صفحة 1
الكتاب: قواعد الإسلام
المؤلف: أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت: 750هـ / 1350م)
المحقق: بشير بن موسى الحاج موسى
الطبعة: الأولى
الناشر: [د. نا]
تاريخ نشر الجزء الأول: 1418هـ / 1998م
تاريخ نشر الجزء الثاني: 1422هـ / 2001م
المطبعة: المطبعة العربية
البلد: غرداية، الجزائر
عدد الأجزاء: 2
[الكتاب مذيل بحاشية الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة الجربي (ت: 1088هـ / 1678م)]
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) [صفحة العنوان]
قواعد الإسلام
للإمام أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي
(ت 750هـ/1350م)
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
مذيلا بحاشية
الشيخ العلامة أبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة الجربي
(ت 1088هـ/1678م)
الجزْء الأول
يحتوي على ركن التوحيد
تحقيق وتعليق
بشير بن موسى الحاج موسى
_______________________
[صفحة خلف صفحة العنوان]
بسم الله الرحمن الرحيم
جميع الحقوق محفوظة للمحقق
الطبعة الأولى
1418هـ/1998م
المطبعة العربية. 11 نهج طالبي أحمد. غرداية
Tél & Fax : (029) 88 36 53
Tél : (029) 87 34 34
الإيداع القانوني رقم: 328/ 98
ردمك I.S.B.N 9961 - 908 - 30 - 9
_______________________
[ صفحة -أ-]
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
[من ص «أ» إلى صفحة «ط ط ط» التي تحتوي على التمهيد ومقدمة التحقيق لم ترقن، وعددها: 65 صفحة]
_______________________
[صفحة 1]
[مقدّمة الجيطالي]
الحمد لله الذي اخترع الأشياء على غير مثال، ...
--------------------
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد خاتم النبيئين وإمام المتّقين وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد: فهذه حواشٍ منقولة من شيخنا وقدوتنا وبركة مذهبنا ومَنْ عليه اعتمادنا في مهمّات ديننا، ذلك الإمام والبحر الهمام أبو عبد الله محمّد بن عمر بن أبي سِتّة القصبي السدويكشي أطال الله بقاءه وجعل الجنّة منزله ومأواه على الكتاب المسمّى ب "قواعد الإسلام" المنسوب إلى الإمام العالم العلاّمة الشيخ إسماعيل الجيطالي رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته وبركات علومه -آمين-. قال رحمه الله (1):
قوله اخترع: أي أنشأ وابتدع.
قوله على غير مثال: في "الصحاح": «والمثال: معروف، والجمع: أمثلة ومُثُل، ومثلتُ له كذا تمثيلا إذا صوّرت له مثاله بالكتابة وغيرها، والتمثال: الصورة، والجمع: التماثيل» (2)، فعلى هذا يكون المثال أعمّ من التِّمثال لأنّ المثال يكون في المحسوس والمعقول، فيكون بالكتابة وغيرها كالألفاظ؛ تقول: مثال ذلك: زيْدٌ قائم مثلا، والتمثال: اسم للصورة المشاهدة فقط.
فالمعنى أنّ الله تعالى أخرج الأشياء من العدم إلى الوجود من غير أن يصوّر له أحد مثال ذلك بكتابة أو غيرها، ودبّر الأمور أي: عَلِمَ ما تؤول إليه
__________
(1) - اِنفردت الحجرية بهذه المقدّمة، ولا يخفى أنّها من زيادة تلميذ المؤلّف أبي الحسن علي بن سالم بن بيان الجربي، ووردت في نسخة أ إلاّ أنّها تختلف عن هذه التي أثبتنا في بعض الألفاظ.
(2) - الجوهري، باب اللام، فصل الميم: مثل. (1/1)
صفحة 2
ودبّر الأمور على غير تمثال، وابتدع (1) بحكمته ...
--------------------
عاقبتها من غير أن تكون على صورة يَنْظُر إليها. وقال المصنّف رحمه الله تعالى في "شرح النونيّة": «والمثال: المقدار» ثمّ قال: «والتمثال: الممثّل المصوّر ... الخ» (2) فالمعنى أنّه لم تُقدَّر له الأشياء ولم تُصوَّرْ له الأمور والله أعلم.
قوله ودبّر: التدبير في الأمر: أن تنظر ما تؤول إليه عاقبته "صحاح" (3).
قوله وابتدع: في "الصحاح": «ابتدعت الشيء: اخترعته لا على مثال. والله ... بديع السموات والأرض» (4).
قوله بحكمته: عرّفها الفنري بأنّها: «عِلْم الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر، والعمل [هو] على وفق الصواب» (5)، وعرّفها عمّنا أحمد بن سعيد -رحمه الله-
بأنّها: «الإتقان» (6)، فعلى هذا تكون حادِثة. قال في "السؤالات": «كلّ من وجد منه فعل محكم متقن بقصد فهو حكيم وفعله
__________
(1) - في نسخ القواعد المعتمَدَة: وأبدع.
(2) - الجيطالي: شرح النّونية، 1/ 166، شرح البيتين 21 - 22 (مخطوط)، والنّونية نظم في العقيدة وأصول الدّين للشّيخ أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي اللّيببي، بها 180 بيتًا، اِعتنى بشرحها إضافة إلى الجيطالي العديد من علماء الإباضية، وانظر ترجمة أبي نصر في الملحق، رقم: 43.
(3) - الجوهري: باب الرّاء، فصل الدّال: دبر.
(4) - الجوهري: باب العين، فصل الباء: بدع.
(5) - الحسن بن الفنري: حاشية المطوَّل، ورقة 2 (مخطوط)، والمطوّل للعلاّمة التفتازاني، وصاحب الحاشية هو الحسن جلبي بن محمّد شاه بن حمزة الرّومي المعروف بابن الفنري، من علماء الحنفيّة، له تصانيف في الفقه والبلاغة وعلم الكلام، توفّي سنة 886هـ ببروسة. عمر رضا كحّالة: معجم المؤلّفين، 3/ 213.
(6) - الشّمّاخي: شرح مختصر العدل والإنصاف، 191، دراسة وتحقيق: مهنّي بن عمر التّيواجني، (أطروحة ماجستير). وانظر ترجمة الشّمّاخي بالملحق، رقم: 7. (1/2)
صفحة 3
..........................................
--------------------
الحكمة ... الخ» (1)، ولعلّه لهذا فسّرها عمّنا أحمد بالإتقان، وإلاّ فقد ذكر في "السؤالات" (2) للحكمة معاني كثيرة، ولم يذكرها بمعنى الإتقان وإنّما لزم ذلك من كلامه السابق، والله أعلم.
وكلام شارح "الجهالات" -رحمه الله تعالى- صريح في أنّها فعل من أفعاله، حيث قال: «إن سأل سائل عن الحكمة ما هي؟ فقل: وضع الأشياء في
__________
(1) - السّوفي: السّؤالات، 270 (مخطوط)، وهو من أمّهات كتب الإباضية، جامع لمهمّات المسائل من العقيدة و الفقه والأصول والتّفسير واللّغة، وهو على شكل سؤال وجواب، يُنسب للشّيخ أبي عمرو عثمان بن خليفة السّوفي، ولعلّ ذلك لكثرة رواياته فيه، إذ أصل الكتاب روايات عن شيخه أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي، فقد جاء في ديباجة الكتاب الطّويلة قبل السّؤال الأوّل: «سؤال الشّيخ أبي عمرو رحمه الله، وقد عُرض على عدد من تلاميذه وعلى كتب الشّيوخ -رحمهم الله- واللّغة، فصُحِّح فهو الأمّ إن شاء الله، عرضتين: معروض على الشّيخ أبي محمّد عبد الله بن سجميمان، والمعزّ بن جنّاو، وأبي الفتوح، والعرضة الآخرة على الشّيخ أبي نوح صالح بن الشّيخ إبراهيم رحمة الله عليهم، أملاه أبو يعقوب يوسف بن محمّد، وألّفه عيسى بن عيسى النّفوسي، وزاد فيه بعض طالبي الأجر، وكلّ ذلك عن الشّيخ أبي عمرو عن تلاميذ أبي الرّبيع سليمان بن يخلف، عن أبي الرّبيع رحمة الله عليهم، ... ». السّؤالات، 12، وجاء في صفحة 146 منه: « ... بحيث ما ذكرنا الشّيخ في كتابنا هذا ولم نذكر اسمه فهو الشّيخ أبو عمرو عثمان بن خليفة المارغني ... ». انظر ترجمة السّوفي بالملحق، رقم: 37.
(2) - المصدر السّابق، نفس الصّفحة. (1/3)
صفحة 4
الإنسان من صلصال، فأخرج من صلبه ذريّة وشيكة الاِضمحلال، ...
--------------------
مواضعها، كما أنّ العبث والسّفه بخلاف ذلك ... الخ» (1)، وظاهر كلام المصنّف -رحمه الله- أنّ الحكمة صفة ذات، ويدلّ له كلام شارح "الجهالات" و"الموجز"، حيث قال بعد كلام ما نصّه: «مستحقّ له في قدمه، لم يستحدث حكمة ... الخ» (2)، فعلى هذا يكون كلام أبي عمّار في الكتابين يُشير إلى أنّ للحكمة معنيين كما يؤخذ من كلام الفنري المتقدّم أيضا، والله أعلم.
قوله من صلصال: الصّلصال: الطّين اليابس الذي له صلصلة، وقد خلق الله آدم من تراب ثمّ جعله طينًا، ثمّ حمأً مسنونًا، ثمّ صلصالا فلا يخالف ذلك خلقه من تراب ونحوه.
قوله وشيكة الاِضمحلال: المراد سريعة الذّهاب، لكن ظاهر كلام "الصِّحاح" أنّه لا يُقال: وشيكة بالتّاء، حيث قال: «وخرج وشيكًا أي سريعًا، وامرأة وشيك ... الخ»، فجرّده من التّاء فليُراجع (3).
قوله الاِضمحلال: في "الصِّحاح": «اِضمحلّ الشّيء ... : ذهب» (4).
__________
(1) - أبو عمّار عبد الكافي: شرح الجهالات، 63 (مخطوط)، والجهالات متن في العقيدة وعلم الكلام، على شكل سؤال وجواب، يُنسب إلى الشّيخ تبغورين بن عيسى الملشوطي، وقد وضع على شرح أبي عمّار للجهالات حواشي عديدٌ من علماء الإباضية، منهم أبو ستّة المحشّي كما سبق في مقدّمة التّحقيق، وعن ترجمة أبي عمّار اُنظر الملحق، رقم: 31، وعن ترجمة تِبغورين اُنظر الملحق رقم: 13.
(2) - أبو عمّار عبد الكافي: الموجز في تحصيل السّؤال وتلخيص المقال، 1/ 432، تح: د. عمّار طالببي.
(3) - الجوهري: باب الكاف، فصل الواو: وشك.
(4) - الجوهري: باب اللاّم، فصل الضّاد: ضحل. (1/4)
صفحة 5
فتفضّل عليهم بالنعم قبل الاِستحقاق، وتكفّل لهم بمضمون الأرزاق، وركّب فيهم عقولاً إليها ينتهون ويعرفون ما يأتون وما يتّقون، ثمّ بعث رُسله إليهم دُعاةً، وجعل لهم أئمّة وهُداةً، وختم أنبياءه بالنّبيء المبعوث، الطّاهر الْمُطَهِّر الأوائل والأواخر (1)، محمّد ...
--------------------
قوله قبل الاِستحقاق: لو قال: من غير الاِستحقاق، ونحوه لكان أظهر، إلاّ أن يكون الاِستحقاق بمعنى الاِحتياج فَنَعَمْ.
قوله الأرزاق: جمع رزق، وهو يكون حلالا وحرامًا عندنا وعند الأشاعرة، خلافًا للمعتزلة فإنّهم خصّصوه بالحلال.
قوله وركّب فيهم عقولاً: اختُلف في تعريف العقل وفي محلّه، وهل هو جسم أو عَرض؟ وبيّنه في "السّؤالات" بما يطول ذكره، ثمّ ذكر أنّ جمهور أصحابنا على أنّه: «قوّة وبصيرة في القلب، منزلته منه منزلة البصر من العين»، وذكر أيضًا أنّه: «يجوز أن يركّبه الله في جوارح الإنسان كلّها إلاّ بطن القَدم ... الخ» (2).
قوله ثمّ بعث رسله إليهم ... الخ: يعني أنّه لمّا خلقهم وركّب فيهم عقولاً أرسل الرّسل إليهم بالتّكليف، وذلك أنّه ليس بالحكمة إهمال العاقل، كما أنّه ليس من الحكمة تكليف الغافل.
قوله الطّاهر المطهّر: أي الطّاهر في نفسه المطهِّر لغيره من دنس الكفر، والظّاهر أنّ المراد ب الأوائل: من وُجد في زمانه - عليه السلام -، وب الأواخر: من وُجد بعد ذلك لأنّه السّبب في ذلك.
__________
(1) - في نسخ القواعد المعتمَدَة: الأوّلين والآخرين، إلاّ أ و ب فإنّهما موافقتان لنسخة المحشّي.
(2) - السّوفي، 460، وفيه روى المقولة الثّانية عن الشّيخ عيسى بن يوسف. (1/5)
صفحة 6
ابن عبد الله المخصوص بالمواهب السَّنية، والمفاخر السّميّة، فكشف به عن الهُدَى دياجي الغمّة، وهَدَى به من الضّلالة الأمّة، وأنزل عليه كتابًا فيه هُدى ونور وشفاء لما ...
قوله السّنية: أي المضيئة، من السّنى -بالقصر- وهو الضّوء، أو الرّفيعة من السّناء -بالمدّ- وهو الرِّفعة.
قوله السّمية: أي العالية، من السموّ وهو العلوّ والاِرتفاع.
قوله دياجي الغمّة: في "الصِّحاح": «الدّجى: الظّلمة» إلى أن قال: «ودياجي الليل: حَنَادِسَهُ، كأنّه جمع ديجاة. قال الأصمعي: دجا الليل: إنّما هو ألبسَ كلَّ شيء، وليس هو من الظّلمة، ومنه ... دجا الإسلام: أي قوِيَ وألْبسَ كلّ شيء. والدُّجَى: جمع دُجْية ... وهي قَتْرة الصّائد، والظّلمة أيضًا» (1)، وفي محلّ آخر: «والحِندِسُ: الليل الشّديد الظّلمة» (2)، والظّاهر -والله أعلم- أنّه شبّه الهدى بصورة حسنة محتجَبَة تحت ظُلمة، تشبيهًا مضمَرًا في النّفس، فيكون استعارة بالكناية، والدّياجي التي هي الظّلمة اللاّزمة لها حيث اِستترت تحتها تخييل، والكشف ترشيحٌ، ويُحتمل أيضًا أنّه شبّه الغُمّة وهو الأمر المبهَم الملتبس بليل ذي ظُلمة تشبيهًا مُضمَرًا في النّفس، ولم يصرّح بشيء من أركان التّشبيه سواء المشبَّه الذي هو الغُمّة، فيكون استعارة بالكناية أيضًا، والدّياجي تخييل والكشف ترشيح.
قوله الغمّة: في "الصّحاح": «والغُمّة الكُربة» إلى أن قال: «ويُقال: أمر غُمّة، أي
__________
(1) - الجوهري: باب الياء، فصل الدّال: دجا. والأصمعي المذكور هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع، أحد أئمّة اللّغة، وصاحب العشرات من التّصانيف. اُنظر: السّيوطي: بُغية الوعّاة، 313.
(2) - الجوهري: باب السّين، فصل الحاء: حدس. (1/6)
صفحة 7
في الصّدور، فكلّف فيه عباده المفروضات، وزجرهم فيه عن ارتكاب المحظورات، وأكّد مفروضاته بمواعيد المثوبة ترغيبًا، وزواجرَه بمواعيد العقوبة ترهيبًا، لأنّ الرّغبة باعثة على الطّاعة والاِلتباس بها، والرّهبة رادعة عن المعصيّة وارتكابها، فالتّكليف يجمع امتثال الأوامر واجتناب الزّواجر، فجعل ما أودع كتابه من القصص والأمثال عِظة واعتبارا تقوى بهما الرّغبة في امتثال العزائم، وتزداد بهما الرّهبة في اجتناب المحارم، ثمّ جعل إلى رسوله بيانَ ما كان من كلامه مُجمَلاً، ...
--------------------
مُبهَم مُلتبَس، قال تعالى: {ثُمَّ لاَ يَكُن اَمْرُكُم عَلَيْكُمْ غُمَّةً} [يونس: 71]. قال أبو عبيد: مجازها ظُلمة [وضيق] (1) ... الخ» (2).
قوله المحظورات: أي المحرَّمات.
قوله فالتّكليف: قيل: هو إلزام اللهِ العبدَ ما على العبد فيه مشقّة، وقيل: التّكليف معناه الأمر والنّهي، وسيأتي له زيادة بيان (3).
قوله ثمّ جعل إلى رسوله بيانَ ... الخ: لعلّ هذا بالنّظر إلى الغالب، وإلاّ فالبيان يقع بالقرآن كما هو معلوم، خلافًا لمن منعه، واستدلّ بظاهر قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} [النّحل: 44].
قوله مجمَلاً: هو ما لم تتّضح دلالته.
__________
(1) - زيادة من أ.
(2) - الجوهري: باب الميم، فصل الغين: غمم. وأبو عبيد المذكور هو القاسم بن سلاّم اللّغوي المشهور، اُنظر ترجمته في: السيوطي: بغية الوُعّاة، 376.
(3) - اُنظر: ص 19 ممّا يأتي. (1/7)
صفحة 8
وإيضاحَ ما كان منه مشكلاً، فبيّن - صلى الله عليه وسلم - ما أجمل فيه من الحدود والأحكام، وأنار معالم الحلال من الحرام، ...
--------------------
قوله مشكلاً: مِنْ أشكل الأمر، أي اِلتبس.
قوله معالم الحلال: المعالم جمع معلَم، وهو الأثر الذي يُستدلّ به على الطّريق، فالمراد بمعالم الحلال: الأدلّة التي يُهتدى بها إليه مجازًا، ويمكن أن يكون من الاِستعارة بالكناية، أي: شبّه الحلال بالطّريقة المسلوكة تشبيهًا مُضمَرًا في النّفس، ولم يصرّح بشيء من أركانه سوى المشبَّه، ودلّ عليه بإثباته للمشبَّه شيئًا من لوازم المشبَّه به، أعني المعالم، فإثباتها له اِستعارة تخييلية، وظاهر سياق كلامه أنّه استعمل أنار متعدّيًا وأنّه فيه ضمير مستتر عائد إلى الرّسول - عليه السلام -، مع أنّ أنار لازم. قال في "الصِّحاح": «أنار الشّيءُ واستنار بمعنى، أي أضاء» (1)، فالمناسب: وأنارت به معالم الحلال من الحرام، ويُحتملُ أن يكون ضمّن أنار معنى بيَّن، بدليل تعدّيه ب مِن. والتّضمين على ما عرّفه ابن هشام في "الْمُغني": إشراب كلمة معنى كلمة أخرى (2). أو هو مبني على رأي من يجوّز اِستعمال الكلمة في حقيقتها ومجازها، وعلى ما عرّفه السَّيِّدُ في "حواشي الكشّاف": أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي مع حذف حال مأخوذ من الفعل الآخر، كقوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185]، أي: ولتكبّروه حامدين الله على
__________
(1) - الجوهري: باب الرّاء، فصل النّون: نور.
(2) - ابن هشام الأنصاري: مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب، 2/ 446، تح: حنا الفاخوري. (1/8)
صفحة 9
وشمّر عن ساق الجِدّ والاِجتهاد، ودعا إلى طاعة ربّه جميعَ العباد، وأمرهم باستعداد الزّاد ليوم المَعاد، حتّى أكمل اللهُ دينه على لسانه، وقبضه إلى رضوانه، صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله الطّاهرين الأبرار، وأصحابه المهاجرين والأنصار، أمّا بعد:
فإنّه لمّا كانت السّعادة الأبديّة منوطة بالعِلم والعبادات وجب على المكلَّف إتقان هذين ...
--------------------
ما هداكم (1). فيكون التّقدير هنا مثلاً: وأنار حالة كونه مبيِّنًا معالم الحلال ... الخ.
قوله وشمّر عن ساق الجِدّ والاِجتهاد: شبّه الجدَّ بإنسان ذي ساق تشبيهًا مُضمَرًا في النّفس، فيكون استعارة بالكناية، وإثبات السّاق تخييل، والتّشمير ترشيح.
قوله ودعا إلى طاعة ربّه جميع العباد: وذلك لأنّه أُرسل إلى كافّة العقلاء، فالعقلاء كلّهم أمّة الدّعوة، ونحن -ولله الحمد- من أمّة الإجابة أيضًا.
قوله المَعاد: في "الصِّحاح": «المعاد: المصير والمرجع، والآخرة (2): معاد الخلق» (3)، يعني: فهو بفتح الميم من: العود، وأمّا الميعاد: فهو زمان الوعد أو مكانه من الوعد.
قوله منوطة: أي متعلّقة.
قوله وجب: هو بإسقاط الواو فيما رأيناه من النّسخ، والظّاهر إثباتها ليكون عطفًا على قوله: كانت السّعادة، وجواب لمّا هو قوله: رأينا ... الخ، ويُحتمل أن
__________
(1) - حواشي الكشّاف: 1/ 249 عند تفسير الآية 185 من سورة البقرة. والسيّد هو علي بن محمّد ابن علي الشّريف الجرجاني، توفّي سنة 816هـ، وحاشيته المذكورة ضخمة الحجم غنيّة المباحث. اُنظر: عادل نويهض: معجم المفسّرين، 1/ 380.
(2) - هُنا تبدأ النّسخة د.
(3) - الجوهري: باب الدّال، فصل العين: عود. (1/9)
صفحة 10
التّوأمين على التّحقيق، وهما العلم بكيفيّة امتثال الأوامر المحتومة والاِلتباسِ بها فعلاً وامتثالاً، والمعرفة بموجب اعتقاد قلب، وتطهيره عن الأخلاق المذمومة نطقًا واعتقادً ا، ونفيًا وارتداعًا، ...
--------------------
يكون قوله: وجب هو جواب لمّا، وأنّ قوله: والخبر المروي لعلّه: ولمّا كان الخبر المروي ... الخ، فيكون قوله: رأينا جوابًا له، ويدلّ على أنّ قوله: الخبر المروي اسم لكان انتصاب متضمّنًا، وكأنّ هذا الكلام جواب عن سؤال مقدَّر، كأنّه قيل له: لِمَ حصرت الكلام في مختصرك على سبعة أركان؟ فأجاب بأنّه: لمّا كان الخبر المروي ... الخ، فليُحرّر.
قوله التّحقيق: [التّحقيق:] (1) هو إثبات الأحكام بأدلّتها.
قوله العِلم بكيفيّة اِمتثال الأوامر المحتومة والاِلتباس بها ... الخ: أي في العبادات البدنية، حاصله أنّه يؤخذ من كلامه -رحمه الله- أوّلا وآخرًا أنّ العبادات على قسمين: عبادات بدنية وعبادات اعتقادية، وفي كلّ منهما عِلم وعمل، فالعلم في العبادات البدنية هو الذي أشار إليه بقوله: العلم بكيفيّة ... الخ، والعمل فيها هو الذي أشار إليه بقوله: [والاِلتباس ... الخ، والعمل في العبادات الاِعتقادية هو الذي أشار إليه بقوله: والمعرفة بموجب اعتقاد قلب، والعلم فيها] (2) هو الذي أشار إليه بقوله: وتطهيره عن الأخلاق ... الخ.
قوله والمعرفة: أي في العبادات الاِعتقادية.
قوله نطقًا واعتقادًا ... الخ: الظّاهر أنّ فيه لفًّا ونشرًا مرتَّبًا، وأنّ نطقا واعتقادًا يرجعان إلى المعرفة بموجب اعتقاد قلب، لأنّها إنّما تصحّ بالنّطق والاِعتقاد، وأنّ نفيًا وارتداعًا يرجعان إلى تطهيره، لأنّه إنّما يحصل بالنّفي والاِرتداع.
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - سقط هذا من هـ. (1/10)
صفحة 11
و [لمّا كان] الخبر المروي من طريق ابن عمر عنه - عليه السلام - متضمِّنًا قواعد الإسلام، وكانت ...
--------------------
قوله والخبر المرويّ ... الخ: لعلّه: ولمّا كان الخبر ... الخ، ثمّ الظّاهر أنّه أراد به قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بُني الإسلام على خمس» الحديث (1)، فإنّه مرويّ عن ابن عمر، ثمّ قوله: متضمِّنًا قواعد الإسلام لعلّ المراد جُلّها، لأنّه لم يذكر فيه إلاّ خمسة، أو يُقال: هو متضمّن لها كلّها حقيقة، لأنّه ذكر فيه إقام الصّلاة، ومعلوم أنّه لا يقيمها إلاّ المؤمن الموفّي بدين الله تعالى، متورّعًا مجتنبًا لجميع مظالم العباد، لأنّ المصلّين كثيرون والمقيمين قليلون، والله أعلم.
[وكتب أيضًا على هذه المقولة ما نصّه]: والخبر إلى قوله: متضمِّنًا: عطف على قوله: السّعادة الأبديّة منوطة إن لم يكن في الكلام لمّا أخرى هاهنا، ثمّ رأيتها في نسخة ثابتة (2)، فإن صحّت فلا حاجة إلى هذا الترجّي ولا إلى قولنا أوّلاً: والظّاهر (3)، والله أعلم.
والحاصل أنّه إنّما وجب على المكلَّف إتقان العلم والعمل، لأنّ السّعادة الأبديّة متعلّقة بهما، وأنّه إنّما حصر كتابه في سبعة أركان للخبر المتضمّن
__________
(1) - أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، رقم: 8؛ ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ... ، رقم: 22؛ والتّرمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء بُني الإسلام على خمس، رقم: 2736؛ والنّسائي: كتاب الإيمان، باب على كم بُني الإسلام، رقم: 5016، وتمام الحديث من لفظ الأخير عن ابن عمر: «أنّ رجلاً قال له: ألا تغزو؟ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ، وصيام رمضان»، وله طرق وألفاظ أخرى كثيرة.
(2) - كما في ب والحجرية، وأثبتناها في متن القواعد أعلاه بين معقوفتين.
(3) - عبارة قوله أوّلاً هي: ثمّ الظّاهر، ليس: والظّاهر! (1/11)
صفحة 12
السّؤالات السّبعة المذكورة في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14] مشتملة على جميع ما يُسأل عنه العبد في المَعاد (1)، رأينا أن نقصر الكلام في هذا المختصر على سبعة أركان تحتوي على جُملٍ من الفرائض والمظالم التي يلتزم بها الإنسان، وكلّ ركن منها يشتمل على أبواب مرتَّبة مبانيها، وفصول مشروحة معانيها، تكون لسالكي هذا المنهج من التُّحف المخزونة، والدُّرر المكنونة، يقلّ على النّاظر لفظها، ...
--------------------
لذلك ولكون السّؤال في المراصد غدًا يوم القيامة إنّما يقع عنها (30)، وهذا يقتضي لمّا في الموضعين، والله أعلم.
قوله يلتزم: لعلّه: يلزم بها الإنسان (2).
قوله مرتَّبَة: التّرتيب وضع كلّ شيء في مرتبته، والمباني هي الألفاظ.
قوله التّحف: جمع تُحفة وهو الشّيء النّفيس، و [قوله] (3) الدُّرَر جمع دُرّة وهي
__________
(1) - أخرج البيهقي في "الأسماء والصِّفات" عن مقاتل بن سليمان قال: أقسم الله {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}، يعني: الصِّراط، وذلك أنّ جِسر جهنّم عليه سبع قناطر، على كلّ قنطرة ملائكة قيام، وُجوههم مثل الجمر، وأعينهم مثل البرق، يسألون النّاس في أوّل قنطرة عن الإيمان، وفي الثّانيّة يسألونهم عن الصّلوات الخمس، وفي الثّالثة يسألونهم عن الزّكاة، وفي الرّابعة يسألونهم عن شهر رمضان، وفي الخامسة يسألونهم عن الحجّ، وفي السّادسة يسألونهم عن العمرة، وفي السّابعة يسألونهم عن المظالم، فمن أتى بما سُئل عنه كما أُمر به جاز على الصِّراط وإلاّ حُبس. السّيوطي: الدّرّ المنثور في التّفسير بالمأثور، تفسير الآية 14 من سورة الفجر. وأخرج هذا الخبر القرطبي وعزاه للضّحّاك عن ابن عبّاس، وهود بن محكم الهواري ولم ينسبه.
(2) -كما في النّسخة د من القواعد.
(3) -زيادة من هـ. (1/12)
صفحة 13
ويسهل على الطّالب حِفظها، وتكون للمسترشدين ملجأً يلجؤون إليها، وعِصمةً يعتصمون بها، والله سبحانه هو المرجوُّ للتّوفيق، والمرشدُ إلى سواء الطّريق، وهو بإجابة السّائلين حقيقٌ، وهو حسبنا ونِعم الوكيلُ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.
--------------------
الكبيرة من اللّؤلؤ، وفي الكلام اِستعارة أصليّة تحقيقيّة.
قوله يلجؤون إليها (1): في "الصِّحاح": «لجأت إليه لَجَأً -بالتّحريك- وملجأً، والتجأت إليه بمعنى، والموضع أيضًا لَجَأٌ ومَلْجَأٌ» (2)، والضّمير في قوله: إليها عائد إلى الملجأ، والقياس تذكيره، ولعلّه إنّما أنّثه مراعاة للمعنى، لأنّ الملجأ عبارة عن تلك الأركان.
__________
(1) - في أ: قوله: يلتجئون إليها: في بعض النّسخ: يلجؤون، في "الصّحاح" ... .
(2) - الجوهري: باب الألف المهموزة، فصل اللاّم: لجأ. (1/13)
صفحة 14
[صفحة بيضاء] (1/14)
صفحة 15
الرّكن الأوّل
في معرفة الله - عز وجل - ووظائفها
وما يتعلّق بها من قواعد التّوحيد وأركانها
وهذا الرّكن يحتوي على مقدّمة وأبواب ثلاثة: ...
--------------------
قوله ووظائفها: في "الصِّحاح": «والوظيفة: ما يُقدَّر للإنسان في كلّ يوم من طعام أو رِزق، وقد وظّفته توظيفًا» (1) اهـ، وانظر: كيف مناسبته لهذا المحلّ ونحوه؟ وكأنّه أراد ما قُدِّر لها من الأحكام المتعلّقة بها، من معرفة الرّسول وغير ذلك من خِصال التّوحيد.
قوله من قواعد التّوحيد: أي من قواعد الدّين، فهو مجاز مُرسَل من إطلاق الأخصّ وأرادة الأعمّ، فإنّ القواعد والأركان الآتية: للدّين، الذي هو أعمّ من التّوحيد، ويُحتمل أن يكون من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، لأنّ الدّين تركّب من التّوحيد وغيره.
قوله وأركانها: لعلّه: وأركانه، اللهمّ إلاّ أن يُقال: أرجع الضّمير إلى القواعد، لِما بينها وبين من الأركان من الملابسَة، والله أعلم.
قوله وأبواب ثلاثة: إنّما لم يقل: ثلاثة أبواب بالإضافة، لأنّ إضافة العدد للصّفة قليلة أو ضرورة، وقد يُقال: إنّه يصحّ هنا ذلك لأنّ الباب ليس بمشتقّ.
__________
(1) - الجوهري: باب الفاء، فصل الواو: وظف. (1/15)
صفحة 16
أمّا المقدّمة فهي: أنّ الله سبحانه خلق الدّنيا وحفّها شهوات، وملأها آفات، وأسكنها الثّقلين من عباده، وسخّر لهم كلّ ما في بلاده ...
--------------------
قوله وحفّها شهوات: ظاهره أنّ حفّ يتعدّى إلى مفعولين بنفسه، وظاهر كلام "الصِّحاح" أنّه يكون لازِمًا ومتعدّيا إلى مفعول واحد بنفسه، وإلى الثّاني بالحرف، حيث قال: «وحفّوا حوله، يحفّون حفًّا، أي: طافوا به واستداروا» إلى أن قال: «وحفّه بالشّيء يحفّه كما يُحفّ الهودج بالثّياب ... الخ» (1)، أقول ويشهد له: «حُفَّت الجنّة بالمكاره وحُفّت النّار بالشّهوات» (2).
قوله الثّقلين: أي: «الإنس والجنّ، سُمِّيا بذلك لثقلهما على الأرض، أو لرزانة رأيهم وقدرهم، أو لأنّهما مثقلان بالتّكليف» "بيضاوي" (3).
قوله وسخّر لهم كلَّ ما في بلاده: أي: إلاّ ما قام دليل على تحريمه، وهذا مقتبَس من قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ جَمِيعًا} [الجاثية: 13]، وقد استدلّ بهذه الآية من قال: إنّ الأصل في الأشياء قبل الشّرع الإباحة، كما استدلّ من قال: إنّها على التّحريم بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَا ذَا أُحِلَّ لَهُمْ ... } [المائدة: 4].
__________
(1) - الجوهري: باب الفاء، فصل الحاء: حفف.
(2) - الحديث بهذا اللّفظ أخرجه مسلم في أوّل كتاب الجنّة وصِفة نعيمها وأهلها، رقم: 2822 - 2823، وأخرجه البخاري بلفظ «حُجبت النّار بالشّهوات، وحُجبت الجنّة بالمكاره»، كتاب الرِّقاق، باب حُجبت النّار بالشّهوات، رقم: 6122.
(3) - أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمّد البيضاوي: أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 32 من سورة الرّحمن. (1/16)
صفحة 17
أكلاً وانتفاعًا، ولُبسًا واستمتاعًا، ليبلوهم أيّهم أحسن عملاً، وأسرعهم إلى طاعته قَبولاً وفِعلاً وامتثالاً، ثمّ ركّب فيهم عقولاً غريزيّة، يتعلّق التّكليف بكمالها، ويتميّز بها الإنسان من سائر الحيوانات على اختلاف أجناسها، جعله الله تعالى أصلاً لشريعته، وجعل أحكام الدّنيا مدبَّرة (1) بواسطته، وألّف به بين الخلق، وساوى بين أهله في التّكليف وأداء الحق، ...
--------------------
قوله أكلاً وانتفاعًا: يحتمل النّصب في الجميع أن يكون على المفعولية المطلقة، أي يأكلون أكلاً، وينتفعون به انتفاعًا، ويلبسونه لُبسًا، ويستمتعون به استمتاعًا، ويُحتمل أن يكون على الحال على تأويل المصدر باسم مفعول، أي: مأكولاً ومنتفعًا به ... الخ، أو باسم الفاعل، أي: وآكلين ومنتفعين.
قوله ليبلوهم: أي: ليختبرهم.
قوله عقولاً غريزيّة: أخرج الكسبيّة فإنّها قدرٌ زائد على ما يتعلّق به التّكليف.
قوله بكمالها: أراد به نوعًا منه، وهو الحاصل عند البلوغ، وإلاّ فالكمال لا يحصل إلاّ عند الأربعين، فلذلك لم يبعث اللهُ نبيئا إلاّ على رأس الأربعين، يعني كما ذكروه في قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص: 14]، أي: بلغ الأربعين (2).
قوله جعله: أي: العقل، أي المفهوم من العقول.
قوله وساوى ... الخ: يؤخذ منه تكليف من كان صحيح العقل، وإن كان في جزيرة من الجزائر الخالدات، ويُكلَّف بشريعة نبيئنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يكن على دين نبيء من الأنبياء، وأمّا إذا كان عليه فإنّه يسعه المُقام على ذلك ما لم يسمع
__________
(1) - في نسخة أ من الحاشية: قوله مديرة: لعلّه دائرة، أو مُدارة، لأنّ المدير هو الله تعالى لا الأحكام.
(2) - اُنظر: الزّمخشري: الكشّاف، تفسير الآية 14 من سورة القصص. (1/17)
صفحة 18
وجعل ما تعبّدهم به مأخوذًا من واجب عقلي ورَدَ الشّرع بتأكيده، ومسموعًا من خطاب نقليٍّ لا يمنعُ العقلُ من جوازه، ولذلك توجّه الخطاب إلى ذوي الألباب، وبه استوجبوا الثّواب والعقاب، إذ ليس من الحكمة تكليف من انعرى من العقل والتّمييز، كما أنّه ليس من الحكمة تكليف الأصمّ السّمع، وتكليف الأخرس النّطق، وكذلك ليس من الحكمة إهمال العاقل بغير تكليف، لأنّ ذلك يؤدّي إلى إباحة الشّتم له والاِفتراء عليه بما ليس من أهله، فكيف وقد نزّه الجليل جلّ جلاله نفسه عن هذه الصّفة فقال: {أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} الآية [المومنون: 115]، ...
--------------------
بدعوة نبيئنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ ليُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [التّوبة: 115]، وإنّما قلنا في صاحب الجزيرة إنّه مكلَّفٌ وإن لم يسمع بالدّعوة لأنّ الحُجّة فيما لا يسعُ: الإلزام سمع أو لم يسمع، والمراد: المساواة بينهم في نوعه لا في شخصه، لتفاوت الرِّجال والنّساء والعبيد والأحرار في بعض الأحكام، فالمراد أنّه لم يخلق عاقلاً مهمَلاً كما هو معلوم.
قوله مأخوذًا من واجب عقليٍّ: أي: ضروريّ فيه، كوجود الصّانع وحُسن العدل وقُبح الظّلم، وليس المراد الواجب الذي يترتّب على فعله الثّواب، وعلى تركه العقاب، فإنّ ذلك مرجعه عندنا إلى الشّرع، لقوله تعالى: {لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النّساء: 165]، ولم يقل: بعد العقل.
قوله لا يمنع العقلُ من جوازه: وذلك كسائر الفرائض البدنيّة والماليّة. (1/18)
صفحة 19
{أيَحْسِبُ الاِنسَانُ أَنْ يُّتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36]، أي: مهمَلاً لا يُخاطبُ، ومتروكًا لا يُعاقبُ، فإذا صحّت غريزية (1) العقل من الإنسان توجّه إليه التّكليف والإلزام، ونفذت له وعليه الأحكام، ...
--------------------
قوله أي مهملاً ... الخ: أي: لأنّ الخلق عبيد الله، وهو مالكهم، وشأن المالك أن يكون آمرًا ناهيًا، وشأن المملوك أن يكون ذليلاً مقهورًا تحت الأمر والنّهي (2)، وإلاَّ فَاتَ معنى الرّبوبيّة في حقّ الله، ومعنى العبوديّة في حقّ الخلق، والله أعلم.
قوله غريزيّة العقل: اِعلم أنّ العقل على قسمين: غريزيّ ومُكتسَب، فالغريزيّ: هو الذي أناط اللهُ به التّكليف، والمُكتَسَب: -وهو خاصّ بأولي الفضل- علوم تُستفاد من التّجارب بمجاري الأحوال، وهو نتيجة العقل الغريزيّ، فهو لا ينفكّ عنه بخلاف الغريزيّ فإنّه ينفكّ عنه، فيكون صاحبه مسلوب الفضائل موفور الرّذائل، كالجاهل والأحمق، والله أعلم.
قوله والإلزام: الظّاهر أنّه عطف تفسير على التّكليف، [فيكون مبنيا على القول بأنّ التّكليف] (3) معناه: إلزام اللهِ العبدَ ما على العبد فيه كُلفة، وقيل معناه: الأمر والنّهي، ويتخرّج على التّفسيرين الاِختلاف في الملائكة هل هم مكلَّفون أم لا؟ فمن قال بالتّفسير الأوّل قال: ليس عليهم تكليف إذ لا مشقّة عليهم في الطّاعة، ومن قال بالثّاني أثبت لهم التّكليف، لأنّهم مأمورون منهيون، وينبني على التّفسيرين أيضًا الاِختلاف في المندوبات، هل هي مكلَّف بها أم لا؟ فعلى الأوّل: ليست مكلّفًا بها إذ لا
__________
(1) - في نُسخ القواعد المعتمَدَة: غريزة، إلاّ الحجرية فإنّها موافقة لنسخة المحشّي.
(2) - في هـ: تحت الآمر والنّاهي.
(3) - زيادة من أ. (1/19)
صفحة 20
وقد نصب الشّرع لذلك علامات بادية، وحدودًا مُتناهية؛ إحداها: الاِحتلام للذّكور، ...
--------------------
إلزام فيها، وعلى الثّاني: مكلَّف بها لأنّها مأمور بها على جهة النّدب، والله أعلم.
ومعنى قول من قال: معنى التّكليف الأمر والنّهي، على حذف مضاف، قال المصنّف -رحمه الله- في "القناطر": «والفرق بين الوحي والتّكليف: أنّ الوحي هو الأمر والنّهي، والتّكليف هو مقتضى الأمر والنّهي، ... وهو امتثال الأمر واجتناب النّهي، فحقيقة التّكليف هي أفعالنا وتناولنا، والأمر والنّهي راجعان إلى الخطاب الذي هو بالوحي» اهـ (1).
قوله الاِحتلام: ظاهره بل صريحه أنّ الاِحتلام خاصّ بالذّكور، وقد صرّح الشّيخ داود -رحمه الله- في "شرح العقيدة" بأنّه مشترك بينهما (2)، ويدلّ له قول "الدّيوان" (3): «وإذا رأت المرأة ما يرى الرّجل في منامه هل يلزمها
__________
(1) - الجيطالي: قناطر الخيرات، القسم الأوّل، 130، تح: د. عمرو خليفة النّامي.
(2) - مقدّمة التّوحيد وشروحها، 56. تص: أبو إسحاق إبراهيم اطفيّش. والشّيخ داود هو أبو سليمان داود بن إبراهيم التلاتي، اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 19.
(3) - الدّيوان موسوعة فقهيّة، من بواكير التّأليف الجماعيِّ في الإسلام، ويُعتبر بحقّ صورة صادقة عن تبحّر علماء الإباضيّة في الفقه الإسلاميِّ، وهو ديوانان: الأوّل: ديوان الغار، ألّفه سبعة من فقهاء القرن 4هـ في "غار أَمَجْماجْ" بجزيرة جربة بتونس، ألّفوه في اِثني عشر جزءًا، وذكر البرّادي أنّه مفقود، وهو كذلك إلى يومنا؛ والثّاني: ديوان الأشياخ أو ديوان العزّابة، وهو المقصود من طرف المحشّي، ألّفه عشرة من علماء القرن 5هـ بحوزة وارجلان في خمسة وعشرين جزءًا، وتوجد قطعه متناثرة في خزائن المخطوطات بوادي ميزاب (الجزائر) وجربة (تونس) ونفوسة (ليبيا)، ولم يُطبع منه سوى كتاب الطّهارات (مخرومًا)، وكتاب الصّوم. اُنظر: الوسياني: السير، 57، 258، 294 (مخطوط)؛ البرّادي: رسالة في كتب أصحابنا، 290، ملحَقَة بكتاب الموجز لأبي عمّار عبد الكافي؛ الشّمّاخي: السير، 401. (1/20)
صفحة 21
والمحيض للنّساء بإزائه، لقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا} [النّور: 59]، فأوجب عليهم الاِستئذان ببلوغ الاِحتلام، وأمّا المحيض فلما رُوي أنّ النّبيء - عليه السلام - لم يُجز لمن بلغ المحيض من النّساء أن تصلّي بلا خِمار (1)، فدلّ أنّ التّكليف توجّه إليها ببلوغ المحيض؛ والثّانية: الإنبات في موضع الاِستحداد، ...
--------------------
الاِغتسال؟ ... الخ» (2)، قال الشّيخ عامر -رحمه الله- في مسألة نواقض الطّهارة الكبرى: «إلاّ ما روي عن بعض الصّحابة من إزالة الغُسل عن المرأة إذا احتلمت، والصّحيح أنّها تغتسل إذا احتلمت لما روي ... الخ» (3)، فأثبت -رحمه الله- للمرأة الاِحتلام كما ترى اللهمّ إلاّ أن يريد بالاِحتلام المنيّ خاصّة.
قوله {الْحُلُمَ}: أو ما يقوم مقامه من النّبات والسّنين، والظّاهر أنّ الآية عامّة في الذّكور والإناث، وإلاّ لما وجب عليهنّ الاِستئذان ولا قائل به، فليُحرّر.
قوله بلا خِمار: أي: بلا تغطية رأس، يُقال: اِختمرتِ المرأة: إذا غطّت رأسها بالخمار، وانتقبت نقبة: إذا غطّت وجهها بالنّقاب، وهذا في الحرائر دون الإماء.
قوله الاِستحداد: في "الصِّحاح": «والاِستحداد أيضًا: حلق العانة» اهـ (4)، ومثل موضع الاِستحداد الإبطان.
__________
(1) - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل اللهُ صلاة حائض إلاّ بخمار»، أخرجه أبو داود: كتاب الصّلاة، باب المرأة تصلّي بغير خمار، رقم: 641؛ والتّرمذي: أبواب الصّلاة، باب ما جاء لا تُقبل صلاة الحائض إلاّ بخمار، رقم: 375؛ وابن ماجة: كتاب الطّهارة، باب إذا حاضت الجارية لم تصلّ إلاّ بخمار، رقم: 655؛ والحاكم: كتاب الصّلاة، بعد باب التّأمين، 1/ 251، وصحّحه على شرط مسلم.
(2) - ديوان الأشياخ: كتاب الصّلاة، 1/ورقة 12 بالمعنى (مخطوط).
(3) - عامر بن علي الشّمّاخي: الإيضاح، 1/ 165، 166؛ وانظر: ترجمة الشّيخ عامر في الملحق، رقم: 27.
(4) - الجوهري: باب الدّال، فصل الحاء: حدد. (1/21)
صفحة 22
لحديث بني قريظة حين حكّم عليهم سعد بن معاذ الأنصاري أن يكشف عن الأطفال، فمن أنبت منهم قُتل، ومن لم يُنبت سُبي، فكان محمّد بن كعب القريظي ممّن لم يُنبت فتُرك فيما قيل (1)، والله أعلم. وقد أجاز بعض مشايخنا -رحمهم الله- البلوغ بشعرة واحدة، إذا كانت سوداء غليظة، والله أعلم. والثّالثة: السِّنون، وقد اختلفوا في نهاية ذلك، والمحصول من اختلافهم قولان: أحدهما: خمسة عشرة سنة، ...
--------------------
قوله قريظة: بالتّصغير والظّاء المشالة: قرية من قرى اليهود بقرب المدينة.
قوله حين حكّم عليهم سعد ... الخ: وذلك لأنّهم كانوا حلفاء الخزرج، وسعد -رحمه الله- هو كبيرهم، فقالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ننزل على حكم سعد، واستُدلّ بهذه القصّة على جواز الاِجتهاد في زمانه - صلى الله عليه وسلم -.
قوله فتُرك: أي من القتل، وإنّما نصّ عليه لكونه عالمًا.
قوله وقد أجاز بعض مشايخنا ... الخ: والحاصل أنّه يثبت البلوغ بثلاث شعرات سود بالاِتّفاق، وفي الشعرتين خلاف، والواحدة لا يثبت بها البلوغ ما لم تكن سوداء غليظة عند بعضهم كما قال المصنّف -رحمه الله-.
قوله أحدهما ... الخ: اِعتبر بعض قومنا أيضًا في علامات البلوغ فرق الأرنبة وهي رأس الأنف وغِلظ الصّوت في الذّكور، وغير ذلك ولم يعتبره المصنّف
__________
(1) - أخرج هذا التّرمذي: أبواب السّير، باب ما جاء في النّزول على الحكم، رقم: 1633؛ وأبو داود: كتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحدّ، رقم: 4404؛ وابن ماجة: كتاب الحدود، باب من لا يجب عليه الحدّ، رقم: 2541؛ والحاكم: كتاب المغازي والسّرايا، 3/ 35، وصحّح إسناده ووافقه الذّهبي؛ وفي هذه الرّوايات الذي لم ينبت وتُرك هو عطيّة القرظي. (1/22)
صفحة 23
والثّاني: سبع عشرة، والصّحيح القول الأوّل لحديث ابن عمر أنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - أنفذه في الجيش وهو ابن خمس عشرة سنة، وضرب له في الغنيمة سهمًا (1)؛ وكذلك روي أنّ عمر ابن الخطّاب -رضي الله عنه- كان يضرب للمقاتلة في الغنيمة من بلغ منهم خمس عشرة سنة (2)؛ فهذه حدود البلوغ فيما بلغنا، فمتى ما ظهر من الإنسان إحدى هذه العلامات، وسلِم عقله من شوائب الآفات فقد تعيّن عليه الأمر بالتّوحيد مع سائر العبادات، ...
--------------------
رحمه الله ولا غيره من أصحابنا فيما رأيت.
قوله وضرب له ... الخ: وذلك لأنّ الغنيمة والرّكاز لا حظّ فيهما للمشرك، ولا للطّفل، ولا للمرأة، ولا للعبد.
قوله للمقاتلة: أي: للجماعة المقاتلة.
قوله فهذه حدود البلوغ: فيه أنّه ذكر بعض أصحابنا أيضًا من علامات البلوغ في النّساء الحمل وتكعّب الثّديين.
قوله تعيّن عليه الأمر: أي كونه مأمورًا، فهو مصدر من المبني للمجهول، ولو قال: الإتيان لكان أظهر.
__________
(1) - أخرجه البخاري: كتاب الشّهادات، باب بلوغ الصّبيان ... ، رقم: 2521؛ ومسلم: كتاب الإمارة، باب بيان سِنّ البلوغ، رقم: 1868؛ والتّرمذي: أبواب الجهاد، باب ما جاء في حدّ بلوغ الرّجل ... ، رقم: 1763؛ وأبو داود: كتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحدّ، رقم: 4406؛ وابن ماجة: كتاب الحدود، باب من لا يجب عليه الحدّ، رقم: 2543؛ وأحمد: مسند عبد الله بن عمر بن الخطّاب، رقم: 4661.
(2) - أخرج ذلك عبد الرّزّاق: المصنَّف، 5/ 311، عن عمر بن الخطّاب، وعمر بن عبد العزيز كذلك. (1/23)
صفحة 24
ولم يَسَعْهُ جهل التّوحيد في وقت من الأوقات، ويسعه جهلُ الفرائض حتّى تجيء أوقاتها، وجهلُ المحرَّمات ما لَمْ يلتبس بها، أو يتولّى من ارتكبها، أو يقف فيه على علمه بما ارتكب من محرّمات ربّه.
--------------------
قوله ولم يسعه جهل التّوحيد: وكذلك الشّرك لا يسعه جهله طرفة عين.
قوله جهل المحرّمات: أي: ما عدا الشّرك فإنّه مضيَّق كالتّوحيد، واعلم أنّ ما عدا الشّرك من المحرّمات يسع جهله ما لم تقم عليه الحُجّة، والحُجّة فيما يسع -عندنا وأكثر الأمّة- أن تعلمه من كتاب الله، أو من سُنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو ممّا أجمع عليه المسلمون ممّا دانوا به؛ "سؤالات" (1).
قوله أو يتولّى من ارتكبها: أي يتولاّه على ذلك الفعل، وأمّا لو كان متولّى عنده فرآه فعل كبيرة ولم يعلم حُكم الله فيها فإنّه يكون على وَلايته، ويقف في ذلك الفعل حتّى يعلم حُكم الله فيه، فيتبرّأ منه ويستتيبه.
قوله على علمه: أي: مع علمه بما ارتكب ... الخ، الظّاهر أنّه تنازعه قوله: يتولّى و يقف، وظاهره أنّ الإنسان إذا اطّلع لآخر على فعل [هو] (2) كبيرة في نفس الأمر لا يسعه أن يتولاّه، ولا أن يقف فيه، بل تجب عليه البراءة منه، سواء علم حُكم الله في ذلك الفعل أو لا، وسواء كان قبل ذلك عنده في الوَلاية أو في الوُقوف، وليس على إطلاقه بل لا تجب عليه البراءة منه إلاّ إذا كان عالِمًا بحكم الله في تلك الكبيرة، أو كانت تلك الكبيرة كبيرة شِرك، وأمّا إذا كانت غير شِرك وجَهِلَ حُكم الله فيها فإنّه
__________
(1) -السّوفي، 234، 235، 288، بالمعنى.
(2) -زيادة من د، وهُنا تبدأ النّسخة ب. (1/24)
صفحة 25
والدّليل على أنّ البالغ والمشرك مأموران بجملة الفرائض منهيان عن ارتكاب المحارم قول الله - عز وجل - إخبارًا عن المشركين {مَا سَلَكَكُم فِي سَقَرَ} إلى قوله: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدّثّر: 46]، فأخبر تعالى (1) أنّهم استوجبوا العذاب بمجموع هذه الأشياء، كما استوجبوه بأحدها، والله أعلم.
--------------------
يكون على حُكمه السّابق من الوَلاية أو البراءة أو الوُقوف، ولا يجوز له أن يتولاّه على ذلك الفعل، ولا أن يقف فيه، ولا أن يتبرّأ منه حتّى يعلم الحُكم فيه، فإن فعل شيئا من ذلك فهو هالك، أمّا في المسألة الأولى والثّانية فواضح، وأمّا في الثّالثة فإنّه وإن كان مصيبًا فهو هالك أيضًا لحُكمه بغير عِلم، قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وقال: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزّخرف: 86]، وقيل في البراءة إنّها خطأ لا يهلك به، وقيل غير ذلك؛ راجع "السّؤالات" عند قوله: «سؤال: الجواب فرض ... » (2).
قوله والمشرك: من عطف الخاص على العام.
قوله قول الله جلّ جلاله: هذه الآية إنّما تُساق للاِستدلال على كون المشركين مخاطَبين بفروع الشّريعة، لأنّه وقع في ذلك خلاف، وأمّا البالغ غير المشرك فبالإجماع، إذا لم يكن في جزيرة من الجزائر الخالدات عند بعضهم وهو باطل، فإنّ الصّحيح أنّه مُخاطَبٌ مطلَقًا.
قوله بمجموع: المناسب أن يقول: بجميع، لأنّه يستلزم الحكم على كلّ فرد، فيفيد أنّ كلّ واحد من هذه الأشياء يستوجب به العقاب، بخلاف الحكم على
__________
(1) -في د: فأخبروا اللهَ تعالى.
(2) -السّوفي، 57 وما بعدها. (1/25)
صفحة 26
فصل
اِعلم أنّ الله سبحانه قدّم معرفته على العبد في الدّنيا على سائر المفروضات، كما قدّم السّؤال عنها في الآخرة قبل سائر السّؤالات، قال الله سبحانه مخاطِبًا لعباده: {آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} الآية [الحديد:7] في أمثالها، وقال أيضًا -وذكر أصول الإيمان-: {لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} الآية، معناه: ليس الإيمان أن تُصلّوا فقط ولا أن تفعلوا خيرًا غير الصّلاة، ثمّ ذكر الإيمان وقدّمه على سائر وظائف الإسلام، فقال: {وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوِمِ الآخِرِ} إلى قوله: {وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة:177]. وسُئل أبو ذرّ -رحمه الله- عن الإيمان فقرأ هذه الآية، فقال السّائل: سألناك عن الإيمان فتُخبرنا عن البرّ؟ قال: سأل رجلٌ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان فقرأ هذه الآية (1)؛ ...
--------------------
المجموع فإنّه لا يستلزم الحكم على كلّ فرد.
قوله وذكر أصول الإيمان: أي: وبعض فروعه، وقوله: أصول الإيمان أي: غالبها، أو يُقال: إنّه ذكرها كلّها، لكن منها ما هو بالنّطق وهو ظاهر، ومنها ما هو بالإشارة، كالحساب والجنّة والنّار ووَلاية المسلمين وبراءة الكافرين وغير ذلك، فإنّ الإيمان بالكتب والرّسل يستلزم ذلك، والله أعلم.
قوله ثمّ ذكر الإيمان: لعلّه بالله.
__________
(1) - أخرج ذلك إسحاق بن راهويه في مسنده، وعبد بن حميد وابن مردويه عن القاسم بن عبد الرّحمن. السيوطي: الدّرّ المنثور، تفسير الآية 177 من سورة البقرة. (1/26)
صفحة 27
فهذا أصل الإيمان في كتاب الله - عز وجل -.
ومن السّنّة ما روي: «أنّ جبريل - عليه السلام - أتى النّبيء في صورة أعرابي وهو لا يعرفه، فقال: يا محمّد ما الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت، والقَدَر خيره وشرّه أنّه من الله، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم، قال: صدقت، قال: فما الإسلام؟ قال - عليه السلام -: أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسوله، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت، وتغتسل من الجنابة، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم، قال: صدقت، قال: فما الإحسان؟ فقال - عليه السلام -: أن تعمل لله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، قال: صدقت، ... » الحديث، ...
--------------------
قوله فهذا أصل الإيمان ... الخ: فيه أنّ ما ذُكر فيه أصول وفروع، اللهمّ إلاّ أن يُقال: الإشارة في قوله: فهذا إلى الإيمان بالله فقط، ولاشكّ أنّه أصل الإيمان، وكونه أصل الإيمان لا يُنافي أصلية غيره أيضًا، فإنّ الأصالة في الأوّل حقيقيّة وفي غيره إضافية، ويُحتمَل أن يُراد بالأصل: الدّليل، بدليل عطف ومن السّنّة عليه، والله أعلم.
قوله الحديث: نصّه في "البخاري" -بعد ذِكر الإسناد-: «كان النّبيء - صلى الله عليه وسلم - بارِزًا للنّاس، فأتاه رجلٌ فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ... [وكتبه] ورسله، وتؤمن بالبعث، قال: ما الإسلام؟ قال: أن تعبد الله ولا (1/27)
صفحة 28
......................................................................
--------------------
تشرك به شيئًا، وتقيم الصّلاة، وتؤدّي الزّكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، قال: متى السّاعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السّائل، وسأخبرك بأشراطها، إذا ولدت الأَمة ربّتها، وإذا تطاول رعاة الإبل البُهْمِ في البنيان، في خمس لا يعلمهنّ إلاّ الله؛ ثمّ تلى النّبيء - صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية [لقمان: 34]، ثمّ أدبر فقال: رُدّوه فلم يروا شيئًا، فقال: [إنّ] هذا جبريل جاء يعلّم النّاس دينهم» اهـ (1).
ولفظه في "الأربعين النّووية": «عن عمر - رضي الله عنه - قال: «بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثّياب، شديد سواد الشّعر، لا يُرى عليه أثر السّفر، ولا يعرفه منّا أحد، حتّى جلس إلى النّبيء - صلى الله عليه وسلم - فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه، وقال: يا محمّد أخْبِرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّدًا رسول الله، وتُقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدّقه، قال: فأخْبِرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقَدَر خيره وشرّه [أنّه من الله]، قال: صدقت، قال: فأخْبِرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنّك
__________
(1) - كتاب الإيمان: باب سؤال جبريل النّبيء - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان ... ، رقم: 50؛ وكتاب التّفسير: باب {إنّ الله عنده علم السّاعة}، رقم: 4499، والملاحَظ أنّ المحشّي جمع بين الرّوايتين في بعض ألفاظ الحديث. (1/28)
صفحة 29
......................................................................
--------------------
تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، قال: أخبرِني عن السّاعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السّائل، قال: فأخبِرْني عن أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحُفاة العُراة العالة رعاء الشّاء يتطالون في البنيان؛ ثمّ انطلق، فلبث مليا، ثمّ قال: يا عمر أتدري من السّائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنّه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم» رواه مسلم» اهـ (1).
قال الفاكهاني في "شرح الأربعين": «وهو متّفق على عظم موضعه وجلالته، يكاد يكون مدار جُلّ الإسلام عليه، أو مدار الإسلام عليه، وقد قال القاضي عياض: وهذا الحديث قد اشتمل على جميع وظائف العبادات الظّاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السّرائر، والتّحفّظ من آفات الأعمال، حتّى أنّ علوم الشّريعة كلّها راجعة إليه، ومتشعّبة منه؛ قال القرطبي: فيصلح في هذا الحديث أن يُقال فيه: إنّه أمّ السنّة، لِما تضمّنه من جُلّ علم السنّة، كما سُمّيت الفاتحة أمّ القرآن لِما تضمّنته من جُلّ معاني القرآن ... الخ» (2).
__________
(1) - كتاب الإيمان: باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... ، رقم: 1.
(2) - الفاكهاني، تاج الدّين عمر بن علي بن سالم اللّخمي أبو حفص، من علماء المالكية وفقهائها، عاش بمصر وتوفّي بها سنة 731هـ، له العديد من التّصانيف، منها: "المنهج المبين في شرح الأربعين"، وهو غير مطبوع، وقد حدّثنا أحد المشايخ أنّه وقف عليه مخطوطًا بإحدى خزائن تونس؛ والقرطبي المذكور هو أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري أبو العبّاس، محدّث وفقيه مالكي، توفّي سنة 656 بالأسكندرية، من تصانيفه: "المفهِم في شرح مختصر مسلم" وهو غير مطبوع. اُنظر: حاجّي خليفة: كشف الظّنون عن أسامي الكتب والفنون، 2/ 556؛ عمر رضا كحّالة: معجم المؤلّفين، 2/ 27، 7/ 299. (1/29)
صفحة 30
فلمّا انصرف من عند النّبيء - عليه السلام - قال: عليّ بالرّجل، فقام أصحابه في كلّ وجه، ...
--------------------
واعلم أنّ ظاهر كلام أصحابنا -رحمهم الله- يدلّ على أنّهم اختلفوا في الدّين والإيمان والإسلام، هل هي بالنّظر إلى الشّرع ألفاظٌ مختلفة المفهوم متّحدة المأصدق؟ وهو الذي جزم به عمّنا أبو العبّاس أحمد بن سعيد الشمّاخي -رحمه الله- في "شرح العقيدة"، كما يُعلم بالوُقوف عليه (1)، وهو الذي يدلّ عليه جواب النّبيء - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام -، أو هي ألفاظ مترادفة لشيء واحد؟ وهو ما أمر اللهُ عبادَه أن يطيعوه به، وهي العبادات المعتبرة، وهو الذي صرّح به في "السؤالات" حيث قال: «الإيمان والإسلام والدّين معناها واحد»، واستدلّ لذلك بآيات فليُراجع (2)، وهو الذي صرّح به صاحب "الوضع" أيضًا حيث قال: «ودين الله تعالى هو الإسلام» (3)، وقال أيضًا: «والدّين والإيمان والإسلام أسماء مختلفة لشيء واحد، وهو طاعة الله ... الخ» (4)، وفي بعض كتب قومنا ما هو صريح في الاِختلاف في ذلك عندهم أيضًا، حيث قال: «اختلفوا في الإسلام هل هو الإيمان أو غيره؟ وإن كان غيره فهل هو منفصل يوجد دونه أو يلازمه؟ فقيل إنّهما اسمان مترادفان على معنى واحد، وقيل: إنّهما متباينان لا متلازمان، وقيل: إنّهما شيئان ولكنّهما مرتبطان ... الخ»، والله أعلم.
قوله في كلّ وجه: لعلّه: وِجهة.
__________
(1) - اُنظره في: مقدّمة التّوحيد وشروحها، 22.
(2) - السّوفي، 333.
(3) - أبو زكرياء يحي بن أبي الخير الجنّاوني: كتاب الوضع، 11، نشر وتعليق: أبو إسحاق إبراهيم اطفيّش. وانظر: ترجمة أبي زكرياء في الملحَق، رقم: 61.
(4) - المصدر السّابق، 16. (1/30)
صفحة 31
ثمّ ناداهم: أن هلمّوا فإنّه جبريل - عليه السلام - جاءكم يعلّمكم أمر دينكم. فبدأ بالإيمان بالله - عز وجل - قبل وظائف الإسلام كما قدّمنا، لأنّه بمعرفة الله سبحانه تؤدّى العبادات رغبة في مرضاته، وتُجتَنب المحرّمات مخافة سطواته والتعرّض لمقته، فمن لم يعرف معبوده كيف يرجوه لكشف ملمّة أو تيسير مهمّة؟ أو كيف يخافه إذا ارتكب موبقة أو أهمل فريضة؟ ولذلك قال - عليه السلام -: «أبى الله أن يقبل العمل إلاّ بالإيمان» (1)؛ ولذلك جعل الله تعالى مفتاح دعوة أعلى رسول أرسله في سالف الدّهر: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رَّسُولٍ اِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]؛ وكذلك في دار المعاد إنّما يُسأل العبد أوّلاً عن الإيمان ثمّ الصّلاة ثمّ الزّكاة ثمّ سائر الأعمال، كما وَرَد في الحديث، واشتُهر عن أهل التّفسير في قوله - عز وجل -: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14]، ...
--------------------
قوله لمقته ... الخ: المقت: البغض، والملمّة: النّازلة، والموبقة: المهلكة.
قوله أعلى رسول: أي: أعظم رسول، وفي بعض النّسخ: كلّ رسول (2)، وهو أصحّ.
قوله {فَاعْبُدُونِ}: أي: وحِّدون.
قوله {لَبِالْمِرْصَادِ}: ظاهر كلام البيضاوي أنّ هذا في الدّنيا، وهو المناسب لما قبله ولما بعده، قال: «{المرصادِ}: المكان الذي يترقّب فيه الرّصد، مِفعال من رَصَدَه،
__________
(1) - لم نقف عليه بهذا اللّفظ، وروى نحوه الطّبراني في الكبير عن ابن عمر أنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يُقبل إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان». الهيثمي: مجمع الزّوائد ومنبع الفوائد، باب لا يُقبل إيمان بلا عمل ... ، 1/ 35.
(2) - كما في الحجرية. (1/31)
صفحة 32
يعني: ملائكة يرصدون العباد على جسر جهنّم عند القناطر السّبع المحابس، فيسألون العبد عند أوّلهنّ عن الإيمان، فإن جاء به مخلصًا جاز إلى الثّاني، فيُسأل عن الصّلاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثّالث، فيُسأل عن الزّكاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الرّابع، فيُسأل عن الصّوم، فإن جاء به تامًّا جاز إلى الخامس، فيُسأل عن العمرة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى السّادس، ...
--------------------
كالميقات من وَقَتَه، وهو تمثيل لإرصاده العُصاة بالعقاب، {فَأَمَّا الاِنسَانُ}: متّصل بقوله {إِنَّ رَبَّكَ بِالْمِرْصَادِ}، وكأنّه قيل: لبالمرصاد من الآخرة، فلا يريد إلاّ السّعي لها، وأمّا الإنسان فلا يهمّه إلاّ الدّنيا ولذّاتها ... الخ» (1)؛ وقال البغوي: «{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} قال ابن عبّاس: ... بحيث يرى ويسمع ... ، قال الكلبي: عليه طريق العباد ولا يفوته أحد، وقال مقاتل: ممرّ النّاس عليه، والمرصاد والمرصد: الطّريق، وقيل: يرجع الخلق إلى حكمه وأمره وإليه مصيرهم، وقال الحسن وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم، والمعنى أنّه لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وقال السدّي: أرصد النّار على طريقهم حتّى يهلكهم» اهـ (2)؛ وهذا وغالب ما قبله مناسب لكلام المصنِّف -رحمه الله-، والله أعلم. وقوله: أرصد النّار أي: أعدّها.
قوله يعني ملائكة ... الخ: إنّما قال ذلك لأنّ ظاهره محال في حقّ الله - عز وجل - لتنزّهه عن المكان، يعني فهو على حذف المضاف، أي: إنّ ملائكة ربّك على ظاهر كلامه -رحمه الله-.
__________
(1) - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 15، 16 من سورة الفجر.
(2) - معالم التّنزيل، تفسير الآية 14 من سورة الفجر، ومؤلّفه هو الحسين بن مسعود بن محمّد الشّهير بابن الفرّاء، أبو محمّد البغوي، من علماء الشّافعيّة، توفّي سنة 516هـ بخراسان، من تصانيفه: "معالم التّنزيل" في التّفسير، و"شرح السنّة" في الحديث. اُنظر: عمر رضا كحّالة: معجم المؤلّفين، 4/ 61. (1/32)
صفحة 33
فيُسأل عن الحجّ، فإن جاء به تامًّا جاز إلى السّابع، فيُسأل عن المظالم، فإن لم يكن ظلم جاز إلى الجنّة (1)، والله أعلم.
وأمّا الثّلاثة الأبواب التي يشتمل عليها هذا الرّكن الأوّل فأحدها: باب في معرفة الله - عز وجل -، وما لا يسع جهله كلَّ عاقل سلم عقله من الآفات ...
--------------------
قوله وأمّا الثّلاثة الأبواب: جمع المصنّف -رحمه الله- بين الْ و الإضافة في غير الوصف بناء على مذهب الكوفيّين، القائلين بجواز إضافة العدد المُحلَّى ب الْ إلى ما فيه الْ تشبيهًا، بنحو: الحسن الوجهِ، وأمّا البصريّون فيوجبون في مثل هذا تجريد المضاف من الْ، ويقولون إذا أرادوا التّعريف مثلاً: وأمّا ثلاثة الأبواب، والله أعلم.
قوله وما لا يسع جهله: معناه أنّه لا يحلّ ولا يُجهل، كما ذكره في "السّؤالات" (2)، وظاهره أنّ هذا الباب هو الذي يشتمل على ما لا يسع جهله، مع أنّ الباب الثاني والثّالث كذلك، ويُشعر أيضًا بذلك قوله: الرّكن الأوّل في معرفة الله تعالى ووظائفها وما يتعلّق بها من قواعد التّوحيد، ومعلوم أنّ ما كان من قواعد التّوحيد لا يسع جهله، والرّكن الأوّل هو هذه الثّلاثة الأبواب، اللهمّ إلاّ أن يُقال: الفرق بين الأبواب الثّلاثة أنّ الباب الأوّل لم يذكر فيه إلاّ ما لا يسع جهله فقط، بخلاف الثّاني والثّالث فإنّه ذكر فيهما ما لا يسع جهله وما يسع حتّى تقوم الحُجّة.
__________
(1) - تقدّم تخريجه بصفحة 12.
(2) - السّوفي، 410، وفيه: «لا يحلّ ولا يُحمل» ولعلّه من تحريف النّسّاخ، وقبله: «ومعنى قولهم: لا يسع، أي: لا يحلّ، أي: الذي لا يحلّ جهله ... ». (1/33)
صفحة 34
عند حال بلوغه من الذّكور والإناث، وهذا الباب يتوزّع على ثلاثة فصول: الفصل الأوّل: في معرفة الله سبحانه وتعالى، والفصل الثّاني: في معرفة الرّسول - عليه السلام - والإقرار به، والفصل الثّالث: في معرفة ما جاء به الرّسول - عليه السلام - والإقرار به أنّه حقّ من عند ربّه.
--------------------
قوله عند حال بلوغه: الظّاهر أنّه تنازعه قوله: لا يسع، وقوله: سلم، يعني: فلا يُشترَط داوم صحّة العقل في معرفة ما لا يسع، فإن صحّت غريزة العقل في تلك الحالة وليس مستحضِرًا لمعرفة الله - عز وجل - ولا لما لا يسع جهله فهو مشرك، وإن تجنّن بعد ذلك سريعًا.
قوله يتوزّع: التّوزيع القسمة والتّفريق ... الخ، "صحاح" (1).
(((
__________
(1) - الجوهري: باب العين، فصل الواو: وزع. (1/34)
صفحة 35
الفصل الأوّل
في معرفة الله عزّ وجلّ
وهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأوّل: في ما يجب على العبد أن يعتقده في الله - عز وجل - وُجوبًا وإثباتًا، والثّاني: في ما يجب أن يعتقده نفيًا واستحالة.
أمّا الأوّل: فيجب على العبد معرفة ربّه والإيمان به نطقًا باللّسان، واعتقادًا بالجنان، ويعتقد في قلبه أن لا إله إلاّ الله، واحد، ...
--------------------
قوله الفصل الأوّل في معرفة الله عزّ وجلّ: لو زاد بعده: والإقرار به، لكان أظهر، إذ المعرفة به بالقلب لا تُغني عن الإقرار باللّسان، ولعلّه من باب الاِكتفاء على حدّ قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ} [النّحل: 81]، أي: والبرد.
قوله وُجوبًا: أي يعلم أنّه واجب في حقّ الله ويُثْبِتُه له.
قوله واستحالة: أي: يعلم أنّه مستحيل في حقّ الله ويَنْفِيه عنه، وترك المصنّف -رحمه الله- القسم الثّالث وهو الجائز في حقّ الله.
قوله نُطقًا ... واعتقادًا: الظّاهر أنّهما حالان من العبد، أي: فيجب على العبد المعرفة والإيمان حالة كونه ناطقًا ومعتقِدًا، لكن فيه أنّ وقُوع المصدر حالاً موقوفًا على السّماع، ويجوز أن يكون كلّ واحد منهما مصدرًا حُذف عامله على حدّ: {فَطَفِقَ مَسْحًا} [ص: 33].
قوله أن لا إله إلاّ الله: لعلّ النّسخة: أنّ الله واحد، وفي بعض النّسخ: وحده، وفي بعضها: واحدًا، وكلاهما متّجه. (1/35)
صفحة 36
غير منقسم في ذاته، ولا معه ثانٍ في ألوهيته، وأنّه موجودٌ بغير مشاهدة، قديم بلا بداية أوجد منها نفسه، دائم بلا نهاية ينتهي إليها، حيّ قيّوم لا تأخذه سِنة ولا نوم، عالم بما كان وما يكون، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء، ولا يخفى عليه شيء في ظلمات ولا ضياء، قادر بلا تكلّف ولا جهد، متكلّم بلا لسان، سميع بلا آذان، بصير بلا حدقة ولا أجفان، وأنّه إله كلّ شيء، وخالقه، ومنشئه، وموجِدُه، خلق كلَّ شيء فقدّره، واخترع الإنسان وصوّره، ويعلم ما توسوس به نفسه، وما يجلب إليه حسّه، مريد لكلّ كائن من خير وشرّ، وجميع ما يجري على العالَم من نفع وضرّ، ...
--------------------
قوله غير منقسم في ذاته ... الخ: أشار بذلك إلى الواحد في الذّات والواحد في العبادة، وبقي عليه الواحد في الصّفة والواحد في الفعل، وقد يُقال: الواحد في الصّفة أشار إليه بقوله: موجود بغير مشاهَدة، قديم ... الخ، وإلى الواحد في الفعل بقوله: وخالِقُهُ ومُنْشِئُه ... الخ.
قوله لا يعزُب: أي: لا يبعد.
قوله بلا حدقة: حدقة العين: سوادها الأعظم، والجمع حدَق وحِدَاق، وهي بفتح الدّال.
قوله فقدَّره: أي: هيّأه لما يصلح له من التّكاليف المنوطة به، أعني: فيمن يصلح لذلك.
قوله مريد لكلّ كائن ... الخ: فيه إشارة إلى الردّ على المعتزلة (1)، وإلى أنّ متعلّق الإرادة أخصّ من متعلّق العِلم والقدرة، فإنّ العلم يتعلّق بالواجب والممكن الذي وُجد أو يوجد، والقدرة تتعلّق بجميع الممكنات، والإرادة لا تتعلّق إلاّ بالممكن الكائن.
__________
(1) - المعتزلة مدرسة كلامية يتزعّمها واصل بن عطاء (ت. 131هـ) وعمر بن عُبيد (ت. 144هـ)، سُمّيا بذلك لاِعتزالهما حلقة درس الحسن البصري (ت. 110هـ) حين خالفاه في القول بأنّ = (1/36)
صفحة 37
ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، صادِق في وعده ووعيده، عدل في قضائه وحُكمه، ...
--------------------
قوله صادق في وعده ووعيده: فيه إشارة إلى الردّ على المرجئة (1) ومن قال بقولهم، من أنّ الله يُنجز وعده وقد يُخلف وعيده، والدّليل عليهم قوله تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29]، فإنّ من لم يصدّق فعلُه قولَه فهو كاذب.
قوله عدل في قضائه: فيه الردّ على المجبرة القائلين بأنّ الله أجبرهم على أفعالهم وعذّبهم عليها (2)، والحُجّة عليهم قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كُانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزّخرف:76]، أي: لا يؤاخذهم بغير ما اكتسبوا، ولا يعذّبهم بغير ما اجترموا.
__________
(1) =مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر ولكنّه فاسق في منزلة بين المنزلتين. وافترقت المعتزلة إلى أكثر من عشرين فرقة، واختلفت آراؤها وتشعّبت، واتّفقت جميعها على أصول خمسة يرجع إليها مناط الاِعتزال، هي: 1) التّوحيد، 2) العدل، 3) الوعد والوعيد، 4) المنزلة بين المنزلتين، 5) الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. اُنظر: د. إسماعيل العربي: معجم الفِرق والمذاهب الإسلامية، 342.
- المرجئة من المذاهب الكلامية الأولى، كان في أوّل الأمر حزبًا سياسيا محايِدًا، وظهر موقف أتباعه بعد مقتل عثمان وخلافة علي وما تمخّض عن ذلك من اختلاف المسلمين، وقالوا: الكلّ ثِقة ومصدَّق عندنا فنحن لا نبرأ من أحد ولا نلعنه ولا نشهد عليه ونُرجئ أمر ذلك إلى الله فهو الذي يحكم بينهم، وهذا هو الوجه الأنسب لتسميتهم بالمرجئة. تطوّر أمر هذه الفرقة بعد ذلك إلى مناقشة قضايا كلامية، كحقيقة الإيمان، والمؤمن، والكفر، والكافر، وماهية البارئ وأسمائه، وصفاته، والقَدَر، وخلق القرآن، وفناء الجنّة والنّار، وغيرها، اختلفت المرجئة في ذلك إلى فرق كثيرة منها الغيلانية والجهمية والغسّانية والثوبانية والتّومية. وترجع نواتها إلى الصّدر الأوّل من الإسلام حيث تزعّمها بعض الصّحابة كأبي بكرة وابن عمر. أحمد أمين: فجر الإسلام، 279؛ د. إسماعيل العربي: معجم الفرق، 332.
(2) - المجبرة هي إلى ثلاثة فِرق: الجهمية والمكرمية والضرّارية، غالت في القول بأنّ الإنسان مُجبر على أفعاله ولا دخل له فيها ولا استطاعة، ولا قُدرة ولا إرادة ولا اختيار إطلاقًا، فأفعاله مخلوقة تماما كأفعال الجمادات، على العكس من قول الإباضية والمعتزلة والأشاعرة، وتزعّم= =فكرة الجبر جهم بن صفوان (اُنظر ترجمته فيما يأتي ص: 65) د. إسماعيل العربي: معجَم الفرق، 110، 122، 328. (1/37)
صفحة 38
آمر بطاعته، ناه عن معصيته، مستوٍ على عرشه وجميع خلقه بالقهر والغَلَبة، وهو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن، وهو بكلّ شيء عليم.
--------------------
قوله مستوٍ على عرشه ... الخ: فيه ردّ على المشبّهة (1) وعلى قُدماء هؤلاء، القائلين بأنّ الاِستواء معقول والكيفيّة مجهولة والسّؤال عنه بِدعة، وذلك لأنّ الاِستواء معناه: الاِستيلاء، فهو مثل قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، وقوله: {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} [يوسف: 21]، فالله تبارك وتعالى اِستوى على العرش وعلى كلّ شيء بمعنى: اِستولى عليه، وإنّما خصّ العرش بالذّكر لعظمته، فإذا استوى عليه فقد استوى على غيره من باب أولى، والله أعلم.
قوله هو الأوّل والآخر والظّاهر ... الخ: الأوّل هو الذي كان قبل خلقه، وهو من تأويل قديم، والآخر الذي لا يفنى، وهو من تأويل الباقي، والظّاهر لخلقه بالدّلائل الظّاهرة، فقيل: ظاهر لظهور الدّلائل عليه، والباطن عن حواسّهم وعمّا يدرك به بعضهم بعضًا، والعليم الذي علم لا بعد جهل، ولا يجهل بعد علم، كذا في "الموجز" (2).
__________
(1) - المشبّهة من الفرق الضّالّة التي غالت في إثبات الصّفات لله تعالى، فشبّهوه بخلقه، ووصفوه بصفات خلقه جريًا على ظاهر الآيات الواردة في الشّأن، وقد تجاوز بعضهم حدّ الغلوّ فقال بمصافحة الله تعالى ومعانقته في الدّنيا والآخرة إذا بلغوا درجة عالية في الرّياضة والاِجتهاد، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وقد ساعدهم في ذلك وُرود بعض الأحاديث الموضوعة في الشّأن، وتفسير بعض الصّحيحة على ظاهرها دون التمعّن في مغزاها. وفروع هذه الفرقة تزيد على العشرة على ضلالها. اُنظر: د. إسماعيل العربي: معجم الفرق، 340.
(2) - أبوعمّار عبد الكافي، 1/ 434. (1/38)
صفحة 39
القسم الثّاني: فيما يجب على العبد أن يعتقده نفيًا واستحالةً، وذلك أن يعتقد أنّ الله سبحانه يستحيل عليه الحدوث والعدم والتغيّر والفناء في الحال والأزل، بل هو موجود على الإطلاق، غير مقيَّد بزمان، ولا مخصوص بجهة ولا مكان، ...
--------------------
قوله يستحيل: حدّ المحال ما لا يتّفق وُجوده ولا يستقيم كونه؛ "سؤالات" (1).
قوله والعدم: حدّ العدم ما ليس بشيء، ولا يجوز أن يكون شيئًا، وحدّ المعدوم ما ليس بموجود ولا حاضر، وقد يجوز أن يكون شيئًا؛ والفرق عندنا بين الشّيء والموجود أنّ الشّيء ما كان مُخبَرًا عنه موصوفًا، وأنّ الموجود هو الكائن، لا يُقال: كلّ ما جاز فيه شيء جاز فيه موجود من جهة الآخرة وما أشبه ذلك -"سؤالات" (2) -، وعند غيرنا: الشّيء والموجود مترادفان، ومذهبنا هو الموافق للغة، والله أعلم.
قوله والفناء: حدّ الفناء قطع التّدبير من الله تعالى عن الشّيء الموجود، وقيل: الفناء صِفة الفاني يحدث قبل حال الفناء، ولا يُسمّى فناءً إلاّ عند فناء الفاني؛ وحدّ الأزل عدم الأشياء وعدم الخلق، وقيل: اِسم وعبارة وُضعت لما قبل حدوث العالَم، وليس هناك معنى موهوم -من "السّؤالات" (3) -، وقال فيه أيضًا: «قال أصحابنا -رحمهم الله-: خمسة أشياء متعلّقة لا إلى شيء: الأزل، والعدم، والفناء، والخذلان، والمحال» اهـ (4)، وعبارة بعض قومنا: «الأزل ما لا بداية له، والأبد ما لا نهاية له، وما لا يزال بينهما».
قوله في الحال والأزل: الأولى أن يزيده: والأبد.
__________
(1) - السّوفي، 134.
(2) - المصدر السّابق، 133، 134.
(3) - المصدر السّابق، 133، وهنا تبدأ النّسخة ج.
(4) - المصدر السّابق، 133. (1/39)
صفحة 40
بل هو في كلّ مكان بلا حِواية ولا اجتنان، لا تُحيط به الجهات والأقطار، ولا تكيّفة العقول والأفكار، منزَّه عن جميع الأماكن والجهات، غنيّ عن جميع الكائنات، متعالٍ عن الحلول على العرش والسّموات، ليس بمتّصل فتمسّه صفحات الأجرام، ولا بمنفصل فتدركه لمحات أبصار الأجسام، لا يوصف بالحركة ولا بالسّكون، ولا تعتريه وساوس الظّنون، تعالى عن العيوب والآفات، وتنزّه عن نقائص العاهات، لا تبدو له البدوات، ...
--------------------
قوله بلا حواية ولا اجتنان: أي: اِسْتِتَارٍ بها، يشير -رحمه الله- إلى أنّ وُجود الله في الأشياء ومع الأشياء بالحفظ والقدرة والعلم والإحاطة بها والزيادة والنّقصان، لا على الحلول والتمكّن، [والاِجتنان أي: الاِستتار] (1).
قوله ولا تكيّفه العقول والأفكار: من عبارات بعضهم: ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
قوله الأجرام: جمع جُرم، وهو الجسم.
قوله لا تبدو له البداوات: يعني خلافًا للجهمية (2) ومَن قال بقولهم من الرّوافض -قبّحهم الله- (3)، وتعلّقوا بظاهر قوله تعالى: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثَبِّتُ}
__________
(1) - سقط من ج وهـ.
(2) - الجهمية: هي الجبرية نفسها وقد تقدّم تعريفها، وفي ب: المرجئة، وهي أصل الجهمية.
(3) - من فِرق الشّيعة الرّوافض أو الرّافضية، سُمّوا بذلك لرفضهم زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب حين ترحّم على أبي بكر وعمر وامتنع عن لعنهما، ويرون أنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - نصّ على اِستخلاف علي وأظهر ذلك وأعلنه، وأكثر الصّحابة في ضلال إذ لم يقتدوا به بعد وفاة النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، وزعموا أنّ عليا مصيب في جميع أحواله وأنّه لم يخطئ في شيء من أمور الدّين، ولهم آراء شاذّة في عدّة مسائل من العقيدة، ويبلغ عدد فِرَقهم العشرين. د. إسماعيل العربي: معجم الفِرق، 178. (1/40)
صفحة 41
ولا يوصف بالجوارح والأدوات، ولا تحلّه دواعي الخطرات، ولا يوصفُ بنوم ولا سُبات، ...
--------------------
[الرّعد: 39]، وأخطأوا وجه التّأويل فيه، كما زعموا أنّ علم الله مُحدَث، وأنّه لا يعلم الأشياء حتّى توجد، وتعلّقوا أيضًا بظاهر قوله - عز وجل -: {وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَّنصُرُهُ} [الحديد: 25]، {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142]، {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ} [محمّد: 31]، وغير ذلك ممّا لا دليل فيه، قال في "الموجز": «معناه عند أهل التّفسير: حتّى يكون ما علمه منهم موجودًا و ... كائنًا كما علمه قبل وُجوده، أي: يراهم فاعلين ويعلمهم فاعلين، و"حتّى" و"اللاّم" ... واقعتان على المعلوم لا على العِلم، وهذه المقالة أوهن الأقاويل شوكة وأدحضها حُجّة» (1).
قوله بالجوارح: أي: خلافًا للمشبّهة.
قوله بنوم ولا سبات: قال في "الصّحاح": «النّوم: معروف» (2)، وقال البيضاوي: «النّوم حال يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدّماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواس الظّاهرة عن الإحساس رأسًا» اهـ (3)، وقال في قوله تعالى: {وَالنَّوْمَ سُبَاتًا} [الفرقان: 47]: «راحة للأبدان بقطع المشاغل، وأصل السّبت القطع، أو موتًا لقوله: {هُوَ الذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاليْلِ} [الأنعام: 60]، لأنّه قطع الحياة، ومنه المسبوت للميِّت» اهـ، وقال في "الصّحاح": «السّبات النّوم، وأصله الرّاحة، ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} [النّبأ: 9] ... الخ» (4).
__________
(1) - أبو عمّار عبد الكافي، 1/ 425.
(2) - الجوهري: باب الميم، فصل النّون: نوم.
(3) - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 255 من سورة البقرة.
(4) - الجوهري: باب التّاء، فصل السّين: سبت. (1/41)
صفحة 42
ليس له شريك ينازعه، ولا كفؤ يدافعه، ولا مثل يعادله، ولا نظير يشاكله (1)، ولا وزير يؤازره، ولا نِدّ يحاوره، ولا تكيّفه العقول، ولا تمثّله النّفوس، ولا تلحقه الأوهام والأفكار، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصارَ وهو اللّطيف الخبير، ليس بحوهر ولا عَرَض، ولا ذي طول ولا عُرض، ولا بذي صورة ولا شكل، ولا هيئة ولا مثل، بل هو الواحد الأحد، العادل الصّمد، لم يلد ولم يولَد، ولم يكن له كفؤًا أحد، ...
--------------------
قوله يؤازره: أي يقوّيه.
قوله يحاوره: أي يجادله.
قوله {لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ}: فيه ردّ على من زعم أنّ الله يُرى في الآخرة، وذلك أنّ المراد من هذا النّفي المدحة، كما مدح نفسه بقوله: {لاَ تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255]، وقوله: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالَ ذَرَّةٍ} [يونس: 61]، وغير ذلك من المدحة، والمدحة لا تتغيّر، وأمّا ما استدلّوا به من قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ اِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] فهو على حذف مضاف، أي: إلى رحمة ربّها، على حدّ: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22]، والنّظر هنا بمعنى: الاِنتظار، أي: ينتظرون متى يؤذَن لهم في دخول الجنّة، كما بُيِّن في المطوّلات (2).
قوله العادل: لعلّه من قولهم: عدل عليه في القضيّة فهو عادل، وإلاّ فالعادل: المشرك الذي يعدل بربّه، ولم يذكر في "السّؤالات" العادلَ إلاّ بمعنى المشرك (3)، وفي بعض النّسخ: العدل، وهي الظّاهر.
__________
(1) - في الحجرية: يشاركه.
(2) - اُنظر مثلاً: الجيطالي: شرح النّونية، 1/ 133، شرح البيت 17.
(3) - السّوفي، 326. (1/42)
صفحة 43
لا تحلّه الحوادث والآفات، ولا تلحقه النقّائص والعاهات، ولا يليق به الظّلم، ولا يجور في الحكم، بل قضاؤه كلّه حكمة وعدل وامتنان وفضل، كلّ أفعال البريّة بقضاء منه ومشيئة؛ وتمّت كلمات ربّك صٍدقا وعدلاً، لا مبدِّل لكلماته، ولا معقِّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه، يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء، لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون، هو الحيّ لا إله إلاّ هو فادعوه مخلصين له الدّين، الحمد لله ربّ العالمين.
--------------------
قوله حكمة وعدل ... الخ: كأنّه يشير إلى النّقم والنّعم، لأنّ كلّ نعمة منه فضل، وكلّ نقمة منه عدل، وأنّ الحكمة والعدل ما كان من المصائب في مقابلة ذنب صدر من الإنسان كما قال تعالى: {مَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ} [الشّورى: 30]، وقالت عائشة -رضي الله عنها-: «ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتّى الشّوكة يشاكّها، أو حتّى قطعُ شسعِ نعله إلاّ بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» (1)، وأنّ الفضل والاِمتنان ما كان من النّعم بمحْض فضل الله، لا في مقابلة طاعة، كما قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النّساء: 73]، أي: تفضّلا منه، فإنّ ما يفعله
__________
(1) - رفعه البغوي إلى الرّسول - صلى الله عليه وسلم - بلفظ: «والذي نفس محمّد بيده، ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلاّ بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» (معالم التّنزيل، تفسير الآية 30 من سورة الحجرات)، وروى التّرمذي عن بلال عن أبيه أبي بردة عن جدّه أبي موسى أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تصيب عبدًا نكبةٌ فما فوقها أو دونها إلاّ بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، وقرأ {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتَ اَيِدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}»، أبواب تفسير القرآن: تفسير سورة الشّورى، رقم: 3304. (1/43)
صفحة 44
..........................................
--------------------
الإنسان من الطّاعة لا يكافئ نعمة الوجود فكيف يقتضي غيره، ولذلك قال - عليه السلام -: «ما أحد يدخل الجنّة إلاّ برحمة من الله تعالى، قيل: ولا أنت [يا رسول الله]؟ قال: ولا أنا» (1)، وقوله: {وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النّساء: 79]، أي: فأنت السّبب فيها، والله أعلم.
(((
__________
(1) - ما بين المعقوفتين زيادة من هـ، والحديث بلفظ «لن ينجّي أحدًا منكم عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلاّ أن يتغمّدني الله برحمته، ... » أخرجه الرّبيع بن حبيب: باب الآداب، رقم: 736؛ والبخاري: كتاب الرّقاق، باب القصد والمداومة على العمل، رقم: 6098؛ ومسلم: كتاب صفات المنافقين ... ، باب لن يدخل أحد الجنّة بعمله، رقم: 2816. (1/44)
صفحة 45
الفصل الثاني
في معرفة الرسول عليه السلام
وذلك أنّه يجب على المكلَّف نُطقًا واعتقادًا أن يعرف أنّه محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب، ...
--------------------
قوله أن يعرف: المناسب لقوله: نطقًا واعتقادًا أن يزيد بعده: ويقرّ، لأنّه لابدّ من الإقرار والمعرفة كما هو معلوم.
قوله أنّه محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب .... الخ: ظاهره أنّه لابدّ من معرفة أبيه وجدّه وقبيلته مطلَقًا، مع أنّ في ذلك تفصيلا كما ذكره -رحمه الله- في "شرح النّونية" حيث قال: «مسألة: وسُئل عمّن قال: لا أعرف أنّ محمّدًا رسول الله ولا أدري مَن أبوه ولا مَن قبيلته؟ فأمّا مَن عرفه بعينه فقال: أعرِفُ أنا أنّ هذا محمّد رسول الله، وهو يراه ولا يدري مَن قيبلته ولا مَن نَسَبُه، فهذا ثابتة له المعرفة بمحمّد - صلى الله عليه وسلم -، ولا يضرّه ما جهل من نسبه، وإذا قال: عرفتُ محمّدًا رسول الله ولم أعرف أنّه ابن عبد الله؟ فإذا كان محمّد حاضرًا فلا بأس عليه، وأمّا إن لم يعرفه بعينه فلا يكون عارِفًا به حين جهل أباه، وأمّا جدّه إن لم يعرفه فإنّه يجزئه فيما حُكي عن بعض المشايخ، وأظنّه أبا أيوب، وبعض شدّد في ذلك» اهـ (1)، وظاهر كلام "السّؤالات" أنّه لا يجب علينا في حقّه - عليه السلام - إلاّ العلم بأنّه آدميّ، حيث قال: «وعلينا أن نعلم أنّ محمّدًا - عليه السلام - آدميّ، وأمّا أن نعلم أنّه عربي وأ نّه [ابن عبد الله] قريشي، والقرآن عربي فلا، إلاّ ما روي عن الشّيخ عبد السّلام بن أبي وزجون -رحمه الله» اهـ (2).
__________
(1) - الجيطالي، 1/ 52، 53، شرح البيت 9. وأبو أيوب المذكور هو وائل بن أيوب الحضرمي، اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 57.
(2) - السّوفي، 172، 173. وانظر ترجمة الشّيخ عبد السّلام بن أبي وزجون في المحلق، رقم: 27. (1/45)
صفحة 46
هاشميّ النّسب، مبعوث من العرب باسمه ونسبه، هوعبد الله الأمين، ورسوله المبين إلى الثّقلين أجمعين، وأنّه خاتَم النّبيئين، وأنّه بلّغ رسالة ربّ العالمين، وعَبَد ربّه حتّى أتاه اليقين، ...
--------------------
قوله هاشمي النّسب: خبر بعد خبر، وكذا قوله: مبعوث.
قوله باسمه ونسبه: الظّاهر أنّهما متعلّقان ب يعرف إن كانت النّسخة هكذا، والله أعلم.
قوله بلّغ رسالة ربّ العالمين: الدّليل أنّه بلّغ الرّسالة من القرآن قوله تعالى: {فَتَولَّ عَنهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ} [الذّاريات: 45] بعد أن أمره بالتّبليغ في قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67]، وقوله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُومَرُ} [الحجر: 94]، قال في "السّؤالات": «وتبليغ الرّسول - صلى الله عليه وسلم - لأمّته على ثلاثة أوجه: الوجه الأوّل: هو ورسوله وكتابه وجه واحد، والوجه الثّاني: عذره وتوسعته لمن كان على دين نبيء من الأنبياء قبله حتّى يصِله الخبر ببعثته - صلى الله عليه وسلم -، [لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التّوبة: 115]]، والوجه الثّالث: قطع عذر من لم يكن على الدّين أين ما كان، لقوله - عز وجل -: {وَإِنْ كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]»، وذَكَر عن الشّيخ أبي عمّار [في ذلك] (1) توجيهًا آخر، فليُراجع (2).
قوله حتّى أتاه اليقين: اليقين: الموت، فإنّه متيقَّن لحاقه كلَّ مخلوق، والمعنى أنّه عَبَدَهُ ما دام حيًّا ولم يُخِلَّ من العبادة لحظة، امتثالاً لقوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - السّوفي: السّؤالات، 40، 41، وتوجيه الشّيخ أبي عمّار هو نفس ما قاله السّوفي من حيث المحتوى، إلاّ أنّه يختلف عنه من حيث التّرتيب. (1/46)
صفحة 47
وصدع بأمر ربّه مجتهدًا في تبليغه، ناصحًا لأمّته، حريصًا على هداية الخلق أجمعين، رؤوفًا بالمؤمنين، رحيمًا بالمتّقين، آخذًا بالعفو، آمرًا بالعرف، مُعرِضًا عن الجاهلين، كاظمًا لغيظه، شاكرًا لأنعم ربّه، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزئ بالسّيّئة السّيّئة، لكن يعفو ويصفح، أشدّ النّاس تواضعًا في غير ذِلّة، ...
--------------------
قوله وصدع بأمر ربّه: أي: وجهر به، مِن صدع بالحُجّة: إذا تكلّم بها جَهارًا، أو فرق بين الحقّ والباطل، وأصله الإبانة والتّمييز، لقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُومَرُ} [الحجر: 94].
قوله آخذًا بالعفو: يعني: امتثالاً، لقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ} الآية [الأعراف: 199]، قال البيضاوي: «أي: خُذ ما عفا لك مِن أفعال النّاس ويسهل، ولا تطلب ما يشقّ عليهم، مِنَ العفو الذي هو ضدّ الجهد، أو خذ العفو عن المذنبين أو الفضل وما يسهل من صدقاتهم، وذلك قبل وجوب الزّكاة، {وَامُرْ بِالْعُرْفِ}: المعروف المستحسن من الأفعال، {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} فلا تمارهم ولا تكافئهم بمثل أفعالهم، وهذه الآية الكريمة جامعة لمكارم الأخلاق، آمرة للرّسول باستجماعها» اهـ (1).
قوله ليس بفظّ ولا غليظ: الفظّ: السيّء الخلق الجافي، والغليظ: القاسي.
قوله ولا صخّاب: الصّخب: الصّياح، كذا في "الصّحاح" (2)، وفي "القاموس": شِدّة الصّوت (3).
__________
(1) - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 199 من سورة الأعراف.
(2) -الجوهري: باب الباب، فصل الصّاد: صخب.
(3) - الفيروزابادي: القاموس المحيط، باب الباء، فصل الصّاد: صخب. (1/47)
صفحة 48
وأسكتهم من غير كِبر، وأبلغهم من غير تطويل، آكلاً ما وجد، ولا يسأل عمّا فقد، يلبس ما تيسّر له، ويركب ما أمكنه، ويردف خلفه، يجيب دعوة العبد والأمة، ويجالس أهل الضّعف والمسكنة، لا يحتقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب ملكًا لملكه، قد جمع الله له السّيرة الفاضلة، والسّياسة الكاملة، والأخلاق التّامّة، هاشميّ النّسب، مبعوث من العرب، مولده بمكّة، ومبعثه ببكّة، وهجرته بطيبة، وقبره بالمدينة، وملكه بالشّام، صلّى الله عليه وعلى آله مدّ الليالي والأيام.
--------------------
قوله وأبلغهم: أي في الكلام، لأنّه - عليه السلام - أوتي جوامع الكلِم، وهو أداء المعنى الكثير باللّفظ القليل.
قوله وملكه بالشّام: إنّما كان ملكه بالشّام مع أنّه لم يُفتح إلاّ في زمن عمر - رضي الله عنه -، لأنّه - صلى الله عليه وسلم - تصرّف فيه قبل فتحه، ومن جملة ذلك ما قطعه لتميم الدّاري فيما أظنّ، وهي بركة عظيمة بأعمال القدس معروفة عندهم إلى الآن تُسمّى: "بركة التّميميّين" (1).
__________
(1) - في السّنة التّاسعة للبعثة وفد على النّبيء - صلى الله عليه وسلم - عشرة نفر داريّين من أعمال القدس، منهم أبو رقيّة تميم بن أوس بن خارجة بن سود الدّراي الفلسطيني فأسلموا، فقال تميم للرّسول - صلى الله عليه وسلم -: إنّ الله مظهرك على الأرض كلّها، فهب لي قريتي من بيت لحم، فقال له: هي لك، ... وليس لك أن تبيع، وكتب له ولوفده هبته: بيت عينون وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم وما فيهنّ إلى الأبد، وأشهد على ذلك، ثمّ قال: اِنصرفوا حتّى تسمعوا أنّي هاجرت، ولمّا هاجر قدموا إليه وجدّدوا معه الكتاب وأشهدوا عليه، ولمّا فتح عمر القدسَ أنفذ لهم الهبة بواسطة أبي عبيدة بن الجرّاح. شمس الدّين الذّهبي: سير أعلام النّبلاء، 2/ 422، ترجمة: 86. (1/48)
صفحة 49
الفصل الثّالث
في معرفة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم
وهذا الفصل يحتوي على مقدّمة وستّة عشر قسمًا، أمّا المقدّمة فهي:
أن تعلم أنّه يجب على كلّ مكلَّف من الأنام معرفة ما جاء به الرّسول - عليه السلام - من الدّين والإسلام وغير ذلك ممّا يحتوي عليه القرآن، ...
--------------------
قوله من الدّين والإسلام ... الخ: فيه أنّ عطف الإسلام على الدّين يقتضي المغايرة، ويُجاب عنه بأنّه من عطف المرادف.
وقوله وغير ذلك ... الخ: عَطَفَهُ على الدّين والإسلام، لأنّه من بيان ما جاء به - عليه السلام -، ثمّ ظاهر كلامه يقتضي أنّه لابدّ من معرفة جميع ما ذكر على التّفصيل، وهذا غير ظاهر، وذلك لأنّ من الدّين ما تجب معرفته عند [أوّل البلوغ، وهي مسائل التّوحيد، ومنه ما تجب معرفته عند] (1) وُرود وقته، كالفرائض التي هي دون التّوحيد، ومنه ما يسع جهله إلى السّؤال عنه أو الخطور بالبال، كتعيين صفة من صفات الله، ومنه ما يسع جهله إلى قيام الحُجّة كتعيين صفة أيضًا، أو نبيء من الأنبياء، ومنه ما يسع جهله أبدًا إذا وُجد من يقوم بذلك، كمعرفة قسم المواريث والحدود والأحكام وغير ذلك ممّا يسع جهله، ففي كلام المصنّف -رحمه الله- نظر، اللهمّ إلاّ أن يُقال: المراد معرفة حقيقة ذلك، والتّصديق به إجمالاً، ولا شكّ أنّ هذا واجب على كلّ مكلَّف، وداخل تحت قولنا: وأنّ ما جاء به حقّ، والله أعلم.
__________
(1) - سقطت من النسخ المخطوطة. (1/49)
صفحة 50
من الرّسالة والقصص والأمثال والحدود والأحكام، وأنّه صادق في جميع ما نطق به من الكلام، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يَّوحَى} [النّجم: 3]، وذلك أنّ دعوة الرّسول - عليه السلام - ثلاث جُمَل لا يستغني بعضها عن بعض، ولا يسع جهلها كلَّ [مكلَّف] (1) عاقل عند بلوغه طرفة عين، ولا يخرج من الشّرك ما لم يأت بها معرفة واعتقادًا، ولفظًا وإقرارًا، وهي شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسوله، وما جاء به حقّ من عند ربّه، والدّليل على فرضها قول الله تعالى: {ءَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الذِي أَنزَلْنَا} [التّغابن: 8]؛ ومن السنّة: ما روي عن علي بن أبي طالب عن النّبيء - عليه السلام - أنّه قال: «لا يؤمن عبد حتّى يؤمن بأربع: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله وأنّه بعثني بالحقّ، والبعثِ بعد الموت، والقدر» (2)، ...
--------------------
قوله وأنّه صادق في جميع ما نطق به: عطف على قوله: ما جاء به، فتكون المعرفة مسلَّطة عليه.
قوله {وَالنُّورِ الذِي أَنزَلْنَا}: يعني: القرآن، وذلك إشارة إلى ما جاء به.
قوله «حتّى يؤمن بأربع»: فيه أنّ المذكور في الحديث خمس، فكيف جعلها أربعًا؟ وفيه أيضًا أنّ المقصود إنّما هو الاِستدلال على الإيمان بالجمل الثّلاثة فقط كما دلّت الآية عليه، وأنّ الجملة الثّالثة تشمَل البعث بعد الموت والقدَر
__________
(1) - زيادة من ب.
(2) - أخرجه التّرمذي: كتاب القدَر، باب ما جاء أنّ الإيمان بالقدر خيره وشرّه، رقم: 2232؛ وابن ماجة: المقدّمة، باب في القدَر، رقم: 81؛ وأحمد: مسند علي بن أبي طالب، رقم: 758؛ والحاكم: المستدرك، 1/ 32،33 وصحّحه على شرط الشّيخين ووافقه الذّهبي. (1/50)
صفحة 51
وهذه الدّعوة التي يدعو إليها رسول الله وكلّ نبيء مرسَل، وهي فرض على كلّ مكلَّف، وهي الجملة التي انتظمت التّوحيد وغير التّوحيد، فإذا أتى العبدُ بهذه الثّلاثة جُمَل نطقًا واعتقادًا فقد تمّ إيمانه فيما بينه وبين العباد، وحقن بها دمه وماله وذرّيته من السّبي والفساد، وجرت عليه بذلك أحكام أهل القبلة، وصار موسومًا بالدّخول في الملّة، وقيل: إنّ إيمانه قد تمّ بالكلّية فيما بينه وبين الرّبّ وسائر البريّة فيه، ...
--------------------
وغير ذلك، فكيف خصّهما في الحديث بالذّكر دون سائر خصال التّوحيد؟ فليُحرَّر معنى هذا الحديث، اللهمّ إلاّ أن يُقال: جعل الإيمان بالبعث والقدَر خصلة واحدة وأفردهما بالذّكر من الحقّ الذي جاء به للاِهتمام بهما، وجعلهما قسمًا واحدًا لأنّهما من مشمولات الحقّ الذي بُعث به، فيناسب الاِستدلالَ أيضًا على كون الجُمَل ثلاثًا، لأنّها وإن كانت بحسب الظّاهر أربعًا فهي في الحقيقة ثلاث، والله أعلم.
قوله وهذه الدّعوة: أي: الجمل الثّلاث التي تقدّمت.
قوله وغير التّوحيد: لكن انتظام غير التّوحيد باعتبار جزئها الأخير، وهو الجملة الثّالثة.
قوله بهذه الثّلاثة جُمل: هكذا فيما رأيناه من النّسخ (1)، ولعلّه بدل من هذه، بدل نكرة من معرفة، على حدّ {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ} [العلق: 15].
قوله تمّ إيمانه: المراد بالإيمان هنا: التّوحيد، لا الإيمان الحقيقي الذي هو القول والعمل.
قوله وحقن: أي منع.
قوله فيه: أي: في العبد الآتي بالجُمل الثّلاث، ويُحتمل أنّ الضّمير راجع إلى المذكور
__________
(1) - في د والحجرية: الثّلاث جُمل. (1/51)
صفحة 52
ما لم يُسأل عن شيء من وظائف الجملة التي أنا ذاكرُها، فينكره أو يختلجه الشكّ فيه، فضلاً عن إنكاره، لأنّ تصديقه بما جاء به الرّسول مشتمل على وظائف التّوحيد وغيرها من العلوم؛ وقول الجمهور الأعظم من أهل العلم: إنّ إيمانه لا يتمّ فيما بينه وبين الرّبّ جلّ جلاله حتّى يأتي بوظائف التّوحيد التي تجيء مقسَّمة إن شاء الله بالكمال؛ وقد قال أهل التّفسير: من آمن بما في القرآن فقد آمن بجميع ما أمر اللهُ به، فالقول الأوّل مروي عن عمروس بن فتح (1)، وابن زرقون (2)، والإمام عبد الرّحمن ابن رستم (3)، وأبي خزر يغلا بن زلتاف (4)، وأبي معاوية عزّان بن الصّقر (5)، ومن شايعهم -رحمهم الله-، ...
--------------------
من الجُمل الثّلاث، وفي بمعنى الباء، على حدّ «أنّ امرأة دخلت النّار في هِرّة» (6)، فيسلم من تعلّق حرفي جرّ بمعنى واحد بعامل واحد، والله أعلم.
قوله وقد قال أهل التّفسير ... الخ: الظّاهر أنّه مقابل لقول الجمهور ومناسب للقول الأوّل، فكان الأولى تقديمه، والله أعلم بمراده.
__________
(1) - اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 40.
(2) - هو أبو الرّبيع سليمان بن زرقون النّفوسي، اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 22.
(3) - اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 29.
(4) - اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 63.
(5) - اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 38.
(6) - أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب خمس من الدّواب فواسق ... ، رقم: 3140؛ ومسلم: كتاب التّوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى ... ، رقم: 2619؛ وابن ماجة: كتاب الزّهد، باب ذِكر التّوبة، رقم: 4256. (1/52)
صفحة 53
وهو الأرفق بعوام الأمّة، والأليق برأفة الرّبّ الكريم ذي الرّحمة، والأشهر من دعوة نبيء الأمّة الدّاعي عوام الجاهلية إلى الملّة الحَنَفية، والقول الثّاني يؤثر عن سليمان بن يخلف، (1) وغيره من أهل العلم.
--------------------
قوله الحنفية: هكذا فيما رأيناه من النّسخ، وصوابه: الحنيفية -بالياء بعد النّون- فإنّه نسبة إلى حنيف لا إلى حنيفة، والظّاهر أنّ المراد به إبراهيم - عليه السلام -، قال الله تعالى: {أَنِ اَتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النّحل: 123]، والنّسبة إلى فعيل -بغير تاءٍ- فعيلي بإثبات الياء، ثمّ رأيت في بعض النّسخ: الحنيفية (2)، وهو الصّواب.
__________
(1) - هو أبو الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي، اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 23.
(2) - كما في د والحجرية. (1/53)
صفحة 54
باب ذكر الأقسام المتقدّمة
التي تجري مجرى الأمّهات من وظائف الاِعتقادات
--------------------
القسم الأوّل: وممّا يجب على كلّ مكلَّف في الاِعتقاد أن يعلم أنّ وُرود الموت حقّ على كلّ العباد من ساكني السّموات والأرض وما بينهما من رفع وخفض، وأنّ كلّ نفس ذائقة الموت، وسالكة سبيل الفوْت، وأنّ الفناء جارٍ على أهل الأرض ومَن عليها، ...
قوله الموت: هو عدم الحياة عمّن اتّصف بها، فالتّقابل بينه وبين الحياة التي هي قوّة تتبع اعتدال المزاج تقابل العدم والملكة، وقيل: الموت كيفية وُجودية يخلقها الله تعالى في الحيّ، فهي ضدّ الحياة، لقوله تعالى: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: 2]، والخلق لكونه بمعنى [الإيجاد] (1) لا يُتصوّر إلاّ فيما له وُجود، والجواب أنّ الخلق هنا بمعنى التّقدير، كذا بخطّ شيخنا عبد الله -رحمه الله- (2)؛ وكلام "شرح الجهالات" صريح في القول الثّاني، حيث قال: «والحياة عَرَض من الأعراض، كما أنّ الموت عرض من الأعراض مثله» اهـ (3)، فعلى هذا لا حاجة إلى التّأويل في الآية فيكون التّقابل بينهما تقابل التّضاد، والله أعلم.
قوله ومَنْ عليها: عطف تفسير.
__________
(1) - زيادة من هـ.
(2) - عبد الله هو أبو محمّد عبد الله بن سعيد السّدويكشي أستاذ المحشّي، اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 34.
(3) - أبو عمّار عبد الكافي، 32. (1/54)
صفحة 55
وعلى مَن في السّموات من سكّانها، كلّ حيّ يموت إلاّ الحيّ القيّوم الذي لا تأخذه سِنة ولا نوم، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]، لأنّ الله سبحانه كتب على الدّنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فالأشياء كلُّها فانية على التّلاشي لا على الاِنقلاب، ما خلا المكلَّفين وأطفال المسلمين، فإنّ فناءهم على الاِنقلاب؛ واختُلف في أطفال الكفّار، والأصحّ أنّ فَناءهم على الاِنقلاب، ...
--------------------
قوله {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}: قال شيخنا عبد الله -رحمه الله-: «قيل: الهلاك يُطلقُ بإزاء العدم المحض، فالمعنى أنّ الله يعدم كلَّ شيء سواه، وبإزاء عدم الاِنتفاع به، إمّا للإماتة، أو لتفريق الأجزاء وإن كانت باقية، والمناسب لقواعد المذهب: المعنى الأوّل» اهـ، يعني: لأنّ أصحابنا -رحمهم الله- صرّحوا بأنّ اللهَ خلق الأشياء لا من شيء، ويعدمها لا إلى شيء، ويعيدها لا من شيء، فلا يُشترَط على هذا بقاء عجْم الذّنب لينبت منه، ولكن في الحديث التّصريح بذلك، والله أعلم (1).
قوله فالأشياء كلّها: أي: ما فيه الرّوح وما ليس فيه الرّوح.
قوله والأصحّ أنّ فَناءهم على الاِنقلاب: لم يذكر -رحمه الله- الاِنقلاب هل هو إلى التّلاشي بعد ذلك أو إلى الدّوام؟ قال في "السّؤالات": «وأمّا أطفال غير
المسلمين فالله أعلم وأحكم أَعَلَى الاِنقلاب يكون فناؤهم أم على التّلاشي،
__________
(1) - جاء في الحديث قول الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدًا، فيه يُركّب يوم القيامة، قالوا: أيّ عَظم هو يا رسول الله؟ قال: عجْب الذَّنَب» أخرجه مسلم: كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ما بين النّفختين، رقم: 2955. (1/55)
صفحة 56
بدليل قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ} [التّكوير: 9]، وهي بنات المشركين في مشهور التّفسير؛ واختلفوا في البهائم، فروي عن ابن عبّاس أنّه قال: «حشر كلَّ شيءٍ الموتُ إلاّ الثقلين فإنّهما يوافيان يوم القيامة» (1)، وقال جمهور العلماء: إنّها تُحشر، روي ذلك عن ابن كعب وأبي هريرة (2)، وعن قتادة قال: «يُحشر كلّ شيء حتّى الذّباب» (3)، بدليل قوله تعالى: {وما من دابّة} إلى قوله: {ثمّ إلى ربّهم يحشرون} [الأنعام: 38]، وليس قصدنا في هذا الكتاب التّطويل والإسهاب، وبالله التّوفيق.
--------------------
[أم على الاِنقلاب والتّلاشي]؟ وقد ذكر الله [تعالى]: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} فإن كان على الاِنقلاب فهم من أهل الجنّة، لأنّ الله يمنّ بالرّحمة ولا يَظلم بالعذاب، ويكونون خدَمًا للمسلمين» (4).
قوله {الْمَوْؤُودَةُ}: أي: المدفونة حيّة، كانت العرب تَئِد البنات مخافة الإملاق ولحوق العار بهم من أجلهنّ.
قوله يوافيان: في "الصّحاح": «ووافى فلان: أتى» (5).
__________
(1) - اُنظر مثلاً: البغوي: معالم التّنزيل، تفسير الآية 5 من سورة التّكوير؛ والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن، تفسير الآية المذكورة.
(2) - رواية أبي هريرة أخرجها عبد الرزّاق وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصحّحها. السيوطي: الدرّ المنثور، تفسير الآية 38 من سورة الأنعام.
(3) - رواه الزّمخشري: الكشّاف، تفسير الآية 5 من سورة التّكوير؛ وأخرجه عن ابن عبّاس ابن المنذر وابن أبي حاتم. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن؛ والسيوطي: الدرّ المنثور، تفسير الآية المذكورة.
(4) - السّوفي، 187.
(5) - الجوهري: باب الباء، فصل الواو: وفي. (1/56)
صفحة 57
الثّاني في قيام السّاعة: وهو ممّا يجب على العبد اعتقاد وقوعها، قال الله تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} [الحجّ: 7]، وقال تعالى: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ} [النّحل: 77]، وهي النّفخة الأولى ...
--------------------
قوله وهي النّفخة الأولى: صريح كلامه يدلّ على أنّ السّاعة هي النّفخة الأولى، ولعلّ هذا إطلاق آخر للسّاعة كما وَرَد في الحديث: «لا تقوم السّاعة حتّى تكون قبلها عشر آيات .... الخ» (1)، ويدلّ له أيضًا قوله تعالى: {لاَ تَاتِيكُمُ إِلاَّ بَغْتَةً} [الأعراف: 187]، أي: فجأة على غفلة، كما قال - عليه السلام -: «إنّ السّاعة تهيج بالنّاس، والرّجل يصلح حوضه، والرّجل يسقي ماشيته، والرّجل يقوم بسلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه» (2).
والذي رأيناه في كتب التّفسير (3): أنّ السّاعة القيامة، صارت علَمًا بالغلبة عليها، كالنّجم للثريّا والكوكب للزّهرة، سُمّيت بذلك لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو لأنّها على طولها عند الله كساعة. ويتعيّن أنّ المراد
__________
(1) - أخرجه مسلم: كتاب الفتن، باب الآيات التي تكون قبل السّاعة، رقم: 2901؛ وأبو داود: كتاب الملاحم، باب أمارات السّاعة، رقم: 4311؛ والتّرمذي: أبواب الفتن، باب ما جاء في الخسف، رقم: 2274؛ وابن ماجة: كتاب الفتن، باب الآيات، رقم: 4055، وله روايات وطرق أخرى كثيرة.
(2) - أخرجه باختلاف في اللّفظ البخاري: كتاب الرّقاق، باب طلوع الشّمس من مغربها، رقم: 6141؛ ومسلم: كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قرب السّاعة، رقم: 2954.
(3) - الزّمخشري: تفسير الكشّاف؛ والبيضاوي: أنوار ا لتّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 55 من سورة الرّوم. (1/57)
صفحة 58
التي يميت اللهُ بها كلَّ حيٍّ، وبينها وبين النّفخة التي للبعث أربعون سنة ...
--------------------
بالسّاعة القيامة في نحو قوله تعالى: {وَيَوْم تَقُومَ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} [الرّوم:12]، {وَيَوْمَ تَقُومَ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} [الرّوم: 14]، {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ} [الرّوم: 55]، {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ} [غافر: 46]، {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ} [الجاثية: 27]، فإنّه من المعلوم أنّ هذه الأشياء تقع بعد البعث لا عند النّفخة الأولى، فليُحرَّر.
قوله كلَّ حيّ (1): أي: إلاّ ما شاء الله، فيه خلاف.
قوله وبينها وبين النّفخة التي للبعث ... الخ: لم يبيّن -رحمه الله- كون هذه الأربعين سنة مِن الدّنيا ولا من الآخرة، لكن صريح كلام "السّؤالات" يدلّ على أنّه لا واسطة بينهما حيث قال: «وسأل أبو الرّبيع أبا عبد الله محمّد بن بكر -رضي الله عنهما- (2): هل كان علينا أن نعلم أنّ الأشياء ستفنى؟ قال الشّيخ: اِسمع يا مزين (3) المسلمون يقولون: على النّاس أن يعلموا أنّه ستكون دار غير هذه، حدوث تلك فناء هذه، فصار هذا يسأل عن فناء الدّنيا» إلى أن قال: «والدّنيا في نفسها الليل والنّهار وما فيهما ... الخ» (4)؛ والظّاهر أنّها من الدّنيا لوجود الليل والنّهار، ولأنّ الدّنيا والآخرة متناقضتان لا يجتمعان،
__________
(1) - في نسخ الحاشية المخطوطة: كلّ شيء.
(2) - السّائل هو أبو الرّبيع سليمان بن يخلف تلميذ أبي عبد الله محمّد بن بكر الفرسطائي النّفوسي، واُنظر ترجمته أبي عبد الله في الملحق، رقم: 50.
(3) - مزين بن عبد الله أبو عبد الله الوسياني، وجّه إليه الشّيخ أبو عبد الله الجواب لأنّه كان حاضرًا معهما، كما أفاده الوسياني: السير، 70 (مخطوط)، اُنظر ترجمة مزين في الملحق، رقم: 54.
(4) - السّوفي، 186. (1/58)
صفحة 59
......................................................................
--------------------
وأمّا ما وَرَد من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين فناء الدّنيا إلى وقت البعث أربعون» (1)، فلعلّه على حذف مضاف، والتّقدير مثلاً: ما بين فناء أهل الدّنيا -إن قلنا أنّ الأربعين من الدّنيا- والله أعلم، ولم يذكر في غير هذه الرّواية تمييز الأربعين، قال في "الكشّاف": «قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة أو أربعون ألف سنة» (2)، وقال البيضاوي: «وهو محتَمَل للسّاعات والأيام والأعوام» (3)، والمصنّف -رحمه الله- عيّن التّمييز، ومن حفظ حُجّة على مَن لم يحفظ، ثمّ رأيت في "شرح النّونيّة" كلامًا يتعلّق بهذا عن أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم -رحمه الله- (4) جوابًا لمن سأله عن مثل هذا فقال: «اِعلم يا أخي أنّ النّفخة الأولى إنّما هي في الدّنيا بإجماع الأمّة، ووقع الخلاف في ما بين النّفختين، فقال بعضهم: لا يسمّى دنيا ولا آخرة، وإنّما اسمها البرزخ، وقال بعضهم: البرزخ أيضًا من الدّنيا، وإنّما الآخرة من النفخة الآخرة، قال: فالقائل حدوث هذه فَناء هذه غير مساعد على قوله ... الخ»، فليُراجع (5).
__________
(1) - روى نحوه البخاري: كتاب التّفسير، باب يوم يُنفخ في الصّور ... ، رقم: 4651؛ ومسلم: كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ما بين النّفختين، رقم: 2955، واللّفظ منه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين النّفختين أربعون» قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أَبَيت، قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبَيْت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبَيْت، ... الخ.
(2) - الزّمخشري: تفسير الآية 55 من سورة الرّوم.
(3) - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 55 من سورة الرّوم.
(4) - اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 64.
(5) - الجيطال، 1/ 86، شرح البيت 9. (1/59)
صفحة 60
فيما روي عن النّبيء - عليه السلام -، وهي ممّا استأثر اللهُ بعِلمه، لم يطّلع عليها أحد من خلقه، كما قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [النّازعات: 42]، أي متى مثبتها؟ قال: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا} [الأعراف: 187]، أي: لا يكشف عن وقتها، وقال أيضًا: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية [لقمان: 34].
الثّالث في اعتقاد كون البعث بعد الموت: وذلك حقّ على كلّ مكلَّف أن يعتقده، لقوله تعالى: {وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} [الحجّ: 7]، وقال: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: 104]، {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمَ الضّلاَلَةُ} [الأعراف:30] ...
--------------------
قوله استأثر: أي: آثر نفسه بذلك وخصّها به، وهو بالثّاء المثلّثة بعد الألف.
قوله كون البعث: الظّاهر أنّ الكون هاهنا مصدر كان التّامّة، لأنّه لم يذكر له خبرًا، ويكون التّقدير: في اعتقاد وُجود البعث ... الخ.
قوله {فَرِيقًا هَدَى} ... الخ: لعلّه: وقال: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} فساق بقيّة الآية، وإلاّ فقوله: {فَرِيقًا هَدَى} ... الخ بمجرّده ليس فيه شاهد لما نحن فيه.
[وكتب أيضًا على هذه القولة ما نصّه]: قال البيضاوي: «وانتصابه بفعل يفسّره ما بعده، أي: وخذل فريقًا ... الخ» (1)، وقال أبو حيّان: «وفريقا الثّاني انتصب بإضمار فعل، يفسّره ما بعده، تقديره: وأضلّ فريقًا، وهذا من باب الاِشتغال، فُسّر بفعل ناصب من معنى قوله: {حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ}» (2).
__________
(1) - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 30 من سورة الأعراف.
(2) - أبو حيّان محمّد بن يوسف بن حيّان الأندلسي: النّهر المادّ من البحر المحيط، تفسير الآية 30 من سورة الأعراف، وهو على هامش البحر المحيط لأبي حيّان نفسه. (1/60)
صفحة 61
يبعثهم الله من القبور {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ} [القمر: 7]، {مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} [المطفّفين: 4]؛ وقد احتجّ اللهُ تعالى على منكري البعث فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ} أي: في شكّ من البعث، {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ} الآيات كلّها، ثمّ ذكر آية أخرى فقال: {وَتَرَى الاَرْضَ هَامِدَةً} إلى قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى} [الحجّ: 5،6]، وقال تعالى حكاية عن منكري البعث: {أَوَلَمْ يَرَ الاِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ} إلى قوله: {قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 77،78،79]، فأخبر تعالى أنّ الذي أنشأهم من ماء مهين بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورًا قادر أن يعيدهم خلقًا جديدًا.
الرّابع في الحساب: وعلى المكلَّف أن يعتقد أنّ الحساب على العباد حقّ في المعاد، قال سبحانه: {زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُّبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} [التّغابن: 7]، وقال: {وَإِن كَانَ مِّثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47]، وليس حسابُ الله العباد يومئذ كحساب الخلق يتعالى ربّنا عن ذلك [علوًّا كبيرًا] (1)، ...
--------------------
قوله الرّابع في الحساب: لعلّ المصنّف -رحمه الله- استغنى بذكر البعث والحساب عن ذكر يوم القيامة لوقوعهما فيه، وإلاّ فيوم القيامة لابدّ من معرفته، وقد أشار إليه بقوله: حقّ في المعاد، والله أعلم (2).
__________
(1) - زيادة من ب و د.
(2) - ألم يكن الجيطالي قد طرق موضوع يوم القيامة في القسم الثّاني المتقدّم بصفحة 56، والذي عقده للإيمان بقيام السّاعة؟ (1/61)
صفحة 62
ولكن حسابه فصل وتمييز، لا يشغله حساب أحدٍ عن أحد، كما لا يُشغله رزق أحد عن أحد؛ وقيل لعليّ بن أبي طالب: كيف يُحاسب اللهُ العبادَ على كثرتهم؟ قال: كما يرزقهم على كثرتهم؛ ويُقال: إنّ النّاس يومئذ ثلاثة أصناف: صنفان لا يُسألان عن العمل (1) وهم الأنبياء والمشركون، فالأنبياء إلى الجنّة بغير حساب، ...
--------------------
قوله ولكن حسابه فصل ... الخ: قال -رحمه الله- في "القناطر": «ومعنى الحساب: تعريف اللهِ ... عباده مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم ما قد نسوه، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا} إلى قوله: {أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ} [المجادلة: 8]» (2).
قوله عن العمل: أي: فلا ينافي أنّهم يُسألون عن غيره، قال الله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6]، وقال أيضًا: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة: 109]، أو يُقال: أراد بالأنبياء ما لا يعمّ المرسلين، فإنّ الأنبياء ليس لهم ذنب فيُسألون عنه، ولا أُمَم فيُسألون عن ماذا أُجيبوا، فلا إشكال على قوله: فالأنبياء إلى الجنّة بغير حساب، وأمّا المشركون فلم يظهر لنا دليل قاطع على عدم سؤالهم، بل غالب نصوص القرآن يدلّ على سؤالهم، كقوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ}، وقوله: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} [التّغابن: 7]، وقوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا}، وقوله:
__________
(1) - في د: عن الأفعال، وفي باقي النّسخ: عن الأعمال.
(2) - الجيطالي: قناطر الخيرات، القسم الأوّل، 320. (1/62)
صفحة 63
..........................................
--------------------
{وَقِفُوهُمُ إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ} [الصّافّات: 24]، وقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحِجر: 92]، فهذه الآيات كلّها تدلّ على أنّهم يُسألون، وأمّا قوله تعالى: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78]-إن حُمل على الآخرة لا على هلاكهم في الدّنيا- وقوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ} [الرّحمن: 39] فتأويلهما ما ذكره في "الكشّاف"، حيث قال في هذه الآية: «فإن قلت: هذا خلاف قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ}، وقوله: {وَقِفُوهُمُ إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ}، قلت: ذلك يوم طويل، وفيه مواطن، فيُسألون في مواطن ولا يُسألون في أخرى» إلى أن قال: «وقيل: لا يُسأل عن ذنبه ليُعلم من جهته، ولكن يُسأل سؤال توبيخ ... الخ»، ومثله كلام "السّؤالات"، حيث قال: «فإن قال: هل يكون السّؤال من الله لعباده على غير الأمر؟ فقل: نعم على وجه المحاسبة، وهو قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ} معناه: نحاسبهم ونوقفهم على أعمالهم ونقرّرهم ونوبّخ الظّالمين ... ، وأمّا قوله - عز وجل -: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ} أراد أنّه لا تخفى عنه أفعالهم حتّى يسألهم عنها، وقيل: يسألهم لِمَ عملوا ما عملوا؟ ولا يسألهم عملوا أو لم يعملوا، والله أعلم بحقيقة التّفسير» إلى أن قال في معنى قوله: {سَنَفْرُغُ لَكُمُ} [الرّحمن: 31] «وقال أبو محمّد عبد الله بن سجميمان النّصيري: {سَنَفْرُغُ لَكُمُ} أي: سنحاسبكم» (1).
__________
(1) - السّوفي، 37، 38، وفي نُسخ الحاشية: أبو عبد الله محمّد وهو وهم من المؤلّف، والصّحيح ما أثبتناه، واُنظر: ترجمة أبي محمّد بالملحَق، رقم: 33. (1/63)
صفحة 64
والمشركون إلى النّار بغير حساب {لاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص:78]، {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُوخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالاَقْدَامِ} [الرّحمن: 41]، وصنف ثالث يُسأل عن الأعمال وهم المؤمنون؛ واختُلف في من مات على كبيرة، ومَن مات على الوفاء، هل يُحاسبان أم لا؟ والأصحّ أنّ الحساب يأتي على الجميع، أمّا المسلم {فَيُحَاسِبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} [الاِنشقاق: 8،9]، وأمّا الفاسق فيُناقشُ في الحساب والمساءلة، إلزامًا للحُجّة وقطعًا للمعاذير، فيُحاسبُ على النّقير والفتيل والقطمير، وبالله التّوفيق.
--------------------
قوله وهم المؤمنون: الأولى أن يقول: وهم الموحِّدون، لأنّ المؤمن هو الموفّي بدين الله، اللهمّ إلاّ أن يُقال: أراد بالمؤمنين: الموحِّدين، بدليل المقابلة بالمشركين.
قوله أم لا: الأولى العطف ب أو.
قوله والأصحّ: الأولى أن يقول: والصّحيح، ليدلّ على أنّ مقابله خطأ، فإنّ التّفريع عليه يرفع الحساب من أصله، لأنّه على كلامه تقدّم أنّ الأنبياء والمشركين لا يُحاسبون، فما بقي إلاّ الموحِّدون وهم قسمان: الموفّي والخائن، ويُحتملُ أنّ قوله: والأصحّ راجع إلى أصل الكلام، فيفيد ثبوت الحساب لجميع الأصناف إن كانت النّسخة بعد ذلك: وأمّا الفاسق -كما في بعض النّسخ- فإنّه يشمل المشرك والمنافق، والله أعلم، فليُحرَّر.
قوله على النّقير والفتيل والقِطمير: الثّلاثة في النّواة، فالنّقير: النُّقرة التي في ظهر النّواة، والفتيل: ما يكون في شقّ النّواة، ويُقال: هو ما يُفتل بين الأصبعين (1/64)
صفحة 65
وفي الحديث «يُسأل العبدُ يوم القيامة عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن ماذا عمِل فيما علِم؟» (1)، والله أعلم [وأحكم وبالله التّوفيق] (2).
الخامس في الثّواب: وذلك ممّا يجب معرفته واعتقاده على كلّ مكلَّف، وهو أن يعلم أنّ لله ثوابًا لا يشبهه ثواب، وثوابه الجنّة، ويعلمها باسمها، وأنّها كائنة لا محالة، وأنّها ثواب اللهِ لأوليائه في الآخرة، لا انقطاع لدوامها، ...
--------------------
من الوسخ، والقطمير: الفُوفَةُ التي في النّواة، وهي القشرة الرّقيقة، ويُقال: هي النّكتة ... الخ. الجميع من "الصِّحاح" (3).
قوله فيمَ أفناه ... وفيم أبلاه ... وفيم أنفقه: هو بحذف ألف "ما" في الجميع لأنّها استفهامية، خلافًا لما يوجد في بعض النّسخ، والله أعلم.
قوله ويعلمها باسمها: يعني بالعربية، وذلك أنّ سبعة أسماء لابدّ من معرفتها بالعربية: الله، وآدم، ومحمّد، وجبريل، والقرآن، والجنّة، والنّار.
قوله لا انقطاع لدوامها: إن قلنا: إنّ الجنّة والنّار غير مخلوقتين فالأمر ظاهر، وإن قلنا بأنّهما مخلوقتان فلعلّ المراد: دوامهما بعد دخول أهلهما فيهما، وأمّا قبل ذلك
__________
(1) - أخرجه التّرمذي: أبواب صِفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص، رقم: 2531 باختلاف في اللفظ، وأخرج نحوه برقم: 2532، وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ وأخرجه الطّبراني في الكبير عن معاذ بن جبل، (20/ 60) رقم: 111، وغيرهما.
(2) - زيادة من الحجرية.
(3) - الجوهري: باب الرّاء، فصل النّون: نقر؛ باب اللاّم، فصل الفاء: فتل؛ باب الرّاء، فصل القاف: قطمر. (1/65)
صفحة 66
وقيل عن بعضهم: إنّه لابدّ أن يعلم أنّ الجنّة قصور وأنهار وبساتين، لأنّهم قالوا: لا يعرف الأشياء مَن لا يعرف حقائقها، وليس على العبد أن يعلم أنّ الجنّة موجودة اليوم، وإنّما عليه أن يعتقد وُجودها ودوامها، قال الله سبحانه: {أُكْلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرّعد: 35]، وقال في أصحابها: {إِخْوَانٌ عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيمَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحِجر: 47]، ...
--------------------
فالظّاهر أنّه لابدّ من فنائهما ولو طرفة عين، ليتحقّق قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88].
قوله ودوامها: يعني: خلافًا لجهم بن صفوان -قاتله الله- (1) فإنّه يقول: لابدّ من فناء الجنّة والنّار وأهلهما لينفرد اللهُ بالبقاء كما انفرد بالقِدم، مع أنّ الله يقول: {أُكْلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا}، وقال: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [البيّنة: 6]، إلى غير ذلك من النّصوص، فصار كما قال في "الموجز": يتّق الإبرة ويبلع السِّكَّة (2).
قوله {عَلَى سُرُرٍ}: جمع سرير.
قوله {نَصَبٌ}: أي: تعب.
__________
(1) - جهم بن صفوان السّمرقندي، أبو محرز رأس الجهمية، قال فيه الذّهبي: أسّ الضّلالة الضّال المبتدع، تتلمذ على الجعد بن درهم، من علماء الكلام الأوّلين، اِنضمّ إلى الحارث بن سريج أثناء فتن خراسان في أواخر ملك بني أميّة، فقبضه نصر بن سيّار وأمر بقتله، فقُتل على يد سالم بن أحوز سنة 128هـ؛ والجهمية مذهب كلامي متفرّع عن المجبرة المتفرّعة عن المرجئة، وقد تقدّم تعريف هذه الفرق بصفحة: 37. الزّركلي: الأعلام، 2/ 138؛ د. إسماعيل العربي: معجم الفرق، 122.
(2) - أبو عمّار عبد الكافي، 2/ 130، والسّكّة قطعة الحديد التي يُحرث بها، أي أنّه اتّقى شيئًا فوقع في ما هو أعظم منه. (1/66)
صفحة 67
{فِي ظِلاَلٍ عَلَى الاَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ} [يس: 56، 57].
السّادس في العقاب: وذلك واجب على المكلَّف اعتقاد وُجوده، ومعرفة كونه، وذلك أن يعلم أنّ لله عقابًا لا يشبهه عقاب، ولا غاية لدوامه، وعقابه هو النّار، ويعلمها باسمها، وأنّها عقاب الله لأعدائه في الآخرة، لا انقطاع لدوامها؛ وقيل عن بعضهم: إنّ عليه أن يعلم أنّ النّار سوداء مظلمة، لا يطفأ لهبها، ولا يخمد جمرها، {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} [التّحريم: 6]، أُعِدّت للمنافقين والمشركين، ...
--------------------
قوله {عَلَى الاَرَائِكِ}: جمع أراكة، وهي السّرير (1).
قوله {وَقُودُهَا النَّاسُ} ... الخ: الوَقود بالفتح: ما توقَد به النّار، وبالضمّ: المصدر.
قوله {وَالْحِجَارَةُ}: قال ابن عبّاس وأكثر المفسّرين: يعني: حِجارة الكبريت، لأنّها أكثر التهابًا (2)، وقيل: جميع الحجارة، وهو دليل على عِظم تلك النّار (3).
قوله {غِلاَظٌ شِدَادٌ}: غِلاظ الأقوال شِداد الأفعال، أو غلاظ الخُلُق شِداد الخلْق، أقوياء على الأفعال الشّديدة.
قوله أُعِدّت: أي: هُيِّئت جزاءً لهم، وجُعلت عُدّة لعذابهم، وفيه دليل على أنّ النّار مخلوقة.
__________
(1) - الأراكة: جمعه أرائك صحيح، إلاّ أنّ الأراكة هي واحدة شجر الأراك، والسّرير هو الأريكة، وجمعه أرائك كذلك؛ اُنظر: الجوهري: الصّحاح، أرك؛ ابن منظور: لسان العرب، أرك.
(2) - أخرجه الحاكم: المستدرَك، كتاب التّفسير، تفسير سورة البقرة، 2/ 261 عن ابن مسعود وصحّحه على شرط الشّيخين، وهو في الكشّاف، تفسير الآية 6 من سورة التّحريم.
(3) - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، تفسير الآية 24 من سورة البقرة. (1/67)
صفحة 68
{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون: 104]، {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} [إبراهيم: 50]، {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ-انٍ} [الرّحمن: 44]، {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحجّ: 19]، ...
--------------------
قوله {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ}: قال البيضاوي: «تحرقها، واللّفح كالنّفخ، إلاّ أنّه أشدّ تأثيرًا» (1).
قوله {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ}: قال البيضاوي: «من شِدّة الاِحتراق، والكُلوح: تقلّص الشّفتين عن الأسنان، وقُرئ: كَلِحون» (2).
قوله {سَرَابِيلُهُمْ}: أي: قمصانهم من قطِران، قال البيضاوي: «هو أسود مُنتِن تشتعل فيه النّار بسرعة، يُطلى به جلود أهلِ النّار، حتّى يكون طلاؤه لهم كالقمص، ليجتمع عليهم لَذْع القطِران ووحشة لونه ونتْن ريحه، مع إسراع النّار في جلودهم، على أنّ التّفاوت بين القطرانين كالتّفاوت بين النّارين» (3).
قوله {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا}: قال البيضاوي: «بين النّار يُحرقون بها، {وَبَيْنَ حَمِيمٍ}: ماء حارّ ... بلغ النّهاية في الحرارة، يُصبّ عليهم أو يُسقون منه، وقيل: إذا استغاثوا من النّار أغيثوا بالحميم» (4).
قوله {حَمِيمٍ}: أي: ماء حارّ، {آنٍ}: بلغ النّهاية في الحرارة، ومنه اشتقاق الحمّام.
قوله {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ}: قال البيضاوي: «أي: يؤثّر من فرط حرارته
__________
(1) - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 104 من سورة المؤمنون.
(2) - المصدر السّابق، تفسير نفس الآية.
(3) - المصدر السّابق، تفسير الآية 50 من سورة إبراهيم.
(4) - المصدر السّابق، تفسير الآية 44 من سورة الرّحمن. (1/68)
صفحة 69
{يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمُ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر: 71]، {لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36]، {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزّخرف: 75]، لا يموتون وما هم منها بمخرَجين، خالدين فيها أبد الآباد، أعاذنا الله من الخِزي وعذاب المعاد، إنّه رؤوف رحيم.
--------------------
في باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فيُذاب به أحشاؤهم كما يُذاب به جلودهم» (1).
قوله {مَقَامِعُ}: «أي: سياط يُجلَدون بها، جمع مقمَعَة، وحقيقتها: ما يُقمع به، أي: يُكفّ بعنف» (2).
قوله {يُسْجَرُونَ}: أي: يُحرَقون من سجر التنّور إذا ملأه بالوقود، والمراد تعذيبهم بأنواع العذاب، وينقلبون من بعضها إلى بعض (3).
قوله {لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ}: أي: لا يُحكم عليهم بموت ثانٍ، {فَيَمُوتُوا}: فيستريحوا، {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا} بل كلّما خَبَتْ زيد إسعارها (4).
قوله {لاَ يُفَتَّرُ عَنهُمْ}: قال البيضاوي: «لا يُخفّف عنهم، مِن فتَرَت عنه الحمّى: إذا سكنت قليلاً» (5).
قوله {وَهُمْ فِيهِ}: أي: في العذاب، {مُبْلِسُونَ}: أي: آيسون من النّجاة (6).
قوله رؤوف رحيم: في بعض النّسخ: رؤوف بالعباد (7)، وهي أولى.
__________
(1) - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 19 من سورة الحجّ.
(2) - المصدر السّابق، تفسير نفس الآية.
(3) - المصدر السّابق، تفسير الآية 71 من سورة غافر.
(4) - المصدر السّابق، تفسير الآية 36 من سورة فاطر.
(5) - المصدر السّابق، تفسير الآية 75 من سورة الزّخرف.
(6) - المصدر السّابق، تفسير نفس الآية.
(7) - كما هو في نسخِنا المعتَمَدة من القواعد. (1/69)
صفحة 70
السّابع في الملائكة: وممّا يجب على الإنسان أن يعتقد [في قلبه] (1) أنّ لله سبحانه جملة الملائكة، وهي غير جملة الإنس والجن، وأنّ وُجود الملائكة حقّ؛ قال الله تعالى: {ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُومِنُونَ كُلٌّ امَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} الآية [البقرة: 285]، منهم حَفَظة يكتبون أعمال العباد، ومنهم رسُلُ اللهِ إلى أنبيائه، كما قال تعالى: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} الآية [الحج: 75]، ومنهم {مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} خزَنة للنّيران، {لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ} [التّحريم: 6].
--------------------
قوله الملائكة: قال في"شرح النّونية": «والملائكة مأخوذ اسمهم من الألوكة، وهي الرّسالة» (2).
قوله حفَظَة يكتبون: اختلف العلماء -كما سيأتي- في عدد الحَفَظة، فقيل اِثنان، وقيل أربعة، وقيل سِتّة، وقيل لا يقصرون على عدد معلوم، واختلفوا فيما يكتبونه، فقال بعضهم: يكتبون جميع أعمال العباد ظاهرًا وباطنا، لقوله تعالى: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الاِنفطار: 12] فعمّ ولم يخصّ، وقال بعضهم: لا علم لهم بغيب العباد، لقوله الله - عز وجل - فيما روي عنه: «أنتم الحَفَظة لأعمال العباد، وأنا الرّقيب على ما في قلوبهم» (3) كما هو معلوم، واختلفوا أيضًا: هل يكتبون كلَّ شيء حتّى أنينه في مرضه، أو لا يكتبون إلاّ ما يترتّب عليه الثّواب والعقاب؟ والله أعلم.
__________
(1) - زيادة من ب.
(2) - الجيطالي، 1/ 58، شرح البيت 9.
(3) - أخرجه ابن المبارك في "الزّهد"، وابن أبي الدّنيا في "الإخلاص"، وأبو الشّيخ في "العظمة" عن ضمرة بن حبيب في حديث طويل. السيوطي: الدرّ المنثور، تفسير الآية 18 من سورة ق. (1/70)
صفحة 71
وهم جملتان: روحانيون وكروبيون، فالرّوحانيون هم الرّسل، وجبيرل - عليه السلام - منهم، والكروبيون ليسوا برسل، عباد مُكرَمون، {يُسَبِّحُونَ اليْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:20]؛ ويُقال: الملائكة عشرة أجزاء: تسعة [أجزاءٍ] (1) منهم الكروبيون الذين يسبّحون الليل والنّهار لا يفتُرون، وجزء واحد للرّسالة والخَزانة ولِما شاء الربّ من أوامره، ...
--------------------
قوله روحانيون: في "الصّحاح": «وزعم أبو الخطّاب أنّه سمع من العرب مَن يقول في النّسبة إلى الملائكة والجنّ: رُوحاني بضمّ الرّاء، وللجمع: روحانيون ... الخ»، وجزم في "القاموس" بذلك (2).
قوله وكروبيون: في "القاموس": «والكروبيون مخفّفة الرّاء: سادات الملائكة» عليهم السّلام (3).
قوله ويُقال: الملائكة عشرة أجزاء: قال في "شرح النّونية": وكذلك الجنّ والإنس عشرة أجزاء، الجنّ تسعة أجزاء، والإنس جزء واحد، ولا يولد من الإنس مولود إلاّ وُلد من الجنّ تسعة، وجَزَّأَ الإنسَ عشرة أجزاء، ياجوج وماجوج تسعة أجزاء، وما سواهم من بني آدم جزء واحد ... الخ (4)، والله أعلم.
قوله والخزانة: في "القاموس" في خَزَن: «وكَكِتابَةٍ فعلُ الخازِنِ ومكانُ الخزْنِ، ولا
__________
(1) - سقطت من أ و د.
(2) - الجوهري: باب الحاء، فصل الرّاء: روح؛ الفيروزابادي، نفس الباب والفصل والمادّة؛ وأبو الخطّاب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الحميد أبو الخطّاب الأخفش، من علماء العربية في القرن الثّاني الهجري، جال الصّحاري والتقى بالأعراب وأخذ عنهم، وهو أوّل من فسّر الشّعر تحت كلّ بيت على غير مألوف النّاس. راجع: السيوطي: بُغية الوُعّاة، 296.
(3) - الفيروزابادي: باب الباء، فصل الكاف: كرب.
(4) - الجيطالي، 1/ 62، شرح البيت 9. (1/71)
صفحة 72
وهم مكلَّفون ملزومون مأمورون مكتسبون، يصلّون ويصومون ويحُجّون، خُلقوا للعبادة، ومصيرهم إلى السّعادة، لا يوصَفون بالتّعب، ولا بالشّهوة، ولا بالذّكورية، ولا بالأنوثية، ...
--------------------
يُفتَح كالمخزَن ... الخ» (1).
قوله مكلَّفون: أي: على القول بأنّ التّكليف معناه الأمر والنّهي، لا على القول بأنّ معناه إلزام الله العبدَ ما على العبد فيه كُلفة، لأنّ الملائكة ممّن يكتسب وليس عليهم تكليف، أي مشقّة.
قوله يصومون: يُنظر كيفيّة الصّوم في حقّ الملائكة، وأمّا الصّلاة والحجّ فقد ورَد في الحديث: أنّ جبريل - عليه السلام - صلّى بالنّبيء - صلى الله عليه وسلم -، والنّبيء يصلّي بالصّحابة (2)، وفي الحديث أيضًا: أنّ الملائكة قالت لآدم - عليه السلام -: حَجَجنا هذا البيت قبلك بألفيْ عام (3)، والله أعلم.
قوله إلى السّعادة: يُنظر ما السّعادة التي يصيرون إليها ما هي؟ فإنّ الجنّة لا تكون ثوابًا لهم، لأنّ الجنّة المقصود منها: الملاذّ النفسانيّة التي تتنزّه الملائكة عنها، فالجنّة والنّار بالنّسبة إليهم على حدّ سواء، لأنّهم لا يتلذّذون بالجنّة، ولا يتألّمون بالنّار، اللهمّ إلاّ أن يُقال: مصيرهم إلى السّعادة معناه: أنّه ليس فيهم شقيّ، فليُحرَّر.
__________
(1) - الفيروزابادي: باب النّون، فصل الخاء.
(2) - أخرجه النّسائي: كتاب الصّلاة، باب آخر وقت العصر، رقم: 512.
(3) - قال الحافظ العراقي في تخريجه: رواه المفضل الجعدي، ومن طريقه ابن الجوزي في "العِلل" من حديث ابن عبّاس، وقال: لا يصحّ؛ ورواه الأزرقي في "تاريخ مكّة" موقوفًا على ابن عبّاس. المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، 1/ 217. وأخرجه القطب اطفيّش: وفاء الضّمانة بأداء الأمانة، باب أربعون حديثًا في الحَجّ والعمرة، 1/ 427، ولم يعزه. (1/72)
صفحة 73
ولا بالجنون، ولا بالطّفولية، ولا باللّحم، ولا بالدّم، ولا بالغائط، ولا بالبول، ولا بالجوع، ولا بالعطش، ومن وصفهم بشيء من هذا فقد أخطأ في صِفتهم، وجعلوا الخطأ في صِفة الملائكة شِركًا، لأنّه جعل غير الملك ملَكًا، -و وجّهوا الخطأ في صفة البارئ سبحانه على وجهين: إن واجه أشرك وإن تأوّل نافق-، وإنّما توصَف الملائكة بما وصفها اللهُ تعالى في قوله: {جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً اوْ لِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1]، ...
--------------------
قوله جعل غير الملَك ملَكًا: الظاهر أنّ صواب العبارة: جعل الملَك غير مَلَك، حيث أثبت له الأكل والشّرب مثلاً، وأمّا جعل غير الملَك ملَكًا فإنّما يكون بإثبات صفات الملائكة لابن آدم مثلاً، كأن يُثبت له عدم الأكل والشّرب مثلاً، والله أعلم.
قوله إن واجه: أي صادم النصّ فردّ من غير تأويل، كنفي العلم والقدرة مطلَقًا.
قوله وإن تأوّل نافق: كتأويل هؤلاء في الرؤية، وكتأويل الجهمية في نفيهم العِلم عن الله في الحادثات حتّى توجَد، ونفي المعتزلة قدرة الله عن أفعال العباد إلى غير ذلك.
قوله {اوْلِي أَجْنِحَةٍ} ... الخ: وتوصف أيضًا بالأيدي لقوله تعالى: {وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 93] على أحد التّفسيرين، وبالعواتق والآذان لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «بين شحمة أذن إسرافيل وبين عاتقه مسيرة خمسمائة عام» (1)، وبالأفواه
__________
(1) - لم نقف على تخصيصه - صلى الله عليه وسلم - إسرافيل، وما وقفنا عليه هو قوله: «أُذِن لي أن أحدّث عن مَلَك من ملائكة الله من حَمَلَة العرش، أنّ ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» أخرجه أبو داود: كتاب السنّة، باب في الجهمية، رقم: 4727، والطّبراني في الأوسط بإسنادين، كما عزاه ابن كثير في "البداية والنّهاية" إلى ابن أبي حاتم، والقطب اطفيّش في "جامع الشّمل" إلى "الضّياء". (1/73)
صفحة 74
وما وصفها به من العبادة والتّسبيح والاِستغفار والكلام، والرّغبة في الطّاعة، ...
--------------------
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ العبد إذا قام إلى الصّلاة دنا الملَك حتّى يضع فاه على فيه، يتلقّى القرآن إذا قرأ» (1)، وفي بعض الرّوايات أنّه يبتلع تلك القراءة، نؤمن بهذا ونردّ معرفة حقيقة ذلك إلى الله، والله أعلم.
قوله والكلام: رأيت بخطّ بعضهم ما صورته يؤخذ من كلامه -رحمه الله- في "شرح النّونية": أنّه من عطف المرادف، لأنّ من وَصفهم بالاِستغفار والتّسبيح فقط وصفهم بالكلام (2)، وأقول: الظّاهر أنّه من عطف العام على الخاص، لأنّ من كلامهم -عليهم السّلام- ما ليس باستغفار ولا تسبيح كما يظهر بتتبّع نصوص القرآن والأحاديث، من ذلك قوله تعالى في حقّهم مخاطبين للمؤمنين: {ألاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ} الآية [فصّلت: 30]، وما ورد من أنّ الله تبارك وتعالى تعبّد بعض الملائكة بهذا الدّعاء: «اللهمّ اعط للمنفِق خلَفًا وللمُمسك تلَفًا» (3)، وكتسليمهم على إبراهيم - عليه السلام - (4)، وكلام جبريل للنّبيء -عليهما السّلام- بما لا يُحصى وغير ذلك، والله أعلم.
__________
(1) - أخرجه الهيثمي: مجمع الزّوائد، كتاب الصّلاة، باب السّواك، 2/ 99، وقال: رواه البزّار ورجاله ثِقات.
(2) - الجيطالي، 1/ 61، شرح البيت 9.
(3) - أخرجه البخاري: كتاب الزّكاة، باب ... اللهمّ اعطِ منفق مال خَلَفًا، رقم: 1374؛ ومسلم: كتاب الزّكاة، باب في المنفق والممسك، رقم: 1010؛ وأحمد: مسند الأنصار، باقي حديث أبي الدّرداء، رقم: 21780؛ والطّبراني في الأوسط، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصّحيح.
(4) - قال تعالى: {هَلَ اَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا، قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ} [الذّاريات: 24، 25]. (1/74)
صفحة 75
والاجتهاد في العبادة بلا تعب ولا نصَب، والخوف والرّجاء، وغير ذلك ممّا يليق بهم من الصّفات، فعلى المكلَّف الإيمان بهم، والقصد إلى جبريل - عليه السلام - باسمه، ويعلم أنّه رسول الله إلى رسُله عليهم السّلام، ويتولاّه بالترحّم دون الاِستغفار، وكذلك وَلاية سائر الملائكة بالترحّم دون الاِستغفار، وثوابهم واصل إليهم، وهو ما يوافق طبائعهم، وقيل: الذي يوافقهم إيصال الهدايا إلى المسلمين، ويُوالَوْنَ ويُبْرَأون بالظّواهر، صلوات الله عليهم أجمعين.
--------------------
قوله بلا تعب ولا نَصَب: يعني لأنّهم طُبعوا طبع مَن لا يعصي، ولا يُقال: طُبعوا على الطّاعة، لأنّ ذلك ينفي الكسب كما في "السّؤالات" (1).
قوله بالترحّم دون الاِستغفار: وذلك لأنّ الرّحمة وسِعت كلَّ شيء، والاِستغفار إنّما هو للمذنبين، وهم لا ذنب لهم.
قوله صلوات الله عليهم أجمعين: إنّما قال ذلك ليدخل هاروت وماروت، قال في "السّؤالات" بعد أن ذكر آيات تدلّ على مدحتهم ما نصّه: «ومثل ذلك من المدحة ما لجملتهم، ولم يخصّ زمانًا من زمان، ولا ملَكًا من ملَك، ودع عنك ما تتلوا الشّياطين وما يقول المبطلون من افترائهم على الله وتنقيصهم أولياء الله، حاشاهم من العصيان، هذا الذي عليه أئمّة الهدى وأولو النّهى» (2)، وفي بعض كتب قومنا: ولا يُردّ هاروت وماروت إن قلنا بأنّهما ملَكان، لأنّهما لم يصدر عنهما ذنب، وتعليمهما النّاس السّحرَ إنّما كان بأمر الله ابتلاءً لهم وتمييزا بينه وبين المعجزة، على أنّ تعليم السّحر للاِحتراز عنه ليس بذنب بل هو طاعة.
__________
(1) - السّوفي، 219.
(2) - المصدر السّابق، 164. (1/75)
صفحة 76
ووقع الاِختلاف في موتهم وخِلقتهم هل هم متفاوتون في الخلق والممات؟ أم خُلقوا جميعًا وسيموتون جميعًا؟ قولان كما قدّمنا، وكذلك وقع الاِختلاف في عدد الحفظة، وفي أيّهم أفضل: هم أم المؤمنون من بني آدم؟ قولان، وبالله التّوفيق.
--------------------
قوله كما قدّمنا: لم يظهر لنا في أيّ محلّ قدّمه، اللهمّ إلاّ أن يُقال: في قوله ووقع الاِختلاف، فليُحرَّر.
قوله في عدد الحفظة: قال بعضهم اِثنان، وقيل أربعة، وقيل سِتّة، وقيل لا يقصرون على عدد معلوم.
قوله وفي أيّهم أفضل: أي: ووقع الاِختلاف في أيّ الفريقين؟ لأنّه معلوم المرجع من خارج، لا أنّه راجع إلى الحفَظة.
قوله هم أم المؤمنون من بني آدم؟: الحاصل أنّ بعضهم قال: الملائكة أفضل من بني آدم لقوله تعالى: {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26]، ولقوله: {لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ} الآية [التّحريم: 6]، ولقوله تعالى حكاية عن النِّسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ: {مَا هَذَا بَشَرًا اِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31]، ولقوله: {لَنْ يَّسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَّكُونَ عَبْدًا للهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النّساء: 172]، وهذا هو مذهب المعتزلة، وبعضهم قال: المؤمن من بني آدم أفضل لقوله تعالى: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ} [فصّلت: 31]، يريد أنّهم خدماؤهم، ولقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن من بني آدم أفضل عند الله من جميع الملائكة» (1)، وقال بعضهم شعرًا:
__________
(1) - روى ابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن أكرم على الله من بعض ملائكته»، كتاب الفتن، باب المسلمون في ذِمّة الله ... ، رقم: 3947؛ وجاء في حديث قدسي: «عبدي المؤمن أحبّ إليّ من بعض ملائكتي» أخرجه الطّبراني في الأوسط عن أبي هريرة، رقم: 6630. (1/76)
صفحة 77
الثّامن في الأنبياء والرّسل: وذلك ممّا يجب على المكلَّف الإيمان به، وهما جملتان على النّاس معرفتهما، كلّ واحدة منهما على حِدة، لقوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} إلى قوله: {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيئُونَ مِن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 136]، ...
--------------------
حرمة المسلم فاقت حرمة البيت الحرام
وله الإعزاز في الدّنيا وفي دار المقام
وهو أعلى عند مولاه من أملاك كرام (1)
وذهب بعضهم إلى أنّ خواص بني آدم أفضل من خواص الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من سائر المؤمنين، وهذان القولان أظنّ أنّهما للأشعريّة، وقيل: خواص الملائكة أفضل من خواص بني آدم، وخواص بني آدم أفضل من سائر الملائكة، وسائر الملائكة أفضل من سائر المؤمنين، وأظنّ أنّ هذا القول للمعتزلة أيضًا، فليُراجَع.
والصّحيح أنّ الخلاف في غير محمّد - صلى الله عليه وسلم - لأنّه أفضل الخلق على الإطلاق، خلافًا ل"الكشّاف" في تفضيله جبريل - عليه السلام - عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم - (2)، وذكر في بعض كتب قومنا أنّ ذلك جهل منه بمذهبه، والله أعلم، فليُراجع.
قوله {آمَنَّا بِاللهِ}: فيه أنّ هذه الآية إلى قوله: {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيئُونَ} إنّما تدلّ صريحًا على الإيمان بالكتب المنزَّلة على الأنبياء، وليس هو المقصود هنا - أي في هذا القسم -،
__________
(1) - رواه الجيطالي في شرح النّونية، 1/ 64، ولم ينسبه.
(2) - لعلّ المحشّي أخذ هذا من قول الزّمخشري في معرض تفسيره للآية 98 من سورة البقرة حيث قال: « ... وإذا كانت عداوة الأنبياء كفرًا، فما بال الملائكة وهم أشرف ... »، وإلاّ فإنّأ لم نقف على تخصيصه جبريل - عليه السلام - بالأفضليّة عن النّبيء محمّد - صلى الله عليه وسلم -. (1/77)
صفحة 78
والأنبياء أعمّ من الرّسل، لأنّ من الأنبياء أنبياءً مرسَلين وأنبياءَ غير مرسَلين، وفي حديث أبي ذرّ -رحمه الله- قال: «قلت يا رسول الله: كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألف، قال: قلت يا رسول الله: كم الرّسل من ذلك؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جمّ غفير -يعني كثيرًا طيّبًا- قال: قلت: من كان أوّلهم؟ قال: أوّلهم آدم - عليه السلام -، ...
--------------------
وأيضًا هذه الآية لا تدلّ على أنّ من أُنزل عليهم الوحي جملتان: أنبياء ورسُل، فلو استدلّ بقوله تعالى: {وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ امَنَ بِاللهِ} إلى قوله: {وَالنَّبِيئِينَ} [البقرة: 177]، وبقوله تعالى: {كُلٌّ امَنَ بِاللهِ} إلى قوله: {وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285] لكان صريحًا في المقصود من الإيمان بنفس الأنبياء والرّسل، وأنّهم جملتان، والله أعلم، حرّره.
قوله والأنبياء أعمّ ... الخ: في "السّؤالات": «قال الشّيخ أبو الرّبيع: كلّ رسول من بني آدم نبيء، وليس كلّ نبيء رسول، وقيل: كلّ نبيء رسول وكلّ رسول نبيء من بني آدم، وهو جواب الشّيخ عيسى بن أحمد (1)، واحتجّ بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ} [الحجّ: 52] فسمّاهم مرسَلين كلّهم، ويقال الأوّل أضمر: ولا نبّأنا نبيئا ... الخ» (2).
قوله جمّ غفير: أي: هم جمّ غفير، ومعنى جمّ غفير: جمع عظيم، من الجموم وهو الكثرة، ومن الغفر وهو السِّتر، أي أنّهم في الكثرة بحيث ستروا ما وراءهم، أو وجه الأرض، ويُقال أيضًا في مثل هذا: الجمّاء الغفير، على إعطاء فعيل بمعنى فاعل حُكم فعيل بمعنى مفعول في عدم لُحوق التّاء.
__________
(1) - اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 41.
(2) - السّوفي، 180. (1/78)
صفحة 79
قال: قلت: يا رسول الله أنبيئا كان أم رسولاً؟ قال: نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسوّاه رجلاً، ثمّ قال: يا أبا ذرّ أربعة سريانيون: آدم وشيث وخنوخ -وهو إدريس وهو أوّل من خطّ بالقلم- ونوح عليهم السّلام، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيئك يا أباذرّ، وأوّل أنبياء بني إسرائيل: موسى، وآخرهم: عيسى عليهم السّلام، ...
--------------------
قوله نعم: يعني هو نبيء ورسول، لكن فيه أنّ السّؤال ب أم والهمزة يطلب بهما التّعيين، فإذا قيل مثلاً: أَزَيْد عندك أم عمرو؟ يتعيّن الجواب بأحدهما بعينه، وأمّا مثل هذا فلا نعرفه، والله أعلم بحقيقة ذلك.
قوله بيده: أي بقدرته.
قوله من روحه: أي التي خلقها، فالإضافة للتّشريف.
قوله وسوّاه رجلاً: يعني أنّه خلقه كذلك، ولم ينقله من حالة إلى حالة كالواحد منّا، فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله خلق آدم على صورته» (1)، خلافًا لما تعتقده المشبّهة.
قوله أنبياء بني إسرائيل: لعلّ المراد: أنبياء ذريّة بني إسرائيل، وإلاّ فبنو إسرائيل في أنفسهم أنبياء أو الكثير منهم، والله أعلم.
__________
(1) - أخرجه الرّبيع بن حبيب، باب قوله: خلق الله آدم على صورته، رقم: 844؛ والبخاري: كتاب الاِستئذان، باب بدء السّلام، رقم: 5873؛ ومسلم: كتاب البرّ والصِّلة والآداب، باب النّهي عن ضرب الوجه، رقم: 2612. (1/79)
صفحة 80
وأوّل الرّسل آدم، وآخرهم محمّد - عليه السلام -» (1).
واختلفوا في النّبوءة والرّسالة، فقيل: هما اضطرار، وقيل: هما اكتساب، وقيل: النّبوءة اضطرار، والرّسالة اكتساب، والوحي علم الأنبياء والرّسل، ...
--------------------
قوله واختلفوا في النّبوءة والرّسالة: في "السّؤالات": «واختلف النّاس في النّبوءة والرّسالة، فقيل هما اضطرار، وهما قد حلّتا في الأنبياء والرّسل كحلول الاِستطاعة في المستطيع، والزّمانة في الزّمن، وقيل النّبوءة اضطرار والرّسالة اكتساب، وقيل النّبوءة والرّسالة اكتساب، والقول الأوّل قول أبي الرّبيع -رحمه الله-، ومَن ذهب إلى أنّ الرّسالة اكتساب فإنّ الشّيخ أبا عمّار وأبا عمرو يحكيانه أيضًا، قال: إنّ الشّيخ أبا يحي زكرياء بن أبي بكر (2) قال: إنّ الرّسالة تتصرّف في اللّغة على وجهين: على معنى الإرسال من الله - عز وجل -، والثّاني على معنى التّبليغ من الرّسل، فمن قال: إنّ الرّسالة اضطرار ذهب بالرّسالة إلى الإرسال من الله - عز وجل - للرّسل، ومَن قال الرّسالة اكتساب ذهب بمعنى الرّسالة إلى التّبليغ من الرّسل، ثمّ قال الشّيخ أبو عمّار: هذا أحسن ما سمعناه في هذا الوجه ... الخ» (3).
__________
(1) - أخرجه بهذا اللّفظ ابن حبّان في صحيحه، وابن مردويه في تفسيره، وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات"، وأخرجه أحمد في حديث طويل دون الجزء الأخير من تفصيل الأنبياء السريانيّين والعرب، مسند أبي أمامة الباهلي، رقم: 22351، وأخرج جزء السّؤال عن آدم وعدد الرّسل الطّبراني في الكبير والأوسط، والبزّار في مسنده؛ وأخرج جزء عدد الرّسل ابن أبي حاتم والطّبراني في الكبير، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصّحيح، وصحّحه الحاكم في المستدرَك على شرط مسلم. الحاكم: المستدرَك، 2/ 262؛ الهيثمي: مجمع الزّوائد، 1/ 159،160، 8/ 210؛ ابن كثير: البداية والنّهاية، 2/ 151.
(2) - اُنظر: ترجمته في الملحَق، رقم: 20.
(3) - السّوفي، 179. (1/80)
صفحة 81
وسئل النّبيء - عليه السلام - فقيل له: «كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليَّ فينفصم عنّي وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثّل لي الملَك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول، قالت عائشة -رضي الله عنها-: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشّديد البرد وإنّ جبينه لينصبّ عَرقًا» (1)، والأنبياء عليهم السّلام منهم من يأتيه الوحي عيانًا، ومنهم من يُلهَمه إلهامًا، ومنهم من يراه في النّوم فيحفظه، والله أعلم.
--------------------
قوله صلصلة: أي صوت.
قوله الجرس: في "الصّحاح": «والجرس بالتّحريك الذي يُعلَّق في عنق البعير، والذي يُضرب به أيضًا، وفي الحديث: «لا تصحب الملائكة رُفقة فيها جرس» ... الخ» (2).
قوله وعَيت: بفتح العين، بمعنى حفظت وجمعت.
قوله يُلهَمه: الظّاهر أنّ الضّمير المنصوب راجع إلى الوحي، أي: ومنهم نبيء يُلهَم الوحي إلهامًا، أي يُلهمه اللهُ الوحيَ.
__________
(1) - أخرجه الرّبيع بن حبيب، باب في ابتداء الوحي، رقم: 2؛ والبخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي ... ؟ رقم: 2؛ ومسلم: كتاب الفضائل، باب عَرق النّبيء - صلى الله عليه وسلم - في البرد وحين يأتيه الوحي، رقم: 2333؛ والتّرمذي: أبواب المناقب، باب ما جاء كيف كان ينزل الوحي على النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 3713؛ والنّسائي: كتاب الاِفتتاح، باب جامع ما جاء في القرآن، رقم: 933.
(2) - الجوهري: باب السّين، فصل الجيم: جرس؛ والحديث أخرجه بهذا اللّفظ أبو داود: كتاب الجهاد، باب في تعليق الأجراس، رقم: 2554، وأخرجه بزيادة «ولا كَلْبٌ» في نفس الكتاب والباب، رقم: 2555؛ وأخرجه بالزّيادة مسلم: كتاب اللّباس والزّينة، باب كراهية الكلب والجرس في السّفر، رقم: 2113. (1/81)
صفحة 82
فعلى العبد أن يعتقد -كما قدّمنا- أنّ لله جملة الأنبياء والرّسل، أرسلهم إلى عباده وجعلهم الأمناء على خلقه، والحكّام في بلادهِ، وأنزل عليهم كتبَه وآياته وكلماته، وجعل أوَّلهم آدم أبا البشر رسولاً إلى أولاده، وآخرهم نبيئنا محمّدًا - عليه السلام -، ختم به أنبياءَه ورسله، وأنزل عليه القرآن هدى للنّاس وبيّنات من الهدى والفرقان، نزل به الرّوح الأمين على قلب محمّد - عليه السلام - ليكون من المنذِرين بلسان عربيٍّ مبين، وأنّه كلام الله ووحيه وتنزيله، وأنّ الأنبياء والرّ سل كلّهم آدميون، ...
--------------------
قوله أرسلهم: الظّاهر أنّه حال من الرّسل.
قوله ختم به أنبياءه: قال في "السّؤالات": «وعلينا أن نعلم أنّ محمّدًا خاتَم النّبيئين، فإن قال قائل: مِن أين كان علينا أن نعلم أنّه خاتَم النّبيئين؟ فقل: نحن من حيث بُعث، وأمّا من كان في زمانه فمن حيث نزل الدّليل» (1).
قوله وأنّه كلام الله ... الخ: إنّما ذكره هاهنا على جهة الاِستطراد، فإنّ محلّه في القسم التّاسع كما هو ظاهر، والظّاهر أنّها جملة معترِضة بين المتعاطفين، أعني قوله: أنّ لله جملة الأنبيياء والرّسل ... الخ، وقوله: أنّ الأنبياء والرّسل ... الخ.
قوله آدميون: أي: ليس فيهم جِنِّيّ، أمّا قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاِنسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} [الأنعام: 130] فقال البيضاوي: «الرّسل من الإنس خاصّة، لكن لمّا جُمعوا مع الجنّ في الخطاب صحّ ذلك، ونظيره: {يُخْرَجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمُرْجَانُ} [الرّحمن: 23]، والمُرجان يخرج من الملح دون
__________
(1) - السّوفي، 86، وانفردت هـ بهذا التّعليق. (1/82)
صفحة 83
منهم مَن أُرسل إلى الجنّ والإنس كافّة، كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وعيسى ...
--------------------
العذب، وتعلّق بظاهر قوله قوم وقالوا: بَعَثَ إلى كلّ من الثّقلين رسُلاً من جنسهم، وقيل: الرّسل من الجنّ رسل الرّسل إليهم، لقوله سبحانه وتعالى: {وَلَّوِا اِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} [الأحقاف: 30]» (1).
قوله كافّة كآدم ونوح ... الخ: يُتأمّل هذا مع قوله - صلى الله عليه وسلم - «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنّ أحدٌ قبلي: بُعثت إلى الأحمر والأسود، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طَهورًا، وأُحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد من قبلي، ونصرت بالرّعب وهو يسير أمامي شهرًا، وأُعطيت الشّفاعة فادّخرتها لأمّتي» (2)، وعن ابن عمر: الأحمرُ الجنّ، والأسودُ الإنس، وقيل: الأحمر الأعجَم، والأسود العرب ... الخ. وتعلّق قومٌ بظاهر هذا الحديث فجعلوا عموم الرّ سالة خاصًّا به - صلى الله عليه وسلم -، وأجابوا عن قوله تعالى حكاية عن نوح - عليه السلام -: {رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، وعلى ما ذهب إليه أصحابنا المراد بالحديث أنّه - صلى الله عليه وسلم - اختصّ بالمجموع لا بكلّ فرد (3).
قوله وإبراهيم: اُنظر كيف يتخرّج كون إبراهيم - عليه السلام - من أهل الكافّة مع بِعثة لوط - عليه السلام - في زمانه؟ ولعلّ ذلك بالنّظر إلى أوّل أمره.
قوله وموسى: ومثل موسى هارون، ولعلّه لمّا كان تابعًا لموسى لم يتعرّضوا له، والله أعلم.
__________
(1) - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 130 من سورة الأنعام.
(2) - الحديث ورَد بعدّة طرق وألفاظ، أقربها لرواية المصنِّف رواية أحمد: مسند الأنصار، حديث أبي ذرّ الغفاري، رقم: 21372.
(3) - اِنفردت هـ بهذا التّعليق. (1/83)
صفحة 84
ومحمّد صلّى الله عليهم وسلّم أجمعين، ومنهم مَن أُرسل إلى أقوامٍ، فيسوغ لمن بلغته دعوته أن يستجيب له، كهود وصالح وشُعيب وغيرهم عليهم السّلام، والذي عليه الجمهور الأعظم من أهل العلم أنّ الله تعالى ما نبّأ عبدًا ولا امرأة، ولا رجلاً من أهل البادية، لقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحَى إِلَيْهِمْ مِنَ اَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109]، وقال آخرون إنّ الله نبّأ لقمان الحكيم، ...
--------------------
قوله فيسوغ ... الخ: أي: إذا كان على دين نبيء من الأنبياء، وأمّا إذا لم يكن على الدّين فيجب عليه الاِتِّباع، ولا يسعه المقام على الشٍّرك كما هو ظاهر.
قوله والذي عليه الجمهور الأعظم من أهل العلم أنّ اللهَ تعالى ما نبّأ عبدًا ولا امرأة ... الخ: وذلك لأنّ تعريف النّبيء عندهم أنّه: «حرّ ذكر من بني آدم، سالم من منفِّر كعمى، -وما وقع ليعقوب وشُعيب ... لم يكن عمى حقيقيا، وكذلك بلاء أيوب - عليه السلام - لم يستقرّ بل صار بدنه بعد الشّفاء أجمل منه قبله-، أُوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أُمر فرسول أيضًا، وإن لم يكن له كتاب، ولا نَسَخَ لشرع مَن قبله على الأشهر، فالرّسول أخصّ مطلَقًا من النّبيء ... الخ» من "شرح الهمزيّة" (1).
قوله من أهل البادية: لعلّ المراد بهم أهل العمود الذين يرحلون وينزلون، فلا يرِدُ قوله تعالى في حقّ يعقوب وبنيه: {وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ} [يوسف: 100]، فإنّ الظّاهر أنّه إنّما سمّاهم بُداةً لأنّ يعقوب - عليه السلام - كان من أهل الماشية، وكان منزله في أطراف الشّام، لا أنّه ممّن يرحل وينزل، والله أعلم، حرِّره.
__________
(1) - أحمد بن حجر الهيثمي: المنَح المكّيّة في شرح الهمزية، 8، شرح البيت الأوّل. (1/84)
صفحة 85
وهو عبد لبني الخشخاش، ونبّأ يعقوب وبنيه -عليهم السّلام- وهم بُداة، قال تعالى: {وَجَاءَ بِكْم مِّنَ الْبَدْوِ} [يوسف: 100]، ونبّأ مريم وسارة وأمّ موسى -عليهنّ السّلام- وهنّ نساء، والله أعلم.
التّاسع في الكتب المنزَّلة: وذلك ممّا يجب على المكلَّف الإيمان به، وذلك أن يعلم أنّ لله سبحانه جملة الكتب أنزلها على رسله بواسطة الملائكة الكرام البررة، ...
--------------------
قوله بني الخشخاش: هكذا فيما رأيناه من النّسخ، ولعلّه: بلخشخاش، بِباءٍ فلامٍ فخاءٍ مُعجَمةٍ ثمّ شينٍ ثمّ خاءٍ مُعجمةٍ ثمّ ألِفٍ ثمّ شينٍ مُعجَمَةٍ، قال ابن العماد في "منظومة الأنبياء" (1) فيمن وقع فيه الخلاف هل هو نبيء:
وكان لقمان جليسًا ذا حِكَم عبدًا لبلخشخاش يرعى في الغنم
واختلفوا فيه وذي القرنين وصاحب الأخدود مع ثنتين
قوله ونبّأ مريم ... الخ: لعلّ المانعين يقولون: إنّ ذلك إلهامٌ، على حدّ {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النّحل: 68].
قوله بواسطة الملائكة ... الخ: لعلّ هذا في غير القرآن، وأمّا هو فنزل به جبريل - عليه السلام - فقط لقوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ} [الشّعراء: 193، 194]، أو هو محمول على عمومه وأنّه لا فرق بين القرآن وغيره،
__________
(1) - ابن العماد هو أحمد بن عماد بن محمّد بن يوسف الأقفهسي، شهاب الدّين أبو العبّاس من علماء الشّافعية، له العديد من التّصانيف في الفقه والعقيدة والحِكم والأدب، وكان كثير النّظم، توفّي سنة 808هـ، ولم نقف على منظومته في الأنبياء التي ذكرها المحشّي. اُنظر: عمر رضا كحّالة: معجم المؤلّفين، 2/ 26؛ الزّركلي: الأعلام، 1/ 178. (1/85)
صفحة 86
الذين هم سَفَرة بين الله تعالى وبين خلقه، ويقصد إلى القرآن ويؤمن به خصوصًا، ويؤمن بغيره من الكتب عمومًا، قال الله سبحانه: {ءَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ} الآية [النّساء: 136]، وأنّ القرآن كلام الله ووحيه وفرقانه، تنزيل من حكيم حميد، معجزة للرّسول - عليه السلام -، ...
--------------------
وأنّ جبريل - عليه السلام - هو المبلّغ للرّسل جميعًا، قال في العقائد: «وجبريل موكَّل بالرّسائل ... الخ» (1)، فهو يتلقّى عن مكائيل عن إسرافيل عن اللّوح المحفوظ عن ملك الإلهام عن ربّ العالمين، فصدق أنّه أنزلها على رسله بواسطة الملائكة ... الخ.
قوله سفرَة: جمع سافر، بمعنى كاتب، وانظر ما معنى كتابتهم بين اللهِ وبين خلقه؟ وأمّا معنى سَفَرة في الآية فظاهر، ولعلّ النّسخة: سُفراء على وزن فُعَلاء، جمع سفير بمعنى رسول، والله أعلم.
قوله خصوصًا: ك [أن يقول:] (2) آمنت بالقرآن.
قوله عمومًا: كآمنت بالكتب.
قوله {الْكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} ... الخ: الكتاب الأوّل القرآن، والكتاب الثّاني الجنس فيعمّ جميع الكتب.
قوله معجزة للرّسول: قال في "السّؤالات": «ومعنى المعجزة كلّ أمر ناقض للعادة يظهر على يد مدّعي النّبوءة زمان التّكليف، مقرونًا بالتّحدّي مِنْ دعوى النّبوءة على جهة الاِبتداء متضمِّنًا لتصديقه ... الخ» (3).
__________
(1) -مقدّمة التّوحيد وشروحها، 106 (شرح التلاتي).
(2) - زيادة من أ والحجرية.
(3) - السّوفي، 239، بالمعنى. (1/86)
صفحة 87
أنزله اللهُ من اللّوح المحفوظ في ليلة القَدر جملة إلى السّماء الدّنيا، ثمّ ينزل به جبريل - عليه السلام - الرّوح الأمين بعد ذلك نجومًا نجومًا على قدر ما أدّت إليه الحاجة، حتّى أكمل اللهُ نزوله في عشرين سنة، عشرًا بمكّة وعشرًا بالمدينة، ...
--------------------
والتّحدّي قيل معناه: دعوى الرّسالة، فعلى هذا تكون "مِنْ" للبيان، كقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَوْثَانِ} [الحجّ: 30]، وقيل معناه: طلب المعارضة لشاهد الدّعوى.
وذكر أيضا في "السّؤالات" أنّ إعجاز القرآن من ثمانية أوجه؛ أحدها: الإيجاز والبلاغة، والثّاني: البيان والفصاحة، والثّالث: أنّ قارئه لا يكلّ ومستمعه لا يملّ، والرّابع: كونه خارقًا للعادة، خارجًا عن سائر نظومات العرب، والخامس: ما انطوى عليه من أخبار الغيوب، والسّادس: ما أخبر عنه من أخبار الماضين وأحاديث الأوّلين، والسّابع: كونه جامعًا لعلوم لم تكن في غيره من الكتب من الحلال والحرام والقصَص والأخبار والمواعظ والأمثال وما ذكرناه قبلُ، والثّامن: الصِّرفة: صرف هممهم عن معارضته، ولو عارضوا لما قدَروا عليه بشيء ... الخ، ملخَّصًا (1).
قوله في ليلة القَدر جملة: وهو المراد بقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، وقوله: {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الدّخان: 3].
قوله إلى السّماء الدّنيا: أي: السّماء القريبة، من الدنوِّ وهو القرب.
قوله نجومًا نجومًا: هو المراد بقوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} الآية [الواقعة: 75].
قوله في عشرين سنة ... الخ: وقيل: في ثلاثة وعشرين سنة.
__________
(1) - السّوفي، 242 وما بعدها بتصرّف. (1/87)
صفحة 88
واختلفوا في اللّوح المحفوظ، فقيل هو لوح من دُرّة بيضاء (1)، طولها قَدر مسيرة خمسمائة عام في مثل ذلك عُرضًا، وقيل: هو جبهة ملَك، والله أعلم (2).
وفي حديث أبي ذرّ -رحمه الله- قال: «قلت: يا رسول الله كم كتابًا أنزل اللهُ؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث بن آدم خمسين صحيفة، وأنزل على خنوخ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التّوراة عشر صحائف، وأنزل التّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان. قال: قلت: يا رسول الله فما كانت صحُف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالاً كلّها: "أيّها الملِك المسلّط المبتَلى المغرور إنّي لم أبعثك لجمع الدّنيا بعضها إلى بعض، ولكنّي بعثتك لتردّ عنّي دعوة المظلوم، فإنّي لا أردّها وإن كانت من كافر"، ...
--------------------
قوله طولها: في نسخة: طوله (3).
قوله لِجمع: في نسخة: جميع (4).
__________
(1) - أخرجه أبو الشّيخ وابن مردويه عن ابن عبّاس مرفوعًا إلى النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، وأورده السّيوطي في "اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة"، 1/ 20، وأخرج نحوه بنفس السّند الحاكم في "المستدرَك"، وصحّحه على شرط الشّيخين، وقدَح في إسناده الذّهبي. الحاكم: كتاب التّفسير، تفسير سورة الرّحمن، 2/ 474؛ السيوطي: الدّرّ المنثور، تفسير الآية 22 من سورة البروج.
(2) - أخرج ابن جرير عن أنس أنّه في جبهة إسرافيل. السيوطي: المصدر السّابق، تفسير الآية المذكورة.
(3) - وهو ما في نسخنا المعتَمَدة من القواعد.
(4) - وفي نسخ القواعد المعتمَدَة: تجمع. (1/88)
صفحة 89
وكان فيها أمثال: "وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيه ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكّر في صنع الله جلّ جلاله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألاّ يكون ظاعِنًا إلاّ في ثلاث: تزوّد لمعاد، ومرمّة لمعاش، ولذّة في غير محرَّم، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافِظًا للسانه، مَنْ عَدّ كلامه مِنْ عمله قلّ كلامه إلاّ فيما يعنيه"، ...
--------------------
قوله وكان فيها أمثال ... الخ: فيه تأمّل من وجهين؛ أحدهما: أنّ هذا مستغنى عنه بقوله أوّلاً: كانت أمثالاً كلّها، على تقدير أن تكون هذا من الأمثال، الثّاني: أنّه لم يظهر كونه من الأمثال إلاّ أن تكون الأمثال في هذه الصّحف على غير أمثال القرآن، والله أعلم فليُحرَّر (1).
قوله ظاعنًا: من الظّعَن وهو السّفر.
قوله تزوّد لمعاد: أي: كالحجّ والجهاد.
قوله ومرمّة: أي: إصلاح، قال في "الصِّحاح": «رممت الشّيءَ وأَرُمُّهُ وأَرِمُّهُ [يعني بضمّ الرّاء وكسرها] رَمًّا ومَرَمَّةً: إذا أصلحته ... الخ» (2).
قوله على شأنه: أي: على أمره وما يصلح له.
قوله مَن عدّ كلامه: مبتدأ خبره: قلّ كلامه، وفي الحديث: «ألا إنّ كلام العبد كلّه عليه لا له، إلاّ ذِكر الله أو أمرًا بمعروف [أو نهيا عن منكر] أو إصلاحًا بين النّاس» (3)
__________
(1) - التّعاليق الثّلاثة المتقدّمة انفردت بها هـ.
(2) - الجوهري: باب الميم، فصل الرّاء: رمَم.
(3) - أخرجه التّرمذي: أبواب الزّهد، باب ما جاء في حفظ اللّسان، رقم: 2525؛ =
= وابن ماجة: كتاب الفتنة، باب كفّ اللّسان في الفتنة، رقم: 3974؛ والحاكم: كتاب التّفسير، تفسير سورة عمّ، 2/ 513، بدون عبارة «أو إصلاحًا بين النّاس»، وما بين المعقوفتين سقط من نُسخ الحاشية إلاّ أ. (1/89)
صفحة 90
قال: قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى - عليه السلام -؟ قال: كانت عِبرًا كلّها: "عجبًا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبًا لمن أيقن بالقَدَر ثمّ هو ينصب، وعجبًا لمن رأى الدّنيا وتقلّبها بأهلها ثمّ اطمأنّ إليها، وعجبًا لمن أيقن بالحساب غدًا ثمّ هو لا يعمل! ". قال قلت: يا رسول الله أفي أيدينا شيء ممّا كان في يد إبراهيم وموسى عليهما السّلام؟ قال: نعم يا أبا ذرّ {قَدَ اَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وذََكرَ اسْمَ رَبِّهِ} [الأعلى: 14] إلى آخر السّورة» (1).
القسم العاشر في الإيمان بالقَدر: وذلك واجب على كلّ ...
--------------------
أو كما قال، ومصداق ذلك قوله تعالى: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَجْوَاهُمْ} الآية [النّساء: 144].
قوله ينصب: أي: يتعب.
قوله {تَزَكَّى}: أي: تصدّق، "صِحاح" (2).
قوله بالقَدَر: قال في "السّؤالات" وفي "شرح النّونية": «القَدَر ... انتهاء الأمور إلى
__________
(1) - أخرجه ابن حبّان، وعبد بن حُميْد، وابن مردويه، وابن عساكر. ابن كثير: البداية والنّهاية، 1/ 99؛ السيوطي: الدّرّ المنثور، تفسير الآية 18 من سورة الأعلى.
(2) - الجوهري: باب الياء، فصل الزّاي: زكا. (1/90)
صفحة 91
مكلَّف أن يعلم أنّما كان من خير وشرّ، ونفع وضرّ، وما يكون من ذلك فبالله يكون، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنّه تعالى خالق لجميع الأشياء، وكانت منه بقضاء وقَدَر، ويعلمَ أنّ ما يصيب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ...
--------------------
أوقاتها، وارتجاعها إلى مقدورها» (1).
قوله فكانت منه بقضاء وقدر: في عطف أحدهما على الآخر إشارة إلى الفرق بينهما، قال شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري في "شرح الطّوالع" (2) في الفَرْق بينهما: «القضاء: إيجاد جميع الكائنات إجمالاً في اللّوح المحفوظ أو في علمه تعالى، والقدر: إيجادها تفصيلاً في المواد الخارجيّة واحدًا بعد آخر، قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر: 21]»؛ وقال في "التّلويح": «القضاء هو الحكم من الله تعالى والأمر أوّلاً، والقدر هو التّقدير والتّفصيل بالإظهار والإيجاد، وفي كلام الحكماء عبارة عن وُجود جميع المخلوقات في الكتاب المبين واللّوح المحفوظ مجتمِعة مُجمَلَة على سبيل الإبداع، والقدر عبارة عن وُجودها مفصَّلة منزَّلة في الأعيان بعد حصول الشّرائط كما قال عزّ وعلا: {وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}، وقريب منه ما يُقال: القضاء ما في العِلم، والقَدَر ما
__________
(1) - الجيطالي، 2/ 26، شرح البيت 35؛ السّوفي، 374، وانفردت هـ بهذا التّعليق.
(2) - مؤلّفه هو أبو يحي زكرياء بن محمّد بن أحمد بن زكرياء الأنصاري المصري من علماء الشّافعيّة، بلغت تآليفه الأربعين في مختلف فنون الشّريعة، توفّي بالقاهرة سنة 926هـ، ولم نقف على كتابه "شرح الطّوالع" فيما اطّلعنا عليه من المطبوعات والمخطوطات. الغزوي: الكواكب السّائرة في أعلام المائة العاشرة، 1/ 196؛ عمر رضا كحّالة: معجم المؤلّفين، 4/ 182. (1/91)
صفحة 92
كما جاء عن النّبيء - عليه السلام - من طريق الرّبيع بن حبيب -رحمه الله- عن عبادة بن الصّامت عن النّبيء - عليه السلام - قال: «إنّك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتّى تؤمن بالقدر خير وشرّه أنّه من الله، قلت: يا رسول الله كيف لي أن أعلم خير القدر وشرّه؟ قال: أن تعلم أنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، فإن متّ على غير ذلك دخلت النّار» (1)؛ فاعلم أيّدك اللهُ أنّ كلّ ما يجري في العالَم من حركة وسكون، وخير وشرّ، ونفع وضرّ، وإيمان وكفر، فلا يطير طائر بجناحيه، ولا يدبّ حيوان على بطنه أو رجليه، ولا تسقط ورقة، ولا تتحرّك ذرّة، إلاّ بقضاء وقدر وإرادة من الله ومشيئة.
واعلم أنّ القدر والطّلب لا يتنافيان، والتوكّل والكسب لا يتضادّان، وذلك أن تعلم ...
--------------------
في الإرادة، وقد يُقال: إنّ اللهَ تعالى إذا أراد شيئًا قال له: كُن، فهناك شيئان: الإرادة والقول، فالإرادة قضاء والقول قَدَرٌ» اهـ (2).
قوله حقيقة: متنازَع فيه.
__________
(1) - أخرجه الرّبيع بن حبيب: باب (12) في القدَر والحذَر والتطيّر، رقم: 72 واللّفظ له؛ وأخرجه بلفظ مقارب ابن ماجة: المقدّمة، باب في القدر، رقم: 77؛ والتّرمذي: أبواب القدر، باب ما جاء أنّ الإيمان بالقدر خيره وشرّه، رقم: 2231.
(2) - "التّلويح بمعاني الأسماء الحسنى الواردة في الصّحيح" لمؤلّفه محمّد بن أبي الوفاء الحلبي كمال الدّين المعروف بابن الموقّع، توفّي سنة 970هـ، والكتاب غير مطبوع. حاجّي خليفة: كشف الظّنون، 1/ 329؛ عمر رضا كحّالة معجم المؤلّفين، 12/ 95. (1/92)
صفحة 93
أنّ ما قضى اللهُ تعالى فهو كائن لا محالة، كما أنّ ما علِم اللهُ أنّه يكون فهو كائن لا محالة؛ ومَن خالفنا في القضاء والقَدَر وافقنا في العِلم، فرُبّ أمر قدّر اللهُ وصوله إليك بعد الطّلب، فلا يصل إليك إلاّ بالطّلب، والطلب أيضًا من القدر، ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين الطّلب فإنّهما مقدوران، فمِن هاهنا ثبت أنّهما لا يتنافيان.
وكذلك التوكّل مع الكسب، لأنّ التوكّل محلّه القلبُ والكسب محلّه الجوارح، ولا يتضادّ شيئان في محلّين، فبهذا يتحقّق العبد أنّ التّقدير من الله تعالى، وإن تعذّر شيءٌ فبتقديره، وإن اتّفق فبتيسيره، وفي الحديث: «جاء رجلٌ إلى النّبيء - صلى الله عليه وسلم - على ناقة له فقال: يا رسول الله أدعها وأتوكّل؟ فقال: اِعقلها وتوكّل» (1)، فالتوكّل على الله تعالى هو الثّقة فيما ضمنه، والقطع بكون ما يحكم به، ...
--------------------
قوله ومَن خالَفنا في القضاء والقدر ... الخ: يشير إلى الرّدّ على المعتزلة، وخلافهم في ذلك مشهور، وكان بعض العلماء (2) يقول: سلوهم عن العلم فإن أقرّوا به أقرّوا بالقدر، والردّ عليهم مبسوط في "الموجز" و"السّؤالات" و"شرح النّونية" وغيرها (3).
قوله فبتيسيره: أي: مع تقديره.
قوله والقطع بكون: أي بوُجود.
__________
(1) - أخرجه التّرمذي: أبواب صفة القيامة، باب 22، رقم: 2636.
(2) - هو الشّيخ صُحار العبدي، أحد أئمّة الإباضيّة في آخر القرن 1 هـ، اُنظر الدّرجيني: الطّبقات، 2/ 232.
(3) - اُنظر أبو عمّار عبد الكافي: الموجز، 2/ 22 وما بعدها؛ السّوفي: السّؤالات، 370 وما بعدها؛ الجيطالي: شرح النّونية، 2/ 29 وما بعدها، شرح البيتين 37، 38. (1/93)
صفحة 94
فمن رام أمرًا من الأمور فليس الطّريق في تحصيله أن يغلق بابه عليه ويفوّض أمره إلى ربّه وينتظر ذلك الوجه الذي أراده، وقد روي أنّ النّبيء - عليه السلام - ظاهر بين درعين (1)، واتّخذ خندقًا حول المدينة يستظهر به ويتحرّس من العدوّ، وأقام الرّماة يوم أُحد يحتفظ بهم من الكفّار (2)، ويلبس لأمة الحرب، ...
--------------------
قوله رام: أي: حاول.
قوله ظاهر بين درعين: أي: طابق، في "الصّحاح": «وظاهر بين ثوبين أي طارق بينهما وطابق» (3)، والمراد أنّه - صلى الله عليه وسلم - لبس دِرعين أحدهما فوق الآخر تحصُّنا من العدوّ مع أنّه أشدّ النّاس توكّلاً.
قوله واتّخذ خندقًا حول المدينة: يعني في غزوة الأحزاب، وذلك قريبٌ من المدينة وموضعه معروف وقصّته مشهورة (4).
قوله ويتحرّس: في نسخة ويحترس (5).
قوله وأقام الرّماة: جمع رام، كغزاة جمع غازٍ.
قوله لأمة الحرب: في "الصّحاح": «واللأْمُ جمع لأْمَةٍ وهي الدِّرع، وتُجمع أيضًا على لُؤَمٍ» (6).
__________
(1) - أخرجه أبو داود: كتاب الجهاد، باب في لبس الدّروع، رقم: 2590؛ والتّرمذي: أبواب الجهاد، باب ما جاء في الدّرع، رقم: 1743، وذلك يوم أُحد.
(2) - أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة أُحد، رقم: 3817، في حديث طويل.
(3) - الجوهري: باب الرّاء، فصل الظّاء: ظهر.
(4) - انظر: الذّهبي: تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام، مجلّد المغازي، 1/ 233.
(5) - كما في النّسخة أ، وانفردت ب بهذا التّعليق.
(6) - الجوهري: باب الميم، فصل اللام: لأَمَ. (1/94)
صفحة 95
واسترقى (1)، واكتوى (2)، وتداوى (3)، ...
__________
(1) - روى أبو سعيد الخدري أنّ جبريل - عليه السلام - رقى النّبيء - صلى الله عليه وسلم - بكلمات أورَدَها ابن ماجة: كتاب الطبّ، باب ما عوّذ به النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 2523؛ والحاكم: كتاب الرُّقى والتّمائم، 4/ 412. وروت عائشة أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان يرقي نفسه إذا آوى إلى فراشه بسورة الإخلاص والمعوّذتين، وإذا اشتكى كان يأمرها أن تفعل ذلك به، البخاري: كتاب الطبّ، باب النّفث في الرّقبة، رقم: 5416. وأنّه لمّا مرض مرض موته جعلت تنفث عليه وتمسحه بيده لأنّها أعظم بركة، مسلم: كتاب السّلام، باب رقية المريض بالمعوّذات والنّفث، رقم: 2192. ورويت في شأن رقيته - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه أحاديث كثيرة.
(2) - ظاهر الأحاديث المروية في شأن الكيّ تفيد كراهيّته - صلى الله عليه وسلم - له ونهيه عنه، مثال ذلك ما رواه عمران بن حصين قال: نهى رسول - صلى الله عليه وسلم - عن الكيّ، أخرجه التّرمذي: أبواب الطبّ، باب ما جاء في كراهية الكيّ، رقم: 2123؛ وأبو داود: كتاب الطبّ، باب في الكيّ، رقم: 3865؛ وابن ماجة: كتاب الطبّ، باب الكيّ، رقم: 3490؛ ويدلّك على أنّ النّهي للتّنزيه ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - عن ابن عبّاس مرفوعًا أنّه قال: «الشّفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيّة بنار، وأنهى أمّتي عن الكيّ» البخاري: كتاب الطبّ، باب من اكتوى أو كوى غيره، رقم: 5377؛ ابن ماجة: كتاب الطبّ، باب الكيّ، رقم: 3491. وما ورَدَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه كوى سعد بن معاذ من رميته، أبو داود: كتاب الطبّ، باب في الكيّ، رقم: 3866؛ وابن ماجة: كتاب الطبّ، باب من اكتوى، رقم: 3494، ولم نقف على أنّه - صلى الله عليه وسلم - اكتوى.
(3) - من ذلك أنّه وضع مرّة ذريرة على بثرة بين إصبعين من أصابع رجليه، أخرجه الحاكم: كتاب الطبّ، 4/ 202، وصحّحه على شرط الشّيخين، ووافقه الذّهبي.
وما لُدّ به - صلى الله عليه وسلم - حين أُغمي عليه في بيت ميمونة حتّى أفاق، أخرجه مسلم: كتاب السّلام، باب كراهة التّداوي باللّدود، رقم: 2213؛ والحاكم: كتاب الطبّ، 4/ 207؛ وصحّحه على شرط الشّيخين. وروى ابن ماجة أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصيبه قرحة ولا شوكة إلاّ وضع عليها الحنّاء. (1/95)
صفحة 96
وأمر بالمداواة (1)، وقال: «إنّ الذي أنزل الدّاء هو الذي أنزل الدّواء» (2)؛ وأمر اللهُ تعالى بالإيمان بقضائه، وقال لنبيئه: {قُل لَّنْ يُّصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} [التّوبة: 52]، وأمر عباده أن يأخذوا بالحذَر فقال: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ خُذُوا حِذْرَكُمْ} الآية [النّساء: 74]، وقال: {وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النّساء: 104]، ...
--------------------
قوله أنزل الدّواء: قيل إنّ الشّفاء هو الدّواء «ولكلّ داءٍ دواء، علمه مَن علِمه، وجهله مَن جهله» (3)، «إلاّ السّام وهو الموت» (4)، وفي بعض الأحاديث «إلاّ الهرم» (5).
__________
(1) - قال - صلى الله عليه وسلم - حين سأله الأعراب عن التّداوي: «نعم يا عباد الله تداووا فإنّ الله لم يضع داءً إلاّ وضع له شفاءً أو داوء ... »، أخرجه التّرمذي: أبواب الطبّ، باب ما جاء في الدّواء، رقم: 2109؛ وابن ماجة: كتاب الطبّ، باب ما أنزل اللهُ داءً إلاّ أنزل له شفاء، رقم: 3436.
(2) - أخرجه الحاكم: كتاب الطبّ، 4/ 199، وصحّحه على شرط مسلم، بلفظ: «إنّ الذي أنزل الدّاء أنزل الشّفاء».
(3) - حديث أخرجه الحاكم: كتاب الطبّ، 1/ 196، 197 باختلاف طفيف.
(4) - جاء هذا في قول الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: «في الحبّة السّوداء شفاء من كلّ داء إلاّ السّام»، أخرجه البخاري: كتاب الطبّ، باب الحبّة السّوداء، رقم: 5363 واللّفظ له؛ ومسلم: كتاب السّلام، باب التّداوي بالحبّة السّوداء، رقم: 2215؛ والتّرمذي: أبواب الطبّ، باب ما جاء في الحبّة السّوداء، رقم: 2113؛ وابن ماجة: كتاب الطبّ، باب الحبّة السّوداء، رقم: 2447.
(5) - جاء هذا في حديث سؤال الأعراب الرّسولَ - صلى الله عليه وسلم - عن التّداوي الآنف ذكره حيث قال لهم: «فإنّ اللهَ سبحانه لم يضع داءً إلاّ وضه له شفاءً إلاّ الهرم»، تقدّم تخريجه عند التّرمذي وابن ماجة واللّفظ له. (1/96)
صفحة 97
وقال - عليه السلام -: «لو توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقتم كما ترزق الطّيور، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا» (1)، فأخبر أنّها تغدو وتروح في طلب أرزاقها من غير أن يحملها لها إلى أوكارها، وإنّما ألهمها الطّلبَ بالغدوّ والرّواح. وقد روي: أنّ إبليس اللّعين قال لعيسى - عليه السلام -: يا روح الله ألست تزعم أنّه لن يصيبك إلاّ ماقدّر الله لك؟ قال: بلى يا لعين، فقال: فارم نفسك إذًا من ذروة الجبل، فإن قُدِّرت لك السّلامة تسلم، قال: يا عدوّ الله إنّ الله يختبر العباد وليس للعباد أن يختبروا ربّهم (2). ومثل هذا كثير تركته حبًّا للاِختصار. فمن ظنّ أنّ الطلب والاِكتساب والأخذ بالحزم والاِحتذار يناقض التوكّل، فقعد في بيته وأغلق بابه عليه متوكِّلاً على ربّه بزعمه، كان عن العقل خارِجًا، ...
--------------------
قوله خِماصًا: من المخمصة، وهي الجوع.
قوله إنّك: في نسخة: إنّه.
قوله إنّ الله يختبر العباد: في نسخة: إنّ لله أن يختبر عبده.
قوله والاِكتساب: في نسخة: والأسباب.
قوله والاِحتذار: في نسخة والاِجتهاد (3).
__________
(1) - أخرجه التّرمذي: أبواب الزّهد، باب ما جاء في الزّهادة في الدّنيا، رقم: 2447؛ وابن ماجة: كتاب الزّهد، باب التوكّل واليقين، رقم: 4164.
(2) - أخرجه الحافظ ابن كثير في "البداية والنّهاية"، 2/ 79، 80، بروايات عِدّة وألفاظٍ مختلفة، وعزاه لأبي داود في "كتاب القَدَر"، وأبي بكر بن أبي الدّنيا.
(3) - اِنفردت هـ بالتّعاليق الأربعة المتقدّمة. (1/97)
صفحة 98
وفي ظلمة الجهل والِجًا، ويُقال لهذا: ينبغي لك على قياس قولك إذا جعت وحضر الطّعام بين يديك أن لا تمدّ يدك إليه ولا تفتح فمك، وإن وُضع في فمك فلا تمضغه حتّى يقيّض اللهُ لك ملَكًا يمضغه لك، أو يحدث شبَعًا في بطنك من غير أكل ولا تناول منك، فإن تمّ على هذا كان إلى العقل أحوج منه إلى المعرفة والزّهد، وقد قال الله تعالى لمريم عليها السّلام: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم: 25]، وقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الاَرْضِ} [الجمعة: 11]، ولم يأمر بالقعود. وقد قيل عن بعضهم: مَن لزِم المسجد وقبل كلَّ ما يأتيه فقد سأل النّاس إلحافًا. وهكذا جميع أعمال الطّاعات والسّيّئات لابدّ من الجِدّ والاِجتهاد في الطّاعة، والصّبر والحذَر عن المعصيّة، وبالله التّوفيق.
القسم الحادي عشر في معرفة التّوحيد والشّرك: وذلك ممّا يجب معرفته على المكلَّف أيضا، لأنّهم قالوا: لا يعرف الأشياء من لا يعرف حقائقها.
--------------------
قوله والِجًا: أي: داخِلاً.
قوله قياس: في نسخة: قياد.
قوله إلحافًا: أي: إلحاحًا.
قوله في معرفة التّوحيد والشِّرك: لو زاد: معرفة معناهما، لكان أظهر، بدليل قوله: لأنّهم قالوا ... الخ (1).
قوله أيضًا: أي: كما وجبت معرفة الله وجبت معرفة التّوحيد والشّرك.
__________
(1) - اِنفردت هـ بالتّعاليق الثّلاثة المتقدّمة. (1/98)
صفحة 99
أمّا التّوحيد: فمعناه إفراد الرّبّ سبحانه عن الخلق وجميع معانيهم، وترك التّسوية بينه وبين العباد في جميع أفعالهم وصفاتهم، فحقيقة المعرفة به سبحانه: أن تعلم أنّ الأشياء لا تشبهه ولا يشبهها من جميع الجهات، في فعل، ولا اسم، ولا صفة، ولا ذات، لأنّه لو أشبه شيئًا من الأشياء ولو في أقلّ القليل لدخل عليه العجز من تلك الصّفة، فلهذا وجب على المكلَّف أن يعرف حقيقة الوحدانية لله تعالى، ويصفه بما يليق به من الصّفات، وينفي عنه شَبَهَ الأشياء من جميع الجهات، وإن اِتّفقت الأسماء [-أي كونه مشابهًا لها-] (1) في اللّفظ فليعلم أنّ تلك المعاني مختلفة، نظير ذلك أنّ اللهَ قديم لم يزل، وعالم لا يجهل، ويُقال لبعض الخلق قديم وعالِم ولا يُقال لم يزل ولا يجهل، فيتّفق اللّفظان ويختلف المعنى، لأنّ تأويل قول القائل: الله قديم، أي من غير بدءٍ ولا أوّل لوجوده، والإنسان قديم: إنّما يعني بعدد السّنين والأوقات، وقد كان له بدء وأوّل، ...
قوله في فعل ولا اسم ولا صفة ولا ذات: يشير إلى أنّ الواحد في حقّ الله على أربعة أقسام: واحد في الذّات، وواحد في الصّفة، وواحد في الفعل، وأمّا الواحد في العبادة فأثبت مكانه الواحد في الاِسم، أي: العلَم، بمعنى أنّه لا أحد يسمّى باسمه.
قوله شَبَهَ الأشياء: أي: كونه مشابِهًا لها.
قوله ولا يجهل: صوابه: ولا لا يجهل (2).
__________
(1) - زيادة من د.
(2) - اِنفردت أ بهذا التّعليق. (1/99)
صفحة 100
وكذلك قوله: فلان عالِم، إنّما أخبر عن عِلم استفاده بعد جهل، وهو مع ذلك جاهل بأكثر الأشياءفالفصل بين معاني هذه الأسماء أنّك تقول: اللهُ قديم لم يزل ولا يزال، ولا يجوز ذلك في غيره، وتقول: عالِم لا يجهل، وقدير لا يعجز، وكذلك جميع الصّفات على هذا الحال، لأنّ الله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشّورى: 10]، وقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وقال: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ} [الإخلاص: 4]، فثبت بدليل الشّرع وشهادة العقل أنّ اللهَ لا يشبهه شيء مِن الأشياء في اسم، ولا صفة، ولا ذات، ولا فعل، وبالله التّوفيق.
وأمّا الشّرك: فمعناه التّساوي بين الأشياء في الذّوات والصّفات، ومعناه في الله جلّ جلاله هو التّساوي بينه وبين خلقه في الذّات والصّفات، ...
--------------------
قوله هذه الأسماء: أي التي حصل فيها الاِتّفاق في اللّفظ.
قوله {سَمِيًّا}: أي: «مثلاً يستحقّ أن يُسمّى إلاهًا واحِدًا، يُسمّى الله، فإنّ المشركين وإن سمّوا الصّنم إلاها لم يُسمّوه الله قطّ ... الخ» بيضاوي (1)، وقال في "الكشّاف": «أي لم يسمّ شيء بالله قطّ» (2).
قوله وشهادة: في نسخة: وشاهد (3).
قوله فمعناه التّساوي: أي في اللّغة.
قوله التّساوي: في نسخة: التّسوية (4).
__________
(1) - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 65 من سورة مريم.
(2) - الزّمخشري، تفسير الآية 65 من سورة مريم.
(3) - وهو ما في نسخ القواعد المعتمَدَة، وهذا التّعليق انفردت به ج وهـ.
(4) - وهو ما في نسخ القواعد المعتمَدَة، وهذا التّعليق انفردت به ج و هـ. (1/100)
صفحة 101
قال اللهُ سبحانه: {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشّعراء: 99]، أي: في العبادة والتّعظيم وإثبات الألوهية؛ فالشّرك إذًا على وجهين: جحود ومساواة، ويتصرّف على وُجوه: منها أن يُنكر وُجود الله سبحانه البتّة، كالدّهرية الزّاعمة أنّ الأشياء لا مُحدِث لها؛ ومنها ان يُقيم غير الله سبحانه مقامه في الخلق والإنشاء والاِختراع، كالمنّانية والدّيصانية الذين يزعمون أنّ الأشياء تكوّنت من أصلين قديمين وهما: النّور والظّلمة، وكالمجوس الزّاعمة أنّ الأشياء القبيحة مخلوقة للشّيطان، وما أشبه ذلك من مذاهب الملحدة؛ ومنها أن يُقيم الخلقَ في العبادة مقام الله تعالى، كمشركي العرب الذين يعبدون الأصنام، ويقولون: هي شفعاؤنا عند الله، مع إقرارهم بأنّ الخلق والرّزق والإحياء والإماتة لله وحده؛ ...
--------------------
قوله جُحود ومساواة: أمّا المساواة فمعلومة ممّا تقدّم، وأمّا الجُحود فغير ظاهر منه، والله أعلم، اللهمّ إلاّ أن يُقال: ذلك معلوم ممّا تقدّم من الدّين بالضّرورة، فلا حاجة إلى الاِستدلال عليه، والله أعلم.
