صفحة 1
الكتاب: جامع الجواهر
المؤلف: العلامة جمعة بن علي الصائغي
الجزء: السابع
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان.
تاريخ النشر: 1407هـ - 1986م
طبع: مطابع سجل العرب
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
جامع الجواهر
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العلامة جمعة بن علي الصائفي
الجزء السابع
1407هـ - 1986م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
جامع الجواهر
تأليف
العلامة جمعة بن علي الصائفي
الجزء الأول
1407هـ - 1986م (1/2)
صفحة 3
[صفحة بيضاء] (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
باب
في صلاة العيدين ووجوبها وحكم تاركها من الكل والبعض وفي التكبير عند الخروج إلى صلاة العيدين وفي الاغتسال يوم العيد والخروج إلى المصلى
ومن جامع أبي محمد: قال الله جل ذكره: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى}،قيل: إنها نزلت في صدقة الفطر وصلاة العيدين والله أعلم. والرواية متواترة عن النبي ص صلى صلاة العيد وحرض عليها وأمر بها حتى أمر بخروج النساء إليها ولولا الإجماع أنها ليست بفرض لكان هذا التأكيد يوجب فرضها. ألا ترى أن رواية أم عطية حين قالت أمرنا رسول الله ص أن يخرج إلى العيدين الغواني وذوات الخدور وأمر الحيّض أن يعتزلن مصلى المسلمين والصلاة في بيتها في غير العيدين أفضل لها من الجماعة.
مسألة: من كتاب أبي قحطان: فيما عندي والله أعلم أجمع فقهاء المسلمين أن صلاة العيدين سنة في الأمصار والقرى والجماعة ولا ينبغي أن يترك. /9/ (1/9)
صفحة 6
وما اجتمع قوم من أهل الأمصار على تركها لكان قد تركوا أمرا واجبا يأثمون عليه. ولو تركه واحد أو جماعة بعد أن يقوم به غيرهم رجونا ألا يكونوا من المأثومين وهو من الواجب الذي يكفي فيه بعض عن بعض.
مسألة: ومن ترك صلاة العيدين عشر سنين من رجل أو امرأة ديانة لا يدين بها فلا حظ له في ولاية المسلمين. وأقل ما يصنع به يكف عن ولايته. وإن تركها لمعنى مثل أن يكون بكر يستحي. ورجل يحفظ منزله أو يبعد عنه موضع الجبان أو يستحي لتقصير لباسه ولا بدين يترك صلاة العيدين فالذي نستحسنه أن لا يدع صلاة العيدين ما قدر فإن لم يفعل فقد روي عن محمد بن محبوب أنه لم يقدر على ترك ولايته.
مسألة: ومن لم يذهب إلى صلاة العيد فإن صلى ركعتين أو أربع ركعات فحسن، وإن يفعل فلابأس عليه.
مسألة: ومن سهى خلف الإمام في صلاة العيد فعليه بسجدتا الوهم. (1/10)
صفحة 7
مسألة: ومن حج فلا يصلي صلاة العيد وأما من لم يحج من أهل مكة فإنهم يصلون صلاة العيد يوم الأضحى في المسجد.
مسألة: ويقطع صلاة العيد ما يقطع صلاة الفريضة.
مسألة: والمأمور به الإنسان الذي يمر إلى مجتمع الناس لصلاة العيد وكذلك السنة. فإن صلى وحده فبعد أن يصلي الإمام إلا أن يكون في موضع لا يعلم أنه يدرك صلاة العيد في الجماعة فإنه يصلي ركعتين بلا تكبير على قول محمد بن محبوب وإن كبر فجائز.
مسألة: وصلاة العيد سنة ولا يجوز التخلف عنها إلا من عذر ولابد من الخطبة بعد الصلاة.
مسألة: من جامع أبي الحسن: وسئل عن صلاة العيدين أفرض أم سنة؟، قيل له: صلاة العيدين سنة من فضائل السنن وهي ركعتان، وقد قال الله تعالى: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى}، فقد قالوا: أنها صلاة الفطر وصدقة الفطر. (1/11)
صفحة 8
وقوله: {فصل لربك وانحر إن شائنك هو الأبتر}، قيل أنها في صلاة النحر والله أعلم. وعن النبي ص أنها نزلت في صدقة الفطر وصلاة الفطر العيد. وقد روي عن النبي ص صلى صلاة العيد وحرض عليها وأمر بها حتى أمر النساء بالخروج إليها. وعن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله ص أن يخرج إلى العيدين الغواني من الخدور وأمر الحائض أن تعتزل مصلى المسلمين.
مسألة: وسمعته يقول أن رسول الله ص وأبا بكر وعمر كانوا يصلون يوم الفطر ويوم النحر قبل الخطبة.
مسألة: وقيل لابأس بالصلاة قبل صلاة العيدين وبعدهما. وقال من قال: يصلى قبل العيد ولا يصلى بعده.
من جامع أبي الحسن: وروي قوم عن النبي أنه لم يصل قبلها ولا بعدها. وقال من قال: يصلى بعد صلاة الفطر ولا يصلى بعد صلاة النحر حتى يقضي نسكه. (1/12)
صفحة 9
وقال من قال: لا أراهم كرهوا إلا إلى الزوال فإذا زالت الشمس فليصل ما يشاء.
مسألة: قال أبو قحطان: أحب إلينا أن يصلي ركعتين إن كان يوم الفطر. وإن كان يوم النحر فقيل: لابأس بالصلاة قبلها وبعدها. وكره آخرون الصلاة بعد صلاة النحر وما أراهم كرهوا إلا إلى الزوال. فإذا زالت الشمس فليصل ما يشاء ولابأس بالصلاة قبل صلاة العيدين وبعدهما.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد معاني قول أصحابنا يخرج عندي على إجازة معنى الصلاة قبل صلاة الفطر والنحر وبعدهما، إلا أنه قد استحب من استحب منهم أن ينصرف الناس يوم النحر إلى أصحابهم ويحفظوا الصلاة. وإن فعل ذلك فاعل لقلة شغل لقيام غيره فلا مانع يمنع ذلك عندنا.
مسألة: مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان حفظه الله وعن صلاة العيد أفيها اختلاف. قال: لو برز الكل والبعض وفيها اختلاف كالجماعة يجزيء فيها البعض عن الكل على قول بعض لهم لازمة بالإجماع والاختلاف. فأما ثبوتها فلا أعلم أن أحدا يدفع ثبوت سنتها غير أن بعضا يقول إنما هي على أهل الأمصار. (1/13)
صفحة 10
وقد قيل: إن بعضا يجزيء عن البعض فيها لا أعلم ذلك في الاجتماع.
وقلت: إن كان فيه اختلاف أم لا ففي لزومها بالجماعة أم بينهما فرق؟، قال: فمعي أن ثبوت ذلك وإن كان ثابتا فليس كلزوم الجماعة لأن الجماعة أصلها صلاة فريضة في حال الفرادى، وهذه لا تلزم في حال الفرادى وإنما يلزم في الجماعة. فإذا قامت الجماعة بذلك كان على الجماعة. وقد قيل: لو تركها كلهم لم تترك ولايتهم على حال. وقيل: تترك ولايتهم ولا أعلم أن أحدا يوجب البراء بذلك فيما معي. وقد قيل: في تارك الجماعة تترك ولايته على أمل ما يفعل فيه. وقد قيل: بالبراءة إذا ترك ما لا عذر في تركه مما يلزمه فذلك متفق في معاني مختلف في معاني. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/14)
صفحة 11
فصل: في صلاة العيدين والتكبير عند الخروج إلى صلاة العيدين
من كتاب الأشراف: ذلك التكبير ليلة الفطر: قال أبو بكر: قال الله جل ثناؤه: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم}. قال أبو سعيد: أما في الفطر فأكثر ما يخرج من قول أصحابنا أنهم يكبرون إذا غدو إلى المصلى والتكبير كله في كل وقت جائز. والفصل ما لم يتحد المكبر ذلك لسبب يخرج به من حال الطاعة في نيته وهو أن يريده لغير الله لرياء أو سمعة. ولا يجوز على الفقهاء عندنا أن يسمعوا الناس مجانبين لذكر الله الأعلى معنى يخص ذلك. وأما التكبير في النحر فمع أصحابنا أنهم يكبرون دبر الصلوات لصلاة الظهر من يوم النحر إلى تمام أيام التشريق وفي غير الحج إذا خرجوا لصلاة النحر مثل الفطر. ومن الكتاب: صفة التكبير قال أبو بكر: كان قتادة يقول التكبير الله أكبر الله أكبر على ما هدانا الله أكبر ولله الحمد. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه بما كبر الله من (1/15)
صفحة 12
التكبير وحمده من المحامدي فقد كبر وهذا واسع معنا وليس بواجب كوجوب غيره. وحسن أن لا يدع شيء من الفضل ولا نجد فيه على الناس حدا.
مسألة: من جامع أبي محمد: ويستحب التكبير ليلة الفطر لقول الله تبارك وتعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم}.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: وتغدوا إلى المصلى جاهرا بالتكبير لأن الرواية عن النبي ص كذلك ثم يقطعه إذا بلغ المصلى وصلاة العيد ركعتين.
مسألة: من كتاب الضياء: ومن كبر في مضيه إلى المصلى والعيدين فحسن. ومن لم يكبر فلابأس عليه. وإن قال: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد فحسن. وإن قال: سبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد فحسن ويؤمر بالتكبير يوم العيد. (1/16)
صفحة 13
أما أصحابنا من أهل مكة فيقولون الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد. وأما أهل عمان فيقولون: لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا لا إله إلا الله والله أكبر على ما هدانا وكله جائز. والتكبير يوم النحر إلى أن يكبر على أثر صلاة العصر من اليوم الثالث غير يوم النحر. (1/17)
صفحة 14
فصل في الاغتسال يوم العيد
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا الاستحباب للغسل قبل الخروج يوم الفطر والتحيال المصلى ولعل يوم الفطر يؤمر أكثر فالله أعلم ما المعنى في ذلك.
مسألة: من جامع ابن جعفر: ويستحب الغسل وليس بواجب يوم الفطر ويوم النحر ليس بواجب.
مسألة: من جامع أبي الحسن: وقد روي أن رسول الله ص أمرنا بالاغتسال يوم الجمعة فأحب الغسل يوم العيد. وكذلك يلبس في العيد من أفضل الثياب عنده إن شاء الله ويعدوا إلى المصلى جاهرا بالتكبير لأن الرواية عن النبي ص كذلك ثم يقطعه إذا بلغ المصلى.
من كتاب الضياء: قال أبو صفرة: لم أرى أحدا من المسلمين يغسل عشية عرفة وأما صبيحة النحر فإني رأيتهم يغسلون ونحن نفعله وكانوا يغسلون الصبيان.
من جامع أبي محمد: ومن سنن النفل غسل العيدين وفي نسخة العيدين والسواك والطيب واللس الحسن. (1/18)
صفحة 15
فصل في الخروج إلى المصلى
من كتاب الأشراف: قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله ص كان يخرج يوم الفطر ويوم النحر ويوم الأضحى إلى المصلى بالسنة أن يخرج الناس إلى المصلى في العيد. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن صلاة العيد عند المكنة، والإمكان نسخة، والأمان من العوائق وأذى الأمطار والرياج المؤدية أنها تكون في الجبان أفضلها من المساجد وبذلك يؤمرون لأن بذلك ثبتت السنة عن النبي ص فعلا وبذلك أمرهم على ما جاء به الخبر. فإن كان ثم عائق أو عذر بوجه من الوجوه فبعض الجبان استحب. ولعله قيل كذلك في المسجد الجامع من المساجد المعمورة من البلد لأنه موضع مجتمعهم وجامعهم. فإن لم يمكن ذلك فمسجد معمور أحب إليّ من البيات في غير المساجد بذلك يؤمر. فإن صلوا في غير مسجد في بيت أو غيره حيث تجوز الصلاة كان عندي جائزا والبيت أحب إليّ من البرار في القرية في غير بيته ولا مسجد ولا مصلى. (1/19)
صفحة 16
باب في لزوم الخروج إلى العيدين ومن له العذر في التخلف فيه والصلاة وحده وفي وقت الغدو إذا غمى على القوم شهر شوال وفي الأكل يوم الفطر قبل الغدو وفي صفة صلاة العيدين وفي صفة التكبير فيها
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه: مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان ورجل لا يقدر أن يصل إلى الجماعة ولا إلى جماعة العيدين ولا إلى جنازة بنفسه إلا لو استعان بغيره من مال أو نفسه.
قلت: أهو معذور إذا لم يقم بنفسه ولو كان يقدر على غيره أم لا؟، قال: فأما ملكة إذا قدر به ذلك من ماله فمعي أن عليه ذلك ولا عذر له فيه ولا يبين لي في ذلك اختلاف. وأما إن كان يقدر على معين في ذلك من غير ملك فمعي أن ذلك مما يخرج فيه الاختلاف ونحو ذلك فيه. وقد ثبت عن رسول الله أنه لم يعذر الأعمى من حضور الجماعة إذا وجد قائدا. ويمكن معنا أن يكون القائد له ملكا ويمكن أن يكون معينا وسيلة أو بأجرة من مال فأما المال فلا يستقيم إلا بدالة في أداء الفرض واللوازم بذلك جاء الإجماع من الرأي. (1/20)
صفحة 17
وأما مسول غيره مما لا ملك له عليه فمعي أن في ذلك اختلافا وهذا عندي مثله إذا كان في حد اللزوم له الذي لا يسعه التخلف عنه.
وقلت: إن كان عليه طلب فيطلب في الوقت أو قبل الوقت؟، قال: فلا يبين لي أن يلزمه ذلك إلا في وقت ما يخاطب به مثلا لجميع اللازمات.
وقلت: إن كان في الوقت أو قبله فيطلب من الكل أو ممن يعلم ويرجو أن يطيعه؟، قال: فمعي أنه إذا ثبت لك فإنما هو من عند من يعلم أو يصل إليه ويرجو. وأما من هو في حد الإياس من ذلك أو الجهل فلا يبين لي ذلك.
مسألة: ورجل بقربه مسجد ولا يصلي فيه صلاة العيد وأبعد منه موضع يصلى فيه.
قلت: أله وعليه أن يصلي في هذا المسجد وحده كسائر الصلاة أو صلاة العيد إن كان يحسن سرا أم عليه أن يخرج مع الناس حيث يكونون إذا قدر على ذلك؟، قال: فمعي أنه قد قيل إذا كان إمام عدل في البلد أو وال من قبله وكانت الأرض في أيدي أهل العدل أو الصلاة فيها لأهل العدل، ومن يقوم بالصلاة فيها من أهل العدل كانت الصلاة حيث يكون الإمام من المسلمين. (1/21)
صفحة 18
وأما إذا كانت في الجبابرة أو غير ذلك ممن لا يجمع على الصلاة خلفه فالناس الخيار إن شاءوا صلوا مع الإمام ما لم يزد أو ينقص في صلاتهم وإن شاءوا صلى كل حي في موضعهم أو مسجدهم. وقد قيل: أن الجبان أفضل لصلاة العيد لأن السنة فيه عن النبي ص أنه خرج إلى الجبان وأمر بذلك. وقيل: إن على ذلك أجمع أهل الأمصار إلا بمكة فإن أمكن الجبان كان أحب إلي من المسجد في غير مكة. وإن كان لهم عذر من تقية أو مطر أو برد أو حر أو سبب من الأسباب فالمساجد أحب إلي من بعد الجبان لصلاة العيد. (1/22)
صفحة 19
فصل في وقت الغدو إذا غمي على القوم شهر شوال
ومن كتاب الأشراف: قال أبو بكر: كان ابن عمر يصلي الصبح في مسجد رسول الله ص ثم يغدو كما هو إلى المصلى، وكان رافع بن جريح وبنيه يجلسون في المسجد فإذا طلعت الشمس صلوا ركعتين ثم يذهبون إلى المصلى في الفطر والأضحى. وقال مجاهد: كل عيد أول النهار. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن المسارعة إلى الفضل أفضل كل من سبق وحافظ عليه وكلما غدا الناس وبكروا من إمام، أو غيره بصدق النيات كان ذلك أفضل ما لم يقع في ذلك تضييع شيء أفضل من ذلك. وأما صلاة العيدين فيخرج معنى الاتفاق، أنها لا تجوز ولا تقع حتى يستوي طلوع الشمس. فإذا استوى طلوع الشمس شارفها فهو أول وقتها وتعجيلها أفضل ما لم يوجب الرأي الانتظار بمعنى يرجى اجتماع الناس. وآخر وقت انقضاء وقت صلاة العيد زوال الشمس في شتاء أو صيف. فإذا زالت الشمس فقد انقضى وقت صلاة العيدين جماعة. (1/23)
صفحة 20
مسألة: ويستحب أن يصلي صلاة العيدين في ربع النهار الأول بعد طلوع الشمس ويستوي طلوعها ولا يؤخرها بعد ربع النهار فإن أفضلها في الربع الأول من النهار إن شاء الله. وإن أخرها ما لم ينتصف النهار فلابأس.
مسألة: وقد قيل إذا عرض عذر أو شغل عن صلاة العيد حتى زالت الشمس أنه لا صلاة بعد زوال الشمس كما لا جمعة بعد انقضاء وقت الظهر.
مسألة: من جامع ابن جعفر: قال من قال من الفقهاء: إذا صح خبر يوم العيد بعد زوال الشمس أخروا البروز إلى الضحة من غدهم، فإن جاء الخبر قبل ذلك برزوا. وقال من قال: يبرزوا متى جاء الخبر ولو بالعشي والقول الأول أحب إليّ. ومن غيره وقال: يبرزوا ما لم تغب الشمس. ومن الكتاب: قال محمد بن المسبح: الذي قال بالتعجيل فهو أحب إلي ما لم يصلوا العصر لأنه يوم الفطر الذي حرم الله صيامه وأحل فطره وختم به شهر رمضان. (1/24)
صفحة 21
وقيل: ما لم يكونوا صلوا العصر.
مسألة: فإن لم يصح خبر العيد إلا بعد الزوال، فقال قوم: يبرزون ويصلون. وقال آخرون: يؤخرون إلى الغد. ومن الكتاب: وقد قيل في الذي يغمى عليهم أنهم يؤخرون من الغد وقد روي ذلك عن النبي ص أنه أمر أناسا من الأمصار أن يخرجوا من الغد وهذا يوافق أن صلاة العيد هي مثل الضحى.
مسألة: ذكر القوم لا يعلمون بيوم الفطر إلا بعد الزوال.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه متى ما بلغهم ذلك وصح معهم في وقت ما تجوز فيه الصلاة خرجوا ولو بعد زوال الشمس. وإن بلغهم بعد العصر انتظروا إلى الغد. ومعي: أنه قيل يخرجون ولو بعد العصر. وقيل: يخرجون ولو في الليل. ومعي: أنه قيل أنهم لا يخرجون بعد زوال الشمس وينتظرون إلى (1/25)
صفحة 22
الغد، ولا أعلم منصوصا في قول أصحابنا أنه لا صلاة ولو لم يأتهم الخبر إلا من بعد الزوال، ولكنه يعجبني ذلك من القول لثبوت السنة أن وقت صلاة العيد قبل زوال الشمس من يوم العيد. إن من ترك الصلاة ذلك اليوم من بعد العلم لعذر أو غير عذر حتى تزول الشمس فلا صلاة بعد ذلك لجماعة من صلاة العيد.
مسألة: ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه: مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان وعن قوم رأوا هلال الفطر قبل الزوال وبعده، أو صح ذلك فأخروا الصلاة إلى الغد.
قلت: هل لهم ذلك أو عليهم؟، قال: فأما رؤيتهم للهلال في النهار فلا يوجب عندي ذلك حتى يروه في الليل في وقت رؤية الهلال على ما توجبه السنة من ذلك.
مسألة: من جامع أبي الحسن: ويستحب تأخير صلاة العيد يوم الفطر انتظارا في صلاة الفطر ويستحب تعجيلها يوم الأضحى لما فيه من الأضاحي بعدها والأكل، والترغيب والتصدق بها ليؤكل منها. فأوجب على هذا تأخيرا انتظارا الفطر لاشتغال الناس بإخراج الفطرة وأن يأكل قبل الخروج. (1/26)
صفحة 23
ولا أحب أن يأكل يوم النحر حتى يصلي وينحر.
مسألة: أجمع فقهاء المسلمين أن صلاة العيدين سنة في الأمصار والقرى والجماعة ولا ينبغي أن يترك والسنة أن يخرج الإمام بعد طلوع الشمس في الوقت الذي يجوز فيه الصلاة فيصلي بالناس. ومن غيره قال: فأفضل صلاة العيدين ما بكر فيها بعد شروق الشمس إلى ربع النهار. ومن تأخر في الربع الثاني إلى أن ينتصف النهار فقد أخر ولا نحب أن يتعدى نصف النهار. قال: وإن كانت الصلاة في ربع النهار وأطال الخطبة إلى الزوال لم أرى عليها نقضا ولكن لا ينبغي أن يفعل ذلك الخطيب.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بمعنى الاتفاق أنه لا يجب في صلاة العيدين آذان ولا إقامة، وبذلك جاء الخبر أن النبي ص فعله وصلى بغير آذان ولا إقامة.
مسألة: من جامع ابن جعفر: وإذا صلوا العيد جماعة فلابد أن يتكلم بهم رجل منهم بما فتح الله عليه الكلام. ومن غيره قال غيره: قال محمد بن المسبح: إذا اجتمعوا فصلوا فصلى بهم أحدهم ولم يحسنوا الخطبة فرأى أحدهم سورة من المفصل. (1/27)
صفحة 24
فصل الأكل يوم الفطر قبل الغدو وغيره
مسألة: ومن صلى بالناس فأراد أن يجتزيء بالقرآن عن الخطبة فلابد من الخطبة ولا يجزيه القراءة.
مسألة: وكل من شهد خطبة العيد استقبل القبلة ولا يستدبرها إلا الإمام الذي يلي الخطبة فإنه لابد له أن يستقبل الناس. وكذلك الخطيب يدبر بالقبلة ويستقبل الناس.
ومن جامع أبي الحسن: ولا أحب أن يأكل يوم النحر حتى يصلي وينحر لأن الله تعالى قد جمع بين ذلك فقال: {فصل لربك وانحر}. ثم قال: {فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا}، فأوجب الأكل والطعم بذلك.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ويستحب أن يأكل شيئا قبل أن يخرج إلى المصلى يوم الفطر.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: ويستحب يوم الفطر الأكل قبل النحر إلى المصلى وتأخير الأكل يوم (1/28)
صفحة 25
النحر إلى بعد الصلاة اقتداء برسول الله ص وقال: كان رسول الله ص يأكل قبل أن يغدو إلى المصلى رطبات فإن لم يكن فتمرات فإن لم يكن يحسو من الماء حسوات.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج من قول أصحابنا الاستحباب للأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى ولا أعلم ذلك واجبا. وأما يوم النحر فلا أعلم يستحبون ذلك فيه كيوم الفطر. ومعنا الفرق في ذلك عندي والسنة يوم الفطر بذل الصدقة على الفقراء، فالنفس أولى وأحرى أن يدخل عليها الرفق وذلك عندي إذا كان على عنى النية، اتباع السنة ولم يكن ذلك مما يشغله طلبه والاهتمام به عما هو أفضل منه. ولو أشغله ذلك أو عوقه عن صلاة العيد كانت صلاة العيد عندي أولى. (1/29)
صفحة 26
فصل صفة صلاة العيدين
من جامع أبي محمد: واختلف الناس في تكبير صلاة العيدين مع اتفاقهم أنهما ركعتان. وقول ابن عباس: أن التكبير فيهما يجزيء سبع وتسع وإحدى عشرة تكبيرة وثلاث عشرة تكبيرة وكل سنة.
مسألة: ومن جامع أبي جابر محمد بن جعفر: ومن سنن الإسلام صلاة الفطر والنحر ركعتان وهي وجوه أربعة كلها جائز سبع تكبيرات وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة، فمن كبر ثلاث عشرة كبر بعد تكبيرة الإحرام خمسا ثم قرأ فاتحة الكتاب وسورة ثم رجع وسجد ثم قرأ في الركعة الثانية فاتحة الكتاب وسورة، ثم كبر بعد القراءة خمس تكبيرات ثم ركع وهو أكثر القول. وإذا أراد أن يكبر سبعا كبر بعد تكبيرة الإحرام؟، فإذا رفع رأسه من الركوع كبر ثلاثا ثم خر ساجدا بتكبيرة وقضى صلاته. ومن غيره قال محمد بن المسبح: وإن شاء كبر بعد تكبيرة الإحرام ستا وكبر في الركعة الثانية بعد قراءته سبعا، ولم كبر إذا رفع رأسه من الركوع شيئا وهذه السنة. قال غيره: وإن كبر في الركعة الأولى قبل القراءة ثمانيا وفي الركعة الآخرة بعد القراءة خمسا جاز ذلك. (1/30)
صفحة 27
ومن الكتاب: فإن صلى على أن يكبر إحدى عشرة تكبيرة فإنه يكبر بعد تكبيرة الإحرام ستا، فإذا فرغ من القراءة في الركعة الثانية كبر خمسا. وإن أراد أن يكبر تسعا كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا ثم قرأ فصلى. فإذا فرغ من القراءة في الركعة الثانية كبر خمسا فأتم صلاته، قال غيره: إن شئت فكبر في الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام ستا وفي الثانية بعد أن يقضي القراءة ثلاث تكبيرات وهذا هو القول المجتمع عليه.
ومن الكتاب: ومن أراد أن يكبر سبعا كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا ثم قرأ فصلى. فإذا فرغ من القراءة في آخر الركعة كبر ثلاثا وأتم صلاته وليس في هذه الصلاة تكبيرة بعد الركوع إلا من كبر ثلاثة عشرة تكبيرة. وفي جميع التكبير لصلاة العيد تكبير الركعة الأخيرة وتر قال غيره. وقيل عن أبي مالك: في تكبير صلاة العيدين بوجه خامس وهو سبع عشرة تكبيرة سبع بعد تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى وسبع بعد القراءة في الركعة الثانية وثلاث بعد الركوع من الركعة الثانية فذلك سبع عشرة تكبيرة والله أعلم.
مسألة: في صلاة العيد من أراد أن يكبر ثلاث عشرة تكبيرة. (1/31)
صفحة 28
قال من قال: يكبر بعد تكبيرة الإحرام. وقال من قال: ستا. وقال من قال: ثمان. وإن أراد إحدى عشرة تكبيرة كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا ولا أعلم فيها غير ذلك.
مسألة: ومن كتاب الأشراف: ثبت أن رسول الله ص كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية. قال أبو سعيد: يخرج معي في قول أصحابنا أنه إذا قرأ فاتحة الكتاب وما يثبت من المفصل أجزأ عنه. وأكثر ما يقرءون في الأولى سبح اسم ربك الأعلى، وفي الآخرة بسورة معها. وأكثر ذلك على ما وجدنا والشمس وضحاها والضحى وكل ذلك جائز.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: وصلاة العيد ركعتان هكذا نقلت الأمة عن النبي ص قولا وفعلا بغير آذان ولا إقامة قبل الخطبة تفتح الصلاة بالتكبير بعد (1/32)
صفحة 29
اعتقاد النية واستقبال القبلة ويوجه سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. قال الله: {فسبح باسم ربك العظيم}، ويضم إلى التوجيه توجيه إبراهيم يقول: {وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين}، ثم يكبر تكبيرة الإحرام.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن التوجيه لصلاة العيد قبل تكبيرة الإحرام وكذلك في جميع الصلوات. وأما الاستعاذة فيختلف فيها من قولهم. فقال من قال: في صلاة العيد أنه يستعيذ من بعد تكبيرة الإحرام وتكبير الصلاة ثم يقرأ. وقال من قال: يستعيذ ثم يكبر تكبيرة الإحرام ثم يكبر ثم يقرأ. ومن غيره وفي جامع ابن جعفر: يستعيذ بعد التكبير الأول ولعل أحد هذه الأقاويل أن تكون الاستعاذة بعد تكبيرة الإحرام، وقبل التكبيرة الذي يليها من الركعة الأولى والله أعلم رده على بيده فينظر فيه. ومنه قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا معنى الاتفاق بثبوت الجهر بالقراءة في صلاة العيدين كسائر الجهر في الصلوات. (1/33)
صفحة 30
باب خروج الناس إلى العيد والإياس وما يستحب من ذلك وفي التقديم والتأخير وفي النية في صلاة العيدين وفي الإمامة في صلاة العيد وفي الإمام بعد الإمام في موضع واحد وفيمن زاد في تكبير العيدين أو نقص ومعاني ذلك وما أشبه ذلك
من جامع أبي محمد: قال الله جل ثناؤه: قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى. قيل: أنها نزلت في صدقة الفطر وصلاة العيد والله أعلم.
ومن الكتاب: وإذا فرغ من صلاته فلابأس أن يرجع راكبا وإن أتى العيد راكبا لم يكن عليه في ذلك حرج إن شاء الله تعالى. وروي أن النبي ص كان يخرج إلى العيد ماشيا من طريق ويرجع من طريق غيرها فنحب للناس فعل ذلك.
مسألة: وليس حضور النساء العيدين بواجب عليهن إلا أنه أفضل لهن وكذلك العبيد والمسافرون إلا من أذن له من العبيد أن يحضروا وهذا أفضل. (1/34)
صفحة 31
مسألة: ويستحب يوم العيد أن يحضر النساء والعبيد والصبيان والرجال وأن يحشد المسلمون له تكثر جماعتهم. قال أبو المؤثر: نعم.
مسألة: وإذا خرج الناس إلى صلاة العيدين خرجوا وعليهم السكينة.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا ما قال إلا أنه يعجبني إن كان الخروج راكبا أقوى له على نفسه، وأنشط ولو كان يقدر على ذلك ماشيا أن يكون الركوب هاهنا أحسن لهذا وأحب إليّ. وكذلك خروج السلطان إذ كان العز في الركوب والهيبة كان ذلك أحسن إذا كان في يوم يخاف فيه الوضيعة. ومنه قال أبو بكر: ويستحب أن يلبس ما صلح من ثيابه كما يلبس في يوم الجمعة. وكان عمر بن الخطاب يصلى الفجر وعليه ثياب العيد. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا استحباب ذلك أن يأخذ الناس تعظيما لحق الله لا لرياء ولا سمعة. وكذلك يروى عن النبي ص لما سن لهم صلاة العيدين وقال: «إنه كان لكم في الجاهلية عيدان فقد أبدلكم الله بهما في الإسلام عيدين وهو الفطر والنحر»، وحثهم مع ذلك عند الخروج على لبس ما أمكنهم من أفضل الثياب على نحو هذا معنى القول. (1/35)
صفحة 32
مسألة: وإذا لم تخرج المرأة إلى العيدين استحياء منها وهي لا تدين بذلك حتى تموت لم تترك ولايتها.
مسألة: المرأة تستأذن زوجها إذا أرادت أن تذهب إلى العيدين وما أحب له أن يمسكها وكذلك البكر تستأذن في العيدين. والبكر لا يستأذن أخاها ولا وليها للعيدين إن لم يكن أب ولا تستأذن أيضا أمها ولا للزوج ولا للأب حبسها عن الخروج إلى العيد. ولا أحب لها مخالفة الزوج والأب فإن لم يخالفا وقعدا فلا شيء عليهما. وإن استأذنتهما فلم يأذنا لها فذهب برأيهما لم يكونا آثمين كذلك لو ذهبت ولم تستأذنهما لم يكونا آثمين.
مسألة: والعبد يستأذن مولاه إذا أراد أن يذهب إلى العيدين. فإن لم يأذن له فلا أرى عليه بأسا.
مسألة: وعن أبي سعيد: وأكثر قولهم أن صلاة العيدين أنها تجب على أهل البلدان التي تكون قرب القرى الجامعة الأمصار. فمعي: أنه قد رخص من رخص لهم في ذلك أنه لا عيد عليهم إذا قام بذلك أهل القرى والأمصار الجامعة. (1/36)
صفحة 33
فصل فيمن زاد تكبير العيدين أو نقص
من جامع أبي الحسن: قد اختلفوا فيمن زاد في العيد تكبيرة أو نقص ذلك من التكبير. فقال قوم: النقض ولم يوجب آخرون ولم يرى عليه نقضا لأن ذلك سنة. فمن نسي من السنة شيئا فلا نقض عليه في الفرائض ومن سننها، فمن نسي من السنن شيئا فلا شيء عليه.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه لا تثبت صلاة العيد إلا بالتكبير جميعا وأنه لا يجوز ترك ذلك على عمد ولا جهل ولا نسيان في معنى تأدية السنة. إن التكبير ثابت في الركعة الأولى قبل القراءة فيخرج في معنى القول على هذا أنه إذا نسي التكبير الأول حتى قرأ وركع أن يعيد الصلاة، لأنه قد ترك التكبير وتعدى إلى القراءة ثم تعدى إلى حد ثالث، وأرجو أنه يخرج في بعض معاني قولهم أنه لو نسي حتى يكبر بعد القراءة ويقرأ بعد التكبير أن هذا موضع قريب ولا فساد عليه لأنه قد أتى بالتكبيرة والقراءة في معاني الركعة. وكذلك لو سهى حتى كبر قبل القراءة في الثانية كان القول فيه عندي واحدا في معنى الاختلاف ولحقه معنى الاختلاف في إعادة الصلاة وتمامها. (1/37)
صفحة 34
ولو ترك التكبير في الركعة الأولى والآخرة حتى ركع وسجد كان عليه معنى الإعادة لأنه قد ترك الحد وأنه ترك ما لا يجوز على حال في الركعتين حتى جاوز إلى حد ثالث. وعلى هذا النحو يخرج معي سنن صلاة العيد في تقديمها وتأخيرها، ومنه قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا فيمن ترك تكبيرة من تكبير صلاة العيد ناسيا أو متعمدا أن عليه الإعادة. وقال من قال: عليه الإعادة في العمد ولا إعادة عليه في النسيان. وقال من قال: لا إعادة عليه في عمد ولا نسيان. ويعجبني أن يسجد سجدتي السهو على حال لترك ذلك، ولا أعلمه فيما يشبه معنى الاتفاق ولا أعلم في قول أصحابنا حدا أن يرجع من حيث خرج ولا من غيره من صلاة العيد. ولا يبين لي في ذلك فرق إلا أن يكون في بعض ذلك معنى لا يحضر ذكره فننظر في ذلك.
مسألة: وإذا خرج الناس إلى صلاة العيدين خرجوا وعليهم السكينة، فإذا أرادوا الصلاة قدموا أفضلهم في دينه وأعلمهم بسنة نبيه وأقرؤهمبكتاب ربه ذلك أولى لصلاتهم. فإذا قضى الصلاة كانت الخطبة والرغبة إلى الله. ويوم الفطر يسمى يوم الجائزة فإذا قام الإمام للصلاة قام واستقبل القبلة. وإذا أراد الصلاة ونوى ذلك أداء للسنة صلاة العيد طاعة لله ولرسوله ويكون إماما لمن يصلي خلفه بصلاته يستحب ذلك ثم وجه وأحرم. (1/38)
صفحة 35
فصل في النية في صلاة العيدين ومعاني ذلك
وينوي المصلي في صلاة العيد إذا كان غير إمام أداء للسنة صلاة العيد بصلاة الإمام طاعة لله ولرسوله ثم يوجه ويكبر. وإذا كان إماما فإنه ينوي ويقول أصلي السنة صلاة العيد ركعتين إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله إماما لمن يصلي بصلاتي ولمن يأتي.
مسألة: من جامع ابن جعفر: وقال من قال: من زاد تكبيرة في صلاة العيد أو نقصها فعليه النقض. وقال من قال: النقض على من نقض ولا نقض على من زاد. وقال من قال: لا نقض على من زاد ولا من نقص وهذا رأي أبي علي وأبي عبد الله رحمهما الله وهذا الرأي أحب إليّ.
مسألة: وعن أبي علي رحمه الله فيمن لم يسمع تكبيرة خلف الإمام فلم يكبرها وكبر مع الإمام ما سمع ولم يكبر مع الإمام ما لم يسمع أو نسي فلا يكبرها. قال: لا نقض عليه.
مسألة: قلت: فما تقول إذا زاد الإمام في صلاة العيد تكبيرة أو تكبيرتين؟ (1/39)
صفحة 36
قال: لا نقض عليه ولا على من خلفه وكذلك إذا نقض أيضا فلا نقض عليه ولا عليهم.
قلت: فإذا زاد الذي يسمع الناس التكبير تكبيرة أو تكبيرتين فكبر رجل بتكبيرة؟، قال: لا نقض عليه ولا على من يكبر بتكبيرة إن شاء الله. (1/40)
صفحة 37
فصل في صلاة العيد إمام بعد إمام في موضع واحد
من الزيادة المضافة: عن أبي الحسن السيابي: هل يجوز أن يصلي إمامان في بلد واحد في مثل هذا الزمان إمام بعد إمام في يوم الفطر أو النحر صلاة العيدين أم لا يجوز ذلك؟، قال: المأمور به أن يكون إجماع أهل البلد إلى موضع واحد كما جاءت السنة عن رسول الله إلا أن يردهم شيء في هذا الزمان، فصلى قوم ناحية في غير الموضع الذي يصلي فيه الإمام الأول فأرجو أن يجوز. فأما في موضع إمام بعد إمام صلاة العيد فلم أرى ذلك لأن ذلك موضع معروف للإمام في صلاة العيد ذلك اليوم فلا يجوز بعدها جماعة أخرى في ذلك الموضع.
مسألة: وجائز أن يصلي جماعة بعد جماعة في صلاة العيد وليس الجبان مثل المسجد. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/41)
صفحة 38
باب فيمن انتقض وضوءه عند صلاة العيد وفي صلاة العيدين للمسافرين وفيمن سرقه الإمام في صلاة العيدين وفيمن انتقضت عليه صلاة العيد وفي تكبير العيدين، وفيمن انتقضت عليه صلاة العيد وفي تكبير التشريق ومعاني ذلك
ولو أحدث رجل ثم حضر السيد فليس عليه شيء فأما الإمام فلا يجوز له ذلك إلا أن يتيمم ويصلي معهم ولا يكون إماما.
مسألة: وعرفت أن من خاف فوت صلاة العيد أن له أن يتيمم ويصلي السنة في الجماعة إذا خاف فوتها ولم يعدم الماء وذلك في بعض القول. وكذلك صلاة الجنازة والجنازة أرخص ولم أعلم فيها اختلافا.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه لا يتيمم ولو خشي فوت صلاة الجماعة في العيد ويصلي ركعتين. وقيل: إذا خشي فوت صلاة الجماعة فيها يتيمم ويصلي لأن السنة فيها جماعة كما جاز له التيمم لصلاة الجنازة مما يشبه معنى الاتفاق. ويعجبني: إن كان لا يجد صلاة العيد في غير هذا الموضع أن يتيمم ويصلي السنة. (1/42)
صفحة 39
وكذلك إن كان صلاة إمام عدل وصلاة جماعة من جماعة المسلمين التي لا يكون صلاة بعدها أعجبني أن يتيمم ويصلي. وأما إن كان صلاة السلطان الجائر أو غيرها من الصلوات من الرعية أعجبني أن يتوضأ ويطلب صلاة العيد أو يصلي ركعتين ولا يتيمم في مثل هذه الصلاة. (1/43)
صفحة 40
فصل في صلاة العيدين للمسافرين
وعن ثلاثة نفر في سفر هل عليهم صلاة الفطر والأضحى؟، قال: نعم إذا كان فيهم من يحسن أن يصلي بهم ويتكلم.
مسألة: وقال حضور العيدين على المسافر أوكد من حضور الجمعة، وعليهم أن يصلوا صلاة العيدين إذا كانوا عشرين رجلا وأقل ما سمعنا ثلاثة إذا كان فيهم من يحسن الخطبة والصلاة.
مسألة: وقالوا السفار عليهم أن يصلوا صلاة العيدين إذا كانوا عشرين رجلا. وقالوا: إذا كانوا عشرة رجال. وأقل ما سمعنا ثلاثة رجال إذا كان منهم من يحسن الخطبة والصلاة فلا يلزمهم شيء.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في صلاة العيدين على المسافر باختلاف. فقال من قال: تجب عليهم والمسافر كالمقيم في بلد وغير بلد وفي بادية من الأرض. (1/44)
صفحة 41
وقال من قال: ليس على المسافر في صلاة العيد كما لا جمعة عليه. وأكثر قولهم في صلاة العيد أنها تجب على أهل البلدان المحاصرين ولو لم يكن من الأمصار إلا مثل المسافي التي تكون قربالقرى الجامعة والأمصار. فمعي: أنه قد رخص من رخص لهم في ذلك أنه لا عيد عليهم إذا قام بذلك أهل القرى والأمصار الجامعة. وأما العبد والمرأة فمعي أنه يختلف في ذلك عليهم حيث تلزم صلاة العيد. فبعض: يوجب ذلك على المرأة وعلى العبد إذا أذن له سيده. وقال من قال: ليس على المرأة بلازم ويستحب لها ذلك وعلى العبد أوجب ويستأذن سيده ولا أعلم ترخيصا إلا فيه إذا كان فارغا وأذن له سيده. (1/45)
صفحة 42
فصل فيمن سبقه الإمام في صلاة العيد
ومن أدرك من صلاة العيد ركعة فإذا سلم الإمام فيكبر للتكبير الذي كبره الإمام في نفسه ثم يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة ويركع ويسجد ويقضي صلاته كما صلى الإمام. فإن لم يحسن التكبير فقام فصلى ركعة إلى الركعة التي أدركها حتى نشفع فلابأس عليه وتجزيه.
مسألة: ومن فاته صلاة الإمام يوم العيد وقد برز إلى الجبان فإنه يصلي صلاة العيد بتكبيرها جانبا من الجبان حتى يدعو إلى الخطبة فيستمعها إن أمكنه. وإن لم يمكنه لكثرة الناس فليكن مع الناس المحسنين للخطبة. وأقول إن برز إلى الجبان وقد انصرف الإمام من الخطبة فلاشيء عليه إلا أن يشاء أن يصلي تطوعا كسائر الصلوات.
مسألة: وإذا أتى قوم والإمام يخطب فليصلون جماعة. فإن كان الإمام قد فرغ من الخطبة فليصل بهم أحدهم ويخطب بهم، وإن خطب بهم وصلى في الموضع الذي صلى فيه القوم فلابأس بذلك لأنه مصلى ولابأس أن يصلي فيه بعد قوم. (1/46)
صفحة 43
مسألة: ومن سبقه الإمام بشيء من صلاة العيد أبدله على ما كبر الإمام.
مسألة: قال أبو عبد الله: من سبقه الإمام بركعة من صلاة العيد وهو لا يحسن التكبير فيصلي ركعة إذا لم يحسن التكبير للصلاة.
مسألة: وقال أبو زيادة الوضاح بن عقبة عن هاشم بن غيلان من فاته من صلاة العيد شيء فإذا سلم الإمام قام فأبدل ما فاته من التكبير. وغيره: وأما صلاة الجبارة فليس عليه أن يبدل ما فاته. وقال أبو الوضاح بن العباس عن أبيه العباس: أنه لا بدل عليه فيما فاته من صلاة العيد ولا الجنازة.
مسألة: ومن صلى خلف الإمام ولم يسمعوا التكبير ولا يدرون كم يريد أن يكبر فليكبر إلى أطول التكبير ما يكون منه الذي ينتهي إليه تكبير الإمام يوم الفطر والأضحى.
مسألة: ومن أمّ الناس يوم النحر فلم يسمع الناس التكبير فليكبر لعله لمن سمع ومن لم يسمع فليكبر على حياله سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة أو (1/47)
صفحة 44
ثلاث عشرة فليس على من خالف الإمام في التكبير بأس ما لم يسمع ومن سمع فليكبر لتكبير الإمام وهذا موسع.
مسألة: ومن صف في آخر الصف يوم العيد ولم يسمع تكبير الإمام أنه يقف حتى يرى الناس قد ركعوا ثم يحرم فليركع معهم. فإذا سجدوا وقاموا في الركعة الثانية فليقرأ فاتحة الكتاب ثم يقف بقدر ما يرى أن الإمام قرأ سورة ثم يكبر خمس تكبيرات. فإذا رأى الناس قد ركعوا فليركع معهم. فإذا استوى من الركوع فليكبر ثلاث تكبيرات. فإذا سلم ورأى الناس قد قاموا فليقم يبدل ما فاته من الصلاة يبدأ بالتكبير ثم ليقرأ فاتحة الكتاب وسورة ثم ليقعد. ومن صلى يوم الفطر مع الإمام ولم يكبر فصلاته جائزة.
مسألة: ومن قدم القراءة على التكبير غلطا منه في الركعة الأولى فصلاته فاسدة.
مسألة: وعن الأصم الذي لا يسمع التكبير يوم العيد. قال: يكبر غاية التكبير ثلاث عشرة تكبيرة ويوجد أنه يكبر ما شاء من وجوه الصلاة وكل ذلك جائز. (1/48)
صفحة 45
مسألة: وأما الأصم الذي لا يسمع التكبير فإنه يكبر من بعد ما يركع الإمام.
مسألة: وعن أبي علي رحمه الله: فيمن يسمع تكبيرة خلف الإمام فلم يكبر ما وكبر ما سمع ولم يكبر ما لم يسمع أو نسي فلم يكبرها؟، قال: لا نقض عليه.
وقال من قال: من زاد تكبيرة أو نقضها فعليه النقض. وقيل: لا نقض عليه.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: ومن لم يسمع من الإمام تكبير العيد فكبر ما سمع ولم يكبر ما لم يسمع أنه لا نقض عليه على قول بعض المسلمين المروى عنه ذلك.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه من فاته صلاة العيد أو تركها لمعنى عذر، أنه يصلي ركعتين كسائر الركوع بغير جهر ولا تكبير أو ما شاء من الصلاة إذا فصل بين كل ركعتين إلا أنه يخرج في بعض قولهم أنه إذا خرج إلى الجبان، فوجد الإمام قد صلى وفاتته الصلاة معه أنه يصلي صلاة العيد بالقراءة والتكبير إلا أنه لا يجهر. (1/49)
صفحة 46
وأما غير الجبان فلا أعلم من قولهم منصوصا إلا أنه يصلي ركعتين ولا أجد مانعا عن الصلاة في التكبير والقراءة ولو لم يكن في الجبان، لأن ذلك من الفضل إلا أن صلاة الواحد لا جهر في سنة ولا فريضة من صلاة النهار.
مسألة: ومن صلى يوم الفطر مع الإمام ولم يكبر فصلاته جائزة.
مسألة: ومن سهى خلف الإمام في صلاة العيدين فعليه سجدتا الوهم.
مسألة: ومن صلى يوم النحر فلما انصرف ذكر أنه على غير طهر وأن ثوبه ليس بطاهر فإنه يؤمر أن يصلي البدل ركعتين.
مسألة: ومن انتقضت عليه صلاة العيد وقد كان صلاها مع الإمام، فعليه أن يعيدها كما صلاها كان ذلك في الوقت أو بعد الوقت جماعة، وبعد فوت الوقت فرادى ارجع.
مسألة: وعن صلاة العيدين قلت: أهي كصلاة الفريضة في السبق والبدل والحدود وغير ذلك أم بينهما فرق؟، فمعي: أنها مثل الفريضة في العمل بها والحدود إلا أنه قد قيل أن التكبير حد زائد في صلاة العيد، ليس مثله في صلاة الفريضة. (1/50)
صفحة 47
فصل في تكبير التشريق
مسألة: عن أبي الحسن وعن التكبير في أيام التشريق.
قلت: هو لازم وكيف هو؟، قال: فعلى ما وصفت فليس هو من اللازم إلا أنه قد عمل به من عمل من المسلمين. وجاء به الأثر: ونحن نكبر بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى آخر اليوم الثالث من بعد النحر ودبر صلاة العصر يوم الثالث. وقد قيل عن بعض الفقهاء: لم يكن يكبر والتكبير معنا نحن لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا لا إله إلا الله، والله أكبر تكبيرا لا إله إلا الله والله أكبر، على ما هدانا فمن كبر ففضل واتباع أثر ومن ترك فلابأس. ومن غيره، وقد قيل: إن كبر فقال الله أكبر كبيرا الله أكبر تكبيرا، الله أكبر على ما هدانا أجزأه ذلك. ومن الجواب: وحفظ من حفظ عن أبي سعيد: أنه رفع عن جابر ابن زيد أنه لم يكن في أيام التشريق والله أعلم.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أن التكبير للتشريق (1/51)
صفحة 48
أدبار الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة العصر من اليوم الثالث من آخر أيام التشريق. وفي بعض قولهم: أن أوله من صلاة الفجر من أول يوم من أيام التشريق إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق. ومعي: أن القول الأول هو الأكثر من قولهم. وفي بعض قولهم: أن التكبير ليس بواجب ولم يكن يكبر في أيام التشريق بمعنى ولا غيرها. والتكبير حسن وفيه الفضل لأنه من ذكر الله. ومن فعل ذلك في وقت ما ذكر وحكى من بعض هذه الأقاويل فهو حسن وفيه الفضل لأنه من ذكر الله، ما لم يرد بذلك مخالفة لغيره أو إثبات ذلك على اللازم. وأكثر ما سمعنا من قول أصحابنا ووجدناهم يكبرون هذا التكبير وهو قوله: لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا لا إله إلا الله، الله أكبر تكبيرا لا إله إلا الله والله أكبر على ما هدانا. وقد يوجد عنهم غير هذا من الزيادة والنقصان ونحو هذا والذي باق عليه بدل من صلاة الإمام، فإنه لا يجوز عندي في قول أصحابنا أن يكبر قبل أن يتم ما عليه من الصلاة لأن الصلاة لم تتم، وإنم التكبير دبر الصلوات ودبرها تماما. ويعجبني: إذا كان عليه صلاة الوهم وكان محرما أن يسجد للوهم ثم يكبر ثم يلبي وإن سجد ثم لبى ثم كبر فحسن. (1/52)
صفحة 49
قال المؤلف: وحفظت أنا مما وجدته مؤثرا أن تكبير التشريق قبل السجود وبعده والله أعلم.
مسألة: ومن كان يجمع الصلاتين فأرجو أن تكبيرا واحدا يجزيه إذا جمع.
مسألة: عن قومنا فقال من قال: إنما التكبير على من صلى جماعة. (1/53)
صفحة 50
باب في صلاة القيام في شهر رمضان والنية لقيام شهر رمضان ومعاني ذلك وما أشبه ذلك
ومن جواب موسى بن علي رحمه الله، وعن الذي يصلي بقوم في شهر رمضان فلما قضى الفريضة قام يصلي بلا توجيه، إنه يجتزيء بالتوجيه الأول إن شاء الله.
مسألة: وعن الذي يصلي بقوم في شهر رمضان ما يلزمه يوجه الكل شفع أم لا؟، فقد قيل في ذلك باختلاف والذي كان يأخذ به أبو عبد الله أنه كان يوجه إذا ابتدأ النافلة ثم كلما صلى ركعتين وسلم قام. فإذا استوى قائما كبر محرما واجتزأ بالتوجيه الأول واستعاذ كان إماما أو غير إمام.
مسألة: وعن الذي يصلي القيام في شهر رمضان كم يقرأ في كل ركعة فأرى أنه إذا قرأ عشر آيات من سورة طويلة الآيات فهو وسط، وأقل ما يقرأ خمس آيات. وقال أبو عبد الله: بلغني أن والدي كان يقرأ بالناس في شهر رمضان بثلاثين آية. (1/54)
صفحة 51
فقال من قال: للربيع يا أبا عمرو أن أبا سفيان يطيل القراءة في كل ركعة ثلاثين آية. فقال الربيع: كان ضمام يقرأ في كل ركعة خمسين آية.
مسألة: وقال أبو عبد الله في صلاة قيام شهر رمضان إنما يقرأ هو بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا تمت السورة قام كلما قام من سجوده وقرأ الفاتحة ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم. وقال زياد بن الوضاح: أما موسى بن علي فكان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في كل ركعة من القيام.
مسألة: وعن إمام سهى في قيام شهر رمضان فصلى ركعة ثم قعد وسلم، قال: يقومون الذين خلفه يريدون ركعة ثم يسلمون إذا لم ينتبه لذلك فيقوم بهم.
مسألة: ومن حفظ القرآن أو بعضه ولم يكن بإمام فصلاته وحده، وقيل أفضل من صلاته مع الإمام وذلك في القيام. قال غيره: وقد قيل في الأثر: أن صلاته مع الإمام أفضل من صلاته وحده لفضل الجماعة. ولا يستحب له أن يترك صلاة الجماعة في القيام ولكن يصلي معهم ما فتح الله من المفروضة لا يدعها، ثم إن أحب أن يخرج يصلي وحده فحسن. (1/55)
صفحة 52
وإن أتم معهم صلاة قيامهم ثم صلى وحده ولم يتول بالجماعة كان أفضل وذلك إذا لم يكن هو إماما.
