتاب: قال محمد بن محبوب رحمه الله: أيضاً في حفظي عنه في الذي يشكُّ في الصلاة أنَّه يجوز أن يجهر لجميع صلاته وما فيها من قراءة وتسبيح وتحيات حتى يسمع ذلك الذي يحفظ عليه ويعلمه أنَّه قد أتمَّ صلاته لحال حاجته إلى ذلك.
وقال: يجوز أن يحفظ على المصلي صلاته الواحد الثقة، فإن حفظت عليه صلاته أمة مملوكة ثقة فيقبل قولها ويأخذ به.
قلت: فإن شكَّ وهو إمام في سجوده في السجدة الآخرة أنَّها السجدة الأولى فكره أن يحمل النَّاس على الشَّك، هل يجوز له أن يقوم برفق بلا أن يعلم الذين خلفه فيسجد سجدة أخرى وحده ثم يرجع إلى سجوده بالنَّاس ويقوم بتكبيرة ويكون قد استحاط لنفسه بهذه السجدة؟ قال: نعم يجوز له ذلك.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: أن شكَّ في سجدته زاد سجدة، فمن كان خلفه وعلم أنَّه سجد سجدتين لم يزد سجدة ولم يستيقن أنَّه سجد سجدتين سجد عنده وتمت صلاتهم جميعاً.
ولا ينبغي له أن يفعل شيئًا في صلاته سرًّا فيكون قد خان من خلفه.
وكلُّ من سجد ثم شكَّ ولم يستيقن أنَّه سجد سجدتين فليرجع يسجد حتى يستقين أنَّه سجد سجدتين. (1/227)
صفحة 228
قال غيره: وهو الأكثر. وقد قيل: إذا شكَّ في ذلك أعاد صلاته.
مسألة: وأمَّا الحد إذا خرج منه في الصلاة فلا يرجع إليه بالشَّك حتى يستيقن.
وكذلك حفظ لنا الثقة عن موسى بن علي رحمه الله أنَّه قال: كلُّما خرج المصلي من حد من حدود الصلاة وصار في الحدِّ الثاني، ثم شكَّ أنَّه لم يحكم ذلك الذي خرج منه. فيمضي في صلاته ولا يرجع إليه حتى يستيقن.
قال غيره: نعم. قال: وقد قيل: يرجع حتى يستيقن.
مسألة: إن شكَّ في صلاته فرجع إلى نقضها بعد أن يجاوز الإحرام؟ فإنَّه يرجع إلى الإقامة والتوجيه.
وقد قيل: حتى يجاوز إلى الركوع ثم يرجع إلى الإقامة والتوجيه إن رجع إلى النقض بعد ذلك.
وقيل: يرجع إلى التوجيه ولا يرجع إلى الإقامة، لأنَّه موقف واحد. (1/228)
صفحة 229
وقيل: إنَّما يرجع إلى الإحرام، لأنَّه قد أقام ووجه هذا ما لم يفرغ من تلك الصلاة، فإن جرت عليها أحكام فراغ تلك الصلاة، ثم لزمه إعادتها بسبب؟ فعليه إعادة الإقامة والتَّوجيه.
ولا نعلم في ذلك اختلافاً وإنَّما الاختلاف ما دام لم يكملها.
مسألة: ومن الكتاب: وعن أبي عبد الله رحمه الله: فيمن شكَّ في قراءة فاتحة الكتاب بعد أن فرغ منها؟ قال: إن استيقن أنَّه كان فيها فليمض في صلاته ولا يرجع.
وكذلك الذي شكَّ في القراءة بعد أن يصير إلى الركوع أو شكَّ في الركوع بعد أن يصير إلى السجود فلا يرجع حتى يستيقن.
مسألة: وسألته عن رجل دخل في قراءة الحمد ثم شكَّ أنَّه لم يحرم؟ قال: معي أنَّه يختلف فيه في قول أصحابنا. قال من قال: يمضي في صلاته وليس عليه أن يرجع إذا كان قد خرج من حد إلى حد. وقال من قال: عليه أن يرجع يحرم ما دام في الصلاة، فهو يلحقه الشَّك؛ لأنَّ الصلاة لا تكون إلا بالعلم والحفظ. (1/229)
صفحة 230
ومعي: أنَّ الأول هو الأكثر في قول أصحابنا الشاهر من قولهم.
قلت له: فإن رجع فأحرم وقد كان قد دخل في قراءة فاتحة الكتاب أو يرجع من حدِّ إلى حد بعد أن خرج معه؟ قال معي: أنَّه إذا رجع إلى الإحرام بعد أن دخل في القراءة فلا فساد عليه ويجوز له ذلك؛ لأنَّه قد رجع إلى أول الصلاة.
وأمَّا أن يرجع من حدِّ إلى حد على الشَّك فقد فسدت صلاته على هذا القول.
مسألة: وسألت أبا سعيد محمد بن سعيد رضيه الله: عن المصلي إذا رفع رأسه من الرُّكوع وقال سمع الله لمن حمده أو لم يقل ثم شكَّ في قراءة السورة فرجع قرأها وركع ثانية وقضى صلاته، هل ترى صلاته تامَّة؟ قال: معي أنَّه قيل أنَّ صلاته منتقضة إذا رجع على الشَّك إلى حدِّ قد خرج منه إلى غيره. قالوا: ليس له ولا عليه أن يرجع إلى الشَّك إلى حدِّ قد خرج منه إلى غيره حتى يستيقن أنَّه تركه أو ترك ما لا يجوز له تركه.
قلت له: فلو أنَّه شكَّ في حين أخبره في انحطاطه للركوع أنَّه لم يقرأ سورة، (1/230)
صفحة 231
هل عليه أو له أن يرجع يقرأها؟ قال: فعلى حسب ما يقع لي أنَّه في بعض القول ما لم يستو راكعاً أنَّه له ذلك وعليه.
ومعي: أنَّه قيل أنَّ له الخيار ما لم يستو راكعاً، وأرجو أنَّه قد قيل: أنَّه إذا خرج من الحدِّ الذي هو فيه وأخذ في غيره ثم شكَّ أنَّه ليس عليه ولا له أن يرجع إلى الشَّك.
وإذا ثبت هذا فأخذه في الركوع انحطاطه عندي وخروجه من القيام انحطاطه للركوع، لأنَّه من عمل الركوع فليس من عمل القيام.
قلت له: فلو أنَّه استوى راكعاً وسبَّح أو لم يسبِّح شيئًا ثم شكَّ في قراءة السورة، هل يلحقه الاختلاف ما لم يقل سمع الله لمن حمده أن يرجع يقرأ السورة أم لا؟ قال: معي أنَّه على حسب قول من يقول: أنَّه إذا خرج من الحدِّ لم يكن عليه أن يرجع إليه. فهذا قد خرج من الحد الذي شكَّ فيه.
ولا يبين لي في ذلك اختلاف على هذا المعنى على سبيل الخروج من الحد. (1/231)
صفحة 232
فصل
في الزيادة في الصلاة على الشكِّ والنسيان
قلت له: أرأيت إن زاد المصلي في صلاته ركعة تامة على النسيان، هل تتم صلاته؟ قال: قد قيل: في ذلك باختلاف: قال من قال: إنَّها تامة ولو كان ذلك في وسط الصلاة، وقال من قال: إنَّها منتقضة، لأنَّ الصلاة فرض مؤقت لا زيادة فيه ولا نقصان.
قلت له: فعلى قول من يقول: بالتمام، وإن زاد فيها ركعة على سبيل التحري عند الشكَّ، هل يكون مثل النسيان؟ قال: معي: أنَّه قد قال ذلك من قال: من أهل العلم فيما يخرج من من مذاهبهم. وقال من قال: أنَّه ليس كالنسيان وهو أشد. وقال من قال: ولو زاد حداً واحداً في وسط الصلاة فسدت صلاته ولو كان ناسياً.
أمَّا إذا زاد متعمداً فسدت صلاته إذا كان قبل تمامها، ولا نعلم في ذلك اختلافا: (1/232)
صفحة 233
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقال أبو عبد الله رحمه الله: سألت أبا علي موسى بن علي رحمه الله: عن رجل زاد في صلاته ركعة تامة من بعد إن قضى التحيات الآخرة فظن أنَّه لم يكمل صلاته؟ قال: صلاته تامة ولا بأس عليه، لأنَّ صلاته قد تمت.
وقال أبو عبد الله رحمه الله: وأنا أقول إن زاد ركعة تامة في موضع من صلاته قبل أن يكملها، فإنَّ صلاته تفسد مثل: رجل حتى إذا كان في موضع القعدة الآخرة قام ولم يقعد يقرأ التحيات الآخرة فزاد ركعة تامة، فهذا قد زادها وقد بقي عليه شيء لم يكمله، فهذا عندي تفسد صلاته. (1/233)
صفحة 234
فصل
في الذي يشكُّ أنَّه في الركعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة
وحفظت أنا عنه عندي أنَّه أبو سعيد في الرجل صلَّى صلاة الظهر أو العصر أو العشاء الآخرة فيشك بعد أن يقوم من التحيات الأولى إلى الركعة الثالثة إنَّما هي الثالثة أو الرابعة وقد استيقن على الركعتين الأوليتين.
فأجاب في هذه المسألة على معنى قوله بثلاثة أقاويل:
أحدها: أنَّه يبتدئ صلاته ورأيته يحب ذلك. وقال من قال: يقعد من الركعة التي شكَّ فيها أنَّها الرابعة أو الثالثة يقرأ التحيات إلى عبده ورسوله ثم يقوم يأتي بركعة أخرى، فإن كانت صلاته ناقصة فقد تمت بهذه وإلا فلم يضره شيء. وقال من قال: إنَّه إذا استيقن على الركعتين الأوليتين وشكَّ في الآخرتين أنَّه يصلي حتى يستيقن على أربع ركعات إذا شكَّ في الركعة التي هو فيها أنَّها الرابعة والثالثة فيزيد ركعة أخرى حتى يستيقن على أربع ركعات وقاسوا بياض.
مسألة: من جامع أبي محمد: وإذا شكَّ المصلي في قعوده أنَّه سجد واحدة واثنتين زاد سجدة أخرى على يقين. (1/234)
صفحة 235
وقال موسى بن علي: فإذا شكَّ أنَّه صلَّى ثلاثاً أو أربعاً وهو في القعود يأتي بركعة بما فيها ليكون على يقين.
وقال: وإن كان قد صلَّى أربعاً وهو في القعود لم تضره تلك الركعة الخامسة، لأنَّه كان قد بقي عليه التَّسليم، وإن كان قعد الثالثة فقد أتى بالركعة وتمت صلاته.
مسألة: وعمَّن يكون في قراءة التحيات الآخرة فيشكُّ هذه الركعة الثالثة أو الرابعة وقد أخذ في القراءة.
قلت: هل عليه وله أن يأتي بركعة أخرى ويقرأ التحيات ثلاث مرات؟ فمعي: أنَّه قد قيل: أنَّ له أن يأتي بركعة بعد قراءة التحيات إلى محمداً عبده ورسوله ويقرأ التحيات بعد تمام الركعة، ولا يضره ذلك على معنى قوله.
ومعي: أنَّه قد قيل: ليس له ذلك ويعيد صلاته.
وقلت: إن جهل أن يقرأ التحيات مرة ثالثة أو يعمد لذلك، هل تتم صلاته؟ فمعي: على معنى قول من قال بذلك أنَّه لا يصحُّ تمام صلاته إلا بالركعة، أنَّه إذا أدرك التحيات فلا تجوز الركعة إلا بالتحيات، (1/235)
صفحة 236
ولا يجوز ذلك عندي إذا بجهل ولا بعلم.
مسألة: من جامع أبي الحسن: من شكَّ في حد من حدود الصلاة بعد أن جاوزه إلى غيره لم يرجع إلى الشكِّ حتى يستيقن أنَّه لم يأت ذلك.
ذلك مثل أن يشكَّ في الإقامة وقد صار في التوجيه فلا يرجع ويمضي في صلات، وإن شكَّ في التوجيه وقد أحرم فلا يرجع إلى الشك ويمضي في صلاته، وإن كان لم يحرم وهو بعد في التوجيه فلا يخرج منه حتى يحكمه.
وإن شكَّ في تكبيرة الإحرام وقد جاوزها إلى القراءة؟ فقال قوم: يمضي في صلاته. ومنه من قال: إن تكبيرة الإحرام هي أول الدخول في الصلاة فلا يخرج منها حتى يتمها ويرجع يحرم ثم يبتدئ القراءة.
مسألة: من جامع محمد بن جعفر: وحفظت أنا عنه أحسب أبا عبد الله أنَّه إذا صلَّى المصلي فلمَّا قعد (1/236)
صفحة 237
من السجدة الآخرة شكَّ في صلاته فلم يدر تلك الركعة هي الرابعة أم الثانية؟ قال: فيقعد يقرأ التحيات ثم يقوم فيأتي بركعة تامَّة ويقعد وقرأ التحيات، فإن كانت صلاته قد تمَّت عند قراءة التحيات الأولى لم تضره هذه الركعة بعد انقضاء الصلاة، وإن كانت لم تكن قد تمَّت وإنَّما إتمامها بهذه الركعة الآخرة لم تضره تلك التحيات الأولى التي أتى بها وهي استحاطة منه، وكذلك عندي جائز في كل الصلوات.
قال غيره: ومعي أنَّه قد قيل: هذا في ما يكون من الصلاة ثلاث ركعات مثل صلاة المغرب والوتر إذا شكَّ في ركعة.
وفي الأربع إذا شكَّ في ركعتين أتى بركعة في الثلاث وركعتين في الأربع.
وقال محمد بن المسبح: إذا لم يدر ثلاثاً أو أربعاً أعاد صلاته.
وكذلك عن غيره: لأن وضاح أخبر عن أبي بكر الموصلي إن من زاد بركعة في صلاته أعادها، فمن زاد بعد تحياته ركعة فكأنَّه صلى خمساً. (1/237)
صفحة 238
والصلاة أربعاً كما فرضها الله لا زيادة فيها ولا نقصان.
