صفحة 1
الكتاب: الإيضاح في الأحكام
المؤلف: أبو زكريا يحيى بن سعيد
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان.
تاريخ النشر: 1404هـ - 1984م
طبع: مطابع سجل العرب
[أربعة أجزاء]
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب الإيضاح في الأحكام
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
أبي زكريا يحيى بن سعيد
الجزء الأول
1404هـ - 1984م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب الإيضاح في الأحكام
تأليف
أبي زكريا يحيى بن سعيد
الجزء الأول
1404هـ - 1984م (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
(تقديم الكتاب)
الحمد لله أنزل الكتاب، وأحكم البيان، وشرع للناس سبيل الرشاد، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد المرسل رحمة للعالمين، والمبلغ لشرع الله الحكيم، اللهم صلي وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فيسرني أن أقدم كتاب (الإيضاح في الأحكام) تأليف الشيخ أبي زكريا يحيى بن سعيد، وقد قال الشيخ سالم بن محمد بن سليمان الحارثى في أول الكتاب «ولما عرف زمان المؤلف، والظاهر أنه من قدماء العلماء في القرن الخامس حسب ما فهمت من علماء ذلك العصر». والكتاب بدأه المؤلف بمقدمة من الحكام والقضاة وآدابهم تمهيدا للدراسة القضائية التي ضمنها كتابه. وقد استطاع بغزير علمه، وواسع اطلاعه، ودقة تفكيره، وطول بحثه، واستمرار مثابرته أن يتتبع أحكام القضاء في فروعها الاجتماعية والتجارية والزراعية وغيرها، وما يتعلق بالحكام والولاة والقضاة وما يجب عليهم في المواقف القضائية، وافترض المواقف المشهورة وغير المشهورة والمظنونة حتى المواقف بعيدة الاحتمال. ومن طريف مسائل القضاء التي عرضها هذه المسألة «ولو غصب بيضة فحضنها تحت دجاجة فخرجت منها دجاجة كانت عليه بيضة مثلها». */* (1/5)
صفحة 6
قال قوم: إذا غصب دجاجة فحضن عليها بيضة له فجاء فرخ فإنه لصاحب الدجاجة والله أعلم. وقد بين حكم الشرع الإسلامي في كل مسألة عرضها. وهذا يدلنا على أن المؤلف أراد أن يوضح للمسلمين حكم الله في كل مواقفهم حتى يكونوا على بينة من أمرهم، ويجدون ما يحتاجون إليه من أحكام في كل موقف يعرض لهم، فلا يقعون في محظور، ولا يعيشون في حرام، ولا يتصرفون تصرفا يندمون عليه. ونجده قد تتبع آراء الفقهاء في كل مسألة بالتعقيب والتحليل والترجيح حتى يصل إلى الصحيح المدعم بالأدلة المقنعة حتى يطمئن كل مسلم إلى صواب تصرفه في مواقفه. وأسلوب الكتاب سهل قريب التناول فقد أتى المؤلف بالأحكام القضائية في صورة أسئلة والرد عليها، وتفريعات الأسئلة وما يخصها من أحكام في أسلوب واضح، بألفاظ مألوفة للجميع مما يجعل استيعابه سهلا، ومعرفة الأحكام ميسورة. والمؤلف يمتاز بالأمانة العلمية في إثبات الآراء، وفي الوصول إلى الأحكام حتى لا يتحمل وزر المخطئ، ولا وزر القاضي الذي يصدر الأحكام من غير تأكد من صحة الدليل، فجاء الكتاب مرجعا شاملا للمشرعين، وموسوعة علمية في القضاء الإسلامي، وحجة للقضاء، ومدرسة للمتعلمين، فاستحق كل تقدير وإجلال، وشكر وثناء. وقد حافظت على طابع الكتاب في أسلوبه وعرض آرائه فلم أمس */* (1/6)
صفحة 7
إلا ما يحتاج إلى تعديل ضروري لتيسير الفهم، وتوضيح المعاني في الذهن ليسهل الاستيعاب. وقد وفقت وزارة التراث القومي والثقافة في سلطنة عمان كل التوفيق عندما اختارت هذا الكتاب للنشر فهو يبرز عالما من علماء عمان المتبحرين الذين أدوا أجل الخدمات للقضاء الإسلامي بهذا المؤلف الذي سيثري المكتبة الإسلامية، ويرفع علما علميا متكاملا من أعلام عمان الخالدة. والله أسأل أن يوفقنا جميعا إلى خدمة الإسلام والمسلمين، ويجعلنا من القارئين المنتفعين، وممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه سميع مجيب.
روى_ سلطنة عمان
المحقق محمد محمود اسماعيل
11من رمضان المعظم 1304 –ه ... 22من يونيو 1983 _م */* (1/7)
صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف: الحمد لله البديع، العلي الرفيع، المتفرد بالقدرة والملكوت، المتوحد بالعزة والجبروت، الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، الظاهر من غير اجتلاء، الباطن بغير خفاء، ذي الجلال والإكرام، والملك الذي لا يرام، والسؤدد والبقاء، والنور والضياء، المتفضل، ببذل الإعطاء، المجزل بسوابغ النعماء، الذي لا يدركه لمح ولا بصر، ولا يحصله وهم ولا فكر، ولا يحيط به حس ولا نظر، ولا يمثل له شخص ولا صور، لا شريك له في ملكه، ولا وزير له في حكمه، خلق الأشياء على مشيئته وإرادته، وابدعها بتدبيره وقدرته، فكانت على ما كونها مقدورات، وله جل اسمه معلومات، وهو لم يزل قادرا عليها، وعالما بما يوجد فيها، فدلت شواهدها وموجوداتها، ومتشاكلها ومتضاداتها، على أنه المبدع لفطرتها، والبرئ عن معانيها ومماثلتها، والمتعالى عن شبه أجناسها ودراك نواظرها، ومحسوساتها، مشاهدة بذلك في آثار صنعها، ناطقة بشواهد أعلامها، أعدل من شهادة الألسن، وأبين من نواظر الأعين، فسبحانه المتولى لإنشائها وتدبيرها، واختراعها وتصويرها، صنعة بالغة، وحكمة بالعدل بالغة. أحمده على نعمة الجسام، والآية العظام حمدا تستدير منه النعم، ويمترى همى القسم، وصلى الله على محمد نبي الرحمة، وولي النعمة، وغياث الأمة، الذي هدى إلى الحق، ومنَّ به على كافة الخلق، صلى الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتمها وأوفاها، وأعمها وأطيبها وأزكاها. */* (1/8)
صفحة 9
وبعد، فقد خلق الله تعالى الخلق، وجعل فيهم مزية الحلوم في الأحكام والعلوم هداية للعقول، وجعل أفضلها إذا ما أزلف لديه، وأزلف الجنة من يبتغي مرضاته، واجتناب حرماته. ولما كانت الأحكام في الدين قائدة، وعلى مناهج العلوم واردة، ولطلاب الفوائد زائدة، ولتشاجر العباد فاصلة، ولعامة الخلق منهل، وكانت الضرورات إلى علمها داعية، ولأهل زمتننا عانية، والآثار في بيانها دراسة، والسنن في أصولها طامسة، وابتلانى الله بمكابدتها، والفتح في مواردها ومعاناتها، أكثرت تكرير النظر، وإجالة الذكر، والفكر، في ما صنفه المتقدمون من علمائنا، واستعملت الحور في آثار سالفىفقهائنا، الذين هم مصابيح البلاد، وأنوار العباد، من صحائفهم، وآثارهم، وحججهم وأخبارهم إذ كانت لهم القواعد الحسنة الجمة، والهدايات الجزلة المفخمة، وهي صادرة من علوم رزينة، وأفهام حصينة، فرأيت أن أختار من كل أثر من العلماء السالفين والفقهاء المتقدمين ما خف على المتعلمين، ووضح مدرجه للسائلين، فربما ثقل على المتعلم ما يبتغيه من العلوم في الأحكام، وعدم بغيته من عوانى الأيام، فمثلت من كتبهم طريقا واضحا على بغيته، ومنهاجا لائحا إلى إرادته، وسميت هذا المجموع في العلم الذي يكتفى به المتعلم إذا وقف على معانيه، وتدبير بيان ما فيه (كتاب الإيضاح) لما ضمنته فيه من التفاسير والإفصاح، والله تعالى الموفق للتسديد، والهادي إلى دينه الرشيد، والمرجو في غفران الأود والزلل، والموفى لما أتخوفه من المعايب والخطل. */* (1/9)
صفحة 10
أدب القاضي
أول ما ينبغي لمن بُلى بالأحكام، والنظر في تشاجر الأنام، أن يحير نظره في آثار المسلمين، ويغمض فكره في أعماق السالفين، وليكن متثبتا حليما، متناقلا رحيما، متعاطفا سليما، وليسوّ بين القوي والضعيف، والوضيع والشريف، والرفيع والخفيض، والحبيب والبغيض، وليسوّ أيضا بين الخصمين في مجلسه وكلامه، وإشارته ومنظره. والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان». وقال بعض الفقهاء: لا يخرج الحاكم إلى مجلس الحكم وهو غضبان، وإن حدث له غضب وهو في مجلس الحكم فليرجع إلى منزله حتى يسكن غضبه، ولا يقضي وهو جائع ولا مهتم ولا كضيض من الطعام، وينبغي أن يكون وسطا من ذلك. وليكن مقصده لله تعالى في حكمه من غير أن يعبأ بكلام أحد من الناس، ولا يحتفل بالعواقب والباس، فقد قيل (إن ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجلهم شرك). وروى أن رجلا كان قاعدا على باب داود النبي صلى الله عليه وسلم فكلما خرج عليه رجل وجده راضيا عن داود فأعلم بذلك داود فقال له داود النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان غدا فاقعد على باب كذا (باب آخر) فقعد الرجل على ذلك الباب وكلما خرج أحد من هذا الباب وجده متوجعا من داود فقال: يا نبي الله، ما خرج على أحد من هذا الباب إلا وهو متوجع منك فقال له داود: */* (1/10)
صفحة 11