مسألة: قال: ومن صلى بقوم صلاة العتمة جماعة في شهر رمضان، ثم صلى بهم الوتر جماعة على أثر العتمة ثم انصرف وقام القوم من بعده يصلون القيام فذلك جائز في رمضان، ولا يجوز في غير رمضان.
مسألة: قلت: فرجل قرأ في آخر الوتر بخمس سور نحو ذلك؟، قال: جائز.
مسألة: وقيل من أمّ الناس في رمضان فليأخذ بهم باليسر فإن كان ثقيل القراءة، فليختم بهم ختمة وإن كانت قراءته بين القراءتين فختمة ونصف، وإن كان سريع القراءة فمرتين.
مسألة: وعن سعيد بن المسيب قال: إذا كان مع الرجل ما يقرأ به ليلة فلا يقرأ في المصحف ويكرر ما معه.
مسألة: ومن جواب محمد بن محبوب رحمه الله: وعن القيام في شهر رمضان كيف العمل فيه وكم عدد ذلك من ركعة عندهم، فما عندنا في (1/56)
صفحة 53
ذلك حد محدود إلا أنهم يصلون ما فتح الله لهم مع أئمة مساجدهم فيها. فمن أكثر الصلاة كان له فضل ذلك. ومن أقل منهم لم يكن عليه بأس ويصلون الوتر جماعة في شهر رمضان. وقلتم: ما يستحب لمن استظهر القرآن أن يصلى مع جماعة الناس أفضل له أم القيام وحده في بيته؟، فكل ذلك جائز إن شاء الله والصلاة في الجماعة عندنا أفضل أم القيام؟، لعله أراد من القيام. وقد قيل: من استظهر القرآن فليصل به. وقد جاء عن النبي ص أنه قال: «اجعلوا لبيوتكم نصيبا من صلاتكم تبقون بها البركة». وقيل أيضا عن عمر بن الخطاب ض قال: إن الصلاة للرجل في بيته نور فأي ذلك فعل جاز له. ومن جوابه: وعمن سبقه الإمام ببعض الركوع في قيام شهر رمضان فدخل مع الإمام حتى بلغ الإمام الوتر، أي ذلك أفضل للداخل مع الإمام أن يصلي معه الوتر ثم يبدل ما سبقه الإمام به بعد ذلك، أم يعتزل حتى يصلي ما سبقه به الإمام ثم يصلي الوتر بعد ذلك. أم كيف قول المسلمين في ذلك؟ (1/57)
صفحة 54
قال: الذي عندنا إذا سلم الإمام قام الداخل معه وأتم ما سبقه به من صلاته في مقامه ذلك ولا يعتزل ثم يسلم. ويدخل مع الإمام في صلاة الوتر فإن كان إنما دخل معه في صلاة الوتر، وقد سبقه منه شيء أتم ما سبقه به الإمام إذا سلم الإمام إن شاء الله.
مسألة: ومن صلى بقوم في شهر رمضان الفريضة فلما قضاها قام يصلي بهم بلا توجيه فإنه يجتزيء بالتوجيه الأول إن شاء الله، وتوجيه واحد أو ما يقوم به إلى المصلى للنافلة لجميع ما صلى من النوافل ما لم يقبل إلى المشرق أو لم يتكلم وكذلك الاستعاذة. وعن أبي عبد الله: وأنا أستعيذ في كل شفع.
مسألة: ومن صلى في رمضان فمختلف فيه أيوجه لكل شفع أم لا؟، والذي كان يأخذ به أبو عبد الله أنه كان يوجه إذا ابتدأ النافلة ثم كلما صلى ركعتين، وسلم قام وكبر محرما واجتزأ بالتوجيه الأول واستعاذ كان إماما أو غير إمام. وإن دخل مع قوم في صلاتهم وقد قرأ الإمام فاتحة الكتاب، مختلف فيه أيقرأ فاتحة الكتاب أم يستمع. قال: فالذي كان يأخذ به أبو عبد الله قول من قال من الفقهاء إذا دخل في صلاتهم، وقد فرغ الإمام من فاتحة الكتاب ودخل في قراءة السورة (1/58)
صفحة 55
فلينصت وليستمع ويجزيه الاستماع إذا أدرك من بعد إحرامه من قراءة الإمام آية واحدة اجتزأ بها. وإذا أدرك من بعد إحرامه من قراءة الإمام أقل من آية فعليه، إذا سلم الإمام أن يقوم فيتم ما بقي عليه من صلاته فيقرأ فاتحة الكتاب.
مسألة: وإذا جف حلق المصلي فأبلاه بجرعة من ماء فعليه التوجيه ولا توجيه على من خلفه.
مسألة: ومن شق عليه القيام خلف الإمام فليقم معه. فإذا قرأ فاتحة الكتاب فليجلس حتى إذا أراد أن يركع قام فركع معه ولو أنه قعد فلم يقم حتى يريد أن يركع قام فركع معه جاز له.
مسألة: ولابأس أن يصلي الناس بصلاة الإمام في رمضان إذا سمعوا صوته وبينه وبينهم دار أو حائط ما لم يكن بينهم طريق ويسمعون الصوت.
مسألة: وسألت أبا سعيد كم يؤمر أن يقرأ في كل ركعة من صلاة القيام في رمضان؟، قال: كانوا يقرءون عشر آيات من آيات النساء والبقرة وأشباهها وهو أقل ما عندهم ذلك فيما معي والله أعلم. (1/59)
صفحة 56
قلت: فالمأمور به في القيام في شهر رمضان أن يكون في كل ركعة تزويجة توجيه واستعاذة؟، قال: هكذا عندي أنه كان على ذلك الأول وإنما سميت ترويحة لأنهم يستريحون فيها ويتحممون للصلاة ويدعون إذا أرادوا ويشرب من احتاج إلى الشرب، ويتروح ويستريح ويريح أصحابه ثم يوجه ويصلي ترويحة على هذا كانت الصلاة فما قبل في القيام.
قلت له: وهو أفضل للإمام من توجيه واحد واستعاذة؟، قال: هكذا عندي لإحياء السنة ولا أحب أن يوجه في الترويحة إلا مرة واحدة.
قلت له: فالسنة في القيام بعد العشاء الآخرة وآخر الليل؟، قال: أما في الأصل الذي يسن فيه القيام في أيام عمر بن الخطاب فأحسب أنهم قالوا إنما كان في أول الليل. وأما أصحابنا من أهل عمان فسنتهم على ما تجري عادتهم القيام في أول الليل وآخره.
قلت: فهل كان النبي ص وأصحابه يصلون القيام في جماعة في رمضان؟، قال: فمعي أنه قد قيل كانوا يصلون جماعة، وأما سنة ظاهرة مأمور بها مكتوب بها إلى الأمصار في أيام عمر، فيما قيل أنه سن ذلك على الناس وفيما أحسب أنهم قالوا لحفظ القرآن.
قلت له: وكان النبي ص وأصحابه يصلون القيام بعد العشاء الآخرة كما سنها عمر، أم كانوا يصلون في أي وقت كان من الليل من أوله وآخره قبل العشاء الآخرة أو بعدها أو آخر الليل؟، (1/60)
صفحة 57
قال: فلا أجدني أنص ذلك نصا إلا أنهم قد قالوا كان يصلي النبي ص وأصحابه في شهر رمضان أحسب معنى القيام في مجاز الكلام. ويدل ذلك ما روي عنه ص فيما يروى عن الله تبارك وتعالى في الذكر وفضل يوم الفطر، وشهر رمضان وفضل أمة محمد ص وفيما يعطون في يوم الفطر، وشهر رمضان وفضل أمة محمد ص وفيما يعطون في يوم الفطر. كما أنه قال عن الله تبارك وتعالى: أنه يقول للملائكة ملائكتي ما جزاء الأجير عند فراغه من عمله فكان من ذلك كلاما، إلى أن قال هؤلاء عبادي فرضت عليهم الصيام فصاموا وسننت لهم القيام فقاموا وهذا يروى عن النبي ص. فلولا كانت هنالك سنة لم يكن ذلك عن النبي ص.
قلت: فهل يجوز أن يصلي القيام جماعة في رمضان بعد المغرب قبل العشاء الآخرة؟، قال: فلا أعلم ذلك من أفعال المسلمين ولا أحب مخالفتهم إلا أن يقع نظر منهم أو من سبب خوف يعوقهم عن أمر الصلاة بعد الصلاة، فقدموا ذلك الفضل لأن لا يفوتهم في موضعه فأرجو أن يسع ذلك إن شاء الله ويجوز.
قلت: فإن لم يعوقهم أمر وكان ذلك أنشط لهم من بعد العشاء الآخرة هل يجوز لهم قبل العشاء الآخرة أن يصلوا على هذا؟ (1/61)
صفحة 58
قال فإن لم يكونوا يقدرون على ذلك لم أحب ترك ذلك وامتناعهم عنه. وإن كانوا لا يمنعهم من ذلك مانع فلا أحب أن يقوم ذلك مقام القيام إلا من عذر.
قلت له: فإن فعلوا متمعدين ولم يصلوا بعد العشاء الآخرة شيئا أيكونون آثمين بذلك؟، قال: ما لم يريدون خلافا للسنة فلا أقول أنهم آثمون.
قلت له: فيرجى لهم الثواب على ذلك؟، قال: فإذا قاموا بالسنة بعد الصلاة على ما جاءت به وأرادوا ذلك غير خلاف السنة، رجوت لهم في ذلك الثواب لأنه طاعة وفضل. فإن ضيعوا السنة المعروفة بعد العشاء الآخرة لم يقم ذلك قبلها عندي مقامها إلا من عذر.
قلت: فإن تركوا القيام بعد العشاء الآخرة أو الليل وقاموا آخر الليل هل يجوز لهم ذلك؟، قال: فليس لهم ذلك عندي إلا من عذر لأن السنة أول الليل وإن فعلوا ذلك لم يجز عن سنة أو الليل إلا من عذر.
قلت له: فما الفضل للنساء أن يصلين القيام في المساجد مع الرجال جماعة أم يصلين الفريضة وحدها ويقعدن في بيوتهن؟، قال: معي أن الأفضل لها أن تصلي الفريضة في بيتها وتتطوع بما فتح الله لها وتجلس في بيتها. ومعي: لو لم تصل في بيتها كان عندي أفضل لها من البروز في رمضان ولا غيره إلا اللازم. (1/62)
صفحة 59
فقلت له: فإن صلت القيام في المسجد ولم تقعد في بيتها؟، قال: نرجو لها الثواب على ذلك.
قلت له: فإذا كانت نيتها لله في ذلك وسلمت من آفات البروز من أمر الرجال من نظر أو تذكر أو استماع لمعنى شهوة؟، قال: فأرجو أن لا يضيع أجرها إن شاء الله.
قلت له: وإن برزت لاستماع القول والحديث والقراءة؟، قال: إن برزت للتذكر لأمر الآخرة فمعي أنه مثل الصلاة، وأما إن برزت لاستماع حسن صوت القاريء وصوت المحدث وتسمع الحسن من ذلك والقبيح فأخاف عليها الإثم في هذا.
قلت له: فمن ترك القيام في شهر رمضان كله ما يلزمه في ذلك؟، قال: فمعي أنه قد قيل أن عليه البدل يصلي مثل ذلك ومعي أنه قد قيل لا بدل عليه ولا أعلم أنه يبلغ إلى ولاية ولا براءة. وأحسب أنه قد قيل أنه خسيس الحال، ولا آمن عليه ذلك لأنه سنة مشهورة مجتمع على فعلها في الأمصار مع الفاجر والبار، إلا من شاء الله ممن يذهب إليه الروافض من أهل القبلة والشيعة وأشباههم. فأحسب أنهم فيما قيل يذهبون إلى تركها خلافا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ض وعدواة أخزى الله كل عدو للمسلمين ولا يجعلنا منهم.
قلت له: فعلى قول من يقول أن عليه البدل كم أقل ما يجزيه أن يبدل من ترويحه؟، قال: فيقع أنه إذا لزمه عنده البدل لم يلزمه إلا بشيء معروف قد ثبت في الأصل. (1/63)
صفحة 60
والذي جاء به الخبر أن الذي كان عليه العمل في الأصل من القيام خمس ترويحات ويعجبني إذا ثبت البدل فلا يثبت إلا في شيء معروف وهذا كان هو المعروف فيما قيل.
قلت له: فإذا لزمه البدل فيبدل في وقت القيام في شهر رمضان أو أي وقت إذا أراد من الأوقات من النهار والليل؟، قال: فيعجبني أن يكون وقت القيام في رمضان في سائر الزمان.
قلت له: قبل الوتر أم بعده؟، قال: كل ذلك عندي سواء.
قلت: فالمسافر هل عليه قيام شهر رمضان كان سائرا أو ماكثا؟، قال: فلا يبين لي ذلك عليه فإن فعل ذلك حسن.
قلت له: فهل يجوز أن يصلي الوتر جماعة في الحضر؟، قال: معي أنه لا يصلي جماعة في الحضر ولا في السفر إلا في شهر رمضان عند القيام.
قلت له: فإن لم يصلوا قياما هل يجوز أن يصلوا الوتر جماعة؟، قال: لا يعجبني ذلك إلا مع القيام كما جاءت السنة.
قلت له: فإن فعلوا ذلك أيلزمهم البدل؟، قال: فأرجو إلا بدل عليهم فما قيل.
قلت له: فما العلة إذا جاز أن يصلي في شهر رمضان جماعة ولم يجز في غيره وما حجر ذلك؟، قال: فمعي أنه لإجماعهم على تركه في الأمصار في سائر الزمان (1/64)
صفحة 61
أن يصلا جماعة وإجماعهم عليه في رمضان خاصة وإجماعهم على ترك الشيء حجة واتباعهم فيه وعليه.
قلت: فهل تعلم أنه ثبت ذلك في السنة عن النبي ص أنه لا يجوز أن يصلي جماعة إلا في شهر رمضان؟، قال: أما قول فلا أعلمه وأما عندي فإنهم يصلون فرادى في سائر الزمان، وأما في رمضان فالله أعلم عن النبي ص ما كان يفعل عليه، ولا يبلغني في ذلك شيء أعلمه.
قلت: فلو أن قوما صلوا جماعة الوتر في الحضر في غير شهر رمضان هل يلزمهم البدل أم تكون صلاتهم تامة؟، قال: فأما إن فعلوا ذلك برأي وهم من أهل ذلك واتباع الرأي أم بجهالة فيعجبني أن لا بدل عليهم. وأما إن فعلوا ذلك خلافا لسنة المسلمين فيعجبني أن يكون عليهم البدل.
قلت: فهل يجوز أن يصلي الوتر في السفر جامعة في غير شهر رمضان على التعمد والجهل؟، قال: أما على التعمد فلا يعجبني ذلك. وأما على الجهل فمعي أنهم إن فعلوا ذلك فأرجو أن لا بدل عليهم فيما قد قيل والسنة في الوتر أن يصلي فرادى إلا في شهر رمضان كما جاء من المسلمين هكذا عندي ولا أحب مخالفة ذلك بتعبد ولا غيره.
مسألة: وسألته عن الرجل هل يجوز له أن يصلي عند الإمام الوتر جماعة إذا لم يكن هو صلى عنده القيام في رمضان أم لا يجوز؟، قال: معي أنه لا يجوز. (1/65)
صفحة 62
فصل النية لقيام شهر رمضان
وينوي المصلي القيام في صلاة قيام شهر رمضان ويقول أصلي قيام شهر رمضان أداء للسنة إماما لمن يصلي بصلاتي إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله. والمأموم يقول أداء للسنة قيام شهر رمضان اتباعا للإمام أصلي بصلاته.
مسألة: ويستحب للمسافر إذا ترك القيام والصيام في شهر رمضان ثم رجع إلى الحضر فأبدل الصيام أن يصلي في الليل ما فتح الله وليس بواجب.
مسألة: قال أبو محمد وصلاة التراويح جماعة أفضل من صلاة المنفرد ومن لم يقم رمضان، فيصلي كما يصلي الناس فقد أساء ولا شيء عليه أوجبه وإن فعل خيرا فهو خير له.
مسألة: قال أبو الوضاح لا يجوز لرجل ولا امرأة أن يصلي الوتر في مسجد وراء قوم يصلون القيام في رمضان. وعن الفضل: فيمن يأتي المسجد والناس في صلاة الوتر أو في صلاة شهر رمضان أن له أن يصلي العتمة وله أن يوتر خلفهم ولابأس عليهم إذا كانت صلاته غير صلاتهم. (1/66)
صفحة 63
قال: ويصلي خلفهم أيضا نافلة وهم يصلون القيام إن شاء والصلاة آخر الليل خير من التي أول الليل.
مسألة: وسألته عن الرجل هل يجوز له أن يصلي عند الإمام الوتر جماعة إذا لم يكن هو صلى عند القيام في رمضان أم لا يجوز؟، قال: معي أنه لا يجوز.
مسألة: عن أبي عبد الله: في إمام قوم في قيام رمضان تكلم بعدما سلم ثم كبر لاحرامه ولم يكبر الذين خلفه لاحرامهم؟، قال: فعلى الإمام التوجيه إذا تكلم وليس على من خلفه توجيه إلا أن يتكلموا.
مسألة: وقال أبو سعيد: من صلى ليالي العشر جماعة تطوعا بالجهر أنه يكون الوتر من بعد أن يفرغوا من ذلك بمنزلة رمضان ويكون صلاة الوتر فرادى.
مسألة: وعن محمد بن المسبح: وسألته عن القيام في شهر رمضان إذا قضيت القيام أوتر ثم ادعوا والدعاء ثم الوتر. قال: يوتر ثم يدعو وهو أحب إليّ وقال أن عمر بن الخطاب ض لما أمر أبي كعب الأنصاري أن يصلي بالناس في شهر رمضان، فصلاتهم بعد الفريضة أربعين ركعة إلا ركعة بالوتر فذلك تسع ترويحات وثلاث ركعات للوتر لأن أبي بن كعب وصل الوتر بالقيام. (1/67)
صفحة 64
وأما ليلة الختم فإنه أحب إليّ أن يكون الدعاء ثم الوتر لأنه يرجى إجابة الدعاء عند الختم.
مسألة: وعن أبي سعيد قلت له: وكذلك من دخل في صلاة القيام في شهر رمضان في الركعة الثانية، وفاتته الأولى، وتحى الإمام وسلم وقام بتكيرة في الشفع المؤخر ودخل في الصلاة، هل لهذا الداخل أن يقضي ما فاته من تلك الركعة ويلحق الإمام ولا يضره ذلك؟، قال: هكذا عندي.
قلت له: فهل له أن يؤخرها حتى يقضي الإمام الشفع ويدخل هو مع الإمام فيه؟، قال: ليس له ذلك عندي أن يعمل في غير ما قد وجب عليه إتمامه من الصلاة التي دخل فيها.
مسألة: وعن رجل يصلي القيام في شهر رمضان آخر الليل ويلتفت ينظر الصبح إذا سلم ويحول وجهه إلى المشرق ويعود يقبل إلى القبلة؟، قال: فعلى ما وصفت فإذا أدبر بالقبلة وكان جميع وجهه إلى المشرق ابتدأ التوجيه وإن كان إنما هو انحرف ولم يدبر بالقبلة لم يكن عليه إعادة توجيه.
من كتاب المصنف: ومن صلى وحده القيام فأحب إلينا أن يجهر بصلاته وإن لم يجهر فلابأس. (1/68)
صفحة 65
ومن كتاب الضياء: قال أبو محمد: صلاة التراويح في الجماعة أفضل من صلاة المنفرد لأن النبي ص قال: «فضل صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد ببضع وعشرين درجة»، ولم يخص جماعة من جماعة.
مسألة: وعن الفضل: فيمن يأتي المسجد والناس في صلاة الوتر أو في صلاة شهر رمضان أن له أن يصلي العتمة وله أن يوتر خلفهم ولابأس عليه إذا كانت صلاته غير صلاتهم؟، قال: ويصلي أيضا خلفهم نافلة وهم يصلون القيام إن شاء. ومن جواب أبي الحسن: فالقيام في شهر رمضان سنة فإذا صليت القيام أو ركعتين من القيام فقد قمت بالسنة فأجزاك ذلك ولم يضيع إن شاء الله لأنه كل سنة. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/69)
صفحة 66
باب في صلاة الضحى وفي صلاة التطوع وفي صلاة النافلة وفي قيام الليل ومعاني ذلك وما أشبه ذلك
عن النبي ص قال: «من صلى الضحى حين تكون الشمس من قبل المشرق بقدر ما تكون من المغرب وقت صلاة العصر بركعتين كتب الله له آخر يومه وحسنته وكفر إثمه وخيطئته».
مسألة:
قال أبو علي: وركوع الضحى نصف النهار في الشتاء فلابأس، وأما في الحر فقد كره وعن النبي ص أنه قال: «من صلى الضحى حين تكون الشمس من قبل المشرق بقدر ما يكون من المغرب وقت صلاة العصر ركعتين كتب الله له أجر يومه وحسنته وكفر إثمه وخطيئته».
مسألة: وبلغنا أن نبي الله ص لم يكن يصلي الضحى إلا أن يقدم من سفر فيصلي الضحى قبل أن يدخل إلى أهله. وعن عكرمة أن ابن عباس كان يصلي الضحى يوما ولا يصليها عشرة أيام. وقيل: كان أبو عبيدة يصليها ويتركها زمانا وحدث الربيع أنه لقي أبا (1/70)
صفحة 67
عبيدة وهو في الجبان فقال انتظر حتى أصلي ركعتين فلا عهد لي بهما منذ حين.
مسألة: وأما من صلى الضحى آخر وكلما أكثر كان أفضل. وقيل: لا يحافظ على صلاة الضحى إلا كل من يطلب الخير وهي صلاة الأوابين. (1/71)
صفحة 68
فصل في صلاة الضحى
روي عن النبي ص أنه قال: «أوصاني جبرائيل بصلاة الضحى»، وعنه ص أنه قال: «يا معاذ إن للجنة بابا يقال له الضحى لا يدخل من ذلك الباب إلا من كان مصليا الضحى». وعنه ص: «من حافظ على شفعة الضحى غفر الله له ذنوبه». وعن أبي هريرة عن النبي ص قال: «كانت صلاة الضحى أكثر صلاة داود عليه السلام». وعن ابن عباس: أن النبي ص أتى مسجد قباء فإذا قوم يصلون صلاة الضحى فقال: «فهذه صلاة رغبة كان الأوابون يصلونها حين ترمض الفصال». قال أبو الحسن: روي عن ابن عباس ما ظننت أن صلاة الضحى فضيلة حتى أتيت على هذه الآية: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق}، ووقتها مذ ترتفع الشمس قدر رمح إلى نصف النهار فأفضل ذلك إذا رمضت الفصال على ما قالوا به. وفي رواية: ما ظننت لصلاة الضحى وفضلها حتى أتيت على هذه الآية.
مسألة: وصلاة الضحى سنة أقله ركعتان وأكثر ذلك أفضل ووقتها مذ ترتفع الشمس قدر رمح إلى نصف النهار. (1/72)
صفحة 69
وأفضل ذلك إذا رمضت الفصال على ما قالوا به وأقول ذلك الوقت الذي يكون العبد فيه أشد نشاطا، واقبالا إلى الصلاة أي ساعة كانت. وعن النبي ص: «من حافظ على شفعة الضحى غفر الله له ذنوبه». ويقال: إن الله تعالى إذا أحب عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة بفواضل الأعمال.
مسألة: قلت لأبي سعيد: هل تجوز الصلاة النافلة بالتسبيح بغير قراءة؟، قال: معي أنه قد قيل ذلك.
قلت له: فيجوز الدعاء بلا تسبيح ولا قراءة؟، قال: لا يعجبني ذلك.
قلت له: فإن صلى كذلك أحد هل ترى عليه بدلا؟، قال: معي أنه لا بدل عليه. (1/73)
صفحة 70
فصل في صلاة التطوع
من كتاب الأشراف: ثبت أن رسول اله ص نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني ما يشبه الاتفاق من قول أصحابنا عندي لا صلاة تطوع ولا ما أشبهها بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. وأجازوا في هذين الوقتين بدل اللوازم وصلاة الواجب مثل صلاة الجنازة، وما أشبه ذلك وما خرج على معنى التطوع فعندهم لا يجوز. ومعي: أنه من قولهم أنه لا يجوز في هذا الوقت بدل ركعتي الفجر في ذلك اليوم فإن أتاه ودخل في الجماعة لم يصلهما بعد صلاة الفجر ذلك اليوم حتى تطلع الشمس ذلك اليوم. ويصليها في بعض قولهم بعد العصر وبعد الفجر غير ذلك اليوم، وهذا القول فيه نظر لأنه إن ثبت بدلهما بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر في يوم آخر، لم نجد مانعا لذلك لبدلهما بعد صلاة الفجر في ذلك اليوم. وإن لم يجز في ذلك اليوم فمثله في غير ذلك اليوم إلا أن يكون ذلك ثم دليل فالله أعلم. وأما إذا طلع من الشمس قرن حتى يستوي طلوعها وإذا غرب منها قرن إلى أن يستوي غروبها. (1/74)
صفحة 71
وإذا صارت في كبد السماء قائمة كما جاءت الرواية وذلك عندهم في الحر الشديد فلا صلاة في هذه الأوقات عندهم تطوعا ولا بدلا ولا فريضة ولا على جنازة. وأما في غير الحر فعندي أن هذا كسائر الأوقات في النهار وهو قبل زوال الشمس. وأما حين طلوعها وغروبها فذلك عندي سواء من قولهم في الحر والشتاء. ومنه قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله ص قال: «صلاة الليل مثنى مثنى». وجاء الحديث عنه أنه قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». قال أبو سعيد: معي أن صلاة النفل لم يثبت معناه في كتاب الله أو سنة أو إجماع مؤكد فهو في معنى الفضل وليس بمعنى اللازم. وأكثر ما عليه العمل والقول أن صلاة النفل في الليل والنهار مثنى مثنى وهو أثبت ما قيل وأحسنه. فإن صلى مصل أربعا أربعا لم يكن عندي ذلك خارجا عن معنى الإجازة لثبت ذلك في الفريضة وما جاز في الفريضة فلا يبعد أن يجوز في النافلة وإذا ثبت أربعا بمعنى السنة فالسنة مثله لأنه فضيلة. وقد قيل عن بعض أصحابنا أنه يجوز في صلاة النافلة توجيه وأحد لجميع ما صلى في مقامه وثبت أن التسليم إنما هو أذن في الصلاة وليس بلازم. كذلك لو صلى مصل ركعة أو ثلاثا لم يبعد ذلك عندي لثبوته في الوتر والمغرب. (1/75)
صفحة 72
وأحسن ذلك عندي اتباع ما قيل وما جاء عليه أكثر العمل من الناس وهو أن يفصل بين كل ركعتين بتسليم ويكون صلاته مثنى مثنى ثم يوجه بعد ذلك إن شاء ولا يوجه ما دام في مقامه. ومنه قال أبو بكر: ثبت أن ابن عمر لم يكن صلى في السفر مع الفريضة شيئا ولا بعدها من جوف الليل. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بمعنى الاتفاق بإجازة التطوع من الصلاة في السفر ولا فرق في السفر والحضر في ذلك، ولا معنى يدل على ذلك إلا أنه من مذهبهم أنه إذا جمع الصلاتين في السفر الظهر والعصر والمغرب والعشاء أن لا تطوع بينهما. ولا تطوع بعد صلاة العصر إذا صلاها مع الظهر جميعا، ولو كانت في وقت الظهر وهذا المعنى جمع الصلوات لا صلاة بينهما بصلاة ولا غيرها ولا معنى ثبوت النهي عن الصلاة بعد العصر. وقد صلى الجامع العصر وما سوى هذا فلا معنى يدل على منع الصلاة ولا كراهيتها في سفر ولا حضر إلا من وجه ادخال الضرر على نفسه. ولو خالف الضرر من أمر الفرائض زالت عند دخول الضرر على نفسه، ولم يجز له أن يحمل على نفسه الضرر فكيف في معنى التطوع. ومنه قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله ص كان يصلي على راحلته حيث توجهت به يوميء إيماء. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا إجازة التطوع على الراحلة في قصر السفر، وطوله وقريبه ويعيده وغير السفر إذا أراد المتطوع وكان له فيه معنى، ولو اختار ذلك اختيارا لنفسه. (1/76)
صفحة 73
قد أجازوا الصلاة قاعدا ولو قدر على الصلاة قائما من غير علة ولا عذر ولا مشقة ونائما، ولو قدر على القعود والقيام. وصلاة التطوع ليس فيها شيء محدود وإنما هي تقع بمواقع الذكر الله فحيث ما ذكر الله العبد وعلى أية حال ذكر الله بعد أن يجوز له ذلك، يتطهر فهو مباح له مأجور عليه إلا أنه قيل من صلى بحرف من القرآن قائما تطوعا كتب الله مائة حسنة. ومن صلى قاعدا كتب الله له خمسين حسنة. ومن قرأ بغير صلاة كتب له خمس حسنات. ومن استمعه بغير صلاة ولا قراءة كتب له حسنة، فالخير درجات وكله خير لمن وقع منه خير.
مسألة: من غير الكتاب: قال في الخبر النافلة هدية المؤمن إلى ربه فليحسن أحدكم هديته وليطيبها. وعنه ص: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ فالحذر الحذر فإنما عند الله خير وأبقى». وعن معاذ عن النبي ص أنه قال: «اجعلوا لبيوتكم نصيبا من صلاتكم تبتغون بها البركة». وعن هاشم عن أبيه أن رسول الله قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم نصيبا فإن أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم بعد صلاة الجماعة».ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/77)
صفحة 74
فصل في التطوع والنافلة
قال أبو جابر محمد بن جعفر في الجامع: قال أفضل صلاة التطوع في الليل من نصف الليل إلى آخره وبالنهار بين صلاتي الأولى والعصر. ويقال: إن صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال قال أبو محمد عبد الله ابن محمد بن بركة الذي سمعنا أن صلاة التطوع في النصف الأول من الليل أفضل لقول الله تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا}، وصلاة النهار كلها سواء بعد صلاة الضحى.
مسألة: يقال إحياء الليل أن يصلي ركعتين. وفي الآثار: إن من صلى كل ليلة ركعتين لحقه معنى الآية: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما}.
مسألة: وقال أبو سعيد: معي أنه يوجد أن الصالحين يجزئون الليل إلى ثلاثة أجزاء. فالجزء الأول: يكونون في أداء الفرائض من الصلوات والذكر لله وما يحتاجون إليه. والثلث الوسط: ينامون فيه. والثلث الثالث: يقومون للذكر والعبادة وفيما أحسب أنه قد قيل والله أعلم. (1/78)
صفحة 75
مسألة: وقال أبو سعيد في قوله تعالى: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما}، قال: التأويل فيما يقال في هذه الآية القيام آخر الليل. وقال: ويقال إن من صلى ركعتين لحقته الآية والله أعلم بذلك.
مسألة: سئل بشير هل في صلاة الليل وقت على الناس؟، قال: لا نعرف وقتا. فقال: منازل للسائل: نخبرك بما حفظنا أن من صلى بأربعين آية كان من القائمين ومن صلى بمائة آية لم يكن من الغافلين وإذا صلى بمائتي آية كان من المجتهدين.
مسألة: قيل ويجزي في التطوع توجيه واحد في أول ما يقوم ثم من بعد ذلك ما دام في مقامه ولم يتكلم بغير ذكر الله، والدعاء ولم يدبر بالقبلة فكلما استوى قائما كبر للاحرام ويصلي ما شاء. قال غيره: إن قام بالتكبيرة وانتشأ بها قائما وأراد وصول الصلاة ما لم يجب عليه التوجيه والإحرام جاز له ذلك. والإحرام لا يكون إلا قياما وأما الاستعاذة ألو مرة فإني أحب أن يستعيذ لكل ركعتين وأن يشهد ويذكر الله ويصلي على النبي ص ودعا بعد أن يقضي التحيات، فإني أرى أنه لابد من الاستعاذة. قال أبو المؤثر: ولو ذكر الله ودعا بعد التحيات اجتزأ بالاستعاذة الأولى. (1/79)
صفحة 76
مسألة: وسألته عن الرجل إذا صلى الفريضة وأراد أن ينتفل هل يجزيه أن يكبر بعد توجيهه؟، قال: نعم ما لم يتكلم أو يدبر بالقبلة.
قلت: فإن تنحى عن مقامه ذلك؟، قال أبو سعيد بن محرز عن هاشم بن غيلان أنه قال: لابأس إذا تنحى عن مقامه ذلك نحو ذراع أو ذراعين ما لم يخطو.
مسألة: ومن صلى نافلة بثوب نجس ولم يعلم ثم علم بعد ذلك فلا بدل عليه. ومن حج نافلة ثم فسد حجة عليه فعليه البدل للحج باتفاق. وعن النبي ص عن ربه جل وعز: «ابن آدم صل أول النهار أكفك آخره، وفي خير أول النهار أربع ركعات أكفك آخره».
مسألة: ولا يجوز لأحد أن يتطوع بركعة سوى الوتر ولا أربع ولا ثلاث بل ركعتين لقول النبي ص صلاة مثنى مثنى. وقد أجاز بعض أربع ركعات.
مسألة: أجمعوا أن الركعتين قبل الفجر وقبل العصر وبعد المغرب، وقيام شهر رمضان تطوعا كله من شاء فعله ومن شاء تركه. (1/80)
صفحة 77
فصل في قيام الليل وما جاء في ذلك
وقيل: إذا لم تقدر على صيام النهار وقيام الليل فاعلم أنك محروم مكبل قد كبلتك خطيئتك. قال موسى عليه السلام: إلهي من قام بين يديك يصلي؟، قال تعالى: أباهي به ملائكتي راكعا ساجدا وقائما ومن باهيت به ملائكتي لم أعذبه بالنار. وروي والله أعلم أن الله تعالى قال: أيحسب راعي غنم أو ابل حتى إذا آوى الليل عليه أنجد لأن أجعله كم يبيت ساجدا وقائما وأنا الحكم العدل. وعن النبي ص قال: «من قام ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب». والتنزيه هو تطهير الله جل وعز وعلا من الأولاد والشركاء. وعن أبي هريرة: أن رسول الله ص أنه قال: «إذا قام أحدكم من الليل فليفتح صلاته بركعتين خفيفتين».
ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه: عن النبي ص أنه قال: «ثلاث عليّ فريضة وهي لكم تطوع قيام الليل والوتر والسواك». وفي موضع: أنه قال: «اثنتان عليّ فريضة وهما لكم تطوع قيام الليل والسواك». (1/81)
صفحة 78
قال أبو المؤثر: صدق رسول الله ص إلا أنه لا ينبغي للمسلمين أن يتركوا السواك. ومن دان بتركه فلا ولاية له عند المسلمين لأنه من السنة وقد يسع ترك التطوع. وقال أبو المؤثر: قال محمد بن محبوب من ترك السواك بديانة لم أتوله. قال أبو الحسن: فأما قيام الليل فهو تطوع لغير النبي ص. وأما الوتر فقد صار واجبا وليس بتطوع والسواك فقد صار سنة لقول النبي ص: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». وهو من الكلمات التي ابتلي إبراهيم ربه بهن على ما قيل والله أعلم. وفي الحديث عن النبي ص أنه كان يصلي بالليل فإذا مر بآية فيها ذكر الجنة سأل وإذا مر بآية فيها ذكر النار تعوذ بالله من النار وإذا مر بآية فيها تنزيه لله عزوجل سبح.
مسألة: من كتاب أبي جابر: وفي بعض الحديث أن أفضل صلاة التطوع بالليل نصف الليل إلى آخره وبالنهار بين صلاة الأولى والعصر.
مسألة: ويقال إن صلاة الأوابين في الضحى إذا رمضت الفصائل وأفضل ذلك (1/82)
صفحة 79
عندنا الساعة التي يكون العبد فيها أحسن نشاط ورغبة وإقبالا ما كانت من الساعات.
مسألة: ومن غيره: وأما الركعتان قبل العصر وقت العصر فترك ذلك عندنا أفضل من فعل ذلك ولم نر أحدا من العلماء فعل ذلك ولا يخطئوا من فعل ذلك.
مسألة: قال أبو صفر سألت محبوبا عن الصلاة أيها أفضل؟، قال: إن كان طول القراءة أخف عليك فهو أفضل. وإن كان كثرة الركوع والسجود أخف فهو أفضل. وإن كثر الدعاء والتضرع في القعود أخف فهو أفضل.
مسألة: ومن غيره: ومن صلى نافلة وهو نائم. قلت: يجوز ذلك؟، فقد قيل: يجوز ويؤمر أن يقوم المرء إلى الصلاة بالنشاط والمحبة ويصطاد العبد ذلك من نفسه وقلبه، وهو سائق ونفسه مطيته ليس لعبد أن يسوق مطيته عنده مطايا غيره فيعرجها على ضعافها لا يسابق بها جيادها، وإنما هو ناظر لنفسه في جميع أموره. وقد قيل: في الحكمة وأحسب عن النبي ص أنه قال: «القلوب تحيا وتموت فإذا ماتت فطالبوها بأداء الفرائض وإذا حييت فاغتنموا منها الوسائل». (1/83)
صفحة 80
مسألة: فما أفضل صلاة النافلة في المنزل أم الجبان إذا أمكنا جميعا. فقال: أما في الليل وسائر الأحوال غير الضحى إذا ارتفع النهار فيعجبني أن تكون الصلاة في البيت أفضل لأنه قد ثبت فيما يروى عن النبي ص قولا وفعلا. فأما القول فيحث على ذلك. وأما الفعل ففعل منه وكان فيما قبل أكثر أحوال صلاته من النفل في منزله. وقد قيل: أنه قد كان ربما خرج إلى الجبان وذلك عندي وقت الضحى فيما قيل. وأنا يعجبني أن يكون المنزل في صلاة النفل أولى من جميع المواضع من غير أوقات الصلاة المفروضة. وأما في أوقات الصلاة المفروضة لحضور صلاة الجماعة والرباط فيما بين الصلاتين الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وأدبار الليل لصلاة الفجر على ما يرجى ويخاف من فوت الجماعة عن حضور ذلك الوقت. فهذه الأوقات عندي أفضل الصلاة فيها من النفل في المسجد لحضور صلاة الجماعة من الفرائض، ولأن لا تفوته الجماعة وهو مستقبل النفل في منزله أو في غير ذلك من المواضع، إلا صلاة الشروق فإن الحضار لها بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس ثم الصلاة لها في المسجد عندي، أفضل من الخروج والصلاة لها في المنزل. وقد قيل: إن الصلاة خير موضوع خذ منه كلما شئت وأقول إنا من حيث ما شئت فإنه كنز لا ينفذ ذخره. (1/84)
صفحة 81
وقد قيل: أنه أفضل النفل على ما يقع فيه نشاط النفس وحيث ما كان ذلك فاغتنمه في مسجد أو في منزل أو جبان أو في سائر المواضع أو جماعة أو في خلوة فإنك لا تدري متى تطلب ذلك من نفسك، فلا تجده ولا تؤخره إذا لاح وحضر خوفه أن لا تعد تدركه ولا تجده. كذلك جميع الخيرات إذا عرضت فاستكثر ولا تبقها لغد ولا الساعة بعد ساعتك خوفا أن لا تدركها وأن يحال بينك وبينها.
قلت له: فما أفضل النوافل إذا عملها على شقة نفسه وحمل على نفسه وإذا عملها على نشاط؟، قال: معي أنه قد قيل هذا وهذا فقيل أنه أفضل الطاعة ما جبرت نفسك عليها. وقيل: إن أفضلها ما نشطت نفسك لها. وفي بعض ما قيل: لا تحمل نفسك على الطاعة فتعمى. ومعي: أنه تأويل فضل أجبر نفسك على الطاعة إذا كنت تتلافى منها في جبرك لها إحياء سنن الخير، وخوفا أن يتمادى بك فتغلبك على ترك جميع الخير. ففي جبرك لها على هذه الصفة فضلا أفضل عندي من مساعدتك لها على ترك هذه الحالات، وجبرك لها عند معارضات العاهات التي تنتقض بها عن حالات المكنة لما عودت منها في حال العافية والخلوة والنشاط لا يؤمن عند ذلك، أن يحملها مشقة تنكسر عن حالات ما يرجو منها في تحميلها وتعقيبها فتتبرج عليك في الرياضة عن سبيل ما كنت تعهد منها من المساعدة فتعمى كما قيل. (1/85)
صفحة 82
مسألة: ومن غيره: وسألته عن الجهر بالتكبير والقراءة في صلاة النافلة في الليل، هل تعلم أحدا من المسلمين من العلماء كره ذلك؟، قال: لا أعلم أن أحدا من المسلمين والعلماء كره ذلك، إلا أن يكون من طريق دخول الفتنة من الشهرة فتكون السر والسريرة في ذلك أفضل. وأما الكراهية للجهر فلا، فإذا سلم المذهب من المصلى وأمن من دخوله الفتنة من المتكلمين فليمض قدما على ما هو فيه، فيغيظ بذلك الشيطان ومن كرهه من أعوانه فإنه لا يكره الطاعة وإشهارها إلا الشيطان وأعوانه، من الجن والإنس. وقد قيل: أن أعمال العلانية تضاعف على أعمال السريرة سبعين ضعفا وذلك إذا كان العامل لذلك العمل لا يريد به رياء، ولا شيئا من أسباب الدنيا وإنما يريد به تذكرة الغافلين ومعونة العاملين. وفي نسختين: العالمين وإثبات سنن الطاعة وإحيائها في مواضعها. وقد قيل: إن المحيي لسنة كالمميت للبدعة، وقد سن عمر بن الخطاب ض قيام شهر رمضان فلم يكن في ذلك مع أحد، إلا أنها فضيلة ولم يغب عليه ذلك، ولم يكن شاهرا قبل كشهرته في أيامه ومن بعده. وقد ثبت عن المسلمين أن الصلاة في الليل جائزة في كل وقت من الأزمنة في رمضان وغيره، ثبت في الإجماع فمن رأى القيام في شهر رمضان أن المصلي في بيته وفي غيره وفي المسجد وفي الجبان يجهر بالصلاة، والقراءة بإجماع الناس على العمل بذلك. (1/86)
صفحة 83
وكذلك قد ثبت عن بعض المسلمين أنه كان يقوم شهر رجب وليالي عشر ذي الحجة وكل جمعة فإذا ثبت هذا وثبت القيام في رمضان، وفي رجب وفي ليلة الجمعة وفي العشر ثبت في غيره من الليالي لأنه طاعة ولم يجز إنكاره لمنكر منكر، وكان المنكر منكر المعروف معارضا للمحقين. وإذا ثبت إجازة القيام بالجماعة ثبت للواحد من الإجازة ما يجوز للجماعة فليس لمتكلم على محق كلام، ولا حجة فيما آتاه به من الحق لاعتراضه عليه لأنه يريد الباطل.
مسألة: وسئل جابر عن الذي يصلي وقد غربت الشمس قبل أن يصلي المغرب؟، قال: فإذا غربت الشمس فصل قبلها أو بعدها ما شئت. (1/87)
صفحة 84
فصل في صلاة التطوع أيضا
وجاء الحديث لا تقبل نافلة حتى تؤدي فريضة والتطوع لا يقبل حتى تؤدي اللازم. وقيل: لا يقبل الله نافلة بتضييع فريضة. وروي عن النبي ص أنه كان إذا قام إلى صلاة الليل قال: الله أكبر تكبيرات ثلاث مرات. وفي نسخة: قال الله أكبر الله أكبر الله أكبر تكبيرا ثلاث مرات ويقول: لا إله إلا الله ثلاث مرات ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويصلي.
مسألة: ومن صلى تطوعا ركعة قائما وركعة قاعدا فلابأس.
مسألة: عن هاشم عن أبيه أن رسول الله ص قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم نصيبا فإن أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم بعد صلاة الجماعة». وجاء عنه ص أنه قال: «اجعلوا لبيوتكم نصيبا من صلاتكم تبتغون بها البركة». وعن عمر ض الصلاة للرجل في بيته نور.
مسألة: وفي الخبر النافلة هدية المؤمن إلى ربه فليحسن أحدكم هديته وليطيبها. (1/88)
صفحة 85
وقال ص: «النوافل وفي نسخة النافلة تهدم الذنوب السالفة بعد أداء الفرائض».
مسألة: منه حفظ أن رسول الله ص كان يصلي قبل الإقامة ركعتين خفيفتين مثل ركعتي الضحى، وليس في صلاة التطوع أذان ولا إقامة.
مسألة: وقيل: يجوز للرجل أن يصلي النافلة وهو محتب ومتربع ويصلي نائما ويسجد ويصلي ماشيا، ويحرم وهو مستقبل القبلة ثم يصلي حيث كان وجهه وطريقه. وقيل: إذا أراد الماشي أن يركع أو يسجد فيركع ويرجع إلى القبلة والقول الأول أحب إليّ. وكذلك الراكب يصلي النافلة وهو راكب دابته ويحرم إلى القبلة ويتم صلاته كلها حيث كان وجهه وطريقه ودابته ويركه ويسجد بالإيماء.
مسألة: ومن صلى نافلة وأراد أن يجهر بالقراءة فله ذلك في الليل وأما في النهار فلا يجهر بالقراءة في فريضة ولا نافلة.
مسألة: وليس لأحد أن يصلي التطوع الكثير لا ينقطع بينه بالتسليم، قيل: قالوا إن الذي يقطع يجب أن يقطع بين كل ركعتين بالتسليم أو (1/89)
صفحة 86
أو أربع ركعات وهو أكثر ما قالوا تمام المسألة من منثورة الشيخ أبي محمد رحمه الله. وإن سلم ولم يشتغل بالدعاء ويطاول ذلك لم يكن عليه أن يأتي بالتوجيه عند كل تسليم والتوجيه الواحد يغنيه للصلوات الكثيرة ما لم يشتغل بشيء عن الصلاة أو يتطاول في حال الدعاء. ومن نسي وسلم ثم دعا وأتى بالدعاء ثم ذكر أنه لم يتم الصلاة فإنه يقوم ويأتي ما بقي. فإن قال قائل: ليس قد تكلم بشيء ليس هو من الصلاة. قيل له: هذا قد يجوز أن يكون منه وهو في الصلاة فإذا أتى به ناسيا جازت صلاته. فإن قال: كان منه الدعاء في بعض الصلاة في حال قراءة أو ركوع أو سجود ناسيا أن صلاته فاسدة، وذلك أنه إذا أتى في موضع ليس هو موضع له وليس السنة من أن يدعو الرجل إلا في آخر الصلاة. فإذا أتى به في غير موضع فسدت صلاته لأنه كلام والكلام محرم على المصلي، إلا ما قام دليل بإباحته مثل الدعاء في آخر الصلاة.
مسألة: ومن دخل في صلاة تطوع أو صوم يوم ينتفل به ثم أفطر في يومه بعد أن دخل فيه أو قطع صلاته بعد أن صلى بعضها فعن أبي مالك أنه يكره له ذلك الفعل. قال: اختلف أصحابنا في إلزامه الإعادة لذلك. قال بعضهم: عليه الإعادة. (1/90)
صفحة 87
وقال بعضهم: لا إعادة عليه.
مسألة: وصلاة النهار إن شئت فصل ركعتين وإن شئت فصل أربعا ونحب أن يسلم في كل ركعتين.
مسألة: قلت له: فهل تجوز النافلة بعد طلوع الفجر قبل الركعتين وقبل صلاة العصر بعد الآذان وقبل صلاة المغرب بعد الآذان. قال: معي أما الصلاة قبل صلاة العصر وقد حضر وقتا فأحسب أن في بعض القول كراهية ذلك من غير حجر. وفي بعض القول يؤمر بذلك ويوجبه من السنن في النفل. وفي بعض القول: أنه لا يؤمر بذلك ولا يكرهه وترك ذلك أحب إليه. وفي بعض القول: إن ذلك يفعله العباد ويتركه العلماء أو فعله العباد وتركه العلماء. وأما بعد الفجر قبل صلاة الفجر فأحسب أنه يستحب أن لا يصلي إلا ركعتين. وإن ذكر الله في ذلك الوقت أحب إليهم من صلاة وأحسب أن في بعض إن فاته التهجد في الليل استحب له الصلاة ولم يكره ذلك. وإن كان قد أدرك شيئا من الصلاة آخر الليل أمره بذكر الله وترك الصلاة، إلا ركعتي الفجر وأما قبل صلاة المغرب بعد غروب الشمس فأحسب أن بعضا أجاز ذلك، وبعض كرهه ولا أعلم أن أحدا قال بذلك. (1/91)
صفحة 88
وأما إن كان من بدل الفرائض فتجوز في سائر الأوقات إلا في الأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة. ومعي: أن ذلك وقت طلوع الشمس حتى يستوي طلوعها ووقت غروبها حتى يستوي غروبها، وإذا صارت في كبد السماء في أيام الحر إذا لم يكن لها فيء.
مسألة: وتوجيه واحد أول ما يقوم به المصلي النافلة يجزئه لجميع ما صلى من النوافل ما لم يقبل إلى المشرق أو يتكلم وكذلك الاستعاذة. وعن أبي عبد الله ض أنه قال: أنا أستعيذ في كل شفع.
مسألة: وقال: لا يجوز أن يصلى تطوعا بفاتحة الكتاب وحدها إلا بفاتحة الكتاب وسورة.
مسألة: أخبرني محمد بن هاشم بن غيلان أنه رأى الشيخ هاشما رحمه الله يصلي تطوعا وهو محتب* بإزار ورداء. فإذا أراد الركوع والسجود حل البحاه. ومن غيره: يجوز ذلك بفاتحة الكتاب وحدها وبالتسبيح وحده بغير قراءة. قال الناسخ: أجاز موسى بن أبي جابر صلاة النافلة بقراءة الحمد وحدها فيما روي عنه هاشم بن غيلان رحمه الله. (1/92)
صفحة 89
مسألة: وعن رجل صلى نافلة فسدت عليه صلاته أيبدل أم لا؟، قال: لا أرى عليه بدلها إلا أن يكون دخل في ركعتين فقطعهما هو فإنا نحب أن يبدلهما. فإن لم يبدلهما فلابأس عليه.
مسألة: ومن صلى التطوع وبجانبه من يصلي الفريضة فلا يجهر بالقراءة ليغلط على الذي بجانبه.
مسألة: ومن كتاب المصنف: قيل عن بعض بالكفاية بقراءة فاتحة الكتاب في النافلة وأكثر القول لابد من سورة في الليل والنهار.
مسألة: ومنه: ويستحب لمن صلى الظهر والمغرب وأراد النافلة أن ينحرف عن موضعه.
مسألة: ومنه قال محمد بن محبوب رحمه الله: يستعيذ لكل ركعتين. وقال زياد بن الوضاح: أنه يحفظ أنه يجتزيءبالاستعاذة الأولى، قال أبو المؤثر: ولو ذكر الله ودعا بعد التحيات اجتزأ بالاستعاذة الأولى فلابأس. (1/93)
صفحة 90
ومن جوابات أبي سعيد: وأما ما أفضل للرجال بعد صلاة العتمة؟، قال: الصلاة أو الصلاة على محمد ص فكل فضل عظيم والصلاة على محمد فريضة والصلاة بعد العتمة والوتر فضيلة. فإن أخذ بحظه من جميع ذلك فهو أحسن ولا يدع الفضل.
مسألة: من كتاب الضياء: عن عائشة أن النبي ص كان إذا جاءه أمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال وإذا جاءه أمر يسره خر لله ساجدا وقال: اللهم لك الحمد شكرا ولك المن فضلا. ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: قلت لأبي سعيد: هل تجوز الصلاة للنافلة بالتسبيح بعد قراءة؟، قال: معي أنه قد قيل ذلك.
قلت له: فيجوز بالدعاء بلا تسبيح ولا قراءة؟، قال: لا يعجبني ذلك.
قلت له: فإن صلى كذلك أحد هل يرى عليه بدلا؟، قال: معي أنه لا بدل عليه. (1/94)
صفحة 91
باب في صلاة الكسوف والآيات والاستسقاء ومعاني ذلك وما أشبه ذلك
سئل عن الصلاة عند كسوف الشمس والقمر؟، قال: ليصل ما بدى له أو يقعد فيدعو. قال غيره: وبلغنا أنه أصيب القمر، فقال قائل لأبي زيادة الوضاح بن عقبة رحمه الله يا أبا زياد أصيب القمر. قال: بعافية الله إن شاء الله قال وهو نائم لم يقم.
مسألة: وقال أبو قحطان ومما سنه أهل العلم الصلاة جماعة عند كسوف القمر، ويستحب تطويل القنوت وهو القيام والرغبة إلى الله تعالى، أما كسوف الشمس فيصلون فرادى ويكثرون الدعاء والرغبة.