قوله ويتصرّف: أي: من حيث هو (1).
قوله عند الله: يعنون -لعنهم الله- أنّها تشفع لهم في العافية ونزول المطر ونحو ذلك من خير الدّنيا، وليس مرادهم الشّفاعة في الآخرة فإنّهم لا يقرّون بالبعث.
__________
(1) - انفرت ج و هـ بهذا التّعليق. (1/101)
صفحة 102
ومنها أن يجهل معرفة وُجود الله تعالى وجميع ما لا يسع جهله من وظائف التّوحيد المتقدّمة؛ ومنها أن يُكذّب الله تعالى بإنكار حرف من كلامه، أو نبيء من أنبيائه أو رسله، أو ملَك من ملائكته، وجهله البعث والمَعاد، وشكّه في وجه من وُجوه التّوحيد، وما أشبه ذلك من جميع ما لا يسع جهله؛ ومنها أن يصف ربّه بصفات الخلْق ومعاني النّقص، من الجهل والعجز، والحُدوث والعدم، والجور والظّلم، والهيئة والجسم، والسّهو والنّوم، والأكل والشّرب، والتّعب والنّصب، ...
\
--------------------
قوله وجميع ما لا يسع جهله ... الخ: هذا إنّما يتمشّى على مذهب الجمهور القائلين
بأنّ الإنسان لا يتمّ توحيده فيما بينه وبين الله حتّى يأتي بالستّة عشر قسمًا، لا على مذهب عمروس ومَن شايعه القائلين بأنّ توحيده يكمل أيضًا فيما بينه وبين الله بالجُمَل الثّلاث (1).
قوله وجهله البعث والمَعاد: هذا مُستغنى عنه بقوله قبلُ: وجميع ما لا يسع جهله من وظائف التّوحيد، ثمّ الظّاهر أنّه معطوف على قوله: أن يكذِّب، لا على قوله: بإنكار، لأنّ التّكذيب لا يكون بالجهل، والله أعلم.
قوله وشكّه: هذا يتمشّى على المذهبين، لأنّ الشكّ لا يسع عند الجميع.
قوله والتّعب والنّصب: كما قالت اليهود -لعنهم الله-، قال في "المسنَد" ذمًّا للمشبِّهة في جعلهم الاِستواء على المعقول بعد كلام ما نصّه: «أو يكون ما قالت اليهود المشبّهة لله بأوصاف خلقه، إذ قالت: إنّه لمّا فرغ من خلق السّموات والأرض
__________
(1) - تقدّم حديث الجيطالي عن هذا في صفحة: 52، ومراده بمذهب الجمهور أي: جمهور الإباضيّة. (1/102)
صفحة 103
والحركة والسّكون، والأشكال والأضداد، والصّاحبة والأولاد، في جميع ما لا يليق به سبحانه؛ أو يصف الخلقَ بصفاته - عز وجل - من العلم والقُدرة والقِدم على الحقيقة، والإحياء والإماتة، والخلق والاِختراع من العدم إلى الوُجود، والإرسال والإنزال، من جميع صفاته التي لا يليق أن يوصف الخلقُ بها؛ ...
--------------------
استوى على العرش ووضع إحدى فخذيه على الأخرى واستراح، فكذّبهم الله بقوله: {وَماَ مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38]، وبقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشّورى: 11]، وما أشبه ذلك من كتاب الله - عز وجل -، فألزموه الوَهَن والعجز والتّعب والنّصَب قاتلهم الله أنّى يوفَكون ... الخ» (1).
قوله على الحقيقة: اُنظر: لِمَ قيّد في هذا دون مَا بعده؟ ولعلّه يرى أنّ ما بعده لا يُطلَق على الخلق، لا على الحقيقة ولا على المجاز، مع أنّه ورد إطلاقه كقوله تعالى: {وَمَنَ اَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَى النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 33] فليُحرّر.
قوله من جميع صفاته: ظاهر كلامه أنّ هذه صفات، وفيه أنّه قال في "السّؤالات": «والإبرام والإتقان والإحكام والإرسال والإنباء والإنزال والإحياء والإماتة أفعال الله، ومن قال صفاته كفر ... الخ» (2)، فليُنظر كيف يوفّق بينهما؟ اللهمّ إلاّ أن يُقال: مراده في السّؤالات بقوله: «ومن قال صفاته» أي: صفات ذات، ومراد الشّيخ هنا -رحمه الله- بقوله: من جميع صفاته، أي:
__________
(1) - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني: الجامع الصّحيح ترتيب مسنَد الإمام الرّبيع بن حبيب، 3/ 245، 246، الحديث رقم: 880.
(2) - السّوفي، 285. (1/103)
صفحة 104
ومنها أن يتقرّب العبدُ إلى الله سبحانه بمعاصيه ويزعم أنّه أمره بها، أو يزعم أنّه نهاه عن طاعته من التّوحيد وغيره، ممّا لا يحتمل التّأويل في التّنزيل؛ ومنها أن يتقرّب [العبدُ] (1) إلى المخلوق بأفعاله من جميع طاعة الله - عز وجل - من الصّلاة والذّبح وغيرهما؛ ومنها أن يدعوَ العبادَ إلى عبادة نفسه، كفعل إبليس اللّعين، وقد فُسّر ذلك في قوله تعالى: {وَمَنْ يَّقُلْ مِنْهُمُ إِنِّيَ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} الآية [الأنبياء: 31]، فمهما فعل العبدُ ذلك فهو مشرك، والشّاكّ في شِركه مشرك، ...
--------------------
صفات الأفعال، لكن أظنّ أنّ القول بصفات الذّات وصفات الأفعال إنّما هي من عبارات قومنا وأصحابنا المشارقة، فليُحرّر (2).
قوله من الصّلاة والذّبح وغيرهما: يؤخذ منه أنّ ما تفعله العامّة من الذّبح في كثير من المواضع يريدون بذلك التقرّب إلى الجنّ ودفع ضررهم أنّ ذلك شِرك، ويجب على وليّ الأمر زجرهم عن ذلك، خصوصًا من يذبحها ويأتي بها إلى أهله.
قوله والشّاكّ فيه مشرك: لم يتعرّض -رحمه الله- للشّاكّ في الشّاكّ، ولعلّه ليس بمشرك، ولذلك سكت عنه، وهو الذي يدلّ عليه كلام "السّؤالات" في ترتيب المعاصي، والله أعلم فليُراجع (3).
__________
(1) - زيادة من أ.
(2) - هذا ظنّ من المحشّي -رحمه الله-، والذي يبدو لنا أنّ الصّحيح غير ظنّه، فالقول بصفات الذّات وصفات الأفعال هو ما عليه الإباضية مشارقة ومغاربة وغيرهم، على ما حقّقه الباحث الشّيخ فرحات الجعبيري، فليُنظر في: البُعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، 1/ 227 وما بعدها.
(3) - السّوفي، 94. (1/104)
صفحة 105
لأنّه لا يسع جهل شركه على حال من الأحوال؛ ومنها شرك الإكراه، وذلك قول المكرَه على القول بإلاهين اثنين، أو إنكاره - عز وجل - رأسًا على جهة الإكراه، وقد اختُلف فيه فقال بعضهم: لا شرك ولا كفر ولا معصية، وقال بعضهم: إنّه شِرك ولا شِرك في الحُكم ولا معصية ولا كفر، واتّفق الجميع أنّه لا إثم ولا معصية ولا ذنب ولا عقاب، ويُقال: كَذِبٌ أُبيح له؛ ومنها ما رُكِّب في قلوب العباد من الجزَع والهَلَع، وقِلّة الثِّقة بموعود الله - عز وجل -، وثقتهم بأنفسهم وقواهم وحيَلهم حتّى أنّهم لَيَثِقون بكلابهم، فسُمّي هذا المعنى شِركًا، ولذلك قال ابن عبّاس - رضي الله عنه -: لا تزالون تشركون، تقولون لولا كلابنا لسُرِقنا (1)، ...
--------------------
قوله لا يسع جهل شركه على حال من الأحوال: أي لأنّه من التّرتيب الأوّل في المعاصي، وهو القول بتعدّد الآلهة، وأمّا بقيّة أقسام الشّرك فإنّ الذي يجب عليه فيها إنّما هو الحكم عليه بالكفر، وأمّا الشّرك فإنّه لا يجب عليه الحكم حتّى يأخذ أنّه شرك، لأنّه من التّرتيب الثّاني على ما ذكره في "السّؤالات" (2).
قوله شرك ولا شِرك في الحكم: أي شركٌ نظرًا إلى لفظه، ولا يترتّب عليه في الحكم شيء لقوله - عز وجل -: {إِلاَّ مَنُ اكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمَانِ} [النّحل: 106].
قوله والهلَع: هو شِدّة الجَزَع وقِلَّة الصّبر (3).
__________
(1) - أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس قال: في الأنداد من قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَندَادًا} هو الشّرك أخفى من دبيب النّمل على صفا سوداء في ظُلمة الليل، وهو أن ... تقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللّصوص البارحة ... الخ، ابن كثير، تفسير الآية 22 من سورة البقرة؛ الشّوكاني، فتح القدير، تفسير الآية المذكورة.
(2) - السّوفي، 94.
(3) - في نسخ الحاشية: شِدّة الحِرص ... ، والذي أثبتناه من هـ. (1/105)
صفحة 106
وقال الله تعالى: {فَلَمَّا نَجَّاهُمُ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 66]، يقولون: لولا استواء الرّيح لهلكنا؛ ومنها شرك الرّياء، ومعناه أن يرائي العبدُ بعمله النّاسَ ويتزيّن به إليهم رياءً وسُمعة، وهو الشّرك الأصغر، ولذلك قال النّبيء - عليه السلام -: «الشّرك أخفى في أمّتي من ذرّة سوداء على صخرة صمّاء في ليلة ظلماء» (1)، وقال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 111] نزلت فيمن يتصدّق بصدقة ويلتمس بها الأجر والثّناء (2)، والله أعلم.
القسم الثّاني عشر في فرز ما بين كبائر الشّرك وكبائر النّفاق: وذلك واجب على المكلَّف، ...
--------------------
قوله في فرز ما بين كبائر الشّرك وكبائر النّفاق: قال في "السّؤالات": «سؤال: وعليهم فرز ما بين الكبائر، وذلك أن نَعلم أنّ الشّرك مساواة لله بغيره، وقيل: علينا أن نعلم أنّ النّفاق خُلف، ومن لم يعلم أنّ النّفاق خُلف -على قول من قال يلزم معرفته- فقد كفر ... الخ» (3).
__________
(1) - أخرجه الرّبيع بن حبيب بلفظ: «يأتي على النّاس زمان الشّرك فيه أخفى ... »، باب الشّرك أخفى من دبيب النّمل، رقم: 830؛ وأخرجه الحاكم بلفظ مقارب: كتاب التّفسير، تفسير سورة آل عمران، 2/ 291، وصحّحه على شرط الشّيخين.
(2) - جاء رجل إلى النّبيء - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أتصدّق بالصّدقة وألتمس بها ما عند الله وأحبّ أن يُقال لي خيرًا، فنزلت الآية، أخرجه هناد في "الزّهد" عن مجاهد. السيوطي: الدرّ المنثور، تفسير الآية 111 من سورة الكهف.
(3) - السّوفي، 288. (1/106)
صفحة 107
قال أصحابنا: مَن لم يُفرز ما بين كبائر الشّرك وكبائر النّفاق فهو مشرك، والشّاكّ فيه مشرك، قالوا: لأنّ كثيرًا من النّاس ضلّوا من قِبَلِ فرز ما بينهما، ...
--------------------
قوله فهو مشرك: فيه أنّ ظاهره يقتضي الحكم بالشّرك على من لم يفرز بين الكبائر كالأزارقة والنّجديّة وغيرهم، مع أنّا لا نقول بتشريكهم بل بنفاقهم، اللهمّ إلاّ أن يُقال: المراد ما لم يكن متأوِّلاً.
قوله والشّاكّ فيه مشرك: صريحه يقتضي أنّه لابدّ من معرفة هذه الكبيرة، وهي عدم الفرز بين الكبائر بعنوان كونها كبيرة شرك، حيث جعله غير معذور في عدم الحكم بالشّرك على من لم يفرز، وصريح كلام "السّؤالات" (1) -حيث رتّب المعاصي على ثلاثة أوجه- أنّ الذي يجب معرفته من كبائر الشّرك بعنوان كونه كبيرة شِرك إنّما هو القول بإلاهين اثنين فقط، أي: القول بالتعدّد، ويجوز له الشّكّ فيما عداه من كبائر الشّرك حتّى يأخذ أنّها شِرك، وذلك كإنكار البعث والجنّة والنّار والأنبياء والرّسل وما أشبه ذلك، فإنّ الذي يجب عليه فيه أن يعلم أنّه كفر وكبيرة ومعصية وعليه العقاب أخذ أو لم يأخذ، وأمّا أنّه شرك فحتّى يأخذ، فعلى هذا فقول المصنّف -رحمه الله-: والشّاكّ فيه مشرك يُحمل على ما إذا أخذ أنّ ذلك شِرك، وعليه يُحملُ كلام صاحب "العقيدة" في مثل هذا (2)، أو يُقال: في المسألة قولان لأصحابنا (3)، والله أعلم، حرِّره.
__________
(1) - السّوفي، 94.
(2) - مقدّمة التّوحيد وشروحها، 110، وصاحبها هو الشّيخ عمرو بن جُميع، اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 39.
(3) - قال القطب اطفيش: « ... ففي الشّاكّ وتابعه لأصحابنا ثلاثة أقوال: قول جمهور المغاربة تشريكهم، وقول أبي الرّبيع [سليمان بن يخلف] والمشارقة تكفيرهم، وقول بعض المغاربة بالتّفصيل بين ما إذا ذكر= = ذلك بين أيديهم فيقطع عذرهم، أو الخطور فلا يُقطع. وانظر هل قطع عذرهم تشريك؟ وهو الظّاهر، وانظر هل الكفر المذكور نفاق؟ وهو ظاهر إطلاقهم ... »، شرح العقيدة، 72. (1/107)
صفحة 108
فزعمت الأزارقة أنّ المعاصي كلّها كبائر وشرك وكفر، واستدلّوا بقوله تعالى: {وَمَنّ يَّعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا} [الأحزاب: 36] في أمثاله من القرآن، وقالت النّجدية منهم: الكبائر كلّها شرك، وأمّا الصّغائر فلا؛ وزعمت المعتزلة أنّ كبائر النّفاق فِسق وضلال وليست كفرًا ولا شِركًا؛ وقالت المرجئة بالشكّ في وعيد مرتكبي كبائر النّفاق؛ وقال أصحابنا -رحمهم الله-: إنّ الكبائر كلّها كفر والعقاب عليها واجب، فمن الكبائر شرك وغير شرك وهو النّفاق، فمن ردّ على الله - عز وجل - في كتابه مواجَهَة بلا تأويل فهو مكذّب لله مشرك به، ...
\
--------------------
قوله الأزارقة: هم أصحاب نافع بن الأزرق، وهو أوّل من شقّ عصا المحكِّمة (1).
قوله النّجدية: هم المنسوبون إلى نجدة الحروري (2).
قوله واجب: أي: متحقّق بمقتضى إخباره، فلا يرِد ما يُتوهّم أنّه لا موجب عليه سبحانه وتعالى.
__________
(1) - المحكِّمة هم الذين قالوا: لا حكم إلاّ لله، ولم يرضوا بتحكيم الحكمين بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، اِنشقّت عنهم الأزارقة بخروجها على مخالفيها، وزعيمها نافع بن الأزرق بن قيس من بني حنيفة، بصري تابعيّ فقيه، خاض فتنة المسلمين وكان جبّارًا فتّاكًا، له آراء متطرّفة في حكم مخالفيه، قُتل سنة 65هـ، ويُعدّ أتباعه من فِرَق الخوارج. الزّركلي: الأعلام، 8/ 315.
(2) - هو نجدة بن عامر الحروري نِسبة إلى حروراء قرب الكوفة، أين اجتمع المحكِّمة في أوّل أمرهم، هو من بني حنيفة زعيم النّجدية أو النّجدات، كان أوّلاً مع نافع بن الأزرق ثمّ انشقّ عنه لمسائل اختلفا فيها، استقلّ بإمارته باليمامة وتسمّى بأمير المؤمنين، قوتل كثيرًا إلى أن قُتل سنة 69هـ. الزركلي: الأعلام، 8/ 324. (1/108)
صفحة 109
ويدخل في ذلك جميع أقسام الشّرك ووُجوهه التي قدّمنا آنفًا (1)، ما خلا الثّلاثة الأوجه المتأخّرة، وهو شرك الإكراه، وشرك الهلع المركّب في قلوب العباد، وشرك الرّياء إذا لم يقارنه التقرّب، وأمّا غير هذه الثّلاثة الأوجه من إنكار التّوحيد، ومعرفة الله - عز وجل -، والأنبياء، والرّسل، والملائكة، والكتب، والمعاد، والبعث، والحساب، والجنّة، والنّار، أو وصف الله سبحانه بما لا يليق به من جميع ما قدّمناه، فهو من كبائر الشّرك. ووجه آخر من كبائر الشّرك هو الاِستحلال لما حرّمه الله تعالى في كتابه نصًّا بغير تأويل، كالميتة، والدّم، ولحم الخنزير، ونكاح ذوات المحارم، وقتل النّفس بغير حقّ، وأكل الرّبا، وارتكاب الزّنا، وقذف المحصَنات، ودخول البيوت بغير إذن، وغير ذلك ممّا يطول ذكره، أو استحلّ ترك الفرائض المنصوصات، كالوَلاية والبراءة جملة، والصّلاة، والزّكاة، والصّوم، والحجّ، وصِلة الأرحام، وما أشبه ذلك، أو حرّم ما أحلّه اللهُ تعالى في كتابه نصًّا، كالبيع، والنّكاح، والأكل، والشّرب، وغير ذلك ممّا يطول به الكتاب، فكلّ مَن أنكر وجهًا من وجوه التّوحيد، أو جَهِلَه، أو استحلّ تركه، أو جهل الشّرك، أو فَعَله، أو استحلّ فعله، أو أمر به، ...
--------------------
قوله ومعرفة الله ... الخ: عطف المعرفة وما بعدها على التّوحيد، الظّاهر أنّه من عطف الخاصّ على العامّ، ويُحتملُ أن يُراد بالتّوحيد: الإفراد لا خصائله فيكون مغايرًا.
قوله أو جهله: هذا على رأي الجمهور من أصحابنا، وكذا قوله: أو جهل الشّرك.
__________
(1) - في صفحة 101 وما بعدها. (1/109)
صفحة 110
أو تقرّب بفعل معصية منصوصة إلى الله تعالى، أو استحلّ فعلها، أو أنكر فريضة منصوصة، أو ملَكًا، أو نبيئًا منصوصًا، أو حرّم حلالاً منصوصًا، فهو مشرك، والله أعلم.
فصل
وكبائر النّفاق على وجهين؛ أحدهما: استحلال ما حرّمه اللهُ تعالى بتأويل الخطأ من فاعله أو قائله، كخلاف جميع مَن خالف المسلمين وبراءتهم منهم بتأويل الخطأ، فهم بذلك منافقون ليسوا بمشركين ولو تقرّبوا إلى الله بذلك لأنّهم متأوّلون. والوجه الآخر: مقارفة جميع ما أوعد الله على فعله النّكال في الدّنيا والعذاب في الآخرة، أو عذّب به أمّة من الأمم الماضية، كالقتل، والزّنا، والرّبا، والسّرقة، وبخس المكيال والميزان، وإتيان الرّجال، وعقر النّاقة، والاِعتداء في السّبت لأهل ذلك الزّمان، وغير ذلك من جميع ما نهى اللهُ عنه في القرآن وأوجب عليه النّكال ممّا يطول به الكتاب، وبالله التّوفيق.
--------------------
قوله استحلال ما حرّمه اللهُ ... الخ: ويُسمّى الفاسق بالاِعتقاد.
قوله مقارَفة ... الخ: أي من غير استحلال، ويُسمّى المقارِف فاسقًا بالجارحة.
قوله كالقتل إلى قوله والسّرقة: مثال لما أوعد اللهُ على فعله النّكال ... الخ.
قوله وبخس المكيال: مثال لما عذّب الله به أمّة من الأمم، وقوله: لأهل ذلك الزّمان: قَيْد لعقر النّاقة والاِعتداء في السّبت، والله أعلم. (1/110)
صفحة 111
القسم الثّالث عشر: وممّا يجب على المكلَّف المعرفة به: أن يعلم دماء المسلمين وغنيمة أموالهم وسبي ذراريهم محرَّمة بالتّوحيد الذي معهم، وذلك قول الرّسول - عليه السلام -: «أُمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، ويقيموا الصّلاة ويؤتوا الزّكاة، فإذا فعلوا ذلك منعوا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها» الحديث (1)، ووقع الإجماع على هذا من جميع الأمّة، لأنّه نصّ من القرآن، قال الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ} إلى قوله: {فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التّوبة: 5]، ...
--------------------
قوله دماء المسلمين: أراد بالمسلمين: الموحّدين.
قوله بالتّوحيد ... الخ: أي لا تحلّ دماؤهم على التّوحيد، وأمّا مع التّوحيد فقد تحلّ كالقاتل والزّاني المحصن، والبغاة.
قوله وذلك قول الرّسول: الأولى: لقول الرّسول، ويمكن تصحيحها فيكون المعنى: وذلك أي: تحريم الثّلاثة هو قول الرّسول، أي: مأخوذ منه، ولكن اُنظر لِمَ لَمْ يذكر المصنّف -رحمه الله- سبي الذّريّة في الحديث مع ذكر غيره له، مع أنّه يلزم أيضًا على كلامه أن يكون الدّليل أخصّ من المدّعى عليه، والله أعلم.
قوله لا إله إلاّ الله: هذه الجملة صارت في الشّرع علَمًا على الجمَل الثّلاث.
قوله إلاّ بحقّها: يعني بالنّظر إلى الدّماء، وأمّا المال والذرّيّة فإنّهما لا يحلاّن بحقّها، إلاّ المال في المرتدّ فإنّه فيه خلاف، والله أعلم.
__________
(1) - أخرجه البخاري: كتب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصّلاة ... ، رقم: 25؛ ومسلم: كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله ... ، رقم: 36، وله طرق كثيرة أخرى بألفاظ متقاربة. (1/111)
صفحة 112
ومن استحلّ دماء المسلمين وأموالهم بغير تأويل، وزعم أنّها حلال فقد أشرك، وإن تأوّل فهو منافق، وذلك مثل الصّفرية الزّاعمة أنّ كلَّ من عمل ذنبا فهو مشرك، حلال دمه وسبي ذرّيّته وغنيمة ماله، وتأوّلوا في ذلك قول الله تعالى في ذِكر الميتة: {وَإِنَ اَطَعْتُمُوهُمُ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]، فقالوا: كلّ من عمل ذنبا فقد أطاع الشّيطان، ومن أطاعه أشرك؛ وعند الأمّة تأويل الآية: وإنْ أطعتموهم في استحلال الميتة إنّكم لمشركون باستحلالها لا بأكلها، والله أعلم.
واختُلف فيما يجب على العبد أن يعتقده في تحريم دماء المسلمين، ...
--------------------
قوله {وَإِنَ اَطَعْتُمُوهُمُ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}: وذلك أنّ المشركين قالوا للمسلمين: ما قتل الله لكم تزعمون أنّه حرام، وما قتلتم بأيديكم تزعمون أنّه حلال، فجادلوهم في ذلك فأوحى اللهُ إليهم {وَإِنَ اَطَعْتُمُوهُمُ} أي في استحلال الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} (1).
وقوله فقالوا: كلّ من عمل ذنبا فقد أطاع الشّيطان ... الخ: ركّبوا القياس من الشّكل الأوّل ليكون بديهي الإنتاج، وجوابه منع الكبرى (2).
قوله دماء المسلمين: أي المسلمين في الوصف (3).
__________
(1) - انفردت هـ بهذا التّعليق.
(2) - الكبرى هي قولهم: من أطاع الشّيطان فقد أشرك، والصّغرى: هي قولهم: كلّ من عمل ذنبا فقد أطاع الشّيطان، ونتيجة القياس هي قولهم أوّلاً: كلّ من عمل ذنبا فهو مشرك.
وجوابه كما قال المحشّي أنّ قولهم في الكبرى: من أطاع الشّيطان فقد أشرك ليس صحيحًا، إذ معصية الله ليست كلّها شِركًا، وقد تقدّم شيء من التّفصيل في هذه المسألة في القسم السّابق، صفحة 106 وما بعدها.
(3) - انفردت أ بهذا التّعليق. (1/112)
صفحة 113
فقيل: هو خروج الرّوح، وقيل: ما قام عنه الموت، وأمّا سبيهم وغنيمة أموالهم فقيل: إنّما يعتقد سوقهم، وإن قتلهم في موضعهم حُكم عليه بالعصيان، وعن بعض مشايخنا -رحمهم الله- قال: لا يتمّ إيمان الرّجل حتّى يعرف تحريم دمه وماله، وقيل عن بعضهم غير ذلك: إنّ إيمانه قد تمّ مع جهالته تحريم دمه وماله؛ ومعرفة تحريم دماء المسلمين توحيد، وجهلها شِرك، وكذلك السّبي والغنيمة على هذا الحال، فكما وجب على المكلَّف معرفة تحريم دماء المسلمين وسبيهم وغنيمة أموالهم بالتّوحيد والإسلام، كذلك يجب عليه معرفة تحليل دماء المشركين وأموالهم بالشّرك والكفر، لأنّ تحليل دمائهم وسبي ذراريهم وغنيمة أمولهم إنّما كان بنصّ القرآن وإجماع الأمّة، كما قدّمنا في تحريم دماء المسلمين وسبيهم وغنيمة أموالهم.
--------------------
قوله وقيل ما قام عنه الموت: وزاد في "السّؤالات" قولاً ثالثًا وحُكمين آخرين، فقال: «وقيل إهراق دمائهم على التّوحيد والإسلام هكذا ... ، فإن جاء من استحلّ دماء المسلمين نبرأ منه، وإن رأينا مَن أهرق دماءهم فإنّي أحكم عليه بالعصيان، ومَن لم يحكم عليه بالعصيان فقد عصى، ومَن شكّ في عصيانه كفر ... » (1).
__________
(1) - السّوفي، 157، 158. (1/113)
صفحة 114
وأحلّ اللهُ سبي أطفال المشركين ليجرّوهم بذلك إلى الإسلام، وقيل تقوية لبيت مال المسلمين، وقيل نظرًا لهم حين قُتل آباؤهم (1)، لئلاّ يموتوا هزلا، والله أعلم.
[القسم] (2) الرابع عشر في الأمر و النّهي: وذلك أيضًا واجب على المكلَّف مع البلوغ، وهو أن يعلم أنّ الله سبحانه أمر بطاعته وأوجب عليها ثوابًا، ونهى عن معصيته وأوجب عليها عقابًا، وإن لم يعلم ذلك أشرك، وإن علم أنّه أمر بالتّوحيد ونهى عن الشّرك فلا يجزئه ذلك حتّى يعلم أنّه أمر بالطّاعة ونهى عن المعصية هكذا، والله أعلم.
--------------------
قوله يجرّوهم بذلك إلى الإسلام، ... وقيل نظرًا ... الخ: الظّاهر أنّه لا منافاة في التّعليل بالأمور الثّلاثة، والله أعلم (3).
قوله وأوجب عليها ثوابًا: أي بمقتضى وعده وإخباره سبحانه، لا كما تقول المعتزلة من أنّه يجب عليه الأصلح، ثمّ إنّ العلم بأنّ اللهَ أوجب عليها أي: عند الوفاء بدينه بالنّظر إلى مَن صدرت منه، وأمّا مع قطع النّظر عمّن صدرت منه فكلّ طاعة أوجب اللهُ عليها ثوابًا، وهذا هو مراد الشّيخ -رحمه الله-، والله أعلم.
قوله وأوجب عليها عقابًا: أي مع قطع النّظر عمّن صدرت منه المعصيّة، وأمّا بالنّظر
__________
(1) - نظرًا: أي رَحْمَةً، على حدّ قوله تعالى: {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ} [آل عمران: 77]، ابن منظور: لسان العرب، نظر.
(2) - زيادة من د.
(3) - انفردت هـ بهذا التّعليق. (1/114)
صفحة 115
فكلّ ما يلزم معرفته من طاعة الله جلّ جلاله لزمت المعرفة بأنّ اللهَ أمر به وأوجب عليه الثّواب، وأمّا المعرفة بأنّ اللهَ أوجب على تركه العقاب فلا يلزم ذلك إلاّ في التّوحيد خصوصًا دون سائر الطّاعات، لأنّ على كلّ مكلَّف أن يعلم أنّ اللهَ أمر به وأوجب عليه ثوابًا وعلى تركه عقابًا، وأمّا ما دون التّوحيد من الفرائض فإنّما على العبد أن يعلم أنّ اللهَ أمر به وأوجب عليه ثوابًا فقط، ...
--------------------
إليه فيُشترط الموت عليها -والعياذ بالله-، ثمّ المعصية في حقّ الكافر تُحمل على عمومها، صغيرة كانت أو كبيرة، لقوله تعالى حكاية عن المجرمين: {وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً اِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49]، وأمّا المؤمن فالصّغيرة في حقّه معفوّ عنها، لقوله تعالى: {وَالذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الاِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} [النّجم: 32]، ولقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} الآية [النّساء: 31].
قوله فإنّما على العبد أن يعلم أنّ الله أمر به وأوجب عليه ثوابًا: يعني: وأمّا العقاب فلا تجب علينا معرفته كما تقدّم [ما لم نأخذ] (1)، إلاّ على قول أبي زكرياء -رحمه الله- (2)، قال في "السّؤالات" في الفرائض التي هي دون التّوحيد ما نصّه: «علينا أن نعلم أنّه فرض وطاعة، وعليه ثواب، وليس علينا أن نعلم أنّ على تركه عقابًا، إلاّ ما ذكروا عن أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور ...
__________
(1) - زيادة من هـ.
(2) - هو فصيل بن أبي مسور الآتي ذكره، اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 44. (1/115)
صفحة 116
وكذلك المعاصي على هذا الحال، ...
--------------------
-رحمهما الله- أنّه قال: لا يسع جهل كفر تارك الصّلاة إذا خرج الوقت، فناظره فيها عزّابة "باغاي" (1) بأن لا يسع جهل كفر تارك الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ وغير ذلك أيضًا؛ وقال الشّيخ عيسى بن أحمد: يعصي بجهله في هذه الوجوه كلّها ... الخ» (2)، يعني: ولا ندري ما بلغ به عصيانه، فيتحصّل في جاهل العقاب في الفرائض التي هي دون التّوحيد ثلاثة أقوال كما هو ظاهر، لأنّ جاهل الكفر وجاهل العقاب على حدّ سواء، والله أعلم.
قوله وكذلك المعاصي ... الخ: أي عليه أن يعلم إجمالاً أنّ اللهَ نهى عنها، ولكن يُعذَر في جهل تعيين كبائر النّفاق ما لم يُقارف أو تقُم عليه الحُجّة، فإذا قامت عليه الحُجّة في شيء منها فيجب عليه أن يعلم أنّه كفر وكبيرة ومعصية، ويُحتملُ أنّ المراد بقوله: وكذلك المعاصي أنّه يجب عليه أن يعلم إجمالاً أنّ المعاصي التي هي دون الشّرك نهى اللهُ عنها، وأوجب على فعلها عقابًا، وليس عليه أن يعلم أنّه أوجب على تركها الثّواب -يعني عند الوفاء بالدّين-بخلاف الشّرك فإنّه يجب عليه أن يعلم أنّ الله نهى عنه، وأوجب على فعله
__________
(1) - مدينة باغاي من المواطن التي كانت آهلة بالإباضية قبل الدّولة الرّستمية وبعدها، جاء في "معجم البلدان" للحموي: «باغاية: ... مدينة كبيرة في أقصى إفريقية بين مجّانة وقسنطينية»، وذكر اليعقوبي والبكري أنّها قرب جبل أوراس المطلّة عليها، ويذكر الشّيخ الميلي أنّها تقع بين مدينتي: خنشلة وعين البيضاء. ياقوت الحموي: معجم البلدان، 1/ 325؛ مبارك الميلي: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، 495.
(2) - السّوفي، 92. (1/116)
صفحة 117
ما خلا الشّرك فإنّ عليه أن يعلم أنّ اللهَ نهى عنه، وأوجب على فعله عقابًا، والله أعلم.
مسألة: وعلى المكلَّف أيضًا أن يعلم الإسلام والمسلمين، والكفر والكافرين، ومَن وسع جهل ذلك فقد كفر؛ ويجب عليه أيضًا أن يعلم أنّه أُمر بالإسلام وأنّ الإسلام فعل المسلمين، كما أنّ الكفر فعل الكافرين، والله أعلم.
--------------------
العقاب وعلى تركه الثّواب -يعني عند الوفاء-، وإنّما لم يصرّح بأنّه يجب على تركه الثّواب اكتفاءً بمقابلته للتّوحيد، وهذا هو ظاهر التّشبيه، والله أعلم فليُحرَّر.
قوله ما خلا الشّرك فإنّه عليه أن يعلم أنّ اللهَ نهى عنه ... الخ: ويجب عليه مع ذلك أن يعلم أنّه كفر وكبيرة ومعصية، ويجب عليه مع ذلك أيضًا -إن كانت كبيرة الشّرك هي القول بالتعدّد- أن يعلم أنّها شرك كما تقدّم، والله أعلم.
قوله وعلى المكلَّف أن يعلم أيضًا الإسلام: قال في "السّؤالات": «سؤال: وعلينا أن نعلم الإسلام والمسلمين، والإيمان والمؤمنين، والبِرّ والبارّين، والتّقوى والمتّقين، والطّاعة والطّائعين [وإن علمنا الإسلام والمسلمين فقد أجزأ عن غيره إلاّ الطّاعة والطّائعين]، وإن علمنا الطّاعة والطّائعين فقد أجزأ عن هؤلاء كلّهم إلاّ الإسلام والمسلمين فلا يُجزئ عن معرفتهما، وقيل: كذلك علينا معرفة الكفر والكافرين، والفسق والفاسقين، والجور والجائرين، والظّلم والظّالمين، والمعصية العاصين، وإن علمنا الكفر والكافرين فقد أجزأ عن غيره، إلاّ المعصية والعاصين علينا معرفتهما، وإن علمنا المعصية والعاصين هل تجزئ عن معرفة الكفر والكافرين؟ قال: لا، وإن علمنا صنفًا من الأصناف التي ذكرها اللهُ في كتابه من {الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} إلى قوله: (1/117)
صفحة 118
[القسم] (1) الخامس عشر في المنّ والدّلائل: وهما أيضًا ممّا يجب على المكلَّف معرفتهما مع أوّل البلوغ، وهو أن يعلم الإنسان أنّ اللهَ سبحانه خلق خلْقه أطوارًا، وأفاض عليهم النِّعَم صغارًا وكبارًا، منّا منه وفضلاً، لا وجوبًا وفرضًا، بل خلقهم إظهارًا لقدرته، وتحقيقًا لما سبق من إرادته، ولِما حقّ في الأزل من كلماته، لا لافتقاره إليهم وحاجته؛ وبعث إليهم رسله، وشرع لهم دينه لغير حاجة دَعَته إلى تكليفهم، ولا من ضرورة قادَته إلى تعبّدهم، وإنّما قصد نفعهم تفضّلاً منه عليهم، كما تفضّل بما لا يُحصى عددًا من نِعمه، بل النّعمة فيما تعبّدهم به أعظم، لأنّ نفع ما سِوى المتعبَّدات يختصّ بالدّنيا العاجلة، ونفع المتعبّدات يشتمل على نفع الدّنيا والآخرة، وما جمع نفع الدّارين كان أعظم نعمة وأكثر تفضّلاً؛ وجعل ما كلّفهم به ثلاثة أقسام: ...
--------------------
{وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ} [الأحزاب: 35] فقد أجزأ عن غيره، وكذلك في الوَلاية ... الخ» (2).
قوله أطوارا: أي أحوالاً، حالاً بعد حال.
قوله ولا من ضرورة: معطوف على قوله: لغير.
قوله وإنّما قصد: أي أراد.
__________
(1) - زيادة من د.
(2) - السّوفي، 352. (1/118)
صفحة 119
قسمًا أمرهم باعتقاده كالتّوحيد ووظائفه، وقسمًا أمرهم بفعله كالفرائض وما يتعلّق بها، وقسمًا أمرهم بالكفّ عنه، وهو على ثلاثة أقسام: قسم لإحياء نفوسهم كنهيه عن القتل، وأكل الخبائث والسّموم، وشرب الخمور المؤدّية إلى فساد العقل وزواله، وقسم لائتلافهم وإصلاح ذات بينهم، كنهيه عن الغصب والظّلم والشرّ (1) المفضي إلى القطيعة والبغضاء، وقسم لحفظ أنسابهم وتعظيم محارمهم، كنهيه عن الزّنا، ونكاح ذوات المحارم؛ فكانت نعمته فيما حظره عليهم كنعمته فيما أباحه لهم، وتفضّله فيما كفّهم عنه كتفضّله فيما أمرهم به، فهل يجد العاقل في رَوِيَّتِهِ مساغًا أن يقصّر فيما أُمر به وهو نعمة عليه؟ أو يرى فسحة في ارتكاب ما نُهي عنه وهو تفضّل عليه؟ ...
--------------------
قوله باعتقاده: أي مع النّطق به، إلاّ أن يكون متربّيا على الإسلام فإنّه لا يضيق عليه النّطق بذلك حال البلوغ.
قوله أمرهم بفعله: أي: أمر إيجاب أو ندب، وقوله كالفرائض: الكاف أدخلت المندوب، وقوله وما يتعلّق بها: الظّاهر أنّ المراد به شروطها، لأنّ ما يتوقّف عليه الشّيء فهو مثله، كغسل شيء من الرّأس لتحقُّق غسل الوجه، والله أعلم.
قوله المؤدّية إلى فساد العقل ... الخ: كأنّه يشير -رحمه الله- إلى أنّ فساد العقل وزواله يُعدُّ موتًا.
قوله العاقل: أي الكامل العقل، وهو صاحب العقل الكسبي كما هو ظاهر بالنّظر إلى الخارج.
قوله رَوِيَّتِهِ: أي نظره بعقله.
قوله وهو تفضّل: أي النّهي المفهوم من نُهي عنه كما هو ظاهر لفساد غيره.
__________
(1) - في أ: عن الغضب والظّلم والسّرقة والشرّ ... . (1/119)
صفحة 120
وهل يكون من أنعم عليه بنعمة فأهملها مع شِدّة فاقته إليها إلاّ مذمومًا في العقل مع ما جاء من وعيد الشّرع؟ فتبيّن بما ذكرنا لأهل العقول والبصائر أنّ اللهَ سبحانه ممتنّ على العباد في الدّنيا بسعة الأرزاق، وصحّة العقول والأبدان، وتسخيره لهم ما في الأرض والسّموات، وإيجابه عليهم الفرائض والعبادات، وتحظيره (1) عليهم المحرّمات، وممتنّ على أهل طاعته في الآخرة بالغفران ودخول الجنان، وبالله التّوفيق.
وأمّا الدّلائل: فهي مخلوفات الله تعالى الدّالّة على ربوبيّته ووحدانيته من السّموات والأرض وما فيهما، وما بينهما من الجوهر والعرض، فالعاقل إذا نظر في ذلك بعين البصيرة علِم أنّ اللهَ لم يخلق ذلك عبثًا ولا باطلاً، ولم يترك الإنسان سُدًى ولا مهمَلاً، بل خلق الجنّ والإنس ليمتثلوا أوامره قولاً وفعلاً، ...
--------------------
قوله وتسخيره: أي تهيئته لمنافعهم.
قوله إذا نظر في ذلك: أي بعد أن يخبره مُخبِرٌ أو ينبّهه منبِّهٌ، لأنّا ندين أنّ معرفة اللهِ لا تُنال بالتفكير ولا بالاِضطرار، وإنّما تُنال بالاِكتساب والتعلّم، وذلك إنّما يصحّ بعد مُخبر ومنبّه على ذلك.
قوله ليمتثلوا أوامره: هذه اللام كاللام التي في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذّاريّات: 56]، قال في "السّؤالات": «وهذه الآية من مشكل القرآن، وهي مخصوصة ليست بعامّة في جميعهم، وقالت الرّوافض: عامّة، مينًا منهم وغينًا على قلوبهم ... الخ» (2)، وإنّما جعلها
__________
(1) - في ب: وتحريمه.
(2) - السّوفي، 276، والميْنُ: الكذب، والغيْنُ: من غين على قلبه إذا غشيته الشّهوة. (1/120)
صفحة 121
..........................................
--------------------
خاصّة يعني: بالمؤمنين، لقوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالاِنسِ} [الأعراف: 179]، فإنّ من خُلق لجهنّم لا يكون للعبادة -وهو توجيه ابن عبّاس-، وحملها بعضهم على العموم وأوّلها تأويلاً صحيحًا، حيث قال في قوله: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} لا يُنافي ذلك عدم عبادة الكافرين، لأنّ الغاية لا يلزم وُجودها، كما في قولك: بريت القلمَ لأكتب به، فإنّك قد لا تكتب، وقال في "المواهب" عند قول الله تعالى لآدم في حقّ نبيئنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -: «لولاه ما خلقتك ولا خلقت أرضًا ولا سماءً» (1): «فإن قلتَ: مذهب الأشاعرة أنّ أفعال الله تعالى ليست معلَّلة بالأغراض، فكيف تكون خلقة محمّد - صلى الله عليه وسلم - عِلّة في خلق آدم - عليه السلام -؟ أجيب: بأنّ الظّاهر من الأدلّة تعليل بعض الأفعال بالحِكم والمصالح التي هي غايات ومنافع لأفعاله تعالى، لا بواعث على إقدامه، ولا عِلل مقتضية لفاعليته لأنّ ذلك محال في حقّه تعالى، لِما فيه من استكماله بغيره، والنّصوص شاهدة بذلك كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي: قرنت الخلق بالعبادة، أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، فالتّعليل لفظيّ لا حقيقيٌّ، لأنّ الله تعالى مستغنٍ عن المنافع ... الخ» (2)، وأقول: يجوز أن يكون المعنى -والله أعلم-: لآمرهم بالعبادة، وتكون عامّة أيضًا ولا إشكال كما يؤخذ من قوله في
__________
(1) - الحديث أخرجه الحاكم والبيهقي وابن عساكر باختلاف في اللّفظ، وقال البيهقي: فيه ضعف، وحَكم الحافظ الذّهبي بوضعه. المستدرَك: كتاب التّاريخ، باب دلائل النّبوءة، 2/ 613؛ ابن كثير: البداية والنّهاية، 1/ 81.
(2) - أحمد بن محمّد القسطلاني: المواهب اللّدنيّة بالمنَح المحمّدية، 1/ 70، 71. (1/121)
صفحة 122
وجعل ما على الأرض زينة لها ليبلوّهم أيّهم أحسن عملاً، ومن دلائله على وحدانيته [وربوبيته] (1) الرُّسُل الذين جعلهم للخلق أدلاّء، وأنزل عليهم كتبًا تُتلى، وجعل جميع ذلك دلائل على وحدانيته وربوبيته، وبالله التّوفيق.
السّادس عشر في الخوف والرّجاء: وهما فريضتان واجبتان على المكلَّف معًا في حالة البلوغ، وعليه أن يعتدلا في قلبه اعتدالاً لا يميل أحدهما بالآخر، لأنّه إذا مال الخوفُ به فذلك يدعو إلى اليأس من رحمة الله تعالى، والإياس أعظم الكبائر، وقد قال الله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]، وقال: {وَمَنْ يَّقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ} [الحجر: 56]، ...
--------------------
"السؤالات": «وهل يجوز خلق الله الكافرين للطّاعة؟ يتّجه أيضًا، إن كنت تريد: ليأمرهم بالطّاعة فنعم ... الخ» (2).
قوله الرسل: لأنّ الدّليل معناه: المرشد.
قوله أعظم الكبائر: المناسب أن يقول: مِن أعظم الكبائر، لأنّ أعظم الكبائر على الإطلاق الإشراك بالله.
قوله {مِن رَّوْحِ اللهِ}: أي: من فرَجه وتنفيسه، وقُرِئ: من رُوحِ الله، أي: من رحمته.
__________
(1) -زيادة من الحجرية.
(2) - السّوفي، 276. (1/122)
صفحة 123
وإن مال به الرّجاء [على الخوف] (1) خشي عليه الأمن من عذاب الله، وهو أيضًا كبيرة من الكبائر، قال الله تعالى: {فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:99]، ويجب على العبد أن يعتدل الخوف والرّجاء في قلبه ولو لم يعلم لنفسه ذنبًا، ويعتدلان أيضًا ولو في حال عمل المعصية؛ وبلغنا أنّ لقمان الحكيم - رضي الله عنه - قال لابنه: «يا بنيّ كنْ ذا قلبين، قلب تخاف اللهَ به خوفًا لا يخالطه تقنيط، وقلب ترجوه به رجاءً لا يخالطه تغرير» (2)، ...
--------------------
قوله ولو في حال عمل المعصية: كان رجاؤه في تلك الحالة إنّما هو بأن يوفّقه الله للعمل الصّالح ويثيبه عليه، وإلاّ فهو في تلك الحالة ليست له طاعة يرجو عليها ثوابًا، لأنّ المعصية أبطلت ثواب طاعته ما دام كذلك، وظاهر كلام الشّيخ أبي نصر -رحمه الله- يدلّ على أنّ الخوف والرّجاء إنّما يكونان في عمل الطّاعة، حيث قال:
يخاف بأن لا يقبل الله سعيه ويرجو على الطّاعات أجرًا بلا منّ (3)
وذكر بعضهم أنّ الرّجاء في حال عمل المعاصي إنّما هو تمنّ وغرور، فلابدّ من التّوجيه السّابق، والله أعلم.
قوله لقمان الحكيم - رضي الله عنه -: كأنّه صحّ عنده -رحمه الله- أنّ لقمان وليّ وليس بنبيء، لأنّ شعار الأنبياء عليهم السّلام إنّما هو: الصّلاة والسّلام.
قوله لا يخالطه تغرير: زاد في "القناطر": «فقال يا أبتاه: فكيف وأنا لي قلب واحد؟
__________
(1) - زيادة من ب.
(2) - أخرجه أحمد، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن عون بن عبد الله باختلاف طفيف في اللّفظ. السيوطي: الدّرٍّ المنثور، تفسير الآيتين 12، 13 من سورة لقمان.
(3) - النّونية، البيت 103. (1/123)
صفحة 124
والخوف والرّجاء يثبتان في القلب بزوال الأمن والإياس منه، وهما سوطان زاجران للعباد، فالخوف زاجر عن المعصية ورادع عنها، والرّجاء داعٍ إلى الطّاعة وباعث عليها، وقد قيل بالرّخصة عن بعضهم ما لم ينعر القلب من أحدهما، فإذا انعرى من الخوف فاطمأنّ، أو انعرى من الرّجاء فأيِس، فحينئذ يضلّ به ويهلك على هذا القول، والله أعلم. وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو وُزِن خوف المؤمن ورجاؤه بميزان تريص ما زاد أحدهما على الآخر» (1)، ومعنى تريص: مُحكَم.
وقال بعض العلماء: إذا احتضر المؤمن فالرّجاء في تلك الحالة أليق به وأحقّ، ...
--------------------
فقال: يا بني إنّ المؤمن لو شُقّ قلبُه لوُجد فيه نور رجاء ونور خوف، ولو وُزِنا لم يمل أحدهما بصاحبه، وهذا كما ورد في الحديث ... الخ» (2).
قوله منه: أي من القلب، وهو متعلّق بزوال، أي أن يزول من القلب الأمن والإياس.
قوله ومعنى تريص: في "الصّحاح" في باب الصّاد في فصل التّاء: «وميزان تريص أي مقوَّم» (3).
__________
(1) - أورده الزّمخشري وابن منظور حديثا مرفوعًا، وأورده الغزالي قولاً غير منسوب، ولم يعلّق عليه الحافظ العراقي إلاّ لكونه ليس بشيء من الحديث، وأخرجه ابن الدّيبع في "تمييز الطيّب من الخبيث" وعلّق عليه بقوله: لا أصل له في المرفوع وإنّما يؤثر عن بعض السّلَف. ابن الدّيبع: تمييز الطيّب من الخبيث، 218، رقم: 1121؛ الغزالي: إحياء علوم الدّين، 4/ 156؛ ابن منظور: لسان العرب، مادّة: ترص؛ الزّمخشري: الفائق في غريب الحديث، 1/ 150.
(2) - الجيطالي: قناطر الخيرات، 3/ 352 (الطبعة الحجرية)، والحديث الذي ذكره هو الذي أورده الجيطالي أعلاه: «لو وُزن خوف المؤمن ورجاؤه ... ».
(3) - الجوهري: مادّة: ترص. (1/124)
صفحة 125
كما روي عن حذيفة بن اليمان -رحمه الله- حين احتضر أنّه قال: «مرحبًا بزائر جاء على فاقة، لا فرح من ندم، اللهمّ أمرتنا أن نعدل بين الخوف والرّجاء فالآن الرّجاء فيك أمثل» (1)، والخوف والرّجاء فريضتان غير محدودتين، يثبتان في القلب بفرائض غير محدودة، كبرِّ الآباء والنّدم على سوالِف الآثام، ...
--------------------
قوله ابن اليمان: في "الصّحاح": «اليمن بلاد للعرب، والنّسبة إليها يَمَنِيٌّ، ويمانٍ مخفّفة، والألف عوض من ياء النّسبة فلا يجتمعان، قال سيبويه: وبعضهم يقول: يمانيٌّ بالتّشديد ... الخ» (2).
قوله والخوف والرّجاء فريضتان غير محدودتين ... الخ: قال في "السّؤالات": «وجملة الدّين فيها محدود وغير محدود، ويدخل المحدود في غير المحدود، ويدخل غير المحدود في المحدود، ويدخل المحدود في المحدود، ويدخل غير المحدود في غير المحدود. زيادة: فأمّا المحدود في المحدود فكالتقرّب في الصّلاة، وأمّا غير المحدود في غير المحدود فكالنّدامة في الخوف والرّجاء، وأمّا المحدود في غير المحدود فكالتقرّب في الخوف والرّجاء، وغير المحدود في المحدود كالخوف والرّجاء في الصّلاة» اهـ (3).
قوله كَبَرِّ الآباء ... الخ: وذلك لأنّ الله أمر ببرّهما ولم يحدّ في ذلك حدًّا، وكذلك النّدم لا يُعرف الحدّ الذي أوجبه اللهُ علينا فيه، والله أعلم.
__________
(1) - الخبر عند السّوفي: السّؤالات، 93؛ ورواه عن معاذ بن جبل أبو نُعيم في "حِلية الأولياء"، 1/ 239، لا عن حذيفة بن اليمان.
(2) - الجوهري: باب النّون، فصل الياء: يَمَنَ.
(3) - السّوفي، 119. (1/125)
صفحة 126
وبجهالة كبائر الذّنوب من صغائرها وما أشبه هذا، لأنّه يخاف إن لم يبلغ إلى الحدّ الذي يكون فيه مؤدّيًا لما افترض اللهُ عليه في هذه الفرائض أن يعذّبه على تقصيره فيها، ويرجو أن يكون قد بلغ الحدّ الواجب عليه فيثيبه اللهُ على ذلك في الآخرة، ويثبتان أيضًا بجهل المصير وعاقبة الخاتمة، وبجهل قَبول التّوبة إذا تاب من ذنب اقترفه؛ ...
--------------------
قوله من صغائرها: ذلك لأنّ الصّغائر عندنا غير معلومة حقيقة، لكن في الوصف فقط، خلافًا للنّكّار (1).
قوله وبِجَهْلِ قَبول التّوبة: وذلك لأنّ قَبول توبة الموحّد مظنونة، بخلاف توبة المشرك فإنّها مقطوع بها، لقوله - عز وجل -: {قُل لِّلذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَّنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا
__________
(1) - الذين يقولون بأنّ الصّغائر معلومة مُحدَّدة، والنّكّار فِرقة انشقّت عن الإمام الرّستمي عبد الوهّاب ابن عبد الرّحمن وأنكرت إمامته مباشرة بعد تولّيه الإمامة بقيادة يزيد بن فندين اليفرني، وما لبثت أن اتّخذت لنفسها أفكارًا ونظريات في مختلف القضايا الشّرعية خالفت بها الإباضية الوهبية، عددها يتجاوز العشرين مسألة، خاصّة بعد أن تبنّت أفكار بعض المشايخ الذين خالفوا أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة فأعلن البراءة ضدّهم، كعبد الله بن يزيد الفزاري وعبد الله بن عبد العزيز وأبي معروف شعيب المصري وغيرهم، وقد كانوا في تجمّعات عديدة بالمغرب خاصّة بجزيرة جربة وبلاد الجريد، وكان بينهم وبين الإباضية الوهبية صراع حادّ وجدل طويل.
ويمكن الحكم على انقراضهم حاليا وعدم وُجود أثر مكتوب لهم يُذكر، إلاّ كتابًا مخطوطًا لعبد الله بن يزيد الفزاري، يمكن أن يحتوي على بذور لأفكار هذه الفرقة -ولعلّه المعروف بكتاب الرّدود-، يوجد بمكتبة الاِستقامة، ببني يزقن، غرداية، وفي جواب القطب اطفيّش لأهل زوارة مناقشة لبعض المسائل التي خالفوا بها الإباضية الوهبية، لأنّ أهل زوارة من النكّار. الوسياني: السير، 107؛ الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 47 وما بعدها؛ امحمّد بن يوسف اطفيش: جواب لأهل زوارة، كلّه؛ علي يحي معمّر: الإباضية بين الفِرَق الإسلامية، 254 وما بعدها؛ الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، 1/ 109، 213، 2/ 552. (1/126)
صفحة 127
وفرضهما اللهُ على العباد من غير أن يحدّ لهم في ذلك حدّا يعلمونه، لأنّ ذلك أصلح لهم في الاِجتهاد في الطّاعة والاِنزجار عن المعصية، ولهما حدّ يعلمه اللهُ تعالى إذا بلغه العبدُ رضي الله عليه عند أداء ما عليه؛ وهما من أفعال العباد يتفاضلون فيهما، فبعض النّاس أعظم خوفًا من بعض، والأنبياء عليهم السّلام خائفون اللهَ تعالى خوف عقاب، ...
--------------------
قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 31]، ولقوله - عليه السلام -: «الإسلام جَبٌّ لما قبله» (1).
قوله رضي الله عليه: أقام "على" مقام "عن" على حدّ قوله: «إذا رضيت عليّ بنو قُشيْر ... » (2)، [وفي نسخة: عنه] (3).
قوله خوف عقاب: قال في "السّؤالات": «وقيل خوف مَلامة وتوقيف ومحاسبة» (4)، يعني -والله أعلم- لأنّ الأنبياء عليهم السّلام يعلمون أنّهم من أهل الجنّة، ولكن ما ذكره اللهُ عن إبراهيم - عليه السلام - وغيره يدلّ على أنّهم يخافون سوء الخاتمة (5)، والله أعلم.
__________
(1) - أخرجه أحمد بلفظ: «الإسلام يجِبّ ما كان قبله»، مسنَد الشّاميين: حديث عمرو بن العاص، رقم: 17792، وحديث أشجّ بن عصر ووفد عبد القيس، رقم: 17844؛ وأخرجه مسلم بلفظ: «الإسلام يهدم ما كان قبله»: كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما كان قبله، رقم: 192، وله روايات وطرق أخرى.
(2) - تمام البيت: ... لعمر اللهِ أعجبني رِضاها، نسبه الجوهري إلى الأخفش، وابن منظور إلى القحيف العقيلي، وبنو قُشير إحدى قبائل العرب من كعل، وقيل من قيس، وجدّ أبنائها هو قشير بن كعب. الجوهري: الصّحاح، باب الياء، فصل الرّاء: رضا؛ ابن منظور: لسان العرب: رضي، قشر.
(3) - زيادة من هـ، وهو ما في نسخنا المعتمَدَة من القواعد.
(4) - السّوفي، 167.
(5) - وذلك في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]. (1/127)
صفحة 128
ألا ترى إلى إبراهيم - عليه السلام - حين قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الاَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]، وراجون الله تعالى رجاء ثوابٍ، كما قال الله تعالى حكاية عن خليله - عليه السلام -: {وَالذِي أَطْمَعُ أَنّ يَّغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} الآية [الشّعراء: 82]، لأنّ الخوف والرّجاء من أفاعيل العباد استعبدهم اللهُ تعالى بفعلها، كما استعبدهم بالصّلاة والصّوم، وسائر الفرائض، والله أعلم.
--------------------
قوله ألا ترى إلى إبراهيم - عليه السلام - ... الخ: ومثله قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السّلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]، وقال أيضًا في حقّ من يزعمونهم آلهة كالملائكة والمسيح وعُزير: {أَوْلَئِكَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمُ أَقْرَبُ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] ... الخ.
((( (1/128)
صفحة 129
الباب الثّاني من الرّكن الأوّل في الوَلاية والبراءة وأحكامهما
اِعلم أنّ هذا الباب تنبعث منه ثلاث جُمَل:
الجملة الأولى في الوَلاية وتقاسيمها
وهذه الجملة تتفرّع منها عشرة فصول:
الفصل الأوّل
في معنى الوَلاية والاِستشهاد على وُجوبها
من الكتاب والسّنّة وإجماع الأمّة
اِعلم أنّ الوَلاية لها معنيان: لغوي وشرعي، فالوَلاية في اللّغة: القُرب مأخوذ من وَلاية أمر اليتيم، ....
--------------------
قوله الباب الثّاني: يُنظر ما الحكمة في إخراج هذا الباب والباب الثّالث من الفصل الثّالث الذي عقده فيما تقدّم لمعرفة ما جاء به الرّسول - عليه السلام -؟ مع أنّه شامل لهذين البابين أيضًا، اللهمّ إلاّ أن يُقال: إنّ الوَلاية والبراءة لمّا كان فيهما ما ليس بتوحيد، وكذلك الملل وأحكامها لمّا كان فيها خلاف، أفردهما، والله أعلم فليُحرّر.
قوله من وَلاية أمر اليتيم: في "السّؤالات": «والوَلاية -بفتح الواو-: صفة الموالي والوليّ، والوِلاية -بكسر الواو- صفة الوالي الذي يلي أمور النّاس، وقيل: هما سواء ... الخ» (1)، ولعلّ
__________
(1) - السّوفي، 153. (1/129)
صفحة 130
وهو القيام بأمره والاِهتمام بمصالحه، وهو معنى وَلاية الله لأوليائه، وذلك معنى قوله تعالى: {اللهُ وَلِيُّ الذِينَ ءَامَنُوا} [البقرة: 257]، أي: ناصرهم ومتولّي أمورهم وحافظهم، والوَلاية في الشّريعة: إيجاب التّراحم والاِستغفار للمسلمين.
--------------------
كلام المصنِّف -رحمه الله- مبنيّ على تساويهما، فيُقرأ بفتح الواو ويمكن أن يكون بالكسر، ودائرة الأخذ أوسع من دائرة الاِشتقاق.
قوله وهو القيام ... الخ: ذُكِّرَ باعتبار الخبر، وهو الرّاجح.
قوله وهو معنى ... الخ: أي ما ذُكر من القيام بالأمر، دون الاِهتمام لإيهامه ما لا يجوز على الله، بدليل ما بعده، ففيه التّجريد عن بعض معناه والله أعلم.
قوله إيجاب: هكذا في جميع ما رأيناه من النّسخ، ولم نفهم للفظ الإيجاب بالنّسبة إلينا هاهنا معنًى، فليُحرّر، ثمّ رأيت في "شرح الجهالات" ما يدلّ على تصحيحه من وجهين، حيث قال: «قلت: فما هي الوَلاية؟ قيل: إيجاب التّراحم والاِستغفار للمسلمين، وقوله إيجاب الاِستغفار: قد يكون أن يريد به أنّ الاِستغفار عليه واجب، وقد يكون أي يريد أن يوجب الاِستغفار وُجوبًا لا شرط فيه، فيستغفر للمسلمين بلا شرط، وأمّا التّراحم فإنّما يريد به أن يدعو للمسلمين بالرّحمة، والتّراحم إنّما يكون بين اثنين، يُقال للرّجلين: تراحما، وتراحموا إذا كانوا جماعة، وهو من قول الله - عز وجل -: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]» (1).
قوله التّراحم: وفي نسخة: الترحّم (2) وهي الظّاهر، لأنّ التّراحم: التّفاعل من الجانبين، وهذا ليس شرطًا في الوَلاية.
قوله للمسلمين: الظّاهر أنّ المراد بالمسلمين غير الأنبياء والرّسل والملائكة، لأنّ هؤلاء يتولّون بالترحّم دون الاِستغفار.
__________
(1) - أبو عمّار عبد الكافي، 175.
(2) - كما في ب و ج و د. (1/130)
صفحة 131
مسألة: الدّليل على وُجوب الوَلاية نصّ من القرآن ومن السّنّة وإجماع من أهل الإيمان؛ أمّا القرآن: فقول الله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} [محمّد: 19]، ومعنى الاِستغفار: طلب الغفران بصحّة الإرادة؛
وأمّا السّنّة: فقول النّبيء - عليه السلام - لابن مسعود - رضي الله عنه -: «يا ابن مسعود أيّ عُرى الإسلام أوثق؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: الوَلاية في الله والبغض في الله» (1)، وكذلك عند أصحابنا -رحمهم الله-: الوَلاية في الله والبغض في الله هي حقيقة الإيمان، فمن لم يدِن بها فلا دين له، ولا وَلاية له عندهم؛ ...
--------------------
قوله {وَاسْتَغْفِرْ} ... الخ: يعني: لأنّ الخصوصيات لا تثبت بالاِحتمال، فالحكم إذا توجّه إليه - صلى الله عليه وسلم - توجّه إلينا، إلاّ ما قام فيه دليل الاِختصاص كما هو معلوم.
قوله {لِذَنبِكَ}: الظّاهر أنّه من باب "حسنات الأبرار سيّئات المقرَّبين"، لأنّ الذي ندين لله به أنّه معصوم من الصّغائر والكبائر، كما نصّ عليه شارح "العدل" (2).
قوله عُرى: جمع عُروة، وهي في المحسوسات معروفة، وأمّا هنا فهي استعارة.
قوله وكذلك عند أصحابنا: المناسب: ولذلك قال أصحابنا.
قوله هي: المناسب: هما، اللهمّ إلاّ أن يُقال: أُنِّثَ وأُفردَ باعتبار الخبر، والله أعلم،
__________
(1) - أخرجه الطّبراني في الأوسط، (5/ 241)، رقم: 4476؛ وأخرجه في الكبير، (11/ 172)، رقم: 11537، عن أبي ذرّ.
(2) - انفردت هـ بهذا التّعليق، وشارح العدل هو أبو القاسم البرّادي: البحث الصّادق والاِستكشاف عن حقائق معاني كتاب العدل والإنصاف، 1/ 29 (مخطوط)، اُنظر ترجمة في الملحق رقم: 5. (1/131)
صفحة 132
وأمّا الإجماع: فليس بين الأمّة اختلاف في وَلاية الجملة، وإنّما الاِختلاف بينهم في وَلاية الأشخاص، فإنّ وَلاية المسلمين بعضهم بعضًا كونهم [معهم] (1) على شريعتهم، وقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]، وقال: {وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} الآية [التّوبة: 71]؛ فالوَلاية والبراءة تجبان معًا على المكلَّف في حال البلوغ، وهما سواء (2) لا عُذر لمن جهلهما، فكما تجب الوَلاية لأولياء الله كذلك تجب البراءة لأعدائه بأيّ معصية كانت مع الإصرار عليها، وبالله التّوفيق.
--------------------
وإنّما جعلوهما حقيقة الإيمان على جهة المبالَغة، وإلاّ فهما من جُملة الإيمان كما هو معلوم.
قوله لأعدائه: في نسخة: من أعدائه (3).
قوله مع الإصرار: والإصرار: معناه الإقامة على الذّنب، والاِعتقاد للعودة له، كذا في "السّؤالات" (4). وذكر الشّيخ أبو إسحاق -رحمه الله- أنّ الإصرار يكون بأحد أمرين: إمّا بالإقامة على الذّنب، أو بالاِمتناع من التّوبة، والله أعلم فليُراجع (5).
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - في أ: سَيان.
(3) - انفردت هـ بهذا التّعليق، وفي نُسخ القواعد المعتمَدَة: من أعداء الله.
(4) - السّوفي، 95.
(5) - أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي: مختصر الخصال، 18؛ وانظر ترجمة أبي إسحاق في الملحَق، رقم: 2. (1/132)
صفحة 133
الفصل الثّاني
في وَلاية جملة المسلمين
وهي فريضة على كلّ مكلَّف في حالة البلوغ، وهو أن يوالي المسلمين وجميع أولياء اللهِ من الأوّلين والآخرين، من الجنّ والإنس أجمعين، إلى يوم الدّين، من غير قصد إلى أحد بشخصه، وهي فرض مضيّق كما قدّمنا، والعمل بها توحيد، والتّرك لها والجحود والإنكار والجهل بأنّها فرض شِركٌ، لأنّ عليه أن يتولّى المطيعين، ويبرأ من العاصين، ويجب لهما في كِلتا المنزلتين ما يجب لنفسه، لأنّه إذا تفكّر علِم أنّه ليس بمطيع لله مَن لا يوالي وليّه ويعادي عدوّه، وقد قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، فلا قُرب (1) إلاّ بالتّقوى ولا بُعد من النّار إلاّ بمجانبة الهوى، وإلاّ فالنّاس في دين الله سواء.
--------------------
قوله وجميع أولياء الله: هذا من باب عطف المرادف، لأنّ المسلمين هم جميع أولياء الله.
قوله والجُحود والإنكار: هما شيء واحد، فهو من عطف التّفسير.
قوله والجهل: أي على قول الجمهور.
قوله ويجب لهما: أي للجنسين من الطّائعين والعاصين، وفي بعض النّسخ: لهم، أي للطّائعين والعاصين، وفي بعض النّسخ: ويحبّ -بالحاء- أوّلاً وثانيًا، ونسخة
__________
(1) - في ج والحجرية: قُربة. (1/133)
صفحة 134
الفصل الثّالث
في وَلاية الأولياء الموصوفين بالعصمة والاِصطفاء في القرآن
[وهو نوعان: - منصوص عليه كأصحاب الأخدود والسَّحَرة ومؤمن آل فرعون. - والمعصوم كالملائكة والأنبياء والرّسل] (1).
وهم على أربعة أقسام: جملة وأفراد، ذكور وإناث، فالجملة: كالأنبياء والرّسل وأصحاب الكهف، ...
--------------------
الجيم أظهر، والمعنى -والله أعلم-: ويجب أي: يُثبت لهما في حالة الطّاعة والمعصية ما يجب لنفسه، والحاصل أنّه تجب لهما الوَلاية والبراءة في حالة الطّاعة والمعصية على التّوزيع، كما تجب له الوَلاية والبراءة بالنّظر إلى الحالتين، والله أعلم فليُحرّر فإنّه في غاية الصّعوبة عندي، ويمكن توجيه نسخة الحاء، وجمع ضمير "لهم" أنّ الضّمير راجع إلى المسلمين، من حيث هم مع قطع النّظر عن الاِقتران بالعاصين، وأنّ المراد بالمنزلتين الدّنيا والآخرة، إلاّ أنّ سياق الاِستدلال لا يُناسبه.
قوله بالعصمة: أي معصومون من الموت على الكبيرة، وأمّا ارتكابها فإنّه لم يعصم منه إلاّ الملائكة والأنبياء والرّسل، وأمّا من عَداهم فيجوز أن تصدر منه، لكن نعتقد أنّه لا يموت إلاّ على التّوبة، كعائشة رضي الله عنها.
قوله كالأنبياء والرّسل ... الخ: الفَرْق بين الأنبياء والرّسل ومن ذكر بعدهم أنّ الأنبياء والرّسل لا تغني عنهما وَلاية جملة المسلمين، ومن ذكر بعدهم تغني عنه وَلاية
__________
(1) - زيادة من د. (1/134)
صفحة 135
وأصحاب الأخدود، والسَّحَرة، وأمثالهم؛ والأفراد: نوعان، مسمًّى كآدم وأشباهه، وغير مُسمّى كمؤمن آل فرعون وأمثاله؛ والذّكور: نوعان، أنبياء وأولياء، والإناث: نوعان، مسمّيات كمريم ابنة عِمران وأشكالها، ...
--------------------
جملة المسلمين حتّى تقوم عليه الحُجّة بتعيين جُملة من الجُمَل، وأمّا الفرد فإنّه لا فرْق بين النّبيء والوليّ في عدم وُجوب التّعيين إلاّ بقيام الحُجّة، ما خلا آدم ومحمّدا عليهما السّلام كما نصّ عليه المصنّف -رحمه الله-، لكن ظاهر كلامه بل صريحه بعدُ -حيث قال: وإنّما تجب وَلايتهم جملة- أنّ وَلاية جملة المسلمين لا تغني عن وَلاية جملة المعصومين مطلَقًا (1)، وأنّه لا فرْق بين النّبيء والوليّ في ذلك، وفيه تأمّل والله أعلم، [ويُحتمل أن يكون المراد بقوله: إنّما تجب وَلايتهم جملة أنّهم دخلوا في وَلاية الجملة، فتغني عن جعله جملة أخرى، فيصحّ ما كتبناه أوّلاً، والله أعلم فليُراجع] (2).
قوله وأصحاب الأخدود: صوابه: ومن قتلهم أصحاب الأخدود ونحو ذلك، لأنّ أصحاب الأخدود كانوا كفّارًا -لعنهم الله- يعذّبون المؤمنين بالنّار، كما يدلّ عليه نصّ القرآن، وأنّ معنى قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الاُخْدُودُ} [البروج: 4]: لُعِنَ، وهي أبلغ كلمة قالتها العرب في الشّتم، هذا ما عليه جمهور المفسّرين، وأجاز بعضهم أن يكون المراد بأصحاب الأخدود: المؤمنين المحرَقين، وأنّ {قُتِلَ} ليس معناه لُعنَ، لكن بعيد عن ظاهر الآية، لما فيه من تشتيت الضّمائر والله أعلم، فلعلّ كلام المصنّف مبنيّ على هذا.
قوله وأشكالها: لم يظهر لنا في القرآن اسم امرأة إلاّ مريم.
__________
(1) - في الحجرية: لا يُحتمل مطلَقًا.
(2) - سقط من ب و ج. (1/135)
صفحة 136
وغير مسمّيات كامرأة فرعون وأمثالها، فجميع من نصّ اللهُ عليه باسمه في كتابه من الرّجال والنّساء من أهل العصمة والاِصطفاء فولايته توحيد، وبراءته شِرك؛ وإنّما تجب وَلايتهم جملة من غير قصد إلى أحد منهم باسمه، ما خلا آدم ومحمّدًا عليهما السّلام، فإنّ مَن سُئل عنهما لا يسعه إلاّ أن يعلم أنّهما أنبياء من أهل الجنّة، وقيل في جبريل - عليه السلام - مثل ذلك، وأمّا سائر من ذكره اللهُ في كتابه إنّما عليه أن يتولاّهم ويعلم أنّهم من أهل الجنّة، إلاّ إن قامت عليه الحُجّة بتسمية أحد ممّن ذكرنا، فعليه إمضاء الحكم فيه على ما يقتضيه من السّعادة والعصمة بالعلم اليقينيّ الذي لا يتحوّل، كمن صحّ عنده بالتّواتر في قول الله - عز وجل -: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} [الكهف: 65] أنّ العبد هو الخضر - عليه السلام -، ...
--------------------
قوله فإنّ من سُئل عنهما ... الخ: ظاهره أنّه يُعذر في جهلهما ما لم يُسأل، مع أنّه ليس كذلك، فإنّه تجب معرفتهما مع أوّل البلوغ، سمع أو لم يسمع، سُئل أو لم يُسأل، لأنّ الحُجّة فيما لا يسع: الإلزام.
قوله أن يتولاّهم: أي جملة، ولا يجب عليه تعيين أحد إلاّ أن قامت ... الخ.
قوله بالتّواترّ: قال الشّيخ عامر -رحمه الله- في "الإيضاح": «وصفته ما نقلته جماعة عن جماعة متّصلة فيما بين المُخبِر والمخبَرِ عنه، ممّا لا يصحّ عليهم التّواطؤ ولا التّساعي ... ولا اتّفاق الهِمم، ولا دعاهم إلى ذلك اعتقاد مذهب ولا إلحاد، يكون أصل علمهم بذلك عن مشاهدة، ولا يُعتبر في ذلك صفات المخبرين من (1/136)
صفحة 137
وأنّ الفتى المذكور في أوّل الآية هو يوشع بن النّون، فمن قامت عليه الحُجّة بتواتر الأخبار وصحيح الآثار بتسمية أحد من هؤلاء اعتقد علم ذلك يقينًا بما صحّ عنده، فإنّ الشّهرة التي لا تدفع تؤدّي إلى العلم اليقيني الذي لا يتحوّل، وإلاّ فالاِقتصار على ظاهر الخطاب من غير التفات إلى إشارة ولا تسمية محتمَلَة أسلم وأولى، وبالله التّوفيق.
--------------------
عدالة وغيرها، واتّفقوا على اعتبار وُجود العقل فيهم، والله أعلم» (1).
قوله يوشع بن النون: في التّفسير: يوشع بن نون بن إبراهيم بن يوسف - عليه السلام - (2).
(((
__________
(1) - عامر بن علي الشّمّاخي: الإيضاح، 2/ 151 بتصرّف.
(2) - ذكر البيضاوي في تفسير الآية 60 من سورة الكهف أنّه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف، وهو ما ذكره ابن الأثير في الكامل، 1/ 113؛ وذكر القرطبي في تفسيره أنّه: ابن إفراثيم، أمّا الطبري في تاريخه، 1/ 187، فذكر أنّه: ابن إفراييم، ولم نعثر على ما ذكره المحشّي من أنّه: ابن إبراهيم، ولعلّه وهم منه، أو تحريف من النّسّاخ. (1/137)
صفحة 138
الفصل الرّابع
في وَلاية البيضة
وهي وَلاية الإمام العادل إمام المسلمين، ومن اتّبعه على طاعة الله تعالى، إلاّ إن ظهر من أحد ما يُبرأ به منه، وذلك أنّ كلّ دار يكون أهلها الغالبون عليها القاهرون لأهلهاهم العاملون بما جاء به التّنزيل، المتّبعون لما شرعه الرّسول، النّاهون بما نهى عنه الشّرع والعقول، ...
--------------------
قوله أهلها الغالبون عليها القاهرون لأهلها: كلّ منهما صفة ل أهلها الذي هو اسم يكون، وخبرها قوله: هم العاملون، والظّاهر أنّه جعل خبر يكون جُملة، والأحسن أن يقول: هم العاملين، فيكون: "هم" ضمير فصل على حدّ قوله تعالى: {فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الصّافّات: 116] (1).
قوله والعقول: لو اقتصر على الشّرع لكان أحسن، لأنّ الحلال ما حلّله الشّرع والحرام ما حرّمه الشٍّرع وإن لم يقتضه العقل، قال الشّيخ أبو نصر -رحمه الله- في "النّونية":
فجلّ المناهي والفروض تعبّد وليس تُراعى عِلّة القُبح والحُسن (2)
لكن الظّاهر -والله أعلم- أنّ العذر للمصنِّف -رحمه الله- أنّه لمّا كان الشّرع تارة يرد على ما يقتضيه العقل، واقتضت السّجعة ذلك لمناسبة قوله: الرّسول زاده، الظّاهر أنّه لذلك جمعه أيضًا، والله أعلم.
__________
(1) - في الحجرية: {كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزّخرف: 76].
(2) - النّونية، البيت 64. (1/138)
صفحة 139
الدّاعون إلى السّنّة والعمل بها، الرّادّون البدعة على مَن جاء بها، غير متجانفين للأقارب، ولا متعصّبين على الأجانب، يتولاّهم الإنسان ويُسمّيهم أهل العدل والإحسان، وينسب الدّار إليهم فيسمّيها دار العدل والحق، فكلّ من رءاه منهم في زيّ أهلها فليحكُم عليه بحكمهم، إلاّ إن ظهر منه خلافهم؛ ونحو من هذا ذُكر في "جوابات الإمام أفلح بن عبد الوهّاب" رضي الله عنهما، يقول: «إذا كان إمام المسلمين عدلاً فكلّ من جرت عليه طاعته ورضي بحكمه ولم يظهر منه خلاف للمسلمين فهو عندهم في حكمهم من الوَلاية، يتولّونه بعينه ويتولّون جميع مَن في البيضة جُملة وقصدًا»، وقال: «وإنّما الوَلاية بهذا المعنى حُكم من أحكام الدّنيا، تعبّد الله بذلك عباده على علمهم بما ظهر لهم من النّاس دون ما غاب عنهم، ولا ما انفرد الله بعلمه في عباده، وإنّما هذه الوَلاية حبل تمسّك به المسلمون فيؤجَرون عليها، ...
--------------------
قوله متجانفين: أي مائلين، كعثمان وأضرابه.
قوله يتولاّهم: خبر قوله: أنّ كلّ دار.
قوله وقصدًا: هكذا فيما رأيناه من النّسخ، ولعلّ المراد: وقصدًا إلى الأفراد، ونحو ذلك، غايته أنّ المتولَّى بوَلاية البيضة يُتولَّى ولا يُزكَّى، والله أعلم.
قوله وإنّما الوَلاية ... الخ: الظّاهر أنّ هذا جواب عن سؤال مقدَّر، كأنّ قائلاً قال له: بأيّ شيء تتولّون وَلاية الأشخاص ووَلاية البيضة مع أنّ الإنسان قد يكون في الحقيقة على غير الصِّفة التي تظهر منه؟ فأجاب بما ذكره -رحمه الله-. (1/139)
صفحة 140
كنحو ما جرت به أحكام الموارَثة والمناكحة والذّبائح وتُثبت به الأنساب، وكلّ ذلك من أمور الظّاهر دون الباطن، لأنّ الله سبحانه هو المسهّل لأوليائه طرق ما تعبّدوا به في أحكامهم، وحطّ عنهم ما عجزت عن إدراكه طبائعهم» (1).
قال بعض العلماء في ولاية البيضة: لا نتولّى إلاّ مَن عرفناه بخير مِن قول وعمل؛ والمشهور هو القول الأوّل، والله أعلم، ويدلّ على صِحّته قول عمر - رضي الله عنه -: «المسلمون كلّهم عُدول، إلاّ مجرَّبًا عليه شهادة زور، أو ظِنّين في وَلاء أو نسب»، وذلك أنّ الأصل في ا لمسلمين العدالة بظهور الإسلام، لأنّها فرع عنه ونتيجة له، ...
--------------------
قوله وتُثبت: عطف على: جرت (2).
قوله هو المسهِّل لأوليائه: قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحجّ: 78].
قوله وحطّ: عطف على: مسهّل.
قوله هو القول الأوّل: يعني: إنّما تتولاّهم جُملة وأفرادًا.
قوله ظِنّين: لعلّه: أو ظِنّينًا -بالنّصب-، أي: متَّهَمًا، قال الشّيخ عامر -رحمه الله-: «وأمّا الظّنّين في ولاء وقرابة فهو الذي يُتَّهَم في الدّعوة إلى غير أبيه، أو المتولّي غير مواليه ... الخ» (3)، يعني بأن يكون مولًى لإنسان ويدّعي أنّ مولاه غيره.
__________
(1) - لم نقف على هذا في المجموعة التي عندنا من جواباته، وانظر ترجمة الإمام أفلح في الملحَق، رقم: 10.
(2) - في ب و ج: ثبت.
(3) - الإيضاح، 2/ 154. (1/140)
صفحة 141
فلمّا فشت الخيانة فيهم على عهد عمر وزالت الأمانة، أحدث لهم المُزكّين، والله أعلم.
وذكر في بعض كتب [أصحابنا من] (1) أهل المغرب (2): أنّ المتولَّى بوَلاية البيضة لا يُحكم بشهادته إذا شهد، ولا يُستتاب إذا عمل كبيرة، والله أعلم.
--------------------
قوله أحدث لهم المزكّين: ولذلك قال - رضي الله عنه -: «أحدثوا فأحدثنا لهم».
قوله لا يُحكم بشهادته ... الخ: يعني أنّه لا يكون حُكمه حكم المتولَّى بوَلاية الأشخاص.
(((
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - اُنظر السّوفي: السّؤالات، 205. (1/141)
صفحة 142
الفصل الخامس
في وَلاية الخارج من الشّرك إلى الإسلام
إذا أتمّ الجملة وَجَبَت وَلايته وإثبات التّوحيد له، والشّهادة عليه بها، وتحريم ماله ودمه بالإتيان بها، وإنّما تجب له هذه الأمور من الوَلاية وسائرها بالوفاء الذي جاء به، وهو ترك الذّنوب واعتقاد الإسلام والدّخول فيه، لقوله تعالى: {قُل لِّلذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَّنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]، وقوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [البقرة: 58]، في بعض أقوال أهل التّفسير: لا إله إلاّ الله، وقيل معناه: اُحطط عنّا خطايانا، وهو قريب من الأوّل؛ ومن السنّة: قول الرّسول - عليه السلام -: «الإسلام جَبّ لما قبله» (1)، أي: قطع لِما قبله من الشّرك والمعاصي؛ ...
--------------------
قوله والشّهادة عليه: لو قال: له لكان أظهر، لأنّ على للمضرّة، وقوله بها: أي بالجملة.
قوله وسائرها: أي سائر الوُجوه المتقدّمة، ولو قال: وغيرها -ليكون الضّمير راجعًا إلى الوَلاية- لكان أظهر.
قوله {يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ}: ولذلك قالوا: إنّ توبة الكافر -أي المشرك- مقطوع بقبولها، بخلاف توبة غيره فإنّها مظنونة، والله أعلم.
قوله جَبّ: هو بفتح الجيم، أي قطع.
__________
(1) - تقدّم تخريجه في صفحة: 127. (1/142)
صفحة 143
فالمستجيب إلى الإسلام خارج عن الشّرك وجميع المعاصي، فإن مات قبل حلول الفرض عليه فهو مسلم ما لم يكن منه حَدَث أو تفريط في شيء من الفروض؛ وقد قيل: إنّ المستجيب اليوم على خلاف المستجيب في زمان الرّسول والخلفاءعليهم السّلام، أراد أنّه لا يُتولّى حتّى يدين بالبراءة من الجبابرة، وإلاّ فهو كواحد من أهل القبلة، فنمسك عن وَلايته حتّى يبرأ من الجبابرة، والله أعلم، وسواء دعاه إلى الإسلام موافق أو مخالف فإنّه يُتولّى ما لم يشرّع له المخالف ضلالته فيتّبعه عليها، والله أعلم.
--------------------
قوله عن الشّرك: في بعض النّسخ: من الشّرك (1).
قوله أو تفريط ... الخ: لو اقتصر على قوله: ما لم يكن منه حَدَث لكان أولى، لأنّ فرض المسألة أنّه مات قبل حلول الفرض، فكيف يتأتّى منه التّفريط، والله أعلم حرّره، اللهمّ إلاّ أن يُقال: معنى قوله: أو تفريط ... الخ أي: إن مات بعد حلول الفرض.
قوله أراد أنّه لا يُتولّى: أي: أراد صاحب هذا القيل، وكأنّه مرجوح عنده ولذلك حكاه ب قيل، والله أعلم.
(((
__________
(1) - وهو ما في نسخ القواعد المعتمَدَة، إلاّ: د، وهذا التّعليق انفردت به هـ. (1/143)
صفحة 144
الفصل السّادس
في وَلاية الخارج من مذهب أهل الخلاف إلى مذهب أهل الوِفاق
إذا لم يمنع من وَلايته إلاّ الخلاف الذي كان عليه
وهو على وجهين: متديّن وغير متديّن، أمّا المتديّن: الذي دان ببدعته فإنّه لا يُتولّى حتّى يرجع من مقالته إلى مقالة المسلمين قصدًا، كما جرى لمحمّد بن عبّاد المدني (1) حين شهدوا عليه بمعذرة مَن جهل محمّدًا - عليه السلام -، أو جهل الجنّة والنّار، والثّواب والعقاب، والبعث، وتحريم دماء المسلمين، ...
--------------------
قوله متديّن وغير متديّن: أراد بالمتديّن الإمام المجتهد المقتَدى به، وإلاّ فكلّ مخالف يدين بأنّ ما هو عليه صواب، وأراد بغير المتديّن: المقلّد والله أعلم.
قوله دان ببدعته: أي أقرّ وصوّب واتّخذ ذلك دينًا.
قوله شهدوا عليه بمعذرة مَن جهل ... الخ: اُنظر بقيّة خصال التّوحيد -كجملة الأنبياء والرّسل والملائكة وغير ذلك- هل يكون حكم موسّعها كذلك أو لا؟ والظّاهر الأوّل، والله أعلم (2).
قوله والثّواب والعقاب: قد يُقال: إنّ الجنّة والنّار يغنيان عنهما، لأنّ الثّواب هو الجنّة
__________
(1) - محمّد بن عبّاد المدني من متكلِّمي الإباضيّة، وليس بابن عبّاد المصري الفقيه، اُنظر ترجمة الأوّل في الملحق، رقم: 51، وترجمة الثّاني في الملحق، رقم: 4.
(2) - العلّة في اعتبار حُكم الموسَّع في جهل بقيّة خصال التّوحيد كحكم الموسَّع في جهل محمّد - صلى الله عليه وسلم - هي كون المسألتين من التّوحيد الذي لا يسع جهله، كما صحّحه القطب اطفيش: شرح العقيدة، 345. (1/144)
صفحة 145
وقالوا: إنّ مفتي هذه المسائل كافر، فالتقى ابن عبّاد مع محمّد بن محبوب -رحمه الله- (1) بمكّة فنقض عليه ابن محبوب هذه المسائل، وعرّفه الحقّ ودعاه إليه، فقال ابن عبّاد: تُبت من جميع الخطإ، فقال له من حضر من المسلمين: إنّك متديّن لا يجزئك ذلك حتّى تعدّها وتتوب من اعتقادك فيها كلّها، وتقرّ بالخطإ في كلّ واحدة، ...
--------------------
والعقاب هو النّار، اللهمّ إلاّ أن يُقال: المراد أنّه لابدّ من معرفة هذين العنوانين أيضًا وإن كان المدلول متّحدًا، والله أعلم.
قوله وقالوا: إنّ مفتي هذه المسائل كافر: ينظر هذا مع ما تقدّم له في صدر الكتاب من قول عبد الرّحمن بن رستم وعمروس بن فتح وابن زرقون وغيرهم -رحمهم الله- حيث جعله مقابلاً لقول الجمهور (2)، وقالوا: إنّ التّوحيد يكمل فيما بينه وبين الله أيضًا بالجُمَل الثّلاثة ما لم يُسأل أو يختلجه الشكّ، فإنّ ظاهره يقتضي أنّه يسعه الجهل لما عدا محمّدًا - عليه السلام - ولِما جاء به إجمالاً، فليُحرّر فإنّه في غاية الصّعوبة، اللهمّ إلاّ أن يُقال: ابن عبّاد يعذره مطلقًا، يعني ولو سُئلَ فأنكر أو شكّ، وأنّ التّوحيد عنده: لا إله إلاّ الله، وفيه أيضًا أنّه ذكر في "السّؤالات" مسائل ابن عبّاد وحكى فيها ما حكى المصنِّف -رحمه الله-؛ وقد قال قبل ذلك بقليل ما نصّه: «وأمّا المسائل التي يشرك فيها الموسِّع سبع: إن وسع جهل الله، وأنّه خالق كلّ شيء، والوَلاية، والبراءة، وثواب المسلمين، وعقاب الكافرين، والبعث، وزاد أبو العبّاس (3): إن وسع جهل التّوحيد أنّه إفراد ... وأنّه فرض، أو ... جهل الشّرك أنّه مساواة أن يشرك
__________
(1) - اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 52.
(2) - اُنظر صفحة 52 المتقدّمة، والجمهور أي جمهور الإباضيّة.
(3) - هو أحمد بن محمّد بن بكر الفرسطائي النّفوسي، اُنظر ترجمته بالملحَق، رقم: 7. (1/145)
صفحة 146
فخاف من البراءة فصار كالجمل المحرنجم إن تقدّم نُحر وإن تأخّر عُقر، فلمّا رآه ابن محبوب كذلك قال له: المعترف بذنبه الرّاجع عنه لا ُيبرأ منه في قول بعض، فتاب ورجع إلى مقالة المسلمين (1)؛ وإن كان المبتدع دعا إلى بدعته فاستجيب له، فأراد التّوبة، فإنّه لابدّ له أن يذهب إلى مَن دعاه ليعرّفه أنّ الذي دعاه إليه ضلال، وأنّه تاب إلى الله من ذلك، فإن غابوا وكانوا بحيث يعرف أثرهم وصل إليهم وعرّفهم توبته وردّهم عن ضلالتهم، فإن قبلوا فسبيل ذلك كالذي جرى لهلال بن عطيّة (2)، ...
--------------------
موسّعها ... الخ» (3) فليُحرّر، ولعلّ هذا قول ثانٍ في المسألة، والله أعلم.
قوله المحرنجم: في "الصّحاح": «وحرجمتُ الإبل فاحرنجمت: إذا رددتها فارتدّ بعضها على بعض واجتمعت ... الخ» (4).
قوله عُقر: في "الصّحاح": «عقرَهُ أي: جرحه» (5).
قوله فإن قبلوا فسبيل ذلك ... الخ: بقي قسم ثالث لم يتعرّض له -رحمه الله-، وهو ما إذا غابوا ولم يُعرف موضعهم هل تجزئه توبته؟ أو يُقال: إنّه قفل ضاع مفتاحه، الظّاهر الأوّل والله أعلم حرِّره.
قوله فإن قبلوا فسبيل ذلك ... الخ: الظّاهر أنّ في الكلام حذفًا، أي: فإن قبلوا فالأمر
__________
(1) - هذا الخبر عند السّوفي: السّؤالات، 98.
(2) - اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 56.
(3) - السّوفي، 96.
(4) - الجوهري: باب الميم، فصل الحاء: حرجم.
(5) - الجوهري: باب الرّاء، فصل العين: عَقَر. (1/146)
صفحة 147
وكان على دين الصّفرية (1) فيما بلغنا، فلم يقبلوا منه حتّى خرج إلى القوم وعرّفهم ضلالته، ثمّ رجع إلى عُمان فقبِلوا منه، فكان مع الجلندى بن مسعود الإمام رحمه الله (2)، حتّى قُتل معه شهيدًا.
وأمّا غير المتديّن: فإنّه إذا تاب ورجع إلى المسلمين قُبلت توبته، وأمّا كيفيّة دُخوله في مذهب المسلمين فقد وجدت في أثر بعض أصحابنا من أهل المشرق يقول: وعن رجل قال للمسلمين: أنا منكم، وليّي وليّكم، وعدوّي عدوّكم، ...
--------------------
ظاهر، وإن لم يقبلوا فلا يُكلَّف غير ذلك بل يدعوهم إلى ترك الضّلالة فقط، فإنّ هلال بن عطيّة لمّا دعا قومه وعرّفهم ضلالته قبل منه المسلمون، والله أعلم.
قوله وليّي وليّكم ... الخ: المناسب أن يقول: وليّكم وليّي، وعدوّكم عدوّي، لأنّ المراد الحُكم على وليّهم بأنّه وليّه ... الخ، والمراد أنّه يتولّى وليّهم ويبرأ من عدوّهم لا العكس، والله أعلم.
__________
(1) - لا نعدم الحقّ إذا قلنا إنّ التحدّث عن فرقة الصّفرية وإعطاء حقائق ثابتة عنها فيه من الرّيب والشكّ الكثير، إذ لا يوجد للصّفرية معنا أثر يُذكر إلاّ ما كتب عنهم غيرهم، فهم إحدى فِرَق الخوارج، أتباع زيّاد بن الأصفر على القول المشهور، وقد كانوا مع الخوارج في رأي واحد في تشريك أهل الكبائر من أهل التّوحيد، واستحلال سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم، انتشر أمرهم في العديد من نواحي العالم، ولم يستقرّ لهم الحال إلاّ في سجلماسة، حيث أقاموا دولتهم العظيمة دولة بني مدرار سنة 155هـ، أقاموا ثورات عديدة ضدّ الأمويين وغيرهم، وعمّروا أكثر من أيّ فِرقة خارجيّة أخرى، وتفرّقوا كغيرهم إلى شِيَع. الشّهرستاني: الملل والنِّحل، 1/ 137؛ د. نايف معروف: الخوارج في العصر الأموي، كلّه؛ د. إسماعيل العربي: معجم الفِرَق، 250.
(2) - اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 15. (1/147)
صفحة 148
ولا يعرف شريعة الإسلام، قال: إذا أعطاهم الجملة التي لا يسع جهلها (1) فهو منهم؛ ووجدت عن أبي سفيان محبوب بن الرّحيل (2) يقول: إنّ المسلمين دعوا بسطام أبا النّظر (3) إلى دعوتهم، وكان صفريا، وكان أبو النّظر يقول: «لَمّا دعوني فقالوا: إنّا قد ندعوك إلى وَلاية مَن قد علِمته يقول بالحقّ ويعمل به، وندعوك إلى البراءة ممّن قد علِمته يقول بخلاف الحقّ ويعمل به، وندعوك إلى الوقوف عمّن لم تعلَم حتّى تعلم»، قال: وذلك في الكتمان، قال أبو النّظر: «فلمّا سمعت هذا من كلامهم علِمت أنّ هذا دين الله الذي ارتضاه»، ...
--------------------
قوله ولا يعرف شريعة الإسلام: لعلّه أراد أنّه لا يعرف تفاصيلها لأنّه مقلِّد، بأن يجهل ما يسع جهله، وإلاّ فكيف يتولّى مَن لا يعرف دين الإسلام، وليس أصله مشركًا دخل في دين الإسلام، ولم يرد المصنِّف -رحمه الله- هذا المعنى لأنّه ساقه للاِستدلال على وَلاية من رجع من أهل الخلاف إلى أهل الصّواب، أو المراد بالشّريعة: مذهب المسلمين [كما قال صاحب العقيدة في وَلاية الأشخاص: «وعلى الشّريعة»] (4)، والله أعلم.
قوله التي لا يسع جهلها: أي: وهي التّوحيد والشّرك والفرائض التي حلّت أوقاتها.
قوله قال: أي: أبو سفيان.
قوله وذلك في الكتمان: أي: وأمّا في الظّهور فإنّهم يُتولّون بوَلاية البيضة، لأنّ الإمام قامع لكلّ أحد عن إظهار المنكر، والله أعلم.
__________
(1) - في ج والحجرية: لا يسع النّاسَ جهلها.
(2) - اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 48.
(3) - اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 11.
(4) -زيادة من هـ، اُنظر: مقدّمة التّوحيد وشروحها، 72. (1/148)
صفحة 149
قال: فقبل الإسلام وكان خيِّرًا فاضِلاً، له فضل في الإسلام وشرَف (1)؛ والمبتدع الذي أضلّ ببدعته الخلق وكان متديِّنًا فليس عليه إلاّ أن يُظهر توبته، ويدعو إليها كما أظهر بدعته ودعا إليها، كالذي جرى لعائشة رضي الله عنها يوم الجمَل (2) وقُتل معها خلق كثير، فلم يلزموها إلاّ إظهار التّوبة، وكذلك علي بن أبي طالب وخلف بن السّمح (3) لو رجعا عمّا كانا عليه لم يلزمهما إلاّ إظهار التّوبة من غير غرم لشيء أتلفاه، لأنّهما متديّنان، والله أعلم.
--------------------
قوله والمبتدع ... الخ: إنّما أعاد هذا مع علمه ممّا تقدّم ليُرتِّب عليه عدم الغرم للمتديّن، والله أعلم.
(((
__________
(1) - هذا الخبر عند الدّرجيني: الطّبقات، 2/ 289، 290.
(2) - يوم الجمل معركة جرت سنة 36هـ، بين جيش علي بن أبي طالب وجيش نُظَرائه طلحة بن عبيد الله والزّبير بن العوّام وعائشة أمّ المؤمنين، وكان هذا بعد خروج هؤلاء الثّلاثة عن طاعة علي، وسُمِّي يوم الجَمَل لأنّ عائشة -رضي الله عنها- كانت مُمتطية في ذلك اليوم جملا، وعقر خصومَها أرجُلَه.
(3) -خلف بن السّمح بن أبي الخطّاب عبد الأعلى بن السّمح المعافري، زعيم فِرقة الخلفيّة التي انشقّت عن الإمام عبد الوهّاب الرّستمي، اُنظر: ترجمته في الملحَق، رقم: 18. (1/149)
صفحة 150
الفصل السّابع
في وَلاية المخصوص باسمه المعروف بشخصه
وهي فريضة واجبة، ويتفرّع من هذا الفصل ثلاثة أقسام، أحدها: في الأدلّة على فرض وَلاية الأشخاص، والثّاني: في كيفيّة وَلايته، والثّالث: في الفرْق بين وَلاية المنصوص عليه باسمه وغيره.
القسم الأوّل: أمّا الدّليل على وَلاية الأشخاص أنّها فريضة فإنّها لمّا اتّفقت عِلّتها في الأصل وَجب أن يتّفق حكمها في الفرع أيضًا، لأنّ العِلّة إنّما هي الوفاء في كِلا الوجهين؛ وقال بعض مخالفينا: ليس علينا من وَلاية الأشخاص شيء؛ وقال بعضهم: إلاّ بشريطة أن يكون من أهل الجنّة، ...
--------------------
قوله في الأصل: أي وهي وَلاية الجملة.
قوله في الفرع: أي: وَلاية الأشخاص، وذلك لأنّ الحكم يدور مع العِلّة وُجودًا وعدمًا، والله أعلم.
قوله وقال بعضهم: هم النّكّار (1).
قوله إلاّ بشريطة أن يكون: في بعض النّسخ: إن كان (2).
__________
(1) - تقدّم التّعريف بهم في صفحة 126.
(2) - وهو ما في نسخ القواعد المعتَمَدة، وهذا التّعليق انفردت به هـ. (1/150)
صفحة 151
قلنا لهم: وكذلك قول الله - عز وجل -: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التّوبة: 36] فليس علينا من قتلهم واحدًا واحدًا شيء ولم نقدر على قتلهم في الجملة، فمن أبطل وَلاية الأشخاص فقد أبطل حقوق المسلمين بعضهم من بعض، وقد قال - عليه السلام -: «للمسلم على أخيه سِتّ بالمعروف: يسلّم عليه إذا لقيَه، ويعوده إذا مرِض، ويستجيب له إذا دعاه، ويشهده إذا توفّي، ويشمته إذا عطس، ويحبّ له مثل ما يحبّ لنفسه» (1)، ...
--------------------
قوله فليس علينا من قتلهم ... الخ: أي: بناءً على قولكم حيث قلتم: إنّ الجملة تُتولّى دون الأفراد، بل الواجب قتلهم جُملة وأفرادًا لاتّحاد العِلّة وهي الشركّ، فكذلك المسلمون يُتولّون جُملة وأفرادًا لاتّحاد العِلّة وهي الوفاء.
قوله ويشمته: في "الصّحاح" في باب التّاء، في فصل السّين: «وتسميت العاطس أن تقول له: يرحمك اللهُ، بالسّين والشّين جميعًا، قال ثعلب (2): الاِختيار بالسّين لأنّه مأخوذ من السّمت، وهو القصد والمحجّة، وقال أبوعبيد (3): الشّين أعلا في كلامهم وأكثر» (4).
__________
(1) - أخرجه التّرمذي: أبواب الاِستئذان والآداب، باب ما جاء في تشميت العاطس، رقم: 2880؛ وابن ماجة: كتاب الجنائز، باب ما جاء في عيادة المريض، رقم: 1433؛ والنّسائي: كتاب الجنائز، باب النّهي عن سبّ الأموات، رقم: 1937 بزيادة واختلاف؛ وللبخاري نحوه: كتاب الجنائز، باب الأمر باتّباع الجنازة، رقم: 1173.
(2) - هو أبو العبّاس أحمد بن يحي بن يسار ثعلب الشّيباني البغدادي، إمام الكوفيّين في النّحو واللّغة، توفّي سنة 291هـ، وله تآليف. اُنظر: السيوطي: بُغية الوعاة، 182.
(3) - هو أبو عبيد القاسم بن سلام عالم مفسّر ومحدِّث ولغويّ، توفّي سنة 224 هـ بمكّة، له العديد من التّصانيف في مختلف فنون الشّريعة. اُنظر السيوطي: بغية الوعاة، 376.
(4) - الجوهري، مادّة: سمت. (1/151)
صفحة 152
وقال - عليه السلام -: «رحم الله أبا ذرّ يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده» (1)، وقال أيضًا: «مَن أعطى ومنع وأحبّ وأبغض لله فقد استكمل الإيمان» (2)، وقد رُوي عن أبي خزر أنّه قال: «أصل الوَلاية: الموافقة في الشّريعة، فكلّ من وافقته في الشّريعة فقد وجبت عليك بعض وَلايته»، ...
--------------------
قوله رحم الله أبا ذر: يعني: فتولاّه - عليه السلام - بما ظهر له فيه من الوفاء، فدلّ ذلك على وُجوب وَلاية الأشخاص.
قوله الموافقة في الشّريعة: أي بعد أن تقبل الأذنان ما سمعتا، والعينان ما أبصرتا، ويوافقهما القلب، ويمكن حمل الموافقة على الموافقة التّامّة فيُستغنى عمّا ذُكر، وذلك لأنّ الفرد إذا أُطلق انصرف إلى الكامل، وفي بعض النّسخ: وجبت عليك بعض وَلايته، ويشهد لِصحّتها ثبوتها في "شرح النّونية" (3)، ويمكن توجيهها بأنّ المراد بوجوب بعض وَلايته ترجيحه على المخالف كدفع الزّكاة له إذا كان فقيرًا عند عدم أهل الوَلاية، وإن لم يكن من أهل الوَلاية فإنّه أولى من المخالف وإن كان ورِعًا، [وكذلك المناكحة] (4)، فيكون المراد ببعض وَلايته: بعض قربه، والله أعلم فليُحرّر.
__________
(1) - أخرجه ابن إسحاق في "السّيرة النّبوية" عن عبد الله بن مسعود. الذّهبي: تاريخ الإسلام، مجلّد المغازي، 2/ 525؛ سير أعلام النّبلاء، 2/ 56.
(2) - أخرجه أبو داود: كتاب السنّة، باب الدّليل على زيادة الإيمان ونقصانه، رقم: 4679؛ والترمذي: أبواب صفة القيامة، الباب الأخير، رقم: 2642، بزيادة «وأنكح لله» واختلاف؛ وأخرجه بالزّيادة أحمد: مسند المكّيين، حديث معاذ بن أنس الجهني، رقم: 15617.
(3) -الجيطالي: 2/ 8، شرح البيت 29، ويظهر من كلام المحشّي أنّ في نسخته: وجبت عليك وَلايته.
(4) - زيادة من هـ. (1/152)
صفحة 153
وقال عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه -: «من رأينا فيه خيرًا قلنا فيه خيرًا وظننّا فيه خيرًا وتولّيناه، ومَن رأينا فيه شرًّا قلنا فيه شرًّا وظننّا فيه شرًّا وتبرّأنا منه» (1)، والله أعلم.
القسم الثّاني في كيفيّة وَلايته: وهي إضمار الحبّ له في الجَنان، وإعلان الترحّم له والاِستغفار باللّسان، فمتى ما ظهر من أحد الوفاء بدين الله تعالى قولاً وعملاً، فعلى مَن شاهد ذلك منه وَلايته، واعتقاد الحبّ له، والاِستغفار له، وتحريم بغضه وشتمه وغشّه وغيبته وسوء الظنّ به، لأنّ المسلم أخو المسلم لا يغشّه ولا يسلمه (2)، ولا يبغضه ولا يحسده ولا يطعن عليه (3)، ...
--------------------
قوله قلنا فيه شرًّا: أي ممّا هو فيه، وإلاّ كان بهتانا، وبهتان البريء أثقل من السّموات والأرض، والحاصل أنّك تذكر جميع ما فيه إلاّ الشّرك والزّنا.
قوله فعلى مَن شاهد: في بعض النّسخ: فعلى مَن يشاهد (4).
قوله واعتقاد الحبّ له والاِستغفار له: هذا عطف تفسير على قوله: وَلايته لأنّهما عينها.
قوله وغشّه: تحريم الغشّ لا فرْق فيه بين المسلم وغيره.
قوله ولا يسلمه: في "الصّحاح": «وأسلمه أي خذله» (5).
قوله عليه: لعلّه: فيه، قال في "الصّحاح": «وطعن فيه بالقول يَطْعُنُ أيضًا طَعْنًا وطَعْنَانًا» (6)،
__________
(1) - أخرجه الرّبيع بن حبيب، باب جامع الآداب، رقم: 700؛ وأخرجه الهندي: كنز العمّال، 16/ 136 ضمن خطبة لعمر، وعزاه لأحمد وابن سعد والبيهقي والحاكم وغيرهم.
(2) - في الحجرية: لا يشتمه ولا يسلمه ... ، وفي د لا يغشّه ولا يشتمه ولا ... .
(3) - حديث: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ... » وفي رواية: «لا يظلمه ولا يشتمه» =
(4) - انفردت هـ بهذا التّعليق.
(5) - الجوهري: باب الميم، فصل السّين: سلم.
(6) - الجوهري: باب النّون، فصل الطّاء: طعن. (1/153)
صفحة 154
وفي الحديث: «الأخوان كاليدين تغسل إحداهما الأخرى» (1)، و «المؤمن كبير بأخيه» (2)، و «المسلمون كالبنيان يشدّ بعضهم بعضًا» (3)، و «مثل المسلمين في تواددهم وتراحمهم كالجسد إن اشتكى بعضه تداعى سائره بالحمّى والسّهر» (4)، ...
--------------------
لكن قال الشّيخ خالد في "شرح التّوضيح" في باب الإضافة: «طعنه بالرّمح يَطْعُنُهُ بالضمّ، وطعن في نسبه يَطْعَنُ بالفتح، هذا هو الصّواب ... الخ» (5)، وخطّأ صاحبَ "الصّحاح" حيث جعله بالضمّ، والله أعلم.
قوله بالحمّى: لعله من قولهم: حَمِيَ الفرس حَمًى: سخن وعرق، أو من قولهم: حَمِيَ
__________
(1) = أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلمَ ولا يسلمه، رقم: 2310؛ ومسلم: كتاب البِرّ والصّلة والآداب، باب تحريم الظّلم، رقم: 2580.
- هو جزء من حديث طويل أورده الغزالي في الإحياء، (2/ 146)، وقال العراقي في تخريجه: رواه السلمي في "آداب الصّحبة"، وأبو منصور الدّيلمي في "مسند الفردوس".
(2) - لم نقف عليه بهذا اللّفظ، ومعناه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «المرء كثير بأخيه»، أخرجه ابن أبي الدّنيا في "كتاب الإخوان". المناوي: شرح الجامع الصّغير، 2/ 455.
(3) - أخرجه البخاري: كتاب المساجد، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، رقم: 468؛ ومسلم: كتاب البِرّ والصِّلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم ... ، رقم: 2585؛ وأحمد: مسند الكوفيّين، حديث أبي موسى الأشعري، رقم: 19644، بلفظ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان ... ».
(4) - أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب رحمة النّاس والبهائم، رقم: 5665؛ ومسلم: كتاب البِرّ والصِّلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم ... ، رقم: 2586؛ وغيرهما باختلاف في اللّفظ.
(5) - خالد الأزهري: شرح التّصريح على التّوضيح، 2/ 39. (1/154)
صفحة 155
لأنّ أنفس المسلمين في حقيقة الدّين كنفس واحدة، ولذلك قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النّساء: 29]، أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، في أمثالها في القرآن [كثير] (1).
مسألة: ومن شاهد من الإنسان الوفاء بدين الله ولم يتولّه فهو هالك، سواء كان منه تضييعًا أو جهلاً، وكذلك إن تولاّه قبل أن يشاهد منه الوفاء بالدّين فهو هالك، ووقت وُجوبها عند علم الوفاء منه بالدّين، وبالله التّوفيق.
القسم الثّالث في الفَرق بين وَلاية المنصوص وغيره: اِعلم أنّ وَلاية المنصوص على وجهين: تكون توحيدًا، وغير توحيد، ...
--------------------
النّهارُ والتنّورُ حَمْيًا: اشتدّ حرّهما، وليس المراد به الحُمّى المعروفة لأنّ كثيرًا من الأمراض لا تنشأ عنها كما هو معلوم، والله أعلم.
قوله القسم الثّالث في الفَرْق ... الخ: فيه أنّه ترجم لشيء وزاد عليه (2).
قوله اِعلم أنّ وَلاية المنصوص: هكذا في غالب النّسخ، وفي بعضها: المخصوص، وهي الظّاهر [لتقسيمه إلى وجهين] (3) فيكون قوله بعدُ: والمنصوص في قوله: وأمّا وَلاية الخاصّ من النّاس غير المعصوم والمنصوص معطوفا على المعصوم، لا على الخاصّ كما تصرّح بذلك عبارته -رحمه الله- في "شرح النّونية" (4)،
__________
(1) - زيادة من ب والحجرية.
(2) - انفردت أ و هـ بهذا التّعليق.
(3) - زيادة من هـ.
(4) - الجيطالي، 2/ 7، شرح البيت 29. (1/155)
صفحة 156
فالمقصود من المعصومين والمنصوص عليه باسمه من قِبَل ربّ العالمين على لسان رسوله الأمين فولايتهما توحيد، وترك وَلايتهما شِرك إذا وَجبت، والجهل بها أنّها فرض شِرك أيضًا، وأمّا جحودها وإنكارها فهو كفر، ...
--------------------
فالتّوجيه الذي ذكرناه هناك في "الحاشية" من عطفه على الخاصّ إنّما هو تصحيح للنسخة المشهورة، والله أعلم فليُحرّر.
قوله فالمقصود من المعصومين: كنبيء من الأنبياء.
قوله والمنصوص عليه باسمه: كمريم ابنة عمران.
قوله إذا وجبت: أي بأن قامت عليه الحُجّة بتعيينه.
قوله والجهل بها أنّها فرض شِرك أيضًا: أي بعد قيام الحُجّة، وأمّا قبله فلا ضرر في الجهل كما تقدّم، إذا كان الضّمير راجعًا لوَلاية المقصود من المعصومين كنبيء من الأنبياء، والمنصوص عليه باسمه كمريم ابنة عمران، وأمّا إذا كان راجِعًا إلى وَلاية المنصوص مطلَقًا من قِبَل ربّ العالمين فجهلها شِرك مطلَقًا، وهو المراد بقول شارح العقيدة -رحمه الله-: «ووَلاية الجملة ووَلاية المعصومين جاهلهما مشرك» (1)، والظّاهر من كلامه هو التّوجيه الأوّل، والله أعلم.
قوله وأمّا جُحودها وإنكارها ... الخ: اُنظر كيف جعل الجُحود والإنكار كفرا دون شرك، وجعلهما أنزل مرتبة من الجهل، مع أنّ الظّاهر أنّ حكمهما واحد كما تقدّم له -رحمه الله- في وَلاية الجملة التّسوية بين هذه الأشياء (2)، بل قد يتراءى
__________
(1) - أبو سليمان داود بن إبراهيم التلاتي الجربي، وعبارته في الشّرح: «ووَلاية المعصومين جاهلها مشرك» مقدّمة التّوحيد وشروحها، 64.
(2) - اُنظر صفحة 133. (1/156)
صفحة 157
وأمّا وَلاية الخاصّ من النّاس غير المعصوم والمنصوص ممّن تجب وَلايته بما ظهر منه من الوفاء في الدّين بالقول والعمل فوَلايته طاعة غير توحيد، وبراءته كفر غير شِرك، ...
--------------------
أنّ الجهل أنزل مرتبة من الجُحود والإنكار، لكن لا حظّ للنّظر مع وُجود الأثر، حيث نصّوا على تساويهما في غير هذا الموضع والله أعلم، وأيضًا قوله: وترك وَلايتهما شامل لتركها على جهة الجحود والإنكار والله أعلم، إلاّ أن يُقال: المراد الجحود والإنكار بالتّأويل والله أعلم.
قوله والمنصوص: معطوف على قوله: الخاصّ من النّاس، والحاصل أنّ المنصوص على قسمين: منصوص أنزله اللهُ في كتابه ونصّ عليه وقامت عليه الحُجّة بتعيينه، فوَلايته توحيد وجهلها شِرك كمريم ابنة عمران، ومنصوص لم نطّلع على النصّ فيه [فتولّيناه] (1) كأبي بكر - رضي الله عنه - مثلاً: إذا فرضنا أنّ اللهَ سبحانه وتعالى أخبر النّبيء - صلى الله عليه وسلم - بأنّه من أهل الجنّة ولم نطّلع على النصّ فيه، فتولّيناه بما ظهر لنا فيه من الوفاء، فإنّ وَلايته [حينئذ] (2) طاعة غير توحيد وبراءته كفر غير شِرك، وإلاّ لأشركت الشّيعة، والله أعلم (3).
قوله بما ظهر منه: أي لا بالنصّ لعدم اطّلاعنا عليه.
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - زيادة من هـ.
(3) - لِطعنها في أبي بكر الصدّيق - رضي الله عنه - وبراءتها منه، إذ في اعتقادها المتطرّف أنّ عليًّا -كرّم الله وجهه- أولى بالخلافة وإمامة المسلمين بعد النّبيء - صلى الله عليه وسلم - من أيّ صحابيّ آخر، وبذلك فالخلفاء الثّلاثة الذين تقدّموه كلّهم جورة غاصبون للحكم. (1/157)
صفحة 158
وكذلك الإنكار لها والجهل بها وأنّ اللهَ أوجب عليها ثوابًا كُفْرٌ غَيْرُ شِرك أيضًا، والوَلاية إنّما تجب بالوفاء (1) بجميع الفرائض قولاً وفِعلاً، والاِنتهاء عن جميع الكبائر نطقًا وامتثالاً، لأنّ الوَلاية لا تنزل على كبيرة ولا صغيرة مُصَرًّا عليها، كما أنّ البراءة يستحقّها المقارف لكبيرة واحدة أو صغيرة مصِرًّا عليها لأنّها ضدّ الوَلاية التي لا تجب إلاّ بالوفاء بجميع الدّين، والله أعلم.
--------------------
قوله وأنّ اللهَ ... الخ: عطف على الضّمير في قوله: بها، بيّن -رحمه الله تعالى- حكم جهل الثّواب في هذا المحلّ، ولم يبيّنه في وَلاية المعصوم والمنصوص هل يكون كُفرًا أو شِركًا؟ والظّاهر الثّاني والله أعلم حرِّره.
قوله والوَلاية إنّما تجب بالوفاء بجميع الفرائض ... الخ: ظاهره بل صريحه أنّه إذا وفّى بالفرائض وانتهى عن الكبائر وَجَبت وَلايته ولو ترك سائر السُّنن، مع أنّهم ذكروا أنّ ترك السّنن من أخلاق السّوء التي لا تنزل عليه الوَلاية، نعم إذا ثبتت وَلايته ثمّ ترك السّنن بعد ذلك لا يُبرأ منه، والله أعلم.
قوله نطقًا وامتثالاً: الظّاهر أنّه تمييز، أي: ينتهي من جهة النّطق والاِمتثال.
قوله مصِرًّا عليها: لعلّه: مُصِرٍّ -بالجرّ- ويُحتمل إبقاؤه على النّصب فيُجعل حالاً من: المقارف.
(((
__________
(1) - في ب: بالوفاء في الدّين بجميع ... . (1/158)
صفحة 159
الفصل الثّامن
في وَلاية الأطفال
اِعلم أنّ النّاس قد اختلفوا فيهم على أربعة أقوال: فقالت المرجئة بولايتهم جميعًا، وهو مذهب معاذ بن جبل -رحمه الله-، وقال بعضهم بالوقوف فيهم جميعًا، وهذا القول يُروى عن النّاكثة (1) ومَن قال بقولهم، وقال بعضهم: إنّ الأطفال بمنزلة الآباء، فأطفال المسلمين مسلمون وأطفال المشركين مشركون، وهذا القول مروي عن الصّفرية وأصحاب الحديث (2)، ...
--------------------
قوله وهو مذهب معاذ ... الخ: وظاهر كلام "السّؤالات" الميلُ إلى هذا المذهب حيث قال عند ذكر الخلاف في فناء أطفال غير المسلمين أعلى التّلاشي أم على الاِنقلاب: «فإن كان على الاِنقلاب فهم من أهل الجنّة، لأنّ اللهَ يمنّ بالرّحمة ولا يظلم بالعذاب، ويكونون خَدَمًا للمسلمين» (3).
__________
(1) - النّاكثة أو النُّكّاث من أسماء فِرقة النّكّار إحدى طوائف الإباضية الضالّة عنها والمتقدّم تعريفها بصفحة 126، قال في "السّؤالات": «وقيل للنّكّار نكّارٌ لأنّهم أنكروا إمامة عبد الوهّاب - رضي الله عنه -، وقيل لهم نُكّاثٌ لأنّهم نكثوا البيعة، وقيل لهم نجوية لكثرة النّجوى، وقيل لهم ملحدة لأنّهم ألحدوا في أسماء الله ... ». السّوفي، 337.
(2) - هم أهل الحجاز من أصحاب مالك والشّافعي وسفيان الثّوري وابن حنبل وداود الأصفهاني، سُمّوا بذلك لعنايتهم بتحصيل الأحاديث ونقل الأخبار، وبناء الأحكام على النّصوص ولا يرجعون إلى القياس ما وجدوا خبرًا أو أثرًا. الشّهرستاني: الملل والنِّحل، 2/ 45.
(3) - السّوفي، 187. (1/159)
صفحة 160
ولكلّ فريق حُجّة يحتجّ بها تركتها مخافة التّطويل، ...
--------------------
قوله ولكلّ فريق حُجّة ... الخ: ذكرها -رحمه الله- في "شرح النّونية" كلّها (1)، فذكر أنّ حُجّة معاذ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه هما اللّذان يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه» (2)، وأنّ حُجّة النّاكثة قوله - صلى الله عليه وسلم - حين سُئل عن أطفال المشركين: فقيل: أرأيت من يموت منهم صغيرًا؟ فقال: «الله أعلم بما كانوا صانعين» (3)، قا ل المصنِّف -رحمه الله-: «فهذا ليس بشيء وهو حُجّة المتوسِّطين، وإنّما وقع السّؤال عن أطفال المشركين خاصّة»، ثمّ ذكر أنّ حُجّة الصّفرية وأصحاب الحديث قوله تعالى حكاية عن نوح - عليه السلام -: {وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 27]، وقوله تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنُ اولَئِكُمْ} [القمر: 43]، وأمّا أصحاب الحديث فزعموا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «توقَد لهم نار غدًا يوم القيامة فيُؤمرون باقتحامها، فمن اقتحم نجا، فلو أُمروا في الدّنيا لا يتّمروا، ومن امتنع دخلها مع آبائهم» (4)، وزعموا أنّ
__________
(1) - الجيطالي، 2/ 13، شرح البيت 31.
(2) - أخرجه أصحاب السّنن بألفاظ مختلفة أقربها لرواية المحشّي رواية البخاري: كتاب الجنائز باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم: 1319؛ ومسلم: كتاب القدَر، باب معنى كلّ مولود يولَد على الفطرة ... ، رقم: 2658 - 25؛ وأبو داود: كتاب السّنّة، باب في ذراري المشركين، رقم: 4714.
(3) - أخرجه البخاري: كتاب القدَر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين، رقم: 6226؛ ومسلم: كتاب القدَر، باب معنى كلّ مولود يولَد على الفطرة، رقم: 2658 - 24 في حديث طويل وبلفظ: «الله أعلم بما كانوا عاملين».
(4) - عزاه الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (3/ 246) للبزّار من حديث أنس وأبي سعيد، وللطّبراني من حديث معاذ بن جبل. (1/160)
صفحة 161
..........................................
--------------------
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن أطفال المشركين فقال: «هم مع آبائهم» (1) ... الخ، وأقول: إنّما عبّر بالزّعم لبعد ثُبوت هذا عنه - صلى الله عليه وسلم -، أمّا الحديث الأوّل فلأنّ الآخرة ليست بدار تكليف، وأمّا الثّاني فلأنّ الله يمنّ بالرّحمة ولا يظلم بالعذاب، وقد قال تعالى: {إِن َاللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} الآية [يونس: 44]، وأمّا الآية الأولى فقال البغوي: «قال محمّد بن كعب ومقاتل والرّبيع وغيرهم: إنّما قال نوحٌ هذا حين أخرج الله كلّ مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم، وأعقم أرحام نسائهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة، وقيل بسبعين سنة، فأخبر اللهُ نوحًا أنّهم لا يؤمنون ولا يلدون [إلاّ فاجرًا كفّارًا، يعني: لا يلدون] مؤمنًا، فحينئذ دعا عليهم نوح فأجاب اللهُ دعاءه وأهلكهم كلّهم، ولم يكن فيهم صبيّ وقت العذاب لأنّ الله تعالى قال: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ} [الفرقان: 37] ولم يوجد التّكذيب من الأطفال ... الخ» (2)، وأمّا الآية الثّانية فلم يظهر الاِستدلال بها على ما ذكر، قال البيضاوي: «: {أَكُفَّارُكُمْ} يا معشر العرب {خَيْرٌ مِّنُ اولَئِكُمْ} الكفّار المعدودين قوّة وعُدّة ... الخ» (3)، وقال
__________
(1) - أخرجه أبو داود: كتاب السّنّة، باب في ذراري المشركين، رقم: 4712 في حديث طويل سألت فيه عائشة رضي الله عنها الرّسول - صلى الله عليه وسلم - عن ذراري المشركين، فقال: «مِنْ آبائهم، قالت: بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين»، وأورد الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3/ 246) حديثًا رواه عن أحمد في نفس الموضوع وقال: وهو حديث ضعيف جِدًّا ... .
(2) - معالم التّنزيل، تفسير الآية 27 من سورة نوح.
(3) - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 43 من سورة القمر. (1/161)
صفحة 162
وقال أصحابنا ومَن وافقهم بوَلاية أطفال المسلمين والكفّ عمّا سِواهم حتّى يبلغوا الحلُم، فيولّون إذا ظهر منهم الوفاء، أو يُتبرّأ منهم إذا ظهرت منهم الكبائر، واحتجّوا بقول الله تعالى: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَتُهُمْ بِإِيمَانٍ اَ لْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ} [الطّور:21]، وبقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لولده: «تمام رضاعتك يا بني في الجنّة» (1)، وذلك أنّه مات وهو ابن ثمانية عشر شهرًا؛ واحتجّوا في الوُقوف عن أطفال غير المسلمين بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سُئل عنهم فقال: «الله أعلم بما كانوا صانعين» (2).
--------------------
البغوي: «{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنُ اولَئِكُمْ} أشدّ وأقوى من الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار، أي ليسوا بأقوى منهم» (3)، اللهمّ إلاّ أن يُقال: مرادهم أنّ قوله: {أَكُفَّارُكُمْ} شامل لهم ولأولادهم، وهذا بعيد والله أعلم.
قوله {بِإِيمَانٍ} ... الخ: التّنكير فيه للتّعظيم، أي: بسبب إيمان عظيم رفيع المحلّ، وهو
__________
(1) -قال ذلك - صلى الله عليه وسلم - عند وفاة ابنه إبراهيم، والحديث أخرجه ابن ماجة: كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصّلاة على ابن رسول الله ... ، رقم: 1512 بلفظ: «إنّ إتمام رَضاعه في الجنّة»؛ ومسلم: كتاب الفضائل، باب رحمته - صلى الله عليه وسلم - الصّبيان والعِيال ... ، رقم: 2316 بلفظ: «وإنّ له لظئرين تكملان رَضاعه في الجنّة».
(2) - تقدّم تخريجه بصفحة 160، وقال القطب اطفيش في أطفال المشركين والمنافقين: «والذي أقول به أنّهم في الجنّة والله يمنّ برحمته ولا يظلمهم بذنوب آبائهم، وليست الآخرة دار تكليف، فلم يصحّ حديث اختبارهم باقتحام نار توقَد لهم فينجو من اقتحمها، ويدلّ على =
(3) - معالم التّنزيل، تفسير الآية 43 من سورة القمر. (1/162)
صفحة 163
مسألة: وتجوز وَلاية أطفال المتولّى بأربعة أوجه؛ أحدهما: المعرفة أنّهم وُلدوا على فراش آبائهم (1)، والثّاني: إقرار الأب أنّه ابنه إذا حضر، وقيل حتّى يكون معه أمين آخر لأنّه مدّعٍ، وقيل حتّى يكون معه أمينان، والثّالث: شهادة الأُمناء أنّ لفلان أولادًا كانوا حُضورًا أو غيابًا، أحياءًا كانوا أو أمواتًا، الرّابع: شهادة أهل الجملة ...
--------------------
إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذرّيّاتهم، وإن كانوا لا يستأهلونها تفضّلاً عليهم وعلى آبائهم ليتمّ سرورهم ويكمل نعيمهم ... الخ.
قوله وتجوز وَلاية ... الخ: لو قال: تجب بدل قوله: وتجوز لكان أظهر، لأنّ المتبادَر من الجواز ما استوى طرفاه، لكنّه أراد بالجائز ما قابل الممتنع فيصدُق بالواجب، والله أعلم.
قوله بأربعة أوجه: أي بأحد أربعة، فإنّ كلّ وجه من هذه الأربعة كافٍ في ثُبوت الوَلاية.
قوله لأنّه مُدّعٍ: هذا إنّما يظهر كونه عِلّة لِما بعده من الاِحتياج إلى الأمينين، وأمّا هذا فالمناسب له أن يقول مثلاً: لأنّه بمنزلة الشّاهد الواحد، والله أعلم.
قوله الأُمناء: أراد بالأمناء ما فوق الواحد.
قوله شهادة أهل الجُملة: أي إذا كانوا ثلاثة فما فوق، فلو قال: مشهورُ أو خبرُ أو قولُ -مثلا- لكان أحسن، لأنّ الشّهادة الحقيقيّة يُطلب فيها العدالة، والله أعلم.
قوله أهل الجملة: بيّن في "السّؤالات" مَنِ المراد بهم، حيث قال: «وعن منافق فعل طاعة
__________
(1) = عدم صِحّته قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّهم في الجنّة خدَم لأهلها» [أخرجه الطّبراني والبزّار عن سمرة]، وإنّما وقف - صلى الله عليه وسلم - فيهم قبل أن يسأل اللهَ تعالى فيهم فيجيبه بأنّهم من أهل الجنّة ... ». جواب لأهل زوارة، 22.
- في ب و د: أبيهم. (1/163)
صفحة 164
يثبت بهم النّسب ويُتولّى بهم الأطفال إذا حضروا.
وعبيد المتولَّى إذا كانوا أطفالاً فيهم قولان: قيل بالولاية وقيل بالوُقوف، والمَوَالِي الأطفال إذا أعتقهم المُتولّى فيهم قولان أيضًا، وابن أمّه يُتولّى بولاية أمّه إذا كانت مسلمة، وقيل: لا يُتولّى إلاّ بأبيه؛ ...
--------------------
الله هل يُقال له إنّه: أهلٌ لذلك؟ قال: لا، وإنّما يُقال له: ليس بأهل لذلك، وأمّا أهل التّوحيد أهل القبلة أهل الجملة أهل الصّلاة يُقال لهم ذلك ... الخ» (1)، والمراد بأهل الجملة إذا كانوا ثلاثة فما فوق.
قوله يثبت بهم النّسب: أي ما لم يقع الإنكار أو يُستراب، فإذا وقع الإنكار كان من باب الشّهادة التي يُشترَط فيها العدد والعدالة جميعًا لموضع التّنازع، وكذلك يجوز قول أهل الجملة في رؤية الهلال والموت والنّكاح والإياس والإمامة والأميال، ما لم يقع الإنكار أو الرّيبة في جميع ذلك، من "إيضاح" الشّيخ عامر -رحمه الله- (2).
قوله وابن أمّه ... الخ: ليس خاصًّا بولد الزّنا، قال في "السّؤالات": «وإن شهد اثنان أنّ هذا ابن أمّه فلا تجوز شهادتهما على وَلايته حتّى يقولا: هوفلان بن فلانة المسلمة، لم يعلموا لها زوجًا، أو زوجها عبدٌ أو مشرك» (3).
قوله إذا كانت مسلمة: أي بأن تابت.
قوله إلا بأبيه: أي والحال أنّه لا أب له في الزّنا [شرعًا] (4)، فينتج أنّه لا يُتولّى.
__________
(1) - السّوفي، 309 بتصرّف.
(2) - الإيضاح، 2/ 152، 153 بتصرّف.
(3) - السّوفي، 390.
(4) - زيادة من أ، وسقط منها: في الزّنا. (1/164)
صفحة 165
وكذلك التي أسلمت من الشّرك ولها أولاد فإنّها تجرّهم إلى الإسلام، ويُتولّون بوَلايتها؛ والعبد إذا أعتقه المتولّى وغيره فإنّه يُتولّى بالمتولّى منهما؛ وأمّا المشترك من الأطفال بين المتولّى وغيره فقيل فيه بالكفّ؛ والمتولّى إذا ارتدّ إلى الشّرك فقيل إنّ أولاده في منزلتهم الأولى من الوَلاية، فإن عُلم من أبيهم نفاق فالكفّ عن أولاده الأطفال؛ ...
--------------------
قوله وكذلك التي أسلمت ... الخ: وذلك لأنّ الولد يتبع أشرف الأبوين في الإسلام، ويتبع أخسّهما -وهي الأمّ- في الحريّة والعبوديّة.
قوله فإنّه يُتولّى ... الخ: يعني إذا كان طفلاً كما قيّده في "السّؤالات" (1) وهو ظاهر، ولعلّ هذا على القول بوَلاية عبيده الأطفال، والله أعلم.
قوله وأمّا المشترك من الأطفال: لعلّه [المراد به] (2) من وُطئت أمُّه لرجلين مثلاً في طهر واحد، بنكاح أو ملك يمين كما بُيِّن في محلّه، أو المراد به الخليط، فإنّه ذكر في "السّؤالات" (3) أنّه لا يُتولّى، وأمّا المشترك من العبيد إذا كان طفلاً فذكر أنّه يُتولّى، ولم يذكر غيره، وهو المناسب لمسألة الطّفل المشترك المُعتَق، والله أعلم.
قوله فقيل إنّ أولاده في منزلتهم ... الخ: قال في "السّؤالات" بعد حكاية هذا القول في أولاد المرتدّ والمنافق: «وقيل بالوقوف في أولاد المتولّى إذا رجع إلى الشّرك، والوَلايةِ في أولاد مَن رجع إلى النّفاق، روي هذا الجواب عن الشّيخ يحي بن أبي
__________
(1) - السّوفي، 447.
(2) - زيادة من هـ.
(3) - السّوفي، 447. (1/165)
صفحة 166
وأطفال أهل الوَلاية إذا بلغوا فهم في الوقوف، فإن عُلم منهم الوفاء فهم في منزلتهم الأولى من الوَلاية، وإن عُلم منهم كفرٌ فهم في البراءة، وإن تشابه بلوغهم فهم على الأصل الأوّل من الطّفوليّة، وإن قالوا في حين الشّبهة: بلغنا، حكمنا عليهم بحكم البالغين، ومن تجنّن في الطّفوليّة فحكمه حكم الطّفل، إن كان أبوه متولّى فإنّه يُتولّى، وإن كان مشركًا أو منافقًا وُقف عنه؛ وأطفال المتولّى إذا غابوا فقيل هم على وَلايتهم ما لم يتبيّن بلوغهم بالمشاهدَة أو بالأمناء، ...
--------------------
بكر - رضي الله عنه -» اهـ (1). ولعلّ المصنّف -رحمه الله- إنّما اقتصر على القول الأوّل لرُجحانه، لأنّه صار بالاِرتداد بمنزلة المعدوم، لأنّ الشّرك قطع ما بينهما، وليس له عليهم تصرّف بوجه من الوجوه بخلاف المنافق، وأمّا صاحب القول الثّاني فلعلّه نظر إلى كون الشّرك أعظم من النّفاق، والله أعلم.
قوله إذا بلغوا فهم في الوقوف: إن قلت كيف يُرجع من الوَلاية إلى الوقوف مع قولهم: «إذا وجبت الوَلاية لم تسقط إلاّ بالبراءة»؟ (2) قلت: ذلك في من وَلايته بالاِستقلال، كمسألة الحارث وعبد الجبّار (3)، والله أعلم.
قوله ما لم يتبيّن بلوغهم ... الخ: قال في "السّؤالات": «وسُئل عن أولاد المتولّى إذا غابوا هل يكونون على وَلايتنا فيهم حتّى يتبيّن لنا بلوغهم بمشاهدتهم، أو بقول
__________
(1) - السّوفي، 486، وانظر ترجمة الشّيخ يحي بن أبي بكر في الملحق، رقم: 60.
(2) - عمرو بن جُميع: عقيدة العزّابة، ضمن مقدّمة التّوحيد وشروحها، 70.
(3) - وهي أنّهما وُجدا مقتوليْن، وسيف كلّ واحد منهما في جُثّة الآخر، فاختُلف في وَلايتهما، أيُتْرَكان عليها جريًا على الأصل الذي كانا عليه؟ أو يوقَف فيهما لعدم شهودِ أيّ أحد لحادثهما؟ أو يُبرأ منهما لظاهر ما وُجدا عليه؟ اُنظر ترجمتهما في الملحق، رقم: 16. (1/166)
صفحة 167
وقيل يُنظر إلى أترابهم فإذا بلغوا حُكم ببلوغهم وصاروا في الوقوف، وإن قال الأمناء: إنّهم قد بلغوا، أو كبار، أو لزمتهم الفرائض، فجائز؛ ويُقال ثلاثة لا يعلم حدّهم إلاّ الله: الحدّ الأوّل من البلوغ، والحقيقة في المكيال، والميزان.
مسألة (1): ووَلاية المرء نفسه واجبة على التّوبة من جميع الذّنوب، وكذلك أطفاله وعبيده إذا كانوا أطفالاً، وفي وَلاية أطفال مماليك المسلمين قولان، والله أعلم.
--------------------
الأمناء؟ قال: نعم، ولو سمعنا أنّهم ولدوا أولادًا، قال أبو محمّد (2): قال بعضهم: يُنظر إلى أترابهم» إلى أن قال: «وهل نتولّى أولادهم؟ قال: الله أعلم، فإن قال أهل وَلايتنا: إنّهم قد بلغوا، أو كبار، أو لزمتهم الفرائض فذلك جائز، وأمّا الأطفال حتّى يقولوا: بلغنا، وحدّ البلوغ انتهاء الحاسّة إلى حدّ التّكليف، قال الله - عز وجل -: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} ثلاثة وثلاثين سنة {وَاسْتَوَى} [القصص: 14]: أربعون سنة، وأشُدّ اليتيم ثمان عشرة سنة، ويُقال: ثلاثة لا يعلم حدّهم إلاّ الله: البلوغ والكيل والميزان ... الخ» (3)، ولعلّ الشّروط المذكورة إذا لم تُعلم عدد سنينهم، بدليل ما ذكروه في البلوغ بالسّنين من أنّه إذا بلغ خمس عشرة سنة، وقيل سبعة عشر سنة يُحكم ببلوغه ولو كان كالأبهم، والله أعلم.
قوله والحقيقة في المكيال والميزان: لو جُعلت الحقيقة فيهما شيئًا واحدًا، وجُعل الثّالث الحدّ الأوّل من أوقات الصّلاة، كما صرّح به في بعض الكتب لكان أفيد، والله أعلم وأحكم.
قوله على التّوبة ... الخ: الظّاهر أنّ على بمعنى الباء، على حدّ قوله تعالى: {حَقِيقٌ
__________
(1) - هي في السّوفي: السّؤالات، 447.
(2) - هو أبو محمّد عبد الله بن سجميمان النصيري.
(3) - السّوفي، 392. (1/167)
صفحة 168
الفصل التّاسع
في شروط الوَلاية والجهات التي تحصل بها
أمّا شروط الوَلاية فهي أربعة؛ أحدها: مسموع الأذن مرضيّ، والثّاني: منظور العين مرضيّ، والثّالث: مرضيّ القلب مقبول الحال، والرّابع: موافق للمذهب والشّريعة، لأنّه من اتّبع غير سبيل المؤمنين ولاّه اللهُ ما تولّى وأصلاه جهنّم وساءت مصيرًا.
وأمّا الجهات التي تصحّ بها الوَلاية فهي أربعة أيضًا؛ ...
--------------------
على أَن لاَّ أَقُولَ} [الأعراف: 105] في قراءة مَن خفّف "على"، ويُشعر بذلك قول صاحب "العقيدة": «وذلك بالتّوبة والاِنقلاع من الذّنوب» (1)، يعني فترحّم المرء على نفسه والاِستغفار لها ونحو ذلك لا يُعدّ وَلاية، والله أعلم.
قوله مسموع الأذن ... الخ: هذا التّركيب غير ظاهر الإعراب، ولعلّ العبارة: كون مسموع الأذن مرضيًّا، وكذلك فيما بعده.
قوله مرضيّ القلب ... الخ: الظّاهر أنّه إذا اجتمعت الشّروط الثّلاثة لا عبرة بعدم رِضى القلب، بل الواجب عليه حينئذ أن يذعن قلبه ويقبل الحقّ، لأنّ الوَلاية أمر كسبي، لكن لا حظّ للنّظر مع وُجود الأثر، والله أعلم فليُحرَّر.
قوله وأمّا الجهات ... الخ: هذه الجهات وإن كانت داخلة تحت مسموع الأذن ومنظور العين، ولكن الفرق أنّ الجهات كلّ واحدة منها تكفي في حصول الوَلاية بها، والله أعلم.
__________
(1) - عمرو بن جُميع: عقيدة العزّابة، ضمن مقدّمة التّوحيد وشروحها، 71. (1/168)
صفحة 169
أحدها: الخبرة بصاحبها أنّه موافق للمسلمين في القول والفعل، والثّانية: الشّهرة التي لا تُدفع، وهو أن يشتهر له ذلك، فمن علمه لا يعلم منه إلاّ الخير، ومَن جهله جهله، لأنّ المشهور في الخير يُتولّى بغير بيِّنة، والله أعلم، والثّالثة: شهادة العدلين اللذين تقوم بهما الوَلاية والبراءة وتنفذ بهما الأحكام، فهذه الثّلاثة الأوجه مُجمع عليها، ولا أعلم فيها خلافًا، والرّابعة: مُختلَف فيها، وهي شهادة العدل الواحد بما يوجب للمعيّن الوَلاية، فقيل: ذلك حُجّة على المرفوع إليه الوَلاية، فشبّهوا ذلك بالشّاهد في حقوق الله - عز وجل - من صوم رمضان دون إفطاره، وطهارة الثياب بقول الغاسل، وحلول أوقات الصّلاة وأوقات الإفطار بقول الثّقة، وأشباه ذلك؛ وقيل ليس ذلك حُجّة عليه ولا له، لأنّ الواحد إنّما يكون حُجّة في الكفّ دون التّصديق في قول بعضهم، والحُجّة إنّما تقوم بأمينين مسلمين حُرّين، أو أمين وأمينتين مسلمتين، كالشّهادة في الأحكام من الحقوق والدّماء والأموال، ...
قوله الخبرة: أي العلم، وهذا يكون عند المخالطة لصاحب الوَلاية.
قوله المعيَّن: وهو المتولَّى.
قوله المرفوع إليه: أي وهو المتولِّي -بالكسر- والمراد بكونه مرفوعًا إليه الوَلاية أي: مرفوعًا إليه سببها.
قوله إنّما يكون حُجّة في الكفّ دون التّصديق: وذلك لأنّ الثّقة خبره يوجب العمل ولا يوجب العِلم.
قوله والأموال: أي: دون الحدود، فإنّ النّساء لا تجوز شهادتهنّ فيها. (1/169)
صفحة 170
وقيل: هو مخيَّر في الواحد بين القبول والوقوف عنه، وقيل: إن سأله ابتداءً لزمه قَبول قوله، وإن لم يسأله وإنّما شهد ابتداءً فهو مخيَّرٌ فيه بين القَبول والوقوف عنه أيضًا، كالمعدّل للشّهود والله أعلم؛ وأجاز بعض أصحابنا الوَلاية والبراءة بقول رجل وامرأة واحدة إذا كانت تبصر الوَلاية والبراءة، وذُكر مثل ذلك عن ابن عبّاد أنّه رخّص لأبي ميمون -رحمه الله- أن يتولّى أمّه بشهادة امرأة متولّية عنده، ويحُجّ عنها، ففعل ذلك والله أعلم (1).
--------------------
قوله كالمعدِّل للشّهود: أي مَن يشهد بعدالة الشّهود، فإنّه إن شهد بعدالتهم بعد الطّلب قُبلت شهادته، وإلاّ فلا.
قوله تبصر الوَلاية ... الخ: أي تتقنهما وتعلم شروطهما.
قوله متولّية: صوابه: متولاّة.
(((
__________
(1) - روى ذلك مقرن بن محمّد البغطوري: سيرة أهل نفوسة، 100 (مخطوط)، وانظر: ترجمة أبي ميمون وقصّته في الملحَق، رقم: 6. (1/170)
صفحة 171
الفصل العاشر
في ووَلاية الأئمّة وقادات الأمّة
وروي عن أبي خزر -رحمه الله- أنّه قال: «لا يسع جهل الأئمّة»، فقيل: أراد الأئمّة التّسعة؛ أربعة من العرب: أبو بكر الصدّيق بن أبي قُحافة التّميمي، وعمر بن الخطّاب من بني عدي بن كعب، وعبد الله بن يحي الكندي طالب الحقّ (1)، وأبو الخطّاب عبد الأعلى بن السّمح المعافري (2) -رحمهم الله-، والجلندى بن مسعود إمام عُمان (3)، زاده بعضهم، ...
--------------------
قوله فقيل: أراد الأئمّة ... الخ: مقابله ما ذكره في "السّؤالات" أوّلاً حيث قال: «وروي عن الشّيخ أبي خزر - رضي الله عنه - أنّه قال: لا يسع جهل الأئمّة، ولا يسع جهل المِلل، ولا يسع جهل النّاقضين لِما في أيدينا، والرّجوع عن العلم لا يسع، والأئمّة: كلّ قادة في الدّين، قال الله - عز وجل -: {يَومَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] أي: بكتابهم، وقيل: بدينهم، وقيل: إمام الهدى وإمام الضّلالة، وقيل: برسلهم، وقيل: معنى قول الشّيخ -رحمه الله-: الأئمّة التّسعة ... الخ» (4).
قوله التّميمي: هكذا في غالب النّسخ، وصوابه: التّيمي، نسبة إلى تيم بن مرّة، في "القاموس": «في قريش تيم بن مرّة رهط أبي بكر ... الخ» (5) فذكر جملة اسمهم: تيم.
__________
(1) - اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 35.
(2) - اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 28.
(3) - اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 15.
(4) - السّوفي، 289، 290، ومنه نقل الجيطالي مقولة أبي خزر.
(5) -الفيروزابادي: باب الميم، فصل التّاء: التّيم. (1/171)
صفحة 172
وخمسة من الفرس: عبد الرّحمن بن رستم الفارسي، وابنه عبد الوهّاب، وأفلح بن عبد الوهّاب، ومحمّد بن أفلح، ويوسف بن محمّد - رضي الله عنهم - (1)، ومنّ علينا بالتمسّك على منهاجهم القويم وطريقهم المستقيم إنّه رحيم كريم.
وأمّا أئمّة الدّين والهدى وقادات المسلمين من أهل المروءة والتّقوى ...
--------------------
قوله وأمّا أئمّة الدّين والهدى: هذا بحسب الظّاهر يقتضي أنّ هؤلاء الأئمّة غير أولئك المتقدّمين حيث فصله ب أمّا مع أنّه غير ظاهر، قال في "السّؤالات" بعد ذكر الأئمّة العشرة: «هؤلاء أئمّة الهدى، أولو الرّشاد، الرّاشدون المقتَدون رحمة الله عليهم ومن اتّبع طريقتهم واقتدى بهداهم إلى يوم الدّين، ونسأله أن يمنّ علينا بالكون على منهاجهم، والتمسّك بسيرهم، والعمل بما يرضيه من دينهم، آمين ربّ العالمين ... الخ» (2)، فوصفهم بما وصف به المصنّف -رحمه الله- من فصلهم ب أمّا بل بأعظم، اللهمّ إلاّ أن يُقال: أراد نوعًا خاصًّا من الأئمّة، وهم المجتهدون ممّن لم يتولّ الإمارة كعبد الله بن إباض (3) وجابر بن زيد (4) ونحوهما رحمة الله عليهم ممّن قابل أئمّة الضّلال،
__________
(1) - الأئمّة الرّستميون أكثر من الخمسة الذين ذكرهم المصنّف هنا، وعدمُ ذكره لهؤلاء إشعار منه بعدم عدالتهم -وهو ما يؤكّده المؤرّخون- ولهذا فهم لا يُتولّون أصلاً. اُنظر: ترجمة عبد الرّحمن بن رستم في الملحَق، رقم: 29؛ وترجمة عبد الوهّاب، رقم: 36؛ وترجمة أفلح، رقم:10؛ وترجمة محمّد بن أفلح، رقم: 49؛ وترجمة يوسف بن محمّد، رقم: 65.
(2) - السّوفي، 290 بتصرّف.
(3) - اُنظر: ترجمته في الملحَق، رقم: 32.
(4) - جابر بن زيد أبو الشّعثاء عالم من علماء التّابعين، مفسّر ومحدّث وفقيه، وهو الإمام الأوّل للإباضية، توفّي سنة 93هـ على أرجح الأقوال، ولم نُخصّص له ترجمة في الملحق لشهرته. اُنظر ترجمته بالتّفصيل في يحي محمّد بكّوش: فقه الإمام جابر بن زيد، 11 وما بعدها. (1/172)
صفحة 173
فإنّهم متولّون عند أصحابنا بغير حُجّة، لأنّها بمنزلة الدّيانة من التّفسيق والتّكفير والتّحليل والتّحريم، وليست بمنزلة وَلاية الأشخاص وبراءتها، ...
--------------------
قال في "السّؤالات": «وعمّن يُنسب إليه مذاهب الخلاف هل يُبرأ منهم؟ قال: نعم، قال أبو محمّد: وذلك لاشتهارهم في الشرّ، وكذلك من يُنسبُ إليه مذهب الإباضية وهو عبد الله بن إباض المرّي رحمة الله عليه، وسلمة بن سعد (1) في المغرب رحمة الله عليه، سألت عن ذلك الشّيخ أبا عمرو عثمان بن خليفة رحمه الله فقال: يُتولّون بالاِشتهار، وأيّ اشتهار أعظم من بذل النّفس في إظهار دين الله - عز وجل - رحمة الله عليهم- ولو يومًا واحِدًا» اهـ (2)، ويدلّ على أنّه أراد نوعًا خاصًّا من الأئمّة غير من ذكر أوّلاً.
قوله يُتولّون عند أصحابنا بغير حُجّة: فإنّ الظّاهر أنّ المراد بغير شهادة العدول بل بالاِشتهار، بالتكلّم في دين الله وإظهاره، بخلاف الأئمّة العشرة -رحمة الله عليهم- فإنّه لا تجب وَلايتهم حتّى تقوم علينا الحُجّة بشهادة العُدول مثلاً، فإن أراد ما ذكرنا ظهر الفرق وإلاّ فلا، فليُحرَّر مراده هنا بقوله: بغير حُجّة، وفيما بعد: إلاّ مع قيام الحُجّة، والله أعلم، ويدلّ على ما قلنا قوله أوّلاً: في وَلاية الأئمّة وقادات الأمّة، فإنّ الأصل في العطف المغايرة.
قوله بمنزلة الدّيانة: يعني في أنّها لا تتغيّر، كالتّحليل والتّحريم، بخلاف وَلاية الأشخاص وبراءتهم.
قوله من التّفسيق ... الخ: بيان ل الدّيانة.
قوله وليست ... الخ: ألا ترى أنّك تنتقل من وَلاية الأشخاص وبراءتهم.
__________
(1) - اُنظر: ترجمته في الملحَق، رقم: 21.
(2) -السّوفي، 438. (1/173)
صفحة 174
ألا ترى أنّك تنتقل عن وَلاية الأشخاص وبراءتها بشهادة الأمناء، وليست كذلك وَلاية الأئمّة، لأنّك لا تنتقل عنها بالشّهود وإن كثُروا، وهكذا البراءة من قادات أهل الخلاف، يُبرأ منهم بغير حُجّة مَن سمع ذلك وقَبِله، لأنّ البراءة منهم بمنزلة الدّيانة كما قدّمنا في وَلاية أئمّة الهدى؛ قال: «وليس علينا مِن معرفة الأئمّة شيء إلاّ مع قيام الحُجّة» (1)؛ ووَلاية قادات المسلمين هي البراءة من قادات المخالفين، وكذلك وَلاية قادات أهل الخلاف هي البراءة من قادات أهل الوِفاق، وكذلك التّصويب والتّخطئة على هذا الحال؛ ...
--------------------
قوله وليس علينا ... الخ: الظّاهر أنّ هذا راجع إلى الأئمّة العشرة، بدليل كلام "السّؤالات" فإنّه لمّا أنهى الكلام على تِعداد الأئمّة العشرة والدّعاء لهم قال: «وليس علينا في معرفة الأئمّة شيء إلاّ مع قيام الحُجّة» (2)، فنقل المصنّف -رحمه الله- عبارته، ولعلّه لذلك أتى ب قال والله أعلم، وقد يُقال: الكلام أوّلاً في نفس الوَلاية، وثانيا في تعيين أشخاصهم، فلا منافاة والله أعلم.
قوله وكذلك وَلاية قادات أهل الخلاف ... الخ: فلو جمع بين أهل الوِفاق والخلاف في الوَلاية بطلت وَلاية أهل الوِفاق، لأنّه إذا اجتمعت الطّاعة والمعصية تكون المعصية هي الغالبة كما هو معلوم، وكذلك يُقال إذا صوّب الجميع، والله أعلم.
__________
(1) - السّوفي، 290.
(2) -المصدر السّابق، نفس الصّفحة. (1/174)
صفحة 175
واختلفوا فيمن تقلّد باسم من أسماء أهل الخلاف، فحُكي عن أبي خزر أنّه قال: «مَن تبرّأ منه لم يظلمه» (1)، وقيل ليس ذلك بشيء، واختلفوا أيضًا هل يبرأ منهم بعلامتهم أم لا؟ والله أعلم وأحكم.
--------------------
قوله تقلّد با سم من أسماء أهل الخلاف: كأنّ المراد بالتقلّد بذلك نسبة نفسه إليه، كأن يقول مثلاً: أنا حنفي، ويُحتملُ أنّ المراد بذلك أن يُسمّي نفسه باسم من أسمائهم ممّن عُرف عندنا بالشّهرة في عصرنا أنّه مخالف ولم نعرفه، فجعل نفسه هو ذلك الشّخص، والله أعلم.
قوله وقيل ليس ذلك بشيء: هذا القول مروي عن أبي زكرياء يحي بن أبي بكر، وزاد في "السّؤالات" قوله: «وقال الشّيخ أبو إسماعيل البصير - رضي الله عنه - يُبرأ منه» (2).
(((
__________
(1) - السّوفي: السّؤالات، 448.
(2) - السّوفي، 448، وأبو إسماعيل هو إبراهيم بن ملاّل المزاتي، انظر ترجمته في الملحَق، رقم: 3. (1/175)
صفحة 176
الجملة الثّانية في البراءة وتقاسيمها
وهذه الجملة أيضًا تنبعث منها عشرة فصول:
الفصل الأوّل
في معنى البراءة والأدلّة على وُجوبها من القرآن والسنّة وإجماع الأمّة
أمّا القرآن فقول الله تعالى: {لاَ يَتَّخِذِ الْمُومِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ} [آل عمران: 28]، فنهى الله تعالى عن وَلاية الكفّار، ...
--------------------
قوله أمّا القرآن ... الخ: فيه لفّ ونشر غير مرتَّب بالنّظر إلى قوله: في معنى البراءة والأدلّة ... الخ.
قوله {مِن دُونِ الْمُومِنِينَ}: اُنظر ما الحكمة في التّقييد به؟ فإنّ اتّخاذ الكافرين أولياء حرام مطلَقًا كما هو معلوم، فليُراجع سبب النّزول والله أعلم (1)؛ ولعلّ المراد أنّ من اتّخذ الكافرين أولياء فقد برئ من المؤمنين، فإنّه لا يُجمع بين وَلاية المؤمنين ووَلاية الكافرين لأنّهما ضدّان لا يجتمعان، وكلّ من تولّى الكافرين فهو كافر مشرك، ولا تنفعه حينئذ محبّة المؤمنين لقوله تعالى: {وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51]، ويصدق عليه أنّه اتّخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، والله أعلم.
__________
(1) - أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس أنّ نفرًا من اليهود -ذكروا أسماءهم- بطنوا عند بعض الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فنهاهم بعض الصّحابة عن ذلك وحذّروهم مباطنتهم لئلاّ يفتنوهم، فأبوا فأنزل الله تعالى قوله: {لاَ يَتَّخِذِ الْمُومِنُونَ ... } الآية. السيوطي: الدّرّ المنثور، تفسير الآية 28 من سورة آل عمران. (1/176)
صفحة 177
فأنفذ فيها الوعيد فقال: {لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} [الممتحنة: 13]، وقال: {وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، فمن تولّى مشرِكًا كان مشرِكًا، ومَن تولّى منافِقًا أو صاحب كبيرة كان منافِقًا صاحب كبيرة، وقال الخليل - عليه السلام -: {إِنَّا بُرَءَاؤُ مِنكُمْ} إلى قوله: {أَبَدًا} [الممتحنة: 4]، وقال تعالى: {لاَ تَتَّخِذُوا ءَابَاءَكُمْ وَ إِخْوَانَكُمُ أَوْلِيَاءَ} إلى قوله: {وَمَن يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التّوبة:23].
وأمّا السنّة: فأكثر من أن تُحصى، كقوله - عليه السلام -: «لعن الله من أحدث في الإسلام حدثًا أو آوى محدِثًا» (1) في مثلها من الملاعن، وقوله: «ليس منّا من صلق أو حلق» (2)، ...
--------------------
قوله وقال الخليل: أي فيما حكى اللهُ عنه.
قوله في مثلها: الظّاهر أنّ الضّمير راجع إلى اللّعنة المفهومة من قوله: «لعن ... الخ»، أو أراد بالحديث الكلمة لأنّها تُطلَقُ على الجمَلِ المفيدة والله أعلم.
قوله «صلق ... الخ»: في "الصِّحاح": صلق «الصّلْقُ الصّوت الشّديد عن الأصمعي، وفي الحديث: «ليس منّا مَن صلق أو حلق» ... الخ» (3)، ولم يبيّن معنى الحلق المنهيّ عنه في
__________
(1) - أخرجه الرّبيع بن حبيب: باب في الأمّة، رقم: 42؛ وفي الأخبار المقاطيع عن جابر ... ، رقم: 977؛ وأخرجه بلفظ: «المدينة حرم فمن أحدث فيها حدَثًا أو آوى مُحدِثًا فعليه لعنة الله» البخاري: كتاب فضائل المدينة، باب حرم المدينة، رقم: 1771؛ ومسلم: كتاب الحجّ، باب فضل المدينة ... ، رقم: 1371.
(2) - أخرجه النّسائي: كتاب الجنائز، باب شقّ الجيوب، رقم: 1864، 1865؛ وأبوداود: كتاب الجنائز، باب النّوْح، رقم: 3130 بلفظ: «ليس منّا من سلق وحلق»؛ وبنحوه الطّبراني في الكبير، رقم: 430؛ وأحمد: مسند الكوفيين، حديث أبي موسى الأشعري، رقم: 19552.
(3) - الجوهري: باب القاف، فصل الصّاد. (1/177)
صفحة 178
و «ليس منّا من غشّنا» (1)، في أمثاله من الألفاظ التي تدلّ على البراءة، وقوله: «إنّي بريء ممّن تطيّر أو تكهّن أو تُكُهِّن له» (2)، في أمثالها من ألفاظ البراءة؛ فبراءة الجملة واجبة بنصّ القرآن، وإجماع من أهل الإيمان، لا عذر لمن جهلها، فكما تجب الولاية لأهل طاعة الله فكذلك البراءة واجبة من أهل معصية الله بأيّ معصية كانت ...
--------------------
الحديث، ولعلّ المراد من الحديث: المرأة التي تصوّت والتي تحلق رأسها عند المصيبة والله أعلم.
قوله من غشّنا: لعلّ الإضافة بالنّظر إلى الغالب، وإلاّ فالغشّ حرام مطلَقًا، وفي بعض الرّوايات: «من غشّ ... » بغير إضافة (3).
قوله أو تكهَّن: في "القاموس": «كَهَنَ له كجعل ونصر وكرُم، كَهَانةً بالفتح، وتكهّن تكهّنًا [وتكهينًا] قضى له بالغيب فهو كاهن، والجمع كَهَنة وكُهَّان، وحرفته الكِهانة بالكسر ... الخ» (4)، في بعض الكتب: الفرق بين الكاهن والعرّاف أنّ الكاهن الذي يطالع علم الغيب ويُخبر النّاسَ عن الكوائن المستقبِلة، والعرّاف مَن يدّعي معرفة الشّيء المسروق ومكان الضّالّة ونحوهما، والله أعلم.
قوله في أمثالها: الظّاهر أنّ الضّمير راجع إلى الحديث بمعنى الكلمة.
__________
(1) - أخرجه بهذا اللفظ الحاكم في المستدرَك: كتاب البيوع، 2/ 9، وصحّحه على شرط مسلم ووافقه الذّهبي؛ وأحمد: مسند المكّيّين، حديث أبي بردة بن نيار، رقم: 15833.
(2) - أخرجه الرّبيع بن حبيب: باب الحُجّة على مَن قال: إنّ أهل الكبائر ليسوا بكافرين، رقم: 747 حديثًا قدسيا؛ وأخرجه الطّبراني في الكبير، رقم: 355 حديثا نبويا بزيادة في اللّفظ.
(3) - كما عند أحمد: مسند أبي هريرة، رقم: 7296.
(4) - الفيروزابادي: باب النّون، فصل الكاف: كهن، وفيه: «كهن كمَنَع ونصَرَ ... »، ولعلّ ما أورده المحشّي من اختلافات النّسخ. (1/178)
صفحة 179
مع الإصرار عليها، ولم تختلف الأمّة في هذا، وإنّما الخلاف في براءة الأشخاص من أهل القبلة كما قدّمنا في الوَلاية، وبالله التّوفيق.
وأمّا البراءة فمعناها في اللّغة: البعد عن الشّيء والخروج منه، وأمّا في الشّرع فمعناها: إيجاب الشّتم واللّعنة للكفّار، فأصل البراءة مخالَفَة الفاعل والتبرّؤ منه، ...
--------------------
قوله مع الإصرار: في "السّؤالات": «والإصرار معناه: الإقامة على الذّنب والاِعتقاد للعودة له» (1).
قوله ولم تختلف الأمّة: الظّاهر أنّ هذا جعله قائمًا مقام قوله مثلاً، وأمّا الإجماع فإنّه قرنه فيما تقدّم مع القرآن والسنّة، ولم يصرّح به في النّشر كما صرّح بهما، والله أعلم.
قوله من أهل القبلة: ظاهره أنّه لا خلاف في براءة الأشخاص من اليهود والنّصارى مثلاً، مع أنّ هؤلاء لا يقولون ببراءة الأشخاص مطلَقًا، إلاّ من نزل فيه النصّ، والله أعلم.
قوله إيجاب: يُنظر ما معنى الإيجاب هاهنا وما الحاجة إليه؟ فإنّ الظّاهر أنّ البراءة هي نفس الشّتم واللّعن، اللهمّ إلاّ أن يُقال: المراد به تحقيق ذلك لهم، ثمّ رأيت في "شرح الجهالات" ما يشير إلى هذا، حيث صحّح القول بالإيجاب بأحد وجهين، نظير ما تقدّم في الوَلاية (2)، حيث قال: «قلت: فما ... البراءة؟ قال: إيجاب الشّتيمة واللّعنة للكافرين، والإيجاب أيضًا هاهنا قد يكون إيجابًا من الله - عز وجل - على العبد، وقد يكون إيجابًا من العبد بمعنى أن يوجب البراءة وُجوبًا لا شرط فيه، والله أعلم بمراد صاحب الكتاب» اهـ (3). أقول: والوجه الثّاني هو الظّاهر لأنّ إيجاب الله علينا ليس هو البراءة كما هو ظاهر، بخلاف الإيجاب بمعنى القطع لهم بذلك وتحقيقه لهم، والله أعلم.
__________
(1) - السّوفي، 400.
(2) - بصفحة 130.
(3) - أبو عمّار عبد الكاف، 177، 178. (1/179)
صفحة 180
قال الله تعالى: {فَإِن عَصَوْكَ} أي: فيما تأمرهم به وتنهاهم عنه {فَقُلِ اِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشّعراء: 216] أي: متبرّئ منكم ومن عملكم، مخالف لكم غير موافق، فأصل البراءة كما قدّمنا هو المخالفة، كما أنّ أصل الوَلاية الموافقة والمساعدة على أمر الله تعالى، لأنّ الوليّ قد يكون في النّسب والدّين، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ} أي: يساعدهم ويوافقهم {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، والله أعلم.
--------------------
قوله قد يكون: الظّاهر أنّ قد للتّحقيق لا للتّقليل كما هي في عرف المصنّفين (1)، والوليّ في النّسب: هو القريب كما في الميراث والنّفقات والتّزويج وغير ذلك، وفي الدّين: كما هو في الوَلاية.
(((
__________
(1) - في الحجرية: كما هي في عبارة المصنّفين ... . (1/180)
صفحة 181
الفصل الثّاني
في براءة الجملة
وهي فريضة على كلّ مكلَّف في حال البلوغ كالوَلاية حذو النّعل بالنّعل، ففرض البراءة على كلّ مكلَّف أن يتبرّأ من جميع أعداء الله من الأوّلين والآخرين من الجنّ والإنس أجمعين إلى يوم الدّين، من غير قصد إلى أحد بشخصه، فبراءة الكافرين هكذا توحيدٌ، والتّرك لشيء من ذلك شِركٌ، والجهل بأنّ الله أمر بها شِركٌ، وكذلك الجهل بأنّ اللهَ أوجب على العمل بها ثوابًا كُفْرٌ وشِركٌ، والإنكار لوجوبها وفرضها شِركٌ أيضًا؛ وكذلك البراءة من الكافرين من الجنّ إنّما هي جملة من غير قصد إلى أحد بعينه وإن ظهر كلامه، وتُجْزِئُنا البراءة منهم في الجملة كما تُجْزِئُنَا وَلاية المسلمين منهم جملة، وليس ظهور الأصوات منهم بظهور، بل ظهور الأجساد، وأحكامهم بينهم كأحكام بني آدم فيما بينهم، ...
--------------------
قوله والتّرك لشيء من ذلك: كأن يقتصر على كفّار الإنس أو الأموات مثلاً.
قوله والجهل بأنّ الله أمر بها شِرك: أي على مذهب غير عمروس ومن وافقه (1).
قوله وكذلك البراءة من الكافرين ... الخ: الأوْلى ترك التّشبيه لأنّه لم يظهر له معنى، فلو قال مثلاً: والبراءة من الكافرين من الجنّ .... الخ لكان أظهر، لأنّ المراد إفادة بيان حكم خاصٍّ بالجنّ، والله أعلم.
__________
(1) - اُنظر ما تقدّم صفحة 52، 102. (1/181)
صفحة 182
وإن ظهروا كانت أحكامهم وأحكامنا واحدة، لأنّهم مكلَّفون ملزومون مأمورون بالطّاعة منهيون عن المعصية، فمن أوفى منهم لله بالطّاعة فله عليها الجنّة، ومن لم يوفّ بالطّاعة واجترأ على المعصية فله عليها النّار، وقيل: إنّ الجِنَّةَ في الدّنيا في الصّحاري، وإنّ المطيعين منهم يوم القيامة يكونون في صحاري الجنّة، والله أعلم، وهم كلّهم المطيع منهم والعاصي من ذرّيّة إبليس، كما أنّ الإنس كلّهم المطيع منهم والعاصي من ذرّيّة آدم التّقيّ النّبيء الأمين، صلوات الله عليه وعلى نبيئنا، والله أعلم وأحكم.
--------------------
قوله وإن ظهروا كانت أحكامهم ... الخ: في "السّؤالات": «وإن ظهرت إلينا الجنّ هل نجوّزهم في جميع الأحكام؟ قال: نعم إلاّ في الإمامة -[يعني العظمى]- والصّلاة، ويجوز لنا أن نعطيهم الزّكاة ويعطوها لنا، ونهى - صلى الله عليه وسلم - عن ذبائح الجنّ (1)، وذلك إذا لم يذكروا اسم الله عليها» (2).
قوله الجِنّة: في نسخة: الجنّ (3).
قوله ذرّيّة إبليس ... الخ: إبليس اللّعين هو الجانّ الذي هو أبو الجنّ، قال في "السّؤالات": «وقال الشّيخ أبو يحي (4): اُنظر إليهم وجدوا في كتاب أنّ الجانّ أبو الجنّ رجلٌ صالح فأخذوها، بل أبوهم إبليس المانع السّجود لآدم،
__________
(1) - أخرج ذلك البيهقي في سننه عن الزّهري مرسَلاً، وابن حبّان في صحيحه عنه موصولاً، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات. محمّد بن يوسف اطفيش: جامع الشّمل في حديث خاتم الرّسل، 2/ 284.
(2) - السّوفي، 184.
(3) - كما في نسخ القواعد المعتمَدة، وهذا التّعليق انفردت به هـ.
(4) - هو زكرياء بن أبي بكر بن سعيد الوارجلاني. (1/182)
صفحة 183
الفصل الثّالث
في البراءة من المذمومين في القرآن الموصوفين بالإساءة والعِصيان
وهم قسمان: جملة وأفراد، فالجملة: كقوم نوح ولوط، وعاد وثمود وأصحاب الرّسِّ، وقرونًا بين ذلك كثيرًا، ...
--------------------
الأبيّ المستكبر الرّجيم المذموم ... الخ» فاستدلّ بالقرآن على أنّ الجانّ هو إبليس، ثمّ قال: «ومن جعله من الملائكة أشرك ... الخ» (1).
قوله في البراءة من المذمومين: يعني عند قيام الحُجّة، ذلك سواء كان على الجملة والأفراد، وما قبل قيام الحُجّة فالبراءة من جملة الكفّار كافية، فلا حاجة إلى ما كتبناه فيما بعد من التردّد، فالمناسب بل الواجب الجزم بهذا، والله أعلم (2).
قوله ولوط: معطوف على نوح، وعاد وما بعده معطوف على قوم نوح.
قوله الرسّ: في "الصّحاح": «الرّسّ: البئر المطوية بالحجارة، والرّسّ: اسم بئر كانت لبقيّة من ثمود» (3)، [قيل في أصحاب الرّسّ كانوا قومًا من عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش، فبعث اللهُ إليهم شعيبًا فدعاهم إلى الإسلام فتمادوا في طغيانهم ... فبينما هم حول الرّسّ وهو الرّسُّ ... انهارت بهم فخُسف بهم وبديارهم، وقيل الرّسّ: قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيئهم فهلكوا، وهم بقيّة ثمود قوم صالح، وقيل: هم أصحاب النّبيء حنظلة بن صفوان ... ، وقيل: هم
__________
(1) - السّوفي، 112 بتصرّف.
(2) - انفردت هـ بهذا التّعليق.
(3) - الجوهري: باب السّين، فصل الرّاء: رسس. (1/183)
صفحة 184
والأفراد نوعان، مسمّى: كفرعون وهامان وقارون وأبي لهب وجالوت؛ وغير مسمّى: كالذي حاجّ إبراهيم، وكالذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، وكالملِك الذي يأخذ كلّ سفينة غصبًا، وأمثالهم من الذّكور، وكحمّالة الحطب، وامرأة نوح، وامرأة لوط وأشباههنّ من الإناث؛ فجميع من نصّ اللهُ عليه باسمه من الرّجال والنّساء الموصوفين بالإساءة وقُبح الثّناء فبراءتهم توحيدٌ، ووَلايتهم شِركٌ؛ فالفرض علينا فيهم البراءة منهم جملة والمعرفة بأنّهم من أهل النّار، ...
--------------------
أصحاب الأخدود، وقيل: الرّسّ بأنطاكية قتلوا فيها حبيبًا النجّار، وقيل: كذّبوا نبيئهم ورسّوه في بئر، أي دسّوه فيها، كذا في "الكشّاف"] (1).
قوله باسمه: فيه أنّ النصّ بالاِسم قليل فلو تركه لكان أظهر، اللهم ّ إلاّ أن يُقال: المراد باسمه الخاصّ أو العامّ وهو الظّاهر، والله أعلم.
قوله فالفرض علينا فيهم إلى قوله: والمعرفة بأنّهم من أهل النّار: الظّاهر أنّه محمول على ما بعد الاِطّلاع على النصّ فيهم، وأمّا قبله فالظّاهر أنّ براءة الجملة تكفي، والله أعلم، لكن كلامه في "شرح النّونية" (2) يقتضي أنّها فرض مستقلّ لا تُغني عنه براءة الجملة، والله أعلم حرّره، وكذلك ظاهر كلام الشّيخ عامر -رحمه الله- في عقيدته يدلّ على ذلك، حيث قال: «وندين بوَلاية المسلمين كافّة وبراءة الكافرين كافّة، وندين بوَلاية الذين ذكرهم الله في كتابه أنّهم من أهل الجنّة، وبراءة الذين ذكرهم اللهُ في كتابه أنّهم من
__________
(1) - زيادة من د، واُنظر: الزّمخشري، تفسير الآية 38 من سورة الفرقان.
(2) - الجيطالي، 2/ 2، 3، شرح البيت 29. (1/184)
صفحة 185
إلاّ مَن قامت عليه الحُجّة بتسميّة أحد ممّن ذكرنا فعليه إمضاء الحكم فيه بالبراءة، والمعرفة بأنّه من أهل الشّقاوة بالعلم الحقيقيِّ الذي لا يتحوّل، ...
--------------------
أهل النّار» (1)، وكذلك ظاهر كلام "العقيدة" (2)، لكن ظاهر كلام "السّؤالات" يدلّ على أنّ وَلاية الجملة وبراءة الجملة تكفي عن غير وَلاية الأشخاص وبراءتهم، حيث قال: «وإن قال رجل: رحم الله بالجنّة كلّ مَن تولاّه اللهُ، وأكلت النّار كلَّ مَن برئ اللهُ منه، فذلك يجزئه لوَلاية الجملة وبراءة الجملة ... الخ» (3) فإنّ معناه -والله أعلم- دون وَلاية الأشخاص وبراءة الأشخاص، والله أعلم حرِّره، ثمّ رأيت عمّنا أحمد الشمّاخي -رحمه الله- في "شرح العقيدة" صرّح بهذا، فيُراجع (4).
قوله جملة: يُنظر هل براءتهم جملة داخلة في براءة جملة الكفّار وتغني عنها ما لم تقم علينا الحُجّة بسماعهم مثلاً؟ أو لابدّ من براءتهم جملة مع أوّل البلوغ سمعنا بأهل الوعيد أو لم نسمع كبراءة جملة الكفّار؟ وهو الظّاهر من كلامه حيث أفرده بفصل، لكن الظّاهر الأوّل لأنّهم يدخلون قطعًا في جملة الكفّار، وإنّما أفردهم بفصل لامتياز أحكامهم بعد قيام الحُجّة من جهة أنّ براءة الفرد أو القوم منهم -مثلاً- توحيد ووَلايته شِرك، والله أعلم، حرّره.
__________
(1) - عامر بن علي الشمّاخي: الديانات، 48 (مطبوع ضمن مجموع بعنوان: كتب مختارة).
(2) - عمرو بن جُميع: عقيدة العزّابة ضمن مقدّمة التّوحيد وشروحها، 64، 74 وما بعدهما.
(3) - السّوفي، 343 باختلاف طفيف.
(4) - صرّح الشمّاخي بالقولين وهما: اعتبار وَلاية وبراءة المصرَّح بأسمائهم من وَلاية وبراءة الجملة إذا أُخذوا جملة، واعتبارهما أقرب إلى وَلاية وبراءة الأشخاص إذا تتبّعهم المكلَّف تفصيلاً. مقدّمة التّوحيد وشروحها، 68، 75. (1/185)
صفحة 186
كمن صحّ عنده بالتّواتر أنّ الذي حاجّ إبراهيم هو النّمروذ بن كنعان وهو الذي كفر (1)، وأنّ الذي آتاه اللهُ آياته فانسلخ منها هو بلعام بن باعوراء (2)، وقيل: هوأميّة بن أبي الصلت الثّقفي (3)، وقيل غير ذلك، وكذلك قيل في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} [غافر: 34] أنّ يوسف هذا غير يوسف بن يعقوب - عليه السلام -، وكذلك قوله: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} [مريم: 28] أنّ هارون هذا ليس هو بأخي موسى بن عمران - عليه السلام -، ...
--------------------
قوله وكذلك قيل ... الخ: ذكره اِستطرادًا للتّشبيه في كونهم اختلفوا فيمن المراد في الآية، كما اختلفوا في التي قبلها، فقيل: يوسف بن يعقوب، وقيل: يوسف ابن إفراييم بن يوسف عليهم السّلام (4).
قوله ليس هو بأخي موسى ... الخ: هذا ظاهر لأنّ أخا موسى كان أوّل أنبياء بني
__________
(1) - أخرج ذلك الطيالسي وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب، وابن جرير وعبد بن حُميد عن مجاهد وقتادة والرّبيع والسّدّي. السيوطي: الدّرّ المنثور، تفسير الآية 258 من سورة البقرة.
(2) - أخرج ذلك ابن المنذر وابن أبي الدّنيا عن مالك بن دينار. المصدر السّابق، تفسير الآية 175 من سورة الأعراف.
(3) - أخرج ذلك عبد بن حُميد وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن نافع بن عاصم وعن ابن شهاب. المصدر السّابق، تفسير الآية المذكورة.
(4) - انظر وجوه تفسير الآية في القرطبي: الجامع لأحكام القرآن؛ والشّوكاني: فتح القدير، تفسير الآية 34 من سورة غافر؛ وفي نسخ الحاشية: يوسف بن إبراهيم ... ، وما أثبتناه من أ، اُنظر هامش صفحة 137 المتقدّمة. (1/186)
صفحة 187
وإنّما هو أخ لها لأبيها صالح اسمه هارون، وقيل هو رجل فاسق، وإنّما نسبوها إليه توبيخًا وتشبيهًا بالقصّة؛ فهذا ما يأتي مجمَلاً فلا ينبغي لنا التكلّف في تفسيره، ولا يلزمنا من علم حقائقه أكثر من الإيمان بجملته على ما هو عند الله تعالى، إلاّ أن يقع الإجماع على تأويل أحد فذلك حُجّة على مَن بلغته، والله أعلم.
--------------------
إسرائيل، ومريم عليها السّلام أمّ عيسى وهو آخر أنبياء بني إسرائيل كما هو ظاهر، وقيل: يعنون هارون النّبيء عليه الصّلاة والسّلام، وكانت من أعقاب مَن كان معه في طبقة الأخوّة، وقيل غير ذلك، راجع "البيضاوي" (1).
قوله بالقصّة: في نسخة: بالصّفة (2).
(((
__________
(1) - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 28 من سورة مريم.
(2) - اِنفردت هـ بهذا التّعليق. (1/187)
صفحة 188
الفصل الرّابع
في البراءة من إمام الجور وجميع مَن تبعه على جوره
ولا يُبرأ من جميع مَن كان تحت لوائه لأنّه قد يكون المسلمون تحته بالتقيّة، فيُسوّغ لهم ذلك، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوّل أمره مكتتِمًا بمكّة، حتّى أمره اللهُ بالخروج والهجرة وإظهار دينه بالمدينة، ثمّ إنّه لمّا وقعت الفتنة وصارت الخلافة مُلْكًا وجَبَرية، فاضطُهد الإسلام، وشمل الجور والظّلم جميع الأنام، فصار المسلمون تحت الجبابرة بالتقيّة، آخذين بالرّخصة الشّرعية، فمنهم مَن شرى نفسه رغبة في جهاد الأئمّة الظّلمة، داعيًا إلى الله ومنكِرًا لأحكام الجوَرَة، شاهِرًا سيفه قاتلاً مَن ناواه وصدّه، ...
--------------------
قوله في البراءة: يعني عند قيام الحُجّة بذلك، وإنّما أفردها بفصل لأنّها لا تُغني عنها براءة الجملة لقيام الحُجّة، ولا براءة الأشخاص لكونهم جملة، والله أعلم.
قوله مكتتِمًا: فيه أنّه لم يكتم - صلى الله عليه وسلم - دينه في مكّة إلاّ ثلاث سنين، نعم لم يُظهر دينه إظهارًا تامًّا ممتدًّا إلاّ بعد الهجرة.
قوله فاضطُهِدَ: أي قُهر.
قوله مَن ناواه: في "الصّحاح": «وناواه أي: عاداه، وأصله الهمز لأنّه من النّوء، وهو النّهوض» (1).
قوله وصدّه: أي منعه، [وفي نسخة: وقصده] (2).
__________
(1) - الجوهري: باب الياء، فصل النّون: نوى.
(2) - زيادة من هـ. (1/188)
صفحة 189
وافيًا لله بما عاهده عليه من بيعته حتّى قُتل شهيدًا في ذات ربّه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر أجله حتّى أتى عليه، ومنهم مَن ضعف عن الجهاد والقتال فأخذ بالرّخصة فعاش تحت الظّلَمَة، متمسِّكًا بالتقيّة؛ والأصل في هذا ما روي أنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «قدّموا قريشًا ولا تتقدّموها، وتعلّموا منها ولا تعلّموها، وأطيعوهم ما أقاموا فيكم كتاب الله وسنّتي، فإذا عصوهما فلا طاعة لهم عليكم، ثمّ خذوا أسيافكم واجعلوها على عواتقكم، واضربوهم بها حتّى تبيدوا نضراءهم، وإلاّ فعيشوا تحتهم حرّاثين فدّادين ...
--------------------
قوله نضراءهم: لعلّه نضيئهم، في "الصّحاح": «والنضيّ أيضًا ما بين الرّأس والكاهل من العنق ... الخ» (1)، ثمّ رأيت في غالب النّسخ: خضراءهم (2)، وهي الظّاهر، ومعناه: سوادهم ومعظمهم، كما يؤخذ من "القاموس" (3).
قوله فدّادين: في "الصّحاح": «وفي الحديث: «إنّ الجفاء والقسوة في الفدّادين» (4) بالتّشديد، وهم الذين تعلوا أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، وأمّا الفَدَادِين بالتّخفيف: فهي البقر التي تحرث ... الخ» (5).
__________
(1) - الجوهري: باب الياء، فصل النّون: نضا.
(2) - كما في ج و د والحجرية.
(3) - الفيروزابادي: باب الرّاء، فصل الخاء: الخضرة.
(4) - أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب 1، رقم: 3307؛ وأحمد: مسند جابر بن عبد الله، رقم: 14564، بلفظ: « ... الجفاء وغِلَظ القلوب في الفدّادين ... ».
(5) - الجوهري: باب الدّال، فصل الفاء: فدد. (1/189)
صفحة 190
حتّى تلقوني بسوء حال» (1)، فالواجب على الإنسان إذا رأى دارًا الغالب عليها الجبابرة والحُكّام الجوَرَة الضّالّة المضلّة أن ينسب الدّار إليهم فيسمّيها دار الجور والظّلم، ويبرأ من كلّ من دان بطاعتهم واحتطب في حِبالهم، ولا يتولّى منهم أحدًا إلاّ من يعرف أنّه موافق للمسلمين في أقوالهم وأفعالهم، وبالله التّوفيق.
قوله بسوء حال: لعلّه متعلّق ب عيشوا والله أعلم.
(((
__________
(1) - لم نقف عليه بهذا اللّفظ كاملاً، وروى جزأه الأوّل «قدِّموا قريشًا ولا تتقدّموها وتعلّموا منها ولا تعلِّموها» الشّافعي في "المسنَد"؛ والبيهقي في "معرفة الصّحابة" عن الزّهري عن أبي هريرة، والطّبراني في "المعجم الكبير" عن عبد الله بن السّائب، وروى نحو جزئه الثّاني بلفظ: «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإذا لم يفعلوا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم ... » الطّبراني في "المعجم الأوسط" و"المعجم الصّغير"، وأحمد في "المسند"، قال الهيثمي: رجاله ثِقات، ورمز السيوطي لحسنه. الهيثمي: مجمع الزّوائد، 5/ 228؛ المناوي: شرح الجامع الصّغير، 1/ 149، 2/ 195. (1/190)
صفحة 191
الفصل الخامس
في البراءة من المرتدّ من الإسلام إلى الشّرك
قال اللهُ تعالى: {وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} الآية [البقرة: 217]، وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من بدّل دينه فاقتلوه» (1)، وأجمعوا أنّه المرتدّ من الإسلام إلى الشّرك، فمن ارتدّ من الإسلام إلى الشّرك فحقّه البراءة والسّيف، لكن عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - رأى: استتابته ثلاثة أيام، فإن تاب وإلاّ قُتل -رأيًا من رأيه- ...
--------------------
قوله لكنّ عمر ... الخ: هذه سنّته - رضي الله عنه - حين قال له أحد بني ثور: أخذنا رجلاً كفر بالله بعد إسلامه فقدّمناه فضربنا عنقه، فقال عمر: هلاّ أدخلتموه جوف بيت وألقيتم إليه كلّ يوم رغيفًا إلى ثلاثة أيام لعلّه يتوب ويرجع، اللهمّ لم أشهد ولم آمر ولم أرض [إذ بلغني] (2)؛ وسُنّة معاذ -رحمه الله-: والله لا أجلس حتّى يُضرب كَرْدُهُ، أي: عنقه، يقوله لأبي موسى حين زاره، فضربوا عنقه ... الخ، "سؤالات" (3).
قوله فإن تاب ... الخ: قال في بعض كتب أصحابنا المشارقة (4): «مسألة: الرّاجع إلى الإسلام
__________
(1) - أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب لا يُعذّب بعذاب الله، رقم: 2854؛ وأبو داود: كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتدّ، رقم: 4351؛ والتّرمذي: كتاب الحدود، باب ما جاء في المرتدّ، رقم: 1483؛ وابن ماجة: كتاب الحدود، باب المرتدّ عن دينه، رقم: 2535؛ والنّسائي: كتاب تحريم الدّم، باب الحكم في المرتدّ، رقم: 4070.
(2) - زيادة من د.
(3) - السّوفي، 483، 484.
(4) - أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة البهلوي: الجامع، 2/ 503، 504 بتصرّف، وأبو محمّد من علماء الإباضية في القرن 4 هـ بعُمان. (1/191)
صفحة 192
ولا تُسبى له ذرّيّة، ولا يُغنم له مال، ...
--------------------
كالمبتدئ ودخولهما فيه سواء لا فَرق بينهما، وهو أن يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدًا رسول الله وأنّ ما جاء به محمّدٌ من عند الله هو الحقّ، كذلك قال علماؤنا -رحمهم الله-، فإن لم يقرّ بما جاء به من عند الله لم يكن مؤمنًا حتّى يقول ذلك»، قال أبو محمّد: «ويُعجبني أن لا يُعذر من القول: وأنّه برئ من كلّ دين يخالف الدّين الذي دعا إليه محمّد - صلى الله عليه وسلم -، فإنّ من الكفّار مَن يقول: إنّ محمّدًا رسول الله إلى العرب دون غيرهم» اهـ (1)، وظاهر هذا الأثر يقتضي أنّه لا يعيد شيئا من العمل حيث جعله كالمشرك الأصليّ لا فرق بينهما، إلاّ أن يُقال: معناه في كيفيّة الدّخول فقط، والله أعلم.
قوله ولا يُغنم له مال: أي بل يورثُ كما اختلفوا فيه، قال في "السّؤالات": «واختلفوا في مال المرتدّ، قال بعضهم: لأهل دينه الذين ارتدّ إليهم، وقيل: كلّ ما سعاه في دار الحرب فلأولاده الذين وُلدوا في دار الحرب، وكلُّ ما سعاه في دار الإسلام فلأولاده الذين وُلدوا في دار الإسلام، وقيل: ماله لبيت مال المسلمين، وروي أنّ الشّيخ أبا العبّاس ضرب يحي بن زكرياء الزّواغي (2) -رحمهما الله- في عرقوبه بأصبعيه الوسطى والسبّابة حين سُئل عن هذه المسألة فأجاب بأنّه يرثه أولاده المسلمون، وإنّما ضربه لجوابه بغير المأخوذ به، وقد قال - عليه السلام -: «لا يرث المؤمن الكافر، ولا
__________
(1) - أبو محمّد هو عبد الله بن محمّد بن بركة البهلوي العُماني: المصدر السّابق، نفس الصّفحة.
(2) - اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 62، وأبو العبّاس المذكور هو أحمد بن محمّد بن بكر الفرسطائي النّفوسي. (1/192)
صفحة 193
واتّفقوا عليه إذا مضت له ثلاثة أجيال بالقتل والسّباء والغنيمة إذا درجت بنو أبنائه على ذلك، وقيل في الثّالث من بني الأبناء بالقتل والسباء والغنيمة؛ فإذا ارتدّ الرجل عن الإسلام فقد حلّ قتله بعد الاِستتابة، وحرُمت عليه أزواجه، وانقطعت بينه وبين المسلمين الوَلاية والموارَثَة والمناكَحَة والمدافَنَة، وحبطت أعماله كلّها، ...
--------------------
الكافر المؤمن» (1) و «لا يتوارث أهل ملّتين» (2) ... الخ» (3) مختصَرًا.
قوله ثلاثة أجيال ... الخ: أي هو وولده وولد ولده، أمّا هو فيتعيّن فيه القتل، وكذلك ولده إذا كان بالِغًا وأبى الإسلام، وأمّا إذا كان صغيرًا فإنّه لا يُقتل لصغره ولا يُسبى كما ذكروا، بل الظّاهر أنّه يكون حرًّا نظرًا إلى أصل أبيه قبل الاِرتداد، ويكون من جملة يتامى المسلمين، وهكذا الحكم في ولد ولده على أحد القولين، والله أعلم.
__________
(1) - أخرجه الرّبيع بن حبيبب: باب في المواريث، رقم: 671؛ والبخاري: كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ... ، رقم: 6383؛ ومسلم: كتاب الفرائض، المقدّمة، رقم: 1614؛ وأبو داود: كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر، رقم: 2909؛ والتّرمذي: أبواب الفرائض، باب ما جاء في إبطال الميراث بين المسلم والكافر، رقم: 2189؛ ابن ماجة: كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام لأهل الشّرك، رقم: 2729.
(2) - أخرجه أبو داود: كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر، رقم: 2911؛ والتّرمذي: أبواب الفرائض، باب ما جاء في إبطال الميراث بين المسلم والكافر، رقم: 2191؛ وابن ماجة: كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشّرك، رقم: 2731؛ وغيرهم كأحمد والبيهقي والدّار قطني.
(3) - السّوفي، 484، 485. (1/193)
صفحة 194
لقول الرّسول - عليه السلام -: «من أشرك بالله ساعة أحبط اللهُ عمله وإن تاب جدّد العمل» (1)، ...
--------------------
قوله جدّد العمل ... الخ: في بعض النّسخ: جُدِد له العمل وهو الظّاهر، أي: جُدِّد له ثواب العمل، وإليه ذهب الشّافعي أيضًا لقوله تعالى: {وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأَوْلَئِكَ حَبِطَتَ اَعْمَالُهُمْ} الآية [البقرة: 217]، حيث قيّد الرِّدّة بالموت عليها في حبط الأعمال، ونظير ذلك الفاسق إذا تاب وقبل الله توبته فإنّه يُجدَّد له ثواب عمله السّابق، والله أعلم حرّره، ثمّ رأيت في "الإيضاح" في كتاب البيوع ما يدلّ على هذا، حيث قال في فصل بيوع الذّرائع: «وحُجّة من أبطلها ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنّها قالت لسُريَّة زيد بن أرقم: أبلغي زيدًا أنّه قد أبطل غزوه وجهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبطل حجّه وصلاته وصيامه إن لم يتب، وذلك أنّ زيدًا اِبتاع جارية من سُريَّته بثمانمائة درهم إلى خروج العطايا، فاشترتها منه السُّريَّةُ بستّمائة درهم نقدًا، والله أعلم» (2)، فظاهر هذا أنّ بطلان العمل مشروط بعدم التّوبة، وإن تاب لم يبطل عمله، ولا فائدة لصحّة العمل إلاّ ترتّب الثّواب عليه وفيه تأمّل! ووجهه أنّ لقائل أن يقول: لا يلزم من صحّة العمل ترتّب الثّواب عليه لجواز أن تكون فائدته عدم المؤاخذة عليه لكونه قد أتى بالشّروط المصحِّحَة له من العلم والعمل والنيّة، ولا ثواب له لعدم وجود الوَرَع؛ ثمّ رأيت في "السّؤالات" ما يدلّ على
__________
(1) - أخرجه الرّبيع بن حبيب: باب في ذكر الشّرك والكفر، رقم: 59.
(2) - عامر بن علي الشمّاخي، 3/ 45، وخبر زيد مع عائشة أخرجه البيهقي والدّارقطني في سننهما عن عائشة. البغوي: شرح السنّة، 8/ 72؛ ابن الأثير: جامع الأصول، 1/ 478. (1/194)
صفحة 195
........................................
--------------------
أنّ المرتدّ في بطلان عمله خِلافٌ، حيث قال: «واختلفوا فيمن ارتدّ زلّة عن دينه -[أي ارتكب خصلة من خصال الشّرك من غير عمد منه] (1) - ثمّ رجع سريعًا إلى دينه»، قال: «يغسل ثيابه وجسده ويعيد ما مضى من صلاته وحَجّه وصيامه، وقال بعض: لا يعيد إلاّ الحجّ، وقال أبو محمّد: ذلك إذا كانت المعاني التي يلزمه بها الحجّ حين رجع، وفيها رخصة» اهـ (2)؛ وعلى هذا فمعنى قول المصنّف أو الحديث: فإن تاب جدّد العمل، أي: أعاد عمله السّابق لبطلانه بالرِّدّة، ولعلّ من قال بالإعادة تعلّق بظاهر قوله تعالى: {لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمّر: 65] لكن هذه عامّة فتُخصّص بقوله {وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} الآية، وأمّا مرتكب الكبيرة فالظّاهر أنّه لا يعيد قولاً واحدًا، وأنّه يصحّ له ثوابه إذا تاب للحديث المتقدّم المروي عن عائشة رضي الله عنها، والله أعلم؛ ثمّ رأيت في "الضّياء" (3) ما هو صريح في هذا، حيث قال:
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - السّوفي، 487 بتصرّف، وأبو محمّد المذكور هو عبد الله بن سجميمان النصيري.
(3) - الضّياء كتاب يقع في 24 جزءًا من أمّهات التّراث الإباضي في الفقه، مؤلّفه هو الشّيخ أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم الصحاري العوتبي العُماني، من أعلام النّصف الأوّل من القرن 5هـ، ظلّ الكتاب حبيس خزائن المخطوطات إلى سنة 1991م حيث رأى نور الطّباعة بتحقيق المهنّا بن خلفان بن عثمان الخروصي، ونشر وزارة التّراث والثّقافة بعُمان؛ قيل في حقّ الكتاب: «من لم يطالع كتاب الضّياء فليس له عندهم من العلم نصيب»، أمّا كتاب الرّهائن الآتي ذكره فلم نقف عليه. (1/195)
صفحة 196
........................................
--------------------
«ومن "كتاب الرّهائن": قال بشير (1) عن الفضل بن الحواري (2) قال: جرت مسألة عند أبي عبد الله (3) في الفاسق يعمل بالحسنات في وقت فسقه ثمّ يتوب، هل يثيبه اللهُ عليها إذا تاب؟ قال: نعم ... » إلى آخر ما أطال فيه (4)، وأمّا المرتدّ فالحاصل أنّ فيه ثلاثة أقوال إذا رجع إلى الإسلام: منهم من يقول أنّه لا يبطل عمله ولا ثوابه حتّى يموت على ذلك وهو مذهب الشّافعي، واستدلّ بظاهر قوله تعالى: {وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} الآية، ومنهم من يقول: بطل ثواب عمله ولا يُطالب بالإعادة إلاّ في الحجّ وهو مذهب مالك، ومذهب أصحابنا فيه خلاف، والرّاجح عندهم أنّه بطل عمله وثوابه، لقوله تعالى: {لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}؛ وأمّا الآية التي استدلّ بها الشّافعي فأجيب عنها بأنّه سبحانه وتعالى رتّب على الرِّدّة والموت على الكفر شيئين: الإحباط والخلود في النّار، فالأوّل مرتّب على الرّدّة، والثّاني على الموت عليها، فلا دليل في الآية على ما ذكره الشّافعي، فإن تاب أعاد ما مضى على التّفصيل السّابق في "السّؤالات" فيمن ارتدّ زلّة، فكيف بمن ارتدّ متعمِّدًا، نعم ظاهر الأثر المحكي عن بعض أصحابنا المشارقة في كيفيّة توبة المرتدّ يدلّ على أنّه كالمشرك الأصليّ فيكون قولاً رابعًا في
__________
(1) - هو بشير بن محمّد بن محبوب العُماني، اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 12.
(2) - اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 45.
(3) - أبو عبد الله هو محمّد بن محبوب بن الرّحيل العُماني، اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 52، وبشير المذكور هو ابنه.
(4) - سلمة بن مسلم الصحاري: الضّياء، 4/ 37. (1/196)
صفحة 197
وقال تعالى: {لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، وكذلك إن كانت فيه خصلة من خصال الشّرك ثمّ اطُّلِع عليها، وقيل فيه غير ذلك، والله أعلم.
--------------------
المرتدّ، ولعلّ الرّخصة التي ذكرها في "السّؤالات" تشير إلى هذا، لكن ظاهره فيمن (1) ارتدّ زلّة، والله أعلم.
قوله وكذلك إن كانت فيه ... الخ: الظّاهر أنّ التّشبيه تام، فيكون أحواله كأحوال المرتدّ، من قتلِه بعد الاِستتابة، وسبيِ ذرّيّته بعد ثلاثة أجيال، وغير ذلك من الأحكام المتقدّمة، لا أنّه خاصّ بحبط العمل فقط، لأنّه لا يتوقّف على الاِطِّلاع، والله أعلم.
(((
__________
(1) - في ج والحجرية: لكن ذكرها فيمن ... . (1/197)
صفحة 198
الفصل السّادس
في البراءة من الخارج من مذهب أهل الحقّ
إلى مذهب أهل الخلاف
فمن خرج من مذهب أهل الحقّ إلى مذهب أهل الخلاف فتولّى أئمّتهم وتبرّأ من أئمّة المسلمين كان واجبًا على المسلمين بغضه وعداوته وخلع وَلايته حتّى يتوب ويرجع إلى المسلمين، فيتولّى وليّهم ويعادي عدوّهم، وإن خرج من مذهب المسلمين وخالفهم وطعن في مذهبهم وعابه منهم فقد حلّ قتله واغتياله بأيّ سبب وصلوا إلى إهلاكه وقتله، كما فعل الإمام الصالح جابر بن زيد -رحمه الله- حين سُئل عن أفضل الجهاد، فقال للسّائل: «أفضل الجهاد قتل خردلة»، فأخذ الغلام خنجرًا فسمّه فمضى مع رجل من المسلمين إلى المسجد فنعت له خردلة فلم يرض حتّى وضع الرّجل يده على خردلة فانصرف، ودخل الغلام فضربه بين كتفيه فقتله، فأُخذ الغلام فقتله الوالي بعد ذلك والله أعلم، ...
قوله فقد حلّ قتله: ظاهره أنّه لا يحلّ قتله إلاّ إذا خرج وطعن وعاب فإنّه جعله مرتّبًا على ذلك، مع أنّ الظّاهر أنّ الطّعن كاف في جواز القتل-والله أعلم-، ولعلّ المراد إذا أكثر من الطّعن واشتُهر به والله أعلم. (1/198)
صفحة 199
وكان خردلة هذا فيما وجدت من أهل هذه الدّعوة ثمّ خرج عنها وتركها فجعل يطعن على المسلمين ويدلّ على عوراتهم، بذلك استحلّ جابر -رحمه الله- قتله (1)، وقد قال جلّ ثناؤه: {وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَيِمَّةَ الْكُفْرِ} الآية [التّوبة: 12].
(((
__________
(1) - القصّة عند الشّمّاخي: السير، 75 نقلاً عن سير أبي سفيان محبوب بن الرّحيل، وقد اختلفت الرّوايات في الموضوع، فمن الرّوّاة من أورد قول جابر بلفظ: أفضل الجهاد قتل خردلة، ومنهم من أورده بلفظ: أفضل الجهاد قتل قاتل خردلة. اُنظر تفصيل وُجوه هذه الرّوايات عند القطب اطفيش: شرح النّيل، 14/ 508. (1/199)
صفحة 200
الفصل السّابع
في البراءة من المخصوص باسمه المقصود إليه بشخصه
وهذا الفصل ينقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأوّل: في الأدلّة على وُجوب البراءة منه، والثّاني: في حكم براءته، والثّالث: في براءة المنصوص عليه باسمه.
القسم الأوّل في الأدلّة: اِعلم انّ الدّليل على براءة المخصوص أنّها فريضة اتّفاق العلّة في براءة الجملة، وهي المخالَفَة في الدّين، والإتيان فيه بما لم يأذن به ربّ العالمين، فكما اتّفقت العلّة في الأصل فكذلك يتّفق الحكم في الفرع، وقد ذكر اللهُ سبحانه في كتابه البراءة من الكفّار جملة وأفرادًا وتعميمًا وتخصيصًا، فقال في المنافقين: {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِن دُونِكُمْ} الآية [آل عمران: 118]، وقال: {لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ} [النّساء: 144]، وقال: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} الآية [الماعون: 4] (1)، وقال في الأفراد: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1]، ...
قوله والثّالث في براءة المنصوص ... باسمه ... الخ: لو جعل هذا القسم للفرق بين براءة المنصوص عليه باسمه وغيره، كما فعل في وَلاية الأشخاص لكان أحسن، لكن حكم براءة المنصوص عليه يؤخذ من براءة المذمومين المتقدّمة، والله أعلم.
قوله {هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}: في "السّؤالات": «الرّمز بالرّأس، والغمز بالعين، واللّمز
__________
(1) - في الحجرية مكان هذه الآية: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} [المطفّفين: 1]. (1/200)
صفحة 201
وقال في المنافق المفرَد: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنَ اتَانَا مِن فَضْلِهِ} إلى قوله: {وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التّوبة: 75، 76، 77]، فالعلّة التي استوجبت به النّارَ جملةُ الكفّار والمنافقين هي الكفر والنّفاق، وبها استوجبها الكافر المفرَد والمنافق المفرَد أيضًا.
ومن السّنّة ما روي أنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - قال في أبي سفيان بن حرب وابنيه عتبة ومعاوية: «لعن الله الرّاكب والقائد والسّائق» (1)، في أمثالها كثير والله أعلم.
باللّسان، والهمز باليد، والوكز بالأصابع، وكلّها كبائر، وقد أوعد الله عليه في القرآن النّار غير الرّمز بالرّأس وكلّها غير سائغة ولو في الحلال، فيما ذكر عيسى بن سجميمان عن أبي العبّاس -رحمهم الله-» (2).
قوله وقال في المنافق المفرَد ... الخ: لعلّه بالنّظر إلى سبب النّزول فإنّها نزلت في ثعلبة ابن حاطب (3)، وإلاّ فالآية لا تخصّ المفرَد.
قوله ومن السنّة ... الخ: كأنّه توهّم أنّه قال سابقًا: فمن الكتاب كذا، حتّى قال هنا: ومن السنّة، فليُحرّر.
__________
(1) - روى الطّبراني في الكبير (3/ 71) تحت رقم: 2698 عن شيخه زكرياء بن يحي السّاجي أنّ الحسن بن علي صعد المنبر بحضرة عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان، فحمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: بالله يا عمرو وأنت يا مغيرة تعلمان أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لعن الله السّائق والرّاكب» أحدهما فلان؟ قالا: اللهمّ نعم، بلى، قال: أُنشدك الله يا معاوية ويا مغيرة أتعلمان أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن عَمرًا بكلّ قافية قالها لعنة؟ قالا: اللهمّ بلى، قال: أُنشدك اللهَ يا عَمرو وأنت يا معاوية بن أبي سفيان أتعلمان أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن قومَ هذا؟ قالا: بلى، ... الخ. وفي سياق هذا الحديث روى المؤرّخون قصّة تكون -ربّما- سببا لوروده، اُنظر مثلاً: ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، 11/ 52؛ الهندي: كنز العمّال، 13/ 613.
(2) - السّوفي: 39، وعيسى بن سجميمان تُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 42، وأبو العبّاس المذكور هو شيخه أحمد بن محمّد بن بكر.
(3) - ثعلبة بن حاطب الأنصاري، شهد غزوات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذُكر فيمن بنى مسجد = (1/201)
صفحة 202
القسم الثّاني في حكم براءته: اِعلم أنّ البراءة من المخصوص واجبة عند مقارفته الفعل الذي يستحقّ به البراءة، فمن شاهد منه فعل كبيرة أو صغيرة مصرًّا عليها فعليه أن يتبرّأ منه وإلاّ كان مثله، ...
--------------------
قوله أو صغيرة: الصّغيرة عندنا غير معلومة إلاّ في الوصف، خلافًا للنكّار (1)، لأنّ الصّغيرة ما ورد من الله فيها الاِستثناء، وهو سبحانه لم يبيّنها، فرُبّ شيءٍ وصفوه بكونه صغيرة وهو في الحقيقة كبيرة، وهذا أيضًا من أسباب الخوف كما تقدّم (2).
قوله مصرًّا عليها: قال أبو إسحاق: «فأمّا صفة الإصرار فمعلومة بأحد وجهين: إمّا بالاِستخفاف بالذّنب وترك النّدامة، أو بالاِمتناع من التّوبة» قال: «والاِمتناع لا يخلو من أحد معنيين: إمّا بالرّدّ باللّسان، مثاله أن يُقال له: تُب من ذلك الذّنب، فيقول: لا، أو بالإقامة على ترك التّوبة، فهذه صفته عند الله وفي الدّين، فأمّا في الحكم الظّاهر بين النّاس فلا يكون مصرًّا إلاّ بالاِمتناع من التّوبة» اهـ (3)، وفي "السّؤالات": «وسُئل هل يكون الإصرار بالحديث أو بالاِشتغال بغير التّوبة؟ قال: حتّى يصرّ ويأبى من التّوبة، ويقول:
__________
(1) = ... الضِّرار، وسبب نزول الآية المذكورة فيه هو أنّه سأل الرّسول - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الله أن يرزقه مالاً، فحذّره الرّسول من عاقبة ذلك، فألحّ عليه أن يدعو له، فدعا له فرزقه الله مالاً كثيرًا، ففُتن به إلى حدّ أنّه امتنع من أداء الزّكاة ... الخ، روى ذلك ابن أبي حاتم والطّبراني وأبو نُعيم والبيهقي وغيرهم. ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة، 1/ 199؛ محمّد بن عبد البرّ القرطبي: الاستيعاب في معرفة الأصحاب،1/ 203؛ السيوطي: الدرّ المنثور، تفسير الآية 75 من سورة التّوبة.
- تقدّم التّعريف بهم وبرأيهم حول الصّغائر في صفحة 126.
(2) - في صفحة 126.
(3) - أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي: مختصر الخصال، 18. (1/202)
صفحة 203
فالبراءة يستحقّها الخارج من الدّين ولو بخصلة واحدة، لأنّه بذلك مستحقّ اسم ظالم وفاسق في الحقيقة إذا مات على ذلك مصرًّا، خلافًا للمرجئة القائلين أنّ أهل الكبائر من أهل القبلة يرجى أمرهم إلى الله، أو يُرجى لهم الله، وقد قال تعالى خلافًا لقولهم: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه: 111] أي: مات مصرًّا عليه، فقليل الظّلم وكثيرهُ سواء في باب الإحباط والإسقاط إذا أصرّ عليه صاحبه، والله أعلم.
فمن أخّر براءة المخصوص بعد وُجوبهاأو برئ منه قبل الحدَث فهو هالك، ...
--------------------
لا أتوب» (1)، ثمّ قوله: مصرًّا لعلّه مصرٍّ بالجرّ لأنّه صفة صغيرة، ويجوز في الصّاد الفتح والكسر أيضًا على أنّه نعت سبببي، لأنّه جرى على غير من هو له كما هو ظاهر، وأمّا النّصب فإنّه لم يظهر له وجه، اللهمّ إلاّ أن يُقال: إنّه حال من الضّمير في منه، والأمر سهل والله أعلم.
قوله إذا مات ... الخ: وأمّا إذا لم يمت على ذلك ولم نطّلع له على التّوبة منه، فإنّه يستحقّه في الظّاهر فقط، ونُثَابُ على تلك البراءة لأنّا مكلَّفون بالظّاهر.
قوله يُرجى ... الخ: أي يؤخَّر، من الإرجاء وهو التّأخير، أي لا يُقطع لهم بشيء.
قوله أو يُرجى لهم الله: الظّاهر أنّه من الرّجاء وهو الطّمع، والمعنى عندهم أنّه لا يُقطع لهم بالوعيد، بل يُرجى لهم الخير، ولكن نصوص القرآن تكذّبهم.
قوله سواء في باب الإحباط والإسقاط: أي لا ينتفع صاحب كلّ واحد منهما بشيء من الطّاعة، وإنّما الاِختلاف بينهما في أنواع العذاب، نسأل الله العافية والنّجاة من ذلك.
__________
(1) -السّوفي، 387. (1/203)
صفحة 204
وبراءة المخصوص إذا ظهرت منه الكبائر طاعةٌ غير توحيدٍ، وتضييعها كفرٌ غير شِركٍ والله أعلم، ومن ضيّع وَلاية رجلٍ أو براءته حتّى مات فإنّه يتوب من تضييعه فيتولاّه أو يتبرّا منه، والله أعلم.
القسم الثّالث في حكم الوَلاية والبراءة من المنصوص عليه باسمه في القرآن أو في السنّة المتواترة: اِعلم أنّ المنصوص عليه في الخير إذا صدرت منه الأفعال التي يستحقّ عليها البراءة فإنّه [لا] (1) يبرأ من المنصوص عليه في الخير، ويُعتقَدُ فيه أنّه لا يموت إلاّ بالتّوبة، والبراءة من المنصوص عليه في الشرّ توحيدٌ، ووَلايته شِركٌ، كما أنّ وَلاية المنصوص عليه في الخير توحيدٌ، وبراءته شِركٌ؛ ...
--------------------
قوله وبراءة المخصوص: أي غير المنصوص عليه.
قوله فإنّه يُبرأ من المنصوص ... الخ: هكذا في ما رأيناه من النّسخ، ولعلّه: فإنّه لا يُبرأ من المنصوص في الخير، قال في "السّؤالات": «وإن نزل النصّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنّ فلانًا مسلم أو كافر، فرأيتُ الوفاء للكافر، وورأيتُ الكبيرة للمسلم، هل أتولاّه أو أبرأ من المسلم؟ قال: لا نخالفه - عز وجل -، والحدود نقيمها عليه، وقال أبو الدّرداء في أبي ذرّ: «والله ما بغضته ولو قطع يدي» الحديث، وقال - عليه السلام -: «مَن لكم بعيسى بن مريم في ورعه وزهده، ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق ذي لهجة من أبي ذرّ» .. » (2). وفي "السّؤالات" في محلّ آخر: «وعن منصوص في الخير فعل كبيرة، هل يُقال كفر بالله
__________
(1) - زيادة من ب والحجرية.
(2) - السّوفي، 196، وتمام الحديث وتخريجه في الصّفحة 206 الآتية. (1/204)
صفحة 205
..........................................