إن هذا الباب يخرج منه الذين أحكم لهم، والباب الآخر يخرج منه الذين أحكم عليهم، فالمحكوم له راض، والمحكوم عليه غير راض. وكان عمر بن عبد العزيز إذا جلس في مجلسه قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، استمسكت بعروة الله الوثقى التي لا انفصام لها، وتعززت بالله العزيز الحكيم، وتوكلت على الله رب العالمين، رب العرش العظيم، أرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانو يتمتعون ثم تمثل بقول عبد الأعلى:
تسر بما يبلى وتفرح بالمنى ... كما اغتر باللذات في النوم حالم
نهارك يا مغرور سهم وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم
وتشغل عما سوف تذكر غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم ... ولا أنت في النوام ناج فسالم
ثم يقول: كم مستقبل يوما وليس بمستكمله، ومنتظر غذا وليس من أهله، ولو رأيتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.*/* (1/11)
صفحة 12
قال أبو عبد الله: أول العلم الصمت، والثاني الاستماع، والثالث الحفظ، والرابع نشر. وقال الزهرى: ثلاث إذا كن في القاضي فليس بقاض: إذا كره اللوائم، وأحب المحامد، وكره العزل. وقال ابن موهب- وكان قاضيا لعمر ابن الخطاب على فلسطين-: إذا لم تكن في القاضي ثلاث خصال فليس بقاض: يشاور وإن كان عالما، ولا يسمع شكية أحد وليس معه خصمه، ويقضي إذا علم. */* (1/12)
صفحة 13
فصل (في معنى «القاضي»)
القاضي في اللغة: القاطع للأمور، المحكم لها، قال الله تعالى (فقضاهن سبع سموات) أي قطعهن وأحكمهن. والحاكم: المانع من الظلم، ومن سميت حكمة الدابة لأنه تمنه وتقومه. والقاضي الحاكم، والجميع القضاة، والقضية الحاكم، يقال عدل فيّ قضيته أي في حكمه. ويقال للحاكم الفتاح أيضا، يفتح بيننا أي يقضي بيننا، وهو الفتاح يقول القضاء، والفتح القضاء. وسمى الحاكم بذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم. وإنما قيل للقاضي حكم وحاكم لعقله وكمال أمره. ويقال: أحكمت الفرس فهو محكم، وحكمه فهو محكوم إذا جعلت له حكمة وهي الحديدة المستديرة في اللجام على حنك الفرس. ويقال: قد أحكمت الرجل إذا أردته عن رأيه. ويقال: يا فلان، احكم بعضهم عن بعض. */* (1/13)
صفحة 14
ويقال: أحكم الرجل إذا نتأها وعقل. والحاكم: المانع للناس من كل ما لا ينبغي لهم فيه، وقال عمرو بن كلثوم:
ونحن الحاكمون إذا أطعناه ... ونحن العارمون إذا عصيناه
والحاتم: القاضي، ومنه الحتم، والحتم إيجاب القضاء، قال أمية ابن أبي الصلت:
حباني ربنا وله حبرنا ... بكفيه المنايا والمحتوم
حبرنا أي عنونا. والحاتم: الغراب الأسود، ويقال هو غراب البنين، أحمر المنقار والرجلين. الخصم يكون واحدا وجماعة يقال: هم خصم وهو خصم، والجميع الخصماء والخصوم. والمخصومة مصدر، قال متمم:
ويوم إذا ما كضك الخصم ان تكن ... نصيرك منهم لاتكن أنت أضرعا */* (1/14)
صفحة 15
والتخاصم والخصام مصدر أيضا. يقال قمطرة عن الخليل قطمره. قال: وهي شبه سفط من قصب. وقمطرة الحكام يكون فيها كتبهم. ويروى: قمطرة وعاء يتخذ للحكام لكتبهم. والزمانة هي المرض المانع من التصرف والكسب والمجيء والذهاب. والشهادة على أربعة معان: يقال: شهد الرجل إذا حضر، وهو ضد الغيبة كما يقال: شهد فلان هذا الأمر وغاب فلان كقول الشاعر:
وشهدوا وغبنا عنهم فتحكموا ... فينا وليس كغايب من يشهد
وشهد إذا علم، منه قول الله (شهد الله) أي علم. وشهد بمعنى حلف، قال الشاعر:
شهدت فلم أكذب بأن محمدا ... رسول الذي فوق السموات من عل */* (1/15)
صفحة 16
وشهد بمعنى قال، وهذه هي الشهادة المعروفة، قال الله: (وما شهدنا إلا بما علمنا). وفي اشتقاق اسم السلطان قولان: أحدهما: سمى سلطانا لتسلطه. والآخر: سمى سلطانا لأنه حجة من حجج الله تعالى على خلقه. والسلطان عند العرب الحجة. */* (1/16)
صفحة 17
فصل (في ما لا يجوز للقضاة)
ومن ما يستقبح من القضات كذبهم الا أنه من كل قبيح من القضاة أقبح. ومن غير الكتاب أن الكذب قبيح، ومن القضات أقبح، والعلم مليح ومن الشاب أملح. ومن السنة لا يجلس القاضي أحدا من الخصماء قريبا منه ولا يساره، ولا يمازح أحدا. ولا يبقى القاضي وهو مريض لأن المريض يذهب ذهنه. ويكره للحكام أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر لما روى عن على أنه قال: نهانا رسول الله أن نضيف الخصم إلا ومعه خصمه. ولا يرفع الحاكم صوته على أحد الخصمين بما لا يرفعه على الآخر. ومن بعض الكتب قيل: كان القاضي إذا مات من بني إسرائيل جعل في أرخ أربعين سنة فإن تغير منه شيء علم أنه كان يجوز في حكمه، فمات بعض قضاتهم فجعل في أرخ فبينا القيم يقوم اذ أصابت المكنسة طرف أذنه فانفجرت صديدا فشق ذلك على بني اسرائيل فأوحى الله عز وجل إلى نبي من أنبيائهم: أن عبدي هذا لم يكن منه باس ولكنه استمع يوما */* (1/17)
صفحة 18
باحدى أذنيه من الخصم أكثر من ما استمع من الآخر فمن ثم فعلت به هذا. عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالقاضي يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أن لا يكون قضى بين اثنين في تمرة. قال مكحول: لو خيرت بين القضاء وبين بيت المال لاخترت القضاء، ولو خيرت بين ضرب عنقي وبين القضاء لاخترت ضرب عنقي. قال رجل لضرير: كيف أصبحت؟ قال: بخير إذا لم يجعلني الله قاضيا ولا صديقا لقاض. قيل: أول من قضى بالأرض آدم، قضى بين ابنيه هابيل وقابيل عندما رام قابيل التزويج بتوأمة نفسه دون توأمة هابيل لأنها كانت أحسن. وكان قضاؤه أن أمرهما أن يقربا قربانا على ما تلى علينا في القرآن. قال ابن عباس: كان اسم توأمة قابيل إقليما، وتوأمة هابيل لموذا. قال: وقابيل توأمته أول بطن ولدته حواء. انه سمع أبو هريرة يقول: بينما امرأتان معهما ابناهما فجاء الديب فذهب بابن أحديهما فقالت احداهما لصاحبتها: انما ذهب بابنك. */* (1/18)
صفحة 19
وقالت الأخرى انما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين لأقسمه فقالت الصغرى: لا تفعل-رحمك لله- هو ابنها فقضى به للصغرى. وفي خبر قال سليمان: هو لك خذيه–يعني للصغرى- حيث رأى رحمتها به. وفي حديث عمر أنه قال: وزع عنى بالدرهم والدرهمين أي نح عنى الخصوم في قدر الدرهم والدرهمين، أي ينظر في ذلك، ويقضي فيه بينهم وينوب عنى، فكل من كففته فقد وزعته، قال الراجز يذكر إبلا: إذا وزعت أن تركب كسرب بأركان. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر عمرو بن العاص أن يقضى بين قوم فقال عمرو له: أقضى يا رسول الله وأنت حاضر؟ فقال: اقض بينهم فإن أحسنت فلك عشر حسنات، وان أخطأت فلك حسنة واحدة، والله أعلم بصحة ذلك الوفاء. سهل بن بلال قال: سمعت عطاء الخرساني يقول: استقضى رجل من بني اسرائيل أربعين سنة فلما حضرته الوفاة قال: أراني هالكا في مرضي هذا، فإن هلكت فاحبسوني عندكم ثلاثة أيام فان رابكم مني شيء فلينادني رجل منكم فلما قضى الرجل جعلوه في تابوت فلما كان ثلاثة أيام اذا هم برائحة فنادى رجل منهم: يا فلان، ما هذه الريح فأذن له فتكلم فقال: وليت القضاء فيكم أربعين سنة فما رابني شيء إلا رجلان أتيانى وكان لي في أحدهما هوى، وكنت أسمع منه بأذني */* (1/19)
صفحة 20
التي تليه أكثر مما أسمع بالأخرى فهذه الريح منها ثم ضرب الله عز وجل على أذنيه فمات. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من والٍ يلي على اثنين إلا أتى به يوم القيامة حتى يوقف على جسر من جسور جهنم، فإن كان عادلا نحا والا انخسف به ذلك الجسر في جب أسود مظلم يهوي به سبعين خريفا معذبا. قيل: ان أصحاب الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ومؤمن متعفف متصدق ورحيم القلب لكل ذي قريب ومسلم. عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور، هم الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم. وقيل: أقضى بحق وعدلأحب إلى من أن أغزو في سبيل الله سنة. الحسن البصري قال: كان يقال: لأجر حاكم يوما أفضل من أجر رجل يصلي في بيته سبعين سنة أو ستين سنة. قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبو موسى الأشعري: أن القضاء في مواطن الحق من ما يوجب الله به الأجر، فمن خضعت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله، فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا. أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يوشك رجل يتمنى أنه خر من الثريا ولم يل من أمر الناس شيئا. */* (1/20)
صفحة 21
عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر، أراك ضعيفا، واني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تولين مال يتيم، ولا تأمرني على اثنين. عن أبي هريرة قال: ما من حاكم يحكم إلا جاء يوم القيامة وملك آخذ بقفاه ثم يرفع رأسه فان قال له: ألقه ألقاه في مهواه أربعين خريفا. في كتب الحديث: أن مسلما ويهوديا تحاكما إلى عمر بن الخطاب فرآى الحق لليهودي فقال اليهودي: ان الملكين جبريل وميكائيل على لسانك، أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فعلاه بالدرة قال: وما يدريك: لا أم لك؟ فقال: انهما مع كل قاض ما قضى بالحق، فإذا ترك الحق عرجا ووكلاه إلى شياطين الإنس والجن فقال عمر: انى أحسبه كما قال. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلين سألاه العمل وعنده أبو موسى. قال: وكأني أنظر إلى سواكه وهو تحت شفتيه ملصت أنا أو قال: لا نستعمل على عملنا من أراده. وعن أبي موسى قال: قدم عندي رجلان من الأشعريين فخطبا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذا يعرضان العمل فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ان أخوفكم عندي من يطلبه فعليكما بتقوى الله، فما استعان بهما على شيء. عائشة تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ولى منكم */* (1/21)
صفحة 22
عملا أو شيئا فأراد اللهبه خيرا جعل له وزير صدق ان نسى ذكره، وان ذكر أعانه، وإذا أراد الله به شرا جعل له وزير سوء ان ذكر لم يعنه، وان نسى لم يذكره. عن عبد الله بن أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار برئ الله منه، ولزنه الشيطان. أبو مريم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ولاه الله من أمر الناس شيئا فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عن حاجته. وقيل: لا يكون الحاكم حاكما حتى يكون إنصافه من ذيبه إذا أكل جاعدة غيره كإنصافه من ذيب غيره إذا أكل جاعدته، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عقل عليه القضاء بين اثنين وكأنما ذبح بغير سكين. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من ابتغى غير القضاء فاستعان عليه بالشفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده. وعنه أنه قال: لا تسأل الإمارة فانك ان أعطيتها عن مسألة وكلت عليها، وان أعطيتها بغير مسألة أعنت عليها. قيل: عزل عمر بن عبد العزيز قاضيا له فقال: لم عزلتني؟ فقال: بلغني أن كلامك أكثر من كلام الخصمين إذا تحاكما إليك. */* (1/22)
صفحة 23
باب (في الشهادة)
من كتاب أبي قحطان: وانما ينفذ الحاكم الحق بالقرار أو بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين. قال: ولا يحكم الحاكم بشهادة غير العدل من الرجال والنساء في الحكومات كلها على اختلافها وصنوفها من جميع الملل كلها إلا ما قد اختلف فيه من شهادة غير العدلة من النساء تشهد بالرضاع على فعل نخسها، وليس بالمعمول به اليوم إلا أن تكون عدلة. ويحكم بشهادة العدلين البالغين الحرين المسلمين أو رجل وامرأتين كذلك في جميع الحكومات كلها على جميع الملل كلما إلا في الزنا فإنه على ما فرض الله عز وجل من شهادة الأربعة العدول من الرجال ونساء معهم لأنه لا تجوز في الزنا شهادة النساء وحدهن ولا مع الرجال. ويحكم بشهادة الاثنين من الرجال على الإحصان، وبالمرأتين مع الرجل. ويحكم بشهادة النساء وحدهن في ما لا يمكن الرجال أن يشهدوا به من المحظور عليهم، ويجوز بينهم في ذلك شهادة امرأتين. وتجوز شهادة العدول من الرجال والنساء من كل أهل ملة على */* (1/23)
صفحة 24
ملتهم على ما يجوز من ذلك بين أهل الصلاة في جميع الحكومات ولا في ما عاد في معنى عليهم. وذلك مثل ما يرجع به المشهود عليه على أهل الصلاة لأنه لا يجب لها على أهل الصلاة شيء. وان اجتمع في الشهادة الواحدة ما يلزم معناه أهل الصلاة وأهل ملتهم كانت في ما يلزم أهل ملتهم جائزة، وغير جائزة في ما يلزم أهل الصلاة. وذلك مثل ما تقع به الشهادة الواحدة على الملى والمصلى أو يعود في المعنى عليهم في جميع الحكومات كلها. ولا تجوز الشهادة أهل الملة منهم على غيرها من أهل الملل. وكل شهادة ردها الحاكم لعلة من جميع العلل كلها التي ترد بها الشهادات لم يجز بعد ذلك إلا أن يكون ردها بجهله بعدالة الشاهد بها فقط ولو كان فرق الشاهد به الحكم مثل تفسير ما تجب به الحدود ونحو ذلك ثم يرجع إلى التبيين. وكل من احتمل شهادة ممن لا يجوز شهادته أن لو شهد بها في حال ما احتملها ثم أداها في حال تجوز شهادته بها فإنها جائزة. قال: روى عن أزهر أنه كان لا يقبل زيادة من الشاهد بعد أن يشهد بها في شهادته. وقال: يشهد الشاهد بما سمع ورآى من الحكام وغيرهم وان لم */* (1/24)
صفحة 25
يشهدوه ويشهد به الا أن يكون ذلك عن شاهد فإنه لا يشهد عن شاهد ما لم يشهده عن شهادته. ولا يقبل ذلك الحاكم الا أن يكون سمعه يشهد بها عند الحاكم فان له أن يشهد كما سمع، ويقبلها الحاكم. ولا تجوز شهادة على غيب لا يوصل إلى علمه في تعارف الناس ويخرج الشهادة بها. وذلك مثل الضرير يشهد على الزنا والسرق ونحوه. وأما ما شهد به من ما يستدل به بالأصوات عليه فإن شهادته عليه في ذلك لا تجوز ولا يخرجه. وتجوز شهادة الأعمى بما يشهد عليه بالخبر المشهور مثل النسب والموت والنكاح ونحو ذلك. وقال أبو عبد الله: لا تجوز شهادة الأعمى إلا في النسب. وكل شاهد شهد على غيب مشكوك ردت شهادته ولم يخرجه ذلك. وذلك مثل ما لا يوصلإلى علمه ويقطع عليه لم يجز ذلك مثل الشاهد يشهد بالشيء لغيره وأنه لم يهبه ولم يبعه، ومثل ذلك من الأحداث التي لا يحيط علمه بها، ولا يطلع عليها. ومثل: أن فلانا لم يضرب فلانا وقد غاب عنه، ولم يشتر مال فلان ولا ملك شيئا من المال، ولا ولى لفلانة، ويجوز ذلك. */* (1/25)
صفحة 26
ولا يرض الحاكم البينات غلى الغيوب في شهادتهم، ولا يدع الحضور، ولا يفحص الشهود عن تفسير ما شهدوا به لما عرفوا الحمل الذي يتعارف بين الناس الا في الحدود والجروح فان الحاكم يأخذهم بتفسيرها، فمن نكل عن التفسير لم يخرجه ذلك ولا المشهود عليه إذا تمت الشهادة في الحدود كلها، والقتل اذا اختلفت في الوقت أو المكان أو النوع الذي سرق أو زنا أو ضرب به لم تجر هذه الشهادة ولم يخرج الشاهد بها. واختلاف الشهادة في الوقت والمكان في الحقوق كلها والعتاق والطلاق والنكاح جائز الا أن تتنافى الشهادة. وذلك مثل أن يتفقا في الوقت ويختلفا في المكان. ويسقط الشهادة اختلافهما في النوع الذي شهد به الشاهد الا أن يكونا في النوع الذي شهد به الشاهد مثل ما اتفقا عليه مالا ينفيه ما اختلفا فيه فانه تجوز الشهادة لهما على ما اتفقا عليه. وذلك أن يشهد أحدهما بخمسمائة والآخر بألف فقد اتفقا في الخمسمائة. وكذلك ان اختلفا في الجروح فشهد أحدهما في الجرح أنه جانف وشهد الآخر أنه ملحم فقد اتفقا في الملحم لأنه لا يكون جانفا الا حتى يكون ملحما ويلزم فيه القصاص. ووجدت في بعض الكتب: أن الشاهدين اذا اختلفا في اللفظ واتفقا في المعنى جازت شهادتهما. */* (1/26)
صفحة 27
وقال قوم: لا تجوز شهادتهما الا حتى يتفقا ولا يختلفان في اللفظ ولا منعى والله أعلم بالأعدل من القولين. وكل شهادة وقعت بينهم على معان شتى يجوز في أخذها على الانفراد فهي جائزة في ما تجوز فيه، ومردودة في مالا تجوز فيه وان كانت شهادة واحدة الا أن تكون متنافية أو جارحة لنفسها بها. وذلك مثل الشاهد لابنته بطلاقها من زوجها جائزة في الفرقة ومردودة في الصداق. وكذلك في ما يأخذ به ولده القصاص تجوز، وغير جائزة في الدية وإن كانت الشهادة واحدة. والذي يخرج البينة بنفسها نحو الشاهدين على استكراه رجل لامرأة زان فلا تثبت شهادتهما لها بصداقها لآنهما قاذفان وعليهما الحد. وكل ولي يبصر الولاية والبراءة من الرجال. والنساء وان لم تجر شهادته تؤخذ عنه الولاية ولا تؤخذ عنه البراءة مثل المماليك وشهادة الزور ونحو ذلك، ويوجد عمن تولى ولا يحكم بتعديلهم. وقال الله تعالى (ولا تكتموا الشهادةومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم) وذلك مثل تنافي شهادتهما لأنفسهما حالا لا يجوز معهما شهادتهما. وذلك مثل أن يشهد لعبده أو لأمته أو لابنه، أو يشهد لوارث أو لأمته. */* (1/27)
صفحة 28
