صفحة 1
الكتاب: قواعد الإسلام
المؤلف: أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت: 750هـ / 1350م)
تحقيق وتعليق: عبد الرحمن بن عمر بكلي
الطبعة: الأولى
الناشر: [د. نا]
سنة نشر الجزء الأول: 1976م
سنة نشر الجزء الثاني: 1977م
المطبعة: المطبعة العربية
البلد: غرداية، الجزائر
عدد الأجزاء: 2
[الكتاب به عدة تعليقات مهمة للمحقق، لم ترقن]
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) كتاب قواعد الإسلام
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
للإمام أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي
المتوفى سنة 750هـ
الجزء الأول
صححه وعلق عليه
بكلي عبد الرحمن بن عمر
[تعليقات المصحح لم ترقن]
الطبعة الأولى
___________________
[صفحة وراء صفحة الغلاف]
الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها
الحديث الشريف
___________________
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المصحح
[صفحة -أ- لم ترقن]
___________________
[صفحة -ب- لم ترقن]
___________________
[صفحة -ج- لم ترقن]
___________________
[صفحة -د- لم ترقن]
___________________
ترجمة الشيخ الجيطالي باختصار
[صفحة -هـ- لم ترقن]
___________________
[صفحة -و- لم ترقن]
___________________
[صفحة -ز- لم ترقن]
___________________
[صفحة بيضاء]
___________________
بسم الله الرحمن الرحيم
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ}
قرآن كريم
___________________
كتاب التوحيد
___________________
[صفحة رقم 1]
الحمد لله الذي اخترع الأشياء على غير مثال، ودبّر الأمور على غير تمثال، وابتدع بحكمته الإنسان من صلصال، فأخرج من صلبه ذريّة وشيكة الاِضمحلال، فتفضّل عليهم بالنعم قبل الاِستحقاق، وتكفّل لهم بمضمون الأرزاق، وركّب فيهم عقولاً إليها ينتهون ويعرفون ما يأتون وما يتّقون، ثمّ بعث رُسله إليهم دُعاةً، وجعل لهم أئمّة وهُداةً، وختم أنبياءه بالنّبيء المبعوث، الطّاهر الْمُطَهِّر الأوائل والأواخر، محمّدبن عبد الله المخصوص بالمواهب السَّنية، والمفاخر السّميّة، فكشف به عن الهُدَى دياجي الغمّة، وهَدَى به من الضّلالة الأمّة، وأنزل عليه كتابًا فيه هُدى ونور وشفاء لما في الصّدور، فكلّف فيه عباده المفروضات، وزجرهم فيه عن ارتكاب المحظورات، وأكّد مفروضاته بمواعيد المثوبة ترغيبًا، وزواجرَه بمواعيد العقوبة ترهيبًا، لأنّ الرّغبة باعثة على الطّاعة والاِلتباس بها، والرّهبة رادعة عن المعصيّة وارتكابها، فالتّكليف يجمع امتثال الأوامر واجتناب الزّواجر، فجعل ما أودع كتابه من القصص والأمثال عِظة واعتبارا تقوى بهما الرّغبة في امتثال العزائم، وتزداد بهما الرّهبة في اجتناب المحارم، ثمّ جعل إلى رسوله بيانَ ما كان من كلامه مُجمَلاً، وإيضاحَ ما كان منه مشكلاً، فبيّن - صلى الله عليه وسلم - ما أجمل فيه من الحدود والأحكام، وأنار معالم الحلال من الحرام، وشمّر عن ساق الجِدّ والاِجتهاد، ودعا إلى طاعة ربّه جميعَ العباد، وأمرهم باستعداد الزّاد ليوم المَعاد، حتّى أكمل اللهُ دينه على لسانه، (1/1)
صفحة 2
وقبضه إلى رضوانه، صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله الطّاهرين الأبرار، وأصحابه المهاجرين والأنصار، أمّا بعد:
فإنّه لمّا كانت السّعادة الأبديّة منوطة بالعِلم والعبادات وجب على المكلَّف إتقان هذين التّوأمين على التّحقيق، وهما العلم بكيفيّة امتثال الأوامر المحتومة والاِلتباسِ بها فعلاً وامتثالاً، والمعرفة بموجب اعتقاد قلب، وتطهيره عن الأخلاق المذمومة نطقًا واعتقادً ا، ونفيًا وارتداعًا، و [لمّا كان] الخبر المروي من طريق ابن عمر عنه - عليه السلام - متضمِّنًا قواعد الإسلام، وكانت السّؤالات السّبعة المذكورة في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14] مشتملة على جميع ما يُسأل عنه العبد في المَعاد، رأينا أن نقصر الكلام في هذا المختصر على سبعة أركان تحتوي على جُملٍ من الفرائض والمظالم التي يلتزم بها الإنسان، وكلّ ركن منها يشتمل على أبواب مرتَّبة مبانيها، وفصول مشروحة معانيها، تكون لسالكي هذا المنهج من التُّحف المخزونة، والدُّرر المكنونة، يقلّ على النّاظر لفظها، ويسهل على الطّالب حِفظها، وتكون للمسترشدين ملجأً يلجؤون إليها، وعِصمةً يعتصمون بها، والله سبحانه هو المرجوُّ للتّوفيق، والمرشدُ إلى سواء الطّريق، وهو بإجابة السّائلين حقيقٌ، وهو حسبنا ونِعم الوكيلُ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم. الرّكن الأوّل
في معرفة الله - عز وجل - ووظائفها
وما يتعلّق بها من قواعد التّوحيد وأركانها
وهذا الرّكن يحتوي على مقدّمة وأبواب ثلاثة: أمّا المقدّمة فهي: أنّ الله سبحانه خلق الدّنيا وحفّها شهوات، وملأها آفات، وأسكنها الثّقلين من عباده، وسخّر لهم كلّ ما في بلاده (1/2)
صفحة 3
أكلاً وانتفاعًا، ولُبسًا واستمتاعًا، ليبلوهم أيّهم أحسن عملاً، وأسرعهم إلى طاعته قَبولاً وفِعلاً وامتثالاً، ثمّ ركّب فيهم عقولاً غريزيّة، يتعلّق التّكليف بكمالها، ويتميّز بها الإنسان من سائر الحيوانات على اختلاف أجناسها، جعله الله تعالى أصلاً لشريعته، وجعل أحكام الدّنيا مدبَّرة بواسطته، وألّف به بين الخلق، وساوى بين أهله في التّكليف وأداء الحق،
وجعل ما تعبّدهم به مأخوذًا من واجب عقلي ورَدَ الشّرع بتأكيده، ومسموعًا من خطاب نقليٍّ لا يمنعُ العقلُ من جوازه، ولذلك توجّه الخطاب إلى ذوي الألباب، وبه استوجبوا الثّواب والعقاب، إذ ليس من الحكمة تكليف من انعرى من العقل والتّمييز، كما أنّه ليس من الحكمة تكليف الأصمّ السّمع، وتكليف الأخرس النّطق، وكذلك ليس من الحكمة إهمال العاقل بغير تكليف، لأنّ ذلك يؤدّي إلى إباحة الشّتم له والاِفتراء عليه بما ليس من أهله، فكيف وقد نزّه الجليل جلّ جلاله نفسه عن هذه الصّفة فقال: {أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} الآية [المومنون: 115]، {أيَحْسِبُ الاِنسَانُ أَنْ يُّتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36]، أي: مهمَلاً لا يُخاطبُ، ومتروكًا لا يُعاقبُ، فإذا صحّت غريزية العقل من الإنسان توجّه إليه التّكليف والإلزام، ونفذت له وعليه الأحكام، وقد نصب الشّرع لذلك علامات بادية، وحدودًا مُتناهية؛ إحداها: الاِحتلام للذّكور، والمحيض للنّساء بإزائه، لقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا} [النّور: 59]، فأوجب عليهم الاِستئذان ببلوغ الاِحتلام، وأمّا المحيض فلما رُوي أنّ النّبيء (1/3)
صفحة 4
- عليه السلام - لم يُجز لمن بلغ المحيض من النّساء أن تصلّي بلا خِمار، فدلّ أنّ التّكليف توجّه إليها ببلوغ المحيض؛ والثّانية: الإنبات في موضع الاِستحداد، لحديث بني قريظة حين حكّم عليهم سعد بن معاذ الأنصاري أن يكشف عن الأطفال، فمن أنبت منهم قُتل، ومن لم يُنبت سُبي، فكان محمّد بن كعب القريظي ممّن لم يُنبت فتُرك فيما قيل، والله أعلم. وقد أجاز بعض مشايخنا -رحمهم الله- البلوغ بشعرة واحدة، إذا كانت سوداء غليظة، والله أعلم. والثّالثة: السِّنون، وقد اختلفوا في نهاية ذلك، والمحصول من اختلافهم قولان: أحدهما: خمسة عشرة سنة، والثّاني: سبع عشرة، والصّحيح القول الأوّل لحديث ابن عمر أنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - أنفذه في الجيش وهو ابن خمس عشرة سنة، وضرب له في الغنيمة سهمًا؛ وكذلك روي أنّ عمر ابن الخطّاب -رضي الله عنه- كان يضرب للمقاتلة في الغنيمة من بلغ منهم خمس عشرة سنة؛ فهذه حدود البلوغ فيما بلغنا، فمتى ما ظهر من الإنسان إحدى هذه العلامات، وسلِم عقله من شوائب الآفات فقد (1/4)
صفحة 5
تعيّن عليه الأمر بالتّوحيد مع سائر العبادات، ولم يَسَعْهُ جهل التّوحيد في وقت من الأوقات، ويسعه جهلُ الفرائض حتّى تجيء أوقاتها، وجهلُ المحرَّمات ما لَمْ يلتبس بها، أو يتولّى من ارتكبها، أو يقف فيه على علمه بما ارتكب من محرّمات ربّه. والدّليل على أنّ البالغ والمشرك مأموران بجملة الفرائض منهيان عن ارتكاب المحارم قول الله - عز وجل - إخبارًا عن المشركين {مَا سَلَكَكُم فِي سَقَرَ} إلى قوله: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدّثّر: 46]، فأخبر تعالى أنّهم استوجبوا العذاب بمجموع هذه الأشياء، كما استوجبوه بأحدها، والله أعلم.
فصل
اِعلم أنّ الله سبحانه قدّم معرفته على العبد في الدّنيا على سائر المفروضات، كما قدّم السّؤال عنها في الآخرة قبل سائر السّؤالات، قال الله سبحانه مخاطِبًا لعباده: {آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} الآية [الحديد:7] في أمثالها، وقال أيضًا -وذكر أصول الإيمان-: {لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} الآية، معناه: ليس الإيمان أن تُصلّوا فقط ولا أن تفعلوا خيرًا غير الصّلاة، ثمّ ذكر الإيمان وقدّمه على سائر وظائف الإسلام، فقال: {وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ــ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوِمِ الآخِرِ} إلى قوله: {وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة:177]. وسُئل أبو ذرّ -رحمه الله- عن الإيمان فقرأ هذه الآية، فقال السّائل: سألناك عن الإيمان فتُخبرنا عن البرّ؟ قال: سأل رجلٌ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان فقرأ هذه الآية؛
فهذا أصل الإيمان في كتاب الله - عز وجل -.
ومن السّنّة ما روي: «أنّ جبريل - عليه السلام - أتى النّبيء في صورة أعرابي وهو لا يعرفه، فقال: يا محمّد ما الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت، والقَدَر خيره وشرّه أنّه من الله، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم، قال: صدقت، قال: فما (1/5)
صفحة 6
الإسلام؟ قال - عليه السلام -: أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسوله، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت، وتغتسل من الجنابة، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم، قال: صدقت، قال: فما الإحسان؟ فقال - عليه السلام -: أن تعمل لله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، قال: صدقت،» الحديث،
فلمّا انصرف من عند النّبيء - عليه السلام - قال: عليّ بالرّجل، فقام أصحابه في كلّ وجه،
ثمّ ناداهم: أن هلمّوا فإنّه جبريل - عليه السلام - جاءكم يعلّمكم أمر دينكم. فبدأ بالإيمان بالله - عز وجل - قبل وظائف الإسلام كما قدّمنا، لأنّه بمعرفة الله سبحانه تؤدّى العبادات رغبة في مرضاته، وتُجتَنب المحرّمات مخافة سطواته والتعرّض لمقته، فمن لم يعرف معبوده كيف يرجوه لكشف ملمّة أو تيسير مهمّة؟ أو كيف يخافه إذا ارتكب موبقة أو أهمل فريضة؟ ولذلك قال - عليه السلام -: «أبى الله أن يقبل العمل إلاّ بالإيمان»؛ ولذلك جعل الله تعالى مفتاح دعوة أعلى رسول أرسله في سالف الدّهر: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رَّسُولٍ اِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]؛ وكذلك في دار المعاد إنّما يُسأل العبد أوّلاً عن الإيمان ثمّ الصّلاة ثمّ الزّكاة ثمّ سائر الأعمال، كما وَرَد في الحديث، واشتُهر عن أهل التّفسير في قوله - عز وجل -: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14]،
يعني: ملائكة يرصدون العباد على جسر جهنّم عند القناطر السّبع المحابس، فيسألون العبد عند أوّلهنّ عن الإيمان، فإن جاء به مخلصًا جاز إلى الثّاني، فيُسأل عن الصّلاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثّالث، فيُسأل عن الزّكاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الرّابع، فيُسأل عن الصّوم، فإن جاء به تامًّا جاز (1/6)
صفحة 7
إلى الخامس، فيُسأل عن العمرة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى السّادس،
فيُسأل عن الحجّ، فإن جاء به تامًّا جاز إلى السّابع، فيُسأل عن المظالم، فإن لم يكن ظلم جاز إلى الجنّة، والله أعلم.
وأمّا الثّلاثة الأبواب التي يشتمل عليها هذا الرّكن الأوّل فأحدها: باب في معرفة الله - عز وجل -، وما لا يسع جهله كلَّ عاقل سلم عقله من الآفات
عند حال بلوغه من الذّكور والإناث، وهذا الباب يتوزّع على ثلاثة فصول: الفصل الأوّل: في معرفة الله سبحانه وتعالى، والفصل الثّاني: في معرفة الرّسول - عليه السلام - والإقرار به، والفصل الثّالث: في معرفة ما جاء به الرّسول - عليه السلام - والإقرار به أنّه حقّ من عند ربّه.
الفصل الأوّل
في معرفة الله عزّ وجلّ
وهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأوّل: في ما يجب على العبد أن يعتقده في الله - عز وجل - وُجوبًا وإثباتًا، والثّاني: في ما يجب أن يعتقده نفيًا واستحالة.
أمّا الأوّل: فيجب على العبد معرفة ربّه والإيمان به نطقًا باللّسان، واعتقادًا بالجنان، ويعتقد في قلبه أن لا إله إلاّ الله، واحد،
غير منقسم في ذاته، ولا معه ثانٍ في ألوهيته، وأنّه موجودٌ بغير مشاهدة، قديم بلا بداية أوجد منها نفسه، دائم بلا نهاية ينتهي إليها، حيّ قيّوم لا تأخذه سِنة ولا نوم، عالم بما كان وما يكون، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء، ولا يخفى عليه شيء في ظلمات ولا ضياء، قادر بلا تكلّف ولا جهد، متكلّم بلا لسان، سميع بلا آذان، بصير بلا حدقة ولا أجفان، وأنّه إله كلّ شيء، وخالقه، ومنشئه، وموجِدُه، خلق كلَّ شيء فقدّره، واخترع الإنسان وصوّره، ويعلم ما توسوس به نفسه، وما يجلب (1/7)
صفحة 8
إليه حسّه، مريد لكلّ كائن من خير وشرّ، وجميع ما يجري على العالَم من نفع وضرّ،
ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، صادِق في وعده ووعيده، عدل في قضائه وحُكمه،
آمر بطاعته، ناه عن معصيته، مستوٍ على عرشه وجميع خلقه بالقهر والغَلَبة، وهو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن، وهو بكلّ شيء عليم.
القسم الثّاني: فيما يجب على العبد أن يعتقده نفيًا واستحالةً، وذلك أن يعتقد أنّ الله سبحانه يستحيل عليه الحدوث والعدم والتغيّر والفناء في الحال والأزل، بل هو موجود على الإطلاق، غير مقيَّد بزمان، ولا مخصوص بجهة ولا مكان،
بل هو في كلّ مكان بلا حِواية ولا اجتنان، لا تُحيط به الجهات والأقطار، ولا تكيّفة العقول والأفكار، منزَّه عن جميع الأماكن والجهات، غنيّ عن جميع الكائنات، متعالٍ عن الحلول على العرش والسّموات، ليس بمتّصل فتمسّه صفحات الأجرام، ولا بمنفصل فتدركه لمحات أبصار الأجسام، لا يوصف بالحركة ولا بالسّكون، ولا تعتريه وساوس الظّنون، تعالى عن العيوب والآفات، وتنزّه عن نقائص العاهات، لا تبدو له البدوات،
ولا يوصف بالجوارح والأدوات، ولا تحلّه دواعي الخطرات، ولا يوصفُ بنوم ولا سُبات، ليس له شريك ينازعه، ولا كفؤ يدافعه، ولا مثل يعادله، ولا نظير يشاكله، ولا وزير يؤازره، ولا نِدّ يحاوره، ولا تكيّفه العقول، ولا تمثّله النّفوس، ولا تلحقه الأوهام والأفكار، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصارَ وهو اللّطيف الخبير، ليس بحوهر ولا عَرَض، ولا ذي طول ولا عُرض، ولا بذي صورة ولا شكل، ولا هيئة ولا مثل، بل هو الواحد الأحد، العادل الصّمد، لم يلد ولم يولَد، ولم يكن له كفؤًا أحد، لا تحلّه الحوادث والآفات، ولا تلحقه النقّائص والعاهات، ولا يليق به الظّلم، ولا يجور في الحكم، بل قضاؤه (1/8)
صفحة 9
كلّه حكمة وعدل وامتنان وفضل، كلّ أفعال البريّة بقضاء منه ومشيئة؛ وتمّت كلمات ربّك صٍدقا وعدلاً، لا مبدِّل لكلماته، ولا معقِّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه، يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء، لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون، هو الحيّ لا إله إلاّ هو فادعوه مخلصين له الدّين، الحمد لله ربّ العالمين.
الفصل الثاني
في معرفة الرسول عليه السلام
وذلك أنّه يجب على المكلَّف نُطقًا واعتقادًا أن يعرف أنّه محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب، هاشميّ النّسب، مبعوث من العرب باسمه ونسبه، هوعبد الله الأمين، ورسوله المبين إلى الثّقلين أجمعين، وأنّه خاتَم النّبيئين، وأنّه بلّغ رسالة ربّ العالمين، وعَبَد ربّه حتّى أتاه اليقين، وصدع بأمر ربّه مجتهدًا في تبليغه، ناصحًا لأمّته، حريصًا على هداية الخلق أجمعين، رؤوفًا بالمؤمنين، رحيمًا بالمتّقين، آخذًا بالعفو، آمرًا بالعرف، مُعرِضًا عن الجاهلين، كاظمًا لغيظه، شاكرًا لأنعم ربّه، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزئ بالسّيّئة السّيّئة، لكن يعفو ويصفح، أشدّ النّاس تواضعًا في غير ذِلّة، وأسكتهم من غير كِبر، وأبلغهم من غير تطويل، آكلاً ما وجد، ولا يسأل عمّا فقد، يلبس ما تيسّر له، ويركب ما أمكنه، ويردف خلفه، يجيب دعوة العبد والأمة، ويجالس أهل الضّعف والمسكنة، لا يحتقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب ملكًا لملكه، قد جمع الله له السّيرة الفاضلة، والسّياسة الكاملة، والأخلاق التّامّة، هاشميّ النّسب، مبعوث من العرب، مولده بمكّة، ومبعثه ببكّة، وهجرته بطيبة، وقبره بالمدينة، (1/9)
صفحة 10
وملكه بالشّام، صلّى الله عليه وعلى آله مدّ الليالي والأيام.
الفصل الثّالث
في معرفة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم
وهذا الفصل يحتوي على مقدّمة وستّة عشر قسمًا، أمّا المقدّمة فهي:
أن تعلم أنّه يجب على كلّ مكلَّف من الأنام معرفة ما جاء به الرّسول - عليه السلام - من الدّين والإسلام وغير ذلك ممّا يحتوي عليه القرآن، من الرّسالة والقصص والأمثال والحدود والأحكام، وأنّه صادق في جميع ما نطق به من الكلام، {وَمَا (1/10)
صفحة 11
يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يَّوحَى} [النّجم: 3]، وذلك أنّ دعوة الرّسول - عليه السلام - ثلاث جُمَل لا يستغني بعضها عن بعض، ولا يسع جهلها كلَّ [مكلَّف] عاقل عند بلوغه طرفة عين، ولا يخرج من الشّرك ما لم يأت بها معرفة واعتقادًا، ولفظًا وإقرارًا، وهي شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسوله، وما جاء به حقّ من عند ربّه، والدّليل على فرضها قول الله تعالى: {ءَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الذِي أَنزَلْنَا} [التّغابن: 8]؛ ومن السنّة: ما روي عن علي بن أبي طالب عن النّبيء - عليه السلام - أنّه قال: «لا يؤمن عبد حتّى يؤمن بأربع: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله وأنّه بعثني بالحقّ، والبعثِ بعد الموت، والقدر»، وهذه الدّعوة التي يدعو إليها رسول الله وكلّ نبيء مرسَل، وهي فرض على كلّ مكلَّف، وهي الجملة التي انتظمت التّوحيد وغير التّوحيد، فإذا أتى العبدُ بهذه الثّلاثة جُمَل نطقًا واعتقادًا فقد تمّ إيمانه فيما بينه وبين العباد، وحقن بها دمه وماله وذرّيته من السّبي والفساد، وجرت عليه بذلك أحكام أهل القبلة، وصار موسومًا بالدّخول في الملّة، وقيل: إنّ إيمانه قد تمّ بالكلّية فيما بينه وبين الرّبّ وسائر البريّة فيه، ما لم يُسأل عن شيء من وظائف الجملة التي أنا ذاكرُها، فينكره أو يختلجه الشكّ فيه، فضلاً عن إنكاره، لأنّ تصديقه بما جاء به الرّسول مشتمل على وظائف التّوحيد وغيرها من العلوم؛ وقول الجمهور الأعظم من أهل العلم: إنّ إيمانه لا يتمّ فيما بينه وبين الرّبّ جلّ جلاله حتّى يأتي بوظائف التّوحيد التي تجيء مقسَّمة إن شاء الله بالكمال؛ وقد قال أهل التّفسير: من آمن بما في القرآن فقد آمن (1/11)
صفحة 12
بجميع ما أمر اللهُ به، فالقول الأوّل مروي عن عمروس بن فتح، وابن زرقون، (1/12)
صفحة 13
والإمام عبد الرّحمن ابن رستم، وأبي خزر يغلا بن زلتاف، (1/13)
صفحة 14
وأبي معاوية عزّان بن الصّقر، ومن شايعهم -رحمهم الله-،وهو الأرفق بعوام الأمّة، والأليق برأفة الرّبّ الكريم ذي الرّحمة، والأشهر من دعوة نبيء الأمّة الدّاعي عوام الجاهلية إلى الملّة الحَنَفية، والقول الثّاني يؤثر عن سليمان بن يخلف، وغيره من أهل العلم. (1/14)
صفحة 15
باب ذكر الأقسام المتقدّمة
التي تجري مجرى الأمّهات من وظائف الاِعتقادات
القسم الأوّل: وممّا يجب على كلّ مكلَّف في الاِعتقاد أن يعلم أنّ وُرود الموت حقّ على كلّ العباد من ساكني السّموات والأرض وما بينهما من رفع وخفض، وأنّ كلّ نفس ذائقة الموت، وسالكة سبيل الفوْت، وأنّ الفناء جارٍ على أهل الأرض ومَن عليها، وعلى مَن في السّموات من سكّانها، كلّ حيّ يموت إلاّ الحيّ القيّوم الذي لا تأخذه سِنة ولا نوم، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]، لأنّ الله سبحانه كتب على الدّنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فالأشياء كلُّها فانية على التّلاشي لا على الاِنقلاب، ما خلا المكلَّفين وأطفال المسلمين، فإنّ فناءهم على الاِنقلاب؛ واختُلف في أطفال الكفّار، والأصحّ أنّ فَناءهم على الاِنقلاب، بدليل قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ} [التّكوير: 9]، وهي بنات المشركين في مشهور التّفسير؛ واختلفوا في البهائم، فروي عن ابن عبّاس أنّه قال: «حشر كلَّ شيءٍ الموتُ إلاّ الثقلين فإنّهما يوافيان يوم القيامة»، وقال جمهور العلماء: إنّها تُحشر، روي ذلك عن ابن كعب وأبي هريرة، وعن قتادة قال: «يُحشر كلّ شيء حتّى الذّباب»، بدليل قوله تعالى: {وما من دابّة} إلى قوله: {ثمّ إلى ربّهم يحشرون} [الأنعام: 38]، وليس قصدنا في هذا الكتاب التّطويل والإسهاب، وبالله التّوفيق. (1/15)
صفحة 16
القسم الثّاني في قيام السّاعة: وهو ممّا يجب على العبد اعتقاد وقوعها، قال الله تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} [الحجّ: 7]، وقال تعالى: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ} [النّحل: 77]، وهي النّفخة الأولى التي يميت اللهُ بها كلَّ حيٍّ، وبينها وبين النّفخة التي للبعث أربعون سنة فيما روي عن النّبيء - عليه السلام -، وهي ممّا استأثر اللهُ بعِلمه، لم يطّلع عليها أحد من خلقه، كما قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [النّازعات: 42]، أي متى مثبتها؟ قال: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا} [الأعراف: 187]، أي: لا يكشف عن وقتها، وقال أيضًا: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية [لقمان: 34].
الثّالث في اعتقاد كون البعث بعد الموت: وذلك حقّ على كلّ مكلَّف أن يعتقده، لقوله تعالى: {وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} [الحجّ: 7]، وقال: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: 104]، {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمَ الضّلاَلَةُ} [الأعراف:30]
يبعثهم الله من القبور {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ} [القمر: 7]، {مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} [المطفّفين: 4]؛ وقد احتجّ اللهُ تعالى على منكري البعث فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ} أي: في شكّ من البعث، {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ} الآيات كلّها، ثمّ ذكر آية أخرى (1/16)
صفحة 17
فقال: {وَتَرَى الاَرْضَ هَامِدَةً} إلى قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى} [الحجّ: 5،6]، وقال تعالى حكاية عن منكري البعث: {أَوَلَمْ يَرَ الاِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ} إلى قوله: {قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 77،78،79]، فأخبر تعالى أنّ الذي أنشأهم من ماء مهين بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورًا قادر أن يعيدهم خلقًا جديدًا.
الرّابع في الحساب: وعلى المكلَّف أن يعتقد أنّ الحساب على العباد حقّ في المعاد، قال سبحانه: {زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُّبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} [التّغابن: 7]، وقال: {وَإِن كَانَ مِّثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47]، وليس حسابُ الله العباد يومئذ كحساب الخلق يتعالى ربّنا عن ذلك [علوًّا كبيرًا]، ولكن حسابه فصل وتمييز، لا يشغله حساب أحدٍ عن أحد، كما لا يُشغله رزق أحد عن أحد؛ وقيل لعليّ بن أبي طالب: كيف يُحاسب اللهُ العبادَ على كثرتهم؟ قال: كما يرزقهم على كثرتهم؛ ويُقال: إنّ النّاس يومئذ ثلاثة أصناف: صنفان لا يُسألان عن العمل وهم الأنبياء والمشركون، فالأنبياء إلى الجنّة بغير حساب،. والمشركون إلى النّار بغير (1/17)
صفحة 18
حساب {لاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص:78]، {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُوخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالاَقْدَامِ} [الرّحمن: 41]، وصنف ثالث يُسأل عن الأعمال وهم المؤمنون؛ واختُلف في من مات على كبيرة، ومَن مات على الوفاء، هل يُحاسبان أم لا؟ والأصحّ أنّ الحساب يأتي على الجميع، أمّا المسلم {فَيُحَاسِبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} [الاِنشقاق: 8،9]، وأمّا الفاسق فيُناقشُ في الحساب والمساءلة، إلزامًا للحُجّة وقطعًا للمعاذير، فيُحاسبُ على النّقير والفتيل والقطمير، وبالله التّوفيق.
وفي الحديث «يُسأل العبدُ يوم القيامة عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن ماذا عمِل فيما علِم؟»، والله أعلم [وأحكم وبالله التّوفيق].
الخامس في الثّواب: وذلك ممّا يجب معرفته واعتقاده على كلّ مكلَّف، وهو أن يعلم أنّ لله ثوابًا لا يشبهه ثواب، وثوابه الجنّة، ويعلمها باسمها، وأنّها كائنة لا محالة، وأنّها ثواب اللهِ لأوليائه في الآخرة، لا انقطاع لدوامها، وقيل عن بعضهم: إنّه لابدّ أن يعلم أنّ الجنّة قصور وأنهار وبساتين، لأنّهم قالوا: لا يعرف الأشياء مَن (1/18)
صفحة 19
لا يعرف حقائقها، وليس على العبد أن يعلم أنّ الجنّة موجودة اليوم، وإنّما عليه أن يعتقد وُجودها ودوامها، قال الله سبحانه: {أُكْلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرّعد: 35]، وقال في أصحابها: {إِخْوَانٌ عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيمَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحِجر: 47]، {فِي ظِلاَلٍ عَلَى الاَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ} [يس: 56، 57].
السّادس في العقاب: وذلك واجب على المكلَّف اعتقاد وُجوده، ومعرفة كونه، وذلك أن يعلم أنّ لله عقابًا لا يشبهه عقاب، ولا غاية لدوامه، وعقابه هو النّار، ويعلمها باسمها، وأنّها عقاب الله لأعدائه في الآخرة، لا انقطاع لدوامها؛ وقيل عن بعضهم: إنّ عليه أن يعلم أنّ النّار سوداء مظلمة، لا يطفأ لهبها، ولا يخمد جمرها، {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} [التّحريم: 6]، أُعِدّت للمنافقين والمشركين، {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون: 104]، {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} [إبراهيم: 50]، {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ-انٍ} [الرّحمن: 44]، {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحجّ: 19]، {يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمُ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر: 71]، {لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36]، {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزّخرف: 75]، لا يموتون وما هم منها (1/19)
صفحة 20
بمخرَجين، خالدين فيها أبد الآباد، أعاذنا الله من الخِزي وعذاب المعاد، إنّه رؤوف رحيم.
السّابع في الملائكة: وممّا يجب على الإنسان أن يعتقد [في قلبه] أنّ لله سبحانه جملة الملائكة، وهي غير جملة الإنس والجن، وأنّ وُجود الملائكة حقّ؛ قال الله تعالى: {ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُومِنُونَ كُلٌّ ـــ امَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} الآية [البقرة: 285]، منهم حَفَظة يكتبون أعمال العباد، ومنهم رسُلُ اللهِ إلى أنبيائه، كما قال تعالى: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} الآية [الحج: 75]، ومنهم {مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} خزَنة للنّيران، {لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ} [التّحريم: 6]. وهم جملتان: روحانيون وكروبيون، فالرّوحانيون هم الرّسل، وجبيرل - عليه السلام - منهم، والكروبيون ليسوا برسل، عباد مُكرَمون، {يُسَبِّحُونَ اليْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:20]؛ ويُقال: الملائكة عشرة أجزاء: تسعة [أجزاءٍ] منهم الكروبيون الذين يسبّحون الليل والنّهار لا يفتُرون، وجزء واحد للرّسالة والخَزانة ولِما شاء الربّ من أوامره، وهم مكلَّفون ملزومون مأمورون مكتسبون، يصلّون ويصومون ويحُجّون، خُلقوا للعبادة، ومصيرهم (1/20)
صفحة 21
إلى السّعادة، لا يوصَفون بالتّعب، ولا بالشّهوة، ولا بالذّكورية، ولا بالأنوثية، ولا بالجنون، ولا بالطّفولية، ولا باللّحم، ولا بالدّم، ولا بالغائط، ولا بالبول، ولا بالجوع، ولا بالعطش، ومن وصفهم بشيء من هذا فقد أخطأ في صِفتهم، وجعلوا الخطأ في صِفة الملائكة شِركًا، لأنّه جعل غير الملك ملَكًا، -و وجّهوا الخطأ في صفة البارئ سبحانه على وجهين: إن واجه أشرك وإن تأوّل نافق-، وإنّما توصَف الملائكة بما وصفها اللهُ تعالى في قوله: {جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً اوْ لِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1]، وما وصفها به من العبادة والتّسبيح والاِستغفار والكلام، والرّغبة في الطّاعة، والاجتهاد في العبادة بلا تعب ولا نصَب، والخوف والرّجاء، وغير ذلك ممّا يليق بهم من الصّفات، فعلى المكلَّف الإيمان بهم، والقصد إلى جبريل - عليه السلام - باسمه، ويعلم أنّه رسول الله إلى رسُله عليهم السّلام، ويتولاّه بالترحّم دون الاِستغفار، وكذلك وَلاية سائر الملائكة بالترحّم دون الاِستغفار، وثوابهم واصل إليهم، وهو ما يوافق طبائعهم، وقيل: الذي يوافقهم إيصال الهدايا إلى المسلمين، ويُوالَوْنَ ويُبْرَأون بالظّواهر، صلوات الله عليهم أجمعين.
ووقع الاِختلاف في موتهم وخِلقتهم هل هم متفاوتون في الخلق والممات؟ أم خُلقوا جميعًا وسيموتون جميعًا؟ قولان كما قدّمنا، وكذلك وقع الاِختلاف في عدد الحفظة، وفي أيّهم أفضل: هم أم المؤمنون من بني آدم؟ قولان، وبالله التّوفيق. (1/21)
صفحة 22
القسم الثّامن في الأنبياء والرّسل: وذلك ممّا يجب على المكلَّف الإيمان به، وهما جملتان على النّاس معرفتهما، كلّ واحدة منهما على حِدة، لقوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} إلى قوله: {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيئُونَ مِن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 136]،
والأنبياء أعمّ من الرّسل، لأنّ من الأنبياء أنبياءً مرسَلين وأنبياءَ غير مرسَلين، وفي حديث أبي ذرّ -رحمه الله- قال: «قلت يا رسول الله: كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألف، قال: قلت يا رسول الله: كم الرّسل من ذلك؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جمّ غفير -يعني كثيرًا طيّبًا- قال: قلت: من كان أوّلهم؟ قال: أوّلهم آدم - عليه السلام -،
قال: قلت: يا رسول الله أنبيئا كان أم رسولاً؟ قال: نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسوّاه رجلاً، ثمّ قال: يا أبا ذرّ أربعة سريانيون: آدم وشيث وخنوخ -وهو إدريس وهو أوّل من خطّ بالقلم- ونوح عليهم السّلام، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيئك يا أباذرّ، وأوّل أنبياء بني إسرائيل: (1/22)
صفحة 23
هو موسى، وآخرهم: عيسى عليهم السّلام،
وأوّل الرّسل آدم، وآخرهم محمّد - عليه السلام -».
واختلفوا في النّبوءة والرّسالة، فقيل: هما اضطرار، وقيل: هما اكتساب، وقيل: النّبوءة اضطرار، والرّسالة اكتساب، والوحي علم الأنبياء والرّسل،
وسئل النّبيء - عليه السلام - فقيل له: «كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليَّ فينفصم عنّي وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثّل لي الملَك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول، قالت عائشة -رضي الله عنها-: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشّديد البرد وإنّ جبينه لينصبّ عَرقًا»، والأنبياء عليهم السّلام منهم من يأتيه الوحي عيانًا، ومنهم من يُلهَمه إلهامًا، ومنهم من يراه في النّوم فيحفظه، والله أعلم.
فعلى العبد أن يعتقد -كما قدّمنا- أنّ لله جملة الأنبياء والرّسل، أرسلهم إلى عباده وجعلهم الأمناء على خلقه، والحكّام في بلادهِ، وأنزل عليهم كتبَه وآياته وكلماته، وجعل أوَّلهم آدم أبا البشر رسولاً إلى أولاده، وآخرهم نبيئنا محمّدًا - عليه السلام -، ختم به أنبياءَه ورسله، وأنزل عليه القرآن هدى للنّاس وبيّنات من الهدى والفرقان، نزل به الرّوح الأمين على قلب محمّد - عليه السلام - ليكون من (1/23)
صفحة 24
المنذِرين بلسان عربيٍّ مبين، وأنّه كلام الله ووحيه وتنزيله، وأنّ الأنبياء والرّ سل كلّهم آدميون،
منهم مَن أُرسل إلى الجنّ والإنس كافّة، كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وعيسى
ومحمّد صلّى الله عليهم وسلّم أجمعين، ومنهم مَن أُرسل إلى (1/24)
صفحة 25
أقوامٍ، فيسوغ لمن بلغته دعوته أن يستجيب له، كهود وصالح وشُعيب وغيرهم عليهم السّلام، والذي عليه الجمهور الأعظم من أهل العلم أنّ الله تعالى ما نبّأ عبدًا ولا امرأة، ولا رجلاً من أهل البادية، لقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحَى إِلَيْهِمْ مِنَ اَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109]، وقال آخرون إنّ الله نبّأ لقمان الحكيم،
وهو عبد لبني الخشخاش، ونبّأ يعقوب وبنيه -عليهم السّلام- وهم بُداة، قال تعالى: {وَجَاءَ بِكْم مِّنَ الْبَدْوِ} [يوسف: 100]، ونبّأ مريم وسارة وأمّ موسى -عليهنّ السّلام- وهنّ نساء، والله أعلم. (1/25)
صفحة 26
القسم التّاسع في الكتب المنزَّلة: وذلك ممّا يجب على المكلَّف الإيمان به، وذلك أن يعلم أنّ لله سبحانه جملة الكتب أنزلها على رسله بواسطة الملائكة الكرام البررة،
الذين هم سَفَرة بين الله تعالى وبين خلقه، ويقصد إلى القرآن ويؤمن به خصوصًا، ويؤمن بغيره من الكتب عمومًا، قال الله سبحانه: {ءَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ} الآية [النّساء: 136]، وأنّ القرآن كلام الله ووحيه وفرقانه، تنزيل من حكيم حميد، معجزة للرّسول عليه (1/26)
صفحة 27
السلام، أنزله اللهُ من اللّوح المحفوظ في ليلة القَدر جملة إلى السّماء الدّنيا، ثمّ ينزل به جبريل - عليه السلام - الرّوح الأمين بعد ذلك نجومًا نجومًا على قدر ما أدّت إليه الحاجة، حتّى أكمل اللهُ نزوله في عشرين سنة، عشرًا بمكّة وعشرًا بالمدينة،
واختلفوا في اللّوح المحفوظ، فقيل هو لوح من دُرّة بيضاء، طولها قَدر مسيرة (1/27)
صفحة 28
خمسمائة عام في مثل ذلك عُرضًا، وقيل: هو جبهة ملَك، والله أعلم.
وفي حديث أبي ذرّ -رحمه الله- قال: «قلت: يا رسول الله كم كتابًا أنزل اللهُ؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث بن آدم خمسين صحيفة، وأنزل على خنوخ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التّوراة عشر صحائف، وأنزل التّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان. قال: قلت: يا رسول الله فما كانت صحُف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالاً كلّها: "أيّها الملِك المسلّط المبتَلى المغرور إنّي لم أبعثك لجمع الدّنيا بعضها إلى بعض، ولكنّي بعثتك لتردّ عنّي دعوة المظلوم، فإنّي لا أردّها وإن كانت من كافر"، وكان فيها أمثال: "وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيه ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكّر في صنع الله جلّ جلاله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألاّ يكون ظاعِنًا إلاّ في ثلاث: تزوّد لمعاد، ومرمّة لمعاش، ولذّة في غير محرَّم، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافِظًا للسانه، مَنْ عَدّ كلامه مِنْ عمله قلّ كلامه إلاّ فيما يعنيه"،
قال: قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى - عليه السلام -؟ قال: كانت عِبرًا كلّها: "عجبًا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبًا لمن أيقن بالقَدَر ثمّ هو ينصب، وعجبًا لمن رأى الدّنيا وتقلّبها بأهلها ثمّ اطمأنّ إليها، وعجبًا لمن أيقن بالحساب غدًا ثمّ هو لا يعمل! ". قال قلت: يا رسول الله أفي (1/28)
صفحة 29
أيدينا شيء ممّا كان في يد إبراهيم وموسى عليهما السّلام؟ قال: نعم يا أبا ذرّ {قَدَ اَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وذََكرَ اسْمَ رَبِّهِ} [الأعلى: 14] إلى آخر السّورة».
القسم العاشر في الإيمان بالقَدر: وذلك واجب على كلّ
مكلَّف أن يعلم أنّما كان من خير وشرّ، ونفع وضرّ، وما يكون من ذلك فبالله يكون، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنّه تعالى خالق لجميع الأشياء، وكانت منه بقضاء وقَدَر، ويعلمَ أنّ ما يصيب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما جاء عن النّبيء - عليه السلام - من طريق الرّبيع بن حبيب -رحمه الله- عن عبادة بن (1/29)
صفحة 30
الصّامت عن النّبيء - عليه السلام - قال: «إنّك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتّى تؤمن بالقدر خير وشرّه أنّه من الله، قلت: يا رسول الله كيف لي أن أعلم خير القدر وشرّه؟ قال: أن تعلم أنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، فإن متّ على غير ذلك دخلت النّار»؛ فاعلم أيّدك اللهُ أنّ كلّ ما يجري في العالَم من حركة وسكون، وخير وشرّ، ونفع وضرّ، وإيمان وكفر، فلا يطير طائر بجناحيه، ولا يدبّ حيوان على بطنه أو رجليه، ولا تسقط ورقة، ولا تتحرّك ذرّة، إلاّ بقضاء وقدر وإرادة من الله ومشيئة. (1/30)
صفحة 31
واعلم أنّ القدر والطّلب لا يتنافيان، والتوكّل والكسب لا يتضادّان، وذلك أن تعلم أنّ ما قضى اللهُ تعالى فهو كائن لا محالة، كما أنّ ما علِم اللهُ أنّه يكون فهو كائن لا محالة؛ ومَن خالفنا في القضاء والقَدَر وافقنا في العِلم، فرُبّ أمر قدّر اللهُ وصوله إليك بعد الطّلب، فلا يصل إليك إلاّ بالطّلب، والطلب أيضًا من القدر، ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين الطّلب فإنّهما مقدوران، فمِن هاهنا ثبت أنّهما لا يتنافيان.
وكذلك التوكّل مع الكسب، لأنّ التوكّل محلّه القلبُ والكسب محلّه الجوارح، ولا يتضادّ شيئان في محلّين، فبهذا يتحقّق العبد أنّ التّقدير من الله تعالى، وإن تعذّر شيءٌ فبتقديره، وإن اتّفق فبتيسيره، وفي الحديث: «جاء رجلٌ إلى النّبيء - صلى الله عليه وسلم - على ناقة له فقال: يا رسول الله أدعها وأتوكّل؟ فقال: اِعقلها وتوكّل»، فالتوكّل على الله تعالى هو الثّقة فيما ضمنه، والقطع بكون ما يحكم به،
فمن رام أمرًا من الأمور فليس الطّريق في تحصيله أن يغلق بابه عليه ويفوّض أمره إلى ربّه وينتظر ذلك الوجه الذي أراده، وقد روي أنّ النّبيء - عليه السلام - ظاهر بين درعين، واتّخذ خندقًا حول المدينة يستظهر به ويتحرّس من العدوّ، وأقام الرّماة يوم أُحد يحتفظ بهم من الكفّار، ويلبس لأمة الحرب،
واسترقى، واكتوى، وتداوى، وأمر بالمداواة، وقال: «إنّ الذي أنزل الدّاء هو الذي أنزل الدّواء»؛ وأمر اللهُ تعالى بالإيمان بقضائه، وقال لنبيئه: (1/31)
صفحة 32
{قُل لَّنْ يُّصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} [التّوبة: 52]، وأمر عباده أن يأخذوا بالحذَر فقال: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ خُذُوا حِذْرَكُمْ} الآية [النّساء: 74]، وقال: {وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النّساء: 104]، وقال - عليه السلام -: «لو توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقتم كما ترزق الطّيور، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا»، فأخبر أنّها تغدو وتروح في طلب أرزاقها من غير أن يحملها لها إلى أوكارها، وإنّما ألهمها الطّلبَ بالغدوّ والرّواح. وقد روي: أنّ إبليس اللّعين قال لعيسى - عليه السلام -: يا روح الله ألست تزعم أنّه لن يصيبك إلاّ ماقدّر الله لك؟ قال: بلى يا لعين، فقال: فارم نفسك إذًا من ذروة الجبل، فإن قُدِّرت لك السّلامة تسلم، قال: يا عدوّ الله إنّ الله يختبر العباد وليس للعباد أن يختبروا ربّهم. ومثل هذا كثير تركته حبًّا للاِختصار. فمن ظنّ أنّ الطلب والاِكتساب والأخذ بالحزم والاِحتذار يناقض التوكّل، فقعد في بيته وأغلق بابه عليه متوكِّلاً على ربّه بزعمه، كان عن العقل خارِجًا، وفي ظلمة الجهل والِجًا، ويُقال لهذا: ينبغي لك على قياس قولك إذا جعت وحضر الطّعام بين يديك أن لا تمدّ يدك إليه ولا تفتح فمك، وإن وُضع في فمك فلا تمضغه حتّى يقيّض اللهُ لك ملَكًا يمضغه لك، أو يحدث شبَعًا في بطنك من غير أكل ولا تناول منك، فإن تمّ على هذا كان إلى العقل أحوج منه إلى المعرفة والزّهد، وقد قال الله تعالى لمريم عليها السّلام: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم: 25]، وقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ (1/32)
صفحة 33
فَانتَشِرُوا فِي الاَرْضِ} [الجمعة: 11]، ولم يأمر بالقعود. وقد قيل عن بعضهم: مَن لزِم المسجد وقبل كلَّ ما يأتيه فقد سأل النّاس إلحافًا. وهكذا جميع أعمال الطّاعات والسّيّئات لابدّ من الجِدّ والاِجتهاد في الطّاعة، والصّبر والحذَر عن المعصيّة، وبالله التّوفيق.
القسم الحادي عشر في معرفة التّوحيد والشّرك: وذلك ممّا يجب معرفته على المكلَّف أيضا، لأنّهم قالوا: لا يعرف الأشياء من لا يعرف حقائقها.
أمّا التّوحيد: فمعناه إفراد الرّبّ سبحانه عن الخلق وجميع معانيهم، وترك التّسوية بينه وبين العباد في جميع أفعالهم وصفاتهم، فحقيقة المعرفة به سبحانه: أن تعلم أنّ الأشياء لا تشبهه ولا يشبهها من جميع الجهات، في فعل، ولا اسم، ولا صفة، ولا ذات، لأنّه لو أشبه شيئًا من الأشياء ولو في أقلّ القليل لدخل عليه العجز من تلك الصّفة، فلهذا وجب على المكلَّف أن يعرف حقيقة الوحدانية لله تعالى، ويصفه بما يليق به من الصّفات، وينفي عنه شَبَهَ الأشياء من جميع الجهات، وإن اِتّفقت الأسماء [-أي كونه مشابهًا لها-] في اللّفظ فليعلم أنّ تلك المعاني مختلفة، نظير ذلك أنّ اللهَ قديم لم يزل، وعالم لا يجهل، ويُقال لبعض الخلق قديم وعالِم ولا يُقال لم يزل ولا يجهل، فيتّفق اللّفظان ويختلف المعنى، لأنّ تأويل قول القائل: الله قديم، أي من غير بدءٍ ولا أوّل لوجوده، والإنسان قديم: إنّما يعني بعدد السّنين والأوقات، وقد كان له بدء وأوّل، وكذلك قوله: فلان عالِم، إنّما أخبر عن عِلم استفاده بعد جهل، وهو مع ذلك جاهل بأكثر الأشياءفالفصل بين معاني هذه الأسماء أنّك تقول: اللهُ قديم لم يزل ولا يزال، ولا يجوز ذلك في غيره، وتقول: عالِم لا يجهل، وقدير لا يعجز، وكذلك جميع الصّفات على هذا الحال، لأنّ الله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ (1/33)
صفحة 34
الْبَصِيرُ} [الشّورى: 10]، وقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وقال: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ} [الإخلاص: 4]، فثبت بدليل الشّرع وشهادة العقل أنّ اللهَ لا يشبهه شيء مِن الأشياء في اسم، ولا صفة، ولا ذات، ولا فعل، وبالله التّوفيق.
وأمّا الشّرك: فمعناه التّساوي بين الأشياء في الذّوات والصّفات، ومعناه في الله جلّ جلاله هو التّساوي بينه وبين خلقه في الذّات والصّفات، قال اللهُ سبحانه: {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشّعراء: 99]، أي: في العبادة والتّعظيم وإثبات الألوهية؛ فالشّرك إذًا على وجهين: جحود ومساواة، ويتصرّف على وُجوه: منها أن يُنكر وُجود الله سبحانه البتّة، كالدّهرية الزّاعمة أنّ الأشياء لا مُحدِث لها؛ ومنها ان يُقيم غير الله سبحانه مقامه في الخلق والإنشاء والاِختراع، كالمنّانية والدّيصانية الذين يزعمون أنّ الأشياء تكوّنت من أصلين قديمين وهما: النّور والظّلمة، وكالمجوس الزّاعمة أنّ الأشياء القبيحة مخلوقة للشّيطان، وما أشبه ذلك من مذاهب الملحدة؛ ومنها أن يُقيم الخلقَ في العبادة مقام الله تعالى، كمشركي العرب الذين يعبدون الأصنام، ويقولون: هي شفعاؤنا عند الله، مع إقرارهم بأنّ الخلق والرّزق والإحياء والإماتة لله وحده؛ ومنها أن يجهل معرفة وُجود الله تعالى وجميع ما لا يسع جهله من وظائف التّوحيد المتقدّمة؛ ومنها أن يُكذّب الله تعالى بإنكار حرف من كلامه، أو نبيء من أنبيائه أو رسله، أو ملَك من ملائكته، وجهله البعث والمَعاد، وشكّه في وجه من وُجوه التّوحيد، وما أشبه ذلك من جميع ما لا يسع جهله؛ ومنها أن يصف ربّه بصفات الخلْق ومعاني النّقص، من الجهل والعجز، والحُدوث والعدم، والجور والظّلم، والهيئة والجسم، والسّهو والنّوم، والأكل (1/34)
صفحة 35
والشّرب، والتّعب والنّصب،. والحركة والسّكون، والأشكال والأضداد، والصّاحبة والأولاد، في جميع ما لا يليق به سبحانه؛ أو يصف الخلقَ بصفاته - عز وجل - من العلم والقُدرة والقِدم على الحقيقة، والإحياء والإماتة، والخلق والاِختراع من العدم إلى الوُجود، والإرسال والإنزال، من جميع صفاته التي لا يليق أن يوصف الخلقُ بها؛
ومنها أن يتقرّب العبدُ إلى الله سبحانه بمعاصيه ويزعم أنّه أمره بها، أو يزعم أنّه نهاه عن طاعته من التّوحيد وغيره، ممّا لا يحتمل التّأويل في التّنزيل؛ ومنها أن يتقرّب [العبدُ] إلى المخلوق بأفعاله من جميع طاعة الله - عز وجل - من الصّلاة والذّبح وغيرهما؛ ومنها أن يدعوَ العبادَ إلى عبادة نفسه، كفعل إبليس اللّعين، وقد فُسّر ذلك في قوله تعالى: {وَمَنْ يَّقُلْ مِنْهُمُ إِنِّيَ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} الآية [الأنبياء: 31]، فمهما فعل العبدُ ذلك فهو مشرك، والشّاكّ في شِركه مشرك،
لأنّه لا يسع جهل شركه على حال من الأحوال؛ ومنها شرك الإكراه، وذلك قول المكرَه على القول بإلاهين اثنين، أو إنكاره - عز وجل - رأسًا على جهة الإكراه، وقد اختُلف فيه فقال بعضهم: لا شرك ولا كفر ولا معصية، وقال بعضهم: إنّه شِرك ولا شِرك في الحُكم ولا معصية ولا كفر، واتّفق الجميع أنّه لا إثم ولا معصية ولا ذنب ولا عقاب، ويُقال: كَذِبٌ أُبيح له؛ ومنها ما رُكِّب في قلوب العباد من الجزَع والهَلَع، وقِلّة الثِّقة بموعود الله - عز وجل -، وثقتهم بأنفسهم وقواهم وحيَلهم حتّى أنّهم لَيَثِقون بكلابهم، فسُمّي هذا المعنى شِركًا، ولذلك قال ابن عبّاس - رضي الله عنه -: لا تزالون تشركون، تقولون لولا كلابنا لسُرِقنا، وقال الله تعالى: {فَلَمَّا نَجَّاهُمُ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 66]، يقولون: لولا استواء الرّيح لهلكنا؛ ومنها شرك الرّياء، ومعناه أن يرائي العبدُ بعمله النّاسَ ويتزيّن به إليهم رياءً وسُمعة، وهو الشّرك الأصغر، ولذلك قال النّبيء - عليه السلام - (1/35)
صفحة 36
: «الشّرك أخفى في أمّتي من ذرّة سوداء على صخرة صمّاء في ليلة ظلماء»، وقال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 111] نزلت فيمن يتصدّق بصدقة ويلتمس بها الأجر والثّناء، والله أعلم.
القسم الثّاني عشر في فرز ما بين كبائر الشّرك وكبائر النّفاق: وذلك واجب على المكلَّف، قال أصحابنا: مَن لم يُفرز ما بين كبائر الشّرك وكبائر النّفاق فهو مشرك، والشّاكّ فيه مشرك، قالوا: لأنّ كثيرًا (1/36)
صفحة 37
من النّاس ضلّوا من قِبَلِ فرز ما بينهما،
فزعمت الأزارقة أنّ المعاصي كلّها كبائر وشرك وكفر، واستدلّوا بقوله تعالى: {وَمَنّ يَّعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا} [الأحزاب: 36] في أمثاله من القرآن، وقالت النّجدية منهم: الكبائر كلّها شرك، وأمّا الصّغائر فلا؛ وزعمت المعتزلة أنّ كبائر النّفاق فِسق وضلال وليست كفرًا ولا شِركًا؛ وقالت المرجئة بالشكّ في وعيد مرتكبي كبائر النّفاق؛ (1/37)
صفحة 38
وقال أصحابنا -رحمهم الله-: إنّ الكبائر كلّها كفر والعقاب عليها واجب، فمن الكبائر شرك وغير شرك وهو النّفاق، فمن ردّ على الله - عز وجل - في كتابه مواجَهَة بلا تأويل فهو مكذّب لله مشرك به،
\
ويدخل في ذلك جميع أقسام الشّرك ووُجوهه التي قدّمنا آنفًا، ما خلا الثّلاثة الأوجه المتأخّرة، وهو شرك الإكراه، وشرك الهلع المركّب في قلوب العباد، وشرك الرّياء إذا لم يقارنه التقرّب، وأمّا غير هذه الثّلاثة الأوجه من إنكار التّوحيد، ومعرفة الله - عز وجل -، والأنبياء، والرّسل، والملائكة، والكتب، والمعاد، والبعث، والحساب، والجنّة، والنّار، أو وصف الله سبحانه بما لا يليق به من جميع ما قدّمناه، فهو من كبائر الشّرك. ووجه آخر من كبائر الشّرك هو الاِستحلال لما حرّمه الله تعالى في كتابه نصًّا بغير تأويل، كالميتة، والدّم، ولحم الخنزير، ونكاح ذوات المحارم، وقتل النّفس بغير حقّ، وأكل الرّبا، وارتكاب الزّنا، وقذف المحصَنات، ودخول البيوت بغير إذن، وغير ذلك ممّا يطول ذكره، أو استحلّ ترك الفرائض المنصوصات، كالوَلاية والبراءة جملة، والصّلاة، والزّكاة، والصّوم، والحجّ، وصِلة الأرحام، وما أشبه ذلك، أو حرّم ما أحلّه اللهُ تعالى في كتابه نصًّا، كالبيع، والنّكاح، والأكل، والشّرب، وغير ذلك ممّا يطول به الكتاب، فكلّ مَن أنكر وجهًا من وجوه التّوحيد، أو جَهِلَه، أو استحلّ تركه، أو جهل الشّرك، أو فَعَله، أو استحلّ فعله، أو أمر به، أو تقرّب بفعل معصية منصوصة إلى الله تعالى، أو استحلّ فعلها، أو أنكر فريضة منصوصة، أو ملَكًا، أو نبيئًا منصوصًا، أو حرّم حلالاً منصوصًا، فهو مشرك، والله أعلم.
فصل
وكبائر النّفاق على وجهين؛ أحدهما: استحلال ما حرّمه اللهُ تعالى بتأويل الخطأ من فاعله أو قائله، كخلاف جميع مَن خالف المسلمين وبراءتهم (1/38)
صفحة 39
منهم بتأويل الخطأ، فهم بذلك منافقون ليسوا بمشركين ولو تقرّبوا إلى الله بذلك لأنّهم متأوّلون. والوجه الآخر: مقارفة جميع ما أوعد الله على فعله النّكال في الدّنيا والعذاب في الآخرة، أو عذّب به أمّة من الأمم الماضية، كالقتل، والزّنا، والرّبا، والسّرقة، وبخس المكيال والميزان، وإتيان الرّجال، وعقر النّاقة، والاِعتداء في السّبت لأهل ذلك الزّمان، وغير ذلك من جميع ما نهى اللهُ عنه في القرآن وأوجب عليه النّكال ممّا يطول به الكتاب، وبالله التّوفيق.
القسم الثّالث عشر: وممّا يجب على المكلَّف المعرفة به: أن يعلم دماء المسلمين وغنيمة أموالهم وسبي ذراريهم محرَّمة بالتّوحيد الذي معهم، وذلك قول الرّسول - عليه السلام -: «أُمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، ويقيموا الصّلاة ويؤتوا الزّكاة، فإذا فعلوا ذلك منعوا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها» الحديث، ووقع الإجماع على هذا من جميع الأمّة، لأنّه نصّ من القرآن، قال الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ} إلى قوله: {فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التّوبة: 5]، ومن استحلّ دماء المسلمين وأموالهم بغير تأويل، وزعم أنّها حلال فقد أشرك، وإن تأوّل فهو منافق، وذلك مثل الصّفرية الزّاعمة أنّ كلَّ من عمل ذنبا فهو مشرك، حلال دمه وسبي ذرّيّته وغنيمة ماله، وتأوّلوا في ذلك قول الله تعالى في ذِكر الميتة: {وَإِنَ اَطَعْتُمُوهُمُ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]، فقالوا: كلّ من عمل ذنبا فقد أطاع الشّيطان، ومن أطاعه أشرك؛ وعند الأمّة تأويل الآية: (1/39)
صفحة 40
وإنْ أطعتموهم في استحلال الميتة إنّكم لمشركون باستحلالها لا بأكلها، والله أعلم.
واختُلف فيما يجب على العبد أن يعتقده في تحريم دماء المسلمين،
فقيل: هو خروج الرّوح، وقيل: ما قام عنه الموت، وأمّا سبيهم وغنيمة أموالهم فقيل: إنّما يعتقد سوقهم، وإن قتلهم في موضعهم حُكم عليه بالعصيان، وعن بعض مشايخنا -رحمهم الله- قال: لا يتمّ إيمان الرّجل حتّى يعرف تحريم دمه وماله، وقيل عن بعضهم غير ذلك: إنّ إيمانه قد تمّ مع جهالته تحريم دمه وماله؛ ومعرفة تحريم دماء المسلمين توحيد، وجهلها شِرك، وكذلك السّبي والغنيمة على هذا الحال، فكما وجب على المكلَّف معرفة تحريم دماء المسلمين وسبيهم وغنيمة أموالهم بالتّوحيد والإسلام، كذلك يجب عليه معرفة تحليل دماء المشركين وأموالهم بالشّرك والكفر، لأنّ تحليل دمائهم وسبي ذراريهم وغنيمة أمولهم إنّما كان بنصّ القرآن وإجماع الأمّة، كما قدّمنا في تحريم دماء المسلمين وسبيهم وغنيمة أموالهم.
وأحلّ اللهُ سبي أطفال المشركين ليجرّوهم بذلك إلى الإسلام، وقيل تقوية لبيت مال المسلمين، وقيل نظرًا لهم حين قُتل آباؤهم، لئلاّ يموتوا هزلا، والله أعلم.
[القسم] الرابع عشر في الأمر و النّهي: وذلك أيضًا واجب على المكلَّف مع البلوغ، وهو أن يعلم أنّ الله سبحانه أمر بطاعته وأوجب عليها ثوابًا، ونهى عن معصيته وأوجب عليها عقابًا، وإن لم يعلم ذلك أشرك، وإن علم أنّه أمر بالتّوحيد ونهى عن الشّرك فلا يجزئه ذلك حتّى يعلم أنّه أمر بالطّاعة ونهى عن المعصية هكذا، والله أعلم.
فكلّ ما يلزم معرفته من طاعة الله جلّ جلاله لزمت المعرفة بأنّ اللهَ أمر به وأوجب (1/40)
صفحة 41
عليه الثّواب، وأمّا المعرفة بأنّ اللهَ أوجب على تركه العقاب فلا يلزم ذلك إلاّ في التّوحيد خصوصًا دون سائر الطّاعات، لأنّ على كلّ مكلَّف أن يعلم أنّ اللهَ أمر به وأوجب عليه ثوابًا وعلى تركه عقابًا، وأمّا ما دون التّوحيد من الفرائض فإنّما على العبد أن يعلم أنّ اللهَ أمر به وأوجب عليه ثوابًا فقط، وكذلك المعاصي على هذا الحال، ما خلا الشّرك فإنّ عليه أن يعلم أنّ اللهَ نهى عنه، وأوجب على فعله عقابًا، والله أعلم.
مسألة: وعلى المكلَّف أيضًا أن يعلم الإسلام والمسلمين، والكفر والكافرين، ومَن وسع جهل ذلك فقد كفر؛ ويجب عليه أيضًا أن يعلم أنّه أُمر بالإسلام وأنّ الإسلام فعل المسلمين، كما أنّ الكفر فعل الكافرين، والله أعلم.
[القسم] الخامس عشر في المنّ والدّلائل: وهما أيضًا ممّا يجب على المكلَّف معرفتهما مع أوّل البلوغ، وهو أن يعلم الإنسان أنّ اللهَ سبحانه خلق خلْقه أطوارًا، وأفاض عليهم النِّعَم صغارًا وكبارًا، منّا منه وفضلاً، لا وجوبًا وفرضًا، بل خلقهم إظهارًا لقدرته، وتحقيقًا لما سبق من إرادته، ولِما حقّ في الأزل من كلماته، لا لافتقاره إليهم وحاجته؛ وبعث إليهم رسله، وشرع لهم دينه لغير حاجة دَعَته إلى تكليفهم، ولا من ضرورة قادَته إلى تعبّدهم، وإنّما قصد نفعهم تفضّلاً منه عليهم، كما تفضّل بما لا يُحصى عددًا من نِعمه، بل النّعمة فيما تعبّدهم به أعظم، لأنّ نفع ما سِوى المتعبَّدات يختصّ بالدّنيا العاجلة، ونفع المتعبّدات يشتمل على نفع الدّنيا والآخرة، وما جمع نفع الدّارين كان أعظم نعمة وأكثر تفضّلاً؛ وجعل ما كلّفهم به ثلاثة أقسام: قسمًا أمرهم باعتقاده كالتّوحيد ووظائفه، وقسمًا (1/41)
صفحة 42
أمرهم بفعله كالفرائض وما يتعلّق بها، وقسمًا أمرهم بالكفّ عنه، وهو على ثلاثة أقسام: قسم لإحياء نفوسهم كنهيه عن القتل، وأكل الخبائث والسّموم، وشرب الخمور المؤدّية إلى فساد العقل وزواله، وقسم لائتلافهم وإصلاح ذات بينهم، كنهيه عن الغصب والظّلم والشرّ المفضي إلى القطيعة والبغضاء، وقسم لحفظ أنسابهم وتعظيم محارمهم، كنهيه عن الزّنا، ونكاح ذوات المحارم؛ فكانت نعمته فيما حظره عليهم كنعمته فيما أباحه لهم، وتفضّله فيما كفّهم عنه كتفضّله فيما أمرهم به، فهل يجد العاقل في رَوِيَّتِهِ مساغًا أن يقصّر فيما أُمر به وهو نعمة عليه؟ أو يرى فسحة في ارتكاب ما نُهي عنه وهو تفضّل عليه؟ وهل يكون من أنعم عليه بنعمة فأهملها مع شِدّة فاقته إليها إلاّ مذمومًا في العقل مع ما جاء من وعيد الشّرع؟ فتبيّن بما ذكرنا لأهل العقول والبصائر أنّ اللهَ سبحانه ممتنّ على العباد في الدّنيا بسعة الأرزاق، وصحّة العقول والأبدان، وتسخيره لهم ما في الأرض والسّموات، وإيجابه عليهم الفرائض والعبادات، وتحظيره عليهم المحرّمات، وممتنّ على أهل طاعته في الآخرة بالغفران ودخول الجنان، وبالله التّوفيق.
وأمّا الدّلائل: فهي مخلوفات الله تعالى الدّالّة على ربوبيّته ووحدانيته من السّموات والأرض وما فيهما، وما بينهما من الجوهر والعرض، فالعاقل إذا نظر في ذلك بعين البصيرة علِم أنّ اللهَ لم يخلق ذلك عبثًا ولا باطلاً، ولم يترك الإنسان سُدًى ولا مهمَلاً، بل خلق الجنّ والإنس ليمتثلوا أوامره قولاً وفعلاً، وجعل ما على الأرض زينة لها ليبلوّهم أيّهم أحسن عملاً، ومن دلائله على وحدانيته [وربوبيته] الرُّسُل الذين جعلهم للخلق أدلاّء، وأنزل عليهم كتبًا تُتلى، وجعل جميع ذلك دلائل على وحدانيته وربوبيته، وبالله التّوفيق. (1/42)
صفحة 43
السّادس عشر في الخوف والرّجاء: وهما فريضتان واجبتان على المكلَّف معًا في حالة البلوغ، وعليه أن يعتدلا في قلبه اعتدالاً لا يميل أحدهما بالآخر، لأنّه إذا مال الخوفُ به فذلك يدعو إلى اليأس من رحمة الله تعالى، والإياس أعظم الكبائر، وقد قال الله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]، وقال: {وَمَنْ يَّقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ} [الحجر: 56]، وإن مال به الرّجاء [على الخوف] خشي عليه الأمن من عذاب الله، وهو أيضًا كبيرة من الكبائر، قال الله تعالى: {فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:99]، ويجب على العبد أن يعتدل الخوف والرّجاء في قلبه ولو لم يعلم لنفسه ذنبًا، ويعتدلان أيضًا ولو في حال عمل المعصية؛ وبلغنا أنّ لقمان الحكيم - رضي الله عنه - قال لابنه: «يا بنيّ كنْ ذا قلبين، قلب تخاف اللهَ به خوفًا لا يخالطه تقنيط، وقلب ترجوه به رجاءً لا يخالطه تغرير»، والخوف والرّجاء يثبتان في القلب بزوال الأمن والإياس منه، وهما سوطان زاجران للعباد، فالخوف زاجر عن المعصية ورادع عنها، والرّجاء داعٍ إلى الطّاعة وباعث عليها، وقد قيل بالرّخصة عن بعضهم ما لم ينعر القلب من أحدهما، فإذا انعرى من الخوف فاطمأنّ، أو انعرى من الرّجاء فأيِس، فحينئذ يضلّ به ويهلك على هذا القول، والله أعلم. وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو وُزِن خوف المؤمن ورجاؤه بميزان تريص ما زاد أحدهما (1/43)
صفحة 44
على الآخر»، ومعنى تريص: مُحكَم.
وقال بعض العلماء: إذا احتضر المؤمن فالرّجاء في تلك الحالة أليق به وأحقّ، كما روي عن حذيفة بن اليمان -رحمه الله- حين احتضر أنّه قال: «مرحبًا بزائر جاء على فاقة، لا فرح من ندم، اللهمّ أمرتنا أن نعدل بين الخوف والرّجاء فالآن الرّجاء فيك أمثل»، والخوف والرّجاء فريضتان غير محدودتين، يثبتان في القلب بفرائض غير محدودة، كبرِّ الآباء والنّدم على سوالِف الآثام، وبجهالة كبائر الذّنوب من صغائرها وما أشبه هذا، لأنّه يخاف إن لم يبلغ إلى الحدّ الذي يكون فيه مؤدّيًا لما افترض اللهُ عليه في هذه الفرائض أن يعذّبه على تقصيره فيها، ويرجو أن يكون قد بلغ الحدّ الواجب عليه فيثيبه اللهُ على ذلك في الآخرة، ويثبتان أيضًا بجهل المصير وعاقبة الخاتمة، وبجهل قَبول التّوبة إذا تاب من ذنب اقترفه؛ وفرضهما اللهُ على العباد من غير أن يحدّ لهم في ذلك حدّا يعلمونه، لأنّ ذلك أصلح لهم في الاِجتهاد في الطّاعة والاِنزجار عن المعصية، ولهما حدّ يعلمه اللهُ تعالى إذا بلغه العبدُ رضي الله عليه عند أداء ما عليه؛ وهما من أفعال العباد يتفاضلون فيهما، فبعض النّاس أعظم خوفًا من بعض، والأنبياء عليهم السّلام خائفون اللهَ تعالى خوف عقاب، ألا ترى إلى إبراهيم - عليه السلام - حين قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الاَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]، وراجون الله تعالى رجاء ثوابٍ، كما قال الله تعالى حكاية عن خليله - عليه السلام -: {وَالذِي أَطْمَعُ أَنّ يَّغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} الآية [الشّعراء: 82]، لأنّ الخوف والرّجاء من أفاعيل العباد استعبدهم اللهُ تعالى بفعلها، كما استعبدهم بالصّلاة والصّوم، وسائر الفرائض، والله أعلم. (1/44)
صفحة 45
الباب الثّاني من الرّكن الأوّل في الوَلاية والبراءة وأحكامهما
اِعلم أنّ هذا الباب تنبعث منه ثلاث جُمَل:
الجملة الأولى في الوَلاية وتقاسيمها
وهذه الجملة تتفرّع منها عشرة فصول:
الفصل الأوّل
في معنى الوَلاية والاِستشهاد على وُجوبها
من الكتاب والسّنّة وإجماع الأمّة
اِعلم أنّ الوَلاية لها معنيان: لغوي وشرعي، فالوَلاية في اللّغة: القُرب مأخوذ من وَلاية أمر اليتيم وهو القيام بأمره والاِهتمام بمصالحه، وهو معنى وَلاية الله لأوليائه، وذلك معنى قوله تعالى: {اللهُ وَلِيُّ الذِينَ ءَامَنُوا} [البقرة: 257]، أي: ناصرهم ومتولّي أمورهم وحافظهم، والوَلاية في الشّريعة: إيجاب التّراحم والاِستغفار للمسلمين.
مسألة: الدّليل على وُجوب الوَلاية نصّ من القرآن ومن السّنّة وإجماع من أهل الإيمان؛ أمّا القرآن: فقول الله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} [محمّد: 19]، ومعنى الاِستغفار: طلب الغفران بصحّة الإرادة؛
وأمّا السّنّة: فقول النّبيء - عليه السلام - لابن مسعود - رضي الله عنه -: «يا ابن مسعود أيّ عُرى الإسلام أوثق؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: الوَلاية في الله والبغض في الله»، وكذلك عند أصحابنا -رحمهم الله-: الوَلاية في الله والبغض في الله هي حقيقة الإيمان، فمن لم يدِن بها فلا دين له، ولا وَلاية له عندهم؛ وأمّا الإجماع: فليس بين الأمّة اختلاف في وَلاية الجملة، وإنّما الاِختلاف (1/45)
صفحة 46
بينهم في وَلاية الأشخاص، فإنّ وَلاية المسلمين بعضهم بعضًا كونهم [معهم] على شريعتهم، وقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]، وقال: {وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} الآية [التّوبة: 71]؛ فالوَلاية والبراءة تجبان معًا على المكلَّف في حال البلوغ، وهما سواء لا عُذر لمن جهلهما، فكما تجب الوَلاية لأولياء الله كذلك تجب البراءة لأعدائه بأيّ معصية كانت مع الإصرار عليها، وبالله التّوفيق.
الفصل الثّاني
في وَلاية جملة المسلمين
وهي فريضة على كلّ مكلَّف في حالة البلوغ، وهو أن يوالي المسلمين وجميع أولياء اللهِ من الأوّلين والآخرين، من الجنّ والإنس أجمعين، إلى يوم الدّين، من غير قصد إلى أحد بشخصه، وهي فرض مضيّق كما قدّمنا، والعمل بها توحيد، والتّرك لها والجحود والإنكار والجهل بأنّها فرض شِركٌ، لأنّ عليه أن يتولّى المطيعين، ويبرأ من العاصين، ويجب لهما في كِلتا المنزلتين ما يجب لنفسه، لأنّه إذا تفكّر علِم أنّه ليس بمطيع لله مَن لا يوالي وليّه ويعادي عدوّه، وقد قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، فلا قُرب إلاّ بالتّقوى ولا بُعد من النّار إلاّ بمجانبة الهوى، وإلاّ فالنّاس في دين الله سواء.
الفصل الثّالث
في وَلاية الأولياء الموصوفين بالعصمة والاِصطفاء في القرآن
[وهو نوعان: - منصوص عليه كأصحاب الأخدود والسَّحَرة ومؤمن آل فرعون. - والمعصوم كالملائكة والأنبياء والرّسل. (1/46)
صفحة 47
وهم على أربعة أقسام: جملة وأفراد، ذكور وإناث، فالجملة: كالأنبياء والرّسل وأصحاب الكهف، وأصحاب الأخدود، والسَّحَرة، وأمثالهم؛ والأفراد: نوعان، مسمًّى كآدم وأشباهه، وغير مُسمّى كمؤمن آل فرعون وأمثاله؛ والذّكور: نوعان، أنبياء وأولياء، والإناث: نوعان، مسمّيات كمريم ابنة عِمران وأشكالها، وغير مسمّيات كامرأة فرعون وأمثالها، فجميع من نصّ اللهُ عليه باسمه في كتابه من الرّجال والنّساء من أهل العصمة والاِصطفاء فولايته توحيد، وبراءته شِرك؛ وإنّما تجب وَلايتهم جملة من غير قصد إلى أحد منهم باسمه، ما خلا آدم ومحمّدًا عليهما السّلام، فإنّ مَن سُئل عنهما لا يسعه إلاّ أن يعلم أنّهما أنبياء من أهل الجنّة، وقيل في جبريل - عليه السلام - مثل ذلك، وأمّا سائر من ذكره اللهُ في كتابه إنّما عليه أن يتولاّهم ويعلم أنّهم من أهل الجنّة، إلاّ إن قامت عليه الحُجّة بتسمية أحد ممّن ذكرنا، فعليه إمضاء الحكم فيه على ما يقتضيه من السّعادة والعصمة بالعلم اليقينيّ الذي لا يتحوّل، كمن صحّ عنده بالتّواتر في قول الله - عز وجل -: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} [الكهف: 65] أنّ العبد هو الخضر - عليه السلام -،
وأنّ الفتى المذكور في أوّل الآية هو يوشع بن النّون، فمن قامت عليه الحُجّة بتواتر الأخبار وصحيح الآثار بتسمية أحد من هؤلاء اعتقد علم ذلك يقينًا بما صحّ عنده، فإنّ الشّهرة التي لا تدفع تؤدّي إلى العلم اليقيني الذي لا يتحوّل، وإلاّ فالاِقتصار (1/47)
صفحة 48
على ظاهر الخطاب من غير التفات إلى إشارة ولا تسمية محتمَلَة أسلم وأولى، وبالله التّوفيق.
الفصل الرّابع
في وَلاية البيضة
وهي وَلاية الإمام العادل إمام المسلمين، ومن اتّبعه على طاعة الله تعالى، إلاّ إن ظهر من أحد ما يُبرأ به منه، وذلك أنّ كلّ دار يكون أهلها الغالبون عليها القاهرون لأهلهاهم العاملون بما جاء به التّنزيل، المتّبعون لما شرعه الرّسول، النّاهون بما نهى عنه الشّرع والعقول، الدّاعون إلى السّنّة والعمل بها، الرّادّون البدعة على مَن جاء بها، غير متجانفين للأقارب، ولا متعصّبين على الأجانب، يتولاّهم الإنسان ويُسمّيهم أهل العدل والإحسان، وينسب الدّار إليهم فيسمّيها دار العدل والحق، فكلّ من رءاه منهم في زيّ أهلها فليحكُم عليه بحكمهم، إلاّ إن ظهر منه خلافهم؛ ونحو من هذا ذُكر في "جوابات الإمام أفلح بن عبد الوهّاب" رضي الله عنهما، يقول: «إذا كان إمام المسلمين عدلاً فكلّ من جرت عليه طاعته ورضي بحكمه ولم يظهر منه خلاف للمسلمين فهو عندهم في حكمهم من الوَلاية، يتولّونه بعينه ويتولّون جميع مَن في البيضة جُملة وقصدًا»، وقال: «وإنّما الوَلاية بهذا المعنى حُكم من أحكام الدّنيا، تعبّد الله بذلك عباده على علمهم بما ظهر لهم من النّاس دون ما غاب عنهم، ولا ما انفرد الله بعلمه في عباده، وإنّما هذه الوَلاية حبل تمسّك به المسلمون فيؤجَرون عليها،
كنحو ما جرت به أحكام الموارَثة (1/48)
صفحة 49
والمناكحة والذّبائح وتُثبت به الأنساب، وكلّ ذلك من أمور الظّاهر دون الباطن، لأنّ الله سبحانه هو المسهّل لأوليائه طرق ما تعبّدوا به في أحكامهم، وحطّ عنهم ما عجزت عن إدراكه طبائعهم».
قال بعض العلماء في ولاية البيضة: لا نتولّى إلاّ مَن عرفناه بخير مِن قول وعمل؛ والمشهور هو القول الأوّل، والله أعلم، ويدلّ على صِحّته قول عمر - رضي الله عنه -: «المسلمون كلّهم عُدول، إلاّ مجرَّبًا عليه شهادة زور، أو ظِنّين في وَلاء أو نسب»، وذلك أنّ الأصل في ا لمسلمين العدالة بظهور الإسلام، لأنّها فرع عنه ونتيجة له،
فلمّا فشت الخيانة فيهم على عهد عمر وزالت الأمانة، أحدث لهم المُزكّين، والله أعلم.
وذكر في بعض كتب [أصحابنا من] أهل المغرب: أنّ المتولَّى بوَلاية البيضة لا يُحكم بشهادته إذا شهد، ولا يُستتاب إذا عمل كبيرة، والله أعلم.
الفصل الخامس
في وَلاية الخارج من الشّرك إلى الإسلام
إذا أتمّ الجملة وَجَبَت وَلايته وإثبات التّوحيد له، والشّهادة عليه بها، وتحريم ماله ودمه بالإتيان بها، وإنّما تجب له هذه الأمور من الوَلاية وسائرها بالوفاء الذي جاء به، وهو ترك الذّنوب واعتقاد الإسلام والدّخول فيه، لقوله تعالى: {قُل لِّلذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَّنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]، وقوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [البقرة: 58]، في بعض أقوال أهل التّفسير: لا إله إلاّ الله، وقيل معناه: اُحطط عنّا خطايانا، وهو قريب من الأوّل؛ ومن السنّة: قول الرّسول - عليه السلام -: «الإسلام جَبّ لما قبله»، أي: قطع لِما قبله من الشّرك (1/49)
صفحة 50
والمعاصي؛ فالمستجيب إلى الإسلام خارج عن الشّرك وجميع المعاصي، فإن مات قبل حلول الفرض عليه فهو مسلم ما لم يكن منه حَدَث أو تفريط في شيء من الفروض؛ وقد قيل: إنّ المستجيب اليوم على خلاف المستجيب في زمان الرّسول والخلفاءعليهم السّلام، أراد أنّه لا يُتولّى حتّى يدين بالبراءة من الجبابرة، وإلاّ فهو كواحد من أهل القبلة، فنمسك عن وَلايته حتّى يبرأ من الجبابرة، والله أعلم، وسواء دعاه إلى الإسلام موافق أو مخالف فإنّه (1/50)
صفحة 51
يُتولّى ما لم يشرّع له المخالف ضلالته فيتّبعه عليها، والله أعلم.
الفصل السّادس
في وَلاية الخارج من مذهب أهل الخلاف إلى مذهب أهل الوِفاق
إذا لم يمنع من وَلايته إلاّ الخلاف الذي كان عليه
وهو على وجهين: متديّن وغير متديّن، أمّا المتديّن: الذي دان ببدعته فإنّه لا يُتولّى حتّى يرجع من مقالته إلى مقالة المسلمين قصدًا، كما جرى لمحمّد بن عبّاد المدني حين شهدوا عليه بمعذرة مَن جهل محمّدًا - عليه السلام -، أو جهل الجنّة والنّار، والثّواب والعقاب، والبعث، وتحريم دماء المسلمين،
وقالوا: إنّ مفتي هذه المسائل كافر، فالتقى ابن عبّاد مع محمّد بن محبوب -رحمه الله- بمكّة فنقض عليه ابن محبوب هذه المسائل، وعرّفه الحقّ ودعاه إليه، فقال ابن عبّاد: تُبت من (1/51)
صفحة 52
جميع الخطإ، فقال له من حضر من المسلمين: إنّك متديّن لا يجزئك ذلك حتّى تعدّها وتتوب من اعتقادك فيها كلّها، وتقرّ بالخطإ في كلّ واحدة،
فخاف من البراءة فصار كالجمل المحرنجم إن تقدّم نُحر وإن تأخّر عُقر، فلمّا رآه ابن محبوب كذلك قال له: المعترف بذنبه الرّاجع عنه لا ُيبرأ منه في قول بعض، فتاب ورجع إلى مقالة المسلمين؛ وإن كان المبتدع دعا إلى بدعته فاستجيب له، فأراد التّوبة، فإنّه لابدّ له أن يذهب إلى مَن دعاه ليعرّفه أنّ الذي دعاه إليه ضلال، وأنّه تاب إلى الله من ذلك، فإن غابوا وكانوا بحيث يعرف أثرهم وصل إليهم وعرّفهم توبته وردّهم عن ضلالتهم، فإن قبلوا فسبيل ذلك كالذي جرى لهلال بن عطيّة، (1/52)
صفحة 53
وكان على دين الصّفرية فيما بلغنا، فلم يقبلوا منه حتّى خرج إلى القوم وعرّفهم ضلالته، ثمّ رجع إلى عُمان فقبِلوا منه، فكان مع الجلندى بن مسعود الإمام (1/53)
صفحة 54
رحمه الله، حتّى قُتل معه شهيدًا.
وأمّا غير المتديّن: فإنّه إذا تاب ورجع إلى المسلمين قُبلت توبته، وأمّا كيفيّة دُخوله في مذهب المسلمين فقد وجدت في أثر بعض أصحابنا من أهل المشرق يقول: وعن رجل قال للمسلمين: أنا منكم، وليّي وليّكم، وعدوّي عدوّكم،
ولا يعرف شريعة الإسلام، قال: إذا أعطاهم الجملة التي لا يسع جهلها فهو منهم؛ ووجدت عن أبي سفيان محبوب بن الرّحيل يقول: إنّ المسلمين دعوا بسطام أبا النّظر إلى دعوتهم، وكان صفريا، وكان أبو النّظر يقول: «لَمّا دعوني فقالوا: (1/54)
صفحة 55
إنّا قد ندعوك إلى وَلاية مَن قد علِمته يقول بالحقّ ويعمل به، وندعوك إلى البراءة ممّن قد علِمته يقول بخلاف الحقّ ويعمل به، وندعوك إلى الوقوف عمّن لم تعلَم حتّى تعلم»، قال: وذلك في الكتمان، قال أبو النّظر: «فلمّا سمعت هذا من كلامهم علِمت أنّ هذا دين الله الذي ارتضاه»،
قال: فقبل الإسلام وكان خيِّرًا فاضِلاً، له فضل في الإسلام وشرَف؛ والمبتدع الذي أضلّ ببدعته الخلق وكان متديِّنًا فليس عليه إلاّ أن يُظهر توبته، ويدعو إليها كما أظهر بدعته ودعا إليها، كالذي جرى لعائشة رضي الله عنها يوم الجمَلوقُتل معها خلق كثير، فلم يلزموها إلاّ إظهار التّوبة، وكذلك علي بن أبي طالب وخلف بن السّمح لو رجعا عمّا كانا عليه لم يلزمهما إلاّ إظهار التّوبة من غير غرم لشيء أتلفاه، لأنّهما متديّنان، والله أعلم. (1/55)
صفحة 56
الفصل السّابع
في وَلاية المخصوص باسمه المعروف بشخصه
وهي فريضة واجبة، ويتفرّع من هذا الفصل ثلاثة أقسام، أحدها: في الأدلّة على فرض وَلاية الأشخاص، والثّاني: في كيفيّة وَلايته، والثّالث: في الفرْق بين وَلاية المنصوص عليه باسمه وغيره.
القسم الأوّل: أمّا الدّليل على وَلاية الأشخاص أنّها فريضة فإنّها لمّا اتّفقت عِلّتها في الأصل وَجب أن يتّفق حكمها في الفرع أيضًا، لأنّ العِلّة إنّما هي الوفاء في كِلا الوجهين؛ وقال بعض مخالفينا: ليس علينا من وَلاية الأشخاص شيء؛ وقال بعضهم: إلاّ بشريطة أن يكون من أهل الجنّة،
قلنا لهم: وكذلك قول الله - عز وجل -: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التّوبة: 36] فليس علينا من قتلهم واحدًا واحدًا شيء ولم نقدر على قتلهم في الجملة، فمن أبطل وَلاية الأشخاص فقد أبطل حقوق المسلمين بعضهم من بعض، وقد قال - عليه السلام -: «للمسلم على أخيه سِتّ بالمعروف: يسلّم عليه إذا لقيَه، ويعوده إذا مرِض، ويستجيب له إذا دعاه، ويشهده إذا توفّي، ويشمته إذا عطس، ويحبّ له مثل ما يحبّ لنفسه»،
وقال - عليه السلام -: «رحم الله أبا ذرّ يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث (1/56)
صفحة 57
وحده»، وقال أيضًا: «مَن أعطى ومنع وأحبّ وأبغض لله فقد استكمل الإيمان»، وقد رُوي عن أبي خزر أنّه قال: «أصل الوَلاية: الموافقة في الشّريعة، فكلّ من وافقته في الشّريعة فقد وجبت عليك بعض وَلايته»،
وقال عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه -: «من رأينا فيه خيرًا قلنا فيه خيرًا وظننّا فيه خيرًا وتولّيناه، ومَن رأينا فيه شرًّا قلنا فيه شرًّا وظننّا فيه شرًّا وتبرّأنا منه»، والله أعلم.
القسم الثّاني في كيفيّة وَلايته: وهي إضمار الحبّ له في الجَنان، وإعلان الترحّم له والاِستغفار باللّسان، فمتى ما ظهر من أحد الوفاء بدين الله تعالى قولاً وعملاً، فعلى مَن شاهد ذلك منه وَلايته، واعتقاد الحبّ له، والاِستغفار له، وتحريم بغضه وشتمه وغشّه وغيبته وسوء الظنّ به، لأنّ المسلم أخو المسلم لا يغشّه ولا يسلمه، ولا يبغضه ولا يحسده ولا يطعن عليه،
وفي الحديث: «الأخوان كاليدين تغسل إحداهما الأخرى»، و «المؤمن كبير بأخيه»، و «المسلمون كالبنيان يشدّ بعضهم (1/57)
صفحة 58
بعضًا»، و «مثل المسلمين في تواددهم وتراحمهم كالجسد إن اشتكى بعضه تداعى سائره بالحمّى والسّهر» لأنّ أنفس المسلمين في حقيقة الدّين كنفس واحدة، ولذلك قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النّساء: 29]، أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، في أمثالها في القرآن [كثير].
مسألة: ومن شاهد من الإنسان الوفاء بدين الله ولم يتولّه فهو هالك، سواء كان منه تضييعًا أو جهلاً، وكذلك إن تولاّه قبل أن يشاهد منه الوفاء بالدّين فهو هالك، ووقت وُجوبها عند علم الوفاء منه بالدّين، وبالله التّوفيق.
القسم الثّالث في الفَرق بين وَلاية المنصوص وغيره: اِعلم أنّ وَلاية المنصوص على وجهين: تكون توحيدًا، وغير توحيد،
فالمقصود من المعصومين والمنصوص عليه باسمه من قِبَل ربّ العالمين على لسان رسوله الأمين فولايتهما توحيد، وترك وَلايتهما شِرك إذا وَجبت، والجهل بها أنّها فرض شِرك أيضًا، وأمّا جحودها وإنكارها فهو كفر، (1/58)
صفحة 59
وأمّا وَلاية الخاصّ من النّاس غير المعصوم والمنصوص ممّن تجب وَلايته بما ظهر منه من الوفاء في الدّين بالقول والعمل فوَلايته طاعة غير توحيد، وبراءته كفر غير شِرك،
وكذلك الإنكار لها والجهل بها وأنّ اللهَ أوجب عليها ثوابًا كُفْرٌ غَيْرُ شِرك أيضًا، والوَلاية إنّما تجب بالوفاء بجميع الفرائض قولاً وفِعلاً، والاِنتهاء عن جميع الكبائر نطقًا وامتثالاً، لأنّ الوَلاية لا تنزل على كبيرة ولا صغيرة مُصَرًّا عليها، كما أنّ البراءة يستحقّها المقارف لكبيرة واحدة أو صغيرة مصِرًّا عليها لأنّها ضدّ الوَلاية التي لا تجب إلاّ بالوفاء بجميع الدّين، والله أعلم.
الفصل الثّامن
في وَلاية الأطفال
اِعلم أنّ النّاس قد اختلفوا فيهم على أربعة أقوال: فقالت المرجئة بولايتهم جميعًا، وهو مذهب معاذ بن جبل -رحمه الله-، وقال بعضهم بالوقوف فيهم جميعًا، وهذا القول يُروى عن النّاكثةومَن قال بقولهم، وقال (1/59)
صفحة 60
بعضهم: إنّ الأطفال بمنزلة الآباء، فأطفال المسلمين مسلمون وأطفال المشركين مشركون، وهذا القول مروي عن الصّفرية وأصحاب الحديث،
ولكلّ فريق حُجّة يحتجّ بها تركتها مخافة التّطويل،
وقال أصحابنا ومَن وافقهم بوَلاية أطفال المسلمين والكفّ عمّا سِواهم حتّى يبلغوا الحلُم، فيولّون إذا ظهر منهم الوفاء، أو يُتبرّأ منهم إذا ظهرت منهم الكبائر، واحتجّوا بقول الله تعالى: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَتُهُمْ بِإِيمَانٍ اَ لْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ} [الطّور:21]، وبقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لولده: «تمام رضاعتك يا بني في الجنّة»، وذلك أنّه مات (1/60)
صفحة 61
وهو ابن ثمانية عشر شهرًا؛ واحتجّوا في الوُقوف عن أطفال غير المسلمين بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سُئل عنهم فقال: «الله أعلم بما كانوا صانعين».
مسألة: وتجوز وَلاية أطفال المتولّى بأربعة أوجه؛ أحدهما: المعرفة أنّهم وُلدوا على فراش آبائهم، والثّاني: إقرار الأب أنّه ابنه إذا حضر، وقيل حتّى يكون معه أمين آخر لأنّه مدّعٍ، وقيل حتّى يكون معه أمينان، والثّالث: شهادة الأُمناء أنّ لفلان أولادًا كانوا حُضورًا أو غيابًا، أحياءًا كانوا أو أمواتًا، الرّابع: شهادة أهل الجملة
يثبت بهم النّسب ويُتولّى بهم الأطفال إذا حضروا.
وعبيد المتولَّى إذا كانوا أطفالاً فيهم قولان: قيل بالولاية وقيل بالوُقوف، والمَوَالِي الأطفال إذا أعتقهم المُتولّى فيهم قولان أيضًا، وابن أمّه يُتولّى بولاية أمّه إذا كانت مسلمة، وقيل: لا يُتولّى إلاّ بأبيه؛
وكذلك التي أسلمت من الشّرك ولها أولاد فإنّها تجرّهم إلى الإسلام، ويُتولّون بوَلايتها؛ والعبد إذا أعتقه المتولّى وغيره فإنّه يُتولّى بالمتولّى منهما؛ وأمّا المشترك من الأطفال بين المتولّى وغيره فقيل فيه بالكفّ؛ والمتولّى إذا ارتدّ إلى الشّرك فقيل إنّ أولاده في منزلتهم الأولى من الوَلاية، فإن عُلم من أبيهم نفاق فالكفّ عن أولاده الأطفال؛
وأطفال أهل الوَلاية إذا بلغوا فهم في الوقوف، فإن عُلم منهم الوفاء فهم في منزلتهم الأولى من الوَلاية، وإن عُلم منهم كفرٌ فهم في البراءة، وإن تشابه بلوغهم فهم على الأصل الأوّل من الطّفوليّة، وإن قالوا في حين الشّبهة: بلغنا، حكمنا عليهم بحكم البالغين، ومن تجنّن في الطّفوليّة فحكمه حكم الطّفل، إن كان أبوه متولّى فإنّه يُتولّى، وإن كان مشركًا أو منافقًا وُقف عنه؛ وأطفال المتولّى إذا غابوا (1/61)
صفحة 62
فقيل هم على وَلايتهم ما لم يتبيّن بلوغهم بالمشاهدَة أو بالأمناء،
وقيل يُنظر إلى أترابهم فإذا بلغوا حُكم ببلوغهم وصاروا في الوقوف، وإن قال الأمناء: إنّهم قد بلغوا، أو كبار، أو لزمتهم الفرائض، فجائز؛ ويُقال ثلاثة لا يعلم حدّهم إلاّ الله: الحدّ الأوّل من البلوغ، والحقيقة في المكيال، والميزان.
مسألة: ووَلاية المرء نفسه واجبة على التّوبة من جميع الذّنوب، وكذلك أطفاله وعبيده إذا كانوا أطفالاً، وفي وَلاية أطفال مماليك المسلمين قولان، والله أعلم.
الفصل التّاسع
في شروط الوَلاية والجهات التي تحصل بها
أمّا شروط الوَلاية فهي أربعة؛ أحدها: مسموع الأذن مرضيّ، والثّاني: منظور العين مرضيّ، والثّالث: مرضيّ القلب مقبول الحال، والرّابع: موافق للمذهب والشّريعة، لأنّه من اتّبع غير سبيل المؤمنين ولاّه اللهُ ما تولّى وأصلاه جهنّم وساءت مصيرًا.
وأمّا الجهات التي تصحّ بها الوَلاية فهي أربعة أيضًا؛
أحدها: الخبرة بصاحبها أنّه موافق للمسلمين في القول والفعل، والثّانية: الشّهرة التي لا تُدفع، وهو أن يشتهر له ذلك، فمن علمه لا يعلم منه إلاّ الخير، ومَن جهله جهله، لأنّ المشهور في الخير يُتولّى بغير بيِّنة، والله أعلم، والثّالثة: شهادة العدلين اللذين تقوم بهما الوَلاية والبراءة وتنفذ بهما الأحكام، فهذه الثّلاثة الأوجه مُجمع عليها، ولا أعلم فيها خلافًا، والرّابعة: مُختلَف فيها، وهي شهادة العدل الواحد بما يوجب للمعيّن الوَلاية، فقيل: ذلك حُجّة على المرفوع إليه الوَلاية، فشبّهوا ذلك (1/62)
صفحة 63
بالشّاهد في حقوق الله - عز وجل - من صوم رمضان دون إفطاره، وطهارة الثياب بقول الغاسل، وحلول أوقات الصّلاة وأوقات الإفطار بقول الثّقة، وأشباه ذلك؛ وقيل ليس ذلك حُجّة عليه ولا له، لأنّ الواحد إنّما يكون حُجّة في الكفّ دون التّصديق في قول بعضهم، والحُجّة إنّما تقوم بأمينين مسلمين حُرّين، أو أمين وأمينتين مسلمتين، كالشّهادة في الأحكام من الحقوق والدّماء والأموال،
وقيل: هو مخيَّر في الواحد بين القبول والوقوف عنه، وقيل: إن سأله ابتداءً لزمه قَبول قوله، وإن لم يسأله وإنّما شهد ابتداءً فهو مخيَّرٌ فيه بين القَبول والوقوف عنه أيضًا، كالمعدّل للشّهود والله أعلم؛ وأجاز بعض أصحابنا الوَلاية والبراءة بقول رجل وامرأة واحدة إذا كانت تبصر الوَلاية والبراءة، وذُكر مثل ذلك عن ابن عبّاد أنّه رخّص لأبي ميمون -رحمه الله- أن يتولّى أمّه بشهادة امرأة متولّية عنده، ويحُجّ عنها، ففعل ذلك والله أعلم. (1/63)
صفحة 64
الفصل العاشر
في ووَلاية الأئمّة وقادات الأمّة
وروي عن أبي خزر -رحمه الله- أنّه قال: «لا يسع جهل الأئمّة»، فقيل: أراد الأئمّة التّسعة؛ أربعة من العرب: أبو بكر الصدّيق بن أبي قُحافة التّميمي، وعمر بن الخطّاب من بني عدي بن كعب، وعبد الله بن يحي الكندي طالب الحقّ، وأبو الخطّاب عبد الأعلى بن السّمح المعافري -رحمهم الله-، والجلندى بن مسعود إمام عُمان، زاده بعضهم،
وخمسة من الفرس: (1/64)
صفحة 65
عبد الرّحمن بن رستم الفارسي، وابنه عبد الوهّاب، وأفلح بن عبد الوهّاب، ومحمّد بن أفلح، ويوسف بن محمّد - رضي الله عنهم -، ومنّ علينا بالتمسّك على منهاجهم القويم وطريقهم المستقيم إنّه رحيم كريم.
وأمّا أئمّة الدّين والهدى وقادات المسلمين من أهل المروءة والتّقوى
فإنّهم متولّون عند أصحابنا بغير حُجّة، لأنّها بمنزلة الدّيانة من التّفسيق والتّكفير والتّحليل والتّحريم، وليست بمنزلة وَلاية الأشخاص وبراءتها، ألا ترى أنّك تنتقل عن وَلاية الأشخاص وبراءتها بشهادة الأمناء، وليست كذلك وَلاية الأئمّة، لأنّك لا تنتقل عنها بالشّهود وإن كثُروا، وهكذا البراءة من قادات أهل الخلاف، يُبرأ منهم بغير حُجّة مَن سمع ذلك وقَبِله، لأنّ البراءة منهم بمنزلة الدّيانة كما قدّمنا في وَلاية أئمّة الهدى؛ قال: «وليس علينا مِن معرفة الأئمّة شيء إلاّ مع قيام الحُجّة»؛ ووَلاية قادات المسلمين هي البراءة من قادات المخالفين، وكذلك وَلاية قادات أهل الخلاف هي البراءة من قادات أهل الوِفاق، وكذلك التّصويب (1/65)
صفحة 66
والتّخطئة على هذا الحال؛ واختلفوا فيمن تقلّد باسم من أسماء أهل الخلاف، فحُكي عن أبي خزر أنّه قال: «مَن تبرّأ منه لم يظلمه»، وقيل ليس ذلك بشيء، واختلفوا أيضًا هل يبرأ منهم بعلامتهم أم لا؟ والله أعلم وأحكم. (1/66)
صفحة 67
الجملة الثّانية في البراءة وتقاسيمها
وهذه الجملة أيضًا تنبعث منها عشرة فصول:
الفصل الأوّل
في معنى البراءة والأدلّة على وُجوبها من القرآن والسنّة وإجماع الأمّة
أمّا القرآن فقول الله تعالى: {لاَ يَتَّخِذِ الْمُومِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ} [آل عمران: 28]، فنهى الله تعالى عن وَلاية الكفّار،
فأنفذ فيها الوعيد فقال: {لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} [الممتحنة: 13]، وقال: {وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، فمن تولّى مشرِكًا كان مشرِكًا، ومَن تولّى منافِقًا أو صاحب كبيرة كان منافِقًا صاحب كبيرة، وقال الخليل - عليه السلام -: {إِنَّا بُرَءَاؤُ مِنكُمْ} إلى قوله: {أَبَدًا} [الممتحنة: 4]، وقال تعالى: {لاَ تَتَّخِذُوا ءَابَاءَكُمْ وَ إِخْوَانَكُمُ أَوْلِيَاءَ} إلى قوله: {وَمَن يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التّوبة:23].
وأمّا السنّة: فأكثر من أن تُحصى، كقوله - عليه السلام -: «لعن الله من أحدث في الإسلام حدثًا أو آوى محدِثًا» في مثلها من الملاعن، وقوله: «ليس منّا من صلق أو حلق»، (1/67)
صفحة 68
و «ليس منّا من غشّنا»، في أمثاله من الألفاظ التي تدلّ على البراءة، وقوله: «إنّي بريء ممّن تطيّر أو تكهّن أو تُكُهِّن له»، في أمثالها من ألفاظ البراءة؛ فبراءة الجملة واجبة بنصّ القرآن، وإجماع من أهل الإيمان، لا عذر لمن جهلها، فكما تجب الولاية لأهل طاعة الله فكذلك البراءة واجبة من أهل معصية الله بأيّ معصية كانت
مع الإصرار عليها، ولم تختلف الأمّة في هذا، وإنّما الخلاف في براءة الأشخاص من أهل القبلة كما قدّمنا في الوَلاية، وبالله التّوفيق.
وأمّا البراءة فمعناها في اللّغة: البعد عن الشّيء والخروج منه، وأمّا في الشّرع فمعناها: إيجاب الشّتم واللّعنة للكفّار، فأصل البراءة مخالَفَة الفاعل والتبرّؤ منه،
قال الله تعالى: {فَإِن عَصَوْكَ} أي: فيما تأمرهم به وتنهاهم عنه {فَقُلِ اِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشّعراء: 216] (1/68)
صفحة 69
أي: متبرّئ منكم ومن عملكم، مخالف لكم غير موافق، فأصل البراءة كما قدّمنا هو المخالفة، كما أنّ أصل الوَلاية الموافقة والمساعدة على أمر الله تعالى، لأنّ الوليّ قد يكون في النّسب والدّين، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ} أي: يساعدهم ويوافقهم {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، والله أعلم.
الفصل الثّاني
في براءة الجملة
وهي فريضة على كلّ مكلَّف في حال البلوغ كالوَلاية حذو النّعل بالنّعل، ففرض البراءة على كلّ مكلَّف أن يتبرّأ من جميع أعداء الله من الأوّلين والآخرين من الجنّ والإنس أجمعين إلى يوم الدّين، من غير قصد إلى أحد بشخصه، فبراءة الكافرين هكذا توحيدٌ، والتّرك لشيء من ذلك شِركٌ، والجهل بأنّ الله أمر بها شِركٌ، وكذلك الجهل بأنّ اللهَ أوجب على العمل بها ثوابًا كُفْرٌ وشِركٌ، والإنكار لوجوبها وفرضها شِركٌ أيضًا؛ وكذلك البراءة من الكافرين من الجنّ إنّما هي جملة من غير قصد إلى أحد بعينه وإن ظهر كلامه، وتُجْزِئُنا البراءة منهم في الجملة كما تُجْزِئُنَا وَلاية المسلمين منهم جملة، وليس ظهور الأصوات منهم بظهور، بل ظهور الأجساد، (1/69)
صفحة 70
وأحكامهم بينهم كأحكام بني آدم فيما بينهم،
وإن ظهروا كانت أحكامهم وأحكامنا واحدة، لأنّهم مكلَّفون ملزومون مأمورون بالطّاعة منهيون عن المعصية، فمن أوفى منهم لله بالطّاعة فله عليها الجنّة، ومن لم يوفّ بالطّاعة واجترأ على المعصية فله عليها النّار، وقيل: إنّ الجِنَّةَ في الدّنيا في الصّحاري، وإنّ المطيعين منهم يوم القيامة يكونون في صحاري الجنّة، والله أعلم، وهم كلّهم المطيع منهم والعاصي من ذرّيّة إبليس، كما أنّ الإنس كلّهم المطيع منهم والعاصي من ذرّيّة آدم التّقيّ النّبيء الأمين، صلوات الله عليه وعلى نبيئنا، والله أعلم وأحكم.
الفصل الثّالث
في البراءة من المذمومين في القرآن الموصوفين بالإساءة والعِصيان
وهم قسمان: جملة وأفراد، فالجملة: كقوم نوح ولوط، وعاد وثمود وأصحاب الرّسِّ، وقرونًا بين ذلك كثيرًا، والأفراد نوعان، مسمّى: كفرعون وهامان وقارون وأبي لهب وجالوت؛ وغير مسمّى: كالذي حاجّ إبراهيم، وكالذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، وكالملِك الذي يأخذ كلّ سفينة غصبًا، وأمثالهم من الذّكور، وكحمّالة الحطب، وامرأة نوح، وامرأة لوط وأشباههنّ من الإناث؛ فجميع من نصّ اللهُ عليه باسمه من الرّجال والنّساء الموصوفين بالإساءة وقُبح الثّناء فبراءتهم توحيدٌ، ووَلايتهم شِركٌ؛ فالفرض علينا فيهم البراءة منهم جملة والمعرفة بأنّهم من أهل النّار،
إلاّ مَن قامت عليه الحُجّة بتسميّة أحد ممّن ذكرنا فعليه إمضاء الحكم (1/70)
صفحة 71
فيه بالبراءة، والمعرفة بأنّه من أهل الشّقاوة بالعلم الحقيقيِّ الذي لا يتحوّل، كمن صحّ عنده بالتّواتر أنّ الذي حاجّ إبراهيم هو النّمروذ بن كنعان وهو الذي كفر، وأنّ الذي آتاه اللهُ آياته فانسلخ منها هو بلعام بن باعوراء، وقيل: هوأميّة بن أبي الصلت الثّقفي، وقيل غير ذلك، وكذلك قيل في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} [غافر: 34] أنّ يوسف هذا غير يوسف بن يعقوب - عليه السلام -، وكذلك قوله: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} [مريم: 28] أنّ هارون هذا ليس هو بأخي موسى بن عمران - عليه السلام -، وإنّما هو أخ لها لأبيها صالح اسمه هارون، وقيل هو رجل فاسق، وإنّما نسبوها إليه توبيخًا وتشبيهًا بالقصّة؛ فهذا ما يأتي مجمَلاً فلا ينبغي لنا التكلّف في تفسيره، ولا يلزمنا من علم حقائقه أكثر من الإيمان بجملته على ما هو عند الله تعالى، إلاّ أن يقع الإجماع على تأويل أحد فذلك حُجّة على مَن بلغته، والله أعلم.
الفصل الرّابع
في البراءة من إمام الجور وجميع مَن تبعه على جوره
ولا يُبرأ من جميع مَن كان تحت لوائه لأنّه قد يكون المسلمون تحته بالتقيّة، فيُسوّغ لهم ذلك، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوّل أمره مكتتِمًا بمكّة، حتّى أمره اللهُ بالخروج والهجرة وإظهار دينه بالمدينة، ثمّ إنّه لمّا وقعت الفتنة وصارت الخلافة مُلْكًا وجَبَرية، فاضطُهد الإسلام، وشمل الجور والظّلم جميع الأنام، فصار المسلمون تحت الجبابرة بالتقيّة، آخذين بالرّخصة الشّرعية، فمنهم مَن شرى نفسه رغبة في جهاد الأئمّة الظّلمة، داعيًا إلى الله (1/71)
صفحة 72
ومنكِرًا لأحكام الجوَرَة، شاهِرًا سيفه قاتلاً مَن ناواه وصدّه، وافيًا لله بما عاهده عليه من بيعته حتّى قُتل شهيدًا في ذات ربّه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر أجله حتّى أتى عليه، ومنهم مَن ضعف عن الجهاد والقتال فأخذ بالرّخصة فعاش تحت الظّلَمَة، متمسِّكًا بالتقيّة؛ والأصل في هذا ما روي أنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «قدّموا قريشًا ولا تتقدّموها، وتعلّموا منها ولا تعلّموها، وأطيعوهم ما أقاموا فيكم كتاب الله وسنّتي، فإذا عصوهما فلا طاعة لهم عليكم، ثمّ خذوا أسيافكم واجعلوها على عواتقكم، واضربوهم بها حتّى تبيدوا نضراءهم، وإلاّ فعيشوا تحتهم حرّاثين فدّادين حتّى تلقوني بسوء حال»، فالواجب على الإنسان إذا رأى دارًا الغالب عليها الجبابرة والحُكّام الجوَرَة الضّالّة المضلّة أن ينسب الدّار إليهم فيسمّيها دار الجور والظّلم، ويبرأ من كلّ من دان بطاعتهم واحتطب في حِبالهم، ولا يتولّى منهم أحدًا إلاّ من يعرف أنّه موافق للمسلمين في أقوالهم وأفعالهم، وبالله التّوفيق. (1/72)
صفحة 73
الفصل الخامس
في البراءة من المرتدّ من الإسلام إلى الشّرك
قال اللهُ تعالى: {وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} الآية [البقرة: 217]، وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من بدّل دينه فاقتلوه»، وأجمعوا أنّه المرتدّ من الإسلام إلى الشّرك، فمن ارتدّ من الإسلام إلى الشّرك فحقّه البراءة والسّيف، لكن عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - رأى: استتابته ثلاثة أيام، فإن تاب وإلاّ قُتل -رأيًا من رأيه- ولا تُسبى له ذرّيّة، ولا يُغنم له مال، واتّفقوا عليه إذا مضت له ثلاثة أجيال بالقتل والسّباء والغنيمة إذا درجت بنو أبنائه على ذلك، وقيل في الثّالث من بني الأبناء بالقتل والسباء والغنيمة؛ فإذا ارتدّ الرجل عن الإسلام فقد حلّ قتله بعد الاِستتابة، وحرُمت عليه أزواجه، وانقطعت بينه وبين المسلمين الوَلاية والموارَثَة والمناكَحَة والمدافَنَة، وحبطت أعماله كلّها،
لقول الرّسول - عليه السلام -: «من أشرك بالله ساعة أحبط اللهُ عمله وإن تاب جدّد العمل»،
وقال تعالى: {لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، وكذلك إن كانت فيه خصلة من خصال الشّرك ثمّ اطُّلِع عليها، وقيل فيه غير ذلك، والله أعلم.
الفصل السّادس
في البراءة من الخارج من مذهب أهل الحقّ
إلى مذهب أهل الخلاف
فمن خرج من مذهب أهل الحقّ إلى مذهب أهل الخلاف فتولّى (1/73)
صفحة 74
أئمّتهم وتبرّأ من أئمّة المسلمين كان واجبًا على المسلمين بغضه وعداوته وخلع وَلايته حتّى يتوب ويرجع إلى المسلمين، فيتولّى وليّهم ويعادي عدوّهم، وإن خرج من مذهب المسلمين وخالفهم وطعن في مذهبهم وعابه منهم فقد حلّ قتله واغتياله بأيّ سبب وصلوا إلى إهلاكه وقتله، كما فعل الإمام الصالح جابر بن زيد -رحمه الله- حين سُئل عن أفضل الجهاد، فقال للسّائل: «أفضل الجهاد قتل خردلة»، فأخذ الغلام خنجرًا فسمّه فمضى مع رجل (1/74)
صفحة 75
من المسلمين إلى المسجد فنعت له خردلة فلم يرض حتّى وضع الرّجل يده على خردلة فانصرف، ودخل الغلام فضربه بين كتفيه فقتله، فأُخذ الغلام فقتله الوالي بعد ذلك والله أعلم، وكان خردلة هذا فيما وجدت من أهل هذه الدّعوة ثمّ خرج عنها وتركها فجعل يطعن على المسلمين ويدلّ على عوراتهم، بذلك استحلّ جابر -رحمه الله- قتله، وقد قال جلّ ثناؤه: {وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَيِمَّةَ الْكُفْرِ} الآية [التّوبة: 12].
الفصل السّابع
في البراءة من المخصوص باسمه المقصود إليه بشخصه
وهذا الفصل ينقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأوّل: في الأدلّة على وُجوب البراءة منه، والثّاني: في حكم براءته، والثّالث: في براءة المنصوص عليه باسمه. (1/75)
صفحة 76
القسم الأوّل في الأدلّة: اِعلم انّ الدّليل على براءة المخصوص أنّها فريضة اتّفاق العلّة في براءة الجملة، وهي المخالَفَة في الدّين، والإتيان فيه بما لم يأذن به ربّ العالمين، فكما اتّفقت العلّة في الأصل فكذلك يتّفق الحكم في الفرع، وقد ذكر اللهُ سبحانه في كتابه البراءة من الكفّار جملة وأفرادًا وتعميمًا وتخصيصًا، فقال في المنافقين: {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِن دُونِكُمْ} الآية [آل عمران: 118]، وقال: {لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ} [النّساء: 144]، وقال: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} الآية [الماعون: 4]، وقال في الأفراد: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1]،
وقال في المنافق المفرَد: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنَ ــ اتَانَا مِن فَضْلِهِ} إلى قوله: {وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التّوبة: 75، 76، 77]، فالعلّة التي استوجبت به النّارَ جملةُ الكفّار والمنافقين هي الكفر والنّفاق، وبها استوجبها الكافر المفرَد والمنافق المفرَد أيضًا.
ومن السّنّة ما روي أنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - قال في أبي سفيان بن حرب وابنيه عتبة ومعاوية: «لعن الله الرّاكب والقائد والسّائق»، في أمثالها كثير والله أعلم.
القسم الثّاني في حكم براءته: اِعلم أنّ البراءة من المخصوص واجبة عند مقارفته الفعل الذي يستحقّ به البراءة، فمن شاهد منه فعل كبيرة أو صغيرة مصرًّا عليها فعليه أن يتبرّأ منه وإلاّ كان مثله
فالبراءة يستحقّها الخارج من الدّين ولو بخصلة واحدة، لأنّه بذلك مستحقّ اسم ظالم وفاسق في الحقيقة إذا مات على ذلك مصرًّا، (1/76)
صفحة 77
خلافًا للمرجئة القائلين أنّ أهل الكبائر من أهل القبلة يرجى أمرهم إلى الله، أو يُرجى لهم الله، وقد قال تعالى خلافًا لقولهم: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه: 111] أي: مات مصرًّا عليه، فقليل الظّلم وكثيرهُ سواء في باب الإحباط والإسقاط إذا أصرّ عليه صاحبه، والله أعلم.
فمن أخّر براءة المخصوص بعد وُجوبهاأو برئ منه قبل الحدَث فهو هالك،
وبراءة المخصوص إذا ظهرت منه الكبائر طاعةٌ غير توحيدٍ، وتضييعها كفرٌ غير شِركٍ والله أعلم، ومن ضيّع وَلاية رجلٍ أو براءته حتّى مات فإنّه يتوب من تضييعه فيتولاّه أو يتبرّا منه، والله أعلم.
القسم الثّالث في حكم الوَلاية والبراءة من المنصوص عليه باسمه في القرآن أو في السنّة المتواترة: اِعلم أنّ المنصوص عليه في الخير إذا صدرت منه الأفعال التي يستحقّ عليها البراءة فإنّه [لا] يبرأ من المنصوص عليه في الخير، ويُعتقَدُ فيه أنّه لا يموت إلاّ بالتّوبة، والبراءة من المنصوص عليه في الشرّ توحيدٌ، ووَلايته شِركٌ، (1/77)
صفحة 78
كما أنّ وَلاية المنصوص عليه في الخير توحيدٌ، وبراءته شِركٌ؛
و [قد] قال عمّار بن ياسر -رحمه الله- يوم الجمل وقد اختلفت الأسِنّة في هودج عائشة -رضي الله عنها-: «واللهِ إنّا لنعلم أنّكِ زوج نبيئنا في الجنّة، ولكن لا ندع اللهُ يُعصى»، وما نزل فيها من الآيات دالّ على أنّها من أهل الجنّة، وإنّما لم تلحق بالمنصوصات حين لم يُذكر اسمها، قال الله تعالى: {إِنَّ الذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ} [النتّور: 23 - 26] الآيات كلّها؛ ويُروى أنّ أبا الدّرداء لمّا بلغه أنّ عثمان بن عفّان قد سيّر أبا ذرّ، قال: [أَوَ] قد فعلوها؟ اِرتقبهم واصطبر، والذي نفس أبي الدّرداء بيده لو أنّ أبا ذرّ قطع يميني ما بغضته بعد حديث سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء أصدق ذي لهجة من أبي ذرّ،
ومن سرّه أن ينظر إلى عيسى بن مريم في صدقه وبَرّه وزهده في الدّنيا ورغبته في الآخرة فلينظر إلى أبي ذرّ»؛ وقال فيما بلغنا لناس: «آخر موتاكم في النّار»، فكان آخرهم عثمان بن عفّان فيما ذُكر في آثار الأوائل، والله أعلم وبه الحول والتّوفيق. (1/78)
صفحة 79
الفصل الثّامن
في الجهات التي تصحّ بها البراءة
وهي أربع، إحداها: الإقرار من الفاعل أنّه فعل كبيرة من الذّنوب، أو نصب الخطأ دينًا كان به على الله شاهِدًا وفي شهادته عليه كاذبًا، أو قطع عذر مَن خالفه؛ الثّانية: المشاهدة للإنسان البالغ المكلَّف على كبيرة من الذّنوب،
أو صغيرة مصرًّا عليها؛ الثّالثة: شهادة عدلين ممّن تقوم بهم الحُجّة في الوَلاية والبراءة، وقد رُوي أنّ جابر بن زيد - رضي الله عنه - سمع رجلين من أصحابه يتحدّثان حتّى ذكرا رجلاً فلعناه، فقال جابر: لعن اللهُ من لعنتما، فقالا: كيف تلعن رجلاً لم يثتب عندك لعنه؟ فقال: وأيّ إثبات أثبت من اجتماعكما على لعنه! وروي أن ضماما -رحمه الله- كان مع (1/79)
صفحة 80
بعض المسلمين فذكر رجلاً فنقّصه، فقال ضمام: مه لا تفعل، فقال الرّجل: برئ اللهُ منه، فقال ضمام: برئ اللهُ منك، ثمّ إنّه تاب فاستغفر له ضمام -رحمه الله-؛ والرابعة: الشّهرة التي لا تُدفع، ومعنى ذلك أنّ مَن عرفه لا يعرفه إلاّ بالسّوء، ومَن جهله جهله، فالاِشتهار أعظم حُجّة؛
وحُكي عن أبي المؤثر أنّه قال: «إنّ المشهور في الخير يُتولّى بغير شُهود، وكذلك المشهور في الشرّ يُبرأ منه بغير شهود».
ومَن تبرّأ برجل واحد فقد ضلّ وهلك، ومَن عُرف بالصّلاح أو كان موقوفًا عنه فشهد عليه بالكفر عدلان من المسلمين فإنّه يُبرأ منه، والله أعلم.
الفصل التّاسع
في استتابة المتولَّى إذا قارف كبيرة
واستتابة المتولّى واجبة إذا قارف ذنبًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، ومَن لم يستتبه فهو مثله، ولكن استتابته من الذّنب الصّغير لا يكون بتضييعه كافرًا والله أعلم، وإذا عاين الرّجل من المتولّى كبيرة (1/80)
صفحة 81
موبقة، كالزّنا والسّرقة والرّبا والقتل وشرب الخمر، وما أشبه ذلك من الكبائر الموبقة،
فإنّه يَبرأُ منه ثمّ يستتيبه، فإن تاب رجع في الوَلاية، وإن أبى وأصرّ تُرك في البراءة؛ وقيل عن بعض مشايخ أهل المغرب من أصحابنا في المتولّى إذا قارف كبيرة أنّه يُستتاب قبل البراءة، فإن لم يتب بُرئ منه، إلاّ في فاحشة الزّنا فإنّه يُبرأ منه في حين الفعل ثمّ يُستتاب، فإن تاب رجع في الوَلاية، وإن أصرّ تُرك في البراءة؛ وأمّا من فعل كبيرة من أهل الجملة فإنّه يُبرأ منه، فإن تاب قبل أن يبرأ منه فلا يُبرأ منه بعد التّوبة، ولكن يُردّ إلى حاله من الوقوف، وقال من قال: يُبرأ منه، ولا تُقبل توبته، وعلى القول الأوّل إن سبقه إلى التّوبة قبل أن يبرأ منه فلا يبرأ منه بعد التّوبة، ولكن يُردّ إلى الوقوف والله أعلم؛ وإذا استُتيب المتولّى من فعل الكبيرة ثمّ رجع إليها إلى ثلاث مرّات، قال بعض: يُترك في البراءة،
وفي بعض الكتب: إن أقبل فأقبل عليه، وإن أدبر فأَدْبِر عنه، وهذا عندي أصحّ لأنّ التّوبة مبسوطة ما لم يتغرغر العبد، والتّائب من الذّنب كمن لا ذنب له، فكما نعتقد أنّ الله يقبل توبته كذلك يجب علينا استتابته والله أعلم، وقد روي عن أبي عبيدة (1/81)
صفحة 82
مسلم -رحمه الله- أنّه قال: «يُستتاب حتّى يكون الشّيطان هو الخاسر»، وحُكي ذلك عن علي بن أبي طالب؛ والمتولّى بوَلاية البيضة قيل إنّه لا يلزمنا استتابته إذا قارف كبيرة؛ وَمن فعل كبيرة فاستُتيب منها فتاب، ثمّ أنكر بعد ذلك فقال: لم أتب قطّ ممّا فعلت، متماديا مصرًّا فإنّه يُبرأ منه؛ ومَن أخذ من عالم واحد أنّ مَن فعل هذا الفعل يُبرأ منه فقَبِل ذلك، فإنّه يَبْرأُ من كلّ من رآه يفعل ذلك الفعل إذا كان عاقلاً، وإن لم يأخذ ذلك عن العالم فرأى من يفعله فسأل عن ذلك العالِمَ فأفتاه بالبراءة منه، فإنّه لا يَبْرأُ منه إلاّ بأمينين، فبذلك تقوم عليه الحُجّة وينقطع عذره، والله أعلم.