--------------------
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبرئ من الله وملائكته وكتبه ورُسُله واليوم الآخر؟ ويُقال للمنصوص فعل كبيرة خرج من دين الله وشريعته وطاعته وعبادته ومِلّته، ودخل في دين الشّيطان وطاعته وشريعته؟ فأمّا عبادته ومِلّته فلا، إلاّ إن كانت كبيرة الشّرك، وقيل: لا يُقال للمنصوص خرج من دين الله وأمثاله، لأنّ الله يقول: {وَاللهُ وَلِيُّ الْمُومِنِينَ} [آل عمران: 68] ... الخ» (1)، وعلى القول الأوّل فالظّاهر أنّه لا يُنافي ما تقدّم من أنّه لا يُبرأ منه، لأنّه وإن قلنا كفر بالله وخرج من دينه فنحن نعتقد أنّه لا يموت حتّى يرجع إلى الإسلام ويموت عليه، فلا معنى للبراءة منه بعد الاِطّلاع على النصّ والله أعلم، ويدلّ على أنّه لا يُبرأ منه كلام "الموجز" في عدم تقلّب وَلاية الله وعداوته، حيث قال في عمر: «ويُقال لهم: ما تقولون في عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه -، حيث كان على دين قومه مذكورًا عنه ما علمتم؟» إلى أن قال: «فإذا أطلع اللهُ رسوله محمّدًا - عليه السلام - على ما سيكون من إيمان عمر وقيامه بدين الله، هل يكون عمر مع ذلك عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عداوته، والدّعاء له أن لا يؤمن وأن يموت على ما هو عليه من دين قومه فيصير إلى عذاب الله؟ فإن قالوا: لا يتّفق هذا لرسول الله مع علمه بما عمرُ إليه من طاعة الله صائر، قيل: فكيف جوّزتم؟ ... الخ» (2)، فتراه لم يجوّز لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - البراءة من عمر بعد الاِطّلاع على النصّ، وإن كان ملتبسًا بالكفر، وهذا ظاهر والله أعلم.
__________
(1) - السّوفي، 303.
(2) - أبو عمّار عبد الكاف، 2/ 204، 205 بتصرّف. (1/205)
صفحة 206
و [قد] (1) قال عمّار بن ياسر -رحمه الله- يوم الجمل (2) وقد اختلفت الأسِنّة في هودج عائشة -رضي الله عنها-: «واللهِ إنّا لنعلم أنّكِ زوج نبيئنا في الجنّة، ولكن لا ندع اللهُ يُعصى» (3)، وما نزل فيها من الآيات دالّ على أنّها من أهل الجنّة، وإنّما لم تلحق بالمنصوصات حين لم يُذكر اسمها، قال الله تعالى: {إِنَّ الذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ} [النتّور: 23 - 26] الآيات كلّها؛ ويُروى أنّ أبا الدّرداء لمّا بلغه أنّ عثمان بن عفّان قد سيّر أبا ذرّ، قال: [أَوَ] (4) قد فعلوها؟ اِرتقبهم واصطبر، والذي نفس أبي الدّرداء بيده لو أنّ أبا ذرّ قطع يميني ما بغضته بعد حديث سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء أصدق ذي لهجة من أبي ذرّ، ...
--------------------
قوله سيّر: أي نفاه.
قوله الغبراء: أي الأرض.
قوله الخضراء: أي السّماء.
__________
(1) - زيادة من ب.
(2) - تقدّم التّعريف به في صفحة 149.
(3) - أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصّحابة، باب فضل عائشة ... ، رقم: 3561؛ وأحمد: مسند الكوفيين، بقيّة حديث عمّار بن ياسر، رقم: 18359، بلفظ: «إنّي لأعلم أنّها زوجته في الدّنيا والآخرة، ولكنّ الله ابتلاكم لتتّبعوه أو إياها»؛ وأخرج شطره الأوّل التّرمذي: أبواب المناقب، من فضل عائشة، رقم: 3976؛ وأخرج البخاري نحوه برقم: 6687 و 6690.
(4) - زيادة من الحجرية. (1/206)
صفحة 207
ومن سرّه أن ينظر إلى عيسى بن مريم في صدقه وبَرّه وزهده في الدّنيا ورغبته في الآخرة فلينظر إلى أبي ذرّ» (1)؛ وقال فيما بلغنا لناس: «آخر موتاكم في النّار» (2)، فكان آخرهم عثمان بن عفّان فيما ذُكر في آثار الأوائل (3)، والله أعلم وبه الحول والتّوفيق.
--------------------
(((
__________
(1) - هذا الخبر عند السّوفي: السؤالات، 196 مختصرًا؛ وأخرجه أحمد: مسند الأنصار، باقي
(2) حديث أبي الدّرداء، رقم: 21783؛ والحاكم: كتاب معرفة الصّحابة، ذكر مناقب أبي ذرّ، 3/ 342 وصحّحه على شرط مسلم؛ والتّرمذي: أبواب المناقب، مناقب أبي ذرّ، رقم: 3889، 3890؛ وأخرجه قِطَعًا ابن ماجة والطّبراني في الكبير وأحمد والبزّار في أحاديث عديدة. الهيثمي: مجمع الزّوائد، 9/ 329.
-أخرجه الطّبراني في الكبير عن أبي محذورة (7/ 177)، رقم: 6748؛ وفي الأوسط عن أبي أويس (7/ 116)، رقم: 6202.
(3) - رواية الطّبراني في الكبير تفيد أنّ آخرهم موتًا أحد اثنين: أبو هريرة أو سمرة بن جندب، وروايته في الأوسط تفيد أنّ آخرهم رجل لم يُسمّ؛ وللذّهبي في "سير أعلام النّبلاء" (3/ 184) توجيه آخر للحديث على غير المعنى الذي ساقه الجيطالي، وفيه طرق الحديث ورواياته فلتُراجع. (1/207)
صفحة 208
الفصل الثّامن
في الجهات التي تصحّ بها البراءة
وهي أربع، إحداها: الإقرار من الفاعل أنّه فعل كبيرة من الذّنوب، أو نصب الخطأ دينًا كان به على الله شاهِدًا وفي شهادته عليه كاذبًا، أو قطع عذر مَن خالفه؛ الثّانية: المشاهدة للإنسان البالغ المكلَّف على كبيرة من الذّنوب، ...
--------------------
قوله الخطأ: كالرؤية [والخروج] (1) مثلاً.
قوله مَن خالفه: أي في مسائل الاِجتهاد، كالفرثيّة مثلاً حيث قالوا بنجاسة الفرث، وقطعوا عذر مَن خالفهم منهم، [فإنّه يبرأ بذلك] (2).
قوله على كبيرة: أي فِعليّةٍ، فإنّه لا فرق فيها بين المكرَه والمختار، وإن حُملت
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - زيادة من الحجرية، والفرثيّة أتباع أبي سليمان بن يعقوب بن محمّد بن أفلح بن عبد الوهّاب الرّستمي، أحد علماء الإباضية ومجتهديهم، إلاّ أنّه نال سخط مشايخه، خاصّة والِده بسبب مطالعته لكتب أهل الخلاف، وبالأخصّ كتب أحمد بن الحسين الأطرابلسي الذي انشقّ عن الإباضية قبله بشذوذه في بعض المسائل، فسلك أبو سليمان مسلك ابن الحسين وشذّ عن جمهور الإباضية بالمسائل الآتية: -نجاسة الفرث وما طُبخ فيه من طعام -تحريم أكل الجنين -نجاسة دم العروق ودم الجوف ولو بعد غسل المذبح -نجاسة عرَق الجنُب والحائض -لا تُعطى الزّكاة إلاّ لقرابة المزكّي؛ اِستقام أمر أبي سليمان بعد وفاة والده، وبنى مساجد لأتباعه في وارجلان، إلاّ أنّ مشايخ الإباضية دعوا عليه فأهلكه اللهُ وأتباعه. أبو زكرياء يحي بن أبي بكر: السّيرة وأخبار الأئمّة، 1/ 180؛ السّوفي: رسالة في فِرق الإباضية، 60 (مطبوع ضمن مجموع)؛ علي يحي معمّر: الإباضية بين الفِرق الإسلامية، 276 وما بعدها. (1/208)
صفحة 209
أو صغيرة مصرًّا عليها؛ الثّالثة: شهادة عدلين ممّن تقوم بهم الحُجّة في الوَلاية والبراءة، وقد رُوي أنّ جابر بن زيد - رضي الله عنه - سمع رجلين من أصحابه يتحدّثان حتّى ذكرا رجلاً فلعناه، فقال جابر: لعن اللهُ من لعنتما، فقالا: كيف تلعن رجلاً لم يثتب عندك لعنه؟ فقال: وأيّ إثبات أثبت من اجتماعكما على لعنه! (1) وروي أن ضماما -رحمه الله- (2) كان مع بعض المسلمين فذكر رجلاً فنقّصه، فقال ضمام: مه لا تفعل، فقال الرّجل: برئ اللهُ منه، فقال ضمام: برئ اللهُ منك، ثمّ إنّه تاب فاستغفر له ضمام -رحمه الله- (3)؛ والرابعة: الشّهرة التي لا تُدفع، ومعنى ذلك أنّ مَن عرفه لا يعرفه إلاّ بالسّوء، ومَن جهله جهله، فالاِشتهار أعظم حُجّة؛ ...
--------------------
الكبيرة على القوليّة والفعليّة -وهو الظّاهر- فإنّه تُقيَّد القوليّة بما عدا المكرَه، إلاّ في شهادة الزّور، والله أعلم.
قوله مصرًّا عليها: لعلّه مصرٍّ (4).
قوله ممّن تقوم بهم الحُجّة: لإخراج الأمين في الأموال فقط، ولإدخال العدل من العبيد مثلاً.
قوله فذكر رجلاً فنقّصه ... الخ: في هذا دليل على أنّه لا يُبرأ بعدل واحد.
__________
(1) -الخبر عند الدّرجيني: الطّبقات، 2/ 213.
(2) - هو ضمام بن السّائب البصري، اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 26.
(3) - الخبر في المصدر السّابق، 2/ 248.
(4) - اِنفردت أ بهذا التّعليق. (1/209)
صفحة 210
وحُكي عن أبي المؤثر (1) أنّه قال: «إنّ المشهور في الخير يُتولّى بغير شُهود، وكذلك المشهور في الشرّ يُبرأ منه بغير شهود» (2).
ومَن تبرّأ برجل واحد فقد ضلّ وهلك، ومَن عُرف بالصّلاح أو كان موقوفًا عنه فشهد عليه بالكفر عدلان من المسلمين فإنّه يُبرأ منه، والله أعلم.
--------------------
قوله ومَن تبرّأ برجل واحد ... الخ: بخلاف الوَلاية، فإنّه كما تقدّم يُتولّى بعدل واحد، بل بامرأة [مسلمة] (3) عند بعض (4).
(((
__________
(1) - هو أبو المؤثر الصّلت بن خميس الخروصي، اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 24.
(2) - نقلاً عن السّوفي: السّؤالات، 384.
(3) - زيادة من الحجرية.
(4) - مثال الوَلاية بامرأة واحدة تقدّم في مسألة أبي ميمون الجيطالي بصفحة 170. (1/210)
صفحة 211
الفصل التّاسع
في استتابة المتولَّى إذا قارف كبيرة
واستتابة المتولّى واجبة إذا قارف ذنبًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، ومَن لم يستتبه فهو مثله، ولكن استتابته من الذّنب الصّغير لا يكون بتضييعه كافرًا والله أعلم، وإذا عاين الرّجل من المتولّى كبيرة موبقة، كالزّنا والسّرقة والرّبا والقتل وشرب الخمر، وما أشبه ذلك من الكبائر الموبقة، ...
--------------------
قوله إذا قارف كبيرة: لو قال: ذنبًا، لكان أحسن.
قوله لا يكون بتضييعه كافرًا: يؤخذ منه أنّ من الواجب ما لا يكفر تاركه، كما قال بعض أصحابنا في الوتر أنّه واجب ولا يكفر تاركه، كردّ السّلام، وكذلك الكفّ عن الصّغيرة واجب، ولا يكفر مرتكبها إلاّ مع الإصرار كما هو معلوم، وسبب ذلك أنّه لا يُبرأ من مرتكب الصّغيرة إلاّ إذا أصرّ عليها وبعد الإصرار، فالظّاهر أنّه يكفر بتضييع الاِستتابة لأنّ المقارف قد كفر ووجبت البراءة منه، والله أعلم.
قوله وإذا عاين الرّجل ... الخ: ومثل المعاينة شهادة العدول، إلاّ في الوُلاّة والقضاة عند بعضهم فإنّه لا يُبرأ من أحدهم حتّى يكون حاضِرًا يدفع عن نفسه، وعند الإمام أفلح - رضي الله عنه - أنّه لا يُبرأ من المسلم مطلَقًا بشهادة الشّهود حتّى يكون حاضِرًا يدفع عن نفسه، والله أعلم (1).
__________
(1) - اُنظر جوابات الإمام أفلح، 151 (مخطوط ضمن مجموع). (1/211)
صفحة 212
فإنّه يَبرأُ منه ثمّ يستتيبه، فإن تاب رجع في الوَلاية، وإن أبى وأصرّ تُرك في البراءة؛ وقيل عن بعض مشايخ أهل المغرب من أصحابنا في المتولّى إذا قارف كبيرة أنّه يُستتاب قبل البراءة، فإن لم يتب بُرئ منه، إلاّ في فاحشة الزّنا فإنّه يُبرأ منه في حين الفعل ثمّ يُستتاب، فإن تاب رجع في الوَلاية، وإن أصرّ تُرك في البراءة (1)؛ وأمّا من فعل كبيرة من أهل الجملة (2) فإنّه يُبرأ منه، فإن تاب قبل أن يبرأ منه فلا يُبرأ منه بعد التّوبة، ولكن يُردّ إلى حاله من الوقوف، وقال من قال: يُبرأ منه، ولا تُقبل توبته، وعلى القول الأوّل إن سبقه إلى التّوبة قبل أن يبرأ منه فلا يبرأ منه بعد التّوبة، ولكن يُردّ إلى الوقوف والله أعلم؛ وإذا استُتيب المتولّى من فعل الكبيرة ثمّ رجع إليها إلى ثلاث مرّات، قال بعض: يُترك في البراءة، ...
--------------------
قوله فإنّه يَبرأُ منه ... الخ: يعني إذا أخذ أنّ هذه الأفعال -مثلاً- كبائر، وأمّا إذا لم يأخذ أنّها كبائر فلا يجوز له الإقدام على البراءة بغير علم، لأنّ الكبائر التي هي دون الشّرك يسع جهلها حتّى تقوم عليه الحُجّة، لكن الواجب عليه إذا لم يعلم حكم اللهِ في ذلك الفعل أن يستصحب الأصل في الشّخص ويقف في الفعل حتّى يعلم حُكم الله فيه، لقوله - عز وجل -: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، ولا يجوز له أن يتولاّه على ذلك الفعل، ولا أن يبرأ منه، ولا أن يقف فيه، فإن فعل شيئًا من ذلك فقد هلك، والله أعلم.
__________
(1) - روى ذلك الشّيخ أبو الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي عن شيخه أبي عبد الله محمّد بن بكر عن الشّيخ أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور. سليمان بن يخلف المزاتي: التّحف المخزونة في إجماع الأصول الشّرعية ومعانيها، 8 (مخطوط).
(2) - أي من أهل التّوحيد، وأهل القبلة، ومعناه: من أهل وَلاية الجملة، اُنظر صفحتيْ: 163، 164 المتقدّمتين. (1/212)
صفحة 213
وفي بعض الكتب: إن أقبل فأقبل عليه، وإن أدبر فأَدْبِر عنه (1)، وهذا عندي أصحّ لأنّ التّوبة مبسوطة ما لم يتغرغر العبد، والتّائب من الذّنب كمن لا ذنب له، فكما نعتقد أنّ الله يقبل توبته كذلك يجب علينا استتابته والله أعلم، وقد روي عن أبي عبيدة مسلم -رحمه الله- (2) أنّه قال: «يُستتاب حتّى يكون الشّيطان هو الخاسر»، وحُكي ذلك عن علي بن أبي طالب (3)؛ والمتولّى بوَلاية البيضة قيل إنّه لا يلزمنا استتابته إذا قارف كبيرة؛ وَمن فعل كبيرة فاستُتيب منها فتاب، ثمّ أنكر بعد ذلك فقال: لم أتب قطّ ممّا فعلت، متماديا مصرًّا فإنّه يُبرأ منه؛ ومَن أخذ من عالم واحد أنّ مَن فعل هذا الفعل يُبرأ منه فقَبِل ذلك، فإنّه يَبْرأُ من كلّ من رآه يفعل ذلك الفعل إذا كان عاقلاً، وإن لم يأخذ ذلك عن العالم فرأى من يفعله فسأل عن ذلك العالِمَ فأفتاه بالبراءة منه، فإنّه لا يَبْرأُ منه إلاّ بأمينين، فبذلك تقوم عليه الحُجّة وينقطع عذره، والله أعلم.
--------------------
قوله فإنّه يُبرأ منه: يعني: ولا يطلب استتابته.
__________
(1) - ذكر ذلك السّوفي: السّؤالات، 201 حكاية عن كتاب من فزّان.
(2) - شخصيّة فذّة، هو أشهر من نار على علَم، عالم وفقيه وسياسي محنَّك، انتهت إليه رئاسة الإباضية بعد وفاة جابر بن زيد سنة 93هـ، ويرجع إليه الفضل في انتشار المذهب الإباضي بالمشرق والمغرب وقيام دوله بهما، ومظان ترجمته متوفّرة، أهمّها أطروحة ماجستير بعنوان: "أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه" للشّيخ مبارك بن عبد الله الرّاشدي، فلتُنظر للتوسّع، ولشهرته لم نخصّص له ترجمة في الملحق.
(3) - روى هذا السّوفي: السّؤالات، 201. (1/213)
صفحة 214
والمتولّى إذا فعل كبيرة فاستُتيب فقال: تُبت من جميع ذنوبي، هكذا من غير قصد إلى الذّنب الذي فعله، فقيل: لا يُجزئه حتّى يقصده فيما بيننا وبينه، وقيل فيه غير ذلك والله أعلم؛ والرّجل المتولّى إذا قال: بَرئ منّي فلان وفلان، وهما متولّيان فإنّه يُبرأ منه، وكذلك إن كان من أهل الجملة فإنّه يُبرأ منه، ...
--------------------
قوله وكذلك إن كان من أهل الجملة فإنّه يُبرأ منه: في "السّؤالات": «فإن قال: تبرّأ منّي أهل وَلايتكم، فإن كان متولّى لنا فذكر أسماءهم فإنّه يُبرأ منه، وإن كان من أهل الجملة فلا يُبرأ منه إلاّ إن كان ذلك يستحقّ عليه البراءة، أو ممّن لا يستحقّ عليه البراءة فحينئذ يُبرأ منه ... الخ» (1) لكن فليُراجع "السّؤالات" هاهنا في نسخة صحيحة عند قوله: «سؤال: وإن قال تبرّأت من المسلمين ... الخ» راجعناه فصحّ، فلعلّ المصنّف -رحمه الله- نظر إلى قيام الحُجّة في الموضعين، وصاحب "السّؤالات" نظر إلى رمي أهل الوَلاية بأنّهم يبرأون ممّن لا يستحقّ البراءة في الصّورة الثّانية، وهي المشار إليها عند المصنّف -رحمه الله- بقوله: وإن قال برئ منّي فلان المتولّى على غير ما استحقّ ... الخ.
والحاصل أنّ الصور ثلاث فيمن كان من أهل الجملة، إحداها: أن يقول مثلاً: برئ منّي أهل وَلايتكم على فعل كذا، وهو ممّا يستحقّ عليه البراءة، الثّانية: أن يقول: بَرئ منّي أهل وَلايتكم على فعل لا يستحقّ عليه البراءة، الثّالثة: أن يقول: بَرئ منّي أهلُ وَلايتكم فقط، فإنّه على كلام المصنّف يُبرأ منه في الصّور الثّلاثة، وعلى كلام "السّؤالات" يُبرأ منه في الصّورتين الأوّلتين، ولا يُبرأ منه في الثّالثة حيث أبهم، والله أعلم.
__________
(1) - السّوفي، 317. (1/214)
صفحة 215
وإن قال: قد بَرئ منّي فلان المتولّى، على غير ما استحقّ، فقد رماه بكبيرة، فلا مخرج للرّامي من البراءة؛ فمن قال في شيء من الأفعال: إنّ هذا الفعل كبيرة أو كفر، ثمّ فعله فهو إلى البراءة أقرب؛ وإذا قال: برئتُ من واحد من هذه الجماعة، وهم كلّهم من أهل وَلاية فهو هالك، وإن كان بعضهم أهل وُقوف فليس علينا منه شيء.
والمتولّيان إذا فعل أحدهما فعلاً لا يُدرى ما هو فبَرئ منه الآخر على ذلك، وبَرئ منه الفاعل أيضًا، فليس على السّامع شيء حتّى يتبيّن له المحقّ من المبطل، وأمّا إن كان مع أحدهما متولّى آخر والمتولّيان حُجّة على السّامع، والله أعلم.
مسألة: وفي بعض آثار أصحابنا من أهل المشرق يقول فيه: «وقد أدركنا المسلمين يتبرّأون من النّاس على الأعمال المكفّرة لهم، ممّن كذّب الرّسل، ...
--------------------
قوله بكبيرة: يعني [حين] (1) جعله يبرأ منه على ما لا يستحقّ عليه البراءة، كإساءة الأخلاق مثلاً، والصّغائر التي لم يصرّ عليها، فإنّ المسلم لا يبرأ من أحد إلاّ على كبيرة أو صغيرة مصرٍّ عليها.
قوله للرّامي: أي وهو القائل.
قوله ممّن كذّب ... الخ: بدل من قوله: من النّاس، لا بيان ل الأعمال المكفّرة، وإلاّ لقال: مِن تكذيب.
__________
(1) - زيادة من الحجرية. (1/215)
صفحة 216
ومن أهل الأحداث من أهل القبلة بما شُهر معهم من قبيح آثارهم ومساوئ أعمالهم التي استحلّوا بها ما حرّم اللهُ ورسوله، وإن لم يشهدوا أحداثهم ولم يدركوا زمانهم ولم يشهد معهم بها مَن تقوم به الحُجّة عليهم، ولكن شهرة أعمالهم قامت به مقام المعاينة منهم لها؛ وأمّا مَن لم يشتهر معهم له اسم ولا عمل من أهل الإنكار ولا من أهل الأحداث من أهل القبلة ولم تقم عليهم بذلك الحُجّة، أو شهرت معهم أسماؤهم ولم يشهد أحد بأحداثهم كانت البراءة منهم موضوعة عنهم حتّى تقوم عليهم الحُجّة، فإذا قامت عليهم الحُجّة بمعرفة أسمائهم وأحداثهم لزمتهم البراءة منهم، ومن ذلك لو أنّ أحدًا لم يشتهر معه تكذيب قوم نوح - عليه السلام - ولا غيره من الرّسل كانت البراءة عنه موضوعة حتّى تقوم عليه الحُجّة كمّا قدّمنا؛ وكذلك لو لم يسمع بأحد من أهل الأحداث في الإقرار من أهل القبلة ممّن تقدّمه، مثل عثمان بن عفّان ومعاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب، أو سمع بهم ولم يسمع بأحداثهم الشّاهرة عنهم، أو غيرهم ممّن شهرت الأحداث المكفّرة منهم كانت البراءة منهم موضوعة عنه حتّى تشتهر معه أسماؤهم وأحداثهم، أو تقوم عليه الحُجّة بذلك، أو يشتهر معه ذلك، فإذا كان ذلك فقد وجبت عليه البراءة منهم» (1)، والله أعلم.
--------------------
قوله معهم: أي: عندهم، ف مع بمعنى: عند، على حدّ {هَذَا ذِكْر من مَعِي} [الأنبياء: 24] على قراءة الجرّ، والله أعلم.
قوله قامت به: الأولى إسقاط: به كما في بعض النّسخ (2).
__________
(1) - محمّد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، 3/ 52، 53 بتصرّف، والكندي من علماء الإباضية بعمان في القرن 5 هـ.
(2) - في أ والحجرية: هكذا في ما رأيناه من النّسخ، ولعلّ النّسخة: «قامت عندهم مقام المعاينة ... الخ» صحّت كذلك. (1/216)
صفحة 217
الفصل العاشر
في حقيقة الوَلاية والبراءة، ووَلاية الله في العباد، وألفاظ الوَلاية والبراءة
وهذا الفصل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل في حقيقة الوَلاية والبراءة: اِعلم أنّ حقيقة الوَلاية كما قدّمنا هي: الموافقة في الشّريعة، ...
--------------------
قوله هي الموافقة في الشّريعة ... الخ: الظّاهر أنّ هذا معنى آخر للوَلاية، فلذلك يثبت للمسلمين فيما بينهم، وللكفّار أيضًا فيما بينهم لكونهم على دين واحد، قال الله تعالى: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الجاثية: 19]، وقال أيضًا: {يَاأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ، بَعْضُهُمُ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51]، وقال أيضا حكاية عن إبراهيم - عليه السلام - مع أبيه: {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 45] ... إلى غير ذلك، وإلاّ فقد تقدّم أنّ الموافقة في الشّريعة من شروط الوَلاية فكيف تُجعلُ حقيقتها؟ وأيضًا الوَلاية هي إيجاب الترحّم (1) والاِستغفار للمسلمين كما تقدّم، وذكره غيرُه أيضًا، وجعل في "السّؤالات" أصل الوَلاية ونفسها وعينها وعِلّتها بين العباد شيئا واحدًا، فقال بعد ما ذكر أنّ الوَلاية في اللّغة: القُربُ، وفي الشّرع: إيجاب الترحّم والاِستغفار للمسلمين: «فإن قال: ما أصل الوَلاية ونفسها وعينها وعِلّتها بين العباد؟ فقل: الحبّ بالقلب والاِستغفار باللّسان، والعِلّة التي
__________
(1) - في د: الترّاحم، وقد سبق للمحشّي تفصيل الفرق بينهما في صفحة: 130. (1/217)
صفحة 218
لأنّ اللهَ تعالى أمر المؤمنين أن يكونوا على شريعة واحدة، فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]؛ والبراءة أيضًا حقيقتها: المفارقة للكفّار، وأكثر شروط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا لمن أسلم على يديه أن يُفارق المشركين، ويكون مع المؤمنين، هذا نفس الوَلاية والبراءة وسائر ذلك توابع والله أعلم، ...
--------------------
تجب (1) بها: معرفة الأعمال الصّالحة» (2)، لكن غاير في "الجهالات" بين الوَلاية وأصلها وعينها، فقال: «قلت: فما هي الوَلاية؟ قال: إيجاب الاِستغفار والتراحم للمسلمين، قلت: فما أصل الوَلاية؟ فقال: معرفة الأعمال الصّالحة، قلت: فما عين الوَلاية بين العباد؟ قال: الموافقة في الشّريعة» (3) إلى آخر ما يتعلّق بالبراءة عكس الوَلاية، فتجد -كما ترى- كلام الثّلاثة لم يوافق واحدٌ منهم صاحبه، فليُحرّر والله أعلم، وقد يُقال: كلام المصنّف -رحمه الله- موافق لكلام "الجهالات"، لأنّ عين الشّيء وحقيقته واحد كما ذكر في "السّؤالات" -فيما أظنّ- أنّهما مترادفان، ومراد المصنّف -رحمه الله- بحقيقة الوَلاية أي: بين العباد مطلَقًا مسلمين كانوا أو كفّارًا، والله أعلم.
قوله حقيقتها: المفارَقَة ... الخ: لعلّ هذا أيضا معنًى آخر للبراءة والله أعلم، وهو ظاهر بالنّظر إلى البراءة الواجبة على المكلَّفين، لا بالنّظر إليها مطلَقًا مسلمين كانوا أو كفّارا، والله أعلم.
قوله أن يفارق المشركين ... الخ: أي لقوله تعالى: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا} الآية [الأنفال: 72]، ولقوله: {أَلَمْ تَكُنَ اَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً} الآية [النّساء: 97].
__________
(1) - زاد هنا في د بين قوسين ما يلي: قوله تجب: فاعله ضمير عائد ل الوَلاية، وقوله معرفة ... الخ: خبر المبتدأ، وهو العِلّة.
(2) - السّوفي، 153.
(3) - تبغورين بن عيسى الملشوطي، ورقة 11 (مخطوط). (1/218)
صفحة 219
فكلّ ما جاز في الوَلاية من المحبّة بالقلوب، والتّودّد بالجوارح، وسائر حقوق أهلها من الإسعاف، والاِستغفار، والتّراحم، وحسن المعاشرة، والموافقة في الشّريعة، جاز في البراءة مثله من البغض بالقلوب، والشّتم باللّسان، والقطيعة، وترك الاِستغفار لأهلها، ومفارقتهم عليها، لأنّ ما جاز في شيء جاز في ضِدّه خلافه بإجماع من الأمّة فيما وجدت، لأنّ من انعرى من محبّة المسلمين ومودّتهم لن ينتهي دون بغضهم وهي البراءة، قال إبراهيم - عليه السلام -: {وَبدَا بَيْنَنَا وَبيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ اَبَدًا} الآية [الممتحنة:4]، والله أعلم.
القسم الثّاني في وَلاية الله في العباد: اِعلم انّ وَلاية الله في العباد: العلم بما يستوجبون من الثّواب، وكذلك عداوته: العلم بما يستوجبون من العقاب، ...
--------------------
قوله مثله: لعلّه: ضدّه، أو خلافه [كما هو ظاهر، ويدلّ عليه كلام أبي نصر -رحمه الله- حيث قال:
فما جاز في حكم الوَلاية، ضدُّه أجزناه في حكم العداوة واللّعن
فتراه صرّح بالضدّ، والله أعلم] (1).
قوله لن ينتهي دون بغضهم: المناسب أن يزيد: أو الوقوفُ فيهم، يعني: وكلاهما كفر، وإنّما قلنا ذلك لأنّ الحبّ والبغض ضدّان، والضدّان لا يجتمعان، لكن قد يرتفعان، فلا يلزم من خلوّ المحبّة تحقّق البغض كما هو معلوم، والله أعلم.
__________
(1) - زيادة من ج و هـ، والبيت من النّونية، رقم: 34. (1/219)
صفحة 220
وفي "جوابات الإمام أفلح بن عبد الوهّاب" رضي الله عنهما يقول: «وذكرتَ ما ذكر اللهُ في القرآن مثل لقمان الحكيم، ورجل مؤمن من آل فرعون، وغيرهم ممّن ذكر الله - عز وجل - في القرآن: إن كانوا معصومين؟» فقال: «بلغنا أنّ أبا بكر الصدّيق - رضي الله عنه - قال: مدح اللهُ أهل الجنّة بمحاسنهم وسكت عن مساوئهم، وذمّ أهل النّار بمساوئهم وسكت عن محاسنهم» (1)؛ وأحسب أنّه قد روي عن جابر بن زيد - رضي الله عنه - مثل ذلك، قال: «إنّ اللهَ تعالى عادى فلم يوالِ، ووالى فلم يعادِ»، وقد اتّفق أهل التّوحيد فيما بلَغَنا على أنّ الله تعالى موالٍ ومعادٍ لم يزل، ...
--------------------
قوله فقال: «بلغَنا ... الخ»: جواب الإمام الذي حكاه عن أبي بكر رضي الله عنهما يقتضي أنّهم غير معصومين، حيث أثبت لهم المساوئ وإن كانوا من المنصوصين، وهو كذلك لأنّ العصمة إنّما هي للأنبياء والرّسل والملائكة فقط، وحينئذ فالمنصوص أعمّ من المعصوم، بل قد يُقال: بينهما عموم وخصوص من وجه فيجتمعان في الأنبياء والرّسل، وينفرد المعصوم في الملائكة لأنّ الجنّة ليست ثوابًا لهم، فالجنّة والنّار بالنّسبة إليهم على حدّ سواء كما هو معلوم، فهم حينئذ ليسوا من المنصوصين بأنّهم من أهل الجنّة، وينفرد المنصوص فيمن عدا الأنبياء والرّسل من المؤمنين، والله أعلم حرّره، وهذا إنّما يتأتّى في لقمان على القول بأنّه وليّ وليس بنبيء، والله أعلم.
__________
(1) - لم نقف على هذا في المجموعة التي بين أيدينا من جوابات الإمام. (1/220)
صفحة 221
واتّفقوا على أنّ الله لم يزل عالمًا بما كان وما يكون أن لو كان كيف كان يكون، وأنّه لم يزل عالمًا بأسماء أهل الجنّة، وأسماء آبائهم وعشائرهم وقبائلهم، ...
--------------------
قوله أن لو كان كيف كان يكون: هذا الكلام إنّما يؤتى به للمفروض الوُجود، لا لما لابدّ من وجوده، كما فعل صاحب "الوضع" -رحمه الله- حيث قال: «لم يزل عالمًا بما كان وما يكون ومالم يكن أن لو كان كيف كان يكون» (1)، ولعلّ المصنّف -رحمه الله- نقل عبارة "الوضع" وقصد إسقاط قوله: «وما لم يكن» لِما يتوجّه عليه من أنّ العلم إنّما يتعلّق بالواجب والممكن الذي وُجد أو يوجد، دون الممكن الذي لا يوجد أصلاً، لأنّ اللهَ تعالى لا يعلم الأشياء إلاّ على حقيقتها، والمحال والممكن الذي لا يوجد لا حقيقة لهما، قال اللهُ تعالى في حقّ شفاعة الأصنام التي ادّعتها الكفّار: {قُلَ اَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الاَرْضِ} الآية [يونس: 18]، والمناسب للمصنّف حينئذ أن يقول مثلاً: وما يكون إذا كان كيف كان يكون، فيأتي بالعبارة الدّالة على القطع، وأمّا عبارة "الوضع" فقد وجّهناها بما يطول ذكره فيما كتبناه عليه فليُراجع (2)، والله أعلم بالصّواب.
قوله بأسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم ... الخ: مصداق ذلك الحديث المرويّ عن عبد الله بن عمرو، حيث قال: «خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه كتابان وهو قابض على كفّيه ... » إلى أن قال: «هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعددهم» إلى آخر الحديث (3)، فذكر
__________
(1) - الجنّاوني، 22.
(2) - محمّد بن عمر بن أبي ستّة المحشّي: حاشية على كتاب الوضع، 76 (طبعة حجرية).
(3) - أخرجه أحمد: مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، رقم: 6574. (1/221)
صفحة 222
وليس عند أهل الصّلاة فيما وجدت اختلاف في هذا الأصل (1)؛ واختلفوا بعد ذلك، فزعم ابن الحسين (2) والنكّاث فيما وجدت (3) أنّ وَلاية اللهِ لأوليائه وعداوته لأعدائه تتقلّبان على تقلّب الأحوال في أعمالهم، ...
--------------------
العدد في كلّ من الفريقين وأنّه ليس بزائد فيهم، ولا بناقص منهم، وهذا ممّا يكذّب القولَ بالخروج من النّار، لأنّه لو خرج واحد من أهل النّار لحصلت الزّيادة في أهل الجنّة، والنّقصان من أهل النّار، وممّا يدلّ أيضًا على عدم الزّيادة والنّقصان قوله تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشّورى: 7]، فمن أراد اللهُ به خيرًا ختم له بالخير، فنسأل اللهَ حسن الخاتمة، آمين.
قوله وليس عند أهل الصّلاة فيما وجدت اختلاف ... الخ: قال في "السّؤالات" في سؤال أصول الدّين: «اِتّفق الموحّدون كلّهم ... أنّ اللهَ مُوالٍ ومُعادٍ لم يزل، ونقضت ذلك النكّار حيث قالوا بتقلّب الوَلاية والعداوة، وزعموا أنّ اللهَ يواليك اليومَ ويعاديك غدًا، فجعلوا عِلم الله وعلم الخلق سواء، لأنّ الخلقَ إنّما يتولّون ويبرأون بما ظهر لهم، والله يعلم سرائر الخلق، وما تصير إليه عاقبتهم من خير وشرّ، فردّ عليهم القرآنُ، قال الله [تعالى]:
__________
(1) - الجنّاوني: الوضع، 22.
(2) - هو أبو زيّاد أحمد بن الحسين الأطرابلسي، زعيم فِرقة الحسينية عاش في القرن 3هـ، وألّف عِدّة كتب، ينتسب أتباعه إلى الإباضية وهي براء منهم، وفي انتساب هذه الفرقة إلى الإسلام كلام، امتازت عن الأمّة الإسلامية بمسائل في العقيدة والفقه خرجت بها من مِلّة الإسلام وأشركت. السّوفي: رسالة في الفِرق، 58؛ علي يحي معمّر: الإباضية بين الفِرق الإسلامية، 273 وما بعدها.
(3) - هذا عند الجنّاوني: الوضع، 22، وعند السّوفي: السّؤالات، 375. (1/222)
صفحة 223
إن عملوا بالإيمان فالله وليّهم، وإن عملوا بالكفر فالله عدوّهم، على أيّ حال انقلبوا كانوا بتلك المنزلة، فقالوا: إنّهم يتحوّلون من علم اللهِ إلى علمه؛ وقال أصحابنا ومَن وافقهم على ذلك: إنّ وَلاية الله وعداوته لا تتقلّبان، وإنّ مَن علِم اللهُ أنّه يموت على الإيمان فهو من أهل وَلايته وسكّان جنّته، وإن كان يعمل بالشّرك في بعض الأحوال، وإنّ مَن علِم اللهُ أنّه يموت على الكفر فهو من أهل عداوته، وإن كان يعمل بالطّاعة في بعض الأحوال، واحتجّوا في ذلك بأنّ علم اللهِ لا يتحوّل، وهو قول أبي عبيدة مسلم وغيره من أصحابنا، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافًا، وقد ذكرت احتجاج كلا الفريقين مستقصًى في كتاب: "شرح قصيدة الشّيخ أبي نصر"، وبالله التّوفيق (1).
مسألة: ووَلاية العباد في الله: قبول أوامره بالاِمتثال، وزاجره بالاِنتهاء، والله أعلم.
--------------------
{هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا} ... الخ [الحجّ: 78]» (2).
قوله فقالوا: إنّهم يتحوّلون ... الخ: فقد جعلوا وَلاية الله وعداوته راجعتين إلى علمه بالطّاعة وعلمه بالمعصيّة، وليس كذلك، بل هما عين العلم بالثّواب والعقاب.
قوله مسألة: إنّما جعلها مسألة مستقلّة لأنّه لم يدخلها في التّرجمة في أوّل الفصل، والله أعلم.
__________
(1) - الجيطالي: شرح النّونية، 2/ 23، شرح البيت 34.
(2) - السّوفي، 375. (1/223)
صفحة 224
القسم الثّالث في ما يجوز من الألفاظ في الوَلاية والبراءة وما لا يجوز: اِعلم أنّ من وجبت ولايته فقد وجب تعظيمه وتوقيره على مَن تولاّه، ويحبّ له مثل ما يحبّ لنفسه، ويدعو له بالمغفرة والرّحمة، وكذلك مَن وجبت عليه براءة رجل فقد وجب عليه بغضه وتهوينه وتحقيره، ولا يدعو له بدعاء الآخرة، ولا بكلّ ما يستحقّ به المغفرة.
ومَن قال للمسلم: يا عدوّ الله، أو يا كافر، أو يا ضالّ، أو يا فاسق، أو قاتلك الله، أو ذمّك اللهُ، أو لعنك اللهُ، أو أخزاك اللهُ، أو أضلّك اللهُ، أو أُفّ لك، أو سُحقًا لك، أو بُعدًا لك، أو قبّحك اللهُ، أو حشرك اللهُ على شبه اليهود، أو دين الكفر، وبالجملة أنّ الدّعاء بالشرّ كلّه في الآخرة براءة، كان المدعو عليه حيًّا أو ميِّتًا، ...
--------------------
قوله وتهوينه: لعلّه: وإهانته، لأنّ التّهوين معناه: التّخفيف والتّسهيل، وليس ذلك مناسبًا هنا، وربّما يُقال: إنّه مناسب في الجملة، كأن يراه خفيفًا سهلاً ليس بشيء والله أعلم، وفي بعض النّسخ: وتوهينه، وهو من: وهَّنَه توهينًا إذا ضعّفه.
قوله أو دين الكفر ... الخ: لم يأت المصنّف بخبر المبتدإ في قوله: ومَن قال ... الخ إن جُعلت موصولة، أو بجواب الشّرط إن جُعلت شرطيّة، والظّاهر أنّه محذوف للعلم به من المقام، والتّقدير مثلاً: فإنّه يُبرأ منه، والله أعلم.
قوله وبالجملة ... الخ: أي إن عبّرنا بعبارة مجملَة، وتركنا التعرّض للتّفصيل، فالدّعاء بالشرّ كلّه في الآخرة براءة، لكن إن وقع في حقّ الكافر فهو الجائز والمطلوب، وإن وقع في حقّ المؤمن فهو الممتنَع، والدّعاء الحسن كلّه في الآخرة وَلاية، لكن إن وقع في حقّ المؤمن فهو الجائز والمطلوب، وإن وقع في حقّ الكافر فهو الممتنَع. (1/224)
صفحة 225
والدّعاء الحسن كلّه في الآخرة وَلاية، كان المدعو له حيًّا أو ميّتًا؛ وكلّ دعاء كان ضرًّا في الدّنيا لا يكون براءة ممّن دعا به على أحد، وكذلك كلّ خير في الدّنيا لا يكون وَلاية ممّن دعا به لأحد؛ وقال بعض العلماء: الدّعاء السّوء على المؤمن براءة، لأنّه لا يشتمه إلاّ وهو يبغضه؛ ومَن قال لمن رآى منه الوفاءَ بدين الله: يا مسلم، يا بارّ، يا تقيّ، يا محسن، يا مرحوم، يا مُثاب، إنّك من أصحاب الجنّة، فذلك وَلاية [ولا تُجزئه]، وإن قال: أطال اللهُ بقاءك وعمّرك، فلا يُجزئه، إلاّ أن قال: في الجنّة، ...
--------------------
قوله فذلك وَلاية: قال في "السّؤالات": «ولا تجزئه» (1)، والشّيخ -رحمه الله- نقل عبارته بالحرف، ولم يترك منها إلاّ قوله: «ولا تجزئه»، وانظر هل تركه إياه مراد له، أو أسقطه النسّاخ؟ والظّاهر الثّاني، لأنّ الوَلاية لابدّ فيها من دعاء الآخرة بالخير، وهذه الألفاظ كلّها خالية منه، قال في "السّؤالات" أيضًا فيما يتعلّق بالبراءة: «وإن قال له يا كافر، يا ضالّ، يا عدوّ الله، يا مشرك، إنّك من أصحاب النّار، فذلك براءة، ولا تجزئه» (2)، فنصّ في "السّؤالات" على عدم الإجزاء في الوَلاية والبراءة، وكذلك المصنّف -رحمه الله- نصّ في البراءة على عدم الإجزاء، فتكون الوَلاية كذلك، ثمّ رأيت ذلك ثابتًا في غالب النّسخ، وهو الحقّ (3).
__________
(1) - السّوفي، 327.
(2) - المصدر السّابق، 329.
(3) - كما جاء في نسخ القواعد المعتَمَدة، إلاّ ج فإنّها موافقة لنسخة المحشّي لذلك فقد جعلنا ما سقط منها بين معقوفتين. (1/225)
صفحة 226
وإن قال: آجرك اللهُ فلا [يُجزئه] (1) حتّى يقول: أجر المحسنين، وإن قال: وسّع اللهُ عليك قبرك، ونوّره لك، وبرّد ضريحك، وهوّن عليك سكرات الموت، أو غفر اللهُ ذنوبك، فذلك وَلاية وتُجزئه؛ وإن قال لمن تبرّأ منه: يا ضالّ، يا مشرك، إنّك من أصحاب النّار، فذلك براءة ولا تجزئه، وإن قال: ضيّق اللهُ عليك قبرك، فليس ببراءة، ...
--------------------
قوله آجرك اللهُ: «الأجر: الثّواب، تقول: أجره اللهُ يأجُرُه ويأجِرُهُ أجْرًا، وكذلك آجره اللهُ إيجارًا» "صحاح" (2)، يعني فعلى الأوّل من باب: نصَرَ وضرَب، وعلى الثّاني من باب: أفعل كأكْرَمَ، فيُقال في الدّعاء مثلاً: اللهمّ اجُرنا، واللهمّ اجِرْنا بالوصل وإسكان الهمزة الأصليّة، كما تقول: اللهمّ انصُرنا واغفِر لنا، أو يُقال: اللهمّ آجُرنا أو آجِرنا بالوصل أيضًا، لكن مع إبدال الهمزة السّاكنة ألفًا إن كان ما قبلها مفتوحًا نحو: {وَامُرْ اَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ} [طه:132]، أو يُقال: اللهمّ آجِرنا مِن آجَرَ، كما تقول: اللهمّ آثِرنا مِن آثَرَ.
قوله يا مشرك: يعني إن كان مشركًا، وأمّا إن كان منافقًا فلا يجوز ذلك.
قوله ولا تُجزئه: أي لأنّه ليس فيها دعاء الشرّ في الآخرة.
قوله فليس ببراءة: لأنّه قد يكون مراده بضيق القبر: ضمّته التي تحصل للإنسان عند نزوله فيه، فإنّه لابدّ منها، وهي عذاب القبر في حقّ المؤمن (3)، والله أعلم.
__________
(1) - سقطت من أ و د.
(2) - الجوهري: باب الرّاء، فصل الألف: أَجَرَ.
(3) - وفي هذا ورد قول الرّسول - صلى الله عليه وسلم - «لو نجا من عذاب القبر أحد لنجا منه سعد بن معاذ ... »، أخرجه الرّبيع ابن حبيب: ما جاء في الحُجّة على القدَريّة، رقم: 813؛ وأحمد: مسند السيّدة عائشة، رقم: 24337. وقد فصّل المؤلّفُ القول في موضوع عذاب القبر للمؤمن في كتابه: حاشية التّرتيب، 4/ 310 وما بعدها. (1/226)
صفحة 227
وإن قال: أظلم اللهُ عليك قبرك فذلك براءة، وإن قال: أذلّك اللهُ، فلا يُجزئه، إلاّ إن قال: في الآخرة، وإن قال: نقش اللهُ عليك الحساب، فذلك براءة وتُجزئه، وإن قال لمن يتولاّه: يا مشؤوم، يا منجوس، ففيه اختلاف (1).
وفي بعض آثار أهل المشرق: المحبّة والترحّم والبركة للمسلمين، ولسائر المسلمين: عافاك اللهُ وأصلحك، ...
--------------------
قوله فذلك براءة: يعني: وتُجزئه، لأنّ فيه دعاء بالشرّ في الآخرة، أو فيما هو ملحَقٌ بها.
قوله وإن قال: نقش اللهُ ... الخ: «في الحديث: «مَن نوقش في الحساب عُذّب» (2)، والمناقشة: أن يُحاسب العبدُ بجميع ما فعل، وهو الاِستقصاء» "سؤالات" (3).
قوله ولسائر المسلمين: أراد بالمسلمين هنا: الموحّدين، ثمّ وجدنا في غالب النّسخ: ولسائر النّاس، وهي الأحسن (4).
قوله وأصلحك: فيه أنّ الصّلاح ممّا يستحقّ به الجنّة، وسيأتي قريبا أنّه لا يُدعى لغير المتولّى بما يستحقّ به الجنّة، إلاّ إن اضطرّ إلى ذلك بالتقيّة، وعند التقيّة لا فرق بين التّرحّم (5)
__________
(1) - المسائل الأولى والأخيرة من هذه الصّيَغ مُقتبَسَة من السّوفي: السّؤالات، 452 - 454.
(2) - أخرجه البخاري: كتاب الرّقاق، باب مَن نوقش الحسابَ عُذّب، رقم: 6171؛ ومسلم: كتاب الجنّة ... ، باب إثبات الحساب، رقم: 2876 بلفظ: «من نوقش الحساب يوم القيامة عُذّب»؛ وأخرجه التّرمذي: أبواب التّفسير، سورة إذا السّماء انشقّت، رقم: 3393 بلفظ: «من نوقش الحسابَ هلك»؛ وأحمد: مسند السيّدة عائشة، رقم: 24823 بلفظ: «من نوقش المحاسبة لم يُغفر له»، وغيرهم.
(3) - السّوفي، 330.
(4) - وهو ما في نسخ القواعد المعتَمَدة.
(5) - في أ والحجرية: التّراحم. (1/227)
صفحة 228
ولا يُقال للمتبرّإِ: رحّب الله بك، وأمّا مرحبًا ففيه اختلاف، والأصحّ جوازه، ولا يُقال لغير المتولّى: أيّدك اللهُ، ولا قوّاك اللهُ، ولا سلّم الله عليك، ولا حيّاك اللهُ، ولا بارك اللهُ فيك (1).
وذُكر في كتاب "الجهالات" عن بعض المشايخ ما يدلّ أنّه يرى الخروج من هذه العهدة بالمعاريض، وذلك أنّه إذا مرّ بقوم وضع يديه على ركبتيه ثمّ يقول: أعانكم الله، قوّاكم الله (2)؛ وفي كتاب بعض مخالفينا ذكر عن بعض فقهائهم مثل ذلك، وذلك أنّه كان له جار نصراني، يقضي له حوائجه وينفعه، فكان الفقيه يُكثر أن يقول له: أبقاك الله، تولاّك الله، أقرّ اللهُ عينك، يسرّني والله ما يسرّك، جعل الله يومي قبل يومك، ولا يزيد على هذه الكلمات فيبتهج النّصراني بها وتسرّه، فعوتب الفقيه بذلك، فقال: إنّما أدعو بمعاريض وقد علم الله ذلك من نيّتي، أمّا قولي: أبقاك الله وتولاّك اللهُ، فإنّما أريد أن يُبقيه لغرم الجزية ويتولاّه بالعذاب، وأمّا قولي: أقرّ اللهُ عينكَ، فإنّما أريد أن تقرّ بشيء يعرض لها فلا تتحرّك جفونها، وأمّا قولي: يسرّني والله ما يسرّك، فإنّ العافية والله تسرّني كما تسرّه، ...
--------------------
والبركة والصّلاح والله أعلم، وتقدّم أيضًا أنّه لا يدعو له بكلّ مايستحقّ به المغفرة، اللهمّ إلاّ أن يُقال: المراد إصلاح أحوال الدّنيا، والله أعلم فليُحرّر.
__________
(1) - اقتباسًا من ابن جعفر: الجامع، 1/ 150، 218.
(2) - لم نقف على هذا في النّسخ التي بين أيدينا من الجهالات ومن شرحها. (1/228)
صفحة 229
وأمّا قولي: جعل اللهُ يومي قبل يومك، فأريد أن يجعل اليوم الذي أدخل فيه الجنّة برحمته قبل اليوم الذي يدخله النّار بكفره.
وفي "كتاب ابن جعفر" (1): «ومَن كان في حدّ التقيّة جاز له أن يدعو لمن لا يتولاّه بما يدعو به لأهل الوَلاية، ويعتقد المعنى لغيره، وكذلك قيل: إذا عزّى مَن لا يتولاّه في مصيبته جاز له أن يقول له: عظّم اللهُ أجرك وجبر مصيبتك، ويجعل المعنى لغيره» (2)؛ وذُكر في بعض الآثار عن محمّد بن محبوب مثل هذا في الصّاحب والجار والرّحِم (3)؛ ...
--------------------
قوله أن يجعل الله اليوم الذي أدخل فيه الجنّة ... الخ: لعلّه أراد باليوم مطلَق الوقت، لأنّه من المعلوم أنّ الجميع يدخلون في يوم واحد، ولكن يتأتّى فيه السّبق بالأوقات، والله أعلم.
__________
(1) - كتاب ابن جعفر هو المعروف بكتاب "الجامع" لمؤلّفه الشّيخ أبي جابر محمّد بن جعفر الأزكوي العماني، من علماء الإباضية بالمشرق، عاش بين أواخر القرن 3هـ وأوائل القرن 4هـ، اشتغل طول حياته بالعلم والتّعليم والتّأليف -رحمه الله-، وكتابه "الجامع" مصنَّف جليل اِهتمّ به الإباضية مشارقة ومغاربة في التّأليف والتّدريس والفتوى، ووضع عليه الشّيخ ابن بركة العماني شرحًا وافيا، وألّف على حذوه الشّيخ أبو سعيد الكدمي كتابه "المعتَبَر" في تسعة أجزاء. ابن جعفر: الجامع، مقدّمة المحقّق عبد المنعم عامر، 13؛ أبو سعيد الكدمي: المعتَبَر، مقدّمة المحقّق أحمد بن حمد الخليلي، 4.
(2) - ابن جعفر: الجامع، 1/ 150.
(3) - المصدر السّابق، 1/ 154. (1/229)
صفحة 230
ممّا يستحقّ به الجنّة، إلاّ إن اضطرّ إلى ذلك بالتقيّة كما قدّمنا، لأنّهم قالوا: «إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب» (1)، والله أعلم، وهذا باب ينبغي لذي الدّين حفظه وإتقان مخارج المعاني فيه.
--------------------
قوله «إنّ في المعاريض ... الخ»: قال في "الصّحاح": «والتّعريض خلاف التّصريح، يُقال: عرَّضْتَ لفلان وبفلان إذا قلتَ قولاً وأنت تعنيه، ومنه المعاريض في الكلام، وهي التّورية بالشّيء عن الشّيء، وفي المثل: «إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب»، أي: سعة ... الخ» (2)، وذكر في محلّ آخر ما يؤخذ منه معنى التّورية المذكورة، حيث قال: «ورّيتَ الخبر تورية إذا سترته وأظهرت غيره، كأنّه مأخوذ من وراء الإنسان، كأنّه يجعله وراءه حيث لا يظهر» اهـ (3)، أقول: وهو قريب من التّورية الاِصطلاحية المسمّاة بالإيهام، وهو أن يُطلق لفظٌ له معنيان قريب وبعيد ويُراد به البعيد، فإنّ: أعانكم اللهُ -مثلاً- له معنيان، قريب وهو المخاطبون، وبعيد وهو ركبتاه، والله أعلم.
__________
(1) - هو حديث أخرجه البيهقي: السنن الكبرى، 10/ 336؛ وأخرجه كلّ من ابن عدي في "الكامل"، والطّبراني في "المعجم الكبير"، والبخاري في "الأدب المفرد"، وأخرجه باختلاف في لفظه أبو نعيم في "الحِلية"، والدّيلمي في "مسند الفردوس"، وغيرهم. المناوي: شرح الجامع الصّغير، 1/ 326؛ ابن الدّيبع: تمييز الطيّب من الخبيث، 75؛ السّخاوي: المقاصد الحسنة، 143.
(2) - الجوهري: باب الضّاد، فصل العين: عرض.
(3) - الجوهري: باب الياء، فصل الواو: ورى. (1/230)
صفحة 231
الجملة الثّالثة في الوقوف
وهذه الجملة تتفرّع منها ثلاثة فصول، أحدها: في الأدلّة على فرض الوقوف ووجوبه، والثّاني: في حكم الموقوف فيه من الأشخاص، والثّالث: في الأفعال الموقوف فيها.
الفصل الأوّل
في الأدلّة على فرض الوقوف
قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، فيه تأويلان، أحدهما: أن تقول: رأيتُ ولم تَرَ، وعلمتُ ولم تعلم، والثّاني: لا تتّبع ما لا يعنيك وما ليس لك به علم، وقال تعالى: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] أي: فتَثَبَّتُوا، وقال أيضا: {قُلِ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} إلى قوله: {وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32]، فلمّا نهاهم عن القول بغير علم ثبت بذلك أنّه أمرهم بالإمساك عنه، لأنّ النّهي عن الشّيء هو أمر بضدّه.
ومن الإجماع الذي لا مناكرة فيه أنّ النّاس مع كلّ مكلّف في خاصّة نفسه فريقان، أحدهما مجهول الحال، والآخر معلوم الحال، ...
--------------------
قوله ومن الإجماع ... الخ: منقول من كتاب "التّخصيص" للمشارقة (1).
__________
(1) - أحمد بن عبد الله التراويني الكندي: كتاب التّخصيص، 224، 225 (مخطوط)، الكندي من علماء الإباضية في القرن 6 هـ بعُمان. (1/231)
صفحة 232
فمجهول الحال عند المكلَّف في وقوف الدّين اللاّزم في كلّ مُشار إليه بعينه لا محالة، بل الحكم النّقليّ يشهد بأنّ: "الأمور ثلاثة: أمر بَان لكم رشده فاتّبعوه، وأمر بان لكم غيّه فاجتنبوه، وأمر أشكل عليكم فكِلوه إلى الله"، وهذا الثّالث هو الفريق مجهول، وأمّا الفريق المعلوم الحال فصنفان، صنف عُلم منه الخير وهو الموافقة في الدّين بالقول والعمل، فهذا هو الوليّ المستحقّ للوَلاية، وصنف عُلم منه الشرّ وهو المخالفة في الدّين بالقول والعمل، فهذا هو المخلوع المستحقّ للبراءة والعداوة، ولهذا التّقسيم صار الوقوف وهو معنى واحد يضادد الوَلاية والبراءة، وهما معنيان متضادّان من حيث إنّ الوقوف عن جهل والوَلاية والبراءة عن علم بخير أو بشرّ، فثبت بما أوردناه من الاِحتجاج الأصليّ والنّقلي أنّ الوقوف فرض لازم، ومعناه الإمساك عن الإمضاء، فضدّ الوقوف الإمضاء، كما أنّ ضدّ الإمضاء الوقوف، والله أعلم (1).
--------------------
قوله في وقوف الدّين: خبر قوله: فمجهول.
قوله اللاّزم: صفة الوقوف، وقوله: في كلّ متعلّق ب اللاّزم.
قوله وهو معنى واحد: جملة معترضة بين اسم صار وخبرها الذي هو قوله: يضادِد ... الخ.
قوله من الاِحتجاج الأصلي والنقلي: أمّا الاِحتجاج النّقلي فظاهر من كلامه، وأمّا الأصلي فالظّاهر أنّه أراد به ما ذكره بقوله: إنّ النّاس مع كلّ مكلَّف في خاصّة نفسه فريقان، أحدهما مجهول الحال ... الخ، وكأنّه أراد بالاِحتجاج الأصلي: المعنى العقلي بدليل مقابلته بالنّقلي.
__________
(1) - إلى هنا انتهى الاِقتباس من كتاب "التّخصيص". (1/232)
صفحة 233
الفصل الثّاني
في حكم الموقوف عنه
اِعلم أنّ وقت وجوب فرض الوقوف عند معاينة شخص لا يُدرى منه كفر ولا إيمان، فالموقوف عنه من الأشخاص نوعان، أحدهما: كلّ شخص بالغ مكلَّف لا يُعرف منه كفر ولا إيمان، فالفرض فيه الوقوف عنه حتّى يُعلم حاله من خير أو شرّ فيستحقّ حينئذ الوَلاية أو البراءة، فمن أمضى فيه الوَلاية أو البراءة بغير عِلم فهو هالك، ...
--------------------
قوله عند معاينة شخص ... الخ: ظاهره أنّه لا يجب الوقوف في الشّخص المكلّف إلاّ عند المعاينة مع الجهل بحاله، مع أنّ الظّاهر أنّ الحكم كذلك عند السّماع به إذا لم تقم الحُجّة بالاِشتهار أو الشّهادة على أنّه من أهل الخير أو الشرّ، ولعلّ في الكلام حذفًا للعلم به، والأصل مثلاً: عند معاينة شخصٍ أو سماعٍ به، ويشهد للتّعميم إطلاقه بعدُ حيث قال: أحدهما كلّ شخص بالغ مكلَّف لا يُعرف منه كفر ولا إيمان، ويدلّ له أيضًا قياس الوقوف على الولاية والبراءة، فإنّهما يجريان في الغالب كما هو معلوم، والله أعلم فليُحرّر، ثمّ ظاهر قوله: عند معاينة شخص لا يُدرى منه كفر ولا إيمان أنّ مَن طالت معاشرته معك لابدّ من ولايته أو براءته، مع أنّ الظّاهر أنّه قد يكون في الوقوف ولو طالت معاشرته معك، بأن يكون معه من أخلاق السّوء ما لا تنزل عليه الوَلاية، ويشهد لذلك قولهم في شروط وَلاية الأشخاص: «ويوافقهما القلب» (1)، والله أعلم.
__________
(1) - قال الشّيخ عمرو بن جُميع في "عقيدة العزّابة": «ووَلاية الأشخاص تجب بأربعة أوجه: أن تقبل الأذنان ما سمعتا، والعينان ما أبصرتا، ويوافقهما القلب في ذلك ... »، مقدّمة التّوحيد وشروحها، 71. (1/233)
صفحة 234
والنّوع الثّاني: هم أطفال أهل الشّرك والنّفاق، فهم عند أصحابنا في حكم الوقوف حتّى يبلغوا الحلُم ويُشاهَد منهم الإيمان فيُتولّون، أو الكفر فيُتبرّأ منهم، وقد ذكرنا أحكامهم قبل هذا (1).
مسألة: اِختلف النّاس في المتولّيين إذا قتل بعضهما بعضًا، فلم يُدر المحقّ منهما من المبطل (2)، وفي المتلاعنين اللذين لم يُعرف الظّالم منهما من المظلوم إذا كانا متوليّين، وفي كلّ مَن له أصل الوَلاية ثُمّ أحدث فعلاً ولا يُدرى ما هو، فقال من قال بالوقوف فيهما جميعًا، لئلاّ تتولّى كافرًا أو تتبرّأ من مسلم، فالوقوف فيهما جميعًا أسلم، وأحسب أنّه قول النّاكثة وابن الحسين، وقال من قال بالوَلاية لهما على الأصل الأوّل، قالوا لأنّ اللهَ تعالى فرض الوَلاية علينا لمن أظهر لنا الوفاء بدينه، والبراءة ممّن أظهر لنا خلافه، فنزلت هذه البليّة فلا مخرج لنا منها إلاّ الثّبوت على الأصل الأوّل إذا كان ثابتًا بالعلم، لأنّه لو زال لثبت ضدّه من البراءة، فأمضينا الوَلاية فيهما والله تعالى يحكم فيهما بعلمه، وأظنّه قول أصحابنا وهو أقيس، لأنّ اليقين لا يزيله إلاّ اليقين، والرّجوع عن العلم لا يسع عند الجميع، ...
--------------------
قوله إذا كان ثابتًا: لعلّه: إذْ كان ثابتًا (3)، لأنّ المراد التّعليل.
__________
(1) - اُنظر صفحة 159 وما بعدها.
(2) - مثال ذلك ما حدثت لإمام الإباضية الحارث بن تليد وقاضيه عبد الجبّار بن قيس، وقد تقدّم القول عنهما في صفحة 166 في الهامش.
(3) - وهو ما في النّسخة د من القواعد. (1/234)
صفحة 235
وقد ذكرنا هذه المسألة والاِحتجاج فيها لكلا الفريقين في "شرح قصيدة أبي نصر" (1)، والله أعلم.
--------------------
قوله والاِحتجاج فيها ... الخ: ذكر من حّجّة النّكّار قياس هذه المسألة بالشّاة الميّتة المختلطة مع المذبوحة وأشكالها، يعني كغير الزّوجة إذا اختلطت مع الزّوجة، والآنية المنجوسة إذا اختلطت مع الطّاهرة وغير ذلك، وأجاب بالفرق بأنّ ترك هذه الأشياء واسع، بخلاف الوَلاية والبراءة فإنّهما فرض مضيَّق، وبأنّه إنّما يُقاس الشّيء بنظيره، وهاهنا ليس كذلك فإنّ المقيس فعل والمقيس عليه جسم وهو الشّاة والإناء مثلاً، وأطال في ذِكر حُججهم وردّها وذِكر حُجج المسلمين، ثمّ قال: «ويُقال لهم: أليس الوَلاية والبراءة ... من الأحكام الظّاهرة؟ فلابدّ من: بلى، قيل لهم: أرأيتم مدّعيين ادّعيا شيئًا، فأتى كلّ واحد منهما ببيّنة عادلة على دعواه، فقسم الحاكم بينهم الشّيء نصفين وهو متولّى أيضًا، ألستم تعلمون أنّ الحاكم أعطى أحد الخصمين ما ليس له، وأنّ إحدى البيّنتين كاذبة لا محالة؟ فإن أنتم أجزتم هذا الحكم وتولّيتم الجميع فقد انتقض أصلكم، وإن وقفتم في الجميع خالفتم الأمّة وأبطلتم الأحكام، إذ لا نعلم في هذا الحكم خلافًا، فليس لكم ... إلاّ الرّجوع إلى قولنا ضرورة، وبالله التّوفيق» اهـ (2).
(((
__________
(1) - الجيطالي: شرح النّونية، 2/ 11، شرح البيت 31.
(2) - المصدر السّابق، 2/ 12 بتصرّف. (1/235)
صفحة 236
الفصل الثّالث
في أحكام الوقوف في الأفعال الإنسانية
اِعلم أنّ الأفعال التي يكون حكمها الوقوف هي الأفعال التي تصدر من أهل الوَلاية، ولا يُدرى ما هي كبائر أو صغائر، فالحكم في كلّ فعل يصدر ممّن له أصل الوَلاية أن يوقَف عن الفعل حتّى يُدرى ما هو، ويكون الوليّ الفاعل له على أصل وَلايته المتقدّمة، فإذا تبيّن له الفعل ما هو حَكَم على الفاعل بما يقتضيه فعله من كبيرة أو صغيرة، ...
--------------------
قوله هي الأفعال التي تصدر من أهل الوَلاية ... الخ: ظاهره أنّه لا يوقَف إلاّ في أفعال أهل الوَلاية دون أفعال أهل الوقوف وأهل البراءة، مع أنّ الظّاهر أنّ الواجب علينا الوقوف في كلّ فعل يسع جهله، ولم نعلم حُكم اللهِ فيه، سواء كان صادِرًا من أهل الوَلاية أو من غيرهم، ولا نحكم على فعل بأنّه كبيرة أو صغيرة من غير علم، نعم لا فائدة في التوقّف في الفعل بالنّظر إلى أهل البراءة، لأنّهم مستحقّون للبراءة قبله، سواء كان طاعة أو معصية، كبيرة أو صغيرة، وأمّا بالنّظر إلى أهل الوقوف فله فائدة، فإنّه إذا قامت عليه الحُجّة بأنّه كبيرة نقله من الوقوف إلى البراءة، والله أعلم.
قوله على أصل وَلايته ... الخ: وكذلك مَن كان في الوقوف يكون على أصل وُقوفه حتّى يتبيّن أنّ الفعل كبيرة أو صغيرة وأصرّ عليها فيُبرأ منه [حينئذ] (1)، ولا تجب استتابته، والله أعلم.
__________
(1) - زيادة من أ. (1/236)
صفحة 237
فإن كان الفعل كبيرة موبقة بشهادة عدلين يشهدان أنّ هذا الفعل كبيرة، يُتبرّأ من فاعله ثمّ يُستتاب، وإن كان صغيرة اُستُتيب قبل البراءة، فإن تاب قُبل منه، وإن أصرّ بُرئ منه، وبالله التّوفيق.
مثال ذلك أن يرى الإنسان متولّى له على معصية شبه الزّنا، ولا يدري ما قول المسلمين فيه، فيأتي إليهم فيقول: ما تقولون في رجل ممّن تتولّونه رأيتموه يزني، ما هو عندكم؟ ولا يقول: رأيت فلانًا يزني، لأنّه إن قال ذلك برئوا منه، لأنّه رمى متولًّى لهم بكبيرة، فإذا سألهم كما وصفنا، فإذا أخبروه أنّه يُبرأ منه بَرئ منه، ...
--------------------
قوله بشهادة عدلين: يعني: بخلاف الأخذ من عالم واحد بعد الفعل، فإنّه لا يجزئ كما تقدّم في الفصل التّاسع في استتابة المتولّى (1)، والله أعلم.
قوله فيأتي إليهم ... الخ: لم يبيّن رحمه الله تعالى هل يجب عليه الإتيان والسّؤال فورًا، أو يجوز له التّراخي؟ فليُراجع، وقد يُقال: الإتيان بالفاء الدّالّة على التّعقيب، والتّعبير بصيغة الفعل يدلاّن على الوجوب فورًا، والله أعلم حرّره.
قوله لأنّه رمى متولًى لهم بكبيرة: ظاهره أنّهم لا يبرأون منه إلاّ إذا كان المرميُّ متولًّى لهم، مع أنّه لا فرق في كبيرة الزّنا بين المتولّى وغيره، فإنّه يُبرأ من الرّامي مُطلَقًا، وكذلك الشّرك لا يجوز الرّمي به مطلَقًا، فمن رمى موحِّدًا بالشّرك بُرئ منه، لأنّهم يقولون: اِرم الفاسق بما شئت -يعني ممّا فيه- إلاّ الشّرك والزّنا.
قوله فإذا أخبروه: هكذا فيما رأيناه من النّسخ، ولعلّ النّسخة الصّحيحة: وأخبَروه،
__________
(1) -في صفحة 213. (1/237)
صفحة 238
ويكون إنّما يقف حتّى يسأل، ويكون من برئ منه عنده مسلمًا إذا كان أوّل من يلقى فيسأله عنه، فيقول له: هو كافر، وليس له أن يَبْرَأ (1) من الذي قال: هو كافر، ولكن يتولاّه ويقول: أنا سائل، فإذا قامت عليه الحُجّة بَرئ منه، وهكذا يحترز في سؤاله عن هذه المعصية وما يشبهها، وبالله التّوفيق.
--------------------
وجواب إذا في قوله: فإذا سألهم هو قوله: بَرئ منه، أو تكون هذه النّسخة صحيحة وجواب إذا الأولى محذوف، ويكون الأصل هكذا: فإذا سألهم كما وصفنا لم يبرأوا منه، فإذا أخبروه ... الخ.
قوله يقف: أي: في الفعل.
قوله مَن بَرئ منه: أي من المرتكب.
قوله عنده: أي عند المطّلع على الكبيرة السّائل لغيره.
قوله مَن يلقى: أي من أهل الوَلاية.
قوله وليس له أن يبرأ من الذي قال ... الخ: هذا من جملة ما شمله قوله أوّلاً: ويكون من برئ منه عنده مسلمًا، لأنّ المتبرّئ من المرتكب للكبيرة في نفس الأمر لا يُبرأ منه، سواء كان مسؤولاً أو غير مسؤول حيث كان عالمًا بحكم الله فيها، لكن يكون قوله: وليس له أن يبرأ ... الخ تصريحًا بمفهوم إحدى الصّورتين، والله أعلم حرّره.
قوله ويقول: أي للمسؤول، والظّاهر أنّ هذا جواب عن سؤال يُتوهّم وُروده من المسؤول، وهو أن يقول له: لِمَ لم تبرأ من مرتكب الكبيرة؟ فيقول له: أنا سائل، بل الظّاهر أنّه لابدّ أن يقول له ذلك مخافة أن يبرأ منه حيث ترك البراءة من مرتكب الكبيرة، والله أعلم حرّره.
قوله بَرئ منه: أي من المسؤول عنه.
__________
(1) - في نسخ القواعد المعتَمَدة: أن يتبرّأ. (1/238)
صفحة 239
مسألة (1): وعن ثلاثة نفر رأوا رجلاً من أهل وَلايتهم قارف ذنبًا ممّا يسع جهله، وهو كبير في الوصف ولا يدرون ما يبلغه ذلك، فتوقّف فيه أحدهم وتولاّه الآخر وتبرّأ منه آخر أيضًا على ذلك الفعل، الجواب فيه: أنّ الذي تولاّه على فعل الكبيرة والذي وقف فيه وأخرجه من الوَلاية ضالاّن، وأمّا الذي تبرّأ منه فقيل إنّه أخطأ خطأً لا يهلك به، وقيل إنّه يهلك بتقدّمه في البراءة منه برأيه والله أعلم، ...
--------------------
قوله على فعل كبيرة: أي بأن جعل ذلك الفعل له دخل في الوَلاية، لأنّ الواجب عليه أن يتولاّه بما ظهر له قبل ذلك من الصّلاح استصحابًا للأصل، ويقف في الفعل حتّى يتبيّن له حكم الله فيه كما ذكره.
قوله أخرجه من الوَلاية: يعني إلى غير البراءة كما أفاده في "شرح النّونية" (2)، وإلاّ فالإخراج من الوَلاية لازِم لمن تبرّأ منه أيضًا، مع أنّه عند بعضهم لا يهلك، بخلاف الأوّل فإنّه يهلك قولاً واحدًا، لأنّه وإن توقّف في الفعل كما هو الواجب عليه لكنّه سلك طريقة لا تجوز، وهي النّقل من الوَلاية إلى الوقوف لمن كانت وَلايته أصليّة، والله أعلم.
قوله خطأً لا يهلك به: يعني لأنّه صادف [الحقّ] (3).
قوله وقيل ... الخ: هذا هو الصّحيح كما يؤخذ من "السّؤالات" (4).
__________
(1) - نقلاً عن المزاتي: التّحف المخزونة، 8، 9.
(2) - الجيطالي، 2/ 20، شرح البيت 33.
(3) - زيادة من هـ.
(4) - السّوفي، 386، 452، وفيه صرّح بهلاك المتبرّئ من فاعل الكبيرة إذا لم يكن هذا الفاعل في وَلايته، وإذا كان في وَلايته فإنّه من باب أولى وأحرى أن يهلك بذلك. (1/239)
صفحة 240
والذي ينبغي في هذا وفي كلّ فعل لا يُدرى ما هو إذا كان مَن فعله من أهل الوَلاية أن يكون على أصل وَلايته حتّى يتبيّن فعله ذلك، وما يبلغ به فاعله كما ذكرنا قبل هذا (1)، والله أعلم.
مسألة (2): ومَن وقف في النّاس كلّهم، أو تبرّأ منهم كلّهم، أو تولاّهم كلّهم، فهو مشرك، لأنّ من وقف فيهم كلّهم فقد وقف في الأنبياء والرّسل، وكذلك الوَلاية والبراءة على هذا الحال، ...
--------------------
قوله ينبغي: لو قال: يجب، لكان أظهر.
قوله وفي كلّ فعل: أي ممّا يسع جهله.
قوله على أصل وَلايته ... الخ: وكذلك يكون على أصل وقوفه إذا كان من أهل الوقوف.
قوله لأنّ مَن وقف فيهم كلّهم فقد وقف في الأنبياء والرّسل: في هذا التّفريع قصور، لأنّ ظاهره يقتضي أنّه ما صار مشركًا في الوقوف إلاّ من جهة ما يلزمه فيه من الوقوف في الأنبياء والرّسل، فيلزم على ذلك أنّه لو تولّى الأنبياء والرّسل مثلاً وتوقّف فيمن عداهم أن لا يكون مشركًا، مع أنّه ليس كذلك لأنّه من المعلوم أنّ وَلاية جملة المسلمين وبراءة جملة الكافرين توحيد وتركهما شرك، والله أعلم.
قوله وكذلك الوَلاية والبراءة على هذا الحال: فيه إحالة على الحكم المقدّر المعلوم من الخارج، وإلاّ فالتّشبيه لا يُعطي ذلك، لأنّ المراد أنّه إذا تولّى الجميع فقد تولّى الكفّار، وإذا تبرّأ من الجميع فقد تبرّأ من الأنبياء وسائر المؤمنين، وهذا
__________
(1) - في أوّل الفصل، بصفحة 236.
(2) - نقلاً عن المزاتي: التحف المخزونة، 5، 6. (1/240)
صفحة 241
والسّامع يُعذر في الوَلاية فيما وجدت في الأثر (1)، وأمّا الوقوف والبراءة فعليه أن يبرأ منه، والله أعلم.
ومَن تبرّأ من الجنس المعلَّق بالصّفة كالعمى أو البكَم، أو المعلَّق إلى الصّنعة كالحياكة والنّجارة، فتبرّأ من الحيّاكين أو النجّارين أو ما أشبه ذلك فقد كفر، لأنّه كمن تبرّأ منهم على صنعتهم، ...
--------------------
لا يفيده التّشبيه ولكنّه معلوم، والله أعلم.
قوله والسّامع يُعذرُ في الوَلاية ... الخ: الفرق بين الوَلاية وبين الوقوف والبراءة ممّا يؤخذُ تقليدًا، وإلاّ فالقواعد تقتضي أنّه لا فرق بينهما، لأنّه إن كان بالنّظر إلى عدم الحكم عليه بالشّرك فإنّه يُعذر في الجميع، ما لم يأخذ أنّها من خصال التّوحيد في جانب الطّاعة، ومن خصال الشّرك في جانب المعصية، وإن كان بالنّظر إلى عدم الحكم عليه بالكفر والبراءة منه فالظّاهر أنّه لا يُعذر في الجميع كما لا يُعذر في جهل الوَلاية والبراءة والله أعلم، لكن: "لا حظّ للنّظر مع وُجود الأثر"، اللهمّ إلاّ أن يُقال: المراد الأمر الثّاني، وهو الحكم عليه بالكفر والبراءة منه، وإنّما لم يضق على السّامع لقيام القرينة عنده وهي كون المتكلّم موحِّدًا، وأنّه أطلق العامّ وأراد الخاصّ، والله أعلم فليُحرّر.
قوله كالعمى والبكَم: يُحتملُ أن يكون مثالاً للجنس وأن يكون مثالاً للصّفة، ويدلّ له ما بعده، [فعلى الأوّل يُقرأ جمعًا، وعلى الثّاني العمى والبَكَم بفتحتين] (2).
__________
(1) - هذا عند السّوفي: السّؤالات، 318.
(2) - زيادة من الحجرية. (1/241)
صفحة 242
وإن قال: تبرّأت من بني آدم، أو المسلمين إلاّ إن لم يحلّ لي، فذلك من أخلاق السّوء، وقيل يُبرأ منه، وإن قال: تبرّأت من الأنبياء والرّسل إ لاّ إن لم يحلّ لي، فقد أشرك، لأنّ علينا وَلايتهم جملة (1).
ومن تبرّأ من الأطفال، أو البهائم، فقد كفر، وكذلك جميع من لا تجري بيننا وبينه وَلاية ولا براءة من جميع الأشياء، والله أعلم.
والرّجل الصّالح إذا مات على الوفاء فشهد عليه أمينان بالكفر، ...
--------------------
قوله كذلك من أخلاق السّوء: يعني: لأنّ الاِستثناء ينفعه.
قوله وقيل يُبرأ منه: القائل بالبراءة هو أبو العبّاس -رحمه الله- (2) وهو الظّاهر، لأنّ ظاهر هذا الكلام يقتضي أنّه حصل عنده شكّ في وجوب وَلاية جملة المسلمين، ومعلوم أنّه لا يسع الشّكّ فيها.
قوله لأنّ علينا وَلايتهم جملة: فيه أنّه كذلك علينا وَلاية المسلمين جملة فليُنظر ما الفرق بينهما؟ اللهمّ إلاّ أن يُقال: المسألتان الأوليان يقبلان التّأويل بخلاف هذه، بأن يُراد ببني آدم مَن عدا الأنبياء والرّسل والمسلمين، فيكون من باب العامّ أريد به الخاصّ مجازًا، أو يُراد بالمسلمين الموحّدين الذين لم يوفّوا بدين الله مجازًا أيضًا، والقرينة على ذلك استحالة صدور مثل هذا عادة ممّن كان في الوَلاية مع حمله على حقيقته، وإلاّ فما الفرق؟ والله أعلم حرّره.
__________
(1) - المسائل مُقتبسة من السّوفي: السّؤالات، 315، 316.
(2) - ذكر هذا السّوفي في السّؤالات، 315، وأبو العبّاس هو أحمد بن محمّد بن بكر. (1/242)
صفحة 243
فقيل يُبرأ منه، وقيل مَن مات على الوفاء لا تُقبل فيه شهادة الشّهود، وفي "جوابات الإمام أفلح - رضي الله عنه - ": أنّه لا يُبرأ من المسلم وإن شهد الشّهود على براءته حتّى يكون حاضرًا يدفع عن نفسه، والله أعلم (1).
فصل
مسألة (2): من حكى عن متولًّى كبيرة فإنّه يُبرأ من الحاكي، كذلك أهل الجملة إذا حكوا عن متولّى كبيرة أو برئوا منه، فإنّه يُبرأ منهم جميعًا، وإن حكى متولًّى عن رجل من أهل الجملة كبيرة أو تبرّأ منه، فليس علينا منه شيء إلاّ إن حكى الشّرك أو الزّنا، وإن حكى متولًّى عن متولًّى كبيرة فإنّه يُبرأ من الأوّل؛ ومن قال لرجل متولًّى: يا كافر، فقال له: أنت الكافر، فإنّه يُبرأ من الأوّل إذا كانا من أهل الوَلاية، ...
--------------------
قوله وإن حكى متولّى عن متولّى ... الخ: هذا يُغني عنه قوله في أوّل المسألة: ومن حكى عن متولّى كبيرة ... الخ.
قوله إذا كانا من أهل الوَلاية: الأولى ترك هذا التّقييد، لأنّه إذا كان الذي ابتدأ المتولّى بمثل هذا من أهل الوَلاية يُبرأ منه فمن باب أولى غيره، هذا كلّه إذا
__________
(1) - ذكر السّوفي في "السّؤالات" ص499 المسألة عن عبد الوهّاب والِد أفلح، إلاّ أنّ التّحقيق هو ما أثبته الجيطالي كما عند المزاتي: التّحف المخزونة، ص10 - الذي نقل عنه الجيطالي المسألة- وعند جوابات الإمام أفلح، 151.
(2) - اقتباسًا من المزاتي: التحف المخزونة، 10؛ وأبو العبّاس أحمد: مسائل التّوحيد، 28 (مخطوط) بزيادة كثيرة. (1/243)
صفحة 244
لقول الرّسول - عليه السلام -: «إذا قال الرّجل لصاحبه: يا كافر فقد باء بالكفر أحدهما، والبادئ أظلم» (1)، ...
--------------------
كان المواجَه بهذا الكلام متولّى، وأمّا إذا كان المواجَه من أهل الجملة فإنّه لا يُبرأ ممّن واجهه إلاّ في كبيرة الشّرك والزّنا، ولا يُبرأ أيضًا ممّن كان من أهل الجملة إذا ردّ مثل ذلك على المتولّى إلاّ إذا رماه بكبيرة معيّنة مطلَقًا، قال في "السّؤالات": «وإن قال المتولّى لرجل من أهل الجملة: يا كافر، فقال له أنت الكافر، أو قال له: يا سارق، فقال له أنت الكافر، أو يا شارب الخمر، فقال له أنت الكافر، أو قال له: يا فاسق، فقا له أنت الفاسق، أو يا ضالّ فقال له: أنت الفاسق، أو يا ضالّ، أو يا عدوّ الله، فردّ عليه بالكفر أو بما واجهه به فلا يُبرأ من أهل الجملة في هذه الوجوه كلّها، و ... إن قال له: يا سارق، فقال له: أنت السّارق، أو قال له: يا شارب الخمر، فقال له: أنت شارب الخمر، فإنّه يُبرأ من أهل الجملة في هذه الوجوه» اهـ (2).
وقولنا فيما سبق: الأولى ترك هذا التّقييد جوابه: أنّ هذا المفهوم فيه تفصيل، والمفهوم إذا كان فيه تفصيل لا يعترض، وبيانه هنا أنّه إذا كان من أهل الوقوف، أو كان الثّاني من أهل الوقوف أو من أهل البراءة، فإنّه لا يُبرأ من الأوّل إلاّ في كبيرة الشّرك والزّنا، ولا يُبرأ من الأوّل مطلَقًا إلاّ إذا كان الثّاني متولّى، والله أعلم.
__________
(1) - أخرجه الرّبيع بن حبيب: باب في ذكر الشّرك والكفر، رقم: 65 واللّفظ له؛ وأخرجه بلفظ مقارب البخاري: كتاب الأدب، باب من أكفر أخاه بغير تأويل ... ، رقم: 5753؛ ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان مَن قال لأخيه المسلم يا كافر، رقم: 60، وغيرهما.
(2) - السّوفي، 387، 388. (1/244)
صفحة 245
وأمّا إن قال له: يا زاني، فقال له: أنت الزّاني، فإنّه يُبرأ منهما جميعًا، وسواء في هذا كانا متولّيين أو غير متولّيين، أو أحدهما متولّى والآخر من أهل الجملة؛ وعن رجلين متولّيين قال أحدهما لصاحبه: أحدنا كافر إمّا أنت وإمّا أنا، فإنّه يبرأ منه بذلك القول، سواء في هذا المعنى كانا اثنين أو جماعة، إذا قال: واحد من هذه الجماعة كافر أو أنا، أو قال: واحد منهم كافر، إذا كانوا كلّهم أهل وَلاية فإنّه يُبرأ منه على هذا القول متولّى كان أو غير متولّى، وإن قال هذا لغير أهل الوَلاية فليس علينا منه شيء.
وأمّا في باب الدّعاوي وما يقع من الخصم إلى صاحبه في تلك الحالة (1) فلا يبرأ منه، مثال ذلك إذا ادّعى رجل على رجل عند الحاكم أنّه قتل وليّه بالتّعدية، أو جرحه، أو ظلمه، أو أكل ماله، أو أفسده، أو بغى عليه، فإنّه لا يُبرأ من المدّعى عليه بهذا، ...
--------------------
قوله يا زاني: ومثل الزّنا الرّمي بالشّرك، فيُبرأ منهما جميعًا أيضًا.
قوله من أهل الجملة: وكذلك إن كان من أهل البراءة.
قوله على هذا القول: المراد بالقول: القول الصّادر منه، لا أنّ هناك قولاً آخر في المسألة.
قوله وإن قال هذا لغير أهل الوَلاية ... الخ: هذا يُغني عن قوله: إذا كانوا كلّهم أهل وَلاية، فإنّ البراءة تسقط عنه بوجود واحد ليس من أهل الوَلاية، فكيف إذا كانوا كلّهم من غير أهل الوَلاية.
قوله من المدّعى عليه: لو قال: من المدّعي، أو تعرّض لحكمه قبل المدّعى عليه لكان أولى، لأنّه هو الذي يُتوهّم أنّه يُبرأ منه حيث رمى المتولّى بالتّعدية، لكن ذكر أنّ
__________
(1) - في ب: في ذلك الحال. (1/245)
صفحة 246
سواء كان متولّى أو غير متولّى، وكذلك الشّهود إذا كانوا من غير أهل الوَلاية، وأمّا أهل الوَلاية فإنّه يُبرأ منه إذا كان الذي شهدوا عليه ممّا يستحقّ به المشهود عليه البراءة، وكذلك المشهود عليه إذا شهدوا عليه بالزّور فإنّه يُبرأ منهم، وكذلك المدّعى عليه بما ليس عليه يُبرأ من المدّعي، ولا يُبرأ من المشهود عليه إذا قال للشّهود: شهدتم عليّ بالزّور، أو قال للمدّعي: ادّعيت عليّ بما ليس لك عليّ، أو قال للحاكم: حكمت عليّ بالجور، فليس علينا أيضًا منه براءة، وأمّا الشّهود والحاكم فإنّهم يبرأون منه إذا لم يكونوا كما زعم، وأمّا إذا قال للشّهود: أنتم شهود الزّور، أو قال للحاكم: أنت حاكم الجور، فإنّه يُبرأ منه.
--------------------
المدّعى عليه لا يُبرأ منه لمجرّد الدّعوى، ليشبّه به في عدم البراءة منه شهادة الشّهود إذا لم يكونوا من أهل الوَلاية، يعني: لا يُبرأ من المدّعى عليه بمجرّد الدّعوى، ولا بشهادة الشّهود إذا لم يكونوا من أهل الوَلاية، والله أعلم.
قوله فإنّه يُبرأ منه: أي: من المدّعى عليه بشهادتهم.
قوله إذا كان الذي: أي الشّيء الذي.
قوله ممّا يستحقّ ... الخ: أي بأن يكون كبيرة في الوصف لا صغيرة.
قوله يُبرأ من المدّعي: لقوله - عليه السلام -: «المدّعي لِما ليس له والمنكر لما عليه كافران» (1).
__________
(1) - لم نقف عليه بهذا اللّفظ، ونحوه ما رواه ابن ماجة عن أبي ذرّ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ادّعى ما ليس له فليس منّا، وليتبوّأ مقعده من النّار»، كتاب الأحكام، باب من ادّعى ما ليس له وخاصم فيه، رقم: 2319. (1/246)
صفحة 247
ومن قال: النّاس كلّهم عندي في الوَلاية إلاّ مَن ظهر منه ما يُبرأ به، فإنّه يُبرأ ممّن قال ذلك؛ ومَن رأى من رجل كبيرة فتبرّأ منه، ثمّ رآه فعل كبيرة أخرى، فليس عليه إعادة البراءة، سواء كانت الكبيرة شركًا أو نفاقًا؛ ومن تولّى رجلاً من أهل الكبائر على خصلة واحدة من الطّاعة فقد كفر، والله أعلم وأحكم، وبه الحول والتّوفيق.
--------------------
قوله فإنّه يُبرأ ممّن قال ذلك: يعني: قولاً واحدًا، والفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدّمة -أعني قوله: ومن تبرّأ من بني آدم ... الخ على قول الجمهور حيث جعلوا ذلك من أخلاق السّوء فقط- أنّ الاِستثناء ينفعه، لأنّه من المعلوم أنّه لا يحلّ له براءة المسلمين، بخلاف الاِستثناء هاهنا فإنّه لم يُخرج به إلاّ براءة الأشخاص، فيكون كلامه شاملاً لوَلاية جملة الكفّار، والله أعلم وفيه شيء، فإنّ هذا يقتضي أن يُحكم عليه بالشّرك، والله أعلم، حرّره.
قوله ومَن رأى من رجل كبيرة ... الخ: هذا ظاهر إذا لم ينس المتبرّأَ منه أو الفعل فإن نسيهما أو أحدهما فالظّاهر أنّه لابدّ من الإعادة، لكن نسيان الشّخص لا يُعذر فيه على الصّحيح، بخلاف نسيان الفعل، قال في "السّؤالات": «وإن تبرّأ منه فنسي الفعل الذي تبرّأَ عليه فقد أجزأه» اهـ (1)، الظّاهر أنّ الوَلاية كذلك، وأمّا المتولّى أو المتبرّأ منه فلا يجوز نسيانهما إلاّ على رخصة، لأنّ الرّجوع عن العلم لا يسع، قال في "السّؤالات": «وإن أخذت أنّ القضاء يخرج في القرآن على وجوه، والكتاب يخرج على وجوه، فلا يسعني الرّجوع في شيء من ذلك، فقد روي عن أبي خزر أنّ الرّجوع عن العلم لا
__________
(1) - السّوفي، 390. (1/247)
صفحة 248
..........................................
--------------------
يسع هكذا، وروي عن أبي محمّد ويسلان بن يعقوب الدّجمي (1) أنّ الرّاجع عن علمه فيما يشرك به جاهله مشرك، والرّاجع عن علمه فيما ينافق به جاهله منافق، وروي عن الشّيخ صنادي (2) قال: لم يجعلنا اللهُ حُفّاظا لا ننسى، ثمّ رجع صنادي عن قوله، فقال الشّيخ أبو عبد الله (3): لِم رجع صنادي عن قوله؟ وروي أنّ المسألة الثّالثة التي أجاب بها ... أبو خزر لأبي زكرياء فصيل حين توجّه إلى مصر: رجل نسي متولّى له بما رأى منه من الصّلاح، قال له: ثَمّ رخصةٌ أن يستغفر لمن تولاّه برؤية الصّلاح جملة، فيشمل الذي تولّى، والله أعلم، ومن قول المسلمين: إذا قامت الحُجّة بما يسع صار بمنزلة ما لا يسع ... الخ» (4).
(((
__________
(1) - اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 58.
(2) - هو الشّيخ صنادي بن محمّد أبو رحمة السّدراتي، اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 25.
(3) - هو أبو عبد الله محمّد بن بكر الفرسطائي النّفوسي.
(4) - السّوفي، 190، 191. (1/248)
صفحة 249
الباب الثّالث من الرّكن الأوّل في الملل الستّ وأحكامها
اِعلم أنّ هذا الباب يشتمل على ثلاث جُمَل من الأحكام، إحداها: في أحكام مِلّة الإسلام، والثّانية: في أحكام مِلَل أهل الشّرك والأصنام، والثّالثة: في القواعد والأركان التي يُبنى عليها الدّين والإسلام.
--------------------
قوله أهل الشّرك: أراد بأهل الشّرك ما يشمل اليهود والنّصارى والصّابئين والمجوس، وفيه ردّ على من زعم أنّ اليهود والنّصارى والمجوس ليسوا بمشركين ولكنّهم منافقون، كأحمد بن الحسين وعيسى بن عمير (1)، فإنّهما يزعمان أنّ التّوحيد هو قول لا إله إلاّ الله فقط، لكن لو ترك المصنّف -رحمه الله- قوله: والأصنام لكان أظهر، اللهمّ إلاّ أن يُقال: من عطف الخاصّ [على العامّ] (2)، أتى به للسّجع وللتّنبيه على عِظم هذا القسم من الشّرك، نظيره قوله تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرّحمن: 62]، وقوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] فليُحرّر.
__________
(1) - أحمد بن الحسين تقدّم التّعريف به وبفرقته في صفحة 222، أمّا عيسى بن عمير فلا نعلم عنه شيئًا إلاّ اسمه وأنّه زعيم الفرقة العمرية التي تنتسب إلى الإباضية، وهم يتبرّأون منها، امتازت بمسائل في الفقه والعقيدة هي نفسها المسائل التي تمتاز بها الحسينية، إلاّ أنّ فلسلفة الحسينية أقرب إلى الإباضية، وفلسفة العمرية أقرب إلى المعتزلة، وذكر الشّيخ أبو العبّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني أنّ الشّيخ أبا عمّار عبد الكافي قد ردّ على هذه الفرقة في كتابه "الموجز" فليُراجع. أبو زكرياء يحي بن أبي بكر: السيرة وأخبار الأئمّة، 1/ 91؛ الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 47، 48؛ السّوفي: رسالة في الفرق، 58؛ علي يحي معمّر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، 274.
(2) - زيادة من الحجرية. (1/249)
صفحة 250
الجملة الأولى في أحكام مِلّة الإسلام
وهذه الجملة تحتوي على مقدّمة تجمع القول في الملل الستّ، وعلى فصلين مختصّين في أحكام الملّة الإسلاميّة، أمّا المقدّمة: فهو أنّ الله تعالى خلق الخلق للعبادة وسبقت كلمته في أهل الشّقاوة منهم والسّعادة؛ ...
--------------------
قوله خلق الخلق للعبادة: ظاهر هذه العبارة مشكل، كظاهر قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذّاريّات: 56]، وقال في "السّؤالات": «وهذه الآية من مشكل القرآن، وهي مخصوصة ليست بعامّة في جميعهم، وقالت الرّوافض: عامّة، مينًا منهم وغيْنًا على قلوبهم» اهـ (1)، وقال بعض أهل التّفسير: «قوله - عز وجل -: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} لا يُنافي ذلك عدم عبادة الكافرين، لأنّ الغاية لا يلزم وجودها، كما في قولك: بريت القلمَ لأكتب به، فإنّك قد لا تكتب، أو لأنّ ذلك عامّ أُريد به الخصوص، بدليل قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالاِنسِ} [الأعراف: 179] ومن خُلق لجهنّم لا يكون للعبادة» اهـ (2)، وقد يُقال: المعنى -والله أعلم-: {لِيَعْبُدُونِ} أي: لآمرهم بالعبادة، وتكون عامّة أيضًا ولا إشكال فإنّ ذلك جائز، وقال في "المواهب" عند قوله - صلى الله عليه وسلم - إخبارًا عن
__________
(1) - السوفي، 276، وتقدّم تعريف الرّوافض بصفحة 40.
(2) - روى هذا سليمان بن عمر الجمل عن زكرياء الأنصاري نقلاً عن الرّازي، ولم نقف عليه عند الرّازي في تفسير الآية 65 من سورة الذّاريات. اُنظر: الجمل: الفتوحات الإلاهية بتوضيح تفيسر الجلالين (4/ 210)، الآية 56 من سورة الذّاريّات. (1/250)
صفحة 251
ثمّ أظهر محنته على إبليس والملائكة في أمره لهم بالسّجود لآدم المختصّ بالكرامة، ...
--------------------
الله تعالى حيث قال لآدم لمّا أبصر نور نبيئنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -: «فقال: يا ربّ ما هذا النّور؟ فقال: هذا نور نبيء من ذرّيّتك اسمه في السّماء أحمد وفي الأرض محمّد لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماء ولا أرضًا» (1) إلى أن قال: «فإن قلت: مذهب الأشاعرة أنّ أفعال الله تعالى ليست معلَّلة بالأغراض، فكيف تكون خلقة محمّد - صلى الله عليه وسلم - عِلّة في خلق آدم علية الصّلاة والسّلام؟ أُجيب: بأنّ الظّاهر من الأدلّة تعليل بعض الأفعال بالحِكَم والمصالح التي هي غايات ومنافع لأفعاله تعالى، لا بواعث على إقدامه، ولا علل مقتضية لفاعليته، لأنّ ذلك محال في حقّه تعالى لِما فيه من استكماله بغيره، والنّصوص شاهدة بذلك كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي: قرنت الخلق بالعبادة، أي: خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، فالتّعليل لفظيّ لا حقيقيّ لأنّ اللهَ تعالى مستغنٍ عن المنافع ... الخ» (2).
قوله محنته: أي اختباره.
قوله في أمره لهم بالسّجود لآدم: قال في "السّؤالات": «فإن قال: بماذا وصل الأمر إلى إبليس أَبِوَحْيٍ أم بغير وحي؟ فقل: أُمر مع جنود من الملائكة فشمله الأمر معهم، فإن قال: لأيّ عِلّة أمر اللهُ إبليس بالسّجود لآدم؟ فقل: لاتّخاذ الحُجّة وقطع المعاذير، لِما علِم في سابق علمه أنّه من الغاوين، فإن قال: لأيِّ علّة نُهي آدم عن أكل الشّجرة؟ فقل: لاستخراج التّوبة. زيادة: وكخروج
__________
(1) - تقدّم تخريجه في صفحة 121.
(2) - أحمد بن محمّد القسطلاني: المواهب اللّدنيّة بالمنح المحمّدية، 1/ 70، 71. (1/251)
صفحة 252
فسجدت الملائكة إذعانا بالطّاعة، وأبى إبليس من السّجود استكبارًا وأنَفَة، وأظهر الإصرار ركونًا إلى المعصيّة، فصارت الطّاعة من الملائكة أصلاً للمطيعين إلى يوم الدّين، وصارت المعصية من إبليس اللّعين أصلاً للعاصين من الجنّ والإنس أجمعين؛ ثمّ إنّ الله سبحانه اِمتحن آدم لنهيه إيّاه عن أكل الشّجرة، فعصاه إذ أطاع زوجته وهواه، حين دلاّهما إبليس بالوسوسة والغرور، فأهبط الجميع من الجنّة دار السّرور إلى مستقرّ الأرض ومظان الثّبور، ...
--------------------
عائشة رضي اللهُ عنها مع طلحة والزّبير لاستخراج تحريم نساء الموحّدين وغنيمة أموالهم» إلى أن قال: «عُدنا: فإن قال: ما معنى قول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} [البقرة: 34]؟ فقل: المعنى اُسجدوا لي من أجل أن خلقت آدم، وقيل: معنى السّجود هاهنا على وجه التحيّة، وقيل: إنّ اللهَ أمرهم أن يسجدوا له أي: إليه، كما تسجدون إلى الكعبة إكرامًا له وتفضيلاً عن غيره، ونحن امتثالا لأمر الله» اهـ (1).
قوله الشجرة: قال البيضاوي: «الشّجرة هي: الحنطة أو الكرمة [أي العنب]، أو التّينة، أو شجرة مَن أكل منها أحدث، والأولى أن لا تعيّن من غير قاطع كما لم تعيّن في الآية لعدم توقّف ما هو المقصود عليه» اهـ (2).
قوله ومظان الثُّبور: في "الصّحاح" في باب النّون في فصل الظّاء: «ومَظِنَّةُ الشّيء: موضعه ومألفه الذي يُظنُّ كونه فيه، والجمع: الْمَظان» (3)، و «الثُّبور: الهلاك والخُسران» (4).
__________
(1) - السّوفي، 112، 113.
(2) - أنوار التّنزيل وأسرار التنّأويل، تفسير الآية 35 من سورة البقرة.
(3) - الجوهري، مادّة: ظنن.
(4) - الجوهري: باب الرّاء، فصل الثّاء: ثبر. (1/252)
صفحة 253
بعد أن جعلهم أعداء متفرّقين، وأحزابًا متباغضين، فشرع اللهُ له الإسلام دينًا ارتضاه للعباد إلى يوم التّناد، بعد أن تاب عليه وهداه إلى سبيل الرّشاد، فبعث رسله دُعاة إلى دينه جميع الخلق، وبثّ إبليس جنوده سعيًا وعنادًا في مخالفة الحقّ بعد أن شرع لهم خمسة أديان تحتوي على الكفر والعصيان، ...
--------------------
قوله بعد أن شرع لهم: أي إبليسُ خمسة أديان، فيه مسامحة من وجهين، أمّا أوّلا: فلأنّ بثّ الجنود كان قبل أن يُشرّع لهم خمسة أديان كما هو ظاهر، لأنّ ذلك كان من زمن آدم - عليه السلام -، وأمّا ثانيًا: فلأنّ هذه الخمسة ما صارت كلّها شرعًا لإبليس -لعنه الله- إلاّ بعد بعثة النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، فإنّ اليهود هم أهل مِلّة موسى وسُمّوا بذلك قيل لقولهم: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156]، أي: تُبنا، مِن هاد يهود: إذا رجع، وقيل: لتهوّدهم عند قراءة التّوراة، وقيل: لاتّباعهم يهوذا بن يعقوب عليهما السّلام (1)، ولاشكّ أنّ مِن اليهود طائفة استمرّت على الحقّ إلى أن بعث عيسى - عليه السلام -، لقوله تعالى: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ} الآية [الأعراف: 159]، ولقوله: {أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ} [الأعراف: 168]، والنّصارى هم أهل مِلّة عيسى - عليه السلام -، وسُمّوا بذلك قيل لقولهم: {نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ} [آل عمران: 52]،
__________
(1) - في أ و هـ: يهود بن يعقوب، والصّحيح ما أثبتناه، ويهوذا هو أكبر وُلد يعقوب - عليه السلام -، اُنظر: البيضاوي: تفسير الآية 64 من سورة البقرة؛ القرطبي: تفسير الآية المذكورة، وفيه قال: «نُسبوا إلى يهوذا وهو أكبر وُلد يعقوب - عليه السلام -، فقلبت العرب الذّال دالاً، لأنّ الأعجميّة إذا عُرّبت غُيّرت عن لفظها». (1/253)
صفحة 254
فأنزل اللهُ ذلك في كتابه فقال: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا} وهم أهل التّوحيد من أهل مِلّة الإسلام، {وَالذِينَ هَادُوا} يعني: اليهود من أهل مِلّة موسى - عليه السلام -، {وَالصَّابِينَ} وهم قوم يعبدون الملائكة، ويقرأون الزّبور، ويُصلّون إلى القبلة، وقيل عن ابن عبّاس: إنّهم قوم بين اليهود والنّصارى، اختاروا مطائب التّوراة ومطائب الإنجيل فقالوا أصبنا دينًا، وقيل: هم قوم بين اليهود والمجوس، لأنّ دين المجوس القول بالتّثنيّة، وهو قولهم: هرمز خالق للخير والأشياء الجميلة، والشّيطان خالق للشرّ والأشياء القبيحة (1)، ...
--------------------
ولاشكّ أيضًا أنّ منهم طائفة على الحقّ إلى أن بُعث النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، لقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا} [المائدة: 82]، فإنّ مَن بلغته دعوته - عليه السلام - وجب عليه اتّباعه، وبطل في حقّه غيره من أديان الأنبياء عليهم السّلام؛ اللهمّ إلاّ أن يُقال: المراد ب {الذِينَ ءَامَنُوا}: أهل التّوحيد من أهل مِلّة الإسلام من لدن آدم إلى يوم القيامة، ويدلّ له قوله تعالى: {الذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ} إلى قوله: {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص: 52، 53]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «نحن الأنبياء إخوة لعلاّت، أبونا واحد وأمّهاتنا شتّى» (2)، فإنّ أباهم دين الإسلام؛ وأنّ المراد باليهود والنّصارى والصّابئين: هم كفَرَة أهل الكتاب، ويكون اختصاص هذه الأسماء بهم حقيقة عرفية، والله أعلم حرّره.
__________
(1) - تفصيل القول عن هرمز والشّيطان عند: أبي عمّار عبد الكافي: الموجز، 1/ 307، وفيه مزيد فائدة فليُراجع.
(2) - أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء، باب: واذكر في الكتاب مريم ... ، رقم: 3258؛ ومسلم: كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى - عليه السلام -، رقم: 2365 باختلاف طفيف في اللّفظ. (1/254)
صفحة 255
والصّابئون أيضًا يقولون فيما بلغنا بالتّثنية: نور وظلام، والقول عند أصحابنا أنّهم قوم يقرأون الزّبور كما قدّمنا، {وَالنَّصَارَى} وهم أهل مِلّة عيسى - عليه السلام -، {وَالْمَجُوسَ} وهم عَبَدة النّيران والشّمس والقمر والنّجوم، وينكحون ذوات المحارم، ويأكلون الميتات من البهائم، {وَالذِينَ أَشْرَكُوا} وهم عَبَدة الأصنام من أهل اللاّت والعُزّى ومناة الثّالثة الأخرى، {إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الآية [الحجّ: 17]، فجميع افتراق أهل الشّرك والمذاهب المحمّدية أصلها من أهل الملل الستّ المذكورة، وتنحصر أفعالها إلى ثلاثة أشياء: إيمان، ونفاق، وشرك، كما أنّ أسماء فاعليها ثلاثة أسماء، ...
--------------------
قوله والصّابئون أيضًا ... الخ: بيّن -رحمه الله- شبههم بالمجوس، ولم يبيّن شبههم باليهود.
قوله وينكحون ذوات المحارم ويأكلون الميتات من البهائم: لعلّه أراد بالنّكاح هاهنا الجماع، وإلاّ فالنّكاح حقيقة في العقد، كقوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} الآية [البقرة: 221] (1).
قوله من أهل اللاّت والعُزى ... الخ: الأولى ترك هذا التّقييد ليشمل مَن عبد الأصنام مطلَقًا، أو يقول: كأهل اللاّت والعُزّى.
قوله إلى ثلاثة: لعلّه: في ثلاثة، أو ضمّن تنحصر معنى: ترجع.
قوله كما أنّ أسماء فاعليها ثلاثة ... الخ: دليل الاِنحصار في الثّلاثة النّقل والعقل، أمّا النّقل فقوله تعالى: {لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} الآية [الأحزاب: 72]، وأمّا العقل فإنّ
__________
(1) - انفردت د بهذا التّعليق. (1/255)
صفحة 256
ففاعل الإيمان يُسمّى مؤمنًا بثلاثة أركان: نطق باللّسان، واعتقاد بالجَنان، وعمل بالأركان، وفاعل النفاق يُسمّى منافقًا، مقرًّا باللسان والجَنان، مضيّعًا للأركان، متّصفًا بالنّفاق بتضييع فريضة أو انتهاك حرمة موبقة، وفاعل الشّرك يُسمّى مشركًا بالجحود والإنكار؛ والأصل في هذا قول اللهِ جلّ ذكره: {إِنَّا عَرَضْنَا الاَمَانَةَ} الآية، ثمّ أخبر عن أحوال النّاس فيها فقال: {لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالئمُنَافِقَاتِ} أهل التّضييع والخيانة في الإقرار، {وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} أهل الجحود والإنكار، {وَ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} [الأحزاب: 72] أهل الصّدق والوفاء بالقول والعمل، وبالله التّوفيق.
--------------------
المكلّف إمّا موحّد أو غير موحّد، الثّاني: المشرك، والأوّل إمّا مُوَفٍّ بدين الله أو لا، الثّاني: المنافق، والأوّل المؤمن.
قوله والجَنان: لو قال: ومعتقدا بالجَنان، لكان أظهر، لأنّ الإقرار حقيقة فيما كان باللّسان، فاستعماله فيما يشمل الاِعتقاد جمعٌ بين الحقيقة والمجاز، والله أعلم.
قوله بالجُحود والإنكار: اقتصر -رحمه الله تعالى- على شِرك الجُحود، ولم يتعرّض لشرك المساواة، فإنّ الظّاهر أنّ شرك الجُحود يستلزم شرك المساواة، لأنّ كلّ مشرك مساوٍ فهو مشرك جاحد، وليس كلّ مشرك جاحد مشركًا مساويًا، فإنّ شرك اليهود والنّصارى -لعنهم الله- شرك جُحود لا شِرك مساواة، لأنّ الجحود هو الإنكار، سواء كان إنكارًا لله تعالى، أو لنبيء من أنبيائه، أو لكتاب من كتبه، أو لغير ذلك من خصال التّوحيد، ولا يخصّ شرك الجُحود بإنكار اللهِ رأسًا، كما ذكر الشّيخ داود -رحمه الله- في "شرح العقيدة" حيث قال: «شرك الجحود إنكار اللهِ رأسًا، وشرك مساواة أن يجعل لله شريكًا» (1)، فإنّه على هذا التّفسير يخرج كثير من أقسام الشّرك، والله أعلم.
__________
(1) - مقدّمة التّوحيد وشروحها، 95. (1/256)
صفحة 257
مسألة (1): قال أصحابنا: معرفة الملل وأحكامها واجبة على كلّ مكلَّف في أوّل حال بلوغه، وشدّدوا فيمن جهلها أن يبلغه ذلك إلى الشّرك، ...
--------------------
قوله معرفة الملل ... الخ: قال في "السّؤالات": «وأمّا الملل فعلينا معرفتها مع البلوغ، وقيل لأبي عبد الله محمّد بن بكر - رضي الله عنه -: هل علينا معرفة الملل؟ فقال لهم: نعم، فقيل له: كيف نعرفها؟ فقال: ملل الشّرك، فقال له جابر بن حمّو (2): هل علينا معرفة الحكم فيهم؟ فقال له أبو عبد الله: الله أعلم، فوقف في المسألة، فكرّر عليه المسألة وأحبّ الجواب فيها، فقال له أبو عبد الله: نعم علينا أن نعلم الحكم في الملل، ثمّ أتبعه في المسألة فقال له: مَن لم يعلم الحكم فيها هل هو كافر أو مشرك؟ فقال: الله أعلم، فألحّ أن يفتيه بكفر مَن لم يعلم الحكم فيها، وسأله بالله أن يجيبها له، فقال له: لا أجيبها لك لله، قال: فنظر إليه متحيِّرًا لمّا لم يجبها له وكان يحبّه، فقال له أبو عبد الله: لا ينفعك إن خرجت لك فيما لا يخرجون فيه ولا يجسرون إلى الجواب به، ثمّ ذكر عن أهل اطرابلس من أصحابنا -رحمهم الله- (3) أنّهم قالوا: مَن لم يعلم الحكم فيهم كالذي لا يعلم الملل، وحُكي عن أبي العبّاس أحمد
__________
(1) - المسألة من السّوفي: السّؤالات، 290 وما بعدها، كما سينقلها المحشّي عنه بعد قليل.
(2) - اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 14.
(3) - أي الإباضية من جبل نفوسة وما حوله بليبيا، ما عدا العاصمة اطرابلس، قال الشّيخ علي يحي معمّر: « ... هذا القطر الذي كان يُعرف في ذلك الحين بحيّز اطرابلس، ويعنون بذلك جميع الأراضي الواقعة ما بين سرت والقيروان وجبّل دمّر ما عدا اطرابلس المدينة» لأنّها للأغالبة منذ زمن الإمام عبد الرّحمن الرّستمي حيث اتّفق معهم على ذلك حين صالحهم. الإباضية في موكب التّاريخ، الحلقة 2، القسم 1/ 87، 215. (1/257)
صفحة 258
ومن العلماء مَن يقول: علينا معرفة المجوس أنّهم مشركون، ومَن لم يعلم ذلك أشرك، واختُلف في اليهود والنّصارى، فقيل: علينا أن نعلم أنّهم كافرون، ومَن لم يعلم ذلك أشرك، وقيل: يعلم أنّهم مشركون، ومَن لم يعلم ذلك كفر، والله أعلم وأحكم.
--------------------
ابن محمّد -رضي اللهُ عنه- أنّه قال: مَن لم يعلم الملل الخمس وهم: اليهود والنّصارى والصّابون والمجوس والذين أشركوا أنّهم مشركون فقد أشرك بجهله لذلك، ومِن العلماء مَن يقول: علينا أن نعلم أنّ المجوس وعبدَة الأوثان مشركون، ومَن لم يعلم أشرك، ونعلم أنّ اليهود والنّصارى كافرون، ومَن لم يعلم أشرك، وقيل: يعلم أنّهم مشركون، ومَن لم يعلم كفر، فافهم يرحمك الله» اهـ (1).
قوله معرفة المجوس ... ومَن لم يعلم ذلك أشرك ... الخ: الفرْق بين المجوس وبين اليهود والنّصارى يظهر في مَن ذكره في "السّؤالات" في ترتيب المعاصي (2)، حيث رتّبها على ثلاثة أوجه، فجعل التّرتيب الأوّل -وهو القول بإلاهين اثنين- يجب علينا أن نعلم أنّه شرك وكفر وكبيرة ومعصيّة وعليه العقاب، يعني -والله أعلم- ومَن لم يعلم ذلك أشرك، وقد نشكّ أنّه لم يكن الشّرك إلاّ هذا ما لم نأخذ التّرتيب الثّاني، ومعلوم أنّ المجوس يقولون بالتّثنية فلا يسعنا جهل شركهم، وأمّا اليهود والنّصارى فإنّ شركهم يدخل في التّرتيب الثّاني من المعاصي، كإنكار البعث والجنّة والنّار والأنبياء والرّسل وما أشبه ذلك من خصال الشّرك، فإنّ الواجب علينا في هذا التّرتيب أن نعلم أنّه كفر
__________
(1) - السّوفي، 290 - 292.
(2) - السّوفي، 94. (1/258)
صفحة 259
الفصل الأوّل
في حكم مِلّة الإسلام
وهي قسمان، أحدهما: في حكم مذهب أهل الوفاق، والثّاني: في حكم أهل الخلاف، ...
--------------------
وكبيرة ومعصية وعليه العقاب، يعني -والله أعلم- ومن لم يعلم ذلك أشرك، ويدلّ له قولهم هنا: إنّ مَن جهل كفر اليهود والنّصارى أشرك، وليس علينا أن نعلم أنّ التّرتيب الثّاني من المعاصي شِرك حتّى نأخذ، فعلى هذا يَشْكُلُ قولُ مَن قال: مَن لم يعلم أنّهم مشركون كفر، والله أعلم فليُحرّر.
قوله وهي قسمان: هكذا فيما رأينا من النّسخ، والظّاهر أنّ الضّمير راجع إلى مِلّة الإسلام، لكن لا يناسبه قوله بعد ذلك: في حكم، لأنّ ملّة الإسلام مبيَّن حكمها بهذا الفصل لا أنّها مبيِّنة لغيرها، فلو أراد ذلك لقال: أحدهما: مذهب أهل الوفاق، والثّاني: أهل الخلاف، ولعلّ النّسخة الصّحيحة: وهو قسمان (1)، فيكون الضّمير راجعًا إلى: الفصل، وتحصل حينئذ غاية المناسبة، ويكون المراد أيضًا بالفصلين اللذين أشار إليهما في صدر الجملة حيث قال: وهذه الجملة تحتوي على مقدّمة وفصلين، هذين القسمين فإنّه لم يذكر في هذه الجملة غير هذا الفصل، لكنّه لمّا انقسم إلى قسمين صدق قوله: على مقدّمة وفصلين، فليُحرّر، ولو أسقط لفظ ال حكم في ثلاثة مواضع لصحّ أيضًا والله أعلم، اللهمّ إلاّ أن يُقال: المضاف اكتسب التّأنيث من المضاف إليه.
__________
(1) - كما في النّسختين: أ و د من القواعد المعتَمَدة. (1/259)
صفحة 260
أمّا حكم أهل الوفاق فنوعان، أهل وَلاية وأهل براءة؛ أمّا أهل الوَلاية: فالحكم فيهم إجراء جميع حقوق المسلمين عليهم من المودّة، والاِستغفار، والنّصيحة، والتّعاون على البرّ والتّقوى وصرف الأذى عنهم، وتحريم بغضهم واغتيابهم، وغير ذلك من جميع ما لا يجوز عليهم ظاهرًا أو باطنًا؛ وأمّا أهل البراءة: فالحكم فيهم إذا صحّت براءتهم بمعاينة أو إقرار أو بيّنة أو اشتهار إجراء الحدود عليهم من الزّنا والقذف من الجلد والرّجم، ...
--------------------
قوله فنوعان: فيه أنّ أهل الوفاق ثلاثة أنواع كما هو ظاهر، أهل وَلاية، وأهل براءة، وأهل وُقوف، ولاشكّ أنّ أحكامهم بالنّظر إلى الوَلاية والبراءة متباينة، [فإنّ أهل الوَلاية تجب وَلايتهم، وأهل البراءة تجب براءتهم، وأمّا أهل الوقوف لا تجوز وَلايتهم ولا براءتهم] (1).
قوله إجراء جميع حقوق المسلمين: يعني: وأمّا غيرهم فتجري عليه البعض فقط (2).
قوله وأمّا أهل البراءة ... الخ: فيه مناقشة من وجوه، أحدها: أنّه لا حاجة إلى قوله: إذا صحّت براءتهم بمعاينة ... الخ فإنّه من المعلوم أنّ البراءة لا تصحّ إلاّ بهذه الوجوه، كما قدّمه -رحمه الله- (3)، فالأولى ترك هذا التّقييد كما ترك نظيره في أهل الوَلاية، ولم يقل: أمّا أهل الوَلاية فالحكم فيهم إذا صحّت وَلايتهم بكذا وكذا، والثّاني: أنّ المناسب للمقابلة بين أهل الوَلاية و أهل البراءة أن يجعل الأمور الخاصّة بأهل البراءة [ضدّ الأمور الخاصّة بأهل الوَلاية] (4) من اللّعن والشّتم والبغض وتحريم الاِستغفار وغير ذلك،
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - اِنفردت الحجرية بهذا التّعليق.
(3) - زيادة من أ والحجرية.
(4) - في صفحتيْ: 208، 209. (1/260)
صفحة 261
وقطع الأيدي من السّرقة، مع إبطال شهادتهم، ...
--------------------
والثّالث: أنّ ما ذكره من الحدود من الجَلد والرّجم وقطع اليد تجري على أهل البراءة وأهل الوَلاية وأهل الوقوف، كما قالوا في المنصوص في الخير: إنّه لا نخالف اللهَ - عز وجل - والحدود نقيمها عليه، وكذلك غير المنصوص إذا صدر منه ما يستحقّ عليه الحدّ فإنّه يُستتاب فإن تاب قُبل منه، وإقامة الحدّ واجبة في زمن الظّهور لأنّها حقّ الله تعالى، والرّابع: أنّ مِن في قوله: من الزّنا والقذف ليست بيانًا للحدود كما يتبادر، لأنّ الزّنا والقذف ليسا من الحدود بل الظّاهر أنّها للتّعليل، نعم مِن في قوله: من الجلد والرّجم وقطع اليد بيان للحدود، والمناسب لترتيب النّظم أن يقول: إجراء الحدود من الجلد والرّجم وقطع اليد بالقذف والزّنا والسّرقة، أو نحو ذلك، والله أعلم فليُحرّر.
قوله مع إبطال شهادتهم ... الخ: فيه أنّه يشاركه في بطلان الشّهادة ثلاثة من أهل الوَلاية، العبد المتولّى، والوليّ إذا ظهرت عليه أخلاق السّوء التي لا تدخل عليها الوَلاية ولا تُستوجَبُ بها البراءة، والوليّ القاذف إذا تاب بعد إقامة الحدّ عند مَن يجعل الاِستثناء في قوله تعالى: {إِلاَّ الذِينَ تَابُوا} [النّور: 5] راجعًا إلى الجملة الأخيرة فقط -وهو قول الرّبيع بن حبيب رحمه الله- (1) وهي قوله: {أُوْلاَئِكَ هُمُ
__________
(1) - الرّبيع بن حبيب البصري الفراهيدي أبو عمرو من أئمّة الإباضية وزعمائهم، عالم ومحدّث وفقيه، ولشهرته لم نخصّص له ترجمة في الملحق، وطلبًا للاِختصار نحيل إلى المراجع التي أسهبت في الحديث عنه وهي: عمرو بن مسعود الكَباوي: الرّبيع بن حبيبب محدّثًا وفقيهًا، كلّه (رسالة ماجستير)؛ سعيد بن مبروك القنّوبي: الإمام الرّبيع بن حبيب: مكانته ومسنده، كلّه.
ولم نقف على هذا القول للرّبيع، وإنّما وقفنا عليه منسوبًا إلى شيخه أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة، قال الشّيخ هود بن محكّم الهواري: « ... وهو قول أبي عبيدة والعامّة = =من فقهائنا، قال أبو عبيدة: شهادة كلّ من أُقيم عليه الحدّ جائزة إذا تاب وأصلح»، تفسير كتاب الله العزيز، الآية 5 من سورة النّور. (1/261)
صفحة 262
وتجريح عدالتهم، وتحليل مناكحتهم وموارثتهم، وإجراء حقوق الموتى عليهم، وأخذ الزّكاة من أغنيائهم ووضعها في فقرائهم، والحجّ معهم، وإشهادهم على النّكاح، والتّسويّة بيننا وبينهم في القِوَد والقصاص والدّية، ...
--------------------
الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]، وعلى هذا يتمشّى قولهم: «توالي مَن لا تزكّي» (1).
قوله وتجريح عدالتهم: فيه أنّه قد لا يكون من أهل الوَلاية ولا يُجرح فيه، وهو الأمين في الأموال، وعليه يتمشّى قولهم: «تزكّي مَن لا توالي» (2).
قوله وتحليل مناكحتهم: لو قال: وتحلّ، بغير أسلوب لكان أظهر، لأنّ الأوصاف السّابقة فيها الذّمّ بخلاف هذه.
قوله حقوق الموتى: إلاّ ما استخصّوه.
قوله وإشهادهم على النّكاح: يعني ما لم يقع الإنكار، فإذا وقع الإنكار لم تجز شهادتهم، فإنّه لا يُقبل عند الإنكار إلاّ العُدول.
قوله والتّسوية بيننا ... الخ: لقوله - عليه السلام -: «المؤمنون تتكافؤ دماؤهم» (3)، لأنّ المراد بهم الموحّدون.
قوله في القِوَد: أي في العَمْد.
قوله والقصاص: أي في الجروح.
قوله والدّية: أي في الخطأ.
__________
(1) - السّوفي: السّؤالات، 208.
(2) - المصدر السّابق، نفس الصّفحة.
(3) - أخرجه بهذا اللّفظ في حديث طويل النّسائي: كتاب القسامة، باب سقوط القود من = (1/262)
صفحة 263
فإن صدر البغي والفساد منهم دُعوا إلى ترك ذلك وإعطاء الحقّ والإنصاف، فإن أجابوا إلى الحقّ أُقيمت عليهم الحدود، مع غرم المتلَفات وردّ التّباعات، وفي الأنفس القِوَدُ والدّياتُ، بخلاف المحاربين وقُطّاع الطّرق التّائبين قبل القُدرة عليهم، وإن أبَوا من الرّجوع إلى أمر الله والكفّ عن الفساد بعد الإنذار والإعذار قوتلوا حتّى يفيئوا إلى أمر الله، ولا يُغنمُ لهم مالٌ ولا يُسبى لهم أهل ولا عيال، وإن انهزموا لم يُتبع مُدبرهم، ولم يُجهز على جريحهم، ...
--------------------
قوله بخلاف المحاربين ... الخ: يشير إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} إلى قوله: {إِلاَّ الذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34]، والمراد بمحاربة اللهِ ورسوله: محاربة المسلمين، جعل محاربتهم محاربتهما تعظيمًا، والمراد بالآية: من يفعل ذلك من الموحِّدين، لأنّ توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة عليه وبعدها، لأنّ توبته هي الإسلام وهو جبٌّ لِما قبله.
قوله بعد الإنذار والإعذار: الإنذار مأخوذ من قولك: أنذرتك الشّيءَ: خوّفتك منه، فهو التّخويف، والإعذار من قولك: أعْذَرْت الرّجل: بالغت في الموعظة والوصية له.
قوله لم يُتبع مدبرهم ... الخ: يعني إن لم يكن لهم مأوى يأوون إليه (1).
قوله ولم يُجهز: في "الصّحاح": «الأصمعيّ: أجهزتَ على الجريح إذا أسرعتَ قتله وقد تممتَ عليه، ولا تقل: أجزتُ على الجريح ... » (2).
__________
(1) =المسلم للكافر، رقم: 4760؛ وأحمد: مسند علي بن أبي طالب، رقم: 959؛ وأخرجه الرّبيع بن حبيب بلفظ: «المسلمون تتكافؤ دماؤهم»، باب في الدّيات والعقل، رقم: 661.
- كما هو مقرّر في عقيدة العزّابة للشّيخ عمرو بن جُميع، اُنظر مقدّمة التّوحيد وشروحها، 80، 81.
(2) - الجوهري: باب الزّاي، فصل الجيم: جهز. (1/263)
صفحة 264
ولا يحلّ الفرار في حال حربهم إلاّ متحرِّفًا لقتال، أو متحيِّزًا إلى فئة [ومآل] (1)، وبالله التّوفيق.
وأمّا الحكم في أهل خلاف المسلمين: فإنّهم يُدعَوْن إلى ترك ما به ضلّوا من اعتقاد البدَع، والبراءةِ من الأئمّة الذين ابتدعوها لهم، والدّخول في ديننا، ...
--------------------
قوله ولا يحلّ الفرار في حال حربهم: ظاهره أنّه لايحلّ الفرار ولو كانوا أقلّ من نصف العدوّ، وهو محلّ نظر، فإنّ ظاهر قوله تعالى: {آلاَنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ} الآية [الأنفال: 66] يدلّ على أنّه لا تجب مصابرة العدوّ إلاّ إذا كانوا نصف عدوّهم فأكثر، لأنّ ظاهر الآية مخصوصة لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الاَدْبَارَ} [الأنفال: 15]، وذهب بعض قومنا إلى أنّه إنّما يُعتبر كون المسلمين كنصف عدوّهم إذا لم يبلغوا اثني عشر ألفًا، فإذا بلغوا ذلك وجبت عليهم المصابرة قلّ العدوّ أو كثر، فليُحرّر.
قوله متحرِّفًا لقتال: المراد به: الكرّ بعد الفرّ وتغرير العدوّ، فإنّه مِن مكائد الحرب.
قوله أو متحيِّزًا إلى فئة: أي بأن ينحاز إلى فئة أخرى من المسلمين على القرب ليستعين بهم، ومِنهم مَن لم يعتبر القرب لِما روي عن ابن عمر أنّه «كان في سريّة بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففرّوا إلى المدينة، فقال له: يا رسول الله نحن الفرّارون؟ فقال: بل أنتم العكّارون وأنا فئتكم» (2)، والعكّارون مِنَ العَكَرَة وهي الكرّة.
قوله والبراءة من الأئمّة: عطف على قوله: تَرْكِ.
__________
(1) - سقط من ب.
(2) - أخرجه أبو داود: كتاب الجهاد، باب في التولّي يوم الزّحف، رقم: 2647؛ والتّرمذي: أبواب الجهاد، باب ما جاء في الفرار من الزّحف، رقم: 1770؛ وأحمد: مسند عبد الله بن عمر بن الخطّاب، رقم: 5384. (1/264)
صفحة 265
ووَلايةِ أئمّتنا ومَن تولّوه، والبراءةِ ممّن تبرّأوا منه، فإن فعلوا ذلك فهم إخواننا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإن امتنعوا من ذلك وسفّهوا مقالتنا دعوناهم إلى دفع واجب الحقوق إلينا، والاِستسلام لأحكامنا، وإقامة الحدود عليهم كما نُقيمها على أهل مذهبنا، فإن أذعنوا لذلك تركناهم وما هم عليه من غير إكراه على شيء من الدّين، مع تحليل جميع ما يحلّ من أهل مذهبنا منهم، من المناكحة والذّبائح والموارثة والمدافنة وغير ذلك من حقوقهم، وإجازة شهادة العُدول منهم في الأحكام خصوصًا، دون الوَلاية والبراءة والحدود، وما فيه تكفير للمسلمين، و [قد] (1) قيل في "كتاب أبي المؤثر": «إذا قهرونا جازت شهادتهم، وإن قهرناهم لم تجز شهادتهم» (2)؛ ويجب لهم من الحقوق ما يجب لنا، ويجب عليهم ما يجب علينا، إلاّ الوَلاية والاِستغفار فليس لهم فيهما حقّ ما داموا متمسّكين بضلالتهم، ...
--------------------
قوله وإجازة شهادة العُدول ... الخ: قال في "السّؤالات": «وسُئل عن شهادة المخالفين في الدّيانات هل تجوز؟ قال: لا، وأمّا في الأحكام ففيه قولان إذا قادتهم ديانتهم، وقال في "كتاب أبي المؤثر" ... الخ» (3).
قوله إلاّ الوَلاية والاِستغفار: قال صاحب "الإيضاح" -رحمه الله-: «وندين بأنّ أحكام الموحّدين بينهم واحدة، إلاّ الوَلاية والتسميّة بالإيمان فلا يستحقّها إلاّ المؤمن الموفّي بدين الله» (4).
__________
(1) - زيادة من ب.
(2) - نقلاً عن السّوفي: السّؤالات، 486.
(3) - المصدر السّابق، نفس الصّفحة.
(4) - عامر بن علي الشمّاخي: الدّيانات، 49 (مطبوع ضمن مجموع تحت عنوان: كتب مُختارة). (1/265)
صفحة 266
كما قال أبو سفيان محبوب بن الرّحيل -رحمه الله-: «ليس بيننا وبين قومنا إلاّ منزلتان: البراءة منهم عند المعصية، والخلع لهم على خلافهم وما ركبوا من المعاصي، واستحلال دمائهم عند المباينة بعد دعائهم إلى الحقّ ... والعمل به، وما سوى ذلك من الأمور التي أجرى اللهُ بين المؤمنين، من المناكحة والموارَثة، وأكل الذّبيحة، والقصاص، وقبول الشّهادة إذا لم يُتّهموا، والصّلاة عليهم، فهذه الأمور جائزة بيننا وبين قومنا بدين» (1).
وكذلك عن أبي أيوب (2) عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة -رحمه الله- أنّه قال لمثنّى بن معروف أخي شعيب بن معروف الشّعبي (3): ما تقول في محمّد بن سيرين والحسن في التّزويج والطّلاق، أكنت تجمع وتفرّق بشهادتهما؟ قال: نعم، قال أبوعبيدة: نعم هو ذلك.
قوله والخلع لهم: الظّاهر أنّه عطف مرادف على البراءة، فهو والبراءة منزلة واحدة، والمنزلة الثّانية هي استحلال دمائهم، والله أعلم.
قوله وما سِوى ذلك: مبتدأ، والظّاهر أنّ خبره محذوف تقديره بعد قوله والصّلاة عليهم: تجري بيننا وبينهم، أو نحو ذلك، فلو أسقط قوله: فهذه الأمور وجعل الخبر قوله: جائزة ... الخ لكان أظهر.
قوله بدين: أي لا باجتهاد، يعني أنّ هذه من مسائل الدّيانات لا من مسائل الاِجتهاد، فلا يجوز خلاف ما ذكره، والله أعلم.
قوله بن معروف: في "السير": المثنّى بن المعرف (4).
__________
(1) - هذا الخبر في الكندي: بيان الشّرع، 3/ 20، وانظر ترجمة أبي سفيان في الملحَق، رقم: 48.
(2) - هو أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي.
(3) - اُنظر ترجمة الأخوين في الملحَق، رقم: 47.
(4) - أحمد بن سعيد الشمّاخي: السير، 110، وهو إمّا وَهْم من مؤلّفه أو تحريف من نسّاخه. (1/266)
صفحة 267
ويجب لأهل الخلاف أيضًا حقوقهم من الفيء والغنائم والصّدقات إذا كان إمام العدل، تؤخذ منهم وتوضع في فقرائهم أيضا، ولهم أيضا على المسلمين دفع الظّلم عنهم، كما يدفعونه عن بعضهم؛ ومن امتنع منهم من إجراء حقوق عليه أدّبه بما يقمعه، وإن جاوز ذلك إلى المنع والمكابرة حلّ قتاله واستُبيح دمه.
ويُمنعون من إظهار جميع المناكر، وإحداث أمر لم يكن قبل ذلك؛ وإن امتنعوا من طاعة الإمام العادل وإجرائه واجبَ الحقوق عليهم قاتلهم إمام المسلمين حتّى يذعنوا بعد الدّعوة والإعذار، وإن انهزموا فلا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم، إلاّ إن كانت لهم فئة يرجعون إليها، ...
--------------------
قوله وتوضع في فقرائهم أيضًا: ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل سيأتي في سيرة تفريق الزّكاة في زمن الظّهور، وهو أنّه إن احتاج إمام المسلمين إلى جميعها في عِزّ الدّولة ومصالح المسلمين أخذها كلّها، لأنّ المصلحة في ذلك ترجع إليهم، وإن لم يحتج إليها فمن أصحابنا من يقول: يفرّق العامل زكاة كلّ بلد في فقراء أهله من موافق ومخالف، ولا يزيد لأحد على قوت سنة ما لم يكن مِديانًا، فإن فضُل شيء فُرّق في أقرب القرى إليهم، ومنهم مَن يقول: يفرّق العامل الثّلث في فقراء ذلك البلد، ويرفع الثّلثين إلى بيت مال المسلمين فتوضع فيها لأهلها.
قوله ويُمنعون ... الخ: راجع لأصل الكلام من دخولهم تحت طاعة الإمام.
قوله لم يكن قبل ذلك: أي: كبناء المساجد مثلاً. (1/267)
صفحة 268
ولا يحلّ منهم سبي عيال، ولا غنيمة مال، ولا يحلّ منهم غير قتالهم والبراءة منهم، وبالله التّوفيق.
مسألة: وتحلّ الدّماء بالظّلم والاِبتداء به، كما قال - عز وجل -: {أُذِنَ للِذيِنَ يُقَاتَلُونَ بِأَ نَّهُمْ ظُلِمُوا} الآية [الحجّ: 39]؛ وتحلّ بإظهار النّفاق والإرجاف في النّاس، كما قال اللهُ سبحانه وتعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ} إلى قوله: {وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 60، 61]؛ وتحلّ بالطّعن في الدّين، كما قال اللهُ تعالى: {وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَيِمَّةَ الْكُفْرِ} الآية [التّوبة: 12]؛ ...
--------------------
قوله ولا غنيمة مال، ولا يحلّ منهم غير قتالهم ... الخ: فيه إشارة إلى أنّه لا يحلّ أخذ سلاحهم، وهو المختار عند عمّنا أحمد بن سعيد الشمّاخي -رحمه الله- في "شرح العقيدة" (1)، ولعلّه لذلك لم يتعرّض له -رحمه الله-.
قوله بالظّلم: أي بالنّسبة إلى الإمام مثلاً، وقوله: والاِبتداء به بالنّسبة إلى آحاد النّاس، كمن قصدك يريد أخذ مالك مثلاً، والله أعلم.
قوله كما قال - عز وجل -: {أُذِنَ لِلذِينَ} ... الخ: هذه أوّل آية نزلت في الإذن بالقتال.
قوله وتحلّ بإظهار النّفاق ... الخ: يعني إن لم يرجعوا عنه كما تدلّ عليه الآية.
قوله والإرجاف في النّاس: قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى {وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ}: «يرجفون أخبار السّوء عن سرايا المسلمين ونحوها من إرجافهم، وأصله التّحريك من الرّجفة وهي الزّلزلة، سُمِّي به الإخبار الكاذب لكونه متزلزلاً غير ثابت» (2).
__________
(1) - مقدّمة التّوحيد وشروحها، 80.
(2) - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 60 من سورة الأحزاب. (1/268)
صفحة 269
وتحلّ بقتل النّفس بغير حقّ، كما قال اللهُ تعالى: {فَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: 33]؛ وتحلّ بالسّعي في الأرض فسادًا، كما قال اللهُ تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} الآية [المائدة: 33]؛ واجتمعت الأمّةُ فيما وجدت على تحليل الدّماء بتبديل الأحكام، وروي عن الإمام عبد الوهّاب - رضي الله عنه - قال: «سبعون وجهًا تحلّ بها الدّماء، فأخبرت منها لأبي مرداس (1) بوجيهن فقال: مِن أين هذا؟ من أين هذا؟» (2)، وفي كتاب "سير المشايخ" (3) أنّ الإمام كان يقول: «إنّ عندي أربعة وعشرين وجهًا تحلّ بها دماء أهل القبلة، ولم يكن منها عند أبي مرداس -رحمه الله- إلاّ أربعة [أوجه] (4)، وقد شدّد عليّ فيها» (5)، والله أعلم وأحكم.
--------------------
قوله {يُحَارِبُونَ اللهَ}: أي يحاربون أولياءه.
(((
__________
(1) - هو أبو مرداس مهاصر السّدراتي، اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 55.
(2) - الخبر عند الوسياني: السير، 16.
(3) - كتاب "سير المشايخ" أو كتاب "سيرة أهل نفوسة" لمؤلّفه الشّيخ مقرن بن محمّد البغطوري، من علماء الإباضية في القرن 6 هـ في جبل نفوسة؛ جمع في كتابه هذا تاريخ العظماء والمشايخ من الإباضية في جبل نفوسة، وهو لا يزال مخطوطًا.
(4) - زيادة من ب والحجرية.
(5) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة، 33. (1/269)
صفحة 270
الجلمة الثّانية في أحكام مِلل أهل الشّرك والأصنام
القسم الأوّل
وهذه الجلة تحتوي على ثلاثة أقسام، القسم الأوّل: في أحكام الملل الثّلاث، وهم اليهود والنّصارى والصّابئون، والقسم الثّاني: في أحكام المجوس، والقسم الثّالث: في أحكام عَبَدَة الأصنام.
اِعلم أنّ اليهود والنّصارى والصّابئين هم أهل كتاب، وأحكامهم واحدة، وذلك أنّهم يُدعَوْن أوّلا إلى الدّخول في الإسلام، ...
--------------------
قوله ملل أهل الشّرك والأصنام: كأنّه من عطف الخاصّ على العامّ، وليس من عطف التّفسير حتّى يرِد أنّ فيه بعد ذلك تقسيم الشّيء إلى نفسه وإلى غيره، والله أعلم.
قوله يُدعون أوّلا إلى الدّخول في الإسلام: يؤخذ منه أنّه لا يجوز قتالهم إلاّ بعد الدّعاء إلى الإسلام، فلو قاتلوهم وسبوهم من غير دعاء فإنّهم يُردّون إلى مأمنهم، قال في "السّؤالات": «فإن قال: ما الدّليل على أنّ المشرك لا يُقاتَل حتّى يُدعى إلى الجملة؟ فقل: روي أنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - بعث سريّة فقال: «يا علي لا تقاتل القوم حتّى تدعوهم وتنذرهم وبذلك أُمرت» ... وقال: «وجيء بأسارى من حيّ من أحياء العرب، قالوا: يا رسول الله ما دعانا أحد ولا بلَّغنا، فقال: آالله، فقالوا: آالله، فقال: خلّوا سبيلهم حتّى تصل إليهم دعوتي فإنّ دعوتي تامّة لا تنقطع إلى يوم القيامة» ... الخ» (1).
__________
(1) - السّوفي، 91، والحديثان أخرجهما الرّبيع بن حبيب: ما جاء في الدعوة إلى الإسلام والنّهي عن القتال قبلها، رقم: 792؛ وفي معناهما أخرج أحمد: مسند عبد الله بن العبّاس، رقم: 2053 «ما قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومًا حتّى يدعوهم». (1/270)
صفحة 271
واختُلِفَ في كيفيّة دعوتهم، فقيل يدعو الإمامُ من أهل القرى (1) الأمراءَ، وأمّا أهل البادية فإنّه يدعوهم واحدًا واحدًا، وقيل يدعو المنظور إليه منهم والرّؤساء كأهل القرى، وإن لم يعلم لغتهم فإنّه يُترجم له بأمينين، وقيل بواحد، فإن قبلوا دعوته ودخلوا الإسلام فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وإن أبوا من الإسلام دُعوا إلى إعطاء الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فإن أعطوها قُبلت منهم وتُركوا على ما هم عليه، وتحلّ منهم تلك الجزية، وأكل ذبائحهم، ...
--------------------
قوله فإن لم يعلم لغتهم ... الخ: قال في "السّؤالات": «وكذلك القاضي إذا لم يعلم لغة الخصمين مثل المسألة الأولى» (2).
قوله وأكل ذبائحهم ... الخ: ذكر في "السّؤالات": «أنّ رجلاً سأل عالمًا عن ذبيحة من يقول: إنّ الله ثالث ثلاثة من النّصارى، هل تؤكلُ أم لا؟ فقال: قد علم اللهُ ما يقولون وأباح مع ذلك ذبائح أهل الكتاب ... الخ» (3)، وذكر في "الإيضاح" مثل ذلك عن علي وابن عبّاس في كتاب الذّبائح (4)، وذكر فيه أيضًا الاِختلاف في ذبائح الصّابئين، والظّاهر أنّ سبب الخلاف مبني على ما ذكره المصنّف -رحمه الله- سابقًا، هل هم أهل كتاب أم لا؟ والصّحيح عند علمائنا -رحمهم الله- أنّهم أهل كتاب، والله أعلم.
__________
(1) - في أ و ج و د: القرار.
(2) - السّوفي، 90.
(3) - السّوفي، 439.
(4) - عامر بن علي الشمّاخي، 2/ 456، 457. (1/271)
صفحة 272
ونكاح الحرائر المحصَنات منهم دون الإماء والمسافحات، وقد اتّفق النّاس على هذا، إلاّ ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنّه نهى عنه، حين تزوّج حذيفة -رحمه الله- كتابية فنهاه عمر، فقال حذيفة: أتشهد أنّها حرام؟ قال: إنّي إذًا لظنين الشّهادة (1)، ...
--------------------
قوله المحصَنات: من الإحصان وهو العِفّة، فإنّها تحصين للنّفس من اللّوم والعقاب.
قوله دون الإماء: قال في "السّؤالات": «ومَن نكح إماء أهل الكتاب فهو هالك، ونسبه منهنّ ثابت، ولا يحكمون على المستحلِّ لنكاحهنّ بالكفر» (2)، فيما ذُكر في "شرح النّونية" (3)، وحُكي عن بعض شيوخ أهل الدّعوة ثلاث مسائل: مَن قال بتحليل إماء أهل الكتاب، أو قال لم يحرِّم اللهُ من الخنزير إلاّ اللّحم، أو قال الرّبائب التي يحرم نكاحهنّ على أزواج أمّهاتهنّ هنّ اللاّتي رُبّين في بيوت أزواج الأمّهات، قيل عنه إنّ مفتي هذه المسائل كافر، والله أعلم (4)، ويكون ما ذكر في "السّؤالات" ماشيًا على قول البعض الآخرين.
قوله والمسافحات: أي المجاهرات بالزّنا، من السّفح وهو صبّ المنيّ، فإنّه الغرض منه.
قوله وقد اتّفق النّاس على هذا: من غير كراهة ليصحّ الاِستثناء، فإنّ عمر - رضي الله عنه - موافق على الجواز، لكن مع الكراهة كما ذكره المصنّف -رحمه الله-.
قوله لظنين: في "الصّحاح": «والظّنين: الرّجل المتّهم، والظّنّة التّهمة» (5)،
__________
(1) - أخرجه القرطبي في تفسيره عن ابن عطيّة، الجامع لأحكام القرآن، تفسير الآية 221 من سورة البقرة.
(2) - السّوفي، 440.
(3) - الجيطالي، 3/ 9، شرح البيتين 99 - 100، وفي ب و د و هـ: فيه أنّه ذُكر ... .
(4) - روى هذه المسائل السّوفي عن أبي زكرياء يحي بن زكرياء الزّواغي، السّؤالات، 440.
(5) - الجوهري: باب النّون، فصل الظّاء: ظنن. (1/272)
صفحة 273
وذلك منه نهي تأديب، أراد أن يتنزّه المسلمون عن الكتابيات حين كثرت المسلمات؛ فإن امتنعو من الجزية مع الاِمتناع من الدّخول في الإسلام ناصبهم الإمام الحربَ، فاستحلّ بذلك سبيَهم، وغنيمة أموالهم، وسفك دمائهم، وحرُم أكل ذبائحهم ونكاح الحرائر من نسائهم، ...
--------------------
يعني يصير متّهَمًا في الشّهادة إن شهد أنّه حرام، فإنّ الله نصّ على الجواز.
قوله أراد أن يتنزّه المسلمون ... الخ: ونظير هذا ما فعله -رحمه الله- في إسقاط سهم المؤلَّفة قلوبهم من الزّكاة، فقال: «ذلك إذ كان الإسلام حقِّيًا وأمّا الآن فقد بزُل» (1)، لكن النّكاح كرّهه من غير تحريم.
قوله وحرُم أكل ذبائحهم: هذا هو الأصحّ، قال الشّيخ عامر -رحمه الله- في "الإيضاح" في كتاب الذّبائح: «ولا بأس بذبائح أهل الحرب من أهل الكتاب، وصيد كلابهم، وقال غيره: لا نرى أكل ذبائح أهل الحرب من أهل الكتاب، ولا نكاح نسائهم، ولا صيد كلابهم، وهذا القول أصحّ لأنّهم حين حاربوا لم تكن لهم حُرمة تحلّ بها ذبائحهم ولا نساؤهم، ألا ترى أنّه لا يحلّ في امرأة واحدة أن تحلّ لرجلين مسلمين هذا بنكاح وهذا بسباء وملك، أعني: لو كانت حلالاً لرجل مسلم فتزوّجها ليس لغيره من المسلمين أن يسبيها حين حاربوا، ولا يجوز أن تحلّ لهذا بنكاح ولهذا بِسباء ومُلْك» اهـ (2).
__________
(1) - قال ذلك لعيُينة بن حصن والأقرع بن حابس لمّا جاءا يطلبان سهمهما، وهذه الرّواية مشهورة في كتب الإباضية، أورَدَها أبو زكرياء الجنّاوني: الوضع، 189؛ وأحمد الشمّاخي: السير، 26، وفي رواية أخرى: «إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتألّفكما والإسلام يومئذ قليل وإنّ اللهَ قد أعزّ الإسلام» أورَدَها البيهقي: السّنن الكبرى، 7/ 32؛ البخاري: التاريخ الصّغير، 1/ 56.
(2) - عامر بن علي الشمّاخي، 2/ 457 حكاية عن علي وابن عبّاس. (1/273)
صفحة 274
فإن خضعوا للإمام قبل القتال فكلّ ما صالحهم عليه فليؤدّوه إليه، ولا يجاوز إليهم غير ذلك.
--------------------
قوله قبْل القتال: ظاهره أنّه لا تجوز المصالحة بعد القتال، وأنّهم إن قاتلوهم وغنموهم صاروا عبيدًا لهم، مع أنّه ذكر في "السّير" في مناقب عمر في ما انتقمت عليه الشّيعة أيضًا -قبّحهم اللهُ- ما يقتضي أنّه يجوز ذلك بعد القتال أيضًا، حيث قال: «ومنها ردّ الأملاك والأصول من الفيء إلى أربابها بعد أن حازها جيوش المسلمين، وأعتقهم على المسلمين بعد أن كانوا عبيدًا لهم، وأجرى عليهم جميع أحكام الأحرار ... الخ» (1).
قوله فكلّ ما صالحهم عليه ... الخ: وذلك كفعل عمر - رضي الله عنه - في نصارى بني تغلبة حين أنفوا عن الجزية فاختاروا السّيف، فصالحهم على إسقاط الجِزية وتضعيف الصّدقة، ويعطون الخمس لِما رأى في ذلك من المصلحة، حين همّوا بقطع دجلة والفرات إلى أرمينية لتقوية النّصارى على المسلمين، فصالحهم على ذلك، وجعلهم المسلمون بينهم وبين العدوّ، فأيّد اللهُ بهم الإسلام، وهذا من جملة من انتقمت الشّيعة على عمر - رضي الله عنه - فقالوا: خالَفَ القرآن حيث قال: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَّدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التّوبة: 29]، ثمّ ظهر أنّ الرّسول - عليه السلام - قال: «إنّ اللهَ ليؤيّد هذا الدّين بناسٍ من ربيعة في شاطئ الفرات» (2)، فشكر عمرُ ربَّه إذ وفّقه، والله أعلم (3).
__________
(1) - أحمد بن سعيد الشمّاخي، 27.
(2) - لم نقف عليه بهذا اللّفظ، ومعناه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ اللهَ تبارك وتعالى ليؤيّد الإسلام برجال ما هم من أهله»، أخرجه الهندي: كنز العمّال (10/ 184) رقم: 28957، وعزاه للطّبراني عن ابن عمرو.
(3) - نقلاً عن الشمّاخي: السير، 26، 27. (1/274)
صفحة 275
وقال بعض العلماء: إذا أذعن أهل الكتاب للجزية فلا يتزوّج المسلم منهم المرأة حتّى يشترط عليها خمسة شروط: أن لا تشرب الخمر، ولا تأكل لحم الخنزير، ولا تعلّق الصّليب، وأن تغتسل من الجنابة، وتحلق العانة.
القسم الثّاني
في المجوس
وأحكامهم أيضًا كأحكام أهل الكتاب حذو النّعل بالنّعل، إلاّ في الذّبائح ونكاح الحرائر منهم (1) فهما على التّحريم ولو مع إعطاء الجزية، والأصل في هذا حديث النّبيء - عليه السلام - من طريق عبد الرّحمن بن عوف -رحمه الله- ...
--------------------
قوله ولا تأكل لحم الخنزير ولا تعلّق الصّليب: الظّاهر أنّ هذين الشّرطين خاصّان بالنّصرانيات دون اليهوديات، لأنّه ليس من شأن اليهود ذلك.
قوله وتحلق العانة: الظّاهر أنّه استعمل الحلق في إزالة الشّعر مطلَقًا.
قوله على التّحريم: قال في "السّؤالات": «وأمّا المستحلّ لنكاح البالغات من غير أهل الكتاب فقد أشرك، وأمّا من استحلّ نكاح مَن لم يبلغ منهنّ فهو منافق» (2)، وإنّما فرّق بينهما -والله أعلم- لأنّ غير البالغة لا يُحكم عليها بالشّرك، لكونها في الوُقوف كما هو معلوم.
__________
(1) - في ب: الحرائر من نسائهم.
(2) - السّوفي، 440. (1/275)
صفحة 276
أنّه - عليه السلام - قال: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» (1)، فإن أبوا من الإسلام والجزية قوتِلوا، وسُبوا، وغُنموا، إلاّ ما أدّوا عليه الجِزية في حال مصالحتهم فلا يُغنمُ ولا يُسبى، وكذلك أهل الكتاب على هذا الحال، والله أعلم.
قوله سنّة أهل الكتاب: يعني في الجزية.
قوله إلاّ ما أدّوا عليه الجزية في حال مصالحتهم ... الخ: يعني -والله أعلم- مصالحتهم بعد الشّروع في القتال، لا أنّ المراد به ما أدّوا عليه الجزية قبل القتال فإنّ ذلك غير ظاهر من وجهين، أمّا الأوّل: فلأنّ فرض المسألة أنّهم امتنعوا من الإسلام ومن الجزية أيضًا، وأمّا الثّاني: فلأنّهم لو فُرض أنّهم أعطوا الجزية ثمّ نقضوا العهد فإنّهم يُسبون ويُغنمون أيضًا إن أصرّوا على ذلك، وحملُ المصالحة على ما بعد الشّروع في القتال يبيّن حكم ما توقّفنا فيه قبلُ في المسألة السّابقة (2) عند قوله في حكم أهل الكتاب: فإن خضعوا للإمام قبل [الشّروع في] القتال (3) ويكون مناسبًا لِما ذكره في "السّير"، ويكون مراده -رحمه الله- بقوله: إلاّ ما أدّوا عليه الجزية ... الخ أنّ ما حازه المسلمون بعد الشّروع في القتال وقبل المصالحة جاز لهم، وما صالحوا عليه ممّا بقي لا يُغنمُ ولا يُسبى، والله أعلم.
قوله فلا يُغنم ولا يُسبى: يعني بعد ذلك.
__________
(1) - أخرجه مالك في الموطّأ: كتاب الزّكاة، باب جزية أهل الكتاب والمجوس، رقم: 42؛ والطّبراني في الكبير عن مسلم بن العلاء الحضرمي (19/ 437)، رقم: 1059 بلفظ: «سنّوا بالمجوس سنّة أهل الكتاب في أخذ الجِزية فقط».
(2) - في الحجرية: المسألة الأولى.
(3) - اُنظر صفحة: 274 المتقدّمة. (1/276)
صفحة 277
القسم الثّالث
في أحكام عَبَدَة الأوثان من أهل اللاّت والعُزّى ومناة الثّالثة الأخرى
فأمّا الحكم في أهل الأوثان فإنّهم يُدعون إلى الإسلام فإن أبوا قوتِلوا وسُبوا وغُنموا، ولا يُقبل منهم صلح ولا جِزية بعد قول الله تعالى: {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ} الآية [التّوبة: 5]، وأمّا أهل مكّة من المشركين فلا يُسبوْا لحرمة النّبيء - عليه السلام -، وقيل: جميع العرب، -والله أعلم-، وقال النّبيء - عليه السلام - في المشركين: «لا تتراءى نارهما إلاّ عن حرب»، والله أعلم.
--------------------
قوله {وَخُذُوهُمْ}: أي واسِروهم، والأخيذ: الأسير، {وَاحْصُرُوهُمْ}: أي واحبسوهم، وحيلوا بينهم وبين المسجد الحرام.
قوله فلا يُسبَوا ... الخ: يُنظر كيف يُفعل في صبيانهم إذا قُتل آباؤهم؟ والظّاهر أنّهم يكونون أحرارًا، وتكون مؤونتهم من بيت مال المسلمين.
قوله وقال النّبيء - عليه السلام - في المشركين ... الخ: ساقه للاِستدلال على أنّ المشركين لا يُقبل منهم صلح ولا جزية، وساقه في "السّؤالات" اِستدلالاً على أنّه لا يجوز اتّخاذ دار الحرب وطنًا، ولفظ الحديث عنده: «أنا بريءٌ من مسلم مع مشرك، قال: لِمَ يا رسول الله؟ قال: لا تتراءى نارهما إلاّ عن حرب، هذه تدعو إلى الله وهذه تدعو إلى الشّيطان» (1).
قوله في المشركين: يعني مع المسلمين، كما يدلّ عليه كلام "السّؤالات".
__________
(1) - السّوفي: السّؤالات، 517، والحديث رواه بلفظ: «لا تتراءى ناراهما ... » كلٌّ من= (1/277)
صفحة 278
مسألة: واختلفوا في مِقدار الجزية، فقيل ذلك إلى ما يرى الإمام، وقيل عشرة دراهم على اليهود، واثنا عشر [درهمًا] (1) [في كلّ سنة] (2) على النّصارى (3)، وقيل خمسة عشر [دراهم] (4)، وقيل على الدّهقان أربعة دراهم، والأوسط درهمان، والدّون درهم، هذا في كلّ شهر، وبهذا كتب عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - إلى عثمان بن حنيف بالكوفة، فوضع على الغنيّ ثمانية وأربعين درهمًا، وعلى مَن دونه أربعة وعشرين درهمًا، وعلى مَن دون ذلك اِثني عشر درهمًا، وذلك بمحضر من الصّحابة ولم يخالف أحد، ...
--------------------
قوله وقيل عشرة دراهم ... الخ: لم يتعرّض -رحمه الله تعالى- على هذا القول لمقدار الجزية التي تؤخذ من الصّابئين والمجوس، ولعلّه لم يرِد فيهما التّحديد، فالقول فيهما ما يرى الإمام عند الجميع، والله أعلم فليُحرّر.
قوله الدّهقان: في "القاموس": «الدّهقان بالكسر والضمّ: القويّ على التصرّف مع حِدّة، والتّاجر، وزعيم فلاّحي العَجَم، ورئيس الإقليم، معرّب» (5).
__________
(1) = النّسائي: كتاب القسامة، باب القوَد بغير حديدة، رقم: 4794؛ وأبو داود: كتاب الجهاد، باب النّهي عن قتل من اعتصم بالسّجود، رقم: 2645؛ والتّرمذي: أبواب السّير، باب ما جاء في كراهية المُقام بين أظهر المشركين، رقم: 1654.
- زيادة من الحجرية.
(2) - زيادة من أ.
(3) - في ب و د: النّصراني.
(4) - زيادة من أ.
(5) - الفيروزابادي: باب النّون، فصل الدّال: الدّهقان. (1/278)
صفحة 279
وكان الصّرف اثني عشر درهمًا بدينار، وقيل على النّصارى الجزية وضيافة ثلاثة أيام، وعلى اليهود الجزية والمبيت، وليس على النّساء والعبيد والأطفال والشّيوخ والمجانين جزية (1).
واُختُلف في الرّهبان، وأمّا المفلس فقيل فيُدعى إلى الجزية ويعطيها لأنّ الغِنَى في لسانه، يوحّد ويخلّى سبيله، ...
--------------------
قوله اِثني عشر درهمًا بدينار: هذا في غير الزّكاة، وأمّا فيها فصرف الدّينار عشرة دراهم فقط.
قوله وضيافة ثلاثة أيّام: قد يؤخذُ من هذا جواز كلّ ما صنعه أهل الكتاب، وقوله: ثلاثة أيام اُنظر هل أطلق الأيّام على ما يشمل الليالي أيضًا كقوله تعالى: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} [هود: 65]؟ وهو الظّاهر، أو أراد بها حقيقتها من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس؟ فلا يكون عليهم الإطعام في الليل، وقوله: وعلى اليهود الجزية والمبيت اُنظر هل معناه أنّه عليهم المبيت من غير إطعام، أم عليهم المبيت والإطعام أيضًا؟ ولم يتعرّض أيضًا -رحمه الله- لمقدار المبيت، ويُحتمل أنّه يأكل عند النّصارى ويبيت عند اليهود في تلك المدّة، وهذا ظاهر إذا كانا في بلد واحد، والله أعلم.
قوله واختُلف في الرّهبان: الذي جزم به في "الدّعائم": أنّه لا جزية عليهم، اهـ (2).
قوله وأما المفلس: في "الصّحاح": «وقد أفلس الرّجل: صار مفلسًا، كأنّما صارت دراهمه فلوسًا وزيوفًا، كما يُقال: أخبث الرّجل إذا صار أصحابه خبثاء، وأقطف إذا صارت دابّته قطوفًا، ويجوز أن يُراد به أنّه صار إلى حال يُقال فيها: ليس معه فَلْسٌ، كما يُقال: أقهر الرّجل إذا صار إلى حال يُقهر عليها،
__________
(1) - أخرج هذه الأحكام عن عمر بن الخطّاب البيهقي في السنن الكبرى، 9/ 330.
(2) - ابن النّظر أبو بكر أحمد بن سليمان العماني، 55، القصيدة 7، البيت 126، وانظر ترجمة ابن النّظر في الملحق، رقم: 8. (1/279)
صفحة 280
وإلاّ حُبس في الشّمس بعد أن يُطلى جسده بالعسل، وقيل: يُطلى وجهه باللّبن فلا يزال كذلك حتّى يؤدّيها، وقيل: ليس عليه شيء.
وإذا أخذ الجزيةَ الإمامُ فإنّه يعطي منها لفقرائهم، ولا يترك الظّلم يصل إليهم، وإن لم يقدر على صرف الظّلم عنهم فلا يأخذ منهم الجزية، وكذلك في حال الكتمان لا تؤخذ منهم، ولا يُعاملُ فيها مَن أخذها إلاّ مَن قادته ديانته إلى ذلك.
--------------------
وأذلّ الرّجلُ: صار إلى حال يُذلّ فيها ... الخ» (1).
قوله بعد أن يُطلى ... الخ: إنّما خصّ العسل واللّبن ليتأذّى بالذّباب مثلاً.
قوله وقيل ليس عليه شيء: هذا هو الظّاهر والله أعلم، لأنّ الأوّل قد يؤدّي إلى الإكراه في الدّين، لأنّه إذا لم يكن معه ما يؤدّي منه الجزية وطال عليه الحبس فلا مخلَص له منه إلاّ الإسلام.
قوله إلاّ مَن قادته ديانته: لذلك قد يؤخذُ منه جواز معاملة الجُند في أرزاقهم، لأنّ أهل مذاهبهم قادتهم ديانتهم إلى جواز ذلك، وإنّما يؤخذ هذا الجواز إن قُرئ قوله: ولا يُعامل فيها بالبناء للمفعول، فتكون العبرة بالمعاملة حينئذ باعتقاد الآخذ، وإن قُرئ بالبناء لفاعل وهو قوله: مَن قادته .... الخ فالعبرة في المعاملة باعتقاد المعامِلِ، والأوّل هو المتبادَر من العبارة، ويدلّ له قول الشّيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم -رحمه الله- في "الدّليل والبرهان" في مسائل الأئمّة العشرة - رضي الله عنهم - ونفعنا ببركاتهم، حيث قال: «الإمام الرّابع: الرّبيع ابن حبيب - رضي الله عنه -، اِعلم أنّ الرّبيع بن حبيب قد أثبت لجميع المشركين ما
__________
(1) - الجوهري: باب السّين، فصل الفاء: فلس. (1/280)
صفحة 281
ولا يتركهم الإمام أن يظهروا شيئًا من أمورهم، مثل الخمر، وإمساك السّلاح، وبنيان الكنائس، وإجماع الصّلاة، وضرب النّاقوس، وبيع الرّبا؛ ...
--------------------
غنموه وحازوه من أموال المسلمين في الرّقيق والمكاتب والمدبّر وجميع الأموال، وأثبت الأنساب بين المشركين ونساء الموحّدين من حائل لا حامل، ومن حامل واضع، وقاس المتديّنة من جميع أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - من الصّفرية (1) وغيرهم على المشركين إذا حازوه فاشتراهم مشتر من أسواقهم، أو وهبوه له بعدما اقتسموه» إلى أن قال: «وليس على أحد بأس أن يعاملهم في ... ذلك ... الخ» (2)، فدلّ على أنّ العبرة في المعاملة باعتقاد المعامَلِ -بفتح الميم- يعني: فيما ليس حرامًا لعينه، فلا يرِد الخمر والخنزير والأحرار إذا ملكوهم، والله أعلم فليُحرّر.
قوله مثل الخمر: يعني لا يجوز إظهاره في الخارج، وأمّا في بيوتهم فإنّه لا يُحجّر عليهم ذلك، وإن أفسده أحد من المسلمين فعليه قيمته بنظر العُدول منهم دون المسلمين، لأنّه لا قيمة له عندهم، وكذلك سائر ما كان حرامًا عند المسلمين وهو حلال عندهم، كما ذكره الشّيخ عامر -رحمه الله- في كتاب البيوع في باب أحكام الرّهن (3).
قوله وإجماع الصّلاة: يُنظر كيف يُنهون عن إجماع الصّلاة مع أنّهم يبقون على كنائسهم الأوَل؟
__________
(1) - تقدّم التّعريف بهذه الفرقة في صفحة 147.
(2) - الدّليل والبرهان، 2/ 76، وانظر ترجمة أبي يعقوب مؤلّفه في الملحَق، رقم: 64.
(3) - الإيضاح، 4/ 220. (1/281)
صفحة 282
وقد أمر عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - أن تُهدم كلّ كنيسة لم تكن قبل الإسلام، وقيل إنّ هذا إجماع من النّاس، وكان عروة بن محمّد بن عروة (1) يهدمها بصنعاء؛ وشدّد عمر بن عبد العزيز وأمر أن لا تُترك في الإسلام بيعة ولا كنيسة بحال، قديمة ولا حديثة، وهو مذهب الحسن البصري.
ويعلم الإمامُ أهلَ الذمّة بالزنّار في أطراف أرديتهم، والنّصارى يمسكون في أيديهم العصيّ الصّغار، وقيل يُميّزُ أهل الذمّة بالزّنانير في أوساطهم، ...
--------------------
قوله بيْعة ولا كنيسة: البِيَع للنّصارى، والكنائس لليهود، وتُسمّى الصّلوات أيضًا لأنّها تُصلّى فيها، وقيل أصلها: صلوتا (2) بالعبريّة فعرّبوه.
قوله أهل الذِّمّة: المراد بهم اليهود دون النّصارى بدليل المقابلة، فهو عامّ أُريد به الخاصّ، ولم يتعرّض -رحمه الله- لعلامة المجوس، ولا يصحّ أن يُراد بأهل الذّمّة هنا ما يعمّ اليهود والمجوس، لأنّ أحكامهم مختلفة بالنّظر إلى الذّبيحة والنّكاح، فإذا عُلّموا بعلامة واحدة اِلتبس بعضهم ببعض.
قوله بالزُّنّار: هو بالضمّ، لكن يُنظر ما معنى الزّنّار؟ قال في "القاموس": «زنره: ملأه، والرّجل ألبسه الزُّنّار، وهو ما على وسط النّصارى والمجوس كالزّنّارة» إلى أن قال: «والزّنانير: الحصى الصّغار ... الخ» (3).
__________
(1) - هو عروة بن محمّد بن عطيّة بن عروة السّعدي الجشمي، عامل سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك على اليمن لمدّة سنة، وعُزل عنها سنة 103هـ. ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق، 17/ 26.
(2) - في الحجرية: صالوت.
(3) - الفيروزابادي: باب الرّاء، فصل الزّاي: زنره. (1/282)
صفحة 283
ويكون في رِقابهم خواتم من رصاص أو نحاس، أو جرس، وليس لهم أن يلبسوا العمائم ولا الطّيلسان، وأمّا المرأة فتشدّ الزُّنّار تحت الإزار، وقيل فوقه، ويكون في عنقها خاتم يدخل معها الحمّام، ويكون أحد خُفّيها أسود والآخر أبيض؛ ولا يركبون الخيلَ، ويركبون البغال والحمير بالأكفّ عُرضًا، ولا يركبون السّروج ولا يُصدَّرون في المجالس، ولا يُبدؤون بالسّلام، ويُلجؤون إلى ضيق الطّريق، ولا يَعْلُونَ على المسلمين في البنيان، ولا يُستعمَلون على الأمور (1).
--------------------
قوله الطّيلسان: الطّيلس والطّيلسان بتثليث اللاّم فارسيّ معرَّب.
قوله يدخل معها الحمّام: يعني لئلاّ تلتبس بنساء المسلمين، وقد يؤخذ من هذا جواز دخول النّساء الحمّام، لكن ذكر في "الضّياء" ما يدلّ على عدم الجواز، وروى في ذلك حديثًا فقال: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدَع حليلته تذهب إلى الحمّام» (2) فليُراجَع.
قوله بالأكفّ: جمع إكافٍ، في "القاموس": «إكاف الحمار كَكِتاب وغراب، ووُكافه: برذعته، والأَكّاف: صانعه» (3) يعني أنّهم يركبون البغال والحمير بالبراذع دون السّروج.
قوله عُرضًا: لعلّه من قولهم اعترض الشّيء، صار عارضًا، كالخشبة المعترضة في النّهر، [الظّاهر أنّ المراد أنّهم لا يفرّقون أرجلهم على الدّابّة بل يجعلونها على ناحية واحدة] (4).
__________
(1) - أخرج هذه الأحكام عن عمر بن الخطّاب البيهقي في السّنن الكبرى، 9/ 339.
(2) - أخرجه التّرمذي: أبواب الاِستئذان والآداب، باب ما جاء في دخول الحمّام، رقم: 2953؛ وأحمد: مسند جابر بن عبد الله، رقم: 146757؛ والطّبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله، (3/ 248)، رقم: 2531، وأبي سعيد الخدري، (8/ 156)، رقم: 7316، وكلّهم بلفظ: « ... فلا يُدخل حليلَته الحمّام».
(3) - الفيروزابادي: باب الفاء، فصل الهمزة: إكاف.
(4) - زيادة من الحجرية. (1/283)
صفحة 284
وقد روي أنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى عمّاله: أن لا تُولّوا على أعمالنا إلاّ أهل القرآن، فكتبوا إليه: أنّا وجدناهم خوَنَة، فكتب إليهم: إن لم يكن في أهل القرآن خير فأجدر أن لا يكون في غيرهم خير.
ومتى نقض الذّمّيّ العهدَ بمخالفة لأيّ من الشّروط المأخوذة عليه لم يُردّ إلى مأمنه، والإمام فيه مخيَّرٌ بين القتل، والاِسترقاق في قول بعض العلماء.
ولا يُصحَب الذّمّيّ إلاّ بالجُعل وإن قلّ، ولا يؤاكل، ولا يُشارب، ولا يُجالسُ، ولا يُحدَّثُ، لئلاّ تحل اللّعنة به فتشمل جليسه، والله أعلم.
ولا يُسلَّم عليه ولا يُصافحُ، فإن سلّم الذّمّيّ على أحد فليردّ عليه: وعليك ما قلت، ...
--------------------
قوله فأجدر: أي أحقّ وأولى.
قوله إلى مأمنه: أي محلّ أمنه.
قوله بالجُعل: «الجُعل بالضمّ ما يُجعل للإنسان من شيء على الشّيء يفعله، وكذلك الجِعالة بالكسر، والجُعيلَة مثله» "صحاح" (1).
قوله لئلاّ تحلّ اللّعنة ... الخ: هذه العِلّة تقتضي أنّه لا يُصحب الذّمّيّ ولو بالجُعل.
قوله ولا يُسلّم عليه: هذا يغني عنه قوله فيما تقدّم: ولا يُبدؤون بالسّلام، ولكن أعاده ليرتّب عليه قوله: فإن سلّم الذّمّيّ ... الخ.
__________
(1) - الجوهري: باب اللاّم، فصل الجيم: جعل. (1/284)
صفحة 285
وإن دخل المسجد أو استقبل القبلةَ فلا يُتركُ بعد ذلك حتّى يرجع إلى الإسلام.
وفي البَلَل من أهل الكتاب اختلاف بين العلماء، والأحوط أن يحذر منهم جميع البَلَل، ...
--------------------
قوله أو استقبل القبلة: في بعض النّسخ: واستقبل بالواو، وهو الظّاهر (1)، فإنّ دخول المسجد لا يكون سببًا لجبره على التّوحيد، بخلاف استقبال القبلة كما ذكره في "السّؤالات"، حيث قال: «وإن دعا مشرك إلى الجملة التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أمر بها أو كتبها أو صوّبها فإنّه يُجبر على التّوحيد، وأمّا إن نهى عنها أو حكاها أو خطّأها أو هجّاها -بتشديد الجيم- فلا يُجبر على التّوحيد، فإذا بلغ في الجملة إلى ما أنكر، أو استقبل القبلة، أو أقام الصّلاة، أو أذّن فإنّه يُجبر على التّوحيد، وأمّا دخول المساجد ومواضع الصّلاة وحضور المساجد فإنّهم ينهونه عن ذلك، فإن لم ينته فليضربوه، وأمّا قراءة القرآن ودراسة الكتب فلا ينهون عنها. زيادة: وقيل ينهونه، -وهي مسألة فاطمة بنت الخطّاب مع عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - (2) حتّى يأتي بشروط القراءة، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «لا تذهبوا بالقرآن إلى أرض العدوّ» (3) فافهم» اهـ (4).
__________
(1) - وهو ما في نسخ القواعد المعتَمَدة.
(2) - وذلك في حادثة إسلامه إذ اشترطت عليه أن يغتسل لتناوله صحيفة القرآن، رواها ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق، 18/ 268.
(3) - الحديث روي بألفاظ عديدة مختلفة، أقربها لرواية المصنّف قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدوّ ... » أخرجه الهندي: كنز العمّال (1/ 620)، رقم: 2863، وقال: أخرجه أبونعيم في الحِلية عن ابن عمر.
(4) - السّوفي، 89، 90. (1/285)
صفحة 286
وأمّا المجوس وعَبَدَة الأوثان فإنّ البلل منهم نجس باتّفاق الجمهور الأعظم من أهل العِلم، ومسائلهم أكثر من أن نأتي عليها، والله أعلم وأحكم.
--------------------
(((
قوله باتّفاق الجمهور ... الخ: الظّاهر أنّ المراد بالجمهور هنا ما يشمل المخالفين، فإنّ أصحابنا متّفقون على نجاسة المجوس وعَبَدة الأوثان، فحينئذ يشكل نسبة الاِتّفاق إلى الجمهور، فإنّ المخالفين لا يقولون بنجاسة أبدانهم لعينها، وأنّ معنى قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التّوبة: 28]: «خُبث باطنهم، أو أنّه يجب أن يُجتنب عنهم كما يُجتنب عن الأنجاس، أو أنّهم لا يتطهّرون ولا يجتنبون عن النّجاسات، فهم ملابسون لها غالبًا، وفيه دليل عندهم على أنّ الماء الغالب نجاسته نجس، وعن ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: إنّ أعيانهم نجسة كالكلاب» (1)، وفيه دليل لأصحابنا (2).
__________
(1) - نقلاً عن البيضاوي: أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 28 من سورة التّوبة.
(2) - جاء في هامش هذا الموضع من النّسخة د ما يلي:
قوله وفيه دليل: أي في قول ابن عبّاس، هذا إنّما يتأتّى بالنّظر إلى الآية، فالمراد بالمشرك فيه عندنا أهل الأوثان، فلا يتأتّى القولُ بأنّ أصحابنا اختلفوا في البَلَل من أهل الكتاب. (1/286)
صفحة 287
الجملة الثّالثة في القواعد والأركان التي يُبنى عليها الإسلام
اِعلم أنّ اللهَ سبحانه شرع للعباد دينه، وجعل له قواعد يُبنى عليها، ولا تصحّ العبادة للمكلَّف إلاّ بإحكامها، وهنّ الأربعة التي هي أصل التّقوى، ومنها تفرّعت أركان الدّين الأقوى.
فالقواعد الأربعة أحدها: العلم المؤدّي إلى بيان حدّ المأمور بامثاله؛ ...
--------------------
قوله الجملة الثّالثة: أي ممّا اشتمل عليه الباب الثّالث من الرّكن الأوّل الذي جعله في الملل الستّ وأحكامها، وجعله شاملاً لثلاث جُمَل، الجملة الأولى في أحكام الملّة الإسلاميّة، والثّانية في أحكام ملل أهل الشّرك والأصنام، والثّالثة هذه، ولكن يُنظر كيف يكون هذا الباب الذي عقده لبيان الملل الستّ وأحكامها شاملاً لهذه الجملة الثّالثة، فإنّها ليست من الملل الستّ ولا من أحكامها؟ اللهمّ إلاّ أن يُقال: إنّ أحكام الملّة الإسلاميّة تتوقّف على صِحّة الإسلام، وصِحّته تتوقّف على هذه القواعد والأركان، فبهذا الاِعتبار جعله من مشمولات هذا الباب، وصحّ قوله فيما تقدّم في أوّل الباب: واعلم أنّ هذا الباب يشتمل على ثلاث جُمل من الأحكام، فجعل هذه الجملة من الأحكام، يعني أنّها تتوقّف عليها أحكام الملّة الإسلاميّة، لا بمعنى أنّها نفسها من الأحكام، فلذلك لم يصرّح بالمضاف الذي هو: أحكام حيث أفرد الجملة الثّالثة، بل قال: الجلمة الثّالثة في القواعد ... الخ، والله أعلم فليُحرّر.
قوله بإحكامها: هو بكسر الهمزة، أي بإتقانها.
قوله حدّ المأمور: الظّاهر أنّ المراد بالحدّ هنا: الحقيقة، لأنّ حدّ الشّيء وأصله (1/287)
صفحة 288
والثّاني: العمل الذي يؤدّي إلى الحدّ الذي يَرْضَى الآمرُ به في امتثال أوامره؛ والثّالث: النيّة التي هي أُسّ العمل ولُبابه؛ والرّابع: الورع عن المحارم التي تُحبط العمل عند ارتكابها، فهذه قواعد الدّين التي لا يُبنى إلاّ عليها، ومنها تفرّعت الأركان الأربعة، والتي هي: الاِستسلام لأمر الله خضوعًا وانقيادًا، والرّضى بقضائه محبوبًا أو مكروهًا، دينيا كان أو نفسيا، ...
--------------------
وحقيقته وعينه وهيئته وذاته ونفسه وماهيته وكيفيّته بمعنى واحد، [قاله في ال] "سؤالات" (1).
قوله يؤّي إلى الحدّ الذي يَرْضَى ... الخ: الظّاهر أنّ المراد بالحدّ هنا الغاية والنّهاية التي يرضى بها الآمر، ثمّ ظاهر هذه العبارة يقتضي أنّه لابدّ أن نعلم أنّنا أدّينا كما أُمرنا، وقد ذكر في "السّؤالات" في ذلك خلافًا، قال: «وليس علينا أن نعلم أنّ الفرائض التي فرض اللهُ علينا قضينا ما أوجب اللهُ علينا ... ، قال الشيخ أبوعمرو (2) عن الشّيخ أبي زكرياء بن أبي زكرياء الزواغي عن الشّيخ أبي محمّد ماكسن (3) أنّه قال: علينا أن نعلم أنّنا أدّينا ما فرض اللهُ علينا فيها إذا عملنا كما أُمرنا، قال: فرادده الشّيخ أبو زكرياء في ذلك فأبى أن يرجع عن جوابه، والأصوب عند أبي زكرياء يحي بن أبي زكرياء الزواغي -رضي الله عنهما-: أنّنا علينا أن نعلم ونعمل، ونعلم أنّها فرضٌ، ونعلم كذلك أمرنا ربُّنا، وأمّا أن نعلم أنّنا قضينا وأدّينا فلا نصل إلى ذلك فإنّه غيب» اهـ (4).
__________
(1) - السّوفي، 220، وما بين معقوفتين زيادة من ج.
(2) - هو أبو عمرو عثمان بن خليفة السّوفي.
(3) - أبو محمّد ماكسن بن الخير الجرامي الوسياني اليفرني، اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 46، وأبو زكرياء هو يحي بن أبي زكرياء الزّاوغي، الآتي ذكره.
(4) - السّوفي، 340 بتصرّف. (1/288)
صفحة 289
والتوكّل عليه في جميع المواهب طمأنينة واستيثاقًا، والتّفويض إليه في جميع الأمور رضىً بأحكامه واكتفاءً بقضائه.
فالقواعد الأولى هي أصل لطبّ الدّين المشروع للعباد في الإيمان، كما أنّ أصل الطبّ الموضوع للأبدان أربع طبائع، اللّواتي هنّ: الحرارة، والبرودة، والرّطوبة، واليبوسة، فتفرّعت من قواعد الدّين الأربعة الأركان المتقدّمة، كما تفرّعت من طبائع البدن أربعة فروع اللّواتي هنّ: الحارّ اليابس، والبارد اليابس، والحارّ الرّطب، والبارد الرّطب، ...
--------------------
قوله طمأنينة: في "الصّحاح": «اِطمأنّ الرّجلُ اطمئنانًا وطَمأنينة: أي سكن» (1)، فضبطه بفتح الطّاء.
قوله أربع طبائع ... الخ: فالحرارة للنّار، والبرودة للماء، والرّطوبة للهواء، واليبوسة للتّراب، فإنّ البدن مركَّب من أربع عناصر، فإن اعتدلت فيه كان في غاية الصّحّة، وإن غلبت إحدى الطّبائع احتاجت إلى معدِّل وهي ضدّها.
قوله كما تفرّعت من طبائع البدن ... الخ: لكن فرْق بين التّفريعين، فإنّ المتفرّع من طبائع البدن كلّ واحدة تفرّعت عن طبيعة خاصّة، بخلاف تفرّع أركان الدّين عن قواعده فإنّ الظّاهر أنّ المجموع تفرّع عن المجموع.
قوله الحارّ اليابس ... الخ: فالحارّ اليابس إشارة إلى الصّفراء وهي متفرّعة عن الحرارة، والبارد اليابس إشارة إلى السّوداء وهي تفرّعت عن اليبوسة، والحارّ الرّطب إشارة إلى الدّم وهو متفرّع عن الهواء، والبارد الرّطب إشارة إلى البلغم وهو
__________
(1) - الجوهري: باب النّون، فصل الطّاء: طمن، وهو عنده بضمّ الطّاء وليس بفتحها، وفي القاموس كذلك! (1/289)
صفحة 290
فصارت قواعد الشّرع وأركانه ثمانية، بها يكمل طبّ الدّين الذي يجازى به العبدُ يوم القيامة، كما كانت طبائع البدن وفروعه ثمانية، بها يكمل طبّ الأبدان، ولا يصحّ إلاّ بالتّفصيل بين اللّطيف والكثيف، فيجمع من أربعة لطائفها بالاِعتدال من الوزن الطّبيعي، فشتّان ما بين طبّ الأبدان وطبّ الأديان، كما بين العاجلة والآجلة، ولابدّ من الإشارة إلى تفصيل قواعد الدّين وأركانه كشفًا وتصريحًا، بألفاظ موجَزة ومعانٍ مختصرة، ..
--------------------
متفرّع عن البرودة، وكلّ واحد من هذه الأربعة لها زمان تهيج فيه، فالصّفراء تهيج في الصّيف، والسّوداء في الخريف، والبلغم في الشّتاء، والدّم في الرّبيع، ومحلّ هذا كتب الطبّ فلتُراجَع، وإنّما ذكرنا هذا لأجل مناسبته لِما ذكره الشّيخ -رحمه الله-.
قوله طبائع البدن: في بعض النّسخ بل في غالبها: طبائع الطّبّ (1)، وعليها فالإضافة لأدنى ملابَسة.
قوله فشتّان ... الخ: أي افترق ما بين الطّبين كما افترق ما بين المتعلّقين، فإنّ طبّ الأبدان متعلّق بالعاجلة التي هي الدّنيا، وطبّ الأديان متعلّق بالآجلة التي هي الآخرة، ولكن علم الطبّ أيضًا علم شريف، وهو من فروض الكفاية، ويقولون أيضًا: علم الأبدان مقدَّم على علم الأديان، لأنّ تمام صحّة العبادة يتوقّف على صحّة البدن، وهو أنّه إذا حصل له وهَن يُعدّل بعلم الطبّ.
قوله ومعانٍ مختصرة: فيه مناقشة من وجهين، أمّا أوّلاً: فلأنّ الكشف والتّصريح إنّما يكونان بالألفاظ دون المعاني، وجعلها معطوفة على قوله: بألفاظ يدلّ على أنّ لها دخلاً في الكشف والتّصريح، وأمّا ثانيًا: فلأنّ الاِختصار يتّصف به
__________
(1) - كما في أ و د من نسخ القواعد المعتَمَدة. (1/290)
صفحة 291
ليعلم أنّ لكلّ حقّ حقيقة، ولكلّ مريد طريقة، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيى من حيِي عن بيّنة، وبالله التّوفيق.
فقواعد الدّين كما قدّمنا أربع: العلم، والعمل، والنّية، والورع، فهذه الخصال الأربعة في الدّين لا يَستغني بعضها عن بعض كما قدّمنا في طبائع البدن.
مسألة في طلب العلم: وطلب العلم فرض واجب على كلّ مكلَّف، لنصّ الكتاب والسنّة وإجماع من الأمّة، أمّا الكتاب: فقول الله جلّ ذكره: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} الآية [النّحل: 43]، وأمّا السنّة: فقول النّبيء - عليه السلام -: «طلب العلم فريضة على كلّ محتلم» (1)، ...
--------------------
حقيقة الألفاظ، اللهمّ إلاّ أن يُقال: ومعانٍ مختصرة أي: ألفاظها، فتكون الصّفة جارية على غير مَن هي له، فليُحرّر.
قوله مُريد: في نسخة: مورد (2).
قوله فقواعد الدّين كما قدّمنا أربع: لو قال: فقواعد الدّين وأركانه كما قدّمنا ثمان، فيعدّدها إلى آخرها لكان أظهر، فإنّه من المعلوم أن هذه الثّمانية لا يستغني بعضها عن بعض، ثمّ قوله: لا يستغني بعضها عن بعض أي في صِحّة الثّواب، وأمّا في صِحّة العمل وسقوط الواجب فإنّه يتوقّف على العلم
__________
(1) - الحديث بهذا اللّفظ مشهور في كتب أصحابنا، وأخرجه بلفظ « ... على كلّ مسلم» ابن ماجة: المقدّمة، باب فضل العلماء ... ، رقم: 224؛ والطّبراني في الكبير، عن ابن مسعود، (10/ 195)، رقم: 10439؛ والبيهقي: في شعب الإيمان، عن أنس بن مالك، رقم: 1663.
(2) - كما في نسخ القواعد المعتَمَدة، وهذا التّعليق اِنفردت به الحجرية. (1/291)
صفحة 292
والأوامر إذا ورَدَت معرّاة من القرائن فالأصل فيها الوجوب عند الجمهور الأعظم من أهل العلم، وأمّا الإجماع: فلا أحد يخالف ما ذكرنا، ...
--------------------
والعمل والنّية فقط، بدليل أنّه إذا تاب لا يُطالب بإعادة العمل، والله أعلم.
قوله فالأصل فيها الوجوب ... الخ: قال في "السّؤالات": «فإن قال: ما الدّليل أنّ الأمر من الله واجب إذا كان مجرَّدًا من قرينة أو تابعة أو مقدّمة؟ فقل: قوله - عز وجل -: {فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنَ اَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} الآية [النّور:63]، وقوله تعالى: {فَفَسَقَ عَنَ اَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50]، وقوله: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذَ اَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12]، وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48]، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشُقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك عند كلّ صلاة ووضوء» (1)، وقوله: «وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (2) ... الخ» (3)، لكن في كون هذا الحديث محتاجًا إلى الأصل المذكور تأمّلٌ لكونه نصًّا في الوجوب، ولعلّ المراد بالنّظر إلى الاِستشهاد بالآية والله أعلم، فالمناسبة تقديمه على الحديث الأوّل.
__________
(1) - أخرجه بهذا اللّفظ أي بالجمع بين الصّلاة والوضوء كلّ من: الرّبيع بن حبيب: كتاب الطّهارة، باب في الاِستجمار، رقم: 86؛ والطّيالسي في مسنده، عن أبي معشر نجيح، 1/ 48، وله ألفاظ وطرق كثيرة أخَر.
(2) - أخرجه البخاري: كتاب الاِعتصام بالكتاب والسنّة، باب الاِقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 6858؛ ومسلم: كتاب الحجّ، باب فرض الحجّ مرّة في العمر، رقم: 1337؛ والنّسائي: كتاب مناسك الحجّ، باب وُجوب الحجّ، رقم: 2618.
(3) - السّوفي، 224. (1/292)
صفحة 293
ولأنّ العقل يشهد ببُطلان فعل إذا امتُثل بغير معرفة بكيفيّته، ولذلك قال النّبيء - عليه السلام -: «عمل قليل في علم خير من عمل كثير في جهل» (1)، ..
--------------------
قوله ببُطلان فعل إذا امتُثل ... الخ: هذا هو الظّاهر، ولكن قال في "السّؤالات" عند قوله: «سؤال: معنى قول الشّيخ إبراهيم بن إبراهيم الدّجمي (2) ... وسُئل هل يصحّ العلم بغير عمل، أو العمل بغير عِلم؟ قال: أمّا في خصال التّوحيد كلّها فلا يصحّ العلم فيها بغير عمل، ولا العمل بغير علم، وأمّا الفرائض التي دون التّوحيد فيصحّ فيها العلم بغير عمل [أي إلى أن يأتي وقت وُجوب العمل] (3). زيادة: وأمّا العمل بغير علم فيصحّ فيه العمل، ولكن يعصي بالجهل في قولنا: إذا وافق ... الخ» (4)، ثمّ قوله: «يعصي بالجهل في قولنا» أظنّ أنّه إشارة إلى قول النكّار، فإنّي أظنّ أنّه ذكر عنهم في "السّؤالات" أنّهم يقولون في الفرائض: الواجب علينا العمل دون العلم، فليُراجع فإنّي لم أطّلع عليه حال الكتابة (5).
قوله «عمل قليل في علم خير من عمل كثير في جهل»: الظّاهر أنّ أفعل التّفضيل في هذا الحديث مستعمل على غير بابه، وأنّه لم يقصد به التّفضيل، لأنّ العمل
__________
(1) - أخرجه الرّافعي عن أبي هريرة، والدّيلمي في مسند الفردوس وسعيد بن منصور في سننه عن ابن مسعود، بلفظ: «عمل قليل في سنّة خير عمل كثير في بدعة»، الهندي: كنز العمّال (1/ 219)، رقم: 1096؛ وأخرجه ابن عبد البرّ في جامع بيان العلم وفضله (1/ 45) عن أنس، بلفظ: «إنّ قليل العمل ينفع مع العلم وإنّ كثير العمل لا ينفع مع الجهل».
(2) - اُنظر ترجمته في الملحق، رقم: 1.
(3) - زيادة من ج و د.
(4) - السّوفي، 118 - 120.
(5) - ونحن كذلك لم نقف عليه. (1/293)
صفحة 294
وعنه - عليه السلام - قال: «لو أنّ جاهلاً فاق المجتهدين في العبادة لكان ما يفسد أكثر ممّا يصلح» (1)، ويُقال: هلك النّاسُ كلّهم إلاّ العالمين، والعلماء كلُّهم هلكوا إلاّ العاملين، والعاملون كلُّهم هلكوا إلاّ المخلصين، والمخلصون من ذلك على خطر عظيم (2)، فإذا كان الأمر على ما وصفنا وجب على المكلَّف تعلّم دينه وفرائضه أوّلاً ليمتثلها على الحقيقة، نطقًا واعتقادًا، وفعلاً وامتثالاً، وبالله التّوفيق.
--------------------
الذي يكون مع الجهل لا خير فيه أصلاً، فلا يكون مشاركًا للعمل الذي يكون مع العلم، على حدّ قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} [الفرقان: 24] فإنّ أصحاب الجنّة حازوا أصل الفعل، ولم يشاركهم أهل النّار في شيء من ذلك، والله أعلم.
قوله تعلّم دينه وفرائضه: الظّاهر أنّه استعمل الدّين هاهنا في التّوحيد فقط، فيكون عطف الفرائض من باب عطف المباين على ما هو الأصل في العطف، بدليل قوله: نطقًا واعتقادًا، فإنّ الظّاهر أنّه راجع إلى التّوحيد، وقوله: وفعلاً وامتثالاً فإنّ الظّاهر أنّه راجع إلى الفرائض، والله أعلم فليُحرّر.
__________
(1) - لم نقف على تخريجه.
(2) - القول لسهل بن عبد الله، حكاه عنه السمرقندي في تنبيه الغافلين، 2/ 447. (1/294)
صفحة 295
فصل
في معرفة العلم المفترَض تعلّمه (1)
اِعلم أنّ العلم المفترض تعلّمه على ثلاثة أوجه: وجه لا يسع النّاس جهله طرفة عين، ووجه يسع جهله إلى ا لورود، ووجه يسع جهله أبدًا، فالوجه الأوّل: في معرفة ما لا يسع النّاس جهله طرفة عين، وذلك ما قدّمناه من معرفة الله جلّ ذكره، ونفي الأشباه والأمثال عنه؛ ..
--------------------
قوله في معرفة ما لا يسع: في بعض النّسخ: فمعرفة بالفاء، ولعلّها دخلت على توهّم: أمّا، بدليل ما بعده.
قوله من معرفة الله جلّ ذكره ونفي الأشباه: فيه إشارة إلى أنّ ما لا يسع جهله طرفة عين قسمان: توحيد وشرك، ثمّ اقتصاره في بيان ما قدّمه من قوله: من معرفة الله ونفي الأشباه والأمثال يدلّ على أنّ ما لا يسع جهله طرفة عين مقصور على معرفة الله ونفي الأشباه والأمثال فقط، مع أنّه أكثر من ذلك كما هو معلوم، فلو قال مثلاً: ونفي الأشباه والأمثال عنه ومعرفة الرّسول وغير ذلك ممّا تقدّم ذكره، لكان أظهر، اللهمّ إلاّ أن يُقال: حذف المعطوف من باب الاِكتفاء، على حدّ قوله تعالى: {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النّحل:81] أي والبردّ، والله أعلم فليُحرّر.
__________
(1) - الفصل مقتبَس من سليمان المزاتي: التحف المخزونة، 2. (1/295)
صفحة 296
وأمّا معرفة ما يسع [جهله] (1) إلى الوُرود: فهي على وجهين، أحدهما: لا يسع جهله وترك علمه إذا وَرَد، ذلك كمعرفة الله أنّه بصير، عليم، سميع في أمثاله من الأسماء والصّفات، إذا ورَد عليه شيءٌ من صفات الله تعالى، أو سُئل عنها، أو خطرت على باله، من غير أن يورِدها عليه أحد، فلا يسعه إلاّ أن يصفَ اللهَ بصفته، وينفي عنه صفات خلقه، وهذا إذا فهم ذلك بلغته، أو قامت عليه الحُجّة أنّ هذا اسم من أسماء اللهِ تعالى، أو صفة من صفاته، فعليه أن يعلم الحقّ في ذلك، ويصف اللهَ بصفته، وإن لم يفعل فقد نقض جُملةَ التّوحيد التي أقرّ بها أوّلاً، والوجه الآخر: يسع جهله حتّى تقوم عليه الحُجّة، ...
--------------------
قوله فلا يسعه إلاّ ان يصفَ اللهَ ... الخ: يعني: ولو كان في الصّلاة، لأنّ الاِشتغال بهذا أهمّ وأوكد من الصّلاة، ويمسك عنها حتّى يثبّت ما يثبّت في التّوحيد وينفي ما ينفي في الشّرك، وذلك كلّه في قلبه من غير كلام، ولا يضرّ ذلك صلاته قولاً واحدًا على ظاهر كلام الشّيخ عامر (2)، وعلى أحد القولين على كلام "السّؤالات" (3)، وهذا من باب: واجبٌ أَوْجَبُ مِنْ وَاجِبٍ، وكذلك جميع أعمال الدّيانات التي لا يسع الوقوف فيها، مثل الوَلاية وإثبات النّبوءة للأنبياء والرّسالة للرّسل وغير ذلك على أحد القولين عند الشّيخ عامر، وأمّا على كلام "السّؤالات" فإنّه لا عبرة بترك الصّلاة، ولا تجزئه تلك الوَلاية، فليُراجع.
قوله حتّى تقوم عليه الحُجّة ... الخ: اِعلم أنّ الحُجّة فيما يسع عندنا وأكثر الأمّة أن تعلمه من كتاب الله أو من سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو ممّا أجمع عليه المسلمون ممّا دانوا به.
__________
(1) - سقط من أ و ب.
(2) - الإيضاح، 1/ 675.
(3) - السّوفي، 414. (1/296)
صفحة 297
وذلك كمعرفة نبيء من الأنبياء، أو ملَكٍ من الملائكة، أو حرف من كتاب الله تعالى، فإذا قامت عليه الحُجّة بشيء ممّا ذكرنا فشكّ فيه أو أنكره، فقد نقض الجملة التي أقرّ بها أوّلاً وأشرك بالله تعالى، وعلى السّامع أن يبرأ منه إذا قصد ذلك فأنكره، والوجه الثّاني من علوم الدّين يسع جهله حتّى يجيء وقته، وذلك كالفرائض الموسومات الأوقات، من الصّلاة والصّوم والزّكاة والحجّ وسائرها من جميع الفرائض البدنية والمالية، يسع جهل جميع ما ذكرنا ما لم يُبتلَ العبدُ بالعملِ فحينئذ يلزمه العلم بها وامتثالها، والله أعلم؛ ...
--------------------
قوله وعلى السّامع أن يبرأ منه ... الخ: يعني ولا يجب عليه أن يحكم عليه بالشّرك حتّى يأخذ أنّ هذه من خصال الشّرك.
قوله والوجه الثّاني ... الخ: لم يظهر لنا وجه لتسمية هذا وجهًا ثانيًا، فكان الأولى أن يكون وجهًا ثالثًا من الوجه الثّاني، وذلك بأن يقسّم الوجه الثّاني -وهو الذي يسع جهله إلى الورود- إلى ثلاثة أوجه، فالوجه الأوّل: هو المتعلّق بصفات اللهِ تعالى كما بيّنه، والوجه الثّاني: هو الذي يكون بقيام الحُجّة فقط، كمعرفة نبيء من الأنبياء كما بيّنه، والوجه الثّالث: هو الذي يكون إلى الأوقات، كسائر الفرائض كما بيّنه، فإنّه إذا ورَدت أوقاتها يكون مُلزَمًا خطر بباله أو لم يخطر، سُئل عنها أو لم يُسأل، فهمها من كتاب الله أو لم يفهمها.
قوله يلزمه العلم بها ... الخ: فإن خرج الوقتُ ولم يعلم فرضيتها فإنّه يكون كافرًا كفر نفاق، (1/297)
صفحة 298
والوجه الثّالث: يسع جهله أبدًا، مثل قسمة المواريث، وتصريف القصاص في أوجهه، وتحريم الرّبا في معانيه، وتحريم الميتة والدّم ولحم الخنزير، وأشباه ذلك من جميع المحرَّمات، وذوات المحارم من النّساء من جهة النّسب والرّضاع، وغير ذلك من جميع المعاصي، ما خلا الشّرك فإنّه لا يسع جهله، وأمّا غيره من المعاصي وجميع الحرام فإنّه يسع جهله ما لم يقارف شيئًا من ذلك.
وأمّا ما لا يسعهم في هذا الوجه فهو أحد ثلاثة أشياء: ...
--------------------
قال في "السّؤالات": «وأمّا الجهل: فحين يَكْفُرُ بالتّرك يكفُرُ بالجهل ... » (1).
قوله ما خلا الشّرك ... الخ: لكن لا يجب عليه أن يعلمه بعنوان الشّرك إلاّ القول بإلاهين اثنين، يعني التعدّد، فإذا جهل هذا العنوان كان مشركًا، أمّا غيره من خصال الشّرك فإنّما يجب عليه أن يعلم أنّه كفر وكبيرة ومعصية وعليه العقاب، ولا يجب عليه أن يعلم أنّه شرك حتّى يأخذ كما تقدّم بالهامش (2).
قوله مالم يقارف ... الخ: أي: أو تقوم عليه الحُجّة.
قوله وأمّا ما لا يسعهم في هذا الوجه ... الخ: أراد بهذا الوجه: ما يسع جهله أبدًا، يعني: أنّ ما يسع جهله أبدًا لا يحلّ فيه واحد من ثلاثة أشياء، فعند اجتماع الثّلاثة من باب أولى، فسقط ما قيل (3).
__________
(1) - السّوفي، 93.
(2) - في صفحة 259.
(3) - في هذا الموضع من النسخة ج وهو وجه الورقة 42 بياض، وفي هامشها كتب النّاسخ: «بياض في خطّ المؤلّف -رحمه الله-». (1/298)
صفحة 299
أن لا يتقوّلوا على الله فيه الكذب: فيحلّوا ما حرّم اللهُ منها، أو يحرّموا ما أحلّ اللهُ من ذلك، أو يخطئوا في حكم من أحكامه بالقول، والثّاني: أن لا يُقارفوا ما حرّم اللهُ تعالى من ذلك بالفعل، ...
--------------------
قوله أو يخطئوا في حكم ... الخ: الظّاهر أنّ الخطأ في حكم من أحكام الله لا يخرج عن تحليل ما حرّم الله أو تحريم ما أحلّ اللهُ، ولكن إنّما جعله قسيمًا لهما لأنّ التقوّل في الأوّلين الظّاهر أنّه محمول على العمد، فيكون فاعلهما مشرِكًا، بخلاف الثّالث فإنّ التقوّل فيه بالخطأ فيكون منافقًا، ثمّ ظاهر قوله: أو يخطئوا في حكم ... الخ أنّه لا يهلك إلاّ إذا أخطأ، وأمّا إذا قال بغير علم فأصاب فظاهره أنّه لا يهلك، مع أنّ الصّحيح أنّه هالك ولو أصاب، لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وقوله: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزّخرف: 86].
قوله أن لا يُقارفوا: يعني فإذا قارفوا هلكوا بالجهل والفعل كما هو المفهوم من قولهم: يسعه الجهل ما لم يقارف، وصرّح بذلك -رحمه الله- في "شرح النّونية" حيث قال: «وبالجملة جميع ما يتعلّق بالجوارح الظّاهرة والباطنة يسع العبدَ جميعُ ما ذكرناه ما لم يواقعه، وما لم يخطر على قلبه، فإذا خطر على قلبه أو واقعه فعليه أن يعلم أنّ اللهَ نهاه عنه وأمره باجتنابه، وأوجب عليه التّوبة عند مقارفته إياه» اهـ (1)، لكن في قوله: «أو خطر على قلبه» نظر ظاهر (2)، وصرّح بذلك ابن وصّاف -رحمه الله في "شرح قصيدة معرفة
__________
(1) - الجيطال، 2/ 48، شرح البيت 43.
(2) -في الأصل من شرح النّونية: فإذا خطر على قلبه! فليتأمّل. (1/299)
صفحة 300
والثّالث: أن تقوم عليهم الحُجّة بتحريم شيء من ذلك أو تحليله فيردّوها، فمهما فعلوا شيئًا ممّا ذكرنا فهم غير معذورين، والله أعلم.
والأثر الوارد في هذا الوجه ما روي عن جابر بن زيد -رحمه الله- من طريق أبي سفيان محبوب -رحمه الله-، وذلك أنّه روي عنه أنّه قال: قيل لجابر بن زيد -رحمه الله-: ما يسع النّاس جهله؟ فقال: ما دانوا بتحريمه ما لم يرتكبوه ...
--------------------
الخالق" عند قوله: وما أتى الآي بتحريمه ... الخ حيث قال بعد ذكر أمور كثيرة من الواجبات والمحرّمات ما نصّه: «كلّ ذلك واسع جهل معرفته ما لم يحضر وقته ولزم وُجوبه، أو ركب محظورًا منه لم يسع جهله ولا فعله على علم ولا بخطأ ... الخ» (1)، لكن ذكر أبوالعبّاس أحمد بن بكر -رحمه الله- في كتاب "تبيين أفعال العباد" ما يدلّ على أنّه يكفر بالفعل دون الجهل، حيث قال: «وكذلك إن لم يعلم أنّه عمِل ذنبًا أم لا، أن يقول: تبتُ من ذنوبي، هكذا ولا يحطّ عنه فرضَ التّوبة جهلُ الذّنب، كما لا تجب عليه معرفة الذّنب بفعله إياه» اهـ (2).
قوله فيردّوها: الظّاهر أنّ المراد بالرّدّ عدم القبول وإن لم يصرّحوا بالردّ.
قوله في هذا الوجه ... الخ: أي الوجه الثّالث الذي يسع جهله أبدًا.
قوله ما دانوا بتحريمه ... الخ: أي ممّا ليس بشرك، وأمّا هو فلا يسع جهله كما تقدّم.
__________
(1) - محمّد بن وصّاف العماني: شرح الدّعائم، 1/ 67، القصيدة الثّانية، شرح البيتين: 48، 49، وانظر ترجمة ابن وصّاف في الملحق، رقم: 53.
(2) - تبيين أفعال العباد، 2/ 104 (مخطوط). (1/300)
صفحة 301
وما لم يتبرّأوا من العلماء إذا برئوا من راكبه وما لم يقفوا عنهم (1).
وكذلك إذا رضي بفعل الخطأ إذا حضره، أو غاب عنه فبلغه فرضي به فإنّه لا يسعه ذلك، وإنّما عليه الإمساك عن جميع ما لا يعرفه حتّى يعلم الحقّ من ذلك فيتّبعه والخطأ فيجتنبه، والله أعلم.
مسألة: وفي أثر أصحابنا أنّ المقارف لكبائر النّفاق يسع جهل كفره ما لم تقم الحُجّة على الشّاكّ بتحريم ذلك الفعل الذي قارفه المقارف، ما خلا ثلاثة أوجه إذا سُئل عنهم هكذا فلا يسعه إلاّ أن يكفّرهم، وهم: المحلّ، والمصرّ، والرّاجع عن علمه.
--------------------
قوله إذا برئوا من راكبه: ضمير الجمع يعود إلى العلماء، والضّمير في راكبه يعود إلى ما في قوله: ما دانوا به (2).
قوله وما لم يقفوا عنهم: أي وما لم يقف النّاس عن العلماء عند براءتهم من مرتكب الكبيرة.
قوله لكبائر النّفاق: يعني وأمّا المقارف لكبائر الشّرك فلا يسع جهل تكفيره، كما لا يسع جهل كونها كفرًا، وإنّما الواسع جهل كونه مشركًا، كما يسع جهل كونها كبيرة شرك حتّى تقوم عليه الحُجّة فيهما كما تقدّم، والله أعلم.
قوله إذا سُئل عنهم ... الخ: الظّاهر أنّ السّؤال فيه تفصيل، فإنّ السّائل تارة يسأل عن تحليل فعل معيّن غير موصوف بالتّحريم في السّؤال، أو عن الإصرار على فعل معيّن غير موصوف بالتّحريم في السّؤال أيضًا، كأن يقول له: ما تقول
__________
(1) - الخبر عند ابن جعفر: الجامع، 1/ 189.
(2) - في الأصل: ما دانوا بتحريمه! (1/301)
صفحة 302
والمحلّ على وجهين، أحدهما: المحلّ لِما حرّم اللهُ في كتابه نصًّا فهو مشرك مكذِّب لله، لا يسع مَنْ علِم ذلك منه إلاّ البراءة منه؛ ...
--------------------
فيمن أحلّ شرب الخمر أو أصرّ عليه وهو غير عالم بتحريمه؟ فإنّه لا يَحكم على المحلّ والمصرّ في هذه الصّورة بالكفر لعدم علمه بالحكم، ولا يَلْزَمُه معرفته بعينه حتّى تقوم عليه الحُجّة كما هو معلوم، وتارة يَسأل عن تحليل محرّم هكذا، أو عن الإصرار عليه هكذا، كأن يقول له: ما تقول فيمن أحلّ ما حرّم الله أو أصرّ على ما حرّم الله؟ فإنّه في هذه الصّورة لا يسعه إلاّ أن يحكم عليه بالكفر لأنّه يجب على كلّ مكلَّف أن يعلم عند أوّل البلوغ أنّ الله نهى عن المعاصي وحرّمها؛ فالحاصل: أنّه لا يضيق عليه التّكفير فيما إذا سُئل مثلاً عن المحلّ والمصرّ في شيء خاصّ إلاّ إذا كان عالمًا بحكم الله فيه كما ذكره -رحمه الله- قريبًا، أو يُسأل عن تحليل المحرّم أو عن الإصرار عليه إجمالاً أخذًا من قواعد المذهب فليُحرّر، ثمّ ظهر أنّ هذا هو المراد بقوله: إذا سُئل عنهم هكذا يعني: من غير تقييد بكبيرة معيّنة فيُعلم منه ما كتبناه أوّلاً في الكبيرة المعيّنة، والله أعلم.
قوله نصًّا: النصّ ما دلّ على معنًى قطعيٍّ ولا يحتمل غيره، ولو زاد بعد قوله نصًّا: مواجَهَة -مثلاً- لكان أظهر، ليكون في مقابلة قوله بعد ذلك: بتأويل الخطأ، ثمّ ظهر أنّ قوله نصًّا يُغني عنه قوله: مواجَهَة، لأنّ النصّ لا يقبل التّأويل.
قوله لا يسع مَنْ علِم ذلك منه إلاّ البراءة: يعني إذا كان عالمًا بحكم الله في ذلك، لأنّه لا يُتصوَّر أن يعلم أنّه أحلّ ما حرّم الله إلاّ إذا كان عالمًا بأنّه حرام.
قوله إلاّ البراءة منه: يعني وأمّا تشريكه فحتّى يأخذ (1).
__________
(1) - اِنفردت الحجريّة بهذا التّعليق. (1/302)
صفحة 303
والوجه الثّاني: محلّ لما حرّم اللهُ بتأويل الخطأ، كتحليل أهل الخلاف البراءة من المسلمين وما أشبه ذلك، فمن قامت عليه الحُجّة بعلم ما ذكرنا فعليه البراءة ممّن استحلّ ذلك بمصادَمَة النصّ أو بتأويل الخطأ، وأمّا إذا لم يعلم أنّه استحلّ ما حرّم الله فلا يضيق عليه ذلك، كما لا يضيق عليه تكفير من قارف فعلاً لا يدري ما هو، فإذا علم أنّ ذلك الفعل كبيرة فعليه تكفيره والبراءة منه.
وقال أصحابنا: إنّ المحرّم يسع جهل كفره، والمستحلَّ لا يسع جهله، ...
--------------------
قوله وأمّا إذا لم يعلم أنّه استحلّ ما حرّم الله ... الخ: بأن يكون جاهلاً لحكم الله في الفعل الذي استحلّه ذلك الشّخص، كأن يسمع إنسانًا يقول: شُربُ الخمر حلال، وهو لم يعلم حكم الله فيه، فإنّه لا يضيق عليه تكفيره في الاِستحلال لمعيّن، كما لا يضيق عليه ذلك في المقارِف حتّى تقوم عليه الحُجّة، والله أعلم.