وقد أخبرني عن بشير عن غيره: قال غيره: وقد حفظ من أهل العلم أنَّه أصل ما استجاز هذا أنَّه قال: لا تفسد صلاته على الاستحاطة، كما لا تفسد صلاته على النسيان.
فإذا لم يزد في صلاته ركعة تامة لم تفسد صلاته ولو زاد عنها ما لم يزد ركعة تامَّة بقيامها وركوعها وسجودها.
فمن زاد دون ذلك على النسيان ثم لم تضره تلك الزيادة، فعلى الاستحاطة يجوز له ما يجوز في النسيان.
فإذا كان إنَّما يريد منذ دخل عليه الشَّك على الاستحاطة ما دون الركعة التامَّة فصلاته تامَّة، فعلى هذا القول استجاز من استجاز ذلك، وهذا واسع في أصل المذهب وفيه بعض السعو والتَّرخيص.
وقال من قال: لا يجوز له أن يزيد في الصلاة حدًّا تامَّا، فإن زاد في الصلاة حداَّ تاماًّ غير ما كان فيه من الصلاة، فهذا تفسد صلاته.
وأمَّا إذا شكَّ هذه الثالثة أم الرَّابعة؟ فقد قال من قال: يبتدئ صلاته؛ لأنَّه لابد من الزيادة حد في صلاته على الاحتياط منه في ذلك. (1/238)
صفحة 239
أنَّه إذا قعد فأتى بالتحيات ثم قام فأتى بركعة أخرى؟ فإن كانت تلك الرابعة فقد أتى بالصلاة.
وإن كانت الثالثة فقد زاد في صلاته حداً وهو التحيات فهو جائز على القول الذي قيل أنَّه ما لم يزد ركعة تامَّة تامة. وعلى القول الآخر: أنَّه لا يجوز. فكل ذلك صواب إن شاء الله.
مسألة: قال أبو محمد: اختلف أصحابنا فيمن شكَّ في حدِّ من حدود الصلاة وهو قد جاوزه إلى غيره؟ فقال بعضهم: لا يرجع إلى حد قد خرج منه بالشَّك ويمضي على صلاته. وقال آخرون: ولو شكَّ وقد صار إلى آخرها فعليه أن يبتدئ أولها ولا يخرج إلى العلة إلا بيقين من أدائها.
قلت: فعلى قول من لم ير النقض؟ ما قوله فيمن شكَّ في شيء من الركوع وقد انحطَّ للسجود ما يفعل؟ قال: اختلفوا في ذلك. فقال بعضهم: إذا أكمل الركوع واستوى قائماً فقد خرج منه وصار في حدِّ السجود. وقال آخرون: هو في حد الركوع ما لم تقع جبهته على الأرض. (1/239)
صفحة 240
باب
في العذر الذي يجوز المصلي أن يقطع به صلاته وفيما يجوز قطع الصلاة من سببه وما يقطع الصلاة من المرات والنجاسات من الدواب والبشر وغير ذلك وفي المصلي إذا دخل على أنَّه على غير وضوء أو أنَّهأحسب أنَّه متوضئ.
من الزيادة المضافة من الأثر: وقيل في رجل دخل الصلاة ثم ذكر أن ثوبه غير طاهر وأنَّه نجس أو ذكر أنَّه جنب أو أنَّه على غير وضوء فمضى على صلاته على ذلك، ثم تبين له بعد ذلك أنَّه اغتسل أو أنَّه توضأ أو أنَّه غسل ثوبه.
فقيل: اختلف في ذلك. فقال من قال: تفسد صلاته. وقال من قال: صلاته تامَّةٌ في جميع ذلك. وقال من قال: تتم في الثوب ولا تتم في الوضوء. وقال من قال: تتم في الثوب والوضوء ولا تتم في الجنابة. وقال من قال: إن ابتدأ الصلاة على ذلك وهو كذلك أيضاً والاعتداء. (1/240)
صفحة 241
قال المضيف: لعلَّه والابتداء أشد إثماً.
والاختلاف في نقض الصلاة وتماممها كذلك إن شاء الله.
قال غيره: ومعي أنَّه قد قيل: لو صلَّى على أحد ذلك ناسياً ثم علم في الوقت أنَّه قد صلَّى على ذلك ناسياً فعليه الإعادة، فإن أعادوا وإلا فعليه الكفارة إذا فات الوقت، ولا يسعه جهله.
وقال من قال: إن صلَّى جنباً أو على غير وضوء فعليه الكفارة، وإن كان إنَّما صلَّى بنجاسة في ثوبه أو بدنه فلا كفارة عليه، وقيل: لا كفارة عليه في شيء من ذلك. (1/241)
صفحة 242
فصل
في العذر الذي يجوز المصلي أن يقطع به صلاته
من كتاب ابن جعفر: وقيل: أيضاً يجوز للمصلي أن يقطع صلاته من المطر الذي يخاف منه الضرر أو دابة له تنفر في السفر أو يصرف دابة تأكل طعامه أو الصبي يخاف عليه أن يقع في شيء يهلك فيه أو ما أشبه هذا من الأشياء، فإنَّ المصلي يقطع صلاته لذلك ثم يستأنف الصلاة من بعد.
مسألة: وصاح صائح ونحن في الصلاة خلف موسى بن علي على وقع الصبي في بئر عند المسجد، فقطع الصلاة وانتقل هو ومن معه حتى وقف على البئر وأخرج الغلام.
ومن غيره: قال نعم واستقبل الصلاة وذلك إذا لم يخف الفوت.
مسألة:
ومن غيره: وعن رجل حضر وقت الصلاة ووقع صبي في بئر أو سقط في شيء يهلك فيه، هل له أن يدع صلاته وينجي الصبي ولو قامت الصلاة؟ (1/242)
صفحة 243
أو ليس له أن يدع الصلاة ولو خاف على الصبي الهلكة؟ فعلى ما وصفت: فنعم له أن ينجيه ممَّا يخاف عليه فيه الهلاك ويدع الصلاة ولو فات وقت الصلاة، ويصلي كيف أمكنه إن قدر على ذلك.
مسألة: وحدَّثني هاشم بن غيلان: عن المصلي أنَّه لا ينصرف ولو قعت الغنم في الحرث. وزعم هاشم أنَّه سمع ذلك.
مسألة: من الزيادة المضافة: وليس للمصلي أن يقطع صلاته إلا من عذر، قال الله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم}.
مسألة: من الأثر: ما تقول في الرجل يدخل في الصلاة ويأمره والده بشيء من أعمال الدنيا مثل: سوق دابة أو ربطها أو شيء من أعراض الدنيا، هل له أن ينقطع صلاته ويمضي لأمر والده؟ قال: ليس عليه ذلك، (1/243)
صفحة 244
ولكن يقضي صلاته ثم يمضي لأمر والده.
قلت: وكذلك الزوجة إذا أمرها زوجها بأمر وهي قد أحرمت للصلاة؟ قال: نعم.
مسألة: ومنه قلت: ما تقول في العبد إذا أمره سعيده بأمر وقد دخل في الصلاة وهو في وقت إن قطع الصلاة قضي لسيده حاجته وأدرك الصلاة، أعليه أن يقطع صلاته من بعد أن يحرم؟ فلم ير عليه أن يقطع صلاته من بعد أن يحرم.
وأمَّا ما لم يحرم؟ فإذا كان على وقت من الصلاة فليطع سيده ما لم يخف المسا في الوقت.
مسألة: قال إذا عرض للمصلي أمر بمعروف أو نهي عن منكر ممَّا يفوت وقد أحرم للصلاة، فإن كان ذلك الأمر بالمعروف ممَّا يفوت إن لم يقطع صلاته وكان وقت قطع صلاته وأنكر ذلك المنكر وأمر بمعروف ورجع إلى صلاته، (1/244)
صفحة 245
ولم يخف فوتاً، فإنَّه يقطع صلاته إذا كان ممَّن يقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإن كان يخاف فوت الوقت قبل أن يصلي، فإنَّه يتمُّ صلاته ثم يرجع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد ذلك.
وإن كان ذلك الأمر ممَّا ليس يفوت إذا أتمَّ صلاته؟ فإنَّه يتمُّ صلاته ثم يرجع إلى ذلك ولو كان في أول الوقت. (1/245)
صفحة 246
فصل
فيما يجوز قطع الصلاة من سببه
وعن الرجل إذا أحرم في الصلاة وحده ودخل الإمام، هل له أن يقطع صلاته ويصلي مع الإمام أو عليه أم لا؟ قال: معي أنَّه إن كان دخل في الصلاة ويعد انتظار الجماعة ويئس منها بمعنى ما لا يكون مضيعاً للجماعة بذلك فلم يحرم الإمام قبل أن يتمَّ صلاته، فلا يبين لي عليه قطع صلاته.
وأحبُّ له أن يقطعها إن كان الوقت واسعاً ويجعل ما مضى منها نفلاً يسلم عن ركعتين.
وإن كان على سبيل تضييع الجماعة أو تركها على الاستخفاف بها؟ كان معي أنَّ عليه أن يصلِّي في الجماعة ويستغفر ربه وما صلَّى أحببت أن يكون يسلم عنه على ركعتين ويجعهما نافلة.
وعليه أن لا يهمل أمر صلاته بعد أن دخل فيها بالإحرام.
قيل له: فإن دخل في الثالثة ولم ينتظر الجماعة، أعليه أن يقطعها من حينه أم لا؟ قال: يعجبني أن يجعلها نفلاً ويتم ما بقي من الصلاة على النفل. (1/246)
صفحة 247
مسألة: من الزيادة الإضافية:
قال أبو سعيد رحمه الله في رجل يصلي فرأى رجلاً يقتل رجلاً؟ قال: إنَّه مخير في ذلك، إن شاء قطع صلاته، وإن شاء ترك ذلك، لأنَّه يمكن أن يكون قتله بحق وغير ذلك من الإمكان. (1/247)
صفحة 248
فصل
ما يقطع الصلاة من الممرات والنجاسات من الدواب والبشر وغير ذلك
وأمَّا الكلب فإنَّه يقطع الصلاة إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة رفعها ثلاثة أشبار أو يكون بين ممره وبين المصلي خمسة عشر ذراعاً.
مسألة: وسألته عمَّن صلَّى وفي قبلته ثوب لا يصلى فيه، ما يلزمه؟ قال: لا بأس به.
وقد سألت محمد بن محبوب عن رجل يصلي وقدامه ثوب جنب؟ فقال: صلاته تامَّة.
مسألة: وعمَّن صلَّى خلف نائم، هل عليه نقض؟ قال: يخط خطاً ويصلي فلا نقض عليه، إلا أن يعلم أنَّه جنب، فإن علم أنَّه جنب انتقضت صلاته.
مسألة: وعن الجنب والحائض يمران على المصلي، (1/248)
صفحة 249
هل يقطعان عليه؟ قال: معي أنَّه قد قيل: إنَّ الجنب والحائض إذا مرا من أمام المصلى ولا سترة قدامه تحول بينه وبينهما دون الخمسة عشر ذراعاً قطعاً عليه صلاته. وقال من قال: إنَّ الجنب لا يقطع ويقطع الحائض. وقال من قال: كلاهما لا يقطعان.
مسألة: وقال بعض أهل العلم إذا مر بين المصلي دابة حاملة ميتة مثل سنور أو غيره؟ فقول: ينتقض. وقول: لا ينتقض.
وإن كان ارتفاع المحمول ثلاثة أشبار أعلى منه فلا يفسد ولو كان ممَّا يفسد وذلك بمنزلة السترة.
مسألة: والثوب الذي فيه النجاسة الذي قدام المصلى فلا ينبغي ذلك، وإن صلَّى ولم يمسه الثوب النجس فلا نقض عليه.
مسألة: وأمَّا الذي صلَّى وقدامه عذرة ولم يعلم حتى صلَّى؟ (1/249)
صفحة 250
فمعي: أنَّه قيل لا تفسد عليه في بعض القول حتى يمسه أو تكون في موضع صلاته.
مسألة: من كتاب ابن جعفر: وينقض الصلاة المشرك صغير كان أو كبيراً والأقلف البالغ ولو أسلم وكان له عذر.
وقد قيل: ينقض الصلاة ما لم يختتن ولو كان له عذر والحائض والجنب.
ونقل عن محمد بن محبوب رحمه الله أنَّه قال: الجنب لا يقطع الصلاة.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: هذا غلط عن أبي عبد الله وأنَّ الجنب يقطع.
وقيل: لو غسلت الحائض والجنب إلا جارحة لم تغسل ثم مضى شيء من هذا بين يدي المصلي انتقضت صلاته.
وكذلك إذا مضى شيء من هذا بين يدي المصلي في أقل من خمسة عشر ذراعاً أو تكون هناك سترة.
فإذا كانت هناك سترة فلا يقطع على المصلي فيما مضى من خلفها. والستر أقل ما يكون عدداً رفعه ثلاثة أشبار. (1/250)
صفحة 251
وفي بعض القول: أذراع وثلاثة أشبار أكثر القول. وقال من قال من الفقهاء أيضاً: الخط في الأرض يجزئ عن السترة ورفع ذلك إلى أبي مهاجر.
وأمَّا نحن فنأخذ بقول من لم ير الخط يجزئ ولا يقوم مقام السترة ومن غيره.
ومعي: أنَّه يجزئ الخط عند عدم السترة، ولا يجزي عند وجودها.
وقيل: الحجر ولو صغرت خير من الخط وأشباهها مثلها، وأمَّا من صلَّى وبين يديه ثوب جنب فلا يبلغ به ذلك إلى فساد صلاته ويصرف وجهه عنه.
مسألة: وقيل: يدرأ المصلي عن نفسه ما استطاع بلا علاج وعن أبي عبد الله رحمه الله.