والمتولّى إذا فعل كبيرة فاستُتيب فقال: تُبت من جميع ذنوبي، هكذا من غير قصد إلى الذّنب الذي فعله، فقيل: لا يُجزئه حتّى يقصده فيما بيننا وبينه، وقيل فيه غير ذلك والله أعلم؛ والرّجل المتولّى إذا قال: بَرئ منّي فلان وفلان، وهما متولّيان فإنّه يُبرأ منه، وكذلك إن كان من أهل الجملة فإنّه يُبرأ منه،
وإن قال: قد بَرئ منّي فلان المتولّى، على غير ما استحقّ، فقد رماه بكبيرة، فلا مخرج للرّامي من البراءة؛ فمن قال في شيء من الأفعال: إنّ هذا الفعل كبيرة أو كفر، ثمّ فعله فهو إلى البراءة أقرب؛ وإذا قال: برئتُ من واحد من هذه الجماعة، وهم كلّهم من أهل وَلاية فهو هالك، وإن كان بعضهم أهل وُقوف فليس علينا منه شيء.
والمتولّيان إذا فعل أحدهما فعلاً لا يُدرى ما (1/82)
صفحة 83
هو فبَرئ منه الآخر على ذلك، وبَرئ منه الفاعل أيضًا، فليس على السّامع شيء حتّى يتبيّن له المحقّ من المبطل، وأمّا إن كان مع أحدهما متولّى آخر والمتولّيان حُجّة على السّامع، والله أعلم.
مسألة: وفي بعض آثار أصحابنا من أهل المشرق يقول فيه: «وقد أدركنا المسلمين يتبرّأون من النّاس على الأعمال المكفّرة لهم، ممّن كذّب الرّسل،
ومن أهل الأحداث من أهل القبلة بما شُهر معهم من قبيح آثارهم ومساوئ أعمالهم التي استحلّوا بها ما حرّم اللهُ ورسوله، وإن لم يشهدوا أحداثهم ولم يدركوا زمانهم ولم يشهد معهم بها مَن تقوم به الحُجّة عليهم، ولكن شهرة أعمالهم قامت به مقام المعاينة منهم لها؛ وأمّا مَن لم يشتهر معهم له اسم ولا عمل من أهل الإنكار ولا من أهل الأحداث من أهل القبلة ولم تقم عليهم بذلك الحُجّة، أو شهرت معهم أسماؤهم ولم يشهد أحد بأحداثهم كانت البراءة منهم موضوعة عنهم حتّى تقوم عليهم الحُجّة، فإذا قامت عليهم الحُجّة بمعرفة أسمائهم وأحداثهم لزمتهم البراءة منهم، ومن ذلك لو أنّ أحدًا لم يشتهر معه تكذيب قوم نوح - عليه السلام - ولا غيره من الرّسل كانت البراءة عنه موضوعة حتّى تقوم عليه الحُجّة كمّا قدّمنا؛ وكذلك لو لم يسمع بأحد من أهل الأحداث في الإقرار من أهل القبلة ممّن تقدّمه، مثل عثمان بن عفّان ومعاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب، أو سمع بهم ولم يسمع بأحداثهم الشّاهرة عنهم، أو غيرهم ممّن شهرت الأحداث المكفّرة منهم كانت البراءة منهم موضوعة عنه حتّى تشتهر معه أسماؤهم وأحداثهم، أو تقوم عليه الحُجّة بذلك، أو يشتهر معه ذلك، فإذا كان ذلك فقد وجبت عليه البراءة منهم»، والله أعلم. (1/83)
صفحة 84
الفصل العاشر
في حقيقة الوَلاية والبراءة، ووَلاية الله في العباد، وألفاظ الوَلاية والبراءة
وهذا الفصل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: (1/84)
صفحة 85
القسم الأوّل في حقيقة الوَلاية والبراءة: اِعلم أنّ حقيقة الوَلاية كما قدّمنا هي: الموافقة في الشّريعة،
لأنّ اللهَ تعالى أمر المؤمنين أن يكونوا على شريعة واحدة، فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]؛ والبراءة أيضًا حقيقتها: المفارقة للكفّار، وأكثر شروط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا لمن أسلم على يديه أن يُفارق المشركين، ويكون مع المؤمنين، هذا نفس الوَلاية والبراءة وسائر ذلك توابع والله أعلم،
فكلّ ما جاز في الوَلاية من المحبّة بالقلوب، والتّودّد بالجوارح، وسائر حقوق (1/85)
صفحة 86
أهلها من الإسعاف، والاِستغفار، والتّراحم، وحسن المعاشرة، والموافقة في الشّريعة، جاز في البراءة مثله من البغض بالقلوب، والشّتم باللّسان، والقطيعة، وترك الاِستغفار لأهلها، ومفارقتهم عليها، لأنّ ما جاز في شيء جاز في ضِدّه خلافه بإجماع من الأمّة فيما وجدت، لأنّ من انعرى من محبّة المسلمين ومودّتهم لن ينتهي دون بغضهم وهي البراءة، قال إبراهيم - عليه السلام -: {وَبدَا بَيْنَنَا وَبيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ اَبَدًا} الآية [الممتحنة:4]، والله أعلم.
القسم الثّاني في وَلاية الله في العباد: اِعلم انّ وَلاية الله في العباد: العلم بما يستوجبون من الثّواب، وكذلك عداوته: العلم بما يستوجبون من العقاب،
وفي "جوابات الإمام أفلح بن عبد الوهّاب" رضي الله عنهما يقول: «وذكرتَ ما ذكر اللهُ في القرآن مثل لقمان الحكيم، ورجل مؤمن من آل فرعون، وغيرهم ممّن ذكر الله - عز وجل - في القرآن: إن كانوا معصومين؟» فقال: «بلغنا أنّ أبا بكر الصدّيق - رضي الله عنه - قال: مدح اللهُ أهل الجنّة بمحاسنهم وسكت عن مساوئهم، وذمّ أهل النّار بمساوئهم وسكت عن محاسنهم»؛ وأحسب أنّه قد روي عن جابر بن زيد - رضي الله عنه - مثل ذلك، قال: «إنّ اللهَ تعالى عادى فلم يوالِ، ووالى فلم يعادِ»، وقد اتّفق أهل التّوحيد فيما بلَغَنا على أنّ الله تعالى موالٍ ومعادٍ لم يزل،
واتّفقوا على أنّ الله لم يزل عالمًا بما كان وما يكون أن لو كان كيف كان يكون، وأنّه لم يزل عالمًا بأسماء أهل الجنّة، وأسماء آبائهم وعشائرهم وقبائلهم، وليس عند أهل الصّلاة فيما وجدت اختلاف في هذا الأصل؛ (1/86)
صفحة 87
واختلفوا بعد ذلك، فزعم ابن الحسين والنكّاث فيما وجدت أنّ وَلاية اللهِ لأوليائه وعداوته لأعدائه تتقلّبان على تقلّب الأحوال في أعمالهم،
إن عملوا بالإيمان فالله وليّهم، وإن عملوا بالكفر فالله عدوّهم، على أيّ حال انقلبوا كانوا بتلك المنزلة، فقالوا: إنّهم يتحوّلون من علم اللهِ إلى علمه؛ وقال أصحابنا ومَن وافقهم على ذلك: إنّ وَلاية الله وعداوته لا تتقلّبان، وإنّ مَن علِم اللهُ أنّه يموت على الإيمان فهو من أهل وَلايته وسكّان جنّته، وإن كان يعمل بالشّرك في بعض الأحوال، وإنّ مَن علِم اللهُ أنّه يموت على الكفر فهو من أهل عداوته، وإن كان يعمل بالطّاعة في بعض الأحوال، واحتجّوا في (1/87)
صفحة 88
ذلك بأنّ علم اللهِ لا يتحوّل، وهو قول أبي عبيدة مسلم وغيره من أصحابنا، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافًا، وقد ذكرت احتجاج كلا الفريقين مستقصًى (1/88)
صفحة 89
في كتاب: "شرح قصيدة الشّيخ أبي نصر"، وبالله التّوفيق.
مسألة: ووَلاية العباد في الله: قبول أوامره بالاِمتثال، وزاجره بالاِنتهاء، والله أعلم.
القسم الثّالث في ما يجوز من الألفاظ في الوَلاية والبراءة وما لا يجوز: اِعلم أنّ من وجبت ولايته فقد وجب تعظيمه وتوقيره على مَن تولاّه، ويحبّ له مثل ما يحبّ لنفسه، ويدعو له بالمغفرة والرّحمة، وكذلك مَن وجبت عليه براءة رجل فقد وجب عليه بغضه وتهوينه وتحقيره، ولا يدعو له بدعاء الآخرة، ولا بكلّ ما يستحقّ به المغفرة.
ومَن قال للمسلم: يا عدوّ الله، أو يا كافر، أو يا ضالّ، أو يا فاسق، أو قاتلك الله، أو ذمّك اللهُ، أو لعنك اللهُ، أو أخزاك اللهُ، أو أضلّك اللهُ، أو أُفّ لك، أو سُحقًا لك، أو بُعدًا لك، أو قبّحك اللهُ، أو حشرك اللهُ على شبه اليهود، أو دين الكفر، وبالجملة أنّ الدّعاء بالشرّ كلّه في الآخرة براءة، كان المدعو عليه حيًّا أو ميِّتًا،
والدّعاء الحسن كلّه في الآخرة وَلاية، كان المدعو له حيًّا أو ميّتًا؛ وكلّ دعاء كان ضرًّا في الدّنيا لا يكون براءة ممّن دعا به على أحد، وكذلك كلّ خير في الدّنيا لا يكون وَلاية ممّن دعا به لأحد؛ وقال بعض العلماء: الدّعاء السّوء على المؤمن براءة، لأنّه لا يشتمه إلاّ وهو يبغضه؛ ومَن قال لمن رآى منه الوفاءَ بدين الله: يا مسلم، يا بارّ، يا تقيّ، يا محسن، يا مرحوم، يا مُثاب، إنّك من أصحاب الجنّة، فذلك وَلاية [ولا تُجزئه]، وإن قال: أطال اللهُ بقاءك وعمّرك، فلا يُجزئه، إلاّ أن قال: في (1/89)
صفحة 90
الجنّة، وإن قال: آجرك اللهُ فلا [يُجزئه] حتّى يقول: أجر المحسنين، وإن قال: وسّع اللهُ عليك قبرك، ونوّره لك، وبرّد ضريحك، وهوّن عليك سكرات الموت، أو غفر اللهُ ذنوبك، فذلك وَلاية وتُجزئه؛ وإن قال لمن تبرّأ منه: يا ضالّ، يا مشرك، إنّك من أصحاب النّار، فذلك براءة ولا تجزئه، وإن قال: ضيّق اللهُ عليك قبرك، فليس ببراءة،
وإن قال: أظلم اللهُ عليك قبرك فذلك براءة، وإن قال: أذلّك اللهُ، فلا يُجزئه، إلاّ إن قال: في الآخرة، وإن قال: نقش اللهُ عليك الحساب، فذلك براءة وتُجزئه، وإن قال لمن يتولاّه: يا مشؤوم، يا منجوس، ففيه اختلاف.
وفي بعض آثار أهل المشرق: المحبّة والترحّم والبركة للمسلمين، ولسائر المسلمين: عافاك اللهُ وأصلحك،
قوله وأصلحك: فيه أنّ الصّلاح ممّا يستحقّ به الجنّة، وسيأتي قريبا أنّه لا يُدعى لغير المتولّى بما يستحقّ به الجنّة، إلاّ إن اضطرّ إلى ذلك بالتقيّة، وعند التقيّة لا فرق بين التّرحّم ولا يُقال للمتبرّإِ: رحّب الله بك، وأمّا مرحبًا ففيه اختلاف، والأصحّ جوازه، ولا يُقال لغير المتولّى: أيّدك اللهُ، ولا قوّاك اللهُ، ولا سلّم الله عليك، ولا حيّاك اللهُ، ولا بارك اللهُ فيك.
وذُكر في كتاب "الجهالات" عن بعض المشايخ ما (1/90)
صفحة 91
يدلّ أنّه يرى الخروج من هذه العهدة بالمعاريض، وذلك أنّه إذا مرّ بقوم وضع يديه على ركبتيه ثمّ يقول: أعانكم الله، قوّاكم الله؛ وفي كتاب بعض مخالفينا ذكر عن بعض فقهائهم مثل ذلك، وذلك أنّه كان له جار نصراني، يقضي له حوائجه وينفعه، فكان الفقيه يُكثر أن يقول له: أبقاك الله، تولاّك الله، أقرّ اللهُ عينك، يسرّني والله ما يسرّك، جعل الله يومي قبل يومك، ولا يزيد على هذه الكلمات فيبتهج النّصراني بها وتسرّه، فعوتب الفقيه بذلك، فقال: إنّما أدعو بمعاريض وقد علم الله ذلك من نيّتي، أمّا قولي: أبقاك الله وتولاّك اللهُ، فإنّما أريد أن يُبقيه لغرم الجزية ويتولاّه بالعذاب، وأمّا قولي: أقرّ اللهُ عينكَ، فإنّما أريد أن تقرّ بشيء يعرض لها فلا تتحرّك جفونها، وأمّا قولي: يسرّني والله ما يسرّك، فإنّ العافية والله تسرّني كما تسرّه، وأمّا قولي: جعل اللهُ يومي قبل يومك، فأريد أن يجعل اليوم الذي أدخل فيه الجنّة برحمته قبل اليوم الذي يدخله النّار بكفره.
وفي "كتاب ابن جعفر": «ومَن كان في حدّ التقيّة جاز له أن يدعو (1/91)
صفحة 92
لمن لا يتولاّه بما يدعو به لأهل الوَلاية، ويعتقد المعنى لغيره، وكذلك قيل: إذا عزّى مَن لا يتولاّه في مصيبته جاز له أن يقول له: عظّم اللهُ أجرك وجبر مصيبتك، ويجعل المعنى لغيره»؛ وذُكر في بعض الآثار عن محمّد بن محبوب مثل هذا في الصّاحب والجار والرّحِم؛
ممّا يستحقّ به الجنّة، إلاّ إن اضطرّ إلى ذلك بالتقيّة كما قدّمنا، لأنّهم قالوا: «إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب»، والله أعلم، وهذا باب ينبغي لذي الدّين حفظه وإتقان مخارج المعاني فيه.
الجملة الثّالثة في الوقوف
وهذه الجملة تتفرّع منها ثلاثة فصول، أحدها: في الأدلّة على فرض الوقوف ووجوبه، والثّاني: في حكم الموقوف فيه من الأشخاص، والثّالث: في الأفعال الموقوف فيها.
الفصل الأوّل
في الأدلّة على فرض الوقوف (1/92)
صفحة 93
قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، فيه تأويلان، أحدهما: أن تقول: رأيتُ ولم تَرَ، وعلمتُ ولم تعلم، والثّاني: لا تتّبع ما لا يعنيك وما ليس لك به علم، وقال تعالى: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] أي: فتَثَبَّتُوا، وقال أيضا: {قُلِ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} إلى قوله: {وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32]، فلمّا نهاهم عن القول بغير علم ثبت بذلك أنّه أمرهم بالإمساك عنه، لأنّ النّهي عن الشّيء هو أمر بضدّه.
ومن الإجماع الذي لا مناكرة فيه أنّ النّاس مع كلّ مكلّف في خاصّة نفسه فريقان، أحدهما مجهول الحال، والآخر معلوم الحال، فمجهول الحال عند المكلَّف في وقوف الدّين اللاّزم في كلّ مُشار إليه بعينه لا محالة، بل الحكم النّقليّ يشهد بأنّ: "الأمور ثلاثة: أمر بَان لكم رشده فاتّبعوه، وأمر بان لكم غيّه فاجتنبوه، وأمر أشكل عليكم فكِلوه إلى الله"، وهذا الثّالث هو الفريق مجهول، وأمّا الفريق المعلوم الحال فصنفان، صنف عُلم منه الخير وهو الموافقة في الدّين بالقول والعمل، فهذا هو الوليّ المستحقّ للوَلاية، وصنف عُلم منه الشرّ وهو المخالفة في الدّين بالقول والعمل، فهذا هو المخلوع المستحقّ للبراءة والعداوة، ولهذا التّقسيم صار الوقوف وهو معنى واحد يضادد الوَلاية والبراءة، وهما معنيان متضادّان من حيث إنّ الوقوف عن جهل والوَلاية والبراءة عن علم بخير أو بشرّ، فثبت بما أوردناه من الاِحتجاج الأصليّ والنّقلي أنّ الوقوف فرض لازم، ومعناه الإمساك عن الإمضاء، فضدّ (1/93)
صفحة 94
الوقوف الإمضاء، كما أنّ ضدّ الإمضاء الوقوف، والله أعلم.
الفصل الثّاني
في حكم الموقوف عنه
اِعلم أنّ وقت وجوب فرض الوقوف عند معاينة شخص لا يُدرى منه كفر ولا إيمان، فالموقوف عنه من الأشخاص نوعان، أحدهما: كلّ شخص بالغ مكلَّف لا يُعرف منه كفر ولا إيمان، فالفرض فيه الوقوف عنه حتّى يُعلم حاله من خير أو شرّ فيستحقّ حينئذ الوَلاية أو البراءة، فمن أمضى فيه الوَلاية أو البراءة بغير عِلم فهو هالك،
والنّوع الثّاني: هم أطفال أهل الشّرك والنّفاق، فهم عند أصحابنا في حكم الوقوف حتّى يبلغوا الحلُم ويُشاهَد منهم الإيمان فيُتولّون، أو الكفر فيُتبرّأ منهم، وقد ذكرنا أحكامهم قبل هذا.
مسألة: اِختلف النّاس في المتولّيين إذا قتل بعضهما بعضًا، فلم يُدر المحقّ منهما من المبطل، وفي المتلاعنين اللذين لم يُعرف الظّالم منهما من المظلوم إذا كانا متوليّين، وفي كلّ مَن له أصل الوَلاية ثُمّ أحدث فعلاً ولا يُدرى ما هو، فقال من قال بالوقوف فيهما جميعًا، لئلاّ تتولّى كافرًا أو تتبرّأ من مسلم، فالوقوف فيهما جميعًا أسلم، وأحسب أنّه قول النّاكثة وابن الحسين، وقال من قال بالوَلاية لهما على الأصل الأوّل، قالوا لأنّ اللهَ تعالى فرض الوَلاية علينا لمن أظهر لنا الوفاء بدينه، والبراءة ممّن أظهر لنا خلافه، فنزلت هذه البليّة فلا مخرج لنا منها إلاّ الثّبوت على الأصل الأوّل إذا كان ثابتًا (1/94)
صفحة 95
بالعلم، لأنّه لو زال لثبت ضدّه من البراءة، فأمضينا الوَلاية فيهما والله تعالى يحكم فيهما بعلمه، وأظنّه قول أصحابنا وهو أقيس، لأنّ اليقين لا يزيله إلاّ اليقين، والرّجوع عن العلم لا يسع عند الجميع،
وقد ذكرنا هذه المسألة والاِحتجاج فيها لكلا الفريقين في "شرح قصيدة أبي نصر"، والله أعلم.
الفصل الثّالث
في أحكام الوقوف في الأفعال الإنسانية
اِعلم أنّ الأفعال التي يكون حكمها الوقوف هي الأفعال التي تصدر من أهل الوَلاية، ولا يُدرى ما هي كبائر أو صغائر، فالحكم في كلّ فعل يصدر ممّن له أصل الوَلاية أن يوقَف عن الفعل حتّى يُدرى ما هو، ويكون الوليّ الفاعل له على أصل وَلايته المتقدّمة، فإذا تبيّن له الفعل ما هو حَكَم على الفاعل بما يقتضيه فعله من كبيرة أو صغيرة،
فإن كان الفعل كبيرة موبقة بشهادة عدلين يشهدان أنّ هذا الفعل كبيرة، يُتبرّأ من فاعله ثمّ يُستتاب، وإن كان صغيرة اُستُتيب قبل البراءة، فإن تاب قُبل منه، وإن أصرّ بُرئ منه، وبالله التّوفيق.
مثال ذلك أن يرى الإنسان متولّى له على معصية شبه الزّنا، ولا يدري ما قول المسلمين فيه، فيأتي إليهم فيقول: ما تقولون في رجل ممّن تتولّونه رأيتموه يزني، ما هو عندكم؟ ولا يقول: رأيت فلانًا يزني، لأنّه إن قال ذلك برئوا منه، لأنّه رمى متولًّى لهم بكبيرة، فإذا سألهم كما وصفنا، فإذا أخبروه أنّه يُبرأ منه بَرئ منه،
ويكون إنّما يقف حتّى يسأل، ويكون من برئ منه عنده مسلمًا إذا كان أوّل من يلقى فيسأله عنه، فيقول له: هو كافر، (1/95)
صفحة 96
وليس له أن يَبْرَأ من الذي قال: هو كافر، ولكن يتولاّه ويقول: أنا سائل، فإذا قامت عليه الحُجّة بَرئ منه، وهكذا يحترز في سؤاله عن هذه المعصية وما يشبهها، وبالله التّوفيق.
مسألة: وعن ثلاثة نفر رأوا رجلاً من أهل وَلايتهم قارف ذنبًا ممّا يسع جهله، وهو كبير في الوصف ولا يدرون ما يبلغه ذلك، فتوقّف فيه أحدهم وتولاّه الآخر وتبرّأ منه آخر أيضًا على ذلك الفعل، الجواب فيه: أنّ الذي تولاّه على فعل الكبيرة والذي وقف فيه وأخرجه من الوَلاية ضالاّن، وأمّا الذي تبرّأ منه فقيل إنّه أخطأ خطأً لا يهلك به، وقيل إنّه يهلك بتقدّمه في البراءة منه برأيه والله أعلم،
والذي ينبغي في هذا وفي كلّ فعل لا يُدرى ما هو إذا كان مَن فعله من أهل الوَلاية أن يكون على أصل وَلايته حتّى يتبيّن فعله ذلك، وما يبلغ به فاعله كما ذكرنا قبل هذا، والله أعلم.
مسألة: ومَن وقف في النّاس كلّهم، أو تبرّأ منهم كلّهم، أو تولاّهم كلّهم، فهو مشرك، لأنّ من وقف فيهم كلّهم فقد وقف في الأنبياء والرّسل، وكذلك الوَلاية والبراءة على هذا الحال، والسّامع يُعذر في الوَلاية فيما وجدت في الأثر، وأمّا الوقوف والبراءة فعليه أن يبرأ منه، والله أعلم.
ومَن تبرّأ من الجنس المعلَّق بالصّفة كالعمى أو البكَم، أو المعلَّق إلى الصّنعة كالحياكة والنّجارة، فتبرّأ من الحيّاكين أو النجّارين أو ما أشبه ذلك فقد كفر، لأنّه كمن تبرّأ منهم على صنعتهم، وإن قال: تبرّأت من بني آدم، أو المسلمين إلاّ إن لم يحلّ لي، فذلك من أخلاق السّوء، وقيل يُبرأ منه، وإن قال: تبرّأت من الأنبياء والرّسل إ لاّ إن لم يحلّ لي، فقد أشرك، لأنّ علينا وَلايتهم جملة. ومن تبرّأ من الأطفال، أو البهائم، فقد كفر، وكذلك جميع من لا تجري بيننا وبينه وَلاية ولا براءة من جميع الأشياء، والله أعلم. (1/96)
صفحة 97
والرّجل الصّالح إذا مات على الوفاء فشهد عليه أمينان بالكفر، فقيل يُبرأ منه، وقيل مَن مات على الوفاء لا تُقبل فيه شهادة الشّهود، وفي "جوابات الإمام أفلح - رضي الله عنه - ": أنّه لا يُبرأ من المسلم وإن شهد الشّهود على براءته حتّى يكون حاضرًا يدفع عن نفسه، والله أعلم.
فصل
مسألة: من حكى عن متولًّى كبيرة فإنّه يُبرأ من الحاكي، كذلك أهل الجملة إذا حكوا عن متولّى كبيرة أو برئوا منه، فإنّه يُبرأ منهم جميعًا، وإن حكى متولًّى عن رجل من أهل الجملة كبيرة أو تبرّأ منه، فليس علينا منه شيء إلاّ إن حكى الشّرك أو الزّنا، وإن حكى متولًّى عن متولًّى كبيرة فإنّه يُبرأ من الأوّل؛ ومن قال لرجل متولًّى: يا كافر، فقال له: أنت الكافر، فإنّه يُبرأ من الأوّل إذا كانا من أهل الوَلاية،
لقول الرّسول - عليه السلام -: «إذا قال الرّجل لصاحبه: يا كافر فقد باء بالكفر أحدهما، والبادئ أظلم»،
وأمّا إن قال له: يا زاني، فقال له: أنت الزّاني، فإنّه يُبرأ منهما جميعًا، وسواء في هذا كانا متولّيين أو غير متولّيين، أو أحدهما متولّى والآخر من أهل الجملة؛ وعن رجلين متولّيين قال أحدهما لصاحبه: أحدنا كافر إمّا أنت وإمّا أنا، فإنّه يبرأ منه بذلك القول، سواء في هذا المعنى كانا اثنين أو جماعة، إذا قال: واحد من هذه الجماعة كافر أو أنا، أو قال: واحد منهم كافر، إذا كانوا كلّهم أهل وَلاية فإنّه يُبرأ منه على هذا القول متولّى كان أو غير متولّى، وإن قال هذا لغير أهل الوَلاية فليس علينا منه شيء.
وأمّا في باب الدّعاوي وما يقع من الخصم إلى صاحبه في تلك الحالة فلا يبرأ منه، مثال ذلك إذا ادّعى رجل على رجل عند الحاكم أنّه قتل وليّه بالتّعدية، أو جرحه، أو ظلمه، أو أكل (1/97)
صفحة 98
ماله، أو أفسده، أو بغى عليه، فإنّه لا يُبرأ من المدّعى عليه بهذا،
سواء كان متولّى أو غير متولّى، وكذلك الشّهود إذا كانوا من غير أهل الوَلاية، وأمّا أهل الوَلاية فإنّه يُبرأ منه إذا كان الذي شهدوا عليه ممّا يستحقّ به المشهود عليه البراءة، وكذلك المشهود عليه إذا شهدوا عليه بالزّور فإنّه يُبرأ منهم، وكذلك المدّعى عليه بما ليس عليه يُبرأ من المدّعي، ولا يُبرأ من المشهود عليه إذا قال للشّهود: شهدتم عليّ بالزّور، أو قال للمدّعي: ادّعيت عليّ بما ليس لك عليّ، أو قال للحاكم: حكمت عليّ بالجور، فليس علينا أيضًا منه براءة، وأمّا الشّهود والحاكم فإنّهم يبرأون منه إذا لم يكونوا كما زعم، وأمّا إذا قال للشّهود: أنتم شهود الزّور، أو قال للحاكم: أنت حاكم الجور، فإنّه يُبرأ منه.
ومن قال: النّاس كلّهم عندي في الوَلاية إلاّ مَن ظهر منه ما يُبرأ به، فإنّه يُبرأ ممّن قال ذلك؛ ومَن رأى من رجل كبيرة فتبرّأ منه، ثمّ رآه فعل كبيرة أخرى، فليس عليه إعادة البراءة، سواء كانت الكبيرة شركًا أو نفاقًا؛ ومن تولّى رجلاً من أهل الكبائر على خصلة واحدة من الطّاعة فقد كفر، والله أعلم وأحكم، وبه الحول والتّوفيق.
الباب الثّالث من الرّكن الأوّل في الملل الستّ وأحكامها
اِعلم أنّ هذا الباب يشتمل على ثلاث جُمَل من الأحكام، إحداها: في أحكام (1/98)
صفحة 99
مِلّة الإسلام، والثّانية: في أحكام مِلَل أهل الشّرك والأصنام، والثّالثة: في القواعد والأركان التي يُبنى عليها الدّين والإسلام.
الجملة الأولى في أحكام مِلّة الإسلام
وهذه الجملة تحتوي على مقدّمة تجمع القول في الملل الستّ، وعلى فصلين مختصّين في أحكام الملّة الإسلاميّة، أمّا المقدّمة: فهو أنّ الله تعالى خلق الخلق للعبادة وسبقت كلمته في أهل الشّقاوة منهم والسّعادة؛
ثمّ أظهر محنته على إبليس والملائكة في أمره لهم بالسّجود لآدم المختصّ بالكرامة،
فسجدت الملائكة إذعانا بالطّاعة، وأبى إبليس من السّجود استكبارًا وأنَفَة، وأظهر الإصرار ركونًا إلى المعصيّة، فصارت الطّاعة من الملائكة أصلاً للمطيعين إلى يوم الدّين، وصارت المعصية من إبليس اللّعين أصلاً للعاصين من الجنّ والإنس أجمعين؛ ثمّ إنّ الله سبحانه اِمتحن آدم لنهيه إيّاه عن أكل الشّجرة، فعصاه إذ أطاع زوجته وهواه، حين دلاّهما إبليس بالوسوسة والغرور، فأهبط الجميع من الجنّة دار السّرور إلى مستقرّ الأرض ومظان الثّبور،
بعد أن جعلهم أعداء متفرّقين، وأحزابًا متباغضين، فشرع اللهُ له الإسلام دينًا ارتضاه للعباد إلى يوم التّناد، بعد أن تاب عليه وهداه إلى سبيل الرّشاد، فبعث رسله دُعاة إلى دينه جميع الخلق، وبثّ إبليس جنوده سعيًا وعنادًا في مخالفة الحقّ بعد أن شرع لهم خمسة أديان تحتوي على الكفر والعصيان، فأنزل اللهُ ذلك في كتابه فقال: {إِنَّ (1/99)
صفحة 100
الذِينَ ءَامَنُوا} وهم أهل التّوحيد من أهل مِلّة الإسلام، {وَالذِينَ هَادُوا} يعني: اليهود من أهل مِلّة موسى - عليه السلام -، {وَالصَّابِينَ} وهم قوم يعبدون الملائكة، ويقرأون الزّبور، ويُصلّون إلى القبلة، وقيل عن ابن عبّاس: إنّهم قوم بين اليهود والنّصارى، اختاروا مطائب التّوراة ومطائب الإنجيل فقالوا أصبنا دينًا، وقيل: هم قوم بين اليهود والمجوس، لأنّ دين المجوس القول بالتّثنيّة، وهو قولهم: هرمز خالق للخير والأشياء الجميلة، والشّيطان خالق للشرّ والأشياء القبيحة،
والصّابئون أيضًا يقولون فيما بلغنا بالتّثنية: نور وظلام، والقول عند أصحابنا أنّهم قوم يقرأون الزّبور كما قدّمنا، {وَالنَّصَارَى} وهم أهل مِلّة عيسى - عليه السلام -، {وَالْمَجُوسَ} وهم عَبَدة النّيران والشّمس والقمر والنّجوم، وينكحون ذوات المحارم، ويأكلون الميتات من البهائم، {وَالذِينَ أَشْرَكُوا} وهم عَبَدة الأصنام من أهل اللاّت والعُزّى ومناة الثّالثة الأخرى، {إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الآية [الحجّ: 17]، فجميع افتراق أهل الشّرك والمذاهب المحمّدية أصلها من أهل الملل الستّ المذكورة، وتنحصر أفعالها إلى ثلاثة أشياء: إيمان، ونفاق، وشرك، كما أنّ أسماء فاعليها ثلاثة أسماء،
ففاعل الإيمان يُسمّى مؤمنًا بثلاثة أركان: نطق باللّسان، واعتقاد بالجَنان، وعمل بالأركان، وفاعل النفاق يُسمّى منافقًا، مقرًّا باللسان والجَنان، مضيّعًا للأركان، متّصفًا بالنّفاق بتضييع فريضة أو انتهاك حرمة موبقة، وفاعل الشّرك يُسمّى مشركًا بالجحود والإنكار؛ والأصل في هذا قول اللهِ جلّ ذكره: {إِنَّا عَرَضْنَا الاَمَانَةَ} الآية، ثمّ أخبر عن أحوال النّاس فيها فقال: {لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالئمُنَافِقَاتِ} أهل التّضييع والخيانة في الإقرار، {وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} أهل الجحود والإنكار، {وَ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} [الأحزاب: 72] أهل الصّدق (1/100)
صفحة 101
والوفاء بالقول والعمل، وبالله التّوفيق.
مسألة: قال أصحابنا: معرفة الملل وأحكامها واجبة على كلّ مكلَّف في أوّل حال بلوغه، وشدّدوا فيمن جهلها أن يبلغه ذلك إلى الشّرك، ومن العلماء مَن يقول: علينا معرفة المجوس أنّهم مشركون، ومَن لم يعلم ذلك أشرك، واختُلف في اليهود والنّصارى، فقيل: علينا أن نعلم أنّهم كافرون، ومَن لم يعلم ذلك أشرك، وقيل: يعلم أنّهم مشركون، ومَن لم يعلم ذلك كفر، والله أعلم وأحكم.
الفصل الأوّل
في حكم مِلّة الإسلام
وهي قسمان، أحدهما: في حكم مذهب أهل الوفاق، والثّاني: في حكم أهل الخلاف،
أمّا حكم أهل الوفاق فنوعان، أهل وَلاية وأهل براءة؛ أمّا أهل الوَلاية: فالحكم فيهم إجراء جميع حقوق المسلمين عليهم من المودّة، والاِستغفار، والنّصيحة، والتّعاون على البرّ والتّقوى وصرف الأذى عنهم، وتحريم بغضهم واغتيابهم، وغير ذلك من جميع ما لا يجوز عليهم ظاهرًا أو باطنًا؛ وأمّا أهل البراءة: فالحكم فيهم إذا صحّت براءتهم بمعاينة أو إقرار أو بيّنة أو اشتهار إجراء الحدود عليهم من الزّنا والقذف من الجلد والرّجم،
وقطع الأيدي من السّرقة، مع إبطال شهادتهم،
وتجريح عدالتهم، وتحليل مناكحتهم وموارثتهم، وإجراء حقوق الموتى عليهم، وأخذ الزّكاة من أغنيائهم ووضعها في فقرائهم، والحجّ معهم، وإشهادهم على النّكاح، والتّسويّة بيننا وبينهم في القِوَد والقصاص والدّية، فإن صدر البغي والفساد منهم (1/101)
صفحة 102
دُعوا إلى ترك ذلك وإعطاء الحقّ والإنصاف، فإن أجابوا إلى الحقّ أُقيمت عليهم الحدود، مع غرم المتلَفات وردّ التّباعات، وفي الأنفس القِوَدُ والدّياتُ، بخلاف المحاربين وقُطّاع الطّرق التّائبين قبل القُدرة عليهم، وإن أبَوا من الرّجوع إلى أمر الله والكفّ عن الفساد بعد الإنذار والإعذار قوتلوا حتّى يفيئوا إلى أمر الله، ولا يُغنمُ لهم مالٌ ولا يُسبى لهم أهل ولا عيال، وإن انهزموا لم يُتبع مُدبرهم، ولم يُجهز على جريحهم،
ولا يحلّ الفرار في حال حربهم إلاّ متحرِّفًا لقتال، أو متحيِّزًا إلى فئة [ومآل]، وبالله التّوفيق.
وأمّا الحكم في أهل خلاف المسلمين: فإنّهم يُدعَوْن إلى ترك ما به ضلّوا من اعتقاد البدَع، والبراءةِ من الأئمّة الذين ابتدعوها لهم، والدّخول في ديننا،
ووَلايةِ أئمّتنا ومَن تولّوه، والبراءةِ ممّن تبرّأوا منه، فإن فعلوا ذلك فهم إخواننا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإن امتنعوا من ذلك وسفّهوا مقالتنا دعوناهم إلى دفع واجب الحقوق إلينا، والاِستسلام لأحكامنا، وإقامة الحدود عليهم كما نُقيمها على أهل مذهبنا، فإن أذعنوا لذلك تركناهم وما هم عليه من غير إكراه على شيء من الدّين، مع تحليل جميع ما يحلّ من أهل مذهبنا منهم، من المناكحة والذّبائح والموارثة والمدافنة وغير ذلك من حقوقهم، وإجازة شهادة العُدول منهم في الأحكام خصوصًا، دون الوَلاية والبراءة والحدود، وما فيه تكفير للمسلمين، و [قد] قيل في "كتاب أبي المؤثر": «إذا قهرونا جازت شهادتهم، وإن قهرناهم لم تجز شهادتهم»؛ ويجب لهم من الحقوق ما يجب لنا، ويجب عليهم ما يجب علينا، إلاّ الوَلاية والاِستغفار فليس لهم فيهما حقّ ما داموا متمسّكين بضلالتهم،
كما قال أبو سفيان محبوب بن الرّحيل (1/102)
صفحة 103
-رحمه الله-: «ليس بيننا وبين قومنا إلاّ منزلتان: البراءة منهم عند المعصية، والخلع لهم على خلافهم وما ركبوا من المعاصي، واستحلال دمائهم عند المباينة بعد دعائهم إلى الحقّوالعمل به، وما سوى ذلك من الأمور التي أجرى اللهُ بين المؤمنين، من المناكحة والموارَثة، وأكل الذّبيحة، والقصاص، وقبول الشّهادة إذا لم يُتّهموا، والصّلاة عليهم، فهذه الأمور جائزة بيننا وبين قومنا بدين».
وكذلك عن أبي أيوب عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة -رحمه الله- أنّه قال لمثنّى بن معروف أخي شعيب بن معروف الشّعبي: ما تقول في محمّد بن سيرين والحسن في التّزويج والطّلاق، (1/103)
صفحة 104
أكنت تجمع وتفرّق بشهادتهما؟ قال: نعم، قال أبوعبيدة: نعم هو ذلك.
ويُمنعون من إظهار جميع المناكر، وإحداث أمر لم يكن قبل ذلك؛ وإن امتنعوا من طاعة الإمام العادل وإجرائه واجبَ الحقوق عليهم قاتلهم إمام المسلمين حتّى يذعنوا بعد الدّعوة والإعذار، وإن انهزموا فلا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم، إلاّ إن كانت لهم فئة يرجعون إليها،
ولا يحلّ منهم سبي عيال، ولا غنيمة مال، ولا يحلّ منهم غير قتالهم والبراءة منهم، وبالله التّوفيق.
مسألة: وتحلّ الدّماء بالظّلم والاِبتداء به، كما قال - عز وجل -: {أُذِنَ للِذيِنَ يُقَاتَلُونَ بِأَ نَّهُمْ ظُلِمُوا} الآية [الحجّ: 39]؛ وتحلّ بإظهار النّفاق والإرجاف في النّاس، كما قال اللهُ سبحانه وتعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ} إلى قوله: {وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 60، 61]؛ وتحلّ بالطّعن في الدّين، كما قال اللهُ تعالى: {وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَيِمَّةَ الْكُفْرِ} الآية [التّوبة: 12]؛
وتحلّ بقتل النّفس بغير حقّ، كما قال اللهُ تعالى: {فَمَن (1/104)
صفحة 105
قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: 33]؛ وتحلّ بالسّعي في الأرض فسادًا، كما قال اللهُ تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} الآية [المائدة: 33]؛ واجتمعت الأمّةُ فيما وجدت على تحليل الدّماء بتبديل الأحكام، وروي عن الإمام عبد الوهّاب - رضي الله عنه - قال: «سبعون وجهًا تحلّ بها الدّماء، فأخبرت منها لأبي مرداس بوجيهن فقال: مِن أين هذا؟ من أين هذا؟»، وفي كتاب "سير المشايخ" أنّ الإمام كان يقول: «إنّ عندي أربعة وعشرين وجهًا تحلّ بها دماء أهل القبلة، ولم يكن منها عند أبي مرداس -رحمه الله- إلاّ أربعة [أوجه]، وقد شدّد عليّ فيها»، والله أعلم وأحكم.
الجلمة الثّانية في أحكام مِلل أهل الشّرك والأصنام
وهذه الجلة تحتوي على ثلاثة أقسام، (1/105)
صفحة 106
القسم الأوّل: في أحكام الملل الثّلاث، وهم اليهود والنّصارى والصّابئون، والقسم الثّاني: في أحكام المجوس، والقسم الثّالث: في أحكام عَبَدَة الأصنام.
اِعلم أنّ اليهود والنّصارى والصّابئين هم أهل كتاب، وأحكامهم واحدة، وذلك أنّهم يُدعَوْن أوّلا إلى الدّخول في الإسلام،
واختُلِفَ في كيفيّة دعوتهم، فقيل يدعو الإمامُ من أهل القرى الأمراءَ، وأمّا أهل البادية فإنّه يدعوهم واحدًا واحدًا، وقيل يدعو المنظور إليه منهم والرّؤساء كأهل القرى، وإن لم يعلم لغتهم فإنّه يُترجم له بأمينين، وقيل بواحد، فإن قبلوا دعوته ودخلوا الإسلام فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وإن أبوا من الإسلام دُعوا إلى إعطاء الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فإن أعطوها قُبلت منهم وتُركوا على ما هم عليه، وتحلّ منهم تلك الجزية، وأكل ذبائحهم،
ونكاح الحرائر المحصَنات منهم دون الإماء والمسافحات، وقد اتّفق النّاس على هذا، إلاّ ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنّه نهى عنه، حين تزوّج حذيفة -رحمه الله- (1/106)
صفحة 107
كتابية فنهاه عمر، فقال حذيفة: أتشهد أنّها حرام؟ قال: إنّي إذًا لظنين الشّهادة،
وذلك منه نهي تأديب، أراد أن يتنزّه المسلمون عن الكتابيات حين كثرت المسلمات؛ فإن امتنعو من الجزية مع الاِمتناع من الدّخول في الإسلام ناصبهم الإمام الحربَ، فاستحلّ بذلك سبيَهم، وغنيمة أموالهم، وسفك دمائهم، وحرُم أكل ذبائحهم ونكاح الحرائر من نسائهم،
فإن خضعوا للإمام قبل القتال فكلّ ما صالحهم عليه فليؤدّوه إليه، ولا يجاوز إليهم غير ذلك.
وقال بعض العلماء: إذا أذعن أهل الكتاب للجزية فلا يتزوّج المسلم منهم المرأة حتّى يشترط عليها خمسة شروط: أن لا تشرب الخمر، ولا تأكل لحم الخنزير، ولا تعلّق الصّليب، وأن تغتسل من الجنابة، وتحلق العانة.
القسم الثّاني
في المجوس
وأحكامهم أيضًا كأحكام أهل الكتاب حذو النّعل بالنّعل، إلاّ في الذّبائح ونكاح الحرائر منهم فهما على التّحريم ولو مع إعطاء الجزية، والأصل في هذا حديث النّبيء - عليه السلام - من طريق عبد الرّحمن بن عوف -رحمه الله-
أنّه - عليه السلام - قال: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب»، فإن أبوا من الإسلام والجزية قوتِلوا، وسُبوا، وغُنموا، إلاّ ما أدّوا عليه الجِزية في حال مصالحتهم فلا يُغنمُ ولا يُسبى، وكذلك أهل الكتاب على هذا الحال، والله أعلم. (1/107)
صفحة 108
القسم الثّالث
في أحكام عَبَدَة الأوثان من أهل اللاّت والعُزّى ومناة الثّالثة الأخرى
فأمّا الحكم في أهل الأوثان فإنّهم يُدعون إلى الإسلام فإن أبوا قوتِلوا وسُبوا وغُنموا، ولا يُقبل منهم صلح ولا جِزية بعد قول الله تعالى: {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ} الآية [التّوبة: 5]، وأمّا أهل مكّة من المشركين فلا يُسبوْا لحرمة النّبيء - عليه السلام -، وقيل: جميع العرب، -والله أعلم-، وقال النّبيء - عليه السلام - في المشركين: «لا تتراءى نارهما إلاّ عن حرب»، والله أعلم.
مسألة: واختلفوا في مِقدار الجزية، فقيل ذلك إلى ما يرى الإمام، وقيل عشرة دراهم على اليهود، واثنا عشر [درهمًا] [في كلّ سنة] على النّصارى، وقيل خمسة عشر [دراهم]، وقيل على الدّهقان أربعة دراهم، والأوسط درهمان، والدّون درهم، هذا في كلّ شهر، وبهذا كتب عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - إلى عثمان بن حنيف بالكوفة، فوضع على الغنيّ ثمانية وأربعين درهمًا، وعلى مَن دونه (1/108)
صفحة 109
أربعة وعشرين درهمًا، وعلى مَن دون ذلك اِثني عشر درهمًا، وذلك بمحضر من الصّحابة ولم يخالف أحد،
وكان الصّرف اثني عشر درهمًا بدينار، وقيل على النّصارى الجزية وضيافة ثلاثة أيام، وعلى اليهود الجزية والمبيت، وليس على النّساء والعبيد والأطفال والشّيوخ والمجانين جزية.
واُختُلف في الرّهبان، وأمّا المفلس فقيل فيُدعى إلى الجزية ويعطيها لأنّ الغِنَى في لسانه، يوحّد ويخلّى سبيله،
وإلاّ حُبس في الشّمس بعد أن يُطلى جسده بالعسل، وقيل: يُطلى وجهه باللّبن فلا يزال كذلك حتّى يؤدّيها، وقيل: ليس عليه شيء.
وإذا أخذ الجزيةَ الإمامُ فإنّه يعطي منها لفقرائهم، ولا يترك (1/109)
صفحة 110
الظّلم يصل إليهم، وإن لم يقدر على صرف الظّلم عنهم فلا يأخذ منهم الجزية، وكذلك في حال الكتمان لا تؤخذ منهم، ولا يُعاملُ فيها مَن أخذها إلاّ مَن قادته ديانته إلى ذلك.
ولا يتركهم الإمام أن يظهروا شيئًا من أمورهم، مثل الخمر، وإمساك السّلاح، وبنيان الكنائس، وإجماع الصّلاة، (1/110)
صفحة 111
وضرب النّاقوس، وبيع الرّبا؛ وقد أمر عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - أن تُهدم كلّ كنيسة لم تكن قبل الإسلام، وقيل إنّ هذا إجماع من النّاس، وكان عروة بن محمّد بن عروة يهدمها بصنعاء؛ وشدّد عمر بن عبد العزيز وأمر أن لا تُترك في الإسلام بيعة ولا كنيسة بحال، قديمة ولا حديثة، وهو مذهب الحسن البصري.
ويعلم الإمامُ أهلَ الذمّة بالزنّار في أطراف أرديتهم، والنّصارى يمسكون في أيديهم العصيّ الصّغار، وقيل يُميّزُ أهل الذمّة بالزّنانير في أوساطهم،
قوله بالزُّنّار: هو بالضمّ، لكن يُنظر ما معنى الزّنّار؟ قال في "القاموس": «زنره: ملأه، والرّجل ألبسه الزُّنّار، وهو ما على وسط النّصارى والمجوس كالزّنّارة» إلى أن قال: «والزّنانير: الحصى الصّغارالخ».
ويكون في رِقابهم خواتم من رصاص أو نحاس، أو جرس، وليس لهم أن يلبسوا العمائم ولا الطّيلسان، وأمّا المرأة فتشدّ الزُّنّار تحت الإزار، وقيل فوقه، ويكون في عنقها خاتم يدخل معها الحمّام، ويكون أحد خُفّيها أسود والآخر أبيض؛ ولا يركبون الخيلَ، ويركبون البغال والحمير بالأكفّ عُرضًا، ولا يركبون السّروج ولا يُصدَّرون في المجالس، ولا يُبدؤون بالسّلام، ويُلجؤون إلى ضيق الطّريق، ولا يَعْلُونَ على المسلمين في البنيان، ولا يُستعمَلون على الأمور.
وقد روي أنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى عمّاله: أن لا تُولّوا على أعمالنا إلاّ أهل القرآن، فكتبوا إليه: أنّا وجدناهم خوَنَة، فكتب إليهم: إن لم يكن في أهل القرآن خير فأجدر أن لا يكون في غيرهم خير.
ومتى نقض الذّمّيّ العهدَ بمخالفة لأيّ من الشّروط المأخوذة عليه لم يُردّ إلى مأمنه، والإمام فيه مخيَّرٌ بين القتل، والاِسترقاق في قول بعض العلماء.
ولا يُصحَب الذّمّيّ إلاّ بالجُعل وإن قلّ، ولا يؤاكل، ولا يُشارب، ولا يُجالسُ، ولا يُحدَّثُ، لئلاّ تحل اللّعنة به فتشمل جليسه، والله أعلم.
ولا يُسلَّم عليه ولا يُصافحُ، فإن سلّم الذّمّيّ على أحد فليردّ عليه: وعليك ما قلت،
وإن دخل المسجد أو استقبل القبلةَ فلا يُتركُ بعد ذلك حتّى يرجع إلى الإسلام.
وفي البَلَل من أهل الكتاب اختلاف بين العلماء، والأحوط أن (1/111)
صفحة 112
يحذر منهم جميع البَلَل، وأمّا المجوس وعَبَدَة الأوثان فإنّ البلل منهم نجس باتّفاق الجمهور الأعظم من أهل العِلم، ومسائلهم أكثر من أن نأتي عليها، والله أعلم وأحكم.
الجملة الثّالثة في القواعد والأركان التي يُبنى عليها الإسلام
اِعلم أنّ اللهَ سبحانه شرع للعباد دينه، وجعل له قواعد يُبنى عليها، ولا تصحّ العبادة للمكلَّف إلاّ بإحكامها، وهنّ الأربعة التي هي أصل التّقوى، ومنها تفرّعت أركان الدّين الأقوى.
فالقواعد الأربعة أحدها: العلم المؤدّي إلى بيان حدّ المأمور بامثاله؛
والثّاني: العمل الذي يؤدّي إلى الحدّ الذي يَرْضَى الآمرُ به في امتثال أوامره؛ والثّالث: النيّة التي هي أُسّ العمل ولُبابه؛ والرّابع: الورع عن المحارم التي تُحبط العمل عند ارتكابها، فهذه قواعد الدّين التي لا يُبنى إلاّ عليها، ومنها تفرّعت الأركان الأربعة، والتي هي: الاِستسلام لأمر الله خضوعًا وانقيادًا، والرّضى بقضائه محبوبًا أو مكروهًا، دينيا كان أو نفسيا،
والتوكّل عليه في جميع المواهب طمأنينة واستيثاقًا، والتّفويض إليه في جميع الأمور رضىً بأحكامه واكتفاءً بقضائه.
فالقواعد الأولى هي أصل لطبّ الدّين المشروع للعباد في الإيمان، كما أنّ أصل الطبّ الموضوع للأبدان أربع طبائع، اللّواتي هنّ: الحرارة، والبرودة، والرّطوبة، واليبوسة، فتفرّعت من قواعد الدّين الأربعة الأركان المتقدّمة، كما تفرّعت من طبائع البدن أربعة فروع اللّواتي هنّ: الحارّ اليابس، والبارد اليابس، والحارّ الرّطب، والبارد الرّطب،
فصارت قواعد الشّرع وأركانه ثمانية، بها يكمل طبّ الدّين الذي يجازى به العبدُ يوم القيامة، كما كانت طبائع البدن وفروعه ثمانية، بها (1/112)
صفحة 113
يكمل طبّ الأبدان، ولا يصحّ إلاّ بالتّفصيل بين اللّطيف والكثيف، فيجمع من أربعة لطائفها بالاِعتدال من الوزن الطّبيعي، فشتّان ما بين طبّ الأبدان وطبّ الأديان، كما بين العاجلة والآجلة، ولابدّ من الإشارة إلى تفصيل قواعد الدّين وأركانه كشفًا وتصريحًا، بألفاظ موجَزة ومعانٍ مختصرة، ..
ليعلم أنّ لكلّ حقّ حقيقة، ولكلّ مريد طريقة، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيى من حيِي عن بيّنة، وبالله التّوفيق.
فقواعد الدّين كما قدّمنا أربع: العلم، والعمل، والنّية، والورع، فهذه الخصال الأربعة في الدّين لا يَستغني بعضها عن بعض كما قدّمنا في طبائع البدن.
مسألة في طلب العلم: وطلب العلم فرض واجب على كلّ مكلَّف، لنصّ الكتاب والسنّة وإجماع من الأمّة، أمّا الكتاب: فقول الله جلّ ذكره: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} الآية [النّحل: 43]، وأمّا السنّة: فقول النّبيء - عليه السلام -: «طلب العلم فريضة على كلّ محتلم»،
والأوامر إذا ورَدَت معرّاة من القرائن فالأصل فيها الوجوب عند الجمهور الأعظم من أهل العلم، وأمّا الإجماع: فلا أحد يخالف ما ذكرنا،
ولأنّ العقل يشهد ببُطلان فعل إذا امتُثل بغير معرفة بكيفيّته، ولذلك قال النّبيء - عليه السلام -: «عمل قليل في علم خير من عمل كثير في جهل»، ..
وعنه - عليه السلام - قال: «لو أنّ جاهلاً فاق المجتهدين في (1/113)
صفحة 114
العبادة لكان ما يفسد أكثر ممّا يصلح»، ويُقال: هلك النّاسُ كلّهم إلاّ العالمين، والعلماء كلُّهم هلكوا إلاّ العاملين، والعاملون كلُّهم هلكوا إلاّ المخلصين، والمخلصون من ذلك على خطر عظيم، فإذا كان الأمر على ما وصفنا وجب على المكلَّف تعلّم دينه وفرائضه أوّلاً ليمتثلها على الحقيقة، نطقًا واعتقادًا، وفعلاً وامتثالاً، وبالله التّوفيق.
فصل
في معرفة العلم المفترَض تعلّمه
اِعلم أنّ العلم المفترض تعلّمه على ثلاثة أوجه: وجه لا يسع النّاس جهله طرفة عين، ووجه يسع جهله إلى ا لورود، ووجه يسع جهله أبدًا، فالوجه الأوّل: في معرفة ما لا يسع النّاس جهله طرفة عين، وذلك ما قدّمناه من معرفة الله جلّ ذكره، ونفي الأشباه والأمثال عنه؛ ..
وأمّا معرفة ما يسع [جهله] إلى الوُرود: فهي على وجهين، أحدهما: لا يسع جهله وترك علمه إذا وَرَد، ذلك كمعرفة الله أنّه بصير، عليم، سميع في أمثاله من الأسماء والصّفات، إذا ورَد عليه شيءٌ من صفات الله تعالى، أو سُئل عنها، أو خطرت على باله، من غير أن يورِدها عليه أحد، فلا يسعه إلاّ أن يصفَ اللهَ بصفته، وينفي عنه صفات خلقه، وهذا إذا فهم ذلك بلغته، أو قامت عليه الحُجّة أنّ هذا اسم من أسماء اللهِ تعالى، أو صفة من صفاته، فعليه أن يعلم الحقّ (1/114)
صفحة 115
في ذلك، ويصف اللهَ بصفته، وإن لم يفعل فقد نقض جُملةَ التّوحيد التي أقرّ بها أوّلاً، والوجه الآخر: يسع جهله حتّى تقوم عليه الحُجّة،
وذلك كمعرفة نبيء من الأنبياء، أو ملَكٍ من الملائكة، أو حرف من كتاب الله تعالى، فإذا قامت عليه الحُجّة بشيء ممّا ذكرنا فشكّ فيه أو أنكره، فقد نقض الجملة التي أقرّ بها أوّلاً وأشرك بالله تعالى، وعلى السّامع أن يبرأ منه إذا قصد ذلك فأنكره، والوجه الثّاني من علوم الدّين يسع جهله حتّى يجيء وقته، وذلك كالفرائض الموسومات الأوقات، من الصّلاة والصّوم والزّكاة والحجّ وسائرها من جميع الفرائض البدنية والمالية، يسع جهل جميع ما ذكرنا ما لم يُبتلَ العبدُ بالعملِ فحينئذ يلزمه العلم بها وامتثالها، والله أعلم؛
والوجه الثّالث: يسع جهله أبدًا، مثل قسمة المواريث، وتصريف القصاص في أوجهه، وتحريم الرّبا في معانيه، وتحريم الميتة والدّم ولحم الخنزير، وأشباه ذلك من جميع المحرَّمات، وذوات المحارم من النّساء من جهة النّسب والرّضاع، وغير ذلك من جميع المعاصي، ما خلا الشّرك فإنّه لا يسع جهله، وأمّا غيره من المعاصي وجميع الحرام فإنّه يسع جهله ما لم يقارف شيئًا من ذلك.
وأمّا ما لا يسعهم في هذا الوجه فهو أحد ثلاثة أشياء:
أن لا يتقوّلوا على الله فيه الكذب: فيحلّوا ما حرّم اللهُ منها، أو يحرّموا ما أحلّ اللهُ من ذلك، أو يخطئوا في حكم من أحكامه بالقول، والثّاني: أن لا يُقارفوا ما حرّم اللهُ تعالى من ذلك بالفعل،
والثّالث: أن تقوم عليهم الحُجّة بتحريم شيء من ذلك أو تحليله فيردّوها، فمهما فعلوا شيئًا ممّا ذكرنا فهم غير معذورين، والله أعلم.
والأثر الوارد في هذا الوجه ما روي عن جابر بن زيد -رحمه (1/115)
صفحة 116
الله- من طريق أبي سفيان محبوب -رحمه الله-، وذلك أنّه روي عنه أنّه قال: قيل لجابر بن زيد -رحمه الله-: ما يسع النّاس جهله؟ فقال: ما دانوا بتحريمه ما لم يرتكبوه
وما لم يتبرّأوا من العلماء إذا برئوا من راكبه وما لم يقفوا عنهم.
وكذلك إذا رضي بفعل الخطأ إذا حضره، أو غاب عنه فبلغه فرضي به فإنّه لا يسعه ذلك، وإنّما عليه الإمساك عن جميع ما لا يعرفه حتّى يعلم الحقّ من ذلك فيتّبعه والخطأ فيجتنبه، والله أعلم.
مسألة: وفي أثر أصحابنا أنّ المقارف لكبائر النّفاق يسع جهل كفره ما لم تقم الحُجّة على الشّاكّ بتحريم ذلك الفعل الذي قارفه المقارف، ما خلا ثلاثة أوجه إذا سُئل عنهم هكذا فلا يسعه إلاّ أن يكفّرهم، وهم: المحلّ، والمصرّ، والرّاجع عن علمه.
والمحلّ على وجهين، أحدهما: المحلّ لِما حرّم اللهُ في كتابه نصًّا فهو مشرك مكذِّب لله، لا يسع مَنْ علِم ذلك منه إلاّ البراءة منه؛
والوجه الثّاني: محلّ لما حرّم اللهُ بتأويل الخطأ، كتحليل أهل الخلاف البراءة من المسلمين وما أشبه ذلك، فمن قامت عليه الحُجّة بعلم ما ذكرنا فعليه البراءة ممّن استحلّ ذلك بمصادَمَة النصّ أو بتأويل الخطأ، وأمّا إذا لم يعلم أنّه استحلّ ما حرّم الله فلا يضيق عليه ذلك، كما لا يضيق عليه تكفير من قارف فعلاً لا يدري ما هو، فإذا علم أنّ ذلك الفعل كبيرة فعليه تكفيره والبراءة منه.
وقال أصحابنا: إنّ المحرّم يسع جهل كفره، والمستحلَّ لا يسع جهله،
إلاّ ما روي عن بشير بن محمّد بن محبوب -رحمه الله- أنّه قال: يسع جهل معرفة كفر المستحلّ لما حرّم اللهُ ما لم يتولّه المعاين له على ذلك؛ وروي أنّه قيل لأبي سفيان محبوب (1/116)
صفحة 117
-رحمه الله-: ما معنى قولهم المستحلّ؟ وهل أحد من أهل القبلة يزعم أنّ الزّنا حلال؟ ومَن زعم ذلك فهو مشرك؟ قال: ليس على هذا المعنى، ولكن يقول: هو مسلم وإن زنى، قلت: ما معنى قولهم المحرِّم؟ قال: مَن كان الزّنا عنده حرامًا وراكبه ليس بمسلم،
ولكن إذا كان ضعيفًا فواسع له أن لا يسمّيه بالكفر إذا كان لا يدري ما قولُ المسلمين فيه، حتّى يعلم ذلك فيعمل فيه على ما يقتضيه فعله، والله أعلم.
وأمّا المصرّ: فهو المقيم على المصعيّة، فلا يسع جهل كفره أيضًا عند مَن رآه قد أصرّ على فعل قد علم أنّ اللهَ حرّمه صغيرًا كان أو كبيرًا فلم يتب من ذلك ولم ينزع،
لأنّه قد صار بمنزلة المعاند، فلذلك ضيّقوا على مَن علِم منه هذا، لأنّ كلَّ مصرٍّ كافر ولو أصرّ على ذنب صغير، لقوله - عليه السلام -: «هلك المصرّون»، فلم يخصّ مصرًّا من مصرٍّ، والله أعلم.
وأمّا الرّاجع عن علمه: فهو عندهم مَن تعلّم القرآن ثمّ نسيه
حتّى لا يفرزه من الشّعر، وهذا قد ورَد فيه الوعيد، لقول الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلّم القرآن ثمّ نسيه حُشر يوم القيامة أجذم»، وقوله - عليه السلام -: «عُرضت عليّ -أو قال نظرت- ذنوب أمّتي فلم أر ذنبًا أعظم من ناسي القرآن»، وذلك أنّه لا ينساه إلاّ بهجرانه إيّاه وتهاونه به، (1/117)
صفحة 118
وإنّما أراد القراءة ولم يُرد نسيان نفس القرآن، لأنّه قد ذكر بعضهم أنّ النّاسي للقرآن هو التّارك للعمل به وإن كان يقرؤه ظاهرًا، وقيل إذا نسيه بمرض ألاّ يكون عليه شيء، وقيل إذا كان يعمل به ألاّ يكون له ناسيًا ولو كان لا يحفظه منظومًا، وقيل في كلّ ما لم يُفرَض عليه العمل
به أن لا يؤاخذ بنسيانه، والله أعلم وأحكم.
فصل
في العمل
اِعلم أنّ العلم والعمل توأمان، لا ينفع عِلم بغير عمل، ولا يُقبل عمل بغير علم، كما قيل عن عيسى - عليه السلام - قال: «من علم وعمل فذلك الذي يُدعى عظيمًا في ملكوت السّموات، ومَن علِم ولم يعمل فذلك الذي يضاعف له العذاب ضعفين، ومن لم يعلم ولم يعمل فذلك الذي يموت موتة جاهليّة».
واعلم أنّ العِلم عِلمان:
علم باللّسان وعلم بالجَنان، فأمّا العلم باللّسان فذلك حُجّة اللهِ على ابن آدم، وأمّا العلم بالجَنان فذلك هو العلم النّافع كما ورَدَ به الحديث، ولهذا قال بعض العلماء: ليس العلم بكثرة الرّواية، ولكن العلم نورٌ يجعله اللهُ في قلب من يشاء، كما قال الله تعالى: {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشّورى: 52].
واعلم أنّ العلم النّافع نوعان، أحدهما: العلم بامتثال الفرائض، والتقرّب بها إلى الله تعالى، واجتناب المعاصي كلّها خوفًا من عقاب الله تعالى؛ والثّاني: ما ازداد العبدُ به حُبًّا لله وطاعته، وخلُص به إيمانه واشتدّ به يقينه، وما سِوى هذا فليُنزله العبدُ من جهله فإنّه فتنة لكلّ مفتون، والله أعلم.
مسألة: ولا يصحّ عمل الفرائض إلاّ بمعرفة أدائها، والعلم بامتثالها، (1/118)
صفحة 119
ويجب على العبد في كلّ عمل فريضة ثلاثة أشياء،
وهو: أن يمتثله العبدُ على ما أُمر به، راجيًا فيه ثوابًا، خائفًا من تركه عقابًا.
ويجب عليه في علم الفريضة ثلاثة أوجه أيضًا، أحدها: العلم بامتثال الفعل وكيفيّته، والثّاني: العلم بأنّ اللهَ أمره بها وألزمه فعلها، والثّالث: أن يعلم أنّ اللهَ أوجب له على ذلك ثوابًا
وعلى تركه عقابًا، والله أعلم.
فصل
في النيّة وتوابعها من الصّدق والإخلاص
اِعلم أنّ النيّة لُباب الفعل وصفوه، وعماد الدّين وأُسّه، ولذلك نفى الرّسول - عليه السلام - الأعمال إلاّ بها، لأنّها في العمل بمنزلة البذر في الزّراعة، فمَن زرع بالبذر
فحقيق أن يحصد غبطة، ومَن تعنّى بلا بذر فثَمَرَتُه النّدامة، ومَن أهمل عمله بسهو وغفلة كان بمنزلة مَن لم يعمل، والعمل بغير نيّة عناء، والنيّة بغير إخلاص رياء، وهو والنّفاق سواء، والإخلاص من غير صِدق وتحقيق هباء، وليت شعري كيف تصحّ نيّة مَن لا يعرف حقيقة النيّة؟ أو كيف يصحّ له عملٌ صحيح إذا لم يعرف حقيقة الإخلاص؟ أو كيف يطالب المخلصُ نفسَه بالصّدق إذا لم يعلم معناه؟
فالواجب على كلّ عبدٍ أراد طاعة الله تعالى أن يتعلّم النيّةَ لتخلُص له المعرفة، ثمّ يصحّحها (1/119)
صفحة 120
بالعمل بعد فهم حقيقة الصّدق والإخلاص، اللذين هما وسيلتا العبدِ إلى النّجاة والخلاص يوم الأخذ بالنّواصي.
اِعلم أنّ النيّة إنّما تؤثّر في الطّاعات والمباحات دون المعاصي والسيّئات، أمّا أعمال الطّاعات فإنّه يجب على العبد أن ينوي في كلّ عمل منها أن يمتثله عبادة لله تعالى وتقرّبًا به إليه،
فحقيقة النيّة في الطّاعة: اِنبعاث القلب والتحرّي إلى مرضاة الرّب، فنيّة المؤمن خير من عمله كما جاء في الحديث، ومعناه -والله أعلم-: اِعلم أنّ النيّة في نفسها خير من الأعمال إذا كانت لا تصحّ إلاّ بها، ونيّة المؤمن اعتقاده طاعة الله ولو عاش ألف سنة، وإن مات دونها انقطع عمله ولم تنقطع نيّته،
فإن نوى بالطّاعة رياءً وسمعة انقلبت معصيّة، والله أعلم.
والمباحات تنقلب طاعة بالنيّة، فلا ينبغي للعاقل أن يتعاطى أفعالَه تعاطي البهائم المهمَلَة فتصدُرُ أفعاله عنه بسهو وغفلة، فأغلب حظوظ النّفس من المباح، كالأكل والنّوم والنّكاح، فينوي في الأكل التقويّ للجسم على العبادة، وينوي في النّوم استراح الجسم لينشط للقراءة والعبادة، وينوي بالنّكاح تحصين الفرج وإحراز الدّين وطلب الولد لعبادة الله تعالى وتكثيرًا لأمّة محمّد - عليه السلام -،
فينبغي للعاقل المريد للآخرة أن يقيس جميع أفعال المباح على هذه الثلاثة المذكورة، ويحسن النية في جميعها حتى تصير طاعة لله تعالى و عبادة.
و أما المعاصي فلا تؤثّر فيها النية، ولا تنقلب بها لله تعالى قربة وطاعة، مثل أن يغتاب إنسانا تطييبا لقلب مسلم، أو يطعم فقيرا من مال غيره طلَبا للأجر، فهذا كلّه جهالة و اغترار، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إنّما الأعمال بالنيّات»، فالنيّة لا تؤثّر في إخراج الفعل عن كونه ظلمًا ومعصيّة، بل قَصْدُهُ الخيرَ بالشرّ على (1/120)
صفحة 121
خلاف مقتضى الشّرع شرٌّ آخر، فإن عرفه فهو معاند للشّرع، وإن جهله كان عاصيًا بالجهل وارتكاب الفعل، إذ «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم»، وبالله التّوفيق.
وأمّا الإخلاص: فمعناه إخلاص العمل وتصفيته من شوائب الكُدورات من الرّياء والسّمعة وحبّ الثّناء والمحْمَدَة حتّى يصير خالِصًا مخلَصًا لوجه الله، عاريًا من حظوظ النّفس المختصّة بها في الدّنيا من جهة الخلق، قال الله سبحانه: {أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزّمر: 3]، وقال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الاَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا اِلاَّ الذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ} الآية [النّساء: 146].
وأمّا الصدق: فيُستعمل لفظه في ستّة معان،
صدق في القول، وصدق في النيّة والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بالعزم، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدّين، فمن اتّصف بالصدق في جميع هذه المعاني فهو الصِّدِّيق لأنّه من المبالغة في الصدق، كما قيل في الحديث أنّ النبيء - عليه السلام - سُئِل عن الكمال فقال: «قول الحقّ والعمل بالصّدق»، وقال تعالى: {والذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُون} الآية [الحديد: 19]، ومن اتّصف بمعنى من الصّدق من هذه المعاني المتقدّمة فهو صادق بالإضافة إلى ما فيه صدقه، وليس كتابنا هذا موضوعًا لهذه المعاني، وبالله التوفيق. (1/121)
صفحة 122
فصل
في الورع
اِعلم أنّ مَلاك الدّين الورع، كما روي عن عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - أنّه نظر إلى المصلّين فقال: «لا يغرّني كثرة رفع أحدكم رأسه وخفضه، الدّين: الورعُ في دين الله، والكفّ عن محارم الله، والعمل بحلال الله، [والكفّ] عن محارمه»؛ وسُئل النّبيء - عليه السلام - عن الورع فقال: «الوقوف عند الشّبهات»؛ ويُقال: لا معقل أحرز من الورع؛ وقال بعض العلماء: غاية الورع الوقوف عن كلّ شبهة، ومحاسبة النّفس عند كلّ لحظة؛ ويُقال: فضل العلم خير من العبادة وخير دينكم الورع؛
ويُقال: دين بلا ورع كسفينة بلا شِراع؛ وعن الشّيخ أبي محمّد قال: «مَن حفِظ القرآن بجميع معانيه، والسّنن بجميعها، (1/122)
صفحة 123
وعرف شرائع الإسلام، وليس له ورَع فمثله كالقوس ليس له وَتَر ومن تورّع بلا بحث ولا معرفة فمثله كمثَل الحمار يدور بالرّحى، كلّما اشتدّ في ورعه اشتدّ الحمار في دوره»؛ وممّا يؤثرُ من كلام عيسى - عليه السلام -: «لو صلّيتم حتّى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتّى تكونوا كالأقواس ما نفعكم ذلك إلاّ بالورع».
فإذا كان الورع مَلاك الأمر كلّه وجَبَ على العبد أن يتفقّد نفسَه في جميع أمورها، من قول وفعل وإعطاءٍ ومنعٍ، ويحاسب نفسَه في جيمع ذلك، فما رآه قُربةً إلى الله تعالى فعله، وغير ذلك اِجتنبه.
ويُقال: الورع على أربع درجات، أحدها: ورعُ العُدول، وهو الذي يستحقّ العبدُ بارتكابه النّارَ، وذلك كلّ ما يقتضيه تحريم الفتوى من جميع المحارم؛
والثّاني: ورع الصّالحين، وهو الورعُ عن كلّ شُبهةٍ يُستحبُّ اِجتنابها، كقوله - عليه السلام -: «دَعْ ما يريبُك إلى ما لا يَريبك»؛ والثّالث: ورعُ المتّقين، كقوله - عليه السلام -: «إنّما سُمّيَ المتّقون متّقين لتركهم ما لا بأس به مخافة ما فيه البأس»، ولذلك قال عمر - رضي الله عنه -: «كنّا نَدَعُ تسعة أعشار من الحلال مخافة أن نقع في الحرام»،
وقال أبو الدّرداء: «تمام التّقوى أن يتّقي العبدُ في مثقال ذرّة حتّى يترك بعض ما يرى أنّه حلال خشية (1/123)
صفحة 124
أن يكون حرامًا يكون حِجابًا بينه وبين النّار»؛ والرّابع: ورَعُ الصّدّيقين وهو [أن يترُك] ما لابأس فيه أصلاً ولا يخاف أن يؤدّي إلى ما فيه البأس، ولكنّه يُتناوَلُ لغير الله، أو يُجتنَبُ إليه بقوّة غُذِّيَت بمحظور الشّرع، أو يأتي به إليه بعضُ منتهكي حُرُمات الله من الظَّلَمة والفُسّاق، كما قال بعض مشايخنا -رحمهم الله- وقد جاءه ولدُهُ بلحم صيد فأبى أن يأكله، فقال: «كل ما جاء به يونس فهو يونس»، وكان ولده يخالط زناتة في المعامَلَة، والله أعلم.
والورع لا يتمّ إلاّ بالعلم، لأنّ الجاهل ربّما أغلق على نفسه ما ينبغي، وفتح عليها ما لا ينبغي، فمثال ذلك كرئيس السّفينة إذا كان عالِمًا بالبحر أرساها وأجراها على وجهها، والجاهل بالبحر يُغرق السّفينةَ ومَن فيها، فينبغي للعبد أن يتفقّد جنودَه التي جعلها اللهُ في جسده ويغلِقَها بأبوابها، فباب العينين الجفون، وباب اللّسان الشّفتان، وباب اليدين الكفّ عن المحارم، وباب الفرج الثّوب، وباب الرّجلين الوقوف عند الشّبهات، فإذا حضره أمرٌ حسُن فيه فتحُ باب من هذه الأبواب فليفتَحْه، وإلاّ فليُغلِقْه، وبالله التّوفيق.
فصل
في معرفة أركان الدّين الأربعة
التي هي: الاِستسلام لأمر الله، والرّضى بقضاء الله، والتوكّل على الله، والتّفويض إلى الله.
مسألة في الاِستسلام: وهو فرض على العباد، وتركه معصيّة، ويكون في الفرض والنّفل، ومعناه الخضوع لله تعالى، وحقيقته هو أن (1/124)
صفحة 125
يُلجئ العبدُ أمورَهُ التي يرجوها ويخافها إلى الله تعالى، ويستسلمَ له قبل وُقوع الحكم، فإذا وقعَ رضي به كأنّه يريده، فيتبعُ أوامرَه بالاِمتثال وزاجرَه بالكفّ والاِنتهاء، وليس له مع اللهِ - عز وجل - خِيارٌ في جميع مقاديره من الأوامر والنّواهي وجميع الأحكام، فإذا كان العبدُ بهذه المنزلة كان مستسلِمًا مُسلِمًا لله سبحانه.
مسألة في الرّضى: وهو أيضًا قريب من الاِستسلام، ومعناه أن يرض العبدُ بأوامر الله تعالى فيمتثلها، وبنواهيه فيجتنبها، وبما قدّر عليه من الأمراض والمصائب فيرضى بها ولا يسخطها، بل يصبر على ذلك محتسِبًا فيه الأجر والثّواب، لأنّ ذلك عدْلٌ من الله وصواب، وإن لم يرض بجميع ما ذكرناه وسخِطَه، أو جوَّرَ اللهَ تعالى في فِعله ذلك فقد هلَكَ وبطل أجرُه.
وأمّا المتصوّفة فالرّاضي عندهم: هو المحبّ لما يغشاه من قِبَل اللهِ - عز وجل -، من أمرٍ ونهيٍ وحادِثٍ محبوبًا كان أو مكروهًا، وليس الرّاضي عندهم راضيًا حتّى يحبّ جميع ذلك ويُؤْثِره على ما سِواه، ويكون في جرَيان المقادير عليه من قِبَل اللهِ - عز وجل - كالميّت بين يدي الغاسل،
وليس الذي قالوه من ذلك ببعيد، وقد قال النّبيء - عليه السلام - لابن عبّاس - رضي الله عنه -: «يا ابن عبّاس: اِعمل على الرّضى واليقين وإلاّ ففي الصّبر على ما تكرهه خير كثير»، يريد -والله أعلم- أنّ العبدَ إذا لم يجد في نفسه سرورًا في عمل الطّاعة وترك المعصيّة فليحمِل نفسه على الصّبر في ذلك، فإنّ فيه خيرًا كثيرًا، وإن كان منزلة الصّابر دون منزلة الرّاضي، والله أعلم. (1/125)
صفحة 126
مسألة في التّوكّل: وهو فرض واجب على العبد، قال اللهُ سبحانه: {وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّومِنِينَ} [المائدة: 23]، ومعنى التوكّل: سكونُ القلبِ في ضمان الرّبّ، والطّمأنينة بما عند اللهِ دون غيره في جميع المواهب والإحسان من نِعم الدّنيا والآخرة.
اِعلم أنّ الجاهلَ قد يظنّ أنّ معنى التوكّل: ترك الكسب بالبدن والتّدبير بالقلب، والسّقوط على الأرض كالخِرقة المُلْقاة،
وكاللّحم على الوضم، وهذا ظنّ الجاهل، فإنّ ذلك حرام في الشّرع، لأنّه قد أثنى على المتوكّلين، فكيف يُنالُ مقامٌ من مقامات الدين بمحظوراته، بل نكشف الغطاء عنه ونقول: إنّما يظهر تأثير التوكّل في حركة العبدِ وسعيه بعمله إلى مقاصده، إمّا أن يكون لجلب نافع مفقود بالكسب، أو لحفظ موجودٍ عنده بالادّخار، أو لدفع ضارّ لم ينزل به كاللّصّ والسِّباع، أو لإزالة ضارّ قد نزل به كالتّداوي من المرض، فمقصود حركات العبدِ لا تعدو هذه الوجوه؛ أمّا جلْبُ نافعٍ فيكون على ثلاثة أوجه، أحدها: مقطوع به مثل الأسباب التي ارتبطت المسبّبات بها بتقدير اللهِ اِرتباطًا مطّرِدًا لا يختلف، مثل الطّعام الموضوع بين يدي الجائع المحتاج إليه فلا يمدّ إليه اليدَ فيقول: إنّي متوكّل وشرط التوكّل ترك السّعي، ومَدُّ اليدِ سعيٌ وحَرَكة،
وكذلك مضغه بالأسنان، فهذا جُنون وليس من التوكّل في شيء، فإنّه إن انتظر أن يخلق اللهُ فيه شَبَعًا دون أكل الخبزِ، ودون أن يتحرّك إليه، أو يسخّر ملَكًا يمضغه له، فقد جهل سُنّة الله تعالى في البلاد والعباد، وكان كمَن طمع في الزّرع بغير بَذْرِ ولا حرثٍ، وطمع في الولَد بغيرِ جِماع زوجته - كمريم ابنة عِمران-، وأمثال هذا ممّا يكثُرُ، فليس التوكّل في هذا المقام بالعمل (1/126)
صفحة 127
بل بالحال والعِلم، أمّا العلم: فهو أن يعلم أنّ اللهَ تعالى خالِقُ الطّعام واليدِ، وأنّه الذي يُطعمه ويسقيه، وأمّا الحال: فيكون سُكونه واعتماده على فضل اللهِ تعالى، لا على اليد والطّعام إذ تجفّ اليدُ ويُسلبُ الطّعام في الحال، وإذا كان حالُه هكذا وعلمه فليمُدَّ إليه اليدَ فإنّه متوكّل. الوجه الثّاني: الأسباب التي ليست متعيّنة، لكن الغالب أنّ المسبَّب لا يحصُلُ دونها، كالذي يسافر في البادية بغير زاد، فهذا متوكل بشرطين، أحدهما: أن يكون قد رَاضَ نفسه على الصّبر على الطّعام أسبوعًا أو ما قارَبَه، والثّاني: أن يكون بحيث يتقوّت بالحشيش والأشياء الخسيسة؛ فبين الوجهين فرْقٌ، لأنّه في هذا الوجه يُحتمَلُ أن يجد طعامًا، أو ما يُعطى له، أو ينتهي إلى محلّةٍ أو قرية، والوجه الأوّل لا يحتمل أن يترك الطّعام ممضوغًا في فيه فبينهما فرْق، ولكن الثّاني قريب من معنى الأوّل، ولهذا نقول: لو انحاز إلى جبل لا ماء فيه ولا حشيش ولا يطرُقُه
إنسان وجلس فيه متوكّلاً لكان آثمًا ساعيًا في إهلاكِ نفسه، كما روي أنّ زاهدًا فارقَ الأمصار وأقام في جبل سبْعًا وقال: لا أسأل أحدًا، فكاد يموت، فقال: يا ربّ اِئتِني برزقي، فأوحى الله إليه: «وعزّتي وجلالي لا رزقتك حتّى تدخلَ الأمصار»، فدخل فجاءه هذا بطعام وهذا بشراب فأوجس في نفسه من ذلك، فأوحى اللهُ إليه: «أَرَدْتَ أن تذهِب حِكمتي بزهدك، أما علِمتَ أنّي أرزق عبدي بأيدي عبادي أحبُّ إليّ أن أرزقه بيد قدرتي»، فإذًا التّباعُد عن الأسباب كلّها مراغَمَة للحِكمة، وجهلٌ بسُنّة الله تعالى، فالأوّل متوكّلٌ بالحال والعلم، والثّاني متوكّل بالحال والعلم والشّروط إذ يمكن أن يؤخذَ الزّاد من صاحبه فيموتَ جوعًا. الوجه الثّالث: القاعد في مسجد قرية تارِكًا للكسب، فهذا متوكّلٌ ولكنّه أضعف من الأوّل،
لأنّه بالقُعود في المِصر متعرِّض لأسباب الرّزق، ولكن (1/127)
صفحة 128
هذا لا يبطُلُ توكّله إذا كان نظره إلى [الله] مسخِّرِ سكّان البلد، والله أعلم. والوجه الرّابع: أن يكتسب على الوجه المباح في الشّرع، يرى كسبه وبِضاعته -بالإضافة إلى قدرة الله تعالى- كما يرى القلم في يد الملَك، فلا يكون نظره إلى القلم بل إلى قلب الملَك بماذا يتحرّك وإلى ماذا يميل، فإذا كان هكذا فهو ببدنه مكتسبٌ وبقلبه عنه منقطع، فحال هذا أشرفُ من حال القاعدِ في بيته إذا روعِيَت فيه الشّروط، و انضاف إليه الحال والمعرفة كما سبق؛ والدّليل على هذا أنّ الصّدّيق - رضي الله عنه - لمّا بويِع للخلافة أخذ الأثواب تحت حِضنه فدخل السّوق ينادي، فعوتِبَ، فقال: «لا تُشغلوني عن عِيالي فإنّي إن ضيّعتهم كنت لِما سِواهم أضيع»، ففُرض له قوتُ عياله من بيت المال،
وتجرّد حينئذ للقيام بأمور المسلمين، فيستحيل أن يُقال: لم يكن الصدّيق متوكِّلاً فمَن أولى بالتوكّل منه؟ فدلّ أنّه كان متوكّلاً لا باعتبار ترْكِ الكسب، وكذلك غيره من أولياء الله وأنبيائه، والله أعلم.
مسألة: ويجوز للعبد الاِتّكال على الله في منافع الدّنيا، من غير أن يستحقّها ولا أن يُجري ذلك على أيدي العباد، وأمّا منافع الآخرة وثوابها فلا يتّكل على الله دون أفعاله، ولا على أفعاله دون اللهِ،
وإن اتّكل على الله أن يُثيبه هو أو غيره في الآخرة بغير أفعال فقد قيل: إنّه يهلَكُ، وإن استوثق العبدُ بما في يده وظنّ أنّه لا يزول فهذا اتّكال على غير اللهِ تعالى، وأمّا إن تيقّن أنّه من عند اللهِ وهو قادِرٌ على إزالته فهو متوكّل على الله، ويُقال: الاِستيثاق بما في اليد من ضعف اليقين، والثّقة بالموجود ظنّ سوءٍ بالمعبود، وبالله التّوفيق، وقد ذكرنا طرفًا من التوكّل وشواهده في باب القدَر والله أعلم.
مسألة في التّفويض: اِعلم أنّ تفويض الأمور إلى الله تعالى فرضٌ (1/128)
صفحة 129
واجبٌ، ومعناه: أن تعلم أنّه لا يملكُ ضرّكَ ونفعَكَ وحياتَكَ وموتَكَ إلاّ اللهَ، ولا لَكَ رازِقٌ غيره، ولا معطٍ سِواه، ولا مانع حاشاه، فإذا استقرّ ذلك في قلبك فقد فوّضت الأمورَ التي تنجو بها وترجو إلى مالِكِها، فأُسُّ التّفويض والباعثُ عليه إنّما هو اعتقاد أنّه لا يكون من الخير ولا من الشرّ إلاّ ما أراد اللهُ كونه، فإذا كان اعتقاد العبدِ هكذا فقد استراح قلبُه من الخضوع إلاّ لمولاه - عز وجل -،
وقد قال سبحانه حكاية عن مؤمن آل فرعون: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِيَ إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44]، وقد بالغ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - في التّصريح به والنصّ عليه بقوله لعبد الله بن مسعود: «ليقلّ همّك ما قُدِّرَ أتاك وما لم يُقدَّر لم يأتكَ»، «واعلم أنّ الخلقَ لو جهدوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه اللهُ - عز وجل - لكَ لم يقدِروا على ذلك، ولو جهدوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبهُ اللهُ - عز وجل - لك لم يقدِروا على ذلك»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لِيَقلَّ همُّكَ» أمرٌ بالتّفويض، لأنّه يكون بالقلب واللّسان جميعًا وإن كان أصله من القلب، وإن نزل على العبدِ بلاءٌ أو نِعمةٌ فشكّ أنّه من اللهِ أو من غيره أو أنكر أن يكون من قِبَل اللهِ فقد هلك على كلّ حال، والله أعلم وأحكم. (1/129)
صفحة 130
[صفحة بيضاء] (1/130)
صفحة 131
كتاب الطهارات (1/131)
صفحة 132
الركن الثاني من الكتاب
في شروط الصلاة وما فيها من السنن والآداب
اعلم أنّه ينبغي أن نقدّم بين يدي الطهارة المشروعة من الأحداث أربع مقدّمات،
المقدّمة الأولى في آداب قضاء حاجة الإنسان،
وتحتوي على عشرين مسألة من المناهي والأدبيات:
إحداها: إبعاد المذهب للغائط
في الصحراء و حيث يتعذّر الاِستتار بجدور المباحات، لما رُوي أنّ النبيء - عليه السلام - كان إذا ذهب لحاجة الإنسان أبعد المذهب؛ الثانية: في الاِستتار عن الناس بحيث لا يُرى له شخصٌ ولا يُسمع له صوت، لنهيه - عليه السلام - أن يقضي الرجل حاجته والناس ينظرون إليه؛
الثالثة: اختيار الموضع السهل لقوله - عليه السلام -:» إذا أراد أحدكم أن يبول فليُدمث لبوله «، والدمث: اللين؛ الرابعة: أن لا يبول قائما، لنهي الرسول - عليه السلام - عن ذلك؛ الخامسة: ألاّ يكشف عورته قبل انتهائه إلى موضع تبرّزه، لما روي أنّه - عليه السلام - كان لا يكشف إزاره حتّى يقرُب من الأرض؛
السادسة: أن يستتر بما أمكنه، من جدارٍ أو صخرٍ أو خشبٍ أو راحلةٍ (1/132)
صفحة 133
أو ثوبه إن لم يجد ما يديره على نفسه، ويجعل منه للريح مُنْفَرَجاً؛ السابعة: أن لا يستقبل القبلة بفرجه ولا يستدبرها، في الصحراء دون الكهوف والأبنية،
للنهي الوارد في ذلك لحُرمة القبلة؛ الثامنة: ألاّ يستقبل الشمس والقمر لاحترام نور العرش، لأنّهما خلِقتا منه؛ التاسعة: ألاّ يستقبل الريح لئلاّ تردّ عليه النتن، ولأنه قيل يورث مرض الجذام، ولا يستقبل الطريق لئلاّ تبدو عورته للمارّة؛ العاشرة: ألاّ يقعد في متحدّث الناس، ولا في الطرقات،
ولا في ظلال الأشجار المثمرة، ولا في ظلال الجُدُورَاتِ، ولا في شطوط الأنهار، ولا في المياه، ولا في ظهور المساجد وحريمها، للنهي الوارد في هذه الوجوه، وهو قوله - عليه السلام -:» من قضى حاجته تحت شجرة مثمرة أو على نهر جار أو طريق عامر أو على ظهر مسجد من مساجد الله، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين «؛
الحادية عشر: ألاّ يقعد في حرث لحُرمة الطعام، ولا في مقبرة لقوله - عليه السلام -:» حُرمة موتانا كحُرمة أحياءنا «؛ الثانية عشر: أن لا يبول في جُحر ولا في مَهْواةٍ ولا في موضع حافر دابّة، لنهي الرسول - عليه السلام - عن قضائها في الأجحرة
لأنّها مساكن إخوانكم من الجن، وقيل للإشفاق أن تكون (1/133)
صفحة 134
فيه دابّة مؤذية؛
الثالثة عشر: ألا يقعد في بيوت الناس، ولا في موضع الوضوء؛ الرابعة عشر: أن يقول عند القضاء لحاجته:
" أعوذ بالله من الرجس النّجس الخبيث المخبّث الشيطان الرجيم"، ويجتنب ذِكر الله على الخلاء لنهي الرسول - عليه السلام - عن ذلك؛ الخامسة عشر: أن يحتفر للبول حفرة يفرِّق بينه وبين الغائط،
لأنّ اختلاطهما قيل إنّه من الذنوب التي تحجِب الدعاء عن القبول، وتورث الوسواس؛ السادسة عشر: أن يعتمد على الشقّ الأيسر لأنه أيسر لقضاء حاجته؛
السابعة عشرة: أن لا يمسّ ذَكره بيمينه لنهيه - عليه السلام - عن ذلك؛
الثامنة عشر: ألاّ يشتغل بالحديث، ولا بإنشاد الشعر، ولا بالقراءة، ولا بردّ السلام، ولا يُسلَّم عليه أيضا، للنهي الوارد في ذلك [أيضا] أنّ النبيء - عليه السلام - نهى عن ردّ السلام في تلك الحالة، ولا يلزمه الردّ بعد فراغه أيضا؛ التاسعة عشر: ألاّ يتمخّط، ولا يبصق في الحدث،
وينبغي له أن يسلت الذَكر من لدن العِجَان إلى أصل القضيب (1/134)
صفحة 135
ليستبرئ بذلك؛ العشرون: أن يزيل النجس بالأحجار أومايقوم مقامها، من كل جامد طاهر منقٍّ، ليس بمطعوم، ولا بذي حرمة،،كالمدر والتراب والأعواد، ويتّقي الاِستنجاء بالنجس والعظم والروث،
ويتقي الاستنجاء بالنجس والعظم والروث، لنهيه - عليه السلام - عن الاستنجاء بالعظم والروث، وقال:» من فعل ذاك فهو ملعون «، وينبغي أن يقتصر في الاستجمار على وتر الأعداد، على ثلاثة أو خمسة، وإن أنقى بحجر واحد له ثلاثة حروف فلا بأس،
ولا يستنجئ بالزجاج الأملس ولا بالفحم لأنّه لا ينشِّف، ولا يعامِل البول بيده لأنه يورث عذاب القبر، ويستنجي من كلّ ما خرج من السبيلين من البول والغائط والمنيّ والمذي والودي والدابّة والدم، إلاّ الريح خصوصا؛
والعمل في جميع ذلك مقصور على الشِمال دون اليمين، وليبدأ بمخرج البول، ولا يلزمه طلب الثلاثة إذا أنقى بدونها، والله أعلم.
المقدمة الثانية
في أعيان النجاسات المتفّق عليها والمختلف فيها
اعلم أنّ المتّفق عليها من أعيان النجاسات عشرة أشياء، وهي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والغائط، والبول، والمنِيّ، والمذي، والودي، والطهر من النساء،
و الخمر؛ فهذه الأشياء متفّق على تحريمها ونجاستها عند جميع الأمّة فيما علِمْتُ، ولابدّ من تفصيلها بألفاظ مختصرة:
أمّا الميتة: فإنّها محرّمة على الإطلاق بنصّ الكتاب وإجماع من الأمّة، إلاّ ما خصّته السنّة منها، وحدّ الميتة: كلّ ما خرج منه الروح على غير سبيل الذكاة، وهي نوعان: برِّية وبحرية؛
أمّا البرِّية فنوعان، أحدهما: ماله نفس سائلة مجتمع فيها (1/135)
صفحة 136
اللحم [والدم] والعظم، كالأنعام والحشرات، فلا خلاف في نجاستها، لقوله - عليه السلام -:» إذا ماتت الفأرة في السمن الذائب فأرِيقوه، وإن كان جامدا فألقوها وما حولها «، وكذلك غير الفأرة من جميع ما يشبهها قياسا عليها، كالعصافير والحيّات وجميع الحشرات،
قوله نفس سائلة: في الصحاح:» والنفس: الدم، يقال: سالت نفسه، وفي الحديث:» ما ليس له نفس سائلة فإنّه لا ينجِّس الماء إذا مات فيه « ... «.
وأمّا الميتة البحرية: فمتّفق على طهارتها وتحليلها،
لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَّحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96] الآية، ولقوله - عليه السلام -:
» هو الطهور ماؤه والحلّ ميتته «، ولقوله:» أحِلّت لكم ميتتان [ودمان فالميتتان السمك والجراد، والدمان الكبد والطحال] «؛ وميتة البحر نوعان أيضا: ما مات بسبب رمي أو قتل في (1/136)
صفحة 137
حين الاِصطياد فهذا متّفق على تحليله؛ والثاني ما مات بغير سبب فقيل هو حلال، وقيل هو مكروه إذا أنتن.
واختلف في خنزير الماء وإنسان الماء فقيل فيهما بالتحليل، وقيل بالكراهية،
و قيل التحليل مقصور على السمك دون ما سواه من الحيتان؛
ويتميّز السمك من غيره بالقشور لأنّها بمنزلة الشعَر من دوابِّ البرِّ، وما ليس عليه قِشر من الحيتان فهو بمنزلة الحيّات والأماحي وما كان أملس من حشرات البرِّ، وقيل ذكاة الحيتان التسمية عليه في حين اصطياده، والله أعلم.
مسألة: وأمّا أجزاء ميتة البَرِّ فمنها ما هو متّفق على تحريمه كاللحم والشحم والبلل منها، ومنها ماهو متّفق على تحليله كالصوف والشعَر وأطراف الريش والوبر وشِبهها، ومنها ما هو مختلف فيه كالجلد بعد الدباغ وطَرَفِ القرن وطَرَفِ الأظلاف والعظام وما في معناها. وأمّا ما قُطع من البهيمة وهي حيّة فلا خلاف أنّه ميتة، والله أعلم.
وأمّا الدم المسفوح: فمتّفق أيضا على نجاسته وتحريمه لقوله تعالى:
{أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} [الأنعام: 145]، إلاّ ما خصّته السنّة من قول النبيء - عليه السلام -:
» أحلّت لكم ميتتان ودمان، فالميتتان الجراد والسمك، والدمان الكبد والطحال «؛ واختلُف في ذكاة الجراد، فقيل ذكاته التسمية عليه حين يُطبخ أو يُشوى، وقيل غير ذلك من قطف رؤوسه، والله أعلم.
واختلُف في القليل من الدم الذي لم يكن مسفوحا، وفي الرشاش الذي لو اجتمع لم يفِض، فقيل لا يَنْجَسُ ولا يُنقض الوضوء، وقيل الشيء النجس بعينه لا يتبعَّض، ولقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 03] (1/137)
صفحة 138
عموما في كلّ دم؛
ورُخِّص في الحمرة التي تتعلّق باليد والثوب بعد غسل المذبح من الذبيحة؛ واختلُف في دم القلب ودم العروق؛ ورُخّص أيضا في دم الذباب وما كان في معناه من البراغيث وأشباهها؛ واختلُف في دم الشهداء، والبغاة أيضا، والأصحّ عندي نجاسته لعموم الدم؛ ...
{مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ اَتَتْ عَلَيْهِ} [الذاريات:42] فقيّد، فإنّ ذلك المطلق يقيَّد بهذا القيد، ومثل هذا كثير، كعَتق الرقبة، لكن الحكم فيها مختلف فلذلك اختلفوا هل يُقيّد المطلق بذلك القيد- أعني الإيمان- أو لا، والله أعلم، فليحرّر.
وشدّد أصحابنا في القمْل إذا كان أصله من بني آدم، على أنّ بعضهم شدّد في قمْل الحيوان والأنعام أيضا، والله أعلم.
وأمّا الخنزير: فمُجمع على تحريمه ونجاسته بجميع أجزائه من اللحم والشحم والعظم والعصَب واللبن والجِلد، لأنّه لا تصحّ فيه الذكاة، لقوله تعالى: {أّوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فإنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، فردّ الهاء إليه فصحّ أنّه محرّم بالكلِّية،
ولقول النبيء - عليه السلام -:» بعِثتُ بقتل الخنزير «، واختلف في شَعَره فأجازه بعض ومنع منه آخرون؛ والقردُ والفيل في معنى الخنزير ولا تصحّ فيهما الذكاة؛ واختلف في عظم ناب الفيل والمكاحل المتخذة منه.
وأمّا رجيع ابن آدم وغائطه: فمتفق على نجاسته، وكذلك بوله على هذا الحال، وكذلك جميع الأجزاء المنفصلة منه والمتصلة به، من اللحم والعظم والعصب وغيرها، واختلف في مخّه، واتّفقوا على البُزاق والعرق والمخاط والبلغم وجميع البلل منه أنه طاهر.
وكذلك ما يستحيل من الأجسام إلى صلاح، كلبن الآدميات والمحلَّلِ من الحيوانات
فلا خلاف في طهارته، كما لا خلاف في نجاسة لبن الخنزيرة، وأما لبن الحيوان المحرَّم الأكل فقيل مكروه وقيل تابع للّحم.
وأما بيض الطير المباح فلا بأس به، دون بيض الحشرات من الحياة والأماحي وأشكالها لأنها من الخبائث، والله أعلم.
وكذلك ما يتولد من الجروح والقروح من المِدّة والقيح اتفقوا (1/138)
صفحة 139
أنه طاهر.
واختلف في الصديد وما أشبهه.
وأما المني والمذي والودي: فاتفقوا على أنها نجسة إذا فصلت عن البدن، واختلف في سبب نجاستها، فقيل لاستمرار خروجها من مجرى النجس، وأنه لو احتلم الإنسان ثلاث مرات فصاعدا ثم مست النطفة ثوبا أنّه لا ينجس، ويلزمه الغسل لأنه تعبّد، وقاسوها على سائر الفضلات التي تخرج من البدن كالعرق واللبن، وقال آخرون: إنّها نجسة بعينها لأن أصلها دم ولأنها تجري في ممرّ النجس قياسا على البول وما كان في معناه.
وأمّا الطهر من النساء: فهو أيضا نجس، ولم أقف على علّة نجاسته، وأظنّها من قِبل خروجه على مخرج النجَس،
والظاهر أنّه أراد بالمِدة الماء الذي ليس بدم ولا صديد كما يدل عليه كلام "الإيضاح"، لكن في حكاية الاتفاق نظرٌ، والله أعلم.
لأنّه قيح متولّد من دم الحيض جار على مجرى البول والحيض.
وأمّا الخمر: (1/139)
صفحة 140
فمتّفق أيضا على نجاستها، وكذلك كلّ مسكر أيضا عند الجمهور من علماء الأمّة،
لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم -:» بعثت بإراقة الخمر «، فدلّ على أنّها محرّمة بعينها لا يجوز الاستنفاع بها ولا بجميع فضلاتها من الخلّ والدّرديِّ وغيره؛ وقد زعم قوم أنّ الخمر ليست بنجسة، وأظنّ قولهم إنّما أُخذ من جهة الشدّة المطربة إذا حلّت فيها صارت محرّمة، وإذا ارتفعت ارتفع حكمها، والله أعلم.
و أمّا العشر المختلَف فيها فهي: القيء، و أبوال ما يؤكل لحمه من البهائم، والفرث،
و ذو ناب من السباع، وذو مخلب من الطير، والهرّ، والكلب المعلّم، والمشرك، وعرق السكران، والجلاّل من البهائم، وما كان في معناه.
أمّا القيء: فزعم قوم أنّه طاهر قياسا على البلغم، واتّفق أصحابنا على نجاسته لأنّه ينقض الوضوء، لقول الرسول - عليه السلام -:» من قاء أو قلس فليتوضّأ «، والمؤثر في نقض الطهارة هو النجس والأفعال المحظورة في الشرع؛ وكذلك القلَس إذا وصل إلى الفم أو الموضع (1/140)
صفحة 141
المحكوم عليه فيه أنّه يَنْجَس، وينقض الوضوء، ويعصي من بلعه، وأمّا إذا لم يبلغ حدّ الفم فلابأس به، والله أعلم.
وأمّا بول ما يؤكل لحمه: فقد اختُلف فيه أيضا، فقال قوم: هو طاهر، لحديث العُرنيين الذين مرضوا في المسجد،
فأمرهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوا إلى إبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها، ولقوله - عليه السلام -:
» إذا حضرتك الصلاة وأنت في مرابض الغنم فصلّ، وإذا حضرتك في معاطن الإبل فلا تصلِّ «، وقياسا على اللبن والعرق وسائر الفضلات؛ وقال آخرون: الأبوال تابعة للحوم، والمحرّم أكله نجسٌ بوله، والمحلّل على عكسه، وقال أكثر أصحابنا: إنّ الأبوال كلّها نجسة سواء كانت من بني آدم أو من البهائم،
لانّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - سمّى البول خبثا، وقال:» لايصلّ أحدكم وهو يدافع الأخبثين «، (1/141)
صفحة 142
وقال الله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ} [الأعراف:157]، فكلّ بول خبيث وكلّ خبيث حرام، فبول ما يؤكل لحمه كبول مالا يؤكل لحمه، كما أنّ دمهما متّفق على نجاسته وتحريمه،
والله أعلم.
ولم يقطع أصحابنا عذر من شرب أبوال المأكولات، واتّفق الجميع على أنّ أبوال المكروهات والمحرّمات حرام نجس، والله أعلم.
وأمّا الفرث والأرواث: فقد اختلف فيها أيضا، لكن أصحابنا وجمهور الأمة أجمعوا على أنّها طاهرة من جميع ما يؤكل لحمه،
لأمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - النفر الجنّيين بالتزوّد منه لعلف الدوابّ، فقالوا: يارسول الله إنّ بني آدم ينجّسونه علينا، فعند ذلك نهى - عليه السلام - أن يُستنجى بالعظم والروث؛ فلو كانت الأرواث نجسة لم يَنْه - عليه السلام - عن تنجيسها؛ وفي بعض كتب أصحابنا من أهل المشرق: أنّ الفرث نجس إلاّ ما تخلّص من الكِرْشِ إلى الأمعاء فلابأس به؛ وبعض أصحابنا (1/142)
صفحة 143
يكرهون روث البقرة الأنثى في زمان الربيع، لأنّه يجري على مجرى النجس؛
وكره بعضهم روث البغال والخيل إذا كان رقيقا، وكانت تعلف الشعير.
وأمّا ذو ناب من السباع: فاختلف فيه أيضا، فقال قوم: محرّم اللحم وجميع أجزائه و الفضلات الخارجة منه من الروث واللبن والعَرق والبلل بجميعه،
واحتجّوا بالنهي الوارد فيه عن النبيء - عليه السلام -، واحتجّوا على نجاسة أسْئاَرِها بقوله - عليه السلام - وقد سئل عن الحياض التي تكون في الفلاة وما يأويها من السباع والدواب فقال:
» إذا زاد الماء على قلّتين لم يحتمل خبثا «،
قالوا: فلو لم تكن السباع نجسة لم يكن للتفريق بين مازاد على القلّتين معنى؛ وقال آخرون: إنّ أسْئاَرَها طاهرة، واحتجّوا بقول الرسول - عليه السلام - حين سئل عن المياه التي تأوي إليها [السباع] فقال:» لها ما (1/143)
صفحة 144
أخذت بأفواهها ولكم ما غبر «، يعني: مابقي.
وهكذا اختلفوا في أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، فكرهها قوم لنهي الرسول - عليه السلام - عن أكل لحوم الحُمر الإنسية،
فكانت الخيل والبغال في معناها قياسا، لأنّها مركوبة غير مأخوذة منها الزكاة، وليست من الأنعام.
وذو مخلب من الطير: اختلف فيها أيضا، فحرّمها قوم بالكلّية لورود النهي عن أكل لحومها، فكان الروث والبلل وسائر الفضلات تابعة للحوم؛ وكرَّهها آخرون، والله أعلم.
وأما سائر الطيور من العصافير والحمام وغيرها فلا بأس بأكل لحمها وسؤرها، إلاّ ما كره أصحابنا من قتل ستّة أجناس منها لورود النهي عن قتلها،
قوله فيها أيضا ... الخ: الظاهر تذكير الضمائر في الجميع لأنّه عائد إلى ذي مخلب [من الطير].
قوله وكرَّهها آخرون: وكذلك أباحها أيضا آخرون، [واستدلّوا بظاهر الآية].
قوله فلابأس بأكل لحمها: أي مالم يكن مُحرِماً أو في الحرَم.
قوله من قتل ستة أجناس منها: فيه نظر، لأنّ الأجناس الستة ليست كلّها من الطير، ثمّ إنّه بقي النظر فيما كره أصحابنا قتله من الطير إذا ذبح هل يؤكل أو لا؟ وظاهر صنيع المصنف –رحمه الله يدلّ على أنّ في أكل لحمها وسؤرها بأسا، بدليل الاستثناء، اللّهم إلاّ أن يقال: الاستثناء من شيء مقدَّر وهو القتل، فكأنّه قال: فلا بأس بأكل لحمها وسؤرها وقتلها إلاّ ماكره أصحابنا، فيكون البأس راجعا للقتل فقط، والله أعلم، فليحرّر.
وقد وجدت (1/144)
صفحة 145
في ذلك حديثا عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:» لا تقتلوا ستا: الضفادع، فإنّ الذي تسمعون منها تسبيح وتقديس، وإنّ ابراهيم - عليه السلام - لما ألقي في النار استأذنت دواب البرّ والطير أن تطفئ عن إبراهيم النار فأذن الله للضفادع فأزكت عليها فذهب ثلثاها وبقي الثلث فأبدل الله لها بحرارة النار برد الماء؛ ولا تقتلوا النمل فإنّ سليمان - عليه السلام - خرج يستسقي [فـ]ـإذا بنملة رافعة يديها تقول: '' اللهم إنّا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن فضلك فاسقنا مطرا تنبت لنا به ثمرا''، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم؛
ولا تقتلوا النحل فإنّها تضع لكم طيِّبا وتطعمكم طيِّبا؛ ولا تقتلوا الهدهد فإنّه أحبّ أن يعبد الله حيث لم يكن عُبد؛ ولا تقتلوا الصُرَدَ فإنّه كان دليل آدم من الجنة إلى الأرض أربعين سنة؛ ولا تقتلوا الخطّاف فإنّ دورانه الذي ترون جزع على بيت المقدس حين أحرق «،
فشدّد أصحابنا في قتل هذه الأجناس حتىّ جعلوا الدية على قاتلها درهمين لكلّ واحد منها، وجعلوا في الضفدع نعجة بجِزّتها، والله أعلم بهذا إن كان عن أثر أثروه أو عن نظر منهم روأه.
وأمّا الدجاج وما كان في معناه ممّا لا يمتنع عن أكل القذر: فإنّهم شدّدوا في روثه أنّه (1/145)
صفحة 146
نجس؛ ورخصوا في سؤره مالم يُعايَن النجس على منقاره في حين وقوعه في الماء؛ ونجَّسوا بيضه أيضا حتىَّ يُغسل.
وأمّا سائر الصيد من جميع ما أحلّ الله أكله من الظباء
والأرانب واليرابيع والثعالب والسلاحف وغيرها فمتّفق على تحليله وطهارته، وكذلك الضِباب أيضا؛ وأمّا الحيّات والأماحي وما شاكلها من الأفاعي واللغا
فقد ذُكر أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - حرّم ما كانت العرب في الجاهلية تستقذره، فما أشبه من هذه الأجناس الحلال فهو حلال، وما أشبه الحرام فهو حرام،
وقد شدّدوا في سؤر الأماحي والأفاعي والحيّات، والله أعلم.
وأمّا الهرّ: ففيه خلاف، والأصحّ أنّه طاهر لأنه من الطوافين والطوافات على الناس، ولحديث أبي قتادة أنّه أصغى إليه الإناء فشرب منه؛
ومن ذهب إلى نجاسته راعى أنّ الأصل فيه سبع؛ والفأر كذلك، فلعمري إنّهما لكما زعم، لكنّ الرخصة وردت في الهرّ للحاجة إليه ولتعذّر الاحتراز منه في البيوت، وتلحق به الفأرة (1/146)
صفحة 147
في تعذّر الاحتراز منها.
وأمّا الكلب المعلَّم: ففيه اختلاف بين أصحابنا، قال بعضهم بطهارته لعلّة صيانته عن أكل الخبائث؛ وقال آخرون: بل هو لاحق بالحكم الأصلي في الكلاب من النجاسة؛ ولم تتّفق الأمّة على نجاسة الكلاب أيضا، فمن ذهب إلى نجاستها احتجّ بأمر النبيء - عليه السلام - بغسل الإناء من ولوغها فيه سبعا، أولاهنّ وأخراهنّ بالتراب؛ ومن ذهب إلى طهارتها احتجّ بقول الله سبحانه: {فَكلُوا مِمَّآ أَمْسَكنَ عَلَيْكم} [المائدة: 04]، ولم يأمر بغسل الموضع الذى أمسك منه الكلب، ولأنّه من الطوافين والطوافات قياسا على الهرّ،
وحَمَلَ الأمرَ بغسل الإناء من ولوغه على جهة التعبّد، والله أعلم، وهو مذهب مالك بن أنس المدني ومن قال بقوله، والله أعلم.
وأمّا المشرك: فمجمع أيضاعلى نجاسته، لقول الله تعالى: {إِنَّمَا المُشْرِكونَ نجَسٌ} [التوبة: 28]، ومن العلماء من حمل لفظ النجس الوارد فيه على جهة الذم لا أنّ عينه نجسة، والله أعلم، وجمهور العلماء على نجاسته.
والمشرك عند أصحابنا نوعان: كتابيٌّ، ومَن سواه من مجوسي أو وثني؛ فالكتابي: فيه اختلاف بين أصحابنا، فمن ذهب إلى طهارة بللَهِ احتجّ بقول الله تعالى: {وَطَعَامُ الذِينَ أُوتُواْ الكِتابَ حِلٌّ لَّكُم} [المائدة: 05]، لأنّ الطعام وإن كان المراد به هاهنا الذبائح فلفظه عامّ، واحتجّ أيضا بأكل النبيء - عليه السلام - العظْم المسموم الذي أهدته له اليهودية، وأحسب أنّي وجدت في بعض الآثار أنّها قصعة [من] ثريد مع لحم، (1/147)
صفحة 148
والله أعلم؛ وأجاز بعضهم الغسَّال من أهل الكتاب، وبعض كرِهه،
وروي أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - أمر أن تُغسل آنية أهل الكتاب إذا احتيج إليها، فدلّ [هذا] على نجاستهم، و الله أعلم.
وأمّا عرق السكران: ومن كان في معناه من جميع من يشرب الخمر،
وكذلك لبن المرأة الشاربة للخمر، وبيض ما يشرب النجاسة أو يأكلها، ففي الكلّ خلاف، وعند مشايخنا [رحمهم الله] أنّ الجلاَّل من الناس الذي يشرب الخمر يُتقى البللُ منه يوما وليلة، وهو مقدار ما يبقى الطعام في جوف الإنسان، وقيل فيه غير ذلك.
وأمّا الجلاَّلة من البهائم: فقدروي فيها أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل لحوم الجلاَّلة وشرب ألبانها، وأن يحجّ عليها؛ وهي عند أصحابنا: التى لا تعلف إلا العذرة ولا تخلط معها شيئا من المرعى؛ وفي أثر مشايخنا [–رحمهم الله]: أنّها لا تكون جلاَّلة إلاّ بأكل الميتتة أو الدم أو لحم الخنزير عند بعضهم، وقيل غير ذلك؛
فعرق الجلالَّة (1/148)
صفحة 149
وبللها نجس كما قدّمنا وكذلك كلّ ما لا يُصانُ من البهائم عن أكل النجاسات فعرقها وبللها نجس.
وقد جعل أصحابنا لكلّ شيء من ذلك إذا أقلع عن أكل النجَس مدّة ينتهي إليها فيُحكمُ بطهارته، فجعلوا لجلاَّلة الإبل من أربعين [يوما] إلى عشرة أيام، وللبقرة من ثلاثين إلى سبعة، وللشاة من عشرة إلى ثلاثة، وللإوزّة من خمسة إلى ثلاثة إلى يوم، وللدجاجة من ثلاثة إلى يوم، وقيل إنْ ذبُحت ونُزع ذلك منها وغسلت أنّها تؤكل ولو في يومها، ورُخِّص أيضا في لبن الشاة إذا شربت النجس، والله أعلم.
المقدّمة الثالثة
فيما تُزال عنه هذه النجاسات وبما تزال به من الأشياء والجهات
أمّا الأشياء التي تزال عنها النجاسة: فهي ثلاثة بلا خلاف، أحدها: الثياب لقول الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدّثر: 04]، ولأمر النبيء - عليه السلام - بغسل الثوب من دم الحيض، وغسله من المني أيضا؛
والثاني: الأبدان، لماروي أنّه - عليه السلام - أمر بغسل المني منه أيضا؛ والثالث: المساجد ومواضع الصلاة [أيضا]، لأمره - صلى الله عليه وسلم - أن يُصبّ على بول الأعرابيّ ذَنوبٌ من ماء حين بال في المسجد، (1/149)
صفحة 150
ولصبّه الماء أيضا على ثوبه من بول الرضيع،
ولأمره بغسل رأس الذكر من المني، وأن يُنضح عليه الماء من المذي، والله أعلم.
وأمّا الأشياء التي تُزال بها النجاسة: فهي بالجملة عشرة، بعضها منطوق بها في السنّة وبعضها مقيس عليها، أحدها الغسل، والثاني المسح، والثالث النضح، والرابع الوطء، والخامس الرشح، والسادس الزمان، والسابع الدِّباغ، والثامن التترّب، والتاسع الريح والمطر، والعاشر النار.
أمّا الغسل: فهو عامّ في جميع النجاسات، ويختص بالماء دون سائر المائعات على اختلاف في بعضها، وسنذكر أحكام المياه و أقسامها إن شاء الله.
اعلم أنّ المطهِّر للحدث والخبث هو الماء من سائر المائعات، قال الله تعالى: {وَأنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، وقال: {مَآءً لِيُطَهِّرَكمْ بِهِ} [الأنفال:11]، فالطهور والفعول للطهارة وهو أبلغ في اللغة من فاعل.
ثمّ المياه أربعة أقسام، أحدها: الماء المطلق وهو الباقي على أوصاف خِلْقَتِه من غير مخالط له فهو طهور، كماء المطر والبحر، وماء البئر والنهر، وما قام عنها من القِلات والغدران وماء السباخ على أيّ صفة كان من أصل الخِلقة، ويلحق بهذا التقسيم المتغيّر بطول مكث، أو تراب أو زرنيخ بجريه عليها، أو بطحلب،
أو [بـ]ـكلّ ما كان من قراره أو متولّد عنه ولا ينفكّ غالبا.
القسم الثاني: الماء المقيّد المضاف إلى ما وقع فيه، مثل ماء العُصْفُر والزعفران واللَّكِ (1/150)
صفحة 151
والفوت وأشكالها من المضافات، فهذا الماء يجزي في غسل النجاسات، واختلف فيه في رفع الأحداث.
القسم الثالث: الماء المضاف إلى الخارج منه، كالماء المعتصَر من النبات، والمستخرَج من الفواكه والبقول، فهذا الماء مزيل للنجاسة غير رافع للحدث، والله أعلم.
القسم الرابع: الماء المستعمل للوضوء والاِغتسال، وقد تنازع العلماء فيه مع اتّفاقهم على طهارته،
وقد روي أنّ أصحاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقتتلون على فضل وضوئه، وغلا بعضهم حتى زعم أنّ اسم الغسَّالة أحقّ به من اسم الماء فيما وجدت، والله أعلم.
فالأوّل طاهر مطهِّر بإجماع، والثاني طاهر مطهِّر إذا لم يتغيَّر أحد أوصافه،
والثالث طاهر غير مطهِّر باتّفاق، والرابع كذلك على القول المشهور عند الجمهور، إلاّ قولا شاذًّا روي عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وهو محْجوج عند الجميع، والله أعلم.
وأمّا الخلّ والنبيذ واللبن والزيت: فقد قالوا: إنّ هذه الأشياء تنزع النجس ولكن لا يحلّ أن يُتعمّد تنجيسُها، إلاّ ما ذكر عن أبي حنيفة أنّه أجاز الطهارة بالنبيذ محتجًّا بحديث ليلة الجنّ، (1/151)
صفحة 152
وذلك زعموا أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - سأل ابن مسعود هل معك ماء؟ فقال: معي نبيذ فقال: ثمرة طيّبة وماء طهور، والله أعلم.
فصل
و أمّا أحكام الماء المطلق: فأحدها ماء المطر فالحكم فيه الطهارة، لقول الرسول - عليه السلام -:» خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه [شيء] إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته «،
فاختلف فيه إذا لم تجتمع الأوصاف الثلاثة، فقيل: هو باق على أصل طهارته، وقيل: هو نجس؛ واختلف فيه أيضا إذا حلَّته النجاسة ولم تغيّر أحد أوصافه، فقيل: هو طاهر قليلا كان أو كثيرا، وقوم فرَّقوا بين القليل والكثير،
فقالوا: القليل ينجس والكثير لا ينجس، وحدّوا القليل منه بما دون القلَّتين، وهما قِربتان ونصف بقلال هَجَرْ عند بعضهم، وقيل: هما مقدار خمس مائة رطل، وحدّ الكثير منه بحيث يُحرّك طرفه فلا يتحرّك الطرف الآخر، وقوم لم يحدُّوا في ذلك حدًّا؛
و إنّما وقع (1/152)
صفحة 153
التنازع في هذا لقول النبيء - عليه السلام -:» إذا زاد الماء على قلتين لم يحتمل خبثا «،
ونهيه - عليه السلام - الجُنب أن يغتسل في الماء الدائم أو قال: الراكد فقيل لأبي هريرة: كيف يفعل؟ فقال: يتناوله تناولا، وهذا يدلّ على قلته، ونهى أن يبول أحد في الماء الدائم ثمّ يتوضّأ منه، والله أعلم.
وأمّا ماء البحر: فإنّ الحكم فيه الطهارة؛ وقد اختلف فيه أيضا،
فقيل: لا يتوضأ به إلاّ في حال الضرورة، وقال بعضـ[ـهم]: التيمّم أحبّ إليّ منه، و جمهور العلماء على ما قدّمنا، لقول النبيء - عليه السلام - وقد سئل عنه:» هو الطهور ماؤه والحلّ ميتته «.
وهكذا ماء البئر أيضا: فالحكم فيه الطهارة، فإن خالطته نجاسة أو ميتة نُزعت منه أربعون دلوا للسنّة إذا كان ماء البئر غزيرا، وإن كان قليلا نُزح كله،
لما روي أنّ ابن عبّاس وابن الزبير نزحا زمزم لزنجيّ مات فيه؛ ونزح الماء إنّما يكون بعد إخراج الميتة أوّلا، واتّفقوا أنّه لا يجب غسل جوانب البئر، وأنّها إذا نزحت فقد طهرت هي والدلو جميعا، ولم يقطعوا أيضا بنجاسة الماء الذي يغرف للسنّة، وقد قال بعض: لا تجب السنَّة في البئر إلاّ من الميتة أو الدم أو لحم الخنزير، والله أعلم.
وكذلك ماء النهر الجاري: (1/153)
صفحة 154
الحكم فيه الطهارة على كلّ حال، وإن وقعت فيه الميتة أو النجاسة؛ إلاّ إن كانت الميتة أو النجاسة في مجراه فغمرت الماء كلّه، أو أُهرق فيه بول أو دم فغمر الماء كلّه، ولم يظهر منه إلاّ ما لاقاه فإنّه حينئذ ينجس؛
والماء الجاري [و] لو كان رقيقا فإنّه لا ينجس بوقوع النجس فيه إلاّ إن غمره كما قدّمنا، وأمّا إن كان [الماء] يجري إلى الساقية ولا يخرج منها أو يخرج منها ولا يجري إليها فوقع فيه نجس ففيه اختلاف، والله أعلم.