مسألة: ومن جامع أبي الحسن: وسأل عن صلاة الكسوف أهي سنة؟، قيل له: نعم قد عمل بذلك رسول الله ص على ما بلغنا واتبع ذلك المسلمون. وفي الرواية: قال انكشفت الشمس يوم موت إبراهيم ولده فقام رسول الله ص فصلى قياما طويلا ثم ركع فأطال. (1/95)
صفحة 92
وروي أنه صلى ركعتين ثم قال: «إن الشمس لا تنكسف بموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلوا». وروي أن النبي ص قال: «إذا انكسفت الشمس والقمر فصلوا كأحدث صلاة، نسخة، كما حدث صلاة صليتموها»، فهذا إن كان ما روي نسخة. إن كل ما روي في هذا الباب أمر عنه ص. وقد روي أنه كان يجهر بالقراءة فيها لأنه تطوع لجماعة في وقت خاص حاضر، جعل وقتها حالا كصلاة العيدين والصلاة في كسوف الشمس والقمر تطوع في وقت أحوال التطوع، نسخة القمر فهذه للصلاة كسائر التطوع. فإن كان آخر الليل أخر الوتر، وفي نسخة أخرى أجزأ الوتر عنها ألا ترى أن قول النبي ص: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، فلو صلى الفريضة إذا دخل المسجد أجزأ عن الركعتين، ولا يصلي في الأوقات التي نهى النبي ص عن الصلاة فيها.
مسألة: من غير الكتاب: في صلاة القمر في الليل من صلاها تطوعا جماعة فلابأس بذلك أن يؤمهم أحدهم ويجهر بالقراءة بهم. وإن صلوا فرادى فحسن. وعن الربيع: في كسوف الشمس والقمر فليصل ما بدا له ويقعد فيدعوا. (1/96)
صفحة 93
وبلغنا عن جابر بن زيد: قعد ودعا حتى انجلى كسوف الشمس. وقال غيره: لم يبلغني أن أحدا من أهل العلم صلى الجماعة بإظهار القراءة عند كسوف الشمس، والذي جاء عن الفقهاء كسوف الشمس الدعاء والصلاة كل امريء وحده، ولا يظهر بالقراءة فيها. وقال أبو قحطان: ومما سنه أهل العلم الصلاة جماعة عند كسوف القمر، ويستحب تطويل القنوت وهو القيام والرغبة إلى الله وأما كسوف الشمس، فيصلون فرادى يكثرون الدعاء والرغبة.
مسألة: وعن ايان ابن أبي العباس عن الحسن البصري أن رسول الله ص قال: «إذا رأيتم من هذه الأفازع شيئا فافزعوا إلى الصلاة». قال أبو محمد: يقال خسف القمر وكسفت الشمس ولا يقال كسف القمر.
مسألة: وقيل أن النبي ص صلى بأصحابه جماعة عند كسوف الشمس واختلفوا في قراءة صلاة الكسوف فروي أن ابن عباس قرأ في الركعات الأولى بالبقرة، وقرأ في الأواخر بآل عمران. وروي عن علي آية العنكبوت أو الروم أو يس، وعن ايان أنه قرأ سأل سائل، وفيه اختلاف كثير واختلف في الخطبة للكسوف فقال بها قوم.
مسألة: قال أبو الحسن: روي أن الشمس انكسفت يوم موت إبراهيم ولد (1/97)
صفحة 94
النبي ص، فقال الناس: أصيبت الشمس لموت إبراهيم، فبلغه ذلك ص فقام فصلى ركعتين جماعة فأطال فيهما القيام والقراءة. فلما قضى الصلاة خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لم يكسفان لأحد من خلقه ولكن يذكر بذلك عباده فإن رأيتم ذلك فصلوا وادعوا الله إلى أن ينجلي كسف إحداهما». واختلف الناس في ذلك فمنهم من قال: إن كليهما يصليان جماعة، وقال آخرون: القمر فرادى والشمس جماعة. وفي آثار المسلمين من أهل عمان القمر جماعة والشمس فرادى والصلاة في كسوف الشمس تطوع في وقت أحوال القمر، فهذه الصلوات كسائر التطوع. (1/98)
صفحة 95
فصل في صلاة الكسوف والآيات
واختلفوا في صلاة الكسوف في وقت لا يصلى فيه، فقالت طائفة: يذكرون الله ويدعون. وقال قوم: يصلون ما لم يطلع حاجب من الشمس وبعد العصر ما تضيق للغروب. وقال قوم: يصلى في كل وقت إلا وقت غروب الشمس ووقت طلوعها ووقف الزوال. واختلفوا في الصلاة عند الزلزلة وسائر الآيات. فقالت طائفة: يصلى عندها كما يصلى عند الكسوف استدلالا بأن النبي ص قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله». وكذلك الزلزلة والهاد وما أشبه ذلك من آيات الله. وروي عن ابن عباس أنه صلى في الزلزلة في البصرة. وقال ابن مسعود: إذا سمعتم هادا من السماء فافزعوا إلى الصلاة. (1/99)
صفحة 96
فصل في الاستسقاء
من كتاب الأشراف: قال أبو بكر: قال جل ذكره: {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه}، وثبت أن رجلا جاء إلى النبي ص قال يا رسول الله إنه قحط المصر فادعو الله أن يسقينا. قال: فدعا فمطرنا وثبت أن رسول الله ص خرج بالناس إلى المصلى يستسقي فاستقبل القبلة وحول رداه. وقال أبو بكر: وليس لصلاة الاستسقاء آذان ولا إقامة. واختلفوا في الوقت الذي يخرج فيه الإمام لصلاة الاستسقاء وكان مالك بن أنس والشافعي وأبو ثور يقولون يخرج كالخروج إلى صلاة العيد. وقد روينا عن أبي بكر وابن عمر وابن حزم أنه كان يخرج إلى الاستسقاء وذلك في زوال الشمس. قال أبو بكر: القول أصح لأن في حديث ابن عباس وصلى كما يصلي في العيد. وقال الشافعي: أحب أن يخرج الصبيان وينطقون بالاستسقاء وكذلك النساء ومن لا هبة له، ولا أحب خروج ذات الهمة ولا أمرنا أن يخرج بالبهائم. وكره يعقوب ومحمد خروج النساء ورخص في خروج العجائز. وقد روينا عن النبي ص أنه استسقى فخطب قبل الصلاة. (1/100)
صفحة 97
وروينا عن أنس: أنه خطب ثم صلى. وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه خطب قبل الصلاة وبه نقول. وثبت أن رسول الله ص جهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء واختلفوا في عدد التكبير في صلاة الاستسقاء فكان قوم يقولون يكبر فيهما تكبير العيد. وقالت طائفة: يكبر فيهما كما يكبر في العيد. واختلفوا في تحويل الرداء فقال مالك إذا فرغ من الصلاة في الاستسقاء خطب الناس قائما يدعو في خطبته مستقبلا قبلة الناس، فإذا استقبل القبلة حول رداءه جعل ما على يمينه على شماله، وما على شماله على يمينه ودعا قائما، واستقبل الناس جميعا القبلة كما يستقبلوا الإمام قعودا وحولوا أرديتهم جميعا كما حول الإمام. فإذا فرغ مما يريد من الدعاء تحول بوجهه إلى الناس ثم انصرف. واختلفوا في خطبة الاستسقاء قال مالك والشافعي: يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة. وقال عبد الرحمن: يخطب خطبة خفيفة يعظهم ويحثهم على الخير. واختلفوا في الاستسقاء بغير صلاة وكان قيس يستسقي بغير صلاة، وكان الثوري يكره ذلك وكان مالك يقول: لابأس إن استسقى الإمام في العام مرة أو مرتين أو ثلاث إذا احتاجوا إلى ذلك. وقال الشافعي: أن يستسقوا يومهم ذلك أحببت أن يتابع الاستسقاء ثلاثة أيام يصنع في كل منهما صنيعه في اليوم الأول. (1/101)
صفحة 98
وقال اسحاق: لا يخرجون إلى الجبان إلا مرة وكذلك يجتمعون في مساجدهم إذا فرغوا من الصلاة فدعوا ويدعو الإمام يوم الجمعة على المنبر ويؤمن الناس. قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله ص صلى صلاة الاستسقاء وخطب الناس والسنة مستغنى بها عن كل قول. قال أبو سعيد: لم نعرف من قول أصحابنا ولا جاء في آثارهم المعروفة عنهم في أمر الاستسقاء مؤكد شيئا من الصلاة ولا من الدعاء. ومعي أن هذه الأقاويل كلها حسنة لابأس بشيء منها ما لم يرد بشيء منها خلافا على غيره أو السنة. ومن ترك هذا كله وسأل الله تبارك وتعالى بما فتح الله له من الدنيا كان ذلك مجزيا إن شاء الله، ولا ينبغي أن يستصغر ولا يستحقر شيئا من أمر الله تبارك وتعالى ولا من مسؤوله. فمن فتح الله له شيئا من الدعاء في شيء من المسألة بأمر شيء من الدنيا ومن شيء من الآخرة فليصدق الله في نيته وفي سره وعلانيته كان وحده أو في جماعة، فإنه لا يخيب سائله بصدق ولا يكون صادقا موافقا في شيء من الأمور من كان لجميع معاصيه مفارقا ولجميع طاعته موافقا وما التوفيق إلا بالله في جميع الأمور.
مسألة: من غير الكتاب ومن جامع أبي الحسن: وسئل عن الاستسقاء أسنة؟، فقد قيل أنه سنة وفي ذلك المطلب إلى الله وأما واجب فلا. (1/102)
صفحة 99
قال الله: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا}. وقال مؤكدا في ذلك: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}، وعند تتابع المطر ودوام النعم شرط التوبة والتقوى. وقال تعالى: {ادعوني استجب لكم}، ووعد الإجابة بشرط الدعاء والتقوى. ويروى في هذا المعنى أن رسول الله ص صعد على المنبر وسأله رجل الاستسقاء فقال النبي ص: {اللهم اسقنا من غير صلاة}. وعلى هذا المثال قيل معنى عمر بن الخطاب ض قيل له يا أمير المؤمنين استسق لنا. فقال: لقد سألت الله. وقد روي عن النبي ص خرج بالناس إلى المصلىفاستسقاهم فدعا قائما ثم توجه إلى القبلة وحول رداءه فسقوا. وروي أنه خرج بالناس وحول ظهره إلى الناس وحول رداءه ثم صلى ركعتين فذكر أنه استسقى فقيل أنهم سقوا. وروى ابن عباس أن النبي ص خرج إلى الاستسقاء متخشعا فصنع كما يصنع في الفطر والأضحى. وقيل أنه صلى ركعتين أطال فيهما القراءة. (1/103)
صفحة 100
مسألة: وإذا أراد أحد فعل ذلك فإنه يبرز بمن معه إلى الجبان وقت الضحى، ويقلب ثوبه أو لا يقبله ويصلي بالناس ركعتين أو أربعا ويصل القراءة جهرا جماعة بمن حضر معه ثم يحمد الله بما فتح له، ويصلي على محمد ص ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات ثم يسأل الله من فضله ويحمده على نعمه ويسأله أن يسقيه من الغيث غيثا مغيثا عاما يخصب البلاد وصلح به العباد. ويدعو ويجتهد في الدعاء بما فتح الله له من حوائج الدنيا والآخرة. قال: وليس ذلك بواجب. وفي الحديث أن عمر بن الخطاب ض خرج إلى الاستسقاء فصعد المنبر فلم يزد على الاستغفار حتى نزل. فقيل له: إنك لم تستسق. فقال: استسقيت بمخاديح السماء ومخاديح السماء واحدة مخدح وهو نجم من النجوم كانت العرب تقول أنها تمطر بها كقولهم في الأنواء. والذي يراد من هذا الحديث أنه جعل الاستغفار استسقاء يتأول قول الله تعالى: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا}. وقول عمر هذا إلا على تحقيق إنما هي كلمة جارية على ألسنة العرب فجعل الاستغفار هو المجاديح الأنواء. وقيل: إنما قلب النبي ص رداءه في الاستسقاء لكي ينقلب القحط إلى الخصب حول الأيسر على الأيمن والأيمن على الأيسر. (1/104)
صفحة 101
وعن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله ص قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يخرجون فيه. فقالت عائشة: فخرج النبي ص حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر وحمد الله، ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم واستنجاز المطر عن آيات زمانه عنكم، وقد أمركم الله جل وعز أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم»، ثم قال: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله الذي لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين». ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ص ثم حول إلى الناس ظهره. وقلت: أو حول رداءه وهو يرفع يديه ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين فأنشأ الله سبحانه فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول. فلما رأى سرعتهم إلى المكن ضحك حتى بدت نواجده فقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله»، ص. من الكتاب والزيادة المضافة إليه. بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما انتخبه أبو الحسن علي بن عمر رحمه الله من كتاب الضياء. قيل أنه عن أبي المنذر بن سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري لا يؤخذ بما فيه حتى يعرض على المسلمين إلا من أبصر عدله. (1/105)
صفحة 102
فصل في الاستسقاء أيضا
حدثنا عبادة أنهم أتوا عيسى عليه السلامفقالوا له يا نبي الله لو خرجت عندنا فاستسقيت لنا، فخرج وخرج الناس معه ولم يبق أحد إلا خرج معهم حتى اسودت الجبال. فقال عليه السلام: من كان أذنب ذنبا فليرجع فرجع ناس من الناس. ثم قال الناس: ثمّ ذلك، فرجع ناس فما زال يقول من أصاب منكم ذنبا فليرجع فرجع الناس كلهم حتى لم يبق إلا رجل واحد أعور. فقال له عيسى عليه السلام: مالك يا فتى ألم تصب ذنبا؟، فقال الفتى: أما والله شيئا أعلمه فلا أنني كنت يوما أصلي فمرت بي امرأة، فنظرت إليها بعيني هذه فما جاوزت المرأة حتى أدخلت أصبعي في عيني فانتزعتها فأتبعتها المرأة، فقال عيسى عليه السلام أنت صاحبي فقم فادع حتى أؤمن على دعائك. فدعا الرجل وأمن عيسى على دعائه فتحللت السماء سحابا ثم صبت عزالتها فسقاهم الله مطرا تاما وغيثا جوادا الغزلا وهو مصب الماء من الرواية حيث يستفرغ ما فيها لذلك سميت غزالي السحاب لشبهائها. يقال أرسلت السماء غزالتها جاءت منهمر. وعن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي إلى النبي ص (1/106)
صفحة 103
فقال يا رسول الله لقد أتيناك ومالنا بعير ينط ولا صبي ينط أتيناك والعذراء تدمى لقائها وقد أشغلت أم الصبي عن الطفل، ولا شيء مما يأكل الناس عندنا سوى الحنظل العامي والعبقر الفصل والقي تكفيه التي لاشتكائه من الجوع هونا، ما يمر وما يحلى وليس لنا إلا إليك فرارنا وأين فرار الناس إلا إلى الرسل. وقوله عليه السلام بغير نبط أطيل الإبل يكون أو بينها اللكضة والأطيط والأط صوت نقيض المحامل والأطيط من شدة الجوع. وقوله يغط الغطغطة ضرب من الصوت، وقوله العامي اليابس وقوله العبقر أول ما ينبت من أصل القصب. فقام رسول الله ص يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم رفع يده إلى السماء فقال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مزنا مربعا عذقا طبقا عجلا غير رابب نافعا غير ضار تملأ به الضرع وتنبت به الزرع وتحيي به الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون»، فو الله ما رد يده إلى نحره حتى التفت السماء بأطرافها وجاءت بمطر كأفواه القرب وغزالي المراد حتى جاء أهل البطالة يصيحوا الغرق الغرق. قال: فرد رسول الله ص يده إلى السماء ثم قال: «اللهم حوالينا لا علينا». قال: فأنجاب السحاب وأحدق بالمدينة كالإكليل فضحك رسول الله ص حتى بدت نواجذه. استسقى الناس بمكة في قحط أصابهم إذا أقبل غلام أسود عليه (1/107)
صفحة 104
جنستان متزر بإحداهما ومرتد بالأخرى فوقف في عمار الناس في المسجد الحرام فسمع وهو يقول إلهي وسيدي ومولاي أخلقت الذنوب ووجوهها يا حليما ذا أنا من لا يعرف من عباده منه إلا الحسن والجميل اللهم اسقهم الساعة الساعة فبكى فتغيمت السماء وأقبل المطر من كل مكان حتى خاض الناس في الماء ثم صلى المغرب وخرج من المسجد. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/108)
صفحة 105
باب في الموت وفي عذاب القبر ومنكر نكير والبكاء والصراخ على الميت وفي زيارة القبور وما جاء في ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم والمستحب للمصاب بمصيبة الموت أن يقول ما روت أم سلمة زوج النبي ص، أنه قال: «إذا أصابت أحدكم مصيبة فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم إني عبدك أحتسب مصيبتي وأجرني فيها وأبدلني بها خيرا كبيرا منها». وكذلك يستحب لجار الميت وأقربائه أن يتخذوا لورثته من أهل المصيبة طعاما لما روي عن طريق عبد الله بن جعفر لما جاء نعي جعفر قال النبي ص: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتى ما قد شغلهم».
مسألة: وجائز البكاء على الميت إلا من طريق النوح والقول المحرم ويستحب لمن حضر الميت وهو يجوز بنفسه أن يذكره ما يقربه إلى الله تعالى، لما روي عن النبي ص أنه قال: «لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله».
مسألة: والرجل يأتيه الموت وأنت عنده فتدعه على أي حالة كان عليها أولى فأحب إلي أن يستقبل به القبلة وإن تركه ولم يوجهه إلى القبلة فلابأس إن شاء الله. وقلت: وكذلك عند طهوره وتكفينه؟، قال: فالاستقبال به في كل ذلك أحب إليّ وإن لم يمكن ذلك فلابأس إن شاء الله. (1/109)
صفحة 106
فصل من كتاب الموت كيف يتوفى الله الموتى واختلاف أحوالهم في الوفاة وصفة ملك الموت
قال الله عز وجل: {يتوفى الأنفس حين موتها}. الآية. وقد ذكر الله تعالى المتوفى في كتابه مجملا ومفصلا فقال الله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها}. الآية. وقال تعالى: {توفته رسلنا}، وقال: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين}، وقال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم}، فأضاف المتوفي تارة إليه تعالى وهو المتوفي على الحقيقة وتارة إلى الملائكة لأنهم بأمره يتوفون. قال الكلبي: يقبض ملك الموت الروح من الجسد ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمن إن كان مؤمنا وإلى ملائكة العذاب إن كان كافرا. وفي الخبر أن ملك الموت جالس وبين يديه صحيفة تكتب له فيها في ليلة النصف من شعبان وهي الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم. وقيل: إنها ليلة القدر. وقال ابن عباس ض: إن الله سبحانه وتعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر فإذا انقضى عمر العبد الذي كان قبض روحه وسقطت ورقة من سدرة المنتهى التي فيها اسمه على اسمه في الصحيفة فعرف ملك الموت أنه قد فرغ أجله وانقطع أكله. وفي الخبر: أن ملك الموت تحت العرش يسقط عليه صحائف باسم (1/110)
صفحة 107
من يموت من تحت العرش والصحائف ورق السدة والله أعلم، فإذا نظر ملك الموت إلى الإنسان قد نفذ رزقه وانقطع أكله ألقى عليه سكرات الموت فغشيه كربه. وروي عن ابن عباس: أن النبي ص في حديث الإسراء قال: «أتيت على ملك جالس على كرسي وإذا جميع الدنيا ومن فيها بين يديه وبيده لوح مكتوب ينظر فيه لا يلتفت يمينا ولا شمالا. قلت: يا جبريل من هذا؟، قال: هذا ملك الموت.
فقلت: يا ملك الموت كيف تقدر على قبض أرواح جميع من في الأرض برها وبحرها؟، قال: ألا ترى أن الدنيا كلها بين يدي وجيمع الخلائق بين عيني ويداي تبلغ المشرق والمغرب فإذا نفذ أجل العبد نظرت إليه، فإذا نظرت إليه عرف أعواني من الملائكة أنه مقبوض فيبطشوا به يعالجون قبل روحه. فإذا بلغوا بالروح إلى الحلقوم مددت يدي فأنتزعها منه». وعن ابن عباس قال: أن إبراهيم الخليل عليه السلام سأل ملك الموت أن يريه كيف يقبض روح المؤمن. فقال: اصرف بصرك فصرفه ثم نظر إليه فرآه في صورة شاب حسن الثياب حسن الرائحة حسن البشر. فقال له: لو لم يلق المؤمن من السرور سوى النظر إلى وجهك كفاه ثم قال: أرني كيف تقبض روح الكافر. (1/111)
صفحة 108
فقال: لا تطيق ذلك. قال: بلى.
قال: اصرف بصرك عني فصرفه. ثم نظر إليه فإذا هو إنسان أسود رجلاه في الأرض ورأسه في السماء كأقبح صورة تحت كل شعرة من جسده لهيب نار. فقال إبراهيم: والله لو لم يلق الكافر سوى نظره إليك لكفاه. (1/112)
صفحة 109
فصل في قول ملك الموت
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ص: «ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه في كل يوم خمس مرات فإذا وجد الإنسان قد نفذ أكله وانقطع أجله ألقى عليه غمرات الموت فغشيته كرباته وغمرته غمراته، فمن أهل بيته الناشرة شعرها والضاربة وجهها والباكية بشجرها والصارخة بويلها. فيقول ملك الموت: ويلكم ممالفزغ وفيهم الجزع ما أذهبت لأحد منكم رزقا ولا قربت له أجلا، وإن لي فيكم عودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحدا. قال النبي ص: والذي نفسي بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على نفوسهم حتى إذا حمل الميت على النعش ترفرف روحه فوق النعش وهي تنادي يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا، كما لعبت بي جمعت المال من حله ومن غير حله، ثم خلفته لغيره فالمهنأة لكم والتبعة عليّ فاحذروا مثل ما حل بي». (1/113)
صفحة 110
فصل في الموعظة
يا غافلا عن الاستعداد لحلول المصائب، خذ حذرك فإن سهم القدر صائب وأنشد شعرا:
انظر لنفسك زادا قبل رحلتها ... فهل رأيت امرءا يبقى إلى الأبد
فإنما هو عمر ينقضي وبه ... سهم المنية لا يبقى على أحد
فالمرء في أهل يجري إلى أجل ... والموت مستتر منه على الرصد
كيف حالك إذا ظهرت العجائب يا طويل الأمل بعد شيب الذوائب، تدبر أمرك قبل حلول النوائب يا ناسيا ظلمة لحده، وكم قد شيع إلى القبور من صاحب، أين الملوك أصحاب العساكر وأين أصحاب القصر والأساكر، وأين من يسعى إلى المعاصي ويبادر، انتقلوا والله من سعة الدور وارتفاع القصور إلى ضيق اللحود وظلمة القبور وحلوا فيها بقبيحهم وحسناتهم، وانتبهوا في قبورهم من رقدة وسناتهم فما نفعتهم تلك الإفاقة في زمن الحاجة والفاقة ولا أفادهم ذلك التيقظ. وقد انقضى عنهم في زمان التحفظ وفنيت منهم المحاسن بأكف الطمس، وأكلهم الدود في باطن الرمس، وأصبحت منازلهم كأن لم تكن بالأمس ظنوا بلوغ الآمال واعتقدوا دوام السلامة، فلم يسلموا وعلموا الرحيل كأنهم لم يعلموا ونالوا أنفسهم عيون شهواتها، وسلموا وهتف بهم نذير التلف، فلم يفهموا فلما بلغوا منتهى آجالهم لم يظلموا حلوا في لحودهم بما قدموا. ونحن على آثارهم بعد قيل فاعلوا أيقظنا الله بذكره بمنه وكرمه أنه جواد كريم. (1/114)
صفحة 111
فصل في الموتى
واستحب العلماء أن يحضر المريض عند موته الصالحون وأهل العلم والدين والخير ليلقنوه الشهادة. قيل: مرة واحدة فإذا أجاب فلا يزيدونه ولا يكثروا عليه لعله قيل خوفا أن يمل ويذكروا بالله ويحسنوا ظنه به، ولسعة رحمته وكرمه ولا يقنطن من رحمة الله تعالى. انقضى الذي من كتاب الموت. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. وروي عن النبي ص أنه روى حين حضرته الوفاة وهو يمد يده ويقول: يا جبرائيل أين أنت ثم يقبضها ويبسطها. ويقول: يا جبرائيل اشفع لي عند ربك يهون علي سكرات الموت. وذكرت عائشة أنها سمعت جبرائيل وهو يقول: لبيك لبيك. وروي عنها أنها قالت: كان بين يدي رسول الله ص ركوة ماء يدخل يده فيها يمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ثم يصب يده وهو يقول: للرفيق الأعلى حتى قبض ص ومالت يده. وروي عنه ص أنه قال: «ما من ميت يموت إلا وله خوار تسمع كل دابة عنده إلا الإنسان لو سمعه لصعق». وروي عن عمر بن الخطاب ض أنه قال: أكثروا من (1/115)
صفحة 112
ذكر هازم اللذات فإنكم لا تذكرونه في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كفى وأجزأ. وروي عن عمر مولى عفرة أنه كان يقول: ما من يوم من أيام الدنيا إلا وملك الموت يقوم على كل باب من أبواب أهل الدنيا خمس مرات، يتصفح الوجوه فمن نفذ رزقه وانقطع أجله لم يناظره فإذا صرع للموت أتاه ملكاه اللذان كانا يتعقبانه بالليل والنهار. فإن كان رجلا صالحا قالا له: جزاك الله عنا خيرا لقد كنت تملي علينا ما نحب وقد خرجت إلى ما تحب. وإن كان رجل سوء قالا له: جزاك الله عنا شرا فلقد كنت تملي علينا ما نكرهه وقد خرجت إلى ما تكره. ويقول أهل البيت ومنهم الصاكة وجهها والناشرة شعرها والداعية لحزبها. فيقول ملك الموت: فيم تجزعون والله ما أذهبت لكم برزق ولا نقصت لكم من عمر، وإن لي فيكم عودة ثم عودة حتى لا أبقى منكم أحدا. فلو يرون مقامه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم. وقيل: إذا مات ابن آدم فقد انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتقع به وولد صالح يدعو له. وعن النبي ص قال: من أصاب مالا من حلال وأدى زكاته فورثه عقبه ورثته فكل شيء يصنع ورثه من الحسنات فله مثل ذلك من غير أن ينقص من أجورهم شيئا. وعنه ص أنه قال: «الميت يبعث في أكفانه التي يموت فيها». (1/116)
صفحة 113
فصل في أحوال الموتى
قال حاتم الأصم: أربعة لا يعرف قدرها إلا أربعة. قدر الشباب لا يعرفه إلا الشيوخ. وقدر العافية لا يعرفها إلا أهل البلاء. وقدر الصحة لا يعرفه إلا المريض. وقدر الحياة لا يعرفه إلا أهل الموت. وفي نسخة إلا من يموت. وقيل: نظر النبي ص إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار. فقال لملك الموت: ارفق بصاحبي فإنه مؤمن. قال ملك الموت: طب نفسا وقر عينا فإني بكل مؤمن رفيق واعلم يا محمد أني لأقبض روح ابن آدم فإذا صرخ صارخ من أهله قمت في ناحية الدار ومعي زوجه، فقلت: والله ما ظلمناه ولا سبقنا أجله ولا استعجلنا قدره وما لنا في قبضه من ذنب، فإن ترضوا بما صنع الله وتصبروا تؤجروا وإن تجزعوا وتسخطوا تأثموا وتوزروا مالكم عندنا من عتب، ولنا فيكم لعودة وعودة فالحذر الحذر والله يا محمد ما من أهل بيت شعر ولا مدر ولا سهل ولا جبل ولا بر ولا مجر، إلا أنا أتصفحهم في كل يوم وليلة خمس مرات حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم. والله لو أردت قبض روح بعوضة ما قدرتعلى ذلك حتى يكون الله تعالى هو الآمر بقبضها. (1/117)
صفحة 114
وعن أنس قال: قال رسول الله ص: «لا يدعون أحدكم بالموت لضر نزل ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني ما كانت الوفاة خير لي». وقال النبي ص: «المؤمن حين يموت يعرق الجبين». وقال ص: «غسلوا موتاكم ولقنوهم عند سكرة الموت بالحق لا إله إلا الله». وتغمض عينا الميت عند مفارقة روحه ولا يجوز شق بطن الحامل لأن الله تعالى حرم علينا البسط في أبدان الناس في حال حياتهم وبعد وفاتهم. والمسلمون مجمعون على من شق بطن الميت فهو عاص لله يستحق العذاب عاجلا أو آجلا. وتغمض عينا الميت برفق ويسد لحين الأسفل لينضم فوه ولا يبقى مفتوحا. وعن سعيد بن المسيب: أنه ما مات ميت إلا أجنب، إذا مات الإنسان نودي من السماء يا ابن آدم تركت الدنيا أم تركتك. فإذا جعل على المطهرة نودي يا ابن آدم أين نفسك القوية ما أضعفك. فإذا جعل على النعش نودي يا ابن آدم قتلت الدنيا أم قتلتك. فإذا سير بي نودي يا ابن آدم جمعت الدنيا أم جمعتك. فإذا جعل في اللحد نودي يا ابن آدم ورثت الدنيا أم ورثتك. قيل: وجد على حجر بدمشق مكتوب لو رأيت أسير ما بقي من أجلك مع طول ما ترجوه من أملك، وإنما يلقاك ندمك لو زلزلت قدمك فودعك الحبيب وأسلمك القريب فلأنت إلى أهلك عائد ولا في عملك زائد. (1/118)
صفحة 115
فصل في خبر الموت
عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ص في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد فجلس رسول الله ص وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير وبيده عود ينكث به الأرض فرفع رأسه وقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، قالها مرتين أو ثلاث. ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع عن الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزلت عليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا معه مد النظر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس المطمئنة الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج تسيل كما يسيل القطر من فم السقا حتى يأخذها ملك الموت. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط ويصعدون بها. قال: ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فلا يمرون به على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب. فيقولون: هذا فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء فيستفتح فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة. (1/119)
صفحة 116
قال: فيقول الرب عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فأنى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه. فيقولان له: من ربك؟، فيقول: ربي الله عز وجل.
فيقولان له: ما دينك؟، فيقول: ديني الإسلام.
فيقال له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟، فيقول: هو رسول الله ص.
فيقولان له: ما يدريك؟، فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت.
قال: فينادي مناد من السماء إن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة. قال: فيأتين من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد نظره. وقال: ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك في يومك الذي كنت فيه توعده. فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء الخير؟. قال: فيقول أنا عملك الصالح.
قال: فيقول رب أقم الساعة حتى ارجع إلى أهلي ومالي. (1/120)
صفحة 117
قال: وإن كان الكافر في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة نزل عليه ملائكة من السماء سود الوجوه، معهم المسوح حتى يجلسوا منه مد النظر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتتفرق في جسده فينزعها فيقطع منها العروق والعصب كما ينزع السفود من الصفوف المبلول فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المسوح، فيصعدون بها ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض ولا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث. قال: فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي به إلى سماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله ص لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجبل في سم الخياط. قال: فيقول الله تعالى اكتبوا كتابة في سجين في الأرض السفلى وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فيطرحونه طرحا. ثم قرأ رسول الله ص: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق}، فتعاد روحه في جسده ويأتين ملكان فيجلسانه. فيقولان له: من ربك؟، فيقول: هاههاه لا أدري. (1/121)
صفحة 118
فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟، فيقول: هاههاه لا أدري. فينادي مناد من السماء إن كذب فافرشوه من النار وافتحوا له بابا من النار. قال: فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه. قال: ويأتيه رجل قبيح الوجه نتن الرائحة قبيح الثياب فيقول له: أبشر بما يسوءك فهذا يومك الذي كنت توعد. قال: فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. قال: فيقول رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة. (1/122)
صفحة 119
فصل في عذاب القبر ومنكر ونكير
في قول الله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}، في القبر هذا قول قتادة. وقال الضحاك: في الحياة الدنيا بلا إله إلا الله وفي الآخرة إذا سئل في القبر، وذلك أن رسول الله ص خرج في جنازة فانتهى إلى القبر فجلس وجلس القوم إليه، فقال ص: «إن المؤمن إذا حمل على سريره فأدخل القبر أتاه ملكان فقالا له من ربك ومن دينك ومن نبيك، فيقول: الله ربي وديني الإسلام ونبيي محمد ص، فيقولان له: صدقت هكذا كنت في الدنيا، ثم يفتحان له بابا إلى النار، فإذا نظر إليها وجد ريحها قالا له هذه النار التي لو كنت كذبت بها أدخلت هذه النار، ولكنك صدقت بها وعملت. قال: ثم يفتح له باب إلى الجنة حتى إذا عرف ما فيها وعرف أنها الجنة. قيل له: مصيرك إلى هذه. فيقول: دعوني أبشر أهلي.
فيقال له: كما أنت. ثم يضرب على أذنه فيكون بياض أحب أهله إليه ثم يقال: نم نومة العروس ويفتح له في قبره مد بصره، ويأتيه من روح الجنة وريحها. (1/123)
صفحة 120
وأما الكافر إذا دخل لحده أجلسه منكر ونكير ثم يظهر له منهما الغلظة فينهرانه ويقولان له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟، فيقول: لا أدري.
فيقولان: لا دريت هكذا كنت الدنيا. ثم يضربانه بموذبة من حديد لو أصابت جبلا لانقض ما أصاب فيه، فيصيح عند ذلك صيحة لا يبقى منها شيء مما خلق الله تعالى إلا سمعها، إلا الثقلين الإنس والجن ولا يسمع صوته شيء إلا لعنه فذلك قوله تعالى: {يعلنهم الله ويلعنهم اللاعنون}. ثم يفتح له باب إلى الجنة حتى يعلم أنها الجنة ويرى ما فيها، فيقول له: هذه الجنة التي لو صدقت بها كان مصيرك إليها ثم يفتح له باب إلى النار، فيرى مقعده منها ويدخل عليه سمومها لا يغلق. ويقال له: نم نومة اللديغ لا يجد طعما للنوم ثم يطبق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، فذلك قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}، يعني في القبر إذا سئل عنها. ثمن ثبته الله في الدنيا بلا إله إلا الله في عمل صالح فمات عليه يثبته الله في القبر إذا سئل عنها، ويضل الله الظالمين من صرف الكافر عن لا إله إلا الله فلا يقولها. وكان جابر بن زيد رحمه الله وغيره: يذكرون عن النبي ص أنه قال: «إذا وضع الميت في قبره وسوى عليه فإنه يسمع نعال القوم حين ينصرفون عنه لأنه إذا حمل من بيته فروحه مع الملائكة (1/124)
صفحة 121
فإذا وضع في قبره يأتيه ملكان صوتهما كالرعد القاصف وأبصارهما البرق الخاطف فيقعدانه. فيقولان له: يا هذا من ربك وما دينك ومن نبيك؟، فإن كان مؤمنا قال: ربي الله والإسلام ديني ومحمد نبيي ص. فيقولان له: على هذا حييت وعلى هذا مت وعليه تبعث فانظر عن شمالك فيفتح له باب في قبره إلى النار. فيقال له: هذا كان منزلك لو عصيت الله فأما إذا أطعته فانظر عن يمينك فيفتح له باب في قبره إلى الجنة فيدخل عليه برد منزلة ولذته فيريد أن ينهض، فيقال له: لم يأت وقت نهوضك بعد نم سعيدا، نم نومة العروس فما شيء أحب إليه من قيام الساعة حتى يصير إلى أهل ومال وإلى خبة النعيم. وأما إذا كان كافرا أقعداه. فقالا له: من ربك؟، فيقول: لا أدري.
فيقولان: ما تقول في هذا الرجل يعنيان محمدا ص؟، فيقول: كنت أقول كما يقول الناس. (1/125)
صفحة 122
فيقال له: لا دريت ولا بكيت على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث أنظر عن يمينك فيفتح له باب في قبره إلى الجنة. فيقال له: هذا منزلك لو أطعت الله فإذا قد عصيته فانظر عن شمالك فيفتح له باب في قبره إلى جهنم، يدخل عليه غم من منزله وأذى فما شيء أبغض إليهمن قيام الساعة ثم يصير إلى العذاب. فالناس في المحنة رجلان رجل يقول ربي ورجل يقول: لا أدري فمن قال أنا أدري فهو مؤمن ومن قال لا أدري فهو كافر. قال أبو عبد الله: روي عن عائشة أنها كانت تقول ويل لأهل معصية الله من أهل القبور، كيف تتخلل قبورهم حيات وعقارب كالبغال الخمس ويوكل بالشقي حيتان حية عند رأسه، وحية عند رجليه ويقرضانه حتى يلتقيا في الوسط ثم يعاد لهما ويعادان له طول البرزخ ما بين الدنيا والآخرة. وقيل: عذاب القبر من البول والغيبة والنميمة.
مسألة: من الزيادة المضافة: قيل: إن المؤمن يكون قبره روضة من رياض الجنة وقبر الكافر حفرة من حفر النار والله أعلم.
مسألة: قال أبو عبد الله: قيل أنه إذا دخل الميت في قبره أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لهما منكر ونكير، ويخطان الأرض بأنيابهما وسحابها أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف في يد كل منهما مرزبة من (1/126)
صفحة 123
نار فيأتيان فيضربانه بمرزبتهما فينصدع القبر فيأتيان إليه فيرفعانه فيمسك كل واحد منهما بشقه ويرد الله تعالى فيه الروح فيهزانه هزا شديدا. ويقولان له: من إلهك؟، فإن كان مؤمنا ألقاه الله حجته بما اتبع رضاه في الدنيا. فيقول: الله إلهي.
فيقولان: ما دينك؟، فيقول: الإسلام ديني.
فيقولان: من نبيك؟، فيقول: محمد نبيي.
قيل: فيفتح له بابا من أبواب النار فينظر إلى أغلالها وأتكالها وسلاسلها وقطرانها وما أعد الله فيها لأهلها، فيقال له: انظر ما صرف الله عنك بما أطعته في الدنيا ثم يفتح له بابا من أبواب الجنة فينظر إلى أشجارها وأنهارها وثمارها وما أعد الله لمن أطاعه فيها. فيقال له: انظر إلى منزلك فيها. ثم يقول له الملكان: نم نومة العروس إلى يوم القيامة. قال أبو محمد: كان زياد بن مثوبة يقال هذا في الحديث يقولان له أرقد رقدة العروس. قال عبد الله: إن كان كافرا فإن سألاه من الهك؟، فيقول: لا أدري.
فيقولان: من نبيك؟، (1/127)
صفحة 124
فيقول: لا أدري.
فيقولان له: من إمامك؟، فيقول: لا أدري.
فيقولان: ما دينك؟، فيقول: لا أدري.
فيقولان: لا دريت. ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فينظر إلى أشجارها وأنهارها وما أعد الله لمن أطاعه فيها.
فيقولان: أنظر إلى ما حرمك منه لما ارتكبت من معصية الله. ثم يفتح له باب من أبواب النار فينظر إلى سلاسلها وإنكالها وما أعد الله لمن عصاه فيها.
ويقولان له: أنظر إلى مقعدك منها. ويضربانه الملكان بمرزبتهما حتى تدخل بطنه في يديه ويقولان له: نم نومة المثمولين إلى يوم القيامة ويصيح صيحة يسمعها جميع من في الأرض إلا الثقلين. وقال: إن المؤمنين تجد أرواحهم لذة النعيم وهم في قبورهم قبل دخولهم الجنة. قال: وأرواح الكافرين في سجين. وقيل: سجين واد من أودية جهنم النار. (1/128)
صفحة 125
وقال من قال: إنه الوادي الذي في حضرموت يسمى برهوت وهو واحد وحسن مظلم كما شاء الله خلقه. وعن عائشة ض قالت: دخلت علينا يهودية فوهبت لها طيبا. فقالت: أجارك الله من عذاب القبر. قالت: فوقع نفسي من ذلك فلما جاء رسول الله ص. قلت: يا رسول الله أللقبر عذاب؟، قال: نعم إنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم. وعنه ص: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وفتنة الدجال». وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ص: «من مات ليلة الجمعة وقاه فتنة القبر». وعن ابن عباس: إن العذاب يرفع عن أصحاب القبور فيما بين النفختين فإذا نفخ في الصور النفخة الآخرة قاموا فحسبوا أنهم كانوا نياما فذلك قوله تعالى: {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا}، قالت لهم الملائكة: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون}.
مسألة: عن النبي صأنه كان يتعوذ بكلمات منها: «وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر». (1/129)
صفحة 126
وقد وردت الأخبار بصحة عذاب القبر عن رسول الله ص وإن جهلنا كيف ذلك وبالله التوفيق والله قادر على عذاب القبر إن شاء عذب، وقد يوجد في الدعاء أن نسأل الله تعالى ويستعاذ به من الكفر والفقر وعذاب القبر وموقف الخزي في الدنيا والآخرة. وقد اختلف الناس في عذاب القبر اختلافا كثيرا وقولنا قول المسلمين ولا يعجز الله شيء من ذلك. وأما منكر ونكير فقد يوجد في الآثار عن ابن عباس وجابر بن زيد وعن موسى بن أبي جابر ولم يصح لاختلاف الأخبار فيه والله أعلم بذلك. وعذاب القبر ومنه أيضا الاختلاف. فمنهم من قال: إن المنافق يعذب في القبر. وقال آخرون: في البرزخ ولا عذاب عليهم إلى يوم القيامة. وقال قوم: إن عذابهم في القبر تملأ عظامهم في القبر إفزاعا وأموالا كما يرى النائم في منامه. قال أبو الحسن: وأحب قول من قال إنما عذابهم في الآخرة بالنار كما قال الله عز وجل: {فريق في الجنة وفريق في السعير}. ويقال: المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة فسلموا عليه ومشوا مع جنازته وصلوا عليه مع الناس والله أعلم. قال أبو محمد: ونحن نقول إذا جاز في العقول وصح في النظر بالكتاب والخبر إن الله عز وجل يبعث من في القبور بعد أن تكون الأجساد (1/130)
صفحة 127
قد بليت والعظام قد رميت جاز أيضا في العقول وصح بالنظر وبالكتاب والخبر أنهم يعذبون بعد الممات في البرزخ. فأما في الكتاب فإن الله عز وجل يقول: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا}. الآية، فهم يعرضون بعد مماتهم على النار غدوا وعشيا قبل يوم القيامة وبعد القيامة يدخلون أشد العذاب. وعن النبي ص أن الرجل إذا وضع في قبره وكان يتلو القرآن في حياته دخل القرآن معه في قبره، فيؤتى عن يمينه فيجادل عنه القرآن فيؤتى عن يساره فيجادل عنه ثم يؤتى عن رأسه فيجادل عنه، ثم يؤتى من قبل رجليه فيجادل عنه فلا يزال يجادل عنه إلى أن ينصرف عنه العذاب. وعند اليهود أن عذاب القبر لابد منه للصالح والطالح فالمؤمن ثلاثة أيام وأما الكافر فسبعة أيام. (1/131)
صفحة 128
فصل في البكاء والصراخ على الميت
وجاز البكاء على الموتى إلا من طريق النوح والقول المحرم وقد بكى النبي ص على ولده إبراهيم. وروي أنه قيل: يا رسول الله أتبكي وتنهانا عن البكاء. فقال: إنما أبكي رحمة له، إنما نهيت عن صوتين أحمقين فأجرين خدش الخدود وشق الجيوب ورنة الشيطان. وعن أبي يزيد المدني قال: اجتمع ابن عمر وابن عباس في جنازة رافع ابن طليح فسمع صوت باكية. فقال ابن عمر: إن صاحبكم شيخ كبير وأنه لا طاقة له بعذاب الله وإن الميت ليؤذي بقول هذا الحي. فقال ابن عباس: رحمك الله يا عبد الرحمن ما إنك وإياك لتقولان ذلك وكتاب الله عليكما يقول الله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى الله أجل وأعدل من أن يؤاخذ الموت بقول هذا الحي. قيل له عن النبي ص: إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه. ويقال: إن معنى ذلك إن صح أنهم كانوا يوصون بالبكاء والنياحة والندبة فعذبوا بذلك لأنه ذنب. وقد قال ص: «من سن سنة سيئة وعمل بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها». وفي سير الجاهلية ما يدل على أنهم كانوا يوصون بذلك. (1/132)
صفحة 129
فصل في البكاء على الميت على وجوه
أن يقع بالغلبة واختناق العبرة الذي لا يطيق من ابتلي به على دفعه كالضحك. قال غيره: لعله أراد الضحك في الصلاة الذي لا يريده المصلي ولا يقدر على دفعه فالباكي على هذه الصفة، لا إثم عليه ومنه ما يكون الباكي لغم لحقه، وحزن وضيق صدر فيكون فرحه في بكائه وجلاء قلبه واستراحة بدنه وخروج الكرب من صدره فهذا لي هذه الصفة غير حرج ولا إثم. ومنه: ما يكون بكاؤه يدعو إلى التذلل والخضوع لله عز وجل والمتذكر للذنوب فيما مضى، من أيامه وبرغبة في المسارعة لفعل الخيرات أو الصالحات ويزهده في إتيان المعاصي ويذكره نزول الموت به وحلوله في قبره. فالباكي على هذه الصفة يكون بكاؤه من أفضل طاعة لربه ويقربه من خالقه ويحببه إليه ويرفع منزلته لربه. وعندها ينال العبد رضوانه ومغفرته لقول الله عز وجل: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}، إلى قوله: {وأولئك هم المهتدون}. فمن امتحن صبره بمصيبة فسلم أمره لله وصبر لقضاء الله وقدره وفوض أمره إلى الله رجاء لثوابه ورغبة فيما عنده، ومسارعة إلى ما أعد الله لأهل طاعته فهذا البكاء من أفضل ما ندب إليه. (1/133)
صفحة 130
وأفضل الصبر عند أول المعصية لما روي عن النبي ص أنه قال: «الصبر عند الصدمة الأولى»، يعني والله أعلم عند أول المصيبة. وأما أن يكون بكاؤه مستعظما لمصيبته منكرا لما نزل به كارها لذلك على نية الإنكار يرى أنه وردها بما استحق الامتحان بمثله غير راض به، ولا مسلم لقضاء خالقه فبكاؤه هذا من أعظم معاصيه يستحق به السخط من ربه، لأنه غير متبع لبكائه ولا مقتد بسنة نبيه ص. (1/134)
صفحة 131
فصل في البكاء أيضا
قيل أنه ما من شيء إلا وهو يبكي على المؤمن إذا مات تبكي عليه دابته وطريقه ومدخله ومخرجه، وتبكي عليه السماء والأرض وتقول مالي لا أبكي على من كان يضع جبهته على بقاعي وكثر ذكر الله في محاجي فبعزة ربي ما في بطني ولا على ظهري أحب إليّ منك ولا أضرابك ولا يستفن اليوم جهدي. وعن النبي ص: قال ما مات امرؤ بأرض غربة فغابت عنه بواكيه إلا بكب عليه السماء والأرض وإنهما لا يبكيان على كافرا. قرأ: {فما بكت عليهم السماء والأرض} الآية. عن علي وعطاء قال: بكاء السماء حمرة أطرافها. وقيل: لما دفنت رقية بكت فاطمة عليها السلام فقال النبي ص: «ما كان باليد واللسان فهو من الشيطان وما كان بالقلب والعين فهو من الرحمة».
مسألة: من الزيادة المضافة: ما تقول فيمن خرج يستمع النبات في المأتم إلا استماعه لغير معنى ما يكون حاله. قال: معي إن كان له نية يخرج من ضياع نيته فلا إثم عليه ولا تقصير. (1/135)
صفحة 132
وإن كان نيته إلى استماع ما ليس هو في الأصل من الكذب ولا من المعاصي ولو غاب عنه ذلك فلا إثم عليه. قيل له: وكذلك الصياح على الموتى. قال: كل شيء استمعه يرد به التقرب إلى أمور الآخرة ويذكرها، مما لا يكون عليه من المعاصي أو ينكرها فلا يقبل نسخة ما يكون من المعاصي أو ينكرها ولا يقبل فإن ذلك من أسباب ما يرجى فيه الثواب ولا إثم عليه. (1/136)
صفحة 133
فصل في زيارة القبور
وعن رجل مات له قريب فعظمت عليه مصيبته في ذلك، هل يجوز له أن يأتي قبره أحيانا ويدعو الله ويتضرع إليه في الدعاء والمسألة، ويصلي على النبي ص ورحمة الله وبركاته ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ولنفسه، ولا يتكلم بالاثم ولا يرفع صوته بالبكاء إلا في نفسه. هل عليه إثم في ذلك؟، قال: لا أرى عليه إثما في ذلك إن شاء الله، إذا كان ذهابه إلى القبر لما ذكرت وإنما كره زيارة القبور أن يقولون هجرا. قال أبو الحسن: لا يحبون أن يذهب متعمدا للزيارة إلا أن يكون مع جنازة أو يكون الممر عليه فلابأس أن يدعو أو يصنع ما ذكرت.
مسألة: وسألته عن زيارة القبور. قال: من زارها للدعاء والاستغفار والترحم عليهم إن كانوا من أهل ذلك ووجدت منهم موعظة فلابأس.
مسألة: تقول إذا دخلت القبور السلام على المؤمنين والمؤمنات من أهل القبور، أنتم لنا سلف ونحن بكم لاحقون بارك الله لنا ولكم في الموت، وما بعد الموت اللهم رب الأجسام البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة. (1/137)
صفحة 134
اللهم ادخل عليها روحا منك وسلاما مني كثيرا.
مسألة: ويروى عن الحسن البصري أنه قال: من قال حين يمضى على القبور اللهم هذه الأجسام البالية والعظام النخرة، التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها منك روحا ومنا سلاما، كان له من الأجر بعدد ما خلق الله من ولد آدم إلى أن تقوم الساعة.