قوله وقال أصحابنا: إنّ المحرّم يسع جهل كفره ... الخ: ظاهر تفرقتهم بين المحرّم والمستحلّ أنّ كفر المحرّم كفر نفاق، وكفر المستحلّ كفر شرك، وأنّ الأوّل كاذب على الله فقط، والثّاني مكذّب لله رادٌّ لِما كان، وهذا غير ظاهر خصوصًا إذا قال مثلاً: صيد البحر حرام، فإنّه رادّ للنصّ والله أعلم فليُحرّر ما الفرق بينهما، ثمّ ظهر أنّ المستحلَّ والمحرّم غير ما فهمناه أوّلاً، كما بيّنه بعدُ من أنّ المستحلّ: مَن يرى أنّ الزّنا مثلاً حرام وفاعله مسلم، والمحرّم: مَن يدين بالتّحريم ولا يدري ما قول المسلمين فيه، ويحتمَل أن تفسيرهما بما ذكرنا خاصّ ببعض أصحابنا المشارقة -رحمهم الله- ثمّ رأيت في "شرح العقيدة" لعمّنا أحمد ما هو صريح (1).
__________
(1) - مقدّمة التّوحيد وشروحها، 78. (1/303)
صفحة 304
إلاّ ما روي عن بشير بن محمّد بن محبوب -رحمه الله- أنّه قال: يسع جهل معرفة كفر المستحلّ لما حرّم اللهُ ما لم يتولّه المعاين له على ذلك؛ وروي أنّه قيل لأبي سفيان محبوب -رحمه الله-: ما معنى قولهم المستحلّ؟ وهل أحد من أهل القبلة يزعم أنّ الزّنا حلال؟ ومَن زعم ذلك فهو مشرك؟ قال: ليس على هذا المعنى، ولكن يقول: هو مسلم وإن زنى، قلت: ما معنى قولهم المحرِّم؟ قال: مَن كان الزّنا عنده حرامًا وراكبه ليس بمسلم، ...
--------------------
قوله ولكن يقول: هو مسلم وإن زنى: فيه أنّه لا يلزم من كونه قائلاً: هو مسلم وإن زنى أن يكون محلاّ لِما حرّم اللهُ، نعم هو كاذب على الله في تسميَته إيّاه مسلمًا، فلو مثّل ذلك بتحليل البراءة من المسلمين لكان أظهر والله أعلم، ثمّ رأيت في "شرح النّونيّة" ما يدلّ على أنّ التّحليل في هذه الصّورة لازِمٌ له، حيث أثبت له الإسلام مع كونه فاعلاً للمحرّم، فيكون ناقضًا لقوله أنّه حرام فليُراجع (1).
قوله قلت ما معنى قولهم المحرِّم؟ قال ... الخ: يُنظر كيف يكون هذا معنى المحرِّم؟ وكيف يكون مَن قال: إنّ الزّنا حرام وراكبه ليس بمسلم كافر، حتّى يتأتّى أنّه يسع جهل كفره أو لا يسع، وقد قال قبل قليل: وقال أصحابنا: إنّ المحرِّم يسع جهل كفره؟ فالمتبادَر من المحرِّم هو المحرّم لِما أحلّ الله، ولكن لا يلزم للسّامع أن يكفّره حتّى يعلم حكم الله، اللهمّ إلاّ أن يُقال: معنى كون المحرِّم ما ذكر إذا قال ذلك بغير علم منه، وفيه بعدٌ لأنّ ذلك لا يطّلع عليه
__________
(1) - الجيطالي، 2/ 52، شرح البيت 44. (1/304)
صفحة 305
ولكن إذا كان ضعيفًا فواسع له أن لا يسمّيه بالكفر إذا كان لا يدري ما قولُ المسلمين فيه، حتّى يعلم ذلك فيعمل فيه على ما يقتضيه فعله، والله أعلم.
وأمّا المصرّ: فهو المقيم على المصعيّة، فلا يسع جهل كفره أيضًا عند مَن رآه قد أصرّ على فعل قد علم أنّ اللهَ حرّمه صغيرًا كان أو كبيرًا فلم يتب من ذلك ولم ينزع، ...
--------------------
ولا يدري هل قاله بعلم أو بغير علم فليُحرّر هذا المحلّ، فإنّه في غاية الصّعوبة [عندي] (1) والله أعلم، ثمّ رأيت في "شرح النّونيّة" ما يزيل هذا الإشكال وأنّ هذا المحرّم مقارف (2)، فيكون الضّمير في قوله: ولكن إذا كان ضعيفًا يرجع إلى المعاين المعلوم من المقام لا إلى المحرِّم، يعني أنّ الإنسان إذا عاين آخر يفعل كبيرة النّفاق ويقول هي حرام، ولكنّ المعاين لا يعلم قول المسلمين في تلك الكبيرة فإنّ هذا المعاين يسعه جهل كفر ذلك المحرِّم، يعني ما لم يتولّه على ذلك الفعل أو يقف أو يبرأ، والله أعلم.
قوله ولكن إذا كان ضعيفًا ... الخ: أي إذا كان الإنسان [المعاين] (3) ضعيفًا في العلم فواسع له أن لا يسمّي مرتكب الزّنا -مثلاً- بالكفر إذا كان ... الخ.
قوله عند مَن رآه ... الخ: يعني: أو قامت عليه الحُجّة، أو سُئل عنه إجمالاً كما تقدّم.
قوله قد أصرّ على فعل ... الخ: فيه أنّه لا يظهر للإصرار على الفعل ثمرة إلاّ في جانب الصّغيرة، وأمّا الكبيرة فحيث كان عالِمًا بحكم الله فإنّه يكفّره بمجرّد المقارَفة، لكن إن تاب رُدّ إلى الوَلاية وإلاّ تُرك في البراءة والله أعلم، ثمّ ظهر
__________
(1) - زيادة من الحجريّة.
(2) - الجيطال، 2/ 52، شرح البيت 44.
(3) - زيادة من الحجريّة. (1/305)
صفحة 306
لأنّه قد صار بمنزلة المعاند، فلذلك ضيّقوا على مَن علِم منه هذا، لأنّ كلَّ مصرٍّ كافر ولو أصرّ على ذنب صغير، لقوله - عليه السلام -: «هلك المصرّون» (1)، فلم يخصّ مصرًّا من مصرٍّ، والله أعلم.
وأمّا الرّاجع عن علمه: فهو عندهم مَن تعلّم القرآن ثمّ نسيه ...
--------------------
أنّ المراد بالإصرار الإقامة على الذّنب، أو يُقال له: تُب، فيقول: لا أتوب، فيشمل كلاًّ منهما.
قوله فلذلك ضيّقوا على مَن علم منه هذا: الظّاهر أنّ الإشارة في قوله: هذا راجعة إلى الإصرار، ومفهومه يقتضي أنّهم لم يضيّقوا على مَن لم يَعلم منه الإصرار، مع أنّ من علم حكمَ الله في الفعل فهو مضيَّق عليه، سواء أصرّ المقارف أم لا إذا كان الفعل كبيرة، وأمّا الصّغيرة فإنّه لا يُبرأ منه إلاّ إذا أصرّ، والله أعلم.
قوله فهو عندهم من تعلّم القرآن ... الخ: في هذا الحصر نظر لأنّ الرّاجع عن علمه أكثر من ذلك كما هو معلوم مقرّر، وذلك أكثر من أن يُحصى، ويكفر تاركه بالرّجوع عنه، كمن علم اسمًا من أسماء الله أو صفة من صفاته، أو أنّ الواحد في صفة الله على أربعة أوجه، أو نبيئًا أو رسولاً أو ملَكًا، أو أنّ القضاء يخرج في القرآن على وجوه، أو أنّ الكتاب على وجوه -كما ذكره في "السّؤالات"- (2)، لأنّه إذا قامت الحُجّة فيما يسع صار بمنزلة ما لا يسع، إلاّ على قول مَن يقول: «لم يجعلنا اللهُ حُفّاظًا لا
__________
(1) - لم نقف عليه بهذا اللّفظ، ومعناه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: « ... ويل للمصرّين الذين يصرّون على ما فعلوا وهم يعلمون» أخرجه أحمد: مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، رقم: 6552، 7062.
(2) - السّوفي، 272، 273. (1/306)
صفحة 307
حتّى لا يفرزه من الشّعر، وهذا قد ورَد فيه الوعيد، لقول الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلّم القرآن ثمّ نسيه حُشر يوم القيامة أجذم» (1)، وقوله - عليه السلام -: «عُرضت عليّ -أو قال نظرت- ذنوب أمّتي فلم أر ذنبًا أعظم من ناسي القرآن» (2)، وذلك أنّه لا ينساه إلاّ بهجرانه إيّاه وتهاونه به، وإنّما أراد القراءة ...
--------------------
ننسى» (3) يعني في غير ما لا يسع، والله أعلم فليُراجع، [واختار هذا القول في "شرح النّونيّة" حيث قال: «وإنّما الرّجوع عن العلم أن يرجع إلى القول بخلاف ما عَلِم أوّل مرّة»] (4).
قوله أجذم: الأجذم بالذّال المعجمة: المقطوع اليد [كما في "الصّحاح"] (5).
قوله وإنّما أراد القراءة ... الخ: حاصل هذا الكلام -والله أعلم- أنّه لمّا ورَدَ الوعيد في مَن تعلّم القرآن ثمّ نسيه اختلفوا في تأويله، فمنهم من قال: المراد بنسيانه نسيان قراءته، يعني لزواله عن الحافظة، ومنهم من قال: المراد بنسيانه نسيان العمل به، وعلى كِلا التّأويلين لا يكون المراد بنسيان القرآن نسيان هذا
__________
(1) - أخرجه بهذا اللّفظ الرّبيع بن حبيب: باب في ذكر القرآن، رقم: 6؛ وأخرجه بلفظ مقارب أبو داود: كتاب الصّلاة، باب التّشديد فيمن حفظ القرآن ثمّ نسيه، رقم: 1474؛ وأحمد: مسند الأنصار، حديث سعد بن عبادة، رقم: 22519، 22526.
(2) - أخرجه باللّفظ الأوّل أبو داود: كتاب الصّلاة، باب في كنس المسجد، رقم: 461؛ والتّرمذي: أبواب فضائل القرآن، باب ... رقم: 3083، ولفظ آخره: « ... أعظم من سورة القرآن أو آية أوتيها رجلٌ ثمّ نسيها».
(3) - هذا القول للشّيخ أبي رحمة صنادي بن محمّد السّدراتي، كما تقدّم في صفحة 248.
(4) - الجيطالي، 2/ 55، شرح البيت 44، وما بين المعقوفتين زيادة من ج والحجريّة.
(5) - الجوهري: باب الميم، فصل الجيم: جذم؛ وما بين المعقوفتين زيادة من الحجريّة. (1/307)
صفحة 308
..........................................
--------------------
العنوان، أعني اللّفظ الذي جُعل علَمًا على الكلام المنزَّل، حتّى لا يترتّب الوعيد عليه حتّى ينسى هذا العنوان، والمتبادر من الحديث هو التأويل الأوّل، لأنّ الوعيد هنا إنّما ورَدَ في نسيان المتعلَّم وهو القراءة لأنّها نفس المقروء، قال الله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ} [طه: 114]، وإن كان الوعيد يترتّب على نسيان العمل به أيضًا لكنّه من جهة أخرى، ونسيان العمل به صادق أيضًا على من لم يتعلّمه إذا كان لا يعمل به، والحديث إنّما وَرَد فيمن نَسِيَه بعد تعلّمه، ويُحتملُ أن يكون المراد بقوله: وإنّما أراد القراءة ولم يرِد نسيان نفس القرآن أي: أراد بنسيان القرآن نسيان قراءته، أي تركها وإن كان يحفظه، لأنّ فائدة تعلّم القرآن قراءته ليتدبَّر معانيه ويعمل به، فإذا ترك قراءته فقد أبطل فائدة تعلّمه وإن كان يحفظ متنه، ولأنّ القراءة من أشرف العبادات ومن حقّ القرآن، فقد ورَد في الحديث: أنّ «من ختم القرآن في أربعين يومًا فقد تعزّب» (1)، فكيف بمن ترك قراءته وهجره أصلاً، فعلى هذا التّأويل إذا لم يترك قراءته لا يكون داخلاً في الحديث وإن كان لا يعمل به، لكن عدم العمل به يُستفاد عقابه من أدلّة أخرى، وعلى التّأويل الثّاني يكون داخلاً في الحديث إذا ترك العمل به وإن كان حافظًا له ملازِمًا لقراءته، وهذان التّأويلان مقابلان لِما صدّر به فإنّه يدلّ على أنّ ناسي القرآن لا يدخل في الحديث إلاّ إذا نسي نظم القرآن حتّى لا يفرزه من الشّعر، وكذلك على القول الأخير إذا كان يعمل به لا يدخل في الحديث ولو نسي
__________
(1) - أي: أبعد العهد بأوّله وأبطأ في تلاوته، والحديث أورَدَه كلٌّ من: الزّمخشري: الفائق في غريب الحديث، 2/ 426؛ وابن قتيبة: غريب الحديث، 3/ 760، ولم يعزواه. (1/308)
صفحة 309
ولم يُرد نسيان نفس القرآن، لأنّه قد ذكر بعضهم أنّ النّاسي للقرآن هو التّارك للعمل به وإن كان يقرؤه ظاهرًا، وقيل إذا نسيه بمرض ألاّ يكون عليه شيء، وقيل إذا كان يعمل به ألاّ يكون له ناسيًا ولو كان لا يحفظه منظومًا، وقيل في كلّ ما لم يُفرَض عليه العمل ...
--------------------
نظمه، وهذان التّأويلان أرفق بالخلق وأنسب لِما جُبلوا عليه من النّسيان، إلاّ أنّهما بعيدان من ظاهر الحديث، فإنّ المتبادَر منه أنّ مَن نسي نظم القرآن بعد حفظه فقد دخل في الحديث، وما عدا ذلك فهو خروج عن الظّاهر، لكن هذا الظّاهر لم يعرج عليه في شيء من هذه التّأويلات إلاّ على تأويل القراءة بالمقروء، والله أعلم فليُحرّر، ثمّ قوله: «مَن تعلّم القرآن ... الخ» هل المراد منه مَن تعلّمه كلّه، أو ولو بعضه؟ وهو الظّاهر، والله أعلم فليُحرّر، ثمّ رأيت في بعض كتب قومنا ما يشهد له، حيث روى الحديثَ بغير هذا اللّفظ فقال: «عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عُرضت عليّ أجور أمّتي حتّى القذاة يُخرجها الرّجلُ من المسجد، وعُرضت عليّ ذنوب أمّتي فلم أرَ ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجلٌ ثمّ نسيها» (1) ... الخ».
قوله ولم يُرِد نسيان نفس القرآن: الظّاهر أنّه أراد بالقرآن هنا العنوان، أعني اللّفظ الدّالّ على الكلام المنزَّل، وإلاّ فالقراءة فيه هو لا غيره، ومحكيّ والحكاية فيه هو لا غيره، ومذكور والذّكر فيه هو لا غيره، فلو لم يُحمل على ذلك لم يتأتّ نسيان القراءة بدون نسيان القرآن، والله أعلم فليُحرّر.
قوله وقيل في كلّ ما لم يُفرض ... الخ: هذا يقتضي أن يكون الرّجوع عن العلم فيما سبق محمولاً على عمومه، حتّى يكون هذا مقابلاً له، مع أنّه حمله على مَن
__________
(1) - الحديث سبق تخريجه في صفحة 307. (1/309)
صفحة 310
به أن لا يؤاخذ بنسيانه، والله أعلم وأحكم.
تعلّم القرآن فقط، إلاّ أن تكون النّسخة: كمن تعلّم [-والله أعلم-] (1)، وبه صرّح في "شرح النّونيّة" (2)، والله أعلم.
قوله لا يؤاخَذُ بنسيانه: هذا هو المراد بقول مَن قال: «لم يجعلنا اللهُ حُفّاظًا لا ننسى» (3).
(((
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - الجيطالي، 2/ 53، شرح البيت 44.
(3) - اِنفردت الحجريّة بهذا التّعليق. (1/310)
صفحة 311
فصل
في العمل
اِعلم أنّ العلم والعمل توأمان، لا ينفع عِلم بغير عمل، ولا يُقبل عمل بغير علم، كما قيل عن عيسى - عليه السلام - قال: «من علم وعمل فذلك الذي يُدعى عظيمًا في ملكوت السّموات، ومَن علِم ولم يعمل فذلك الذي يضاعف له العذاب ضعفين، ومن لم يعلم ولم يعمل فذلك الذي يموت موتة جاهليّة» (1).
واعلم أنّ العِلم عِلمان: ...
--------------------
قوله توأمان: في "الصّحاح": «أتأمت المرأة إذا وضعت اثنين في بطن» إلى أن قال: «والوَلدان توأمان، يُقال: هذا توأم هذا، على فَوْعَلُ» (2).
قوله يُدعى عظيمًا: أي يُسمّى، كقوله تعالى: {اُدْعُوا اللهَ} الآية [الإسراء: 110].
قوله في ملكوت ... الخ: الملكوت من المُلك، كالرَّهبوت من الرّهبة، لكنّه أعظم من المُلك فالتّاء فيه للمبالَغة.
قوله واعلم أنّ العلم عِلمان إلى قوله مسألة: الأولى ذكره في فصل معرفة العلم كما هو ظاهر، اللهمّ إلاّ أن يُقال: لمّا كان العلم والعمل توأمان أوْرَد بعضَ أبحاث العلم في فصل العمل لتآخيهما، والله أعلم.
__________
(1) - أورده السّمرقندي: تنبيه الغافلين، 2/ 470.
(2) - الجوهري: باب الميم، فصل التّاء: تَأَم. (1/311)
صفحة 312
علم باللّسان وعلم بالجَنان، فأمّا العلم باللّسان فذلك حُجّة اللهِ على ابن آدم، وأمّا العلم بالجَنان فذلك هو العلم النّافع كما ورَدَ به الحديث (1)، ولهذا قال بعض العلماء: ليس العلم بكثرة الرّواية، ولكن العلم نورٌ يجعله اللهُ في قلب من يشاء، كما قال الله تعالى: {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشّورى: 52].
--------------------
قوله عِلم باللّسان: الظّاهر أنّه إنّما علّق العلم باللّسان مع أنّه لا يكون إلاّ في القلب، لأنّه مَلَكة أو إدراك أو حصول صورة الشّيء عند العقل أو غير ذلك ممّا لا يرجع إلى اللّسان، لأنّه لمّا لم يجرِ فيه الشّخص على مقتضى علمه فكأنّ قلبه خالٍ من ذلك العلم فنُسب إلى اللّسان، وصحّت نسبته إليه لظهوره عليه، والله أعلم فليُحرّر.
قوله بالجَنان: هو بالفتح: روْعُ القلب، وبالكسر جمع جنّة وهي الحديقة -قال الزّبيدي- (2)، وقال في "الصّحاح": «والجَنان بالفتح: القلب» (3)، فكلام المصنّف -رحمه الله- ماشٍ عليه.
قوله: {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ} الآية: الظّاهر من كلامه -رحمه الله- أنه جعل الضّمير في قوله تعالى: {جَعَلْنَاهُ} راجعًا إلى العلم لأنّه
__________
(1) - قال - صلى الله عليه وسلم -: «العلم علمان: علم باللّسان فذلك حُجّة الله على ابن آدم، وعلم بالقلب فذلك العلم النّافع» أخرجه الرّبيع بن حبيب: الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد، رقم: 947؛ وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه، والخطيب البغدادي في تاريخه، وأبو نعيم في حِليته، والحكيم في نوادره، والدّرامي في سُننه، بتقديم وتأخير في لفظه. الهندي: كنز العمّال (10/ 182)، رقم: 28667، 28946، 28947.
(2) - تاج العروس من جواهر القاموس: باب النّون، فصل الجيم: جنن.
(3) - الجوهري: باب النّون، فصل الجيم: جنن. (1/312)
صفحة 313
واعلم أنّ العلم النّافع نوعان، أحدهما: العلم بامتثال الفرائض، والتقرّب بها إلى الله تعالى، واجتناب المعاصي كلّها خوفًا من عقاب الله تعالى؛ والثّاني: ما ازداد العبدُ به حُبًّا لله وطاعته، وخلُص به إيمانه واشتدّ به يقينه، وما سِوى هذا فليُنزله العبدُ من جهله فإنّه فتنة لكلّ مفتون، والله أعلم.
مسألة: ولا يصحّ عمل الفرائض إلاّ بمعرفة أدائها، والعلم بامتثالها، ويجب على العبد في كلّ عمل فريضة ثلاثة أشياء، ...
--------------------
المحدَّث عنه، مع أنّه لم يجرِ له في الآية ذكر، بل قيل أنّه راجع إلى الكتاب أو إلى الإيمان أو إلى الرّوح لأنّ المراد به الموحى.
قوله والتقرّب بها ... الخ: في إدخال التقرّب بالفرائض واجتناب المعاصي في هذا النّوع نظر، لأنّهما من العمل لا من العلم، اللهمّ إلاّ أن يُقال: هما بالجرّ عطف على امتثال فيكون معنى العلم بالتقرّب والاِجتناب: العلم بوجوبهما، والمراد ب العلم بالاِمتثال: العلم بكيفيّته، لكن العلم بكيفيّة الاِمتثال في الفرائض لا يكون كافيًا، بل لابدّ من العلم بوجوب الاِمتثال، ثمّ يُنظر في أيّ النّوعين يدخل علم التّوحيد؟ وقد يُقال: المراد أنّه نوعان بعد صِحّة التّوحيد، والله أعلم.
قوله والعلم بامتثالها: فيه أنّ العلم بامتثالها هومعرفة أدائها، اللهمّ إلاّ أن يُقال: في الكلام حذف مضاف، أي: والعلم بوجوب امتثالها، فيتغايران والله أعلم، وقد يُقال: عطف تفسير.
قوله ثلاثة أشياء: الثّلاثة هي الاِمتثال والرّجاء والخوف، ثمّ تخصيص هذه الثّلاثة بعمل الفرائض يقتضي أنّ عمل النّوافل لا يجب فيها ذلك، وفيه تأمّل بالنّظر إلى (1/313)
صفحة 314
وهو: أن يمتثله العبدُ على ما أُمر به، راجيًا فيه ثوابًا، خائفًا من تركه عقابًا.
ويجب عليه في علم الفريضة (1) ثلاثة أوجه أيضًا، أحدها: العلم بامتثال الفعل وكيفيّته، والثّاني: العلم بأنّ اللهَ أمره بها وألزمه فعلها، والثّالث: أن يعلم أنّ اللهَ أوجب له على ذلك ثوابًا ...
--------------------
الاِمتثال والرّجاء، اللهمّ إلاّ أن يُقال: اختصاص الثّلاثة بالفرائض بالنّظر إلى المجموع لا بالنّظر إلى كلّ فرد، والله أعلم
قوله خائفًا من تركه عقابًا: ظاهره أنّه لا يخاف العقاب في الفرض إلاّ من جهة تركه، مع أنّه يجب عليه خوف العقاب مع فعله أيضًا مخافة ألاّ يكون مقبولاً، لأنّ القبول بمحض فضل الله، قال الشّيخ أبو نصر -رحمه الله-:
يخاف بأن لا يقبل اللهُ سعيَه ويرجو على الطّاعات أجرًا بلا منِّ (2)
قوله أوجب له: أي حقّق ذلك بمقتضى وعده وإخباره، لأنّه لا يجب عليه شيء، ثمّ قوله: له الظّاهر أنّه سبق قلم من النّاسخ، لأنّه إذا علم أنّ اللهَ أوجب له على فعله ذلك ثوابًا فقد آمن من مكر الله، بل الواجب عليه أن يعلم أنّ الله أوجب على فعل الصّلاة -مثلاً- ثوابًا مع قطع النّظر عن الفاعل كما هو الظّاهر، وقد يُلتَمس لقوله: له وجه إن صحّ ثبوته من المصنّف، وهو أن يكون المعنى: أوجب له ثوابًا، يعني إن مات على الوفاء بالدّين، والله أعلم فليُحرّر، ثمّ رأيته ساقطًا في نسخة وهي الظّاهر.
__________
(1) - في ب و ج: الفرائض.
(2) - النّونيّة، البيت 105. (1/314)
صفحة 315
وعلى تركه عقابًا، والله أعلم.
--------------------
قوله وعلى تركه عقابًا: ظاهره أنّه لابدّ من معرفة وجوب العقاب على ترك الفرائض، مع أنّ الصّحيح أنّه لا يجب عليه في الفرائض التي دون التّوحيد إلاّ أن يعلم أنّ اللهَ أوجب عليها ثوابًا، وأمّا أنّه أوجب على تركها عقابًا فلا، إلاّ ما روي عن أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور -رحمهم الله- ونوظر في ذلك والله أعلم، وقد تقدّم له ذلك في الأمر والنّهي في القسم الرّابع عشر (1)، فلعلّ ما هنا محمول على ما ذهب إليه أبو زكرياء، أو على ما إذا أخذ ذلك.
(((
__________
(1) - اُنظر صفحة 114 وما بعدها. (1/315)
صفحة 316
فصل
في النيّة وتوابعها من الصّدق والإخلاص
اِعلم أنّ النيّة لُباب الفعل وصفوه، وعماد الدّين وأُسّه، ولذلك نفى الرّسول - عليه السلام - الأعمال إلاّ بها، لأنّها في العمل بمنزلة البذر في الزّراعة، فمَن زرع بالبذر ...
--------------------
قوله الفعل: في نسخة: العمل (1).
قوله نفى الرّسول ... الخ: أي في الحديث المشهور وهو: «إنّما الأعمال بالنّيات وإنّما لكلّ امرئ ما نوى» (2) الحديث، وإنّما تركه لشهرته.
قوله البذر: في "القاموس": «البذر ما عُزل للزّراعة من الحبوب، وأوّل ما يخرج من النّبات ... الخ» (3)، وقوله في الزّراعة: في "القاموس": «زرع كمنع: طرح البذر، كازْدَرَعَ» إلى أن قال: «وموضعه المزرعة مثلّثة الرّاء والمُزْدَرَعُ ... الخ» (4)، وذكر ألفاظًا كثيرة ولم يذكر هذا اللّفظ الذي استعمله المصنّف وهو الزّراعة، ولم يذكره في "الصّحاح" أيضًا، فلو قال: في المزرعة
__________
(1) - وهو ما في النّسخ المعتَمَدة من القواعد، وهذا التّعليق انفردت به الحجريّة.
(2) - أخرجه الرّبيع بن حبيب: باب في النيّة، رقم: 1؛ والبخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي ... ، رقم: 1؛ ومسلم: كتاب الإمارة، باب قدر ثواب مَن غزا ... ، رقم: 1907؛ وأبو داود: كتاب الطّلاق، باب فيما عنى به الطّلاق ... ، رقم: 2201؛ والتّرمذي: أبواب الجهاد، باب ما جاء مَن يُقاتل رياءً ... ، رقم: 1698؛ والنّسائي: كتاب الطّهارة، باب النيّة في الوضوء، رقم: 75؛ وابن ماجة: كتاب الزّهد، باب النيّة، رقم: 4227.
(3) - الفيروزابادي: باب الرّاء، فصل الباء: بذَر.
(4) - الفيروزابادي: باب العين، فصل الزّاي: زرع، وفي نسخ الحاشية: مثلّثة الميم، والتّصحيح من ج وهو ما في القاموس. (1/316)
صفحة 317
فحقيق أن يحصد غبطة، ومَن تعنّى بلا بذر فثَمَرَتُه النّدامة، ومَن أهمل عمله بسهو وغفلة كان بمنزلة مَن لم يعمل، والعمل بغير نيّة عناء، والنيّة بغير إخلاص رياء، وهو والنّفاق سواء، والإخلاص من غير صِدق وتحقيق هباء، وليت شعري كيف تصحّ نيّة مَن لا يعرف حقيقة النيّة؟ أو كيف يصحّ له عملٌ صحيح إذا لم يعرف حقيقة الإخلاص؟ أو كيف يطالب المخلصُ نفسَه بالصّدق إذا لم يعلم معناه؟ ...
--------------------
ليكون اسمًا لموضع الزّرع لكان أظهر، ثمّ قوله فمن زرع بالبذر ظاهره أنّه استعمل الزّرع في الحرث، وقد ذكر في "الصّحاح" ما يشهد له في الجملة، حيث قال: «وازْدَرَع فلانٌ أي اِحْترَث ... الخ» (1) والله أعلم فليُحرّر، وقد يُقال: المعنى بمنزلة الحَبّ المختار للطّرح، إلاّ أنّه جعل في بمعنى اللاّم، لكن سياق الكلام لا يناسبه، والله أعلم والأمر سهل.
قوله أن يحصد: يجوز في الصّاد الضمّ والكسر، وقوله غبطة: في "الصّحاح": «والغبطة أن تتمنّى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه، [وليس بحسد» (2)، والظّاهر أنّه استعمل المصدر هنا حالاً على تأويله باسم المفعول] (3)، والمعنى أن يحصد حالة كونه مغبوطًا، والله أعلم.
قوله من غير صِدق وتحقيق: لعلّ المراد بالتّحقيق: معرفة حقيقة النيّة والإخلاص، كما يرشد إليه سياق كلامه هنا، وأمّا الصّدق فسيأتي المراد منه.
__________
(1) - الجوهري: باب العين، فصل الزّاي: زرع.
(2) - الجوهري: باب الطّاء، فصل الغين: غبط.
(3) - زيادة من أ والحجرية. (1/317)
صفحة 318
فالواجب على كلّ عبدٍ أراد طاعة الله تعالى أن يتعلّم النيّةَ لتخلُص له المعرفة، ثمّ يصحّحها بالعمل بعد فهم حقيقة الصّدق والإخلاص، اللذين هما وسيلتا العبدِ إلى النّجاة والخلاص يوم الأخذ بالنّواصي.
اِعلم أنّ النيّة إنّما تؤثّر في الطّاعات والمباحات دون المعاصي والسيّئات، أمّا أعمال الطّاعات فإنّه يجب على العبد أن ينوي في كلّ عمل منها أن يمتثله عبادة لله تعالى وتقرّبًا به إليه، ...
--------------------
قوله المعرفة: أي العلم الذي حصل له، بأن ينوي به التقرّب إلى الله تعالى، لا ليماري به السّفهاء أو ليباهي به العلماء، لِما ورَدَ في ذلك من الوعيد (1)، ورأيت بعض التّقييد لأصحابنا: أنّ طالب العلم ينوي به وجه الله، ِ والاِستعداد لِما يلزمه قبل أن يلزمه، ولِما ينبغي قبل أن ينبغي، ولهداية مَن قدّر اللهُ هدايته على يديه (2).
قوله دون المعاصي ... الخ: يعني فلا تؤثّر فيه النيّة فتنقلب طاعة إذا نوى بها قربة كما سيأتي، ولم يُحمل معنى: لا تؤثّر فيها النيّة على معنى أنّه لا يؤاخَذ بها بمجرّد النيّة بل حتّى يفعلها، مع أنّ الثّاني أقرب، لأنّ الأوّل بعيد التوهّم من الإرادة، لأنّ التقرّب بالمعصيّة منه ما هو شرك ومنه ما هو نفاق، فكيف يُتوهَّم إرادته؟ والله أعلم.
__________
(1) - قال - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو لِيُماري به السّفهاء لقي اللهَ يوم القيامة وهو خائب من الحسنات»، وفي رواية أخرى بها زيادةٌ: «وهو في جهنّم» أخرجه الرّبيع بن حبيب: باب في طلب العلم لغير الله - عز وجل -، رقم: 33؛ والتّرمذي: أبواب العلم، باب فيمن يطلب بعلمه الدّنيا، رقم: 2792؛ وابن ماجة: المقدّمة، باب الاِنتفاع بالعلم والعمل به، رقم: 253.
(2) - أورَد نحوًا من هذا الشّيخ ابن جمعة المحروقي العماني: الدّلائل في اللّوازم والوسائل، 4. (1/318)
صفحة 319
فحقيقة النيّة في الطّاعة: اِنبعاث القلب والتحرّي إلى مرضاة الرّب، فنيّة المؤمن خير من عمله كما جاء في الحديث (1)، ومعناه -والله أعلم-: اِعلم أنّ النيّة في نفسها خير من الأعمال إذا (2) كانت لا تصحّ إلاّ بها، ونيّة المؤمن اعتقاده طاعة الله ولو عاش ألف سنة، وإن مات دونها انقطع عمله ولم تنقطع نيّته، ...
--------------------
قوله التحرّي: أي القصد.
قوله خير من الأعمال: لعلّه إذا تجرّدت عن النيّة، ويكون أفعل التّفضيل على غير بابه.
قوله ونيّة المؤمن: هو بالواو فيما رأيناه من النّسخ، والظّاهر أن يكون ب أو ليكون توجيهًا ثانيًا للحديث، وحاصل التّوجيهين: أنّه إنّما كانت النيّة أفضل من الأعمال إمّا لأنّها في نفسها خير من الأعمال لتوقّف صحّته على النيّة، وإمّا لأنّها تُستدام والعمل منقطع؛ ثمّ قوله: وإن مات دونها انقطع عمله يعني إلاّ من الثّلاث التي ورَدَ الحديث باستثنائها في قوله: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، وولد صالح يدعو له، وعلم يُنتفَع به بعده» (3)، أو كما قال [الشّاعر:
إذا مات ابن آدم ليس يجري عليه من خصالٍ غيرِ عشْرِ
علوم بثّها، ودعاء نجل وغرس النّخل والصّدقات تجر
ووِراثة مصحف ورباط ثغر وحفر البئر أو إجراء نهر
__________
(1) - قول الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: «نيّة المؤمن خير من عمله» أخرجه الطّبراني في الكبير، عن سهل بن سعد السّاعدي (6/ 185)، رقم: 5942؛ والخطيب البغدادي في تاريخه عن سهل بن سعد المذكور، 9/ 237.
(2) - في ب: إذ.
(3) - أخرجه مسلم: كتب الوصيّة، باب ما يلحق الإنسان من الثّواب بعد وفاته، رقم: 1631؛ وأبو داود: كتاب الوصايا، باب ما جاء في الصّدقة عن الميت، رقم: 288؛ والتّرمذي: أبواب الأحكام، باب ما جاء في الوقف، رقم: 1390؛ والنّسائي: كتاب الوصايا، فصل الصّدقة على الميّت، رقم: 3653. (1/319)
صفحة 320
فإن نوى بالطّاعة رياءً وسمعة انقلبت معصيّة، والله أعلم.
والمباحات تنقلب طاعة بالنيّة، فلا ينبغي للعاقل أن يتعاطى أفعالَه تعاطي البهائم المهمَلَة فتصدُرُ أفعاله عنه بسهو وغفلة، فأغلب حظوظ النّفس من المباح، كالأكل والنّوم والنّكاح، فينوي في الأكل التقويّ للجسم على العبادة، وينوي في النّوم استراح الجسم لينشط للقراءة والعبادة، وينوي بالنّكاح تحصين الفرج وإحراز الدّين وطلب الولد لعبادة الله تعالى وتكثيرًا لأمّة محمّد - عليه السلام -، ...
--------------------
وبيت الغريب بناهُ يُأوى إليه أو بناء محلّ ذِكر
وتعليم قرءان كريم فخذها من أحاديث بحصر] (1)
والله أعلم.
قوله والمباحات: لو قال: وأمّا المباحات لكان أظهر.
قوله الأكل: ومثل الأكل الشّرب، ولعلّه تركه من باب الاِكتفاء كقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81]، [أي والبرد] (2).
قوله استراح: هكذا فيما رأيناه من النسخ بغير تاء، و القياس ثبوتها (3)، لكنه ورد حذفها نادرا كقوله تعالى: {وَإِقَامَ الصَّلاَةِ} [الأنبياء:73].
قوله وطلب الولد لعبادة الله ... الخ: يعني ولا ينوي به ليكون وارثا له لأن في ذلك نوع حسد للوارث فتُكرَه تلك النيّة أو تحرُم.
__________
(1) - انفردت الحجريّة بهذا دون غيرها، والأبيات من نظم جلال الدّين السيوطي.
(2) - زيادة من الحجريّة.
(3) - كما في النّسختين أ و د من القواعد. (1/320)
صفحة 321
فينبغي للعاقل المريد للآخرة أن يقيس جميع أفعال المباح على هذه الثلاثة المذكورة، ويحسن النية في جميعها حتى تصير طاعة لله تعالى و عبادة.
و أما المعاصي فلا تؤثّر فيها النية، ولا تنقلب بها لله تعالى قربة وطاعة، مثل أن يغتاب إنسانا تطييبا لقلب مسلم، أو يطعم فقيرا من مال غيره طلَبا للأجر، فهذا كلّه جهالة و اغترار، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إنّما الأعمال بالنيّات» (1)، فالنيّة لا تؤثّر في إخراج الفعل عن كونه ظلمًا ومعصيّة، بل قَصْدُهُ الخيرَ بالشرّ على خلاف مقتضى الشّرع شرٌّ آخر، فإن عرفه فهو معاند للشّرع، وإن جهله كان عاصيًا بالجهل وارتكاب الفعل، إذ «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم» (2)، وبالله التّوفيق.
--------------------
قوله مثل من يغتاب إنسانًا ... الخ: لا يخلو هذا الإنسان المغتاب من أن يكون مسلمًا أو غير مسلم، فإن كان مسلِمًا فليس في اغتيابه تطييب لخاطر المسلم الآخر بل ولا يرضى بذلك، وإن كان غير مسلم فليس في اغتيابه معصية بل ذلك مطلوب كما هو معلوم، والله أعلم.
قوله شرٌّ آخر: لأنّه قد تقرّب بالمعصيّة.
قوله عاصيًا بالجهل: لأنّ ما دون الشّرك من المعاصي يسع جهله ما لم يقارِف إذا لم تقم عليه الحُجّة، وإنّما كفر بالجهل أيضًا عند المقارَفَة لأنّه لا يجوز له الإقدام على الفعل حتّى يعلم حُكم الله فيه، وإن كان يسعه الجهل قبل ذلك.
__________
(1) - تقدّم تخريجه في صفحة 316.
(2) - الحديث تقدّم تخريجه في صفحة 291. (1/321)
صفحة 322
وأمّا الإخلاص: فمعناه إخلاص العمل وتصفيته من شوائب الكُدورات من الرّياء والسّمعة وحبّ الثّناء والمحْمَدَة حتّى يصير خالِصًا مخلَصًا لوجه الله، عاريًا من حظوظ النّفس المختصّة بها في الدّنيا من جهة الخلق، قال الله سبحانه: {أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزّمر: 3]، وقال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الاَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا اِلاَّ الذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ} الآية [النّساء: 146].
وأمّا الصدق: فيُستعمل لفظه في ستّة معان (1)، ...
--------------------
قوله الكُدورات: في "القاموس": «والكُدرة في اللّون، والكُدورة في الماء والعين ... الخ» (2)، والظّاهر أنّ ما في المتن من الثّاني، وأنّه استعارة تمثيليّة، وأنّه شبّه مركَّبًا بمركَّبٍ، حيث شبّه العمل مع ما يشوبه من الرّياء والسّمعة وغير ذلك بالماء الذي خالطه ما يغيّره، ثمّ أطلق لفظ المشبَّه به على المشبَّه، نحو: إنّي أراك تقدّم رِجلاً وتؤخّر أخرى، والله أعلم فليُحرّر.
قوله والمحْمَدَة: في "القاموس": «حَمِدَهُ كسَمِعَهُ حَمْدًا ومَحْمِدًا ومَحْمَدًا ومَحْمِدَةً وَمَحْمَدَةً ... الخ» (3)، فذكر في المصدر الميميّ الفتح والكسر ولم يُبيّن أيّهما أولى، وذكر غيره أنّ القياس في المصدر الميميّ الفتحُ، وأنّ الكسر شاذٌّ.
قوله خالصًا: هو اسم فاعل من خلُص، وقوله: مُخْلَصًا اسم مفعول من أخلص، والظاهر أنّه إنّما أتى باسم الفاعل واسم المفعول معًا إشارة إلى الآيتين الآتيتين.
__________
(1) - اقتبس المؤلّف هذا التقسيم من: أبي حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، 4/ 356.
(2) - الفيروز ابادي: باب الرّاء، فصل الكاف: كَدَرَ.
(3) -الفيروز ابادي: باب الدّال، فصل الحاء حمد. (1/322)
صفحة 323
صدق في القول، وصدق في النيّة والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بالعزم، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدّين، فمن اتّصف بالصدق في جميع هذه المعاني فهو الصِّدِّيق لأنّه من المبالغة في الصدق، كما قيل في الحديث أنّ النبيء - عليه السلام - سُئِل عن الكمال فقال: «قول الحقّ والعمل بالصّدق» (1)، وقال تعالى: {والذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُون} الآية [الحديد: 19]، ومن اتّصف بمعنى من الصّدق من هذه المعاني المتقدّمة فهو صادق بالإضافة إلى ما فيه صدقه، وليس كتابنا هذا موضوعًا لهذه المعاني، وبالله التوفيق.
--------------------
قوله صدق في القول: الصدق في القول هو الإخبار بما يُطابق الواقع.
قوله وصدق في العزم: إنّما غاير بين الصدق في النيّة والصدق في العزم لأنّ العزم أخصّ من النيّة، ولذلك قالوا: إنّ من نوى معصية ولم يعزِم عليها لم تُكتب عليه إلاّ في مكّة، وإن نواها وعزم عليها كُتِب عليه ذلك العزم، والله أعلم فليُحرّر.
قوله وقال تعالى: {وَالذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ} الآية: ظاهر هذه الآية مشكل على قواعد المذهب، فإنّه لا يكون من الصدّيقين بمجرّد التصديق بالله ورسله، فلا بدّ -والله أعلم- من تقدير العمل الصالح كما يشهد به غيرها من الآيات، لأنّ الإيمان إذا استُعمل مرادا به التصديق يقترن في الغالب بالعمل الصالح، والله أعلم.
قوله ومن اتّصف بمعنى ... الخ: هذا مقابل قوله: فمن اتّصف بالصّدق في جميع ... الخ.
__________
(1) - أورده الغزالي في الإحياء (4/ 356) وقال مخرِّجه الحافظ العراقي: لم أجده بهذا اللّفظ، وكذلك نقول؛ وروى جابر بن عبد الله أنّ العبّاس عمّ النّبيء سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - = (1/323)
صفحة 324
فصل
في الورع
اِعلم أنّ مَلاك الدّين الورع، كما روي عن عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - أنّه نظر إلى المصلّين فقال: «لا يغرّني كثرة رفع أحدكم رأسه وخفضه، الدّين: الورعُ في دين الله، والكفّ عن محارم الله، والعمل بحلال الله، [والكفّ] (1) عن محارمه»؛ وسُئل النّبيء - عليه السلام - عن الورع فقال: «الوقوف عند الشّبهات» (2)؛ ويُقال: لا معقل أحرز من الورع؛ وقال بعض العلماء: غاية الورع الوقوف عن كلّ شبهة، ومحاسبة النّفس عند كلّ لحظة؛ ويُقال: فضل العلم خير من العبادة وخير دينكم الورع؛ ...
--------------------
قوله مَلاكُ الدّين: في "الصّحاح": «مِلاكُ الأمرِ ومَلاَكُهُ [يعني بكسر الميم وفتحها]: ما يقوم به» (3).
قوله والعمل بحلال اللهِ: لعلّه: والاِستغناء، والمراد بالعمل بحلال اللهِ الاِستغناء به.
قوله لا معقل ... الخ: في "الصّحاح": «والمعقِلُ: الملجأ» (4) يعني: بكسر القاف.
قوله خير من العبادة: يعني: بعد أداء الفرض.
__________
(1) = ... عن الجَمال فقال: «صواب القول بالحقّ»، وعن الكمال فقال: «حُسن الفعال بالصّدق» أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق؛ ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق، 11/ 343.
- زيادة من الحجرية.
(2) - لم نقف عليه بهذا اللّفظ، وروى الطّبراني في الكبير عن واثلة بن الأسقع (22/ 81)، رقم:197 أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « ... الورِعُ: الذي يقف عند الشّبهات ... ».
(3) - الجوهري: باب الكاف، فصل الميم: ملك، وما بين المعقوفتين زيادة من ج والحجرية.
(4) - الجوهري: باب اللاّم، فصل العين: عقل. (1/324)
صفحة 325
ويُقال: دين بلا ورع كسفينة بلا شِراع؛ وعن الشّيخ أبي محمّد (1) قال: «مَن حفِظ القرآن بجميع معانيه، والسّنن بجميعها، وعرف شرائع الإسلام، وليس له ورَع فمثله كالقوس ليس له وَتَر ومن تورّع بلا بحث ولا معرفة فمثله كمثَل الحمار يدور بالرّحى، كلّما اشتدّ في ورعه اشتدّ الحمار في دوره» (2)؛ وممّا يؤثرُ من كلام عيسى - عليه السلام -: «لو صلّيتم حتّى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتّى تكونوا كالأقواس ما نفعكم ذلك إلاّ بالورع» (3).
--------------------
قوله شِراع: في "الصّحاح": «والشِّراع أيضًا: شِراع السّفينة ... الخ» (4) والمراد به قِلعُها، وهو بكسر القاف.
قوله كالحنايا: الظّاهر أنّه جمع حِنية، في "الصّحاح": «والحنيَّةُ: القوس، والحَنِيُّ: القِسِيُّ ... الخ» (5)، لكنّه جمعهما على خلاف ما ذكره المصنّف، وعلى هذا يتّحد المشبّه به في الصّلاة والصّوم، اللهمّ إلاّ أن يُقال: وجه الشّبه في الأوّل الاِنحناءُ، وفي الثّاني اليبس والله أعلم، والذي في "شرح العقيدة": «لو صلّيتم حتّى تكونوا كالحنايا وصمتم حتّى تكونوا كالأوتار» (6).
__________
(1) - هو أبو محمّد خصيب بن إبراهيم التمصمصي النّفوسي، اُنظر ترجمته في الملحَق، رقم: 17.
(2) - روى نحوًا من هذا البغطوري: سيرة أهل نفوسة، 43.
(3) - أورده حديثًا السّمرقندي: تنبيه الغافلين، 2/ 518؛ وأوردَه ابن الأثير: النّهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 454 قولاً لعمر بن الخطّاب، وأورده الغزالي: الإحياء، 2/ 85 قولاً لعبد الله بن عمر.
(4) - الجوهري: باب العين، فصل الشّين: شرع.
(5) - الجوهري: باب الياء، فصل الحاء: حنا.
(6) - مقدّمة التّوحيد وشروحها، 36 (شرح التلاتي). (1/325)
صفحة 326
فإذا كان الورع مَلاك الأمر كلّه وجَبَ على العبد أن يتفقّد نفسَه في جميع أمورها، من قول وفعل وإعطاءٍ ومنعٍ، ويحاسب نفسَه في جيمع ذلك، فما رآه قُربةً إلى الله تعالى فعله، وغير ذلك اِجتنبه.
ويُقال: الورع على أربع درجات (1)، أحدها: ورعُ العُدول، وهو الذي يستحقّ العبدُ بارتكابه النّارَ، وذلك كلّ ما يقتضيه تحريم الفتوى من جميع المحارم؛ ...
--------------------
قوله بارتكابه ... الخ: هكذا فيما رأيناه من النّسخ، ولعلّه: بتركه، أو يكون في النّسخة سَقْط والأصل: بارتكابه النّجاة من النّار، أي بالإتيان به والله أعلم، ويجوز أن يبقى على ظاهره ويكون المعنى: بارتكاب ما يجب أن يتورّع عنه، وهذا الوجه هو الذي يرشد إليه قوله: وذلك كلّ ما يقتضيه ... الخ، لكن يكون الضّمير في قوله: بارتكابه عائدًا إلى غير مذكور، وتخلو الصِّلّة من العائد، والله أعلم فليُحرَّر، ويُحتملُ أن يكون في قوله: وهو الذي حذف مضاف، أي: ترك الذي، أي: ورعُ العُدول هو ترك المحرَّم الذي يستحقّ ... الخ، وهذا أسهلها، لأنّ حذف المضاف من حديث البحر، أي: من باب حدّث عن البحر ولا حرَج، والله أعلم.
قوله تحريم الفتوى: لو قال: ما يقتضي الفتوى تحريمه، لكان أظهر، والمعنى أنّه ممّا يميّزه العلماء وتوجد معرفة تحريمه عندهم، وذلك لأنّ الحرام المجهول على ثلاثة أقسام: مجهول العين، ومجهول التّحريم، ومجهول الصّفة، فالأوّلان لا يُعذر الإنسان فيهما، وأمّا مجهول الصّفة فيُعذرُ فيه لأنّه ممّا لا يميّزه العلماء، كالشّيء المسروق مثلاً، بل يحتاج إلى الشّهادة.
__________
(1) - اقتبس الجيطالي هذا التّقسيم من الغزالي: الإحياء، 2/ 89 وما بعدها. (1/326)
صفحة 327
والثّاني: ورع الصّالحين، وهو الورعُ عن كلّ شُبهةٍ يُستحبُّ اِجتنابها، كقوله - عليه السلام -: «دَعْ ما يريبُك إلى ما لا يَريبك» (1)؛ والثّالث: ورعُ المتّقين، كقوله - عليه السلام -: «إنّما سُمّيَ المتّقون متّقين لتركهم ما لا بأس به مخافة ما فيه البأس» (2)، ولذلك قال عمر - رضي الله عنه -: «كنّا نَدَعُ تسعة أعشار من الحلال مخافة أن نقع في الحرام»، ...
--------------------
قوله عن كلّ شُبهة يُستحبُّ اِجتنابها: قُيِّد به لتخرج الشُّبهة المحقَّقة فإنّها بمنزلة الحرام، وهو ما كان في يد مَن لا يُعلم له أصل الحلال (3).
قوله كقوله - عليه السلام -:لعلّه: لقوله، والمعنى: اُترك ما يوقعك في الرّيْب وهو الشّكّ.
قوله ما يَريبُك: يجوز في حرف المضارعة الفتح والضمّ.
قوله ورعُ المتّقين ... الخ: لو عرّفهُ كما عرّف غيره ثمّ استدلّ له بحديث لكان أظهر، فإنّه لم يتبيّن لنا للتّشبيه معنًى والله أعلم، وفي بعض النّسخ إسقاط قوله: كقوله - عليه السلام - وهي أظهر، ويكون المراد ما يؤخذُ منه تعريف ورع المتّقين.
قوله تسعةُ أعشار ... الخ: هذا يقتضي أن تكون الرّواية في "شرح العقيدة" عن
__________
(1) - أخرجه التّرمذي: أبواب صفة القيامة، باب 22، رقم: 2637؛ والنّسائي: كتاب الأشربة، باب الحثِّ على ترك الشّبهات، رقم: 5727؛ والحاكم: كتاب البيوع، 2/ 13 وصحّحه ووافقه الذّهبي؛ وأحمد: مسند أنس بن مالك، رقم: 12100؛ والطّبراني في الكبير عن وابصة بن معبد، (22/ 147)، رقم: 399.
(2) - لفظ الحديث: «لا يبلغ العبدُ أن يكون من المتّقين حتّى يدَعَ ما لابأس به حَذَرًا لما به البأس» أخرجه ابن ماجة: كتاب الزّهد، باب الورع والتّقوى، رقم: 4215؛ والتّرمذي: أبواب صفة القيامة، باب 14، رقم: 2586؛ والطّبراني في الكبير عن عطيّة السّعدي، (17/ 168)، رقم: 446.
(3) - اِنفرد هـ والحجرية بهذا التّعليق. (1/327)
صفحة 328
وقال أبو الدّرداء: «تمام التّقوى أن يتّقي العبدُ في مثقال ذرّة حتّى يترك بعض ما يرى أنّه حلال خشية أن يكون حرامًا يكون حِجابًا بينه وبين النّار»؛ والرّابع: ورَعُ الصّدّيقين وهو [أن يترُك] (1) ما لابأس فيه أصلاً ولا يخاف أن يؤدّي إلى ما فيه البأس، ولكنّه يُتناوَلُ لغير الله، أو يُجتنَبُ إليه بقوّة غُذِّيَت بمحظور الشّرع، أو يأتي به إليه بعضُ منتهكي حُرُمات الله من الظَّلَمة والفُسّاق، كما قال بعض مشايخنا -رحمهم الله- (2) وقد جاءه ولدُهُ بلحم صيد فأبى أن يأكله، فقال: «كل ما جاء به يونس فهو يونس»، وكان ولده يخالط زناتة في المعامَلَة، والله أعلم.
--------------------
عمر - رضي الله عنه -: كنّا نَدَع تسعين بابًا من الحلال ... ، بالتّاء لا سبعين بالباء، ولعلّه تحريف من النّاسخ (3).
قوله يكون حِجابًا: لو قال: فيكون بالفاء -مثلاً- لكان أولى، والظّاهر أنّ اسم يكون ضمير عائدٌ إلى المصدر في قوله: حتّى يترك، والمعنى: فيكون التّرك حِجابًا، والله أعلم.
قوله وهو ما لابأس فيه: لعلّه: وهو أن يترك الرّجلُ ما لا بأس ... الخ، لأنّه لا يصحّ الحملُ بحسب الظّاهر، لأنّ ما لابأس فيه ليس عينُ الورع.
__________
(1) - زيادة من ج والحجرية.
(2) - هو الشّيخ أبو ويسجين النّفوسي، أحد زُهّاد الإباضية في القرن 3هـ. روى البغطوري أنّ ابنه يونس أولَمَ لزفافه، فلم يحضر والدُه الوليمة، لِما علم من الرّيبة في مال ابنه، فاصطاد يونس ظبيًا وأمر بأن يهيّئ لوالده ويُقدَّم له، ولمّا قُدّم لأبي ويسجين ذلك قال: نحّوه عنّي، فما جاء من قِبَل يونس فهو يونس كلّه؛ وكان يونس يتعامل مع بعض قبائل زناتة التي كانت في ذلك العهد مناصِرة لحركة النّكّار بقيادة يزيد بن فندين الزناتي. اُنظر البغطوري: سيرة أهل نفوسة، 13، 14؛ محمّد عميرة: دور زناتة في الحركة المذهبيّة بالمغرب الإسلامي، 307.
(3) - مقدّمة التّوحيد وشروحها، 35 (شرح التّلاتي)، وهذا التّعليق سقط من د. (1/328)
صفحة 329
والورع لا يتمّ إلاّ بالعلم، لأنّ الجاهل ربّما أغلق على نفسه ما ينبغي، وفتح عليها ما لا ينبغي، فمثال ذلك كرئيس السّفينة إذا كان عالِمًا بالبحر أرساها وأجراها على وجهها، والجاهل بالبحر يُغرق السّفينةَ ومَن فيها، فينبغي للعبد أن يتفقّد جنودَه التي جعلها اللهُ في جسده ويغلِقَها بأبوابها، فباب العينين الجفون، وباب اللّسان الشّفتان، وباب اليدين الكفّ عن المحارم، وباب الفرج الثّوب، وباب الرّجلين الوقوف عند الشّبهات، فإذا حضره أمرٌ حسُن فيه فتحُ باب من هذه الأبواب فليفتَحْه، وإلاّ فليُغلِقْه، وبالله التّوفيق.
((( (1/329)
صفحة 330
فصل
في معرفة أركان الدّين الأربعة
التي هي: الاِستسلام لأمر الله، والرّضى بقضاء الله، والتوكّل على الله، والتّفويض إلى الله.
مسألة في الاِستسلام: وهو فرض على العباد، وتركه معصيّة، ويكون في الفرض والنّفل، ومعناه الخضوع لله تعالى، وحقيقته هو أن يُلجئ العبدُ أمورَهُ التي يرجوها ويخافها إلى الله تعالى، ويستسلمَ له قبل وُقوع الحكم، فإذا وقعَ رضي به كأنّه يريده، فيتبعُ أوامرَه بالاِمتثال وزاجرَه بالكفّ والاِنتهاء، وليس له مع اللهِ - عز وجل - خِيارٌ في جميع مقاديره من الأوامر والنّواهي وجميع الأحكام، فإذا كان العبدُ بهذه المنزلة كان مستسلِمًا مُسلِمًا لله سبحانه.
--------------------
قوله في معرفة أركان الدّين: قال في "السّؤالات" بعد أن ذكر الأركان الأربعة: «وتدخل فيهم طاعة الله كلّها، وكلّ واحدٍ تدخلُ فيه أيضًا، وكلّ واحد يدخل في الآخر» (1).
قوله وتركه معصيّة: لو قال: وتركه كُفرٌ، لكان أظهر، لأنّه لا يلزم من العصيان الكُفر، فإنّ الظّاهر أنّ المراد بالعصيان هاهنا الكُفر بدليل جعلِه مقابلاً للفرض، والله أعلم.
قوله أن يُلجئ: من الإلجاء وهو المضايَقَة، والمراد أن يرُدّ أمورَه كلَّها إلى الله.
قوله قبل وُقوع الحكم فإذا وقع ... الخ: فيه إشارة إلى الفَرْق بين الاِستسلام والرّضى.
__________
(1) - السّوفي، 362. (1/330)
صفحة 331
مسألة في الرّضى: وهو أيضًا قريب من الاِستسلام، ومعناه أن يرض العبدُ بأوامر الله تعالى فيمتثلها، وبنواهيه فيجتنبها، وبما قدّر عليه من الأمراض والمصائب فيرضى بها ولا يسخطها، بل يصبر على ذلك محتسِبًا فيه الأجر والثّواب، لأنّ ذلك عدْلٌ من الله وصواب، وإن لم يرض بجميع ما ذكرناه وسخِطَه، أو جوَّرَ اللهَ تعالى في فِعله ذلك فقد هلَكَ وبطل أجرُه.
وأمّا المتصوّفة فالرّاضي عندهم: هو المحبّ لما يغشاه من قِبَل اللهِ - عز وجل -، من أمرٍ ونهيٍ وحادِثٍ محبوبًا كان أو مكروهًا، وليس الرّاضي عندهم راضيًا حتّى يحبّ جميع ذلك ويُؤْثِره على ما سِواه، ويكون في جرَيان المقادير عليه من قِبَل اللهِ - عز وجل - كالميّت بين يدي الغاسل (1)، ...
--------------------
قوله ومعناه أن يرض العبدُ ... الخ: قال أبو سهل -رحمه الله- في عقيدته: «ويجب الرّضى بالقاضي والقضاء والمقضيّ» (2)، يعني -والله أعلم- بالرّضى بالمقضيِّ أنّه إن كان طاعة على جهة الاِمتثال، وإن كان معصيّة على جهة الاِجتناب، كما أشار إليه المصنّف -رحمه الله-.
قوله محتسِبًا ... الخ: في "القاموس": «واحتسَبَ بكذا أجرًا عند اللهِ تعالى: اِعتَدّه ينوي به وجهَ الله تعالى» (3).
قوله أو جوَّر اللهَ: أي نسبه إلى الجور، تعالى اللهُ عن ذلك.
__________
(1) - اُنظر: الغزالي: الإحياء، 4/ 317 وما بعدها.
(2) - أبو سهل يحي بن إبراهيم الوارجلاني: العقيدة، ظهر الورقة 201 (مخطوط ضمن مجموع)، وانظر ترجمة أبي سهل في الملحق، رقم: 59.
(3) - الفيروزابادي: باب الباء، فصل الحاء: حسب. (1/331)
صفحة 332
وليس الذي قالوه من ذلك ببعيد، وقد قال النّبيء - عليه السلام - لابن عبّاس - رضي الله عنه -: «يا ابن عبّاس: اِعمل على الرّضى واليقين وإلاّ ففي الصّبر على ما تكرهه خير كثير» (1)، يريد -والله أعلم- أنّ العبدَ إذا لم يجد في نفسه سرورًا في عمل الطّاعة وترك المعصيّة فليحمِل نفسه على الصّبر في ذلك، فإنّ فيه خيرًا كثيرًا، وإن كان منزلة الصّابر دون منزلة الرّاضي، والله أعلم.
--------------------
قوله اِعمل على الرّضى ... الخ: في "السّؤالات": «وفي الحديث: اُعبد اللهَ على الرّضى ... الخ» ثمّ قال: «يريد أنّ العبدَ إذا لم يجد ... الخ» وجزم بأنّ معنى الحديث هو هذا (2).
قوله وإلاّ ففي الصّبر ... الخ: ظاهر هذا الحديث إلى آخر تفسيره مشكل، فإنّه يقتضي أنّ الرّضى ليس بواجب بل الواجب الصّبر مع أنّه ركن من أركان الدّين، اللهمّ إلاّ أن يُقال: الرّضى الذي جُعل ركنًا من أركان الدّين أعمّ من الرّضى المذكور في الحديث، فإنّ الأوّل المراد منه: عدم السّخط، فيشمل الصّبرَ على ما يكرهه، كما أشار إليه المصنّف -رحمه الله- بقوله أوّلاً: فيرضى بها ولا يسخطها بل يصبر ... الخ (3)، والثّاني: المراد منه المحبّة والسّرور فقط، والله أعلم.
قوله الرّاضي: أي المحبّ، وإلاّ فالرّضى بمعنى: ترك السّخط لابدّ منه، قال ابن بكر -رحمه الله- في "تبيين أفعال العباد": «وسُئل عن هذا الذي وجبَ عليه رِضاه
__________
(1) - أخرجه أحمد: مسند عبد الله بن العبّاس، رقم: 2804؛ والهندي: كنز العمّال (16/ 136)، رقم: 44165 وعزاه لابن بشران، وهذا بألفاظ متقاربة.
(2) - السّوفي، 362.
(3) - تأخّرت عبارة الاِستدلال بقول الجيطالي في ب و هـ و د إلى ما بعد النّوع الثّاني من الرّضى. (1/332)
صفحة 333
مسألة في التّوكّل: وهو فرض واجب على العبد، قال اللهُ سبحانه: {وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّومِنِينَ} [المائدة: 23]، ومعنى التوكّل: سكونُ القلبِ في ضمان الرّبّ، والطّمأنينة بما عند اللهِ دون غيره في جميع المواهب والإحسان من نِعم الدّنيا والآخرة.
اِعلم أنّ الجاهلَ قد يظنّ أنّ معنى التوكّل: ترك الكسب بالبدن والتّدبير بالقلب، والسّقوط على الأرض كالخِرقة المُلْقاة، ...
--------------------
هل يجب عليه حبّه؟ قال: لا، إنّما يجب عليه ألاّ يسخط فِعل الله ولا يخطّئه، مثل ما ابتلاهُ اللهُ به من المصائب وذهاب الأحباب والأموال، وما ابتلاهُ اللهُ في بدنه من الأمراض وذهاب بعض أعضائه، وأمّا كراهية ذلك فلا تجوز له إلاّ ما لا تنعري منه الطّبيعة مثل كراهيته وُصول الألم إليه، وكراهيته فقد أحبابه وما ينفعه من جوارحه، وكذلك ما ابتلاه اللهُ به من الفرائض فعليه حبّها وإرادتها من جهة الطّاعة والثّواب الذي أوجبَ اللهُ عليها، وأمّا من جهة الضّيق عليه وانقطاع عذره إن لم يفعل فلا بأس عليه في هذا الوجه من جهة كراهيته المضار كلِّها وما يقوم عنها، والرّضى بالقضاء الذي قدّمنا ذِكرَه أنّه واجب (1) عليه من جهة ما فعله اللهُ ... الخ» (2).
قوله في جميع المواهب والإحسان ... الخ: ظاهره أنّ التوكّل خاصّ بما يتعلّق بالنّعم مع أنّه ذكر في "السّؤالات" كما تقدّم بالهامش أنّه: «تدخل فيهم طاعة اللهِ كلُّها، وكلّ واحدٍ تَدخل فيه أيضًا، وكلُّ واحد يدخل في الآخر»، والله أعلم.
__________
(1) - في نسخ الحاشية: وَجَب، وأثبتنا ما وَرَدَ في "تبيين أفعال العباد" نفسه.
(2) - أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر: تبيين أفعال العباد، 2/ 124. (1/333)
صفحة 334
وكاللّحم على الوضم، وهذا ظنّ الجاهل، فإنّ ذلك حرام في الشّرع، لأنّه قد أثنى على المتوكّلين، فكيف يُنالُ مقامٌ من مقامات الدين بمحظوراته، بل نكشف الغطاء عنه ونقول: إنّما يظهر تأثير التوكّل في حركة العبدِ وسعيه بعمله إلى مقاصده، إمّا أن يكون لجلب نافع مفقود بالكسب، أو لحفظ موجودٍ عنده بالادّخار، أو لدفع ضارّ لم ينزل به كاللّصّ والسِّباع، أو لإزالة ضارّ قد نزل به كالتّداوي من المرض، فمقصود حركات العبدِ لا تعدو هذه الوجوه؛ أمّا جلْبُ نافعٍ فيكون على ثلاثة أوجه، أحدها: مقطوع به مثل الأسباب التي ارتبطت المسبّبات بها بتقدير اللهِ اِرتباطًا مطّرِدًا لا يختلف، مثل الطّعام الموضوع بين يدي الجائع المحتاج إليه فلا يمدّ إليه اليدَ فيقول: إنّي متوكّل وشرط التوكّل ترك السّعي، ومَدُّ اليدِ سعيٌ وحَرَكة، ...
--------------------
قوله على الوَضَم: أي بفتحتين، في "الصّحاح": «الوَضَم كلّ شيء يوضعُ عليه اللّحم من خشب أو باريّة [أي حصير] يوقى به من الأرض ... الخ» (1)، [وضبطه: الوَضَم بفتحتين] (2).
قوله وسعيُه: سعيُه مبتدأ خبره جملة قوله: إمّا أن يكون ... الخ.
قوله بعلمه: أي بسبب علمه.
قوله بالكسب: متعلّقٌ ب جَلْبِ (3).
قوله لا يختلف: لعلّه: لا يتخلّف.
قوله وشرط التوكّل ... الخ: أي على زعم هذا الجاهل.
__________
(1) - الجوهري: باب الميم، فصل الواو: وضم، ولفظه: يُجعل عليه اللّحم ... .
(2) - زيادة من الحجريّة.
(3) - اِنفردت الحجريّة بهذا التّعليق. (1/334)
صفحة 335
وكذلك مضغه بالأسنان، فهذا جُنون وليس من التوكّل في شيء، فإنّه إن انتظر أن يخلق اللهُ فيه شَبَعًا دون أكل الخبزِ، ودون أن يتحرّك إليه، أو يسخّر ملَكًا يمضغه له، فقد جهل سُنّة الله تعالى في البلاد والعباد، وكان كمَن طمع في الزّرع بغير بَذْرِ ولا حرثٍ، وطمع في الولَد بغيرِ جِماع زوجته - كمريم ابنة عِمران-، وأمثال هذا ممّا يكثُرُ، فليس التوكّل في هذا المقام بالعمل بل بالحال والعِلم، أمّا العلم: فهو أن يعلم أنّ اللهَ تعالى خالِقُ الطّعام واليدِ، وأنّه الذي يُطعمه ويسقيه، وأمّا الحال: فيكون سُكونه واعتماده على فضل اللهِ تعالى، لا على اليد والطّعام إذ تجفّ اليدُ ويُسلبُ الطّعام في الحال، وإذا كان حالُه هكذا وعلمه فليمُدَّ إليه اليدَ فإنّه متوكّل. الوجه الثّاني: الأسباب التي ليست متعيّنة، لكن الغالب أنّ المسبَّب لا يحصُلُ دونها، كالذي يسافر في البادية بغير زاد، فهذا متوكل بشرطين، أحدهما: أن يكون قد رَاضَ نفسه على الصّبر على الطّعام أسبوعًا أو ما قارَبَه، والثّاني: أن يكون بحيث يتقوّت بالحشيش والأشياء الخسيسة؛ فبين الوجهين فرْقٌ، لأنّه في هذا الوجه يُحتمَلُ أن يجد طعامًا، أو ما يُعطى له، أو ينتهي إلى محلّةٍ أو قرية، والوجه الأوّل لا يحتمل أن يترك الطّعام ممضوغًا في فيه فبينهما فرْق، ولكن الثّاني قريب من معنى الأوّل، ولهذا نقول: لو انحاز إلى جبل لا ماء فيه ولا حشيش ولا يطرُقُه ...
--------------------
قوله بشرطين: أي بأحد شرطين، فإنّ أحدهما كافٍ والله أعلم. (1/335)
صفحة 336
إنسان وجلس فيه متوكّلاً لكان آثمًا ساعيًا في إهلاكِ نفسه، كما روي أنّ زاهدًا فارقَ الأمصار وأقام في جبل سبْعًا وقال: لا أسأل أحدًا، فكاد يموت، فقال: يا ربّ اِئتِني برزقي، فأوحى الله إليه: «وعزّتي وجلالي لا رزقتك حتّى تدخلَ الأمصار»، فدخل فجاءه هذا بطعام وهذا بشراب فأوجس في نفسه من ذلك، فأوحى اللهُ إليه: «أَرَدْتَ أن تذهِب حِكمتي بزهدك، أما علِمتَ أنّي أرزق عبدي بأيدي عبادي أحبُّ إليّ أن أرزقه بيد قدرتي»، فإذًا التّباعُد عن الأسباب كلّها مراغَمَة للحِكمة، وجهلٌ بسُنّة الله تعالى، فالأوّل متوكّلٌ بالحال والعلم، والثّاني متوكّل بالحال والعلم والشّروط إذ يمكن أن يؤخذَ الزّاد من صاحبه فيموتَ جوعًا. الوجه الثّالث: القاعد في مسجد قرية تارِكًا للكسب، فهذا متوكّلٌ ولكنّه أضعف من الأوّل، ...
--------------------
قوله فأوجس: في "الصّحاح": «والوجَسُ أيضًا: فَزْعة القلب، والواجِسُ [أيضًا]: الهاجِس، وأَوْجَسَ في نفسه خيفة أي: أضمر ... الخ» (1).
قوله أحبّ إليّ: الظّاهر أنّه خبر لمبتدإ محذوف، أي وذلك (2).
قوله مراغَمَة للحكمة: في "الصّحاح": «والمراغَمَة: المغاضَبَة، يُقال: راغَمَ فلان قومَه إذا نابذهم وخرج عنهم ... الخ» (3).
قوله والشّروط: أراد بالشّروط ما فوق الواحد.
قوله من صاحبه: الضّمير فيه عائد إلى الزّاد.
__________
(1) - الجوهري: باب السّين، فصل الواو: وَجس.
(2) - انفردت الحجرية بهذا التّعليق.
(3) - الجوهري: باب الميم، فصل الرّاء: رغم. (1/336)
صفحة 337
لأنّه بالقُعود في المِصر متعرِّض لأسباب الرّزق، ولكن هذا لا يبطُلُ توكّله إذا كان نظره إلى [الله] (1) مسخِّرِ سكّان البلد، والله أعلم. والوجه الرّابع: أن يكتسب على الوجه المباح في الشّرع، يرى كسبه وبِضاعته -بالإضافة إلى قدرة الله تعالى- كما يرى القلم في يد الملَك، فلا يكون نظره إلى القلم بل إلى قلب الملَك بماذا يتحرّك وإلى ماذا يميل، فإذا كان هكذا فهو ببدنه مكتسبٌ وبقلبه عنه منقطع، فحال هذا أشرفُ من حال القاعدِ في بيته إذا روعِيَت فيه الشّروط، و انضاف إليه الحال والمعرفة كما سبق؛ والدّليل على هذا أنّ الصّدّيق - رضي الله عنه - لمّا بويِع للخلافة أخذ الأثواب تحت حِضنه فدخل السّوق ينادي، فعوتِبَ، فقال: «لا تُشغلوني عن عِيالي فإنّي إن ضيّعتهم كنت لِما سِواهم أضيع»، ففُرض له قوتُ عياله من بيت المال، ...
--------------------
قوله متعرّض لأسباب الرّزق: يعني وليست الأسباب حاصلة عنده ولا متعاطٍ لها، بخلاف الأوّل فإنّ الأسباب حاصلة عنده فلذلك كان هذا أضعف، والله أعلم فليُحرّر.
قوله والوجه الرّابع: في تسميّة هذا البحث وجهًا رابعًا نظر، لأنّه لم يتقدّم له ذِكر في التّرجمة، فإنّه حصَرَ جلب المنافع في ثلاثة أوجه، والله أعلم.
قوله عنه منقطع: أي عن الكسب.
قوله حِضنِه: في "الصّحاح": «الحِضْنُ: ما دون الإبط إلى الكشح، وحِضْنا الشّيء جانباه، ونواحي كلّ شيء: أحضانه ... الخ» (2).
__________
(1) - زيادة من ج.
(2) - الجوهري: باب النّون، فصل الحاء: حضن. (1/337)
صفحة 338
وتجرّد حينئذ للقيام بأمور المسلمين (1)، فيستحيل أن يُقال: لم يكن الصدّيق متوكِّلاً فمَن أولى بالتوكّل منه؟ فدلّ أنّه كان متوكّلاً لا باعتبار ترْكِ الكسب، وكذلك غيره من أولياء الله وأنبيائه، والله أعلم.
مسألة: ويجوز للعبد الاِتّكال على الله في منافع الدّنيا، من غير أن يستحقّها ولا أن يُجري ذلك على أيدي العباد، وأمّا منافع الآخرة وثوابها فلا يتّكل على الله دون أفعاله، ولا على أفعاله دون اللهِ، ...
--------------------
قوله من غير أن يستحقّها: أي من غير أن يتعب عليها فيستحقّها في نظير تعبه.
قوله فلا يتّكل على الله دون أفعاله ... الخ: يعني لقوله - صلى الله عليه وسلم - حين قيل له: أفنتّكل على كتابنا وندعُ العمل؟ قال: «اِعملوا ولا تغترّوا» الحديث (2).
قوله ولا على أفعاله ... الخ: يعني لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لن يدخل الجنّة أحدكُم بعمله» (3)، يعني -والله أعلم- معتمِدًا عليه، فلا يُنافي قوله تعالى: {اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النّحل: 32]، ولذلك قال أصحابنا -رحمهم الله-: لا يدخل الجنّةَ أحدٌ إلاّ بثلاثة أشياء: برحمة اللهِ، والعمل الصّالح، وشفاعة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، كما ذكره المصنّف -رحمه الله- في
__________
(1) - أخرج هذا ابن سعد: الطّبقات الكبرى، 3/ 185؛ والبيهقي: السّنن الكبرى، 6/ 574.
(2) - رواه أصحاب السّنن بأسانيد مختلفة وألفاظ متعدّدة، أقربها لرواية المصنّف رواية ابن ماجة: المقدّمة، باب في القدَر، رقم: 78.
(3) - أخرجه الرّبيع بن حبيب: باب الآداب، رقم: 736، وتقدّم نحوه في صفحة: 45. (1/338)
صفحة 339
وإن اتّكل على الله أن يُثيبه هو أو غيره في الآخرة بغير أفعال فقد قيل: إنّه يهلَكُ، وإن استوثق العبدُ بما في يده وظنّ أنّه لا يزول فهذا اتّكال على غير اللهِ تعالى، وأمّا إن تيقّن أنّه من عند اللهِ وهو قادِرٌ على إزالته فهو متوكّل على الله، ويُقال: الاِستيثاق بما في اليد من ضعف اليقين، والثّقة بالموجود ظنّ سوءٍ بالمعبود، وبالله التّوفيق، وقد ذكرنا طرفًا من التوكّل وشواهده في باب القدَر والله أعلم (1).
--------------------
آخر "القناطر" (2)، وكذلك في آخر "المسنَد"، فليُراجَع (3).
قوله فقد قيل إنّه يهلكُ: الظّاهر الجزم بهلاكه.
قوله وبالله التّوفيق: إن قلتَ: كيف جعل المصنّف -رحمه الله تعالى- هذا آخر الكلام على التوكّل مع أنّه تقدّم أنّه حصَرَ مقصود حركات العبد في أربعة أوجه فتعرّض لواحدٍ منها وهو جلْبُ نافِعٍ مفقود وترَكَ الباقي؟
قلت: لعلّ في قوله: وقد ذكرنا طرفًا من التوكّل ... الخ إشارة إلى الثّلاثة الباقية فإنّها تؤخَذُ من كلامه -رحمه اللهُ- فيما تقدّم، فإنّ حِفظ موجودٍ عنده بالاِدّخار يؤخَذُ من قوله - صلى الله عليه وسلم - للرّجل الذي جاء على ناقته: «اِعقَلْها وتوكّلْ»، ودفْعَ ضارّ لم ينزِل به يؤخَذُ من فعله - صلى الله عليه وسلم - حين ظاهر بين دِرعين؛ واتّخذ خندقًا حول المدينة، ودَفْعَ ضارّ نزَلَ به يؤخَذُ من فعله وقوله - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) - اُنظر صفحة: 90 المتقدّمة ومابعدها.
(2) - الجيطالي: قناطر الخيرات، 3/ 551، 552.
(3) - أخرج الرّبيع بن حبيب عن جابر بن زيد أنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما منكم من أحدٍ يدخل الجنّة إلاّ بعمل صالح، وبرحمة الله، وشفاعتي» الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد، رقم: 1001. (1/339)
صفحة 340
مسألة في التّفويض: اِعلم أنّ تفويض الأمور إلى الله تعالى فرضٌ واجبٌ، ومعناه: أن تعلم أنّه لا يملكُ ضرّكَ ونفعَكَ وحياتَكَ وموتَكَ إلاّ اللهَ، ولا لَكَ رازِقٌ غيره، ولا معطٍ سِواه، ولا مانع حاشاه، فإذا استقرّ ذلك في قلبك فقد فوّضت الأمورَ التي تنجو بها وترجو إلى مالِكِها، فأُسُّ التّفويض والباعثُ عليه إنّما هو اعتقاد أنّه لا يكون من الخير ولا من الشرّ إلاّ ما أراد اللهُ كونه، فإذا كان اعتقاد العبدِ هكذا فقد استراح قلبُه من الخضوع إلاّ لمولاه - عز وجل -، ...
--------------------
حين استرقى واكتوى وتداوى وأمر بالمداواة وقال: «إنّ الذي أنزَلَ الدّاء هو الذي أنزل الدّواء»، والله أعلم (1).
قوله ومعناه أن تعلم ... الخ: لو قال: ومعناه ردّ جميعِ الأمور إلى اللهِ، لكان أظهر ومناسبًا أيضًا لِما في كتب اللّغة، قال في "الصّحاح": «فوّض إليه الأمرَ أي: ردّهُ إليه» (2)، بخلاف تفسيره بعلم تلك الأمور فإنّه قد لا يجري على مقتضى علمه فلا يكون مفوِّضًا، ويدلّ على أنّ معنى التّفويض ليس هو عينُ العلم بما ذَكر قوله بعد ذلك: والباعثُ عليه إنّما هو اعتقاد أنّه ... الخ، فجعل الاِعتقاد باعِثًا على التّفويض لا عينَه، والله أعلم فليُحرّر.
قوله فأُسُّ التّفويض والباعثُ عليه ... الخ: الظّاهر أنّ بين كلاميه تدافعًا، فإنّ أوّل كلامه يقتضي أنّ التّفويض هو الاِعتقاد، وآخره يقتضي أنّه غيرُه حيث قال: والباعثُ عليه ... الخ فإنّ الباعثَ على الشّيء غيرُه، والله أعلم.
__________
(1) - اُنظر تخريج الأحاديث المذكورة فيما تقدّم، صفحات: 93، 94، 95، 96.
(2) - الجوهري: باب الضّاد، فصل الفاء: فوض. (1/340)
صفحة 341
وقد قال سبحانه حكاية عن مؤمن آل فرعون: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِيَ إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44]، وقد بالغ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - في التّصريح به والنصّ عليه بقوله لعبد الله بن مسعود: «ليقلّ همّك ما قُدِّرَ أتاك وما لم يُقدَّر لم يأتكَ» (1)، «واعلم أنّ الخلقَ لو جهدوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه اللهُ - عز وجل - لكَ لم يقدِروا على ذلك، ولو جهدوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبهُ اللهُ - عز وجل - لك لم يقدِروا على ذلك» (2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لِيَقلَّ همُّكَ» أمرٌ بالتّفويض، لأنّه يكون بالقلب واللّسان جميعًا وإن كان أصله من القلب، وإن نزل على العبدِ بلاءٌ أو نِعمةٌ فشكّ أنّه من اللهِ أو من غيره أو أنكر أن يكون من قِبَل اللهِ فقد هلك على كلّ حال، والله أعلم وأحكم.
--------------------
قوله وقوله - صلى الله عليه وسلم -: الأولى الإتيان بالفاء (3).
قوله أمرٌ بالتّفويض: يعني -والله أعلم-: أمر بالاّزِم، لأنّه يلزَمُ من أمرِ همومه أن تقلّ، أمره بالتّفويض لأنّه لا تقلّ همومه إلاّ إذا فوّض الأمور إلى الله.
[تمّ القسم الأوّل من حاشية القواعد بحمد الله و حُسن عونه يتلوه القسم
الثّاني -إن شاء الله- وأوّله الرّكن الثّاني في شروط الصّلاة وما فيها من السّنن والآداب]
__________
(1) - لفظ الحديث: «لا تكثِر همّك ما يُقدَّر يَكُنْ وما تُرزَقُ يأتيك» أخرجه البيهقي: شعب الإيمان، باب التوكّل والتّسليم، رقم: 1188؛ كما أخرجه ابن حبّان والدّيلمي وابن عساكر وأبو نعيم وآخرون. البيهقي: شعب الإيمان، 2/ 67؛ الهندي: كنز العمّال، 1/ 109، ولم نقف على لفظ المصنّف.
(2) - هذا من قول الرّسول - صلى الله عليه وسلم - لابن عبّاس، وليس لابن مسعود كما توهّم المصنّف إذ ضمّ الحديثين إلى بعضهما؛ والحديث أخرجه أحمد: مسند عبد الله بن عبّاس، رقم: 2804 شطرًا منه.
(3) - كما في نسخة ب من القواعد. (1/341)
صفحة 342
ملحق التّراجم (1/342)
صفحة 343
01 - إبراهيم بن إبراهيم الدّجمي المزاتي (ق 5 هـ)
هو إبراهيم بن إبراهيم بن يخلف بن مالك المزاتي الدّجمي التّغرماني، فقيه من أعلام القرن 5هـ بأريغ، تتلمذ على الشّيخ أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي، وهو صاحب الرؤيا التي دفعت بالشّيخ أبي الرّبيع إلى التّأليف بعد امتناعه، وقد ذكرها أصحاب السِّير، وهو راوية للأخبار والآثار، روى عنه الوسياني والدّرجيني في كتبهم، يرِد عندهم باسم: إبراهيم بن إبراهيم، أو باسم إبراهيم بن أبي إبراهيم، ونرجّح أنّهما اسمان لشخص واحد.
- الوسياني: السِّير، 279؛ الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 194، 2/ 413؛ مجهول: تسميّة شيوخ الوهبيّة، 595 ملحَقًا بسِير الشّمّاخي.
02 - إبراهيم بن قيس الحضرمي (ت 475 هـ)
هو إبراهيم بن قيس بن سليمان الهمذاني الحضرمي الشّاري أبو إسحاق، أحد أئمّة الإباضية بحضرموت، نشأ بها وتعلّم بين أحضان والده الذي عُرف بالعلم والصّلاح، عاش إبراهيم طول حياته مجاهدًا وغازيًا في سبيل الله، وهو من أئمّة الشّراة في جنوب الجزيرة العربيّة، له علاقات وطيدة مع أئمّة عُمان إذ كانوا له سنَدًا في إظهار دعوته بحضرموت، وكان لهم بها عاملاً، جمع إلى السّيف والإقدام القلم والإعلام، فنظَم وألّف، وممّا وصلنا من آثاره:
? ديوان السّيف النقّاد، في بعض أغراض الشّعر، مطبوع.
? كتاب مختصر الخصال، في الفقه مطبوع، نظمه الشّيخ عبد الله بن حُميد السّالمي وأسماه: مدارج الكمال، ثمّ شرحه وأسماه: معارج الآمال شرح مدارج الكمال نظمِ مختصر الخصال، وهو مطبوع في 18 مجلّدًا.
? كتاب الدّلائل والحُجج في الفقه، مخطوط يسعى إلى تحقيقه بعض الأساتذة مؤخَّرًا. (1/343)
صفحة 344
اِنتقل إلى رحمة ربّه سنة 475هـ.
- إبراهيم بن قيس الحضرمي: ديوان السّيف النقّاد، التّرجمة الملحَقَة بآخره؛ سالم بن حَمَد الحارثي: العقود الفضِّية في الأصول الإباضية، 229.
03 - إبراهيم بن ملال المزاتي (ق 4 هـ)
هو إبراهيم بن ملال المزاتي أبو إسماعيل، من بني مطكود، عالِم متكلّم وفقيه، عاش في القرن 4هـ بالجريد (جنوب تونس)، كان تعلّمه بقرية توزر في درب بني ميدول من بني وسين، وكان معاصرًا للشّيخين أبي نوح سعيد بن زنغيل وأبي مسور يسجا بن يوجين، ولعلّه تعلّم عندهما؛ اِشتغل طول حياته بالعلم والتّعليم، فكان من تلاميذه أبو محمّد ماكسن بن الخير، ومن تآليفه بعض الأبواب من كتاب "الجهالات" المنسوب للشّيخ تبغورين بن عيسى الملشوطي، وخصّصوا بالذّكر مسألة الإنسان، ومسألة التّفرقة بين الكفر والشّرك، ومسألة الدّلائل، كما أنّ له آراء وفتاوى محفوظة في كتب الفقه والسِّيَر، ويُنعت الشّيخ -رحمه الله- بالبصير لفقدان بصره.
- أبو عمّار عبد الكافي: شرح الجهالات، 48، 53؛ الوسياني: السّير، 58 وما بعدها؛ جمعيّة التّراث: معجم أعلام الإباضية، 2/ 49، ترجمة: 59.
04 - ابن عبّاد المصري (ق 2 هـ)
فقيه ومفت، وزعيم الإباضية في عصره بمصر، عاصر الإمام الرّبيع بن حبيب زعيم الإباضية بالبصرة، وقد تتلمذ معه عند أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، وهو ممّن يروي عنهم أبو غانم الخراساني في مدوّنته، وقد اُختلِف في اسمه فذكره الشمّاخي باسم عبد الله بن عبّاد، وذكر أنّه نقل عن كتاب "سيرة أهل نفوسة" للبغطوري، غير أنّ هذا الأخير ذكره باسم أبي عبد الله محمّد بن عبّاد المصري، وهو أوثق وأقدم. (1/344)
صفحة 345
**مقرن بن محمّد البغطوري: سيرة أهل نفوسة، 100؛ السّوفي: السّؤالات، 98؛ ابن خلفون: الأجوبة، ملحق التّراجم لعمرو خليفة النّامي، 108؛ البرّادي: رسالة في كتب أصحابنا، ملحقَة بكتاب "الموجز"، 2/ 284؛ الشمّاخي: السّير، 123، 132.
05 - أبو القاسم بن إبراهيم البرّادي (ق 8 - 9 هـ)
هو أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرّادي، عالم عاش بين القرنين 8 - 9هـ، نشأ بتونس، وتعلّم على الشّيخ عامر بن علي الشمّاخي بجبل نفوسة، وعلى الشّيخ يعيش بن موسى الزواغي بجربة، تولّى التّدريس بمدرسة وادي الزّبيب، حومة جعبيرة بجربة وانخرط بمجلس العزّابة حيث قام بواجبه الاِجتماعي والعلمي، خلّف تراثًا هامًّا أثرى به المكتبة الإسلاميّة، وتآليفه من أجود ما أُلّف في فنّها، منها:
? الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخلّ به كتاب الطّبقات، وهو مطبوع، والطّبقات لأبي العبّاس الدّرجيني.
? شرح كتاب العدل والإنصاف لأبي يعقوب يوسف الورجلاني سمّاه: البحث الصّادق والاِستكشاف عن حقائق معاني كتاب العدل والإنصاف، ولكنّه لم ينته منه، مخطوط.
? شرح منظومات الدّعائم للشّيخ ابن النّظر العماني، سمّاه: شفاء الحائم على بعض الدّعائم، ولكنّه لم ينته منه، مخطوط.
? رسالة في: الحقائق المحتاج إليها، وهي تعاريف لأهمّ المصطلحات في العقيدة والفقه والأصول، مطبوع.
? رسالة في كتب أصحابنا، وهو فهرس عامّ لكتب علماء الإباضية مشارقة ومغاربة، مطبوعة. (1/345)
صفحة 346
? فتاوى وجوابات فقهية، مخطوطة.
- الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، 1/ 124، وغيره.
06 - أبو ميمون الجيطالي (ت 283 هـ)
من مشايخ الإباضية بليبيا، وُلد بجبل نفوسة وأخذ العلم عن مشايخه، تفرّغ للتّعليم طول حياته، وله بالجبل مصلّى معروف باسمه يظهر أنّه كان مقرّ حلقته، شارك أبو ميمون في وقعة مانو سنة 283هـ فاستُشهد فيها -رحمه الله-زوجته هي أمّ يحي معروفة بالعلم والورع، كانت لها حلقة علم كما لزوجها.
وكان في صغره قد تفرّست فيه أمّه النّبوغ والعلم، فكانت إذا حضرت مجلس علم وذِكر سكن وهدأ بالاً، وإذا صارت إلى غيره تغيّر حاله وكثر بكاؤه، وتوفّيت وهو لا زال صبيًّا في المهد، وللخير الذي تفرّسته فيه جعلته وكيلاً على وصيّتها، ولمّا بلغ أخبروه بذلك، فسأل عمّن يتولاّها له، ليتولاّها ويحُجّ عنها، فلم يجد إلاّ امرأة واحدة، وسأل مشايخ الجبل فلم يفتوا له، فشدّ الرّحال للمشرق ودخل على الشّيخ ابن عبّاد بمصر فأفتى له بأن يتولّى أمّه بشهادة تلك المرأة.
- البغطوري: سيرة أهل نفوسة، 100؛ جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 5/ 677، ترجمة: 1003.
07 - أحمد بن سعيد الشمّاخي (ت 928 هـ)
هو أحمد بن سعيد بن عبد الواحد بن سعيد الشمّاخي أبو العباّس، من علماء الإباضية بليبيا، وُلد في بلدة يفرن بجبل نفوسة وتوفّي بها، أخذ العلم عن الشّيخ أبي عفيف صالح بن نوح، أثرى المكتبة الإسلامية بتآليف عديدة، منها:
? كتاب السّير، في سيرة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الرّاشدين، وتاريخ أعلام الإباضية إلى زمانه، مطبوع.
? (1/346)
صفحة 347
شرح عقيدة التّوحيد المنسوبة للشّيخ أبي حفص عمرو بن جُميع، مطبوع.
? شرح على منظومات الدّعائم لابن النّظر العماني، سمّاه: إعراب مشكل الدّعائم، مخطوط.
? مختصر العدل والإنصاف لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني في أصول الفقه، مطبوع.
? شرح مختصر العدل والإنصاف، حقّقه الطّالب مهنّي بن عمر التواجيني لنيل شهادة الماجستير.
? شرح كتاب مرج البحرين لأبي يعقوب يوسف الورجلاني، مفقود.
? شرح رسالة الدّيانات للشّيخ عامر بن علي الشمّاخي، نسبه له الشّيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيّش ولم يره لا هو ولا نحن.
? جوابات وردود في العقيدة والفقه واللّغة، مخطوطة.
توفّي سنة 928هـ.
- أبو إسحاق إبراهيم اطفيّش: مقدّمة التّوحيد وشروحها، 4؛ مهنّي عمر التواجيني: تحقيق شرح مختصر العدل والإنصاف، قسم الدّراسة، 115؛ جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 2/ 71، ترجمة: 90.
08 - أحمد بن سليمان بن النّظر (ق 5 هـ)
هو أحمد بن سليمان بن عبد الله بن أحمد بن الشّيخ الخضر بن سليمان أبو بكر العماني، من قبيلة بني النّظر، من علماء القرن 5 هـ، نشأ في مدينة سمائل، وأخذ العلم عن مشايخ عُمان، منهم الشّيخ مبارك بن سليمان بن ذهل، ظهر تفوّق الشّيخ أحمد ونبوغه منذ الصّغر، إذ اشتهر (1/347)
صفحة 348
علمه وذاع صيته، وهو ابن 14 سنة، أوتي موهبة خارقة في الحفظ والنّظم، إذ كان يحفظ من أشعار العرب 40 ألف بيت، ومن سيرهم وتواريخهم الشّيء الكثير، وكان ينظم القصيدة في ليلة، من تآليفه:
? سلك الجمان في سيرة أهل عُمان، مفقود.
? الوصيد في التّقليد، مفقود.
? قرى البصر في جمع المختلف من الأثر، مفقود.
? ديوان شعر في أغراض الأدب، مزّقه بعد تفقّهه.
? منظومات في الشّريعة، مفقودة.
? ديوان الدّعائم يحتوي على 27 قصيدة، مطبوع، ومشروح من طرف كلّ من الشّيخ ابن وصّاف العُماني، وأبي القاسم البرّادي، وأبي العبّاس أحمد الشّمّاخي، وأبي القاسم بن يحي المصعبي، ويحي بن صالح الأفضلي، ويوسف بن حمّو المصعبي، ومحمّد بن يوسف اطفيّش.
قتله الطّاغية خردلة بن سماعة، لمّا أبى الشّيخ أن يعطيه نصف مهر ابنة أخته التي وُكِّل عليها، لأنّ خردلة كان من عادته أخذ نصف مهر كلّ امرأة تتزوّج، ولمّا لم يرض الشّيخ بذلك أمر خردلةُ بأن يُلقى من أعلى قصره، فوقع الشّيخ في الأرض ميّتًا، وهو ابن 35 سنة، ولم يكف خردلة ذلك بل أمر بكتب الشّيخ أن تؤخذ وتُحرق، ولله الأمر.
- عبد الله بن حُميد السّالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، 1/ 305؛ فرحات بن علي الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، 1/ 352؛ تقييدات في بعض المخطوطات. (1/348)
صفحة 349
09 - أحمد بن محمّد بن بكر النّفوسي (ت 504 هـ)
هو أحمد بن محمّد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النّفوسي أبو العبّاس، عالم جليل، نشأ في قرية تمولست بنواحي جبل دمّر (ليبيا)، وأخذ العلم عن أبيه أبي عبد الله، وعن الشّيخ أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي، وأبي محمّد ويسلان بن أبي صالح، وسعد بن يِفاو بجبل نفوسة، وبعد أن قوي عوده بالعلم جلس للتّدريس والتّكوين فتخرّج عليه الكثير من الطّلبة، منهم: أبو عمرو عثمان بن خليفة السّوفي، وابنه إسحاق بن أبي العبّاس؛ وأثرى المكتبة الإسلاميّة بتآليف فريدة، وتروي كتب السّير أنّ عددها يفوق ال25، وصلنا منها:
? كتاب القسمة وأصول الأراضين، في فقه العمارة، مطبوع.
? كتاب الجامع المعروف بأبي مسألة، مطبوع.
? السّيرة في الدّماء، مخطوط.
? تبيين أفعال العباد، مخطوط.
? كتاب الألواح، مخطوط وهو الذي تركه في الألواح قبل وفاته.
? كتاب مسائل التّوحيد، حقّقه د. عمرو خليفة النّامي ولم يُطبع بعد.
? كتاب الجنازة، مخطوط.
? كتاب الاِعتبار في نسب النّبيء المختار، مخطوط.
? إضافة إلى هذا فهو من مؤلّفي ديوان العزّابة في 25 جزءًا، وأُسند إليه جزء الحيض خاصّة، وهو مخطوط.
كما جمع إلى جهاد القلم جهاد السّيف إذ روت كتب السّير أنّه تصدّى لغارات شنّها على أريغ بعض الأعداء. اِنتقل إلى رحمة ربّه ضحوة يوم عرفة سنة 504هـ.
- جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 2/ 87، ترجمة: 109. (1/349)
صفحة 350
10 - أفلح بن عبد الوهّاب الرّستمي (ت 258 هـ)
ثالث الأئمّة الرّستميين بعد أبيه عبد الوهّاب وجدّه عبد الرّحمن، نشأ في أحضان والده وجدّه العالمين، وتلقّى عنهما العلم وعن ثُلّة من مشايخ تاهرت، كان ذا فطنة وذكاء، ونبغ في العلوم وهو صغير إذ أصبح من أكبر العلماء والشّعراء في زمانه، وجلس للتّدريس يدير أربع حِلقٍ علميّة في الفقه والأصول واللّغة وعلم الكلام، وهو مع ذلك حدَث السنّ، تخرّج من مدرسته كثير من العلماء، منهم: اِبناه أبو اليقظان وأبو بكر، وأبو الفرج نفّاث بن نصر النّفوسي، وسعد بن يونس وسيم النّفوسي.
لمّا توفّي والده بويع بالإمامة بعده، فواصل مسيرة والده وجدّه في سياسة الدّولة فازدهرت في زمانه وبلغت ذروتها، ويشهد المؤرّخون على القدرات التي أوتيها من الحنكة والعدل مع الرّعيّة، ومِن الحيلة والقوّة مع الأعداء، ممّا جعله يتغلّب على الثّورات التي قامت ضدّه، مثل ثورة تلميذه نفّاث فرج بن نصر، وثورة خلف بن السّمح التي قامت أيّام والده وامتدّت إلى زمانه.
تولّى الحكم سنة 208هـ وعمّر نصف قرن أو أكثر في الإمامة، وعاصر سِتّة من الخلفاء العبّاسيّين، وهذا دليل صادق على حسن سياسته وسيرته، توفّي سنة 258هـ، وخلّف في الدّولة ابنه أبا بكر.
له آراء في كثير من مسائل الشّريعة منتشرة في ثنايا كتب الإباضيّة، وترك لنا قصيدته الرّائية المشهورة في التّحريض على طلب العلم، وكثير من الأجوبة الفقهيّة أجاب بها على نوازل سُئل عنها، طُبع منها بعض طبعة حجريّة؛ وهو من رواة الحديث، وفي الجزء الرّابع من الجامع الصّحيح تريتب مسند الرّبيع بن حبيب فصل جُمعت فيه رواياته (هي بين رقمي: 902 و 983).
- جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 2/ 119، الترجمة: 147. (1/350)
صفحة 351
11 - بسطام بن عمر الضبّي (ق 2 هـ)
هو بسطام بن عمر بن المسيّب بن زهير الضبّي أبو النّظر، واسمه الأصلي مصقلة، من مشايخ الإباضية في الطّبقة الثّالثة (من 100هـ إلى 150هـ)، كان في أوّل أمره على مذهب الصّفريّة، ولمّا كان فارًّا من الحجّاج نزل في حيّ الأزديّين بالبصرة وكان عامرًا بالإباضية، فدعوه إلى طريقتهم فاستجاب بعد اقتناع، وصار من فُضَلائهم، قال الدّرجيني: «ويحضر المجالس فأوّل من يتكلّم هو».
- الدّرجيني: الطّبقات، 2/ 289؛ الشمّاخي: السير، 111؛ الجيطالي: القواعد، تعاليق عبد الرّحمن بكلّي، 1/ 53؛ جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 2/ 167، التّرجمة: 209.
12 - بشير بن حمّو بن محمّد بن محبوب العُماني (ق 3 هـ)
هو بشير بن محمّد بن محبوب بن الرّحيل، من علماء عُمان، عاش في أواخر القرن 2 هـ، أخذ العلم عن عزّان بن الصّقر، اِشتغل بعد تخرّجه بالتّدريس والتّأليف، فمن تلاميذه غسّان بن محمّد الصّلاني، وخالد بن قحطان الهجاري، وسليمان محمّد بن حبيب، ومن تآليفه:
? كتاب الخزانة في 70 سِفرًا.
? كتاب الرّضف في التّوحيد.
? كتاب البستان.
? كتاب المحاربة.
- عبد الله بن مدّاد: السّيرة، 12، 24؛ السّالمي: اللّمعة المرضيّة من أشعّة الإباضيّة، 67 (مطبوع ضمن مجموع). (1/351)
صفحة 352
13 - تِبغورين بن عيسى الملشوطي (ق 6 هـ)
هو تِبغورين بن عيسى بن داود الملشوطي، من علماء الإباضية في الطّبقة 11 (من 500 إلى 550هـ)، اِستقرّ بأجلو (جنوب الجزائر)، والملشوطي نسبة إلى قيبلة بني ملشوط، أخذ العلم عن الشّيخين أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي، وأبي محمّد عبد الله اللّنتي، وأظهر تفوّقًا ونبوغًا خاصّة في علم الكلام، فهو يُعتبر من متكلّمي الإباضية، وقّف حياته للعلم والتّعليم، وله في "تين يسلي" (جنوب الجزائر) غار معروف كان مقرًّا لحلقة درسه، ومن تلاميذه العالمة المتكلّمة عائشة بنت معاذ.
أمّا تآليفه فهي العمدة عند مؤلّفي الإباضيّة في العقيدة وأصول الدّين، منها:
? كتاب أصول الدّين، حقّقه د. عمرو خليفة النّامي.
? كتاب الجهالات، مخطوط (اُنظر ترجمة إبراهيم بن ملاّل رقم: 03).
? كتاب الأدلّة والبيان، في أصول الفقه، مخطوط.
وقد وضع على الكتابين الأوّلين شروحًا وحواشي عديد من العلماء، منهم: أبو عمّار عبد الكافي، وأبو ستّة المحشّي، وأبو يعقوب يوسف المصعبي، وعمرو بن رمضان التلاتي، ومحمّد بن يوسف اطفيّش.
- عبد الله بن حُميد السّالمي: اللّمعة المرضيّة من أشعّة الإباضية، 75؛ علي يحي معمّر: الإباضية في موكب التّاريخ، الحلقة 4، 294، 347؛ جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 2/ 204، التّرجمة: 264.
14 - جابر بن حمّو الزنزفي النّفوسي (ق 5 هـ)
من مشايخ الإباضية بأريغ في القرن 5هـ، نشأ بها وأخذ العلم عن علمائها، منهم الشّيخ أبو سليمان داود بن أبي يوسف الوارجلاني، ولا ندري ما وجه نسبته (1/352)
صفحة 353
إلى نفوسة، ولعلّ ذلك لارتحاله إليها والتعلّم على مشايخها، أمّا الزّنزفي فنسبة إلى قبيلة زنزفة بوارجلان؛ وقرب قرية تمولست بنواحي جبال دمّر (ليبيا) جبل يُعرف بجبل زنزفة، ويُعرف ب قلعة بني علي.
من أعمال الشّيخ العلميّة مشاركته في تأليف ديوان العزّابة، أو ديوان المشايخ مع ثٌلّة من الفقهاء في 25 جزءًا (اُنظر هامش صفحة 20 المتقدّمة)، كما أنّ كتب الفقه والسّير تحفظ له أقوالاً وآراء في الأصول والفروع.
- ديوان العزّابة: كتاب الطّهارات، تقييد في وجه الورقة الأولى، مخطوط بمكتبة الشّيخ حمّو بابا وموسى بغرداية؛ الوسياني: السير، 258؛ الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 194، 2/ 456؛ الجعبيري: نظام العزّابة عند الإباضية الوهبيّة بجربة، 187.
15 - الجلندى بن مسعود العُماني (ت 134 هـ)
هو الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى اليمني الأزدي العُماني، من حَمَلَة العلم إلى المشرق الذين تتلمذوا على أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، وهو أوّل إمام بايعه الإباضية بعُمان إمامة ظهور سنة 132هـ، وكان عادِلاً حليمًا مرْضيا، لم يعمّر طويلاً في الإمامة إلاّ سنتين وشهرًا، إذ قتله القائد العبّاسي حازم بن خزيمة لمّا أجهش عليه بجيشه سنة 134هـ.
- أبو سليمان بن محمّد بن عامر المعولي: قصص وأخبار جرت بعُمان، 48 وما بعدها؛ جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 3/ 227، الترجمة: 284.
16 - الحارث بن تليد الحضرمي وعبد الجبّار بن قيس المرادي (ت 132هـ)
من زعماء الإباضية، تتلمذا على أبي عبيدة مسلم بن كريمة بالبصرة، وشاركا في حروب الإمام الشّاري أبي حمزة المختار بن عوف ضدّ الأمويّين بمكّة والمدينة، ثمّ وفدا إلى شمال إفريقيا للدّعوة إلى مذهبهما. (1/353)
صفحة 354
لمّا أنس الإباضية بالمغرب من أنفسهم شيئًا من القوّة والاِستقرار ولّوا على أنفسهم عبد الله بن مسعود التّجيبي إلاّ أنّه سرعان ما قُتل من طرف والي طرابلس الأموي إلياس بن حبيب سنة 127هـ لِما أبداه من نشاط، وبعد ذلك ولّوا مكانه الإمام الحارث بن تليد الذي اختار عبد الجبّار بن قيس قاضيًا له، فأظهرا العدل وحسن السّيرة، وانتشر بذلك الأمن والاِطمئنان، إلاّ أنّ الأمويّين أقلقتهم هذه الإمارة فشنّوا عليهم غارات ومعارك وأرسلوا مددًا من الجيوش من الشّرق فانهزموا في جُلّها، وانتصر الإباضية دفاعًا عن أنفسهم ودفعًا للظّلم والجور، وفي المعركة الأخيرة تغلّب الأمويّون على الإباضية سنة 132هـ، وقُتل فيها إمامهم وقاضيه قتلة حطّمت نفوسهم، إذ وُجدا مقتولين وسيف كلّ واحد منهما في جُثّة الآخر، أثارت هذه الحادثة مشكلة عقدية جعلت الإباضية يختلفون فيها إلى عِدّة آراء وهذه المشكلة هي وَلاية الإمام وقاضيه، فهل يُتبرّأ منهما لظاهر ما وُجدا عليه؟ أو يُتوقّف فيهما ما دام لم يحضر أحد الحادثة؟ أو هما في الولاية جريًا على الأصل الذي كانا عليه؟ وهنا تدخّل الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة فحسم الخلاف بإلزامهم اعتقاد القول الأخير وترك غيره.
- جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 3/ 238، التّرجمة: 298، 4/ 475، التّرجمة: 600.
17 - خصيب بن إبراهيم النّفوسي (ق 4 هـ)
هو خصيب بن إبراهيم التَمَصْمَصِي النّفوسي أبو محمّد، من علماء الإباضيّة بجبل نفوسة، عاش في النّصف الثّاني من القرن 4 هـ، نشأ بقرية تَمَصْمَصْ بجبل نفوسة وبها تلقّى مبادئ العلم الأولى، ثمّ انتقل إلى التعمّق والتخصّص بمدارس المشايخ: أبي يحي زكرياء بن يونس الفرسطائي، وأبي الرّبيع سليمان بن هارون اللاّلوتي، وأبي القاسم الفرسطائي، وبعد تخرّجه رجع إلى مسقط رأسه فأسّس مدرسته (1/354)
صفحة 355
الشّهيرة التي أشرف فيها على التّدريس والإفتاء، فتخرّج منها علماء فطاحل منهم: أبو زكرياء يحي بن سفيان اللاّلوتي، وأبو هارون موسى بن هارون التملشائي؛ وحسب أبي محمّد شرفا أنّه فتح قسمًا في مدرسته للفتيات إلى جانب الفتيان، فكان من أبرز المتخرّجات منها: العالمة أمّ ماطوس المشهورة بمواقفها.
وبعد وفاة الشيخ أبي محمّد الكَباوي مفتي الجبل، انتقلت مهمّة الإفتاء -على مستوى الجبل- إلى الشيخ أبي محمّد خصيب.
توفّي الشيخ بجبل نفوسة ودفن به، وله مسجد به يُعرف بمسجد أبي محمّد خصيب.
- الشمّاخي: السير، 299 وما بعدها؛ محمّد بن زكرياء الباروني: تسمية مشاهد الجبل، 599 ملحقا بسير الشمّاخي؛ علي يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة 2، القسم 2، 85.
18 - خلف بن السّمح بن أبي الخطّاب المعافري (ق 3 هـ)
خلف بن السّمح بن أبي الخطّاب عبد الأعلى بن السّمح المعافري، سليل الأكارم، إلاّ أنّه كان شرّ خلف لخير سلف، عاش في القرن 3هـ بجبل نفوسة، وعاصر الإمامين عبد الوهاب وأفلح الرستميين؛ شذّ بقوله: «لكلّ حوزة إمام لا يعدوها إلى غيرها»، وتزّعم بذلك إحدى فرق الإباضيّة المعروفة باسمه: الخلْفية.
كان والده السّمح بن أبي الخطّاب واليا لعبد الوهّاب الرستمي على جبل نفوسة، ولمّا توفّي ولي منصبه ابنه خلف بتأييد طائفة من عامّة النّاس، وبتصرّفه هذا أراد أن يجعل من جبل نفوسة حوزة مستقلّة عن الدّولة الرستمية في كلّ المجالات، اتّخذ الإمام الرستمي الإجراءات اللاّزمة لمعالجة هذا الاِنحراف آخرها تعيينه للفارس أيّوب بن العبّاس واليا على الجبل، وبهذا خمدت فتنة خلف ودخلت في سبات، وبعد وفاة الوالي أيّوب استخلف الإمام على ولاية الجبل (1/355)
صفحة 356
الشيخ أبا عبيدة عبد الحميد الجنّاوني، وهنا أظهر خلَفُ أمره من جديد لأسباب ساعدته على ذلك، وبعد محاولات سلميّة دخل معه الإمام أبو عبيدة في حروب دامية كسرت من شوكة طائفته، ولمّا توفّي أبو عبيدة استخلف الإمام الرستمي أفلح على ولاية الجبل البطل العبّاس بن أيّوب، وبين وفاة أبي عبيدة واستخلاف العبّاس اغتنم الفرصة خلَفُ لإظهار أمرِه من جديد، وبعد محاولات سلميّة معه لم تُجد شنّ عليه والي الجبل غارات متتابعة وناصبه الحرب إلى أن شتّت أمره ومحق طائفته، فبقي خلف وحيدا إلى أن مات.
- السّوفي: رسالة في فرق الإباضيّة، 57؛ الجيطالي: القواعد، تعاليق عبد الرّحمان بكلّي، 1/ 54؛ جمعيّة التراث: معجم الأعلام، 3/ 273، الترجمة: 344، 345.
19 - داود بن إبراهيم التلاتي (ت 967 هـ)
هو داود بن إبراهيم التلاتي الجربي أبو سليمان، نسبة إلى حومة تْلاَتْ بجزيرة جربة أين وُلد ونشأ، أخذ العلم عن الشيخين: أبي القاسم بن يونس السدويكشي وأبي يحي زكرياء بن إبراهيم الهواري وهذا بجربة، وأخذ عن الشّيخ أبي زكرياء بن عيسى الباروني، وأبي يوسف يعقوب بن صالح التندميرتي، وأبي الأحباس إبراهيم بن أحمد وهذا بجبل نفوسة، وأخذ عن الشّيخ علي بن إبراهيم الكيلاني بمصر، وبميزاب عن الشّيخ أبي مهدي عيسى بن إسماعيل المليكي، وكان أوّل تعلّمه بجبل نفوسة، ثمّ بجربة، ثمّ بجبل نفوسة ثانيا، ثمّ بمصر سنة 913هـ، ثمّ بميزاب سنة 961هـ.
تولّى مهمّة التّدريس والفتوى في مسجد القصبيين بحومة قلاّلة بجربة، وتخرّج على يديه خلق كثير منهم: عبد الرّحمن الحيلاتي، ومحمّد بن زكرياء الباروني، كما أسندت إليه مشيخة حلقة العزّابة، ورئاسة مجلس الحكم بجربة، فقام بواجبه من الأمر والنّهي، وتصدّى للنكّار، وحارب درغوث (1/356)
صفحة 357
باشا التركي عندما استولى على جربة وطعن في عزّابتها، فسجنه درغوث هذا شهرا ثمّ قتله في أوائل جمادى الأولى سنة 967هـ، فاستشهِد وهو حديث السنّ، خلّف مصنّفات عديدة وصلنا منها:
? شرح عقيدة العزّابة المنسوبة للشيخ عمرو بن جميع، مطبوع.
? شرح الأجرومية في النّحو، مطبوع.
? شرح متن إيساغوجي في المنطق، مطبوع.
? قصائد في رثاء بعض مشايخه، مخطوطة.
? رسائل إلى شيخه أبي مهدي عيسى المليكي، مخطوطة.
- أبو إسحاق إبراهيم اطفيش: مقدّمة التّوحيد وشروحها، 8؛ جمعيّة التراث: معجم الأعلام، 3/ 281، الترجمة: 357.
20 - زكرياء بن أبي بكر الوارجلاني (ق 5 هـ)
هو زكرياء بن أبي بكر بن سعيد الوارجلاني أبو يحي، من علماء الإباضيّة، عدّه الدّرجيني من أعلام الطبقة العاشرة (من 450هـ إلى 500هـ)، وهو شقيق المؤرّخ الشّهير أبي زكرياء يحي صاحب كتاب "سير الأئمّة وأخبارهم"، وزميل الشّيخ أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي، وبذلك يُحتمل أن يكون من تلاميذ الشّيخ أبي عبد الله محمّد بن بكر الفرسطائي، ويذكر أصحاب السيَر تواجد الشّيخ في العديد من قرى الإباضيّة، وذلك لكثرة تنقّل الشّيخ.
عُرف أبو يحي بالعلم والورع، وكانت له حلقة تعليم وفتوى، وله أقوال في العقيدة والحِكم والنّصائح مبثوتة في كتب السِّير.
- الدرّجيني: الطبقات، 2/ 448؛ الشمّاخي: السِّير، 427؛ جمعيّة التراث: معجم الأعلام، 3/ 315، الترجمة: 393. (1/357)
صفحة 358
21 - سلمة بن سعد بن علي الحضرمي (ق 2 هـ)
هو سلمة بن سعد بن علي بن أسد الحضرمي اليمني، من طبقة تابعي التّابعين، أخذ العلم عن جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، ثمّ جاء إلى المغرب داعيا إلى مذهبه، فكان أوّل من زرع بذور الإباضيّة بالمغرب، وتلقّى استجابة لدعوته، فأرسل محمّد بن عبد الحميد بن مغطير النّفوسي إلى البصرة ليتلقّ العلم عن شيخه أبي عبيدة، ثمّ أردفه بفوج من أربعة طلاّب -يُعرفون فيما بعد بحملة العلم إلى المغرب- أقاموا بعد رجوعهم من البصرة أمر الإباضية، كدولة أبي الخطّاب عبد الأعلى بن السّمح، ودولة عبد الرّحمن بن رستم في شمال إفريقيا.
أمّا عن وفاة سلمة فلم تذكر المصادر تاريخا معيّنا، إلاّ أنّ إرساله للطّلبة كان سنة 135هـ، ورجوعهم سنة 140هـ، ويغلب على الظنّ أنّه توفّي قبل رجوعهم.
- جمعيّة التراث: معجم الأعلام، 3/ 384، الترجمة: 474.
22 - سليمان بن زرقون النّفوسي (ق 4 هـ)
هو سليمان بن زرقون النّفوسي أبو الرّبيع، من أعيان الطبقة السّابعة (من 300هـ إلى 350هـ)، وُلد بقرية تدْيُوتْ بجبل تِيرَشْوِين جنوب تونس، تعلّم أوّلا على شيخ مؤدّب من قسطيلية، ثمّ درس على الشّيخ ابن الجمعي في قرية تُوزَرْ، وكان رفيقه في التعلّم أبو يزيد مخلّد بن كيداد صاحب الثّورة الكبرى على الفاطميّين قبل أن يعتنق المذهب النكّاري.
لمّا رحل الشّيخ ابن الجمعي إلى سجلماسة اِصطحب معه تلميذيه لمواصلة التعلّم، وكان قد أُعجب بتلميذه سليمان فآثره بصحبته ومحبّته من باقي تلاميذه، ولمّا حضرته الوفاة أوصى له بديوانه، استقرّ بعد ذلك المقام بالشّيخ أبي الرّبيع في قسطيلية مدرّسا ومفتيا، وقد تخرّج عليه الكثير. (1/358)
صفحة 359
كان الشّيخ شديدًا على أهل الخلاف من الفرق المنشقّة عن الإباضيّة، وله مواقف مشهورة في هذا خاصّة مع زميله مخلّد بن كيداد، ولمّا اعتنقت قبيلة مزاتة المذهب النكّاري عكف عليها الشّيخ داعيا حتّى ردّها إلى الوهبيّة؛ ويذكر المؤرّخون أنّه ألّف ديوانا يُعرف بديوان أبي الرّبيع، ويغلب على الظنّ أنّه قد عبثت به أيدي التلاشي والفناء.
- الدرّجيني: الطبقات، 2/ 109؛ جمعيّة التراث: معجم الأعلام، 3/ 401، الترجمة: 496.
23 - سليمان بن يخلف المزاتي (ت 471 هـ)
هو سليمان بن يخلف المزاتي أبوالرّبيع، من أبرز علماء الإباضيّة، نشأ بقرية تمّولست بنواحي جبل دمّر (ليبيا)، وأخذ العلم عن ثلّة من المشايخ، منهم: أبو عبد الله محمّد بن بكر، وأبو محمّد ويسلان، وأبو صالح اليراسني وغيره من فقهاء بني يراسن، أخذ علم العقائد والأصول على أبي عبد الله، وعلم الفقه والفروع على فقهاء بني يراسن، أبلى شبابه في طلب العلم، ثمّ تفرّغ للتّعليم، وأفنى عمره متنقّلاً بحلقته العلميّة، بين جربة وجبل نفوسة ووارجلان وقراها، وفي كلّ محطّة يلتفّ عليه الطّلبة من الإباضيّة، وقد تخرّج من حلقاته الكثير، منهم: أبو بكر بن يحي، وأبو العبّاس أحمد بن محمّد، وتبغورين بن عيسى الملشوطي، وأبو عمرو عثمان بن خليفة، وإبراهيم بن إبراهيم الدّجمي، وأبو محمّد ماكسن بن الخير، وأبناء أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور، فهو بهذا ممّن جازت عليهم سلسلة نسب الدّين، وخليفة شيخه أبي عبد الله في تسيير نظام الحلقة وتنظيمها.
أثرى المكتبة الإسلاميّة بعِدّة تآليف جُلّها من تدوين تلاميذه في حلقات الدّرس، منها:
? (1/359)
صفحة 360
كتاب التّحف في العقيدة، حقّقه طالب تونسي لنيل شهادة الماجستير.
? كتاب السّير في طلب العلم وآدابه، مطبوع.
? ويمكن أن ننسب له كتاب السّؤالات تجاوزًا والذي يُنسب لتلميذه أبي عمرو عثمان بن خليفة السّوفي، (اُنظر هامش صفحة 3).
كما أنّ له آراء وأقوالاً كثيرة تحتويها الكتب الإباضيّة في السّير والعقيدة والفقه، توفّي بقرية تونين بجبل نفوسة سنة 471هـ، وله بها مقام معروف.
- الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 191؛ علي يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة3، 135؛ جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 3/ 432، التّرجمة: 531.
24 - الصّلت بن خميس الخروصي (ق 3 هـ)
هو الصّلت بن خميس الخروصي العُماني أبو المؤثر، من علماء الإباضيّة بعُمان في الطّبقة السّادسة (من 250هـ إلى 300هـ)، اِشتغل بالعلم والتّعليم والتّأليف، تخرّج على يديه كثير من التّلاميذ، وقد ذكروا له من التآليف:
? كتاب الأحداث والصّفات، في التّاريخ.
? كتاب البيان والبرهان.
? سيرته (رسالة) إلى أبي جابر محمّد بن جعفر.
- ابن خلفون: الأجوبة، ملحق التّراجم لعمرو خليفة النّامي، 116؛ الجيطالي: القواعد، تعاليق عبد الرّحمن بكلّي، 1/ 80.
25 - صنّادي بن محمّد السّدراتي (ق 5 هـ)
هو صنادي بن محمّد السّدراتي أبو رحمة، من بني مركاس عالِم من علماء الإباضية بسدراتة بوارجلان في القرن 5هـ، لا ندري عمّن أخذ ولا مَن أخذ عنه، نبغ في علم الكلام والفقه، إذ حفظت لنا كتب السّير آراء له في الموضوع، (1/360)
صفحة 361
كما يذكره المؤرّخون ضمن قائمة مؤلّفي الموسوعة الفقهيّة المعروفة ب"ديوان العزّابة" أو "ديوان الأشياخ"، (اُنظر هامش صفحة 20).
- السّوفي: السّؤالات، 202؛ الوسياني: السّير، 258؛ الشّمّاخي: السّير، 432.
26 - ضمام بن السّائب البصري (ق 2 هـ)
من علماء الإباضية الأوائل، معدود في الطّبقة الثّالثة (من 100 إلى 150هـ)، أصله من عمان، أخذ العلم عن جابر بن زيد إمام المذهب، وحفظ عنه ما لم يحفظ غيره من تلاميذه، تصدّى للتّدريس بعد وفاة شيخه جابر، فكان من تلاميذه: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة والرّبيع بن حبيب البصري، وقد دوّن رواياته عن جابر تلميذ تلميذِه الرّبيعِ أبو صفرة عبد الملك بن صفرة، وهو مخطوط معروف ب "فتيا الرّبيع"، أو "روايات ضمّام" في جزأين.
- الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 7، 2/ 211 وما بعدها؛ ابن خلفون: الأجوبة، ملحق التّراجم لعمرو خليفة النّامي، 112.
27 - عامر بن علي الشمّاخي (ت 792 هـ)
هو عامر بن علي بن عامر بن يسّيفاو الشمّاخي أبو ساكن، نشأ في مدينة يفرن بجبل نفوسة، تعلّم أوّلاً في مدرسة قرية البخابخة، ثمّ التحق بمعهد الشّيخ أبي موسى عيسى الطّرميسي أين تلقّى التّعليم العالي، وكان شيخه يحبّه ويؤثِره على بقيّة الطّلبة، حتّى خصّه بحمل الأمانة فقال له يومًا: «لقد أبلغت إليك هذا الدّين سالِمًا دون أن تشوبه الخرافة أو البدعة، فإن حافظت عليه بقي وإن أهملته ضاع». بعد تخرّج الشّيخ عامر رجع إلى بلده يفرن وتفرّغ للتّعليم والأمر والنّهي، وهنالك أنشأ مدرسته الكبرى، ثمّ انتقل إلى مدرسة أبي يزيد المزغورتي فتعاون مع تِربه الشّيخ أبي عزيز للرّفع من شأن هذه المدرسة، ولمّا أنس منه القيام بأمرها على أحسن وجه اِنتقل إلى مدينة ميتْيون (1/361)
صفحة 362
وفيها أقام ثلاث عشرة سنة مدرّسًا ومفتيًا؛ من تلاميذه اِبنه موسى بن عامر، وحفيده سليمان، ونوح بن حازم المرساوني، وأبو القاسم البرّادي، وغيرهم كثيرون؛ أتحف المكتبة الإسلاميّة بعناوين قيّمة منها:
? كتاب الإيضاح في الفقه في أربعة مجلّدات، وهو العمدة في الفتوى والتّدريس عند إباضيّة المغرب، مطبوع.
? رسالة الدّيانات في عقيدة الإباضيّة وأصولها، مطبوع.
? منظومة في حساب الشّهور والفصول، مخطوطة، شرحها الشّيخ قاسم بن سليمان الشمّاخي.
اِنتقل الشّيخ إلى رحمة ربّه سنة 792هـ ببلدته يفرن بالجبل.
- الشمّاخي: السّير، 559؛ سعيد بن الحاج علي التّعاريتي: رسالة في تراجم علماء جزيرة جربة، 117 (مخطوط)؛ علي يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة2، القسم2، 113.
28 - عبد الأعلى بن السّمح المعافري (ت 144 هـ)
هو عبد الأعلى بن السّمح بن عبيد بن حرملة المعافري الحميري اليمني أبو الخطّاب، أصله من اليمن رحل إلى البصرة وتعلّم على الشّيخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، رفقة كوكبة من الطّلبة جاؤوا إلى الشّيخ من مختلف الآفاق، والمعروفون بحملة العلم، مكث أبو الخطّاب طالبًا مدّة خمس سنوات من سنة 135هـ إلى سنة 140هـ، ولمّا همّ بوداع شيخه هو ورفقاؤه أشار شيخه أبو عبيدة على أصدقائه أن يولّوه عليهم إن أنسوا من أنفسهم قوّة لِما تفرّس فيه من الكفاءة، لأنّه آثر أن يهاجر معهم إلى المغرب بعيدًا عن أهله وموطنه لإحياء دين الله تعالى. (1/362)
صفحة 363
اِستقرّ المقام بحملة العلم في طرابلس، أين وجدوا أنصارهم الإباضيّة ينتظرونهم بفارغ الصّبر، خاصّة بعد الضّربات التي تلقّوها من بني أميّة، والوضع الذي يعيشونه من الظّلم والجور والفساد الذس تقترفه الصّفرية من الخوارج، خاصّة قبيلة ورفجومة، لذلك فقد سارع الإباضيّة إلى مبايعة أبي الخطّاب إمامًا للظّهور في نفس السّنة أي 140هـ، ولم يرض بذلك إلاّ بعد تشديد عليه، سار أبو الخطّاب إلى طرابلس فطهّرها من الجوَرَة ثمّ إلى القيروان ففعل مثل ذلك بعد حصار شديد، وولّى عليها عبد الرّحمن بن رستم الفارسي، وهكذا ظهر أمر الإباضية من جديد بالمغرب بعد محاولات أُجهضت من طرف الأمويّين (اُنظر ترجمة الحارث وعبد الجبّار رقم: 16)، فذاع صيتهم وانتصروا على أعدائهم في عِدّة معارك، إلى أن انهزموا أمام جيش محمّد بن الأشعث الخزاعي مبعوث أبي جعفر المنصور العبّاسي في معركة تاورغا سنة 144هـ، استُشهد فيها أبو الخطّاب -رحمه الله-.
- جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 5/ 473، التّرجمة 598.
29 - عبد الرّحمن بن رستم الفارسي (ت 171 هـ)
هو عبد الرّحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى من سلالة الفرس تكون وِلادته في العقد الأوّل من القرن 2هـ بالعراق، توفّي أبوه بالحجّ وهو لم يبلغ الحلم، اِنتقلت به أمّه مع زوجها إلى القيروان أين تلقّى المبادئ العلميّة الأولى، ولمّا وصل الفكر الإباضي إلى المغرب على يد الدّاعيّة سلمة بن سعد، بلغ عبدَ الرّحمن أمرُ هذا الفكر واهتمّ بإظهاره بالغ الاِهتمام، ولمّا لاحظ عليه أحد دعاة الإباضيّة الاِجتهاد قال له: إن كنت تريد نيل بغيتك فعليك بأبي عبيدة مسلم بالبصرة، فشدّ إليه الرّحال سنة 135هـ وحلّق عليه للتعلّم، فأخذ عنه مبادئ المذهب الإباضي لمدّة خمس سنوات رُفقة ثلّة من الطّلبة وفدوا من مختلف الأقطار، الذين أظهروا أمر (1/363)
صفحة 364
الإباضيّة من بعدُ بإقامة دول عادلة في مواطنهم، يُطلقُ عليهم اسم: حملة العلم.
لمّا بويع الإمام أبو الخطّاب على إمامة طرابلس سنة 140هـ، نصّب على وِلاية القيروان وقضائها عبد الرّحمن بن رستم لعلمه وكفاءته، وظلّ عبد الرّحمن العضد الأيمن لأبي الخطّاب ودولته التي لم تعمّر طويلاً، وبعد معركة تاورغا صار عبد الرّحمن الرّجل المأمول، إذ التفّت حوله تجمّعات الإباضيّة وآوت إليه، وبعد أن هيّأ الأرضيّة البشريّة والجغرافيّة لمدّة تزيد على عقد من الزّمن، بويِع عبد الرّحمن إمامًا للدّولة الرّستميّة بتاهرت سنة 160هـ، الدّولة التي ضربت أروع مثال في العدل، والسياسة الإسلاميّة الحقّة، وكفاه شهادة ما قاله عنه المؤرّخ المعاصر للدّولة الرّستميّة ابن الصّغير المالكي: «فلم تزل أموره كذلك وعلى ذلك، والكلمة واحدة، والدّعوة مجتمعة، ولا خارج يخرج عليه، ولا طاعن يطعن عليه إلى أن اخترمته المنيّة وانقضت أيّام مدّته»، سنة 171هـ بعد 11 عامًا من الحكم العادل.
من آثاره العلمية تفسير للقرآن الكريم، وديوان خطبه، وآراء كثيرة في العقيدة والفقه متناثرة في ثنايا الكتب الإباضيّة.
- إبراهيم بحّاز: شخصيّات لها تاريخ: عبد الرّحمن بن رستم، كلّه.
30 - عبد السّلام بن منصور المزاتي (ق 5 هـ)
هو عبد السّلام بن منصور بن أبي وزجون المزاتي أبو الخطّاب، من علماء الإباضيّة صنّفه الدّرجيني مع أعيان الطّبقة التّاسعة (من 400 إلى 450هـ)، تتلمذ على الشّيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل، وعلى الشّيخ أبي عبد الله محمّد بن بكر، وحصل له الشّرف أن كان من صانعي الحدث مع أبي عبد الله في تأسيس الحلقة وترتيبُ سيَرها.
اِرتحل إلى أريغ مع شيخه أبي عبد الله فمكث معه ما شاء الله، ثمّ استأذنه إلى قومه إذ طلبوا منه ذلك، ولم يستقرّ به المقام في مكان إذ كان يتردّد بين درجين (1/364)
صفحة 365
(جنوب تونس) وجبل نفوسة (ليبيا) وأجلو (جنوب الجزائر) مدرّسًا ومفتِيًا لا تفارقه حلقات العلم، عمّر طويلاً، وخلّف أبناء وبنات من عدّة زوجات، له أقوال في العقيدة والفقه مدوّنة في كتب الإباضيّة.
- الدّرجيني: الطّبقات، 2/ 369، 404، 481؛ الشمّاخي: السّير، 398.
31 - عبد الكافي بن أبي يعقوب الوارجلاني (ت قبل 570 هـ)
هو عبد الكافي بن أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل بن يوسف بن محمّد التناوتي الوارجلاني أبو عمّار، سليلُ أسرة علم وصلاح، نشأ بتنّاوت إحدى القرى ببلاد وارجلان، وأخذ علوم الشّريعة على كثير من المشايخ، منهم: أيوب بن إسماعيل وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم -على قول بعض المشايخ، ولعلّهما قد أخذ عن بعضهما البعض-، وبعد أن حصّل ما شاء الله من موطنه وارجلان توجّه إلى تونس للاِستزادة من العلم فمكث فيها سنوات، وقد قال فيه مشايخه يومًا: لم يُر مثله من العرب ولا من البربر، وذلك لاِجتهاده وذكائه وأخلاقه، وبعد رجوعه من تونس تصدّى للتّدريس والتّأليف والإفتاء فدرّس خلقًا كثيرًا، وترك من التآليف:
? كتاب الموجز، في تبيين عقائد أهل الإسلام، والردّ على المخالفين من أهل القبلة وغيرهم، مطبوع.
? شرح رسالة الجهالات في العقيدة، المنسوبة للشّيخ تبغورين بن عيسى الملشوطي، مخطوط.
? رسالة في الاِستطاعة، مخطوط.
? رسالة في الفرائض، تُعرف بمختصر المواريث، مخطوطة.
? سيَر الحلقة، وهو ما رواه عنه تلاميذه من سير نظام العزّابة. (1/365)
صفحة 366
ويروي المشايخ أنّ للشّيخ أبي عمّار دورًا هامًّا مع زميله أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم في تطوير نظام الحلقة من أصل نشأته وهو الجانب العلميّ البحت إلى الجانب الاِجتماعي والإداري، مع الحفاظ على الأصل الأوّل.
أمّا وفاته فتكون قبل سنة 570هـ السّنة التي توفّي فيها الشّيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم، لأنّه وردت إلى أبي عمّار أسئلة من غانة فعاجلته المنيّة قبل أن يجيب عنها، فتوّلى الإجابة عنها زميله أبو يعقوب.
- أبو عمّار عبد الكافي: الموجز، 1/ 215، مقدّمة المحقّق د. عمّار طالبي؛ مصطفى باجو: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي مقارنة بأبي حامد الغزالي، 77 (أطروحة ماجستير).
32 - عبد الله بن إباض التّميمي (ت 86 هـ)
هو عبد الله بن إباض بن تيم بن ثعلبة المري التّميمي، تابعي مشهور، نشأ بالبصرة، وشارك في حرب ابن الزّبير ضدّ الأمويّين للدّفاع عن مكّة، يُعتبر بحقّ الزّعيم السياسي للمذهب الإباضي، إذ كان يصدع بآرائه ويجهر بالحقّ أمام مخالفيهم من الخوارج والأمويّين، ولذلك فقد نُسب المذهب إليه رغم أنّ الإمام الأوّل الذي أرسى قواعده هو التّابعي المشهور جابر بن زيد والذي كان أستاذًا لعبد الله بن إباض، يوجّهه ويشير عليه في تصرّفاته ومواقفه.
ومن مظاهر جهره بالحقّ مراسلاته لعبد الملك بن مروان الأموي، منها مراسلة حفظها لنا الشّيخ أبو القاسم البرّادي في كتابه "الجواهر المنتقاة"، بيّن الإمام فيها مبادئ الإباضيّة وموقفهم من بعض اِنحرافات الدّولة ... الخ.
توفّي -رحمه الله- سنة 86هـ.
- جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 4/ 495، التّرجمة:640. (1/366)
صفحة 367
33 - عبد الله بن سجميمان النصيري (ق 6 هـ)
هو عبد الله بن سجميمان النصيري أبو محمّد، من علماء الإباضية بوارجلان في القرن 6هـ، أخذ العلم عن أبي عمرو عثمان بن خليفة السّوفي، وعن أيوب بن إسماعيل وغيرهما، نبغ في علم العقيدة وعلم الكلام، قال فيه الشمّاخي: «هو أحد علماء المتكلّمين»، ولذلك فقد كان أوّل من عُرض عليه كتاب السّؤالات للتّنقيح، وهذا -ربّما- يبيّن مكانته العلميّة كتلميذ لشيخه المنسوب له كتاب السّؤالات أبي عمرو عثمان.
وقد أُثرت عنه آراء في العقيدة والفقه هي في بطون كتب المذهب، خاصّة كتاب السّؤالات، ويرِد فيه اسمه بصيغة: عبدلي بن سجميمان النّصيري.
- السّوفي: السّؤالات، 12، 34، 38، 120، 314؛ الدّرجيني: الطّبقات، 2/ 489؛ الشمّاخي: السّير، 486.
34 - عبد الله بن سعيد السّدويكشي (ت 1068 هـ)
هو عبد الله بن سعيد السدويكشي الجربي أبو محمّد، نشأ بحومة سدويكش بجربة وأخذ العلم عن مشايخها، وبعد تخرّجه أسندت إليه رئاسة حلقة العزّابة فقام بواجبه من التّدريس والإفتاء والأمر والنّهي، في جميع مساجد الجزيرة، وكان مقرّ حلقته الرّسميّة مسجد بني لاكين أين يجتمع عليه الفقهاء لفضّ النّزاعات وإصدار الأحكام فيما يرد عليهم من النّوازل، ويُحلّق عليه الطلبة لتلقّي الدّروس العلميّة في مختلف التخصّصات، فكان من أبرز تلاميذه الشيخ أبو عبد الله محمّد بن عمر بن أبي ستّة المحشّي.
عُرف الشيخ أبو محمّد بزهده واستقامته، وكثرة خلواته بربّه، وبشدّته في الحقّ، ولهذا فقد كان له موقف مشهور مع والي جزيرة جربة ذكره المؤرّخون؛ انتقل (1/367)
صفحة 368
إلى رحمة ربّه في البقاع المقدّسة لمّا كان في الطريق إليها لأداء فريضة الحجّ سنة 1068هـ، وأثرى المكتبة الإسلاميّة بتآليف عديدة، منها:
? حاشية على جزء الصلاة من كتاب "الإيضاح" للشيخ عامر الشمّاخي، مطبوع.
? حاشية على النصف الأوّل من كتاب "الدّيانات" للشّيخ عامر المذكور، مخطوط، وقد أتمّ هذه الحاشية الشيخ أبو يعقوب يوسف بن محمّد المصعبي.
? حاشية على شرح القطر لابن هشام الأنصاري في النّحو، مخطوط.
? رسالة في صلاة الجمعة وحكمها وشروطها، مخطوط.
? أجوبة وفتاوى فقهيّة، طُبع شيء منها طبعة حجريّة.
- علي يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التاريخ، حلقة 3، 183؛ فرحات الجعبيري: نظام العزّابة في جربة، 224، 271.
35 - عبد الله بن يحي طالب الحقّ (ت 130 هـ)
هو عبد الله بن يحي بن عمر بن الأسود أبو يحي، المعروف بطالب الحقّ، من زعماء الإباضيّة بحضرموت، هو من بني عمرو بن معاوية، رحل إلى البصرة وأخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وغيره، وبعد تفقّهه في الدّين رجع إلى بلده اليمن فعمل قاضيا لإبراهيم بن جبلة، عامل القويسم على حضرموت، العامل لمروان بن محمّد الأموي على اليمن، إلاّ أنّ ظلم الأمويين وجورهم وتعدّيهم على حدود الله جعلت الشيخ يثور ويقول لأصحابه: «ما يحلّ لنا المقام على ما نرى، ولا يسعنا الصبر عليه»، وأرسل إلى مشايخه بالبصرة يستفتيهم على أن يخرج على هؤلاء الجورة، فكتبوا إليه: «إن استطعت أن لا تقيم يوما واحدا فافعل ... »، فأعلن عبد الله أمره وشمّر عن ساعد الجدّ لإظهار الحقّ، فبايعه أصحابه على إمامة الظهور سنة 129هـ، وهي أوّل دولة إباضيّة باليمن، فعامل الوالي الأموي معاملة حسنة، ثمّ سار (1/368)
صفحة 369
إلى صنعاء عاصمة اليمن فطهّرها من الجور وأهله، وبيّن للنّاس الحقّ من الباطل في خطبة مشهورة، كما سار قائده أبو حمزة المختار بن عوف الشّاري بجيوشه إلى مكّة والمدينة وأظهر الحقّ فيهما.
إلاّ أنّه سرعان ما انتكست شوكة الإباضيّة وذلك بعد حروب عديدة شنّها ضدّهم الأمويون، آخرها معركة بأرض "جرش" بالطائف استشهد فيها الإمام عبد الله سنة 130هـ، وبهذا خمدت حركة الإباضيّة بحضرموت لتظهر من جديد بقوّة في عمان.
- بكير أعوشت: حركة أهل الدّعوة والاِستقامة في مكّة والمدينة، كلّه؛ جمعيّة التراث: معجم الأعلام، 4/ 512، الترجمة 667.
36 - عبد الوهاب بن عبد الرّحمن الرستمي (ت 208 هـ)
ثاني الأئمّة الرستميين، لا نعلم مكان ولادته ونشأته لعدم استقرار والده، إلاّ أنّه أخذ العلم عنه وعن علماء عصره في جبل نفوسة وتاهرت، ثمّ جلس للتّدريس ونشر العلم فكانت له حلقات بتاهرت وجبل نفوسة يؤمّها الطلبة من كلّ مكان.
كان عبد الوهاب مغرما بالعلم والمعرفة والمطالعة، إذ رُوي أنّه اقتنى وِقر أربعين بعيرا من الكتب، جاءت له من البصرة، فلمّا أتمّ قراءتها قال: «الحمد لله الذي علّمني ما فيها من قبل، ولم أستفد منها إلاّ مسألتين -أو ثلاث- ولو سئلت عنها لأجبت عنها قياسا»، وأنّه من عادته إذا فرغ من صلاة العشاء جلس للمطالعة، وذات ليلة جلس عبد الوهاب ومن معه يتذاكران مسائل الفرائض حتّى أصبحا، وكان المصباح يتّقد بفتائل يجعلها له عبد الوهاب من عمامته حتّى أتى عليها.
بلغ عبد الوهاب من العلم والمروءة مبلغا عظيما، استعمله والده على تجارة الدّولة فأظهر الكفاءة، وبويع إماما للدّولة بعد وفاته سنة 171هـ، ودام حكمه 37سنة، (1/369)
صفحة 370
ازدهرت الدّولة خلالها من جميع النّواحي، الاِجتماعيّة والثقافيّة والاِقتصاديّة والسيّاسيّة، داخل الدّولة وخارجها، واستطاع أن يقضي على الفرق المنشقّة عنه كالنكّار والخلفيّة، وتوفّي رحمه الله سنة 208هـ.
من آثاره العلميّة: جوابات في العقيدة والفقه أجاب بها أهل نفوسة، تُعرف بكتاب "مسائل نفوسة"، طُبع بتحقيق وترتيب الشيخ إبراهيم محمّد طلاي.
- جمعيّة التراث: معجم الأعلام، 4/ 516، الترجمة 676.
37 - عثمان بن خليفة السوفي (ق 6 هـ)
هو عثمان بن خليفة السوفي المارغني أبو عمرو، من علماء الإباضيّة في القرن السّادس الهجري بمنطقة "سوف" (جنوب الجزائر)، أخذ العلم على عدّة مشايخ منهم: أبو الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي، وأبو العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر النّفوسي، وأبو سليمان أيّوب بن إسماعيل الوارجلاني، نبغ الشّيخ في علم الكلام خاصّة، وكان يُجادل أهل الخلاف بالحجّة والدّليل، من ذلك تمكّنه من إقناع أهل الحامّة (جنوب تونس) وإرجاعهم إلى المذهب الإباضي بعد أن زاغوا عنه.
ومن خصائص الشّيخ كثرة تنقّله بين أصقاع الإباضيّة بالمغرب للتعلّم والتّعليم، وبذلك فقد تخرّج على يديه منها علماء كثيرون، منهم: أبو محمّد عبد الله بن سجميمان النصيري، وأبو موسى عيسى بن عيسى النّفوسي، وأبو يعقوب يوسف بن محمّد، وأبو نوح صالح بن إبراهيم، والمعز بن جناو، وأبو الفتوح؛ ومن الآثار العلميّة للشّيخ:
? كتاب السؤالات، ويُنسب إليه تجاوزا (اُنظر هامش صفحة 3)، مخطوط.
? رسالة في الفرق المنشقّة عن الإباضيّة، مطبوعة ضمن مجموع.
- السّوفي: السؤالات، 12، 512؛ جمعيّة التراث: معجم الأعلام، 4/ 490، الترجمة 687. (1/370)
صفحة 371
38 - عزّان بن الصّقر العماني (ت 268 هـ)
هو عزّان بن الصّقر العماني أبو معاوية، من عقر نزوى من غلافقة، عالم من علماء عمان، تتلمذ على الإمام محمّد بن محبوب، معروف باجتهاداته العلميّة، جمع له الشّيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني بعضا من ذلك في كتابه "الدّليل والبرهان"، تُوفّي بصحار سنة 268هـ.
- أبو يعقوب يوسف الوارجلاني: الدليل والبرهان، 2/ 74؛ الجيطالي: القواعد، تعاليق عبد الرّحمان بكلّي، 1/ 14؛ ابن خلفون: الأجوبة، ملحق التراجم لعمرو خليفة النّامي، 117.
39 - عمرو بن جميع الجربي (ق 7 هـ)
هو عمرو بن جميع أبو حفص، تكون ولادته ونشأته في جزيرة جربة، فهو معدود من علمائها، وقبره معروف بها في جامع تفرّوجين، بحومة والغ، عاش في القرن 7هـ ولعلّه أدرك سنوات من القرن 8هـ، أخذ العلم عن الشّيخ أبي العبّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني صاحب كتاب "طبقات المشايخ بالمغرب"، وبعد أن ملأ وِطابه تفرّغ للتّدريس بجامع تفرّوجين المذكور أين تخرّج عليه الكثير من الطلبة، وكان من كبار المشايخ المدرّسين.
من آثاره العلميّة ترجمته لنكتة التّوحيد المعروفة ب "عقيدة العزّابة" من لسان البربرية إلى لسان العربيّة، وقد ظهرت بركتها جليّة إذ تُعدّ هذه النكتة إلى يومنا العمدة عند الإباضيّة بالمغرب، فهي أوّل ما يحفظه الطلبة بعد القرآن الكريم، كما أنّ كثيرًا من علمائهم تناولوها بالشرح والتّعليق والنظم، تفوق قائمة مصنّفاتهم عليها العشرة.
- عمرو بن جميع: عقيدة العزّابة، مقدّمة المحقّق عمر بن أحمد بازين، كلّها.
40 - عمروس بن فتح النّفوسي (ت 283 هـ)
هو عمروس بن فتح المساكني النّفوسي أبو حفص، تكون ولادته في أواخر العقد السّادس من القرن 2هـ، وذلك في طريق قافلة نفوسيّة إلى الحجّ، وبسببه رجعت (1/371)
صفحة 372
أمّه من الطّريق، وتوفّيت وهو رضيع في المهد، ووكّلته على إنفاذ وصيّتها.
أخذ مبادئ العلوم الشرعيّة بقريته قطرس، ثمّ انتقل إلى تاهرت عاصمة الدّولة الرستميّة، وكانت إذ ذاك كعبة العلم والعلماء، فمكث هنالك متعلّما مدّة عشرين سنة.
تولّى وظيف القضاء مدّة قصيرة بجبل نفوسة بتعيين من والي الجبل أبي منصور إلياس، وذلك في عهد الإمام اليقظان بن أبي اليقظان الرّستمي، واستقال من منصبه لاختلافه مع بعض علماء عصره في بعض المسائل التي تشبّث بها.
كان ذا حُجّة قويّة يهابه أهل الخلاف إذا حضر بمجلس، وكان شديدا عليهم في ردّ شُبَههم وآرائهم الفاسدة. ترك مؤلّفات عديدة في الأصول والفقه تنمّ عن مكانته العلميّة، جلّها مفقود للأسف، منها:
? كتاب العمروس، أجاب فيه على الشّيخ عبد الخالق الفزّاني.
? كتاب أصول الدّينونة الصّافية، محقّق ينتظر الطبع.
? كتاب في الردّ على النكّاث وأحمد بن الحسين.
? كتاب الحكم والمعارف.
? كتاب أعلام الملّة.
? كتب في الفقه والأصول.
كما أنّ الشيخ -إلى جانب جهاده العلميّ- كان من فرسان ميدان السيف إذ شارك في وقعة مانو، التي جرت بين الإباضيّة والأغالبة، واستشهد فيها، وكان ذلك بعد أن أعيا العدوّ في آخر المعركة، فنصبوا له حبالا فتعثّر فيها فرسه، ثمّ أخذوه أسيرا إلى إبراهيم بن الأغلب، فأمروه أن يستعفيه ليعفيه، فقال: «كلمة لا تسمعها منّي، ولكن أسألكم لا تكشفوا عورتي»، فأخذوا يقطّعونه بالحديد من أنامله، فلمّا وصلوا إلى عضده فاضت روحه رحمه الله، وذلك سنة 283هـ.
- (1/372)
صفحة 373
عمروس بن فتح: أصول الدّينونة الصّافية، مقدّمة المحقّق الحاج أحمد بن حمّو كروم، كلّها.
41 - عيسى بن أحمد الوارجلاني (ق 6 هـ)
من علماء الإباضيّة في القرن 6هـ بوارجلان، تكون دراسته على يد الشّيخ أبي عمّار عبد الكافي -على ما يُستفاد من كلام الدّرجيني-، وكان ممّن ساهم في تنشيط الحركة العلميّة في بلده، إذ كانت له حلقة يدرّس فيها الطلبة، وكان من خرّيجيها الشيخ عبد السّلام بن عبد الكريم المزاتي، كما أنّ له روايات ومسائل مبثوتة في كتب التاريخ والسِّير.
- الدّرجيني: الطبقات، 2/ 488، 491، 509.
42 - عيسى بن سجميمان أبو موسى (ق 5 هـ)
من علماء الإباضيّة وفقهائهم في القرن 5هـ، نشأ بجبل نفوسة وانتقل إلى وارجلان واستقرّ بها، وعلى ما يستفاد من إشارات أصحاب السِّير فإنّه أخذ عن الشّيخين أبي الرّبيع سليمان بن زرقون، وأبي العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر، اشتغل بالعلم والتّعليم فكان من تلاميذه الشيخ أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي، له فتاوى وآراء عديدة في العقيدة والفقه هي في كتب الإباضيّة خاصّة كتاب السؤالات للسّوفي، وكتاب السِّير للوسياني.
- السّوفي: السؤالات، 39؛ الشمّاخي: السِّير، 487؛ جمعيّة التراث: معجم الأعلام، 4/ 566، الترجمة 789.
43 - فتح بن نوح النّفوسي (ق 7 هـ)
هو فتح بن نوح الملوشائي النّفوسي أبو نصر نسبة إلى قرية "تملوشايت" بجبل نفوسة التي وُلد بها ونشأ، وهو معدود عند أصحاب الطبقات من علماء الطبقة (1/373)
صفحة 374
الثانيّة عشر (من 550هـ إلى 600هـ)، تلقّى تعلّمه بمدرسة خاله الشّيخ أبي يحي زكرياء بن إبراهيم، وبعد تخرّجه جلس للتّدريس وعلى يديه تخرّج الكثير من الطلبة، كما أثرى المكتبة الإسلاميّة بنتاجه الفكري، وكان الشّيخ أديبا ألمعيّا، وفقيها شاعرا، ينظم في مختلف مواضيع العقيدة والفقه، وممّا وصلنا من إنتاجه:
? المنظومة النّونية في التّوحيد ومسائله.
? المنظومة الرّائية في فقه الصلاة.
? قصيدة لامية في رثاء شيخه أبي يحي زكرياء.
? ستّة قصائد في النّصائح والحِكم.
? ثلاث مخمّسات في الحِكم والنّصائح.
? العديد من المقامات الأدبيّة.
- أبو نصر فتح: ديوان الشيخ أبي نصر، كلّه؛ نفسه: متن النّونية، مقدّمة المحقّق: عمر بن أحمد بازين، 25؛ علي يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التاريخ، الحلقة 2، القسم 2، 97 وما بعدها.
44 - فصيل بن أبي مسور اليهراسني (ق 4 هـ)
هو فصيل بن أبي مسور اليهراسني الجربي أبو زكرياء، من أبرز علماء الإباضيّة، وُلد بنفوسة أوائل القرن 4هـ، أخذ العلم عن أبيه أبي مسور أوّلاً، ثمّ هاجر إلى إفريقية (تونس) إذ جلس إلى الشّيخ أبي خزر يغلا بن زلتاف فاستكمل العلوم الأخرى عنده.
هاجر أبوه إلى جربة وكان معه، وبعد وفاته خلفه في مهمّة التّدريس في الجامع الكبير بعد إتمام بنائه، فكان من تلاميذه: أبو الخطّاب عبد السّلام بن أبي وزجون، وأبو الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي، وأبو محمّد ويسلان بن أبي صالح اليراسني، والعلاّمة أبو عبد الله محمّد بن بكر الفرسطائي النّفوسي، (1/374)
صفحة 375
الذي تفرّس فيه شيخه يومًا فقال فيه: «إن لم تخطئ فراستي فإنّ هذا الفتى سوف يحيي اللهُ به دينه».
ولقد همّ أبو زكرياء بالمشاركة في ثورة شيخه أبي خزر على الشّيعة ومؤازرته، إلاّ أنّ فشلها حال دون تحقيق همّه، ونظرًا لذلك ولفشل كلّ الثّورات والمحاولات السّابقة لإقامة الإمامة الإباضيّة، اهتمّ بعض علمائهم بأمر دينهم ومذهبهم، حتّى كان الشّيخ أبو زكرياء صاحب المبادرة إذ ألهمه اللهُ إلى التّفكير في نظام تعليميٍّ يتماشى وأحوال الإباضيّة، فأسند المهمّة إلى تلميذه النّجيب أبي عبد الله محمّد بن بكر، وأرسل إليه ابنيه زكرياء ويونس وبعض أقاربه، وبعد اجتهاد طويل انبثق نظام الحلقة، وبذلك صدقت فراسة الشّيخ في تلميذه، وسُمّي النّظام بالسّيرة المسوريّة البكريّة، نسبة إلى ابن أبي مسور صاحب الفكرة وإلى ابن بكر مجسّدها.
وللشّيخ أبي زكرياء مزايا خاصّة في ميدان العلم والتّعليم، وعلاقته بالتّلاميذ، وفي ميدان علاقاته السّياسية مع حكّام جربة، أسهب فيها الحديث الشّيخ علي يحي معمّر في المصدر الذي سيُذكر بعد حين.
اِنتقل الشّيخ بعد هذا الجهاد الطّويل إلى رحمة ربّه في أواخر القرن 4هـ.
- علي يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة3، 103؛ فرحات الجعبيري: نظام العزّابة عند الإباضيّة في جربة، 29 وما بعدها؛ جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 5/ 577، التّرجمة: 816.
45 - الفضل بن الحواري العُماني (ت 278 هـ)
هو الفضل بن الحواري السّامي العماني أبو محمّد، من علماء الإباضيّة بعُمان، عاصر الشّيخ أبا معاوية عزّان بن الصّقر، وقد بلغا مبلغًا عظيمًا في العلم والفقه، حتّى قيل عنهما: إنّهما في عُمان كالعينين في الجبين، لا يُفرَّق بينهما في العلم. (1/375)
صفحة 376
والشّيخ الحواري من رواة الأخبار، فالكثير من كتب عُمان تحفظ له آراء وأقوالاً في الشّريعة والتّاريخ؛ ومن تآليفه:
? كتاب الجامع في ثلاث مجلّدات، مطبوع.
? سيرة طويلة (رسالة) كتبها لأهل حضرموت.
وقد قُتل الشّيخ الفضل في وقعة القاع يوم الاِثنين 26 شوال سنة 278 هـ.
- الفضل بن الحواري: الجامع، 1/ 3؛ عبد الله بن مدّاد: السيرة، 21، 29، 57، 63، 64؛ عبد الله بن حُميد السّالمي: اللّمعة المرضيّة من أشعّة الإباضية، 74.
46 - ماكسن بن الخير الوسياني (ت 491 هـ)
هو ماكسن بن الخير الجرامي الوسياني اليفرني أبو محمّد، من علماء الإباضيّة، وُلد في بداية النّصف الأوّل من القرن 5هـ بالقيروان، وبها حفظ القرآن الكريم بالتّلقين لأنّه فقد بصره وهو صغير، اِنتقل بعد ذلك إلى جربة فجلس للتعلّم عند العديد من مشايخها، منهم: أبو عبد الله محمّد بن بكر النّفوسي، وأبو محمّد ويسلان بن أبي صالح اليراسني، وأبو محمّد عبد الله بن مانوج اللّمائي، وأبو سليمان داود بن أبي يوسف إلياس الوارجلاني.
رحل الشّيخ بعد ذلك إلى وارجلان ومكث بها سنينًا طويلة إذ تزوّج ثمّ أنجب، ثمّ انتقل بعدها إلى أريغ أين استقرّ به المقام إلى وفاته سنة 491هـ، وبأريغ جلس للتّدريس والإفتاء، وعليه تخرّج العديد من التّلاميذ أبرزهم الشّيخ أبو محمّد عبد الله بن محمّد العاصمي.
وتذكر كتب السّير أنّ الشّيخ كان ذا غيرة على الدّين، وكان شديدًا في الأمر والنّهي، كما تذكر عنه أنّه كان فقيهًا بحقّ، باحِثًا مولعًا، ناقِدًا للمسائل، لا يرضى بما يقرؤه أو يُروى له إذا لم يكن مبنيا على أصل (1/376)
صفحة 377
صحيح، من ذلك عدم اقتناعه بثلاث مسائل كان المشايخ يفتون بها، أوردها الدّرجيني وبيّن وجهة نظر الشّيخ فيها.
ولتفقّه الشّيخ فإنّ كتب الفقه الإباضيّة كثيرًا ما تسوق له آراء ومسائل تستشهد بها.
- الدّرجيني: الطّبقات، 2/ 429 وما بعدها؛ علي يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة4، 193 وما بعدها؛ جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 5/ 595، التّرجمة: 853.
47 - المثنّى بن معروف وأخوه شعيب بن معروف الشّعبي (ق 2 هـ)
المثنّى بن معروف أحد فقهاء الإباضيّة بالبصرة في القرن 2هـ، عاصر الإمام الرّبيع بن حبيب، وكان أصغر منه سنًّا، تعلّم عند الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وكان عنده مرضيًّا، إذ رشّحه في إحدى مواسم الحجّ للخروج مع الرّبيع بن حبيب إلى البقاع المقدّسة لتولّي أمور أهل الدّعوة (الإباضيّة) والإفتاء لهم، فأبى لتواضعه، وقال لشيخه: في الرّبيع كفاية.
أمّا أخوه شعيب فهو أبو المعروف، يظهر أنّه كان أكبر منه سِنًّا، وهو صِنوه في التعلّم على أبي عبيدة مسلم، إلاّ أنّه كان على عكسه في السّيرة، لمؤازرته فتنة ابن فندين زعيم النكّار الذي قام ضدّ الإمام عبد الوهّاب الرّستمي يريد الإطاحة به، وكان من تحمّسه مع ابن فندين أن رحل من البصرة إلى تاهرت طمعًا في الإمارة، إلاّ أنّ الله لم يكتب لهم الظّهور ولا البقاء، وانتهى المطاف بشعيب في طرابلس يدعو إلى أفكار النكّار ومسائلهم ويخطّئ مشايخه وأئمّته، لذلك فهو عند مشايخ المذهب مذموم السّيرة متبرَّأ منه.
- أبو زكرياء يحي بن أبي بكر: السّيرة وأخبار الأئمّة، 1/ 92 وما بعدها؛ الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 49 وما بعدها، 2/ 276؛ الشمّاخي: السّير، 147 وما بعدها. (1/377)
صفحة 378
48 - محبوب بن الرّحيل القرشي (ق 2 هـ)
هو محبوب بن الرّحيل العبدي القرشي أبو سفيان، من علماء الإباضيّة في الطبقة الرّابعة (من 150هـ إلى 200هـ)، أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة ثمّ عن الرّبيع بن حبيب، اُشتهر بحفظه لأخبار المشايخ وسيرهم، وقد ألّف في ذلك كتابا لم يصلنا يُعرف ب"سير أبي سفيان محبوب"، وكتابه هذا هو المعتمد عند مؤرّخي الإباضيّة، كأبي العبّاس الدّرجيني وأبي العبّاس الشمّاخي، وكتب الإباضيّة مشحونة برواياته وأقواله، وممّا وصلنا من آثاره رسالة بعث بها إلى الإمام عبد الله بن يحي طالب الحقّ، حفظها لنا الدّرجيني في طبقاته.
- الدّرجيني: الطبقات، 2/ 278؛ ابن خلفون: الأجوبة، ملحق التراجم لعمرو خليفة النّامي، 116؛ الشمّاخي: السير، 117.
49 - محمّد بن أفلح بن عبد الوهاب الرستمي (ت 281 هـ)
هو محمّد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرّحمن بن رستم أبو اليقظان، أخذ العلم عن أبيه وجدّه وسار سيرتهما حذو النّعل بالنّعل، من العدل والزّهد والورع والاِشتغال بالعلم، وكانت له حلقات علميّة يديرها بتاهرت، وهو خامس الأئمّة الرستميين، بويع بالإمامة سنة 261هـ، وكان قبله فيها أخوه أبو بكر إلاّ أنّه لم يكن أهلا لها، وبعد تولّيه الإمامة اشتغل وقتا كبيرا بتصفيّة الأوضاع وإصلاحها من الفساد الذي لحق بالمجتمع الرّستمي من جرّاء فتنة ابن عرفة التي ثارت زمان حكم أخيه أبي بكر، وبعد سبع سنوات من التّنظيف والتّنظيم استقرّ له الحكم فأرجع للدّولة نضارتها وازدهارها خاصّة من النّاحيّة الثّقافيّة، وقد أثرى المكتبة الإسلاميّة بعِدّة عناوين منها:
? رسالة في مسألة خلق القرآن، مطبوعة.
? (1/378)
صفحة 379
كتاب الاِستطاعة في عِدّة أجزاء.
? فتاوى وأجوبة فقهيّة، مخطوطة.
توفّي سنة 281هـ بعد أن قضى في الإمامة 20 عاما.
- جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 5/ 604، التّرجمة: 870.
50 - محمّد بن بكر الفرسطائي (ت 440 هـ)
هو محمّد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النّفوسي أبو عبد الله، تكون وِلادته حوالي سنة 345هـ بمدينة فرسطاء في جبل نفوسة بليبيا، أخذ مبادئ العلوم في مسقط رأسه، ثمّ رحل إلى جزيرة جربة فتتلمذ لدى الشّيخ أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور اليهراسني، ثمّ رحل إلى الحامّة ودرس على الشّيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل علم العقائد والأصول، ثمّ غادرها بعد موت شيخه إلى القيروان أين أخذ علوم اللّغة العربيّة، ثمّ منها إلى قسطيلية قاصِدًا الشّيخ أباعمران موسى بن زكرياء ليأخذ عنه علم الفروع والفقه وذلك سنة 408هـ، وفي طريقه إليها التقى في "تيجْديتْ" بالوفد الجربي الذي أرسله إليه شيخه أبو زكرياء فصيل، والذي تكوّنت لديه قناعة ملحّة لإنشاء نظام تعليميّ يتماشى والحالة السّياسيّة للإباضيّة بعد محاولتهم الفاشلة لإقامة الإمامة، والهزّات العنيفة التي تعرّضوا لها، يقوم هذا النّظام بحماية كيانهم من الاِضمحلال، وهذا الوفد يتكوّن من بعض أبناء الشّيخ أبي زكرياء وإخوته وأبناء أخته وغيرهم من أقربائه ممّن يصلحون لطلب العلم والتّحصيل.
اِستقرّ المقام بالوفد وبالشّيخ في قرية تقيوس، وبعد طلبات متكرّرة وإلحاح شديد من الوفد استسلم الشّيخ للأمر الواقع، واختلى بنفسه أربعة أشهر اشترطها على الوفد يستخير فيها ربّه، ويراجع حصيلته العلميّة ليكون في مستوى نظام لم يُسبق (1/379)
صفحة 380
له مثيل؛ وبعد مضيّ الأشهر الأربعة وفّى أبو عبد الله بوعده، وقعد للتّدريس في مسجد المنية بتقيوس سنة 408هـ، وبذلك وضع نواة نظام حلقة العزّابة الذي استطاع بفضل الله أن يحفظ كيان الإباضيّة إلى أزمنة متأخّرة في بعض المواطن، وإلى يومنا هذا في مواطن أخرى.
وهكذا قضّى أبو عبد الله بقيّة عمره في التنقّل بين مواطن الإباضيّة يرسي قواعد النّظام الذي أسّسه حتّى عُرف لكثرة تنقّلاته ب "سيِّدي محمّد السّايح"، وتخرّج من حلقاته علماء كثيرون كانوا الرّافعين من شأن نظامه، ويذكر المؤرّخون أنّ له تآليف عديدة، إلاّ أنّنا لم نقف على شيء منها، إلاّ ما رواه عنه الدّرجيني ونقل عنه البرّادي من سير الحلقة ونظمها.
وافته المنيّة سنة 440هـ، وقبره معروف ببلدة اعْمر قرب مدينة توقرت جنوب الجزائر.
- أبو اليقظان إبراهيم: ترجمة الإمام أبي عبد الله محمّد، كلّه (مخطوط)؛ فرحات الجعبيري: نظام العزّابة عند الإباضيّة بجربة، 31؛ اسماوي صالح: نظام العزّابة ودوره في الحياة الاِجتماعيّة والثّقافية بوادي ميزاب، 22.
51 - محمّد بن عبّاد المدني (ق 3 هـ)
محمّد بن عبّاد المدني من علماء الكلام الإباضيّة الأوائل، عاصر محمّد بن محبوب (ت.260هـ)، له كتاب في علم الكلام، وقد انفرد بمسائل فيه عدّها السّوفي صاحب "السّؤالات"، وقال عنه: «فأمّا ابن عبّاد فهو محمّد بن عبّاد مدني ... وليس بابن عبّاد الذي هو في زمن الرّبيع، هذا متكلّم وذلك فقيه»، (اُنظر الترجمة رقم: 4).
- البغطوري: سيرة أهل نفوسة، 100؛ السّوفي: السّؤالات، 98؛ البرّادي: رسالة في كتب أصحابنا، ملحقة بكتاب الموجز، 2/ 284؛ الشمّاخي: السّير، 123، 132. (1/380)
صفحة 381
52 - محمّد بن محبوب بن الرّحيل (ت 260 هـ)
هو محمّد بن محبوب بن الرّحيل بن هبيرة القرشي، إمام الإباضيّة بالمشرق في عهده بعد أبيه، أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، أقام بمكّة ثمّ انتقل إلى عُمان، إذ تصدّى للتّعليم والتّأليف والقضاء وتثبيت أمر الإمامة بها زمن الإمام الصّلت بن مالك الخروصي، من آثاره كتاب جامع في الشّريعة في 70 جزْءًا، وقيل في 75 جزءًا. توفّي في صحار بعُمان سنة 260هـ.
- البرّادي: رسالة في كتب أصحابنا، ملحقَة بكتاب الموجز، 2/ 284؛ ابن خلفون: الأجوبة، ملحق التّراجم لعمرو خليفة النّامي، 112؛ الجيطالي: القواعد، تعاليق عبد الرّحمن بكلّي، 1/ 51؛ الشمّاخي: السّير، 369؛ جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 5/ 685، التّرجمة: 1022.
53 - محمّد بن وصّاف العُماني (ق 6 - 7 هـ)
هو محمّد بن وصّاف العُماني، من علماء الإباضية بعُمان، لا نعلم بالضّبط متى عاش، إلاّ أنّ المؤرّخ العُماني عبد الله بن مدّاد ذكر في سيرته أنّه معاصر لأبي علي الحسن بن أحمد بن محمّد بن عثمان، ويظهر لنا أنّ حياته كانت بين القرنين 6 و7 هـ؛ أخذ العلم عن مشايخ عُمان ثمّ تفرّغ للعلم والتّعليم، من آثاره جمعه لقصائد الشّيخ أحمد بن النّظر في ديوان سمّاه: الدّعائم، ثمّ وضع عليها شرحًا سمّاه: الحلّ والإصابة.
- محمّد بن وصّاف العُماني: شرح الدّعائم، مقدّمة المحقّق: عبد المنعم عامر، 1/م؛ عبد الله بن مدّاد: السّيرة، 13؛ أبو القاسم البرّادي: رسالة في كتب أصحابنا، ملحقة بكتاب الموجز لأبي عمّار عبد الكافي، 2/ 286.
54 - مزين بن عبد الله الوسياني (ق 5 هـ)
هو مزين بن عبد الله الوسياني أبو عبد الله، من علماء الإباضيّة بأريغ، عاش في (1/381)
صفحة 382
النّصف الثّاني من القرن 5هـ، وهو صِنْوُ الشّيخ أبي محمّد ماكسن بن الخير الوسياني وصديقُه، ويغلب على الظنّ أنّه من تلاميذ الشّيخ أبي عبد الله محمّد بن بكر الفرسطائي النّفوسي.
والرّوايات الواردة عنه في كتب السّير تنِمّ عن مستواه العلمي وفكره الوقّاد، إذ روت له فتاوى وآراء فقهيّة خاصّة، اِنفرد بها.
كما أنّ من آثاره مدوّنة قيّد فيها آراءه وفتاواه، وُجدت بعد وفاته.
توفّي بعد سنة 471هـ السنة التي توفّي فيها الشّيخ أبو الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي أحد أصدقائه، إذ كان على قيد الحياة بعده.
- أبو زكرياء يحي بن أبي بكر: السيرة وأخبار الأئمّة، 2/ 362، 374؛ الوسياني: السّير، 56 وما بعدها؛ السّوفي: السّؤالات، 145 وما بعدها؛ الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 9، 2/ 422 وما بعدها؛ الشمّاخي: السّير، 410 وما بعدها.
55 - مهاصر السّدراتي أبو مرداس (ق 3 هـ)
من علماء الإباضيّة بجبل نفوسة، من قرية تبرست، والسّدراتي نسبة إلى قبيلة سدراتة النّفوسيّة، عَدّه الدّرجيني ضمن أعلام الطّبقة الخامسة (من 200 إلى 250هـ)، تكون نشأته ودراسته بالجبل، بلغ في العلم والزّهد والشدّة في الأمر والنّهي مبلَغًا عظيمًا، حتّى شهد عليه المؤرّخون أنّه أضرّ دنياه بآخرته، ولم يتزوّج إلاّ في سنوات متأخّرة من حياته.
رشّحه حزمه وشِدّته في الله لأن يكون مستشارًا للإمام عبد الوهّاب الرّستمي، حين كان مقيمًا بجبل نفوسة عِدّة سنوات، ولِوُلاَّتِهِ على الجبل: أيوب بن العبّاس، ثمّ أبي عبيدة عبد الحميد الجنّاوني، ثمّ العبّاس بن أيوب، وكانوا لا يصدرون إلاّ بأمره ومشورته. (1/382)
صفحة 383
وكان في زمن العبّاس بن أيوب قد هرم وشاخ، حتّى إنّه لَيُرى أمام جيوشه قائدًا منحنيا يجرّ غِمد سيفه.
وفي جبل نفوسة سبعة مشاهد تُسمّى باسمه.
- البغطوري: سيرة أهل نفوسة، 32 وما بعدها؛ الوسياني: السّير، 15 وما بعدها؛ الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 8، 2/ 291 وما بعدها، الشمّاخي: السّير، 172 - 178؛ أبو زكرياء محمّد الباروني: مشاهد الجبل، 599، ملحَقًا بسير الشمّاخي؛ علي يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة2، القسم2، 37.
56 - هلال بن عطيّة الخراساني (ت 133 هـ)
من علماء الإباضيّة وزعمائهم الأوائل، أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، عمل وزيرًا للإمام الجلندى بن مسعود بعُمان وقائِدًا على جنده، وتولّى الإمامة بعده زمانًا، إلى أن قُتل خِدعة سنة 133هـ بعد نزاع بينه وبين العامّة من النّاس.
- أبو سليمان بن محمّد بن عامر المعولي: قصص وأخبار جرت في عُمان، 48؛ جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 5/ 685، التّرجمة: 1022.
57 - وائل بن أيوب الحضرمي (ق 3 هـ)
وائل بن أيوب الحضرمي أبو أيوب، موطنه الأصلي حضرموت، عدّه الدّرجيني ضمن علماء الطّبقة الرّابعة (من 150 إلى 200هـ)، اِنتقل إلى البصرة للدّراسة وصاحب أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة زمانا، كما كان مع الإمام عبد الله بن يحي الكندي في حروبه، وكانت له مساهمة في تثبيت الإمامة في بلده حضرموت، ولمّا رجع إلى عُمان كان صِنو الرّبيع بن حبيب في الفتوى والتّدريس، وكتبُ الإباضيّة الأولى مليئة بالأقوال المرويّة عنه، خاصّة مدوّنة أبي غانم الخراساني.
- ابن خلفون: الأجوبة، ملحق التّراجم لعمرو خليفة النّامي، 110؛ الدّرجيني: الطّبقات، 2/ 278؛ الشمّاخي: السّير، 105. (1/383)
صفحة 384
58 - ويسلان بن يعقوب الدّجمي (ق 4 هـ)
ويسلان بن يعقوب المزاتي الدّجمي أبو محمّد، والدّجمي نسبة إلى أحد بطون قبيلة مزاتة، من علماء الإباضيّة ببلاد وارجلان وأريغ، معدود ضمن أعلام الطّبقة الثّامنة (من 350 إلى 400هـ)، كان في أوّل عمره راعي غنم، ثمّ أقبل على التعلّم في كِبره على الشّيخ أبي القاسم يزيد بن مخلد، فحفظ القرآن وحصّله في سبع سنين، ثمّ تفرّغ لعلم الكلام وأصول الدّين على شيخه المذكور مدّة سِتّة عشر سنة، وبلغ فيه مبلَغًا عظيمًا، ثمّ رحل إلى جبل نفوسة لأخذ علم الفروع والفقه على المشايخ هنالك، ومكث فيه سبع سنين، وكان طيلة مدّة تعلّمه يحتفظ بالكتب والرّسائل التي تصله من أهله ولا يطّلع على ما فيها خشية أن تشغله عن العلم، وبعد أن أتمّ دراسته جعل يتصفّحها فوجد فيها ما خشيه فِعلاً.
ولتضلّع الشّيخ في علم الكلام فقد روت له كتب السّير والعقيدة أقوالاً في الموضوع، كما روى المؤرّخون أنّه حصّل ديوانًا كبيرًا عندما كان بنفوسة ولعلّه كان من تأليفه.
وقد سجنه الفاطميون في الحملة التي شنّوها على الإباضية، كما قتلوا شيخه أبا القاسم، ممّا جعل أتباع الإباضية يثورون عليهم بقيادة أبي خزر يغلا بن زلتاف وأبي نوح سعيد بن زنغيل، وكان الشّيخ ويسلان ممّن كره على أبي خزر وأبي نوح الثّورة والخروج على الفاطميّين، فهو يرى أنّ الصّبر على الظّلم والظّالمين أحسن، وله رأيه.
- البغطوري: سيرة أهل نفوسة، 139؛ أبو زكرياء يحي بن أبي بكر: السّيرة وأخبار الأئمّة، 2/ 293؛ الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 8، 2/ 369؛ الشمّاخي: السّير، 377؛ مجهول: تسميّة شيوخ الوهبيّة، 592 ملحَقًا بسير الشمّاخي؛ علي يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة3، 55. (1/384)
صفحة 385
59 - يحي بن إبراهيم الوارجلاني (ق 6 هـ)
هو يحي بن إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم بن ويجمن الوارجلاني أبو سهل، من علماء الإباضيّة بوارجلان، معدود عند كتّاب السّير من أهل الطّبقة الثّانية عشر (من 550 إلى 600هـ)، نشأ بوارجلان وتعلّم بها على مشايخها، خاصّة على والده الشّيخ إبراهيم، ساهم في تنشيط الحركة العلميّة بموطنه بالتّعليم والتّأليف، وحسبه شرفًا أنّ من تلاميذه المؤرّخ القدير أبو العبّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني، صاحب كتاب "طبقات المشايخ بالمغرب"؛ ومن تآليفه:
? رسالة في العقيدة، مخطوطة.
? جوابات فقهيّة، مخطوطة.
? ديوان شعر بالبربريّة، في المواعظ والحكم وتاريخ أهل الدّعوة.
وفي شارع البستان بقصر وارجلان داره ومسجده المعروفان باسمه، وهما ماثلان إلى يومنا.
- الدّرجيني: الطّبقات، 2/ 352؛ علي يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة4، 235.
60 - يحي بن أبي بكر الوارجلاني (ت بعد 474 هـ)
هو يحي بن أبي بكر بن سعيد الوارجلاني أبو زكرياء، من علماء الإباضيّة بالمغرب، تكون ولادته بين نهاية القرن 4هـ وبداية 5هـ، أخذ العلم عن أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي بوادي أريغ جنوب الجزائر، وقّف حياته في سبيل العلم، فعلّم وألّف، ولاِهتمامه بتاريخ الإباضيّة ألّف كتابه المشهور "السّيرة وأخبار الأئمّة"، وهو العمدة عند مؤرّخي الإباضيّة، وكلّهم عالة عليه، ولأهميّته فقد تُرجم وحُقّق وطُبع مرّات عديدة؛ وتذكر المصادر أنّ له رسائل وفتاوى في (1/385)
صفحة 386
العقيدة والفقه لم تصلنا، والكثير من آرائه محفوظة في بطون كتب الفقه والسّير، توفّي -رحمه الله- بعد سنة 474هـ وهو آخر تاريخ ورَد في كتابه المذكور.
- أبو زكرياء يحي بن أبي بكر: السّيرة وأخبار الأئمّة، 2/ 379؛ جمعيّة التّراث: معجم الأعلام، 5/ 698، التّرجمة: 1049.
61 - يحي بن أبي الخير الجنّاوني (ق 5 هـ)
هو يحي بن الخير بن أبي الخير الجنّاوني أبو زكرياء، من علماء الإباضيّة في الطّبقة التّاسعة (من 400 إلى 450هـ)، نشأ في مدينة جنّاون في جبل نفوسة، وتولّى رعايته جدّه أبو الخير، انتقل إلى مدينة "إبَنايَنْ" للتعلّم في مدرسة الشّيخ أبي الرّبيع سليمان بن أبي هارون الباروني، فكان التّلميذ المثالي في الجدّ والتّحصيل، والاِستزادة من المعرفة، حتّى أنّه لم يجد متّسعًا من الوقت للتجوّل في أنحاء المدرسة، والتنزّه في بساتين المدينة، ولم يتح له ذلك إلاّ في لحظات قبل رجوعه إلى مدينته جنّاون، وكان قد أذِن له شيخه بالرّحيل، ولمّا وصل بلده جلس للتّدريس والفتوى، وأثرى المكتبة الإسلاميّة بمصنّفات جليلة، منها:
? كتاب الوضع، ويُعرف بكاتب اللُّمع كذلك، مطبوع.
? كتبا الصّوم، مطبوع.
? كتاب النّكاح، مطبوع.
? كتاب الأحكام، مخطوط.
قال الشمّاخي: «وكان اعتماد نفوسة على كتبه حِفظًا وفتيا، لكونه أودع فيها المأخوذ به من الأقوال، وربّما ذكر الخلاف، وهي كتب مفيدة في الأحكام».
- الشمّاخي: السّير، 535؛ علي يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة2، القسم2، 93. (1/386)
صفحة 387
62 - يحي بن زكرياء الزواغي (ق 6 هـ)
هو يحي بن زكرياء بن أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور اليهراسني أبوزكرياء، من تلاميذ أبي العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر الفرسطائي، لم نقف على معلومات مستفيضة عن حياته، إلاّ إشارات عابرة مفادها أنّه شيخ وعالم من علماء الإباضيّة في الطّبقة الحادية عشر (من 500 إلى 550هـ)، وهو من قبيلة زواغة، وكما لا يخفى فإنّه من سلالة علم وصلاح.
- السّوفي: السّؤالات، 484، 485؛ الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 9.
63 - يغلا بن زلتاف الوسياني (ت 380 هـ)
هو يغلا بن زلتاف الوسياني أبو خزر، وزلتاف أمّه، وأبوه أيوب، من مواليد العقود الأولى من القرن 4هـ في الحامّة (جنوب تونس)، نشأ هنالك وتعلّم على الشّيخ أبي الرّبيع سليمان بن زرقون النّفوسي وعلى الشّيخ سحنون بن أيوب، أخذ عن الأوّل اللّغة والأدب والفقه، وعن الثّاني العقائد والأصول، وبعد تخرّجه جلس للتّدريس هو وزميله أبو القاسم يزيد بن مخلد بمدرستهما، فكان يقصدها طلبة الإباضيّة من كلّ مكان، يدرسون القرآن والحديث والأصول والفقه وعلم العربيّة والسّيرة، وكان الشّيخان يتنقّلان مع طلبتهما في أحياء مزاتة للأمر والنّهي والدّعوة والتّعليم.
لمّا اغتيل زميله أبو القاسم يزيد بأمر من أبي تميم سلطان العبيديّين، وذلك حين شعر أنّ أبا القاسم يشكّل خطرًا على سلطانه ونفوذه، لاِلتفاف جموع الإباضيّة حوله وطاعتها له، بويع أبو خزر إمامًا للدّفاع للقيام ضدّ العبيديّين، والأخذ بثأر أبي القاسم، فتجمّعت حول أبي خزر جيوش معتبَرة من مختلف أصقاع الإباضيّة، وقطع شوطًا لابأس به في اكتساح نفوذ العدوّ، إلاّ أنّ انخذال بني يليان لرشوة (1/387)
صفحة 388
جعلها لهم أهل حصن باغاي إذا هم تسبّبوا في هزيمة الجيش، جعل الهزيمة تلحق أبا خزر وجنده، فتفرّقوا ولم يبلغوا ما اجتمعوا عليه.
اِعتصم أبو خزر بأحد جبال إفريقية يُقال له: "تلتماجرت" حتّى انقطع عنه البحث مدّة أربعين يومًا، ثمّ آوى إلى جبل نفوسة فأقام به تحت حماية واليه أبي زكرياء عبد الله بن أبي عمر؛ وكان من حيلة أبي تميم أن قرّب إليه الشّيخ أبا خزر وزميله الذي كان معه في الحرب أبا نوح سعيد بن زنغيل، ليأمن شرّهما، وأرسل بالأمان إلى جميع بلاد الإباضيّة، ولمّا انتقل إلى مصر أخذ معه الشّيخ أبا خزر، وهنالك قضى الشّيخ بقيّة حياته في حال من الرّخاء ورغد من العيش، حتّى تمنّى أن تكون له كوكبة من طلبة أهل الدّعوة يعلّمهم ويقوم بأمر نفقتهم؛ وتوفّي بمصر سنة 380هـ، ويشهد لاستقامته وورعه قوله أبي تميم يومًا فيه: «أمّا أبو خزر فعالم ورِع»؛ وترك مؤلَّفًا وحيدًا عبارة عن رسالة ضمّنها الردّ على أهل الخلاف (الخوارج، المرجئة، المعتزلة ... ) من النّاحيّة العقائديّة تُعرفُ بكتاب "الردّ على جميع المخالفين"، إضافة إلى ذلك فإنّ له آراء كلاميّة وأبيات شعريّة مبثوثة في بعض الكتب.
- أبو خزر: الردّ على جميع المخالفين، مقدّمة المحقّق د. عمرو خليفة النّامي، كلّها؛ أبو زكرياء يحي بن أبي بكر: السّيرة وأخبار الأئمّة، 1/ 194 وما بعدها؛ أبو يعقوب يوسف الوارجلاني: الدّليل والبرهان، 2/ 79.
64 - يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت 570 هـ)
هو يوسف بن إبراهيم السّدراتي الوارجلاني أبو يعقوب، تكون وِلادته خلال الطّبقة الحادية عشر (من 500 إلى 550هـ) في سدراتة ببلاد وارجلان، وهنالك أخذ مبادئ العلوم عن الشّيخ أبي سليمان أيوب بن إسماعيل وغيره من المشايخ، (1/388)
صفحة 389
فأظهر تفوّقًا ونبوغًا، وبعد وفاة شيخه شدّ الرّحال إلى الأندلس واستقرّ به المقام في جامع قرطبة طالبًا ثمّ أستاذًا، وقد شهد له بالتبحّر في العلم بعض زملائه فأنشد فيه أبياتًا؛ وبعد عودته من الأندلس شدّ الرّحال مرّة ثانية إلى السّودان مستكشِفًا وتاجرًا، وكان من نتائج هذه الرّحلة وصوله خطّ الاِستواء؛ كما رحل إلى البقاع المقدّسة في أيام كبره، وخلّد مراحل الرّحلة ومشاهدها ووقائعها في قصيدة رائية تُعرف بالحجازيّة.
لم يجلس كثيرًا للتّدريس، لكثرة رحلاته واشتغاله بالتّأليف والنّسخ، إلاّ ما ذكره الدّرجيني من تتلمذ ابنه أبي إسحاق إبراهيم وزميل له اِسمه أبو سليمان أيوب بن نوح عليه.
أمّا تآليفه فهي في فنّها فريدة وفي منهجها مفيدة، منها:
? تفسير القرآن الكريم، وهو مفقود، وذكر البرّادي أنّه رأى جزأه الأوّل وأشاد بقيمته العلميّة.
? شرح سير محمّد بن محبوب بن الرّحيل في عِدّة أجزاء، مفقود.
? ترتيب مسنَد الرّبيع بن حبيب، مطبوع.
? رسالة في تراجم رجال مسند الرّبيع بن حبيب، مخطوطة مخرومة.
? الدّليل والبرهان في أصول الدّين وعلم الكلام، حقّقه الطّالب صالح بوسعيد وقام بدراسة عليه لنيل شهادة الماجستير.
? العدل والإنصاف في أصول الفقه والاِختلاف، مطبوع.
? مرج البحرين في المنطق، شرحه الشّيخ عبد العزيز الثّميني ولم يكمله، مخطوطان.
? ويَنسب له بعض الباحثين كتاب فتوح المغرب في التّاريخ.
? رسائل كثيرة وأجوبة.
? (1/389)
صفحة 390
قصائد عديدة، منها بائيّة في رثاء شيخه أبي أيوب، والحجازية المذكورة.
ذكر الشمّاخي أنّه توفّي سنة 570هـ، وقبره بسدراتة معروف.
- أبو عمّار عبد الكافي: سير الحلقة، 91 (مطبوع ضمن مجموع)؛ مصطفى بن صالح باجو: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي مقارنة بأبي حامد الغزالي، 71 وما بعدها (أطروحة ماجستير).
65 - يوسف بن محمّد بن أفلح الرّستمي (ت 294 هـ)
هو يوسف بن محمّد بن أفلح بن عبد الوهّاب بن عبد الرّحمن الرّستمي أبوحاتم، سادس الأئمّة الرّستميّين بعد أبيه محمّد بن أفلح، بويع بالإمامة بعد وفاته، إلاّ أنّ عمّه يعقوب بن أفلح دخل معه في حرب ونزاع، اِضطرّ ذلك أبا حاتم للخروج من تاهرت عاصمة الدّولة الرّستميّة، رغم سيرته المرضيّة، إلاّ أنّ الغلبة رجعت إليه فيما بعد، ودامت إمامته 13 سنة، واغتيل من طرف أبناء أخيه اليقظان سنة 294هـ، وبذلك بدأ مسلسل سقوط الدّولة الرّستميّة، إذ اغتصب الحكم بعده أخوه اليقظان، أضِف إلى ذلك الضّربة القاضية التي تلقّتها الدّولة سنة 283هـ بانهزام جيوشها في وقعة مانو أمام الجيش العبّاسي بقيادة إبراهيم بن أحمد من بني الأغلب، والضّربة التي تلقّتها من الشّيعة سنة 296هـ، إلى غير ذلك من الأسباب، والبقاء لله وحده.
- الباروني: الأزهار الرياضية في أئمّة وملوك الإباضيّة، 2/كلّه؛ جمعيّة التراث: معجم الأعلام، 5/ 745، التّرجمة: 1121. (1/390)
صفحة 391
الفهارس (1/391)
صفحة 392
فهرس المسائل
أصول
حديث << بني الإسلام على خمس >> وهل قواعد الإسلام خمس فقط؟ ... 11
هل الأصل في الأشياء قبل الشرع الإباحة أو التحريم؟ ... 16
هل المندوبات مُكلّف بها أم لا؟ ... 19
دليل جواز الاجتهاد في زمان الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ... 22
العلاقة بين الدين والإيمان والإسلام. ... 30
الحكم إذا توجّه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - توجّه إلينا إلاّ إذا خُصّص. ... 131
الحكم يدور مع العلّة وجودًا وعدمًا. ... 150 - 200
خبر الثقة يوجب العمل ولا يُوجب العلم. ... 169
إذا اجتمعت الطّاعة والمعصية في أفعال مكلّف فإنّ المعصية تكون هي الغالبة. ... 174
هل صحّة العمل فائدته ترتّب الثواب أو عدم المؤاخذة؟ وبماذا يصحّ؟. ... 194 - 291
لاتخلو أعمال الإنسان من أن تكون أحد ثلاثة: إيمان، أو نفاق، أو شرك. ... 255
لايخلو الإنسان من أن يكون أحد ثلاثة: مؤمن، أو منافق، أو مشرك. ... 256
المُكلّف إلى قسمين: موحّدٌ وغير موحّد، الثّاني: مشركٌ. ... 256
الموحّد إلى قسمين: موفّ بدين الله وهو المؤمن، وغير موفّ وهو المنافق. ... 256
الأوامر إذا وردت معرّاةً من القرائن فالأصل فيه الوجوب. ... 292
اليقين لا يُزيله إلاّ اليقين. ... 234
الرّجوع عن العلم لايسع. ... 234
الواجب الذي يكفر تاركه يكفر جاهله. ... 298
من جهل مُحرّمًا ممّا يسع جهله إلى الورود ثمّ اقترفه، هل يأثم بجهله أو باقترافه؟ ... 299 - 300 (1/392)
صفحة 393
أفعال الله
هل أفعال الله تعالى معلّلة بالأغراض؟ وما توجيه هذه الأغراض؟ ... 121 - 251
الأنبياء والرسل
هل تجب معرفة أبي محمّد - صلى الله عليه وسلم - وجدّه وقبيلته، وأنّه عربي؟ ... 45
وجوه تبليغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأمّته. ... 46
كم عدد الأنبياء والرسل؟ ... 78
هل كلّ نبيء رسول؟ ... 78
هل آدم - عليه السلام - نبيء أو رسول؟ ... 79
الأنبياء السريانيون، والأنبياء العرب. ... 79
حقيقتا النبوءة والرسالة. ... 80
طرق نزول الوحي. ... 81
هل نبّأ الله أحدًا من الجن؟ ... 82 - 83
الأنبياء الذين أُرسلوا إلى الإنس والجن كافّة. ... 83
هل نبّأ الله أحدًا من العبيد أو النّساء أو أهل البادية؟ ... 84 - 85
تعريف النبيء. ... 84
الفرق بين النبيء والرسول. ... 84
هل لقمان الحكيم وليٌّ أم نبيء ... 84 - 85 - 123 200
أهل الخلاف
حقوق أهل الخلاف وواجباتهم إذا كانوا تحت سلطة أهل الوفاق. ... 264 - 167
شهادة العدول من أهل الخلاف لاتجوز في الولاية والبراءة والحدود إذا كانوا تحت سلطة أهل الوفاق. ... 265
حكم سلاح البغاة من أهل الخلاف. ... 268
الإصرار
الإصرار ومعناه، وبماذا يكون. ... 132،197،202
تعريف المصرّ على الذنب، وحكمه، وهل يسع جهل كفره. ... 305 - 306 (1/393)
صفحة 394
استحلال الحرام
حكم المستحل لما حرّمه الله بغير تأويل. ... 109، 302
حكم المستحل لما حرّمه الله بتأويل. ... 110، 303
حكم من استحلّ دماء المسلمين وأموالهم بغير تأويل، وحكم من استحلها بتأويل ... 112
البراءة
براءة المعصومين والمنصوص عليهم باسمهم في الخير شركٌ. ... 204
براءة الشخص المُوفّي بالدين قولاً وعملاً كفرٌ غير شركٍ. ... 157
ماهية البراءة لغة وشرعًا. ... 179
براءة جملة الكافرين توحيدٌ. ... 181، 240
الترك لبراءة جملة الكافرين شركٌ. ... 181
الإنكار لوجوب براءة جملة الكافرين وفرضها شركٌ. ... 181
الجهل بأنّ الله أمر ببراءة جملة الكافرين شركٌ. ... 181
الجهل بأنّ الله أوجب على العمل ببراءة جملة الكافرين ثوابًا كفرٌ وشركٌ. ... 181
براءة أهل الوعيد المذمومين والمنصوص عليهم باسمهم في الشر توحيدٌ. ... 184، 204
براءة أهل الوعيد يسع جهلها المُكلّفَ مالم تقم عليه الحجّة، وهي داخلة في براءة الجملة ... 184 - 185
البراءة من إمام الجور ومن تبعه لاتجب على المكلّف إلاّ بعد قيام الحجة. ... 188
في وجوب البراءة من الخارج من مذهب أهل الحق إلى مذهب أهل الخلاف. ... 198
دليل وجوب براءة الأشخاص. ... 200
متى تجب البراءة من شخص؟ وماذا يُسمّى؟ ... 202 - 203
من تبرَّأ بشخص قبل أن يصدر منه موجب ذلك، أو أخّر براءته بعد وجوبها فهو هالك. ... 203
براءة المخصوص صاحب الكبيرة طاعة غير توحيد. ... 204
تضييع براءة المخصوص صاحب الكبيرة كفرٌ غير شركٍ. ... 204
حكم المنصوص عليه في الشرّ الذي أظهر خلاف مانُصَّ عليه، وبراءتُه. ... 204 - 206
الوجوه التي تثبت بها البراءة. ... 208 - 209
الإقرار بفعل الكبيرة يُوجب البراءة من المُقر. ... 208
208 (1/394)
صفحة 395
قطع عذر المخالف يُجب البراءة من القاطع. ... 208
نصبُ الخطإ دينًا يُجب البراءة من الناَّصب، كرؤية الله، والخروج من النّار. ... 208
مُشاهدة البالغ المكلّف على كبيرة أو صغيرة مُصرٌّ عليها تُوجب البراءة منه. ... 208
شهادة العدلين على براءة شخص تُوجب البراءة من ذلك الشخص. ... 209
شهادة العدل الواحد على براءة شخص لاتثبت بها البراءة من ذلك الشخص. ... 209
الشّهرة في الشرّ توجب البراءة من المشهور عنه ذلك. ... 209، 216
حقيقة البراءة بين العباد مُطلقًا هي المفارقة للكفّار. ... 218
مايجب للمتبرّإ منه على من تبرّأ منه. ... 224
الدّعاء بالشرّ في الآخرة براءة ممّن دُعي له، وفي الدنيا ليس كذلك. ... 224 - 225
من تبرّأ من جنس مُعلّق بصفة أو صنعة فهو كافر. ... 241
لايُعذر المُكلّف من نسيان أهل براءته على الصّحيح. ... 247
من تبرّأ من الأطفال أو البهائم فقد كفر. ... 242
المُدّعي لما ليس له يُبرأ منه. ... 246
ما يجب لأهل البراءة. ... 260 - 264
حُكم أهل البراءة إذا بغوا وأظهروا الفساد. ... 263
حُكم مال أهل البراءة وذرّيتهم ومُدبرهم وجريحهم إذا قُوتلوا ببغيهم. ... 263 - 267
البلوغ
هل المرأة تحتلم، أم أنّ الاحتلام خاصٌّ بالذكور. ... 20
البلوغ بالشعرة الواحدة، والشعرتين، والثلاث. ... 22
متى يُحكم ببلوغ الطفل الغائب؟ ... 167
تحريم الحلال
حكم المحرّم لما أحلّه الله بغير تأويل. ... 109، 303
تعاريف
تعريف المثال والتمثال. ... 01
تعريف الحكمة ومعانيها. ... 02
تعريف التضمين (بلاغة). ... 08 (1/395)
صفحة 396
تعريف المحال. ... 39
تعريف العدم والمعدوم. ... 39
الفرق بين الشيء والموجود عند الإباضية وغيرهم. ... 39
تعريف الأزل. ... 39
تعريف النوم والسبات. ... 41
تعريف الموت. ... 54
تعريف الحياة. ... 54
العلاقة بين الموت والحياة. ... 54
تعريف المعجزة وشروطها. ... 86
تعريف التواتر. ... 136
تعريف أهل الجملة. ... 163 - 164
الفرق بين الكاهن والعراف.
التقيّة
هل يجوز المكث تحت لواء إمام الجور تقيّة. ... 188 - 189
التكليف
التكليف ومعانيه. ... 07،19
صاحب الجزيرة الصحيح العقل مُكلّف. ... 17،25
الفرق بين الوحي والتكليف. ... 20
التكاليف على ثلاثة أقسام. ... 119
أقسام ما أمر الله بالكف عنه، ومقاصد ذلك. ... 119
التوبة
توبة المشرك مقطوع بقبولها، وتوبة المُوحّد مظنونة القبول. ... 126،146
هل يُستتاب مرّة ثانية من تاب ثمّ أنكر توبته؟ ... 213 (1/396)
صفحة 397
التوكّل
متى يجوز للإنسان أن يتوكّل على الله دون الإتيان بالأسباب. ... 338
مظاهر من توكّل الرّسول - صلى الله عليه وسلم - و طلبه للأسباب. ... 94 - 95
الجن
الذبح لغير الله تقرّب للجنّ ودفع لضررهم شركٌ. ... 04
مكان الجنّ في الدنيا وفي الآخرة. ... 182
الجن من ذريّة إبليس. ... 182
الجن إذا ظهروا كانت أحكامهم كأحكام بني آدم. ... 182
الخوف والرجاء
إعتدال الخوف والرّجاء في القلب واجب ولو في حال عمل المعصية. ... 123
كيفية خوف الأنبياء ورجائهم. ... 127 - 128
الردّة
حكم المرتدّ من الإسلام إلى الشرك. ... 191،193
كيفية رجوع المرتد إلى الإسلام. ... 191 - 192
هل يعيد المرتدُّ الراجع إلى الإسلام عملَه؟ ... 192،195،292
حكم ذريّة المرتدّ وماله. ... 192 - 193
الردّة تُبطل العمل. ... 194 - 197
الرزق
هل الرزق يكون منه الحلال والحرام، أو الحلال فقط؟ ... 05 (1/397)
صفحة 398
الشرك
الشرك على وجهين: شرك جحود، وشرك مساواة. ... 102
الشاك في شرك المشرك مشركٌ. ... 104،107
حُكم من أُكره على الشرك. ... 105
نماذجٌ من كبائر الشرك. ... 109
راي الصُفرية في حكم من عمل ذنبًا. ... 112،147
حكم من كانت فيه خصلةٌ من خصال الشرك، وحكم ذريّته وماله. ... 197
كلُّ شرك مساواةٍ هو شرك جحود، وليس العكس. ... 256
تعريف شرك المساواة. ... 100 - 101
تعريف شرك الجحود. ... 256
الشهادة
شهادة المُتولّى بولاية الأشخاص ليست كشهادة المتولّى بولاية البيضة. ... 141
هل تُقبل شهادة الشهود في من مات على الوفاء؟ ... 243
ثلاث من أهل الولاية شهادتهم باطلة. ... 261
الأمين في الأموال من غير أهل الولاية تجوز شهادته. ... 262
لاتجوز شهادة النّساء الحدود. ... 169
الصغائر
الصغائر في حق المؤمن معفوٌّ عنها إذا اجتنب الكبائر. ... 115
حقيقة الصغيرة عند الإباضية وعند النُّكّار. ... 126،202
صفات الله
الفرق بين متعلق هذه الصفات: الإرادة، العلم، القدرة. ... 36
معنى استواء الله تعالى على العرش. ... 38
علم الله، ورأي الجهمية فيه. ... 40،220
رؤية الله في الآخرة. ... 42
حكم من أخطأ في وصف الله تعالى بمواجهة النص. ... 73
حكم من أخطأ في وصف الله تعالى بتأويل النص. ... 73
صفة الواحد في حق الله تعالى على أربعة أقسام. ... 99
صفات الله على وجهين: صفات ذات، وصفات أفعال. ... 103 (1/398)
صفحة 399
الطعن في الدين
حكم الخارج من مذهب أهل الحق الطاعن فيه. ... 198
العدل
الفرق بين رأي الإباضية و المجبرة في مسألة عدل الله. ... 37
العصمة
الملائكة الأنبياء والرّسل معصومون من الصّغائر والكبائر. ... 131،134
هل المنصوص عليهم بالخير في القرآن معصومون؟ ... 220
العقل
تعريف العقل. ... 05
العقل قسمين: غريزي و مكتسب. ... 19
العلم
الراجع عن علمه حكمه كحكم من جهل ذلك العلم. ... 248
هل كلّ ما علمه الإنسان ممّا يسع جهله يُعذر في نسيانه بعد علمه؟. ... 248
هل يصحّ العمل بغير علم، أو العلم بغير عمل؟ ... 293
حكم من قال في مسألة بغير علم ولو أصاب الحق. ... 299
هل يجب على المُكلّف أن يعلم أنّ الله أوجب على ترك الفرائض عقابًا؟ ... 315
الفرائض
الدّليل على أنّ المشرك مأمور بالفرائض منهيٌّ عن المحارم. ... 25 (1/399)
صفحة 400
الفناء
تعريف الفناء. ... 39
فناءُ الأشياء يكون على التلاشي. ... 55
فناء المكلّفين وأطفال المسلمين يكون على الانقلاب. ... 55
هل فناءُ أطفال الكفّار يكون على التلاشي أم على الانقلاب؟ ... 55
هل يبقى من الإنسان شيء لاتأكله الأرض؟ ... 55
القرآن والكتب
هل تجب معرفة أنّ القرآن عربي؟ ... 45
وجوه إعجاز القرآن. ... 87
تفسيرات اللّوح المحفوظ. ... 88
عدد الكتب التي أنزلها الله. ... 88
حكم نسيان القرآن، وأوجه تأويل نسيانه. ... 307 - 309
القضاء والقدر
لاتُصيب العبد مصيبة إلاّ بذنب صدر منه. ... 43
تعريف القضاء والقدر، والفرق بينهما. ... 91
القدر والطّلب لايتنافيان. ... 93
التوكّل والكسب لايتنافيان. ... 93،97
قيام الحجة
طرق قيام الحجة في ما يسع جهله من المُحرّمات أو الواجبات حتّى قيامها. ... 24،296
ما يسع جهله يُصبح ممّا لايسع بعد قيام الحجّة عليه. ... 248،306 (1/400)
صفحة 401
الكبائر
حُكم من لم يُفرز بين كبائر الشرك وكبائر النّفاق. ... 107
من كبائر الشّرك ردّ نصّ القرآن بغير تأويل. ... 108
واجب المُكلّف من المعرفة نحو الكبائر. ... 107 - 108
آراء الأزارقة والنّجديّة والمرجئة في الكبائر. ... 108
رأي الإباضية في الكبائر. ... 108
أقسام كبائر النّفاق. ... 110
رأي المرجئة في من مات على الكبيرة من أهل القبلة، والردّ عليهم في ذلك. ... 203
يسع المكلّفَ جهل الكبائر التي هي دون الشرك حتّى تقوم عليه الحجّة. ... 212
مسائل عامة
انقسام العبادات إلى بدنية واعتقادية، وفي كلّ منهما علم وعمل. ... 10
هل يأخذ المشرك والطّفل والمرأة والعبد من الغنيمة والرّكاز؟ ... 23
نتائج إتيان العبد بالجمل الثلاث. ... 51
سبعة أسماء لابدّ من معرفتها بالعربية. ... 65
مسائل يُشرك مُوسّع جهلها. ... 145
تحريم الغشّ لافرق فيه بين المسلم وغيره. ... 153
الولد يتبع أشرف الأبوين في الإسلام، وأخسّهما في الحرية والعبودية. ... 165
لايعلم حدود هذه الأشياء إلاّ الله: ... 167
الحدّ الأول من البلوغ، الحقيقة في المكيال والميزان، الحدّ الأوّل من أوقات الصّلاة ... 211
تكاليف واجبة لايكفر تاركها. ... 251
لماذا أمر الله إبليس بالسّجود لآدم؟ ... 251
بماذا وصل أمر الله إلى إبليس بأن يسجد لآدم؟ ... 251
لماذا نهى الله آدم عن أكل الشجرة؟ ... 264
الفرار من الحرب وبعض أحكامه. ... 268 - 296
سبعة مسائل تُسبّب استحلال دماء أصحابها. ... 272
حكم من قال أنّ الله لم يُحرّم من الخنزير إلاّ اللّحم. (1/401)
صفحة 402
حكم من قال إنّ الرّبائب التي يحرم نكاحُهُنّ على أزواج أمّهاتهنّ هنّ اللاتي رُبّين في بيوت أزواج الأمّهات. ... 272
حكم من استحلّ نكاح نساء أهل الكتاب البالغات وغير البالغات. ... 275
مقدار صرف الدينار إلى الدّراهم في الزكاة وغيرها. ... 279
أفعال إذا فعلها المشرك أُجبر على الإسلام. ... 285
حدّ الشيء، وأصله، وحقيقته، وعينه، وهيئته، وذاته، ونفسه، وماهيته، وكيفيته، بمعنًى واحد. ... 288
تعلّم الطبّ أمر شريف، وهو من فروض الكفاية. ... 290
حكم من شكّ في إحدى مسائل العقيدة وهو في الصّلاة، وحكم صلاته. ... 296
يسع المُكلّف جهل كلّ المعاصي والمحرّمات إلاّ الشرك، مالم يُقارف شيئًا من ذلك. ... 298
الحرام المجهول ثلاثة أقسام: مجهول العين، أو التحريم، أو الصفة. ... 326
الشبهة المُحقّقة بمنزلة الحرام. ... 327
الملائكة
هل الملائكة مُكلّفون؟ ... 19
مهام الملائكة. ... 70
الملائكة قسمان: روحانيون وكربيون. ... 71
اشتقاق اسم الملائكة. ... 70
كم عدد الحفظة؟ ... 70،76
أغلب الملائكة من الكروبيين. ... 71
معنى التكليف في حقّ الملائكة. ... 72
السعادة التي تصير إليه الملائكة. ... 72،220
ما توصف به الملائكة إثباتًا ونفيًا. ... 72 - 73
حكم من أخطأ في وصف الملائكة. ... 73
الملائكة لهم عواتق وآذان وأفواه. ... 73 - 74
هل هاروت وماروت من الملائكة؟ ... 73 - 74
أيّهما أفضل: الملائكة أم المؤمنون؟ ... 76 - 77
حكم من جعل إبليس من الملائكة. ... 183 (1/402)
صفحة 403
المِلَلُ
الحكم في أطفال المشركين السبي. ... 114
هل اليهود والنصارى والمجوس من المشركين؟ ... 249
سبب تسمية أهل ملّة موسى باليهود. ... 253
سبب تسمية أهل ملّة عيسى بالنّصارى. ... 253
تعريف الصّابئيين. ... 254
تعريف المجوس. ... 255
هل أهل الملل خمس مشركون أو كافرون؟ ... 258
حكم من لا يعلم حكم الملل الخمس. ... 258
حكم من لايعلم الملل. ... 257
حكم المجوس، وحكم من جهل ذلك. ... 258
حكم اليهود والنّصارى، وحكم من جهل ذلك. ... 258 - 259
من هم أهل الكتاب؟ ... 270
أحكام أهل الكتاب إذاكانوا تحت سلطة المسلمين سواء دفعوا الجزية أو لم يدفعوها. ... 270 - 275
الصّحيح عند الإباضية أنّ الصّابئيين من أهل الكتاب. ... 271
متى يجوز أكل ذبائح أهل الكتاب؟ ... 271 - 273
كيفية دعوة المسلمين أهل الكتاب إلى الإسلام. ... 271
حكم من نكح إماء أهل الكتاب، أو استحلّ نكاحهنّ. ... 272
ما يحلّ للمسلمين من نساء أهل الكتاب. ... 272
شروط المسلم على المرأة الكتابية إذا أراد تزوّجها. ... 274
هل يحلّ للمسلمين ذبائح أهل الكتاب و حرائر نسائهم؟ ... 275
أحكام المجوس إذا كانوا تحت سلطة المسلمين سواء دفعوا الجزية أو لم يدفعوها. ... 275 - 276
أحكام المشركين وعبدة الأوثان إذا كانوا تحت سلطة المسلمين. ... 277
278
278
279 - 280
279
280
281 - 282
281
282
282 - 283
282
283 - 285
284
285 - 286 (1/403)
صفحة 404
مقدار الجزية التي تجب على اليهود والنصارى. ... 278
مقدار الجزية التي تجب على المجوس والصّابئين. ... 278
أحكام جزية المفلس من أهل الكتاب. ... 279 - 280
لا جزية على النّساء والعبيد والأطفال والشّيوخ والمجانين من أهل الكتاب. ... 279
واجب إمام المسلمين نحو أهل الكتاب إذا أعطوا الجزية. ... 280
أمور يُمنع أهل الكتاب من إظهارها. ... 281 - 282
إذا أتلف المسلم شيئًا لأهل الكتاب وهو حرام عند المسلمين فعليه قيمته بنظر العول من أهل الكتاب. ... 281
تعريف أهل الذمّة. ... 282
الامتيازات التي يُعرف بها اليهود في لباسهم رجالاً ونساءً. ... 282 - 283
العلامات التي يُعرف بها النّصارى. ... 282
أحكام عامّة في معاملة اليهود (أهل الذمّة). ... 283 - 285
حكم الذميّ إذا نقض العهد. ... 284
في حكم بلل أهل الكتاب والمجوس والمشركين. ... 285 - 286
النية
النية التي يجب على طالب العلم أن ينويها. ... 318
هل يُؤاخذ من نوى التقرب إلى الله بالمعصية؟ ... 318،323
لماذا نيّة المؤمن خير من عمله؟ ... 319
كيف تنقلب المباحات إلى طاعة يُؤجر فاعلها؟ ... 320
النّفاق
يُسمّى الإنسان منافقًا إذا ضيّع فريضة أو انتهك حرمة موبقةً. ... 256
الوعد والوعيد
الفرق بين رأي الإباضية والمرجئة في مسألة الوعد والوعيد. ... 37 (1/404)
صفحة 405
الوقوف
الأشخاص الذين يوُقف فيهم. ... 233
الحُكم في أطفال المشركين والمنافقين الوقوف. ... 234
رأي الإباضية في من له أصل الولاية ثمّ أحدث حدثًا لايُدرى ماهو. ... 234
رأي النُّكّار في من له أصل الولاية ثمّ أحدث حدثًا لايُدرى ماهو، والردّ عليهم في ذلك. ... 234 - 235
كلّ فعل لايُدرى أمن الصّغائر هو أم من الكبائر فإنّه يُوقف فيه، بغضّ النّظر عن فاعله ... 236
الولاية
ماهية الولاية لغةً وشرعًا. ... 129 - 130،218
الخارج من الشّرك إلى الإسلام لايُتولّى حتّى يدين بالبراءة من الجبابرة. ... 143
حُكم من جهل ولاية الموفّي أو ضيّعها. ... 155
حُكم من تولّى شخصًا قبل أن يُشاهد منه الوفاء بالدّين. ... 155
ولاية المعصومين والمنصوص عليهم باسمهم في الخير توحيدٌ. ... 156 - 157،204
ترك ولاية المعصومين والمنصوص عليهم باسمهم في الخير شركٌ. ... 156
جهل ولاية المعصومين والمنصوص عليهم باسمهم في الخير أنّها فرضٌ شركٌ. ... 156 - 157
جحود ولاية المعصومين والمنصوص عليهم باسمهم في الخير أو إنكارها كفرٌ. ... 156
ولاية الشخص المُوفّي بالدّين قولاً وعملاً طاعةٌ غير توحيد. ... 157
جهل ولاية الشخص المُوفذي بالدّين قولاً وعملاً، أو إنكارها كفرٌ غير شرك ... 158
بماذا تجب ولاية الشخص؟ ... 158
الجهل بانّ الله أو جب على ولاية المُوفّي ثوابًا كفرٌ غير شرك. ... 158
هل يُتولّى الشّخص التّارك للسّنن؟ ... 158
رأي المرجئة في مسألة ولاية الأطفال وحُجّتهم في ذلك ودحضها. ... 159 - 161
رأي الصُّفرية وأصحاب الحديث في مسألة ولاية الأطفال وحُجتهم في ذلك ودحضها ... 159 - 161
رأي الإباضية في مسألة ولاية الأطفال وحُجتهم في ذلك. ... 162
بماذا يُتولّى أطفال المُتولّى؟ ... 163 (1/405)
صفحة 406
في ولاية عبيد المُتولّى، أو عبيد المُتولّى وغيره. ... 164 - 165
في ولاية ابن أمّه. ... 164
في ولاية أولاد التي أسلمت. ... 165
في ولاية أولاد المرتد. ... 165 - 166
في ولاية أولاد المنافق. ... 165 - 166
في ولاية أطفال المُتولّى إذا بلغوا. ... 166
في ولاية أطفال المُتولّى إذا غابوا. ... 166
في ولاية أطفال مماليك المسلمين. ... 167
في كيفية ولاية المرء نفسه. ... 167 - 168
الشّروط التي تثبت بها ولاية الأشخاص. ... 168،233
الوجوه التي تثبت بها ولاية الأشخاص. ... 169
في ثبوت الولاية بشهادة العدل الواحد، أو بامراة مسلمة. ... 169 - 170،210
ولاية الأئمّة العشرة، ومن هم؟ ... 171 - 172
لاتجب معرفة الأئمّة إلاّ بعد قيام الحجّة. ... 174
ولاية الأئمّة تجب بغير حجّة ولا شهود. ... 173 - 174
لاتجتمع ولاية أهل الوفاق مع ولاية أهل الخلاف. ... 174
في ولاية من تقلّد باسم من أسماء أهل الخلاف. ... 175
حكم من تولّى الكافرين. ... 176 - 177
ولاية أهل الوعيد المذمومين والمنصوص عليهم باسمهم في الشرّ شركٌ. ... 184، 204
حكم المنصوص عليه في الخير والذي أظهر خلاف مانُصّ عليه، وولايته. ... 204 - 206
الشهرة في الخير تُوجب ولاية المشهور عنه ذلك. ... 209
استتابة المُتولّى إذا قارف ذنبًا واجبة، ومن لم يستتبه فهو مثله. ... 211
أيهما قبل الأخرى الاستتابة أو البراءة؟ وذلك للمُتولّى إذا قارف ذنبًا. ... 212، 237
حكم من فعل كبيرة من أهل ولاية الجملة. ... 212
في استتابة المُتولّى المُتردّد على الكبيرة مرارًا. ... 212 - 213 (1/406)
صفحة 407
في استتابة المُتولّى بولاية البيضة إذا فعل كبيرةً. ... 213
أصل الولاية والعلّة التي تجب بها هي معرفة الأعمال الصّالحة. ... 217
حقيقة الولاية بين العباد مطلقًا هي الموافقة في الشّريعة. ... 217
معنى ولاية العباد لله.