فصل في أحكام الغسل بالماء
اعلم أنّ الماء أقوى مادّة في غسل النجاسة لأنّه يُذهب العين والأثر، فكلّ نجاسة ممّا لا يُرى لها عين قائمة كالبول والماء المنجوس وما في معناهما فثلاث غسلات تجزي في إزالتها، لقول النبيء - عليه السلام -:» إذا انتبه أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتّىيغسلها ثلاثا «،
فسواء كانت النجاسة على اليد أو غيرها من البدن والثوب، أو جُعل الثوب في الحوض فأعيد له الماء ثلاث مرّات فإنّه يُحكم بطهارته كما قدّمنا.
وإن كان النجس على الحائط الأملس فإنّه يُذرّ التراب تحته ويغسل الحائط فيقع الماء على التراب ثمّ يُكنس فيرمى به خارجا.
وإن كانت النجاسة في بيت أو مسجد فأراد الإنسان غسلها بالماء فإنّه يفتّتها إذا كانت ممّا لها عين قائمة كالدم والنطفة والقيء، ثمّ يدير بها التراب فيصبّ الماء في الموضع المُدار به التراب فيتركه حتّى ينشف، ثمّ يُكنس ويُعاد في موضعه تراب آخر ثلاث مرّات.
وأمّا النجس القائم العين فلا بدّ من إزالة العين مع الأثر،
وتُغسل حتىّ لا تنتقص، (1/154)
صفحة 155
وما دامت الغسالة متغيّرة فالمحلّ نجس؛ وأمّا بقاء الرائحة فلا بأس بها بعد زوال العين؛ وفي إزالة النجاسة بالريق والمخاط قولان.
وإن كان النجس في أواني الطين فليجتهد في غسلها ثمّ يملأها ماء فيتركها ليلا ثمّ يُراق نهارا، أو يُقام في الشمس، يُصنع بها هذا ثلاثا،
وقال من قال يوما وليلة، ثمّ يُحكم بطهارتها.
وإن كانت الخابية ماتت فيها فأرة فإنّها توقد فيها شعلة نار لكي يحترق الشعر اللاصق بها ثمّ تغسل كما قدّمنا.
وإن كان كوز ضيّق العنق جُعل فيه الماء مع الحصباء ثمّ يخضخض فيه مع إبدال الماء ثلاث مرّات ثمّ يُحكم بطهارته.
واعلم أنّ الماء يزيل النجاسة من أيّ محلّ حلّت به من الأرض وجميع أجزائها ونباتها، المعمول منها وغير المعمول، وكذلك الحيوانات وجميع أجناسها، والثياب وجميع أنواعها،
إلاّ ما يتعذّر إخراج النَّجس منه، إذا عجن به الأشياء، أو طبخ فيها، أو اختمر معها، أو وقع عليه الودك أو الدهن في الثوب أو غيره من الأوعية بعدما سبق إليها، أو خِيط الثوب أو عُقد مع النجس، أو صُبغ بصباغ منجوس،
أو جُعل للحم ملحٌ منجوس، أو ما أشبه هذه الوجوه، من إدهان الرأس بدهن منجوس أو غيره من أجزاء الحيوان، أو عُقد الشعر على النجس، فإنّ هذا وأمثاله تتعذّر طهارته حتّى يُحلّ جميع ما عُقد على النجس أو يُعرك حتّى تُتيقّن طهارتهُ، ويزال الدهن قبل غسل النجس، وبالله التوفيق. (1/155)
صفحة 156
فصل في المسح: اعلم أنّ المسح منطوق به في السنّة لثلاثة أشياء، أحدها: في مسح أذى المخرجين بالأحجار، الثاني: في الخفين والنعلين لقوله - عليه السلام -:» إذا وطئ أحدكم الأذى بنعليه فإنّ التراب له طهور «، والثالث: في ذيل المرأة الطويل لحديث أمّ سلمة قالت: يارسول الله إني امراة أطيل ذيلي و أمشي في المكان القذر، فقال:» يطهّره مابعده «، وهذا لمّا كانت المرأة مأمورة بإطالة الذيل جعل الشارع ما بعده مطهِّراً له كما قدّمنا في الحديث، وهذا عند العلماء فيما وجدت إذا كان الذّيل جافا،
والمعنى: أنّه (1/156)
صفحة 157
ينثره لجفافه، وإن كان رطبا فلا بدّ من غسله كسائر النجاسات، فوردت السنّة بالمسح في هذه الوجوه الثلاثة؛ فأجازه قوم في أيّ محل حلَّته النجاسة إذا ذهبت عينها، وقوم قصروه على الوارد المتفق عليه في السنّة؛ والظاهر من قول أصحابنا أنهم أجازوه في كلّ جسم أملسٍ من الحديد والحجارة وأمثالها، ولم يجيزوه في الثياب ومحلّ الشعر من الأبدان والفروج وشقوق الأرجل، وما أشبه ذلك ممّا لا ينعري من النّجس غالبا إذا وقع فيه؛ وقد أجازوه في ضرع الشاة إذا بالت عليه فتمرّغت في التراب، أو كان على ظهرها أو على منقار الدّجاجة أو ما أشبه ذلك إذا زال أثره، فحكموا بطهارتها، والله أعلم.
وقالوا: إذا نجست يد الرجل فطلع بها نخلة أو حفر بها أو بنى أو احتطب أو عمل عملا يؤثِّر في إزالتها من اليد فقد طهُرت، وكذلك غير اليد من الحديد إذا قُطع به أوحُلق، أو نجست الرحى فطحن بها، أوحجرٌ فدُقّ به، أو ما أشبه ذلك حُكم بطهارته، وهذا إذا مُسح موضع النجس سبع مرّات بسبعة أحجار أو في سبعة مواضع، ...
وقيل: يجزيه ثلاث مرّات، والله أعلم.
و أما النضح: فقد وردت السنّة به في ثلاثة أشياء، أحدها: الحصير في حديث أنس بن مالك حين أكل النبيء - عليه السلام - طعاما عند جدّته، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس فنضحته بالماء؛ ولم أر أصحابنا يعتبرونه إلاّ في الحصير إذا أرادواْ أن يغسلوا عليه الميّت ...
فإنّهم قالوا: تنضح بالماء لئلاّ يسبق إليه النّجس؛ الثاني: بول الرضيع في حديث عائشة - رضي الله عنه - ا قالت: كان يؤتى النبيء - عليه السلام - بالصبيان فيحنِّكُهم، فأوتي بصبي لم يأكل الطعام (1/157)
صفحة 158
فأجلسه في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله؛ ولم يعتبره أصحابنا في هذا الحديث،
و قد وجدت أنهم يعتبرونه في أبوال المأكولات إذا بالت على غرائر الطعام أنهم قالوا: يُصبّ على البول الماءُ فتُكفأ الغرارة، والله أعلم؛ الثالث: في المذي يصيب الذكر، فأمر - عليه السلام - أن يُنضح الذكر بالماء، وذلك في حديث عليّ حين سأل المقداد بن الأسود أن يسأل النبيء - عليه السلام - عن رجل دنا من امرأته فخرج منه مذي، فقال:» إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ذكره بالماء «؛ وقال بعض العلماء: الغسل طهارة ما تُيقن نجاسته، والنضح ما كان مشكوكا فيها.
وقوم فرَّقوا بين بول الغلام والجارية، فقالوا: ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية.
وأما الوطء: فقد وردت به السنة كما قدّمنا في النعلين، لحديث أبي هريرة عن النبيء - عليه السلام - أنّه قال:» إذا وطئ الأذى أحدكم بخفّيه فطهْرهما التراب «؛ (1/158)
صفحة 159
فقال أصحابنا: إذا وطئ الرجل بنعليه أو خفّية نجسا فإنّ طهارتهما أن يمشي بهما حتى يزول الأثر، وقيل: سبع خطوات، وهذا إذا ذهب أثره، وهذا إذا لم تلتصق النجاسة به وأمّا إذا التصقت فلا بدّ من الماء؛ وأمّا الرِّجل إذا نجست فلا ينقيها المشي، وقيل فيها غير ذلك إذا لم يكن فيها شقاق.
وأما النّار: فإنها تزيل النّجس عند أصحابنا من الأرض وما كان معمولا من أجزائها من أواني الطين والحديد وأمثالها، لأنّ النّار تأكل النّجس إذا أُلقي فيها، وقالوا: التّنور والفرن يطهّران مبلغ حرارتهما، وتطهّر الحديدَ وغيره إذا أحمي فيها، وكذلك أواني الطّين إذا سبق إليها النّجس أنها تُحمى في النار،
و الموضع المنجوس من الأرض إذا أوقد عليه النارمقدار ما لا تحتمله اليد فإنه يطهُر بذلك، والله أعلم.
وأما الزّمان: فإنه ينقّي النجس من الأرض وما تولّد من أجزائها دون المعمول من نباتها،
على قدر اختلافهم في تحديد ذلك في الصيف والشتاء، وخارج البيوت وداخلها؛ وكذلك النبات والثمار المتصلة بالأرض دون البائنة عنها ينقّيها الزمان، وقيل غير ذلك في البائنة عنها، والله أعلم.
وروي عن عمروس بن فتح رحمه الله أنه أمر بتين بال عليه الجديان أن يُنشر للشمس،
وكذلك قيل في جوابات [الإمام] أبي سهل أنه رخّص في ثمار نخيل أصابها روث ذي مخلب من الطير (1/159)
صفحة 160
أن تُقشّر وتؤكل، والله أعلم.
وأما الدّباغ: فإنّما هو طهارة الأديم، لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم -:» دباغ الأديم طهارته «؛ و قد اختلفوا في جلود الميتة أيضا، فمنع الانتفاع بها قوم على كلّ حال،
وأجاز آخرون الانتفاع بها بعد الدباغ، لقوله - عليه السلام -:» أيما إهاب دبغ فقد طهر «، وقوله - عليه السلام -:» إنما حُرِّم أكلها «، فدباغ أديم الميتة طهارته، كما أنّ طهارة أديم المذكاة ذكاته.
و كيفية الدّباغ: نزع الفضلات بالأشياء المعتادة عند الناس، كقِشر الشجر من الطرفاء والجوز والرتم وأشباهها، ويكون الدّباغ بالثمار أيضا كالتين والتمر والزيتون وغيرها من ثمار الشجر البري؛ واختلف في الملح والشمس والتراب وأشباه ذلك، ...
وقد ذُكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:» الشمس والملح دباغ «.
واختلف أيضا في قرون الميتة وعظامها وأظلافها، هل يؤثر فيها الدّباغ؟ فقيل: تطهر بالدباغ، وقيل: لا يؤثّر فيها؛ واختلف في صوف الميتة وشعرها، فقيل: لا يؤثر فيها الدّباغ إلاّ إن كانت متّصلة بالجلد غير بائنة، وقيل: يؤثر فيها وإن كانت بائنة عن الجلد، والله أعلم.
ثمّ اختلف في بيع المدبوغ من جلود الميتة، والصلاة به،
فقيل: [إنّه] جائز لأنه طاهر الباطن والظاهر جميعا، وقيل: طهارته مخصوصة بالاستعمال في اليابسات و في الماء وحده من بين سائر المائعات، والله أعلم.
وأما التّترّب: فهو طهارة صوف الميتة ووبرها، وذلك أنهم قالوا: تُترّب بما لا يلتزق بها كالتربة البيضاء و الجبس و الرّمل و نحوها سبع مرات بسبعة أعواد في (1/160)
صفحة 161
سبعة أمكنة،
وقيل: يكفي فيها ثلاث مرات بثلاثة أعواد في ثلاثة أمكنة؛ و أما ما يلتزق بها كالثرى و تراب السّباخ والرّماد ومدقوق النّبات فلا يُطهّرُها، وكذلك الغسل بالماء لا يطهِّرها إلاّ إن اختلط مع التراب والتربة البيضاء، و الله أعلم.
و إن وُجد فيها جلد الميتة ملتزقا بها فلا ينقيها التترب ولا الغسل حتى يُنزع عنها؛ وإن عُمل منها الثياب قبل التترُّب فإنها تغسل بالماء مع التربة البيضاء، والله أعلم.
وأمّا الرّيح والشّمس والمطر: فإنها طهارة الأرض، وجميع أجزائها ونباتها المتّصل بها وما يخرج من معادنها؛ و اختلف في الثمار البائنة عنها، وفي [الـ]ـــمعمول [من] نباتها.
و اختلف في المدّة التي تَطهُر فيها بالشمس والريح، فقيل: سبعة أيام في الصيف، وأضعاف ذلك في الشتاء، وقيل: غير ذلك.
و إذا ذهب عين النجاسة عن الأرض بشمس أو ريح أو وطء أو مدّة كما قدّمنا فقد طهُر المحلّ ولو بقي الأثر.
وكذلك الأثر إذا بقي في الثوب بعد الغسل حتى لا ينتقص [به] فإنه يطهر؛ وكذلك إذا ذهب الأثر وبقيت الرائحة في الأرض أو في الثوب فلا بأس.
أمّا معاطن الإبل وأمثالها من المزابل والمجازر فإنهم قالوا: لا ينقّيها إلاّ مطر سنة وريحها، وقيل: معاطن الإبل الرّملية إذا ذهب أثرها بالرّيح والشمس فقد طهُرت.
و إذا كان النّجس في موضع لا تصل إليه الشّمس والرّيح فإنهم قالوا: الدّهر (1/161)
صفحة 162
طهارتُه، وينقّي الأرضَ وجميع أجزائها ونباتها المتصل بها إذا لم يكن معمولا، والله أعلم.
واختلف في الدّهر فقيل: هو سنة، وقيل: ستة أشهر، وقيل: [ثلاثة] أشهر، وقيل: شهران اثنان، وقيل: أربعون يوما، والله أعلم.
و أما الرّشح: فهو طهارة القلال الراشحة؛ ومواضعِ الزقاق المُبْتًلَّة، إذا بلغها النّجس من خارجها فرشحت الماء حتى زال أثر النّجاسة فقد طهرت وطهُر جميع ما بلغ بللها.
والفاكهة إذا غذيت بالماء المنجوس فقيل: طهارتها أن تسقى بالماء الطاهر ثلاث مرّات. وكذلك القلال المطبوخة بالعذرة قيل: طهارتها أن تحمى بالحطب الطاهر ثلاث مرّات.
وقد قالواْ أيضا: الكنس طهارة الموضع المنجوس إذا كُنِس سبعا، وقيل: ثلاثا، وهذا إذا زالت عين النّجس.
واختلف في دخّان النّجس وجميع ما يقوم عن مواضعه من الغبار ودخان الحطب المنجوس ورماد النّجس وما أشبه ذلك،
فقيل: ما قام من النجس فهو نجس على حكم الأصل، وقيل: ما قام من النّجس طاهر لأنّ النّجس أكلته النار، والله أعلم [وأحكم]، وبه الحول والتوفيق.
المقدّمة الرّابعة في الاستنجاء
ومعنى الاستنجاء إزالة [النّجس، من] النّجو، وهو الحدث بنفسه، وتسميته بذلك تجوُّزٌ واتّساعٌ، كما يسمّى غائطا، فالنّجو: المكان المرتفع في لغة العرب، كما أنّ الغائط: المكان المنخفض، فسمّوا المكان باسم الحدث توسّعا ومجازا.
ويتفرّع من هذه المقدّمة فصلان يشتملان على معاني الاستنجاء،
لأنه لابدّ فيه من وجهين، أحدهما: استطابته بالأحجار لإزالة العين المجتمعة، والثاني: الجمع بينها وبين الماء لإزالة العين والأثر جميعا. (1/162)
صفحة 163
الفصل الأول في الاستجمار
و قد تقدّم ذكره، ولكن صفة المستجمَر به ثمانية أشياء، وهو أن يكون طاهراً احترازا من العذِرة وغيرها من الأنجاس، جامدا احترازا من المائعات كاللبن و العسل وغيرهما،
منفصلا عن البدن احترازا من اليد و غيرها من البدن، منقّيا احتراز من الزّجاج والفحم والحديد الأملس ونحوه، ليس بذي مطعوم احترازا من الحبوب والثمار و ما قام عنها من الطعام و ما انفصلت عنه من قصب الزّرع وشماريخ النّخل ونحوها، ولا بذي حرمة احترازا من الملح والطعام وجدرات المساجد ومحلّ الكتابة من الألواح والأوراق ونحوها، ولا متعلّق به حقّ الغير احترازا من الرّوث والعظم و غيرهما من جميع ما لا يملكه ممّا ليس الناس فيه سواء، و لا فيه سرف احترازا من الذّهب والفضة والجواهر النفيسة.
وسنن إزالة هذه النجاسة من المخرجين خمس، إحداها: كون الأحجار وترا، ثلاثا فما زاد كما قدّمنا، والثانية: مباشرة ذلك بالشّمال، والثالثة: اتّقاء الاستنجاء بالعظم و الروث، والرابعة: البداية بالقُبل قبل الدّبر، والخامسة: الاستبراء من البول قبل ذلك بالنّتر والسّلت كما قدّمنا قبل هذا، والله أعلم.
الفصل الثاني في كيفية الاستنجاء بالماء
ولابدّ عندنا فيه من الجمع بين الماء والأحجار، فالأحجار لتخفيف العين عن الموضع، ثم الماء للإنقاء و إزالة الأثر؛ وقد قال بعض أصحابنا فيما و جدت عنهم: إذا لم يفض البول على ثقبة الذكر أو رمى الغائط عن الدبر رميا أنه ليس عليه استنجاء، قال: لأنه مأمور بإزالة ما ظهر من النّجاسة دون ما بطن، (1/163)
صفحة 164
ووجدت مثل ذلك عن أكثر مخالفينا، و هذه الرّخصة موجودة عن ابن عباس وغيره من الصّحابة والتّابعين؛
وأمّا المعمول به عند أصحابنا أنه لابدّ من الماء، لأنّ ما قدّمناه إنما كان في الصّدرالأوّل حين قالت عائشة - رضي الله عنه - ا: إنما كانوا يتبعّرون بعرا و أنتم تثلطون ثلطا.
وقد أثنى الله تعالى على أهل قباء في إمرارهم الماء على أثر البول و الغائط، فدلّ ذلك على أنّ الجمع بين الأحجار والماء في الاستنجاء أفضل وأولى. والمستحب في صفة استعمال الماء أن يصبّ الماء على اليد قبل مباشرتها النجاسة والأذى فيغسلها ثلاثا، ثمّ يجلس على المستحمّ متمكّنا على غير موضع صُلب أو مكان نجس لئلاّ يتطاير عليه من الغسالة شيء ثمّ يذكر الله تعالى مبتدئا بغسل محلّ البول أوّلا، ثم ينتقل إلى محلّ الغائط فيرسل الماء ويوالي الصّب على يده اليُسرى غاسلا بها المحلّ، ويسترخي قليلا ليتمكّن من الإنقاء، ويجيد العرك حتى ينقى وتزول اللزوجة وتطمئنّ النفس وتطيب، ويزول الشكّ عنها من غير تحديد [عدد]، لأن ذلك يختلف بالقلّة والكثرة والغلظة والرّقة؛ فإن أحدث بالرّيح ملاقيا للبلل قبل جفوفه أمرّ الماء عليها، ولا تضرّه الرائحة الباقية بعد الاستنجاء؛
ثم ينفصل عن المستحم بذكر الله تعالى والدعاء إليه، يقول:» اللهم حصّن فرجي بالإسلام، وطهّر قلبي من النّفاق، وجسدي من النّجاسات، و زوّجني من الحور العين برحمتك يا أرحم الرّاحمين «.
فآداب الاستنجاء بالماء أيضا خمس،
أحدها: أن يكون ذلك على المستحم؛ والثانية: أن يبدأ [أيضا] بذكر الله تعالى قاصدا محلّ البول أوّلا؛ والثالثة: صبّ الماء على اليد مرّة بعد مرّة؛ والرابعة: الاستنجاء بالشمال؛ والخامسة: الدعاء عند الفراغ كما قدمنا.
فإذا فرغ من الاستنجاء (1/164)
صفحة 165
غسل كلّ نجاسة لاقت بدنه من بول أو غائط أو دم أو غيره، لأنه لا يصحّ له الوضوء إلاّ بعد نزع جميع الأنجاس من بدنه، فإن توضأ ونسي ذلك فعليه إعادة الوضوء بعد إزالتها من البدن، لأنه لا يجوز له القيام إلى الصلاة حتى يجتمع له اسمان طاهر ومتطهر، فالطاهر من الأنجاس، والمتطهر من الأحداث، [والله أعلم]، وبالله التوفيق.
باب في الطهارة المشروعة للصلاة
اِعلم أنّ الطهارة المشروعة لأداء الصلاة تنقسم أربعة أقسام، أحدها: الطهارة من الأنجاس و قد تقدّم ذكرها؛ الثانية: طهارة الوضوء من الأحداث؛ الثالثة: الطهارة بالتيمّم عند عدم الماء، و هي بدل من الوضوء،؛ الرابعة: الطهارة من الأحداث والجنابات.
و هذا الباب يشتمل على خمسة فصول،
أحدها طهارة الوضوء من الأحداث
وهذا الفصل ينقسم قسمين، أحدهما: في كيفية الوضوء، والثاني: في نواقضه.
القسم الأول في الوضوء وكيفيته
اِعلم أنّ الوضوء مفتاح الصلاة، وهو فرض و اجب بالكتاب والسنّة وإجماع الأمّة، أما الكتاب: فقول الله تعالى: {يَأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية [المائدة: 06]؛ ومن السنة: قول الرسول - عليه السلام -:» «،
وقوله:» «وأما الإجماع: فلا أحد يخالف في فرضه. (1/165)
صفحة 166
و أقسام الوضوء أربعة، وهي: فرض، و سنّة، و فضيلة، و مباح. ففروضه خمسة، أحدها: لأداء الصلوات الخمس للمُحدِث، والثاني: للجمعة، والثالث: لصلاة الجنازة، والرابع: لطواف الإفاضة، والخامس: لطواف العمرة. وسننه أربع، أحدها: الوضوء لصلاة السنن،
والثاني: لطواف الوداع، والثالث: لمسّ المصحف، والرابع: للمجنب إذا أراد أن ينام.
وفضائله أربع، [أحدها]: الوضوء للنوم، والثاني: لقراءة القرآن، و الثالث: للدعاء، و الرابع: لدخول المسجد. ومباحه نوعان، أحدهما: لركوب البحر و شبهه من المخاوف، والثاني: ليكون به على طهارة من غير إرادة الصلاة به، والله أعلم [و أحكم].
فصل في أحكام الوضوء
اِعلم أنّ الوضوء ينقسم إلى فرائض وسنن وفضائل. ففرائضه ستّ، الأولى: الماء المطلق الذي لم يتغيّر أحد أوصافه وقد تقدّم ذكره؛ والثانية: النيّة عند التلبّس به مع استصحاب حكمه؛ والثالثة: غسل الوجه بالاستيعاب؛ والرابعة: غسل اليدين مع المرفقين؛ و الخامسة: مسح الرأ س، والسادسة: غسل الرجلين مع الكعبين، والله أعلم.
أماالنية: فهي شرط في جميع العبادات لقوله تعالى: {وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين} [البينة: 05] الآية،
ولقول النبيء - عليه السلام -:» إنما الأعمال بالنيات [ولكل امرئ مانوى] «، فحصر الأعمال إلى النية، ومعناها القصد إلى الفعل باعتقاد من القلب والعزيمة عليه بالجوارح؛ و النية مستدامة والعمل منقطع، فكلّ عمل خلا (1/166)
صفحة 167
من النية فهو باطل، ولا تنازع بين أهل العلم في وقوع الحكم إذا اجتمع القول والنية؛ وكيفية اعتقاد النية للوضوء أن ينوي بها استباحة الصلاة ويقول عند إرادة الوضوء: " أرفع بوضوئي هذا جميع الأحداث، وأتوضّأ للصلاة طاعة لله ولرسوله - عليه السلام - ".
مسألة: اختلف الناس في الوضوء هل النية شرط في إيقاعه؟ فقال الجمهور: هي شرط فيه، و لا يصح إيقاعه إلاّ بها، وأجاز آخرون الطهارة بغير نية إذا أتى بصيغة الطهارة، وأظنّ أصحاب هذا الرأي يذهبون إلى أنّ الأمر بالنية حثّ وترغيب في نيل الثواب، كقوله - عليه السلام -:» «، و أجمعوا على أنه لو صلى في بيته كان مؤدّيا لفرضه؛ والمختار عند أصحابنا أن لا يكون الإنسان متطهِّرا لوضوءِ صلاةٍ أو غسل جنابةٍ إلاّ بقصد ونية،
لأن الوضوء عبادة غير معقولة المعنى، والعبادة الغير معقولة المعنى لا تؤدى إلا بالنية بإجماع.
مسألة: و في أثر أصحابنا: لو غسل إنسان بعض جوارحه ثمّ (1/167)
صفحة 168
نواها للوضوء وبنى على غسله ذلك أنه لا يجزيه لأنه قدّم عمله على نيته،
ولا تجوز الطهارة إلاّ بتقديم النية بأسرها، و إن نوى بوضوئه نافلة فله أن يصلي الفريضة بوضوئه ذلك، والله أعلم.
[الفرض] الثالث في غسل الوجه: والفرض في الوجه استيعاب جميعه بالغسل، وحدّ الوجه طولا: من منابت الشّعر المعتاد إلى منتهى الذَقن، وعرضه: من الأذن إلى الأذن، و قيل: من العِذَارِ إلى العِذَارِ، وقيل: إن كان نقيَّ الخدّ فكالأوّل، وإن [كان] اكتسى الشعَرَ فكالثاني؛ ومنشأ الخلاف التنازع في المواجهة، لأن الوجه ما واجه به الإنسان، فإذا كان موضع اللحية نقيا من الشعر وجب غسله باتفاق، وإذا ستره الشعر ففي إيجاب غسله خلاف؛
وأظن أنه قد ذُكر عن عمار بن ياسر–رحمه الله أنه قال:» كان الوجه قبل اللحية «، كأنّه يرى أن يُغسل ما تحت شعَرها؛ وقال آخرون: لا يجب عليه غسل ما تحت اللحية، واحتجوا بأنّ النبيء - عليه السلام - توضأ واحدة واحدة فقال:» هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به «، وليس في طاقة الإنسان إيصال الماء إلى أصول شعر اللحية الكثيفة بمرّة واحدة؛
وأيضا فإنّ المتيمّم لا يجب عليه أن يوصل التراب إلى أصول شعر اللحية، وقد قال الله تعالى: {فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكم} [المائدة:06]؛ واستحبّ العلماء تخليل اللحية من غير أن يوجبوها، فإن كانت اللحية داخلة في الآية فالتخليل لا يجزي عن الغسل، وليسـ[ـت] فيه سنّة مجتمع عليها فيثبت بها الفرض، والله أعلم.
وموضع الغَمم من الوجه أيضا يجب غسله، ويجب أيضا إيصال الماء إلى منابت الشعور الخفيفة التي تظهر البشرة منها بالتخليل، كالحاجبين والأهداب والشارب والعذارين وغيرهما، ولا يجب ذلك فيها إذا كانت كثيفة؛ والذي (1/168)
صفحة 169
يجب على الإنسان: إفاضة الماء على جميع وجهه وغسله بإمرار اليد عليه إلى أذنيه، ويغسل البياض الذي بين العارض والأذن، و يجمع لحيته و يخلّلها مع ما طال من شعرها، و الله أعلم.
وحقيقة الغسل نقل الماء إلى العضو مع الدّلك؛ وإن غسل الوجه واستوعبه ولم يخلّل لحيته فقد ترك الأفضل، لأنّ تخليل اللحية مأمور به في الشرع،
لما روي عن الرّبيع بن حبيب عن أنس بن مالك أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:» أمرني حبيبي جبريل - عليه السلام - أن أخلّل لحيتي «، والله أعلم.
الفرض الرابع: غسل اليدين مع المرفقين: لقول الله تعالى: {وَأَيْدِيَكمُ إِلَى الْمَرَافِق} [المائدة:06]، أي: مع المرافق، نظيره: {وَلاَ تاُكلُواْ أَمْوَالَهُمُ إِلَى أَمْوَالِكم} [النساء:02]، أي: مع، وقيل: {إلى} هاهنا لانتهاء الغاية، نظيره: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليْلِ} [البقرة:178]؛
والصحيح ما قدّمناه أوّلا، لأنّ المحدودات على و جهين، أحدهما من جنس المحدود فحدّه داخل فيه كالذي قدّمنا من المرفق والذراع لأنّ المرفق من جنس الذراع، والثاني محدود من غير جنسه فحدّه لا يدخل فيه كالذي قدّمناه في الآية من ذكر الليل لأنه ليس من جنس النهار، والله أعلم.
ويؤيّد ما قلنا من أنّ المرفق داخل في الذراع ماروي عن أبي هريرة في صفة وضوء النبيء - عليه السلام - أنه توضّأ فغسل يده اليمنى حتى شرع في العضد، ثمّ اليسرى كذلك، ثمّ غسل الرجل اليمنى حتى شرع في الساق، ثمّ اليسرى كذلك،
ثمّ قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ، وجمهور علماء الأمة على هذا القول، و الله أعلم [وأحكم].
مسألة: وإذا قُطع اليد من الساعد فإنه يجب على المتوضئ (1/169)
صفحة 170
غسل الباقي، ولو قطع من المرفق لم يجب عليه شيء لأنّ القطع أتى على جميع الذراع، والمرفق في الذراع، إلا أن يكون بقي شيء من المرفق في العضد و تعرفه العرب في كلامها فإنّ عليه غسله.
الفرض الخامس مسح الرأس: وقد اتفق الناس على أنه من فروض الوضوء، لقوله تعالى: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكم} [المائدة:06]، واختلفوا في القدر المجزي منه، فذهب بعض أصحابنا فيما وجدت إلى أنّ الواجب: مسح جميعه، ووافقهم على ذلك مالك بن أنس وبعض أصحابه،
واعتلوا بأنّ الباء في قوله: {برُؤُوسِكمْ} دخلت للتوكيد لا للتبعيض، استشهاد بقوله: {وَليَطَّوَّفوا بِالبَيْتِ العَتِيق} [الحج:29]؛ وذهب آخرون إلى أنّ مسح بعضه هو الفرض، ووافقهم على ذلك الشافعي وأبوحنيفة،
واحتجّوا بأنّ الباء المذكورة إنما دخلت للتبعيض، لأنّ ذلك موجود في اللغة العربية، واعتلوا بقوله تعالى: {تنْبُتُ بالدُّهْن} [المؤمنون:20]، وبما روي: أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - مسح ببعض رأسه في الوضوء، وروى آخرون أنّه مسح بناصيته،
والناصية بعض الرأس وهو مقدّمه، والعمل عند أصحابنا على هذا القول؛ وقد روي عن أبي عبيدة أنّ جابر بن زيد –رضي الله عنهما توضّأ وكان على رأسه عِمامة، قال: فأخّر (1/170)
صفحة 171
الكُمَّةَ عن رأسه ثمّ مسح بإحدى يديه مقدَّم رأسه ثمّ أعاد القُلَنْسِيَةَ.
ومن مسح رأسه بأقلّ من ثلاثة أصابع فإنه لا يجزيه، وكذلك لو مسح من رأسه أقلّ من ثلاثة شعرات فإنه لا يجزيه. وقد أجاز بعضهم أن يمسح رأسه ببلل لحيته،
وكره آخرون ذلك، وذُكر عن الربيع بن حبيب رحمه الله أنه قال: لا يكون عملان بماء واحد؛ وذُكر عن جابر بن زيد –رحمه الله أنه كره أن يغسل الرجل رأسه في الإناء ثمّ يفيض الماء على جسده، كأنه يذهب إلى أنه لا يجزيه. ومن ترك مسح رأسه حتى صلّى فعليه إعادة الوضوء والصلاة ناسيا كان أو متعمّدا.
والمستحب للمتوضئ أن يمسح رأسه بجميع كفيه من مقدّم الرأس إلى ماتحويه الجمجمة من خلف، أو إلى آخر منابت شعر القفا حتى يخرج من الاختلاف، وإن اقتصر على مسح بعضه أجزأه كما قدّمنا.
الفرض السادس: غسل الرجلين مع الكعبين: وقد اتفق الجميع على وجوبه أيضا،
واختلفوا في غسل الكعبين كاختلافهم في المرفقين، والأدلة فيهما واحدة؛ والكعبان هما العظمان اللذان [هما] عند مَعقد الشراك.
وليجتهد أيضا في غسل الرجلين مع الكعبين وتخليل أصابعهما، وليبالغ في غسل أخمص رجليه وعرقوبيه لأنه روي عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:» ويل للعواقب من النار، وويل لبطون الأقدام من النار «،
أراد بذلك من ترك عرقوبيه وباطن قدميه في الوضوء.
وقد استحبّ بعض أصحابنا أن يتعاهد تقليم أظفار رجليه، والله أعلم.
ومسنونات الوضوء ثمانية، أحدها التسمية: (1/171)
صفحة 172
لقول النبيء - عليه السلام -:» لاوضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه «،
أراد بذلك - عليه السلام - الترغيب في نيل الثواب الجزيل لذكر الله، وأحسب أنّ بعضهم قال: إذا ذكر المتوضئ الله - عز وجل - عند ابتداء وضوئه فقد طهر جميع جسده، وإلا فلا يطهر منه إلا ما غسل دون سائره، وهذا قول يقال.
والثانية، غسل الأيدي: و اختلف في أمره - عليه السلام - بغسل الأيدي، هل ذلك على وجه النظافة أو على وجه العبادة؟ فقولان، وقد جاء في الحديث: أنه توضّأ مرّة مرّة فقال:» هذا و ضوء لايقبل الله الصلاة إلا به «،
ثم ثنى فقال:» من ضاعف ضاعف الله له «، الحديث.
الثالثة، المضمضة: وهي تطهير باطن الفم، وأمّا غسل ما يظهر من الشفتين فواجب مع الوجه، وصفة المضمضة أن يأخذ الماء بفيه فيخضخضه ثمّ يمجّه، وينبغي له أن يدخل أصبعه في فيه ويدلك بها أسنانه، وإن كان يدمي لثاته بذلك
فيجزيه أن يخضخض الماء بلسانه، والله أعلم.
وصفة المضمضة إنما نقلت من فعله - عليه السلام - فثبتت أنها من سنته - عليه السلام -، والله أعلم
الرابعة، الاستنشاق: وهو غسل باطن الأنف،
وأمّا ما يبدو منه (1/172)
صفحة 173
فهو من الوجه، وصفته أن يجتذب الماء بخياشمه ويجعل إبهامه وسبابته على أنفه، ثم ينثر بالنفس، ويبالغ في الاستنشاق مالم يكن صائما، لقول النبيء - عليه السلام -:» إذا توضأت فبالغ إلا أن تكون صائما «،وقال - عليه السلام - للقيط بن صبرة:» إذا توضّأت فضع في أنفك ماء ثم استنثر بالاستنشاق «؛ وينبغي أن يدخل أصبعه في أنفه إلى العظم الذي فيه، وإن كان له عذر فلا بأس عليه في تركه،
ويجوز التمضمض والاستنشاق بغرفة واحدة كما جاء في الحديث، واختار بعضهم أن يتمضمض ثلاثا من غرفة واحدة، ويستنشق ثلاثا من غرفة واحدة، وكلاهما مروي في الحديث، والله أعلم.
ومن ترك المضمضة والاستنشاق حتى صلّى، فإن كان عامدا فلا خلاف في إعادة الوضوء والصلاة، وإن كان ناسيا ففيه اختلاف؛
وذكر في أثر بعض أصحابنا عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: من تركهما في الوضوء فلا إعادة عليه، وأمّا في الجنابة فعليه الإعادة، والله أعلم.
الخامسة، التخليل للحية والأصابع: لقوله - عليه السلام -:» خللوا بين أصابعكم في الوضوء قبل أن تخلل بمسامير من نار «، أوقال:» قبل أن تخللها النار «،
وصفة تخليل (1/173)
صفحة 174
الأصابع أن يجعل باطن كفه اليسرى على ظاهر اليمنى، وباطن اليمنى على ظاهر اليسرى فيخللهما كذلك، والله أعلم.
وقيل في تخليل الأصابع أنه سنّة، وقيل واجب لأنها من اليد؛ وكذلك اختلفوا في إجالة الخاتم في اليد كما قدّمنا، والأصحّ إجالته ليصل الماء موضع التختم.
قوله ليصل الماء ... الخ: هذا التعليل يرشد إلى الفرق بين الضيِّق والواسع، والله أعلم.
السادسة، مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما: وقد اختلفوا فيه، فذهب قوم إلى أنّ مسحهما فريضة، و يجدّد لهما الماء، وقال آخرون: إنّ مسحهما سنّة، ويمسحان مع الرأس من غير تجديد الماء؛ و المعمول به عندنا هو القول الآخر.
وكان جابر بن زيد –رحمه الله لا يرى مسح الأذنين واجبا؛ وذُكر عن سعيد بن جبير أنه قال: الأذنان من الرأس ما أقبل منهما وما أدبر؛ وعن الربيع رحمه الله أنه قال: يستحب مسح باطن الأذنين مع الوجه وظاهرهما مع الرأس؛ وعن عبد الله بن مسعود –رحمه الله أنه قال: يستحبّ تجديد الماء للأذنين.
وكيفية مسحهما أن يُدخل أصبعه في صماخ أذنيه ويمسح ظاهرهما وباطنهما؛ واختلف أيضا في ظاهر الأذنين، فمنهم من قال: هو ما وقعت به المواجهة، وقال آخرون: هو ما يلي الرأس، وهو الأظهر.
ومن نسي مسح الأذنين حتى صلى، فإن كان عامدا أعاد، وإن كان ناسيا ففيه اختلاف، والله أعلم.
السابعة، التوضي ثلاثاثلاثا لكلّ جارحة: لقول النبيء - عليه السلام - حين توضّأ واحدة واحدة فقال:» هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلاّ به «، ثم ثنّى فقال:» من ضاعف ضاعف الله له «، ثم توضّأ ثلاثا ثلاثا فقال:» هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي «؛ وأجمعوا على أنّ الواحدة كافية إذا كانت سابغة، والله أعلم؛ لأنّ الأمر بالفعل يقتضي مرّة واحدة، أعني الأمر الوارد في الوضوء؛ (1/174)
صفحة 175
وقد اختلفوا في تكرير مسح الرأس هل فيه فضيلة أم لا، والله أعلم.
الثامنة، ترتيب الوضوء: وهو أن يبدأ بغسل يديه ثم يتمضمض ثم يستنشق ثمّ يغسل وجهه ثم يده اليمنى ثم اليسرى ثم يمسح رأسه ثم الأذنين ثمّ يغسل رجله اليمنى ثمّ اليسرى؛ وقد اختلف الناس في غسل الأعضاء، فقال بعضهم: يجوز تقديم ما تأخّر ذكره في التلاوة، واعتلوا بأنّ الواو لا تقتضي النسق والترتيب وإنما تقتضي الجمع فقط؛ وقال آخرون: لا يجوز إلاّ على الترتيب المذكور في الآية، وأنّ الواو ههنا هي واو النسق لا واو الجمع،
وبما روي أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال للسائل:» توضّأ كما أمرك الله «، وبقوله على الصفا:» نبدأ بما بدأ الله به «،
وبقوله:» هذا وضوء لا تُقبل الصلاة إلا به «قال ذلك وهو يتوضّأ على الترتيب في مكان واحد؛ وذهب بعض أصحابنا إلى جواز التقديم والتأخير مالم يرد المتوضئ بذلك خلاف السنة، روي ذلك عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وأبي نوح (1/175)
صفحة 176
وابن عبد العزيز وغيرهم؛ وعن الربيع رحمه ا (1/176)
صفحة 177
لله قال أيضا: إنّ أبا عبيدة لم يكن يعتبر عدد المرّات في الوضوء وإنّما يعتبر التنظف والإنقاء، و الله أعلم؛ وأمّا الربيع –رحمه الله فروي عنه أنه لم يكن يرى الوضوء إلا مرتبا كما جاءت به السنّة.
وإن فرغ الماء للمتوضئ قبل تمام الوضوء فلم يجد الماء إلا بعد ما جفّ،
فإن [كان] اشتغل بغير طلب الماء أعاد الوضوء مستأنفا، وإن لم يتوان بنى على ما مضى من غسل أعضائه؛ وكذلك إن فرّق وضوءه في مواضع من غير عذر، فإن جفّ استأنف، وإلاّ بنى على ما مضى، و الله أعلم.
وأما فضائل الوضوء فهي ستة، أحدها: ترتيب المسنون على المفروض؛ الثانية: السواك قبله بعود رطب أو يابس والأخضر أحسن، مالم يكن صائما، فإن لم يجد عودا استاك بأصبعه؛
الثالثة: التوضي باليمين، لأنه روي أن النبيء - عليه السلام - كانت يمينه لوضوئه وطعامه وشرابه، وشماله لخلائه وما كان مثل ذلك؛
الرابعة: المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم؛ الخامسة: البداءة في مسح الرأس من مقدّمه، والتيامن فيه، والاقتصار فيه على مسحة واحدة عند بعضهم، وردّ اليدين فيهما، فيمرّ بيده من المقدّم إلى قفاه، ثمّ يرجع إلى مقدّم رأسه؛ السادسة: التقليل من صبّ الماء، مع ذكر الله تعالى في أثناء الوضوء والدعاء،
وقد استحبّ بعضهم أن يقول عند غسل الرجل اليمنى: اللهم اجعل سعيي سعيا مشكورا وذنبي ذنبا مغفورا وعملي عملا [مبرورا] مقبولا، (1/177)
صفحة 178
وذُكر عن سعيد بن جبير أنه قال: من قال حين يفرغ من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك خُتم عليها بخاتم ثمّ تُرفع تحت العرش فلا تُكسر إلى يوم القيامة.
ومكروهات الوضوء عشرة، وهي: الإكثار من صبّ الماء فيه؛ والزيادة على مغسوله فوق الثلاثة؛ وعلى الواحدة في ممسوحه؛
والوضوء في موضع الخلاء؛ والكلام فيه بغير ذكر الله تعالى؛ والاقتصار على مرّة واحدة لغير العالِم؛
والوضوء من الماء المشمّس لأنه يورث البرص، ووجدت ذلك عن النبيء - عليه السلام -؛ والوضوء من إناء الذهب والفضة، وقد قيل في هذا إنه حرام؛ والتوضّي عريانا ولو كان في ظلمة أو خلوة؛ والتوضي من الماء المضاف الذي لم يتغيّر أحد أوصافه، والله أعلم.
ومسح الوضوء بالمنديل مكروه أيضا،
لأنه تكتب له الحسنات ما دام على أعضائه [بلل] و لم يجفّ، والله أعلم. (1/178)
صفحة 179
مسألة في المسح على الخفّين: اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب، فذهب أكثر فقهاء مخالفينا إلى إجازته بإطلاق من غير ضرورة في السفر والحضر؛ وذهب آخرون إلى إجازته في السفر دون الحضر؛ وأجمع أصحابنا فيما علمت على منعه في الحالتين، ولهم في ذلك سلف من الصحابة، وهي مروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - وعليّ بن أبي طالب وأبي هريرة وبلال وعائشة رضي الله عنها،
وكان ابن عباس يقول: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، ويذهب إلى أنه منسوخ بآية المائدة؛ وكان جابر بن زيد –رحمه الله يقول: كيف يمسح على الخفين والله تعالى يخاطبنا بنفس الوضوء؛ وكانت عائشة –رضي الله عنها تقول: والله ما كان للنبيء - عليه السلام - خُفان قطّ، ولا مسح عليهما، ولودِدْت أن رجلي قطعت يوم أمسح على الخفين؛ والأمر المجتمع عليه عند أصحابنا أنّ المتوضّئ إذا أحدث يتوضّأ وينزع خفيه ويغسل قدميه مقيما كان أو مسافرا، وأنّ طهارة القدمين هي الغسل، خلافا لمن قال طهارتهما هي المسح؛ واستدلّ بقراءة [من قرأ] {وَأَرْجُلِكم} بالخفض عطفا على الرأس بالمسح، والله أعلم. (1/179)
صفحة 180
القسم الثاني في نواقض الوضوء
اِعلم أنّ المتوضّيء يجب عليه استصحاب حال الوضوء عند فعل الصلاة، وإن طرأ عليه ما ينقضه وجب عليه الإتيان به وإلا بطلت صلاته، لقول النبيء - عليه السلام -:» لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضّأ «؛ والموجب للوضوء عند الأمّة عشر خصال متفق عليها، وهي: البول، والغائط، والمني، والمذي، والودي، وخروج الريح من الدّبر،
وغيوب الحشفة في الفرج، وخروج الدم من المرأة بحيض أو نفاس،
وزوال العقل بإغماء أو جنون أو سكر، وذهاب العقل بالنوم مضطجعا، فهذا ما أجمعوا عليه فيما وجدت، إلا خلافا شاذا في المذي والنوم، والشاذ لا يعتدّ به.
والمشهور عند أصحابنا أنّ الوضوء ينتقض بثلاثة أشياء، أحدها: أحداث تطرأ عليه، والثاني: أسباب تؤدي إلى نقضه، والثالث: أفعال ينتقض بارتكابها، ومحصول موجبات الوضوء تنحصر في ثلاثة فصول. (1/180)
صفحة 181
الفصل الأول في الأحداث
ونعني بها ما ينقض الوضوء بنفسه لا بما يؤدّي إليه، وهي ثلاثة أنواع، أحدها: كلّ نجاسة تسيل من الجسد في أي موضع خرجت،
سواء كانت من القبل كالبول والمني والمذي والودي والدم، أو كانت من الدبر كالغائط والدم والدابة والحصاة والريح وغيرها، أو سالت من الأنف كالرعاف، أو من الفم كالقيء والقلس، أو سفحت من جرح أو قرح [كالدم والصديد الغالب عليه الدم، أو] من سائر الجسد كالفصد والحجامة لثبوت الأحاديث في هذه الأحداث؛ فصحّ أنّ ما علّق الحكم بها في نقض الوضوء من جهة أنها أنجاس خارجة من البدن، لأنّ الوضوء طهارة والطهارة إنما يؤثر فيها النجس، فثبت أنه إذا خرج من الجسد نقض الوضوء على أي جهة خرج، من مرض أو صحة، ووافق أصحابَنا أبو حنيفة وأصحابه في هذا المعنى،
وقد روي أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قاء فتوضّأ، وفي بعض الحديث:» من قاء أو قلس فليتوضّأ «؛ وقد استحبّ أبو عبيدة مسلم - رضي الله عنه - التوضي من القلس إذا وجد الإنسان طعمه في الحلق وإن لم يبلغ حدّ الفم. والدم إذا سفح من أنف أو جرح وجب به الوضوء،
وإن أخرجه بيده أو أخرجه ذباب فقولان، والله أعلم.
النوع الثاني ممّا ينقض الوضوء: وهو كلّ نجاسة تلاقي بدن المتوضّئ من غيره، سواء لاقته باختياره كلمسه النجس الرطب، و الميتة رطبة كانت (1/181)
صفحة 182
أو يابسة،
أو ظهر الكلب إذا كان رطبا، أو غسل ميتا غير متولى، أو ما أشبه ذلك؛ أو لاقته بغير اختياره، كدابّة تبول أو تُذبح فيطير البول منها أو الدم إليه فيمسّ جسده.
والنوع الثالث: كلّ نجاسة أكلها على جهة الاضطرار،
كالميتة والدم ولحم الخنزير والمنجوس من الطعام والشراب وما أشبه ذلك، فمتى اضطرّ إلى شيء فأكله فقد انتقض وضوءه، وإن كان مباحا له أكلُه في حال الضرورة، والله أعلم.
الفصل الثاني في الأسباب التي تؤدّي إلى نقض الوضوء
ونعني بها ما لا ينقض الوضوء بنفسه ولكن بما يؤدّي إليه، وهي ثلاثة أنواع، أحدها: زوال العقل بإغماء أو جنون أو سكر أو مرض برسام أو نوم، كلّ ذلك ينقض الطهارة مطلقا، إلا النوم فيه تفصيل واختلاف؛ (1/182)
صفحة 183
أمّا التفصيل: فهو أنّ النوم له أربع هيئات، أحدها: أن يكون طويلا ثقيلا في حالة الاضطجاع، فهذا متفق عليه أنه ينقض الوضوء لثبوت الحديث في ذلك؛
والهيئة الثانية: أن يكون قصيرا خفيفا غير مزيل للعقل، فهذا لا ينقض الوضوء على أيّ حالة كان عليها المتوضّئ من قيام أو قعود أو اضطجاع؛ والهيئة الثالثة: أن يكون خفيفا ثقيلا، وهو أن النعاس لم يغلب عليه ولكنه يطاوله ويعالجه، ففيه خلاف إذا كان مضطجعا، والأصل فيه انتقاض الوضوء؛ والهيئة الرابعة: أن يكون ثقيلا خفيفا، وهو إذا غلب عليه النعاس ولم يقع منه إلا سِنة، هذا مختلف فيه.
واعتبر بعض العلماء هيئات النائم أيضا فقال: إن كان النائم على هيئة ينتهي به الطول إلى خروج الحدث غالبا كالساجد انتقض وضوءه، وإن كان قائما أو قاعدا محتبيا فلا نقض عليه، وإن كان جالسا متكئا ناعسا طويلا ففيه خلاف بين العلماء، وإن كان قائما راكعا ففيه خلاف أيضا؛ ومقصود الجميع النظر إلى أغلب الهيئات في النوم، فإن كان يمكن خروج الحدث ولم يشعر به انتقض وضوءه، وإن كان بالعكس لم ينتقض ولم يجب عليه التوضّي، إلا إن احتاط؛ وإن استشكل عليه الأمر في انتقاض وضوئه كان بمنزلة من تيقن طهارته ثمّ شكّ في فسادها بطروء الحدث عليها.
وأمّا الاختلاف: فإنّ العلماء اختلفوا في النوم على ثلاثة مذاهب، فذهب قوم إلى أنه حدث ينقض الوضوء قليله وكثيره؛ وذهب آخرون إلى أنه ليس بحدث ولا ينقض الوضوء، إلا إذا (1/183)
صفحة 184
تيقن بالحدث، وأظنّه [أنّه] مروي عن أبي موسى الأشعري وغيره، والله أعلم.
وذهب أصحابنا ومن وافقهم من فقهاء قومنا إلى التفصيل المتقدّم في النوم، وقال بعض أصحابنا: إن الناعس في الصلاة لا ينتقض وضوءه كان قائما أو ساجدا [أو قاعدا]، والله أعلم.
النوع الثاني من الأسباب: مسّ بدن المرأة الأجنبية فهو ينقض الوضوء،
إذا كانت ممّن توجد اللذّة بمسّها، فمسَّها على غير سبيل المعالجة من دواء أو غيره، وأمّا إذا مسَّها مضطرّا أو معالجا فلا، وأمّا المتبرّجة والمملوكة فلا يُنقض وضوء من مسّ بدنهما ما خلا الفرج،
وكذلك ذوات المحارم على هذا الحال؛
وأما إن قبَّل زوجته أو سريته فلا نقض عليه، لحديث عائشة رضي الله عنها: أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يقبِّل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضّأ.
النوع الثالث: مسّ الفرج مباشرا بيده من غير حائل، لحديث النبيء - صلى الله عليه وسلم -:» أيما رجل أفضى بيده إلى ذكره انتقض وضوؤه، وأيما امرأة أفضت بيدها إلى فرجها انتقض وضوؤها «، فذهب العلماء إلى أنّ الأمر بذلك لمراعاة وجود اللذّة، ولذلك اعتبر بعض علمائنا اللمس بباطن الكف.
واختلف أصحابنا في تحديد القدر الناقض للوضوء من العورة، فذهب بعضهم (1/184)
صفحة 185
إلى أنّ من مسّ ذكره أو أنثييه أو مقعدته انتقض وضوؤه؛ وذهب آخرون إلى أنّ مسّ الذّكر والدّبر هو الناقض دون غيرهما، وأظنّ العمل على هذا القول؛
قوله من غير حائل: قد يقال إنّه مستدرك، لأنّه يغني عنه قوله: مباشرا، وقوله: بيده يخرج نحو الرِّجل، وفيه خلاف، والصحيح أنّه لا نقض عليه فيه.
وزعم آخرون أنه لا ينتقض وضوؤه إلا إن مسّ الثقبتين فقط؛ وعلى هذا اختلاف فقهاء الأمصار، فالشافعي يرى مسّه ناقضا للوضوء على كلّ حال، كيف ما مسّه؛ وأبو حنيفة لا يرى النقض بمسّ الذكر على كلّ حال؛
ومالك بن أنس فرّق بين أحوال مسّه كما قدّمنا في قول أصحابنا؛ واختلف أصحابنا أيضا فيمن مسّ فرجه خطأ أو ناسيا، فذهب بعضهم إلى أنه لا وضوء عليه؛ وذهب آخرون إلى إيجاب الوضوء عليه قياسا على خروج الريح ودم الاستحاضة فهما يجب بهما الوضوء كان ذلك باختيار أو بغير اختيار. وذهب أصحابنا أيضا إلى أنّ الوضوء لايجب بمسّ الذكر في حال الصلاة إذا شكّ في الحدث والله أعلم. وأمّا إن مسّ الذكر بغير اليد فلا نقض عليه، واستحبّ بعضهم التوضّي منه؛
وقد ذُكر أنّ أبا عبيدة مسلما –رحمه الله كان يتخذ جوارب يتقي بها فرجه عن مواضع وضوئه، فبلغ ذلك حيان الأعرج –رحمه الله فقال: قد أشقانا الله إذا في ديننا، تعظيما لفعل (1/185)
صفحة 186
أبي عبيدة [مسلم – رحمه الله]؛ وقد جاء في الحديث عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:» ليس على من مسّ عجْم الذنب وضوء، ولا على من مسّ موضع الاستحداد وضوء «، والله أعلم.
الفصل الثالث في الأفعال الموجبة للوضوء
وهي أربعة أيضا، لمس وقول واستماع ونظر، أمّا اللمس: فكما قدّمنا من مسّ المرأة الأجنبية أو فرجِ المَحْرَمة، أو فرجِ نفسه أو [فرجِ] زوجته أوما ملكت يمينه أومسّ فرجِ الجارية الطفلة، أو فروجِ الأنعام الرطبة؛
واختلف في الأطفال الصغار، فقيل عن ابن عباس أنه قال: هي فروج فتوضؤوا منها.
وأمّا القول: فكغِيبة المسلم، وبهتان البريء، وقذف المحصنات،
والكذب، والنميمة بين الناس، ولعن البهائم والأطفال ومن لا يستحق اللعنة،
وكالإشراك بالله، وما أشبه ذلك من تسمية الفروج بأقبح أسمائها، وذكر العذرة مع فاعلها، والله أعلم؛ وهذا كله قياسا على الغيبة والنميمة إذ وردت فيهما السنة بنقض الوضوء.
أما الاستماع: فكالاستماع إلى الغِيبة المحرّمة، إذ وردت السنّة أنّ المستمع شريك القائل، وكالاستماع إلى (1/186)
صفحة 187
اللهو والمزامير والغناء والنوح وأسرار الناس وما أشبه ذلك.
وأمّا النظر: فكالنظر إلى عورات الآدميين عمدا غير نفسه وزوجته وما ملكت يمينه،
وكالنظر إلى حُرمة في منزل قوم، أو في سرّ كتاب غير مباح، والله أعلم.
ولا أعلم أحدا من أهل الخلاف أوجب الوضوء في جميع ما ذكرنا في هذا الفصل الأخير، إلا في الارتداد [إلى الشرك] خاصّة، وقد انفرد به أصحابنا رحمهم الله كما أنهم انفردوا بنقض الوضوء في القهقهة في الصلاة، لحديث أبي العالية دون مخالفيهم، والله أعلم.
الفصل الثاني في الطهارة الصغرى
وهي التيمّم المبدل من الوضوء
اعلم أنّ الطهارة بأسرها إنّما تجب بسبعة شروط، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، ودخول وقت الصلاة المفروضة، وكون المكلَّف ذاكرا غير ساه ولا نائم، وعدم الإكراه، وارتفاع موانع الحيض والنفاس، وهي شروط وجوب التيمّم أيضا.
وفروض التيمّم ثمان خصال: طلب الماء قبله، والنية أوّله، وضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الرسغين، والموالاة، وعموم الوجه والكفين بالمسح، وفعل ذلك بالصعيد الطاهر، ودخول الوقت؛ وسننه أربع: الترتيب بتقديم مسح الوجه، وتجديد مسح الأيدي إلى الرسغين، ونقل ما تعلّق بهما من الغبار، والتسمية بذكر الله تعالى. (1/187)
صفحة 188
فصل في أسباب التيمّم وكيفيته وأحكامه
وهذا الفصل يتوزّع [على] ثلاثة أقسام، أحدها في أسباب التيمّم، والثاني في كيفيته، والثالث في أحكامه.
القسم الأوّل فيما ينقل إلى التيمم: وهو العجز، وله أسباب وهي ستة، أحدها: فقْد الماء، لقوله تعالى: {فَلَم تَجِدُواْ مَآءً فتيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] الآية، فإذا دخل وقت الصلاة على المسافر لزمه طلب الماء،
فإن عاز الماء بعد الطلب فإنه لا يخلو من أربعة أحوال؛ أحدها: أن يتحقق عدم الماء حواليه فإنّه يتيمّم أوّل الوقت من غير تكرار طلب الماء؛ الثاني: أن يتوهّم وجوده حواليه، فليتردّد وليلاحظ وليسأل إلى حدّ لا يُدْخِل على نفسه ولا على أصحابه ضررا، ولا مشقة في التخلّف عنهم، أو يعوقهم عن حاجتهم،
قوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً} [الشورى:51]، فيكون التقدير: في التخلّف عنهم أو في تعويقهم الخ، والله أعلم.
فإذا لم يسأل عن الماء فصلّى فإنّ عليه الإعادة في الوقت وبعد الوقت فيما ذُكر عن بعض أصحابنا، قال: وكذلك لو رآهم يتيمّمون ويصلون فتيمّم هو وصلى، أعاد كما قدّمنا في الوقت وبعد الوقت، هكذا ذُكر في تقييدات [الشيخ] أبي عبد الله محمد بن بركة (1/188)
صفحة 189
رحمه الله –؛
قال: وكذلك لو نزل على قوم ونزلوا على غير ماء فإنّ عليه أن يطلب ويلاحظ؛ وكذلك لو طلب الماء فلم يجده ثمّ تيمّم فصلى ثم علم أن الماء كان في موضع لو طلبه لوجده، أو كان في رحله ولم يعلم به حتى صلّى فعليه الإعادة؛ واختلفوا فيمن لم يجد الماء متى يتيمّم؟ فقيل: إنّ الآيس يتيمّم أوّل الوقت، والراجي يتيمّم آخر الوقت، والذي تساوى عنده الأمران يتيمّم وسط الوقت، وقيل: المتيمّم يتيمّم آخر الوقت على الإطلاق،
وقيل: آخر الوقت إلا الآيس كما قدّمنا؛ فإن صلى أحد هؤلاء ثمّ وجد الماء بعد الصلاة فلا إعادة على من أوقع الصلاة في الوقت المأمور بإيقاعها فيه، إلا الشاكّ المتردّد في إدراك الماء مع علمه بوجوده فإنّه يعيد في الوقت لأنّه كالمقصّر في اجتهاده؛ وفي مثله الخائف من اللصوص فقصّر في الطلب، وكذلك المريض الذي عدِم من يناوله الماء لأنه قصّر في الاستعداد، فحكم هؤلاء التيمّم وسط الوقت، والله أعلم.
الحالة الثالثة: أن يعتقد وجود الماء في حدّ القرب فيلزمه السعي إليه، وحدّ القرب: ما لم ينته إلى المشقة أو خوف فوات الأصحاب، وقيل لا يعذر في ميلين؛
وإن انتهى (1/189)
صفحة 190
البعد إلى حيث يخرج وقت الصلاة إذا كان آمنا من فوات الأصحاب فليطلب أصحابه كما قدّمنا، ولا يلزمه أن يطلبهم جميعا إذا كانوا كثيرا، بل يطلب من يليه منهم كما قدّمنا، والله أعلم.
الحالة الرابعة: أن يكون الماء حاضرا ولكن يتعذّر حصوله إليه بعدم الآلة التي يتوصّل بها إليه، فإنه يتيمّم لأنه فاقد للماء، وإن وجد الآلة ولكن كان الماء في بئر بعيدة القعر فإن اشتغل بالنزح فاته الوقت ففيه خلاف بين العلماء، قيل: إنه يتيمّم لأن عدم القدرة على الاستعمال في الوقت كالعادم المطلق؛
وكذلك لو كان الماء بين يديه يمكنه استعماله لكن لو تشاغل باستعماله لخرج الوقت لضيقه فقولان أيضا، قيل: يتيمّم ويصلّي ويشتغل بعد ذلك بالتوضّي، وقيل يشتغل بالوضوء، وهو الأصحّ لأنه واجد للماء.
السبب الثاني: عجز خيفة، وهو أن يخاف على نفسه إذا عدل إلى الماء عدواً يهلكه أو سبُعا يتلفه، فكلّ هذه الأحوال التيمُّمُ له بها جائز، وليس عليه ولا له أن يحمل نفسه على حالة مخوّفة، ولا أن يعرضها لخطة متلفة، وقد يسّر الله على عباده تخفيفا، وكان بهم والحمد لله لطيفا. وقد قيل: إنّ الخوف على المال لا يلحق بالخوف على النفس في الإباحة.
وإن وجد الماء بثمن يباع به قبل ذلك فإنّ عليه أن يشتريه، وإن امتنع منه إلا بثمن يجحف به لقلة دراهمه أو لكثرة الزيادة على ثمنه المعتاد لم يلزمه شراؤه، وأمّا بثمن المثل وما لا يجحف به فإنه يلزمه، إلاّ إن احتاج إلى الثمن لنفقة سفره.
السبب الثالث: أن يحتاج إليه لعطشه في الحال أو لتوقعه في المآل، بأن يغلب على ظنّه أنه لا يجد ماء، أو لعطش مَن معه، فله التيمّم إن خاف العطش الذي يهلكه، وإن خاف عطشا يُمرضه كان بمنزلة من خاف من استعمال الماء لمرِض؛
ولو مات صاحب الماء وكان معه جُنُبٌ آخر، والماء إنما يكفي أحدهما فصاحبه أولى به، إلا إن احتاج (1/190)
صفحة 191
الحيّ إلى شربه فهو أولى به بعد أداء قيمته إلى الوارث؛ وإن كان الماء بينهما ففيه قولان، قيل: الحيّ أولى به، ويُتيمّم للميت، وقيل الميّت أولى به، والله أعلم.
السبب الرابع: الجهل، كما أنه إذا نسي الماء في رحله فتيمّم وصلّى، ثمّ علم به، ففي إعادة صلاته اختلاف بين العلماء؛
والذي ذهب إليه أبو عبد الله محمد بن بركة أن يعيد صلاته، وقاسه بنسيان الرقبة في ملكه إذا ظاهر من امرأته، أو نسي النجاسة في ثوبه حتى صلى، قال: فلمّا كان الصوم لا يجزي ناسي الرقبة، ولا تجزي صلاة ناسي النجاسة، كان ناسي الماء في رحله كذلك.
السبب الخامس: المرض الذي يُخاف من الوضوء معه فوت روح أو منفعة أو إتلاف عضو أو تأخير برء أو زيادة مرض أو حدوثه، فإنه يُتيمّم في جميع ما ذكرنا، لحديث عمرو ابن العاص في غزوة ذات السلاسل، وحديث الرّجل المشجوج في رأسه،
وصاحب الجُدَرِيِّ، فاستفتوا فأُمروا بالغسل، فقال النبيء - عليه السلام -:» قتلوه قاتلهم (1/191)
صفحة 192
الله «؛ وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه كان يقول: نزلت هذه الآية فيمن به جرح أو قرح، والله أعلم، ولعله يريد قول الله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى} [النساء:43] الآية؛ وكذلك الصحيح إن خاف من استعمال الماء نزلةً أو حمّىً فله أن يتيمّم لأنّ كل ذلك مرض ظاهر، [والله أعلم].
السبب السادس: كون الجروح والقروح في موضع لايمكن عزله، كالفرج واليد وما أشبه ذلك، فله أن يتيمّم؛ و أمّا إن كان سالم الأعضاء إلا عضوا واحدا فيه جرح أو قرح أو غير ذلك فليتوضّأ وليمسح على العليل بالماء، وإن خاف أن يضرّه فليجْرِ الماء حواليه، وإلا فليتيمّم له،
وإن نسي أن يتيمّم له حتى صلّى ففيه خلاف، أعني في إعادة صلاته، والأصحّ أنه لا يعيد، لأنّ الخطاب توجّه إلى الأعضاء الصحيحة دون العليلة، والله أعلم.
القسم الثاني في كيفية التيمّم: اعلم أنّ أركان التيمّم أربعة، أحدها: النية لأنها عبادة غير معقولة [المعنى]، ولا تصحّ إلا بالنية، وقد قيل فيها غير ذلك، وكيفية عقدها أن ينوي بها رفع الأحداث واستباحة الصلاة، ولفظها أن يقول: " أرفع بتيمّمي هذا جميع الأحداث، وأتيمّم للصلاة طاعة لله ولرسوله - عليه السلام - "؛ ثمّ إذا حصل (1/192)
صفحة 193
متيمّما فليصلّ به الصلوات الخمس ما لم يحدث أو يجد الماء، كالوضوء حذو النعل بالنعل،
الدليل على ذلك قول النبيء - صلى الله عليه وسلم -:» التيمّم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين مالم يجد الماء «، وقد اختلف أصحابنا في هذا، فوجدت عن البصريين من أصحابنا أنّ التيمّم لا ينقضه إلا الحدث أو الماء كما قدّمنا؛
وذهب آخرون إلى أنه يجدّد التيمّم عند كلّ صلاة إلا إن جمعهما فإنه يجتزي بتيمّم واحد، روي هذا عن الربيع –رحمه الله وغيره من أصحابنا العمانيين، [والله أعلم]. ووافقهم على ذلك كثير من الناس، واعتلوا في ذلك بثلاث علل، إحداها: أنّ التيمّم عندهم لا يرفع الحدث وإنما هو مشروع لاستباحة أقلّ ما يمكن له من الصلوات؛
والثانية: أنه لا يتيمّم قبل وقت الصلاة؛ والثالثة: أنّ تكرار الطلب واجب عندهم لكلّ صلاة، فإذا لم يجد (1/193)
صفحة 194
الماء عدل إلى التيمّم، والله أعلم.
الركن الثاني: ما تعمل به هذه الطهارة، وقد اختلف الناس فيما يجوز به التيمّم، فذهب بعض أصحابنا إلى إجازته بغير التراب من أجزاء الأرض المتولدة منها، كالرمل والحصباء وما أشبه ذلك، ووافقهم على ذلك مالك بن أنس؛ وذهب آخرون إلى جوازها بالرمل والنورة والزرنيخ وما أشبه ذلك؛
قوله وذهب آخرون ... الخ: هذا في الحقيقة غير زائد على ما تقدّم، بل قد يقال: إنّ الأوّل أزيد من هذا حيث عبّر بالمتولّدة منها، وعبارة "الإيضاح" أظهر حيث قال:» فذهب بعضهم إلى أنّه لا يجوز التيمّم إلاّ بالتراب وحده، وذهب آخرون إلى أنّه يجوز التيمّم بكلّ ما صعد على وجه الأرض من أجزائها كالحصى والرمل والتراب، وزاد آخرون: بكلّ ما يتولّد من الأرض كالحجارة والنورة والزرنيخ والجصّ والطين والرخام ... الخ «.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنّ التيمّم لا يجوز إلا بالتراب الطيّب، وبه قال أبو عبد الله محمد بن بركة –رحمه الله، ووافقهم على ذلك الشافعي، وهذا هو الذي يوجبه النظر عندي، لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم -:» جُعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا «،
فخصّ التراب دون غيره؛ وقول الله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] [علِمْنا] أنّ الصعيد: التراب وحده، دون قول من قال: إنه اسم مشتق لما صعد على وجه الأرض لقوله - عليه السلام -:» الصعيد كافيك «، فلمّا ذكر التراب في حديث آخر علمنا أنّ الصعيد هو التراب، وهو أيضا موجود في أشعار العرب، تركته مخافة التطويل، والله أعلم.
الركن الثالث: في كيفية التيمّم، وقد اختلف الناس فيه اختلافا كثيرا تركته مخافة الإكثار، والمعمول به عند أصحابنا: ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الرسغين، للحديث الثابت عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - من طريق عمّار بن ياسر – رحمه الله وغيره.
وأمّا كيفيته فإنه إذا دخل وقت الصلاة على المريض أو المسافر أو الصحيح (1/194)
صفحة 195
الخائف من استعمال الماء، فإن كان يرجو وجود الماء أو التوصّل إلى استعماله إن كان موجودا فلينتظر ذلك على قدر اختلاف أحواله –كما قدّمنا، وإن كان آيسا من الماء عدل إلى التراب الطاهر الذي يصلح للحرث والنبات، فليعقد النية – كما قدّمنا – وليقل: "باسم الله"، وليضع يديه وهما يابستان مفرقا بين أصابعه على التراب اليابس،
ثمّ يرفعهما [و] يقرن بعضهما إلى بعض وينفضهما نفضا خفيفا، فيمسح بهما وجهه مستوعباً، يبدأُبه ماراً بيديه من أعلاه إلى أن يستوفيه، وليراعِ الوتَرة وهي مابين المنخرين، وليقل حين يرفعهما إلى الوجه: " الله أكبر"،
ثمّ يردّهما إلى الصعيد، ثم يضرب بهما ضربة أخرى، ثم يرفعهما قارنا لهما من عند إبهامه فيضع اليسرى على ظاهر اليمنى ويمرّ بها على ظاهر الكفّ، ثمّ يعمل بكفه اليمنى على ظاهر [كفّه] اليسرى كذلك. وإن خطا شيئا من مواضع الوضوء لم يصبه التراب فقد أجزأه، وليس عليه أن يخلل بين أصابعه في التيمّم فيما وجدت، لأنّ هذا مسح لا غسل.
وإن تيمّم بأصبع واحدة لا يجزيه،
وكذلك إن لم يتعلق به شيء من التراب، وقيل غير ذلك.
وكره بعضهم أن يمسح تراب التيمّم عن وجهه حتى يصلي، وزعم أنّ التيمّم نور الإسلام، وأما جابر بن زيد [–رحمه الله] فقد رخّص في ذلك فيما وجدت عنه، وقال: لأنه لمْ يمسحه على جهة الرّفض بل لِما يؤذيه.
و ليس عليه أن ينوي بالتيمّم صلاة فرض ولا تطوّع، ولكن ينوي (1/195)
صفحة 196
رفع الحدث وطهارة الصلاة كما قدّمنا،
[ثم لا ينتقض عليه حتى يحدث كالوضوء، إلا قول الربيع وجابر وغيرهما من أصحابنا أنه يُتيمّم لكلّ صلاة كما قدّمنا]، والله أعلم.
والتيمّم طهور لكلّ مسافر طال سفره أو قصر،
وكذلك [لـ]ــكلّ مريض يخاف زيادة المرض بالماء. ومن لم يجد ماء ولا صعيدا فإنه ينوي الطهارة ويصلي، خلافا لبعض فقهاء قومنا في إسقاطهم الصلاة عنه. واختلفَ أصحابنا في إعادة صلاته إذا خرج الوقت ثم وَجَدَ الماء؛
و إذا وجَدَ من الماء ما لا يكفيه للوضوء أو الاغتسال فإنه يغسل مذاكِرَه وينزع النجس، ثم يتوضّأ ويتيمّم إن كان جنبا، وإن لم يجد ما يتوضأ به فلينزع النجس ويتيمّم للوضوء،
هكذا عند أصحابنا جابر بن زيد وغيره رحمهم الله، خلافا لبعض فقهاء قومنا في أمرهم إياه بترك استعماله والعدول إلى التيمّم، والله أعلم.
وإن قطعت يد الإنسان من المرفق يتيمّم لوجهه بالأخرى يضرب بها ضربة، ثم يضرب بها على الأرض مرّة أخرى [ثم] يقلِب كفه عليها (1/196)
صفحة 197
ظاهرا وباطنا.
ولا بأس أن يكون للمتيمّم تراب موضوع في شيء يتيمّم به إذا كان مريضا في حضر أو سفر؛ وهكذا روي أن أبا عبيدة حين مرض الفالج كان له تراب موضوع في شيء فكان يتيمّم به. وأمّا ما لاقى يد المتيمّم أو وجهه فوقع فلا يُتيمّم به مرة أخرى، لأنه كالماء المستعمل. وإن عدم المتيمّم التراب عدل إلى الرمل، وإلا فليدقّ حجراً ويتيمّم به؛ ولا يتيمّم بالتراب النجس، ولا بالجصّ، ولا بالجبس، ولا بالنورة، ولا بالزرنيخ، [ولا بتراب النمل]، ولا بالتراب النديّ، والله أعلم.
الركن الرابع: في أحكام التيمّم، اعلم أنّ حكم التيمّم الطهارة ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة فقد بطل، وإن دخل في الصلاة ثمّ طرأ عليه الماء فإنه يقطع الصلاة ويعدل إلى الماء عند أصحابنا، وإن فرغ من الصلاة ثمّ وجد الماء فإنه يُستحب له الإعادة، وإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، والله أعلم.
والذي يُفسد التيمّم كما قدّمنا هو رؤية الماء للقادر على استعماله، والحدث بعده من جميع ما ينقض الوضوء، وكذلك لو ترك فرضا من فرائضه المتقدّمة، والله أعلم.
القسم الرابع في الطهارة من الأحداث الموجبة للاغتسال
وهي أربع، أحدها: الغسل لإنزال الماء الدافق كيف ما كان، من جماع أو احتلام؛ أو مغيب حشفة في قُبل أو دُبر، (1/197)
صفحة 198
ممّن كان، من بني آدم أو من البهائم، أحياء كانوا أو أمواتا، ذكورا كانوا أو إناثا، حلالا كان أو حراما؛ الثاني: انقطاع دم الحيض، أو استكمال وقته إذا كانت الاستحاضة؛ والثالث: انقطاع دم النفاس، واختلف في الغسل من الولادة إذا كانت المرأة ذات جفاف؛
والرابع: الموت لخروج الروح من الإنسان المأمور بغسله؛ والخامس: مختلف فيه، وهو الإسلام؛ هل يجب فيه الغسل على المشرك إذا دخل فيه أم لا؟ [والله أعلم].
ومسنون الغسل خمسة: الاغتسال للجمعة، وللإحرام بالحج أو عمرة، ولدخول مكة، وللعيدين، وللحجامة؛
ومستحباته ستة: الاغتسال للوقوف بعرفة، والمزدلفة، وللطواف بالبيت وللسعي بين الصفا والمروة، ولمن غسل ميتا، وللمستحاضة إذا انقطع دمها إذا اغتسلت قبل ذلك للخروج من الحيض، وللمرأة المسنّة الآيسة من الحيض إذا رأت الدم فإنها لا تترك الصلاة فإذا انقطع [دمها] عنها استحبّ لها الغسل منه، والله أعلم.
وقيل: لا غسل على من غسل الميت، وإنما عليه الوضوء، وكذلك المستحاضة لا غسل عليها بعد الأوّل.
ومفروضات الغسل الواجب ستة،
أحدها: النية عند التلبّس [به] واستصحاب حكمها في جميعها، وعموم الجسد بالغسل، وإمرار اليد معه أو ما يقوم مقام اليد، وكون ذلك بالماء المطلق، والموالاة مع الذِّكر،
واختلف في السادسة وهي المضمضة والاستنشاق، فقيل: هما فريضتان في الاغتسال الواجب، وسنتان في الوضوء، وقيل غير ذلك.
ومسنوناته ستة: مسح الأذنين، وتخليل اللحية وقيل هو فرض، وغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وإن كانتا طاهرتين ثمّ غسل ما به من الأذى،
والوضوء قبله، وغرف الماء على رأسه ثلاثا، والبداية بالميامن قبل المياسر.
وفضائله أربع: التسمية (1/198)
صفحة 199
في أوّله، وذكر الله تعالى في أثناء غسله، والتعجيل به قبل كل شيء من نوم أو أكل أو شرب، وعدّ بعضهم غرف الماء ثلاثا والبداية بالميامن من الفضائل.
ومكروهاته: التنكيس في عمله، والإكثار من صبّ الماء فيه،
وتكرار المغسول أكثر من ثلاث مرّات أو مرّة إذا أكمل، والاغتسال في موضع الخلاء، والكلام بغير ذكر الله تعالى في حال الاغتسال، والله أعلم [وأحكم].
واعلم أنّ هذا القسم المتقدّم ينحصر في جملتين، إحداهما: في الغسل من الجنابة، والكلام فيه ينحصر في أربعة فصول؛ الفصل الأول: في موجب الغسل من الاحتلام؛ والثاني: في موجبه من الجماع؛ والثالث: في كيفية عمله؛ والرابع: في أحكامه.
الفصل الأول في الاحتلام
اعلم أن خروج الماء الدافق من الإنسان يوجب نقض [الوضوء و] الطهارة، ويجب من أجله الغسل بظاهر الكتاب والسنّة وإجماع من الأمّة،
أمّا الكتاب فقول الله تعالى: {وَإِن كنتم جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} [المائدة:06]، ولا تنازع بين الناس في هذا.
وإنما يجب الاحتلام بالمني الدافق الذي له رائحة كرائحة الطلع، وهو الثخين الأبيض، وقد يصفرّ من علة، إلا أنّ الرائحة لا تنقطع عنه، وبه توجد اللذّة وتنقطع الشهوة، ويضطرب القضيب ويقذف المني وهو الجنابة.
والمذي هو الذي يخرج منه قبل الانتشار وبعده، وهو رقيق يسيل كاللعاب. وأمّا الودي فهو يخرج بعد البول، ويكون أبيض؛ والمني يجب منه الغسل بإجماع، والمذي يجب منه الوضوء، لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم -:» الوضوء من المذي «، (1/199)
صفحة 200
وعن عليّ [بن أبي طالب] قال: كل فحل يمذي وكلّ امرأة تقذي فمن أحسّ من ذلك شيئا فليغسل مذاكره بالماء وليتوضّأ، وقال عليّ: أنا الفحل المذاء. والودي يجب منه الوضوء أيضا، وقال بعض في المذي أيضا يجب فيه الغسل، والأوّل أصحّ.
واختلف [في الأثر] فيمن استيقظ
فوجد على فراشه أو في فخده بللا، أو رأى رؤيا، فقال بعض: يجب عليه الغسل إلا أن يعلم أنه مذي ليس بمني؛ وعن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس» إني بينما أسير على راحلتي إذ ذكرت نفسي وأنا بين النائم واليقظان، فوجدت بللا «، فقال:» اغسل فرجك وما أصاب منك «، ولم يأمرني بالغسل؛
وقال بعض: إنه يشمّ رائحته، والاحتياط في هذا أن يغتسل؛ و إن رأى في المنام أنه يغشى ثمّ استيقظ فلم يجد بللا فليس عليه غسل، فزعم في بعض أثر أصحابنا أنّ هذا مجمع عليه، وأنه ما لم يستيقن فلا غسل عليه إلا الوضوء، والله أعلم.
الفصل الثاني في موجب الغسل من الجماع
ويحصل الغسل من الجماع بالتقاء الختانين باتفاق من أصحابنا وكثير من مخالفيهم، لما روي أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:» إذا التقى الختانان وجب الغسل
أنزل أو لم ينزل «، وفي حديث آخر قال - عليه السلام -:» إذا قعد الرجل بين شعاب المرأة الأربع وأجهد نفسه فقد وجب [عليه] الغسل (1/200)
صفحة 201
أنزل أو لم ينزل «،
والتقاء الختانين لا يصحّ إلا بعد غيوب الحشفة، ويلتقي ختانه وختانها؛ ثم ليس المقصود الختان بل لو قطعت الحشفة فغيب مثلها وجب الغسل. وكذلك لو أولج في فرج [امرأة] ميتة، أو بهيمة، أو في الدبر ولا ختان فيه؛ وكذلك لو فعلته امرأة بذكر بهيمة. وإن كان الجماع في الفخذ أو فيما دون الفرج فلا غسل على الواطئ ولا على الموطوءة إلا بالإنزال، وإن عُدم البلوغ فيهما فلا غسل عليهما إلا أنهما يؤمران به على جهة التدرّب والتعلم للغسل. واختلف في الكبيرة يطؤها الصغير، والأصحّ وجوب الغسل؛ وإن وطيء الكبير صغيرة ممن تؤمر بالصلاة فقولان.
واختلف في المرأة ترى ما يرى الرجل، فقال أكثر مخالفينا فيما وجدت عنهم: عليها الغسل إذا أنزلت، وإليه ذهب ابن بركة العماني [رحمه الله]؛ ووجدت عن بعض أصحابنا أن الاحتلام للرجال والحيض للنساء، وبه قال أبو عبيدة عبد الله بن القاسم، ووجدت عن إبراهيم النخعي مثل ذلك، وعن الربيع –رحمه الله مثل (1/201)
صفحة 202
ذلك، وقال: لاغسل على النساء إلا من جماع أو من طهر حيض؛ وقال بعض أصحابنا: يلزمها الغسل إذا أنزلت باختيار منها أو بعلاج، ذكره ابن بركة في كتابه، والله أعلم.
وفي الحديث عن النبيء - عليه السلام - حين سئل عن ذلك فقال:» عليها الغسل إذا أنزلت «،
ووجدت عن جابر بن زيد عن ابن عباس في الجنب يخرج منه شيء بعد الغسل أنه يتوضّأ، وأظنّ بعضهم قال: إن كان بال قبل ذلك توضّأ، وإن كان لم يبل اغتسل، والله أعلم.
الفصل الثالث في كيفية الغسل
والغسل من الجنابة فرض من كتاب الله، ولا عذر لمن جهله، وهي أمانة يُسأل العبد عنها يوم القيامة، ولا يصحّ مع الجنابة عندنا صوم ولا صلاة إلا بعذر يبيح التيمّم، ومن أراد الغسل فإنه يُؤمر ألاّ يغتسل حتى يستبرئ من البول، وإن اغتسل ولم يُرق البول، ثمّ صلى فخرج منه شيء فإنه يعيد الغسل دون الصلاة.
ثم إذا أراد الغسل قدّم النية ونوى أن يغتسل من الجنابة فريضة افترضها الله عليه طاعة لله ولرسوله - عليه السلام -؛ واختلف فيه إذا اغتسل تبرّدا بغير نية ثمّ علم بالجنابة، قال (1/202)
صفحة 203
بعض: يجزيه، وقال بعض: لا يجزيه، وقال الجمهور: إنه لا يجزيه لعدم النية.
وممّا يؤثر عن ميمونة زوج النبيء - صلى الله عليه وسلم - في كيفية غسله
أنه - عليه السلام - يغسل يديه وكفيه، ثم يفرغ الماء بيده اليمنى على اليسرى فيغسل به عورته، ثم يمسح يده اليسرى بالأرض، ثم يغسلها، ثم يتوضّأ وضوء الصلاة غير القدمين، ثمّ يصبّ الماء على رأسه وعلى جسده، ثم يتنحى من مكانه فيغسل قدميه، وهكذا الغسل من الجنابة، وإ ن أخّر الوضوء حتى يغتسل فلا بأس.
[وكذلك إن وقع في نهر فبدأ بالغسل قبل الوضوء فلا بأس] عليه؛ وقال بعض العلماء من أصحابنا: يبدأ المغتسل بعد المضمضة والاستنشاق بشقّ رأسه الأيمن،
ثم الأيسر، ووجهه وعنقه، ثم يده اليمنى وما يليها، ثم اليسرى وما يليها، ثم ظهره وصدره، ثم رجليه، ويعرك بدنه بيده أو ما يقوم مقامها؛ وإن قدّم جارحة قبل الأخرى فلا بأس [عليه] بلا أن يؤمر بذلك.
وأقلّ الغسل: النية، واستيعاب البدن بصبّ الماء، مع إمرار اليد والعرك، مع إيصال الماء إلى منابت الشعر وإن كثفت، لأنه قيل عن رسول الله - عليه السلام -:» تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر و أنقوا البشر «،
ويخلل الرجُل لحيته، ولا يجب على المرأة نقض ضفائرها، بل تحثي عليها الماء وتضغطها بيديها كما جاء في حديث أمّ سلمة.
والأكمل كما قدّمنا أن يبدأ بغسل يديه ثم يزيل ما على بدنه من أذى، ثمّ يتوضّأ وضوء الصلاة و إن لم يكن محدثا، و يؤخّر غسل الرجلين إلى آخر الغسل في بعض الأحاديث، ويفعله في مكانه من الوضوء في بعض الأحاديث،
ثم يفيض الماء على رأسه يكرّره ثلاثا، ويضغطه في كلّ دفعة بعد المضمضة والاستنشاق؛ (1/203)
صفحة 204
وأمّا القدر الذي يغتسل به من الماء فغير محدود ولا مقدّر، لأنه قد يرفق بالقليل فيكفي، ويحزق بالكثير فلا يكفي، وإن كان جاء في الحديث أنّه - عليه السلام - يغتسل بالصاع ويتوضّأ بالمدّ، والأصل في هذا الإنقاء والنظافة؛
وإن مسّ عورته بعد التوضّؤ في حال الغسل فليعد الوضوء، وقد وجدت عن جابر بن زيد –رحمه الله أنّ الجنب إذا غسل مواضع النجس في مبدئه ثم أنقى جميع جسده بالغسل فلا بأس بذلك، قال: و أيّ الوضوء أفضل من الاغتسال، و الله أعلم وأحكم.
الفصل الرابع في أحكام الجنابة
اعلم أنّ حكم الجنابة حكم الحدث، مع زيادة تحريم قراءة القرآن، ودخول المسجد،
ورَخّص بعضهم أن يقرأ الآية ونحوها للتعوذ.
وعرق الجنب وسؤره طاهر، وكذلك جميع جسده إلا موضع النجاسة،
لحديث حذيفة: امتنع من مصافحة النبيء - عليه السلام - فقال - عليه السلام -:» المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا «، فأخرج يده فاعتمد عليها النبيء - صلى الله عليه وسلم - وهو سائر إلى الصلاة.
ويُكره للجنب أن يأكل أو يشرب أو ينام ما لم يغسل فرجه ويتوضّأ وضوء الصلاة،
لقول النبيء - عليه السلام - لعمر - رضي الله عنه - وقد سأله (1/204)
صفحة 205
عن الجنب أينام؟ فقال:» توضّأ واغسل رأس ذكرك «، ويقال: إنه لم يرد وضوء الصلاة، إنما أراد غسل يديه؛ ورخّص بعضهم أن يغسل يديه وفاه ويأكل ويشرب، رُوي مثل ذلك عن بعض علمائنا؛ وأما جابر بن زيد - رضي الله عنه - فإنه [قال]: يستحبّ للجنب ألا يتكلف حاجة حتى يتوضّأ وضوء الصلاة،
ومثله عن ضمّام–رحمه الله، وأمّا أبو نوح–رحمه الله فرخّص فيه.
وينبغي له ألا ينزع شعرا ولا يقلم ظفرا ما لم يغتسل، وأمّا معاودة أهله قبل الغسل فلا بأس، والله أعلم وأحكم.
الجملة الثانية
في أحكام الحيض والنفاس وما يتصل بهما
وهذه الجملة تحتوي على أربعة فصول:
كسرت شجرة الحنطة ورمتها؟ أو لأنّها عاقبت الحيّة بسلب قوائمها؟ كما قال بعضهم، وقيل: أوّل ما امتُحن به نساء
الأوّل في معرفة أنواع الدماء الخارجة من الأرحام
اجتمعت الأمّة فيما علمت [على] أنّ الدماء الخارجة من الرحم ثلاثة، أحدها: دم الحيض، وهو الخارج على جهة الصحّة، متميّز من غيره معروف، كما جاء في الحديث عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:» دم الحيض أسود ثخين، له رائحة ولون يعرف به، منتن آسن، لا يكاد يخرج من الثوب، معروف بلونه عند النساء من سائر الدم، فإذا كان كذلكِ فأمسكي عن الصلاة، (1/205)
صفحة 206
وإذاكان الآخر فاغتسلي وصلي «؛
وعند مشائخنا –رحمهم الله إذا أشكل على المرأة فلتناظره بما كان أحمر شديد الحمرة، كالدم الأوّل من الذبيحة، ودم الحلمة، والخزفة الأولية، والأرجوان المصري، وأشباه ذلك؛ والثاني: دم الاستحاضة، وهو الخارج من الرحم على جهة المرض، وهو دم أحمر رقيق لا رائحة له، متميّز لونه عن لون دم الحيض،
لقول النبيء - عليه السلام -:» إنما ذلك دم عرق وليس بحيض «؛ الثالث: دم النفاس، وهو الدم الخارج من الفرج بسبب الولادة من غير مرض خارجا عنها؛ ولهذه الدماء أحكام ستأتي فيما بعد إن شاء الله [تعالى]؛ فالواجب على المرأة المتعَبَّدة أن تعرف الفرق بين هذه الدماء لتمتثل ما تُعبّدت به من الفروض على يقين، وتترك المحظور عليها في حال طروء هذه الدماء عليها بيقين،
كما أنه واجب على المتعبّدين من الرجال أن يعرفوا الفرق بين الأحداث الطارئة عليهم من المني والمذي والودي وغيرها، لأنّ الله سبحانه [وتعالى] تعبّد الكلّ بفروض مختلفة، ونصب إلى معرفتها أدلّة ليُتوصّل [بها] إلى امتثالها بيقين؛ وجعل في المرأة دماء أربعة، أحدها: دم الجسد يشترك فيه الذكر والأنثى، والثلاثة هي التي – (1/206)
صفحة 207
قدَّمنا ذكرها خالف بين أحكامها، كما سيأتي إن شاء الله.
الفصل الثاني
في أحكام الحيض المتعلقة به والممنوعة من أجله
وهي خمسة، أحدها في حدّ الحيض: وهو على ما حدّه بعض العلماء أنه: الدّم الخارج من المرأة اليافعة ومَن فوقها في السن، إلى نهاية تقصر عن سنّ اليائسة، في مدّة خمسة عشر يوما فما دونها إلى ساعة، من غير ولادة ولا مرض؛ فذكر اليافعة احترازا عن من قصر سنها عن ذلك، كبنت خمس أو ست سنين، إذ ذاك مرض وليس بحيض، وكذلك بنت السبعين والثمانين، وباقي الحدّ احتراز عن النفاس والاستحاضة.
والثاني في مدة الحيض: وقد اختلف السلف في ذلك، والذي يوجبه النظر أنّ أقلّ مدّته فيما يرجع إلى العبادات غير محدود بتقييد مضبوط، لأنّ الدّفعة الواحدة تكون حيضا إذا فاضت من الفرج وإن لم تكن حيضة معدودة في العدّة والاستبراء، إذ العبادة لا تُترك إلا بِعلمٍ متيقنٍ به سقوطُهُا عن المتعبَّد،
والمباحُ الأخذُ فيه بالحوطة أوثق؛ ويدلّ على ما قلنا في الحيض قول النبيء - عليه السلام -:» إذا أقبلت (1/207)
صفحة 208
الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي «.
والمشهور عند أكثر أصحابنا: الربيع بن حبيب و موسى بن علي و محمد بن عبد الله الحضرمي وغيرهم، أنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام،
وقد روي عن النبيء - عليه السلام - من طريق جابر بن زيد عن أنس بن مالك عنه - عليه السلام -، فما دون الثلاثة عندهم ليس بحيض و لا حُكمَ له في ترك صلاة ولا صوم ولا عدّة، فإنما هو غيض (1/208)
صفحة 209
الأرحام، وكذلك ما فوق العشرة الأيام عندهم [إلى يوم] ليس بحيض، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة فيما وجدت، والأوّل مروي عن مالك أيضا، وعنه في ذلك أنّ النساء على ضربين: مبتدئة ومعتادة، فالمبتدئة عنده تترك الصلاة برؤية دم تراه إلى تمام خمسة عشر يوما فإن لم ينقطع صلّت وكانت مستحاضة،
وبه قال الشافعي أيضا، إلا أنّ أقلّ الحيض عنده يوم وليلة؛ وأمّا أبوعبيدة مسلم وأبو معاوية عزّان بن الصقر وجماعة من أصحابنا أيضا فأكثر الحيض عندهم خمسة عشر يوما، واختلفوا في أقله، فقيل: ثلاثة أيام، وقيل: يومان، وقيل: يوم وليلة، ولهم حجج تركتها مخافة التطويل. وأكثر ما انعقد عليه الإجماع في مدّة الحيض سبعة عشر يوما فيما وجدت، والله أعلم.
وأمّا الطهر فأكثره عند أصحابنا ستون يوما وأقله عشرة أيام، وقيل: خمسة عشر [يوما]، والله أعلم، [وبه الحول والتوفيق].
الثالث في حكم ما يمتنع به في حال الحيض: وهي بالجملة خمسة أشياء، أحدها: كلّ ما يفتقر إلى الطهارة الكبرى كالصلاة والطواف والصوم والاعتكاف وسجود التلاوة ودخول المسجد
ومسّ المصحف وغير ذلك، ثم لا يجب عليها قضاء الصلاة دون الصوم؛ الثاني: الفراق مع الزوج بطلاق أو خلع أو خيار، لقول الله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:01] أي: لطهرهن، واختلف هل منعه فيه خيفة من تطويل المدّة أو هو شرع غير معلل؟ فقولان؛
» مُره فليراجعها ثمّ يمسكها حتّى تطهر ثمّ تحيض ثمّ تطهر، إن شاء أمسك وإن شاء طلّق، فتلك العدّة التي أمر الله - عز وجل - أن تطلّق لها
الثالث: إلقاء التفث من تقليم الأظافر ونتف الإبطين وحلق العانة وما أشبه ذلك؛ الرابع: الزينة المعهودة للبدن من الاكتحال والاستياك والاختضاب، وأشباه ذلك، وقد (1/209)
صفحة 210
رخّص لها في "شرح الدعائم" في الامتشاط وتقليم الأظفار وأشباه ذلك، وزعم أنها ليست مثل الجنب، والله أعلم؛
الخامس: الوطء في الفرج مع استمرار الدم، وهو محرم بإجماع من الأمّة، فإن وطئ متعمّدا ففيه اختلاف، قيل: بتحريم الأبد، وهو مذهب العمانيين، وقيل فيها: بالوقوف، روي ذلك عن الربيع وغيره؛ وبعضُ مخالفينا أوجب في ذلك الكفارة،
وبعضهم لم يوجب في ذلك إلا التوبة والاستغفار، وكذلك الحكم فيها إذا وطئ بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال عند أبي عبيدة مسلم [رحمه الله]، وقال غيره: لا تستوي من تطهّرها ركوة ماء بمن لا تطهّرها دجلة؛
وأما الاستمتاع بما فوق السرّة من الحائض فلا يحرم عند الجميع، لقول النبيء - عليه السلام -:» إنما أمرتم بعزل الفروج «الحديث؛ واختلف فيما تحت الإزار مما دون الفرج، فأباحه قوم ومنع منه آخرون، والله أعلم.
الفصل الثالث
في اختلاف حكم النساء المعتادة للمحيض
وهي في ذلك [على] أربعة أحوال، أحدها: حال المبتدئة في الحيض التي ليس لها وقت مستقر، والثانية: (1/210)
صفحة 211
حال المعتادة المستقر وقتها، والثالثة: حال المستحاضة التي حُكم باستحاضتها، والرابعة: حال الحامل التي يطرأ الدم عليها.
اعلم أنّ حكم هذه الأربع في ابتداء الحيض واحد، فمن رأت دما وهي في سنّ من تحيض فهو حيض، مبتدئة كانت أو معتادة، حائلا أو حاملا،
لكن تختلف أحكامهنّ في التمادي، فالمبتدئة إذا رأت دما فهو حيض، فإن انقطع لعادة أترابها من ثلاثة أيام إلى عشرة [أيام] اغتسلت وصلّت، وإن تمادى بها الدم بعد عشرة أيام ولم تر الطهر انتظرت يومين بعد العشرة، فإن دام بها الدم فإنها تغتسل وتصلي عند كل صلاة، كذلك إلى عشرة أيام بعد الانتظار، فإن لم تر الطهر على تمام العشرة التي صلت فيها انتسبت إلى قرابتها من النساء من أمٍّ أو أختٍ أو خالةٍ أو عمّةٍ، حرة كانت أو أمة، موحّدة كانت أو مشركة، حيّة [كانت] أو ميّتة، عاقلة أو مجنونة، فإن لم تجد قرابتها فلتنتسب إلى غيرهنّ من المسلمات، ومعنى انتسابها إلى ما ذكرنا أن تسألها عن وقتها في الصلاة،
فإن قالت لها: وقتي عشرة أيام، فلتترك الصلاة إذا اغتسلت وصلّت عشرة أيام، وإن قالت لها: إنّ أيام صلاتي خمسة عشر [يوما]، أو عشرون [يوما]، فلتغتسل وتصلِّي حتى تنتهي إلى العدد الذي قالت لها، ثمّ تترك الصلاة عشرة أيام، ثمّ تنتظر يومين بعد العشرة، ثمّ تصلي بعد ذلك ما قالت لها قريبتها من عدد الأيام، وتصنع كذلك مادام بها الدم إلى سنة، فتكون بعد ذلك مبتلية تترك الصلاة اثنا عشر يوما وتصلي عشرة أيام حتى يفرِّج الله ما بها، وهذا إذا دام بها الدم من وقت انتظارها وأمّا إن وجدت الطهر بعد الانتظار فلتغتسل وتصلي حتى يأتيها الدم، فإذا راجعها انتسبت كما قدّمنا.
وأما حال المعتادة التي استقر وقتها فيما بين الثلاثة إلى العشرة وذلك أن ترى حيضها الأوّل فيدوم بها
ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو عشرة، ثمّ ترى الطهر فيدوم بها سبعة (1/211)
صفحة 212
أيام أو ثمانية أو تسعة، فإنها تغتسل وتصلي خمسين صلاة لعشرة أيام، ثمّ تنتسب كما قدّمنا في المبتدئة.
وكذلك إن خولط طهرها الأوّل فإنها تنتسب إذا رأت الدم بعد عشرة أيام،
وكذلك إذا رأت الطهر على الانتظار أو بعده فيما دون عشرة أيام فإنها تنتسب إذا أتاها الدم بعد عشرة أيام.
وأمّا إن رأت حيضها الأوّل فدام عليها يومين ثم رأت بعدهما طهرا فإنّ هذين اليومين يكونان لها أصلا، فكلّ ما رأته من الدم الخالص بعد ذلك الطهر المتقدّم فإنها تجمعه إلى اليومين [الأوّلين] اللذين هما الأصل، وذلك فيما تراه بين [اليوم] الأوّل من الحيض إلى العاشر، وما رأته بعد العاشر فلا تجمعه،
فإن قطع بين ما تضمّه طهرٌ جمعت ما قبل الطهر إلى الأصل الأوّل فيكون لها وقتا للحيض، ولا تجمع ما بعد الطهر القاطع ولا ما بعد العاشر من اليوم الأوّل الذي ترى فيه الحيض، واليوم الأوّل الذي أتاها فيه الحيض لا تعتدّ به إلا إن رأت فيه الحيض قبل طلوع الفجر، وقيل: قبل طلوع الشمس.
وأمّا إن تمّ وقتها في الحيض ولم ينقطع عنها الدم فإنها تنتظر يومين، فإن انقطع وإلا اغتسلت وصلّت وكانت مستحاضة، وإن انتظرت يومين فرأت الطهر فاعتادها ذلك ثلاث مرات فإنها تطْلع إليها وتترك الوقت الأوّل، وكذلك إن انقطع عنها الدم فرأت الطهر (1/212)
صفحة 213
قبل تمام وقتها المعتاد فتمادى ذلك عليها مرّتين فإنها تنزل إليه وتتخذه وقتا وتترك الوقت الأول.
تيقّنت بوجوبه من العبادات إلاّ بالعدد الذي اتّفقوا أن تكون تلك الزيادة به دم حيض، وهو ثلاث مرّات، والنزول بخلافه، لأنّها لا تترك عبادة ... الخ «.
فإن تمّ وقتها وانقطع عنها الدم وبقي شيء من الكدرة أو الصفرة أو الترية فإنها تنتظر يوما وليلة، فإن انقطع وإلا اغتسلت وصلت،
لأنّ الصفرة والكدرة والتريّة لا حكم لها على الانفراد، إنما الحكم لما سبقها وتقدّمها، إن تقدّمها حيض فحكمها حكم الحيض، وإن تقدّمها طهر فحكمها حكم الطهر في قول الربيع رحمه الله، وهو المعمول به عند أصحابنا، وقيل عن ابن عباد أنها حيض في أيام الحيض، لأنه قيل: إنّ الحيض ستة أشياء، وهي: الدم والصفرة والكدرة والترية والحمرة والغبرة، فهذه الأوصاف حكمها حكم الحيض.
و أمّا الطهر فنوعان، جفوف: وهو أن تُدخل المرأة الخرقة فتخرجها جافة؛
والثاني: القصَّة البيضاء، وهو ماء رقيق أبيض يأتي في آخر الحيض، كماء القصَّة وهو الجير، وهذا هو الأقعد في الطهر عند أصحابنا، كان ذلك عادة للمرأة أو ليس بعادة،
وحجّتهم قول النبيء - صلى الله عليه وسلم -:» لا تطهر المرأة من حيضتها حتى ترى القصّة البيضاء «؛ والتي عادتها الجفوف هو طهرها،
فإن جفت التي عادتها الماء الأبيض [فبعض أصحابنا يقول: تنتظر من ساعة إلى ساعة، فإن أتاها الماء الأبيض] وإلا اغتسلت وصلّت؛ وعند بعض أهل المدينة الأقعد هو الجفوف، وعند بعضهم الأقعد [هو] القصّة البيضاء كما قدمنا والله أعلم.
وأما المستحاضة التي تمادى بها الدم وحكم باستحاضتها فلا تخلو من أن تكون مبتدئة أو معتادة، وكل واحدة منهما إمّا مميزة أو غير مميزة، فهي إذا على أربعة أقسام: مبتدئة مميِّزة، ومبتدئة غير مميّزة، ومعتادة بتمييز، ومعتادة بغير تمييز.
فأمّا الأولى: فإنها تترك الصلاة عند بعض العلماء مدّة تمييز حيضها، بشرط أن لا تزيد على أكثر مدّة الحيض، فإن (1/213)
صفحة 214
زاد على أكثرها لم يكن عنده حيضا. وأمّا الثانية: وهي المبتدئة من غير تمييز، فإنها عند بعض العلماء تجلس خمسة عشر يوما إذا تمادى بها الدم، فإن انقطع وإلا صارت مستحاضة. وأما الثالثة: وهي المعتادة من غير تمييز، فإنها عند بعضهم إذا شكّت فلم تدْر أذلك انتقال في حيضها أو استحاضة فإنها تغتسل وتصلي وتصوم،
قوله فلم تدْر أذلك انتقال من حيضها: أي فترى الطهر عند أقصى أوقات الحيض أو قبله، أم استحاضة فيستمرّ بها ولا ينقطع.
قوله فإنّها تغتسل الخ: ظاهره أنّها لا تنتظر عند صاحب هذا القول، وأمّا الحكم عند غير هذا البعض فإنّها تنتظر يومين ولا تطلع إلى خمسة عشر في غير الأوّلة، والله أعلم. [وكتب أيضا على هذه القولة ما نصه:]
ولا يطأها زوجها احتياطا، ثم تنظر إلى ما يصير إليه أمرها، فإن انقطع الدم عنها لتمام خمسة عشر يوما عُلِم أنها قد انتقلت عادتها، وكانت المدّة كلها حيضا، وإن استمرّ الدم علم أنّ ذلك استحاضة، واعتدّت بحيضتها كما تقدّم من عادتها، وتقضي الصوم فيما بين ذلك وبين الزيادة على خمسة عشر يوما.
وأمّا الرابعة: وهي المعتادة بتمييز، فإنها تعتبر التمييز عندهم بحديث فاطمة بنت حبيش أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أمرها وكانت مستحاضة أن تدع الصلاة مقدار أقرائها التي كانت تحيض فيها قبل أن يصيبها ما أصابها ثم تغتسل وتصلي؛ قالوا لأنّ العادة تختلف والتمييز لا يختلف، ولأنّ النظر إلى اللون اجتهاد والنظر إلى العادة تقليد، والاجتهاد أولى من التقليد، والله أعلم.
والعمل عند أصحابنا على ما قدّمنا في صدر الكتاب، لكني إنما أثبت هذا التقسيم هاهنا لئلا يضطرّ إليه مضطرّ فيسوغ له الأخذ بأقاويل أهل العلم.
ثمّ المستحاضة حكمها حكم الطاهر في جميع معانيها، لأنّ الاستحاضة كسلس البول، لا تمتنع من الصلاة، لكن يستحبّ لها أن تغتسل لكلّ صلاة، فإن لم تفعل فتوضّأت لكلّ صلاة فلا بأس عليها بعد أن تغتسل عند الحكم لها بالاستحاضة، ويؤمر زوجها أن يطأها إذا اغتسلت للصلاة، وإن وطئها في غير ذلك فلا بأس عليه إن شاء الله.
والرابعة: الحامل التي يطرأ عليها الدم فإنها تصنع كما (1/214)
صفحة 215
تصنع المستحاضة، وإن ضربها الطلق فجاءتها دفعة من الدم ثم انقطع فإنها تغتسل وتصلي؛ وإن كانت حاملا فرأت بلّة أو صفرة فإنها تتوضأ، فإن ضربها الطلق فرأت صفرة أو كدرة قبل أن تلد فإنها تتوضّأ وتصلي، لأنّ هذا ليس بحيض ولا نفاس، وإذا كان دما سائلا اغتسلت وصلّت،
وقال من قال: إن الحامل إذا رأت الدّم فإنّها تقعد أيام أقرائها وتجمع بين الصلاتين بالغسل إذا كان دما سائلا، وإن كانت صفرة توضّأت لكلّ صلاة، ويغشاها زوجها في الصفرة والكدرة، ويكره له ذلك في الدم السائل.
وعن الربيع رحمه الله في المرأة ترى الدم فتحسب أنه حيض فتركت الصلاة، ثمّ استبان أنها حامل،
قال: عليها إعادة ما تركت من الصلاة في حملها، (1/215)
صفحة 216
وكان يرى أنها تصنع كالمستحاضة؛ وسئل بعض علمائنا عن المرأة ترى الصفرة أو الكدرة أو الحمرة قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة، هل تترك الصلاة؟ قال: لا، هو داءٌ جاء أحيانا و ذهب أحيانا، قيل له: فإن (1/216)
صفحة 217
رأت ذلك أياما وظنّت أنها تلد وتركت الصلاة والصوم؟ قال: إذا كان حبل قد استبان فعليها بدل تلك الصلاة والصوم، لأنّ ذلك الدم ليس بشيء.
وكذلك اليائسة التي قعدت عن الحيض بالكبر فإنها إذا رأت الدم اغتسلت وصلت، وتصنع كالمستحاضة لأنّ ذلك داء ليس بحيض،
ويجوز صومها وصلاتها، وإن رأت صفرة توضّأت لكلّ صلاة؛ واختلف في حد الإياس، فقيل: خمسون سنة، وقيل: خمس وخمسون، وقيل: ستون.
ويقال: يقطع الحيض خمسة أشياء: الكبر، والحمل، والرياح، والرضاع [في الغالب]، والمرض، والله أعلم [وأحكم].
الفصل الرابع في دم النفاس
وهو الخارج بسبب الولادة، وهو عند العلماء: حيض زادت أيامه، ولم يختلف مع دم الحيض إلا في طول المدّة وقصرها؛ والدفعة الواحدة من النفاس تكون دما باتفاق أهل العلم، وليس الحيض كذلك عند أكثرهم؛ واختلف أهل العلم في أقصى النفاس، فقال أكثرهم: أقصاه أربعون يوما، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، وروي مثل ذلك في حديث أمّ سلمة، قالت: كنا نقعد في النفاس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يوما إلاّ أن نرى الطهر قبل ذلك؛
وقال آخرون: أكثر النفاس ستون يوما، وقيل: تسعون يوما.
وأقلّ النفاس [عند أصحابنا] عشرة أيام، وكذلك أدنى أوقات الصلاة عندهم، وأكثرها ستون يوما.
وإذا وضعت الحامل تركت الصلاة والصوم، واجتنبها زوجها حتى تطهر من نفاسها، أو تبلغ أربعين يوما، فإذا رأت الطهر اغتسلت وصلت، وإن لم تر الطهر بعد الأربعين (1/217)
صفحة 218
انتظرت ثلاثة أيام ثم تغتسل وتصلي، تصنع كالمستحاضة؛
و إن كان لها وقت دون أربعين يوما فإذا تمّ وقتها ولم تر الطهر انتظرت ثلاثة أيام كما قدّمنا، ثمّ تصنع بعد ذلك كما تصنع المستحاضة؛
وإن كان وقتها أربعين يوما [و] انقطع الدم دونها اغتسلت وصلت أياما، ثمّ راجعها الدم قبل الأربعين ففي إعادة صلاتها وصيامها قولان.
وكذلك الحائض يكون وقتها ثمانية أيام، فتحيض ثلاثة أيام ثمّ تطهر، فتصوم أربعة أيام، ثمّ يراجعها الدم في الثامن، فقولان في إعادة صلاتها وصيامها.
واتفقوا على أنّ حكم النفاس في وقته حكم الحيض. ولو انقطع دم النفاس ثمّ عاد بعد مضيّ طهرٌ تامّ فهو حيض،
وإن عاد دون الطهر فهو نفاس، إلا أن يكون النفاس كمل بالأوّل فلا يكون ما بعد انتظار ثلاثة أيام نفاسا.
وأمّا الدم الذي يكون بين التوأمين ففي كونه نفاسا لانفصال الأوّل، أو حيضا لبقاء الثاني، قولان في بعض الآثار.
وحكم دم النفاس فيما يمنعُه وفي اقتضاء الغسل حكمُ دم الحيض.
ولا تغسل من الحيض والنفاس حتى ترى طهرا بيّنا، أو تخرج منه بالانتظار، فإن اغتسلت وصلت عند انقطاع الدم من غير أن ترى الطهر [البيّن]، فإذا رأت الطهر أعادت الغسل، وبالله التوفيق.
واغتسال الحائض والنفساء كاغتسال المجنبة، إلا أنّ الحائض تؤمر بنقض شعر رأسها عند الغسل، وتغسله بالرمل أو بالطفل وتمشطه، ثمّ تجمع الشعر فتغسله ثمّ تدفنه، والله أعلم وأحكم (1/218)
صفحة 219
كتاب الصلاة (1/219)
صفحة 220
[صفحة بيضاء] (1/220)
صفحة 221
الركن الثاني من الكتاب في الصلاة
وأقسامها وفرائضها وسننها وما يتعلق بها منالفضائل
اعلم أن هذا الركن ينحصر في مقدمة وثلاث جمل، أما المقدمة فتشتمل على ذكر أقسام الصلاة من الفرائض والمسنونات ومتطوعها من الفضائل والمستحبات.
اعلم أن الله سبحانه فرض على المكلفين من عباده بعد إحكام معرفته وتصديق أنبيائه عبادات الأبدان وقدمها على ما يتعلق من واجب الحقوق في الأموال، لأن النفوس على الأموال
شح، وبما يتعلق بالأبدان أسمح، ثم قدم فرض الصلاة على سائر العبادات البدنية، لأن الصلاة أسهل فعلا وأيسره عملا، ثم جعلها مشتملة على خضوع له رهبة من سطوته وعقابه، ومتضمنة على تفرع وابتهال إليه رغبة في ثوابه وفضله، بعد أن شرع لنا شروطا لازمة من رفع الأحداث وإزالة الأنجاس ليستديم العبد النظافة للقاء ربه، والطهارة لأداء فرضه، ثم ضمنها تلاوة كتابه المنزل ليتدبر ما فيه من أوامره ونوهيه، ويعتبر بإعجاز لفظه ومعانيه، ثم علقها بأوقات لازمة وأزمان مترادفة ليكون ترادف أزمانها وتتابع أوقاتها سببا لاستدامة الخضوع له والابتهال إليه حتى لا تنقطع الرهبة من عقابه ولا الرغبة في ثوابه، فإذا لم تنقطع الرغبة ولا الرهبة من قلوب الخليقة أذعنت للعبودية وذلت واستقامت على الطريقة وصلحت، وبحسب قوة الرغبة والرهبة يكون استفاء الفروض على الكمال أو التقصير فيها عن حال الجواز، كما جاء عن الرسول - عليه السلام - أنه قال: «الصلاة مكيال، (1/221)
صفحة 222
فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين».
ثم إن الله سبحانه جعل لكل فرض من فرائضه توابع مسنونات على لسان نبيه، ولواحق متطوعات تبرعت بها أنفس أوليائه ليثيبهم على جميع ذلك أفضل الثواب وينالوا بذلك عنده حسن المئاب، فإذا الصلاة تنقسم إلى خمسة أقسام:
أحدها قسم فروض: وهي نوعان.
فرض على الأعيان: كالصلوات الخمس.
وفرض على الكفاية: كالجمعة على من تعينت عليه في مصر الإمام، وكصلاة الميت
على من حضرها من الأنام، والجمعة فرض عين، لأنها بدل من الظهر، ولكن لها أحكام تخالفها. الثاني قسم سنن: وهي ثلاثة أنواع:
واجبات: كالوتر وصلاة الميت.
ومؤكدات: كركعتي صلاة الفجر، وركعتين بعد المغرب وصلاة العيدين وركعتي الطواف، وقيام رمضان، وسجود القرآن.
ومرغوبات: ككسوف الشمس والقمر والزلزلة، وصلاة الاستسقاء، وركعتي الإحرام،
الثالث قسم فضائل: كتحية المسجد ركعتان، وقيام الليل، وركعتا السحر، وصلاة الضحى، وإحياء ما بين العشاء ين وأشباه ذلك.
الرابع قسم تطوع: وهي نوعان:
أحدهما: كل صلاة يتنفل بها في أوقات المفروضات.
والثاني: الصلاة المختصة بالأسباب كالصلاة لوداع المنزل عند الخروج إلى السفر، وعند القدوم منه، وصلاة الاستخارة ركعتان، وصلاة الحاجة ركعتان،
الميت،
وصلاة التسبيح أربع ركعات، وركعتان قبل الدعاء، وركعتان بعد التوبة من الذنب، وصلاة الدهر وهي عشر ركعات، وصلاة الرجاء وهي أربع ركعات، وصلاة الأجر أربع ركعات، وصلاة التسبيح ركعتان.
الخامس قسم ممنوع الصلاة: وهي عند طلوع (1/222)
صفحة 223
الشمس وعند غروبها، وعند توسطها في كبد السماء قبل أن تزول، والصلاة بعد طلوع الفجر ما خلا صلاة الصبح وركعتيه، والوتران نسيه أو نام عنه، وبعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس إلا لمن تذكر فرضا أو نام عنه أو لزمه قضاءه، وقبل صلاة المغرب، وبين الصلاتين لمن قرنهما، والتنفل لمن عليه فرض خرج وقته أو ضاق، وصلاة الرجل وحده في المسجد مخالفا للإمام والله أعلم وأحكم.
اعلم أن الصلاة بنيت على أركان وفرائض لا تصح إلا بها، وعلى سنن لا تتم إلا بامتثالها مع الذكر لها، أو جبرها بالسجود عند السهو عنها، وعلى فضائل يؤجر العبد بإحرازها.
ففرائضها مع جملة شروطها عشرون: عشرة قبل الدخول فيها، وعشرة بعد التلبس بها.
فاللواتي قبل الدخول فيها:
إحداها: الطهارة من الأحداث بالوضوء والاغتسال إن طرأ على الإنسان.
والثانية: إزالة النجس قبل الطهارة.
والثالثة: طهارة الثوب وطهارة البقعة المصلى عليها.
والرابعة: دخول الوقت لأدائها.
والخامسة: الستر للعورة في جملتها من الركبة إلى الصرة للرجل، و للمرأة الحرة جميع جسدها ما خلا الوجه والكفين من زينتها.
والسادسة: القيام مع القدرة في حال عملها.
والسابعة: استقبال القبلة في جميعها.
والثامنة: النية بالقلب عند التلبس بها.
والتاسعة: استصحاب حكم النية في سائرها.
والعاشرة: العلم بكيفية امتثالها. وأما العشرة التي بعد الدخول فيها: فإحداها: الإحرام بلفظ التكبير أو ما يقوم مقامه عند بعضهم في أولها. والثانية: القراءة بأم القرآن فصاعدا. والثالثة: الركوع فيها. والرابعة: (1/223)
صفحة 224
الاعتدال في الركوع والرفع منه والخامسة: السجود بعد الركوع. والسادسة: الفصل بين السجدتين والاعتدال فيهما. والسابعة: الجلوس بعده. والثامنة: التحيات على الاختلاف بين الأئمة في أيتهما الفريضة الأولى أو الآخرة منهما. والتاسعة: ترتيب الأفعال في جميعها. والعاشرة: استصحاب الخشوع فيها من أولها إلى آخرها. وسننها عشرون أيضا: إحداها: الآذان لها في المساجد وحيث الأئمة فرض على الكفاية، وسنة لكل أحد في خاصة نفسه للرجال دون النساء. والثانية: الإقامة للصلاة للرجال. والثالثة: الصلاة بالجماعة. والرابعة: التوجيه. والخامسة: الاستعاذة بعد التكبير. والسادسة: قراءة البسملة. والسابعة: قراءة السورة مع أم القرآن في الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، ولركعتي الفجر. والثامنة: الجهر بالقراءة في موضع الجهر وهو ما قدمنا مع صلاة الجمعة. والتاسعة: الإسرار بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر وآخر المغرب والعشاء. والعاشرة: الإنصات لقراءة الإمام إذا جهر. والحادية عشرة: قراءة فاتحة الكتاب للمأموم وراء الإمام. والثانية عشرة: التكبير مع كل خفض ورفع، إلا عند الرفع من الركوع فيقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ويقول الفذ وراء الإمام: ربنا ولك الحمد. والثالثة عشرة: التعظيم في حال الركوع. والرابعة عشرة: التسبيح في حال السجود. والخامسة عشرة: السجود على سبعة أراب. والسادسة عشرة: التحيات مع الإسرار بها. والسابعة عشرة: التسليم منها. والثامنة عشرة: التيامن بالسلام على اليمين ثم اليسار. والتاسعة عشرة: الدعاء بعد الصلاة. والعشرون: الصلاة على النبي - عليه السلام - وفضائلها عشر: إحداها: الآذان للمسافر. والثانية: الإقامة للنساء. والثالثة: توجيه إبراهيم - عليه السلام -. والرابعة: إطالة القراءة في الصبح وتخفيفها في المغرب وتوسطها (1/224)
صفحة 225
في العشاء.
والخامسة: مباشرة الأرض بالجبهة والكفين عند السجود مع إيصال الأنف.
والسادسة: التجافي في الركوع والسجود بالضبُعين ولا يضمهما.
والسابعة: الدنو من السترة للإمام والفذ.
والثامنة: الصلاة أول الوقت.
والتاسعة: وضع البصر في موضع السجود.
والعاشرة: المشي إليها بالوقار والسكينة والله أعلم. مكروهاتها اثني عشر: الأولى: صلاة الرجل وهو يدافع الأخبثين. والثانية: الالتفات قليلا من غير أن ير من خلفه. والثالثة: تحدث النفس بأمور الدنيا. والرابعة: العبث بشيء من جوارحه. والخامسة: الإقعاء: وهو الجلوس على الآليتين مع نصب الفخذين عند بعضهم في التشهد. والسادسة: الصفن وهو رفع احذي الرجلين كما تفعل الدابة عند الوقوف. والسابعة: الصفد وهو ضم القدمين في القيام كالمكبل. والثامنة: الصلب وهو فيما وجدت وضع اليدين على الخاسرتين وتجافي العضدين في حال القيام كصفة المصلوب، وفي معناه الاختصار. والتاسعة: الصلاة بالتلثيم. والعاشرة: كف الثوب أو الشعر لأجل الصلاة. والحادية عشرة: الحمل في الفم أو في غيره مما يشغل عن الصلاة.
والثانية عشرة: أن يصلي وهو مشغول الخاطر بغضب أو نعاس أو غيره من حضور طعام أو خلاء مما يشغله عن فهم صلاته وما أشبه ما ذكرنا.