ومن جامع ابن جعفر: السلام عليكم يا أهل القبور المسلمين منكم والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات لا أنتم أحق بالموت منا ولا نحن أحق بالحياة منكم، ولكنها آجال يتبع بعضها بعض. (1/138)
صفحة 135
فصل في زيارة القبور والاعتبار بها
من كتاب الموت: عن أبي هريرة قال: زار النبي ص قبر أمه فبكى وأبكى من حوله. فقال: استأذنت ربي يغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت. وعن ابن مسعود أن رسول الله ص قال: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة. (1/139)
صفحة 136
فصل في النفع في زيارة القبور
ويستحب زيارة القبور للرجال بالاتفاق. واختلف العلماء في زيارة النساء وأما الشواب فحرام عليهن الخروج. وأما القواعد أعني العجائز فمباح لهن وجائز لجميعهن ذلك إذا انفردت بالخروج عن الرجال ولا يختلف في هذا إن شاء الله تعالى على هذا المعنى يكون قوله ص: زوروا المقابر عام. وأما موضع وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال والنساء فلا يحل ولا يجوز فبينما الرجل خرج ليعتبر فيقع بصره على امرأة فيفتتن بها ويرجع كل واحد منهما مأزورا غير مهجور. كان علي بن أبي طالب إذا خرج إلى المقابر فإذا أشرف عليها قال: يا أهل القبور أخبرونا عنكم أو نخبركم عنا، أما حين ما قبلنا المال قد قسم والنساء قد تزوجت والمساكن قد سكنت والله لو استطاعوا لقالوا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا وأن خير الزاد التقوى. قال العلماء: ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور خصوصا القلوب القاسية فعلى أصحابنا أن يعالجوها بثلاث أمور. الأول: الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم بالوعظ والتذكير والتخويف والترغيب وأخبار الصالحين فإن ذلك مما يلين القلوب. (1/140)
صفحة 137
الثاني: ذكر الموت فليكثر من الموت وذكر هازم اللذات ومفرق الجماعات وميتم الأطفال المبنين والبنات. الثالث: مشاهدة المحتضرين الذين حضرهم الموت فإن النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته ونزاعه ومؤمل صورته بعد مماته، ما يقطع النفوس عن لذاتتها ويطرد القلوب عن مسيراتها ويمنع الأجفان من النوم والأبدان من الراحة ويبعث على العمل ويزيد في الاجتهاد والتعب. يروى عن الحسن البصري: دخل على مريض يعوده فوجده في سكرات الموت فنظر إلى شدة كربه ونزعه وما نزل به فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم. فقالوا له: الطعام رحمك الله. فقال: يا أهلاه عليكم بطعامكم وشرابكم فوالله لقد رأيت مصرعا لا أزال أعمل له حتى ألقاه فهذه الثلاثة ينبغي لمن قسا قلبه وألزم ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه ويستصرخ بها على كيد الشيطان وأعوانه فإن انتفع بها فذلك وإلا فالأمر الرابع وهو زيارة القبور يبلغ في الاتعاظ به ما لا يبلغ بالأول والثاني والثالث. قال ص: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت وتزهد في الدنيا». وقال بعض السلف: أعظم العظات النظر إلى محلة الأموات. (1/141)
صفحة 138
فصل في آداب زيارة القبور
وينبغي للزائر أن يتأدب بآداب الزيارة ويحضر قلبه عند إتيانها ولا يكون حظه منها المرور والطواف من غير اعتبار ولا اكتراث كفعل الغافلين. فإن هذه حالة تشرك فيها البهائم بل يقصد الزائر بزيارته وجه الله وإصلاح قلبه القاسي. فإن هذه حالة تشرك فيها البهائم بل يقصد الزائر بزيارته وجه الله وإصلاح قلبه القاسي. وكان بعضهم يقول: أيها الغافل عن مصيره ومآله الحريص على جمع أهل وكثرة أشغاله أين أصحابك الذين غرتهم الدنيا أما إلى القبور نقلوا، أين الذين أكلوا الشهوات أما أكلوا العاملون للدنيا خلوا الله بما عملوا وأنتم على إثرهم فاعقلوا تمزقوا والله في القبور وتقطعوا وذلوا بعد عزهم، وتواضعوا ولم ينفعهم في القبور إلا التقى والعمل الصالح. وأنشد شعرا:
قف بالقبور وقل على ساحتها ... من منكم المغموم في ظلماتها
ومن المكرم منكم في قعرها ... قد ذاق الأمن من روعاتها
أما السكون لدى القبور فواحد ... لا تستبين الفضل من درجاتها (1/142)
صفحة 139
لو جادلوك لأخبروك بالسن ... تصف الحقائق بعد من حالاتها
أما المطيع فتنازل في روضة يفضي إلى ما شاء من راحاتها
والمجرم الطاغي بها متقلب ... في حفرة يأوي إلى حياتها
وعقارب تسعى إليه فروحه ... من شدة التعذيب في لدغاتها
أين الملوك الأكابر وأين الطغاة الأكاسر وأين جامعوا الأموال والذخائر حولهم، والله الموت إلى بطون الحفائر وألقاهم في بطون المقابر وتركوا ما جمعوا من الذخائر وفارقوا الأهل والعشائر. وبقيت قصورهم منهم خالية ومفاصلهم ومحاسنهم في القبور بالية. انقضى الذي من كتاب الموت. ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: وقيل عن عمر أنه قال: إذا أتى المقابر ما أقرب غيبتكم وأوحش دياركم يا أهل المقابر نسيتم الجيران والأحبة والإخوان يا أهل المقابر استبدل بكم الجييران جيرانا واستبدل بكم الإخوان إخوانا. (1/143)
صفحة 140
يا أهل المقابر أما الدور فقد سكنت وأما العيال فقد نسيت، وأما الأموال فقد قسمت وأما الأزواج فقد تزوجت فياليت شعري ما عندكم. ثم قال لأصحابه أما أنهم لو أذن لهم في الكلام لقالوا ما قدمنا وجدنا وما خلفنا خسرنا. يا أهل المقابر كيف وجدتم مرارة الموت وثقل الذنوب ثم يبكي. (1/144)
صفحة 141
فصل في الغسل وتحريم النياح
مسألة: وغسل الموتى فرض على الكفاية إذا قام بذلك بعض سقط عن الباقين.
مسألة: من الزيادة المضافة: قيل لأبي معاوية: فالميت إذا لم يكن إلا الزاجرة ولم يأذنوا لهم أن يأخذوا منها فييمموه ويقبر كما هو؟، قال: نعم.
مسألة: وإن رأيت الدم يخرج من فم الميت إذا غسله أو من أنفه أو دبره أو شيئا يريب غير الدم فاغسله واحشه بالقطن. والميت يبدأ فيغسل رأسه بالخطمي ولا تصيبه دهن ويغسل حتى ينظف. فإن جرى من أنفه أو فيه أو مقعدته دم أو شيء حشي بقطن فإن كثر ما يخرج حشي بالطين النحر.
مسألة: فإن نزف الميت دم أو ماء سكن كيف ما أمكن وغسل وكفن (1/145)
صفحة 142
فإن لم يسكنبعد انتهاء الغسل أدرج في أكفانه ودفن.
مسألة: ولا يؤهذ من شعر الميت ولا من أظفاره وإن كان ماحشا فإن فعل ذلك وكان مخطئا لأن الإنسان ممنوع من البسط في جسد غيره إلا بدليل يوجبه ما يوجبه السليم كما يوجبه. وقال مخالفونا: أنه يؤخذ من شعره وأظفاره وتنقى أظافره ورووا في ذلك عن النبي ص: «افعلوا به ما تفعلونه برؤوسكم»، ولم يرى ذلك أصحابنا. وقالوا: يترك على حاله. وعن عائشة حين سئلت عن الميت يسرح رأسه؟، فقالت: بيضون ميتكم، أرادت أن الميت لا يحتاج إلى تسريح الرأس بمنزلة الأخذ بناصيته.
مسألة: فإذا مات الرجل وهو جنب قال أبو مالك: قد أوجب أصحابنا غسلين غسلة للجنابة وغسلة لتطهر الميت، وقال: الأكثر غسل واحد يكفي.
مسألة: عن أبي علي الحسن بن أحمد: وأما الحامل إذا ماتت ولا يعرف حال ولدها جاز تطهيرها وقبرها والله أعلم.
مسألة: ولا يجوز شيء من الصراخ على الموتى ولا غيرهم فيما لا عذر (1/146)
صفحة 143
فيه وقيل الصراخ محرم كتحريم كثيرة لأن النهي ورد فيه عاما لقوله ص: صوتان ملعونان وملعون من استمعهما صوت مزمار عند نغمة وصوت مرنة عند مصيبة، فهذا نهي يقع على تحريم قليل الصراخ وكثيرة.
مسألة: وقال أبو الحسن: لا يجوز الصراخ على الميت ليشهر موته بذلك. وجاء في بعض الآثار: أن بعض الأئمة كان يعزر على صراخ النساء إلا أني قد بلغني من بعض قال: يصح ثلاثة أصوات ليعلم موت الميت والله أعلم بذلك. ولا يناح ولا يلطم على الميت ولا يندب ولا يبكي بالمراثي ولا يصاح على جنازته حين يبرز ولا إذا مرت ولا حين يقبر. ومن صاح أو لطم أو ناح فهو منكر والإنكار واجب على القوم بالأمر وسائر الناس ينكرون بالقول أن يرجى أن يقبل منهم وإلا أنكر بقلوبهم والإنكار بالسوط على الأئمة وأمرائهم لا غيرهم والله أعلم بذلك.
مسألة: قال رسول الله ص: «النائحة على طريق بين الجنة والنار سرابيلها من قطران وتغشى وجهها النار إذا لم تتب». وقول: إن قول النائحة واه، وواه كلمة سريانية تفسيرها بالعربية لا رضينا بقضاء الله لا رضينا بقضاء الله عز وجل. والنوح مما ينكر وهو أن تقول المرأة ويأخذ عليها غيرها فذلك هو النوح مما ينكر. (1/147)
صفحة 144
وعن محمد بن محبوب: أن سليمان بن عبد العزيز إمام حضرموت كان يحبس على صراخ النساء الأحرار. وقالوا: ليس ينبغي أن يقعد مع الباكية والنائحة فإنه مكروه. ويقال: إنه وزر. وروي عن النبي ص أنه لعن النائحة قبل لما حضر حذيفة الموت. قال: لا تنعوني لأني سمعت رسول الله نهى عن النعي وسمعت أعرابة صوارخ في دار مات فيها ميت. فقالت: ما أراهم إلا من ربهم يستغيثون وبقضائه يتبرمون وعن ثوابه يرغبون. (1/148)
صفحة 145
مسألة: وقال أبو قحطان: وإن مات محرم في الحل دفن في الحل أحب إلينا. وإن مات في الحرم دفن في الحرم أحب إلينا ولو دفن في الحرم كان حسنا إن شاء الله. ومن حاشية الكتاب: ومن مات جنبا؟، فقيل: جزيه غسل واحد. وقال من قال: غسلان غسل للجنابة وغسل للطهارة. وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب: ما عندي فيها حفظ وإني لأرجو أن يكفيه غسل واحد. وقال: ولو أن حائضا ماتت كانت مثله. ارجع إلى كتاب بيان الشرع. (1/149)
صفحة 146
فصل فيما يعاد منه غسل الموتى
وعن الميت إذا طهر وخرج منه شيء بعد الطهور أيغسل الميت كله أو ذلك الموضع الذي فيه النجاسة؟، قال: يغسل موضع النجاسة وحده. قال أبو المؤثر: يغسل موضع النجاسة ويفاض عليه الماء إذا كانت النجاسة خرجت من الدبر غسلت النجاسة وأفيض على الميت الماء. وإن كان خرج منه دم من جرح أو أشباه ذلك غسل الموضع وحده نسخة كان سائلا أو قاطرا.
مسألة: وقيل إذا خرج من الميت شيء بعد غسله فإن كان الذي خرج سائلا أو قاطرا أعيد غسله إلى خمس مرات. وإن لم يكن سائلا ولا قاطرا أعيد غسل ذلك المكان وحده وإنما ذلك عندي قبل أن يكفن. وأما إذا كفن فلا أرى أن يرد غسله. ومن غيره قال: وقد قيل يعاد إلى ثلاث مرات. وقال من قال: إلى سبع مرات. وقال من قال: لا يعاد.
مسألة: وعن ميت طهر وحنط ثم تحرك فأحب أن يحدث له غسل آخر. (1/150)
صفحة 147
مسألة: وعن ميت خرج من فيه دم أو من دبره؟، قال: اغسله.
قلت: فإنه مبطون نسخة معروض لا يقرأ؟، قال: فاحشه إذا بقطن أو غيره.
مسألة: وقال أبو سعيد: قد قيل في إعادة غسل الميت إذا خرج منه شيء بعد الغسل اختلاف. فقال من قال: يغسل مرة ثم بعد ذلك يغسل ما خرج منه، وقال من قال: ثلاث مرات. وقال من قال: خمس مرات. وقال من قال: إلى سبع مرات ولا يعاد بعد السبع إلا غسل الموضع ما لم يكفن. فإذا كفن لم يعد غسله ما لم يظهر الحدث على الأكفان ويؤمن الضرر على الميت. ومعي: أنه قد قيل أن ليس على الميت إعادة الغسل إلا ما خرج من الفرجين وسائر ذلك إنما يعاد غسل الحدث. وقد قيل: إنما على الميت غسل واحد وهو غسل السنة وما خرج منه بعد ذلك غسل الموضع. ويعجبني هذا القول لثبوت الغسل في التعبد مرة واحدة في معنى الجنابة والحيض ومن بعد ذلك فإن فيه الوضوء من الحي. ولا يكون الميت أوجب في التعبد من الحي في نفسه والله أعلم. (1/151)
صفحة 148
باب فيمن يجب عليه غسل الموتى ومن لا يجب عليه، وفي غسل الرجل المرأة والمرأة الرجل نسخة الرجال النساء والنساء الرجال، ومن أولى بغسل الموتى ومعاني ذلك
قال أبو عبد الله: وجوب غسل الميت وتكفينه ودفنه والصلاة عليه وفرض ذلك على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن البعض وكل ميت من أهل الإسلام مات من ذكر أو أنثى حرا كان أو عبدا صغيرا كان أو كبيرا فواجب غسله على كل من أقر بالإسلام. وواجب على أهل الإسلام غسل موتاهم وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم. قيل: هل واجب على الرجال والنساء والعبيد أم على بعض دون بعض من هؤلاء؟، قيل: بل واجب على الرجال دون النساء وعلى الأحرار دون العبيد إذا كانوا موجودين قادرين على غسلهم مستطيعين لذلك كان واجبا عليهم دون غيرهم من النساء والعبيد، لأن الخطاب متوجه عليهم لقول النبي ص: «صلوا على موتاكم»، وقوله ص: «غسلوا موتاكم»، إنما يتوجه ذلك على الرجال الأحرار وليس العبيد منا على الحقيقة وإنما هم مضافون إلينا لقول الله تبارك وتعالى: {استشهدوا شهيدين من رجالكم}، وإن كان اسم الرجال يجمعهم معنا فإنهم أيضا مضافون إلينا، وليس هم من رجالنا في الحقيقة وإن تجز شهادتهم. وقول الله تبارك وتعالى: {عبدا مملوكا لا يقدر على شيء}، فليس يملكون (1/152)
صفحة 149
لأنفسهم شيئا فيكون لهم التصرف ولما لم يكن لهم تصرف في أنفسهم إلا بإذن ساداتهم لم يكن لازما لهم ذلك، ولم يكن خطاب النبي ص متوجها إليهم بتطهير الموتى والصلاة عليهم ودفنهم وإنما قلنا ليس يجب عليهم فرض ذلك ولا يلزمهم والله أعلم. وأما النساء فإذا وجد الرجال القادرون لم يكن عليهم غسل الموتى ولا دفنهم وإن كان من جملتنا وإنما سقط عنهن الذكور من الرجال دون النساء. وأما إذا كانت الميتة امرأة حرة أو أمة صغيرة كانت أو كبيرة فعلى النساء غسلهن دون الرجال لإجماع المسلمين على ذلك إذا كن حاضرات قادرات على الغسل مشاهدات للميت إلا أن تكون المرأة ذات بعل، وكان بعلها حاضرا أو جارية وكان سيدها يملؤها وكان مشاهدا لموتها فهذان بالخيار إن شاءا غسلا ميتهما وإن شاءا أمر النساء بغسلهما. والزوجان أولى ببعضهما بعض في المحيا والممات وبعد الزوجين فالنساء أولى بغسل الإناث من الرجال مع القدرة منهن على ذلك والله أعلم. وإن لم يوجد الزوجان ولم يحضر أحد منهم وكان الميت أنثى أو ذكر وحضرته النساء فعليهن غسله ودفنه بعد الاستطاعة لذلك. وأما الصلاة منهن عليه قد اختلف المسلمون في ذلك. فقال قول: يصلين عليه. وقال آخرون: لا يصلين عليه. والقول الأول أسبق إلى نفسي وأعدل عندي لأنهن لما لزمهن دفنه مع عدم الرجال باتفاقهم جميعا على ذلك أن ذلك عليهن. (1/153)
صفحة 150
قلنا: إن الصلاة عليه منهن واجبة والله أعلم.
مسألة: وأولى الناس بغسل الميت وليه من الرجال أو يأمر من يغسله إذا كان الوالي مسلما. وكذلك المسلمون أولى الناس بغسل الميت من وليه والله أعلم.
مسألة: وقد يجب أن يلي الطهور الأرحام ومن طهره فلابأس.
مسألة: عن عائشة ض قالت: قال رسول الله ص: «من غسل ميتا وأدى فيه الأمانة وستره عندما يكون منه يخرج وفي نسخة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». قالوا: والأمانة أن يستر عليه ما يكون منه عند ذلك.
مسألة: وعن ابن عباس قال: اجتمع القوم لغسل رسول الله ص وليس في البيت إلا أهله وعمه العباس وعلي الفضل بن العباس وأسامة بن زيد وصالح مولى رسول الله ص فلما اجتمعوا لغسله أسنده علي إلى صدره، وعليه قميصه وكان العباس والفضل وقسيم يقلبونه على عليّ وكان أسامة بن زيد وصالح يصبان الماء وعلي يغسله، فلم يرى من رسول الله ص شيء مما يرى من الميت وهو يقول: بأبي وأمي طبت حيا وميتا، وكان يغسل بالماء والسدر وكفنوه وصنعوا له مثل ما يصنع بالميت. (1/154)
صفحة 151
وفي هذا الحديث سنن كثيرة منها أنه لا يحضر مع الغاسل إلا ثقة مأمون من أهل الميت وفي حضوره معونة ومنفعة ومنها أنه يغسل في قميص إن أمكن ومنها أنه يجلس الميت إن أمكن، ومنها أنه يغسل مرتين ومنها أنه يغسل بالماء والسدر ومنها أنه يغسل في بيت ومنها أن الميت يغسله من أهله من كان يحسن ولا يغسله الغريب إلا أن لا يحسنوا الغسل فيلتمسوا له غاسلا عالما مأمونا. وعن عائشة ض قالت: قال رسول الله في غسل الميت: «ليله أقرب أهله إن كان يعلم فإن كان لا يعلم فمن يرون عنده حظا من ورع وأمانة».
مسألة: ويجب للغاسل أن يتعلم كيف غسل الشهيد والمحرم والمحترقين والغريق والمقطع قطعا ويكون معه علم بأدب الغسل ووجوبه وقبيح لمن يغسل الموتى أن يكون جاهلا بذلك.
مسألة: وسألته عن الحائض إذا ماتت كيف تنظف وتغسل إذا ماتت وهي طاهرة؟، قال أبو سعيد: وقد قيل على الحائض إذا ماتت تغسل غسلان، وقال من قال: غسلا واحدا. والرأي الأخير أحبهما إليّ وكذلك الجنب والنفساء مثل الحائض فيما قيل.
مسألة: وإذا مات الميت في محله فلم يدفن لم يكفر بذلك أهل البلد إذا لم يدفنوه ويصلوا عليه، وإنما يكفر من علم أنه لم يدفن وتركه أولئك يكفرون. (1/155)
صفحة 152
مسألة: وإذا مات الميت في بلد فلم يغسل ولم يصل عليه ولم يدفن كفروا بعد علمهم بذلك والقدرة منهم على دفنه وغسله والصلاة عليه. فهم بذلك كفار بعد العلم والمعرفة بموته وتركهم له والله أعلم. وأما إذا علم به بعض دون بعض وكان في محلة أو في موضع من البلد، فلم يغسلوه ولم يصلوا عليه فإنما يكفر من علم بذلك وقدر عليه فلم يفعله. وأما من لم يعلم من أهل ذلك البلد أو من أهل ذلك الموضع فليس على من لم يعلم كفر وواسع لهم عذر ذلك، ما لم يعلموا أو يقم عندهم الحجة أن ذلك الميت متروك، لم يقبر فلم يقبروه وهم قادرون على فعل فبذلك يكفرون والله أعلم.
مسألة: وإذا امتنع من علم بالميت من الناس أن لا يغسلوه ولا يحملوه إلى قبره ولا يدفنوه إلا بالكراء أواسع لهم ذلك أم لا؟، قال: فالذي عندنا ويوجبه النظر أن على الناس دفن موتاهم وغسلهم بلا عوض يكون من ذلك لأن ذلك واجب عليهم، عند قدرتهم عليه والله أعلم إلا أن يكون لهؤلاء الذين مات الميت بين ظهرانيهم كفاية ولا قوت يرجعون إليه إذا اشتغلوا بهذا الميت ودفنه وحفر قبره وكان في مال الميت سعة وفضل. فعندي: أنهم يأخذون من ماله بقدر عنائهم والله أعلم. وإن لم يكن للميت مال فعليهم أن يغسلوه ويحملوه ويدفنوه. (1/156)
صفحة 153
فإن كانوا أغنياء عن ذلك ولهم قوت يرجعون إليه فعليهم الضمان إن أخذوا ولا يجب أخذ شيء من ماله والله أعلم. وأما الصلاة على الميت فليس لهم عليها عوض كانوا أغنياء أو فقراء والله أعلم. فإن قال قائل: لم أوجبت لهم ذلك إذا لم يكن لهم كفاية وكان عليهم الفرض أن يغسلوه ويدفنوه. قيل له: ألا ترى أن الشاهد عليه فرض أداء الشهادة وأجازوا له باتفاقهم أخذ الكراء إذا كان ذهابه إلى الشهادة اشتغالا عن معاشه فقد أجازوا له أخذ الكراء من المشهور له. وكذلك قلنا هؤلاء الذين يقبرون الميت ويغسلونه إذا لم يكن لهم قوت أو كفاية باشتغالهم بعمل الميت فلهم أن يأخذوا من ماله العوض والله أعلم. (1/157)
صفحة 154
فصل في غسل الرجال النساء والنساء الرجال وفيمن أولى بغسل الميت
والرجل يغسل امرأته وتغسله وهما أولى ببعضهما بعض في المحيا والممات، ومن بعد الزوجين فالرجال أولى بغسل الرجل من نسائه وإن كن ذوات محرم منه، إلا أن لا يكون رجل غسلته إذا كن منه بمحرم إلا الفرج فلا يمسنه ولا ينظرن إليه. والنظر إلى عورة الميت مكروه وليس هو بمنزلة الحي. وكذلك النساء بعد الزوج أولى بغسل المرأة من أبيها وأخيها وابنها، وإن لم يكن نساء غسلها من كان هو أولى إلا الفرج فلا يمسوه ولا ينظرون إليه. وقال بعض الفقهاء: إلا أن تكون يهودية أو نصرانية فتغسل يدها وتفضي عن الفرج. وتعلم بغسل المرأة المسلمة إذا لم يكن إلا الرجال صبوا عليها الماء من فوق الثياب ثم صبوا عليها. وإن مات الرجل مع النساء ولم يكن رجل يغسله صببن عليه الماء صبا من فوق الثياب. ومن غيره وقال من قال: إن المسلم أولى بتطهير المسلمة عن الذمية وكذلك المسلمات أولى بتطهير المسلم من الذمي، وقد رخص في ذلك من رخص. وقال من قال أيضا: إن النساء إذا مات معهن رجل ولم يكن من ذوات المحارم منه فإنهن بيمينه بالتراب. (1/158)
صفحة 155
وكذلك الرجال إذا لم يكونوا ذوي محارم من المرأة يمحوها بالتراب وهذا القول فيه بعض السهولة وقد وسع فيه من وسع. وقال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء إذا مات الرجل مع النساء وليس فيهن ذوات محرم منه يممنه بالصعيد. وكذلك المرأة إذا ماتت مع الرجال وليس فيهم ذو محرو يمحوها بالصعيد وتمام هذه المسألة من جامع ابن جعفر لأن في صب الماء على ثياب الميت مشقة على من يحمله.
مسألة: وسألته عن رجل مات وترك أباه وابنه وامرأته من يطهره. قال: امرأته أحق بعورته.
قيل له: وهو مثل ذلك؟، قال: نعم.
مسألة: فأحق الناس بغسل المرأة من الرجال الزوج ثم ابنها ثم أبوها ثم أخوها.
مسألة: وقيل: إن تزوج الرجل بأخت امرأته من يومه فلا يطهرها.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: أنه يخرج في قول أصحابنا في غسل النساء للمرأة إذا لم يكن من نساء بها من المسلمات أولى من غسل جميع أرحامها من الرجال ما خلا زوجها. (1/159)
صفحة 156
وكذلك غسل الرجل للرجل أولى من جميع أرحامه من النساء ما خلا زوجته. فإن لم يجد الرجل للرجال ولا النساء للنساء فذو الأرحام عندي من ذوات المحارم يقمن مقام الرجال في تطهير الرجل. وكذلك الرجل من ذوي المحارم يقومون في غسل المرأة مقام النساء إذا كانت من ذوات المحارم منهم. وإن غسل ذو المحارم من الرجال ذات محرم منهم مع وجود النساء خرج ذلك عندي مخرج الكراهية وكان ذلك عندي بينها بالجائز لأنهم كلهم عندي سواء بمعنى العورات. وكذلك ذات المحارم من النساء من ذوي المحارم من الرجال عند وجود النساء.
مسألة: والزوج أولى بالغسل من الأب والابن أما الصلاة فالأب أولى من الزوج والزوج أولى من الابن.
مسألة: والحائض تطهر الميت لابأس وتغسل يدها أولا.
مسألة: والمرأة تغسل النساء على ما يغسل الرجال.
مسألة: وللزوجين أن يغسل كل واحد منهما صاحبه لأن العصمة باقية بينهما بعد الموت. (1/160)
صفحة 157
قال الله جل ثناؤه: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم}، وقال تعالى: {الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا} والمدعي قطع العصمة بينهما محتاج إلى دليل.
مسألة: وإذا ماتت المرأة والولد يتحرك في بطنها فلا يخرق بطنها ويخرج الولد. فإن خرق بطنها زوجها وأخرق الولد قال أبو عبد الله: على من خرق بطنها أرش ما أحدث فيها بمنزلة إرثها لو كانت حية وعليه الاستغفار مما صنع فيها.
مسألة: ولا يجوز شق بطن الحامل إذا ماتت. ومن شق بطنها فقد أخطأ لأن الحمل لا تعلم حقيقته ولا يشق بطنها ولا يعلم أيكون أم لا يكون. وإذا وجب على المرأة غسل من جماع فلم تغسل حتى حاضت ولم تطهر من حيضها حتى ماتت. قال أبو مالك: على قول أنها تغسل ثلاث غسلات غسلا للجماع وغسلا للحيض وغسلا لطهارة الميت. قال: واختلاف في هذا كله كالاختلاف في التيمم.
من جامع ابن جعفر: قال أبو المؤثر في رجل مات وليس معه أحد من الرجال إلا النساء فإن كن ذات محرم منه مثل أم أو أخت أو عمة أو خالة فلابأس أن يطهرنه ولا ينظرن إلى العورة ويلوين على أيديهن خرقة ويغسلن الفرج. (1/161)
صفحة 158
باب في غسل الشهداء ودفنهم وتكفينهم وفي غسل الصبي والسقط، وفي غسل أصحاب العلل وفي الرجل يموت مع رفقائه في السفر في بر أو بحر وفي موتى المشركين ومعاني ذلك
وأما الشهيد إذا قتل في المعركة فإنه لا يغسل ويكفن في ثيابه التي قتل فيها ولا ينزع منه إلا الخفان والكمة. وإن كان فوق الكمة عمامة تركت بحالها وإن كان الشهيد جنبا غسل، قال أبو الحواري: وقالوا ينزع من الشهيد الدرع وما كان من لبس الحديد الدرع والقميص.
مسألة: وإن اعترض لصوص لرجل فقتلوه وحمل الشهيد أيضا من المعركة وفيه رمق حياة حتى مات بعد فهذا يغسل. وقيل: غسل عمر بن الخطاب ض وصلى عليه وكان شهيدا. قد جاء في الأثر في الشهداء الذين يلقون العدو ويقتلون في المعركة أولئك لا يغسلون ويدفنون بثيابهم التي عليهم من بعد الصلاة. وقيل: قال بعض الصحابة لا تغسلوا عني دمي ولا تنزعوا عني ثوبا إلا الخفين وأرمسوني في الأرض رمسا فإني رجل محاح أحاح يوم القيامة حتى أخاصم يوم القيامة. ويوجد عن الشعبي أنه قال: في رجل قتله اللصوص لا تغسلوه. (1/162)
صفحة 159
وقال سفيان الثوري: إذا قتل مظلوما لم يغسل ونحن نحب أن يغسل. ومن غيره قال محمد بن المسبح: من قتل مظلوما لم يغسل لقول النبي ص: «من قتل دون ماله فهو شهيد».
مسألة: وعن شهيد قتل في المعركة أيغسل أم حتى يرد إلى رحله؟، قال: فإنه يغسل. قال أبو الحواري: إن قتل خارجا من القرية دفن لم يغسل وإن قتل في البلد غسل قبل أن يدفن.
مسألة: وسألته عن القتيل يرفع من المعركة هل يغسل ويصلى عليه؟، قال: لا يغسل ولكن يصلى عليه إذا كان في سبيل الله ويكفن في أثوابه التي قتل فيها ويراد أرواج ويدفن بدمه.
مسألة: وحدثني ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن جابر ابن عبد الله أخبره أن رسول الله ص كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول أيهم أخذا للقرآن. فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال أنا أشهد على هؤلاء يوم القيامة ودفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا. (1/163)
صفحة 160
مسألة: ومن غيره: وسألته عن الشهيد إذا رفع من المعركة قتيلا هل تنزع منه ثيابه التي قتل فيها. قال: ينزع السلاح والخفين والكمة ولا ينزع من الثياب شيء ولا يزاد فيها شيء إلا أن يكون فوق الكمة عمامة فلا تنزع. قلت: يحنط. قال: لا.
مسألة: وعن الوضاح بن عقبة قال: بلغني عن عزان بن أسيد أنه قال: إنما الشهيد إذا مات دخل الجنة.
مسألة: والشهداء هم الذين يقتلون في الحرب وليس كل مقتول ظلما هو شهيد.
مسألة: ومن قتل في قتال فأتى به وبه رمق حياة فمكث ليلة أو بعض يوم ثم مات فإنه يكفن ويغسل.
من كتاب الأشراف: معي أنه يخرج في بعض قول أصحابنا أن من قتله اللصوص في الجبان بين القرى وأشباههم ممن يقع في موضع الظالمين في مثل هذا الموضع أنه بمنزلة الشهيد ولا غسل فيه. وكذلك لو حمل من المعركة ولم يداو حتى مات. (1/164)
صفحة 161
ففي بعض قولهم: أنه لا غسل عليه. وفي بعض قولهم: إن الغسل في هؤلاء كلهم. وأحب أنه يخرج في معنى القولين الآخرين أنه كل مقتول مظلوم إلا الظلم لا غسل فيه. وإذا ثبت فيمن قتل في الجبان لم يبعد في غيره عندي وأما الصلاة فلا أعلم في قول أصحابنا تركها من أهل الإقرار، ممن قتل مظلوما وإنما قالوا لا يصلى على قتلى أهل البغي وأشباههم من قتل على حد متوليا عن الحق مدبرا غير ثابت ولا مقبل. وأنا يعجبني قول من قال: إن الشهيد يغسل على كل حال إذا لم يخف الضرر فيه، وأمكن غسله لأن ذلك زيادة في طهارته وكرامته من غير قصد مني إلى خلاف بل أرجو في ذلك الفضل من الله على حسن ظني فيه.
مسألة: عن أبي الحسن رحمه الله قال: وأما الذي يقتل في القرى أو في بيته أو في السوق فإن ذلك يغسل وهو أيضا شهيد إذا كان من المسلمين وقتل مظلوما.
مسألة: وقال موسى ابن أبي جابر: القتيل لا يغسل إلا أن يقطع منه شيء أو يبقر بطنه ويجذع بالحديد فإن شاءوا أن يصبوا الماء عليه صبا فلابأس. وأما ما قطع أو جذع و انتثر فإنه يجمع ويدفن. (1/165)
صفحة 162
مسألة: وإذا وجد بعض جسد الشهيد غسل وكفن وصلى عليه فإن وجد الباقي غسل وحنط وكفن ولم يصل عليه.
مسألة: ومما يوجد عن محمد بن محبوب أنه قال: الشهداء كثير منهم المبطون والغريق والنفساء والمتردي والذي يقع عليه الجدار. وأما الشهداء المرزوقون ممن قتل بالسيف في سبيل الله. (1/166)
صفحة 163
فصل في غسل الصبي
من كتاب الأشراف: قال أبو بكر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن للمرأة أن تغسل الصبي الصغير. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه يجوز أن تغسل المرأة الصبي الذكر الذي لم يكن يجد من يستحي منه ويستتر. ولا يغسل الرجل الصبية لأنها فيها عورة مما يوجب فساد النكاح ونقض الوضوء كانت صغيرة أو كبيرة. ولعله رخص من رخص في غسل الرجل الصبية ولا أجد ذلك يعجبني أن لا تجد النساء. (1/167)
صفحة 164
فصل في غسل الصبي والسقط
وسألته عن الصبي الصغير إذا مات مع النساء ألهن أن يطهرنه؟، قال: نعم.
قلت: والصبية إذا ماتت مع الرجال هل لهم أن يطهروها؟، قال: لا. ومن غيره: إذا مات المرضع غسله النساء دون الرجال وتحمله الرجال على أيديهم غلاما كان أو جارية ما لم يفتطم ويكفن في ثوب واحد. وإن أحب أن يزيده فليزده ويستحب أن يكون الكفن وترا وهذا ما لم يفطم غلاما كان أو جارية. وأما إذا مات أحدهما بعد ما نشأ فليغسل الرجال الغلام والجارية النساء ويكفن في ثلاثة أثواب لفافتين ودرع أو قميص. ومن غيره: ويجوز للنساء غسل الصبي ما لم يكن في حد من يستحي ويستتر. وكذلك الصبية أيضا إن غسلها من الرجال ذو محرم منها وهي عندنا أشد من الصبي وغسل النساء لها أحب إليّ. قال غيره: ويعجبني أن لا يستعمل هذا إلا مع العدم ولا يكون إلا من ذوي المحارم. وأما عند المكنة فلا. وقيل: مات أبو الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله فغسلته امرأته. (1/168)
صفحة 165
وبلغنا أن أبا بكر الصديق ض غسلته امرأته. قال أبو المؤثر: رفع إلي في الحديث أن جابر بن زيد غسل امرأة له ماتت قبله وغسلته امرأته التي كان معها وكان يقال لها أمينة. وذكر لنا أن سلمى بنت عميس غسلت أبا بكر الصديق ض. قال غيره: رجل تزوج يتيمة فماتت قبل جوازه بها ولم يبلغ فيعلم رضاها به أيجوز له غسلها بنفسه أم لا؟، قال: أحب إليّ أن لا يتولى غسلها.
قلت: من أولى بالصلاة عليها الزوج أم الأخ؟، قال: بل الأخ في هذا أولى.
مسألة: ويجوز للنساء غسل ما لم يكن في حد من يستحي ويستتر وكذلك أيضا من يغسلها من الرجال ذو محرم منها، وهو عندي أشد من الصبي وغسل النساء لها أحب إليّ.
مسألة: وإذا كان سقط تام الخلق فيطهر ويحنط ويكفن ولا يصلى عليه.
مسألة: ويوجد في الأثر: إذا كان تام الخلق صلى عليه أيضا. (1/169)
صفحة 166
فصل في غسل أصحاب العلل والمجدور الذي لا يحتمل بدنه الغسل إذا مات وخيف عليه إن غسل أن يتساقط لحمه فإنه يجتزيء بالتيمم
مسألة: ويقال إذا كان بالميت جدري أو حصبة غسل بخرقة نظيفة تبل بالماء ثم يتبع بها جسده.
مسألة: وإن كان الميت مجدورا أو متغيرا لا يستمسك لمس الأيدي صب عليه الماء صبا يجزيه. وقيل: ييمم.
مسألة: من كتاب الأشراف: قال أبو بكر واختلفوا في غسل من يخاف تهري لحمه إن غسل، فقال سفيان الثوري: إن لم يقدر على غسله صب عليه الماء. وقال آخرون: ييمم إن خيف أن يتهرى وبه نقول ونفعل به بعد موته ما يفعل به في حياته.
مسألة: من كتاب أبي جابر: قيل له: فإن قتل قتيل وقطع هل يغسل أو يجوز دفنه بلا غسل؟. (1/170)
صفحة 167
قال: عندي أنه إذا أمكن غسله بحال فلابد من غسله.
قلت له: فإن أمكن غسله وكانت أعضاؤه منقطعة بائنة هل تجوز أن تغسل كل جارحة على حده أم يضم كله ويغسل. قال: عندي أنه يضم ويغسل أحب إليّ ويغسل في مقام واحد. وإن غسل كل جارحة على حدة فعندي أنه لا نطيق ذلك وأرجو أنه جائز إن شاء الله.
قلت: فإن لم يمكن غسله؟، قال: عندي أنه ييمم.
قيل له: فإن كان متقطعا لم يكن أن ييمم ولا يدرك؟، قال: عندي أنه إذا لم يمكن أن ييمم لم يكن عليهم عندي أن ييمموه ويدفنوه. وقال: ما أمكن غسله وما لم يمكن غسله وأدرك أن ييمم ييمم وهذا كله على معنى قوله. (1/171)
صفحة 168
فصل في الرجل يموت مع رفقائه في السفر إذا عدم الماء ومعاني ذلك
عن أبي الحواري وسألته عن الرجل يموت مع رفقائه في السفر في موضع لا يقدرون على الماء إلا بالشراء.
أيشترون له من ماله من الماء ما يجزيه لتطهيره وتطيين لحده والرش على قبره؟، قال: نعم.
قلت له: وكذلك ما لزمه من حفر القبر وما لزم من جميع البناية من ماله؟، قال: نعم.
مسألة: ومن مات في السفينة ولم يقدروا على الأرض فإنه يغسل ويكفن ويجعل في الماء.
مسألة: ولابأس بغسل الجنب إذا افتقر إليه.
مسألة: ومن غسل في سفر فالمأمور به أن يكون شيء من السدر فإن لم يجد فلابأس إن شاء الله. (1/172)
صفحة 169
مسألة: ومن مات في السفر ولم يحضر ماء فإنه يوجد في الكتب أنه يتيمم الرجل للصلاة إذا لم يقدر على الماء. وإن قدر على الماء قريبا فأحب إلينا أن يحمل إن لم يشق ذلك عليهم.
مسألة: وإذا هلك رجل في طريق مكة نسخة الحج، في موضع لا ماء فيه وخلف قرية فيها ماء قليل وبه نجاسة كثيرة في جسده وثيابه والماء الذي في قريته لا يقوم بغسل النجاسة وله بنون أيتام والماء في ذلك الموضع ثمن. قال: إنه يغسل بمائه لأن غسله وكفنه من رأس ماله وإن لم يكفه الماء كان على من حضر دفنه تمام غسله. وإن لم يمكنهم ماء غير ذلك يمحوه ما بقي ويبدأ بغسله الأول فالأول على ما ذكر وأمر غسل الميت فإن لم يجزيه يمحوه على بعض القول لأنه بمنزلة من لم يجد الماء وبعد فراغ مائه.
مسألة: وإذا عدم الماء للميت وجب على المسلمين أن ييمموه ولا ييمم إلا بالصعيد وهو التراب لا غيره.
مسألة: والغريق في البحر يجب غسله وليس وقوعه في البحر يجزيء عن غسله المأمور به. (1/173)
صفحة 170
مسألة: وإذا مات الرجل في المركب غسل وكفن وجعل بين لوحين وصلى عليه ثم رمى في البحر فلعل بعض المسلمين إذا قذفه البحر يجده فيدفنه. فإن لم يجد الألواح ورمى به فلابأس وهو قول الشافعي.
مسألة: ومن مات في البحر وغرق ولم يقدر على دفنه في البر غسل وصلى عليه، وألقى في البحر وجعل في رحله شيء ثقيل لئلا يطفو على الماء، ولا نعلم في إلقائه في البحر خلافا إذا لم يقدر على البر.
مسألة: ومن علم بالغريق في البحر من الناس فعليه إخراجه إن قدر وغسله وكفنه والصلاة عليه ولا يجزيء وقوعه في البحر عن الغسل المأمور به.
مسألة: ويصلى على الميت في السفينة إن شاءوا قعودا وإن شاءوا قياما بمنزلة المكتوبة ثم يقذف في البحر إن خافوا أن يتغير قبل أن يصلوا إلى البر. وإن لم يخافوا تغيره أخروه حتى يأتوا به إلى البر فيدفنوه بالساحل. وإن مم قذفوه في البحر ولم يصلوا عليه نسيانا أو جهلا صلوا ودعوا له كما فعل النبي ص بالنجاشي فإن الله يعلم ويعطي على القول ما يعطي على العمل. وفي نسخة فإن الله يعلم النيات ويعطي عليها ما يعطي على القول والفعل وكذلك إذا كبر تكبيرتين أو ثلاثا ثم قذفوه في البحر فأحب (1/174)
صفحة 171
أن يعيدوا الصلاة على النية على اسم الميت لأنه لا يدخر الصلاة عليه وليس الصلاة على الجنازة إلا بكمالها وتمامها وإلا فكأنه لم يصل عليها.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أن الميت إذا مات في البحر ولم يمكن قبره استسن به السنن كلها المقدور عليها من غسله، وتكفينه والصلاة عليه ثم يجعل في قفعة أو شيء من أكفانه من الأواني ويربط إلى حجر أو شيء يجره في البحر. والذي رواه الشافعي فهو عندي حسن ولكنه بعد تكفينه وتجهيزه إن كان في العرف والعادة أن يفضي به اليم إلى الساحل من سواحل المسلمين. وإن اشتبه ذلك فالأخذ فيه بالحزم ونفسه أحب إليّ إن شاء الله. (1/175)
صفحة 172
فصل في موتى المشركين
وسألته عن رجل مسلم له امرأة نصرانية ماتت وهي حامل أين تدفن؟، قال: لا أرى إلا النصاري أولى بها ما لم يخرج الولد من بطنها.
قلت: فإن خرج الولد من بطنها حيا كان أو ميتا؟، قال: والده أولى به والنصارى أولى بصاحبتهم والله أعلم.
مسألة: وسئل عن ذمي مات مع المسلمين كيف يكون فعلهم في دفنه وجهازه؟، قال: معي أنه قيل لا يغسل كتطهير المسلمين. ومعي: أنه لا يكفن كتكفينهم ولا يحنط وأحب أن يلوى بثوب يستر به عورته. وقيل: أنه يشق له شق في الأرض ويطرح فيه ويدفن عليه.
مسألة: وروي عن النبي ص أنه قال: «اللحد لنا والشق لغيرنا»، يعني به فيما قيل أن المسلمين لا يقبرون إلا في اللحود ولا يشق لهم في الأرض. وقيل: أنه يشق في الأرض ويطرح فيه إذا قدر على ذلك والشق للمشركين. (1/176)
صفحة 173
مسألة: عن أبي الحواري وسألته عن رجل مسافر ومعه مشرك من أهل الذمة فمات المشرك. قال: يدفنه ولا يجعل وجهه إلى القبلة.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه لا غسل في الشرك فإنه إن غسل لم يثبت له معنى طهارة بعد موته، لأنه رجس وأنه ثبت الغسل في المسلمين من أهل الإقرارات كرامة من الله لهم بالطهارة والصلاة عليهم ولا يجوز ولا يثبت في المشركين.
مسألة: ومن كان والده أو ولده مشركا ومات فلا يصلى على جنازته ولا يقوم على قبره. وإذا أراد أن يمضي خلف جنازته ويدفن فيه فلابأس. (1/177)
صفحة 174
باب في الكفن وفي تكفين النساء والصبيان وفي الحنوط ومعاني ذلك وما أشبه ذلك
وكفن الميت من رأس المال فإن لم يكن له مال إلا كفنه وعليه دين يحيط بكفنه وطلب غرماؤه أخذ الكفن ويدفن عريانا فقد قيل ذلك لهم. قال أبو عبد الله: ليس ذلك لهم ويكفن بثوب واحد وسط.
مسألة: وقيل: فيمن مات ولا كفن له وترك عشرة دراهم وعليه لرجل عشرة دراهم فاشترى له كفن بعشرة دراهم أن العشرة يكون بينهما بالحصة.
مسألة: ومن أوصى أن يكفن بثوب له ثمن غال في جملة أكفانه فكره ذلك الورثة أو بعضهم فإنه يكفن به لأن الكفن من رأس المال.
مسألة: ومن كان عليه عشرة دراهم دينا فمات ولم يوجد له غير عشرة دراهم، ولا كفن له ولم يوجد من يتصدق عليه بكفن ولا يوجد كفن بأقل مما ترك. فالدين أولى من الكفن يعطي صاحب الدين حقه ويدفن مجردا فإن الله تعالى لا يسأله لم دفن مجردا ولا يسأل من دفنه وهو يسأل عن حقوق الناس.
مسألة: ولا يكفن الميت من زكاة المسلمين ولا من العشور من الصدقات. (1/178)
صفحة 175
مسألة: من جامع أبي محمد: قال أبو محمد: الكفن من رأس المال لقول النبي ص في ميت بحضرته فقال: «كفنوه في ثوبيه»، فأضاف الملك إليه وقد غلط من ذهب إلى أن الكفن من ثلث ماله.
مسألة: ومن مات ولم يوص بوصية فاشترى له كفن وحنوط وعود وكافور من ماله فإن الفاعل لذلك هو المتطوع لشرائه.
مسألة: ومن سأل الناس أن يدفعوا إليه في كفن ميت فدفعوا إليه ففضل من الدراهم شيء أو جميعها وقد سبق إلى الميت من كفنه. قال أبو مالك: أنه يرجع إلى من سلمها إليه فردها إليهم.
مسألة: وإذا لم يكن للميت كفن فأراد أحد أن يكفنه أشهد أنه يكفن الميت من مال نفسه ويأخذ من مال الهالك قيمة الكفن. وإن لم يشهد على ذلك وكفن الميت برأي نفسه فليس له أن يأخذ من مال الهالك إلا برأي الورثة. وأما بينه وبين الله فجائز له أن يأخذ.
مسألة: عن أبو الحسن: وإذا كان على الميت دين وليس له إلا كفنه فإنه يكفن بثوب أقل من الكفن وللدين بقية الكفن. (1/179)
صفحة 176
قال: ومختلف في الكفن والحجة من رأس المال والثلث ونحن نقول أن الكفن من رأس المال والحجة من الثلث.
مسألة: وإذا فضلت خرقة من كفن الميت فهي لوارثه.
مسألة: والنباش توبته الاستغفار ويعود ويرد أثمان الأكفان إلى أربابها إن عرفهم وإن لم يعرفهم تصدق بها.
مسألة: وإذا نبش رجل ثيابا ثم أراد التوبة فإنه يوجد لأصحابنا أن يردها إلى الورثة إذا أراد التوبة. وقال الشيخ: أنه يجب أن يردها إلى الأكفان لأنه حق لله تعالى.
مسألة: وقيل إن كفن الميت والماء الذي يطهر به وأجرة تطهيره وحفر قبرة وأجرة الحاملين له والقابرين له والدافنين عليه كل ذلك من ماله. قيل: وأما السرير فلا يكون من ماله لأن الحاملين يحملونه كيف شاءوا على غير سرير. وقيل: والحنوط فلا يكون من ماله وهو أشد من الماء والنعش. قيل: أما الماء الذي يرشونه على القبر فليس يستحب إن لم يوجد إلا بالثمن أن يكون من ماله إلا بأمر ورثته إذا كانوا بالغين فإن فعلوا ذلك فلا ضمان عليهم لأن الأثر قد جاء بذلك. (1/180)
صفحة 177
وقيل: وكذلك المرأة قد جاء الأثر أن يجعل عليها النعش فإذا لم يكن ذلك إلا من مالها لم يستحب ذلك. فإن فعلوا ذلك لم يكن عليهم ضمان وقيل في اللبن الذي يجعل على قبر الميت أنه يكون من ماله. وقيل: إن الجماعة الحاضرين للميت يفعلون ذلك ويخرجونه من مال الميت إذا كان وارثه يتيما أو غائبا ويجوز لهم ذلك من مال الغائب.
مسألة: ومن وجد ميتا في فلاة وعليه ثوبان أو ثلاثة أثواب فجائز أن يكفنه فيهن لأن الميت يكفن في ثلاثة أثواب إذا كان فيهن قميص وإن لم يكن قميص كفنه باثنين وحفظ واحد للورثة. وإن كانت امرأة فإنها يصب الماء عليها صبا من فوق الثياب ولا يمسها ويدفنها على كل حال فإن لم يصل إلى الميت وإلا كفنه ومضى وتركه. وقد قيل: من ترك الميت ولم يصل عليه ولم يدفنه كفر إذا كان عنده أن ذلك الميت لا يقوم به غيره وتركه. فإن رجع إليه ليصلي عليه ويدفنه فلم يجده فلا أعلم أن عليه غير التوبة من تركه إياه في الأول. وإن كان قد دفن فلا شيء عليهفإن وجد عنده دراهم أو ثيابا تفضل عن كفنه وهو لا يعرفه ولا يعرف بلده فإنه يكفنه بما يكفن به مثله ويقبض الباقي ويحفظه لورثته إن عرفهم دفعه إليهم وإلا أنفذه في الفقراء. وإن ترك ذلك ودفنه كان عليه الضمان لأنه ضيعه. (1/181)
صفحة 178
فصل في تكفين النساء والصبيان
وقال محمد بن محبوب: يكره الحرير للرجال والنساء في الكفن، وقيل: لابأس به للنساء والصبيان عن موسى.
مسألة: والمرأة تؤزر من تحت ثم الدرع ثم اللفافة. وإذا كفنت المرأة بخمسة أكفان أثواب لفوا الفخذان بخرقة ثم الإزار ثم الدرع ثم الخمار ثم اللفافة. وكذلك الصبية وإذا وجد للصبي إزار ولفافة شد بهما جميعا إلا أن يكون سقطا فتخزيه خرقة. وقيل: تكفن المرأة مثل الرجل وتؤزر من تحت الدرع من فوق الثديين ويرد فضله وتؤزر على صدرها كما يوضع للرجل والمرأة تكفن بنحو ما يكفن به الرجل.
مسألة: وتكفن المرأة في ثلاثة أثواب إزار ودرع ولفافة وما سوى ذلك فهو فضل يصنعه من يشاء. والخمار أفضل إن صنعته وإن تركته فلابأس.
مسألة: وتكفن المرأة في إزار ودرع ولفافة ولا يعقد شعرها ولكن يرسل. (1/182)
صفحة 179
مسألة: والمرأة والرجل في الكفن سواء يضع القطن على وجوههم ثم يلف على وجوههم باللفافة ولا تخرق المرأة.
مسألة: وإذا ماتت المرأة وليس لها كفن أخذ الزوج بذلك ولا تؤخذ هي بكفنه لقول الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء}. وفي بعض الآثار: إن لم يكن لها مال فكفنها على جميع ورثتها والله أعلم. وهذا يدل على أن كفنها غير لازم لزوجها وأنه من مالها والله أعلم.
مسألة: وعن موسى أنه لابأس بالحرير للمرأة والصبي.
مسألة: وقيل: تكفن المرأة في خمسة أثواب خمار وجلباب وقميص وإزار ولفافة ولا تكفن في أقل من هذا إلا أن لا يمكن. قال: وقد قال بعض الفقهاء بالسادس أرجو أنه قال عصانة والله أعلم.
مسألة: وقال يستحب من الأكفان البياض من الثياب النساء والرجال وليس بواجب. وإن كفن الناس بالحرير والابريسم فجائز وليس جائزا ذلك للرجال الأحياء منهم والأموات. (1/183)
صفحة 180
مسألة: وقال أبو الحسن: تكفن المرأة في أربعة أثواب قميص ورداء وإزار صفيق ولفافة. وقال: وثوب واحد يجزيء وإذا زاد على أربعة أثواب فلابأس.
مسألة: قال بعضهم: إن خمرت المرأة أو لم تخمر فلابأس. وقال أبو محمد: إنها تخمر. وقال أبو الحسن: لا تخمر والله أعلم بالصواب من ذلك.
مسألة: وقال حذيفة: حين أوتي بكفنه ربطتين فقال الحي أحوج إلى الجديد من الميت أني لا ألبث إلا يسيرا حتى أرى بهما خيرا منهما أو شرا منهما. وقال محمد بن الحنيفة: ليس لميت من الكفن شيء إنما هو مكرمة للحي ومنهم من يقولون إنما يتزاورون في أكفانهم.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا الأمر بترك التغالي في الكفن. ويخرج في الرواية في قولهم عن النبي ص أن الأحياء أحق بالجديد والموتى أولى وأحق بالخلق. وأحسب أن أبا بكر فيما يروى عنه أنه أوصى أن يكفن في قضيبين (1/184)
صفحة 181
كانا عنده أحسب أن القضيب المخلق ولكل امريء ما نوى وهذا المعنى في الموتى أصح عندي من الأمر الأول.
مسألة: من الزيادة المضافة: وعمن حضر طهور ميت فأمر إنسانا يشق من كفن الميت خرقة طرحها على فرج الميت عند الطهر هل على الأمر بأس؟، قال: نعم إنه أمر بما لا يجوز لأن ذلك جعل كفنا ولم يجعل لغيره فمن أتى فيه بفعله لغير الكفن حقت عليه الضمان إلا أن الأمر فيه اختلاف أنه يستغفر الله ولا ضمان عليه.
مسألة: من جامع أبي محمد: ويكره تضعيف الثياب على الميت وكثرتها لما روت عائشة أن النبي ص كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة. ومن طريق غيرها: إنه كفن في ثوبين والمأمور به في الكفن البياض من الثياب للذكر والإناث لما روي عن النبي ص أنه قال: «عليكم بهذه الثياب البياض ألبسوها أحياء وكفنوا بها أمواتكم فإنها من غير ثيابكم».
مسألة: ويكفن الرجل بثلاثة أثواب إزار وقميص ولفافة يبدأ بالقميص ثم الإزار ثم اللفافة ويؤزر الرجل من فوق الثديين. فإن كفن بخمسة أثواب قميص وإزار ولفافتين وعمامة. قال محمد بن محبوب: ويعمم. (1/185)
صفحة 182
وقال: وقد شهدت أزهر بن علي يكفن ابنه فعممه. قيل: فيرده على حلقه؟، قال: الله أعلم. فإن كان للميت ثوبان جعلا جميعا في طوله ثم لف فيهما وإن كان له قميص أو ثوبان آزر بأحدهما فوق الشذوة، ثم اخرج من تحت ظهره حتى يرد إلى صدره فيغرز غرز آخر، كما يتزر الحي يبدأ بشقه الأيسر ثم يرد على الأيمن ولا يشده كما يشد الحي على جنبه الأيسر، ولكن يرده من تحت ظهره حتى يخرج إلى صدره فيغرز غرزا عند شذوته أو حيث بلغ الإزار الذي أوزر فيه يجعل فوق القيمص فوق الشذوة ويكفن في ثلاثة أثواب فوق ثوبين وعمامة. فإن لم يقدر على ثوبين فثوب واحد يجزيه. وقيل: كفن حذيفة في ثوبين وعامة الناس على ثلاثة أثواب وكل ذلك جائز إن شاء الله.