مايجب للمُتولّى على من تولاّه. ... 224
الدّعاء الحسن في الآخرة ولاية لمن دُعِي له، وفي الدّنيا ليس كذلك.
يجوز لمن كان في حدّ التقيّة أن يدعوَ بالخير لمن لا يتولاّه، ويعتقد المعنى لغيره
ولاية جملة المسلمين توحيدٌ، وتركها شركٌ.
من تولّى رجلاً من أهل الكبائر بخصلة واحدة من الطّاعة فقد كفر.
مايحقّ لأهل الولاية وما لايجوز فيهم.
حقوق الموحدين بينهم واحدة، إلا الولاية و الاستغفار فإنّه لايستحقّهما إلاّ المؤمن المُوفّي بدين الله.
الولاية في حقّ الملائكة والأنبياء والرّسل بالترحّم دون الاستغفار، ولماذا؟ ... 130،75
الولاية والبراءة
الاعتبار الذي يُوجب ولاية أو براءة الجن بأشخاصهم هو ظهور أجسادهم، وليس ظهور الأصوات منهم بظهور. ... 181
حكم من ضيّع ولاية شخص أو براءته حتّى مات. ... 204
صفة الشّهود الذين تقوم بهم الحجّة في الولاية والبراءة. ... 209
كلّ ماجاز في الولاية من الأحكام جاز ضدّه في البراءة. ... 119
معنى ولاية الله لعباده، وبراءته منهم. ... 219
طبيعة ولاية الله وعداوته، ورأي الإباضية في هذه المسألة، ورأي غيرهم. ... 220 - 223
رأي الحُسينية والنُّكّار في ولاية الله وعداوته، والردّ عليهما في ذلك. ... 222
من رمى مُتولّى قومٍ بكبيرة فإنّ القوم يتبرّؤون من الرّامي. ... 237
حكم من صرّح للمسلمين بأنّ أهل ولايتهم تبرّؤوا منه. ... 214
الولاية بالاستقلال أو الولاية الأصلية لاتسقط إلاّ بالبراءة، ولايُنقل صاحبها منها إلى الوقوف ... 166 - 239
لاتجوز الولاية ولا البراءة ولا التوقّف في شخص بغير علم. ... 212 - 239
من تولّى جميع النّاس، أو توقّف فيهم كلّهم أو تبرّأ منهم كلّهم، فهو مشرك ... 240 - 247 (1/407)
صفحة 408
حكم المُتولّى إذا رمى المُتولّى بكبيرة. ... 243
حكم الرّامي من أهل الجملة يرمي مُتولًّى بكبيرة أو يبرأ منه. ... 244
حكم المُتولّى يرمي واحدًا من أهل الجملة بكبيرة. ... 244
حكم من ليس في الولاية ورمى مثله بكبيرة. ... 244
حكم من رمى أحدًا بالشّرك أو الزّنا. ... 244
حكم من يُكفّر نفسه أو مُستمعه. ... 245
حكم من يُكفّر واحدًا من جماعة أصحابها من أهل الولاية. ... 245
لايُبرأ ممّن شهد عليه الشّهود بفعل يستحقّ عليه البراءة، إذا لم يكن من أهل الولاية. ... 246
يوم القيامة
السُّؤالات السّبعة التي يُسأل عنها العبد يوم القيامة. ... 12 - 31
هل يدخل العبدُ الجنّة بعمله؟ ... 44
هل البهائم تُحشر؟ ... 56
السّاعة والقيامة والنّفخة الأولى: شيء واحد. ... 57
هل الأربعون التي بين النّفختين من السّاعات أم من الأيّام أم من الأعوام؟ ... 59
هل مابين النفختين من الدّنيا أم من الآخرة؟ ... 59
صفة حساب الأنبياء والمرسلين. ... 62
هل يُحاسب المشركون؟ ولماذا؟ ... 62
لماذا الحساب؟ ... 63
الأنبياء والمُشركون لايُحاسبون. ... 62
الخصال الأربعة التي يُسأل عنها العبد يوم القيامة. ... 65
هل الجنّة والنّار مخلوقتان الآن؟ وهل على العبد أن يعلم ذلك؟. ... 65 - 67
هل الجنّة والنّار ستفنيان؟ ... 66
دليل من أدلّة عدم الخروج من النّار. ... 222
لايدخل الجنّة أحدٌ إلاّ بثلاثة أشياء: رحمة الله، والعمل الصّالح، وشفاعة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ... 338 (1/408)
صفحة 409
فهرس الأحاديث والآثار
[فهرس لم يرقن] (1/409)
صفحة 410
[فهرس لم يرقن] (1/410)
صفحة 411
[فهرس لم يرقن] (1/411)
صفحة 412
[فهرس لم يرقن] (1/412)
صفحة 413
[فهرس لم يرقن] (1/413)
صفحة 414
[فهرس لم يرقن] (1/414)
صفحة 415
[فهرس لم يرقن] (1/415)
صفحة 416
[فهرس لم يرقن] (1/416)
صفحة 417
[فهرس لم يرقن] (1/417)
صفحة 418
فهرس الأعلام
[فهرس لم يرقن] (1/418)
صفحة 419
[فهرس لم يرقن] (1/419)
صفحة 420
[فهرس لم يرقن] (1/420)
صفحة 421
[فهرس لم يرقن] (1/421)
صفحة 422
[فهرس لم يرقن] (1/423)
صفحة 423
فهرس الفرق والمذاهب الأقوام
الأزارقة: 107،108. ... الحسينية: 222،249.
الأشاعرة = الأشعرية: 5،30،37،39،75، 77،121،251،264،309. ... الخزرج: 22.
أصحاب الحديث: 159،160. ... الخلفية:149.
أصحابنا = الإباضية. ... الخوارج: 147.
الأغالبة: 257. ... الدهرية: 101.
أهل الدعوة = الإباضية. ... الديصانية: 101.
أهل الذمّة: 282. ... الروافض = الرافضية: 40،120،250.
أهل الكتاب: 270،273،275،276،285. ... زناتة: 328.
الإباضية: 5،23،30،37،39،55،83، 102، 107،108،109،116،126،131،141،147، ... الشيعة: 40،157،274.
162،170،172،173،191،196،208،211، 212،213،215،222،223،229،234، 249، ... الصابئون: 249،254،255،258،270،271،278.
255،257،261،267،272،273،286،301، ... الصفرية: 112،147،159،160،281.
303،304،318،338. ... الضرارية: 37.
بنو إسرائيل: 79. ... عاد: 162،183.
بنو الخشخاش: 85. ... العمرية: 249.
بنو تغلبة: 274. ... الغسانية: 37.
بنو ثور: 191. ... الغيلانية: 37.
بنو قشير: 127 ... الفرثية: 208.
التومية: 37 ... قومنا = الأشاعرة.
ثمود: 162،183. الثوبانية: 37. ... المجبرة: 37،66.
الجبرية: 40. ... المجوس:101،249،254،255،258،270،275، 278،282،286.
الجهمية: 37،40،66،73. ... المحكمة: 108.
المرجئة: 37،40،66،108،159،203.
المشبّهة: 38،41،79،102. (1/424)
صفحة 424
المعتزلة: 5،36،37،73،76،77،93،108،114،249. ... النصارى: 179،249،253،254،255،256، 258،270،271،274،278،279،282.
المكرمية: 37. ... النكاث = الناكثة = النكار.
الملحدة = النكار. ... النكار: 126،150،159،160،202،235،328.
المنانية: 101. ... اليهود: 102،179،249،253،254،256،258، 259،270،275،278،279،282.
النجدات = النجدية: 107،108. ... النجوية = النكار.
- - - (1/425)
صفحة 425
فهرس الأماكن والمدن
أرمينية: 274. ... زوارة: 126.
أمجماج (غار): 20. ... سجلماسة: 147.
أنطاكية: 184. ... سرت: 257.
أوراس (جبل): 116. ... الشام:48،84.
إفريقية: 116. ... طيبة: 48.
اطرابلس: 257. ... عمان:147.
باغاي: 116. ... عين البيضاء: 116.
بروسة: 20. ... الفرات: 274.
بكة: 48. ... القدس: 48.
بلاد الجريد: 126. ... قسنطينية: 116.
بيت إبراهيم: 48. ... القيروان: 257.
بيت عينون: 48. ... الكوفة: 108،278.
بيت لحم: 48. ... ليبيا: 20،257.
تونس: 20. ... مجانة: 116.
جبل دمّر: 257. ... المدينة: 48،87،94،188.
جربة (جزيرة): 20،126. ... المرطوم: 48.
الجزائر: 20. ... مكة: 48،87،188.
حبرون: 48. ... نفوسة (جبل): 20،257.
الحجاز: 159. ... وادي ميزاب: 20.
حروراء: 108. ... وارجلان: 20،208.
خراسان: 66. ... اليمامة: 108،183.
خنشلة: 116. ... اليمن: 125،282.
دجلة: 274. (1/426)
صفحة 426
فهرس ملحق التراجم
رقم الترجمة ... اسم صاحب الترجمة ... الصفحة
01 ... إبراهيم بن إبراهيم الدجمي المزاتي ................................................. ... 343
02 ... إبراهيم بن قيس الحضرمي ............................................................ ... 343
03 ... إبراهيم بن ملال المزاتي ................................................................ ... 344
04 ... ابن عباد المصري ........................................................................... ... 344
05 ... أبو القاسم بن إبراهيم البرادي ...................................................... ... 345
06 ... أبو ميمون الجيطالي ...................................................................... ... 346
07 ... أحمد بن سعيد الشماخي .............................................................. ... 346
08 ... أحمد بن سليمان بن النظر ............................................................ ... 347
09 ... أحمد بن محمد بن بكر النفوسي ................................................... ... 349
10 ... أفلح بن عبد الوهاب الرستمي ..................................................... ... 350
11 ... بسطام بن عمر الضبي .................................................................. ... 351
12 ... بشير بن محمد بن محبوب العماني ................................................. ... 351
13 ... تبغورين بن عيسى الملشوطي ........................................................ ... 352
14 ... جابر بن حمو الزنزفي النفوسي ...................................................... ... 352
15 ... الجلندى بن مسعود العماني ......................................................... ... 353
16 ... الحارث بن تليد الحضرمي وعبد الجبار بن قيس المرادي .............. ... 353
17 ... خصيب بن إبراهيم النفوسي ........................................................ ... 354
18 ... خلف بن السمح بن أبي الخطاب المعافري .................................. ... 355
19 ... داود بن إبراهيم التلاتي ................................................................ ... 356
20 ... زكرياء بن أبي بكر الوارجلاني ................................................... ... 357
21 ... سلمة بن سعد بن علي الحضرمي ................................................. ... 358 (1/427)
صفحة 427
22 ... سليمان بن زرقون النفوسي ......................................................... ... 358
23 ... سليمان بن يخلف المزاتي .............................................................. ... 359
24 ... الصلت بن خميس الخروصي ......................................................... ... 360
25 ... صنادي بن محمد السدراتي ........................................................... ... 360
26 ... ضمام بن السائب البصري ........................................................... ... 361
27 ... عامر بن علي الشماخي ............................................................... ... 361
28 ... عبد الأعلى بن السمح المعافري .................................................... ... 362
29 ... عبد الرحمن بن رستم الفارسي ..................................................... ... 363
30 ... عبد السلام بن منصور المزاتي ...................................................... ... 364
31 ... عبد الكافي بن أبي يعقوب الوارجلاني ........................................ ... 365
32 ... عبد الله بن إباض التميمي ........................................................... ... 366
33 ... عبد الله بن سجميمان النصيري .................................................. ... 367
34 ... عبد الله بن سعيد السدويكشي ................................................... ... 367
35 ... عبد الله بن يحي طالب الحق ........................................................ ... 368
36 ... عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي .......................................... ... 369
37 ... عثمان بن خليفة السوفي ............................................................... ... 370
38 ... عزان بن الصقر العماني ............................................................... ... 371
39 ... عمرو بن جميع الجربي .................................................................. ... 371
40 ... عمروس بن فتح النفوسي ............................................................. ... 371
41 ... عيسى بن أحمد الوارجلاني .......................................................... ... 373
42 ... عيسى بن سجميمان أبو موسى ................................................... ... 373
43 ... فتح بن نوح النفوسي ................................................................... ... 373
44 ... فصيل بن أبي مسور اليهراسني ..................................................... ... 374
45 ... الفضل بن الحواري العماني .......................................................... ... 375 (1/428)
صفحة 428
46 ... ماكسن بن الخير الوسياني ............................................................ ... 376
47 ... المثنى بن معروف وأخوه شعيب بن معروف الشعبي ................... ... 377
48 ... محبوب بن الرحيل القرشي ........................................................... ... 378
49 ... محمد بن أفلح بن عبد الوهاب الرستمي ...................................... ... 378
50 ... محمد بن بكر الفرسطائي .............................................................. ... 379
51 ... محمد بن عباد المدني ..................................................................... ... 380
52 ... محمد بن محبوب بن الرحيل .......................................................... ... 381
53 ... محمد بن وصاف العماني ............................................................. ... 381
54 ... مزين بن عبد الله الوسياني .......................................................... ... 381
55 ... مهاصر السدراتي أبو مرداس ........................................................ ... 382
56 ... هلال بن عطية الخراساني ............................................................. ... 383
57 ... وائل بن أيوب الحضرمي .............................................................. ... 383
58 ... ويسلان بن يعقوب الدجمي .......................................................... ... 384
59 ... يحي بن إبراهيم الوارجلاني .......................................................... ... 385
60 ... يحي بن أبي بكر الوارجلاني ........................................................ ... 385
61 ... يحي بن أبي الخير الجناوني ............................................................ ... 386
62 ... يحي بن زكرياء الزواغي ............................................................... ... 387
63 ... يغلا بن زلتاف الوسياني .............................................................. ... 387
64 ... يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ..................................................... ... 388
65 ... يوسف بن محمد بن أفلح الرستمي ............................................... ... 390
تمت
الفهارس (1/429)
صفحة 429
فهرس الموضوعات
[فهرس لم يرقن] (1/430)
صفحة 430
[فهرس لم يرقن] (1/431)
صفحة 431
[فهرس لم يرقن] (1/432)
صفحة 432
[فهرس لم يرقن] (1/433)
صفحة 433
[فهرس لم يرقن] (1/434)
صفحة 434
[فهرس لم يرقن] (1/435)
صفحة 435
[فهرس لم يرقن] (1/436)
صفحة 436
[فهرس لم يرقن] (1/437)
صفحة 437
قواعد الإسلام
للإمام أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت 750هـ/1350م)
مذيلا بحاشية الشيخ العلامة أبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة الجربي
(ت 1088هـ/1678م)
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
الجزْءُ الثاني
يحتوي على قسم الطهارات من ركن الصلاة
تحقيق وتعليق
بشير بن موسى الحاج موسى
جميع الحقوق محفوظة للمحقق
الطبعة الأولى
1422هـ/2001م
طبع: المطبعة العربية. 11 نهج طالبي أحمد. غرداية
Tél & Fax : (029) 88 36 53
Tél : (029) 87 34 34
E-mail : Imprimerie.ElArabia@Caramail.Com (2/1)
صفحة 438
الركن الثاني من الكتاب
في شروط الصلاة ومافيها من السنن والآداب
اعلم أنّه ينبغي أن نقدّم بين يدي الطهارة المشروعة من الأحداث أربع مقدّمات،
المقدّمة الأولى في آداب قضاء حاجة الإنسان،
وتحتوي على عشرين مسألة من المناهي والأدبيات:
إحداها: إبعاد المذهب للغائط ...
--------------------
قوله في شروط الصلاة: الظاهر أنّه أراد بالشروط مايشمُل الأركان أيضا، وإلاّ فالشرط ماكان خارجًا عن الماهية، لأنّ حقيقته: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
قوله من الأحداث: متعلِّق بالطهارة.
قوله أربع مقدّمات: جمع مقدِّمة بكسر الدال، من: قدَّمَ اللاّزم بمعنى: تقدّم، والظاهر أنّ المراد بالمقدّمة هنا: مقدّمة الكتاب، لأنّها اسم لطائفة من كلامه، قدِّمت أمام المقصود لارتباط له بها، وانتفاع بها فيه، لا مقدّمة العلم لأنّها اسم لما يتوقّف عليه الشروع في مسائله، كمعرفة حدّه [ورسمه] (1) وموضوعه وغايته كما هو مبيّن في محلِّه.
قولهللغائط: في هذا التقييد نظر، لأنّ الظاهر أنّه يُطلب الإبعاد مطلقا،
كما يدلّ عليه ظاهر الحديث، والحِكمة في ذلك سدّ الذريعة عن النظر إليه وسماع الخارج منه.
__________
(1) - زيادة من ج، وشطِّب عليها في ب. (2/2)
صفحة 439
في الصحراء و (1) حيث يتعذّر الاِستتار بجدور المباحات (2)، لما رُوي أنّ النبيء - عليه السلام - كان إذا ذهب لحاجة الإنسان أبعد المذهب (3)؛ الثانية: في الاِستتار عن الناس بحيث لا يُرى له شخصٌ ولا يُسمع له صوت (4)، لنهيه - عليه السلام - أن يقضي الرجل حاجته والناس ينظرون إليه (5)؛ ...
--------------------
قوله الاِستتار عن الناس ... الخ: أي في غير الصحراء وفي المواضع التي لا يتعذّر فيها الاِستتار بدليل ما تقدّم، والله أعلم.
قوله لنهيه - عليه السلام - ... الخ: الظاهر أنّ المراد بالنهي نهي تأديب، وأنّ المراد بقوله: والناس ينظرون إليه، أي: ينظرون إلى شخصه، فيكون الدليل مساويًا للمُدَّعَى، وإن كان المراد بقوله: ينظرون إليه، أي: إلى عورته، يكون النهي نهي تحريم، ويكون الدليل أخصّ من المُدَّعَى.
__________
(1) - في ب: أو.
(2) - الجُدُور جمع جَدْرٍ وجِدار.
(3) - أخرج ذلك الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 20؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 17؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 01؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 326؛ وأحمد: مسند الكوفيين، رقم: 17465؛ ومسند المكّيين، رقم: 15105، وغيرهم باختلاف في اللفظ.
(4) - روى جابر بن عبد الله أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد البراز انطلق حتّى لا يراه أحد، أخرج ذلك أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 02، وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 330.
(5) - أخرج أحمد في مسنده، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفان عورتهما يتحدثان فإنّ الله يمقت على ذلك «، باقي مسند المكثرين، رقم: 10884؛ وأخرج ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» لا يتناجى اثنان على غائطهما ينظر كلّ واحد منهما إلى عورة صاحبه فإنّ الله - عز وجل -
يمقت على ذلك «، كتاب الطهارة وسننها، رقم: 336. (2/3)
صفحة 440
الثالثة: اختيار الموضع السهل لقوله - عليه السلام -:» إذا أراد أحدكم أن يبول فليُدمث لبوله «(1)، والدمث: اللين؛ الرابعة: أن لا يبول قائما، لنهي الرسول - عليه السلام - عن ذلك (2)؛ الخامسة: ألاّ يكشف عورته (3) قبل انتهائه إلى موضع تبرّزه، لما روي أنّه - عليه السلام - كان لا يكشف إزاره حتّى يقرُب من الأرض (4)؛ ...
--------------------
قوله» فليدمث لبوله «: نصُّ الحديث في "الإيضاح" عن جابر عن ابن عباس
أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم -: بينما هو يمشي في طريق إذ مال إلى دَمثٍ فبال، وقال:» إذا بال أحدكم فليرتد لبوله « ... الخ (5).
قوله والدمث: اللين: قال الشيخ عامر -رحمه الله-:» والدمث: المكان السهل الليِّن «(6)، وفي "الصحاح":» الدَّمَثُ: المكان الليِّن ذو رمل، والجمع: الدِّماثُ، وقد دَمِثَ - بالكسر- يَدْمَثُ دَمْثًا ... الخ «(7).
قوله أن لا يبول قائما: يعني: إلاّ من عذر.
قوله قبل انتهائه ... الخ: هذا ظاهر إذا كان الموضع طاهرا كما في غير المدن، والله أعلم.
__________
(1) - الحديث أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، رقم: 03؛ وأحمد: مسند الكوفيين، رقم: 18716، 18747، 18842، بلفظ:» إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله ... «.
(2) - أخرج ابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبول قائما، كتاب الطهارة وسننها، رقم: 305.
(3) - في الحجرية: يكشف إزاره.
(4) - أخرج ذلك الربيع بن حبيب: كتاب الطهارة، رقم: 84 (1/ 28)؛ وأخرج نحوه أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 13؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 14؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 664.
(5) - في أ و ج: نصّ الحديث في الشيخ عامر ... الخ. والحديث لم نقف عليه برواية جابر عن ابن عبّاس، وإنّما وقفنا عليه عند أحمد عن أبي موسى، مسند الكوفيين، رقم: 18747.
(6) - الإيضاح، 1/ 11؛ وفي الحجرية: قال في الإيضاح ... .
(7) - الجوهري: باب الثاء، فصل الدال: دمث. (2/4)
صفحة 441
السادسة: أن يستتر بما أمكنه، من جدارٍ أو صخرٍ أو خشبٍ أو راحلةٍ أوثوبه إن لم يجد مايديره على نفسه، ويجعل منه للريح مُنْفَرَجاً (1)؛ السابعة: أن لا يستقبل القبلة بفرجه ولا يستدبرها، في الصحراء دون الكهوف والأبنية، ...
--------------------
قوله السادسة أن يستتر ... الخ: إن قلت هذه المسألة تغني عنها المسألة الثانية إلاّ أنّ هذه بيّن فيها ما يستتر به، قلت الظاهر أنّها (2) لا تغني عنها لأنّ المراد بالاِستتار ههنا الاِستتار الخاصّ، وهو ستر العورة، والله أعلم، تأمّل.
قوله في الصحراء دون الكهوف والأبنية: هذا أحد أقوال ثلاثة، بل أربعة، بل خمسة؛ قول إنّه يمتنع مطلقا، وقول إنّه يجوز مطلقا، وقول إنّه يُفرّق بين الصحاري والأبنية، وقول إنّه يفرّق بين مكة وغيرها، وقول إنّه يفرّق بين الاستقبال والاستدبار، والذي ذكره المصنف هو المختار لِما فيه من الجمع بين الحديثين المشهورين حديث ابن عمر وحديث أبي أيوب الأنصاري (3)، كما ذكر في "الإيضاح" (4)، وهو تأويل ابن عباس (5)، فليراجع.
__________
(1) - روى عبد الله بن جعفر قال: كان أحبّ ما استتر به النبيء - صلى الله عليه وسلم - لحاجته هدف أو حائش. أخرجه ابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 334؛ وأحمد: مسند أهل البيت، رقم: 166؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 661؛ والهدف: ما ارتفع من بناء أو غيره، والحائش: بستان النخل.
(2) - في أ و ج: أنّه.
(3) - لفظ حديث أبي أيوب الأنصاري وتخريجه في الصفحة الآتية، أمّا حديث ابن عمر فقد روي عنه أنّه قال: ارتقيت فوق بيت حفصة فرأيت النبيء - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجته مستدبرا القبلة مستقبل الشام، أخرج ذلك الربيع: كتاب الطهارة، رقم: 78 (1/ 27)؛ والبخاري: كتاب فرض الخمس، رقم: 2871؛ ومسلم: كتاب الطهارة، رقم: 390؛ وأحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 4377.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 11 - 13.
(5) - جاء ذلك في الجامع الصحيح ترتيب مسند الربيع بن حبيب، رقم: 78 (1/ 27)؛ وأخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 10. (2/5)
صفحة 442
للنهي الوارد في ذلك لحُرمة القبلة (1)؛ الثامنة: ألاّ يستقبل الشمس والقمر لاحترام نور العرش، لأنّهما خلِقتا منه (2)؛ التاسعة: ألاّ يستقبل الريح لئلاّ تردّ عليه النتن (3)، ولأنه قيل يورث (4) مرض الجذام، ولا يستقبل الطريق (5) لئلاّ تبدو عورته للمارّة؛ العاشرة: ألاّ يقعد في متحدّث الناس، ولا في الطرقات، ...
--------------------
قوله لئلاّ تردّ عليه النتن: الأولى التعليل بما علّل به الشيخ عامر -رحمه الله- حيث قال:» لكي لا يردّ عليه الريح البول «(6)، وأمّا التعليل بما ذكر فغير ظاهر، لأنّ النتن لا يرجع عليه عند الاِستقبال، والله أعلم.
__________
(1) - عن أبي أيوب أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:» لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لغائط أو بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا «، أخرجه النسائي: كتاب الطهارة، رقم: 21؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 22476؛ والربيع بن حبيب باختلاف عن ابن عباس، كتاب الطهارة، رقم: 85 (1/ 29).
(2) - روى ذلك ابن جرير الطبري بسنده عن عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ... - صلى الله عليه وسلم - في حديث طويل، ضعّف ابن الأثير إسناده في "الكامل" (1/ 15)، (ابن جرير الطبري، تاريخ الملوك والأمم،1/ 33،34). وأورد النهي عن استقبالهما ابن قدامة المقدسي في "الشرح الكبير" (1/ 87)، وابن قدامة الحنبلي في "المغني" (1/ 155)؛ وللشيخ السالمي –رحمه الله- في "معارج الآمال" (1/ 247) نقد وجيه لدليل هذا النهي فليراجع.
(3) - روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:» إذا بال أحدكم فلا يستقبل الريح ببوله فتردّه عليه، ولا يستنج بيمينه «، أخرجه أبو يعلى في مسنده، وابن قانع في معجمه، وقال ابن حجر: إسناده ضعيف جدّا. وفي الباب أثر عن سراقة بن مالك أنّه وعظ قومه فقال: إذا أتى أحدكم الغائط فليكرم قبلة الله ... واستمخِروا الريح واستشبُّوا على سوقكم وأعدّوا النَّبل، رواه عبد الرزاق في الجامع، (الهندي، كنز العمال، 9/ 346، 511؛ المناوي، شرح الجامع الصغير، 1/ 83).
(4) - في أ و ج: يثير.
(5) - في ج و د: الطرق.
(6) - الإيضاح، 1/ 15. (2/6)
صفحة 443
ولافي ظلال الأشجار المثمرة (1)، ولا في ظلال الجُدُورَاتِ (2)، ولا في شطوط الأنهار، ولا في المياه، ولا في ظهور المساجد وحريمها، للنهي الوارد في هذه الوجوه، وهو قوله - عليه السلام -:» من قضى حاجته تحت شجرة مثمرة أو على نهر جار أو طريق عامر أو على ظهر مسجد من مساجد الله، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين «(3)؛ ...
--------------------
قوله الأشجار المثمرة: قيّد به مراعات للحديث، وانظر هل المراد بالمثمرة المثمرة بالفعل أو مامن شأنها ذلك؟ والذي يختاره الشيخ عامر –رحمه الله-: الثاني، معتمدا في ذلك على أنّ اسم الفاعل يصلح للحال والاِستقبال (4)، لكن الأصحّ أنّ اسم الفاعل حقيقة في المتلبِّس بالفعل، فالحمل على غيره يحتاج إلى قرينة، واستعماله فيهما معا يستلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
قوله ولا في المياه: يعني -والله أعلم- إذا كان راكدًا، لأنّه نهى - صلى الله عليه وسلم - أن يبول أحد في الماء الدائم ثمّ يتوضّأ منه (5)؛ وأمّا قوله هنا:» أو على نهر جار «أي: على شاطئه.
قوله وحريمها: [حريم المسجد] هو أربعون ذراعا، وقيل ثمانية عشر ذراعا (6).
__________
(1) - في نسخ القواعد المعتمدة: الشجر المثمر، إلاّ ب فإنّها موافقة لنسخة المحشّي.
(2) - في ب: الجدارات. والجدُورَات جمع الجدور، وهو جمع جَدْر جدار.
(3) - لم نقف على من خرّجه، وأورده السمرقندي في "بستان العارفين" (ص122) ولم يعزُه. وفي معناه روي قوله - صلى الله عليه وسلم -:» من سلّ سخيمته على طريق عامرة من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين «، أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم: 665؛ والبيهقي في السنن الكبرى، رقم: 475، وروي أنّه - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتخلّى الرجل على =
(4) - الإيضاح، 1/ 15، 16.
(5) - أخرج ذلك البخاري: كتاب الوضوء، رقم: 232؛ ومسلم: كتاب الطهارة، رقم: 424؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 63؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 63؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 338؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 724.
(6) - ما بين المعقوفتين زيادة من الحجرية؛ وانظر عمّا ساقه المحشّي من أقوال حريم المسجد: ديوان الأشياخ، كتاب الحقوق، 39 (مخطوط)، وفيه قولين آخرين هما: 17 ذراعا و80 ذراعا. (2/7)
صفحة 444
الحادية عشر: ألاّ يقعد في حرث لحُرمة الطعام، ولا في مقبرة لقوله - عليه السلام -:» حُرمة موتانا كحُرمة أحياءنا «(1)؛ الثانية عشر: أن لا يبول في جُحر ولا في مَهْواةٍ ولا في موضع حافر دابّة، لنهي الرسول - عليه السلام - عن قضائها في الأجحرة ...
--------------------
قوله أن لا يبول في جحر ... الخ: الأولى ترك التقيّد بالبول لأنّ الغائط كذلك كما فعل الشيخ عامر -رحمه الله- (2) وترشد إليه العلّة، ورخّص بعضهم أن يقضي حاجته في أَثر الحوافر إذا زاد فيها وذكر اسم الله عليها إن لم يجد ما يحفر به، والله أعلم.
__________
=ضفة نهر جارٍ، ونهى أن يتخلّى الرجل تحت شجرة مثمرة، أخرجه ابن عدي في "الكامل"، رقم: 1570 في ترجمة فرات بن السائب؛ والعقيلي في الضعفاء كذلك، رقم: 1415؛ وابن حجر في "اللسان" كذلك رقم: 1314؛ وعزاه ابن حجر في "تلخيص الحبير"للطبراني في الأوسط (1/ 106)؛ وفرات بن السائب متروك الحديث، راجع مقال النقاد فيه عند ابن عدي في "الكامل" وابن حجر في "اللسان". وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:» اتّقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظلّ «، أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، رقم: 24؛ وابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، رقم: 323؛ وأحمد: مسند بني هاشم، رقم: 2580 بنحوه؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 594؛ والبيهقي في الكبير، رقم: 474؛ والطبراني في الكبير، رقم: 247، وصحّحه ابن السكن والحاكم، واعترض على ذلك ابن حجر في "تلخيص الحبير" (1/ 105) لانقطاع سنده في إحدى طريقيه وضعف في الأخرى.
(1) - في ب: حرمة أمواتنا، والحديث لم نقف عليه بهذا اللفظ؛ وهو مشهور به في بعض كتب أصحابنا، من ذلك استدلال القطب أطفيش به في عدة مواضع من "شرح النيل"؛ وفي معناه رُوي حديث عنه - صلى الله عليه وسلم - في حكم نابش القبور، جاء بلفظ:» من نبش قطعناه «عند البيهقي في "المعرفة"، وبلفظ:» يقطع في أمواتنا كما يقطع في أحيائنا «عنده في السنن الكبرى، وبلفظ:» سارق أمواتنا كسارق أحيائنا «عند الدارقطني في السنن والبيهقي في الكبرى، (الزيلعي، نصب الراية،3/ 366؛ العسقلاني، تلخيص الحبير،4/ 70)؛ وفي إسناد طرقه مقال، راجع تفصيله عند: البخاري، التاريخ الصغير،2/ 260؛ ابن عدي، الكامل في الضعفاء،3/ 424 (ترجمة: سويد بن عبد العزيز).
(2) - الإيضاح، 1/ 17. (2/8)
صفحة 445
لأنّها مساكن إخوانكم من الجن (1)، وقيل للإشفاق أن تكون فيه دابّة مؤذية؛
الثالثة عشر: ألا يقعد في بيوت الناس، ولا في موضع الوضوء (2)؛ الرابعة عشر: أن يقول عند القضاء لحاجته: ...
--------------------
قوله في بيوت الناس: يعني ما خَرِب منها وما عمر، لقوله - عليه السلام -:» اتّقوا الملاعن وأعدّوا النُّبْل «(3).
قوله عند القضاء لحاجته: أي عند إرادة قضائها، لأنّ من جملة ما يقول: أعوذ بالله، وذكر الله على الخلاء لا يجوز، وفي بعض النسخ: عند القصد لحاجته (4)، وعليها فلا إشكال، وهي الظاهر.
__________
(1) - أخرجه عن ابن عباس الربيع: كتاب الطهارة، رقم: 83 (1/ 28)؛ وأخرجه عن قتادة النسائي: كتاب الطهارة، رقم: 34؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 27؛ وأحمد: مسند البصريين، رقم: 19847.
(2) - قال - صلى الله عليه وسلم -:» لايبولنّ أحدكم في مستحمّه ثمّ يتوضّأ فيه فإنّ عامّة الوسواس منه « ... أخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، رقم:21؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 36؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 35؛ وابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، رقم: 300؛ وأحمد، مسند البصريين، رقم: 1966؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 595، وصحّحه على شرط الشيخين؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 477؛وعبد بن حميد في "المنتخب"، رقم: 505. وقد فرّق بعض بين البول في المغتسل الليّن والمغتسل الصلب، وقال آخرون بعدم التفريق، والذي اختاره العلاّمة آبادي في شرحه على سنن أبي داود أن لا يقيّد المغتسل بليِّن ولا صلب، لأنّ الوسواس ينشأ منهما جميعا، فلا يجوز البول في المغتسل مطلقا، (عون المعبود شرح سنن أبي داود، 1/ 44، 45).
(3) - الحديث رواه ابن أبي حاتم في "العلل" مرفوعا، وصحّح والده وقفه؛ ورواه عبد الرزاق مرسلا عن الشعبي؛ ورواه أبو عبيد من وجه آخر عنه عمّن سمع النبيء - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن حجر: وإسناده ضعيف؛ (راجع: ابن حجر العسقلاني، تلخيص الحبير، 1/ 107؛ الشوكاني، نيل الأوطار، 1/ 99). والنُّبْلُ: الأحجار الصغار التي يستنجى بها؛ والملاعين [هكذا]: المواضع التي تكون للناس فيها منافع كالطريق ومواضع الظلال، (السؤالات،455).
(4) - وهو ما في نسخ القواعد المعتمدة. (2/9)
صفحة 446
" أعوذ بالله من الرجس النّجس الخبيث المخبّث الشيطان الرجيم" (1)، ويجتنب ذِكر الله على الخلاء لنهي الرسول - عليه السلام - عن ذلك (2)؛ الخامسة عشر: أن يحتفر للبول حفرة يفرِّق بينه وبين الغائط، ...
--------------------
قوله "من الرجس ... الخ": قال الشيخ عامر -رحمه الله-:» الرِّجْس: الشيطان، النِّجْسُ –بالكسر-: الشيء المنجوس، والخبيث: ذو الخُبث في نفسه، والمخبّث: الذي هو أصابه ... الخ «(3)، وقوله بالكسر: أي للنون، وسكون الجيم لموافقه الرِّجس.
وقوله "المخبّث ... الخ: في "الفائق":» المخبّث: هو الذي أصحابه وأعوانه خبثاء، كقولهم للذي فرسه قوي: مُقْوٍ، وقيل: هو الذي ينسبُ الناسَ إلى الخبث، وقيل: الذي يعلّمهم الخبث ويوقعهم فيه «انتهى (4)، فقول صاحب "الإيضاح" –رحمه الله-:» والمخبَّث: الذي هو أصابه «غير ظاهر ولعلّ في النسخة تحريفا، والأصل: الذي أصحابه خبثاء.
قوله للبول حفرة: يعني وللغائط حفرة، ولم يبيّن -رحمه الله- حكم الحفر هل هو على الوجوب أو على الاِستحباب، وبيّنه الشيخ عامر -رحمه الله- حيث قال:» وينبغي له أن يحفر لحاجته ويسترها ... الخ «(5).
قوله يفرِّق بينه وبين الغائط: يعني -والله أعلم- إن أمكن ذلك كما في غير المدن، وإلاّ لم يُستجب دعاء ساكن مدينة قطّ.
__________
(1) - قال - صلى الله عليه وسلم -:» لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهمّ إنّي أعوذ بك من الرِّجس النِّجس الخبيث المخبَّث الشيطان الرجيم «، أخرجه ابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 295.
(2) - روى الدرامي أثرا مقطوعا عن أبي وائل قال:» ... حالان لا يذكر العبد فيهما الله: عند الخلاء، وعند الجماع، إلاّ أنّ الرجل إذا أتى أهله بدأ فسمّى الله «، كتاب الطهارة، رقم: 980.
(3) - الإيضاح، 1/ 19.
(4) - محمود بن عمر الزمخشري، الفائق في غريب الحديث، 1/ 348.
(5) - الإيضاح، 1/ 19. (2/10)
صفحة 447
لأنّ اختلاطهما قيل إنّه من الذنوب التي تحجِب الدعاء عن القبول، وتورث الوسواس (1)؛ السادسة عشر: أن يعتمد على الشقّ الأيسر لأنه أيسر لقضاء حاجته (2)؛
السابعة عشرة: أن لا يمسّ ذَكره بيمينه لنهيه - عليه السلام - عن ذلك (3)؛ ...
--------------------
قوله تحجب الدعاء عن القبول: [أي دعاء الدنيا] (4)، قال في "السؤالات":» ومن ... الذنوب التي تحجب الدعاء: النظر في البيوت بغير إذن، وتفتيش آنية الناس بغير إذن، وتخليط البول والغائط [بحفرة، ... الخ] «(5)، وظاهر كلاميهما أنّ ذلك يحجب دعاء الدنيا والآخرة، ولعلّه يقيَّد بدعاء الدنيا كما قال الشيخ أبو نوح -رحمه الله- في الحرام المجهول أنّه لا يستجاب معه دعاء الدنيا، والله أعلم (6).
قوله أن لا يمسّ ذكَره بيمينه: هذا إذا كانت الشمال سالمة [كما هو ظاهر] (7).
__________
(1) - يعدّ فقهاء الإباضية -خاصة المغاربة منهم- هذه المسألة ضمن آداب قضاء الحاجة دون غيرهم؛ وهذا مما اختصوا به نظرياً واشتهروا به عملياً. وقد روى الشيخ أبو الربيع الوسياني ذلك عن الشيخ الفقيه عيسى بن سجميمان والشيخ الفقيه زكرياء الزواغي. (ينظر: السير،234، مخطوط)
(2) - عن سراقة بن مالك قال: علّمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى، رواه الطبراني في الكبير، رقم: 6605؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 442، واللفظ له؛ قال ابن حجر:» قال الحازمي: لا نعلم في الباب غيره، وفي إسناده من لا يعرف، وادّعى ابن الرفعة في "المطلب" أنّ في الباب عن أنس «،
(تلخيص الحبير، 1/ 107).
(3) - روى الترمذي أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يمسّ الرجل ذَكره بيمينه، كتاب الطهارة، رقم: 15؛ ورواه بزيادة مسلم: كتاب الطهارة، رقم: 394؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 21484.
(4) - زيادة من أ والحجرية.
(5) - السوفي، 313، وما بين المعقوفتين انفردت به الحجرية.
(6) - المصدر السابق، 143، وفي ب وج ود: أبو نصر، وهو تحريف من النساخ؛ والشيخ
أبو نوح هو أبو نوح صالح بن أفلح، انظر ترجمته في ملحق التراجم، رقم: 05.
(7) - زيادة من الحجرية. (2/11)
صفحة 448
الثامنة عشر: ألاّ يشتغل بالحديث، ولا بإنشاد الشعر، ولا بالقراءة، ولا بردّ السلام (1)، ولا يُسلَّم عليه أيضا (2)، للنهي الوارد في ذلك [أيضا] (3) أنّ النبيء - عليه السلام - نهى عن ردّ السلام في تلك الحالة، ولا يلزمه الردّ بعد فراغه أيضا (4)؛ التاسعة عشر: ألاّ يتمخّط (5)، ولا يبصق في الحدث، ...
--------------------
قوله أن لا يتمخّط: في "الصحاح":» والمخاط: ما يسيل من الأنف، وقد مخطه من أنفه أي: رمى به، وامتخط وتمخّط، أي: استنثر «(6).
قوله في الحدث: انظر هل المراد في ذاته، فلو بصق في الخارج عنه لم يكن مرتكبا للنّهي، أو المراد في حال خروجه مثلا، فلا يبصق مطلقا، فليحرّر.
__________
(1) - إذ في الحديث أنّ رجلا مرّ على النبيء - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول فسلّم عليه فلم يردّ عليه، أخرجه الربيع بن حبيب: كتاب الطهارة، رقم: 84 (1/ 28)؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 555؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 15؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 83؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 347؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 37.
(2) - روى ابن ماجة عن جابر بن عبد الله أنّ رجلا مرّ على النبيء ... - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول، فسلّم عليه، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلّم عليّ فإنّك إن فعلت ذلك لم أردّ عليك، (كتاب الطهارة وسننها، رقم: 346).
(3) - انفردت ج بهذه الزيادة.
(4) - ظاهر الأحاديث الواردة في الباب تفيد ردّ السلام ولو بعد الفراغ من حاجته، ولعلّ المصنّف يريد بعدم لزوم ردّ السلام على المتخلّي ولو بعد فراغه من حاجته عدم إعانة المسلِّم عليه على فعله المخالِف للنهي الصريح عن ذلك.
(5) - لم تتفق نسخ القواعد المعتمدة على صيغة واحدة للمناهي المستهلة بأن الناصبة ولا النافية، فالنسخة ج وردت فيها هذه المناهي كلها بصيغة "أن لا"؛ وكذا النسخة ب إلا المناهي رقم: 09، 18. أما النسخة د فإن المناهي كلها وردت فيها بصيغة "ألا" وكذا النسخة أ؛ وكذا النسخة الحجرية إلا المنهي عنه رقم: 07.
(6) - الجوهري: باب الطاء، فصل الميم: مخط. (2/12)
صفحة 449
وينبغي له أن يسلت الذَكر من لدن العِجَان إلى أصل القضيب ليستبرئ بذلك (1)؛ العشرون: أن يزيل النجس (2) بالأحجار أومايقوم مقامها، من كل جامد طاهر منقٍّ، ليس بمطعوم، ولا بذي حرمة،،كالمدر والتراب والأعواد، ويتّقي الاِستنجاء بالنجس والعظم والروث، ...
--------------------
قوله العِجان: في "الصحاح":» والعِجَانُ [-يعني بكسر العين-]: ما بين الخُصية والفَقْحَة «(3)، قال في محلّ آخر:» والفَقْحة: حلقة الدُّبر، والجمع: الفِقاح ... الخ (4).
قوله أو مايقوم مقامها ... الخ: ظاهره ولو في غير الضرورة، ونسب الشيخ عامر -رحمه الله- القول بمثل هذا في غير الضرورة لداود بن علي -يعني الظاهري-، وذكر أنّ مذهب أصحابنا -رحمهم الله- أنّه لا يجوز غير الأحجار ممّا ذكِر إلاّ في حال الضرورة، لأنّ الحديث ورد فيها خاصّة (5)، لكن نسبة ذلك الى داود الظاهري غير ظاهرة، لأنّه ممّن يأخذ بالظاهر فيخصّه بما ورد، وهو المنقول عنه (6).
__________
(1) - قال - صلى الله عليه وسلم -:» إذا بال أحدكم فلينتر ذَكره ثلاث مرّات «، أخرجه ابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 321؛ وأحمد: مسند الكوفيين، رقم: 18275؛ والنتر: جذب فيه قوّة وجفوة.
(2) - في ج: النجو.
(3) - الجوهري: باب النون، فصل العين: عجن.
(4) - الجوهري: باب الحاء، فصل الفاء: فقح.
(5) - الإيضاح، 1/ 21؛ والأحاديث الواردة في الباب كثيرة، منها ما جاء عنه ... - صلى الله عليه وسلم - أنّه كان يأمر بثلاثة أحجار، أخرج ذلك النسائي: كتاب الطهارة، رقم: 40؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم:
07؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 309؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 672.
(6) - انظر: ابن حزم الأندلسي، المحلّى بالآثار، 1/ 111؛ والظاهري هو: داود بن علي بن خلف الأصفهاني، أبو سليمان، من أئمّة الفقه والاجتهاد، يسمّى بالظاهري لأنّه أوّل من قال بمذهب الظاهر، أي الأخذ بظاهر الكتاب والسنة والإعراض عن الرأي والقياس، وإليه ينتسب أهل المذهب الظاهري، وُصِف بالحصافة والذكاء حتّى قال عنه ثعلب:» كان عقل داود أكبر من علمه «، له تصانيف عديدة في الفقه والأصول يبيّن فيها مذهبه ويردّ على مخالفيه، أوردها ابن النديم في "الفهرست" وهي تربو على العشرات، توفي سنة 270هـ. (ابن النديم، الفهرست، 303؛ الزركلي، الأعلام، 3/ 08). (2/13)
صفحة 450
ويتقي الاستنجاء بالنجس والعظم والروث، لنهيه - عليه السلام - عن الاستنجاء بالعظم والروث، وقال:» من فعل ذاك فهو ملعون «(1)، وينبغي أن يقتصر في الاستجمار على وتر الأعداد، على ثلاثة أو خمسة (2)، وإن أنقى بحجر واحد له ثلاثة حروف فلا بأس (3)، ...
--------------------
قوله بالنجس والعظم والروث: أمّا النجس فلأنّ المقصود إزالة النجاسة، والنجَس لا يزيل النجَس؛ وأمّا العظم والروث فلقوله - عليه السلام - للجنِّ حين شكوا له قلّة الزاد:» كلّما مررتم بعظم قد ذكر اسم الله عليه فهو لكم لحم غريض، وكلما مررتم بروث فهوعلف لدوابكم «، قالوا: يارسول الله إنّ بني آدم ينجِّسونه علينا، فعند ذلك نهى - عليه السلام - أن يستنجى بالعظم والروث (4)؛ ويقاس طعام بني آدم وعلف دوابِّهم على ذلك، والله أعلم.
__________
(1) - عن رويفع بن ثابت الأنصاري أنّه سار مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له:» يا رويفع لعلّ الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنّه من عقد لحيته أو تقلّد وترا أو استنجى برجيع دابّة أو عظم فإنّ محمّد - صلى الله عليه وسلم - منه بريء «؛ أخرجه النسائي: كتاب الزينة، رقم: 4981؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 33؛ وأحمد: مسند الشاميين، رقم: 16386.
(2) - عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» إذا استجمر أحدكم فليوتر «؛ أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، رقم: 352؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 13614، وغيرهما.
(3) - في أ: ثلاثة أحرف. وقد جاء النهي في الحديث عن الاِستنجاء بأقلّ من ثلاثة أحجار، فعن سلمان الفارسي قال:» نهانا - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلة بغائط أو بول وأن لا نستجئ باليمين، وأن لا يستجئ أحدنا بأقلّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستجئ برجيع أو عظم «، أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 06، واللفظ له؛ ومسلم: كتاب الطهارة، رقم: 385؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 16؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 41؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 312؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 22590.
(4) - أخرجه باختلاف طفيف في اللفظ ضمن قصّة طويلة كلّ من مسلم: كتاب الصلاة، رقم: 682؛ والترمذي: كتاب تفسير القرآن، رقم: 3181؛ وأحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 3935. (2/14)
صفحة 451
ولا يستنجئ بالزجاج الأملس ولا بالفحم لأنّه لا ينشِّف (1)، ولا يعامِل البول بيده لأنه يورث عذاب القبر (2)، ويستنجي من كلّ ما خرج من السبيلين من البول والغائط والمنيّ والمذي والودي والدابّة والدم، إلاّ الريح خصوصا؛ ...
--------------------
قوله الأملس: هذه صفة كاشفة، لأنّ الزجاج لا يكون إلاّ أملس.
قوله والمذي: أي بالذّال المعجمة، في "الصحاح":» المذْي بالتسكين: ما يخرج عند الملاعبة والتقبيل، وفيه الوضوء، تقول منه: مذى الرجل بالفتح، وأمذى بالألف مثله «، إلى أن قال:» وقال: الأمويّ: المذِيُّ والودِيُّ والمنِيُّ مشدّدات ... الخ «(3).
قوله والودِي: أي بالدال الم هملة، في "الصحاح":» والودْي بالتسكين: ما يخرج بعد البول، وكذلك ... بالتشديد ... الخ «(4).
قوله إلاّ الريح خصوصا: يعني إن لم يكن المحلّ رطبا كما سيأتي.
__________
(1) - وقد ورد النهي عن ذلك، إذ عن ابن مسعود أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه ليلة الجنّ ومعه عظم حائل وبعرة وفحمة، فقال:» لا تستنجينّ بشيء من هذا إذا خرجت إلى الخلاء «، أخرجه أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 4144؛ وفي رواية أخرى أنّ الجنّ قالوا: يا محمّد اِنْهَ أمّتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حُمَمَة، فإنّ الله تعالى جعل لنا فيها رزقا، قال ابن مسعود: فنهى رسول الله ... - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 35.
(2) - لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» أكثر عذاب القبر من البول «، أخرجه ابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 342؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 7981؛ ولقوله في صاحبي القبرين اللذين يعذّبان:» إنّهما يعذّبان وما يعذّبان في كبير، أمّا هذا فكان لا يستنزه من بوله، وأمّا هذا فإنّه كان يمشي بالنميمة ... «، أخرجه النسائي: كتاب الطهارة، رقم: 31؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 19؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 341؛ وأحمد: مسند بني هاشم، رقم: 1877؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 732.
(3) - الجوهري: باب الياء، فصل الميم: مذى.
(4) - الجوهري: باب الياء، فصل الواو: ودى. (2/15)
صفحة 452
والعمل في جميع ذلك مقصور على الشِمال دون اليمين، وليبدأ بمخرج البول، ولا يلزمه طلب الثلاثة إذا أنقى بدونها، والله أعلم.
--------------------
قوله مقصور على الشِمال دون اليمين: يعني ما لم يتعذّر الشِمال كما يؤخذ من كلام "العدل" حيث جعل النهي عن الاِستنجاء باليمين نهي تأديب، بل على كلامه يجوز ذلك ولو لم يتعذّر الشِمال، والله أعلم (1).
- - -
__________
(1) - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف، 1/ 129، تحقيق: د/عمرو خليفة النامي (مرقون). (2/16)
صفحة 453
المقدمة الثانية
في أعيان النجاسات المتفّق عليها والمختلف فيها
اعلم أنّ المتّفق عليها من أعيان النجاسات (1) عشرة أشياء، وهي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والغائط، والبول، والمنِيّ، والمذي، والودي، والطهر من النساء،
و الخمر؛ فهذه الأشياء متفّق على تحريمها ونجاستها عند جميع الأمّة فيما علِمْتُ، ولابدّ من تفصيلها بألفاظ مختصرة:
أمّا الميتة: فإنّها محرّمة على الإطلاق بنصّ الكتاب وإجماع من الأمّة، إلاّ ما خصّته السنّة منها، وحدّ الميتة: كلّ ما خرج منه الروح على غير سبيل الذكاة، وهي نوعان: برِّية وبحرية؛ ...
--------------------
قوله والبول: أي من بني آدم، وكلِّ محرَّم الأكل.
قوله والمنيّ: فيه أنّ كون المنيّ من أعيان النجاسات المتّفق عليها غير ظاهر لأنّه مختلف فيه عند قومنا وعندنا أيضا، قيل نجس، وقيل متنجّس لمروره على محلِّ البول، وعليه لا يكون من أعيان النجاسات.
قوله والخمر: فيه أنّ الشيخ عامر -رحمه الله- قال:» وأكثرهم على نجاسة الخمر «(2).
قوله على الإطلاق: أي إلاّ عند الضرورة، فتباح بنصّ الكتاب (3).
قوله إلاّ ما خصّته السنّة: أي كالجراد والسمك.
__________
(1) - في أ والحجرية: النجاسة.
(2) - الإيضاح، 1/ 319.
(3) - في الآية 173 من سورة البقرة، والآية 03 من سورة المائدة، والآيتين 119 و145 من سورة الأنعام. (2/17)
صفحة 454
أمّا البرِّية فنوعان، أحدهما: ماله نفس سائلة مجتمع فيها اللحم [والدم] (1) والعظم، كالأنعام والحشرات، فلا خلاف في نجاستها، لقوله - عليه السلام -:» إذا ماتت الفأرة في السمن الذائب فأرِيقوه، وإن كان جامدا فألقوها وما حولها «(2)، وكذلك غير الفأرة من جميع ما يشبهها قياسا عليها، كالعصافير والحيّات وجميع الحشرات، ...
--------------------
قوله نفس سائلة: في الصحاح:» والنفس: الدم، يقال: سالت نفسه، وفي الحديث:» ما ليس له نفس سائلة فإنّه لا ينجِّس الماء إذا مات فيه « ... «(3).
قوله والحشرات: في "الصحاح":» والحشَرَةُ بالتحريك: واحدة الحشَرات، وهي صغار دوابِّ الأرض «(4)، وفي "القاموس" أيضا:» والحشرات ... الهوام والدوابُّ الصغار ... الخ «(5)، وعلى كلّ حال فالحشرات تشمل ما ليس له نفس سائلة كالعقارب والخنافس وغير ذلك، فإطلاق القول بنجاسة الحشرات غير ظاهر على كلام اللغة.
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه «، أخرجه أبو داود: كتاب الأطعمة، رقم: 3345 بهذا اللفظ؛ وبنحوه النسائي: كتاب الفرع والعتيرة، رقم: 4187؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 6880.
(3) - الجوهري: باب السين، فصل النون: نفس؛ والحديث لم نقف عليه مرفوعا، وأورده ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" (5/ 93) موقوفا عن إبراهيم النخعي؛ ورواه البيهقي والدارقطنيّ كذلك بلفظ:» كلّ نفس سائلة لا يتوضّأ منها، ولكن رخّص في الخنفساء والعقرب والجراد والجدجد إذا وقعن في الركاء فلا بأس به «، أي: كل ماءٍ وقع فيه ذو نفس سائلة لا يتوضأ منه، إلا ما استثني. (البيهقي، السنن الكبرى، رقم: 1126؛ الدارقطني، السنن، رقم: 03).
(4) - الجوهري: باب الراء، فصل الحاء: حشر.
(5) - الفيروزابادي: باب الراء، فصل الحاء: حشر. (2/18)
صفحة 455
واختلف في الضَّمْج والقُرَادِ والقمْل والبعوض والبقّ وما أشبه ذلك؛ النوع الثاني من ميتة البرّ: كلّ ما ليس له نفس سائلة كالذباب والذرِّ والخنافس والعقارب وما أشبه ذلك، فهذا متّفق عليه أنّه لا يَنْجَسُ بالموت، ولا ما مات فيه من ماء أو مائع قياسا على الذباب، لقوله - عليه السلام -:» إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فأمقلوه ثمّ أخرجوه فإنّ في أحد جناحيه داءً وفي الآخر دواءً، وإنّه ليقدِّم الداء ويؤخّر الدواء «(1)، ومعلوم أنّ بعضها يموت من ذلك، ولم يقل إنّه أفسد طعاما، والله أعلم.
وأمّا الميتة البحرية: فمتّفق على طهارتها وتحليلها، ...
--------------------
قوله الضَّمْج: في "القاموس":» الضمج: لَطْخُ الجسدِ بالطِّيب حتّى كأنّه يقطُر، ودُوَيْبَةٌ مُنتنَة تلسع ... الخ «(2).
قوله والقُراد: في "الصحاح":» والقُراد [يعني بالضمّ]: واحد القِرْدَانِ «(3).
قوله» فامقلوه «: أي بالقاف وهمزة الوصل، وفي "الصحاح":» ومقله في الماء مقلا: غمسه، وفي الحديث:» إذا وقع الذباب في الطعام فامقلوه فإنّ في أحد جناحيه سمًّا وفي الآخر الشفاء، وإنّه يقدّم السمّ ويؤخِّر الشفاء « ... «(4).
قوله فمتّفق ... الخ: في حكاية الاتّفاق مع ما سيأتي من ذِكر الخلاف نظرٌ، نعم ظاهر الآية والحديث يدلّ على طهارة ميتة البحر مطلقا وهو المذهب.
__________
(1) - أخرجه بهذا اللفظ الربيع بن حبيب: باب أدب الطعام والشراب، رقم: 371 (1/ 94)، وأخرجه أبو داود: كتاب الأطعمة، رقم: 3346 باختلاف طفيف، وله ألفاظ وطرق أخرى كثيرة.
(2) - الفيروزابادي: باب الجيم، فصل الضاد: ضمج. قال الشيخ أبو القاسم البرادي في
"شرح الدعائم": الضمج هو الحَلَم الكبير الأخضر. (وجه الورقة: 158، مخطوط).
(3) - الجوهري: باب الدال، فصل القاف: قرد.
(4) - الجوهري: باب اللاّم، فصل الميم: مقل، والحديث بهذه الصيغة أقرب لفظا إلى رواية ابن ماجة: كتاب الطهارة، رقم: 3495؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 11216. (2/19)
صفحة 456
لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَّحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96] الآية، ولقوله - عليه السلام -:
» هو الطهور ماؤه والحلّ ميتته «(1)، ولقوله:» أحِلّت لكم ميتتان [ودمان فالميتتان السمك والجراد، والدمان الكبد والطحال] «(2)؛ وميتة البحر نوعان أيضا: ما مات بسبب رمي أو قتل في حين الاِصطياد فهذا متّفق على تحليله؛ والثاني ما مات بغير سبب فقيل هو حلال، وقيل هو مكروه إذا أنتن.
واختلف في خنزير الماء وإنسان الماء فقيل فيهما بالتحليل، وقيل بالكراهية،
و قيل التحليل مقصور على السمك دون ما سواه من الحيتان؛ ...
--------------------
قوله لقوله تعالى: {أحلّ لكم} الآية: هذه الآية لا تكون دليلا على تحليل ميتة البحر إلاّ إذا كان الضمير في قوله: {وطعامه} راجعا إلى البحر فإنّ المراد بطعامه ما قذفه أو نضُب عنه، وأمّا إذا كان الضمير راجعا إلى الصيد فإنّها لا تكون دليلا على تحليل ميتة البحر، لأنّ المراد بطعام الصيد على هذا أكلُه، والله أعلم.
قوله حلال: أي من غير كراهة (3) حتّى تحسُن المقابلة، لأنّ الكراهة لا تنافي الحِلّ.
__________
(1) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في أحكام المياه، رقم: 161 (1/ 43)؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 64؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 59؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 76؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 380؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 3380؛ ومالك: كتاب الطهارة، رقم: 37؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 733، وله طرق وألفاظ أخرى كثيرة.
(2) - ما بين المعقوفتين انفردت به الحجرية، والحديث أخرجه الربيع بن حبيب: باب الذبائح، رقم: 618 (2/ 16)؛ وابن ماجة: كتاب الأطعمة، رقم: 3305؛ وأحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 5465.
(3) - في هـ والحجرية: كراهية. (2/20)
صفحة 457
ويتميّز السمك من غيره بالقشور لأنّها بمنزلة الشعَر من دوابِّ البرِّ، وما ليس عليه قِشر من الحيتان فهو بمنزلة الحيّات والأماحي وما كان أملس من حشرات البرِّ، وقيل ذكاة الحيتان التسمية عليه في حين اصطياده، والله أعلم.
مسألة: وأمّا أجزاء ميتة البَرِّ فمنها ما هو متّفق على تحريمه كاللحم والشحم والبلل منها، ومنها ماهو متّفق على تحليله كالصوف والشعَر وأطراف الريش والوبر وشِبهها، ومنها ما هو مختلف فيه كالجلد بعد الدباغ وطَرَفِ القرن وطَرَفِ (1) الأظلاف والعظام وما في معناها. وأمّا ما قُطع من البهيمة وهي حيّة فلا خلاف أنّه ميتة، والله أعلم (2).
--------------------
قوله كالصوف والشعَر: لعلّ المراد بهما ما برز عن الجلد قياسا على الريش، فإنّ الظاهر منه ما برز عن اللحم، والله أعلم. ثمّ إذا كانت هذه الأشياء متّفقا على طهارتها كيف قالوا: لابدّ في طهارتها من التتريب كما سيأتي؟ اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّها طاهرة العين في الأصل، لكنّها تنجّست بمجاورة الميتة، لكن يُنظر لِمَ لا يصحّ بالماء وحده؟ والله أعلم فليحرّر.
قوله وطرف القرن ... الخ: سبب اختلافهم في هذه الأشياء هو أنّه هل تحلُّها الحياة أو لا؟ فمن قال تحلُّها الحياة قال بنجاستها [ولا يؤثّر فيها الدباغ أيضا] (3)، ومن قال لا تحلّها الحياة قال بطهارتها، لكن الآية –أعني قوله تعالى: {قَالَ مَن يُّحْيِ العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78]- تدلّ على الأوّل في حقّ العظام.
__________
(1) - في ب ود: أطراف.
(2) - لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:» ما قطِع من البهيمة وهي حيّة فهي ميتة «، أخرجه أبو داود: كتاب الصيد، رقم: 2475؛ والترمذي: كتاب الصيد، رقم: 1400؛ وابن ماجة: كتاب الصيد، رقم: 3207؛ وأحمد: مسند الأنصار، رقم: 20897؛ والدرامي: كتاب الصيد، رقم: 1933.
(3) - زيادة من أ. (2/21)
صفحة 458
وأمّا الدم المسفوح: فمتّفق أيضا على نجاسته وتحريمه لقوله تعالى:
{أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} [الأنعام: 145]، إلاّ ما خصّته السنّة من قول النبيء - عليه السلام -:
» أحلّت لكم ميتتان ودمان، فالميتتان الجراد والسمك، والدمان الكبد والطحال «(1)؛ واختلُف في ذكاة الجراد، فقيل ذكاته التسمية عليه حين يُطبخ أو يُشوى، وقيل غير ذلك من قطف رؤوسه، والله أعلم.
واختلُف في القليل من الدم الذي لم يكن مسفوحا، وفي الرشاش الذي لو اجتمع لم يفِض، فقيل لا يَنْجَسُ ولا يُنقض الوضوء، وقيل الشيء النجس بعينه لا يتبعَّض، ولقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 03] عموما في كلّ دم؛ ...
--------------------
قوله واختلف في ذكاة الجراد ... الخ: فيه نظر من وجهين، أمّا أوّلا: فكيف يجعلها محتاجة إلى الذكاة مع قوله - صلى الله عليه وسلم -:» أحلّ لكم ميتتان ... «، فإنّ ما تحِلّ ميتَتُه لا يحتاج إلى الذكاة؛ وأمّا ثانيا: فكيف يُسمِّي ما ذَكَر ذكاة، والله أعلم.
قوله وفي الرشاش: أي من الدم، لأنّه هو الذي وقع الخلاف في قليله هل هو نجس أم لا، وأمّا غير الدم من النجاسات فمتّفق على أنّ كثيره وقليله نجس. نعم اختلفواْ هل يُعفى عن القليل من غير الدم كما يُعفى عن القليل منه أو لا، والله أعلم.
قوله ولقوله: {حرمت عليكم} ... الخ: فيه أنّ هذا العموم مُعارَض بالتخصيص في قوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام: 145]، فإنّ الغالب أنّه إذا ورد الحكم في محلّ مطلقا وفي محلّ مقيداً يكون ذلك القيد مُراعىً في المطلق إذا كان الحكم واحدا، ونظير ذلك قوله تعالى في قصّة الريح التي أرسلها على عاد، فإنّه قال في آية:
{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف:25] فأطلق، وقال في آية أخرى:
__________
(1) - تقدّم تخريجه قريبا بصفحة: 20. (2/22)
صفحة 459
ورُخِّص في الحمرة التي تتعلّق باليد والثوب بعد غسل المذبح من الذبيحة؛ واختلُف في دم القلب ودم العروق؛ ورُخّص أيضا في دم الذباب وما كان في معناه من البراغيث وأشباهها؛ واختلُف في دم الشهداء، والبغاة أيضا، والأصحّ عندي نجاسته لعموم الدم؛ ...
--------------------
{مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ اَتَتْ عَلَيْهِ} [الذاريات:42] فقيّد، فإنّ ذلك المطلق يقيَّد بهذا القيد، ومثل هذا كثير، كعَتق الرقبة، لكن الحكم فيها مختلف فلذلك اختلفوا هل يُقيّد المطلق بذلك القيد- أعني الإيمان- أو لا (1)، والله أعلم، فليحرّر.
قوله واختُلف في دم القلب ... الخ: ظاهره ولو بعد غسل المذبح، لكن القول بنجاسة دم العروق يكاد أن يكون من التكليف بما لا يطاق، والله أعلم. ثمّ رأيت في "شرح الدعائم" للشيخ أبي القاسم البرّادي في قصيدة الطهارة التصريح بأنّ دم العروق ودم اللحم من غير المذبح لا ينْجس، وعبارته:» مسألة من الجامع: والقليل من الدم والكثير مفسد للماء والطعام وما وقع فيه، إلاّ دم السمك ... البحريِّ ودم اللحم من غير المذبحة ودم العروق ودم البعوض ودم البراغيث فإنّ ذلك لا يفسد ... الخ «(2).
قوله والبغاة: لعلّه ومن قتله البغاة، ويدلّ له قول "الإيضاح":» وكذلك كل دم خرج ظلما على هذا الحال «(3)، ثمّ رأيت في كلام "الديوان" ما يعيِّن إبقاءه على ظاهره حيث قال:» وقد اختلفوا في دم البغاة فمنهم من يقول نجس ومنهم من يرخِّص، وكذلك دم المَبْغيِّ عليه على هذا الحال «(4).
قوله والأصحّ عندي ... الخ: فيه أنّه في الغالب مامن عامٍّ إلاّ وخصَّ، وكلام الشيخ عامر
__________
(1) - في كفارة قتل الخطأ (النساء: 92)، وكفارة اليمين (المائدة: 89)، وكفارة الظهار (المجادلة: 03).
(2) - شفاء الحائم على بعض الدعائم، ظهر الورقة 157 (مخطوط)، شرح الأبيات: 34، 35، 36 من القصيدة: 04. وقد تقدّمت ترجمة المؤلّف البرادي في هذا الكتاب: 1/ 345، ملحق التراجم، رقم: 05.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 343.
(4) - العزابة، كتاب الطهارات، وجه الورقة: 02 (مخطوط). (2/23)
صفحة 460
وشدّد أصحابنا في القمْل إذا كان أصله من بني آدم، على أنّ بعضهم شدّد في قمْل الحيوان والأنعام أيضا، والله أعلم.
وأمّا الخنزير: فمُجمع على تحريمه ونجاسته بجميع أجزائه من اللحم والشحم والعظم والعصَب واللبن والجِلد، لأنّه لا تصحّ فيه الذكاة، لقوله تعالى: {أّوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فإنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، فردّ الهاء إليه فصحّ أنّه محرّم بالكلِّية، ...
--------------------
–رحمه الله- يدلّ على طهارة دم الشهداء، وأنّ الحديث خصّه من العموم فليراجع (1).
قوله فردّ الهاء إليه: أي إلى الخنزير لأنّه أقرب مذكور، لكن الغالب ردّ الضمير إلى المضاف إلاّ لقرينة لأنّ المضاف إليه إنّما جيء به لتقييد المضاف، وبعضهم رد الضمير إلى المضاف على الأصل، ولا يلزم من إرجاع الضمير إلى اللّحم أن يكون خاصّا بالتحريم وإنّ ما عداه من الأجزاء طاهر، لأنّه إنّما خصَّ اللحم لأنّه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه كالتابع له،
والله أعلم.
__________
(1) - جاء في إحدى روايات الحديث أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال في شهداء بدر:» زمّلوهم بدمائهم فإنّه ليس كّلْم يُكْلم في سبيل الله إلاّ يأتي يوم القيامة يدمي، لونه لون الدم وريحه ريح المسك «، (رواه النسائي وأحمد والشافعي)؛ والتحقيق أنّه لا دليل في روايات هذا الحديث على طهارة دم الشهداء، بل الذي يدلّ عليه هو تخصيص الشهداء بعدم الغُسل.
وغسل الميّت أمر تعبّدي لم يشرع لنجاسته، فإنّ الميّت مأمور بغسله سواء كان طاهرا قبل موته أو نجسا. وتخصيص الشهداء بعدم الغسل لئلاّ يذهب شيء من دمهم، فإنّ دفنهم بدمهم أفضل لهم، وهو كرامة لهم يوم القيامة كما في الحديث. وطهارة دمهم هي في حقّهم لا لغيرهم، وقد صحّح القطب اطفيش والإمام السالمي عدم طهارة دم كلّ من الشهداء والبغاة والمُبْغيّ عليهم بناء على ما ذُكِر. (يُنظر: القطب اطفيش، شرح النيل، 1/ 416؛ السالمي، معارج الآمال، 3/ 304). (2/24)
صفحة 461
ولقول النبيء - عليه السلام -:» بعِثتُ بقتل الخنزير «(1)، واختلف في شَعَره فأجازه بعض ومنع منه آخرون؛ والقردُ والفيل في معنى الخنزير ولا تصحّ فيهما الذكاة؛ واختلف في عظم ناب الفيل والمكاحل المتخذة منه.
--------------------
قوله واختلف في شَعره ... الخ: فأصحابنا من أهل المغرب يقولون بنجاسته كما صرّحوا به في باب اللباس في"الصلاة " (2)، وكلام صاحب"الدعائم"صريح في طهارته حيث قال:
» وما في شَعَرِ خِنزيرٍ حرامٌ ... ولكنْ في اللحومِ وفي الجلودِ «(3)
قوله واختلف في عظم ناب الفيل ... الخ: في حكاية الاِختلاف فيما ذَكَر بعد جعْله كالخنزير نظرٌ، فإنّه يقتضي أن يكون متّفقا على تحريمه بجميع أجزائه، اللهمّ إلاّ أن يقال إنّه ماشٍ على القول بأنّ العظْم لا تَحِلُّه الحياة، والله أعلم.
__________
(1) - لم نقف عليه، وقد ذكره طائفة من الفقهاء، منهم السرخسي في "المبسوط" بلفظ: ... » بعثت لكسر الصليب وقتل الخنزير «؛ والزيلعي في "تبيين الحقائق في شرح كنز
الدقائق"، والكاساني في "بدائع الصنائع"، وابن نجيم في "البحر الرائق"، بلفظ:» بعثت بكسر المزامير وقتل الخنازير «؛ والقطب أطفيش في "شرح النيل" بلفظ:» بعثت بقتل الخنزير وإراقة الخمر «؛ وابن الحاج في "المدخل"، والشوكاني في "نيل الأوطار"، بلفظ:
» بعثت بكسر المزامير «، وقد عزاه الأخيران بهذا اللفظ إلى أبي طالب الغيلاني عن علي (نيل الأوطار،8/ 104)؛ كما عزاه الشيخ عبد الرحمان بكلّي في الطبعة الأولى من القواعد (1/ 132) نقلا عن الإيضاح إلى أحمد، لكن الصحيح أنّه لا يوجد فيه.
(2) - قال أصحاب الديوان:» ومن صلّى بثوب فيه شَعَرُ المشرك أوشَعَرُ الخنزير أوشَعَرُ الميتة فإنّه يعيد صلاته «، (العزابة، كتاب الصلاة، ظهر الورقة: 38 مخطوط).
(3) - ابن النظر العماني، القصيدة 26 في الذبائح والصيد وأحكامهما، البيت 18. وقد تقدّمت ترجمة الناظم في هذا الكتاب، 1/ 347، ملحق التراجم، رقم: 08. (2/25)
صفحة 462
وأمّا رجيع ابن آدم وغائطه: فمتفق على نجاسته، وكذلك بوله على هذا الحال، وكذلك جميع الأجزاء المنفصلة منه والمتصلة به، من اللحم والعظم والعصب وغيرها، واختلف في مخّه، واتّفقوا على البُزاق والعرق والمخاط والبلغم وجميع البلل منه أنه طاهر.
وكذلك ما يستحيل من الأجسام إلى صلاح، كلبن الآدميات والمحلَّلِ من الحيوانات ...
--------------------
قوله وغائطُه: عطف تفسير على الرجيع، ولذلك أفرد الضمير في قوله: نجاسته.
قوله وكذلك جميع الأجزاء المنفصلة ... الخ: أمّا نجاسة الأجزاء المنفصلة فظاهر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» ما قطع من البهيمة وهي حيّة فهو ميتة «(1)، وأمّا نجاسة الأجزاء المتصلة فغير ظاهر خصوصا المسلم، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» سبحان الله المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا «، [والله أعلم] (2)، فليحرّر مراده؛ ثم ظهر أن المراد بالمتصل: النَّجَسُ المتصل الذي انفصل من الدم واللحم وغير ذلك، والمراد بالمنفصل: البول والغائط والقيء مثلا، والله أعلم.
قوله يستحيل: أي ينقلب، في"الصحاح":» وحالت القوس واستحالت بمعنى أي: انقلبت عن حالها التي غُمِزَتْ عليها وحصل في قابها اعوجاج «(3).
قوله كلبن الآدميات: وذلك لأنّه كان بعض أجزائه في الأصل دما. وقوله الآدميات: المراد منهنّ غير المشركات.
قوله والمحلّل ... الخ: أي الذي حلّ أكل لحمه من الحيوانات لبنُه طاهرٌ.
__________
(1) - تقدّم تخريجه قريبا في صفحة: 21.
(2) - ما بين المعقوفتين زيادة من أ والحجرية، والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم: 1422، وصحّحه على شرط الشيخين؛ وأخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب غسل الميّت ووضوئه قولا لابن عباس موقوفا. ورواه بلفظ:» ... ليس بنجس حيّا ولا ميّتا «مرفوعا البيهقي في السنن الكبرى، رقم: 1360، ورقم: 6460؛ والدارقطني في السنن، رقم: 01 (2/ 70)؛ وصحّح الحافظ ابن حجر إسناده في فتح الباري (3/ 127)، وذكر أنّ سعيد ابن منصور رواه في سننه.
(3) - الجوهري: باب اللام، فصل الحاء: حول. (2/26)
صفحة 463
فلا خلاف في طهارته، كما لا خلاف في نجاسة لبن الخنزيرة، وأما لبن الحيوان المحرَّم الأكل فقيل مكروه وقيل تابع للّحم.
وأما بيض الطير المباح فلا بأس به، دون بيض الحشرات من الحياة والأماحي وأشكالها لأنها من الخبائث، والله أعلم.
وكذلك ما يتولد من الجروح والقروح من المِدّة والقيح اتفقوا أنه طاهر، ...
--------------------
قوله فقيل مكروه ... الخ: انظر كيف يتأتّى القول بالكراهة مع الحكم بأنّ الحيوان محرّم الأكل، فإنه يقتضي أن يكون لبنه كلبن الخنزيرة وإلاّ لساغ القول بالكراهة في لبن الخنزيرة أيضا لأنّها من جملة ما كان محرم الأكل، والألبان ليست تابعة للحوم عند صاحب هذا القول.
قوله والقروح: عطْفُ القروح على الجروح يقتضي المغايرة بينهما، مع أنّ المذكور في التفسير على أنّها الجروح، قال البيضاوي في قوله تعالى: {إِنْ يَّمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} الآية [آل عمران: 140]:» قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم بضمّ القاف والباقون بالفتح، وهما لغتان كالضُّعف والضَّعف، وقيل هو بالفتح: الجِراح، وبالضم ألمها «، لكن في "الصحاح" ما يدلّ على أنّها تطلق على غير الجراح، قال:» وقرِح جلده – بالكسر- يقرَح قَرْحًا فهو قرِحٌ إذا خرجت به القروح ... الخ «(1).
قوله المِدة: يعني بالكسر وظاهر كلامه أنّها غير الصديد، وكلام ابن قضية يقتضي أنّها هو، حيث قال:» وأمِدَ الجرح: أي صارت فيه مِدَّة وهي الصديد ... الخ «(2)،
__________
(1) - الجوهري: باب الحاء، فصل القاف: قرح.
(2) - لم نقف في حدود اطلاعنا على هذه العبارة حرفيا في واحد من كتب اللغة؛ ولم نقف على مؤلّف اسمه ابن قضية؛ ولعلّ المحشّي أحال إلى ابن قتيبة فحُرِّفَ من النساخ إلى ابن قضية، فقد ورد في كتاب "أدب الكاتب" لابن قتيبة (213 - 276هـ) ما يشبه= =العبارة المذكورة متفرّقا في موضعين، قال في صفحة 360:» وأمدّ الجرح: إذا صارت فيه مِدّة «، وقال في صفحة 143:» وغثيثة الجرح: مِدّته والصديد الرقيق المختلط بالدم قبل أن تغلظ المدّة «؛ وقد أورد كلّّ من الجوهري في "الصحاح" والزبيدي في "تاج العروس"ما يشبه العبارة المذكورة، في مادّة: مدد، صدد. (2/27)
صفحة 464
واختلف في الصديد وما أشبهه.
وأما المني والمذي والودي: فاتفقوا على أنها نجسة إذا فصلت عن البدن، واختلف في سبب نجاستها، فقيل لاستمرار خروجها من مجرى (1) النجس، وأنه لو احتلم الإنسان ثلاث مرات فصاعدا ثم مست النطفة ثوبا أنّه لا ينجس، ويلزمه الغسل لأنه تعبّد، وقاسوها على سائر الفضلات التي تخرج من البدن كالعرق واللبن، وقال آخرون: إنّها نجسة بعينها لأن أصلها دم ولأنها تجري في ممرّ النجس قياسا على البول وما كان في معناه.
وأمّا الطهر من النساء: فهو أيضا نجس، ولم أقف على علّة نجاسته، وأظنّها من قِبل خروجه على مخرج النجَس، ...
--------------------
والظاهر أنّه أراد بالمِدة الماء الذي ليس بدم ولا صديد كما يدل عليه كلام "الإيضاح" (2)، لكن في حكاية الاتفاق نظرٌ، والله أعلم.
قوله فاتفقوا ... الخ: في حكاية الاتفاق نظر كما تقدّم، فإنّ الشافعي يقول بطهارة المنيِّ (3). ثم قوله إذا فصلت عن البدن: ينبغي على مقتضى كلامه في الاختلاف في سبب نجاسته أن يقيّد ذلك بثلاث مرات، وأمّا بعد الثلاث منه فإنّه مختلف فيه كما ذكره، والله أعلم.
__________
(1) - في ب و ج: على مجرى ... ، وفي د: لاستمرارها على مجرى ... .
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 343، 344.
(3) - يُنظر: محمد بن إدريس الشافعي، الأمّ، 1/ 72؛ أبو إسحاق الشيرازي، المهذّب في فقه
لإمام الشافعي، 1/ 92. (2/28)
صفحة 465
لأنّه قيح متولّد من دم الحيض جار على مجرى البول والحيض (1).
وأمّا الخمر: فمتّفق أيضا على نجاستها، وكذلك كلّ مسكر أيضا عند الجمهور من علماء الأمّة، ...
--------------------
قوله وكذلك كلّ مسكر ... الخ: لعلّه أراد كلّ مسكر إسكارا خاصّا، وهو ما معه شدّة وطرب ونشوة وعربدة، من بَتْعٍ وسَكَرٍ وجَعَةٍ ومِزْرٍ وسَكْرَكَةٍ وفَضِيخٍ، فإنّ الخمر من عصير العنب، والبتْع من العسل، والسَكَر نقيع التمر الذي لم تمسَّه النار، والجَعَةَ من الشعير، والمِزْر والسكركَةَ من الذُّرَةِ، والفضِيخَ ما افتضَخَ من البُسْر من غير أن تمسّه النار كذا يؤخذ من [كلام] ''السؤالات'' (2). فظاهر هذا الكلام أنّ الخمر في الحقيقة اسم للمسْكِر من عصير العنب فقط، وأنّ غيره من هذه الأشياء مُلحقٌ به في الحِرمة والنجاسة لوجود العلّة فيه وهي الشدّة المطربة، وبذلك صحّ أيضا إطلاق اسم الخمر على هذه الأشياء كلّها، كما ورد في الحديث عن عمر - رضي الله عنه -:» الخمر نزل تحريمها وهي من خمسة أشياء، البرُّ والشعير والتمر والزبيب والعسل «(3)؛ وأمّا غير
__________
(1) - ظاهر كلام المصنِّف رحمه الله يُشعر أنّه لم يجعل الطهر من النِّساء نجسًا لذاته، وإنّما نجس لعلّة خروجه من مخرج النجس، وهو صريح عبارة المشايخ في ''الديوان''؛ وقد حكى القطب اطفيش رحمه الله نجاسته لذاته على أنّه قول معشر الإباضية. قال الشيخ عامر في سياق اختلاف العلماء في طهارة المنيّ والمَذْي والودِيِّ والطهر من النساء:» ... إنّ العلماء اتّفقوا على نجاسة الدم الخارج من تحت الجِلد، وعلى طهارة اللبن الخارج من تحت الجِلد، واختلفوا فيما سوى ذلك من القيح والماء والصديد والمنيِّ والمذْيِ والودْي وما أشبههم، قال بعضهم بنجاسته قياسا على الدم، وقال بعضهم بطهارته قياسا على اللبن «. (الديوان، كتاب الطهارت، وجه الورقة: 02 (مخطوط)؛ عامر الشماخي، الإيضاح، 1/ 344؛ القطب اطفيش، الذهب الخالص المنوّه بالعلم القالص، 87).
(2) - السوفي، 473، 474؛ وما بين المعقوفتين قبلُ زيادة من د.
(3) - أخرجه البخاري: كتاب الأشربة، رقم: 5153؛ ومسلم: كتاب التفسير، رقم: 5360؛ والترمذي: كتاب الأشربة، رقم: 1795؛ والنسائي: كتاب الأشربة، رقم: 5484؛ وبنحوه أبو داود: كتاب الأشربة، رقم: 3184؛ و أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 5720. (2/29)
صفحة 466
.. .... .... .... .... .... .... .... .... ....
--------------------
ذلك من الحشيشة والحيْدرية والقلندرية والأفيون والبَنْج والسيْكران وجوزة الطيب والزعفران والعِنْبر فلم أرَ من تعرَّض من أصحابنا لطهارتها ولا لنجاستها، ولا لتحليلها ولا لتحريمها؛ إلاّ الزعفران فإنّ الشيخ عامر –رحمه الله- ذكر في باب المياه أنّه طاهر (1)، ولعلّه أنّه لا يُسَلّمُ أنّه مُسْكر، أو أنّه يجوز تعاطي القَدْر الغيْر المُسْكر [منه] (2) في الأكل والكثيرِ في غيره؛ وأمّا غير أصحابنا فإنّ متأخِّريهم اختلفوا في تعاطي القَدْر اليسير الذي لا يغطِّي العقل، والأصحُّ التحريم، لكنّهم أجمعوا على أنّها طاهرة وأنّه لا يلزم من التحريم النجاسة؛ وانظر ما حكم هذه الأشياء عند أصحابنا؟ والظاهر أنّه كذلك، وأنّ المراد بقول الشيخ –رحمه الله- وكذلك كلّ مُسْكرٍ أي:
كلّ مسكرٍ إِسْكارًا خاصًّا، والذي يدلّ على ذلك قوله عند الجمهور من علماء الأمّة، فإنّه لا شكّ أنّه شامل لعلماء المخالفين أيضا، وهم قد أجمعوا على طهارة هذه الأشياء، فلو أخذنا بعموم قوله وكذلك كلّ مسكِر ولم نحمله على ما تقدّم للزِمَ أن يُسْند إليهم القول بنجساتها وهو خلاف الواقع؛ وإذا قلنا بأنّها طاهرة فهل يجوز استعمال القَدْر الغير المُسكر كما قال بعضهم، أو لا يجوز وأنّه لا يلزم من الطهارة الإباحة كما قال البعض الآخر؟ وهو الأصحّ، والظاهر أنّ هذا إنّما هو بالنسبة إلى الأكل، والله أعلم، فليحرّر جميع ذلك (3).
__________
(1) - الإيضاح، 1/ 108.
(2) - زيادة من ب.
(3) - حرّر ذلك القطب اطفيش –رحمه الله- في رسالة خاصّة فصّل فيها الحديث عن حكم المُسْكِرات عامّة، إذ صحّح طهارة ما يُسكر أو يُفَتِّر أو يُغيِّر العقل من النباتات المذكورة، وصرّح بأنّ ذلك مذهب الإباضية والشافعية. فلا ينتقض وضوء من مسّها، ويجوز تفريشها والصلاة عليها وإيقاد حطبها للطبخ والتسخين؛ أمّا المحرّم من هذه النباتات فهو أكلها أو شُربها فلا يجوز ذلك ولو كان للتداوي، قليلها ككثيرها؛ خلافا لبعض المشارقة من الإباضية إذ أجازوا التداوي بها من غير الأكل كالقطر في الأذن والعين والضمد، وبيعَها لأجل ذلك مع اشتراط عدم الريبة. وخطّأ القطب اطفيش= =البرزليَّ وابن فرحون–من فقهاء المالكية- لإجازتهما تعاطي القَدْر القليل من هذه النباتات للتداوي كالهضم وتسخين الدماغ وغيرها من المنافع، وقال: إنّ المُسْكر والمفتِّر يحرم قليلهما وكثيرهما، وهما كالخمر. (القطب اطفيش، رسالة في حكم الدخان والسعوط،
6 - 28؛ شرح الدعائم، 1/ 278؛ الذهب الخالص، 87؛ مجموعة الجوابات، 24، مخطوط). (2/30)
صفحة 467
.. .... .... .... .... .... .... .... .... ....
--------------------
وأمّا القهوة فقال بعض الشافعية ممّن كتب على ''المنهاج'':» فالحاصل أنّ ذاتها مباحة ما لم يقترن بها عارض يقتضي ذلك، كإدارتها على هيئة الخمر المخصوصة لا مجرّد الإدارة، وكاستعمال مخدِّر معها؛ قال المصنِّف: قد تكون وسيلة للخير وقد تكون وسيلة للشرّ، وللوسائل حكم المقاصد، لكن الحزم كلّ الحزم لكلّ ذي مروءة اجتنابها واجتناب مخالطة أهلها إلاّ لضرورة شرعية «انتهى (1)، فليحرّر جميع ذلك، والله أعلم (2).
__________
(1) - لم نقف على ذلك بعد البحث فيما كُتب على المنهاج من المصنّفات التالية: تحفة المحتاج في شرح المنهاج، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، زاد المحتاج بشرح المنهاج.
(2) - اختلف فقهاء الإباضية في حكم القهوة المعروفة بالمعنى الاصطلاحي وهي التي تتّخذ من شراب حبّ البنّ، لا المعروفة بالمعنى اللغوي الواردة في بعض الأحاديث إذ المراد بها الخمر المحرّمة لأنّها من أسمائها؛ فقد حكى الشيخ جُميل السعدي العماني في "قاموس الشريعة" (2/ 262) اتّفاق بعض العلماء في بعض الأعصار على تحريمها، من هؤلاء الشيخان العمانيان عبد الله بن مدّاد وسعيد بن محمّد الخروصي إذ لهما في ذلك أبيات؛ ومنهم الشيخ درويش بن جمعة المحروقي العماني إذ صرّح بتحريمها في كتابه "الدلائل على اللوازم والوسائل" (صَ: 68). ثمّ استقرّ رأي الخلَف من فقهائهم على تحليلها، منهم الشيخ سعيد الصبحي العماني والشيخ ناصر بن أبي نبهان العماني والشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس العماني، وآخرهم القطب اطفيش الذي تحدّث عن ذلك صراحة في مؤلّفاته، منها: شامل الأصل والفرع، (1/ 179)؛ الذهب الخالص، 87؛ حاشية جواب سعيد بن خلفان العماني على مسائل عمر بن يوسف بن عدون اليسجني، 23، مسألة 20 (مخطوط). وقد أفاد الشيخ أحمد الخليلي المعاصر –حفظه الله- أن منشأ الإفتاء بتحريم القهوة لعله هو الاعتماد على القول بأن القياس بين أمر وآخر في الحكم يكون باتحاد اسميهما، وهذا مذهب ابن بركة العماني وبشر المريسي، وهو قول ضعيف جدا. (مجلة المعالم، العدد: 23، ص:23). (2/31)
صفحة 468
لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم -:» بعثت بإراقة الخمر «(1)، فدلّ على أنّها محرّمة بعينها لا يجوز الاستنفاع بها ولا بجميع فضلاتها من الخلّ والدّرديِّ وغيره؛ وقد زعم قوم أنّ الخمر ليست بنجسة، وأظنّ قولهم إنّما أُخذ من جهة الشدّة المطربة إذا حلّت فيها صارت محرّمة، وإذا ارتفعت ارتفع حكمها، والله أعلم.
و أمّا العشر المختلَف فيها فهي: القيء، و أبوال ما يؤكل لحمه من البهائم، والفرث،
و ذو ناب من السباع، وذو مخلب من الطير، والهرّ، والكلب المعلّم، والمشرك، وعرق السكران، والجلاّل من البهائم، وما كان في معناه.
أمّا القيء: فزعم قوم أنّه طاهر قياسا على البلغم، واتّفق أصحابنا على نجاسته لأنّه ينقض الوضوء، لقول الرسول - عليه السلام -:» من قاء أو قلس فليتوضّأ «(2)، والمؤثر في نقض الطهارة هو النجس والأفعال المحظورة في الشرع؛ وكذلك القلَس إذا وصل إلى الفم أو الموضع المحكوم عليه فيه أنّه يَنْجَس، وينقض الوضوء، ويعصي من بلعه، وأمّا إذا لم يبلغ حدّ الفم فلابأس به، والله أعلم.
--------------------
قوله ليست بنجسة: أي لعينها.
__________
(1) - في أ وب: لقول النبيء - عليه السلام -. والحديث لم نقف عليه، وقد تقدّم نحوه في صَ:25.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب، باب ما يجب منه الوضوء، رقم: 109 (1/ 33)؛ وأورده بنفس اللفظ ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" (4/ 100) ولم يعزه، وأخرجه بلفظ: ... » من قلس أو قاء أو رعف فلينصرف فليتوضّأ وليتِمّ على صلاته «الدارقطني في سننه، رقم: 14 (1/ 154)؛ ورواه باختلاف في لفظه وزيادة: ابن ماجة: كتاب إقامة الصلاة والسنّة فيها، رقم: 1211؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 652 (1/ 142)، والدراقطني في سننه، رقم: 11 (1/ 153)؛ وابن عدي في الكامل، رقم: 127، (1/ 291). (2/32)
صفحة 469
وأمّا بول ما يؤكل لحمه: فقد اختُلف فيه أيضا، فقال قوم: هو طاهر، لحديث العُرنيين الذين مرضوا في المسجد، ...
--------------------
قوله العرنيين ... الخ: في "المواهب":» العرنيين بضمّ العين وفتح الراء المهملتين: حيٌّ من قضاعة، وحي من بجيلة، والمراد هنا الثاني «، إلى أن قال:» وفي "البخاري" في كتاب المغازي عن أنس [بن مالك] (1):» أنّ ناسا من عُكْل -[يعني بضم العين وسكون الكاف]- وعُرَيْنة قدِموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يانبيّ الله إنّا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا بالمدينة، فأمر لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من أبوالها وألبانها. فانطلقوا حتىّ إذاكانوا ناحية "الحرّة" كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبيء، واستساقوا الذود، فبلغ النبيء - صلى الله عليه وسلم - فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسَمَرُوا أعينهم وقطعوا أيديهم وتُركوا في ناحية "الحرّة" حتىّ ماتوا على حالهم «، وفي لفظ: فسَمَلُوا أعينهم ثم نُبذوا في الشمس (2)؛ وفي لفظ: ولم يحسمهم (3)، أي لم يكوِ موضع القطع فينحسم الدم؛ وقال أنس: إنّما سمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعينهم لأنّهم سملوا أعين الرعاء، رواه مسلم (4)، فيكون ما فعل بهم قصاصا؛ وفي رواية أنّهم كانوا ثمانية (5)؛ وعند البخاري أيضا في المحاربين أنّهم كانوا في الصفَّة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل ... الخ (6) ... «، راجع "المواهب" في سرية كرز بن جابر الفهري (7).
__________
(1) - البخاري: كتاب الطب، رقم: 5286؛ وما بين المعقوفتين زيادة من الحجرية.
(2) - أخرج ذلك أحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 12354.
(3) - أخرجه مسلم: كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، رقم: 3163؛ وبنحوه البخاري: كتاب الحدود، رقم: 6304، 6306.
(4) - في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، رقم: 3164؛ وكذا الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 68؛ والنسائي: كتاب تحريم الدم، رقم: 3975.
(5) - أخرجها مسلم: كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، رقم: 3163.
(6) - البخاري: كتاب الحدود، رقم: 6306.
(7) - أحمد بن محمّد القسطلاني، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، 1/ 485، 486. (2/33)
صفحة 470
فأمرهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوا إلى إبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها، ولقوله - عليه السلام -:
» إذا حضرتك الصلاة وأنت في مرابض الغنم فصلّ، وإذا حضرتك في معاطن الإبل فلا تصلِّ «(1)، وقياسا على اللبن والعرق وسائر الفضلات؛ وقال آخرون: الأبوال تابعة للحوم، والمحرّم أكله نجسٌ بوله، والمحلّل على عكسه، وقال أكثر أصحابنا: إنّ الأبوال كلّها نجسة سواء كانت من بني آدم أو من البهائم، ...
--------------------
قوله» مرابض الغنم «: في "الصحاح" في باب الضاد في فصل الراء:» وربَضُ الغنم أيضا: مأواها ... الخ «(2).
قوله» في معاطن الإبل «:في "الصحاح"» والعَطَنُ والمَعِْطَنُ: واحد الأعطانِ والمعاطِنِ، وهي مبارِك الإبل عند الماء لتشرب عَللا بعد نَهَل، فإذا استوفت رُدّت إلى المراعي ... الخ «(3).
قوله وقياسا: علّة أيضا لقوله طاهر، فهو معطوف من جهة المعنى على قوله لحديث ... الخ.
قوله وقال آخرون: الأبوال ... الخ: هذا بعينه هو القول المتقدِّم، ثمّ قوله: والمحرّم أكله ... الخ تطويل بلا حشو، لأنّ هذا معلوم من قوله الأبوال تابعة للحوم، فليحرّر والله أعلم؛ اللهمّ إلاّ أن يقال: مراده التفاوت في علّة التحليل عند القائل به هل هو القياس أو التبعيّة للحم، والله أعلم.
قوله وقال أكثر أصحابنا: ظاهر كلامه -رحمه الله- أنّ غير الأكثر لا يقولون بنجاسة الأبوال كلّها، وظاهر كلام الشيخ عامر -رحمه الله- أنّ أصحابنا كلّهم اتّفقوا على نجاسة الأبوال كلّها، قياسا على بول ابن آدم، لاتّفاقهم في الشراب الذي يكون بولا [وهو الماء] (4)، وأجاب عن الحديث المتقدِّم بأنّ أهل الضرر تحلّ لهم أشياء لا تحلّ
__________
(1) - أخرجه أحمد: مسند البصريين، رقم: 19634، 19647؛ والدارمي: كتاب الصلاة، رقم: 1355.
(2) - الجوهري: باب الضاد، فصل الراء: ربض.
(3) - الجوهري: باب النون، فصل العين: عطن.
(4) - زيادة من أ. (2/34)
صفحة 471
لانّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - سمّى البول خبثا، وقال:» لايصلّ أحدكم وهو يدافع الأخبثين «(1)، وقال الله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ} [الأعراف:157]، فكلّ بول خبيث وكلّ خبيث حرام، فبول ما يؤكل لحمه كبول مالا يؤكل لحمه، كما أنّ دمهما متّفق على نجاسته وتحريمه،
والله أعلم.
ولم يقطع أصحابنا عذر من شرب أبوال المأكولات، واتّفق الجميع على أنّ أبوال المكروهات والمحرّمات حرام نجس، والله أعلم.
وأمّا الفرث والأرواث: فقد اختلف فيها أيضا، لكن أصحابنا وجمهور الأمة أجمعوا على أنّها طاهرة من جميع ما يؤكل لحمه، ...
--------------------
غيرهم رخصة من الله، والرخصة لايقاس عليها، والله أعلم (2).
قوله فكلّ بول خبيث ... الخ: فيه أنّ الخصم لا يسلّم المقدِّمة الأولى (3).
قوله ولم يقطع أصحابنا عذر من شرب ... الخ: إنّما لم يقطعوا عذره لأنّها مسألة اجتهادية، ومسائل الاجتهاد لا يقطع فيها العذر مالم يقطع المجتهد على معيَّنة.
قوله وجمهور الأمّة: من غير الجمهور الشافعي فإنّه يقول بنجاسة ما خرج من السبيلين مطلقا.
__________
(1) - أخرج الربيع بن حبيب عن ابن عباس أنّه - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يصلّي الرجل وهو يدافع الأخبثين، باب جامع الصلاة، رقم: 298، (1/ 78)؛ وأخرج أحمد عن عائشة أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:» لا يصلّينّ أحدكم بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان «، باقي مسند الأنصار، رقم: 23310؛ وبنحوه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم: 869؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 82.
(2) - الإيضاح، 1/ 345، 346.
(3) - المقدّمة الأولى هي: كلّ بول خبيث، والمقدّمة الثانية هي: كلّ خبيث حرام، ونتيجة القياس هي: كل بول حرام. (2/35)
صفحة 472
لأمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - النفر الجنّيين بالتزوّد منه لعلف الدوابّ، فقالوا: يارسول الله إنّ بني آدم ينجّسونه علينا، فعند ذلك نهى - عليه السلام - أن يُستنجى بالعظم والروث (1)؛ فلو كانت الأرواث نجسة لم يَنْه - عليه السلام - عن تنجيسها؛ وفي بعض كتب أصحابنا من أهل المشرق: أنّ الفرث نجس إلاّ ما تخلّص من الكِرْشِ إلى الأمعاء فلابأس به (2)؛ وبعض أصحابنا يكرهون روث البقرة الأنثى في زمان (3) الربيع، لأنّه يجري على مجرى النجس (4)؛ ...
--------------------
قوله لأمر النبيء - صلى الله عليه وسلم -: هذا الدليل أعمّ من المُدَّعَى، وهو يشهد لنا على طهارة أرواث الخيل والبغال والحمير.
قوله بالعظم: لأنّه كما تقدّم يصير لهم لحما غريضا، أي طريًّا.
قوله الكرش: في ''الصحاح'':» الكَرِشُ لكلّ مجترٍّ بمنزلة المعدة للإنسان، تؤنّثها العرب، وفيها لغتان: كِرْشٌ وكَرِشٌ ... الخ «(5)، يعني بكسر الكاف وسكون الراء، أو فتح الكاف وكسر الراء.
قوله الأمعاء: هو بالمدّ جمع مِعًى بالقصر، وفي الحديث:» المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر في سبعة أمعاء «، وهو مثَل لأنّ المؤمن لا يأكل إلاّ من الحلال ويتوقَّى الحرام والشبهة، والكافر لا يبالي ما أكل ومن أين أكل وكيف أكل، ''صحاح'' (6).
__________
(1) - تقدّم تخريجه في صَ: 14.
(2) - ابن جعفر الأزكوي، الجامع، 1/ 290.
(3) - في ب والحجرية: زمن.
(4) - أبو يحي توفيق بن يحي الجناوني، شرح في مسائل الطهارات، ص:05، (مخطوط)؛ وفي الحجرية: مجرى البول ... .
(5) - الجوهري: باب الشين، فصل الكاف: كرش.
(6) - الجوهري: باب الياء، فصل الميم: معى؛ والحديث المتقدّم أخرجه باللفظ الوارد به البخاري: كتاب الأطعمة، رقم: 4974؛ ومسلم: كتاب الأشربة، رقم: 3841؛ وابن ماجة: كتاب الأطعمة، رقم: 3247؛ وأحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 4488؛ والدارمي: كتاب الأطعمة، رقم: 1953؛ والربيع بن حبيب بنحوه، باب أدب الطعام والشراب، رقم:369 (1/ 93). (2/36)
صفحة 473
وكره بعضهم روث البغال والخيل إذا كان رقيقا، وكانت تعلف الشعير (1).
وأمّا ذو ناب من السباع: فاختلف فيه أيضا، فقال قوم: محرّم (2) اللحم وجميع أجزائه و الفضلات الخارجة منه من الروث واللبن والعَرق والبلل بجميعه، ...
--------------------
قوله وأمّا ذو ناب من السباع ... الخ: اختُلف في جنس السباع المحرّمة، قال: بعضهم ما أكل اللحم فهو سبع، وقال آخرون: السبع المحرّم هو الذي يعدو ويساوِر، فليراجع ''الإيضاح'' (3).
قوله فقال قوم: محرّم اللحم ... الخ: لم يذكر له -رحمه الله- مقابلا، وقد ذكر له الشيخ عامر -رحمه الله- مقابلين وهما: الكراهة والإباحة؛ وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الكتاب وهو قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الآية [الأنعام: 145]، والسنّةِ وهوقوله - صلى الله عليه وسلم -:» أكل كلّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام «(4)، فمن ذهب إلى ظاهر الآية قال بالإباحة، ومن ذهب الى ظاهر الحديث قال بالتحريم، ومن حاول الجمع بين الآية والحديث قال بالكراهة وحمل النهي الوارد في ذلك على الكراهة لأنّه روي عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنّه نهى عن أكل كلّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير (5)؛ وقصّة أيوب بن العباس
__________
(1) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، وجه الورقة:03، (مخطوط)؛ وفي ج. ود: تعتلف الشعير.
(2) - في أ: هو محرم؛ وفي ب: فقال بعضهم محرّم ... .
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 331.
(4) - أخرجه بهذا اللفظ الربيع بن حبيب: باب أدب الطعام والشراب، رقم: 387 (1/ 97)؛ وفي رواية» أكل كلّ ذي ناب من السباع حرام «، أخرجه ابن ماجة: كتاب الصيد، رقم: 3224؛ ومالك: كتاب الصيد، رقم: 940؛ وفي رواية» حرّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... كلّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير «، أخرجه الترمذي: كتاب الصيد، رقم: 3225؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 13939؛ وبنحوه أبو داود: كتاب الأطعمة، رقم: 3312.
(5) - أخرجه أبوداود: كتاب الأطعمة، رقم: 3309؛ وابن ماجة: كتاب الصيد، رقم: 3225؛ وأحمد: مسند بني هاشم، رقم: 2910؛ والدارمي: كتاب الأضاحي، رقم: 1900، وغيرهم. (2/37)
صفحة 474
واحتجّوا بالنهي الوارد فيه عن النبيء - عليه السلام -، واحتجّوا على نجاسة أسْئاَرِها بقوله - عليه السلام - وقد سئل عن الحياض التي تكون في الفلاة وما يأويها من السباع والدواب فقال:
» إذا زاد الماء على قلّتين لم يحتمل خبثا «(1)، ...
--------------------
–رحمه الله- حين وجد سبعا ولبؤة وأشبالا فقطع أرجلها ثمّ ذبحها فجاء إلى الحيّ فقال لهم: من يبتغي لحم المكروه فعليه بالوادي الفلاني، يدلّ على الكراهة، والله أعلم (2).
قوله واحتجّوا بالنهي الوارد ... الخ: وذلك أنّه روي عن النبيء - عليه السلام - أنّه نهى عن أكل كلّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير، وروي أيضا من طريق أبي هريرة أنّ النبيء - عليه السلام - قال:» أكل كلّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام «.
قوله الحياض: في ''الصحاح'':» الحوض واحد الأحياض ... الخ «(3)، وانظر لِمَ لَمْ يقل واحد الأحواض، فلأيِّ شيء قلبت الواو ياء في الجمع، والله أعلم؛ وفي ''القاموس'': في جمع الحوض» حِياضٌ وأحْواضٌ «(4).
قوله» لم يحتمل خبثا «: يعني مالم يتغيّر أحد أوصافه، لقوله - عليه السلام - حين سئل عن بئر بضاعة وكانت تلقى فيها المحيض والميتة ونحو ذلك من النجاسات فقال:
» خلق الله الماء طهورا لا ينجِّسه إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته «، كذا في
__________
(1) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في أحكام المياه، رقم: 157؛ وأحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 4721، بلفظ:» إذا كان الماء قدر قلّتين لم يحتمل خبثًا «؛ وبنحوه الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 62؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 52؛ وأبو داود، كتاب الطهارة، رقم: 58؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 510؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 725، وغيرهم.
(2) - أيوب بن العبّاس أبو الحسن النفوسي من أعلام الإباضية في زمن الدولة الرستمية، انظر ترجمته في الملحق رقم: 02.
(3) - الجوهري: باب الضاد، فصل الحاء: حوض؛ وفيه:» واحد الحياض «.
(4) - الفيروزابادي: باب الضاد، فصل الحاء: الحوض. (2/38)
صفحة 475
قالوا: فلو لم تكن السباع نجسة لم يكن للتفريق بين مازاد على القلّتين معنى؛ وقال آخرون: إنّ أسْئاَرَها طاهرة، واحتجّوا بقول الرسول - عليه السلام - حين سئل عن المياه التي تأوي إليها [السباع] (1) فقال:» لها ما أخذت بأفواهها ولكم ما غبر «(2)، يعني: مابقي.
--------------------
'السؤالات'' (3)؛ وقوله:» لا ينجِّسه ... الخ «يعني إذا كان زائدا على القلّتين بدليل الآخر.
قوله واحتجوا بقول الرسول - عليه السلام - حين سئل عن المياه: هذا الحديث ليس نصًّا في الدلالة على طهارة الأسئار، لجواز أن يكون إنّما أباح لهم ما بقي لكون الماء زائدا على القلّتين، فيتّحد مع الحديث السابق، فلا تعارض بين الحديثين، والله أعلم.
قوله وتأوي إليها: أي السباع.
__________
(1) - سقط من ب وج ود، وكذا من نسخة المحشّي على ما يبدو.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في أحكام المياه، رقم: 158 (1/ 43)؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 512؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1151 (1/ 258)؛ والدارقطني في السنن، رقم: 12 (1/ 31).
(3) - السوفي، 56؛ والحديث المذكور أخرجه الربيع بن حبيب بلفظ» الماء طهور لا ينجّسه إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته «، باب في أحكام المياه، رقم: 156 (1/ 42)؛ ولم نقف عليه بهذا اللفظ في باقي كتب السنّة، وبذلك صرّح الحافظ ابن حجر، وقد عزاه بهذا اللفظ ابن الرفعة لأبي داود ولم نجده فيه. وجاء الحديث عند ابن ماجة بلفظ: ... » إنّ الماء لا ينجّسه شيء إلاّ ما غلب على ريحه وطعمه ولونه «، كتاب الطهارة وسننها، رقم: 514؛ وعند الطحاوي في شرح معاني الآثار، (1/ 16) بغير توكيد؛ وعند الدارقطني في سننه، رقم:01 (1/ 28) بلفظ:» الماء طهور إلاّ ما غلب على ريحه أو على طعمه «؛ وأخرج البيهقي بنحو منه في الكبرى، رقم: 1159، (1/ 259). وقد صحح الحافظ ابن حجر أن الحديث لم يرد في بئر بضاعة، وأن الوارد فيها صدره دون لفظ: خلق الله، ودون الاستثناء الوارد فيه، وخطّأ كلا من الغزالي وابن الحاجب والرافعيّ في جعلهم الحديث فيها. وللعلماء كلام في سند الحديث حتى قال النووي: اتفق المحدثون على تضعيفه، فليراجع ذلك عند: العسقلاني، تلخيص الحبير، 1/ 22؛ الزيلعي،
نصب الراية، 1/ 94. (2/39)
صفحة 476
وهكذا اختلفوا في أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، فكرهها قوم لنهي الرسول - عليه السلام - عن أكل لحوم الحُمر الإنسية (1)، ...
--------------------
قوله وهكذا اختلفوا في أكل لحوم ... الحمير ... الخ: لم يذكر -رحمه الله- إلاّ القول بالكراهة فقط، مع أنّ فيها ثلاثة أقوال: التحريم والكراهة والإباحة؛ وسبب الخلاف معارضة الكتاب والسنة، أعني قوله تعالى: {قُلْ لاَّ أَجِدُ فِيمَآ أُوحِيَ إِلَيَّ} الآية [الأنعام: 145]، ونهيه - صلى الله عليه وسلم - في غزوة خيبر عن أكل لحوم الحُمر الإنسية، ومهر البغِيِّ وحلوان الكاهن (2)، فمن أخذ بظاهر الآية قال بالإباحة، ومن أخذ بظاهر الحديث قال بالتحريم، ومن جمع بين الآية والحديث قال بالكراهة؛ ثمّ الظاهر في الأدلّة التي ساقها المصنّف -رحمه الله- أن تكون دالّة على التحريم، واستدلّ على التحريم أيضا بقوله تعالى: {وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: 08]، حيث ذكر العلّة التي لأجلها خُلقت وهي الركوب، فلو كانت مباحة الأكل لبيّنه الله كما بيّن ذلك في الأنعام حيث قال: {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَاكُلُونَ} [يس: 72]، وقال أيضا: {وَإنَّ لَكُمْ فِي الاَنْعَامِ لَعِبْرَةً نَسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها} الآية [النحل: 66]، فذكر ما خُلقت لأجله الأنعام.
__________
(1) - نهى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك يوم خيبر، والحديث أخرجه الربيع بن حبيب: باب أدب الطعام والشراب، رقم: 388 (1/ 98)؛ والبخاري: كتاب المغازي، رقم: 3894؛ ومسلم: كتاب النكاح، رقم: 2510؛ والنسائي: كتاب النكاح، رقم: 3313؛ وابن ماجة: كتاب النكاح،=
(2) - حديث النهي عن لحوم الحمر الإنسية تقدّم، أمّا حديث النهي عن مهر البغيّ وحلوان الكاهن فأخرجه الربيع بن حبيب: باب في المحرّمات، رقم: 633 (3/ 167)؛ والبخاري: كتاب البيوع، رقم: 2083؛ ومسلم: كتاب المساقاة، رقم: 2930؛ والترمذي: كتاب النكاح، رقم: 1052؛ والنسائي: كتاب الصيد والذبائح، رقم: 4218؛ وأبو داود: كتاب البيوع، رقم: 2974؛ وابن ماجة: كتاب التجارات، رقم: 2150؛ وأحمد: مسند الشاميين، رقم: 16453؛ ومالك: كتاب البيوع، رقم: 1173؛ والدارمي: كتاب البيوع، رقم: 2455، بدون ذِكر أنّ ذلك كان في غزوة خيبر. (2/40)
صفحة 477
فكانت الخيل والبغال في معناها قياسا، لأنّها مركوبة غير مأخوذة منها الزكاة، وليست من الأنعام.
وذو مخلب من الطير: اختلف (1) فيها أيضا، فحرّمها قوم بالكلّية لورود النهي عن أكل لحومها، فكان الروث والبلل وسائر الفضلات تابعة للحوم (2)؛ وكرَّهها آخرون، والله أعلم.
وأما سائر الطيور (3) من العصافير والحمام وغيرها فلا بأس بأكل لحمها وسؤرها، إلاّ ما كره أصحابنا من قتل ستّة أجناس منها لورود النهي عن قتلها، ...
--------------------
قوله فيها أيضا ... الخ: الظاهر تذكير الضمائر في الجميع لأنّه عائد إلى ذي مخلب [من الطير] (4).
قوله وكرَّهها آخرون: وكذلك أباحها أيضا آخرون، [واستدلّوا بظاهر الآية] (5).
قوله فلابأس بأكل لحمها: أي مالم يكن مُحرِماً أو في الحرَم.
قوله من قتل ستة أجناس منها: فيه نظر، لأنّ الأجناس الستة ليست كلّها من الطير، ثمّ إنّه بقي النظر فيما كره أصحابنا قتله من الطير إذا ذبح هل يؤكل أو لا؟ وظاهر صنيع المصنف –رحمه الله- يدلّ على أنّ في أكل لحمها وسؤرها بأسا، بدليل الاستثناء، اللّهم إلاّ أن يقال: الاستثناء من شيء مقدَّر وهو القتل، فكأنّه قال: فلا بأس بأكل لحمها وسؤرها وقتلها إلاّ ماكره أصحابنا، فيكون البأس راجعا للقتل فقط، والله أعلم، فليحرّر.
__________
(1) =رقم: 1951؛ وأحمد: مسند الكوفيين، رقم: 17888؛ ومالك: كتاب النكاح، رقم: 994؛ والدارمي: كتاب الأضاحي، رقم: 1906؛ وورد نهيه - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث من غير ما ورد عنه في يوم خيبر، منها ما رواه أحمد: نهى رسول الله ... - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الإنسية وعن كلّ ذي ناب من السباع، مسند الشاميين، رقم: 16563؛
وجاء بلفظ:» الحمر الأهلية «في روايات كثيرة.
- في ب: اختلفوا، وفي الحجرية: مختلف.
(2) - في ب والحجرية: للحومها، وفي د: للحمها.
(3) - في ج. والحجرية: الطير.
(4) - زيادة من أ والحجرية.
(5) - زيادة من أ. والآية هي قوله تعالى: {قُلْ لاَّ أَجِدُ فِيمَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} [الأنعام: 145]. (2/41)
صفحة 478
وقد وجدت في ذلك حديثا عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - (1) أنّه قال:» لا تقتلوا ستا: الضفادع، فإنّ الذي تسمعون منها تسبيح وتقديس، وإنّ ابراهيم - عليه السلام - لما ألقي في النار استأذنت دواب البرّ والطير (2) أن تطفئ عن إبراهيم النار فأذن الله للضفادع فأزكت عليها فذهب ثلثاها وبقي الثلث فأبدل الله لها بحرارة النار برد الماء؛ ولا تقتلوا النمل فإنّ سليمان - عليه السلام - خرج يستسقي [فـ]ـإذا (3) بنملة رافعة يديها تقول: '' اللهم إنّا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن فضلك فاسقنا مطرا تنبت لنا به ثمرا''، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم؛ ...
--------------------
قوله استأذنت: أي طلبت من الله الإذن.
قوله فأزكت: هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولعلّه: فزكأت، فيكون مأخوذا من قولهم: زكأت الناقة بولدها تزكأ زكئا: إذا رمت به عند رجليها، فيكون معنى زكأت عليها: رمت بنفسها عليها أي على النار، والله أعلم.
قوله فذهب ثلثاها: يُنظر هل المراد ثلثا أفرادها وبقي الثلث، أو المراد ثلثا بدن كلّ واحدة وبقي ثلث بدنها، وردّه الله بعد ذلك لِما كان عليه وأبدلها بحرارة النار برد الماء، وهو الظاهر، والله أعلم، فليحرّر.
قوله ولا غنى ... الخ: في ''القاموس'':» الغنى كَإِلَى: التزويج، وضدّ الفقر، وإذا فُتِح مُدَّ «(4)، وفي ''الصحاح'':» والغَنَاءُ بالفتح: النفع، والغِناء بالكسر: من السماع، والغِنى مقصور: اليسار، تقول منه غَنِيَ ... الخ «(5).
__________
(1) - في ج. والحجرية: - عليه السلام -.
(2) - في أ والحجرية: الطيور.
(3) - ما بين المعقوفتين زيادة من ب والحجرية.
(4) - الفيروزابادي.: باب الياء، فصل الغين: الغنى.
(5) - الجوهري: باب الياء، فصل الغين: غنى. (2/42)
صفحة 479
ولا تقتلوا النحل فإنّها تضع لكم طيِّبا وتطعمكم طيِّبا؛ ولا تقتلوا الهدهد فإنّه أحبّ أن يعبد الله حيث لم يكن عُبد؛ ولا تقتلوا الصُرَدَ فإنّه كان دليل آدم من الجنة إلى الأرض أربعين سنة؛ ولا تقتلوا الخطّاف فإنّ دورانه الذي ترون جزع على بيت المقدس حين أحرق «(1)، ...
--------------------
قوله الصُرَد: في ''الصحاح'':» والصُرَد: طائر، والجمع الصِرْدَانُ «(2).
قوله حين أُحرِق: أحرقه بُخْتُ نَصَّرَ، وقتل رجال اليهود ولم يبق إلاّ النساء والصبيان (3).
__________
(1) - لم نقف على هذا الحديث بلفظ المؤلّف، إلاّ أنّ النهي عن قتل الأصناف المذكورة ورد في أحاديث متفرّقة؛ فعنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:» لا تقتلوا الضفادع فإنّ نقيقها تسبيح «رواه ابن عدي في الكامل، رقم: 1874 (6/ 387)؛ وابن حجر في "لسان الميزان"، رقم: 157 (6/ 40)، وكلاهما في ترجمة المسيب بن واضح السلمي، وقد عزاه العجلوني في "كشف الخفاء" (2/ 496) للنسائي عن ابن عمرو، قال الذهبي:
» صوابه موقوف «(سير أعلام النبلاء، 11/ 404). وأخرج ابن المنذر عن أنس أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال:» لا تسبّوا الضفدع فإنّ صوته تسبيح وتقديس وتكبير، إنّ البهائم استأذنت ربّها في أن تطفئ النار عن إبراهيم فأذن للضفادع، فتراكبت عليه فأبدلها الله بحرّ النار برد الماء ... «، (السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، تفسير الآية 71 من سورة الأنبياء). وعن عبد الله بن عمرو:» لا تقتلوا الضفادع فإنّ نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخفّاش فإنّه لمّا خرِب بيت المقدس قال: يا ربّ سلّطني على البحر حتّى أغرقهم «، رواه البيهقي في الكبرى موقوفا، رقم: 19166 (9/ 318)، وصحّح إسناده. وعن عائشة قالت:» كانت الأوزاغ يوم أُحرِقت بيت المقدس جعلت تنفخ النار بأفواهها، والوطواط تطفئها بأجنحتها «، رواه البيهقي في الكبرى موقوفا، رقم: 19165 (9/ 318). وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه نهى عن قتل الخطاطيف، رواه البيهقي في الكبرى معضلا، رقم: 19164 (9/ 318)؛ وعزاه ابن حجر العسقلاني لأبي داود في المراسيل ولابن حبّان في الضعفاء بزيادة (تلخيص الحبير، 2/ 275). وروي أنّه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرَد، أخرجه أبو داود: كتاب الأدب، رقم: 4583؛ وابن ماجة: كتاب الصيد، رقم: 3215؛ وأحمد: مسند بني هاشم، رقم: 2907؛ والدارمي: كتاب الأضاحي، رقم: 1915؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 19157 (9/ 318).
(2) - الجوهري: باب الدال، فصل الصاد: صرد، وعبارته: وجمعه: صردان.
(3) - بُخْتُ نَصَّر ملك من ملوك بني إسرائيل، ولي الملك في حوالي ق 06 قبل ميلاد المسيح؛ راجع أخباره عند: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 1/ 147 - 150. (2/43)
صفحة 480
فشدّد أصحابنا في قتل هذه الأجناس حتىّ جعلوا الدية على قاتلها درهمين لكلّ واحد منها، وجعلوا في الضفدع نعجة بجِزّتها (1)، والله أعلم بهذا إن كان عن أثر أثروه أو عن نظر منهم روأه (2).
وأمّا الدجاج وما كان في معناه ممّا لا يمتنع عن أكل القذر: فإنّهم شدّدوا في روثه أنّه نجس؛ ورخصوا في سؤره مالم يُعايَن النجس على منقاره في حين وقوعه في الماء؛ ونجَّسوا بيضه أيضا حتىَّ يُغسل (3).
وأمّا سائر الصيد من جميع ما أحلّ الله أكله من الظباء ...
--------------------
قوله الدجاج: هو بتثليث الدال.
قوله ممّا كان لا يمتنع عن أكل القذر: إنّمالم يحكُموا عليه بالتحريم مع أكله القذر لأنّ الأغلب عليه لقط الحبِّ، والحكم منوط بأغلب الأمور، ألا ترى أنّا نسمّي الرجل أمِّيًا وإن كان يكتب الحرف والحرفين والحروف كما قال الشيخ عامر -رحمه الله- (4).
قوله الظباء: هو بالمدّ جمع ظبي، وهو الغزال، تطرفت الياء إثر ألف زائدة فقلبت همزة.
__________
(1) - أبو يحي توفيق الجناوني، شرح في مسائل الطهارات، 07 (مخطوط). وجِزَّةُ النعجة: صوفها المجزوز عنها في سنة.
(2) - قال الشيخ السالمي –رحمه الله-:» الظاهر أنّه نظر منهم وسياسة، فإنّ في دفع ذلك إلى الفقراءكفارة لارتكاب النهي وردعا عن التجاسر عليه والاسترسال فيه، ... وهذا التشديد من أصحابنا –رحمهم الله تعالى- يدلّ على أنّ النهي محمول عندهم على التحريم،
والله أعلم «، (شرح الجامع الصحيح، 2/ 43، 44).
(3) - الأزكوي، الجامع، 1/ 291؛ العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، ظهر الورقة: 04 (مخطوط)؛ ابن وصاف، شرح الدعائم، 1/ 173، 174.
(4) - الإيضاح، 1/ 347. (2/44)
صفحة 481
والأرانب واليرابيع والثعالب والسلاحف وغيرها فمتّفق على تحليله وطهارته،
وكذلك الضِباب أيضا؛ وأمّا الحيّات والأماحي وما شاكلها من الأفاعي واللغا ...
--------------------
قوله السلاحف: جمع سلَحفاة بفتح اللام.
قوله فمتّفق على تحليله ... الخ: في حكاية الاتّفاق على تحليل ما ذُكر نظرٌ، فإنّ الثعلب مختلف فيه، قال الشيخ عامر -رحمه الله- في أنواع الحيوان المختلف في تحريمها:» وكذلك الثعلب عند بعضهم حلال، لِما روي أن بشيرا سأله سائل فقال: اصطد وأطعمني، ولا أدري لِم ذلك، فإن كان قد يأكل الثمار والأعناب ولا يساور لصغر جثته وضعفه فالأغلب عليه أكل اللحم، وهو يصيد كما تصيد السباع، وإذا قوي على الأرنب فرسها، وعلى صغار الغنم أكلها، والعرب تجعله سبُعا، قال الشاعر:
إذانَسَبُوا لم يعرفوا غَيْر ثَعْلَبٍ ... إليهم، ومِن شَرِّ السباعِ الثَّعالِبُ «(1)
و كذلك السلاحف، قال الشيخ عامر -رحمه الله- أيضا فيما [رأيناه] (2) اختلف في تحريمه من الهوام:» وقيل ما كانت العرب في الجاهلية تستقذره من الهوام وتعدّه من الخبائث فهو حرام، وهو الذي تستخبثه النفوس، كالحشرات والضفادع والسرطانات والسلحفاة والحرباء والوزغ وما أشبه ذلك، والله أعلم. الدليل على هذا القول قوله تعالى: {وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157] ... الخ «(3)، فظاهر هذا القول يدلّ على تحريم السلاحف، والله أعلم.
قوله واللغا: لم نطَّلع لهذا اللفظ على معنى في "الصحاح" ولا في "القاموس" فلينظر، ثم رأيت بهامش أنّه الوزغ، وفيه نظر فإنّ الوزغ أبْين منه (4).
__________
(1) - الإيضاح، 1/ 333، والبيت لدريد بن الصِمَّة (الجاحظ، كتاب الحيوان، 6/ 304).
(2) - زيادة من الحجرية.
(3) - الإيضاح، 1/ 339.
(4) - قال الشيخ ابن وصاف في شرح الدعائم:» والوزغ بلغة أهل عمان: اللُّغ، وهو دويبة تمشي على أربع، وفي ظهرها خطوط، وظهرها أغبر، ... «، (1/ 178). وفي هامش النسخة د من الحاشية= =حكاية البرادي لقول ابن وصاف المذكور وكلّ واحد منهما في شرحه على الدعائم،
(راجع: شرح البرادي على الدعائم والمسمّى: شفاء الحائم على بعض الدعائم، ظهر الورقة: 164، مخطوط). (2/45)
صفحة 482
فقد ذُكر أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - حرّم ما كانت العرب في الجاهلية تستقذره (1)، فما أشبه من هذه الأجناس الحلال فهو حلال، وما أشبه الحرام فهو حرام، ...
--------------------
قوله فما أشبه من هذه الأجناس ... الخ: الظاهر أنّ المراد بالأجناس ما ذكر أنّه متّفق على تحليله وما ذكره من الحيّات والأماحي وما شاكلها ممّا هو حرام؛ والحاصل أنّ ما لم يرِد فيه نصّ من الشارع ممّا ذكر من الهوام في طريق تحليله وتحريمه ثلاثة أقوال: منهم مَن يقول السبب في ذلك المشابهة كما قال المصنف –رحمه الله-، ووجه الشبَه في الحلال أنّ اليربوع مثلا دويبة ذات أربع قوائم، تجترّ كالأنعام، وهي من ذوات الكروش، وكذلك القنفذ؛ ووجه الشبَه في الحرام أنّ الحيّات والأماحي وما شاكلها تأكل اللحم وتعدوا كالسباع. ومنهم مَن يقول السبب في ذلك الاستقذار وعدمه، أعني: استقذار العرب في الجاهلية، وقد جمع المصنّف –رحمه الله- بين هذين القولين. ومنهم من يقول: الحرام ما حرَّمه الشرع، ولا عبرة باستقذار النفوس، يؤخذ هذا كلّه من كلام الشيخ عامر– رحمه الله -، والله أعلم (2).
__________
(1) - لم نقف على هذا الحديث؛ ولا اعتبار لاستقذار النفوس واستطابتها لشيء في تحريمه أو تحليله، بل المعتبر هو الشرع، وفي حديث خالد بن الوليد المخزومي ما يدلّ على ذلك، إذ كان خالد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة فأُتي بضبّ محنوذ، وبعد أن أهوى الرسول بيده إليه أُخبر بأنّه ضبّ، فرفع يده، فسأله خالد أحرام هو؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، فاجترره خالد فأكله والرسول ينظر إليه، (رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد ومالك وغيرهم)؛ فلو كان ما تستقذره النفوس حراما لحرّمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رغم أنّ الرسول لم يستقذره لوحده بل روي أنّ بعض العرب تعافه وتستقذره كذلك، ومع هذا لم يكن ذلك مستندا لتحريمه. (راجع: عامر الشماخي، الإيضاح، 1/ 340).
(2) - الإيضاح، 1/ 332 - 340، والقول بذلك هو الرأي الذي رجّحه الشيخ عامر – رحمه الله- في الإيضاح (1/ 341)، وهو قول الإباضية قاطبة؛ قال الشيخ البرادي:» حقيقة الحسن =على أصولنا: ما حسّنه الشرع، وحقيقة القبيح: ما قبّحه الشرع، ولا التفات إلى العقل =في شيء من ذلك «(الحقائق، 37)، وبذلك صرّح البدر الشمّاخي في "شرح مختصر العدل" (ص:283)، والإمام السالمي في "معارج الآمال" (1/ 164). وإنّما يعتدّ الإباضية بتحكيم العقل تحسينا أو تقبيحا عند عدم الشرع، كما هو مصرَّح به في "شرح مختصر العدل" المذكور، وللشيخ السالمي في "المعارج" (1/ 175) توجيه وتعليل لهذا الاستثناء، وتفريق بينه وبين ما يراه المعتزلة من مطلق التحسين والتقبيح العقليين، فليراجع. (2/46)
صفحة 483
وقد شدّدوا في سؤر الأماحي والأفاعي والحيّات، والله أعلم (1).
وأمّا الهرّ: ففيه خلاف، والأصحّ أنّه طاهر لأنه من الطوافين والطوافات على الناس، ولحديث أبي قتادة أنّه أصغى إليه الإناء فشرب منه (2)؛ ...
--------------------
قوله سؤر الأماحي: أي بقيّته.
قوله والأصحّ أنّه طاهر: ظاهر كلامه -رحمه الله- يدلّ على أنّ مخطمه طاهر أيضا، خلافا لِما يُفهم من ظاهر كلام صاحب "الدعائم"، فإنّه يدلّ على أنّ الخلاف وقع (3) في سؤره دون مَخطمه، والله أعلم، فليحرّر (4).
__________
(1) - الأزكوي، الجامع، 1/ 293؛ العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، ظهر الورقة: 04 (مخطوط)؛ ابن وصاف، شرح الدعائم، 1/ 178.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في أحكام المياه، رقم: 159 (1/ 43)؛ والترمذي، كتاب الطهارة، رقم: 85؛ وأبو داود، كتاب الطهارة، رقم: 68؛ والنسائي، كتاب الطهارة، رقم: 67؛ وابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، رقم: 361؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 21535؛ ومالك، كتاب الطهارة، رقم: 38؛ والدارمي، كتاب الطهارة، رقم: 729؛ وفي رواية الترمذي قال أبو قتادة: إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» إنّها ليست بنجس، إنّما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات «، وقال الترمذي:» هذا حديث حسن صحيح، ... وهذا أحسن شيء روي في هذا الباب، ... ولم يأت به أحد أتمّ من مالك «.
(3) - في الحجرية: واقع.
(4) - ابن النظر العماني، الأبيات: 54، 55، 56 من القصيدة، 04؛ والمَخْطِمُ: الأنف (الجوهري:
باب الميم، فصل الخاء: خطم). (2/47)
صفحة 484
ومن ذهب إلى نجاسته راعى أنّ الأصل فيه سبع؛ والفأر كذلك، فلعمري إنّهما لكما زعم، لكنّ الرخصة وردت في الهرّ للحاجة إليه ولتعذّر الاحتراز منه في البيوت، وتلحق به الفأرة في تعذّر الاحتراز منها.
وأمّا الكلب المعلَّم: ففيه اختلاف بين أصحابنا، قال بعضهم بطهارته لعلّة صيانته عن أكل الخبائث؛ وقال آخرون: بل هو لاحق بالحكم الأصلي في الكلاب من النجاسة؛ ولم تتّفق الأمّة على نجاسة الكلاب أيضا، فمن ذهب إلى نجاستها احتجّ بأمر النبيء - عليه السلام - بغسل الإناء من ولوغها فيه سبعا، أولاهنّ وأخراهنّ بالتراب (1)؛ ومن ذهب إلى طهارتها احتجّ بقول الله سبحانه: {فَكلُوا مِمَّآ أَمْسَكنَ عَلَيْكم} [المائدة: 04]، ولم يأمر بغسل الموضع الذى أمسك منه الكلب، ولأنّه من الطوافين والطوافات قياسا على الهرّ، ...
--------------------
قوله والفأر كذلك ... الخ: الظاهر أنّ الفأر ليس بسبع، وإنّما هو ملحق به لمشابهته إيّاه في أكل اللحم.
قوله فمن ذهب إلى نجاستها إلى قوله ومن ذهب إلى طهارتها: الظاهر أنّ الضمير فيهما راجع إلى الكلاب مطلقا، وفي استدلال من استدلّ على طهارتها بالآية نظر، لأنّ الدليل أخصّ من المُدّعى لأنّ الآية إنّما وردت في الكلب المكلَّب (2)، ولايلزم من طهارته طهارة باقي الكلاب، والله أعلم.
__________
(1) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب جامع النجاسات، رقم: 153 (1/ 42)؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 84؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1105 (1/ 248)؛ والشافعي في مسنده، رقم: 07؛ بلفظ:» أولاهنّ وأخراهنّ بالتراب «، وقد جاء بألفاظ عديدة أخرى. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث صحيح.
(2) - في هـ: المعلَّم. وهو بمعنىً، أي: المؤدب المُتخذ للصيد والمُدرّب عليه. (2/48)
صفحة 485
وحَمَلَ الأمرَ بغسل الإناء من ولوغه على جهة التعبّد، والله أعلم، وهو مذهب مالك بن أنس المدني ومن قال بقوله، والله أعلم (1).
وأمّا المشرك: فمجمع أيضاعلى نجاسته، لقول الله تعالى: {إِنَّمَا المُشْرِكونَ نجَسٌ} [التوبة: 28]، ومن العلماء من حمل لفظ النجس الوارد فيه على جهة الذم لا أنّ عينه نجسة، والله أعلم، وجمهور العلماء على نجاسته.
--------------------
قوله على جهة التعبّد: يعني فيكون غير معقول المعنى، وفيه أنّ الظاهر من كلامهم أنّه معقول المعنى لأنّهم قالوا: إنّما أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا مخافة أن يكون الكلب كلِبًا فيحصل للإنسان منه الضرر، قالوا: فلذلك كان لا بدّ من السبْع، وكان خارجا عن أصل غسل النجاسات، والله أعلم.
قوله فمجمع ... على نجاسته ... الخ: فمن أنكر نجاسة المشرك فهو مشرك لأنّه ردّ النصّ،
لكن اختلفوا ما المراد بالنجاسة في حقّ المشرك؟ فالأولى أن يقول: لكن من العلماء من حمل ... الخ، لأنّ المتبادر من النجاسة نجاسة العين، وحاصل ما ذكروه في هذه الآية أنّه سمّاهم نجسا إمّا لخبث باطنهم، أو لأنّه يجبّ أن يجتنب عنهم كمايجتنب عن الأنجاس، أو لأنّهم لايتطهّرون ولايجتنبون عن النجاسات فهم ملابسون لها غالبا، وعن ابن عباس –رضى الله عنهما- أنّ أعيانهم نجسة كالكلاب، وعند مالك كلّ حيّ طاهر حتّى الكلب والخنزير.
قوله وجمهور العلماء على نجاسته: أي على نجاسة عينه، فلا ينافي ما تقدّم من أنّه متّفق على نجاسته، لأنّ ذلك شامل لنجاسة الاِعتقاد أيضا ونحو ذلك ممّا ذُكر بالهامش، والله أعلم.
__________
(1) - مالك بن أنس الأصبحي، المدوّنة الكبرى، 1/ 122، 123. (2/49)
صفحة 486
والمشرك عند أصحابنا نوعان: كتابيٌّ، ومَن سواه من مجوسي أو وثني؛ فالكتابي: فيه اختلاف بين أصحابنا، فمن ذهب إلى طهارة بللَهِ احتجّ بقول الله تعالى: {وَطَعَامُ الذِينَ أُوتُواْ الكِتابَ حِلٌّ لَّكُم} [المائدة: 05]، لأنّ الطعام وإن كان المراد به هاهنا الذبائح فلفظه عامّ، واحتجّ أيضا بأكل النبيء - عليه السلام - العظْم المسموم الذي أهدته له اليهودية (1)، وأحسب أنّي وجدت في بعض الآثار أنّها قصعة [من] (2) ثريد مع لحم، والله أعلم؛ وأجاز بعضهم الغسَّال من أهل الكتاب، وبعض كرِهه، ...
--------------------
قوله والمشرك عند أصحابنا نوعان: يعني في الخارج، وأمّا الآية فالمراد بالمشركين فيها هم عبدة الأوثان فقط، لا ما يشمل أهل الكتاب أيضا، وإلاّ لم يصحّ لهم الاِختلاف فيهم، وغالب آيات القرآن يكون المشرك فيها غير أهل الكتاب، كقوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ} الآية [البقرة: 221]، وقوله في المِلَل:
{وَ الذِينَ أَشْرَكُواْ} [الحج: 17].
قوله فلفظه عامّ: أي فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قوله وبعض كرِهه: فيه أنّ الكراهة لا تنافي الجواز، فلا تحسن المقابلة؛ اللّهمّ إلاّ أن يقال: أراد أوّلا الجواز من غير كراهة، وثانيا الجواز مع الكراهة، أو يقال: أراد بالكراهة الكراهة الشديدة الملحقة بالحرام، وهذا هو المناسب لاختلاف أصحابنا في بلل أهل الكتاب، وقد تقدّم له –رحمه الله- أنّه قال: والأحوط نجاستهم (3)، وفيه
__________
(1) - أخرج ذلك البخاري: كتاب الهبة، رقم: 2424؛ ومسلم: كتاب السلام، رقم: 4060؛ وأبو داود: كتاب الديات، رقم: 3909؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 12808 وغيرهم، ولفظ البخاري: أنّ يهودية أتت النبيء - صلى الله عليه وسلم - بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها فقيل: ألا نقتلها، قال: لا، قال الراوي: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ... - صلى الله عليه وسلم -.
(2) - زيادة من الحجرية.
(3) - تقدم له ذلك في هذا الكتاب: 1/ 285. (2/50)
صفحة 487
وروي أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - أمر أن تُغسل آنية أهل الكتاب إذا احتيج إليها (1)، فدلّ [هذا] (2) على نجاستهم، و الله أعلم.
وأمّا عرق السكران: ومن كان في معناه من جميع من يشرب الخمر، ...
--------------------
تأمّل لأنّ دليل الطهارة قويّ جدًّا لا يحتمل التأويل، فكيف يُعدل عنه لأنّه لا حظّ للنظر مع وجود الأثر، كما روي عن عليّ بن أبي طالب وابن عباس أنّه قيل لهما: إن أهل الكتاب يذكرون على ذبائحهم غير اسم الله، فقال عليّ وابن عباس: إنّ الله حين أحلّ لنا ذبائحهم قد علم ما يقولون على ذبائحهم (3)؛ وكذلك يقال في الطعام هنا حيث أخبر الله بكونه حلالا، وأكل منه النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقد علم كيف يصنعونه؛ وأمّا دليل النجاسة فهو قابل للتأويل جدًّا، وأنّ المراد تُغسل إذا كانت نجسة مثلا، فلا ينافي الآية والحديث المتقدِّم، والله أعلم، [فليحرّر] (4).
قوله من جميع من يشرب الخمر: أي ولو [كان] (5) من غير سكر، ثمّ الظاهر أنّه يكفي في شرب الخمر مرة واحدة، وأمّا في شرب النجاسة أو أكلها فالظاهر أنّه لا تكفي مرّة واحدة، بل المناسب لما بعده ولِما تقدّم في الدجاج -حيث جعله لا يمتنع عن أكل
__________
(1) - ذلك في حديث أبي ثعلبة الخشني حين سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الأكل في آنية أهل الكتاب، فقال - صلى الله عليه وسلم -:» ... فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثمّ كلوا فيها ... «، أخرجه البخاري: كتاب الذبائح والصيد، رقم: 5056 واللفظ له؛ ومسلم: كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، رقم: 3567؛ وأبو داود: كتاب الأطعمة، رقم: 3346؛ والترمذي: كتاب السير، رقم: 1483 وصحّحه؛ وابن ماجة: كتاب الصيد، رقم: 3198؛ وأحمد: مسند الشاميين، رقم: 17065؛ والدارمي: كتاب السير، رقم: 2387.
(2) - زيادة من ب وج.
(3) - أورد هذا الأثر الشيخ عامر الشماخي في الإيضاح، 2/ 456، 457؛ وقد رواه عبد الرزاق بسنده في مصنّفه، رقم: 10177 (6/ 118).
(4) - زيادة من ب.
(5) - زيادة من د وهـ. (2/51)
صفحة 488
وكذلك لبن المرأة الشاربة للخمر، وبيض ما يشرب النجاسة أو يأكلها، ففي الكلّ خلاف، وعند مشايخنا [-رحمهم الله-] (1) أنّ الجلاَّل من الناس الذي يشرب الخمر يُتقى البللُ منه يوما وليلة، وهو مقدار ما يبقى الطعام في جوف الإنسان، وقيل فيه غير ذلك (2).
--------------------
القذر مع أنّ بيضه يؤكل إذا غُسل- أنّ المراد به ما يعيش بالنجس فقط، أو أكل الميتة أوالدم أولحم الخنزير عند بعض، فإن قلت لِم تعرَّض للبيض دون اللحم والسؤر؟ قلت: لأنّ السؤر قد تقدّم الكلام عليه واللحم سيأتي حكمه قريبا، والله أعلم (3).
قوله وقيل فيه غيرذلك: لعلّه إشارة إلى ما ذكره الشيخ عامر -رحمه الله- فإنّه قال:» واستعملوا الأربعين يوما في طهارة الجلاَّلة من الإبل وفي طهارة شارب الخمر من بني آدم، قالوا بذلك يتحوّل إلى الطهارة بعد تمام الأربعين، لأنّ النطفة إذا وقعت في الرحم على أربعين ... تتحوّل فتصير علقة ثمّ المضغة كذلك، ولذلك قلنا بالأربعين يوما في بني آدم، وعندي أنّ الإبل مثله «انتهى (4). وقد ذُكر في قصّة يحيى بن زكرياء –صلوات الله على نبيئنا وعليهما- مع إبليس لعنه الله مايدلّ على أنّ شارب الخمر لا يطْهر إلاّ بعد أربعين يوما، حيث قال فيها:» فعندها تجتمع حسناته على أمِّ رأسه فإذا ذهبت سكرته سقطت حسناته عن رأسه فيبقى بلا حسنات، فيرتفع الملك الموكَّل به أربعين يوما لا يعود إليه ولا يرفع الله له عملا، فعند ذلك أظفر منه بما أريد، فانطلق عليه شيطانه الموكَّل به فيصير له قرينا، فإن مات دون أربعين يوما كان مع شيطانه في النار، وإن أخّر الله في أجله وتاب كان ذلك نجاة منّي، وأرجو ألاّ ينجو شارب الخمر منّي ... الخ «(5).
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - أبو يحي توفيق الجناوني، شرح في مسائل الطهارات، 01 (مخطوط).
(3) - تقدّم الكلام عن السؤر في صفحة:38،أما اللحم فسيأتي الكلام عنه في الصفحة الآتية.
(4) - الإيضاح، 1/ 368.
(5) - لم نقف على ذلك في حدود اطِّلاعنا. (2/52)
صفحة 489
وأمّا الجلاَّلة من البهائم: فقدروي فيها أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل لحوم الجلاَّلة وشرب ألبانها (1)، وأن يحجّ عليها (2)؛ وهي عند أصحابنا: التى لا تعلف (3) إلا العذرة ولا تخلط معها شيئا من المرعى (4)؛ وفي أثر مشايخنا [–رحمهم الله-] (5): أنّها لا تكون جلاَّلة إلاّ بأكل الميتتة أو الدم أو لحم الخنزير عند بعضهم، وقيل غير ذلك (6)؛ ...
--------------------
قوله وفي أثر مشايخنا ... الخ: أي رواية عن غيرهم، فلا يكون هذا البعض من أصحابنا، فلا ينافي قوله وهي عند أصحابنا التي لا تعلف ... الخ، ويجوز أن يكون البعض المرويُّ عنه في الأثر من أصحابنا ويكونَ المراد من قوله وهي عند أصحابنا جمهورهم، والله أعلم فليحرّر النقل في ذلك من خارج (7).
__________
(1) - جاء في الحديث: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الجلاّلة وألبانها، أخرجه الترمذي: كتاب الأطعمة، رقم: 1747 وقال: حديث حسن غريب؛ وابن ماجة: كتاب الذبائح، رقم: 3180؛ وأبو داود: كتاب الأطعمة، رقم: 3291.
(2) - أخرج ذلك أبو داود عن ابن عمر قال:» نُهي عن ركوب الجلاّلة «، كتاب الجهاد، رقم: 2194؛ وفي لفظ آخر أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلاّلة عن ركوبها وعن أكل لحمها، أخرجه أبو داود: كتاب الأطعمة، رقم: 3316؛ والنسائي: كتاب الضحايا، رقم: 4371؛ وأحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 6742.
(3) - في أ وج ود: تعتلف.
(4) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، الورقة: 03 (مخطوط).
(5) - زيادة من الحجرية؛ وفي أ وج: في آثار مشايخنا ... .
(6) - أبو يحي توفيق الجناوني، شرح في مسائل الطهارات، 14 (مخطوط).
(7) - ظاهر عبارة أصحاب الديوان –رحمهم الله- في "كتاب الطهارات" (الورقة:03) تفيد أنهم متفقون على أن الذي تكون به البهائم جلالة هو اعتلافها النجس دون أن تخلطه بشيء من المرعى، إلا إن كان النجس ميتة أودما أولحم خنزير فإنه ولو أكلته مرة واحدة أو خلطته بشيء من المرعى فإنها تعتبر جلالة كذلك. أما الشيخ توفيق= =الجناوني فقد روى هذا الاستثناء في "شرح مسائل الطهارات" (ص:14) على أنه قول لبعض المشايخ، وعليه يكون قول جمهور مشايخنا في الاعتبار الذي تكون به البهائم جلالة هو اعتلافها النجس عامة دون استثناء ما لم تخلطه بشيء من المرعى. وبهذا تتضح صحة الاحتمال الثاني الذي وجّه به المحشي كلام الجيطالي، وعدم صحة الأول. (2/53)
صفحة 490
فعرق الجلالَّة وبللها نجس كما قدّمنا وكذلك كلّ ما لا يُصانُ من البهائم عن أكل النجاسات فعرقها وبللها نجس.
وقد جعل أصحابنا لكلّ شيء من ذلك إذا أقلع عن أكل النجَس مدّة ينتهي إليها فيُحكمُ بطهارته، فجعلوا لجلاَّلة الإبل من أربعين [يوما] (1) إلى عشرة أيام، وللبقرة من ثلاثين إلى سبعة، وللشاة من عشرة إلى ثلاثة، وللإوزّة من خمسة إلى ثلاثة إلى يوم، وللدجاجة من ثلاثة إلى يوم، وقيل إنْ ذبُحت ونُزع ذلك منها وغسلت أنّها تؤكل ولو في يومها، ورُخِّص أيضا في لبن الشاة إذا شربت النجس، والله أعلم.
--------------------
قوله كلّ مالا يُصانُ: حتى يصير علفا لها.
قوله من البهائم: كأنّه أراد به سائر الدوابّ، فيكون المراد التعميم.
قوله وللإوزّة: في "الصحاح":» والإوَزَّةُ والإوَزُّ: البطّ، وقد جمعوه بالواو والنون فقالوا: إِوَزُونَ «(2).
قوله وللدجاجة: في "الصحاح":» والدجاج معروف، وفتح الدال فيه أفصح من كسرها، الواحدة دجاجة للذكر والأنثى، لأنّ الهاء إنّما دخلته على أنّه واحدٌ من جنسٍ، مثل حمامة «(3).
__________
(1) - زيادة من أ؛ وفي الحجرية: للجلاّلة من الإبل ... .
(2) - الجوهري: باب الزاي، فصل الألف: أوز.
(3) - الجوهري: باب الجيم، فصل الدال: دجج؛ وقد سقط هذا التعليق من ب وج وهـ. (2/54)
صفحة 491
المقدّمة الثالثة
فيما تُزال عنه هذه النجاسات وبما تزال به من الأشياء والجهات
أمّا الأشياء التي تزال عنها النجاسة: فهي ثلاثة بلا خلاف، أحدها: الثياب لقول الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدّثر: 04]، ولأمر النبيء - عليه السلام - بغسل الثوب من دم الحيض (1)، وغسله من المني أيضا (2)؛ ...
--------------------
قوله والجهات: الظاهر أنّه إنّما زاده لأجل السجع، وإلاّ فلا فائدة لذكره مع الأشياء.
قوله فهي ثلاثة بلا خلاف ... الخ: يُردّ عليه أنّ ما ذكره لا يشمل الثمار والحبوب وسائر المأكولات إذا أريد الانتفاع بها، مع أنّه لابدّ من تطهيرها، فإن قلت: يمكن أن يراد بالبدن مطلق الجسم، وجميع ما ذكر من الأجسام، قلت: لو أراد ذلك لاستغنى بذكر الأبدان عن ذكر الثياب والمساجد ومواضع الصلاة فإنّها كلّها أجسام، والظاهر أنّه أراد بالبدن بدن الإنسان خاصّة كما هو المتبادر، ويكون الحصر في الثلاثة المذكورة إنّما هو بالنظر إلى الصلاة خاصّة، فلا ينافي
__________
(1) - أخرج الأئمّة التسعة أنّ امرأة سألت النبيء - صلى الله عليه وسلم - عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» حتِّيه ثمّ اقرصيه بالماء ثمّ رشّيه وصلّي فيه «، والحتّ: الحكّ، والقرص: الدلك بأطراف الأصابع مع صبّ الماء؛ البخاري: كتاب الوضوء، رقم: 220؛ ومسلم: كتاب الطهارة، رقم: 438؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 122 وصحّحه؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 306؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 291؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 621؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 25683؛ ومالك: كتاب الطهارة، رقم: 121؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 765.
(2) - روى مسلم: كتاب الطهارة، رقم: 4036؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 529؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 24793 عن عائشة قالت:» كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - يصيب ثوبه [المني] فيغسله من ثوبه ثمّ يخرج في ثوبه إلى الصلاة، وأنا أرى أثر الغسل فيه ... «، اللفظ لابن ماجة وله ألفاظ كثيرة أخرى فيها إسناد الغسل إلى عائشة ... - رضي الله عنه - ا. (2/55)
صفحة 492
والثاني: الأبدان، لماروي أنّه - عليه السلام - أمر بغسل المني منه أيضا (1)؛ والثالث: المساجد ومواضع الصلاة [أيضا] (2)، لأمره - صلى الله عليه وسلم - أن يُصبّ على بول الأعرابيّ ذَنوبٌ من ماء حين بال في المسجد (3)، ولصبّه الماء أيضا على ثوبه من بول الرضيع (4)، ...
--------------------
أنّه يطهَّر غيرها [أيضا] (5)، والله أعلم.
قوله ومواضع الصلاة: شامل للحصير أيضا.
قوله لأمره - صلى الله عليه وسلم - أن يُصبّ ... الخ: في هذا الاستدلال لفّ ونشر غير مرتّب، فلأنّ الأوّل للثالث، والثاني للأوّل، والثالث للثاني.
__________
(1) - لم نقف على أمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك صراحة، ولعلّه يؤخذ من سنّته الفعلية، إذ روت ميمونة زوج النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنّه عند اغتساله يغسل فرجه وما أصابه من الأذى ثمّ يفيض الماء على جسده، أخرج ذلك البخاري: كتاب الغسل، رقم: 241، 272؛ والنسائي: كتاب الغسل والتيمّم، رقم: 418؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 706.
(2) - زيادة من د.
(3) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في المساجد وفضل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 263 (1/ 69)؛ والبخاري: كتاب الوضوء، رقم: 214؛ ومسلم: كتاب الطهارة، رقم: 428؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 137 وصحّحه؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 54؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 521؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 12248؛ ومالك: كتاب الطهارة، رقم: 129؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 733.
(4) - وذلك حين أتت أمّ قيس بنت محصّن بابن لها إليه - صلى الله عليه وسلم - ... لم يأكل الطعام فأجلسه في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه به، أخرجه الربيع بن حبيب: باب جامع النجاسات، رقم: 152 (1/ 41)؛ والبخاري: كتاب الوضوء، رقم: 216؛ ومسلم: كتاب الطهارة، رقم: 433؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 66؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 300؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 319؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 517؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 25756؛ ومالك: كتاب الطهارة، رقم: 128؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 734.
(5) - زيادة من أ والحجرية. (2/56)
صفحة 493
ولأمره بغسل رأس الذكر من المني (1)، وأن يُنضح عليه الماء من المذي، والله أعلم (2).
وأمّا الأشياء التي تُزال بها النجاسة: فهي بالجملة عشرة، بعضها منطوق بها في السنّة وبعضها مقيس عليها، أحدها الغسل، والثاني المسح، والثالث النضح، والرابع الوطء، والخامس الرشح، والسادس الزمان، والسابع الدِّباغ، والثامن التترّب، والتاسع الريح والمطر، والعاشر النار.
--------------------
قوله والتاسع الريح والمطر: فيه تأمّل من وجهين، أمّا أوّلاً: فلأنّ ظاهر كلامه يقتضي أنّ الريح والمطر لابدّ من اجتماعهما في التطهير فإنّه جعل الأشياء المطهِّرة عشرة، وجعل التاسع منها هذين الشيئين، وهو غير ظاهر فإنّ المطر مستقلّ؛ وأمّا ثانيا: فحيث جعل الريح قسيما للزمان فإنّ الظاهر أنّ الريح مقوٍّ للزمان وتابع له كالشمس، وأنّهما إن وجدا مع الزمان قصرت مدّة التطهير كثلاثة أيّام في الصيف خارجا، وإن لم يوجد معه طالت مدّته لخمسة عشر يوما
__________
(1) - وذلك حين سأله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن الجنابة تصيبه ليلا ماذا يصنع؟ فقال - عليه السلام -:» توضّأ واغسل ذكرك ثمّ نَمْ «، أخرجه الربيع بن حبيب: باب في كيفية الغسل من الجنابة، رقم: 145 (1/ 40) واللفظ له؛ وأحمد: مسند العشرة المبشّرين بالجنّة، رقم: 339؛ والبيهقي في السنن الكبرى، رقم: 13871؛ وابن حبّان في صحيحه بترتيب ابن بلبان، رقم: 1212؛ وابن خزيمة في صحيحه، رقم: 214؛ والطيالسي في مسنده، رقم: 17.
(2) - وهذا في حديث علي بن أبي طالب إذ أمر المقداد بن الأسود أن يسأل الرسول ... - صلى الله عليه وسلم - عن رجل دنا من أهله فخرج منه المذي، فقال - عليه السلام -:» إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ذكره بالماء ثمّ يتوضّأ وضوء الصلاة «، أخرجه الربيع بن حبيب: باب ما يجب منه الوضوء،
رقم: 103 (1/ 32) واللفظ له؛ والبخاري: كتاب الغسل، رقم: 261؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 456؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 153؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 179؛ وأحمد: مسند العشرة المبشّرين بالجنّة، رقم: 573. (2/57)
صفحة 494
أمّا الغسل: فهو عامّ في جميع النجاسات، ويختص بالماء دون سائر المائعات على اختلاف في بعضها، وسنذكر أحكام المياه و أقسامها إن شاء الله.
اعلم أنّ المطهِّر للحدث والخبث هو الماء من سائر المائعات، قال الله تعالى (1):
{وَأنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، وقال: {مَآءً لِيُطَهِّرَكمْ بِهِ} [الأنفال:11]، فالطهور والفعول للطهارة وهو أبلغ في اللغة من فاعل.
--------------------
في الشتاء داخلا وسَبْعةٍ في الصيف داخلا، ومثلها في الشتاء خارجا كما بيّنه الشيخ عامر –رحمه الله – (2) وسيأتي له بعض هذا.
قوله فهو عامّ في جميع النجاسات: يُردّ على إطلاقه الأواني الجديدةُ إذا سبق إليها النجس، وجلود الميتة وصوفها، وما طبخ وما عُجن وما خُمِّر مع النجس، وسيأتي له التصريح بذلك وزيادة.
قوله من سائر المائعات: هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولعلّه: دون سائر المائعات، لأنّ الحدث لا يرتفع إلاّ بالماء، ثمّ المراد بالماء هنا في قوله هو الماء المطلق خاصّة بالنظر إلى الحدث لأنّه لا يرتفع إلاّ به على الأصحّ، وأمّا الخبث فيرتفع بسائر المياه (3) عندنا، ثمّ رأيت في بعض النسخ: من بين سائر المائعات ... الخ، وهي الصواب (4).
قوله قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ} الآية: فيه أنّ الدليل أخصّ من المُدَّعى، فالأولى الاِستدلال بقوله - عليه السلام -:» خلق الله الماء طهورا «، الحديث (5).
__________
(1) - في نسخ القواعد المعتمدة: سبحانه.
(2) - الإيضاح، 1/ 367، 368.
(3) - في د: المائعات.
(4) - وهو ما في: ب وج ود من نسخ القواعد المعتمدة.
(5) - الحديث تقدم تخريجه في صفحة:39. (2/58)
صفحة 495
ثمّ المياه أربعة أقسام، أحدها: الماء المطلق وهو الباقي على أوصاف خِلْقَتِه من غير مخالط له فهو طهور، كماء المطر والبحر، وماء البئر والنهر، وما قام عنها من القِلات والغدران وماء السباخ على أيّ صفة كان من أصل الخِلقة، ويلحق بهذا التقسيم المتغيّر بطول مكث، أو تراب أو زرنيخ بجريه عليها، أو بطحلب، ...
--------------------
قوله كماء المطر ... الخ: الظاهر أنّ الكاف استقصائية أو للأفراد الذهنية.
قوله من القِلات: هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولم نفهم له معنى، اللهمّ إلاّ أن يكون المراد جمع قلّة جمع مؤنث سالم، ومعنى قيامها ممّا ذكر امتلاؤها منه، والله أعلم؛ أو تكون النسخة: من القلتات، جمع قلتة على مصطلح العامّة (1)،
بدليل قوله: والغدران (2).
قوله بهذا التقسيم: لعلّه بهذا القِسم (3).
قوله بجريه عليها: لعلّه عليهما، [وفي بعض النسخ: عليهما] (4)، ثمّ ظاهر التقييد بقوله: بجريه عليها أنّه لوكان التغيير بالتراب والزرنيخ بغير الجري عليهما لم يكن رافعا للحدث والله أعلم، ويدلّ له قوله قبل ذلك: من غير مخالط له.
قوله بطحلب: في "الصحاح":» والطُحْلُبُ والطِحْلَبُ [هو الأخضر ... ] الذي يعلو الماء، وقد طَحْلب الماء، وعَيْن مُطَحْلِبة «(5).
__________
(1) - وهو ما في أ من نسخ القواعد المعتمدة.
(2) - بل القِلات فصحى، وهي جمع: القَلْت، وهي النقرة في الجبل يستنقع فيها الماء، (الجوهري، الصحاح، باب التاء، فصل القاف: قلت).
(3) - وهو ما في أ ود من نسخ القواعد.
(4) - زيادة من الحجرية؛ وما أشار إليه المحشّي أنّه وجده في بعض النسخ هو ما في ج. ود من نسخ القواعد؛ وفيهما وفي ب: لجريه، بدل: بجريه.
(5) - الجوهري: باب الباء، فصل الطاء: طحلب. (2/59)
صفحة 496
أو [بـ]ـكلّ (1) ما كان من قراره أو متولّد عنه ولا ينفكّ غالبا.
القسم الثاني: الماء المقيّد المضاف إلى ما وقع فيه، مثل ماء العُصْفُر (2) والزعفران واللَّكِ (3) والفوت (4) وأشكالها من المضافات، فهذا الماء يجزي في غسل النجاسات، واختلف فيه في رفع الأحداث.
القسم الثالث: الماء المضاف إلى الخارج منه، كالماء المعتصَر من النبات، والمستخرَج من الفواكه والبقول، فهذا الماء مزيل للنجاسة غير رافع للحدث، والله أعلم.
القسم الرابع: الماء المستعمل للوضوء والاِغتسال، وقد تنازع العلماء فيه مع اتّفاقهم على طهارته، ...
--------------------
قوله قرارِه: أي محلاّ له.
قوله من المضافات: لعلّه من المضافات إليها، لأنّ ما ذكر وأشكاله مضاف إليه لا مضاف.
قوله واختلف فيه في رفع الأحداث: ظاهره أنّ الاِختلاف إنّما وقع فيه بالنظر إلى رفع الحدَث فقط، مع أنّ الخلاف واقع فيه بالنظر إلى إزالة النجاسة أيضا، نعم عندنا يرفع الخبث ولا يرفع الحدث، وأمّا عند غيرنا فيشترط الماء المطلق في كلّ منهما، والله أعلم.
قوله وقد تنازع العلماء فيه: أي بالنسبة إلى رفعِه للحدث والخبَث.
__________
(1) - الباء زيادة من أ والحجرية.
(2) - العُصْفُرُ: نوع من الصبغ، (الجوهري، الصحاح، باب الراء، فصل العين: عصفر).
(3) - اللّك: شيء أحمر يصبغ به جلود المعز وغيره، (الجوهري، الصحاح، باب الكاف،
فصل اللاّم: لكك).
(4) - لم نقف له على معنى. (2/60)
صفحة 497
وقد روي أنّ أصحاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - (1) كانوا يقتتلون على فضل وضوئه (2)، وغلا بعضهم حتى زعم أنّ اسم الغسَّالة أحقّ به من اسم الماء فيما وجدت، والله أعلم (3).
فالأوّل طاهر مطهِّر بإجماع، والثاني طاهر مطهِّر إذا لم يتغيَّر أحد أوصافه، ...
--------------------
قوله فضل وضوئه: انظر ما المراد بفضل وضوئه هنا، هل المراد به ما يفْضل في الإناء بعد أخذ كفايته للوضوء، أو ما يجتمع من ماء وضوئه وهو المناسب لسياق كلامه؛ لكن في إطلاق الفضل على مثل هذا نظر، وإذا كان المراد الأوّل فالدليل لا يناسب المدَّعى لأنّ الفضلة معلوم أنّها ماء مطلق، ثمّ استعمال الفضل فيما ذكر غير مناسب لكتب اللغة، قال في "الصحاح":» والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة «(4)، بل المناسب لها: الفضلة أم الفُضَالة، في "الصحاح":» والفضلة والفُضالة: ما فَضل من شيء ... الخ «(5)، ثمّ هذا الحديث لا يدلّ إلاّ على الطهارة فقط.
قوله وغلا ... الخ: في "الصحاح":» وغلا في الأمر يغلو غلوًّا، أي جاوز فيه الحدّ ... الخ «(6)، يعني بتخفيف اللام.
قوله مطهّر بإجماع: فيه أنّ من جملة ما تقدّم ماء البحر، وسيأتي قريبا أنّ فيه خلافا، ولعلّه -رحمه الله- لم يعتدّ هنا بخلاف المخالِف.
قوله إذا لم يتغيّر أحد أوصافه: فيه أنّه إذا لم تتغيّر أحد أوصافه لم يخرج عن كونه مطلقا،
__________
(1) - في ج والحجرية: - عليه السلام -.
(2) - أخرج ذلك البخاري: كتاب الوضوء، رقم: 182؛ وكتاب الشروط، رقم: 252؛ وأحمد: مسند الكوفيين، رقم: 18166؛ وابن حبّان في صحيحه، رقم: 4872 (بترتيب ابن بلبان11/ 216)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 18587 (9/ 218)؛ والطبراني في الكبير، رقم: 13 (20/ 09).
(3) - ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 1/ 27.
(4) - الجوهري: باب اللاّم، فصل الفاء: فضل.
(5) - الجوهري: باب اللاّم، فصل الفاء: فضل.
(6) - الجوهري: باب الواو والياء، فصل الغين: غلا. (2/61)
صفحة 498
والثالث طاهر غير مطهِّر باتّفاق، والرابع كذلك على القول المشهور عند الجمهور، إلاّ قولا شاذًّا روي عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة (1)، وهو محْجوج عند الجميع، والله أعلم.
وأمّا الخلّ والنبيذ واللبن والزيت: فقد قالوا: إنّ هذه الأشياء تنزع النجس ولكن لا يحلّ أن يُتعمّد تنجيسُها، إلاّ ما ذكر عن أبي حنيفة أنّه أجاز الطهارة بالنبيذ محتجًّا بحديث ليلة الجنّ (2)، وذلك زعموا أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - سأل ابن مسعود هل معك ماء؟ فقال: معي نبيذ فقال: ثمرة طيّبة وماء طهور، والله أعلم (3).
--------------------
ويصدق عليه تعريفه، فالمناسب لكونه مضافا أن تتغيّر أحد أوصافه، ويقع [حينئذ] (4) الخلاف في كونه مطهِّرا، أي رافعا للحدَث، ويناسب قوله فيما سبق: واختلف فيه في رفع الأحداث، وذهب بعضهم إلى أنّه رافع للحدث مالم يكن التغيير عن طبخ، والله أعلم (5).
قوله إلاّ قولا شاذّا روي ... الخ: وذلك أنّه يرى أنّ الماء المستعمل نجس، والمشدّدون منهم يتّخذون نِطعا عند الوضوء يتّقون به ثيابهم، والنِّطع الجلد، والله أعلم.
قوله إلاّ ما ذُكر ... الخ: الظاهر أنّه مستثنى من شيء مقدّر حذف للعلم به، وهو معطوف على قوله تنزع النجس، والتقدير: ... تنزع النجس ولكن لا يحلّ أن يُتعمّد تنجيسها ولا ترفع الحدث إلاّ ما ذُكر ... الخ، والله أعلم.
قوله سأل ابن مسعود ... الخ: أجاب عنه في المسند بقوله: ... » قد سمعت جملة من
__________
(1) - يراجع: شمس الدين السرخسي، المبسوط، 1/ 46؛ ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 26.
(2) - شمس الدين السرخسي، المبسوط، 1/ 88؛ ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 32.
(3) - الحديث أخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 81؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 77؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 378؛ وأحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 4150.
(4) - زيادة من الحجرية.
(5) - عزا ذلك ابن رشد لأبي حنيفة، (بداية المجتهد، 1/ 26). (2/62)
صفحة 499
فصل
و أمّا أحكام الماء المطلق: فأحدها ماء المطر فالحكم فيه الطهارة، لقول الرسول - عليه السلام -:» خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه [شيء] إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه
أو رائحته «(1)، ...
--------------------
الصحابة يقولون: ما حضر ابن مسعود تلك الليلة، والذي يُروى عنه كذب، والله أعلم بالغيب «اهـ (2).
قوله وأما أحكام الماء المطلق ... الخ: هذا مع قوله فيما سبق: ثمّ المياه أربعة أقسام فيه نشر غير مرتّب، فإنّه قال أوّلا وسنذكر أحكام المياه وأقسامها، ثمّ قوله وأمّا أحكام الماء المطلق: فأحدها ... الخ غير ظاهر بالنظر إلى ظاهر التركيب، فإنّ الضمير في قوله فأحدها غير راجع إلى أحكام الماء بل إلى فرد من أفراده، فالظاهر أنّ في الكلام حذفا أو سقطا، وأنّ أصل التركيب هكذا مثلا: وأمّا أحكام الماء المطلق فاعلم أنّ الماء المطلق على [ثلاثة] (3) أقسام أحدها ... الخ أو تكون النسخة: وأمّا أحكام المياه المطلقة فأحدها ... الخ، أي أحد المياه، والله أعلم فليحرّر؛ لكن الربط غير موجود ولو مع ما ذكرناه من التأويل، ثمّ إنّه –رحمه الله- لم يذكر لقوله فأحدها ... الخ مقابلا بالثاني والثالث مثلا.
قوله لقول الرسول ... الخ: فيه أنّ الدليل أعمّ من المدّعى، فلو استدلّ بقوله تعالى: {وَّأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} [الفرقان: 48]، لطابق الدليلُ المدّعى، فلو استدلّ بهذا الحديث فيما سبق في مكان الآية (4) وأخّر الاِستدلال بالآية إلى هنا لكان أظهر، والله أعلم.
__________
(1) - ما بين المعقوفتين زيادة من ب والحجرية، والحديث تقدّم تخريجه في صفحة: 39.
(2) - الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب، رقم: 165 (1/ 44).
(3) - زيادة من الحجرية.
(4) - سبق هذا في صفحة: 58. (2/63)
صفحة 500
فاختلف فيه إذا لم تجتمع الأوصاف الثلاثة، فقيل: هو باق على أصل طهارته، وقيل: هو نجس؛ واختلف فيه أيضا إذا حلَّته النجاسة ولم تغيّر أحد أوصافه، فقيل: هو طاهر قليلا كان أو كثيرا، وقوم فرَّقوا بين القليل والكثير، ...
--------------------
قوله فقيل: هو باق على أصل طهارته ... الخ: في القول بطهارته مع ظاهر الحديث نظر، فإنّ ظاهر الحديث يقتضي أنّ وجود أحد الأوصاف كاف، اللهمّ إلاّ أن يكون صحّت عنده الرواية بالواو، أو يجعل أو بمعنى الواو، فليحرّر فإنّه مشكل (1).
قوله وقوم فرَّقوا بين القليل والكثير ... الخ: هذا هو الظاهر لأنّ فيه الجمع بين الحديثين، أعني [بين] (2) قوله - صلى الله عليه وسلم -:» خلَق الله الماء طهورا لا ينجِّسه «الحديث، وقوله:» إذا زاد الماء على قلّتين لم يحتمل خبثا «(3)، فإنّ كلّ واحد منهما عامّ من وجه خاصّ من وجه، فيُجمع بينهما بأن يُخَصَّ عمومُ كلِّ واحد منهما بخصوص الآخر، فيُخصُّ الأوّل بما إذا زاد على القلّتين أو كان قدر قلّتين -كما في بعض الروايات (4) - بعدما كان عامًّا في القليل والكثير، فيصير التقدير: خلق الله الماء طهورا لا ينجّسه إلاّ ما غيّر لونه ... الخ إذا زاد على قلّتين أو بلغ قلّتين، فيُحكم بأنّ ما دون القلّتين ينجس وإن لم يتغيّر؛ ويُخصُّ عموم الثاني بخصوص الأوّل، فيصير التقدير: إذا زاد أو إذا بلغ
__________
(1) - راجع تخريج الحديث في صفحة: 39 المتقدّمة، فإنّ الحديث عند ابن ماجة جاء فيه العطف بين الأوصاف بالواو، وصحّح القطب اطفيش –ر حمه الله- أنّها بمعنى: أو مجازا،
(الذهب الخالص، 95).
(2) - زيادة من ج.
(3) - الحديث السابق تقدّم تخريجه في صفحة: 39، وهذا أخرجه الربيع بن حبيب: باب في أحكام المياه، رقم: 157 (1/ 43)؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 62؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 52؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 58؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 510 بنحوه؛ وأحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 4721؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 725 بنحوه.
(4) - كما في رواية أحمد المتقدّم الإشارة إليها في تخريج الحديث. (2/64)
صفحة 501
فقالوا: القليل ينجس والكثير لا ينجس، وحدّوا (1) القليل منه بما دون القلَّتين، وهما قِربتان ونصف بقلال هَجَرْ عند بعضهم، وقيل: هما مقدار خمس مائة رطل، وحدّ (2) الكثير منه بحيث يُحرّك طرفه فلا يتحرّك الطرف الآخر، وقوم لم يحدُّوا في ذلك حدًّا؛ ...
--------------------
الماء قلّتين لم يحتمل خبثا إلاّ إذا تغيّر أحد أوصافه، فيُحكم بنجاسة القلّتين بالتغيير، فيصير خاصًّا بعدما كان عامًّا في المتغيّر وغيره، والله أعلم.
قوله وهما قِربتان ونصف: هكذا فيما رأيناه من النسخ، وهو يقرب أن يكون من تفسير المعلوم بالمجهول، وهذه الجملة الظاهر أنّها معترضة بين الصفة والموصوف لا بين الحال وصاحبها لاختلال الشرط في المضاف، وفسّر الشيخ عامر -رحمه الله- القُلّة ناقلا عن أكثر أصحابنا بأنّها الجرّة التي تحملها الخادم في العادة الجارية في استخدام العبيد بها ... الخ (3).
قوله هَجَر: في "القاموس":» وهَجَرٌ محرّكةً: بلد باليمن، بينه وبين عثَّرَ يوم وليلة، مذكَّر مصروف، وقد يؤنّث ويُمنع «، إلى أن قال:» وقرية كانت قرب المدينة إليها تنسب القِلال، أو تنسب إلى هَجَر اليمن ... الخ «(4).
قوله مقدار خمس مائة رطل: وهو مذهب الشافعي (5).
قوله وحدّ الكثير ... الخ: الأوْلى التحديد بالقلّتين أو الزائد عليهما حيث حدّوا القليل بما دون القلّتين، والله أعلم.
قوله وقوم لم يحدّوا في ذلك حدّا: الظاهر أنّ اسم الإشارة راجع إلى الكثير، فيكون المعنى: وقوم لم يحدّوا في الكثير حدًّا، فيكون هؤلاء ممّن فرّق بين القليل والكثير إلاّ
__________
(1) - في د والحجرية: حدّ.
(2) - في نسخ القواعد المعتمدة: حدّوا، إلاّ د فإنّها موافقة لنسخة المحشّي.
(3) - الإيضاح، 1/ 96؛ وفي ج. والحجرية: من استخدام العبيد بها.
(4) - الفيروزابادي: باب الراء، فصل الهاء: هجره.
(5) - ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 23. (2/65)
صفحة 502
و إنّما وقع التنازع في هذا لقول النبيء - عليه السلام -:» إذا زاد الماء على قلتين لم
يحتمل خبثا «(1)، ...
--------------------
أنّهم وافقوهم على تحديد القليل دون الكثير، لأنّ تحديده بالحركة غير ظاهر فإنّها تختلف، فالقلّتان فما زاد كلّه كثير (2)؛ ويحتمل أن يكون اسم الإشارة راجعا إلى أصل المسألة، ويكون قولا ثالثا فيها وأنّه ينجس قليلا كان أو كثيرا إذا كان راكدا، لكن هذا مخالف لظاهر الأحاديث، والله أعلم (3).
قوله وإنّما وقع التنازع ... الخ: في كون ما ذكره من الأحاديث سببا للتنازع نظرٌ، لأنّها كلّها تدلّ على أنّ قليل الماء ينجس ولو لم يتغيّر أحد أوصافه، [ولم يذكر دليل من قال إنّه طاهر قليلا كان أو كثيرا إذا لم يتغيّر أحد أوصافه] (4)، فالأوْلى في سبب التنازع: هذه الأحاديث وقولُه - صلى الله عليه وسلم -:» خلق الله الماء طهوراً «الحديث (5)، ليكون دليلا لصاحب القول الأوّل؛ نعم الحديث الثالث يصلح دليلا لصاحب القول الثالث الذي لم يفرّق بين القليل والكثير في النجاسة على الاِحتمال الثاني في القولة السابقة، والله أعلم، فليحرّر.
__________
(1) - تقدّم تخريجه في صفحة: 64.
(2) - تحديد ذلك بالقلّتين هو قول الشافعيّ كما أشار إليه المحشّي قريبا، ودليله في ذلك الحديث؛ وتحديده بالحركة قول أبي حنيفة، وذلك من جهة القياس إذ اِعتبر أنّ سريان النجاسة في جميع الماء بسريان الحركة؛ وممّا علّل به الفقهاء القائلون بهذا الرأي مذهبهم في تحديد القدر الكثير الذي ينجس بوقوع النجس فيه ظنّ استعمال النجس باستعمال الماء الواقع فيه. (ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 23؛ الشوكاني، نيل الأوطار، 1/ 40).
(3) - نعم هو قول ثالث في المسألة ذُكر في "ديوان العزابة"، وهو مذهب الكوفيين، إذ أنّ النجاسة عندهم تفسد قليل الماء وكثيره إذا حلّت فيه، إلاّ الماء المستبحِر الذي لا يقدر آدمي على تحريك جميعه، قياسا على البحر الذي ورد فيه الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه الطهور ماؤه. (العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، ظهر الورقة 05 (مخطوط)؛ ابن عبد البر، الاستذكار، 2/ 99).
(4) - سقط من: ب وج. ود وهـ.
(5) - تقدّم تخريجه في صفحة: 39. (2/66)
صفحة 503
ونهيه - عليه السلام - الجُنب أن يغتسل في الماء الدائم - أو قال: الراكد (1) - فقيل لأبي هريرة: كيف يفعل؟ فقال: يتناوله تناولا (2)، وهذا يدلّ على قلته، ونهى أن يبول أحد في الماء الدائم ثمّ يتوضّأ منه، والله أعلم (3).
وأمّا ماء البحر: فإنّ الحكم فيه الطهارة؛ وقد اختلف فيه أيضا، ...
--------------------
قوله أن يغتسل في الماء الدائم: لعلّه إنّما جعل الاِغتسال في الماء الدائم القليل منجِّسا له بالنظر إلى مقدّماته من الاستنجاء وإزالة النجس، أو لأنّ الاغتسال فيه يُخرجه عن حدّ الإطلاق لأنّه يصير مستعمَلا فالنجاسة من باب أولى، والله أعلم (4).
قوله فإنّ الحكم فيه الطهارة: أي ما دام فيه فإن حلّته نجاسة بعد حصوله في الإناء فحكمه كحكم غيره من المياه.
قوله وقد اختلف فيه أيضا ... الخ: الظاهر أنّ قوله أيضا راجع إلى المسألة السابقة، أي اختلف فيه: أي في التطهـ[ـيـ]ـر (5) به كما اختلف في طهارة الماء الذي حلّته نجاسة ولم تغيّر أحد أوصافه، والله أعلم.
__________
(1) - أخرجه بهذا اللفظ أحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 10472؛ والنسائي في السنن الكبرى، رقم: 225 (1/ 114)؛ وفي المجتبى من السنن، رقم: 221 (1/ 125)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 472 (1/ 97)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار، (1/ 14).
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في كيفية الغسل من الجنابة، رقم: 144 (1/ 40)؛ ومسلم: كتاب الطهارة، رقم: 426؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 220؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 64؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 597؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 9224؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 724 بنحوه.
(3) - تقدّم تخريجه في صفحة: 07.
(4) - في الحجرية: فالنجاسة أولى به.
(5) - ما بين المعقوفتين زيادة من هـ والحجرية. (2/67)
صفحة 504
فقيل: لا يتوضأ به إلاّ في حال الضرورة، وقال بعضـ[ـهم] (1): التيمّم أحبّ إليّ منه، و جمهور العلماء على ما قدّمنا، لقول النبيء - عليه السلام - وقد سئل عنه:» هو الطهور ماؤه والحلّ ميتته «(2).
وهكذا ماء البئر أيضا: فالحكم فيه الطهارة، فإن خالطته نجاسة أو ميتة نُزعت (3) منه أربعون دلوا للسنّة إذا كان ماء البئر غزيرا، وإن كان قليلا نُزح كله، ...
--------------------
قوله وجمهور العلماء على ما قدّمنا: فيه أنّه لم يقدّم هنا إلاّ الحكم بالطهارة، والظاهر أنّ هذا أمر متّفق عليه، فإنّه لا يذهب عاقل إلى نجاسته، نعم الجمهور على أنّه طاهر مطهِّروغيرهم إلى أنّه طاهر غير مطهِّر، فلو قال: وقد اختلف في رفع الحدث به في حال الاختيار، فالجمهور على أنّه يرفعه، وقيل: لا يتوضّأ به ... الخ لكان أظهر، وقد يُقال: المراد بما قدّمه ما ذكره عند تقسيم المياه إلى أربعة أقسام، والله أعلم.
قوله أو ميتة: من عطف الخاصّ على العامّ.
قوله أربعون دلوا: أي بدَلْوها، وقيل خمسون.
قوله للسنة: أي لا للنجاسة كما صرّح به بعد، وهو الظاهر إذا لم يتغيّر أحد أوصافه؛ وذهب بعض أصحابنا إلى نجاسة البئر إذا حلّتها النجاسة مطلقا، وذكروا أنّ التقدير
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب أحكام المياه، رقم: 156 (1/ 42)؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 64 وصحّحه؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 59؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 76؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 380؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 8380؛ ومالك: كتاب الطهارة، رقم: 37؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 733.
(3) - في أ ود: نُزِعَ. (2/68)
صفحة 505
. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
--------------------
لأصحابنا في نزح البئر النجسة أربعين دلوا أو خمسين أنّ هذا مقدار ما فيها من الماء من غير أن تزيد مادّة العيون؛ قالوا: وإن رجع الدلو في بئر أخرى قبل أن تُطهر نُزع منها أيضا أربعون دلوا بدلو طاهر أو خمسون؛ قالوا: وإن بقي دلو واحد من العدد المذكور ولم يُنزع في ذلك اليوم استقبل نزعها من أوّله لأنّ الأصل في هذا الماء أنّه نجس عندهم؛ وفي كلام الشيخ عامر -رحمه الله- ما يدلّ على أنّ من أصحابنا من يقول لا يُغرف ماء السنة من البئر إذا كانت لا تُنزح لقوّتها، حيث قال:» وإن نُزحت عشرة دلاء وفرغ ماؤها طهرت على قول من اعتبر الخمسين دلوا مقدار ما فيها، وإن لم تكن تُنزح لقوّتها لا ينجسها شيء، ومن لم يعتبر ذلك قال لابدّ من خمسين دلوا للسنّة أو أربعين، ولا يرى تنجيس الماء الذي غُرف منها، والله أعلم «(1). والحاصل أنّ لأصحابنا في البئر إذا كانت لا تُنزح لقوّتها ثلاثة أقوال: منهم من يقول: إنّها تنجس ولا تطهر إلاّ بعد [نزع] (2) أربعين دلوا أو خمسين ويكون الماء المغروف نجسا؛ ومنهم من يقول: إنّها لا تنجس ولكن يُغرف منها أربعون دلوا أو خمسون للسنّة ويكون الماء المغروف طاهرا؛ وهو الذي اعتمده -رحمه الله-؛ ومنهم من يقول: إنّها لا تنجس ولا يُغرف منها شيء، وهو الظاهر المناسب للأحاديث إذا لم يتغيّر أحد أوصافه.
وقوله للسنّة يقتضي أنّ نزع القدر المذكور ثابت في السنّة، فكان عليه -رحمه الله-أن يبيّنه كما بيّن نزحها إذا كان ماءها قليلا بفعل ابن الزبير وابن عبّاس –رضي الله عنهما-، لكن ما رواه الشيخ عامر –رحمه الله- عن بعض العلماء أنّ التقدير لأصحابنا في نزح الأربعين أو الخمسين [دلوا] (3) يقتضي أنّ هذا برأي رأوْهُ وليس ثابتا في السنّة، فليحرّر، والله أعلم (4).
__________
(1) - الإيضاح، 1/ 100.
(2) - زيادة من الحجرية.
(3) - سقط من ب ود وهـ.
(4) - الإيضاح، 1/ 97، 98. (2/69)
صفحة 506
لما روي أنّ ابن عبّاس وابن الزبير نزحا زمزم لزنجيّ مات فيه (1)؛ ونزح الماء إنّما يكون بعد إخراج (2) الميتة أوّلا، واتّفقوا أنّه لا يجب غسل جوانب البئر، وأنّها إذا نزحت فقد طهرت هي والدلو جميعا، ولم يقطعوا أيضا بنجاسة الماء الذي يغرف للسنّة، وقد قال بعض: لا تجب السنَّة في البئر إلاّ من الميتة أو الدم أو لحم الخنزير، والله أعلم.
وكذلك ماء النهر الجاري: الحكم فيه الطهارة على كلّ حال، وإن وقعت فيه الميتة أو النجاسة؛ إلاّ إن كانت الميتة أو النجاسة في مجراه فغمرت (3) الماء كلّه، أو أُهرق فيه بول أو دم فغمر الماء كلّه، ولم يظهر منه إلاّ ما لاقاه فإنّه حينئذ ينجس؛ ...
--------------------
قوله ونزْحُ الماء ... الخ: ومثل النزْحِ النزعُ.
قوله بعد إخراج الميتة: لو قال: بعد إخراج عين النجاسة، لكان أولى.
قوله واتّفقوا على أنّه لا يجب غسل جوانب البئر إلى قوله جميعا: هذا الحكمُ خاصّ بالبئر التي تُنزح من أصلها على المختار، فإنّها هي التي يُحكم بنجاستها حتّى تحتاج إلى الطهارة دون التي يُنزع منها أربعون دلوا.
قوله ولم يقطعوا أيضا بنجاسة الماء الذي يُغرف للسنّة: هذا الحكم خاصّ بالبئر التي ينزع منها أربعون دلوا، لأنّها هي التي لا يُحكم بنجاسة الماء الذي يغرف منها على المختار.
قوله ولم يقطعوا أيضا بنجاسة الماء الذي يغرف للسنّة: أي: دون الماء الذي يغرف لنزحها لقلّة مائها فإنّ الظاهر أنّه نجس.
__________
(1) - رواية ابن عباس أخرجها البيهقي في السنن الكبرى، رقم: 1190 (1/ 268)؛ ورواية ابن الزبير أخرجها الطحاوي في شرح معاني الآثار، (1/ 17).
(2) - في أ ود: نزع؛ وفي د زيادة: وإخراجها.
(3) - في د: فغيّرت. (2/70)
صفحة 507
والماء الجاري [و] (1) لو كان رقيقا فإنّه لا ينجس بوقوع النجس فيه إلاّ إن غمره كما قدّمنا، وأمّا إن كان [الماء] (2) يجري إلى الساقية ولا يخرج منها أو يخرج منها ولا يجري إليها فوقع فيه نجس ففيه اختلاف، والله أعلم.
--------------------
قوله فإنّه لا ينجس: كأنّ الفاء دخلت على توهّم: أمّا.
- - -
__________
(1) - سقط من ب وج ود.
(2) - سقط من ب وج. (2/71)
صفحة 508
فصل في أحكام الغسل بالماء
اعلم أنّ الماء أقوى مادّة في غسل النجاسة لأنّه يُذهب العين والأثر، فكلّ نجاسة ممّا لا يُرى لها عين قائمة كالبول والماء المنجوس وما في معناهما فثلاث غسلات تجزي في إزالتها، لقول النبيء - عليه السلام -:» إذا انتبه أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتّىيغسلها ثلاثا «(1)، ...
--------------------
قوله الغسل ... الخ: الغسلُ إفراغ الماء مع الدّلك.
قوله فثلاث غسلات ... الخ: ظاهر كلامه أنّه لا بدّ من ثلاثٍ، وقد ذكر الشيخ عامر –رحمه الله- في ذلك خلافا حيث قال:» واختلفوا أيضا في العدد هل هو شرط ... أم لا؟ قال بعضهم: لا حدّ في ذلك إلاّ زوال العين مع طمأنينة النفس، والدليل حديث ابن عبّاس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» المذي والوذي والمنيّ ودم الحيضة ودم النفاس نجس لا يصلّى بثوب وقع عليه شيء منها حتّى يُغسل ويزول
أثره «(2)، فعلّق الطهارة بزوال الأثر لا غير؛ وقال آخرون: لا بدّ من ثلاث مرّات مع زوال الأثر وهو أقلّ ما يطهر به، لحديث ابن عبّاس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
» إذا استيقظ أحدكم ... « ... الخ «(3).
__________
(1) - أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، رقم: 416؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 24 وصحّحه؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 01؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 94؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 6981؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 759.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب جامع النجاسات، رقم: 148 (1/ 41)؛ وعزى الإمام السالمي الحديث للبزار وأبي يعلى الموصلي في مسنديهما، وابن عدي في الكامل، والبيهقي والدارقطني في سننيهما، والعقيلي في الضعفاء، وأبي نعيم في المعرفة عن عمار مرفوعا بلفظ:» إنّما تغسل الثوب من الغائط والبول والمذي والمني والدم والقيء «، (السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/ 204).
(3) - الإيضاح، 1/ 364؛ والحديث هو نفسه المتقدّم تخريجه أعلاه. (2/72)
صفحة 509
فسواء كانت النجاسة على اليد أو غيرها من البدن والثوب، أو جُعل الثوب في الحوض فأعيد له الماء ثلاث مرّات فإنّه يُحكم بطهارته كما قدّمنا.
وإن كان النجس على الحائط الأملس فإنّه يُذرّ التراب تحته ويغسل الحائط فيقع الماء على التراب ثمّ يُكنس فيرمى به خارجا (1).
وإن كانت النجاسة في بيت أو مسجد فأراد الإنسان غسلها بالماء فإنّه يفتّتها إذا كانت ممّا لها عين قائمة كالدم والنطفة والقيء، ثمّ يدير بها التراب فيصبّ الماء في الموضع المُدار به التراب فيتركه حتّى ينشف، ثمّ يُكنس ويُعاد في موضعه تراب آخر ثلاث مرّات (2).
وأمّا النجس القائم العين فلا بدّ من إزالة العين مع الأثر، ...
--------------------
قوله فأعيد له الماء ... الخ: يعني إذا دُلك باليد أو بالرجل مثلا، وأمّا لو أعيد له الماء من غير ذلك فإنّه لا يُحكم بطهارته، والله أعلم.
قوله فأراد الإنسان غسلها ... الخ: فيه إشارة إلى أنّه يطهر بغير الغسل أيضا كالنار والزمان كما سيأتي، لكن لا بدّ من زوال العين، والله أعلم.
قوله وأمّا النجس القائم العين ... الخ: ذكر صاحب الإيضاح –رحمه الله- أنّ كلّ نجس عندهم يصعب غسله وهو رطب،» مثل النطفة والقيء والغائط فإنّه لا يغسل من الثوب حتّى ييبس ويقشّر لأنّ ذلك أسهل لإزالة عينه، غير أنّ الدم غسلُه وهو رطب أسهل منه وهو يابس، وهذا في الثياب وأمّا في الأبدان فلا ... الخ «(3).
__________
(1) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، وجه الورقة: 35 (مخطوط).
(2) - المصدر السابق، نفس الصفحة.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 362. (2/73)
صفحة 510
وتُغسل حتىّ لا تنتقص (1)، وما دامت الغسالة متغيّرة فالمحلّ نجس؛ وأمّا بقاء الرائحة فلا بأس بها بعد زوال العين (2)؛ وفي إزالة النجاسة بالريق والمخاط قولان (3).
وإن كان النجس في أواني الطين فليجتهد (4) في غسلها ثمّ يملأها ماء فيتركها (5) ليلا ثمّ يُراق نهارا، أو يُقام في الشمس، يُصنع بها هذا ثلاثا، ...
--------------------
قوله حتّى لا تنتقص: أي: فإن لم تنتقص حُكم بطهارة المحلّ، لكن قال بعضهم: يغيّره بما يخالف لونه، قال صاحب الإيضاح –رحمه الله-:» وهذا عندي منهم استحسان «(6).
قوله وفي إزالة النجاسة بالريق والمخاط قولان: قال صاحب "الإيضاح" –رحمه الله-:» اتّفق العلماء أنّ الماء الطاهر يزيل النجاسات، واختلفوا فيما سواه من المائعات والجامدات، قال بعضهم: كلّ طاهر يزيل النجاسة مائعا كان أو جامدا، وقال آخرون: لا تصحّ إزالة النجاسة بما سوى الماء، وسبب اختلافهم: هل المراد بغسل النجاسة بالماء إتلاف عينها، أو للماء معنى زائدا ليس لغيره؟ فمن ذهب إلى أنّ للماء معنى زائدا ... الخ «(7).
قوله في أواني الطين ... الخ: أي: إذا سبق النجس إليها، ومثل أواني الطين: القصاع الجديدة.
قوله فليجتهد في غسلها ثمّ يملأها ... الخ: ظاهره أنّه لا بدّ من غسلها أوّلا، يعني: لإزالة ما ظهر من النجس، ولم يذكره صاحب الإيضاح –رحمه الله-.
قوله فيتركها ليلا ثمّ يُراق نهارا ... الخ: ذكر الشيخ هنا –رحمه الله- لتطهير الأواني
__________
(1) - في نسخ القواعد المعتمدة: تنقص، إلاّ أ وب فإنّهما موافقتان لنسخة المحشّي.
(2) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، وجه الورقة: 38 (مخطوط).
(3) - المصدر السابق، وجه الورقة: 35 (مخطوط).
(4) - في النسخ المخطوطة المعتمدة من القواعد: فإنّه يجتهد، إلا الحجرية فإنها موافقة لنسخة المحشي.
(5) - في النسخ المخطوطة المعتمدة من القواعد: فيُترك فيها.
(6) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 364؛ وفي المطبوعة: استحباب؛ وقد ورد ذلك في ديوان العزابة، كتاب الطهارات، وجه الورقة: 38 (مخطوط). وهذا التعليق سقط من ب ود وهـ.
(7) - المصدر السابق، 1/ 354. (2/74)
صفحة 511
وقال من قال يوما وليلة، ثمّ يُحكم بطهارتها (1).
وإن كانت الخابية ماتت فيها فأرة فإنّها توقد فيها شعلة نار لكي يحترق الشعر اللاصق بها ثمّ تغسل كما قدّمنا (2).
وإن كان كوز ضيّق العنق جُعل فيه الماء مع الحصباء ثمّ يخضخض فيه مع إبدال الماء ثلاث مرّات ثمّ يُحكم بطهارته.
واعلم أنّ الماء يزيل النجاسة من أيّ محلّ حلّت به من الأرض وجميع أجزائها ونباتها، المعمول منها وغير المعمول، وكذلك الحيوانات وجميع أجناسها،
والثياب وجميع أنواعها، ...
--------------------
الجديدة قولين، وزاد صاحب الإيضاح –رحمه الله- قولين آخرين، أحدهما:
أنّه يطهر بثلاثة أمواه كلّ ماء يبقى فيه يوما وليلة ثمّ يُراق، والآخر: قال صاحبه لا أحدُّ في ذلك حدًّا ولكن أصبّ الماء فيه ثمّ أحكم له بحكم الطهارة بقدر ما يغلب على ظنّي أنّ الماء الطاهر قد بلغ حيث ما بلغت إليه النجاسة، قياسا على بول الأعرابي الذي بال في المسجد فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصبّ عليه ذَنوب من ماء، فحكم بطهارته (3).
قوله وجميع أجناسها وقوله وجميع أنواعها: لا فائدة في ذكرهما إلاّ السجع، لأنّ ذكر الحيوانات والثياب يغني عن ذلك.
__________
(1) - ابن جعفر الأزكوي، الجامع، 1/ 287، 355.
(2) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، وجه الورقة: 29 (مخطوط).
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 363؛ وحديث الأعرابي تقدّم تخريجه في صفحة: 56. (2/75)
صفحة 512
إلاّ ما يتعذّر إخراج النَّجس منه، إذا عجن به الأشياء، أو طبخ فيها، أو اختمر معها، أو وقع عليه الودك أو الدهن في الثوب أو غيره من الأوعية بعدما سبق إليها، أو خِيط الثوب أو عُقد مع النجس، أو صُبغ بصباغ منجوس، ...
--------------------
قوله إلاّ ما يتعذّر ... الخ: التعذّر معناه: عدم الإمكان، وهذا ظاهر في الثلاثة الأُول دون ما بعدها، فإنّ الظاهر أنّه متعسّر لا متعذّر، ويدلّ له قوله بعد:
أو يعرك (1) حتّى تتيقّن طهارته.
قوله إذا عُجن به الأشياء أو طبخ فيها ... الخ: فيه أنّه أسند أوّلا العجن إلى الأشياء، وثانيا أسند الطبخ والاختمار إلى النجس، والأولى أن يكون الإسناد على طريقة واحدة.
قوله بعدما سبق إليها: ظاهره أنّه لو طرأ على الدهن لم يتعذّر أو لم يتعسّر مع أنّه متعسّر على كلّ حال.
قوله أو صبغ بصباغ منجوس: في كلام الشيخ عامر –رحمه الله- ما يدلّ على أنّه إذا اجتهد في غسله يُحكم له بالطهارة ويكون كأثر النجس الباقي بعد الاجتهاد في الغسل حيث قال:» وإن بقي أثر النجس بعد الاجتهاد في الغسل فإنّ بعضهم قال: يغيّره بما يخالف لونه، وهذا عندي منهم استحسان، وقال آخرون: لا يُكلّف في ذلك غير الاجتهاد، ولكنّه يغسل ما دام النجس ينتقص، وليس عليه أن يقطع ذلك المكان لأنّ قطعه فساد والله لا يحبّ الفساد، والدليل على هذا ما أجمعوا عليه أن من صبغيده بالصباغ المنجوس ليس عليه أن يسلخ جلده لأجل أثر الصباغ المنجوس حين لم يزل بالغسل، فكان هذا قياسا عليه «، والله أعلم (2).
__________
(1) - في المخطوطات: عُرِكَ.
(2) - المصدر السابق، 1/ 364، 365. (2/76)
صفحة 513
أو جُعل للحم ملحٌ منجوس، أو ما أشبه هذه الوجوه، من إدهان الرأس بدهن منجوس أو غيره من أجزاء الحيوان، أو عُقد الشعر على النجس، فإنّ هذا وأمثاله تتعذّر طهارته حتّى يُحلّ جميع ما عُقد على النجس أو يُعرك (1) حتّى تُتيقّن طهارتهُ، ويزال الدهن قبل غسل النجس، وبالله التوفيق.
--------------------
قوله أو جُعل للحم ملح منجوس ... الخ: قال في "الإيضاح":» وكذلك القديد إذا جعل له الملح المنجوس تصعب طهارته قبل زوال الملح وطعمه منه «(2)، فدلّ كلامه –رحمه الله- على أنّه يطهر.
قوله: ويزال الدهن قبل غسل النجس: [يعني بالتتريب مثلا] (3)، قال صاحب "الإيضاح" –رحمه الله-:» وكذلك الرأس الذي فيه الدهن إذا تنجّس تتعذّر طهارته من غير تتريب «(4).
- - -
__________
(1) - في المخطوطات: عُرِكَ.
(2) - المصدر السابق، 1/ 363.
(3) - زيادة من أ.
(4) - المصدر السابق، 1/ 363. (2/77)
صفحة 514
فصل في المسح: اعلم أنّ المسح منطوق به في السنّة لثلاثة أشياء، أحدها: في مسح أذى المخرجين بالأحجار، الثاني: في الخفين والنعلين لقوله - عليه السلام -:» إذا وطئ أحدكم الأذى بنعليه فإنّ التراب له طهور «(1)، والثالث: في ذيل المرأة الطويل لحديث أمّ سلمة قالت: يارسول الله إني امراة أطيل ذيلي و أمشي في المكان القذر، فقال:» يطهّره مابعده «(2)، وهذا لمّا كانت المرأة مأمورة بإطالة الذيل جعل الشارع ما بعده مطهِّراً له كما قدّمنا في الحديث، وهذا - عند العلماء فيما وجدت - إذا كان الذّيل جافا، ...
--------------------
قوله منطوق به في السنة ... الخ: ظاهره أنّه يكون مطهّرا لهذه الثلاثة، مع أنّه في أذى المخرجين لا يكون كافيا عندنا بل لا بدّ معه من الماء عند القدرة عليه كما سيأتي في باب الاستنجاء (3).
قوله «بنعليه ... الخ»: في"الإيضاح": «بخفَّيه فطُهرهما التراب» (4)، وكذلك رواه المصنّف-رحمه الله-فيما سيأتي في الوطء (5).
قوله إذا كان الذيل جافا ... الخ: يعني –والله أعلم- وكان النجس أيضا جافًّا فإنّه حينئذ لا يتعلّق بالذّيل شيء، لكن على هذا التأويل لا فرق بين الذيل وغيره لأنّ اليابس لا
__________
(1) - أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 328؛ وابن خزيمة في صحيحه، رقم: 292 (1/ 148)؛ والبيهقي في السنن الكبرى، رقم: 4045 (2/ 430).
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب جامع النجاسات، رقم: 150 (1/ 41)؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 133؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 326؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 524؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 25283؛ ومالك: كتاب الطهارة، رقم: 41؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 735، وأصل الحديث أنّ حُميدة أمّ ولد لعبد الرحمن بن عوف هي التي سألت أمّ سلمة عن ذيلها فأجابتها بحديثه - صلى الله عليه وسلم -.
(3) - باب الاستنجاء في صفحة: ... .
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 365.
(5) - في صفحة: 83. (2/78)
صفحة 515
والمعنى: أنّه ينثره لجفافه، وإن كان رطبا فلا بدّ من غسله كسائر النجاسات، فوردت السنّة بالمسح في هذه الوجوه الثلاثة؛ فأجازه قوم في أيّ محل حلَّته النجاسة إذا ذهبت عينها، وقوم قصروه على الوارد المتفق عليه في السنّة؛ والظاهر من قول أصحابنا أنهم أجازوه في كلّ جسم أملسٍ من الحديد والحجارة وأمثالها، ولم يجيزوه في الثياب ومحلّ الشعر من الأبدان والفروج وشقوق الأرجل، وما أشبه ذلك ممّا لا ينعري من النّجس غالبا إذا وقع فيه (1)؛ وقد أجازوه في ضرع الشاة إذا بالت عليه فتمرّغت في التراب، أو كان على ظهرها أو على منقار الدّجاجة أو ما أشبه ذلك إذا زال أثره، فحكموا بطهارتها، والله أعلم (2).
--------------------
يأخذ من اليابس مطلقا، لكن هذا التأويل بعيد عن ظاهر الحديث، فإنّ ظاهره يقتضي أنّه: تنجَّس ويطْهر بما بعده من السَّحْب على الأرض الطاهرة مثلا، والله أعلم، فليحرّر؛ اللهمّ إلاّ أن يقال: مراده أنّه إذا كان الذيل جافّا يطهر بالسَّحْب على الأرض سواء كان النجس رطبا أم يابسا، لكن لا يناسبه قوله: ينثره لجفافه، والله أعلم، فليحرّر.
قوله والظاهر من قول أصحابنا ... الخ: قال في "الإيضاح": «وأمّا المسح فإنّه عندهم يُطهّرُ جميع الأبدان إلاّ الفروج والأقدام المشقوقة ... الخ» (3).
قوله والفروج (4): فيه أنّه تقدّم قريبا أنّ المسح منطوق به في السنّة لثلاثة أشياء، أحدها: في مسح أذى المخرجيْن، اللهمّ إلاّ أن يقال: المراد أنّهم لم يجيزوه على أن يكون
__________
(1) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، وجه الورقة: 30 (مخطوط)؛ أبو يحي توفيق الجناوني، شرح في مسائل الطهارات، 08 (مخطوط).
(2) - ابن جعفر الأزكوي، الجامع، 1/ 286؛ ابن وصاف العماني، شرح الدعائم، 1/ 187، شرح البيت 87 من القصيدة 05.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 357.
(4) - في النسخ المخطوطة من الحاشية: والفرج. (2/79)
صفحة 516
وقالوا: إذا نجست يد الرجل فطلع بها نخلة أو حفر بها أو بنى أو احتطب أو عمل عملا يؤثِّر في إزالتها من اليد فقد طهُرت، وكذلك غير اليد من الحديد إذا قُطع به أوحُلق، أو نجست الرحى فطحن بها، أوحجرٌ فدُقّ به، أو ما أشبه ذلك حُكم بطهارته (1)، وهذا إذا مُسح موضع النجس سبع مرّات بسبعة أحجار أو في سبعة مواضع، ...
--------------------
كافيا وإن وردت به السنّة [يعني:] (2) لتخفيف العين، وأمّا الماء فللإنقاء وإزالة الأثر كما سيأتي، فلا منافاة، والله أعلم.
قوله نجِست يد الرجل: هو بالكسر في الماضي والفتح في المضارع، قال في"الصحاح": «نجِس الشيء بالكسر ينجَس نجسا فهو نَجْسٌ ونَجَسٌ أيضا، وقال ... تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:27]، قال الفراء: إذا قالوه مع الرِّجس أتبعوه إيّاه، قالوا: رِجْسٌ نِجْسٌ بالكسر ... الخ» (3).
قوله أو ما أشبه ذلك: قال في "الإيضاح": «وكذلك البيت إذا كُنس ثلاث مرّات أو مرّة على قول بعضهم، وكذلك عندهم يذهب النجس من القفيز والأوعية بتفريغها لما فيها من الزيت واستقصائها بتقطير الذي فيها، ويذهب بمجاري البلل بعد النجس مثل المخاط والرّيق، ويذهب من المبلولات الراشحة من الآنية مثل البقال وشبهه، والله أعلم» (4).
قوله وهذا إذا مُسح موضع النجس ... الخ: راجع إلى أصل المسألة.
__________
(1) - في الحجرية: فقد حُكم بطهارته.
(2) - سقط من الحجرية.
(3) - الجوهري: باب السين، فصل النون: نجس.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 367. ولفظة البقال لم نقف عليها فيما اطلعنا عليه من كتب اللغة، وما وقفنا عليه هو لفظة "البوقال":ضرب من الكيزان بلا عروة يشرب منها أهل مصر، وجمعها: بواقيل. وجاء في "العباب": الباقول. (ينظر: القاموس المحيط، وشرحه: تاج العروس). (2/80)
صفحة 517
وقيل: يجزيه ثلاث مرّات، والله أعلم (1).
و أما النضح: فقد وردت السنّة به في ثلاثة أشياء، أحدها: الحصير في حديث أنس بن مالك حين أكل النبيء - عليه السلام - طعاما عند جدّته، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس فنضحته بالماء (2)؛ ولم أر أصحابنا يعتبرونه إلاّ في الحصير إذا أرادواْ أن يغسلوا عليه الميّت ...
--------------------
قوله وقيل يجزيه ثلاث مرّات: زاد في"الإيضاح" قولا ثالثا وصدّر به، حيث قال: «وأمّاصفة المسح الذي يزول به النّجس فإنّهم اختلفوا في ذلك، قال بعضهم: لاحدّ في ذلك إلاّ الإنقاء لأنّ المراد بالمسح إزالة العين، وإذا أزال العين ولو بمرّة واحدة حُكم بطهارته ... الخ»، فذكر دليل كلّ قول (3).
قوله النضح: النضح هو إفراغ الماء من غير حكٍّ (4).
قوله جدّته: اسمها مُلَيْكة.
قوله ولم أر أصحابنا يعتبرونه: أي النضح في الحُصر على أن يكون مطهّرا لها إذا تُيُقِنت نجاستها، ويكون النضح في حديث أنس ليس لنجاسة مُتيقّنة، قال في "الإيضاح" في باب الاستنجاء: «فإن قال قائل: أفيجزيه النّضح إن بقي في يده شيء؟ قيل له: نعم يجزيه لأنّه قد ورد الشّرع بالنّضح في زوال النّجاسة الغير المُتيقّنَة،
__________
(1) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، الأوراق: 30 - 32 (مخطوط).