ومفسداتها كثيرة وهي: ترك ركن من أركانها، أو فريضة من فرائضها كترك النية أو قطعها، أو القراءة، أو غير ذلك مما قدمنا ذكره عمدا ترك ذلك أو جهلا، أو سهوا، إلا خطأ القبلة بعد الاجتهاد في التحري أولا، أو ترك سنة من سننها، أو ترك أكثر التكبير أو التعظيم، أو ما أشبه ذلك، إن فاتت جبرها بسجود السهو، وكذلك الزيادة بالسهو عند بعضهم، والردة والقهقهة كيف كانتا، والكلام لغير إصلاح الصلاة، والأكل والشرب فيها، والعمل الكثير (1/225)
صفحة 226
من غير جنسها، وغلبة الهم والحقن حتى يشغله عنها ولا يفقه ما صلى، والإتكاء في حال قيامه على حائط أو عصى بغير عذر مما لو أزيل عنه ذلك لسقط، أو ذكر صلاة فرض يجب ترتيبها عليه، والصلاة في الكعبة أو على ظهرها، وحدوث الماء على المتيمم فيها، واختلاف نية المأموم وإمامه يفسد الصلاة أيضا، وكذلك فساد صلاة إمامه يفسدها أيضا، وما أشبه ما ذكرنا فكل هذا يفسد الصلاة، وسنسوق إن شاء الله ما ينبغي من تقسيمات فرائض الصلاة مع سننها حتى يضبطها المسترشد على التحقيق وبالله التوفيق.
الجملة الثانية في تفصيل فرائض الصلاة وسننها على ما ينبغي:
أما الطهارة من الأحداث فقد ذكرناها، وهي شرط الصلاة في الابتداء والدوام حتى لو أحدث في الصلاة عمدا أو سهوا لبطلت، وكذلك لو سبقه الحدث ما خلا الأحداث الثلاثة التي ورد فيها الحديث أنها لا تنقض الصلاة، وهو قول الرسول - عليه السلام -: «القيء والرعاف والخدش لا ينقض الصلاة فإذا انفلت المصلي بها توضأ وبنا على صلاته».
وأما طهارة الثوب فهي شرط في صحة الصلاة لقول الله تعالى: {وثيابك فطهر}، ولما روي في السنة من أمره - عليه السلام - بغسل النجاسة من الثوب والبدن وقد تقدم ذلك، وإن صلى بثوب نجس فلا صلاة له عمدا كان أو سهوا، ذاكرا كان أو ناسيا، وعليه الإعادة في الوقت وبعده، وإن كانت (1/226)
صفحة 227
نطفة لا يدري متى حدثت فليعد من آخر نومه، وإن كان غائطا فليعد من آخر قعدة، وإن كان دما فليحتط لنفسه، وقال من قال فيمن جهل حدوث النجاسة في الثوب جمله أنه يعيد صلاة يوم وليلة، وإن كان أحد ثوبه نجسا ولا يفرزه فليصل بكل واحد صلاة، وقيل: يتحرى الطاهر منها في غالب ظنه لأن الأصل فيهما الطهارة والأول أحوط، وإن أصاب بعض ثوبه نجس ولم يعلم موضعه لم يجز التحري وغسل جميعه لتيقن النجاسة فيه بعد الإصابة، ولو شقه نصفين لم يجز التحري لجواز أن تقسم النجاسة فيهما، ولو تحقق أن النجاسة أصابت أحد الكمين فغسلهما أو قطعهما جميعا جازت الصلاة به إجماعا، وإن رأى النجاسة في ثوبه في الصلاة استأنفها بإقامة جديدة والله أعلم.
وأما البدن فقد تطهيره بالغسل أو بالمسح فيما يمكن فيه المسح من المواضع قبل الطهارة، وإن نسى النجاسة في رجله أو في غيرها من بدنه حتى صلى فليعد الصلاة بعد غسل النجاسة، والتوضؤ بعدها، وكذلك إن التصقت به الميتة على هذا الحال، وأما الثوب إن غسله غيره فلا يعيد الوضوء وليعد الصلاة والله أعلم، وإن كان معذورا في تعلق في جوف كلب مذبوح فرخص له أن يصلي لذلك.
وأما طهارة البقعة فهي أيضا من شروط الصلاة التي لا تصح إلا بها، الدليل على ذلك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بصب الذبوب من الماء على بول الأعرابي، فدل أنه لا تجوز الصلاة على شيء من الأنجاس، والمشترط من طهارة المكان أن يكون كلما يمس بدن المصلي عند القيام والقعود والسجود طاهرا، فلو صلى على حصير أو نحوه مما ينتقل وطرفه متصل بنجاسة ففي إنزالها منزلة المتصل به قولان، والاختيار (1/227)
صفحة 228
في جوابات أبي سهل اللالوتي ــ رحمه الله ــ ألا تفسد الصلاة بذلك، ومما يتصل بمكان الصلاة نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في سبعة مواطن: المزبلة، المجزرة، قارعة الطريق، بطن الوادي، الحمام، ظهر الكعبة، معاطن الإبل وهو مجتمعها عند الصدر عن المنهل.
واختلف الناس في الصلاة في هذه المواضع، فبعض كرهها، وبعض استثنا من ذلك المقبرة فقط، وبعض المقبرة والحمام، والأصح أن المقبرة عند أصحابنا لا تجوز الصلاة عليها لقول النبي - عليه السلام -: «لعن الله أقواما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وكذلك ظهر الكعبة لنهي النبي - عليه السلام - عن ذلك، ولقول جابر بن زيد ــ رحمه الله ــ للمصلي على ظهر الكعبة من المصلي لا قبلة له.
وأما المزبلة والمجزرة فتجوز الصلاة عندهم عليها بعد طهارتها بمطر سنة، ومعاطن الإبل كذلك.
وأما الحمام فالصلاة فيه (1/228)
صفحة 229
في المواضع الطاهرة منه مكروهة، وكذلك بطن الوادي وقارعة الطريق مع عدم المضرة فيه لأحد، والأصل في هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا فحيث ما أدركتك الصلاة فصل»، إلا ما قدمنا من المواضع المنهي عن الصلاة فيها، واختلف في علة نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في معاطن الإبل دون مرابط الغنم، فقيل: لأجل نجاستها، وقيل: لا يؤمن نفارها، وقيل: لزفرتها، وقيل: لكونها يستتر بها في العادة عند قضاء حاجة الإنسان، وقيل: لأنها من جن خلقت، والكيف عند أصحابنا لا يصلى إليه إلا إذا كان بينه وبين المصلي سترتان، جداران أو حصيران بينهما فرجة.
واختلف في الصلاة على الأرض المغصوبة فقيل: لا يصلى على الأرض المغصوبة، فقيل: لا يصلي عليها الغاصب ولا غيره، وقيل: جائزة صلاة الجميع، وقيل: بإبطال صلاة الغاصب دون غيره.
واختلف أيضا في الصلاة في البيع والكنائس، فكرهها قوم وأجازها آخرون إذا لم يكن فيها نجس ولا تماثيل، روي ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنه - لقول عمر رحمه الله: «لا تدخلوا كنائسهم من أجل التماثيل»، وفرق أصحابنا ــ رحمهم الله ــ فأجازوا الصلاة في التي بنيت قبل الإسلام وأبطلوها فيما بني بعده وهو أسبق إلى النفس، وأجمع الناس على إجازة الصلاة على الأرض وما أنبتت معمولا كان أو غير معمول.
واختلفوا في السجود على غير ما أنبتت الأرض، فكره ذلك أصحابنا وأكثر الأئمة من غير بطلان الصلاة، واختلفوا في ونحوه ولم يجيزوها على الرماد ألهك والحرير والأبريسم والماء والطين والوحل ونحوه، وكذلك الحديد والرصاص والقصدير والنحاس والذهب والفضة، والملح والشب والمغره، والنورة (1/229)
صفحة 230
والزرنيخ، إلا إن اختلط أحد هذه الأشياء مع التراب حتى غلب عليها. وأما النجاسة إذا كانت عن يمين المصلي أو شماله فقد أجازوا صلاته إذا لم تمسحه النجاسة، وأما إذا كانت في قبلته فحتى يكون بينه وبينها مقدار ثلاثة أذرع أو نحوها، والمستحب أن لا يصلي إلا على مكان طاهر فتمكن فيه المصلي ليس بمنهي عنه ولا بقربه النجاسة، وقد كره الربيع ــ رحمه الله ــ أن يكون بغسل الرجل في مؤخر المسجد أو قريبا منه إلا أن يكون بينه وبينها ذراعان أو ذراع، هذا إذا كان المغتسل طاهرا والله أعلم وأحكم.
الفريضة الرابعة دخول الوقت لأدائها: وفيه ثلاثة فصول:
الأول: في الأوقات المأمور بالصلاة فيها.
والثاني: في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
والثالث: في أوقات المعذورين.
الفصل الأول: في الأوقات المأمور بها، وفيه خمس مسائل وقد اتفق الناس على أن للصلوات الخمس أوقاتا هي شرط لصحتها، لقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المومنين كتابا موقوتا}. واتفقوا على أن من الأوقات ما هو فضيلة، ومنها ما هو توسعة.
المسألة الأولى في وقت الظهر: وقد اتفق الجميع على أن وقت الظهر الذي لا تصلى قبله هو زوال الشمس، وهو عبارة عن ظهور بداية انحطاطها عن نهاية ارتفاعها، الدليل على ذلك قول الله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} (الآية)، يعني زوالها، وبما صح في تواتر الحديث (1/230)
صفحة 231
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر حين زالت الشمس، وهو أشبه بدلوكها، وقد وضع أهل العلم في معرفة ذلك علامات:
إحداها: معرفة ظل الزوايا بالأقدام المترتبة على الشهور العجمية وذلك يعسر عن العوام لأنه لا يصح إلا بمعرفة دخول الشهر العجمي، والذي يقرب إلى إفهام العوام ثلاث علامات:
إحداها: معرفة ظل الأشخاص وذلك أن كل شخص لا بد أن يضع له في ابتداء النهار ظل مستطيل في جانب المغرب، ثم لا يزال ينقص إلى وقت الزوال، ثم يأخذ في الزيادة في جهة المشرق، ولا يزال يزيد إلى الغروب، وإذا أراد الإنسان معرفة دخول الوقت بالظل فليقم في موضع، أو ينصب عودا مستقيما وليعلم على رأس الظل، ثم لينظر بعد ساعة، فإن رؤاه في النقصان فإنه لم يدخل بعد وقت الصلاة، والطريق في ذلك أن ينظر في البلد وقت الآذان المعتمد عليه إلى ظل قامته، فإذا كانت مثلا ثلاثة أقدام بقدمه فمهما صار كذلك في غير البلد وأخذ في الزيادة صلى، ثم إذا زاد عليه ستة أقدام ونصف دخل وقت العصر إذ ظل كل شخص بقدمه ستة أقدام ونصف بالتقريب، ثم ظل الزوايل يزيد كل يوم في ابتداء الصيف، وينقص كل يوم في أول الشتاء، والله أعلم.
والعلامة الثانية: أن يستقبل القبلة واقفا غاضا عينه اليمنى ناظرا باليسرى، فإن لم يبصر عين الشمس فقد دخل وقت الظهر لأن الشمس حينئذ على قرنه الأيمن فلذلك لم يبصرها، وذلك لا يكون إلا بعد انحطاطها عن كبد السماء.
والعلامة الثالثة: أن يستدل بالشمس إذا قطعت أكثر السماء والله أعلم.
واختلف في آخر وقت الظهر الموسع، فقيل: إذا كان ظل (1/231)
صفحة 232
كل شيء مثله في الصيف ومثليه في الشتاء، وقيل: المثل آخر الظهر وأول العصر فيبقى الوقت بينهما مشتركا، إلا أن يتجاوز زيادة الظل المثل فينحصر حينئذ الوقت للعصر خاصة، وقيل: بل الاشتراك في القامة الأولى فيكون ما قبلها بقدر ما توقع فيه إحدى الصلاتين مشتركا بينهما، واحتج أصحاب هذا الرأي بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى».
المسألة الثانية في أول وقت العصر: وقد اختلف فيه أيضا، فقال بعض العلماء: هو آخر وقت الظهر بعينه، وذلك إذا صار ظل كل شيء مثله وهو وقت مشترك للصلاتين معا، وقال آخرون: أول وقت العصر أن يصير ظل كل شيء مثليه، واحتج أصحاب هذا القول بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن عمر أنه قال: «وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر»، واحتج الأول بأن جبريل - عليه السلام - صلى الظهر في اليوم (1/232)
صفحة 233
الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، وعلامة العصر عند بعضهم أن تكون الشمس بيضاء نقية، وعلامتها عندهم أيضا أن يستقبل الإنسان الشمس بوجهه فتضربه بين حاجبيه أو في العظم الذي خلف الأذن
واختلفوا في آخر وقت العصر فقيل: اصفرار الشمس، روي ذلك في الحديث، وقيل: آخرها غيوبة قرنها.
المسألة الثالثة في أول وقت المغرب: ووقت المغرب يدخل عند أصحابنا بثلاثة أشياء:
أحدها: بغيوب قرن الشمس المستدير بشعاعها.
والثاني: أن يتساوى الموضع الذي غربت فيه مع غيره في الحمرة.
والثالث: بإقبال الليل من المشرق، وإن كان في المغرب ما يحول دون غيوب الشمس من غيم أو جبل، فلينظر إلى المشرق مهما ظهر سواد الأفق مرتفعا عن الأرض قيد رمح فصاعدا فقد دخل وقت المغرب.
واختلفوا في آخره، فقيل: هو غير موسع وهو وقت واحد مضيق غير ممتد، آخره مقدار الفراغ منها في حق كل مكلف، وأظن أصحاب هذا الرأي احتجوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل أن يروا النجوم»، ولهذا فيما أحسب أعتق عمرا وغيره ثلاثة أعبد حين أخرها حتى طلعت ثلاثة أنجم، وقيل: آخرها ما لم تتميز الشاة من الذئب وإن كان به سحاب فوقت المغرب يحصل بتنكر الوجوه، وقيل: بعموم الضوء في البيت، وقيل: ما لم تعد فيه الخشب، وقيل: (1/233)
صفحة 234
بآخر مقدار ركعتين، وقيل: أربع، وقيل: ما لم يعرف موضع الرمية، وقيل: هو وقت موسع آخره غيوب الشفق، وهو المشهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المغرب ما لم تذهب حمرة الشفق» والله أعلم.
المسألة الرابعة في أول وقت العشاء: وهو متعلق بغيوبة الشفق الأحمر الذي يلي الشمس دون البياض والصفرة في قول الجمهور الأعظم من أهل العلم، وإليه ذهب ابن مسعود، وابن الزبير، وعمر وابنه، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأنس بن مالك، وقتادة الأنصاري، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وغيرهم من الصحابة فيما وجدت عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعبد الله بن دينار من التابعين، وقال به مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد وغيرهم، وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقت متعلق بغيوبة الشفق الثاني وهو الأبيض، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز.
وسبب التنازع اشتراك اسم الشفق في لسان العرب، فكما أن الفجر فجران، كذلك الشفق شفقان، الأحمر والأبيض، فمغيب الأبيض يلزم أن يكون بعد الأحمر من أول الليل، كما يكون الفجر الصادق المستطير بعد الفجر الكاذب من آخر الليل، وتكون الحمرة بعد الفجر الصادق نظير الحمرة في الليل، فالطوالع إذا أرجعت الفجر الكاذب والصادق وإلا حمرة الشمس، وكذلك يجب أن تكون الغوارب، وذكر من الخليل بن أحمد أنه قال: "صعدت منارة الإسكندرية فرمقت البياض فرايته يتردد من أفق إلى أفق ولم أره يغيب " والله أعلم، وإن كان الغيم في السماء فيحصل وقت العشاء وغيرها بالاجتهاد (1/234)
صفحة 235
والتحري، إلا إن كان السحاب في موضع الشفق والله أعلم، وقد روي في إمامة جبريل - عليه السلام - بالنبي - عليه السلام - أنه قال: «صلى به العشاء في الليلة الأولى حين غاب الشفق»، وروى بعضهم أن النبي - عليه السلام - كان يصلي العشاء عند مغيب القمر في الليلة الثالثة والله أعلم.
واختلفوا في آخر وقت العشاء، فقيل: إلى ثلث الليل، وقيل: إلى النصف وهو مذهب جمهور العلماء، فشدد بعضهم فقال: آخر طلوع الفجر، وروي ذلك عن داوود والله أعلم، وقد احتج كل بحديث رواه.
المسألة الخامسة في دخول وقت الفجر: وقد اتفق الجميع على أن وقت الصبح يحصل عند طلوع الفجر الصادق المستطير ضوءه لا بالفجر الكاذب الذي يبدوا مستطيلا مقدار ربع السماء أو ما شاء الله، وقد جاء في الحديث أن النبي - عليه السلام - قال: «ليس الصبح هكذا وجمع كفيه وإنما الصبح هكذا ووضع إحدى سبابتيه على الأخرى، أشار إلى أنه المعترض ويتمادى وقت الاختيار إلى الاصفرار»، واختلف في الوقت المختار منه، فقيل: الأفضل التغليس به لما ثبت في الحديث أنه - عليه السلام - يصلي (1/235)
صفحة 236
فينصرف والنساء ملتفعات بفروطهن ما يعرفن من الغبش، وقيل: الإسفرار أفضل لقوله - عليه السلام - فيما روي عنه: «اسفروا بالفجر فكل ما أسفرتم فهو أقوى للأجر»، وفي حديث عنه - عليه السلام - أنه قال: «كلوا واشربوا ولا يهديكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يتعرض لكم الأحمر» والله أعلم.
مسألة: وجوب الصلاة عند أصحابنا يتعلق بجميع الوقت، وأنه متى فعل سقط عنه الفرض، وقد اختلف في الأوقات فقيل: كل صلاة انفردت بوقتها وهو قول الربيع بن حبيب رحمه الله، وقيل: الظهر والعصر مشتركتا الوقت، وكذلك المغرب والعشاء، وهذا هو المعتمد عليه عند أصحابنا، وأما صلاة الفجر فقد انفردت بوقتها، ويلزم الكفر بالتفريط فيها حتى تطلع الشمس والله أعلم.
مسألة: وتعجيل الصلاة في أول الوقت أفضل عند الجميع لقول النبي - عليه السلام -: «أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها»، وقال بعضهم: الأفضل في حق الجماعة تأخير الظهر إلى ربع القامة، والإبراد بها في وقت الحر الشديد للحديث الثابت عنه - عليه السلام -: «أبرد بالظهر فإن فإن شدة الحر من فيح جهنم، ولما روي عنه - عليه السلام - يؤخر الظهر في الصيف ويعجل (1/236)
صفحة 237
في الشتاء.
واختلف في العشاء، فقيل: تأخيرها أفضل لقوله - عليه السلام -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل»، وقيل: التعجيل فيها أفضل للحديث المتقدم، واختار بعضهم التعجيل إن اجتمع الناس، والتأخيران أبطئوا، واستحب بعضهم تأخيرها في زمان الشتاء قليلا لطول الليل، وفي ليالي شهر رمضان أكثر من ذلك قليلا توسعة على الناس في أقطارهم.
واختلف في العصر فقيل: تعجيلها أفضل، وقيل: تأخيرها إلى زيادة ذراع على القامة في وقت الحر الشديد أفضل.
وأما الصبح والمغرب فتقديمهما بعد تحقق دخولهما أفضل على كل حال.
مسألة: وإن اشتبه عليه الوقت فليجتهد وليستدل بالأوراد وأرباب الصنائع عند بعضهم، والمعمول به عند أصحابنا إذا غامت السماء حتى خفي وقت الصلاة أن يؤخذ بالرخصة فيجمع بين الظهر والعصر جميعا، وبين المغرب والعشاء جميعا، وكيفية الجمع أن يؤخر الأولى ويعجل العصر فيجمع بينهما، وكذلك المغرب والعشاء وهذا بعد أن ينوي الجمع قبل قيامه إلى الأولى، ويقول: "اللهم إن نيتي واعتقادي أن أوخر الظهر وأعجل العصر وأجمع بينهما إحياء للسنة طاعة لله ولرسوله - عليه السلام - "، فإذا نوى الجمع جاز له ذلك من أول الأولى إلى آخر العصر، ومن أول المغرب إلى ثلث الليل ونصفه، ولا يكون بين الصلاتين إلا الإقامة (1/237)
صفحة 238
والتسليم، ولا يتكلم بينهما، ولا يتنفل ولا يعمل عملا، وإن فعل شيئا من ذلك فقد انتقض إقرانه ويؤخر الآخرة إلى وقتها ويصليها، وإن نوى أن يجمع فله أن يفرق، وأما إن عقد على التفريق فلا يجوز له الجمع، وقد اتفق الناس على جواز الجمع بعرفة والمزدلفة، واختلفوا في غير هذين الموضعين، فأجازه الجمهور من الناس ومنع منه أبو حنيفة وأشياعه.
وسبب التنازع فيه اختلافهم في مفهوم الأحاديث المروية عن النبي - عليه السلام - في الجمع في السفر، كحديث معاذ بن جبل ــ رحمه الله ــ أنه جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في غزوة تبوك، وحديث جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر، فكثر التنازع لأجل هذا، فمنهم من أجاز الجمع في عرفة والمزدلفة فقط، ومنهم من أجازه فيما ذكرنا وفي السفر، وأجازه أصحابنا في جميع ذلك وفيما يشبهه مما تلحق فيه المشقة كالمستحاضة، والمبمون، والمريض الذي يخاف أن يغشى عليه، ومن خفيت عليه أوقات الصلاة بالسحاب، وأشباه ذلك قياسا على المتفق عليه من الجمع في عرفة والمزدلفة، وفي السفر لاستواء العلة في الجميع، وهي الرخصة لأجل المشقة والله أعلم.
وأما صلاة الفجر إذا خفي وقتها فليس فيها إلا الاجتهاد حتى يشك في الفجر، ثم إن وقعت صلاته في الوقت أو بعده فلا قضاء عليه، وإن صلى قبل الوقت أعاد بلا خلاف، وأرجو لمن صلى العصر قبل القامة أو العشاء قبل مغيب الشفق، أن يكون قد صلى وإن كان في غير (1/238)
صفحة 239
سفر ولا سحاب ولا مطر، لأن هذا أمر مختلف فيه والله أعلم.
الفصل الثاني في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها: وهي أربع: بعد طلوع الفجر حتى يصلي الصبح، وبعد الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع، وعند وقت استوائها حتى تزول، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وزاد آخرون منع الصلاة بعد صلاة الجمعة حتى ينصرف المصلي والله أعلم.
واختلفوا في أي الصلاة التي لا تجوز في هذه الأوقات، فقال بعضهم: هي جميع الصلوات بإطلاق، لا فريضة مفضية ولا سنة ولا نافلة إلا عصر يومه فإنه يجوز أن يقضيه الناسي عند غروب الشمس قبل أن تشرع فيه، وقال آخرون: يقضي جميع المفروضات في هذه الأوقات، وقال بعضهم: يجوز قضاء السنن أيضا، وإنما الممنوع النوافل، وقال من قال: لايصلي عند طلوع الشمس حتى ترتفع، ولا عند استوائها حتى تزول، ولا عند غروبها حتى يستكمل فلا يصلي في هذه الأوقات فريضة ولا نافلة ولا سنة ولا صلاة جنازة ولا قضاء فايتة، وأما قبل الطلوع والغروب فإنه تقضى فيه الفوائت المفروضة ويصلى فيها على الجنازة، وزاد آخرون قضاء ركعتي الفجر بعد الصلاة والله أعلم.
وأصل التنازع في هذا تعارض الأحاديث، حديث عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند قيام الظهيرة حتى تزول، وحين تضيقت الشمس للغروب"، وكذلك حديث أبي هريرة أنه - عليه السلام - نهى عن الصلاة بعد (1/239)
صفحة 240
العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، فاقتضى هذان الحديثان منع الصلاة في هذه الأوقات، ثم صح عنه - عليه السلام - أنه قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها فذلك وقتها» فتعارضت الأحاديث كما قدمنا، فذهب الناس فيها ثلاثة مذاهب:
أحدها: منع الصلاة بإطلاق.
والثاني: منع ماعدا الفرض من السنن والنوافل.
والثالث: منع النوافل.
وقول رابع: التفريق المتقدم أنه عند طلوع الشمس، وعند وقوفها، وعند غروبها لا يصلى فيها على كل حال، وبعد الصبح والعصر تصلى فيه الفوائت والصلاة الحاضرة والله أعلم.
الفصل الثالث في أوقات المعذورين: وأما أوقات المعذورين وأهل الضرورات فهي الأوقات المتقدمة، واتفقوا على أنها لأربع: الحائض تطهر أو تحيض في هذه الأوقات وهي لم تصل، والمسافر يذكر الصلاة في هذه الأوقات وهو حاضر أو حاضر يذكرها فيها وهو مسافر، والصبي يبلغ فيها، والمشرك يسلم فيها، واختلفوا في المغمى عليه فقيل: هو كالحائض لايقضي إلا الصلاة التي أفاق فيها، وقيل: يقضي فيما دون الخمس، واتفقوا على الحائض إذا طهرت في هذه الأوقات أنها تجب عليها الصلاة التي طهرت في وقتها واختلفوا فيها، فقيل: إذا طهرت وقد بقي لغروب الشمس مقدار أربع ركعات أنها يجب عليها العصر فقط، (1/240)
صفحة 241
وإن بقي مقدار خمس فقد وجب عليها الظهر والعصر جميعا، وقيل: إن بقي للغروب ركعة فالصلاتان معا عليها، وكذلك القول في الأصناف الأربعة التي قدمناها، أعني المسافر يتذكر الصلاة في الحضر أو الحاضر يتذكرها في السفر، أو الصبي يبلغ، أو الكافر يسلم وقد بقي من الوقت ما قدمنا على الخلاف المتقدم.
وسبب التنازع في هذه المسألة الحديث المروي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، فجعلها بعضهم من باب التنبيه بالأقل على الأكثر، أعني عبر بالركعة عن الأربع، وجعلها بعضهم من باب التنبيه بالأكثر عن الأقل، أعني عبر بالركعة عما تضمنته من السجدتين، وأيد قوله هذا بما روي عنه أنه قال: «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ودل على ذلك قول بعضهم: "من أدرك تكبيرة قبل الطلوع والغروب فقد أدرك الوقت"، فرأى صاحب القول الأول أن الحائض إنما تعتد بهذا الوقت بعد الفراغ من غسلها، وكذا الصبي يبلغ، وأما المشرك فإنما يعتد به حين أسلم دون الفراغ من الغسل والله أعلم، ويرى أيضا أن الحائض إذا حاضت في هذه الأوقات وهي بعد لم تصل أن القضاء ساقط عليها، وغيره يرى القضاء عليها، إذا حاضت وقد بقي من الوقت ما يمكن أن توقع فيه الصلاة لأنها وجبت عليها بدخول الوقت والله أعلم وأحكم. (1/241)
صفحة 242
فصل في ستر العورة في الصلاة وغيرها: وهذا الفصل ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: في ستر العورة.
والثاني: فيما يجزي من اللباس في الصلاة.
القسم الأول في حد العورة وحكم سترها: اجتمعت الأمة على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا في الصلاة هل ستر العورة شرط في صحتها أم لا؟ فذهب جمهور أهل العلم من أصحابنا وغيرهم إلى أنها شرط في صحة الصلاة، وذهب بعضهم إلى أنها من سنن الصلاة روي هذا عن مذهب مالك والله أعلم.
وسبب التنازع هل الأمر الوارد من قوله - عز وجل -: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} يحمل على الوجوب أو على الندب، فذهب الجمهور كما قدمنا أنه محمول على الوجوب، وقالوا: لأن الآية نزلت في أهل الشرك كانوا يطوفون بالبيت عراتا فدل أن المراد به ستر العورة، ومن حمل الأمر على الندب قال: المراد به الزينة الظاهرة والله أعلم.
وأما حد العورة فإن المكلفين في ذلك صنفان رجال ونساء، والنساء قسمان: حرائر وإماء.
أما الصنف الأول فقد أجمعوا على أنه السوءتين منهم عورة، واختلفوا فيما سوى ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن العورة من السرة إلى الركبة وهما داخلتان في ذلك وهو مذهب أصحابنا أي المؤثر وغيره، وأن كشف الركبة والسرة ونظرهما محرم ينقض الوضوء، وروي عن بشير بن محمد بن محبوب (1/242)
صفحة 243
ــ رحمهم الله ــ من أصحابنا أن المحرم عنده من ذلك ما كان من حد منابت الشعر إلى مستغلظة الفخذين.
والقول الثاني: أن العورة ما بين السرة والركبة وهما غير داخلتين في العورة وهو مروي عن مذهب مالك والشافعي، وروي عن داوود بن علي أن العورة هي السوءتان لا غير.
والقول الثالث: أن ستر جميع بدن الرجل في الصلاة إذا أمكن ذلك واجب.
وأما الصنف الثاني من النساء الحرائر فأجمعوا أن أبدانهن عورة ما خلا الوجه والكفين، وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليس بعورة.
وسبب التنازع الاشتراك الواقع من المستثنى من الزينة في قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} هل هذا المستثنى المقصود منه أعضاء محدودة وإن ما جرت به العادة فيما لا يستر ليس بعورة كالوجه والكفين، إذ لو كانا عورة لوجب ستر الوجه في الإحرام، فمن قال: أن ما يستر من البدن بخلاف ما لا يستر منه في العادة ذهب إلى أن ما ذكرنا ليس بعورة، ومن ذهب إلى أن المقصود ما لا تملك ظهوره عند الحركة قال بدنها كله عورة حتى ظفرها والله أعلم.
وأما الصنف الثاني وهن الإماء فلا أعلم خلافا بين الناس في أن عورتهن ليست كعورة الحرائر لأنهن لسن في الحرمة كالحرائر لما روي أن عمر - رضي الله عنه - رأى أمة تقنعت فضربها فقال: لا تشتبهي بالحرائر يا والله أعلم.
القسم الثاني في اللباس المجزي في الصلاة: والأصل فيه قوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} أي لباسكم (1/243)
صفحة 244
عند كل صلاة، وقد أجمعوا فيما وجدت على أن المجزي في الصلاة من اللباس للرجل ثوب واحد لقول الرسول - عليه السلام - وقد سئل: "أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ " فقال: «أوكلكم يجد ثوبين»، واختلف في الرجل يصلي مكشوف الظهر والبطن، فذهب بعضهم إلى أن صلاته جائزة لأن الظهر والبطن ليسا بعورة، وقال آخرون: إن صلاته فاسدة لنهي الرسول - عليه السلام - أن يصلى في الثوب الواسع ليس على عاتق المصلي منه شيء، وأجمعوا أن اللباس المجزي للمرأة في الصلاة هو درع وخمار لحديث أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار».
واختلف أصحابنا في المرأة تصلي مكشوفة الرأس، فرخص فيها أبو نوح ــرحمه الله ــ، وروى أبو عبيدة عن صحار أنه قال: "إني لأكره أن تصلي مكشوفة رأسها كأنها رأس أم ربيع المجنونة"، يعني مجنونة في سوق طليحة تدعى أم ربيع والله أعلم.
وأما إن صلت وفخذها مكشوفة، أو في خمار رقيق، أو في إزار يرى منه جسدها فصلاتها فاسدة إذا كانت (1/244)
صفحة 245
تقدر على الثياب والله أعلم.
وقد ورد النهي في هيئات من اللباس في الصلاة كاشتمال الصما، وهو أن يحتبي الإنسان بثوبه وليس على فرجه منه شيء في قول بعضهم، وعن لباس السدل وهو أن يرخي إزاره من على رأسه ولا يجمع بين طرفيه وذلك كله سد ذريعة لئلا تنكشف عورته والله أعلم.
إن أحدا أبطل من صلى ببعض هذه الهيئات إن لم تنكشف عورته والله أعلم.
وقد أجازوا صلاة الإماء غير مختمرات مكشوفات الصدور كحال الرجال، وكذلك السراري والمدبرات عند أصحابنا، وأما الحرة المراهقة فلا ينبغي أن تصلي إلا مختمرة مستترة كالحرة البالغة، وروي عن الحسن البصري أنه أوجب على الأمة في الصلاة لبس الخمار، واستحبه عطاء.
وسبب الاختلاف هل الخطاب يشمل العبيد والأحرار أم لا؟ والله أعلم.
واختلف في الصلاة بثوب حرير فبعض أجازها وبعض أبطلها وهو مذهب أصحابنا للنهي الوارد عن لباس الحرير للرجال إلا في حال الحرب، وأجازوا موضع الإصبعين منه إذا كان علما في الثوب، وإن لم يجد إلا الثوب النجس فالحرير أولى به، ثم إن (1/245)
صفحة 246
وجد غيره في الوقت أعاد الصلاة، وكرهوا الصلاة في الثوب الذي يشف ليلا ونهارا والله أعلم، والذي ينبغي من لباس المصلي أن يكون كثيفا صفيقا فلا يكون شفا ولا بحيث يصف، فإن كان شفا فهو كالعدم بالانفراد إن لم يكن تحته ثوب آخر، وإن كان بحيث يصف فهو مكروه ولا يؤدي إلى بطلان الصلاة إن لم تنكشف منه عورته والله أعلم، هذا حكم القادر على السترة، وإن عجز عنها صلى عريانا قاعدا يرد على عورته ما يواريها به من شجر أو تراب أو غيره يومي إيماء، وإن كانوا جماعة صلوا قعودا وإمامهم قاعد في وسطهم كما قدمنا يومون إيماء بعد أن يواروا عوراتهم بما قدمنا ذكره والله أعلم وبالله الترفيق.
الفصل السادس في القيام مع القدرة في الصلاة: وقد أجمعوا أن ليس للصحيح أن يصلي فرضا قاعدا إذا كان منفردا أو إماما لقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} أي مطيلين القيام في الصلاة، فإن صلى قاعدا أو توكأ أو استند مع القدر على القيام والاستقلال بنفسه فقد بطلت صلاته إن كان لو زال العماد لسقط، وإن كان بحيث لو زال لم يسقط لم تبطل مع كراهية فعله، فقد روي أن الربيع بن حبيب ــ رحمه الله ــ يكره الاستناد والإتكاء على شيء، ورخص فيه أبو عبيدة للشيخ الضعيف وكان بفعله بعدما ضعف والله أعلم، فإن عجز عن الاستقلال بنفسه ففرضه التوكؤ على شيء يعمده، فإن عجز على ذلك انتقل إلى الجلوس مستقلا، فإن عجز عنه ففرضه الجلوس مستندا ولو قدر على القيام، ولكن تلحقه مشقة (1/246)
صفحة 247
فادحة تلحقه بحكم العاجزين لسقط عنه القيام، وقد ذكر في بعض آثار أصحابنا أنه لا يصلي قاعدا إلا إذا كان في حالة لا يستطيع بها القيام إلى قضاء الحاجة من البول والغائط فحينئذ يصلي قاعدا يومي إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع، ويقعد كقعود المصلي في الصلاة، وقيل على مقعدتيه ناصبا ركبتيه والله أعلم، وإن عجز عن القعود صلى مضطجعا على جنبه الأيمن مستقبلا للقبلة أو مستلقيا على فقا ورأسه مما يلي الشمال كما لو جلس قاعدا لاستقبال القبلة بوجهه، وإن عجز صلى بالتكييف بجميع صلاته من القراءة والركوع والسجود والقعود والتسليم، وإن عجز صلى بالتكبير سبعا، وقيل: ستا، وقيل: أربعا، وقيل: تكبير الصلاة كلها، وإن عجز كبر وليه ويتبعه بقلبه ولسانه، وإن غاب عقله حتى لا يعقل فلا صلاة عليه ولا قضاء إذا أفاق، وقد روي أن عمر - رضي الله عنه - غشي عليه أياما فلم يقض والله أعلم.
الفصل السابع في استقبال القبلة في جميع الصلاة: وقد اتفق أهل الإسلام على أن التوجيه إلى القبلة شرط من شروط الصلاة لقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام}، ويتفرع من هذا الفصل ثلاثة أركان:
أحدها: في الصلاة، ويتعين الاستقبال في جميع الصلاة إلا في القتال، ولا تؤدى فريضة (1/247)
صفحة 248
على الراحلة إلا في حال الاضطرار، وأما النوافل فلا بأس، ولا يستقبل بوجهه عند الإحرام ثم لا يضره انحراف الدابة عن القبلة في التمادي، وكذلك راكب السفينة على هذا الحال والله أعلم.
الركن الثاني في أدلة القبلة: اعلم أن الإنسان قد يكتفي في البلاد والقرى بالمحاريب والمساجد والقبور عن طلب الأدلة على القبلة، ولكن إذا كان في السفر ربما تشتبه عليه القبلة فيحتاج حينئذ إلى معرفة الأدلة عليها، وهي بالجملة ثلاثة أقسام:
أحدها: أدلة أرضية كالاستدلال بالقرى والجبال والأنهار.
والثاني: أدلة هوائية كالاستدلال بالرياح شمالها وجنوبها، وصباها ودبرها.
والثالث: أدلة سمائية كالاستدلال بالنجوم والشمس والقمر.
فأما الأرضية والهوائية فتختلف باختلاف البلاد، فرب طريق فيها جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله، أو ورائه أو أمامه، فليتعلم ذلك وليتفهمه، وكذلك الرياح قد تدل في بعض البلاد فليتفهم ذلك ولسنا نقدر على استقصاء ذلك إذ كل بلد أو إقليم له حكم آخر.
وأما السمائية فأدلتها تنقسم إلى نهارية وليلية:
أما النهارية: فكالشمس فلا بد أن يرى عينها الإنسان عند زوالها قبل الخروج من البلد ليعلم أين تقع منه، أهي بين الحاجبين أو على العين اليمنى أو اليسرى، أو تميل إلى الحاجبين ميلا أكثر من ذلك، فإن الشمس لا تعدوا في البلاد الشمالية هذه المواضع، وكذلك غروبها تعرف به القبلة أيضا بأن تكون عن يمين المستقبل، أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه أيضا، وتعرف القبلة بالشفق أيضا للعشاء الآخرة، وتعرف بمشرق الشمس لصلاة الصبح، (1/248)
صفحة 249
وكذلك تعرف القبلة بمطالع منازل الليل ومغاربها، وكذلك القطب وهو الكوكب الذي يقال له الجدي فإنه كوكب كالثابت لا تظهر حركاته عن موضعه، وذلك إما أن يكون على قفا المستقبل، أو على منكبه الأيمن من ظهره، أو منكبه الأيسر في البلاد الشمالية من مكة، وفي البلاد الجنوبية كاليمن وما رواها فيقع في مقابلة المستقبل فمتى تعلم ذلك وعرفه فليعول عليه في طريقه والله أعلم.
الركن الثالث في المعنى المعين على المكلف استقباله ما هو: وقد أجمعوا أن الفرض عليه عند المشاهدة للبيت استقبال العين، واختلفوا فيمن بعد عنه فقيل: الفرض عليه هو استقبال العين، أعني إذا كانت الكعبة غير مبصرة، وقال الجمهور: إنما الفرض عليه استقبال الجهة عند تعذر المعاينة، وهذا هو الذي يعضده الدليل من الكتاب والسنة والقياس.
أما الكتاب فقوله عز وجل: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} أي نحوه، ومن قابل جهة الكعبة فإنه يقال قد ولى وجهه شطرها.
وأما السنة فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأهل المدينة: «ما بين المشرق والمغرب قبلة، والمغرب يقع على يمين أهل المدينة، والمشرق على يسارهم»، فجعل - صلى الله عليه وسلم - جميع ما يقع بينهما قبلة، ومساحة الكعبة لا تفي ما بين المشرق والمغرب وإنما تفي بذلك جهتها.
وأما فعل الصحابة فما روي أن أهل مسجد قبا كانوا (1/249)
صفحة 250
في صلاة الصبح مستقبلين لبيت المقدس، مستدبرين للكعبة كان أهل المدينة بينهما فقيل لهما: "قد حولت القبلة إلى الكعبة" فاستداروا في أثناء الصلاة من غير طلب دلالة، ولم ينكر عليكم فسمي مسجدهم ذا القبلتين، ومقابلة العين من المدينة إلى مكة لا تعرف إلا بأدلة هندسية يطول النظر فيها، فكيف أدركوا ذلك على البديهة في أثناء الصلاة في ظلمة الليل، ويدل على ذلك أيضا أن أهل الإسلام بنوا المساجد حوالي مكة وفي بلاد الإسلام ولم يحضروا فيما بلغنا قط مهندسا عند تسوية المحاريب.
وأما القياس فهو أن الحاجة نفس إلى الاستقبال وبناء المساجد في جميع أقطار الأرض، ولا يمكن مقابلة العين إلا بعلوم هندسية لم يرد الشرع بالنظر فيها، بل ربما زجر عن التغمق فيها، ولو كان الفرض مقابلة العين لكان حرجا والله سبحانه يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، فيجب الاكتفاء بالجهة للضرورة كما قدمنا والله أعلم.
مسألة: واختلفوا هل الفرض في الاستقبال الاجتهاد أو الإصابة؟ فقولان: فروي عن أبي حنيفة ومالك بن أنس أن الفرض عليه الاجتهاد وإليه يؤول مذهب أصحابنا في قياس أصولهم، وروي عن الشافعي أن الفرض الإصابة وأنه إذا تبين الخطأ أعاد أبدا، فقاس جهة المكان على جهة الزمان، أعني الوقت الموضوع للصلاة، وذلك أنهم أجمعوا على أن الفرض عليه فيه الإصابة وأنه إن انكشف للمكلف أنه صلى قبل الوقت أعاد أبدا، إلا خلافا شادا روي عن ابن عباس وعن الشافعي أيضا، وروي عن مالك بن أنس أن المسافر إذا جهل فصلى العشاء قبل مغيب (1/250)
صفحة 251
الشفق أنه قد مضت صلاته، ومن ذهب إلى أن الفرض الاجتهاد فإنه إذا اجتهد وصلى بالتحري إلى القبلة ثم تبين له بعد ذلك أنه أخطأ القبلة فإنه لا يعيد صلاته، وقد روي في الأثر مثل ذلك أن أناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرجوا في سفر فحضرتهم الصلاة في يوم غائم فتحيروا في القبلة، فمنهم من صلى نحو المشرق، ومنهم من صلى نحو المغرب فسألوا النبي - عليه السلام - عن ذلك فقال: «مضت صلاتكم»، فأنزل الله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله}.
مسألة: والإنسان القادر على معرفة القبلة يقينا لا يجوز له الاجتهاد، والقادر على الاجتهاد لا يجوز له التقليد، لكن يجتهد ويتحرى القبلة ويصلي، فإن تبين له أنه أخطأ القبلة بعد خروج الوقت لم تلزمه الإعادة وإن كان الوقت لم يخرج إعادة الصلاة استحبابا، وقيل: إن استدبر القبلة خطأ أعاد ولو بعد الوقت، وإن شرق أو غرب لم يعد بعد الوقت، وقيل: من تحير عن القبلة فليصل الصلاة أربع مرات إلى أربع جهات مختلفات والله أعلم.
وأما الأعمى ففرضه التقليد وأنه يقلد شخصا عالما بأدلة القبلة مسلما مكلفا وإن عدم من يقلده فليجتهد أو يصلي الصلاة أربع مرات إلى أربع جهات كما قدمنا و الله أعلم.
واختلف في الصلاة داخل الكعبة، فمنعها قوم على الإطلاق و أجازها آخرون على الإطلاق، وفرق قوم بين النفل و الفرض.
وسبب التنازع في اختلاف الروايات المنقولة عنه - عليه السلام - ذلك أن في بعضها أنه - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة فدعا فيها ولم يصلي حتى خرج فركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة، وفي حديث عن بلال ــ رحمه الله ــ أنه - عليه السلام - جعل عمودا عن (1/251)
صفحة 252
يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه ثم صلى - عليه السلام - و الله أعلم، وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: "البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب، والبيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الأرض"، والله أعلم.
مسألة: واتفق أهل العلم على استحباب السترة للمصلي بين يديه منفردا كان أو إماما، لقول النبي - عليه السلام -: «إذا كان بين يدي المصلي مثل مؤخرة الرحل لم يبال بما مر بين يديه»، واختلفوا فيه إذا لم يجد سترة، هل يخط أمامه خطة ويصلي، فاستحب ذلك أصحابنا وبعض من الأمة، وقال آخرون: ليس عليه أن يخطو، والأصح للأول لقول النبي - عليه السلام -: «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه سيفا، فإن لم يجد فعصا، فإن لم يجد فليخط خطا ثم لا يضره ما مر بين يديه»، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى إلى غير سترة، (1/252)
صفحة 253
وفي حديث آخر أنه غرز عنزة فصلى إليها، وإنما استحب أصحابنا السترة لأجل ما يمر بين يدي المصلي لئلا يقطع عليه الصلاة كالحائض، والنفساء، والكلب الذي له نكتتان فوق عينيه، واختلف في الجنب وكذلك استقبال الأموات، والتصاوير، والعجل، والنار الموقدة، شدد في استقبال هؤلاء الوجوه بعضهم، واختلف في استقبال الألواح والنائم، فهذه المعاني عند بعضهم تنقض الصلاة ما لم يكن الإمام والسترة، إلا إن كان بينه وبين المصلي مقدار سبعة أدرع، وقيل: خمسة، وقيل: ثلاثة والله أعلم.
فصل في النية: وقد أجمعوا على أنها شرط في صحة الصلاة، لكون الصلاة رأس (1/253)
صفحة 254
العبادات التي ورد الشرع بها لغير مصلحة معقولة من المصالح المحسوسة، واختلفوا هل من شرط نية المأموم أن توافق نية الإمام في تعيين الصلاة، وفي الوجوب حتى لا يجوز أن يصلي المأموم ظهرا خلف إمام يصلي عصرا، ولا يجوز أن يصلي الإمام ظهرا تكون في حقه نفلا، وفي حق المأموم فرضا، فذهب أصحابنا إلى أنه يجب أن توافق نية المأموم نية الإمام، ووافقهم على ذلك مالك وأبو حنيفة، وذهب الشافعي إلى أنه ليس يجب، واحتج أصحاب القول الأول لقول النبي - عليه السلام -: «جعل الإمام ليأتم به»، واحتج الشافعي بما روي أن معاد كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يصلي بقومه والله أعلم.
مسألة في كيفية النية في الصلاة: وهو أن يعقد في قلبه، ويقصد به الدخول في الصلاة المعنية إما ظهرا أو عصرا أو غيرهما ليوم معلوم، أو ليلة معلومة، وقد استحب بعض أصحابنا معرفة الشهر، ويتصل بعقد النية للصلاة أن تكون حضرية أو سفرية، وسنذكر من ذلك ها هنا طرفا إن شاء الله.
مسألة في أخذ الوطن: وهو من شروط الصلاة التي لا تصح إلا بها بلا خلاف أجده بين الأمة لما صح من توطين رسول الله وصحابه المدينة بعد ما كان وطنهم مكة أعزها الله تعالى، ولا صلاة لمن لا (1/254)
صفحة 255
وطن له، ولا يوطن الرجل إلا موضعا معروفا طاهرا مما تجوز الصلاة عليه من الأرض وما اتصل بها، وكل مكان لا يصلى عليه لا يوطنه ويأخذ أربعة أوطان فما دونها، والمرأة لا توطن إلا واحدا إلا إن كانت ذات زوج فوطنها وطن زوجها واحدا كان أو أربعة، ويأخذ الرجل الوطن بالنوى دون اللفظ، ولا ينزعه إلا بالنوى واللفظ ويوكن وطن الرجل وطن جميع من علق إليه أمره من عبيده وأطفاله وأزواجه وبناته البالغات ما لم يخرجن عنه، وما تعلق إليهن من العبيد وعبيد أطفاله أيضا كذلك، وعبيد مواليه ولقيطه ما دام طفلا.
مسألة في صلاة السفر: وفيها خمس مسائل مما يتعلق به الاختلاف بين الناس، وقد أجمعوا على أن السفر له تأثير في قصر الصلاة وأنه جائز للمسافر أن يقصرها إلا خلافا شاذا روي عن عائشة - رضي الله عنه - وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف لقول الله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} [الآية]، وقالوا إن النبي - عليه السلام - إنما (1/255)
صفحة 256
قصر لأنه كان خائفا والله أعلم.
المسألة الأولى في حكم قصر الصلاة: وقد اختلف الناس فيه على أربعة أقوال:
أحدها: أن القصر فرض للمسافر المتعبد وبه قال أصحابنا ووافقهم على ذلك أبو حنيفة وأصحابه، والكوفيون بأسرهم.
والثاني: أن القصر سنة وهو مروي عن مالك في أشهر الروايات عنه
والثالث: أن المسافر مخير بين القصر والإتمام كالتخيير في واجب الكفارات.
والقول الرابع: أن القصر رخصة والإتمام أفضل.
وسبب التنازع تعارض العلة المعنوية للآثار النقلية، ومعارضة الدليل الفعلي للمعنى النقلي، وذلك أن المفهوم من قصر الصلاة إنما هو الرخصة لموضع المشقة كما رخص له في الفطر وأشياء كثيرة، ويؤيد هذا حديث النبي - عليه السلام - حين سئل عن ذلك فقال: «هي صدقة من الله تصدق بها عليكم فاقبلوا صدقته»، فمفهوم هذا هي الرخصة.
وأما الأثر النقلي المعارض لهذه العلة فحديث عائشة ـــ رضي الله عنها ــــ المتفق عليه أنها قالت: «أول ما فرضت الصلاة ركعتان ثم زيد في الحضر»، وعن النبي - عليه السلام - أيضا قال: «إن الصلاة التي كنتم تصلون ركعتان إلا أنها صلاة المسافر».
وأما الدليل الفعلي المعارض للمعنى النقلي ومفهوم الآثار فهو ما نقل عنه - عليه السلام - أنه يقصر في جميع أسفاره ولم يصح (1/256)
صفحة 257
عنه أنه أتم الصلاة قط، ومن ذهب إلى التخيير للمسافر بين القصر والإتمام احتج بما روي عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتم في السفر ويقصر، ويصوم ويفطر، ويؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء والله أعلم.
المسألة الثانية: اختلف العلماء في المسافة التي يجوز فيها القصر، فذهب أصحابنا وبعض أهل العراق، وأهل الظاهر إلى أنها فرسخان وهي في التقدير ستة أميال، وذلك مروي عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج بأصحابه إلى ذي الحليفة فصلى بهم ركعتين ثم رجع فسئل عن ذلك فقال: «أردت أن أعلمكم حد السفر أو قال: صلاة السفر»، وبه قال علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو عبيدة مسلم، وجابر بن زيد، وغيرهم من أصحابنا بلا خلاف أجده بينهم، ذهب مالك وأصحابه، والشافعي وأشياعه إلى أن المسافة الموضوعة لقصر الصلاة هي أربعة برد وذلك فيما وجدت مسيرة يوم بالوسط، ورووا ذلك عن عمر وابن عباس وغيرهما، وذهب بعض أهل الكوفة وأبو حنيفة، وأصحابه إلى أن أقل مسافة التقصير ثلاثة أيام، قالوا إنما القصر لمن سافر من أفق إلى أفق، ورووه عن ابن مسعود - رضي الله عنه -. وسبب التنازع معارضة المعنى المعقول لفظ المنقول، وذلك أن علة قصر الصلاة في السفر إنما هي لأجل المشقة، وكذلك في الصوم فلما كان الأمر هكذا وجب أن يكون القصر إذا كانت المشقة، وأما اللفظ المعارض له فما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله وضع عن المسافر (1/257)
صفحة 258
الصوم وشطر الصلاة» والله أعلم.
المسألة الثالثة: فقد اختلف الناس في أي أنواع السفر الذي قصر فيه الصلاة؟ فذهب بعضهم إلى أنه مقصور على السفر المتقرب به كالحج والجهاد وأشباه ذلك، واحتجوا بأن النبي - عليه السلام - لم يقصر الصلاة قط إلا في سفر متقرب به، وذهب آخرون إلى أن القصر إنما هو في السفر المباح دون سفر المعصية وهو الأليق بأصول أصحابنا وهو مروي عن مالك، والشافعي، وبعضهم أجازوه في كل سفر مباحا كان أو معصية، وذكر ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه.
وسبب التنازع تعارض المعنى المعقول وظاهر اللفظ بدليل الفعل، وذلك أن من اعتبر المشقة وظاهر لفظ السفر لم يفرق بين سفر وسفر، ومن اعتبر فعل الرسول - عليه السلام - لم يجز القصر إلا في السفر المتقرب به كالحج والجهاد كما قدمنا، وأما من فرق بين المباح والمعصية فعلى جهة التغليظ، والأصل فيه هل تجوز الرخصة للعصاة أم لا والله أعلم.
المسألة الرابعة: اختلف العلماء في الموضع الذي يبدأ منه المسافر في تقصير الصلاة، فذهب أصحابنا إلى أنه إن كان ينوي سفرا نائيا فإنه يقصر من حين خرج من قريته، وخيره بعضهم فيما دون الفرسخين بين القصر والإتمام وأوجبوا عليه القصر إذا جاوز الفرسخين بخلاف الفطر في (1/258)
صفحة 259
الصوم، قالوا: لأن الفطر في السفر رخصة مخير بين قبولها وردها، وليس كذلك قصر الصلاة لأنه أمر لازم لا تصح صلاة المسافر إلا بالقصر، وإلا فعليه الإعادة أبدا قالوا، وأما من خرج في طلب حاجة فيما فوق الفرسخين فإنه لا يقصر حتى يجاوز الفرسخين والله أعلم، وروي عن مالك بن أنس مثل هذا وهو أن المريد للسفر لا يقصر حتى يخرج من بيوت المصر، ولا يتم ما لم يدخل أول بيوتها، وقد روي عنه أيضا أنه لا يقصر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون منها بنحو من ثلاثة أميال.
وسبب التنازع معارضة مفهوم اللفظ بدليل الفعل، فمن راعا مفهوم لفظ السفر فإنه متى ما شرع في السفر فقد انطلق عليه اسم مسافر، فيقصر الصلاة إذا خرج من بيوت المصر، ومن راعا فعل الرسول - عليه السلام - فإنه لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال فصاعدا لأنه ذكر بعضهم في حديث أنه - عليه السلام - كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين.
المسألة الخامسة: اختلف الناس في مقدار الزمان الذي إذا مكث فيه المسافر في المصر لزمه الإتمام، فروى بعض العلماء إن مبلغ اختلافهم في هذه المسألة أحد عشر قولا، إلا أن الأشهر منها ثلاثة أقوال:
أحدها: مذهب الشافعية والمالكية، أنه إذا عزم على إقامة أربعة أيام لزمه الإتمام.
والثاني: مذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري، أنه إذا عزم على إقامة خمسة عشر يوما لزمه الإتمام.
والثالث: مذهب الحسن البصري، أن المسافر يقصر أبدا مالم يتخذ وطنا، وكان فيما بلغنا يقول مضت السنة أن يقصر المسافرون وإن قاموا عشر سنين مالم يتخذوها وطنا.
وسبب الخلاف أنها مسألة مسكوت عنها في الشرع والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع، فلما (1/259)
صفحة 260
سكت عنها الرسول - عليه السلام - ولم يحد في تقصير صلاة المسافر حدا، وثبت عنه - عليه السلام - أنه أقام بمكة عام الفتح سبعة عشر يوما يقصر الصلاة، وفي بعض الروايات ثمانية عشر أو تسعة عشر فاختلف الناس في ذلك، فذهب أهل المدينة مالك وأصحابه، والشافعية وأشياعه أن المسافر إذا قام أربعا صلى أربعا، ورووا ذلك عن عثمان بن عفان وأنه فعله في بعض خلافته، وعن سعيد بن المسيب مثله، واحتج أبو حنيفة وأصحابه بإقامة النبي - عليه السلام - بمكة سبعة عشر يوما يقصر الصلاة، ومذهب أصحابنا في هذا أبي عبيدة وجابر بن زيد، وضمام بن السائب، وأبي نوح وغيرهم ــ رحمهم الله ــ أن المسافر يقصر الصلاة وإن قام في المصر أبدا مالم يتخذه وطنا أو يشتري فيه دارا فيما وجدت عن أبي عبيدة خاصة، وحجة أصحابنا في هذا ما روي عن عمر بن عبيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام في بعض غزواته في قرية تسعة أشهر يقصر الصلاة وهذا الحديث لم أراه إلا في أثر أصحابنا، وروى أصحابنا أن الحسن أقام بفارس سنتين يقصر الصلاة، وروى بعضهم أنه أقام بها أربع سنين، وعن ابن عمر أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر، وقيل: سبعة عشر شهرا يقصر (1/260)
صفحة 261
الصلاة، وعن إبراهيم النخعي أن علقمة أقام بخورزم سنتين يقصر الصلاة، وعن سعيد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أقاموا بالقادسية ما شاء الله يقصرون الصلاة والله أعلم، فهذه أمهات مسائل التقصير، ولنرجع إن شاء الله إلى متعلقات سنن الصلاة من الآذان والإقامة والجماعة، والتوجيه، وغير ذلك من كيفية امتثال سنن الصلاة وفرائضها والله أعلم.
فصل في الآذان والإقامة: وهذا الفصل ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: في الآذان.
والثاني: في الإقامة.
القسم الأول في الآذان: وهو على وجهين لغوي وشرعي، فاللغوي: معناه الإعلام دليله، وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أي إعلام، والشرعي هو التعريف للصلاة بألفاظ شرعية في أوقات مخصوصة، ولنذكر فيه هاهنا خمس مسائل تجري مجرى الأمهات فيه.
إحداها: في صفة الآذان، وقد اختلف الناس فيه فيما وجدت على أربع صفات: ... إحداها: تثنية التكبير فيه وتربيع الشهادتين، وباقيه مثنى وهذه الصفة مذهب أهل المدينة مالك وأصحابه.
والصفة الثانية: آذان أهل الكوفة وهو تربيع التكبير الأول وتثنية باقي الآذان، وهو مذهب أصحابنا، ووافقهم على ذلك أبو حنيفة، (1/261)
صفحة 262
إلا أن أصحابنا رأوا تربيع التكبير في جميع الآذان والله أعلم.
والثالثة: آذان أهل البصرة فيما روي عنهم وهو تربيع التكبير الأول وتثنية الشهادتين والجملتين، وروي هذا عن الحسن البصري وابن سيرين.
والصفة الرابعة: آذان أهل مكة فيما روي عنهم وهو تربيع التكبير الأول والشهادتين وتثنية باقي الآذان، وروي مثلها عن الشافعي.
وسبب التنازع اختلاف الآثار، واختلاف العمل عند كل فريق منهم والله أعلم.
المسألة الثانية في حكمه: وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه فريضة على الأعيان وعلى الجماعات، وروي هذا عن أهل الظاهر، ولعلهم احتجوا بقول النبي - عليه السلام - لمالك بن الحويرث ولصاحبه إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أسنكما.
والقول الثاني: أنه فرض على مساجد الجماعات، وقيل: سنة مؤكدة وروي ذلك عن مالك بن أنس وعن أصحابه وذال لأنهم قالوا: إن الآذان فرض كفاية على أهل كل بلد لإقامة شعار الإسلام وإن تركه الجميع أثموا وقوتلوا، وإن فعله واحد أجزى عن الباقين، وعللوا وجوبه في المساجد ومواضع الجماعات بوجهين: إقامة الشعار، وتعريف الأوقات.
القول الثالث: قول أصحابنا أن الآذان فرض على الكفاية وهو سنة لكل أحد في خاصة نفسه.
وسبب الاختلاف هو تردده بين أن يكون قولا من أقاويل الصلاة المختصة بها، أو يكون المقصود به هو إعلام الناس بالصلاة والدعاء إليها في المساجد ومواضع الجماعات. المسألة الثالثة في وقته: وقد أجمعوا فيما وجدت على أنه لا يوذن لصلاة قبل دخول وقتها ماعدا الصبح فإنهم اختلفوا فيه، فذهب (1/262)
صفحة 263
بعضهم إلى أنه يجوز أن يؤذن لها قبل طلوع الفجر، روي هذا عن مالك والشافعي، وذهب أبوحنيفة إلى أنه لا يجوز، وقال بعض: لا بد للصبح من آذان ثان إن أذن لها قبل طلوع الفجر، وسبب اختلافهم حديثان متعارضان:
أحدهما: قول النبي - عليه السلام -: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم».
والثاني: ماروي عن ابن عمر أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي - عليه السلام - أن يعيد فينادي إلا أن العبد قد نام والله أعلم.
المسألة الرابعة في شروط الآذان: وقد اختلف فيها، قال بعضهم: لا يؤذن إلا على طهارة، قائما على قدميه غير قاعد ولا راكب، متوجها للقبلة، غير متكلم في حال الآذان، وهو بالغ صحيح العقل، ولا يقيم الصلاة غيره إلا من عذر، ولا يأخذ على آذانه أجرا، فصاحب هذا القول قاس الآذان على الصلاة وهو اللائق بأصول أصحابنا، وقد وجدت عن أبي المورج أنه إن تكلم أعاد الآذان، وأعجب به أبو أيوب، وأما الربيع بن (1/263)
صفحة 264
حبيب، وأبو غسان فإنه إذا تكلم عندهم لحاجة لا بد منها فلا يعيد الآذان، ولا ينبغي له أن يؤذن إلا بثوب طاهر، ولا يأكل فيه ولا يشرب، وسئل الربيع بن حبيب متى يكون الآذان للفجر؟ فقال: على قدر ما ينتبه النائم الجنب فيغتسل ويدرك الصلاة والله أعلم.
المسألة الخامسة: وقد استحب العلماء لسامع الآذان أن يقول مثل ما يقول المؤذن لثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واختلفوا فيه عند قول المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فقيل عن بعض الصحابة: إن السامع يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقال بعضهم: بل يقول مثل ما يقول المؤذن لعموم الحديث وهو قوله - عليه السلام -: «إذا سمعتم الآذان فقولوا مثلما يقول المؤذن»، والله أعلم.
القسم الثاني في الإقامة: وقد اختلف العلماء في حكمها، فقال الجمهور: "إنها سنة مؤكدة أبلغ من تأكيد الآذان"، وذهب أهل الظاهر إلى أنها فرض، وقد ذكر ابن جعفر العماني في كتابه أن من ترك الإقامة متعمدا حتى صلى أنه يعيد الصلاة (1/264)
صفحة 265
في قول بعضهم، وفي سبوغ النعم منزلته خسيسة.
وسبب اختلافهم هل الإقامة من الأفعال التي يحمل العمل بها على الوجوب لقوله - عليه السلام -: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، أم هي من الأفعال التي تحمل على الندب، وظاهر حديث الرسول - عليه السلام - للرجلين: «أذنا وأقيما» يوجب كونها فرضا، إما على الجماعة أو على المنفرد والله أعلم.
واختلفوا في صفة الإقامة، فروي عن مالك أن التكبير الذي أولها فمثنى وما بعده فمرة واحدة، وخير بعضهم بين الإفراد والتثنية، ومذهب أصحابنا أن الآذان مثنى مثنى، ووافقهم على ذلك الحنفية، واحتجوا بأن النبي - عليه السلام - أمر بلالا فأذن مثنى مثنى وأقام كذلك، وروى أصحاب القول الأول أنه أمر أن يشفع الآذان ويفرد الإقامة، وروى أصحابنا زاول من أفرد الإقامة معاوية وكان يطول عليه القعود على المنبر، ويستحب الجزم في الإقامة، ومن (1/265)
صفحة 266
نسي منها شيئا ثم ذكر قبل أن يصلي أعاد ذلك وحده مالم يتطاول ذلك، ومن تكلم فيها فأحب إلي أن يعيدها، ومن تكلم فيها فأحب إلي أن يعيدها، ومن دخل المسجد قبل أن تنتقض الصفوف فإنه يكتفي بإقامة الجماعة، وقال من قال إن لم يدخل معهم فليقم وحده وذلك أحب إلي، ومن دخل الصلاة بما لم تتم به من انتقاض وضوء أو ثوب منجوس فليعد الإقامة مع الصلاة، وليس لصلاة السنن وقضاء فوائت الفرائض آذان ولا إقامة، وجمهور العلماء اتفقوا على أن ليس على النساء آذان ولا إقامة، وروي عن مالك قال: إن أقمن مجسن، وعن الشافعي: إن أذّن وأقمن مجسن، وروى مخالفونا عن عائشة أنها تؤذن وتقيم، وأصل الاختلاف هل المرأة في جميع العبادات كالرجل أم لا؟ ومعلوم أنها مأمورة بخفض الصوت والله أعلم.
فصل في التوجيه: وقد اختلف العلماء في حكمه، فذهب قوم إلى أنه واجب في الصلاة قبل الإحرام، وروي ذلك عن الشافعي وهو توجيه إبراهيم - عليه السلام -، وروى أبو حنيفة أنما عليه التسبيح، ومذهب أبي يوسف صاحبه الجمع بين التوجيه والتسبيح، وروي عن مالك أن التوجيه في الصلاة ليس بواجب ولا سنة، ومذهب أصحابنا أن التسبيح في التوجيه سنة، وتوجيه إبراهيم - عليه السلام - مستحب، وحجة أصحابنا في التسبيح قول الله تعالى: {وسبح بحمد ربك حين تقوم}، وما روي عن النبي - عليه السلام - من طريق ابن مسعود وعائشة ــــ رحمهما الله ــــ أنه إذا قام إلى الصلاة قال: "سبحانك (1/266)
صفحة 267
اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك"، وقد استحب أصحابنا أن يضم إلى توجيه النبي - عليه السلام - توجيه إبراهيم - عليه السلام - وهو: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض إلى قوله: رب العالمين"، واختلف أصحابنا فيمن دخل الصلاة بعد عقد النية بتكبيرة الإحرام وترك ما سوى ذلك فقيل: تفسد صلاته لأنه ترك سنة معمولا بها عند أصحابنا وهو التوجيه، وقال آخرون: لا نقض عليه لأنها ليست من صلب الصلاة وهذا القول أمثل، وأما إن ترك ذلك ناسيا فلا نقض عليه، وكذلك إذا خاف فوات الإمام فإنه يوجه وهو سائر إلى الصف ويحرم إذا وقف فيه، وينبغي لمن أراد الصلاة بعد الإتيان بجميع شروطها من الطهارة وغيرها أن يقوم منتصبا جاعلا بين رجليه مقدار مسقط نعل، مرسلا يديه إرسالا، رادا بصره في موضع سجوده، متخشعا لله بقلبه وجميع جوارحه، متوجها إلى القبلة بنيته ووجهه، عالما بأنه مأمور بالصلاة وبالتوجيه بها إلى القبلة، عارفا بصلاته تلك ويومه وشهره، راجيا ثواب الله في أداء فرضه، خائفا من عقابه في تضييع شيء من أوامره، وليقل بعد عقد النية لأداء صلاة معينة حضرية أو سفرية: "رب إني عملت سوءا أو ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم أعني على أداء فريضتك التي افترضتها علي أن أصلي صلاة الظهر فريضة افترضتها علي في يوم معلوم، في شهر معلوم، متقربا بها إليك، راجيا ثوابك، خائفا عقابك، مستقبلا بها فرض القبلة، وهي الكعبة التي هي قبلة لأهل المسجد، (1/267)
صفحة 268
الذي هو قبلة لأهل مكة، التي هي، الذي هو قبلة لجميع الأفاق، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، قل إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت، سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك الله أكبر".
مسألة في الاستعاذة: وهو مأمور بها عند أصحابنا في الصلاة وفي غيرها قبل القراءة لقول الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} [الآية]، يعني إذا أردت قراءة القرآن، وهي تقرأ سرا في صلاة السر والجهر، ومن تركها متعمدا فصلاته ناقصة ويستعيذ المصلي، كما قال الله تعالى: {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} لا يزيد على هذا شيئا.
واختلفوا في موضعها، فروى أبو عبيدة مسلم ـــ رحمه الله ـــ أن عمر بن الخطاب ـــ رحمه الله ـــ كان يستعيذ قبل القراءة، وروى أبو عبيدة أيضا أن أبا بكر الصديق، وابن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم من الصحابة أنهم كانوا يستعيذون بعد الإحرام قبل القراءة، وبهذا أخذ أبو عبيدة ـــ رحمه الله ـــ فيما رواه عن أبي المورج، وفي آثار مشائخنا ـــ رحمهم الله ـــ أنه إن كان لسانه متعوذا بعجم ذال الاستعاذة فليعوذ بعد التكبير وإلا قبله والله أعلم.
مسألة في الإحرام: اتفق جمهور الأمة فيما وجدت على أن تكبيرة الإحرام فرض واجب لا يصح الدخول في الصلاة إلا بها لقول الله تعالى: {وربك فكبر}، وقوله: {وكبره تكيرا}، ومن السنة قول الرسول (1/268)
صفحة 269
- عليه السلام -: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، وقوله للذي يعلمه الصلاة: «إذا أردت الصلاة فاسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، ثم كبر» [الحديث]، وما نقل من فعله - عليه السلام - أنه يكبر عند افتتاح الصلاة فوجب ذلك من فعله لقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولأن أفعاله في الصلاة في الصلاة كانت بيانا لمجمل فرضها، إلا ما وقع الإجماع عليه أنه ليس بفرض فيها والله أعلم، وقد ذهب قوم إلى أن تكبير الصلاة كله واجب، ولعلهم قاسوه على تكبيرة الإحرام، وقد شد قوم فقالوا: "إن تكبير الصلاة كله نفل أو سنة"، وهو قول ضعيف، ولعلهم قاسوه على الأقوال التي ليست بفرض في الصلاة والله أعلم.
مسألة: وأجمعوا على أن لفظ التكبير المجزي في الصلاة: الله أكبر، واختلفوا هل يقوم غير لفظه مما هو في معناه مقامه، فذهب مالك والشافعي (1/269)
صفحة 270
إلى أنه لا يقوم لفظ سواه مقامه، إلا أن الشافعي قال: "يجوز الله أكبر، والله الأكبر"، وذهب أصحابنا إلى أنه يقوم غيره مقامه إذا كان في معناه مثل: "الله أجلّ، الله أعظم"، واختلفوا في الأجل والأعظم، أو الجليل والعظيم، ووافق أبو حنيفة وأصحابنا في هذا.
وسبب اختلافهم هل اللفظ هو المعتبر في الافتتاح أو المعنى؟، فذهب الأولون إلى أنه اللفظ، واستدلوا بقوله - عليه السلام -: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، قالوا: فالألف واللام هاهنا للحصر، والحصر يدل على أن الحكم خاص بالمنطوق به، وذهب أصحاب القول الثاني إلى أن المفهوم من ذلك هو من باب دليل الخطاب، وهو أن يحكم بالمسكوت عنه بحكم المنطوق به، والنظر يوجب القول الأول لأنه منصوص عليه، وإليه ذهب ابن بركة العماني في كتابه والله أعلم.
مسألة: ومن ترك تكبيرة الإحرام متعمدا أو ناسيا فلا صلاة له، وإن جاوزها إلى القراءة فإنه يرجع ويحرم، وإن جاوزها إلى الركوع فسدت صلاته، واختلفوا هل يعتبر الشك فيها بعد أن جاوزها فقيل: لا يعتبر، وقيل: يعتبر وهو الأصح لأنها هي الدخول في الصلاة، فلا يجاوزها حتى يحكمها.
مسألة: ولتكن النية مقرونة بالإحرام، وكيفيته أن يقصد بقوله الدخول في الصلاة المعينة كما قدمنا، ثم إذا قارنته النية وجب استصحاب حكمها وهو استدامة أمرها بأن لا يحدث ما ينافيها وينقض جزمها، مثل أن ينقل نيته إلى الخروج من الصلاة قبل إتمامها، وإن عزبة نيته في أثناء الصلاة لم يضره ذلك، وأما إن عزبت نيته في الانهماك في الدنيا والتعلق بعلائقها والتثبت بفضولها ولم يرد نظره حتى فرغ من صلاته فالأقوى عندي ترك الاعتداد بها، لأن ذلك واقع باختياره، وقد روى ضمام بن السائب (1/270)
صفحة 271
عن جابر بن زيد ـــ رحمهما الله ــــ قال: اجتمع علم العلماء على أن ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها، ورفعه بعضهم إلى النبي - عليه السلام -، وقد ذكر عنه - عليه السلام - من طريق عمارـ رحمه الله ـــ: «أن الرجل ليصلي الصلاة ولا يكتب له نصفها، ولا ثلثها، ولا ربعها، إلى عشرها»، والله أعلم، وأما أن تذكر في صلاته فرد نظره فيها فلا بأس عليه إن شاء الله، وأما إن تعلق قلبه بمهم ديني فلا بأس عليه ما لم يستنكحه الشك في صلاته، كما حكي عن عامر بن عبد قيس أنه قال: الوسواس يعتريني في الصلاة، فقيل له: أفي أمر الدنيا، فقال: لأن تختلف في الأسنة أحب إلي من ذلك، ولكن يشتغل قلبي بموقفي بين يدي ربي كيف أتصرف، فعدّ ذلك وسواسا وهو كذلك لأنه يشغله عن فهم ما هو فيه والله أعلم. (1/271)
صفحة 272
مسألة في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم: اختلف العلماء في افتتاح الصلاة بها، فروي عن مالك بن أنس وأصحابه منع الافتتاح بها في المكتوبة سرا كانت أو جهرا لا في أول الفاتحة ولا في غيرها من السور، وأجاز ذلك في النافلة، وقال أصحابنا: تقرأ في الفاتحة ومع كل سورة في الصلاة وفي غيرها إلا في سورة التوبة، وتقرأ في الصلاة سرا مع السر، وجهرا مع الجهر، ووافقهم على ذلك أبو حنيفة، وسفيان الثوري، والشافعي في أحد قوليه، وابن قتيبة، وابن المبارك، وأبو عبيد، وأحمد، وأبوثور وغيرهم.
وسبب الخلاف شيئان:
أحدهما: اختلاف الآثار.
والثاني: هل هي آية من الفاتحة أم لا؟ فروى من أسقط قراءتها عن بعض رواة الحديث أن الرسول - عليه السلام - لم يكن يقرأها في الصلاة، ولا الخليفتان من بعده ـــ رحمهما الله ـــ، وروى أصحابنا عن جابر بن زيد أنه لقي ابن عمر في المسجد الحرام فأخبره أن الناس تركوا قراءة البسملة، (1/272)
صفحة 273
فقال ابن عمر: أوفعلوها؟ ثم أخبره أنه صلى خلف النبي - عليه السلام - والخليفتين من بعده فكانوا يقرءونها، فقال ابن عمر: "وأنا أقرأها ما دمت حيا"، فقال: "فساء في إذ لم يستثن"، وروي عن صحار العبدي ـــ رحمه الله ـــ مثل ذلك، فقال ابن عمر: "إنها آية من كتاب الله اختلسها الشيطان منهم"، وروى مخالفونا عن علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وأم سلمة عن النبي - عليه السلام - مثل ذلك.
وأما السبب الثاني الموجب للخلاف فهو كما قدمنا، هل البسملة آية من الفاتحة وكل سورة أم ليست بآية إلا في سورة النمل خاصة، فمالك وأصحابه ليست بآية عندهم إلا في سورة النمل، وأصحابنا ومن وافقهم هي آية من الفاتحة، وروي ذلك عن ابن عباس وعن غيره من السلف، وأنه عد الفاتحة سبع آيات وعد فيها بسم الله الرحمن الرحيم، فاختلف الناس في قراءتها، فقال بعض: "تقرأ سرا"، وقال آخرون: "تقرأ جهرا"، والذي يذهب إليه أصحابنا أنها تقرأ سرا مع السر، وجهرا مع الجهر، والله أعلم.
مسألة في القراءة: وأجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجوز بغير قراءة سهوا ولاعمدا، لقول الله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}، ولحديث عبادة بن الصامت عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدا»، وحديث أبي سعيد الخدري، وحديث أبي (1/273)
صفحة 274
هريرة، وغيرهم عنه - عليه السلام - قال: «كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج»، وري عنه - عليه السلام - أنه كان يقرأ فاتحة الكتاب جهرا في خفض صوت، ثم يقرأ بعدها سورة، عند علمائنا ـــ رحمهم الله ـــ أن القراءة في الجهر والسر ثلاثة أقسام:
الأول: الجهر في جميع الركعات بالحمد والسورة كالصبح، والجمعة في زمان الإمام.
الثاني: الإسرار في جميعها بفاتحة الكتاب، خاصة في الظهر والعصر.
والثالث: الجمع بين الأمرين كالمغرب، والعشاء، فيجهر في الأوليتين من كل واحدة منهما، ويسر في سائرها، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقرأ في الركعتين الأخيرتين من الصلاة إلا بفاتحة الكتاب سرا، وعلى ذلك كثير من الأمة، واتفق أصحابنا جابر بن زيد وغيره أنه لا يقرأ في الظهر والعصر إلا بفاتحة الكتاب سرا، خلافا لفقهاء مخالفينا من المالكية، والشافعية، وغيرهم في إيجابهم قراءة السورة في الظهر والعصر، وحجة أصحابنا أنهم قالوا: رأينا الناس مجتمعين على أن الظهر والعصر لا يجهر فيهما، ورأينا كل صلاة أو ركعة لا يقرأ فيها إلا بفاتحة الكتاب يسر بها ليلا أو نهارا، ووجدنا الجمعة والعيدين يجهر فيهما بالقراءة لأجل السوة وهي صلاة النهار، فخدنا فيها بقول من لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب خاصة، والله أعلم، وقد أجمع الناس (1/274)
صفحة 275
على الإسرار في صلاة النهار لقول النبي - عليه السلام -: «صلاة النهار عجما.
مسألة: واختلف العلماء في القدر المجزي من قراءة الفاتحة في الصلاة، فذهب أصحابنا إلى أنها تقرأ لجميعها في جميع ركعات الصلاة، فإن ترك منها شيئا عمدا أعاد صلاته، وإن ترك الأقل منها ناسيا فلا إعادة عليه، وحكي عن الشافعي أنه أوجبها في نصف الصلاة، وحكي عن الحسن البصري أنه قال: "تجري قراءتها في ركعة"، وروي عن أبي حنيفة أنه أجاز في الركعتين الأخيرتين لاتسبيح بغير قراءة.
وسبب الخلاف الاحتمال المفهوم من قوله - عليه السلام -: «كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج»، وذلك أن من قرأها أو قرأ بعضها في كل الصلاة أو في ركعة منها لم يدخل تحت قوله لم يقرأ فيها والله أعلم.
مسألة: واتفق العلماء على أن المجزي من قراءة السورة في الصلاة بعد فاتحة الكتاب ثلاث آيات فصاعدا، واختلفوا فيما دون ذلك، فقيل: تجزي آية قصيرة، وقيل: آية منتظمة طويلة كآية الدين، وروي أن جابر بن زيد ـــ رحمه الله ـــ قرأ: {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن ياتيكم بماء معين}، ثم ركع والله أعلم.
والمستحب عند أصحابنا في قراءة الصبح أن يقرأ بصدر من المفصل من سورة محمد - عليه السلام - إلى تبارك وإلى عبسى، وفي العتمة من عبسى إلى والفجر، وفي المغرب من إذا زلزلت إلى قل هو الله أحد والله أعلم.
مسألة: ويجوز قراءة سورة في ركعتين معا وتكريرها في ركعتين، (1/275)
صفحة 276
وروي عن ابن مسعود ـــ رحمه الله ـــ قرأ في آخر ركعتي الصبح بسورة المرسلات، وعم يتساءلون، وقل هو الله أحد ثم ركع ولم يقنت، وبلغنا عنه أيضا أنه قرأ في العتمة بهذه الآية: {تبارك الذي جعل في السماء بروجا} إلى آخر السورة، ثم قرأ في الثانية بسورة الغاشية، وقيل عنه: إنه قرأ في المغرب بألم نشرح، وبالتين والزيتون، ثم قرأ في الثانية بسورة والضحى، وكذلك بلغنا عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قرأ بين مكة والمدينة في صلاة المغرب: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ... }، وسورة الهمزة، وفي الركعة الثانية بـ: {أرأيت الذي يكذب بالدين} [الآية]، والله أعلم.
مسألة: وحد الجهر أن يسمع نفسه وأذنيه، وقيل: ومن يليه، فمن قرأ في الجهر ولم يسمع أذنيه يعتد بقراءته ولا تجزيه، وكذلك في قراءة السر إن لم يسمع نفسه فلا تجزيه، إذ القراءة عبارة عن تقطيع الحروف بالصوت، ولا يمكن أن تلحق الحروف بمخارجها إلا ويسمع نفسه، وإلا صار تكييفا، وقراءة السر يشترط فيها تحريك اللسان بالحروف، وإسماع النفس، فإن لم يتحرك بها لم يعتد بما فعل من القراءة لأنها تكييف والله أعلم، ومن نسي فقرأ بالسورة في الظهر والعصر فلا فساد عليه إن شاء الله، وإن قرأ التشهد في موضع الفاتحة فركع فليستأنف صلاته، وإن لم يركع فليقرأ الفاتحة ثم يركع في صلاة السر، أو يقرأ السورة في الجهر والله أعلم.
ويستحب ترتيل القرآن بغير لحن والتفكر في معانيها، واللحن الذي يفسد الصلاة أن يبدل آية الرحمة بآية (1/276)
صفحة 277
العذاب، أو آية العذاب بآية الرحمة، وأشباه ذلك من تبديل الوحدانية شركا والشرك توحيدا، وما أشبه ذلك والله أعلم.
وقد استحب بعض العلماء سكتتين في الصلاة، إحداهما بين التكبير والقراءة، والثانية بين القراءة والركوع، لحديث أبي هريرة قال: "كانت للنبي - عليه السلام - سكتتان، حين يكبر ويفتتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة قبل الركوع"، وفي آثار أصحابنا يسكت مقدار التنفس، أو مقدار ما يبلع الريق والله أعلم.
مسألة: في الركوع، وهو فرض لا تتم الصلاة إلا به بإجماع من الناس لقول الله تعالى: {اركعوا واسجدوا}، ولأمر النبي - عليه السلام - به الأعرابي الذي يعلمه الصلاة، ولما نقل أيضا من فعله - عليه السلام - في الركوع، فوجب الإقتداء به لقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وحد الركوع اللغوي الانحناء، وحده في الشرع إمكان وضع اليدين على الركبتين في الصلاة وهو أقله، وأكمله ماروي من صفة ركوع النبي - عليه السلام - أنه إذا ركع وضع يديه على ركبتيه، وسوى ظهره معتدلا، وإذا رفع رأسه من الركوع (1/277)
صفحة 278
استقام حتى يرجع كل عضو منه إلى مفصله، وإذا ركع قال: الله أكبر، فهكذا ينبغي للمصلي أن يفعل في ركوعه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه، ويسوي ظهره وعنقه، ولا يجاز في الانحناء الاستواء، وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه لما نزلت: {فسبح باسم ربك العظيم} قال: «اجعلوها في ركوعكم»، وأجمع العلماء على منع قراءة القرآن في الركوع والسجود لحديث ابن عباس عنه - عليه السلام - قال: «نهيت عن قراءة القرآن في الركوع والسجود»، وذهب بعض إلى جواز ذلك، فاختلفوا هل في الركوع والسجود قول محدود، فروي عن مالك أنه قال: "ليس في ذلك قول محدود"، وذهب الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما إلى أن المصلي يقول في الركوع: "سبحان ربي العظيم ثلاثا"، وفي السجود: "سبحان ربي الأعلى ثلاثا" على ما في حديث عقبة بن عامر، وبهذا أخذ بعض أصحابنا، وروي عن الربيع ـــ رحمه الله ـــ أن الثلاثة تجزي، فإن زادوا فهو أحسن وأطيب، إلا إن كان إمام قوم فليقتصر على الثلاثة لئلا يطيل عليهم، وقال بعض أهل العلم: "المعمول به سبع والمجزي من ذلك ثلاث"، روي ذلك عن الحسن البصري وغيره، وروي أن عمر بن عبد العزيز كان يسبح عشرا ويصلي خلفه أنس بن مالك ويقول: "ما رأيت أشبه بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من (1/278)
صفحة 279
صلاة هذا الغلام"، وعن حذيفة بن اليماني عن النبي - عليه السلام - قال: «سبحان الله العظيم وبحمده ثلاثا»، وليس عند أهل العلم نقض صلاة في الزيادة والنقصان في التسبيح والتعظيم، ومن سبح ثلاثا فهو المعمول، ومن سبح واحدة فلا نقض عليه، واختلف العلماء في اعتدال الركوع والسجود هل هو واجب أم لا، فذهب بعضهم إلى أنه واجب لقول الرسول - عليه السلام -: «اعتدلوا في ركوعكم وسجودكم»، وذهب آخرون إلى أنه غير واجب قياسا على الأوامر المحمولة على الندب، وعنه - عليه السلام - قال: «لا صلاة لامرئ لا يقيم صلبه في الركوع والسجود»، وكرهت العلماء التخفيف في الركوع والسجود أشد الكراهية إذا لم يقم المصلي ظهره، وقد روي أن ابن مسعود ـــ رحمه الله ـــ كان جالسا في المسجد فدخل رجل فصلى فخفف ركوعه (1/279)
صفحة 280
وسجوده، فدعاه ابن مسعود فقال: "منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ " فقال: منذ أربعين سنة، قال ابن مسعود: "ما صليت منذ أربعين سنة"، ورأى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلا يخفف ركوعه وسجوده فعلاه بالدرة فقال: "والله لا تتركك تظهر النفاق بين أظهرنا"، فأمره أن يعيد الصلاة والله أعلم، وإذا أتم المصلي التعظيم فليستو قائما حتى يرجع كل عضو إلى مفصله، ويقول حين الرفع: سمع الله لمن حمده إن كان فذا أو إماما، وإن كان مأموما فليقل: ربنا ولك الحمد، ثم يهوي إلى السجود بالتكبير، واختلفوا فيه إذا سجد هل يضع يديه قبل ركبتيه أو يقدم الركبتين؟ فروى أصحاب كل قول حديثا يقوي مذهبه والله أعلم.
مسألة في السجود: واتفقوا على أن السجود فرض في الصلاة لقوله تعالى: {واسجدوا} وقوله: {واسجد واقترب}، وصفة السجود أن يمكن جبهته وأنفه من الأرض مع الكفين والركبتين وأصابع القدمين لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أسجد على سبعة أراب ولا أكف شعرا ولا ثوبا» وهي الأعضاء المتقدمة، وروي أنه - عليه السلام - أمر بوضع الكفين ونصب القدمين، وفي حديث أبي عبيدة أنه - عليه السلام - كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه، وفتخ أصابع رجليه، قال بعضهم: الفتخ أن تصنع هكذا فنصب أصابعه ثم غمز موضع المفاصل إلى باطن الراحة، يعني أنه يفعل ذلك بأصابع رجليه، فإذا سجد المصلي جافى عضديهن جنبيه، وفرق بين ركبتيه ومرفقيه، وجنبيه وبطنه، وفخذيه وهو التفريج، ولا تفرج المرأة وتؤمر بالضم والالتصاق، ويجعل كفيه بين رأسه وركبتيه ويعتمد عليهما، ولا يكف شعرا ولا ثوبا، وإن لم يصل أنفه الأرض فلا بأس (1/280)
صفحة 281
عليه وليسبح ثلاثا يقول: سبحان ربي الأعلى كما قدمنا، وليوصل إلى الأرض أكثر أصابع رجليه، وليرفع رأسه بالتكبير، وليقعد بين رجليه وظاهر اليسرى مما يلي الأرض، وليستو حتى يرجع كل عضو إلى مفصله، ويستحب أن يخرج كفيه من الثوب ويباشر بهما الأرض، ولا يسجد على غير ما أنبتت الأرض، واختلفوا في السجود على كور العمامة فأجازه بعض، ومنع منه آخرون، وفرق قوم بين أن يسجد على طاقات يسيرة من العمامة أو كثيرة، وبين أن تمس الأرض جبهته أولا نفس، واختلفوا في الاعتدال بين السجدتين كما قدمنا في الركوع والله أعلم.
مسألة في الجلوس: وهو واجب باتفاق لأنه لو لم يقعد فسدت صلاته، فإذا جلس وضع ظاهر قدمه اليمنى في أخمص اليسرى، وظاهر اليسرى مما يلي الأرض، وقد أجازوا هيئات القعود كلها إلا قعود الحبشة وتربيع الملوك، وقد جاء النهي عن الإقعاء في الصلاة وهو فيما زعم بعضهم أن يقعد الرجل بالتيه على عقبيه فيما دون السجدتين وفي التشهد، وقيل: هو أن يقعد الرجل على اليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب، وقوم رأوا أن الإقعاء هو أن يجعل اليتيه على عقبيه وأن يجلس على صدور قدميه، وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول: الإقعاء على القدمين في السجود على هذه الصفة هو سنة نبيكم، وعقب الشيطان الذي ورد (1/281)
صفحة 282
فيه النهي هو أن يقعد الرجل باليتيه على عقبيه في الصلاة، وما سوى هذا من هيئات القعود لا يفسد الصلاة والله أعلم.
وأما قعود المرأة فهو أن تفضي إلى الأرض بأوراكها وترد رجليها إلى الجانب الأيمن والله أعلم.
مسألة في التحيات: وقراءة التحيات في الصلاة فرض واجب من السنة لا تتم الصلاة إلا بها، لحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم أصحابه التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، وقد وجدت أن جمهور أهل العلم أجمعوا على أن الجلسة الآخرة هي الفريضة دون الوسطى، وقال بعض: بل الوسطى هي الفريضة، وقيل: كلتاهما فريضتان، وقيل: كلتاهما مسنونتان، وقد عن مالك وأبي حنيفة أن التشهد ليس بواجب، وذهب الشافعي، وأحمد، وداوود إلى وجوبه.
وسبب الخلاف معارضة الأثر المتقدم المروي في التشهد للقياس، وذلك أن القياس يقتضي إلحاقه بسائر الأقوال التي ليست بواجبة في الصلاة، وحديث ابن عباس يقتضي وجوبه، مع أن الأصل عند أهل العلم أن تكون أقوال الرسول - عليه السلام - وأفعاله في الصلاة محمولة على الوجوب حتى يدل الدليل على خلاف ذلك والله أعلم، والتشهد المأثور عن الصحابة ـــ رحمهم الله ـــ على ثلاثة:
أحدها: تشهد ابن عباس، وهي:" التحيات المباركات لله والصلوات الطيبات"، وكان يتناول في ذلك تحية من عند الله مباركة طيبة، "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله (1/282)
صفحة 283
وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله"، قال أبو عبيدة مسلم فيما رواه أبو المورج: إذا قال وحده فقد نفى أن يكون له شريك، وهذا التشهد هو الذي أخذ به أصحابنا ووافقهم على ذلك الشافعي وأصحابه.
والتشهد الثاني: ما روي عن عمر ـــ رحمه الله ـــ كان يعلمه الناس عن النبي - عليه السلام -، وهو: التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله ... الخ كما قدمنا، واختاره مالك بن أنس وأصحابه.
والثالث: تشهد ابن مسعود ـــ رحمه الله ـــ قال: إذا كنا جلسنا مع النبي - عليه السلام - قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فسمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل: "التحيات لله والصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فإذا قالها أحدكم أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض»، ثم ذكر باقيها كما تقدم، واختار هذا التشهد أبو حنيفة وأهل الكوفة، فبأي هذه الألفاظ أخذ الإنسان فلا بأس عليه إن شاء الله، وذكر في بعض آثار أصحابنا أنهم في زمان النبي - عليه السلام - كانوا يقولون: "السلام عليك أيها النبي"، وبعد موته: "السلام على النبي ورحمة الله"، وقد ذهب كثير من الفقهاء إلى التخيير فيما ذكرنا من التحيات، كما ذهبوا إلى التخيير في الآذان والإقامة، والتكبير على الجنائز والعيدين، وغير ذلك مما تواتر نقله وهو الصواب إن شاء الله، وقد روي عن الشافعي أنه اشترط في التشهد الصلاة على النبي - عليه السلام -، وقال أنها فرض (1/283)
صفحة 284
لقوله تعالى: {صلوا عليه وسلموا تسليما}، وزعم أن هذا التسليم هو المأمور به في الصلاة، وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه واجب على المتشهد أن يتعوذ من الأربع التي ورد الحديث بها أن النبي - عليه السلام - كان يتعوذ منها في آخر التشهد، وهي: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، وفتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات"، وقد اتفق كثير من أهل العلم على إجازة الدعاء في الصلاة، وذهب أصحابنا إلى إجازة ذلك بعد التشهد، وأن يدعو بما في القرآن، وما أشبه ما في القرآن لأمر دنياه وآخرته، وأهل الحجاز لا يرون بأسا أن يدعو الإنسان في الصلاة بأي دعاء كان للدنيا والآخرة ما لم يكن معصية، واتفق الجميع فيما وجدت على إجازة الدعاء في الفريضة والنافلة، إلا ما كان من الحسن البصري فإنه يكره الدعاء في المكتوبة، وأظن بهذا أخذ أصحابنا ـــ رحمهم الله ـــ من أهل المغرب وأهل الجبل والله أعلم. (1/284)
صفحة 285
مسألة في التسليم: وفي الحديث عن النبي - عليه السلام -: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، واختلف الناس في حكمه، فذهب الجمهور إلى وجوبه للحديث المتقدم، لأنه عقد الصلاة بين طرفين، ولإجماع الكل على أن الدخول فيها لا يصح إلا بالتكبير، فكذلك الخروج منها لا يصح إلا بالتسليم، وذهب أبو حنيفة ومن وافقه إلى أنه ليس بواجب، واحتج بما روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «إذا جلس الرجل في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته»، والذين أوجبوه منهم من قال: الواجب على المنفرد والإمام تسليمة واحدة، وإلى هذا ذهب أصحابنا وجمهور الفقهاء لقوله - عليه السلام -: «تحليلها التسليم»، وذهب بعضهم إلى أن الواجب تسليمتان، ورووا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال الربيع: وكانوا يكتفون بتسليمة واحدة، وكان أبو عبيدة يكتفي بها، وروي عن عمار وابن مسعود قال: "التسليم إذن بانقضاء الصلاة وهي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، ورأى ابن مسعود رجلا يسلم تسليمة واحدة فقال: "أنا أعقل عمن أخذها"، وبهذا أخذ أصحابنا، ومن سلم قبل تمام الصلاة ساهيا فإنه يتم ويسجد للسهو، وزعم أبو عبد الله محمد بن بركة أن التسليم بالسهو لا يفسد الصلاة إجماعا من الناس، وأما من وجد قيا أو رعافا وقد تشهد فليقم وقد تمت صلاته كما جاء في الحديث، (1/285)
صفحة 286
وزعم بعضهم أنه إن قرأ بعض التشهد أو شيئا منه ثم حدث عليه عذر فليسلم إن كان وحده وإن كان خلف إمام فليقم فإذا غلب ظنه أن الإمام قد سلم فليسلم، وإن سلم قبل انقضاء التحيات بلا عذر أو ترك التسليم رأسا فليعد صلاته، وإن قرأ فاتحة الكتاب في موضع التحيات ساهيا ثم سلم فأرجو الإفساد عليه، وإن ذكر قبل أن يسلم فليقرأها ثم يسلم، والتسليم أن يقول: "السلام عليكم" يصفح بها وجهه على اليمين ثم على الشمال وينوي به الخروج من الصلاة، وقيل ينوي به التسليم على الحفظة، وإن نون فقال: سلام عليكم فقولان في الاجتزاء به ولا يسلم المأموم حتى يفرغ الإمام من التسليم والله أعلم.
مسألة في الدعاء: قال تعالى: {فإذا فرغت} يعني من الصلاة، {فانصب} يعني في الدعاء، وفي الحديث: «لكل شيء ثمرة وثمرة الصلاة الدعاء بعدها»، ووجدت عن أبي عبيدة مسلم ــ رحمه الله ــ أنه قال: "من قال إذا صلى المغرب قبل أن يثني رجله: أستجير بالله من النار سبع مرات أنه من مات من ليلته تلك رجي له أن ينجو من النار إن سلم من أربع من الدعاء الحرام، والأموال الحرام، والأشربة الحرام، والفروج الحرام، وكذلك من قالها إذا صلى الصبح فمات من يومه على الحال المتقدم" ووجدت أنه يستحب للمصلي إذا سلم من صلاته أن يقرأ الفاتحة وآية الكرسي، وشهد الله [الآية]، وقل اللهم مالك الملك [الآية]، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنهن معلقات ليس بينهن وبين الله حجاب، يقلن إي ربنا تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك» فقال الله: {إني حلفت ألا يقرئكن (1/286)
صفحة 287
عبدي في دبر صلاة إلا جعلت الجنة مثواه وأسكنته حضيرة الفردوس ونظرت إليه في كل يوم سبعين نظرة أراد نظرة رحمة، وقضيت له كل يوم سبعين حاجة أولها المغفرة، وأعيذه من كل عدو له، ونصرته عليه}، وإن أراد المصلي أن يدعو فليقدم بين يدي دعائه التوبة والصلاة على النبي - عز وجل -، وقد روي عن بعضهم أنها فريضة في كل صلاة، وقال أصحابنا هي فرض مرة واحدة مع الذكر له - صلى الله عليه وسلم -، وعن ابن مسعود ــ رحمه الله ــ قال: "إذا صليتم فصلوا عن رسول الله فإنها فريضة أمركم الله بها" ويقال لم تؤمر أمة أن تصلي على نبيها غير هذه الأمة، وإذا صلى على الرسول كما قدمنا واستفتح بالتسبيح وليتعوذ بالله من الأربع التي كان يستعيذ منها النبي - صلى الله عليه وسلم - وليقل: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" وليدع بدعاء رسول الله - عز وجل - الذي رواه عنه ابن عباس - رضي الله عنه - أنه كان يدعو به إذا فرغ من صلاة الوتر وهو: "اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعتي، وترد بها ألفي، وتحفظ بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتبيض بها وجهي، وتلهمني بها رشدي، وتعصمني بها من كل سوء، اللهم إني أسألك إيمانا صادقا ويقينا ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك الفوز عند (1/287)
صفحة 288
القضا ومنازل الشهداء، وعيش السعداء، والنصرة على الأعداء، ومرافقة الأنبياء، اللهم إن قصر عملي، وضعف رأيي، وافترقت إلى رحمتك فإني أسألك يا قاضي الأمور ويا شافي الصدور كما تجير بين البحور فأجرني من عذاب السعير ومن دعوة الثبور، ومن فتنة القبور، اللهم ما قصر عنه عملي ولم تبلغه مسألتي من خير وعدته أحدا من خلقك، أو أنت معطيه أحدا من عبادك فإني أسألك وأرغب إليك فيه برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم يا ذا الأمر الرشيد والحبل الشديد أسألك الأمن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع المقربين الشهود الركع السجود الموفين بالعهود إنك رحيم ودود وأنت تفعل ما تريد، اللهم مني الدعاء وعليك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم اجعل لي نورا في قبري، ونورا في بصري، ونورا في لحمي، ونورا في دمي، ونورا في عظمي، ونورا بين يدي، ونورا من أمامي، ونورا من ورائي، ونورا عن يميني، ونورا عن شمالي، ونورا من فوقي، ونورا من تحتي، اللهم زني نورا واعطني نورا في الدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين"، وإن وجب على المصلي الوهم في الصلاة فليسجد قبل الدعاء.
باب في سجود السهو: والسجود المأمور به نوعان:
الأول: سجود السهو المنقول في الشريعة في أحد موضعين، إما عند الزيادة أو النقصان الذين يقعان في أفعال الصلاة وأقوالها من قبل النسيان فقط لا من قبل العمد، وفيه خمس مسائل تجري مجرى الأمهات والأصول فيه. (1/288)
صفحة 289
المسألة الأولى في حكمه: وقد اختلف فيه، فقيل: هو فرض مشروع لجبران الصلاة، وقيل: هو سنة مشروعة لترغيم الشيطان.
وسبب الخلاف هو أفعاله - عز وجل - محمولة على الندب أو على الوجوب والله أعلم. المسألة الثانية في مواضع سجود السهو: وقد اختلف فيه فقيل: قبل التسليم، وقيل: بعده، وقيل: إن وجبتا للنقصان فقبله، وإن وجبتا للزيادة فبعده، وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يسجد للسهو إلا في المواضع الخمسة التي قيل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد فيها.
وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث الواردة في سجوده - عز وجل - السهو.
وأما المواضع الخمسة التي قدمناها:
فأحدها أنه - عز وجل - قام من اثنتين.
والثاني أنه سلم من اثنتين على ما جاء في حديث ذي اليدين.
والثالث أنه صلى خمسا.
الرابع أنه سلم من ثلاث.
والخامس: السجود عن الشك على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري والله أعلم، والذي اختاره علماؤنا ــ رحمهم الله ــ أن يسجد للسهو بعد التسليم.
المسألة الثالثة في أفعال الصلاة وأقوالها التي يسجد لها: اتفق العلماء على أن سجود السهو إنما يكون عن نسيان سنن الصلاة دون الفرائض والفضائل.
فالفرائض لا يجزي فيها إلا الإتيان بها أو جبرها إذا كان السهو عنها مما لا يجب إعادة الصلاة بأسرها.
الفضائل لا شيء فيها، والوهم عند أصحابنا من تمام الصلاة ويجب على المصلي بالغلط الذي (1/289)
صفحة 290
لا ينقض الصلاة من الزيادة والنقصان فيها، وقال من قال أنه لا يجب على المصلي إلا إن قام حتى ثقله الأقدام في موضع يجب عليه فيه القعود، أو قعد في موضع القيام، وعن الربيع ــ رحمه الله ــ أنه كان يسجد سجدتي الوهم وإن لم يوهم والله أعلم.
وأما إن ترك من السنن أقلها في الصلاة فإنه إن كان ناسيا فلا شيء عليه، وإن كان عامدا أعاد صلاته وذلك التوجيه والاستعاذة والبسملة والإسرار في موضع الجهر، والجهر في موضع السر، والتكبير في الركوع والسجود، والتسبيح والتعظيم، أو سلم من اثنتين أو ما أشبه ذلك، وإن ترك الأكثر من السنن أعاد صلاته.
وأما الشك في الصلاة إذا طرأ عليه حتى لا يدري كم صلى فإنه يتم ويعيد.
وأما ما ذكر في الحديث أن النبي - عز وجل - قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه صلاته حتى لا يدري كم صلى منها، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس» قال الربيع قال أبو عبيدة: ذلك إذا كان الرجل خلف إمامه، وأما إذا كان وحده فليعد صلاته والله أعلم.
المسألة الرابعة في صفة سجود السهو: وهو أن يسجد سجدتين وهو جالس بعد الفراغ من الصلاة بعد التسليم، واختلفوا فيما يقوله في حال السجود (1/290)
صفحة 291
فقيل: يسبح كتسبيح السجود ثم يسلم كتسليم الصلاة، وقيل يقول: أستغفرك اللهم مما كان مني ثم يسلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال بعضهم: يقول: السلام على من اتبع الهدى، ووجدت أن علماء السف اختلفوا في ذلك، فروي عن الحسن وأنس بن مالك وعطاء أنه لا يتشهد في السهو ولا يسلم، وقال آخرون: يتشهد ويسلم، وقال قوم: يتشهد فقط دون أن يسلم، وقيل: هو مخير بين الإتيان بالتشهد وتركه، وقال بعضهم: ليس في السهو إلا التسليم دون التشهد، وبه قال ابن سيرين وهو قول أصحابنا، والمعمول عندهم، قال أبو بكر بن عبد المنذر ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر فيهما أربع تكبيرات وأنه سلم والله أعلم.
وأما من يصلي بالإيماء فوهمه بالنوى إن نوى القيام في موضع القعود، أو القعود في موضع القيام فليوهم بالإيماء، ومن وهم في وهمه فلا وهم عليه، وقيل: عليه الوهم، ومن وهم في الصلاة مرارا فيكفيه سجود وهم واحد، ومن نسيه فليسجده دبر صلاة أخرى أو يصلي ركعتين وليوهم على أثرهما.
المسألة الخامسة: واتفق العلماء على أن سجود السهو من سنة المنفرد (1/291)
صفحة 292
والإمام، واختلفوا في المأموم يسهو وراء الإمام فقيل: يحمله عنه الإمام، وقيل: يلزمه السجود في خاصة نفسه روي ذلك عن مكحول وبه أخذ أصحابنا، وسبب الخلاف هل يحمله الإمام أم لا؟ والله أعلم، وعند أصحابنا إن وهم الإمام لا يلحق المأموم إلا إن اتبعه، وعند غيرهم أنه يجب على المأموم وإن لم يتبعه والله أعلم.
واختلفوا متى يسجد المأموم إذا فاته مع الإمام بعض الصلاة وعلى الإمام سجود السهو فقال قوم: يسجدهما مع الإمام ثم يقوم ليقضي ما عليه، وسواء كان سجوده قبل السلام أو بعده روي هذا عن عطاء والحسن، والنخعي، والشعبي، وأصحاب الرأي، وقال قوم: يقضي ثم يسجد روي ذلك عن ابن سيرين وغيره، وقال قوم: إذا سجد قبل التسليم سجد معه، وإن سجد بعد التسليم أخر السجود حتى يقضي ما عليه روي ذلك عن مالك بن أنس، والليث، والأوزاعي، وسبب الخلاف أيهما أحق أن يتبعه في السجود مما حباله أو في آخر صلاته فكأنهم اتفقوا على أن الإتباع واجب لقوله - عز وجل -: «إنما جعل الإمام ليأتم به» [الحديث] والله أعلم.
والنوع الثاني سجود التلاوة: وتنحصر فروعه في خمس مسائل:
إحداها في حكمه: وقد اختلف فيه فقال جمهور أهل العلم أنه مسنون غير واجب، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه واجب.
وسبب الخلاف تنازعهم في مفهوم الأوامر والأخبار الخارجة مخرج الأوامر بالسجود مثل (1/292)
صفحة 293
قوله: {خروا سجدا وبكيا}، هل هي محمولة على الندب أو على الوجوب فالجمهور اتبعوا فيها مفهوم الصحابة لأنهم كانوا أقعد في فهم الأوامر الشرعية لما ثبت عن عمر - رضي الله عنه - أنه قرأ السجدة يوم الجمعة ونزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان في الجمعة الثانية قرأها فتهيأ الناس للسجود فقال: "على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشأ" قال هذا بمحضر من الصحابة فلم ينقل عن أحد منهم خلاف وهم أعلم بتفسير الشرع، وأما أبو حنيفة فحمل الأوامر في ذلك على الوجوب والله أعلم.
المسألة الثانية: واختلفوا في عدد عزائم سجود القرآن فروي عن مالك بن أنس أنها إحدى عشر سجدة أولها خاتمة الأعراف: {ويفعلون ما يومرون} وفي بني إسرائيل: {ويزيدهم خشوعا} وفي مريم: {خرو سجدا وبكيا} وفي الحج: {إن الله يفعل ما يشاء} وفي الفرقان: {وزادهم نفورا} وفي النحل: {رب العرش العظيم} وفي الرعد: {بالغدو والآصال} وفي سجدة: {ألم تنزيل ... وهم لا يستكبرون} وفي ص: {وخر راكعا وأناب} وفي سورة فصلت: {إن كنتم إياه تعبدون} وهذا هو المعمول به عند أصحابنا ـــ رحمهم الله ــ إلا في سجدة سورة فصلت فإن السجود فيها عند قوله: {وهم لا يسأمون} روي ذلك عن جابر والله أعلم، وروي عن الشافعي أنها أربع عشرة سجدة ثلاث منها في المفصل في الانشقاق وفي النجم، وفي اقرأ بسم ربك ولم ير في ص سجدة لأنها عنده من باب الشكر، واحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأها ذات يوم على المنبر ثم سجد فسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها وتهيأ الناس للسجود فقال: «إنها توبة نبيء (1/293)
صفحة 294
ولكن رأيتكم تشيرون للسجود فنزلت وسجدت»، وقال قوم: هي خمس عشرة أثبتوا سجدة ثانية في آخر الحج، وسجدة ص، وروي عن أبي حنيفة وأصحابه أنها اثني عشرة والله أعلم.
وسبب الخلاف أن بعضهم اعتمد على العمل المستقر عنده كمالك وأصحابه، وبعضهم اعتمد على السماع كالشافعي وأصحابه، وبعضهم اعتمد على القياس كأبي حنيفة وأصحابه أعني أنه قاس السجدات المختلف فيها على المجتمع عليها إذ كان الخطاب الوارد في جميعهن بعضه بالأمر كالتي في النجم وفي اقرأ بسم ربك وفي آخر الحج وباقيه بصيغة الخبر قالوا فوجدنا المجتمع عليها من سجدة آخر الأعراف إلى سجدة فصلت إنما جاء الأمر فيها بصيغة الخبر وجب أن تلحق بها سجدة ص وسجدة الانشقاق وأسقط الثلاثة المتقدمة، وأما الشافعي فاعتمد سماع الحديث أن النبي - عز وجل - سجد في الثلاثة المتقدمة والله أعلم.
المسألة الثالثة في وقت سجوده: وهو الوقت المباح فيه الصلاة، واختلفوا فيه هل يسجد في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها فمنعه قوم بإطلاق وهو المستقر به العمل عند أصحابنا وبه قال أبو حنيفة على أصله في منع الصلوات المفروضة في هذه الأوقات، واختلف القول في ذلك عند مالك وأجازه الشافعي على أصله أن السنن تصلى في هذه الأوقات مالم تدن الشمس من الطلوع أو الغروب، ووجدت عن بعض أصحابنا أنه سئل عن سجودها بعد الصبح فأجاز ذلك وقال: إنها ليست بصلاة والله أعلم. (1/294)
صفحة 295
المسألة الرابعة على من يتوجه حكمها: وقد وجدت أنهم أجمعوا على أنه يتوجه على القارئ لها في صلاة كان أو في غيرها إلا أن أصحابنا أجازوا سجودها في النافلة ومنعوه في الفريضة وأجازه غيرهم في الحالتين والله أعلم.
واختلفوا في السامع فقيل عليه السجود بإطلاق، وقال قوم يسجد السامع بشرطين: ... أحدهما: أن يكون جلس للإستماع. والثاني: أن يكون القارئ لها يسجدها وهو أيضا ممن يصح أن يكون إماما للسامع.
واختلفوا في الجنب والحائض والمحدث يسمعها فقيل: على هؤلاء السجود إذا انتقلوا إلى حال الطهارة، وقيل: لا شيء عليهم، وأما قارئ المصحف وقارئ اللوح على التكرار أنه يسجدأول مرة ثم لاشيء عليه بعد ذلك ولو تكررت، وقيل: مادام في موضعه والله أعلم.
المسألة الخامسة: واختلفوا هل من شرطها الطهارة واستقبال القبلة بها فالأكثر أن ذلك من شرطها، وقال من قال: إنها ليست بصلاة حتى يشترط لها ذلك، والقول الأول هو المعمول به عند أصحابنا إلا أن بعضهم قالوا في الاستقبال أنه متعين على الذي يسجدها بالقوم، وأما غيره فيستحب في حقه من غير اشتراط والله أعلم.
وأما صفته فإن جمهور الفقهاء قالوا إذا سجد القارئ لها كبر وإذا رفع كبر، وينبغي أن يقول في (1/295)
صفحة 296
سجوده: "سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا"، وقيل يقول: "سبحان الله وبحمده"، وقيل يقول: "سجد وجهي للذي فطره وشق سمعه وبصره" ثم إذا رفع رأسه قال: {ربنا لك سجدنا وإليك أنبنا وإليك المصير} [الآية]، اللهم احطط بها عني وزرا، وأحدث لي بها شكرا، واكتب لي بها أجرا، وارفع لي بها ذكرا، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داوود سجدته، وقيل يقول: "سجدت بوجهي للحي الدائم الذي لا يموت، الحمد لله الذي لم يجعل سجودي إلا له، وكان بعضهم يقول: "اللهم اجعلها كفارة لما مضى من ذنوبي وزيادة خير فيما بقي من عمري والله أعلم، ومن لم يستطع السجود لها فليومي إيماء، ويقال: إن من جازها ولم يسجدها قبله الشيطان بين عينيه والله أعلم.
فصل في صلاة الجماعة وترتيب أئمتها: وهذا الفصل ينحصر في سبعة أقسام:
الأول في حكم صلاة الجماعة: وقد اختلفوا فيها فذهب بعضهم إلى أنها سنة أو فرض كفايةوذهب آخرون إلى أنها فرض متعين على كل مكلف روي هذا عن الظاهرية، وذهب أصحابنا إلى أنها فرض كفاية وبالأول قال فقهاء الأمصار.
وسبب التنازع اختلاف مفهوم الآثار وذلك أن قوله - عز وجل -: «صلاة الجماعة تفضل عن صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» (1/296)
صفحة 297
يؤدي إلى أن صلاة الجماعة مندوب إليها وأنها كمال زائد على صلاة الفذ فكأنه قال: صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد، وقوله - عز وجل - لابن أم مكتوم حين قال: إني ضرير شاسع الدارولا قائد لي فهل لي من رخصة أصلي في بيتي؟ قال - عز وجل -: «هل تسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «فأجب»، وقيل: قال له لا أجد لك رخصة وهذا كالنص في وجوبها والله أعلم.
مسألة: واختلف فيمن دخل على الإمام في المسجدوقد صلى وحده تلك الصلاة فقال قوم: يصلي معهم كل الصلوات إلا المغرب روي هذا عن مالك وأصحابه، وعن أبي حنيفة أنه يعيد الصلوات كلها إلا المغرب والعصر، وعن الأوزاعي إلا المغرب والصبح، وقال قوم: إلا العصر والفجر، وعن الشافعي يعيد الصلوات كلها.
وسبب الخلاف حديث النبي - عز وجل - للرجل الذي لم يصل معه مالك: «لم تصل معنا ألست برجل مسلم؟» قال: بلى يا رسول الله ولكني صليت في أهلي، فقال - عز وجل -: «إذا جئت والناس يصلون فصل مع الناس» فحمل الشافعي هذا على عمومه فأوجب إعادة الصلوات كلها واستثنى مالك صلاة المغرب بقياس شبهة وهو زعم أن إعادة المغرب وهو وتر صارت شفعا ست ركعات مع التي صلاها وهذا قياس ضعيف لأنه فصل بين بينهما بالسلام، وقال أهل الكوفة: إن أعادها كان قد أوترها مرتين، وقد جاء الأثر لا وتران في ليلة، وإن أعاد العصر (1/297)
صفحة 298
كانت الثانية نفلا، وقد صح النهي عن النفل بعدها، وأما من فرق بين الصبح والعصر فلأنه لم يختلف الآثار في النهي عن الصلاة بعد الصبح، واختلف في الصلاة بعد العصر، وأما من استثنى الصبح والعصر فللنهي الثابت عن الصلاة بعدهما وهو مذهب أصحابنا ووافقهم على ذلك أبو ثور والله أعلم.
واختلفوا فيه أيضا إذا صلى مع الجماعة فقال قوم: لا يعيدها جماعة لما روي عنه - عز وجل - أنه قال: «لا تصلى صلاة واحدة مرتين» وقال آخرون: يصليهالحديث معاذ ــ رحمه الله ــ أنه كان يصلي خلف النبي - عز وجل - ثم يؤم قومه بتلك الصلاة والله أعلم.
القسم الثاني: فيمن أولى بالإمامة الفقيه أو القارئ فروي عن بعضهم أن الفقيه أولى وهذا مروي عن الشافعي ومالك، وقيل: القارئ أولى وهو مروي عن أبي حنيفة.
وسبب الخلاف قوله - عز وجل -: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله» [الحديث]، فمن فهم من الأقرأ أنه الأفقه قال الفقيه أولى، ولأن الحاجة إلى الفقه ماسة في الإمامة أمس من الحاجة إلى القراءة، وأيضا فإن الأقرأ من الصحابة هو الأفقه مخالف (1/298)
صفحة 299
لما عليه الناس اليوم، وأما أبو حنيفة فحمل الحديث على ظاهره فأوجب إمامة القارئ والله أعلم.
مسألة: واختلف في إمامة الفاسق فردها قوم بإطلاق وأجازها آخرون بإطلاق، وفرق قوم بين الفاسق المتأول وغيره.
وسبب الخلاف أنها مسألة مسكوت عنها في الشرع والقياس لها معارض، فمن حمل عموم قوله - عز وجل -: «صلوا خلف كل بار وفاجر» وقوله: «يؤم القوم أقرأهم» أجاز الصلاة خلفه بإطلاق، ومن قاس الصلاة على الشهادة فاتهمه في فساد الصلاة (1/299)
صفحة 300
كما اتهمه في فساد الشهادة ردها بإطلاق.
واختلفوا في إمامة الصبي فأجازها قوم ومنعها قوم وفرق بعضهم فأجازها في النفل دون الفرض.
واختلفوا في إمامة الأعمى فأجازها قوم ومنع منها آخرون والله أعلم، وقال أصحابنا لا تجوز الصلاة خلف من علمت يقنت في الصلاة لأنها من كلام الآدميين، قالوا: ومن صلى خلفه وهو غير عالم به فلا بأس بصلاته، وقال أصحابنا: الصلاة خلف كل من لا ولاية له كصلاة واحدة. (1/300)
صفحة 301
واختلف في إمامة العبد أيضا فأجازها قوم في الصلاة ومنعها آخرون.
واختلف في المرأة فعامة فقهائنا أجمعوا على أن الإمامة لها في صلاة الفرض للرجال ولا للنساء لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل مقامهن في الصف الأخير فلا يجوز لها التقديم، واختلفوا في إمامتها بالنساء فروي عن الشافعي أنه أجازها إذا كن متساويات في المرتبة في الصلاة واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل لامرأة مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل بيتها ودارها، والمشهور في الأثر أن أم سلمة كانت تؤم النساء في النافلة وتكون وسطهن والله أعلم. (1/301)
صفحة 302
القسم الثالث في مقام المأموم من الإمام: وقد اتفق أهل العلم على أن سنة الواحد المنفرد من الرجال أن يقوم عن يمين الإمام لثبوت ذلك من حديث ابن عباس وغيره وأنهم إن كانوا ثلاثا سوى الإمام قاموا وراءه، واختلفوا إذا كانا اثنين سوى الإمام فذهب جمهور أهل العلم إلى أنهما يقومان خلف الإمام، وذهب أبو حنيفة وأهل الكوفة إلى أن الإمام يقوم بينهما، والصحيح القول الأول لما روي أن النبي - عز وجل - كان يصلي وعن يمينه رجل يصلي بصلاته ثم دخل عليهما جابر بن عبد الله الأنصاري فقام عن شمال النبي - عز وجل - فأدارها إلى خلفه، واحتج أصحاب القول الثاني بأن ابن مسعود صلى بعلقمة والأسود فقام في وسطهما، وأما المرأة فسنتها عند أهل العلم أن تقف خلف الإمام أو خلف صف الرجال إن كانوا هناك لحديث أنس بن مالك قال في حديثه المشهور: "فصففت أنا واليتيم وراء النبي (1/302)
صفحة 303
عليه السلام والعجوز من ورائنا».
القسم الرابع في ترتيب الإمام وصفته: وقد اتفق أهل العلم على تقديم الأفضل في الصلاة لقول النبي - عز وجل -: «من جمع القرآن والعلم كان أولى بالتقديم» والشروط المعتبرة (1/303)
صفحة 304
في الإمامة التي لا تنازع بين أهل العلم في صفة صلاة من اجتمعت فيه هي: البلوغ، العقل، الإسلام، الذكورية، الحرية، العدالة، والعلم بما لا تصح الصلاة إلا به قراءة وفقها وسلامة الأعضاء التي يكون فقدها فادحا في الصلاة، وقد جمعنا فيما عددنا هاهنا بين شروط الصحة وشروط كمال الفضيلة، ونحن نشرع في تمييزها إن شاء الله.
أما البلوغ فشرط في صحة الفريضة عند الجمهور الأعظم فلا تجوز إمامة الصبي في الفريضة وإن كان النبي - عز وجل - أثبت له الحج فإن ذلك تفضل عليه لا استحقاق، وقال آخرون: تجوز إمامته في النفل.
وسبب الخلاف هل يؤم أحد في صلاة غير واجبة عليه من تعين عليه وجوب تلك الصلاة وذلك لاختلاف نية الإمام والمأموم.
وأما العقل فشرط في صحة الصلاة لأنه لا تجوز إمامة المجنون ومن كان في معناه من جميع من غاب عقله بإغماء أو سكر أو عته أو مرض برسام أو غيره لاستواء الجنون والطفولية في رفوع القلم عنها لعدم صحة العقل منهما.
وأما الإسلام فشرط صحة أيضا ولا أعلم فيه خلافا بين الأمة، وذكر ابن بركة في كتابه أن رجلا أم أناسا في سفر سنة كاملة ثم خرج مشركا فألزمهم الفقهاء إعادة الصلاة.
وكذلك الختان عند أصحابنا شرط في صحة الصلاة لأنه لا تجوز إمامة الأقلف البالغ عندهم ولا صلاته في الأيام التي لا يعذر فيها والله أعلم.
وأما الذكورية فقد تقدم حكما وأنه لا تجوز إمامة المرأة للنقصان اللاحق بها قياسا عل الإمامة العظماء والله أعلم.