وكل من أسقط شهادته لحدث من جميع الأحداث كلها من ما توجب الحدود وغيرها ثم تاب وأصلح فإنه تجوز شهادته الا شاهد الزور الذي قد قطع بشهادته أموال الناس فإنه لا تجوز شهادته أبدا في نوع ما شهد به وفي غيره وان عزم وأدّى وتاب وأصلح. وترجع له الولاية إذا تاب، وذلك إذا حكم بشهادة الزور. وما لم يحكم بها ثم تاب قبلت. قال أبو بكر أحمد بن خالد: انه في بعض القول أن شاهد الزور اذا تاب وأصلح تجوز شهادته الا في النوع الذي شهد به. وكل شهادة لا يتم الحكم إلا بها كان فيها على المشهود له من أحد الشهود شهادة جازت عليه الا أن ترد ما شهد له به .. وذلك نحو الشاهدين لرجل بحق فشهد أحدهما أنه قبض منه كذا وكذا أو أقر معه به. وقال: شهادة المعارضة ساقطة غير مقبولة، ومن تنافى الشهادة به في الوقت والمكان في الجنايات والأموال. وذلك مثل الرجل تصح عليه البينة أنه قتل فلانا فأتى ببينة تشهد أنه كان في ذلك الوقت الذي أوجبت فيه البينة القتل للرجل معهم ببلد غير البلد الذي فيه القتيل. وكذلك في الأموال إذا ثبت أو المكان الذي قد ثبت، وكذلك في الحدود. */* (1/28)
صفحة 29
قالوا: والذي تجوز فيه الشهادة الواحد من الرجال والنساء إذا كانوا عدولا، العدلة من النساء في الرضاع عن نفسها، والرجل عن هلال شهر رمضان. ولا يجوز شهادة المرأة في الهلال وحدها. وقال غيره: يوجد عن أبي المؤثر أنه تجوز شهادة المرأة العدلة والأمة على هلال شهر رمضان إذا كانوا عدولا، وهذا المعنى ليس للفظ نفسه فينظر فيه وقف في المرأة. ولا شهادة على الشفع ولا ما يمنع من الفيئة في الإيلاء انما ذلك للحكم، ولا يجب به تحريم وقف في الإيلاء. وقال: انما تحفظ المعارضة في الجنايات والحدود ومن غير كتاب أبى قحطان، ومن جواب أبى الحواري. وعن رجل هو يعلم أنه يعمل المعاصي ولا يرتدع عن المحارم ويأتي إليه الناس يطلبون إليه أن يشهدوه بالشهادات على الحقوق في ما بينهم: فإذا شهد أجازوا شهادته وحكم بها أو لم يحكم بها، هل يجوز لهذا الرجل أن يشهد ولا إثم عليه أو ترك ذلك أفضل له وأسلم؟ فعلى ما وصفت فهذا أدعى إلى الشهادة وأجاب: فهو أفضل له، ويشهد بعلمه وقد أدى ما حمل من الشهادة ولا إثم عليه، وليس عليه أن يقول هو لا تقبل شهادة. والاجابة إلى الشهادة أفضل من التأخير عنها في المعانى التي تحدث بين الناس من البيوع والوصايا وبما يرى ويسمع. */* (1/29)
صفحة 30
وعن من دعى إلى شهادة فحضر المجلس وقد دعى أو حضر ولم يدع وأحب ألا يحمل الشهادة فوضع اصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع تلك الشهادة، هل يجوز له هذا؟ وان دعى إلى أن يؤدي الشهادة فقال: انى لم أسمع هذه الشهادة، هل يجوز له ولا إثم عليه أو هو آثم حتى يعلمهم أنه لا يحمل هذه الشهادة. فعلى ما وصفت فإن كان هذا الرجل قد دعى إلى الشهادة وحضر المجلس فان كان قد فعل ذلك وجعل اصبعيه في أذنيه ولم يسمع الشهادة فليس له أن يشهد ولا ذلك عليه. فإن كان قام بالشهادة غيره، وصح الحق بغيره فنرجو أنه قد نجا من الإثم، ولم يكن له أن يغر القوم. وان كان الحق قد بطل ولم يصح إذ لم يشهد هو بذلك فقد غر القوم وقد أثم في ما فعل، وما نبرئه من الإثم من قبل أمر الآخرة. فأما في الحكم في الدنيا فلا يحكم عليه بالغرم، وأخاف أن تكون منزلة هذا منزلة من كتم الشهادة. ولو كان لنا وليا ثم فعل هذا ما توليناه على ذلك الأمر بعد التوبة، ولا تصح توبته عندنا إلا بالغرم والله أعلم بالصواب. وان كان هذا الرجل في المجلس ولم يدع وكان في المجلس جماعة من الثلاثة فصاعدا ففعل ذلك لم يلزمه الذي ألزمنا الذي دعا إلى */* (1/30)
صفحة 31
الشهادة وان كان قد أساء في ذلك، وقد قصَّر فلا نقول إنه أثم في ذلك ولا غارم، ولا نترك ولايته تزول والله أعلم بالصواب. عن أبى الحوارى: وعن رجل دعى إلى شهادة فشرط على الذي يحمل له الشهادة: أنى أحمل هذه الشهادة على أنى إذا أردت حملتها لك، وان أردت لم أشهد لك بها، وليس لك على أن أشهد لك إلا أن أحب ذلك وإلا فلا شهادة لك عندي. فعلى ما وصفت فهذا شرط باطل إذا كان الحكم في البلد. وان كان الحكم في غير البلد الذي أشهد عليه فيه، وشرط عليهم أني لا أخرج بهذه الشهادة إلى بلد غير هذا البلد فان هذا شرط ثابت ولا إثم عليه في ذلك إن شاء الله. وان أداها في القريب والبعيد كان أفضل وأسلم. وسألته عن شهادته الرجل من الورثة على الميت. قال: يدخل في نصيبه. ومن غيره: وعن إمام كانت معه شهادة لرجل فإنه لا يقضى شهادته ولو شهد بما شاهد آخر، ولكن يقوم بها الإمام عند القاضي. وإن كانت عند القاضي شهادة لرجل قام بشهادته عند الإمام ولم يقض لشهادته. */* (1/31)
صفحة 32
وإما يقضي الإمام أو القاضي بشهادته مع رجل شاهد معه فلا. وعن شاهد شهد بشهادة فقال: المشهود عليه: عندي بينة بخلعه، وأحضر شاهدا يخلعه، وأحضر شاهدا آخر أنه يكسر مياه الناس: فرأى أبو على –رحمه الله- خلعه. وعن رجل أسلف لرجل بجراب من تمر: هل يسعه أن يشهد له ولا يعلم أنه هو الذي أسلفه: قال محمد بن هشام: لا يسعه حتى يعلم أنه هو الذي أسلفه. ومن غيره قال: وقد قيل ان شهد على ذلك جازت شهادته. وان شهد أنه هو الذي أسلفه لم تجز شهادته. وقد قيل: انه إن شهد بذلك ما لم يبحث عن ذلك وسئل فلا يكتم بعد السؤال. وعن أبى عبد الله –رحمه الله-: وعن رجل أشهد قوما وكتبوا شهاداتهم في كتاب ودفعوها إلى رجل منهم أو من غيرهم ثقة عندهم واؤتمن عليها ثم طلبت إليهم الشهادة فأتاهم الرجل بالكتاب وقد غاب عنهم علم معرفة بعض الشهادة ثم نظروا الكتاب فلم يعلموا جملة ما فيه، ولم يشهدوا بجملة ما في كتابهم. */* (1/32)
صفحة 33
قال: لا يشهدوا حتى يحفظوا الشهادة كلها إلا أن يشهد مع الأمين شاهد آخر ويكون عدلين. وقد قيل: يجوز له أن يشهد إذا كان الكتاب عند ثقة. وقال قوم: يجوز له أن يشهد إذا عرف خطة ولو كان عند غير ثقة. وقال قوم: لا يشهد، كان عند ثقة ولا غير ثقة حتى يحفظ الشهادة أو يذكرها. فالذي بلغنا عن محمد بن محبوب: أن ليس للشاهد أن يشهد حتى يحفظ شهادته حرفا حرفا ولو كان الكتاب في يد ثقة والله أعلم. وقلت: ان قال الشاهد: إنه لا يحفظ الشهادة، وقال: إنه شهد على ما في هذا الكتاب فأعطى المشهود عليه الحق من نفسه خوفا من الشهادة، هل يسع الشاهد ذلك لأنه لا يدري لعل الرجل أقر بالحق خوفا من الشهادة؟ فإن لم يكن الشاهد يشهد بها مع الحاكم، وحكم الحاكم على الرجل بالحق لصاحبه فليس على الشاهد بأس ان شاء الله، ولا غرم عليه ولا إثم إن شاء الله حتى يشهد بشهادة لا يحفظها، ويحكم الحاكم بشهادته فعند ذلك على مثل هذا الذي وصفت فلا إثم على الشاهد إن شاء الله. وعن شهادة الأعمى إذا عرف الصوت والكلام وينكر صاحب الحق */* (1/33)
صفحة 34
وقال أعمى: أدخلوه في مائة رجل أو أكثر ويتكلمون جميعا فإن لم أعرفه خاصة فأنا أكذب. قال: تجوز شهادته وحده. وقال أبو عبد الله: إنما تجوز شهادة وكيل اليتيم على غير فعله، ولا تجوز شهادته على فعله، تقدم إلى الحاكم أو لم يتقدم. وتجوز شهادته على غير فعله ولو لم يتقدم إلى الحاكم. ومن جواب أبى الحواري: وعن رجل أمره يدفع إليك كتابا فيقول لك: اشهد على بما في هذا الكتاب ولا يشهد عليه إلا بعد موته، هل يجوز ذلك إذا كان الرجل أميا أو قارئا؟ فعلى ما وصفت فإذا كان الرجل ممن يكتب ويقرأ فقال لك: إنه كتب هذا الكتاب بيده وقرأه وأمرك أن تشهد عليه بما فيه فجائز لك. وبلغنا عن محمد بن محبوب –رحمه الله- أنه قال: إذا دفعه إليك مختوما وقال: إنه كتب هذا الكتاب بيده وأمرك أن تشهد عليه بما فيه فجائز. وأما غير محمد بن محبوب فلم يسم بالختم فإن كان قال: قد قرئ عليه هذا الكتاب ولم يقل: إنه قرأه هو بنفسه لم تجز الشهادة على ذلك، كاتبا أو أميا. وأما الأمي فلا يشهد عليه إذا قال له أن يشهد عليه بما في هذا الكتاب حتى يقرأ الكتاب عليه ويسمعه الشاهد، ويقول المشهود عليه: */* (1/34)
صفحة 35
أنه قد سمع ما في هذا الكتاب إذا كان الشاهد حاضرا لقراءة الكتاب عليه. وأما قوله (يشهد عليه بعد موته) فإذا طلب الشاهد الشهادة كان عليه أن يؤدي الشهادة في حياته وبعد موته إذا كان كما وصفت لك من الأمي والكتاب وعن من شهد شهادة فيكون اللفظ الذي يشهد به بالأمس ويرجع فيقول بالغد، إني ذكرت كلمة كذا وكذا، وأتوهم أني زدت كلمة كذا وكذا فيزيد الحرف وينقص الحرف على نحو هذه المرة والمرتين والثلاث. فعلى ما وصفت فمادام يزيد في شهادته وينقص منها فذلك مقبول منه ما لم يقع الحكم. فإذا وقع الحكم لم يقبل له من بعد ذلك زيادة ولا نقصان، وكان الحكم بآخر ما شهد به. روى عن أبي هريرة: أنه كان لا يقبل زيادة من الشاهد بعد أن يشهد بها في شهادته. وعن رجل شهد معه ثقتان غير وليين أن ماله من موضع كذا وكذا هو لفلان عليه أن يصدقهما ويدع ماله أملا. فعلى ما وصفت فإذا كانا عدلين في دينهما كان عليه أن يدع هذا المال على قول بعض الفقهاء. قال من قال: لا تقبل شهادة قومنا على درهم ولو كان الحسن وابن سيرين. */* (1/35)