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب الإمامة في النوافل، رقم: 202 (1/ 54)؛ والبخاري: كتاب الصلاة، رقم: 367؛ ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم: 217؛ والترمذي: كتاب الصلاة، رقم: 217؛ والنسائي: كتاب الإمامة، رقم: 792؛ وأبو داود: كتاب الصلاة، رقم: 517؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 11890؛ ومالك: كتاب النداء للصلاة، رقم: 326؛ والدارمي، كتاب الصلاة، رقم: 1256.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 365.
(4) - في الحجرية: من غير تعريك. (2/81)
صفحة 518
فإنّهم قالوا: تنضح (1) بالماء لئلاّ يسبق إليه النّجس (2)؛ الثاني: بول الرضيع في حديث عائشة - رضي الله عنه - ا قالت: كان يؤتى النبيء - عليه السلام - بالصبيان فيحنِّكُهم، فأوتي بصبي لم يأكل الطعام فأجلسه في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (3)؛
ولم يعتبره أصحابنا في هذا الحديث، ...
--------------------
الدليل: ماروي من طريق أنس بن مالك ... » فساق الحديث (4)، وقال في "فتح الباري": «يحتمل أن يكون النّضح لتليين الحصير أولتنظيفه أو لتطهيره، ولا يصحّ الجزم بالأخير، بل المتبادر غيره لأنّ الأصل الطهارة» (5).
قوله فيحنِّكُهم: في "الصحاح": «وحَنَكْت الصبيَّ وحَنَّكْته: إذا مضغت تمراً أو غيره ثمّ دلكتَه بحنَكِه، والصبي مَحْنُوك ومُحَنَّك ... الخ» (6).
قوله و لم يعتبره أصحابنا في هذا الحديث: انظر ما معنى هذا الكلام، وكيف يتأتّى لأصحابنا عدم اعتباره بعد صحّة الحديث، وهم يقولون: لاحظّ للنظر مع وجود الأثر، وكلام "الإيضاح" صريح في اعتباره حيث قال: «واختلف علماؤنا-رحمهم الله- في النّضح لأيّ نجاسة هو؟ قال بعضهم: مقصور على بول الطفل الذي لم يأكل الطعام ... »، إلى أن قال: «وقال آخرون: النّضح يجزي في غسل الأبوال كلّها، وما كان في معناها مثل الماء المنجوس مادامت رطبة ... الخ» (7).
__________
(1) - في أ ود: ينتضح.
(2) - البرادي، شرح الدعائم، ظهر الورقة: 214، شرح البيتين: 42، 43 من القصيدة: 06 في صلاة العيدين والجنائز، (مخطوط).
(3) - تقدّم تخريجه في صفحة: 56.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 42.
(5) - ابن حجر العسقلاني، 1/ 490.
(6) - الجوهري: باب الكاف، فصل الحاء: حنك.
(7) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 361، 362. (2/82)
صفحة 519
و قد وجدت أنهم يعتبرونه في أبوال المأكولات إذا بالت على غرائر الطعام أنهم قالوا:
يُصبّ على البول الماءُ فتُكفأ الغرارة، والله أعلم؛ الثالث: في المذي يصيب الذكر، فأمر - عليه السلام - أن يُنضح الذكر بالماء، وذلك في حديث عليّ حين سأل المقداد بن الأسود أن يسأل النبيء - عليه السلام - عن رجل دنا من امرأته فخرج منه مذي، فقال:» إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ذكره بالماء «(1)؛ وقال بعض العلماء: الغسل طهارة ما تُيقن نجاسته،
والنضح ما كان مشكوكا فيها.
وقوم فرَّقوا بين بول الغلام والجارية، فقالوا: ينضح بول الغلام (2)، ويغسل بول الجارية.
وأما الوطء: فقد وردت به السنة كما قدّمنا في النعلين، لحديث أبي هريرة عن النبيء - عليه السلام - أنّه قال:» إذا وطئ الأذى أحدكم بخفّيه فطهْرهما التراب «(3)؛ ...
--------------------
قوله وقال بعض العلماء ... الخ: هذا القول منابذ لظاهر الحديث، خصوصا في بول الصبي.
قوله وقوم فرَّقوا ... الخ: هذا الفرق مصرّح به في حديث عليّ، قال: سئل
النبيء - صلى الله عليه وسلم - عن بول الرضيع فقال: «ينضح بول الصبي ويُغسل بول الجارية» (4).
قوله كما قدّمنا: أي: في المسح، وقد استدلّ به فيما تقدّم على ثبوت المسح، وكذلك في ''الإيضاح'' ولم يذكر الوطء لأنّ الظاهر أنّ المسح يغني عنه (5).
__________
(1) - تقدّم تخريجه في صفحة: 57.
(2) - في الحجرية: الصبيّ.
(3) - تقدّم تخريجه في صفحة: 78.
(4) - أخرجه الترمذي: كتاب الجمعة، رقم: 555 وصحّحه؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 322؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 518. وفي رواية أبي داود قال - صلى الله عليه وسلم -: «يُغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام ما لم يطعم».
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 365. (2/83)
صفحة 520
فقال أصحابنا: إذا وطئ الرجل بنعليه أو خفّية نجسا فإنّ طهارتهما أن يمشي بهما حتى يزول الأثر، وقيل: سبع خطوات، وهذا إذا ذهب أثره، وهذا إذا لم تلتصق (1) النجاسة به وأمّا إذا التصقت فلا بدّ من الماء؛ وأمّا الرِّجل إذا نجست فلا ينقيها المشي، وقيل فيها غير ذلك إذا لم يكن فيها شقاق.
وأما النّار: فإنها تزيل النّجس عند أصحابنا من الأرض وما كان معمولا من أجزائها من أواني الطين والحديد وأمثالها، لأنّ النّار تأكل النّجس إذا أُلقي فيها، وقالوا: التّنور والفرن يطهّران مبلغ حرارتهما، وتطهّر الحديدَ وغيره إذا أحمي فيها، وكذلك أواني الطّين إذا سبق إليها النّجس أنها تُحمى في النار (2)، ...
--------------------
قوله فلا ينقِّيها المشي: انظر ما الفرق بين الخُفّ والنّعل وبين الرِّجل إذا لم يكن فيها شقاق؟ بل الظاهر أنّها أقبل للطهارة من الخُفّ، وقد نصّ في ''الإيضاح'' على أنّ المسح يُطهِّر الأقدام غير المشقوقة (3)؛ وما الفرق بين المسح والوطء؟ وهذا هو المشار إليه بقوله: وقيل فيها غير ذلك.
قوله مبلغ حرارتهما: يعني -والله أعلم- من الأرض وما كان معمولا منها، دون الخبز -مثلا- إذا عُجن بالنجس فإنّه لا يقبل الطهارة كما تقدّم.
قوله وكذلك أواني الطين ... الخ: الظاهر أنّه إنّما أعاد هذا مع الاستغناء عنه بقوله: وما كان معمولا من أجزائها من أواني الطين، لئلاّ يتوهّم أنّ أواني الطين إذا سبق إليها النجس لا تطهر إلاّ بالماء الذي يجعل فيها ثلاث مرّات في ثلاث ليال أو نحو ذلك
__________
(1) - في ب: تلتزق.
(2) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، الورقة: 29 (مخطوط).
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 357. (2/84)
صفحة 521
و الموضع المنجوس من الأرض إذا أوقد عليه النارمقدار ما لا تحتمله اليد فإنه يطهُر بذلك، والله أعلم (1).
وأما الزّمان: فإنه ينقّي النجس من الأرض وما تولّد من أجزائها
دون المعمول من نباتها، ...
--------------------
على ما تقدّم (2)، وعلى ما ذكره هنا يكون لتطهيرها طريقتان، والله أعلم.
قوله والموضع المنجوس من الأرض ... الخ: الظاهر أنّه إنّما أعاد هذا مع الاستغناء عنه بقوله: تزيل النجس عند أصحابنا من الأرض، لأنّه لم يبيّن هناك كيفية تطهير الأرض بالنّار فذكر هنا أنّها تُحمى حتّى لا يتحمّلها اليد، والله أعلم.
قوله فإنّه يطهر بذلك: يعني إذا لم يكن للنجس عين قائمة، وأمّا إذا كانت له عين قائمة فلا بدّ من زوالها على كلّ حال؛ والحاصل أنّ الموضع المنجوس من الأرض له مطهِّرات، يطهُر بالماء على ما تقدّم وبالنار وبالزمان، والله أعلم.
قوله دون المعمول من نباتها: جزم -رحمه الله- بأنّ المعمول من نباتها لا يطهر بالزمان، وكأنّه لم يعتدّ بقول من قال بخلاف ذلك؛ وذكر في ''الإيضاح'' في ذلك خلافا [حيث] (3) قال: «واختلفوا في المعمول ممّا أنبتت الأرض، قال بعضهم: يطهِّره الزمان، وقال آخرون: لا يطهِّره» إلى أن قال: «وكذلك جميع الحيوان عند بعضهم يطهِّره الزمان ... الخ» (4)، وقال في موضع آخر عند ذكر المدّة التي تَطهر بها الأشياء: «والحصيرعند بعضهم كذلك تطهر بسَنَةٍ إذا نجست، وهذه ... عندهم تسمّى دهرا، وهذا ... عندي منهم استحسان لأنّ الأصل في هذا زوال العين عين النجس»، والله أعلم (5).
__________
(1) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، وجه الورقة: 34 (مخطوط)؛ أبو يحي توفيق الجناوني، شرح في مسائل الطهارات، 11 (مخطوط).
(2) - في صفحة: 74.
(3) - زيادة من ج وهـ.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 358، 359.
(5) - المصدر السابق، 1/ 368، 369. (2/85)
صفحة 522
على قدر اختلافهم في تحديد ذلك في الصيف والشتاء، وخارج البيوت وداخلها؛ وكذلك النبات والثمار المتصلة بالأرض دون البائنة عنها ينقّيها الزمان، وقيل غير ذلك في البائنة عنها، والله أعلم (1).
وروي عن عمروس بن فتح -رحمه الله- أنه أمر بتين بال عليه الجديان أن يُنشر للشمس (2)، ...
--------------------
قوله على قدر اختلافهم في تحديد ذلك: ظاهره أنّ الطهارة بالزمان لا بدّ لها من مدّة، لكن اختلفوا في تحديدها، وذكر في ''الإيضاح'' أنّ منهم من لا يحدّ في ذلك حدًّا، لكن المختار عنده التحديد، قال: «وأمّا مقدار الزمان الذي يزول فيه النجس فإنّ الأصل فيه ما روي أنّه قال - عليه السلام -: «إنّ الأرض لا تحمل خبث بني آدم» (3)، ولذلك لم يحدّ بعضهم في ذلك حدًّا، وقال: الأرض مالم يُر عليها عين النجس قائما يحكم بطهارتها، وكذلك البدن عند بعضهم، وقال آخرون: لا يُحكم بطهارة الأشياء حتىّ يمرّ عليها زمان، وهذا القول عندي أصحّ ... الخ»، والله أعلم (4).
قوله المتّصلة بالأرض: أي بأن كانت في أشجارها، وأمّا إذا انتشرت على الأرض فالظاهر أنّه من البائنة بدليل ما بعده من المقابلة.
__________
(1) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، وجه الورقة: 33 (مخطوط).
(2) - المصدر السابق، وجه الورقة: 34 (مخطوط)؛ وقد رويت المسألة عن الشيخ أبي عمران موسى بن زكرياء المزاتي (ق4هـ) جوابا عن سؤال الشيخ أبي سليمان بن زمرين، وهذا عند: الوسياني، السير، 344 (مخطوط)؛ المعلّقات، ظهر الورقة: 11 (مخطوط). والشيخ عمروس بن فتح تقدّمت ترجمته في هذا الكتاب، 1/ 371، ملحق التراجم، رقم: 40.
(3) - لم نقف عليه بهذا اللفظ، وفي معناه روي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الأرض لا تنجس، إنّما ينجس ابن آدم»، وهذا لمّا وفد عليه وفد من بني ثقيف فضرب لهم قبّة في المسجد، فقيل له إنّهم مشركون. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، رقم: 4132 (2/ 445)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 13) باختلاف في لفظه؛ وأبو داود في المراسيل، (ينظر: الزيلعي، نصب الراية، 4/ 270؛ ابن حجر العسقلاني، تلخيص الحبير، 1/ 287).
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 367. (2/86)
صفحة 523
وكذلك قيل في جوابات [الإمام] (1) أبي سهل أنه رخّص في ثمار نخيل أصابها روث ذي مخلب من الطير أن تُقشّر وتؤكل، والله أعلم (2).
وأما الدّباغ: فإنّما هو طهارة الأديم، لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم -:» دباغ الأديم طهارته «(3)؛
و قد اختلفوا في جلود الميتة أيضا، فمنع الانتفاع بها قوم على كلّ حال، ...
--------------------
قوله أن تقشَّر: لعلّه أن تنشر ليكون مناسبا لِما نحن فيه، وأمّا قشر النّجس وأكل ما بقي فليس برخصة، وفي بعض النسخ: أن تنشر، بالنون وهو الصواب، لكن في كونها تؤكل بمجرّد النشر ولو لم يزل عين الروث غير ظاهر، إلاّ أن يكون المراد: أن تنشر ويزول عين النجس، والله أعلم.
قوله أيضا: غير ظاهر فالأولى تركه.
قوله فمنع الانتفاع بها قوم على كلّ حال: قال في ''الإيضاح'': «قال بعضهم: لا يجوز الانتفاع بها دبغت أو لم تُدبغ، لحديث ... الرسول - عليه السلام -، وذلك أنّه كتب إلى أناس قبل موته بشهر: ألاّ تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ولا تشركوا بالله شيئا ... » (4).
__________
(1) - زيادة من ب.
(2) - أبو سهل اللاّلوتي، الجوابات، 62، 63 (مطبوع ضمن مجموع)؛ وأبو سهل هو البِشر بن محمّد التندنمرتي البستوني من علماء الإباضية في ق4هـ، انظر ترجمته في الملحق، رقم: 03.
(3) - أخرجه الطبراني في الصغير، رقم: 523 (1/ 316) بلفظ: «دباغ الأديم طهوره»؛ وفي رواية: «دباغ الأديم ذكاته»، أخرجها البيهقي في السنن الكبرى، رقم: 71 (1/ 21)؛ والدارقطني في سننه، رقم: 13 (1/ 45)؛ والطيالسيّ في مسنده، رقم: 1253؛ وروي بألفاظ وطرق أخرى.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 326، 327؛ والحديث أخرجه بهذا اللفظ وبدون زيادة «ولا تشركوا بالله شيئا»، كل من الترمذي: كتاب اللباس، رقم: 1651 وحسّنه؛ والنسائي: كتاب الفرع والعتيرة، رقم: 4176؛ وأبو داود: كتاب اللباس، رقم: 3598؛ وابن ماجة: كتاب اللباس، رقم: 3603؛ وأحمد: مسند الكوفيين، رقم: 18029؛ وغيرهم كالطحاوي في "شرح معاني الآثار"، وعبد بن حميد في مسنده، والطبراني في الأوسط وفي الصغير، والبيهقي في الكبرى، وابن حبان في صحيحه. (2/87)
صفحة 524
وأجاز آخرون (1) الانتفاع بها بعد الدباغ، لقوله - عليه السلام -:» أيما إهاب دبغ فقد طهر «(2)،
وقوله - عليه السلام -:» إنما حُرِّم أكلها «(3)، فدباغ أديم الميتة طهارته، كما أنّ طهارة
أديم المذكاة ذكاته.
--------------------
قوله وأجاز آخرون الانتفاع بها ... الخ: فعلى هذا يُحمل الحديث الذي يدلّ على عدم الانتفاع بجلود الميتة على ما قبل الدّباغ، لأجل الجمع بين الأحاديث، قال في ''الإيضاح'':» واختلف القائلون أيضا بجواز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدّباغ في جلود ميتة السباع هل يطهِّرها الدّباغ أم لا؟ وسبب اختلافهم: هل تصحّ فيها الذكاة أم لا؟ ... الخ» (4)، وذلك لأن الدّباغ بالنسبة إلى جلود الميتة كالذكاة بالنسبة إلى اللحم مثلا.
قوله إِهاب: أي بالكسر، في ''الصحاح'': «والإهاب: الجلد مالم يُدبغ، والجمع: أَهَبٌ على غير قياس ... الخ» (5).
قوله فدباغ أديم الميتة طهارته ... الخ: لو قال: فطهارة أديم الميتة دباغه كما أنّ طهارة أديم المذكَّاة ذكاته، لكان أظهر ليحصل التشبيه بين الدباغ والذكاة، والله أعلم.
__________
(1) - في أ وج: الآخرون.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب أدب الطعام والشراب، رقم: 389 (1/ 98)؛ والترمذي: كتاب اللباس، رقم: 1650 وصحّحه؛ والنسائي: كتاب الفرع والعتيرة، رقم: 4168؛ وابن ماجة: كتاب اللباس، رقم: 3599؛ وأحمد: مسند بني هاشم، رقم: 1797؛ والدارمي: كتاب الأضاحي، رقم: 1902؛ وبنحوه بلفظ متقارب: مسلم: كتاب الحيض، رقم: 547؛ وأبو داود: كتاب اللباس، رقم: 3594؛ ومالك: كتاب الصيد، رقم: 943.
(3) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب أدب الطعام والشراب، رقم: 389 (1/ 98)؛ والبخاري: كتاب الزكاة، رقم: 1397؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 542؛ والنسائي: كتاب الفرع والعتيرة، رقم: 4162؛ وأبو داود: كتاب اللباس، رقم: 3594؛ وابن ماجة: كتاب اللباس، رقم: 3600؛ وأحمد: مسند بني هاشم، رقم: 2251؛ ومالك: كتاب الصيد، رقم: 942؛ والدارمي: كتاب الأضاحي، رقم: 1905.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 328.
(5) - الجوهري: باب الباء، فصل الألف: أهب. وجاء أوّل التعليق في الحجرية: أي بكسر الهمزة في ... . (2/88)
صفحة 525
و كيفية الدّباغ: نزع الفضلات بالأشياء المعتادة عند الناس، كقِشر الشجر من الطرفاء والجوز والرتم وأشباهها، ويكون الدّباغ بالثمار أيضا كالتين والتمر والزيتون وغيرها من ثمار الشجر البري؛ واختلف في الملح والشمس والتراب وأشباه ذلك، ...
--------------------
قوله من الطَّرْفاَءِ: في ''الصحاح'': «والطَّرْفَاءُ –يعني بالمدِّ-: شجرٌ، الواحدة: طَرَفَةٌ، وبها سُمِّي طَرَفَةُ بن العبد» (1).
قوله والرَّتَمُ: هو بالتحريك والتاء المثناة ضربٌ من الشّجر (2).
قوله واختلف في الملح والشمس: في بعض النسخ: في الملح المُشَمَّسِ، وليس بصواب (3).
__________
(1) - الجوهري: باب الفاء، فصل الطاء: طرف. وشجر الطرفاء شجر ذو شوك يكثر نباته في الأودية والجبال المائية، ورقه دقيق مفتول غير منبسط، وهو ليس له خشب وإنّما يخرج عصيًّا سمحة في السماء، وقشره أحمر اللون، لذا يقال: أحمر من طرفاء، ثمر بستانيِّه كالعفص، وبريُّه لا ثمر له. (ابن منظور، لسان العرب: طرف، فتل، خلج؛ ... عبد الله البكري، معجم ما استعجم: الأبواء؛ داود الأنطاكي، تذكرة أولي الألباب، 237).
(2) - شجر الرتم مفرده: رَتَمَةٌ، وهو نبات صحراوي من دِقِّ الشجر، من الفصيلة القرنيَّة، له ورق دقيق وزهر أصفر وبذر كالعدس، رائحته تقرب من الشيح، وسمّي بالرّتَم لدقّته تشبيها بالرتم عند العرب وهو عقد غصن من هذا النبات في يد من تطلب منه حاجة لئلاّ ينسى. (الفيروزابادي، القاموس المحيط، باب الميم، فصل الراء: رتمه؛ الأنطاكي، تذكرة أولي الألباب، 171؛ الموسوعة العربية الميسّرة: رتم).
(3) - جاء في أ وج. مكان هذا التعليق ما يلي: قوله اختلف في الملح المشمَّس: هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولعلّه: واختلف في الملح والشمس، فإنّه لم يظهر لتقييد الملح بكونه مشمّسا معنى، وقد أطلق في الإيضاح حيث قال:» ويكون الدباغ أيضا بالتمر والتين والزيتون والرمّان والملح عند بعضهم»، اللهمّ إلاّ أن يقال: التقييد أُخذ من حمل الحديث على اجتماعهما في قوله - عليه السلام -: «الشمس والملح دباغ»، فلا يحتمل أن يكون عند اجتماعهما، ويحتمل أن يكون كلّ واحد منهما دباغا، [ثمّ رأيت في نسخة: والشمس، ولعلّها هي الصواب إن شاء الله فيكون موافقا لكلام الإيضاح]. (الإيضاح، 1/ 369؛ ومابين المعقوفتين انفردت به ج). (2/89)
صفحة 526
وقد ذُكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:» الشمس والملح دباغ «(1).
واختلف (2) أيضا في قرون الميتة وعظامها وأظلافها، هل يؤثر فيها الدّباغ؟ فقيل: تطهر بالدباغ، وقيل: لا يؤثّر فيها؛ واختلف في صوف الميتة وشعرها، فقيل: لا يؤثر فيها الدّباغ إلاّ إن كانت متّصلة بالجلد غير بائنة، وقيل: يؤثر فيها وإن كانت بائنة عن الجلد، والله أعلم (3).
ثمّ اختلف في بيع المدبوغ من جلود الميتة، والصلاة به، ...
--------------------
قوله إلاّ إن كانت متّصلة بالجلد: يعني لأنّها تصير تابعة للجلد في الطهارة بالدّباغ، لأنّه رُبَّ شيء يصحّ تبعاً ولا يصحّ استقلالا، فلابدّ في طهارتها عند هؤلاء من التتريب كما سيأتي.
__________
(1) - لم نقف في كتب الآثار التي اطّلعنا عليها على حديث ينصّ على أنّ ممّا يُدبغ به الشمس والملح، اللهمّ إلاّ الملح في حديث عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «استمتعوا بجلود الميتة إذا هي دبغت، ترابا كان أو رمادا أو ملحا أو ما كان، بعد أن يزيد صلاحه»، أخرجه الدارقطني والبيهقي. وورد التطهير بالملح والشمس للمُرِّيِّ الذي يعمل بالشام، بأن يؤخذ الخمر فيجعل فيها الملح والسمك وتوضع في الشمس فتتغيّر عن هيأتها، جاء هذا في حديث أبي الدرداء قال:» ذبَح الخمرَ الملحُ والشمسُ والنِينَانُ»، أخرجه البخاري في صحيحه موقوفا، وكذا أبو البشر الدولابي وابن أبي شيبة والطحاوي وعبد الرزاق؛ ووصله كلّ من إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" وابن الأثير في "النهاية"، (راجع: الزيلعي، نصب الراية، 1/ 118؛ ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، 2/ 153 (مادّة: ذبح)؛ ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، 9/ 619).
علما أنّ الدباغة بالملح والشمس لا يجيزها إلاّ الإباضية والحنفية،
(راجع: الصنعاني، سبل السلام، 1/ 45).
(2) - في ب والحجرية: اختلفوا.
(3) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، ظهر الورقة: 18 (مخطوط). (2/90)
صفحة 527
فقيل: [إنّه] (1) جائز لأنه طاهر الباطن والظاهر جميعا، وقيل: طهارته مخصوصة بالاستعمال في اليابسات و في الماء وحده من بين سائر المائعات، والله أعلم (2).
وأما التّترّب: فهو طهارة صوف الميتة ووبرها، وذلك أنهم قالوا: تُترّب بما لا يلتزق بها كالتربة البيضاء و الجبس و الرّمل و نحوها سبع مرات بسبعة أعواد في سبعة أمكنة، ...
--------------------
قوله وقيل طهارته ... الخ: جَعْلُ هذا مقابلا لقوله: فقيل إنّه جائز يقتضي أنّه على هذا لا يجوز بيعه، وهو غير ظاهر، فإنّ الشيء إذا كانت فيه منفعة ولو كانت واحدة (3) فإنّه يجوز بيعه لأجل تلك المنفعة كما نصّوا عليه في البيوع، والله أعلم (4).
قوله وفي الماء وحده ... الخ: الظاهر أنّ صاحب هذا القول إنّما فرَّق بين الماء وغيره من المائعات لأنّ الماء له قوّة الدفع عن نفسه، ويُفرَّق بين قليله وكثيره، وهو أقلّ قبولا للنجاسة من غيره، والله أعلم.
قوله وأمّا التترّب: فهو طهارة ... الخ: هذا أمر عجيب يؤخذ تقليداً، فإنّ اتّفاقهم على أنّ صوف الميتة ووبرها وشعرها غير ميتة يدلّ على أنّها طاهرة، وكلامهم هنا صريح في نجاستها وأنّها لا تطهرُ إلاّ بشيء خاصّ؛ اللهمّ إلاّ أن يقال: المراد أنّها متنجّسة بمجاورة الميتة لما يصيبها من فضلاتها، أو يُحمل على ما إذا نُزع الصّوف من أصله، والله أعلم.
__________
(1) - سقط من نسخ القواعد المعتمدة.
(2) - قال المحشّي في حاشيته على الإيضاح: «وأمّا الجلد فالظاهر يجوز بيعه وإن كان ميتة لأنّه يقبل الطهارة بالدباغ، فإنّه بمنزلة الثوب المنجوس، فيجب عليه أن يبيّن ذلك عند البيع»، (الإيضاح، 3/ 11). وقال القطب اطفيش: «التحقيق جواز بيع ما يدبغ بإعلام، وإلاّ فعيب، أو بعد الدبغ لا قبل»، (الذهب الخالص، 101).
(3) - في ج: ولو كانت فيه نجاسة فإنّه ... .
(4) - انظر: عامر بن علي الشماخي، الإيضاح، 3/ 17، وفيه أمثلة لذلك. (2/91)
صفحة 528
وقيل: يكفي فيها ثلاث مرات بثلاثة أعواد في ثلاثة أمكنة؛ و أما ما يلتزق بها كالثرى و تراب السّباخ والرّماد ومدقوق النّبات فلا يُطهّرُها، وكذلك الغسل بالماء لا يطهِّرها إلاّ إن اختلط مع التراب والتربة البيضاء، و الله أعلم (1).
و إن وُجد فيها جلد الميتة ملتزقا بها فلا ينقيها التترب ولا الغسل حتى يُنزع عنها؛ وإن عُمل منها الثياب قبل التترُّب فإنها تغسل بالماء مع التربة البيضاء، والله أعلم (2).
وأمّا الرّيح والشّمس والمطر: فإنها طهارة الأرض، وجميع أجزائها ونباتها المتّصل بها وما يخرج من معادنها؛ و اختلف في الثمار البائنة عنها، وفي [الـ]ـــمعمول [من] نباتها (3).
--------------------
قوله و أمّا الرّيح والشمس والمطر ... الخ: تقدّم أنّ فيه تأمّلاً (4)، فإنّ ظاهر صنيعه يقتضي أنّه لا بدّ من اجتماعها حتّى تحصل الطهارة بها، حيث جمعها في موضع واحد وجعلها قسيما لغيرها من المطهّرات، مع أنّ الظاهر أنّ المطر مستقل ولا يعتبر معه مدّة، كما يشهد له قوله: واختلف في المدّة التي تطهر بالشمس والريح ... الخ، فينبغي أن يُجعل وحده قسيما لغيره، وأنّ الشمس والريح تابعان للزمان، وأنّهما إن وُجدا معه قصُرت مدّة التطهير وإلاّ طالت كما بُيّن غير مرّة، فلا ينبغي أن يُفردا عنه، والله أعلم فليحرّر.
قوله واختُلف في الثمار ... الخ: الظاهر أنّ المطر هو المُطهّر لذلك دون الشمس والريح، إلاّ على قول من قال: إنّ الزّمان مطهّر لذلك، قال في ''الإيضاح'' في النضح:» غير أنّ علماءنا ... قال بعضهم: ... المطر الغزير يُطهّر الثّوب والجسد ... جميعا ... الخ» (5).
__________
(1) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، ظهر الورقة: 19 (مخطوط).
(2) - المصدر السابق، ظهر الورقة: 20 (مخطوط).
(3) - المصدر السابق، وجه الورقة: 33 (مخطوط). وما بين المعقوفتين زيادة من أ والحجرية.
(4) - في صفحة: 57.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 362. (2/92)
صفحة 529
و اختلف في المدّة التي تَطهُر فيها بالشمس والريح، فقيل: سبعة أيام في الصيف، وأضعاف ذلك في الشتاء، وقيل: غير ذلك.
و إذا ذهب عين النجاسة عن الأرض بشمس أو ريح أو وطء أو مدّة -كما قدّمنا- فقد طهُر المحلّ ولو بقي الأثر.
وكذلك الأثر إذا بقي في الثوب بعد الغسل حتى لا ينتقص [به] (1) فإنه يطهر؛ وكذلك إذا ذهب الأثر وبقيت الرائحة في الأرض أو في الثوب فلا بأس.
--------------------
قوله وأضعاف ذلك: لو قال: وضعف ذلك، لكان أظهر، قال في ''الصحاح'': «وضِعْفُ الشيء مثلُه، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله ... الخ» (2)؛ والمراد أنّ مدّة التّطهير في الشتاء أربعة عشر يوما، لكن هذا مخالف لما ذكره في ''الإيضاح'' من سبعة أيام في الصيف وخمسة عشر يوما في الشتاء لِما لا تصيبه الشمس والريح، وقد جعله المصنِّف –رحمه الله- لما تصيبه فليُنظر، اللهمّ إلاّ أن يقال: أشار إلى ما ذكره في ''الإيضاح''بقوله: وقيل غير ذلك، والله أعلم (3).
__________
(1) - زيادة من د.
(2) - الجوهري: باب الفاء، فصل الضاد: ضعف.
(3) - هذا غير ظاهر فإنّ الجيطالي –رحمه الله- خصّ الاختلاف في المدّة التي تُطهِّر الشمس والريح، أمّا ما حكاه عن صاحب الإيضاح-رحمه الله- فإنّه المدّة التي يطهّر فيها الزمان ما لا تصيبه الشمس والريح، فالفرق واضح بين المطهّرين، فانظر بأيّ معنى يتّجه كلام المحشّي من حمل كلام الجيطالي علىكلام صاحب الإيضاح. والمتبادر أنّ الجيطالي ساق في المدّة التي تطهّر فيها الشمسُ والريحُ القول الأحوط، إذ أورد العزابة في كتاب الطهارات من "الديوان" (ورقة: 33) ثلاثة أقوال أخرى هي في المدّة أقلّ ممّا ساقه المصنّف. (2/93)
صفحة 530
أمّا معاطن الإبل وأمثالها من المزابل والمجازر فإنهم قالوا: لا ينقّيها (1) إلاّ مطر سنة وريحها، وقيل: معاطن الإبل الرّملية إذا ذهب أثرها بالرّيح والشمس فقد طهُرت (2).
و إذا كان النّجس في موضع لا تصل إليه الشّمس والرّيح فإنهم قالوا: الدّهر طهارتُه، وينقّي الأرضَ وجميع أجزائها ونباتها المتصل بها إذا لم يكن معمولا، والله أعلم.
--------------------
قوله إلاّ مطرُ سنة وريحها: لو قال: لا ينقِّيها إلاّ مرور سنة –مثلا- لكان أظهر، كما عبّر به في ''الإيضاح'' (3)، سواء وجِد المطر أم لا، وكأنّه إنّما ذكره لأنّه من لوازم كلّ سنة في الغالب، والله أعلم.
قوله فإنهم قالوا: الدّهر طهارته: في هذا الكلام نظر، فإنّ ظاهره يقتضي أنّ ما لا تصيبه الشّمس والرّيح لا يطهر إلاّ بالدّهر على اختلافهم في مقداره، وأقصر ما قيل فيه أربعون يوما على ما حكاه -رحمه الله-، وهذا مخالف لنصّ ''الإيضاح'' حيث قال: «واختلفوا في مقدار الزّمان، قال بعضهم: ... الزّمان خمسة عشر يوما، وقال آخرون: سبعة أيام، وقال آخرون: ثلاثة أيام، واستعملوا خمسة عشر يوما لما لا تصيبه الشمس والريح في الشتاء في داخل البيوت، وسبعة أيام لِما تصيبه الشمس خارجا في الشتاء، وفي الصيف سبعة أيام داخلا، وثلاثة أيام خارجا ... الخ» (4).
قوله وينقِّي الأرض ... الخ: هذا مستغنى عنه بقوله: واختلف في المدّة التي تطهر فيها ... الخ وبما تقدّم في الزمان (5)، فإنّه إذا كانت المدّة القصيرة تُطهِّر، فالدهر من باب أولى، والله أعلم.
__________
(1) - في ج: يطهّرها.
(2) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، وجه الورقتين: 13، 34 (مخطوط).
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 368.
(4) - المصدر السابق، 1/ 367، 368.
(5) - في صفحة: 85. (2/94)
صفحة 531
واختلف في الدّهر فقيل: هو سنة، وقيل: ستة أشهر، وقيل: [ثلاثة] (1) أشهر، وقيل: شهران اثنان، وقيل: أربعون يوما، والله أعلم (2).
و أما الرّشح: فهو طهارة القلال الراشحة؛ ومواضعِ الزقاق المُبْتًلَّة، إذا بلغها النّجس من خارجها فرشحت الماء حتى زال أثر النّجاسة فقد طهرت
وطهُر جميع ما بلغ بللها (3).
--------------------
قوله ومواضع الزقاق: يُحتمل-والله أعلم- أن تكون الإضافة في قوله: مواضع على معنى اللام، أي: مواضع للزّقاق حلّت فيها، أو على معنى في، أي:
مواضع في الزقاق ... الخ، وآخر كلامه يدلّ على إرادتهما معاً، حيث قال:
فقد طهرت وطهر جميع ما بلغ بللها، والله أعلم، فليحرّر.
قوله الزقاق: في ''الصحاح'': «الزّقّ: السِّقاء، وجمع القلَّة: أزْقاق، والكثرة:
زِقاق وزقَّان ... الخ» (4).
قوله المبتلة: أي: الراشحة، وكأنّه غيّر العبارة تفنُّنا.
قوله إذا بلغها النّجس من خارجها: ظاهره أن الرّشح لا يُطهِّر إلاّ النّجاسة التي تكون من خارج، وقد أطلق في ''الإيضاح'' حيث قال: «ويذهب من المبلولات
الرّاشحة من الآنية مثل البقال وشبهه» (5)، والظّاهر صنيع المصنّف
-رحمه الله- فليحرّر.
__________
(1) - زيادة من ج.
(2) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، ظهر الورقة: 34 (مخطوط).
(3) - في نسخ القواعد المعتمدة: يبلغ، إلاّ أ فإنّها موافقة لنسخة المحشّي.
(4) - الجوهري: باب القاف، فصل الزاي: زقق.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 367. (2/95)
صفحة 532
والفاكهة إذا غذيت بالماء المنجوس فقيل: طهارتها أن تسقى بالماء
الطاهر ثلاث مرّات (1).
وكذلك القلال المطبوخة بالعذرة قيل: طهارتها أن تحمى بالحطب
الطاهر ثلاث مرّات.
وقد قالواْ أيضا: الكنس طهارة الموضع المنجوس إذا كُنِس سبعا، وقيل: ثلاثا، وهذا إذا زالت عين النّجس (2).
واختلف في دخّان النّجس وجميع ما يقوم عن مواضعه من الغبار ودخان الحطب المنجوس ورماد النّجس وما أشبه ذلك، ...
--------------------
قوله والفاكهة ... الخ: لو قال: والبقل إذا غُذي بالماء ... الخ، لكان أظهر، لأنّه هو الذي يتأثر بسرعة، وعبارة ''الإيضاح'' في صفة إزالة النّجاسة بالماء وفي العدد هل هو شرط
أو لا: «حتّى قالواْ: إنّ البقل إذا سُقي بالنّجس يُطهّره السّقي بالماء ثلاث
مرّات ... الخ» (3)، ولعلّه أراد بالفاكهة: البقل، ولكن هذا بعيد من المعنى اللغوي،
قال في ''القاموس'': «والفاكهة: الثّمَرُ كلُّه» (4).
قوله وقيل ثلاثا: زاد في ''الإيضاح'': «أو مرّة واحدة على قول بعضهم» (5).
__________
(1) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، ظهر الورقة: 33 (مخطوط).
(2) - المصدر السابق، وجه الورقة: 35 (مخطوط).
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 364.
(4) - الفيروزابادي: باب الهاء، فصل الفاء: الفاكهة.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 367. (2/96)
صفحة 533
فقيل: ما قام من النجس فهو نجس على حكم الأصل، وقيل: ما قام من النّجس طاهر لأنّ النّجس أكلته النار (1)، والله أعلم [وأحكم]، وبه الحول والتوفيق (2).
--------------------
قوله على حكم الأصل: قال في ''الإيضاح'': «وذلك أنّ ما تنجّس عينه لا يكون
بعضُه طاهرا» (3).
قوله لأنّ النّجس أكلته النّار: هذا التعليل قاصر، لأنّه لا يشمل الغبار والرّيح التي تخرج من جوف ابن آدم وتلاقي البلل منه، قال في ''الإيضاح'': «ولعلّهم إنّما راعواْ في هذا ارتفاع أعلام النّجاسات التي هي: اللّون والطّعم والرّائحة» (4).
- - -
__________
(1) - العزابة، الديوان، كتاب الطهارات، ظهر الورقتين: 11، 13، وجه الورقة: 27 (مخطوط).
(2) - ما بين المعقوفتين زيادة من ج؛ وفي ب: وبالله التوفيق؛ وسقط من أ ود: وبه الحول والتوفيق.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 349.
(4) - المصدر السابق، 1/ 349. وقد اختلف الفقهاء في حكم ما يقوم من النجس أو يتحول منه، كالغبار والدخان والريح والرماد والجمر، وسواء في ذلك ما كان نجسا لذاته أو متنجّسا. والذي صححه القطب أطفيش -رحمه الله تعالى- هو طهارة الريح والدخان القائم من النجس لذاته أو من المتنجس، وعلل ذلك بأنه لا توجد فيهما ذات النجس ولا طعمه ولا لونه، أما الرائحة فلا يُحكم بها على النجس. وممن قال بطهارة دخان النجس المالكية على الراجح والإمامية، وانتصر له ابن رشد.
كما أنه –أي القطب- صحح نجاسة الغبار القائم من النجس، لأن غبرة النجس جسم رقيق من جسم غليظ؛ وكذا الرمادُ والجمرُ ذهب إلى نجاستهما إذا كانا من النجس لذاته، لأن صيرورة النجس جمراً أو رماداً لا يصيّره طاهراً، وهو ذات واحدة تغيّر لونها، أما إذا كانا من المتنجس فإنهما طاهران، لأن المتنجّس لغيره تزول نجاسته بمزيل كالنار.
(الذهب الخالص، 102؛ شرح النيل،1/ 420). (2/97)
صفحة 534
المقدّمة الرّابعة في الاستنجاء
ومعنى الاستنجاء إزالة [النّجس، من] (1) النّجو، وهو الحدث بنفسه، وتسميته بذلك تجوُّزٌ واتّساعٌ، كما يسمّى غائطا، فالنّجو: المكان المرتفع في لغة العرب، كما أنّ الغائط: المكان المنخفض، فسمّوا المكان باسم الحدث توسّعا ومجازا.
ويتفرّع من هذه المقدّمة فصلان يشتملان على معاني الاستنجاء، ...
--------------------
قوله ومعنى الاستنجاء: أي: في اللغة، قال في "الصحاح": «واستنجى: أي مسح موضع النجو أو غسله ... الخ» (2)، وأمّا معناه في الشرع فإنّه: إزالة أثر
النّجو بالماء خاصّة.
قوله وهو الحدث ... الخ: في "الصحاح": «والنجو: ما يخرج من البطن، ويقال: أنجى إذا أحدث ... الخ» (3)، وذكر أيضا أنّ النجو: السرّ بين اثنين، وأمّا المكان المرتفع فقد ذكره في "الصحاح" و"القاموس" (4) أنّ اسمه النجو والنّجاءة، وعبارة "الصحاح":
«والنجوة والنجاءة: المكان المرتفع الذي تظنّ أنّه نجاؤك لا يعلوه السيل» (5)، فعلى ما ذكره في اللغة يكون تسمية الحدث بالنجو حقيقة لا مجازا، نعم الغائط في الأصل ما ذكره المصنّف -رحمه الله-، وهو مجاز مرسل وعلاقته المجاورة.
قوله فسمّوا المكان باسم الحدث: لعلّه: فسمّوا الحدث باسم المكان، [ففي العبارة قلب] (6).
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - الجوهري: باب الواو والياء، فصل النون: نجا.
(3) - الجوهري: باب الواو والياء، فصل النون: نجا.
(4) - الفيروزابادي: باب الواو والياء، فصل النون: نجا.
(5) - الجوهري: باب الواو والياء، فصل النون: نجا.
(6) - زيادة من هـ. (2/98)
صفحة 535
لأنه لابدّ فيه من وجهين، أحدهما: استطابته (1) بالأحجار لإزالة العين المجتمعة، والثاني: الجمع بينها وبين الماء لإزالة العين والأثر جميعا.
الفصل الأول في الاستجمار
و قد تقدّم ذكره، ولكن صفة المستجمَر به ثمانية أشياء، وهو أن يكون طاهراً احترازا من العذِرة وغيرها من الأنجاس، جامدا احترازا من المائعات (2) كاللبن و العسل وغيرهما (3)، ...
--------------------
قوله استطابته بالأحجار: أي: وما يقوم مقامها على ما مشى عليه رحمه الله (4).
قوله ولكن صفة المستجمر به ... الخ: ظاهر هذا الاستدراك يقتضي أنّ صفته لم تتقدّم، مع أنّه تقدّم ما يغني عن الإعادة هنا حيث قال: وما يقوم مقامها من كلّ جامد طاهر منقّ ليس بمطعوم ولا بذي حرمة، اللهمّ إلاّ أن يقال: أعاده ليبيّن جميع المُحْتَرَزَاتِ، وليس في ذلك كبير فائدة، والله أعلم، فليحرّر.
قوله وغيرها من الأنجاس: لو اقتصر على قوله: وغيرها لكان أظهر، ليشمل المنجوسات أيضا، وقد يقال: أراد بـ الأنجاس ما يشمل المنجوسات، وأمّا الاقتصار فينافي عموم غيرها.
قوله كاللبن والعسل. . . الخ: لو اقتصر على قوله: احترازا من المائعات وترك التمثيل لكان أظهر، أو مثّل بالماء ليفهم منه حكم غيره من باب أولى.
__________
(1) - في د: الاستطابة.
(2) - في أ وب: المائعة.
(3) - في أ وج. ود: ونحوهما.
(4) - التعاليق من بداية المقدّمة الرابعة إلى هنا سقطت من ب ود. (2/99)
صفحة 536
منفصلا عن البدن احترازا من اليد و غيرها من البدن، منقّيا احتراز من الزّجاج والفحم والحديد الأملس ونحوه، ليس بذي مطعوم احترازا من الحبوب والثمار و ما قام عنها من الطعام و ما انفصلت عنه من قصب الزّرع وشماريخ النّخل ونحوها، ولا بذي حرمة احترازا من الملح والطعام وجدرات المساجد ومحلّ الكتابة من الألواح والأوراق ونحوها، ولا متعلّق به حقّ الغير احترازا من الرّوث والعظم و غيرهما من جميع ما لا يملكه ممّا ليس الناس فيه سواء، و لا فيه سرف (1) احترازا من الذّهب والفضة والجواهر النفيسة.
--------------------
قوله والفحم: في كون الفحم غير منقّ تأمّل، فإنّ الظاهر أنّه ينشِّف النجس.
قوله ليس بذي مطعوم: لو قال: ليس بمطعوم لكان أظهر، ثمّ الظاهر أنّ المراد بالمطعوم أعمّ ممّا كان مطعوما لنا أو لغيرنا، فيشمل مطعوم الجنّ ومطعوم بهائمنا وبهائمهم ليصحّ قوله: وما انفصلت عنه من قصب الزرع، ويكون مغنيا عن ذكر الروث والعظم بعد، والله أعلم.
قوله ولا بذي حرمة ... الخ: الظاهر أنّه مغن عن قوله: ليس بمطعوم، لأنّ كلّ مطعوم فهو ذو حرمة، إلاّ الروث إن قلنا لا حرمة له، لكن يخرج بقوله: ولا متعلّق به حقّ الغير، والله أعلم، فليحرّر.
قوله ممّا ليس الناس فيه سواء: ظاهره يقتضي أنّ ما كان النّاس فيه سواء يجوز تنجيسه، وذلك شامل لنحو الكلأ، مع أنّه لا يجوز تنجيسه لأنّه علف لدوابّنا، وقد يقال: خرج بقوله ولا متعلّق به حقّ الغير، لأنّه إذا احترز عن علف دوابّ الجنّ الذي هو الروث فعلف دوابّنا من باب أولى، والله أعلم.
__________
(1) - في د: إسراف. (2/100)
صفحة 537
وسنن إزالة هذه النجاسة من المخرجين خمس، إحداها: كون الأحجار وترا، ثلاثا فما زاد كما قدّمنا (1)، والثانية: مباشرة ذلك بالشّمال (2)، والثالثة: اتّقاء الاستنجاء بالعظم و الروث (3)، والرابعة: البداية بالقُبل قبل الدّبر، والخامسة: الاستبراء من البول قبل ذلك بالنّتر والسّلت كما قدّمنا قبل هذا (4)، والله أعلم.
--------------------
قوله كون الأحجار وترا ... الخ: الظاهر أنّه إنّما خصّ الأحجار بالذكر لأنّها الغالب في إزالة النّجاسة من المخرجين، وإلاّ فهي غير متعيّنة على ما مشى عليه -رحمه الله-، نعم هي متعيِّنة على ما ذكر الشيخ عامر -رحمه الله- في "الإيضاح" عن أصحابنا فليراجع (5).
قوله اتّقاء الاستنجاء ... الخ: الأولى تركه لما فيه من التّكرار مع ما تقدّم قريبا.
قوله الاستبراء من البول ... الخ: المراد بالاستبراء هنا: طلب البراءة من البول قبل ذلك، أي: قبل المسح بالأحجار، وذلك أن يسلت ذكره من العجان كما تقدّم، فلا يتكرّر مع قوله: البداية بالقبل قبل الدبر، والله أعلم.
قوله بالنّتر: -بالتاء المثنّاة الفوقانية- الجذب، في القاموس:» يقال استَنتَرَ من بوله: اجتذبه واستخرج بقيته من الذّكر عند الاستنجاء ... الخ «(6)، فقوله: والسلت كأنّه عطف تفسير، وفي بعض النّسخ: والنتر بالسلت، والأمر سهل (7).
__________
(1) - في صفحة: ... .
(2) - انظر ما تقدّم صفحة: ... .
(3) - انظر ما تقدّم صفحة: ... .
(4) - في صفحة: ... . وسقط من الحجرية: قبل هذا.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 23، 24، وقال:» ولا يستنجى بما سوى الحجارة ... لأنّ الحديث ورد في الحجارة «.
(6) - الفيروزابادي: باب الراء، فصل النون: النتر.
(7) - في النسخ المخطوطة من الحاشية جاء هذا التعليق معطوفا على ما قبله بصيغة: والنتر بالتاء ... الخ. (2/101)
صفحة 538
الفصل الثاني في كيفية الاستنجاء بالماء
ولابدّ عندنا فيه من الجمع بين الماء والأحجار، فالأحجار لتخفيف العين عن الموضع، ثم الماء للإنقاء و إزالة الأثر؛ وقد قال بعض أصحابنا فيما و جدت عنهم: إذا لم يفض البول على ثقبة الذكر أو رمى الغائط عن الدبر رميا أنه ليس عليه استنجاء، قال: لأنه مأمور بإزالة ما ظهر من النّجاسة دون ما بطن (1)، ووجدت مثل ذلك عن أكثر مخالفينا (2)، و هذه الرّخصة موجودة عن ابن عباس وغيره من الصّحابة والتّابعين (3)؛ ...
--------------------
قوله على ثقبة: في نسخة: عن ثقبة (4).
قوله لأنّه مأمور بإزالة ما ظهر ... الخ: هذا التعليل يقتضي أن يكون هذا متّفقا عليه، لأنّ الظاهر أنّه لا يذهب أحد إلى أنّه مأمور بإزالة ما بطن من النّجاسة، وأيضا كيف يسمّي هذا رخصة مع أنّه ثابت عن ابن عباس وغيره من الصّحابة والتّابعين، وإنّما قالوا بذلك في هذه الصّورة لعدم ظهور النجاسة كما بيّنه في التّعليل لا أنّهم رخّصوا في ترك استعمال الماء كما قد يُتوهّم حتّى أنّه لو وُجد في هذا الزّمان من كان على هذه الصّفة لكان غير مأمور بالاستنجاء أيضا، فلا يقابل قوله: وأمّا المعمول به عند أصحابنا أنّه لابدّ من الماء، والله أعلم فليحرّر.
فدلّ ذلك على أنّ الجمع بين الأحجار و الماء في الاستنجاء أفضل و أولى.
__________
(1) - ابن وصاف العماني، شرح الدعائم، 1/ 170، شرح البيت: 45 من القصيدة: 05.
(2) - أي جواز الاجتزاء بالأحجار ما لم يجاوز النجس المحلّين، فإن جاوزهما تعيّن وجوب الاستنجاء بالماء ولو بالاستجمار؛ وهذا ظاهر قول جمهور الفقهاء، انظر: ابن جزي الغرناطي، القوانين الفقهية، 1/ 60؛ ابن إسحاق المالكي، مختصر خليل، 12؛ أبو إسحاق الشيرازي، المهذب، 1/ 58 - 60؛ أبو بكر الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 1/ 19؛ ابن قدامة الحنبلي، المغني على مختصر الخرقي، 1/ 151؛ موسوعة الفقه الإسلامي، 701، مادّة: استنجاء.
(3) - منهم سعد بن أبي وقاص وابن الزبير وابن المسيب وعطاء، (الشوكاني، نيل الأوطار، 1/ 114).
(4) - وهو ما في النسخ المخطوطة من القواعد؛ وهذا التعليق انفردت به الحجرية. (2/102)
صفحة 539
وأمّا المعمول به عند أصحابنا أنه لابدّ من الماء، لأنّ ما قدّمناه إنما كان في الصّدرالأوّل حين قالت عائشة - رضي الله عنه - ا: إنما كانوا يتبعّرون بعرا و أنتم تثلطون ثلطا (1).
وقد أثنى الله تعالى على أهل قباء في إمرارهم الماء على أثر البول و الغائط، فدلّ ذلك على أنّ الجمع بين الأحجار والماء في الاستنجاء أفضل وأولى.
--------------------
قوله تثلطون: في ''الصحاح'':» ثَلَطَ البعير: إذا ألقى بعره رقيقا، وفي الحديث: ... » إنّهم كانوا يتبعّرون بعرا وأنتم تثلطون ثلطا ... « ... «(2)، وفي ''القاموس'':» ثلط الثور والبعير والصبيّ ... :سلح رقيقا ... الخ ... «(3).
قوله وقد أثنى الله تعالى على أهل قباء ... الخ: يعني في قوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُواْ وَالله يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ} [التوبة: 108] (4)، والظاهر أنّه ساقه للاستدلال على
__________
(1) - الأثر أخرجه البيهقي في الكبرى، رقم: 518، 519 (1/ 106)؛ الدارقطني في العلل، رقم: 425 (4/ 54)؛ وابن أبي شيبة في المصنّف، (1/ 179)؛ وعبد الرزاق في الجامع؛ وسعيد بن منصور في السنن، لكن عن علي بن أبي طالب لا عن عائشة، وبلفظ:» إنّ من كان قبلكم كانوا يبعرون بعرا وأنتم تثلطون ثلطا فأتبعوا الحجارة الماء ... «، وقد وصفه الحافظ الزيلعي بأنّه أثر جيّد، (الزيلعي، نصب الراية، 1/ 218؛ الهندي، كنز العمال، 9/ 521). والمروي عن عائشة في هذا الباب - رضي الله عنه - ا:» مرن أزواجكنّ أن يستطيبوا بالماء، فإنّي أستحييهم منه، فإنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله «، أخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 19؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 46؛ وابن أبي شيبة بنحوه في المصنّف (1/ 178).
(2) - الجوهري: باب الطاء، فصل الثاء، ثلط؛ وما أشار إلى أنّه حديث فهو ليس كذلك، بل أثر موقوف على علي بن أبي طالب كما تقدّم قبل.
(3) - الفيروزابادي: باب الطاء، فصل الثاء: ثلط.
(4) - روي هذا من طرق متعدّدة وبألفاظ مختلفة، منها ما جاء بصيغة:» يستنجون بالماء «، أخرج ذلك الترمذي وضعّفه، وأبو داود وابن ماجة والحاكم والبيهقي في الكبرى والطبراني في الكبير وابن حبان في الثقات وأبو الشيخ وابن مردويه. ومنها ما جاء بصيغة:» ونستنجي بالماء، فقال - صلى الله عليه وسلم -: هو ذاك فعليكموه «، أخرج ذلك ابن ماجة والحاكم= =وصحّحه ووافقه الذهبي، والبخاري في التاريخ الكبير. ومنها ما جاء بصيغة:» إنّ أحدنا إذا خرج من الغائط أحبّ أن يستنجي بالماء، فقال - صلى الله عليه وسلم -: هو ذاك «، أخرج ذلك الحاكم وصحّحه ووافقه الذهبي، الدارقطني في السنن، وابن الجارود في المنتقى، وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر وابن المنذر، وبنحوه الطبراني في مسند الشاميين. ومنها ما جاء بصيغة:» ما خرج منّا رجل ولا امرأة من الغائط إلاّ غسل دبره، أو قال مقعده، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ففي هذا هذا «، أخرج ذلك الحاكم وصحّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، والبيهقي في الكبرى، والطبراني في الكبير، وبنحوه كذلك. ومنها ما جاء بصيغة:» نستنجي بالماء من البول والغائط «، أخرج ذلك ابن مردويه، (يراجع: السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، تفسير الآية: 108 من سورة التوبة). (2/103)
صفحة 540
.. ... ... ... ... ... ... .... ... ... ... ...
--------------------
أنّ الاستنجاء بالماء واجب، لكن قوله في التفريع: فدلّ ذلك على أنّ الجمع بين الأحجار والماء في الاستنجاء أفضل وأولى غير ظاهر من وجهين، الأوّل: أنّه مناف لقوله: ولا بدّ عندنا فيه من الجمع بين الماء والأحجار ... الخ، والثاني: أنّه مناف لظاهر ما سيقت له الآية من الاستدلال على وجوب الاستنجاء بالماء كما فعل غيره (1)؛ اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ أفعل التفضيل في قوله: أفضل وأولى غير محمول على بابه، كما في قولهم: ''الناقص والأشجّ أعدلا بني مروان''، أي: عادلاهم (2)؛ وهنا المراد أنّ الجمع بينهما هو الذي فيه الفضل والحُسن بخلاف الاقتصار على أحدهما فإنّه ليس فيه فضل ولا حسن، فلا يجوز ارتكابه، خصوصا الاقتصار على الأحجار؛
__________
(1) - هذا بناء على أنّ مراد الجيطالي –رحمه الله- من سوقه الآية هو الاستدلال على الاستنجاء جاء بالماء واجب، ولكن يمكن كذلك أن يكون مراده من سوقها الاستدلال على وجوب الجمع بين الأحجار والماء، اعتمادا على رواية البزار في مسنده –وفي سندها ضعف- من أنّ الآية لمّا نزلت وكانت في أهل قباء، سألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: إنّا نُتبع الحجارة الماء، وبهذا المعنى يتّجه تفريع الجيطالي الذي اعترض عليه المحشّي، (ينظر عن هذه الرواية: الزيلعي، نصب الراية، 1/ 218؛ ابن حجر العسقلاني، تلخيص الحبير، 1/ 112).
(2) - أي لم يشاركهما أحد من بني مروان في العدل، وانفردا بهذه الصفة من بينهم، بخلاف ما إذا كان أفعل التفضيل محمول على بابه فإنّه يفيد اشتراك بني مروان كلّهم في صفة العدل إلاّ أنّ الناقص والأشجّ يفضلان عنهم بزيادة فيها، والصيغة التي تفيد ذلك قولهم: الناقص والأشجّ أعدل من بني مروان؛ والأشجّ عمر بن عبد العزيز بن مروان، سمّي بذلك لشجّة أصابته بضرب الدابّة؛ والناقص يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، سمّي بذلك لنقصه أرزاق الجند. (محمّد بن علي الصبّان، حاشية على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، 3/ 51). (2/104)
صفحة 541
. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
--------------------
أو يقال: إنّه محمول على بابه ولكن المعنى: أفضل وأولى من الاقتصار على الماء، فيكون موافقا لما ذهب إليه قومنا (1)، والظاهر أنّ هذا هو مراده –رحمه الله-؛ ومثل هذه العبارة صدر من الشيخ عامر -رحمه الله- في ''الإيضاح'' (2)، وهذا متّجه في محلّ الغائط دون محلّ البول، والله أعلم؛ وإنّما دلّت الآية على وجوب الاستنجاء، لأنّ الثناء على الفاعل يدلّ على أنّ الفعل مأمور به، والله أعلم، فليحرّر (3).
__________
(1) - من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والإمامية، (يراجع: ابن جزي، القوانين الفقهية، 1/ 60؛ موسوعة الفقه الإسلامي، 7/ 101، مادّة: استنجاء).
على أنّ أفضلية الاستنجاء بالجمع بين الأحجار والماء هو قول جمهور الفقهاء، قال العينيّ في شرح صحيح البخاري:» مذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار أنّ الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيقدّم الحجر أولاّ ثمّ يستعمل فتخفّف النجاسة، وتقلّ مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة «، (أحمد البنا، بلوغ الأماني من أسرار الفتح الربّاني، 1/ 285)؛ وبهذا صرّح الشافعي في الأمّ (1/ 37)، وابن جزي في القوانين الفقهية (1/ 60)، والغزالي في الإحياء (1/ 121)، وابن العربي في عارضة الأحوذي (1/ 33)، وابن قدامة الحنبلي في المغني (1/ 143)، وابن قدامة المقدسي في الشرح الكبير (1/ 91)، والزرقاني في شرح الموطأ عن معروف مذهب مالك (1/ 63)؛ والصنعاني في سبل السلام (1/ 123) وغيرهم كثير، وهو مروي عن الإمام أحمد بن حنبل.
(2) - الإيضاح، 1/ 30، 31.
(3) - وردت مسألة الأمر بالفعل الذي يمدحه الشارع أو يمدح فاعله عند كلّ من ابن حبان في صحيحه (بترتيب ابن بلبان، 1/ 116)؛ وابن حزم الظاهري في الإحكام في أصول الأحكام (1/ 225)؛ وأبي عمرو السوفي في السؤالات (221)، مع الخلاف في هذا الأمر هل هو للندب أو للوجوب. وقد اعترض الشوكاني على من استدلّ بمجرّد الثناء الوارد في آية أهل قباء على وجوب الاستنجاء بالماء؛ وقال: إنّ مجرّد الثناء لا يدلّ على الوجوب المدّعى، وغاية ما فيه الأولوية لأصالة الماء في التطهير وزيادة تأثيره في إذهاب أثر النجاسة، (ينظر: نيل الأوطار، 1/ 114). (2/105)
صفحة 542
والمستحب في صفة استعمال الماء أن يصبّ الماء على اليد قبل مباشرتها النجاسة والأذى فيغسلها ثلاثا، ثمّ يجلس على المستحمّ متمكّنا على غير موضع صُلب أو مكان نجس لئلاّ يتطاير عليه من الغسالة شيء ثمّ يذكر الله تعالى مبتدئا بغسل محلّ البول أوّلا، ثم ينتقل إلى محلّ الغائط فيرسل الماء ويوالي الصّب على يده اليُسرى غاسلا بها المحلّ، ويسترخي قليلا ليتمكّن من الإنقاء، ويجيد العرك حتى ينقى وتزول اللزوجة وتطمئنّ النفس وتطيب، ويزول الشكّ عنها من غير تحديد [عدد] (1)، لأن ذلك يختلف بالقلّة والكثرة والغلظة والرّقة؛ فإن أحدث بالرّيح ملاقيا للبلل قبل جفوفه أمرّ الماء عليها، ولا تضرّه الرائحة الباقية بعد الاستنجاء؛ ...
--------------------
قوله فيغسلها: أي: ولو كانت طاهرة لئلاّ يسبق النجس إليها فتحتاج إلى الماء الكثير.
قوله صُلب: الصُلب من الأرض: الغليظ، وهو بالضم.
قوله ثمّ يذكر الله: هذا ظاهر إذا لم يكن الاستنجاء في موضع الخلاء، وأمّا فيه كأهل المدن فلا.
قوله ويسترخي قليلا: لو قال: قليلا قليلا، لكان أظهر، ولعلّه ساقط من النسخة لأنّه لا بدّ أن يستقصي سعة بدنه، [وقد وُجد ثابتا في نسخة وهو الظاهر] (2).
قوله اللزوجة: أي الرطوبة.
قوله من غير تحديد: قال في "الإيضاح":» قد ذُكر عن بعض المتقدّمين من أصحابنا في الاستنجاء من الغائط عشر مرار، ومن البول خمس مرار، وهذا التحديد يدلّ على إغفال صاحبه ... «(3).
__________
(1) - سقط من أ ود.
(2) - وهو ما في أ وج. من نسخ القواعد؛ وما بين المعقوفتين زيادة من الحجرية.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 40؛ والمسألة من ابن جعفر الأزكوي، الجامع، 1/ 260. (2/106)
صفحة 543
ثم ينفصل عن المستحم بذكر الله تعالى والدعاء إليه، يقول:» اللهم حصّن فرجي بالإسلام، وطهّر قلبي من النّفاق، وجسدي من النّجاسات، و زوّجني من الحور العين برحمتك يا أرحم الرّاحمين «(1).
فآداب الاستنجاء بالماء أيضا خمس، ...
--------------------
قوله أيضا خمس ... الخ: ظاهره أنّها مغايرة لما تقدّم مع أنّها كلّها معلومة من قوله: والمستحب في صفة استعمال الماء ... الخ، [فلو قال بدل قوله أيضا إذا لكان أظهر] (2)؛ ثمّ في جعله الاستنجاء بالشمال من الآداب نظر، لأنّه جعله فيما تقدّم من السنن (3)، ولكن الظاهر أنّه [فرض بدليل أنّه] (4) لا يجوز له الاستنجاء باليمين إذا لم يحصل في الشمال عذر، اللهمّ إلاّ أن يقال: المراد بالآداب ما يشمل الواجب والله أعلم؛ ويدلّ على أنّه لا يجوز له ذلك عند صحّة الشمال ما رواه صاحب ''الإيضاح'' –رحمه الله- من قوله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا بال أحدكم فلا يمسّ ذكره بيمينه ... الخ «(5)، وذلك لأنّ الأصل في النهي التحريم، لكن ظاهر كلام ''العدل'' يدلّ علىنّه من الآداب فقط ولو مع صحّة الشِمال، والله أعلم (6).
__________
(1) - جاء نحوه في حديث طويل عن أنس قال:» دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين يديه إناء من ماء فقال لي: يا أنس أدن منّي أعلمك مقادير الوضوء، قال: فدنوت منه عليه الصلاة والسلام، فلمّا غسل يديه قال: بسم الله والحمد لله ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فلمّا استنجى قال: اللهمّ حصّن فرجي ويسّر لي أمري، ... الخ «، (ابن حبان، المجروحون من المحدّثين والضعفاء والمتروكين، 2/ 164).
(2) - زيادة من الحجرية.
(3) - وهذا في صفحة: ... .
(4) - زيادة من أ.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 28؛ والحديث بهذا اللفظ أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 29؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 306؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 21522؛ والدارمي: كتاب الأشربة، رقم: 2030.
(6) - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف، 1/ 129. (2/107)
صفحة 544
أحدها (1): أن يكون ذلك على المستحم؛ والثانية: أن يبدأ [أيضا] (2) بذكر الله تعالى قاصدا محلّ البول أوّلا؛ والثالثة: صبّ الماء على اليد مرّة بعد مرّة؛ والرابعة: الاستنجاء بالشمال؛ والخامسة: الدعاء عند الفراغ كما قدمنا.
فإذا فرغ من الاستنجاء غسل كلّ نجاسة لاقت بدنه من بول أو غائط أو دم أو غيره، لأنه لا يصحّ له الوضوء إلاّ بعد نزع جميع الأنجاس من بدنه، فإن توضأ ونسي ذلك فعليه إعادة الوضوء (3) بعد إزالتها من البدن، لأنه لا يجوز له القيام إلى الصلاة حتى يجتمع له اسمان طاهر ومتطهر، فالطاهر من الأنجاس، والمتطهر من الأحداث، [والله أعلم] (4)، وبالله التوفيق.
--------------------
قوله قاصدا محلّ البول أوّلا: قال في''الإيضاح'':» فإن قدّم موضع الغائط فلابأس إذا استنظف، لكن المعمول أن يقدّم محلّ البول، لأنّ غسل النجاسة إنّما يبدأ من فوق ... الخ «(5).
- -
__________
(1) - في الحجرية: إحداها.
(2) - زيادة من الحجرية.
(3) - في ب: فعليه الإعادة بعد ... .
(4) - زيادة من د.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 42. (2/108)
صفحة 545
باب في الطهارة المشروعة للصلاة
اِعلم أنّ الطهارة المشروعة لأداء الصلاة تنقسم أربعة أقسام، أحدها (1): الطهارة من الأنجاس و قد تقدّم ذكرها؛ الثانية: طهارة الوضوء من الأحداث؛ الثالثة: الطهارة بالتيمّم عند عدم الماء، و هي بدل من الوضوء،؛ الرابعة: الطهارة من الأحداث والجنابات.
و هذا الباب يشتمل على خمسة فصول،
أحدها (2) طهارة الوضوء من الأحداث
وهذا الفصل ينقسم قسمين، أحدهما: في كيفية الوضوء، والثاني: في نواقضه.
--------------------
قوله وهي بدل من الوضوء: لو قال: والاغتسال [والاستنجاء] (3) عند تعذّر استعمال الماء، لكان أوفى وأبين.
قوله الرابعة: الطهارة من الأحداث والجنابات: انظر لِمَ لَم يقتصر على ذكر الجنابة فإنّ الطهارة من الأحداث قد تقدّمت، وما وجه ذلك؛ وقد يقال: المراد من الحدث هاهنا: الحدث الأكبر، وقوله والجنابات عطف تفسير على الأحداث، أو يقال: لمّا كان الوضوء مقارنا للاغتسال في الغالب جمع بين الأحداث والجنابات، أويقال: أشار بذلك إلى ما سيأتي عن جابر بن زيد –رحمه الله- حيث قال:» وأيّ وضوء أفضل من الاغتسال «، فإنّه يقتضي أنّ الحدث الأصغر داخل تحت الحدث الأكبر، والله أعلم فليحرّر.
__________
(1) - في الحجرية: إحداها.
(2) - في الحجرية: إحداها.
(3) - زيادة من الحجرية. (2/109)
صفحة 546
القسم الأول في الوضوء وكيفيته
اِعلم أنّ الوضوء مفتاح الصلاة، وهو فرض و اجب بالكتاب والسنّة وإجماع الأمّة، أما الكتاب: فقول الله تعالى: {يَأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية [المائدة: 06]؛ ومن السنة: قول الرسول - عليه السلام -:» لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول «(1)، ...
--------------------
قوله اِعلم أنّ الوضوء مفتاح الصلاة ... الخ: الظاهر أنّ هذا إلى (2) قوله:
فصل في أحكام الوضوء (3)، ذُكر استطرادا لأنّه لم يبيّن فيه كيفيّة الوضوء، أو يقال: إنّه ليس بمستطرَد لأنّ معنى قوله في الوضوء، أي: في الاستدلال على فرضيته وفي بيان أقسامه، وهذا هو الظاهر، والله أعلم.
قوله {إِذَا قُمْتُم}: أي إذا أردتم القيام، لأنّ الفعل كثيرا ما يستعمل في الإرادة، كقوله تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا} [الأعراف:04]، أي: أردنا إهلاكها، وقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِالله} [النحل:98].
قوله» من غلول «: في "الصحاح":» وغَلَّ من المغنم غُلُولاً أي: خان، وأَغَلَّ مثله، ... الخ «(4)، ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيءٍ اَنْ يُّغَلَّ} [آل عمران:161].
__________
(1) - أخرجه بهذا اللفظ النسائي: كتاب الطهارة، رقم: 139؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 269؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 683؛ وبنحوه باختلاف طفيف مسلم: كتاب الطهارة، رقم: 329؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 01؛ وأبو داود،: كتاب الطهارة، رقم: 54؛ وأحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 4470؛ وغيرهم في روايات متعدّدة.
(2) - في الحجرية: هذا إشارة إلى ... ؛ وفي هـ: هذا راجع إلى ... .
(3) - الآتي في صفحة: 114.
(4) - الجوهري: باب اللاّم، فصل الغين: غلل. (2/110)
صفحة 547
وقوله:» لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ «(1) وأما الإجماع:
فلا أحد يخالف في فرضه.
و أقسام الوضوء أربعة، وهي: فرض، و سنّة، و فضيلة، و مباح. ففروضه خمسة، أحدها: لأداء الصلوات الخمس للمُحدِث، والثاني: للجمعة، والثالث: لصلاة الجنازة، والرابع: لطواف الإفاضة، والخامس: لطواف العمرة. وسننه أربع، أحدها: الوضوء لصلاة السنن، ...
--------------------
قوله» حتّى يتوضّأ «: أي إلاّ من عذر.
قوله لصلاة الجنازة: الظاهر أنّها (2) فرض كفاية.
قوله لصلاة السنن: الظاهر أنّه أراد بالسنن ما يشمل النوافل لأنّه لم يذكرها فيما بعد، ثمّ الظاهر أنّ المراد بكون الوضوء لصلاة السنن سنّة أنّه يُسنّ له أن يتوضّأ ليصلّي السنّة، فإن لم يتوضّأ لها وتركها فقد ترك صلاة السنّة، وهو ليس كمن ترك الفريضة، وليس معناه أنّه يجوز له أو يُكره في حقّه فقط أن يُصلّي السنّة أو النافلة من غير وضوء لأنّ هذا حرام بالإجماع، لأنّ شروط النافلة هي بعينها شروط الفريضة؛ نعم ذكر في "الإيضاح" أنّه أجاز بعضهم أن تُصلّى النوافل بالتيمّم وإن كان قادرا على الوضوء (3)، ويمكن أن يكون المصنّف ... –رحمه الله- أراد ذلك، فليحرّر.
__________
(1) - أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، رقم: 133؛ ومسلم: كتاب الطهارة، رقم: 330؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 71؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 55؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 7875؛ وابن خزيمة في صحيحه، رقم: 11 (1/ 09)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 568 (1/ 117)؛ وابن الجارود في منتقاه، رقم: 66؛ وهمام بن منبه في صحيفته، رقم: 108.
(2) - في نسخ الحاشية المعتمدة: أنه، إلا هـ.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 722. (2/111)
صفحة 548
والثاني: لطواف الوداع، والثالث: لمسّ المصحف (1)، والرابع:
للمجنب إذا أراد أن ينام (2). ...
--------------------
قوله لطواف الوداع: الظاهر أنّ سائر الطوافات غير الواجب كذلك لأنّها من جملة الصلوات، والله أعلم.
قوله الوداع: في "الصحاح":» التوديع عند الرحيل، والاسم: الوَداع بالفتح «(3).
قوله للمجنب ... الخ: هذا الوضوء لا ينقضه إلاّ جنابة أخرى، وألغز بعضهم في ذلك فقال: ... إذا سألتَ وُضُوءً ليْس يُنْقِضُهُ ... إلاَّ الجِمَاعَ، وُضُوءُ النَّوْمِ للجُنُبِ.
أي، فقل: وضوءُ النوم للمُجنِب (4).
__________
(1) - لِما جاء في كتاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم:» ألاّ يمسّ القرآن إلاّ طاهر «، أخرجه مالك: كتاب النداء للصلاة، رقم: 419؛ والدارمي: كتاب الطلاق، رقم: 2166؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 412 (1/ 87)؛ والطبراني في الكبير، رقم: 3135 (3/ 205)؛ والدارقطني في السنن، رقم: 01 (1/ 121). وفي حديث آخر عن ابن عمر أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال:» لا تمسّ القرآن إلاّ وأنت على طهر «، أخرجه الدارقطني في السنن، رقم: 06 (1/ 122). وفي حديث آخر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:» لا يمسّ القرآن إلاّ طاهرا «، أخرجه البيهقي في الكبرى، رقم: 414 (1/ 88)؛ والطبراني في الكبير، رقم: 13217 (12/ 313)؛ والدارقطني في السنن، رقم: 03 (1/ 121).
(2) - لأنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضّأ وضوءه للصلاة، روى ذلك البخاري: كتاب الغسل، رقم: 279؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 460؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 258؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 192؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 577؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 23467؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 750.
(3) - الجوهري: باب العين، فصل الواو: ودع.
(4) - انفردت الحجرية بهذا التعليق؛ والبيت لم نقف على قائله، وقد أورده القطب اطفيش في تفسيره للآية 107 من سورة التوبة وأبدله بقوله:
إنّ الوضوء الذي ليس بناقضه ... غير الجِماع وضوء النوم للجنب
وقال: إنّ قوله هذا أسلم من الركّة، واستهلّه بالتأكيد ردّاً على من ينكر أو يشكّ. (تيسير التفسير، 6/ 144). (2/112)
صفحة 549
وفضائله أربع، [أحدها] (1): الوضوء للنوم، والثاني: لقراءة القرآن، و الثالث: للدعاء، و الرابع: لدخول المسجد. ومباحه نوعان، أحدهما: لركوب البحر و شبهه من المخاوف، والثاني: ليكون به على طهارة من غير إرادة الصلاة به،
والله أعلم [و أحكم] (2).
--------------------
قوله ليكون به على طهارة: في كون هذا من المباح مع قصد كونه على الطهارة تأمّل، لأنّ المباح فعله وتركه على حدّ سواء، ولا شكّ أنّ حال من قصد أن يكون على الطهارة أفضل من حال من لم يكن كذلك، فليحرّر.
- - -
__________
(1) - سقط من ج والحجرية، وفي أ: إحداها.
(2) - زيادة من الحجرية. (2/113)
صفحة 550
فصل في أحكام الوضوء
اِعلم أنّ الوضوء ينقسم إلى فرائض وسنن وفضائل. ففرائضه ستّ، الأولى (1):
الماء المطلق الذي لم يتغيّر أحد أوصافه وقد تقدّم ذكره (2)؛ والثانية: النيّة عند التلبّس به مع استصحاب حكمه؛ والثالثة: غسل الوجه بالاستيعاب؛ والرابعة: غسل اليدين مع المرفقين؛ و الخامسة: مسح الرأ س، والسادسة: غسل الرجلين مع الكعبين، والله أعلم.
أماالنية: فهي شرط في جميع العبادات لقوله تعالى: {وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين} [البينة: 05] الآية، ...
--------------------
قوله ففرائضه ستّ ... الخ: أراد بالفرائض هاهنا ما يشمل الشروط فإنّ الماء المطلق والنيّة شرطان خارجان عن الماهية.
قوله عند التلبّس به: أي عند إرادة التلبّس لأنّه يُشترط تقدّمها على جميع (3) أجزائه.
قوله في جميع العبادات: أي غير المعقولة المعنى كما سيأتي قريبا (4)، وإنّما شُرعت لأجل الفرق بين العبادات، ثمّ إنّه ينُظر ما المراد بالعبادة غير المعقولة المعنى، هل التي لا يتعقّل معناها أي لا يُشاهد بالحسّ لأنّها ليست ذاتاً متعيّنة في الخارج، كالصلاة فإنّ المشاهد إنّما هو الجسم المتحرّك تارة والساكن أخرى، بخلاف غسل النجاسة فإنّه عبادة معقولة المعنى لأنّ المقصود منها إزالة عين مشاهدة مثلا، أو التي لا يُدرى لأيّ علّة وجبت، أي لا يَهتدي العقل إلى علّة وجوبها، وهذا هو ظاهر كلام المصنِّف
__________
(1) - في ج. والحجرية: الأوّلة.
(2) - في صفحة: 58، 63 وما بعدهما.
(3) - في الحجرية: سائر.
(4) - في صفحة: 118. (2/114)
صفحة 551
. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
--------------------
-رحمه الله- في "شرح النونية" عند قوله: فجلّ المناهي والفروض تعبّد ... الخ، حيث قال:» فصل في المفروضات: وهي على ثلاثة أوجه، أحدها مفروض لعلّة التعبّد والنظافة كالوضوء والغسل من الجنابة، وكالصلاة والصوم والحجّ في أمثالها من الفرائض المتعلّقة بالبدن لعلّة التعبّد، ولا تهتدي العقول إلى معرفة وجوبها وفرضها إلاّ من جهة استعباد الله تعالى خلقه، غير أنّ المواظبة عليها تلين الأجساد وتنهى عن المنكر والفحشاء وأنواع الفساد ... الخ «(1). قال شيخنا عبد الله -رحمه الله- (2):» الظاهر أنّ كلاَّ من التعبّد والنظافة علّة بالاستقلال وأنّ التمثيل على عكس الترتيب، تأمّل «اهـ، لكن يُردُّ عليه أنّه لو كان الوضوء مشروعا لعلّة النظافة فقط لم تكن النية شرطا فيه لأنّه معقول المعنى حينئذ ولعلّه لذلك أمر بالتأمّل، ثمّ الظاهر أنّ الوضوء فيه التعبّد والنظافة ولذلك وقع الخلاف في النية هل هي شرط فيه أم لا، وأمّا الصلاة فليس فيها إلاّ التعبّد ولذلك وقع الإجماع على أنّها لا تصحّ إلاّ بالنية، وفصله عمّا قبله في التمثيل بالكاف وأعاد علّة التعبّد، فليحرّر جميع ذلك بتأمّل صادق، والله أعلم.
ثمّ رأيت في بعض كتب قومنا [ما يوافق الشقّ الثاني من الترديد حيث قال] (3) ما نصّه:» التعبّد مالم نطّلع على حكمته غالبا بخلاف معقولها «، ثمّ رأيت في بعض كتبهم أيضا ما يحقّق المقال ويزيل الإشكال حيث قال:» فصل: قول الفقهاء عبادة معقولة المعنى وغير معقولة المعنى: المراد به أنّ من العبادات ما ظهرت مصلحته وتبيّنت فائدته، كالزكاة فإنّ المعنى فيها نفع الفقراء ومساعدتهم، وإزالة النجاسة فإنّ المعنى فيها النظافة من الأوساخ، وعدّة الحامل بوضع الحمل معناه لئلاّ تختلط
__________
(1) - إسماعيل بن موسى الجيطالي، 2/ 90، شرح البيتين: 65، 66 (مخطوط).
(2) - الشيخ عبد الله بن سعيد السدويكشي (ت. 1068هـ) أستاذ المحشّي أبي ستّة، انظر ترجمته في هذا الكتاب: 1/ 367، ملحق التراجم، رقم: 34.
(3) - زيادة من أ. (2/115)
صفحة 552
ولقول النبيء - عليه السلام -:» إنما الأعمال بالنيات [ولكل امرئ مانوى] «(1)، فحصر الأعمال إلى النية، ومعناها القصد إلى الفعل باعتقاد من القلب والعزيمة عليه بالجوارح؛ و النية مستدامة والعمل منقطع، فكلّ عمل خلا من النية فهو باطل، ولا تنازع بين أهل العلم في وقوع الحكم إذا اجتمع القول والنية؛ وكيفية اعتقاد النية للوضوء أن ينوي بها استباحة الصلاة ويقول عند إرادة الوضوء: " أرفع بوضوئي هذا جميع الأحداث، وأتوضّأ للصلاة طاعة لله ولرسوله - عليه السلام - ".
--------------------
الأنساب، وعدّة التي تحيض بالحيض ليُعلم أنّها سالمة من الحمل، ونحو ذلك ممّا عُرفت الفائدة التي شُرع لأجلها، والذي ليس له معنى معقول مثل التيمّم فإنّه ليس فيه تنظيف وإنّما هو امتثال لأمر المالك لا غير، وكذلك كون الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات ليس فيه معنى نعقله وإنّما هو امتثال للأمر، ويسمّى التعبّد، وهو الذي يحتاج إلى نية، ولمّا كان الوضوء بالماء يُحتمل أن يكون للنظافة ويُحتمل أن يكون للتعبّد (2) كان في و جوب النية فيه خلاف، وكذلك عدّة العجوز بثلاثة أشهر ليس له معنى نعقله، فكلّ ما لا تُعرف له فائدة ظاهرة فهو تعبّدٌ «اهـ (3).
قوله والنية مستدامة والعمل منقطع: ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -:» نية المؤمن خير من عمله «(4)، وذلك لأنّ نية المؤمن أن يعبد الله ولو عاش ألف سنة، بخلاف العمل فإنّه ينقطع بالخروج منه.
قوله إذا اجتمع القول والنية: وكذلك لو انفردت النية، أمّا لو انفرد القول فإنّه لا يجزي.
__________
(1) - الحديث تقدّم تخريجه في: 1/ 316؛ وما بين المعقوفتين انفردت به ب والحجرية.
(2) - في المخطوطات المعتمدة من الحاشية: ويحتمل التعبّد ... .
(3) - لم نقف على المصادر التي نقل منها المحشّي.
(4) - تقدّم تخريجه في: 1/ 319. (2/116)
صفحة 553
مسألة (1): اختلف الناس في الوضوء هل النية شرط في إيقاعه؟ فقال الجمهور: هي شرط فيه، و لا يصح إيقاعه إلاّ بها، وأجاز آخرون الطهارة بغير نية إذا أتى بصيغة الطهارة، وأظنّ أصحاب هذا الرأي يذهبون إلى أنّ الأمر بالنية حثّ وترغيب في نيل الثواب، كقوله - عليه السلام -:» لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد «(2)، و أجمعوا على أنه لو صلى في بيته كان مؤدّيا لفرضه؛ والمختار عند أصحابنا أن لا يكون الإنسان متطهِّرا لوضوءِ صلاةٍ أو غسل جنابةٍ إلاّ بقصد ونية، ...
--------------------
قوله والمختار عند أصحابنا ... الخ: هذه العبارة توهم وجودَ الخلاف عندهم مع أنّه ليس كذلك على ماصرّح به [الشيخ عامر] في "الإيضاح" (3)؛ نعم في كلام "الدعائم" ما يدلّ ظاهراً على أنّها ليست بشرط، حيث قال:
» وإن توضّأت بلا نية ... فصلِّ للفرض وللأجر «(4)،
ثمّ رأيت شيخنا عبد الله -رحمه الله- قال:» يُحتمل أن يكون معنى قوله بلا نية: فرضٍ أو نفلٍ، فلا ينافي وجود أصل النية «(5)، وقد يقال: ما فهمه -رحمه الله- هو
__________
(1) - ابن بركة، الجامع، 1/ 255.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في المساجد ... ، رقم: 156 (1/ 68)؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 898 (1/ 373)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 4724 (3/ 57)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 419)؛ وفي إسناد طرق الحديث غير طريق الربيع كلّ من سليمان بن داود اليمامي في بعضها، ومحمّد بن سكين الشقري في بعضها، وعمر بن راشد في بعضها الآخر، وقد وهّن النقّاد حديث هؤلاء؛ كما أنّه جاء في بعض طرقه قولا لعلي بن أبي طالب لا حديثا مرفوعا إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم -، مثل الطرق التي ورد بها عند البيهقي في السنن الكبرى، رقم: 4721، 4722 (3/ 57)؛ ورقم: 5028 (3/ 111)؛ ورقم: 5381 (3/ 174).
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 50؛ وما بين المعقوفتين زيادة من أ والحجرية.
(4) - ابن النظر العماني، 34، القصيدة: 04، البيت: 139.
(5) - عبد الله بن سعيد السدويكشي، حاشية على الإيضاح، 1/ 51. (2/117)
صفحة 554
لأن الوضوء عبادة غير معقولة المعنى، والعبادة الغير (1) معقولة المعنى لا تؤدى إلا بالنية بإجماع (2).
مسألة: و في أثر أصحابنا (3): لو غسل إنسان بعض جوارحه ثمّ نواها للوضوء وبنى على غسله ذلك أنه لا يجزيه لأنه قدّم عمله على نيته، ...
--------------------
المتعيّن في كلام "الدعائم" فإنّ قوله:» للفرض وللأجر «متعلقان بقوله:» بلا نيّة «، وتقدير البيت: وإن توضّأت بلا نية للفرض وللأجر فصلّ، يعني أنّه لم يعيّن أحدهما بل نوى الوضوء مطلقا فيوافقُ ما عليه أصحابنا، والله أعلم؛ إلاّ أنّ فيه الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، لكن يُغتفر لأجل الضرورة، فلو قال: والصحيح، أو: الذي عليه أصحابنا –مثلا- لكان أظهر ليكون مقابله فاسد والله أعلم؛ لكن صرّح الشيخ أبو القاسم البرادي -رحمه الله- في "شرح الدعائم" بوجود الخلاف بين أصحابنا (4)؛ وعلى هذا فلا حاجة إلى التأويل في كلام "الدعائم"، ويدلّ له المقابلة في قوله:» وقيل إن لم ينوِ لم ينتفع ... الخ «(5)، فليحرّر.
قوله لأنّ الوضوء عبادة غير معقولة المعنى ... الخ: هذا قياس من الشكل الأوّل، فنتيجته: الوضوء لا يُؤدّى إلاّ بالنية بإجماع، مع أنّه تقدّم قريبا أنّ في ذلك خلافا، فإمّا أن يقال: إنّ المخالف لا يسلِّم المقدّمة الأولى، أو يقال: اللازم للمذهب لا يكون مذهبا، والله أعلم فليحرّر.
__________
(1) - في الحجرية: غير.
(2) - ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 08.
(3) - أحمد الكندي، المصنّف، 4/ 46، 47؛ ابن وصاف العماني، شرح الدعائم، 1/ 206، شرح البيتين: 140، 141، من القصيدة: 04.
(4) - شفاء الحائم على بعض الدعائم، الورقة: 189، شرح الأبيات: 139 - 141، من القصيدة: 04 (مخطوط).
(5) - ابن النظر العماني، القصيدة: 04، البيت: 140، وتمام البيت: ... بذلك الطهر مدى الدهر. (2/118)
صفحة 555
ولا تجوز الطهارة إلاّ بتقديم النية بأسرها، و إن نوى بوضوئه نافلة فله أن يصلي الفريضة بوضوئه ذلك، والله أعلم.
[الفرض] (1) الثالث في غسل الوجه: والفرض في الوجه استيعاب جميعه بالغسل، وحدّ الوجه طولا: من منابت الشّعر المعتاد إلى منتهى الذَقن، وعرضه: من الأذن إلى الأذن، و قيل: من العِذَارِ إلى العِذَارِ، وقيل: إن كان نقيَّ الخدّ فكالأوّل، وإن [كان] (2) اكتسى الشعَرَ فكالثاني؛ ومنشأ الخلاف التنازع في المواجهة، لأن الوجه ما واجه به الإنسان، فإذا كان موضع اللحية نقيا من الشعر وجب غسله باتفاق، وإذا ستره الشعر ففي إيجاب غسله خلاف؛ ...
--------------------
قوله بأسرها: المناسب لِما تقدّم أن يقول: إلاّ بتقديم النية عليها بأسرها، أي: على الطهارة بجميعها، فلا يجوز تأخيرها على جميع الطهارة ولا على جزء منها، ويمكن تصحيح العبارة بأن يكون معنى: تقديم النية بأسرها أنّه: لا يجوز تفريقها على الأعضاء مثلا، والله أعلم.
قوله الذَّقَن: في "القاموس":» الذَّقَن ... بالتحريك: مجتمَع اللِّحْيَيْن «(3).
قوله من العِذَار ... الخ: في "القاموس":» والعِذَارُ من اللجام: ما سال على خدّ الفرس «، إلى أن قال:» وجانِبا اللحية ... الخ «(4).
__________
(1) - زيادة من د.
(2) - زيادة من ج. والحجرية.
(3) - الفيروزابادي: باب النون، فصل الذال: الذقن.
(4) - الفيروزابادي: باب الراء، فصل العين: العذر. (2/119)
صفحة 556
وأظن أنه قد ذُكر عن عمار بن ياسر–رحمه الله- أنه قال:» كان الوجه قبل اللحية «(1)، كأنّه يرى أن يُغسل ما تحت شعَرها؛ وقال آخرون: لا يجب عليه غسل ما تحت اللحية، واحتجوا بأنّ النبيء - عليه السلام - توضأ واحدة واحدة فقال:» هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به «(2)، وليس في طاقة الإنسان إيصال الماء إلى أصول شعر اللحية الكثيفة بمرّة واحدة؛ ...
--------------------
قوله وقال آخرون: لا يجب ... الخ: هذا هو الذي اعتمده صاحب "الإيضاح" حيث قال:» وغسل مواضع اللحية واجب لأنّه مواجَه به إذا لم يكن هناك شعر، فإذا ظهر فيه شعر وستره لم يجب غسله ... الخ «(3).
قوله» لا تقبل الصلاة إلاّ به «: الحصر إضافي بالنظر إلى عدم الطهارة، وإلاّ فالزيادة على الواحدة أفضل وأولى في القبول.
__________
(1) - لم نقف على هذا الأثر لعمّار، وأورد نحوه الشيخ إبراهيم الكندي في بيان الشرع (8/ 95) عن سعيد بن جبير قال: ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت، فإذا نبتت لم يغسلها.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم: 89 (1/ 29) من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس؛ وأخرجه من طريق أخرى فيها عبد الله بن عرادة الشيباني عن زيد بن الحواري كلّ من: ابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 414؛ والدارقطني في سننه، رقم: 06 (1/ 81)؛ ومن طريق فيها عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه أخرجه أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 5476؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 385 (1/ 80)؛ وأبو يعلى الموصلي في مسنده، رقم: 5598 (9/ 448)؛ والدارقطني في سننه، (1/ 79)؛ والطيالسي في مسنده، رقم: 1924؛ ومن طريق فيها المسيب بن واضح أخرج الحديث البيهقي في الكبرى، رقم: 384 (1/ 80)؛ والدارقطني في سننه، (1/ 80). هذا والرواة الذين ذكروا في إسناد الطرق الثلاثة المتأخرة قدح فيهم أهل الجرح والتعديل وضعّفوا أحاديثهم، انظر تفصيل علل هذه الروايات في: الزيلعي، نصب الراية، 1/ 27؛ ابن حجر العسقلاني، تلخيص الحبير، 1/ 82.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 66، 67. (2/120)
صفحة 557
وأيضا فإنّ المتيمّم لا يجب عليه أن يوصل التراب إلى أصول شعر اللحية، وقد قال الله تعالى: {فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكم} [المائدة:06]؛ واستحبّ العلماء تخليل اللحية من غير أن يوجبوها، فإن كانت اللحية داخلة (1) في الآية فالتخليل لا يجزي عن الغسل، وليسـ[ـت] (2) فيه سنّة مجتمع عليها فيثبت بها الفرض، والله أعلم.
--------------------
قوله وقد قال الله تعالى: {فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُم}: الظاهر أنّه إنّما ساق الآية للاستدلال على أنّ ما ستره الشعر لا يُغسل، أي: لأنّه زال عنه اسم المواجهة والله أعلم؛ لكن قوله: واستحبّ العلماء ... الخ كأنّه جعله من تتمّة الدليل [فيكون مراده غير ما ذكرنا] (3)، وفيه أنّ العلماء لم يتّفقوا على الاستحباب بدليل ما تقدّم، فكيف يكون استحباب جماعة قادحا في إيجاب آخرين، بل ذلك لا يكون إلاّ بدليل، بأن يقال مثلا: اسم المواجهة زال عما ستره الشعر، والله أعلم فليحرّر.
قوله أن يوجبوها: صوابه: أن يوجبوه.
قوله فإن كانت اللحية: أي موضعها، لأنّه هو محلّ النزاع، والمراد أنّه غير داخل في الوجه ولذلك استحبّوه، فلو دخل لأوجبوه، والله أعلم.
قوله وليست فيه سنّة مجتمع عليها فيثبت بها الفرض: فيه أنّه لا يلزم من الإجماع على السنّية ثبوت الفرضية والله أعلم، نعم قد يوجد في بعضها كالاستنجاء (4).
__________
(1) - في أ وج: دخلت.
(2) - زيادة من الحجرية.
(3) - زيادة من أ، وفيها بعدها: لكن فيه ... .
(4) - وقد تقدّم الاستدلال على وجوبه في صفحة: 98 وما بعدها. فمدلولات الأخبار الثابتة من السنّة منها ما يفيد الوجوب، ومنها ما يفيد الندب، ومنها ما يفيد الإباحة، وهذا راجع إلى قرينة كلّ منها، وهي مبسوطة في كتب الأصول. (2/121)
صفحة 558
وموضع الغَمم من الوجه أيضا يجب غسله، ويجب أيضا إيصال الماء إلى منابت الشعور الخفيفة التي تظهر البشرة منها بالتخليل، كالحاجبين والأهداب والشارب والعذارين وغيرهما (1)، ولا يجب ذلك فيها إذا كانت كثيفة؛ والذي يجب على الإنسان: إفاضة الماء على جميع وجهه وغسله بإمرار اليد عليه إلى أذنيه، ويغسل البياض الذي بين العارض والأذن، و يجمع لحيته و يخلّلها مع ما طال من شعرها، و الله أعلم.
وحقيقة الغسل نقل الماء إلى العضو مع الدّلك؛ وإن غسل الوجه واستوعبه ولم يخلّل لحيته فقد ترك الأفضل، لأنّ تخليل اللحية مأمور به في الشرع، ...
--------------------
قوله وموضع الغمم: في "الصحاح":» والغمم أن يسيل الشعر حتّى تضيق الجبهة والقفا. ورجل أغمُّ، وجبهة غمَّاءُ. قال هدبة بن الخَشرَم:
فلا تنكحي إنْ فَرَّقَ الدّهرُ بيننا ... أغَمَّ القفا والوجهِ ليس بأنزعا
وتُكرَه الغَمَّاءُ من نواصي الخيل وهي المفرطة في كثرة الشعر ... الخ «(2)، وهذا محترز قوله: من منابت الشعر المعتاد.
قوله بالتخليل: متعلّق بإيصال.
قوله والأهداب: جمع هُدْبٍ بالضمّ وبالضمّتين: شعر أشفار العين، "قاموس" (3).
قوله مأمور به في الشرع: أي: أمرُ ندبٍ، ليناسب قوله: فقد ترك الأفضل، لأنّ النوافل عندنا مأمور بها خلافا للنّكار (4)؛ لكن يُنظر ما الدليل على أنّ الأمر هنا
__________
(1) - في العذارين مثنى العذار، وقد تقدم معناه في صفحة: 119.
(2) - الجوهري: باب الميم، فصل الغين: غمم.
(3) - الفيروزابادي: باب الباء، فصل الهاء: الهدب.
(4) - تقدّم التعريف بالنكّار في: 1/ 126؛ وقال في السؤالات في معرض الردّ عليهم في هذه المسألة:» ا لأمر بالنوافل مستخرج من النصّ، قوله - عز وجل -: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}،=
= ثمّ قال: {يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، فمدحهم بذلك وأثنى عليهم، فاقتضى مدحه الأمر بذلك، وقال: {يُوفُونَ بالنَّذْرِ ويَخَافُونَ ... إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ}، فهذا كلّه وأمثاله من القرآن يدلّ على ما قلناه «، (السوفي، 101، 102). (2/122)
صفحة 559
لما روي عن الرّبيع بن حبيب عن أنس بن مالك أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:
» أمرني حبيبي جبريل - عليه السلام - أن أخلّل لحيتي «(1)، والله أعلم.
الفرض الرابع: غسل اليدين مع المرفقين: لقول الله تعالى:
{وَأَيْدِيَكمُ إِلَى الْمَرَافِق} [المائدة:06]، أي: مع المرافق، نظيره: {وَلاَ تاُكلُواْ أَمْوَالَهُمُ إِلَى أَمْوَالِكم} [النساء:02]، أي: مع، وقيل: {إلى} هاهنا لانتهاء الغاية، نظيره:
{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليْلِ} [البقرة:178]؛ ...
--------------------
محمول على الندب؟ فإنّ الأصل في الأمر عند الجمهور أن يُحمل على الوجوب حتّى يدلّ الدليل على النّدب، والله أعلم (2).
قوله المرفقين: تثنية مرفق –كمَقْعَد ومَجْلِس ومِنْبَر-: موصل الذراع من العضد.
قوله وقيل {إلى} هاهنا لانتهاء الغاية: ومثله قول صاحب "الإيضاح":» وذلك أنّ حرف (إلى) في كلام العرب مرّة يدلّ على الغاية ومرّة يكون بمعنى (مع) ... الخ «(3).
__________
(1) - لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه بنحوه أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 124؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 425؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 698.
(2) - لم يُحمل الأمر هنا في المشهور الراجح على الوجوب، لأمور عدّة ذكرها العلماء منها: ورود رواية للبخاري عن ابن عباس عن كيفية وضوئه - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد فيها ذكر تخليله للحيته؛ ومنها ورود الأمر في هذه المسألة من قبيل فعله - صلى الله عليه وسلم -، وفي دلالته على الوجوب اختلاف؛ ومنها ورود الأمر بتخليل اللحية في الأحاديث محمولا على ظاهر الاختصاص به - صلى الله عليه وسلم -، والأصوليون على خلاف في ما كان ظاهره الاختصاص به - صلى الله عليه وسلم - هل يعمّ الأمّة أم لا؟ (يُراجع: الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، 4/ 192؛ الشوكاني، نيل الأوطار، 1/ 166).
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 69. (2/123)
صفحة 560
والصحيح ما قدّمناه أوّلا، لأنّ المحدودات على و جهين، أحدهما من جنس المحدود فحدّه داخل فيه كالذي قدّمنا من المرفق والذراع لأنّ المرفق من جنس الذراع، والثاني محدود من غير جنسه فحدّه لا يدخل فيه كالذي قدّمناه في الآية من ذكر الليل لأنه ليس من جنس النهار، والله أعلم.
ويؤيّد ما قلنا من أنّ المرفق داخل في الذراع ماروي عن أبي هريرة في صفة وضوء النبيء - عليه السلام - أنه توضّأ فغسل يده اليمنى حتى شرع في العضد، ثمّ اليسرى كذلك، ثمّ غسل الرجل اليمنى حتى شرع في الساق، ثمّ اليسرى كذلك، ...
--------------------
قوله والصحيح ماقدّمناه: أي: من كونها بمعنى (مع)، وذلك لأنّها تفيد إدخال المرفقين في الغسل، لكن قوله: لأنّ المحدودات ... الخ لا يلاقي ما ذكره فإنّه يقتضي أنّها لانتهاء الغاية، إلاّ أنّ الغاية داخلة لكونها من جنس المُغيّى، وفرض المسألة أنّ التي بمعنى (مع) والتي لانتهاء الغاية متقابلتان؛ وقد يقال: معنى قوله: والصحيح ماقدّمناه أي: من وجوب غسل اليدين والمرفقين، ولو كانت (إلى) لانتهاء الغاية، وسلك في ذلك طريق كون الغاية إذا كانت من جنس المغيّى فهي داخلة ولو كانت مجرورة بـ (إلى) (1)، ويدلّ له قوله بعدُ: ويؤيّد ماقلنا من أنّ المرفق داخل في الذراع، ولم يقل: من أنّ (إلى) بمعنى (مع)، والله أعلم فليحرّر؛ ثمّ الظاهر أنّه إنّما عدل أوّلا عن كونها لانتهاء الغاية إلى كونها بمعنى (مع) نظراً إلى ما ذهب إليه بعضهم من أنّ الغاية إذا كانت مجرورة بـ إلى تكون خارجة، حتّى جعل المجرورة في الآية غاية للمتروك، وأنّ المعنى: واتركوا إلى المرافق، فليراجع.
قوله توضّأ: أي أراد الوضوء، فاستعمل الفعل في الإرادة.
__________
(1) - وهذا مذهب القطب أطفيش -رحمه الله- إذ صححه في "الذهب الخالص" (ص:106). (2/124)
صفحة 561
ثمّ قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ (1)، وجمهور علماء الأمة على هذا القول،
و الله أعلم [وأحكم] (2).
مسألة: وإذا قُطع اليد من الساعد فإنه يجب على المتوضئ غسل الباقي، ولو قطع من المرفق لم يجب عليه شيء لأنّ القطع أتى على جميع الذراع، والمرفق في الذراع، إلا أن يكون بقي شيء من المرفق في العضد - و تعرفه العرب في كلامها- فإنّ عليه غسله.
--------------------
قوله وإذا قُطع اليد من الساعد ... الخ: لو قال: ولو قطع بعض محلّ الفرض وجب غسل مابقي، لكان أخصر وأشمل، ثمّ الظاهر أنّ الساعد هو الذراع، وهو الموافق لما في "القاموس" [حيث] (3) قال:» وساعِدَاك: ذراعَاك «(4)، وكلام "الصحاح" مخالف لهما فإنّه قال:» وساعدا الإنسان: عضداه ... الخ «(5)؛ ومراد المصنف
-رحمه الله- أنّها قطعت وبقي الذراع، ومعناه: أنّها أزيلت عن الساعد،
أي: الذراع.
__________
(1) - أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، رقم: 362؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 367 (1/ 77)؛ وبنحوه أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 97؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 8828؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار، (1/ 140)؛ والطبراني في مسند الشاميين، رقم: 764 (1/ 434).
(2) - زيادة من الحجرية.
(3) - زيادة من ج.
(4) - الفيروزابادي: باب الدال، فصل السين: سعد.
(5) - الجوهري: باب الدال، فصل السين: سعد. (2/125)
صفحة 562
الفرض الخامس مسح الرأس: وقد اتفق الناس على أنه من فروض الوضوء، لقوله تعالى: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكم} [المائدة:06]، واختلفوا في القدر المجزي منه، فذهب بعض أصحابنا-فيما وجدت- إلى أنّ الواجب: مسح جميعه (1)، ووافقهم على ذلك مالك بن أنس وبعض أصحابه (2)، ...
--------------------
واعتلوا بأنّ الباء في قوله: {برُؤُوسِكمْ} دخلت للتوكيد لا للتبعيض، استشهاد بقوله: {وَليَطَّوَّفوا بِالبَيْتِ العَتِيق} [الحج:29]؛ وذهب آخرون إلى أنّ مسح بعضه هو الفرض (3)، ووافقهم على ذلك الشافعي وأبوحنيفة (4)،
قوله دخلت للتوكيد: أي: زائدة في المفعول به، لكنّه لم يطلق لفظ الزيادة تأدّبا، ثمّ الظاهر أنّه يفرّق بين الباءين فإنّ الظاهر أنّ الثانية للتعدية، قال في "القاموس":» طاف حول الكعبة وبها «(5)، يعني -والله أعلم- ولا يقال: طفت الكعبة، فلو مثّل بقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمُ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195]-مثلا- لكان أظهر؛ ومثّل صاحب» الإيضاح» –رحمه الله- زيادة الباء بقوله تعالى: {تنْبُتُ بالدُّهْن}، في قراءة مَن ضمَّ التاء من أنبت، و جعل الباء في قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}، دالّة على الكلّ (6)، فليحرّر جميع ذلك، والله أعلم.
قوله ووافقهم على ذلك الشافعي وأبوحنيفة: لكن القائلون بأنّ مسح البعض كاف مختلفون، فعندنا: أقلّ ذلك ثلاث شعرات بثلاثة أصابع، وعند الشافعي: يجزي شعرة
__________
(1) - العزابة، الديوان، كتاب الصلاة، 1/ ظهر الورقة: 14، ووجه الورقة: 15 (مخطوط).
(2) - ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 11.
(3) - منهم ابن جعفر الأزكوي في الجامع إذ قال:» وإذا مسح مقدّم الرأس أجزأه، وإن مسح قفاه وترك مقدّمه لم يجزه «، (1/ 360).
(4) - ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 11.
(5) - الفيروزابادي: باب الفاء، فصل الطاء: طاف.
(6) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 73. (2/126)
صفحة 563
واحتجّوا بأنّ الباء المذكورة إنما دخلت للتبعيض، لأنّ ذلك موجود في اللغة العربية، واعتلوا بقوله تعالى: {تنْبُتُ بالدُّهْن} [المؤمنون:20]، ... وبما روي: أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - مسح ببعض رأسه في الوضوء (1)، وروى آخرون أنّه مسح بناصيته (2)،
--------------------
واحدة بأصبع واحد، وعند أبي حنيفة: لا بدّ من مسح ربع الرأس.
قوله واعتلّوا بقوله تعالى ... الخ: ومثَّل غيره التبعيض بقوله تعالى: {عَيْنًا يَّشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ} [الإنسان:06]، وأمّا التبعيض في قوله تعالى: {تنْبُتُ بالدُّهْن}، فغير ظاهر لأنّ الدهن اسم جنس إفرادي كالنار والماء والتراب، يصدق على القليل والكثير والله أعلم. وقد يقال: إنّها تخرج الزيت، ولا شكّ أنّه بعض الأدهان، وهذا هو المراد؛ ثمّ الظاهر أنّ الاستدلال بالآية على كون الباء للتبعيض إنّما هو على قراءة ضمّ التاء مِن أنبت، لأنّه ذكر ابن قاسم في "حاشية الأشموني" أنّ كون الباء للتبعيض خاصّ بالفعل المتعدّي والله أعلم (3)؛ ويؤيّده كلام "الإيضاح" حيث مثّل للتبعيض بالفعل المتعدّي في قول القائل: أخذت بثوبه وبعضده، ومسحت يدي بالأرض ... الخ (4).
__________
(1) - أخرج ذلك الربيع بن حبيب: باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم: 96 (1/ 31)؛ وأخرجه في حديث طويل بلفظ:» ومسح مقدّم رأسه «كلّ من البيهقي في الكبرى، رقم: 271 (1/ 58)؛ والطبراني في الكبير، رقم: 887 (20/ 380)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 192).
(2) - أخرج ذلك مسلم: كتاب الطهارة، رقم: 410؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 107؛ وأحمد: مسند الكوفيين، رقم: 17432 في حديث طويل؛ وابن حبان في صحيحه، رقم: 1346 (4/ 176 بترتيب ابن بلبان)؛ وابن خزيمة في صحيحه، رقم: 1645 (3/ 72)؛ والنسائي في الكبرى، رقم:108 (1/ 87)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 270 (1/ 58)؛ والطبراني في الصغير، رقم: 369 (1/ 229)؛ وفي الكبير، رقم: 1035 (20/ 428)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 192)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار، (1/ 30)؛ والشافعي في مسنده.
(3) - لم نطّلع على هذه الحاشية بعد البحث الطويل عنها، ولعلّ صاحبها هو أحمد بن قاسم العبّادي شهاب الدين (ت. 994هـ)، ذكر من تآليفه حاشية على شرح ألفية ابن مالك. (يُنظر: عمر رضا كحالة، معجم المؤلّفين، 2/ 48).
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 73. (2/127)
صفحة 564
والناصية بعض الرأس وهو مقدّمه، والعمل عند أصحابنا على هذا القول؛ وقد روي عن أبي عبيدة أنّ جابر بن زيد –رضي الله عنهما- توضّأ وكان على رأسه عِمامة، قال: فأخّر الكُمَّةَ عن رأسه ثمّ مسح بإحدى يديه مقدَّم رأسه ثمّ أعاد القُلَنْسِيَةَ (1).
ومن مسح رأسه بأقلّ من ثلاثة أصابع فإنه لا يجزيه، وكذلك لو مسح من رأسه أقلّ من ثلاثة شعرات فإنه لا يجزيه. وقد أجاز بعضهم أن يمسح رأسه ببلل لحيته، ...
--------------------
قوله عِمامة: هي بكسر العين.
قوله الكُمَّة: في "الصحاح":» والكُمَّة: القلنسوة المدوّرة، لأنّها تغطّي الرأس «(2)، ثمّ ظاهر صنيعه -رحمه الله- يدلّ على أنّ العِمامة والكُمَّة والقلنسية ألفاظ مترادفة لشيء واحد، فليحرَّر (3).
قوله بإحدى يديه: يعني وهي اليمين لأنّها المعدّة لذلك.
قوله القلنسية: في "الصحاح":» والقَلَنْسُوَةُ والقُلَنْسِيَة: إذا فتحت القاف ضَمَمْت السين، وإذا ضمَمت القاف كَسَرت السين وقلبت الواو ياء ... الخ «(4)، قال في "القاموس":» تُلبس في الرأس «(5).
قوله وقد أجاز بعضهم أن يمسح رأسه ... الخ: ذكر في "الإيضاح" أنَّ الماء [المستعمل] (6) إذا لم يباين الجسد فإنّه يجزي، لكن لِما فات لا لِما يستقبل، أخذا من فعله - صلى الله عليه وسلم - حين اغتسل فرأى لُمْعَة لم يصبها الماء فعصر جُمّتَه ثمّ مسحها بها، والله أعلم (7).
__________
(1) - ابن جعفر الأزكوي، الجامع، 1/ 360؛ وفي أ وج.: القلنسوة.
(2) - الجوهري: باب الميم، فصل الكاف: كمم.
(3) - وفي نسخ القواعد المعتمدة المخطوطة: العِمامة، مكان الكمّة.
(4) - الجوهري: باب السين، فصل القاف: قلس.
(5) - الفيروزابادي: باب السين، فصل القاف: قلس.
(6) - زيادة من ج.
(7) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 68؛ والحديث أخرجه ابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 566؛ وأحمد: مسند بني هاشم، رقم: 2071؛ والدارقطني في السنن، (1/ 110)، (1/ 112)؛ وعبد بن حميد في منتخبه، رقم: 570. (2/128)
صفحة 565
وكره آخرون ذلك، وذُكر عن الربيع بن حبيب -رحمه الله- أنه قال: لا يكون عملان بماء واحد؛ وذُكر عن جابر بن زيد –رحمه الله- أنه كره أن يغسل الرجل رأسه في الإناء ثمّ يفيض الماء على جسده، كأنه يذهب إلى أنه لا يجزيه. ومن ترك مسح رأسه حتى صلّى فعليه إعادة الوضوء والصلاة ناسيا كان أو متعمّدا.
--------------------
قوله أنّه كره أن يغسل إلى قوله ثمّ يفيض الماء: أي الماء الذي غسل فيه رأسه، ووجه الاستدلال به أنّ الماء المستعمل لا يجزي في الطهارة، وإلاّ فهذا في الاغتسال لا في مسح الرأس؛ ثمّ الظاهر أنّه حمل الكراهة على غير بابها حيث قال: كأنّه يذهب إلى أنّه لا يجزيه لأنّ المكروه في تركه ثواب وليس في فعله عقاب.
قوله ومن ترك مسح رأسه ... الخ: لا مفهوم لمسح الرأس فإنّ سائر أعضاء وضوئه كذلك.
قوله حتّى صلّى: مفهومه أنّه لو لم يصلّ لا يكون الحكم كذلك، وهوكذلك فإنّه في صورة النسيان تارة يتذكّر قبل الفراغ وتارة بعده، فإن تذكّر قبل الفراغ فإنّه يقصد إليه وحده، فإنّ الترتيب عندنا واجب خصوصا مع النسيان مالم يقصد المتطهِّر خلاف السنّة، وإن تذكّر بعد الفراغ فتارة يتذكّر قبل جفاف أعضائه وتارة بعده، فإن تذكّر قبله قصد إليه وحده أيضا، على المختار من أنّ الترتيب غير واجب، وإن تذكّر بعده فمن عذره في النسيان وجعل الترتيب غير واجب -وهو الصحيح- قال: يقصد إلى العضو وحده، ومن لم يعذره في النسيان بعد الجفاف قال: يعيد الوضوء، كلّ ذلك يؤخذ من كلام "الإيضاح" (1)، وظاهره سواء صلّى أو لم يصلّ، ولعلّه يقيّد بما إذا لم يصلّ، أخذا من كلام المصنّف –رحمه الله-.
__________
(1) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 88. (2/129)
صفحة 566
والمستحب للمتوضئ أن يمسح رأسه بجميع كفيه من مقدّم الرأس إلى ماتحويه الجمجمة من خلف، أو إلى آخر منابت شعر القفا حتى يخرج من الاختلاف، وإن اقتصر على مسح بعضه أجزأه كما قدّمنا.
الفرض السادس: غسل الرجلين مع الكعبين: وقد اتفق الجميع على وجوبه أيضا، ...
--------------------
قوله والمستحب للمتوضئ ... الخ: [قال] (1) في "الإيضاح":» ويستحب له أن يبدأ بمسح
وحدّ الرأس فيما بلغنا: من فوق الأذنين إلى أعلى الجبين، وكان عمر -رحمه الله- لا يرى القفا من الرأس في القصاص، و الله أعلم (2).
رأسه من وسط الرأس إلى أن يبلغ بخنصرته جبهته ثمّ يرجع فيأخذ من وسط رأسه إلى قفاه من خلف رأسه ثمّ يمسح من وسط رأسه إلى ما يقابل الأذنين، ثمّ يمسح الأذنين ويجعل أصبعه في القمع «، إلى أن قال:» وإن بدأ من مقدّم رأسه إلى مؤخّره فقد أجزأه، وإن مسح مؤخّر رأسه قبل مقدّمه فلا يفعل فإن فعل فقد أجزأه لأنّه يسمّى ماسحا «(3).
قوله الجمجمة: في "الصحاح":» والجُمجمة بالضمّ: عظم الرأس المشتمل على الدّماغ «(4).
قوله وقد اتّفق الجميع على وجوبه أيضا: في ذكر الاتّفاق على وجوب الغسل نظر، نعم وقع الاتّفاق على أنّ الرِّجلين من أعضاء الوضوء، وأمّا الغسل ففيه خلاف، فإنّ بعضهم ذهب إلى أنّ الواجب مسحهما، وتمسكّوا بقراءة الجرّ؛ نعم الصحيح أنّ
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - أبو غانم الخراساني، المدونّة الكبرى، 1/ 22.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 75، 76.
(4) - الجوهري: باب الميم، فصل الجيم: جمم. (2/130)
صفحة 567
واختلفوا في غسل الكعبين كاختلافهم في المرفقين، والأدلة فيهما واحدة؛ والكعبان هما العظمان اللذان [هما] (1) عند مَعقد الشراك.
وليجتهد أيضا في غسل الرجلين مع الكعبين وتخليل أصابعهما، وليبالغ في غسل أخمص رجليه وعرقوبيه لأنه روي عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:» ويل للعواقب من النار، وويل لبطون الأقدام من النار «(2)، ...
--------------------
فرضهما الغسل، ولعلّ المصنّف -رحمه الله- لم يعتدّ بقول من قال بخلافه، وأنّ قراءة الجرِّ مؤوّلة، قال التفتراني في "حاشية الكشّاف": ماسيأتي في المسح على الخفّين (3).
قوله الشراك: [قال] (4) في "القاموس":» وكَكِتَابٍ: سَيْرُ النعل «(5)، ثمّ الظاهر أنّ المراد
بالنعل ماهو المتعارف الآن، لأنّه هو الذي يُعقد عند الكعبين فما فوق، لا ما هو المتعارف في اللغة، قال في "الصحاح":» والنعل: الحِذاء، مؤنّثة «(6)، وفي "القاموس":» النعل: ما وُقيت به الرِّجل من الأرض ... الخ «(7)، وهذه يعقد سيرها عند البوع، وهو العظم الذي يلي إبهام الرِّجل، والله أعلم فليحرّر.
قوله» ويل للعواقب «: هكذا فيما رأيناه من النسخ بالواو، وفيه نظر من وجهين،
__________
(1) - زيادة من أ والحجرية.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في آداب الوضء وفرضه، رقم: 92 (1/ 30) بلفظ:» ويل للعراقيب من النار، وويل لبطون الأقدام من النار «؛ وأخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 39؛ وأحمد: مسند الشاميين، رقم: 17045؛ وأخرجه الحاكم في المستدرك، رقم: 580 (1/ 267)؛ والشيباني في الآحاد والمثاني، رقم: 2484 (4/ 431)، بلفظ:» ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار «؛ وجاء الحديث في رويات عديدة مقتصرة على الشطر الأوّل من اللفظين:» ويل للعراقيب من النار «، و» ويل للأعقاب من النار «.
(3) - في صفحة: ... .
(4) - زيادة من هـ.
(5) - الفيروزابادي: باب الكاف، فصل الشين: الشرك والشركة.
(6) - الجوهري: باب اللاّم، فصل النون: نعل.
(7) - الفيروزابادي: باب اللاّم، فصل النون: النعل. (2/131)
صفحة 568
أراد بذلك من ترك عرقوبيه وباطن قدميه في الوضوء (1).
وقد استحبّ بعض أصحابنا أن يتعاهد تقليم أظفار رجليه، والله أعلم (2).
ومسنونات الوضوء ثمانية، أحدها التسمية:
--------------------
الأوّل: أن العقِب -بكسر القاف- وهو مؤخّر الرِّجل لا يُجمع هذا الجمع، بل يُجمع على أفعال جمع قلّة، وعلى فِعال جمع كثرة؛ الثاني: أنّه لا يناسب المدّعى وهو العرقوب، اللّهمّ إلاّ أن يقال: الراوية للعراقب بالراء فصحِّف بالواو، وهو جمع عاقبة، وهو آخر كل شيء، فليراجع.
ثم رأيت في "الجامع الصغير" -من كتب قومنا- لفظ الحديث مرارا:» ويل للأعقاب
من النار «الحديث (3)، وكذلك في "المنهاج" للشيخ خميس بن سعيد العماني -رحمه الله (4).
قوله التسمية: ينظر هل النية سابقة على التسمية أو التسمية سابقة على النية؟ وظاهر صنيع» الإيضاح» في ترتيب مسائل الوضوء أنّ النية سابقة على التسمية (5)، وهو المتبادر من كلامه في التيمّم، حيث قال:» فليعقد النِّية وليقل باسم الله ... الخ «(6)،
فيقاس الوضوء على التيمّم؛ وأيضا الظاهر أنّ التسمية من أجزاء الوضوء فيشترط تقدّم النية عليها، لكن كلامه –رحمه الله- في "القناطر " صريح في تقديم التسمية حيث قال:» ثمّ عند الفراغ من السواك فليجلس للوضوء ويقول: باسم الله الرحمن الرحيم «إلى أن قال:» ثمّ يغسل يديه ثلاثا «إلى أن قال:» ثمّ ينوي بالوضوء رفع الحدث واستباحة الصلاة، يقول في نفسه أرفع بوضوئي ... «إلى أن قال:» يستديم
__________
(1) - سقط من أ: في الوضوء.
(2) - أبو غانم الخراساني، المدونة الكبرى، 1/ 15.
(3) - المناوي، شرح الجامع الصغير للسيوطي، 2/ 483، 484.
(4) - خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، 3/ 358.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 50 - 55.
(6) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 290، مع اختلاف في اللفظ. (2/132)
صفحة 569
لقول النبيء - عليه السلام -:» لاوضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه «(1)، ...
--------------------
النية إلى غسل الوجه فإن نسيها عند الوجه فقد شدّد بعضهم ... الخ «(2)، وقال في "الإيضاح" في كيفية التسمية:» يقول باسم الله، هكذا في آثارهم –رحمهم الله- «(3).
__________
(1) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم: 88 (1/ 29) من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس وهذا سند قوي؛ وجاء من طرق أخرى كثيرة كلّها مقدوح في سندها، منها ما أخرجه من طريقٍ الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 25؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة، رقم: 392؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 22152؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 193 (1/ 43)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 72)؛ والطيالسي في مسنده، رقم: 243؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار، (1/ 26). ومن طريقٍ ثانيةٍ ابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 391؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 10943؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 688؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 520 (1/ 246)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 192 (1/ 43)؛ وأبو يعلى الموصلي في مسنده، رقم: 1060 (2/ 324)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 71)؛ وعبد بن حميد في منتخبه، رقم: 910.ومن طريق ثالثةٍ ابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 393؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 9050؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 518 (1/ 245)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 183 (1/ 41)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 79)؛ وأبو يعلى الموصلي، رقم: 6409 (11/ 293). ومن طريق رابعة ابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 394؛ والطبراني في الكبير، رقم: 5699 (6/ 121). ومن طريق خامسة الطبراني في الأوسط، رقم: 1119 (2/ 71)؛ والشيباني في الاحاد والمثاني، رقم: 873 (2/ 152). إلى آخر الطرق التي روي بها وقد تبلغ العشرة، ولم يخل إسناد كلّ منها من الوهن، حتّى قال أحمد بن حنبل:» لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسنادا جيّد «، وقال في رواية أخرى:» لا أعلم في التسمية حديثا صحيحا «. قال الحافظ ابن حجر:» الظاهر أنّ مجموع الأحاديث يحدث منها قوّة تدلّ على أنّ له أصلا «؛ وقال ابن أبي شيبة:» ثبت لنا أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قاله «. (يُنظر باقي روايات الحديث وتفصيل علل أسانيدها في: الزيلعي، نصب الراية، 1/ 03؛ وابن حجر العسقلاني، تلخيص الحبير، 1/ 72؛ الشوكاني، نيل الأوطار، 1/ 150؛ القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده، 107).
(2) - الجيطالي، قناطر الخيرات، القنطرة 3: قنطرة الصلة ووظائفها من الطهارات، 64، 65. وفي النسخة أ مكان الاستدلال بما في القناطر نص من أحد كتب علماء عمان، والظاهر أنّ المؤلّف حذفه في تبييضه للكتاب.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 56. (2/133)
صفحة 570
أراد بذلك - عليه السلام - الترغيب في نيل الثواب الجزيل لذكر الله (1)، وأحسب أنّ بعضهم قال: إذا ذكر المتوضئ الله - عز وجل - عند ابتداء وضوئه فقد طهر جميع جسده، وإلا فلا يطهر منه إلا ما غسل دون سائره، وهذا قول يقال (2).
والثانية، غسل الأيدي: و اختلف (3) في أمره - عليه السلام - بغسل الأيدي، هل ذلك على وجه النظافة أو على وجه العبادة؟ فقولان، وقد جاء في الحديث: أنه توضّأ مرّة مرّة فقال:» هذا و ضوء لايقبل الله الصلاة إلا به «، ...
--------------------
قوله أراد بذلك ... الخ: هذا هو المذهب، وجعلوه كقوله - عليه السلام -:» لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد «(4)، لأنّهم أجمعوا أنّ من صلّى في بيته فقد أدّى الفرض الذي عليه، فكذلك التسمية، وذهب بعضهم إلى فرض التسمية أخذا بظاهر الحديث، وذهب بعضهم إلى أنّ المراد بالتسمية النية، والله أعلم.
قوله واختلف في أمره - عليه السلام - ... الخ: أراد به ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما من أنّه - عليه السلام - قال:» إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتّى يغسلها ثلاثا فإنّه لا يدري أين باتت يده «(5).
قوله وقد جاء في الحديث ... الخ: يُتأمّل ما المراد من ذكر هذا الحديث هنا، ولأيّ معنى ساقه؟ اللّهم إلاّ أن يقال: للدلالة على عدم غسل الأيدي ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء
__________
(1) - في أ: الله تعالى.
(2) - رواه السعيد بن منصور في سننه عن مكحول قال:» إذا تطهّر الرجل، وذكر اسم الله طهُر جسده كلّه، وإذا لم يذكر اسم الله حين يتوضأ لم يطهر منه إلاّ مكان الوضوء ... «، (الهندي، كنز العمال، 9/ 457).
(3) - في ب والحجرية: واختلفوا.
(4) - تقدّم تخريجه في صفحة: ... .
(5) - تقدّم تخريجه في صفحة: ... . (2/134)
صفحة 571
ثم ثنى فقال:» من ضاعف ضاعف الله له «، الحديث (1).
الثالثة، المضمضة: وهي تطهير باطن الفم، وأمّا غسل ما يظهر من الشفتين فواجب مع الوجه، وصفة المضمضة (2) أن يأخذ الماء بفيه فيخضخضه ثمّ يمجّه، وينبغي له أن يدخل أصبعه في فيه ويدلك بها أسنانه، وإن كان يدمي لثاته بذلك ...
--------------------
للتعبّد، حيث اقتصر على مرّة واحدة لكلّ عضو، يعني فيدلّ على أنّ الأمر بغسل اليدين ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء لأجل النظافة لا للتعبّد، فعلى هذا إذا تيقّن نظافتهما ليس عليه من غسلهما شيء، والله أعلم فليحرَّر.
قوله ثمّ يمجّه: ظاهره أن المجّ له دخل في المضمضة، لأنّه جعل المضمضة عبارة عن ثلاثة أشياء.
قوله أن يدخل أصبعه: لم يبيّن صفة ذلك، وقد بيّنها في "الإيضاح" حيث قال:» ويستحبّ له أن يجعل الماء في فيه وفي أنفه بيده اليمنى، ويمضمض ويستنشق
بالشمال، كما ... يغسل رجليه بشماله «، إلى أن قال:» ويبدأ بالمضمضة، ويدخل أصبعه في شدقه الأيمن يأخذ من رباعيته ثمّ يمرّ على أضراسه العليا ثمّ السفلى إلى رباعيته السفلى ثمّ يرجع إلى شدقه الشمال فيعمل به مثل ما يعمل باليمين، ويدخل في أنفه عند الاستنشاق السبابة والوسطى إلى العظم إلاّ إن لم يمكنه ذلك ... الخ «(3).
قوله لثاته: هو بالثاء المثلّثة والتاء المثنّاة جمع لثّة،» وهو اللحم الذي على أصول الأسنان يمسكها، ذهب أبو الحسن إلى أنّها فِعْلَةٌ من لاَثَ يَلُوثُ، وذهب ابن جنّي (4) إلى أنّه
__________
(1) - تقدّم تخريجه في صفحة: ... .
(2) - في أ وب: التمضمض؛ وفي د: المتمضمض؛ وفي الحجرية بعدها: أن يدخل الماء ... .
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 60، 63.
(4) - هو عثمان بن جنّي أبو الفتوح، نحوي لغوي، قال السيوطي: هو من أحذق أهل الادب وأعلمهم في النحو والتصريف، وهو بالثاني أعلم وفيه أفقه؛ له تصانيف عديدة تزيد على العشرة، منها: الخصائص، وشرح تصريف المازني، وشرحان على ديوان المتنبي؛ توفي سنة 392هـ. (السيوطي، بغية الوعاة، 322). (2/135)
صفحة 572
فيجزيه أن يخضخض الماء بلسانه، والله أعلم.
وصفة المضمضة إنما نقلت من فعله - عليه السلام - فثبتت أنها من سنته - عليه السلام -، والله أعلم (1).
الرابعة، الاستنشاق: وهو غسل باطن الأنف، ...
--------------------
من اللَثَى الذي هو الصمغ، وذلك لتَلَزُّقِ اللِّثَةِ ولِينِها كَلِينِ ذلك الصمغ، وهذا القول أقيس، لأنّ مثل هذا إنّما يُحذف من طرفَيْه كعِدَّةٍ، وقُلَّةٍ، ولا يحذف من وسطه كما ذهب إليه أبو الحسن ... الخ «(2)، يعني: فأبو الحسن يرى أنّ أصله لَوْثَةٌ، وكلام "الصحاح" أيضا يشهد بخلاف قول أبي الحسن حيث قال:» واللِّثَةُ بالتخفيف: ماحول الأسنان، وأصلها لِثَيٌ، والهاء عوض من الياء، وجمعها لِثَاتٌ ولِثًى «اهـ (3)، ولعل المصنّف –رحمه الله- جمع اللَّثَةَ باعتبار الأجزاء، كقولهم: الدينار الصُّفر، والدرهم البيض، وذلك لأنّ الإنسان ليس له إلاّ لَثَّة واحدة.
قوله فيجزيه: أي في تحصيل الاستحباب، لأنّ إدخال الأصبع مستحب فقط.
قوله وهو غسل باطن الأنف ... الخ: لم يبيّن -رحمه الله- بأي أصبع يغسله، وإنّما بيَّن كيفيته الاستنثار فقط، وقد بيّن ذلك في "الإيضاح" كما في الحاشية (4).
__________
(1) - انفردت ج. ود بلفظ التسليم. ودليل المضمضة من السنّة هو حديث المقدام بن معدي كرب الكندي قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثا، ثمّ غسل وجهه ثلاثا، ثمّ غشل ذراعيه ثلاثا، ثمّ مضمض واستنشق ثلاثا، ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا. أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 105؛ وأحمد: مسند الشاميين، رقم: 16558؛ ومن طريق أخرى في باقي مسند الأنصار، رقم: 21189؛ ومسلم: كتاب الطهارة، رقم: 347؛ والطبراني في الكبير، رقم: 4068 (4/ 178) من طريق أخرى.
(2) - ابن سيده، المخصّص، 1/ 144؛ وابن سيده هو علي بن إسماعيل الأندلسي أبو الحسن، لغوي نحوي، قال فيه السيوطي: لم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيّام العرب وما يتعلّق بها؛ من تآليفه: شرح إطلاق المنطق، وشرح الحماسة، وشرح على كتاب الأخفش؛ توفي سنة: 458هـ. (السيوطي، بغية الوعاة، 327).
(3) - الجوهري: باب الواو والياء، فصل اللاّم: لثى.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 63. (2/136)
صفحة 573
وأمّا ما يبدو منه فهو من الوجه، وصفته أن يجتذب الماء بخياشمه ويجعل إبهامه وسبابته على أنفه، ثم ينثر بالنفس، ويبالغ في الاستنشاق مالم يكن صائما، لقول النبيء - عليه السلام -:» إذا توضأت فبالغ إلا أن تكون صائما «(1)،وقال - عليه السلام - للقيط بن صبرة:» إذا توضّأت فضع في أنفك ماء ثم استنثر بالاستنشاق «(2)؛ وينبغي أن يدخل أصبعه في أنفه إلى العظم الذي فيه، وإن كان له عذر فلا بأس عليه في تركه، ...
--------------------
قوله للقيط بن صبرة: لقيط بالقاف والطاء المهملة، وصُْبرة بضمّ الصاد المهملة وبالباء الموحّدة الساكنة، وفي «القاموس»:» ولَقيطُ بن عامِرِ بن صُبْرة صحابي «- رضي الله عنه - (3).
__________
(1) - الحديث أخرجه أحمد: مسند المدنيين، رقم: 15788، بلفظ:» إذا توضأت فأبلغ في الاستنشاق ما لم تكن صائما «؛ وأخرجه باختلاف طفيف في لفظه الربيع بن حبيب: باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم: 93 (1/ 30)؛ وأبو داود: كتاب الصوم، رقم: 2019؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 401؛ والترمذي: كتاب الصوم، رقم: 718؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 86؛ وابن خزيمة في صحيحه، رقم: 1985 (3/ 236)؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 522 (1/ 247)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 229 (1/ 50)؛ والطبراني في الكبير، رقم: 482 (19/ 216)؛ والبخاري في الأدب المفرد، رقم: 166.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم: 39 (1/ 30) دون اللفظة الأخيرة؛ وقد جاء من غير نسبة قوله - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صبرة عند كلّ من: البخاري: كتاب الوضوء، رقم: 157؛ ومسلم: كتاب الطهارة، رقم: 348؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 85؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 121؛ ومالك: كتاب الطهارة، رقم: 30، وهذا بلفظ ... :» إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثمّ ليستنثر «، أو ما يقربه باختلاف طفيف.
(3) - الفيروزابادي: باب الراء، فصل الصاد: صبره. (2/137)
صفحة 574
ويجوز التمضمض والاستنشاق بغرفة واحدة كما جاء في الحديث (1)، واختار بعضهم أن يتمضمض ثلاثا من غرفة واحدة، ويستنشق ثلاثا من غرفة واحدة (2)، وكلاهما مروي في الحديث، والله أعلم (3).
ومن ترك المضمضة والاستنشاق حتى صلّى، فإن كان عامدا فلا خلاف في إعادة الوضوء والصلاة، وإن كان ناسيا ففيه اختلاف؛
--------------------
...........................
__________
(1) - أخرج ذلك الربيع بن حبيب: باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم: 94 (1/ 30)؛ والبخاري: كتاب الوضوء، رقم: 184؛ ومسلم: كتاب الطهارة، رقم: 346؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 27؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 100؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 399؛ وأحمد: مسند المدنيين، رقم: 15876؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 693؛ وابن حبان في صحيحه، رقم: 1078 (بترتيب ابن بلبان 3/ 360)؛ وابن خزيمة في صحيحه، رقم: 148 (1/ 77)؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 521 (1/ 247)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 92 (1/ 82)؛ والطبراني في الأوسط، رقم: 718 (1/ 405)؛ وفي الكبير، رقم: 10759 (10/ 311)؛ والشافعي في مسنده، ص.: 16؛ والطيالسي في مسنده، رقم: 1102.
(2) - سقطت الكلمة من الحجرية.
(3) - جاءت الكيفية الأخيرة في حديث أخرجه أحمد: مسند العشرة المبشرين بالجنّة، رقم: 977، أنّ عبد خير أنّه توضّأ فتمضمض ثلاثا واستنثر ثلاثا بكفٍّ كفٍّ، وقال هذا وضوء نبيّكم - صلى الله عليه وسلم - فاعلموه؛ وأخرجه بنحوه أحمد: في نفس المسند، رقم: 951؛ وابن ماجة كتاب الطهارة وسننها، رقم: 398؛ وابن خزيمة في صحيحه، رقم: 151 (1/ 78)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 300 (1/ 63)؛ والدارقطني في السنن، رقم: 12 (1/ 86)؛ والطبراني في مسند الشاميين، رقم: 1076 (2/ 146)، بلفظ:» واستنشق ثلاثا ومضمض ثلاثا «، الذي يفيد الفصل بين العملين. (2/138)
صفحة 575
وذكر في أثر بعض أصحابنا عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: من تركهما في الوضوء فلا إعادة عليه، وأمّا في الجنابة فعليه الإعادة، والله أعلم (1).
الخامسة، التخليل للحية والأصابع: لقوله - عليه السلام -:» خللوا بين أصابعكم في الوضوء قبل أن تخلل بمسامير من نار «(2)، أوقال:» قبل أن تخللها النار «(3)، ...
--------------------
قوله من تركهما في الوضوء فلا إعادة عليه: يعني ناسيا، بدليل قوله: فإن كان عامدا فلا خلاف في إعادة الوضوء.
قوله» قبل أن تخلّل ... الخ «: في جعل التخليل سنّة مع ورود هذا الوعيد نظر، فليحرّر (4).
__________
(1) - وقفنا على المسألة مروية عن الربيع بن حبيب لا عن ابن عباس، وهذا في: مسائل الربيع ابن حبيب، وجه الورقة: 03 (مخطوط)؛ وفي أبي غانم الخراساني، المدوّنة الصغرى، 1/ 13. وروى ابن شيبة في المصنّف (1/ 224) عن ابن عباس أنّ ناسي المضمضة والاستنشاق في اغتسال الجنابة يعيد.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم: 90 (1/ 30)؛ والدارقطني في سننه، رقم: 02، ورقم: 03 (1/ 95) باختلاف طفيف في اللفظ.
(3) - لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأورده صاحب الهداية بلفظ:» خلّلوا أصابعكم قبل أن تخلّلها نار جهنّم «، وقال مخرجه الزيلعي: غريب بهذا اللفظ (نصب الراية، 1/ 26)؛ وروى عبد الرزاق في الجامع عن الحسن البصري قال:» خلّلوا أصابعكم قبل أن يخلّلها الله بالنار «، (الهندي، كنز العمال، 9/ 455)؛ وأخرجه الطبراني في الكبير، رقم: 156 (22/ 64) بلفظ:» من لم يخلّل أصابعه بالماء خلّلها الله بالنار يوم القيامة «؛ وأخرجه في مسند الشاميين، رقم: 1509 (2/ 368) بلفظ:» من لم يخلّل أصابعه بالماء خلّل بالنار يوم القيامة «.
(4) - حمل الإمام ابن بركة –رحمه الله- الحديث إن صحّ على الندب، لإجماع الأمّة على إجازة وضوء من لم يخلّل الأصابع، ولولا الإجماع لأفاد الحديث فرضية التخليل؛ وتعقّبه الشيخ السالمي –رحمه الله- بأنّ الحديث يُحتمل أن يمون المراد بالتخليل فيه إيصال الماء إلى ما بين الأصابع فيكون ذلك واجبا، لأنّ غسل ما بين الأصابع واجب كغسل الأعقاب من الأرجل، فبهذا يبقى الحديث على ظاهره وهو أولى من حمله على الندب أو نسخه بالإجماع؛ وبمعنى ذلك صرّح القطب اطفيش –رحمه الله- في تعاليقه على المدوّنة، وهذا في تخليل الأصابع لا في تخليل اللحية الذي جعله مستحبًّا وحكى فيه الخلاف. (يُنظر: السالمي، معارج الآمال، 1/ 386؛ القطب اطفيش، جامع الوضع والحاشية، 88؛ المدوّنة الكبرى، 1/ 21). (2/139)
صفحة 576
وصفة تخليل الأصابع أن يجعل باطن كفه اليسرى على ظاهر اليمنى، وباطن اليمنى على ظاهر اليسرى فيخللهما كذلك، والله أعلم.
وقيل في تخليل الأصابع أنه سنّة، وقيل واجب لأنها من اليد؛ وكذلك اختلفوا في إجالة الخاتم في اليد كما قدّمنا، والأصحّ إجالته ليصل الماء موضع التختم (1).
--------------------
قوله وصفة تخليل الأصابع ... الخ: بيّن –رحمه الله- كيفية تخليل أصابع اليدين، ولم يبيّن كيفية تخليل البنان لأن قوله - عليه السلام -:» خلِّلوا بين أصابعكم «الحديث (2) شاملٌ لأصابع اليدين والرجلين، وقد بيّنه صاحب "الإيضاح" -رحمه الله- فليراجع (3).
قوله وقيل في تخليل الأصابع أنّها سنّة: الأولى تركه لأنّه معدوم من موضع المسألة.
قوله وقيل واجب: قال في "الإيضاح":» وأجمعوا أنّه غير واجب، وإن كان إيصال الماء إلى مواضع التخليل واجبا، وفي هذا دليل على أنّ ما أصابه الماء من مواضع الوضوء إذا لم يمرّ عليه اليد مع الماء أنّه يجزيه إذا جرَت اليد على الأكثر منه، في قول من رأى أنّ اليد مع الماء واجب في الطهارة ... الخ «(4)، لكن ظاهر الحديث –ربّما- يدلّ على الوجوب، وأظنّ أنّ مالكا يقول بوجوبه (5)، فكأنّ صاحب الإيضاح -رحمه الله- لم يعتدّ بقول المخالف، أو أراد إجماع الأصحاب، والله أعلم، فليحرّر (6).
قوله ليصل الماء ... الخ: هذا التعليل يرشد إلى الفرق بين الضيِّق والواسع، والله أعلم.
__________
(1) - في ج. ود: موضع الخاتم.
(2) - تقدّم تخريجه قريبا.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 82، 83.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 71، 72.
(5) - حكى ابن جزي قولين في ذلك عن مذهب مالك، الوجوب والندب. (القوانين الفقهية، 45).
(6) - المراد بالإجماع إجماع الأمّة لا إجماع الأصحاب، كما أفاده الكندي في بيان الشرع (8/ 100)، ورجّحه الشيخ السدويكشي في حاشيته على الإيضاح (1/ 71). (2/140)
صفحة 577
السادسة، مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما: وقد اختلفوا فيه، فذهب قوم إلى أنّ مسحهما فريضة، و يجدّد لهما (1) الماء، وقال آخرون: إنّ مسحهما سنّة، ويمسحان مع الرأس من غير تجديد الماء؛ و المعمول به عندنا هو القول الآخر (2).
--------------------
قوله وقال آخرون: إنّ مسحهما سنّة: قال في "الإيضاح":» وأصل اختلافهم في كون مسحهما سنّة أو فريضة اختلافهم في الآثار الواردة في ذلك هل هي زائدة على ما في الكتاب من مسح الرأس، فيكون حكمهما أن يُحمل على غير الفرض لمكان التعارض الذي يتخايل بينه وبين الآية إن حُملت على الوجوب، أو هي مبيّنة للمجمل الذي في الكتاب، فيكون حكمهما حكم الرأس في الوجوب؟ ... الخ «(3)، ثمّ ظاهر كلام المصنّف –رحمه الله- أنّه لا يُطلب تجديد الماء لهما إلاّ على القول بأنّ مسحهما فريضة، والمختار في "الإيضاح" أنّ مسحهما سنّة، و يُجدّد لهما لأنّه جعل سبب الخلاف في تجديد الماء تردّد الأذنين بين أن يكونا من الرأس فلا يجدّد لهما، أو هما عضوان مستقلان من أعضاء الوضوء فيجدّد لهما، ثمّ قال:» والدليل على أنّهما سنّة على حيالهما إجماعهم على أنّ مسح الأذنين لا يجزي عن مسح الرأس ... الخ «(4).
قوله من غير تجديد الماء: هذا ظاهر إذا مسح رأسه بكلتا يديه كما هو المستحبّ عند المصنف -رحمه الله-، وأمّا إذا مسحه بيده اليمنى فقط كما هو المستحبّ عند
صاحب "الإيضاح" (5) فليس بظاهر، فإنّ الشمال قد يكون خاليا من الماء، والله أعلم، فليحرّر.
__________
(1) - هنا يبدأ خرم في النسخة: ا، وينتهي في صفحة: ... .
(2) - في ب: الأخير.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 77.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 78
(5) - ظاهر كلام أبي غانم الخراساني في المدوّنة الصغرى (1/ 15) أنّ هذا القول لأبي المهاجر وحاتم بن منصور، وأنّ قول الربيع بن حبيب أن يُغسل ظاهر الأذنين وباطنهما مع الرأس. (2/141)
صفحة 578
وكان جابر بن زيد –رحمه الله- لا يرى مسح الأذنين واجبا؛ وذُكر عن سعيد بن جبير أنه قال: الأذنان من الرأس ما أقبل منهما وما أدبر (1)؛ وعن الربيع -رحمه الله- أنه قال: يستحب مسح باطن الأذنين مع الوجه وظاهرهما مع الرأس (2)؛ وعن عبد الله بن مسعود –رحمه الله- أنه قال: يستحبّ تجديد الماء للأذنين (3).
وكيفية مسحهما أن يُدخل أصبعه في صماخ أذنيه ويمسح ظاهرهما وباطنهما؛ واختلف أيضا في ظاهر الأذنين، فمنهم من قال: هو ما وقعت به المواجهة، وقال آخرون: هو ما يلي الرأس، وهو الأظهر.
--------------------
قوله ما أقبل منهما وما أدبر: يعني –والله أعلم- فيُمسحان معه من غير تجديد الماء، فيكون قائلا بالسنِّية أيضا.
قوله باطن الأذنين ... الخ: [قال] (4) في "الإيضاح":» وذهب آخرون إلى أنّه يُمسح ظاهرهما مع الرأس، ويغسل باطنهما مع الوجه لتردّد هذا العضو ... الخ «(5).
قوله تجديد الماء للأذنين: يعني ولا يمسحهما مع الرأس، وليس المراد أنّه يكرّر لهما المسح بماء جديد في كلّ مرة، لأنّ الممسوح يُقتصر فيه على مرّة واحدة.
قوله في صماخ أذنيه: في "الصحاح":» الصِّمَاخُ يعني -بكسر الصاد-: خَرْق الأذن، وبالسين لغة ... الخ «(6).
__________
(1) - ابن أبي شيبة، المصنّف، 1/ 29.
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 75.
(3) - روى ذلك القرطبي عن ابن عمر لا عن ابن مسعود.
(4) - زيادة من هـ والحجرية.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 77، أي لتردّده بين أن يكون جزءاً من الوجه او جزءاً من الرأس.
(6) - الجوهري: باب الخاء، فصل الصاد: صمخ. (2/142)
صفحة 579
ومن نسي مسح الأذنين حتى صلى، فإن كان عامدا أعاد، وإن كان ناسيا ففيه اختلاف، والله أعلم (1).
السابعة، التوضي ثلاثاثلاثا لكلّ جارحة: لقول النبيء - عليه السلام - حين توضّأ واحدة واحدة فقال:» هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلاّ به «، ثم ثنّى فقال:» من ضاعف ضاعف الله له «، ثم توضّأ ثلاثا ثلاثا فقال:» هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي «(2)؛ وأجمعوا على أنّ الواحدة كافية إذا كانت سابغة، والله أعلم؛ لأنّ الأمر بالفعل يقتضي مرّة واحدة، أعني الأمر الوارد في الوضوء؛ وقد اختلفوا في تكرير مسح الرأس هل فيه فضيلة أم لا، والله أعلم (3).
--------------------
قوله ومن نسي: لعلّه: ومن ترك، ليناسب التفصيل بعد ذلك، كما هو ظاهر، والله أعلم (4).
قوله ثلاثا: الظاهر أنّه منصوب على المفعولية المطلقة، على حدّ: {فَاجْلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:04]، لأنّ المصدر ينوب عنه عدده في الانتصاب على المفعولية المطلقة.
قوله سابغة: أي محكمة.
قوله أعني الأمر الوارد في الوضوء: الأولى ترك هذه الزيادة، لأنّ كلّ أمر كذلك لا يقتضي التكرار على الصحيح، لأنّ ما قصد به من تحصيل المأمور به يتحقّق (5) بالمرّة
__________
(1) - سقط من ب وج.: والله أعلم. وأشار الشيخ السالمي –رحمه الله- إلى أن لا إعادة على من نسي مسح أذنيه في أكثر القول عند أصحابنا، (معارج الآمال، 2/ 26).
(2) - تقدّم تخريجه في صفحة: ... .
(3) - حقّق القطب اطفيش –رحمه الله- هذه المسألة بما لا مزيد عليه، وناقش أدلّتها المتعارضة في كتابه شامل الأصل والفرع (1/ 213 - 215) فلتراجع، وفيه صرّح بأنّ قول الأصحاب في المسألة كراهية تكرير مسح الرأس، وهو الصحيح عند الشافعية.
(4) - ما أشار إليه المحشّي هو الوارد في النسخة ج. من القواعد.
(5) - في هذا الموضع يبدأ خرم في النسخة ب. (2/143)
صفحة 580
الثامنة، ترتيب الوضوء: وهو أن يبدأ بغسل يديه ثم يتمضمض ثم يستنشق ثمّ يغسل وجهه ثم يده اليمنى ثم اليسرى ثم يمسح رأسه ثم الأذنين ثمّ يغسل رجله اليمنى ثمّ اليسرى (1)؛ وقد اختلف الناس في غسل الأعضاء، فقال بعضهم: يجوز تقديم ما تأخّر ذكره في التلاوة، واعتلوا بأنّ الواو لا تقتضي النسق والترتيب وإنما تقتضي الجمع فقط؛ وقال آخرون: لا يجوز إلاّ على الترتيب المذكور في الآية، وأنّ الواو ههنا هي واو النسق لا واو الجمع، ...
--------------------
الواحدة، الأصل براءة الذمة ممّا زاد عليها، إلاّ إن دلّ الدليل على قصد التكرار فيُعمل به، كالأمر بالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان.
قوله ترتيب الوضوء: أي ترتيب أعضاء الوضوء.
قوله في غسل الأعضاء: أي في ترتيب غسل الأعضاء، لأنّ الخلاف وقع في الترتيب لا في الغسل، وهو ظاهر.
قوله فقال بعضهم ... الخ: هذا هو مذهب أصحابنا كما في "الإيضاح" (2).
قوله والترتيب: كأنّه جعله عطف تفسير على النسق، وأنّ النسق المراد به ههنا: الترتيب، وإلاّ فالنسق موجود في جميع حروف العطف، وبذلك امتاز عن عطف البيان؛ يقولون: عطف البيان وعطف النسق لِما كان بواسطة الحرف.
قوله وأنّ الواو ههنا هي واو النسق: أي واو الترتيب على مقتضى كلامه، والحاصل أنّ الواو تجيء للمصاحبة أكثر وللترتيب كثيرا ولعكسه قليلا، فإن وُجدت القرينة عُمل بها، وهي ههنا موجودة من السنّة، فيكون الترتيب مأخوذا من السنّة لا من
__________
(1) - ورد في النسخة د كلمتا اليد والرجل بالتثنية.
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 83، 84. (2/144)
صفحة 581
وبما روي أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال للسائل:» توضّأ كما أمرك الله «(1)، وبقوله على الصفا:» نبدأ بما بدأ الله به «(2)، ...
--------------------
الواو كما هو مذهب أصحابنا مالم يقصد المتطهِّر خلاف السنّة، فكون الواو ههنا للترتيب لا يحسن كونه مقابلا لكونها لمطلق الجمع فإنّ دلالتها على الترتيب ههنا لا ينافي كونها في حدّ ذاتها لمطلق الجمع؛ نعم ذهب الفرّاء وهشام وثعلب من الكوفيين (3) وقطرب من البصريين (4) إلى أنّها للترتيب، فلو قال: وأنّ الواو للنسق لا للجمع، وترك التقييد بقوله: هنا لحُمل على مذهبهم، والله أعلم فليحرّر.
قوله وبما روي ... الخ: كأنّه عُطف على التوهّم، وأنّ تقديرالكلام: مستدلّين بأنّ الواو هنا ... الخ وبما روي ... الخ.
__________
(1) - أخرجه الترمذي: كتاب الصلاة، رقم: 278؛ وأبو داود: كتاب الصلاة، رقم: 730؛ وبنحوه النسائي: كتاب التطبيق، رقم: 1124؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 453؛ والدارمي: كتاب الصلاة، رقم: 1295.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في الكعبة والمسجد والصفا والمروة، رقم: 415 (1/ 110)؛ والترمذي: كتاب الحج، رقم: 790؛ والنسائي: كتاب مناسك الحج، رقم: 2912؛ وأبو داود: كتاب المناسك، رقم: 1628؛ وابن ماجة: كتاب المناسك، رقم: 3065؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 13918؛ ومالك: كتاب الحج، رقم: 730.
(3) - ثعلب تقدّم التعريف به في: 1/ 151. أمّا هشام فهو: أبو عبد الله بن معاوية الكوفي من أهل النحو واللغة، من أصحاب الكسائي، من تصانيفه في اللغة: مختصر النحو، الحدود، القياس، توفي سنة: 209هـ (السيوطي، بغية الوعاة، 409). أمّا الفرّاء فهو يحي بن زياد بن عبد الله بن مروان الديلمي أبو زكرياء، عرف بالفرّاء لأنّه كان يفري الكلام، كان أعلم الكوفيين بالنحو بعد شيخه الكسائي، وكان من أهل الكلام يميل إلى الاعتزال؛ له تصانيف عدّة في اللغة وعلوم القرآن، منها: معاني القرآن، المصادر في القرآن، المقصور والممدود، المذكر والمؤنث، توفي سنة: 207هـ (السيوطي، بغية الوعاة، 411).
(4) - هو أبو علي محمّد بن المستنير النحوي المعروف بقطرب، لقبّه بذلك شيخه سيبويه، قال ابن السكيت فيه: تبيّت أنّه يكذب في اللغة؛ كان قطرب يرى رأي المعتزلة النظامية، له تصانيف كثيرة في اللغة وعلوم القرآن، منها: العلل في النحو، الأضداد، النوادر، إعراب القرآن، مجاز القرآن، توفي سنة: 206هـ (السيوطي، بغية الوعاة، 104). (2/145)
صفحة 582
وبقوله:» هذا وضوء لا تُقبل الصلاة إلا به «(1) قال ذلك وهو يتوضّأ على الترتيب في مكان واحد؛ وذهب بعض أصحابنا إلى جواز التقديم والتأخير مالم يرد المتوضئ بذلك خلاف السنة (2)،روي ذلك عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وأبي نوح وابن عبد العزيز وغيرهم (3)؛ وعن الربيع -رحمه الله- قال أيضا: إنّ أبا عبيدة لم يكن يعتبر عدد المرّات في الوضوء وإنّما يعتبر التنظف والإنقاء، و الله أعلم (4)؛ وأمّا الربيع –رحمه الله- فروي عنه أنه لم يكن يرى الوضوء إلا مرتبا كما جاءت به السنّة (5).
وإن فرغ الماء للمتوضئ قبل تمام الوضوء فلم يجد الماء إلا بعد ما جفّ، ...
--------------------
قوله» لا تقبل الصلاة إلاّ به ... الخ «: لعلّ من قال: إنّ الترتيب غير واجب، يجيب بأنّ الحصر إضافي، أي: لا تُقبل إلاّ به، بخلاف من ترك شيئا من المرّة الواحدة فإنّه لا تقبل الصلاة بوضوئه، بدليل قوله بعد ذلك:» من ضاعف ضاعف الله له «الحديث، فليس نظره - عليه السلام - إلى الترتيب والموالاة وإنّما نظره إلى المرّات، والله أعلم، فليحرّر.
قوله وذهب بعض أصحابنا ... الخ: المناسب أن يذكر هذا عند قوله: فقال بعضهم يجوز تقديم ما تأخّر ذكره في التلاوة بأن يقول عقبه: وهو مذهب بعض أصحابنا ... الخ مثلا، لأنّه أخصّ ولأنّ تأخيره يوهم أنّه مقابل لما تقدّم مع أنّه ليس كذلك، والله أعلم.
قوله إلاّ بعد ما جفّ ... الخ: لم يبيِّن -رحمه الله- كيفية الموالاة، ويُؤخذ من كلامه
__________
(1) - تقدّم تخريجه في صفحة: ... .
(2) - ابن بركة، الجامع، 1/ 247. وفي الحجرية: مخالفة السنّة ... .
(3) - أبو غانم الخراساني، المدونّة الصغرى، 1/ 15؛ المدونة الكبرى، 1/ 13.
(4) - أبو غانم الخراساني، المدونة الصغرى، 1/ 14؛ المدونة الكبرى، 1/ 13.
(5) - أبو غانم الخراساني، المدونة الصغرى، 1/ 15؛ المدونة الكبرى، 1/ 13. (2/146)
صفحة 583
فإن [كان] (1) اشتغل بغير طلب الماء أعاد الوضوء مستأنفا، وإن لم يتوان بنى على ما مضى من غسل أعضائه؛ وكذلك إن فرّق وضوءه في مواضع من غير عذر، فإن جفّ استأنف، وإلاّ بنى على ما مضى، و الله أعلم.
وأما فضائل الوضوء فهي ستة، أحدها (2): ترتيب المسنون على المفروض؛ الثانية: السواك قبله بعود رطب أو يابس والأخضر أحسن، مالم يكن صائما، فإن لم يجد عودا استاك بأصبعه؛ ...
--------------------
–رحمه الله- ومن كلام [صاحب] (3) "الإيضاح" حيث قال:» وأمّا إن ضيّع الطلب ووجد الماء فإنّه يبني على وضوئه إن لم ينشف «(4)، لأنّ الموالاة لا تفوت إلاّ إذا ترك الغسل حتى جفّ ماء الأعضاء، والله أعلم.
قوله ترتيب المسنون على المفروض: الظاهر أنّ المراد بترتيب المسنون على المفروض أن يرتّب الغسلة الثانية والثالثة في كلّ عضو على الأولى، فإنّ الغسلة الأولى هي الفرض والباقي سنّة، يعني: ولا يغسل كلّ عضو مرّة فقط إلى أن يفرغ أعضاء وضوئه ثمّ يشرع بعد ذلك في ترتيب السنن، والله أعلم.
قوله ما لم يكن صائما: الظاهر أنّه راجع إلى أصل المسألة وهي: السواك إلى قوله: والأخضر أحسن كما هو المتبادر، بدليل أنّهم ذكروا في باب الصوم أنّه يُكره السواك للصائم، وذلك لأنّه يزيل الفضلات التي يستحبّ بقاؤها إلى وقت الإفطار،
__________
(1) - سقط من ب ود.
(2) - في ج. ود: إحداها.
(3) - زيادة من د.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 88. (2/147)
صفحة 584
الثالثة: التوضي باليمين، لأنه روي أن النبيء - عليه السلام - (1) كانت يمينه لوضوئه وطعامه وشرابه، وشماله لخلائه وما كان مثل ذلك (2)؛ ...
--------------------
لقوله - عليه السلام -:» لخلوف فم الصائم ... «الحديث (3)، لكن في كلام "الدعائم" ما يُشعر أنّه يستحبّ للصائم السواك باليابس (4).
قوله التوضي: هكذا فيما رأيناه من النسخ بالياء بعد الضاد، والقياس: التوضؤ بهمزة بعد ضاد مضمومة، لأنّه مِن: توضّأ كـ تكرّم، في "الصحاح":» وتوضّأت للصلاة، ولا تقل: توضيت «.
قوله التوضّي باليمين: الظاهر أنّه أراد به تناول الماء لا غسل الأعضاء فإنّه يصدرمن كلتا اليدين والغالب كونه بالشمال.
قوله لخلائه: في "الصحاح":» والخلاء ممدود: المتوضَّأُ، والخلاء أيضا: المكان الذي لا
__________
(1) - في ج. ود: - صلى الله عليه وسلم -.
(2) - أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 31؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 25081؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 547 (1/ 113)؛ وإسحاق بن راهويه في مسنده، رقم: 1639 (3/ 936)؛ وقد أخرجه كذلك كلّ من الطبراني وابن حبان والحاكم باختلاف في لفظه.
(3) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في فضل رمضان، رقم: 328 (1/ 84)؛ والبخاري: كتاب الصوم، رقم: 1761؛ ومسلم: كتاب الصيام، رقم: 1944؛ والترمذي: كتاب الصوم، رقم: 695؛ والنسائي: كتاب الصيام، رقم: 2181؛ وابن ماجة: كتاب الصيام، رقم: 1628؛ وأحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 4036؛ ومالك: كتاب الصيام، رقم: 603؛ وابن خزيمة في صحيحه، رقم: 1900 (3/ 198)؛ والنسائي في الكبرى، رقم: 2521 (2/ 90)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 8290 (4/ 304)؛ وأبو يعلى الموصلي في مسنده، رقم: 1005 (2/ 286)، وغيرهم.
(4) - قال الشيخ ابن النظر صاحب الدعائم:
والرطب في صدر النهار سواكه ... حلّ، وبعد إقامة الظهر
فلا يستحبّ، ويستحبّ سواكه ... باليابس الذاوي لدى العصر
والذاوي: بين اليابس والرطب. محمّد بن وصاف العماني، شرح الدعائم، 1/ 270، 271، البيتان 82، 83 من القصيدة 07. (2/148)
صفحة 585
الرابعة: المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم (1)؛ الخامسة: البداءة (2) في مسح الرأس من مقدّمه، والتيامن فيه، والاقتصار فيه على مسحة واحدة عند بعضهم، وردّ اليدين فيهما، فيمرّ بيده من المقدّم إلى قفاه (3)، ثمّ يرجع إلى مقدّم رأسه؛ السادسة: التقليل من صبّ الماء، مع ذكر الله تعالى في أثناء الوضوء والدعاء، ...
--------------------
شيء به «(4)، ومثله ما في "القاموس" (5)، وانظر ما المراد ههنا؟ والظاهر أنّ ما أراده (6) –رحمه الله- لا يناسب شيئا من المعنيين، والله أعلم.
قوله المبالغة في الاستنشاق: يعني ولا يجعله سَعوطا، وكذلك يبالغ في المضمضة ولا يجعلها وجُورا، فالسعوط إدخال الدواء في الأنف والوجُور إدخاله من الفم.
قوله البداءة: في "الصحاح":» وقولهم: لك البَدْءُ والبِدْأَة والبَدُأَة فإنّه أيضا بالمدّ، أي: لك أن تبدأ قبل غيرك في الرمي أو غيره ... الخ «(7).
قوله فيهما: لعلّه: فيها، أي في المسحة، ويحتمل تصحيح التثنية بأن يكون الضمير راجعا إلى القولين، فإنّ قوله: عند بعضهم يشعر بوجود قول آخر، والله أعلم.
قوله فيمرّ بيديه ... الخ: هذا حاصل ما تقدّم مع زيادة بيان، وقد تقدّم عن صاحب "الإيضاح" غير هذه الكيفية (8).
قوله التقليل من صبّ الماء: يعني ولو كان الإنسان على نهر.
__________
(1) - للحديث المتقدّم في صفحة: ... .
(2) - في ج. ود: البداية.
(3) - في الحجرية: القفا.
(4) - الجوهري: باب الواو والياء، فصل الخاء: خلا.
(5) - الفيروزابادي: باب الواو والياء، فصل الخاء: خلا.
(6) - في ج. ود وهـ: أنّ مراده.
(7) - الجوهري: باب الألف المهموزة، فصل الباء: بدأ.
(8) - في صفحة: ... ، وهو في الإيضاح، 1/ 75، 76. (2/149)
صفحة 586
وقد استحبّ بعضهم أن يقول عند غسل الرجل اليمنى: (اللهم اجعل سعيي سعيا مشكورا وذنبي ذنبا مغفورا وعملي عملا [مبرورا] مقبولا) (1)، وذُكر عن سعيد بن جبير أنه قال: من قال حين يفرغ من وضوئه: (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) خُتم عليها بخاتم ثمّ (2) تُرفع تحت العرش فلا تُكسر إلى يوم القيامة (3).
ومكروهات الوضوء عشرة، وهي: الإكثار من صبّ الماء فيه؛ والزيادة على مغسوله فوق الثلاثة؛ وعلى الواحدة في ممسوحه؛ ...
--------------------
قوله وقد استحبّ بعضهم ... الخ: انظر لِم خصّ استحباب الدعاء عند بعضهم بغسل (4) الرِّجل اليمنى مع أنّه مستحبّ في جميع أعضاء الوضوء، وقد ذكر في "الوضع" ما يُدعى به عند كلّ عضو فليراجع (5)؛ اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ هذا البعض يستحب عنده هذا الدعاء عند الرجل اليمنى، لا قولهم: (اللهمّ ثبّت قدمي على الصراط المستقيم ... الخ) مثلا، ويوافق في سائر الأعضاء على ما ذكره غيره، والله أعلم فليحرّر.
__________
(1) - ما بين المعقوفتين زيادة انفردت به د. وهذا الذكر جزء من الذكر الذي جاء في حديث علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه لمّا علّمه - صلى الله عليه وسلم - ما يفعل في الوضوء من أعمال وما يقوله من أذكار، والحديث أخرجه أبو القاسم بن منده في كتاب الوضوء، والمستغفري في كتاب الدعوات من طريقين، والديلمي في مسند الفردوس؛ (محمّد مرتضى الزبيدي، إتحاف السادة المتّقين بشرح إحياء علوم الدين، 2/ 586).
(2) - في هذا الموضع ينتهي الخرم الذي أصيبت به النسخة أ، والمشار إليه في صفحة: 141.
(3) - روى البيهقي في السنن الكبرى، رقم: 9909 (6/ 25) عن أبي سعيد الخدري عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:» من توضّأ فقال: سبحانك اللهمّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رقٍّ ثمّ طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة «؛ ورواه بزيادةٍ الحاكم في المستدرك، رقم: 2072 (1/ 752)؛ والطبراني في الأوسط، رقم: 1472 (2/ 271)؛ وكذا النسائي في عمل اليوم والليلة، والدارقطني في العلل ورجّحا أنّه موقوف لا مرفوع. (يُنظر: ابن حجر العسقلاني، تلخيص الحبير، 1/ 101؛ الشوكاني، نيل الأوطار، 1/ 191).
(4) - في د وهـ: بعد غسل الرِّجل ... .
(5) - أبو زكرياء الجناوني، 48، 49. (2/150)
صفحة 587
والوضوء في موضع الخلاء؛ والكلام فيه بغير ذكر الله تعالى؛ والاقتصار على مرّة واحدة لغير العالِم؛ ...
--------------------
قوله والاقتصار على مرّة واحدة: الظاهر أنّه كما يُكره الاقتصارعلى المرّة الواحدة، تُكره الزيادة على الثلاث لأنّها خلاف السنّة (1).
قوله والاقتصار على مرّة واحدة لغير العالِم: قد يقال: الظاهر أنّه يكره مطلقا للعالم وغيره، لأنّ في الاقتصار على المرّة ترك السنّة وهو التوضّؤ ثلاثا، وأمّا ترك التعميم في المرّة الأولى فيحرم عليه الاقتصار؛ وانظر هل يُكره الاقتصار على اثنتين أيضا؟ والظاهر نعم لقوله - عليه السلام - في الثالثة:» هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي «(2)، وأمّا اقتصاره - صلى الله عليه وسلم - على الواحدة مرّة وعلى اثنتين أخرى فلبيان التشريع، وهو قد يفعل المكروه لذلك ولا يكون مكروها في حقّه لأجل التشريع، والله أعلم، فليحرّر.
قوله لغير العالم: يعني لأنّها ربّما لا تكون سابغة (3) فيبقى شيء من العضو لم يصبه الغسل في المرّة الأولى فيصيبه في الثانية والثالثة، وظاهره أنّه إذا بقي عليه شيء من العضو في المرّة الأولى فغسله في الثانية مثلا أنّ وضوءه صحيح، فلذلك فرّق بين العالم وغيره؛ وعند مالك وضوؤه باطل إذا لم يعمّم في المرّة الأولى لأنّه يكون في الثانية –مثلا- غاسلا بنية السنّة وهو لم يؤدّ الفرض (4)؛ والظاهر أنّ الاقتصار على المرّة الواحدة مكروه مطلقا لمخالفة السنّة، وهذا إذا عمّ الجارحة، وأمّا إذا بقي من العضو شيء فإنّ وضوءه باطل مطلقا كما هو معلوم عالِما كان أو جاهلا، فلو قال: والاقتصار على المرّة الواحدة إذا عمّم، لكان أظهر والله أعلم.
__________
(1) - سقط هذا التعليق من الحجرية.
(2) - تقدّم تخريجه في صفحة: ... .
(3) - في الحجرية: ربّما تكون غير سابغة ... .
(4) - قال أبو الحسن المالكي في شرحه على رسالة ابن أبي زيد القيرواني:» وينوي بالأولى فرضه، وبما زاد عليها الفضيلة، ... ويصمّم اعتقاده أنّما ما زاد على الواحدة المسبغة فهي فضيلة ... «، (كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني، 1/ 169). (2/151)
صفحة 588
والوضوء من الماء المشمّس لأنه يورث البرص (1)، ووجدت ذلك عن النبيء - عليه السلام - (2)؛ والوضوء من إناء الذهب والفضة، وقد قيل في هذا إنه حرام (3)؛ والتوضّي عريانا ولو كان في ظلمة أو خلوة (4)؛ والتوضي من الماء المضاف الذي لم يتغيّر أحد أوصافه، والله أعلم.
ومسح الوضوء بالمنديل مكروه أيضا، ...
--------------------
قوله الذي لم يتغير أحد أوصافه: في كونه مضافا مع أنّه لم يتغيّر أحد أوصافه نظر، لأنّ تعريف المطلق شامل له، لأنّه إذا لم يتغيّر أحد أوصافه فهو باق على أصل خلقته، ولعلّه سمّاه مضافا حيث وقع فيه ما من شأنه أن يغيّره –مثلا- لأنّ الإضافة لأدنى ملابسة، والله أعلم (5).
قوله ومسح الوضوء بالمنديل مكروه: يحتمل أن يكون بفتح الواو لأنّه اسم لماء الوضوء، ويحتمل أن يكون بضمّها على حذف مضاف، أي: أثر الوضوء، وفي "القاموس" ما يُشعر بأنّ الوُضوء بالضمّ يطلق على الماء أيضا، قال:» والوُضوء:
__________
(1) - في أ وج. ود: يثير البرص. وفي د سقطت واو العطف بعد العبارة.
(2) - في أ: - صلى الله عليه وسلم -. وفي معنى ذلك روى أنس أنّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:» لا تغتسلوا بالماء الذي يسخّن في الشمس فإنّه يعدي من البرص «، أخرجه العقيلي في الضعفاء، رقم: 696 (2/ 176)؛ وعن عائشة انّها أسخنت ماء في الشمس ليغتسل به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال:» لا تفعلي يا حميراء فإنّه يورث البرص «، أخرجه البيهقي في الكبرى، رقم: 15 (1/ 6)، وابن عدي في الكامل، رقم: 600 (3/ 41)؛ وقد روي موقوفا عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنّه كان يكره الاغتسال بالماء المشمّس، وقال: إنّه يورث البرص، أخرج ذلك البيهقي في الكبرى، رقم: 13، 14 (1/ 6)، والدارقطني في السنن، رقم: 3، 4 (1/ 38)؛ وقد جاء من طرق عديدة أخرى سواء المرفوع أو الموقوف، إلاّ أنّ غالب الطرق مقدوح في إسنادها. (ينظر تفاصيل ذلك في: الزيلعي، نصب الراية، 1/ 101؛ ابن حجر العسقلاني، تلخيص الحبير، 1/ 20، 22).
(3) - الكندي، المصنّف، 4/ 35. وقد علّل القرطبي ذلك في تفسيره بنهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن اتّخاذ أواني الذهب والفضة، وذلك للتشبّه بالأعاجم والجبابرة لا لنجاسة فيهما.
(4) - أحمد الكندي، المصنّف، 4/ 32، 35؛ محمّد الكندي، بيان الشرع، 8/ 119.
(5) - صُرِّح بذلك في الجامع للأزكوي، 1/ 365، مرويا عن ابي الحواري. (2/152)
صفحة 589
لأنه تكتب له الحسنات ما دام على أعضائه [بلل] (1) و لم يجفّ، والله أعلم (2).
مسألة في المسح على الخفّين: اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب، فذهب أكثر فقهاء مخالفينا إلى إجازته بإطلاق من غير ضرورة في السفر والحضر؛ وذهب آخرون إلى إجازته في السفر دون الحضر (3)؛ وأجمع أصحابنا فيما علمت على منعه في الحالتين، ولهم في ذلك سلف من الصحابة، وهي مروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - وعليّ بن أبي طالب وأبي هريرة وبلال وعائشة رضي الله عنها، ...
--------------------
الفعل، وبالفتح: ماؤه، ومصدر أيضا، أو لغتان قد يعنى بهما المصدر، وقد يعنى بهما الماء ... الخ «(4)، فعلى هذا لا حاجة إلى تقدير المضاف.
قوله اختلف الناس: كأنّه عبّر بالناس للإشارة إلى ما ذكره في "السؤالات" حيث قال في بعض مسائل الديانات بعد التعبير باختلاف الناس:» وإنّما قلنا اختلف الناس ولم نقل اختلف العلماء لأنّه لا يقال: اختلف العلماء إلاّ لشيء يجوز لهم فيه الاختلاف ... الخ «(5).
__________
(1) - زيادة من أ وج. وفي د: بلل ما لم ... .
(2) - قال بذلك ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وابن المسيب ومجاهد وأبو العالية وأبو عبيدة مسلم والربيع بن حبيب؛ وقد اختلف في المسألة للاختلاف الوارد في الأحاديث المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمنها أنّه كانت له خِرقة ينشّف بها بعد الوضوء (روى ذلك الربيع بن حبيب والترمذي وابن ماجة وغيرهم)؛ ومنها ما رواه البخاري وأحمد عن ميمونة أنّها ناولت للرسول - صلى الله عليه وسلم - منديلا بعد اغتساله فلم يُرِدْها. قال الإمام السالمي:» والجمع بين الأحاديث يتأتّى بالقول على الكراهة، وأنّه - صلى الله عليه وسلم - إنّما فعله لبيان الجواز لا لكونه مستحبّا، والله أعلم «. (ينظر: معارج الآمال، 2/ 90؛ أبو ستّة، حاشية الترتيب، 1/ 115).
(3) - ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 17، 18.
(4) - الفيروزابادي: باب الهمزة، فصل الواو: الوضاءة.
(5) - السوفي، 333. (2/153)
صفحة 590
وكان ابن عباس يقول: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، ويذهب إلى أنه منسوخ بآية المائدة (1)؛ وكان جابر بن زيد –رحمه الله- يقول: كيف يمسح على الخفين والله تعالى يخاطبنا بنفس الوضوء (2)؛ وكانت عائشة –رضي الله عنها- تقول: والله ما كان للنبيء - عليه السلام - خُفان قطّ، ولا مسح عليهما، ولودِدْت أن رجلي قطعت يوم أمسح على الخفين (3)؛ والأمر المجتمع عليه عند أصحابنا أنّ المتوضّئ إذا أحدث يتوضّأ وينزع خفيه ويغسل قدميه مقيما كان أو مسافرا، وأنّ طهارة القدمين هي الغسل، خلافا لمن قال طهارتهما هي المسح؛ واستدلّ بقراءة [من قرأ] (4) {وَأَرْجُلِكم} بالخفض عطفا على الرأس بالمسح، والله أعلم (5).
--------------------
قوله قبل نزول المائدة: يعني أنّ المسح على الخفّين نُسخ بآية الوضوء، فعلى هذا كانوا يتوضّؤون قبل نزولها، ولعلّه بناء على أن شرْعَ من قبلنا شرْعٌ لنا ولو في غير خصال التوحيد، والراجح عندنا أنّ شرع مَن قبلنا ليس بشرع لنا إلاّ فيما لا يُنْسخ كالتوحيد ومحاسن الأخلاق، والله أعلم، فليحرّر (6).
قوله واستدلّ بقراءة من قرأ: {وَأَرْجُلِكُم} بالخفض ... الخ: جوابه ما ذكره التفتزاني
__________
(1) - أبو غانم الخراساني، المدونة الصغرى، 1/ 87؛ وروى ذلك جابر بن زيد في كتاب روايات ضمّام، ص. 504 (مخطوط)؛ وروى معناه ابن أبي شيبة في مصنّفه، 1/ 31.
(2) - الجامع الصحيح ترتيب مسند الإمام الربيع بن حبيب، 1/ 36، باب في المسح على الخفّين، رقم: 123.
(3) - المصدر السابق، رقم: 122.
(4) - سقط من ب.
(5) - وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة؛ وقد رُدّ على هؤلاء بأنّه: ولو كان {وَأَرْجُلِكُمْ} =
(6) - صرّح بذلك القطب اطفيش في التيسير (3/ 191)؛ وإلى الرأي الأوّل ذهب بعض علماء الإباضية، واختاره الإمام السالمي واشترط له أن لا يكون منسوخا، وأن يرد في القرآن أو في السنّة من غير إنكار له، وأن يكون ذلك على جهة التشريع لنا. (طلعة الشمس، 2/ 60). (2/154)
صفحة 591
. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
--------------------
حيث قال:» وأقرب ما قيل في إيجاب غسل الأرجل أنّ قراءة النصب توجب الغسل لأنّه لا مجال للعطف على محلّ الجار والمجرور مع الإلباس، فوجب حمل قراءة الجرّ عليه بطريق المشاكلة، أو الجرّ على الجوار لانتفاء الإلباس بضرب الغاية، أو بتقدير {وامسحوا بأرجلكم} مرادا به الغسل الشبيه بالمسح تنبيها على وجوب الاقتصاد أو بالتزام الجمع بين الحقيقة والمجاز دفعا لاختلاف القراءتين، ولو سُلِّم تساويهما وجواز حمل قراءة النصب على المسح بالعطف على المحلّ بقرينة أنّ في العطف على المنصوب تخلّل الفاصل بالأجنبي، فغايته أن تصيرَ الآية بمنزلة المجمل، أو تدلَّ على جواز الأمرين؛ وقد دلّت الأحاديث المشهورة على وجوب الغسل والوعيد على الترك، فكان هذا أوفق لما عليه الأكثرون وأوفى لتحصيل الطهارة المقصودة من الوضوء وأقرب إلى الاحتياط، لِما في الغسل من المسح إذ لا إسالة بدون الإصابة (1) فيتعيّن الرجوع إليه «اهـ (2).
- - -
__________
(1) =معطوفا على {بِرُؤوسِكُمْ} فهو من باب العطف على اللفظ دون المعنى، وإنّما خُفض للجوار كما تفعل العرب، وقد جاء ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِن نَّارٍ وُنُحَاسٍ} بالجرِّ على قراءة ابن كثير، وفي قوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} بالجرِّ على قراءةٍ؛ وكما تقول العرب: (هذا جُحر ضبٍّ خرِبٍ) بالجرِّ وإنّما إعرابه الرفع، وقد جاء من ذلك في شعر العرب مرارا، وإلى ذلك ذهب بعض النحاة كالأخفش وأبي عبيدة خلافا للنحَّاس. (يراجع: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير الآية:06 من سورة المائدة).
- في الحجرية: الإضافة.
(2) - سعد الدين التفتزاني، حاشية على الكشاف، وجه الورقة: 171 (مخطوط). (2/155)
صفحة 592
القسم الثاني في نواقض الوضوء
اِعلم أنّ المتوضّيء يجب عليه استصحاب حال الوضوء عند فعل الصلاة،
وإن طرأ عليه ما ينقضه وجب عليه الإتيان به وإلا بطلت صلاته، لقول النبيء - عليه السلام - (1):» لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضّأ «(2)؛ والموجب للوضوء عند الأمّة عشر خصال متفق عليها، وهي: البول، والغائط، والمني، والمذي، والودي،
وخروج الريح من الدّبر، ...
--------------------
قوله القسم الثاني في نواقض الوضوء: عبّر عنها بعضهم بموجبات الوضوء، والشيخ –رحمه الله- استعمل التعبيرين، وناقض الشيء ونقيضه ما لا يمكن اجتماعه معه، وجمع ناقض: نواقض، لأنّه وإن كان صفة لمذكّر لكنّه غير عاقل.
قوله من الدبر: يعني بخلاف خروجها من الفم وفرج المرأة فإنّها لا تنقض الوضوء، لأنّها ليست بنجسة، وذلك لأنّ هاشما الخراساني قال: خرجنا إلى مكّة فسمعت امرأة تسأل الربيع عن امرأة وجدت من قبلها ريحا وتسمع صوتا، قال: فسكت الربيع ما شاء الله ثمّ قال:» هذه ريح دخلت من خارج وليس للريح هناك طريق ولا بأس عليها «(3).
__________
(1) - في أ وج: - صلى الله عليه وسلم -.
(2) - تقدم تخريجه في صفحة: 111.
(3) - أحمد الكندي، المصنّف، 4/ 218؛ محمّد الكندي بيان الشرع، 8/ 158؛ ابن وصاف العماني، شرح الدعائم، 1/ 193. وهاشم الخراساني الذي روى الأثر عن الربيع بن حبيب هو أبو عبد الله هاشم بن عبد الله الخراساني من فقهاء الإباضية في ق2هـ، انظر: ترجمته في ملحق التراجم رقم: 08. (2/156)
صفحة 593
وغيوب (1) الحشفة في الفرج، وخروج الدم من المرأة بحيض أو نفاس، ...
--------------------
قوله وغيوب الحشفة: أي أو مقدارها لو قطعت الحشفة، والظاهر أنّه لا بدّ من غيوبها كلّها خلافا لبعض المالكية (2)، وكذلك لو كانت ملفوفة كما نصّ عليه في "الديوان" (3)، وانظر ما لو غاب في الفرج مقدار الحشفة من غير الذكر هل يكون الحكم كذلك، فليراجع والله أعلم (4).
قوله بحيض: لعلّه أراد بالحيض ما يشمل الاستحاضة.
__________
(1) - في نسخ القواعد المعتمدة: غيوبة، إلاّ ب والحجرية فإنهما موافقتان لنسخة المحشّي.
(2) - انفرد الجيطالي –رحمه الله- من بين الفقهاء المصنّفين بإيراد غيوب الحشفة ضمن الأعمال الموجبة للوضوء الأصغر، بينما سائرهم يوردها ضمن الأعمال الموجبة للوضوء الأكبر (الاغتسال)؛ ولعلّه إنّما فعل ذلك لكون الحدث الأصغر مندرجا تحت الحدث الأكبر، فمتى حلّ الأكبر حلّ بالأولى الأصغر منه، ومتى رُفع كذلك لا العكس؛ ولاتّفاق الأمّة على هذا الحدّ، ويؤيّد هذا قولُه في تصديره لموجبات الوضوء:» والموجب للوضوء عند الأمّة عشر خصال متّفق عليها «. ولعلّ المصنّف جارى في ذلك الإمام ابن بركة في جامعه (1/ 352) حيث أورد الموجبات العشر بعنوان: باب فيما ينقض الطهارة.
أمّا الخلاف الذي أشار إليه المحشّي لبعض المالكية، فإن كان المراد بخلافهم وجوب الوضوء ولو لم تغب الحشفة فإنّ المسألة لا تعدو من أن تكون من باب اللمس الوارد في آيتي سورتي النساء والمائدة؛ والمالكية يأخذون بعين الاعتبار قصد اللامس للذة ووقوعَها بعد اللمس، فوقوع اللذة لِلاَّمس ولو بغير قصد لها ناقض باتّفاقهم، والقصد للذة من اللامس ولو من غير وقوع لها بعد اللمس مختلف في نقضه، واختلفوا كذلك فيمن لم يقصد اللذة ولم يلتذ بعد اللمس، ولعلّ الخلاف الذي ساقه المحشّي يندرج تحت هذا الصنف. (مالك بن أنس، المدونة الكبرى، مقدمات ابن رشد، 8/ 2648). وإن كان المراد بخلافهم وجوب الغسل ولو لم تغب الحشفة –وهو ما صرّح به الإمام السالمي في المعارج (2/ 296) - فإنّا لم نطّلع على ذلك فيما رأيناه من بعض مصنّفات المالكية.
(3) - العزابة، كتاب الصلاة، ظهر الورقة: 12 (مخطوط).
(4) - نعم صرّح الشيخ صالح الأزهري من المالكية بأنّ للمسألة نفس الحكم، (جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، 1/ 32). (2/157)
صفحة 594
وزوال العقل بإغماء أو جنون أو سكر، وذهاب العقل بالنوم مضطجعا، فهذا ما (1) أجمعوا عليه فيما وجدت، إلا خلافا شاذا في المذي والنوم، والشاذ لا يعتدّ به.
والمشهور عند أصحابنا أنّ الوضوء ينتقض بثلاثة أشياء، أحدها: أحداث تطرأ عليه، والثاني: أسباب تؤدي إلى نقضه، والثالث: أفعال ينتقض بارتكابها، ومحصول موجبات الوضوء تنحصر في ثلاثة فصول.
الفصل الأول في الأحداث
ونعني بها ما ينقض الوضوء بنفسه لا بما يؤدّي إليه، وهي ثلاثة أنواع، أحدها: كلّ نجاسة تسيل من الجسد (2) في أي موضع خرجت، ...
--------------------
قوله وذهاب العقل ... الخ: انظر لِمَ لَمْ يجعل ذهاب العقل بالنوم داخلا في زوال العقل، ويجعل القسم العاشر -مثلا- هو الطهر من النساء والله أعلم، ولكن الظاهر أنّه إنّما لم يعدّ الطهر من النساء في نواقض الوضوء لأنّه من توابع الحيض، فالوضوء منتقض بالحيض، وعلى هذا فعدُّه في "الإيضاح" (3) من نواقض الوضوء لا بدّ فيه من التأويل، ولعلّه أراد به الهادي وهو ماء أبيض يخرج من الحامل إذا قرب ولادتها، أو [يُحمل] (4) على ما إذا رأت الطهر واغتسلت وتوضّأت ثم خرج منها طهر فإنّه قد انتقض وضوؤها، والله أعلم فليحرّر.
__________
(1) - في ب: وهذا أجمعوا ... .
(2) - في أ: الجسم.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 113.
(4) - زيادة من هـ. (2/158)
صفحة 595
سواء كانت من القبل كالبول والمني والمذي والودي والدم، أو كانت من الدبر كالغائط والدم والدابة والحصاة والريح وغيرها، أو سالت من الأنف كالرعاف، أو من الفم كالقيء والقلس، أو سفحت من جرح أو قرح [كالدم والصديد الغالب عليه الدم، أو] (1) من سائر الجسد كالفصد والحجامة لثبوت الأحاديث في هذه الأحداث؛ فصحّ أنّ ما علّق الحكم بها في نقض الوضوء من جهة أنها أنجاس (2) خارجة من البدن، لأنّ الوضوء طهارة والطهارة إنما يؤثر فيها النجس، فثبت أنه إذا خرج من الجسد نقض الوضوء على أي جهة خرج، من مرض أو صحة، ووافق أصحابَنا أبو حنيفة وأصحابه في هذا المعنى (3)، ...
--------------------
قوله كالبول ... الخ: الكاف للتمثيل لأنّه بقي عليه الهادي من فرج الحامل، والحصى والقيح والصديد -والعياذ بالله- فإن جميع ذلك ينقض الوضوء، وأمّا الطهر فتقدّم أنّه من توابع الحيض.
قوله فصحّ أنّ ما علّق الحكم بها ... الخ: هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولعلّ النسخة: فصحّ أنّه إنّما علّق ... الخ (4).
قوله والطهارة إنّما يوثّر فيها النجس ... الخ: هذا الحصر غير ظاهر، فلو قال: والطهارة يؤثّر فيها النجس، لكان أظهر في إفادة المقصود من الردّ على من زعم أنّ الوضوء لا يؤثّر فيه كلّ النجس، والله أعلم.
قوله من مرض: هو على حذف مضاف، أي: من صاحب مرض، ولو قال: في مرض، لكان أظهر.
__________
(1) - سقط من أ.
(2) - في أ ود: نجاسة؛ وفي ب: نجسة.
(3) - شمس الدين السرخسي، المبسوط، 1/ 75.
(4) - وهو ما في أ وب وج من نسخ القواعد المعتمدة. (2/159)
صفحة 596
وقد روي أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قاء فتوضّأ (1)، وفي بعض الحديث (2):» من قاء أو قلس فليتوضّأ «(3)؛ وقد استحبّ أبو عبيدة مسلم - رضي الله عنه - (4) التوضي (5) من القلس إذا وجد الإنسان طعمه في الحلق وإن لم يبلغ حدّ الفم. والدم إذا سفح من أنف أو جرح وجب به الوضوء، ...
--------------------
قوله وإن لم يبلغ حدّ الفم: يعني وأمّا إن بلغ فهو باتّفاق من أصحابنا أنّه يلزمه الوضوء.
قوله والدم إذا سفح من أنف ... الخ: يعني وبرز إلى الخارج حتّى يكون محلّ الوفاق، وأمّا إن سال في داخله ولم يبرز ففيه قولان؛ وكذلك إذا جرح في عينه أو أذنه أو شقاق رجله ولم يبرز ففيه قولان، وأمّا إذا جُرحَ في فمه فإنّه ينظر إلى غلبة الدم على البزاق، فليراجع "الإيضاح" (6).
__________
(1) - روى ذلك معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء حدّثه بذلك، وكان - صلى الله عليه وسلم - صائما تطوّعا فضعف فاستقاء فأفطر، فسأل معدان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوبان، فقال: صدق أبو الدرداء، أنا صببت له وضوءه. أخرج ذلك الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 80؛ وأبو داود: كتاب الصوم، رقم: 2033؛ وأحمد: مسند القبائل، رقم: 26261؛ والدارمي: كتاب الصوم، رقم: 1665؛ وابن حبان في صحيحه، رقم: 1097 (بترتيب ابن بلبان، 3/ 377)؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 1553 (1/ 588) وصحّحه على شرط الشيخين؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 654 (1/ 144)؛ والدارقطني في السنن، رقم: 41 (1/ 159)؛ والنسائي في الكبرى، رقم: 3120 (2/ 213)؛ وابن الجارود في المنتقى، رقم: 08؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار، (2/ 96).
(2) - في ب ود: الأحاديث.
(3) - أخرجه بهذا اللفظ الربيع بن حبيب: باب ما يجب منه الوضوء، رقم: 109 (1/ 33)؛ وأورده كذلك ابن الأثير في النهاية (4/ 100) بغير عزو. وأخرجه بلفظ:» إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس فلينصرف فليتوضأ ثمّ ليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلّم «، البيهقي في الكبرى، رقم: 3198 (2/ 255)؛ والدارقطني في السنن، رقم: 11 (1/ 153)؛ وقد جاءت فيه في بعض الطرق الأخرى زيادة الإصابة بالرعاف والمذي، كرواية ابن ماجة: كتاب إقامة الصلاة والسنّة فيها، رقم: 1211.
(4) - في أ وب ود: رحمه الله.
(5) - سبق للمحشي في صفحة: 148 التعليق على هذه الصيغة فليراجع.
(6) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 117، 118. (2/160)
صفحة 597
وإن أخرجه بيده أو أخرجه ذباب فقولان، والله أعلم.
النوع الثاني ممّا ينقض الوضوء: وهو كلّ نجاسة تلاقي بدن المتوضّئ من غيره، سواء لاقته باختياره كلمسه النجس الرطب، و (1) الميتة رطبة كانت أو يابسة، ...
--------------------
قوله وإن أخرجه بيده: أي بعود فيه -مثلا- كما هو ظاهر، وأمّا لو باشره فإنّه ينتقض به قولا واحدا عندنا.
قوله وهوكلّ نجاسة: صوابه ترك الواو لأنّه ضمير فصل وقع بين المبتدأ والخبر، أو يترك الضمير مع الواو كما فعل في النوع الأوّل والثالث.
قوله كلمسه النجس الرطب: مفهومه أنّ اليابس لا ينقض الوضوء، مع أنّ فيه تفصيلا، لكن المفهوم إذا كان فيه تفصيل لا يعترض به، وذلك أنّه إذا مسّ النجس اليابس وكانت يده -مثلا- مبلولة يفرّق بين ما كان سريع الانحلال كمحلّ البول والماء المنجوس، وما كان بطيء الانحلال كالنطفة والدم والعذرة اليابسة، فإنّه ما دام النجس يجذب (2) إليه الماء لا ينتقض عليه الوضوء، والله أعلم.
قوله والميتة رطبة كانت أو يابسة: إنّما نقضت الوضوء ولو كانت يابسة مع أنّ مس النجاسة اليابسة لا ينقض الوضوء لأنّ اليابس لا يأخذ من اليابس لقوله ... - عليه السلام -:» مسّ الميتة ينقض الوضوء «(3)، فالنقض لأجل السنّة الواردة لا
__________
(1) - في نسخ القواعد المعتمدة: أو، إلاّ أ فإنّها موافقة لنسخة المحشّي.
(2) - في د والحجرية: يجبذ.
(3) - لم نقف على هذا الحديث في كتب السنة والفقه التي اطلعنا عليها، اللهم إلا نحوه من
قوله - صلى الله عليه وسلم -:» من غمض ميتا فليتوضأ «، وهو حديث واهٍ، قال النوويّ: لم يصح في الوضوء من مسّ الميت وحمله شيء، ونَقَل عن المزنيّ في "المختصر" الإجماع على أنه لا وضوء ولا غسل من مس الحرير والميتة. قال: هذا كلام المزنيّ وهو قويّ،
(المجموع شرح المهذّب،5/ 144)؛ وقد نُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالوضوء من تغميض الميت -لو ثبت- غسل اليد، لأن ذلك الموضع لا يخلو من قذارة عادةً. (السرخسي، المبسوط،1/ 83؛ الكاساني، بدائع الصنائع،1/ 33). (2/161)
صفحة 598
أو ظهر الكلب إذا كان رطبا، أو غسل ميتا غير متولى، أو ما أشبه ذلك؛ أو لاقته بغير اختياره، كدابّة (1) تبول أو تُذبح فيطير البول منها أو الدم إليه فيمسّ جسده.
والنوع الثالث: كلّ نجاسة أكلها على جهة (2) الاضطرار، ...
--------------------
لأجل النجاسة، فخصّ بعضهم ميتة المتولّى وهوالذي مشى عليه المصنّف -رحمه الله- لقوله - عليه السلام -:» المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا «(3)، والمختار في "الإيضاح" عدم الاستثناء لأنّ النقض لعموم الخبر والله أعلم (4)، ويدلّ له عدم التفرقة بين اليابسة والرطبة.
قوله أو غسل ميّتا غير متولّى: إنّما خص الغسل بالذكر مع أن مطلق المسّ كذلك، لأنّ المسّ تقدّم في قوله: والميتة رطبة كانت أو يابسة.
قوله كلّ نجاسة أكلها على جهة الاضطرار ... الخ: الظاهر أنّه أراد بالاضطرار المخمصة، أي: الجوع، لأنّها هي التي يجوز له فيها أكل الميتة والدم ولحم الخنزير
__________
(1) - في ب و د: كالدابّة.
(2) - في أ و ب: على وجه. وفي ج والحجرية: من جهة.
(3) - روي موقوفا ومرفوعا، فأمّا الموقوف فعن ابن عبّاس –رضي الله عنهما- قال:» المسلم لا ينجس حيّا ولا ميّتا «، أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، أوّل باب غسل الميّت ووضوئه بالماء والسدر؛ وسعيد بن منصور في سننه؛ وابن أبي شيبة في مصنّفه، وهذا على ما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (3/ 127). أمّا المرفوع فقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:» لا تنّجسوا موتاكم فإنّ المسلم ليس بنجس حيّا ولا ميّتا « ... ، أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم: 1422 (1/ 542) وصحّحة على شرط الشيخين؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1360 (1/ 306)؛ الدار قطني في السنن، (2/ 70)، وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري (3/ 127) أنّه جاء كذلك موقوفا عن ابن عبّاس بهذا اللفظ، وذلك في سنن سعيد بن منصور. كما أنّ الحديث رواه بالشطر الأوّل من لفظ المصنّف» المؤمن لا ينجس «، كلّ من البخاري: أول باب غسل الميّت ووضوئه بالماء والسدر؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 556؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 269؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 527؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين رقم: 6913؛ وابن حبّان، رقم: 1259 (بترتيب ابن بلبان، 4/ 69)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 263 (1/ 122).
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 131. (2/162)
صفحة 599
كالميتة والدم ولحم الخنزير والمنجوس من الطعام والشراب وما أشبه ذلك، فمتى اضطرّ إلى شيء (1) فأكله فقد انتقض وضوءه، وإن كان مباحا له أكلُه في حال الضرورة، والله أعلم.
--------------------
بالاتّفاق، وأمّا الإكراه ففي أكل هذه الأشياء بسببه خلاف بين أصحابنا؛ قال في "السؤالات":» وإن أُكره على أكل الميتة فمن قال إنّما أباحها الله من أجل الموت فجائز له أكلها، ومن قال لأجل المخمصة فلا ينجّي بها، وهو قول الربيع بن حبيب –رحمه الله- ... الخ «(2)، وقال المصنّف –رحمه الله- في "شرح النونية" عند قوله: فجلّ المناهي والفروض تعبّد ... مانصّه:» والوجه الثاني من المناهي والمحرّمات هو ما نهى الله عنه لعلل هي غيرها، كتحريمه الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به، وغير ذلك من أكل الأنجاس، فتحريم هذه الأشياء لعلّة الوجود والاستغناء، فمهما زالت علّة الاستغناء عنها بوجود الاضطرار إلى أكلها بالمخمصة والمجاعة ثبت إباحة أكلها لمن اضطرّ إليها؛ واختلفوا فيمن اضطرّ إليها لتنجية النفس مخافة القتل، فمن قال: علّة إباحتها لتنجية الروح من الموت أجاز أكلها بالإكراه، ومن قال: إنّما وردت الإباحة لتنجية النفس من المخمصة لا غير لم يجز أكلها «اهـ (3).
ولم أر لغير المصنّف من أصحابنا–رحمهم الله- جواز أكل سائر النجاسات وشربها على جهة الاضطرار، ولم يذكر في " الإيضاح " (4) غير الميتة والدم ولحم الخنزير؛ ثمّ ظاهره أنّه يجوز أكل هذه الثلاثة على جهة الاضطرار مطلقا، وقيّده في "السؤالات" حيث قال:» وإن أكل الدم وهو جامد أو أكل الميتة وهي مدوّدة أو ميتة الخنزير فقد هلك، لأنّهم قالوا: لا ينفعونه على هذا الوصف، ... قال أبو محمد النصيري –رحمه الله-: قال بعضهم يجوز له أن يأكل
__________
(1) - في د: شيء من هذا فأكله.
(2) - السوفي: 396.
(3) - الجيطالي، شرح النونية، 2/ 90، شرح البيت 64.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 140. (2/163)
صفحة 600
. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..
--------------------
ميتة الخنزير بالمخمصة «(1)، وقول "السؤالات": وهو جامد، أراد –والله أعلم-: وهو يابس. ثمّ قوله –رحمه الله-: فمتى اضطر إلى شيء فأكله فقد انتقض وضوءه ... الخ هذا على أحد القولين، قال في "الإيضاح":» واختلفوا فيمن أكل الميتة أو الدم أولحم الخنزير على الاضطرار، قال بعضهم: ينتقض وضوءه لأنّه إنّما أبيح له الأكل فقط على الاضطرار؛ وقال آخرون: لا ينتقض وضوءه، ويدلّ على هذا حديث ابن عباس قال: قال بلال حدّثني مولاي أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لا يتوضّأ من طعام أحلّ الله أكله «(2)، وهذا الحديث يدلّ على إزالة الوضوء على من أكل ما أحلّ الله له ... ، وكذلك ما مسّت ... النار لا يجب منه نقض الوضوء لهذا الحديث «اهـ (3).
__________
(1) - السوفي، 396، 397. وأبو محمّد النصيري: هو عبد الله بن سجميمان، من علماء الإباضية بوارجلان في ق6هـ، تقدّمت ترجمته في: 1/ 367، ملحق التراجم، رقم: 33.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب ما يجب منه الوضوء، رقم: 104 (1/ 33) بسنده عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن جابر بن زيد عن ابن عبّاس؛ وأخرجه ابن عدي في الكامل، رقم: 1292 (5/ 129) في ترجمة عمرو بن شمر الجعفي الكوفي الشيعي المكنّى بأبي عبد الله، وقد أعلّ سند الحديث به؛ وكذا أورده ابن حجر في ترجمته في لسان الميزان، رقم: 1075 (4/ 366).
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 140. والقول بذلك هو مذهب جمهور فقهاء الأمصار بعد الصدر الأوّل، إذ أُجمع على نسخ وجوب الوضوء بأكل ما مسّته النار؛ إلاّ أنّ قوما من أهل الحديث كابن حنبل وإسحاق وغيرهم ذهبوا إلى وجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل مطبوخة أو نيّة لحديث ثبت عندهم في المسألة. قال البغوي:
» وذهب عامّة الفقهاء إلى أنّ أكل لحم الإبل لا يوجب الوضوء، وتأوّلوا الحديث على غسل اليد والفم للنظافة، كما روي أنّه - عليه السلام - مضمض من اللبن وقال: إنّ له دسما، وخصّ لحم الإبل لشدّة زهومته؛ قال الحسن: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم، والمراد منه: غسل اليدين؛ قال قتادة: من غسل يديه فقد توضّأ «. (البغوي، شرح السنّة، 1/ 350؛ ابن جزي، القوانين الفقهية، 50). (2/164)
صفحة 601
الفصل الثاني في الأسباب التي تؤدّي إلى نقض الوضوء
ونعني بها ما لا ينقض الوضوء بنفسه ولكن بما يؤدّي إليه، وهي ثلاثة أنواع، أحدها (1): زوال العقل بإغماء أو جنون أو سكر أو مرض برسام أو نوم، كلّ ذلك ينقض الطهارة (2) مطلقا، إلا النوم فيه تفصيل واختلاف؛ أمّا التفصيل: فهو أنّ النوم له أربع هيئات، أحدها: أن يكون طويلا ثقيلا في حالة الاضطجاع، فهذا متفق عليه أنه ينقض الوضوء لثبوت الحديث في ذلك؛ ...
--------------------
قوله وهي ثلاثة أنواع ... الخ: أمّا النوع الأول فظاهر، وأمّا الثاني ففيه تردّد، وأمّا الثالث فهو من الفصل الثالث قطعا لأنّه فعل ناقض بنفسه سواء وُجدت اللذّة أم لا، وقد ذَكر هذين النوعين في الفصل الثالث أيضا، ولكن كيف يعدّ النظر من الأفعال قولا واحدا، ويعدّ اللمس تارة من الأسباب وتارة من الأفعال، مع أنّ اللمس قد يقال: أدخلُ في الفعلية من النظر فليحرّر، والله أعلم.
قوله أو مرض برسام: في "القاموس":» البِرسام بالكسر: علّة يُهذى فيها ... الخ «(3)، أي يُتكلّم فيها بالهذيان، وفي "الصحاح":» البِرسام [بالكسر] (4): علّة معروفة «(5)، وعرّفه بعض الأطبّاء بأنّه: ورم في الصدر يحدث منه اختبال في العقل، وهي لفظة فارسية، فالبر: الصدر، والسام: الورم.
قوله لثبوت الحديث: كأنّه أراد به قوله - صلى الله عليه وسلم -:» العينان وكاء الاست فإذا نامت العينان
__________
(1) - في ج و الحجرية: إحداها.
(2) - في أ و ب: الوضوء.
(3) - الفيروزابادي: باب الميم، فصل الباء: البِرسام.
(4) - سقط من مخطوطات الحاشية المعتمدة.
(5) - الجوهري: باب الميم، فصل الباء: برسم. (2/165)
صفحة 602
والهيئة الثانية: أن يكون قصيرا خفيفا غير مزيل للعقل، فهذا لا ينقض الوضوء على أيّ حالة كان عليها المتوضّئ من قيام أو قعود أو اضطجاع؛ والهيئة الثالثة: أن يكون خفيفا ثقيلا، وهو أن النعاس لم يغلب عليه ولكنه يطاوله ويعالجه، ففيه خلاف إذا كان مضطجعا، والأصل فيه انتقاض الوضوء؛ والهيئة الرابعة: أن يكون ثقيلا خفيفا، وهو إذا غلب عليه النعاس ولم يقع منه إلا سِنة، هذا مختلف فيه.
--------------------
انطلق الوكاء «(1)، لكن في حكاية الاتّفاق على النقض مع قوله الآتي: وذهب آخرون إلى أنّه ليس بحدث ولا ينقض الوضوء إلاّ إذا تيقّن بالحدث نظرٌ، اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّه لم يعتدّ بخلافه، والله أعلم.
قوله أن يكون خفيفا ثقيلا: هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولعلّه: خفيفا طويلا (2)، لأنّ الخفّة والثقل لا يجتمعان، ويدلّ له قوله -رحمه الله- بعد: ولكن يطاوله ... الخ.
قوله ثقيلا خفيفا: هكذا فيما رأيناه من النسخ أيضا، ولعلّه: ثقيلا قصيرا (3)، ويدلّ له قوله: ولم يقع منه إلاّ سِنة، لكن يُردّ عليه أنّه كيف يكون ثقيلا مع أنّه لم يقع منه إلاّ سِنة، لأنّ السِّنة فتور يتقدّم النوم، قال ابن الرقاع:
وسْنَانُ أقصدهُ النعاسُ فَرَنَّقَتْ ... في عيْنِه سِنَةٌ وليس بِنَائِم (4)
__________
(1) - جاء في ج و د من نسخ الحاشية: العينان وكاء السه ... ، والحديث أخرجه أحمد: مسند الشاميين، رقم: 16274؛ والدرامي: كتاب الطهارة، رقم: 716؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 576 (1/ 118)؛ وأبو يعلى الموصلي في مسنده، رقم: 7372 (13/ 362)؛ والطبراني في الكبير، رقم: 875 (19/ 372)؛ وفي مسند الشاميين، رقم: 1494 (2/ 358)؛ والدار قطني في السنن، (1/ 166)؛ والعقيلي في الضعفاء، رقم: 1936 (4/ 329)؛ وابن عدي في الكامل، رقم: 277 (2/ 36)؛ والبغدادي في تاريخه، رقم: 3527 (7/ 92).
(2) - وهو ما في أ و ج و د من نسخ القواعد المعتمدة.
(3) - وهو ما في أ و ج و د من نسخ القواعد المعتمدة.
(4) - البيت لعَدِيّ بن الرقاع، ينظر: ابن منظور، لسان العرب: رنق. (2/166)
صفحة 603
واعتبر بعض العلماء هيئات النائم أيضا فقال: إن كان النائم على هيئة ينتهي به الطول إلى خروج الحدث غالبا كالساجد انتقض وضوءه، وإن كان قائما أو قاعدا محتبيا فلا نقض (1) عليه، وإن كان جالسا متكئا ناعسا طويلا ففيه خلاف بين العلماء، وإن كان قائما راكعا ففيه خلاف أيضا؛ ومقصود الجميع النظر إلى أغلب (2) الهيئات في النوم، فإن كان يمكن خروج الحدث ولم يشعر به انتقض وضوءه، وإن كان بالعكس لم ينتقض ولم يجب عليه التوضّي، إلا إن احتاط؛ وإن استشكل عليه الأمر في انتقاض وضوئه كان بمنزلة من تيقن طهارته ثمّ شكّ في فسادها بطروء الحدث عليها.
--------------------
قوله هيئات النائم أيضا: أي كما اعتبر هيئات النوم.
قوله محتبيا: في "الصحاح":» احتبى الرجل: إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته، وقد يحتبي بيديه، والاسم: الحِبْوة والحُبْوة، يقال: حلّ حِبْوَته وحُبْوته، والجمع: حِبًى مكسور الأول ... الخ «(3)، وفي"القاموس":» احتبى بالثوب: اشتمل، وجمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها، ... الخ «(4).
قوله وإن استشكل عليه الأمر: [في حال وضوئه] (5)، أي: صار الأمر مشكلا.
قوله ثمّ شكّ في فسادها ... الخ: يعني: فإنّه يستصحب الأصل، لأنّ اليقين لا يزيله إلاّ اليقين، فالشكّ فيها لا يفسدها، ووافقنا على ذلك الشافعي (6)، وأمّا مالك فإنّه قال:
__________
(1) - في الحجرية: تنقض.
(2) - في د: غالب.
(3) - الجوهري: باب الواو والياء، فصل الحاء: حبا.
(4) - الفيروزابادي: باب الواو والياء، فصل الحاء: حبا.
(5) - جاء في أ و هـ مكان هذه العبارة: لعلّه وإن أشكل عليه الأمر. وهو ما في أود من نسخ القواعد المعتمدة؛ وفي ب وج والحجرية: اشتكل، وكذا في ج وهـ من نسخ الحاشية.
(6) - محمّد بن إدريس الشافعي، الأمّ، 1/ 28. (2/167)
صفحة 604
وأمّا الاختلاف: فإنّ العلماء اختلفوا في النوم على ثلاثة مذاهب، فذهب قوم إلى أنه حدث ينقض الوضوء قليله وكثيره؛ وذهب آخرون إلى أنه ليس بحدث ولا ينقض الوضوء، إلا إذا تيقن بالحدث، وأظنّه [أنّه] (1) مروي عن أبي موسى الأشعري وغيره، والله أعلم (2).
وذهب أصحابنا ومن وافقهم من فقهاء قومنا إلى التفصيل المتقدّم في النوم، وقال بعض أصحابنا: إن الناعس في الصلاة لا ينتقض وضوءه كان قائما أو ساجدا
[أو قاعدا]، والله أعلم (3).
النوع الثاني من الأسباب: مسّ بدن المرأة الأجنبية فهو ينقض الوضوء، ...
--------------------
الشكّ فيها يفسدها مالم يكن في الصلاة (4).
قوله فهو ينقض الوضوء ... الخ: وذلك لقوله - عليه السلام -:» إنّ محاسن النساء عليكم حرام «(5)، ثمّ قوله: مسّ بدن المرأة الأجنبية أي: ولو من فوق الثياب، لأنّه ذكر في "السؤالات" أنّ اللمس أشدّ من النظر ولو من فوق الثياب، والله أعلم (6).
__________
(1) - زيادة من أ و ب.
(2) - أخرج ذلك الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، (1/ 45)؛ وصحّحه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (1/ 315) عن أبي موسى الأشعري وابن عمر وسعيد بن المسيب.
(3) - أحمد الكندي، المصنّف، 4/ 138؛ وما بين المعقوفتين زيادة من أ و ب.
(4) - ابن عبد البرّ، الاستذكار، 2/ 74.
(5) - لم نقف عليه بهذا اللفظ، وفي معناه روي قوله - صلى الله عليه وسلم -:» اتّقوا محاسن النساء «، أخرجه ابن عديّ في الكامل، رقم: 1344 (5/ 184) في ترجمة عليّ بن عليّ اللهبي المدني، وساقه فيها ابن حجر في لسان الميزان (4/ 245).
(6) - السوفي، 314. (2/168)
صفحة 605
إذا كانت ممّن توجد اللذّة بمسّها (1)، فمسَّها على غير سبيل المعالجة من دواء أو غيره، وأمّا إذا مسَّها مضطرّا أو معالجا فلا، وأمّا المتبرّجة والمملوكة فلا يُنقض (2) وضوء من مسّ بدنهما ما خلا الفرج، ...