وأما الحرية ففيها خلاف، قيل: هي شرط في صحة الصلاة فلا تجوز إمامة (1/304)
صفحة 305
العبد لنقصانه بالرق، وأجاز بعضهم إمامته في الصلاة دون الأحكام والله أعلم.
والعدالة اضطربت فيها أقوال العلماء مع اتفاقهم على كراهية الصلاة خلف من يلوذ بالحرام من فرج أو مال أو شراب خمر، وأجاز بعضهم الصلاة خلف أهل الأهواء مالم يدخلوا فيها ما يفسدها لأن المطلوب من الإمام صحة الصلاة، ولم يجز أصحابنا الصلاة خلف من يقنت فيها ويقول: ولا الضالين آمين لأنها من كلام الآدميين والله أعلم.
وأما العلم بما لا تصح الصلاة إلا به قراءة وفقها فهو من شروط الصحة لأن الإمام إذا أخل بركن من أركان الصلاة عن عمد أو سهو فقد بطلت (1/305)
صفحة 306
صلاته وصلاة من خلفه باتفاق أهل العلم.
وكذلك القراءة شرط في صحة الإمامة لأن الذي لا يحسن القراءة لاتصح إمامته لنفسه ولا لغيره، وكذلك من لا يقدر على النطق بالحروف من مخارجها على الصحة لسبب جهل دون حلول الآفة في لسانه والله أعلم.
وأما الألكن فتجوز إمامته للسالم من اللكنة إذا كان يقيم الحروف إقامة تجزي في الصلاة والله أعلم.
وأما اللحان فإذا كان لحنه لا يغير المعنى فقد تصح صلاته إذا كان بغير تعمد منه والله أعلم، وأما إذا كان لحنه يغير المعنى كعجم الدال من قوله: {قدر فهدى}، والتاء من قوله: {وبشر المخبتين}، أو يبدل آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة فإن هذا لا تصح إمامته ولا صلاته لنفسه، وأما إن كانت هذه الأمور من قبل اللسان فلا بأس بصلاته وإمامته والله أعلم، وقد روي أن بلالا ــ رحمه الله ــ كان يقول: "أسهد أن لا إله إلا الله" بالسين فيقول النبي - عز وجل -: «سين بلال هو الشين».
وأما نقصان الخليقة وسلامة الأعضاء التي يكون فقدها فادحا في الصلاة فهو على وجوه:
أحدها: نقصان العضو الذي لا يقرب به الإنسان من الأنوثة كالعمى وشبهه من الصمم ونحوه وقد تقدم الخلاف في إمامة الأعمى.
الثاني: نقصان يقرب من الأنوثة كالخصاء والعنت وشبهيهما فتكره إمامة الخصي والعنين والمحبوب المستأصل إلا لمن كان مثلهم.
الثالث: النقصان الذي يتعلق به فرض الصلاة كالمريض العاجز عن القيام والمقعد وأشباههما فلا تجوز إمامة هؤلاء للقادرين على القيام، وقد أجاز أصحابنا إمامة القاعد إذا كان إماما عدلا والله أعلم. الرابع: النقصان المتعلق بالأعضاء الموجهة إلى (1/306)
صفحة 307
السجود كقطع اليد أو شللها فلا يؤم الأقطع ولا الأشلل إذا لم يقدر أن يضع يديه في الأرض لأنه وإن بلغ نهاية طاقته في فعل لا يتحمله عن المأموم فإنه منتقص عن درجة الكمال، وكذلك المقطر ومن به سلسل البول لا ينبغي أن يؤم الأصحاء والله أعلم.
وأما شروط الفضيلة فلا يؤثر خلالهما في نقصان الصلاة كإمامة الميتم بالمتوضأ والبادي بالحاضر والمسافر بالمقيم من أجل أن الأفضل في الهيئة واللباس أولى بالتقديم، وكذلك من انفرد بالعلم والورع فهو أولى ممن دونه إذ بهما يحسن الأداء وتحصل الشفاعة لقوله - عز وجل -: «إن سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم فإنهم وفدكم إلى ربكم».
القسم الخامس في الوظائف المشترطة على الإمام: وهي عشر:
إحداها: مراعاة الوقت لحديث أبي ذر: "إن أحب عباد الله الذين يراعون الشمس والأظلة.
الثانية: الصلاة أول الوقت لقوله - عز وجل -: «أول الوقت رضوان الله، وأوسطه رحمة الله، وآخره عفو الله إلا ما استحب له من تأخير الظهر في الحر الشديد حتى يبرد».
الثالثة: أن يجعل من يراعي الصفوف ويسويها لثبوت ذلك عن رسول الله (1/307)
صفحة 308
صلى الله عليه وسلم أنه لا يكبر حتى يستوي الصفوف.
الرابعة: أن يرسل نيته إرسالا لكل من يصلي بإمامته ويعقد نيته ويقول: "اللهم إن نيتي واعتقادي أن أصلي هذه الصلاة الحاضرة، وبكل من له صلاة، وبجميع من يصلي ورائي هذه الصلاة في هذا اليوم المعلوم" كما قدمنا في اعتقاد المنفرد قبل هذا.
الخامسة: أن يجزم التكبير والتسليم جزما ولا يمد بهما صوته لئلا يسابقه بهما من وراءه.
السادسة: أن يرفع صوته بالتكبير كله ويسمع الله لمن حمده ليقتدي به من وراءه.
السابعة: أن يخلص نيته للمأمومين في حفظ صلاتهم ومراعاة حدودها الظاهرة والباطنة والاجتهاد في الدعاء لهم جميعا.
الثامنة: أن يقتصد في صلاته ولا يطولها عليهم ويصلي بهم صلاة أضعفهم.
التاسعة: أن يتنحى عن مكانه إذا صلى ولا يمكث في مصلاه إن كان في مسجده.
العاشرة: أن يجعل وراءه أفضل لقول النبي - عز وجل -: «ليليني أهل الإخلاص والفضل».
القسم السادس في شروط القدرة: وتنحصر في أربعة شروط:
أحدها: النية في الإقتداء بالإمام فإن كان المأموم مقيما فلينو أداء فرضه مع الجماعة وإن كان المأموم مسافرا فلينو أن يصلي بصلاة الإمام وليقل: صلاتي صلاة الإمام مقيما كان أو مسافرا وإن لم يقل ذلك فوافق ففيه خلاف والله أعلم.
الثاني: أن لا ينزل المأموم جنس صلاة الإمام عن جنس صلاته كمتنفل يؤم مفترضا. (1/308)
صفحة 309
الثالث: اتحاد الفرض المأتم فيه فلا يصلي الظهر خلف من يصلي الصبح أو غيره.
الرابع: المتابعة والمساوقة دون المساواة والمسابقة وهذا في أفعال الصلاة من الركوع والسجود وأقوالها المختصة بالجهر كالإحرام والجهر في القراءة والتسليم وأشباه ذلك، وإن أحرم قبل الإمام أعاد قبل الركوع وإلا بطلت صلاته فلا خلاف، وكذلك الركوع والسجود والتسليم إن سبق بها الإمام متعمدا، وإن كان ناسيا رجع إلى الحد الذي خرج منه، وإن ساوى الإمام في أفعال الصلاة فصلاته غير مضاعفة الثواب، وقد أجمع أهل العلم على أن على المأموم أن يتبع الإمام في أقواله وأفعاله إلا في قول "سمع الله لمن حمده" فذهب بعض إلى أن الإمام يقول: "سمع الله لمن حمده" والمأموم يقول: "ربنا ولك الحمد" لقوله - عز وجل -: «إنما جعل الإمام ليأتم به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: "سمع الله لمن حمده"، فقولوا: "ربنا ولك الحمد» والله أعلم.
القسم السابع فيما يحمله الإمام عن المأموم: وقد اتفقوا على أن الإمام لا يحمل على المأموم شيئا من فرائض الصلاة ما خلا القراءة فإنهم اختلفوا فيها، فذهب بعضهم إلى أن الإمام يحملها لقوله - عز وجل -: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة، وقال آخرون: لا يحمل عنه شيئا من القراءة إلا فاتحة الكتاب لقوله - عز وجل -: «لا تفعلوا (1/309)
صفحة 310
إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة إلا بها» والله أعلم.
مسألة: وإذا أحدث الإمام بقيء أو رعاف أو خدش فإنه ينبغي له أن يستخلف من يتم بالقوم صلاتهم، وليس الاستخلاف بواجب عليه لأنه إنما التزم أن يقتدى له ما دام الإقتداء به ممكنا، فإذا تعذر ذلك فليس عليه أن يأتي بعوض منه لكن لما كان المأمومون ممنوعين من الكلام كان من حسن النظر لهم أن يقيم لهم من يتم بهم، ولا يجوز الاستخلاف إلا في الثلاثة الأحداث المتقدمة للحديث الوارد في ذلك أنها لا تنقض الصلاة فإذا انفلت المصلي بهم توضأ وبنى على صلاته، وأما إن أحدث بغير هذه الثلاثة الأوجه من جميع الأنجاس والأحداث التي تنقض الصلاة فقد فسدت صلاته وصلاة القوم جميعا، ويجوز الاستخلاف في جميع الصلوات إلا في صلاة الميت فإن فيها خلافا وصفة الاستخلاف أن يجبده الإمام من يده ويوقفه في مكانه ويأخذ في الصلاة من حيث كان الإمام إن علمه وإلا فمن حيث كان هو ويصلي بالقوم صلاة الإمام مقيما كان أو مسافرا، وإن بقي للخليفة شيء في أول صلاته وفي آخرها استدركه بعد الفراغ من الصلاة ولا يسلم من خلفه حتى يستدركه ثم يسلم فيسلموا معه جميعا، ولا يستخلف إلا الإمام ويساعده المستخلف أيضا على ذلك وإن أبى فليستخلف غيره إلى ثلاثة، وقيل: لا يجاوز واحدا، وكذلك الخليفة لا يستخلف هو أيضا إلا واحدا، وقيل: يستخلف إلى ثلاثة والله أعلم. (1/310)
صفحة 311
الجملة الثالثة في صلاة السنن: وهي بالجملة عشر: صلاة الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا المغرب، وقيام رمضان، وركعتا الطواف، وصلاة الكسوف والخسوف، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الضحى، وصلاة العيدين، وصلاة الجنائز فتشتمل هذه الجملة على أربعة فصول:
أولها في صلاة الوتر: وفيها أربع مسائل.
الأولى في حكمه: وقد اختلف فيه فذهب أكثر أصحابنا إلى أنه سنة واجبة واحتجوا بقول النبي - عز وجل -: «المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل» وبقوله: «إن الله زاد لكم صلاة سادسة» [الحديث] وإلى هذا ذهب محمد بن محبوب ــ رحمه الله ــ ووافقه على ذلك أبو حنيفة والله أعلم، وذهب بعض أصحابنا إلى أنه سنة وأن الفرض مقصور على الصلوات الخمس لقوله - عز وجل -: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» وقوله لمعاذ (1/311)
صفحة 312
ابن جبل: «أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في أمثالها وهي أيضا لا تصلى جماعة ولا لها وقت مرتب وإنما هي من توابع الصلاة» وإلى هذا ذهب مالك بن أنس المدني، والشافعي، وفائدة الخلاف هل يكفر تارك الوتر وتلزمه الكفارة أم لا؟ والله أعلم.
الثانية في صفته: وقد اختلف فيه فقيل: هي سبع ركعات، وقيل: خمس، وقيل: ثلاث، وقيل: واحدة، وبهذا يقول أصحابنا ولكنهم استحبوا أن يصبي ثلاثا يفصل بين الركعتين والركعة بتسليم وإلى هذا ذهب مالك بن أنس، والنظر فيه هل من شرط الوتر أن يتقدمه شفع أم لا؟ فيشبه أن يقال ذلك من شرطه إذا كان النبي - عز وجل - يصلي بالليل مثنى مثنى حتى إذا خاف الفجر أوتر بواحدة، ويشبه أن يقال ليس ذلك من شرطه لأنهم زعموا أنه - عز وجل - يصلي مثنى مثنى حتى إذا انتهى (1/312)
صفحة 313
إلى الوتر أيقظ عائشة ــ رضي الله عنها ــ فأوترت معه، فظاهر هذا أنها أوترت من غير شفع متقدم وإلى هذا ذهب أصحابنا أن من أوتر بعد العتمة بركعة واحدة أجزاه لما روي أن جابر بن زيد ــ رحمه الله ــ أوتر بركعة واحدة ليري أصحابه أن ذلك جائز لهم فقال: "هذا وتر العاجز"، وكذلك بلغنا أن معاوية فعل ذلك، فقال ابن عباس: "ويحه ما أين عرف هذا الأمر له، أما إذا عرف هذا فلا يزيد على ركعة واحدة، ولكن المستحب عند أصحابنا أن يصلي الوتر ثلاثا إن شاء، فصل بين الركعتين وبين الركعة بتسليم، وإن شاء لم يفصل إلا من كان له عذر خوف، أو مرض، أو سفر، أوشغل، فإن اقتصر على واحدة أجزاه.
وقد وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتر بثلاث، فقرأ في الأولى: بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية: بقل يأيها الكافرون، وفي الثالثة: بقل هو الله أحد، وفي حديث أيضا عنه أنه لا يسلم إلا في أخراهن، وقيل عنه أيضا أنه يواضب في الوتر على ركعة واحدة، ولا بأس أن تصلى النوافل بعد الوتر والله أعلم.
الثالثة: في وقته، وقد اجمعوا على أن وقته من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، واختلفوا في جواز صلاته بعد الفجر، فقوم منعوا ذلك، وقوم أجازوه، ما لم يصل الفجر، والمستحب لمن يعتاد القيام في الليل أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل، وإن صلى أول الليل فلا بأس، وتجزي في قراءة الوتر فاتحة الكتاب مع أي سورة اتفقت، ولكن المستحب (1/313)
صفحة 314
ما شرعه أصحابنا فيه من قراءة آية الكرسي، وخواتم البقرة، وإنا أنزلناه، وقل هو الله أحد.
الرابعة: في قضاءه بعد الفجر هل يجوز أو لا؟ فذهب بعضهم إلى جواز ذلك بعد الصبح، وبه قال طاوس، وبعضهم بعد طلوع الشمس، وبه قال الأوزاعي، وعضهم يقضى من الليلة المقبلة، وهو مروي عن سعيد بن جبير وسبب التنازع اختلافهم في تأكيده وقربه من درجة الفرض فمن رآه أقرب أوجب القضاء في زمن أقرب ومن رآه أقرب أوجب القضاء في زمن أبعد من الزمان المختص به ومن رءاه أبعد أوجب القضاء في زمن أقرب ومن رءاه سنة كسائر السنن ضعف عنده القضاء إذ القضاء إنما يجب في الواجب والله أعلم.
الفصل الثاني في ركعتي الفجر والمغرب.
وفيه خمس مسائل أحدهما في حكمهما وقد اتفق على أنهما سنة وعند أصحابنا سنة مؤكدة وأنما أتفق على ذلك لمعاهدة - عليه السلام - أيهما أكثر منه على سائر النوافل ولرغبته فيها ولأنه قضاء ركعتي الفجر وبعد طلوع الشمس لأنه حين نام عن الصلاة ولما روي أن عليا سأله عن قوله (1/314)
صفحة 315
تعالى: {فسبحه وأدبار النجوم} فقال هما ركعتا الفجر وعن قوله: {وأدبار السجود} فقال ركعتا المغرب والله أعلم.
المسألة الثانية.
في وقتهما فركعتا الفجر وقتهما إذا انفجر الصبح لقوله - عليه السلام - لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتا الصبح ووقت ركعتي المغرب بعد قضاء الفريضة وقال من قال ووقت ركعتي الفجر حين يدخل النصف الأخر من الليل ومن صلاهما ثم قام فعليه إعادتهما وكذلك إن لم يطلع الفجر على القول الأول فصلاهما فليعدهما ولا يستحب الكلام بينهما وبين الفريضة بغير ذكر الله تعالى.
الثالثة.
فينا يستحب من القراءة فيهما فأصحابنا يستحبون القراءة في الركعة الأولى فاتحة الكتاب وقل يأيها الكافرون وفي الثانية بسورة الإخلاص ثلاثا بعد الفاتحة لثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ فيهما بما ذكرنا ويستحب التخفيف فيهما لما روي أنه - عليه السلام - يخفف ركعتي الفجر.
الرابعة.
فيمن أقسمت عليه الصلاة المكتوبة قبل أن يركعهما أو دخل المسجد فوجد الإمام في الصلاة فقال بعضهم إن أقيمت عليه الصلاة فاليدخل مع الإمام ولا يصليهما في المسجد وإن لم يدخل المسجد (1/315)
صفحة 316
فليركعهما خارجا منه مالم يخف فوات ركعة من الصلاة فإن خاف فليدخل مع الإمام ثم يصليهما إذا طلعت الشمس وقال بعض يركعهما خارجا مالم يخف فوات الركعة الآخرة من الصبح وقال آخرون إذا أقيمت الصلاة فلا يصليها داخل المسجد ولا خارجه وسبب الخلاف تنازعهم في قول النبي - عليه السلام - إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة فمن حمل الحديث على عمومه لم يجز ركوعها إذا أقيمت الصلاة داخل المسجد ولا خارجه ومن قصره على المسجدأجاز ذلك خارج المسجد مالم تفته الفريضة أو ركعة منها ومن ذهب مذهب العموم فالعلة في النهي عنه أنما هو الاشتغال بالنفل عن الفرض من قصر ذلك عن المسجد فالعلة عنه ليلا تكون الصلاتان معا في موضع واحد والله أعلم.
المسألة الخامسة.
في قضائهما إذا فاتتا حتى صلى الصبح فقال من يقضيهما بعد صلاة الصبح روي ذلك عن عطا وابن جريح وقال قوم يقضيهما بعد طلوع الشمس فقط وقال من قال من لدن طلوع الشمس إلى وقت الزوال والأصل في هذا قوله - عليه السلام - من فاتته ركعتا الفجر فليصلهما إذا طلعت الشمس والله أعلم.
الفصل الثالث في قيام رمضان.
وقد أجمعوا على أنه مرغب فيه لقوله - عليه السلام - من صام رمضان (1/316)
صفحة 317
وأقامه إيمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه واختلف أهل العلم في المختار عند عدد الركعات التي يقوم بها الناس في رمضان فاختار بعض القيام بعشرين ركعة سوى الوتر وروي ذلك عن الشافعي وأبي حنيفة وغيرهم وروي عن مالك أنه يستحب القيام بست وثلاثين ركعة والوتر بثلاث والعمل المستقر عند أصحابنا القيام بأربع وعشرين ركعة ماعدا الوتر ركعتيه واحتسب أن سبب الخلاف في هذا إختلاف الأحاديث المنقولة فيه والله أعلم وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا دخل رمضان قال لأصحابه هذا شهر رمضان شهر مبارك افترض عليكم صيامه ولم يفترض قيامه كان الناس يقومونه وحدنا منهم من يقوم في بيته ومنهم من يقوم في المسجد كل على حسب طاقته ورغبته في القيام فكان الناس على ذلك في زمن النبي - عليه السلام - وخلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر فبلغنا أن عمر خرج ذات ليلة فرأي الناس في المسجد أوزعا متفرقين يصلي الرجل وحده وآخر يصلي بصلاة الرهط فقال عمر لأراني لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل فجمع على أبي بن كعب ثم خرج ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قاريهم نعمة البدعة هذه والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون بها يعني الصلاة آخر الليل وبلغنا أن عمر ضم تميم الدار إلى أبي ابن (1/317)
صفحة 318
كعب وأمرهما أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة بالوتر فكانا يطيلان القيام والقراءة فكان القارئ منهما يقرأ بالهاتين حتى كان الناس يعتمدون على العصى من طول القيام وكانوا ينصرفون إلا في فروع الفجر ثم أن الناس اشتد عليهم طول القيام فشكوا ذلك إلى عمر وأمر القارئين أن يخففوا من طول القيام ويزيدا في عدد الركوع ففعلا فكانا يقومان بثلاث وعشرين ركعة فكان القارئ يقرأ بالبقرة في ثمان ركعات فإذا قرأها في ‘ثنا عشر رأي الناس أنه قد خفف فكانوا ينصرفون من المسجد فيستعجلون الخدم بالسحور مخافة الفجر فكان الأمر كذلك إلى يوم النحر فلما اشتد على الناس طول القيام شكوا ذلك أيضا فنقصوا من طول القراءة وزادوا في عدد الركوع حتى أتموا ست وثلاثين ركعة وذلك تسع وثلاثون ركعة بالوتر سوى العتمة فصار الأمر على ذلك وبلغنا أن أهل عمان كانوا يصلون أربعين ركعة غير العتمة والوتر وبعد ذلك رأى بعض الناس فأمر القراء في رمضان أن يقوموا بذلك وأن يقرؤا في كل ركعة عشر آيات واستقر الأمر على ذلك وذلك في زمن مائة عام من التاريخ فهذا ما وجدته في أثر بعض أصحابنا والله أعلم.
لبفصل الرابع.
في ركعتي الطواف وهي سنه أيضا يصليها الطائف خلف كل أسبوع من طوافه خلف مقام إبراهيم - عليه السلام - أو حيث شاء من المسجد ويقرأ في الركعة الأولى بأم الكتاب وبقل يأيها الكافرون وفي الثانية بأم الكتاب وسورة الإخلاص ثلاثا فمن ترك ركوعهما بعد الطواف الواجب من الحج و العمرة (1/318)
صفحة 319
فليركعهما مادام في الحرم وإن خرج من الحرم ولم يركعهما فليركعهما حيث شاء وعليه دم والله أعلم.
الفصل الخامس.
في صلاة الخسوف وقد اتفق الناس على أن الصلاة في كسوف الشمس سنة وروي أن النبي - عليه السلام - صلاها وعمل بها المسلمون وهي ركعتان من آذان ولا إقامة يستحب فيها طول القيام والقراءة والركوع والسجود لما ثبت من فعله - عليه السلام - حين مات ولده إبراهيم - عليه السلام - فصلاها وانصرف وقد تجلت الشمس فقال الناس كسفت الشمس لموت ولده - عليه السلام - فبلغه ذلك فخطب الناس فقال أن الشمس والضحى آيتان من آيات الله لا يسخفان لموت بشر ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وتضروا إليه وفي رواية أخرى فجزعوا إلى الصلاة ويصلوها الناس حيث شاءوا في المسجد أو خاجا منه ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها بالناس في مسجده وتصلى بالجماعة في قول بعضهم وإذا فرغ الإمام منها استقبل الناس بوجهه فيعضهم ويذكرهم ويأمرهم بالصدقة وكثرة ذكر الله تعالى ومن فاته شيء من الصلاة فأدرك بعضها مع الإمام فاليقضي مافاته منها إذا سلم الإمام على حسب مافاته ولا تصلى في الأوقات المنهي فيها ولكن يستحب في ذلك كثرة الدعا والتضرع إلى الله تعالى حتى تنجلي واختلفوا في الصلاة لخسوف القمرفقيل تصلى جماعة وقيل تصلى فرادا تصلى ركعتين مسائر النوافل وسبب الخلاف قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا (1/319)
صفحة 320
إنكسفت الشمس أو انخسف القمر فصلوا كإحدى صلاة صليتموها فمن فهم من هذا الخبر الأمر بالصلاة قال تصلى جماعة قياسا على كسوف الشمس ومن فهم منه أقل ما ينطق عليه اسم الصلاة قال تصلى فرادا كالنافلة لأنه قيل لم يروا عنه أنه صلى في خسوف القمر جماعة مع كثرة دورانه وقد روي أن ابن عباس وعثمان صليا في خسوف القمر جماعة وقد استحب قوم الصلاة للزلزلة والريح والظلمة وغير ذلك من الآيات قياسا على كسوف الشمس والله أعلم.
الفصل السادس.
في صلاة الاستسقاء أجمع العلماء أنه الخروج إلى الاستسقاء والدعاء إلى الله والتضرع إليه في نزول المطر سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واختلفوا في الصلاة في الاستسقاء فذهب قوم إلى أنها من سنة الاستسقاء ومنع من ذلك آخرون وسبب ذلك اختلاف الآثار وذلك أن في بعضها عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الاستسقاء فمنع كما منع في الفطر والأضحى (1/320)
صفحة 321
وقيل إنه صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ورفع يده واستسقا واستقبل القبلة ثم حول حول ظهر ه إلى الناس وحول رداءه وفي بعض الأحاديث أنه جاءه رجل وهو يخطب على المنبر فسأله الاستسقاء فدعا قائما ثم توجه إلى القبلة وحول رداءه فسقوا واختلفوا في وقت الخروج إلى الاستسقاء فذهب أصحابنا وأكثر العلماء إلى أن وقتها حين ترتفع الشمس وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إليها حين بدا حاجب الشمس وذهب آخرون إلى أن وقتها حين الزوال والذي ينبغي للناس أن يخرجوا إليها بثياب رثة بسكينة ووقار متواضعين لله متخشعين وجلين متورعين قال بعض العلماء وذلك أن العبد الجاني رءا مخايل العقوبة المهلكة من مولاه لم يأته راغبا في رفع العقوبة إلا وأمارة الدل بادية عليه والخوف ءاخذا بناصيته فإذ ابلغوا المصلى فينبغي للإمام أن يصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة ثم إذا فرغ خطب بهم خطبتين يجلس بينهما يسيرا فإذا فرغ تحول إلى القبلة ويرفع يديه يجعل ظهرهما إلى (1/321)
صفحة 322
السماء وبطنهما إلى الأرض ويدعو كذلك مستقبلا القبلة اللهم أمرتنا بدعائك ودعوتنا بإجابتك فقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما دعوتنا اللهم فأمنن علينا بمغفرة ماقارفنا وإجابتك في سقيانا وسعت أرزاقنا ويدعوا الناس كذلك جلوسا مستقبلين القبلة فيدعون ويتضرعون ثم ينصرفون وأما تحويل الردا فإنه تفاؤل بتحويل الحال من الحال إلى الخصب وكيفية تحويله عند بعضهم أن يجعل ما على يمينه على شماله وما على شماله على يمنه وليس على الإمام أن يرجع وجهه إلى الناس ويستحب أن يديم الإمام والناس الاستغفار والدعاء وبلغنا أن عمر - رضي الله عنه - بالناس فلم يزد على الاستغفار حتى انصرف فقال يا أمير المؤمنين ما رأينا ك استقيت فقال لقد طلبت المطر بمحاديج السماء التي بها يستنزل المطر ثم تلا قول الله تعالى: {فقال استغفروا ربكم إنه كان غفار} الآية وقوله: {أن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم} الآية ويقول اللهم اسقي عبادك وبها بفك وانشر رحمتك وأحيي بلادك الميتة وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقي بعد ماصلى ركعتين قيل كان يقول في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بالفاتحة وسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية بسورة الغاشية بعد الفاتحة فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه المبارك وقلب رداءه ثم جثا على ركبتيه ورفع يديه وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي ثم قال اللهم أسقنا وأغثنا اللهم أسقنا غيثا مغثيا وحيا ربيعا وَجدا طبقا غدقا مونقا عاما (1/322)
صفحة 323
هنيئا مريئا مريعا مرتعا وأبلا سابلا مسبلا مللا دائما دررا نافعا غير قارعا جلا غير رايث غيثا اللهم تحيي به البلاد وتغيث به العباد وتجعله بلاغا للحاضر منا والباذ اللهم أنزل علينا في أرضنا زينتها وأنزل علينا في أرضنا سكنها اللهم أنزل علينا من السماء ما طهور فأحيي به بلدة ميتا وأسقه مما خلقت لنا أنعاما وأناسي كثيرا وقيل إنما قلب ردائه لكي ينقلب القحت إلى الخصب وذلك أنه حول الأيسر على الأيمن والأيمن على الأيسر والغيث والحيا يحيي الأرض والجدا الذي يعمها والطبق الذي يطبقها والغدق والمغدق الكثير القطر والمونق المجمع والمريع دو المراعة والخصب والمربع الذي يربع الناس على الارتياد أي ليحبسهم الوابل الكثير القطر والفحلل الذي يجلل الأرض أي يكسوها بالماء والنبات والدرر جمع درة المطر والرائث البطي وزينة الأرض النبات وسكنها قوتها والله أعلم ولا بأس بخروج النساء الصبيان إلى الاستسقاء ويكره للناس أن يطوفوا في الجبال أم الصحاري مع النساء والصبيان بالبكاء والصراخ لأن ذلك تشبيه باليهود والنصارى وليست تطلب رحمة الله بمثل إصابة السنة فلا بأس أن يستسقى في العام الواحد مرارا وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الفصل السابع.
في صلاة الضحى وهي سنة قيل عن أم هاني بنت أبي طالب أنها قالت - صلى الله عليه وسلم - صلى الضحى في بيتي ثمان ركعات ملتحفا في ثوب واحد يوم فتح مكة وقد اختلفت الروايات فيها من اثنين إلى اثنا عشر (1/323)
صفحة 324
ركعة وأقلها ركعتان وأكثر ذلك أفضل ووقتها مند ترفع الشمس قيد رمح إلى أن ينتصف النهار ويقال أن النبي - عليه السلام - خرج على أصحابه وهم يصلون عند الإشراق فنادا بأعلى صوته إلا أن صلاة الأوبين إذا رمضت الفصال ولهذا قال بعضهم أن الأفضل في الضحى أن تصلى إذا رفضت الفصال من الحر إذا كان يقتصر على مرة واحدة والمستحب أن تصلى الضحى ركعتين عند إشراق الشمس وإنبساطها وارتفاعها قدر رمح وتصلى أربعا أوستا أو ثمانيا إذا رمدت الفصال وضحية الأقدام مجر الشمس فوقعت الركعتين وهو المراد بقوله يسبحن بالعشي والإشراق ووقت الركعات الأربعة هو الضحى الأعلى الذي أقسم الله تعالى به في قوله: {والضحا} الآية فاسم الضحى يطلق على الكل وكان ركعتا الإشراق في مبدأ وقت الصلاة وانقطاع الكراهية إذا جاء في الحديث أن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطانفإذا ارتفع فارقها والله أعلم. (1/324)
صفحة 325
الفصل الثامن.
في صلاة العيدين وهي سنة مؤكدة معمول بها على الكفاية وأهل الأفاق وعددها ركعتان وهي كسائر الصلوات في الشرائط والهيئة إلا في زيادة التكبير وقد قيل في قوله تعالى قال أفلح من تزكى أنها زكاة الفطر وطكر اسم ربه فصلى أنها صلاة العيدين وكذلك قيل في قوله تعالى فصلي لربك وانحر أنها صلاة الضحى والنحر بعدها ويستحب البروز إليها بالرجال والنساء لحديث أم عطية قالت أمرنا أن نخرج إلى العيد حتى العواتق من الخدور ويستحب التأخير في صلاة الفطر لاشتغال الناس بالصدقة والتعجيل لصلاة الأضحى ليرجع الناس إلى ضحاياهم ومن سننها الغسل بعد الفجر والسواك الطيب واللباس الحسن للرجل وأما العجائز فيخرجن في ثياب رثة وإقامتها في الصحراء أفضل إلا في مسجد مكة وليس لصلاة العيدين آذان ولا إقامة واختلف في التنفل فيها وقيل يجوز قبلها وبعدها وهو مروي عن أنس وعروة وقيل لا يتنفل قبلها ولا بعدها وهو مروى عن على بن أبي طالب وابن مسعود وغيرهما وقيل يتنفل قبلها ولا يتنفل بعدها وهو مروي عن الأوزاعي وغيره والمعمول عند أصحابنا التنفل قبلها والله أعلم وقد استحب (1/325)
صفحة 326
بعض العلماء أن يصلى بعد عيد الفطر اثنا عشر ركعة بعد الأضحى سننا وقيل هي من السنة والله أعلم وصفتها أن يتقدم الإمام مستقبلا للقبلة فينوي في ذلك أداء السنة في صلاته العيد طاعة لله ولرسوله - عليه السلام - وإن يكون إماما لمن يصلي بصلاته فيوجه ويحرم ويكبر على إثر تكبيرة الإحرام أربعا ثم يستعيذ ويقرأ وقد أختلف في المستحب من القراءة فاستحب بعضهم سورة الأعلى بعد الفاتحة في الركعة الأولى وفي الثانية سورة الغاشية بعد الفاتحة ورووا ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستحب بعضهم سورة ق في الأولى في الثانية باقتربت الساعة واستحب أصحابنا أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسورة والشمس وفي الثانية بالفاتحة والضحى ويجهر فيها بالقراءة ثم إذا قرأ ركع وسجد ثم يقوم فيقرأ فإذا فرغ من القراءة كبر ثلاثا ثم يركع بتكبيرة و يسجد ويتشهد ويسلم فهذا حكم من كبر فيها بسبع وهو المعمول به عند أصحابنا أي عبيدةوغيره وإن أراد أن يكبر بتسع كبر في الأولى بعد الإحرام بست وفي الثانية بعد الفراغ من القراءة بخمس وإن أراد أن يكبر بإحدى عشر كبر في الأولى بعد الإحرام بست وفي الثانية بعد القراءة بخمس وإن أراد أن يكبر بثلاث عشر كبر في الأولى بعد الإحرام خمسا وفي الثانية بعد القراءة خمسا وبع الرفع من الركوع ثلاثا وقيل يكبر في الأولى بعد الإحرام ستا وفي الثانية بعد القراءة سبعا والله أعلم وأما المنفرد إذا لم يحسن التكبير صلى ركعتين كالنافلة ثم إذا فرغ من الصلاة قام الخطبة مفتتحا لها (1/326)
صفحة 327
بسبع تكبيرات أو أكثر ثم إذا فرغ من الكلمات أعاد إلى التكبير
القبلة ثم يخطب خطبتين بينهما جلسة يذكر في خطبة الفطر زكاة الفطر وسننها ويحرض الناس على أدائها ويذكر في خطبة الضحى الأضحية وما يجزي منها وقد أجمع العلماء على استحباب الغسل للعيدين وتقديم الصلاة على الخطبة فيهما الثبوت ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم - وأجمعوا على أن المستحب يوم الفطر أن يفطروا قبل الغدو إلى المصلى ويوم الأضحى بعد الانصراف من المصلى وأنه يستحب أن يرجع على غير الطريق التي مشا عليها الثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأجمعوا على استحباب التكبير بعدها في أيام التشريق لقوله تعالى: {ولتكبروا الله على ما هداكم} وبالله التوفيق.
الفصل التاسع.
في أحكام الجنازة وينحصر ذلك في سبع مسائل تجري مجر الأمهات أولها في آداب المنحضروهو أن يلقن الشهادة لقول الرسول - عليه السلام - لقنوا موتاكم شهادة أن لاإلاه إلا الله واختلف في توجيهه إلى القبلة قراءة ذلك قوم عند معاينة الموت وعمته إحداد نظره وأشخاص (1/327)
صفحة 328
بصره وهذا مروي عن عطا والنخعي وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام وكره ذلك آخرون وهو مروي عن سعيد بن المسيب ثم إذا قضى عضت عيناه واستحب دفنه لقوله - عليه السلام - لا ينبغي أن يحبس جفنه مسلم بين ظهراني أهله إلا الغريق ونحوه فإنه ينتظر به واستحب بعضهم قراءة يس عليه وقيل سورة الرعد لقوله لأنه قيل أهون لقبض روحه وأيسر لشأنه والله أعلم.
المسألة الثانية.
في غسله ويتفرع منها أربع أقسام الأول في حكم غسله وهو سنة واجبة على الكفاية عند أكثر العلماء لقوله - عليه السلام - اغسلوا أمواتكم الثانية فيمن يجب غسله الموتى وقد اتفقوا على غسل الميت المقربان ورسوله مالم يقتل في المعركة واختلفوا في غسل الشهيد المقتول في معركة حرب الكفار فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يغسل لقوله - عليه السلام - في شهداء أحدروا زمولهم في ثيابهم ودمائهم وشذ الحسن وسعيد بن المسبب فقال يغسل لأن كل ميت لأن كل ميت يجنب واختلف في قتيل اللصوص فروي عن الشعبي والأوزاعي أنه لا يغسل وعن بعضهم (1/328)
صفحة 329
أنه يغسل وروي ذلك عن الشافعي ومالك والله أعلم واختلف في المحذور ومن كان في معناه فقيل يصب عليه الماء إذا خيف أن يطهرا لحمه وقيل بل يتيمم له وهذا أعجب إلي وأما من يجب غسله فقد اجمعوا على أن الرجال يغسلون الرجال والنساء يغسلن النساء واختلف في المرأة تموت مع الرجال والرجل يموت مع النساء فروي عن النخعي أنها تغسل فس ثيابها وبه قال الزهري وقتادة وعن الحسن البصري أنه يصب عليه الماء صبا وعن سعيد بن المسيب وحمادة بن أبي سليمان ومالك وأهل الرأي أنه يتيمم لها وبهذا يقول أصحابنا وسبب الخلاف هو الترجيح بين تغليب النهي عن النظر إلى بدن المرأة الأجنبية وتغليب الأمر بغسلها ومن ذهب إلى التيمم فإنه خرج من كلا الوجهين إذ الوجه و الكفان ليسا بعورة والله أعلم وذهب أكثرهم فيما وجدت إلى جواز غسل المرأة زوجها لثبوت ذلك أن أبو بكر وجابر بن زيد وأبا موسى قد أوصوا أن تغسلهم أزواجهم واختلفوا في الزوج هل يغسل زوجته فذهب أكثرهم إلى إجازة ذلك وذهب بعض أصحابنا وأبو حنيفة إلى منعه وسبب الخلاف تشبيه الموت بالطلاق الباين فمن شبهه به رأى أن العصمة قد انقطعت بينهما إذا كان يجوز له تزوج أختها ومن ذهب إلى أن علة الجمع مرتفعة بين الحي والميت أجاز غسلها والله أعلم وذهب أكثرهم (1/329)
صفحة 330
إلى أن المرأة تغسل الطفل الصغير واختلفوا في سنه فقيل المذهب عن الحسن تغسل الفطيم أو فوقه بشيء وقيل ابن سبع سنين وري ذلك عن ملك وعن الأوزاعي ابن أربع أو خمس سنين وأما الطفلة فلا يغسلها الرجل عند أصحابنا على كل حال صغيرة كانت أو كبيرة وقال أصحاب الرأي تغسل المرأة الطفل مالم يتكلم ويغسل الرجل الصغيرة مالم تتكلم والله أعلم.
المسألة الثالثة.
في كيفية غسله ففي آثار أصحابنا أنه تحفر حفرة ويوضع عليها باب أو أعواد فتفرش الحصيرة عليها بعد أن تبل بالماء ويعمل عليها فتستحم بحجارة عريضة ثم يلف الغاسل يده إلى الرأس ويقعد الرجل خلف الميت ويرفعه على المستحم قليلا وينزع ثوب الميت بعد أن توضع عليه خرقة تستره من الركبة إلى السرة ويستحب أن يكون بينه وبين السماء ثم يمسك الستر عليه رجلان من خلف كما قدمنا وءاخر يصب الماء فيقعد الغاسل حيث أمكنه غسل الميت فيبدأ بغسل يديه ثم يستنجي له بيده الملفوفة من السرة إلى الركبة ثم يتوضأ له ويستر عورته فيضجع على جنبه الأيمن فيغسل ثم على شقه الأيسر فيغسل ويمر الماء مع اليد على جميع أعضاءه وجسده مع الدلك ويبدأ بميامنه قبل مياسره ويستحب أن يغسل ثلاثا والواحدة تجزي وفي حديث أم عطية أن النبي - عليه السلام - قال للنسوة لما توفيت ابنته رضي الله عنها أغسلنها ثلاثا أو خمسا أو مارتين وأغسلنها بماء وسدر واجعلن في الآخرة شيء من كافور فإذا فرغتن فأذنني قالت أم عطية فلما فرغن أذناه فالغا إلينا حقوه وقال أشعرناها أياه في أثر (1/330)
صفحة 331
أصحابنا من أهل المغرب أن الميت إذا لم ينقطع بلله أو كان مفتوح الفم أو العينين أو تعلقت به القرادة منجوسة لا يمكن نزعها وبالجملة كل ما يمنعه الغسل في حياته فإنه يتيمم له والله أعلم ولا يجوز عند أصحابنا الأخذ من شعر الميت ولا أضفاره ولا يعصر بطنه ولا يشق بطن حاملة واختلف أهل العلم في التوقيت في غسله فاعتبر بعضهم فيه الوتر فيه ثلاثا أو خمسا أو سبعا ولم يعتبر فيه بعضهم إلا الإنقاء والتنظيف وأن الواحدة تجزي والله أعلم.
المسألة الرابعة.
في تكفينه و وهو واجب لقوله - عليه السلام - كفنوه في ثوبه والمستحب في لون الكفل البياض لقوله - عليه السلام - عليكم بالثياب البيض البسوها أحياءكم وكفوا فيها موتاكم وأما جنسه فالكتان والقطن وكل ملبوس جائز لباسه في حال الحياة ولا يكفن (1/331)
صفحة 332
في الحرير إلا إذا لم يوجد غيره واستحب بعضهم تحسين الكفن لقوله - عليه السلام - كفن في ثلاث أثواب بيض سحولية بها نية ليس فيها قميص ولا عمامة و أدرج فيها إدراجا وعن عمر أنه كفن في ثلاثة أيضا وقال بعض العلماء أحب الأكفان ما كفن فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجزيها كفن فيه من ثوب أو ثوبين وقد روي أن مصعب بن عمير كفن يوم أحد في خمرة فكان إذا غطي بها رأسه خرجت رجلاه وإن غطي بها رجلاه خرج رأسه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الأذخرفأقل ما يجزي ثوب ساتر لجميع الجسد ولكن يستحب في كفن الرجل ثلاثة أثواب واختلف في كفن العراة فزعم بعضهم أن أكثر أهل العلم استحبوا فيه خمسة أثواب ودرع وخمار ولفافتين وثب لطيف يشد على وسطها الجمع به ثيابها وقيل يجزي درع وخمارولفافة وتدرج فيها ويجزي في كفن الصبي ثوب واحد أو إزار أو خرقة والله أعلم وأجمعوا على تغطية رأس الميت ماخلا المحرم فإن السنة فيه كما قال النبي - عليه السلام - (1/332)
صفحة 333
يغسل المحرم بماء وسدر ويكفن في ثوبيه ولا يمس طيبا ولا يخمر رأسه فإنه يبعث ملبيا ويكشف رأس المحرم من الكفن ووجهه المحرقة والله أعلم ولا يكفن الميت في الثوب النجوس ولا في جميع مالا يصلى به من الجلود وغيرها إلا في حال الاضطرار وأجمع أكثر أهل العلم على أن الكفن أنما يخرج من رأس المال قبل الدين والوصية ومن لا مال له فليكفن من مال بيت فإن لم يكن فكفنه على كافة المسلمين وهذا إن لم يكن له ولي تلزمه نفقته والله أعلم ويستحب أن يبخر الميت بعود أن تسير ثم يلف الكفن عليه ويشد من عند رأسه ورجليه وقيل يخيطه والله أعلم.
المسألة الخامسة.
في صفة المشي مع الجنازة وإتباعها وقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بعيادة المرضى واتباع الجنائز واختلف في حملها فقال بعض ليس في ذلك شيء فوقت تحمل من حيث شاء حاملها ويسرع بها لما جاء في الحديث أسرعوا بالجنازة وقيل يرفق بها لقول ابن عباس في (1/333)
صفحة 334
جنازة ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تزلزلوا وأرفقوا فإنها أمكم والله أعلم واستحب بعضهم المشي خلفه وبعضهم أمامها وروا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء وري عن ابن عباس أن الراكب فيها كالجالس في أهله وعن عبد الله الأنصاري أن الماشي فيها قراطبين وللراطب قيراطا والله أعلم ولا ينبغي للنساء أن يتبعن الجنازة لثبوت النهي عن ذلك في حديث أم عطية وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بطرد امرأة رآها في الجنازة فطردت حتى لم يرها وروي أنه قال النساء راهن في جنازة أتحر لنه فيمن يحمثي فلن لاقال افتخلنه في القبر مع من يدخله فلن لاقال أفتحثين عليه فيمن يحث فلن لا قال فأرجعن مازوراتغير ما جورات وقيل كان مسروق (1/334)
صفحة 335
يحثي في وجوههن التراب ويطؤهن فإن لم يرجعن الارجع وكان الحسن يطردهن فإذا لم يرجعن لم يرجع ويقول لا ندع حقا لباطل وقال ابن عمر ليس للنساء في الجنازة نصيب والله أعلم ويستحب خفض الصوت في الجنازة وأن لا يجلس حتى توضع على أعناق الرجال وعن الحسن أنه قال كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يكرهون رفع للصوت في الجنازة وعند القتال وقراءة القرآن والله أعلم.
المسألة السادسة.
في الصلاة على الميت وفيها ثلاثة فصول أحدهما في حكمها وصفة الصلاة على الجنازة أما حكمها فهي فرض على الكفاية إذا قام بها البعض أجز عن الباقين وإن تركها الجميع هلكوا ويدل على وجوبها قوله - عليه السلام - الصلاة على الموتى المقرين بالله ورسوله واجبة وخص أصحابنا بالمنع من الصلاة على مانع الحق والأبق والمرأة العاصية لزوجها والباغي والقاعد على فراش الحرام فلا دري بأي حجة احتجوا فلا أدري بأي دليل استدلوا ومن العلماء من لم يجز الصلاة على أهل النفاق (1/335)
صفحة 336
وأهل الكبائر وأهل البغي والبدع واختلفوا فيمن قتل في حد أو قتل نفسه وولد الزنا واختلفوا في الصلاة على الشهداء المقتولين في المعركة واحتج من منع الصلاة على أهل النفاق بقوله تعالى: {ولا تصلي على أحد منهم مات} الآية وأما أهل البدع فلا اختلاف فيهم في تكفيرهم للسنة (1/336)
صفحة 337
وأما قاتل نفسه فروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلم والذي عندي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالصلاة على أهل القبلة ولم يستثني منهم أحدا بارا كان وفاجرا والله أعلم ويصلى على الطفل أن صحة حياته وكذلك ولد الزنا يصلى عليه ويتول إن كان أهلا لذلك والله أعلم وأما صفتها فقد أختلف فيها العلماء اختلافا كثيرا من الصحابة والتابعين في عدد تكبيرها وقراءتها والدعاء فيها ولكن المعمول به عند أصحابنا أن يوضع الميت على سرير طاهر في مكان طاهر على جنبه الأيمن مستقبلا به القبلة مما يلي المغرب ورجلاه مما يلي الشرق فيتقدم للصلاة عليه وليه إذا حضر أو من أمره أو غيره من المسلمين إن لم يحضر فيجعل بينه وبين الميت مقدار سجوده بعد أن يأتي بشروط الصلاة في نفسه وفس الميت ويستقبل من الذكر صدرهومن الأنثى رأسها ويعقد النية ويقول اللهم نيتي واعتقادي أن أصاي صلاة الميت طاعة لك ولرسولك - عليه السلام - سبحان الجليل الكبير سبحان الله العظيمثم يكبر ثم يقرأ فاتحة الكتاب سرا في نفسه ثم يكبر ثانية ثم يقرأ الفاتحة أيضا سرا ثم يكبر ثالثة ثم يقول اللهم إن هذا عبدك ابن عبدك ابن أمتك ونحن عبيدك بنوا إماءك توفيته وأبقيتنا بعده اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده آمين يارب العالمين ثم يكبر رابعة ويسلم هكذا الصلاة على عامة الأموات أربع تكبيرات وتسليمة واحدة ليس فيها ركوع ولا سجود ولا تشهد والله أعلم وإن كان (1/337)
صفحة 338
الميت أنثى قال اللهم إن هذه أمتك فيخاطبها بلفظ التأنيث في جميع خطابها وإن كان طفلا زاد في دعائه اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا وأجرا ادخرا عندك يا أرحم الراحمين وإن كان متولا ترحم عليه وقال اللهم أبدل له دارا خيرا من داره وقرارا خيرا من قراره وأهلا خيرا من أهله ووسع عليه من لحده وألحقه بنبيك - صلى الله عليه وسلم - وأصعد روحه مع أرواح الصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين ثم يكبر رابعة و يسلم في جميع ماقدمنا وتصلى صلاة الميت بالجماعة وبالانفراد والله أعلم
الفصل الثاني في مواضع الصلاة على الميت وأوقاتها وهو كل موضع طاهر تجوز الصلاة عليه واختلف في المسجد فأجاز بعضهم الصلاة فيه على الميت ومنع ذلك آخرون والصحيح جوازها لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد واختلف فيها بين القبور الصحيح كراهياتها الثبور أنهى عن الصلاة في المقابر وأما وقت صلاتها فقد أختلف فيه أيضا والصحيح أنه يصلى عليه في كل وقت إلا عند طلوع الشمس حتى ترفع وعند توسطها حتى تزول وعند غروبها حتى يستكمل غروبها الثبوت النهي عن الصلاة في هذه الأوقات والله أعلم. (1/338)
صفحة 339
الفصل الثالث في شروط صلاة الميت وقد اتفق أكثر أهل العلم على أن من شروطها الطهارة على أن من شروطها الاستقبال للقبلة بها واختلف في التيمم فيها إذا خيف فواتها فأجازه بعض و منع منه آخرون وسبب الخلاف قياسها على الصلاة المفروضة فمن شبهها بالفريضة أجاز التيمم عند فوات وقتها ومن لم يشبهها لم يجز التيمم لأنها عنده من فروض الكفاية وذهب قوم إلى جواز الصلاة عليه بغير طهارة وعندهم أن اسم الصلاة الشرعية لا ينطلق عليها اسم الدعاء إذ ليس فيها ركوع ولا سجود والله أعلم.
المسألة السابعة في الدفن وقد أجمعوا أن وجوبهوالأصل فيها قوله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا} وقوله: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض} الآية وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال احفروا ووسعوا ادفنوا الاثنين والثلاثة وقدموا أكثر القوم قرءانا ولابد للميت من حفرة تحرزه عن السباع وتكتم رائحته عن الناس وقد روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أو ما يغمق قبره قامة وسطة وأن (1/339)
صفحة 340
عمر بن عبد العزيز أوصا فقال أحفرها لي ولا تعمقوا فإن خير الأرض أعلاها وشرها وأسفلها واستحب بعضهم أن تحفر إلى الركبتين فإن زادت فإلى الحقوين فإن زادت فإلى العنكبين ولا يتجاوز ذلك وأما طولها فعلى قدر طول قامة الميت وزيادة أربعة أصبع وغرضها ثلاث أشبار ولا يقتل فيه ماله روح ويكون الحافر مشتملا على عورته أو لابسا سراويل ولا ينين في حال الحفر ولا يتفل في القبر ولا في يده في تلك الحالة واللحد أفضل من الضريح مع إمكان القدرة عليه وليكن في ناحية القبلة ويدخل ألقب رمنها ويوضع ترابه خلفه أو حيث أمكن واختلفوا من أين يؤخذ الميت عند إدخاله في القبر فقال قوم يسئل سلام عند رجل القبر وقيل يؤخذ من قبل القبلة معترضا وخير بعضهم أن يؤخذ من أي جهة شاءوا ويضجع الميت على جنبه الأيمن مستقبلا للقبلة وتمديده اليمنى مع جسده وتحل العقد من عند رأسه ورجليه ويعدل رأسه بالتراب ليلا يتصوب وكذلك رجلاه ويرفق به في ذلك كله كأنه حي ويقول ويضعه بسم الله وإن كان متولا قال وعلى ملة رسول الله ويستر القبر بالثوب من أول إدخاله فيه فإن كان الميت امرأة تول إدخالها في القبر زوجها من أسفلها من محارمها من أعلا وإن لم يكن فصالح المؤمنين ثم إذا وضع في اللحد نضدت اللبن على فرج اللحد لتمنع عنه التراب ثم يهال عليه التراب ويحثي كل ما دنا حثيات ولا يرفع القبر إلا بقدر شبر ولا يجمص ولا يطين ويوضع الحجر على رأس القبر ويسو إترابه ويدير عليه القوم خطوطا بأرجلهم وهو يقرءون أول سورة يس إلى قوله فهم لا يبصرون وينصرفو عن القبر ولا يلتفتوا إليه.
مسألة.
ويعزا أولياء الميت بعد الفراغ من أمره في البعد عن قبره (1/340)
صفحة 341
أو في منزله ومعنى التعزية الجل على الصبر وحسن العزاء قي الثواب في الآخرة وغير المسلم يدعا له بالخلف وما يمكنه من دعاء الدنيا ويرد الجواب المعزا لمن عزاه بما يستخلفه إن كان مسلما دعاء له بخير الدنيا والآخرة وغير المسلم بخير الدنيا فقط ولا يعزى أهل الفتنة وقطاع الطرق بعضهم على بعض ويعزى عليهم قريبهم مسلما كان أو غيره ويعز المسلم ولو مضا عليه زمان كثير وغير المسلم يعزى مادون ثمانية أيام ويستحب تهيئة الطعام لأهل البيت مالم يجتمعوا على نياحة لقوله النبي - عليه السلام - لأهله اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنهم شغلوا بميتهم والبكاء جائز على الميت من غير نياحة ولا جزع وضرب خد وشق ثوب فإن ذلك حرام لنهي الرسول - عليه السلام - عن ذلك وبالتوفيق. (1/341)
صفحة 342
الفصل العاشر في فضائل الصلوات.
وذلك كقيام الليل وتحية المسجد وركعتا السحر وإحياء مابين العشائين وأشباه ذلك وأما قيام الليل فهو فريضة على الرسول - عليه السلام - وفضيلة لأمته لقوله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا هن علي فرض وهن لكم تطوع قيام الليل والوتر والسواك وقال الله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل} الآية وعنه - عليه السلام - قال ركعتين في جوف الليل خير من الدنيا هجد وما فيها وقال عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم وتكفير للسيئات ومنهات عن الأثام وسيل - صلى الله عليه وسلم - في الليل أفضل فقال نصف الليل الغابر أي الباقي ويروى أن داوود (1/342)
صفحة 343
- عليه السلام - قال إلاهي إني أحب أن أتعبد لك في أي وقت أفضل فأوحى الله إليه ياداوود لا تضح أول الليل و أخره فإنه من قام أوله نام آخره ولن ضح وسط الليل حتى تخلو بي وأخلو بك وأرفع إلي حوائجك ويروا أن النبي - عليه السلام - كان إذا قام للتهجد في الليل قال اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق ولقاءك حق والجنة حق والنار حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وبك خاصة وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لاإلاه إلا أنت اللهم ءات نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها وأنت وليها ومولاها اللهم أهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدني لأحسنها إلا أنت وأصرف عني سيئها فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت أسألك مسألة البائس الفقير المسكين وأدعوك دعاء المفتقر الدليل فلا تجعلني بدعائك ربي شقيا وكن في رؤفا رحيما حفيا يتخير المسبلين وأكرم المعطين يترحمان الدنيا والآخرة وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (1/343)
صفحة 344
كان - عليه السلام - إذا قام من الليل افتتح صلاته فقال اللهم رب جبريل ومكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك تهدي من تشاء إلى صراط المستقيم ثم يفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين ثم يصلي مثنى مثنى ما تيسر له ويختم بالوتر إن لم يكن صلى الوتر ويستحب أن يفصل بين الصلاتين عند تسليمه بمائة تسبحات ليستريح ويزداد نشاط للصلاة وقد صح في صلاته - عليه السلام - أنه صلى أولا ركعتين خفيفتين ثم ركعتين طويلتين دون اللتين قبلهما ثم لم يزل يقصر بالتدريج إلى ثلاث عشر ركعة وسئلت عائشة إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر القراءة في قيام الليل أم يسر قالت ربما جهر وربما أسر وأكثر ما صح عنه - عليه السلام - في قيام الليل ثلاث عشر ركعة ويستحب أن يقرأ في هذه الصلاة قدر ثلاث مائة آية من السور المخصوصة التي روي النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر قراءتها مثل يس والسجدة ولقمان وسورة الدخان وتبارك والملك والزمر والواقعة وخواتم الحديد وخواتم الحشر وسبح اسم ربك والأعلى و قل يأيها الكافرون وقل هو الله أحد وما أشبه ذلك وأما تحية المسجد فهي ركعتان يصليهما الإنسان إذا دخل المسجد على يمين المحراب وهذا في وقت إذا كان تحل فيه الصلاة وقد اختلف في حكم ركعتي المسجد فذهب جمهور الأمة إلى (1/344)
صفحة 345
أنهما مندوب إليهما لقوله - عليه السلام - إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس وذهب أهل الظاهر إلى وجوبهما فيما وجدت تعلقا بأن الأهل هو حمل الأمر المطلق على الوجوب حتى يدل الدليل على الندب وذهب غيرهم إلى أنما مندبتان لما كان التعارض الذي بين هذا الحديث وسائرها ورد من الأحاديث التي تقتضي أن ليس على الإنسان فرض صلاة ما خلا الصلوات الخمس واختلاف فيمن دخل المسجد وقد ركع ركعتي الفجر في بيته هل يركع في المسجد أو لا فمذهب أصحابنا أنه لا يركع فيه بعد طلوع الفجر ما خلا ركعتيه لثبوت النهي عن الصلاة بعد الفجر وركعتيه ولكن يستحب إذا منع من الصلاة أن يقول سبحان والحمد لله ولا إلاه إلا الله والله أكبر أربع مرات ويقال أنها تعدل ركعتين في الفضل وإن دخل المسجد في غير وقت الصلاة فلا يصلي فيه لطن يدعو الذي تعالى ويقول من لم يحيي المسجد عند دخوله بركعتين حاجه يوم القيامة وأما ركعتا السحر فمندوب إليهما لاقتضاء لمدح المصلين فيه قال الله تعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون} أي يصلون وهذا السحر مقارب للفجر الذي هو وقت انصراف الملائكة الليل وإقبال ملائكة النهار وقد روي عن أبي هريرة أنه قال كنا نعد خروجنا وقعودنا في المسجد في هذه الساعة قبل الفجر بمنزلة غزوة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الغزالي في كتابه أن النبي - عليه السلام - طرق عليا (1/345)
صفحة 346
وفاطمة رضي الله عنهما وهما نائمان فقال ألا تصليان فقال علي يا رسول الله إن أنفسنا يبدا آه فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف النبي - عليه السلام - وهو مول يصرب فخده ويقول وكان الإنسان أكثر شيئا جدلا ويقال أن القبر ينور بركعتي السحر كما يضيء البيت بالمصباح وفي حديث عن أنس ابن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال من توضأ ثم توجه إلى المسجد يصلي فيها صلاة الصبح كان له بكل خطوة حسنة ومحي عنه سيئة والحسنة بعشر أمثالها فإذا صلى ثم انصرف عند طلوع الشمس كتب له بمكل شعرة في جسده حسنة وانقلب بحجة مبرورة فإن جلس حتى يركع ألف ألف حسنة ومن صلى العتمة فله مثل ذلك وانقلب بعمرة مبرورة والله أعلم.
وأما إحياء مابين العشاءين فقد ورد فيه فضل كثير حتى قيل لبعضهم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بصلاة غير المكتوبة فقال مابين المغرب والعشاء وعنه - عليه السلام - أنه سئل عن قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} الآية فقال هي صلاة مابين العشاءين وهي صلاة الأوابين وقال عليكم بها فإنها قد هبت بملاقاة النهار وهي مأخوذة عن (1/346)
صفحة 347
اللغو وعن الأسود أنه قال ما أتيت ابن مسعود في هذا الوقت إلا رأيه يصلي فسألته قال نعم هي ساعة الغفلة وكان أنس يواضب عليها ويقول هي ناشئة الليل ويقول فيه نزل قوله: {تتجافى جنوبهم} الآية وسئل بعض العلماء عن صوم النهار وإحيائها بين العشاءين فقال للسائل اجمع بينهما إن تيسر قال إن لم يتيسر قال أفطر وصلي بينهما وقدروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مابين المغرب والعشاء عشرين ركعة حفظ الله له أهله وماله ودينه وولده ودنياه وأخرته ومما نقل من فعله - عليه السلام - في ذلك ست ركعات والله أعلم. (1/347)
صفحة 348
فصل في متطوع الصلاة قال الله سبحانه وتعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك أي زيادة لك ولهذا سميت صلاة الليل نافلة لأنها زايدة على الفريضة يتطوع العبد بها من غير إيجاب من الله عليه بها فقال - عليه السلام - الصلاة خير موضوع فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر وروى أن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة وقال أشياخنا رحمهم الله مثل النفل الفريضة كالغلاف للغرس يقيه من الآفات وقالوا يستحب للمقيم أن يصلي بين الليل والنهار خمسين ركعة وهي أربع لها وأربع بعدها وأربع قبل العصر وأربع لها وثلاث للمغرب وركعتان بعدها وقيل أربع وأربع قبل العتمة وأربع لها وسبع بعدها بالوتر وركعتا السحر وركعتا الفجر وركعتان قبلها وأربع للضحى وأما الأربع قبل الظهر فلما روي عنه - عليه السلام - صلاها وقال ليرتفع عملي في العابدين وعنه أيضا قال من صلاهن تامات صلى معه سبون ألف ملك يستغفرون له حتى الليل وتصلى (1/348)
صفحة 349
بعد الزوال وهي ساعة يستجاب فيها الدعاء فيما قيل ويستحب أن يقرأ في هذه النافلة بأم القرآن وآية الكرسي وفي الثانية بالفاتحة وسورة الإخلاص ثلاثا وفي الثالثة بخواتم البقرة وفي الرابعة بسورة الإخلاص ثلاثا بعد الفاتحة ويقرأ في الأربع بعدها بالمعوذتين وقل يأيها الكافرون وسورة الإخلاص ثلاثا وفي اللواتي قبل العصر إذا زلزلة الأرض والعاديات وبالقارعة و بإلهكم التكاثر وفي الحديث رحم الله من صلى أربعا قبل العصر وقد قيل عن ابن مسعود رحمه الله أنه يستحب بعد الظهر ركعتين ثم أربعا لأنه قيل عنه أنه كره أن تتبع الفريضة بمثلها والله أعلم وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال بين كل آذانين ركعتان إلا المغرب وكان يقرأ في جميع النوافل بالحمد وسورة وكان يصلي بعد العشاء أربعا ثم ينام ويقال مستحبات النوافل خمسا أن تصلي ركعتين ركعتين يفصل بينهما بتسليم والجهر بها في الليل والإسرار في النهار وإخفاء ذلك عن عين الناس واختلف أيها أفضل تكثير الركعات أو تطويل القيام واختار بعض العلماء تكثير الركعات بالنهار وطول (1/349)
صفحة 350
القيام باليل وشروط النافلة كالفريضة من الطهارة والقراءة وغيرهما إلا في أدائها على الراحلة فإن ذلك خاص بالنافلة دون الفريضة إلا من عذر كما قال الله تعالى: {فإن خفتم فرجالا وركبانا} ومن قطع النافلة بعد ما دخلها بالتمام ولزمه إعادتها ولا ينتفل في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها والمصلي بالتكبير قيل أنه لا يتنقل دون القاعدة في الصلاة وأما صلاة التطوع المختصة بالأسباب وذلك كالصلاة في المنزل أو في المسجد لوداعه عند الخروج إلى السفر والقدوم منه فينبغي له أن يصلي ركعتين بأم القرآن وقال يأيها الكافرون في الأولى وفي الثانية بأم القرآن وسورة الإخلاص ثلاثا وكان النبي - عليه السلام - يقول فيهما نعم الورتان أما أحدهما فتعدل ثلث القرآن والأخرى ربعه وكل ذلك ما ثور من فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويقول بعد الفراغ منهما اللهم استودعتك ديني وإيماني وأهلي ومالي وسرائري وخواتم عملي وبلغنا أن من تعاهد ذلك في المسجد فإذا غاب افتقده ويقول اللهم إن كان مريضا فأشفه وإن كان غائبا فأردد غربته وإن كان محتاجا فأغنه وإن كان في حاجة فيسرها له فإذا قدم بتأشر بقدومه (1/350)
صفحة 351
ومنها صلاة التسبيح وقد ذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعمه العباس ياعم صلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فإذا ‘انقطعت القراءة فقل الله أكبر والحمد لله ولا إلاه إلا الله وسبحان الله خمس عشر مرة قبل أن تركع ثم أركع وقلها عشرا ثم ارفع رأسك وقلها عشرا ثم اسجد وقلها عشرا ثم ارفع رأسك من السجود وقلها عشرا ثم أسجد وقلها عشرا ثم ارفع رأسك وقلها عشرا قبل أن تقوم إلى الركعة الثانية وذلك خمس وسبعون مرة في كل ركعة وهي ثلاث مائة في أربع ركعات فلو كانت ذنوبك مثل رمل عالج لغيرها الله لك وهذه الصلاة مأثورة على وجهها ولا تختص بوقت ولا سبب وذلك في كل يوم جمعة أو شهر أو سنة ومنها صلاة الاستخارة وذلك إذا هم الرجل بأمر لا يدري عاقبته ولا يدري أن الخير في تركه ولا في الإقدام عليه فأمر النبي - عليه السلام - أن يصلي (1/351)
صفحة 352
ركعتين وذلك مروي عن ابن مسعود رحمه الله قال إذا هم أحدكم بأمر فليركع ركعتين سوى الفريضة ثم لقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك فإنك تقدر ولا أقدر ولا أعلم وأنت علام الغيوب أسألك إن كنت تعلم الخيرة في هذا الأمر لديني ودنياي ومعيشتي وعاقبة أمري وعاجله وأجله فيسره لي وبارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر في دين ودنياي ومعيشتي وعاقبة أمري وعاجله وأجله فاصرفه عني وقد لي الخير حيث ماكان.
ومنها صلاة الاستغفار وذلك مروي عنه - عليه السلام - من طريق أبي بكر - رضي الله عنه - مأمن عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يصلي ركعتين فليستغفر الله منه إلا غفر الله له ثم تلا: {والذين إذا فعلوا فاحشة}.
ومنها صلاة الدهر وهي عشر ركعات يقرأ في كل ركعة بالفاتحة وقل هو الله عشر مرات ويقال من صلاها كمن وافق ليلة القدر وتصلى في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أو في كل شهر أو سنة أو مرة في العمر.
ومنها صلاة الرجاء وهي أربع ركعات وتسليمة واحدة يقرأ في كل (1/352)
صفحة 353
ركعة بالفاتحة وسورة الإخلاص خمسا وعشرين مرة وتصلى يوم الجمعة ويقال من صلاها لا يرجوا عند الله شيئا إلا وجوده.
ومنها صلاة الأجر وهي ركعتان وقيل أربع وتصلى في وقت الضحى يوم الجمعة بعد الغسل ولبس الثياب البيض النقية في مكان مرتفع وحده ويقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب عشرا وآية الكرسي عشرا وسورة الإخلاص عشرا ثم يسلم فيستغفر سبعين مرة ثم يصلي على النبي سبعين مرة ثم يسئل الله حاجة إلا قضاها له والله أعلم وبالتوفيق.
باب فيما تتغير به أحكام الصلاة المفروضة.
اعلم أن صورة الصلاة تتغير بأسباب أحدها لصلاة الخوف وهي عند موافقة العدو كما قال سبحانه وتعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} الآية وقد اختلف الناس في صفتها اختلافا كثيرا لاختلاف الأثر لأن المعمول به عند أصحابنا الربيع وأبي عبيدة وغيرهما من أصحابنا رحمهم الله ماروي عن جابر ابن زيد رحمه الله عن جملة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلاها بأصحابه فصفته طائفة خلفه وطائفة واجهة العدو فصلى بالذين خلفه ركعة ثم ثبت قائما فانصرفت وواجهة العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة ثانية ثم سلم فسلموا جميعا فثبت له - عليه السلام - ركعتان ولكل طائفة ركعة وهذا مروي عن ابن عباس وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم وقد روي عن ابن عباس في معنى (1/353)
صفحة 354
هذا أنه قال الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتان وفي الخوف ركعة واحدة وليس على من واجه العدو تشهد ولكن يسلمون إذا سلم الإمام وهذا تصلى جميع الصلوات المغرب وغيرها في الجضر والسفر سواء والله أعلم.
و الثاني تغييرها لصلاة المسايفة كيف ما أمكنه فإن لم يتسع أداءها إلا بالتكبير فليكبر خمسا لكل صلاة حيث كان وجهه ولم نسمع أنه يجمع بين الصلاتين بالتكبير وكذلك الراكب إذا لم يستطع النزول لمخافة العدو أو غيره صلى على دابته واقفا أو سائرا حيث توجه إذا خاف الطلب ولم يكن باغيا وإذا كان هو الطالب صلى صلاته تامة وإن كان منهزما مطلوبا كبر خمسا كما قدمنا في المسايفة والله أعلم.
والسبب الثالث المغير لصورة الصلاة الفرض المانع من استفاء أركانها فاليصلي كما أمكنه وكذاك راكب السفينة يصلي كما أمكنه وكذلك الأسير والممنوع بعذر الإكراه يفعل ما قدر عليه كيف أمكنه والمغير الرابع لصورة الصلاة تفسيرها في السفر كما قدمنا قبل هذا.
والسبب الخامس تغييرها لصلاة الجمعة بالقصر والجهر وقد بدا لنا أن تثبت منها ما شاء الله طرفا في هذا المرسوم ليتضمن كتابنا أقساما لصلاة على العموم.
باب في صلاة الجمعة.
وهذا الباب يشتمل على فصلين أحدهما في الجمعة والثاني في فضل الفوائت المفترضات. (1/354)
صفحة 355
الفصل الأول في صلاة الجمعة.
وهو يشتمل على أربع أقسام تجري منها مجرى القواعد والأمهات إحداها في حكم الجمعة وقد أجمعوا على وجوبها خلف الإمام العادل في.
الأمصار السبعة التي مصرها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهي مكة والمدينة والبصرة الكوفة والشام واليمن والبحران وعمان فهذه تتفق على وجوب الجمعة فيها لقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} الآية والأمر على الوجوب لقوله - عليه السلام - لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أخرق على رجال يتخلفون على صلاة الجمعة واختلفوا فيها خلف الجبابرة فذهب أكثر أصحابنا إلى أن صلاة الجمعة خلفهم في الأمصار السبعة واجبة والمعطل لها معطل للفريضة وذهب بعضهم إلى أنها لا تصلى خلف الجبابرة وزعموا أن وجبها في الأمصار خلف الأئمة العادلة أعني النبي - عليه السلام - وصاحبيه قالوا فالمدعي جوازها خلف المجابرة محتاج إلى الدليل والأول أصح (1/355)
صفحة 356
لأن الفسق لا يؤثر في الصلاة إذا تمت شروطها لاتفاقنا على أن الفاسق إذا تاب لم يكن عليه إعادة ما صلى في حال فسقه إذا وفاها بشروطها لقوله - عليه السلام - صلوا خلف كل بار وفاجر ولما روي أن ابن عباس وأبا ذرو جابر ابن زيد والحسن وءانس وغيرهم من الصحابة والتابعين يصلون خلف عثمان ومعاوية ابن سفيان ومروان ابن الحكم ونجدة ابن عامر والحجاج بن يوسف وولاة بن بني أمية وبني العباس وغيرهم والله أعلم.
القسم الثاني في شروطها.
وهي إحدى عشر البلوغ والعقل والإسلام والذكورية والصحة والحرية الإقامة و الإمام والمصر والجماعة والخطبة فأما البلوغ والعقل فلا خلاف في أن الفرض لا يجب على الطفل ولا مجنون لقوله - عليه السلام - رفع القلم عن ثلاث الحديث وكذلك الإسلام شرط في جميع الفرائض (1/356)
صفحة 357
أيضا لاتفاق الجميع على أن المشرك لا تقبل منه طاعة مادام مقيما على شركه وأما الذكورية والصحة فيهما من شروط الجمعة لاتفاق الناس على أنها لا تجب على المرأة ولا على المريض ولكن إذا حضروا كانوا من أهلها وكذلك الحرية والإقامة من شروط الجمعة أيضا عند الجمهور الأعظم من أهل العلم الخلافا شاذا يروى عن داوود بن علي وأصحابه أنهم أجبو الجمعة على المسافر والعبد وسبب ذلك تنازعهم في صحة الحديث وهو قوله - عليه السلام - الجمعة حق واجب على كل مسلم في الجماعة إلا على أربعة عبد مملوك وامرأة وصبي ومريض وفي حديث ءاخر إلا خمسة أو مسافر وقال بها أصحابنا الذي لم يبق عند الإمام إلا النساء والعبيد والمسافرون صلى أربعا إلا أن يكون قد أحرم بها صلاها جمعة وقال آن الجمعة أنما تجب على أهل الأمصار لأن الله تعالى خاطبهم فقال: {فاسمعوا إلى ذكر الله} الآية والعبيد ليسوا من أهل الأمصار ولا من أهل البيع إلا أن يؤذن لهم لأن الله تعالى قال عبدا مملوكا لا يقدر على شيء وأما سقوطها عن المسافر فلما روي أن النبي - عليه السلام - صلى الظهر والعصر بعرفة صلاة المسافر وهو يوم جمعة وكذلك روي أن عليا صلى بأهل مكة يوم الجمعة ركعتين فقال انقوا صلاتكم ولأن أتخاذ (1/357)
صفحة 358
الوطن من شروط الصلاة لما أجمع عليه أهل العلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر من مكة إلى المدينة وطنا فكانت له موضع التمام ثم فتح مكة بعد ذلك ما كانت دار سلام ولم يتخذها وطنا فكان يقصر فيها الصلاة وفيها داره ودار ءائه وأجداده وذلك فعل أبو بكر وعمر - رضي الله عنه - فكان يصليان في مكة ركعتين وفيها دورهم ودور آبائهم والله أعلم.
وأما الإمام والمصر فيهما من شروط الجمعة أيضا عند أصحابنا ووافقهم على ذلك أبو حنيفة ومالك بن أنس فلم يرا السلطان والمصر شرطا في الجمعة وسبب الخلاف الاحتمال المتطرف في فعل النبي - عليه السلام - وذلك أنه لم يصلها إلا في جمعة وقصر ومسجد جامع فمن رأى أن هذه الأشياء شرط في صحة وجوب الجمعة اشترطها في صحة وجوب الجمعة اشترطها ومن رأى بعضها دون بعض اشترط ذلك البعض دون غيره وقد روى أبو عبيدة في حديث علي أنه قال لاجمعة ولا تشريق إلا في قصر جامع يعني بالتشريق صلاة العيدين وقيل كان أبو عبيدة لا يرا في شيء من بلاد الأعاجم جمعة وقيل كان ضمام رحمه الله يقول كل الأرض من أهل الذمة والعرب أقيمت فيها الحدود جمع فيها وقيل عن أبي الحواري من أصحابنا أنه قال تجوز صلاة الجمعة (1/358)
صفحة 359
خلف الجبابرة في الأمصار السبعة ولا تجوز في غيرها والله أعلم وأما الجماعة فهي شرط في صحة الجمعة بإجماع الأمة إذ لا تصلى فرادا واختلفوا في مقدار الجماعة فقيل واحد مع الإمام لقول النبي - عليه السلام - للرجلان هاذين جماعة وقيل اثنان سوى الإمام وقيل ثلاث سوى الإمام وقيل ثلاثون وقيل أربعون وسبب الخلاف تنازعهم فيما ينطلق عليه اسم الجمعة وأما من اشترط الأربعين فلما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها بالمدينة في أول المرة بأربعين رجلا والخطبة أيضا من شروط الجمعة عند أصحابنا فإن لم تكن صلوا الظهر أربعا وليست الخطبة بدلا من الركعتين لأن المصلي يستقبل القبلة والخطيب يستدبرها والله أعلم.
وقد احتج مالك ابن أنس على الخطبة فرض بقوله تعالى: {وتركوك قائما} يقول تخطب وقال غيره أنها سنة واحتج بابن عباس قال لمؤذنه أنما الخطبة عزمة والجمهور على أنها شرط وركن في الصلاة كما قدمنا. (1/359)
صفحة 360
القسم الثالث في شروط أداء الجمعة.
وهي دخول الوقت والنية والسعي لها والخطبة وركعتان بعدها يجهر فيهما بالقراءة بالفاتحة وسورة معها واختلف في الآذان لها والإنصات إليها والطهارة فيها وأما الوقت فجمهور العلماء على أن وقته أوقت الظهر يعني بعد الزوال فلا تجوز الخطبة ولا الصلاة قبله إلا خلافا شادا يروى عن أحمد بن حنبل أنه أجازها قبل الزوال واحتج بما روي عن بعضهم أنه قال ما كنا نتغدا في عهد رسول الله - عليه السلام - إلا بعد الجمعة والصحيح القول الأول لما ثبت من حديث ءانس أنه - عليه السلام - كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس وأيضا فإنها لما كانت بدلا من الظهر وجب أن يكون وقتها وقت الظهر وأما النية والسعي لها فلقوله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله فالذكر هو الصلاة والسعي هو القصد والله أعلم.
وأما الخطبة فقد تقدم القول فيها وهما خطبتان يفصل بينهما بجلسة خفيفة عند بعضهم وأما في أثر أصحابنا فقال لا يجوز الجلوس وقال لم يرفع إلينا أن أبا بكر وعمر وعليا كانوا يجلسون بين الخطبتين وإنما (1/360)
صفحة 361
فعل ذلك عثمان في آخر سنة للكبر وقال إنما أحدث الجلوس معاوية حين كثر شحم بطنه والله أعلم وأقل ما قيل في الخطبة التي تصح بها الجمعة وتنعقد بها صلاة العيدين ويتم بها التزويج هذه الكلمات وهي الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلي اللهم على سيدنا محمد خاتم النبيين اللهم أغفلنا ولجميع المسلمين وأما القراءة فيها فأكثر الفقهاء على أن من السنة أن يقرأ فيها سورة الجمعة لحديث جابر ابن زيد رحمه الله أدركت ناسا من الصحابة يقولون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة سورة الغاشية قال جابر وسمعت أيضا أنه يقرأ سورة سبح اسم ربك الأعلى والقول الأول روي عن النعمان بن بشير عنه - عليه السلام - وفي حديث أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة والثانية بسورة المنافقين والله أعلم.
واختلفوا في الآذان فقيل هو آذان واحد وقيل أكثر من ذلك وكذلك الإنصات إلى الإمام وهو يخطب اختلفوا فيه على ثلاث أقوال منهم من فال هو حكم لازم من أحكام الخطبة وعلى هذا الجمهور من الناس لقوله - صلى الله عليه وسلم - إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت واختلفوا في رد السلام وتشميمة (1/361)
صفحة 362
العاطس فأجازه بعض ومنع منه آخرون والقول الثاني أن الكلام جائز إلا عند قراءة القرآن وروي ذلك عن الشافعي وإبراهيم النخعي وسعيد ابن جبير واحتجوا بقوله تعالى: {فإذا قرأ القرآن فاستمعوا له} الآية وان ماعدا القرآن فليس يجب له الإنصات وفرق آخرون بين أن يسمع الخطبة أو لا يسمعها وأما اختلافهم في رد السلام وتشميت العاطس فلتعارض الأمر بالإنصات والله أعلم وقد اتفق جمهور العلماء على أن وقت الآذان إذا جلس الإمام على المنبر فإذا قال المؤذن لا إلاه إلا الله أخذ الإمام في الخطبة ولا ينزل حتى إذا قال الإمام قد قامة الصلاة فيدخل الإمام فيها والله أعلم.
وسنن الجمعة المختصة بها العسل عند الرواح لها ولا يجؤي إلا بعد الصبح والطيب والسواك والتجميل في اللباس والبكور والإنصات للإمام والاستقبال له بالوجه والجهر بالقراءة فيها وفضائلها التهجير لها وصلت الغسل بالرواح لها واستعمال خصال الفطرة فيها من قص الشارب ونتف الإبط والإستحداد وتقليم الأضافر والاقتصاد في خطبتها والتوكز على عصا أو سيف أو نحوه واشتمالها على الذكر والثناء على الله والشهادتين والتذكير والدعاء والصدقة قبلها والله أعلم.
القسم الرابع في أحكام الجمعة.
وفيه أربع مسائل أحدهما في غسل الجمعة وهي سنة عند أكثر أهل (1/362)
صفحة 363
العلم وذهب أهل الظاهر إلى وجوبه لقوله - عليه السلام - طهر يوم الجمعة واجب على كل محتلم واحتج الأولون بقوله - عليه السلام - من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن أغتسل فيها فهو أفضل.
والثانية اختلافهم فيمن تجب عليه من خارج المصر فقيل على من كان بينه وبينها مسيرة يوم وقيل فرسخنا وقيل ثلاثة أميال.
والثالثة اختلفوا في وقت الرواح إليها المرغب فيه لقوله - عليه السلام - من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه الحديث فقيل أول النهار وقيل قبل الزوال وقيل بعد الرابعة اختلفوا في البيع بعد النداء فقيل يفسخ وقيل لا يفسخ وسبب الخلاف تنازعهم في النهي هل يدل على فساد النهي عنه أم لا وأما بيع من لا تجب عليه الجمعة فلا يفسخ والله أعلم.
باب استدراك الصلاة وقضاء الفوائت.
منها وهذا الباب يشتمل على فصلين أحدهما (1/363)
صفحة 364
في استدراك الفائت من الصلاة إذا فات المأموم وراء إمامه فإن فيه أربع مسائل تجري مجرى الأصل أحدهما متى يفوته الركعة إذا دخل والإمام قد هوى إلى الركوع فقال جمهور العلماء إذا ركع مع الإمام قبل أن يرفع رأسه فهو مذرك لتلك الركعة وليس علسه قضاءها وقال آخرون إذا ركع الإمام فقد فاتته الركعة مالم يدركه قائما وهذا منسوب إلى أبي هريرة وقيل إذا رفع الإمام رأسه وأدرك بعض المأمومين لم يرفع رأسه إن ذلك يجزيه لأن بعضهم أئمة لبعض وبه قال الشافعي وسبب الخلاف تردد الركعة بين آن تدل على الانحناء فقط أو تدل على الانحناء والوقوف وذلك في قول - عليه السلام - من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة فمن قصر اسم الركوع على القيام قال إذا فاته وقوف الإمام فقد فقد فاتته الركعة ومن قال الركوع يشتمل على القيام والانحناء جعل إدراك الانحناء إدراك للركعة وذلك أن لاركوع ينطلق من الانحناء لغة وعلى القيام والانحناء والسجود شرعا والله أعلم واختلف أصحاب القول الأول إذ دخل في ركوع الإمام بتكبيرة واحد قال بعض تجزيه إذا نواها تكبيرة الإحرام ولكن الاختيار اثنتان أحدهما للافتتاح (1/364)
صفحة 365
والثانية للركوع وقال قوم لابد من تكبيرتين وقيل تجزيه واحدة وإن لم ينوها للإحرام والصحيح الأول وأما إذا سها عن إتباع الإمام في الركوع حتى سجد فقال قوم إذا فاته أدرك الركوع الركوع معه فقد فاتته الركعة ووجب عليه قضائها وقيل أدرك ركعة و أدرك الإمام قبل أن يقوم إلى الركعة الثانية فإنه يعتمد بها وتجزيه وقال آخرون يتبعه ويعتد بها مالم يرفع الإمام رأسه من الركعة الثانية وسبب الخلاف هل من شرط فعل المأموم أن يكون مقارنا لفعل الإمام أم لا فإن كان شرطا فهل هو في جميع أجزاء الركعة الثلاثة من القيام والانحناء والسجود أم أنما هو شرط في بعهما ومتى يكون اختلافا على الإمام إذا لم يكن يقارن فعل المأموم فعله أعني أن يفعل هو فعلا ويفعل الإمام فعلا ثانيا فمن قال الركعة وجميع أجزائها عمل واحدة قال إذا اتبع الإمام ولحقه قبل أن يقوم إلى الركعة الثانية فهو مدرك للركعة ولم يدخل في قوله لاختلفوا عليه ومن قال ليس من شرط أن يكن بعده فقط قال إن إذركه قبل أن يرفع من الركعة الثانية رأسه فإنه يعتمد بها والله أعلم.
المسألة الثانية واختلفوا فيما يستدرك المأموم بعد تسليم الإمام هل يكون قضاء أو أداء فقال قوم هو قضاء وأن ما أدرك ليس هو أول الصلاة وقال آخرون هو أداء وأن ما أدرك هو أول صلاته وفائدة الخلاف فيمن أدرك من المغرب ركعة فعلى قول إن ذلك قضاء يقوم المأموم إلى الركعتين يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة من غير أن تجلس بينهما (1/365)
صفحة 366
وعلى القول الثاني يقوم إلى ركعة واحدة فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة فإذا رفع من السجود جلس ثم يقوم إلى الثانية والله أعلم وسبب الخلاف أنه ورد الحديث المشهور في بعض الطرق فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا والإتمام يقتضي أن يكون ما أدرك هو أول صلاته وورد في بعض فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا والقضاء يجب أن يكون ما أدرك هو آخر صلاته الصبح أن ما أدرك هو أول صلاته لاتفاقهم على أنه موضع الإحرام وإيجابهم على الداخل ترتيب ءاخر صلاته لكن تختلف في الترتيب نية المأموم والإمام والله أعلم.
المسألة الثالثة واختلفوا فيمن أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقال قوم عليه أن يقضي ركعة ثانية وإن أدرك أقل من ركعة صلى أربعا وقال قوم بل يقضي ركعتين أدرك منهما ما أدرك وسبب الخلاف التعارض الواقع بين قوله - عليه السلام - ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وبين قوله من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة.
المسألة الرابعة قال بعض أصحابنا لا يمكن وصلان الصلاة إلا في حال القيام أو القعود ويسلم الداخل إذا استدرك مافاته به الإمام قاعدا (1/366)
صفحة 367
على كل حال وقيل إن دخل في حال القيام سلم قائما ويلزم المسافر إن دخل على الإمام الحاضر التمام وإن استخلفه الحاضر كان خليفة والله اعلم.
الفصل الثاني في قضاء الفوائت.
اتفق أهل الإسلام على أنه يجب القضاء على النائم و الناسي لقوله - عليه السلام - من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها وأجمعوا على أن التارك للصلاة حتى يخرج وقتها أنه آثم عاص وأن القضاء واجب عليه إلا ما ذكر عن الظاهرية أنهم قالوا هو آثم فلا قضاء عليه وسبب الخلاف شيئان أحدهما قياس العامد على الناسي الذي عذره الشرعي أشباه كثيرا فالمتعمد أحرى أن يجب عليه القضاء لأنه غير معذور والحق في هذا إذا جعل الوجوب من باب التغليظ كان القياس سائغا وأم إن جعل من باب الفرق فلا يسوغ لأن العمد ند الناسي والله أعلم وأما صفة القضاء فهي بعينها صفة الأداء إذا كانت الصلاتان في صفة واحدة وأم إن كانت في صفات مختلفة مثل يذكر صلاة حضرية في سفر أو سفرية في حضر فاختلفوا في ذلك فذهب أصحابنا إلى أن العامد لترك الصلاة أو مصليها بما لا تتم به إنما يجب عليه أن يقضي ما عليه من الصلاة من غير قراءة سفر ولا حضر لأنها دين عليه وأما النائم والناسي قبل الوقت الذي استيقظ فيه أو تذكر الصلاة لقوله عليه السلام فذلك وقتها فيقضي الحضرية في السفر سفرية والسفرية في حضر حضرية وقال بعض يقضي أربعا على كل حال سفرية كانت المنسية أو حضرية فعلى رأي هؤلاء إن ذكر (1/367)
صفحة 368
في السفر حضرية صلاها حضرية وإن ذكر في الحضر سفرية صلاها حضرية وهو مذهب الشافعي واختلفوا في وجوب الترتيب في قضاء المنسيات أعني ترتيب المنسية مع الصلاة الحضرية الوقت وترتيب المنسيات بعضها مع بعض إذا كانت أكثر من واحدة فذهب بعضهم إلى أن الترتيب واجب في الخمس الصلوات فما دونها وأنه يبدأ بالمنسية وإن فتت وقت الحاضرة حتى أنهم قالوا إن ذكر المنسية وهو في الحاضرة فسدت عليه وقال آخرون الترتيب غير واجب وإن فعل ذلك إذا كان وقت الحاضرة واسعا فحسن وسبب الخلاف تشبيه القضاء بالأداء ولما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاته يوم الخندق خمس صلوات فصلاهن على الترتيب والله أعلم. (1/368)
صفحة 369
مسألة:
وأجمعوا على أن ترك الصلاة بغير عذر كافر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة وفي آثار أصحابنا عمروس ابن فتح وغيره من ترك صلاة النهار إلى الليل أو صلاة الليل إلى النهار فقد ضل وهلك وروى أصحاب الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر نؤذن أن يؤذن في الناس حين غزا بني فريضة من كان سميعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا بعد العشاء الأخرى وخوفا لأمره - عليه السلام - وشغلهم فيما لم يكن منه بد في حربهم قال فيما عابهم الله بذلك ولا عنفهم رسوله - عليه السلام - وعند أصحابنا من أهل عمان وغيرهم أن العاهد لترك الصلاة والمشتغل عنها حتى خرج وقتها أن عليه القضاء والتوبة والكفارة صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا والله أعلم وبه الحول والتوفيق.
تم الجزء الأول بعون الله - ويليه الجزء الثاني وأوله كتاب الزكاة (1/369)
صفحة 370
استدراك
[صفحة لم ترقن] (1/370)
صفحة 371
[صفحة لم ترقن] (1/371)
صفحة 372
[صفحة لم ترقن] (1/372)
صفحة 373
فهارس
1/ فهرست تراجم العلماء
2/ فهرست التعاليق المهمة وأغلبها للمصحح
3/ محتويات الكتاب (1/373)
صفحة 374
[صفحة لم ترقن] (1/374)
صفحة 375
[صفحة لم ترقن] (1/375)
صفحة 376
[صفحة لم ترقن] (1/376)
صفحة 377
[صفحة لم ترقن] (1/377)
صفحة 378
[صفحة لم ترقن] (1/378)
صفحة 379
[صفحة لم ترقن] (1/379)
صفحة 380
[فهرس لم يرقن] (1/380)
صفحة 381
[فهرس لم يرقن] (1/381)
صفحة 382
[فهرس لم يرقن] (1/382)
صفحة 383
[فهرس لم يرقن]
المطبعة العربية
18 نهج طالبي أحمد غارداية
أفريل 1976 - 1 - 1976
رقم:1 (1/383)
صفحة 384
كتاب قواعد الإسلام
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
للإمام أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي
المتوفى سنة 750هـ
الجزء الثاني
صححه وعلق عليه
بكلي عبد الرحمن بن عمر
[تعليقات المصحح لم ترقن]
الطبعة الأولى (2/1)
صفحة 385
[صفحة بيضاء] (2/2)
صفحة 386
[صفحة بيضاء] (2/3)
صفحة 387
[صفحة بيضاء] (2/4)
صفحة 388
كتاب قواعد الإسلام
للإمام أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي
المتوفى سنة 750هـ
الجزء الثاني
صححه وعلق عليه
بكلي عبد الرحمن بن عمر
الطبعة الأولى (2/5)
صفحة 389
كتاب الزكاة (2/6)
صفحة 390
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
الركن الثالث من الكتاب في فرض الزكاة وما يشتمل عليه من الأقسام والأبواب:
إعلم أن الله - عز وجل - شرع الزكاة في أموال الأغنياء وجعلها حقا وواجبا للفقراء حكمة ألف بها بين قلوب العباد لتثبت المودة بين ذوي الفاقة والأغنياء في أقطار البلاد ويقع منهم التعاون والتناصر على الحق وسبيل الرشاد لأن الراجي لغيره هايب له وصول والوجوب مالديه مهيب موصول إذا لوانقطعت حاجة الفقراء من ذوي الأموال لسقطت بذلك من قلوبهم هيبة الإجلال ووضع بينهم من أجله التباغض والتنافر واستحكم فيهم التقاطع والتدابر فيؤو ل ذلك إلى خراب الدنيا وانقطاع سكانها ولكن الله تعالى الزكاة ذريعة إلى تواصل الأنام، وتطهير اللغوب من ذرية الآثام وتكفير الذنوب والإجرام وعثراة الأمرال وتضعيفاللحسنات غدى في المثال فقال لنبيه - عليه السلام -: {خد من أموالهم صدقة تطهرهم} الآية، فأنزل فرض الزكاة بالمدينة مجملا فبينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحدودها وأركانها وأوضحها برسومها ومعالمها وجعلها مشروعة في ستة أشياء:
أحدهما زكاة الأنعام.
والثاني زكاة الحبوب والثمار.
والثلث النقدين الذهب والفضة.
الرابع زكاة التجارة المتخذة للنما والزيادة.
والخامس زكاة المعاذن والركاز (2/7)
صفحة 391
الجاهلية.
والسادس زكاة الفطر المشروعة للأبذان.
ونحن إن شاء الله نشرع في ذكر هذه الأجناس الستة جملة وتفصيلا، إعلم أن زكاة الأموال لا خلاف بين الأمة في وجوبها نصا من الكتاب وإجماعا من أولى الألباب وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالزكاة حين كان بمكة، شيئا غير مؤقة، وللمعلوم فلما هاجر إلى المدينة أنزل الله عليه فرض الزكاة فنسخ بها ماكان قبل ذلك من صدقة وزكاة تطوع، فقال أقيموا الصلاة وأتوا الزكاة، وقال - عليه السلام - لا صلاة لمانع الزكاة قالها ثلاثا.
والمتعد فيها كمانعها وهي تجب بالجملة في ثلاث أشياء:
عين وماشية وحرث:
فالعين صنفان ذهب وفضة.
والماشية إبل بقر وغنم.
والحرث ما يخرج من الأرض وهي شيئان ثمار وحبوب، فالحبوب نوعان تمر وزبيب، والحبوب أربع أنواع بر وشعير وذرة وسلة.
ونحن نشرع في تفصيل هذه الأشياء إن شاء الله، أما زكاة الأنعام فهي في أربعة الإبل والبقر والضأن والمعز وقد إجتمعت الأمة على وجوب الزكاة هذه الأجناس الأربعة إذا كانت سائمة واختلفوا فيه إذا كانت غير سائمة، فقال قوم لا زكاة فيها، وقال آخرون بل فيها زكاة سائمة كانت (2/8)
صفحة 392
أو غير سائمة، وسبب الخلاف معارضة المطلق المقيد ومعارضة القياس لعموم اللفظ أما المطلق فقوله - عليه السلام - في أربعين شاة شاة، والقيد قوله في سائمة الغنم الزكاة فمن غلب للمطلق قال الزكاة في السائمة وغير السائمة، ومن غلب المقيد قال في السائمة خاصة وأما القياس المعارض لقوله - عليه السلام - في أربعين شاة فهو أن السائم هي التي المقصود منها النما والربح والزكاة إنما هي فضلاة الأموال وهي أنما توجد في الأموال النامية، فمن خصص بهذا القياس عموم الحديث قصر الزكاة على السائمة وبالله التوفيق، واختلفوا في الخيل أيضا فذهب جمهور الأيمة من الصحابة والتابعين إلى أن لا صدقة فيها لقوله - عليه السلام - عفي عن أمتي زكاة الخيل البغال والحمير، وذهب أبو حنيفة وحماد بن سليمان فيما وجدت إلى أن فيها الزكاة إذا كانت سائمة مقصودا بها النسل في الذكور والإناث دينار عن كل فرس أنثى وتقوم دراهم فيكون في طل مائتي درهم خمسة دراهم واحتج بأن الخيل السائمة حيوان مقصود بها النسل فأشبهه مقصود بها النسل فأشبه الإبل والبقر، وزعم أيضا أن الحق المذكور في قوله - عليه السلام - حين ذكر الخيل فقال ولم ينس حق الله في رقابها أن الحق هو (2/9)
صفحة 393
الزكاة المشروعة فيها والله أعلم.
فصل في تفصيل صدقة الأنعام.
وأما الإبل فأجمعوا على أن لا صدقة فيما دون الخمس منها لما صح من قوله - عليه السلام -:فيما دون ذوذ صدقة، وأجمعوا على أن خمس ذوذ في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتين، وفي خمس عشر ثلاث شياه، وفي عشرين أربعا، وفي خمس وعشرين بنت مخاض فإن لم توجد فإن لبون، ذكر إلى خمس وثلاثين شاة زاد واحدة ففيهما بنت لبون إلى خمس، وأربعين فإن زاد واحدة حقة طروفة العجل إلى ستين فإن زاد واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين فإن زادت واحدة ففيها حنتان طروقة العجل إلى عشرين ومائة فكل هذا مجمع عليه والله أعلم بين الأمة فيه خلافا لثبوت هذا كله في كتاب الصدقة التي أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمل بها الخليفتين من بعده [رضي الله عنهما]، واختلف أهل العلم في موضعين منها أحدهما فيما (2/10)
صفحة 394
زاد على العشرين ومائة فقال أصحابنا يؤخذ منها ثلاث بنات لبون إذا زادت واحدة إلى ثلاثين ومائة ففيها حقة وبنات لبون ومالم تكمل العشرة فليس فيها شيء وبعد هذا كلما بلغت الإبل عشرا ففي الأربعين بنت لبون، وفي الخمسين حقة وهذا ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتاب الصدقة ووافق الشافعي وابو ثور وإسحاق أصحابنا على هذا القول واختلف غيرهم على ذلك إختلافا يطول ذكره، والموضع الثاني إذا لم يوحد في الإبل السنن الواحب ووجد دونه أو فوقه مثل أن تجب عليه حقة فيجد جذعة أو تجب جدعة فيجد حقة فقال أصحابنا في كتاب ابن جعفر وغيره يأخذ المصدق ذلك السن الذي وجد ويرد عليه صاحب المال فضل ما بينه وبين الواجب عليه إن كان الذي وجد المصدق دون ما عليه وإن كان ما عليه رد عليه المصدق الفضل وبهذا يقول أبو حنيفة، وقال أصحابنا إذا يأخذ المصدق دون السن الواجب عليه رد عليه صاحب المال عشرين درهما وشاتين وإن أخذ فوق الواجب رد عليه صاحب المال مثل ذلك، وزعموا أن هذا ثابت في كتاب الصدقة وروي عن مالك أنه قال يكلف شراء ذلك السنن والله أعلم، والقول الثاني مروي عن ابراهيم النخعي وأبي ثور الشافعي والله أعلم.
وأما نصاب البقر:
فهو عند أصحابنا كالإبل حذو النعل بالنعل في الأربع والعشرين من البقر دونها في كل خمس شاة، وفي خمس وعشرين حولية نظيرة بيت مخاض، والثنية من البقر فكانت بيت لبون من الإبل، والرباعية فكانت الحقة، والسدس من البقر مكان الجدعة من الإبل، (2/11)
صفحة 395
فإذا زادت على مائة وعشرين ففي كل أربعين ثنية وفي خمسين رباعية هذا عند أصحابنا دون غيرهم وأضن أنهم قاسوا ذلك على نصاب الإبل أو صح عندهم فيه حديث لو أفق أنا عليه، وأما مخالفونا فوجدت عن أكثرهم أن نصاب البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع أو تبيعة وفي كل أربعين مسنة وأسندوا في ذلك إلى النبي - عليه السلام - في كتاب الاشراف يقول هذا قول النخعي والحسن البصري والشعبي ومالك والليث بن سعيد وسفيان الثوري والشافعي وعبد المالك وأبي ثور وأبي عبيدة وإسحاق وغيرهم وذكر عن بعضهم أن في كل عشرين من البقر شاة إلى ثلاثين ففيها تبيع وروي وروي عن بعض الفقهاء فيها أقوال كثيرة غير ماذكرنا تركتها مخافة التطويل، واختلف أهل العلم في الأوقاص وهو مابين الفريضتين فذهب أكثرهم إلى أنه لا زكاة فيما زاد على الفريضة حتى تبلغ الأخرى وزعم بعضهم أن فيه الصدقة وسبب الخلاف ماروي أن معاذ رحمه الله توقف عن الأوقاص في البقر فقال حتى حتى أسئل النبي - عليه السلام - فلما قدح وجده توفى صلوات الله عليه فقال من أوجب فيه الزكاة أن الأصل فيه (2/12)
صفحة 396
زكاة إلا ماستثناه الدليل وهو قول - عليه السلام - لاشناق لاشغار الحديث فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لازكاة فيها قياسا على الإبل والغنم وبعض أهل العلم يجعل الاشناق في الإبل والاوقاص في البقر والله أعلوم.
وأما نصاب الغنم.
والقدر الواجب فيها فأجمع أهل العلم على أن لا صدقة فيها دون الأربعين شاة، وأنها إذا كملت أربعون ففيها شاة إلى مائة وعشرين، وإذا زادت واحدة ففيها شاتين إلى أن تبلغ مائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه حتى تبلغ ثلاث مائة فإذا زادت واحدة ففي كل مائة شاة، هذا مجمع عليه لثبوته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتاب الصدقة واختلفوا فيما زاد عن المائتين والثلاث مائة، فقال أصحابنا فيها ثلاث ثم لاشيء في الزيادة حتى تبلغ أربع مائة ففيها أربع ثم بعد ذلك ففي كل مائة شاة وروي مثل هذا عن الشافعي وإسحاق وأبي ثور وروي عن عمر رحمه الله أنه كان يقول إذا زادت شاة على مائتين شاة ففيها ثلاث إلى ثلاث مائة فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة وبهذا يقول أكثر فقهاء الأمصار إلا الحسن بن صالح فإنه روى عنه أن الغنم إذا زادت على ثلاث مائة واحدة ففيها أربع وإذا زادت على أربع مائة واحدة ففيها خمس، وروى بعضهم عن معاذ غير ما (2/13)
صفحة 397
ذكرنا والله أعلم.
وأجمع أهل العلم على أن المعز يضم إلى الضان في الصدقة ويستتم بها النصاب، واختلفوا في الصدقة من أي صنف منها تؤخذ، فروي عن عكرمة أنه قال تؤخذ من أكثر العددين إلى أن إستويا فتؤخذ من أيهم شاء المصدق، وبه قال مالك وإسحاق وقال بعضهم القياس أن تؤخذ من كل بقدر رخصته وهو الأصح لقول عمر رحمه الله لشقير بن عبد الله التقفي حين بعثه على صدقة الغنم دع لهم الربا والمخاض والأكولة والفحل واللبون واجعل الغنم ثلاث فوق ثم خير رب الغنم في ثلث الأولى ثم يأخذ المصدق صدقته من الثلث الأوسط ولا تأخذ تيسا ولا هرمة، وعن عمر أيضا قال لعماله خذوا العناق والثينة والجدعة وذلك عدل بين الغذا وخيار المال وعندي أن العذاء معناه الرذي في أثار أصحابنا يعطى عن الضأن ثنية أو رباعية أو سداسية وبيت خمس أو ست من السنين وقد رخصوا في الثنية مع المعز أن تعطا عنها وكذلك عن الضأن إبنة عشرة أشهر إذا كانت وافرة ولا تؤخذ في الصدفة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق لثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك عن عمر و علي، وعن ابن مسعود لا يؤخذ في الصدقة ذكر ولا هرم ولا جدعة ولا ذات عوار، ورخص في أثر بعض أصحابنا في الهرمة إذا لم يكن فيها عيب، وكذلك الذكر إذا كان أكثر ثمنا من الأنثا واختلف إذا كانت الغنم كلها مهازيل أو ذات عيب أوجرب فقيل يؤخذ منها واحدة وقيل أفضلها وقيل يكلف شراء الفريضة وروي ذلك عن مالك، والقول الأول (2/14)
صفحة 398
عن الشافعي وفي أثر أصحابنا يعطي السالمة من العيوب ولو لم يجدها إلا بثمن الغنم كلها وقيل يعطي منها ماوجب عليه فيها والله أعلم، وأما إن كانت خرفانا كلها فإنه لا يجزيه إلا الشاة المسنة والله أعلم.
وسبب الخلاف في هذه المسائل هل إسم مطلق لشاة يتناول المرضا والأصحاء والصغار والكبار أم لا؟.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال يفد صغيرها وكبيرها ويعد السخال وعجازيل البقر، وقد اختلف أهل العلم في السخال هل تعد في النصاب ويؤذ منها، وكذلك الفصلان والعجابيل والخملان؟.
فروي عن بعضهم أنه قال يعد بها ويكلف صاحب الأربعين من السخال أن ياتي بجذعة أو ثنية ولا يؤخذ من الصغار شيء، وبه قال أبو عبيدة وأبو ثور وكذلك في صدقة الإبل والبقر، وروي عن الأوزعي أنه قال يؤخذ من كل صنف منها وأحسب أن أهل الظار لا يحيون في فس الشمال شيئا ولا يعدون بها.
وسبب الخلاف هو إسم الجنس يتناول الصغير والكبير أم لا يتناول إلا الكبير خاصة ولقول عمر - رضي الله عنه - حين أمر أن تعد عليه السخال ثم يؤخذ منها وعند أصحابنا اسم الشاة لا ينطلق إلا على التي إستغنت عن غيرها ولكن بعد في النصاب الصغير والكبير والله أعلم.
مسألة.
وسيتتم الشريك بنصيب شريكه في جميع ماقدمنا من (2/15)
صفحة 399
نصيب الأنعام لقول النبي - عليه السلام - في خمس ذود صدقة وفي أربعين شاة ولم يستثن شريكا من شريك، وروي مثل هذا عن الشافعي والليث بن سعيد وروي عن مالك وأهل العراق أنه لا زكاة عليها حتى يستكمل كل واحد منهما النصاب والله أعلم، واختلف في قوله - عليه السلام - وما كان من خليطين فإنما يترددان الفضل بالسوية فقال بعضهم إذا جمعهم الراعي والفحل القراح فهما خليطان فهذا مروي عن الشافعي ومالك في كتاب ابن جعفر حتى يجمعها المحلب والمربض سنة، (2/16)
صفحة 400
وروي عن عطا وطاوس أنهما إذا عرف أموالهما فليسا بخليطين وقال بعض العلماء الخلطة أنما هي المشاركة والمفاوضة والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في وجوب الصدقة في العوامل من الإبل والبقر فروي عن علي ومعاذ أن لا صدقة في البقر العوامل، وروي هذا أيضا عن جابر عبد الله وسعيد بن جبير والنخعي ومجاهد والحسن البصري (2/17)
صفحة 401
وعطا والليث بن سعيد والشافعي وغيرهم من أصحاب الرأي وقالي طائفة من الإبل النواضح والبقر السواني وبقر الحرث صدقة وروي هذا عن مكحول وقتادة، وبه قال مالك وروي مثله في كتاب ابن جعفر وغيره من أصحابنا وأن هذا المأخوذ به عندهم وهذا مع استفاضة حديث الرسول - عليه السلام - وهو قوله ليس في القتوبة ولا في الجارة صدقة وأظن أنهم إحتجوا بعموم قوله - عليه السلام - في خمس ذوذ صدقة ومن اسقط الزكاة عن العوامل خصه بالحديث المتقدم والله أعلم وقال بعض العلماء في بقر الحرث إن كان في حرثها الزكاة فلا صدقة على عواملها وإلا ففيها الزكاة والله أعلم.
وأجمع أهل العلم فيما وجدت على أن الجوامس بمنزلة البقر وروي ذلك عن الحسن البصري والزهري ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي والله أعلم.
الفصل الثاني في زكاة المعشرات.
وهي الثمار والحبوب والقدر الواجب في ذلك قال الله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} وقال: {وآتو حقه يوم حصاده}، فروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال وهو العشر ونصف العشر وعنه أيضا أنه قال حقه الزكاة المفروضة (2/18)
صفحة 402
يوم يكال ويعلم كيله، وروي مثل هذا عن جابر بن زيد وسعيد بن السيب والحسن وطاوس وقتادة، وعن مجاهد قال هو إذا حصد زرعه القالهم من السنبل وإذا أجذ نخله ألقالهم من الشحاريج وإذا كالة، وقالت طائفة كان هذا قبل الزكاة المفروضة وإن هذه الآية منسوخة لأن السورة مكية وروي هذا عن النخعي وأبي جعفر والله أعلم.
مسألة.
أجمع عوام أهل العلم من جميع فقهاء الأمصار على أن الصدقة واجبة في أربع أشياء مما تخرجه الأرض وهي: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب ثم اختلفوا فيما سواها فذهبت طائفة إلى أن لا صدفة إلا في هذه الأربعة الأشياء وروي هذا عن الحسن البصري وابن سرين والشعبي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن صالح وابن المبارك وأبي عبيدة وغيرهم وقال أصحابنا الزكاة واجبة في ستة أشياء في الأربعة المتقدمة مع الذرة والسلت وبه قال ابراهيم النخعي، وإختلفوا بما روت جماعة من العلماء أن النبي - عليه السلام - قال في شيء القطاني صدقة إلا ستة أشياء وهي: الفصح، والشعير، والذرة، (2/19)
صفحة 403
والسلت، والتمر، والزبيب، وهذا مجمع عليه عند العلماء، وذهب آخرون إلى أن الزكاة في جمع القطاني وهي: الحمص، واللوبيا، والعدس، والفول، والترمس، وأشباهه في جميع ما يقتات ويدخر مما يتخد للعيش غالبا من جميع النبات وروي هذا عن فقهاء الحجاز مالك وأصحابه والشافعي وغيره، وذهب أبو حنيفة ومن وافقه إلى أن الزكاة في كل ما تخرجه الأرض ماعدا الحشيش والحطب والقصب، وسبب الخلاف فيما عدا الأصناف الستة المجتمع عليها هو تنازهم في تعلق الزكاة بهذه الأصناف هل هو يعنيها هل هو لعله هي فيها وهي الإقتيات والإدخار فمن قال لعينها قصر الوجوب عليها ومن قال لعلة الإقتيات قال الزكاة في جميع إيقتات قياس على المجتمع عليها، وسبب الخلاف بين من قصر الزكاة على ما يقتات وبين من عداها إلى جميع ما تخرجه الأرض إلا ما وقع عليه الإجماع من الحشيش والقصب والحطب وهو معارضة القياس لعموم اللفظ المذكور في قوله - عليه السلام - فيما سقت السماء والعيون العشر وفيما سقي بالنواضح نصف العشر وما هاهنا بمعنى الذي وهو مطابق لقوله تعالى: (2/20)
صفحة 404
{هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات} إلى قوله: {وأتوا حقه يوم حصاده}، وأما القياس المعارض لهذا العموم فهو أن الزكاة المقصود بها سد الخلة وذلك لا يكون غالبا إلا فيما هو قوت، ومن خصص العموم بهذا القياس أسقط الزكاة فما عدا المقتات، ومن غلب العموم أوجبها في جميع ذلك إلا ما أخرجه الإجماع والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في الزيتون فذهب بعض إلى إيجاب الزكاة فيه روي ذلك عن الزهري والأوزعي والليث بن سعيد والثوري ومالك وأصحاب الرأي ووجدت ذلك عن جابر بن زيد وابن عباس وذهب غيره من أصحابنا إلى أن الوكاة في الزيتون في ذلك غعن أبي ليلى والحسن ابن صالح وأبي عبيدة والشافعي في قوله الآخر بمصر، وسبب الخلاف هل هو قوت أو ليس بقوت والله أعلم.
فصل في نصاب الحبوب والثمار.
إتفق أهل العلم على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ليس فيما دون خمسة أو ساق صدقة، والوسق ستين صاعا، والصاد أاربعة أمداد بمده - صلى الله عليه وسلم - واختلفوا في مده - عليه السلام - فقال جمهور العلماء هو رطل وثلث وزيادة (2/21)
صفحة 405
يسيرة بالبغدادي، وبه قال أهل الحجاز، وذهب أبو حنيفة إلى أن المد رطلان، وفي الصاع ثمانية أرطال، واتفق جمهور العلماء من الصحابة والتابعين أن إيجاب النصاب في الحبوب والثمار وهو خمسة أو ساق وأن مادون ذلك ليس على صاحبه شيء، وذهب أبو حنيفة فيما وجدت إلى أن الحبوب والثمار ليس فيها نصاب، واحتج بقوله - عليه السلام - فيما سقت السماء والعيون العضر، وذهب غيره من العلماء إلى تخصيص هذا العموم بقوله - عليه السلام - ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة لأن الحديث أنما خرج مخرج تبيين العدد لا القدر الواجب والله أعلم.
مسألة.
وأجمعوا على أن الإبل لا تضم إلى البقر ولا إلى الغنم وأنهما لا يضمان إلى الإبل، وعلى إسقاط الزكاة عن كل صنف منها حتى يبلغ النصاب، وأجمعوا على أن التحريم لا يضم الزبيب وأجمعوا على أن الصنف الواحد من الحبوب والثمار وغيرهما يجمع جيده إلى رديه، وتأخذ الزكاة من جميعه على قدر كل واحد منهما أعني من الجيد والرديء، وأن اللثمر وغيره إن كان أصنافا أخذ من أوسطه، واختلفو في ضم الحنطة إلى الشعير، فقال بعض روي دلك عن وائل ابن أيوب رحمه الله وهو مذهب ممكحول وعطاء وللأوزاعي والثوري وأبو عبيدة والشافعي وأصحاب الرأي، وذهب أكثر أصحابنا إلى أن الشعير يحمل على البر ويستتم، فكل واحدمنهما النصاب وهو مذهب محمد بن محبوب ومسى بن أبي جابر فيما وجدت عنهما وهو آخر (2/22)
صفحة 406
قول أبو عبيدة (2/23)
صفحة 407
مسلم رحمه الله وقاسهما على الذهب والفضة وبه قال مالك بن أنس والحسن البصري والزهري وطاوس وهو المعتمد عليه عندنا، وسبب الخلاف هل المراعات في الصنف الواحد إتفاق المنافع أو إتفاق الأسماء، فمن راعا إتفاق المنافع قال هما جنس واحد، وإن اختلفت أسماءهما، ومن راعا إتفاق الأسماء قال هما جنسان مختلفان والله أعلم.
مسألة.
أحمع العلماء على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سن فيما سقت السماء والعيون العشر وفيما سقي بالدوالي والنواضح نصف العشر، واختلفوا فيه إذا سقي بعضه بالسماء وبعضه بالدلاء، فقال عطاء بن أبي رباح ينظر إلى أكثر الساقين فيزكا على ذلك، وقال الثوري على الذي أحياه وغلب عليه صدقته وقيل تخرج زكاته بالمحامصة وروي ذلك عن الشافعي، والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في تقدير النصاب بالخرص، فذهب أكثرهم إلى إجازة الخرص في النخيل والأعناب حين يبدو صلاحها لضرورة أن يخلا بينه وبين أهله أن ياكلوه رطبا، وعن داوود أنه أجاز الخرص في النخيل دون غيره، وروي عن الشافعي أنه قال الخرص اليوم بدعة، وذهب أبو حنيفة وصحباه إلى إبطاله وأن على رب الأرض أن يؤذي عشر ما تحصل في يده زاد الخرص أو نقص، وسبب إختلافهم في جوازهم الخرص معارضة الأصول للحديث الوارد بإجازته، وهو مروي أن النبي (2/24)
صفحة 408
- صلى الله عليه وسلم - اجتاز على إمرأة في حديقة لها فقال إخرصي ما يخرج منها، فلما رجع قال كم جاءت حديقتك قالت عشرة أوسق خرصا يا رسول الله، وما روي أنه - عليه السلام - كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى اليهود فيخرص عليهم النخيل حين يطيب، وأما الأصول المعارضة لهذا الحديث فهو من باب المزابنة الكنهي عنها وهو بيع الثمر على رؤوس النخيل فالتمر كيلا، ولأنه أيضا من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، وأيضا أنما كان الخرص على اليهود وهم ليسوا بأهل زكاة فيحتمل أن يكون تخميما ليعلم ما بأيديهم، والله أعلم.
مسألة.
واختلف أهل العلم هل يحسب على الرجل ما يأكل من ثمره وزرعه قبل الجذاذ والحصاد في النصاب، فذهب أصحابنا إلى أن ذلك غير محسوب عليه ووافقهم (2/25)
صفحة 409
على ذلك الشافعي، وسبب اختلافهم تعارض القياس للأثر ومفهوم الكتاب، أما القياس فلأنه مال تجب فيه الزكاة وتعلق فيه حق الغير كسائر الأموال المشتركة، وأما الآثار فما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلا خارصا فقال صاحب المال يا رسول الله قد زاد علي فقال الخارص قد تركت له قدر عرية أهله وما يطعمه المساكين وما تسقط الريح فقال - عليه السلام - قد زاد ابن عمك وأنصفك، وما روي أنه - عليه السلام - قال إذا خرصتم فدعوا الثلث وإذا لم تدعوا الثلث فدعوا الربع وقال خففوا الخرص فإن في المال العرية والأكلات والوصايا والنوائب، وما وجد في التمر من الحق وأما مفهوم الكتاب فقوله تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده}.
مسألة.
واختلفوا في إخراج القيمة في الزكاة، فأجازها بعضهم ومنع منها آخرون، وسبب الخلاف هل الزكاة عبادة أو حق واجب للمساكين، فمن قال عبادة قال لا يجوز أن يخرج إلا الواجب عليه وهو قول مالك والشافعي، ومن قال أنها حق للمساكين أجاز إخراج القيمة في الزكاة وهو قول أبي حنيفة وإليه يؤول قول بعض أصحابنا، والله أعلم. (2/26)
صفحة 410
مسألة.
والعامل عند أصحابنا تبعا لصاحب المال، إلا أن يكون أجيرا أو لا تجب الزكاة في الحبوب والتمار إلا بعد إدراكها ويبسها وبلوغ النصاب فيها، لقوله - عليه السلام - الحبة حتى تشتد والعنبة حتي تسود وكذلك الرطبةلا زكاة فيها حتى يصير تمرا يابسا، واختلف العلماة فيما تخرجه الأرض المستأجرة على من تكون زكاته، فقال بعضهم العشر على رب الأرض دون المستأجر هو مروي عن أبي حنيفة وأصحابه، وقال آخرون الزكاة عن مالك الزرع المستأجر دون رب الأرض روي هذا عن ملك وابن المبارك والثوري وأبي ثور، وروي مثله عن الشافعي وبه قال أصحابنا، وسبب الخلاف هل العشرحق الأرض أو حق الزرع فذهب أكثرهم إلى أنه حق الشيء الذي تجب فيه الزكاة وهو الزرع وهو الأصح، وذهب أبو حنيفة إلى أنه حق الأصل وهو الأرض، والله أعلم.
الفصل الثالث في زكاة النقدين.
وهما الذهب والفضة، قال الله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة} (2/27)
صفحة 411
الآية، وقال النبي - عليه السلام -: ليس فيما خمس أواق من الورق صدقة، وأجمع أهل العلم على أن نصاب الفضة مائتا درهم وأن فيها خمس دراهم للحديث المتقدم لأن الأوقية أربعون درهما وخمسة أواق جملتها مائتا درهم، واختلفوا فيما زاد على المائتين، فقال بعضهم يخرج بحسابه ربع العشر قلت الزيادة أو كثرت وروي ذلك عن علي وابن عمر والنخعي ومالك ابن انس وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والشافعي وأبي عبيدة وغيرهم، وقال أصحابنا لا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربيعن درهم ثم فيها درهم، وروي هذا عن الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن أبي المسيب وطاوس والشعبي ومكحول وعمر بن دينار والزهري وأبي حنيفة وغيرهم، وسبب اختلافهم شيئان، أحدهما فهم في تصحيح الحديث المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قول ليس في مائتي درهم شيء حتى يحول عليها الحول فيها خمسة دراهم فما زاد ففي كل أربعين درهما درهم، والشيء الثاني الموجب للخلاف هو تردد الذهب والفضة بين الأصلين اللذين هما الماشية والحبوب فإن الحديث ورد في الماشية أن لا زكاة في الأوقاص منها وأجمعوا على أنه ليس في الحبوب أوقاص فمن شبه الذهب والفضة (2/28)
صفحة 412
بالماشية قال فيهما بالأوقاص ومن شيههما بالحبو ب قال ليس فيها أوقاص والله أعلم.
مسألة.
وأجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالا وقيمتها مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه وهي نصف مثقال، إلا ما روي عن الحسن البصري وبعض أصحاب داوود بن على أن ليس في الذهب شيء حتى يبلغ أربعين دينار ثم فيها أربع عشر دينار واحد، واختلفوا في الذهب يكون عشرين مثقالا قيمتها دون مائتي درهم أو تكون قيمته مائتي درهم وهو دون العشرين مثقالا عددا، فقال جمهور أهل العلم لا زكاة في أقل من عشرين دينار أو مثقالا وفي العشرين دينار نصف دينار، وروي عن عطاء وطاوس والزهري وسليمان بن حرب وغيرهم أن الصدقة فيه ربع العشر إذا كانت قيمته مائتي درهم وإن كان دون العشرين عددا، والله أعلم، وسبب تنازعهم إختلافهم في تصحيح الحديث المروي في ذلك عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله هاتوا زكاة الذهب من كل عشرين دينارا نصف دينار ومن لم يصح عنه الحديث إعتمد على الإجماع أن في الأربعين دينار دينار واحد وأهل المدينة مالك وأصحابه إعتمدوا في ذلك على العمل ولذلك (2/29)
صفحة 413
قال مالك في كتابه الموطأ السنة التي لا خلاف فيها عدنا أن الزكاة تجب في عشرين دينار كما تجب في مائتي درهم وهو الصحيح، وبه أخذ أصحابنا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة وقوله في الرقة ربع العشرون والرقة اسم جامع للذهب والفضة وعلى (2/30)
صفحة 414
أن بعضهم قاس الذهب على الفضة إذا كانت هي الأصل، ولاتفاقهم على صحة الحديث الوارد في نصاف الفضة، واختلفوا في الذهب والفضة إذا كان ناقصين عن وزن الزكاة قال بعضهم فيه الزكاة إذا كانت الدنانير أو الدراهم تجوز جواز الوازنة روي هذا عن مالك وبعض أصحابه، وقال آخرون لا زكاة في ذلك وإن نقصت حبة وهو الصحيح وبه قال الشافعي وغيره.