صفحة 36
ومنه أيضا: وعن من شهد بشهادة ثم تبين له بعد أن حكم بشهادته أنه أخطأ وغلط في شيء من لفظها وقد مات المحكوم له والمحكوم عليه، ما يلزمه من ذلك؟ فعلى ما وصفت فإذا كان الخطأ والغلط ما قد حكم به فعليه الغرم لمن حكم عليه بغلطه أو خطئه، وإنما الغرم على هذا في ماله. فإن كان الذي قد حكم عليه قد مات غرم ذلك لورثته، ولا توبة له إلا بذلك. وإنما يغرم هذا الشاهد إذا كان هذا الخطأ والغلطبقدر ما يقع عليه إن كان معه ثان فعليه النصف، وان كان معه ثلاثة فعليه بقدر ذلك. ومن غيره: وقد قيل: تجوز توبته إذا أحله صاحب الحق ولو لم يغرم. وفي من كان عنده صك فيه حق على رجل لزوجته مكتوب في الصك أن عليه لزوجته مائة نخلة وألف درهم وجارية، فإذا نظر إلى الصك لم يُقم الشهادة حرفا حرفا وشك فيها غير أنه يحفظ أنه قد كان عند التزويج قال للرجل الذي الحق: نشهد عليه في ما في هذا الكتاب؟ قال: نعم، كان الصك عنده أو قد زالت إلى غيره إلا أنه إذا نظر الصك فهو يحفظ الذي عليه الحق قد قال: نعم اشهد على بما في هذا الكتاب، وذلك عند التزويج. فعلى ما وصفت فالذي بلغنا عن محمد بن محبوب –رحمه الله- أنه قال: لا يشهد على ما في هذا الكتاب حتى يحفظها حرفا حرفا، وهو قولها، كانت عنده أو قد زالت إلى غيره. */* (1/36)
صفحة 37
فصل (في الشهود الذين يشهدون على الشهادة)
وقال من قال في الشهود الذين يشهدون على الشهادة: لا تكتب شهادته إلا على رأيهم. وقال من قال: يجوز ذلك لأن الكتاب ليس بحجة لهم ولا عليهم فليس كتاب هذا ملزما لهم القيام بالشهادة إلا ما علموا من ذلك. وقيل: لا تجوز شهادة على شهادة في الحدود، ويجوز في الدين. وقال بعض الناس: لا يجوز لمن لا يعرف أن يشهد على من لا يعرف، ولا يشهد على من لا يعرف. وقال آخرون: إذا حضر الأمر الذي ينفذ فيه الى الوالي فلا يثبت هذه. وان كان ذلك الأمر لم يحضره بينه وبين ذلك شهرة أو أكثر فلا بأس أن يتعرف. عن حسن قال: يكره أن يشهد الرجل على الذي لا يعرفه إلا أن يكون معه رجلان يعرفانه، فإذا دعى لتلك الشهادة يقول: شهد عندي فلان وفلان أنه فلان بعينه. قال: جاء رجل يشهد عند شريح قال: أشهد أن هذا أشهدني على كذا وكذا وأنه فاجر. */* (1/37)
صفحة 38
فقال شريح: ما يدريك أنه فاجر؟ قم فلا شهادة لك، وبه نأخذ. واذا شهد رجلان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا وهما يعلمان أنهما شهدا على الزور فقضى القاضي بشهادتهما. قال أصحاب الرأي: ان شاء أحد الشاهدين أن يتزوجها فعل. ونحن نقول: حرم الله عليه أن يتزوجها. وكذلك لو شهدا على رجل أنه أعتق جاريته فلانه فقضى القاضي بذلك كان لأي الشاهدين ان شاء أن يتزوجها. ونحن نقول: حرام عليه أن يتزوجها لأنه يعلم أنها مملوكة لسيدها. قال غيره: الذي معناه أن القول الآخر هو الصواب، والقول الأول هو الخطأ لأنه مخالف للكتاب والسنة وإذا شهد للرجل ثلاثة نفر فشهد له واحد بثلاثين، وشهد له آخر بعشرين، وشهد له آخر بعشرة يدعي ثلاثين فإني أحكم بالعشرين لأن العشرين والعشرة داخلة في الثلاثين. ولو ادعى الطالب العشرين لحكمت له بالعشرة لآنه قد أكذب الذي شهد له بثلاثين. قال أبو حفص الخرساني في رجل ذبح رجلا ثم دخل في مسجد فيه نفر فلم يعلم أي القوم قتله فان حكم القوم الوقوف. */* (1/38)
صفحة 39
فإن شهد اثنان منهم على واحد أنه قتل لم تجز شهادتهما إلا ان يشهد معهما شاهد آخر فيكون يعلم أن أحدهما برئ من قتل الرجل لا شك فيه فتجوز شهادته، أو يشهد منهم ثلاثة فتجوز شهادتهم. وقال قوم: انهم على ولايتهم لأنهم بمنزلة المتلاعنين. وقد قيل في شهادة المتلاعنين باختلاف: فقال من قال: إن شهدا جميعا في شهادة كانت شهادتهما شهادة امرأة إلا أن يكون مع الرجل في تلك الشهادة امرأتان أو رجل ويكون مع المرأة رجل غيره وامرأة أخرى. وقال من قال: إذا شهد شهادة جميعا كانت شهادتهما شهادة امرأة، وأقيمت شهادة امرأة حتى لا يشك في ذلك. وغن شهد كل واحد منهما بشهادة على الانفراد لأنه لا يجوز إبطال الحق الذي شهد به لموضع ما لا يصح فيه باطل الشهادة لأنهما قد كانت لهما ولاية. وذلك على مذهب من يقول بولايتهما. وعن أبي زياد: وهل تجوز شهادة الملاعن؟ قال: لا تجوز. وكان أبو هريرة لا يجوز شهادة أصحاب الخمر. وسئل قتادة عن شهادة المصرفي فقال: لا تجوز. */* (1/39)
صفحة 40
ومن كتاب محمد بن جعفر: وإذا شهد رجلان عند الحاكم عن شهادة رجلين غائبين وقضى القاضي بشهادتهما ثم قدم الأولان فرجعا عن شهادتهما كأنهما أنكراها وقد حكم الحاكم فليمض الحاكم شهادتهما. وإن قالا: قد أشهدناها ولكنا قد رجعنا عن شهادتنا فليمض الحاكم شهادتهما، وليمض الأولين اللذين قالا (قد رجعنا عن شهادتنا) جميع الحق وليس على الآخرين شيء. وان رجع الآخران ومضى الأولان على شهادتهما ولم يرجعا عنها فلا يغرم الآخران لأن الأولين قد أثبتا على شهادتهما. وقال من قال: فان أنكر الأولان أنهما لم يشهدا الآخرين بهذه الشهادة ولا علماها، وأقر بذلك الآخران ورجعا عن شهادتهما فضمان ذلك كله على الآخرين. وأما ان رجع المعدل عن تعديل البينة بعد الحكم فقد قيل: تنتقض القضية ولا غرم في ذلك على أحد. ومن غيره: قال أبو المؤثر: غذا مضت القضية فلا أرى رجوع المعدل للشهود ينقضها، ولا أغرمه ولا أغرم أحدا. ولكن ان علم المعدل أنه اعتمد التعديل من لا عدل له فليتق اللهوليغرم للمشهود عليه ما أتلف من ماله. وكذلك ان كان الشاهد عبدا أو مشركا ولم يعلم الحاكم حتى حكم انتقضت تلك القضية. */* (1/40)
صفحة 41
وكذلك ان كان شاهد زور، أو كان والد المشهود له، أو شريكا في ذلك المال. وتجوز شهادة الشاهدين عن شهادة المرأة الحاضرة والمريض والإمام والقاضي، وذلك إذا شهد الشاهدان أن فلانا أشهدنا على شهادته وهو مريض لا يقدر أن يصل إلى ذلك الحاكم من المرض، فإن الحاكم يجيز شهادتهما. وإن قالا: أشهدنا بهذه الشهادة وقالا: انه مريض فإن الحاكم يسألهما عن حالته التي نظراه فيها فان المريض لا يخفى وعلامته الحمى وما يظهر على البدن من الجراحات وعلامات الأمراض. ومن ذلك ما يكون غامضا فيظهر منه غبار في وجه المريض وبدنه. ومنهم من تكون فيه العلة الحقيقية التي قد شهرت وعرف بها. فاذا شهد شاهدان: أنه محتبس وقالا: انه مريض، وشرحا شيئا من هذه العلامات قبل ذلك الحاكم وأجاز شهادتهما لأن اللهلا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يعلم ما عند المريض إلا الله. ثم هو وإن شهد شاهدان أنهما دخلا على هذا الذي شهدا عن شهادته وهو نائم أو قاعد في منزله، وقال لهما: إنه حدثت به علة من مرض في قلبه أو بطنه أو مذاكره أو غرزه في جنبه أو مرض غامض في شيء من جوارحه لا يمكنه أن يبلغ إلى الحاكم، ثم أشهدهما على شهادته، وشهدا بذلك مع الحاكم ولم يكن معهما من العلم أكثر مما قال لهما به من علنه وأشهدهما به من شهادته، وأحَب إلينا أن يقبل الحاكم شهادتهما، ولا يبطل حقا قد صح معه إلا أن يجئ الخصم */* (1/41)
صفحة 42
بشاهدي عدل يشهدان أنما نظراه من بعد صحيحا يجئ ويذهب، أو في حال يعرف بها الأصحاء من بعد أن أشهد هذين الشاهدين بهذهالشهادة فانا نحب أن يقف الحاكم عن إنقاذ شهادتهما حتى يعرف حاله من بعد لأنه قيل: اذا شهد شاهد عن مريض أو غائب ثم قدم الغائب أو صح المريض من قبل أن يحكم الحاكم بشهادته فان على الخصم أن يجئ به حتى يشهد عن نفسه. وقيل أيضا: لا تجوز شهادة من صح أنه ينسب الى غير قومه، أو يدعي العربية وهو مولى. وتجوز شهادة الشاهد غذا سمع رجلا يشهد عن نفسه وان لم يشهد هو. وقيل: كان رجل يقال له جيفر بن عبد الله دعا شاهدين ليشهدهما لبنيه بصداق والدتهما ويقضيهم من ماله فقال للشاهدين سرا عن بنيه: إن هؤلاء قد آذوني وأريد أن أقضيهم فلا تشهدوا على بما أشهدكم به لهم، ثم أشهدهما بمحضر منهم أنه قد قضاهم موضع كذا وكذا من ماله بصداق أمهم ثم رجع وصرح بما قال للشهدين سرا: فرآى أبو عبد الله الشهادة ثابتة عليه ولم ينفعه ما كان بمسر إليها يشهدا عليه. ومن غيره: سألت أبا عبد الله عن رجل غريب نزل بين ظهراني قوم فأقام عندهم ما شاء الله وعرفوه بخير تجوز شهادته عندهم، وهو يقول أنه حر أو لا يقول ذلك لهم، فشهد بشهادة مع الحاكم */* (1/42)