مسألة: ويستحب أن يكون الأكثر من الكفن مما يلي الرأس والأقل مما يلي الرجلين ليكون إن قصر عن الموت كان النقصان مما يلي الرجلين اقتداء بما فعل في حمزة لما نقص كفنه غطى رأسه بالثوب، وغطيت رجلاه بالأذخر فيما قيل فدل ذلك على أن تغطية الرأس أولى والله أعلم.
مسألة: في طالب كفن لفقير أن للإمام أن يعطيه من الصدقة ويقول له: لك أنت لأنك ضعيف ولا تعطيه في الكفن فإن شاء المعطي جعله في كفن قريبه. (1/186)
صفحة 183
فصل في الكفن
مسألة: غريب مات وليس له ولي ولا وصي ولا أوصى بكفنه وخلف ثيابا أيجوز أن يكفن منها أم لا؟، قال: بل جائز كفنه مما ترك من مال.
قلت: فإن ترك دراهم وليس له كفن أيجوز أن يشتري له من تلك الدراهم ثيابا ويكفن بها أم لا؟، قال: بل جائز فعل ذلك لمن حضره من المسلمين.
مسألة: وحفظت عن أبي سعيد في الميت إذا أخذ في تكفينه أنه قال من قال: يجوز أن يخرق من الكفن حرائم ويحرم بها على كفن الميت. وقال من قال: يخرق من الكفن شيء ويربط عليه بخيوط.
مسألة: وقال موسى بن علي وهو يسألهم يشق من الثوب ما يشد به أكفانه أو بخيوط. فقال الأزهر: شهدت بعض أشياخنا يشقون من الثوب. وقال منذر ابن الحكم عن سليمان بن عثمان: قال بخيوط.
مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ويكفن الميت فيما أمكن من الثياب ويستحب غسلها. (1/187)
صفحة 184
وإن كانت طاهرة وإن لم تغسل فلابأس. وقيل: يستحب من الكفن البياض وأن يكفن الرجل مما كان يلبس.
مسألة: وكل ثوب تجوز فيه الصلاة فهو يجوز فيه الكفن من البياض للرجال من القطن والكتان والصوف، ذلك قول نبهان بن عثمان وأبي الحواري رحمه الله، ولا يكفن الميت بالحرير ولا القز ولا الابريسم وجميع ما كان من الحرير.
مسألة: امرأة من المسلمين هلكت هل يذر الحنوط على كفنها وبدنها. قال: فكره ذلك ونهى عنه.
مسألة: فإن كان في الكفن قميص وإزار ورداء فابدأ فذر على القميص شيئا من الذريرة أو الكافور وهو الحنوط إن قدرت على الكافور وتذر في رأسه ولحيته، ثم ألبسه القميص ثم خذ قطنا وضع فيه من الحنوط ثم ضعها على فمه وشفتيه وقطنا وحنوطا في منخريه وعينيه وأذنيه. وقيل: في ابطيه ثم يأخذ الذي يكفنه خرقة يضعها في يده نظيفة ويأخذ قطنا وحنوطا ثم يدخله إلى دبره ويضع في الابطين قطنا وحنوطا. ومن غيره وقد قيل: لا يجعل إلا على المناسم والعينين والدبر ومنه: لعله أراد ثم يوزر نحو الصدر على القميص. (1/188)
صفحة 185
والمرأة تؤزر تحت الدرع. قال محمد بن المسبح: الرجل يؤزر فوق الثديين من فوق القميص والمرأة تؤزر تحت الثديين. ومن غيره: وكذلك يوجد عن محمد بن محبوب: فقال ابن المسبح ولا يشد زر القميص على الحلقوم ثم يأخذ قطنة واسعة فيملأها ثم يضعها على وجهه كله. ومن غيره وقد قيل: إنما يجعل على مناسمة ولا يجعل على وجهه كله. وإن جعل فهو أحب إلينا ومنه وينثر بين أصابع يديه ورجليه ذريرة وحنوطا وإذا لم يوجد حنوط فيحنط. قيل: بالأذخروإن كان في الكفن قميص وسراويل أليس القميص ثم يكون السراويل فوق القميص على الصدر، ويفتق بالسراويل ويدخل الرجلان كلتاهما في كم واحد، ولا يشد بالتكة ثم تمد يداه فيضعها حيث بلغ طولهما يضع اليمين فوق الشمال، ولا يمدا على بطنه ولا ينثر الكمين على الثديين ويدهما كما هما. قال محمد بن المسبح: ينشر عليه الكمان ويمد اليدان بطولهما في فخذ الميت، الرجال إلى الفخذ والمرأة تمد اليدان إلى نحو الركب وكله جائز والركب نحو الفرج ثم تدرجه في الثوب الثالث يمد الثوب على طوله وتجعل الطرتين عند الرأس والطرتين الأخريين عند الرجلين ويلفه فيه. وتجعل طرة الثوب من الطول عن يمينه أولا ثم يرده على صدره ثم على يساره ثم كذلك يقع ما وسع الثوب، ويكون آخر الثوب على الشمال ثم يشق من الثوب شيئا من طول الثوب بعقدته عليه يكون العقد على الشمال، لأن العقد يفتح إذا دخل في قبره ويرخى الربط عن وجهه ولا يبسط عن وجهه. (1/189)
صفحة 186
مسألة: وسألت محمد بن المسبح عن جنازة المرأة إذا كفنت ينشر الكمان على اليدين أم لا؟، قال: ينشران على اليدين ويضم عليهما بأصابع الميت.
قلت: فيوضع بين أصابع اليدين والرجلين قطن وذريرة؟، قال: لا إلا أنه يستحب أن يوضع على الراحتين ذريرة وقطن، ويضم عليه بأصابع الميت وإن لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه يفعل فيه أيضا، كما وصفنا يمد الثوب على طوله فيجعل الطرتين عند الرأس والطرتين الآخرتين عند الرجلين، يلف عليه على طول الثوب يجعل على يمينه أولا ثم يرد على صدره ثم على يساره. وكذلك إن كان ثوبان فإن كان في الكفن قميص ثم يؤزر الميت، وجعل الكفن كله لفائف كان ثلاثة أو خمسة أو سبعة وثوبان يجزيان وثوب يجزي إذا لم يكن غيره. ومن غيره قال: وقد قيل يؤزر كان هنالك قميص أو لم يكن قميص وأكثر ما يكفن فيه الميت ثلاثة أثواب إزار وقميص ولفافة. وقال من قال: عمامة للرجل وخمار للمرأة. وقال من قال: لا يجوز أن تخمر المرأة ولا يعمم الرجل إن فعل ذلك جاز ذلك إن شاء الله وأيما فعل من ذلك جائز، فذلك أربعة أثواب ولا يكون كفن الميت بأكثر من ذلك إلا برأي وارثه إن أراد ذلك إذا كان وارثه بالغا حاضرا. ومن غيره عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله: إن المرأة تخمر والرجل يعمم ومنه فبسط الثياب كلها بالطول ويدرج فيها أدرجا (1/190)
صفحة 187
وشق من الثوب الآخر منهن شيئا يعقد عليه يكون العقد على الشمال لأن العقد يفتح إذا دخل في قبره، ويرخى عن وجهه ولا يكشف عن وجهه ثم يوضع الميت على سريره ويستقبل السرير بالقبلة ثم يؤخذ عودا مرا ويوضع على جمرة يم، يغير به الميت يدار به حول السرير يبدأ من عند الرأس ثم يديره حتى يبلغ ثلاث مرات بارك الله لنا في الموت.
مسألة: عن أبي عبد الله محمد بن روح رحمه الله: وإذا فرغت من غسل الميت جففت بدنه من الماء وأدرجته في أكفانه فجعلته على عرض الإزار، وبسطته على طول اللفافة ثم حنطته فبدأ بالفم ثم المنخر اليمين ثم المنخر الشمال ثم بالعين اليمين ثم بالعين الشمال، ثم بالأذن اليمين ثم بالأذن الشمال ثم إن جعلت على وجهه نفكة تغطي جميعه وفي جميع ذلك تجعل الحنوط في الاباط والكفين والقدمين معا يلي جسد الميت، وتجعل تفكة فيها الحنوط يغشى بها الفرجين جميعا. إن جعلت الحنوط في الاباطوالكفين والقدمين فجائز. وإن لم تفعل أجزأ على ما وصفت لك إن شاء الله ثم تلف اللفافة على الميت من رأسه إلى قدميه كنحو ما يلف الإزار على حقويه ثم تحزم اللفافة بحزام، رافقه لا يصعد بها جسد الميت ثم تجعله فوق السرير وتستره بالثياب وتطرح عليه ما أمكن عليه ما أمكن من طيب وتجمرة بريح السعود ثلاث مرات تدور ذلك حول كفن السرير من تحت السرير ثلاث مرات. فمرتين من داخل الكفن ومرة واحدة من خارج الكفن ثم نحمله إلى قبره وعليك السكينة والوقار. (1/191)
صفحة 188
مسألة: قال: يؤزر الرجل من فوق الثدي والمرأة أسفل من الثدي. وقال: إذا كان في الثوب سعة أخرج منه لفافة. قال: يؤزر الرجل من فوق القميص. ومن غيره قال: نعم تؤزر المرأة من تحت القميص.
مسألة: وسألته عن الثوب المصبوغ هل يكفن به؟، قال: يجوز ذلك بعد أن يغسل. وقال: ما جازت به الصلاة جاز به الكفن إلا الحرير. قلت: ولو وجدوا البياض تكفن بالمصبوغ فأجاز ذلك.
مسألة: معروض على أبي الحواري: وسألت أبا عبد الله عن الميت إذا كفن في قميص وسراويل أيكون السراويل من تحت القميص أو من فوقه. قال: يكون من فوقه مثل الإزار يدخل الرجلان كلتاهما في أحد الكمين أو يقطع من بين الرجلين، أو يدخل حتى يكون على الصدر ولا تشد التكة.
مسألة: وإن كانت مفاصل الميت يابسة فلا يجوز أن تفضن ولا تلين وإنما تضم إلى بدنه وتشد بالأكفان. ولا يحدث فيه حدث يجب على من فعله ضمان من دية الميت وعلى من (1/192)
صفحة 189
كسره الدية لذلك لأنه فعل عامدا إلا أن يكون من حيث يقلبه انكسر خطأ فلا دية عليه. على العمد يلزمه الدية.
مسألة: والبياض في الكفن أحب إلى الفقهاء عن النبي ص أنه قال: «ألبسوا البياض فإنهما أطيب وكفنوا بها موتاكم». وقال ص: «من استطاع أن يحسن كفن أخيه فليفعل».
مسألة: وعن النبي ص: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه فإنهم يتزاورون».
مسألة: ومن أعطى ثوبا يكفن به ميتا فخرقه للحرام فذلك جائز.
مسألة: ومن كفن ميتا فلا يخرق من الثوب شيئا ويشد بخيط وعرفت أنه لا يضمن إن خرق.
مسألة: وروي عن النبي ص أنه قال: «إن الميت يبعث في ثيابه الذي يموت فيها».
مسألة: واستحب بعض الفقهاء أن يغسل كفن الميت على حال وليس ذلك بواجب وكلما ثبت له حكم الطهارة من الثياب والماء فجائز استعماله للحي والميت والله أعلم. (1/193)
صفحة 190
فصل في الحنوط
ويحنط الميت بقطن وديرة ويدخل من ذلك في منخريه وعلى عينيه وفي أذنيه ودبره وبين شفتيه وابطه.
قلت: فيوضع بين أصابع اليدين والرجلين قطن ودريزه؟، قال: لا ولكن يستحب أن يضع في الراحة ودبره.
مسألة: وعن الحنوط بأية يبدأ فإنه يبدأ بالفم ثم المنخرين وكل ذلك جائز إن شاء الله. قال: وقد قيل بالفم ثم المنخرين ثم العينين ثم الأذنين ثم الوجه ثم الابطين ثم الدبر.
مسألة: فإن كان الكفن قميصا وإزارا ورداء فابدأ فذر على القميص شيئا من الذريرة أو الكافور وهو الحنوط إن قدرت على كافور وتذر على رأسه ولحيته، ثم ألبسه القميص ثم خذ قطنا فضع فيه من الحنوط ثم ضعها على فمه وشفتيه وقطنا وحنوطا في منخريه وعينيه وأذنيه. وقد قيل: في ابطيه ثم يأخذ الذي يكفنه خرقة على يده نظيفة ويأخذ قطنا وحنوطا، ثم يدخله إلى دبره فيضع في الابطين قطنا وحنوطا. ومن غيره وقد قيل: لا يجعل منه إلا على المناسم والعينين والدبر ثم يأخذ قطنة واسعة فيملأها ثم يضعها على وجهه كله. (1/194)
صفحة 191
وإن جعل فهو أحب إلينا وينثر بين أصابع يديه ورجليه دريزة وحنوطا وإذا لم يوجد حنوط فيما قيل بالأذخر.
مسألة: ثم يوضع بين أصابع اليدين والرجلين قطن ودريزة. قال: لا إلا أنه يستحب أن يوضع على الراحتين دريزة وقطن ويضم عليه أصابع الميت.
مسألة: من جامع أبي محمد: ويستحب الطيب للميت ويتبع به مواضع السجود.
مسألة: ويحنط الميت بالمسك والكافور والعنبر والعود وما يصلح له في الحياة والممات ولا يمسه الزعفران.
مسألة: والذي يجعل في فم الميت ومنخريه وأذنيه ودبره مخافة الحدث، وإنما تدخر الثياب والحنوط يبدأ بالفم ثم بالمنخرين وكل ذلك جائز إن شاء الله. والقطن والحنوط يسكر به مناسم الميت حتى لا يخرج منه شيء ولأنه إذا مات كانت مناسمه منقطعة. وروي أن عليا أوصى أن يجعل في حنوطه مسك. وقال: هو فضل حنوط النبي ص. (1/195)
صفحة 192
مسألة: وعن موسى في الدريزة أتجعل في مواضع السجود؟، قال: لا يعرف ذلك.
مسألة: ويحشى من الميت خمسة مواضع بالقطن والحنوط الأذنان والعينان والمنخران والفم والدبر والقبل وأما غير ذلك فلا.
مسألة: وقيل: يضع على وجه الميت القطن وبين أصابع يديه ورجليه ولا يضع تحت ابطه.
مسألة: ويجعل القطن في دبره وقبله وفيه ومنخريه وأذنيه. وإن جعل على عينيه فجائز وإن لم يجعل فلابأس وليس عليه أن يجعل في موضع من جسده غير هذه المواضع.
مسألة: وسئل أبو سعيد: عن الميت أيضع الحنوط في المناسم وحدها. وقال من قال: المناسم والثقوب. وقال من قال: المناسم والثقوب واليدين والرجلين. (1/196)
صفحة 193
باب في حمل الميت وتشييعه والسرير والكلام خلف الجنائز والضحك وتشييع الجنائز، وفي تقديم الجنائز إذا اتفقت عند الصلاة وفيمن خرج على الجنازة وهو متوضيء ما تنقض وضوءه، وكان ثوبه طاهرا فتنجس الجنازة بالكسر السرير والجنازة بالفتح الميت بعينه وعلى المسلمين تمام الجنازة، والأخذ بأكنانها والصمت فيها
مسألة: وإذا مرت جنازة بقوم قعود فإنهم يجلسون على هيئتهم إن شاءوا وإن اتبعوا الجنازة فهو أفضل.
مسألة: ومن مات والمقبرة عنه بعيدة فإنه يحمل على أعناق الرجال إلا أن يضعفوا. فإن ضعفوا عن حمله حمل على دابة والله أعلم.
مسألة: قال ابن عباس: من مشى على جنازة فصلى عليها فله قيراط من الأجر. وإن أقام عليها حتى تفدن فله قيراطان والقيراط مثل أحد. (1/197)
صفحة 194
مسألة: مختلف في السير بها فروي أن النبي صقال: «أسرعوا علي بالجنازة». وروي ذلك عن عمر وأبي هريرة والشافعي ويسرع الجنازة إسراع يسحبه مشى الناس. وروي عن ابن عباس أنه حضر جنازة ميمونة زوج النبي ص. فقال: لا ترملوا وارفقوا فإنها أمكم. وقال: إنها لا تشيعكم ولكن تشيعونها فامش عن يمينها وعن شمالها يعني عن يسارها. قال حذيفة: رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمام الجنازة. وقال: إنما فعلنا ذلك لضيق سكك المدينة لقد علمنا أن فضل من مشى خلفها على أمامها كفضل المكتوبة على النافلة. والمشي خلف الجنازة أفضل هكذا قال أصحابها.
مسألة: كان ابن عباس والحسن والحسين قاعدين فمرت جنازة فقام أحدهما وجلس الآخر فقال الذي قام إنك والله لقد علمت بأن رسول الله ص قد قام. فقال الآخر: إنك لتعلم أن رسول الله ص قد جلس. وقالوا: إن النبي ص شيع جنازة ماشيا ورجع راكبا. (1/198)
صفحة 195
فسأل من ذلك فقال: رأيت الملائكة تمشي فمشيت معهم فلما ذهبت الملائكة ركبت.
مسألة: قال والسنة أن يسرع بها دون مشي الجنب. وقال: والسنة حمل جوانب السرير الأربع ثم تطوع إن شئت عن النبي ص أنه كان إذا شهد جنازة أخذ مقدم السرير الجانب الأيمن، فوضعه على عاتقه الأيسر ثم الذي يليه من مؤخره ثم دار فوضع الجانب الأيسر على منكبه الأيمن، ثم الذي يليه في المؤخرة ويكره للمرأة أن تتبع الجنازة. ونحب أن يسار بالجنازة دون الخبب ولا يسرع بها اسراعا عنيفا وأوصى أبو هريرة عند موته ألا يشيعوه برنة ولا مجمر واغتنموا الخلوة وأسرعوا المشي.
مسألة: ولا يجوز للرجل إذا اتبع الجنازة أن يقول: استغفروا له غفر الله لكم. عن بعض يقال: أنه سعيد بن جبير كان يقول في جنازة رجل فقال رجل: استغفروا له غفر الله لكم فنهاه مرتين فلم ينته. فقال سعيد: لا غفر الله لك.
مسألة: ومما يكره للرجال أن يدخلوا بين يدي السرير فيضع جانب السرير على عاتقه. (1/199)
صفحة 196
مسألة: ولا يجوز تشييع جنائز أهل الذمة.
مسألة: وروي عن النبي ص رأى امرأة تتبع الجنازة فأمر بردها.
مسألة: ومن حمل جنازة ميت فالتقاه عبد مملوك فأخذها من يده فسلمها إليه فلا يلزمه ضمان وهذه عادة الناس ما لم يقل له تعال احمل.
مسألة: عن عبد الرحمن أنه قال: من حمل جنازة مرة فله عشرة آلاف حسنة ومن حملها مرتين فله عشرون ألف حسنة، ومن حملها ثلاث مرات فله ثلاثون ألف حسنة ومن حملها أربع مرات فله أربعون ألف حسنة حقها أبو هريرة عن النبي ص أنه قال: «من تبع جنازة فله أربعة قراريط وكل قيراط مثل أحد». قال أبو هريرة: حدوا من أتى أوليائها فعزاهم فله قيراط وإن رفعها فله قيراط وإن صلى عليها فله قيراط وإن صبر حتى يقضى دفنها فله قيراط فذلك أربعة قراريط فلما بلغ ذلك عمر قال: فكم من قيراط قد فاتنا.
مسألة: عن أبو سعيد الخدري: أنه سمع النبي ص يقول: «إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني (1/200)
صفحة 197
وإن كانت غير صالحة قالت يا ويلياه أين تذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الناس أعني الإنسان ولو سمعها الناس لصعقوا».
مسألة: وعن أبي بكر قال: لقد رأينا مع النبي ص وأنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا الرمل مشى دون الهدو وفوق المشي. وعن الحسن أنه كان يقول إذا ازدحموا على الجنازة فلا نقربهم فإن الشيطان معهم. وعن أبو هريرة عن النبي ص: «إذا وضعت الجنازة عن عواتق الرجال فاجلسوا».
مسألة: وعن الذي يعطش وهو في الجنازة هل له أن يشرب من الماء المحمول للقبر؟، قال: فلا يجوز له ذلك إلا بمشورة رب الماء. وأما إن شرب من القرب المتخذة للقبور فلا يجوز ذلك معي أنه إن شرب أحد رس على القبر ماء بمقدار ما شرب يرش على القبر في ذلك اليوم أو في غيره إذا اكتفى القبر بذلك.
مسألة: أحسب عن أبي الحسن بن أحمد رحمه الله والذي يحمل الصبي الميت على وسادة وعليه ثياب فيأخذه ويسلمه إلى من أتاه. أيكون له ذلك أم لا؟ (1/201)
صفحة 198
قال: فذلك له لأن هذا هو من التعارف وليس عليه حفظ الثياب إذا حمله والله أعلم.
مسألة: وسألته عن النعش الذي يجعل على جنازة النساء أهو من السنة أم ذلك مما يستحب. قال: معي أنه قيل أول من جعل ذلك عمر بن الخطاب رحمه الله على امرأة من نساء النبي ص. قال: وذلك أنه قيل كانت تلك المرأة خلقها كبير الجثة فكره عمر أن يدعها كما هي فتنظر جثتها العيون فجعل عليها ذلك. ثم قال: لو كانت الأمر إلى ما أبصرتكن العيون فأخذ الناس ذلك.
قلت له: فتكره مخالفة ذلك إن خالفه أحد؟، قال: هكذا معي يكره ذلك في النساء.
مسألة: وقال محمد بن محبوب: رأيت رجلا يكلم أبا عيسى الخراساني خلف الجنازة وهو يرد عليّ.
مسألة: وعمن يكون خلف الجنازة فيسلم عليه هل يرد على من سلم عليه. قال: كان جابر بن زيد لا يتكلم خلف الجنازة.
قلت: فمن رد السلام عليه اثم؟، قال: لا. (1/202)
صفحة 199
مسألة: وعن الكلام عند الجنازة. قال: يكره إلا تسبيح وتكبير وما يعنى فيها. قال غيره وقيل: ذلك أيضا إلا ذكر الله والمذاكرة في الحلال والحرام من أفضل ذكر الله.
مسألة: قال أبو محمد: اتفق أصحابنا على تكريه الكلام خلف الجنازة إلا بما يكون من طاعة الله تعالى من قراءة القرآن والتسبيح أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسؤال والجواب عن أمر الدين. واختلفوا في جواز الكلام وإباحته بعد هذه الكراهية. فقال قوم: إلى أن يصلي على الميت. وقال قوم: حتى يوضع في قبره. قال آخرون: حتى يدفن ويرش عليه الماء وكل ذلك تعظيم للموت.
مسألة: وأخبرني هاشم بن الجهم عن العلا ابن أبي حذيفة أن سائلا سأل أبا عبيدة وهو يشع جنازة. فقال أبو عبيدة: إنا في شغل عن كلامكم.
فقلت: أنا لهاشم إن سأله عن حلال وحرام أو عن غير ذلك؟، فقال: لم يقل العلا لي شيئا من ذلك. قال غيره: السؤال عن الحلال والحرام من أفضل الذكر. وقد قيل: لا يستحب الكلام خلف الجنازة إلا بذكر الله وذلك أفضل ذكر الله. (1/203)
صفحة 200
مسألة: ويكره الكلام خلف الجنازة إلا ما كان من ذكر الله وذكر الموت والآخرة وما يعني فيها.
من غير الكتاب من الحاشية: وقيل: لا يستحب الكلام في ستة مواضع بعد ركعتي الفجر إلى أن يصلي الفجر، وعند قراءة القرآن وخلف الجنائز وعند مسايفة القتال وعلى الجماع، وبعد صلاة العشاء الآخرة إلا من ضرورة هذا ما وجدته والله أعلم. ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: ويستحب المشي خلف الجنازة ولا تتقدم الجنائز ولا يتقدمها إلا من تقدم لحملها. وقال: إن بعض الفقهاء رأى راكبا خلف الجنازة. قال: أتركبون وملائكة الله مشاة. قال: غيره يوجد عن أبي المؤثر أن الجنازة تتقدمها الناس ويتأخرون خلفها وكل ذلك جائز ويركب خلفها ويمشي ولا يتقدمها الراكب. وقيل: كان عمر بن الخطاب وأبو بكر ض يمشيان قدام الجنازة وابن مسعود وغيره خلف الجنازة. فقال له قائل: لذلك قال إما أنهما يعلمان أن المشي خلفها آجر ولكنهما رفيقان يحبان الرفق بالناس، كان معناه أنهما يريا ذلك الناس أنه جائز. (1/204)
صفحة 201
مسألة: وعن جنازة خرجت في الليل هل تتبع بالنار؟، قال: إن كان لأنس فلابأس.
مسألة: من جواب هاشم بن غيلان: وعن الاحتباء على الجنائز فما ترى أحدا من أهل الأدب يفعل ذلك. وعن الضحك خلف الجنازة فما ترى أحدا من أهل لمعرفة الثقة الحقيقة يفعل ذلك. وأما الحديث خلف الجنازة فهو ينهى عنه.
مسألة: وعن الذي يلي الجنازة امرأة فيضيق عليه الوقت فتحمل المرأة كما تحمل جنازة الرجل بغير نعش.
قلت: هل ذلك صواب؟، قال: فليس ذلك بصواب إلا على الاضطرار في وقت لا يمكن ذلك ولا يطلق من أمر جالس، فالمضطر معذور ولا يضيع سنن الإسلام لاختيار العام. فإذا وقع الضرر فالله أولى بالعذر وله الحمد.
قلت: وإن فعل ذلك من سعة من الوقت وفسحة هل يتولى هذا في فعله بمنزلة الخطأ وهل عمل النعش من الأمر الذي لا يصلح تركه؟، قال: فعمل النعش قد جاء به الأثر على الجارية إذا ماتت وهي ممن (1/205)
صفحة 202
يستتر ويستحيي ثم صاعدا في ذلك على النساء فمن ضيع ذلك تجهل منه، وتعمد لترك آثار المسلمين فهذا يستغفر ربه ويدع خسة حاله في ذلك يتحول إلى اتباع قول الفقهاء، ولا يستخف بشيء من قوائم أبواب الإسلام والله تواب رحيم. ومن جواب أبي الحسن رحمه الله: وعن الجنازة إذا حملت ولم تغير. قلت: هل يصلح ذلك فإن وجد ما يجمر به الميت حول نعشه فلا يترك ذلك ولا يصلح تركه وإن لم يوجد فلابأس.
مسألة: عن أبي عبد الله محمد بن روح: ويجمر الميت بريح العود ثلاث يدور ذلك حول كنن السرير من تحت السرير ثلاث مرات، فمرتين من داخل الكنن ومرة واحدة من خارج الكنن ثم تحمله إلى قبره.
مسألة: عن محمد بن المسبح: ثم يوضع الميت على سريره ويستقبل بالسرير القبلة ثم يأخذ عودا مرا، ثم يوضع على جمر ثم تغير به الميت يدار به حول سريره يبدأ من عند الرأس، ثم يديره حتى يبلغ ثلاث مرات بارك الله لنا في الموت.
مسألة: ويكره حمل الميت من بلد إلى بلد يخاف عليه التغيير فيما بينهما.
مسألة: عن ليث بن أبي سليمان: قال بلغني أن داود سأل ربه. (1/206)
صفحة 203
قال: إلهي ما جزاء من شيع جنازة ابتغاء وجهك والدار الآخرة. قال: جزاؤه أن تشيعه ملائكتي إذا مات وأصلي على روحه في الأرواح. قال: إلهي ما جزاء من عصى أخاه المسلم. قال: جزاؤه أن ألبسه لباس التقوى.
مسألة: قال مالك بن غسان: الذي يعجبنا لمن أخذ الجنازة يحملها أن قول بسم الله وعلى ملة رسول الله ص. فإذا أراد أن يسلمها إلى غيره فلم نسمع في ذلك عن الفقهاء شيئا والسكوت أولى به.
مسألة: عن جابر بن زيد قال: كان أنس بن مالك يذكر أن النبي ص قال: «من حمل قوائم السرير الأربع حط الله عنه أربعين كبيرة يعنى أربعين ذنبا».
مسألة: قيل ويستحب أن يقول خلف الجنازة لا إله إلا الله الحي الذي لا يموت وكل ذكر الله حسن.
مسألة: وإن انصرف الذي خلف الجنازة إذا صلى فذلك له وإلا فحتى يدفن الميت. (1/207)
صفحة 204
قال غيره: ويستحب ذلك إلا بإذن أولياء الميت ومن غيره.
مسألة: ويكره الكلام خلف الجنازة ويكره الانصراف حتى يرش الماء على القبر إلا أن يستأذن الولي فإن أذن له الولي انصرف.
مسألة: وإذا خرج إنسان على الجنازة فصلى عليها فله إن شاء انصرف بغير إذن وليها وإن قعد حتى يدفن لم يكن له أن ينصرف حتى يرش الماء على القبر إلا بإذن الولي.
مسألة: ولا وضوء على من حمل الجنازة.
مسألة: وقال محمد بن محبوب: إذا خرج إنسان على جنازة فله أن ينصرف بغير إذن وليها. وإن قعد حيث يدفن لم يكن له أن ينصرف حتى يرىش الماء على إلا بإذن الولي.
مسألة: عن العلاء لا يتخذ على الصبية النعش أكانت تربي فإذا دخلت وخرجت وانقطع عنها الرضاع اتخذ عليها النعش. وقال أبو عبد الله: إذا سترت عورتها اتخذ عليها النعش. (1/208)
صفحة 205
وقال أبو محمد: يجعل النعش على الصبية إذا استحيت من الرجال.
مسألة: وقال ابن محبوب: إذا استحيا الصبي حمل على السرير وإن حمل قبل ذلك فلابأس. ويقال: إذا وضعت الجنازة على أعناق الرجال فاجلس إن شئت.
مسألة: من جامع أبي محمد: ويستحب تعجيل دفن الميت لما روي عن النبي ص أنه قال: «لا ينبغي أن يحبس جيفة مسلم بين ظهراني أهله».
مسألة: وكانوا يكرهون أن يضع على الجنازة ثوبا أو مرقعة فيها تصويرة وكان بعضهم يكره أن يضع على عائشة السرير دريره. وقال سفيان: إن رأيت زحاما ووجدت من يكفيك الجنازة فلا تدنو منها فإن دنوت فإنك إلى الوزر أكثر مما تؤخر وشيع الجنازة وامش إليها على التؤدة، وامش خلفها وعليك السكينة والوقار وعليك بالصمت إلا من ذكر الله. ولا تتكلم في أمر الدنيا شيئا فإن في طريق الآخرة.
مسألة: وفي كتتاب بني بيزن: وعن الذي يحمل الجنازة من أين يبدأ بها؟، (1/209)
صفحة 206
قال: رأيناهم يحملون الجنائز من حيث يليهم، وقال الأوزاعي: بأي الجوانب شئت فابدأ. وفي الأثر: أظنه عن محمد: أنه لابأس أن يتبع الرجل الجنازة ثم يرجع ولم يحملها إذا لم يحتج إليه في حملها. ولا وضوء على من حمل الجنازة ولا في النزول إلى القبر.
مسألة: وقال الربيع رأينا النساء تتبع الجنائز والفقهاء يرونهن فلم ينهونهن عن ذلك ولو كرعوه لعابوا ذلك، ولنهوا عنه إلا أنهم يكرهون لهن في ذلك الريح الشديد والمطر. قيل: لم تزل النساء يخرجن على عهد جابر بن زيد وغيره فلم نسمع أحدا يقول لهن أرجعن مأزورات غير مأجورات.
مسألة: ولا يجوز ترك الجنازة وتعطيل القيام بها وما يجب على المسلمين من فرض دفن موتاهم والصلاة عليهم، إذا كان هناك نوح وأصوات مناكر لا يمكن صرفها ولا يترك حق لباطل. وقد قال الحسن البصريلرجل يا هذا إن كان كلما سمعت منكرا تركت لأجله معروفا أسرع ذلك في دينك، وكان هذا الرجل سمع نوحا خاف جنازة فهم بالانصراف عنها، فقال له الحسن هذه المقالة.
مسألة: ويختلف في اتباع النساء الجنائز. (1/210)
صفحة 207
مسألة: والركوب خلف الجنائز غير محرم إلا أن المشي أفضل. وروي عن ابن عباس أنه قال: الراكب في الجنازة كالقاعد في أهله، وقد قال بعض: إن الركوب غير محرم ولكن الراكب لا أجر له.
مسألة: ويكره الكلام في القبور وعلى الجنازة، وقال قوم: حتى تدفن. وقال قوم: حتى يضرب بالطبن على القبر. قال آخرون: حتى يصلى عليه وأحب كراهة الكلام حتى يدفن. (1/211)
صفحة 208
فصل في تقديم الجنائز
إذا اتفقت عند الصلاة وإذا اتفقت الجنائز من الرجال والنساء قدم نحو القبلة أقرؤهم وأفضلهم وكذلك في القبر. وإن كان رجال وصبيان ذكران كان الرجال ثم الصبيان الأكبر ثم الأصغر والعبد أولى بالتقديم من المرأة إذا صلى عليهما جميعا. وكذلك إذا قبرا في قبر واحد وإن كان عبيد كان العبيد الذكران من بعد الصبيان ولو كان العبيد بالغين. وإن كن نساء حرائر وإماء فإنما يكن النساء الحرائر من بعد العبيد الذكران ثم الإيماء من بعد النساء الحرائر ويكون آخر جنازة ناحية الإمام وأول جنازة ناحية القبلة. قال محمد بن المسبح: يقدم أفضلهم ويقدم الرجال ثم الصبيان ثم العبيد الذكور ثم النساء الحرائر ثم الإماء. وإن كان رجل أو امرأة فلابأس إذا لم يكن إلا ذلك ويكون الرجل ناحية القبلة. قال غيره: قيل يقدم الرجال البالغون الأحرار ويقدم أفضلهم ثم الصغار الأحرار، بعد الرجال الأحرار ثم العبيد الذكران البالغين بعد الصبيان الأحرار الذكران ثم من بعد العبيد الصبيان خلف الذكران البالغين من العبيد، ثم الحرائر البالغات خلف الصبيان من العبيد ثم الصغار الحرائر خلف البالغات من الحرائر، ثم الإماء البالغات خلف الصبيان من الحرائر من النساء، ثم الصبيان من الإماء من الإناث خلف البالغات هكذا عرفناه. (1/212)
صفحة 209
مسألة: واختلف الناس في الذي إذا اجتمع في الجنائز، قال قوم: يكون الرجال ما يلي الإمام والنساء خلف ذلك، وقال آخرون: إلى القبلة والنساء مما يلي الإمام.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا معنى القولين جميعا الأولين. فبعضهم: يرى أن تقديم ما يقدم إلى القبلة. وبعضهم: يرى التقديم ما قرب من الإمام. ولكل معنى في ذلك ومعي أنه يخرج في بعض قولهم أن الجنائز إذا اجتمعن، صففن صفا كيفما كان وصلى عليهن المصلي صلاة واحدة، ولا يقدم بعضا على بعض. وإن صلى على كل واحد على حياله فلاشك في ذلك لمعنى ذلك أنه قد أصاب وإنما هو تحقيق من المصلين وعليهم. (1/213)
صفحة 210
فصل فيمن خرجعلى الجنازة وهو متوضيء ما ينتقض وضوءه أو كان ثوبه طاهرا فتنجس
قال أبو المؤثر: قال محمد بن محبوب أنه من خرج على جنازة فانتقض وضوءهفليتيمموليصل. وكذلك إن فسد ثوبه فلابأس أن يصلي على الجنازة. والذي أقول به أنا أنه إن خاف أن يفوته الصلاة على الجنازة أن ذهب يتوضأ أو يغسل النجاسة من ثوبه فلابأس أن يتيمم ويصلي مع الناس على الجنازة. ولا أحب أن يؤم فإن كان ولي الجنازة فليأمر من يصلي وأقول أنه فاجأته الجنازة، وهو على غير وضوء وعليه ثوب ليس بطاهر فإن رجع يتوضأ، أو يأخذ ثوبا نظيفا فاتته لم أرى عليه بأسا أن يتيمم ويصلي مع الناس على الجنازة والله أعلم. وكذلك الذي يخرج من بيته إلى الجنازة للصلاة على الميت والدعاء له. قال أبو سعيد: قول أصحابنا الذي أدركناه في عامة آثارهم وأخذنا عمن أخذناه عنهم شفاها فيها أنه مخير في التوجيه، إن شاء وجه كتوجيه الصلاة وإن شاء قال سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله وتعالى الله، ثم يكبر الأولى ثم يستعيذ ويقرأ فاتحة الكتاب ثم يكبر الثانية ويقرأ فاتحة الكتاب بغير استعاذة ثم يكبر الثالثة ثم يحمد الله، ويصلي على محمد ص ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات. وإن كان الميت ممن يستحق الدعاء والولاية تولاه ودعا له واستغفر له. (1/214)
صفحة 211
وإن كان ممن لا يستحق الولاية كفى بالدعاء لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات، ثم يكبر الرابعة ثم يسلم على رسول الله ص وعلى ملائكة الله وعلى من سلم الله عليه، ثم يسلم تسليمة خفيفة يسمع بها من عن يمينه ومن عن شماله يسمعها من كان قربه.
مسألة: وقيل كان يكبرون على الجنائز ستا وخمسا وأربعا. فلما ولى عمر بن الخطاب رحمه الله جمع أصحابه وقال إن اجتمعتم اجتمع من بعدكم وإن اختلفتم اختلفوا فاجتمع رأيهم على أربع تكبيرات.
مسألة: ومن غيره: قال أبو المؤثر رحمه الله: قال محمد بن محبوب رحمه الله يبدأ بالدعاء على الميت قبل الدعاء لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات. وقول أبي المؤثر مثل قول محمد بن محبوب. ومن غيره قال: أحسب أن الدعاء للمؤمنين والمؤمنات هو مقدم لأن ذلك الدعاء مجمع المؤمنين والمؤمنات وكذلك أمر الله. فإذا كبرت الرابعة فقل الحمد لله والسلام على رسول الله ص ثم يسلم تسليمة خفيفة يسمعها من على يمينك يصفح بها وجهك يمينا وشمالا كتسليم الصلاة. ومن غيره قال: يقول الحمد لله والسلام على رسول الله ص وعلى ملائكة الله وعلى جميع من سلم الله عليه. ومنه: وقد كان بعض الفقهاء يكره أن يجد شيئا معروفا من التحميد ومن الصلاة على النبي ص ومن الدعاء للميت في صلاة الجنازة ويقول يفعل ذلك بما فتح الله. (1/215)
صفحة 212
ومنهم: من كان يحمد الله حمدا مجملا يقول الحمد لله كما ينبغي لربنا من الحمد والثناء، وكما الله له أهل في الآخرة والأولى وقد كان بعض الفقهاء وتلعم من ذلك قولا حسنا من الدعاء، للميت والثناء على الله من غير أن يجعل ذلك سببا واجبا يأثم من تركه وإنما يفعل ذلك ما أحسب وتيسر لك إن شاء الله. وهذا من القول الذي كانوا يقولونه بعد التكبيرة الثالثة يقول الحمد لله، الذي منه المبدأ وإليه الرجعى وله الحمد في الآخرة والأولى والحمد لله الذي من الأرض خلقنا، وإليها يعيدنا ومنها يخرجنا تارة أخرى. ومن الفقهاء من قال: يبدأ بشأن الموت فإذا فرغمن الدعاء للميت يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات. والدعاء للميت يقول اللهم إن فلانا عبدك وابن عبدك، وابن أمتك توفيته وأبقيتنا بعده، اللهم اغفر له ذنبه وألحقه بنبيه. اللهم عظم أجره وارفع درجته وصعد بروحه في أرواح الصالحين واجمع بيننا وبينه في دار تبقى فيه الصحبة ويذهب فيه النصب واللغوب. اللهم افسح له في لحده ونور له في قبره وأبدله دارا خيرا من داره وقرارا خيرا من قراره وأهلا خيرا من أهله. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده وأكفنا بالإسلام فقده. وإن لم يحسن هذا القول فما أحسن منه وما فتح الله عليه من الدعاء والقول الجميل فهو حسن إن شاء الله. وإن قدمت بعض هذا القول على بعض وأخرت بعضه على بعض (1/216)
صفحة 213
أو زادت فيه أو نقصت منه فذلك كله جائز، وإنما يراد بهذا الدعاء للمسلم التقرب به إلى الله. وإن كان طفلا من أطفال المسلمين قلت: اللهم ارحمه واجعله لنا سلفا وفوضا حسنا، لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده واكفنا بالإسلام فقده. فإذا قضيت الدعاء وكبرت وسلمت كما وصفت لك فقد أحسنت الصلاة على الميت إن شاء الله، وصلى الله على محمد النبي الأمي وآله وسلم تسليما. ومن كان إماما في الصلاة على الميت أو خلف الإمام وكلهم سواء في التكبير والدعاء، وجميع ما وصفت لك الإمام ومن خلفه إلا من كان خلف الإمام لا يكبرون حتى الإمام ثم يكبروا هم.
مسألة: وعن ابن عباس قال: كان عمر يقول على الميت هذا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، إن تغفر له تغفر لفقير وإن تؤاخذه تؤاخذ بكبير أصبح قد افتقر لك وأنت أرحم الراحمين.
مسألة: وإذا كان الميت الطفل ممن يتولى ولا يتولى والده فاستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ثم تسلم.
مسألة: ومن دعا في كل صلاة على الجنازة يقول: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم}، إلى قوله: {أنت العزيز الحكيم}، جاز ذلك على الولي وعلى غير الولي. (1/217)
صفحة 214
مسألة: والميت إذا لم يعرف أنه ولي أو غير ولي فقال أولياؤه معاشر الناس ادعوا لهذا المسكين بالرحمة. فمن أراد السلامة في الدعاء فليدع للمؤمنين والمؤمنات.
مسألة: ومن زاد تكبيرة في صلاة الجنازة سهوا منه لم يعد.
قلت: فإن صلى ثلاث تكبيرات سهوا منه أيعيد؟، قال: نعم إذا نقص من الأربع وإذا زاد فلا إعادة عليه.
مسألة: وإذا سمع الرجل صوتا على الميت بالتكبير فليكبر ويمشي. فإن كانوا ثلاثة فأحبوا أن يصفوا وخافوا أن تفوتهم الصلاة إذا سمعوا تكبير الإمام صفوا.
مسألة: ومما يوجد عن موسى وعن رجل متنعل من جلد حمار أو حمل يصلي منتعلا على جنازة فأحب ألا يفعل إلا أن يكون مدبوغا.
من كتاب المصنف: ومن جوابات أبي سعيد: ومن النعلين النجسين يصلى بهما على الجنازة فلا نحب ذلك إن أمكن إخراجهما. فإن لم يمكن من ضرر شمس أو برد أو خوف عليهما أو خوف شوك أو غيره من المضار فلابأس بذلك. (1/218)
صفحة 215
ومنه: ومن جوابات لأبي سعيد رحمه الله قال: إن السقط التسلم الخلق إذا خرج ميتا يختلف في الصلاة عليه.
قلت له: فإن لم يعرف خرج حيا أو ميتا وأمكن ذلك ما أولى به؟، قال: معي أنه إذا أدرك ميتا فهو على ما أدرك عليه حتى يصبح غير ذلك.
مسألة: ومنه: جائز أن يصلي على الميت جماعة بعد جماعة ما لم يدفن وإما يصلى عليه جماعة واحدة مرتين فلا من جماعة واحدة إلا أنهم لا ينبغي لهم ذلك لئلا يقتدوا، ومن منهج الطالبين: وقيل يجوز أن يصلى على الميت مرة بعد مرة.
مسألة: إذا حضرت صلاة جنازة وفريضة قدمت الفريضة ما لم يخف على الميت، فإن خيف على الميت قدم الميت.
مسألة: وإذا حضرت صلاة جماعة وميت كانت الجماعة أفضل. انقضى ارجع إلى كتاب بيان الشرع.
مسألة: وسألته عن الذي يصلي على جنازة وأمامها قبور فذلك مكروه ليتحولوا عنها. (1/219)
صفحة 216
مسألة: والإمام إذا انتقضت صلاته فأخر وقدم غيره يتم بهم الصلاة.
مسألة: وإذا صلوا على الجنازة إلى حد الركوع والسجود جهلا وجهلوا ذلك، فإن تل ليست بصلاة وعليهم الإعادة إن لم يكن دفن، وإن كان دفن صلوا على قبره.
مسألة: واختلف أصحابنا في الصلاة على القبر بعدما يدفن الميت فأجازها بعضهم ولم يجزها آخرون، وحجة من أجازها أن النبي ص صلى على النجاشي وهو بالحبشة بعد أن أتاه خبر موته بمدة، فجمع أصحابه بالمدينة وصلى عليه. وحجة من لم يجز الصلاة على الميت بعد أن دفن أن الصلاة كانت على النجاشي مخصوصة وهذا القول أشق إلى نفسي والنظر يوجبه. والذي عندي والله أعلم أن النجاشي لم يكن صلى عليه ومن لم يكن صلى عليه فجائز أن يصلى على قبره لأن الصلاة على موتى المسلمين واجبة والصلاة على الجنازة بالليل كالصلاة على الجنازة بالنهار.
مسألة: ومن سبقته صلاة الجنازة فليصل ما أدرك ولا بدل عليه. وقال أبو محمد: يعيد ما فاته بقول النبي ص: (1/220)
صفحة 217
«فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته وإن مر شيء مما يقطع صلاة الفريضة على الجنازة لم يقطعها بذلك».
مسألة: وإذا حضرت صلاة مكتوبة وصلاة جنازة فبأيهما شاءوا فليبدأو فإن خشوا فوت المكتوبة إذا اشتغلوا بالجنازة فليبدأوا بالمكتوبة. وقيل: يبدأوا بالجنازة ثم صلاة المغرب بعدها. وقيل: يرى في الكتب أنه يبدأ بالجنازة قبل الصلاة ولم نرهم يبدؤون إلا بالصلاة.
مسألة: وإذا حضرت المغرب والجنازة فصليت المغرب فصل على الجنازة بعد ركوع المغرب. وقيل: إلا أن يخاف فوت الوقت. وقيل: يبدأ بالجنازة ثم الصلاة ولم يشترط شيء. وقال محمد بن محبوب: يبدأ بالجنازة قبل الفريضة وكذلك ورد عن جابر ابن زيد رحمهما الله.
مسألة: وإن خافوا أن يتغير الميت فإنهم يبدؤون بالجنازة إذا خافوا إلا أن يدركوا منه ما يحبون. وإن خافوا أن يتغير في الحر الشديد يوم الجمعة صلوا عليه وتركوا الجمعة. (1/221)
صفحة 218
مسألة: ومن سبقه الإمام في الجنازة ببعض الصلاة فليوجه ثم يقف حتى يكبر الإمام فإذا كبر معه فليس عليه إعادة ما سبقه.
مسألة: وإن حمل قوم جنازة فقدموا الرجلين وأخروا الرأس نسيانا منهم وصلوا عليها كذلك ثم علموا بعد الصلاة؟، فيعجبني: بلا حفظ إن كان الميت لم يدفن أعادوا الصلاة وإن كان قد دفن فلابأس عليهم إن شاء الله.
مسألة: وإن مات رجل في دار قوم فخافوا على الميت إن أخرج به أن يخرق أو يقذف صلوا عليه ودفنوه معهم، وإذا مات رجل في منزل لا مخافة والقوم هاربون على ظهور دوابهم في حال، لا يستطيعون النزول فيها، وخافوا تغيير الميت فإن قدروا على صعيد فيمموه وإلا صلوا عليه ثم يلقونه فالله أولى به.
مسألة: وجائز الصلاة على الجنازة في المقبرة ولو استقبلها المصلي، وكره ابن عباس وابن عمر الصلاة في المقبرة ومنع على ذلك، وروي عن أبي هريرة أن النبي ص قال: «من صلى جنازة في المسجد فلا صلاة له».
مسألة: قال أبو الحسن الصلاة على الجنازة مختلف فيها. (1/222)
صفحة 219
وقال قوم: فرض على الكفاية. وقال قوم: سنة على الكفاية.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا الكراهية للصلاة في المقبرة. فمنهم: من يفسد الصلاة فيها وهي المكتوبة، ومنهم: من لا يفسد ذلك ما لم يكن المصلي على القبر وإنما يخرج معنى فساد صلاتهم لاستقبال القبور في معنى قولهم، أنه لا يقطع صلاة الجنائز شيء كما يقطع صلاة الفريضة من ممر أو نجاسة قدام المصلى. فإذا ثبت هذا المعنى فصلاتهم تامة هنالك، إن أمكن الصلاة في غير المقبرة كان عندي أحسن، ومنه قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لا يدل على المصلي فيما فات من صلاة الجنازة وإنما يصلي ما أدرك وينصرف بإنصراف الإمام والناس، ولا أعلم في هذا بينهم اختلافا والمعنى في ذلك أنها ليست بصلاة واجبة على العبد إلا لمعنى الجنازة، وصلاة الجنازة إنما هي جماعة فإذا قامت السنة بما قامت انحط عن الجميع الصلاة على الميت بمعنى الوجوب. وإن أبدل على غير قصد إلى خلاف ولا تخطئه فلا يبين لي في ذلك بأس والله أعلم لأنه ذكر. (1/223)
صفحة 220
ومنه قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا انتهى الرجل إلى صلاة الجنازة وقد كبر الإمام التكبيرة الأولى فإنه يوجه ويكبر ما فاته من الإمام من هذا الحد وهو التكبيرة الأولى ما لم يكبر الإمام التكبيرة الثانية. وإذا كبر الإمام التكبيرة الثالثة فقد فاته حدان مع الإمام وهما التكبيرتان الأولتان بجملتهما وحدهما، ويكبر مع الإمام لأن التكبيرة الثالثة عن التوجيه ولابد من التوجيه في معنى قولهم لافتتاح الصلاة، وفي معنى قولهم أنه يقرأ فاتحة الكتاب في هذا الحد الثالث ويلحق الإمام بما هو فيه. فإذا كبر الثالثة أخذ في التحميد والدعاء ولا يقرأ فاتحة الكتاب ثانية لأنه إنما هو تبع للإمام فيما الإمام فيه ولا يدل عليه وليس له في قولهم أن يكبر إذا أدرك الإمام تكبيرا متواليا، غير تكبير الإمام ويشبه معاني قولهم شبه ما حكي من قول الشافعي.
مسألة: وعند أصحابنا أن الصلاة على الجنازة لا يقطعها شيء مما يقطع على المصلي في غيرها ولا يقطعها ما مر أمام المصلى، والصلاة على الميت في كل وقت جائزة إلا في ثلاثة أوقات للنهي عن الصلاة فيها على الميت وغير ذلك. ولا يدفن فيها الأموات عند طلوع الشمس وعند غروبها. وعند أصحابنا في الحر الشديد عند نصف النهار. (1/224)
صفحة 221
مسألة: وتكره الصلاة على الجنازة منتعلا على قول ولابأس بذلك، وعن النبي ص أنه قال: «إذا غسلتموني وحنطتموني وكفنتموني فدعوني فإن أول من يصلي علي ربي». ونقلت الكافة أنهم كانوا يسمعون تكبير الملائكة على رسول الله ص ولم يصل عليه جماعة بل صلوا عليه منفردين ودخل الناس عليه أرسالا، حتى إذا فرغوا دخل النساء وحتى إذا فرغن النساء دخل الصبيان ولم يؤم عليه أحد ثم دفن وسط الليل ليلة الأربعاء.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: أما إذا لم يصل عليه لنسيان أو لمعنى من المعاني فالصلاة لازمة ويصلى على القبر إذا أمكن ذلك، وإلا فحيت كانت الصلاة عليه إذا قصدها إليه. ومنه قال أبو سعيد: معي أنه أراد لم أعلم أنه جاء في قول أصحابنا بمعنى النص في أمر الصلاة في المسجد على الميت شيء، ولكنه معي أنه جائز لأن الميت إذا طهر كان من أهل القبلة. وفي بعض قولهم: أنه طاهر. فإذا كان طاهرا فلا معنى لكراهية إدخاله في المسجد والصلاة فأفضلها في المسجد إذا أمكن ذلك، كذلك جميع الذكر. (1/225)
صفحة 222
فصل في دفن الميت قبل الصلاة عليه والصلاة على القبر
ومن جواب أبي سعيد: وذكرت في ميت دفن قبل أن يصلى عليه.