مسألة.
واختلفوا في ضم الذهب إلى الفضة فقال بعضهم لا يضم أحدهما إلى الآخر روي هذا عن أبي ليلى وأبي عبيدة وأبي ثور والشافعي وغيرهم، وذهب الحسن البصري و الأوزاعي وقتادة والثوري ومالك وأبو حنيفة وأصحاب الرأي أن كل واحد منها يضم إلى الآخر فإذا أكمل النصاب في مجموعهما وجبت فيه الزكاة وهو الصحيح وبه أخذ أصحابنا، وسبب الخلاف هل وجوب الزكاة في كل واحد منهما لعينه أو لعلة تعمهما وهي كونهما رؤوس الأموال قيمة المتلفات واتفاق المنافع فمن رأى وجوب الزكاة في كل واحد منهما لعينه قال هما جنسان كالإبل والبقر، ومن اعتبر فيهما العلة الجامعة لهما قال يضم بعضهما إلى بعض، واختلفوا في صفة ضمهما وإخراج الزكاة منهما فقال أصحابنا ووافقهم في ذلك أبو حنيفة يضم كل واحد منهما إلى صاحبه بالقيمة ويخرج من كل واحد منهما إلى صاحبه بالقيمة ما وجب فيه ما لم تنغلق فريضة واحد منهما وأما إذا انغلقت الفريضة في أحدهما فلا يكسرها إلى الآخر قالوا وإنما يصرف إلى الذهب قليلا كان أو كثيرا و لا يصرف إلى الورق إلا إلى درهم ونصف فصاعدا، وروي عن مالك أنه قال يضمان بصرف محدود وذلك عنه بأن ينزل الدينار بعشرة دراهم على ماكان عليه الصرف قديما (2/31)
صفحة 415
فمن كانت عنده عشرة دنانير ومائتا درهم فقد وجبت عليه فيها الزكاة فإن كان تسعة دنانير قيمتها مائتا درهم فلا زكاة عليه وإن كانت سبعة دنانير ومائة درهم فعليه الزكاة، وأجاز أن تخرج من أحدهما على الآخر، والله أعلم.
مسألة.
واختلف أهل العلم في الذهب والفضة هل يستتم الشريك بنصيب شريكه فيهما أو في أحدهما في الأصل والنصاب؟
فذهب أصحابنا إلى أنه يستتم بنصيب شريكه فيهما في الأصل لا في النصاب ووافقهم على ذلك مالك وأبو حنيفة وذهب الشافعي إلى أنه يستتم به وإن حكم المال المشترك حكم مال رجل ماحد، وسبب اختلافهم الأحتمال الذي قوله - عليه السلام - ليس فيما دون خمسة أوراق صدقة فيحتمل أن يكون هذا المقدار لمالك واحد ويحتمل أن يكون لملاك شتى إلا أنه لما كان اشتراط النصاب أنما كان الرفق بصاحب المال وجب أن يكون النصاب لمالك واحد وهو الظاهر، والله أعلم.
مسألة.
واختلف الفقهاء في زكاة الحلي المتخذ من الذهب والفضة، فروي عن ابن عباس وابن مسعود وعمر ابن الخطاب وابنه عبد الله ومجاهد وجابر بن زيد وسعيدبن المسيب وعطا وسعيد بن جبير وعبد الله بن شداد وميمون بن مهران وابن سرين والزهري والثوري وأصحاب الرأي، أن الزكاة فيه واجبة وهو قول أصحابنا قاطبة ووافقهم على ذلك أبو حنيفة وأصحابه، وروي عن أنس بن مالك أنه يزكا عاما واحدا، وذهب آخرون إلى أنه لا يزكا فيه إذا أزيد به الزينة واللباس وهو مروي عن جابر بن عبد الله وعائشة وأسماء بنت أبي بكر والشعبي (2/32)
صفحة 416
ومحمد بن علي والقاسم بن محمد وأبي عبيدة وأبي ثور وأحمد وإسحاق، وبه قال فقهاء الحجاز مالك والليث بن سعيد والشافعي في أول أمره إذا كان بالعراق ثم روي عنه أنه وقف عنه بمصر وقال هذا مما أستخير الله فيه، وروي عن الحسن أنه قال زكاته عاريته وروي مثلة عن قتادة وعبد الله بن عتيت، وسبب اختلافهم شيئان، أحدهما اختلافهم في تصحيح الأثار وهو حديث عائشة رضي الله عنها، قالت دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي يدي ثلاث فتخات من ورق، أو قالت من ذهب، فقال ماهذا، قالت أتزين لك به، قال أتؤدين زكاتها، قالت لا، قال حسبك من النار، وما روي أنه دخلت إمرأة عليه في يدها سوار من الذهب فيه سبعون مثقالا، فقالت أخرج الفريضة فأخرج منها مثقالا وثلاث أرباع مثقال، فبهذا و غيره يحتج من أوجب الزكاة في الحلي، واحتج من أسقط الزكاة منه بحديث ضعيف روي عنه - عليه السلام - من طريق جابر بن عبد الله أنه قال ليس في الحلي زكاة.
والشيء الثاني الموجود للخلاف هو تردد الحلي بين أن يشبه العروض الموضوعة للإنتفاع، وبين أن يشبه التبر والفضة الذين المقصود منها المعاملة أعني كونها ثمنا، والصحيح إيجاب الزكاة فيه بظاهر الكتاب والسنة لوقع اسم الذهب والفضة على الحلي، والله أعلم. (2/33)
صفحة 417
الفصل الرابع في زكاة العروض المتخذة للتجارة.
وهذا الفصل يشتمل على ثلاث أقسام:
أحدهما في زكاة التجارة.
والثاني في زكاة الفوائد.
والثالث في زكاة الديوان.
القسم الأول في زكاة العروض.
أجمع أهل العلم على إيجاب الزكاة في العروض التي تعد للتجارة مديرة كانت أو غير مديرة روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وابن عباس وابن عمر وجابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم وأبي نوح صالح الدهان والربيع بن حبيب وبه قال القاسم بن عبد الله والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وخارجة بن بن زيد والحسن البصري وطاوس وميمون بن مهران والنخعي والشعبي وعليه فقهاء الأمصار من أهل الحجاز والعراق، ولا أعلم بينهم خلافا إلا ماذكر عن ذاوود بن علي وغيره من أهل الظار زعموا أن الزكاة في العين فإذا صار عروضا صار إلى ماعليه العروض حتى يعود إلى العين.
وسبب الخلاف شيئان أحدهما اختلافهم في تصحيح حديث سمرة بن جندبة أنه قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع، اختلافهم في وجوب الزكاة بالقياس (2/34)
صفحة 418
وهو أن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود بها التنمية والزيادة فأشباه الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق أعني الحرث والماشية والذهب والفضة، والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا فيما تجب فيها الزكاة أي ثمنه الذي أشتري به العروض أو في قيمته، فقال بعضهم يزكيه على ماجعل فيه روي ذلك عن الحسن البصري، وقال بعضهم تؤدى عند رأس الحول بالقيمة روي ذلك عن جابر بن زيد وذهب الأوزاعي إلى أنه مخيرا إن شاء زكا ثمنه الذي إشتراه به وإن شاء زكا قيمته، والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في العروض تقيم سنين، فقال أكثر الفقهاء جابر بن زيد وأبو عبيدة والربيع بن الحبيب وغيرهم من أصحابنا تقوم عند رأس الحول وتخرج زكاتها لكل سنة ما اقامة وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وأبي عبيدة والثوري وأصحاب الرأي، وروي عن مالك بن أنس أن لا زكاة فيها حتى تباع وإن أقامت سنينا فإذا باعها زكاها لسنة واحدة وهو قول عطا وقولهم هذا لاحق بقول الظاهرية لمن يختلفوا إلا في المديرة، والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في العروض يشتريه الرجال قل من مائتي درهم ثم يحول عليه الحول وهو يساوي ما تجب فيه الزكاة، فقال بعضهم ليس عليه الحول وقال آخرون إذا باعه بما تجب فيه الزكاة بعد حلول الحول زكاه من يوم مالك القروض ولا ينظر في قيمته أول السنة ولا أوسطها روي هذا الشافعي، والله أعلم، واختلفوا فيمن اشترا أكسية للتجارة ثم بذاله أن يجعلها للباس أو إشتراها للناس فنواها للتجارة فقال بعضهم ليس عليه زكاة في الحالين وقال آخرون غير ذلك والله أعلم. (2/35)
صفحة 419
القسم الثاني في زكاة الفائدة.
وهذا القسم يشتمل على ست مسائل:
أحدهما في وقت الزكاة:
أجمع أكثر أهل العلم على اشتراكها الحول في زكاة الذهب والفضة والماشية لثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله لمعاد بن جبل - رضي الله عنه - انتظر بار باب المال حولا ثم خذ منهم ما أمرتك به وقوله لا زكاة في المال حتى يحول عليه الحول واستحب أصحابنا أن يأخذ الإنسان لوقت زكاته شهرا مغعلوما من شهور السنة كرجب ورمضان والمحرم، وأنه إن دخل ملكه المال في غير هذه الأشهر أنه يخرجه من ملكه حتى يستهل المرغوب فيه ثم يرده في ملكه ويأخذ ذلك الشهر وقتا لزكاته، واتفق المسلمون (2/36)
صفحة 420
على أنه لا تجب عليه الزكاة فيما يحتاج فيه إلى أخذ الوقت إلا بييئين حلول الحول واستكمال النصاب وأنه إذا زكاه فقد ثبت وقته ولا ينتقض إلا بإخراجه من الملك أو نزوله عن حد الأصل، واختلف في انتقاض الوقت بإبداله إياه بجنسه.
المسألة الثانية:
أجمع الفقهاء على أن نصاب المال إذا حل عليه الحول أن الزكاة تجب فيه واختلفوا في الفوائد من الأموال فقال أصحابنا يزكيها مع النصاب الأصلي وإن دخلت عليه الفائدة بعدما زكاه فلا شيء عليه في زكاة الفائدة حتى يحول عليه الحول، وقال آخرون لا زكاة في الفائدة حتى يحول عليه الحول روي ذلك عن أبي بكر وعمر بن عبد العزيز وعلي وعائشة وابن عمر وعطا والنخاعي والشافعي وغيرهم، ذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب ألا يعارض لارباح التجارة حتى يحول الحول عليها وقال مالك حول الربح هو حول الأصل إذا كما الأصل حول الربح معه سواء كان الأصل أو قل لها من نصاب إذا بلغ الأصل مع ربحه نصابا وروي عن ابن عباس والحسن البصري والزهري في الفائدة أنها يزكيها حتى يستفيد والله أعلم.
وسبب الخلاف تردد الربح بين أن يكون حكمه حكم المال المستفاد أو حكم الأصل فمن شبهه بالمال المستفاد ابتداء قال يستقبل به الحول، ومن شبهه بالأصل وهو رأس المال قال حكمه حكم رأس المال والله أعلم.
وحكم نسل الحيوان حكم الأرباح والفوائد عندنا لا فرق في ذلك، وروي عن مالك أنه قال حول النسل هو حول الأمهات كانت الأمهات نصابا أو لم تكن كما (2/37)
صفحة 421
قدمنا عنه في ربح الناض، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يكون حول النسل حول الأمهات نصابا وهو الأصح.
وروي عن مالك أيضا فيمن أتجر بخمسة دنانير فلم يحل عليه الحول حتى بلغ مقدار الزكاة أنه يزكيها وقال في الغنم مثل ذلك وقال أهل العراق لا تجب في ذلك زكاة حتى يحول عليه الحول من يوم صارت نصابا تجب فيه الزكاة وهو قول الشافعي وأبي عبيدة وأبي ثور وأحمد وإسحاق وغيرهم من الفقهاء وهو الصحيح عندنا، والله أعلم.
المسألة الثالثة.
واختلفوا في تعجيل الزكاة قبل الحول، فرخص فيه بعض أصحابنا وهو مروي عن سعيد بن جبير والزهري والنخعي والأوزاعي والشافعي وأبي عبيدة وأصحاب الرأي، وقال الحسن البصري من زكاها قبل الوقت أعادها كالصلاة، وسبب الخلاف هل هي عبادة أو حق للمساكين فمن قال عبادة وشبهها بالصلاة لم يجز إخراجها قبل الوقت، ومن شبهها بالحقوق الواجبة أجاز إخراجها قبل الأجل على جهة التطوع، وقد احتج أصحاب القول الأول على أن النبي - عليه السلام - إستلف صدقة العباس قبل محلها، والله أعلم.
المسألة الرابعة.
واختلفوا فيمن أخرج زكاة ماله فضاعت، وروي عن الحسن وقتادة أنه تجزي عنه، وقال الزهري وأبو عبيدة وغيرهم هو لها ضامن حتى يضعها موضعها، وقيل إن أخرجها في حين وجوبها فضاعت (2/38)
صفحة 422
أنه لا ضمان عليه، وإن أخرجها عن وجوبها فأخرجها فضاعت ضمن وهو مشهور قول مالك، وقيل إن فرط ضمن وإن لم يفرط زكاها ما بقي وهو قول الشافعي وقال بعض يحسب الذاهب من الجميع ويبقا رب المال والمساكين شريكين في الباقي وذهب بعض أصحابنا إذا كأنه فقد لزمته أن ضاعت وإلا فلا ضمان عليه، وسبب الخلاف تشبيه الزكاة بالديوان المتعلقة بالذمة أو تشبيهها بالحقوق المتعلقة بالمال، فمن شبه أصحاب الزكاة بالأمناء قال لا ضمان عليهم فيما أخرجوه، ومن شبههم بالغرماء قال يضمنون، وأما إن تمكن من إخراجها فلم يعمل حتى هلك بعض المال فإنهم متفقون على ضمانه إلا في الماشية عند من يرى أن وجوبها أنما يتم بخروج الساعي مع الحمل وهو قول مالك فيما روي عنه، والله أعلم.
المسألة الخامسة.
واختلفوا إذا مات بعد وجوبها فقيل تخرج من الكل وهوقول أكثر أهل العلم، وقيل إن أوصا بها أخرجت من الثلث وإلا فلا شيء على الورثة، والله أعلم.
المسألة السادسة.
واختلفوا في المال يباع بعد وجوب الصدقة فيه، فقال قوم يأخذ المصدق الزكاة من نفس المال ويرجع المشتري على البائع بقيمته، وقيل البيع جائز والزكاة على البائع وهو الصحيح، وسبب الخلاف تشبيه بيع مال الزكاة بتفويته وإتلاف عينه فمن شبهه بذلك قال الزكاة في ذمة المتلف والمفوت ومن قال البيع ليس بإتلاف لعين المال كمن باع ماليس له قال الزكاة في عين المال، والله أعلم وبالله التوفيق.
القسم الثالث في زكاة الديوان.
واختلفوا في وجوب الزكاة في الدين الموجو أخذه فقال أصحابنا جابر (2/39)
صفحة 423
ابن زيد وأبو عبيدة والربيع وابن عبد العزيز غيرهم يؤدي زكاة ماكان منه على ملي يرجو أخذه لكل سنة وروي مثل ذلك عن عثمان بن عفان وابن عمر وجابر بن عبد الله وطاوس والنخاعي والزهري والحسن البصري وميمون ابن مهران وقتادةوحماد بن سليمان والشافعي وإسحاق وأبي عبيدة، وقالت طائفة يزكيه إذا قيضه لسنة واحدة روي ذلك عن عطا بن أبي رباح وسعيد ابن أبي المسيب وعطا الخرساني ومالك وأهل المدينة، وقال ءاخرون صلاته على المديان قاله ابن عباد من أصحابنا وابراهيم النخعي، وقالا من أكل مهناه فعليه زكاته، وقال آخرون ليس عليه في الدين زكاة حتى يقبضه فإذا قبضه زكاه للسنة الأولى ويحط عنه مادا في الثانية وكذلك في كل سنة وهو مذهب سفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه، واختار بن عبد العزيز من أصحابنا وقال بعض الأوائل لا زكاة في الدين حتى يقبضه صاحبه ويحول عليه الحول من يوم قبضه روي في ذلك عن ابن عمر وعائشة وعكرمة والله أعلم.
واختلفوا في الدين المويس منه إذا قبضه صاحبه، فقال بعضهم يزكيه لما مضى وهو مذهب الثوري، وقال آخرون يزكيه لسنة واحدة روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري والأوزاعي، وكالن قتادة يقول لا زكاة في المال الضمار (2/40)
صفحة 424
قال أبو عبيدة يعني بالضمار الغائب الذي لا يرجى، وأما من أبضع بضائع أو بعث مالا قراضا فإنه يؤذيه عنه عند أصحابنا كان المال حاضرا أو غائبا ماكان يرجوه، وعند بعض مخالفينا لا يؤدي الزكاة على ماكان غائبا فإذا قدم حسب وأدا على مامضى، والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا فيمن بيده مال تجب فيه الزكاة وعليه من الدين مثله أودونه، فقال بعضهم لا زكاة عليه حتى يخرج منه الديون فإن بقي نصاب الزكاة زكا وإلا فلا زكاة وبه قال الحسن وعطا وابن المبارك وجماعة، وقال قوم الدين لا يمنع الزكاة أصلا وفرق أصحابنا بين ديون النض مما بيده من الذهب والفضة خاصة ولا يسقط ماعليه من ديون غير النض مما في يده من الحرث والماشية وذهب إلى هذا طائفة من الناس، وسبب الخلاف هل الزكاة عبادة أم حق في المال لمساكين، فمن رأى أنها عبادة تجب على من بيده مال لأن ذلك شرط التكليف وعلامة القضية على المكلف سواء كان عليه دين أو لم يكن وأيضا فإن دين الله أولى وأحق أن يقضى من حقوق الأدميين، قال لا يسقط ماعليه من الدين، ومن قال عليه أن الزكاة حق للفقراء قال لا زكاة في مال من عليه الدين وهذا هو الأشبه بغرض الشارع لقوله - عليه السلام - أمرت أن آخذعها من أغنياءكم والمديان ليس بغني، وأما من فرق بين ديون النض وغيره من الحبوب والماشية فلا أعلم له شبهة بينة والله أعلم. (2/41)
صفحة 425
الفصل الخامس في زكاة المعادن والركاز الجاهلية.
والأصل في في هذا قوله - عليه السلام - في الركاز الخمسة وفي بعض الحديث وفي السيوب الخمس، واختلف في الركاز فقيل هي دفين الجاهلية روي هذا عن الحسن البصري والشعبي والأوزاعي والحسن بن صالح وبه قال مالك بن أنس وأبو ثور وهو الصحيح عند أصحابنا لأن إسم الركاز مأخوذ من قولك ركزت الرمح إذا أثبت أصله في الأرض، وقيل الركاز المال المدفون والمعدن جميعا روي ذلك عن الزهري وأبي عبيدة، واختلفوا فيما يجب فيهما فقال أصحابنا فيما يخرج من المعدن من الذهب والفضة إذا بلغ عشرين دينارا أو مائتي درهم وحال عليه الحول اخرج من العشرين نصف دينار ومن المائتين خمسة دراهم وبه قال مالك بن أنس إلا أنه قال يزكا مايخرج من المعدن مكانه إذا كان نصابا من غير اعتبار حول، وروي عن الشافعي مثل أصحابنا في مراعات الحول والنصاب، وسبب الخلاف تردد شبهه بين ما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار وبين التبر والفضة والمقتنات للعاملة فمن، فمن شبهه بنما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار لم يعتبر الحول، ومن شبهه (2/42)
صفحة 426
بالتبر والفضة اعتبر الحول واختلفوا في دفين الجاهلية إذا وجده إنسان قال أصحابنا إذا وجده في علامة أهل الشرك كالصليب والتمثال وكان أكثر من خمسة دوانق أخرج خمسة إلى الإمام أو أهل ولايته ان عدم الإمام وقال جمهور مخالفينا يخرج الخمس من قليل الكتر وكثيره بظاهر الحديث وأجمعوا على أن الخمس في ركاز الذهب والفضة واختلفوا فيه إذا كان جوهرا أو حديدا أو غير ذلك من العروض، فقال جمهور فقهاء الأمصار في جميع ذلك الخمس، واختلف فيه عن مالك وغيره والله أعلم.
واختلف في الذمي والعبد والمرأة و الصبي يجدون كنزا قال أصحابنا لا يأخذه جميع من لا يأخذ الغنيمة وقال غيرهم من جمهور مخالفينا يأخذون ذلك إلا ما روي عن أبي ثور في الصبي والمرأة أنه قال لا يكون لهما واختلفوا فيه أيضا إذا وجد في ملك الغير من دار أو أرض فقيل هو للواجد وقيل هو لمالك الأرض والدار، والله أعلم.
باب فيمن تجب فيه الزكاة.
والكلام في هذا الباب ينحصر في ثلاث فصول:
الفصل الأول.
في عدد الأصناف الدين تجب لهم الزكاة وهم الثمانية المذكورة في آية الصدقة الذين نص الله عليهم في قوله: {انما الصدقات للفقراء والمساكين} إلى آخر الأية، واختلفوا من ذلك في جملة إحداها هل يجوز أن تصرف إلى صنف واحد دون سائر الأصناف أو هم شركاء؟
فيما ذهب أصحابنا إلى أنه في أي الأصناف (2/43)
صفحة 427
وضعها صاحبها فقد أجزاه روي ذلك عن حديفة وابن عباس وبه قال الحسن البصري وابراهيم النخعي وعطا بن أبي رباح والضحاك وسعيدبن أبي جبير والثوري وأبو عبيدةوأصحاب الرأي، وروي عن مالك وأبي حنيفة أنه يجوز للإمام أن يصرفها في صنف واحد أو أكثر إذا رأى ذلك بحسب الحاجة، وقال آخرون واجب عليه تفريقها في الأصناف الثمانية كما سماهم الله تعالى روي ذلك عن عكرمة وبه قال الشافعي وسبب الخلاف معارضة اللفظ للمعنى فإن لفظ الآية يقتضي لبقسمة بين الجميع، والمعنى يقتضي أن يؤثر بها أهل الحاجة، إذا كان المقصود منها سد الخلة فكان تقدير عددهم في الآية عند أصحاب القول الأول وإنما ورد لتمييز الجنس لا للتشريك في الصدقة فهذا أظر من جهة المعنى، والقول الآخر أظهر من جهة اللفظ، وروى أصحابنا أيضا أن النبي - عليه السلام - قسم صدقة أهل حضر قوت على أربع رحال وأعطى سلمة ابن صخر صدقة بني رزيق كلها، وقد احتج الشافعي بما روي أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2/44)
صفحة 428
الصدقة أن يعطيها له فقال أن الله لم يرضى بحكم نبيء ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها فجزاها ثمانية أجزاء فإن كانت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك، والله أعلم.
المسألة الثانية.
في صفتهم التي يستوجبون بها الصدقة ويمنعون بأضدادها وهي بالجملة الإسلام، والفقر لأنهم أجمعوا على أن الذمي لا يعطا من الزكاة المفروضة شيئا لقول النبي - عليه السلام - أمرت أن أخذها من أغنياءكم وأردها في فقراءكم فصرفها إلى فقراء المسلمين لعموم الخطاب في الكاف والميم وأما الفقر فلقوله تعالى: {انما الصدقة للفقراء والمساكين}. واختلفوا في الغني الذي لا يجوز له أخذل الصدقة فقال بعضهم لا تعطى للأغنياء جملة إلا للخمسة المنصوص عليهم في السنة لقوله - عليه السلام - لا تصح الصدقة لغني إلا لخمس عامل عليه أو مشتريعا أو أهديت له أو غارم أو غاز في سبيل الله، وقال آخرون لا تعطى الغني أصلا مجاهدا كان أو غير مجاهد، فالدين أجازوها للعامل وإن كان غني أجازوها للقضاء ومن في معناهم فمن فيه المنفعة لعامة المسلمين ومن لم يجز ذلك فالقياس عنده لا تجوز لغني أصلا، وسبب الخلاف هل العلة في إيجاب (2/45)
صفحة 429
الصدقة الأصناف المتقدمة الحاجة فقط أو الحاجة والمنفعة، والله اعلم.
والصفات المبيحة لأخذ الزكاة عند أصحابنا أربع وهي: الفقر، والإسلام كما قدمنا، والحرية، والعدالة.
وأما الفقر فهو وصف مبيح لأخذ الزكاة، واختلفوا في ضدده من الغنا الذي يمنع الزكاة فقال قوم هو القوة التي يقدر بها على الإكتساب لقول النبي - عليه السلام - لا تحل الصدقة لغني مِرةٍ سويٍ وهو القوي المحترف، وقال آخرون من لم يملك درهم فله أن يأخذ الزكاة والمعطي أن يطيه قويا مكتسبا كان او غير مكتسب ولا قوي، والقول الاول مروي عن الشافعي وابو عبيدة وابي ثور وغيرهم لأن الغنى عند الشافعي أقل ما ينطلق عليه الإسم وحكي عنه أن كان يقول يكون الرجل بالدرهم غنيا مع كسبه ولا تغنيه الألف مع ضعف في نفسه وكثرة عياله وإليه ذهب من أصحابنا أبو عبد الله محمد ابن بركة العماني، وقال بعضهم لا تحل الصدقة للقوي المحترف إذا كان مثاثلا بها مالا أي جامعا وأما أن احتاج إليه في طلب علم أو معيشة فلا باس وقيل ليأخذها من له خمسة عشر درهما وقيل ثلاثثون واحسب أنه قول الربيع رحمه الله وقيل لا يأخذها درهما من له خمسون درهما أو قيمتها ذهبا وهو مروي عن الثوري وابن المبارك والحسن ابن صالح وعبد الله ابن الحسن وأحمد وإسحاق (2/46)
صفحة 430
وأظن أنهم احتجوا بقول النبي - عليه السلام - من سال عن ظهر غني جاءت مسألته يوم القيامة خذوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه قيل وما حد الغنا قال خمسون درهما أو عدلهم ذهبا وروي عن الحسن البصري أنه قال من له أربعون درهما فهو غني وبه قال أبو عبيدة وأضن حجتهم قول النبي - عليه السلام - من سأل وله أوقية فقد سأل الناس الحفا والأوقية أربعون درهما، وقال آخرون من له مال يؤذي عنه الزكاة فلا يأخذ الصدقة إلا إن كان مذيانا لقوله - عليه السلام - أمرت أن أخذها من أغنياءكم، الحديث، وبه قال أبو حنيفة وقال بعض أصحابنا من لم يكن له مال يكفيه هو وعياله نفقتهم وكسوتهم ومؤنتهم إلى الحول فهو فقير يأخذ الصدقة فهذا الذي يوجبه النظر ويشهد بصحته الخبر وهذا إذا كان عنده في جميع ماجرا عليه ملكه مالو باعه قاته سنة ماخلا بيتا يسكنه وخادما تخدمه، وقال من قال لا ينظر في ذلك إلى قيمة السلوك التي لا يستغني عنها مثل البيت والدار والخادم والدابة والأصل الذي لا يستغني عنه، والله أعلم.
وقال بعض العلماء ليس للغنا حد يوافق عليه وإنما هو راجع إلى الإجتهاد وبه قال مالك بن أنس المدني وكل هذه الأقوال قالوها من طريق الاجتهاد ومفهوم الأثر، وسبب الخلاف في ذلك هل الغنا المانع من أخذ الزكاة هومعنى شرعي أو معنى لغوي، فمن قال هو معنى شرعي قال هو وجود النصاب المشروعة فيه الزكاة، ومن قال هو معنى اعتبر في ذلك أقل ما ينطق عليه الإسم، والله أعلم.
وأما الحرية فجمهور الفقهاء على اشتراطها فيمن بأخذ الزكاة لإتفاقهم على أنها لا تعطا للعبيد.
وأما العدالة فيها فمشروطة عند أصحابنا دون غيرهم فلا تدفع الزكاة عندهم إلا للمتولى روي ذلك في جوابات أفلح وغيره من أصحابنا رحمهم الله ولا تدفع لصاحب كبيرة عندهم، وأما ابن عبد العزيز وشعيب فروي عنهما أن الصدقات للفقراء عامة من أهل الإسلام مسلمين كانو أو من (2/47)
صفحة 431
قومنا تأخذ منهم وتوضع فيهم وقال بعضهم لا تعطى إلا للمتولى ولا تأخذ إلا من المتولى أو من لا يعلم خلافك له، وقال ضمام ان السائب لابأس في أخذها من أهل الخلاف إذا علموا إخلافك وعنه أيضا قال لا بأس أن تضع زكاتك في ارحامك وإن كانوا من قومنا وكان أبو عبيدة يقول لا تعطيهم شيئا ولا تأخذ منهم، وفي جوابات أبي المورث قال الفقير الفاسق من أهل دعوة المسلمين أحق بها من أهل الفضل والفقه من قومنا قال لأنه لا يستوي من يدين من ولاية المسلمين ومحبتهم والإعتراف بفضلهم ومقرٌ لحرمة ما يرتكبه ومن يدين بتضليل المسلمين والبراءة منهم لاحق لهؤلاء في صدقات المسلمين ولمري لكذلك، وقال آخرون إذا كانت دعوة المسلمين ظاهرة دفع ثلث الزكاة إلى جميع الفقراء من أهل البلد وإن كانت مقهورة لم تدفع الزكاة إلا لأهل الموافقة ولا تدفع إلى من يعلم أنه يتقوا بها على المعصية، والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا فيما يعطى الفقير من الصدقة فقيل لا يجاوز خمسين درهما إلا أن يكون غارما، وقيل يعطى ما يكفيه من الثمرة إلى (2/48)
صفحة 432
الثمرة، وقيل حتى تبقا معه خمسة عشر درهما، وقيل يعطا مايبتاع به خدما إذا كان داعيا وكانت الزكاة كثيرة، وقيل موكول إلى النظر والإجتهاد وبه قال مالك والشافعي وكره أبو حنيفة أن يعطى مقدار النصاب من الصدقة وأما الغارم فإنه يعطى على قدر دينه وإذا كان في طاعة وفي غير سقر بل أمر ضروري وكذلك ابن السبيل يعطى ما يحمله إلى البلد والغازي ما يحمله إلى مغزاه وأما العامل فيعطى مايرا الإمام وقيل مقدار عمله وقيل يعطى الثمن.
واختلفوا في اعطاء الزكاة في الحج فروي عن ابن عباس وابن عمر جواز ذلك وقال ابن عمل الحج من سبيل الله، وقيل عن شافع وأبي ثور أنهما قالا لا يعطى منها في الحج ولا في العمرة. واختلفوا فيه هل تعطى في دين الميت، فقال النخعي وغيره لا تعطى في دين الميت ولا في كفنه، وقال بعضهم تعطى في دينه لأن الله تعالى جعل للغارمين فيها سهما، وقال الثوري وأبو عبيدة لا تعطى لغني ولا في بناء مسجد ولا في شراء مصحف وبهذا يقول أصحابنا، والله أعلم. (2/49)
صفحة 433
مسألة.
قال أبو بكر بن عبد المندر اجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أنه من له دار وخادم لا يستغني عنهما أن ياخذ من الزكاة روي ذلك عن عن الحسن وابراهيم النخعي والثوري وأبي عبيدة وأصحاب الرأي، وكان مالك ابن أنس يقول إن كانت دار ليس في ثمنها فضل أن بيعت واشترى من ثمنها مالا يعيش به رأيت أن يعطى الزكاة، وإن كان في ثمنها ما يشتري مسكنا ويفصل منه ما يعيش به لم يعطى شيئا، والله أعلم.
مسألة.
قال أبو بكر أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا تدفع إلى الوالدين ولا إلى الأولاد في الحال الذي يجبر الوالد على نفقتهم واختلفوا في سائر القرابة، فقال بعضهم كل من يجبر المرأ على نفقته لا يعطيه شيئا روي ذلك عن الشافعي والثوري وأبي عبيدة وغيرهم، وعن ابن عباس وعطا أنهما قالا تدفع إلى قرابة الرجل المختاجين إليها وبهذا يقول أصحابنا، وقال الحسن البصري وطاوس لا يعطى دو قرابة لقرابته من الزكاة شيئا وقال النعمان يعطي الرجل زكاته كل فقير إلا امرأته وولده وزوجته، واجمعوا على أنه لا يعطي زوجته شيئا واختلفوا فيها هي فقيل تعطي زوجها زكاتها وقيل لا تعطيه شيئا والأصح أنها تعطيه لأنه داخل في جملة الفقراء، ولقول ابن مسعود لزوجته ضعيه في وفي بني فأنا له موضع فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال صدقة ضعيه فيه وفي بنيه، والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في نفل الصدقة من بلد إلى بلد واستحب واستحب أكثر العلماء التنقل روي ذلك عن طاوس وعمر بن عبد العزيز (2/50)
صفحة 434
والنخعي وسعيد بن جبير وأكثر فقهاء الأمصار وان فرقها في غير بلده فهو جائز في قول الليث بن سعيد والشافعي وأصحاب الرأي وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه زك زكاة أوتي بها من خرسان إلى الشام فردها إلى خرسان فروي عن الحسن والنخعي أنهما كرها نقل الزكاة من بلد إلى بلد إلا الذي قرابة وروي عن أبي العالية أنه كان يبعث بزكاة ماله إاى المدينة وأضن أن بعض العلماء عاب ذلك على من فعله وأما في أثر أصحابنا أي الموثر وغيره وقد سئل فقيل له أريت إن كان في البلد فقراء فساق من أهل الدعوة وفي غيره قريبا منه أهل الولاية أتدفع الزكاة إلى فساق أهل البلد تنقل إلى أهل الولاية في غير ذلك البلد، فقال الذي نرى أن فقهاء أهل الدعوة من أهل الباد أحق بها حتى يستعينوا ولوكانوا فساقا ولا تدفع إلى غيرهم وهم محتاجون، والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في الدين يكون للرجل على المعسر هل يحسبه عليه في الزكاة؟
وأجاز ذلك بعضهم وهو مروي عن الحسن وعطا وقال أبو عبيدة ذلك وبه قال أهل الرأي قالوا وان قضاه ثم تصدق به عليه أجزاه واتلفوا في الفقير يعطيه الرجل على ظاهر الفقر ثم يستبين غناه، فقيل يجزيه ولا يضمن روي ذلك عن الحسن البصري وأبي عبيدة وبه قال النعمان، وقال بعضهم لا يجزيه وعليه الضمان روي ذلك عن الثوري والحسن ابن صالح وغيرهما، والله أعلم.
مسألة.
اتفق أهل السلف فيما وجدت على أن الزكاة تأخذ من ملاك المال الواجبة فيها إذا كانوا أحرارا مسلمين ذوي عقول بالغين. (2/51)
صفحة 435
واختلفوا في وجوب أخذها من الأملاك الناقصة والأموال المحبسة والعبيد المسخرة وأهل الدمة واليتامى وذوي الطفولية.
وأما الأملاك الناقصة أموال من له الديون وأموال من هو في ذمته، أما من له الديون على الناس فإنهم اختلفوا فيها فقال أصحابنا يؤذي عليها الزكاة ولولم تقبض إذا كانت حالة وهذا في ديون النض خاصة، وقال آخرون لا زكاة فيها إلا بعد قبضها مع استكمال الحول به قال الشافعي وأحد قوليه والليث بن سعيد أو قياس وقيل إذا قبضه زكاة السنة واحدة وإن قام عند المديان سنتين إذا كان أصله عن عوض وأما إن كان غير عوض مثل الميراث فإنه يستقبل به الحول وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم، وأما الأموال المحبسة أصولها فكالحوائط الموقوفة لسبيل الله وقد اختلفوا في زكاة مايخرج منها فقال أصحابنا لا زكاة فيها أصلا وبه قال مكحول وعطا وقال أبو عبيدة إن كانت صدقة على أهل الحاجة فلا زكاة فيها وإن كانت على قوم معينين ففيها الزكاة وقوم أوجبوا فيها الزكاة إذا كان فيها مقدار النصاب روي ذلك عن مالك بن أنس والشافعي، والله أعلم.
وأما العبيد فقد اختلفوا في وجوب الزكاة عليهم على ثلاثة أقاويل، أحدهما ألا زكاة عليهم أصلا وهو مروي عن ابي عمر وجابر من الصحابة والزهري وقتادة ومالك من الفقهاء، والثاني أن زكاة مال العبد على سيده وهو مذهب اصحابنا وجمهور فقهاء الأمصار وأهل الراي وهو الصحيح، وأوجبت طائفة أخرى على العبد في ماله الزكاة وهو مروي عن ابن عمر أيضا وعطا من التابعين وبه قال أهل الظاهر، واختلفوا في زكاة مال المكاتب وقال أكثر المخالفين ليس فيه زكاة حتى يعتق على أصلهم فيه أنه عبد مابقي درهم من مكاتبته وقال أبو ثور تجب عليه الزكاة كما تجب على الحر وهو الصحيح (2/52)
صفحة 436
على أصل قول أصحابنا فيه أنه حر عند وقوع الكتابة وهو فيما عليه غريم من الغرماء، وسبب الخلاف في زكاة مال العبد اختلافهم في الخطاب الوارد من الله سبحالنه وتعالى هل يتناول جميع المكلفين من الأحرار والعبيد أم يتناول الأحرار فقط؟
وحجة من أوجب زكاته على سيده قول الله تعالى عبد مملوك لا يقدر على شيء، ولأنه مال والمال لا يملك مالا، ولقول النبي - عليه السلام - من باع عبدا فماله للبائع إلا أن يشترط المتباع دليل على أنه لا يملك والزكاة أنما هي حق واجب في المال لا على البدن، والله أعلم.
وأما زكاة اليتامى والصغار فاختلفوا فيها، فقال قوم الزكاة في مال اليتيم واجبة روي ذلك عن عمر وابنة وعلي وجابر وعائشة والحسن بن علي وعطا وجابر بن زيد ومجاهد وابن سرين وعامة فقهاء الأمصار وبه قال أصحابنا، وقال قوم ليس فيها الزكاة أصلا روي ذلك عن النخعي والحسن البصري وأبي وائل وسعيد بن جبير وقال ابن المسيب لا يزكا يحصي الصلاة ويصوم رمضان، وقال قوم الزكاة في ماله ولكن لايخرجها الوصي حتى يبلغ فيزكي عن نفسه روي هذا عن الأوزاعي وغيره، وفرق قوم بين ماتخرجه الأرض من ماله وما لا تخرجه الأرض من النض والماشية فقالوا عليه الزكاة فيما تخرجه الأرض دون ما سواه وهو مروي عن أبي حنيفة وأصحاب الرأي وفرق آخرون قالوا عليه الزكاة على اليتيم وإسقاطها عنه اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية هل هي عبادة كالصلاة والصوم أو هي حق للفقراء، فمن قال أنها عبادة اشترط فيها البلوغ ومن قال أنها حق للفقراء لم يشترط البلوغ فيها، وأما من فرق بين النض وغيره فلا أعلم (2/53)
صفحة 437
له حجة، وقال أصحابنا تجب الزكاة في مال الطفل والمجنون والمعتوه وغيرهم لعموم الخطاب في قوله - عليه السلام - أمرت أن ءاخذها من أغنياءكم وتوضع في هؤلاء وغيرهم من المسلمين لقوله فأردها في فقراءكم، إلا أنهم اشترطوا في الأطفال ولاية آبائهم وتوضع في يتاماهم بواسطة الخلائف والأومياء، والله أعلم.
فصل في سيرة تفريق الزكاة.
تفريق الزكاة في أهلها في الظهور والكتمان، قال علماء السلف من أصحابنا إذا كان إمام المسلمين ظاهرا فأمر الصدقات إليه يبعث عماله إلى الأمصار في كل سنة من سنين القمر، فيجيبون الزكاة من من أغنياء الرعية الذين حماهم من الضلم وأجرا حدود الله فيهم وعليه فإن كان الإمام مستغنيا عن الزكاة قسم العلماء صدقة كل بلد في فقراء أهلها من موافق ومخالف يعطون لكل فقير قدر مؤونة سنة من الكسوة والنفقة اقتصادا من غير سرف، وان فضل من الصدقة شيء قسموها في أقرب القرى إليهم ولا يعطا الفقير أكثر من مؤنة سنة إلا يكون مدينا فيقضي دينه، أو محتاجا إلى التزويج فيعطى ما يتزوج به بالنظر والإجتهاد وقال بعض أصحابنا يفرق العامل ثلث الصدقة في كل بلد جبيت منه على فقراءها ويرفع ثلثيها إلى بيت المال فتوضع لأهلها، وإن كان الإمام محتاجا في عز الدولة إلى جميعها ومصالح الإسلام أخذها كلها وإلا فرقها على الضعفاء كما قدمنا ويفضل ذا الفضل في الإسلام والعجوز والضعيف وأهل الفقه على قدر مايرا وإن كان الإمام محتاجا فرض له المسلمون منها على قدر مؤنته هو وعياله إلى الحول (2/54)
صفحة 438
بالنظر والإجتهاد قالوا وإن عدم الإمام وعلى المسلمين أن يقيموا لأنفسهم حاكما أفضلهم ورعا وأكثرهم فقها وعلما ويسندون إليه أمور الإسلام من فتيى النوازل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من مصالح الإسلام وقضاء حوائجه فيدفعون إليه زكاتهم، واختلفوا فيمن دفعها إليه فقال قوم هم براء منها وقال قوم لو يبرءوا منها حتى يضعوه في المستحقين من أهلها لأنه بمنزلة الوكيل قلوا ولا يأخذها إلا من أهل ولايته ولا يضعها إلا في أهل ولايته أيضا وهذا عندي حرج و وتضييق، والذي أرى والله أعلم أنه إذا حصلت عنده هو الناظر فيها يضعها في دوي الحاجة من المتعلمون منه ولا غيرهم من عوام الناس ويصرف ما في يده مما يرفع إليه من الأموال من وجوه الوصايا والصدقات المتطوع بها أو غير ذلك في إحياء الإسلام والمدارات عنه وعن أهله وفي ذوي الفاقة من المسلمين وغيرهم من عوام الناس على قدر مايرا وإن كان القائم بذلك فقيرا نظر له المسلمون وأهل العلم في نفقته ومؤنته مما في يده على قدر ما رأوا وما بقي في يده بعد مؤنته من جميع تلك الأموال المجموعة إليه بمصروف في أهله على الأسلوب الذي قدمنا لأن ذلك ليس بمال للقيم وإنما هو مال الله يصرفه في سبيل طاعته وإحياء دينه ولولا مادخل فيه من أموال الإسلام لما عرف بذلك ولا جيبت إليه تلك الأموال كما قال النبي - عليه السلام - لعامله الذي بعثه على الصدقة فلما قدم قال هذا لكم وهذا لي فقام خطيبا فقال آخرون كلامه افلا جلس في بيت أمه فلينظر أيهدا له أم لا فلعمري لكذلك الا ترى إلى (2/55)
صفحة 439
عمر بن الخطاب رحمه الله حين أهدت إمرأته إلى إمرأة كسرة فتطيبت به فقال كسرى طيبا كافيها بتاجي فكافتها فجعله عمر في بيت المال وأعطى غمرأته ثمن طيبها، وهكذا فعل فيما أهداه المشركون لأولاده فأراد أن يفعل مثل ذلك في المال الذي أسلفهم إياه أبو موسى الأشعري من بيت المال فقال بعضهم اجعله عليهم فرضا ففعل ذلك عمر رحمه الله، لأنه لولا الإسلام وسيوف أهله لما عرف أهل الشرك عمر ولا أولاده، وأما إن لم يكن من يقوم بأمر المسلمين لا ظاهرا ولا مكتتما فإن السيرة في الزكاةفيما وجدت في آثار أصحابنا أن يجمع صلحاء أهل كل بلد زكاة بلدهم ذلك فيعطى منها كل فقير من أهل البلد مؤنة سنة من النفقة والكسوة قصدا من غير سرف، وإن فضل شيء قسم في أقرب القرى إليهم ولا ينبغي للفقراء أن يطلبوا الزكاة بأنفسهم عند أهلها لأن ذلك شين في افسلام وأهله وفي الحديث من تواضع لغني لينال ما في يده أحبط الله ثلثي دينه وقد وصف الله تعالى أهل الصدقة من الفقراء فقال: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} إلى قاله: {لا يسألون النان إلحافا}، وفي أثر المشايخ أن سؤال الزكاة انما أخذ من فتوى ابليس لعنه الله، وقال بعض مشايخنا (2/56)
صفحة 440
جواب من طلب إليك الزكاة أن تقول له هل توليتك بعد وقال بعضهم لا تعطى الزكاة لمن طلبها ورخص فيها بعضهم إن كان من أهلها، وأما ماتفعله العوام اليوم من جمعهم الزكاة ويدفعون منها أجرة المعلمين للقرآن ويضعون البقية في بيت يدرأون بها على أنفسهم بها عن أموالهم فلا أعلم أحد من الأمة قال يجوز هذا في الزكاة المفروضة قديما ولا حديثا، وإنما المشهر عند مشايخنا وجمهور الأمة كما قدمنا ذكره، وقد وجدت في أثر بعض أصحابنا ينبغي لأهل الصلاح والفضل في الإسلام أن يجمعوا ماقدروا عليه من صلب أموالهم ويضعوه على يدي أمين يصرفه في مصالحهم في المسجد وغيره بمشورتهم، والله أعلم.
وإن عدم صاحب الزكاة جميع هذه الوجوه فاليدفع زكاته بنفسه لأهل ولايته وإن لم يجدهم فأهل التعفف والمسكنة من أهل الوقوف وإن عدموا فأهل المسكنة من أهل الدعوة وإن عدموا من بلده فاليقصدهم في أقرب القرى إليه فإن تعذر عليه فقراء أهل الدعوة رأسا فليجعل زكاته ذهبا أو فضة فاليبعثها إلى أهل الولاية من أهل الدعة أينما كانوا وهذا معنى قولهم صدقة الكتمان كتمانية وإن تعسر عليه الأمر وكان في حيز أهل الخلاف فليقصد بها أهل المسكنة وقد قلت عداوته في المسلمين من فقراءهم وإن عدموا بعامة فقراءهم ويفضل أهل الضعف والمسكنة منهم وإن كان في بلاد الشرك فتعذر عليه فقراء منتحلي الإسلام فخاف فجات الموت بزكاته ولم يجد إلى إيصالها إليهم من سبيل فليضعها في أهل الضعف والمسكنة من فقراء أهل الكتاب وإن عدموا فغيرهم من فقراء المشركين على قدر قرب مللهم من الإسلام، والله أعلم.
ويجوز لصاحب الزكاة أن يفرقها في أهل ولايته من الفقراء في جميع الاحوال المتقدمة ما خلا زمان الإمام العادل (2/57)
صفحة 441
ففي وضعه الزكاة في أهل ولايته دون أن يدفعها إلى الإمام، اختلاف بين العلماء في الإجزاء عنه، والله أعلم.
مسألة.
وتجوز نيابة الغير في دفع الزكاة عن صاحبها بإمارة أو وكالة أو خلافة، ويجزي ذاك إذا كان النائب أمينا وإن كان غير أمين فحتى يعلم أنه وضعها في مستحقها وكذلك في قبضها يجزي فيها صاحب الزكاة ان يدفعهما إلى وكيل الفقراء ويبرأ منها، ويجوز دفعها للفقراء حاضرة كانت أو غائبة إذا بلغت مستحقها والاجارة في حملها على صاحبها وهي في ضمانه حتى يقبضها مستحقها ولا يحتاج في الزكاة إلى لفظ القبول وينبغي لصاحبها أن يعلم الفقير أنها زكاة ليلا يضن هدية فيقبضها في حالة لا يستحق معها أخذ الزكاة، أما بكبيرة ارتكبها وإما بإغناء استغنا عنها، والله أعلم وبالله التوفيق.
مسألة.
واختلفوا فيمن أخذ الزكاة ومعه كبيرة في حال أخذه إياها ثم تاب فقيل يردها إلى أصحابها وقيل يضعها في الفقراء في حال أخذه إياها ثم تاب من تلك الكبيرة أنه لاشيء عليه، وأما إن أخذها وهو مشرك مستتر بالإسلام أو عبد في هيئة الأحرار أو غني في زي الفقراء ثم تاب فإنه يردها على صاحبها أو ينفقها على الفقراء بخلاف صاحب الكبيرة إذا تاب لأنه في إجازة ذلم له خلافا بين العلماء في الزكاة لا تحل لهم، والله أعلم.
الفصل السادس في زكاة الفطر.
وفي هذا الفصل خمس مسائل تجري مجرى الأمهات، إحداها في حكمها وقد اختلفوا فيه فقال قوم هي فرض روي هذا عن جمهور (2/58)
صفحة 442
فقهاء الأمصار وبه قال العمانيون من أصحابنا، وقيل هي سنة روي ذلك عن أهل العراق وبعض المتأخرين من أصحاب مالك، وقال قوم هي منسوخة بالزكاة المفروضة، وذهب أصحابنا من أهل الجبل وأهل المغرب إلى أنها سنة الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة وسبب الخلاف تعارض الأثر وذلك أنه تبث عن طريق ابن عمر أنه قال فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمرا أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر كان أو انثى فظاهر هذا الخبر يقتضي الوجوب وثبت عنه أيضا في حديث الأعرابي المشهور وذكر الزكاة فقال هل غيرها فقال لا إلا أن تتطوع فذهب من قال أنها فرض إلى أنها داخلة تحت الزكاة المفروضة، وذهب الغير إلى أنها غير داخلة واحتجوا بما روي عن قيس ابن سعيد أنه قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر نابها قبل نزول الزكاة فلما نزلت لم يأمر بها ولو ينهى عنها ونخن نفعلها، والله أعلم.
المسألة الثانية على من تجب وعن من تجب.
واتفقوا على أن أهل الإسلام مخاطبون بها صغارا وكبارا ذكرانا أو إناثا أحرارا أو عبيدا لحديث ابن عمر المتقدم، واختلفوا في وجوبها على الفقير بعد اتفاقهم على أنها على جميع الناس إلا من لا شيء له فروي عن أبي هريرة أنه يراها على الغني والفقير وروي ذلك على أبي العالية والشعبي وعطا وجماعة من الفقهاء، وقال أصحاب الرأي ليس على من تحل له الصدقة زكاة الفطر (2/59)
صفحة 443
واتفقوا على أنها تجب على المرء نفسه وأنها زكاة بدن ولا زكاة مال وأنها تجب عليه في أولاده الصغار إذا لم يكن لهم مال، وفي عبيدن أيضا اختلفوا فيما سوى ذلك فقال يخرجها الرجل على جميع من ألزمه الشرع نفقته وقال آخرون لا تلزمه في زوجته ولا عن خادمها، وسبب الخلاف هل العلة في وجوب صدقة الفطر الولاية أو وجوب النفقة الشرعية، فمن قال الولاية أوجب على الولي اخراج الصدقة عن كل من يليه من طفل وعبد وزوجة كان أهؤلاء مال أم لم يكن من ذهب إلى أن العلة فيها وجوب النفقة الشرعية فمن قال الولاية أوجب النفقة قال يجب عليه اخرجها عن عن كل من تجب عليه نفقته بالشرع لقوله - عليه السلام - يخرجها الرجل عن من يمونه، واختلفوا في العبد المشرك فقال أهل الكوفة على سيده زكاته وقيل ليس عليه في الكافر زكاة، وسبب الخلاف هو تنازعهم في الزيادة الواردة في الحديث وهو قوله على كل صغير وكبير من المسلمين واختلفوا في عبيد التجارة أيضا، وسبب الخلاف فيهم معارضة القياس للعموم الوارد في اسم العبد وذلك أنه يقتضي وجوب الزكاة العبيد والقياس المخصص له هو اجماعهم على أنه لا تجب في مال واحد زكاتان، والله أعلم.
المسألة الثالثة.
وهي مماذا تجب فاختلفوا فيه فقال أصحابنا يخرجها المرء من أجل قوته من قمح أو شعير وذرة أو زبيب أو لحم أو لبن أو غير ذلك مما ياكله ماخلا بقول الصحراء وقال آخرون أنما تخرج من البر أو الشعير أو التمر أو الزبيب أو الأقط وأنه مخير في اخراج أيها شاء، وسبب الخلاف اختلافهم في مفهوم حديث أبي سعيد الخدري (2/60)
صفحة 444
أنه قال كنا نخرج زكاة الفطر في عهد النبي - عليه السلام - صاعا من الطعام أو شعير أو تمرا أو اقط فمن فهم من هذا الحديث التخيير قال أي هذه أخرج أجزاه ومن فهم منه أنه أنما أخرج بسبب اعتبار قوت الإنسان قال الأول وعند أصحابنا لا تعطا زكاة انسان واحد من جنسين والله أعلم.
المسألة الرابعة.
في مقدار مايخرج عن كل انسان من القمح قال بعضهم نصف صاع من القمح أو صاع من شعير وغيره مما يقوت ورووا في ذلك حديثا أن النبي - عليه السلام - قال في صدقة الفطر أنها صاع من بر بين اثنين أو صاع من الشعير أو تمر على كل واحد وقال آخرون لا يجزي من القمح أقل من صاع لحديث أبي سعيد المتقدم ذكره ذكرفيها صاعا من طعام أو شعير الحديث قالوا فالمفهوم من الطعام القمح وبهذا يقول أصحابنا ووافقهم على ذلك الشافعي ومالك بن أنس والقول الأول مروي عن أبي حنيفة وأصحابه، والله أعلم.
المسألة الخامسة.
واختلفوا متى يستحب اخراجها بعد ماثبت أن النبي - عليه السلام - أمر بإخراج زكاة الفطر قبل خروج الناس إلى المصلى وقد اتفقوا على أنها تجب في آخر رمضان لحديث ابن عمر المتقدم واختلفوا في تحديد الوقت فقال قوم تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر روي في ذلك عن أبي حنيفة وقيل تجب بغروب الشمس من ءاخر يوم من رمضان وبه قال الشافعي ن وسبب الخلاف هل هي عبادة متعلقة بخروج رمضان أوبيوم (2/61)
صفحة 445
العيد لأن ليلة العيد ليست من رمضان، وفائدة هذا الخلاف في المولود يولد قبل الفجر من يوم العيد بعد مغيب الشمس هل يجب أن يخرج عنه أم لا، والله أعلم ويستحب اخراجها قبل الصلاة للحديث المتقدم وبذلك يأمر ابن عباس وابن عمرو وكثير من الفقهاء وعند اصحابنا أنها فطرة إلى يوم الضحى وروي عن ابن سيرين والنخعي أنهما يرخصن في تأخيرها عن يوم الفطر.
المسألة السادسة.
فيمن يستحق أخذها قال أصحابنا تصرف لأهل الزلاية كزكاة الفريضة وقال غيرهم تصرف إلى عامة فقراء الإسلام ليستع=غنوا عن السؤال في ذلك اليوم وزعم بعضهم أنه يصرف منها إلى فقراء أهل الذمة واشترط قوم أن يكونوا رهبانا، وسبب الخلاف هل جواز أخذها لفقر فقط أم بالفقروالإسلام فمن نال بالفقر أجازها لأهل الذمة ومن قال بالفقر والإسلام منعها منهم، والله أعلم.
فصل.
ويتحب الإنسان إذا أراد إخراج الزكاة الواجبة أن يصلي ركعتين ويدعوا الله تبارك وتعالى أن يوفقه ليضعها مواضعها فإذا دفعها لأهلها فينبغي له أن يتطوع بشيء من الصدقة ينويها الإحتياط ماعليه من الفريضة إذا جاء في الحديث أن الفرائض تكمل يوم القيامة بالتطوع ويصرفها سرا ويؤثر بها الأقار والجيران ويكثر منها في شهر رمضان، والله أعلم. (2/62)
صفحة 446
كتاب الصوم (2/63)
صفحة 447
الركن الرابع في قاعدة الصيام المفروضة
وما يتعلق به
اعلم أن الله تعالى أوجب فرض الصيام على كل مكلف منقطع عذره من جميع الأنام، وقدمه في ترتيب الفروض الشرعية على الزكاة وغيرها من واجب الحقوق والمالية وإنما قمنا الزكاة وغيرها من واجب الحقوق المالية وإنما قدمنا الزكاة على الصوم في ترتيب أركان هذا الكتاب إذا كانت مقرونة بالصلاة في القرآن وفي أحاديث الرسول الموكل إليه البيان وفرض سبحانه الصوم على ذوي الفاقة والأغنياء لكسر شهوة النفس التي هي ذالة الشيطان وليعرفوا إذا صاموا رمضان مايقاسيه ذووا الفاقة من شدة المجاعة طول الزمان فتسخوا أنفسهم حينئذ بدفع الزكاة وغيرها من الحقوق الواجبة عليهم وقيل ليوسف - عليه السلام - الجوع وبيدك خزائن الأرض فقال أخاف إذا شبعت أنسا أهل الجوع، ثم أن الله تعالى جعل في الصوم واجبا يتعلق العقاب بتركته وهو مايجب لنفس الزمان كصيام شهر رمضان ومنه مايجب لعلة الحنث في الأيمان كصيام الكفارة من القتل والظهار وغير ذلك، ومنه ما يجب بإيجاب الإنسان على نفسه كصيام النذر الواجب عليه ثم جعل تعالى في الصيام مسنونا مندوبا إليه تتعلق الفضائل بامتثاله ولا توجب الوعيد إلى تاركه وسيأتي في آخر الكتاب انشاء الله ولا يتضمن كتابنا هذا من أقسام واجب الصوم إلا رمضان والكلام فيه ينحصر في ثمانية أبواب:
الباب الأول في حكمه ومعناه.
أحدهما في حكمه ومعناه. وأما حكم صومه فهو الوجوب بظاهر الكتاب والسنة والاجماع من الأمة (2/64)
صفحة 448
وأما الكتاب فقول الله تعالى: {كتب عليكم الصيام} الآية، وعنى كتب أي فرض وأوجب، ومن السنة قول النبي - عليه السلام - بني الإسلام على خمس وذكر فيه إلينا في إيجاب صومه خلاف عن أحد من الأمة، وأما تعيين شهر رمضان لمحل الصوم فتعريف الله إليه إياه بالإضافة في قوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} ثم ثم ذكر تعريفه بالألف واللام فقال: {وفمن شهد منكم الشهر فليصمه}، فتكرير المعرفة عند أهل العربية تكرارا، وأما النكرة فتكريرها اغيار الدليل على ذلك قوله تعالى: {فإن مع العسر يسرا ومع العسر يسرا}، فالعسر واحد واليسر اثنان لقوله - عليه السلام - لن يغلب عسر واحد عسرين والله أعلم، وأما معناه فهو على وجهين لغوي وشرعي، فاللغوي هوالإمساك والشرعي هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع وغيره من جميع مايفسد الصوم والله أعلم.
الباب الثاني في أسباب الصوم.
وفيه مقدمة وثلاث فصول:
فالمقدمة تحتوي على صوم يوم الشك واختلاف (2/65)
صفحة 449
الناس فيه وقد اجمع جمهور العلماء على ثبوب النهي عن صيام يوم الشك على أنه من رمضان لقوله - عليه السلام - لا تتقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة قبله وقداختلفوا في صومه فقال أكثر العلماء من الصحابة والتابعين لا يجوز صمه روي هذا عن عن عمر بن الخطاب وعلي وحذيفة وابن مسعود وعمار رحمهم الله وبه قال ابن عباس وأبو هريرة وأنس وأبو وائل وعكرمة وابن المسيب والنخعي والشعبي وابن جريح والأوزاعي وغيرهم وهو قول أبو عبيدة والعامة من فقهائنا، واجاز آخرون صيامه وذكروا عن أسماء بيت أبي بكر أنها كانت تصوم اليوم الذي يغمى على الناس فيه وروي عن عائشة أنها قالت أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أفطر يوما من رمضان، والصحيح القول الأول الظاهر الأحاديث التي يوجب مفهومها تغلق الصوم بالرواية أو بالخبر على ماسيأتي إن شاء الله، واختلفوا في تحري صيامه تطوعا إذا حال دونه سحاب فكرهه بعضهم وبه قال جابر بن زيد وكان ابن عباس يأمر بفصل ما بينهما وبه قال أبو هريرة وعن عكرمة قال من صام هذا اليوم يعني يوم الشك فقد عصى الله ورسوله ورخص طائفة في صومه تطوعا روي ذلك عن الأوزاعي والليث بن سعيد وأحمد واسحاق وأهل الرأي وحجتهم ماروي عن النبي - عليه السلام - أنه قال لا تتقدموا رمضان بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان أحدكم يصومه فاليصمه والمعمول به عند أصحابنا في يوم الشك الإمساك عن الطعام حتى ينتشر الناس وترجع الرعات فإن صح أنه من (2/66)
صفحة 450
رمضان أتوه وإلا أفطروا وعلى الجميع الإعادة من افطره ومن صامه لأنه صامه على غير نية، والله أعلم.
الفصل الأول.
في أحد سببي موجب الصوم وهي الرؤية للهلال لقوله - عليه السلام - صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له، فأجمع العلماء على أن الشهر العربي يكون تسع وعشرين يوما و يكون ثلاثين لتبوث ذلك في الحديث وأجمعوا على الاعتبار في تحديد طرفي رمضان إنما هو الرؤية للحديث المتقدم أعني بالرؤية أو بظهور القمر بعد السرار، واختلفوا في الحكم إذا عم الشهر ولم تكن الرؤية في وقتها المعتبر لها فذهب جمهور العلماء إلى أن الحكم ذلك إكمال العدة ثلاثين يوما فإذا كان الذي غم هلال أول الشهر عند الشهر الذي قبله ثلاثين وكان أول رمضان الحادي والثلاثين وإن كان الذي غم هلال آخر الشهر صام الناس ثلاثين يوما إلا ماروي عن ابن عمر أنه ذهب إلى أنه إن كان المغمى هلال أو الشهر صام الناس اليوم المعروف بيوم الشك والله أعلم، وروي عن مطرف بن الشجري وكان من التابعين أنه إذا غم الهلال اعتبر الحساب بسير الشمس والقمر ومثله مروي (2/67)
صفحة 451
عن الشافعي أنه قال من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم منازل القمر ثم تبين له من قبل ذلك أن الهلال مريء وقد غم فإنه يعتقد الصوم ويجزيه (2/68)
صفحة 452
وسبب الخلاف الاحتمال الذي في قوله - عليه السلام - فإن غم عليكم فأقدروا فذهب أكثر العلماء إلى ان تأويله إكمال العدة ثلاثين يوما وذهب آخرون (2/69)
صفحة 453
إلى أن معناه التقدم بالحساب النجومي ومنهم من رأى أن معناه أن يصبح (2/70)
صفحة 454
المرء صائما وهو مذهب ابن عمر كما قدمنا فيما روي عنه والله أعلم، وكان جابر بن زيد والحسن إذا غم أصبحا مفطرين. (2/71)
صفحة 455
مسألة.
واختلف العلماء في وقت اعتبار رأية الهلال مع اتفاقهم على أنه إذا رأي بالعشي أنه من الليلة المقبلة واختلفوا إذا ريء في سائر أوقات النهار وذهب بعض أصحابنا وبعض فقهاء الأمصار إلى أنه في أي وقت رأي من النهار أنه من الليلة المقبلة روي ذلك عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك ابن أنس وغيرهم، وذهب آخرون إلى أنه إن رأي قبل الزوال فهو من الليلة المقبلة وروي مثله عن سفيان الثوري وأب يوسف صاحب أبي حنيفة وبعض أصحاب مالك والله أعلم.
وسبب الخلاف التحري فيما سبيله التحري والرجوع إلى الأثر المروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - واحتج أصحاب القول الأول بماروي عن أبي وائل أنه قال أتاني كتاب عمر أن الأهلة بعضها أكبر من بعض وأنها إذا وفت رئيت بالنهار فإذا رأيتم الهلال فلا تفطروا حتى يشهدا رجلان أنهما رأياه بالأمس، والثاني ماروي عنه أنه بلغه أن قوما رأوا الهلال بعد الزوال فأفطروا فكتب إليهم يلومهم فقال إذا رأيتموه نهارا قبل الزوال فلا تفطروا والقول الأول أصح فيما وجد في أثر بعض أصحابنا وزعم أنه قول أبو عبيدة والعامة من فقهائنا وهو مروي عن عمر وابنه وابن مسعود وعثمان وأكثر فقهاء الأمصار والله أعلم.
مسألة.
واتفق أكثر العلماء على أن من أبصر هلال الصوم وحده أن عليه أن يصوم إلا برؤية غيره وبه قال عطا بن أبي رباح فيما روي عنه واختلفوا هل يفطر برؤيته فذهب بعضهم إلى أنه يفطر وبه قال أبو بكر عبد المنذر والشافعي وهو قول أصحابنا إلا أنهم قالوا يفطر سرا لئلا يبيح البراءة من نفسهوذهب آخرون إلى أنه لا يفطر (2/72)
صفحة 456
وروي ذلك عن مالك بن أنس وأبي حنيفة وهذا لا معنى له لأن النبي - عليه السلام - قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته مجمول العلم بالرؤية يقع من طرفين أحدهما الحس كما قدمنا وبه يحصل العلم باتفاق العلماء والثاني الخبر أحد دفيي موجب الصوم وسنده إن شاء الله.
الفصل الثاني.
الفصل الثاني في السبب الآخر الموجب الصوم وهو الخبر وفيه ثلاث مسائل.
أحدها في عدد المخبرين الذين يجب قبول خبرهم عند الرؤية فقال أصحابنا يجب الصيام بخبر العدل الواحد ولا يفطر إلا بشهادة العدلين وبه قال أحمد بن حنبل فيما وجدت عنه وقال آخرون لا يصام ولا يفطر إلا بشهادة عدلين روي ذلك عن مالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعيد وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطا وغيره وأجاز بعضهم شهادة الواحد في الصوم والإفطار وسبب الخلاف في هذا اخلاف الأثر وتردد الخبرين أن يكون من باب الشهادة أو من باب العمل بالأحاديث فلا يشترط فيها العدد أما الأثر فحديث الأعرابي العربي من طريق ابن عباس قال يا رسول الله أبصرت الهلال الليلة فقال أتشهد أن لاإلاه إلا الله وأن محمدا رسول الله قال نعم قال - عليه السلام - قم يا بلال فأذن في الناس فليصوموا غدا وبهذا يأخذ أصحابنا والحديث الآخر مروي أنه - عليه السلام - صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم (2/73)
صفحة 457
فاكملوا العدة ثلاثين يوما فإن شهد شاهذان فصوما وأفطروا وأظن أصحابنا من وافقهم أنما فرقوا بين هلال الصوم وهلال الفطر لمكان سد ذريعة الايدعي من لا يوثق به أنه رأى الهلال وهو بد لم يره وقيل أنما ردوا شهادة العدل في الإفطار وأجازوها في الصوم لأن في الصوم شهد على نفسه وفي الإفطار شهد لنفسه والله أعلم، ولذلك روي عن بعضهم في الصوم إجازة قول العبد والأمة ولا يجوز في الإفطار إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتان وقال أصحابنا يصام بأمين واحد وبأمينين وبأمين وامرأتان وبثلاث نفر من أهل الجملة إذا لم يسترابوا وبالشهر التي لا تدفع، والله أعلم.
المسألة الثانية.
واختلفوا في الهلال يراه أهل بلد ولا يراه غيرهم وروي عن عكرمة أنه قال لكل قوم يتهم وروي مثله عن سالم بن عبد الله وابن عباس وغيرهم وقال آخرون إذا تبث أن أهل بلد رأوه على من أفطر بعد ذلك القضاء وروي ذلك عن الشافعي والليث بن سعيد وأهل المدينة (2/74)
صفحة 458
والله أعلم.
وسبب الخلاف تعارض النظر والأثر وأما النزر وهو أن البلاد إذا لم تختلف فطالعها كل الاختلاف وجب بعضها على بعض وأما الأثر فما روي عن بعضهم أنه قال قدمت من الشام إلى المدينة في آخر رمضان فسألني ابن عباس فقال متى رأيتم الهلال فقلت ليلة الجمعة فقال أنت رأيته فقلت نعم ورآه الناس فصاموا وصام معاوية فقال لكن رأيناه ليلة السبت فلا نزال حتى تكمل ثلاثين يوما أو نراه فقلت ألا تكفي برأية معاوية فقال لا هكذا أمر النبي - عليه السلام - فظاهر هذا الأثر يقتضي أن كل بلد ورؤيت قرب أو بعد والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية والقريبة لأنهم أجمعوا فيما وجدت على أنه لا يراعا ذلك في البلدان الناءية كالأندلس والحجاز والله أعلم.
المسألة الثالثة.
وإذا صح رمضان بشهادة العدل الواحد فلم يصمه أحد محتجا أنه لا يقبل فيه إلا شهادة عدلين فذكر ابن جعفر في كتابه أنه لا كفارة عليه وأن منزلته خسيسة لا تفارق المسلمين على قبول قول الثقة في صومه ولعمري لكلك لأن هذا مختلف فيه وأما إن صح بشهادة عدلين أو بالشهر فلم يصمه فعليه الكفارة مع لزوم الكفر إياه عند أصحابنا إلا أن عند بعضهم إن ادعا الجهالة فعليه بدل يوم والله أعلم فهذا مايتعق بالمسائل بزمان الوجوب أعني تحديد طرفي الشهر.
الفصل الثالث.
الفصل الثالث فيما يتعلق بزمان الامساك عن الطعام والشراب وغيرهما وقد أجمعوا على أن آخره مغيب الشمس لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أقبل اليل من هاهنا يعني من المشرق وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر (2/75)
صفحة 459
الصائم أكل أو لم يأكل وقوله إذا سقط القرص وجب الافطار.
واختلفوا فيمن أفطر وهو يرى أن الشمس قد غابت وهي بعد لم تغب فقال كثير من أهل العلم يقضي يوما مكانه لقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى اليل} روي ذلك عن ابن عباس وعمر بن الخطاب ومعاوية وبه قال عطا وسعيد بن جبير ومجاهد والزهري وغيرهم علماء الأمصار وأهل الرأي وقال آخرون لا شيء عليه وروي ذلك عن الحسن البصري وغيره وزعموا أنه بمنزلة الناسي والأول أصح.
مسألة.
واختالفوا في أول زمان الإمساك فقال أصحابنا وجمهور الفقهاء هو طلوع الفجر الثاني المستطير الأبيض المعترض في الأفق لثبوت ذلك في الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبه قال عمر بن الخطاب (2/76)
صفحة 460
وابن عباس وعوام علماء الأمصار وشذت فرقة فقالوا هوالأحمر الذي يكون بعد الأبيض وهو نظير الشفق الأحمر زعموا ذلك عن علي أنه صلى الفجر فقال هذا حين تبين الخيط الأبيض وزعموا مثله عن حديفة لما طلع الفجر تسحر ثم صلى وعن مسروق أنه قال لم يكونوا يعدون الفجر فجركم هذا إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق وسبب الخلاف هذا اشتراك اسم الفجر واختلاف الأثر والأصح ماقدمنا أولا لقوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض}، فهذا نص في موضع النزاع وهو قول أبي عبيدة والعامة من الفقهاء.
مسألة.
واختلوا في الحد المحرم للأكل فقال قوم هو طلوع الفجر نفسه فقال قوم هو تبينه عند الناظر إليه وإلا فالأكل مباح له حتى تبين له وإن كان قد طلع وفائدة الخلاف إذا انكشف لمن ظن أنه لم يطلع بعدما أكل فمن قال الحد في ذلك هو الطلوع نسه أوجب عليه القضاء ومن قال الحد هو العلم الحاصل له لم يوجب عليه القضاء وهو قول جمهور العلماء، واختلفوا فيمن أكل وهو لا يعلم بطلوع الفجر ثم علم فقالت طائفة يقضي يوم مكانه وروي ذلك عن ابن سيرين وسعيد بن جبير والأوزاعي والشافعي وأهل الرأي وقال قوم لا قضاء عليه وروي ذلك عن مجاهد وعطا وعروة بن الزبير والقول الأول أحوط وسبب الخلاف الإحتمال الواقع في قوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض} الآية، فإضافة التبين إلينا هوالذي أوقع الخلاف لأنه قد تبين في نفسه ولم يتبين لنا فظاهر اللفظ يوجب تعلق الإمساك بالعلم والقياس يوجب تعلقه بالطلوع نفسه أعني قياسا على (2/77)
صفحة 461
الغروب وسائر الأوقات الشرعية كالزوال وغيره فإن الإعتبار في جميع ذلك حول الوقت تبين لنا أو لم تبين.
فمن ذهب إلى وجوب الإمساك قبل الطلوع جرى على الإحتياط وشد الذريعة وهو أورع ومن ذهب إلى أن الأكل متصل بالطلوع احتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت وهو أقيس والأول أورع والله أعلم.
الباب الثالث في أركان الصوم.
وهي على أربعة:
المسألة الأولى.
العلم بدخول الشهر لقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} والمشاهدة على ضربين أحدهما مشاهدة بالرؤية وقد تقدم تفسيرها والثاني مشاهدة بالعلم لمن عدم رؤيته بالحس وهو الأعمى والمحبوس والأسير ومن في معناها ممن عجز عن رؤية الهلال فإذا عدم هؤلاء العلم بحلول الشهر تحروا وأشهر فيصومونه فإن خرج ذلك الشهر رمضان أو بعده أجاز عنهم في قول أصحابنا وجمهور العلماء لأن ذلك علهم دين فقضوه بعد رمضان وإن خرج شعبان أو ماقبله فلا يجيزهم صومه لأنهم صاموا قبل وجوب فرضه عليهم كمن صلى قبل وقت الصلاة، وذهب بعضهم إلى جوازه قبل رمضان فشبهوا ذلك بخطإ القبلة وخطا عرفة عند بعضهم والأول أصح، واختلفوا في هؤلاء إذا إذا (2/78)
صفحة 462
صاموا رمضان تطوعا فقيل يجزيهم وقيل لا يجزيهم والله أعلم.
وقد قيل في قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر} منكم الشهر أي حضره في بلده والله أعلم.
الركن الثاني.
الركن الثاني في استكمال طرفي الشهر المفترض وهو أن يصام لرؤية الشهر ويفطر لرؤيته وقد تقدم تفصيل ذلك.
الركن الثالث.
الركن الثالث في النية وفيها خمس مسائل:
المسألة الأولى.
أجمع أهل العلم على أن النية شرط في صحة الصوم المفروض إلا ماروي عن زفر أنه رمضان لا يحتج إلى نية إلا أن يكون الذي يريد صيامه مريض أو مسافر، وسبب الخلاف الإحتمال المتطرف إلى الصوم هل هي عبادة معقولة المعنى أم غير معقولة فمن رأى أنها غير معقولة وهو قول الجمهور أوجب النية ولا جماعهم لو أنم إنسانا أصبح غير معتقد للصيام فلم يأكل حتى غابت الشمس أنه لا يسمى صائما صوما شرعيا ولا يستحق ثواب الصائمين، ومن ذهب إلى أن الصوم عبادة معقولة المعنى قال أنه قد حصل صومه وإن لم ينوه لكن تخصيص زفر رمضان دون غيره من أنواع الصوم فيه ضعف فكأنه لما رأى رمضان لا يجوز فيه الإفطار رأى أن كل صوم يقع فيه ينقلب صوما شرعيا والله أعلم.
المسألة الثانية.
واختلفوا في تعيين النية المجزية في ذلك فقال بعضهم لابد من تعيين صوم رمضان ولا يجزيه اعتقاد النية للصوم مطلقا ولا اعتقاد صوم معين غير صوم رمضان وإلى هذا ذهب مالك بن أنس، (2/79)
صفحة 463
وقال آخرون إن أطلق الصوم أو نوى فيه غير رمضان أجازه وانقلب إلى صيام رمضان إلا المسافر فإنه إذا نوى في رمضان غيره أجزاه و هذا ينسب إلى أبي حنيفة ولم يفرق قيما روي عنهما بين المسافر والمقيم فقالا كل صوم اعتقده الإنسان في رمضان انقلب إلى رمضان، وسبب الخلاف هل الكافي في رمضان تعيين جنس العبادة أوتعيين شخصها وذلك أن كلا الأمرين موجودان في الشرع مثال ذلك أن النية في الوضوء يكفي منها اعتقاد دفع الحدث لجميع العبادات التي الوضوء شرط في صحتها وليس تختص كل عبادة بوضوء مجدد وأما الصلاة فلا بد من تعيين النية فيها أن عصرا فعصر وإن ظهرا فظر وهذا كله على المشهور عند العلماء فتردد الصوم بين هذين الجنسين فمن ألحقه بالوضوء قال يكفي فيه اعتقاد الصوم ومن ألحقه بالصلاة قال لابد من تعيين صوم رمضان.
وسبب الخلاف أيضا إذا نوى في رمضان غيره هل ينقلب إليه أو لا ينقلب بسببه أيضا أن من العبادة ماينقلب فرضا إذا ابتدأه تطوعا وذلك كالحج إذا ابتدأه من وجب عليه تطوعا انقلب ذلك عنهم فؤضا وكذلك جميع التطوع إذا دخل فيه فإن عليه إتمامه كالفرض وإن أفسده فعليه الإعادة، ومن العبادة مالا ينقلب كالصلاة إذا عقدها نافلة فلا تستميل فرضا و الله أعلم.
المسألة الثالة.
واتفق أهل العلم على أن من نوى الصوم في كل ليلة من رمضان أنه أجازه، واختلفوا في اعقاد النية من أول الليلة أنه يصومه كله هل يجيزه ذلك، فذهب أصحابنا إلى جوازه ووافقهم على ذلك بعض فقهاء قومنا وأظنه مالكا وأصحابه، وقال آخرون لا يجزيه حتى ينوي كل ليلة، وحجة أصحاب القول الأول أن رمضان عبادة واحدة تكفي فيه نية واحدة (2/80)
صفحة 464
من أوله كالصلاة وغيرها من العبادات ولعل الآخرين احتجوا بأن اليالي فصلت بين صيام الأيام والله أعلم.
المسألة الرابعة.
واختلفوا في وقت النية فقال أصحابنا لا يجوز صيام فرض ولا نفل إلا بتبيين النية من اليل قبل الفجر وبه قال مالك بن أنس وذهب الشافعي إلى إجازتها بعد الفجر لصوم النفل دون الفرض وذهب أبو حنيفة إلى جوازها بعد الفجر في كل فرض متعين وقته مثل رمضان أونذر أيام معدودة، وسبب الخلاف في هذا اختلاف الأثر وذلك قوله - عليه السلام - لا صوم لمن لم يبت الصيام من اليل وحديث عائشة أنها سألها - عليه السلام -
هل عندك من طعام قالت لا قال فإني صائم في النهار والأول أصح لعموم الحديث في النفل والفرض جميعا والحديث الثاني محتمل أن يكون سألها عن قوتهم الذي لا يبد لهم منه وقت الإفطار والله أعلم.
المسألة الخامسة.
في كيفية اعتقاد النية للصوم وذلك أن يعتقد نية الصوم قبل الفجر يقول غدا إن شاء الله أصبح صائما الفريضة من شهر رمضان لله عز وجل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس أول اليل فإن عقد النية كما وصفها للشهر كله أو ليلة ثم سهى بعد ذلك عن النية ليلة من الليالي فأصبح صائما فلا بأس عليه مادام مستصحبا للنية ولم يقطعها (2/81)
صفحة 465
وإن عقد لكل يوم نية فحسن لأنه قيل لكل يوم فرض جديد وله نية جديدة والله أعلم، وإن لم يعقد النية حتى أصبح أو صام الشهر كله على غير نية فلا يجزيه فعله القضاء والكفارة عند أصحابنا والنظر يوجب عندي الكفارة عليه لأن هذا أمر مختلف فيه والله أعلم.
الركن الرابع.
الإمساك عن المفطرات وذلك انهم أجمعوا على أنه يجب على الصائم الإمساك زمان الصوم عن الطعام والشراب والجماع لقوله تعالى: {أحالت لكم لية الصيام الرافث} إلى قوله: {كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض} الآية، وفي هذا دليل على حضر هذه الأشاء في النهار، واختلفوا في سوى هذه الثلاثة فقال أصحابنا يفسد الصوم تضييع الغسل من الجنابة باليل حتى يصبح وبالنهر مقدار مايغتسل فيه فذهب أصحابنا إلى القول بانهدام مامضى من صومه وإن الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس شرط في صحة الصلاة جميعا وحجة أصحابنا من قول النبي - عليه السلام - من طريق أبي هريرة من أصبح جنبا أصبح مفطرا وبه قال أبو هريرة وطاوس وعروة بن الزبير وابراهيم النخعي وروي عن الأوزاعي في المرأة تؤخر الإغتسال من الحيض حتى يصبح أنها تقضي فرطت أو لم تفرط وذهب جمهور مخالفينا إلى أن الغسل من الجنابة ليس شرط في صحة الصوم وإن أصبح جنبا لا شيء عليه وزعموا ذلك عن ابن عمر وعائشة وابن مسعود وزيد بن تابث وأبي الذرداء وبه قال فقهاء الأمصار واحتجوا بحديث عائشة أن النبي - عليه السلام - يصبح (2/82)
صفحة 466
جنبا من جماع غير احتلام والذي قاله في هذا الحديث يحتمل أن يكون - عليه السلام - ناسيا أوله عذر والصحيح ماقاله أصحابنا لأن فيه (2/83)
صفحة 467
احتياطا للصوم وهو أجمع الأمرين والله أعلم، واستدعاء النبي بالإستمناء أو باستدامة الفكر والنظر أو بمجردهما بغير استدامة حتى يمني يفسد الصوم وتلزمه الكفارة عند أصحابنا وبه قال الحسن وعطا وقيل عن مالك إن لم يتابع النظر عليه القضاء ولا كفارة وذلك في كتاب الأشراف عن جابر بن زيد أعني مردد النظر حتى يمنى، واختلفوا فيمن لمس فأمنى فقال أكثرهم لا شيء عليه وقيل عليه القضاء يوم والله أعلم.
مسألة
واختلفوا فيما يرد الجوف ما ليس بغد مما يمكن الاحترار منه مثل من أكل طينا أو حصى أو
أشباه ذلك فقال أصحابنا ووافقهم على ذلك مالك بن أنس أنه يجب الإمساك عما يصل الجوف من أي المنافذ وصل مغذيا كان أو غير مغذي وروي عن أبي حنيفة أنه لم يربأسا بأكل الطين وغيره مما ليس بمغذ وهو خطأ محض لأن الصوم عبادة غير معقولة وأن معناه الإمساك ومن غير التغذي لا يسمى ممسكا والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في القبلة للصائم فأجازها بعضهم لحديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل وهو صائم وكرهها آخرون لما تداعوا إليه من الوقاع وأجازها آخرون للشيخ وكرهها للشاب وهو مروي عن ابن عباس وشد قوم فقالوا أنها تفطر وكلهم يقولون أن قبل مامنا أفطر وإن أمدا لم يفطر والله أعلم.
مسألة.
فيمن استقى متعمدا فذهب أكثر مخالفينا إلى ابطال صومه واختلفوا فيما يجب عليه فروي عن ابن عمر وعلقمة (2/84)
صفحة 468
والزهري والشافعي ومالك وأصحاب الرأي أن عليه القضاء وعن عطا وأبي ثوران عليه القضاء والكفارة وقال أصحابنا يبدل يومه واتفق الجمهور على أنه ذرعه القيء فلا شيء عليه وشد بعضهم فقال هو مفطر وسبب الخلاف ماروي عنه - عليه السلام - قال من درعه القيء فلا شيء عليه ومن استقاء فعليه القضاء وروي أيضا أنه قاء فأفطر والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في السعوط للصائم فكرهه بعضهم ورءا عليه القضاء إذ أوصل جوفه ورأى عليه القضاء إذا أوصل جوفه ورأى بعضهم عليه القضاء والكفارة وفي الإحتقان وفي الدبر اختلاف أيضا وأما في الإحليل فلا بأس أن يفطر في أذنه الدهن الذي إذا اشتكى قال لأنه لا يصل الجوف أنما يصل الجوف إنما يصل إلى الدماغ.
واختلفوا في مضغ العلك للصائم فروي عن عائشة وعطا أنهما رخصا فيه وروي عن ابن عباس أنه رخص للمرأة أن تمضغ والأوزاعي وكره مضغ العلك للصائم النخعي وقتادة وعطا ومحمد بن علي وكره بعضهم للصائم أن يمس بلسانه شيئا له طعم واختلفوا في الكحل فرخص فيه أكثرهم روي ذلك عن عطا والحسن البصري والنخعي والأوزاعي وأصحاب الرأي وبه قال أصحابنا وكره ذلك آخرون وقال بعضهم أن كتحل قضا يوما مكانه روي (2/85)
صفحة 469
ذلك عن ابن شرفة وابن أبي ليلا وغيرهم وكره قتادة الإكتحال بالصبر ورخص في الأشد وبه قال أصحابنا واختلفوا في السواك للصائم فرخص فيه بعضهم بالغدات والعشي روي ذلك عن عمر وابن عباس وعائشة وبه قال الننخعي وابن سرين وعروة بن الزبير ومالك أصحاب الرأي ورخص فيه بعضهم أول النهار وروي \لك عن عطا ومجاهد وقال الشافعي وغيره وفرق أصحابنا بين السواك الرطب واليابس فأجاز بعضهم الرطب في أول النهار واليابس آخره وكرهه بعضهم لأنه يقطع خلوف الصائم والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا للحجامة للصائم فقال أصحابنا ليس فيها فساد صوم إلا كراهية الضعف روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه احتجم وهو صائم ومثله عن سعيد بن جبير وأنس بن مالك والحسن البصري وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنها غير مكروهة وشد قوم فقالوا أنها تفطر وروي ذلك عن الأوزاعي وداود وأحمد وغيرهم وروا في ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أفطر الحاجم والمحجوم له وقال أبو عبد الله محمد بن بركة أنما قال ذلك - عليه السلام - لأنه اجتاز عليهما وهما يغتابان رجلا مسلما فقال أفطر بالغيبة لا بالإحتجام وكان سعيد بن جبير يحتج ويقول صام الحاجم (2/86)
صفحة 470
والمحجوم وكان ابن عمر يحتجم أول النهار فلما كبر أخرها إلى العشاء والله أعلم.
مسألة.
وذهب أصحابنا إلى ان الغيبة المحرمة والنميمة والكدب وإيمان الفجور والنظر إلى الفروج المحرمة إن ذلك كله يفسد الصوم وينقض الوضوء لتبوث ذلك عن النبي - عليه السلام - في الغيبة و النميمة وسائر الكبائر قياسا عليهما والله أعلم، وكذلك الارتداد إلى الشرك بقول أو بفعل والافطار على الحرام مع العلم به كل ذلك يفسد الصوم عندهم والله أعلم.
مسألة
واختلفوا في الصائم يمضمض ويستنثر فيسبقه الماء إلى حلقه فقال أصحابنا لا شيء عليه وقال الحسن والأوزاعي عليه في المضمضة إذا كان ذاكر الصيامه قضا يوما مكانه وروي عن مالك في الاستنثار مثله وقال بعضهم إذا كان توضأ في وقت الصلاة فسبقه الماء لا شيء عليه وإن كان في غير وقتها قضى يوما والله أعلم.
واختلفوا فيمن أكل ناسيا فقال أكثر العلماء لا شيء عليه لقول النبي - عليه السلام - لمن أكل أو شرب ناسيا الله أطعمه وسقاه وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة وابن عمر وعطا وطاوس وجابر بن زيد وغيرهم وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا وروي ذلك مثله عن الأوزاعي وابن أبي ذويب والشافعي وأصحاب الرأي إلا ربيعة ومالك فروي أنهما قالا عليه القضاء وبه ذهب بعض أصحابنا والله أعلم.
واختلفوا فيمن جامع ناسيا أيضا فقال أصحابنا يقضيان يوما مكانه وروي (2/87)
صفحة 471
مثله عن عطا والأوزاعي والليث بن سعيد وقال آخرون لا شيء عليه وروي ذلك عن مجاهد والحسن البصري وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي.
مسألة.
وأما من بلع مايجد بأد من الإحتراز من غبار الطريق وغيره فلا شيء عليه وكذلك الذباب ونحوه روي ذلك عن ابن عباس والحسن البصري وبه أخذ أصحابنا والله أعلم، إلا أن بعض استحب لمن يعاج الدقيق وغيره أن يتقنع بثوب على فيه ومنخريه فإن لم يفعل فدخل شيء في جوفه على حد الغلبة فلا باس عليه والله أعلم والله أعلم، ومن ابتلع ما يتعلق بين أسنانه من الطعام مما يجري مجرى الدقيق فلا بأس بصومه عند جمهور أهل العلم إذا لم يجد من الإمتناع منه بدا والله أعلم، وأما إن ابتلع ماذكرنا متعمدا فعليه القضاء والكفارة.
الباب الرابع في حكم من أفسد رمضان بإحدى مفسداته.
في هذا الباب سبع مسائل:
المسألة الأولى فيمن أفسد عليه بالجماع متعمدا.
فذهب جمهور العلماء من أصحابنا وغيرهم إلى أن الواجب عليه القضاء والكفارة وبه قال عطا بن أبي رابح وذلك للثابت من حديث أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يارسول الله إني هلكت وأهلكت فقال مافعلت فقال أتيت أهلي نهارا في رمضان قال هل تجد ماتعتق به رقبة قال لا فقال هل تستطيع صوم شهرين متتابعين قال لا فقال هل تجد ماتطعم به ستين مسكينا قال لاثم جلس فأوتي - عليه السلام - بعذق فيه تمر فقال صدق بها مابين لابتيها (2/88)
صفحة 472
أهل بيت أحوج إليها منا فضحك - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجده فقال ادهب وأطعم أهلك ولا تجزي أحدا غيرك وروي عن الحسن البصري أن عليه عتق رقبة أو هدي بذنة أو طعام عشرين صاعا لأربعين مسكينا والله أعلم.
المسألة الثانية في حكم إفساد صومه بالإفطار.
فذهب جمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من فقهاء الأمصار من أفطر متعمدا من أكل أو شرب أن عليه القضاء والكفارة مثل ما على المجامع فيه متعمدا وروي مثله عن ابن عباس وقيل عن النخعي عليه صيام ثلاث ألاف يوما وعن علي وعبد الله قالا لا يقضيه أبدا وإن صام الذهر وشذ آخرون أنما عليه القضاء دون الكفارة وهو مروي عن سعيد بن جبير وابن سيرين وحمادة بن سليمان والشافعي وأهل الظاهر، وسبب الخلاف تنازعهم في قياس المفطر بالأكل على المجامع فمن ذهب إلى أن العلة فيهما واحد وهي انتهاك الحرمة جعل حكمها واحد ومن رأى أن الجماع أشد في انتهاك الحرمة والعقاب الأكبر أنما يوضع لما إليه النفس أميل قال (2/89)
صفحة 473
هذه الكفارة مخصوصة بالجماع وهذا على مذهب من يرى القياس وأما من لا يراه فإنه لا يجاوز بالكفارة المجامع والله أعلم.
المسألة الثالثة.
اختلفوا في المجامع ناسيا فقال بعضهم لا قضاء عليه ولا كفارة وقال آخرون عليه القضاء دون الكفارة روي ذلك عن أهل الظاهر، وسبب الخلاف معارضة القياس للأثر أما القياس فهو تشبيه ناسي الصوم بناسي الصلاة التي ورد فيها القضاء وأما الأثر فقوله - عليه السلام - الله أطعمه وسقاه ويشهد له عموم قوله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه، ومن هذا الباب اختلافهم فيمن ضن أن الشمس قد غابت فأكل والله أعلم.
المسألة الرابعة.
واختلفوا في هذه الكفارة هل هي مرتبة على الإنسان أو هو مخير فيها فذهب بعضهم إلى أنها مرتبة عليه يكفر بالعتق أولا فإن لم يجد فبالصيام وإن لم يجد فبالإطعام روي هذا عن أبي حنيفة وأهل الكوفة وبه قال الشافعي والثوري فيما حكي عنهما وذهب آخرون (2/90)
صفحة 474
إلى أنه مخير فيهما روي ذلك عن الحسن البصري ومالك بن أنس ورووا في ذلك أثر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر رجلا أفطر على عهده أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا وأو في كلام العرب يقضي التخيير وهذا هو الذي يوجبه النظر عندي والله أعلم.
وأصحاب القول الأول احتجوا بحديث الأعرابي المتقدم الذي قال أني هلكت وأهلكت إذ ظاهر الحديث يقتضي الترتيب وقاسوها أيضا على كفارة الظاهر والله أعلم.
المسألة الخامسة.
واختلفوا في مقدار الإطعام فقال بعضهم لا يجزي أقل من ندين لكل مسكين وهما نصف الصاع بصاع النبي - عليه السلام - روي هذا عن أبي حنيفة وغيره وقاسوا بفدية الأذا المنصوص عليها للمحرم وقال آخرون يجزيه مد لكل مسكين وهو مروي عن الشافعي ومالك بن أنس واستدلوا بما روي في بعض طرق الكفارة أن الفرق كان فيه خمسة عشر صاعا والفرق مكيال أهل الحجاز لكن ليس يدل كونه فيه خمسة عشر صاعا على الواجب من ذلك لكل مسكين الدلالة ضعيفة وإنما يدل على أن بدل الصيام في هذه الكفارة هو الفرق والله أعلم.
المسألة السادسة.
واختلفوا في وجوب الكفارة على المرأة إذا طاوعته فذهب جمهور أهل العلم إلى إيجابها عليها وبه قال أبو حنيفة ومالك وأصحابها وزعم الشافعي وداوود فيما روي عنهما الكفارة عليها، (2/91)
صفحة 475
وسبب الخلاف أن النبي - عليه السلام - لم يأمر المرأة بالكفارة في حديث الأعرابي المتقدم والقياس أنها مثل الرجل إذ التكليف جار عليها والله أعلم.
المسألة السابعة.
واختلفوا فيمن جامع أو أكل أو شرب مرارا في أيام شتى من رمضان هل تتكرر الكفارة عليه أم لا.
فقالت طائفة عليه كفارة واحدة مالم يكفر فإن كفر فعليه كفارة أخرى روي هذا عن الزهري والأوزاعي وأبي حنبفة وأصحاب الرأي وبه قال أبي حنيفة وأصحاب الرأي وبه قال أبو عبد الله محمد بن بركة وشيهوا ذلك بالحدود فكما يلزم الزاني حد واحد وإن زنى مرارا مالم يقم عليه واحد منها كذلك تجزي كفارة واحدة عن أفعال كثيرة مالم يكفر عن واحد منها، وقال آخرون عليه لكل يوم كفارة روي هذا عن الشافعي ومالك والليث بن سعيد وغيرهم ولم يشبهوا ذلك بالحدود وجعلوا لكل يوم حكما منفردا أو كفارة منفردة وزعموا أن الفرق بينهما وبين الحدود أن الكفارة فيها نوع قربة والحدود جزم محض وروي عن عطا ومكحول أن عليه في كل يوم يفطر كفارة والله أعلم.
الباب الخامس في شرائط صحة الصوم.
وهن أربع:
الشريط الأول الإسلام.
إذ لا يصح صيام مشرك واختلفوا فيه إذا أسلم في بعض الشهر فقالت طائفة يصوم مابقي ليس عليه قضاء مامضى منه روي هذا عن الشافعي وقتادة والأوزاعي والشافعي ومالك وأصحاب الرأي، وقال آخرون يصوم مابقي ويقضي مامضى منه وروي هذا عن عطا واختلف فيه عن الحسن البصري فقيل عنه يقضي مامضى وقيل لا يقضي واختلفوا أيضا في اليوم الذي أسلم فيه فقيل يكف عنه ثم يقضيه وقيل لا يقضي ذلك اليوم ولا مامضى من الشهر ولعل (2/92)
صفحة 476
من أوجب عليه القضاء أنما يحتج أن الكافر مخاطب بالفرض عند البلوغ وأن من أسقطه يحتج بأن الإسلام أسقط منه ماكان في الشرك لقول النبي - عليه السلام - الإسلام جب لما قبله وأن الفرض إنما وجب عليه ساعة أسلم فيه ولعل من أوجب عليه قضاء يومه يحتج بان صوم بعض النهار لا يعتمد عليه إذ اليوم لا يتبعض الصوم فيه ولا يكون قربةوالله أعلم.
الشريط الثاني العقل.
لأن المجنون وزائل العقل غير مخاطب بالفرض لأن الله تعالى يقول: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، وهذا غير شاهد له، واختلفوا في المجنون إذا أفاق في بعض الشهر فقيل يقضي مامضى وقيل لا يقضاء عليه وأما إن كان الجنون يأخذ مرة بعد مرة حتى يذهب عقله فإنه إذا جن يوما أو يومين فليقضي الصوم دون الصلاة إلا إن دخل عليه الوقت وهو صحيح ولم يصل حتى جن فعليه قضاء تلك الصلاة.
مسألة.
والمغمى عليه قبل دخول رمضان فلم يفق إلا في شوال فيه اختلاف وعن الحسن ان المغمى عليه لا يقضي إلا اليوم الذي أفاق فيه وأما إن أغمي عليه أياما فأفاق ففيه اختلاف، قال بعضهم إذا نوى الصوم أول الليل ثم أغمي عليه في بعضه فهو بمنزلة النائم ويجزيه ذلك اليوم فإن أغمي عليه أكثر من ذلك اليوم فعليه البدل لأنه ذخل فيه وهو لا يعقل وحكي عن مكحول أنه قال القضاء على المغمى عليه وإني لأحب أن يتطوع بالقضاء فهذا كله ضعيف فإن الإغماء والجنون صفة يرتفع بها التكليف فإذا ارتفع لم يوصف بصائم ولا مفطر والله (2/93)
صفحة 477
أعلم.
والنائم في هذا بمنزلة المغمى عليه لا قضاء عليه في الصوم إلا إن كان نام على جنابة لأن المعنى عليه صحيح العقل وإنما افته في جسده عند بعضهم والله أعلم.
الشريط الثالث البلوغ.
لأن الصبي مرفوع عنه القلم وقد اختلفوا في الوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصوم فحكي عن ابن سيرين والحسن وعطا وغيرهم أنه يؤمر به إذا طاقه وقيل عن بعضهم إذا بلغ اثنا عشر سنة يستحب له أن يتكلف الصوم ليعتاده، وقال آخرون لا يؤمر به حتى يحتلم وفيه أيضا إذا بلغ في رمضان قال بعضهم يقضي مامضى وقيل لا قضاء عليهم والله أعلم.
الشريط الرابع الطهارة.
في صحة الصوم الطهارة من الحيض والنفاس إذ صامهما في تلك الحالة معصية لربهما لما ورد في الأثر عن النبي - عليه السلام - من تفسيقة أياهما إذا صامتا ولكن الحيض تخفي الأكل (2/94)
صفحة 478
عن الناس ليلا تبيح البراءة من نفسها والنفساء لا تخفيه لأن ذلك أمر مشهور عند الناس وإذا جاء المرأة الحيض في بعض نهار الصوم فلها أن تأكل وتشرب روي هذا عن الحسن وقتادة وعطا وحماد بن سليمان وسعيد بن جبير والأوزاعي وغيرهم وأما إذا طهرت في بعض اليوم فإن يستحب لها أن تكف عن الأكل تعظيما لحرمة رمضان وبه قال الأوزاعي وجماعة وأصحاب الرأي وقال آخرون تأكل في الحالتين جميعا والله أعلم.
الشريط الخامس القدرة عليه.
في صحة الصوم القدرة عليه واختلفوا في الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة العاجزين عنه فيما يلزمهما بعد إجماعهم على جواز الإفطار لهما، فقال قوم عليهما الإطعام يطعم كل واحد منهما عن كل يوم مسكينا غداء وعشاء وهو مروي عن سعيد بن جبير وطاوس والأوزاعي وبه قال أصحابنا وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وخيره بعضهم فقال إن شاء أطعم هذا وإن شاء حفن كما فعل أنس بن مالك وقال آخرون ليس عليه شيء روي هذا عن مكحول وجماعة وقد روي أن جابر بن زيد رحمه الله أمر بعض أصحابه أن يطعم عن أمه كانت عجوزا لا تقدر على الصوم ثم أمر سنة أخرى أن يصام عنها، وسبب الخلاف تنازعهم في قراءة الآية وعلى هذه الآية مساكين الآية فقراء بعضهم لا يطيقون فمن أوجب العمل بالقراءة التي تتبت في المصحف إذا وردت من طريق العدول قال الشيخ والعجوز (2/95)
صفحة 479
منهم ومن لم يوجب بها عملا جعل حكمهما حكم المريض والله أعلم.
فصل.
وأجمع العلماء على ان من سنن رمضان تعجيل الفطور و تأخيرالسحور لقول النبي - عليه السلام - لا تزال أمتي بخير مالم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم ولا يزال الدين ظاهرا ماعجلوا الإفطار فإن اليهود والنصارى كانوا يؤخرون الإفطار قال تسحروا فإن السحور بركة، وقال فصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور.
وكذلك أجمعوا أن من سننه كف اللسان والجوارح عن الرفث والخنا وما لا ينبغي لقول النبي - عليه السلام - الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يفسق، الحديث.
ومن سنن رمضان أيضا القيام في لياليه بالجماعة في المساجد والإعتكاف في آخره وإخراج زكاة الفطر عند تمامه.
ومن سننه أيضا ترك السواك الرطب بالنهار وترك المبالغة في المضمضة والإستنشاق لقوله - عليه السلام - إذا توضأت فأبلغ إلا أن تكون صائما، والله أعلم وبالله التوفيق. (2/96)
صفحة 480
الباب السادس في مبيحات الإفطار.
وهي: السفر، والمرض، والحمل، والرضاع وغير ذلك وهذا الباب ينحصر الكلام فيه في ثلاث فصول.
الفصل الأول.
فيمن أبيح له الصوم والإفطار بإجماع وهم المريض باتفاق والمسافر باختلاف ولقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر} الآية، وفي هذا الفصل سبع مسائل.
المسألة الأولى.
في المسافر هل الإفطار أفضل أم الصوم، فاختلفوا في ذلك فذهب بعضهم إلى أن الصوم أفضل وبه قال أنس والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وجماعة وروي ذلك عن أبي حنيفة ومالك وذهب آخرون إلى أن الإفطار أفضل وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر والشعبي والأوزاعي وجماعة وذكر عن ابن عمر سعيد بن جبير أنهما يكرهان الصوم في السفر زعما عن عبد الرحمان بن عوف رخص الله أن الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وذهب أصحابنا وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين إلى التأخير في ذلك وذكروا ذلك عن النبي - عليه السلام - روي هذا عن ابن عباس وأبي سعيد وءانس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطا ومجاهد والأوزاعي وغيرهم، وسبب الخلاف معارضة المفهوم من ذلك لظاهر بعض القول وذلك أن المفهوم من الفطر في السفر إنما هو الرخصة لمكان المشقة وذلك نص النبي - عليه السلام - هي رخصة من الله (2/97)
صفحة 481
تعالى فمن أخذها فحسن ومن صام فلا جناح عليه وماكان رخصة فالأفضل تركها، وأما منع الصوم في السفر فروى ذلك أن النبي - عليه السلام - قال ليس من البر الصوم في السفر، وأما من خير في ذلك فاحتج بقول النبي - عليه السلام - لحمزة بن عمر الأسلمي حين سأله عن الصوم في السفر فقال إن شئت فصم وإن شئت فافطر، وذهب آخرون إلى ان أفضلهما أيسرهما على الإنسان روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة لقول الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} الآية.
المسألة الثانية.
واختلفوا في حد المسافة التي يفطر فيها المسافر فذهب جمهور العلماء إلى أنه إنما يفطر في السفر التي تقصر فيه الصلاة وبه قال عطا والشعبي وذهب قوم إلى أنه يفطر في كل ماينطبق عليه اسم المسافر وهم أهل الظاهر وذهب أصحابنا من أهل الجبل إلى أنه لا يفطر (2/98)
صفحة 482
حتى يجاوز الحوزة المحدودة عندهم أو يسير ثلاثة أيام وهو السفر النائي عندهم إلا أن يكون منزله في طرف الحوزة فإنه يفطر إذا جاوز فرسخين بعد الحوزة بعد أن يجاوز فرسخين فإنه ينهر ولا يسرا منه إلا أن يريد السفر أناءيا فلا بأس.
وسبب الخلاف في هذا معارضة ظاهر اللفظ يقتضي أن كل ماينطق عليه اسم مسافر فله أن يفطر لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر} الآية، وأما معنى المعقول من إجازة الفطر في السفر فهو المشقة فلما كانت لا توجد في كل سفر وجب أن يكون الفطر في السفر الذي فيه المشقة ولكن لما كانت الصحابة كلهم مجموعون على الحد في تقصير الصلاة، وأما المرض الذي يجوز فيه الفطر فذهب قوم إلى المرض الغالب وقيل هو الذي تلحق من الصوم معه مشقة وقيل هو ما ينطلق عليه اسم مرض وقال أصحابنا هو المرض الذي يضعف عن ويحتاج معه إلى الإفطار ولا يقدر أن يأكل فيه مايبلغه إلى الليل والله أعلم، وسبب الخلاف هو بعينه اختلافهم في حد السفر الثالثة واختلفوا في الوقت الذي يفطر فيه الخارج إلى السفر فقال عضهم يفطر من يومه إذا خرج مسافرا روي ذلك عن عمر بن شر حيبل والشعبي وقيل يفطر إذا برز من البيت وقال آخرون لا يفطر من يومه ذلك وبه قال الزهري ومكحول والأوزاعي وفقهاء الأمصار وقيل عن الحسن البصري أنه يفطر إن شاء في بيته يوم يريد السفر وفي أثر أصحابنا أن المسافر لا يفطر حتى يصير في حد السفر فيعقد الإفطار حتى يصير في حد السفر فيعقد الإفطار (2/99)
صفحة 483
من الليل فيصبح حينئذ مفطرا وكذلك المريض وكذلك المريض لا يفطر حتى ينوي الافطار من الليل وقد روي عن أبان بن وسيم رحمه الله أنه برز من منزله لسفر نائي فأكل وقصر الصلاة والله أعلم.
وسبب الخلاف في هذا الباب هو معارضة الأثر للنظر وذلك أنه تبث من حديث ابن عباس أن النبي - عليه السلام - صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر فأفطر الناس معه فظاهر هذا أنه أفطر بعد أن بيت الصوم أما الناس فلا شك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم وروي عن بعضهم أنه جاوز البيوت دعا بالسفر فقيل له لست ترى البيوت فقال أترغب عن السنة النبي - عليه السلام - وأما النظر فإنه لما كان المسافر لا يجوز له إلا أن يبيت الصيام ليلة سفرهلم يجز له أن يبطل صومه لقول الله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} والله أعلم.
المسألة الرابعة.
وذهب قوم من أهل الظاهر إلى أن صوم المريض والمسافر لا يجزيهما عن صيامهما وزعموا أن فرضهما هو أيام أخر، وذهب سائر العلماء إلى أنهما إن صاما وقع صيامهما، وسبب الخلاف تردد قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر} إلى قوله: {من أيام أخر} بين أن يحمل على الحقيقة فلا يكون هنالك محذوف أصلا أو يحمل على (2/100)
صفحة 484
المجاز ويكون التقدير فأفطر فعدة من أيام أخر وهذا هوالذي يعرف بلحن الخطاب فمن حمل الآية على الحقيقة من غير تقدير حذف قال فرضه عدة من أيام أخر ومن قدر وأفطر قال إنما فرضه عدة من أيام أخر إذا أفطر وأما إذا صام فلا وكلا الفريقين يرجح مذهبه بالأثر الشاهدة لمفهومه أما أهل الظاهر فيحتجون بحديث بن عباس أنه قال لما بلغ - عليه السلام - الكديد أفطر فأفطر الناس معه فكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره - عليه السلام - فقالوا فهذا يدل على نسخ الصوم من المسافر وأما جمهور العلماء فاحتجوا بحديث أنس قال سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم قال أبو عمر والحجة على الظاهر اجماعهم على ان الفريضة إذا صام أجزاه والله أعلم.
المسألة الخامسة.
واختلفوا هل يجوز للصائم بعض رمضان أن ينشي سفرا ثم لا يصوم فيه، فروي عن عبيدة السلماني وسوير بن عليقمة وأبي مجلد أنه إن سافر فيه صام ولم يجزوا له الإفطار وذهب جمهور فقهاء الأمة إلى إن شاء صام وإن شاء أفطر وسبب الخلاف الاحتمال الواقع في قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، وذلك أنه يحتمل أن يفهم منه أن من شهد بعض الشهر الواجب عليه أن يصومه كله ويحتمل أن يفهم منه أن من شهد بعضه أن يصوم ذلك البعض (2/101)
صفحة 485
فقط ويؤيد قول الجمهور إنشاء النبي - عليه السلام - السفر في رمضان فأفطر حين بلغ الكديد والله أعلم.
المسألة السادسة.
واختلفوا في المسافر يصوم في السفر ثم يعقبه الإفطار، فقال بعض أهل الخلاف مع قوم من علمائنا تام كان في السفر أو في الحضر، وقال آخرون كل صوم في السفر أعقبه الإفطار فهو فاسد وحجتهم أنه يقال للمسافر عليك أن تصوم ولك أن تفطر برخصة الله تعالى فأي الحكمين إلتزم وجب عليه إتمامه فإن حل ماعقد على نفسه كان هادما لما تدم من فعله غير مستحق لثواب عمله كالأجير الذي يرجع قبل إتمام مااستؤجر عليه فلا يستحق ثواب ماضي عمله، واختج أصحاب القول الأول أن الآية التي فيها رخصة الإفطار لا تدل على فساد صومه على أي وجه كان قال غير هؤلاء من أصحابنا أن كل صوم صامه في السفر فهو تام إلا صوما بين فطرين فإنه فاسد والله أعلم.
المسألة السابعة.
واختلفوا في المسافر يقدم المصر في النهار بعدما أكل في أوله فروي عن ابن مسعود أنه إن أكل أول النهار فليأكل آخره وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأكثر أصحابنا وذكر عن جماعة من العلماء منهم الحسن وجابر بن زيد وأبو نوح صالح الدهان أنه لا يأكل بقية يومه ذلك وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي وفي أثر أصحابنا أن جابر بن زيد قدم من سفره فوجد امرأته قد طهرت من الحيض في يومه ذلك فوطيها وإلى هذا ذهب بعض فقهاء الأمصار وقد يحتمل أن يكون إنما أمره العلماء الذين قدمنا ذكرهم بالكف في بقية يومه لمكان التهمة به فمن لا يعلم عذره ولذلك استحب جماعة من العلماء لمن علم أنه يدخل المصر أول يومه ذلك أن يبيت صيامه من الليل ثم يدخل المصر صائما لأن (2/102)
صفحة 486
كلهم لم يوجبوا على من ذخل مفطر كفارة إذا أكل أول يومه خارجا من ستة أميال، والله أعلم وبالله التوفيق.
الفصل الثاني في لوازم الإفطار.
المباح للمريض والمسافر ومن في معناهما وهي وهي ثلاث:
أحدهما القضاء وهو واجب على كل مفسد الصوم أو تارك له بسفر أو مرض لقول الله تعالى: {فعدة من أيام أخر}، ويتعلق بالقضاء تسع مسائل.
المسألة الأولى.
يستحب تعجيله لما روي أن جابر بن جابر والحسن البصري كانا يأمران ببتعجيله ويقولان لا تؤخروه وروي أيضا أن أم سلمة رضي الله عنها تقول لأهلها من كان ناسيا سيئا من رمضان فليقضه بعد الفطر من الغد فإن ذلك يعدل بعض صوم رمضان وإن أخروا القضاء فلا بأس عليهم لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كنت أفطر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان فيما أقضيه إلا في شعبان وقيل عن أبي نوح من أصحابنا إن أفسده بالأكل أو بتضييع الغسل متعمدا فلم يقضه من الغد من الإفطار أنه قد انهدم ماصام قبله ورخص فيه عمروس بن فتاح ايضا وأما إن أفطر بالسفر أو بالمرض فأخر قضاءه فلا يفسد صومه والله أعلم.
المسألة الثانية.
واختلفوا في صفة صوم القضاء فقال أصحابنا يجب التتابع في القضاء كما يجب في الأداء روي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عمر والحسن البصري والنخعي وعروة بن الزبير وبه قال جابر بن زيد وأبو عبيدة وعامة فقهاءنا، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت نزلت فعدة (2/103)
صفحة 487
من أيام أخر متتابعات فسقطت متتابعات وقال غير أصحابنا من مخالفيهم أحص العدة وصح كيف شئت ورووا ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وأني بن مالك ومعاذ ورافع بن خديج وسعيد بن جبير وغيرهم من فقهاء الأمصار.
وسبب الخلاف معارضة القياس لظاهر اللفظ وذلك (2/104)
صفحة 488
أن القياس يقضي أن يكون القضاء على صفة الأداء أصله الصلاة والحج وظاهر قوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} يقتضي إيجاب العدد لا إيجاب التتابع والصحيح القول الأول والله أعلم.
المسألة الثالثة.
واختلفوا في المسافر والمريض إذا أخر القضاء حتى يدخل رمضان آخر وقد أمكنهما القضاء فقال أصحابنا يصومان هذا الحاضر ويطعمان على الماضي لكل يوم مسكينا غداءه وعشاءه ويقضيانه بعد ذلك صياما روي هذا عن ابي هريرة وابن عباس وبه قال عطاء والقاسم بن محمد والزهري والأوزاعي والثوري ومالك والشافعي وجماعة، وقال آخرون يصوم هذا الحاضر ثم يقضي بعد ذلك ماعليه صياما وليس عليه اطعام وروي ذلك عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي، وسبب الخلاف هل تقاس الكفارة بعضها على بعض فمن أجاز القياس قال بكفارة الاطعام قياسا على المفطر تعمدا لأن كليهما منتهك لرحرمة الشهر المفرط بالإفطار والمفرط بالتأخير ومن لم يجزه قال عليهما القضاء فقط والله أعلم.
واختلف القائلون بكفارة الإطعام في قدر الإطعام فقيل يطعم عن كل يوم مدا روي ذلك عن أبي هريرة والقاسم بن محمد ومالك والشافعي وقيل يطعم عن كل يوم نصف صاع وبه قال أصحابنا ووافقهم على ذلك الثوري والله أعلم.
المسألة الرابعة.
واختلفوا إذا اتصل الفرض بالمريض والسفر بالمسافر حتى يدخل عليهما رمضان المقبل فقال أصحابنا يصومان هذا الحاضر ولا يطعمان عن المريض كما قدمنا فإذا انسلخ الحاضر صياما ما عليهما روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وسعيد (2/105)
صفحة 489
ابن جبير وقتادة وهذا مخالف لنص القرآن والذي وجدت في أثر أصحابنا عن ابن عباس أنه يصوم هذا الحاضر ويطعم عن الماضي ويقضيه بعد ذلك بالصوم وليس عليه اطعام روي هذا عن الحسن البصري والنخعي وطاوس وحمادة بن سليمان والأوزاعي ومالك والشافعي وغيرهم وهذا قول أصحابنا الذي قدمناه.
المسألة الخامسة.
واختلفوا في المريض يفطر ثم يموت قبل أن يبرأ وفي سفر يفطر ثم يموت في سفره فقال بعضهم لا شيء عليه وروي هذا عنابن عباس وعطا وحود بن سرين والشافعي والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وبه قال أصحابنا وكذلك المسافر لا شيء عليه روي ذلك عن جابر بن زيد والحسن البصري وفقاء الأمصار وأصحاب الرأي، وقال آخرون يطعم عن المريض إذا مات قبل أن يصح روي ذلك عن طاوس وقتادة والصحيح الأول لما روي عن جابر بن زيد والحسن البصري وعكرمة أنهم قالوا من مات في رخصة الله فلا شيء عليه وبه قال ابن عباس وأبو عبيدة والعامة من الفقهاء والله أعلم.
المسألة السادسة.
واختلفوا فيمن عليه قضاء رمضان فمات قبل أن يقضيه فقال بعضهم لا يصام عنه لكن يطعم عنه لكل يوم مسكين وروي هذا عن ابن عباس وعائشة والحسن البصري وابن عمر والزهري وقال آخرون يصوم عليه وليه وإن لم يستطع إطعم روي ذلك أبي حنيفة وقيل عن ابن عباس أنه قال ماكان من رمضان أنه قال ماكان من رمضان يطعم عنه وماكان من صوم النذر يقضى عنه وقال قوم لا يصوم أحد عن أحدكما (2/106)
صفحة 490
لا يصلي عنه وقال أصحابنا إذا فرط في القضاء وأو صابه أطعم عنه وليه أو صام عنه وقال أبو عبيدة يطعم عنه لكل يوم مسكينا صاعا من براذا أوصا به وهو قول ابن عباس وقيل يطعم عنه مد لكل يوم روي ذلك عن الوهري والشافعي ورأت طائفة أن يصام عن الميت روي ذلك عن طاوس والحسن والزهري وقتادة وسبب اختلافهم في هذا الباب معارضة القياس الأثر وذلك أن القياس لا يصوم أحد عن أحد كما لا يصلي عنه وأما الأثر فهو ماروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال من مات وعليه صوم صام عنه وليه ولما روي أن امرأة سألته عن أمها ماتت وعليها صيام وقال أرأيت لو كان على أمك دين أكنت تقضينه قالت نعم فقال دين الله أحق بالقضاء وأما من أوجب الإطعام فمصيره إلى قوله تعالى: {وعلى الدين يطيقونه فدية طعام مساكين} ومن خير بين الصوم والإطعام فإنه جمع بين الآية والأثر والله أعلم.
المسألة السابعة.
وأجمع أهل العلم فيما وجدت على أن المراة إذا صامت بعض القضاء فحاضت أنها تبني إذا طهرت، واختلفوا فيمن فرض في بعضه فروي إن سعيد بن المسيب والحسن وعطا والشافعي وجماعة أنه يتم إذا برئ، وروي عن النخاعي والشافعي وأصحاب الرأي أنهم يقولون أنه يستأنف الصوم، والأول أصح لأنه معذور. (2/107)
صفحة 491
واختلفوا فيه إن صام بعض القضاء ثم سافر فأفطر، فقال بعضهم يستأنف لأنه هو الذي أحدث السفر وبه قال مالك والشافعي وقيل أنه يتم بقيته روي ذلك عن الحسن والله أعلم.
الازمة الثانية.
اطعام المساكين لمن ضيع القضاء حتى يدخل عليه رمضان الثاني وقد تذكرنا هذا في خلال المسائل المتقدمة.
الازمة الثالثة.
الوصية به تلزم المفرط في صوم القضاء حتى يحضره الموت ثم إن أوصا لزم الورثة القضاء عنه بالإطعام أوبالصيام كما ورثوه متتابعا ثم إن انقطع بفعل أحدهم أوأفسده فسد على الجميع ويلزم من أفسده ذلك وإن صامه واحد منهم أجزا عنه إذا كان من الورثة ولا يجزي عنهم صوم الأجنبي ورخص بعضهم صوم وارث الورث وينبغي لهم أن يقدموا في الصوم النساء قبل الرجال لما يعارض النساء من الحيض والنفاس وأما إن أوصا بصوم النذور أو الكفارات فإنه يطعم عنه للنذر لكل يوم مسكينا مدين وعشرة لكل كفارة يمين والله أعلم.
الفصل الثالث.
في الحامل والرضع يخافان على أنفسهما وأولادهما الضعف الذي يوردهما الموت فاختلف العلماء فيهما إذا أفطرا على أربعة مذاهب:
أحدهما: أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما وهذا مروي عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن حبيب.
والقول الثاني: أنهما يقضيان فقط ولا إطعام عليهما بمنزلة المريض وروي هذا عن الجسن البصري وعطاوالضحاك والنخعي والأوزاعي والزهري وأصحاب الرأي وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأبو عبيدة وأبو ثور.
والقول الثالث: أنهما يفطران ويطعمان ثم يقضيان (2/108)
صفحة 492
وبه قال أصحابنا ووافقهم على ذلك الشافعي وهو مروي عن مجاهد، إلا أن أصحابنا قالوا الحامل تطعم من مالها والنمرضع تطعم من مال زوجها الذي هو والد صبيها.
والقول الرابع،
أن الحامل تقضي ولا تطعم بمنزلة المريض والمرضع تقضي وتطعم روي ذلك عن مالك والله أعلم.