صفحة 43
وحكم بشهادته، وسلم المال الذي شهد به مع عدل عنده لا من شهدا له، ثم جاء رجل استحقه أنه عبده، وأقام على ذلك شاهدي عدل: كيف الحكم في ما سلمه الحاكم بشهادته؟ قد قيل: ينتقض ذلك الحكم، ويرجع المحكوم عليه يأخذ ذلك المال من يد مَنْ حكم له بشهادته. قلت: فان كان ذلك المال قد تلف من يد المحكوم له. قال: فيأخذ منه مثله يوم صار في يده بالحكم. قلت: فان شهد لغلاملرجل فسلمه إليه الحاكم فأعتقه فذهب فلم يقدر عليه. قال: يرد عليه مثله يوم أخذه بالحكم. قلت: فان شهد على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا ففرق الحاكم بينهما وتزوجت زوجا غيره. قال: يفرق بينهما وبين الزوج الآخر، وتأخذ منه صداقها كاملا بوطئه إياها. فان لم يكن وطئها، ولا نظر إلى فرجها ولا مسه من تحت الثوب فليس لها شيء. وإن كان وطئها اعتدت منه. فإن انقضت عدتها كان للأول أن يرجع إليها بغير زوجية. */* (1/43)
صفحة 44
قلت: فان كان رجل تزوج امرأة بشهادة، وأشهد على رجعة امرأة له كان طلقها ثم وطأها، أيفرق بينهما؟ قال: نعم. فان شهد على رجل أنه قتل مع شاهد عدل غيره فأقاده الحاكم لأولياء المقتول ثم صح أنه عبد، كيف الحكم؟ قال: يلزم القاتل بالقود الدية لورثته الذي قتله بالقود. قلت: ولا قود عليه. قال: ما أوجب عليه القود. قلت: فهذه دية خطأ. قال: لا يلزم عاقلته منها شيء. قلت: فان كان تزوج امرأة أخرى وهو يقول أنه حر، أيلزمه صداقها في رقبته؟ قال: لا. */* (1/44)
صفحة 45
باب (في اتفاق الشهادة)
من غير كتاب جامع ابن جعفر: وعن رجل جرح رجلا فأنكر الجارح فأحضر المجروح شاهدين، شهد أحدهما بالمعاينة أنه رآه جرحه، وشهد الآخر بإقرار الجارح أنه جرحه. سألت: هل تكون هذه الشهادة تامة؟ فاني أرى هذه الشهادة متفقة. ومن غيره: وقد قيل: إنها غير متفقة في كل وجه. وان كانت في ما فيه الدية ولا قصاص فيه فهي متفقة. وعن رجل ادعى على رجل أنه باع له بعيرا بمائة درهم فأنكر المدعى عليه فأحضر مشاهدين، شهد أحدهما بالمبايعة بمائة درهم، وشهد الثاني بإقرار المدعى عليه البيع أنه اشترى بعيرا بمائة درهم، أقر عنده بذلك، فهذه عندنا شهادة متفقة. ونحكم باتفاق الشهادة من الشاهدين على الحق. قال غيره: إنها غير متفقة. */* (1/45)
صفحة 46
وعن أبي عبد الله قلت: هل على الحاكم أن يسأل الشاهد إذا شهد على رجل بشهادة في المرض: أكان ثابت العقل؟ فقال: نعم يسأله عن ذلك. وقلت: فإن قال الشاهد: قد كان في شدة غير أني لم أعلم أنه ذاهب العقل: فإذا كان يعرفه بصحة العقل من قبل ثم شهد، وشهد انه لا يعلم في عقله تغييرا فهذه شهادة جائزة. وعن الشاهد يشهد مع الحاكم بشهادة فيعدل ثم تطول المنازعة إلى كم يرد الحكام السؤال عن الشهادة؟ فإذا لم يصح له الحكم من بعد ان يصح معه تعديله بستة أشهر فليعد المسألة عنه. وحفظ الوضاح بن عقبة عن شاهد شهد أن محمد بن محبوب باع هذا المنزل، وشهد شاهد أن محمد بن محبوب أقر بهذا المنزل للوضاح فقالوا: قد اتفقت شهادتهما. وحفظ محمد بن محبوب عن موسى بن علي: شهد شاهد عليه أنه أعطى منزله رجلا فأحرز، أو عطية ما لا يكون فيها إحراز، وشهد آخر أن المشهود عليه أقر أن منزله لفلان للرجل الذي شهد له بالعطية. فقال موسى بن على: قد اتفقت شهادتهما. */* (1/46)
صفحة 47
زمن غيره: قد اختلف أهل العلم في اتفاق الشهادات بوجوب الحكم: فقال من قال: لا يكون اتفاق الشهادات إلا باتفاق الألفاظ من الشهود. وقال من قال: إذا اتفقت المعاني التي بينت لها الحكم ولو اختلف الألفاظ فقد اتفقت الشهادات. */* (1/47)
صفحة 48
فصل (في ما يجب على الشهود)
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذين يبدؤون شهادتهم من غير أن يسألوا عنها. وقال بعض الفقهاء: السماع شهادة. ولو قال المقر: لا تشهد على فعليه أن يشهد عليه بما سمع. وللرجل ألا يشهد إذا وجد غيره، فإذا اضطر إليه ولم يجد من يثق به غيره فلابد من أن يشهد. وإذا شهد فليقم بالشهادة على من كانت عليه من أب أو ابن أو غير ذلك. كذلك قال الله (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو علة أنفسكم أو الوالدين والأقربين). فلا يحل لأحد أن يكتم شهادة عنده إذا دعى إليها، بل عليه أن يقوم بها على من كانت. قال أبو عبد الله محمد بن محبوب في رجلين شريكين، شهد أحدهما لصاحبه بشيء في شركة. */* (1/48)
صفحة 49
قال: تجوز شهادته إذا كان عدلا إلا يشهد بشيء مشاع بينهما فلا تجوز شهادته. ومن غيره: قال: وقد قيل أتجوز شهادته. عن غزان بن الصقر: وعن حاكم ادعت عنده امرأة أنه لا ولي لها فأحضرته شاهدين شهدا بذلك فزوجها الحاكم ولم يسأل عن عدالة شاهديها، ثم صح لها ولي بعد أن دخل بها زوجها. أيفرق بينهما أو نكاحهما جائز؟ فقال: فان الحاكم قد حكم بغير الحق وترك السنة في ذلك. وقد يجيز بعض الناس في هذا القول من بعد الدخول. ولو فرق بينهما لكان نكاحهما أهلا لذلك. هذه المسألة عن عزان بن الصقر. قال الفضل بن الحواري في رجلين بينهما أمة، شهد كل واحد منهما أنها من النسب. قال: لا تقبل شهادة أحدهما على الآخر حتى يشهد على ذلك شاهد آخر مع أحدهما أو يكونا عدلين. وعن أبي عبد الله عن رجل شهدت عليه أربعة شهداء بالزنا، وشهد على الأربعة أربعة أنهم زناة، وشهد على الأربعة أيضا أربعة أنهم زناة. */* (1/49)
صفحة 50
قال: قد قال من المسلمين: ان شهادة الأولين اذا كانوا عدولا قبلت شهادتهم، وأقيم الحد على الذي عليه، وسقطت شهادة الباقين. وقال آخرون: ان عدلت الشهود كلهم فان شهادة الأربعة الآخرين تجوز على الأربعة الذين أعلى منهم، وتقام عليهم الحدود، وتسقط شهادتهم على الذين شهدوا عليهم، وتثبت شهادة الأعلين على الرجل، ويقام عليه الحد. وكأنه استحسن هذا القول. قال موسى بن على في شاهدين شهدا مع الحاكم أن فلانة امرأة بالغ قد بلغت مبالغ النساء، وأمر الحاكم بتزويجها، فلما دخل بها زوجها غيرت غيرت ورفعت فاستبان أمرها أنها غير بالغ فانتظر بها البلوغ وبلغت، وكرهت الزوج وقد باشرها فلزمه صداقها، وطلب إلى الشاهدين الحق فلا نبعدهما عن غرامة الصداق. قال أبو المؤثر: إلا أن يكون علم ذلك وانما استشهدهما فلا غرم عليهما والغرم عليه. قال الفضل بن الحواري في رجل أقام البينة أن هذا استأجر شهوده هو لا يشهدون له بكذا وكذا زورا. قال: أقبل ذلك، وأطرح شهادتهم. وقال محمد بن محبوب: شهادة الأعمى في الولاية تجري مجرى شهادته في غير الولاية. وقد قيل: تجوز شهادته في الولاية ولا بقوله من رفع ولايته. */* (1/50)
صفحة 51
وقال: إذا شهد شاهدا عدل على قوم أنهم سرقوا شيئا هو وهم من بعد ما تاب وأصلح لم تجز شهادتهما. ومن غير: قال: نعم، لأنهما يشهدان على فعلهما، ولكن يجوز اقرارهما على أنفسهما في ما يقران به من ذلك. واختلف في الشهادة على الصوم والإفطار: فقال من قال: تجوز شهادة واحد على الصوم ولا تجوز على الإفطار. وقال من قال: تجوز شهادته في الصوم. وقال من قال: لا تجوز شهادته في الصوم ولا في الإفطار، ولا يجوز في ذلك إلا اثنين عدلين. ومن غيره: سئل أبو محمد في شاهدين شهدا على آخرين هالكين أن فلانا مات وأخذ الوارث المال، وذهب الوارث ومات، ثم قدم الرجل وماله قد ذهب؟ أيكون على الشاهدين الحيين غرم؟ قال: لا غرم عليهما لأنهما شهدا غيرهما. قيل: فان شهدا على رجل هالك أن فلانا أقر عندنا أن هذا وارثه ولم يصح له وارث غيره فدفع إليه المال ثم صح له وارث وقد أذهب المال، هل عليهما غرم؟ قال: لا غرم عليهما لأنهما شهدا إقرار الهالك. وعن امرأة نعى إليها زوجها فقامت بذلك ببينة أنه مات، واعتدت عدة المتوفى عنها زوجها فتزوجت، ثم جاء من بعد ذلك آخرون أكثر */* (1/51)
صفحة 52
من الذين شهدوا وأن زوجها لم يمت إذ ذلك، ولكنه أقبل إليها فلها كان في مسير عشر ليال مات؟ هل ترثه؟ قال: نعم. ومن غيره قد قيل: إذا صح موته بالبينة العادلة وتزوجت فلا تقبل عليه شهادة على حياته، قل الشهود أو أكثروا إلا أن يقدم أو يصح بالعيان. فغذا صح ذلك بعيانه هو فأقبل بنفسه فقد صح باطل ما شهد به الشهود، ويفرق بينهما وبين الزوج الآخر، وهؤلاء الذين شهدوا على موته شهدوا زورا، عليهم غرم ما أتلفوا من المال بشهادتهم. وعن أبي عبد الله: وسألته عن رجل حضرته الوفاة فأشهد شاهدي عدل أن عليه لزوجته ألف درهم ولم يسم اسمها ولا اسم أبيها، ولا عرفهما إياها، وله زوجة قائمة، وله مطلقة قد كانت زوجته، وكانت له امرأة أخرى قد ماتت من قبل هذه الشهادة. قال: مطلقته ليست له بامرأة بعد الموت فلا شيء لها في الألف درهم، وهي لزوجته التي في حياته. قال أبو عبد الله في شاهدين شهدا أن فلانا الحاكم حكم على فلان بألف درهم لفلان، وقال ذلك الحاكم: بل حكمت له بألف دينار على المشهود له بهذه الشهادة. فقال أبو عبد الله ان كان هذا الحاكم معزولا فالقول قول الشاهدين، ولا يقبل قول الحاكم إلا مع شاهد غيره. */* (1/52)