قلت: فإذا جاءت امرأة حائض تمر بين يدي المصلي أو محبوس؟ قال: قد قيل: إن كان قائماً فليتقدم قليلاً حتى يعلم ذلك أنَّه يريده، وإن كان جالساً أومأ إليه برأسه.
قلت: فإن أشار إليه بيده ولم يعالجه؟ (1/251)
صفحة 252
قال: صلاته تامة وأنا أكره ذلك. وقد كره له أيضاً أن يمسه.
وأرجو ألا يكون عليه نقض إن مرَّ بين يديه إنسان أو دابة أو غيرها فأشار إليه بيده أو مسه لكي ينصرف ما لم يعالجه بما يشغله من صلاته.
قال محمد بن المسبح: يمد يده يدرأ عن نفسه قائماً أو قاعداً.
وسألت أبا عبد الله أيضاً عن ذلك؟ قال: إذا مرَّ الكلب بين يدي المصلي وأشار إليه بيده وثوبه كأنَّه يرميه بشيء فلا نقض عليه، فإن رماه بشيء انتقضت صلاته.
مسألة: وعمَّن يصلي وبلقاء وجهه نجاسة في جدار وهي أرفع من ثلاثة أشبار؟ لم يره بأساً.
مسألة: من الزيادة المضافة من الأثر: وممَّا أحسب عن أبي عبد الله عن رجل يصلي في مصلى في منزله وفي قبلته وقد عليه ثوب جنب والوتد مرتفع في الجدار ثلاثة أذرع أقل أو أكثر. (1/252)
صفحة 253
فإن كان تلقاء وجهه دون خمسة عشر ذراعاً فصلاته لعلَّها فاسدة، وإن كان الثوب مرتفعاً عن رأسه فصلاته تامة إن شاء الله.
وقال المضيف: أكثر ما جاء عن أصحابنا أنَّ الثوب الجنب لا يقطع الصلاة ولكن رفعت ذلك ليعلم عمَّن هو والله أعلم.
ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
من كتاب الأشراف:
قال أبو سعيد: أنَّه يخرج في قول أصحابنا أنَّه يقطع صلاة المصلي ما مر بين يديه ولم تكن بين يديه سترة دون خمسة عشر ذراعاً ممر الكلب والمرأة والحائض، وأمَّا الحمار فيختلف منه عندي من يرى قطع الصلاة من الممر، ولا أعلم في قولهم أنَّ المرأة تقطع إذا لم تكن حائضاً ولا جنباً.
ونختلف معهم في ممر الجنب من الرجل والمرأة؟ فقال من قال: إنَّ هؤلاء يقطعون الصلاة. وقال من قال: لا يقطعون الصلاة.
ومعي: أنَّه يخرج في قولهم أنَّ الخنزير والقرد مثل الكلب فيما يقطع الصلاة. وقد يختلفون في سائر السباع.
ويخرج في قولهم أنَّ الصلاة لا يقطعها شيء من الممرات والنجاسات، (1/253)
صفحة 254
إلا ما كان من ذلك بين يدي المصلي وبين مسجده أو مسته أو شيئًا من ثيابه إذا كان في حال المصلي في ركوعه وسجوده، فإنَّ ذلك يقطع الصلاة معهم.
مسألة: من الزيادة المضافة:
قيل: من أي علَّة قطع الصنم الصلاة؟ قال: لأنَّه يعبد من دون الله.
مسألة: ولا يقطع الصلاة شيء من الأنعام إلا أن يمر بين يدي المصلي وبين سجوده.
إنَّ في ذلك اختلافاً، فمنهم من قال: لا يفسد الصلاة إلا أن يكون فيها شيء من النجاسة على ظهرها ثم مرت بين يدي المصلي قطعت عليه النجاسة. (1/254)
صفحة 255
مسألة: من كتاب الأشياخ:
قلت: لم كان السبع يقطع الصلاة؟ قال: كذلك عند أصحابنا، لأنَّ السبع نجس محرم لحمه وسؤره فكان عندهم يقطع الصلاة كالنجاسة والله أعلم. (1/255)
صفحة 256
هل يقطع عليه؟ فإذا لم يمسه فصلاته تامةٌ.
ومن نجدة ابن الفضلي النخلي: وما تقول فيمن سجد على ذي روح مثل سقاط أو غيره.
هل تتم صلاته؟ الذي عرفت أنَّ مثل هذا لا ينقض الصلاة إذا كانت جبهته أو أكثرها ينال الأرض والله أعلم.
مسألة: ما تقول في من مرَّ بينه وبين سجوده سنوراً أو مثله، هل تتم صلاته؟ قال: قد عرفت أنَّه إذا مرَّ شيء من ذوات الأرواح وبينه وبين سجوده فصلاته منتقضة.
وأمَّا مثل الذباب والبعوض وما لا تقدر على الامتناع عنه فلا ينقض ذلك صلاته.
واختلفوا في الخنفسية والله أعلم بالصواب.
وهذا جواب أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي حفظه الله فيها صلاتة تامة إن شاء الله.
ولا يقطع عليه ما مرَّ من ذلك إلا السنور يختلف فيه، (1/256)
صفحة 257
فالذي يراه بمنزلة السباع فلا يبعد أن يلزمه إعادة الصلاة والله أعلم.
مسألة: ومن غيره: قلت: وكذلك الشاة يجيء إلى الرجل وهو في الصلاة تحتك به وتقوم قدامه من حيث يسجد، وكذلك الشاة يعزلها الرجل عن موضع سجوده ويمضي في صلاته.
وكذلك غيرها من الدواب إلا ما يقطع من السباع مثل الكلب، فإنَّ ذلك إذا مسَّه وهو في الصلاة أو وقف في موضع سجوده فسدت صلاته.
وقد قيل: إنَّ المصلي يدفع عن نفسه بما قدر من غير علاج.
مسألة: من الحسن بن أحمد: وذكرت فيما جاز بين المصلي وسجوده من ذي روح مثل الضفدع والخنفساء والسنور وأشباه ذلك اختلاف: منهم: من يقطع على المصلي صلاته وبمرور ذلك كلِّه. ومنهم من قال: كلَّما كان ميتته نجسة هو الذي يقطع وما سوى ذلك لا يقطع. ومنهم من قال: لا يقطع من هذا كله شيء.
مسألة: وعن المصلي إذا كان في قبلته دابة مقبلة إليه أنَّه لا يحفظ أنَّه ينقض الصلاة وإنَّما ذلك من بني آدم. (1/257)
صفحة 258
ورفع أبو حمزة المختار بن عيسى عنه أنَّه ينقض على المصلي إذا كانت في قبلته الدابة والله أعلم.
ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: أحسب عن أبي سعيد رضيه الله: ومن قال لم حكمت على من مرَّ بين يديه الحائض والمشرك والأقلف والجنب وهو يصلي يقطع صلاته؟ فجوابه معنا: أنَّ ذلك ممَّا يروى عن النبي (ص) أنَّه قال: «إذا مضى الحائض والجنب وأحسب أنَّه قال: الكلب أيضاً يمر بين يدي المصلي فسدت صلاته».
وعلى ذلك أجمع عامة فقهاء أصحابنا.
ولا يتلفت إلى خلاف من خالفنا من المبتدعين، لأنَّ أولئك قد بان خلافهم فأحرى أن يخالفونا فيما لم يأت فيه قرآن مبين ولا إجماع منا ومنهم.
وليس مخالفتهم مخالفة للمسلمين، لأنَّه لا قول لهم ولا رأي على المسلمين، فإذا اجتمع علماء المسلمين كان ذلك حجَّة على جميع من خالفهم.
إنَّ النبي (ص): قد ثبت عنه أنَّه قال: «المسلمون يد على من سواهم» فليس لسواهم عليهم حجة إذا وقع الإجماع منهم وإنَّما الاختلاف فيما يجوز فيه الاختلاف من علماء المسلمين على من غيرهم من المبتدعين. (1/258)
صفحة 259
مسألة: من جامع ابن جعفر:
ويكره أيضاً للمصلي أن يستقبل النار والقبور والميت من دابة أو بشر أو النائم أو قوم يتحدثون وكل هذا مكروه، إذا لم يكن بينه وبين المصلي سترة ولا يبلغ به ذلك إلى فساد صلاته.
وكذلك في الأثر من الفقهاء: إلا الميتة، فإنَّه قيل إذا كانت ميتة بين يدي المصلي صغير أو كبيرة تلقاء وجهه أو ميت طهر أو لم يطهر ولم تكن سترة فسدت صلاته، إلا أن يكون يميناً من تلقاء وجهه أو شمالاً.
مسألة: من كتاب ابن جعفر: وممَّا يقطع الصلاة المصلي عليه ممر الكلب والحائض والجنب وجميع السباع والقرد، وإن كان لهم شيء من ذلك بين يديه لم ينقض عليه.
ومن غيره: قال من قال: لا يقطع من الدواب كلِّها إلا القرد والكلب والخنزير.
ومن غيره قال: وقد قيل: لا يقطع من السباع كلِّها شيء.
ومن غيره: وحفظ جابر بن النعمان أنَّ طالوت السمولي سأل هاشم بن غيلان: عن الرجل ما يقطع صلاته؟ قال هاشم: الصلاة ليس حبلاً ممدوداً وإنَّما تعرج إلى السماء فيصلها بر القلب ويقطعها فجوره. . (1/259)
صفحة 260
وقال أبو زياد: بلغني عن الربيع بن حبيب قال: لا يقطع صلاة المصلي شيء من فعل غيره، وإنَّما يقطعها عليه فجوره منها.
مسألة: من حول محمد بن أحمد السعالي: وأمَّا السنور فلا يقطع على المصلي صلاته إذا مرَّ في قبلته وبين قبلته وبينه والله أعلم.
مسألة: ولا ينقض على المصلي إذا مرَّ بين يديه شيء ممَّا ذكرت من الدواب امرأة* أو عنكبوت ولا سقاط ولا غسلان إلا الحية، فقد قيل: أنَّها تقطع الصلاة إذا مرَّت دون خمسة عشر ذراعاً.
وأمَّا الدواب التي وصفناها لك فلا تقطع مرت قدامه أو بينه وبين سجوده والله أعلم. انقضت الزيادة المضافة.
مسألة: وعن المرأة يجيء ولدها فيتعلَّق بها ويبكي ويقعد في حجرها ويقعد قدامها من حيث تسجد، كيف تصنع؟ فإنَّ هذه تصلي وتعزل ولدها من موضع سجودها وتمضي في صلاتها وصلاتها تامة.
مسألة: من جامع محمد بن جعفر: وإذا كان بين يدي رجل من الصف المقدم عذرة رطبة أو يابسة بينه (1/260)
صفحة 261
وبينها أقل من ثلاثة أذرع فصلاته تامة ما لم يكن بينه وبين سجوده أو تمس ثوبه.
ولكن إذا كانت هذه العذرة وهي رطبة بين يدي المصلي بينه وبينها أقل من ثلاثة أشبار وفي ثلاث نسخة ثلاثة أذرع وهو يصلي وحده فسدت صلاته، وإن كان بينه وبينها ثلاثة أذرع لم تفسد عليه صلاته ويمرض بوجهه عنها.
وفي نخسة: إلا أن يستقبلها بوجهه وهو قول ابن المسبح.
مسألة: قال أبو عبد الله: في الصبي إذا وطئ امرأة بالغاً ومرَّ بين يدي المصلي وليس بينهما سترة؟ قال: أنَّه لا ينقض صلاته عليه.
ولكن الصبيَّة إذا وطئها الرجل وقد قذف النطفة في رحمها أو لم يقذف، فإذا مرت بين يدي المصلي قبل أن تغتسل قطعت عليه صلاته. (1/261)
صفحة 262
باب
العمل في الصلوات والعبث والاستماع من عذر أو عبث أو صائحة أو هجس هجساً وفي من تعرض له حسنات في صلاته فيجعل نحسه في نفسه وفيض نظر في كتاب أو إلى السماء أو سقف وفيمن غمض عينيه أو أكله بعوض وفيمن تكلَّم أو ضحك وفيمن لا تقبل له صلاة وفيمن استروح رائحة نتن أو طيب أو دخان وقتل الحية والعقرب ومعاني ذلك.
وعن محمد عن أبيه هاشم عن الأخطال بن المغيرة قال: رواه لنا عن غيره أنَّ الرجل لا يتحرَّك في صلاته لشيء إلا أن ينحل إزاره فيشده أو يسقط رداؤه فيرفعه.
مسألة: قال هاشم وسمعت عبد الوهاب بن جيفر يقول ذلك.
مسألة: وسألت عن المصلي إذا سمع صوتاً فل ميعرف صائحة أو غيرها أو ظنَّ أنَّها راعد فلمَّا سمع ذلك الصوت بقي متوقفاً في صلاته حتى عرف ذلك وتبينه، هل ترى صلاته تامة؟ قال: فعندي أنَّ بعضاً قال تامة إذا كان له معنى في استماعه من خوف أو رجاء. (1/262)
صفحة 263
وقد قيل: إن أصغى بسمعه ليستيقن على ما سمع من غير الصلاة؟ فمعي: أنَّه قيل عليه الإعادة.
قلت له: ولو بقي متوقفاً عن صلاته بقدر عشر تسبيحات، أيكون القول والاختلاف فيه سواء؟ قال: لم أسمع في ذلك حدًّا.
وأمَّا عشر تسبيحات فيكثر عندي ويتباعد.
قلت له: فلم يعجبك أن يكون حد ذلك؟ قال: يعجبني أن يكون قدر ذلك ثلاث تسبيحات أكثر ما يكون.
قلت له: وكذلك إذا أبصر شيئًا وهو في الصلاة من غير أمر الصلاة وحد إليه النظر ليعرفه مخافة أو يرجوه أو يجب معرفته، أيكون النظر مثل السمع؟ قال: عندي أنَّه قد قيل: ذلك أنَّه مثله.
مسألة: عن أبي سعيد قال: ومعي أنَّه قيل في المصلي إذا مدَّ نظره لشيء حتى يعرفه أو ألقى سمعه لشيء حتى يتيقَّن أو استنشق رائحة حتى ينشقها وعرف ما هي إنَّ هذا كلُّه وما يشبهه إذا لم يشتغل به عن صلاته يخرج فيه الاختلاف.