قلت: هل يصلى عليه وهو مدفون؟، قال: فمعي أنه إذا كان لحذر جاز ذلك، وكذلك إن كان لغير عذر أعجبني أن يتوبوا من ذلك ويصلوا عليه ولو كان قد قبروه.
مسألة: وسئل عن قوم قبروا صبيا ولم يصلوا عليه وقد خالفوا الأثر بذلك، قال: معي أن عليهم التوبة.
قلت له: فهل عليهم أن يصلوا عليه بعد أن قبر؟، قال: هكذا عندي.
قلت له: فإذا كانوا قد انصرفوا من المقبرة أعليهم أن يرجعوا من منازلهم ويصلوا على قبره؟، قال: معي أنهم يصلون عليه في مواضعهم حيث كانوا تجبر الصلاة عليه.
مسألة: سئل عن رجل هلك ولم يصل عليه حتى أكلته السباع ثم أصيب عظامه. (1/226)
صفحة 223
قال: فإنها تجمع ثم يصلى عليها ثم تدفن.
مسألة: وقيل في صلاة الجنازة وصلاة الفريضة، فقال من قال: يبدأ بصلاة الفريضة، وقال من قال: يبدأ بصلاة الجنازة ما لم يخف فوت صلاة الفريضة. (1/227)
صفحة 224
فصل في الصلاة على الميت ومن هو أولى بالصلاة عليه
مسألة: من الحاشية: وسألته عن رجل مات ولم يكن له ولي من الرجال إلا النساء أيصلى عليه أم يستأذن النساء يأمرن من يصلي عليه؟، قال: إن خرجن في الجنازة فهن أولى أن يأمرن من يصلى عليه، وإن لم يخرجن صلى عليه رجل من المسلمين.
مسألة: وسألته عن رجل من أولياء الميت يأمر رجلا أن يصلي على الميت وولد الميت حاضر؟، قال: لا يجوز.
مسألة: وما تقول في رجل معه قرابة عصابة وأولاد وحضرته الوفاة أيجوز له أن يوصي إلى رجل أجنبي أن يصلي عليه إذا مات أم لا؟، قال: ما أرى له فعل ذلك والصلاة على الموتى شرع عن رسول الله ص أن يصلي عليها بإذن أوليائها. ومن ذلك أن أصحابنا يستأذنون الأولياء فإن لم يكن رجالا استأذنوا النساء. (1/228)
صفحة 225
وبعض أصحابنا: رأى أن الصلاة إلى القوم يقدمون من وثقوا به كما يقدمونه في الفريضة هكذا عرفت.
مسألة: وقال أبو سفيان: إن السقط التام الخلق إذا خرج ميتا أنه يختلف في الصلاة عليه.
قلت له: فإن لم يعرف حيا أو ميتا وأمكن ذلك ما أولى به؟، قال: معي أنه إذا أدرك ميتا فهو على ما أدرك عليه حتى يصح غير ذلك.
مسألة: وسألته عن جنازة حضرت فصلى عليها واحد وحده ولم يصل الباقون هل يجزيء الواحد عن الجميع، عن أداء سنة الصلاة على الميت الذي تلزم الجماعة القيام بها؟، قال: معي أن هذه صلاة تجزيء على الجنازة وعلى من حضر فعليهم التقصير. (1/229)
صفحة 226
فصل من أولى بالصلاة على الجنازة: وأولى بالصلاة على الجنازة الأب ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ ثم العم ثم الأقرب فالأقرب. ومن غيره: وأولى الناسبالصلاة على الميت أبوه ثم ولده الذكر البالغ، ثم جده ثم إخوته لأبيه وأمه ثم إخوته لأبيه ثم عمه ثم الأقرب فالأقرب. وإن كانت امرأة فأولى الناس بالصلاة عليها أبوها ثم جدها ثم زوجها، ثم ابنها ثم أخوها لأبيها وأمها ثم عصبتها الأقرب فالأقرب وابن الرجل أو زوجها ثم ابنها ثم أخوها لأبيها وأمها، ثم عصبتها الأقرب فالأقرب. وابن الرجل والمرأة أولى من الأخ، ومن غيره قال: وقد قيل هذا. وقال من قال: أولى بالصلاة عليه إذا كان رجلا أولى الناس بدمه ثم الأب ثم الابن ثم ابن الابن وإن سفل ثم الجد وإن علا ثم الأخ للأب والأم ثم الأخ للأب ثم ابن الأخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب وهو على هذا ثم الأعمام لها في المحيا والممات، ثم الابن ثم الأخ على ما ينزله في الرجل. ومن غيره: وكذلك ابن ابن الأخ وإن سفل أولى من العم كذلك عرفنا. (1/230)
صفحة 227
مسألة: وإن أوصى موصي أن يصلي عليه فلان أولا يصلي عليه فلان فأرى أن يصلي عليه من هو أولى بالصلاة إلا أن يكون من أوصى له من يلي الصلاة فينفذ ما أوصى به. قال محمد بن المسبح: وصيته أولى.
مسألة: ولا يصلى على ميت إلا أن يأمرك وليه بالصلاة.
مسألة: وأولى بالصلاة على الميت إذا حضر الإمام وأمير الجيش فإن لم يحضر فالأب ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ ثم الأقرب فالأقرب. وبعض أصحابنا: رأى أن الصلاة إلى القوم ويقدمون من يرضوا به يصلي بهم في الجنازة كغيرها.
مسألة: قال أبو سعيد ض: إن صلاة الجماعة أفضل من الجنازة إذا كان في الجنازة من يقوم بها.
مسألة: وسئل عن رجل حضرته صلاة الفريضة وصلاة الجنازة بأيهما يبدأ. قال: معي أنه يبدأ بصلاة الفريضة إلا أن يخاف على الميت ضرر وكان في الوقت سعة صلى على الجنازة. (1/231)
صفحة 228
مسألة: وإن أوصى موصي أن يصلي عليه فلان أو لا يصلي عليه فلان فأرى أن يصلي عليه من هو أولى بالصلاة إلا أن يكون من أوصى له من يلي الصلاة فينفذ ما أوصى به. قال محمد بن المسبح: وصيته أولى.
مسألة: ولا يصلى على ميت إلا أن يأمرك وليه بالصلاة.
مسألة: وأوصى بالصلاة على الميت إذا حضر الإمام وأمير الجيش فإن لم يحضر فالأب ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ ثم الأقرب فالأقرب. وبعض أصحابنا: رأى أن الصلاة إلى القوم ويقدمون من يرضوا به يصلي بهم في الجنازة كغيرها.
مسألة: قال أبو سعيد ض: إن صلاة الجماعة أفضل من الجنازة إذا كان في الجنازة من يقوم بها.
مسألة: وسئل عن رجل حضرته صلاة الفريضة وصلاة الجنازة بأيهما يبدأ. قال: معي أنه يبدأ بصلاة الفريضة إلا أن يخاف على الميت ضرر وكان في الوقت سعة صلى على الجنازة. (1/232)
صفحة 229
فصل في جواز صلاة الجنازة قبل غروب الشمس وقبل طلوع الشمس
وهل يصلى على الميت بعد العصرقبل غروب الشمس وبعد الفجر قبل طلوع الشمس؟، قال: نعم إلا أن تكون الشمس قد اصفرت للغروب أو برز منها للطلوع قرن فأخرها حتى تطلع كلها.
مسألة: قيل تجوز الصلاة على الجنازة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ما لم يطلع من الشمس قرن أو يغيب منها قرن.
مسألة: ويصلى على الميت بعد صلاة العصر قبل الغروب وبعد الفجر قبل الشروق.
مسألة: ولا يصلى على جنازة وقد طلعت الشمس حتى تطلع كلها.
مسألة: والصلاة على الميت في كل وقت جائزة إلا في ثلاثة أوقات للنهي عن الصلاة فيها على الميت وغير ذلك. ولا يدفن الميت عند طلوع الشمس. ويدفن عند غروبها، وعند أصحابنا: لا يدفن في الحر الشديد نصف النهار. (1/233)
صفحة 230
باب فيمن سبقه الإمام في صلاة الجنازة وفي الصلاة على القتلى، وفيمن يصلى عليه ومن لا يصلى عليه وفي صفة غسل الموتى وتيممهم، وفي القبر ووضع الميت فيه وما أشبه ذلك
مسألة: وقال صلاة الميت معنا أربعة حدود: التوجيه والتكبيرة الأولى حد. وقراءة فاتحة الكتاب مع التكبيرة الثانية حد، وقراءة فاتحة الكتاب والتكبيرة حد، والتحميد والصلاة على النبي ص والدعاء مع التكبيرة الرابعة حد رابع، فإذا سبق الإمام الداخل في صلاة الجنازة بالتكبيرة وكبر قبل أن يدخل في الصلاة، فإنه يوجه إذا جاء إلى الصلاة ثم يكبر ولابد من التوجيه ثم يكبر معهم التكبيرة الثانية إذا كبر الإمام. فإذا كبر قرأ فاتحة الكتاب ثم كبر الثالثة معهم، إذا كبروا ثم يحمد الله ويصلي على النبي ص ويأخذ في أمر الميت، ولا يقرأ فاتحة الكتاب إلا مرة إذا سبقه الإمام بتكبيرة لم يدركها معه. (1/234)
صفحة 231
وإذا جاء الرجل وقد كبر الإمام ثلاثا فإنه يوجه على كل حال فإن وجه وكبر قبل أن يكبر الإمام الرابعة فإنه يكبر ويحمد الله ويدعو وقد أدرك الحد الثالث. فإذا كبر الإمام الرابعة معه وقد أدرك حدين، وإن يكبر الثالثة حتى كبر الإمام الرابعة فإنه يكبر معه وقد فاته ثلاثة حدود وأدرك حدا واحدا من الصلاة. فإذا جاء وقد كبر الإمام أربعا فقد فاتته صلاة الجنازة كلها ولا صلاة عليه وقد أجزأ عنه من حضر الصلاة، لأن البعض في ذلك يجزيء عن البعض. (1/235)
صفحة 232
فصل في الصلاة على القتلى
وكل من قتل على بغيه فيما هو في أحكام الحق عند المسلمين باغ فلا يصلى عليه كان في الزحف أو في غيره إذا قتل على بغيه في حال بغيه ذلك. ولو أنه قتل في غير حال بغيه وقد كان في الأصل من البغاة في غير هذا إلا أنه قد قتل بوجه من الوجوه بقود أو غيره، أو قتل غير ذلك وهو ممن يستحق البراءة وهو من أهل القبلة فإن هذا يصلي عليه فافهم ذلك والله أعلم بالصواب.
مسألة: وإذا اختلط قتلى المسلمين بقتلى المشركين قصد بالصلاة على قتلى المسلمين ودعا لهم.
مسألة: والبغاة إذا قتلوا لا يغسلوا ولا يصلى عليهم ولكن يدفنون لتواري جيفهم عن الناس.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه يصلي كل جميع أهل القبلة إلا من قتل على بغيه محاربا للمسلمين. (1/236)
صفحة 233
ومن صح عليه حد فأقيم عليه من غير توبة أو مثل من قتل مؤمنا ظلما له، ثم لم يتب وقامت عليه البنية بذلك وأقيد منه على هذا النحو فهؤلاء ونحوهم ممن قتل لا يصلى عليه من أهل القبلة. وأما من مات من أصحاب الحدود والقتل بعد غيره ويغسل. (1/237)
صفحة 234
فصل في من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه
والمولد إذا استهل صلى عليه واستهلاله أن يتبين حياته من صياح أو غيره، وإذا كان سقط تام الخلق يطهر ويكفن ويخيط ولا يصلى عليه، ومن غيره: وقيل يصلى عليه.
مسألة: والمرجوم إذا جاء تائبا صلى عليه. وإن رجم ولم يكن منه توبة فلا يصلى عليه.
مسألة: والأقلف لا ولاية له ولا يصلى عليه إذا مات.
مسألة: وعن السقط قال: كان بعض الفقهاء إذا استهل صلى عليه وورث، وقال بعضهم: إذا كان تاما صلى عليه.
مسألة: وعن السقط هل يصلى عليه؟، قال: لا. (1/238)
صفحة 235
مسألة: وإذا وجد رجل ميتا أو مقتولا جسدا بلا رأس فإنه يغسل ويصلى عليه، وكذلك إن وجد رأسه وصدره غسل وصلى عليه، وإن وجد نصفه مما يلي الرجلين فلا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن، وإنما يغسل ويصلى عليه ما وقع عليه اسم انسان، وكان من أعضاء المسلمين لأن النبي ص أمر بالصلاة على موتى المسلمين. فلا يجوز أن يصلى على ميت في موضع ورد النهي عن الصلاة فيه لأن النهي لم يرد بتخصيص صلاة من صلاة.
مسألة: وروي عن عمر من طريق لا يثبت أنه صلى على عظام بالشام.
مسألة: وإذا وجد بعض جسد الشهيد وبعض قد أكل وذهب غسل ما وجد منه وحنط وكفن وصلى عليه، فإن وجد الباقي بعد ما صلى على ما دفن غسل وحنط وكفن ولم يصل عليه. وكذلك إن عرف أنه بدن مسلم في موضع قتل المسلمين، قال الربيع: إذا وجد القتيل في المعركة جسده أو نصف جسده يصلى عليه ويدفن، ولا يغسل ويلف ويجمع في ثوب ويصلى عليه ويدفن. (1/239)
صفحة 236
مسألة: ومن قتل نفسه عمدا كان كافرا ولا يصلى عليه، ومن قتل نفسه خطأ فلا إثم عليه في ذلك والصلاة عليه جائزة، ومن ألقى نفسه في الحريق متعمدا لتأكله النار كان آثما كافرا ولا يصلى عليه.
مسألة: والزنجي إذا مات وهو بالغ مختون فإنه يصلى عليه. وإن كان بالغا غير مختون لم يصل عليه، والصبي يصلى عليه إذا كان في يد المسلمين.
مسألة: وعن ابن عثمان أن من خرج من بطن أمه فيه حياة ما بلغت الحياة، وإن لم يستهل فإنه يصلى عليه ويورث.
مسألة: وإذا رأى رأس إنسان فعليه أن يواريه ولا يلزمه الصلاة عليه، وقيل: إن عرف أنه رأس فلان يصلى عليه والله أعلم.
مسألة: ومن حد في الزنا إن أقر تائبا صلى عليه وإن قامت عليه بنية عدل وهو منكر ولم يقر تائبا وأقيم عليه الحد، فإنه يدفن ولا يصلى عليه. (1/240)
صفحة 237
مسألة: قال أبو الحسن: ويصلى على البار والفاجر من أهل القبلة.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: أما إذا صحب حياة الطفل الصبي بعد خروجه من بطن أمه وكان من أهل القبلة فلا أعلم في الصلاة عليه اختلافا، والصلاة عليه ثابتة. وأما إذا تم خلفه ولم يصح حياته فقد يختلف في الصلاة عليه فأوجب ذلك بعض ولم يوجب بعض كنحو ما رواه. ولعل أكثر القول من أصحابنا أنه إنما الصلاة على الميت بعد الحياة.
مسألة: وفي جواب من أبي عبد الله وعن المولود إذا خرج أوله حيا، وآخره في الرحم، ولم يخرج حتى مات لم يورث ولم يصل عليه.
مسألة: وإذا علم حياة السقط باستهلال أو غيره وصلى عليه وإذا لم تعرف له حياة لم تلزمنا الصلاة عليه، لأن من لم يعلم له حياة لم تلزمنا الصلاة عليه، لأن من لم يعلم له حياة يسمى ميتا، وذلك أن الأصل أن الروح لم تنفخ فيه، وإذا كان كذلك لم تجب الصلاة إلا بيقين حياته. (1/241)
صفحة 238
فصل في صفة غسل الموتى وتيممهم
مسألة: من جامع أبي محمد: وأما الميت إذا أردت غسله نزعت ثيابه كلها إلا خرقة يستر بها عورته، وفي موضع: والخرقة التي يستر بها عورة الميت إنما يراد بها بستر الفرج، ولابأس بالنظر إلى ركبتيه وسرته ثم غسلت كفيه ثم وضأته وضوء الصلاة.
مسألة: ومن غيره وقال: من ينجي قيل أن يوضأ وضوء الصلاة ثم يوضأ وضوء الصلاة بعد ذلك. ومن غيره: ثم يغسل سدرا أو نحوه إن حفر ذلك وإن لم يكن ذلك فلابأس ونحب أن يطهر في موضع مستتر، وإن كان تحت سقف فحسن، وقيل: تغسل كفيك وآخر يصب عليك وتبدأ فتصب الماء عليه من رأسه إلى قدميه وأن تغسله، فإن كان في رأسه أو بدنه أذى بدأت فغسلته بالماء، والآخر يصب عليك ثم تغسله كله حتى تطهره ثم تلين مفاصل يديه ورجليه تكفهما (1/242)
صفحة 239
وتبسطهما ثم تغمر بطنه عمرا رقيقا حتى تلينه بيدك، ولا تشد في عمرك فإنه ربما كان في شدك حدث يجري يدك على البطن من القص إلى الشعر، إجراء وغمزا رقيقا ويجلس الميت ويفتح رجليه ليسترخي ما في البطن منه، فإنه يخرج ما في البطن وينظف ما في الفم حتى ترجو أن يكون قد لقي ما في بطنه. واستر الفرج ما قدرت ثم نيمه على قفاه، ومن كتاب آخر: فإذا وضع الغسل عليه كله عصر بطنه عصرا رقيقا يكفيه في موضعه إن شاء الله أيضا، ثم تغسل كفيك وتضع على يدك خرقة نظيفة أن تلوى على يدك طرفا من التوب الذي يكون على الفرج إذا كان واسعا، ثم توضوه وضوء الصلاة فتبدأ بالدبر والقبل فتغسلهما وصاحب الماء يصعب عليك حتى تنقي وتنظف، ثم تغسل يدك والخرقة ثم تغسل الفم بمضمضة ثم المنخرين بنشقة، ثم تغسل الوجه واليدين ثم تمسح رأسه ثم تغسل الرجلين كوضوء الصلاة، ثم تغسله بالغسل إن حضر. وإن لم يكن فلابأس ومنه ويبدأ بشق رأسه على الأيمن على لحيته ثم الأيسر كذلك وعنقه. ومن غيره قال محمد بن المسبح: ثم شق رأسه الأيسر على لحيته على وجهه من ظهر وصدره، ثم يده اليسرى من ظهره وصدره، ومنه: ويبدأ بشق رأسه الأيمن على لحيته ثم الأيسر كذلك، ثم عنقه ثم يده اليمنى وما يليها ثم اليسرى ثم جنبه، وما يلي ذلك من الأيسر، ثم يدخل الذي يغسله يده في خرقة ويدخلها تحت ثيابه فيغسل فرجه ودبره وآخر ويصب عليه الماء، ثم رجله اليمنى ثم اليسرى. ويغسل ما تحت الإزار أيضا بالخرقة والآخر يصب عليه الماء ويقعده ويمسح بطنه مسحا رفيقا، فإذا فرغ من هذا غسله بالماء يبدأ فيه كما صنع بالغسل حتى ينقى وينظف. (1/243)
صفحة 240
فإذا فرغ من غسله نظر في أظفاره فإن نظهر فيها شيئا مما يكون من الوسخ أخرجه ونظفه، ومن غيره: قلت لأبي عبد الله محمد بن المسبح إذا طهرت الميت وصرت إلى يديه ورجليه ابدأ من الأصابع إذا غسلته، قال: كيف فعلت جائز وأحب أن يكون ذلك من المنكب إلى الأصابع.
قلت: فالرجلين أيكون يصب الماء على الوركين حتى يكون آخر ذلك إلى الأثرين وابدأ من الأثرين حتى يكون آخره على الوركين؟، قال: يبدأ بالوركين حتى ينحت الماء إلى الأثرين ونحب أن يعقد فيعصر بطنه عصرا رفيقا ثم يفاض عليه الماء حتى ينقى، ويستحب أن يكون في آخر مائه شيء من الكافور، ومن غيره: فإن كان كافورا أخذ ماء فيه كافور من بعد الفراغ فيطرح كافور في جرة فيها ماء، ثم يصب ذلك الماء على الميت من رأسه إلى قدميه على البدن كله، ومنه: ثم يلف في ثوب نظيف وينشف ماؤه ثم يحنط بقطن ودربزة، ويدخل ذلك في منخريه وعلى عينيه وفيه وأذنيه ودبره وبين شفتيه وابطه.
قلت: فيوضع بين أصابع اليدين والرجلين قطن ودربزة؟، قال: لا ولكن يستحب أن يوضع في الراحة ودبره ثم يكفن فيما أمكن من الثياب ويستحب غسلها وإن كانت طاهرة فلا تغسل فلابأس. ومن غيره: وإذا جففته بسطت كفيه على منصف أو بساط، وإن لم يكن منصف ولا بساط فعلى الأرض. (1/244)
صفحة 241
فإذا كان يقدر على كافور وضع على مساجد الميت على جبهته وعلى أنفه وراحته وعلى ركبتيه وعلى موضع المساجد من الأثرين.
مسألة: وقيل: غسل الميت كغسل الغائط، وقيل: أنه يمضمض وينشق. وقال من قال: لا يمضمض ولا ينشق، وقيل: تغسل الخرقة التي يغسل بها فرج الميت ثلاث مرات بالغسيل ويعود فيغسل بها حتى يفعل ذلك مرتين والثالثة فيضعها لينظف، وقال من قال: مرتين، وقال من قال: مرة واحدة ينظف الأذى والخرقة في مرة واحدة، وقيل: بخرقة ولا تمس بأصابعك عندنا حدود الفرجين.
مسألة: قلت: وهل يغسل الميت بشيء معلوم من الماء وقدر معلوم؟، قال: لها ولكن ينظف.
مسألة: والمستحب للغاسل أن يبدأ عند غسل الميت بميامنه والفرض في ذلك غسلة واحدة والمأمور به ثلاث غسلات.
مسألة: ويكره أن يجلس جالسا ويكره أن يمسك رأسه. (1/245)
صفحة 242
مسألة: وقيل أن رسول الله ص غسل وعليه قميصه، وروي أن رسول الله ص غسل وعليه قميصه وغسل ثلاثا وأدرج في ثوب غير كفنه.
مسألة: وعن ابن عباس قال: آدم لما حضرته الوفاة أتته الملائكة بحنوط من الجنة وكفن من الجنة فغسلوه ثلاث غسلات فأولهن بماء قراح والثانية بماء فيه سدر، والثالثة بماء فيه كافور وكفنوه في ثلاثة أثواب وصلوا عليه، وقال: يا آدم هذه سنة ذريتك من بعدك، وقد روي أن النبي ص أمر بغسل ابنه ثلاثا.
مسألة: سألت أبا علي الحسن بن أحمد عن غسل الميت؟ فقال: غسل الميت مثل الغسل من الجنابة.
مسألة: وأجمع الجميع أن الماء القراح جائز لغسل الأحياء والأموات.
مسألة: والمرأة يفرق شعرها عند غسلها. (1/246)
صفحة 243
مسألة: والمستحب لمن يغسل الميت أن يستره بالمكان ويستتر على فرجه ثم يغسله بعد الوضوء بالماء القراح، فإن حضر السدر غسل به غسلة ثانية، وإن حفر الكافور غسل به الثالثة، والفرض في غسل الميت غسلة واحدة بالماء والمستحب ثلاث غسلات والله أعلم، والمستحب أن يغسل الميت كغسل الجنب يبتديء بتنقية وعصر بطنه ثم ينجى ثم يوضأ وضوء الصلاة إلا أنه لا يبالغ له في المضمضة والاستنشاق حذار من تولخالماء إلى فيه وخياشيمه ثم يغسل، والمأمور أن يبتديء بميامنه في الغسل وإن غسل على غير ذلك أجزأه والله أعلم. (1/247)
صفحة 244
فصل في الذين يغسلون الميت والميت أيضا
وعن الذين يغسلون الميت أيغتسلون؟، قال: لا ولكن يتوضئون وضوء الصلاة.
مسألة: وعن الرجل يطهر الميت هل عليه غسل؟، قال: أما من غسول المسلم فلا المسلم أطهر من ذلك.
مسألة: وليس عليه غسل من غسول غير الولي ولكن يعيد الوضوء إلا أن يطير من أول عركة من ماء الميت، فإنه يغسل ما مسه أول ماء من الميت من العركة.
مسألة: عن نافع أنه قال: كنا نغسل الميت فيتوضأ بعضنا ويغسل بعض ثم يعود، فنكنه ثم نحمله ونصلي عليه ولا يعود الوضوء ولا ينكر ذلك عبد الله.
مسألة: وحدثني نافع أنه رأى عبد الله بن عمر حنط عبد الرحمن بن سعيد ابن زيد وحمله فيمن حمله للمسجد، فصلى عليه ولم يتوضأ. (1/248)
صفحة 245
مسألة: من جامع أبي محمد: واختلف الناس في حكم الميت هل هو نجس بعد الموت أم طاهر؟، فقال أصحابناك نجس حتى يطهر، وقال بعض مخالفيهم: هو طاهر وغسله ليس لشيء وإنما هو عبادة على الأحياء، وروي عن النبي ص أنه قال: «المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا»، فإن كان الخبر صحيحا فحلول الموت فيه لا نقل حكمه عما كان عليه قبل ذلك والله أعلم.
مسألة: واختلف الناس في حكم الميت هل هو نجس بعد الموت أو طاهر؟، فقال أصحابنا: نجس حتى يطهر.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أنه لا غسل على من غسل ميتا، وما معنى يدل على ذلك عندي ويخرج من قولهم أنه من غسل الميت يتوضأ، ولا غسل فيه عليه. وفي بعض قولهم: إلا أن يكون الميت من أهل الولاية ولم يمس منه نجاسة ولا فرجا فلا وضوء عليه ووضوءه تام جائز. (1/249)
صفحة 246
وإذا ثبت معنى الوضوء هذا في الولي ففي أهل القبلة مثله عندي لأنهم في حكم الطهارة سواء في المحيا والممات. وإذا ثبت الوضوء على من غسل الميت من أهل الإقرار ممن لا ولاية له فمثله عندي في الولي، ولا فرق عندي منهما في معنى الطهارة.
مسألة: قال ابن عباس رحمه الله: عن النبي ص أنه قال: «إذا كانت المرأة حبلى فلا يغمر بطنها». (1/250)
صفحة 247
فصل في القبر ووضع الميت فيه
وفي الخبر أن النبي ص مات يوم الاثنين ودفن يوم الأربعاء، وروي أن أعرابيا حضر دفن النبي ص فلما أرادوا أن يدخلوه القبر جذب الأعرابي قطيعة من على نفسه فرمى إليهم بها ففرشوها النبي ص في قبره، وروي عنه ص أنه قال: «خير القبور ما درس»، معنى ذلك والله أعلم أنه ما درس ما يساوي الأرض ولا يشرف عليه بناء ولا غيره. وروي أن حذيفة اليماني مر على قبر الرحمن بن أبي بكر وعمته وأخته عائشة قد بنت عليه بناء فسأل عنه لمن هذا القبر، فأخبر أنه قبر عبد الرحمن وأن عمته بنت عليه بناء. فقال: ابلغوا عائشة أنه إنما يظله عمله فبلغها ذلك. فقالت: صدق حذيفة. وقيل: أرسلت إلى البناء فقلعته والله أعلم. وروي أن النبي ص قال: «خير القبور أوسطها».
مسألة: وسئل عن الميت إذا وجد مبحوشا من قبره هل يقبر في حفرة بلا لحد؟، (1/251)
صفحة 248
قال: معي أنه إذا كان من أهل القبلة فلابد من اللحد إن أمكن ذلك.
قلت له: فإن كان الميت منتنا يمنع القابر له أن يتمكن حتى يضعه في القبر؟، قال: إن كان جيفة مانعة لا يقدروا على ذلك فإن لهم أن يقبروه كيفما قدروا.
قلت: فإن سحبه يريد قبره فقطع منه شيئا هل عليه ضمان؟، قال: معي إذا لم يقدر على حمله فلا ضمان عليه لأنه يقوم مقام الخطأ إذا لم يقدر على قبره إلا بذلك. وإن قدر أن يحفر له تحته ويقبره بغير سحب فسحبه فانخرج من السحب وانقطع شيء من أعضائه كان الضمان عليه، في أرش ما جرحه من السحب، وأما الأعضاء فلا ضمان عليه.
مسألة: قلت: فما تقول في القعود على القبر عند جدار الميت فيه يجوز لمن أراد ذلك إمساك الثوب والحثوة، وإنما يستحب لأولياء الميت دون غيرهم؟، قال: معي أنه جائز ويؤمر به وإذا كان يريد بذلك الفضل كان له ذلك.
مسألة: امرأة سقطت وماتت هي وولدها هل يقبر ولدها معها في قبرها؟، قال: نعم يوضع قدامها مما يلي القبلة. (1/252)
صفحة 249
وقيل: يوضع معها في الكفن؟، قال: لا.
مسألة: ويستحب تعجيل دفن الميت، يقال: دفن أبو بكر ض في الليل. ويقال: دفن ابن مسعود ليلا عن شريح أنه كان يدفن ولده بالليل إذا ماتوا.
مسألة: ولابأس أن يدفن اثنان في قبر يقدم الرجل في القبلة وتؤخر المرأة ويقدم الكبير ويؤخر الصغير.
مسألة: وإذا وضع الميت في القبر أضجع على يمينه ووجهه إلى القبلة ويقول الذي يضعه بسم الله وعلى ملة رسول الله. وإذا كان من أهل الولاية قال: اللهم افسح له في قبره ونور له في جدثه، وألحقه بنبيه وثبته بالقول الثابت في قبره كما ثبته في الدنيا.
مسألة: وقيل إذا وضع الميت في اللحد يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله ص أو سنة رسول الله ثم يدعو له (1/253)
صفحة 250
شعرا:
خرجت من الدنيا وقامت قيامتي ... غداة أقل الحاملون جنازتي
وعجل أهلي حفر قبري وصبروا ... خروجي وتعجيلي لأجل كرامتي
كأنهم لا يعرفوا قسط صورتي ... غداة أتى يومي عليّ وساعتي
وقيل: يقول بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ص منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى.
مسألة: وإذا وضع الميت في القبر فقال الذي يضعه: بسم الله وعلى ملة رسول الله اللهم افسح له في قبره وألحقه بنبيه ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده وأكفنا فقده، وقل: اللهم اخلفه في أهله وبارك لهم في موته واكفهم فقده.
مسألة: ولا يدفن الميت في ثلاث ساعات نهى النبي ص عن دفن الميت فيهن عند طلوع قرن من الشمس حتى ينفصل وعند غروبها حتى تغيب ونصف النهار عند استوائها في كبد السماء، حتى ترتفع لما روي عن النبي ص بعض أصحابه أنه قال: نهى النبي ص عن الصلاة في ثلاث ساعات من النهار، وإن نقبر فيهن موتانا وذكر هذه الأوقات. (1/254)
صفحة 251
مسألة: وجائز أن تقبر عدة أنفس في قبر إذا لم يكن إلا ذلك ويقدم الأفضل، فإذا استووا في ذلك قدم أقرؤهم وأقدمهم سبقا في الإسلام ثم يشق الذي يليه في وسط القبر ثم يشق للآخر، واعلم أن الرجل يقدم على المرأة في القبر.
مسألة: وإذا دفن رجل وامرأة قدم الرجل، وكذلك إذا دفن صبي وامرأة في قبر واحد قدم الصبي في اللحد وشق من ورائه للمرأة.
مسألة: وقيل: فرش في قبر رسول الله ص قطيعة، وقيل: فرش في قبر رسول الله ص ولحد له ونصب عليه اللبن نصبان وأدخل قبل القبلة ورفع قبره من الأرض قدر شبر.
مسألة: وإذا دفن الميت فلم يغسل فقد مضى ذلك ولا ينبش.
مسألة: أخبرنا هاشم بن غيلان أن موسى بن أبي جابر كان يأمر بالميت إذا وضع في لحده أن يكشف الثوب عن عينه اليمنى وحدها، حتى يطهر إلى الأرض. (1/255)
صفحة 252
ومن غيره قال: وقد قيل يرخى عن الميت الحزائم وعن وجهه الثوب. وقال من قال: يظهر خده الأيمن بالأرض كله والله أعلم، ومن غيره: ويوجد في موضع آخر رد في هذه المسألة. وقال من قال: يرخى الثوب من على وجهه حتى يظهر خده الأيمن ويوضع في الأرض خده الأيمن، وقال من قال: يرخى ولا يبرز خده ويدع بحاله إلا أنه ترخى الحزائم. ومن غيره قال أبو سعيد: قد قيل يؤمر أن يخرج الثوب عن شق وجهه كله فالله أعلم. وبعض لا يقول في ذلك شيئا. ومن غيره: وقد يوجد عن موسى بن أبي جبر أنه يكشف الثوب عن يمين الميت ليعاين بها عند المسألة منكرا ونكيرا. ومن غيره: وإذا وضع الميت في قبره قطعت الحزائم ولا يخرج عن وجهه الثوب ويخرج عن خده الأيمن. ومن غيره قال محمد بن محبوب: إذا وضع الميت في لحده قطعت الحزائم ولا يخرج عن وجهه. ومن غيره: ولا أعلم أن إخراج الثوب عن وجهه في اللحد لابد منه، وإنما قالوا تحل عنه الحزائم والله أعلم. ومن غيره: قال مالك بن غسان إذا وضع الميت في لحده لم يحسر منه إلا خده الأيمن، الذي يكون على التراب ولا يحسر عن فمه ولا صدره، ولكن ترخى حزائمه التي محزوم بها. (1/256)
صفحة 253
مسألة: وأما الذي دفن الميت ونسي شيئا مما يؤمر به أو جهل أو سقط عليه تراب أو حصى فلا شيء عليه في ذلك إن شاء الله والله أعلم.
مسألة: عن أبي محمد: ومن دفن ميتا للمشرق فيرد إلى القبلة إن كانوا في الموضع بعد وإن كانوا لم يعرفوا فلا وإن كانوا تعمدوا الخلاف للسنة هلكوا وإن جهلوا. ويجوز أن يلحد في وسط القبر وفي جنبيه ويقبل بوجهه إلى القبلة. (1/257)
صفحة 254
فصل في القبر ودفن الميت في بيته
مسألة: قال: وإن لم يحضر ماء يصب على القبر فلابأس وإن حضر ولو قدر صاع ماء يرش ذلك حيث بلغ وإن أمكن الماء صب عليه، وعن جابر قال: رش على قبر رسول الله ص أبو هريرة. وقال: دفن رسول الله ص ابنه إبراهيم فأمر بقربة من ماء فرشت عليه. وقال الربيع: يكره أن يزاد على القبر غير ترابه الذي أخرج منه.
من كتاب الأشراف: قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا استحباب عمق القبر وأحسب أنه في الرواية، أنه لا يجاوز به ثلاثة أزرع أحسب معنى القبر غير اللحد. وأحسب أنه نحو ما روي عن النبي ص نهى أن تعتق القبور فوق ثلاثة أذرع والله أعلم، بما حكي عن عمر بن الخطاب ض في بسطة. والبسطة معنا أكثر من ثلاثة أذرع وإن أوجب الرأي بذلك معنا، خوف ضرر من يستتر من سبع أو يعتبر لموضع ثبوته الأرض وسهولتها كان النظر عندي موجبا حكم الشهادة إلا أن الأرض لعله يختلف. (1/258)
صفحة 255
وروي عن النبي ص رفع قبره من الأرض قد شبر ويكره المشي على القبور وإن اضطر إلى ذلك فلا شيء عليه. ومن وطيء على القبر عند حمل الجنازة إذا لم يمكنه إلا ذلك لم يضره وباب القبر من عند الرجلين فمن هناك يدخل منه. ومنه: يدخل من يدفن الميت ومنه تدخل اللبن والله أعلم، ومن خرج من عند رأس الميت فلا أعلم أنه يأثم ثم إذا خرج وقد ضرب عليه بالطين. ولا يجوز أن يكسر على القبر آنية أمر بذلك الميت أم لم يأمر، وهذا من إضاعة المال، ومن فعل أثم إن كان ماله أتلفه وإن كان مال غيره ضمنه، وللكسرة على القبر لا نفع يصل إلى الميت ولا إلى الحي.
مسألة: ويكره أن يرفع القبر إلا بمقدار ما يعرف به قبر فيتقي أن يمشي عليه، ومنه قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا ثبوت ستر القبر بالثوب، عند إدخال الميت في لحده في الرجل والمرأة والصغير والكبير. ويخرج ذلك عندي في معنى الأدب ولا يبين لي لزومه ولعل الصغير من الذكران أشبه بالرخصة في ذلك في معنى الأدب، ومنه قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه يستحب لمشيع الجنازة أن يلي حضور القبر لمعاني مصالح دفن الميت، إن أمكنه جميعا وإلا ما أمكنه منها. (1/259)
صفحة 256
فإذا صلى على الميت استحب له أن يحثو عليه حثوات من ترابه، أحسب أنهم يريدون المشاركة في الفضل كله في حمل الجنازة والصلاة ودفنه لأن ذلك لازم وفضل.
مسألة: قال أبو سعيد رحمه الله: إذا لم يكن قبر القتلى كل واحد في قبر على الانفراد فإنه قيل معي أنه يجوز أن يقبروا جميعا في قبر واحد في عدير أو حبة أو طوى حيث يسع ذلك، ويجوز أن تطرح النساء مع الرجال في ذلك ولو لم يكن عليهم أكفان وكانوا عراة إذا لم يمكن إلا ذلك.
قلت له: فإن أمكن القابرين لهم أن يكفنوهم هل يلزمهم ذلك إذا لم يكن للقتلى أموال تشتري لهم أكفان؟، قال: معي أنه لا يلزمهم ذلك فإن فعلوا ذلك فوشيء على معنى الوسيلة.
قلت له: فيجوز أن يطرح التراب عليهم من غير أن يجعل عليهم ما يحول بينهم وبين التراب؟، قال: إن أمكن ذلك لم يعجبني أن يطرح عليهم التراب فإن لم يمكن ذلك، فلابأس عندي أن يطرح كما هو.
قلت له: فإن لم يمكن تراب وكان حصى فيه حجارة وخاف أن يعقرهم إذا وقع عليهم. هل عليهم ولهم أن يطرحوا عليهم الحصى والحجارة يوارونهم بذلك ولو (1/260)
صفحة 257
أحدثوا فيهم في هذه المسألة من منهج الطالبين فإن فعلوا ذلك كان لهم وعليهم ضمان ما عقروا. قال: هكذا يعجبني أن لهم ذلك وعليهم إذا لم يمكن إلا ذلك.
قلت له: وليس لهم تركهم إلا حتى يوارونهم ولو خافوا عليهم أن يحدثوا فيهم؟، قال: هكذا عندي.
مسألة: وإذا كان في قبر عظام ميت عزلت ناحية وقبر في ذلك القبر ولابأس، وإن كان القبر واسعا جمعت العظام والميت فيه فلابأس.
مسألة: من جامع أبي محمد: وفي الرواية أن المسلمين كانوا في بدء الإسلام إذا أرادوا دفن الميت، وعند وضعهم إياه في القبر لم يجسلوا حتى يدفن كل ذلك تعظيم منهم للموت، حتى مرّ بهم حبر من أحبار اليهود وفيهم رسول الله ص فرآهم قياما. فقال: هكذا نفعل، فجلس النبي ص: وأمر أصحابه أن يجلسوا ولعل ذلك وكان منه ص ليخالفهم في فعلهم لئلا يتوهموا أنه اقتداء بهم والله أعلم.
ومن الكتاب: والإنسان مخير إذا وضع الميت في قبره بين القيام والقعود إن (1/261)
صفحة 258
شاء قام وإن شاء قعد لما روي أن النبي ص مر به حبر من أحبار اليهود، وهو وأصحابه قيام وميت من المسلمين يدفن، فقال اليهودي: هكذا نفعل عند دفن موتانا فقعد النبي ص وأمر أصحابه بالقعود.
مسألة: سألت أبا علي الحسن بن أحمد: عن الميت إذا وجدوه قوم وقدروا على دفنه أعليهم أن يدفنوه؟، قال: نعم.
قلت: فإن لم يقدروا على دفنه؟، قال: لابأس عليهم وليس عليهم دفنه.
مسألة: ومما يوجد أنه معروض على أبي عبد الله رحمه الله وسألته هل يزاد على القبر غير ترابه، وهل يكره التطبين ووضع الألواح عليها؟، قال: القبور فيكره أن يزاد عليها غير ترابها وأما التطبين والألواح فأمر محدث، فإن طبن مخافة أن يدرس أو يخرب أو يضع اللوح ليعرفه فليس عليه بأس. وقال أبو سفيان محبوب بن الرحيل: يكره أن يضع على القبر الآجر والحصى، والخزف وكل شيء مسته النار.
مسألة: وسألته عن المرأة الميتة من يضعها في قبرها؟، قال: أولياؤها أحق بها من غيرهم وإن دخل غيرهم فلابأس. (1/262)
صفحة 259
مسألة: نهى النبي ص عن القعود على القبور، وقال: «لأن يقعد أحدكم على جمرة فيحرق ثيابه وما كان من جسد خير له أن يطأ قبرا»، وكره أن يكون آخر زاد الميت نارا تتبعه إلى قبره يعني المجامر. ونهى عن الصريح في القبر وقال: اللحد لنا والشق لغيرنا، قالوا: ورخص في الصريح لأهل الاضطرار ونهى أن يتخذ قبره مسجدا.
مسألة: ويكره أن ينظر في القبر إذا ستر بالثوب ولا نقض على وضوء من فعل ذلك.
مسألة: والميت إذا جف لم ينل رأسه التراب. قال أبو إبراهيم: أرجو ألابأس أن يوسد حجرا إن شاء الله، وإن جع لعليه اللبن وسد اللحد، ثم وقع هنالك غيث من هدم أو غيره، فلا أحسب أنهميرجعون يخرجونه بعد ذلك.
مسألة: وقال الربيع: المرجوم والمرجومة لا يخرجان من حفرتهما؟، قال: وجعلان في الحفرة إلى النحر وأيديهما في الحفرة. (1/263)
صفحة 260
مسألة: وإذا دفن الميت فانهدمت سقيفة من سقايف قبره، فليس لهم نبشه والتسوية عليه إذا كانوا هالوا عليه التراب إلا أن يكونوا أول ما ردوا به التراب. وإن نسوا فيه شيئا نسيانا فليس لهم أن ينبشوه.
مسألة: وإذا وضع ثلاثة نفر ميتا في قبره فليس ينبغي لمن دخل القبر أن يخرج منه قبل أن يواري الميت في لحده. فإذا واراه في لحده فليخرج من أراد.
مسألة: وإذا ماتت امرأة فأمر وليها رجلا أجنبيا أن يطأ طيها في قبرها فإن كان هذا الأجنبي ثقة مأمونا جاز له أن يطأ طيها في قبرها بأمر وليها، وقد قالوا: لا يؤتمن على المرأة في قبرها إلا الثقة أو يكون غير الثقة فيكون معه أحد من أوليائها. ومن غيره وعن وائل: أنه يجوز للرجل أن يدخل امرأة وليس هو بمحرم لها قبرها، وقال: فإن كان معه ذو محرم لها كان الولي عند سفلها وكان الآخر عند رأسها. ومن غيره: وإن أدخلها في القبر أبوها أو أخوها وزوجها فليكن الزوج والابن في الوسط. (1/264)
صفحة 261
قال غيره: أحب أن يكون الزوج في الوسط والأب مما يلي الرأس والابن مما يلي القدم أو الأخ:
وإذا حملت إلى القبور جنازة ... فاعلم بأنك بعدها محمول
لا صاحب الفكر المنفس سطحه ... وعليك من حلق العذاب كبول
لا ينفعنك أن تكون منفثا ولعله من تحته مغلول
لا يخدعنك ملكهم ونعيمهم ... فالملك يفنى والنعيم يزول
مسألة: رجل مات وأنا الذي توليت قبره ودفنه فلم يحكم بقوله، فإن أراد أولياؤه نبس القبر ليعرفوا أنه مات فيطيب لهم قسم ماله، فأرجو أنه يجوز لهم على هذا المعنى.
مسألة: وحفظت عن أبي سعيد: في الثوب يمد على القبر في حين إدخال الميت في لحده، أن يؤمر ألا يخرج الثوب حتى يطين على الميت بالطين على اللبن، وقد عرفت أن الثوب يمد على القبر ليلا كان أو نهارا لأن ذلك سنة. (1/265)
صفحة 262
مسألة: ويكره أن ينظروا في القبر إذا ستر بالثوب ولا نقض على وضوء من فعل ذلك.
من جامع ابن جعفر: وقيل: يستحب أن يقال خلف الجنازة لا إله إلا الله الحي الذي لا يموت وكل ذكر الله حسن ولا يضرك كيف تحمل الجنازة، من قبل يمينها ومن قبل شمالها أو بغير طهور ذلك كله واسع، ولابأس أن تقعد قبل أن نضع الجنازة بغير إذن. (1/266)
صفحة 263
فصل في القبر
ويكره أن يذبح على القبر لما روي عن النبي ص أنه قال: «لا عقر في الإسلام» لأن العرب كانت تنحر على قبور موتاها.
مسألة: ويكره القعود على القبور والمشي عليها والتجصيص لها والبناء عليها وإظهاره العمارة فيها، لما روي عن النبي ص أنه قال: «خبر القبور ما درس».
مسألة: وقد كان بعض الفقهاء يكره المشي بين القبور بالنعل لرواية ذكرها عن النبي ص أنه أمر أصحابه أن تخلع النعال بين القبور.
مسألة: وقيل: رفع قبر النبي ص عن الأرض قدر شبر، وروت عائشة أن رسول الله ص أنه قال: «لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
مسألة: ويكره أن يحضض القبر أو يتخذ إلى جنبه مسجد يصلى فيه أو يبنى على القبر مما يرفع به، إلا قدر ما يعلم أنه قبر فيتقي أن يمشي عليه وأنه يكره أن يصلي بين ظهراني القبور وهي بين يديه. (1/267)
صفحة 264
مسألة: وسمعته يقول لا ينتفع بحجر القبر ولا بشجره.
مسألة: وقي: نظر النبي ص إلى خلل في قبر من لبن أو غيره فأمر بسده، فقيل: يا رسول الله أينتفع الميت؟، قال: لا ولكن يطيب نفس الحي.
مسألة: عن أم سلمة زوج النبي ص أنه قال: «أحسنوا الكفن ولا تؤذوا موتاكم بالعويل ولا بالتزكية ولا بتأخير الوصية وعجلوا قضاء دينه إذا حفرتم قبره، فأعمقوه ووسعوه وأعزلوه عن جيران السوء».
من جامع ابن جعفر: من القطعة الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم وجدنا هذا من إملاء أبي عبد الله محمد بن روح رحمه الله. قال: اعلم أن العباد إنما خلقوا للابتلاء لينظر أيهم أحسن عملا ثم إنهم أسكنوا دار البلاء وحكم عليهم، وعلى دراهم بالفناء ثم حكم عليهم بنشأة أخرى وبعث ليوم الفصل، والقضاء ليكون كل منهم يجزي بما يسعى. قال الله عز وجل: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى}، إلى ما يحكم به على (1/268)
صفحة 265
عباده بفضله وعدله من ثواب أو عقاب ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. فالمحسن من عباد الله من ختم الله بالتوبة ومات تائبا، والمسيء من عباد الله من ختم عمره بالإصرار ولو على مثقال ذرة فالمسيء يوم القيامة لا يقبل الله منه حسنة ولا ثواب له عليها يوم القيامة، إذا كان في حكم الله أن حسنات المصر محبوطة والمحسن التائب لا يؤاخذه الله يوم القيامة، بسيئة كانت منه في الدنيا إذا كان في حكم الله أن التائب سيئاته، مغفورة وحسناته مشكورة والجنة له عند ربه مذخورة، فكل وعيد في القرآن فإنما هو خاص للمصريين ممن عمل تلك السيئة التي ثبت عليها لأهلها ذلك الوعيد، كذلك كل وعيد في السنة والآثار إنما هو خاص على المصريين ممن نزل بتلك المنزلة التي ثبت على أهلها ذلك الوعيد. كذلك كل وعيد في السنة والآثار إنما هو خاص على المصريين ممن نزل بتلك المنزلة التي ثبت على أهلها ذلك الوعيد، كذلك كل وعد في القرآن وعده الله أحدا على عمل صالح، إنما هو خاص للتائب الذي ختم عمله نسخة عمره بالتوبة ولو كانت الحسنات يجزي بها كل من عمل بها لوجب لليهود والنصارى الثواب بإقرارهم بأن موسى رسول الله ص. وكذلك عيسى عليه السلام إذا أقرت به النصارى صلى الله عليهما وعلى جميع الأنبياء، كذلك إقرارهم بالتوراة والانجيل كذلك صدقاتهم على المساكين، فكل ذلك من الحسنات ولكن الحسنات إنما هي لأهلها وإنما أهل الحسنات كل عبد تائب منيب. (1/269)
صفحة 266
وكذلك السيئات إنما هي لأهلها وإنما جزاء السيئات لأهلها وإنما أهل السيئات من مات مصرا عليها غير تائب منيب، وقد قال الله عز وجل: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} يعني أمة محمد ص ولا أماني أهل الكتاب يعني الذين أوتوا الكتاب من قبلهم، {من يعمل سوءا يجزيه} يعني من عمل سواء ممن يموت مصرا عليه يجزي به، {ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا}، وقال: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما}، فإنما يضاعف مثقال ذرة من الحسنات لمن لقيه تائبا لا لمن لقيه مصرا على معصية، {وما ربك بظلام للعبيد} إذا كان في عدله. إن المصر حسناته محبوطة وسيئاته غير مغفورة وإذا كان في عدله بتعطفه وفضله، إن سيئات التائب مغفورة وحسناته مقبولة ومشكورة، والتائب من يخشى الله بصدق الإخلاص في سره وعلانيته مخلصا لله بالطاعة في قوله وعمله ونيته، لا يخادع الله بالتقصير في شيء مما يلزمه بالطاعة، ولا يتجرأ على شيء يعلم أنه معصية ولا يشك في شيء أتاه خيره مما لا يسعه جهله. ولو جاءه خبر من لسان كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وجاءه خبر في خط مكتوب قد وقف على تعبيره بمعرفته، بإخراج الخط ومعرفة تلك اللغة أو تغيير غيره له ذلك الخط، ومعرفة تلك اللغة وبما يعقله هو من اللغات. (1/270)
صفحة 267
وهكذا قامت حجة الله على العرب بمن ترجم لهم فحجة الله بالعربية من التوراة ممن يعرف لغة العربية والعبرانية من أهل التوراة. كذلك قامت حجة الله على العرب من الانجيل على ما وصفنا بتعبير من غير لهم حجة الله عليهم بما يعقلونه من لغتهم، كذلك قامت حجة الله على من بلغته حجة الله من الأعاجم من هذا القرآن العربي المبين، مما لا يسعهم جهله ولا يحل لهم الشك فيه إذا بلغهم خبره من معبر يعبره لهم بلغتهم. فإذا عبره لهم وأبلغهم دعوة محمد ص معبر ولو فاسق من المقرين بالإسلام أو المنكرين للإسلام وجب عليهم أن يدينوا لله بدين محمد ص، ووجب عليهم أن يدينوا بالسؤال عن جميع ما يلزمهم من دين محمد ص. وكذلك وجب عليهم أن يتعلموا بالعربية وما يقيموا به صلاتهم من التسبيح والتكبير والتحميد والتشهيد والقرآن العربي المبين بلغة العربية، ما يقيمون به صلاتهم. وليس عليهم في التعليم في جميع ما يلزمهم لله في شريعة دين محمد ص إلا مبلغ قدرتهم وجهدهم. فما لم يبلغ إليه قدرتهم مما صدقوا الله في بذل مجهود في ذلك مما يلزمهم من ذلك، فهم العذر بصدق جهدهم في ذلك إذا كان في الشريعة لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فلو أن أعجميا تعلم فاتحة الكتاب التي لا تجوز الصلاة إلا بها طول عمره، فلم يقدر على حفظها ولا على تقيوم اللفظ منه، بإفصاح آياتها لموضع لكنة لسانه وأعجميته، وعلم الله منه صدق التوبة له بما تلزمه (1/271)
صفحة 268
من الطاعة لكان له العذر عند الله بعفوه عنه أنه واسع العفو، لأنه لا يهلك عبد مجتهد عجز في اجتهاده في طوله وقدرته عن القيام بما يدين به، وإنما يهلك عند الله من كان اجتهاده على بدعة يدين بها، فذلك كلما ازداد في بدعته اجتهادا ازداد عن رحمة الله إبعادا، إذا كان اجتهاده في إرادته بما هو مخالف للحق، بما ليس له برهان به فيما دان، وأما من دان بالحق وعجز عن القيام به من أجل لكنة لسانه أو من أجل ضعفه أركانه، فقد عذر الله كل من عجز عن فريضة لازمة عجز عن القيام بها من أجل إذ قردته لا تصل إلى القيام بها، حتى الصلاة من لم يقدر أن يصليها بقيامها وقعودها وركوعها وسجودها، ولم يقدر على القيام بحدودها جاز له في السنة أن يكبر عن الصلاة خمس تكبيرات، وكل جميع العباد معذورون عند الله عز وجل عما يعجزون عنه عن لازم طاعته، إذا تابوا ودانوا لله بدينه ولم يدينوا له بخلاف دينه في شيء من الأشياء ولم يصروا على معصية. والإصرار على المعصية لا يكون من المصرين إلا على علم منهم، أن تلك المعصية معصية ثم يقيمون عليها إيثارا للهوى وكراهية للتقوى، وأما من ركب المعصية بجهل ولم يدن بها ولم يرد حجة الله.