صفحة 53
وان كان الحاكم غير معزول قبل قول الشاهدين، وقبل قول الحاكم أيضا. وقيل في الذي يشهد بشهادة أخيه ثم لم يحكم الحاكم بشهادته حتى مات أخوه وورثه أنه لا تجوز شهادته تلك لأنه قد صار المال له. وكذلك لا يجوز لمن شاركه في ذلك الميراث. ومن شهدت عليه بينة أنه سرق فحبسه الإمام ليسأل عن البينة وغاب الشهود فليقطعه الإمام. وقال من قال: ليس للإمام أن يقطعه حتى يحضر الشهود. وسألته عن الوكيل اذا عزل عن الوكالة، هل تجوز شهادته لمن كان وكيله؟ قال: نعم، إلا أن يكون قد شهد بشيء قد خاصم فيه إلى القاضي فقد سمعنا في ذلك اختلافا: فمنهم من قال: تجوز. ومنهم من قال: لا تجوز. ومن ما يوجد من جواب أبي الحواري: وعن رجل ادعى إليه ولد من امرأته فأنكر الولد، وأنكر المرأة، ولم تكن بينة بالإقرار بالولد، ولم يحضر الولد، وقامت بينة بالتزويج، وكانت شهادتهم أنا سمعنا أن فلانة زوجة فلان، وسمعنا أنها ولدت، وسمعنا أنها طلقت. */* (1/53)
صفحة 54
فأقول: ان هذه شهادة على وصفة ضعيفة، ولكن الرأي عندنا، والمعروف في آثار المسلمين أن الشهادة في النكاح والميراث والموت تجوز على المشهود عليه أن يشهد الشاهدان أن هذا فلان بن فلان، ولم نعرف أباه وجده إذا كان هو المعروف والمشهور، وكان هو عارفا بفلان الذي شهد به. قال أبو الحواري: اذا شهدت البينة بإقراره بالولد، وعرفوا الولد ثبت عليه. وإذا أقر بولد من هذه المرأة فهي المصدقة عليه إذا قالت: هذا ولده. وكذلك في الموت الشاهر ولو لم يشهد الميت عند موته. وكذلك في النكاح إذا سمع التزويج، ثم كان الرجل والمرأة على ذلك عندهم أنه زوجها وهي زوجته، وذلك هو الشاهر المعروف، وهو عارف بها، شهد الشاهد ولو لم يشهد النكاح ولم يصح معه في التزويج بشهادة شاهدي عدل لو كان النكاح قد سبقه فلم يسمع به إلا أنه عارف بالرجل والمرأة، وقد طال أمرهما على ذلك، على أنه زوجها وهي زوجته، والشاهد يشهد بذلك. وكذلك في الولد إذا سمع بالمرأة أنها حامل، ثم سمع بميلادها، ثم يكون الولد عندهم، وشاهد يشهد لهم بذلك. وعند أبي عبد الله: وعن رجل شهد على رجل فيقول الطالب للشهود: اشهدوا أن لي على فلان كذا وكذا فيقول المشهود عليه: نعم اشهدوا. */* (1/54)
صفحة 55
وأما الأولاد فانه يلزمه قوله للشهود (نعم اشهدوا) تصديقا لما ادعى عليه. ومن كتاب محمد بن جعفر: وإذا شهد مع الحاكم شاهد لا يعرفه فعليه أن يسأل عنه حتى يعرف انه الشاهد الذي سمي باسمه وبلده. فان لم يحضر أحد يعرفه إياه دعا المشهود له بمن يعرفه شهوده أنهم هم الذين سموا بأسمائهم وبلدهم، ثم يكتب يسأل عنهم من البلد الذي قالوا انه منه، وبأسمائهم ومواضعهم من البلد بعد أن يتعرفهم. فان كان في البلد أسماء مشابهة وصفه ونسبه بما يتبين له. ومن غيره: قال محمد بن المسبح: إنما يسأل من يعرف هذه البينة، يسأل يعرف سواه ومن غيره: قال: وإذا شهد مع الحاكم شاهد لا يعرفه فان أقر الخصم الذي شهد عليه أنه يعرف الشاهد كتب شهادته. وإن لم يقر بمعرفته لم يكتب شهادته إلا أن يصح معه بينة عدل، أو يعدل معدل أنه عدل جائز باسمه وعينه وشخصه. فأما قول واحد على معرفته وليس بمعدل فلا تقبل لأن ذلك لا تقبل به شهادة بقول، والعلالة تقوم بواحد. وإنما معنا في هذا إذا أقر الخصم بمعرفته أنه عدل جائز الشهادة فذلك مقبول قوله. وأما في نسبه فلا يجوز ذلك إلا أنه إن كنت شهادته، وصحت */* (1/55)
صفحة 56
معرفته بقول الخصم مع المعدل بإقراره وجازت شهادته جاز ذلك إن شاء الله. وعن الشاهدين شهدا على رجل لرجل أن هذا المال الذي في يد فلان لفلان ثم شهد أحدهما أن فلانا الذي في يده هذا المال قد باعه لفلان المشهود عليه، وأنكر ذلك المشهود له أولا ففي ذلك اختلاف من الفقهاء: منهم من قال: يكلف المدعي للبيع شاهدا آخر مع شهادة هذا وإلا فالمال للأول. وقال آخرون: يطلب شهادة الشاهد بالبيع لأنها أبطل أولها آخرها. وان شاء أن يصدق شهادة هذا فيما قد شهد أن له هذا المال ثم شهد عليه أنه باعه للذي هو في يده فان شاء أن يكذبه فقد أبطل شهادته، ويحتاج إلى شاهد آخر. قال أبو عبد الله: بهذا القول نأخذ. ومن غيره: وعن الرجل يكون له على الرجل عشرة دراهم، وعليه بها شهود فيقضيه اياها بلا شهود فأنكره إياها، هل لصاحب الحق أن يأخذ بشهادة الشاهدين اللذين شهدا عليه بالعشرة الأولى؟ فإن أحضر شاهدين بالعشرة الأولى فلا بأس بذلك. وقلت في يمينه اذا طلب المشهود عليه يمينه أن هذه العشرة له على فله ذلك. */* (1/56)
صفحة 57
وقد سمعت أيضا أنه يكره أن يقيم شاهدين قد استوفى حقه بشهادتهما. ومن غيره: قد قيل هذا. وقال من قال: ان الحاكم يحلفه له ان هذه العشرة الدراهم التي شهد لكهذان الشاهدان هي لك على إلى هذا اليوم، أو إلى هذه الساعة، أو إلى هذا الحين. ومن غيره: عن أبي عبد الله: وعن رجل ورث أرضا من أبيه فنازعه فيها رجل، وأقام شاهدين فشهد أحدهما أن أباه كان مقرا للرجل الطالب لها، وشهد آخر أن أباه هذا كان مقرا بأنها لفلان الطالب لها، أترى هذه شهادة متواطئة؟ قال: لا، حتى يقوم شاهدان جميعا بإقرار الأب أو بإقرار الابن. */* (1/57)
صفحة 58
باب (في حمل البينات)
من ما يوجد أنه عن ابي عبد الله: قال أبو عبد الله: اذا لم يصح للخصم مال تحمل به البينة التي شهدت له جاز للحاكم أن يكتب له إلى وإلى البلد أن يسمع بينته، ويفحص شهوده، ويكتب شهادتهم إليه. وإن كان له مال تحمل به البينة فعليه حملانهم وزادهم. قال أبو عبد الله: ان الشاهدين اذا كانا موسرين فعليهما أن يؤديا الشهادة إلى الحاكم الا أن يكونا شرطا عند الشهادة أنا لا نؤدي الا في بلدنا. فاذا رضى بذلك عند الشهادة لم تكن عليهما حملان ولا زاد، وعلى المشهود له الحملان والزاد اذا اشترطا عليه. وعن غيره: قال: نعم. وقد قيل: اذا اشترط الشهادة الا في بلده فليس عليه خروج الا أن يشاء هو بعد ذلك أن يخرج فذلك إليه. وأما حملان البينة فقد قيل مجملا: ان عليه أن يحمل بينته، بركب من كان أهلا للركوب منهم، ويزود من كان أهلا للزاد، والغنى منهم والفقير. */* (1/58)
صفحة 59
وقال منقال: عليه حملانهم كلهم لأنه ليس عليهم أن يخرجوا في فرض من الفرائض الا ركبانا كما قال الله (من استطاع إليه سبيلا). فقالوا: زاد وراحلة، ولم ير عليه أن يمشى. وقال من قال بمال واحتيال. وقال من قال: ليس عليه أن يحمل إلا من لا يقدر على حملان نفسه بيسار منه، وأما هو فعليه أن يحمل من اليسار وأصل المال. ومن سمعت بينته في بلده سمعت بينة خصمه حيث سمعت بينته. ومن كان لا يقدر على حمل البينة إلى الحاكم وهو في بلد غير بلده خير خصمه ان شاء الله أن يخرج يسمع بينة في موضعها خرج سمعها. وان كره كتب الحاكم إلى الوالي أن يسمع البينة، و يسأل عن تعديلها، و يكتب بما صح من ذلك مع ثقة. قال أبو المؤثر: إذا نزل الخصم إلى أن يحمل بينة خصمه، ويقوم بمؤنتها حتى تكون بشهادتهم مع الحاكم فله ذلك. وقيل: تقبل البينة بالوكالة والنسب بلا أن يحضر. قال أبو المؤثر –رحمه الله- أما في الوكالة فنعم. وأما النسب قال: كانت المنازعة بين اثنين في ميراث لم تسمع بينة أحدهما على ذلك إلا بحضرة خصمه أو وكيله.*/* (1/59)
صفحة 60
ومن كتاب عمر: واذا ادعى رجل لولد له صغير حقا في حجره فدعاه الحاكم بالبينة على ما يدعي لولده، واحتج أنه لا مال لولده يقوى به على حملان البينة ولولده مال. قال: عليه أن يحل البينة من ماله على ما يدعي لولده لأن مال ولده يملكه بمنزلة ماله. قال أبو محمد –رحمه الله-: اتفق الناس أن الشهداء إذا ما ادعوا إلى أداء الشهادة لم يجز لهم أن يمتنعوا من أدائها الا من عذر. واختلفوا في تحميلها إذا ما دعوا الى حملها: فقال بعضهم: واجب ذلك عليهم. وقال آخرون: غير واجب. ولم يوجب ذلك أصحابنا. وقال الله تعالى (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله). قال أبو محمد عندي أن الكاتب اذا احتيج إليه وكان فارغا غير مشغول، ولا يوجد في الوقت غيره وهو قادر على الكتاب، عالم بأحكامه ألا يتأخر ويمنع ما علمه الله عند الحاجة إليه. قال أبو محمد: والنظر يوجب عنده في الشاهدين عند الابتداء اذا كانا في حد لا يوجد غيرهما، وبتخلفهما يحذر أن يضيع الدي، أو يفوت الميت عند الوصية، أو في ما يقر به العليل على نفسه عند الفرع الى التوبة، وفراق الدنيا. */* (1/60)