ففي بعض القول: أنَّه لا ينقض عليه حتى يشغله ذلك عن صلاته. وعندي: أنَّ في بعض القول أنَّه يحلقه معنى النقض للصلاة إذا فعل ذلك على التَّعمد ولو لم يشغله ذلك عن صلاته. (1/263)
صفحة 264
وقال: وعندي أنَّ مثل هذا يشبه العمل ويشبه العبث وإلى العبث أقرب به عندي إلا أن يكون في ذلك معصية، فإن خطر بباله حسنات فتابع ذلك حتى عرف الحسنات ولم ينشغل عن الصلاة، هل يكون مثل الأول؟ قال: عندي أنَّه إذا لم يقصد إلى ذلك تشابهت هذه الأشياء عندي إذا غلبه ذلك.
وأمَّا إذا تعمَّد لذلك وحسب في نفسه ولو لم يشغله عن الصلاة فعندي: أنَّه قيل أنَّ عليه البدل والحساب عندهم عملهم ولا أعلم في ذلك اختلافاً.
كذلك أو أنَّه سف أو عمل عملاً بيده ولو لم يشغله ذلك عن الصلاة فقد عمل في الصلاة وعليه الإعادة بذلك.
قلت له: فإن فكَّر في أمر دنياه، كيف يتأتَّى له أمرها أو في الآخرة كيف يتخلَّص من تتابعه ونحو هذا ولم يشتغل عن الصلاة بحال، هل يكون هذا عبثاً؟ قال: أقول إنَّ هذا قصد إلى شيء غير أمر الصلاة من الدنيا ما لم يفرغ إليه.
فقصد ذلك يشبه عندي كقصده بنظره، فإن فرغ نفسه لذلك عن أمر الصلاة واشتغل بذلك عن حفظ صلاته ولم يفرغ نفسه، فهذا عندي معنى ما يوجب الاتفاق في نقض الصلاة، وما سوى ذلك يوجب معنى الاختلاف عندي. (1/264)
صفحة 265
مسألة: من كتاب ابن جعفر: وقيل من ألقى سمعه إلى استماع كلام أو رعد أو غيث أو نحو هذا حتى يعرفه انتقضت صلاته، إلا أن يدخل سمعه بلا أن يتعمَّد لذلك.
وأنا أحبُّ أن لا يكون عليه بذلك نقض حتى يشتغل بذلك عن الصلاة.
وقد كنت أنا صليت خلف موسى بن علي رحمه الله وصاحت صائحة وهو يقرأ في صلاته وأحسبها صلاة الفجر فأمسك ما قدَّر الله وهو ساكت عن القراءة حتى توهمنا أنَّه قد فهم ذلك، ثم مضى في صلاته.
مسألة: ومن غيره: قلت: ما تقول في رجل كان يصلي في بيته في الليل أو النَّهار فسمع صوتاً أو هجس هجساً فأراد أن يصغي بسمعه إليه ويترك القراءة لمعنى إرادة من حفظ منزلة أو غيره، هل له ذلك؟ قال: معي أنَّ بعضاً يقول له ذلك ما لم يشتغل عن صلاته إذا كان لمعنى.
مسألة: ومنه: ومن يخشى في الصلاة ففتح فاه ليخرج منه الربح فلا بأس ما لم ينفخ. (1/265)
صفحة 266
وقال أبو عبد الله: من قنع رأسه أو كشف عن رأسه القناع في الصلاة من حر أو برد فلا بأس.
مسألة: أخبرنا أبو زياد عن هاشم بن غيلان عن الرامي قال من رفع يده فوق رأسه وهو في الصلاة انتقضت صلاته.
قال أبو المؤثر: الرامي محمد عبد الرحمن من أهل إزكي.
قال غيره: نعم ذلك إذا كان لغير مصالح الصلاة وإنَّما فعل ذاك عبثاً.
مسألة: وقال من أساغ شيئًا من الطعام في الصلاة ناسياً أنَّه لا نقض عليه في صلاته.
مسألة: عن أبي الحواري: وعمَّن كان حاملاً بضاعة له على دابَّة وحضرت الصلاة فخاف أن لا يقدر عليها إذا حط منها وصلَّى، هل يجوز له أن يمسك الدَّابة ويصلي.
وكذلك إن خاف أن يقع الحمل، هل له أن يضع يده على الحمل ويصلي ويسجد؟ فإذا كان ذلك جاز له إذا خاف على ما وصفتم، وإن لم يقدر أن يسجد على الأرض أومأ إيماء، (1/266)
صفحة 267
وإن لم يقدر على الوقوف صلَّى وأومأ وهو يمشي.
وقد قال الله تعالى: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} فالرجال المشاة.
مسألة: عن حماد بن إبراهيم إذا قهقه الرجل في الصلاة أعاد الوضوء وأعاد الصلاة، وإذا ابتسم أو كشَّر مضى على صلاته فلا يعيدها وهو قول أبي حنيفة وقول أسد.
قال غيره: وقد قيل: أنَّه يعيد الصلاة.
مسألة: من كتاب ابن جعفر: أن يقدم المصلي قدر خطوة أو خطوتين في الصلاة أو تأخر فلا نقض عليه.
مسألة: وعن رجل صلَّى في مصلى مرتفع فصرع عنه حتى يقع على جنبه ثم رجع وقام إلى المصلي؟ قال: لا بأس عليه ويبني على صلاته ولا يفسدها ولا يفسد ما مضى من صلاته.
مسألة: قال إذا أحرم الإمام ثم تأخَّر أو تقدَّم من غير عذر فسدت صلاته. (1/267)
صفحة 268
قلت: ولو خطوة؟ قال: نعم.
مسألة: ورجل ساجد أو راكع لو يقرأ التحيات.
قلت له: هل يجوز له أن يتقدَّم أو يتأخَّر في صلاته إلى خمس خطوات أو عن يمينه أو عن شماله؟ فقد قيل: ذلك وهو أكثر ما عرفنا. وقيل: إلى قدر خطوة أو خطوتين.
مسألة: عن أبي علي الحسن بن أحمد وفي المصلي إذا طعنته سلاة له أن يخرجها ويبني على صلاته أم يستأنف؟ فإن كانت تشغله عن صلاته كان له إخراجها ويبني على صلاته، وإن لم تكن تشغله عن صلاته كان عليه الإعادة إذا خرج ذلك مخرج العمل في الصلاة والله أعلم.
مسألة: وعن رجل مسافر صلَّى خطام دابته تحت رجله ليمسكها بذلك؟ قال: لابأس عليه. (1/268)
صفحة 269
قال أبو المؤثر: نعم ولا بأس أن يمسكها بيده خوفاً أن تذهب.
مسألة: قال أبو سعيد: معي أنَّه قد اختلف في العبث في الصلاة؟ فمعي: أنَّ بعضاً يفسد الصلاة به على حال على العمد والنسيان والجهل.
وقال من قال: لا تفسد الصلاة على حال على العمد والجهل والنسيان. وقال من قال: تفسد على الجهل والعمد ولا تفسد على النسيان. وقال من قال: تفسد على العمد ولا تفسد على النسيان.
مسألة: وروى أبو سعيد: عن النبي (ص): أنَّ رجلاً كان يصلي خلفه فسبَّح لموضع سجوده أكثر من واحدة، فأمره النبي (ص) بإعادة صلاته ورخَّص في واحدة.
وقال النبي (ص): «لمترك واحدة أحبُّ إلي من مائة ناقة سود الحدق سواد العين».
مسألة: من كتاب ابن جعفر: وعن أبي عبد الله أنَّ من حرك خاتمة بإبهام يده التي فيها الخاتم فلا بأس. (1/269)
صفحة 270
وإن حوَّل الخاتم بيده الأخرى أو بإصبع منها نقض.
وما أحبُّ أن يبلغ به ذلك إلى فساد إذا لم يشغله عن صلاته.
ومنه: وكل من شمَّ رائحة فاستنشقها متعمداً نقض عليه صلاته إلا أن يشمَّه بلا أن يتعمَّد.
ومن غيره: قال: وقد قيل: لا نقض عليه إلا أن يشغله ذلك عن صلاته.
مسألة: وإن تعمَّم في صلاته أو حلَّ عمامته؟ فقال: إنَّه ينقض صلاته إلا أن تسترخي عمامته فيشدها على حالها.
ومن غيره: قال أرجو أني عرفت أنَّه يشدُّها بيد واحدة فينظر في ذلك.
وإن أخرج ثوبه من على رأسه ورفعه عليه أو تردَّى في الصلاة أو التحف أو سوَّى ثيابه وهو مستمسك فلا نقض عليه في ذلك، إذا كان من جهة اللباس.
وكذلك حفظنا ومنه: وسألته عمَّن يصلي وثوبه على رأسه فوقع فرفعه على رأسه ولم يكن على رأسه أو رفع ثوبه بيده على رقبته وجعل طرف ثوبه تحت إبطه وهو قائم في الصلاة؟ قال: لا يفعل شيئًا من ذلك.
قلت: وكل عبث كان في الصلاة فهو عمل؟ قال: نعم، ولكن لا يأخذها عادة. (1/270)
صفحة 271
مسألة: ومن كتاب المصنف: ومن غير الكتابات من جوابات أبي سعيد فيمن آلمه البول في الصلاة فوضع يده على ذكره من فوق الثوب؟ قال: معي إن كان يتعوَّن بذلك على صلاته من غير معالجة فأرجو أنَّ له ذلك على ما يشبه في غيره.
قلت: ولو أمسكه إمساكاً؟ قال: كلُّه سواء.
مسألة: قال أبو سعيد: في المصلي إن أخرج اللفظة من فمه أو شفته بيده فألقاها؟ فمعي: أنَّه يختلف في نقض صلاته. فقيل: تفسد. وقيل: لا تفسد.
مسألة: ومنه: ويكرع أيضاً للمصلي أن ينقر أنفه حتى يخرج منه شيئًا ولا يخرج أو يدخل يده في فيه أو في منخريه أو في أذنيه. وقال من قال: في ذلك النقض. وقيل: غير ذلك. (1/271)
صفحة 272
ونحن ممَّن يرى في ذلك نقضاً.
ومن غيره: قال أبو عبد الله إلا أن يخرج شمرة.
ومن غيره: قال: وقد قيل: عليه النقض أخرج شيئًا من الشعر أو لم يخرج. وقال من قال: عليه النقض إذا خرج، وإن لم يخرج شيئًا فلا نقض عليه. وقال من قال: لا نقض عليه أخرج أم لم يخرج وهذا كلُّه إذا كان من غير عذر منه.
ولا بأس على المصلي أن يخرج الدرة واللفظة تدخل في مسمعه أو عينه أو غير ذلك من بدنه إذا خاف أن تؤديه أو تشغله عن الصلاة.
وكذلك يخرج الدبي وغيره من الدواب من بدنه في الصلاة ولا يقتله. وقال من قال: عليه النقض إذا قتله في الصلاة.
ومن غيره: قال أبو عبد الله: إن مسحه بيده فلا نقض عليه، وإن أخذه بيده ثم طرحه فعليه النقض لأنَّه عمل.
وأمَّا البعوض والناخي فإن صرفه عن نفسه فقتله في الصلاة فلا بأس، لأنَّه جاء به الأثر.
ويقتل المصلي الحية والعقرب إذا محقتا به العقرب بفتح العين والراء وتسكين القاف وخافها على نفسه.
وقال محمد بن محبوب رحمه الله: وعليه أن يستأنف صلاته إذا قتلهما. (1/272)
صفحة 273
قال أبو عبد الله: لا نقض عليه لما جاء عن النبي (ص): «اقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في الصلاة».
وكذلك عندنا أنَّه يقتل كل دابة تقرب منه يخافها ويستأنف الصلاة. وقال من قال: أنَّه يقتل الحيَّة والعقرب وصلاته تتم.
مسألة: وإن سأل من المصلي دموع في الصلاة فخاف أن يدخل فاه وأول سجب عينه فله أن يمسحها بيده أو بثوبه.
وكذلك للمصلي أن يزيل نعليه من موضع سجوده أو ركبتيه إذا أحرزتا.
مسألة: قال أبو عبد الله يضع نعليه بين رجليه ويتمُّ صلاته.
ومن غيره: وكذلك أيضاً ينحيهما عن الذي تحت في الصلاة، وإن وقغ ثوبه على إنسان أو وقع ثوب ذلك الإنسان عليه فله أن يخرجه.
وكذلك عن موضع سجوده ومنه ومن أساغ طعاماً في فيه في الصلاة أو النخاعة بعد أن ظهرت على لسانه وصار على مقدر من لفظها؟ فقيل: عليه النقض.
قلت: فإن خرج من بين أسنانه شيء من الطعام فابتلعته؟ (1/273)
صفحة 274
قال: لا يضره ذلك وصلاته تامَّة.
ومن غيره: قال فيمن أساغ شيئًا من الطعام ناسياً أنَّه لا نقض عليه في صلاته ومنه.
وكذلك إن نقر ضرسه بلسانه إلا أن يكون طعاماً يخاف أن يقع في فيه في الصلاة أو يسبغه فيحركه بلا أن يشغله حتى يصير على شفتيه فلا نقض عليه.
وكذلك حتى تصير على شفتيه فلا نقض عليه.
وكذلك اللفظة إذا كانت في فم المصلي؟ فقيل: يحيلها حتى تصير على شفته ولا نقض عليه.
ولو أخرجها بيده ما رأيت عليه نقضاً.
ومن غيره: قال: وقد قيل: ذلك أيضاً أنَّه إن أخرجها لم تنقض. وقال من قال: يحيلها على شفته ولا يخرجها، فإذا أخرجها نقض.
قال أبو عبد الله: من مسحها من على فيه لم ينقض، وإن أخرجها بيده ثم طرحها نقض، وإن أحالها بيده ثم طرحها نقض، وإن حالها من حيث لا يجزره في فيه فلا بأس عليه وهو في صلاته.