--------------------
قوله إذا كانت ممن توجد اللذّة بمسّها: ينظر هل معناه سواء وجد اللذّة هو أم لا؟ أو لابدّ من وجودها، والظاهر الأوّل فليحرّر (3).
قوله على غير سبيل المعالجة: الظاهر أنّه يدخل في المعالجة: الرقيا لِلَّسْعة والعين والجنّ ونحو ذلك، والله أعلم فليحرّر.
قوله وأما إذا مسّها مضطرا أو معالجا فلا: ينظر هل يقال: مسّ الأجنبية اضطرارا كمسّ الفرج اضطرارا وفي النقض به خلاف؟ فيكون كلام المصنّف ماشيا على أحد القولين وهو المرجوح، لأنّ الراجح أنّ نواقض الوضوء لا يُفرّق فيها بين العمد والخطأ، أو يُفرّق بينهما بأنّ مسّ الفرج [أي: فرج نفسه] (4) لا إثم فيه ولو تعمّد فلا يفرّق فيه بين العمد والنسيان، بخلاف مسّ الأجنبية فإن في تعمّده الإثم فيفرّق فيها بين العمد والنسيان، ولأنّه في الأجنبية لم ينتقض وضوؤه إلاّ لأجل الإثم، فإذا انتفت العلّة انتفى ما يترتّب عليها، وهذا هو الظاهر والله أعلم، ثمّ إنّه ينبغي أن يقيَّد المضطرّ والمعالِج بعدم وجود اللذّة، والله أعلم.
قوله وأمّا المتبرجة: التبرّج كشف المرأة زينتها ومحاسنها للرجال.
قوله فلا يُنقض وضوء من مسّ بدنهما ما خلا الفرج: فيه نظر، ولعلّه: ما خلا العورة،
__________
(1) - في أ و د: بلمسها.
(2) - في الحجرية: ينتقض.
(3) - الذي حقّقه القطب اطفيش والإمام السالمي رحمهما الله هو أنّ مسّ الأجنبيّة ناقض بنفسه ... ولو لم يكن مع قصد إلى شهوة، أو لم تحصل الشهوة، (شرح النيل، 1/ 136؛ معارج الآمال، 2/ 148).
(4) - زيادة من هـ. (2/169)
صفحة 606
وكذلك ذوات المحارم على هذا الحال؛ ...
--------------------
ليكون شاملا من السرّة إلى الركبة، قال في "الإيضاح" في حقّ الأمة:» لأنّها مال ولا نقض على من نظر إليها أو إلى بدنها على العمد بغير شهوة، إلاّ النظر إلى السرّة والركبة وما بينهما، وكذلك اللمس والله أعلم. وقد رخّص بعض المسلمين في النظر إلى غير الوجه والكفّين من المتبرّجات من النساء والعجائز ونساء تهامة بغير شهوة مثل الإماء، لأنّ النظر إلى هؤلاء لا يفتن ولا يكاد يحدث الشهوة «اهـ (1)، ولم يذكر –رحمه الله- في "الإيضاح" الترخيص في مسّ أبدان المتبرّجات وغايةَ ما يمكن أن يكون مقيسا على النظر، ولعلّ المصنّف –رحمه الله- أراد بالفرج العورة مجازا مرسلا من تسمية الكلّ باسم الجزء، والقرينة الاستحالة من مثل المصنّف –رحمه الله- أن يبيح مسّ (2) ما عدا الفرج من بقية العورة (3).
قوله وكذلك ذوات المحارم ... الخ: في تشبيه ذوات المحارم بالإماء والمتبرّجات نظر، فإنّه فرق ما بينهما كما هو ظاهر، قال في "الإيضاح" عند الكلام على نظر ذوي المحارم وأنّ الحُرُم ثلاث:» ومنهنّ الأب والابن والأخ والعمّ والخال وابن الأخ وابن الأخت، والرضاع في هذا بمنزلة النسب، فلا يحلّ لهؤلاء –في تفسير الحسن- أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساق وأشباه ذلك؛ وقال ابن عباس: ... ينظرون إلى موضع القرطين والقلادة والسوارين والحجالين فهذه الزينة الباطنة ... الخ «(4)، ولم يتعرّض للمسّ وغايةِ ما يمكن أن يكون بمنزلة النظر؛ بل تعرّض له حيث قال:
__________
(1) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 145، 146.
(2) - في د: لمس، وسقطت الكلمة من أ وهـ.
(3) - جاء في النسخة أ من الحاشية هذه الإضافة:
أو يقال: إنّه ماش على أنّ الفرج اسم لما بين السرّة والركبتين، كما ذهب إليه بعضهم،
ويؤخذ ذلك من كلام الشيخ أبي القاسم البرادي -رحمه الله- في شرح الدعائم، والله أعلم.
(4) - المصدر السابق، 1/ 146، 147. (2/170)
صفحة 607
وأما إن قبَّل زوجته أو سريته فلا نقض عليه، لحديث عائشة رضي الله عنها:
أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يقبِّل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضّأ (1).
--------------------
» وكذلك لمس أبدان النساء المحرمات عندي على هذا الاختلاف «(2)، اللهمّ إلاّ أن يقال: التشبيه في كلام المصنّف غير تامّ، والله أعلم (3).
قوله وأمّا إن قبَّل زوجته أو سريته ... الخ: قال في "الإيضاح":» فإن عارض بعض مخالفينا بقوله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ} [النساء:43] قيل له: اللمس ههنا الجماع، بدليل قراءة العامّة {أَوْ لاَمَسْتُمُ}، والمفاعلة لا تكون إلاّ من اثنين، ولأنّ اللمس أيضا والمباشرة كناية عن الجماع، وكان اللمس ههنا يدلّ على الجماع ... الخ «(4)، ووافقنا على ذلك أبوحنيفة (5).
__________
(1) - الحديث جاء من طرق عديدة مختلفة، عدّ منها الحافظ ابن حجر عشر طرق، منها ما أخرجه النسائي: كتاب الطهارة، رقم: 170؛ الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 79؛ وأبو دواد: كتاب الطهارة، رقم: 153؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 495؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 24584؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 606 (1/ 125)؛ وأبو يعلى الموصلي في مسنده، رقم: 4407 (7/ 374)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 135). وللزيلعي في نصب الراية (1/ 70) عرض لطرق هذا الحديث وتفصيل لما أعلّ به؛ وهو في مجمل طرقه صحيح كما ذهب إلى ذلك الحافظ ابن عبد البرّ وجماعة.
(2) - المصدر السابق، 1/ 149.
(3) - هذا احتمال يمكن أن يتجه به كلام المصنف الجيطاليّ -رحمه الله-؛ ويمكن أن يُحمل كلامه على ظاهره باحتمال اعتباره –أي الجيطاليّ- لمذهب بعض السلف الذين روى عنهم الشيخ أبو الحسن البسيوي أن الزينة الظاهرة للمحارم عندهم والتي لا تنقض وضوء من نظر إليها هي كل البدن إلا الفرج وحده فإن النظر إليه ينقض الوضوء وكذلك اللمس، والله أعلم. (البسيوي، الجامع،2/ 09؛ الأزكوي، الجامع،1/ 371).
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 139.
(5) - شمس الدين السرخسي، المبسوط، 1/ 67، 68. (2/171)
صفحة 608
النوع الثالث: مسّ الفرج مباشرا بيده من غير حائل، لحديث النبيء - صلى الله عليه وسلم -:
» أيما رجل أفضى بيده إلى ذكره انتقض وضوؤه، وأيما امرأة أفضت بيدها إلى فرجها انتقض وضوؤها «(1)، فذهب العلماء إلى أنّ الأمر بذلك لمراعاة وجود اللذّة، ولذلك اعتبر بعض علمائنا اللمس بباطن الكف.
واختلف أصحابنا في تحديد القدر الناقض للوضوء من العورة، فذهب بعضهم إلى أنّ من مسّ ذكره أو أنثييه أو مقعدته انتقض وضوؤه؛ وذهب آخرون إلى أنّ مسّ الذّكر والدّبر هو الناقض دون غيرهما، وأظنّ (2) العمل على هذا القول؛ ...
--------------------
قوله من غير حائل: قد يقال إنّه مستدرك، لأنّه يغني عنه قوله: مباشرا، وقوله: بيده يخرج نحو الرِّجل، وفيه خلاف، والصحيح أنّه لا نقض عليه فيه.
قوله لمراعاة وجود اللذّة: فيه أنّه قد يقال: لو كان النقض لذلك لم ينتقض وضوء من لم يجد اللذّة، لأنّ الحكم يدور مع العلّة وجودا وعدما، مع أنّه ينتقض [وضوؤه] (3) به مطلقا، فالظاهر أنّه أمر تعبّدي، ولو كان لوجود اللذّة لحرم عليه أن يفضي بيده إلى ذكره، والله أعلم، فليحرّر.
قوله وأظنّ العمل على هذا القول ... الخ: هذا ظاهر بالنظر إلى عورته وعورة زوجته وسريته، فإنّ عورة زوجته بالنظر إليه كعورة نفسه، كما أنّ عورته بالنظر إلى زوجته كعورة نفسها، وينتقض وضوء الماسِّ منهما دون الممسوس؛ وأمّا عورة الغير
__________
(1) - أخرجه أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 6779؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 626 (1/ 132)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 147)؛ وابن الجارود في المنتقى، رقم: 19؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار، (1/ 75)؛ وقد جاء مختصرا مقتصرا على الشطر الأوّل فقط مع اختلاف في لفظه من عدّة طرق، (ينظر: الزيلعي، نصب الراية، 1/ 54).
(2) - في الحجرية: أظنّ أن العمل ... .
(3) - زيادة من الحجرية. (2/172)
صفحة 609
وزعم آخرون أنه لا ينتقض وضوؤه إلا إن مسّ الثقبتين فقط؛ وعلى هذا اختلاف فقهاء الأمصار، فالشافعي يرى مسّه ناقضا للوضوء على كلّ حال، كيف ما مسّه؛ وأبو حنيفة لا يرى النقض بمسّ الذكر على كلّ حال؛ ...
--------------------
من الذكور البلَّغ فلم يتعرّض لها ههنا ولا فيما بعد حيث ذكر فروج الأنعام الرطبة والأطفال على الخلاف، ولم يبيِّن القدر الذي إذا مسّه انتقض به الوضوء، والظاهر أنّه هو القدر الذي يحرم إليه النظر، وأرخص ما قيل فيه: من منابت الشعر إلى مستغلظ الفخدين؛ وقد صرّحوا بأنّ اللمس أشدّ من النظر فلا أقلّ من أن تكون العورة التي يحرم مسّها في البلَّغ هي العورة التي يحرم النظر إليها، والله أعلم فليحرّر.
قوله وزعم آخرون ... الخ: الظاهر أنّهم من أصحابنا، وعليه ظاهر كلام "الدعائم" حيث قال:» واللمس للثقبين نقض ... الخ «(1).
قوله وعلى هذا اختلاف فقهاء الأمصار: فيه أنّ الخلاف الذي ذكره عن فقهاء الأمصار ليس كاختلاف أصحابنا، لأنّ اختلاف أصحابنا إنّما هو في تحديد العورة التي ينتقض الوضوء بمسّها، واختلاف فقهاء الأمصار إنّما هو في مسّ الذكر فقط على ما ذكره -رحمه الله-، فليس اختلافهم كاختلاف أصحابنا فليتأمّل؛ اللهمّ إلاّ أن يقال: المراد أنّه وقع الخلاف عند فقهاء الأمصار كما وقع الخلاف عند أصحابنا وإن كان الخلاف غير متّحد، والله أعلم.
قوله يرى مسَّه: كأنّ الضمير راجع إلى الذَّكر، وقوله: على كلّ حال أي: سواء كان بظاهر الكفّ أو بباطنه، بشهوة أو بغيرها، بحائل أو بغيره، وحلقة دبر الآدمي عنده كذلك (2).
__________
(1) - ابن النظر العماني، 33، البيت: 113 من القصيدة: 05، وتمامه:
والمَسُّ للثُقْبَيْنِ نَقْضٌ لِذِي ... الطُّهْرِ مِنَ الحُبْرَةِ وَالحُبْرِ.
(2) - محمّد بن إدريس الشافعي، الأم، 1/ 34؛ أبو إسحاق الشيرازي، المهذب، 1/ 51. إلاّ أنّ الشافعية ينصّون على أنّ المسّ بظاهر الكفّ غير ناقض، على العكس ممّا ذكره المحشّي، فليراجع المصدران المذكوران. (2/173)
صفحة 610
ومالك بن أنس فرّق بين أحوال مسّه كما قدّمنا في قول أصحابنا؛ واختلف أصحابنا أيضا فيمن مسّ فرجه خطأ أو ناسيا، فذهب بعضهم إلى أنه لا وضوء عليه؛ وذهب آخرون إلى إيجاب الوضوء عليه قياسا على خروج الريح ودم الاستحاضة (1) فهما يجب بهما الوضوء كان ذلك باختيار أو بغير اختيار. وذهب أصحابنا أيضا إلى أنّ الوضوء لايجب بمسّ الذكر في حال الصلاة إذا شكّ في الحدث والله أعلم. وأمّا إن مسّ الذكر بغير اليد فلا نقض عليه، واستحبّ بعضهم التوضّي منه (2)؛ ...
--------------------
قوله ومالك بن أنس فرّق بين أحوال مسِّه ... الخ: فينتقض الوضوء إن مسّه بباطن الكفّ أو بجنبه أو باطن الأصبع أو جنبه لا بظاهرهما (3)، فكان الأولى أن يقول: كما قدّمنا في قول بعض أصحابنا، لأنّ أصحابنا اختلفوا في ذلك كما هو مشهور، فليراجع "الإيضاح" (4).
قوله قياسا على خروج الريح: هذا هو المختار.
قوله بمسّ الذكر في حال الصلاة ... الخ: يعني إذا لم يجد إلى النظر سبيلا، راجع "الديوان" (5).
قوله بغير اليد ... الخ: وكذلك إذا كان باليد من فوق الحائل كما تقدّم، وانظر هل يفرَّق في الحائل بين أن يكون كثيفا أو خفيفا، أو لا يفرَّق (6)؟
__________
(1) - في ج والحجرية: المستحاضة.
(2) - أُثر ذلك عن الإمام جابر بن زيد - رضي الله عنه -، إذ سئل عن المصلّي في الصلاة يجلس فيمسّ فرجه عقبه، فاستحبّ له الوضوء. (أحمد الكندي، المصنّف، 4/ 143).
(3) - في أ وج: بظهرهما.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 135، 136.
(5) - العزابة، كتاب الصلاة، وجه الورقة: 17 (مخطوط)؛ وفي هذا الموضع من النسخة ب ينتهي الخرم الذي أشير إلى بدايته في صفحة: 143.
(6) - الذي حقّقه القطب اطفيش والإمام السالمي -رحمهما الله- هو عدم التفرقة بين الحائل الكثيف وغيره، وإنّما المسّ الناقض مشروط بملاقاة اليد البدن نفسه بغير حائل، فمتى انتفى الشرط انتفى المشروط. (جامع الوضع والحاشية، 113؛ معارج الآمال، 2/ 141). (2/174)
صفحة 611
وقد ذُكر أنّ أبا عبيدة مسلما –رحمه الله- كان يتخذ جوارب يتقي بها فرجه عن مواضع وضوئه، فبلغ ذلك حيان الأعرج –رحمه الله- فقال: قد أشقانا الله إذا في ديننا، تعظيما لفعل أبي عبيدة [مسلم – رحمه الله -] (1)؛ وقد جاء في الحديث عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:» ليس على من مسّ عجْم الذنب وضوء، ولا على من مسّ موضع الاستحداد وضوء «(2)، والله أعلم.
--------------------
قوله جوارب: في " القاموس":» الجورب لفافة الرجل، والجمع جواربة وجوارب «(3)، وفي " الصحاح":» الجَوْرَبُ معرّب، والجمع الجواربة، والهاء للعجمة، ويقال: الجوارب أيضا «(4)، وفي بعض كتب (5) قومنا:» الجورب هو ما كان على شكل الخفّ من قطن أوكتّان أو غيرهما «.
قوله وقد جاء في الحديث: الأنسب ذكر هذا الحديث فيما تقدّم دليلا لمن قال: إنّ مسّ الذكر والدبر هو الناقض دون غيرهما، كما فعل في "الإيضاح"، والله أعلم (6).
قوله» عجم الذنب «: في"القاموس":» والعَجْمُ أصل الذنب، ويُضمّ «(7)، وفي"الصحاح":» العَجْمُ أصل الذنب، مثل العَجْبِ وهو العُصْعُصُ ... الخ «(8)، وقال في محلّ آخر: ويقال فيه عَجْبُ الذنب أيضا، في "الصحاح":» والعَجْبُ بالفتح: أصل الذنَب «(9).
__________
(1) - روى ذلك أبو سفيان محبوب بن الرحيل (أحمد الكندي، المصنّف، 4/ 144)؛ وحيان الأعرج تابعي من علماء الإباضية في ق1هـ، انظر ترجمته في الملحق رقم: 04. وما بين المعقوفتين قبل الإحالة زيادة من الحجرية.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب ما يجب منه الوضوء، رقم: 112 (1/ 34).
(3) - الفيروزابادي: باب الباء، فصل الجيم: الجرب.
(4) - الجوهري: باب الباء، فصل الجيم: جرب.
(5) - في الحجرية: بعض نسخ كتب ... .
(6) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 134.
(7) - الفيروزابادي: باب الميم، فصل العين: العجم.
(8) - الجوهري: باب الميم، فصل العين: عجم.
(9) - الجوهري: باب الباء، فصل العين: عجب. (2/175)
صفحة 612
الفصل الثالث في الأفعال الموجبة للوضوء (1)
وهي أربعة أيضا، لمس وقول واستماع ونظر، أمّا اللمس: فكما قدّمنا من مسّ المرأة الأجنبية أو فرجِ المَحْرَمة، أو فرجِ نفسه أو [فرجِ] (2) زوجته أوما ملكت يمينه أومسّ فرجِ الجارية الطفلة، أو فروجِ الأنعام الرطبة؛ ...
--------------------
قوله المَحْرمة: في "الصحاح":» والحُرمة ما لا يحلّ انتهاكه، وكذلك المحرَمَةُ والمَحْرُمَةُ بفتح الراء وضمّها «، وقال أيضا بعد ذلك:» الأصمعي: يقال إنّ لي محرَمَات فلا تهتكها، واحدتها مَحرَمَة ومَحرُمَة «(3)؛ ثمّ قوله: أو فرج المحرَمة: في تخصيص الفرج بتحريم اللمس نظرٌ كما تقدّم، لأنّه لا أقلّ من أن يكون اللمس كالنظر، وقد سمعتَ فيه كلام "الإيضاح" فليراجع (4).
قوله فرج الجارية: المراد بالجارية هنا: البنت مطلقا حرّة كانت أو أمة، وظاهر كلامه أن هذا متّفق عليه، وكلام "الإيضاح" يُشعر بالخلاف حيث قال:» واختلفوا في مسّ فروج الصبيان، قال بعضهم: تُنقِض ... لأنّ لهم حرمة الإنسان، وقال آخرون: لا نقض على من مسّ فروج الصبيان، والعلة في ذلك ... أنّ فروج الصبيان كفروج البهائم، لا عبادة عليهم ولا نقض على من مسّهم، وفرّق قوم بين الذكور والإناث ... الخ «(5).
__________
(1) - عقد المصنّف –رحمه الله- هذا الفصل لبيان صنف من النواقض اختصّ به الإباضية دون غيرهم، وهو ارتكاب ما هو محرَّم شرعا، وهذا اعتمادا على أنّ بعض المحرّمات وردت فيها نصوص صريحة بأنّها ناقضة، فقيست عليها سائر المحرّمات كما سيأتي ذكره للمصنّف، ويشمل هذا الصنف كبائر اللسان والقلب والجارحة؛ وكذا الصغائر، وقيل لا إلاّ إن أصرّ عليها. (يراجع: القطب اطفيش، شرح النيل، 2/ 125، 145).
(2) - زيادة من أ.
(3) - الجوهري: باب الميم، فصل الحاء: حرم.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 147 - 149؛ ومفاده أنّ ما يحرم نظره من المحرَمات يحرم لمسه منهنّ، وكلاهما ممّا ينتقض به الوضوء.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 132. (2/176)
صفحة 613
واختلف في الأطفال الصغار، فقيل عن ابن عباس أنه قال: هي فروج فتوضؤوا منها.
وأمّا القول: فكغِيبة المسلم، وبهتان البريء، وقذف المحصنات، ...
--------------------
قوله فكغِيبة المسلم ... الخ: هي بكسر الغين، قال في "الإيضاح" بعد أن عدّ أشياء كثيرة:» والدليل على ما ذكرنا أنّه ينقض الوضوء ما روي أن النبيء - عليه السلام - قال:» الكذب والغيبة ينقضان الوضوء «(1)، وكذلك عمل الكبائر كلّها ينقض الوضوء قياسا على الكذب والغيبة، وهو من قياس المعنى، والله أعلم «(2).
قوله فكغِيبة المسلم: اعلم أنّ كلّ ما يكره المسلم أن تذكره لو حضر ممّا هو فيه فهو غيبة، و إنّما قيِّد بالمسلم لأنّ المنافق لا غيبة له، لقوله - عليه السلام -:» اذكروا الفاسق بما فيه يعرفه الناس واستثنوا من ذلك الشرك والزنا «(3)؛ وقيل لجابر –رحمه الله-: ومن
__________
(1) - لم نقف عليه بهذا اللفظ، وبنحوه أخرج الربيع بن حبيب في مسنده، باب ما يجب منه الوضوء، رقم: 105 (1/ 33) قولَه - صلى الله عليه وسلم -:» الغيبة تفطّر الصائم وتنقض الوضوء «. وفي الباب حديث يستدلّ به الفقهاء على المسألة لفظه:» خمس يفطّرن الصائم وينقضن الوضوء: الكذب والنميمة والغيبة والنظر بشهوة واليمين الكاذب ... «، رواه ابن أبي حاتم في العلل، وسأل عنه أباه فقال: هذا كذب؛ ورواه ابن الجوزي في الموضوعات،
وقال: حديث موضوع؛ والحديث رواه سعيد بن عنبسة من حديث أنس، قال ابن معين: ومن سعيد إلى أنس كلّهم مطعون فيهم، (ينظر: الزيلعي، نصب الراية، 2/ 483؛ ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، 2/ 86).
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 124.
(3) - لم نقف عليه بهذا اللفظ، وفي معناه روي قوله - صلى الله عليه وسلم -:» أترعون من ذكر الفاجر، اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس «، أخرجه ابن عدي في الكامل، رقم: 361 (2/ 173)؛ والخطيب البغدادي في تاريخه، رقم: 349 (1/ 382)؛ وفي "الكفاية"، 37. (ينظر: الزيلعي، نصب الراية، 3/ 110). وأضاف بعض الفقهاء فعزاه لابن أبي الدنيا والحكيم والحاكم والشيرازي والبيهقي والطبراني عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه بلفظ: ... » أترعون عن ذكر الفاجر متى يعرفه الناس، اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس ... «. قال في الفيض: لم يصح عن بهز بشيء؛ وقال أحمد: منكر الحديث، وقال عدي: لا أصل له وكل من روى هذا الحديث فهو ضعيف؛ وقال الدارقطنيّ: وضعه جارود.
(محمد عليش، فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك،1/ 108؛ محمد الخادمي، بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية،3/ 188). (2/177)
صفحة 614
والكذب، والنميمة بين الناس، ولعن البهائم والأطفال ومن لا يستحق اللعنة، ...
--------------------
هو الذي تحرم غيبته؟ قال: رجل خفيف الظَّهر من دماء المسلمين عفيف بطنه من أموالهم أخرص اللسان عن أعراضهم، فهذا الذي تحرم غيبته، ومن سواه فلا حرمة له ولا غيبة فيه ... الخ (1).
قوله والكذب: في "الإيضاح":» وصفة الكذب الذي ينقض الوضوء أن يُخبر عن الشيء بخلاف ما هو به، بإرادة منه لذلك من غير إكراه، بشرط أن يكون اعتقاده موافقا لظاهر قوله، وذلك لأنّ التقية في ذوي الأرحام والجار والصاحب جائزة، ويُظهر إليه الجميل والدعاء «، إلى أن قال:» والمعنى في ذلك لغيره ... الخ «(2)، لكن في قوله:» بشرط أن يكون اعتقاده موافقا لظاهر قوله «تأمّل، فإنّ ظاهره يقتضي أنّ الكذب الذي ينقض الوضوء (3) هو الخبر المخالف للواقع الذي يطابق الاعتقاد، وهذا شيء لم نر من عرّف به الكذب؛ لأنّه عند الجمهور: مخالفة الخبر للواقع (4)؛ وعند النظَّام: مخالفته للاعتقاد (5)؛ وعند الجاحظ: مخالفة للواقع والاعتقاد معا (6)؛ وأمّا ما ذكره -رحمه الله - فيقتضي أنّ من أخبر بمجيء زيد –مثلا- وهو يعلم أنّه لم يجئ لا يكون خبره كذبا ناقضا للوضوء، لأنّ اعتقاده وعلمه غيرُ موافق لظاهر قوله، مع أنّه
__________
(1) - الخبر في الإيضاح، عامر بن علي الشماخي، 1/ 127، رواية عن ضمام بن السائب.
(2) - المصدر السابق، 1/ 124، 125.
(3) - في هذا الموضع يبدأ خرم في النسخة ب، وهو المشار إلى نهايته في صفحة: 182.
(4) - علي بن محمّد الجرجاني، كتاب التعريفات، 235.
(5) - النظّام إبراهيم بن سيار بن هانئ، عالم ومتكلّم معتزلي، له مصنّفات وأشعار، توفي سنة 231هـ. (عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، 1/ 37).
(6) - الجاحظ عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري، عالم متكلّم وأديب معتزلي، ولد بالبصرة وأقام ببغداد، أخذ العلم عن أبي عبيدة والأصمعي والأخفش والنظّام وغيرهم،
له تصانيف عديدة منها: الحيوان، البيان والتبيين. (عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، 8/ 07). وللتوسّع ينظر مستند كلّ من مذهبي النظّام والجاحظ ومناقشتهما في: الألوسي، روح المعاني، تفسير الآية: 08 من سورة سبأ، والآيات الأولى من سورة المنافقون. (2/178)
صفحة 615
وكالإشراك بالله، وما أشبه ذلك من تسمية الفروج بأقبح أسمائها، وذكر العذرة مع فاعلها، والله أعلم؛ وهذا كله قياسا على الغيبة والنميمة إذ وردت فيهما السنة بنقض الوضوء (1).
--------------------
مشكل، لأنّ غالب أو كلّ من يقصد الكذب كذلك، وأمّا إن خالف الواقع وطابقه الاعتقاد فالظاهر أنّه لا يُنقض وضوءه لأنّه أخبر عن علمه؛ وقد ذهب بعضهم إلى أنّ اللغو في اليمين هو أن يحلف الرّجل على علمه، ويظهر بخلاف الواقع، وقد يقال: معنى قوله -رحمه الله-: بشرط ... الخ أنّه كما كان خبره كاذبا في نفس الأمر يعتقد
أيضا في نفسه أنّه مُخبر بالكذب، بخلاف المعاريض فإنّه لا يعتقد فيها الإخبار بالكذب لأنّ المعنى يصرفه إلى غير المخاطب، فليحرّر (2).
قوله مع فاعلها: انظر أي حاجة إلى قوله: مع فاعلها، فإنّ النقض يحصل بدون ذلك، والله أعلم. ثمّ ظهر أنّ مراده: أنّ ذكر فاعلها المأخوذ منها ينقض الوضوء أيضا، والله أعلم.
قوله وهذا كلّه قياسا على الغيبة ... الخ: يعني أنّها نقضت الوضوء لكونها كبيرة؛ لكن لقائل أن يقول: أيّ كبيرة في ذكر الفروج بأقبح أسمائها والعذرة إذا لم يشتم بهما أحداً؟ وإلى هذا ذهب بشير –رحمه الله- (3)، ويدلّ له قول عائشة –رضي الله عنها:» يتوضّأ أحدكم ممّا مسّت النار ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لأخيه «(4)، ثمّ ظاهر حديث عائشة يدلّ على أنّه لا ينتقض [الوضوء] (5) إلاّ إذا كان متولى، حيث
__________
(1) - تقدّمت في صفحة: 177 أحاديث وردت في المسألة.
(2) - قال القطب أطفيش -رحمه الله-:ومراد قول "الإيضاح":بشرط أن يكون اعتقاده ... الخ إخراج غلط اللسان، فلا إشكال فافهم. (الذهب الخالص،112).
(3) - البرادي، شفاء الحائم على بعض الدعائم، وجه الورقة: 159 (مخطوط)؛ وصاحب المسألة هو بشير بن محمد بن محبوب العماني، من علماء الإباضية في أواخر ق 2 هـ، انظر ترجمته في هذا الكتاب: 1/ 351. وقد نُسب هذا القول أيضا لمنير [بن النيّر الجعلاني]، في المصنّف لأحمد لكندي (4/ 190)؛ وشرح الدعائم لابن وصاف العماني (1/ 168)، ولعل ذلك تحريف من النساخ.
(4) - الخبر عند: أحمد الكندي، المصنّف، 4/ 185؛ البرادي، شفاء الحائم، وجه الورقة: 159 (مخطوط).
(5) - زيادة من الحجرية. (2/179)
صفحة 616
أما الاستماع: فكالاستماع إلى الغِيبة المحرّمة، إذ وردت السنّة أنّ المستمع شريك القائل (1)، وكالاستماع إلى اللهو (2) والمزامير والغناء والنوح وأسرار الناس وما أشبه ذلك.
وأمّا النظر: فكالنظر إلى عورات الآدميين عمدا غير نفسه وزوجته وما ملكت يمينه، ...
--------------------
قالت: لأخيه، فإنّ غيره ليس بأخ، والله أعلم. وروي عن الربيع –رحمه الله- أنّه قال:» كل شيء خبيث من الكلام فهو ينقض [الوضوء] «(3).
قوله عورات الآدميين: أي البُلَّغ منهم، ليكون محلّ الوفاق، وأمّا الأطفال فلم يتعرّض للنظر إلى عورتهم هو ولا صاحب "الإيضاح" -رحمهما الله-، وقد تعرّض لذلك في "الديوان" مع زيادة، حيث قال:» وأمّا الأطفال والبهائم إن نظر إليهم في حال الانتشار متعمدا فقد انتقض وضوؤه، وفيها رخصة، وأمّا إن نظر إليهم في غير حال الانتشار فلا ينتقض عليه وضوؤه ... الخ «(4)، ثمّ ظاهر هذا الكلام خاصّ بالذكور دون الإناث فلينظر حكمهنّ، والظاهر أنّه يُفرّق بين الطفل والطفلة كما تقدّم في اللّمس (5)؛ ثم عورات الآدميين البُلَّغ مختلفة، فعورة الذكر والأمَة من السرّة إلى الركبة على الخلاف في إدخال الغاية، وعورة الحرّة غير العجوز والمتبرّجة هي ماعدا الوجه
__________
(1) - من ذلك ما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الغناء والاستماع إلى الغناء، ونهى عن الغيبة والاستماع إلى الغيبة، وعن النميمة والاستماع إلى النميمة. رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (8/ 226)، ترجمة الحكم بن مروان الكوفي؛ وأبو نعيم في الحلية (4/ 93)؛ والطبراني في الأوسط والكبير مختصرا؛ وقد ضعّف إسناده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (د/ خلدون الأحدب، زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة، 6/ 315). وقد توسّع الغزالي في الاستدلال على أنّ المستمع للغيبة آثم كالمغتاب بأدلّة أخرى فلتراجع مع شرحها في: الزبيدي، إتحاف السادة المتّقين بشرح إحياء علوم الدين، 9/ 309.
(2) - في الحجرية: وكاستماع اللهو ... .
(3) - الخبر عند: أحمد الكندي، المصنّف، 4/ 187؛ابن وصاف العماني، شرح الدعائم،1/ 168؛ البرادي، شفاء الحائم، وجه الورقة: 159 (مخطوط). وما بين المعقوفتين زيادة من ج.
(4) - العزابة، كتاب الصلاة، وجه الورقة 17، (مخطوط)، باختلاف طفيف في اللفظ.
(5) - في صفحة: 176. (2/180)
صفحة 617
وكالنظر إلى حُرمة في منزل قوم، أو في سرّ كتاب غير مباح، والله أعلم.
ولا أعلم أحدا من أهل الخلاف أوجب الوضوء في جميع ما ذكرنا في هذا الفصل الأخير، إلا في الارتداد [إلى الشرك] (1) خاصّة، وقد انفرد به أصحابنا-رحمهم الله- كما أنهم انفردوا بنقض الوضوء في القهقهة في الصلاة، لحديث أبي العالية دون مخالفيهم، والله أعلم (2).
--------------------
والكفّين، وعورة ذات المَحْرَم على ما تقدّم بيانه من الخلاف بين الحسن وابن عباس، فراجع "الإيضاح" والله أعلم (3).
قوله في جميع ما ذكرنا في هذا الفصل: أي ممّا هو مختصّ به، فلا يرد النقض باللّمس لأنّه تقدّم في الفصل أيضا، والله أعلم (4).
قوله: كما أنّهم انفردوا ... الخ: فيه نظر، فإنّ مالكا يوافق أصحابنا على أنّ القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء، والله أعلم (5).
__________
(1) - سقط من الحجرية.
(2) - حديث انتقاض الوضوء بالضحك في الصلاة (القهقهة) جاء من طرق كثيرة مسندة ومرسلة، وحديث أبي العالية الذي استدلّ به المصنّف من المراسيل، وقد ورد بعدّة أسانيد، بعضها رواه أبو العالية مرسلا عن غيره، والبعض الآخر رواه مرسلا عن نفسه، من ذلك ما أخرجه البيهقي في الكبرى، رقم: 660 (1/ 146)؛ والدارقطني في السنن، رقم: 29 (1/ 168)؛ والحارث في مسنده، رقم: 92 (1/ 226)؛ وابن عدي في الكامل (3/ 168، 169) وذلك أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - صلّى بأصحابه، وفي القوم رجل ضرير البصر، فوقع في البئر، فضحك طوائف من أصحاب النبيء - صلى الله عليه وسلم -، فلمّا صلّى أمر كلّ من كان ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة. وقد بلغت طرق الحديث بين مسندة ومرسلة 12 طريقا، ينظر تخريجها وتفصيل علل أسانيدها في: الزيلعي، نصب الراية، 1/ 47 - 54.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 147 - 149؛ وانظر عن عورة ذات المحرم ما تقدّم في صفحة: 170.
(4) - هذا التعليق انفردت به أ. ولعل كلام المصنفيْن على المجموع لا على الجميع، إذ ممن يقول بإبدال الوضوء من الغيبة والنميمة والكذب –ندباً- الشرنبلالي في "نور الإيضاح" وابن نجيم في "البحر الرائق" وهما من الأحناف، وكذا عبد الرحمن بافضل في "المقدمة الحضرمية" وهو من الشافعية.
(5) - أبو حنيفة هو الذي يوافق أصحابنا على ذلك خلافا لمالك وغيره. ينظر: ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 39؛ ابن جزي، القوانين الفقهية، 50. (2/181)
صفحة 618
الفصل الثاني في الطهارة الصغرى
وهي التيمّم المبدل من الوضوء
اعلم أنّ الطهارة بأسرها إنّما تجب بسبعة شروط، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، ودخول وقت الصلاة المفروضة، وكون المكلَّف ذاكرا غير ساه ولا نائم، وعدم الإكراه، وارتفاع موانع الحيض والنفاس، وهي شروط وجوب التيمّم أيضا.
--------------------
قوله الفصل الثاني: صوابه: القسم الثالث، كما يُعلم ممّا تقدّم في أوّل باب الطهارة، إلاّ أنّ قوله: وهذا الباب يشتمل على خمسة (1) فصول يُشعر بما هنا، لكن لا يناسبه قوله بعد ذلك: القسم الرابع في الطهارة من الأحداث، ولأنّ قوله: خمسة فصول ذَكَرَ الأوّل منها في الوضوء، والثاني في التيمّم، ولم نر له بقية فصول الطهارة، فالمناسب حينئذ إنّما هو التعبير بـ: القسم الثالث.
قوله المبدل من الوضوء: في تخصيص الإبدال من الوضوء قصور، فلو قال: المبدل من الطهارتين لكان أظهر، قال في "الإيضاح":» اتّفق العلماء أن التيمّم بدل من الطهارة الصغرى، واختلفوا في الكبرى، والقول الذي نأخذ به ونعتمد عليه –وهو قول أصحابنا- أنّ هذه الطهارة بدل من الطهارتين ... الخ «(2).
قوله إنّما تجب بسبعة شروط ... الخ: إنّما حكم على السبعة بأنّها شروط وجوب تغليبا، وإلاّ فبعضها وهو الإسلام شرط صحّة، لأنّ المشركين مخاطبون بفروع الشريعة أيضا لقوله تعالى: {مَا سَلَكَكُم فِي سَقَر} [المدثر:42] الآية، فهي واجبة عليهم إلاّ أنّها لاتصحّ إلاّ بالإسلام.
__________
(1) - في هذا الموضع من النسخة ب ينتهي الخرم الذي أشير إلى بدايته في صفحة: 178.
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 264، 265. (2/182)
صفحة 619
وفروض (1) التيمّم ثمان خصال: طلب الماء قبله، والنية أوّله، وضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الرسغين، والموالاة، وعموم الوجه والكفين بالمسح، وفعل ذلك بالصعيد الطاهر، ودخول الوقت؛ وسننه أربع: الترتيب بتقديم مسح الوجه، وتجديد مسح الأيدي إلى الرسغين، ونقل ما تعلّق بهما من الغبار، والتسمية بذكر الله تعالى.
--------------------
قوله وفروض التيمّم ... الخ: أراد بالفروض هنا ما يشمل الشروط والأركان.
قوله والموالاة: أطلق القول هنا بوجوب الموالاة، والمختار في الوضوء أنّها واجبة مع الذِّكر والقدرة، ساقطة مع العجز والنسيان.
قوله بالصعيد: أي التراب، هذا على المختار، قال في "الإيضاح" بعد أن ذكر اختلاف العلماء فيما تصنع به هذه الطهارة:» وسبب اختلافهم اشتراك اسم الصعيد في لسان العرب فإنّه مرّة تطلقه على التراب الخالص، ومرّة تطلقه على أجزاء الأرض الطاهرة، وقال أبو محمد:» رأيت أصحابنا يقولون بجواز غير التراب ويقيمونه مقامه؛ والنظر يوجب عندي أنّ التيمّم لا يجوز إلاّ بالتراب دون غيره، لأنّ الخطاب من الله تعالى يدلّ على ذلك، قال الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] «(2)، والصعيد هو التراب وحده لأنّ اللغة دلّت على ذلك ... الخ «(3)؛ يعني والخطاب لابدّ له من ظاهر تسبق النفوس إليه، والطيِّب هو الذي يُنبت لقوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ} [الأعراف:58] الآية، وسيأتي له -رحمه الله- حكاية الخلاف عند أصحابنا (4).
قوله ودخول الوقت: هذا هو المختار أيضا، قال في "الإيضاح" بعد أن ذكر اختلاف
__________
(1) - في ج: فرائض.
(2) - ابن بركة، الجامع، 1/ 334، 335.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 298.
(4) - في صفحة: 203. (2/183)
صفحة 620
فصل في أسباب التيمّم وكيفيته وأحكامه
وهذا الفصل يتوزّع [على] (1) ثلاثة أقسام، أحدها (2) في أسباب التيمّم، والثاني في كيفيته، والثالث في أحكامه.
القسم الأوّل فيما ينقل إلى التيمم: وهو العجز، وله أسباب وهي ستة، أحدها: فقْد الماء، لقوله تعالى: {فَلَم تَجِدُواْ مَآءً فتيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] الآية، فإذا دخل وقت الصلاة على المسافر لزمه طلب الماء، ...
--------------------
العلماء في دخول الوقت:» والنظر يوجب عندي صحّة هذا القول، لأنّهم اتّفقوا على جوازه في الوقت، واختلفوا هل يجوز قبل الوقت؟ فالذي اتّفقوا عليه أولى والله أعلم؛ وحجّة الآخرين أنّ التوقيت في العبادة لا يكون إلاّ بدليل سمعي، فإذا كان لا يجوز إلاّ بعد دخول الوقت كالصلاة فهو إذا مقيس على الصلاة، وقياسه على الوضوء أشبه منه بقياسه على الصلاة «(3).
قوله القسم الأوّل فيما ينقل إلى التيمّم ... الخ: المناسب لما تقدّم أن يقول: في أسباب التيمّم ... الخ، لكن لمّا كان سبب السبب سببا صحّ جعل أسباب العجز الذي هو سبب التيمّم أسبابا للتيمّم.
قوله لزمه طلب الماء ... الخ: ظاهره أنّه لابدّ من طلب الماء ولو تيقّن عدمه، ومثله كلام "الإيضاح" حيث قال:» اختلف العلماء هل يسمّى من لم يجد الماء دون طلبٍ غيرَ واجد للماء؟ أم ليس يسمّى غيرَ واجدٍ للماء إلاّ إذا طلب ولم يجد؟ فقول أصحابنا: لا يسمّى غيرَ واجد للماء إلاّ إذا طلب ولم يجد ... الخ «(4)، لكن ينبغي تقييده بما إذا
__________
(1) - زيادة من ب والحجرية.
(2) - في د: إحداها.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 287.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 278، 279. (2/184)
صفحة 621
فإن عاز الماء بعد الطلب فإنه لا يخلو من أربعة أحوال؛ أحدها: أن يتحقق عدم الماء حواليه فإنّه يتيمّم أوّل الوقت من غير تكرار طلب الماء؛ الثاني: أن يتوهّم وجوده حواليه، فليتردّد وليلاحظ وليسأل إلى حدّ لا يُدْخِل على نفسه ولا على أصحابه ضررا، ولا مشقة في التخلّف عنهم، أو يعوقهم عن حاجتهم، ...
--------------------
لم يتيقّن عدمه، وإلاّ صار طلبه عبثا والله أعلم. ثمّ رأيت في "الإيضاح" بعد ذلك ما يدلّ على هذا التقييد حيث قال بعد أن ذكر الخلاف في المسافر في طلب معايشه هل يجزيه التيمم –يعني من غير طلب- أو يطلب ميلا، أو نصف ميل:» ولكن الحقّ في هذا أن يعتقد أن المتيقّن لعدم الماء فيما دون ما ذكرنا إمّا بطلب متقدّم وإمّا بغير ذلك فهو غير واجد للماء، وأمّا الظانّ أو الجاهل فلا يسمّى عادما، ولذلك قالوا: لا يجزيه التيمّم حتّى يطلب ... الخ «(1).
قوله فإن عاز الماء ... الخ: ظاهر كلام "الصحاح" أنّه يُقرأ برفع الماء على الفاعلية، وأنّ الفعل لم تنقلب فيه الواو ألفا كما لم تنقلب في عوز حيث قال:» [وعَوَزَ الشيء عَوْزًا إذا لم يوجد]، وعَوِزَ الرجلُ وأَعْوَزَ أي: افتقر، وأَعْوَزَهُ الدهر أي: أحوجه «اهـ (2)، فأتى بالفعل الثلاثي لازما مصحّحا، والله أعلم.
قوله أو يعوقهم عن حاجتهم: الظاهر أنّه معطوف على قوله: لا يُدخِل، فيكون حرف النفي مسلّطا عليه، فيكون المعنى: أو إلى حدّ لا يعوقهم ... الخ، ويحتمل أن يكون منصوبا بأن مضمرة بعد أو، لأنّها عطفته على اسم خالص من التقدير بالفعل وهو: التخلّف، على حدّ قوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً} [الشورى:51]، فيكون التقدير: في التخلّف عنهم أو في تعويقهم ... الخ، والله أعلم.
__________
(1) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 281.
(2) - الجوهري: باب الزاي، فصل العين: عوز. وما بين المعقوفتين لم يوجد فيه. (2/185)
صفحة 622
فإذا لم يسأل عن الماء فصلّى فإنّ عليه الإعادة في الوقت وبعد الوقت فيما ذُكر عن بعض أصحابنا، قال: وكذلك لو رآهم يتيمّمون ويصلون فتيمّم هو وصلى، أعاد كما قدّمنا في الوقت وبعد الوقت (1)، هكذا ذُكر في تقييدات [الشيخ] (2) أبي عبد الله محمد بن بركة - رحمه الله – (3)؛ ...
--------------------
قوله فإذا لم يسأل عن الماء فصلّى ... الخ: يعني مع توهّم وجود الماء كما هو فرض المسألة، لأنّه مقصِّر، بخلاف المتيقّن للعدم فإنّ الظاهر أنّه لا يُطالب بالإعادة ولو لم يطلب لأنّه لا فائدة فيه، والله أعلم. ثمّ قوله: فإنّ عليه الإعادة في الوقت وبعد الوقت: هل معناه إذا وجد الماء؟ وهو الظاهر، كما يشهد له قوله بعد ذلك: إلاّ الشاك المتردّد ... الخ، لكنّه خصّه هناك بالإعادة في الوقت، أو يعيدها ولو بالتيمّم لأنّه قصّر في الطلب، فكأنّه ترك شرط التيمّم وهو ظاهر إطلاقه، والله أعلم فليحرّر.
قوله وكذلك لو رآهم يتيمّمون ... الخ: الظاهر أنّه إنّما أمر بالإعادة لأنّه قصّر في الطلب، فأنّه يُحتمل أن يكون تيمّمهم لعذر آخر لا لأجل عدم الماء، وأمّا لو تيقّن أنّ تيمّمهم لعدم الماء فالظاهر أنّه لا يُطالب بالإعادة، كما يؤخذ من كلام "الإيضاح" السابق (4).
__________
(1) - في أ وج والحجرية: وبعده، أمّا ب ود فإنّهما موافقتان لنسخة المحشّي.
(2) - زيادة من الحجرية.
(3) - تقييدات ابن بركة، ظهر الورقة: 03 (مخطوط)؛ والشيخ ابن بركة لم يشتهر بهذه الكنية (أبي عبد الله)، وإنّما اشتهر بأبي محمّد، قال الشيخ أبو ستّة في حاشيته على الإيضاح:» إذا تتبّعت كلام المصنّف [أي الشيخ عامر الشماخي] –رحمه الله- وجدته تارة يكنّيه بأبي عبد الله، وتارة يكنّيه بأبي محمّد، والشيخ إسماعيل –رحمه الله- لا يكنّيه إلاّ بأبي عبد الله، ولعلّه له كنيتان، ... وقد يقال: أبو محمّد غير أبي عبد الله، وهو الظاهر ... «(الإيضاح، 3/ 76)، لذا فإنّ تكنيته بأبي عبد الله وهم من المؤلّف أو خطأ من النساخ، وهو ما حقّقه الباحث زهران بن خميس المسعودي، في بحثه: "الإمام ابن بركة ودوره الفقهي في مدرسة الإباضية من خلال كتابه الجامع"، (ص:38). وانظر ترجمة ابن بركة في الملحق رقم: 07.
(4) - في الصفحة السابقة. (2/186)
صفحة 623
قال: وكذلك لو نزل على قوم ونزلوا على غير ماء فإنّ عليه أن يطلب ويلاحظ؛ وكذلك لو طلب الماء فلم يجده ثمّ تيمّم فصلى ثم علم أن الماء كان في موضع لو طلبه لوجده، أو كان في رحله ولم يعلم به حتى صلّى فعليه الإعادة (1)؛ واختلفوا فيمن لم يجد الماء متى يتيمّم؟ فقيل: إنّ الآيس يتيمّم أوّل الوقت، والراجي يتيمّم آخر الوقت، والذي تساوى عنده الأمران يتيمّم وسط الوقت، وقيل: المتيمّم يتيمّم آخر الوقت على الإطلاق، ...
--------------------
قوله فعليه الإعادة: انظر هل معناه في الوقت وبعده؟ وهو ظاهر التشبيه في قوله: وكذلك، أو في الوقت فقط لأنّه معذور حيث طلب، ويدلّ له كلام "الإيضاح" حيث قال:» ثمّ وجد الماء أو علم ... بعد فراغه من الصلاة ... الخ «(2)، والله أعلم فليحرّر. ... [وكتب أيضا على هذه القولة ما نصّه]:
قوله فعليه الإعادة: أطلق القول بالإعادة ولم يذكر فيه خلافا فكأنّه هو المعتمد عليه، وإلاّ فقد قال في "الإيضاح":» واختلفوا إن نسي المسافر الماء في رحله وحضرت الصلاة، أولم يعلم به وتيمّم وصلّى ثم وجد الماء أو علم ... بعد فراغه من الصلاة، قال بعضهم: عليه إعادة الصلاة، وقال آخرون: لا إعادة عليه، والحجّة لهم ... الخ «، فذكر دليل كلّ قول فليراجع (3)، وسيأتي أيضا التنبيه على الخلاف (4).
قوله آخر الوقت على الإطلاق: وجهه أنّه يُحتمل مصادفة الماء ونزول المطر مثلا خصوصا إذا ظهرت أماراته، وهذا ينبغي أن يُجعل كالراجي عند من يفصّل والله أعلم؛ ثمّ قوله على الإطلاق: الإطلاق في مقابلة تفصيل سابق ولاحق أيضا، ويُحتمل أن يريد أعمّ من ذلك، فيكون شاملا لمن يتيمّم لا لعدم الماء والله أعلم.
__________
(1) - ابن بركة، التقييدات، وجه الورقة: 03 (مخطوط).
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 282.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 281، 282.
(4) - في صفحة: 194. (2/187)
صفحة 624
وقيل: آخر الوقت إلا الآيس كما قدّمنا؛ فإن صلى أحد هؤلاء ثمّ وجد الماء بعد الصلاة فلا إعادة على من أوقع الصلاة في الوقت المأمور بإيقاعها فيه، إلا الشاكّ المتردّد في إدراك الماء مع علمه بوجوده فإنّه يعيد في الوقت لأنّه كالمقصّر في اجتهاده؛ وفي مثله الخائف من اللصوص فقصّر في الطلب، وكذلك المريض الذي عدِم من يناوله الماء لأنه قصّر في الاستعداد، فحكم هؤلاء التيمّم وسط الوقت، والله أعلم.
--------------------
قوله فلا إعادة ... الخ: أي وجوبا، فلا ينافي ما سيأتي أنّه تستحبّ له الإعادة في الوقت، والله أعلم.
قوله وفي مثله الخائف من اللصوص فقصّر في الطلب: ظاهره أنّه ملزوم بالطلب ولوكان خائفا، مع أنّه غير ظاهر، قال في "الإيضاح" عند الكلام على أنّ المراد بوجود الماء وجود قدرة:» ويجد الماء ويمنعه منه مانع، شبهُ العدوِّ والسبع وغيرهما، ويجزيه التيمّم إذا خاف على نفسه، وليس له أن يحمل نفسه على حالة مخوّفة ولا يعرِّضها لخطّة متلفة لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمُ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُم رَحِيمًا} [النساء:29] ... الخ «(1)، وسيأتي له -رحمه الله- التنبيه على ذلك قريبا (2).
ثمّ قوله –رحمه الله-: وفي مثله الخائف ... الخ يقتضي أنّه يعيد في الوقت، [وكذلك التشبيه في قوله: وكذلك المريض ... الخ يقتضي أنّه يعيد في الوقت] (3) أيضا، لكن قوله: فحكم هؤلاء التيمّم وسط الوقت يقتضي أنّ إعادة الصلاة في الوقت للشاكّ المتردّد في إدراك الماء والخائف من اللصوص والمريض الذي عدم من يناوله مقيَّدَةٌ بما إذا تيمّموا
__________
(1) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 279.
(2) - في صفحة: 192.
(3) - زيادة من أ والحجرية. (2/188)
صفحة 625
الحالة الثالثة (1): أن يعتقد وجود الماء في حدّ القرب فيلزمه السعي إليه، وحدّ القرب: ما لم ينته إلى المشقة أو خوف فوات الأصحاب، وقيل لا يعذر في ميلين؛ ...
--------------------
قبل وسط الوقت، وأمّا لو تيمّموا [في] (2) وسطه فإنّهم لا يعيدون لأنّهم تيمّموا كما أُمروا على ما ذكر، وكيف يعيد من أتى بالعبادة كما أُمر؟ هذا محصَّل ما فهمناه من كلامه –رحمه الله- فليحرّر.
قوله فيلزمه السعي ... الخ: ذكر في "الإيضاح" عن أبي عبد الله محمّد بن بركة أنّه لا تنازع بين أحد من أهل العلم في أنّه ليس له أن يعدل إلى التراب إذا علم أنّه يصل الماء قبل خروج الوقت، ثمّ قال:» ولعلّ قول أبي عبد الله: إذا كان في موضع، أي: إذا كان في بلد، مقيما كان أو مسافرا، ولذلك قال: لا تنازع بين أهل العلم في ذلك والله أعلم؛ وأمّا إذا خرج مسافرا في طلب معايشه فلا بأس عليه أن يطلب معايشه ويجزيه التيمّم؛ وقال بعضهم: إن وجد الماء في أقلّ من مسيرة ميل فلا يتيمّم وليس عليه أن يطلبه ... أكثر من ميل، وقيل: نصف ميل؛ وإن خاف فوات الأصحاب إن اشتغل بالغسل يتيمّم و يجزيه التيمّم لئلاّ تفوته الأصحاب «(3)، ثمّ قال بعد:» والأصل في التحديد الذي ذكرنا للمسافر بميل ونصف ميل إذا خرج في طلب معايشه فإنّما هو عندي استحسان منهم، لأنّ السفر عذر، ويدلّ أيضا على ذلك ما في الأثر ممّا وجدته «، وقال:» ليس على المسافر أن يطلب الماء إذا لم يحضر وقد قرنه الله بالمرض ... الخ «(4).
__________
(1) - في نسخ القواعد المعتمدة: الحال الثالث، إلاّ د ففيها ما أثبتناه.
(2) - زيادة من ج؛ وفي الحجرية: إن تيمّموا في وسط الوقت فإنّهم ... .
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 281.
(4) - المصدر السابق، 1/ 282، 283. قال الإمام السالمي:» والضابط في هذا الباب خوف المشقّة، فمهما خيفت المشقّة على النفس أو على الأصحاب أو خاف فوت الرفقة أو نحو ذلك جاز له التيمّم وإن كان الماء غير بعيد، لأنّ الحكمة في مشروعية التيمّم إنّما هي التخفيف على عباد الله تعالى، وحصول المشقّة مناف لهذه الحكمة «، (معارج الآمال، 3/ 194، 195). (2/189)
صفحة 626
وإن انتهى البعد إلى حيث يخرج وقت الصلاة إذا كان آمنا من فوات الأصحاب فليطلب أصحابه كما قدّمنا، ولا يلزمه أن يطلبهم جميعا إذا كانوا كثيرا، بل يطلب من يليه منهم كما قدّمنا، والله أعلم.
الحالة الرابعة: أن يكون الماء حاضرا ولكن يتعذّر حصوله إليه بعدم (1) الآلة التي يتوصّل بها إليه، فإنه يتيمّم لأنه فاقد للماء، وإن وجد الآلة ولكن كان الماء في بئر بعيدة القعر فإن اشتغل بالنزح (2) فاته الوقت ففيه خلاف بين العلماء، قيل: إنه يتيمّم لأن عدم القدرة على الاستعمال في الوقت كالعادم (3) المطلق؛ ...
--------------------
قوله وإن انتهى البعد إلى حيث يخرج وقت الصلاة إذا كان آمنا ... الخ: في هذه العبارة تأمّل، لأنّ التقييد بقوله: إذا كان آمنا ... الخ غير ظاهر، فلو قال: وإن كان آمنا من فوات الأصحاب، لتكون (إن) وصلية فيكون الحكم: إن لم يكن آمنا، من باب أولى، والمقصود -والله أعلم- أنّه إن انتهى الماء في البعد إلى حيث يخرج وقت الصلاة أنّه يطلب أصحابه فقط ولا يطلب ذلك الماء وإن كان آمنا من فوات الأصحاب؛ لكن قوله: ولا يلزمه أن يطلبهم جميعا إلى قوله: كما قدّمنا لم نظفر به فيما تقدّم فيما رأيناه من النسخ، لكن مراده: كما قدّمنا من أنّه لا يصحّ التيمّم إلاّ بعد الطلب، والله أعلم.
قوله ولكن يتعذّر حصوله إليه بعدم الآلة ... الخ: وكذلك إذا كان لا يصل إلى الماء إلاّ بالشراء وليس عنده مال، فإنّ هذا عادم للماء ويجزيه التيمّم كما سيأتي (4).
__________
(1) - في الحجرية: لعدم.
(2) - في الحجرية: بالنزع.
(3) - في ج: كالعدم.
(4) - في صفحة: 192. (2/190)
صفحة 627
وكذلك لو كان الماء بين يديه يمكنه استعماله لكن (1) لو تشاغل باستعماله لخرج الوقت لضيقه فقولان أيضا، قيل: يتيمّم ويصلّي ويشتغل بعد ذلك بالتوضّي، وقيل يشتغل بالوضوء، وهو الأصحّ لأنه واجد للماء.
--------------------
قوله وهو الأصحّ لأنّه واجد للماء: هذا ظاهر في المقيم، وأمّا المسافر فالذي يدلّ عليه كلام "الإيضاح" أنّه يتيمّم أوّلا، حيث قال في الاستدلال على أنّ المسافر إذا خرج في طلب معايشه لا يلزمه طلب الماء ما نصّه:» ويدلّ أيضا على ذلك ما في الأثر ممّا وجدته «؛ وقال:» ليس على المسافر أن يطلب الماء إذا لم يحضر، وقد قرنه الله بالمرض الذي يجوز معه التيمّم، ولذلك أوجبوا على المسافر إذا نزلت عليه جنابة أن يتيمّم، ثمّ يشتغل في طلب الماء ويهيء موضعا يغتسل فيه، كالمريض الذي لا يجد التجفّف يتيمّم ثمّ يشتغل بالتجفّف؛ واختلفوا في الذي يشتغل بتسخين الماء أو بتبريده هل هو مريض عليه التيمّم أم لا؟ وأمّا المقيم الذي يشتغل بطلب الماء أو باستعداد موضع يغتسل فيه فإنّه ليس عليه تيمّم ولكن يفعل ما أدرك، ولو طلع عليه الفجر، وهذا إذا استعدّ الماء ولم يضيّع؛ وقال بعض في المقيم: إذا استعدّ الماء ونزلت عليه جنابة فاستيقظ فأصاب ماءه قد تلف وخاف طلوع الفجر فإنّه يتيمّم ثمّ يشتغل بطلب الماء كالمسافر، وأمّا إن اشتغل باستعداد موضع يغتسل فيه فليس عليه تيمّم على كلّ حال والله أعلم. والأصل في هذا كلّه احتمال عود الضمير في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} [النساء:43] ... الخ «(2)، ووجه الاستدلال بكلام "الإيضاح" أنّه جعل السفر كالمرض مبيحا للتيمّم، وذكر أنّ من اشتغل باستعداد الموضع إذا كان مسافرا يتيمّم أوّلا، فالظاهر أنّ المشتغل باستعمال الماء عند خوف خروج الوقت كذلك، اللهمّ إلاّ أن يُفرّق بين الاشتغال بالوضوء والاشتغال باستعداد الموضع وهو الظاهر، فإنّ الظاهر أنّه عند وجود الماء لا فرق بين المسافر والمقيم كما يؤخذ من كلام المصنّف -رحمه الله- حيث لم يفرّق بينهما، والله أعلم.
__________
(1) - في ب: لكنّه، وفي ج: ولكن.
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 283، 284. (2/191)
صفحة 628
السبب الثاني: عجز خيفة، وهو أن يخاف على نفسه إذا عدل إلى الماء عدواً يهلكه أو سبُعا يتلفه (1)، فكلّ هذه الأحوال التيمُّمُ له بها جائز، وليس عليه ولا له أن يحمل نفسه على حالة مخوّفة، ولا أن يعرضها لخطة متلفة، وقد يسّر الله على عباده تخفيفا،
وكان بهم - والحمد لله - لطيفا (2). وقد قيل: إنّ الخوف على المال لا يلحق
بالخوف على النفس في الإباحة.
وإن وجد الماء بثمن يباع به قبل ذلك فإنّ عليه أن يشتريه، وإن امتنع منه إلا بثمن يجحف به لقلة دراهمه أو لكثرة الزيادة على ثمنه المعتاد لم يلزمه شراؤه، وأمّا بثمن المثل وما لا يجحف به فإنه يلزمه، إلاّ إن احتاج إلى الثمن لنفقة سفره (3).
--------------------
قوله التيمّم له بها جائز: لو قال: التيمّم عليه بها واجب، وليس له ... الخ، لكان أظهر وأخصر.
قوله لخُطّة متلفة: في "الصحاح":» الخُطَّة بالضمّ: الأمر والقصَّة ... الخ «(4).
قوله وقد يسّر الله على عباده ... الخ: كأنّه يشير لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أنفُسَكُمُ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29].
قوله وقد قيل: إنّ الخوف على المال ... الخ: هذا ضعيف، لأنّ الصحيح أنّ الخوف على المال كالخوف على النفس في إباحة التيمّم، بدليل قصّة عِقد عائشة - رضي الله عنه - ا (5).
قوله يجحف به: في "الصِّحاح":» أجحف به أي: ذهب به ... الخ «(6).
__________
(1) - في د: يفترسه.
(2) - في ج: وكان الله بهم رحيما والحمد لله ... .
(3) - في أ: لنفقته في سفره.
(4) - الجوهري: باب الطاء، فصل الخاء: خطط.
(5) - استعارت رضي الله عنها قلادة من أسماء، فضاعت منها وهي في سفر مع =
(6) - الجوهري: باب الفاء، فصل الجيم: جحف.
=رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيل في بعض الروايات أنّ ذلك كان في غزوة بني المصطلق - فبعث ... - صلى الله عليه وسلم - رجالا في طلبها، فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ولا ماء معهم، فشكا الصحابة ذلك له - صلى الله عليه وسلم - فنزلت آية التيمّم. ممّن أخرج ذلك البخاري: كتاب التيمّم، رقم: 322؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 550؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 308؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 273؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 561؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 24283؛ ومالك: كتاب الطهارة، رقم: 110؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 739. قال الشيخ عامر الشماخي:» ألا ترى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنّما أقام على غير ماء لأجل العِقد، وهو مال الغير، لئلاّ يذهب، فجعل اشتغاله بحفظ المال أعظم من اشتغاله بطلب الماء ... «، (الإيضاح، 1/ 280). (2/192)
صفحة 629
السبب الثالث: أن يحتاج إليه لعطشه في الحال أو لتوقعه في المآل، بأن يغلب على ظنّه أنه لا يجد ماء، أو لعطش مَن معه، فله التيمّم إن خاف العطش الذي يهلكه، وإن خاف عطشا يُمرضه كان بمنزلة من خاف من استعمال الماء لمرِض؛ ...
--------------------
قوله في المآل: أي فيما يؤول إليه الأمر في المستقبل.
قوله فله التيمّم: فلو قال: فعليه التيمّم –مثلا- لكان أظهر.
قوله وإن خاف عطشا يُمرضه ... الخ: فصله عمّا قبله يقتضي أنّ فيه خلافا، مع أنّ الظاهر أنّه يجب عليه التيمّم أيضا، فلو قال: يهلكه، أو: يمرضه [مثلا] (1)، لكان أخصر وأظهر، لأنّهم ذكروا أنّه لا يجوز استعمال الماء مع خوف المضرّة وأنّه إن استعمله كذلك فأصابه شيء فهو هالك، راجع "الديوان" (2) و"تبيين أفعال العباد" (3).
__________
(1) - زيادة من أ والحجرية.
(2) - العزابة، كتاب الصلاة، ظهر الورقة: 17 (مخطوط). وجاء فيه:» ولا يجوز للرجل أن يغتسل بالماء مع الخوف في ذهاب عضو من أعضائه، أو من الموت من أجل الماء، وإن كان الذي يخاف في الوصف لا يكون «.
(3) - أبو العباس أحمد بن محمّد بن بكر، ص: 49 (مخطوط). وجاء فيه:» ... وكذلك إن خاف مضرّة الماء، فجائز أن يتركه ويتيمّم، ولا يكون ذلك منه رهبة، ... ويكون ذلك فرضا عليه، لأنّه إن اغتسل به مع الخوف فتولّدت منه المضرّة فغير معذور، ... «. (2/193)
صفحة 630
ولو مات صاحب الماء وكان معه جُنُبٌ آخر، والماء إنما يكفي أحدهما فصاحبه أولى به، إلا إن احتاج الحيّ إلى شربه فهو أولى به بعد أداء قيمته إلى الوارث؛ وإن كان الماء بينهما ففيه قولان، قيل: الحيّ أولى به، ويُتيمّم للميت، وقيل الميّت أولى به، والله أعلم.
السبب الرابع: الجهل، كما أنه إذا نسي الماء في رحله فتيمّم وصلّى، ثمّ علم به، ففي إعادة صلاته اختلاف بين العلماء؛ ...
--------------------
قوله فصاحبه أولى به ... الخ: يؤخذ منه أنّه لو كان صاحب الماء هو الحيّ فاحتاج إليه لاغتساله لكان أولى من الميت.
قوله قيل: الحيُّ أولى به، ويُتيمّم للميت: لكن الظاهر أنّه إن استعمله الحي فإنّه يدفع للوارث قيمة نصف الماء، وانظر إن قلنا: [إنّ] (1) الميت أولى به، هل يُؤخذ من تركته قيمة نصف الماء [أوْلا] (2)؟ والله أعلم (3).
قوله كما أنّه إذا نسي الماء في رحله: هذا التركيب غير ظاهر، فلو قال-مثلا-: كأن ينسى الماء ... الخ، لكان أظهر؛ ثمّ حُكْمُ هذه المسألة قد تقدّم، ولم يحكِ فيه الخلاف في الإعادة (4).
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - زيادة من أ وج.
(3) - وجب على المسلمين تجهيز موتاهم بكلّ ما يستلزم ذلك من تكاليف، إلاّ ما ورد فيه نصّ أنّ تكلفته من مال الميّت كالكفن، فما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب. ووجب على أولياء الميّت من ورثته بالخصوص الإنفاق على ما يستلزمه تجهيز ميّتهم، فإن فعل ذلك الحاضر من غيرهم أدرك ذلك عليهم، وهذا بحسب سهامهم؛ ورغم ورود الخلاف في المسألة بين الفقهاء فإنّ الظاهر أنّ ما ذكر هو الراجح، على ما يستظهر من كلام القطب اطفيش –رحمه الله-، وقد صدّر بهذا الخلافَ الذي حكاه في المسألة. (يُنظر: شرح النيل، 2/ 560، 592؛ التحفة والتوأم، 05).
(4) - تقدّمت المسألة في صفحة: 187. (2/194)
صفحة 631
والذي ذهب (1) إليه أبو عبد الله محمد بن بركة أن يعيد صلاته، وقاسه بنسيان الرقبة في ملكه إذا ظاهر من امرأته، أو نسي النجاسة في ثوبه حتى صلى، قال: فلمّا كان الصوم لا يجزي ناسي الرقبة، ولا تجزي صلاة ناسي النجاسة، كان ناسي الماء في رحله كذلك (2).
السبب الخامس: المرض الذي يُخاف من الوضوء معه فوت روح أو منفعة (3)
أو إتلاف عضو أو تأخير برء أو زيادة مرض أو حدوثه، فإنه يُتيمّم في جميع ما ذكرنا، لحديث عمرو ابن العاص في غزوة ذات السلاسل (4)، وحديث الرّجل المشجوج في رأسه (5)، ...
--------------------
قوله أن يعيد صلاته: ظاهره ولو بعد الوقت.
قوله يُخاف من الوضوء معه ... الخ: لو زاد: الاغتسال، لكان أظهر وأنسب للاستدلال بما بعده، لكن الظاهر أنّه إنّما تعرّض للوضوء ليكون الاغتسال من باب أولى.
__________
(1) - في أ ود والحجرية: يذهب.
(2) - الجامع، 1/ 345، 346.
(3) - في الحجرية: فوات منفعة.
(4) - قال عمرو: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت ثمّ صليّت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبيء - صلى الله عليه وسلم - فقال: ياعمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إنّي سمعت الله يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمُ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئا. أخرج ذلك الربيع بن حبيب، باب الزجر عن غسل المريض، رقم: 172 (1/ 46)؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 283؛ وأحمد: مسند الشاميين، رقم: 17144؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 629 (1/ 285)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1011 (1/ 225)؛ والدارقطني في السنن، رقم: 12 (1/ 178).
(5) - الذي أصابه احتلام وكان في سفر مع جماعة، فالتمس رخصة في التيمّم فلم يرخّصوا له، وقالوا له: لا نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا بلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العيّ السؤال، لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجراح «. أخرج ذلك أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 284، 285؛= (2/195)
صفحة 632
وصاحب الجُدَرِيِّ (1)، فاستفتوا فأُمروا بالغسل، فقال النبيء - عليه السلام -:» قتلوه قاتلهم الله «؛ وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه كان يقول: نزلت هذه الآية فيمن به جرح أو قرح،
والله أعلم، ولعله يريد قول الله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى} [النساء:43] الآية (2)؛ وكذلك الصحيح إن خاف من استعمال الماء نزلةً أو حمّىً فله أن يتيمّم لأنّ كل ذلك مرض ظاهر، [والله أعلم] (3).
--------------------
قوله وصاحب الجُدَرِيِّ: في "الصحاح":» والجُدَرِيُّ بضمّ الجيم وفتح الدال، والجَدَرِيُّ بفتحهما لغتان، تقول: جُدِّرَ الرجل فهو مُجَدَّرٌ ... الخ «(4).
قوله فقال النبيء - عليه السلام -:» قتلوه قاتلهم الله «: هذا في حديث الرجل المشجوج كما ذكره في "الإيضاح" حين ذكر قصّته بعد الخلاف في الذي يجب في العضو العليل، هل يمسح عليه أو يغسل ما عداه ويتيمّم له، أو يغسل الصحيح وليس عليه في العليل تيمّم؟ قال بعد أن ذكر آية وحديثا يدلاّن على القول الأخير:» وروي أنّه - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) =وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 565؛ وأحمد: مسند بني هاشم، رقم: 2898؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 745؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 630 (1/ 285)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1016 (1/ 227)؛ وأبو يعلى في مسنده، رقم: 2420 (4/ 309)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 189)؛ والبخاري في التاريخ الكبير، رقم: 3027 (8/ 288).
- الذي أُمر بالغسل فكرّ عليه الجدريّ فمات، فقال النبيء ... - صلى الله عليه وسلم -:» قتلوه قتلهم الله، ماذا عليهم لو أمروه بالتيمّم «. أخرج هذا الربيع بن حبيب باب الزجر على غسل المريض، رقم: 174 (1/ 46)؛ والطبراني في الكبير، رقم: 11472 (11/ 194).
(2) - أخرج ذلك الحاكم في المستدرك، رقم: 586 (1/ 270)؛ وابن خزيمة في صحيحه، رقم: 270 (138)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1006 (1/ 224)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 177)؛ وابن الجارود في المنتقى، رقم: 129. وقد عزاه السيوطي لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم في رواية، وللبيهقي في "المعرفة" في رواية أخرى. (الدر المنثور، تفسير الآية: 43 من سورة النساء).
(3) - زيادة من د.
(4) - الجوهري: باب الراء، فصل الجيم: جدر. (2/196)
صفحة 633
. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
--------------------
أخرج سرية غازية فشُجّ رجل منهم مأْمُومة (1) فأجنب، فسأل القوم هل يسعه التيمّم أم لا؟ فقالوا: لا، إلاّ الغسل، فاغتسل فكرّت عليه الشجّة فمات، فأُخبر النبيء - عليه السلام - فغضب غضبا شديدا فقال: أليس شفاء العيّ السؤال؟ ما لهم قتلوه قاتلهم الله، لو أمروه فاغتسل ومسح على موضع الجراحة (2)؛ وفي خبر آخر: فاغتسل وتيمّم (3)؛ وفي خبر آخر: وترك موضع الجراحة ... الخ «(4)، ثمّ ظاهر استدلاله -رحمه الله- يدلّ على أنّ الواجب على هؤلاء الذين استفتوا التيمّم فقط، وقد سمعتَ كلام "الإيضاح" في حديث الرجل المشجوج، والله أعلم. نعم حديث عمرو بن العاص يدلّ أنّ الواجب هو التيمّم، قال في "الإيضاح":» والدليل ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: خرج عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وهو أمير على الجيش، فأجنب فخاف من شدّة الماء فتيمّم، فلمّا قدم على النبيء - صلى الله عليه وسلم - أخبره أصحابه بما فعل، فقال له رسول - صلى الله عليه وسلم -: يا عمرو لمَ فعلت ذلك، ومن أين علمته؟ فقال له: يا رسول الله صلّى الله عليك وسلّم وجدت الله سبحانه يقول: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أنفُسَكُمُ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُم رَحِيمًا} [النساء:29]،فضحك النبيء - صلى الله عليه وسلم - ولم يردّ عليه شيئا «(5).
__________
(1) - المأمومة: الشجة التي بلغت أمّ الرأس. (ابن منظور، لسان العرب: أمم).
(2) - الحديث تقدّم تخريجه قريبا، وهذا اللفظ الذي أورده المحشّي عن صاحب "الإيضاح" والذي يفيد الترتيب: الاغتسال ثمّ المسح لم نقف عليه؛ والذي وقفنا عليه هو هذا الترتيب: التيمّم ثمّ المسح ثمّ الاغتسال، روى ذلك أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 284؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1016، 1018 (1/ 227، 228)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 189).
(3) - لم نقف عليه بهذا اللفظ.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 273، 274. واللفظ الأخير جاء نحوه عند ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، رقم: 565؛ والدارمي، كتاب الطهارة، رقم: 745؛ والدارقطني في السنن، رقم: 04، 07 (1/ 190، 191)؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 630، 631 (1/ 285، 286)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1015 (1/ 227).
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 276، 277. والحديث تقدّم تخريجه قريبا، وهذا اللفظ الذي ساقه صاحب "الإيضاح" جاء في رواية الربيع بن حبيب: باب الزجر على غسل المريض، رقم: 172 (1/ 46). (2/197)
صفحة 634
السبب السادس: كون الجروح والقروح في موضع لايمكن عزله، كالفرج واليد وما أشبه ذلك، فله أن يتيمّم؛ و أمّا إن كان سالم الأعضاء إلا عضوا واحدا فيه جرح أو قرح أو غير ذلك فليتوضّأ وليمسح على العليل (1) بالماء، وإن خاف أن يضرّه فليجْرِ الماء حواليه، وإلا فليتيمّم له، ...
--------------------
قوله السبب السادس ... الخ: هذا السبب في الحقيقة داخل في السبب الخامس.
قوله كالفرج أو اليد ... الخ: أمّا الفرج فعدم إمكان عزله ظاهر بخلاف اليد، ويدلّ له (2) قوله: إلاّ عضوا واحدا ... الخ، وأيضا فإنّ الفرج محلّ الاستنجاء، فإذا لم يصحّ له تعيّن التيمّم لأنّ الوضوء لا يصحّ إلاّ بعد نزع النجاسة (3).
قوله وليمسح على العليل بالماء ... الخ: ينظر هل هذا شامل للمسح على الجبائر كما ورد في حديث عليّ؟ قال في "الإيضاح":» واختلفوا في العضو العليل ما الواجب عليه فيه، فبعضهم يرون المسح عليه بالماء، لما روي عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عليّ بن أبي طالب أنّه انكسر إحدى زنديه وسأل النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يمسح على الجبائر، فقال: نعم؛ وقال بعضهم: يغتسل ويتيمّم، لأنّ كلّ عضو عندهم قد انفرد بفرضه؛ وقال آخرون: يغسل وليس عليه في التيمّم شيء، وهؤلاء أنزلوه منزلة المقطوع ... الخ «(4).
قوله وإلاّ فليتيمّم له ... الخ: هذا ظاهر إذا كان العضو طاهرا، وأمّا إذا كان نجسا ففيه خلاف، قال في "الإيضاح":» وإذا كان العضو العليل منجوسا فإنّه يغسل العضو الصحيح ويتيمّم للعليل كما قدّمنا؛ وقال بعضهم: يجزيه التيمّم، وإنّما يجزيه عندي
__________
(1) - في د: على العضو العليل.
(2) - في أ والحجرية: ويدلّ على ذلك قوله ... .
(3) - يُنظر الاستدلال على ذلك عند القطب أطفيش، شامل الأصل والفرع، 1/ 224.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 271، 272؛ وحديث علي أخرجه الربيع بن حبيب، باب في المسح على الخفين، رقم: 124 (1/ 36)؛ وابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، رقم:649. (2/198)
صفحة 635
وإن نسي أن يتيمّم له حتى صلّى ففيه خلاف، أعني في إعادة صلاته، والأصحّ أنه لا يعيد، لأنّ الخطاب توجّه إلى الأعضاء الصحيحة دون العليلة، والله أعلم.
--------------------
لأنّ الوضوء لا يصحّ إلاّ بعد زوال النّجس، فإن لم يقدر على إزالته لما يخاف من سبب الغسل لو غسله كان عاجزا ويجزيه التيمّم، وكذلك إن كان لا يقدر على الاستنجاء ... الخ «(1).
قوله لأنّ الخطاب توجّه إلى الأعضاء الصحيحة ... الخ: هذا التعليل يُرشد إلى أنّه لا يعيد الصلاة ولو ترك التيمّم [لهذا العضو] (2) عمدا حيث لم يتوجّه إليه الخطاب؛ لكن لقائلٍ أن يقول: الخطاب الذي لم يتوجّه إليه هو خطاب الوضوء، وأمّا خطاب التيمّم فلا أقلّ من أن يكون متوجّها إلى ذلك العضو؛ بل زعم بعضهم أنّه إذا لم يقدر على تعميم الأعضاء رجع إلى التيمّم، وإذا كان فرض ذلك العضو هو التيمّم فالظاهر أنّه لا فرق بين العمد والنسيان في ذلك، كما لو كان فرضه التيمّم ابتداء فنسيه، والله أعلم فليحرر. نعم هذا الذي ذكره [المصنِّف] (3) -رحمه الله- يتأتّى على قول من أنزله منزلة المقطوع، واستدلّوا ببعض الروايات في حديث المشجوج (4).
__________
(1) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 274، 275.
(2) - زيادة من أ والحجرية.
(3) - زيادة من الحجرية.
(4) - وهي التي سبق تخريجها في صفحة: 195، التعليق رقم: 05، إذ جاء فيها أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجراح «(عند ابن ماجة والدارمي وغيرهما). هذا وقد اختلف فقهاء المذهب في المسألة، فمنهم من يرى رأي المصنّف الجيطالي كالإمام ابن بركة العماني، ومنهم من يرى خلافه كالشيخ أبي الحواري العماني، وهو ما صحّحه القطب اطفيش –رحمه الله تعالى- حيث قال: بأنّ العضو الصحيح يُغسل لأنّه خوطب بالغسل، والعضو العليل يتيمّم له لأنّه خوطب بالتيمّم، وهذا عملا بالآيتين، آية الوضوء وآية التيمّم. (يُنظر: القطب اطفيش، الذهب الخالص، 125؛ السالمي، معارج الآمال، 3/ 227). (2/199)
صفحة 636
القسم الثاني في كيفية التيمّم: اعلم أنّ أركان التيمّم أربعة، أحدها (1): النية لأنها عبادة غير معقولة [المعنى] (2)، ولا تصحّ إلا بالنية، وقد قيل فيها غير ذلك، وكيفية عقدها أن ينوي بها رفع الأحداث واستباحة الصلاة، ولفظها أن يقول: " أرفع بتيمّمي هذا جميع الأحداث، وأتيمّم للصلاة طاعة لله ولرسوله - عليه السلام - "؛ ثمّ إذا حصل متيمّما فليصلّ به الصلوات الخمس ما لم يحدث أو يجد الماء، كالوضوء حذو النعل بالنعل، ...
--------------------
قوله القسم الثاني في كيفية التيمّم: اعلم أنّ أركان التيمّم ... الخ: قد يتراءى أنّ فيه تقسيم الشيء إلى نفسه وإلى غيره، فإنّه سيأتي أنّه جعل الركن الثالث في كيفية التيمّم؛ وقد يقال: إنّ هذا ليس ممّا ذكر، وإنّما يقال في مثل هذا أنّه ترجم لشيء وزاد عليه، أو يقال: أراد بكيفية التيمّم [هنا] (3) كيفية فعله وكيفية شروطه، بدليل: وكيفيّة عقدها.
قوله وقد قيل فيها غير ذلك: قال في "الإيضاح" بعد أن ذكر الخلاف في النية هل هي شرط أو لا:» ويتميّز معرفة هذا الاختلاف إن تيمّم على أن يعلِّم غيره، أو تيمّم ونوى صلاةً قد مضت، أو تيمّم ونوى به فعلَ معصية، فعلى مذهب الجمهور لا يجزيه، وعلى مذهب الآخرين يجزيه، وكذلك إن تيمّم ولم ينو ... شيئا على هذا الاختلاف، والله أعلم «(4)؛ لكن في كون التيمّم الذي قصد به المعصية يجزي عند بعضهم نظرٌ.
قوله أو يجد الماء: أي إذا كان تيمّمه لعدم الماء كما هو ظاهر.
قوله كالوضوء ... الخ: لو قدّمه على قوله: أو يجد الماء لكان أظهر لما فيه من الإيهام، لكن أخّره لأنّ هذا الإيهام بعيد.
__________
(1) - في د: إحداها.
(2) - سقط من ج ود.
(3) - زيادة من الحجرية.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 278. (2/200)
صفحة 637
الدليل على ذلك قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - (1):» التيمّم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين مالم يجد الماء «(2)، وقد اختلف أصحابنا في هذا، فوجدت عن البصريين من أصحابنا أنّ التيمّم لا ينقضه إلا الحدث أو الماء كما قدّمنا (3)؛ ...
--------------------
قوله الدليل على ذلك ... الخ: فيه أنّ هذا الحديث لا يدلّ على عدم تجديد التيمّم عند كلّ صلاة، فإنّ معناه أنّه يجوز له تعاطي التيمّم ولو إلى عشر سنين مالم يجد الماء؛ والمختار في "الإيضاح" تجديد التيمّم عند كلّ صلاة، قال بعد أن ذكر الخلاف هل ينتقض بإرادة الصلاة الثانية أوْ لا:» وأصل هذا الاختلاف يدور على شيئين، أحدهما هل في قوله تعالى: {يَآأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلاَةِ} [المائدة:06] محذوف مقدّر أعني: إذا قمتم من النوم، أو: قمتم محدثين، أو ليس هنالك محذوف؛ فمن رأى أنّه لا محذوف هنالك قال: ظاهر الآية يوجب الوضوء والتيمّم عند القيام لكلّ صلاة، لكن خصّت من ذلك السنّة الوضوء وبقي التيمّم على أصله؛
والسبب الثاني هو تكرار الطلب عند دخول وقت كلّ صلاة وهو الذي ينبغي أن يصار إليه على مذهب علمائنا –رحمهم الله-؛ ومن لم يتكرّر عنده الطلب وقدّر في الآية محذوفا لم ير إرادة الصلاة ممّا ينقض التيمّم «اهـ (4)، وفي بعض كلامه تأمّل.
__________
(1) - في ج ود: - عليه السلام -.
(2) - أخرجه باختلاف في لفظه كلّ من الربيع بن حبيب: باب فرض التيمّم والعذر الذي يوجبه، رقم: 168 (1/ 45)؛ والترمذي كتاب الطهارة، رقم: 115؛ والنسائي في الصغرى، كتاب الطهارة، رقم: 320؛ وفي الكبرى، رقم: 311 (1/ 136)؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 281، 282؛ وأحمد: مسند الأنصار، رقم: 20587؛ وابن حبان، رقم: 1313 (بترتيب ابن بلبان، 4/ 140)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 16 (1/ 07)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 186).
(3) - أصل المسألة أورده ابن بركة في الجامع (1/ 333)، وعنه نقل محمّد الكندي في بيان الشرع (9/ 173)، وأحمد الكندي في المصنّف (4/ 254)؛ وممّن يرى هذا الرأي تلميذا الربيع بن حبيب: عبد الله بن عبد العزيز، وأبو المؤرج عمر بن محمّد، خلافا لشيخهما الربيع. (يُنظر: أبو غانم الخراساني، المدوّنة الصغرى، 1/ 142).
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 306، 307. (2/201)
صفحة 638
وذهب آخرون إلى أنه يجدّد التيمّم عند كلّ صلاة إلا إن جمعهما فإنه يجتزي بتيمّم واحد (1)، روي هذا عن الربيع –رحمه الله- وغيره من أصحابنا العمانيين، [والله أعلم] (2). ووافقهم على ذلك كثير من الناس، واعتلوا في ذلك بثلاث (3) علل، إحداها: أنّ التيمّم عندهم لا يرفع الحدث وإنما هو مشروع لاستباحة أقلّ ما يمكن له من الصلوات؛ ...
--------------------
قوله إلاّ إن جمعهما ... الخ: ظاهره أنّه إذا جمعهما يجزيه تيمّم واحد قولا واحدا، مع أنّه ذكر في "الإيضاح" خلافا في ذلك حيث قال بعد أن ذكر الخلاف في انتقاض التيمّم بإرادة الصلاة الثانية:» وعلى هذا الأصل اختلفوا هل يجزيه تيمّم واحد إذا جمع بين الصلاتين أو لا؟ والله أعلم؛ وكذلك الأفعال التي التيمّمُ شرط في صحّتها عند عدم الماء على هذا الحال، مثل: صلاة النفل وصلاة الجنازة وقراءة القرآن
ومسّ المصحف «(4).
قوله أنّ التيمّم عندهم لا يرفع الحدث ... الخ: لعلّ من قال لا ينقضه إلاّ ما ينقض أصله ما لم يجد الماء لا يُسلِّم هذه العلّة وهو المناسب لقوله أولاً: ينوي به رفع الأحداث ... الخ.
__________
(1) - في ج ود: يجزي تيمّم واحد.
(2) - ما بين المعقوفتين سقط من أ والحجرية. والمسألة وردت عند أصحابنا الفقهاء العمانيين أصحاب المصنّفات التالية: الأزكوي، الجامع (1/ 413، 435)؛ ابن بركة، الجامع (1/ 333)؛ البسيوي، الجامع (2/ 39)؛ محمّد الكندي، بيان الشرع (9/ 172)؛ أحمد الكندي، المصنّف (4/ 257). أمّا نسبة المسألة للربيع بن حبيب فلم نقف على ذلك صراحة، ولعلّها إنّما تؤخذ ممّا جاء في المدونّة الكبرى لأبي غانم الخراساني الذي أودعها فتاوى تلاميذ الربيع بن حبيب ممّا رووه عنه، إذ جاء فيها:» وإذا أراد أن يقرن بين الصلاتين فإنّه ينبغي له أن يتيمّم لكلّ صلاة منهما ... ، وكذلك إن صلّى كلّ واحدة في وقتها تيمّم لكلّ صلاة «، (المدونّة الكبرى، 1/ 29، ترتيب القطب أطفيش).
(3) - في أ ود: ثلاثة.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 307. (2/202)
صفحة 639
والثانية: أنه لا يتيمّم قبل وقت الصلاة؛ والثالثة: أنّ تكرار الطلب واجب عندهم لكلّ صلاة، فإذا لم يجد الماء عدل إلى التيمّم، والله أعلم.
الركن الثاني: ما تعمل به هذه الطهارة، وقد اختلف الناس فيما يجوز به التيمّم، فذهب بعض أصحابنا إلى إجازته بغير التراب من أجزاء الأرض المتولدة منها، كالرمل والحصباء وما أشبه ذلك، ووافقهم على ذلك مالك بن أنس (1)؛ وذهب آخرون إلى جوازها بالرمل والنورة والزرنيخ وما أشبه ذلك؛ ...
--------------------
قوله لا يتيمّم قبل وقت الصلاة: لعلّ صاحب القول الأوّل يخصّ ذلك بإنشاء التيمّم بعد الحدث، والله أعلم.
قوله الثالثة: أنّ تكرار الطلب واجب ... الخ: البناء على هذه العلّة يقتضي أنّه لا ينتقض إلاّ التيمّم الذي يكون لأجل عدم الماء ولم يتيقّن ذلك العدم، وإلاّ كان الطلب عبثا، والله أعلم.
قوله وذهب آخرون ... الخ: هذا في الحقيقة غير زائد على ما تقدّم، بل قد يقال: إنّ الأوّل أزيد من هذا حيث عبّر بالمتولّدة منها، وعبارة "الإيضاح" أظهر حيث قال:» فذهب بعضهم إلى أنّه لا يجوز التيمّم إلاّ بالتراب وحده، وذهب آخرون إلى أنّه يجوز التيمّم بكلّ ما صعد على وجه الأرض من أجزائها كالحصى (2) والرمل والتراب، وزاد آخرون: بكلّ ما يتولّد من الأرض كالحجارة والنورة والزرنيخ والجصّ والطين والرخام ... الخ «(3).
__________
(1) - يُنظر: ابن رشد، بداية المجتهد، 1/ 68؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير الآية: 43 من سورة النساء.
(2) - في نسخ الحاشية المعتمدة: الحصباء، إلاّ هـ فإنّها موافقة لما جاء في نسخة الإيضاح المطبوعة.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 298. (2/203)
صفحة 640
وذهب بعض أصحابنا إلى أنّ التيمّم لا يجوز إلا بالتراب الطيّب، وبه قال أبو عبد الله محمد بن بركة –رحمه الله- (1)، ووافقهم على ذلك الشافعي (2)، وهذا هو الذي يوجبه النظر عندي، لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم -:» جُعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا «(3)، ...
--------------------
قوله وذهب بعض أصحابنا ... الخ: قال في "الإيضاح" بعد أن ذكر سبب اختلافهم:» وقال أبو محمد: رأيت أصحابنا يقولون بجواز غير التراب ويقيمونه مقامه، والنظر يوجب عندي أنّ التيمّم لا يجوز إلاّ بالتراب دون غيره ... الخ «(4)، وانظر أبا محمد كيف روى الجواز عن أصحابنا وخالفهم مع أنّهم يقولون: "لا حظّ للنظر مع وجود الأثر"، اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ ذلك قالوه بالاجتهاد، وهو –رحمه الله- بلغ درجة الاجتهاد، والمجتهد لا يقلّد مجتهدا؛ ثمّ الظاهر أنّ هذا الاختلاف إنّما هو في غير الضرورة، ويدلّ له كلام "الإيضاح " حيث ذكر أنّه يُمسح على المعصم إن قُطع من الكفّ، وعلى العضد إن قُطع من المرفق بدلا منهما، وقال:» كما قالوا: ... يُتيمّم على النورة والزرنيخ والثلج والحشيش عند عدم التراب المتّفق عليه بدلا منه، حتى قال بعضهم: يُتيمّم على الهواء بدلا من التراب ليكون على يقين ببراءة ذمّته من الأمر، والله أعلم «(5).
__________
(1) - الجامع، 1/ 335.
(2) - يُنظر: ابن رشد، بداية المجتهد، 1/ 68؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير الآية: 43 من سورة النساء.
(3) - أخرجه بلفظ المصنّف الربيع بن حبيب: باب فرض التيمّم والعذر الذي يوجبه، رقم: 167 (1/ 45)؛ وفي: باب في المساجد وفضل مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 255 (1/ 67). وجاء مرويا بدون لفظ» ترابها «عند ابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 560؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 6968. ورواه باختلاف في لفظه وزيادة كلّ من البخاري: كتاب التيمّم، رقم: 323؛ وفي كتاب الصلاة، رقم: 419؛
ومسلم: كتاب المساجد مواضع الصلاة، رقم: 811؛ والترمذي: كتاب الصلاة،=
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 298، عن ابن بركة، الجامع، 1/ 334، 335.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 295. (2/204)
صفحة 641
فخصّ التراب دون غيره؛ وقول الله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] [علِمْنا] (1) أنّ الصعيد: التراب وحده، دون قول من قال: إنه اسم مشتق لما صعد على وجه الأرض لقوله - عليه السلام -:» الصعيد كافيك «(2)، فلمّا ذكر التراب في حديث آخر علمنا أنّ الصعيد هو التراب، وهو أيضا موجود في أشعار العرب، تركته مخافة التطويل، والله أعلم.
--------------------
قوله فخصّ التراب دون غيره: لمن يجيز غير التراب أن يقول: إنّما خصّ التراب بالذكر لأنّه الغالب، والقيد إذا جرى مجرى الغالب لا مفهوم له، كقوله تعالى:
{وَرَبَآئِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء:23] فإنّ الربيبة لا يجوز تزويجها مطلقا، لكن الغالب فيها أن تتربّى في حجر زوج أمّها، والله أعلم.
قوله علمنا أنّ الصعيد هو التراب: وذلك لأنّ الحديث يصدّق بعضه بعضا كالقرآن فلا يجوز فيه التناقض.
قوله موجود في أشعار العرب: من ذلك ما أنشده في "الإيضاح" من قوله:
__________
(1) = رقم: 219؛ وفي كتاب السير، رقم: 1474 وصحّحه؛ والنسائي في الصغرى، كتاب الغسل والتيمّم، رقم: 429؛ وفي كتاب المساجد، رقم: 728؛ وفي الكبرى، رقم: 8022 (5/ 15)؛ وأحمد، مسند بني هاشم، رقم: 2606؛ والدارمي: كتاب السير، رقم: 2358؛ وابن حبان، رقم: 1697 (بترتيب ابن بلبان، 4/ 595)؛ وابن خزيمة، رقم: 264 (1/ 133)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 963؛ والدارقطني في السنن (1/ 175)؛ والطيالسي في مسنده، رقم: 418.
- سقط من النسخ المخطوطة المعتمدة.
(2) - وذلك حين سأله أبو ذرّ: تصيبه الجنابة ولا ماء عنده، أخرجه الدارقطنيّ في العلل، رقم: 1423، (8/ 93) باللفظ الذي أورده المصنّف؛ وأخرجه بزيادة واختلاف الربيع بن حبيب: باب فرض التيمّم والعذر الذي يوجبه، رقم: 168 (1/ 45)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 815 (1/ 179)؛ والطيالسي في مسنده، رقم: 484. وجاء في حديث آخر أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك لعمّار بن ياسر، أخرجه النسائي في الصغرى، كتاب الطهارة، رقم: 314؛ وفي الكبرى، رقم: 302 (1/ 133)؛ وأحمد: مسند الكوفيين، رقم: 18125؛ وأبو يعلى في مسنده، رقم: 1606 (3/ 181). (2/205)
صفحة 642
الركن الثالث: في كيفية التيمّم، وقد اختلف الناس فيه اختلافا كثيرا تركته مخافة الإكثار، والمعمول به عند أصحابنا: ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الرسغين، للحديث الثابت عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - من طريق عمّار بن ياسر – رحمه الله - وغيره.
--------------------
قومٌ حُنُوطهم الصعيد وغَسْلُهُم ... نَجْعُ الترابِ والرؤوسُ تُقطفُ (1)
قوله الرَّسغين: تثنية الرَّسْغ بفتح الراء، وهو ما بين الكوع والكرسوع، قال بعضهم مبيِّنا لمحلّ ذلك ناظما له:
فعظمٌ يلي الإبهام كوعٌ وما يلي ... لِلخنصرةِ الكرسوعُ و الرسغُ ما وسطْ
وعظمٌ يلي إبْهامَ رِجلٍ ملقّبٌ ... بِبُوعٍ فخذْ بالعلم واحذرْ من الغلطْ
قوله من طريق عمّار بن ياسر –رحمه الله- وغيره: قال في "الإيضاح" بعد أن ذكر الاحتمال الذي في اليد:» فإن كان اسم اليد في الكفّ أظهر فيجب المصير إليه على ما يجب من المصير من الأخذ بالظاهر، وإن لم يكن أظهرَ فيجب المصير إلى الأخذ بالآثار الثابتة، منها ما روي من طريق ابن عباس عن عمّار بن ياسر –رضي الله عنهما- قال: أجنبت فتمعكت في التراب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنّما يكفيك هكذا، ومسح وجهه ويديه إلى الرسغين (2)؛ وما روي عن ابن عمر وعمّار بن ياسر قالا:
__________
(1) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 298؛ والبيت نسبه محمّد الكندي للبيد (بيان الشرع، 9/ 186). وجاء في د وج وهـ من نسخ الحاشية المعتمدة: أنشده في "الصحاح".
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب فرض التيمّم والعذر الذي يوجبه، رقم: 170 (1/ 46)، بهذا اللفظ والإسناد؛ وأخرجه من رواية عبد الرحمن بن أبزى بلفظ: ... » ... ومسح بهما وجهه وكفّيه «، البخاري: كتاب التيمّم، رقم: 338؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 535؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 275؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 562؛ والنسائي في الصغرى: كتاب الطهارة، رقم: 315؛ وفي الكبرى، رقم: 303 (1/ 134)؛ وأحمد: مسند الكوفيين، رقم: 18130؛ وابن حبان، رقم: 1306 (بترتيب ابن بلبان، 4/ 131)؛ وابن خزيمة، رقم: 268 (1/ 135)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 948 (1/ 209)؛ وأبو يعلى، رقم: 1607 (3/ 183)؛ وابن الجارود في المنتقى، رقم: 125. (2/206)
صفحة 643
وأمّا كيفيته فإنه إذا دخل وقت الصلاة على المريض أو المسافر أو الصحيح الخائف من استعمال الماء، فإن كان يرجو وجود الماء أو التوصّل (1) إلى استعماله إن كان موجودا فلينتظر ذلك على قدر اختلاف أحواله –كما قدّمنا-، وإن كان آيسا من الماء عدل إلى التراب الطاهر الذي يصلح للحرث والنبات، فليعقد النية – كما قدّمنا – وليقل:
"باسم الله"، وليضع يديه وهما يابستان مفرقا بين أصابعه على التراب اليابس، ...
--------------------
تيمّمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضربنا ضربة للوجه وضربة للكفّين ... الخ «(2).
قوله وأمّا كيفيته فإنّه إذا دخل وقت الصلاة ... الخ: لو قال -مثلا-: وأمّا كيفيته فإنّه يقول بعد عقد النية: باسم الله، ويضع يديه ... الخ، ويترك ما بينهما لكان أخصر وأظهر، فإنّه عُلم حكمه ممّا تقدّم فلا معنى لإعادته، ولأنّه لا دُخل له في الكيفية التي هذا الرُّكن فيها، والله أعلم.
قوله وهما يابستان ... الخ: وكذلك يُشترط طهارتهما أيضا.
قوله على التراب اليابس: متعلّق بقوله: وليضع، ويحتمل أن يكون من باب التنازع، أعني مع قوله: مفرِّقا.
__________
(1) - في أ: والوصول إلى ... .
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 289، 290. والحديث أخرجه الربيع بن حبيب: باب فرض التيمّم والعذر الذي يوجبه، رقم: 171 (1/ 46) من رواية عمار بن ياسر؛ وأخرجه من رواية ابن عمر بزيادة واختلاف الحاكم والدارقطني والبيهقي، وقد أعلّ النقاد الطرق التي جاء بها، كما صحح الأئمة أنه موقوف، (راجع: الصتعاني، سبل السلام،1/ 142؛ ابن حجر العسقلاني، تلخيص الحبير،1/ 267؛ الشوكاني، نيل الأوطار،1/ 329). ولعل رواية ابن عمر التي عناها الشيخ عامر هي التي أشار إليها ابن حجر في "التلخيص" بقوله:» رواه ابن الهاد عن نافع ... قال: مسح وجهه ويديه «،
إذ تصلح بهذا اللفظ للاستدلال على المسألة بخلاف غالب ألفاظ باقي رواياته إذ ورد فيها التيمم إلى المرافق. (2/207)
صفحة 644
ثمّ يرفعهما [و] (1) يقرن بعضهما إلى بعض وينفضهما نفضا خفيفا، فيمسح بهما وجهه مستوعباً، يبدأُبه ماراً بيديه من أعلاه إلى أن يستوفيه، وليراعِ الوتَرة وهي مابين المنخرين، وليقل حين يرفعهما إلى الوجه: " الله أكبر"، ...
--------------------
قوله وينفضهما نفضا خفيفا: ومثل النفض النفخُ، قال في "الإيضاح":» ويفرق أصابعه، ولا بأس عليه أن يجمعهما ثمّ ينفضهما قليلا ويمسح بهما وجهه، لما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - ضرب بيديه على الصعيد ونفخ فيهما ومسح بهما ... ، وقال قوم: لا يضرّ مَن فعل ذلك أو لم يفعل ... الخ «(2).
قوله يبدأ به ... الخ: قال في "الإيضاح":» وإن تيمّم لليدين قبل الوجه فإنّه لا يجزيه، وقال بعضهم: يجزيه، وسبب الاختلاف هو سبب اختلافهم في حرف الواو، هل توجب الجمع أو الترتيب؟ ... الخ «(3)، لكن المختار في الوضوء أنّ الترتيب غير واجب مالم يقصد خلاف السنّة، فيكون كذلك هنا، وكذلك الموالاة هنا كالموالاة في الوضوء، والله أعلم.
قوله ماراً بيديه من أعلاه ... الخ: قال في "الإيضاح":» وإن ابتدأ بالمسح من أسفل الوجه إلى فوق فلا بأس عليه، وكذلك إن أخذه من جانب الوجه أو أخذ المسح من وسط وجهه حتّى أتى بالمسح على وجهه كلّه، وكذلك إن مسح بإحدى يديه من فوق الوجه ومسح بالأخرى من أسفل حتّى التقتا فإنّ هذا كلّه يسمّى به ماسحا ويجزيه، لأنّ التحديد بالشرع في هذا كلّه معدوم، والله أعلم «(4).
قوله الوَتَرة: هي بفتح الواو والتاء، وقوله: ما بين المنخرين أي: حجاب ما بينهما.
__________
(1) - زيادة من د.
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 290. والنفخ في اليدين الذي سيق من أجله الحديث جاء في بعض روايات حديث عمار المتقدّم تخريجه في صفحة: 206، وقد ورد ذلك في ألفاظ روايات كل من: البخاري والنسائي وابن ماجة وأحمد المشار إلى تخريجها.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 296.
(4) - المصدر السابق، 1/ 296. (2/208)
صفحة 645
ثمّ يردّهما إلى الصعيد، ثم يضرب بهما ضربة أخرى، ثم يرفعهما قارنا لهما من عند إبهامه فيضع اليسرى على ظاهر اليمنى ويمرّ بها على ظاهر الكفّ، ثمّ يعمل بكفه اليمنى على ظاهر [كفّه] (1) اليسرى كذلك. وإن خطا شيئا من مواضع الوضوء لم يصبه التراب فقد أجزأه، وليس عليه أن يخلل بين أصابعه في التيمّم -فيما وجدت-، لأنّ هذا مسح لا غسل (2).
وإن تيمّم بأصبع واحدة لا (3) يجزيه، ...
--------------------
قوله ثمّ يرفعهما قارناً لهما ... الخ: ظاهره أنّه في ضربة اليدين لا ينفضهما حيث لم يتعرّض له.
قوله وإن خطا شيئا: في بعض النسخ: وإن أخطأ شيئا (4)، وكلاهما غير ظاهر، لأن أخطأ من الخطأ بالهمز (5) نقيض الصواب، غير مناسب هنا، ولأنّه غير متعدٍّ بنفسه، وخطا بمعنى المجاوزة [و] (6) لم نره في اللغة، وإنّما يقال: تخطّيته إذا جاوزته، ولعلّه: وإن تخطّى شيئا، والله أعلم فليحرّر. ثمّ رأيت في "ابن قضية" ما يصحّح النسخة الأولى حيث قال في المعتلّ بالواو:» وخطى خطوا: فتح ما بين قدميه في المشي، والشيءَ والمكانَ جاوزه «(7).
قوله وإن تيمّم بأصبع واحدة لا يجزيه ... الخ: مفهومه أنّه لو لم يكن بأصبع واحدة أجزأه، وهو كذلك، إلاّ الأصبعين فإنّه لا يجزيه التيمّم بهما، إلاّ على رخصة، سواء كانتا من يد واحد أو من كلتا يديه؛ وكذلك اختلفوا إن مسح برؤوس أصابعه، فإن غطّى الأقلّ من يديه أو من وجهه وتيمّم فلا بأس، فإن لفّ جميع وجهه أو يديه لعذر
__________
(1) - سقط من الحجرية.
(2) - أبو غانم الخراساني، المدونة الكبرى، 1/ 30. وقال مرتّبها القطب أطفيش:
» وإن خلّل فبدعة يعاقب عليها «.
(3) - في نسخ القواعد المعتمدة: فلا.
(4) - وهو ما في النسخ المعتمدة من القواعد.
(5) - في أ والحجرية: الهمزة.
(6) - زيادة من الحجرية.
(7) - لم نقف على شيء من ذلك. وقد تقدّم في صفحة: 27 الكلام عن ابن قضية. (2/209)
صفحة 646
وكذلك إن لم يتعلق به (1) شيء من التراب، وقيل غير ذلك.
وكره بعضهم أن يمسح تراب التيمّم عن وجهه حتى يصلي، وزعم أنّ التيمّم نور الإسلام، وأما جابر بن زيد [–رحمه الله-] (2) فقد رخّص في ذلك فيما وجدت عنه، وقال: لأنه لمْ يمسحه على جهة الرّفض بل لِما يؤذيه.
و ليس عليه أن ينوي بالتيمّم صلاة فرض (3) ولا تطوّع، ولكن ينوي رفع الحدث وطهارة الصلاة كما قدّمنا، ...
--------------------
فإنّه يتيمّم كذلك، قياسا على المسح على الجبائر في الوضوء، وأمّا لو لفّ يداً واحدةً فإنّه يتيمّم لوجهه بالصحيحة ويمسح على معصم الملفوفة حين تغطّى محلّ الفرض، لأنّه صار بمنزلة المقطوع، ومنهم من يقول: يمسح على الكفّ ولو كان ملفوفا.
قوله وكذلك إن لم يتعلّق به شيء من التراب ... الخ: ذكر أيضا في "الإيضاح" في ذلك خلافا، وذكر أنّ سبب الاختلاف في (مِنْ) هل هي للتبعيض أو لبيان الجنس؟ فمن قال إنّها للتبعيض أوجب نقل التراب، وقوّى مذهبه بقياس التيمّم على الوضوء، ومن قال إنّها لبيان الجنس لم يوجبه وأجاز التيمّم على الأرض والقاع والحائط، ورجّح مذهبه بنفخ النبيء - صلى الله عليه وسلم - في يده قبل المسح، والله أعلم (4).
قوله وليس عليه أن ينوي ... الخ: هذا محلّه في الركن الأوّل وهو النية، فلا معنى لذكره هنا، خصوصا وهو يحافظ على الاختصار.
__________
(1) - في ب: يعلق بها.
(2) - زيادة من أ.
(3) - في الحجرية: فريضة.
(4) - عامر بن علي الشماخي،1/ 297؛ وحديث نفخ النبيء - صلى الله عليه وسلم - في يده قبل المسح تقدم تخريجه في صفحة: 208؛ أما (مِنْ) التي وقع الخلاف فيها فهي التي في قوله تعالى: {فامْسَحُوا بوجوهِكُم وأيْدِيكُم مِنْهُ} [النساء:43]. (2/210)
صفحة 647
[ثم لا ينتقض (1) عليه حتى يحدث كالوضوء، إلا قول الربيع وجابر وغيرهما من أصحابنا أنه يُتيمّم لكلّ صلاة كما قدّمنا] (2)، والله أعلم.
والتيمّم طهور لكلّ مسافر طال سفره أو قصر، ...
--------------------
قوله ثمّ لا ينتقض ... الخ: كأنّه يشير إلى اختيار عدم انتقاض التيمّم بإرادة الصلاة الثانية، وكيف يرغب عنه وهو قول جابر والربيع رحمهم الله (3)؟
قوله إلاّ قول الربيع: لعلّه: إلاّ على قول الربيع، أو يكون الاستثناء منقطعا.
قوله لكلّ مسافر طال سفره أو قصر: أي إذا كان عادماً للماء كما هو ظاهر.
فائدة: قال ابن جعفر:» إذا تيمّم الصائم لإحراز صومه ثمّ أصبح فلم يجد الماء حتّى أواه الليل ثمّ أصبح من الغد هل عليه تيمّم ثان لإحراز صومه؟ ثمّ كذلك على الأبد مالم يجد الماء؟ قال: لكلّ جنابة تيمّم واحد في الصوم، وليس عليه أكثر من ذلك ما لم يجد الماء «، والله أعلم اهـ (4). والظاهر أنّ المريض كالمسافر والله أعلم.
__________
(1) - في الحجرية: ينقض.
(2) - في صفحة: 202، وما بين المعقوفتين سقط من ج.
(3) - بل هو قول أكثر أصحابنا كما نصّ عليه الإمام السالمي؛ ومثار الخلاف في المسألة هو اختلاف العلماء في اعتبار شيئين اثنين أو عدم اعتبارهما كما تقدم في صفحة: 201؛ الأوّل: إفادة آية {يَآأيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ إِذا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلاَةِ} إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} لتكرار الطلب عند دخول وقت كلّ صلاة، وهذا عند الأصوليين من نوع الأمر المعلّق على صفة ثابتة بالدليل. الثاني: تقدير محذوف في الآية على نحو: إذا قمتم من النوم، أو قمتم محدثين. وعلى كلّ فإنّ السنّة قد خصّصت الوضوء، لفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فبقي التيمّم على مقتضى ظاهر الآية، وهو قول الربيع وجابر وأكثر الأصحاب كما تقدّم؛ وقاسه بعض الفقهاء على الوضوء فأجاز المحافظة على التيمّم ما لم يطرأ عليه ناقض من نواقض أصله أو مزيل لموجبه، وهذا ما حقّقه القطب أطفيش –رحمه الله تعالى-. (يُنظر: القطب اطفيش، شامل الأصل والفرع، 1/ 227؛ شرح النيل، 1/ 361؛ الإمام السالمي، معارج الآمال، 3/ 277؛ طلعة الشمس، 1/ 50).
(4) - الأزكوي، الجامع، 1/ 428، 429. (2/211)
صفحة 648
وكذلك [لـ]ــكلّ (1) مريض يخاف زيادة المرض بالماء. ومن لم يجد ماء ولا صعيدا فإنه ينوي الطهارة ويصلي، خلافا لبعض فقهاء قومنا في إسقاطهم الصلاة عنه (2). واختلفَ أصحابنا في إعادة صلاته إذا خرج الوقت ثم وَجَدَ الماء؛ ...
--------------------
قوله يخاف زيادة المرض ... الخ: أو تأخير البرء أو حدوث المرض كما تقدّم (3).
قوله فإنّه ينوي الطهارة ... الخ: أطلق -رحمه الله- في الطهارة ولم يعينها، فكأنّه لم
يترجّح عنده المأخوذ به عند أصحابنا، هل ينوي الوضوء أو التيمّم؟ ومثله كلام "الإيضاح" في عدم الترجيح حيث حكى كلاًّ منهما بـ: قيل، وزاد التيمّم على الهواء، قال:» وإن كان في موضعٍ لا يقدر فيه على الماء ولا على التراب، فقيل: إنّ له أن ينوي التيمّم ويصلّي، وقيل: من كان في البحر ولم يقدر على الوصول إلى الماء فإنّه يتيمّم من تراب المتاع فإن لم يجد فينوي الوضوء في نفسه ويصلّي، وقيل: يتيمّم على الهواء مع نيته وقصده لعدم التراب «(4).
قوله واختلف أصحابنا ... الخ: ظاهر كلام "الإيضاح" يدلّ على أنّه لم يخالف في إعادة الصلاة إلاّ أبو محمد -يعني به ابن بركة-، وحجّته أنّه صلّى كما أمكنه وقدر عليه وخرج من العبادة، فالأمر بإعادتها فرض ثان، ولا يلزمه إلاّ بخبر يجب التسليم له (5).
__________
(1) - ما بين المعقوفتين زيادة من د.
(2) - نسب القرطبي هذا الرأي لمالك وابن نافع وأصبغ وأبي حنيفة، ورَوَى عن ابن خويز منداد قوله: وهو الصحيح من المذهب، - أي: من مذهب مالك - وردّ ابن عبد البرّ عليه منكرا كلامه، وقال: ما أعرف كيف أقدم ابن خويز منداد على أن جعل الصحيح من المذهب ما ذكر، وعلى خلافه جمهور السلف وعامّة الفقهاء وجماعة المالكيين. واعتلّ أصحاب هذا الرأي بقولهم: من عدِم الماء والصعيد لم يصلّ ولم يقض إن خرج وقت الصلاة، لأنّ عدم قبولها لعدم شروطها يدلّ على أنّه غير مخاطب بها حالة عدم شروطها، فلا يترتّب شيء في الذمّة فلا يقضي؛ قال القرطبي: وعلى هذا تكون الطهارة من شروط الوجوب. (الجامع لأحكام القرآن، تفسير الآية: 06 من سورة المائدة).
(3) - في صفحة: 195.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 303.
(5) - المصدر السابق، 1/ 303، 304؛ نقلا عن ابن بركة، الجامع، 1/ 347، 348. (2/212)
صفحة 649
و إذا وجَدَ من الماء ما لا يكفيه للوضوء أو الاغتسال فإنه يغسل مذاكِرَه وينزع النجس، ثم يتوضّأ ويتيمّم إن كان جنبا، وإن لم يجد ما يتوضأ به فلينزع النجس ويتيمّم للوضوء، ...
--------------------
قوله وإن لم يجد ما يتوضّأ به فلينزع النجس ويتيمّم للوضوء ... الخ: لم يبيِّن
-رحمه الله- حكم ما إذا بقي شيء من الماء بعد نزع النجس وكان غير كاف للوضوء، وقد بيّنه في "الإيضاح" قال:» ويجوز له التيمّم بالماء، وهو أن يغسل وجهه أوّلا ثمّ يغسل يديه، والأصل في هذا اختلافهم فيمن لم يجد من الماء إلاّ قليلا ولا يكفي لجميع أعضائه، قال بعضهم: يستعمل من الماء ما وجد حيث ما بلغ وما بقي ليس عليه منه شيء إذا أتى في ذلك على العضوين الوجه واليدين، ذُكر هذا عن أبي عبيدة -رحمه الله-؛ وذكر الإمام في أجوبته مثل ذلك، فقيل: أيتيمّم؟ فقال: ليس عليه تيمّم، فإن فعل فحسن جميل ... الخ «(1)؛ والظاهر أنّه إنّما سمّى في "الإيضاح" ما تقدّم تيمّما لأنّه على صورته حيث غسل الوجه واليدين ولم يستوعب؛ وُيحتمل أن يكون المراد بقوله: ويتيمّم للوضوء ما ذكره في "الإيضاح" من أنّه يستعمل ما بقي من الماء بعد نزع النجس لأعضاء وضوئه إلى حيث بلغ، وسمّاه تيمّما حيث لم يستوعب جميع أعضاء وضوئه، وتحسن حينئذ المقابلة بقوله بعدُ: خلافا لبعض فقهاء قومنا ... الخ، والله أعلم فليحرّر.
__________
(1) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 300، 301؛ والمراد بأجوبة الإمام لدى فقهائنا المغاربة أجوبة الإمام عبد الوهاب وابنه أفلح، ولم نقف في أجوبتهما على المسألة؛ اللهمّ إلاّ إن كان ذلك من باب القياس، كما يؤيّده قول صاحب الإيضاح: مثل ذلك؛ ففي جوابات الإمام أفلح بن عبد الوهاب أنّ رجلا حضرته الصلاة وهو في فلاة وعليه خفّ ضيّق ولم يستطع أن يخلعه، وليس معه من يخلعه له ولا ما يقطعه به، فسئل: هل يتوضّأ وضوء الصلاة ويتيمّم بعده؟ فأجاب بوجوب الوضوء عليه للأعضاء الظاهرة، إلاّ الرجلين فإنّه مُنع منهما، وإن تيمّم بعد الوضوء كان حسنا، وليس واجبا. (أجوبة الإمام أفلح، ص: 107، مخطوط). والظاهر أنّ السبب مختلف، فالسبب الذي ساق المصنّف من أجله المسألة هو عدم الماء، أمّا السبب في مسألة الإمام أفلح هو عدم القدرة على استعماله، فليتأمّل. (2/213)
صفحة 650
هكذا عند أصحابنا جابر بن زيد وغيره رحمهم الله (1)، خلافا لبعض فقهاء (2) قومنا في أمرهم إياه بترك استعماله والعدول إلى التيمّم، والله أعلم (3).
وإن قطعت يد الإنسان من المرفق يتيمّم لوجهه بالأخرى يضرب (4) بها ضربة، ثم يضرب بها على الأرض مرّة أخرى [ثم] (5) يقلِب كفه عليها ظاهرا وباطنا (6).
--------------------
قوله وإن قُطعت يد الإنسان من المرفق ... الخ: الأولى ترك التقييد بقوله من المرفق، لأنّ
الحكم أيضا كذلك إذا قُطعت من الكفّ، بل ولو قُطع أكثره فقط يكون الحكم أيضا كذلك، ولم يتعرّض -رحمه الله- للمسح بالصحيحة على معصم المقطوعة من الكفّ، ولا للمسح على عضد المقطوعة من المرفق، وقد نصّ عليه في "الإيضاح" كما تقدّم (7)، ولم يتعرّضا لقطعهما معا، والظاهر من قولهما إنّه يتيمّم بالصحيحة فقط أنّهما إذا قُطعتا معا سقط عنه الفرض، ثمّ رأيت "الديوان" قد صرّح بذلك (8).
__________
(1) - أفتى بهذا جابر بن زيد في رسالته إلى الحارث بن عمرو؛ ورَوَى عنه هذه الفتوى تلميذاه ضمام بن السائب وعمرو بن هرم؛ كما رواها أبو غانم الخراساني عن أبي المؤرج عن أبي عبيدة مسلم عن جابر بن زيد عن ابن عبّاس - رضي الله عنه -. (يُنظر: جوابات جابر بن زيد، ص: 14 (مرقون)؛ كتاب جابر بن زيد في الصلاة، ص. 132؛ روايات ضمام، ص. 463 - 474 (مخطوطان ضمن الديوان المعروض)؛ أبو غانم الخراساني، المدونة الصغرى، 1/ 142).
(2) - في ب ود: خلافا لفقهاء.
(3) - هذا قول مالك وأصحابه، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وهو قول أكثر الفقهاء من قومنا. (يُنطر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير الآية: 43 من سورة النساء).
(4) - في د: يتيمّم بالثاني يضرب ... .
(5) - زيادة من د.
(6) - في ب والحجرية: ظهرا وبطنا.
(7) - في صفحة: 204.
(8) - العزابة، كتاب الصلاة، ظهر الورقة: 18 (مخطوط). (2/214)
صفحة 651
ولا بأس أن يكون للمتيمّم تراب موضوع في شيء يتيمّم به إذا كان مريضا في حضر أو سفر؛ وهكذا روي أن أبا عبيدة حين مرض الفالج كان له تراب موضوع في شيء فكان يتيمّم به (1). وأمّا ما لاقى يد المتيمّم أو وجهه فوقع فلا يُتيمّم به مرة أخرى، لأنه كالماء المستعمل. وإن عدم المتيمّم التراب عدل إلى الرمل، وإلا فليدقّ حجراً ويتيمّم به؛ ولا يتيمّم بالتراب النجس، ولا بالجصّ، ولا بالجبس (2)، ولا بالنورة، ولا بالزرنيخ، [ولا بتراب النمل] (3)، ولا بالتراب النديّ، والله أعلم.
--------------------
قوله موضوع في شيء يتيمّم به ... الخ: أي بشرط أن ينفض التراب خارجا عنه، وإلاّ صار مستعملا كما يؤخذ ممّا بعده.
قوله إذا كان مريضا ... الخ: كأنّ التقييد بهذا جري على الغالب، وإلاّ فالمسافر أيضا إذا فعل ذلك لا بأس عليه، وإنّما جاز ذلك قياسا على التوضّي بفضل الماء إذا بقي في الإناء.
قوله ولا يتيمّم بالتراب النجس ... الخ: أي كما لا يتوضّأ بالماء المنجوس، وكذلك
تراب السرقة، وتراب بيوت أهل الذمّة (4) قياسا على الوضوء، ولا يتيمّم على الطين ولا على الثرى إذا كان يجتمع إذا ضمّه ولا يفترق إذا أرسله حتّى يصل إلى الأرض، قياسا على الماء المضاف، ولا يتيمّم على قبر، ولا على تراب طاهر على ثوب منجوس أو موضع منجوس قياسا على الصلاة، وذكر في "الديوان" أنّه لا يتيمّم بتراب النمل لأجل المضرّة، وإن فعل أجزأه (5).
__________
(1) - روى ذلك أبو غانم الخراساني في المدوّنة الصغرى، 1/ 141؛ وكذا في الكبرى، 1/ 32.
(2) - في الحجرية: الجير، وسقط من د كلّية.
(3) - زيادة من د.
(4) - في هـ: أهل الكتاب.
(5) - العزابة، كتاب الصلاة، وجه الورقة: 19 (مخطوط). (2/215)
صفحة 652
الركن الرابع: في أحكام التيمّم، اعلم أنّ حكم التيمّم الطهارة ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة فقد بطل، وإن دخل في الصلاة ثمّ طرأ عليه الماء فإنه يقطع الصلاة ويعدل إلى الماء عند أصحابنا، وإن فرغ من الصلاة ثمّ وجد الماء فإنه يُستحب له الإعادة (1)، وإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، والله أعلم.
--------------------
قوله فإنّه يقطع الصلاة ويعدل إلى الماء عند أصحابنا: لعلّه إنّما نسب هذا لأصحابنا ولم يحكِ فيه خلافا عندهم لأنّه المعتمد، وإلاّ فقد قال في "الإيضاح" بعد أن ذكر حجّة علمائنا -رحمهم الله- في انتقاض التيمّم بوجود الماء:» واتّفق القائلون بأنّ وجود الماء ينقضها على أنّه ينقضها قبل الشروع في الصلاة وبعد الصلاة، واختلفوا هل ينقضها طروؤه في الصلاة؟ فذهب بعضهم إلى أنّه لا ينقض التيمّم وجود الماء في الصلاة ... الخ «، فذكر حجّته، وذكر القول الثاني فذكر حجّته أيضا فليراجع (2)، ولم يذكر المرجَّح منهما، لكن دليل من قال بالانتقاض أقوى؛ ثمّ ذكر الخلاف أيضا في حدِّ الناقض عند من قال: إن وجود الماء يُنقض التيمّم، هل الناقض رؤيته أو وجوده مع إمكان استعماله؟ وهو الظاهر؛ وإن فرّعنا على القول بأنّ طروء الماء في الصلاة لا ينقض التيمّم تكون صلاته تامّة فتستحب الإعادة فقط، والله أعلم.
__________
(1) - استنادا إلى حديث أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمّما صعيدا طيّبا فصلّيا، ثمّ وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء ولم يعد الآخر، ثمّ أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد:» أصبت السنّة وأجزتك صلاتك «، وقال للذي توضّأ:» لك الأجر مرّتين «، أخرجه النسائي: كتاب الغسل والتيمّم، رقم: 430؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 286؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 737؛ والدارقطني في السنن (1/ 188)؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 632 (1/ 286) وصحّحه على شرط الشيخين؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1031 (1/ 231)؛ والطبراني في الأوسط، رقم: 1863 (2/ 501).
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 308، 309. (2/216)
صفحة 653
والذي يُفسد التيمّم كما قدّمنا هو رؤية الماء للقادر على استعماله،
والحدث بعده من جميع ما ينقض الوضوء، وكذلك لو ترك فرضا من فرائضه المتقدّمة،
والله أعلم.
--------------------
قوله وكذلك لو ترك فرضا ... الخ: فيه أنّ من ترك ذلك لم يحصل له التيمّم
حتّى ينتقض (1).
- - -
__________
(1) - في نسخ الحاشية المخطوطة: ينقض، إلاّ هـ والحجرية. (2/217)
صفحة 654
القسم الرابع في الطهارة من الأحداث الموجبة للاغتسال
وهي أربع (1)، أحدها: الغسل لإنزال الماء الدافق كيف ما كان، من جماع
أو احتلام؛ أو مغيب حشفة في قُبل أو دُبر، ممّن كان، من بني آدم أو من البهائم، أحياء كانوا أو أمواتا، ذكورا (2) كانوا أو إناثا، حلالا كان أو حراما؛ الثاني: انقطاع دم الحيض، أو (3) استكمال وقته إذا كانت الاستحاضة؛ والثالث: انقطاع دم النفاس، واختلف في الغسل من الولادة إذا كانت المرأة ذات جفاف؛ ...
--------------------
قوله أحدها: الغسل ... الخ: ظاهر هذه العبارة يقتضي أنّ الضمير في قوله: وهي أربع راجع إلى: الطهارة، وأنّ هذا تقسيم للطهارة، وكلامه في الثاني والثالث والرابع يقتضي أنّ الضمير راجع إلى: الأحداث الموجبة، وأنّ هذا التقسيم لها، والظاهر الأوّل لأنّ هذا القسم معقود للطهارة، والأمر سهل، لأنّ تقسيم أحدهما يستلزم تقسيم الآخر، والله أعلم.
قوله من جماع أو احتلام: إنّما قُيِّد به نظراً إلى الغالب، وإلاّ فقد يكون بغيرهما، كالجنون واللسع في بعض الأحيان، على ما ذُكر في بعض الكتب، والله أعلم.
قوله أو مغيب حشفة: عطفٌ على قوله: لإنزال الماء، فلو أعاد اللام معه لكان أظهر في المراد، ثمّ الظاهر أنّ التقييد بالحشفة نظراً إلى الغالب، وإلاّ فقدرها من مقطوعها كذلك، والله أعلم.
قوله أو استكمال وقته: أي بعد انتظار يومين كما سيأتي، وقوله: إذا كانت الاستحاضة لعلّه: إذا كانت مستحاضة، أو: كان تامّة، أي: إذا وُجِدت الاستحاضة.
__________
(1) - في أ ود: أربعة.
(2) - في أ وج: ذكرانا؛ وفي د: ذكرا.
(3) - في أ وب: و. (2/218)
صفحة 655
والرابع: الموت لخروج الروح من الإنسان المأمور بغسله؛ والخامس: مختلف فيه، وهو الإسلام؛ هل يجب فيه الغسل على المشرك إذا دخل فيه أم لا؟ [والله أعلم] (1).
ومسنون الغسل خمسة: الاغتسال للجمعة، وللإحرام بالحج أو عمرة، ولدخول مكة، وللعيدين، وللحجامة؛ ...
--------------------
قوله المأمور بغسله: يخرج المشرك والمولود إذا لم تتحقّق حياته، والشهيد ومن كان في معناه.
قوله ومسنون الغسل ... الخ: أي: والغسل المسنون، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف.
قوله للجمعة: ينظر هل ذلك خاصّ بمن وجبت عليه الجمعة-وهو ظاهر كلامهم في باب الجمعة- أو عام (2)؟
قوله وللإحرام بحجّ أو عمرة ... الخ: سيأتي له في ركن الحجّ أنّه مستحبّ، وكذلك الاغتسال لدخول مكّة، كما ذكر في "الإيضاح"، وهو الظاهر، لأنّه ليس عليه في تركه دم والله أعلم؛ نعم ذكر في "الإيضاح" أنّه يتأكّد في بدء الإحرامين لكن لا يلزم في تركه دم على كلّ حال (3).
قوله وللحجامة: يُنظر هل معناه قبل الحجامة -وهو ظاهر العطف على ما قبله- أو
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - نعم ذلك خاصّ بمن وجبت عليه الجمعة كما قال المصنّف، وهو قول الجمهور خلافا لأكثر الحنفية. ونقل ابن حجر عن ابن دقيق العيد حكاية الإجماع على أنّ من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل ولم يفعل ما أمر به، (فتح الباري، 2/ 358، 359). وامتاز ابن حزم الظاهري بقوله: إنّ الغسل لليوم لا للصلاة، فلم يشترط تقدّم الغسل على الصلاة، حتّى لو اغتسل قبل الغروب لأجزأ، وتعلّق بإضافة الغسل إلى اليوم لا إلى الصلاة؛ وقال: هو لازم للحائض والنفساء كلزومه لغيرهما، (يُنظر للتوسّع في دليل رأيه: المحلّى بالآثار، 1/ 266 وما بعدها). والذي يُفهم من ظاهر كلام القطب أطفيش-رحمه الله- اعتباره لهذا الرأي، حيث يرى أنّ غسل الجمعة ليومها لا بقيد صلاتها، سواء من حيث تصلّى ركعتين أو حيث تصلّى أربعا، (يُنظر: الذهب الخالص، 114؛ شرح النيل، 1/ 147).
(3) - عامر بن علي الشماخي، 2/ 247. (2/219)
صفحة 656
ومستحباته ستة (1): الاغتسال للوقوف بعرفة، والمزدلفة، وللطواف بالبيت وللسعي بين الصفا والمروة، ولمن غسل ميتا، وللمستحاضة إذا انقطع دمها إذا
اغتسلت قبل ذلك للخروج من الحيض، وللمرأة المسنّة الآيسة من الحيض إذا رأت الدم فإنها لا تترك الصلاة فإذا انقطع [دمها] (2) عنها استحبّ لها الغسل منه،
والله أعلم.
--------------------
بعدها؟ وعلى كلّ حال يُنظر ما الحكمة في ذلك، مع أنّهم ذكروا في كتب الطبّ أنّه يتّقي الجماع قبل الحجامة وبعدها يوما وليلة، وانظر هل الفصد مثل الحجامة؟ [وذكر لي بعض من أثق به أنّه رأى في بعض كتب الطبّ أنه يستحب له الاغتسال بعد الحجامة بالماء العذب البارد، ولعلّه هذا هو المراد، والله أعلم] (3).
قوله وللطواف بالبيت وللسعي ... الخ: ينظر كيف يستحبّ في حقّه أن يغتسل بعد الطواف للسعي فإنّه غير ظاهر، مع أنّهم لم يذكروه أيضا في باب الحجّ، اللهمّ إلاّ أن يريد به صبّ الماء من زمزم على رأسه بعد ركعتي الطواف والله أعلم. هذا ما كتبناه قبل التأمّل في كلامه -رحمه الله- حقّ التأمل، ثمّ ظهر أن قوله: وللسعي ... الخ معطوف على قوله: وللطواف فيكونان قسما واحدا، وبذلك تصير المستحبّات ستا، فلو قال: مع السعي، لكان أظهر والله أعلم، ثمّ لو أعاد اللام في قوله: والمزدلفة لكان أظهر فإنّه قِسم برأسه كما بيّنوه في باب الحج، والله أعلم.
__________
(1) - في ج: ستّ.
(2) - زيادة من أ.
(3) - ما بين المعقوفتين زيادة من الحجرية. وهذا الاغتسال ذكره السيوطي في كتابه: الرحمة في الطب والحكمة، 170. وأورد ذلك ابن قدامة المقدسي عن ابن عقيل في إحدى روايتيه، استنادا على ما روي عن علي وابن عباس ومجاهد أنّهم كانوا يفعلون ذلك، (الشرح الكبير، 1/ 212). (2/220)
صفحة 657
وقيل: لا غسل على من غسل الميت، وإنما عليه الوضوء (1)، وكذلك المستحاضة
لا غسل عليها بعد الأوّل.
ومفروضات الغسل الواجب ستة (2)، ...
--------------------
قوله و قيل لا غسل على من غسل الميت: أي ولو على جهة الاستحباب، لتصحّ المقابلة، فإنّ من قال بالاستحباب لا يقول عليه ذلك، لأنّ على تدلّ على الوجوب، وكذلك القول في المستحاضة، والله أعلم.
قوله ومفروضات الغسل الواجب: الظاهر أنّ الأولى ترك التقييد بقوله: الواجب لأنّ الاغتسال مطلقا يشترط له هذه الشروط، فإنّ شروط النفل والفرض واحدة، كما في الصلاة والوضوء، والله أعلم.
__________
(1) - إن كان هذا على جهة الاستحباب فهو مذهبٌ لبعض العلماء القائلين بأن المراد من الوضوء في الأحاديث الواردة في الباب إنما هو الوضوء الشرعيّ، خلافا لابن عباس - رضي الله عنه - الذي فسّر الوضوء بالمعنى اللغويّ وهو غسل اليدين (كما تقدّم ذلك في صفحة: 161). والذي يُفهم من ظاهر كلام القطب –رحمه الله- في "شرح النيل" هو اختياره لعدم وجوب الوضوء عليه، إذ صدّر به الخلاف وقال:» ولا وضوء على من غسل الميت ولم يمسّ نجسا «؛ وروى في ذلك عن ابن عمر أنه حنط عبد الرحمن ابن سعد بن زيد ولم يتوضأ من مسه وصلى عليه في المسجد. أما الاغتسال من غسل الميت فقد قال بوجوبه طائفة من العلماء منهم أبو هريرة وعلي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والزهري؛ وقال بعدم وجوبه ابن عباس وابن عمر وعائشة والحسن والنخعيّ والشافعيّ وأحمد وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرّأي، وإليه ذهب الإمام جابر بن زيد -رحمه الله- وقال: إن المسلم أطهر من أن يُغسل من طهوره.
كما ذهب المزني وابن المنذر إلى عدم اعتبار غسل الميت أو مسه موجبا للاغتسال أو الوضوء، لعدم ثبوت الأخبار المروية فيهما. وقد روي ذلك -أي عدم ثبوتها- عن الذهلي شيخ البخاري وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني.
هذا وجمهور أصحابنا على القول باستحباب الغسل لمن غسل ميتا وبوجوب الوضوء عليه. (يراجع: القطب أطفيش، شرح النيل،2/ 674؛ النووي، المجموع شرح المهذب،5/ 144).
(2) - في ج: ستّ. (2/221)
صفحة 658
أحدها: النية عند التلبّس [به] (1) واستصحاب حكمها في جميعها، وعموم الجسد بالغسل، وإمرار اليد معه أو ما يقوم مقام اليد، وكون ذلك بالماء المطلق،
والموالاة مع الذِّكر، ...
--------------------
قوله والموالاة مع الذكر: الظاهر أنّ القدرة شرط في الموالاة، كالذكر عند من يشترطه، فلو قال: مع الذكر والقدرة، لكان أظهر، فيفهم منه أنّها تسقط مع العجز والنسيان، لأنّهما في العذر سواء، ويؤخذ من كلام "الإيضاح" في الموالاة ثلاثة أقوال: منهم من اشترطها مطلقا، ومنهم من لم يشترطها مطلقا، ومنهم من فرّق بين العمد والنسيان وصاحب العذر (2) وغيره، وهو الذي يشعر به كلام المصنّف -رحمه الله-، ويظهر أثر ذلك فيمن اغتسل وترك موضعا من جسده لجرح أو قرح ثمّ استراح بعد ذلك، أو فرغ ماؤه فأخذ في الطلب ولم يحصله إلاّ بعد ما جفّ، هل يستأنف أو لا (3)؟ ولم يبيّن –رحمه الله تعالى- كيفية الموالاة، ومتى يكون الشخص تاركا لها، والذي يؤخذ من كلام "الإيضاح" أنّ ذلك يُعتبر بجفاف الأعضاء (4). ولم يذكر –رحمه الله- أيضا الترتيب من مفروضاته، بل جعل عكسه مكروها فقط، وقد قرنه في"الإيضاح" مع الموالاة، وحكى فيهما خلافا، وذكر أنّه في الاغتسال أبين منه في الوضوء (5).
__________
(1) - سقط من أ ود.
(2) - في الحجرية: القدرة.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 164، 165. والموالاة: أن لا يفرّق الغاسل بين أعماله في الغسل بعمل أجنبي.
(4) - المصدر السابق، 1/ 164. وبهذا قال قتادة والأوزاعي، لكن هذا خاصّ بمن كان ذاكرا قادرا غير معذور، أمّا إن كان معذورا بأن أخذ في وضوئه فنسي بعض أعضائه فإنّه يبني على وضوئه متى تذكّر ولو جفّت أعضاؤه، أو فرغ الماء ولم يتمّ وضوءه فأخذ في طلب الماء ولم يجده إلاّ وقد جفّت أعضاؤه، فهذا كذلك يبني على وضوئه إذا وجد الماء، (يُنظر: السالمي، معارج الآمال، 2/ 65).
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 164. (2/222)
صفحة 659
واختلف في السادسة وهي المضمضة والاستنشاق، فقيل: هما فريضتان في الاغتسال الواجب، وسنتان في الوضوء، وقيل غير ذلك.
ومسنوناته ستة (1): مسح الأذنين، وتخليل اللحية وقيل هو فرض، وغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وإن كانتا طاهرتين ثمّ غسل ما به من الأذى، ...
--------------------
قوله واختلف في السادسة ... الخ: ظاهره أنّه لم يقع الخلاف إلاّ فيها، مع أنّه ذكر في "الإيضاح" في النية وفي إمرار اليد أو ما يقوم مقامها وفي الترتيب والموالاة بل وفي عموم الجسد إن بقي أقلّ قليل، ولم يذكر الخلاف في وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل، فإن كان مراده -رحمه الله- عدم الاعتداد بخلاف من خالف في المفروضات المتقدّمة فهلاّ فعل ذلك في المضمضة والاستنشاق، فإنّ المذهب أنّهما واجبتان في الغسل، والله أعلم (2).
قوله مسح الأذنين: ينظر كيف يكون مسح الأذنين في الاغتسال سنّة مع أنّهما مكشوفتان؟ اللهمّ إلاّ أن يقال: المراد مسح قمعهما لأنّ إفراغ الماء فيه ضررًا، والله أعلم.
قوله ثمّ غسل ما به ... الخ: هذا مع قوله: وغسل اليدين مسنون واحد.
__________
(1) - في ب ود: ستّ.
(2) - وهو القول الصحيح الراجح المعمول به؛ إلاّ أنّه يحتمل أن يكون المصنّف الجيطالي ... –رحمه الله- عند تحريره للمسألة تقرّر لديه ما أثبته من حكاية الخلاف فيها، وهذا ليس ببعيد فالناظر في بعض المصادر الفقهية الإباضية المتقدّمة يجد فيها حكاية الخلاف في المسألة، مثل بيان الشرع لمحمّد الكندي (8/ 91)، والمصنّف لأحمد الكندي (4/ 62)؛ وحتّى في العصر الحديث كان القطب أطفيش–رحمه الله- يضعّف القول بفرضية المضمضة والاستنشاق كما صرّح بذلك، إلاّ أنّه بعد ذلك أثبت عكسه وصحّحه، (يراجع: شامل الأصل والفرع، 1/ 199). (2/223)
صفحة 660
والوضوء قبله، وغرف الماء على رأسه ثلاثا، والبداية بالميامن قبل المياسر.
وفضائله أربع: التسمية في أوّله، وذكر الله تعالى في أثناء غسله، والتعجيل به قبل كل شيء من نوم أو أكل أو شرب (1)، وعدّ بعضهم (2) غرف الماء ثلاثا والبداية بالميامن من الفضائل.
ومكروهاته: التنكيس في عمله، والإكثار من صبّ الماء فيه، ...
--------------------
قوله والوضوء قبله: نعم السنّة كذلك، لكن قال في "الإيضاح":» وإن أخّر الوضوء بعد الغسل لما يخاف أن تلاقي يده عورته في الغسل كان أحوط، والله أعلم «(3)، ثمّ إنّه يُنظر إن قدّم الوضوء هل ينوي في حال استنجائه أنّ ذلك غسل لجنابة ذلك المحلّ أو يكفيه صبّ الماء عليه في حال الاغتسال من غير عرك، أو كيف الحال؟ فليحرّر (4).
قوله ومكروهاته: التنكيس ... الخ: أي الإتيان به غير مرتّب، قال في "الإيضاح" بعد أن ذكر الخلاف في وجوبه:» والترتيب في الغسل أبين منه في الوضوء، وذلك بين الرأس وسائر الجسد ... الخ «(5)، واستدلّ لذلك بحديث أمّ سلمة حيث قال لها في شأن المرأة
__________
(1) - في ج ود: شراب.
(2) - في ب: وعن بعضهم. وفي د: وعند بعضهم.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 158. ومما يُستغرب منه في هذا الباب تفضيل كثير من الفقهاء لتأخير الوضوء عن الغسل مع إقرارهم أن السنة قبله؛ ولعل جنوحهم إلى ذلك كان اعتمادا على بعض الأخبار التي تفيد ذلك، فمنها ما رواه أحمد عن عائشة قالت: ... » كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصيبه الجنابة من الليل وهو يريد الصيام، فينام ويستيقظ ويصبح جنبا فيفيض عليه من الماء ثم يتوضأ «، (باقي مسند الأنصار، وقم: 24741). وقد صرّح بذلك القطب أطفيش –رحمه الله- في "شامل الأصل والفرع" حيث قال:» وقد روي أنه - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ ويؤخّر قدميه حتى يغتسل فيغسلهما للوضوء بعد غسلهما للجنابة، وربما لا يؤخرهما، وربما أخّر الوضوء ... «، (1/ 207). وإلى ذلك ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه، وكذا العلامة الصاوي في حاشيته على "الشرح الكبير".
(ينظر: المرداوي، الإنصاف،1/ 207؛ الصاوي، حاشية الشرح الكبير،1/ 140).
(4) - صرّح القطب اطفيش –رحمه الله- أنّ المغتسل عليه أن ينوي ذلك للجنابة، (شرح النيل، 1/ 153).
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 164. (2/224)
صفحة 661
وتكرار المغسول أكثر من ثلاث مرّات أو مرّة إذا أكمل، والاغتسال في موضع الخلاء، والكلام بغير ذكر الله تعالى في حال الاغتسال، والله أعلم [وأحكم] (1).
--------------------
السائلة بعد أن أمرها بغسل رأسها:» ثمّ تفيضين الماء عليك وتطهرين «(2)، يعني: فلم يأت بالحرف الدالّ على الترتيب إلاّ بين الرأس والجسد، فعلى هذا لا يكون من التنكيس إلاّ إن بدأ بالجسد قبل الرأس، والله أعلم (3).
قوله أو مرّة إذا أكمل: هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولم نر له وجها، ولعلّ النسخة: والاقتصار على مرّة إذا أكمل، يعني -والله أعلم- إذا عمّ (4)، وأمّا إذا لم يعمّ فإنّه يحرم عليه الاقتصار على مرّة واحدة، ويدلّ على أنّ الاقتصار على الواحدة مكروه قول "الإيضاح":
» وإن عمّ الماء بدن الجنب مرّة واحدة أجزأه، والمأمور به ثلاث مرات قياسا على
__________
(1) - سقط من ج ود.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في كيفية الغسل من الجنابة، رقم: 141 (1/ 40)؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 497؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 98؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 219؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 241؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 595؛ وابن خزيمة في صحيحه، رقم: 246 (1/ 122)؛ وابن حبان في صحيحه، رقم: 1198 (بترتيب ابن بلبان، 3/ 470)؛ وأبو يعلى في مسنده، رقم: 6957 (12/ 389)؛ والطبراني في الأوسط، رقم: 1842 (2/ 488)؛ وفي الكبير، رقم: 657 (23/ 296)؛ وابن الجارود في المنتقى، رقم: 98؛ والشافعي في مسنده.
(3) - ظاهر كلام القطب اطفيش –رحمه الله تعالى- في "الذهب الخالص" يفيد أنّ رأي الأصحاب في حكم الترتيب والموالاة في الغسل كحكمهما في الوضوء؛ وقد اختلف في حكمهما إلى قولين، فقال بعض: هما من المسنونات، وقال آخرون: هما من المندوبات. على أنّ جابر بن زيد –رحمه الله- سئل عن المغتسل من الجنابة بأيّ عضو يبدأ؟ فقال: بأيّ جسده شاء، (كتاب الصلاة ضمن الديوان المعروض، 131، مخطوط).
إلاّ أنّ القطب أطفيش استظهر من الأحاديث الواردة في الاغتسال والوضوء وجوب الترتيب والموالاة فيهما وصحّحه، إلاّ إن منع من ذلك مانع كنسيان أو ذهول،
(يراجع: الذهب الخالص، 107، 114؛ شامل الأصل والفرع، 1/ 200، 201).
(4) - ويؤيّده ما في ب ود من نسخ القواعد المعتمدة، إذ جاء فيهما: إذا كمل. (2/225)
صفحة 662
واعلم أنّ هذا القسم المتقدّم ينحصر في جملتين، إحداهما: في الغسل من الجنابة، والكلام فيه ينحصر في أربعة فصول؛ الفصل الأول: في موجب الغسل من الاحتلام؛ والثاني: في موجبه من الجماع؛ والثالث: في كيفية عمله؛ والرابع: في أحكامه.
الفصل الأول في الاحتلام
اعلم أن خروج الماء الدافق من الإنسان يوجب نقض [الوضوء و] (1) الطهارة، ويجب من أجله الغسل بظاهر الكتاب والسنّة وإجماع من الأمّة، ...
--------------------
الوضوء، والله أعلم «(2)؛ ثمّ ظهر أنّ مراد المصنّف –رحمه الله-: إعادة الاغتسال مرّة أخرى بعد الفراغ بصبّ الماء عليه –مثلا- من غير إمرار اليد؛ والحاصل أنّ قوله: أو مرةٍ بالخفض عطفٌ على قوله: ثلاث مراتٍ، وأنّ قوله: أكثر من ثلاثِ بالنظر إلى كلّ مغسول، وقوله: أو مرّة إذا أكمل بالنظر إلى سائر البدن بعد الفراغ،
والله أعلم.
قوله اعلم أنّ خروج الماء الدافق من الإنسان ... الخ: انظر هل هذا شامل للمرأة أيضا إذا احتلمت، وسيأتي له فيه ذكر الخلاف (3)، والمختار في "الإيضاح" أنّها يلزمها الغسل، وذكر أنّ المني يخرج منها أيضا (4)، وهذا شيء عجيب، فإنّ تعريف المني لا يشمل ماء المرأة، اللهمّ إلاّ أن يريد بالمني مطلق الماء، حيث قال:» والحدث الثاني: خروج المني في النوم أو في اليقظة من ذكر أو أنثى ... الخ «(5).
__________
(1) - زيادة من ب.
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 160.
(3) - في صفحة: 233.
(4) - المصدر السابق، 1/ 166.
(5) - المصدر السابق، 1/ 165. (2/226)
صفحة 663
أمّا الكتاب فقول الله تعالى: {وَإِن كنتم جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} [المائدة:06]، ولا تنازع بين الناس في هذا.
وإنما يجب الاحتلام بالمني الدافق الذي له رائحة كرائحة الطلع، وهو الثخين الأبيض، وقد يصفرّ من علة، إلا أنّ الرائحة لا تنقطع عنه، وبه توجد اللذّة وتنقطع الشهوة، ويضطرب القضيب ويقذف المني وهو الجنابة ....
--------------------
قوله أمّا الكتاب ... الخ: لم يقل بعد ذلك: وأمّا السنّة فكذا، وأمّا الإجماع فكذا، والظاهر أن يذكرهما كذلك، لكن الإجماع تعرّض له في قوله: ولا تنازع ... الخ.
قوله وإنّما يجب الاحتلام: لعلّه: وإنّما يجب الاغتسال، والمراد بوجوب الاحتلام ثبوته وتحقّقه، والله أعلم.
قوله وهو الجنابة: ومثله كلام "الإيضاح"، وفي كون المني هو الجنابة نظرٌ، لأنّ الظاهر أنّ الجنابة معنىً يقوم بالبدن كلّه، لقوله - عليه السلام -:» تحت كلّ شعرة جنابة «(1)، ولها سببان، خروج المني وغيوب الحشفة في الفرج؛ اللهمّ إلاّ أن يقال: الحصر إضافي، أي: هو الجنابة دون المذي والودي، والله أعلم، وسمّي جنابة من باب تسمية السبب باسم المسبب، ثمّ رأيت في "شرح الدعائم" للشيخ أبي القاسم البرادي –رحمه الله-
__________
(1) - في هـ والحجرية: لقوله - صلى الله عليه وسلم -. والحديث أخرجه الربيع بن حبيب: باب في كيفية الغسل من الجنابة، رقم: 139 (1/ 39)؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 216؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 589؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 99؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 23653 بلفظ:» على كلّ شعرة جنابة «؛ وابن راهويه في مسنده، رقم: 1680 (3/ 964)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 816 (1/ 179)؛ والطبراني في الكبير، رقم: 3989 (4/ 155)؛ وفي مسند الشاميين، رقم: 732 (1/ 416)؛ والجرجاني في تاريخه، رقم: 84 (1/ 102)؛ والدارقطني في العلل، رقم: 1427 (8/ 103)؛ والعقيلي في الضعفاء، رقم: 264 (1/ 216)؛ وابن عدي في الكامل، رقم: 376 (2/ 192)؛ والمزي في تهذيب الكمال، رقم: 1051 (5/ 304)؛ والجرجاني في تاريخه، رقم: 84 (1/ 102). وفي غالب طرقه الحارث بن وجيه، وهو ضعيف، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت،
(يُنظر: ابن حجر العسقلاني، تلخيص الحبير، 1/ 142). (2/227)
صفحة 664
والمذي هو الذي يخرج منه قبل الانتشار وبعده، وهو رقيق يسيل كاللعاب. وأمّا الودي فهو يخرج (1) بعد البول، ويكون أبيض؛ والمني يجب منه الغسل بإجماع، والمذي يجب منه الوضوء، لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم -:» الوضوء من المذي «(2)، ...
--------------------
عند قوله:» وليس في الودي اغتسال ... الخ «ما يدلّ على أنّ المني يسمّى جنابة في اللغة، فليراجع (3).
قوله والمذي: قال في "الصحاح":» المذْي بالتسكين: ما يخرج عند الملاعبة والتقبيل، وفيه الوضوء، تقول منه: مذى الرجل بالفتح وأمذى بالألف مثله «، إلى أن قال:» وقال الأموي: المذيّ والوديّ والمنيّ مشددات ... الخ «(4).
قوله وأمّا الودي فهو يخرج بعد البول ... الخ: ومثله كلام "الصحاح" حيث قال:» والودْي بالتسكين: ما يخرج بعد البول، وكذلك ... بالتشديد، عن الأموي، تقول منه: ودى بغير ألف ... الخ «(5)، يعني: ولا تقول أودى، قال في "الإيضاح":» والودي يكون قبل البول وبعده، وهو أبيض اللون، ويلزمُ الرجلَ أن يعرف الفرق بين هذه المعاني فإنّ عليه فيها عبادات «(6).
__________
(1) - في أ والحجرية: فهو الذي يخرج ... .
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب فيما يكون منه غسل الجنابة، رقم: 102 (1/ 32) بلفظ:» الوضوء من المذي والغسل من المنيّ «؛ وبنحوه الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 106 وصحّحه؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 497؛ وأحمد: مسند العشرة المبشّرين بالجنة، رقم: 827؛ وأبو يعلى في مسنده، رقم: 314 (1/ 266).
(3) - شفاء الحائم على بعض الدعائم، ظهر الورقة: 193، شرح البيت: 147،
من القصيدة:04 (مخطوط).
(4) - الجوهري: باب الواو والياء، فصل الميم: مذى.
(5) - الجوهري: باب الواو والياء، فصل الواو: ودى.
(6) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 173. (2/228)
صفحة 665
وعن عليّ [بن أبي طالب] (1) قال: (كل فحل يمذي وكلّ امرأة تقذي فمن أحسّ من ذلك شيئا فليغسل مذاكره بالماء وليتوضّأ) (2)، وقال عليّ: (أنا الفحل المذاء). والودي يجب منه الوضوء أيضا، وقال بعض في المذي أيضا يجب فيه الغسل، والأوّل أصحّ.
واختلف [في الأثر] (3) فيمن استيقظ ...
--------------------
قوله وكلّ امرأة تقذي: أي تخرج ماء أبيض، قال في "الصحاح":» وقذت الشاة: أي ألقت بياضا من رحمها، يقال: كلّ ذكر يمذي وكل أنثى تقذي ... الخ «(4).
قوله مذاكره: في "الصحاح":» والذكر خلاف الأنثى، والجمع: ذكور وذكران وذِكَارَةٌ أيضا، مثل حجر وحِجَارَةٍ، والذكر: العَوْفُ، والجمع: مَذاكير على غير قياس، كأنّهم فرّقوا بين الذكر الذي هو الفحل و ... الذكر الذي هو العضو في الجمع، وقال الأخفش: هو من الجمع الذي ليس له واحد، مثل العباديد والأبابيل ... الخ «(5).
قوله واختلف في الأثر ... الخ: قال في "الإيضاح":» وبلل الليل كلّه يجب منه الغسل، وهذا عندي على الاستحسان والاستبراء ... الخ «(6).
__________
(1) - زيادة من ب.
(2) - هذا حديث عبد الله بن سعد الأنصاري حين سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن المذي فقال:
» ذاك المذي، وكلّ فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضّأ وضوءك
للصلاة «، أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 181 واللفظ له؛ وأحمد: مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم: 1174؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 3994 (2/ 411)؛ وابن الجارود في المنتقى، رقم: 07؛ وبنحوه الطبراني في الكبير، رقم: 509 (20/ 219)؛ والنيسابوري في الآحاد والمثاني، رقم: 865 (2/ 145).
(3) - سقط من د.
(4) - الجوهري: باب الواو والياء، فصل القاف: قذى.
(5) - الجوهري: باب الراء، فصل الذال: ذكر. والعوف: هو الفرج.
(6) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 174. (2/229)
صفحة 666
فوجد على فراشه أو في فخده بللا، أو رأى رؤيا، فقال بعض: يجب عليه الغسل إلا أن يعلم أنه مذي ليس بمني؛ وعن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس» إني بينما أسير على راحلتي إذ ذكرت (1) نفسي وأنا بين النائم واليقظان، فوجدت بللا «، فقال:» اغسل فرجك وما أصاب منك «، ولم يأمرني بالغسل (2)؛ ...
--------------------
قوله على فراشه أو في فخذه ... الخ: قال في "الإيضاح":» وأمّا ما وجده في رأسه أو في منكبه أو حيث لا يمكن أن يكون ذلك منه فإنّه ليس عليه في ذلك غسل الجنابة ... الخ «(3).
قوله أو رأى رؤيا: سيأتي له بعدُ بأسطر أنّ الرؤيا إذا لم يوجد معها بلل لا تُوجب الغسل، وهو الذي يشهد له قوله - عليه السلام -:» الماء من الماء «(4)، نعم ذكر في "الإيضاح" كلاما يدلّ على أنّ الرؤيا يجب بها غسل الجنابة، حيث قال:» لأنّ الرؤيا سبب الجنابة في الليل غالبا، ولذلك لزم منها الغسل، ولو لم يكن البلل، كالنوم الذي يلزم منه الوضوء، لأنّه سبب للحدث غالبا ... الخ «(5).
__________
(1) - في أ وب وج ود: نكرت.
(2) - أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 47)، (يُنظر: د/ محمّد رواس قلعة جي، موسوعة فقه ابن عباس، مادّة: مذي).
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 175.
(4) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب فيما يكون منه غسل الجنابة، رقم: 135 (1/ 38)؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 518؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 104؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 199؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 187؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 599؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 10813؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 751.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 174. (2/230)
صفحة 667
وقال بعض: إنه يشمّ رائحته، والاحتياط في هذا أن يغتسل؛ و إن رأى في المنام أنه يغشى ثمّ استيقظ فلم يجد بللا فليس عليه غسل، فزعم في بعض أثر أصحابنا أنّ هذا مجمع (1) عليه، وأنه ما لم يستيقن فلا غسل عليه إلا الوضوء، والله أعلم (2).
--------------------
قوله وقال بعض: إنّه يشمّ رائحته: قال في "الإيضاح":» وفي الأثر عن أبي محمد خصيب قال: بلل الليل كلّه إذا وجده الرّجل على ذكره فإنّ عليه الغسل من الجنابة، وقيل: ليس عليه غسل حتّى يجتمع اثنان: رائحة الجنابة والبلل،
أو: الرؤيا والبلل «(3).
قوله إلاّ الوضوء: أي من [أجل] (4) النوم.
- - -
__________
(1) - في ب وج: مجتمع.
(2) - ابن جعفر الأزكوي، الجامع، 1/ 461.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 174. وأبو محمّد خصيب من علماء الإباضية في ق4هـ بجبل نفوسة، انظر ترجمته في هذا الكتاب: 1/ 354، ملحق التراجم، رقم: 17.
(4) - زيادة من أ. (2/231)
صفحة 668
الفصل الثاني في موجب الغسل من الجماع
ويحصل الغسل من الجماع بالتقاء الختانين باتفاق من أصحابنا وكثير من مخالفيهم، لما روي أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:» إذا التقى الختانان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل «(1)، وفي حديث آخر قال - عليه السلام -:» إذا قعد الرجل بين شعاب المرأة الأربع وأجهد نفسه فقد وجب [عليه] (2) الغسل أنزل أو لم ينزل «(3)، ...
--------------------
قوله وفي حديث آخر ... الخ: ذهب بعضهم أيضا إلى أنّه إذا التقى الرفغان وجب الغسل، لقوله - عليه السلام -:» إذا التقى الرفغان وجب الغسل «(4)، وهما ما بين الأنثيين وأصول الفخذين؛ وذهب بعضهم إلى أنّه لا يلزمه الغسل حتّى ينزل و لو التقى الختانان، لقوله - عليه السلام -:» الماء من الماء «(5)، قال في "الإيضاح":» والصحيح عندي هو القول الأوّل وهو التقاء الختانين، لأنّ مجاوزة الختانين توجب الحدّ بالإجماع، فأحرى أن توجب الطهر، وهذا القياس مأخوذ من الخلفاء والله أعلم؛ وقوله - عليه السلام -:» الماء من الماء «يحتمل أن يكون في الاحتلام، والله أعلم «(6).
__________
(1) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب فيما يكون منه غسل الجنابة، رقم: 135 (1/ 38)؛ وأخرجه باختلاف في لفظه الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 102؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 603؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 24832.
(2) - سقط من نسخ القواعد المخطوطة المعتمدة.
(3) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب فيما يكون منه غسل الجنابة، رقم: 134 (1/ 38) بلفظ:
» إذا قعد الرجل من المرأة بين شعبيها وجب الغسل «؛ وبنحوه البخاري: كتاب الغسل، رقم: 282؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 525؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 191؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 186؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 602؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 822؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 754.
(4) - أورده ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث، (2/ 244) عن عمر بن الخطاب ولم يعزه.
(5) - تقدم تخريجه في صفحة: 230.
(6) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 169. (2/232)
صفحة 669
والتقاء الختانين لا يصحّ إلا بعد غيوب الحشفة، ويلتقي ختانه وختانها؛ ثم ليس المقصود الختان بل لو قطعت الحشفة فغيب مثلها وجب الغسل. وكذلك لو أولج في فرج [امرأة] (1) ميتة، أو بهيمة، أو في الدبر ولا ختان فيه؛ وكذلك لو فعلته امرأة بذكر بهيمة. وإن كان الجماع في الفخذ أو فيما دون الفرج فلا غسل على الواطئ ولا على الموطوءة إلا بالإنزال، وإن عُدم البلوغ فيهما فلا غسل عليهما إلا أنهما يؤمران به على جهة التدرّب والتعلم للغسل. واختلف في الكبيرة يطؤها الصغير، والأصحّ وجوب الغسل؛ وإن وطيء الكبير صغيرة ممن تؤمر بالصلاة فقولان.
--------------------
قوله لا يصحّ إلاّ بعد غيوب الحشفة ... الخ: وذلك لأنّ الختانين موضع القطع من الرجل والمرأة.
قوله إلاّ بالإنزال: هذا راجع إلى الواطئ باتّفاق، وإلى الموطوءة على أحد القولين،
وهو المختار في "الإيضاح" عند اختلافهما (2).
قوله وجوب الغسل: أي على الكبيرة.
قوله وإن وطيء الكبير صغيرة ... الخ: كلامه صريح في وجود الخلاف في وجوب الغسل على الصغيرة إذا وطئها الكبير إذا كانت ممن تؤمر بالصلاة، وعلى الكبيرة إذا وطئها الصغير، وكلام "الإيضاح" صريح في وجوب الغسل على الكبيرة وعلى عدمه في الصغيرة حيث قال:» وكذلك يوجب الغسل بين الأطفال والبالغين على البالغين ... الخ «(3)، وهو الظاهر.
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - الذي صرّح به في "الإيضاح" هو وجوب الغسل على المرأة إذا أنزلت بفعل امرأة أخرى فيها (1/ 166، 173)، ولم نقف في كتاب الطهارات على ما أشار إليه المحشّي تفريعا على ما ذكره الجيطالي من الإنزال بالجماع فيما دون الفرج من واطئ وموطوءة.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 169. (2/233)
صفحة 670
واختلف في المرأة ترى ما يرى الرجل، فقال أكثر مخالفينا فيما وجدت عنهم: عليها الغسل إذا أنزلت، وإليه ذهب ابن بركة العماني [-رحمه الله-] (1)؛ ووجدت عن بعض أصحابنا أن الاحتلام للرجال والحيض للنساء، وبه قال أبو عبيدة عبد الله بن القاسم (2)، ووجدت عن إبراهيم النخعي مثل ذلك (3)، وعن الربيع –رحمه الله- مثل ذلك، وقال: (لاغسل على النساء إلا من جماع أو من طهر حيض) (4)؛ وقال بعض أصحابنا: يلزمها الغسل إذا أنزلت باختيار منها أو بعلاج، ذكره ابن بركة في كتابه، والله أعلم (5).
وفي الحديث عن النبيء - عليه السلام - حين سئل عن ذلك فقال:» عليها الغسل إذا أنزلت «(6)، ...
--------------------
قوله وفي الحديث: قال في "الإيضاح":» والحدث الثاني: خروج المني في النوم أو في اليقظة من ذكر أو أنثى، إلاّ ما روي عن بعض الصحابة إزالة الغسل عن المرأة إذا احتلمت، والصحيح أنّها تغتسل إذا احتلمت، لما روي من طريق زيد بن ثابت قال بلغني أنّ أمّ سليم امرأة أبي طلحة الأنصاري سألت النبيء - عليه السلام - فقالت: يا رسول الله إنّ الله لا يستحيي من الحقّ، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال:
__________
(1) - الجامع، 1/ 323. وما بين المعقوفتين زيادة من أ.
(2) - أحمد الكندي، المصنّف، 4/ 338. وأبو عبيدة من علماء الإباضية في ق2هـ، اتظر ترجمته في الملحق، رقم: 06.
(3) - رواه ابن أبي شيبة في المصنّف، 1/ 103.
(4) - يُنظر: الديوان المعروض، ص:437 (مخطوط)؛ أحمد الكندي، المصنّف، 4/ 338؛ وقد وافق الربيع في مذهبه الشيخُ ابن جعفر الأزكوي، كما ورد في جامعه (1/ 444).
(5) - الجامع، 1/ 323.
(6) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب جامع الوضوء، رقم: 136 (1/ 38) عن ابن عباس، وانفرد به، وذلك أن امرأة جاءت إليه - صلى الله عليه وسلم - فقالت: برح الخفاء يا رسول الله، المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ (2/234)
صفحة 671
ووجدت عن جابر بن زيد عن ابن عباس في الجنب يخرج منه شيء بعد الغسل أنه يتوضّأ، وأظنّ بعضهم قال: إن كان بال قبل ذلك توضّأ، وإن كان لم يبل اغتسل، والله أعلم (1).
--------------------
» نعم إذا رأت الماء « ... «(2).
قوله ووجدت عن جابر ... الخ: لعلّ ذلك مبنيّ على أنّه يعتبر في خروج المني اللذة، كما ذهب إليه بعضهم، وعلى هذا لا حاجة إلى التقييد، ثمّ ظاهر التقييد يقتضي أنّه إذا خرج منه مني بعد البول لا يُطالب بالغسل، وانظر هل يتّفق ذلك أو لا؟ (3) ومحلّ ذكر هذه المسألة في الفصل الثالث.
- - -
__________
(1) - وهو قول الإمامين الربيع بن حبيب وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، (الديوان المعروض، ص:430 (مخطوط)).
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 165 - 157. والحديث أخرجه الربيع بن حبيب: باب جامع الوضوء، رقم: 137 (1/ 38) عن زيد بن ثابت؛ ورواه عن أمّ سلمة زوج النبيء - صلى الله عليه وسلم - البخاري: كتاب العلم، رقم: 127؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 471؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 197؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 592؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 25295؛ ومالك: كتاب الطهارة، رقم: 106.
(3) - ذكر بعض الفقهاء أنّه يمكن أن تكون الجنابة بلا انتشار ولا لذّة، فعلى أحد قولي أبي محمّد بن بركة–رحمه الله- أنّه لا غسل على من خرجت منه جنابة من غير حركة لأنّها ميّتة؛ وعلى ما صحّحه القطب اطفيش –رحمه الله- فإنّ الغسل واجب على من انفصلت به الجنابة من مجاريها، فهذا هو المعنى الموجب عنده للغسل، ولو كان ذلك بدون خروج للجنابة أو كان بدون لذّة، قال –رحمه الله-: وخروجها بعدُ كخروج البول. (يُنظر: القطب اطفيش، الذهب الخالص، 113؛ شامل الأصل والفرع، 1/ 204؛ الإمام السالمي، معارج الآمال، 3/ 44). (2/235)
صفحة 672
الفصل الثالث في كيفية الغسل
والغسل من الجنابة فرض من (1) كتاب الله، ولا عذر لمن جهله، وهي أمانة يُسأل العبد عنها يوم القيامة، ولا يصحّ مع الجنابة عندنا صوم ولا صلاة إلا بعذر يبيح التيمّم، ومن أراد الغسل فإنه يُؤمر ألاّ يغتسل حتى يستبرئ من البول، وإن اغتسل ولم يُرق البول، ثمّ صلى فخرج منه شيء فإنه يعيد الغسل دون الصلاة.
ثم إذا أراد الغسل قدّم النية ونوى أن يغتسل من الجنابة فريضة افترضها الله عليه طاعة لله ولرسوله - عليه السلام -؛ واختلف فيه إذا اغتسل تبرّدا بغير نية ثمّ علم بالجنابة، قال بعض: يجزيه، وقال بعض: لا يجزيه، وقال الجمهور: إنه لا يجزيه لعدم النية.
وممّا يؤثر عن ميمونة زوج النبيء - صلى الله عليه وسلم - في كيفية غسله ...
--------------------
قوله وإن اغتسل ولم يُرق البول ... الخ: قال في "الإيضاح":» وإن اغتسل ولم يرق البول، فليرق على ليقة سوداء، فإن خرج منه شيء من الجنابة أعاد الغسل، ولا يجب عليه إعادة الصلاة لأنّ الغسل إنّما لزمه بما خرج منه، وقد زال عنه الغسل بالتعبّد الأوّل، وهذا غسل ثان، والله أعلم «(2)،والمعتمد عليه في "الديوان" أنّه يعيد الغسل إن لم يرق البول مطلقا إن أمكنته المراودة وضيّعها، فليراجع (3).
قوله فخرج منه شيء: أي من المني، كما يُشعر به قول "الإيضاح":
» شيء من الجنابة «.
__________
(1) - في أ وج ود: في.
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 171، 172.
(3) - العزابة، كتاب الصلاة، وجه الورقة: 12 (مخطوط). (2/236)
صفحة 673
أنه - عليه السلام - يغسل يديه وكفيه، ثم يفرغ (1) الماء بيده اليمنى على اليسرى فيغسل به عورته، ثم يمسح يده اليسرى بالأرض، ثم يغسلها، ثم يتوضّأ وضوء الصلاة غير القدمين، ثمّ يصبّ الماء على رأسه وعلى جسده، ثم يتنحى من مكانه فيغسل قدميه (2)، وهكذا الغسل من الجنابة، وإ ن أخّر الوضوء حتى يغتسل فلا بأس.
[وكذلك إن وقع في نهر فبدأ بالغسل قبل الوضوء فلا بأس] (3) عليه؛ وقال بعض العلماء من أصحابنا: يبدأ المغتسل بعد المضمضة والاستنشاق بشقّ رأسه الأيمن، ...
--------------------
قوله وكفّيه: انظر لِمَ عطف قوله: وكفيه على يديه مع أنّ العطف يقتضي المغايرة، ولا تغاير هنا فإنّ اليد المغسولة دخل فيها الكفّ، وقد يقال: إنّه عطف تفسير لأجل الاشتراك الواقع في اليد، والله أعلم.
قوله ثمّ يمسح يده اليسرى ... الخ: لعلّه إنّما يفعل ذلك -مع أنّ العورة قد طهرت- احتياطا لزوال الرائحة مثلا، والله أعلم.
قوله فلا بأس: تقدّم عن "الإيضاح" أنّ تأخيره أحوط خوفا من مسّ العورة (4)، وهذا الوضوء إنّما هو لأجل الصلاة، فلو اغتسل وترك الوضوء صحّ اغتساله.
قوله وقال بعض العلماء ... الخ: الظاهر أنّه إنّما جعله مقابلا لما تقدّم لأنّ ذلك لم يذكر فيه الترتيب في الجسد بخلافه هنا، والله أعلم.
__________
(1) - في د: ثمّ يصبّ.
(2) - أخرجه عن ميمونة البخاري: كتاب الغسل، رقم: 241؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 476؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 96 وصحّحه؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 253؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 213؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 566؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 25571؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 706.
(3) - سقط من ج.
(4) - في صفحة: 224. (2/237)
صفحة 674
ثم الأيسر، ووجهه (1) وعنقه، ثم يده اليمنى وما يليها، ثم اليسرى وما يليها، ثم ظهره وصدره، ثم رجليه، ويعرك بدنه بيده أو ما يقوم مقامها؛ وإن قدّم جارحة قبل الأخرى فلا بأس [عليه] (2) بلا أن يؤمر بذلك.
وأقلّ الغسل: النية، واستيعاب البدن بصبّ الماء، مع إمرار اليد والعرك، مع إيصال الماء إلى منابت الشعر وإن كثفت (3)، لأنه قيل عن رسول الله - عليه السلام -:» تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر و أنقوا البشر «(4)، ...
--------------------
قوله ثمّ ظهره وصدره ثمّ رجليه ... الخ: قال في "الإيضاح":» ثمّ يغسل بطنه وصدره، ثمّ يغسل ظهره من خلفه إلى ما يقابل السرّة، ثمّ يرجع فيغسل من حقوه اليمين إلى ركبته ثمّ الشمال كذلك ... الخ «(5).
قوله ويعرك بدنه ... الخ: قال في "الإيضاح":» وليقصد كلّ ما بطن من جسده «(6).
قوله استيعاب البدن بصبّ الماء ... الخ: لكن لا بدّ أن تقطر منه ثلاث قطرات.
قوله مع إمرار اليد: أي أو ما يقوم مقامه (7) كما تقدّم.
قوله وإن كثفت ... الخ: أي فليس الاغتسال كالوضوء فيجب عليه الإيصال مطلقا.
__________
(1) - في د: ثمّ وجهه.
(2) - زيادة من أ ود.
(3) - في أ: كثف.
(4) - تقدم تخريجه في صفحة: 227.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 159.
(6) - المصدر السابق، 1/ 159.
(7) - في هـ: مقامها. (2/238)
صفحة 675
ويخلل الرجُل لحيته، ولا يجب على المرأة نقض ضفائرها، بل تحثي عليها الماء وتضغطها بيديها (1) كما جاء في حديث أمّ سلمة (2).
والأكمل كما قدّمنا أن يبدأ بغسل يديه ثم يزيل ما على بدنه من أذى، ثمّ يتوضّأ وضوء الصلاة -و إن لم يكن محدثا-، و يؤخّر غسل الرجلين إلى آخر الغسل في بعض الأحاديث، ويفعله في مكانه من الوضوء في بعض الأحاديث (3)، ...
--------------------
قوله وإن لم يكن محدثا: يعني -والله أعلم- الحدث الأكبر، فيتوضّأ ولو أراد الاغتسال لا للجنابة كالجمعة والعيدين –مثلا-، ويكون هذا هو الحكمة في إعادته مع أنّه معلوم ممّا تقدّم، لأنّه لا يمكن أن يلزمه الاغتسال، ولا يكون محدثا حتّى لا يلزمه الوضوء، والله أعلم.
قوله ويؤخّر غسل الرجلين إلى آخر الغسل في بعض الأحاديث: أي وهو المروي عن ميمونة (4)، فلو قال: كما في بعض الأحاديث، لكان أظهر، وقوله: ويفعله في مكانه من الوضوء في بعض الأحاديث معطوف على قوله: ويؤخّر غسل الرجلين ... الخ،
__________
(1) - في ب ود والحجرية: بيدها.
(2) - إذ جاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تستفتيه لامرأة تشدّ شعر رأسها هل تنقضه لغسل الجنابة، ... فقال - صلى الله عليه وسلم -:» يكفيها أن تحثي عليه ثلاث حفنات من ماء، واغمزي قرونك عند كلّ حثية، ثمّ تفيضين عليك من الماء وتطهرين «، أخرجه الربيع بن حبيب، باب في كيفية الغسل من الجنابة، رقم: 141 (1/ 40) واللفظ له؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 219؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 1135 مع اختلاف في اللفظ؛ وروي بإسناد السؤال إلى أمّ سلمة عند مسلم: كتاب الحيض، رقم: 497؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 98؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 241؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 219؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 595؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 25455.
(3) - في ب وج: الحديث.
(4) - تقدّم تخريجه في صفحة: 236. (2/239)
صفحة 676
ثم يفيض الماء على رأسه يكرّره ثلاثا، ويضغطه في كلّ دفعة بعد المضمضة والاستنشاق؛ وأمّا القدر الذي يغتسل به من الماء فغير محدود ولا مقدّر، لأنه قد يرفق بالقليل فيكفي، ويحزق بالكثير فلا يكفي، وإن كان جاء في الحديث أنّه - عليه السلام - (1) يغتسل بالصاع
ويتوضّأ بالمدّ (2)، والأصل (3) في هذا الإنقاء والنظافة؛ ...
--------------------
والضمير في ويفعله راجع إلى غسل الرجلين، لكنّه لم يبيّن -رحمه الله- من رواه (4)، وقوله: ثمّ يفيض الماء ... الخ من كلام المصنّف معطوف على قوله: ثمّ يتوضّأ، وكأنّه إنّما ذكره هكذا و خالف ظاهر قولها: ثمّ يصبّ الماء ليبيّن المراد به، والله أعلم.
__________
(1) - في الحجرية: في الحديث عن النبيء - عليه السلام - أنّه كان يغتسل ... .
(2) - أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، رقم: 194؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 490؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 51؛ والنسائي: كتاب المياه، رقم: 345؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 84؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 263؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 13732؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 685.
(3) - في د: الأصحّ.
(4) - لا نجد التصريح بذلك في الأحاديث المروية عنه - صلى الله عليه وسلم - في الباب، اللهمّ إلاّ احتمال بعضها لذلك؛ قال النووي:» أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك «، يعني أنّه - صلى الله عليه وسلم - يكمل وضوءه ولا يؤخّر غسل رجليه، واعترض عليه ابن حجر بقوله:» ليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك، بل هي ... محتملة كرواية: توضّأ وضوءه للصلاة ... «(فتح الباري، 1/ 363)؛ والرواية من طريق عائشة أخرجها الربيع بن حبيب: باب كيفية الغسل من الجنابة، رقم: 138 (1/ 39)؛ والبخاري: كتاب الغسل، رقم: 240؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 474؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 97؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 247؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 210؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 23123؛ ومالك: كتاب الطهارة، رقم: 89؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 741؛ والرواية من طريق ميمونة أخرجها البخاري: كتاب الغسل، رقم: 252؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 476؛ والنسائي: كتاب الغسل والتيمّم، رقم: 253؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 25571؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 706. (2/240)
صفحة 677
وإن مسّ عورته بعد التوضّؤ في حال الغسل فليعد الوضوء، وقد وجدت عن جابر بن زيد –رحمه الله- أنّ الجنب إذا غسل مواضع النجس في مبدئه ثم أنقى جميع جسده بالغسل فلا بأس بذلك، قال: و أيّ الوضوء أفضل من الاغتسال، و الله أعلم وأحكم (1).
--------------------
قوله وقد وجدت عن جابر بن زيد ... الخ: ظاهره أنّ الغسل كاف عن الوضوء ولو لم ينْوِه، وذلك لأنّ الحدث الأصغر داخل في الحدث الأكبر، وذكر في "الإيضاح" في باب التيمّم مثل هذا، قال:» وقد قال بعض أصحابنا: إنّ عليه إحدى الطهارتين، غسل الأعضاء إذا كان محدثا من غير جنابة، وغسل البدن إذا كان جنبا، وعلى هذا المذهب يجزيه تيمّم واحد ... الخ «(2)، ونقل ابن بطال -من قومنا- الإجماع على أنّ الوضوء لا يجب مع الغسل، يعني لأنّ الحدث الأصغر داخل في الأكبر، ونقله باطل، فقد وافقنا أيضا أبو ثور وداود وغيرهما، قال في الطراز -للمالكية-:» ظاهر المذهب أنّه يؤمر بالوضوء بعد الغسل «.
- - -
__________
(1) - جابر بن زيد، كتاب الصلاة، رواية عمر بن هرم، ص. 132؛ آثار الربيع عن ضمام عن جابر بن زيد، ص:474؛ الديوان المعروض ممّا أفتى به قتادة، ص. 436 (كلّها مخطوطة ضمن مجموع واحد). وقد روي عن ابن عمر مثل ذلك، رواه عبد الرزاق في المصنّف (1/ 271).
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 269. (2/241)
صفحة 678
الفصل الرابع في أحكام الجنابة
اعلم أنّ حكم الجنابة حكم الحدث، مع زيادة تحريم قراءة القرآن، ودخول المسجد، ...
--------------------
قوله مع زيادة تحريم قراءة القرآن: يؤخذ من ظاهر كلامه -رحمه الله- أنّه لا يرى تحريم القراءة على من لم يكن متوضّئا إذا كان غير جنب، لما روي عن عليّ أنّه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يمتنع من قراءة القرآن إلاّ إذا كان جنبا (1)، وذهب بعضهم إلى أنّه يشترط للقراءة الوضوء أيضا، لحديث جابر بن زيد -رحمه الله- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنب والحائض والذين لم يكونوا على طهارة:» لايقرؤون القرآن ولا يطؤون مصحفا بأيديهم حتّى يكونوا متوضّئين «(2).
قوله مع زيادة تحريم قراءة القرآن ودخول المسجد ... الخ: لم يتعرّض -رحمه الله- لتحريم مسّ المصحف على الجنب، ولم يجعله ممّا زاده حكم الجنابة على حكم الحدث الأصغر، وكأنّه –رحمه الله- يرى أنّه يُشترط لمسِّ المصحف الطهارتان معا؛ وذكر في "الإيضاح" خلافا، هل من شرطه الوضوء أو لا؟ وأنّ سببه تردّد المفهوم من قوله تعالى: {لاَ يَمسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] بين أن يكون {الْمُطَهَّرُونَ} بني آدم وبين أن يكون الملائكة، وبين أن يكون هذا الخبر مفهومه النهي وبين أن يكون خبرا لا نهيا ... الخ.
قوله ودخول المسجد: لم يتعرّض -رحمه الله- للخلاف فيه، فكأنّ المختار عنده أنّه يُمتنع مطلقا؛ وذكر في "الإيضاح" ثلاثة أقوال، فقال:» قوم منعوا ذلك بإطلاق،
__________
(1) - أخرج ذلك النسائي: كتاب الطهارة، رقم: 266؛ وبنحوه الترمذي: كتاب الطهارة،
رقم: 136؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 198؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 587؛ وأحمد: مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم: 593.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في ذكر القرآن، رقم: 11 (1/ 09) وانفرد به بهذا اللفظ والإسناد. وقد ورد النهي عن القراءة فقط في حديث:» لا يقرأ القرآن الجنب ولا الحائض «، أخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 121؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 588 واللفظ له؛ وعزاه الهندي لأحمد في مسنده، (كنز العمال، 9/ 407). (2/242)
صفحة 679
ورَخّص بعضهم أن يقرأ الآية ونحوها للتعوذ.
وعرق الجنب وسؤره طاهر، وكذلك جميع جسده إلا موضع النجاسة، ...
--------------------
لنهي النبيء - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك (1)، وقوم منعوا ذلك إلاّ لعابر فيه لا مقيم، وقوم أباحوا ذلك للجميع «(2)، وذكر أنّ سبب الخلاف بين أصحاب هذين القولين: هل في قوله تعالى: {يَآأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ} [النساء:43] محذوف، أي: لا تقربوا موضع الصلاة أولا؟ فمن ذهب إلى الأوّل أجاز المرور فيه دون الإقامة، وأراد بالعابر المارّ، ومن ذهب إلى الثاني أجازهما معا، وأراد بالعابر المسافر الجنب إذا كان عادما للماء، فيجوز له قرب الصلاة بالتيمّم، أي بخلاف المقيم، فالنهي إنّما تعلّق بالصلاة في الآية عنده لا بموضعها.
قوله ورخّص ... الخ: وبعضهم فرّق بين الجنب والحائض، وهو الذي يميل إليه صاحب "الإيضاح" فليراجع (3).
قوله وعرق الجنب ... الخ: ظاهره ولو كانت جنابته من حرام، ويدلّ له ما تقدّم أنّه يتّقي عرق السكران (4)، ولم يذكروا عرق الجنب إذا كانت جنابته من حرام، وظاهر الحديث يخصّ المسلم، ولكن الظاهر الأوّل، والله أعلم فليحرّر.
قوله طاهر: لعلّه: طاهران، لأنّه لا يقال: زيد وعمر ذاهب، بل يتعيّن: ذاهبان.
__________
(1) - ورد نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك في أحاديث منها قوله:» إنّ المسجد لا يحلّ لجنب ولا حائض «، أخرجه ابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 637؛ والطبراني والبيهقي مع اختلاف في اللفظ، (يُراجع: ابن حجر العسقلاني، تلخيص الحبير، 3/ 136). ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم -:
» لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنب «، أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 201؛ وابن خزيمة في صحيحه، رقم: 1327 (2/ 284)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 4121 (2/ 442)؛ وإسحاق بن راهويه في مسنده، رقم: 1783 (3/ 1032).
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 175، 176.
(3) - قال:» وهي عندي أعذر من الجنب المضيّع للغسل، إذ هي لا تصل إلى الطهارة ولو اغتسلت، فهي معذورة «، عامر بن علي الشماخي، 1/ 177.
(4) - ينظر ما تقدّم في صفحة: 51. (2/243)
صفحة 680
لحديث حذيفة: امتنع من مصافحة النبيء - عليه السلام - فقال - عليه السلام -:» المؤمن لا ينجس حيا
ولا ميتا «، فأخرج يده فاعتمد عليها النبيء - صلى الله عليه وسلم - وهو سائر إلى الصلاة (1).
ويُكره للجنب أن يأكل أو يشرب أو ينام ما لم يغسل فرجه ويتوضّأ وضوء الصلاة، ...
--------------------
قوله» ينجس «: من باب سَمِعَ وكَرُمَ.
قوله ويكره للجنب أن يأكل أو يشرب أو ينام ... الخ: قال في "الإيضاح":» ولا ينام الرجل مع جنابة (2) في ثوبه أو في فراشه أو في موضع رقاده أو في بدنه ما قدر، لئلاّ يجده الموت على غير طهارة، وأعظم من هذا النائم بالجنابة، لأنّ الأرواح إذا خرجت من الجسد عند النوم تصعد إلى السماء حتّى تنتهي إلى العرش تسجد لربّ العالمين، إلاّ روح صاحب الجنابة فتردّ من باب السماء، ولعلّ المراد مالم يفعل ماورد به الحديث، والله أعلم «.
قوله وضوء الصلاة: وذُكر في بعض كتب قومنا أنّ هذا الوضوء لا ينقضه إلاّ الجماع، فألغز بعضهم وقال:
إذا سألتَ وُضوءً ليس ينقضُه ... إلاّ الجماعَ وضوءُ النوم للجنبِ (3).
__________
(1) - أخرج ذلك عن حذيفة النسائي: كتاب الطهارة، رقم: 268؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 199 بلفظ:» إنّ المسلم لا ينجس «. ورواه بنحوه أحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 22178؛ والنسائي في الكبرى، رقم: 264 (122) بلفظ: ... » المؤمن لا ينجس «. وجاء في بعض رواياته أنّ حذيفة لقيه - صلى الله عليه وسلم - وهو جنب فحاد عنه فاغتسل ثمّ جاء فقال: كنت جنبا، فقال: إنّ المؤمن لا ينجس. وجاء بلفظ: ... » لا تنجّسوا موتاكم فإنّ المسلم لا ينجس حيّا أو ميّتا «عند الحاكم في المستدرك، رقم: 1422 (1/ 542) وصحّحه على شرط الشيخين؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1360 (1/ 306)؛ والدارقطني في السنن، (2/ 70). وقد جاء موقوفا عن ابن عباس قوله:» المسلم لا ينجس حيّا ولا ميّتا «عند البخاري وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة.
(2) - في النسخ المخطوطة المعتمدة من الحاشية: نجاسة.
(3) - انظر ما تقدم عن البيت في صفحة: 112. (2/244)
صفحة 681
لقول النبيء - عليه السلام - لعمر - رضي الله عنه - وقد سأله عن الجنب أينام؟ فقال:» توضّأ واغسل رأس ذكرك «(1)، ويقال: إنه لم يرد وضوء الصلاة، إنما أراد غسل يديه (2)؛ ورخّص بعضهم أن يغسل يديه وفاه ويأكل ويشرب، رُوي مثل ذلك عن بعض علمائنا (3)؛ ... وأما جابر بن زيد - رضي الله عنه - فإنه [قال] (4): (يستحبّ للجنب ألا يتكلف حاجة حتى يتوضّأ وضوء الصلاة) (5)، ...
--------------------
قوله ويأكل: خصّ بعضهم من ذلك اللحم واللبن، لأنّهما يسرعان إنبات اللحم (6).
قوله وأمّا جابر ... فإنّه يستحبّ ... الخ: انظر كيف تحسن المقابلة بين الاستحبابوالرّخصة، فإنّ الظاهر أنّ المرخّص أيضا يستحبّ ذلك، نعم لو شدّد بعضهم ورخّص آخرون لحسنت المقابلة، والله أعلم فليحرّر.
__________
(1) - أخرجه بهذا اللفظ وزيادة الربيع بن حبيب: باب في كيفية الغسل من الجنابة، رقم: 145 (1/ 40)؛ والبخاري: كتاب الغسل، رقم: 281؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 464؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 260؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 191؛ وأحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 4812؛ ومالك: كتاب الطهارة، رقم: 97.
(2) - هذا قول الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة –رحمه الله- رواه عنه الربيع بن حبيب في مسنده (1/ 40)، وإليه ذهب أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وإليه جنح الطحاوي؛ وأشار المحشّي إلى أنّه قول أصحابنا، خلافا لجمهور قومنا القائلين بأنّ معنى الوضوء هو وضوء الصلاة الشرعي. راجع أدلّة الفريقين عند: أبي ستّة، حاشية الترتيب، 1/ 157؛ الشوكاني، نيل الأوطار، 1/ 237.
(3) - كمحمّد بن محبوب –رحمه الله-، أورد هذا: محمّد الكندي، بيان الشرع، 9/ 109.
(4) - زيادة من الحجرية.
(5) - جابر بن زيد: كتاب الصلاة، رواية عن عمر بن هرم، ص.: 133؛ الديوان المعروض ممّا أفتى به قتادة، ص:437 (مخطوطان ضمن مجموع واحد)؛ رسائل جابر بن زيد، 09 (مرقون). ويرى جابر –رحمه الله- ذلك للذي أراد معاودة الجماع أو الأكل، أمّا النوم فإنّ عليه الاغتسال قبله، على ما تفيده الفتاوى المروية عنه في المصادر المشار إليها.
(6) - ذكر ذلك العزابة في الديوان، كتاب الصلاة، ظهر الورقة: 10 (مخطوط).
وفي هـ والحجرية: يُنبتان اللحم بسرعة. (2/245)
صفحة 682
ومثله عن ضمّام–رحمه الله-، وأمّا أبو نوح–رحمه الله- فرخّص فيه.
وينبغي له ألا ينزع شعرا ولا يقلم ظفرا ما لم يغتسل، وأمّا معاودة أهله قبل الغسل
فلا بأس، والله أعلم وأحكم.
--------------------
.................................
- - (2/246)
صفحة 683
الجملة الثانية
في أحكام الحيض والنفاس وما يتصل بهما
وهذه الجملة تحتوي على أربعة فصول:
--------------------
قوله في أحكام الحيض والنفاس: قال في "الإيضاح":» والأصل في هذا الباب قوله ... تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذى} [البقرة: 222]، والحيض في اللغة الانفجار، ولا يكون حيضا إلاّ الدمّ الفائض من الفرج، ولذلك قالوا: إنّما تمسح بعَلَمِها على العُرض، ويكون المسح بيدها اليسرى، وهي بين القيام والقعود، لأنّه ربّما أن يكون الدم فائضا وهو قليل فيمنعه القيام أو القعود أن يظهر على علمها،
والله أعلم «(1). ... [وكتب أيضا على هذه القولة ما نصّه: قوله في أحكام الحيض:] (2)
قال شيخنا عبد الله -رحمه الله- في حاشيته على "الإيضاح":» قوله الحيض: هذا الباب ذَكر فيه الحيض ومدّته والاستحاضة، وما يتعلّق بذلك، وقوله الانفجار وقيل السيلان: يقال حاض الوادي، إذا سال، ويقال: إنّه مأخوذ من حاضت السَّمُرَة وهي شجرة يسيل منها شيء كالدم، وقيل: من الاجتماع، لاجتماع الدم، ومنه سُمِّي الحوض لاجتماع الماء فيه، ورُدّ بأنّ الحوض واويٌّ وهذا يائيٌّ، ويقال: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا فهي حائض وحائضة، وقال بعض أئمّة اللغة: إن أردت الحالة المستمرّة قلت: حائض وطاهر، وإن أردت الحالة الحاضرة: قلت حائضة وطاهرة وطالقة؛ وهل سببه إعانة حواء لآدم على أكل الشجرة عقوبة لها لبعدها عن طاعة ربّها وقت ملابستها وأُقرّ في بناتها؟ أو لأنّها كسرت شجرة الحنطة ورمتها؟ أو لأنّها عاقبت الحيّة بسلب قوائمها؟ كما قال بعضهم، وقيل: أوّل ما امتُحن به نساء
__________
(1) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 178.
(2) - زيادة من أ وهـ والحجرية. (2/247)
صفحة 684
الأوّل في معرفة أنواع الدماء الخارجة من الأرحام
اجتمعت الأمّة فيما علمت [على] (1) أنّ الدماء الخارجة من الرحم ثلاثة، أحدها:
دم الحيض، وهو الخارج على جهة الصحّة، متميّز من (2) غيره معروف، كما جاء في الحديث عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:» دم الحيض أسود ثخين، له رائحة ولون يعرف به، منتن آسن، لا يكاد يخرج من الثوب، معروف بلونه عند النساء من سائر الدم (3)، فإذا كان كذلكِ فأمسكي عن الصلاة، وإذاكان الآخر فاغتسلي وصلي «(4)؛ ...
--------------------
بني إسرائيل بفجرة فجّرتها (5) امرأة منهنّ؛ وله أسماء نظمها بعضهم فقال:
للحيضِ عشرةُ أسماءٍ وخمستُها ... حيضٌ مَحيضٌ مُحاضٌ طمثٌ إكبارُ
طمْسٌ عِراكٌ فِراكٌ معْ أذىً ... ضِحْكٌ دَرْسٌ دِراسٌ نِفاسٌ قُرْءٌ إعصارُ
قال الجاحظ: والذي يحيض من الحيوان أربعة: الآدميات والأرنب والضبع والخفاش، زيد الفرس والكلبة «اهـ (6).
قوله آسن: من أَسَن الماء بالفتح: إذا تغيَّر طعمه ورائحته.
قوله» كذلكِ «: هو بكسر الكاف لأنّ الخطاب للمؤنّث، وهذه الكاف حرف يتصرّف تصرّف الكاف الاسمية.
__________
(1) - سقط من الحجرية.
(2) - في أ وب: عن.
(3) - في أ: الدماء.
(4) - لم نقف عليه بهذا اللفظ، وإنّما هو إحدى روايات حديث فاطمة بنت أبي حبيش،
إذ كانت تُسْتحاض فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاتها، فقال:» إنّ دم الحيض دم أسود يُعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضّئي وصلّي ... «، =
(5) - في هذا الموضع يبدأ خرم في النسخة ب من الحاشية.
(6) - عبد الله بن سعيد السدويكشي، حاشية على الإيضاح، 1/ 178، 179. (2/248)
صفحة 685
وعند مشائخنا –رحمهم الله- إذا أشكل على المرأة فلتناظره بما كان أحمر شديد الحمرة، كالدم الأوّل من الذبيحة، ودم الحلمة، والخزفة الأولية، والأرجوان المصري، وأشباه ذلك (1)؛ والثاني: دم الاستحاضة، وهو الخارج من الرحم على جهة المرض، وهو دم أحمر رقيق لا رائحة له، متميّز لونه عن لون دم الحيض، ...
--------------------
قوله فلتناظره بما كان أحمر شديد الحمرة: قال في "الإيضاح":» فإذا رأت المرأة مثل هذه الدماء فإنّها تترك الصلاة، وتعطي للحيض، وتغتسل لكلّ صلاتين إن رأت ذلك في داخل وقتها في الطهر، وقال بعضهم: إن رأت ما يخالف لون الرّمل فإنّها تعطي للحيض وتدع الصلاة ولا تغتسل [به، يعني: إذا رأته في داخل وقتها في الطهر]، وقال بعضهم: كلّ ما تعطي به للحيض تغتسل به. وأمّا الصفرة والكدرة فقد اختلف الفقهاء فيهما ... الخ «(2).
قوله والأرجوان ... الخ: في "الصحاح":» والأُرْجُوَانُ: صبغ أحمر شديد الحمرة، قال أبو عبيد: هو الذي يقال له: النَشَاسْتَجُ، قال: والبَهْرَمَانُ دونه، ويقال أيضا: الأُرْجُوَان معرّب، وهو بالفارسية: أُرْغُوَانُ، وهو شجر له نَوْرٌ أحمر أحسن ما يكون، وكلّ لون يشبهه فهو أرجوان ... الخ «(3).
__________
(1) =أخرجه بهذا اللفظ أبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 247؛ والنسائي في الصغرى: كتاب الطهارة، رقم: 216؛ وفي الكبرى، رقم: 220 (1/ 113)؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 618 (1/ 281)؛ وابن حبان في صحيحه، رقم: 1348 (بترتيب ابن بلبان، 4/ 180)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1449 (1/ 325)؛ والدارقطني في السنن، (1/ 206)؛ والشيباني في الآحاد والمثاني، رقم: 3483 (6/ 251).
- أبو زكرياء الجناوني، الوضع،69.
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 185.
(3) - الجوهري: باب الواو والياء، فصل الراء: رجا. (2/249)
صفحة 686
لقول النبيء - عليه السلام -:» إنما ذلك دم عرق وليس بحيض «(1)؛ الثالث: دم النفاس، وهو الدم الخارج من الفرج بسبب الولادة من غير مرض خارجا عنها؛ ولهذه الدماء أحكام ستأتي فيما بعد إن شاء الله [تعالى] (2)؛ فالواجب على المرأة المتعَبَّدة أن تعرف الفرق بين هذه الدماء لتمتثل ما تُعبّدت به من الفروض على يقين، وتترك المحظور عليها في حال طروء هذه الدماء عليها بيقين، ...
--------------------
قوله خارجا: في بعض النسخ: خارج (3)، وعلى كليهما معناه غير ظاهر، فإنّ الفائدة تَمّت بدونه، ولو قال: خارجا عنه، ليكون صفةً لـ المرض جارية على غير مَن هي له، أي: خارجا عنه، أي: عن ذلك المرض الدم، والله أعلم.
قوله المتعبّدة: هو اسم مفعول، والمراد بها البالغة العاقلة، لتخرج المجنونة.
قوله لتمتثل ما تُعُبّدت به ... الخ: قال في "الإيضاح":» لأنّ عليها فيهنّ عبادات مختلفات، لأنّها مأمورة في زمان الاستحاضة بأشياء نُهيت عنها في زمان الحيض؛ والفرق بين دم الحيض مِن دم الاستحاضة يكون بوجهين: إمّا بلوغ أقصى أوقات
__________
(1) - هذه رواية أخرى من روايات حديث فاطمة بنت أبي حبيش إذ قالت للرسول - صلى الله عليه وسلم -: إنّي لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال لها - صلى الله عليه وسلم -: إنما ذلك دم عرق نجس ليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة، وإذا أدبرت وذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي. أخرجه الربيع بن حبيب: باب في المستحاضة، رقم: 552 (2/ 149)؛ والبخاري: كتاب الوضوء، رقم: 221؛ ومسلم: كتاب الحيض، رقم: 501؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 116؛ والنسائي: كتاب الحيض والاستحاضة، رقم: 361؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 244؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 613؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 24443؛ ومالك: كتاب الطهارة، رقم: 122؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 773.
(2) - زيادة من أ.
(3) - وهو ما في نسخ القواعد المعتمدة. (2/250)
صفحة 687
كما أنه واجب على المتعبّدين من الرجال أن يعرفوا الفرق بين الأحداث الطارئة عليهم من المني والمذي والودي وغيرها، لأنّ الله سبحانه [وتعالى] (1) تعبّد الكلّ بفروض مختلفة، ونصب إلى معرفتها (2) أدلّة ليُتوصّل [بها] (3) إلى امتثالها بيقين؛ وجعل في المرأة دماء أربعة، أحدها: دم الجسد يشترك فيه الذكر والأنثى، والثلاثة هي التي – قدَّمنا ذكرها- خالف (4) بين أحكامها، كما سيأتي إن شاء الله.
--------------------
الحيض مع دوام الدم، وإمّا حدوث علّة توجب أن الدم دم استحاضة، ومعرفة حدوث العلّة تُدرك بوجوه أحدها الزمان ... الخ «، فليراجع (5).
- - -
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - في الحجرية: نصب لمعرفتها.
(3) - زيادة من الحجرية.
(4) - في الحجرية: خلاف.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 181. (2/251)
صفحة 688
الفصل الثاني
في أحكام الحيض المتعلقة به والممنوعة من أجله
وهي خمسة، أحدها في حدّ الحيض: وهو على ما حدّه بعض العلماء أنه: الدّم الخارج من المرأة اليافعة ومَن فوقها في السن، إلى نهاية تقصر عن سنّ اليائسة، في مدّة خمسة عشر يوما فما دونها إلى ساعة، من غير ولادة ولا مرض؛ فذكر اليافعة احترازا عن من قصر سنها عن ذلك، كبنت خمس أو ست سنين، إذ ذاك مرض وليس بحيض، وكذلك بنت السبعين والثمانين، وباقي الحدّ احتراز عن النفاس والاستحاضة.
--------------------
قوله وهي خمسة ... الخ: الذي ظفرنا به من الخمسة في كلامه -رحمه الله- ثلاثة، حكمان في المتعلّقة به وحكم في الممنوعة من أجله، نعم الممنوعة من أجله قسمها خمسة أقسام، فإن كان قد اعتبر ذلك صارت الأحكام سبعة فليحرّر؛ وأيضا في جعل الحدّ وهو التعريف حكما من أحكام الحيض نظر، إذ الحكم على الشيء فرع تصوّره، فلو قال
–مثلا-: في حدّ الحيض وأحكامه، لكان أظهر.
قوله اليافعة: في بعض النسخ: اليفعة (1)، وفي "الصحاح":» وأيْفَعَ الغُلام أي: ارتفع، فهو يافِعٌ، ولا يقال: موفِعٌ، وهو من النوادر، وغلام يَفَعٌ ويَفَعَةٌ، وغلمان أيْفَاعٌ ويَفَعَةٌ «(2)، وفي "القاموس":» وغلام يافِع «، ثمّ قال:» وغلام يَفَعَةٌ محرّكة، ولا يثَنَّى ولا يُجْمع «، ثمّ قال:» ويَفَعَ الجبلَ ... صعِده، والغلامُ راهَقَ العشرين، كأيْفَعَ فهو يافِع، لا مُوفِعٌ ... الخ «(3).
قوله اليائسة: هو من يَئِسَ، لا من أَيِسَ، وكلّ منهما معناه: القنوط.
__________
(1) - وهو ما في النسخ المخطوطة المعتمدة من القواعد إلاّ أ فإنها موافقة لنسخة المحشي.
(2) - الجوهري: باب العين، فصل الياء: يفع.
(3) - الفيروزابادي: باب العين، فصل الياء، اليفع. (2/252)
صفحة 689
والثاني في مدة الحيض: وقد اختلف السلف في ذلك، والذي يوجبه النظر أنّ أقلّ مدّته فيما يرجع إلى العبادات غير محدود (1) بتقييد مضبوط، لأنّ الدّفعة الواحدة تكون حيضا إذا فاضت من الفرج وإن لم تكن حيضة معدودة في العدّة والاستبراء، إذ العبادة لا تُترك إلا بِعلمٍ متيقنٍ به سقوطُهُا عن المتعبَّد، ...
--------------------
قوله إذ العبادة لا تترك ... الخ: هذا التعليل غير ظاهر على مقتضى كلامه من جعله الدفعة الواحدة حيضا، فإنّه يقتضي أن تُترك العبادة لأجلها، والتعليل يقتضي ألاّ تُترك العبادة إلاّ بشيء يُتيقّن أنّه حيض، وهذا التعليل إنّما يناسب من قال:
أقلّ الحيض ثلاثة أيام، لأنّ ما دون الثلاثة لم يُتيقّن أنّه حيض فكيف تترك العبادة لأجله؟ وانظر إلى المصنِّف –رحمه الله- كيف خالف أكثر أصحابنا وأخذ بقولٍ نصَّ في "الإيضاح" على أنّه قول شاذّ (2)؛ وأيضا الأصل في الشيء أن يكون جاريا على طريقة واحدة فيكون الحيض في العدّة والاستبراء والعبادة شيئا واحدا، وأمّا قوله - عليه السلام -:» إذا أقبلت الحيضة ... الخ «(3) فيحتمل أن يكون المراد: إذا أقبلت الحيضة المعتبرة وهي ما بين ثلاثة أيام إلى عشرة، لقوله - عليه السلام - في رواية جابر عن أنس بن مالك:
» أقلّ الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام «(4)، ولأنّ الواجب على المرأة
إذا أقبلت الحيضة وظهرت أماراتها أن تترك الصلاة والصوم وما يحرم على الحائض،
__________
(1) - في د: محدودةٍ.
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 194.
(3) - تقدم لفظ الحديث كاملا مع تخريجه في صفحة: 250.
(4) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب في الحيض، رقم: 541 (2/ 147)؛ والطبراني في الكبير، رقم: 7586 (8/ 129)؛ وفي الأوسط، رقم: 603 (1/ 355)؛ وفي مسند الشاميين، رقم: 1515 (2/ 370)؛ وأخرجه الدارقطني في سننه، رقم: 61 (1/ 219)؛ وبزيادة تحت رقم: 59، 60. وقد جاء موقوفا عن أنس بن مالك في عدّة روايات أخرى، وقد أعلّ النقاد بعض طرقه، راجع تفاصيل ذلك في: الزيلعي، نصب الراية، 1/ 191. (2/253)
صفحة 690
والمباحُ الأخذُ فيه بالحوطة أوثق؛ ويدلّ على ما قلنا في الحيض قول النبيء - عليه السلام -:» إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي «(1).
والمشهور عند أكثر أصحابنا: الربيع بن حبيب و موسى بن علي و محمد بن عبد الله الحضرمي وغيرهم، أنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام (2)، ...
--------------------
وإذا أدبرت وجب عليها أن تغتسل وتصلّي، لكن إذا أدبرت بعد الثلاثة فإنّها تغتسل وتصلّي ما يستقبل فقط، وإن أدبرت قبل الثلاثة فإنّها تغتسل وتصلّي ما مضى أيضا، لأنّه كشف الغيب أنّ ذلك ليس بحيض لقوله - عليه السلام -:» أقلّ الحيض ثلاثة أيام «والحديث يصدّق بعضه بعضا، فإذا كان أحدهما عامًّا والآخر خاصًّا حُمل العامُّ على الخاصّ والله أعلم. ويحتمل أن يكون مراد المصنِّف –رحمه الله- بقوله:
إذ العبادة ... الخ: العدّة والاستبراء، لكنّه بعيد، ثمّ قوله: والمباح ... الخ: يعني في غير هذا الموضع، وأمّا هنا فلم يظهر لنا شيء مباح يُحتاط له فليحرّر. وقد يقال: معنى قوله –رحمه الله-: إذ العبادة لا تترك إلاّ بعلم متيقّن به ... الخ أنّ الدفعة الواحدة تتيقّن أنّها حيض حيث ظهرت علاماته فتترك العبادة لأجل ذلك، ولو كانت تعيدها بعد ذلك إذا انقطع قبل ثلاثة أيام على الراجح، ولم تعتبر في العدّة والاستبراء لأنّ الذي يترتّب عليهما أمر مباح وهو التزويج والوطء مثلا فيحتاط له، ويراعى قول من قال مثلا: أقلّ الحيض ثلاثة أيام، والظاهر أنّ هذا هو المراد، والله أعلم فليحرّر.
__________
(1) - هذا جزء من حديث فاطمة بنت أبي حبيش المتقدّم تخريج روايتين منه في صفحتي:248، 250.
(2) - ابن بركة، الجامع، 2/ 229؛ أحمد الكندي، المصنّف، 39/ 08؛ ابن خلفون، الأجوبة، 90، 91. أمّا الأعلام الذين ذكرهم المصنّف فالربيع بن حبيب مشهور؛ ومحمّد بن عبد الله الحضرمي لم نقف على تعريف له، ولعلّ المقصود به هو محمّد بن محبوب المعروف (انظر ترجمته في هذا الكتاب:1/ 381، ملحق التراجم، رقم: 52)، ويكون ما ذُكر وهمٌ من النساخ، لأنّ المسألة نفسها قد وقفنا عليها منسوبة لمحمّد بن محبوب في: المصنّف لأحمد الكندي، 39/ 08؛ وشرح الدعائم لابن وصاف، 2/ 295؛ أمّا موسى بن علي فهو من علماء الإباضية في ق02هـ، انظر ترجمته في ملحق التراجم، رقم: 08. (2/254)
صفحة 691
وقد روي عن النبيء - عليه السلام - من طريق جابر بن زيد عن أنس بن مالك عنه - عليه السلام - (1)، فما دون الثلاثة عندهم ليس بحيض و لا حُكمَ له في ترك صلاة ولا صوم ولا عدّة، فإنما هو غيض الأرحام، وكذلك ما فوق العشرة الأيام عندهم [إلى يوم] (2) ليس بحيض، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة فيما وجدت (3)، والأوّل مروي عن مالك أيضا (4)، وعنه في ذلك أنّ النساء على ضربين: مبتدئة ومعتادة، فالمبتدئة عنده تترك الصلاة برؤية دم تراه إلى تمام خمسة عشر يوما فإن لم ينقطع صلّت وكانت مستحاضة، ...
--------------------
قوله ولا حكم له في ترك صلاة ... الخ: يعنون بذلك -والله أعلم- أنّها تعيد الصلاة والصوم إذا انقطع قبل الثلاثة، لأنّه انكشف الأمر على أنّ ذلك ليس بحيض،
وأمّا ابتداءً فيجب عليها ترك الصلاة والصوم إذا ظهرت علاماته،
ومن أين تعلم أنّه لا يدوم بها ثلاثة أيام أو أكثر حتّى تصلّي؟ وهو المناسب
لقوله - عليه السلام -:» إذا أقبلت الحيضة ... الخ «.
قوله العشرة الأيام: الواجب عند البصريين في مثل هذا التركيب أن يقال: عشرة الأيام، لأنّه إذا أريد تعريف العدد المضاف فإنّك تضيفه إلى معرفة فتقول: خمسة الأثواب -مثلا-، ولا يجوز أن تقول: الخمسة الأثواب فإنّه لا يجمع بين ال والإضافة، نعم أجازه الكوفيون تشبيها له بـ: الحسن الوجه.
قوله وعنه في ذلك أنّ النساء ... الخ: الحكم كذلك عندنا أيضا، إلاّ في قوله: إلى ... : خمسة عشر يوما فإنّ الجمهور (5) عندنا على أنّها تترك إلى عشرة أيام وتنتظر يومين.
__________
(1) - تقدّم تخريجه في صفحة: 253، وهذا إسناد رواية الربيع بن حبيب.
(2) - زيادة من أ.
(3) - ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 1/ 48.