ومن غير الكتاب: قال: من نظر في هذا الكتاب أردنا تمام المسألة، لأنه ليس لها فائدة ولا جواب وذلك فيمن ركب المعصية بجهل، ولم يدن بها ولم يرد الحجة إذا قامت عليه لله بعلمها واعتقد السؤال عنها، يلزم لله من ذلك ولم يقدر على من يدله على ذلك بعلم منه بذلك أنه يدله على ذلك. (1/272)
صفحة 269
فمن تقوم عليه به الحجة لله فيما يضع من فرائض الله، أو ارتكب من محارم الله فمتى وجد السبيل إلى الدلالة على ذلك استدل عليه بمن قدر عليه من الأدلة. فإذا كان اعتقاده هذا وكانت هذه نيته وهذا اعتقاده وإرادته فقد علم الله منه العجز عن علم ما يقيم به تلك الفريضة، لعدم الدليل على ذلك فهذا مسالم ما لم يدين بترك ما صنع من فريضة، أو باستحلال ما ركب من حرمة أو بصر على ذلك ولا يتوب منه. ومن كان إصراره على ذلك أن يدع اعتقاده السؤال عن ذلك، الذي قد ركبه بعينه لأنه متى ضيع اعتقاد السؤال عن ذلك يعينه إذ قدر لن، أو تركه على غير علم منه أن ركوبه له مباح أو تركه له متاح فقد ترك اللازم له من ذلك وهلك، وكذلك إن دان به هلك، وكذلك إن ترك ولاية مسلم من أجل ذلك على غير اعتقاد السؤال، عما يلزمه من ترك ولايته واعتقاده في ذلك لو يبرأ منه على غير اعتقاد السؤال عما يلزمه من براءته منه هلك بذلك، وكذلكإن صنع اعتقاد السؤال عن ذلك بعينه هلك، وكذلك إن أصر عليه ولم يعتقد التوبة من ذلك بعينه إن كان مما يلزم منه التوبة إلى الله، هلك لأن عليه في اعتقاده أن يتوب إلى الله من جميع ما لزمه فيه التوبة في حملته علمه أو لم يعلمه، فإذا ركب شيئا مما لا يسعه ركوبه ولم يعلم أن له حلال ركوبه، فعليه اعتقاد التوبة إلى الله من ذلك، إن كان يلزمه منه التوبة وعليه اعتقاد السؤال عنه، حتى يعلم ما يلزمه فيه فيتوب منه بعينه على بصيرة ويؤديه بعينه على بصيرة. (1/273)
صفحة 270
فإذا دان بالسؤال عن ذلك، ودان بالتوبة مما لزمه في ذلك من التوبة إن كان يلزمه من ذلك التوبة، ولم يقرص في السؤال بعد وجوده للدليل على ما جهله من ذلك، ولم يرد الحجة إذا قامت عليه لله في ذلك، وعليه أن يبرأ من محق مراحل حقه ذلك بدين أو يقفعن عالم محق بدين أو برأي من أجل ذلك، فهذا سالم على هذه الصفة فمتى صنع شيئا من هذه الخصال، أو ارتكب شيئا من هذه الخصال فهو غير سالم في ذلك، وهو بتضييعه وركوبه هالك. فعلى هذا يرجى لهذا السلامة مع توفيق الله وهدايته إياه للتوكل عليه في ذلك، والاعتصام به من جميع المهالك فهذا ما فتح الله من بيان هذه المسألة واله الموفق للصواب. ومن غيره: وذكر عن أبي يزيد أنه قيل له ما تقول لو أن رجلا لقى عالما؟، فقال له: إن الأمر الذي كنت عليه أو أنت فيه حرام.
فقال له الرجل: هل تعلم هاهنا أعلم منك؟، فقال: نعم.
فقال الرجل: أنا أترك هذا الحرام ولكن لا آخذه منك حتى أسأل من هو أعلم منك، فلم يسأل الرجل حتى مات. قال أبو زيد: مات مسلما إذا كان في طلب السؤال، وكان تائبا فمات فهو مسلم. (1/274)
صفحة 271
ومن جامع ابن جعفر: ومن كتاب تفسير القرآن: الذي عن عمر بن قائد وقد حدثنا أبو قرة سعيد بن ابي صدقة عن ابن سيرين أن عبد الله بن سلام دخل المسجد ذات يوم بالمدينة، فإذا جماعة من أصحاب رسول الله ص منهم أبو سعيد الخدري وعبد الله ابن عمر، فقام خلف سارية المسجد فصلى ركعتين أحسن فيهما القيام والتخشع فرماه القوم بأبصارهم، ثم قالوا: هذا رجل من أهل الجنة فسمع رجل منهم كان جالسا معهم من أهل العراق ولم يعرفوه. فقال له: إنك دخلت المسجد فرماك رجال من أصحاب محمد بأبصارهم فقالوا هذا رجل من أهل الجنة، فقال ابن سلام: سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا علم له به، ولكني أظن أن القوم إنما قالوا ذلك لرؤيا رأيتها فأخبرت بها رسول الله ص.
فقال له الرجل: ما رؤياك؟، قال: رأيت كأني انتهيت إلى روضة معشبة فإذا عمود من حديد في الروضة فقمت إلى أصل العمود، فإذا رأس العمود في السماء فأتاني آت فأخذ به وقال لي: ارق فصعدت فما زال يقول ارق، حتى انتهيت رأس العمود، فإذا على رأس العمود مروة من ذهب، فقال لي: خذ المروة بيدك وشد يدك بها، فلما أخبرت بها رسول الله ص قال لي خيرا رأيت، ذلك الإسلام تستمسك به حتى تموت إن شاء الله، ومن سيرة عن أبي عبيدة وحاجب رحمهما الله إلى أهل المغرب وقال الله: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى}. فمن كان هذا الشرط والوضوح الذي وصفت الله به أهل التوبة استحق النجاة وفاز بالجنة، ومن كان خارجا من هذه الصفة عند الله حرم الله عليه الجنة وكانت النار مصيره، وقد يظهر لنا مما هو عندنا تائب مما يشبه به إلى التوبة ولا نشهد أنه عبد الله تائب، لأنه عليه مع الذي يظهر لنا من الندامة والتوبة فيما بينه وبين الله أشياء، ينبغي أن يكون مصيبا لها من الخوف لله والشفقة منه، والرغبة إليه والرهبة وإخلاص ذلك جميعا. وهذه تخفى الله عنا بعلمنا من أنفسنا ولا من غيرنا، وإن كنا في ثناء أنفسنا أعلم منا بما خفي عنا من غيرنا ولكن هذه أمور لها حدود ومسها في ضمير القلوب يحق على الناس، أن يبلغوا بها ما يعرفون بلوغها مما إذا هم بلوغها ولا يصفون أنفسهم بحفظ ما لزمهم منها ولا بتضييعها. وكذلك راجين الله خائفين له يرجوا أن يكونوا قد بلغوا ما يرضي الله به عنهم، ويخافون أن يكونوا قد قصروا عن ذلك وضيعوه فيسخط الله عليهم، بذلك وصف الله أولياءه حين يقولون ويرجون رحمته ويخافون عذابه، وقال الله وهو يعلمهم: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية أنه لا يحب المعتدين}، ومن كتاب عبد الرحمن بن رستمإمام أهل المغرب المعروف بالفضل والعلم: اعلموا أن أولى الناس بالازدراء على نفسه والتصغير لشأنه (1/275)
صفحة 272
والتحقير لعلمه والتفضيل على نفسه من ادعى معرفة الله وذنبه ورجا ثوابه وخاف عقابه، وإذا ذكر ذنوبه فهو بذلك لاه عن ذنوب غيره، وإن أبصر عيبا من غيره ذكر نفسه، فإن كان تائبا من عيبه حمد ربه غير أنه لا يدري قبلت توبته أم ردت عليه، يعلم كان لله فيه غيب عنه والمسلم على حال مشفق طالب خلاص له ما استطاع لا يشمت بأخيه المسلم.
تمت القطعة الثانية من جامع الجواهر في الطهارات والغسل من الجنابة والوضوء والتيمم، والصلاة وأحكامها وحدودها وما ينقضها وفرائضها وسننها، وفي البكاء على الميت وغسله وتحنيطه وتكفينه والصلاة عليه، وغيره بعون الله وحسن توفيقه وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والحمد لله رب العالمين، وقد وقع الفراغ من نسخ هذا الكتاب نهار الأحد يوم سادس من شهر رمضان من شهور سنة واحد وسبعين سنة ومائة سنة والف سنة من الهجرة الإسلامية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام وتتلوها إن شاء الله القطعة الثالثة في الزكاة وصيام شهر رمضان وفي الحج والنذور والاعتكاف والأيمان والكفارات، وفي الذبائح والصيد والأشربة وغير ذلك، وكان تمامه على يد العبد الفقير له عز وجل جمعة بن راشد ابن عبد الله بن راشد الذي هو من بني عبد الله الساكن حصن البلاد من قرية منح، تحية لأخيه في الله علي بن سعيد بن خميس البراشدي رزقه الله حفظه والعمل بما فيه، إنه على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم. (1/277)
صفحة 273
قد وافق الفراغ من تصحيح هذه القطعة والزيادة التي آخرها من جواب تأليف المتأخرين ضحى الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الآخر، سنة اثنين وسبعين سنة ومائة سنة وألف سنة من الهجرة النبوية الإسلامية على يد مالكه علي بن سعيد بن خميس بن عبد الله البراشدي الأزدي وصلى الله على رسوله وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم
مسائل في الصلاة من جوابات الأشياخ المتأخرين
مسألة: على إثر مسائل عن الشيخ صالح بن سعيد وفي المصلي الذي لا يسمع القراءة؟.
الجواب: إذا أنصت جازت صلاته ولو لم يسمع من قراءة الإمام شيئا والله أعلم.
مسألة: ومنه: وفي المصلي إذا استعاذ سرا في نفسه بلا أن يحرك لسانه أيجزيه ذلك أم لا؟.
الجواب: هو بمنزلة من لم يستعذ والله أعلم.
مسألة: ومنه وإذا سمع المصلي أذنيه مستعيذا أيضر ذلك صلاته أم لا؟.
الجواب: أما على العمد في أكثر القول تفسد صلاته ولابأس به على النسيان والله أعلم. (1/278)
صفحة 274
مسألة: ومنه: وفي المصلي إذا وصل في قراءة الفاتحة إلى قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين}، فنطق بالنون والسين والتاء ثم عطس فانقطعت قراءته لأجل عطاسه. أعليه إذا فرغ من عطاسه أن يبتديء بأول الكلمة نستعين أم يبدأ من حيث ما وصل فيقول عين كانت عليه القراءة سرا أم جهرا؟.
الجواب: يبتديء من أول الكلمة والله أعلم.
مسألة: ومنه في المصلي إذا كان يقرأ الفاتحة فقال: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين} وانقطع نفسه فابتدأ فقال: {صراط الذين أنعمت عليهم} أيتم صلاته على هذا أم لا؟.
الجواب: إن كان هذا عن جهالة أعجبني تمام صلاته والله أعلم.
مسألة: وفيمن سهى في صلاته ووجبت عليه سجدتا السهو اكتفى بسجدتي السهو عن الجميع أم عليه أن يسجد أربع سجدات، كيف الوجه في ذلك؟.
الجواب: يستحب له أن يسجد لسهوه سجدتين من غير السجدتين المعتادتين بعد التسليم ويسجد للسهو خلف كل صلاة سها فيها من فريضة أو سنة أو نافلة والله أعلم. (1/279)
صفحة 275
مسألة: ومن جواب ابن عبيدان: وفي الخط الذي يتخذه المصلي سترة أيجزيه إذا مر عليه ما يقطع الصلاة أقل من خمسة عشر ذراعا إذا قرب منه أم يقطع عليه ما مر من ذلك؟.
الجواب: وبالله التوفيق في ذلك اختلاف والذي يعجبني من القول أن تكون السترة مما يوازي المار والله أعلم.
مسألة: وفيمن يصلي الظهر فقعد للتحيات وقرأ فاتحة الكتاب إلى آخرها أو قام إلى فاتحة الكتاب إلى آخرها. أتفسد بذلك صلاته أم لا؟.
الجواب: وبالله التوفيق في ذلك اختلاف فقال من قال: صلاته فاسدة، وقال من قال: صلاته تامة إذا رجع في صلاته على ما هو عليه إن كان عليه قراءة الحمد وقرأ التحيات ثم رجع إلى قراءة الحمد، وكذلك إذا كانت عليه قراءة التحيات وقرأ الحمد ثم رجع عن ذلك فصلاته تامة والله أعلم.
مسألة: والمصلي إذا سلم ناسيا ودعا ثم ذكر أنه باق عليه شيء من الصلاة كذلك إذا أتم صلاته في القعدة الأولى أو قرأ القرآن في القعود أو في التحيات في القيام؟.
الجواب: يعجبني أن يبني على صلاته في جميع ما ذكرته. (1/280)
صفحة 276
مسألة: وإذا قعد للتحيات وأخذه النوم ولم يدر أين وصل من التحيات فجائز له أن يبتدئها، وكذلك قراءة الحمد جائز له أن يبتدئها إذا لم يدر أين وصل والله أعلم، وعن ابن عبيدان: مختلف في النائم في الصلاة، فقال من قال: يبني على صلاته إذا انتبه من نومه إذا عرف ما صلى من صلاته، وقال من قال: يستأنف صلاته وهو أحب إليّ أتيت بالمعنى.
مسألة: لعلها عن ابن عبيدان وفي المصلي إذا أحس برطوبة خرجت من منخريه أينظره ويحسبه دما؟.
الجواب: وبالله التوفيق إذا نظر إلى ما يخرج من منخريه يعجبني أن يعيد الصلاة، وإن لم ينظر ومضى على صلاته فجائز له ما لم يستيقن بخروج الدم والله أعلم.
مسألة: وعن الشيخ محمد بن عمر بن أحمد بن قداد رحمه الله: وفيمن فاتته صلاة نسيان أو غيره بشيء من المعاني أيذكرها فائتة أم حاضرة؟، فكان من جوابه أن يذكرها فائتة. (1/281)
صفحة 277
ورفعه عن الشيخ أبي سعيد من بيان الشرع وذلك يروى عن النبي ص فيمن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها، وهو ذلك الوقت الذي ذكرها فيه ليس عليه اثم ولا تبعة، وأما النية فينوي فائتة لأنه فات وقتها أما ترى أنه إذا أخر الصلاة الأولى في السفر، وقام يصلي فإنه يذكرها فائتة وهو قد تركها عمدا فوجب عليه أن يذكرها فائتة والله أعلم.
مسألة: ومنه وفيم يقضي صلاته لشيء لا يجوز له نقضها منه ومثل ذلك إذا صلى ركعة أو ركعتين ثم نقضها لأمر لا يجوز له نقض منه ينقض بعض وضوئه أم لا؟.
الجواب: فيما عندي أن نقض الصلاة من غير عذر معصية لأن الله تعالى يقول: {ولا تطبلوا أعمالكم}. وعلى قول: أن المعاصي تنقض الوضوء. فعندي أنه ينقض وضوءه على هذا القول والله أعلم.
مسألة: ومن جواب الشيخ خميس بن سعيد الرستاقي رحمه الله والدراهم إذا كانت في سكنها أصنام من جروف ذهب أو فضة أو نحاس أو رصاص. هل يفسد على المصلي صلاته إذا كان حاملها أو صلى وهي مصرورة في ثوبه أم لا؟.
الجواب: إن هذا إذا كان حاملا لدراهم حافظا عن الضياع وهي غائبة حيث لا يراها أحد فأرجو أنها لا تفسد صلاته والله أعلم. (1/282)
صفحة 278
مسألة: قال الشيخ ناصر بن خميس رحمه الله أنه يعمل بقول من يقول أن الحامل لا تترك الصلاة حتى تضع ما في بطنها من حملها بعدما رفع الاختلاف. وقال بهذا القول نعمل لأنها لا تسمى نفساء حتى تضع ما في بطنها وهو قول الشيخ صالح بن سعيد الزامي ومن معه من المتأخرين من غير تخطئة منا لمن قال بغيره.
مسألة: والمأموم إذا أخر الحمد والاستعاذة ليدرك الصلاة مع الإمام. هل يستعيد في الركعة الثانية أم يؤخر الاستعاذة ويأتيها إذا سلم الإمام وقام هو لقراءة الحمد؟.
الجواب: يؤخر ذلك إلى قراءة الركعة الثانية ولا يؤخرها إلى الوثبة والله أعلم.
مسألة: والمرأة إذا ظهر شيء من شعرها أو ظهر كفها أو ظاهر رجلها وهي في الصلاة أتفسد صلاتها أم لا؟.
الجواب: قال الناظر إذا كانت في موضع ستر وحيث من يجوز لها النظر منها فصلاتها تامة على قول بعض المسلمين.
مسألة: وأما الذي يصلي ركعة من الصلاة ثم أذن المؤذن عليه فلا كفارة عليه والله أعلم. (1/283)
صفحة 279
مسألة: وسألته عن التطوع أفضل أم البدل على الاحتياط فالبدل أفضل والتطوع أشهى والله أعلم.
مسألة: عن الشيخ صالح بن سعيد رحمه الله وجائز أن يصلي بالقمص إذا كان خيوطها حريرا خالصا، وأما الذي ينقض من الحرير إذا كان أكثر من موضع أصبعين طولا وعرضا وسداة مسائل في صلاة الجماعة.
مسألة: على إثر مسائل عن الشيخ صالح بن سعيد وفي المأموم إذا كبر تكبيرة الإحرام واستعاذ وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم {الحمد لله} ثم ركع الإمام فركع معه، أيكون عليه إذا قضى الإمام صلاته أن يبسمل ويقرأ من أولها أم ابتداء من قوله {لله رب العالمين}، ولا يعيد ما قرأ من الفاتحة في الركعة الأولى كان قليلا أو كثيرا، وإن أعاذ تفسد صلاته أم لا؟.
الجواب: على ما سمعته من أثر المسلمين أن يبدأ حيث ما وصل من الحمد ولا يعيد ما قرأه في الركعة الأولى، وإن أعاد ما قرأ على الجهالة وظن أنه جائز له فيعجبني أن لا بدل عليه فيما مضى ويصلح فيما يستقبل والله أعلم. (1/284)
صفحة 280
مسألة: ومنه في المأمومو إذا كبر تكبيرة الإحرام واستعاذ وبسمل ثم ركع الإمام فركع معه وقضى صلاته، أعليه إن أراد أن يأتي بما فاته من القراءة أن يبسمل أم تجزيه البسملة التي قالها بعد تكبيرة الإحرام ويبدأ بقول الحمد لله رب العالمين؟.
الجواب: أما على من يقول أن البسملة من الحمد وهو المعمول به عندنا فليس له أن يقولها ثانية عند الوثبة والله أعلم.
مسألة: ومنه في المأموم إذا قرأ من الفاتحة إلى نستعين ثم ركع تبعا لإمامه، فلما أن فرغ من صلاته قام هو ليأتي بما بقي عليه من الحمد فابتدأ بقوله: واياك نستعين سهوا منه ما حال صلاته؟.
الجواب: لابأس عليه في صلاته والله أعلم.
مسألة: ومنه: والإمام إذا كان عليه القعود فقام بتكبيرة فسبح له فقعد بلا تكبيرة متعمدا أو ناسيا أو جاهلا. أتفسد صلاته وصلاة جماعته أم لا؟.
الجواب: أما النسيان فلا يعجبني في ذلك فساد، وأما التعمد ففي ذلك اختلاف، قول: ليس عليه هو أن يكبر إذا أراد القعود ويقعد بلا تكبيرة وأرجو أن قولا يلزمه أن يكبر فعلى هذا القول يختلف في نقض صلاته إذا تعمد على تركها والجاهل فيه اختلاف. (1/285)
صفحة 281
بعض: ينزله بمنزلة الناسي. وبعض: ينزله بمنزلة المتعمد والله أعلم.
مسألة: ومنه وفي المصلي إذا قال في الإقامة: أشهد أن لا إله ثم عطس فانقطع كلامه ثم قال: إلا الله وابتدأ الشهادة من أولها، وهو إمام جماعة أتتم صلاته وصلاتهم على ذلك أم لا؟.
الجواب: فيما عندي إن كان الجماعة الذين يصلون خلفه قد اطلعوا على عذره في وقوفه بين النفي والاستثناء بجائل حال بينه وبين ذلك، لم تمكنه الاستثناء من قبله فصلاتهم عندي تامة، وإن كانوا لم يطلعوا على عذره فيستتبونه من ذلك فإذا تاب وأتم الشهادة، وتوضأ وضوءا غير وضوئه الأول فلهم أن يصلوا وراءه والله أعلم.
مسألة: وجدتها مكتوبة أرجو أنها بخط الشيخ الوالي راشد بن خلف المنجي رحمه الله جوابا وسؤالا إذا بدل الإمام آية أهل الرحمة لأهل الغضب ما يفعل المأموم؟.
الجواب: يبدل صلاته والله أعلم.
قلت له: وتلزم له استتابة؟، قال: نعم.
قلت له: وإن أراد أن يصلي أيلزمه الوضوء؟. (1/286)
صفحة 282
قال: نعم يلزمه وضوء بعد أن يستتيبه والله أعلم. تركت المسألة الجواب أما من نسي القيام للوثبة ففي إعادة صلاته اختلاف وأرجو أنه إذا لم يبق عليه شيء من حدود الصلاة إلا الوثبة، وأحدها أنها تتم صلاته ولا بدل عليه والله أعلم.
مسألة: عن محمد بن عبد الله بن مداد: وإذا كان الإمام يلحن في الصلاة فصلاته بمن هو مثله جائزة. وبمن هو أعلم منه فلا تجوز والله أعلم.
مسألة: إن المأموم تكون نيته بصلاة الجماعة التي أمر بها رسول الله ص وسنها لا الجماعة الذين يصلي هو معهم خاصة أتيت بالمعنى.
مسألة: وفيمن دخل في صلاة الجماعة وقد فاته منها شيء، فعندي: أنه يأتي بالاستعاذة بعد الإحرام قبل القراءة ولا يؤخرها إلى أن يسلم الإمام لأن موضعها بعد تكبيرة الإحرام قبل القراءة ولا يبين لي في ذلك اختلاف.
مسألة: لعلها من كتاب المصنف: وإذا أطال الإمام التشهد وللمأموم حاجة؟، قال الربيع: إذا قضى تشهده فليسلم ويذهب ولا ينتظره الإمام. (1/287)
صفحة 283
مسألة: ومنه قال بشير بن محمد بن محبوب: في قوم صلوا جماعة في مسجد ثم جاء إمام المسجد فصلى صلاة، أن صلاة الذين صلوا قبل الإمام فاسدة، وأما غيره: فيجيزها فيجوز.
مسألة: ومنه في الداخل مع الإمام وهو راكع، فقيل: يستعيذ. وقيل: يحرم ويركع ويؤخر الاستعاذة إلى القراءة.
مسألة: وأما صلاة الفصيح خلف الذي يلحن لحنا لا ينتقض الصلاة. فبعضك شدد ذلك على الفصيح وأرجو ألا يخرج من الترخيص فيه وبه، ويعجبني: للفصيح أن يتقدم في الصلاة إذا كان هو أولى بالتقديم ولا يصلي خلف من يلحن والله أعلم.
مسألة: والمسجد إذا كان لا تحضره جماعة لصلاة الفجر أيعجبك أن يطلب صلاة الجماعة في غير ذلك المسجد؟، أم يصلي في ذلك المسجد وينوي طلب صلاة الجماعة جاء أحدا أو لم يجيء وإذا لم يجيء أحد وصلى وحده؟. (1/288)
صفحة 284
إنه يعجبني أن يطلب صلاة الجماعة.
مسألة: إذا انقطع ثلاثة فصلاتهم تامة كانوا في الصف الأول أو الثاني، وإن انقطع اثنان فإن كانا في الأول ففي صلاتهما اختلاف، قول: تامة، وقول: منتقضة، وإن كانا في الصف الثاني فصلاتهما تامة.
مسألة: والمصلي إذا سلم ناسيا ودعا ثم ذكر أنه باق عليه شيء من الصلاة كذلك إذا أتم الصلاة في القعدة الأولى، وقرأ القرآن في القعود أو قرأ التحيات في القيام؟.
الجواب: يعجبني أن يبني على صلاته في جميع ما ذكرته.
مسألة: وإذا قعد للتحيات وأخذه النوم ولم يدر أين وصل من التحيات؟، فجائز له يبتدئها وكذلك قراءة الحمد جائز له أن يبتدئها إذا لم يعلم أين وصل والله أعلم.
مسألة: وعن الشيخ مسعود بن رمضان: أنه إذا فات المأموم في ركعة أو ركعتين أو أكثر فإنه يأتي بما فاته من القراءة من ذلك في وثبة واحدة. (1/289)
صفحة 285
ولا يجوز له ترك الوثبة فإذا ترك الوثبة انتقضت صلاته والله أعلم.
مسألة: عن صالح بن سعيد: وفي المصلي إذا بقي عليه شيء من قراءة الحمد أو كلها وسهى أن يأتي بها إلى أن أتم التحيات وسلم وقرأ شيئا من الدعاء، ثم ذكر وأتى بما بقي عليه، هل يجزيه ذلك أم لا؟.
الجواب: إن كان الذي بقي عليه منها الأقل فلا نقض عليه، وإن كان الأكثر أو كلها فإن كان سلم ولم يتكلم بكلام من غير أمر الصلاة، ولم يدبر بالقبلة فله في أكثر القول أن يقوم يأتي بما بقي عليه منها. وإن كان تكلم بكلام من غير أمر الصلاة أو أدبر بالقبلة كان عليه أن يستأنف الصلاة من أولها على قول من يلزمه لعله أن يأتي بما بقي عليه من قراءة الحمد عند الإمام والله أعلم.
مسألة: وعن الإمام إذا صلى بالجماعة ثم فسدت صلاتهم بمثل نجاسة في ثوب الإمام وتوضأ الإمام، وفي بدنه دم ولم يغسله ثم ذكر ذلك وهو في الصلاة قطعها، أو ذكر بعدما قضى الصلاة. أيجوز لهم أن يبدلوها في الجماعة يصلي بهم إمامهم أو غيره أم يصلون فرادى؟، فإن صلى بهم خمس ركعات وذكروا بعدما صلوا وصلى بهم ثلاث (1/290)
صفحة 286
ركعات أو شكوا في صلاتهم أيبدلون في هذا كله جماعة أم يصلون فرادى؟.
الجواب: فعلى ما وصفت فالذي بان لي وعرفته أن الفساد الصحيح من تقصير أو زيادة يبدل جماعة والشك لا يبدل إلا فرادى والله أعلم.
مسألة: وقلت: إن شكوا يبدلوها جماعة أم فرادى؟.
الجواب: أنهم يصلون في الوقت جماعة، وإن فات الوقت فرادى أما على الشك فيصلون فرادى فات الوقت أو لم يفت والله أعلم.
مسألة: وسئل ابن الزامل: ما تقول في إمام يصلي بجماعة في وقت الظهر وهم مقيمون فصلوا الفريضة وقاموا ليصلوا السنة وكان فيهم رجل مسافر قام يصلي فرض العصر وجاء أناس مقيمون ومسافرون وقدموا إماما منهم يصلي بهم الظهر في مقدم المسجد والأولون يصلون السنن؟.
الجواب: يجوز ذلك إن هذا كله جائز لمن صلى مع إمام ثان والله أعلم. ومنه: وما تقول في المسجد الثابتة صلاة الجماعة فيه ثم صلى الجماعة فيه ثم صلى هذا الإمام الثابت الإمامة في وسط هذا المسجد مما يلي المشرق، فلما سلم من فريضة الظهر جاء جماعة آخرون فصلوا الفريضة مما يلي المحراب منه. (1/291)
صفحة 287
هل في ذلك كراهية للآخرين: وهل يصلون الجماعة الأولون السنن والنوافل ما دام الإمام الآخر يصلي الفريضة بجماعة أم لا؟.
الجواب: على صفتك هذه إذا كان الإمام الآخر هو وجماعته صلوا في مكان لا تجوز فيه الصلاة بصلاة الإمام الأول فلا أعلم عليه كراهية، وجائز لمن صلى بصلاة الإمام أن يصلي السنة والنافلة والإمام الآخر يصلي الفريضة هو وجماعته على ما سمعته من آثار المسلمين.
مسألة: وعن أحمد بن مداد بن عبد الله: وأما الجماعة الذين صلوا في مؤخر المسجد وجاء جماعة آخرون، وصلوا جماعة في مقدم المسجد وانتهت آخر صفوف جماعة الإمام لآخر موضع مقام الإمام الأول، وموضع جماعة الإمام الأول فصلاة الإمام الثاني جائزة هو ومن معه إلا صلاة الجماعة من آخر صفوف الإمام الثاني، الذين صلوا في موضع مقام الأول أو موضع جماعة مقام الأول فيختلف في نقض صلاتهم، فقيل: جائزة، وقيل: منتقضة والله أعلم.
مسألة: لعلها عن أحمد بن مفرح إذا فسدت صلاة الجماعة هل للداخل أن يصلي معهم إذا صلوها جماعة بعد نقضها وما الحكم في ذلك؟.
الجواب: فله أن يصلي معهم إذا صح فسادها بنقصان أو زيادة والله أعلم. (1/292)
صفحة 288
مسألة: وإذا شك الإمام والجماعة في صلاة الفريضة هل لهم أن يصلوها جماعة أو فرادى؟.
الجواب: بل يصلون في الشك فرادى والله أعلم.
مسألة: قال أبو سعيد في الإمام إذا ترك القراءة فعليه البدل وعلى من خلفه على ما عندي ولا أعلم في ذلك اختلافا، وكلما كان من الأفعال والأقوال انتقضت صلاته وصلاتهم ولا أعلم في ذلك اختلافا، وإنما الاختلاف عندي فيما كان من قبل النيات والأحداث في بدنه من النجاسات فيما عندي أنه قيل.
مسألة: تركتها الجواب تكون السترة رفعها بقدر ما توارى الدابة التي تقطع الصلاة على ما سمعته نرفع عن الشيخ مسعود بن رمضان رحمه الله.
مسألة: لعلها عن ابن عبيدان وإذا صلى أحد صلاة الفجر مع الإمام قبل أن يصلي السنة، وأراد أن يصلي السنة في ذلك الوقت يذكرها حاضرة أو بدلا؟.
الجواب: يذكرها حاضرة والله أعلم، قال الناظر: وقول يذكرها فائتة والله أعلم. وقال الشيخ سعيد بن بشير الصبحي رحمه الله: أنه لا يذكرها (1/293)
صفحة 289
حاضرة ولا فائتة بعد صلاة الفجر في ذلك اليوم، أو بعد ذلك اليوم إن نسيها وذكرها ولو بعد أيام فلا يذكرها حاضرة فائتة من قوله شفاها.
مسألة: لعلها عن الشيخ خميس بن سعيد الرستاقي.
الجواب: إذا فاتته الصلاة بنوم أو نسيان فصلاها حين ذكرها أو انتبه إليها أنه يصليها صلاة الحاضرة لأن ذلك وقتها. وأما إذا فاته ركعتا الفجر وأراد بدلهما بعد ما صلى الفريضة فإنه يقول أصلي ما فاتني من ركعتي الفجر.
مسألة: عن الشيخ سليمان بن محمد بن مداد رحمه الله: وفيمن نام عن صلاة حتى فات وقتها أيذكرها حاضرة أم يذكرها فائتة، وكذلك الناسي بين لي ذلك.
الجواب: يذكرها فائتة إذا فات وقتها.
مسألة: سألت راشد في الإمام إذا قرأ أنعمت واياك بالكسر؟، فيعجبنا لهم سؤاله.
قلت: وإن اعتذر لهم بعذر؟، قال: فلهم تصديقه إذا كان ممن يصدق. قال الصبحي: كذلك ما لم يتهم بالكذب وعليه سؤاله ولو كان ثقة في اعتباره. (1/294)
صفحة 290
مسألة: ومنه ومن سمع أحد القولين النفي والاستثناء في التوحيد ويظنه يسر في الاستثناء هل يجوز له أن يحسن به الظن، ويكون معه على حالته الأولى؟.
الجواب: وبالله التوفيق يجوز حسن الظن به والله أعلم.
مسألة: ومنه ومن يجوز له أن يجمع في وطنه بالتمام إن صلى سنة المغرب بعد العتمة إذا جمع في وقت المغرب فهكذا يعجبني وأنا أفعل ذلك.
مسألة: في مسجد فيه إمام ثابت لبعض الصلوات وبقية الصلوات ليس فيه إمام ولا صلاة جماعة؟.
الجواب: إذا صلى بعض الصلوات في هذا المسجد وترك شيئا من الصلوات من عذر كان المسجد في تلك الصلوات بمنزلة المساجد المعمورة، وفي سائر الصلوات كسائر المساجد التي لا إمام فيها والله أعلم.
مسألة: من مسائل في صلاة السفر مسألة على إثر مسائل عن الشيخ صالح ابن سعيد وفيمن تزوج امرأة وشرطت عليه سكنها في بلدها، وبلدة غير بلدها ولم ينو هو المقام في بلدها، وإنما نوى أن يكون يزورها ويمكث معها أياما وأشهر ثم يسير عنها إلى بلده. أيصلي في بلدها تماما أم قصرا؟، وإن أتبعه إلى بلده ولم تبطل شرطها أعليها أن تصلي في بلده تماما أم قصرا؟ (1/295)
صفحة 291
الجواب: أما إذا سار هو في بلدها الذي شرطت عليه فيه سكنها، ولم يفوه وطنا فعلى ما سمعته من الأثر أن في التمام عليه فيه اختلافا، وإن سارت هي في بلده الذي هو يتم فيه ولم تترك شرط سكنها ففي التمام عليها فيه اختلاف والله أعلم.
مسألة: ومنه وفي مسافر أخر الصلاة الأولى الآخرة حتى فات وقت الأولى، ثم دخل بلده قبل أن يصلي عامدا أو جاهلا أو ناسيا كيف يصليهما؟.
الجواب: أنه يصلي الأولى صلاة السفر والثانية تماما وأما في الكفارة ففي الجهل والنسيان لا كفارة عليه، وأما على العمد على علم به بذلك فعليه الكفارة والله أعلم.
مسألة: أظنها منه: رجل خرج من بلده ليتعدى الفرسخين فأخر الظهر إلى العصر، ثم أراد بدأ له أن يرجع قبل أن يتعدى الفرسخين وقد فات وقت الظهر كيف يصليهما؟.
الجواب: في ذلك قولان: قول: يصلي الأولى قصرا والثانية تماما، وقول: يصليهما كلتيهما تماما وبالله التوفيق.
مسألة: من كتاب بيان الشرع: ومن خرج مسافرا ولقى حاجته قبل الفرسخين فصار يتردد (1/296)
صفحة 292
هنالك وهو يقصر الصلاة ويفطر ثم رجع فإذا قدرت له حاجته قبل الفرسخين لزمه التمام، وإن صلى بعد ذلك قصرا فعليه البدل والكفارة، وإن أفطر بعد اليوم الذي كان فيه مسافرا نقض صومه والكفارة تلزمه لأنه أفطر في الحضر لا في السفر.
مسألة: وفي المسافر إذا لم يعقد نية الجمع وأخر صلاة الظهر إلى صلاة العصر بغير نية للتأخير جهلا منه أو نسيانا، أيجزيه إذا صلى الظهر في وقت العصر لم يلزمه بدلها؟.
الجواب: إذا أخذ فريضة صلاة الظهر إلى وقت صلاة العصر بغير نية منه لتأخيرها ولا كان عقد الجمع في سفره ففي الكفارة في ذلك اختلاف، وأكثر القول أنه لا كفارة ويجزيه البدل والله أعلم.
مسألة: وفي رجل من أهل فرق سار إلى نزوى في قضاء حاجة له، ثم بدا له أن يسير من نزوى إلى منح لأمر عناه، ولم ينو عند مسيره من نزوى أن يدخل فرق، ليأخذ منها طعاما يزوده إلى منح أو لم يدخلها أبدا غير أنه مر في طريق منح، أتكون صلاته على هذا في منح وفي طريقها قصرا أو تماما؟.
الجواب: إن كانت بلده فرق فدخلها لحاجة عند مسيره لم يكن له أن يقصر في منح. (1/297)
صفحة 293
وإن لم يدخل عند مرورة فرق ولا عمرانها وكان مسيرة من نزوى إلى منح جاز له القصر في الطريق وفي منح والله أعلم.
مسألة: وإذا خرج المسافر يريد أن يتعدى الفرسخين ثم عرضت له حاجة في أقل من فرسخين فدخل القرية أو دخل لغير حاجة فأمسكه فتوفى تلك القرية فأقام بها وحضرت الصلاة أنه يقصر الصلاة وإن كان نيته عند خروجه من بلده الدخول في تلك القرية فيتم فيها الصلاة، ولا يجوز له القصر على هذه الصفة والله أعلم. وقد يوجد أنه من خرج من سيجا يريد سمائل أو غيرها وله حاجة في هيل وذلك لحاجته فإنه يتم بها الصلاة، وإن كان خروجه من سيجا وبات في هيل أو قال بها، ولم تكن له نية إلا عروضه بها والنية إلى غيرها فإنه يجمع بها الصلاة والله أعلم.
مسألة: سألني سائل عن الذي يجمع الصلوات في غير وقت الأولى أو الآخرة، وانتقضت عليه الثانية بعدما صلى الأولى، أو شك في الأولى بعد ما صلى الثانية. ما القول في صلاة الثانية أو الأولى بين لي ذلك؟.
الجواب: فهذا مما يجري ففيه الاختلاف بين أصحابنا إذا جمع الرجل الصلاتين فانتقضت الآخرة، فقال: يعيدها وحدها كان في وقتها أو وقت الأولى إذا كان في مقامه وهو متشاغل بها. (1/298)
صفحة 294
وقال من قال: إذا كان وقت الأولى أخرها إلى وقتها وتمت له الأولى، فإن كان في وقتها أعادها ما لم يخرج من مقامه، وقال من قال: أنه يعيدهما جميعا كان في وقت الأولى أو الآخرة وهذا على قول من يقول أنهما صلاة واحدة، وأما إن شك في الظهر بعد أن صلى العصر وجمعهما، فقال من قال: يعيد الظهر وحدها وقد تمت صلاة العصر وهذا على قول من يقول أنهما صلاتان، وقال من قال: يعيدهما جميعا وهذا على قول من يرى أنهما صلاة واحدة في الجمع، وذلك إذا كان في وقت تلك الصلاة التي جمع فيها الصلاتين إلا أن يكون قد غربت الشمس ثم دخل في نفسه، أحب أن يعيد صلاة الظهر وحدها شك فيها أو سها وقد بينت لك ما أردت والله أعلم، وليزدد السائل من سؤال المسلمين أهل الاستقامة في الدين النية لمن أراد أن يبدل صلاة السفر في الحضر، ويريد أن يجمع البدل يقول أصلي لله تعالى بدل ما لزمني من فريضة الظهر، وفريضة العصر ركعتين من صلاة السفر أصليهما جمعا صلاة السفر متوجها إلى الكعبة. وإذا أراد المصلي أن يجمع الصلاتين في الوقتين قال أصلي الظهر ركعتين وصلاة العصر ركعتين أصليهما جمعا صلاتي سفر متوجها إلى الكعبة.
مسألة: على إثر مسألة عن ابن عبيدان وفي صلاة النافلة والصلاة على الميت وصلاة العيدين، أيذكرهما المصلي صلاة سفر أم لا؟. (1/299)
صفحة 295
الجواب: أما صلاة الميت فلا يذكرها صلاة سفر وأما سائر ما ذكرت فإنها تذكر صلاة سفر على ما يعجبني والله أعلم.
مسألة: على إثرمسائل عن الشيخ صالح بن سعيد والمرأة إذا اختلعت من زوجها عن إساءة منه إليها ففي صلاتها ما دامت في العدة منه اختلاف، قول: تكون تبعا له، وقول: صلاتها صلاة نفسها أتيت بالمعنى.
مسألة: ومن تركت سؤالها؟.
الجواب: إذا خالعها أو طلقها ثلاثا وهي في بلدها تتم الصلاة فهي على حال التمام، وليس لها قصر الصلاة لأن التمام يدخل على القصر والقصر لا يدخل على التمام، إلا في العبد إذا اشتراه من يقصر الصلاة قبل وجوب الصلاة فصلاته بصلاة سيده المشتري له والله أعلم.
مسألة: ومنه وفي مسافر يجمع الصلاتين فإذا سلم من الأولى تكلم تركت بقية المسألة؟.
الجواب: إن فعل بعد التسليم فعلا من كلام أو غيره ما ينقض الصلاة أن لو كان في الصلاة ففي ذلك اختلاف، فعلى قول من يجعلها صلاة واحدة ينقض عليه صلاته، وعلى قول من يجعلهما صلاتين لم ينقض عليه صلاته إلا أن يطول الكلام تطاولا يتوهم أنه قد ترك الجمع فذلك ينقضي عليه. (1/300)
صفحة 296
ويعجبني: إذا كان الجمع في وقت الأولى فإذا تكلم بعدما صلى كلاما ليس من أمر الصلاة أن يؤخر الآخرة إلى وقتها والأولى قد تمت له، وإن كان في وقت الآخرة فيعيدهما والله أعلم.
مسألة: ومنه أن صلاة المسافر بالتكبير خمس تكبيرات لكل صلاة مثل المقيم والله أعلم أتيت بالمعنى لا اللفظ كله.
مسألة: عن الشيخ ناصر بن خميس رحمه الله ومن عقد السفر لمدة عمره ورجع من سفره، أيجزيه لكل سفر ولا يهمه دخول الوطن أم لا؟.
الجواب: قول يجزيه، وقول: لا يجزيه إلا السفرة والله أعلم. (1/301)
صفحة 297
فصل في قيام شهر رمضان
يقول الإمام أربع ركعات تزويجة سنة قيام شهر رمضان، وفي وقت السحر يقول أربع ركعات صلاة سحر قيام شهر رمضان وإن لم يذكر ترويحة ولا سحرا أجزأه إن شاء الله أتيت بالمعنى.
مسألة: من الإيجاز ما شافهت فيه الشيخ أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن مداد في صلاة القيام في شهر رمضان بعد صلاة المغرب وقبل صلاة العتمة فكان من جوابه لا يجوز للمقيم، قال الناسخ: ويجوز للمسافر أن يصلي التراويح في المغرب عند الجمع ويؤخر الوقت إلى وجوب وقته والله أعلم.
مسألة: عن الشيخ صالح بن سعيد قال: من نذر بصلاة في غير بلده هل يذكرها صلاة السفر إذا كان في تلك البلد يقصر الصلاة؟.
الجواب: فنعم يذكرها صلاة السفر والله أعلم.
مسألة: من جواب الشيخ ناصر بن خميس رحمه الله، وفي التنحنح في الصلاة إذا تبين حرفين نقص صلاته كيف صفة ذلك، وما صفة الجائز من ذلك؟. (1/302)
صفحة 298
الجواب: وبالله التوفيق إذا رددهما في نسم واحد فيما يبين لي وصفة الجائز إذا لم يكن كما تقدم هنا والله أعلم، ومنه: ويوجد في أخ وأخ أنه يفسد الصلاة ولو كان سهوا كل دلك بالحاء المهمل أم بالخاء المعجم؟.
الجواب: وبالله التوفيق فهما كليهما بالخاء المعجم وبالحاء الممهل والله أعلم رده على بيده فينظر فيه.
مسألة: ووجدت فيمن عليه بدل صلوات فرائض فيبدأ بأيهن شاء فهل ترى ذلك عدلا إذا بدأنا بالآخر قبل الأول؟.
الجواب: وبالله التوفيق هكذا يخرج عندنا، وقيل: على الترتيب وهو أكثر القول فيما يبين لنا والله أعلم.
مسألة: على إثر مسائل عن أبي عبيد إن تركتها؟.
الجواب: وبالله التوفيق أنه ما دام المريض يفهم الصلاة أو يفهم التكبير فإنه يوضأ بالماء، وإن لم يقدر على الماء فإنه ييمم بالتراب فيممه أحد من أهله، ويضرب الذي ييممه بيديه بالتراب ضربة للوجه وضربة لليدين، وإذا كان على المريض ثياب غير طاهرة ولم يقدر على نزعها فإنه يلحف بثوب طاهر، وإن كان المريض لا يفهم الصلاة ولا يفهم التكبير، فلا صلاة عليه والله أعلم. (1/303)
صفحة 299
مسألة: عن الشيخ سليمان بن محمد بن مداد رحمه الله: وكيف صفة تيمم الميت؟.
الجواب: يضرب الحي المبتلى بهذا الميت بيديه التراب ضربة وحدة ويسمح بهما وجه الميت، ثم يضرب بهما ثالثة ويمسح بهما يديه باطنهما وظاهرهما إلى المرسغ. والنية في ذلك أرفع بتيممي هذا جميع الأحداث، وأيمم أهل الميت لغسل السنة وطهارة له من كل نجاسة طاعة لله ولرسوله محمد ص والله أعلم.
مسألة: لعلها عن ابن زامل وأما الذي بوجهه دم وكان هذا الدم إذا غسله بالماء خاف على نفسه زيادة العلة والمضرة، هل يجوز له التيمم لأج النجاسة أم لا؟.
الجواب: جائز له ولا كفارة عليه والله أعلم.
مسألة: ومنه في المريض إذا لم يقدر على الوضوء ولا التيمم وأعسره أن يوضئه غيره، أعليه أن يطلب ممن حضره من أهل أن تيممه وذلك يضرب الصحيح بيديه على التراب ويمسح بها وجه المريض ويديه، أم تجزيه الصلاة بلا وضوء ولا تيمم إذا كان على هذه الصفة؟.
الجواب: في هذا قولان على ما سمعته من آثار المسلمين. (1/304)
صفحة 300
قول: إذا لم يقدر الإنسان على تأدية فرض إلا بالاستعانة بغيره من المعينين المتعبدين لم يكن عليه أن يستعين بغيره ويؤدي فرضه على ما يقدر من الإمكان، وقول: إذا قدر على المعين كان عليه أن يستعين به فعلى هذا القول عليه أن يستعين بمن ييممه بالتراب إذا أمكن له ذلك والله أعلم.
مسألة: والمريض إذا لم يقدر على الاستنجاء من البول والغائط وله زوجة فكره أن تنجيه زوجته وتيمم وصلى، أيسعه ذلك وتتم صلاته أم لا؟.
الجواب: إن كانت زوجته قد تبرعت من ذات نفسها أن تغسل عنه الغائط بالماء، فأبى هو عن ذلك وتيمم بالتراب لأجل الحياء فلا يسعه ذلك، وإن كانت لم تتبرع ولم يعلم هو منها أنه إذا سألها أن تفعل له ذلك أنها تطيعه لم لا نترك الاستعانة بها، وتيمم وصلى ففي ذلك اختلاف، قول: يسعه ذلك لأن العبادة إذا لم يقدر عليها بنفسه فليس عليه أن يستعين عليها بغيره، وقول: عليه أن يستعين عليها بمن يرجو منه المعونة عليها فإن أجابه إلى ذلك وإلا فله العذر والله أعلم. (1/305)
صفحة 301
مسألة: ومنه: ما تقول حفظك الله فيمن حدث به جرح وخرج منه دم وانقطع الدم وغسله ثم خرجه منه ما يشبه الصفرة والكدرة، أتكون هذه الصفرة والكدرة نجسة أم طاهرة وهل في ذلك اختلاف أم لا؟.
الجواب: على ما سمعته من الأثر أنها طاهرة ولا أعلم في ذلك اختلافا إذا كان بعد الغسل والله أعلم.
مسألة: وعن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة رحمه الله والطفل الصغير لا يفسد على المصلي إذا مر بينه وبين سجوده.
مسألة: وعنه قال: لا تترك الصلاة من أجل ذهاب المال وأما عند الخوف من ذهاب النفس فيصلي كما أمكن له. (1/306)
صفحة 302
مسألة: وسألته عمن كانت صلاته فائتة هل يصليها جماعة؟، قال: نعم، وأما الصلاة الفاسدة تصلى في الوقت جماعة وأما بعد الوقت فلا تصلى جماعة.
مسألة: ومن جواب الشيخ الفقيه صالح بن سعيد رحمه الله: ونية من يصلي بصلاة الجماعة تكون نيته بصلاة الجماعة الذين يصلى معهم أم لا؟.
الجواب: تكون نيته بصلاة الجماعة التي أمر بها رسول الله صوسنها، لا لجماعة المسلمين الذين هو يصلي معهم خاصة والله أعلم.
مسألة: ومنه: رجل في بلد يقصر فيها الصلاة وأما أولاده البالغون فليسوا بتبع له في الصلاة لأنهم حيث أرادوا اتخذوا وطنا، وأما من بلغ في ذلك البلد من أولاده الصبيان وهو يقصر فيه الصلاة من قبل تبعا لوالده، فبعض: قال يلزمه التمام في البلد الذي بلغ فيه حتى يخرج منه ويتعدى الفرسخين، وبعض: قال لا يلزمه، وفي المسافر إذا وجبت عليه صلاة المغرب في حد السفر ولم يصلها وفات وقتها، ودخل بلده جهلا منه فعليه بدلها قصرا. (1/307)
صفحة 303
وقيل: حضرا والقصر هاهنا النية والقصد لأنه لا نصفان في المغرب.
مسألة: ومنه لعله الزاملي فالذي يوجد في الأثر أن الصبي المسافر إذا أدركه البلوغ في سفره فبعض يرى أنه يصلي تماما، وبعض يرى أنه يصلي قصرا والله أعلم.
مسألة: ومنه وصلاة المسافر بالتكبير خمس تكبيرات لكل صلاة مثل المقيم.
مسألة: ومن جواب الشيخ خميس بن سعيد رحمه الله: وفي امرأة لا زوج لها ولها وطنان لابد من السكن فيهما مرة في هذه، ومرة في الأخرى؟.
الجواب: أنه يجوز التمام في الوطنين ونحب لها ذلك إذا اتخذتهما وطنا لها والله أعلم.
مسألة: ومن جواب الشيخ صالح بن سعيد رحمه الله وفي امرأة من سمائل تزوجا رجل من نزوى وتبعته إليها، وصارت إذا زارت أهلها تلبث معهم أربعة أشهر وخمسة ونصف سنة، وأقل وأكثر وربما لم تطب نفسه عليها في طول لبثها فيها ما تكون صلاتها بسمائل، أرأيت أذن لها زوجها بالتمام فيها من أجل طول لبثها فيها؟.
الجواب: إن المرأة تبع لزوجها إذا لم يكن شرط سكن تقصر حيث يقصر وتتم حيث يتم، ولو طالت إقامتها ولو كان ذلك على كرهه ولا ينفعها أمره لها بالتمام في مكان هو يقصر فيه على القول الذي نعمل به (1/308)
صفحة 304
فصل في التكبير
وعن رجل دخل في صلاة قوم وهم جلوس أو سجود فوجه وأحرم وقام القوم من جلوسهم أو قاموا من سجودهم، فإذا فرغ الإمام وقام الرجل يقضى يقوم بتكبيرة للقضاء أو يقوم بغير تكبيرة للقضاء، وكذلك إذا فرغ من التحيات يقوم يكبر التكبيرة التي سبقته من صلاة القوم أو يسلم من جلوسه، فإذا قام إلى القضاء قام بتكبيرة والتكبيرة التي قام بها القوم من التحيات الأولى، ولم يقم هو معهم بها فقد قالوا عليه أن يقضيها وذلك إذا أدرك ما بعدها من الصلاة.
مسألة: وذكرت من قرأ التحيات وهو قائم أو بعضها أو قرأ الفاتحة في موضع التشهد أو لم يقرأ إلا بعضها؟.