وعن محمد بن محبوب رحمه الله قال: من تزايد في التثاؤب في الصلاة نقض صلاته وإن لم يسمعه من خلفه. (1/274)
صفحة 275
وإن لم يتزايد في التثاؤب وسمعه من خلفه من الصفوف نقض صلاته أيضاً.
وعندنا: أنَّه لا نقض عليه ولو سمع لأنَّه مغلوب حتى تتزايد في التثاؤب.
ومن غيره: قال أبو عبد الله: إذا تزايد نقض وله أن يضع أصابعه على فيه إذا تثاءب ويكظم.
قلت: فإن أدخل يده في أنفه أو أذنه وقد انتحى به أو لم ينتح فأدخل أصبعه؟ قال: إذا كان يخاف لمن يشغله ذلك عن صلاته فله أن يحك أذنه وأنفه ويدخل يده في أنفه وأذنه.
وإن كان لا يشغله ذلك عن الصلاة فلا أحبُّ له شيئًا من ذلك.
قلت له: فإن فعل فلا ينقض.
مسألة: ومن غيره: وسألته عمَّن وقع عليه ذباب وهو في الصلاة أيصرفه بيده؟ قال: إذا كان يشغله عن صلاته طرده.
قلت: فإن وقع على عينيه فغمض عينيه ولم يخف أن يشغله عن صلاته، أترى عليه نقضاً؟ قال: لا نقض له.
فإن وقع على أنفه فنفخ أنفه ليطرده؟ (1/275)
صفحة 276
قال: هو نفخ والنقض أحبُّ إلي.
مسألة: وسألته عن الرجل يتثاءب في الصلاة، هل له أن يجعل يده على فمه؟ قال: معي أنَّ بعضاً يأمر أن يجعل قفا يده اليسر على فمه. وبعض: كره له ذلك. وبعض: ينهاه عنه.
مسألة: أحسب عن أبي عبد الله رحمه الله: فإذا ذكر حساباً في الصلاة فجعل يحسبه في نفسه فعليه الإعادة لصلاته.
وإن كان لا يتعمَّد ذلك بل وكان الشيطان يعرض له في ذلك وهو كاره فلا أرى عليه بأساً ورغماً للشيطان.
ومن غيره: الحساب عمل ولا اختلاف معنا للعمل أنَّه يفسد الصلاة.
مسألة: وسألته عمَّن يصلي وهو كاشف رأسه يجوز له أن يغطي رأسه أو يتلحف وهو يصلي، أيجوز له ذلك؟ قال: لا يجوز في الصلاة شيء من العبث وهو عمل وهو يفسد الصلاة. (1/276)
صفحة 277
قال أبو الحواري رحمه الله: إن اصطبر جاز له ذلك من شدة البرد والحر وكذلك حفظنا.
ومن غيره: قال: نعم.
وذلك في الذي يدخل في الصلاة وهو كاشف رأسه ثم يغطيه أو كون مغطياً له ثم يكشفه ويكون متردياً به فيتلحف أو متلحفاً فيتردَّى، فهذا لا يجوز على أول ما في المسألة.
وأمَّا إذا كان مقنعاً رأسه فانكشف قناعه فردَّه؟ فلا بأس عليه وليس يستحبُ له ذلك إلا من ضرورة.
مسألة: وهل يجوز للرجل أن يشدَّ عمامته على رأسه وهو في الصلاة؟ فله أن يشدَّها بيد واحدة إذا خاف أن تسقط على جبهته في السجود.
ومن غيره: وعن رجل يصلي ورفع يده فوق رأسه فقال فيه اختلاف بين الفقهاء:
منهم من قال: عليه النقض. ومنهم من قال: ليس عليه النقض.
وقال أبو مالك: من رفع يده فوق رأسه لعذر لم تنتقض صلاته، وإن رفعها فوق رأسه في الصلاة بغير عذر انتقضت صلاته.
مسألة: قلت: ومن لم يقلد عمامته في حلقه وهو يصلي يجب عليه صلاته شيء (1/277)
صفحة 278
أم لا؟، وإن ذكر ذلك وهو في الصلاة فنشر من عمامته من على رأسه طرفاً فألواه في عنقه تنتقض صلاته أم لا؟ فإن كان ناسياً أو جاهلاً وصلَّى على ذلك تتم صلاته، وإن أراد خلاف السنة في ذلك؟ فقد قال بعض: إنَّ عليه الإعادة. وبعض: لم ير عليه الإعادة.
وأمَّا إن نشرها في الصلاة فذلك عمل في الصلاة وأحب أن يكون عليه الإعادة.
مسألة: ومن كان يعقل يعقد في صلاته الآيات أو التَّكبير بيده، فإن ذلك ينقض صلاته في الفرائض.
وأمَّا النوافل وصلاة العيدين، فإنَّه يكره له ذلك ولا نقض عليه، ولا بأس إن عقد في نفسه.
مسألة: وقلت: إن ارتفع قدما المصلي عن الأرض بعد أن سجد أو قبل أن يضع جبينه على الأرض، هل تنتقض بذلك صلاته؟ فإذا كان ارتفاعها من عذر فلا بأس، (1/278)
صفحة 279
وإن كان لغير عذر وكان ذلك في سجوده؟ فمعي: أنَّ بعضاً قال: تنتقض صلاته. وبعض: ذهب إلى تمامها وقد أساء.
وسألته عمَّن يرفع قدميه من الأرض وهو ساجد تفسد صلاته أم لا؟ قال: إن تعمَّد لذلك بغير معنى فسدت صلاته، وإن كان لمعنى سجود أو نسيان فلا فساد عليه.
مسألة: وعن رجل يصلي فجشأ فنفخ الريح متعمداً أو ناسياً أو جاهلاً، هل تتم صلاته؟ فقد قيل: لا تتم على حال.
قلت: وكذلك إن أرواح بين قدميه لغير معنى أو استنشق رائحة نتن أو طيب له، هل يكون هذا من العبث؟ قال: نعم، هو عندي عبث.
وسألته عن العبث في الصلاة على التَّعمد والجهل والنسيان، هل تفسد الصلاة؟ قال: قد قيل: إنَّه يفسد الصلاة على كل حال.
وقيل: تفسد على التَّعمد ولا تفسد على النسيان. وقيل: لا تفسد على التَّعمد ولا على النسيان ولا على الجهل ما لم تقم مقام العمل. (1/279)
صفحة 280
وأحبُّ إليَّ أن تفسد على التَّعمد بالعبث مع الذكر للصلاة، فإذا عبث عامداً للعبث وهو ذاكر لصلاته على غير خطأ أحببت الإعادة.
مسألة: وقيل: للمرأة أن ترضع ولدها وهي في الصلاة، وكذلك تحمله وهي في الصلاة إذا كان يشغلها عن صلاتها بالصباح.
مسألة: وسئل عن رجل انحط إزاره عن سرته وهو في الصلاة، أيرفعه وهو يصلي؟ قال: إن تركه فليس عليه بأس ورفعه أحبُّ إلي.
وعن رجل نعس في الصلاة خلف الإمام، هل لمن على يده ممَّن يصلي معه أن يحركه وهما في الصلاة؟ قال: نعم. وقد أجاز هذا بعض الفقهاء.
قلت: فلو أومأ برأسه وهو في الصلاة لرجل يكلمه يريد نعم أو لا، هل تفسد صلاته؟ قال: لا. (1/280)
صفحة 281
مسألة: وفي حفظ أبي سعيد رحمه الله عن الرجل إذا أكله شيء في رجليه أنَّه يؤمر أن يحكَّ ذلك بأدنى حركة يقدر بها على إزالة ذلك، فإن حكَّها برجله الأخرى فلا يدل عليه.
مسألة: ويكره للمصلي أن يراوح بين قدميه في الصلاة بغير عذر فأرجو أنه ينهى عن ذلك، ولا أعلم فيه فساداً إلا من طريق العبث إن كان عابثاً فيختلف عندي في صلاته على هذا. وكذلك في اليدين والركبتين إذا كان مراوحة.
وأمَّا أن يكون اعتماده على ذلك ويرفع الأخرى فمعي: أنَّ هذا أشدُّ ويخرج عندي معنى الاختلاف في إذا تمَّ ذلك الحد الذي هو فيه.
وأمَّا ركوعه إذا جعل إحدى يديه على ركبتيه ولم يجعل الأخرى، فذلك ممَّا يكره، ولا أعلم ذلك ممَّا يفسد على حال، ولا يشبه في ذلك عندي الاختلاف.
مسألة: قال أبو عبد الله رحمه الله: من شبَّك أصابعه نقض صلاته. (1/281)
صفحة 282
وقال بعض: إنَّه مكروه.
ومن أكل رجليه بعوض أو غيره وهو قائم يصلي؟ قال: أمَّا في الفريضة فلا يمسح برجل على الأخرى.
وأمَّا النفقة فلا يبلغ به ذلك إلى فساد.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: لا بأس أن يمسح برجله الأخرى من البعوض، وإن كفَّ عن ذلك فهو أحسن.
مسألة: قلت: فإن انتحى به شيء من بدنه في صلاته يحكه مرة أو مرتين أو أكثر، أيجوز له ذلك أم لا؟ قال: إذا خاف أن يشغله عن صلاته حكَّه حتى يزول ويمسحه بيده، ولا أعلم أنَّ فيه حداً.
قلت: فإن أدخل إصبعه في أذنه وأنفه في الصلاة تنتقض أم لا؟ قال: إن كان عابثاً أو لغير معنى انتقضت صلاته، وإن كان سبب أشغله عن صلاته أنَّه لم ينتقض.
وفي نسخة: إن حكَّ ذلك بيده فلا بأس. وأحبُّ النظر في القدم أيضاً. (1/282)
صفحة 283
ومن غيره: وعن أبي سعيد رحمه الله في الرجل إذا أكله شيء في رجله أنَّه يؤمر أن يحك ذلك بأدنى حركة يقدر بها على إزالة ذلك، وإن حكَّها برجله الأخرى فلا بدل عليه.
مسألة: من كتاب ابن جعفر: وسألته عن رجل وجد بلة في أنفه برسم ماء فمسحه بثوبه وهو في الصلاة، أينقض ذلك صلاته أم لا؟ فإن كان يخلف أن يدخل الماء في فيه فليس عليه بأس في صلاته، وإن لم يخف فلا يفعل. فإن فعل لم يبلغ ذلك إلى نقض صلاته. وقد قال بعض: إنَّ صلاته منتقضة.
وأنا أحبُّ أن تكون صلاته تامَّة إذا لم يكن ذلك يشغله عن صلاته.
وسألت أبا سعيد رحمه الله عن رجل أراد أن يعمل في الصلاة شيئًا ما لا يجوز له عمله في الصلاة من تحويل شيء من الأشياء عن موضعه أو غير ذلك فرفع يده ليفعل ذلك أو حرَّكها ثم إنَّه ذكر وكان منه على سبيل النسيان فلمَّا ذكر أنَّ ذلك لا يجوز له فعله في الصلاة أمسك عنه وقد كانت منه تلك الحركة لشيء من جوارحه، هل يكون ذلك بمنزلة العمل ويفسد صلاته؟ قال: معي: أنَّه ما لم يحصل العمل وإنَّما هو أراده ولم يفعله فليس عندي أنَّه عمل وكأنِّي لا تفسد صلاته. (1/283)
صفحة 284
مسألة: وكذلك من مسح وجهه بثوبه في الصلاة من تراب أو عرق أو نفض كفيه من التراب تقدم مسائل قبل هذه المسألة أنَّه لا يؤمر به ولا يستحبُّ له.
ومن غيره: قال أبو عبد الله: إذا نقض كفيه انتقضت صلاته.
ومن غيره: وكذلك النقض على من نفخ الأرض في الصلاة أو قلب الحصى أو تعطى أو نقع أصابعه أو تزايد في التثاؤب أو غطَّى فاه.
وقال من قال: يكره للمصلي أن يعطي فاه أو يقعص شعره أو يقعي أو يتربع أو يجاوز بطرفه عن موضع سجوده أو يقلب الحصى في الصلاة أو يعبث من ثيابه أو جسده في صلاته أو يتلثم أو يكف شعره أو ثوبه أو يضع يده على خاصرته أو يمسح جبهته من التراب أو يسوي الحصى لسجوده.
ومن فعل هذا فقد أخطأ. وقال بعضهم: لا نقض عليه.
وأمَّا المتمطي، فإن فعل ذلك من غير عذر فأرجو أنَّه لا يبلغ به إلى نقض صلاته. ويكره للمصلي أن يغمض عينيه في الصلاة.
ومن غيره: وسأل عمَّن غمض عينيه في الصلاة؟ قال: معي أنَّه قد قيل: تفسد صلاته بقليل ذلك وكثيره. وقال من قال: حتى يجاوز حداً على ذلك. وقال من قال: حتى يجاوز كفه. (1/284)
صفحة 285
وقال من قال: حتى يغمض في الصلاة كلّها. وقال من قال: ولو غمض فيها كلها فلا تفسد صلاته.
ويخرج هذا على معنى العبث. وقال من قال: على العمد والخطأ. وقال من قال: على العمد وليس في الخطأ أو يشبك أصابعه أو ينظر في السماء إلا أن ينظر منها إلى أمام وجهه وأرجو ألا يكون عليه في ذلك نقض.
وأمَّا إن رفع رأسه حتى نظر إلى السماء من فوق رأسه فأخاف عليه النقض.
ومن غيره: وقد قيل: ذلك. وبعض لا يرى عليه نقضاً ولو تعمَّد والقول الأول أحبُّ إلي.
مسألة: ومن غيره قال: كل هذا فيه اختلاف: وقال من قال: ينقض ذلك على العمد ولا ينقض على النسيان. وقال من قال: لا ينقض على العمد ولا ينقض على النسيان، لأنَّ هذا كلُّه من العبث والعبث كلُّه هكذا قيل فيه.