(4) - المصدر السابق، نفس الصفحة.
(5) - في هـ: المشهور. (2/255)
صفحة 692
وبه قال الشافعي أيضا، إلا أنّ أقلّ الحيض عنده يوم وليلة (1)؛ وأمّا أبوعبيدة مسلم
وأبو معاوية عزّان بن الصقر وجماعة من أصحابنا أيضا فأكثر الحيض عندهم خمسة عشر يوما، واختلفوا في أقله، فقيل: ثلاثة أيام، وقيل: يومان، وقيل: يوم وليلة،
ولهم حجج تركتها مخافة التطويل (2). وأكثر ما انعقد عليه الإجماع في مدّة الحيض سبعة عشر يوما فيما وجدت، والله أعلم (3).
--------------------
قوله فأكثر الحيض عندهم خمسة عشر يوما ... الخ: استدلّوا على ذلك بقوله - عليه السلام -:
» إنّ الله جعل في كلّ شهر حيضة وطهرا «(4)، وبقوله أيضا:» تقعد إحداكنّ شطر دهرها لا تصلّي ولا تصوم «(5).
قوله وأكثر ما انعقد عليه ... الخ: لو قال: وغاية ما وقع فيه من الخلاف ... الخ، لكان أظهر، فإنّه لم ينعقد الإجماع على شيء.
قوله سبعة عشر يوما: قال في "الإيضاح":» وذُكر في بعض الكتب قول شاذ عن أبي
__________
(1) - المصدر السابق، نفس الصفحة.
(2) - المسألة من ابن خلفون، الأجوبة، 91. أمّا أبو عبيدة مسلم فمشهور، وأمّا أبو معاوية عزان بن الصقر فقد تقدّمت ترجمته في هذا الكتاب: 1/ 371، ملحق التراجم، رقم: 38.
(3) - ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 48.
(4) - لم نقف عليه بهذا اللفظ، وفي معناه جاء في حديث حِمنة بنت جحش أنّها استحيضت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيضة شديدة، فأتته وأخبرته بما نزل بها، فأمرها بأن تحتشي، وقال لها:» تلجمي وتَحَيَّضِي في كلّ شهر في علم الله ستّة أيام أو سبعة أيام ... «، أخرجه ابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 619؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 25893؛ والطبراني في الكبير (24/ 218). ومعنى تلجَّمي: أي اجعلي على موضع الحيض عصابة تمنع الدم. وتحيَّضي: أي عدي نفسك حائضا وافعلي ماتفعله الحائض.
(5) - لم نقف عليه، وقال فيه الحافظ ابن مندة: لا يثبت بوجه من الوجوه؛ وقال البيهقي: طلبته كثيرا فلم أجده في شيء من كتب الحديث، ولم أجد له إسنادا؛ وقال النووي: باطل لا يعرف؛ وقال كذلك: باطل لا أصل له؛ وقال المنذري: لم يوجد له إسناد بحال؛ ومثل ذلك قال ابن الجوزي وأبو إسحاق الشيرازي. (يُراجع: ابن حجر العسقلاني، تلخيص الحبير، 1/ 162). (2/256)
صفحة 693
وأمّا الطهر فأكثره عند أصحابنا ستون يوما وأقله عشرة أيام، وقيل: خمسة عشر [يوما] (1)،
والله أعلم، [وبه الحول والتوفيق] (2).
الثالث في حكم ما يمتنع به في حال الحيض: وهي بالجملة خمسة أشياء، أحدها: كلّ ما يفتقر إلى الطهارة الكبرى كالصلاة والطواف والصوم والاعتكاف
وسجود التلاوة ودخول المسجد ...
--------------------
عبيدة [- رضي الله عنه -] أنّ أقصى أوقات النساء في الحيض سبعة عشر يوما، وذكروا عن نساء الماجِشون أنّهن يحضن سبعة عشر يوما وهي العادة فيهنّ «(3).
قوله فأكثره عند أصحابنا ستّون يوما: لم يحك في ذلك خلافا بين أصحابنا، وحكاه في "الإيضاح" حيث قال:» وأمّا أكثره فقال بعضهم: ستّون يوما، وقال آخرون: لا حدّ لأكثره «، إلى أن قال:» والقول الأوّل عندي أصحّ ... الخ «(4)، وفائدة التحديد في الطهر تظهر في المستحاضة إذا أرادت الانتساب فإنّها إذا كان لها وقت تنتسب إليه، ويجوز أن يكون للمرأة خمسون وقتا وتنتسب إلى أيّ وقت شاءت.
قوله وأقلّه عشرة أيام ... الخ: فالخلاف في أقلّ الطهر مبنيّ على الخلاف في أكثر الحيض.
قوله خمسة أشياء ... الخ: هذه الخمسة جعلها متضمّنة للخمس عشرة التي ذكرها غيره.
قوله ودخول المسجد: قال في "الإيضاح" بعد أن ذكر الدليل على منعه:» وفي الأثر: ولا تدخل الحائض ولا النفساء المسجد الحرام، فإن دخلت فلا شيء عليها من الكفارة، غير أنّها مسيئة فيما فعلت، ولا بأس عليها في دخول المساجد غير المسجد الحرام إن لم يخفن فساد المسجد «(5) اهـ.
__________
(1) - سقط من ب والحجرية.
(2) - زيادة من أ.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 194.
(4) - المصدر السابق، 1/ 199 - 201.
(5) - المصدر السابق، 1/ 258. (2/257)
صفحة 694
ومسّ المصحف (1) وغير ذلك، ثم لا يجب عليها قضاء الصلاة دون الصوم؛
الثاني: الفراق مع الزوج بطلاق أو خلع أو خيار، لقول الله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:01] أي: لطهرهن، واختلف هل منعه فيه خيفة من تطويل المدّة أو هو شرع
غير معلل؟ فقولان؛ ...
--------------------
قوله وغير ذلك: أي وهي قراءة القرآن، لحديث جابر، لكن قال في "الإيضاح" في محلّ آخر:» وفي الأثر: وليس على الحائض في ذكر الله وقراءة القرآن واستقبال القبلة بأس، ولا تمتنع من ذكر الله وقال بعضهم: يكره ... قراءة القرآن، والأوّل أحبّ إلى العلماء لأنّهم مجمعون على أنّها تذكر الله، والذي خلق القرآن أعظم من القرآن ولا يدنس الذِّكر بدنس الأجساد ... الخ «(2)، وفيه تأمّل، مع وجود الحديث أنّ الله تعالى يجعل لبعض المخلوقات حرمة لا تثبت لغيرهم (3).
قوله ثمّ لا يجب عليها قضاء الصلاة ... الخ: هذه العبارة توهم أنّه يجوز لها أن تقضيها، مع أنّه لا يجوز لها ذلك، لأنّ فيه استظهارا على الشارع، وإنّما تقضي الصوم دون الصلاة، لأنّه لا مشقّة عليها في ذلك، لأنّه إنّما يوجد مرّة واحدة في السنة، والله أعلم.
قوله أي لطهرهنّ: قال في "الإيضاح":» ويكون الاحتساب من الحيض لما روي من طريق أبي سعيد الخدري قال: إنّ ابن عمر طلّق امرأته وهي حائض في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عمّا فعل ابنه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» مُره فليراجعها ثمّ يمسكها حتّى تطهر ثمّ تحيض ثمّ تطهر، إن شاء أمسك وإن شاء طلّق، فتلك العدّة التي أمر الله - عز وجل - أن تطلّق لها
__________
(1) - في أ: المصحف كقراءة القرآن وغير ... .
(2) - المصدر السابق، 1/ 261.
(3) - لم نقف على حديث جاء فيه ما ذكره المحشّي. (2/258)
صفحة 695
الثالث: إلقاء التفث من تقليم الأظافر ونتف الإبطين وحلق العانة وما أشبه ذلك؛
الرابع: الزينة المعهودة للبدن من الاكتحال والاستياك والاختضاب، وأشباه ذلك (1)، وقد رخّص لها في "شرح الدعائم" في الامتشاط وتقليم الأظفار وأشباه ذلك، وزعم أنها ليست مثل الجنب، والله أعلم (2)؛ ...
--------------------
النساء « ... «اهـ (3)، لكن قوله: ويكون الاحتساب لعلّه: الحساب، والله أعلم.
قوله إلقاء التفث ... الخ: قال في "الإيضاح":» والنظر عندي يوجب أنّها [إنّما] نهيت عن هذا لأنّها غير طاهرة ولا تصل إلى طهارتها، فكان حكم بعضها كحكمها ... الخ «(4).
قوله الزينة المعهودة ... الخ: قال في "الإيضاح":» وإنّما نهيت عن هذا عندي لأنّه من دواعي الجماع المنهيّ عنه في الحيض، ألا ترى أنّ المعصية فعلُها معصية والأمرُ بها معصية، وكذلك دواعيها كلّها معصية، والدليل قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة:221] «، إلى أن قال:» لأنّهم يدعون إلى الكفر الذي هو سبب لدخول النار، أعاذنا الله منها «(5).
__________
(1) - في أ وج: وما أشبه ذلك.
(2) - لم نقف على هذا في شرح الدعائم لابن وصاف العماني (ق6 - 7هـ)، وهو الذي جمع قصائد ابن النظر في ديوان أسماه: الدعائم، وكان أوّل شارح لها، ولم نعلم في حدود اطلاعنا على شرح لها قبله، ولا بعده قبل وفاة المصنّف الجيطالي، والتي كانت سنة: 750هـ.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 259، 260. والحديث أخرجه الربيع بن حبيب: كتاب الطلاق والخلع والنفقة، رقم:529 (2/ 142)؛ والبخاري: كتاب الطلاق، رقم:5252؛ ومسلم: كتاب الطلاق، رقم:2675؛ والترمذي بنحوه: كتاب الطلاق واللعان، رقم: 1096؛ والنسائي: كتاب الطلاق، رقم:3336؛ وأبو داود: كتاب الطلاق، رقم:1864؛ وابن ماجة: كتاب الطلاق، رقم:2009؛ وأحمد: مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم:287؛ ومالك: كتاب الطلاق، رقم:1053؛ والدارمي: كتاب الطلاق، رقم:2162.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 260.
(5) - المصدر السابق، 1/ 260، 261. (2/259)
صفحة 696
الخامس: الوطء في الفرج مع استمرار الدم، وهو محرم (1) بإجماع من الأمّة، فإن وطئ متعمّدا (2) ففيه اختلاف، قيل: بتحريم الأبد، وهو مذهب العمانيين (3)، وقيل فيها: بالوقوف، روي ذلك عن الربيع وغيره (4)؛ وبعضُ مخالفينا أوجب في ذلك الكفارة (5)، ...
--------------------
قوله روي ذلك عن الربيع وغيره: قال في "الإيضاح":» وفي الأثر: ... إذا واقع الرجل امرأته في دم الحيض أو صفرته فقول أبي عبيدة: لا أحلّلها ولا أحرّمها عليه فإنّه متعدّ ... وأحَبّ إليّ فراقها ثمّ لا يعود إليها أبدا وإن نكحت زوجا غيره ثمّ طلقها أو مات عنها لما أصابه منها، والنفساء مثلها في السنة، وقال أبو نوح: عصى ربّه ولا تحرم عليه امرأته، فإن طاوعته [أُمر أن] يتصدّق كلّ واحد منهما بدينار ... الخ «، وذكر أنّه إن أكرهها تصدّق بدينار، وإن كتمته تصدّقت هي به، وقيل يجزيهما دينار، وقوم فرقوا بين الدم والصفرة فقالوا: في الصفرة يلزمها دينار وفي الدم ديناران وفي الطهر قبل الاغتسال قربة بشيء من صدقة أو صيام، وأبو عبيدة لا يرخّص في شيء من ذلك ولا يوجب الفراق؛ وسبب الخلاف في التحريم: هل النهي يدلّ على فساد المنهيِّ عنه أو لا؟» والجمهور من أصحابنا على التحريم، وقال بعض أصحابنا: إن وطئ في الحيض تاب واستغفر، وإن عاد تاب، وإن عاد تاب، وإن عاد في الرابعة حرمت عليه لأنّ هذا معاند ... الخ «(6).
قوله وبعض مخالفينا أوجب في ذلك الكفارة: ثمّ الظاهر أنّ المراد بالكفّارة غير ما
__________
(1) - في ب: حرام.
(2) - في أ ود والحجرية: تعمّدا.
(3) - أحمد الكندي، المصنّف، 39/ 66؛ ابن وصاف، شرح الدعائم، 2/ 290.
(4) - أحمد الكندي، المصنّف، 39/ 65.
(5) - المصدر السابق، 39/ 65؛ ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 1/ 57 ونسب فيه القول لأحمد بن حنبل وبعض أهل الحديث.
(6) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 249، 250. (2/260)
صفحة 697
وبعضهم لم يوجب في ذلك إلا التوبة والاستغفار (1)، وكذلك الحكم فيها إذا وطئ بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال عند أبي عبيدة مسلم [-رحمه الله-] (2)، وقال غيره: لا تستوي من تطهّرها ركوة ماء بمن لا تطهّرها دجلة؛ ...
--------------------
ذكره في "الإيضاح" عن أبي نوح وغيره من التصدّق بدينارين أو دينار فإنّه قال بعد ذلك:» واختلف الناس في من وطئ امرأته في الحيض، فحرّمها بعض ووقف بعض ولم يحرّم آخرون، وأوجبوا عليه الكفّارة وهم قوم من أهل الخلاف ... الخ «(3)، فنسب الكفّارة لأهل الخلاف. [ثمّ رأيت في بعض كتبهم ما هو صريح في أنّ المراد بالكفارة ما ذكر، قال البغوي:» واختلف أهل العلم في وجوب الكفارة عليه، فذهب أكثرهم إلى أن لا كفارة عليه، ويستغفر الله ويتوب إليه؛ وذهب قوم إلى وجوب الكفارة عليه، منهم قتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق «، إلى أن قال:» عن ابن عبّاس أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال في رجل جامع امرأته وهي حائض، قال: إن كان الدم عبيطا فليتصدّق بدينار، وإن كان صفرة فنصف دينار، ويروى هذا موقوفا عن ابن عبّاس «اهـ] (4).
قوله وقال غيره لا تستوي ... الخ: هذا هو المختار عند الشيخ في "الإيضاح" فليراجع فإنّه قد أطال في الاستدلال عليه –رحمه الله- (5)، وهذا التنازع عند بعضهم خاص بما إذا لم يخرج عنها وقت الصلاة، وأمّا إذا طهرت وضيّعت الاغتسال حتّى خرج عنها وقت الصلاة فإنّها يُحكم لها بحكم الظاهر، وتخرج من العدّة ولو لم تغتسل وهو
__________
(1) - ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 57 وفيه نسب القول لمالك والشافعي وأبي حنيفة.
وهذا القول هو الذي رجّحه القطب أطفيش -رحمه الله- وصححه في "الذهب الخالص"، كما صحح أن الوطء في الحيض ذنب عظيم لحديث:» من أتى امرأته في حيضها أو دبرها فقد أتى ذنبا عظيما «، (الذهب الخالص،122).
(2) - ابن وصاف، شرح الدعائم، 2/ 289. وما بين المعقوفتين زيادة من د.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 250.
(4) - البغوي، معالم التنزيل، تفسير الآية 222 من سورة البقرة. وما بين المعقوفتين زيادة انفردت بها هـ.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 253 - 256. (2/261)
صفحة 698
وأما الاستمتاع بما فوق السرّة من الحائض فلا يحرم عند الجميع، لقول النبيء - عليه السلام -:
» إنما أمرتم بعزل الفروج «الحديث (1)؛ واختلف فيما تحت الإزار مما دون الفرج،
فأباحه قوم ومنع منه آخرون، والله أعلم.
--------------------
الظاهر، لأنّها لو كانت تخاف الله وترجو ثوابه ما خرج عنها وقت الصلاة إلاّ وقد اغتسلت وصلّت، فتضييعها الغسل لا يمنع [من] (2) حقّ الزوج، والله أعلم.
قوله فأباحه قوم: هذا هو المذهب عندنا خلافا لمالك (3).
- - -
__________
(1) - لم نقف عليه بهذا اللفظ، وفي معناه رويت أحاديث كثيرة، منها أنّه ... - صلى الله عليه وسلم - ذُكر له أنّ اليهود يعتزلون الحائض كلّية ولا يقربونها، فأنزل الله تعالى قوله: {ويسألونك عن المحيض} الآية، فقال - صلى الله عليه وسلم -:» اصنعوا كلّ شيء إلاّ الجماع «، أخرجه مسلم: كتاب الحيض، رقم: 455؛ والترمذي: كتاب تفسير القرآن، رقم: 2902؛ والنسائي: كتاب الطهارة، رقم: 286؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 225؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 636؛ وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 11904؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 1035.
(2) - زيادة من الحجرية.
(3) - جاء في المدونّة:» سئل مالك عن الحائض: أيجامعها زوجها فيما دون الفرج، فيما بين فخذيها؟ قال: لا ولكن شأنه بأعلاها «، (مالك بن أنس، المدونة الكبرى، 1/ 172). (2/262)
صفحة 699
الفصل الثالث
في اختلاف حكم النساء المعتادة للمحيض (1)
وهي في ذلك [على] (2) أربعة أحوال، أحدها: حال المبتدئة في الحيض التي ليس لها وقت مستقر، والثانية: حال المعتادة المستقر وقتها، والثالثة: حال المستحاضة التي حُكم باستحاضتها، والرابعة: حال الحامل التي يطرأ الدم عليها.
اعلم أنّ حكم هذه الأربع في ابتداء الحيض واحد، فمن رأت دما وهي في سنّ من تحيض فهو حيض، مبتدئة كانت أو معتادة، حائلا أو حاملا، ...
--------------------
قوله المعتادة ... الخ: قد يقال: هذا لا يناسبه قوله: حال المبتدئة، فإنّ المعتادة في مقابلة المبتدئة، اللهمّ إلاّ أن يقال: فيه تحريف، والنسخة: المُعدَّة، أي المهيّئة مثلا، ويدلّ له قوله بعد: فمن رأت دما وهي في سنّ من تحيض ... الخ، والله أعلم.
قوله أحدها ... الخ: ذكّر الحال أوّلا وأنّثه ثانيا في قوله: والثانية، والثالثة، والرابعة للإشارة أنّ الحال تذكّر وتؤنّث.
قوله أو معتادة: يعني إذا رأته في وقتها المعتاد أو بعده، وأمّا قبله فلا يُحكم بأنّه حيض، ولا تترك الصلاة والصوم لأجله حتّى يستمرّ كذلك ثلاث مرّات، كما في مسألة الطلوع (3)، لما يلزم عليه من نقصان أيام الصلاة كما هو ظاهر، والله أعلم.
قوله أو حاملا: فيه نظر، لأنّ الدم الذي تراه الحامل ليس بحيض على الصحيح،
لقوله - عليه السلام -:» ماكان الله ليجعل حيضا مع حبَل «(4)، ولأنّه سيأتي له التصريح بما
__________
(1) - في أ وج: المعتادات للحيض.
(2) - سقط من الحجرية.
(3) - الآتي ذكرها في صفحة: 269.
(4) - لم نقف عليه. (2/263)
صفحة 700
لكن تختلف أحكامهنّ في التمادي، فالمبتدئة (1) إذا رأت دما فهو حيض، فإن انقطع لعادة أترابها من ثلاثة أيام إلى عشرة [أيام] (2) اغتسلت وصلّت، وإن تمادى بها الدم بعد عشرة أيام ولم تر الطهر انتظرت يومين بعد العشرة، فإن دام بها الدم فإنها تغتسل وتصلي عند كل صلاة، كذلك إلى عشرة أيام بعد الانتظار، فإن لم تر الطهر على تمام العشرة التي صلت فيها انتسبت إلى قرابتها من النساء من أمٍّ أو أختٍ أو خالةٍ أو عمّةٍ، حرة كانت أو أمة، موحّدة كانت أو مشركة، حيّة [كانت] (3) أو ميّتة، عاقلة أو مجنونة، فإن لم تجد قرابتها فلتنتسب إلى غيرهنّ من المسلمات، ومعنى انتسابها إلى ما (4) ذكرنا أن تسألها عن وقتها في الصلاة، ...
--------------------
يدلّ على أنّه ليس بحيض، حيث قال: الرابعة: الحامل التي يطرأ عليها الدم فإنّها تصنع كما تصنع المستحاضة ... الخ، وقد يقال: كلامه هنا -رحمه الله- مبنيٌّ على القول الثاني فيما سيأتي.
قوله تغتسل وتصلّي: قال في "الإيضاح":» وتجمع بين الصلاتين «(5)، لكن هذا الاغتسال على جهة الاستحباب بعد أن تغتسل عند الحكم عليها بالخروج من الحيض كما سيأتي (6).
قوله عن وقتها في الصلاة ... الخ: إنّما تسألها عن وقتها في الصلاة فقط، لأنّ الانتساب إنّما يكون في الطهر وأوقات الصلاة دون الحيض، نعم تنتسب إلى وقتها في الحيض
__________
(1) - في هذا الموضع يبدأ خرم في النسخة د والذي أشير إلى نهايته في صفحة: ... .
(2) - زيادة من أ وب.
(3) - سقط من ب وج.
(4) - في ج.: إلى من ذكرنا.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 228.
(6) - في صفحة: ... . (2/264)
صفحة 701
فإن قالت لها: وقتي عشرة أيام، فلتترك الصلاة إذا اغتسلت وصلّت عشرة أيام، وإن قالت لها: إنّ أيام صلاتي خمسة عشر [يوما] (1)، أو عشرون [يوما] (2)، فلتغتسل وتصلِّي حتى تنتهي إلى العدد الذي قالت لها، ثمّ تترك الصلاة عشرة أيام، ثمّ تنتظر يومين بعد العشرة، ثمّ تصلي بعد ذلك ما قالت لها قريبتها من عدد الأيام، وتصنع كذلك مادام بها الدم إلى سنة، فتكون بعد ذلك مبتلية تترك الصلاة اثنا عشر يوما وتصلي عشرة أيام حتى يفرِّج الله ما بها، وهذا إذا دام بها الدم من وقت انتظارها وأمّا إن وجدت الطهر بعد الانتظار فلتغتسل وتصلي حتى يأتيها الدم، فإذا راجعها انتسبت كما قدّمنا.
وأما حال المعتادة التي استقر وقتها فيما بين الثلاثة إلى العشرة وذلك أن ترى حيضها الأوّل فيدوم بها ...
--------------------
إذا كان لها وقت قبل ذلك، ولكن تترك يومين للانتظار على كلّ حال.
قوله وصلّت عشرة أيام: أي وأتمّت خمسين صلاة.
قوله مبتلية: صوابه: مبتلاة بقلب الياء ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
قوله فإذا راجعها: أي قبل تمام الستّين، وأمّا بعده فإنّه تعطي للحيض، لأنّ الستّين أقصى أوقات الطهر، وإنّما تنتسب إذا ردفت قبل تمام الستّين، لأنّ الطهر الذي تصيب على الانتظار أو بعده لا تتّخذه وقتا؛ نعم قال بعض أصحابنا: ليس على المرأة انتساب، وذلك على قول من يقول: كلّ دم وجدَتْه بعد ما صلّت عشرة أيام فهو حيض، والله أعلم.
قوله فيدوم بها ... الخ: لو قال: فيدوم بها ثلاثة أيام إلى عشرة ثمّ ترى الطهر فيدوم بها أقلّ من عشرة أيام ... الخ، لكان أخصر وأشمل.
__________
(1) - سقط من ب والحجرية.
(2) - زيادة من أ. (2/265)
صفحة 702
ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو عشرة، ثمّ ترى الطهر فيدوم بها سبعة أيام أو ثمانية أو تسعة، فإنها تغتسل وتصلي خمسين صلاة لعشرة أيام، ثمّ تنتسب كما قدّمنا في المبتدئة.
وكذلك إن خولط طهرها الأوّل فإنها تنتسب إذا رأت الدم بعد ... عشرة أيام، ...
--------------------
قوله وكذلك إن خولط طهرها الأوّل ... الخ: مثال ذلك: أن ترى الدم أوّل ما تراه، فيدوم بها ثلاثة أيام أو أكثر إلى عشرة أيام، فترى الطهر فتصلّي به أقلّ من عشرة أيام، ثمّ ترى الدم يوما وليلة مثلا، ثمّ ترى الطهر فتصلّي به عشرة أيام أو أكثر أو أقلّ ما لم تكمل الستّين بالطهر الأوّل، فإنّها تنتسب إذا رأت الدم لأنّ الطهر الذي خالطه الدم لا تتّخذه وقتا قلّ أو كثر؛ نعم على قول من يقول: كلّ دم وجدَتْه بعد ما صلّت عشرة أيام فهو حيض، لا تنتسب كما تقدّم عن بعض أصحابنا، ثمّ تقييد الطهر بقوله: الأوّل لأجل كون الكلام في الانتساب إلى القريبة، وإلاّ فالطهر غير الأوّل كذلك، إلاّ أنّها لا تنتسب إلى قريبتها بل إلى وقتها المقرّر قبل ذلك، والله أعلم. ... [ثمّ كتب أيضا] (1)
قوله خولط طهرها ... الخ: أي قبل تمام عشرة أيام، وأمّا بعدها إذا ردفت بالدم فإنّها تعطي للحيض لأنّ العشرة طهر مستقيم.
قوله بعد عشرة أيام: أي وقبل تمام الستّين، والظرف متعلّق بـ تنتسب.
[وكتب أيضا على هذه القولة أيضا ما نصّه:] (2)
قوله بعد عشرة أيام: أي التي هي الطهر المخَالَط، وإنّما قال: بعد عشرة أيام لأنّ فائدة الانتساب إنّما تظهر بعدها.
__________
(1) - زيادة من أ.
(2) - سقط من ج. (2/266)
صفحة 703
الكتاب: قواعد الإسلام
المؤلف: أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت: 750هـ / 1350م)
المحقق: بشير بن موسى الحاج موسى
الطبعة: الأولى
الناشر: [د. نا]
تاريخ نشر الجزء الأول: 1418هـ / 1998م
تاريخ نشر الجزء الثاني: 1422هـ / 2001م
المطبعة: المطبعة العربية
البلد: غرداية، الجزائر
عدد الأجزاء: 2
[الكتاب مذيل بحاشية الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة الجربي (ت: 1088هـ / 1678م)]
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) وكذلك إذا (1) رأت الطهر على الانتظار أو بعده فيما دون عشرة أيام فإنها تنتسب إذا أتاها الدم بعد عشرة أيام.
وأمّا إن رأت حيضها الأوّل فدام عليها يومين ثم رأت بعدهما طهرا فإنّ هذين اليومين يكونان لها أصلا، فكلّ ما رأته من الدم الخالص بعد ذلك الطهر المتقدّم فإنها تجمعه إلى اليومين [الأوّلين] (2) اللذين هما الأصل، وذلك فيما تراه بين [اليوم] (3) الأوّل من الحيض إلى العاشر، وما رأته بعد العاشر فلا تجمعه، ...
--------------------
قوله وكذلك إذا رأت الطهر على الانتظار ... الخ: رؤية الطهر على الانتظار أو بعده يكون للمبتدئة والمعتادة، لكن المعتادة تنتسب إلى وقتها وتلك إلى قريبتها، وإنّما ينتسبان لأنّ الطهر الذي يوجد على الانتظار أو بعده لا تتّخذه وقتا طال أو قصر، وإنّما قال: قبل تمام عشرة أيام لأنّ فرض المسألة أنّها معتادة، لكن تفرض بالتي ليس لها وقت في الطهر لتنتسب إلى قريبتها بأن يكون طهرها الأوّل زائدا على الستّين أو مخالطا.
قوله وأمّا إن رأت حيضها الأوّل ... الخ: هذا إشارة إلى مسألة البناء والأصول، وهي خاصّة بالمبتدئة.
قوله فكلّ ما رأته من الدم الخالص ... الخ: صريحه أنّها تجمع أيام الدم وتترك أيام الطهر، وذكر في "الإيضاح" قولا آخر وهو أنّها تجمع أيام الدم وأيام الطهر، وهو المختار عنده حيث قال في أيام الطهر التي بين الدماء:» لأنّ أيام الطهر لا تخلو أن تكون أيام طهر أو أيام حيض، فإن كانت أيام طهر فليس يجب أن تلفِّق أيام الدم إذا تخلّلها طهر، وإن كانت أيام حيض فيجب أن تلفِّقها، والنظر عندي أنّها ليست أيام
__________
(1) - في نسخ القواعد المعتمدة: إن رأت الطهر.
(2) - زيادة من أ وب.
(3) - سقط من أ وج. (2/267)
صفحة 704
فإن قطع بين ما تضمّه طهرٌ جمعت ما قبل الطهر إلى الأصل الأوّل فيكون لها وقتا للحيض، ولا تجمع ما بعد (1) الطهر القاطع ولا ما بعد العاشر من اليوم الأوّل الذي ترى فيه الحيض، واليوم الأوّل الذي أتاها فيه الحيض لا تعتدّ به إلا إن رأت فيه الحيض قبل طلوع الفجر، وقيل: قبل طلوع الشمس.
--------------------
طهر لأنّ أقلّ الطهر عشرة أيام، ويجب على هذا أن تكون أيام حيض كلّها، لأنّ أيام الحيض والنفاس تجري ثمّ تنقطع يوما أو يومين أو أكثر، كما تنقطع ساعة أو ساعتين أو أكثر في النهار، والله أعلم «(2).
قوله طهر جمعت: أي قاطع، وأمّا إن لم يكن قاطعا فإنّها تجمع ما بعده إلى عشرة أيام كما تقدّم، فقوله بعد: ولا تجمع ما بعد ... الخ تأكيد لما فُهم من هذا.
قوله ولا تجمع ما بعد الطهر القاطع ... الخ: قال في "الإيضاح":» ومعنى ذلك: إذا تقدّم هذا الطهر ما تجمعه من أيام الدم ما يكون لها وقتا فلا تجمع ما بعده وهو الصحيح، لأنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيام، وما بعد الطهر القاطع محتمل، ولا تُترك العبادات المتيقّنة بالمحتمل، وقال آخرون في هذا: تجمع ما بعد الطهر القاطع مادون عشرة أيام ... الخ «(3).
قوله وقيل قبل طلوع الشمس: قال في "الإيضاح":» وقال آخرون: تحسبه إن رأت الدم ما بينهما وبين صلاة الظهر، والنظر [يوجب] (4) عندي أنّ سبب الاختلاف هل اسم اليوم في كلام العرب يقع على البعض أو لا ... ؟ والعرب تسمّي البعض باسم الكلّ ... الخ «(5).
__________
(1) - في الحجرية: ما بين الطهر.
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 212.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 213، 214.
(4) - زيادة من هـ.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 220، 221. (2/268)
صفحة 705
وأمّا إن تمّ وقتها في الحيض ولم ينقطع عنها الدم فإنها تنتظر يومين، فإن انقطع وإلا اغتسلت وصلّت وكانت مستحاضة، وإن انتظرت يومين فرأت الطهر فاعتادها ذلك ثلاث مرات فإنها تطْلع إليها وتترك الوقت الأوّل، وكذلك إن انقطع عنها الدم فرأت الطهر قبل تمام وقتها المعتاد فتمادى ذلك عليها مرّتين فإنها تنزل إليه وتتخذه وقتا وتترك الوقت الأول.
--------------------
قوله وأمّا إن تمّ وقتها في الحيض ... الخ: هذا إشارة إلى مسألة الانتظار، وهي تجري في المبتدئة والمعتادة، ولكن المبتدئة قد تقدّمت.
قوله وإلاّ اغتسلت وصلّت وكانت مستحاضة: لكن إن كان لها وقت في الصلاة انتسبت إليه، وإلاّ انتسبت إلى قريبتها كما تقدّم، وذلك إلى تمام سنة ثمّ تصير مبتلاة كما تقدّم أيضا في المبتدئة.
قوله وإن انتظرت يومين فرأت الطهر: هذا فرض المسألة، وإلاّ فالحكم كذلك إذا رأت الطهر بعد الانتظار إلى عشرة أيام.
قوله وإن انتظرت يومين إلى قوله وتترك الوقت الأوّل: إشارة إلى مسألة الطلوع والنزول، وهي خاصّة بالمعتادة.
قوله وتترك الوقت الأوّل: إنّما تترك الوقت الأوّل لأنّها لا تتّخذ في الحيض إلاّ وقتا واحدا، بخلاف الطهر فإنّه يجوز أن يكون لها إحدى وخمسون وقتا، ويتقرّر بمرّة واحدة، بخلاف الحيض فإنّه لا يتقرّر بمرّة واحدة إلاّ في المرّة الأولى؛ واعلم أنّه إنّما تنزل بمرّتين وتطلع بثلاث لِما قال في "الإيضاح" مِن:» أنّ الطلوع زيادة في الحيض فلا تترك بتلك الزيادة ما تيقّنت بوجوبه من العبادات إلاّ بالعدد الذي اتّفقوا أن تكون تلك الزيادة به دم حيض، وهو ثلاث مرّات، والنزول بخلافه، لأنّها لا تترك عبادة ... الخ «(1).
__________
(1) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 236. (2/269)
صفحة 706
فإن تمّ وقتها وانقطع عنها الدم وبقي شيء من الكدرة أو الصفرة أو الترية فإنها تنتظر يوما وليلة، فإن انقطع وإلا اغتسلت وصلت، ...
--------------------
قوله الكدرة ... الخ: في "القاموس":» الكُدْرَةُ في اللون، والكُدُورَةُ في الماء والعين «(1)، وأمّا التريّة فلم نقف لها على معنى في "القاموس" و"الصحاح" (2)، ثمّ رأيت بهامش نسخة شيخنا عبد الله على "الإيضاح" ما نصّه:» قيل هو غسَّالة الدم عقب طهرها، وهو بتشديد التاء وكسر الراء وتشديد المثنّاة التحتية، وحكى ابن التين في شرحه للبخاري عن الداودي: التريّة: الماء المتغيّر دون الصفرة، وقال ابن المعذل في "المبسوط": التريّة: الدفعة من الدم لا يتّصل بها من الحيض ما يكون حيضة كاملة، وقد أشعر كلامُه بالفرق بين الحيض والحيضة، فالدفعة حيض وليست حيضة، والحيضة ما يقع به الاعتداد في العدة والاستبراء، قاله الرجراجي «اهـ (3).
قوله فإنّها تنتظر يوما وليلة فإن انقطع وإلاّ اغتسلت ... الخ: أي بخلاف الدم فإنّ انتظاره يومان كما تقدّم، ثمّ ظاهر كلامه في التعليل يقتضي أنّها إنّما تغتسل وتصلّي، لأنّ هذه الأشياء لا حكم (4) لها مع أنّ الدم أيضا كذلك إذا دام بعد انتظار يومين، فلو قال مثلا: واعلم أن الصفرة ... الخ، لكان أحسن.
__________
(1) - الفيروزابادي: باب الراء، فصل الكاف: كدر.
(2) - بل ذكر في القاموس معناها إذ قال:» التريّة ... : ما تراه الحائض عند الاغتسال، وهو الشيء الخفيّ اليسير، أقلّ من الصفرة والكُدرة «، الفيروزابادي: باب الياء، فصل الواو: الوَرْيُ.
(3) - عبد الله بن سعيد السدويكشي، حاشية على الإيضاح، 1/ 187.
(4) - في الحجرية: يُحكم. (2/270)
صفحة 707
لأنّ الصفرة والكدرة والتريّة لا حكم لها على الانفراد، إنما الحكم لما سبقها وتقدّمها، إن تقدّمها حيض فحكمها حكم الحيض، وإن تقدّمها طهر فحكمها حكم الطهر في قول الربيع -رحمه الله- (1)، وهو المعمول به عند أصحابنا، وقيل عن ابن عباد أنها حيض في أيام الحيض (2)، لأنه قيل: إنّ الحيض ستة أشياء، وهي: الدم والصفرة والكدرة والترية والحمرة والغبرة، فهذه الأوصاف حكمها حكم الحيض (3).
و أمّا الطهر فنوعان، جفوف: وهو أن تُدخل المرأة الخرقة فتخرجها جافة؛ ...
--------------------
قوله وقيل عن ابن عباد ... الخ: زاد في "الإيضاح" قولين آخرين، أحدهما أنّ الصفرة والكدرة حيض في أيام الحيض وفي غير أيام الحيض، والثاني أنّهما لا يكونان حيضا لا في أيام الحيض ولا في غيرها، ثمّ قال:» وأصل هذا الاختلاف مخالفة ظاهر حديث أمّ عطية [الأنصارية] (4) لحديث عائشة، وذلك أنّه روي عن أمّ عطية الأنصارية أنّها قالت: كنّا لا نعدّ الصفرة والكدرة حيضا في زمن النبيء - صلى الله عليه وسلم -، وروي عن عائشة أنّها قالت: لا تطهر المرأة من حيضتها حتّى ترى القصّة البيضاء «، إلى أن قال:» ومن رأى (5) الجمع بين الحديثين قال: حديث عائشة هو في ... الحيض، وحديث أمّ عطية في غير أيام الحيض؛ أو حديث أمّ عطية هو بعد انقطاع الدم، وحديث عائشة هو في أثر الدم؛ وهذا القول عندي أصحّ، أن تكون الصفرة والكدرة حكمهما حكم ما سبق لهما، وكذلك التريّة والعلقة والتيبّس ... الخ «(6).
__________
(1) - رسالة في ذكر مسائل الحيض وتلخيصها، ص.: 158 (مخطوط ضمن الديوان المعروض).
(2) - رسالة في ذكر مسائل الحيض وتلخيصها، ص.: 158 (مخطوط ضمن الديوان المعروض).
(3) - ابن خلفون، الأجوبة، 89.
(4) - زيادة من د والحجرية.
(5) - في الحجرية: رام.
(6) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 186، 187. (2/271)
صفحة 708
والثاني: القصَّة البيضاء، وهو ماء رقيق أبيض يأتي في آخر الحيض، كماء القصَّة وهو الجير، وهذا هو الأقعد في الطهر عند أصحابنا (1)، كان ذلك عادة للمرأة أو ليس بعادة،
وحجّتهم قول النبيء - صلى الله عليه وسلم -:» لا تطهر المرأة من حيضتها حتى ترى القصّة البيضاء «(2)؛ والتي عادتها الجفوف هو طهرها، ...
--------------------
قوله القصّة البيضاء ... الخ: قال في"الإيضاح":» والقصّة ... قطعة من الجصّ، وذهب بعض أصحابنا إلى أنّه قطعة من الورق ... الخ «(3)، وقال في "الصحاح":» والقَصَّةُ [يعني بالفتح]: الجِصُّ، لغة حجازية، وقد قَصَّصَ داره أي جصَّصَها، و في الحديث:» الحائض لا تغتسل حتّى ترى القصّة البيضاء «، أي: حتّى تُخرج القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها كأنّها قصّة لا يخالطها صفرة ولا تريّة ... الخ «(4).
قوله قول النبيء - صلى الله عليه وسلم -: أي من طريق عائشة رضي الله عنها، ثمّ قوله: لا تطهر ... الخ أي ما لم تكن عادتها الجفوف، بدليل ما بعده.
__________
(1) - ابن خلفون، الأجوبة، 90.
(2) - أخرجه الربيع بن حبيب: باب الحيض، رقم: 543 (2/ 147)؛ وقد جاء موقوفا عن عائشة - رضي الله عنه - ا أنّ النساء كنّ يبعثن إليها بالدُرجة فيه الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة، فتقول لهنّ:» لا تعجلن حتّى ترين القصَّة البيضاء «، ساقه البخاري معلّقا في صدر باب إقبال المحيض وإدباره من كتاب الحيض؛ ورواه مالك في الموطّا: كتاب الطهارة، رقم: 117؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1486 (1/ 335)؛ وعبد الرزاق في مصنّفه؛ كما أورده ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (4/ 70)، (يُراجع: الزيلعي، نصب الراية، 1/ 193).
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 188.
(4) - الجوهري: باب الصاد، فصل القاف: قصص. (2/272)
صفحة 709
فإن جفت التي عادتها الماء الأبيض [فبعض أصحابنا يقول: تنتظر من ساعة إلى ساعة، فإن أتاها الماء الأبيض] (1) وإلا اغتسلت وصلّت (2)؛وعند بعض أهل المدينة الأقعد هو الجفوف، وعند بعضهم الأقعد [هو] (3) القصّة البيضاء كما قدمنا والله أعلم (4).
وأما المستحاضة التي تمادى بها الدم وحكم باستحاضتها فلا تخلو من أن تكون مبتدئة أو معتادة، وكل واحدة منهما إمّا مميزة أو غير مميزة، فهي إذا على أربعة أقسام: مبتدئة مميِّزة، ومبتدئة غير مميّزة، ومعتادة بتمييز، ومعتادة بغير تمييز.
--------------------
قوله فإن جفّت ... الخ: يعني يكون جفوفها بمنزلة الصفرة والكدرة، فتنتظر يوما وليلة وهو المراد بقوله: من ساعة إلى ساعة، قال في "الإيضاح":» وفي الأثر: وسألته عن المرأة الحائض تمّ وقت حيضها فتيبّست فلم تر الطهر، قال: تنتظر من ساعة إلى ساعة، وقد اختلفوا في الساعة، فمنهم من يقول: من تلك الساعة التي تيبّست فيها إلى وقت تلك الساعة غدا ثمّ تغتسل، ومنهم من يقول: إنّما يقال من ساعة إلى ساعة: أي من غروب الشمس التي تيبّست فيها إلى غروب الشمس غدا فتغتسل «(5).
قوله هو الجفوف: الضمير عائد (6) إلى الأقعد، أي: وعند أهل المدينة الأقعد الجفوف، وفي بعض النسخ: الأقعد هو الجفوف.
__________
(1) - سقط من ج.
(2) - ابن خلفون، الأجوبة، 90.
(3) - زيادة من أ.
(4) - ابن خلفون، الأجوبة، 90.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 225.
(6) - في الحجرية: راجع. (2/273)
صفحة 710
فأمّا الأولى: فإنها تترك الصلاة عند بعض العلماء مدّة تمييز حيضها، بشرط أن لا تزيد على أكثر مدّة الحيض، فإن زاد على أكثرها لم يكن عنده حيضا. وأمّا الثانية: وهي المبتدئة من غير تمييز، فإنها عند بعض العلماء تجلس خمسة عشر يوما إذا تمادى بها الدم، فإن انقطع وإلا صارت مستحاضة. وأما الثالثة: وهي المعتادة من غير تمييز، فإنها عند بعضهم إذا شكّت فلم تدْر أذلك انتقال في حيضها أو استحاضة فإنها تغتسل وتصلي وتصوم، ...
--------------------
قوله تترك الصلاة عند بعض العلماء مدّة تمييز حيضها: أي فقط، فإذا تغيّر اغتسلت وصلّت، يعني: وأمّا عند بعض العلماء ممّن لا يقول بالتمييز فإنّها تترك الصلاة ما دام الدم عليها ولو تغيّر، ما لم تصل إلى عشرة أيام وتنتظر يومين، والله أعلم.
قوله أن لا تزيد على أكثر مدّة الحيض: يُنظر ما أكثره عند صاحب هذا القول، وهل تنتظر عنده أوّلا؟ والذي عليه العمل: أنّ أكثره عشرة أيام والانتظار يومان، وبعضهم يقول: أكثره خمسة عشر يوما أو سبعة عشر ولا تنتظر، والله أعلم.
قوله فإن زاد على أكثرها لم يكن عنده حيضا: الظاهر أنّه لا فائدة للتقييد بقوله: عنده، فإنّ الحكم كذلك عند جميع العلماء إذا زاد على أكثر مدّة الحيض، والله أعلم.
قوله فإنّها عند بعض العلماء تجلس خمسة عشر يوما: أي ولا تنتظر، وأمّا عند بعضهم فإنّها تجلس عشرة أيام وتنتظر يومين كما تقدّم، والله أعلم.
قوله وأمّا الثالثة ... الخ: فيه نشر غير مرتّب على اللّف.
قوله فلم تدْر أذلك انتقال من حيضها: أي فترى الطهر عند أقصى أوقات الحيض أو قبله، أم استحاضة فيستمرّ بها ولا ينقطع.
قوله فإنّها تغتسل ... الخ: ظاهره أنّها لا تنتظر عند صاحب هذا القول، وأمّا الحكم عند غير هذا البعض فإنّها تنتظر يومين ولا تطلع إلى خمسة عشر في غير الأوّلة، والله أعلم. ... [وكتب أيضا على هذه القولة ما نصه:] (2/274)
صفحة 711
ولا يطأها (1) زوجها احتياطا، ثم تنظر إلى ما يصير إليه أمرها، فإن انقطع الدم عنها لتمام خمسة عشر يوما عُلِم أنها قد انتقلت عادتها، وكانت المدّة كلها حيضا، وإن استمرّ الدم علم أنّ ذلك استحاضة، واعتدّت بحيضتها كما تقدّم من عادتها، وتقضي الصوم فيما بين ذلك وبين الزيادة على خمسة عشر يوما ....
--------------------
قوله فإنّها تغتسل وتصلّي وتصوم: أي لاحتمال أن يكون ذلك الدم [دم] (2) استحاضة وليس انتقالا في العادة، ولا يطأها زوجها لاحتمال أن يكون ذلك حيضا وأنّه انتقال في الدم.
قوله قد انتقلت عادتها ... الخ: انظر هل صاحب هذا القول يشترط استمرار ذلك ثلاث مرّات كما تقدّم أو لا؟ وظاهره الثاني، لأنّ هذا مخالف لما تقدّم (3) من وجوه، منها: أنّها -على ما ذكره في "الإيضاح"- لا تتّخذ الخمسة عشر في غير الأوّلة (4)، ومنها: أنّها تنتظر يومين بعد تمام وقتها (5)، وهذه بخلاف ذلك على ظاهر كلامه، والله أعلم فليحرّر.
قوله وتقضي الصوم ... الخ: الظاهر أنّه راجع إلى التي انقطع دمها لتمام خمسة عشر يوما، فإنّها تقضي الصوم وإن صامته قبل ذلك، لأنّه كشف الغيب أنّ ذلك حيض حين انقطع الدم لأقصى أوقات الحيض عند صاحب هذا القول، وأمّا إن استمر الدم وصارت مستحاضة فإنها لا تقضي ما صامته في تلك المدّة حين تبيّن أنّه استحاضة، فلو قدّمه عند قوله: وكانت المدّة كلّها حيضا لكان أظهر، ثمّ قوله: وبين الزيادة على خمسة عشر يوما الظاهر أن يقول: إلى خمسة عشر، فيأتي بـ إلى بدلَ على، والله أعلم.
__________
(1) - في الحجرية: يصيبها.
(2) - زيادة من ج. والحجرية.
(3) - في صفحة: ... .
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 202.
(5) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 241. (2/275)
صفحة 712
وأمّا الرابعة: وهي المعتادة بتمييز، فإنها تعتبر التمييز عندهم بحديث فاطمة بنت حبيش أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أمرها وكانت مستحاضة أن تدع الصلاة مقدار أقرائها التي كانت تحيض فيها قبل أن يصيبها ما أصابها ثم تغتسل وتصلي؛ قالوا لأنّ العادة تختلف والتمييز لا يختلف، ولأنّ النظر إلى اللون اجتهاد والنظر إلى العادة تقليد، والاجتهاد أولى من التقليد، والله أعلم.
--------------------
قوله بحديث فاطمة ... الخ: لقائل أن يقول: ليس في حديثها ما يدلّ على اعتبار التمييز، قال في "الإيضاح" حين ذكره للاستدلال على أنّ المستحاضة ليس عليها إلاّ غسل
واحد:» لما روي عن عائشة قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنّي لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» إنّما ذلكِ دم عرق نجس ليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة وإذا أدبرت وذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلّي «، ولم يأمرها بالغسل ... الخ «(1)، فلم يذكر فيه التمييز كما ترى والله أعلم؛ وهذا إنّما يتمّ إذا كان لفظ الحديث:» وذهب قدرها «بالدال [المهملة] (2) كما هو فيما رأيناه من نسخ "الإيضاح"، ورأيناه في نسخة من "المسند"،» وذهب قذَرها «بالذال المعجمة ضبطا بالقلم، وعليه فيصحّ الاستدلال به على التمييز لأنّ الحيض فيه قذر لا يوجد في الاستحاضة، والله أعلم فليحرّر؛ لكن لا يناسبه قول المصنّف –رحمه الله-: أن تدع الصلاة مقدار أقرائها التي كانت تحيض فيها قبل أن يصيبها ما أصابها، فإنّه يدلّ على أنّها تترك ما كانت تترك قبل ذلك ولا تنظر إلى غيره، والله أعلم.
__________
(1) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 262؛ والحديث تقدّم تخريجه في صفحة: ... .
(2) - زيادة من الحجرية. (2/276)
صفحة 713
والعمل عند أصحابنا على ما قدّمنا في صدر الكتاب، لكني إنما أثبت هذا التقسيم هاهنا لئلا يضطرّ إليه مضطرّ فيسوغ له الأخذ بأقاويل أهل العلم (1).
ثمّ المستحاضة حكمها حكم الطاهر في جميع معانيها، لأنّ الاستحاضة كسلس البول، لا تمتنع من الصلاة، لكن يستحبّ لها أن تغتسل لكلّ صلاة، فإن لم تفعل فتوضّأت لكلّ صلاة فلا بأس عليها بعد أن تغتسل عند الحكم لها بالاستحاضة، ويؤمر زوجها أن يطأها إذا اغتسلت للصلاة، وإن وطئها في غير ذلك فلا بأس عليه إن شاء الله.
--------------------
قوله في صدر الكتاب: أي في الفصل الثالث من الجملة الثانية (2)، وإنّما صحّ إطلاق اسم الكتاب عليه لأنّ الكتاب مشتقّ من الكُتْبِ وهو الجمع، ولا شك أنّ الفصل فيه جمع، والله أعلم.
قوله لئلاّ يضطرّ إليه مضطر ... الخ: الظاهر أنّ لا زائدة، على حدّ قوله تعالى: {لِيَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [الحديد:29]، أي لأجل الاضطرار، والله أعلم.
قوله حكمها حكم الطاهر ... الخ: أي عند الحكم عليها بالخروج من الحيض كما هو معلوم.
قوله أن تغتسل لكلّ صلاة ... الخ: لم يذكر-رحمه الله- أنّها تجمع بين الصلاتين، وقد ذكره في "الإيضاح" وجعله مقابلا لقول من قال: تغتسل لكلّ صلاة، والله أعلم (3)؛ لكن كلامه يدلّ على أنّ الخلاف هل تؤمر بذلك عند كلّ صلاة أو عند كلّ صلاتين؟ أو عند الخروج من الحيض فقط وتتوضّأ لكلّ صلاة؟ وهو المروي عن جابر ابن زيد –رحمه الله-، وهو المناسب لما ذكره هنا –رحمه الله-، والله أعلم (4).
__________
(1) - في أ: بأقاويل العلماء.
(2) - في صفحة: ... .
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 262.
(4) - روى الربيع بن حبيب في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» المستحاضة تتوضّأ لكلّ صلاة «، باب في المستحاضة، رقم: 555 (2/ 150). (2/277)
صفحة 714
والرابعة: الحامل التي يطرأ عليها الدم فإنها تصنع كما تصنع المستحاضة، وإن ضربها الطلق فجاءتها دفعة من الدم ثم انقطع فإنها تغتسل وتصلي؛ وإن كانت حاملا فرأت بلّة أو صفرة فإنها تتوضأ، فإن ضربها الطلق فرأت صفرة أو كدرة قبل أن تلد فإنها تتوضّأ وتصلي، لأنّ هذا ليس بحيض ولا نفاس، وإذا كان دما سائلا اغتسلت وصلّت، ...
--------------------
قوله كما تصنع المستحاضة: أي لأنّ ذلك ليس بحيض، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» ماكان الله ليجعل حيضا مع حبل «(1)، فعلى هذا يكون قوله: كما تصنع المستحاضة أي: من أنّها تغتسل وتصلّي، وليست شبيهة بها من كل وجه، لأنّه لا حيض مع الحبل حتّى تترك الصلاة، والله أعلم.
قوله وإن ضربها الطلق: في "الصحاح":» والطلق وجع الولادة، وقد طُلِقَتِ المرأة تُطْلَقُ طَلْقًا على مالم يُسمّ فاعله «(2).
قوله ثمّ انقطع فإنّها تغتسل ... الخ: مفهومه أنّه لو لم ينقطع لا تغتسل و [لا] (3) تصلّي، وذلك لأنّه دم النفاس حين ضربها الطلق وتمادى، والله أعلم.
قوله لأنّ هذا ليس بحيض ... الخ: الظاهر أنّ هذا يغني عنه قوله: و ... الحامل (4) التي يطرأ عليها الدم ... الخ، لأنّه إذا كان الدم الخالص ليس بحيض فهذه الأشياء من باب أولى ألاّ تكون حيضا، ولكن ذكره ليبيّن حكمه وهو أنّه ليس عليها الاغتسال، والله أعلم.
قوله وإن كان دما سائلا ... الخ: هذا يغني عنه أيضا قوله: التي يطرأ عليها الدم، اللهمّ إلاّ أن يقال: أعاده ليرتّب عليه قوله: وقال من قال: إنّ الحامل ... الخ، وعلى هذا القول تكون الحامل شبيهة بالمستحاضة من كلّ وجه، والله أعلم.
قوله إذا كان دما سائلا ... الخ: يعني وأمّا لو انقطع -على هذا القول- فصار يأتيها أيام
__________
(1) - تقدّمت الإشارة إلى أنّه لم نقف عليه.
(2) - الجوهري: باب القاف، فصل الطاء: طلق.
(3) - سقط من النسخ المخطوطة.
(4) - في النسخ المخطوطة: وأمّا الحامل. (2/278)
صفحة 715
وقال من قال: إن الحامل إذا رأت الدّم فإنّها (1) تقعد أيام أقرائها وتجمع بين الصلاتين بالغسل إذا كان دما سائلا، وإن كانت صفرة توضّأت لكلّ صلاة، ويغشاها زوجها في الصفرة والكدرة، ويكره له ذلك في الدم السائل (2).
وعن الربيع -رحمه الله- في المرأة ترى الدم فتحسب أنه حيض فتركت الصلاة، ثمّ استبان أنها حامل، ...
--------------------
أقرائها فقط فإنّه حيض عنده، قال في "الإيضاح":» وقال بعض أصحابنا: إذا رأت الحامل الدم في الأيام التي كان يأتيها الحيض فيها تدَعُ الصلاة وتكون حائضا، وذُكر في بعض الكتب أنّ الحامل مرّة يكون الدم الذي تراه دم حيض وذلك إذا كانت قوّة المرأة وافرة والجنين صغيرا، وبذلك أمكن أن يكون حبل على حبل على ما حكاه الفراء وجالينوس وسائر الأطباء «(3).
قوله وإن كانت صفرة توضّأت ... الخ: قد يقال: إنّما أعاده مع أنّه معلوم مما تقدّم ليبيّن أنّ حكم الصفرة مثلا متّحد عند صاحبي هذين القولين، والله أعلم.
قوله ويغشاها زوجها في الصفرة ... الخ: الظاهر أنّ هذا التفصيل لصاحب هذا القول، فلا ينافي قوله فيما تقدّم: ويؤمر زوجها أن يطأها ... الخ فإنّ ظاهره أنّه يطؤها بعد الاغتسال ولو كان دما سائلا، وأشار في "الإيضاح" إلى القولين، لكن في المستحاضة، فليراجع (4).
__________
(1) - في أ وب: أنّها.
(2) - الديوان المعروض ممّا أفتى به قتادة، ص.: 198 (مخطوط).
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 282.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 247. (2/279)
صفحة 716
قال: عليها إعادة ما تركت من الصلاة في حملها، وكان يرى أنها (1) تصنع كالمستحاضة (2)؛وسئل بعض علمائنا (3) عن المرأة ترى الصفرة أو الكدرة أو الحمرة قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة، هل تترك الصلاة؟ قال: لا، هو داءٌ جاء أحيانا و ذهب أحيانا، قيل له: فإن رأت ذلك أياما وظنّت أنها تلد وتركت الصلاة والصوم؟ قال: إذا كان حبل قد استبان فعليها بدل تلك الصلاة والصوم، لأنّ ذلك الدم ليس بشيء (4).
--------------------
قوله ما تركت من الصلاة في حملها ... الخ: أي لأنّه لا حيض مع الحبَل، ويشهد له قوله - عليه السلام -:» ماكان الله ليجعل حيضا مع حبل «(5).
قوله كالمستحاضة: أي في أنّها تغتسل وتصلّي فقط، فيكون موافقا للقول الأوّل، والله أعلم.
قوله إذا كان حبل ... الخ: ظاهر الجواب غير مطابق لظاهر السؤال كما هو ظاهر، لأنّ السؤال عن الصفرة وما ذكر معها مع ظنّ الولادة، والجواب عن الدم مع الحبل مطلقا قربت الولادة أو بعدت، وقد يقال: لا ضرر في الجواب إذا كان أعمّ، ولأنّه إذا كان الدم ليس بحيض فما ذكر من الصفرة وغيرها من باب أولى، إلاّ أنّ ظاهر السؤال: هل ذلك نفاس حين ظنّت الولادة أو لا؟ والله أعلم، فليحرّر.
__________
(1) - في أ وج.: يرى أن تصنع.
(2) - رسالة في ذكر مسائل الحيض وتلخيصها، ص.: 158 (مخطوط ضمن الديوان المعروض).
(3) - في أ: بعض أصحابنا رحمهم الله عن.
(4) - المسؤول عن ذلك هو الإمام جابر بن زيد -رحمه الله-، روى عنه ذلك أبو صفرة في جامعه المعروف بآثار الربيع عن ضمام عن جابر بن زيد، ص.: 479 (مخطوط ضمن الديوان المعروض).
(5) - تقدّم أنّه لم نقف عليه. (2/280)
صفحة 717
وكذلك اليائسة التي قعدت عن الحيض (1) بالكبر فإنها إذا رأت الدم اغتسلت وصلت، وتصنع كالمستحاضة لأنّ ذلك داء ليس بحيض، ...
--------------------
ويجوز صومها وصلاتها، وإن رأت صفرة توضّأت لكلّ صلاة؛ واختلف في حد الإياس، فقيل: خمسون سنة، وقيل: خمس وخمسون، وقيل: ستون.
ويقال: يقطع الحيض خمسة أشياء: الكبر، والحمل، والرياح، والرضاع ... [في الغالب] (2)، والمرض، والله أعلم [وأحكم] (3).
قوله كالمستحاضة: أي في أنّها تغتسل وتصلّي، لا في أنّها [أيضا] (4) تصلّي أحيانا وتترك أحيانا، فليس التشبيه تامًّا، والله أعلم.
قوله ويجوز صومها ... الخ: في التعبير بالجواز تأمّل، اللهمّ إلاّ أن يقال: المراد بالجواز الصحّة، وذلك لا ينافي الوجوب، والله أعلم.
- - -
__________
(1) - في أ وب: المحيض.
(2) - زيادة من ب.
(3) - زيادة من ب وج.
(4) - زيادة من أ. (2/281)
صفحة 718
الفصل الرابع في دم النفاس
وهو الخارج بسبب الولادة، وهو عند العلماء: حيض زادت أيامه، ولم يختلف مع دم الحيض إلا في طول المدّة وقصرها؛ والدفعة الواحدة من النفاس تكون دما باتفاق أهل العلم، وليس الحيض كذلك عند أكثرهم؛ واختلف أهل العلم في أقصى النفاس، فقال أكثرهم: أقصاه (1) أربعون يوما، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، وروي مثل ذلك في حديث أمّ سلمة، قالت: كنا نقعد في النفاس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يوما إلاّ أن نرى الطهر قبل ذلك (2)؛ ...
--------------------
قوله والدفعة الواحدة من النفاس تكون دما: لعلّ في العبارة قلبا، والأصل: والدفعة الواحدة من الدم تكون نفاسا (3)، وانظر ما معنى كون الدفعة الواحدة تكون نفاسا؟ فإنّها لا تتّخذ للنفاس وقتا فيما دون عشرة أيام، والظاهر أنّ معنى ذلك أنّها إذا تركت الصلاة لأجل الدفعة فرأت الطهر فإنّها لا تعيد ما تركت من الصلاة، بخلاف الحيض على الصحيح فإنّها تعيد ما تركت من الصلاة إذا لم تكمل ثلاثة أيام، والله أعلم فليحرّر.
__________
(1) - في أ: أقصى النفاس أربعون.
(2) - جاء الحديث بلفظ:» كان النفساء تجلس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يوما ... «، أخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، رقم: 129؛ وأبو داود: كتاب الطهارة، رقم: 267؛ وابن ماجة: كتاب الطهارة وسننها، رقم: 640؛ وأحمد: باقي مسند الأنصار، رقم: 25350؛ والدارمي: كتاب الطهارة، رقم: 940؛ والحاكم في المستدرك، رقم: 622 (1/ 283)؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 1502 (1/ 341)؛ وأبو يعلى في مسنده، رقم: 7023 (12/ 452)؛ والطبراني في الكبير، رقم: 878 (23/ 370)؛ والدارقطني في السنن، رقم: 76 =
(3) - وهو ما ورد في أ من نسخ القواعد. (2/282)
صفحة 719
وقال آخرون: أكثر النفاس ستون يوما، وقيل: تسعون يوما.
وأقلّ النفاس [عند أصحابنا] (1) عشرة أيام، وكذلك أدنى أوقات الصلاة عندهم، وأكثرها ستون يوما.
وإذا وضعت الحامل تركت الصلاة والصوم، واجتنبها زوجها حتى تطهر من نفاسها (2)، أو تبلغ أربعين يوما، فإذا رأت الطهر اغتسلت وصلت، وإن لم تر الطهر بعد الأربعين انتظرت ثلاثة أيام ثم تغتسل وتصلي، تصنع كالمستحاضة؛
--------------------
قوله و أقلّ النفاس ... الخ: أي أقلّ أوقاته، فلا ينافي ما تقدّم.
قوله حتّى تطهر: ظاهر كلامه -رحمه الله- أنّها إذا طهرت قبل الأربعين جاز وطؤها من غير كراهية، مع أنّ ظاهر كلام "الإيضاح" [أنّه] (3) يكره جماعها قبل الأربعين مطلقا، حيث قال:» وروي أنّ طلحة تعرّضت له امرأته في الأربعين فقال: نهينا أن نقرب النساء في الأربعين، والاحتياط في ذلك أحسن، ولم أر أحدا حرّم بذلك «(4).
قوله بعد الأربعين: هذا في المبتدئة، والمسألة الآتية في المعتادة (5).
__________
(1) = (1/ 221)؛ والطيالسي في مسنده، رقم: 1472. وجاء الحديث بزيادة:» إلاّ أن نرى الطهر قبل ذلك «، في رواية لأنس أخرجها ابن ماجة والدارقطني وابن حبان في الضعفاء، وقد ضعّفها النقاد لوهن في سندها، (يراجع: الزيلعي، نصب الراية، 1/ 206؛ العسقلاني، تلخيص الحبير، 1/ 171).
- سقط من أ وب.
(2) - في أ: من النفاس.
(3) - زيادة من الحجرية.
(4) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 247.
(5) - سقط هذا التعليق من الحجرية. (2/283)
صفحة 720
و إن كان لها وقت دون أربعين يوما فإذا تمّ وقتها ولم تر الطهر انتظرت ثلاثة أيام كما قدّمنا، ثمّ تصنع بعد ذلك كما تصنع المستحاضة؛ ...
--------------------
وإن كان وقتها أربعين يوما [و] (1) انقطع الدم دونها اغتسلت وصلت أياما، ثمّ راجعها الدم قبل الأربعين ففي إعادة صلاتها وصيامها قولان.
وكذلك الحائض يكون وقتها ثمانية أيام، فتحيض ثلاثة أيام ثمّ تطهر، فتصوم أربعة أيام، ثمّ يراجعها الدم في الثامن، فقولان في إعادة صلاتها وصيامها.
قوله فإذا تمّ: لعلّه: فتمّ، وجواب الشرط هو قوله: انتظرت ... الخ.
قوله اغتسلت: لعلّه: فاغتسلت (2)، فإنّ جواب الشرط هو قوله: ففي إعادة ... الخ.
قوله ففي إعادة صلاتها وصيامها قولان: الصواب: ترك التعرّض لإعادة الصلاة كما فعل في "الإيضاح" (3)، ولعلّه سبق قلم، لأنّ هذه الأيام لا تخلو في نفس الأمر من أن تكون أيام طهر أو أيام نفاس، فإن كانت أيام طهر فقد أدّت ما وجب عليها فيهنّ، وإن كانت أيام نفاس فمعلوم أنّ النفساء لا تعيد الصلاة، ويمكن تصويرها بوجه صحيح - وإن كان بعيدا من ظاهر كلام المصنّف، لكن حمل كلام العاقل على أحسن الوجوه أولى- وذلك بأن تقضي صلاة لزمتها قبل ذلك في تلك الأيام، ففي إعادتها مرّة ثانية بعد ذلك قولان؛ ومثل هذه المسألة التي بعدها، والله أعلم.
قوله فتصوم: لو زاد: وتصلّي، لكان أظهر، لأنّها إذا طهرت وجبت عليها الصلاة والصوم، ولعلّه إنّما لم يتعرّض للصلاة إذا صلّتها في تلك الأيام، لأنّه لا معنى لإعادتها كما تقدّم بيانه في القولة المتعلّقة بأيام النفاس، وأنّ قوله بعد ذلك: فقولان في إعادة صلاتها وصيامها غير ظاهر بالنظر إلى الصلاة، إلاّ أن يُفرض ذلك في الصلاة التي
__________
(1) - سقط من ب وج؛ وفي الحجرية: فانقطع.
(2) - وهو ما ورد في أ من نسخ القواعد.
(3) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 182، 257. (2/284)
صفحة 721
واتفقوا على أنّ حكم النفاس في وقته حكم الحيض. ولو انقطع دم النفاس ثمّ عاد بعد مضيّ (1) طهرٌ تامّ فهو حيض، ...
--------------------
قضتها في تلك الأيام كما تقدّم؛ ثمّ إنّه بقي الكلام في هذه المرأة: إذا تركت الصلاة في تلك الأيام التي رأت فيها الطهر هل تقضيها مطلقا، لأنّ الواجب عليها إذا رأت الطهر أن تغتسل وتصلّي، أو يجري فيها الخلاف؟ فمن قال: إنّها تعيد ما صامت في تلك الأيام، قال: لا تقضي، لأنّه قد كشف الغيب أنّ تلك الأيام أيام حيض حين رجع الدم؛ ومن قال: إنّها لا تعيد ما صامت، قال: تقضي، لأنّها تركت الصلاة في أيام الطهر، ولا ينظر لغير ذلك، والله أعلم فليحرّر؛ وعند قومنا: أنّها تؤمر بترك الصلاة في تلك الأيام، والله أعلم.
قوله حكم الحيض: فيه أنّه ذكر في "الإيضاح" أنّهم لم يحرّموا المرأة بالجماع في النفاس (2)، لكن ذكر في كتاب "النكاح" أنّها تحرم، فليراجع (3).
قوله ولو انقطع دم النفاس ثمّ عاد بعد مضيِّ طهر تامّ ... الخ: هذا إذا كانت مبتدئة، وأمّا إذا كانت معتادة فردفت بالدم قبل تمام وقتها، فإنّها تعطي للنفاس ولو بعد طهر تامّ، ثمّ قوله: ثمّ عاد بعد مضي طهر تام فهو حيض ليس ذلك على إطلاقه، فإنّها إن كانت معتادة لا تعطي للحيض إلاّ إذا صلّت ما كانت تصلّي قبل ذلك، وإن كانت مبتدئة فإنّه إنّما يكون حيضا إذا رأت قبل ذلك الطهر التامّ ما يصلح أن يكون نفاسا، كعشرة أيام فصاعدا، وأمّا أقلّ من ذلك فإنّه يكون لها أصلا تبني عليه ما تراه من الدم ولو كان بعد طهر تامّ، حتّى تتمّ الأربعون يوما إذا بلغ الدم الأوّل ثلاثة أيام –على الصحيح- فيما تبني عليه، ما لم يجتمع عندها ما يصلح أن يكون نفاسا، فإذا
__________
(1) - في الحجرية: بعد ما مضى؛ وكذا في ج. من نسخ الحاشية.
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 247، وقال: إنّ ذلك مكروه عندهم.
(3) - أبو زكرياء يحي الجناوني، كتاب النكاح، 165، ونصّ فيه أنّها تحرم بذلك، وقال: ومنهم من لا يحرّمها عليه. (2/285)
صفحة 722
وإن عاد دون الطهر فهو نفاس، إلا أن يكون النفاس كمل بالأوّل فلا يكون ما بعد انتظار ثلاثة أيام نفاسا.
--------------------
اجتمع ذلك فإنّها لا تجمع ما بعده لأنّه طهر قاطع، ولا تجمع ما بعد الطهر القاطع كالحيض إلاّ على قول من يقول في الحيض: إنّها تجمع ما دون عشرة أيام، فتجمع في النفاس ما دون الأربعين ولو بعد طهر قاطع، والله أعلم، فليحرّر كلامه هنا فإنّه في غاية الصعوبة.
قوله وإن عاد دون الطهر: أي التامّ، وهو عشرة أيام فصاعدا.
قوله فهو نفاس: أي لأنّ أيام الحيض والنفاس يجري فيه الدم ثمّ ينقطع يوما أو يومين أو أكثر، كما ينقطع ساعة أو ساعتين أو أكثر، ما لم يبلغ الانقطاع إلى طهر تامّ، بعد تقدّم ما يصلح أن يكون نفاسا في المبتدئة، أو ما لم تخرج بذلك عن عادتها إذا كانت معتادة، فإذا تحقّق أحد الأمرين فليس ذلك الدم الذي تجده بعد ذلك الطهر نفاسا.
قوله إلاّ أن يكون النفاس كمل بالأوّل: يعني أنّ الدم الذي تراه بعد الطهر الغير التام تارة تراه قبل أن يكمل نفاسها وتارة بعد ما كمل نفاسها، فإن رأته قبل أن يكمل نفاسها –وهو الأربعون يوما في المبتدئة، وما تراه من الدم قبل ذلك في المعتادة- فهو نفاس ما لم تكمل الأربعون في المبتدئة أو تخرج من عادتها في المعتادة، وإن رأته بعد ما كمل نفاسها –وهو الأربعون في الأولى، وما تراه قبل ذلك في الثانية- فليس بنفاس.
قوله فلا يكون: لعلّه: ولا يكون، بالواو لأنّه لا معنى للتفريع، لأنّ هذه مسألة أخرى، يعني: إذا كمل النفاس بأن تمت الأربعون في المبتدئة، أو تمت العادة في المعتادة، انتظرت ثلاثة أيام، ولا نفاس بعد الانتظار إلاّ أن يتكرّر ذلك للمعتادة قبل تمام الأربعين ثلاث مرّات فتطلع إليها، والله أعلم. (2/286)
صفحة 723
وأمّا الدم الذي يكون بين التوأمين ففي كونه نفاسا لانفصال الأوّل، أو حيضا لبقاء الثاني، قولان في بعض الآثار (1).
وحكم دم النفاس فيما يمنعُه وفي اقتضاء الغسل حكمُ دم الحيض.
ولا تغسل من الحيض والنفاس حتى ترى طهرا بيّنا، أو تخرج منه بالانتظار، فإن اغتسلت وصلت عند انقطاع الدم من غير أن ترى الطهر [البيّن] (2)، فإذا رأت الطهر أعادت الغسل، وبالله التوفيق (3).
--------------------
قوله أو حيضا: لو قال: استحاضة، لكان أولى، اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ صاحب هذا الأثر ممّن يرى أنّه يوجد الحيض مع الحبَل، والله أعلم.
قوله عند انقطاع الدم ... الخ: فيه أنّه تقدّم أنّ التي عادتها القصّة البيضاء إذا رأت الجفوف تنتظر من ساعة إلى ساعة، فكيف تغتسل عند انقطاع الدم من غير انتظار إذا لم تر الطهر البيِّن؟ اللهمّ إلاّ أن يكون هذا قولا آخر في المسألة، ويشهد له قوله فيما تقدّم: فبعض أصحابنا يقول: تنتظر من ساعة إلى ساعة، والله أعلم؛ ويحتمل أنّ المراد: فإن اغتسلت التي عادتها القصّة البيضاء عند انقطاع الدم وانتظار من ساعة إلى ساعة -أي يوما وليلة- أعادت الغسل بالطهر البيِّن عملا بعادتها الأولى؛ ويحتمل أنّ المراد: فإن فرض أنّها اغتسلت عند انقطاع الدم من غير انتظار [الدم] (4) فإنّها تعيد إذا رأت الطهر البيِّن، وأمّا لو انتظرت فإنّها لا تعيد، ولعلّه إلاّ على جهة الاستحباب، ويشهد له قوله: حتّى ترى طهرا بيِّنا أو تخرج منه بالانتظار.
__________
(1) - العزابة، الديوان، كتاب الحيض، ظهر الورقة: 145 (مخطوط).
(2) - سقط من الحجرية.
(3) - في ب: والله أعلم.
(4) - زيادة من د وهـ. (2/287)
صفحة 724
واغتسال الحائض والنفساء كاغتسال المجنبة، إلا أنّ الحائض تؤمر بنقض شعر رأسها عند الغسل، وتغسله بالرمل أو بالطفل وتمشطه، ثمّ تجمع الشعر فتغسله ثمّ تدفنه، والله أعلم وأحكم [وبه العون والتوفيق] (1).
--------------------
قوله إلاّ أنّ الحائض تؤمر ... الخ: قال في "الإيضاح":» وفي الأثر: وعن امرأة أرادت أن تغتسل من حيضتها كيف تغتسل؟ قال: تغسل يديها، ثمّ تستنجي، ثمّ تنزع النجس من جسدها، ثمّ تمشط رأسها بالطفل والماء جميعا حتّى تنقيه، ثمّ تصبّ الماء
على سائر جسدها، وقال: إن أرادت المرأة أن تغتسل في ماء جار لا تفرش ثوبها للشعر الذي يقع من رأسها فلا بأس، وأمّا إن أرادت أن تغتسل في غير الماء الجاري تفرش ثوبها للشعر ثمّ تجمعه ثمّ تغسله وترفعه حيث لا يراه أحد؛ وهذا عندهم استحباب في غسلها رأسها بالطفل، وخصوصا إذا كان موسخا «اهـ (2)،
والظاهر أنّ النفساء كالحائض، بل هي أحقّ بهذا لطول المدّة، والله أعلم.
قوله ثمّ تدفنه: الظاهر أنّه إنّما أمر المرأة بدفن الشعر لأنّه عورة، وإلاّ فقد قال في "القناطر":» وقد قيل: إنّ دفن الشعر والأظفار بدعة «(3)؛ نعم كلام صاحب "الإيضاح"-رحمه الله- صريح في أنّه لا بدّ من تطهيره إن لم يكن طاهرا ودفنه، لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، حيث قال:» و ... قال النبيء - عليه السلام -:» لا يقلّم أحدكم ظفرا ولا يقص شعرا إلاّ وهو طاهر، فإنّه لا ينبغي له أن يقلّم ظفرا إلاّ وهو طاهر، فإنّه يأتي يوم القيامة كالنعل الموثق فيقول: يا ربّ وضعني ولم يطهرني «(4)، وقال [- عليه السلام -] (5):» ادفنوا دماءكم وأظفاركم وأشعاركم، لا تلعب به
__________
(1) - زيادة من الحجرية.
(2) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 190.
(3) - الجيطالي، القنطرة الثالثة، قنطرة الصلاة ووظائفها من الطهارات، 34.
(4) - لم نقف عليه.
(5) - زيادة من الحجرية. (2/288)
صفحة 725
. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
--------------------
السحرة « ... الخ «(1)، إلاّ أنّ التعليل بقوله:» لا تلعب به السحرة «يقتضي أنّه إذا
أمن [مِن] (2) ذلك جاز عدم الدفن، والله أعلم فليحرّر، فإنّه قد ابتُلي بعدم دفنه غالب الناس؛ وشدّد في "السؤالات" فقال:» وروي عن الشيخ ... أيوب بن إسماعيل - رضي الله عنه - ... أنّه قال: ثلاث إذا كنّ وجبت ثلاث: الشعر من بني آدم أو الظفر أو الدم إذا أكلهم أو فتتهم أو أحرقهم فقد هلك ولزمته الكفارة والدية، وهي النظر «اهـ (3)، ولعلّه أراد: نظر العدول والله أعلم، وانظر: هل عدم الدفن تفتيت أو لا؟ والله أعلم. ثمّ رأيت في كلام المصنِّف –رحمه الله- في كتاب "المناسك" ما هو صريح في جواز عدم الدفن ولو للمرأة، حيث قال:» وفي أثر أصحابنا: وسُئل عن المُحْرِمَة إذا قصّرت من شعرها ما تصنع به؟ قال: تدفنه أو تلقيه، ليس عليها في ذلك شيء، رآه أحد أو لم يره «(4).
[تم القسم الثاني من حاشية القواعد بحمد الله وحسن عونه
يتلوه القسم الثالث - إن شاء الله - وأوله بقية الركن الثاني
من الكتاب في الصلاة وأقسامها وفرائضها وسننها وما يتعلق بها من الفضائل]
__________
(1) - عامر بن علي الشماخي، 2/ 602؛ والحديث رواه البيهقي في سننه، وابن عدي في الكامل، بلفظ:» ادفنوا الأظفار والشعر والدم فإنّها ميتة «، قال البيهقي: روي في دفن الظفر والشعر أحاديث أسانيدها ضعاف، (يُراجع: الزيلعي، نصب الراية، 1/ 122؛ العسقلاني، تلخيص الحبير، 2/ 113).
(2) - زيادة من د وهـ.
(3) - السوفي، 397؛ وجاءت فيه المسألة مسندة إلى الشيخ السوفي صاحب الكتاب رواية عن أيوب بن إسماعيل، والسوفي تقدّمت ترجمته في: 1/ 370، ملحق التراجم، رقم: 37، أمّا أيوب بن إسماعيل فهو من علماء الإباضية في ق 6هـ بوارجلان، انظر ترجمته في الملحق، رقم: 02.
(4) - الجيطالي، مناسك الحج، ظهر الورقة: 92 (مخطوط). (2/289)
صفحة 726
ملحق التراجم (2/290)
صفحة 727
01 - أيوب بن إسماعيل الورجلاني (ت بعد 575 هـ)
هو أيوب بن إسماعيل الورجلاني أبو سليمان، صنّفه المؤرّخ الدرجيني ضمن أعلام الخمسين الأولى من المائة السادسة، نشأ بوارجلان وبها توفّي. لم تصرّح المصادر بأسماء المشايخ الذين تعلّم عندهم، إلاّ أنّ الذي يستشفّ من الروايات الواردة عنه حياته في كتب السير هو احتمال تعلّمه على علماء الطبقة التي قبله خاصّة المشايخ:
أبو سليمان داود بن أبي يوسف الوارجلاني (ت462هـ)، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت471هـ)، وأبو العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر (ت504هـ)، وغيرهم.
نبغ أبو سليمان في العلم وبذل جهودا جبّارة في نشره وتصدّى للتعليم والإفتاء، وقد أخذ العلم عنه كلّ من المشايخ: يخلف بن يخلف التمجاري النفوسي، سليمان بن عليّ بن يخلف المزاتي، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي، أبو محمّد عبد الله بن سجميمان النصيري، أبو سهل إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم بن ويجمن، وغيرهم.
كان أبو سليمان من كبار العلماء بوارجلان في عصره، وكان ضمن اللجنة العلميّة التي عُرضت عليها تآليف الشيخ أبي العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر التي تركها مسودة في الألواح، وهذا مع المشايخ: إسماعيل بن المعيز، وحمّو بن المعزّ وداود بن واسلان، وأبي سليمان الزواغي.
وإلى جانب ذلك فقد كان عابدا زاهدا يكثر الصيام والقيام، وقائما بأمور المسلمين من الأرامل والأيتام.
أصيب أبو سليمان بالجذام في آخر حياته وألزمه الفراش 7 سنوات، وتوفّي بعد سنة 575هـ، (لأنّ تلميذه سليمان بن عليّ بن يخلف ورث عمًّا له في حياة شيخه أبي سليمان، وهذا لا يمكن إلاّ بعد والده عليّ بن يخلف الذي (2/291)
صفحة 728
كان حيّا سنة 575هـ فهو الأولى بالإرث من ابنه)
ورثاه تلميذه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني بقصيدة بائية بها 80 بيتا، مطلعها:
أيوب ما أيوب لا أيوب ... أودى به قدر الردى المجلوب
وفي كتاب "المعلّقات" فصل خاصّ بمسائل وفتاوى له.
- المعلّقات، 138 (مخطوط)؛ الدرجيني، الطبقات، 1/ 09 – 2/ 481، 444، 445، 459، 460، 461، 484، 489، 517؛الوسياني، السير، 212، 208، 197.
02 – أيوب بن العبّاس النفوسي (ت قبل 208هـ)
هو أيوب بن العبّاس النفوسي أبو الحسن، عالم صالح، وبطل زاهد، من فرسان جبل نفوسة بليبيا، كان رابع الأربعة الذين أرسلتهم نفوسة إلى الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي بتاهرت (ت208هـ) حين طلب المدد منها لكسر شوكة الواصلية المعتزلة إذ تطاولوا عليه، وكان أيوب بن العبّاس قد انتدب للجانب العسكري والقتالي، ومهدي الويغوي لجانب المناظرات الكلامية، وأبو الحسن الأبدلاني لجانب التفسير، وأبو المنيب محمّد بن يانس لجانب الحلال والحرام.
وبالفعل فقد أظهر أبو الحسن ورفقاؤه قوّة وتفوّقا وحنكة وعلما غزيرا وأبادوا بذلك تطاول الواصليّة وألحقوا بهم الضعف والوهن.
وبعد وفاة والي الإمام عبد الوهّاب على جبل نفوسة الشيخ السمح بن أبي الخطّاب ولّى الإمام مكانه الشيخ أيوب بن العبّاس، وكان ذلك إثر اعتداء (2/292)
صفحة 729
خلف بن السمح على الولاية إذ نصب نفسه واليا دون إذن إمام الدولة الرستمية وموافقته، فأمر الإمام عبد الوهّاب بإبعاده وتولية أيوب، وكان عمل خلف هذا من البذور الأولى لظهور فتنة كبيرة في جبل نفوسة، عُرفت فيما بعد بفتنة الخلفية. وقد توفّي الشيخ أيوب بن العبّاس في زمن الإمام عبد الوهّاب، أي قبل سنة 208هـ.
- البغطوري، سيرة أهل نفوسة، 63؛الشماخي، السير، 165، 166؛عن فتنة خلف ابن السمح، يُنظر: ترجمة خلف في هذا الكتاب 1/ 355، ملحق التراجم، رقم: 18.
03 - البشر بن محمّد التندنميرتي اللالوتي البستوني (ق4 هـ)
هو البشر بن محمّد التندنميرتي اللالوتي البستوني أبو سهل، عالم وفقيه إباضي من جبل نفوسة، عدّه المؤرّخ الشيخ أبو زكرياء الباروني ضمن علماء النصف الثاني من ق 4هـ.
نشأ في مدينة "لالوت" من جبل نفوسة، وتعلّم على مشايخ الجبل، منهم الشيخ أبو يحي يوسف بن زيد الدرفي، وأبو نصر زار بن يوسف التفستي.
تمكّن الشيخ أبو سهل من علوم الشريعة والفقه، فجلس للتدريس بمسجد "إمَصْراتَنْ" بمدينة "جادو"، المسجد الجامع بالجبل، إذ كانت له به حلقة علم يؤمّها التلاميذ للأخذ عنه، فكان من تلاميذه الكثير، أبرزهم المشايخ: أبو الربيع سليمان ابن أبي هارون موسى الباروني، وأبو عبد الله محمّد بن أبي يحي الدرفي، وأبو عمرو ميمون بن محمّد الشروسي، وأبو الخير توزين الجناوني، وأبو حكم. ولنشاطه العلمي فهو يُعتبر عند علماء الإباضية من الذين جازت عليهم سلسلة نسب الدين مع معاصريه من المشايخ: أبي يوسف وجدليش بن في اليجلاني، و أبي زكرياء يحي ابن سفيان اللالوتي.
وقد كان أبو سهل تاجرا ناجحا، ميسور الحال، يقتات من كدّ يمينه، ويجود على طلابه وأهل العلم بما فتح الله عليه من سعة، ويعينهم للنجاح في (2/293)
صفحة 730
مشوارهم التعليمي.
وروي عنه كذلك أنّه كان مع ما فتح الله عليه زاهدا عابدا، يكثر من النوافل والخلوات في مسجد "إمصراتن" المذكور.
ومن نتاجه الفكري مجموعة فتاوى فقهية أُثرت عنه في رسالة صغيرة، هي أنموذج مستواه العلمي واتّجاهه الفقهي، طبعت ضمن مجموع من الجوابات والقصائد لغيره طبعة حجرية، وهي تحت عنوان: "جوابات أبي سهل اللالوتي".
- أبو سهل اللالوتي، الجوابات، كلّه؛ البغطوري، سيرة أهل نفوسة، 16، 115 (مخطوط)؛ الشماخي، السير، 212، 299، 304، 334، 341، 342؛ عليّ يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة: 02؛ الإباضية في ليبيا، 2/ 172، 200.
04 - حيان الأعرج البصري الأزدي الجوفي (ق 1 هـ)
هو حيّان البصري، أزدي من أزد عُمان، جوفي نسبه إلى فخذ من الأسد، تابعي محدّث، من علماء الإباضية في القرن الأوّل الهجري، صَحِب جابر بن زيد الإمام الأوّل للإباضية وأخذ عنه العلم، وصحِب بعد وفاته الشيخ أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة -الإمام الثاني للإباضية- وهو أكبر منه سنّا.
يروي عن جابر وعن داود بن أبي القطاف، وسعيد بن أبي عروبة، وابن جريج، وقتادة، ومنصور بن زادان. أخرج له ابن ماجة وأحمد في كتابيهما. ووثّقه يحي بن معين، وابن حبّان، والذهبي.
وله أقوال وآراء فقهية مبثوثة في بطون كتب فقه الإباضية، خاصة المشارقة.
- أحمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال، 3/ 140؛ ابن حبّان، الثقات، 6/ 230؛ المزي، تهذيب الكمال، 7/ 476؛ ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 3/ 246؛ ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، 2/ 2196؛ الشماخي، السير، ص.: 89. (2/294)
صفحة 731
05 - صالح بن أفلح (ق 5 هـ)
هو أبو نوح صالح بن أفلح، عالم وفقيه إباضي، عاش في إقليم ورجلان وأريغ (جنوب الجزائر). لم نقف على معلومات مستفيضة عن شخصيته إلاّ كونه من تلاميذ الشيخ أبي العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر الفرسطائي (ت504هـ)، وكونه صاحب مسائل في العقيدة في الفقه رويت في كتب السير.
وبحكم تعلّمه على أبي العبّاس أحمد فإنّ حياته تكون بين القرنين 5 و 6 هـ.
- مجهول، المعلّقات، ظهر الورقة: 145 (مخطوط)؛ الوسياني، السير، 249، 273؛ الشماخي، السير، 524.
[فقرة لم ترقن] (2/295)
صفحة 732
06 - عبد الله بن محمّد بن بركة البهلوي (ق 2، 3 هـ)
هو عبد الله بن محمّد بن بركة أبو محمّد، من علماء الإبتاضية في عُمان، نشأ في قرية بهلا، ولذلك يُنسب إليها فيقال: ابن بركة البهلوي، وهو من قبيلة بني سليمة، عاش بين القرنين الثالث والرابع الهجريين.
نشأ على العلم والتعلّم، وكان على ذلك طول حياته، أخذ العلم عن عدّة مشايخ، منهم:
أبو مالك غسّان بن محمّد بن الخضر الصلاني، أبو مروان سليمان بن محمّد بن حبيب، وسعيد بن محمّد بن عبد الله بن محبوب.
وقد بلغ في العلم درجة رفيعة، وله في مجال الاستنباط والتحقيق باع طويلة ومن آليات الترجيح ما يحقّ أن يقال فيه: إنّه عالم مجتهد، والمطّلع على ما أودعه في كتابه "الجامع" يجد فيه خير دليل على ذلك.
كما أنّه ساهم في تنشيط الحركة العلمية في عُمان، إذ كرّس حياته لنشر العلم (2/296)
صفحة 733
والتدريس، وأنشأ لذلك مدرسته الشهيرة في بلده بهلا، فكان من تلاميذه: الشيخ أبو الحسن علي بن محمّد بن عليّ الأصمّ البسيوي صاحب كتاب "جامع البسيوي".
كما أنه ترك تآليف عديدة منها:
*كتاب الجامع في أصول الفقه وفروعه.
*كتاب شرح جامع ابن جعفر في الفقه.
*كتاب التقييد.
*كتاب الموازنة.
*كتاب المبتدأ.
*كتاب التعارف.
*كتاب الإقليد.
*كتاب المفسدات.
*رسائل عديدة.
ولا يوجد من هذه المؤلّفات إلاّ الجامع، والتقييدات المذكورة التي حفظها عنه أحد تلاميذه ودوّنها، وكتاب التعارف.
وقد أتاه الله مع العلم الكثير المال الوفير، ما جعله منصرف الهمّة كليّة إلى العلم والتعلّم والتأليف، وقد اشتهر غناه فكان الطلبة يقصدونه من عُمان وغيرها.
وممّا يُروى من مآثره أنّه بنى عدّة مساجد في بلده بهلا من ماله الخاصّ، ووقف أرضا واسعة جدّا على المسلمين.
عاصر الشيخ ابن بركة قضية عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي بعُمان، وما انجرّ عنها من التفرقة في المجتمع العماني، فكان مع العلماء الذين نادوا بالبراءة من الذين خرجوا على الإمام الصلت، وتسبّبوا في عزله، خلافا لجماعة أخرى من العلماء الذين وقفوا في هؤلاء الخارجين، ومنهم الإمام أبو سعيد محمّد بن سعيد الكدمي؛ وكان كلاّ من ابن بركة وأبي سعيد زعيما لجماعته. (2/297)
صفحة 734
وقد ذكر الباحث زهران المسعودي أن ابن بركة توفي سنة 362هـ.
- ابن مدّاد، السيرة، 12، 24؛ السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، 1/ 164؛ اللمعة المرضية من أشعّة الإباضية، 81 (مطبوع ضمن مجموع)؛ أبو سعيد الكدمي، المعتبر، 1/ 05، مقدّمة: أحمد بن حمد الخليلي؛ الاستقامة، 1/ 05، مقدّمة المحقّق: محمّد أبو الحسن؛ أبو الحسن البسوي، الجامع، 1/ 09، مقدّمة المحقّق؛ ابن بركة البهلوي، الجامع، 2/ أ. مقدّمة المحقّق: عيسى يحي الباروني: ترجمة المؤلّف للشيخ: إبراهيم بن سعيد العبري.
07 - موسى بن عليّ بن عزرة الأزكوي (ق 2، 3 هـ)
هو موسى بن عليّ بن عزرة الأزكوي نسبة إلى بلدة " أزكى" من داخلية عُمان، فقيه إباضي وُلد بعُمان ليلة 10 جمادى 2 سنة 177هـ ونشأ بها، وأخذ العلم عن مشايخها خاصّة هاشم بن غيلان السيجاني، وتبحّر في العلم حتّى صار من أبرز علماء عصره.
كان الشيخ موسى بن عليّ العضد الأيمن لكلّ من الأئمّة: غسّان بن عبد الله ثمّ عبد الملك بن حميد ثمّ المهنّا بن جيفر من بعده، ووُلي منصب القضاء في عهد الإمام المهنّا؛ وفي "تحفة الأعيان" إشارات غير صريحة إلى أنّه كان قاضيا منذ الإمام عبد الملك بن حميد، من ذلك أنّه قام بأمر الدولة وحفظ أمنها لمّا أسنّ الإمام عبد الملك وضعف، ووقف أمام محاولات عزله إلى أن توفي، فبايع بمشورة المسلمين الإمام المهنّا بن جيفر.
وكان الشيخ موسى بن عليّ مرجع الفتوى في الإمامة وله دور كبير في نشر العلم بعُمان، فالكثير من فتاويه وآرائه الفقهية منشورة في كتب فقه الإباضية، وله كتاب في الفقه يُعرف بجامع موسى بن عليّ.
وقد أخذ العلم عنه كثيرون، منهم: محمّد بن عليّ بن محمّد بن محبوب، والوضاح بن عقبة. (2/298)
صفحة 735
توفّي رحمه الله في الثامن من ربيع الأول سنة 230هـ بعد أن عاش 53 عاما.
- ابن مدّاد، السيرة، 30، 25، 141؛ السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، 1/ 99 - 124؛ اللمعة المرضية من أشعّة الإباضية،18 (مطبوع ضمن مجموع ستّة كتب).
08 - هاشم بن عبد الله الخراساني الخوارزمي (ق 2 هـ)
هو هاشم بن عبد الله الخراساني الخوارزمي أبو عبد الله، من أعلام الإباضية في القرن الثاني الهجري، عالم وفقيه، أصله من خراسان، أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ثمّ عن الإمام الربيع بن حبيب بالبصرة، وهو يُعدّ من حملة العلم إلى خراسان، وممّن ساهم في نشر العلم بها.
قال المؤرّخ بن سلام:» ومن فقهائنا ... هاشم بن عبد الله، فقيه مُفْتٍ، وهو من أورع الناس، خراساني ... «.
وله في كتب الفقه والسير آراء ومسائل أُثرت عنه، خاصّة كتب الإباضية المشارقة.
- ابن سلام، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، 135؛ عبد الله بن مدّاد، سيرة عبد الله بن مدّاد، 10؛ عبد الله بن حميد السالمي، اللمعة المرضية من أشعّة الإباضية، 62 (مطبوع ضمن مجموع)؛ حاشية الجامع الصحيح، 1/ 04.
تم بحمد الله
مُلْحَقُ الترَاجمِ (2/299)
صفحة 736
فهرس المسائل
الأجنبية
لمس الأجنبية أشد من النظر إليها، ولو كان من فوق الثياب .................................................. 168 - 173
الأرض
يَطهر الموضع المنجوس من الأرض بعد أن يُكنس مع زوال عين النجس ................................................. 96
تطهر الأرض بشمس أو ريح أو مدّة أو وطءٍ إذا ذهب عين النجس عنها ولو بقي أثره لونا أو رائحة ........ 93
الموضع المنجوس من الأرض يطهُر بالغسل أو بالنار أو بالزمان .............................................................. 85
أصول وقواعد
تعريف الشرط وحقيقته ................................................................................................................. 02
إذا انتفت العلة انتفى ما يترتب عليها ............................................................................................. 169
إذا ورد الحكم في محل مطلقا وفي محل مقيدا يكون ذلك القيد مراعى في المطلق إذا كان الحكم واحدا ........ 22
الأمر بالفعل يقتضي مرة واحدة إلا إن دلّ دليل على التكرار ............................................................ 143
الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما ............................................................................................. 172
دلالة النهي على فساد المنهي عنه ................................................................................................... 260
ربّ شيء يصح تبعا ولا يصح استقلالا ............................................................................................ 90
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ............................................................................................. 50
القيد إذا جرى مجرى الغالب لا مفهوم له ....................................................................................... 205
لا حظ للنظر مع وجود الأثر ....................................................................................... 51 - 82 - 204
اللازم للمذهب لا يكون مذهبا .................................................................................................... 118
للوسائل حكم المقاصد ................................................................................................................... 31
المجتهد لا يقلد مجتهداً ................................................................................................................. 204
هل شرع من قبلنا شرع لنا ولو في غير خصال التوحيد وما يقبل النسخ؟ ........................................... 154
اليقين لا يزيله إلا اليقين ............................................................................................................... 167
أهل الكتاب
أدلة طهارة بلل أهل الكتاب قوية جداً بخلاف أدلة نجاستها .................................................................. 51
الإياس
حد سن الإياس من الحيض عند النساء ........................................................................................... 281
حكم اليائسة إذا رأت الدم أو شيئا من توابعه ................................................................................. 281 (2/301)
صفحة 737
الاحتلام
هل المرأة ترى ما يراه الرجل من الاحتلام؟ ..................................................................................... 234
حكم البلل الذي يخرج من الرجل حال نومه ....................................................................... 229 - 231
بلل الليل إذا وجده الرجل على فراشه أو فخذه وجب به عليه الغسل إلا أن يعلم أنه ليس بمنيّ .............. 230
هل الرؤيا التي لا يكون معها البلل يجب بها الغسل؟ .............................................................. 230 - 231
الاستبراء
ينبغي الاستبراء من البول بنتر الذكر وسلته قبل الاستجمار ....................................................... 13 - 101
الاستجمار
العمل في الاستجمار مقصور على اليد اليسرى دون اليمنى ....................................................... 16 - 101
يبدأ المتطهر في الاستجمار بمحل البول قبل غيره ...................................................................... 16 - 101
يُحترز في أحجار الاستجمار من أن تكون غير جامدة ................................................................ 13 - 99
يُحترز في أحجار الاستجمار من أن تكون غير طاهرة ................................................................ 13 - 99
يُحترز في المستجمر به من أن يكون ذا حرمة كجدرات المساجد وأوراق الكتابة ........................ 13 - 100
يُحترز في المستجمر به من أن يكون فيه سرف كالجواهر النفيسة ....................................................... 100
يُحترز في المستجمر به من أن يكون غير منفصل عن البدن ............................................................... 100
يُحترز في المستجمر به من أن يكون غير منق كالزجاج والحديد الأملس .................................... 13 - 100
يُحترز في المستجمر به من أن يكون متعلقا به حق للغير كالروث والعظم إذ فيهما حق للجن ....... 14 - 100
يُحترز في المستجمر به من أن يكون مطعوما لبني الإنس أو الجن أو بهائمهم ................................ 13 - 100
ينبغي مراعاة الوتر في عدد أحجار الاستجمار ................................................................ 14 - 16 - 101
الاستحالة
تعريف الاستحالة لغةً ..................................................................................................................... 26
حكم ما يستحيل من النجاسات إلى صلاح ....................................................................................... 26
الاستنجاء
كل ما خرج من السبيلين فالاستنجاء منه واجب إلا الريح .................................................................. 15
النهي عن الاستنجاء باليمين نهي تأديب ................................................................................. 16 - 107
الاستنجاء بالماء
الاستنجاء في الشرع إزالة أثر النجو بالماء خاصة ................................................................................. 98
لا يجب الاستنجاء بالماء على من لم يجاوز النجس مخرجيه ................................................................ 102 (2/302)
صفحة 738
الجمع بين الأحجار والماء في الاستنجاء أفضل وأولى ........................................................................ 103
كيفية الاستنجاء بالماء .................................................................................................................. 106
المستنجي إذا أحدث بالريح ملاقيا للبلل قبل جفوفه لزمه إمرار الماء عليه ............................................. 106
ما يُقال بعد الاستنجاء من الذّكر .................................................................................................. 107
من آداب الاستنجاء بالماء أن يبدأ المستنجي بمحل البول أولا ............................................................ 108
من آداب الاستنجاء بالماء أن يكون الاستنجاء بالشمال .................................................................. 108
من آداب الاستنجاء بالماء أن يدعو المستنجي بعد فراغه .................................................................. 108
الاغتسال
بعض من لا يُغسل من الأموات .................................................................................................... 219
غسل الجمعة المسنون هل هو خاص بمن وجبت عليه الجمعة أم هو عام؟ ............................................. 219
ترك الاغتسال عند الإحرام بحج أو عمرة لا يلزم منه دم ................................................................... 219
ما المستحب لمن غسل ميتا أو غسله: الوضوء أو الاغتسال؟ ............................................................ 221
من فرائض الاغتسال عموم الجسد بالغسل وإمرار اليد معه أو ما يقوم مقامها ..................................... 222
حكم وضوء أو اغتسال من ترك الموالاة فيهما بغير عذر ................................................................... 222
من فرائض الاغتسال (شروط) النية له وكون ذلك بالماء المطلق ........................................................ 222
حكم المضمضة والاستنشاق في الاغتسال ....................................................................................... 223
موضع الوضوء في الاغتسال هل هو قبله أم بعده؟ ................................................................ 224 - 237
حكم الترتيب والموالاة في الوضوء والاغتسال ................................................................................. 225
وجوب الاغتسال على المرأة بخروج المني منها ...................................................................... 226 - 234
كراهية تكرير غسل الأعضاء في الاغتسال أكثر من ثلاث مرات ....................................................... 226
كراهية تكرير غسل الجسد في الاغتسال أكثر من مرة ...................................................................... 226
يجب الغسل بالتقاء الختانين وهو غيوب الحشفة في الفرج ................................................................. 233
يجب الغسل بغيوب الحشفة في فرج المرأة الميتة وفي البهيمة وفي الدبر .................................................. 233
يجب الغسل على المرأة الموطوءة من بهيمة ....................................................................................... 233
هل يجب الغسل على الواطئ والموطوءة إذا كان أحدهما بالغا والآخر طفلا؟ ....................................... 233
حكم المجنب إذا خرج منه شيء من المني بعد الغسل بال قبله أو لم يبل ................................... 235 - 236
الحد الأدنى الذي يكفي في غسل البدن هو أن تقطر منه ثلاث قطرات ............................................... 238
من فرائض الاغتسال إيصال الماء إلى منابت الشعر وإن كثفت .......................................................... 221
لا يجب على المرأة نقض ضفائرها في الاغتسال من الجنابة بل تحثي عليها الماء وتضغطها بيديها .............. 239 (2/303)
صفحة 739
هل يجب مع الغسل الوضوء أم أن الغسل يكفي عن الوضوء؟ ........................................................... 241
كيفية اغتسال الحائض والنفساء .................................................................................................... 288
الانتساب
الانتساب يكون في الطهر وأوقات الصلاة دون الحيض .................................................................... 264
متى يكون الانتساب في وقت الحيض؟ ........................................................................................... 264
متى تجنح المرأة إلى الانتساب لقرابتها من النساء؟ ............................................................................. 264
كيفية انتساب المرأة إلى قرابتها من النساء ........................................................................... 264 - 265
المعتادة إذا لم يستقر لها وقت في طهرها الأول تنتسب إلى قرابتها من النساء ............................. 266 - 269
المعتادة إذا لم يستقر لها وقت في غير طهرها الأول تنتسب إلى وقتها المقرر قبل ذلك ................. 266 - 269
الانتظار
انتظار توابع الدم يوم وليلة بعد العشرة ............................................................................... 270 - 273
انتظار الدم يومان بعد العشرة ....................................................................................................... 264
البئر
لتطهير البئر إذا وقع فيها نجس يُغرف منها أربعون أو خمسون دلواً ........................................................ 69
حكم الماء الذي يُغرف من البئر التي وقع فيها النجس ................................................................. 69 - 70
حكم بلل الدلو الذي يُغرف به الماء من بئر وقع فيها النجس لتطهيرها قبل تمام عملية التطهير ................... 69
حكم البئر التي وقع فيها النجس ولم يتم غرف أربعين أو خمسين دلواً منها في يوم واحد .......................... 69
هل الأمر بغرف البئر التي وقع فيها النجس هو للتعبد أو لنجاسة عين الماء .............................................. 69
البول
معاملة البول باليد يورث عذاب القبر ................................................................................................ 15
لم يقطع أصحابنا عذر من شرب أبوال الحيوانات التي يُؤكل لحمها ....................................................... 35
البيض
حكم بيض الحشرات والطير غير المباح ............................................................................................. 27
التترب
تطهر صوف الميتة ووبرها وشعرها بالتترب ....................................................................................... 91
يُستعمل في طهارة التترب ما لا يلتزق بالمطهَّر من سائر أنواع أتربة الأرض ............................................ 91
لا يُستعمل في طهارة التترب ما يلتزق بالمُطهَّر كالثرى والرماد وغيره ................................................... 92
لا يجزي الغسل بالماء في تطهير صوف الميتة ووبرها وشعرها إلا إن اختلط ذلك بتراب ............................ 92
لا يجزي تطهير صوف الميتة بالتترب إن كان فيها جلد الميتة ملتزقا بها حتى يُنزع عنها .............................. 92
إن عُمل من صوف الميتة ثياب قبل أن تترب فإن ذلك الثياب يُغسل بالماء مع التربة البيضاء ...................... 92 (2/304)
صفحة 740
التطهير
كيفية تطهير الخابية التي مات فيها فأر ............................................................................................. 75
كيفية تطهير الكوز ذي العنق الضيق ............................................................................................... 75
الشاة إذا بالت على ضرعها أو كان نجس على ظهرها فتمرّغت في التراب تطهر بذلك إذا زال الأثر ........ 79
الدجاجة إذا كان على منقارها نجس فزال أثره بالنقر يطهر بذلك ........................................................ 79
اليد أو مثلها من الجسد إذا نجست تطهُر بالعمل الذي يؤثّر في إزالة النجاسة منها ........................... 80 - 84
الحديد إذا نجس يطهُر بالعمل الذي يؤثّر في إزالة النجس منه كالقطع أو الحلق ...................................... 80
الحجر إذا نجس يطهُر بالعمل الذي يؤثّر في إزالة النجس منه كالطحن أو الدق ...................................... 80
تطهُرُ أواني الطين التي سبق إليها النجس بالغسل أو بالنار ........................................................... 74 - 84
التفث
حكم الدماء والأظفار والأشعار المنفصلة من بني آدم ...................................................................... 288
يُكره للجنب أن ينزع شعراً أو يقلم ظفراً ما لم يغتسل .................................................................... 246
علة منع الحائض من إلقاء تفثها .................................................................................................... 259
التوابع
توابع الدم لا حكم لها على الانفراد وإنما الحكم لما سبقها وتقدّمها ................................................... 271
الجفوف من توابع الدم ............................................................................................................... 273
الكدرة والصفرة والترية والعلقة من توابع الدم ................................................................... 270 - 271
التيمم
التيمم بدل من الطهارتين الصغرى والكبرى .................................................................................. 182
من فرائض التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الرسغين ............................................................... 183
من فرائض التيمم عموم الوجه والكفين بالمسح .............................................................................. 183
من فرائض التيمم الموالاة ... ......................................................................................................... 183
من فرائض التيمم (شروط) دخول وقت الصلاة وطلب الماء قبله ...................................................... 183
من فرائض التيمم (شروط) النية أوله ............................................................................................ 183
من فرائض التيمم (شروط) فعله بالصعيد الطاهر ............................................................................ 183
اختلاف العلماء في الصعيد الذي يتيمم به هل هو التراب الخالص أو هو غيره من أجزاء الأرض ........... 183
من سنن التيمم تقديم مسح الوجه على غيره ........................ .................. .................. ................... 183
من سنن التيمم تجديد مسح الأيدي إلى الرسغين ونقل ما تعلق بهما من الغبار .................... .............. 183
من سنن التيمم التسمية بذكر الله تعالى ...................... .................. .................. .................. ......... 183
الاستدلال على أن دخول الوقت من شروط التيمم ............ .................. .................. ..................... 184
لا يجزي تيمم مَن عدِم الماء حتى يطلبه فلا يجده .................... .................. .................. ................... 184 (2/305)
صفحة 741
المتحقق لعدم الماء حواليه بعد طلبه يتيمم أول الوقت من غير تكرار طلب الماء .............. ..................... 185
المتوهم لوجود الماء حواليه بعد طلبه لا يجزيه التيمم حتى يعيد الطلب ويسأل ...................... ............... 186
حكم المتيمم الذي قصّر في طلب الماء ...................... .................. .................. ................... 186 - 188
حكم من طلب الماء ولم يجده ثم تيمم فصلى ثم علم أن الماء كان في موضع لو طلبه لوجده .................. 187
حكم من طلب الماء ولم يجده ثم تيمم فصلى ثم علم أن الماء كان في رحله قد نسيه أو لم يعلم به ........... 187 - 194
وقت تيمم الفاقد للماء هل هو أوله أو آخره أو وسطه؟ ...................................................... 187 - 188
يجزي التيمم لمن منعه من الماء خوف على نفسه من دابة مؤذية وعدو مهلك .......................... 188 - 192
حدود القرب الذي يجب على من لم يجد الماء أن ينتهي إليه لتكرار طلب الماء .................................... 189
حدود المشقة التي تكون مبررا للتيمم لمن لم يجد الماء ....................................................................... 189
ليس للمتطهر أن يعدل إلى التراب إذا علم أنه يصل الماءَ قبل خروج الوقت ........................................ 189
حكم العادم للآلة التي يُتوصل بها إلى الماء كحكم الفاقد للماء ......................................................... 190
حكم من لم يقدر على استعمال الماء في الوقت كحكم من عدمه مطلقاً ............................................ 190
المسافر إذا خرج في طلب معايشه ولم يجد الماء يتيمم ولا يلزمه طلبه ................. .................... 189 - 191
المسافر إذا نزلت عليه جنابة يتيمم أولا ثم يشتغل بطلب الماء وتهيئة موضع الاغتسال ........................... 191
المريض الذي لا يجد التجفف يتيمم أولا ثم يشتغل بالتجفف .............. .................. .......................... 191
حكم المقيم الواجد للماء الذي يخاف من استعماله خروج الوقت لضيقه .............. ............................ 191
الخوف على المال بمنزلة الخوف على النفس في إباحة التيمم ................... .................. ....................... 192
يجب على من لم يجد الماء أن يشتريه إذا وجده يباع بثمن المثل وما لا يجحف به ............... ................. 192
لا يجب على من لم يجد الماء أن يشتريه إذا كان بثمن أكثر من المعتاد أو احتاج إليه لنفقته في سفره ....... 192
يجب التيمم على المسافر إذا احتاج لما معه من الماء لعطشه إذا كان يؤديه إلى المرض أو الهلاك ............... 193
هل تختلف نواقض التيمم عن نواقض الوضوء؟ .................................................... .............. 201 - 217
هل التيمم رافع للحدث أو مبيح للعبادة ........ .................. ..................................... 200 - 202 - 210
الاستدلال على رأي من قال إنه يجب تجديد التيمم عند كل صلاة ............................ 201 - 202 - 211
الاستدلال على رأي من قال إنه لا يجب تجديد التيمم عند كل صلاة .................................... 201 - 211
الاستدلال على رأي من قال إن التيمم لا يجوز إلا بالتراب الطيب ................... .................. ............. 204
حكم الترتيب بين أعمال التيمم والموالاة بينها ................ .................. .................. ......................... 208
حكم تخليل الأصابع في التيمم ................... .................. .................. .................. ......................... 209
كيفية التيمم لمن لفّ يده أو وجهه لعذر .................. .................. .................. .................. ............ 209
لا يجزي التيمم بأقل من أصبعين ............. .................. .................. .................. ............................ 209
الصائم المجنب العادم للماء هل يجب عليه التيمم كل يوم لإحراز صومه؟ ........................................... 211 (2/306)
صفحة 742
من لم يجد ماء ولا صعيدا فإنه ينوي الطهارة ويصلي ................... .................. .................. ........... 212
من عدِم التراب يتيمم على ما كان من الأرض كالنورة والزرنيخ وإن لم يجد فعلى الهواء .......... 204 - 212
من لم يجد الماء ولا الصعيد ونوى الطهارة وصلى هل يعيد الصلاة إذا وجد الماء بعد الوقت؟ ................ 212
ما يعمله في التيمم من قطعت إحدى يديه ................ .................. .................. .............................. 214
من قُطعت يداه كلاهما سقط عنه فرض التيمم ...................... .................. .................. .................. 214
التراب الواقع من التيمم لا يُتيمم به مرة أخرى لأنه كالماء المستعمل ............... .................. ............... 215
أتربةٌ لا يتيمم بها ............................................................. .................. .................. .................... 215
المتيمم إذا دخل في الصلاة ثم طرأ عليه الماء فإنه يقطع الصلاة ويعدل إلى الماء ...................................... 216
المتيمم إذا صلى ثم طرأ عليه الماء قبل خروج الوقت فإنه يُستحب له إعادة الصلاة .............................. 216
المتيمم إذا صلى ثم طرأ عليه الماء بعد خروج الوقت فإنه لا تجب عليه الإعادة ................ .................... 216
الثعلب
حكم أكل لحم الثعلب .............. .................. .................. .................. .................. ........................ 45
الجراد
كيفية ذكاة الجراد؛ وهل تعمل الذكاة في الجراد؟ .............................................................................. 22
الجلالة
الاعتبار الذي تكون به البهائم جلالة .................. .................. .................. .................. .................. 53
عرق الجلالة وبللها نجس .................. .................. .................. .................. .................. ................. 54
كل ما لا يُصان من البهائم عن أكل النجاسات فعرقها وبللها نجس .................. .................. ............... 54
الجنابة
حكم عرق الجنب وسؤره .................. .................. .................. .................. .................. ............ 243
يُكره للجنب أن يأكل أو يشرب قبل أن يتطهر .................. .................. .................. .................. .. 244
يُكره للجنب أن ينام قبل أن يتطهر .................. .................. .................. .................. .................. 244
معنى الوضوء الذي ينبغي للمجنب أن يأتي به إذا أراد الأكل أو النوم مثلا .................. .................. ... 245
لا بأس للمجنب أن يعاود أهله قبل الغسل .................. .................. .................. .................. ......... 246
حاجة الإنسان
الحكمة من إبعاد المذهب عند قضاء الحاجة .................. .................. .................. .................. ........... 02
حكم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة واختلاف العلماء في ذلك .................. .................. .. 05
الحِرْمة
علة تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به .................. .................. .................. ..... 163 (2/307)
صفحة 743
الحشرة
تعريف الحشرة .................. .................. .................. .................. .................. .................. ............ 18
الحمل
الحامل إذا ضربها الطلق فجاءتها دفعة من الدم ثم انقطع فإنها تغتسل وتصلي .................. .................. .. 278
الحامل إذا ضربها الطلق فجاءتها كدرة أو صفرة قبل الولادة فإنها تتوضأ وتصلي .................. ............... 278
حكم الدم الذي تراه المرأة وهي حامل .................. .................. .................. .................. .............. 279
حكم وطء المرأة مع الدم الذي تراه وهي حامل .................. .................. .................. .................. . 279
حكم المرأة ترى الدم فتحسبه حيضا فتترك الصلاة ثم يتبين أنها حامل .................. .................. .......... 279
المرأة ترى حمرة أو صفرة أو كدرة قبل ولادتها هل تترك الصلاة؟ ..................................................... 280
حكم المرأة التي ترى حمرة أو صفرة أو كدرة قبل ولادتها فتترك الصلاة والصوم ................................. 280
الدم الذي تراه الحامل ليس بحيض على الصحيح .................. .................. .................. .................. . 263
الحوت
ذكاة الحيتان التسمية عليها حين اصطيادها ................. ................. ................. ................. ............... 21
الحيض والاستحاضة
حكم المستحاضة كحكم الطاهر في جميع معانيها ............................................................................ 277
يستحب للمستحاضة أن تغتسل لكل صلاة وإلا فلتتوضأ ................................................................. 277
لا يكون حيضاً إلا الدم الفائض من الفرج .................. .................. .................. .................. ......... 247
أصل اشتقاق الحيض .................. .................. .................. .................. .................. .................. . 247
سبب ابتلاء النساء بالحيض ................. ................. ................. ................. ................. ................ 247
أسماء الحيض الخمسة عشر .................. .................. .................. .................. .................. ............ 248
أجناس الحيوانات التي تحيض .................. .................. .................. .................. .................. ......... 248
الأشياء التي تناظر بها المرأة دم الحيض إذا أشكل عليها .................. .................. .................. ............ 249
صفة الدم الذي تترك به المرأة الصلاة وتعطي للحيض .................. .................. .................. ............. 249
الاعتبار الذي تكون به الدفعة الواحدة من الدم حيضاً .................. .................. .................. 253 - 254
ما تعمله المبتدئة إذا رأت دم الحيض .................. .................. .................. .................. ................. 255
أقصى أوقات الحيض وأدناها واختلاف العلماء في ذلك .................. .................. ................. 255 - 256
نساء الماجشون عادتهن أنهن يحضن سبعة عشر يوماً .................. .................. .................. ................ 257
يجوز للمرأة أن يكون لها خمسون وقتا في الحيض ... .................. .................. .................. ............. 257
الأشياء الممنوعة على الحائض .................. .................. .................. .................. .................. ........ 257
يجب على الحائض قضاء صوم الأيام التي أفطرتها ولا يجوز لها قضاء صلاتها .................. .................. .. 259
علة منع الحائض من التزين .................. .................. .................. .................. .................. ........... 259 (2/308)
صفحة 744
حكم من وطئ امرأته في الحيض أو في توابعه واختلاف العلماء في ذلك .................. .................. ...... 260
حكم المرأة الموطوءة بعد انقطاع الدم عنها وقبل اغتسالها .................. .................. .................. ....... 261
المرأة إذا طهرت ولم تغتسل حتى خرج وقت الصلاة هل تمنع حق الزوج بعدم اغتسالها؟ ...................... 261
يجوز للرجل الاستمتاع بما فوق السرة من امرأته الحائض .................. .................. ................. ......... 262
حكم الاستمتاع بما تحت الإزار مما دون الفرج من الحائض .................. .................. .................. ..... 262
المعتادة إذا رأت الدم قبل وقتها المعتاد لا تحكم بأنه حيض حتى يتكرر ذلك ثلاث مرات .................. .. 263
حكم المبتدئة إذا دام بها الدم أكثر من عشرة أيام ولم تر الطهر .................. .................. .................. 264
تحسب المرأة اليوم الأول من الحيض إذا رأت الدم فيه قبل فجره أو شمسه .................. .................. ..... 268
الأشياء التي تقطع الحيض خمسة: الكبر، الحمل، الرياح، الرضاع، المرض .................. .................. .... 281
ليست الدفعة الواحدة من الدم حيضاً عند أكثر أهل العلم .................. .................. .................. ...... 282
حكم الدم الذي تراه المرأة داخل وقتها في الطهر .................. .................. .................. .................. 249
وجوه معرفة الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة .................. .................. .................. ................ 250
حكم المعتادة ترى القصة البيضاء بعد أن انتظرت واغتسلت .................. .................. .................. .... 287
حكم المعتادة ترى القصة البيضاء بعد أن اغتسلت بانقطاع الدم من غير انتظار .................. ................ 287
الخلاف
كيفية التعبير عن الاختلاف في المسائل التي يجوز فيها الخلاف والتي لا يجوز .................. .................. . 153
الخمر
الخمر المحرمة هي كل ما أسكر إسكارا خاصا، مما معه شدّة وطرب ونشوة وعربدة .................. ............ 29
تكون الخمر من العنب والعسل والتمر والبسر والشعير والذرة .................. .................. .................. .... 29
لا يجوز الانتفاع بفضلات الخمر من الخلّ والدّرديّ وغير ذلك .................. .................. .................. ... 32
علة من قال إن الخمر ليست بنجسة .................. .................. .................. .................. .................. . 32
يكفي في شارب الخمر أن يكون عرقه نجسا شربُه الخمر مرة واحدة .................. .................. .............. 51
علة تحديد المدة التي يُتقى فيها البلل من شارب الخمر بأربعين يوماً .................. .................. ................. 52
الخنزير
الاستدلال على حِرمة غير اللحم من الخنزير .................. .................. .................. .................. .......... 24
لا خلاف في نجاسة لبن الخنزيرة .................. .................. .................. .................. .................. ....... 27
الخوف
يجب علىلمتطهر التيمم إذا خاف من استعمال الماء فوت روح أو إتلاف عضو أو زوال منفعته ............ 195
يجب علىلمتطهر التيمم إذا خاف من استعمال الماء تأخير برء أو زيادة مرض أو حدوثه ...................... 195
يجب علىلمتطهر التيمم إذا خاف من استعمال الماء نزلة أو حمى ....................................................... 196
لا يجوز استعمال الماء في الطهارة مع خوف المضرّة ......................................................................... 193 (2/309)
صفحة 745
الدباغ
الاختلاف في تطهير الدباغ لجلود ميتة السباع .................. .................. .................. .................. ....... 88
تطهير قرون الميتة وعظامها وأظلافها بالدباغ .................. .................. .................. .................. ........ 90
تطهير صوف الميتة وشعرها بالدباغ بائنة عن الجلد أو غير بائنة .................. .................. .................. .. 90
حكم بيع المدبوغ من جلود الميتة والصلاة به .................. .................. .................. .................. 90 - 91
الدعاء
النظر في بيوت الناس بغير إذن يحجب الدعاء .................. .................. .................. .................. ........ 11
تفتيش آنية الناس بغير إذن يحجب الدعاء .................. .................. .................. .................. .............. 11
تخليط البول والغائط في حفرة يحجب الدعاء .................. .................. .................. .................. ......... 11
الحرام المجهول لا يُستجاب معه دعاء الدنيا .................. .................. .................. .................. ............ 11
الدم
حكم القليل من الدم الذي لم يكن مسفوحاً .................. .................. .................. .................. ......... 22
حكم رشاش الدم الذي لو اجتمع لم يفض .................. .................. .................. .................. ........... 22
رُخّص في الحمرة التي تبقى باليد أو الثوب بعد غسل المذبح من الذبيحة .................. .................. ......... 23
حكم دم العروق والقلب من الذبيحة .................. .................. .................. .................. .................. 23
رُخّص في دم الذباب والبعوض والبراغيث وأشباهها .................. .................. .................. ................. 23
قليل الدم وكثيره مفسد لما وقع فيه .................. .................. .................. .................. .................. ... 23
حكم دم الشهداء والبغاة ومن بُغي عليه هو النجاسة على الصحيح .................. .................. ................ 23
حكم دم القمل من الإنسان والحيوان .................. .................. .................. .................. .................. 24
الدهر
تطهر معاطن الإبل والمزابل والمجازر بمطر سنة وريحها (الدهر) .................. .................. .................. .... 94
يطهّر الدهرُ المواضع التي لا تصل إليها الشمس والريح .................. .................. .................. ............... 94
مدّة الدهر وأقوال أهل العلم فيه .................. .................. .................. .................. .................. ....... 95
الرشح
تَطهر القلال الراشحة إذا بلغها النجس من خارجها فرشحت الماء حتى زال أثره .................. ................. 95
تَطهرُ الزقاق الراشحة إذا بلغها النجس من خارجها فرشحت الماء حتى زال أثره .................. ................. 95
تَطهرُ الفاكهة التي سُقيت بالماء المنجوس بعد أن تُسْقى بالماء الطاهر ثلاث مرات .................. ................ 96
تطهرُ القلال المطبوخة بالعذرة بعد أن تُحمى بالحطب الطاهر ثلاث مرات .................. .................. ...... 96
الزمان
ينقي الزمان النجس من الأرض وما تولد من أجزائها .................. .................. ................. ........ 85 - 92
المعمول من نبات الأرض اختلف العلماء في طهارته بالزمان .................. .................. ................. 85 - 92 (2/310)
صفحة 746
تطهير الزمان للنباتات والثمار المتصلة بالأرض والبائنة عنها .................. .................. .................. 86 - 92
تحديد المدة التي تطهر فيها الأشياء بالزمان .................. .................. .................. .................. ............ 86
الأشياء إذا لم يُر عليها النجس هل يُحكم بطهارتها أم لا بدّ من مرور الزمان عليها .................. ............. 86
الشمس والريح تابعان للزمان فإن وُجدا معه قصُرت مدّة التطهير وإلا طالت .................. .................. .. 92
الزينة
من الزينة الظاهرة للمحارم عند ابن عباس موضع القرطين والقلادة والسوارين والحجالين .................. . 170
من الزينة الباطنة للمحارم عند الحسن الشعر والصدر والساق وأشباه ذلك .................. .................. ... 170
حدود زينة النساء الظاهرة التي لا تنقض وضوء الناظر إليها من الرجال المحارم .................................... 170
السؤر
حكم سؤر الهر .................. .................. .................. .................. .................. .................. ........... 47
شددّ العلماء في سؤر الأماحي والأفاعي والحيات .................................................................. ........... 47
السباع
تعريف السباع ...................................................... ...................................................... ............... 37
حكم سؤر السباع ...................................................... ...................................................... .......... 39
السواك
إذا لم يجد المتوضئ السواك استاك بأصبعه ...................................................... ............................... 147
حكم السواك للصائم هل هو مكروه أو مستحب؟ ........................................................................ 148
الشرك
من أنكر نجاسة المشرك فهو مشرك لأنه ردّ النص ...................................................... ....................... 49
غالب آيات القرآن يكون المشرك فيها غير أهل الكتاب ...................................................... .............. 50
المشركون مخاطبون بفروع الشريعة ...................................................... ........................................ 182
معنى النجاسة في حقّ المشرك ...................................................... ................................................... 49
الشعر
حكم الشعر الواقع من رأس الحائض أو النفساء عند اغتسالهما ......................................................... 288
الشمس
أمر عمروس بن فتح بتين بال عليه الجديان أن يُنشر للشمس .............................................................. 86
رخّص أبو سهل اللالوتي في ثمار نخيل أصابها روث ذي مخلب من الطير أن تنشر وتؤكل ....................... 87
المدة التي تطهر بها الأشياء بالشمس والريح صيفا وشتاءً داخل البيوت وخارجها ........................... 93 - 94
الضفدع
دية قاتل الضفدعة نعجة بجزّتها ........................................................................................................ 44 (2/311)
صفحة 747
الطهارة
شروط وجوب الطهارة .............................................................................................................. 182
حكم الصديد والقيح والمِدّة (الماء) المتولدة من الجروح والقروح الطهارة .............................................. 27
كل حيّ طاهر حتى الكلب والخنزير (عند مالك) ............................................................................. 49
لا يجوز للمكلف أن يقوم إلى الصلاة حتى يكون طاهراً من الأنجاس متطهّراً من الأحداث .................... 108
الطهر
الطهر الذي تصيبه المرأة على الانتظار أو بعده لا تتخذه وقتاً ................................................ 265 - 267
الطهر الذي خالطه الدم لا تتخذه المرأة وقتا قلّ أو كثر ................................................................... 266
حكم أيام الطهر التي تتخلل الحيض الأول داخل العشرة ...................................................... 267 - 268
يجوز للمرأة أن يكون لها إحدى وخمسون وقتا في الطهر ويتقرر بمرّة واحدة ....................................... 269
القصة البيضاء ماء رقيق أبيض يأتي في آخر الحيض كماء الجير .......................................................... 272
أقل الطهر عشرة أيام وأكثره ستون يوماً ....................................................................................... 283
في أقصى أوقات الطهر وأدناها واختلاف العلماء في ذلك ............................................................... 257
العليل
فيما يجب في طهارة العضو العليل هل المسح عليه أو غسل ما عداه والتيمم له أو غسل ما عداه وليس فيه شيء .... 196 - 198
إذا كان في جسد المتطهر عضو عليل به نجس هل يصح له الوضوء بذلك أم لا؟ .................................. 198
العضو العليل يُمسح عليه بالماء فإن تعذّر يُجرى الماء حواليه فإن تعذّر يُتيمم له ................................... 198
حكم صاحب عضو عليل صلى ونسي أن يتيمم لذلك العضو ......................................................... 199
العورة
حدود عورة المتوضئ التي ينقض مسها وضوءه .............................................................................. 172
حدود عورة غير المتوضئ التي ينقض مسها الوضوء من منابت الشعر إلى مستغلظ الفخذين ................. 173
العورة التي يحرم مسها هي التي يحرم النظر إليها .............................................................................. 173
العورة التي لا يحلّ النظر إليها عند الذَّكر والأَمَة هي من السرة إلى الرّكبة .......................................... 180
العورة التي لا يحلّ النظر إليها عند الحرّة غير العجوز والمتبرّجة هي ما عدا الوجه والكفين ..................... 180
العورة التي لا يحلّ النظر إليها عند ذوات المحارم .............................................................................. 170
الغسل
الغسل إفراغ الماء مع الدّلك ........................................................................................................... 72
ما هو المعتبر في غسل النجاسة، هل هو مرات معدودة أو هو زوال العين أو هما معاً .............................. 72
لا يُحكم بطهارة المغسول بالماء من غير دلْكٍ .................................................................................... 73
كيفية تطهير الحائط الأملس المتنجّس بالغسل .................................................................................... 73
كيفية تطهير بقعة متنجّسة من مسجد أو بيت بالغسل ....................................................................... 73 (2/312)
صفحة 748
ما دام غسالة الشيء المتنجّس متغيّرة فإن ذلك الشيء نجس ................................................................. 74
بقاء الرائحة في غسالة الشيء المتنجّس لا يُحكم بها ببقاء النّجس إذا زال عينه ....................................... 74
هل إزالة النجاسات يكون فقط بالماء الطاهر أو يكون كذلك بما سواه من المائعات والجامدات ............... 74
من صبغ يده بالصباغ المنجوس ليس عليه أن يسلخ جلده لأجل أثره حين لم يزل بالغسل ....................... 76
هل الأمر بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب هو للنظافة أو للتعبّد؟ ....................................................... 49
الغيبة
الغيبة هي ما يكره المسلم أن يُذكر عنه مما هو فيه ........................................................................... 177
المنافق لا غيبة له ....................................................................................................................... 177
الفيل
حكم الفيل كحكم الخنزير لا تصح فيه الذكاة ................................................................................. 25
حكم المكاحل المتخذة من عظم ناب الفيل ...................................................................................... 25
القتل
ستة أصناف من الحيوانات نُهي عن قتلها، ودية قاتلها درهمان ............................................................ 44
القرآن
هل يجوز للجنب وغير المتوضئ قراءة القرآن أو مسه؟ ..................................................................... 242
القرد
حكم القرد كحكم الخنزير لا تصح فيه الذكاة ................................................................................. 25
القُلّة
قدر القلتين من الماء المطلق فما دونهما يحكم بنجاسته إذا وقع فيه النجس ولو لم يُغيّر أحد أوصافه ........... 64
قدر القلتين من الماء المطلق فما زاد عليهما لاينجس إذا وقع فيه النجس إلا إذا غيّر ذلك أحد أوصافه ....... 64
مقدار القلتين من الماء في الحديث هو قربتان ونصف بقلال هجر، وقيل مقدار خمسمائة رطل ................. 65
مقدار القلّة من الماء هو الجرّة التي تحملها الخادم في العادة الجارية في استخدام العبيد ............................... 65
القلس
يحكم على القلس أنه ناقض إذا بلغ حدّ الفم ..................................................................................... 32
إذا بلغ القلس الفم وبلعه صاحبه فهو عاصٍ ...................................................................................... 32
القهوة
حكم القهوة وسبب الاختلاف فيها ................................................................................................ 31
اللبن
حكم لبن الحيوان المحرم الأكل ........................................................................................................ 27
رُخّص في لبن الشاة إذا شربت النجس ............................................................................................ 54 (2/313)
صفحة 749
اللغة
تردد "إلى" بين أن تكون بمعنى (مع) أو تكون لانتهاء الغاية ................................................... 123 - 124
الواو تجيء للمصاحبة أكثر وللترتيب كثيراً ولعكسه قليلا ................................................................ 144
الماء
الماء المضاف إلى ما وقع فيه كماء الزعفران يجزي في غسل النجاسات واختُلف في رفعه للحدث عندنا لا عند غيرنا ........ 60 - 61
الماء المضاف إلى الخارج منه كالذي يُستخرج من النباتات يزيل النجس ولا يرفع الحدث ............... 60 - 62
الماء المستعمل للوضوء أو الاغتسال يزيل النجس ولا يرفع الحدث عند الجمهور .................................... 62
يرى أبو يوسف صاحب أبي حنيفة أن الماء المستعمل للوضوء أو للاغتسال نجس ................................... 62
حكم الماء المطلق إذا تغيّر أحد أوصافه: لونه، طعمه رائحته ............................................................... 64
حكم الماء المطلق إذا حلّته النجاسة ولم تُغيّر أحدأوصافه .................................. .................................. 64
المشتركان في ماءٍ من هو الأولى به: الميت يُغسل به أو الحي يتطهر به؟ ............................................. 194
الماء الذي يجده المتطهّر ملكا لميت هل يتطهر به أو يتركه لغسل صاحبه ............................................. 194
المبتلاة
حكم المبتلاة التي لم يتغير حالها بعد انتساب سنة كاملة ....................................................... 265 - 269
المخمصة
الاضطرار بالمخمصة هل يقتصر على الجوع أو يتعدى إلى الإكراه المفضي إلى الموت وأمثاله ................. 163
المسح
يطهرُ الخفُ والنعل الذي وطئ به صاحبه النجس بالمسح (المشي به) .......................................... 78 - 84
يطهر ذيل حجاب المرأة التي تمشي به في النجس بالمسح (السحب على الأرض) .................................. 78
يطهرُ بالمسح كل جسم أملس من الحديد والحجارة وأمثالها عند أصحابنا ............................................. 79
الثياب ومحل الشعر من الأبدان والفروج وشقوق الأرجل لا تطهر بالمسح عند أصحابنا .......................... 79
يطهرُ الموضع النجس إذا مُسح سبع مرات وقيل ثلاث مرات .............................................................. 80
المنفعة
الشيء إذا كانت فيه منفعة ولو كانت واحدة فإنه يجوز بيعه لأجل تلك المنفعة ..................................... 91
الميتة
تعريف الميتة ................................................................................................................................. 17
الدليل على تحليل الميتة التي قذفها البحر أو نضبت عنه ....................................................................... 20
الصوف والوبر والريش وما شابهها من الميتة هل هي نجسة العين أو متنجسة ......................................... 21
حكم عظام الميتة وأظلافها وقرونها هل هو الحل أو الحرمة .................................................................. 21
دليل القائلين بالمنع من الانتفاع بجلود الميتة دُبغت أو لم تُدبغ ............................................................... 87
وجه نجاسة صوف الميتة ووبرها وشعرها .......................................................................................... 91 (2/314)
صفحة 750
النار
تزيل النار النجس من الأرض وما كان معمولا من أجزائها ................................................................ 84
تطهّرُ النار الموضع المنجوس من الأرض إذا أوقدَتْ عليه مقدار مالا تحتمله اليد مع زوال أثر النجس ......... 85
تُطهِّرُ النار الحديد المنجوس إذا أُحمي عليها مع زوال أثر النجس .......................................................... 84
النبات
حكم النباتات التي تسكر أو تفتر أو تغيّر العقل من غير الخمر الطهارةُ ................................................. 30
حكم التداوي بالنباتات التي تسكر أو تفتر أو تغير العقل من غير الخمر ................................................ 30
النجاسات
الشيء النجس بعينه لا يتبعض ........................................................................................................ 22
سبب نجاسة المني والمذي والودي .................................................................................................... 28
حكم الريح والدخان القائمين من النجس أو من المتنجّس .................................................................. 97
الغبار والرماد والجمر التي تقوم من النَّجِس لذاته نجسةٌ ....................................................................... 97
حكم الرماد والجمر القائمين من المتنجّس ........................................................................................ 97
لا تنجية بالدم الجامد والميتة المدودة وميتة الخنزير ........................................................................... 163
المذي ماء رقيق يسيل كاللعاب يخرج من الذّكر قبل الانتشار وبعده ................................................. 228
الودي ماء أبيض يخرج من الذكر بعد البول .................................................................................. 228
النضح
النضح هو إفراغ الماء من غير حكٍّ .................................................................................................. 81
لا يعتبرأصحابنا (الإباضية) النضح في الحصير إلا عند إرادة غسل الميت عليه لئلا يسبق إليه النجس .......... 81
ورد الشرع بالنضح في زوال النجاسة غير المتيقنة .............................................................................. 81
يعتبر أصحابنا (الإباضية) النضح في أبوال المأكولات إذا بالت على غرائر الطعام .................................... 83
قال بعض العلماء: الغسل طهارة ما تُيُقن نجاسته والنضح ما كان مشكوكا فيها .................................. 83
النفاس
الدفعة الواحدة من الدم تكون نفاساً باتفاق أهل العلم .................................. ................................. 282
أقصى أوقات النفاس أربعون يوماً عند أكثر أهل العلم .................................. ................................. 282
أقل النفاس عشرة أيام عند أصحابنا (الإباضية) ............................................................................. 283
يجتنب الرجل امرأته النفساء حتى تطهر أو تبلغ الأربعين مع انقطاع الدم ............................................ 283
النفساء إذا بلغت الأربعين ولم ينقطع الدم تنتظر ثلاثة أيام ثم تغتسل وتصلي ...................................... 283
في كراهة وطء النفساء التي طهرت قبل الأربعين ............................................................................ 283
حكم المرأة الموطوءة في النفاس .................................................................................................... 285
النفساء المبتدئة إذا انقطع عنها الدم ثم عاد بعد طهر تام فإنها تعتبره حيضاً .......................................... 285 (2/315)
صفحة 751
النفساء المعتادة إذا انقطع عنها الدم ثم عاد بعد طهر تام فإنها تعطي للنفاس ........................................ 285
لا نفاس بعد الانتظار إلا أن يتكرر ذلك للمعتادة ثلاثا فتطلع إليه ..................................................... 286
النفس
تعريف النفس السائلة .................................................................................................................... 18
النهر
إذا وقعت نجاسة في النهر الجاري فغمرت مجراه فإنه يُحكم بنجاسة مائه ............................................... 70
إذا وقعت نجاسة في النهر الجاري فغيّرت الماء كلّه فإنه يُحكم بنجاسته ................................................. 70
النوافل
أجاز بعض العلماء أن تصلى النوافل بالتيمم ولو مع القدرة على الوضوء ........................................... 111
النوافل مأمور بها عندنا (الإباضية الوهبية) خلافا للنكار .................................................................. 122
النية
النية شرط في جميع العبادات غير معقولة المعنى ............................................................................... 114
العبادة غير معقولة المعنى هي التي لا يهتدى العقل إلى علة وجوبها، والنية فيها واجبة ................ 114 - 115
النية هي القصد إلى الفعل باعتقاد من القلب والعزيمة عليه بالجوارح .................................................. 116
كل عمل خلا من النية فهو باطل ................................................................................................ 116
الهوام
حكم هوام الأرض من الحشرات والضفادع والسلاحف وما إلى ذلك ................................................. 45
طرق العلماء في الاستدلال على حكم الهوام التي لم يرد فيها نص ........................................................ 46
الوضوء
لا يصح الوضوء إلا بعد نزع جميع الأنجاس من البدن ..................................................................... 108
حرُم بالإجماع أن تصلى السنة أو النافلة من غير وضوء ................................................................... 111
يجب الوضوء للصلوات الخمس والجمعة والجنازة وطوافي الإفاضة والعمرة ......................................... 111
يُسن الوضوء لصلوات السنن وطواف الوداع ومس المصحف وللجنب إذا أراد أن ينام ............ 111 - 112
يُستحبّ الوضوء للنوم وقراءة القرآن والدعاء ودخول المسجد ......................................................... 113
يُباح الوضوء لركوب البحر وشبهه من المخاوف وليكون به صاحبه على طهارة ................................ 113
لفظ نية الوضوء عند إرادته ......................................................................................................... 116
حكم غسل ما تحت شعر اللحية في الوضوء .................................................................................. 120
يجب غسل موضع الغمم من الوجه في الوضوء ............................................................................... 122
يجب في الوضوء إيصال الماء إلى منابت الشعور الخفيفة في الوجه كالحاجبين ....................................... 122
من استوعب وجهه بالغسل في الوضوء ولم يخلل لحيته فقد ترك الأفضل ............................................ 122
يجب على من قُطع شيء من يده أن يغسل الباقي في الوضوء ما لم تُقطع ذراعه كلها .......................... 125 (2/316)
صفحة 752
أقل ما يكفي عندنا (الإباضية) في مسح الرأس في الوضوء ثلاث شعرات بثلاث أصابع ........................ 126
أقل ما يكفي عند الشافعيّ في مسح الرأس في الوضوء شعرة واحدة بأصبع واحد ............................... 126
أقل ما يكفي عند أبي حنيفة في مسح الرأس في الوضوء ربع الرأس ................................................... 127
الماء المستعمل في الوضوء إذا لم يباين الجسد يجزي لما فات من الأعضاء عند النسيان لا لما يستقبل ......... 128
لا يكون عملان بماء واحد في الوضوء عند الربيع بن حبيب ............................................................ 129
من ترك مسح رأسه في الوضوء حتى صلى أعاد الوضوء والصلاة وسواء كان تركه بعمد أو نسيان ....... 129
حكم وضوء من ترك مسح رأسه في الوضوء ناسياً وتذكّر ذلك قبل جفاف أعضائه ........................... 129
حكم وضوء من ترك مسح رأسه في الوضوء ناسياً وتذكّر ذلك بعد جفاف أعضائه ........................... 129
كيفية مسح الرأس في الوضوء .................................. ................................ .................................. 130
تُقَدَّم النية على البسملة في الوضوء ............................................................................................... 132
كيفية المضمضة والاستنشاق في الوضوء ............................................................................ 135 - 138
حكم من ترك المضمضة والاستنشاق ناسياً أو عامداً وصلى بذلك .................................................. 138
كيفية تخليل الأصابع في الوضوء ................................................................................................... 140
حكم تخليل الأصابع في الوضوء ....................................................................................... 139 - 140
حكم إجالة الخاتم في اليد عند الوضوء .......................................................................................... 140
هل تُعتبر الأذنان من الرّأس عند الوضوء ............................................................................ 141 - 142
حكم مسح الأذنين في الوضوء .................................. ................................................................. 141
حكم من ترك مسح الأذنين ناسياً أو عامداً وصلى بذلك ................................................................ 143
أجمعوا على أن المرّة الواحدة في غسل أعضاء الوضوء كافية إذا كانت سابغة ..................................... 143
حكم تكرير مسح الرأس في الوضوء ............................................................................................ 143
حكم ترتيب غسل الأعضاء في الوضوء ............................................................................. 144 - 146
حكم وضوء من لم يتمّ وضوءه باشتغاله بغيره إلى أن جفّت الأعضاء التي توضّأ لها .................. 146 - 147
حكم وضوء من فرغ له الماء قبل أن يتمّ وضوءه واشتغل بغير طلب الماء إلى أن جفّ ........................ 147
حكم وضوء من فرّق وضوءه بعمل أجنبيّ من غير عذر إلى أن جفّ ................................................. 147
حكم الموالاة في غسل أعضاء الوضوء ............................................................................... 146 - 147
يُكره الاقتصار على مرّة واحدة في غسل أعضاء الوضوء لمخالفة السنّة .............................................. 151
يبطل وضوء من اقتصر على مرّة واحدة في وضوئه إذا بقي من أحد أعضائه شيء لم يصله الماء ............. 151
يُكره التوضؤ في أواني الذهب والفضة منعاً من التشبه بالأعاجم والجبابرة .......................................... 152
حكم تنشيف بلل أعضاء الوضوء بعد التوضؤ ................................................................................ 153
يجوز عند غير الإباضية المسح على الخفين في الوضوء بإطلاق ولو من غير ضرورة .............................. 153 (2/317)
صفحة 753
لا يجوز عند الإباضية المسح على الخفين في الوضوء إطلاقاً .............................................................. 153
أجمع أصحابنا (الإباضية) على أن طهارة القدمين في الوضوء هي الغسل ............................................ 154
دليل من قال إن طهارة القدمين في الوضوء هي المسح ودحضه ............................................. 154 - 155
لا انتقاض للوضوء بخروج الريح من الفم أو فرج المرأة ................................................................... 156
انتقاض الوضوء بغيوب الحشفة في الفرج أو مقدارها من مقطوعها أو من غير الذكر .......................... 157
ينتقض الوضوء بخروج النجس من القبل أو الدبر أو الفم أو الأنف أو الجرح أو القرح ........................ 159
صفة القلس الذي ينقض الوضوء ................................................................................................. 160
صفة الانسفاح للدم الذي ينقض الوضوء ...................................................................................... 160
انتقاض الوضوء بمسّ النجس رطباً أو يابساً ................................................................................... 161
حكم وضوء من مسّ النجس اليابس ويده مبلولة ........................................................................... 161
حكم وضوء من مسّ ميتاً أو حمله ................................................................................................ 161
ينتقض وضوء من مسّ ظهر الكلب وهو رطب ............................................................................. 162
انتقاض الوضوء بغسل الميت غير المتولى ........................................................................................ 162
ينتقض الوضوء بمسّ الميتة للسنة لا للنجاسة ................................................................................... 161
ينتقض الوضوء بأكل النجس ولو كان للتنجية ............................................................................... 163
الاستدلال على عدم انتقاض الوضوء بأكل ما مسّته النار ................................................................ 164
الاستدلال على عدم انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل .................................................................... 164
النوم الطويل الثقيل للمتوضئ مضطجعاً ينقض وضوءه اتفاقاً ............................................................ 165
النوم القصير الخفيف للمتوضئ لا ينقض وضوءه على أيّ حالة كان عليها ........................................ 166
النوم الثقيل القصير للمتوضئ اختلف في انتقاض وضوئه به .............................................................. 166
النوم الخفيف الطويل للمتوضئ اختلف في انتقاض وضوئه به ........................................................... 166
الهيئة التي يكون عليها المتوضئ النائم حتى ينتقض بها وضوؤه ........................................................... 167
حكم وضوء من تيقن من صحّته ثمّ شكّ في طروء الحدث عليه ........................................................ 167
الحدّ الذي يبلغ به المتوضئ النائم إلى أن ينتقض وضوؤه بذلك النوم .................................................. 168
ينتقض الوضوء بمسّ الأجنبية مطلقاً قُصدت الشهوة أو لم تُقصد وُجدت أو لم توجد .......................... 169
مس الأجنبية للاضطرار أو للعلاج لا ينقض الوضوء مع عدم وجود اللذة بذلك ................................. 169
مسّ ما عدا العورة من بدن المتبرّجة والمملوكة بغير شهوة لا يُنقض الوضوء ....................................... 169
الراجح أن نواقض الوضوء لا يُفرّق فيها بين العمد والخطإ ............................................................... 169
علّة انتقاض الوضوء من مسّ بدن الأجنبية هو حصول الإثم لفاعل ذلك ............................................ 169
النظر إلى ما عدا العورة من بدن المملوكة بغير شهوة لا ينقض الوضوء .............................................. 170 (2/318)
صفحة 754
علة عدم انتقاض الوضوء بالنظر إلى ما عدا الوجه والكفين من بعض النساء ....................................... 170
تقبيل الرجل زوجته أو سريته لا ينقض الوضوء ............................................................................. 171
مس الفرج باليد ينقض الوضوء ولو بلا لذّة .................................................................................. 172
ينتقض وضوء الماسِّ من الزوجين عورةَ الآخر بيده دون الممسوس .................................................... 172
انتقاض الوضوء بمسّ الفرج خطأً أو نسياناً .................................................................................... 174
لا ينتقض الوضوء بمسّ الذّكر في حال الصلاة للتأكّد من الحدث إذا لم يكن للنظر سبيل ..................... 174
لا وضوء على من مسّ فرجه بغير يده .......................................................................................... 174
انتقاض الوضوء بمسّ فروج الصبيان والبهائم .......................................................... 176 - 177 - 180
غيبة المسلم تنقض الوضوء .......................................................................................................... 177
بهتان البريء ينقض الوضوء ......................................................................................................... 177
قذف المحصنات ينقض الوضوء .................................................................................................... 177
الكذب ينقض الوضوء ............................................................................................................... 178
النميمة بين الناس تنقض الوضوء .................................................................................................. 178
لعن البهائم والأطفال ومن لا يستحق اللعنة ينقض الوضوء .............................................................. 178
صفة الكذب الذي ينتقض به الوضوء ........................................................................................... 178
تسية الفروج بأقبح أسمائها ينقض الوضوء ولو لم يكن ذلك شتماً لأحد ............................................ 179
الإشراك بالله ينقض الوضوء ............................................................................................. 179 - 181
ذِكر العذرة أو فاعلها المأخوذ منها ينقض الوضوء ولو لم يكن ذلك شتماً لأحد ................................. 179
اقتراف الكبيرة أيا كانت ينقض الوضوء ............................................................................ 176 - 179
الاستماع إلى الغيبة ينقض الوضوء ............................................................................................... 180
الاستماع إلى اللهو والمزامير والغناء والنوح وأسرار الناس وأشباهها ينقض الوضوء ............................. 180
الناظر إلى عورات الآدميين عمداً غير نفسه وزوجته وسريته ينتقض وضوؤه ...................................... 180
النظر إلى حُرمة منزل قوم أو في سرّ كتاب غير مباح ينقض الوضوء .................................................. 181
القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء والصلاة .................................................................................... 181
ما يعمله من لم يجد من الماء إلا قليلا لا يكفي لجميع وضوئه ............................................................ 213
- - - (2/319)
صفحة 755
فهرس الأحاديث والآثار
أ
أتت أم قيس بنت محصن بابن لها إليه - صلى الله عليه وسلم - ... فبال على ثوبه فدعا بماء ................................................ 56
أترعون عن ذكر الفاجر متى يعرفه الناس اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس ........................................ 177
أترعون من ذكر الفاجر اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس ................................................................ 177
أُتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثاً ....................................................................... 136
أثنى الله تعالى على أهل قباء في إمرارهم الماء على أثر البول والغائط .................................................... 103
أجنبت فتمعكت في التراب فقال ... - صلى الله عليه وسلم -: إنما يكفيك هذا ومسح ................................................. 206
أحلت لكم ميتتان ودمان: فالميتتان السمك والجراد والدمان الكبد والطحال ......................................... 20
إذا أتى أحدكم الغائط فليكرم قبلة الله ... واستمخروا الريع ... وأعدوا النبل (قول سراقة بن مالك) .......... 06
إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله ................................................................................................ 04
إذا أراد أحدكم أن يبول فليدمث لببوله ............................................................................................ 04
إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي ...................................... 253 - 254 - 255
إذا استجمر أحدكم فليوتر ............................................................................................................. 14
إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء ... ................................................................ 134
إذا التقى الختانان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل ............................................................................... 232
إذا التقى الرفغان وجب الغسل ...................................................................................................... 232
إذا انتبه أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا ..................................................... 72
إذا بال أحدكم فلا يستقبل الريح ببوله فترده عليه ولا يستنج بيمينه ................................................... 06
إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه ............................................................................................ 107
إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات ........................................................................................... 13
إذا تطهر الرجل وذكر اسم الله طهر جسده كله وإذا لم يذكر ... [قول لمكحول] .............................. 134
إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر .............................................................................. 137
إذا توضأت فأبلغ في الاستنشاق ما لم تكن صائماً ........................................................................... 137
إذا توضأت فبالغ إلا أن تكون صائماً ............................................................................................ 137
إذا توضأت فضع في أنفك ماء ثم استنثر بالاستنشاق ....................................................................... 137
إذا حضرتك الصلاة وأنت في مرابض الغنم فصل وإذا حضرتك .......................................................... 34
إذا زاد الماء على قلتين لم يحتمل خبثا ............................................................................... 38 - 64 - 66 (2/320)
صفحة 756
إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم .......... 160
إذا قعد الرجل بين شعاب المرأة الأربع وأجهد نفسه فقد وجب عليه الغسل أنزل أو لم ينزل ................ 232
إذا قعد الرجل من المرأة بين شعبيها وجب الغسل ............................................................................ 232
إذا كان الماء قدرقلتين لم يحتمل خبثا ................................................................................................. 38
إذا ماتت الفأرة في السمن الذائب فأريقوه وإن كان جامدا فألقوها وما حولها ........................................ 18
إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ذكره بالماء ........................................................................................ 83
إذا وطئ أحدكم الأذى بنعليه فإن التراب له طهور ............................................................................. 78
إذا وطئ الأذى أحدكم بخفيه فطهرهما التراب .................................................................................... 83
إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثم أخرجوه فإن في أحد جناحيه ... ........................................... 19
إذا وقع الذباب في الطعام فامقلوه فإن في أحد جناحيه سما ................................................................... 19
إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه ......................... 18
الأذنان من الرأس ما أقبل منهما وما أدبر [قول لسعيد بن جبير] ....................................................... 142
أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام .............................................................................. 253 - 254
أكثر عذاب القبر من البول .............................................................................................................. 15
أكل النبيء - عليه السلام - العظم المسموم الذي أهدته له اليهودية ...................................................................... 50
أكل النبيء - عليه السلام - طعاما عند جدته، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ ... فنضحته بالماء .............. 81
أكل كل ذي ناب من السباع حرام ......................................................................................... 37 - 38
أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام ............................................................ 37 - 38
ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ولا تشركوا بالله شيئا ............................................................... 87
أليس شفاء العيّ السؤال؟ ما لهم قتلوه قاتلهم الله، لو أمروه فاغتسل ومسح ...................................... 197
أليس شفاء العيّ السؤال؟ ما لهم قتلوه قاتلهم الله، لو أمروه فاغتسل وتيمم ....................................... 197
أليس شفاء العيّ السؤال؟ ما لهم قتلوه قاتلهم الله، لو أمروه فاغتسل وترك موضع الجراحة .................. 197
أمر - عليه السلام - أن ينضح الذكر بالماء ... حين سأل ... المقداد ... عن رجل دنا من امرأته فخرج منه مذي ... 83
أمر ... - صلى الله عليه وسلم - أن يُصب على بول الأعرابي ذنوب من ماء حين بال في المسجد .......................................... 56
أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - النفر الجنيين بالتزود منه لعلف الدواب ... (الروث) ........................................................ 36
أمر النبيء - عليه السلام - بغسل الإناء من ولوغها ... أولاهن وأخراهن بالتراب .................................................. 48
أمر النبيء - عليه السلام - بغسل الثوب من دم الحيض ....................................................................................... 55
أمر بتين بال عليه الجديان أن ينشر للشمس [عمروس بن فتح] ............................................................. 86
أمرني حبيبي جبريل - عليه السلام - أن أخلل لحيتي ......................................................................................... 123
أمرهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوا إلى إبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها .................................................. 34
أن أصحاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقتتلون على فضل وضوئه ...................................................................... 61 (2/321)
صفحة 757
أنّ أم سليم ... سألت النبيء - عليه السلام - فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة .............. 234
أن ابن عبّاس وابن الزبير نزحا زمزم لزنجيّ مات فيه ............................................................................ 70
إن الأرض لا تحمل خبث بني آدم ..................................................................................................... 86
إن الأرض لا تنجس إنما ينجس ابن آدم ............................................................................................ 86
أن الجن قالوا: يامحمد انه أمتك أن يستنجوا بعظم ... فنهى ... عن ذلك .............................................. 15
أن الجنب إذا ... أنقى جميع جسده بالغسل فلا بأس بذلك، قال: وأي الوضوء أفضل من الاغتسال [قول لجابر بن زيد] ... 241
إن الله جعل في كل شهرٍ حيضةً وطهراً .......................................................................................... 256
إن المؤمن لا ينجس ..................................................................................................................... 244
إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه ................................................................. 39
أن المستمع [للغيبة] شريك القائل .................................................................................................. 180
إن المسجد لا يحل لجنب ولا حائض .............................................................................................. 243
إن المسلم لا ينجس ..................................................................................................................... 244
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - ... مسح مقدّم رأسه ................................................................................................ 127
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أمر أن تُغسل آنية أهل الكتاب ........................................................ 51
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أمرها وكانت مستحاضة أن تدع الصلاة مقدار أقرائها التي كانت تحيض ................ 276
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - بينما هو يمشي في طريق إذ مال إلى دمث فبال وقال: إذا بال أحدكم فليرتد لبوله ........... 04
أن النبيء - عليه السلام - توضأ واحدة واحدة فقال: هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به .... 120 - 135 - 143 - 146
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - حرّم ما كانت العرب في الجاهلية تستقذره ........................................... 46
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - سأل ابن مسعود: هل معك ماء؟ فقال: معي نبيذ ....................................................... 62
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه وفي القوم رجل ضرير البصر فوقع في البئر فضحك ............................... 181
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قاء فتوضأ ............................................................................................................... 160
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال في رجل جامع امرأته وهي حائض: إن كان الدم عبيطا فليتصدّق بدينار ................ 261
أن النبيء - عليه السلام - كان إذا ذهب لحاجة الإنسان أبعد المذهب ................................................................... 03
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يقبّل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ .................................................................. 171
أن النبيء - عليه السلام - كانت يمينه لوضوئه وطعامه وشرابه ....................................................................... 148
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - مسح ببعض رأسه في الوضوء ..................................................................................... 127
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه .................................................................................... 11
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل لحوم الجلالة وشرب ألبانها وأن يحجّ عليها ................................................... 53
أن النبيء - عليه السلام - نهى عن رد السلام في تلك الحالة (في الخلاء) ................................................................ 12
أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة ......................................................... 53 (2/322)
صفحة 758
أن النساء كن يبعثن إليها بالدِّرَجَة فيها الكرسف ... فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصّة البيضاء [عائشة] .... 272
أن امرأة جاءت إليه - صلى الله عليه وسلم - فقالت: برح الخفاء ... المرأة ترى ما يرى الرجل؟ .................................... 234
أن امرأة سألت النبيء - صلى الله عليه وسلم - عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة .............................................................. 55
أن رجلا مر على النبيء - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول فسلم عليه ... ......................................................................... 12
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه ليلة الجن ومعه عظم حائل وبعرة وفحمة فقال: لا تستنجين بشيء من هذا ... ................................ 15
أن طلحة تعرضت له امرأته في الأربعين فقال: نهينا أن نقرب النساء في الأربعين .......................................... 283
أن عبد خير توضأ ... استنشق ثلاثاً ومضمض ثلاثاً ........................................................................ 138
أن عبد خير توضأ فتمضمض ثلاثاً واستنثر ثلاثاً بكفٍ بكفٍ ......................................................... 138
إن محاسن النساء عليكم حرام ....................................................................................................... 168
إن من كان قبلكم كانوا يبعرون بعراً وأنتم تثلطون ثلطاً فأتبعوا الحجارة الماء [قول لعلي] ...................... 103
أن ناسا من عكل وعرنة قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتكلموا بالإسلام ... .............................................. 33
أن يقضي الرجل حاجته والناس ينظرون (نهيه - عليه السلام -) .......................................................................... 03
أن يهودية أتت النبيء - صلى الله عليه وسلم - بشاة مسمومة فأكل منها ......................................................................... 50
أنا الفحل المذاء [قول لعلي] ......................................................................................................... 229
إنما أمرتم بعزل الفروج ................................................................................................................. 262
إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ........................................................................................ 116
إنما تغسل الثوب من الغائط والبول والمذي والمني والدم والقيء ........................................................... 72
إنما حرّم أكلها [الميتة] .................................................................................................................... 88
إنما ذلكِ دم عرق وليس بحيض ..................................................................................................... 250
إنما كان ذلك [المسح على الخفين] قبل نزول المائدة [قول لابن عباس] ............................................... 154
إنما كانوا يتبعرون بعرا وأنتم تثلطون ثلطاً [قول لعائشة] ................................................................... 103
أنه - صلى الله عليه وسلم - أخرج سرية غازية فشجّ رجل منهم مأمومة فأجنب ........................................................... 197
أنه - عليه السلام - أمر بغسل المنيّ منه [الثوب] ................................................................................................ 56
أنه - صلى الله عليه وسلم - ضرب بيديه على الصعيد ونفخ فيهما ومسح بهما ............................................................... 208
أنه - عليه السلام - كان لا يكشف إزاره حتى يقرب من الأرض ........................................................................ 04
أنه - عليه السلام - مضمض من اللبن وقال: إن له دسما ................................................................................. 164
أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين ................................................................................ 35
أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصُّرد ................................................. 43
أنه - عليه السلام - يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد ............................................................................................ 240
أنه - عليه السلام - يغسل يديه وكفيه ثم يفرغ الماء بيده اليمنى على اليسرى فيغسل به عورته ........................... 237 (2/323)
صفحة 759
أنه [- عليه السلام -] توضأ فغسل يده اليمنى حتى شرع في العضد ثم اليسرى كذلك ...................................... 124
أنه [- صلى الله عليه وسلم -] عند اغتساله يغسل فرجه وما أصابه من الأذى ثم يفيض الماء على جسده ................................. 56
أنه [- صلى الله عليه وسلم -] مسح بناصيته ................................................................................................................ 127
أنه [- صلى الله عليه وسلم -] نهى عن قتل الخطاطيف ..................................................................................................... 43
أنه أصغى إليه الإناء فشرب منه [أبو قتادة] ........................................................................................ 47
أنه انكسر إحدى زنديه وسأل النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يمسح على الجبائر فقال: نعم ......................................... 198
أنه كان يأمر بثلاثة أحجار .............................................................................................................. 13
أنه كان يكره الاغتسال بالماء المشمس وقال: إنه يورث البرص [عمر بن الخطاب] ............................. 152
أنه كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء ...................................................................................... 153
أنها [ميمونة] ناولت للرسول - صلى الله عليه وسلم - منديلا بعد اغتساله فلم يردها ........................................................ 153
أنها أسخنت ماء في الشمس ... فقال: لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص ...................................... 152
إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات ................................................................. 47
إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما هذا فكان ... ............................................................................. 15
إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقال [- صلى الله عليه وسلم -]: يطهره ما بعده ............................................ 78
أهل قباء ... إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء، فقال - صلى الله عليه وسلم -: هو ذاك ...................... 103
أهل قباء ... قالوا: إنا نتبع الحجارة الماء ....................................................................................... 104
أهل قباء ... ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل دبره ... فقال - صلى الله عليه وسلم -: ففي هذا هذا ............ 103
أهل قباء ... نستنجي بالماء من البول والغائط ................................................................................. 104
أهل قباء ... نستنجي بالماء، فقال - صلى الله عليه وسلم -: هو ذاك فعليكموه ............................................................... 103
أهل قباء ... يستنجون بالماء ......................................................................................................... 103
أي وضوء أفضل من الاغتسال [قول لجابر بن زيد] ......................................................................... 109
أيما إهاب دُبغ فقد طهر .................................................................................................................. 88
أيما رجل أفضى بيده إلى ذكره انتقض وضوؤه وأيما امرأة أفضت بيدها إلى فرجها ............................. 172
اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل ............................................................... 08
اتقوا الملاعن وأعدوا النبل ............................................................................................................... 09
احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ............................................................................. 195
ادفنوا الأظفار والشعر والدم فإنها ميتة ................................................................................................. 289
ادفنوا دماءكم وأظفاركم وأشعاركم، لا تلعب به السحرة ...................................................................... 288
اذكروا الفاسق بما فيه يعرفه الناس واستثنوا من ذلك الشرك والزنا ..................................................... 177
ارتقيت ... فرأيت النبيء - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجته مستدبرا القبلة مستقبل الشام .............................................. 05 (2/324)
صفحة 760
استحب ... التوضؤ من القلس إذا وُجد ... طعمه في الحلق وإن لم يبلغ حد الفم [أبو عبيدة مسلم] ..... 160
استمتعوا بجلود الميتة إذا هي دُبغت تراباً كان أو رماداً أو ملحاً أو ما كان .......................................... 90
اصنعوا كل شيء إلا الجماع ........................................................................................................ 262
اغتسل [- صلى الله عليه وسلم -] فرأى لمعة لم يصبها الماء فعصر جمته ثم مسحها بها ........................................................ 128
امتنع [حذيفة] من مصافحة النبيء - عليه السلام -، فقال - عليه السلام -: المؤمن لا ينجس ......................................... 244
ب
بعثت بإراقة الخمر .......................................................................................................................... 25
بعثت بقتل الخنزير وإراقة الخمر ........................................................................................................ 25
بعثت بقتل الخنزير .......................................................................................................................... 25
بعثت بكسر المزامير وقتل الخنازير .................................................................................................... 25
بعثت بكسر المزامير ........................................................................................................................ 25
بعثت لكسر الصليب وقتل الخنزير .................................................................................................... 25
ت
تحت كل شعرة جنابة .................................................................................................................. 227
تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشر ................................................................................ 238
تقعد إحداكن شطر دهرها لا تصلي ولا تصوم ............................................................................... 256
تلجّمي وتحيّضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة ............................................................ 256
التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين ما لم يجد الماء ...................................................................... 201
توضأ كما أمرك الله .................................................................................................................... 145
توضأ وكان على رأسه عمامة ... فأخّر الكمة عن رأسه ثم مسح ... [جابر بن زيد] .......................... 128
تيممنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضربنا ضربة للوجه وضربة للكفين ........................................................... 207
ث
ثم تفيضين الماء عليك وتطهرين ..................................................................................................... 225
ج
جُعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا ........................................................................................ 204
جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ................................................................................................ 204
الجنب والحائض والذين لم يكونوا على طهارة لا يقرؤون القرآن ولا يطؤون مصحفا بأيديهم حتى يكونوا متوضئين.242 (2/325)
صفحة 761
ح
الحائض لا تغتسل حتى ترى القصة البيضاء .......................................................................................... 272
حالان لا يذكر العبد فيهما الله: عند الخلاء وعند الجماع، إلا أن الرجل إذا أتى أهله بدأ فسمى الله ................................ 10
حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير .................................................. 37
حرمة موتانا كحرمة أحيائنا ............................................................................................................ 08
خ
خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا ........................... 216
خرج عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وهو أمير على الجيش فأجنب فخاف ........................ 197
خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته ......................................... 38 - 58 - 64
خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غيّر ............................................................................... 63
خللوا أصابعكم قبل أن تخللها نار جهنم ......................................................................................... 139
خللوا أصابعكم قبل أن يخللها الله بالنار [قول للحسن البصري] ........................................................ 139
خللوا بين أصابعكم في الوضوء قبل أن تخلل بمسامير من نار .............................................................. 139
خللوا بين أصابعكم في الوضوء قبل أن تخللها النار ........................................................................... 139
الخمر نزل تحريمها وهي في خمسة أشياء: البر والشعير والتمر والزبيب والعسل ....................................... 29
خمس يفطرن الصائم وينقضن الوضوء: الكذب والنميمة والغيبة والنظر بشهوة واليمين الكاذب ........... 177
د
دباغ الأديم ذكاته .......................................................................................................................... 87
دباغ الأديم طهارته ........................................................................................................................ 87
دباغ الأديم طهوره ......................................................................................................................... 87
دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين يديه إناء من ماء فقال لي: يا أنس أُدن مني ................................... 107
دم الحيض أسود ثخين له رائحة ولون يعرف به منتن آسن ............................................................. 248
ذ
ذبحَ الخمرَ الملحُ والشمسُ والنينانُ .................................................................................................... 90
ر
رخص في ثمار نخيل أصابها روث ذي مخلب من الطير أن تنشر وتؤكل [أبو سهل اللالوتي] ....................... 87 (2/326)
صفحة 762
ز
زملوهم بدمائهم فإنه ليس كَلْمٌ يكلم في سبيل الله إلا يأتي يوم القيامة يدمي ........................................... 24
س
سأل ... عمر ... عن الجنابة تصيبه ليلا ماذا يصنع؟ فقال - عليه السلام -: توضأ واغسل ذكرك ثم نم ................... 57
سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن المذي فقال: ذاك المذي وكل فحل يمذي ..................................................... 229
سئل عن الحياض التي تكون في الفلاة وما يأويها من السباع والدواب ................................................. 38
سئل عن المياه التي تأوي إليها السباع .............................................................................................. 39
سئل عن بئر بضاعة وكانت تلقى فيها المحيض والميتة ......................................................................... 38
سأله [عمر] عن الجنب أينام؟ فقال: توضأ واغسل رأس ذكرك ........................................................ 245
سارق أمواتنا كسارق أحيائنا .......................................................................................................... 08
سبحان الله المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا .......................................................................................... 26
ش
الشمس والملح دباغ .............................................................................................................. 89 - 90
ص
الصعيد كافيك ........................................................................................................................... 205
ع
علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى ......................................... 11
عليها الغسل إذا أنزلت ................................................................................................................ 234
عن رجل دنا من أهله فخرج منه المذي؟ فقال - عليه السلام -: إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ذكره .................. 57
عن قضائها في الأجحرة لأنها مساكن إخوانكم من الجن (نهيه - عليه السلام -) .................................................... 08
العينان وكاء الاست فإذا نامت العينان انطلق الوكاء ...................................................................... 166
غ
الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء ................................................................................................ 177
ف
فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها ............................................................................................ 51
في كتاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: ألا يمس القرآن إلا طاهر .......................................................... 112 (2/327)
صفحة 763
ق
قالت ... [فاطمة بنت أبي حبيش]: إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال لها - صلى الله عليه وسلم -: إنما ذلكِ دم عرقٍ ....... 250 - 276
قتلوه قتلهم الله ........................................................................................................................... 196
قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العيّ السؤال، لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجراح ............... 195
قتلوه قتلهم الله، ماذا عليهم لو أمروه بالتيمم ................................................................................... 196
قلت لابن عباس: إني بينما أسير على راحلتي إذ ذكرت نفسي ... [أثر عن ابن عباس] ....................... 230
قيل: ... ومن هو الذي تحرم غيبته؟ قال: رجل خفيف الظهر من دماء المسلمين ... [قول لجابر بن زيد] ......... 177
ك
كان - صلى الله عليه وسلم - صائما تطوعا فضعُف فاستقاء فأفطر .............................................................................. 160
كان ... لا يرى مسح الأذنين واجبا [جابر بن زيد في الوضوء] ........................................................ 142
كان [- صلى الله عليه وسلم -] إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة ............................................................. 112
كان أحب ما استتر به النبيء - صلى الله عليه وسلم - لحاجته هدف أو حائط .................................................................... 05
كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - يصيب ثوبه [المني] فيغسله ...................................................................................... 55
كان الوجه قبل اللحية [قول لعمار بن ياسر] .................................................................................. 120
كان خالد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة فأُتي بضبّ محنوذ .......................................................... 46
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصيبه الجنابة من الليل وهو يريد الصيام ........................................................... 224
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يمتنع من قراءة القرآن إلا إذا كان جنبا ........................................................... 242
كان يؤتى النبيء - عليه السلام - بالصبيان فيحنّكهم، فأوتي بصبيّ ... فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ......... 56 - 82
كانت الأوزاغ يوم أحرقت بيت المقدس جعلت تنفخ في النار ............................................................ 43
كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يوما ................................................................... 282
كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يوما إلا أن نرى الطهر قبل ذلك .................................. 282
كانت تستحاض [فاطمة بنت أبي حبيش] فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن دم الحيض دم أسود يعرف ......... 248
الكذب والغيبة ينقضان الوضوء .................................................................................................... 177
كل شيء خبيث من الكلام فهو ينقض الوضوء [قول للربيع بن حبيب] ............................................. 180
كل فحل يمذي وكل امرأة تقذي فمن أحسّ من ذلك شيئا فليغسل مذاكره بالماء وليتوضأ [قول لعلي].229
كل نفس سائلة لا يتوضأ منها ولكن رخص في الخنفساء والعقرب (موقوف عن إبراهيم النخعي) .................................. 18
كلما مررتم بعظم قد ذكر اسم الله عليه فهو لكم لحم غريض ... ......................................................... 14
كنا لا نعدّ الصفرة والكدرة حيضا في زمن النبيء - صلى الله عليه وسلم -[قول لأم عطية الأنصارية] ................................. 271
كنا نقعد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يوما إلا أن نرى الطهر قبل ذلك ................................................. 282
كيف يُمسح على الخفين والله تعالى يخاطبنا بنفس الوضوء [قول لجابر بن زيد] ................................... 154 (2/328)
صفحة 764
ل
لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ................................................................................................. 243
لا تسبوا الضفدع فإن صوته تسبيح وتقديس وتكبير، إن البهائم ........................................................ 43
لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لغائط أو بول ولكن شرقوا أو غربوا ................................................... 06
لا تطهر المرأة من حيضتها حتى ترى القصة البيضاء .............................................................. 271 - 272
لا تغتسلوا بالماء الذي يسخن في الشمس فإنه يعدي من البرص ......................................................... 152
لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح ................................................................................................. 43
لا تقتلوا الضفادع ... ، ولا تقتلوا الخفاش ........................................................................................ 43
لا تقتلوا ستا: الضفادع، ... النمل، ... النحل، ... الهدهد، ... الصُّرد، ... الخطاف ........................ 42
لا تمس القرآن إلا وأنت على طهر ................................................................................................ 112
لا تنجسوا موتاكم فإن المسلم لا ينجس حيا أو ميتا ........................................................................ 244
لا تنجسوا موتاكم فإن المسلم ليس بنجس حيا ولا ميتا ................................................................... 162
لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد .................................................................................. 117 - 134
لا غسل على النساء إلا من جماع أو من طهر حيض [قول للربيع] .................................................... 234
لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ............................................................................................... 133
لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه ........................................................ 09
لا يتناجى اثنان على غائطهما ينظر كل واحد منهما ... فإن الله - عز وجل - يمقت على ذلك .................................................. 03
لا يُتوضأ من طعام أحل الله أكله ................................................................................................... 164
لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفان عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك .............................. 03
لا يرى القفا من الرأس في القصاص [عمر بن الخطاب] .................................................................... 130
لا يصل أحدكم وهو يدافع الأخبثين ................................................................................................ 35
لا يصلين أحدكم بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان ...................................................................... 35
لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث ... ....................................... 10
لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ............................................................................ 110
لا يقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ ................................................................................. 111 - 156
لا يقرأ القرآن الجنب ولا الحائض .................................................................................................. 242
لا يقلم أحدكم ظفرا ولا يقص شعرا إلا وهو طاهر ............................................................................ 288
لا يمس القرآن إلا طاهراً .............................................................................................................. 112
لخلوف فم الصائم .................................................................................................................... 148
لم يكن يرى الوضوء إلا مرتبا كما جاءت به السنة [الربيع بن حبيب] ............................................... 146 (2/329)
صفحة 765
لم يكن يعتبر عدد المرات في الوضوء وإنما يعتبر التنظف والإنقاء [أبو عبيدة مسلم] ............................... 146
لها ما أخذت بأفواهها ولكم ما غبر .................................................................................................. 39
اللهم اجعل سعيي سعيا مشكورا وذنبي ذنباً مغفوراً ... [عند غسل الرجل اليمنى في الوضوء] ............... 150
ليس على من مسّ عجم الذنب وضوء ولا على من مس موضع الاستحداد وضوء .............................. 175
ليس بنجس حيا ولا ميتا ................................................................................................................. 26
م
المؤمن لا ينجس ......................................................................................................................... 162
المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا ............................................................................................ 162 - 244
المؤمن يأكل في معى واحد والكافر في سبعة أمعاء .............................................................................. 36
ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا أنبتت لم يغسلها [قول لسعيد بن جبير] ............................ 120
ما قطع من الميتته وهي حية فهو ميتة ................................................................................................ 21
ما كان الله ليجعل حيضا مع حبل .......................................................................... 263 - 278 - 280
ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه ......................................................................... 18
الماء طهور إلا ما غلب على ريحه أو على طعمه .................................................................................. 39
الماء طهور لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته ...................................................................... 39
الماء من الماء .................................................................................................................... 230 - 232
المذي والوذي والمني ودم الحيضة ودم النفاس نجس لا يُصلى بثوب وقع عليه شيء منها ......................... 72
مُرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم منه فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله [قول لعائشة] .......... 103
مُره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر إن شاء أمسك ............................................. 258
مس الميتة ينقض الوضوء .............................................................................................................. 161
المستحاضة تتوضأ لكل صلاة ........................................................................................................... 277
المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا [قول لابن عباس] .................................................................. 162 - 244
من أتى امرأته في حيضها أو دبرها فقد أتى ذنبا عظيما ..................................................................... 261
من نبش قطعناه ............................................................................................................................. 08
من ترك ... [المضمضة والاستنشاق] في الوضوء فلا إعادة عليه و ... في الجنابة ... الإعادة [قول لابن عباس] ..... 139
من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك ..................................... 150
من سل سخيمته على طريق عامرة من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .......................................... 07
من ضاعف ضاعف الله له ............................................................................................................ 135
من غسل يديه فقد توضأ [قول لقتادة] .......................................................................................... 164
من غمض ميتا فليتوضأ ................................................................................................................ 161 (2/330)
صفحة 766
من فعل ذلك فهو ملعون (الاستنجاء بالعظم والروث) ........................................................................ 14
من قاء أو قلس فليتوضأ ...................................................................................................... 32 - 160
من قال حين يفرغ من الوضوء: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ... [قول لسعيد بن جبير] ..... 150
من قضى حاجته تحت شجرة مثمرة أو على نهر جار أو طريق عامر أو على ... فعليه لعنة الله ... ................................... 07
من قلس أو قاء أو رعف فلينصرف فليتوضأ وليتم على صلاته ............................................................. 32
من لم يخلل أصابعه بالماء خلل بالنار يوم القيامة ............................................................................... 139
من لم يخلل أصابعه بالماء خللها الله بالنار يوم القيامة ........................................................................ 139
ن
نبدأ بما بدأ الله به ........................................................................................................................ 145
نزلت هذه الآية فيمن به جرح أو قرح [قول لابن عباس في آية: وإِن كنتُم مَرْضَى] ............................ 196
نهانا - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلة ببول أو غائط ... ...................................................................................... 14
نهى - صلى الله عليه وسلم - أن يبول أحد في الماء الدائم ثم يتوضأ منه ....................................................................... 07 - 67
نهى - عليه السلام - أن يستنجى بالعظم والروث .............................................................................................. 36
نهى - صلى الله عليه وسلم - عن الغناء والاستماع إلى الغناء ونهى عن الغيبة ................................................................. 180
[نهى]- صلى الله عليه وسلم - في غزوة خيبر عن أكل لحوم الحمر الإنسية ومهر البغيّ وحلوان الكاهن ................................. 40
نهى ... - عليه السلام - الجنب أن يغتسل في الماء الدائم، أو قال: الراكد ......................................................... 67
نهى ... الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ أواني الذهب والفضة ......................................................................... 152
نهى أن يتخلى الرجل على ضفة نهر جار ونهى أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة ................................. 07
نهى الرسول - عليه السلام - عن أكل لحوم الحمر الإنسية .................................................................................. 40
نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبول قائما ..................................................................................................... 04
نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الجلالة وألبانها ........................................................................................ 53
نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الإنسية وعن كل ذي ناب من السباع ............................................. 41
نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير ................................................................ 37
نهي عن ركوب الجلالة ................................................................................................................... 53
نية المؤمن خير من عمله ............................................................................................................... 116
هـ
هو الطهور ماؤه الحل ميتته .............................................................................................................. 68
هو الطهور ماؤه والحل ميتته ............................................................................................................ 20 (2/331)
صفحة 767
و
والله ما كان للنبيء - صلى الله عليه وسلم - خفان قط ولا مسح عليهما ولوددت ... [قول لعائشة] .................................. 154
الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم [قول للحسن] ........................................................ 164
الوضوء من المذي ....................................................................................................................... 228
الوضوء من المذي والغسل من المني ................................................................................................ 228
ويل للأعقاب من النار ..................................................................................................... 131 - 132
ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار ............................................................................................ 131
ويل للعراقيب من النار ................................................................................................................. 131
ويل للعراقيب من النار وويل لبطون الأقدام من النار ........................................................................ 131
ويل للعواقب من النار وويل لبطون الأقدام من النار ......................................................................... 131
ي
يارويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي فأخبر الناس ............................................................................. 14
يتوضأ أحدكم مما مست النار ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لأخيه [قول لعائشة] ........................ 179
يُستحب تجديد الماء للأذنين [قول لابن مسعود في الوضوء] .............................................................. 142
يستحب للجنب ألا يتكلّف حاجة حتى يتوضأ وضوء الصلاة [قول لجابر بن زيد] ............................. 245
يستحب مسح باطن الأذنين مع الوجه وظاهرهما مع الرأس [قول للربيع بن حبيب في الوضوء] ............. 142
يُغسل من بول الجارية ويُنضح من بول الغلام ما لم يطعم .................................................................... 83
يقطع في موتانا كما يقطع في أحيائنا ................................................................................................ 08
يكفيها أن تحثي عليه ثلاث حفنات من ماءٍ واغمزي قرونك عند كل حثية ...................................... 239
ينضح بول الصبي ويغسل بول الجارية ............................................................................................... 83
تم
فهرس
الأحاديث والآثار
- -
فهرس الأعلام والفرق والمذاهب والأقوام والمدن
أ
إبراهيم - عليه السلام -: 42.
إبراهيم النخعي: 234.
أبو أيوب الأنصاري: 05.
أبو الحسن: 135 - 136.
أبو العالية: 181.
أبو القاسم البرادي: 23 - 118 - 227.
أبو بكر: 164.
أبو ثور: 241.
أبو جمرة: 230.
أبو حنيفة: 62 - 126 - 127 - 159 - 171 - 173 - 255.
أبو سعيد الخدري: 258.
أبو سهل اللالوتي: 87.
أبو طلحة الأنصاري: 234.
أبو عبيد: 249.
أبو عبيدة عبد الله بن القاسم: 234.
أبو عبيدة مسلم: 128 - 146 - 190 - 175 - 213 - 215 - 256 - 257 - 260 - 261.
أبو محمد النصيري: 163.
أبو محمد خصيب: 231.
أبو معاوية عزان بن الصقر: 256.
أبو موسى الأشعري: 168.
أبو نوح (صالح الدهان): 146 - 246 -
260 - 261.
أبو نوح صالح بن أفلح: 11.
أبو هريرة: 67 - 83 - 124 - 153.
أبو يوسف: 62.
أحمد (بن حنبل): 261.
الأخفش: 229.
آدم - عليه السلام -: 43.
إسحاق: 261.
الأشج = عمر بن عبد العزيز: 104.
الأشموني: 127.
الأصمعي: 176.
أم سلمة: 78 - 224 - 239 - 282.
أم سليم: 234.
أم عطية الأنصارية: 271.
الأموي: 15 - 228. (2/332)
صفحة 768
أنس بن مالك: 33 - 81 - 82 - 123 -
253 - 255.
الأوزاعي: 261.
أيوب بن إسماعيل: 289.
أيوب بن العباس: 37.
ابن التين: 270.
ابن الرقاع: 166.
ابن الزبير: 69 - 70.
ابن المعذل: 270.
ابن بركة (أبو محمد عبد الله): 183 - 186 - 189 - 195 - 204 - 212 - 234.
ابن بطال: 241.
ابن جنيّ: 135.
ابن عباد: 271.
ابن عباس: 05 – 49 – 51 – 69 – 70 – 72 - 102 - 134 - 139 - 153 – 154 – (2/333)
صفحة 769
164 - 170 - 177 - 196 - 206 -
230 - 235 - 261.
ابن عبد العزيز: 146.
ابن عمر: 05 - 206 - 258.
ابن عياش: 27.
ابن قاسم: 127.
ابن قضية: 27 - 209.
ب
بجيلة: 33.
البخاري: 270.
بخت بن نصر: 43.
بشير بن محمد بن محبوب: 179.
البغوي: 261.
بلال: 153 - 164.
بنو إسرائيل: 248.
بنو مروان: 104.
البيضاوي: 27.
ت
التفتزاني: 131 - 154.
ث
ثعلب: 145.
ج
جابر بن زيد: 109 - 128 - 129 - 142 - 154 - 177 - 198 - 210 - 211 - 214 - 235 - 241 - 245 - 253 - 255 - 258 - 277.
الجاحظ: 178 - 248.
جالينوس: 279.
جبريل - عليه السلام -: 123.
ح
حذيفة: 244.
الحرة: 33.
الحسن: 170.
حمزة: 27.
حيان الأعرج: 175.
خ
خميس بن سعيد العماني: 132.
د
داود بن علي الظاهري: 13 - 241.
الداودي: 270.
ر
الربيع بن حبيب: 123 - 129 - 142 -
146 - 156 - 163 - 202 - 211 - 234 - 254 - 260 - 271 - 279.
الرجراجي: 270.
ز
زيد بن ثابت: 234.
س
سعيد بن جبير: 142.
سليمان - عليه السلام -: 42.
ش
الشافعي: 35 - 28 - 65 - 126 - 167 - 173 - 204 - 256.
ض
ضمام: 246.
ط
طرفة بن العبد: 89.
طلحة: 283.
ع
عائشة: 82 - 103 - 153 - 154 - 171 - 179 - 271 - 272 - 276.
عاصم: 27. (2/334)
صفحة 770
عامر بن علي الشماخي: 13 - 17 - 23 - 34 - 37 - 44 - 45 - 52 - 65 - 69 - 76 - 92 - 105 - 117.
عبد الله بن سعيد السدويكشي: 115 - 117 - 247 - 270.
عبد الله بن مسعود: 63 - 142.
العرنيون: 33.
عرينة: 33.
عكل: 33.
علي بن أبي طالب: 51 - 83 - 153 - 198.
عمار بن ياسر: 120 - 206.
عمر بن الخطاب: 130 - 245 - 258.
عمرو بن العاص: 195 - 197.
عمروس بن فتح: 86.
ف
فاطمة بنت أبي حبيش: 276.
الفراء: 145 - 279.
ق
قباء (أهل): 103.
قتادة: 261.
قضاعة: 33.
قطرب أبو علي محمد بن المستنير النحوي:145.
ك
كرز بن جابر الفهري: 33.
الكسائي: 27.
ل
لقيط بن صبرة: 137.
م
الماجشون: 257.
مالك بن أنس المدني: 49 - 126 - 140 - 151 - 167 - 174 - 181 - 203 -
255 - 262.
محمد بن عبد الله الحضرمي: 254.
المقداد بن الأسود: 83.
مليكة: 81.
موسى بن علي: 254.
ميمونة: 236 - 239.
ن
الناقص = يزيد بن عبد الوليد بن
عبد الملك: 104.
النظام: 178.
النكار: 122.
هـ
هاشم بن عبد الله الخراساني: 156.
هجر: 65.
هدبة بن الخشرم: 122.
هشام أبو عبد الله بن معاوية الكوفي: 145.
ي
يحيى بن زكرياء - عليه السلام -: 52 (2/335)
صفحة 771
فهرس الموضوعات
الموضوع ... الصفحة
الركن الثاني من الكتاب: في شروط الصلاة وما فيها من السنن والآداب ............................... 01
المقدمة الأولى: في آداب قضاء حاجة الإنسان ........................................................ 02
المسألة الأولى: في إبعاد المذهب في الصحراء ..................................................... 02
المسألة الثانية: في الاستتار عن الناس ................................................................ 03
المسألة الثالثة: اختيار الموضع السهل ............................................................... 04
المسألة الربعة: أن لا يبول قائماً ..................................................................... 04
المسألة الخامسة: ألا يكشف عورته قبل انتهائه إلى موضع تبرّزه ......................... 04
المسألة السادسة: أن يستتر بما أمكنه .............................................................. 05
المسألة السابعة: أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ........................................... 05
المسألة الثامنة: ألا يستقبل الشمس والقمر ...................................................... 06
المسألة التاسعة: ألا يستقبل الريح .................................................................. 06
المسألة العاشرة: ألا يقضي حاجته في المواضع التي تكون للناس فيها منافع ........... 06
المسألة الحادية عشر: ألا يقضي حاجته في حرث ولا مقبرة ............................... 08
المسألة الثانية عشر: أن لا يبول في جحرٍ ولا في مُهواة ولا في موضع حافر دابة ... 08
المسألة الثالثة عشر: ألا يقعد في بيوت الناس ولا في موضع الوضوء .................... 09
المسألة الرابعة عشر: أن يقول الذكر الوارد عند إرادة قضاء الحاجة .................... 09
المسألة الخامسة عشر: أن يحفر لكلّ من البول والغائط حفرة يفرّق بينهما ........... 10
المسألة السادسة عشر: أن يعتمد على الشق الأيسر في قعوده ............................. 11
المسألة السابعة عشر: أن لا يمسّ ذكره بيمينه .................................................. 11
المسألة الثامنة عشر: ألا يشتغل بحديث ولا إنشاد ولا قراءة ... ........................ 12
المسألة التاسعة عشر: ألا يتمخّط في الحدث ولا يبصق فيه ................................ 12
أن يسلت الذكر ليستبرئ بذلك من البول ....................... 13
المسألة العشرون: أن يزيل النجس بالأحجار أو ما يقوم مقامها ......................... 13
صفات أحجار الاستجمار ومسائل أخرى ...................... 13 (2/336)
صفحة 772
المقدّمة الثانية: في أعيان النجاسات المتفق عليها والمختلف فيها ............................ 17
الأعيان المتفق على نجاستها وتحريمها عشرة: ................................................... 17
1. الميتة، وهي نوعان: .......................................................... 17
البرية: وهي نوعان: ????? ما له نفس سائلة ..................... 18
????? ماليس له نفس سائلة ................ 19
البحرية: وهي نوعان .................................................. 19
????? ما مات بسبب ....................... 20
????? ما مات بغير سبب .................. 20
حكم خنزير الماء وإنسانه .............................. 20
مسألة: في أحكام أجزاء ميتة البرّ .................. 21
2. الدم المسفوح .................................................................... 22
أحكام بعض الدماء .......................................................... 22
3. الخنزير ............................................................................. 24
حكم شعر الخنزير؛ حكم القرد والفيل ................................. 25
4. رجيع بني آدم ................................................................... 26
5. بول بني آدم ...................................................................... 26
مسائل متفرقة: لبن الإنسان والحيوان، البيض، ما يتولد من الجروح. 26
8.7.6. المني والمذي والودي .................................................... 28
9. الطهر من النساء .................................................................. 28
10. الخمر ............................................................................... 29
الأعيان المختلف فيها عشرة: ...................................................................... 32
1. القيء ......................................................................................... 32
في القلس ومتى يكون ناقضاً .......................................................... 32
2. بول ما يؤكل لحمه ....................................................................... 33
أدلة أقوال العلماء في المسألة ........................................................... 34
3. الفرث والأرواث ......................................................................... 35
مسائل مستثناة مما ذُكر .................................................................. 36
4. ذوناب من السباع ....................................................................... 37
أدلة أقوال العلماء في المسألة ........................................................... 37
حكم لحوم الخيل والبغال والحمير ................................................... 40 (2/337)
صفحة 773
5. ذو مخلب من الطير ....................................................................... 41
حكم الطيور التي لا مخلب لها؛ ستة أصناف من الحيوان نُهي عن قتلها ........ 41
سؤرُ الطيور التي لا تمتنع عن أكل القذر وبيضُها ............................... 44
حكم سائر الصيد من الحيوانات: الظباء، ........................................ 44
الأرانب، اليرابيع، الثعالب، السلاحف، الضباب، الأماحي ....... 45
6. الهر ............................................................................................ 47
حكم الفأر .................................................................................. 48
7. الكلب المعلَّم ............................................................................... 48
أدلة أقوال العلماء في المسألة ........................................................... 48
8. المشرك ....................................................................................... 49
حكم بلل أهل الكتاب .................................................................. 50
9. عرق السكران ............................................................................. 51
مسائل من نفس القبيل؛ المدة التي يُتقى فيها البلل من شارب الخمر .............. 52
10. الجلالة من البهائم، ما يحرم منها ..................................................... 53
فيما تكون به البهائم جلالة ............................................................ 53
المدة التي يُحكم بعدها بطهارة الجلالة إذا أقلعت عن أكل النجس ............... 54
من: الإبل، البقر، الشياه، الإوز، الدجاج ........................................ 54
المقدمة الثالثة: فيما تُزال عنه النجاسات وبما تُزال به ................................................ 55
الأشياء التي تُزال عنها النجاسات ثلاثة، الأول: الثياب ............................................... 55
الثاني: الأبدان ............................................... 56
الثالث: المساجد ومواضع الصلاة ..................... 56
الأشياء التي تُزال بها النجاسات عشرة: .................................................................... 57
الأول: الغسل، اختصاصه بالماء دون سائر المائعات ......................................... 58
المياه أربعة أقسام: 1. الماء المطلق، أوصافه ..................................... 59
2. الماء المقيّد المضاف إلى ما وقع فيه ................... 60
3. الماء المضاف إلى الخارج منه ........................... 60
4. الماء المستعمل للوضوء والاغتسال ................... 60
أحكام هذه المياه في التطهير ................................. 61
حكم استعمال الخل والنبيذ واللبن والزيت في التطهير .... 62
فصل: في أحكام الماء المطلق .......................................................... 63 (2/338)
صفحة 774
1. ماء المطر .................................................................................... 63
أحوال ارتفاع حكم المطلق عنه بوقوع النجس فيه أو تغيّر أحد أوصافه .......... 64
2. ماء البحر، حكم التطهير به ........................................................... 67
3. ماء البئر، تطهير البئر إذا وقع فيها نجس ........................................... 68
4. ماء النهر الجاري، الحال التي يُحكم فيها بنجاسته ............................. 70
فصل: في أحكام الغسل بالماء ........................................................................ 72
كيفية غسل النجاسة التي لا يُرى لها عين قائمة ........................................ 72
كيفية غسل النجاسة التي لها عين قائمة ................................................... 73
كيفية تطهير أواني الطين ....................................................................... 74
الأشياء التي يزيل الماءُ النّجسَ منها ......................................................... 75
الثاني: فصل في المسح .................................................................................................. 78
الأشياء المنطوق بها في السنة أنها تطهر بالمسح ثلاثة: ........................................ 78
أذى المخرجين، الخفين والنعلين، ذيل المرأة الطويل ............................ 78
الأشياء التي تطهر بالمسح عند أصحابنا ............................................................ 79
الثالث: النضح ........................................................................................................... 81
الأشياء الواردة بها السنة أنها تطهر بالنضح ثلاثة: ............................................ 81
الحصير، بول الرضيع، المذي يصيب الذّكر ....................................... 83
الرابع: الوطء ............................................................................................................. 83
ما وردت به السنة أنه يطهر بالوطء ................................................................ 83
كيفية الطهارة بالوطء لكل من: النعل، الخف، الرِِّّجُْل ...................................... 84
الخامس: النار ............................................................................................................. 84
الأشياء التي تُطهّرها النارُ عند أصحابنا ............................................................ 84
السادس: الزّمان ......................................................................................................... 85
الأشياء التي يُطهّرها الزّمان ............................................................................ 85
السابع: الدّباغ ........................................................................................................... 87
كيفية الدّباغ والأشياء التي يُدبغ بها ................................................................. 89
تأثير الدّباغ في غير جلود الميتة من القرون والعظام والأظلاف والصوف والشَّعر ............. 90
حدود الانتفاع بالمدبوغ من جلود الميتة ........................................................... 90
الثامن: التترب ............................................................................................................. 91
الأشياء التي تطهر بالتترّب، وما يُستعمل فيه، وكيفيته ........................................ 91 (2/339)
صفحة 775
التاسع: الريح والشمس والمطر ..................................................................................... 92
الأشياء التي تطهر بذلك ................................................................................ 92
المدّة التي تطهر فيها هذه الأشياء بالشمس والريح ............................................. 93
حكم ما ذهب عين النّجس منه وبقي فيه أثره من لون أو رائحة ......................... 93
طهارة معاطن الإبل ونحوها من المزابل والمجازر ................................................. 94
طهارة المواضع التي لا تصل إليها الشمس والريح بالدّهر .................................... 94
العاشر: الرّشح ........................................................................................................... 95
الأشياء التي تطهر بالرّشح ومتى يُحكم بطهارتها به ............................................ 95
فرش مسائل في تطهير بعض الأشياء ................................................................................ 96
طهارة الفاكهة إذا سقيت بالماء المنجوس .......................................................... 96
طهارة القلال المطبوخة بالعذرة ...................................................................... 96
طهارة الموضع المنجوس من الأرض بالكنس ..................................................... 96
حكم ما يقوم من النجس أو المتنجّس من دخان وغبار ورماد ............................. 96
المقدّمة الرابعة: في الاستنجاء ..................................................................................... 98
وجه تسميته بالاستنجاء ................................................................................ 98
الفصل الأول: في الاستجمار ............................................................................... 99
صفات المستجمر به (أحجار الاستجمار) ....................................................... 99
سنن إزالة النّجس من المخرجين .................................................................... 101
الفصل الثاني: في كيفية الاستنجاء بالماء .............................................................. 102
ما يجب به الجمع بين الماء والأحجار ............................................................ 102
المستحبّ في صفة استعمال الماء في الاستنجاء (الكيفية) ................................. 106
آداب الاستنجاء بالماء ................................................................................ 107
إزالة النجاسات من البدن بعد الفراغ من الاستنجاء ....................................... 108
باب في الطهارة المشروعة للصلاة ........................................................................................... 109
الفصل الأول: طهارة الوضوء من الأحداث .......................................................... 109 (2/340)
صفحة 776
القسم الأول: في الوضوء وكيفيته .............................................................. 110
الاستدلال على فرضية الوضوء من الكتاب والسنة والإجماع ..................... 110
أقسام الوضوء أربعة: المفروض خمسٌ .................................................... 111
المسنون أربعٌ ....................................................... 111
المستحب أربعٌ (فضائله) ...................................... 113
المباح نوعان ....................................................... 113
فصل في أحكام الوضوء .............................................................................. 114
فرائض الوضوء ست: 1.الماء المطلق ........................................................... 114
2. النية: فرضيتها، كيفية عقدها، لفظها ..................... 114
مسألة: في وجه اشتراط النية في الوضوء .......... 117
مسألة: في تأخير النية عن الوضوء .................. 118
3. غسل الوجه: حدود الوجه طولاً وعرضاً ............... 119
حكم غسل ما كان تحت الشعر ...................... 119
4. غسل اليدين مع المرفقين: فرضيته، حدود اليدين ............. 123
مسألة: فيما يفعله من قُطعت يده أو ذراعه ........... 125
5. مسح الرأس: القدر الواجب مسحه ........................ 126
6. غسل الرجلين مع الكعبين ....................................... 130
مسنونات الوضوء ثمانية: 1. التسمية .......................................................... 132
2. غسل الأيدي ................................................... 134
3. المضمضة ......................................................... 135
4. الاستنشاق ....................................................... 136
5. التخليل للحية والأصابع ..................................... 139
6. مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما .......................... 141
7. التوضؤ ثلاثاً ثلاثاً لكل جارحة ........................... 143
8. ترتيب الوضوء .................................................. 144
فضائل الوضوء ست: 1. ترتيب المسنون على المفروض .............................. 147
2. السواك قبله ...................................................... 147
3. التوضؤ باليمين ................................................. 148
4. المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم ........................ 149
5. البداية في مسح الرّأس بمقدّمه مع التيامن فيه واستيعابه .... 149 (2/341)
صفحة 777
6. التقليل من صبّ الماء مع ذكر الله. أذكار مأثورة ........ 149
مكروهات الوضوء عشرة: 1. الإكثار من صبّ الماء فيه .............................. 150
2. الزيادة على الثلاث في مغسوله ........................ 150
3. الزيادة على الواحدة في ممسوحه ....................... 150
4. الوضوء في موضع الخلاء ................................. 151
5. الكلام فيه بغير الذّكر ..................................... 151
6. الاقتصار على مرة واحدة لغير العالم ................. 151
7. الوضوء من الماء المشمس ................................ 152
8. الوضوء من إناء الذّهب والفضّة ....................... 152
9. التوضؤ عرياناً ............................................... 152
10. التوضؤ من الماء المضاف الذي لم يتغيّر أحد أوصافه 152
مسح الوضوء بالمنديل .......................................... 152
مسألة في المسح على الخفين ....................................................................... 153
القسم الثاني: في نواقض الوضوء ................................................................. 156
النواقض المتفق عليها عند الأمة عشرة ..................................................... 156
الفصل الأول: في الأحداث وهي ثلاثة أنواع: ............................ 158
1. سيلان النجس من جميع مواضع الجسد ............. 158
2. ملاقاة النجس لبدن المتوضئ ............................ 161
3. أكل النجس على جهة الاضطرار ..................... 162
الفصل الثاني: في الأسباب التي تؤدي إلى نقض الوضوء وهي ثلاثة أنواع:165
1. زوال العقل بإغماء أو جنون أو سكر أو مرض أو نوم ......... 165
تفصيل هيئات النوم وهي أربع: .................................... 165
الأولى: أن يكون طويلا ثقيلا في حال الاضطجاع ........... 165
الثانية: أن يكون قصيرا خفيفا غير مزيل للعقل .......... 166
الثالثة: أن يكون خفيفا ثقيلا (طويلا) ..................... 166
الرابعة: أن يكون ثقيلا خفيفا (قصيرا) .................... 166
اعتبار بعض العلماء لهيئات النائم ..................................... 167
اختلاف العلماء في نقض النوم للوضوء ............................ 168
2. مس بدن المرأة الأجنبية ............................................... 168
3. مس الفرج باليد من غير حائل ..................................... 172 (2/342)
صفحة 778
اختلاف العلماء في المسألة ....................................... 172
الفصل الثالث: في الأفعال الموجبة للوضوء وهي أربعة: ............... 176
1. اللمس .......................................................... 176
2. القول ........................................................... 177
3. الاستماع ...................................................... 180
4. النظر ............................................................ 180
الفصل الثاني [القسم الثالث]: في الطهارة الصغرى وهي التيمم المبدل من الوضوء ............ 182
شروط وجوب التيمم سبعة .................................................................. 182
فرائض التيمم ثمان ............................................................................... 183
سنن التيمم أربع .................................................................................. 183
فصل: في أسباب التيمم وكيفيته وأحكامه .......................................................... 184
القسم الأول: فيما ينقل إلى التيمم وهو العجز، وأسبابه ستة: ............... 184
الأول: فقد الماء ....................................................................... 184
أحوال الفاقد للماء بعد طلبه أربعة: ........................... 185
1. أن يتحقق عدم الماء ................................. 185
2. أن يتوهم وجوده حواليه .......................... 185
3. أن يعتقد وجود الماء في حدّ القرب ............ 189
4. أن يكون الماء حاضرا ولكن يتعذّر حصوله ....... 190
الثاني: الخوف .......................................................................... 192
الثالث: الحاجة للماء ................................................................. 193
الرابع: الجهل بوجود الماء .......................................................... 194
الخامس: المرض ........................................................................ 195
السادس: عدم إمكان عزل مواضع الجروح والقروح ..................... 198
القسم الثاني: في كيفية التيمم ............................................................... 200
أركان التيمم أربعة: 1. النية: كيفية عقدها، لفظها .................. 200
فيما يؤديه المتيمم من العبادات بتيمم واحد ........ 201
2. ما يجوز به التيمم ................................ 203
3. أعمال التيمم (كيفيته) ........................ 206
فرش مسائل في بعض أحوال المتيممين ......... 209
4. ما يُفسد التيمم ................................. 216 (2/343)
صفحة 779
الفصل الثالث [القسم الرابع] في الطهارة من الأحداث الموجبة للاغتسال ............ 218
الغسل المفروض لخمسة أحداث، الأول: الإنزال، غيوب الحشفة ..................... 218
الثاني: انقطاع الحيض وكمال وقته ................. 218
الثالث: انقطاع دم النفاس ............................. 218
الرابع: الموت ............................................... 219
الخامس: الدخول في الإسلام ......................... 219
الغسل المسنون خمسة ................................................................................. 219
الغسل المستحب ستة ................................................................................. 220
فرائض الاغتسال ستة .................................................................... 221
سنن الاغتسال ستة ....................................................................... 223
فضائل الاغتسال أربع .................................................................... 224
مكروهات الاغتسال ..................................................................... 224
الجملة الأولى: في الغسل من الجنابة .............................................................. 226
الفصل الأول: في موجب الغسل من الاحتلام ........................................ 226
الاستدلال على وجوب الغسل بالاحتلام .......................... 226
صفة الاحتلام الذي يجب به الاغتسال ............................. 227
صفة المذي والودي وحكمهما ....................................... 228
في حكم ما يجده الرجل من بلل الليل .............................. 229
الفصل الثاني: في موجب الغسل من الجماع ........................................... 232
في حد الجماع الذي يجب به الغسل ................................ 232
في المرأة ترى ما يراه الرجل من الاحتلام .......................... 234
في المجنب يخرج منه شيء بعد الغسل ................................ 235
الفصل الثالث: في كيفية الغسل ........................................................... 236
فيما يفعله المجنب قبل الشروع في الغسل ........................... 236
في كيفية غسل الرسول صلى الله عليه وسلم ..................... 236
أعمال الغسل ............................................................... 237
أقل الغسل ................................................................... 238
أكمل كيفية للغسل، ومسائل أخرى ............................... 239 (2/344)
صفحة 780
الفصل الرابع: في أحكام الجنابة ............................................................ 242
الأشياء الممنوعة على الجنب ........................................... 242
طهارة عرق الجنب وسؤره ............................................. 243
الأشياء المكروه فعلها للجنب .......................................... 244
الجملة الثانية: في أحكام الحيض والنفاس وما يتصل بهما ............................. 247
الفصل الأول: في معرفة أنواع الدماء الخارجة من الأرحام، وهي ثلاثة: ........... 248
الأول: دم الحيض، أوصافه ..................................................... 248
الثاني: دم الاستحاضة، أوصافه ................................................ 249
الثالث: دم النفاس، سببه. واجب المرأة تجاه هذه الدماء ............. 250
الفصل الثاني: في أحكام الحيض المتعلّقة به والممنوعة من أجله، وهي: .............. 252
الأول: في حدّ الحيض، تعريفه ................................................. 252
الثاني: في مدّة الحيض، أقصى ذلك وأقلّه .................................. 253
في الطّهر: أكثره وأقلّه ............................................................ 257
الثالث: في حكم ما يمتنع به في حال الحيض، وهي خمسة أشياء: ....... 257
الأول: ما يفتقر إلى الطهارة الكبرى .................................. 257
الثاني: الفراق مع الزوج بطلاق أو خلع أو خيار ................. 258
الثالث: إلقاء التفث ......................................................... 259
الرابع: الزينة المعهودة ....................................................... 259
الخامس: الوطء في الفرج، حكم الموطوءة في الحيض وكفارة ذلك 260
ما يحل من الزوجة حال الحيض .......................................... 262
الفصل الثالث: في اختلاف حكم النساء المعتادة (المعدّة) للحيض، وأحوالها أربعة: ..... 263
المبتدئة، المعتادة، المستحاضة، الحامل .......................................... 263
اتحاد حكمها في ابتداء الحيض .................................................. 263
اختلاف حكمها في تماديه:????? حكم المبتدئة: .......................... 264
إذا انقطع عنها الدم لعشرة أيام .................................... 264
إذا دام بها الدم أكثر من عشرة أيام ............................... 264
إذا لم يتغيّر حالها بعد انتساب سنة كاملة ...................... 265
????? حكم المعتادة: ........................... 265
إذا لم يستقرّ لها وقت في الطهر .................................... 266 (2/345)
صفحة 781
إذا خولط طهرها الأول .............................................. 266
مسألة البناء والأصول ................................................. 267
إذا تمّ وقت حيضها ولم ينقطع الدم .............................. 269
مسألة الطلوع والنزول ................................................ 269
إذا تمّ وقت حيضها وانقطع وبقي شيء من توابعه ................ 270
أنواع الطهر: الجفوف ............................................... 271
القصّة البيضاء، تعريفها ............................ 272
????? حكم المستحاضة: ..................... 273
إذا كانت مبتدئة مميزة ................................................. 274
إذا كانت مبتدئة غير مميّزة ........................................... 274
إذا كانت معتادة غير مميّزة ........................................... 274
إذا كانت معتادة مميّزة ................................................ 276
????? حكم الحامل التي يطرأ عليها الدم ....... 278
بعض صور للحامل التي ترى الدّم أو شيئا من توابعه ............. 279
في اليائسة ترى الدم أو شيئا من توابعه، وحدّ الإياس ............. 281
الأشياء التي تقطع الحيض خمسة ................................... 281
الفصل الرابع: في دم النفاس ................................................................. 282
في أقصى وقت النفاس وأقلّه ..................................................... 282
أحوال طهارة النفساء المبتدئة .................................................... 283
أحوال طهارة النفساء المعتادة ................................................... 284
حكم العبادات التي تؤدّيها المرأة في الطّهر المتخلل للحيضة ................... 284
حكم النفساء التي ينقطع دمها ثمّ يعود بعد طهر تام ........................... 285
حكم الدم الذي يكون بين التوأمين ........................................... 287
حكم المرأة ترى الطهر بعد أن تغتسل بانقطاع الدم ........................... 287
في اغتسال الحائض والنفساء .................................................... 288
ملحق التراجم ........................................................................................................................... 290
1. ترجمة أيوب بن إسماعيل الوارجلاني .............................................................................. 291
2. ترجمة أيوب بن العباس النفوسي .................................................................................. 292
3. ترجمة البشر بن محمد التندنميرتي اللالوتي ........................................................................ 293
4. ترجمة حيان الأعرج البصري الأزدي ............................................................................ 294
5. (2/346)
صفحة 782
ترجمة صالح بن أفلح .................................................................................................. 295
6. ترجمة عبد الله بن القاسم ............................................................................................ 295
7. ترجمة عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي ...................................................................... 296
8. ترجمة موسى بن علي بن عزرة الأزكوي ...................................................................... 298
9. ترجمة هاشم بن عبد الله الخراساني الخوارزمي ................................................................ 299
الفهارس ................................................................................................................................. 300
فهرس المسائل ................................................................................................................... 301
فهرس الأحاديث والآثار .................................................................................................... 320
فهرس الأعلام والفرق والمذاهب والأقوام والمدن .................................................................... 333
فهرس الموضوعات ............................................................................................................. 336
تمت
الفهارس
- - - (2/347)