الجواب: أن المعمول به عندنا إذا أتم التشهد كله موضع القراءة وأتم القراءة كلها موضع التشهد فقد فسدت صلاته، وإن كان لم يتم فإنه يرجع إلى الصواب ثم يتم صلاته ويسجد سجدتي الوهم بعد التسليم، ومن جواب الشيخ أحمد بن مفرج رحمه الله وعن رجل يصلي جماعة فلما رأى منهم ما لا يرضى وقف عن الصلاة، وهم يطلبونه فأبى أيكون آثما وهو مع ذلك يصيبه ما يعيقه عن الصلاة في بعض الأوقات، وعرفنا ما يجب عليه أن يصلي بهم ولا يأتي عن الصلاة بهم إلا في (1/309)
صفحة 305
وقت ما يعقيقه ما لا يقدر على الصلاة بهم، والذي إن أطاعوه وانتهوا فالله يسألهم عن أفعالهم إذا كان لا يقدر أن يردهم عن سوء فعلهم صلاة من عن يمينه وشماله أم لا؟.
الجواب: والله الموفق للصواب إذا لم تكن النجاسة تسدهما فقد سد الفرجة ولا نقض عليهما والله أعلم.
مسألة: وعمن يكون قفوة الإمام فتنتقض صلاته أو يكون ثوبه نجسا أو به دم وهو آخر قفوة الإمام، أتنتقض صلاة الجماعة أم تكون صلاتهم تامة؟.
الجواب: فصلاتهم تامة على قول أنه قد سد فرجة والله أعلم.
مسألة: وسألت عن القفوة إذا كان ثوبه نجسا أو جسده نجسا ثم ذكر أتفسد صلاة الجماعة أم لا؟.
الجواب: فلا تفسد إلا إذا نالهم بنجاسة والله أعلم، وقول: من يرى أن القفوة إمام ثاني أفسد عليهم والله أعلم.
مسألة: ومنه لعله الشيخ أحمد بن مفرج: وعن الإمام يصلي بقوم في مسجد وشاق داخل المسجد وبقي خارجه خاليا أعني المسرح، فجاء رجلان أو ثلاثة أو أربعة رجال تقدموا الصفوف وصفوا حذاء الإمام عن يمينه أو شماله وبينهم وبين الإمام فرجة أتتم صلاتهم أم لا؟. (1/310)
صفحة 306
الجواب: فالذي عرفت أنه لا يخرج من الاختلاف ويدلها إلى الاحتياط أقرب والله أعلم.
مسألة: وإذا ضاق المسجد بالجماعة أيخرجون يصفون في صرح المسجد أم يقومون بحذا الإمام؟.
الجواب: بل يصفون خلف الإمام وفي الصرح وفي خارج الصرح، وذلك أولى مرحل الإمام والله أعلم.
مسألة: ومن جواب الفقيه أحمد بن مداد بن عبد الله: وفي جماعة إذا كانوا يصلون في داخل المسجد وبقي صرح المسجد الشرقي والسهيلي وفيهما أبواب مفتحة إلى داخل المسجد وصف بعض من الجماعة عن يمين الإمام أو عن شماله، أتتم صلاة من صف عن اليمين أو الشمال أم لا؟.
الجواب: أنه لا تتم صلاة من صلى صف عن يمين الإمام أو شماله على صفتك هذه على القول الذي نراه ونعمل عليه، إلا أن المسجد لم يضق إذ له صرح شرقية وسهيلية واسع تجوز فيه الصلاة بصلاة الإمام، ولو ضاق المسجد كله ولم يثق منه مكان تجوز فيه الصلاة بصلاة الإمام جاز للذي ضاق عليه أن يصف عن يمين الإمام وشماله والله أعلم.
مسألة: وسألته عمن صلى بقوم فكان ثوبه فيه دم أو به نجاسة؟، فقال: إن علم في الوقت فعليه إعلامهم ويبدل هو وحده وصلاة المأمومين تامة، إلا أن يكون جنبا فلا تتم صلاتهم على كل حال والله أعلم. (1/311)
صفحة 307
ذكر لي سعيد بن محرز أنه سأل سليمان بن عثمان عن الإمام إذا فسدت صلاته في أي حال تفسد صلاة من خلفه، قال: لا نعرف صلاتهم تفسد إن كان بدنه دنبا فسدت صلاته وصلاتهم.
مسألة: من جواب الفقيه أحمد بن مداد رحمه الله: وفي الإمام إذا كان عليه القعود فقام بتكبيرة ساهيا ثم ذكر أيقعد بتكبيرة ثانية أم لا؟.
الجواب: فنعم يعقل بتكبيرة ثانية هكذا حفظته من جوابات الشيخ أحمد بن مفرج رحمه الله وبذلك نعمل والله أعلم، وسألته في صلاة المختلعة عن أساة، قال: إن صحت أنها اختلفت عن أساه منه كان الخلع بطلاق رجعي فإنها تصلي بصلاته إلى أن تنقضي عدتها، وإن كان الطلاق بائنا فصلاتها صلاة نفسه، وسألته عن امرأة تزوجها رجل وهم في بلد تقصر فيه الصلاة، فأتمت بتمام زوجها فمات زوجها تصلي صلاة نفسها وهي في العدة؟، قال: نعم وكذلك المطلقة ثلاثا لأن العصمة قد انقطعت والله أعلم. ومن غيره: أكثر القول والمعمول به أن على هذه المرأة التي أتمت بتمام زوجها ثم مات عنها أو طلقها ثلاثا، أو رجعيا فعليها التمام حتى تخرج من ذلك البلد التي أتمت فيه مجاوزة الفرسخين ثم حينئذ تقصر إن شاءت القصر، لأنهم قالوا إن التمام يدخل على القصر ولا يدخل القصر على التمام والتمام أولى والله أعلم. (1/312)
صفحة 308
مسألة: وأما إذا نوى الصلاة وكان مسافرا فنوى أنهاصلاة الحضر نسيانا أو كان في حضر فنوى بها سفرا، أو كانت ظهرا فنواها عصرا زلت لسانه ولم يتابعها قلبه وذكر وهو في الصلاة أو قد خرج منها فلا نقض عليه والله أعلم، هذه المسألة عن الشيخ صالح بن وضاح رحمه الله. وفي الحاشية: حفظت شفاها عن الشيخ رمضان بن عمر عن الشيخ ثاني بن خلف عن الشيخ ورد بن أحمد رحمهم الله أن الصبي إذا بلغ في أي موضع كان في سفر أو حضر ولو كان يسأل في الطريق أنه تتم الصلاة حتى يسافر من ذلك الموضع والله أعلم.
مسألة: وعنه وعمن يخرج بالسيف ويصير في حل السفر أيجوز أن يصلي جمعا صلاة السفر يفرد الصلاة وهو مقهور قهرا؟.
الجواب: فله أن يصلي صلاة سفر والله أعلم وفيه اختلاف.
مسألة: عن الشيخ عبد الله بن محمد القرن حفظه الله وفي المسافر إذا أراد أن يصلي جماعة، فإن كان إماما يتم والمأموم مسافر فلا يذكرها سفرا ولا يجوز ذلك، وإن كان إماما أو كانوا كلهم مسافرين فإنهم يذكرونها سفرا وإن لم يذكروا سفرا فلابأس عليهم ولا على أحدهم.
مسألة: ومنه أيضا رحمه الله وفيمن خرج من بلده مسافرا يتعدى فيه الفرسخين، وعند خروجه من بيته أنه يبيت دون الفرسخين أيصلي في (1/313)
صفحة 309
موضع مبيته تماما أو قصرا مثل أنه يخرج من منح يريد نزوى فينوي أنه يبيت في موضع الحرزة كيف صلاته في الجزرةظ.
الجواب: فاعلم سلمك الله أن هذا يغترق حكمه فإن كان نيته أن يخرج يفعل في الخرزة، ثم يخرج منها إلى سفر فإنه يصلي فيها تماما ما قعد فيها، فإذا أراد المسير منها قصر حين ما يأخذ في المسيرة فأما إن كان نيته أنه خارج في سفره ثم حدث له العقود في الحرزة، فإنه يصلي فيها قصرا ما قعد فيها حتى يثني عن سفره.
مسألة: وعنه أيضا رحمه الله وفيمن تزوج صبية من غير بلده وسافر بها إلى بلد يقصر فيها الصلاة ثم بلغت زوجته كيف تكون صلاتها؟، قال: إذا بلغت هذه الصبية مع زوجها ورضيت به زوجا بعد بلوغها فهي تبع لزوجها، تتم بتمامه وتقصر كما يقصر إلا أن تكون تتم فيه قبل بلوغها وهو يقصر فهي تتم على ما كانت عليه، حتى تخرج مع زوجها مسافرة تتعدى فيه الفرسخين لأن القصرلا يدخل على التمام أو يكون لها شرط سكن في موضع فهي تتم فيه الصلاة وتقصر فيها سواه والله أعلم.
مسألة: أو التي لا زوج فلا أعرف فيها شيئا مصرحا به إلا أنه لا يجوز لها أن تتخذ وطنين والله أعلم. (1/314)
صفحة 310
فصل في مسائل الطهارات والنجاسات والوضوء والتيمم وغير ذلك
من جوابات الأشياخ المتأخرين:
مسألة: عن الفقيه ناصر بن خميس: وسألته عن المتوضيء إذا أخذ غرفة من الماء ومسح بها العضو ثلاث مرات، هل يجزيه أم يحتاج أن يأخذ لكل مسحة غرفة؟، قال: لا يحتاج لكل مسحة غرفة إذا كفته الغرفة لثلاث مسحات.
مسألة: سأل سائل عن الغاسل من الجنابة إذا غسل جسده كله قبل أن يغسل موضع الأذى ويستنجي على الترتيب الذي ذكر أو غسل بعض جوارحه ثم استنجى. أينفعه غسله قبل غسل موضع الأذى أم لا؟.
الجواب: وبالله التوفيق فمعي أنه قد قيل أنه يتم له ذلك الغسل الذي غسله قبل غسل نجاسته، كان غسل بعض جوارحه أو كلها ثم إن استنجى كان متعمدا أو ناسيا، ومعي: أنه قد قيل له ذلك على النسيان فإن تعمد فلا يتم له غسله، وعليه إعادة الغسل بعد غسل أذاه وموضع النجاسة. (1/315)
صفحة 311
ومعي: أنه يخرج في بعض ما قيل أن لا ينفع الغسل بالتطهر إلا من بعد غسل الأذى من البدن وأنه إن غسل شيئا من بدنه قبل أن يتطهر كان عليه إعادة غسله ذلك إذا تطهر ولعل ذلك إذا وقع اسمه تطهير لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، فينظر في ذلك وفي معانيه.
مسألة: وإن غسل الجنابة وغسل الحيض فرض، وغسل الميت وغسل النعاس سنة.
مسألة: من جواب الشيخ ناصر بن خميس رحمه الله: في الماء الذي يجري من التطهر من حوض ومثله في مجتمعه، هل هو طاهر أم نجس إذا كان ذلك التطهر من نجاسة كان قليلا أو كثيرا أم لا عرفنا الوجه الجائز؟.
الجواب: إن كانالماء الطاهر غالبا على النجاسة ففي طهارته اختلاف والأحسن معنا التنزع عنه مع الإمكان لغيره مما لا يختلف في طهارته والله أعلم.
مسألة: عن الشيخ محمد بن مداد فيمن مس قملة بيده ونسي أن يغسلها بالماء ثم إنه توضأ للصلاة وصلى، أعليه البدل وتصير ثيابه نجسة أم لا؟.
الجواب: إن مس القملة وقبضها بيده ولم يعلم أنه خرج في يده منها ذرق ففي ذلك قولان، قول: أن يده نجسة حتى يعلم أنه لم يخرج منها في يده ذرق. (1/316)
صفحة 312
وقول: أن يده طاهرة حتى يعلم أنه خرجمنها ذرق في يده، وعلى صفتك هذه أن يده طاهرة وكذلك وضوءه تام وثيابه طاهرة على قول بعض المسلمين، وأنا أحب هذا الرأي والله أعلم.
مسألة: وسمعت أبا الحسن يقول أن القملة والفيل إذا وقعا في بئر واحد يعني إذا ماتا.
مسألة: لعلها عن الصبحي وقال أن القبرة إذا خرجه من الماء فما خرج منها من بول فيما دون ثلاث قمحات فلابأس به أما فوق الثلاث قمحات فهو نجس، وفي الذي يرى النجاسة في المسجد أيجوز له أن يولي عنها من غير أن يغسلها؟.
الجواب: عن الشيخ محمد بن راشد أنه يجيز إن شاء غسلها وإن شاء تركها، وعن ابن عبيدان قال: إذا كان الدم الذي في السكين يابسا وصلى بها مغمورة فجائزة صلاته وإن كان رطبا فلا تجوز بها الصلاة، وكذلك الحزقة النجسة على هذه الصفة والله أعلم.
مسألة: قال أبو سعيد: كل نجاسة أزالها من موضعها الماء الطاهر من البدن والثوب وغير ذلك، أنها طهرت ولو لم يكن المبتلى بها فعل ذلك والله أعلم إذا أزالها الماء والله أعلم. (1/317)
صفحة 313
مسألة: قال أبو سعيد: يخرج عندي في النجاسة من الجنابة والدم إذا عولج شيء حتى ذهب أثره أو سحق بثوب حتى زال أنه يكون بمنزلة النجاسات من غير الذوات، وعنه: وفي موضع آخر فيمن في بطن رجله نجاسة ثم سحقها بالأرض حتى زالت هل تطهر بغير الماء؟، قال: لا أعلم ذلك في البدن إلا بالغسل، فإن مشى في تراب نجس ورجله رطبة ثم مشى حتى يبست رجله وصفت من ذلك التراب فكذلك. وأما النعل فيطهر لأنها تفنى والله أعلم.
مسألة: قال أبو سعيد: يقع الإجماع أن الشمس والريح لا يطهران البدن والثياب والله أعلم.
مسألة: من كتاب المصنف: قال أبو سعيد: نجاسة وقعت في شيء يهلك بالعرك مثل قرطاس أنه يجزيء أن يصب عليه الماء مرة إذا كان أكثر من النجاسة ولم يكن النجاسة غير قائمة وأثر باق، وأحب ثلاثا إذا كان يهلك من صب الماء عليه فإذا بلغ بطهارته بأي واحد أجزأ. (1/318)
صفحة 314
مسألة: ومن كتاب الضياء: من كان به جرح يضره الماء ووجب عليه الغسل غسل سائر جسده ولا تيمم عليه لأنه عليه غسل مواضع الصحة إلا ما كان غسله لا يجب وعليه التيمم لأنه لا يجوز له الجمع بين البدل والمبدل منه، فإذا لزمه الغسل سقط التيمم والله أعلم.
مسألة: ومن خاف على نفسه التلف من استعمال الماء من شدة البرد تيمم وصلى وفي إعادة الصلاة اختلاف بين أصحابنا وبين قومنا أيضا.
مسألة: ومن كان في الحضر فلم يجد الماء فخاف فوت الصلاة، فقول: يتيمم ويصلي، وقول: يطلب الماء ولو فات الوقت وفي موضع لو أن رجلا أخر الصلاة في السفر رجاء أن يلحق الماء حتى يفوت وقتها كان عليه القضاء والكفارة، وكذلك المقيم على قول من رأى عليه التيمم.
مسألة: وقيل: في بول الطير أن ما كان يفسد حزقه يفسد بوله وما لم يفسد حزقه من الطير لم يفسد بوله، وكذلك الفأر والخناز والأماحي وما أشبه هذا فقول: يفسد، وقول: لا يفسد، هذا نقلته من جزء المصنف في الطهارات حرفا حرفا والله أعلم. (1/319)
صفحة 315
مسألة: سألت أبا سعيد: عمن يتمخط أو يبزق وهو على وضوء وخرج في البزاق والمخاط دم هل ينتقض وضوءه أم لا؟.
الجواب: ينتقض بجروح النجاسة والله أعلم.
مسألة: وفيمن مسح عضوا من أعضائه ولم يقل عليه الدعاء بل مسحه ثلاثا بغير قول يجزيه ذلك أم لا؟.
الجواب: يجزيه ذلك ولا إعادة عليه والله أعلم.
مسألة: عن محمد بن عبد الله بن مداد: وعن رجل يسير في الدرب من دار إلى دار وعليه ثياب طاهرات وصار كلما جاء من البول والغائط يتيمم وتعرق ثيابه؟.
الجواب: إذا تيمم من عن الماء فلا ينجس ثيابه والله أعلم.
مسألة: قال أبو سعيد الدم المسفوح لا يفسد.
مسألة: ومن جواب الشيخ ناصر بن خميس: وفيمن يغسل ثوبا نجسا في فلج ويطير منه ماء ما تقول في ذلك الماء طاهر أم نجس؟.
الجواب: إن كان الماء غالبا على النجاسة فالشرب منه طاهر والله أعلم. (1/320)
صفحة 316
مسألة: عن ابن عبيدان: التوب إذا كان فيه جنابة فليذكر الجنابة على معنى قول وفي الإنسان إذا كان في الماء عريانا ويتحرث في ذلك نهي تحريم أم كراهية وعند قضاء الحاجة؟.
الجواب: في جميع ذلك كراهية.
مسألة: وفي الأواني إذا كانت في الماء محلولات أعني الفلج وهن نجسات إذا نالهن المتوضيء في وضوءه أم لا؟.
الجواب: في ذلك اختلاف، قال من قال: ينتقض وضوءه. وقال من قال: لا ينقض وضوءه.
مسألة: وفي الطين إذا تنجست وداخلها ماء في الإناء كيف حكم الذي داخلها نجس أم طاهر؟.
الجواب: إذا لم تدخل الطين داخل الماء فحكم ما في الإناء طاهر، وإذا تدخل النجاسة داخل السقا فالماء الذي فيه طاهر، والأواني المصبوغات فيعجبني طاهر ما فيهن.
مسألة: وأما الحل الذي يؤتى به البحر فحكمه الطهارة. (1/321)
صفحة 317
مسألة: من حلف بالنبي ص، قال من قال: ينتقض وضوءه ولو كان صادقا. وقال من قال: لا ينتقض وضوءه.
مسألة: وفيمن بيديه وبدنه نجاسة وهو في موضع لا يجد الماء وتيمم بالتراب ثم غرق في ثيابه، ومس شيئا من الطهارات أتنجس ثيابه التي عليه وكذلك ما مس من الطاهرات أينجسه أم لا؟.
الجواب: إن جميع ما مس فلا ينجس لأن التيمم يقوم مقام الغسل بالماء عند عدم الماء والله أعلم، نقلت هذه المسألة وأظنها من عبد الله بن عبيدان.
مسألة: ورجل مس شيئا من الأطعمة وهو متيمم وجسده رطب ويداه نجستان وعرق في ثيابه وجسده نجس ثم وجد الماء من بعد، أتكون ثيابه نجسة والطعام الذي مسه في حال تيممه نجس أم طاهر على حكمه الأول إذ قد بطل حكم التيمم بوجود الماء؟.
الجواب: إن جميع الذي ذكرته طاهر غير أنه إذا وجد الماء فعليه أن يغسل ثيابه وبدنه والله أعلم.
مسألة: وفي المتوضيء إذا تنجس وأحس في حلقه حموضة إلا أن ذلك لم يظهر على فمه ولا لسانه، ولم يفض وصار يتجرع بريقه أتذهب تلك (1/322)
صفحة 318
الحموضة فلم تذهب وهي أقرب إلى داخل أنه لا ينتقض وضوءه والله أعلم.
مسألة: وصفة الريح الرطبة التي تنقض الطهارة والوضوء يعني التي يخرج معها شيء من العذرة والله أعلم.
مسألة: وجوابه في دم الذباب ودم البعوض إذا كان في الثوب أنه طاهر على أكثر القول والله أعلم.
مسألة: وفي خرص الخزف إذا تنجس ظاهره وفي داخله تمر مكنوزا ينجس التمر الذي فيه أم لا؟.
الجواب: ما لم يبن عندك أن النجاسة وصلت إلى داخل الخرس فحكم التمر طاهر والله أعلم.
مسألة: وأما أهل الكتابين فجائز أكل طعامهم على قول بعض المسلمين وقول لا يجوز والله أعلم.
مسألة: وهل يجوز أن يدخل أحد المسجد بثوب فيه بول وغائط أو دم أو جنابة أم لا؟.
الجواب: فعلى ما وصفت لا يجوز ما ذكرته. (1/323)
صفحة 319
مسألة: وفي المتوضيء إذا خرج من دبره ريح لا صوت لها ولا رائحة أينتقض وضوءه أم لا؟.
الجواب: ينتقض وضوءه والله أعلم.
مسألة: عن ابن عبيدان وأما المتوضيء إذا مس الميتة وهي يابسة ففي أكثر القول ينتقض وضوءه وفيه اختلاف والله أعلم.
مسألة: قال أبو سعيد: ما يخرج من القملة من دبرها ومن ذرقها أشد من بول الفأر، وبول الفأر فيه اختلاف وذلكما لا يعلم فيه اختلافا وأما ما خرج من فمها من رطوبة فقد اختلف فيه وهو أهون عندي من بول الفأر.
مسألة: تركتها وأتيت بالجواب.
الجواب: إذا لم يكن أحد في ذلك الوقت في ذلك المكان فإنه يتطهر بالماء وهو أولى من التيمم وإن كان أحد في ذلك الوقت بذلك المكان، فلا يجوز له أن يبدي عورته للناس ويستتر في مكان مستتر.
مسألة: وإن لم يصح مكان مستتر فالتيمم أولى والله أعلم. (1/324)
صفحة 320
والذي انتشر ذكره عن شهوة ثم سكن فخرجت منه رطوبة أعليه غسل أم لا؟.
الجواب: في ذلك اختلاف، قال من قال من المسلمين: عليه الغسل. وقال من قال: لا غسل عليه والله أعلم.
مسألة: عن الشيخ سليمان بن محمد بن مداد: والمتوضيء إذا استغفر الله صادقا من ذنب قد سلف منه أنه لا يعود إليه أبدا فهو طاعة ووضوئه تام والله أعلم.
مسألة: والمتوضيء أعليه عند المضمضة أن يدخل أصبعه في فمنه ويستاك بها أم يكفي إذا جرى الماء بفمه؟.
الجواب: أن عليه أن يدخل أصبعه في فمه والله أعلم.
مسألة: وإذا مس المتوضيء ذكره من فوق الثوب بشيء إذا كان غير عابث أو من تحت الثوب أينتقض وضوءه، وإذا لم يمس الثقب نفسه وكذلك الدبر؟.
الجواب: أما من فوق الثوب فلا ينتقض وضوءه وأما من تحت الثوب فأكثر القول أنه ينتقض.
مسألة: وإذا حلف أحد برأس أحد وهو متوضيء لكنه لم يكسر السين وإنما فتحها. (1/325)
صفحة 321
قال من قال من المسلمين: وضوءه ينتقض، وقال من قال: لا ينتقض والله أعلم، والميتة إذا ماتت أنه يجوز أن تفطر على قول بعض المسلمين لأنه قد قال بعض المسلمين ليس بعد الموت تعبد على معنى قوله.
مسألة: والضفدع إذا ماتت في ماء في وعاء أتنجسه أم لا؟.
الجواب: في ذلك اختلاف وأكثر القول لا ينجس.
مسألة: والبئر إذا وجد فيها ميتة فقال: بعض المسلمين: أنه يحكم بنجاسة البئر يوم وجدت الرائحة، وقال من قال: يحكم بنجاستها يوم وجد الميتة ومن عمل بهذا القول فجائز والله أعلم.
مسألة: وفي البزاق والمخاط إذا كان يخالطه دم غير غالب عليه في ذلك اختلاف، ويعجبني التنزه وتعجبني نجاسته.
مسألة: وإذا شرب أحد ماء ثم تجشأ فخرج من صدره ذلك الوقت شيء من الماء غير متغير، يعجبني: أن يكون نجسا على القول الذي يعمل عليه والله أعلم. (1/326)
صفحة 322
مسألة: عن الفقيه سليمان ابن محمد بن مداد: أن خروج الماء من حبوب الجسد أو الدماميل أو ما كان من الجراحات أو القروح الحادثة لابأس به وهو طاهر عندنا إذا لم يكن به دم خالص.
مسألة: عن ابن عبيدان: والقروح إذا كانت فيها مدة ودم وكان الخارج منها فيه صفرة أو حمرة أيكون طاهرا أم نجسا؟.
الجواب: إذا لم يكن الدم متوحدا وإنما هو حمرة فإنه طاهر.
مسألة: وفيمن يغسل شيئا من النجاسات فيطشه الماء الذي قد صار في الأرض إلا أنه من غير لسان الماء بل من أوسطه والنجاسة غير غالبة؟.
الجواب: إذا كان الماء غالبا فلابأس ولا ينجس.
مسألة: وقراءة القرآ وكتابته فلا يجوز للجنب وأما قراءة ذكر الله فجائز للجنب وأما الحمد فلا.
مسألة: في الجنب والحائض لا يجوز لهما قراءة القرآن ولا كتابته وليس لهما أن يحملا شيئا من أسماء الله إلا أن يحملاه بشيء.
مسألة: ودم البرغوث والضميح والمكون والكتكوالتاخي يجري في ذلك اختلاف وطهارته أقرب. (1/327)
صفحة 323
مسألة: عن الشيخ ناصر بن خميس: فيمن ترك الاستعاذة والبسملة عند ابتدائه الوضوء عمدا أو نسيانا أنه لا نقض عليه إذا لم يرد بذلك خلاف السنة، وأن ذلك استحباب لا إيجاب والله أعلم.
مسألة: عن الفقيه سعيد بن بشير الصبحي فيما أرجو ومن نسى المضمضة والاستنشاق وذكرهما وهو في الإقامة والتوجيه، قال: أحسب أنه مما يختلف في إعادتها بعدما نسيها وخرج من الماء والله أعلم.
مسألة: لعلها من منهاج العدل عن الشيخ أحمد بن مفرح عن الحوض المبني بالصاروخ تصيبه النجاسة ودامت فيه أينشف أم يملأ ماء ويغسل؟.
الجواب: والله أعلم فإذا كان ينشف فمثله كمثل ما ينشف والله أعلم.
مسألة: ومنه تأملت كتابكم وما سألتم عنه من سماد وروث الدواب ففيه اختلاف وقيل بشربتين وقيل بثلاث والله أعلم.
مسألة: ومنه وفي ثوب رفح في الشمس وفيه قمل ومات القمل أتجوز الصلاة به أم لا؟.
الجواب: فلا يجوز حتى يخرج والله أعلم. (1/328)
صفحة 324
مسألة: وفي ثوب أحرقته النار هل فيه بأس؟.
الجواب: فلابأس وفيه أيضا اختلاف والله أعلم.
مسألة: وعنه وفيمن يهيج ثوبه على النار وفيه قمل أيجوز أم لا؟.
الجواب: فلا يجوز إلا من ضرورة والله أعلم نقلت هذا على المعنى ليس اللفظ كله.
مسألة: وعنه وعن الحفرة التي يجتمع فيها السبب أيكون الماء طاهرا أم نجسا؟.
الجواب: فإذا كان الماء غالبا على النجاسة فهو طاهر.
مسألة: وعنه من جواب الشيخ صالح بن وضاح: وحرق النار في الثوب لا ينجسه وفي البدن ينجسه والله أعلم.
مسألة: وأماد* به الحمل إذا تنجست فالجواب عن الشيخ أحمد بن مفرج وعن المداد إذا تنجس أيجوز أن يكتب به؟، الثوب لا ينجسه وفي البدن ينجسه والله أعلم.
مسألة: ومنه ومن جواب وضاح بن محمد: وسألت عن الخشب إذا أصابته النجاسة أيجزيه صب الماء أم يوزق في الماء؟. (1/329)
صفحة 325
الجواب: إن الخشب يجعل في الماء حتى يدخل الماء الطاهر مداخل النجاسة ويعتبر حال النجاسة وحال الخشب مثل الطبق وغيره ثلاثة أيام أو يوم وليلة، ومثل الأبواب ثلاثة أيام، ومثل المرء وما أشبهه ستة أيام والله أعلم، ومنه: في جواب ورد بن أحمد وسئل عن رجل اكتحل بحكل عارضته النجاسة وبقي سواء في عينيه إذا غسله فقد طهر، وكذلك الحناء إذا طهر وخرج الماء صافيا فقد طهر والله أعلم.
مسألة: ومنه ومن جواب أحمد بن مفرج رحمه الله: وعمن نسي أن يعقد النية في حين غسله من الجنابة وقصده أن يغتسل من الجنابة ونسي ولم يعتقد عند الغسل أيتم غسله أم لا؟.
الجواب: فعلى ما وصفت.
مسألة: فإذا خرج قاصد الغسل من الجنابة فالنية تجزيه ولم ينزل الماء يجب عليه الغسل أم لا؟.
الجواب: نعم يجب عليهما ومن وطيء من فوق الثوب كم وطيء من تحته والله أعلم.
مسألة: وعمن نظر فرج رجل أو امرأة خطأمنه بغير عمد وهو على وضوء هل ينتقض وضوءه بنظرة أم لا؟.
الجواب: إن كان من غير رأيه فلا نقض عليه. (1/330)
صفحة 326
مسألة: عن الشيخة بنت راشد: من تيمم من عدم الماء من نجاسة ومس شيئا رطبا من طعام ودهن وغيره ما حكم ما مسه إذا وجد ماء؟.
الجواب: فمن الشيخ سعيد بن بشير: أن رطوباته نجسة وعن القاضي بن عبيدان أنها طاهرة.
مسألة: وسألته عن الحمرة التي في البيضة؟، قال: إن تحولت دما أو لحمة فهي نجسة وأما الحمرة فالله أعلم.
مسألة: وإن سكب الماء على رجل جنب غسله غسلا ولم يمسح بيده على جسده على يجزيه ذلك أم لا؟.
الجواب: الجنب إذا سكب عليه الماء فهو طاهر.
مسألة: وأما حرق النار في البدن فهو طاهر ليس بنجس ولا ينقض الوضوء وفيه اختلاف. قال الناظر: حرق النار في البدن نجس إذا احترق الجلد وينقض الوضوء والله أعلم.
مسألة: وقرض الثوب الفأر فيه اختلاف.
مسألة: وسألته عن البئر إذا وجدوا لمائها طعما أو شموا لها ريحا ثم وجدوا (1/331)
صفحة 327
فيها ميتو قلت يحكم بنجاستها مذ وجدوا الميتة أو مذ وجدوا لها طعما أو ريحا، قال: يحكم بنجاستها مذ وجدوا الطعم أو الريح والله أعلم.
مسألة: وفيمن قتل قملة ونسى وأكل طعاما كيف يكون الحكم في الطعام ففيه اختلاف، فبعض: لا ينجسه حتى يعلم أنه ناله من رطوباتها ودمها، وبعض: أفسد والله أعلم.
مسألة: وسألت أبا سعيد: من سؤر الخيل والجمال والحمير والبقر طاهر أم لها؟.
الجواب: إن سؤرهن طاهر وروثهن طاهر ما سوى روث البقر.
قال المؤلف: أرواث جميع هذه الدواب المذكورة طاهرة، وبعض: نجس روث الأنثى لأنه يمر على مجرى البول وعلى الحيا والله أعلم.
مسألة: وأما الذي قتل قملة بيده ونسي إن غسلها فتوضأ للصلاة ولم ينو لها غسلا وصلى ما حكم صلاته؟، فالذي عندي إن توضأ من نهر أو ماء مستجرف فصلاته تامة وإن توضأ من إناء أخاف فساد صلاته والله أعلم. (1/332)
صفحة 328
مسألة: ومن تصعد بالتراب للصلاة إذا تكلم قبل أن يصلي هل ينقض عليه أم لا؟.
الجواب: فلا نقض عليه والله أعلم.
مسألة: من جامع أبي الحسن: فأما الفروج فمحرم في الكتاب والسنة والاختلاف بينهم في العورة، وقد قيل: إن السرة والركبة من العورة وههما حدان داخلان في العورة، واختلفوا في نظرهما وأمذاهما، بعض: نقض من نظرهما، وبعض: لم ينقض الطهر من ذلك، وقال قوم: العورة المحرمة ومنابت الشعر إلى مستغلظ الفخذين وهذا الاختلاف بينهم في العورة ولا خلاف في نظر الفرج، فمن نظر من أحد متعمدا لحقه الوعيد من الله ورسوله لركوب ما نهى عنه، وقد قيل أن رسول الله ص لعن الناظر والمنظور إليه، فمن أظهر عورته متعمدا ركب ما نهى الله ورسوله ص ولحقه الوعيد، وكان عاصيا لله فيما فعل ما لا يحل له فنظر المحارم كلها حرام، على من نظر ذلك وقد نهى الله عن ذلك. (1/333)
صفحة 329
مسألة: تركت أولها وأما أبناء المسلمين محكوم لهم بالطهارة وما حكم له بالطهارة فما وراءه وسواس، ومن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو طاهر محكوم له بحكم الطهارة ثم وكتبه أبو سعيد بيده.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن المتوضيء إذا دلغه شيء مثل دبي أو عرب أو عقرب أو حية أو فأر وخرج من مكان اللدغة ماء أصفر أو أبيض أو لم يخرج شيء هل ينتقض وضوءه ويتنجس بدنه أم لا؟.
الجواب: إنه نجس موضع اللدغة وينتقض وضوءه إذا لدغته الحية أو الفأر أو السبع أو ما أشبه ذلك وكتبه علي بيده.
مسألة: هل يجوز للرجل أن يدارس المرأة الأجنبية القرآن أم لا؟.
الجواب: وبالله التوفيق إذا كان ذلك بطهارة قلب فجائز ذلك والله أعلم، وهذه المسألة تنسب أنها من جواب الشيخ أبي عبد الله محمد ابن عبد الله بن جمعة بن عبيدان ومن جواب الشيخ سعيد بن أحمد الكندي على إثر كلام متقدم، وأما ما ذكرت في حال الصلاة فيعجبني أن يصلي في أول الوقت وكل من تقدم في أول الوقت كان أفضل إذ يروى عن النبي ص أنه سئل عن أفضل الأعمال، قال: الصلاة في أول وقتها. (1/334)
صفحة 330
وقد قال الله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} فقد جاء في التأويل عن أصحابنا لم نعلم بينهم اختلافا في ذلك أن دلوكها زوالها، وكذلك مما جاءت عن عامة القوم منهم قولا وعملا فهذا مما تأتي لي مما سألت عنه والله أعلم، واعمل بما بان لك صوابه ولا معنى لتأخير الصلاة عن أول وقتها بالقدم، ولا بثلث القدم إلا لأجل الانتظار للجماعة الثابتين الذين لم يتخلفوا عن الصلاة إلا من عذر إباحة الشرع، وهو بقدر ما يتوضأ الإنسان في بيته ويجيء إلى المسجد إذا كان المسجد يلزمه عمارته إذا كان الآذان في أول الوقت والعذر النوم والنسيان، والأحداث التي تطرق الإنسان على غير الاختيار، وأما من اشتغل ببيعه وشرائه وحرثه وشغله لأمور الدنياوية فلا ينتظر ولا كرامة له، ولا نعم عين وقد حرم نفسه الفضل وهذا شيء يبصر مع أهل العقول إذا ارتفع حجاب الأهونةوالتبليد من القلوب، لاسيما الإنسان إذا كان من شأنه يصطاد قبول الحق ويأنف عن اتباع عدوه الشيطان الرجيم، فهذا ما ييسر الله تبيين ما سألت عنه من المحب الفقير سعيد بن أحمد الكندي بيده، ومن هذا الكتاب وقيل: من أقام صلاة الظهر قبل أن تزول الشمس وكبر تكبيرة الإحرام بعد الزوال فقد جازت صلاته والله أعلم. ومن سيرة الفقيه العالم جمعة بن علي إلى أهل إبرا: أما بعدبلغني عنكم أنكم تؤخرون الصلوات عن أوقاتها فلا أحب لكم ذلك لأني لا أرضى لنفسي ذلك، ولا تقتدوا بالعلايم واقتدوا بأهل العلم في ذلك والآثار الصحيحة، وسنة رسول الله ص وسنوا في الناس سنة حسنة بتقديمكم الصلاة، ومن سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ولا تبالوا بقول الجهال والعوام وابتغوا الأصول. (1/335)
صفحة 331
وقيل: من لم يبن دينه على الأصول لم يكن له إلى الصلاة وصول ولم يكن له من أساس، ولا محصول وفي صحيح السنة والآثار أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها، وقيل: في أول وقتها رضوان الله وأوسط وقتها رحمه الله وآخر وقتها عفو الله والعفو لا يكون إلا من التقصير، وقيل: لو يعلم المرء ما يفوته من فضل أول الوقت لافتدى بما ملكت يداه من مال وولد، وأمثال هذا كثير من أوصاف أول أوقات الصلاة والتحذير عن تأخيرها والتهاون لها تركته خف الإطالة. ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها، وأحب الصلاة عندي لصلاة الظهر مقدار أثر بعد الزوال، والعصر إذا انقضى وقت الظهر والمغرب بعد الغروب ووصول السواد إلى الرأس، بالحال لا ينتظر أحدا. والعتمة بعد درس جزء وبين في الحر والفجر إذا صار المشرق مثل طبق القرطاس والنجوم زاهرة مشتبكة والله أعلم.
مسألة: الإعانة والتوفيق لمن أسند الأمور وأصاب الحق ومن جاهد فإنما يجاهد لفقه ومن علم الله فيه الخير وفقه الأجير والمعلم أحق بالنصيحة فهذه هدية، ونصيحة مني لكم فاقبلوها واعملوا بما فيها أرجو بذلك الثواب من الملك الواهب كتبه الأقل لله تعالى علي بن سعيد بن خميس البراشدي الأزدي بيده. (1/336)
صفحة 332
مسألة: وعن الصلاة على الخوص المجتمع والقصب والتبن والليف وورق الشجر وهشيم الحشيش المجتمع إذا سجد عليه المصلي لصق بالأرض، وإذا نهض عنه ثنى أتجوز عليه الصلاة أم لا؟، قال: إذا كان تائبا جازت عليه الصلاة وأما إذا غاصت مساجد المصلى فيه فلا تجوز عليه الصلاة، وقال إن الرجل إذا نسي أن يقرأ التحيات الأولى حتى صار إلى القراءة، فله أن يرجع إلى التحيات ما لم يجاوز الركوع إلى ربنا لك الحمد، وذكر أن قول سمع الله لمن حمده فيه اختلاف، منهم من قال: أنها من الركوع. ومنهم من قال: إنها من السجود والله أعلم.
مسألة: وقد اختلفوا في الكفارة على المتشاغل عن الصلاة، وقال: المتشاغل عن الصلاة وهو يقول أقوم أصلي ويتوانى في ذلك حتى يفوت الوقت إنما الكفارات على المتعمد.
مسألة: وقال: إن الصاروج والأجر جائز الصلاة عنهما وأما التيمم بهما فلا يجوز وسبيلهما سبيل الماء المستعمل وأما الرماد والحض فلا يصلى عليهما وفي ذلك اختلاف. (1/337)
صفحة 333
مسألة: وسألته عن رجل حضرته الصلاة وهو في بلد مقيما فالتمس الماء فلم يجده، هل له أن يتيمم ويصلي؟، قال: قد قيل أن التيمم للمسافر أما المقيم فليس له أن يتيممويجتهد في طلب الماء إلى أن يجده، فإذا وجده تمسح وصلى ولو فات الوقت. قال الفقير إلى الله تعالى علي بن سعيد بن جميل البراشدي الأزدي ومعي أنه قيل إذا خاف أن يفوت عليه وقت الصلاة قبل أن يصل إلى الماء، ويتوضأ ويصلي فإنه يتيمم ويصلي ولو كان مقيما والله أعلم. ولا يؤخذ إلا بالحق والصواب منه.
مسألة: والنية فرض في كتاب الله وهي نية قبل الإقامة باللسان ونية عند تكبيرة الإحرام، وهي عقد بالقلب وعزيمة على الجوارح وهي أوكد من الأولى، وهي أن تقول أؤدي الفريضة وأن الكعبة قبلتي طاعة لله ولرسوله، وفي النية للصلاة اختلافا أيضا، قال بعض: تكون عند الدخول في الصلاة والإرادة لها، وقال آخرون: بل تكون عند تكبيرة الإحرام وفيهما اختلاف من وجه آخر، قال قوم: تكون قولا باللسان. (1/338)
صفحة 334
وقال آخرون: تكون اعتقادا بالقلب بغير قول وهو أفضل، وقال قوم: بالاكمال في النية أن ينوي بقلبه ويلفظ بلسانه، قال المصنف: وإنما الأولى في الدخول للصلاة إذ هي أصل وبها ينعقد ثم بتجديد النية ثانية، يكون التمام والكمال وهي قبل تكبيرة الإحرام، وكان اختيار أبي عبد الله محمد بن سليمان تجديد النية عند تكبيرة الإحرام، وأنه يصك على ضروسه وينوي بقلبه بلا أن يخرج، لعله يحرك بها لسانه وكان هذا من اختياره، وقيل: إن النية الأولى تكفي عن تجديدها عند تكبيرة الإحرام. وقال غيره: عليه أن ينوي عند قيامه للصلاة معي أنه قد قيل إذا جهل من حدود الصلاة فهو كم جهل الصلاة، وقيل: حتى بجهل ركعة تأمر.
مسألة: وسألته عن رجل كان جاهلا بما ينقض الوضوء وكان يلمس فرجه وهو متطهر ويقوم يصلي من غير إعادة الوضوء، ما تكون صلاته تامة أم فاسدة وعليه البدل والكفارة أم البدل ولا كفارة؟، قال: إن مس الثقبين ولم يعد التطهر فعليه البدل والكفارة.
مسألة: وعن رجل خرج مسافرا ولم يجد ماء وجهل أن يتيمم ويصلي فترك الصلاة حتى وجد الماء وصلى هل عليه كفارة؟، قال: لا. (1/339)
صفحة 335
قال المصنف: وقد قيل عليه الكفارة إن جهل التيمم في الحضر ولا كفارة عليه في السفر والله أعلم، انقضت الزيادة المضافة.
من كتاب المصنف: ومن جوابات الشيخ أبي سعيد: وأما الصلاة فلا يجوز معي تركها في خوف ولا محاربة من موافقة ولا مسايفة، فإن ترك تارك الصلاة في حال المسايفة فيما يكون فيه التكبيرة، فقد قيل أنه من جهل صلاة التكبير من مريض أو غريق فعليه التوبة والبدل والكفارة عليه. وإن كان ذلك شغل ونسيان لها وعجز عنها فلا شيء عليه وعليه البدل فافهم ذلك، ولابد بالقيام للصلاة على كل حال ممن قدر عليها بالتمام والوضوء فعليه ذلك، ومن قدر عليها بالتمام وعجز عن الماء فعليه التيمم والصلاة ومن عجز عن ذلك كله فعليه الصلاة، وإن عجز حفظ الصلاة كبر للصلاة فإذا عجز عن حفظها بركوعها وسجودها، والقيام بحدودها أو بشيء منها فلا عذر له في تركها ولو قدرها في نفسه، ونواها إذا قدر على ذلك ولم يقدر على الكلام فافهم ذلك.
وقلت: من ترك من ركعات السنة شيئا متعمدا هل عليه كفارة كما عليه في الفريضة أم لا؟، قال: فأما سنة الوتر فقد قيل على من تركها الكفارة، وفي بعض القول: على التعمد، وقول: لا كفارة عليه. (1/340)
صفحة 336
وأما سائر ذلك من الركعات من ركعتي الفجر والمغرب فقد أساء.
مسألة: ومن نقضت عليه الصلوات فقد قيل إنما عليه بدل الفرائض والوتر، وقال بعض: يبدل ركعتي الفجر وركعتي المغرب.
مسألة: وأما الذي يتحدث ويظن أن الوت بعد وقد علم بالوقت أنه قد دخل فلما خرج فإذا بالوقت ضيق فإن فاتت الصلاة على هذا، فقال من قال: عليه كفارة المغلظة، وقال من قالك لا شيء عليه غير التوبة والصلاة، وقال من قال: صيام عشرة أيام وأحب ذلك.
مسألة: ومن تشاغل عن الصلاة بشيء غيرها حتى تفوت وهو ذاكر لها فلا عذر له وعليه الصلاة والكفارة، ولا يترك الصلاة لذهاب المال ولا العمل في أمر الدنيا إنما يعذر من عذره الله أظنها من جامع أبي الحسن، ومن منع عن الصلاة فلم يصل كما أمكنه جهلا منه ذلك ففي الكفارة اختلاف، منهم من لم يرى له عذرا وعليه الكفارة، ومنهم من عذره، والكفارة إنما هي عقوبة المتعبد بها. (1/341)
صفحة 337
تمت القطعة الأولى من جامع الجواهر وهي الأولى من أحكام الصلاة وفي الطهارات والغسل من الجنابة والوضوء، وفي الصلاة وما جاء فيها من الحافظ وفي الإخلاص في الصلاة وفي النية في الصلاة وفيمن ترك الصلاة بعد وجوبها، وما يشتمل على ذلك من أبواب الصلاة وفي الأوقات التي لا تجوز الصلاة فيه، وفي بناء المساجد وفي كيفية تأدية الصلاة بعون الله وحسن توفيقه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقع الفراغ من نسخ هذا الكتاب يوم الاثنين لعشرين ليلة خلت من شهر رمضان من شهور سنة أربع وستين سنة ومائتي سنة وألف سنة، بقلم الأقل ابن ناصر بن خميس بن سليمان ابن سعيد الحارثي نسخة لشيخه وصفي وده محمد بن سيد بن سعيد الحبسي، وكان تمامه بقرية المضيبي ويومئذ بعمان نخل شديد نسأل الله تعالى أن يرحمنا ويعيننا آمين آمين. (1/342)
صفحة 338
الفهرس
صفحة
باب: في صلاة العيدين ووجوبها وحكم تاركها من الكل والبعض وفي التكبير عند الخروج إلى صلاة العيدين وفي الاغتسال يوم العيد والخروج إلى المصلى ... 9
فصل: في صلاة العيدين والتكبير عند الخروج إلى صلاة العيدين ... 15
فصل: في الاغتسال يوم العيد ... 18
فصل: في الخروج إلى المصلى ... 19
باب: في لزوم الخروج إلى العيدين ومن له العذر في التخلف فيه والصلاة وحده وفي وقت الغدو إذا غمي على القوم شهر شوال وفي الأكل يوم الفطر قبل الغدو وفي صفة صلاة العيدين وفي صفة التكبير فيها ... 20
فصل: في وقت الغدو إذا غمي على القوم شهر شوال ... 23
فصل: الأكل يوم الفطر قبل الغدو وغيره ... 28
فصل: في صفة صلاة العيدين ... 30
باب: في خروج الناس إلى العيد واللباس وما يستحب من ذلك وفي التقديم والتأخير وفي النية في صلاة العيدين وفي الإمامة في صلاة العيد وفي الإمام بعد الإمام في موضع واحد وفيمنزاد في تكبير العيدين أو نقص ومعاني ذلك وما أشبه ذلك ... 34
فصل: فيمن زاد تكبير العيدين أو نقص ... 37
فصل: في النية في صلاة العيدين ومعاني ذلك ... 39
فصل: في صلاة العيد إمام بعد إمام في موضع واحد ... 41
باب فيمن انتقض وضوءه عند صلاة العيد وفي صلاة العيدين للمسافرين وفيمن سبقه الإمام في صلاة العيدين وفيمن انتقضت عليه صلاة العيد وفي تكبير التشريق ومعاني ذلك ... 42
فصل: في صلاة العيدين للمسافرين ... 44
فصل: فيمن سبقه الإمام في صلاة العيد ... 46
فصل: في تكبير التشريق ... 51
باب: في صلاة القيام في شهر رمضان والنية لقيام شهر رمضان ومعاني (1/343)
صفحة 339
ذلك وما أشبه ذلك ... 54
فصل: في النية لقيام شهر رمضان ... 66
باب: في صلاة الضحى وفي صلاة التطوع وفي صلاة النافلة وفي قيام الليل ومعاني ذلك وما أشبه ذلك ... 70
فصل: في صلاة الضحى ... 72
فصل: في صلاة التطوع ... 74
فصل: في صلاة التطوع والنافلة ... 78
فصل: في قيام الليل وما جاء في ذلك ... 81
فصل: في صلاة التطوع أيضا ... 88
باب: في صلاة الكسوف والآيات والاستسقاء ومعاني ذلك وما أشبه ذلك ... 95
فصل: في صلاة الكسوف والآيات ... 99
فصلك في الاستسقاء ... 100
فصل: في الاستسقاء أيضا ... 106 (1/344)
صفحة 340
باب: في الموت وفي عذاب القبر ومنكر ونكير والبكاء والصراخ على الميت وفي زيارة القبور وما جاء في ذلك ... 109
فصل: من كتاب الموت وكيف يتوفى الله الموتى واختلاف أحوالهم في الوفاة وصفة ملك الموت ... 110
فصل: في قول ملك الموت ... 113
فصل: في الموعظة ... 114
فصل: في الموتى ... 115
فصل: في أحوال الموتى ... 117
فصل: في خبر الموت ... 119
فصل: في عذاب القبر ومنكر ونكير ... 123
فصل: في البكاء والصراخ على الميت ... 132
فصل: في البكاء على الميت على وجوه ... 133
فصل: في البكاء أيضا ... 135
فصل: في زيارة القبور ... 137
فصل: في زيارة القبور والاعتبار بها ... 139
فصل: في آداب زيارة القبور ... 142
فصل: في الغسل وتحريم النياح ... 145
فصل: في غسل المحرم وتكفينه ... 149
فصل: فيما يعاد منه غسل الموتى ... 151 (1/345)
صفحة 341
باب: فيمن يجب عليه غسل الموتى ومن لا يجب عليه وفي غسل الرجل المرأة والمرأة الرجل نسخة الرجال النساء والنساء الرجال ومن أولى بغسل الموتى ومعاني ذلك ... 153
فصل: في غسل الرجال النساء والنساء الرجال وفيمن أولى بغسل الميت ... 159
باب: في غسل الشهداء ودفنهم وتكفينهم وفي غسل الصبي والسقط وفي غسل أصحاب العلل وفي الرجل يموت مع رفقائه في السفر في بر أو بحر وفي موتى المشركين ومعاني ذلك ... 163
فصل: في غسل الصبي ... 168
فصل: في غسل الصبي والسقط ... 170
فصل: في غسل أصحاب العلل والمجدور الذي لا يحتمل بدنه الغسل إذا مات وخيف عليه إن غسل أن يتساقط لحمه فإنه يجتزيء التيمم ... 171
فصل: في الرجل يموت مع رفقائه في السفر إذا عدم الماء ومعاني ذلك ... 173
فصل: في موتى المشركين ... 177
باب: في الكفن وفي تكفين النساء والصبيان وفي الحنوط ومعاني ذلك وما أشبه ذلك ... 179
فصل: في تكفين النساء والصبيان ... 183
فصل: في الكفن ... 188
فصل: في الحنوط ... 195 (1/346)
صفحة 342
باب: في حمل الميت وتشييعه والسرير والكلام خلف الجنائز والضحك وتشيع الجنائز وفي تقديم الجنائز إذا اتفقت عند الصلاة وفيمن خرج على الجنازة وهو متوضيء ما تنقض وضوءه وكان ثوبه طاهرا فتنجس الجنازة بالكسر السرير والجنازة بالفتح الميت بعينه وعلى المسلمين تمام الجنازة والأخذ بأكتانها والصمت فيها ... 198
فصل: في تقديم الجنائز ... 213
فصل: فيمن خرج على الجنازة وهو متوضيء ما ينتقض وضوءه أو كان ثوبه طاهرا فتنجس ... 215
فصل: في دفن الميت قبل الصلاة عليه والصلاة على القبر ... 227
فصل: في الصلاة على الميت ومن هو أولى بالصلاة عليه ... 229
فصل: من أولى بالصلاة على الجنازة ... 231
فصل: في جواز صلاة الجنازة قبل غروب الشمس وقبل طلوع الشمس ... 233
باب: فيمن سبقه الإمام في صلاة الجنازة وفي الصلاة على القتلى وفيمن يصلى عليه ومن لا يصلى عليه وفي صفة غسل الموتى وتيممهم وفي المقبر ووضع الميت فيه وما أشبه ذلك ... 234
فصل: في الصلاة على القتلى ... 236
فصل: فيمن يصلى عليه ومن لا يصلى عليه ... 238
فصل: في صفة غسل الموتى وتيممهم ... 242 (1/347)
صفحة 343
فصل: في الذين يغسلون الميت والميت أيضا ... 248
فصل: في القبر ووضع الميت فيه ... 251
فصل: في القبر ودفن الميت في بيته ... 258
فصل: في القبر ... 267
فصل: في قيام شهر رمضان ... 302
فصل: في التكبير ... 309
فصل: في مسائل الطهارات والنجاسات والوضوء والتيمم وغير ذلك ... 315 (1/348)