مسألة: والمرأة إذا أرضعت ولدها وهي تصلي فلا بأس إذا لم يكن فيه قذر. (1/285)
صفحة 286
مسألة: ومنه: وقال أبو عبد الله رحمه الله: من عض بأسنانه على شفتيه من خارجها متعمداً وهو في الصلاة لم تنتقض صلاته.
وعن رجل كان يصلي وكان واقفاً ينظر الإمام في شيء من الحدود ولا يقرأ شيئًا فأنصت إلى شيء من غير أمر الصلاة، هل تتم صلاته؟ قال: معي أنَّه قد قيل: أن ينفي الاستماع والإصغاء إلى استماع الشيء من غير أمر الصلاة تفسد صلاته. وقيل: حتى يشتغل عن صلاته فيما عندي.
نسخة فيما معي: ولا فرق معي في الاستماع في أي الحالات ما كان في أمر الصلاة.
ويعجبني: أن يكون استماعه إلى شيء من المعاصي أو للهوا وما لا معنى له من استماعه لدرك شيء من الثواب ولا دفع من المضار عنه أو عن من يلزمه أو في ما يلزمه القيام به أن يكون بنفس الاستماع في مثل هذا أحبُّ أن تفسد صلاته.
وإذا كان استماعه لشيء يرجو منه درك فضل؟ يعجبني: أن لا تفسد صلاته إلا أن يشتغل عن صلاته وعن حفظها.
قلت له: فهذا كان خلف الإمام أو وحده أكله سواء؟ قال: هكذا عندي. (1/286)
صفحة 287
مسألة: عن أبو سعيد: وعن رجل أخرج ثوبه من على رأسه فخاف أن يصيبه الدهن أو رفع ثوبه من قدامه أو من خلفه لئلا يقع في التراب وهو رطب وهو في الصلاة، هل تنتقض صلاته؟ قال: معي هذا من كف الثياب. قد قيل: من كف ثوبه أو شعره في الصلاة انتقضت صلاته.
وقال من قال: إن من كفَّ شعره انتقضت صلاته ولا تنتقض إذا كفَّ ثوبه. وقال من قال: إنَّ ذلك مكروه ولا تنقض صلاته بذلك.
وقال: وقد يؤخذ عن النبي (ص): أنَّه قال: «من اتَّقى على ثوبه في الصلاة». فإن كان ذلك على النسيان، هل تنتقض صلاته؟ على قول: من يفسدها بذلك؟ قال معي: أنَّه مطلق فيه القول بالنقض.
مسألة: من الزيادة المضافة: وسألته عمَّن يصلي في بيت فيه غبار الوقيد وهو يدخل في خياشيمه. (1/287)
صفحة 288
أيجوز له ذلك أم لا؟ قال: لا كيف يصلي وهو مكروب الرهاين.
وسألته عمَّن يعنيه التثاؤب وهو في الصلاة؟ قال: يمسك عن القراءة حتى يهدي عنه التثاؤب.
قلت له: فإن تحرَّك لسانه بالقراءة وهو في التثاؤب يجزيه ذلك أم يعيد القراءة؟ إذا بيّن القراءة فلا نقض عليه ولا يعيد بفعل.
مسألة: من المجموع وحفظ عن محمد بن محبوب: في رجل يبدل شفتيه بلسانه إذا جفتا؟ فلم ير بذلك بأساً إذا كان ذلك صلاحاً لصلاته.
مسألة: عن قومنا وقال شمط بن عجلان لابن أدهم بينما هو في الصلاة يذكر الله والدار الآخرة إذ حكَّه برغوث أو نملة فنسي الله والدار الآخرة.
وروي عن رسول الله (ص): رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة.
فقال (ص): «أمَّا إنَّ هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه».
رجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/288)
صفحة 289
مسألة: ومن الكتاب: وأمَّا إن اعترضت المصلي في صلاته حية أو عقرب قتلها إذا خافها في قول أصحابنا.
وليس في الخبر إجازة قتلها في الصلاة مع الخوف والله أعلم.
روي عن النبي (ص): «اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب».
واختلف أصحابنا في صلاته إذا قتلهما: قال بعضهم: يبني على صلاته. وقال آخرون: يبتدئ والأول انظر.
وقد روي عن النبي (ص): أنَّه كان يصلي وعن يمينه رجل يصلي بصلاته ودخل معهما جابر بن عبد الله الأنصاري: فقام على شمال النبي (ص) فأدارهما خلفه وهو في الصلاة.
وقد اتَّفق الجميع على جواز العمل القليل في الصلاة. وأكره العمل في الصلاة، وإن قل لغير الصلاة، لأنَّها عبادة لله تعبد بها فلا يشتغل المصلي بغيرها.
قال الله جلَّ ذكره: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (1/289)
صفحة 290
فصل
العمل في الصلاة والالتفات فيها
من كتاب الأشراف: واختلفوا في النفخ في الصلاة فكرهت طائفة ذلك ولم توجب على من نفخ إعادة.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا إنَّ النفخ يفسد الصلاة.
وأرجو أنَّه في بعض قولهم أنَّه على العمد والنسيان.
وأحسب أنَّ في بعض قولهم أنَّه يقوم مقام الكلام خرج أنَّه ليس من الذكر وثبت فيه معاني الاتفاق بفساد الصلاة.
ويعجبني إلا يكون بمنزلة الكلام إلا أن يراد به ذلك لمعنى مثل تأوه أو ما أشبه ذلك ممَّا يقصد به إلى معنى.
ويعجبني: إذا كان لمعنى يستدل به أنَّه غير معنى الكلام خرج مخرج العبث.
ومنه أكثر أهل العلم لا يرون التبسُّم يقطع الصلاة.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّ الضحك يفسد الصلاة وأنَّ التَّبسم ضحك.
قال الله تبارك وتعالى: {فتبسَّم ضاحكاً من قولها} وفي معاني قولهم إذا تبسَّم ضاحكاً في الصلاة فسدت صلاته. (1/290)
صفحة 291
وإذا قهقه ضحكاً فسد وضوءه وانتقضت صلاته.
وقد جاء ما يشبه معاني هذا عن النبي (ص): فيما يضاف إليه ويروى عنه أنَّ الضحك خارج من معاني الصلاة.
ومنه: روينا عن النبي (ص): أنَّه أمر بقتل الأسودين في الصلاة الحية والعقرب.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج ما حكى من معاني الإجازة والرواية في قتل الحيَّة والعقرب في الصلاة.
ويخرج ذلك في معاني قول أصحابنا: إذا جمعنا به عندي أنَّ المعنى إذا خافهما على نفسه في صلاته فلا يعترض ذلك في غير خيفة على نفسه ضرورة في الصلاة.
ومعي: أنَّه يخرج في معاني قولهم أنَّ فعل ذلك اختلاف في صلاته. ففي بعض القول: أنَّه يبتدئ صلاته.
وفي بعض القول: أنَّه يبني عليها.
ولعلَّ أكثر القول أنَّه يبني عليها في قتل الحية والعقرب.
ومنه: رخَّص في عدد الآي في الصلاة قوم.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّه لا بأس بحفظ قراءته ما لم يكن ذلك يشغله عن حفظ صلاته أو شيء منها.
ولا يجوز ذلك عندي بالعقد في معنى قولهم وإنَّما يجوز في الحفظ بالاعتقاد.
ومنه قال الله تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} (1/291)
صفحة 292
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا أنَّ الخشوع في الصلاة الإقبال عليها وترك الحركات فيها إلا لمصالحها من جميع الجوارح من اليد والنظر والأذنين واللسان من جميع ما هو خارج من معلنيها حتى يفرغ منها.
فمن ذلك ما هو واجب لازم ومنه ما هو فضيلة.
وروي عن النبي (ص): أنَّه مضى على مصل وهو يعبث في صلاته بشيء من الحركات. فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.
وقيل: عن عبد الله بن مسعود: أنَّه كان في الصلاة كأنَّه ثوب ملقى على الغدان.
المعنى أنَّه لا يتحرَّك فيها إلا في معانيها وركوعها وسجودها وأصبح الخشوع فيها خشوع فيها خشوع القلب بالقصد لتأديتها لله والتعبد بها والخوف لله فيها من شؤم ذنوبه أن يقبلها منه.
ولو خشع فيها بجوارحه والرجية لله بفضله أن يتقبلها منه ويتجاوزها عنه بما لا يستحقه من ذنوبه في عدله.
ومنه: ثبت أنَّ رسول الله (ص) قال: «في الالتفات في الصلاة هو اختلاس اختلسه الشيطان لعنه الله من صلاة العبد» واختلفوا فيما يجب على المتلفت في الصلاة.
قال أبو سعيد: معي أنَّه يخرج في معاني قول أصحابنا ولعلَّ أكثر قولهم أنَّه مكروه. (1/292)
صفحة 293
ويؤمر بالإقبال عليها ووضع النظر فيها فوضع السجود فما دونه من حياله.
وكذلك إقصار النظر عمَّا فوق ذلك فيما زائله عن يمين أو شماله، وأمَّا الالتفات فمعي: أنَّه في أكثر قولهم إنَّه لا يبلغ بالمصلي إلى نقض صلاته ما لم يدبر بالقبلة أو يخرج منه ذلك على معنى العمل لا على معنى العبث.
فإذا ثبت في معنى العمل صار نفسه إليه وقام مقامه.
فمعي: أنَّه يخرج في معاني قولهم إنَّ ذلك يفسد.
وأمَّا إذا كان على معنى العبث، فيخرج فيه معنى الاختلاف من قولهم في إعادة الصلاة.
وأمَّا إذا أدبر بالقبلة فمعي أنَّه يخرج في معاني الاتفاق من قولهم أنَّ عليه الإعادة واستقبال صلاته.
وعندي: أنَّه إن فعل ذلك خطأ أو عمداً فسواء وعليه الإعادة.
وكذلك إذا خرج على معنى العمل خطأ أو عمداً فشبه ذلك عندي أنَّ عليه الإعادة.
مسألة: من جامع ابن جعفر: ويكره الالتفات في الصلاة ولا نبصر نقضاً عليه حتى ينظر في التفاته ما خلف ظهره. (1/293)
صفحة 294
وأمَّا إن بصر عن يمينه أو عن شماله أو أمامه حتى يبصر ويستبين ما كان تحته فلا نقض عليه ما لم يشتغل بذلك عن صلاته.
ومنه: وكذلك أرجو إن كان بين يديه كتاب واستبان منه شيئًا ممَّا فيه بلا أن يشغله عن صلاته.
ويوجد أيضاً عن أبي عبد الله رحمه الله: فيمن نظر كتاباً فاستبان في صلاته أنَّ عليه النقض.
قال أبو عبد الله: إذا نظر أحرفه انتقضت صلاته.
مسألة: وعن الذي يصلي في مسجد فيه نقش فينظر متعمداً، هل يعيد الصلاة؟ وإن كان ذاكراً حساباً في الصلاة فجعل يحسبه في الصلاة في نفسه فعليه الإعادة لصلاته، وإن كان لا يتعمَّد لذلك فجعل الشيطان لعنه الله يعرض له ذلك وهو كاره لذلك؟ فلا أرى عليه بأساً ورغماً للشيطان.
وإنَّما قيل تفسد صلاة الذي ينظر في صلاته إلى كتاب حتى يقرأه ويعرفه، فإنَّ ذلك يفسد صلاته.
مسألة: وقال أبو سعيد رحمه الله: ومعي أنَّه قد قيل: أنَّ أربع خصال من الشيطان لعنه الله في الصلاة التثاؤب والنعاس والكسل والتمطي أن يكن في مواطن الطاعة إلا ما شاء الله. (1/294)
صفحة 295
فصل
ما ينقض الصلاة بالنظر
قال أبو سعيد: في المصلي إذا نظر إلى غير موضع سجوده متعمداً؟ إنَّ بعضاً يقول ما لم يجاوز فوق خمسة عشر ذراعاً فصلاته تامَّة. وإن نظر فوق ذلك فعليه النقض. وقال من قال: حتى ينظر أمام وجهه من السماء. وقال من قال: حتى ينظر فوق رأسه.
مسألة: ومن غيره: ويوجد في المصلي إذا نظر إلى السماء من فوق رأسه أنَّه قيل: أنَّ عليه البدل إذا كان متعمداً، فإن كان يصلي في وسط مسجد أو في بيت فينظر فوق رأسه أنَّه لا يدل عليه. ولم يجعلوا النظر إلى سقف البيت كالنظر إلى السماء.
مسألة: وقال من رفع رأسه إلى السماء وهو في الصلاة متمعداً وناسياً فعليه النقض.
وكذلك حفظ أبو زياد عن هاشم بن غيلان رحمه الله.
مسألة: وسئل أبو سعيد عن المصلي هل له أن يرفع نظره ويصرفه عن موضع (1/295)
صفحة 296
سجوده فينظر أمامه وبلقاء وجهه حتى عرف ما يجيء ويذهب ولا فساد عليه ما لم يدبر عن القبلة وينظر إلى ما فوق رأسه.
وقال من قال: تلقاء وجهه وفوق رأسه.
ومعي: أنَّه قيل: إذا مدَّ نظره تتم صلاته أم لا؟ قال: معي أنَّه يكره له أن يتعدَّى بنظره فوق سجوده، فإن فعل على غير صرف نظره لشيء من الأشياء ليعرفها فقد قيل: تفسد صلاته.
وفي منهج الطالبين: وأمَّا إن رفع رأسه حتى نظر إلى السماء وفوق رأسه فأخاف عليه أن تفسد صلاته.
ومن رفع نظره فوق خمسة عشر ذراعاً متعمداً فسدت صلاته.
قلت له: فإن صلَّى وأمامه سترة يرفع قامته ولا يرى من خلفه شيئًا فنظر إليها من تلقاء وجهه بمقدار ما لو كانت غير سترة لنظر إلى السماء، هل عليه بدل؟ قال: معي: أنَّ ليس عليه بدل على هذا الوجه.