وسبب الخلاف في هذا الباب هو تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم وبين المريض فيما شبههما بالمريض قال عليها القضاء فقط ومن شبههما بالذي يجهده الصوم قال عليهما الكفارة فقط ومن جمع بين الأمرين فيشبه أن يكون ورأى أن فيهما من واحد شبها فقال عليهما القضاء من جهة مافيهما من شبه المريض وعليهما الفدية من جهة مافيهما من شبه الذي يجهده الصوم.
مسألة.
فكل من أجهد الصوم في شهر رمضان أو في قضاءه فاضطر إليه لأن الله سبحانه أحل الميتت للمضطر إليها وليس قتل النفس قربة إلى الله تعالى وقد روي عن ابن عمر أنه قال أن مات على تلك الحالة وهو يقدر على تنحية نفسه بالطعام أو بالشراب أنه في النار ولعمري لكذلك وكذلك (2/109)
صفحة 493
أن أكره على الأكل فإنه يأكل ولا يموت ثم يقضي ماعليه والله أعلم.
الباب السابع.
في الصوم المنذوب إليه والكلام ينحصر فيه على ثلاث أقسام.
القسم الأول.
في الأيام المنهي عن الصوم فيها وهي ستة يوم الشك، ويوم الفطر، ويوم الضحى، وأيام التشريق وهي ثلاث أيام بعد يوم الضحى وقد أجمع العلماء على ثبوت النهي عن ضياع هذه الأيام واتفقوا على منع صوم يوم الفطر ويوم الضحى واختلفوا في أيام التشريق فأجاز بعضهم صيامها روي ذلك عن ابن عمر والأسود بن زيد وكره آخرون صيامها وهو مروي عن الشافعي ومالك إلا أن مالك أجاز صيامهما للتمتع بالحج إذا وجب عليه الصوم وسبب الخلاف تردد قوله - عليه السلام - فيها أنها أكل وشرب وبعال هو بين أن يحمل على الوجوب أو الندب فمن حمله على الوجوب قال صومهما محرم ومن حملهما على الندب قال هو مكروه إلا أنه عارض قوله - عليه السلام - لايصح صيام يومين يوم الفطر ويوم الأضحى فدليل الخطاب يقضي أن ماعدهما يصح صومه، واختلفوا في يوم الشك وقد تقدم ذكره، وقد منع قوم من صوم يوم الجمعة إلا أن يتقدمه بصوم يوم قبله ويوم بعده روي ذلك عن أبي هريرة والزهري وغيرهما ورخص فيه آخرون، وسبب (2/110)
صفحة 494
الخلاف معارضة الأثر وذلك أنه تبث من طريق ابن مسعود أن النبي - عليه السلام - كان يصوم ثلاث أيام من كل شهر من كل شهر قال وما رأيته يفطر يوم الجمعة ومنه نهيه عن صيامه ومنه نهيه عن صيامه إلا أن يتقدمه صوم يوم قبله ويوم بعده، واختلفوا صوم يوم السبت إلا فيما فرض عليكم ووردا باحة صومه في حديث آخر والله أعلم.
واختلفوا في الوصال في الصوم أيضا لقوله - عليه السلام - أياكم والوصال فإن كان ولا بد فمن سحن إلى سحر وروي بعضهم أنه كان يوصل وهو ابن الزبير وثبت النهي أيضا عن صيام الدهر والله أعلم.
القسم الثاني.
الأيام المندوب إلى صومها
وهو صوم يوم عاشوراء باتفاق لقوله - عليه السلام - من طريق ابن عباس من (2/111)
صفحة 495
صام يوم عاشوراء كانت كفاره ستين شهرا وعتق عشر رقاب مؤمنات من ذرية إسماعيل - عليه السلام - واختلف فيه فقيل هو يوم عاشر المحرم وقيل التاسع.
ومنها صوم عرفة لقوله - عليه السلام - صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والآتية واختلف في صومه للواقف بعرفة فكرهه بعضهم ليلا يضعفه عن الدعاء.
ومنها صيام ستة أيام من شوال لقوله - عليه السلام - من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر ومنها صوم الأيام البيض وهي الثلاث عشر والرابعة عشر والخامس عشر لما روي عنه - عليه السلام - وكان يصومها وأنه قال لعبد الله بن عمر لما أكثر الصيام مايكفيك ثلاثة أيام من كل شهر قال أطيق أكثر من ذلك قال خمسا قال أطيق أكثر من ذلك قال أحد عشر قال أطيق أكثر من ذلك قال - عليه السلام - لا صوم فوق صوم داوود - عليه السلام - شطر الدهر صيام صوم يوم وإفطار يوم ومنها صوم الإثنين والخميس لما روي أنه كان يصومهما وأمر بهما غيره، ومنها شهر (2/112)
صفحة 496
شعبان لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - عليه السلام - لم يستتم شهر قط وأكثر صيامه في شعبان ومناه صيام رجب لما تبث في الحديث أنه يذهب وغر الصدور، ومنها صيام العشر لما ورد فيها من الفضل عن النبي - عليه السلام - لمن يصومهما والله أعلم.
القسم الثالث في شروط الصوم التطوع.
وهي بعينها شرط صوم الفرض ولم أعرف أحد لم يشترط النية فيه، واختلفوا في وقت النية أنما كما تقدم قبل هذا واختلفوا فيمن أفطر في صوم التطوع من غير عذر، فأوجب أصحابنا عليه القضاء وبه قال مالك (2/113)
صفحة 497
وأبو حنيفة وكذلك كل تطوع أفسده بعدما ذخل فيه من صلاة أوحج أو صوم فإنه يجب عليه أقضيه عند أصحابنا، وقال آخرون لا قضاء علسه لأن الله أعدل من أن يؤاخذه بما لم يفترض عليه وزعم ابن رشدم من فقهاء قومنا أنهم أجمعوا على أن من دخل في الحج أو العمرة تطوعا ثم أفسده أن عليه القضاء وأنه أجمعوا على أن من خرج من صلاة التطوع ليس عليه قضاء متردد الصوم بين الصلاة والحج فيمن شبهه بالحج قال عليه القضاء ومن شبهه بالصلاة قال لا قضاء عليه، والصحيح عندنا أن كل تطوع أفسده بعد الدخول فيه أن عليه قضاء، وسبب الخلاف أيضا اختلاف الأحديث وذلك.
مسألة.
واختلفوا في صيام التطوع إذا عزم عليه في التهار فأفطر، فروي عن ابن عباس وابن عمر أنه يقضي يوما مكانه وهو قول أصحابنا فيما وجدت في الأثر، واحتجوا بحديث شداد بن أوس عن النبي - عليه السلام - قال أخوف ماأخاف على أمتي الشهوة الخفية قال قلنا وما الشهوة الخفية قال يصبح أحدطك صائما فتعرض له شهوة فيواقعها ويدع صومه، وذكر عن سعيد بن جبير أنه دعي إلى طعام فقيل له عزمت عليك الإفطار فقال لأن تختلف الخناجر في بطني أحب إلى من أفطر قالوا وإن فعل ذلك وهو عالم بما عليه كان عليه الإثم مع القضاء، وزعم أن بعض قومنا يقولون إذا أقسم عليك أخوك المسلم فبر قسمته وأفطر وأقض يوما مكانه وروي ذلك عن الحسن وغيره و أماإذا استثنا عند أصحابنا في صوم التطوع فإنه يصيب استثاه ويفطر مالم ينتصف النهار وإذا انتصف النهار فلا يفطر والله أعلم. (2/114)
صفحة 498
الباب الثامن في الإعتكاف وحقيقته.
في اللغة اللبث في المكان. وفي الشريعة اللبت في المسجد للعبادة وهو قربة من نوافل الخير وواجب بالنذر لقول النبي - عليه السلام - من نذرأن يطيع الله فليطعه الحديث، ولا خلاف في استحبابه بغير النذر إلا ماروي عن مالك بن أنس أنه كره الدخول الفيه مخافة ألا يوفي بشروطه وهو مندوب إليه في كل زمان ولاسيما في رمضان وبخاصة العشر الأواخر منه لطلب ليلة القدر لما تبث أن اللنبي - عليه السلام - كان يعتكفها حتى مات صلوات الله عليه وبركاته والكلام فيه ينحصر في ثلاث فصول.
الفصل الأول.
الفصل الأول في أركانها وهي أربعة.
الركن الأول.
الإستمرار القيام على عمل مخصوص من العبادة كالصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى خاصة وقيل جمع أعمال البر المختصة بالآخرة من شهود الجنازة ودرس العلم وغيرها، وسبب الخلاف أنه أمر مسكوت عنه أعني ليس فيه حد في الشرع فيمن فهم من الإعتكاف حبس النفس على الأفعل المختصة بالمساجد قال لا يجوز له غير الصلاة والقراءة ومن فهم منه حبس النفس على القرب الأخروية أجاز له غير ذلك، وقد روي عن علي أنه قال من اعتكف فلا يرفث ولا يفسق وليشهد الجمعة والجنازة (2/115)
صفحة 499
ويوصي أهله إذا كان له حاجة وهو قائم ولا يجلس وروي عن سعيد بن جبير والنخعي والحسن ومنع آخرون المعتكف من شهود الجنازة وعياة المرضى روي هذا عن عطا وعروة بن الزبير وجاهد والزهري، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها لا تعود مريض إلا إن كان على طريقها ولا باس على المعتكف أن يتحدث بمالا إثم فيه لما روي أن صفيه زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - زارته في المسجد وهو معتكف فتحدثت معه معه ساعة ثم قامت لتنقلب فشيعها إلى باب المسجد ولا بأس أن يؤمر بقضاء حوائجه ومافيه مصلحة لمعاشه ويعقد النكاح ويطيب والله أعلم.
الركن الثاني.
ترك الجماعة ومقدماته لقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} وأجمعوا على فساد اعتكاف المجامع في الفروج، واختلفوا فيما (2/116)
صفحة 500
يجب عليه فقال أصحابنا عليه ماعلى المجامع في نهار رمضان وروي ذلك عن الحسن البصري والزهري وقال آخرون فسد اعتكافه ولا غرم عليه في ماله وروي هذا عن فقهاء الأمصار من أهل المدينة وأهل العراق وأهل الشام وقيل يتصدق بدينار وهو مروي عن مجاهد، وقيل يعتق رقبة فإن لم يجد فليهدي بدنة فإن لم يجد تصدق بعشرين صاعا من تمر.
واختلفوا في فساد الإعتكاف أيضا بما دون الجماع من القبلة واللمس فروي عن عطا أنه قال لا يفسد إلا الجماع وقيل جميع ذلك يفسد روي ذلك عن مالك وغيره، وسبب الخلاف اشتراك الجماع دون غيره قال لا يفسد إلا الجماع ومن ذهب إلى انه ينطلق على الجماع فما دونه قال يفسد الإعتكاف وجميع ذلك والله أعلم.
الركن الثالث، الصوم.
وقد اختلفوا في جواز الإعتكاف بغير صوم فقال أصحابنا لا اعتكاف إلا بصوم وبه قال مالك وأبو حنيفة وروي ذلك عن عمربن الخطاب وابن عباس وعائشة على خلاف أيضا وبه قال عروة ابن الزبير والأوزاعي والزهري وأصحاب الرأي، وقال آخرون الإعتكاف زائز بغير صوم إلا ان يوحيه المعتكف على نفسه نذرا وروي ذلك عن عن الحسن البصري وعلي وابن مسعود وبه قال الشافعي، وسبب الخلاف اقتران الاعتكاف بالصوم في آية واحدة وإن اعتكاف النبي - عليه السلام - إنما وقع في رمضان فمن راى أن الصوم المقترن بالاعتكاف هو شرط فيه قال لابد من الصوم ومن رأى أن ذلك أنما وقع اتفاق في زمان الصوم لا أن ذلك مقصود - عليه السلام - في الإعتكاف والله أعلم. (2/117)
صفحة 501
الركن الرابع.
المعتكف فيه وهو المسجد وقد اتفق جمهور العلماء على أن الإعتكاف أنما أضيف إلى المسجد لأنه من شروطه ووأجمعوا على أن الإعتكاف جائز في المسجد الثلاث بيت الله الحرام وبيت المقدس ومسجد النبي - عليه السلام - واختلفوا في غير هذه المساجد الثلاثة فقال أصحابنا يجوز الإعتكاف في كل مسجد تجمع فيه الصلاة وبه قال فقهاء الأمصار الشافعي وأبو حنيفة والثوري ومالك وقال آخرون لا يجوز إلا في مسجد جمعة ليلا ينقطع عمل المعتكف بالخروج إلى الجمعة والأول أصح لعموم قول الله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} والله أعلم، والنية من شروط الإعتكاف عند الجميع فيما علمت والله أعلم.
الفصل الثاني.
في وقت دخول المعتكف في المسجد وخروجه منه وفي أثر أصحابنا إذا نوى أن يعتكف شهرا فإنه يدخل قبل غروب الشمس من أول ليلة منه وروي هذا عن النخعي ومالك والشافعي وأهل الرأي وأما إذا نوى أن يعتكف أيما أو يوما واحدا فإنه يدخل قبل طلوع الفجر وبه قال فقهاء الأمصار، وقال آخرون يدخل بعد صلاة (2/118)
صفحة 502
الصبح وروي هذا عن الوزاعي، وقال بعضهم إذا نوى عشر ليل دخل قبل غروب الشمس.
وسبب الخلاف تعارض الأقيسة للأثر وذلك أنه من رأى أول الشهر ليلة اعتبر الليالي فقال يدخل قبل الغروب ومن لم يعتبر الليالي قال يدخل قبل الفجر لأن اليوم في كلام العرب على اليوم خاصة وعلى اليوم والليلة أيضا، وأما الأثر المعارض لهذا ولما روي أن النبي - عليه السلام - إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه والله أعلم.
واختلفوا في وقت خروجه أيضا فقيل يخرج إذا اعتكف العشر الأواخر من رمضان من المسجد إلى صلاة العيد وإن خرج بعد غروب الشمس فلا بأس عليه وهذا مروي عن مالك وقيل يخرج بعد الغروب روي هذا عن الشافعي وأبي حنيفة زقال آخرون إن رجع إلى بيته قبل قبل صلاة العيد فسد اعتكافه، وسبب الخلاف هل الليلة الباقية من العشر أو لا والله أعلم.
الفصل الثالث.
في أحكام الإعتكاف وهي ملازمة المسجد على فعل العبادة واختلفوا في المعتكف هل يدخل (2/119)
صفحة 503
تحت سقف غير سقف المسجد الذي اعتكف فيه فمنع من ذلك أصحابنا إلا مضطر المغتسل أو قضاء حاجة الإنسان وروي ذلك عن عطا والنخعي وغيرهما ورخص فيها الزهري والشافعي وأصحاب الرأي والأول أصح لما تبث من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان ولا يبيع المعتكف ولا يشتري إلا مالابد له من القوت ولا بأس عليه في اتيان مجالس العلماء في المسجد وله أن يكتب العلم وبعض كرهه، واختلفوا فيه يشترك أن يتعشا في منزله فقيل له ذلك وقيل لا يشترطه وظاهر الحديث يدل عنه أنه يتعشى في المسجد وإذا مرض مرضا يمكنه المقام في المسجد أقام فيه وإلا خرج إلى بيته وإذا صح قضى ما عليه وكذلك المرأة إذا حاضت فلتخرج وإذا طهرت رجعت.
واختلفوا في نذر الصحة في اعتكافه فقيل يتكلم بلا كفارة عليه وقال أصحاب الرأي ليس في الإعتكاف صحة وقيل إن رأى فيه السلاوة فعل وقال بعض العلماء لا يلزمة نذر الصمت لأن الكلام بالحق أفضل من السكوت، والقول الباطل منهي عنه المعتكف وغيره وبعض أوجب عليه اطعام المسكين أومسكينين إن تكلم وقد روي من طريق اين عباس أن رجلا نذر أن يقوم في الشمس ولا يتكلم ولا يستظ فيصوم وأمره النبي - عليه السلام - أن يستظل ويتكلم ويجلس ويتم صومه والله أعلم.
واختلفوا في (2/120)
صفحة 504
المعتكف هل يجوز له أن يشترط فعل شيء يمنعه الإعتكاف مثل حضور جنازة أو غير ذلك فدهب أكثر العلماء إلى أن شرطه لا ينفع وأنه إن فعل بطل اعتكافه.
واختلفوا إذا خرج من المسجد لغير حاجة متى ينقطع اعتكافه، فقيل ينتقض عند أول خروجه، وبعض رخص في الساعة وآخرون في اليوم والله أعلم، وجمهور العلماء يقولون إذا قطع المتطوع اعتكافه من غير عذر وجب عليه القضاء لما تبث أن النبي - عليه السلام - إراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف واعتكف في شوال وأما النذر الواجب فلا خلاف في قضاءه، واختلفوا في قضاءه عن الموتى وروي عن ابن عباس وعائشة أنه لا يعتكف عن الميت، وقال آخرون إذا كان عن الإنسان اعتكاف شهر أطعم عنه ستين مسكينا ثلاثون للإعتكاف وثلاثون للصوم والله أعلم.
مسألة.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال من صام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه وعنه - عليه السلام - قال التمسوها في العشر الأواخر من رمضان وفي كل وتر منها وفي حديث ابن (2/121)
صفحة 505
عباس أنها في تاسعة تبقا أوسابعة أو خامسة والأحوط للمرء أن يحيي الليالي العشر تحريالطلبها ليلا تفوته لما روي أن النبي - عليه السلام - كان إذا دخلت عليه العشر الأواخر من رمضان أيقض أهله وشد المئزر وأحيا الليالي، والله أعلم وأحكم به الحول والتوفيق. (2/122)
صفحة 506
كتاب الحج (2/123)
صفحة 507
الركن الخامس من الكتاب
في العمرة والسادس في الحج
إذ هما فرضان على العبد مأمور بأتمامهما إلا أن العمرة قد اندرجت تحت الحج واشتمل عليها، اعلم أن الله سبحانه فرض الحج والعمرة على المستطيع من العباد فكان في السفر إليهما تذكرة لسفر الآخرة وأهوال المعاذ إذ الخارج إليهما منخلع من الأهل والأولاد قال من يخلو من توبة وأحكام وصية و كان ركوبه للراحلة مثلا لركوبه نعش الجنازة ودخوله البادية وقطعه عقباتها الميقات تذكرة للخروج من الدنيا إلى ميقات القيامة ومشاهدة تلك الأهوال والمطالبات فكان انفراده عن الأهل في البر وما يكابد من قطاع الطريق وسباعه مثلا لخلوته في القبر مع ديدانه وأفاعيه وكان إلتفافه ثوبي احرامه مخالفا لزيه وهيئة لباسه تذكرة لثوب الكفن وقدومه على ربه بزي مخالف لزي الدنيا إذ كلاهما غير مخيطين ملفوفا فيهما العبد في كلتا الحالتين وكان تلبيته للرب تعالى عند الميقات تذكرة لإجابة الداعي من الجدات يوم ينفخ في الصور فكان (2/124)
صفحة 508
دخوله الحرم أشعت أغبر مثلا لقيامه من القبر شاخصة أبصاره مع الناس داهل العقل عاري البدن من اللباس فكان انصبا به مكة مع جملة الزائرين لانصباب الناس في القيامة إلى جهة الجنة ءاملين في دخولها فكان دخوله إلى البيت وتعلقه باستاره لحضور الملك يقصده الزوار من كل فج عميق وأوب سحيق شعتا غبرا متوضعين لرب البيت خضوعا لجلاله واستكانه لعزته فكان وقوفه بعرفات مع جملة الحجيج وارتفاع أصواتهم بالبكاء والضجيج وإتباع الفرق أيمتهم في الترددات على الشاعر اقتداء بهم في امتثال للمناسك مثلا للوقوف في عرصات القيامة واقتفاء كل أمة نبيها طمعا منهم إليه في الشفاعة واندفاعهم من عرفات منقسمين إلى مردودين ومقبلين مثلا لانقسام الخلق في القيامة إلى محرومين ومرحومين ولكن الكرم من الله عميم وشرف البيت عظيم وحق الزائرين مرعي وذمام المستجيرين غير مضيع فإذا اجتمعت هممهم وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى الله أيديهم وامتدت رقابهم وشخصت نحو السماء أبصارهم مجتمعين على طلب الرحمة من مولاهم فلا تضنن أن يخيب أملهم أو يضيع سعيهم مع اجتماع الهمم والاستظهار بالأولياء من جميع الأمم من وقت واحد وصعيد واحد ولذلك قيل أن من أعظم الذنوب من وقف بعرف وضن أن الله لم يغفر له وقد قال تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه}، وجاءنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وهذا القدر كاف لتعريف أسرار الحج والله (2/125)
صفحة 509
أعلم.
ولنشرع الآن في ذكر طرف من مهمات مسائله وامتثال مناسكه وإن كنا قد اللفناه في غير هذا الكتاب مستقصا لانا شرطنا في صدر الكتاب أن نسوق فيه سبع أركان التي تتضمن سؤالات القناطر في المعاد وبالله التوفيق.
ولنقصر الكلام في هذا الركن على ثلاثة أبواب:
- الباب الأول، في مقدمات الحج.
- الباب الثاني، في مقاصده.
- الباب الثالث، في لواحقه.
الباب الأول في الشرائط المقدمات.
وهي محصورة في فصلين:
الفصل الأول في شروط وجوب الحج.
وهي خمسة:
الشرط الأول البلوغ.
واختلفوا في صحة وقوعه في الصبي فذهب محمد بن محبوب من أصحابنا وبعض فقهاء الأمصار إلى صحة وقوعه منه وذهب غيره من أصحابنا وأبي حنيفة إلى منعه، وسبب الخلاف معارضة الأثر للأصل وهو قول المرأة إذا أخذت بعضد صبي يا رسول الله أهذا حج قال بعم ولك أجر والأصل أن الصبي مرفوع عنه القلم حتى يحتلم.
الشرط الثاني العقل.
لأن المجنون لا يصح حجه لعدم صحة عقله وذهب بعضهم إلى أن وليه يحرم عنه كالصبي.
الشرط الثالث الإسلام.
إذا لا يصح حج المشرك لقوله - عليه السلام - أيما أعرابي (2/126)
صفحة 510
حج ثم هاجر فعليه حج أخرى وأراد بالهجرة هاهنا الإسلام.
الشرط الرابع الحرية.
إذ لا يصح حج العبد إلا بإذن مولاه إلا إن أعتق قبل الوقوف بعرفات لقوله - عليه السلام - أيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى.
الشرط الخامس الاستطاعة.
لقوله تعالى: {من استطاع إليه سبيلا}، والاختلاف في ذلك وقد اختلف فيها على أربعة أقوال، أحدهما أنها الزاد والراحلة وهو مروي عن النبي - عليه السلام - وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وجماعة، والثاني أنها صحة البدن وذكر عن عكرمة والضحاك وبه قال مالك ولعل حجتهم قوله تعالى: {يأتوك رجالا} الآية، أي مشاة، والثالث أنها زاد وراحلة وصحة البدن وحكي هذا عن بعض العمانيين، والقول الرابع الاستطاعة ما ذكرنا مع زيادة الأمن ومرافقة الأصحاب وهو المعمول به عند أصحابنا.
مسألة.
واختلفوا في وجوب الحج باستطاعة نيابة الغير مع العجز من المباشرة فأوجب ذلك بعض العلماء ومنع منه آخرون، وسبب الخلاف معارضة الأثر للقياس وذلك أن القياس لا يحج أحد عن أحد كما لا يصلى عنه وأما الآثار التي عارضته فحديث الختعمية وغيرها (2/127)
صفحة 511
إذ أمرها النبي - عليه السلام - أن تحج عن أبيها شيخ كبير لا يستطيع الركوب على الراكبة ولا يستطيع الركوب على الراحلة ولا خلاف بين العلماء فيما وجدت في وقوعه عن الغير تطوعا وإنما الخلاف في وقوعه فرضا.
مسألة.
واختلفوا في الذي يحج من غير سواء كان حيا أو ميتا هل من شرطه أن يكون قد حج لنفسه أم لا فذهب بعض إلى أن ليس ذلك من شرط وأن إذا الفرض على نفسه فهو أفضل وذهب آخرون إلى أن ذلك من شرطه، وسبب الخلاف اختلافهم في تصحيح قول النبي - عليه السلام - عن غيره إن كانت حجته عن نفسه فحج عن غيره.
مسألة.
واختلفوا في الرجل يؤاجر نفسه في الحج فكره ذلك بعضهم وإن وقع جازوا لم يجز ذلك آخرون وحجتهم أن ذلك قربة إلى الله تعالى فلا تجوز فيه الإجازة لأنها من باب الأكل بالدين وحجة الأولين إجماعهم على جواز الإجارة في بناء المساجد وكتابة المصاحف. (2/128)
صفحة 512
مسألة.
واختلفوا في وجوب الحج هل هو على التراخي أو على الفور فحجة أصحابنا القول الأول أن النبي - عليه السلام - فرض عليه الحج وآخره - عليه السلام - سنتين فلو كان على الفور لم يؤخره وحجة الآخرين أنه لما كان مختصا بوقت كان من آخره حتى يذهب وقته ءاثما أصله الصلاة.
مسألة.
واختلفوا في وجوب الحج على المرأة التي لا زوج لها ولا ذا محرم يطاوعها على الخروج فروي عن إبراهيم النخعي والحسن البصري وجماعة أنها لا تحج إلا مع ذي محرم وبه قال أبو حنيفة وآخرون بل تخرج مع رفقة مؤمونة وبه قال الشافعي ومالك وجماعة، وسبب الخلاف معارضة الأمر بالحج النهي عن سفر المرأة إلا مع ذي محرم، والله أعلم.
الفصل الثاني في المقدمات.
أحدهما في المواقيت،
وهي نوعان زمانية ومكانية، أما الزمانية فالأصل فيها قول الله تعالى: {الحج أشهر معلومات}، واختلفوا فيها فقيل (2/129)
صفحة 513
هي شهر شوال وذو القعدة وعشر منالذو الحجة، روي هذا عن ابن عباس والشعبي وغيرهم وبه قال أصحابنا وقيل هي شهران وعشرون من ذي الحجة وفائدة الخلاف تأخير الطواف الإفاضة إلى آخر الشهر وإن أحرم بالحج قيل أشهره فقيل لا ينعقد أجراءه عمرة لا حج وهو الصحيح، وسبب الخلاف تشبيهه بها قال لا ينعقد قبل الوقت وحجة من أجزاه عموم قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة}، والأول أصح وبه قال أصحابنا وأما العمرة فاتفقوا على جوازها في كل أوقات السنة واختلفوا في تكريرها في السنة الواحدة فأجازه قوم وكرهه آخرون وأما المواقيت المكانية فأجمعوا على أنها إما أهل المدينة فدو الحليفة وأما أهل الشام فالحجفة وأهل نجد قرن وأهل اليمن يلملم لثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واختلفوا في ميقات أهل العراق فقيل ذات عرق وهو قول الجمهور وقيل العقيق روي ذلك عن الشافعي (2/130)
صفحة 514
واختلفوا فيمن اقت ذات عرق فقيل هو النبي - عليه السلام - وقيل عمر بن الخطاب لأنه هو الذي فتح العراق على يدي عماله وهو الأصح.
مسألة.
وأجمع العلماء على من أحرم أحد هذه المواقيت أو قبلها أنه محرم، واختلف فيمن أحرم بعد أن تعدها فقال أصحابنا إن رجع إلى الميقات فأحرم فلا شيء عليه وإن لم يرجع فأحرم من موضعه فعليه دم وبه قال الشافعي لأنه أدخل النقص في مناسكه ومنهم من يقول لا يسقط الدم وإن رجع وقيل عليه وجمهور العلماء على أن من كان منزله دونهن فميقاته من منزله الثبوت ذلك عن النبي - عليه السلام -، واختلفوا فيمن ترك الإحرام من مسقاته فأحرم من ميقات غيره مثل أن يترك أهل المدينة ذا الحليفة ويحرمون من الحجفة فقيل لاشيء عليه وقيل عليه دم وهو مروي عن مالك وأصحابه، والأول أصح لقوله - عليه السلام - في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - هن لكم ولكم ءات عليهن من غيرهن فمن أراد الحج والعمرة.
مسألة.
فكل مر بأحد هذه المواقيت لزمه الإحرام إذا كان مريد الحج والعمرة باتفاق فالعلماء الا من أكثر تردده إلى مكة مثل الحطابين فإنه رخص لهم روي ذلك عن ابن عباس لأنه في إلزامه الإحرام مشقة وقطعا عن معاشه، واختلفوا في أهل الأفاق الذي يقصدون مكة للتجارة أو حاجة فقال قوم لا يلزمهم الإحرام من الميقات وقال أصحابنا لا يجاوزون الميقات إلا محرمين والله أعلم واختلفوا فيمن يلزمهم إن لم يحرموا فقال أساءوا ولا شيء عليهم لأن دخول محل العرض لا (2/131)
صفحة 515
يوجب الدخول في الفرض أصله الدخول في المسجد الجامع يوم الجمعة وروي عن الربيع رحمه الله أنهم يلزمهم الدم إلا لحطابين قال وعليهم أن يطوفوا بالبيت قبل أن يخرجوا من مكة وهذا كله لغير أهل مكة وأما أهل مكة والمقيمون فيها فإن مذيقتهم للإحرام بالحج مكة وأما العمرة فإنهم يحرمون لها من الحل من التنعيم والجعرانية أو الحديبية وهو الأفضل، واختلفوا فيهم متى يحرمون فقيل إذا رأوا الهلال وقيل إذا خرج الناس إلى منى والله أعلم، وأما العمرة فميقاتها ميقات الحج إلا في حق المقيم بمكة مكيا كان أو افاقيا فإن عليه الخروج إلى الحل ولو بخطوة في ابتداء الإحرام فإن لم يفعل ختى طاف وسعا لم يعتد بعمرته تلك لأنه لم يجمع بين الحل والحرام والحاج بوقوف عرفة جامع بينهما، والله أعلم.
المقدمة الثانية.
في اختلاف الناس في حكم العمرة فقال قوم هي فريضة روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن عمر وجماعة من التابعين وبه قال أصحابنا واحتجوا بقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله لقول النبي - عليه السلام - لما نزلت ءاية الحج با حج وعمرة فمن قضاهما فقد قضى الفريضة وقال آخرون وهي سنة روي ذلك عن النخعي والشعبي وبه قال مالك واحتجوا بالأحاديث المعدود فيها فرايض الإسلام ولم يذكر العمرة وبما روي عنه - عليه السلام - أنه سيل عن العمرة واجبة فقال لا وأن لعمر خير إلي وقال آخرون هي تطوع روي ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه واحتجوا بحديث رووه أنه - عليه السلام - (2/132)
صفحة 516
قال الحج واجب والعمرة تطوع، وسبب الخلاف اختلاف الآثار وتردده الأمر بالإتمام بين أن يحمل على والوجوب أو الندب والله أعلم.
المقدمة الثالثة في مستحبات الإحرام.
وهي الغسل لما روي عن النبي - عليه السلام - اغتسل له وقد اجمع العلماء على أن الإحرام جائز بغير اغتسال لاكنهم استحبوا لغسل النبي - عليه السلام - ولأمره أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغسل وتحرم وممن استحبه طاوس وإبراهيم والنخعي وفقهاء الأمصار وأهل الرأي وذهب أهل الظاهر إلى وجوب الغسل تعلقا بأن الأمر على الوجوب والله أعلم.
والثاني التجرد للإحرام في إزار ورداء ونعلين لقوله - عليه السلام - وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين وإن احرم في إزار واحد ورداء واحد فلا باس وروي ذلك عن جماعة من فقهاء الأمصار.
والثالثة الإحرام دبر صلاة لما روي أنه - عليه السلام - أحرم عقب صلاة مكتوبة وقيل نافلة واستحب ذلك ابن عباس وطاوس وجماعة وإن أحرم بغير صلاة فلا شيء عليه والله أعلم. (2/133)
صفحة 517
الباب الثاني في المقاصد.
والكلام في هذا ينحصر في جملتين ومقدمة.
أما المقدمة فهي في كيفية الإحرام وصفاته ثلاث:
أحدهما الأفراد وهي أن يحرم بالحج مفردا عاريا عن صفة التمتع والقران ولا يطوف بالبيت إلا بعد النحر حين يزور فإن طاف فقد كره له ذلك وأما إن يطوف و سعا فقيل عليه هدي.
والثاني القران وهو أن يحرم بالحج والعمرة معا فإذا قدم مكة طاف وسعا لعمرته ثم يبقى على إحرامه يصلي في المسجد ولا يطوف بالبيت إلا بعد النحر لطواف الزيادة فيحل حينئذ من إحرامه.
والثالثة التمتع وهو أن يحرم بالعمرة مفردة في أشهر الحج ولها ستة شروط:
- إحداها أن يجمع بينها وبين الحج في سفرة ذلك لأنه إن عاد إلى بلده بعد الإحلال من عمرته ثم سافر للحج في سفره ذلك لأنه إن عاد إلى بلده بعد الإحلال من عمرته ثم سافر للحج من عامه ذلك فليس بمتمتع.
- الثاني أن يكون ذلك في عامه.
- الثالث أن يفعل العمرة في أشهر الحج.
- الرابع أن يقدمها على الحج.
- الخامسة أن ينشي الإحرام بالحج بعد فراغه منها.
- السادس أن يكون وطنه خارج الحرم.
وهذا شروط التمتع فإن عدم واحد منها فلا يكون متمتعا وهذا إجماع من العلماء فيما وجدت إلا ماروي عن الحسن أنه إن اعتمر ثم عاد إلى بلده ولم يحج من عامه ذلك أن عليه هدي التمتع لأنه قيل عنه انه يقول عمرة في شهر الحج متعة، وكذلك ماروي عن طاوس أنه (2/134)
صفحة 518
قال من اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى يحج من عامه أنه متمتع وهذا النسك هو المعني بقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} الآية، ومعنى التمتع التحليل بين النسكين ويسقط السفر عنه مرة ثانية إلى النسك الثاني الذي هو الحج وهنا نوعا من اللتمتع اختلف العلماء فيهما أحدهما فنسخ الحج في عمرة تحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة فجمهور العلماء يكرهون ذلك وذهب ابن عباس إلى جوازه وبه قال أهل الظاهر وكل الفقهاء متفقون على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه عام حجة الوداع بفسخ الحج إلى العمرة فهو قوله لو استقبلت من أمري ماستدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وأمر من لم يسق الهدي أن يفسخ أهلا له بعمرة، فذهب العلماء في هذا الأمر على ثلاث مذاهب، أحدها أنه لا يحل محرم بحجة أو عمرة أو بهما جميعا إلا بإتمام ما أهل به كان معه هدي أو لم يكن روي عن أبي حنيفة ومالك والشافعي، والثاني أن كل من يسق الهدي فإنه يحل بعمرة إن شاء أو أبا سواء كان قارنا أو مفردا أو متمتعا روي هذا عن ابن عباس وأهل الظاهر، (2/135)
صفحة 519
والثالث أن فسخ الإحرام بعمرة جائز من غير إيجاب ذلك عليه روي هذا عن أحمد ومن وافقه.
وذهب أصحابنا إلى التخير في ابتداء الإحرام بين الإفراد والقران والتمتع لاكنهم استحبوا التمتع لما فيها من التسيير والتسهيل ولأمره - عليه السلام - أصحابه بها فقال سراقة بن مالك يا رسول الله عمرتنا هذه لعامنا أم لابد فقال بل لابد إلى يوم القيامة وعن مجاهد قال لو حججت أربعين مرة لجعلت معها متعة وبهذا قال فيما وجدت علي وابن عباس وسعيد بن أبي وقاص وابن عمر وسعيد بن المسيب وجماعة والله أعلم.
وأما فقهاء الأمصار فتمسكوا بنهي الصحابة عنها أبي بكر وعمر وغيرهما، وسبب الخلاف هل فعل الصحابة في هذا محمول على العموم أو على الخصوص والله أعلم.
وأما النوع الثاني من التمتع فهو ماكان يذهب إليه ابن الزبير أن التمتع الذي ذكره الله هو تمتع المحصر عن الحج بمرض أو عدو وذلك إذا خرج الرجل حاجا فحبسه عدو أو غيره حتى تذهب أيام الحج فيأت البيت فيطوف ويسعى بإحلاله إلى العام المقبل ثم يحج ويهدي لكن، والله أعلم.
مسألة.
اجمع العلماء على أن الإحرام لا يكون إلا بنية وهي الاعتقاد بالقلب للدخول في الحج أو العمرة مع التلبية، واختلفوا هل تجزي النية فيه من غير تلبية فأجاز ذلك بعضهم وهو مروي عن مالك والشافعي وكذلك عند مالك تجزي النية في الصلاة عن تكبيرة الإحرام وذهب (2/136)
صفحة 520
أصحابنا إلى انه لا يكون محرما داخلا في الحج أو العمرة إلا بالتلبية كما لا يكون داخلا في الصلاة إلا بالتكبير، وسبب الخلاف هل التلبية من أركان الحج أم لا وهل فعله - عليه السلام - في ذلك محمول على الوجوب أو على الندب فمالك يراها ركنا من أركان الحج ويرا على من تركها دما وذهب غيره إلى أن غيرها ركنا من أركانه وإن أفعال النبي - عليه السلام - محمولة على الوجوب لأنها أتت بيانا لواجب لقوله خذوا عني مناسككم.
مسألة.
وأجمع العلماء على أن تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبيك اللهم لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، واختلفوا أهي واجبة بهذا اللفظ أم لا فذهب قوم فيما وجدت إلى انه يجزي كل لفظ يقوم مقامها كما يجزي عندهم في تكبيرة الإحرام كل لفظ يقوم مقام التعظيم، وذهب غيرهم إلى وجوبها بهذا اللفظ والحجة في هذه المسألة هي الحجة التي قبلها ولا خلاف بين العلماء في استحباب لفظ تلبية النبي - عليه السلام - وإنما اختلفوا في تبديلها والزيادة عليها لما روي في حديث جابر فذكر التلبية التي في حديث ابن عمر فقال والناس (2/137)
صفحة 521
يزيدون على ذلك لبيك ذا المعراج ونحوه من الكلام والنبي يسمع ولا يقول شيء.
مسألة.
واختلفوا في رفع الصوت بالتلبية على كل شرف فاستحبه جمهور العلماء لقوله - عليه السلام - بأمره أن يأمر أصحابه بذلك ولما روي عن أبي حازم أن أصحاب النبي - عليه السلام - لا يبلغون الروحاء حتى تبح حلوقهم وذهب أهل الظاهر إلى إيجاب رفع الصوت بالتلبية وأما المرأة فأجمع أهل العلم أنها تسمع بالتلبية نفسها وقال بعض العلماء لا يرفع الصوت بالتلبية في المساجد إلا في مسجد مكة ومنى ولكن في غير هذين يسمع من يليه، والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا متى يقطع المحرم بالحج التلبية فروي عن علي أنه يقطعها إذا زالت الشمس من يوم عرفة، وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة، واختلفوا فقيل يقطعها (2/138)
صفحة 522
إذا رمها بأسرها لحديث ابن عباس أن الفضل بن عباس كان رديف النبي - عليه السلام - وأنه قطع التلبية في آخر حصاة، وقال قوم يقطعها عند أول حصاة روي ذلك عن ابن عباس والفضل بن عباس واسماحة وعلي وجابر بن زيد والله أعلم.
واختلفوا في قطع التلبية بالعمرة فقيل عن مالك وأبي حنيفة أنه يقطعها إذا انتها إلى الحرم وروي ذلك عن ابن عمر وعروة وقال آخرون يقطعها عند الحجر الأسود إذا افتتح الطواف وهو الصحيح وبه قال الشافعي واحتج بأن التلبية إجابة إلى الطواف بالبيت فلا يقطع حتى يشرع في العمل، والله أعلم وبالله التوفيق.
الجملة الأولى، المقاصد في محضورات الإحرام.
وتحتوي على خمس فصول.
الفصل الأول فيما يتقيه المحرم من اللباس.
والأصل في ذلك حديث ابن عمر أن رجلا سأل النبي س عما يلبس المحرم من الثياب فقال لا بأس أسفل الكعبين ولا يلبس من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس، واجمع العلماء على أن المحرم ممنوع من ليس (2/139)
صفحة 523
هذه الأشياء وأن هذا مخصوص بالرجال دون النساء وأنه لابأس أن تلبس المرأة القميص والدرع والسراويل والخف والخمار، واختلفوا فيمن لم يجد إلا السراويل هل له لباسه فأجازه بعض روي ذلك عن عطا وبعض فقهاء الأمصار ومنع منه آخرون وبه قال مالك وأبو حنيفة وحجتهم أنه لو رخص فيه النبي - عليه السلام - لاستثناه كالخفين واحتج أصحاب القول الأول بحديث ابن عباس عن النبي - عليه السلام - قال السراويل لمن لم يجد الإزار والخفان لمن يجد النعلين واتفق أكثرهم على إجازة لبس الخفين مقطوعين لمن لم يجد النعلين وأجاز آخرون لبسهما من غير قطع روي لك عن عطا بن أبي رباح وقال في قطعهما فساد والله لا يحب الفساد وأجمعوا على أن إحرام المرأة في وجهها وإن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها وأن لها أن تسدل الثوب عن وجهها كنحو ما روي عن عائشة أنها قالت كنا محرمات مع رسول الله ص (2/140)
صفحة 524
فإذا أمر بنا ركب سد لنا على وجهنا الثوب من قبل رؤوسنا فإذا جاز الركب رجعنا وثبت أن النساء منهيات عن لبس القفازين والنقاب لثبوت ذلك عن رسول الله ص أنه قال لتلبسن بعد ذلك ما حبت من سراويل أو خفين ولأن و ما عد الوجه والكفين من جسدها عورة لا يجوز لها إظهاره، وأجمعوا على أن إحرام الرجل في رأسه وأنه لا يجوز له تغطيته برفع ولا غيره إلا إذا تخاف معه الفتنة من جمالها فتسدل الثوب كما قدمنا وقد روي أن أسما بنت أبي بكر كانت تغطي وجهها وهي محرمة وهذا يحتمل أن يكون سد لا كفعل عائشة المتقدم واختلفوا في تخمير المحرم وجهه فروي عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وسعيد بن أبي وقاص وعبد الرحمان بن عوف وجابر بن عبد الله وطاوس أنهم ذهبوا إلى إباحة ذلك إلى الحاجبين وذهب آخرون إلى أنه يخمرى إلى أنه لا يخمر مافوق الذقن روي ذلك عن ابن عمر ومحمد بن الحسن ومالك وألزم فيه الفدية والله أعلم
مسألة.
ويجوز للمحرم استضلال الخيم والقباب والبيوت والدخول فيها لما روي أن النبي - عليه السلام - نزل في قبته يوم عرفة في حجة الوداع واختلفوا في استضلاله على الإبل وسائر الدواب فرخص بعضهم فيه فروي ذلك عن عثمان بن عفان وعطا والأسود بن يزيد (2/141)
صفحة 525
وجماعة وكذلك مالك بن أنس وابن حنبل والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في لبس الهميان للمحرم فرخص فيه ابن عباس وبن المسيب وعطا بن أبي رباح ومجاهد وطاوس والنخعي وفقهاء الأمصار وقالت عائشة في المنطقة للمحرم أشدد عليك نفقتك وكره ذلك بن عمر فيه روي عنه والله أعلم وقال بعضهم لسيس له أن يعقد الهيمان ولكن يدخل السيور بعضها في بعض والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في عقد المحرم الثوب على نفسه فمنع منه قوم روي ذلك عن عطا وعروة بن الزبير وبه قال مالك والشافعي ورخص فيه بن المسيب وقد روي عن عمر بن دينار أنه قال قلت لجابر بن زيد أزاري ينحل فقال اعقده أو قال اوثقه والله أعلم.
الفصل الثاني فيما يتقيه المحرم من الطيب.
وأجمع العلماء على أن الطيب كله محرم على المحرم في حال إحرامه واختلفوا في جوازه له عند الإحرام فكرهه قوم روي ذلك عن عمر وبنه وعثمان بن عفان وجماعة من التابعين وبه قال مالك بن أنس وحجتهم في ذلك قول النبي - عليه السلام - للرجل الذي جاءه فقال يارسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة ملطخة بطيب فقال النبي - عليه السلام - أما الطيب الذي بك فاغسله عنك ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في حجتك ماتصنع في عمرتك اختصرت الحديث وفقهه هذا وأجاز آخرون ذلك وهو مروي عن أبي حنيفة والشافعي وجماعة (2/142)
صفحة 526
واحتجوا بما روي عن عائشة أنها قالت كنت أطيب رأس النبي - عليه السلام - فيطوف على نساءه ثم يصبح محرما فقال الأولون إذا اغتسل إنما يبقى فيه أثره لانفسه قالوا فلما كان الإجماع منعقجا على أن كل ما يجب منه الفدية لا يجوز استصحابه وهو محرم مثل لبس الثياب وقتل الصيد وجب أن يكون الطيب كذلك وتجب الفدية بتناول الطيب وشمه قليلا كان أو كثيرا ورخص الربيع رحمه الله في الريحان العربي وقال أنه ليس من الطيب وبه قال ابن عباس وعن عطا كان لا يرى إلا دهان الفارسية من الطيب ويجوز له أكل ماطبخ فيه الطيب لأنه قدخرج بالطبخ عن حكم الطيب، واختلفوا فيه إذا اختلط مع طعام أو شراب من غير أن تمسه النار فتناوله المحرم فقيل عليه دم وقيل لا شيء عليه واختلفوا في لبس الثوب الذي مسه زعفران أو ورس أو غيرهما فغسل حتى ذهب ريحه فرخص فيه أصحابنا وروي ذلك عن جابر بن زيد وسعيد بن المسيب والنخعي وطاوس ومجاهد وجماعة من الفقهاء وكره ذلك مالك بن أنس إلا أن يكون غسل فذهب لونه وأجمع أهل العلم على أن المرأة ممنوعة مما منه الرجل في حال الإحرام إلا بعض اللباس كما قدمنا والله أعلم.
الفصل الثالث فيما يتقيه المحرم من ألقاء التفث وإزالة الشعر والظفر وقتل القمل وأشباه ذلك.
وقد اجمعوا على منعه على المحرم لقوله تعالى: {ولا تحلقوا (2/143)
صفحة 527
رؤوسكم} الآية واتفقوا على إجازة غسل رأسه من الجنابة واختلفوا في كراهية غسله من غير جنابة فأجازه قوم ومنع منه آخرون فمن أجازه أصحابنا وجابر بن عبد الله وابن عمر وسعيد بن جبير وجماعة وكره ذلك مالك بن أنس وأبو حنيفة واحتجوا بأن الإجماع منعقد على أن المحرم ممنوع من قتل القمل ونتف الشعر والغاسل رأسه بالخطمي فروي عن مجاهد وطاوس وعطا أنهم رخصوا لمن لبد رأسه فشق عليه الحلق أن يغسل بالخطمي حتى يلين وكرهه آخرون وأوجب فيه الفدية وبه قال مالك وأبو حنيفة وحجة من أجازه أن النبي - عليه السلام - أمر بغسل المحرم إذا مات بماء وسدر والخطمي في معناه واختلفوا (2/144)
صفحة 528
في الاحتجام للمحرم فرخص فيه بعضهم مالم يقع الشعر روي ذلك عن مسروق وعطا وعبيد بن عمر وجماعة لما روي أن النبي - عليه السلام - احتجم من وجع وهو محرم ومنع منه آخرون وأوجبوا فيه الفجية روي ذلك عن الحسن وغيره وهو الصحيح إلا إن احتجم لضرورة وحلق الشعر فليفتد ولا بأس عليه واختلفوا في قتل البعوض والبق والبراغيث والزنبور فرخت فيه طائفة روي ذلك عن عطا وأصحاب الرأي وقال أصحابنا لا يقتل شيئا من ذلك كله وقد روي أن عمر رحمه الله أمر بقتل الزنبور وقال محرم في الذباب والذر والنمل يتصدق بقتل بشيء والله أعلم أما القمل فيطرحها عن بدنه في ثوبه ولا يليق في الأرض ولا يقتلها والله أعلم.
الفصل الرابع في الجماع.
ومقدماته من اللمس واللمس والنظر والقبلة وغيرها، وأجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الجماع لقوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق} الآية، وأجمعوا على أن الجماع يفسد الحج قبل الوقوف بعرفة ويفسد العمرة قبل الطواف بالبيت، واختلفوا في فساد (2/145)
صفحة 529
الحج بعد الوقوف، وقبل جمرة العقبة، وقبل طواف الإفاضة الذي هو طواف الزيارة فقال قوم يفسد حجه وعليه الهدي والقضاء من عام قابل وهو قول أصحابنا وإليه ذهب مالك والشافعي وقال آخرون عليه الهدي وحجه تام وروي ذلك عن الثوري وأبي حنيفة واختلفوا فيمن وطي قبل رمي الجمرة وقبل طواف الزيارة وقال قوم يفسد حجه روي ذلك عن ابن عمر وقال آخرون لا يفسد حجه وسبب الخلاف أن للحج تحليلين شبه التسليم من الصلاة أحدهما بعد رمي جمرة العقبة وهو التحليل الأصغر يحل به كل شيء إلا النساء والطيب والصيد وحتى يزور البيت و التحليل الآخر بعد الزيارة يحل به كل شيء فمن اشترط التحليلين قال بفساد حجه إذا وطي قبلهما وهو الصحيح عندنا ومن لم يشترط قال بإباحة الوطي عند التحليل الأول وخلاف بين العلماء أن التحليل الأكبر يحل به كل شيء لقوله تعالى: {وإذ أحللتم فاصطادوا} واتفقوا على أن العمرة يحل منها بالطواف والسعي وإن لم يكن حلق ولا تقصير إلا أنه يلزمه الدم إذا وطي فيما قبل الحلق واختلفوا في صفة الجماع الذي يفسد الحج ومقدماته فذهب أكثرهم إلى أن اتقاء الختنين ويحتمل أن يكون من يشترط في وجوب الغسل الإنزال أن يشترطه في الحج واختلفوا في الإنزال بغير إيلاج في الفرج فقال قوم لا يفسد الحج إلا الإنزال في الفرج روي ذلك عن أبي حنيفة قال مايوجب الحد يفسد الحج وبه قال الشافعي وقال آخرون يفسد الإنزال من (2/146)
صفحة 530
غير وطي لأنه هو المقصود وهو أبلغ من الإيلاج وبه قال مالك وهو الصحيح لأن الحج عبادة يفسدها إنزال الماء عن تعمد كما يفسد الصوم، واختلفوا هل يفسد بمقدمات الجماع من النظر والقبلة واللمس فقال قوم يلزمه الدم في كل ذلك مالم ينزل الماء وقيل يفسد حجه روي ذلك عن ابن عباس أنه قال لرجل قبل أو نظر أفسدت حجتك وقال قوم كل محل إنزال عن نوع من الاستمتاع يفسد الحج والعمرة روي هذا عن بعض أصحابنا وأظنه قول جابر بن زيد والحسن ومالك وغيرهم والله أعلم، وعن عطا قال كل ماحرك الذكر ففيه دم والله أعلم واختلفوا فيمن جامع ناسيا فقال قوم عليه القضاء وقيل عليه الجزاء والله أعلم
الفصل الخامس.
وأجمعوا على أن المحرم يحرم عليه أكل لحم الصيد إذا صاده لقوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما} واختلفوا في جواز أكله للحم إذا صاده المحل فقال قوم يجوز أكله إذا دبحه المحل روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعطا ووسعيد بن جبير والزبير بن العوام وبه قال أهل الرأي وأبو حنيفة وقال آخرون يجوز له أكله إذا لم يصتد لأجله روي ذلك عن عطا بن أبي رباح ومالك والشافعي وجماعة وقال قوم هو حرام عليه أكله واصطياده روي ذلك عن بن أبي طالب وجابر بن زيد وابن عمر وطاوس وبه قال بن عباس ويقول الآية مبهمة وبه قال أصحابنا وسبب الخلاف هل النهي يتعلق بشرط (2/147)
صفحة 531
الاصطياد خاصة أجزا أكله إذا لم يصده المحرم بنفسه وهو قول الأولين واحتج بهذا لما روي أن النبي - عليه السلام - قال لحم الصيد لكم حلال إلا ماصدتم أو صيد من أجلكم وبحيث أبي قتادة حين كان مع أصحاب له محرمين فاصطاد حمارا وحشيا فأكل منه بعض أصحابه وأبا البعض فسأل النبي - عليه السلام - أطعمة أطعمكم الله إياها ومن قال أن النهي يتعلق بالاصطياد والأكل جميعا وهو قول أصحابنا قال لا ياكل واحتجوا بحديث ابن عباس بأن رجلا أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا وهو بالبواء فرده عليه وقال أنا لم نرده عليك إلا أنا محرمون والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في المضطر هل يأكل الميتة أو صيد الحرم فقال قوم يأكل الميتة دون صيد الحرم وقال آخرون يأكل الصيد وعليه الجزاء ولا يأكل الميتة لأن أكل الصيد سد ذريعة إلى إباحته ولا يأتي فيه (2/148)
صفحة 532
حال يجوز أكله فيه والله أعلم.
واختلفوا إذا أحرم وفي يده صيد قال أصحابنا رحمهم الله يرسله من يده وبه قال مجاهد وعبد الله بن الحارث وجماعة وقال آخرون عليه إرسال مافي يده وحكي ذلك عن أبي ثور والله أعلم وأحكم.
الجملة الثانية في أفعال الحج والعمرة.
وفيها ست فصول:
الفصل الأول في الطواف.
وسنذكر في مسائله ما يجري مجرى القواعد وهي اثنا عشر.
المسألة الأولى في حكمه.
وقد أجمعوا على أنه ركن من أركان الحج التي لا يتم إلا بها لقول الله تعالى: {وليتطوفوا بالبيت العتيق} ولا خلاف في هذا الثبوت ذلك من الكتاب والسنة.
المسألة الثانية في صفته.
وقد أجمعوا على أنه يبتدأ به من الحجر الأسود بعد أن يقبله إن قدر عليه ثم يجعل البيت على يساره ثم يمضي (2/149)
صفحة 533
في الطواف على يمينه ثم يستلم الركن اليمني إن قدر عليه حتى ينتهي إلى الحجر الأسود يفعل ذلك سبع أطواف من الحجر إلى الحجر وإنما اتفق على هذا الثبوت ذلك من فعل النبي - عليه السلام -.
المسألة الثالثة.
اختلفوا في الرمل في الطواف فذهب أكثر مخالفينا من فقهاء الأمصار إلى أنه سنة في الثلاثة الأشواط وروي ذلك عن عمر وبن مسعود وزعموا أن ذلك ثابت من فعل النبي - عليه السلام - وقال أصحابنا إن الرمل في الطواف منسوخ وبه قال بن عباس في حديث بن الطفيل وذكر له ذلك عن قومه فقال صدقوا أي في قولهم أن النبي - عليه السلام - فعله هو وأصحابه وكذبوا إذ جعلوه سنة لا يجوز تركها قال وذلك ان المشركين بلغهم أن النبي - عليه السلام - في جهد وشدة جوع هو وأصحابه وذلك في زمان الحديبية فأمرهم النبي - عليه السلام - أن يرموا لكي يروا المشركين أن بهم قوة وأنهم غير مجهودين والله أعلم، واتفق الجميع على أن النساء ليس عليهن رمل والله أعلم. (2/150)
صفحة 534
المسألة الرابعة.
هل يستلم الأركان كلها أم لا فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يستلم إلا الركنين اليماني وركن الحجر الأسود لحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستلم إلا الركن اليماني وركن الحجر الأسود وقال آخرون يستلم الأركان كلها لحديث بعضهم قال كنا إذا طفنا نرى أن نستلم الأركان كلها والله أعلم.
المسألة الخامسة.
وأجمعوا على تقبيل الحج الأسود لمن قدر عليه من سنن الطواف لما ثبت من حديث عمر رحمه الله قبله وقال أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك.
المسألة السادسة.
واختلفوا في قراءة القرآن في الطواف فأجازها قوم روي ذلك عن عطا وغيره من الفقهاء وقال ابن المبارك ليس شيء أفضل من قراءة القرآن، وكرهها آخرون في الطواف روي ذلك عن الحسن البصري وعروة ومالك واستحب أصحابنا التسبيح والتحميد والتهليل وذكر الله تعالى والدعاء عند الأركان وعند الركن اليمني ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار لثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
المسألة السابعة.
وذهب جمهور العلماء من أصحابنا وغيرهم إلى أن الحجر الحطيم من البيت إن الطائف بالبيت لابد أن يدخله في الطواف (2/151)
صفحة 535
ويطوف من وراءه وإن ذلك شرط في صحة الطواف وذهب أبو حنيفة إلى انه سنة والحجة عليه قول النبي - عليه السلام - لعائشة رضي الله عنها لولا حدثنا قومك بالكفر لهدمت الكعبة وميراتها على قواعد إبراهيم - عليه السلام - فإنهم تركوا منه سبعة أدرع من الحجر ضاقت بهم النفقة والخشب وهو قول ابن عباس رضي الله عنه يحتج بقول الله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} ويقول طاف النبي - عليه السلام - من وراء الحجر وحجة أبي حنيفة ظاهر الآية والله أعلم.
المسألة الثامنة.
واختلفوا فيمن سلك الحجر في طوافه فقال يعيده كله روي ذلك عن الحسن وإن أحل أهرق دما وقال غيره يبني على ماطاف ولا يعتقد بما سلك في الحجر روي ذلك عن عطا وفقهاء الأمصار والله أعلم واختلفوا فيمن طاف منكوسا على خلاف السنة فقال أصحاب الرأي يعيد ماكان بمكة وإن رجع إلى المصر فعليه دم وقال آخرون لا يجزي به طواف بخلاف السنة لقول النبي - عليه السلام - من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وهو الصحيح إن شاء الله والله أعلم.
المسألة التاسعة.
واختلفوا في جواز الطواف بغير طهارة بعد إجماعهم أنها سنة فيه فقال أصحابنا لا يجزي بغير طهارة لا عمدا ولا سهوا وبه قال مالك والشافعي وقال آخرون يجزي وعليه دم روي ذلك عن أبي حنيفة وقال قوم إن كان لا يعلم أجزاه وإن كان يعلم أنه (2/152)
صفحة 536
على غير وضوء فطاف فلا يجزيه بقول النبي - عليه السلام - الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام ولامر الحائض أن تفعل أفعال الحج كلها إلا الطواف بالبيت حتى تطهر واحتج أبو حنيفة بإجماعهم على جواز السعي بين الصفا والمروة بغير طهارة قال وليس كل عبادة يشترط فيها الطهر إلا الحائض من شرطها الطهارة من الحدث أصله الصوم عندهم لا يشترط فيه الغسل من الجنابة والصحيح القول الأول.
المسألة العاشرة.
وأجمعوا على أن من سنة الطواف ركعتين بعد فراغه يأتي بها الطائف عند انقضاء كل أسبوع إن طاف أكثر من أسبوع واحد إلا ماروي عن عائشة أنها كانت تطوف ثلاث أسابيع ثم تركع ست ركعات بعد ذلك وأجزا بعض العلماء إلا يفرق بين الأسابيع بالركوع وحجة الأولين فعل النبي - عليه السلام - إذا طاف سبعة أشواط ركع ركعتين وقال خذوا عني مناسككم وحجة من أجاز الجمع بين الأسابيع بغير ركوع قال المقصود إنما هو ركعتين لكل أسبوع وليس للطواف ولا للركوع بعده وقت معلوم.
المسألة الحادي عشرة.
وقت الطواف اختلفوا فيه فذهب قوم (2/153)
صفحة 537
إلى إجازته بعد الصبح والعصر ومنعه عند الطلوع والغروب وبه قال أصحابنا وهو مذهب عمر بن الخطاب وأبي سعيد الخدري وجماعة وبه قال مالك وأصحابه وذهب آخرون إلى كراهيته بعد الصبح والعصر ومنع عند الطلوع والغروب وبه قال سعيد بن الجبير ومجاهد وجماعة وأجازه آخرون في هذه الأوقات كلها وبه قال الشافعي وجماعة والقول الأول هو المعمول به عند أصحابنا إلا أنهم قالوا يؤخر الركوع حتى يصلي المغرب وأصول أدلتهم في هذا راجع إلى منع الصلاة في هذه الأوقات وإباحتها ماعدا الطلوع والغروب فإن الأثر متفقة على منع الصلاة فيها واختلفوا في الطواف هل يلحق بها والله أعلم.
المسألة الثانية عشر.
واختلفوا فيمن طاف في الواجب أقل من سبعة قال عطا وجماعة لا يجزي أقل من سبع وقال آخرون يرجع ويكمله وعليه لتأخيره دم والأصح أنه لا يجزي أقل من سبع لأن الله تعالى يقول: {وليطوفوا بالبيت العتيق} فبينه النبي - عليه السلام - سبعا كما بين عدد ركوع صلاة الفريضة فلا يجزي أقل من ذلك العدد في الصلاة ولا في الطواف والله أعلم. (2/154)
صفحة 538
الفصل الثاني في السعي بين الصفا والمروة.
ونذكر قواعد مسائله وهي ثلاث:
الأولى في حكمه.
وقد اختلفوا فيه فقال قوم هو فريضة وهو مروي عن عائشة وبه قال الشافعي ومالك وأحمد واسحاق ومن لم يسع عند هؤلاء فلا حج له في عامه ذلك وعليه الحج من قابل وقال آخرون هو سنة ويلزم من تركها دم وبه قال أصحابنا وأهل الكوفة وهو مروي عن الحسن وقتادة وغيرهما وقال قوم هو تطوع روي هذا عن أنس بن مالك وعبد الله بن الزبير وابن سرين والله أعلم.
واحتج من قال بوجوبه بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسعا ويقول اسعوا فقد كتب عليكم السعي وأن الأصل في هذه العبادة أن تحمل على الوجوب حتى يدل الدليل على خلافه وعمدة من وجوبه قول الله تعالى أن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت واعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما قال معناه ألا يطوف بهما وهي قراءة ابن مسعود فيما روي عنه كما قال الله سبحانه وتعالى بين الله لكم أن تضلوا وحمل الولون الآية على ظاهرها قال وإن السعي من أفعاله - عليه السلام -.
الثانية في صفته.
وهي عند جمهور العلماء أن يرقى على الصفا حتى يبدوا له البيت فيكبر ثلاثا ويقول لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير (2/155)
صفحة 539
يقول هذا ثلاثا ثم يدعوا وينحدر عن الصفا قاصدا المروة يمشي حتى إذا بلغ العلم الأخضر هرول حتى بلغ العلم الأخر الذي يلي المروة مشا رويدا حتى بلغ المروة ويرقى عليها ويصنع كما صنع على الصفا من التكبير والدعاء والتهليل فإن وقف أسفل المروة أجزاه عند جميعهم فينزل عن المروة يمشي حتى ينتهي إلى بطن المسيل فيهرول بين العلمين حتى يقع إلى الجانب الذي يلي الصفل يفعل ذلك سبع مرات يبتدي في كل ذلك بالصفا ويختم بالمروة فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لغا ذلك الشوط لقول النبي - عليه السلام - نبدأ بما بدأ الله به يعني قوله: {إن الصفا والمروة} الآية
الثالثة في ترتيبه.
واجمع أكثر العلماء فيما وجدت على أن السعي لا يجوز إلا بعد الطواف وأنه مرتب عليه وأن من سعى قبل الطواف أنه يرجع فيطوف ويسعى وإن أصاب النساء في الحج أو العمرة كان عليه الهدي والحج من قابل أو عمرة أخري إلا ماروي عن أبي حنيفة أنه لا يرجع إن خرج من مكة وعليه دم وزعموا عن الثوري أن لا شيء عليه وأن لا أعلم أحد اشترط الطهارة في السعي إلا الحسن البصري فإنه شبهه بالطواف لكن الطهارة فيه مستحبة والله أعلم.
وإذا تم السعي كما قدمنا ونزل عن المروة فإن كان دخل بعمرة متمتعا فإنه يقصر شعر رأسه أو يحلقه فيقيم بمكة حلالا له كل الحلال إلى يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة وإن كان مفردا بالحج أو قارنا له مع العمرة فليقم محرما إذا نزل من العمرة فإذا كان يوم التروية خرج مع الناس إلى منى من غير تجديد إحرام والله أعلم. (2/156)
صفحة 540
الفصل الثالث في الخروج إلى منى والمبيت بها.
فإذا كان يوم التروية فليودع البيت سبعة أشواط وليحرم على أثرها بالحج من تحت الميزاب أو من بطح مكة لما روي عن النبي - عليه السلام - قال ارتدتم أن تنطلقوا إلى منى فهلوا وليس في الأخبار مايدل على أنهم ودعوا البيت بالطواف ولكن استحب ذلك العلماء روي ذلك عن عطا ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم وقال بعضهم لا يخرج من الحرم أحدحتى يودع البيت وقد روي عن الحسن وعطا أنهما لا يريان بأسا أن يتقدم الذي يريد الحج إلى منى قبل يوم التروية بيوم أو يومين وكره ذلك آخرون واستحب بعض العلماء أن يصلي من أراد الخروج إلى منى الظهر بها وقد روي أن ابن الزبير صلاها بمكة وتخلفت عائشة يوم التروية إلى ثلث الليل وقال بن عباس يخرج إذا زاغت الشمس وقد روي أن النبي - عليه السلام - صلى بمنى يوم التروية الظهر والعصر والمغرب و العشاء والصبح وذلك يوم عرفة واتفق الناس على أن هذا إلا أنهم اجمعوا على أن هذا الفعل ليس شرط في صحة الحج لمن ضاق عليه الوقت ثم إذا أصبح الإمام بمنى مشى بالناس إلى عرفات للوقوف بها ولا يجاوز منى إلا بعد طلوع الشمس فيغدون إلى عرفات والله أعلم.
الفصل الرابع في الوقوف بعرفة.
وفيه خمس مسائل: (2/157)
صفحة 541
أحدها في حكمه.
وقد أجمع أهل العلم على أنه ركن من أركان الحج لقول النبي - عليه السلام - العمرة الطواف والحج عرفات وأن من فاته الحج فعليه الهدي وقابل في قول أكثرهم.
الثانية في صفته.
وهو أن يصل الإمام عرفة قبل الزوال فإذا زالت الشمس خطب الناس ثم يجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر ثم يقف حتى تغرب الشمس وهذه الصفة متفق عليها لما ثبت من فعل النبي - عليه السلام -.
الثالثة في إقامة الحج بعرفة وغيرها.
وذكر ابن رشد من فقهاء قومنا أن الناس أجمعوا على اقامة الحج للسلطان الأعظم ومن لم يقمه وأنه يصلي وراءه برا كان او فاجرا أو مبتدعا وأن السنة أن يأتي المسجد بعرفة يوم عرفة فإذا نزلت الشمس خطب الناس وجمع بين الظهر والعصر واختلفوا في وقت آذان المؤذن وتركت الاختلاف في ذلك اختصارا لما ثبت أن النبي - عليه السلام - خطب الناس ثم أذن بلال ثم أقام الصلاة فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصلي بينهما ثم ركب إلى الموقف.
مسألة.
وأجمعوا على أن صلاة الإمام بعرفة جائزة ولو لم يخطب قبل الظهر بخلاف الجمعة وأن القراءة في هذه الصلاة سرا وأنها تصلى قصرا إذا كان الإمام مسافرا واختلفوا إذا كان الإمام مكيا هل يقصر الصلاة بمنى وبعرفة والمزدلفة قال قوم السنة في هذا االمواضع التقصير إن كان من أهلها وغيرهم روي ذلك عن مالك والأوزاعي وجماعة وقال أصحابنا وجماعة من مخالفينا لا يجوز التقصير إلا للمسافر وأما أهلها (2/158)
صفحة 542
فلا لأن الأصل في التقصير إنما هو للمسافر حتى يدل الدليل على غيره واحتج أصحاب القول الأول أنه لم يرد الخبر أن أحدا تم الصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد تسليمه منها في عرفة والله أعلم.
الرابعة.
وأجمع العلماء على أن من شرط عرفة الوقوف فيها بعد الزوال أو ليلة تلك قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج واختلف فيمن وقف بعد بعد الزوال بعد ثم دفع قبل غروب الشمس فقال أصحابنا الربيع وأبو نوح وأبو عبيدة فيما وجدت لا حج له وبه قال مالك بن أنس وقال آخرون حجه تام إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم واحتجوا بحديث عروة بن مطرح وهو حديث صحيح عندهم وقال أتيت النبي - عليه السلام - يجمع فقل هل لي من حج فقال من صلى هذه الصلاة معنا وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد تم حجه مقضا تفثه واحتج الأولون بوقوفه - عليه السلام - إلى الليل والله أعلم.
وأجمعوا على أن الوقوف بعرفة على غير طهارة جائز والله أعلم.
الخامسة.
واختلفوا فيمن وقف ببطن عرنة فقال بعض (2/159)
صفحة 543
لا حج له وبه قال الشافعي واحتج بقول النبي - عليه السلام - عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة وقال آخرون حجه تام وعليه دم وبه قال مالك بن أنس واحتج بأن الأصل جواز الوقوف بعرفة كلها إلا ماقام عليه الدليل ولم يصح الحديث عنده والصحيح الأول لاستفاضة النهي عن الوقوف ببطن عرنة والله أعلم.
الفصل الخامس في أفعال المزدلفه.
واختلفوا في حكم المبيت بالمزدلفة فقال أصحابنا أنه سنة وقال آخرون الذكر الذكر فيها فريضة واحتجوا بقول الله تعالى: {واذكروا الله عند المشعر الحرام} الآية روي عن الأوزاعي وجماعة من التابعين أن الميت بالمزدلفة والوقوف بها بعد الصبح من فروض الحج ومن فاته كان عليه الحج من قابل وجمهور العلماء على قول أصحابنا أنه سنة والله أعلم وأجمع العلماء على أن السنة فيها أن يجمع بين المغرب والعشاء إلا ماروي عن أبي عبيدة مسلم رحمه الله أنه قال يستحب بعد المغرب ركعتان خفيفتان واختلفوا فيمن صلاهما قبل أن جمعا فقال قوم لا إعادة (2/160)
صفحة 544
عليه وبه قال علمائنا رحمهم الله وروي مثله عن عطا وعروة ابن الزبير والقاسم بن محمد وجماعة وقال آخرون لا تصلى إلا بجمع ولعل حجتهم قول النبي - عليه السلام - لأسامة حين دفع من عرفات فقال الصلاة فقال - عليه السلام - الصلاة أمامك يجمع وصح أنه جمع بين المغرب والعشاء هناك بأذان وإقامتين.
مسألة.
واختلفوا فيمن فاته المبيت بالمزدلفة فقال أصحابنا قال عطا والزهري وقتادة وأهل الرأي وجماعة من فقهاء الأمصار وقال قوم من فاته الوقوف لجمع فلا حج له ويجعله عمرة روي هذا عن علقمة والشعبي والنخعي واحتجوا بظاهر قوله تعالى: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} وبقول النبي - عليه السلام - من أدرك جمعا فوقف مع الناس حتى يفيض فقد أدرك ومن لم يدرك ذلك فلا له حج الأولين إجماعهم على ترك الأخذ بجميع مافي هذا الحديث وذلك عند جمهور الأعظم من العلماء أن من وقف بالمزدلفة ليلا ودفع قبل الصبح أن حجة تام والله أعلم.
وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه رخص في تقديم الضعفاء من جمع بليل وروي مثله عن عائشة وعبد الرحمان بن عوف رحمهما الله وبه قال عطا وجماعة من فقهاء الأمصار والله أعلم، وروي أنه - عليه السلام - أفاض من جمع قبل طلوع الشمس حين (2/161)
صفحة 545
أسفر جد أو قال للناس عليكم السكينة والوقار وهو كاف ناقته وأوضع في واد محسور ممن كان يوضع في بطن محسر ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وتبعهم على ذلك كثير من العلماء والله أعلم.
الفصل السادس في رمي الجمار وقطع التلبية.
وأجمع العلماء على أن النبي - عليه السلام - دفع من المزدلفة بعدما صلى الفجر قبل طلوع الشمس ورو ي أنه لما أتى منى سلك الطريق الوسط التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة وروي من طريق الفضل بن عباس أنه قال لم أزل أسمعه - عليه السلام - يلي حتى رمى جمرة العقبة وقد اختلفوا في الوقت الذي يقطع فيه الحاج التلبية روي عن أبي عمر كان إذا قدم حاجا أو معتمرا قطع التلبية إذا رأى (2/162)
صفحة 546
الحرم حتى يطوف ويسعى ثم يعود فيها وقيل يقطعها إلى أراد إلى الموقف روي ذلك عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وقيل عن علي وأم سلمة أنهما يلبيان حتى تزول الشمس من يوم عرفة وروي عن جمهور العلماء أنه لا يقطعها حتى يرمي جمرة العقبة روي هذا عن ابن مسعود وميمونة زوجة النبي - عليه السلام - وبه قال عطا وسعيد بن جبير والنخعي والثوري والشافعي وأهل الرأي وهو الصحيح لثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة.
وروى أهل العلم أن النبي - عليه السلام - رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس ولم يرمي غيرها في ذلك اليوم وهو يوم النحر وأجمعوا على أن من رماها بعد الطلوع إلى الزوال أنه رماها في وقتها واختلفوا فيمن رماها ليلا أو قبل طلوع الشمس فقال قوم لا يجزيه روي ذلك ع ن مجاهد والنخعي وجماعة وقال آخرون يجزيه روي ذلك عن عطا وعكرمة بن خالد والشافعي وغيره ورخص آخرون في رميها بعد الفجر فبل طلوع الشمس روي لك عن مالك وأحمد وأصحاب الرأي واحتج من لم يجز فيها قبل طلوع الشمس بما روي أن النبي - عليه السلام - كان يقول لضعفة أهله لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس وبفعله في ذلك الوقت وقال خذوا عني مناسككم واحتج الآخرون بما روي عن عائشة أنه - عليه السلام - أرسل لأم سلمة يوم النحر فرمتها قبل الفجر والله أعلم.
واختلفوا في مقدار الحصاة فقال جمهور العلماء تكون مثل حصاة الخذف ورو يذلك عن ابن الزبير وعطا وطاوس وأصحاب الرأي وروي عن ابن عمر أنه كان يرمي الجمرة بمثل بعر الغنم واستحب (2/163)
صفحة 547
بعضهم أن تلفظ من جمع وقال آخرون خذ الحصاة من حيث شيئت ولا أعلم أحد قال يرمي بحصاة غير الحرم والله أعلم.
مسألة.
والمستحب عند أصحابنا في جمرة العقبة ان ترمى من بطن الوادي روي ذلك عن جابر بن عبد الله وعطا بن أبي رباح والقاسم بن محمد ونافع وسلام وجماعة ثبت ذلك عن ابن مسعود أنه أتا الجمرة فجعل منى عن يمبنه والبيت عن يسارة فرماها بسبع حصيات فقال هذا مقام الذي أنزلت عليه البقرة وقال آخرون إن عمر جاء والزحام عند الجمرة فصعد وراها من فوقها وقال أبو بكر عبد المنذر يجزي من حيث رماها والمستحب مافعل ابن مسعود والله أعلم.
مسألة.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رمى جمرةالعقبو انصرف إلى بدنه فنحرها ثم حلق رأسه واتفق العلماء على أن للحج تحليلين يحصل أحدهما برمي جمرة العقبة والثاني بطواف الزيارة وهو التحليل الأكبر المراد بقوله وإذا حللتم فاصطادوا واشبه التسليم أن من الصلاة والله أعلم وإذ رمى الحاج جمرة العقبة كما قلنا فليدبح أضحيته ثم يحلق رأسه لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم يبلغ الهدي محله} فدليل الخطاب إذا بلغ محله جاز له حلق ارأسه فليأكل من أضحيته وليطعم منها وليمض إلى مكة لزيارة البيت واستحب التعجيل في ذلك.
مسألة.
وأجمع العلماء فيما وجدت على أن الطواف ثلاث أنواع:
أحدها، طواف القدوم.
والثاني، طواف الزيارة وهو الفرض (2/164)
صفحة 548
الذي لا حج لمن تركه وهو المراد بقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق}.
والثالث، طواف الوداع وزعم بعضهم أنه يجزي عن طواف الزيارة إن لم يكن أتابه الحاج قالوا لأنه طواف معمول بالبيت في وقت طواف الوجوب وعندي إذا نوا طواف الوداع للزيارة أن يجزيه ويلزمه للوداع دم والله أعلم.
وزعم بعضهم أن الإجماع من الناس على أن المكي ليس عليه طواف الافاضة وهي الزيارة كما أنهم أجمعوا على أن ليس على المعتمر إلا طواف القدوم وقال وأجمعوا على أن من تمتع بالعمرة إلى الحج أن عليه طوافين أحدهما للعمرة يحل منها والثاني للحج بعد النحر وأما المفرد بالحج فليس عليه إلا طواف واحد واختلفوا فيما على القارن فقال بعضهم عليه طوافان وسعيان روي هذا عن الشعبي وجابر بن زيد وعبد الرحمان بن الأسود والثوري والحسن بن صالح وأصحاب الرأي وقالوا لما كان عليه طوافان إن أفرد وجب أن يتبتا عليه إذا قرن الحج بالعمرة معا وقال آخرون يكفيه طواف واحد وسعي سعي واحد لقول النبي - عليه السلام - لعائشة طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك وإلى هذا ذهب جابر بن عبد الله وعطا والحسن ومجاهد وطاوس ومالك والشافعي وجماعة فيما روي عنهم والله أعلم وبالله التوفيق.
الفصل الثالث في لواحق الحج وتوابعه.
وهذا الباب يتوزع على فصول: (2/165)
صفحة 549
الأول في الحلق.
ولا خلاف بين العلماء ولا خلاف بين العلماء أنه من أفعال الحج وأن الحلق أفضل من التقصير لحديث بان عمر أن النبي - عليه السلام - قال اللهم ارحم المحلقين ثلاثا قالوا والمقصرين يارسول الله قال والمقصرين وأجمعوا على أن النساء لا يحلقن رؤوسهن وأن سنتهن التقصير لقول النبي - عليه السلام - ليس على النساء حلق وإنما عليهن التقصير ولأن الحلق للنساء مثلة.
واختلفوا هل هو نسيك يجب على الحاج والمعتمر أم لا، فقال أصحابنا هونسك وبه قال جماعة من الفقهاء إلا في المحصر فإن بعضهم قال ليس عليه حلق ولا تقصير وروي ذلك عن أبي حنيفة وبالجملة من جعل الحلق والتقصير نسكا أوجب في تركه في تركه الدم ومن لم يجعله نسكا لم يجب في تركه شيئا والله أعلم.
الفصل الثاني في رمي الجمار.
فإذا طاف الحاج طواف الزيارة وسعا فلينصرف إلى منى لرمي الجمار في الثلاث الأيام التي هي أيام التشريق وأجمع أهل العلم أن جمرة العقبة إنما ترمى في يوم النحر دون غيرها وأن جملة مايرميه الحاج في الجمرات كلها سبعون حصاة منها في يوم النحر سبع لجمرة العقبة وأن من رماها من حيث يتيسر من أسفل العقبة أومن أعلاها ووسطها كان ذلك واسع إلا أن المستحسب من بطن الوادي كما (2/166)
صفحة 550
قدمنا وأجمعوا على أنه يعيد الرمي إذا لم تقع الحصاة في العقبة وأنه يرمي في كل يوم من أيام التشريق ثلاث جمرات احدى وعشرين حصاة كل جمرة منها سبع وأنه يجوز أن يرمي منها يومين فلا إثم عليه من تأخير وأن السنة في رمي الجمار أن يرمي الجمرة الأولى ويقف عندها ويدعوا ويرمي الثانية ويدعوا ويطيل القيام ثم يرمي الثالثة ولا يقف عندها ويكبر عندها ويكبر عند كل حصاة تكبيرة لماثبت من هذا عن النبي - عليه السلام -.
وأجمعوا على أن من سنة رمي الجمار الثلاث أن كون بعد الزوال واختلفوا إذا رمى قبل الزوال فقال جمهور العلماء يعيد الرمي بعد الزوال وروي عن محمد بن علي أنه قال رمي الجمار من طلوع الشمس إلى غروبها واتفق جمهور العلماء على أن الرمي لا يجوز بالليل إلا للخائف ورخص فيه أبو عبيدة مسلم رحمه الله وروي عن الحسن أنه رخص في رميها ليلا.
واختلفوا فيمن أخر جمرة العقبة إلى الليل تعمدا فقال قوم يرميها وعليه دم وبه قال مالك وروي عن ابن عمر قال أنه لا يرميها تحى تزول الشمس من الغد وعن عطا أنه إذا أخرها إلى الليل تعمدا فعليه دم وعن أبي حنيفة أنه إن رمها ليلا فلا شيء عليه و إن تركها إلى الغد فعليه دم وعن الربيع رحمه الله قال من لم يرم جمرة العقبة أول النهار ثم ذكر فليرمها آخره أحب إلي من أن يأخرها إلى الغد والله أعلم واحتج من أجاز رميها ليلا بترخيص النبي - عليه السلام - لرعات الإبل أن يرموها ليلا واحتج من منعها ليلا أن الوقت المتفق عليه هو وقت (2/167)
صفحة 551
رمي النبي - عليه السلام - وهو السنة وأن من خالف سنة من سنن الحج فعليه دم وزعمو ا أن رخصة الرعاة إنما هي بعد النحر وبعد جمرة العقبة في اليوم الثالث الذي هو أول أيام المنفر رخص لهم أن يرموا في ذلك اليوم واليوم الذي بعده وإن رموا فقد فرغوا وإن قاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا وعند جماعة العلماء أن رخصة الرعاة إنما هي جمع بين يومين في يوم واحد ورخص كثير من العلماء في جمع يومين في يوم والله أعلم.
وأجمع العلماء على أن من لم يرمي الجمار في أيام التشريق حتى تغيب الشمس من آخرها أنه لا يرمها بعد، واختلفوا فيما عليه فقال قوم إن رتكها كلها أو بعضها أوواحدة منها فعليه دم روي هذا عن مالك وقال آخرون إن تركها كلها فعليه دم وإن ترك جمرة واحة فصاعدا لكل جمرة إطعام مسكين نصف صاع حنطة إلا أن يتركها كلها فعليه دم إلا جمرة العقبه فإن عليه في تركها دما روي هذا عن أبي حنيفة وقال قوم عليه في الحصاة اطعام مسكين مدا من الطعام وفي الحصاتين كذلك وفي الثلاثة فصاعدا دم وبهذا يقول أصحابنا ووافقهم على ذلك الشافعي والثوري ورخصت طائفة من التابعين في الحصاة الواحدة والحصاتين ولو يروا فيها شيئا روي ذلك عن مجاهد واحتج بحديث سعيد بن أبي وقاص قال رجعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعضنا يقول (2/168)
صفحة 552
رميت بست وآخر يقول رميت بسبع فلم يعب ذلك بعضهم على بعض والله أعلم.
مسألة.
ولا يجوز لأحد أن يبيت ليالي منى في غيرها فإن فعل فعليه دم لكل ليلة إلا الرعاة فإنه رخص لهم النبي - عليه السلام - البيوتة بغير منى ويصبحون يرمون مع الناس فإذا أراد الحاج أن ينفر من منى في النفر الأول بالعشي في اليوم الثاني فليدفن مابقي من الحصاة في أصل جمرة العقبة وإن لم يخرج من منى حتى أدركه الليل لزمه القعود لليوم الثالث حتى يرمي الجمار بعد الزوال والله أعلم.
الفصل الثالث في الهدي والضحايا وأحكامهما.
وأجمع العلماء على أن الهدي نوعان واجب وتطوع وأن الواجب يكون بالنذر ويكون بالتمتع والقران على خلاف فيه ويكون بلزوم الكفارة كهدي قضاء الحج وهدي كفارة الصيد وهدي كفارة القاء الأذى وما أشبه ذلك من الهدي الذي قاسه الفقهاء على المنصوص في بعض النسك ويتوزع هذا الفصل على عشرة أقسام:
احداها في هدي النذر.
وهو يجب اليمين مثل أن يقول أن كلمت فلان فعليه هدي فحنث فيلزمه ان يهديه إلى مكة ويجب عليه أيضا من جهة الفداء مثل أن ينذر بابنه او عبده أو ينحره بمكة فإنه يجب عليه أن يهدي عنه هديا يكون فداء (2/169)
صفحة 553
له وقيل في العبد يهديه لخدمة البيت فقيل يبيعه ويشتري بثمنه بدنه فيهديها والله أعلم.
الثانية في هدي التمتع.
ولا خلاف في وجوبه وإنما الخلاف في المتمتع من هو وقد تقدم ذلك فاختلفوا في الواجب عليه فذهب جمهور العلماء إلى أن ماستيسر من الهدي شاة واحتدجوا بأن اسم الهدي ينطق على الشاة لقول الله: {هديا بالغ الكعبة} ومعلوم بالاجماع أنه في جزاء الصيد شاة وذهب بعضهم إلى ماستيسر من الهدي الابل والبقر روي ذلك عن ابن عمر واجمعوا على أن هذه الكفارة على الترتيب وأنه من لم يجد الهدي فعليه الصيام يصوم ثلاثة أيام في الحج وهو محرم آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع في الطريق وقيل إلى مصره من الهدي إلى الصيام فقيل عن مالك بن أنس إذا شرع في الصوم فقد انتقل إليه ولا هدي عليه وأن وجده قبل صوم الثلاث الأيام فعليه أن يهديه وإن وجده في صوم السبعة فلا هدي عليه وهذا هو الصحيح لأنه قد خرج من فرضه كما أنه لوصلى بالتيمم ثم وجد الماء فلا بد عليه وسبب الخلاف في هذه المسألة هل ماهو شرط ابتدأ في العبادة شرط في انتهاءها أم لا واختلفوا فيمن صام الثلاثة الأيام في أيام عمل العمرة أو صامها في أيام منى فقال بعض أصحابنا يصومها إذا أحرم وتجزيه وإذا لم يصمها إلى (2/170)
صفحة 554
يوم عرفة فلا صوم بعد ذلك وعليه دم وبهذا يقول أبو حنيفة وقال أهل الحجاز يأتي بها متى يشاء في أيام منى أو غيرها وسبب الخلاف هل ينطلق اسم الحج على هذه الأيام المختلفة فيها أم لا وإن انطلق هل من شرط الكفارة ألا تجزي إلا بعد وقوع موجبها فمن قال لا تجزي إلا بعد وقوع موجبها فمن قال لا تجزي إلا بعد وقوع موجبها قال لا يجزي في الصوم إلا بعد الشروع في الحج ومن قاسها على كفارة الأيمان قال تجزي والله أعلم.
القسم الثالث.
وأجمعوا على أن من فاته الحج بفوات ركن من أركانه أو من قبل غلطه في الزمان أو من قبل جهله أو نسيانه أو اتيانه في الحج فعلا مفسدا له أن عليه أن يقضيه بعد ذلك واختلفوا في الهدي إذا حج من عام قابل هل يحب عليه أم لا فذهب أكثر العلماء إلى أن الهدي يجي عليه للنصان الذي دخل عليه في فساد الحج واختلفوا في حج التطوع إذا فسد عليه أيضا فجمهور العلماء أوجبوا عليه القضاء والهدي وشد قوم فقالوا لا قضاء عليه في التطوع لا الهدي أصلا والأول أصح وبه قال الأكثرون وعندهم أن الحج إذا فسد عليه أنه يومر بإتمامه ثم يحل وعليه الحج والهدي من قابل واحتجوا بقول الله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} الآية والله أعلم.
القسم الرابع في هدي كفارة الصيد.
والأصل فيها قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ماقتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة}، واختلفوا هل الواجب في قتل الصيد قيمته أو (2/171)
صفحة 555
مثله فذهب جمهور العلماء إلى أن الواجب المثل لقوله تعالى: {فجزاء مثل ماقتل من النعم} وذهب أبو حنيفة فيما روي عنه إلى أنه مخير بين القيمة والمثل أعني قيمة الصيد وبين أن يشتري به المثل وتقدير الآية عند من قال بهذا القول فكأنه قال ومن قتله منكم متعمدا فعليه قيمة ماقتل من النعم أو عدل القيمة طعاما أو عدل ذلك صياما والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في استئناف الحكم على قاتل الصيد مما حكم فيه السلف مثل حكمهم أن من قتل نعامة فعليه بدنة تشبهها ومن قتل غزالا فعليه شاة ومن قتل بقرة وحشية فعليه بقرة أنيسة فقال قوم يستأنف الحكم في كل ماوقع من ذلك لأنه عبادة وقال آخرون إن أخبر بحكم مما حكموا فيه جاز لأنه حكم معقول المعنى فليس فعادته معنى والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في هذه الكفارة هل هي على التخيير أو على الترتيب فقال قوم على التخيير أعني الحكمين يخيران أن الذي عليه الجزاء وقال قوم هي على الترتيب تشبيها بكفارة الظاهر والقتل وحجة الأولين أن لفظة أو تقتضي التخير في لسان العرب وهذا هو الأصح والله اعلم وبالله التوفيق.
مسألة.
واختلفوا في تقدير الطعام بالصيام قفال قوم يصوم عن كل مد يوما وهو مايطعم لكل مسكين عنده وقال آخرون يصوم عن كل مدين يوما وهومايطعم لكل مسكين عند هؤلاء فالأول مروي عن الشافعي وأهل الحجاز والثاني مروي عن أهل الكوفة وهو الأصح إن شاء الله.
مسألة.
واختلفوا في قتل الصيد خطأ هل فيه جزاء أم لا (2/172)
صفحة 556
فقال جمهور العلماء عليه الجزاء قياسا على الأموال لأن الضمان يجب فيه خطأ وعمدا وذهب أهل الظاهر إلى الخطإ في الصيد لا جزاء فيه لأن العمد إنما يجب فيه الجزاء لمكان العقوبة والخاطي بمنزلة الناسي لا لوم عليه عندهم والأول أصح.
مسألة.
واختلفوا في الصيد تشترك فيه جماعة محرمون فقال قوم عليهم جزاء واحد وقال قوم إن كانوا قتلوه في الحرم وهو محرمون فعلى كل واحد منهم جزاء وإن قتلوه في الحرم وهو محرمون فعليهم جزاء واحد وسبب الخلاف هل موجب الجزاء التعدي فقط أو التعدي على جماعة الصيد فمن قال التعدي فقط أوجب على واحد من القاتلين الصيد الجزاء ومن قال التعدي على جماعة الصيد أوجب عليهم جزاء واحد واما من فرق بين المحلين والمحرمين فعلى جهة التغليظ على المحرمين والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في قتل الصيد إذا عاد إلى قتله ثانية بعد أن حكم عليه بالجزاء فقال قوم لا يحكم عليه بالجزاء فقال قوم لا يحكم عليه بعد المرة الأولى ولكن يقال له اذهب فينتقم الله منك، وفرق آخرون بين العمد والخطأ فقالوا يعاد عليه الحكم في الخطأ دون العمد وقال أصحابنا يعاد عليه الحكم كلما قتل الصيد روي ذلك عن شريح وسعيد بن جبير وجابر بن زيد والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا هل يجوز أن يكون أحد القاتلين للصيد حاكما فقال قوم لا يجوج وأجازه آخرون وسبب الخلاف تعارض ظاهر الآية لمفهوم المعنى الأصلي في الشرع وذلك أن ظاهر الآية ليس فيه شرط في الحكمين إلا لعدالة فيجب على ظاهرها أن يجوز حكم قاتل (2/173)
صفحة 557
الصيد إذا كان عدلا قاتلا أو غيرقاتل وأما مفهوم المعنى الألي في الشرع فهو أن المحكوم عليه لا يكون حاكما على نفسه والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في موضع الإطعام فقال قوم حيثما أطعم أجزاها وقال آخرون يطعم في الموضع الذي أصاب فيه الصيد وقال آخرون لا يطعم إلا مساكين مكة وسبب الخلاف تشبيه الإطعام في الجزاء بالزكاة في أنها حق للمسكين فمن شبه الإطعام في الجزاء بالزكاة قال لا ينقل عن موضعه ومن رأى أن المفهوم بذلك الرفق بالمساكين قال لا يطعم الامساكين مكة ومن اعتمد ظاهر اطلاق الآية قال يطعم من حيث شاء والله أعلم والقول الأول مروي عن النخعي ومالك وأصحاب الرأي أعني أن الدم بمكة والإطعام والصوم حيث شاء وعن ابن عباس أن الدم والإطعام بمكة والصوم حيث شاء وهو القول الثاني والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في المحل يقتل الصيد في الحرام فذهب جمهور العلماء إلى وجوب الجزاء عليه قياسا على المحرم وذهب أهل الظاهر إلى إسقاط الجزاء عنه لأنهم لا يقولون بالقياس مع اجماعهم على تحريم الصيد الحرام لقوله تعالى: {أولم يروا أن جعلنا حرما آمنا} وقول النبي - عليه السلام - أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض حديث.
القسم الخامس في الحكم الوارد في جزاء الصيد.
قال الله تعالى: {فمن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ماقتل من النعم} روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عباس وعلي وعثمان في جملة من (2/174)
صفحة 558
الصحابة والتابعين أنهم قالوا في قتل النعامة بدنة وروي عن النخعي أنه قال على قاتل النعمة محرم ثمنها وروي عن عمر رحمه الله في جملة من الصحابة والتابعين أنهم قالوا في بيضة النعامة ثمنها وقيل فيها صوم يوم اطعام مسكين روي ذلك عن أبي عبيدة وأبي موسى الأشعري وروي فيها عن علي أنه قال يحمل الفحل على الابل فإذا تبين لقاحها من البيض فيقال هذا هدي ثم ليس عليه بعد ذلك ضمان فسد أو صاع وقيل عن الحسن فيها جنين من الابل وروي عن عمر رحمه الله أنه قضاء في الضبع بكبش وفي الغزال بعنز وهو ماولد من المعز وولد مثله وحكم في الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة واليربوع دوبية لها أربع قوائم وذنب وهي فيما قيل تجتر كما تجتر الشاة من ذوات الكروش والجفرة عند أهل العلم ماأكل واستغنا عن الرضع والرضاع والعتاق مافوق الجفرة وقيل دونها وروي عن مالك أنه قال في الأرنب واليربوع لا يقومان إلا بما يجوز في الهدي والضحية وذلك الجذع فما فوقه من الضأن والثني فما فوقه من المعز الابل والبقر واحتج بقول الله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} ولم تختلف العلماء من أن من جعل على نفسه هديا أنه لا يجزيه أقل من الجدع من الضأن والثني مما سواه واختلفوا في صغار الصيد فقال بعضهم هو مثل صغار الغنم كما أن كباره مثل كبارها وهو مروي عن عثمان وعلي بن أبي مسعود وبه قال الشافعي واحتج أن ذلك حقيقة المثل فعند هؤلاء في النعامة الكبير بدنة وفي الصغير فصيل وقال آخرون في كل ذلك بالقيمة وبه قال أبو حنيفة.
اختلفوا في حمام مكة وغرها فقال قوم في حمام الحرم شاة وفي الحل حكومة وقال قوم وفي كل ذلك شاة روي ذلك عن جماعة من (2/175)
صفحة 559
الصحابة وعن عطا قال أنه قال في كل شيء من الطير شاة وقال أبو حنيفة بالقيمة كل ذلك على أصله وأكثر العلماء على أن الجرد من صيد البر يجب على المحرم فيه جزاء واختلفوا في الواجب من ذلك فروي عن عمر رحمه الله أنه قال قبضت من طعام أو تمر وعن ابن عباس فيها تمرة وقيل فيها حكومة والله أعلم.
القسم السادس فيما هو صيد مما ليس بصيد وفيما ليس بصيد البحر مما هو منه.
وأجمع العلماء على أن صيد البر حرام على المحرم إلا لخمس الفواسق التي استثناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقل خمس من الداب ليس على المحرم في قتلها من جناح الغراب والكلب والعقور والحداة و العقرب والفارة، واختلفوا هل هذا من باب الخاص أريد به العام وبالعكس.
فقال قوم هو من باب الخاص أريد به العام واختلفوا في أي العام أريد بذلك فقال قوم الكلب العقور أشار إلى كل سبع عاد كالأسد والذئب والنمر والفهد وأن ماليس بعاد فليس على المحرم قتله ولم يرى هؤلاء قتل صغار السباع لأنها لا تعدوا ولا قتل كل مالايعدوا من الكبار مثل الضبع والثعلب والهر وقال قوم لا يقتل من الكلاب العقور إلا الكلب الأنيس والذئب وقال قوم كل محرم الأكل فهو في معنى الخمس واحتجوا بأن المحرم عليه الحلال من الصيد المباح الأكل ولا خلاف بين العلماء في قتل (2/176)
صفحة 560
العقرب والحية لثبوت ذلك عن النبي - عليه السلام - واختلفوا في الزنبور فقال قوم مثل العقرب وآخرون قالوا هو أضعف نكاية من العقرب والله أعلم.
وأجمعوا على أن السمك من صيد البحر وأنه حلال للمحرم لقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر}، واختلفوا فيما عدا السمك فقال قوم كل مالا يحتاج إلى ذكاة فهو صيد حلال كالسمك وكل مايحتاج إلى الذكاة فليس هو بصيد البحر ولا يحل للمحرم واختلافهم في هذا إنما هو فيما يعيش في البر والبحر هل يلحق بصيد البر أو بصيد البحر فقياس قول أكثرهم أنه يلحق بما يكون فيه عيشه غالبا وهو حيث يولد وجمهور العلماء على أن طير الماء محكوم له بحكم الحيوان البري إلا ماروي عن عطا أنه قال يحكم له بحكم غالب عيشه والله أعلم.
واختلفوا في نبات الحرم فقال قوم لا جزاء فيه روي هذا عن مالك وقال آخرون بل فيه الجزاء في الدوحة بقرة وفيما دونها شاة وقال آخرون كما كان من غرس الإنسان فلا شيء فيه وكل ماكان نباتا من قبل الله ففيه الجزاء روي هذا عن أبي حنيفة وبه يقول أصحابنا وسبب الخلاف في هذا هل يقاس النبات على الصيد لاجتماعهما في النهي عن ذلك لقوله - عليه السلام - لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها ولا يعضد شجرها الحديث.
القسم السابع في فدية الأذى.
وقد أجمع العلماء عليها لورود ذلك في الكتاب والسنو أما الكتاب (2/177)
صفحة 561
فقول الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}، وأما السنة فحديث كعب بن عجرة الثابت أنه كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية محرما فأذاه القمل في رأسه فأمره - عليه السلام - بحلق راسه فقال له - عليه السلام - صم ثلاث أيام أواطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين أو أنسك بشاة أي ذلك فعلت أجزاك، واتفقوا على أن من حلق من ضرورة أن عليه الفدية كما قدمنا واختلفوا فيمن حلق رأسه ناسيا فقال جمهور العلماء الفدية تجب على الناسي والمعتمد وزعم أهل الظاهر أن لا فدية على الناسي حجة الأولين أن لما وجبت الفدية على المضطر فهي على غير المضطر أوجب ومن فرق بين العامد والناسي فلعموم بينهما قاس ذلك على كثير من العبادات التي لم يفرق الشرع فيها بين الخطإ والنسيان والله أعلم.
مسألة.
واجمعوا على أن هذه الفدية ثلاثة خصال وأنها على التخيير بين الاطعام ستت مساكين والنسك واختلفوا في الاطعام والصيام فقال أصحابنا وجمهور العلماء الإطعام ستة مساكين والنسك أقله شاة وقيل عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم أجازوا الإطعام لعشرة مساكن والصيام عشرة أيام وقاسوا ذلك على صيام المتمتع وسووا بين الإطعام والصيام لقوله في (2/178)
صفحة 562
جزاء الصيد أو عدل ذلك صياما وحجة الأولين حديث كعب المتقدم، واختلفوا في كم يطعم لكل مسكين فقال أصحابنا وجمهور الفقهاء مدان لكل مسكين بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال آخرون يطعم من البر نصف صاع وسبب اختلافهم اختلاف الأثر في الاطعام في الكفارت كما قدمنا قبل هذا.
مسألة.
واتفقوا على أن هذه الفدية تجب على من حلق رأسه لضروروة مرض أو حيوان يؤذيه في رأسه وروي عن ابن عباس أنه قال المرض أن يكون في رأس القروح والأذا القمل وجمهور العلماء من أصحابنا وغيرهم أن كل ماكان المحرم ممنوعا منه من لباس الثوب وحلق الرأس وتقليم الأضافر ونزع الشعر من جميع البدن واخراج الدم منه على اختلافهم فيه إذا استباحه المحرم فعليه الفدية ولم يفرقوا بين الضرر وغيره وكذلك استعمال الطيب على هذا الحال واختلفوا فيمن قص بعض أضفاره فقال أصحابنا ووافقهم على ذلك الشافعي وأبو ثوران قص ضفر واحد فعليه مسكين والضفران إطعام مسكينين وفي الثلاثة فصاعذا دم وحكي عن أبي حنيفة في أحد قوليه ألا شيء عليه حتى يقصها كلها وشذ بعضهم فقال يقص المحرم أظافره وشاربة وأنه لا فدية عليه إلا في حلق الرأس لورود النص فيه روي هذا عن بن حزم من فقهاء قومنا والله أعلم.
وأجمعوا على منع حلق شعر الرأس للمحرم واختلفوا في حلقه من سائر الجسد فقال أصحابنا وجمهور العلماء أن فيه الفدية وروي عن داوود ألا فدية فيه واختلفوا فيمن نتف من رأسه أو لحيته الشعرة والشعرتين فقال أصحابنا في الشعرة إطعام مسكين وفي الشعرتين كذلك وفي الثلاثة فما صاعدا دم وبه قال الحسن والشافعي وأبو ثور (2/179)
صفحة 563
روي عن مالك بن أنس في نتف اليسير من الشعر ألا يكون فيه شيء إلا أن أماط به الأذى ففيه الفدية وسبب الخلاف هل منع المحرم من حلق الرأسعبادة أن نضافة فمن قال عبادة ساوا بين القليل والكثير في لزوم الفدية ومن ومن قال منعه لأجل النظافة والزينة والإستراحة فرق بين القليل والكثير والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في موضع أداء هذه الفدية فقال قوم حيث ماشاء بمكة أو غيرها روي هذا عن مجاهد وغيره وبه قال مالك بن أنس وزعم أنها ليست بهدي لأن الهدي لا يجوز إلا بمكة أومنى وقال قوم الدم والاطعام لا يجزيان إلا بمكة والصومحيث شاء وبه قال الشافعي وري عن بن عباس أنه قال ماكان من دم فبمكة وماكان من طعام وصيام فحيث شاء وسبب الخلاف استعمال قياس دم النسك على الهدي فمن قاسه على الهدي أجب فيه شروطه من الذبح في المكان المخصص وفي مساكين الحرم والذي يجمع الهدي والنسك أن المقصود به منفعة المساكين المجاورين لبيت الله الحرام وقال من خالف هذا أن الشرع لما فرق بين سمائها فسما أحدهما نسكا والآخر هديا وجب أن تختلف أحكامهما والله أعلم.
القسم الثامن في فدية المحصر.
والأصل فيه قوله تعالى: {وإن أحصرتم فمااستيسر من الهدي، ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله، فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم} الآية، واتفق جمهور العلماء على أن المحصر على (2/180)
صفحة 564
الحج ضربان إما محصر بعد وغالب أو مرض فادح فأما المحصر بعدو فجمهور العلماء على أنه يحل من عمرته أو حجه حيث أحصر وفي أثر أصحابنا إذا أحرم بعمرة فصد عن البيت بعدو او مرض فإنه يبعث هديه فينحر عنه في يوم معلوم فيتحلل من إحرامه إذا مضى ذلك اليوم ويحل له كل شيء إلا النساء والصيد وحتى يطوف بالبيت من عام قابل أو بعده واما إن أحرم بالحج مفردا أو قارن له مع العمرة فإنه لا يتحلل حتى بنحر عنه الهدي يوم النحر أو يفوته الحج فيجعلها عمرة فإذا نحر عنه الهدي يوم النحر حلا كما وصفنا إلا من النساء والصيد فحتى يحج من عام قابل وغن لم يكن مع المحصر عن الحج بمرض هدي فإنه لا يحل حتى يصح ويحج.
مسألة.
واختلفوا في إيجاب الهدي على المحصر بعدو فدهب قوم إلى أنه لا هدي عليه وإن كان معه هدي فلينحره حيث أحل وقال (2/181)
صفحة 565
آخرون عليه الهدي ينحره حيث ماحال وقال قوم لا ينحر إلا في الحرم والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في المحصر بالعدو إذا حل هل عليه إعادة العمرة أم لا فقال قوم لا إعادة عليه وقال آخرون عليه الإعادة واحتج من قال لا يلزم المحصر بالعدو هدي ولا إعادة لما روي أن النبي - عليه السلام - حل هو وأصحابه بالحديبة فنحروا الهدي وحلقول رؤسهم وحلوا من كل شيء قبل أن يقضي شيئا ولا يعود على شيء واحتج من أوجب عليه الإعادة أنه - عليه السلام - اعتمر في العام المقبل من عام الحديبية قضاء لتلك العمرة ولذلك قال لها عمرة القضاء واحتجوا بإيجاب الهدي عليه بعموم قوله تعالى: {فإن احصرتم فما استيسر من الهدي} وبنحره - عليه السلام - الهدي هو وأصحابه عام الحديبية وأما اختلافهم في موضع نحر الهدي فاختلافهم في موضع نحر هدي النبي - عليه السلام - فقال قوم نحره في الحرم وقال آخرون في الحل والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في المحصر بالمرض فذهب أهل الحجاز إلى أنه لا يحله إلا الطواف بالبيت والسعي إلا إذا فاته الحج بطول مرضه انقلب إلى عمرة وهو مذهب ابن عباس وعائشة وابن عمر وزعم أهل العراق إلى أن حكمه حكم المحصر بعدو أعني أن يرسل هديه ويقدر يوم نحره ويحل في ذلك اليوم عن النبي - عليه السلام - قال من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى، واختلفوا في إيجاب الهدي عليه فذهب اكثر العلماء إلى (2/182)
صفحة 566
إيجابه عليه وذهب أهل الظاهر إلى إسقاطه عنه اعتمادا على أن الآية إنما نزلت في المحصر بالعدوا وأجمعوا على إيجاب القضاء عليه والله أعلم.
مسألة.
وكل من فاته الحج بخطإ من العدد في الأيام أوخفاء الهلال عليه أو غير ذلك من الأعذار فحكمه عند العلماء حكم المحصر بمرض أن يقي على إحرامه حتى يحج من عام قابل فلا هدي عليه وإن تحلل بعمرة فعليه هدي المحصر لأنه حلق رأسه قبل أن ينحر فكل من تأول قوله تعالى: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} أنه خطاب للمحصر وجب عليه ان يعتقد على ظاهر الآية أن عليه هديين هديا لحلقه عند التحلل قبل نحره في حجة القضاء وهديا لتمتعه بالعمرة إلى الحج وإن حل في أشهر الحج بالعمرة وجب عليه هدي ثالث وهو هدي التمتع الذي هو أحد أنواع نسك الحج والله أعلم.
القسم التاسع في الهدي وأحكامه.
وأجمع العلماء على أن الهدي لا يجوز إلا من الأزواج الثمانية التي نص الله عليها وأن الأفضل في الهدي الإبل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز وإنام اختلفوا في الضحايا وأجمعوا على أن الثني فما فوقه في الأسنان يجزي في الهدي وأنه لا يجزي الجدع من المعز في الهدايا ولا في الضحايا لقول النبي - عليه السلام - لأبي بردة حين أجاز له الهدي في الضحية تجزي عنك ولا تجزي عن واحد بعدك.
واختلفوا في الجدع من الضأن فذهب (2/183)
صفحة 567
أكثر أهل العلم إلى جوازه في الهدايا والضحايا وروي عن ابن عمر أنه قال لا يجزي في الهدايا إلا الأنثى من كل جنس الثني من المعز قيل هو ابن سنة قد خرجت ثنيته ومن البقر مادخل في السنة الرابعة والجدع من الضأن ماله ستة أشهر وقيل عشرة ولا خلاف بين العلماء في أن الالأغلا ثمنا من الهدايا أفضل ويقال أفضلها أغلا ثمنا من الهدايا أفضل ويقال أفضلها أغلاها ثمنا وانفسها عند أهلها وروا الغزالي في كتابه أن بن عمر أهدانجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل النبي - عليه السلام - أن يبيعها أو يشتري بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك قال بل أهداها قال وذلك لأن القليل الجيد خير من الكثير الدون وقال في ثلاث مائة دينار قيمة ثلاثين بدنة وفيها تكثير اللحم ولكن المقصود تزكية النفس عن صفة البخل لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى الآية وليس في عدد الهدي النبي - عليه السلام - ماية بدنة عام حجة الوداع والله أعلم. (2/184)
صفحة 568
مسألة.
في كيفية سوق الهدي وهي التقبيد والإشعار ليعلم أنه هدي لما روي أن النبي - عليه السلام - خرج عام الحديبية فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره فأحرم وصفة التقليد ان يجعل في عنق البعير فيعلق فيه نعلان أو نعل واحد وصفة الإشعار أن يشق في الجانب الأيسر من البدنة شقا ءاخذا من نحو الرقبة إلى المؤخر بعد أن يسمي الله تعالى بقول بسم الله والله أكبير ثم يحللها إن شاء وكل ذلك واسع واستحب (2/185)
صفحة 569
العلماء توجيهه إلى القبلة في حين تقليده وفي حديث ابن عباس أن النبي - عليه السلام - صلا الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنة فأشعرها في صفحة قسماها إلى الأذن ثم سلت الدم عنها وقلدها نعلين والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا من أين يساق الهدي فقال قوم سنته أن يساق من الحل وإن اشتراه من مكة فعليه أن يقف بع عرفات وإن لم يفعل فعليه البدل وإن كان أدخله من الحل فليقف به عرفات روي هذا عن ابن عمر وبه قال مالك بن أنس والليث بن سعيد وقال آخرون وقوف الهدي سنة ولا هدي عن من لم يقف به كان داخلا من الحل أو خارجا من الحرم وإلى هذا ذهب الشافعي وجماعة وروي عن عائشة أنها أباحت التخيير في تعريف الهدي وترك تعريفه وحجة أصحاب القول الأول أن النبي - عليه السلام - فعله وقال خذوا عني مناسككم وقال آخرون ليس التعريف بالهدي سنة قالوا وإنما فعل ذلك النبي - عليه السلام - لأن مسكنه خارج الحرم والله أعلم وأحكم وبه العون والتوفيق.
مسألة في محله.
وأجمعوا على أن محله مكة والحرم لقول الله تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق} وقوله: {هديا بالغ الكعبة}، فلما أجمعوا لا يجوز لأحد فيهما ذبح دل على أن المراد بالنحر مكة احتسابا منه لمساكنهم وفقرائهم واختلفوا فيمن نحر في الحرم دون مكة فقال قوم يجزيه وقال آخرون لا يجزيه وزعموا أن المعنا في قوله: {هديا بالغ الكعبة} أنه مكة وقال قوم يجوز نحر الهدي حيث شاء صاحبه إلا هدي القران وجزاء الصيد فإنه لا ينحر إلا (2/186)
صفحة 570
في الحرم وبالجملة فإن النحر بمنا إجماع من العلماء وفي العمرة بمكة إلا ماختلفوا فيه في غير هدي المحصر وعند مالك بن أنس أن نحر للحج بمكة وللعمرة بمنا أجزاه واحتج بأنه لا يجوز النحر بالحرم بقول النبي - عليه السلام - فحاج مكة وطوافها كلها منحر واستثنا من ذلك هدي الفدية فأجاز ذبحه بغير مكة.
مسألة.
واختلفوا فيه متى ينحر فقال قوم لا يجوز ذبح هدي التطوع ولا المتمتع إلا في يوم النحر وأجاز آخرون هدي التطوع قبل يوم النحر ولم يجز ذبح هدي المتعة قبله وأجاز آخرون في كليهما.
مسألة.
واختلفوا في ركوب هدي الواجب أو التطوع فكره جمهور العلماء ركوبه إلا من ضرورة وأجاز أهل الظاهر ركوبه بغير ضرورة، واجتجوا بما روي أن النبي - عليه السلام - رأى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها فقال إنها بدنة فقال اركبها واحتج الأولون بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال اركبها بالمعروف إذا احتجت إليها حتى تجد ظاهرا ومن طريق المعنى أن الإنتفاع بما كان المقصود به قربة إلى الله تعالى منعه مفهوم من الشريعة والله أعلم.
مسألة.
وأجمعوا على هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يأكل منه صاحبه كسائر الناس وقد روي عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه قال: (2/187)
صفحة 571
إذا أكل منه فعليه البدل والله أعلم.
واتفقوا على أنه إذا عطب قبل محله خلا بينه وبين الناس ولا ياكل منه وقال آخرون لا أحد من رفقته لما ثبت من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بعث هديا مع علي بن أبي طالب فقال إن عطب فانحره ثم اصبغ نعليه في دمه وخل بينه وبين الناس وروى بن عباس هذا الحديث وزاد فيه ولا تأكل منه أنت ولا اهل رفقتك، واختلفوا عيما يجب على من أكل منه فقال قوم عليه بدله وقال آخرون إنما عليه قيمة ما أكل وروى عن علي وابن مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين واختلفوا فيما عطب في الحرم قبل أن يصل مكة فقال قوم بلغ محله وقيل لايبلغ محله حتى يصل مكة على ماقدمنا قبل هذا والله أعلم.
مسألة.
وأما الهدي الواجب إذا عطب قبل محله فإن لصاحبه أن يأكل منه لأن عليه بدله وأجاز له بعضهم بيع لحمه وان يستعين به في البدل وكره ذلك مالك بن أنس واختلفوا في الأكل من الهدي الواجب إذا بلغ محله فقال قوم لا يأكل منه شيئا ويتصدق بلحمه ونعاله وجلاله على المساكين وقال آخرون يأكل من الهدي الواجب الأجزاء الصيد ونذر المساكين وفدية الأذا وقال قوم لا يأكل من الهدي الواجب إلا هدي المتعة وهدي القران وحجة من منع الأكل من الهدي الواجب أنه شبه جميع أصناف الهدي الواجب الكفارة واما من فرق في ذلك فلأنه سظهر في الهدي معنيان أحدهما أنه عبادة مبتداة والثاني أنه كفارة فمن غلب شبهه بالعبادة على شبه الكفارة في نوع من أنواع الهدي كهدي القران والتمتع لم يشترط ألا يأكل لأن هذا الهدي عنده هو فضيلة لا كفارة ومن غلب شبه الكفارة (2/188)
صفحة 572
قال لا يأكله للإتفاق لأنه لا يأكل صاحب الكفارة من كفارته فلما كان هدي جزاء الصيد وفدية الأذا ظاهر أمه أنه كفارة لم يختلفوا أنه لا يأكل منه والله أعلم.
الفصل العاشر في الضحايا وأحكامها.
الفصل ينقسم قسمان:
أحدهما في حكم الضحايا،
والثاني فيما يجزيه منها،
القسم الأول.
واختلفوا في حكم الضحايا فقال قوم هي واجب روي ذلك عن عن أبي حنيفة واحتج بفعل النبي - عليه السلام - أنه ضحا وأوضب على ذلك وحمله على الوجوب وكذلك أمره - عليه السلام - أبا بردة بإعادة الأضحية حين ذبح قبل الصلاة فهم منه قوم الوجوب وقال أصحابنا هي سنة على أهل الأمصار لقول النبي - عليه السلام - أمرت بالنحر وهو لكم سنة وبقوله إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أضفاره شيئا فرد ذلك إلى اختيار المضحي وروي مثل هذا عن مالك بن أنس وهو مذهب ابن عباس وغيره وعن عكرمة قال بعثني ابن عباس بدرهمين أشتري له لحما فقال من لقيت فقل هذا أضحية ابن عباس وعن بلال رحمه الله أنه أمر رجلا أنه ضحى بديك (2/189)
صفحة 573
وعن جابر بن زيد رحمه الله أنه أمر رجلا أن يشتري له أضحية فلم يجد إلا مهزولا فأمر ان يشتري له فاكهة فأكل وأطعم الفقراء والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في الإشتراك في البدنة فقال جمهور العلماء تجزي البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وروي ذلك عن بن عمر وأنس بن مالك وعطا وطاوس والحسن وقال ابن عباس البدنة عن سبع وأن تمتعوا وبه قال جماعة من الفقهاء ومنع قوم الاشتراك في شيء من الهدي ولا البدن ولا النسك في الفدية وغيرها روي ذلك عن مالك بن أنس والصحيح الأول بحديث جابر بن عبد الله قال اشتركنا مع النبي - عليه السلام - في الحج والعمرة ونحرنا معه عام الحديبة البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
مسألة.
واختلفوا في الأفضل في الضحايا فذهب قوم إلى أن الأفضل الكباش ثم البقر ثم الإبل وذهب آخرون إلى أن الأفضل الإبل ثم البقر ثم الغنم واحتج الألون بفعل النبي - عليه السلام - أنه ضحا بكبشين أملحين ولم يرو عنه أحد أنه ضحا بغير الكبش وأنه - عليه السلام - لا يفعل إلا الأفضل واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} أنه الكبش وأن ذلك معنى قوله: {وتركنا عليه في الاخرين} واحتج الأخون بقوله - عليه السلام - في فضل الجمعة من راح الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة الحديث، والله أعلم. (2/190)
صفحة 574
القسم الثاني فيما يجزي وما لا يجزي منها.
وأجمعوا على أنه لا يجزي الجدع من المعز بل الثني فما فوقه لقوله - عليه السلام - لأبي بردة ولا يجزي جذع من أحد بعدك واختلفوا في الجذع من الضأن كما قدمنا قبل هذا والله أعلم.
مسألة.
وأما مالا يجزي فقد أجمع العلماء على أنه لا يجزي في الضحايا أربع العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريض البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي لثوبت هذا في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأجمعوا على أن ماكان من هذه الأربعة خفيفا أنه لا تأثير له في منع الإجزاء.
واختلفوا في موضعين أحدهما فيما كان من العيوب أشد من هذه الأربعة المنصوص عليها في السنة مثل العما وقطع الساق وأشبه ذلك.
الموضع الثاني فيما كان مساويا في إفادة النقصان مثل ماكان من العيوب في الأذن والعينين والضرس وغير ذلك من الأعضاء ولم يكن يسيرا.
وأما الموع الأول فذهب جمهور العلماء إلى ان ماكان أشد من المنصوص عليها في العيوب أنه يمنع الإجزاء وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يمنع الاجزاء وسبب الخلاف هل الحديث الوارد في العيوب الأربعة خاص أريد به الخاص أو خاص أريد به العام فمن قال أريد به الخصوص فلا يمع الإجزاء إلا هذه الأربعة فقط ومن قال (2/191)
صفحة 575
هو خاص أريد به العموم قال ماهو أشد من المنصوص أحرا أن يمنع الإجزاء.
وأما الموضع الثاني أعني ماكان من العيوب في سائر الأعضاء مفيد للنقص على نحو فادة العيوب المنصوص عليها فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاث أقول، أحدهما أنه لا يمنع الإجزاء وإن كان يستحب اجتنابها، والقول الثاني أنه تمنع الإجزاء كمنع المنصوص عليها، الثالث لا تمنع الإجزاء ولا يستحب اجتنابها.
وسبب الخلاف هو تردد الحديث المتقدم في الأربع العيوب بين أن يكون عاما أو خاصا فمن فهم منه أنه خاص أريد به العام أنه من باب التنبيه بالأذنا على العلا فقط لا من باب التنبيه بالمساوي على المساوي قال للحق بهذه الأربع ماكان أشد منها ولا يلحق بها ماكان مساويا لها وأشد منها والله أعلم وذكر أيضا من أبي هريرة أنه قال يارسول الله أكره أن يكون النقص في الأذن والعين فقال - عليه السلام - وماكرهت فدعه ولا تحرمه على غيرك وعارض هذا حديث علي قال أمرنا رسول الله - عليه السلام - أن نستشرف الأذن والعين ولا نضحي بشرقا ولا خرفا ولا قد ابرة ولا بترا فالشرافا مشقوقة الأذن والخرفا المثقوبة الأذن والمدابرة (2/192)
صفحة 576
التي يقطع من جنبي أذنها من خلاف واختلفوا في كسر القرن فقل يجزي إلا يكون يدمي فإنه من باب المرض لأن المرض البين يمن الإجزاء وقد ورد النهي عن الأغضب والعضبا فقيل هو مكسور القرن وقيل هومقطوع الأذن فمن رجح حديث أبي هريرة المتقدم لا تنقا إلا العيوب الأربعة وماهو أشد منها ومن جمع بينه وبين حديث علي حمل حديث أبي هريرة على اليسر التي ليست بعيب وحمل حديث علي على الكثير الذي هوعيب ولذلم اعتبر التحديد فيما يمنع الاجزاء مما يذهب من هذه الأعضاء فاعتبر بعضهم الثلث وبعضهم الكثر وكذلك الأمر في ذهاب الأسنان والثدي.