قلت له: فإن كان يصلي في بيت مسقف فرفع رأسه ينظر إلى السقف من على رأسه، هل عليه بدل؟ قال: معي أنَّ ليس عليه بدل على هذا الوجه. (1/296)
صفحة 297
فصل
فيمن يكلم أو يسلم أوضحك
من كتاب الأشراف: أجمع أهل العلم أنَّ من تكلَّم في صلاته عامداً وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها أنَّ صلاته فاسدة.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا أنَّ الكلام كله لغير ما يقال في الصلاة في حدودها مفسد للصلاة على كل حال لمعنى الصلاة أو لغير معنى الصلاة إذا تعمَّد لذلك.
ويخرج في معاني قولهم عندي أنَّه إذا سها الإمام بشيء ممَّا يخالف فيه أمر الصلاة إن من خلفه يسمح له في أي حال كان.
وأجاز بعضهم التَّسبيح في هذا الموضع للإمام.
ومعي: أنَّ بعضاً لا يجيز له ذلك ويجهر له بما فيه ممَّا يقال في الصلاة لبدله على سهوه في تكبير أو قراءة أو غير ذلك من الصلاة.
ومعي: أنَّه قد قيل عن بعضهم: أنَّه وإن تكلَّم بشيء من ذكر الله مثل قوله الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر أنَّه لا بأس بذلك على التَّعمد بمعنى الذكر.
وقال من قال: لا يجوز ذلك إلا لمعنى ما بذكر به الإمام وما أشبهه.
من جامع أبي محمد:
التَّسليم على غير العمد لا يقطع الصلاة بإجماع الأمَّة. (1/297)
صفحة 298
ومن غير الكتاب: وسألت أبا مروان سليمان بن محمد بن حبيب: عمَّن نفخ في الصلاة لمعنى أو لغير معنى الصلاة، هل تجوز صلاته؟ قال: صلاته فاسدة.
قلت: لم فسدت وإنَّما هو ينفخ لمعنى الصلاة أو لغير معنى الصلاة أو لغير معنى لها؟ قال: النفخ بقول الله تبارك وتعالى: {ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما} وقال: هو كلام.
مسألة: ومن كتاب الضياء: ومن كان يصلي فريضة فلمَّا بلغ إلى محمداً عبده ورسوله نسي فدعا بشيء من أمر الدنيا في الجلسة الأولى؟ قال بعض: يبتدئ الصلاة.
وقال أبو الحواري: تتم صلاته ولا يضره دعاؤه إذا كان ناسياً والكلام لا يجوز في الصلاة.
مسألة: قلت: فإن ذكر المصلي النار فاستجار منها في صلاته؟ قال: إن تحرَّك بذلك لسانه فسدت صلاته. (1/298)
صفحة 299
وإن كان في نفسه لم يتحرَّك لسانه رجوت أنَّه لا نقض عليه وأحسب عن أبي عبد الله.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن القلب إذا تحرَّك بالضحك في الصلاة ولم يبتسم المصلي ولم يقهقه؟ قال: معي أنَّ بعضاً يقول إن تحرَّك القلب بالضحك هو من الضحك.
قلت: فعلى قول هذا تفسد الصلاة والوضوء أم الصلاة وحدها؟ قال: معي أنَّه يقول من القهقهة، لأنَّه حركة في حسب ما يذهب إليه ورأيته أنَّ بعضاً يقول أنَّ حركة القلب ليس بشيء حتى يقهقه هو أو يبتسم.
وعرضته عليه فقال: هكذا معي أنَّ بعضاً يذهب إلى هذا.
مسألة: وزعم عمر بن المفصل: أنَّه يسأل بشيراً عن الرجل نشر في الصلاة؟ فقال من قال: يقف حتى يفتر ثم يصلي.
قال: وسألت عن ذلك أبا عثمان؟ فقال: يمضي في صلاته. (1/299)
صفحة 300
مسألة: وعن سعيد بن محرز فيمن يكشر في الصلاة؟ فإنَّه تنتقض صلاته.
ومن قهقه؟ انتقض وضوءه وصلاته.
قلت: وما القهقهة؟ قال: إذا علا الصوت واهتزَّ البدن. (1/300)
صفحة 301
فصل
فيمن لا تقبل له صلاة
وقيل: ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم:
رجل يؤم بقوم وهم له كارهون. وعبد آبق حتى يرجع إلى مواليه
وامرأة بات زوجها عاتباً في حق واجب طيها.
مسألة: قال غيره: نعم هكذا قيل في هؤلاء الثلاثة، إلا أن الذي لا تقبل له صلاة غير هؤلاء الثلاثة أيضاً منهم: المرتكب الكبيرة من المعاصي، والمصر على الصغبيرة. فهذان لا تقبل لهما صلاة أيضاً ولا ما عملا من عمل صالح حال ارتكاب المرتكب للكبيرة والمصر على الصغيرة. (1/301)
صفحة 302
باب
فيمن يتفكر في صلاته بشيء من أمور الدنيا والآخرة وفي التنحنح في الصلاة وفي الطحار والأنين والتأوة والبكاء في الصلاة وفيمن يعنيه مخاط أو بصاق أو نخاع كيف يفعل به وفيمن يستأذن عليه رجل أو يناديه كيف يصنع ومعاني ذلك وما أشبه ذلك.
وقال فيمن تفكَّر في صلاته في شيء من أمر الدنيا لم يفسد ذلك عليه صلاته إن شاء الله.
قال: وأمَّا بعض الفقهاء والمسلمين من أهل خرسان فبلغني عنه أنَّه قال: إذا تفكَّر في صلاته في شيء من الدنيا وفي موضع آخر متعمداً لذلك فسدت عليه صلاته إن شاء الله.
قلت: أفتأخذ بذلك؟ قال: أرجو أن لا يبلغ به ذلك إلى فساد صلاته إن شاء الله، لأنَّه جاء في صحيح التفسير في قول الله تبارك وتعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء}.
فنسختها هذه الآية: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}.
قلت: فيمن تفكَّر في شيء من أمر الدنيا وهو في الصلاة أهون عندك، فمن لقي سمعه إلى استماع كلام وهو في الصلاة؟ قال: نعم. (1/302)
صفحة 303
فصل
في التنحنح والطحار والأنين والتأوه في الصلاة
وعن رجل كان يصلي فوجد في حلقه شيئًا مثل النخاعة أو غيرها وهو في موضع الشر فتنحنح على العمد ولو ترك ذلك لم يشغله عن الصلاة، هل له ذلك؟ فمعي: أنَّ له ذلك لمعنى قراءته في الصلاة كما له في الجهر، لأنَّ ذلك ليس بعبث ولا لغير معنى.
مسألة: ورجل شبك حلقه وهو في الصلاة صلاة يجهر فيها القراءة وقد كان يبين القراءة ويقدر على الجهر غير أنَّه لا يفصح كما لم يكن ذلك في حلقه، هل له أن يتنحنح ولا تفسد صلاته إذا كان إماماً أم لا؟ قال: معنى أنَّه هل لمعنى صلاح القراءة فلا بأس فيما بين أنَّه تنحنح لقراءة الصلاة صوت.
مسألة: سئل أبو سعيد أكرمه الله عن المصلي إذا خرَّ للسجود وكبَّر لغير عمد منه، هل تفسد صلاته؟ (1/303)
صفحة 304
قال معي: أنَّ بعض الفقهاء ترك إمامة من كان يفعل هذا ولم يعمل خلفه وأرجو أنَّه ترك ذلك إلا أنَّ هذا يخرج عندي على معنى العبث من المصلي لا على معنى العمل.
فمعي: أنَّه يختلف في العبث عن الخطأ والنسيان والعمد ما لم يحصل عملاً.
قال غيره: نعم قد اختلف في العبث: فقال من قال: أنَّه يفسد الصلاة على العمد والخطأ والنسيان. وقال من قال: لا تفسد على العمد ولا الخطأ والنسيان. وقال من قال: إنَّه يفسد على العمد ولا تفسد على الخطأ والنسيان.
مسألة: ومن غيره: قلت له: فإن تنحنح لغير المعنى أو حكَّ رأسه لغير معنى، أيكون هذا من العبث؟ قال: نعم هو من العبث والتشنج أشد وأخاف أن يكون عملاً.
مسألة: وعن الذي يتنحنح في صلاته من غير علة أو من تغيير في حلقه أو لغير تغيير؟ نعم هو من العبث وإنَّما تنحنح هكذا.
قلت: هل عليه نقض صلاته أم لا؟ فإذا تنحنح لشيء في حلقه لمصالح صلاته فلا بأس.
وإن كان لمعنى تدل على غيره بذلك التنحنح فذلك يفسد صلاته. (1/304)
صفحة 305
وإن تنحنح لغير معنى ولا عبث في الصلاة ولا شيء يدل عليه فذلك مكروه ولا نقض عليه.
مسألة: وأمَّا إن تنحنح المصلي لشيء عرض له في حلقه فلا شيء عليه في ذلك، وإن تنحنح يريد بذلك كلاماً أو يسمع أحداً فسدت صلاته وسواء كان ذلك متمعداً أو ناسياً في الوجهين جميعاً.
مسألة: وقيل: إن تنحنح إذا تعايا أو تنحنح لغير ذلك فسدت صلاته وانتقضت صلاته، وإن لم يرد بذلك شيئًا من ذلك فلا بأس.
من كتاب الضياء:
ومن تنحنح لنخاعة في حلقه فلا فساد عليه.
مسألة: وعمَّن تنحنح يريد حاجة؟ قال: من تنحنح لعلَّه يريد بذلك كلاماً أو حاجة انتقضت صلاته، وإن كان لم يرد بذلك شيئًا من ذلك فلا بأس. (1/305)
صفحة 306
مسألة: وعمَّن يصلي خلف الإمام فطول الإمام في سجوده أو قعوده فظنَّ الذي خلفه أنَّه ناعس أو ساه فأراد أن ينبهه فتنحنح لينبهه وليذكره إن تنحنح له.
قلت: هل تنتقض صلاة الذي تنحنح لهذا المعنى؟ فمعي: أنَّه يختلف في مثل هذا.
ويعجبني: إذا كان في أمر الصلاة ومصالحها أن يسبغ ذلك.
مسألة: وسألته عن المصلي إذا طجر في الصلاة وقال أخ أو أخ أخ لغير معنى.
قال: فأمَّا الطحار فهو عندي من العبث، وأمَّا قوله أخ أو أخ أخ فهو عندي يقع موقع الكلام.
قلت: فإنَّ نهم في الصلاة؟ قال: النهمة عندي أشدُّ من العبث ويقوم مقام الكلام والكلام ينقض الصلاة.
قلت: وكذلك إن راوح بين قدميه لغير معنى أو استنشق رائحة نتن أو طيب قد تقدم القوم فيها.
مسألة: وعمَّن عطس أو تثاءب أو نحب أو تنحنح أو تشنج وهو في الصلاة ما يلزمه؟ (1/306)
صفحة 307
فأمَّا العطاس والقحاب فلا شيء عليه في ذلك والقحاب السعال، وأمَّا التشنج في أمر الآخرة فلا شيء عليه، وأمَّا إن كان تشنج على شيء من أمر الدنيا فسدت صلاته، وأمَّا إن تشنج في شيء غير ذي معنى ولم يتعمَّد لذلك فلا شيء عليه.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: وقيل: إن تنحنح إذا تعايا أو تنحنح لغير ذلك انتقضت صلاته إلا أن يكون لشيء يقع في حلقه فلا بأس.
ومن غيره: وقد قيل: وفي نسخة من تنحنح لغير معنى فلا فساد عليه حتى يتنحنح لمعنى منتقض من معاني الصلاة.
قال أبو عبد الله محمد بن المسبح: إن شجر عليه في القراءة فتنحنح فلا بأس عليه.
مسألة: ومن غيره: وسألته من المصلي إذا طلع إلى حلقه من جوفه شيء فخاف أن يبرز إلى فيه، هل يجوز له أن يتنحنح ويسر طريقة في الصلاة إذا رجا أنَّه تنحنح لا يظهر؟ قال معي: أنَّه قد قيل: ليس عليه في صلاته بأس ما لم يصر حيث يقدر على لفظه بغير معالجة من تنحنح أو غيره. (1/307)
صفحة 308
ومعي: أنَّه قد قيل: إنَّه يفسد عليه إذا صار يقدر على إخراجه بالتنحنح.
مسألة: قلت له: فمن تنحنح في الصلاة، هل يكون عبثاً منه؟ قال: معي أنَّه قد قيل: إذا كان من غير عذر أنَّه يفسد عليه صلاته ويخرج أنَّه عبث.
أحسب أنَّه من كتاب الأشراف اختلف أهل العلم في الأنين في الصلاة؟ فقالت طائفة: عليه أن يعيد صلاته.
قال أبو سعيد: أمَّا التأوه فعندي يخرج مخرج البكاء وما يشبهه وكذلك التشنج.
ففي معاني قول أصحابنا: إن كان ذلك من أمر الدنيا وعليها انتقضت صلاته، وإن كان على أمر الآخرة فصلاته تامة.
وكذلك يخرج عندي في بعض قولهم أنَّه أنَّ أغلب على ذلك ولم يكن ذلك منه فلا بأس عليه ولو خرج مخرج الكلام لم يكن في ذلك عذر على حال.
وكذلك الأنين إن كان من معنى التوجع على أمر الآخرة ورأيته اشتبه عندي البكاء والتشنج. (1/308)
صفحة 309
وإن كان على أمر الدنيا أو الإثم لم تمسك ذلك من أمره ولا يكون مغلوباً عليه معناه عندي على هذا خارجاً بمعنى البكاء في أمر الصلاة للمعنيين.
مسألة: وعن محمد بن محبوب: قال من قال: من تزايد في التثاؤب في الصلاة نقض صلاته ولو لم يسمعه من خلفه، وإن لم يتزايد في التثاؤب حتى سمعه من خلفه من الصفوف نقض صلاته أيضاً.
وعندنا: أنَّه لا نفض عليه ولو سمع لأنَّ÷ مغلوب حتى يتزايد في التثاؤب.
ومن غيره: قال أبو عبد الله: إذا تزايد نقض وأن يضع أصابعه على فيه ويكفه إذا تثاءب. (1/309)
صفحة 310
فصل
فيمن يستأذن عليه رجل أو يناديه كيف يصنع
وممَّا عرض أبي الحواري رحمه الله: وعن امرأة يستأذن عليها الرجل وهي في الصلاة كيف تفعل؟ تصفق بيدها، وإن ضربت بيديها على فخدها فلا بأس إن شاء الله.
مسألة: وللرجل في الصلاة أن يستأذن عليه مستأذن أو عرض له أمر أن يسبح له أو يرفع له صوته بما هو فيه من الصلاة. وقالوا: لو سبَّح مرار لم يكن عليه بأس.
والمرأة تسبح أيضاً وتصفق بيدها على يدها أو على فخدها.
ولا يجوز أن يقول في الصلاة عندما يعرض له إلا سبحان الله.
وقال من قال من الفقهاء: إنَّ هؤلاء الكامات الأربع لا تنقض الصلاة من قتالهنَّ جميعاً أو فرقهنَّ ناسياً أو متعمداً سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
مسألة: من جامع أبي محمد: وإذا عنى الرجل معنى في الصلاة سبح لذلك.
وبالمرأة تصفق – هكذا جاءت الرواية عن النبي (ص) بإجازة ذلك. (1/310)
صفحة 311
فصل
في البكاء في الصلاة
وسألته عن رجل عليه البكاء في الصلاة لغير لمر الآخرة ولم يستطع إمساكه، هل تتم صلاته؟ قال: معي أنَّه قد قيل إذا غلبه البكاء أنَّ صلاته تامة ولو كان في غير الآخرة.
قلت له: ومعك أنَّ عليه النقض؟ قال: فلا أعلم ذلك.
مسألة: من جامع ابن جعفر: وقيل: من تشنج أو بكى في الصلاة من خوف الله؟ فلا بأس.
وأمَّا إن تشنج لغير ذلك أو بكى على ميت؟ فقيل: عليه النقض.
ومن غيره: قال أبو عبد الله: إذا تشنج ما يسعه من خلفه نقض. (1/311)
صفحة 312
فصل
فيمن بعينه مخطط أو بزاق أو نخاع كيف يفعل منه
وعن رجل عناه مخاط في الصلاة فحقر في الحصى ونقلها، هل عليه عادة؟ قال: نعم إذا دفنها أعاد الصلاة.
وإن حفر وتركها في الحفرة حتى إذا صلَّى صلاته ودفنها فلا نقض عليه، ولا نحبُ له أن يفعل ذلك في المسجد.
قال أبو المؤثر: إذا حفر بقدمه الشمال تحتها أو امتخط فلا بأس، وإن حفر بيده أعاد الصلاة.
مسألة: ورجل اجتمع في فيه البلغم وخشي أن يشغله عن صوته أو عن قراءته فبزق على هيبة ولم يمل على يساره، هل يرى عليه بأساً؟ قال: لا أعلم منه فساداً وإنَّما يستحبُ ذلك للأدب.
مسألة: من كتاب ابن جعفر: إن جاء نخامة أو بزاقة أو مخاطة فكيس متمخط لعلَّه أو في الأرض أو كان على حصير وأمكنه أن يرفعه ويبزق تحته فلا بأس. (1/312)
صفحة 313
قال محمد بن المسبح رحمه الله: إن تقدم موضع سجوده نقض، وإن تأخر حتى سجد موضع قدميه نقض هكذا قال محمد بن محبوب رحمه الله.
ومن غيره: وقيل: من تقدَّم في صلاته أو تأخر بقدر خمس خطوات فلا نقض عليه ولا يكون أكثر من ذلك لأن هذا يخرج من أمر الصلاة.
مسألة: وقد كره من كره أيضاً أن يجعل إحدى نعليه على أخرى، وإذا بزق في صلاته إلا أن واحدة فوق الأخرى قبل أن يدخل في الصلاة فيرفع إحداهما ويبزق فيها ثم يردهما كلَّما كانتا.
مسألة: قال أبو عبد الله: يضعهما ولا يفرقهما فإن فرَّق نقض، وإن حفر برجله اليسرى وهو قائم أو بيده اليسرى وهو جالس فدفن فلا بأس.
وإن بزق تحت قدمه الأيسر أو في ثوب إلا أن يكون في الكعبة، لأنَّه روي عن ابن عباس يبزق في ثوبه إلا في الكعبة.
وقال من قال في المخاط: أنَّه إنَّما المصلي منه ما خرج من منخره ولا يتعمَّد لقلع ما يخرج من ذلك.
قال أبو عبد الله: يقذف المخاط ما كان تشنج منه.
مسألة: وهل يبزق الرجل في الصلاة؟ قال: على يساره. (1/313)
صفحة 314
قلت: يعرض بوجهه؟ قال: نعم.
وإن سال من المصلي دموع في الصلاة فخاف أن يدخل فاه أو انتحت به عينه فله أن يمسها بيده.
مسألة: وعن أبي معاوية: فيمن صارت النخامة على لسانه ثم سرطها؟ إنَّ عليه النقض.
ومن غيره قال: وذلك إن كانت من الصدر. وأمَّا إذا كانت من الحلق أو الرأس ثم سرطها؟ فلا نقض عليه.
مسألة: ورجل جاءته النخامة فخشعها حتى صارت على لسانه ثم أغرقها متعمداً أو ناسياً أو جاهلاً.
قلت: هل تتم صلاته؟ فإذا كان ذلك من رأسه أو من خلفه فقد قيل تتم صلاته، وإن كان من صدره فقد قيل: تفسد صلاته على العمد، وأمَّا على الخطأ فلا بعجبني تفسد.
مسألة: وسئل أبو سعيد: عمَّن جاءته نخاعه وهو في الصلاة، كيف يصنع؟ (1/314)
صفحة 315
قال: أحسب أن يبزقها على يساره على ما قيل.
قلت: فإن بزقها عن يمينه أو عن قدامه، هل ترى عليه بأساً؟ قال: معي أنَّ صلاته تامة ويكره له ذلك على معنى قوله.
قلت له: أرأيت إن أحلها بلسانه حتى ظهرت على فيه فأخذها بثوبه عبثاً منه؟ قال: معي أنَّه يشبه العبث.
قلت له: وكذلك إن أخذها بيده أهي مثل أخذه بالثوب؟ قال: معي أنَّه يشبه العبث.
مسألة: وسئل أبو سعيد: عن المصلي إذا جاءته البزاقة في الصلاة أين يبزق؟ قال معي: أنَّه على الشمال.
قيل له: فإن بزق على اليمين؟ قال معي: أنَّه يكره ذلك. قالوا: لأنَّ الملائكة تجيء على اليمين وإبليس لعنه الله على اليسار.
وكذلك لا يضع النعلين على اليمين ويضعهما على الشمال. (1/315)
صفحة 316
فصل
في النعاس في الصلاة
مسألة: ومن غيره قال: في رجل يصلي مع قوم فلمَّا كان في الركعتين الأوليتين غشية النُّعاس ثم أنتبه من بعد أن يسلم الإمام.
فقال: ليعيد الصلاة.
وقد بلغنا عن أبي عبيدة أنَّه قال يتم ما بقي من صلاته.
مسألة: وسألته عن المصلي إذا أخذه النَّعاس في صلاته فزل لسانه بكلام غير كلام الصلاة ثم رجع عن ذلك إلى ذكر الصلاة وبنى على صلاته، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي أنَّه إذا تكلَّم بغير كلام الصلاة ولم يكن حلماً فسدت صلاته.
قيل: فإن علم أنَّه تكلم بذلك من بعد انقضاء وقت الصلاة أو في وقتها.
قال: معي أنَّه في علم ما يفسد صلاته أعادها.
قلت له: وإن رجع إلى صلاته فلم يعرف هو حلم أو كلام؟ قال: إذا كان ناعساً وصحَّ عنده أنَّه تكلَّم في نعاسه أو يقظته فصلاته فاسدة إن لم يعرف أنَّه تكلَّم أو حلم فالحلم أولى به حتى يعلم أنَّه تكلَّم.
وإن لم يعلم كان ناعساً أو متيقضاً فاليقظة أولى به حتى يعلم أنَّه نعس. (1/316)
صفحة 317
فهرس
الفصل ... فهرس ... الصفحة
فصل ... في تفسير تكبيرة الإحرام والاستعاذة ... 05
فصل ... في تفسير الركوع والسجود وما يقال فيهما ... 07
فصل ... في تفسير التحيات ... 09
فصل ... في تفسير فاتحة الكتاب ... 12
باب ... في كيفية تأدية الصلاة وبيان ما يذكر في تأديتها من القول والعمل والنية عند القيام للصلاة والوقوف في الصلاة والقراءة عند التلاوة ومعاني ذلك ... 20
فصل ... في كيفية تأدية الصلاة وبيان ما يذكر في تأديتها ... 23
فصل ... في الصلاة وذكر الركوع ... 31
فصل ... ذكر الوقوف في الصلاة والقرآن عند التلاوة من غير بيان الشرع والإضافة إليه ... 35
باب ... في الإقامة والتوحيد والإحرام ولفظها وما يتمُّ بلفظها الصلاة وما ينقض لفظها الصلاة في تكبيرة الإحرام وفي القنوت ... 38
فصل ... لفظ التوجيه ... 47
فصل ... في تكبيرة الإحرام ... 51
فصل ... في اللفظ بتكبيرة الإحرام ... 56
فصل ... في القنوت ... 59
باب ... في الاستعاذة وفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم وفي قراءة القرآن في الصلاة كان إماماً أو غير إمام وفي الجهر في موضع السر وفي اللحن في القراءة وفيما يترك به المصلي القراءة والتبديد وفي التكبير ومعاني ذلك وفي نظر المصلي أين يكون ... 64 (1/317)
صفحة 318
فصل ... في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ... 74
فصل ... في قراءة الحمد والسورة ... 80
فصل ... في قراءة القرآن في الصلاة ... 97
فصل ... في الجهر في الصلاة والسر وما يجوز من ذلك وما لا يجوز ... 107
فصل ... فيما يدرك به في الصلاة من القراءة والتبديل ... 112
فصل ... في نظر المصلي أين يكون ... 116
فصل ... في التكبير في الصلاة ... 118
باب ... في الركوع وقول سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد وفي السجود وفي القعود في الصلاة والتحيات وفي التسليم في الصلاة ومعاني ذلك ... 125
فصل ... في السجود ... 134
فصل ... في القعود في الصلاة والتحيات ... 153
فصل ... في التسليم في الصلاة ... 171
باب ... في سجدتي الوهم وفيما يقول في آخر الصلاة وما يقال في السجود بعد الصلاة وما قول من عطس في الصلاة وما يجوز من القول لمن عناه شيء في الصلاة ... 176
فصل ... فيما يقال في آخر الصلوات ... 191
فصل ... فيما يترك وما لا يترك في الصلاة ... 195
فصل ... فيمن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ... 196
فصل ... فيما يقال في السجود بعد الصلاة ... 197
فصل ... ما يقول من عطس في الصلاة وما يجوز من القول لمن عناه شيء من الصلاة ... 198 (1/318)
صفحة 319
باب ... في الشك في الصلاة وفي الزيادة في الصلاة والنسيان وفي الذي شكَّ أنَّه في الركعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة ومعاني ذلك ... 203
فصل ... في الزيادة في الصلاة على الشك والنسيان ... 232
فصل ... في الذي يشك أنَّه في الركعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة ... 234
باب ... في العذر الذي يجوز المصلي أن يقطع به صلاته وفيما يجوز قطع الصلاة من سببه وما يقطع الصلاة من الممرات والنجاسات من الدواب والبشر وغير ذلك وفي المصلي إذا دخل على أنَّه على غير وضوء أو أنَّه أحسب أنَّه متوضيء. ... 240
فصل ... في العذر الذي يجوز للمصلي أن يقطع به صلاته ... 242
فصل ... فيما يجوز قطع الصلاة من سببه ... 246
فصل ... ما يقطع من الممرات والنجاسات من الدواب والبشر وغير ذلك ... 248
باب ... العمل في الصلوات والعبث والاستماع من عذر أو عبث أو صائحة أو هجس هجساً وفي من تعرض له حسنات في صلاته فيجعل نحسه في نفسه وفيمن نظر في كتاب أو إلى السماء أو سقف وفيمن غمض عينيه أو أكله بعوض وفيمن تكلَّم أو ضحك وفيمن لا تقبل له صلاة وفيمن استروح رائحة نتن أو طيب أو دخان أو قتل الحية والعقرب ومعاني ذلك. ... 262 (1/319)
صفحة 320
فصل ... العمل في الصلاة والالتفات فيها ... 290
فصل ... ما ينقض الصلاة بالنظر ... 295
فصل ... فيمن يكلم أو يسلم أو ضحك ... 297
فصل ... فيمن لا تقبل له صلاة ... 301
باب ... فيمن يتفكر في صلاته بشيء من أمور الدنيا والآخرة وفي التنحنح في الصلاة وفي الطحار والأنين والتأوه والبكاء في الصلاة وفيمن يعنيه مخاط أو بصاق أو نخاع كيف يفعل به وفيمن يستأذن عليه رجل أو يناديه كيف يصنع ومعاني ذلك وما أشبه ذلك ... 302
فصل ... في التنحنح والطحار والأنين والتأوه في الصلاة ... 303
فصل ... فيمن يستأذن عليه رجل أو يناديه كيف يصنع ... 310
فصل ... في البكاء في الصلاة ... 311
فصل ... فيمن بعينه مخاط أو بزاق أو نخاع كيف يفعل منه ... 312
فصل ... في النعاس في الصلاة ... 316
مطابع سجل العرب (1/320)