واختلفوا في السكاء وهي التي خلقت بلا أذن فأجازها بعضهم قياسا على الجما إذا كان خلقة ومنعها آخرون ولم يختلفوا أن قطع الأذن كله أو أكثره عيب وكل هذا راجع إلى ماقدمنا في الابتر فأجازه قوم لحديث أبي سعيد الخدري قال اشتريت كبشا لأضحي به فأكل الذئب ذنبه فسألت النبي - عليه السلام - فقال ضحي به وقم منعوه لحديث علي المتقدم والله أعلم.
فصل في كيفية الذبح والنحر.
قال اللع تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها} صواف يعني معقولة اليرا قائمة على مابقي من قوائمها روي أن النبي - عليه السلام - نحر البدنة قياما بمنا فاستحب أكثر العلماء أن تنحر على هذه الصفة لقول الله تعالى: {فإذا (2/193)
صفحة 577
وجبت جنوبها} أي سقطت إلى الأرض واستحب بعضهم أن تنحر باركة لئلا تودي الناس بدمها وروي ذلك عن عطا وروي عن النبي - عليه السلام - ذبح يوم العيد كبشين ثم قال حين وجههما وجهت وجهي إلى قوله وأنا من المسلمين بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك وعن محمد وأمته ويستحب أن يلي الإنسان ذبح أضحيته بيده لما روي أنه - عليه السلام - نحر بيده ثلاث وستين بدنة فأعطا عليا ونحر مابقي من هديه وأشركه - عليه السلام - فيه وروي أن أبا موسى الأشعري كان يأمر بناته أن يذبحن أضاحهن بأيديهن والله أعلم.
مسألة في وقت ذبح الضحايا.
واختلفوا في ذلك فقال بعضهم وقتها من بعد صلاة العيد من يوم النحر إلى وقت الزوال من اليوم الرابع وقال آخرون الأضحايوم النحر وحده إلا من كان بمنا فإنه جعل لهم ثلاثة أيام توسعت لمن لم يجد لم يجد الغنم أو تعاسرت عليه فله أن ينتظر يوم النحر والثاني والثالث إلى زوال الشمس منع وهو وقت النفر الأول فلا ذبح بعد ذلك إلى عام قابل والله اعلم وأحكم.
وسبب الخلاف شيئان أحدهما اختلافهم في الأيام المعلومة ماهي والثاني قول النبي - عليه السلام - في أيام التشريق أنها أيام ذبح واختلفوا في ليالي منا هل يجوز فيهن الذبح فأجاز قوم تعلقا بأن اسم السوم في كلام العرب يقع على اليوم والليلة (2/194)
صفحة 578
لقوله تعالى: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} فمعلوم أنهم تمتعوا الأيام والليالي ومنه آخرون وتعلقوا بأن قوله تعالى: {واذكوا الله في أيام معلومات} أن الأيام هاهنا لا تتناول الليالي لقوله تعالى: {سخرها عليكم سبع ليال وثمانية ايام حسوما} الآية وسبب الخلاف هو الإشتراك الواقع اسم اليوم كما قدمنا والله أعلم.
مسألة في حكم لحوم الضحايا.
واتفقوا على أن المضحي مامور أن يأكل من أضحيته لقوله تعالى: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} وقول النبي - عليه السلام - في الضحايا كلوا وتصدقوا وادخروا واختلفوا هل هو مأمور بالأكل والصدقة معا أو هو مخير أن يفعل أحد الأمرين فقال قوم ليس عليه إلا أن يفعل أحدهما إما أن يأكل أو يتصدق وقال آخرون له أن يفعل إيهما أحب واسحب كثير من العلماء أن يقسم أضحيه ثلاثا يأكله وثلثا للصدقة وثلثا للإدخار كما تقدم في الحديث وواجب ذلك أهل الظاهر لأمره - عليه السلام - بذلك ولا أعلم أحد من العلماء أجاز بيع لحمها واختلفوا في بيع ماسوى اللحم من الجلد والشعر وغير ذلك مما ينفع به فقال بعضهم لا يجوز بيعه وقال آخرون يجوز بيعه بالعرض دون الدراهم واجاز قوم بيعه بالدراهم وغيرها والله أعلم.
مسألة في طواف الوداع.
وهو مشروع إذا لم يبقى للحاج شغل وعزم على الانصراف إلى وطنه وجهز رحله فليكن حينئذ آخر عهده الطواف بالبيت لقول النبي - عليه السلام - لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عمله (2/195)
صفحة 579
الطواف بالبيت.
وكيفيته أن يطوف سبعة أشواط ويركع ركعتين ويدنوا من البيت ويدعو بما بدا له ويخرج ومن لم يدع البيت فعليه دم عند أصحابنا ولا وداع على مكي ولا على قادم أوطن مكة ولا على مجاورها ولا على خارج إلى التنعيم ليعتمر ولا على المعتمر خرج من محرمه فإن أقام ثم أراد الخروج فليودع وكذلك من أراد الخروج من مكة خارجا من الميقات فعليه الوداع والله أعلم.
وينبغي له أن يأتي المدينة لزيارة قبر النبي - عليه السلام - وليس ذلك بفرض والله أعلم، وقد ذكرنا كيفية الزيارة في غير هذا الباب وذكرنا فيه فروع مسائل الحج والدعاء المأثور فيه وغير ذلك من أذاب الحج وسنته والله المستعان وبه العون والتوفيق. (2/196)
صفحة 580
كتاب الحقوق ومظالم العباد (2/197)
صفحة 581
الركن السابع من الكتاب
في الحقوق ومظالم العباد
وغير ذلك من المجارح والكبائر والتي يسأل العبد عنها في المعاد والكلام في هذا الركن ينحصر في ثلاثة أبواب:
الأول في الحقوق.
الثاني في المظالم.
والثالث في المحارم. والله أعلم وبالله التوفيق.
الباب الأول في الحقوق المفروضة على العباد لبعضهم على بعض.
وهي بالجملة تنحصر في عشرة فصول:
الفصل الأول في حقوق القرابات.
قال الله تعالى: {وآت ذا القربى حقه} الآية ففرض الله تعالى حق القرابة والأرحام فقال: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} وانفد الوعيد الشديد في قاطعها فقال: {عسيتم أن توليتم} إلى قوله: {وأعما أبصارهم} وقال: {ويقطعون ما أمر الله به أو يوصل} إلى قوله: {ولهم سوء الدار} والإيثار في هذا كثيرة تركتها مخافة التطويل وأجمع الناس على وجوب حق القرابة واختلفوا في حدها فقال قوم هي مادون خمسة آباء لما روي أن النبي - عليه السلام - لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربون} دعا من دعا من بطون قريش فاتدرهم ويقال أنه اتخذ طعاما فدعا إلى أربع درجات واختلفوا في الخامس وجعل الله تعالى لقرابته (2/198)
صفحة 582
- عليه السلام - في الخمس نصيبا فخص من ذلك نبي هاشم وبني عبد المطلب دون عبد شمس ونوفل وقال قوم القرابة مادون سبعة ءاباء وقيل مادون الشرك والله أعلم.
وجملة حقوق القرابة أن يواسيهم الإنسان بنفسه وماله إن كانوا محتاجين ويحضر لفرحهم وحزنهم ويامر بالمعروف وينهاهم عن المنكر وإن منعه الخوف عن زيارتهم فليواصلهم ولو بالسلام في الكتاب ولا يقطعهم وإن قطعوا ولعط لهم حقهم وإن حرموه وفي الحديث أفضل الصدقة صدقة على ذي الرحم الكاشح ويقال ويقال أن عمر رحمه الله أمر الأقارب أن يتزاوروا ولا يتجاوروا وإنما فعل ذلك لأن التجاور إنما يوجب التزاحم على الحقوق فربما يودي إلى الوحشية وقطيعة الرحم والله أعلم.
مسألة في حق الوالدين على الأولاد.
قال الله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه} الآية قال النبي - عليه السلام - لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مهلوك فيشتريه ويعتقه ولا يخاف على ذي عقل أنه لما تأكد حق القرابة والأرحام فأحضها وأمسكها الوالدة فيتضاعف تأكيد الحق فيها وقال (2/199)
صفحة 583
- عليه السلام - بر الوالدة على الوالد ضعفا ودعوة الوالدة أسرع إجابة قال ولم ذلك يارسول الله قال هي أرحم من الأب ودعوة الرحم لا تسقط.
وجملة حقوق الوالدين أن يبرهما أحياء وأمواتا ابرارا كانوا أو فجارا أما في الحياة فملزوم طاعتهما وإجابة دعوتهما وخفض جناح الرحمة لهما وتعاهدهما بالسلام عليهما والقيام بحوائجهما ولا يخرج من أمرهما ورائهما إلا إن تبين له الرشد في خلاف رايهما وإن كانا فقيرين أعانهما بنفسه وواساهما بنفسه وماله وأثارهما على نفسه وتولهما إن تولهما إن كانا أهلا للولاية وإلا فلا يظهر البراءة في وجههما ولا ينظر شزرا إليهما ويمتثل أوامرهما إلا إن أمراه بمعصية من ترك صلاة أو صوما أو ترك تعلم مالزمه من الدين أو ما يحل له من النكاح والبيع والشراء فلا يضيق عليه خلافهما لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق وحقوقهما كثيرة ولسيما الوالدة لأنها حملته في بطنها وغدته بلبنها وأولدته الخير والشفقة حين لا يطيق لنفسه دفعا ولا حيلة ولا نفعا فكان حجرها له حواء وثديها له سقاء واما حقهما بعد موتهما فهو ماروي أن رجلا سأل النبي - عليه السلام - فقال يارسول الله هل بقي على من بر الوالدين شيئ أبرهما به قال نعم الصلا عليهما والإستغفار لهما وهذا إذا كان مثولين قال وغنفاذ عهدهما واكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما فإن (2/200)
صفحة 584
عقعهما في حياته وإذا هذه الحقوق بعد موتهما فقد برهما روي ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنه - والله أعلم.
مسألة في حق الأولاد على والدهما.
ويروا أن رجلا قال يارسول الله من أبر قال والديك قال ليس لي ولدان قال فأبر ولدك فكما أن والديك عليهم حقا كذلك لولدك عليك حق قال رحمه الله والدا أعام ولده على بره يعني لم يحمله على العقوق يسوء عمله ويقال ولدك ريحانتك سبعا وخادمك سبعا ثم هو عدوك أو شريكك وعنه - عليه السلام - قال يعق على الولد يوم السابع ويماط عنه الأذا فإذا بلغ ست سنين أذب فإذا بلغ سبعا عز عن فراشه وإذا بلغ ثلاث عشر ضرب على الصلاة وإذا بلغ ست عشر زوج ثم يأخذ ببده فيقول له قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك أعوذ بالله من فتنتك وعنه - عليه السلام - قال يلزم الوالد من الحقوق مايلزم الولد وقال تعالى: {قوا انفسكم وأهليكم نارا} وحقوق الولد على الوالد بالجملة أن يتزوج أمه من قوم لا يعير بهم وإذا ولد سماه بأحسن الأسماء واسترضعه أطهر ألبان النساء وأدبه أحسن الأداب وعلمه مايلزمه من أمرالدين وما يصلحه من صناعات الدنيا لمعاشه ويحسن تربيته ويكسيه وينفقه حتى يدرك البلوغ وبالله التوفيق. (2/201)
صفحة 585
الفصل الثاني في حقوق الأزواج بعضهم على بعض.
قال الله تعالى: {وأتوا ذا القربى حقه} إلى قوله: {الصاحب بالجنب} قيل في بعض التفاسير أنها الزوجة وقال النبي - عليه السلام - انقوا الله في النساء فإنهن اتخذتموهن بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله وعليكم عليهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف في حديث عن النبي - عليه السلام - إن أخر كلامه ولسانه يتلجلج به الله إليه في النساء فإنهن عوان في أيديكم يعني أسيرات وقال الله تعالى في تعظيم حقوقهن: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} وجملة حقوق المرأة على أن يحسن إليها الزوج في معاشرتها كما قال الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} وينبسط في وجهها لما روي أن النبي - عليه السلام - كان من أفكه الناس مع نسائه ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت كان والله ضحوكا إذ أولج كسوبا إذا خرج ءاكلا ماوجد ولا يسأل عما فقد وليعدل بين نسائه إن كانت أكثر من واحدة في الجماع (2/202)
صفحة 586
وغيره ولا يتواعدها بالضارة ولا يهددها بالطلاق ولا يهجر فراشها إلا إن كانت ناشرة فليتدرج في تأديبها بالوعظ والتخويف أولا فإن لم ترتدع ولاها ظهره في المضجع وهجرها بالليل إلى ثلاث ليال فغن لم ترجع ضربها ضربا غير مبرح بحيث يولمها ولا يدميها ولا يضرب وجهها وهو معنا قوله تعالى: {فعضوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} الآية، وروي أنه قيل يارسول الله ماحق المرأة على الرجل قال يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسا ولا يقبح الوجه لها ولا يضربها إلا ضربا مبرح والله أعلم، وله أن يغضب عليها ويهجرها في أمر الدين من عشر إلى شهر ولا يفشي سرها في النكاح ولا عند الطلاق وليعلمها مايلزمها من أمر الدين في الصلاة والطهارة وأحكام الحيض والاستحاضة والله أعلم.
مسألة في حقوق الزوج عليها.
وعن عائشة رضي الله عنها ان فتاتا قالت يارسول الله أني أخطب وأنا أكره التزويج فما حق الزوج على المرأة لم كان من قرنه إلى قديه صديد فلمست ماأديت شكره قالت فلا أتزوج قال بلى زوجي فإنه خير فسألته امرأة من ختعم عن حق الزوج على الزوجة فقال أن من حقه عليها إذا راودها على نفسها وهي على ظهر بعير ألا تمنعه من حقه ألا تعطي شيء من بيته إلا بإذنه وإن جعلت كان الأجر له والوزر عليها ولا تصوم تطوعا فإن فعلت جاعت وعطشت ولم يقبل منها ولا تخرج من بيته إلا بإذنه فإن فعلت لعنتها الملائكة حتى ترجع وتتوب وقال - عليه السلام - (2/203)
صفحة 587
المرأة عورة فإذا خرجت فإذا خرجت استشرفها الشيطان وقال أيضا المرأة عشرة عورات فإذا تزوجت ستر الزوج منها عورة واحدة فإذا ماتت ستر القبر العشر عورات.
وحقوق الزوج عليها كثيرة وأهمها أمران احدهما الصيانة والستر والآخر ترك المطالبة لما وراء الحاجة والتعفف عن كسبه إذا كان حراما والقول الجامع لأدبها من غير تطوير أن تكون قاعدة في عقر بيتها لازمة لمغزلها قليلة الكلام لجيرانها حافظة لبعلها في غيبته وحضرته حريصة على طلب مسرته في جميع أمورها غير خائنة له في ماله ولا في نفسها ولا تخرج من بيتها إلا لضرورة دعتها فلتخرج بإذن زوجها في هيئة رثة تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق محترزة من أن يسمع أحد صوتها أو يعرف شخصها ولا ثنعرف إلى صديق زوجها في حاجاتها همها صلاح شأنها وتدبير بيتها مقبلة على صلاتها وصيامها إذا استأذن صديق زوجها في غيبة زوجها لم تستفهمه ولم تعاوده في الكلام غيرة على نفسها قانعة من زوجها بما رزقها الله منه مقدمة حقه على حقها مشفقة على أولادها حافظة للستر عليهم قصيرة اللسان عن سبب الأولاد ومراجعة الزواج غير مفتخرة عليه لجمالها ولا ممنة عليه بمالها ولا محبة لمن أبغضه زوجها حافظة له في أبويه وأقاربه لا تزدريه لقبحه وبالله التوفيق وفي الحديث عن النبي - عليه السلام - أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة والله أعلم. (2/204)
صفحة 588
الفصل الثالث في حقوق المماليك.
أعلم أن مالك اليمن يقتضي حقوقا في المعاشرة لابد من مراعاتها وقد روي عن النبي - عليه السلام - كان من أخر ماأوصى به أن قال اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم أطعموهم مما تأكلون وأكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما لايطيقون فما أحببتم فأمسكوا وما كرهتم فبدلوا ولا تعذبوا خلق الله فإن الله اياكهم ولوشاء لعلككم أياكهم وعنه - عليه السلام - قال لا يدخل الجنة مكر ولا خب ولا خائن ولا شيء المملكة وعنه - عليه السلام - قال مازال جبريل يوصيني برفق المملوك حتى ضننت أن سيضرب له أجلا يخرج فيه حرا وعنه أيضا قال وإذا اشترا أحدكم مملوكا فليكن أول شيء يطعمه الحلو فإنه طيب لنفسه وعنه أيضا قال إذا كفا أحدكم مملوكا صنعت طعامه فكفاه حره ومؤنته وقرب إليه فليجلسه وليأكل معه أو ليأخذ لقمة وليضعها في يده وليقل كل هذه والأثا في هذا كثير وقد قال - عليه السلام - كل راع مسؤول عن رعيته (2/205)
صفحة 589
لكن جملة حق المملوك أن يشبع بكنه ويدفي ظهره ولا يكلفه فوق طاقته ولا يستخدمه بعد العشاء إن استقصا خدمته بالنهار ولا ينظر إليه بعين الكبر والازدراء وأن يعفوا عن ربته ويتفكر عند غضبه عليه بهفوته وجنايته في هفوته هو وجنايته على حق الله تعالى وتقصيره في طاعته مع أن قدرة الله عليه فوق نذرته والله أعلم وأحكم.
مسألة في حق السيد على عبده.
وفي الحديث عن النبي - عليه السلام - قال أن للعبد إذا نصح سيده وأحسن عبادة ربه فله أجره مرتين وعنه - عليه السلام - قال عرض علي أول يدخلون الجنة واول ثلاثة يدخول النار فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد وعبد مملوك أحسن عبادة الله ونصح لسيده زفقير متعفف ذو عيال وأما ثلاثة يدخون النار فأمير متسلط وذو ثروة لا يعطي حق الله وفقير فخور وبالجملة أن حق السيد على عبده أن يناصحه في ضيعته ويحفظ له ما يتمنه عليه ويحسن خدمته ولا يعصيه في جميع أحواله إلا إن أمره بمعصية الله فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ولا يصلي نافلة إلا بإذنه ولا يصوم تطوعا إلا بإذنه لئلا يضعفه ذلك عن عمل مولاه لأنه مسؤل عن القيام بحق سيده كما أن (2/206)
صفحة 590
سيده مسؤل عن حقه كما جاء في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم.
الفصل الرابع في حقوق الجار.
قال الله تعالى: {والجار الجنب} فأوجب تعالى للجار حقا بمقتضا الجوار فضلا عن الحقوق التي استوجبها بالاسلام لأنه قال - عليه السلام - الجران ثلاثة جار له حق واحد وجار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق أما الذي له حق واحد فالجار المشرك فاثبت له حقا بمجرد الجوار وأما الذي له حقان فالجار المسلم غير ذي الرحم واما الذي له ثلاث حقوق فالجار المسلم ذو الرحم ويروا أنه قيل - عليه السلام - أن فلان تصوم النهار وتقوم اليل وتوذي جيرانها فقال هي في النار ويروا أنه شكا إليه رجل جاره فأمر فأمر - عليه السلام - من ينادي على بيت المسجد إلا أن أربعين دار جار وقال بعض العلمار اربعون دار من أربع جهات وعنه - عليه السلام - قال أتدرون ماحق الجار أن استعين بك فأعنه وإن استقرضك فأقرضه فإن افتقر عدتة عليه وإن مرض (2/207)
صفحة 591
عدته وإن مات اتبعت جنازته وإن أصابته مصيبة عزيته ولا تستطل عنه بالبنافتحجب عنه الريح إلا بإذنه وإن اشتريت فاكهة فأهدي منها وغن وإن لم تفعل فأدخلها سرا ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده ولا توذه بقتارقدرك إلا أن تغرف له منها قال - عليه السلام - أتدرون ماحق الجار والذي نفصي بيده لا يبلغ حق الجار إلا من رحمة الله هكذا روي عنه - عليه السلام - وأعلم أنه ليس حق الجار كف الأذا عنه فقط بل احتمال الأذا لأن الجماد أيضا قد كف أذاه فليس في ذلك قضاء حق بل لابد من الرقف واسداء الخير والمعروف إليه إذ يقال الجار إذ يقال الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة فيقول يارب سل هذا لم منعني معروفه وسد بابه دوني. وجملة حقوق الجار ماتقدم في الحديث مع زيادة ما يبداه بالسلام ولا يطيل معه الكلام ولا يكثر عن حاله السؤال ويصفح عن زلته ولا يطلع من من الصطح إلى عوراته ولا يضيقه في رفع الجدع على جداره ولا في صب الماء من ميزابه ولا في صرح التراب بفنائه ولا يضيق طريقه إلى داره ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى بيته ويستر ماينكشف له من عوراته وينعشه من مصرعته إذا نابته نائبة في جميع أمره ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته ولا يستمع عليه كلامه ويغض بصره من حرمته فلا يديم النظر إلى خادمه ويتلطف لولده في كلامه ويرشده إلى مايجهل من امر دينه ودنياه (2/208)
صفحة 592
ويامره بالمعروف وينكر عنه المنكر على قدر طاقته فإن لم ينهي فلا يجب عليه أن يرتحل من داره لأجل ذلك والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في حد الجار فقيل أربون بيتا وقيل مقدار ما يحميه الكلب وقيل سبعة وقيل ثلاثة ويجب على الإنسان حق جاره إذا كان على هذا المعنا مالم يقع جواره طريق جائز شارع أو ادنا فدا أو سوق خارج والله أعلم.
الفصل الخامس في حقوق الضيف وابن السبيل.
وحق الضيف واجب على من نزل به لقول النبي - عليه السلام - من كان يومن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوما وليلة والضيافة ثلاثة أيام وما رواه ذلك صدقة ولا يحل له أن يثري عنده حتى يخرجه وقال لا خير فيمن لا يضيف ويقال الأضياف ثلاثة ضيف يسير في طلب العلم وضيف يمشي في زيارة من ينبغي أن يزاوره وضيف صاحب حاجة ادركه الليل قبل الوصول إليها فهؤلاء وأشباههم اضياف تجب ضيافتهم على الناس كافة إذا لم يكن معهم طعام إلا إن نزلوا على أحد فمن تجب عليه الضيافة فقد سقط حقهم عن غيره من الناس ولا تجب الضيافة على المسافرين ولا على الأطفال والعبيد وتجب لهم ولغيرهم من جميع الناس إلا من كان ماشيا في معصية من قاطع كريق أو عبد ابق من مولاه أو محارب المسلمين أو مانع حق أو امراة عاصية لزوجها أو صاحب فتنة أو مهجور عند المسلمين وما أشبه هؤلاء وأماإن لم يبت (2/209)
صفحة 593
الضيف فلا شيء على الناس ولو طلب عشاءه أن يرفعه معه ولم يبت فليس عليهم شيء وجملة حقوق الضيف أن يعجل قراه وتحفظ له أوقات الصلاة وتعلف دابته ويرشد إلى المستراح في الدار موضع الاغتسال ويقدم له خير مافي البيت ولا يتكلف له مالم يكن عند مضيفه ولا يتقدم له عشاء العيال.
وحقوق صاحب البيت على الضيف ألا يحتقر ماقدمه إليه ولا يفشي سره ولا يصوم تطوعا إلا بإذنه ولا يرتحل إلا بأمره وليجلس في البيت حيث أجلسه صاحبه وليغض بصره عن اتفات بعد أن يدخل بالاستأدان ويسلم على من جاز عليه أو جلس حداه وتمام إكرام الضيف طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعن المائدة لأن الاقباض عن الضيف يورث الوحشة وينبغي بصاحب البيت أن يخدمه بنفسه لما روي أن وفد النجاشي قدموا على النبي - عليه السلام - فقام يخدمهم بنفسه فقال أصحابه نحن نكفيك يارسول الله فقال أنهم لا صحابي مكرمون فأردت أن أكافيهم ويشيع الضيف إلى باب الدار وذلك من السنة لقول النبي - عليه السلام - أن من سنة الضيف أن يشيع إلى باب الدار وينبغي للضيف أن ينصرف طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير.
مسألة.
ويجب حق ابن السبيل على من جاز عليه كما يجب حق الضيف وهذا إذا خرج من الأميال وانقطع عن أهله وماله ولم ولم يجد (2/210)
صفحة 594
من يسلفه ولا من بيع له وأما من يتردد في البلاد ترردا لبهائم في الصحاري والفقار متفرجا من كرب البطالة في البلاد المختلفة وليس له حاجة هو قاصد إليها فلا حق لهؤلاء في الضيافة ولا في المساجد والأوقاف والله المستعان وبالله التوفيق.
الفصل السادس في الصاحب.
قال الله تعالى: {والصاحب بالجنب} قيل هو الصاحب في السفر وقيل هي الزوجة ولاهما قد أوجب الله لهما حق الصحبة وأمر بالإحسان إليهما وفي الحديث عن النبي - عليه السلام - قال من صاحب يصحب صاحبا ولو ساعة من النهار إلا ويسأل عن صحبته هل ادى فيها حق الله أو أضاعه وعنه أيضا قال ماأصحب اثنان من قط إلا كان أحبهما إلى الله أرفقهما يصاحبه وقال - عليه السلام - الناس كأسنان المشط والمرء كبير بأخيه ولا خير في صحبة من لا يراك مايرى لنفسه وقال خير أصحابك من إذا ذكرت أعانك وإذا نسيت ذكرك ويروا أن رجلا قال لإبراهيم (2/211)
صفحة 595
ابن أدهم وهو يريد بيت المقدس أني أريد ان أرافقك فقال له إبراهيم على أني أملك بشيك منك قال لا قال أعجبني صدقك.
مسألة.
ومن عقد الصحبة مع غيره في الحضر أو السفر فقد لزمت كل واحد منهما حقوق الصحبة ولا تلزم في السفر حتى يجاوز ستة أميال فإذا وصل إلى الموضع الذي سافر إليه فإذا اراد الرجوع فليعقد أيضا الصحبة على ذلك وقال من قال لا تلزمه حقوق الصحبة إلا لمن اشترك في الزاد والأكل ولا يعقد الصحبة من أهل الفتنة ولا مع قاتل النفس أو مانع الحق أو طاعن في الدين أو عبد أبق من مولاه وإمرأة عاصية لزوجها ومن اصطحب مع أحد فعل مايصطحب به معه فإنه قال يهاجره وليس عليه من حقوق الصحبة معه شيء والمشترك لا يصطحب معه إلا بالأجرة وإذا ثبت عقد الصحبة فإن على كل واحد من الأصحاب أن يحفظ صاحبه من جميع مايسوءه أوأراد ظلمه وليبدأ بالأكل من زاد أضعفهما بهيمة وليأكل مثل أكل صاحبه أو دونه أن اشتراكا زادهما ولا ينبغي له أن يركب دون صاحبه إلا إن اضطر إلى ذلك وليواسه بنفسه وماله ولا يناجي أحدا دونه وإذا عرض فليقم بحوائجه وغن مات فليود حقوقه وليحفظ تركته لورثته.
ومن حقوق الصاحب في طلب العلم أن ينصحه في أمر دينه ودنياه وأن يعلمه ماجهل من العلم والأدب ويواسيه بنفسه وماله ويرغبه في الإجتهاد وإن راله رله زالت فليرجزه وليستتبه منها ثم يسترها عليه ويحب له مايحب لنفسه ويكر له ما يكره لنفسه ويحفضه في غيبته وحضوره وليرد عنه الغيبة وجميع مايشينه والله المستعان. (2/212)
صفحة 596
الفصل السابع في حق اليتامى والمساكين.
وقد أمر الله بالإحسان إليهم وواجب لهم في الأموال حقوقا وقال: {ووأتا المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين} الآية، وقال: {والدين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} وأجب لهم في الخمس نصيبا وقال: {واعلموا أن من ماغنتم من شيء} الآية ثم ذم من لا يحض على طعامهم فقال: {أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين} الآية ثم أخبر عن أهل النار فقال: {ماسلككم في سقر قالوا لم نكن من المصلين ولم نكن نطعم المسكين} وقال النبي - عليه السلام - اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين.
وقال في اليتيم من ربا يتيما من أبوين مسلمين حتى يستغني فقد وجبت له الجنة البتت وقال أنا وكافل اليتيم كهاتبن وأصاب إلى بأصبعيه وقال من وضع يده علىراسه اليتيم ترحما كان له بكل شعرة تمر يده عليها حسنة وأنفذ الوعيد الشديد في أكلة أموالهم فقال والدين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية. (2/213)
صفحة 597
مسألة.
والواجب على الناس القيام بحقوق اليتامى في جميع مما لجهم فإن لم تكن لهم الأولياء والأوصياء فعلى حكم المسلمين القيام بهم وإن لم يكن فجماعة المسلمين وليستخلفوا لهم يقول بجميع مصالحهم كما يقول بها لنفسه وإن قام بها أحد من غير أن يكون لهم خليفة فقد أجزاء عن الناس وقالت الأشياخ رحمهم الله علمهم فيما يصلح لهم التتيم والغائب والزكاة وكذلك الأغياب والزكاة وكذلك الأغياب واجب على الناس حفظ أموالهم بالخلائف أو غيرها ويعلمون فيها كل مايصلح لهم حتى يقدموا عليها أو يموتوا فتصير لورثتهم وقد رخص الله تعالى للأوصياء في مخالطة اليتامى فقال تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قال إصلاح لهم خير} الآية وينفق الوصي على اليتيم ويكسوه على قدر ماله أجرتهم ويخرج منه الزكاة ولا يعطي من ماله شيئا من الزكاة ويعطي منه النوائب وجميع ما يلزم اليتيم ويأكل الوي من مال اليتيم بالقرض إن احتاج وإذا أيسر رده كما قال الله تعالى: {فليأكل بالمعروف} يعني بالقرض وله أن يركب دابته في منفعة اليتيم ويأكل فضل طعامه إن لم يكن يباع في البلد ويخلف له مثل ذلك من ماله ويخالطه مخالطة تصلح اليتيم في جميع الأحوال وإذا بلغ وأنس منه رشدا فليدفع له ماله وليستشهد عليه كما قال الله تعالى: {وإذا دفعتم إليهم أموالهم} الآية وإن لم يكن لليتيم مال ولا يقدر على الاكتساب فعلى المسلمين القيام به من أموالهم ولا يترك لضيعة وكذلك الفقير والمسكين على هذا الحال فإن هلكوا جوعا وهم يقدرون على تنجيتهم فقد هلكوا بذلك والله أعلم. (2/214)
صفحة 598
الفصل الثامن في حق الأخوة بين المسلمين.
حق الأخوة بين المسلمين قال الله تعالى: {إنما المسلمين اخوة} الآية فأوجب الله تعالى بمقتضا الأخوة حقوق الأخوة في الإسلام كثيرة لكنا نشبر إلى طرف منها قال الله سبحانه وتعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} الآية وقال النبي - عليه السلام - كالبنيان يشد بعضهم بعضا وقال مثل المومنين في تواددهم وتراحهم كمثل الجسد إذا اشتكا عضو منه تداعا سائره بالحمى والسهر وقال مثل الأخوين كاليدين تغسل أحدهما الأخر وقال النبي - عليه السلام - لا تتجسسوا ولا تتحسدوا ولا تتقاطعوا ولا تتدابروا وكانوا عباد الله اخوانا فمن حقوق المسلمين بعضهم على بعض أن يجب محل واحد منهم للأخر مايجب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه ومنها لا يودي أحدا من المسلمين يقول ولا يفعل لقول النبي - عليه السلام - ملعون من ضار مسلم من سلم الناس من لسانه ويده وقالوا فمن المومن قال من آمن جره بوائقه (2/215)
صفحة 599
وفي رواية أخرى المومن من أمن المسلمون على أنفسهم وأموالهم قالوا فمن المهاجرين من هاجر السوء واجتنبه قال رجلا فما الإسلام يا رسو ل الله أن يسلم قلبك لله ويسلم المسلمون من لسانك ويدك وليس كف الأذى يقضي ما يلزم من الحق النصيحة واستداء الخير فمن منع بكف الأذى والسكوت من الإخوان فليصحب أهل القبور وإنما شرع الله اخوة الإسلام ليستفيد بعضهم من بعض الخير ويتعاونوا عليه لا لتخلص البعض من أداء بعض.
منها أن يرد عن المسلم غيبة أهل النفاق من وراء ظهره لقول النبي - عليه السلام - المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يغشه ولا يخدعه فمن الخد لأن لأن للمسلم اهماله لتمزيق عرضه وذلك بمتابة تمزيق لحمه وأخسس بأخ يراك والكلاب تفترسك وتمزق لجمك وعرضك وهو ساكن لا تحركه الشفقة والإسلام عن الدب والدفع عنك.
ومنها الا يقبل في المسلم ما يسلم من أهل النميمة والحسد فيه ولا يبلغ بعضهم ما يسمع من بعض لقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنباء فتبينوا} الآية وقال النبي - عليه السلام - شر عباد الله المشاؤن بالنميمة المفرقون بين الأحبة (2/216)
صفحة 600
وقال لا يدخل الجنة قتات وقال الخليل بن أحمد من نقل إليك نقل عنك.
ومنها أ لا يزيد في في هجران من يعرفه بالإسلام مهما غضب عليه على ثلاثة أيام لقول النبي - عليه السلام - لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث لأيام فليلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.
ومنها ألا يدخل على أحد منهم إلا بالاستيذان لقول الله: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا على أهلها} الآية وقال النبي - عليه السلام - الاستيذان ثلاثة الأول والثاني يستصلحن والثالث ياذنون أو يردون.
ومنها أن يبدأ كل مسلم بالسلام قبل الكلام ويصاحب عند السلام قال - عليه السلام - من بدا بالكلام قبل السلام فلا تحية بالسلام فقال دخلت علسه فلم أستأذن فقال - عليه السلام - ارجع وقل السلام عليكم وادخل وقال - عليه السلام - قبلة المومن أخاه المصافحة فلا بأس بتقبيل يد المعظم في الدين تبركا به كما فعل (2/217)
صفحة 601
أبو عبيدة بن الجراح بعمر رحمهم الله صافحه وقبل يده ويقال مصافحة الأبوين والأجداء المعانقة وتقبيل الرءوس مصافحة الأخ أخاه المعانقة وتقبيل جوانب العنق ومصافحة المرأة ولدها التقبيل في أخدو وكذلك الرجل لولده وولد غيره الذكر يقبله في الرأس فأما الأنثى فلا يباشرها ومصافحة الأخت والأخ التقبيل في العين وعن علي قال قبلت الولد رحمة وقبلة المرأة شهوة وقبلت الولدين عبادة وقبلة الأخ أخاه زين وتقبيل يد الإمام العادل عبادة.
ومنها توقير الكبير في لإسلام ورحمة الصغير قال النبي - عليه السلام - ليس من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا وقال من إجلال الله إجلال ذي السبية في الإسلام وقال ثلاثة لا يستخف بحقهن إلا المنافق حامل العلم وذو الشيبة في اللإسلام والإمام العادل وتمام توفير المشايخ ألا يتكلم بين أيديهم إلا بإذن.
ومنها أن يكون مع كافة الخلق مستبشرا طلق القول رفيقا لقوله - عليه السلام - حرمت النار على الهين اللين السهل الغريب.
ومنها إذا ابتلي بذي شر أن يحامله ويتقيه قال بعض العلماء خالص المومن مخالصة وخالق الفجر مخالقة فإن الفاجر يرضى بالخلق الحسن في الظاهر وقال أبو الدرداء أنا انشكر في وجوه أقوام وأن قلوبنا لتعلنهم وعن علي وأبي ذر أنا أيد ترى (2/218)
صفحة 602
قطعها وقال بعضهم كن مع أبناء الدنيا بالأداب ومع أبناء الآخرة بالعلم ومع العارفين كيف شيئت.
ومنها الوفاء بالعهد لمن عاهده لقوله الله تعالى: {وأوفوا بالعهد} الآية وقال - عليه السلام - من صفة المنافق من إذا حدث كذب وإذا أوتمن خان وإذا عاهد لم يوف وإذا خاصم فجر.
ومنها الإنصراف للناس من نفسه ولا يأتي إليهم بما يجب أن يأتي إليه لقوله - عليه السلام - لا يستكمل العيد الإيمان حتى تكون فيه ثلاث خصال الإنصراف من نفسه والإنفاق من الإقتار وبذل السلام.
ومنها أن يزيد في توقير من تدل هيئته علو منزلته فلينزل الناس منازلهم لقوله - عليه السلام - إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ويروا أن عائشة وضع طعامها فمر بها رجل على دابة فقالت المسكين يرضى بالقرض وقبيح بنا أن نعطي هذا الغني على هذه الصفة قرضا ولا بد أن تنزل الناس منازلهم.
ومنها أن يصلح دات البين بين المسلمين لقول الله تعالى: {او أصلحوا بين الناس} وقال: {وأصلحوا دات بينكم} وقال - عليه السلام - أفضل الصدقة إصلاح ذات البين وقال كل الكدب مكتوب إلا (2/219)
صفحة 603
أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحر ب خديعة أو يكذب بين اثنين فيصلح بينهما ويكذب لامرأته ليرضيها وقال ليس بكذاب من صلح بين اثنين والله أعلم.
ومنها أن يستر عورة المسلمين لقوله - عليه السلام - يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا الناس ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عورات أخيه المسلم تبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته.
ومنها تشمية العاطس إذا حمد الله تعالى لقوله - عليه السلام - إذا عطس أحدكم فليقل الحد لله رب العالمين فإذا قال ذلك فليقل له من عنده رحمك الله وليرد عليه يهديكم الله ويصلح بالكم فقال تشميت العاطس إذا عطس ثلاثا وإن زاد فهو زكام.
ومنها أن ينصر أخاه المسلم ويصون عرضه وماله ونفسه لقوله - عليه السلام - انصر أخاك ظالما أو مظلوما قيل كيف ننصره ظالما قال تكفه عن الظلم وقال ما من مسلم يرد عن عرض أخيه كان حقا على الله أن يرد (2/220)
صفحة 604
عنه نار جهنم وفي بعض الروايات كان حجابا من النار وفي بعضها من حما عرض أخيه المسلم في الدنيا بعث الله ملكا يحميه يوم القيامة وقال من ذكر عنده أخوه المسلم وهو يستطيع نصره فلم يفعل إلا أدركه الله نعالى بها في الدنيا والآخرة.
ومنها النصيحة لكل مسلم والجهد في إدخال السرور عليه لقوله - عليه السلام - الدين النصيحة وقال إن من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور عن المومن أن يفرج عنه غم أو يقضي عنه دين أو يطعم من جوع وقال من قضا حاجة لأخيه المسلم وكأنما خدم الله عمره وقال من مشى في حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار قضاها أو لم يقضها خير من الإعتكاف شهرين.
ومنها (2/221)
صفحة 605
أن يعود مرضى المسلمين لقوله - عليه السلام - من عاد مريضا قعد في مخارف الجنة حتى إذا قام وكل به سبعون ألف ملك يستغفرون له إلى الليل وأداب العائد خفة الجلسة وقلة السؤال وإظهار الرقة والدعاء له بالعافية وغض البصر عن عورات الموضع وقال - عليه السلام - تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم على جبهته أو على يده ويسأله كيف هو قال وتمام تحيتكم المصافحة والله أعلم.
ومنها أن يشيع جنائزهم لقوله - عليه السلام - من شيع جنازة فله قراط وإن قام حتى يدفن فله قراطان وفي الخبر القراط مثل جبل احد.
ومنها أن يزور قبورهم والمقصود في ذلك الدعاء والاستغفار والإعتبار ورقة القلب لقوله - عليه السلام - مارأيت منظرا إلا والقبر أفضع منه.
ومنها أن يعزيه عن موتاهم والتعزية سنة.
فهده جملة من حقوق الإسلام مع ماقدمناه من سائرها في هذا الكتاب والخلة الجامعة لهذا الأدب ألا يستصغر أحد من المسلمين و لا أهل ينظر إلى أهل الدنيا بعين التعظيم لدنياهم ولا يسيء الظن بأحد من أهل الإسلام وهذا الذي قدمنا كله في أهل الولاية والوفاق لا في أهل النفاق وأهل الخلاف والشقاق ما خلا أدب المعاشرة فإنها عامة لجميع الناس لقوله تعالى: {وقولوا للناس حسنا} وبالله التوفيق، وقالت عائشة رضي الله عنها خلال المكارم عشرة تكون في الرجل ولا تكون في أبيه، وتكون (2/222)
صفحة 606
في الابن ولا تكون في الأب، وتكون في العبد ولا تكون في سيده، يقسمها الله تعالى لمن أحب وهي صجق الحديث وإعطاء السائل والمكافات بالمنائع وصلة الرحم وحفظ الأمانة والتذمم للجار والصاحب وقر الضيف وراسهن الحياء والله أعلم.
الفصل التاسع في حقوق المسجد والمجلس.
قال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} الآية وقال - عليه السلام - من بنا مسجد الله ولو مثل مفحص قطاة بنا الله له قصرا في الجنة وقال - عليه السلام - يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقا حلقا ذكرهم الدنيا فلا تجالسوهم فليس لله من حاجة وفي هذا أثار كثيرة وقال - عليه السلام - أمرت أن أبني المساجد جما والقصور شرفا وقال - عليه السلام - ظهرت المساجد من خمس ارتفاع فيها الحدود وإن تتخد طريقا أو ينشد فيها بالضالة وإن تتخد سوقا للبيع والشراء وقال ابن عباس لا بأس بإنشاد الضالة على أبواب المساجد وأنها مجمع الناس.
وجملة حقوق المسجد (2/223)
صفحة 607
على أهله أن يتخدوا له مؤذنا أمينا محافظا لأوقات الصلاة ويصلوا فيها بالجماعة ولا يصلوا فرادا صلاة الفريضة ولا تصلا فيه الفريضة لجماعة مرة بعد مرة ليوم واحد ويقاد فيه المصابيح في أطرافه ويحفظ ضيف ويكرم بالطهارة ومجانبة الصبيان ويعمر بذكر الله تعالى وقراءة القرآن ويمنع من إحداث الفطر والانجاس فيه وفي حريمه ثمانية عشر دراعا وقيل حريمه أربعون دراعا والله أعلم.
وأما فضيلة مجلس الذكر فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما روي عنه المجلس الصالح يكفر عن المومن الفي ألف مجلس من مجالس السوء وعنه - عليه السلام - قال ماجلس قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذركرهم الله فيمن عنده وعنه - عليه السلام - حضور مجلس العلم أفضل من حضور ألف جناجة إذا كان من يقوم بها وأفضل من ألف ركعة وصيام ألف يوم وصدقة ألف درهم ومن ألف حجة غير الفريضة ومن ألف غزوة سوا الواجب لأن الله يطاع بالعلم ويعبد بالعلم فخير الدنيا والآخرة مع العلم وشر الدنيا والآخرة مع الجهل فقال رجل قراءة القرآن يارسول الله فقال ويحك ماقراءة القرآن بغير علم لما بلغك أن السنة تقضى على القرآن والقرآن لا يقضي على السنة والأخبار في هذا كثيرة. (2/224)
صفحة 608
وحق المجلس تدوير الحلقة في أول القعود وسد الخلل لأن الشيطان يفرح بالفرجة إذا كانت فيه ويتكلم الكبير وينصت إليه الجميع ويقول القاعد في أول قعوده فيه أشهد أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أشهد أن الدين كما شرع وأن الإسلام كما وصف وأن الكتاب كما نزل وأن القول كما حدث وأن الله هو احق المبين ذكر الله محمدا بخير وصلى عليه وحياه بالسلام فإن أراد قراءة القرآن فاليستعذ بالله من الشيطان الرجيم وليقول رب إني أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام عن المرسلين والحمد لله رب العالمين وليأخذوا في قراءة الفاتحة ثم يقرون ماشاءوا وعليهم السكينة والوقار وليتفهموا معانيه قال الله تعالى: {ليذبروا آياته} الآية ولا يتكلم فيه بكلام الدنيا ورخص في السؤال المطر وقدوم المسافرين ورخص الأسعار وولادة الصبي والله أعلم.
وإذا أرادوا الأكل أو قراءة بطاقة أمرا يتفقون عليه فليقطعوا القراءة بالدعاء ولا بأس بالأكل الميسر واشتمال الثوب فيه وكلام الآخرة وأشباه ذلك ولا ينبغي أن يقوم أحد لغيره في المسجد قال الله سبحانه: {وإذا قال لهم تفسحوا في المجلس} الآية وقال - عليه السلام - وإذا أخذ القوم مجالسهم فإن دعا رجل أخاه فأوسع له فليأته فإنما هو كرامة أكره بها أخوه وإن لم يوسع فلينظر إلى أوسع مكان يجده فليجلس فيه وإذا أراد الإنسان أن يقوم من المجلس سبحانك اللهم وبحمدك لا إلاه إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم اغفر (2/225)
صفحة 609
لي ذنوبي وتب علي فمن قالها إذا قام من مجلس فهي كفارة اللغو إذا كان منه في المجلس روي هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال بعض الصحابة من أراد أن يكتال الأوفى فليقل كلما قام من المجلس سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسالين والحمد لله رب العالمين.
الفصل العاشر في حقوق الجمعة.
ويقال أن الله تعالى إذا أحب عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة بفواضل الأعمال وإذا مقته استعمله فيها استعمله فيها بسيء الأعمال ليكون أوجع في عقابه وأشد في لمقته بحرمانه بركة الوقت وانتهاكه حرمته.
وحقوق الأيام كلها ألا يعصي الله تعالى فيها من ترك حق ولا ارتكاب محرم ويقال في حقوق الجمعة أن يبست المرأ ليلتها على الصيام لأنه قيل من صامه فكأنما صام خمسين ألف ينة ويقال من صام أربين جمعة متواليات غفرت ذنوبه ولا يوافق ذا الكسب إلا المسلم ويستحب الإكثار من القراءة في ليلة الجمعة وخصوصا سورة الكهف وقد روي عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما رووا في ذلك أن من قرأها ليلة الجمعة ويومها أعطي نورا من حيث يقرأها إلى مكة وغفر له إلى يوم الجمعة الأخرى وفضل ثلاث أيام وصلى عليها سبعون ألف ملك حتى يصبح وعفي من البصر والجماد وذات الجنب وفتنة الدجال ويقال (2/226)
صفحة 610
أن النبي - عليه السلام - يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة بقل يأيها الكافرون وقل هو الله أحد وفي العشاء بسورة الجمعة وسورة المنافقين وقال - عليه السلام - خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة خلق ءادم وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط إلى الأرض وفيه تقوم الساعة.
ومن حقوق الجمعة الإغتسال فيه والركوع فيه وقت الضحا وزيارة الإخوان وإليه الأرحام والصدقة فيها لأنها تضاعف على غيره من الأيام وتنظيف الجسد فيه بإلقاء التفث من العشر الخصال التي هي من فطرة الإنسان وهو حلق الراس للرجل ونتف الإبط وقص الشارب وتقلم الأضافر وحلق العانة والإختتان والفضفضة والإستنشاق والإستنجاء والسواك والسنة في تقليم الأضافر وحلق العانة ونتف الإبط أن تنضف بإلقا شعرها في كل أربعين يوما مرة روي ذلك عن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يأمر أصحابه بذلك ولم يبلغنا أنه أمر أحدا بإعادة الصلاة بذلك ويقال منحق الجمعة دخول الماء وحضور المجلس وقراءة قل هو الله أحد فيما بين الظهر والعصر مائة مرة وقد يقال اتنثا عشرة مائة مرة (2/227)
صفحة 611
بين الفجر وطلوع الشمس ويقال من قرأها مائة مرة فقد جعل للجمعة حقا لا يجعله إلا الملائكة والله أعلم.
مسألة في حق الطريق.
وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ملعون من أذا المسلمين في طرقاتهم وقال - عليه السلام - إياكم والقعود على الطرقات فإن كان ولابد فاعطوا الطريق حقه قالوا وماحق الطريق قال غض البصر وكف الأذا ورد السلام وأمر بمعروف ونهي عن منكر وذكر الله تعالى ومن حقوق الطريق كما سبق في الحديث غض البصر وإرشاد الضالة وهداية الأعمى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصر المظلوم وإغاثة الملهوف وعون الضعيف وإعطاء السائل وإن لا تحدث فيه مضرة من اهراق ماء أو وضع تراب أو حجرة أو شوكة أو تضييقه بالبنيان أو ربط الدواب فيه بحيث يضيق على المارة وما أشبه ذلك لأن الطرق مشتركة المنافع بين الناس والله أعلم.
مسألة في حق البهائم.
قال الله تعالى: {وجعل لكم من الفلك والأنعام ماتركبون} الاية وفي الحديث عن النبي - عليه السلام - أنه نها أن تتخذ ظهور الدواب كراسي يعني أن ينام (2/228)
صفحة 612
عليها وفي الحديث أن امرأة عذبت في هرة ربطها حتى ماتت جوعا فقيل لها لا أنت اطعمتها ولا أنت أرسلتها تأكل خشاش الأرض ومن حق الدابة على صاحبها أن يرفق بها ويحسن علفها وسقيها ويعرضها على الماء إذا مر عليها و لا يحملها مالا تطيق ويلين ذات رحلها من بردعة أو حوية أو أكاف وما أشبه ذلك زلا يضرب وجهها لأنه قيل من أذا البهيمة بضرب أو حمل ما لا تطيق طولب بذلك في القيامة لأنه قيل في كل كبد رطب أجر وقد روي أن ابا الدرداء قال لبعير له عند الموت أيها البعير لا تخاصمني عند ربك فإني لم أحمل فوق طاقتك والله أعلم.
الباب الثاني في المظالم.
قال الله تعالى: {الدين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولائك لهم عذاب أليم} فأجمل الظالم في الأموال والأعراض والحقوق وغيرها وقال النبي - عليه السلام - الظلم ظلمات يوم القيامة وقد قال الله تعالى: {وقد خاب من حمل ظلما} والكلام في المظالم ينحصر في أربعة فصول.
الفصل الأول في مظالم الأموال.
والثاني في مظالم (2/229)
صفحة 613
الأبدان.
والثالث في مظالم الفروج.
والرابع في مظالم الأعراض.
أما مظالم الأموال فهي على أربعة أقسام:
الأولى فيما يلزم لإنسان من وجوه الغضب والتعدية في مال غيره بنفسه أو بماله أو بواسطة أطفاله بأمره فهذا يلزمه فيه الغرم والنكال في الذنيا من الإثم والغار في الأخرة.
والثاني مايلزمه من قبل الخطإ والنسيان فهذا يلزمه فيه الغرم دون الإثم.
الثالث ماجاء من قبل ماله وهو على وجهين ذي روح كالعبيد والبهائم فجناية العبيد بغير أمرهم في رقابهم ولا إثم على السيد الا تسليم القيمة في العبد فقط وهذا في التعدية واما المعاملات فالمأذون له في التجارة من عبيده يلزمه جميع ماأقربه على نفسه أو قامة عليه البينة والمسرحمن عبيده يلزمه قيمته من غير أن يخرجه من ملكه واما المحجر عليه من عبيده فعلى مولاه قيمته إذا خرج من ملكه بعوضة مامع إحياء صاحب الحق دعوته. (2/230)
صفحة 614
وأما البهائم فإنه إن ضيع لزمه الضمان قليلا كان أو كثيرا وقيل مقدار الرقاب وإن لم يضيع فلا ضمان عليه إذا اوثقها بما يوثق به مثلها فانفلثت ولم يقدر عليها والوجه الآخر ماجاء من قبل ماله مما ليس له روح كالجدار المعوج والنخلة المائلة ونحوهما أن تركه بعد التقيد إليه لزمه إليه الضمان وإن لم يتقدم في صرفه فلا ضمان عليه في الحكم ويلزمه فيما بينه وبين الله إن علم به.
القسم الرابع.
مايلزمه فيما بينه وبين الله دون الحكم وهو ماغسقه بعينه أو قبله بلسانه أو بقله من الأموال والأنفس فأصيب فاختلف في ذلك فقيل لا ضمان عليه إن أصيب إلا فيما دون أربعين يوما وقيل سبعة وقيل ثلاثة وقيل إن صلى على النبي - عليه السلام - لا شيء عليه وهذا أمر لا ترك حقيقة الضمان فيه إلا أنه روي في الخبر أن العين حق ولا تزال بالرجل تورده القبر وبالجمل حتى تورده القدر والله أعلم.
وتنقسم التبعات التي يلتزم بها العبد في الميعاد على عشرة أوجه (2/231)
صفحة 615
الأولى مايلزمه من حقوق الله تعالى التي يتعلق بها حق الغير ذلك كالزكاة والكفارات من الظهار والمغلظات وكفارات الإيمان والنذور الواجبات وتضييع نفقات الأزواج والعبيد والأولاد وجميع من وجب عليه من وجبت عليه نفقته من الأباء والأولياء وما ينفسد على يده من أموال الغياب واليتاما إذا كان لهم خليفة وتنجيه الأنفس من الجوع والعطش وأشباه الهلاك وما يتعلق بذمته من قبل العدات والهبات إذا لم يوف بها أو مايجري على يديه من أموال الوصايا والمساجد والأوقاف على المساكين والفقراء وما دخل يده من أموال القراض واللقط والأمانات وأشباه ذلك ذلك فهذا كله تباعا وفرائض لا يؤخذ بها بظاهر الأحكام ماخلا الوصايا والقراض والأمانات فإنه يواخذ بها إذا ثبت شيء من ذلك عليه وماسواها يلزمه إصلاح ذلك فيما بينه وبين الله والأداء إلى كل ذي حق حقه فإن تاب ولم يرد ذلك تسويفا أو جهلا حتى مات فهو مأخوذ بها في الأخرة.
الوجه الثاني.
مايلزمه في الحكم الظاهر بشهادة الزور وحكومة الباطل وما ينو به من قبل الخفارات والدلالات وما يجزي على العواقل من الغرامات والديات وأشباه ذلك فإن أخذ بهذا غرم فإن عفي سلم في الدنيا والآخرة.
الثالث.
مايدخل يده من قبل المعاملات المحضورة في الشرع مثل بيع الربا والانفساخ والغرر والغلط وغيرها من البيوع المنهي عنها في الشرع فهذا كله يلزمه فيه رد الثمن على كل حال ولا تنفع المحاللة في الربا والانفساح والغلط قال الله تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس اموالكم} الآية. (2/232)
صفحة 616
الرابع.
مايدخل يده من قبل الوجوه المنهي عنها في الشرع وذلك مثل اجرة المكيال والميزان إذا لم يعمل بهما صاحبهما وأجرة الفحول والمغنيات والباكيات والنائحات وأصناف الملاهي وأثمانها من الدفوف والمزامير والقمارات وحلوان الكاهن وأثمان الكلاب غير المعلمة والقردة والخمور و الخنازير والميتة والدم وأثمان الأنجاس وأجرة الساحر واجرة صورة الثماثيل وأشباه ذلك.
الخامس.
مايدخل يده على وجه المدارات من أصحابه مثل مصانعة الجبابرة والحكام والجائر وهدية الشفاعة ومصانعة الشعر لئلا يهجوه وجميع مايعطى له مخافة شره.
السادس.
ما دخل يده من الجارة على عمل الفريضة التي يتعلق عملها باللسان مثل الرشوة في الحكم والإجارة على أداء الشهادة أو تعليم العلم أو الإجارة على أداء الصلاة بالإمامة واختلفوا في الأذان وأما ما يتعلق عملها من الفرائض بالبدن فلا بأس بأخذ الأجرة فيه وذلك كالحج عن الغير وإنفاذ الوصايات وحفر القبور وأجرة القوابل (2/233)
صفحة 617
وما أشبه ذلك واختلفوا في أجرة قسمة المواريث وكاتب الحروز والراقي وأشباه ذلك. (2/234)
صفحة 618
السابع.
مادخل يده من الحقوق التي لا يستحقها مثل أخذ الزكاة والكفارات وانتسب إلى غيره نسبه لو إدعا أنه مكاتب أو ادعا أنه فقير وهو غني أو أعطي له بظاهر الديانة وهو يبطن خلافها (2/235)
صفحة 619
مما لو ظهر للمعطي لمنعه ذلك فهذا كله تباعات التأمن مادخل يده من قبل الاحتيال والمكر لغيره أما من سلعة غش في بيعها أو مدحها بما ليس ليها أودم سلعة حتى يشتريها بدون قيماتها أوخان أمانة في يده أو مال يتيم او غائب أو ماأشبه ذلك.
التاسع.
مادخل يده من جهة أصحاب الحرام والربات فأكله أو تلفه أو استعمال الأحرار بالكراهية أو بالمطاوعة ثم منعهم أجارتهم وأشباه ذلك فهدا كله تبعات يلزم الإنسان التخلص منها في الحياة إلى أربابها إن عرفهم وإلا فليوصي بها ثم تخرج من جملة متروكلته والله أعلم.
العاشر.
واختلفوا فيه وهو مادخل يده وأكله بالدلالة من أموال الأقرباء والأصدقاء قال بعضهم الأكل بالدلالة جائز بشرط لو صادفك صاحبك أو قريبك أو صديقك في أكل ماله لم تستحشم منه وقال آخرون لا تجوز لعموم قوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} الآية وقال الدلالة سبب واهي في الأموال وهي أشبه شيء بالسرقة والله أعلم وأحكم.
الفصل الثاني في مظالم الأبدان.
اعلم أن الجناية في الأبدان تسما قتلا وجرحا وهي على ثلاثة أوجه:
عمد متفق عليه.
وشبه عمد مختلف في الحكم فيه.
وخطأ محض متفق على حكمه.
وأما العمد فقد اتفقوا على إيجاب القتل فيه وهوعلى وجوه (2/236)
صفحة 620
وحده او تخرج غالرمية عمدا منيدعا قل مكلف نافد الأحكام على شخص معروف يتكافا دم القاتل من كل الوجوه مما لا يحل له قتله تفسير هذا التقيد إما قولنا أن تخرج الرمية من يده عمدا إلا أن الأمر بقتل الإنسان لا يقتل به وإنما عليه الدية إذا كان المأمور طفلا أو عبدا أو بهيمة لغيره* وهذا إذا يكن الأمر سلطانا للمأمور أو مالكا لأحكامه أومطاعا عند أمره لأن السلطان يقتل من قتله الرعية بأمره والمولى يقتل بمن قتله عبده بامره أو قتله بهيمة بإغرائه والمعلم يقتل بمن قتله* الصبيان بأمره هذا كله في بعض الأقوال يقتلون ايالة وسياسة وقولنا من يد عاقل نافذ الأحكام ولأنل الطفل والمجنون لا يقتلان بمن قتلاه وإنما عليه فيه دية الخطإ تديها العاقلة وقولنا ستكافا دمه دم القاتل من كل الوجوه أي يتساوا لأن الحر لا يقتل بالعبد ولا المسلم بالمشرك حرا كان المسلم أو عبدا لكن عليه الدية إذا كان القاتل حرا وعلى مولا العبد القاتل إن كان المشرك المقتول معاهد كتابيا كان أو مجوسيا أو وثنيا فالكتابي ديته ثلث دية المسلم والمجوسي ثمان مائة درهم نقرة والوثني ستة مائة والمراة منهم على النصف في جميع ذلك وقولنا من كل الوجوه لأن الرجل لا يقتل بالمرأة في قتل بعضهم حتى يودي أولياؤه نصف الدية وقال بعضهم يقتل من غير أداء شيء وأما أن قتها فتكافا فإنه يقتل بها من غير رد شيء كان القاتل لها واحد أو أكثر كما فعل عمر رحمه الله قتل ثلاثة رجال بإمرأه اشتركوا في قتلها فقال لو تمالا عليها أهل منعا لقتلتهم وأما العبد فديته ثمنه وجراحاته (2/237)
صفحة 621
على قدر ثمنه وكل ماهو نصف في دية الحر فهو في العبد نصف ثمنه وكذلك إلى أقل قليل أو أكثر كثير ويقتل عبد بعبد هو أفضل منه قيمة حتى يدى صاحبه فضل ما بينهما وقولنا مما لا يحل قتله احترازا من المرتذ والباغي والمشرك المحارب لأنه لا يقتل بهم وكلك الإمام في الجنات والزاني المحصن والزنديق وأشباههم فقتل العمد على وجوه أحدها على ماقدمناه فولي المقتول مخير في القاتل بين القتل والعفو وأخذ الدية فالدية في قضاء الرسول - عليه السلام - والخلفاء من بعده مائة من الإبل وفي أثر أصحابنا قيمة كل ناقة أربعة دنانير وجملة ذلك أربع مائة دينار ذهبا مسكاكا ووجه آخر هو قتل الفتك ومعناه أن يأتيه القاتل في مكانه وهو غافل لا يرا أنه يريد به بأسا فيقتله مفاجئة فذلك الفتك الذي قيل فيه الإسلام قيد الفتك لا يفتك مومن ولا فتك في الإسلام.
ووجه آخر وهو قتل الغدر وذلك أن يعطيه الأمان فيقتل وهو أشد هذه الوجوه وأما العقص وهو أن يضرب بحديدة فيموت مكانه وما أشبه العمد وهو أن يضرب بما لا قتل مثله كالريشة ونحوها ثم يموت المضروب مكانه وفيه اختلاف قال بعضهم فيه فدية ولا قود ولا تعقله العاقلة وهو مغلضة على القاتل يديها في سنة واحدة وقال آخرون يقاد منه لأنه تعمد ضربه وإن لم يتعمد قتله والله أعلم.
وأما الخطأ اللمحض فهو أن يقصد الرامي شيئا يحل له قتله أو رميه كالصيد والدابة وقاتل وليه وأشباه ذلك ويسقط هو بنفسه أو يصيح صائح في أمر يحل فيسقط منه شيئ أو يموت إنسان من صيحته ذلك وما أشبه هذه الوجوه فهو خطأ محض اصطلح المسلمون على ديته على العاقلة تعقله بشهادة الشهود دون إقرار القاتل ولا تعقل (2/238)
صفحة 622
من ذلك صلحا ولا عمدا ولا اعترافا ولا مالا ولا ماجنا عبد مملوك ولا تعقل دون الثلث وقيل تعقل مافوق الموضحة ولا تعقل مادونها ويعقل دية الخطإ الرجل دون النساء الأقرب فالأقرب على كل واحد أربعة دراهم فإن فضل شيء قسم على الذين يلون أقرب الميت ثم الدين يلونهم إلى آخرهم فإن لم تتم أعيد عليهم كذلك حتى تتم واختلفوا في العاقلة فقيل هي إلى خمسة أباء وقيل إلى سبعة وقيل إلى عشرة وقيل مالم يقطعهم الشرك ويجوز القود في الظهور والكتمان وأخذ الدية كذلك وتجب دية الخطإ على العاقلة في الظهور والكتمان وهي في ثلاثة سنين والنصف يودا في عامين والثلث في عام واحد وشرح هذه المعاني يطول به الكتاب.
مسألة.
والجراحات ماأمكن فيه القصاص اختص منه وإلا فالدية إن كان ماهو معلوم ديته كاليدين والرجلين وأشباههما من الجوارح وإن لم تعلم ديته فلينظر فيه العدل فيجوز فيها حينئذ أخذ الدية أو الهبة أو المحاللة وقيل تجوز فيها بينه وبين الله وإن لم يكن نظر العدول وقد أمر الله الطالب أن يطلب بالمعروف وأمر المطلوب أو يدي الدية إلى صاحبه بإحسان قال فمن عفي له من أخيه شيء الآية ثم قال: {فمن اعتدى بعد ذلك} يعني من قتل بعد أخذه الدية فإنه يقتل ولا يعفى عنه ولا توخذ منه الدية وله عذاب أليم ومن قتل بالدينونة فهو إلى السلطان يقتله ولا يعفوا عنه وكذلك قاكع الطريق واختلفوا في قتل القيلة فقيل أمره إلى السلطان وقيل إلى الولي ومعناه الغيلة أن يغتال (2/239)
صفحة 623
بالرجل فيدعا إلى طعام أو غيره حتى يودي به إلى مكان مطمئن وهو غافل لا يعلم مايراد به فيقتله والله أعلم.
مسألة.
والمقتول عمدا وليه مخير في القاتل بين القتل والعفو وأخذ الدية فإن عفا أو أخذ الدية فعلى القاتل كفارة القتل وهي عتق رقبة مومنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين بعد التوبة والإعتراف وإن قتله الولي فإن تاب قبل ذلك صلى عليه ويتولا إن كان أهلا لذلك وإلا فلا يصلى عليه ويدفن والله أعلم.
الفصل الثالث في مظالم الفروج.
وهو على وجهين مظلمة سفاح ونكاح.
فالسفاح يلزم فيه الحرة العقور بالإكراه مع وجود الحد على الزاني واستحقاق الكفر وأما بالمطاوعة فلا يلزمه إلا الكفر والحد وأما الأمة والصبية والمجنونة فإنه يلزم العقر والكفر والحد بالمطاوعة والإكراه ماخلا الأمة في إسقاط العقر بإذن سيدها دون الحدوالكفر وإن كان الزنا بالبهيمة فعليه الحد مع غرم قيمتها وتدبح وتدفن فيما ذكر في أثر أصحابنا وروي أن امرأة سألت جابر بن زيد رحمه الله فقال زوجي كان يأتي شاتي أفيحل لي لبنها فقال تسألني عن لبن شاتكي فقد حرم عليك زوجك فكره جابر لبنها والله (2/240)
صفحة 624
أعلم.
وإن كان الزنا بالثيب فنصف قعرها وأما إن أدخل أصبعه في فرج الثيب فلا عقر عليه وأما البكر فعليه عقرها إن اقتضاها وأما الصبي إن وطيه في دبره فعليه مثل صداق الثيب فيما ذكر في أثر بعض أصحابنا رحمهم الله وأما مفاخذة الذكران ففيها الكفر والإثم دون الغرم وكذلك مقدمات الزنا من التقبيل واللمس والنظر بشهوة فلا أعلم فيها إلا الإثم والعصيان والكفر مع شريطة الإصرار والشهوة والله أعلم.
وأما النكاح الصحيح ففي الوطي مهن الصداق كاملا إن سمي وإلا فنصفه إن وقعت فرقة قبل المسيس بالطلاق واختلفوا في الموت فقيل هو بمنزلة الدخول وقيل كالطلاق وأما أن يلمس الصداق ففي وطي الحرة العذراء عشر ديتها ونصف العشر إت كانت ثيبا والأمة العذراء عشر ثمنها وللثيب نصف عشر الثمن وهو العقر الذي يحكي به الحاكم في الأماء والحرائر جميعا.
وأما النكاح الفاسد يفني المسيس منه الهداق وإلا فلا شيء عليه في مقامات الجماع من القبلة واللمس باليد والنظر وعليه الصداق بذلك في الفرج إذا وقع في النكاح الصحيح وإن وقعت فرقة بالطلاق في صحيح النكاح بغير تسمية الصداق ففيه المتمتعة واجبة بنظر العدول على الموسع وعلى المقتر قدره ولكل مطلقة متاع بالمعروف ماخلا التي لها نصف الصداق والله أعلم.
مسألة.
ويجب على الزوج غرم الصداق إذا حل أجله وبالتزويج أو التسري أو انقضاء العدة في رجعي الطلاق ويجب على الورثة بموت الزوج إن لم يتخلص منه في حياته إلى الزوجة إلا إن وهبته له بطيبة نفسها ولم ترجع فيه بعد ذلك أو تبرأت منه إلى زوجها من غير أن يضربها في نفسها ولا في مالها وكذلك المتعة بعد وجوبها بانقضاء العدة لا تسقط عن (2/241)
صفحة 625
الزوج إلا أن تهبها له بطيبة من نفسها، والله أعلم وأحكم.
الفصل الرابع في مظالم الأعراض.
ومظلمة الأعراض تسمى قدفا واغتيابا وطعنا واقتداحا.
أما القذف فالرمي للإنسان بأمر هو برء منه مثل أن يرمي بالزنا أو بالسرقة أو القتل لغيره أو بالشرك أو بالنفاق أو ماأبه ذلك وهو بريء منه قال الله سبحانه: {ومن يكسب خطيئة أن إثما يرمي به بريئا فقد حمل بهتانا وإثما مبينا} إلا أن الشرع قد فرق بين القذف بالزنا وغيره من وجوه النفاق بالحد والتتكيل في الذنيا كما قال الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم ياتوا باربع شهداء فاجلدوهمه ثمانين جلدة} الآية فكل من قدف أحد من الخلق حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثا صغيرا كان أو كبيرا فهو هالك وقيل عن بعضهم ولو قدف ضخرة والله أعلم، ولكن لا يجب الحد فيه إلا إن كان القادف والمقدوف بالعين حرين موحدين وهو ثمانون جلدة كما قدمنا ماخلا من قدف نبيا من الأنبياء فإن الحد فيه القتل لأنه بذك مشرك إلا إن تاب من ردته فإن يجلد الحد والله أعلم.
وأما اقدف بالنفاق والكفر فيوجب فيه التعزير مع الثوبة مثل أن يقول له يامنافق ياكافر يافاجر ياعدو الله ياخنزير وهو لا يستحق ذلك فعليه التعزير والنكال على قدر مايرى الحاكم وعلى قدر منزلة المرمى والله أعلم.
وكذلك الرمي بالتراب في وجهه أو بالبزاق أو ماأشبه ذلك فعليه النكال على قدر النظر والله أعلم وأما الإغتياب والطعن في الأعراض فليس فيها وجوب حد في (2/242)
صفحة 626
الدنيا لكن يلزم فيه الكفر وانهدام الصوم والوضوء واستحقاق العذاب في الاخرة في اغتياب أهل الولاية كما روي في الحديث ان الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء وهما من أشرف طاعة المتعبدين إلا الكبائر الموبقات وقد شبه الله تعالى اغتياب المومن بأكل لحمه فقال: {ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن ياكل لحم أخيه ميتا} الآية وتمزيق الأعراض أشد على النفوس من تمزيق اللحوم ولذلك شبهه الله تعالى بأكل لحم الميتة وقال أن الملك الذي يمثل لابن آدم في المنام مايطالع الروح من اللحوم المحفوضة بالأمثلة المحسوسة يمثل الغيبة بأكل لحم الميتة حتى أنه من رأى في منامه أنه يأكل لحم الميتة أنه يغتاب الناس والله أعلم.
فلما كان الظلم في المال يستجوب الكفر ولو ظلم حبة فما كان دونها كان معلوما بالضرورة أن ظلم المسلم في عرضه أعظم في النفس من أكل حبة من ماله بغير إذنه والله أعلم.
مسألة.
واختلفوا في توبة المغتاب للمسلم فقال قوم لا توبة له حتى يتحلل من صاحبه إن كان حيا وإن كان ميتا فليستغفر له لما روي أن النبي - عليه السلام - الغيبة أشد من الزنا قيل وكيف ذلك قال أن الزاني إذا تاب قبلت توبته والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها وقال آخرون فإن لم يبلغه فليتب المغتاب فيما بينه وبين الله ليلا يشوش قلبه إن اخبره أنه اغتابه والله أعلم.
ومعنا الغيبة أن يقول في المسلم وراء ظهره ماهو فيه مما يكره المجاهرة به يريد تصغير شأنه في القلوب وإن (2/243)
صفحة 627
قال مليس فيه فهو البهتان والستمع إلى الغيبة شريك القائل كما ورد في الحديث أنه - عليه السلام - نهى عن الغيبة الإستماع إليها وقد قال الله تعالى في مثل ذلك: {وقد نزل عليكم في الكتاب} الآية إلى قوله: {حتى يخوضوا في حديث غيره} أنكم إذا مثلهم الآية والله أعلم.
فصل في التنصل من هذه التبعات.
اعلم أن مظالم العباد التي قدمناها من الحقوق والأموال والفروج لا تجوز توبة من هي في يده أو في ذمته إلا بالتنصيل منها إلى أربابها والخروج منها بالأذاء وبالمحاللة منهم له بطيبة نفس ولا أعلم بين الأمة في هذا خلافا.
واختلفوا إذا لم يجد أرابابها بعدما تاب فقيل عن ابن عباس أنه قال هو فقل ضل مفتاحه وقيل يتصدق به على الفقراء وأظنه قول ابن مسعود رحمه الله واحتسب قول أنه قول جمهور العلماء وأما إن تاب توبة نصوحا وإذا ماكان عليه من التبعات ونسي بعضها فلم يوده ولم يتذكر حتى مات فإن هذه التباعة تخرج من حسناته يوم القيامة إن كانت له وإلا فلمودات على مولاه ويدخله الجنة بفضل رحمته وفي رواية ضمام بن السايب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قول أصحاب الحديث وقد زعموا أنه إذا لم تكن له حسنات فإنه يتحمل مقدار ترك التباعة من سيئات صاحبها ولم يصح عندنا هذا والله أعلم. (2/244)
صفحة 628
الباب الثالث من الركن في المحارم الكبائر.
قال الله سبحانه وتعالى: {ويحرم عليكم الخبائث} الآية وهي جميع ماحرم الله تعالى من كسب الحرام وأكله من أموال الناس وغيرها من الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والنيبد العسكر والبول والغائط وأنجاس أهل الشرك ودبائحهم وجميع الفواحش ما ظهر منها وما بطن من الزنا والنظر إلى العورات وجميع مقدمات الزنا من النظر واللمس والقبلة والمباشرة للنساء الأجنبيات وجميع ماحرم الله تعالى من الربا والغش في البيع والشراء والتطفيف في الكيل والوزن وأكل الأموال بجميع أنواع الباطل من السرقة الخيانة وغيرها وحرم الله تعالى من البغي بغير الحق وقول الزور والكذب والنميمة والشرك والبهتان وقدف البريء أو غير ذلك من جميع ماقدمنا من أبواب المظالم فهو محرم خبيث وهو من الكبائر التي أوجب الله عليها النكال في الدنيا والعداب في الآخرة وسنذكر بعض أصناف الكبائر المنصوص عليها في القرآن والسنة ويستدل بها على ماسواها والله أعلم.
فصل في فرز بعض الكبائر.
قال الله تعالى: {والدين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش} الاية فمنها الشرك بالله لقوله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} وقوله أن من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ولقول النبي - عليه السلام - أكبر الكبائر الشرك بالله وهو جميع الوجوه التي قدمناها في صدر الكتاب.
ومنها أكل أموال الناس بجميع (2/245)
صفحة 629
أنواع الباطل التي قدمنها لقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} إلى قوله: {فسوف نصليه نارا} ولقول النبي - عليه السلام - القليل من أموال الناس يورث النار.
ومنها قتل النفس بغير حق لقوله تعالى: {ومن يقتل مومنا متعمدا} الآية ولقول النبي - عليه السلام - من أعان بقتل مومن ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بأبين عينيه أيس من رحمة الله وقوله ألا ليحولن بين أحدكم وبين الجنة بعد أن يراها كف من دم يهريقه أو مال ظمنه.
ومنها أكل السحت والحرام لقوله تعالى: {أولائك ماياكلون في بطونهم إلا النار} وقوله - عليه السلام - كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به وبالجملة فظلم الناس في جميع أموالهم وأبدانهم بالحبة فما دونها أو باللطمة في الأبدان فما دونها حرام محرم معقب عليها.
ومنها شرب الخمر لقوله تعالى: {إنما الخمر والميسر} إلى قوله: {فاجتنبوه لعلكم تفلحون} ولقول النبي - عليه السلام - لعنت الخمور وشاربها الحديث وقوله شارب الخمر كعابد الوثن وقوله الخمر جماع الأثم ومنها (2/246)
صفحة 630
شرب النبيد المسكر لقوله - عليه السلام - ماأسكر فقليله وكثيره حرام وقوله أن الله عهد لمن شرب خمر أن يسقيه من طينة الخبال قال عصارة أهل النار.
ومنها الميسر لأن الله تعالى قرنه بالخمر في التحريم.
ومنها أكل الميتة والدم ولحم الخنزير لغير المضطر لقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة الدم ولحم الخنزير} إلى قوله: {وان تستقسموا بالأزلام ذلك فسق} الآية.
ومنها أكل الأنجاس من البول والغائط وغيرهما بدخولهما في جملة قوله: {ويحرم عليكم الخبائث} وسماهم النبي - عليه السلام - الأخبثين.
ومنها عقوق الوالدين لقوله تعالى: {ان أشكر لي ولوالديك} وقول النبي - عليه السلام - عقوق الوالدين من أكبر الكبائر.
ومنها قطيعة الرحم لقوله تعالى: {ويقطعوا أرحامكم} الآية.
ومنها الزنا لقوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} وقوله: {ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} الآية ولقول النبي - عليه السلام - وإذا زنا الزاني سلب الإسلام من قلبه فإن تاب ألبس.
ومنها النظر إلى العورات لقوله تعالى: {قل للمومنين يغضون من أبصارهم} الآية ولقول النبي - عليه السلام - من نظر نظرة حرام كحلة عيناه بمسامير من نار.
ومناه قدف المحصنات لقوله تعالى: {إن الدين يرمون (2/247)
صفحة 631
المحصنات} إلى قوله: {ولهم عذاب عظيم}.
ومنها شهادة الزور لقوله تعالى: {واجتنبوا الرجس من الأثان واجتنبوا قول الزور}.
ومنها الكذب لقوله تعالى: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله} الآية وقال النبي في حلية المنافق إذا حذث كذب.
ومنها الفرار من الزحف لقوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره} الآية وقيل أن ذلك خاص بيوم بدر لأنهم فروا يوم أحد فعفى الله عنهم لقوله تعالى: {ولقد عفا عنكم}.
ومنها الغيبة للمسلمين لقوله تعالى: {والذين يلمزون المطوعين من المومنين} إلى قوله: {يغفر الله لهم} وكذلك الطعن فيهم لقوله تعالى: {ويل لكم همزة لمزة}.
ومنها الالنميمة هماز مشاء بنميم وقال النبي - عليه السلام - لا يدخل الجنة قتات.
ومنها اليمبن الفاجر لقوله تعالى: {يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} إلى آخر الآية ولقول النبي - عليه السلام - اليمين الغموس من أكبر الكبائر.
ومنها السحر لقوله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلارق} أي نصيب.
ومنها الغلول في الغنائم لقوله تعالى: {ومن يغلل ياتي يوم القيامة}.
ومنها التنابز بالألقاب لقوله تعالى: {ولا تنابز بالألقاب}.
ومنهاقسمة المواريث بغير ماأنزل الله لقوله (2/248)
صفحة 632
تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتعدى حدوده ندخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} قيل أنه في قسمة المواريث.
ومنها الحكم بغير ماأنزل الله لقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الظالمون} الآية.
ومنها الرشوة في الحكم لقوله تعالى: {أكالون للسحت} ولقول النبي - عليه السلام - الرشوة في الحكم كفر.
ومنها كتمان الشهادة لقوله تعالى: {ومن يكتمها فإنه أثم قلبه} ويقال من كتمها كمن شهد زورا.
ومنها تحليل ماحرم الله لقوله تعالى: {قا أرايتم ما أنزل الله لكم من رزق} إلى قوله: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} الآية.
ومنها ترك الصلاة المفروضة لقوله تعالى: {أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} أي واد في جهنم في بعض أقوال التفاسير ولقول النبي - عليه السلام - من ترك الصلاة كفر.
ومنها منع الزكاة لقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة} إلى قوله: {فبشرهم بعذاب أليم} ولقول النبي - عليه السلام - الزكاة مال يوذي إلى النار وقوله لا صلاة لمانع (2/249)
صفحة 633
الزكاة ولقوله مانع الزكاة يقتل.
ومنها الأكل في رمضان لأنهل كبيرة وبإجماع الامة ولقو ل الرجل يارسول الله إني أهلكت وأهلكت قال مافعلت قال أتيت أهلي نهارا في رمضان قلم يرد عليه قوله هلكت.
ومنها ترك الحج حتى يموت ولم يوصي به إذا وجب عليه لقوله تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} ولقول النبي - عليه السلام - من وجب عليه الحج ولم يحج فليمت يوديا أو نصرانيا الحديث.
ومنها الكبر لقوله تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} ولقول النبي - عليه السلام - لا يدخل الجنة من كان في قلبه حبة خردل من كبر.
ومنها الحسد وهو أن يحب زوال النعمة عن الإنسان وأمر به نبيه أن يستعيذ من شرحاسد إذا حسد ولقول النبي - عليه السلام - الحسد والبغضاء هي الحالقة للدين لا حالقة الشعر.
ومنها الرياء بأعماله وهو الشرك الأصغر لقوله تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه} إلى آخر (2/250)
صفحة 634
الآية ولقول النبي - عليه السلام - يدعا المراء يوم القيامة بأربعة أسماء يامرأي يافاجر ياغادر ياخاسر.
ومنها سوء الظن بالمسلم لقوله تعالى: {اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} الاية ولقول النبي - عليه السلام - إياكم وسوء الظن فإنها كذب الحديث.
ومنها الأياس من رحمة الله والأمن من العذاب إلى غيرها من غوائل القلب من الغل وطلب العلو وحب الثنا وسخط المقدور والمكر والخديعة والبخل والرغبة والفخر وتعظيم الأغنياء واحتقار الفقراء والتنابز بالألقاب والمداهنة في الدين وغير ذلك عصمنا الله تعالى من جميع ذلك برحمته أنه رؤوف منان بسم الله الرحمان الرحيم. (2/251)
صفحة 635
كتاب الآداب (2/252)
صفحة 636
الركن الثامن
في الأداب التي يستحب مراعاتها في الأكل والشرب.
قال المؤلف لما أتينا بحمد الله على ذكر الأركان السبعة المشروطة في صدر الكتاب التي يتعلق بها السؤال إذا في المئاب رأينا أن نظم إليه ثامنا في أدبيات الأغديةوغيرها من أداب اللباس والغشيان ومعاشرة أصناف البرية إذ يتناول الأقوات تصفو سلامة الأبدان لعمل الطاعة فينبغي للإنسان أن لا يهمل نفسه في تناول الأغدية إهمال البهائم المرعية بل يلجمها بلجام الورع ويزن شهواتها في الغدا بميزان الشرع فيكون حينئذ من أعمال الدين وعلى ذلك نبه رب العالمين بقوله: {يأيها الرسول كلوا من من الطيبات واعملوا صالحا} ولقول النبي - عليه السلام - أن الرجل ليوجر حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه أو إلى في امرأته وإنما ذلك إذا رفعها ليتقوا بها على عمل الدين مراعيا في أخذها شروط الشرع وأدابه باليقين فإذا كانت النفس لا بدلها من تناول الغذا وقع الشهوة التي هي أعداء الإعداء رأينا أن نحصر الكلام في هذا الركن على خمس فصول:
أحدها في أداب الطعام وأكله.
والثاني في أداب الشراب وتناوله.
والثالث في أداب اللباس وهيئته.
والرابع في أدب الجماع ومستحباته.
والخامس في أداب المعاشرة مع سائر الخلق. وبالله التوفيق. (2/253)
صفحة 637
الفصل الأول في أداب الطعام وأكله.
وهذا الفصل ينقسم قسمين أحدها فيما لابد للمنفرد بالأكل من مراعاته والثاني مما يزيد من الأداب بسبب الاجتماع.
القسم الأول.
على ثلاثة أوجه، أحدها على مراعات الأداب قبل الأكل وهي سبعة، أحدها معرفة الطعاو أنه حلال طيب وذلك فريضة لقوله تعالى: {كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} الآية لأنه قيل إذا كان الطعام حراما شاركه الشيطان في أكله لقوله تعالى: {وشاركهم في الأموال} الآية، الثاني غسل اليد للنظافة للقول النبي - عليه السلام - الوضوء قبل الطعام ينقي الفقير وبعده ينقي الهم، الثالث الجلوس على الأيسر ونصب الرجل اليمنى اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يقول لا أكل متكئا أنا عبد أجلس كما يجلس العبد وأكل كما يأكل العبد ويروَ أنه - عليه السلام - ربما اجتا للأكل على ركبتيه وروا أن عليا أكل كعكا على ترسل وهو مضطجع وروي مثل ذلك عن أبي عبيدة رحمه الله، الرابع انتظار (2/254)
صفحة 638
الحار حتى يبرد ولقول النبي - عليه السلام - دعوا الحار حتى يبرد فإنه غير ذي بركة ويقول أيضا ما أنضجته الشمس ويوكل باردا وما أنضجته النار يوكل حارا والله أعلم، عقد النية للأكل وهو أن ينوي به التقوي على طاعة الله ليكون مطيعا بالأكل ولا يقصد التلذذ والتنعم، السادس ألا يحتقر الطعام ولكن يرضى به ولا ينتظر الا دام أن ذلك من كرامة الخبز ويقال أربعة حدثت بعد النبي - عليه السلام - وهو الموائد والمناخل والأشنان والشبع وكان بعضهم يقول لا تتخلوا الدقيق فإنه طعام كله وكلن يأكل الشعير غير منخول فكل ما يديم الرمق ويقوي على العبادة فهو خير كثير، السابع أن يجتهد على تكثير الأيد على الطعام لما روي أن النبي - عليه السلام - قال اجتمعوا على طعامكم يباركم لكم فيه وكان لا يأكل وحده وتعجبه كثرة الأيدي على الطعام والله أعلم.
الوجه الثاني في أداب حالة الأكل.
وهي عشرة أداب، أحدها التسمية في أوله والحمدة في آخره لقول النبي - عليه السلام - اذكر اسم الله على الطعام ويقال في الحديث إذا أكل الإنسان أو شرب ولم يسم أكل معه الشيطان وإن نسي ثم تذكر في أثناء الطعام تقيا الشيطان ماأكل وليجهر بالتسمية ليذكر به غيره فإذا نسي التسمية (2/255)
صفحة 639
حتى فرغ فليقل بسم الله على أوله والحمد لله على آخره ويقال أن ذلك ثمن الطعام وقال أن نوحا - عليه السلام - كان لا يأكل و لا يشرب إلا سم الله تعالى عبدا شكورا، الثاني الأكل باليمين لنهي النبي - عليه السلام - عن الأكل والعطا والأخذ بالشمال وكان يمينه - عليه السلام - لطعامة ووضوءه وقال أن الشيطان يأكل ويأخد ويعطي بالشمال، الثالث بثلاثة أصبع لما روي أن النبي - عليه السلام - بالثلاثة وربما استعان بالرابعة ولا يأكل بالأصبعين ويقال أن ذلك أكلة الشيطان وقال بعض العلماء الأكل باصبع واحد من المقت والإثنتين من الكبير وبالثلاثة من السنة وبالأربع والخمس من الشره والله أعلم، تصغير اللقمة وتجويد مضغها ومالم يبتلعها لا يمد اليد إلى الأخرى فإن ذلك من العجلة في الأكل ولا يذم مأكولا كائنا ماكان لما روي أن النبي - عليه السلام - ماذم طعاما قطا إن أعجبه أكله وإن كرهه تركه، الخامس الأكل مما يليه إلا في الفاكهة فإن له أن يحيل يده قال - عليه السلام - كل مما يليك ثم كان يدور على الفاكهة فقيل له في ذلك فقال ليس هو نوعاواحدا، السادس أن لا يأكل من ذروة القصعة (2/256)
صفحة 640
ولا من وسط الطعام لأنه موقع البركة ولذلك ورد النهي فيه إلا إذا فرغ الطعام ولم يبقى إلا ذروة القصعة فليأكلها، السابع ألا يقشر وجه الطعام ولا يحفر فيه ليجتمع إليه الأدام دون القوم لنهي النبي - عليه السلام - في الطعام عن الحفار والقشار والدوار وهو الذي يأكل يمينا وشمالا وعن المزمل وهو التابع اللقم بعجة وقيل هو الذي يرفع مالا يسمع فمه والله أعلم، الثامن أن يرفع الطعام إذا وقع من يده وليأكله لقول النبي - عليه السلام - إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخدها وليمط ماكان عليها من أذاء وليأكلها ولا يذرها للشيطان ونها عن النفخ في الطعام والشراب وفي اللحم للبيع وفي الكتاب وفي موضع السجود وقال النفخ في الطعام والشراب يذهب البركة الله أعلم، التاسع ألا يمسح يده بالمنديل يلعقها لعقاجيدا لما روي أنه - عليه السلام - يلعق أصابعه واحدة بعد واحدة حتى تحمر ويقول لا أدري في أي طعامها البركة، العاشر أن يبدأ بالملح ويختم به لقول النبي (2/257)
صفحة 641
اجعلوا الملح أول طعامكم فإن فيه شفاء من اثنين وسبعين داء منها الجنون والجذام والبرص ووجع الأضراس والحلق والبطن ويقال أن الله أوحى بذلك لبعض الأنبياء عليهم السلام وفي حديث أيضا اجعلوا الزيتون أول طعامكم وآخره فإنه مبارك.
الوجه الثالث في أداب آخر الطعام.
وهي ستة، أحدها أن يمسك قبل الشبع إلا أن يريد التقوي على الصوم فلا باس وفي الحديث ماملأ ابن آدم وعاءا شر من بطن حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه وإن لم يفعل فثلث الطعام وثلث للشراب وثلث للتنفس ويقال عاد الشبع زيادة في الجوع وحسن الأدوية وجهان أن لا يشبع الرجل من الطعام ويتغوط ويبول قبل المنام، الثاني أن يعلق القصعة ببعض أصابعه ويغسلها بالماء ثم يشربه يقال ذلك يعدل رقبة ويقال عادة المهاجرين والأنصار في الزمان الأول، الثالث أن يلتقط فتات الطعام وقال - عليه السلام - من أكل مايسقط من المائدة عاش في سعة وعوق ولده ويقال أن التقاط الفتات مهر الحور العين والله أعلم، (2/258)
صفحة 642
الرابع يخلل أضراسه ولا يبتلع ما يخرج من بين أسنانه بالخلال لكن يرميه واما ما يجتمع في أصول أسنانه فأخرجه بالسان فلا يرميه وليمضمم بعد الخلال وإذا أكل الخبز واللحم فليغسل يده وليمسح بفضل مائهما وجهه لما روي أن النبي - عليه السلام - يفعله، الخامس أن يشكر الله تعالى بقلبه على ما أطعمه قال الله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله}، السادس الدعاء بالبركة لقوله - عليه السلام - ادعوا في طعامكم يبارك لكم ويقول الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعنا من المسلمين في كل شيء ولا يكفي منه شيءأطعمت من جوع وأمنت من خوف فلك الحمد أويت مايتم وهديت من ضلالة وأغنيت من عيلة فلك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما أنت أهله اللهم كما أطعمتنا طيبا فاستعملنا طالحا واجعله عونا لنا على طاعتك وأعوذ بك أن نستعين بها على معاصيك والله أعلم.
القسم الثاني فيما يزيد من الأداب بسبب الإجتماع.
وهذا القسم على وجهين،
أحدها في أداب الدعوة وفضيلتها وفي الحديث عن النبي - عليه السلام - قال من أطعم أخاه حتى يشبعه وأسقاه حتى يرويه أبعده من النار بسبع خنادق بين كل خندقين مسيرة خمسة مائة عام (2/259)
صفحة 643
وعن علي قال لأن اجمع بين أخوان على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة وقال - عليه السلام - خيركم من أطعم الطعام والأثار في هذا كثيرة واما أدبها قبل الطعام فهي خمسة، أحدها ترك الأكل من الطعام الذي لم يدع إليه مخافة أن يحصل في الحديث الوارد عن مشا إلى طعام لم يدع إليه مشا فاسقا وأكل حراما وفي خبر آخر دخل سارقا فأكل حراما وخرج بغير الثاني ترك التكلف وتقديم ماحضر وإن لم يحضر شيء فلا يستقرض لأجل ذلك وكان أنس بن مالك وغيره من الصحابة فيما روي عنه يقدمون من الكسر اليابس وحشف التمر ويقولون ما أدري أيهما أعظم وزرا الذي يحتقر ما تقدم إليه أو الذي يحتقر ماعنده أن يقدمه وقال - عليه السلام - لا تتكلفوا للضيف فتبغضوه، الثالث ألا يقترح الضيف على صاحب البيت وإن خيره فليختر أيسرهما عليه وروا الأعمش عن أبي وائل قال مضيت أنا وصاحبا لي نزور سليمان رحمه الله فقدم إلينا (2/260)
صفحة 644
خبز شعير وملحا جرشيئا فقلت لصاحبي لو كان مع الملح سعتر لكان أحسن فخرج سليمان فرهن وطهرته واخذ سعترا ولما أكلنا قال صاحبي الحمد لله الذي أقنعنا بما رزقنا فقال سليمان لو أقنعت لم تكن مطهرتي مرهونه، الرابع أن يشتهي صاحب البيت ضيفه كي يصادف شهوته ففي ذلك فضل وأجر كبير وفي الحديث عن النبي - عليه السلام - وقال من لذد أخاه المومن بما يشتهي كتب الله له ألف ألف درجة وأطعمه من ثلاث جنان جنة الفردوس وجنة عدن وجنة الخلد والله أعلم، الخامس ألا يقول له هل أقدم طعاما أم لا ولكن يقدم فإن اكل وإلا رفعه والله أعلم.
وأما أدبها في حالة الأكل فهي عشرة، أحدها أن يبتدأ بالأكل أفضل الحاضرين تبركا به، الثاني أن لا يسكتوا على الطعام ولكن يتكلموا بالمعروف وحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها ويتكلم معهم صاحب البيت لئلا تدخلهم وحشة، الثالث ألا ينظر أحدهم إلى أكل جليسه، الرابع أن يأكل كأكل رفيقه فإن زاد عليه فهو حرام إذا كان الطعام بينهم ولم تسمح نفس صاحبه، الخامس أن لا يقول لرفيقه كل إن كان الطعام لغيرهم وإن كان لهم فلا يزد على قوله كل أكثر من ثلاث فإن دلك إلحاح وأما اليمين فممنوع رأسا على الطعام لأنه اهون من أن يحلف عليه، السادس أن لا يذكر الموت على الطعام حتى يفرغوا منه، السابع ألا يرفع يده قبل اصحابه لقول عمر - رضي الله عنه - (2/261)
صفحة 645
لؤم بالرجل إن رفع يده من الطعام قبل صاحبه، الثامن أن لا يعاود الأكل ساعة بعد ساعة فإن ذلك من أفعال البهائم وسوء الأداب، التاسع ألا ما يستقدره غيره من المضغ بشدقيه جميعا أو نفض يده في القصعة أو يدني إليها رأسه عند وضع اللقمة في فيه وإذا أخرج شيء من فيه فليصرف وجهه عن الطعام وليأخذه بيساره ولا يغمس بقية اللقمة التي قطعها باسنانه في المرق ولا يتكلم بكلام يستقدره غيره والله أعلم، العاشر غسل الأيدي بعد الطعام واللحم إن أكله في الطست وفيها عشر أداب ألا يبصق فيها وأن يبتدي بالغسل أفضل القوم وإن يقبل الإكرام به في التقديم وان يدار يمنة وإذا تجمع فيه جماعة وإن يجتمع الماء في الطست وإن يكون من يصب الماء قائما وأن يمج الماء من فيه في يده يرفق لئلا يرش على الفراش وعلى أصحابه، العاشر الدعاء والإنصراف وسنته التشييع للضيف إلى باب الدار من أدب المدعوا إلى الضيافة الا يمتنع من الإجابة لقوله - عليه السلام - لو دعيت إلى كراع العميم لأجبت وهو موضع على إيمال من المدينة ويقال سر يملا عدمريضا سر ميلين اصلح بين اثنين سر ثلاثة أميال أجب دعوة سر أربع أميال زر أخ في الله تعالى واما إن كان الداعي ظالما أو صاحب ريبة أو فاسق أومبتدعا أو شرير أو فتاك أو مباهيا فلا بأس بترك إجابته بل لا يغني أن يجيبه بل أجاب لمن ينبغي فلا يتصدر في المجلس بل يتواضع و لا يضيق على الحاضرين بالزحمة ولا ينبغي أن يجلس مقابل بيت النساء ويغض بصره و لا يكثر الإلتفاة إلى مجيء الطعام فإنه دليل الشره وإن رأى في الدار منكرا فليغيره وإلا فليخرج إن لم يقدر على تغييره والله أعلم وأحكم وبه العون. (2/262)
صفحة 646
الفصل الثاني في اداب الشراب.
وهي عشرة، أحدها أن يأخذ الكوز بيمينه لقول النبي - عليه السلام - إن الشيطان يشرب بشماله، الثاني أن يقول بسم الله لئلا يشاركه الشيطان في شرابه، الثالث ألا يشرب في أنية الذهب والفضة لقول النبي - عليه السلام - فيمن شرب فيها إنما يجر في جوفه نار جهنم، الرابع ألا يشرب قائما و لا مضطجعا يستحب ذلك لنهي النبي - عليه السلام - من الشراب قائما وقد قيل لو يعلم الشارب قائما ما عليه لااستقاما شرب وقد روي أنه - عليه السلام - شرب من زمزم قائما، الخامس أن يمص الماء مصا لقوله - عليه السلام - مصوا الماء مصا ولا ولا تعبوه عبا فإن الكباد من العب، السادس أن يراعي أسفل الكوز حتى حتى لا يقطر عليه وينظر في الكوز أولا قبل الشراب، السابع ألا يتجشا في الكوز ولا يتنفس فيه لنهي النبي - عليه السلام - عن التنفس في الإناء فقال رجل يارسول الله إني لا أروا من نفس واحد قال فابن القدح عن فمك ثم تنفس وأني لا أر ى الغدا فيه قال فاهرقه وينحي الكوز (2/263)
صفحة 647
عن فيه بالحمدلة ويرده بالبسملة، الثامن ألا ينفخ في الشراب وبخاصة اللبن لقوله - عليه السلام - لا تنفخوا في اللبن فإنه يقطع الدر، التاسع أنه يدار بالشراب وغيره يمنة ولقول النبي - عليه السلام - الأيمن فالأيمن وأتي - عليه السلام - بلبن وعن يمينه اعرابي وأبو بكر عن شماله وعمر ناحية فقال عمر أعطي أبا بكر فناول الأعرابي فقال الأيمن فالأيمن، العاشر أن يشرب في ثلاثة أنفاس يسمي الله في أولها ويحمده يف آخرها يقول في آخر النفس الأول الحمد لله وفي الثاني رب العالمين وفي الثالث يزيد الرحمان الرحيم ثم يقول بعد الشراب الحمد لله الذي جعله عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا وإن وإن شرب لبنا قال اللهم بارك لنا فيه واطعمنا خيرا منه وقال في اللبن وزدنا منه ويمضمض من اللبن فاه والله اعلم.
مسألة.
والفكهة لا بأس أن يحول الإنسان يده إليها في الطبق إلا مايكره أن ينزعه من بين يدي أصحابه فإن ذلك سوء أدب وقيل الأولون يكرهون عض التمرة باللسان ولكن يدخل الإنسان التمر في فيه ثم (2/264)
صفحة 648
يلقي النواة من فيه على ظهره كفه ثم يضعه بعد ذلك وكذلك كل ماله عجم ونوا ويكره تقشير التين الأخضر ويقال أن عليا كان يأكل الرمان بشحمه ويقول هو ادبغ للمعدة ويروا أن النبي - عليه السلام - كان إذا أوتي بالفاكهة الباكورة وضعها على عينيه وفيه ويقول الحمد لله رب العالمين اللهم فكما أطعمتنا أولها فأطعمنا آخرها ثم يدعوا صغر ولد يراه فيناوله إياها ويروا أنه ربما أكل العنب خرطا ويرا ماؤه على لحيته كأنه خرزات اللؤلؤ ويروا أنه أكل يوما رطبا كان في يمينه ويحفظ النوافي شماله فمرت به شاة فأشار إليع بالنوا فجعلت تأكل في كفه الأيسر وهو يأكل في ميمنه حتى فرغ فانصرفت الشاة ويقال أكل العنب خرصا أوكل اللحم نهشا فإنه أذهب للضرم ويكره قطعه بالسكين لأنه من فعل الأعاجم ويقال اللحم بنت اللحم والتريد طعام العرب وكان النبي - عليه السلام - يأكل التريد باللحم وقال هو سيد الطعام في الدنيا والآخرة وأنه يزيد في السمع ويقال أيضا المداومة على أكل اللحم تقسي القلب قيل فلذلك قست قلوب السباع الضارية لاعتيادها أكل اللحم والله أعلم وكان أكثر طعام النبي - عليه السلام - التمر والماء والله أعلم. (2/265)
صفحة 649
مسألة.
وعن علي قال من أكل كل يوم سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه ومن أكل كل يوم أحد وعشرين زبيبة حمراء لم يرى في جسده شيئا يكرهه قال ولحم البقر داء ولبنها شفاء وسمنها دواء والشحم يخرج مثله من الداء ولن تستشفى النفساء بشيء أفضل من الرطب ومن أراد البقاء ولا بقاوليباكر الغدا وليقتل غشيان النساء وليخفف الردا وهو الدين وفي الخبر قطع الغدا مسقمة وترك العشاء مهرمة والعرب تقول ترك الغداء يذهب بشحم الكادة وهب الألية وقال وقال حكيم لابنه يابني لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك أي تتغدا أدبه يبقا الحلم ويزول الطيش وهو أيضا أقل الشهوة مايرا في السوق وقال حكيم لسمين أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك فما هي قال أكل الباب البر وصغار المعز وأدهن بدهن بنفسج والبس والكتان وقال الحجاج لبعضهم الأطباء صف لي صفة أخذبها ولا أعدوها قال لا تنكح الإ فتاتا من النساء ولا تأكل من اللحم إلا فتيا ولا تأكل من المطبوخ حتى ينعم نضجه ولا تشربن دواء إلا من علة ولا تأكلن من الفاكهة إلا ناضجها و تأكلن طعاما إلا أجدت مضغه وكل ماأحببت من الطعام و لا شراب عليه وإذا شربت فلا تأكل عليه ولا تحبسن الغائط والبول وإذا أكلت بالنهار فنم وإذا أكلت بالليا فامش قبل أن تانم ولو مائة (2/266)
صفحة 650
خطوة وفي معناه قول العرب تعش تمش تغد تمدا أي تمدد ويقال أن حبس البول يفسد من الجسد كما كما يفسد النهر ماحوله إذا إذا سد مجراه والله أعلم وأحكم.
الفصل الثالث في أداب اللباس.
وهي الجسد وهي شتة عشر اربع فرائض:
أحدها أن يكون حلالا لم يكتسب من وجه حرام.
الثانية أن يكون لبسه ليس فيه حرير ولا خز ولاولا ابرسيم إلا موضع الأبعين أو طراز في ثوب إلا في حال الحرب وهذا في الرجال دون النساء.
الثالثة أن يكون ساترا للعورة.
الرابعة أن لا يقصد بها الإختيال والفخر لقول النبي عليه في الرجل الذي يرخي إزاره لا ينظر الله إليه وإن يكون طاهرا في حال الصلاة.
وأربع كراهية ألا يلبس الحلة الشريفة جدا ولا الدينة جدا لنهي النبي - عليه السلام - عن الشهرة في اللباس.
الثانية أن يجتنب لباس التقنع أنه جاء في الحديث أن التقنع في الليل محرمة وفي النهار ريبة.
الثالثة ان يلبس عمامته ولم يجعلها تحت لحيته لما روي (2/267)
صفحة 651
عن بعض العلماء أنه نظر إلى رجل لم يجعل عمامته تحت لحيته فقال انزع بلغنا أنها عمامة إبليس لعنة الله عليه.
الرابعة أن لا يتشبه بزي الفياق لما ورد في الحديث من يشبه بقوم فهو منهم ويقول أن القلوب لا تتشبه به حتى تتشبه الزيى والله أعلم.
وأربع سنن أحدها أن يكون أبيض لقول النبي - عليه السلام - عليكم باللباس البيض ألبسوها أحياكم وكفنوا فيها موتاكم.
الثاني أن يكون إلى الساق لقوله - عليه السلام - لباس المومن إلى نصف ساقه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين واما أسفل من ذلك ففي النار قيل والمرأة قال تغطي ظهر قدميها قيل له إذا ينكشف قال ترخي شبرا قيل ينكشف قال فدراعا لا تزيد عليه.
الثالثة النية في لباسه ينوي به ستر العورة إمتثالا لأمر الله تعالى.
الرابع أن يبدأ في لباسه بالميامن وفي خلعه بالمياسر.
وأربع مستحبات، أحدها أن يتشبه بزي الصالحين لقوله - عليه السلام - من تشبه بقوم فهو منهم.
الثانية ان يصلي ركعتين إذا أراد أن يلبس ثوبا جديدا لما روي عن علي أنه كان يفعل ذلك.
الثالثة أن يدعوا بهذا الدعاء وبحمد الله تعالى يقول الحمد لله الذي أكساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي لما ورد في الحديث عن النبي - عليه السلام - في ذلك.
الرابعة ينبغي له أن يكسوا خلاف ثيابه مسكينا لما روي عن النبي - عليه السلام - (2/268)
صفحة 652
قال مامن مسلم يكسوا مسلما من سمل ثيابه لا يكسوه إلا لله إلا كان في ضمان الله وحرزه ماوراه حيا وميتا والله أعلم. (2/269)
صفحة 653
الفصل الرابع في أداب الجماع.
قيل في قول الله تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفا} أنه لا يصبر على الجماع ويضعف عن تركه وفي بعض التفسير في قوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به} أنها شدة الغلمة فأباح الله تعالى النكاح لعباده فضلا منه وحكمة لبقاء النسل وتأليف الخلق كما قال الله تعالى: {وخلق منها زوجها ليسكن إليها}.
مسألة.
وإذا أراد الإنسان غشيان أهله لية الإبتناء بها فينبغي أن يكون على طهارة ويركع ركعتين ويدعوا يقول الحمد لله الذي أغناني (2/270)
صفحة 654
بالحلال عن الحرام وماشاء من الدعاء ثم يدنوا إلى أهله فتنزع هي ما عليها من الثياب ماخلا الثوب الذي يلي بدنها فإن الزوج أولا بنزعه ثم يجريده على رأسها ويقول اللهم باركلي في أهلي وبارك لأهلي في ثم ثم يتغمر هو وهي في ملحفة أو ثوب ثم ينحر فإن عن القبلة عند الجماع اكرامها له ثم يعقد النية في الجماع به كسر النفس وتحصين الفرج وطلبا للولد طاعة لله وتكثير الأمة رسوله - عليه السلام - ويسمي الله تعالى في نفسه يقول بسم الله والحمد لله ويقرأ قل هو الله أحد ويكبر ويهلل ويقول بسم الله العلي العظيم اللهم اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت أن تخرج من صلبي وفي الحديث لو أن أحدكم أتا أهله قال اللهم جنبني الشيطان مارزقتني فإن كان بينهما ولد يظره الشيطان فإذا قرب من الإنزال فليقل في نفسه و لا يحرك به لسانه {الحمد لله الذي جعل من الماء بشرا} الآية وفي الحديث كان النبي - عليه السلام - يغطي راسه ويغض صوته ويقول للمرأة عليك السكينة وفي الحديث إذا جامع أحدكم أهله فلا يجردان تجر العيرين وليقدم التلطف بالكلام والتقبيل وفي رواية وفي رواية أخرى فلا يقع على امرأته كما تقع البهيمة وليكن بينهما رسول قيل فما هو قال القبلة الكلام وفي الحديث ومن الجفا أن يقارف الرجل جاريته فيصيبها قبل أن يحادثها ويضاجعها فيقضي حاجته منها قبل أن (2/271)
صفحة 655
تقضي هي حاجتها منه وفي الحديث إذا أراد أحد غشيان أهله فليستتر فإن لم يستتر استحيت الملائكة فخرجت وحضرت الشياطين فإن كان بينهما الولد كان الشيطان فيه شريك وقال - عليه السلام - لأبي هريرة إذا غشيت أهلك أو ماملكت يمنك فقل بسم الله والحمد لله فإن حفضتك يكتبونه حسنات حتى تغتسل فإذا اغتسلت غفرت ذنوبك ويقال يستحب للمجامع أن يشرب بعد فراغه ثلاثة جرع من الماء وينام على بطنه فإن ذلك يعيده اخراج منه ويقال يكره الجماع في ثلاث ليال من الشهر الأول والنصف الآخر يقال أن الشياطين يجامعون فيه وفي وصيه النبي - عليه السلام - لعل ياعلي لا تتكلم عند الجماع كثيرا فإنه إن وقع بينكما ولد لا يومن أن يكون أخرس ولا تنظر إلى فرج امرأتك فإنه يورث العما للولد ولا تجامعها إلا ومعك خرقة ومعها أخرى كي كي لا تقع الشهوة على الشهوة فتقعب العداوة ولا تجامع ليلة الفطر ولا ليلة الضحى ولا بين الأذان والإقامة فإنه إن قضي بينكما ولد يكون عشارا ولا تجامع امرأتك على السطح فإنه إن قضي بينكما ولد يكون منافقا وعليك بالجماع ليلة الجمعة فإنه إن قضي بينكما ولد يكون حافظا لكتاب الله تعالى عز (2/272)
صفحة 656
وجل والله أعلم ومن العلماء من يستحب الجماع يوم الجمعة تحقيقا لقوله - عليه السلام - رحم الله من غسل واغتسل أنه المراد في أحد التأويلين والله أعلم ويروا أنه - عليه السلام - إذا أراد النوم مع أهله اتخذ خرقة فإذا فرغ ناولته أياها فيمسح عنه الأذا ومسحت عنها ثم باتا في ثوبهما ذلك واستحب بعضهم أن تكون الخرقة من الصوف لأن الكتان (2/273)
صفحة 657
يضعف الذكر فيما أظن في قولي هذا والله أعلم.
ونهى النبي - عليه السلام - أن يجامع امرأته عند أحد حتى الصبي في المهد وهذا نهي تأذيب إلا أن يعقل فلا يجوز ذلك عنده والله أعلم ونهى - عليه السلام - عن الفترة قال بعضهم معناها أن يجامع جاريته ثم ينزل الماء في غيرها من نساءه.
مسألة.
وقد أجازوا للرجل ان يجامع امرأته مرة بعد مرة وأن يجامع نساءه مرة بعد أخرى ويغسل للجميع غسلا واحدا روي ذلك عن النبي - عليه السلام - ولا بأس بالجماع بعد إصابة البول والغائط والمستحب له غسل الأذا إذا أراد المعاودة أو النوم وإن لم يفعل فلا باس عليه ويكره الجماع في أول الليل حتى لا ينام على جنابة ويجوز لموطي امراته مقبلة أو مدبرة ومضطجعة ولا يجوز الوطي في الدبر ولا في الفرج في حال الحيض ولا قبل الإغتسال منه لنهي الله تعالى عن ذلك ولما ورد في الحديث أنه يورث الولد الجدام أيضا ويجوز العزل عن الأمه بغير اذنها وعن الحرة بإذنها والله أعلم وأحكم وبه العون والتوفيق.
الفصل الخامس في أداب المعاشرة مع سائر الخلق.
لقول الله تعالى: {قولوا الناس حسنا} وقال النبي - عليه السلام - أنكم لن (2/274)
صفحة 658
تسعو الناس بأموالكم فاسعوها بأخلاقكم وعن عمر رحمه الله قال ثلاث يصفين لك ود أخيك أن تسلم عليه إذا لقيته أولا وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب أسمائه إليه وقال عبد الله بن عمر البرشمي هين وجه طليق وكلام لين وقال بعضهم يارسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة إن موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام وقال معاذ بن جبل رحمه الله قال لي - عليه السلام - أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث ووفاء العهود وأداء الأمانة وترك الخيانة وحفظ الجار ورحمة اليتيم ولين الكلام وبذل السلم وحفظ الجناح والقول الجامع الأداب المعاشرة مع سائر الخلق كلام بعض الحكماء ألق صديقك وعدوك بوجه الرضى بغير ذلة لهم ولا هيبة منهم وترفع في غير كبر وتواضع من غير منزلة وكن في جميع أمورك وسطا فكلا طرفي الأمور ذميم و لا تنظر في عطفيك ولا تكثر الإلتفات و لا تقف على الجماعات وإذا جلست ولا تستوفز وتحفظ من شبيك أصابعك والعبث بلحيتك وتخليل أسنانك وادخال أبعك في انفك وكثرة بساقك وتنخمك وطرد الدباب عن وجهك وكرة التمطي والتثاوب في وجوه الناس وفي الصلاة وغيرها وليكن مجلسك هادئا وكلامك منظوما مرتبا وأصغ إلى الكلام الحسن ممن حذثك بغير إظهار تعجب مفرط منك ولا تسأله إعاذة ذلك واسكت عن المضاحكة والحكايات ولا تتحدث عن إعجابك لولدك (2/275)
صفحة 659
ولا سائر ما يخصك، ولا تتصنع تصنع المرأة في التزيين ولا تتبذذ تبذذ العبد في الرثة ولا تلح في الحاجات ولا تشفع أحدا على الظلم ولا تعلم أهلك وولدك فضلا عن غيرهم مقدار مالك فإنهم إن رأوه قليلا هنت عليهم وإن كان كثيرا لم تبلغ رضاهم وأخفهم في غير عنف ولا تهازل أمتك ولا عبدك فيسقط وقارك وإذا خاصمت وتوقر وتحفظ من جهلك وتجنب عجلتك وتفكر في حجتك ولا تكثر الإشارة بيدك ولا تكثر الإلتفات إلى من وراءك وإذا هدا غيضك فتكلم وإن قربك سلطان فكن منه على حد السنا وإذا استرسل إليك فلا تأمن انقالبه عليك وأرفق به رفقك بالصبي وكلمه بما يشتهيه ولا يحلمنك لطف الملك إن تدخل بينه وبين أهله وولده وحشمه وإن كنت لذلك مستحقا عنده فإن سقطت الداخل بين الملك وأهله سقطة لا تنعش وزلة لا تقال وإياك وصديق العافية فإنه أعداء الأعداء ولا تجعل مالك أكرم من عرضك فإذا دخلت مجلسا فالأدب البداءة بالتسليم وترك التخطي بمن جلس والجلوس حسث اتسع وحيث يكون أقرب إلى التواضع وأن تحيي بالسلام قرب منك عند الجلوس على الطريق وإن جلست فأدبه غض البصر ونصرة المظلوم وإعانه الملهوف وعون الضعيف وعون الضعيف وإرشاد الضال ورد السلام وإعطاء السائل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرتياد لموضع البساق ولا تبصق في وجه القبلة ولا عن يمينك ولا عن يسارك ولكن عند قدمك اليسرى ولا تجالس الملوك فإن فعلت فأدبه ترك الغيبة ومجانبة الكذب وصيانة السر وقلة الحوائج وتهذيب الألفاظ والاعراب في الخطاب والمذاكرة باخلاق الملوك وقلة المداعبة وكثرة الحذر منهم (2/276)
صفحة 660
وإن ظهرت المودة وأن لا تتجشا بحضرته ولا تتخلل بعد الأكل عنده وعلى الملك أن يحتمل كل شيء إلا إفشاء السر والقدح في الملك والتعرض للحرم ولا تجالس العامة فإن فعلت فالأدب ترك الخوض في حديثهم وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم والتغافل عما يجري في سوء ألفاظهم وقلت اللقاء لهم مع الحاجة إليهم وإياك أن تمازح لبيبا أو غير لبيب فإن اللبيب يحدق عليك والسفسه يجترفي عليك لأن المزاح يخرق الهيبة ويذهب ماء الوجه ويعقب الحقد ويذهب بحلاوة الود ويشين فقه الفضيلة ويجري السفيه ويسقط المنزلة عند الحكيم ويمقته المقتون وهو يميت القلب ويباعد عن الرب ويكسب الغفلة ويورث الزلة وبه تظلم السراير وتموت الخواطر وبه تكثر الذنوب والعيوب ومن ابتلى في مجلس بمزاح أو غلط فليذكر الله عند قيامه كما قال النبي - عليه السلام - من جلس فس مجلس فكثر فيه لغط فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمك أشهد أن لا إلاه إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ماكان في مجلسه والله أعلم.
وإياك وصحبة أكثر الناس فإنهم لا يقيلون عثرة ولا يغفرون زلة ولا يسترون عورة يحاسبون على النقير والقطمير ويحسدون على القليل والكثير ينتصفون ولا ينتصفون ويواخذون على الخطإ والنسيان ولا يغفرون يعيرون الإخوان على الإخوان بالنمائم والبهتان فصحبة أكثرهم خسران وقطيعهم رجحان إن رضوا فظاهرهم المطلق وإن سخطوا فباطنهم الحقن لا يومنون في حقنهم ولا يرجون في ملقهم ظاهرهم ثياب وباطنهم ذياب يقطعون بالظنون ويتغامزون وراك بالعيون ويتربصون بصديقهم من (2/277)
صفحة 661
الحسد ريب المنون يحصون عليك العثرات في صحبتهم ليواجهوك بها عند غضبهم ووحشتهم كما قال أبو سليمان الخطابي دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك فليس ذلك منهم مال ولا جمال إخوان العلالنية أعداء السريرة إذا ألقوك تملقوك وإذا غبت عنهم سلقوك من أتاك منهم كان عليك رقيبا وإذا خرج هنك كان عليك خطيبا أهل نفاق ونميمة وغل وخديعة ومن كلام غيره فلا تغتر باجتماعهم و لا تسكن إلى حسن ثنائهم في وجهك وإظهار مودتهم لك فإنك إذا طلبت حقيفة ذلك لم تجد في المائة واحد وربما لا تجده ولا تشك إليهم أحوالك فيكلكل الله إليهم ولا تطمع أن يكونوا لك في الغيب والسر كما كانوا في العلانية والجهر فذلك طمع كاذب وأنى تجذه وإذا سألت أحذا منهم حاجة فقضاها فهو أخ مستفاد وإن لم يقضها فلا تعاتبه فيصير عدوا يطول عليك مقاساته وإذا بلغك منهم غيبة أو رايت منهم شرا وما يسوءك فكل أمرهم إلى الله وأعوذ بالله من شرهم وكن فيهم سميعا لحضهم أصم عن باطلهم نطوفا بحقهم مموتا عن مساويهم فاجعل خطأهم إصابة واعوجاجهم استقامة وقبيحهم أحسنا ومنكرهم عرفا نا وخالطهم بجسمك وفارقهم بقلبك وعملك ولعلك تنجو من شرهم ويصفو لك بعض سرورهم ويسلم لك دينك إن صح يقينك وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
قال المؤلف قد جمعت في هذا الكتاب قواعد الفرائض الواجبات وواجب الحق وغير ذلك من الكبائر والموبقات والفضائل والادبيات فمن امتثل فرائضها بالكامل أدا واجب الحقوق المذكورة فيه من الأنفس والأموال واجتنب ماذكرنا فيه من الكبائر والأعمال وطهر قلبه وباطنه من غوائل الأثام وكسف لسانه عن الخوض في الأباطيل (2/278)
صفحة 662
وتواضع لله وأنصف من نفسه في كل حال وحاسب نفسه في لطيف الأموال رجليها وتاب إلى الله من صغر الخطايا وكبيرها ولا زم الاستغفار وذكر الموت في جميع الأحوال وحسن ظنه بالله ورضي به في جميع ما يجري عليه من المقادير وصبر على مصائب واحتسبها وكظم غيظه واستعمل العفو والإحسان إلى الناس وكف لسانه عن اعراضهم وخمص بطنه من أموالهم وخفف ظهره من أثقالهم وصان نفسه عن مخالطة الاشرار واستعمال الثوبة وافستغفار وسلم من البدعة والاصرار ودام على هذا حتى أتاه اليقين رجونا له السلامة والنجاة يوم الدين ودخول الجنة مع الذين مع أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبئين والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين فانشهد الله امرء أقرأ كتابي هذا وفهم مضمون ماأودعناه من علوم العبادات وما ضمناه من الحقوق والأدبيات أنه ألا اطلع فيه على خطإ أو زلل أن يحسن الظن بنا ويسد الخلل لأننا جمعناه من كتب مختلفة وذكرنا فيه بعض اختلاف علماء الأمة وضمناه جل مايلتزم الإنسان من الحقوق وعبادات الأبدان رغبه في ثواب من ألهمنا إلى تأليفه واعاننا على نصنبفه فلله الحمد على ممر السنين والأعوام والشكر مد الليالي والأيام والصلاة على خاتم الأنبياء سيدنا محمد وصحبه وسلم تسليما تسليما.
تم بعون الله وتوفيقه كتاب قواعد الإسلام
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. (2/279)
صفحة 663
[صفحة بيضاء] (2/280)
صفحة 664
فهارس
1/ فهرست التعاليق المهمة وأغلبها للمصحح.
2/ محتويات الكتاب. (2/281)
صفحة 665
[صفحة لم ترقن] (2/282)
صفحة 666
[صفحة لم ترقن] (2/283)
صفحة 667
[صفحة لم ترقن] (2/284)
صفحة 668
[فهرس لم يرقن] (2/285)
صفحة 669
[فهرس لم يرقن] (2/286)
صفحة 670
[فهرس لم يرقن] (2/287)
صفحة 671
[فهرس لم يرقن] (2/288)
صفحة 672
[فهرس لم يرقن] (2/289)
صفحة 673
[فهرس لم يرقن]
المطبعة العربية
نهج طالب أحمد – غرداية
جانفي 1977 – 1 - 1977
رقم: 2 (2/290)