صفحة 61
وكذلك النكاح والاشهاد على الاصلاح بين الناس وما جرى هذا المجرى. فأما وهما موجود غيرهما فليس بواجب ذلك عليهما. وأما قوله (ولا يضار كاتب ولا شهيد) فهذا أنهما لا يلجآن إلى ما يضرهما مع العذر لهما مع وجود غيرهما من فرض يشق عليهما، وطلب قوت يلتمسانه لعيالهما. ومن جامع أبى محمد عبد الله بن محمد بن بركة –رحمه الله-: الشاهد اذا دعى إلى الشهادة التي يحملها فامتنع عن أدائها كان عاصيا لربه بتخلفه عن اقامتها اذ الأمة مجمعة أن فرض الأداء واجب عليه. فان قام بأدائها غيره استغنى عنه، وكان عليه التوبة الى الله تعالى من امتناعه. فان لم يؤد الحق الشهد به الآخر معه، وكان الحق لا يثبت الا بأداء الشهادة، وكان قعوده عن قيام الشهادة على المطلوب بالحق سبب ضياع حق المشهود له كان للمال ضامنا بقعوده عن اقامة الشهادة. فان امتنع عن أدائها الا بعوض يأخذه على أداء الفرض الذي لزمه من أدائه لم يكن له ذلك، وكان عليه رده إلى من أخذه منه. فان كان الشاهد يخاف على نفسه ضررا يؤديه الى تلفه أو تلف عياله بالاشتغال في أداء الشهادة من طلب قوته أو قوت عياله كان الاشتغال بفرض نفسه أولى أن يبتدئ إليه. */* (1/61)
صفحة 62
فان دفع اليه المشهود له عوضا ليقيم به رقمه، ويسد به حلقه كان عليه أداء الشهادة وجاز له ما صار إليه من العوض على ما وصفنا. ويدل على ما قلنا ما اجتمع الناس عليه أن وصى اليتيم عليه حفظ مال اليتيم، والقيام بحفظ ما تضمنه من حفظ ماله، والقيام بمصالحه وليس له على ذلك عوض معجل. فان خاف العجز عن القيام بذلك لاشتغاله بطلب قوته وقوت عياله جاز له الأخذ من مال اليتيم لقوته كما قال الله تعالى (فمن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف). فان أدى الشهادة مرة سقط الفرض عنه، وجاز له أخذ العوض على اقامتها مرة ثانية، ولسقوط فرضها عنه مرة بالمرة الأولى كان بمنزلة من أكرى نفسه في عمل لا يلزمه فعله من ما هو طاعة لله عز وجل كالحج وتعليم القرآن، وعمل يؤدى فعله إلى النفقة ونفع من استأجره وبالله التوفيق. اتفق الكل على أن من شهد بشهادة لغيره بحق ولم يسأل عنها، ولم يطلبها منه صاحب الحق فان شهادته مردودة. وان كان شهادته بحق الله تعالى فهي مقبولة باتفاق. ثم اختلفوا في الشهادة بالعتق ونحوه: فقال بعضهم: لا تقبل لأنها حق للعبد حتى يطلبها منه، وهذا قول أبى حنيفة. */* (1/62)
صفحة 63
وقال غيره: الشهادة بالعتق مقبولة ولو لم يطلب العبد، ولم يرض به لأنها حق الله تعالى وان كان حق للعبد. قال أصحابنا: شهادة الأعمى لا تجوز الا في النسب، ومن ربى معه في بيت، وفي ما كان متيقنا له قبل ذهاب بصره. وفي ما عدا ذلك فشهادته غير جائزة. وفي نفسي من امتناعهم عن قبول شهادتهم في ما عدا ما ذكروا من ما يجوز تيقنه فيه. قال الله تعالى (وأشهدوا ذوى عدل منكم)، وقال (ممن ترضون من الشهداء). والأعمى إذا كان مسلما صالحا فهو عدل مرضى. فاذا كان موثوقا بسماعه من فقيه قد مضى كان أيضا موثوقا بسماعه اذا شهد على ابنه وجاره وخليطه وزوجته. كما تجوز شهادته في النسب، وعلى من ربى هو وهم في البيت. فلم يختلفوا في قبولها اذا حملها قبل ذهاب بصره. والنظر يوجب عندي قبول شهادته اذا كان عدلا على ما يخبره به من تيقنه بسماعه من قول المقر الذي يعرفه كما يخبر بسماعه بخبر من يعرفه في الحديث والفقه. وكيف يجوز أن يحدث القاضي أعميان بحديث أو فقه يرفعانه (1/63)
صفحة 64
اليه، وقبله القاضي منهما، وجعله أصلا يحكم به فإذا شهد عنده شهادة توجب شهادتهما ذلك الحكم الذي به بحديثهما لم يقبله والله الموفق للصواب، انقضى. ومن غيره: بسم الله الرحمن الرحيم، عافانا الله وإياك من النار برحمته، واعلم –رحمنا الله وإياك- أنه وصل إلى سليمان من أزد السمدىومكرم بن عنبسة في الذي اختلفا فيه فطلب مكرم سهمين إلى سليمان، وزعم أن سليمان سبقتهما ولم يعط طعانها، فسألت سليمان فأنكر ذلك فدعوت مكرم بالبينة، فاذا اليك كتابي فاسأل عن زياد ومكرم ابنى عبيسة أهل الخبرة بهما. فان كان لهما مال يقويان به على حمل البينة فأمرهما أن يرفعا الى بينتهما، واجعل لهما ولسليمان أجلا، وعرفني الأجل. وان لم يكن لهما مال يقويان به على حمل البينة فاسمع شهادة بينتهما على السهمين. وسل عن بينتهما الثقة من المعدلين، واجتهد في ذلك ثم اكتب الى بما يصح عندك من أمرهما. فان عدلت البينة فابعث الى بكتاب التعديل، والكتاب الذي فيه شهادة البينة كيف يشهدون مع ثقة. وأمر حامل الكتاب لا يزيله من يده حتى يدفعه الى، ورد كتابي اليك في جوف كتابك الىّ. وكذلك ان سمعت بينة زياد ومكرم فاسمع شهادة سليمان ان كانت */* (1/64)
صفحة 65
له البينة، وسل عن تعديلهم، واجتهد في ذلك، ثم اكتب الى في ذلك، وابعث بالكتاب مع ثقة. وفقنا الله واياك والسلام عليك ورحمة الله. قال أبو المؤثر: اذا قرأت الشهادة على القاضي وعلى المشهود عليه فقال القاضي: هذه شهادتك؟ وقال الشاهد: نعم، بهذه أشهد. قَبلها القاضي، وأثبتها عنده. والذي نأمر به ألا يكتب الكاتب شهادة الشاهد الا حتى يشهد بها الشاهد مع القاضي، ويسمى بها، وليسوقها مع القاضي، ثم حينئذ يأمر القاضي أو الامام الكاتب أن يكتب الشهادة. ولا نرى للكاتب أن يكتب شهادة الشاهد حتى يملى بها عليه حرفا حرفا. ولا يكتب الكاتب شهادة الشاهد بالمعنى، ويقرؤها عليه فيقول: نعم، هذه شهاداتي لأنه ربما غاب فطلب الشاهد عن الحرف فكتبها الكاتب خلاف ما عند الشاهد، ويحسب الشاهد أنه كذلك. مثل أن يقول الشاهد: أشهد على فلان أو فلان فيكتبها الكاتب (شهد على فلان وفلان) فيكون الشاهد يشهد على فلان فيكتبه الكاتب على فلان وفلان. */* (1/65)
صفحة 66
فان ولاها الحاكم وكتبها غير ثقة وهو يسمع وينظر فيها فلا بأس. ولا يلى كتبه وحملها الا أمينا ثقة. قيل لأبى معاوية عزان بن الصقر: ما نقول في ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا وقالوا: ان معهم رابعا لم يحضر، هل للأمام أن يؤخرهم الى أن يجيء صاحبهم الرابع؟ قال: قلت: ان صاحبهم في الشجب أو سعال أو في سمل، هل يؤخرهم الى أن يجيء صاحبهم؟ قال: لا، الا أن يكون صاحبهم في مثل السوق، فان الإمام ينتظرهم الى وقت ما يبلغون السوق ويرجعون. فان لم يجيئوا بصاحبهم جلدهم الامام حدّ القذف والله أعلم. وسئل عنها: فان جاء صاحبهم من بعد ما جلدوا فشهد؟ قال: يجلد أيضا. وقد حفظنا عن المسلمين في المقاذف اذا ادعى بينة أن الحاكم أن ينتظر الى وقت قيامه من مجلسه فعسى هذا يكون مثل ذلك والله أعلم. قلت: أرأيت لو أن رجلا قذف رجلا ثم ادعى بينة، أيؤخره الامام الى أن يأتي ببينته؟ قال: قيل: يؤخره الى قدر ما يقوم من مجلسه. */* (1/66)
صفحة 67
فان لم يجيء جلده للمقذوف. قلت: أرأيت ان جاء بشهود بعد ما جلد الرجل بقذفه فشهدوا على الرجل المقذوف بالزنا وهم أربعة؟ قال: يقام الحد على الذي شهدوا عليه بالزنا. والبينة إذا شهدت قبل أن يستنطقها الحاكم لم تقبل. فان عاد الحاكم استنطقها بعد فشهدت فللحكام قبولها. ومن شهد لرجل مفلس بدين على رجل، والشاهد يطلب المشهود له بحق قد طلبه في مجلس شهادته فجائز. شهادته، طلب دَيْنا أو نفقة ولا أرى مطلبه يبطل شهادته. مسألة: وعن رجل له حق على مفلس، وله عليه فريضة، وشهد له بدراهم على آخر. قال: لا تجوز شهادته. واذا شهد بعض الورثة على بعض ولو كانوا عدولا فلا تجوز. كذلك اذا كانوا ثلاثة اخوة فشهد اثنان منهم ان لهم أخا رابعا فأنكر الثالث وهما ثقتان فلا تقبل شهادة بعض الورثة على بعض. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أكرموا الشهود فان الله يظهر بهم الحقوق، والشهود يسمون قرارى. */* (1/67)
صفحة 68
وفي الحديث: المسلمون قرارى الله في أرضه أي شهود. وليس كل موضع تعمل فيه البينة يعمل فيه الاقرار. الدليل على ذلك: أن الشهادة اذا قامت على رجل أنه قتل رجلا خطأ حكم بالدية على عاقلة القاتل. لو أقر أنه قتله خطأ لم يجب الحكم على العاقلة باتفاق الأمة. الشهادات طريقها طريق الميراث لأن المرأة لها نصف ميراث الرجل فلذلك هي في الشهادة نصف الشاهد. وكذلك العبد لا ميراث له ولا شهادة له أيضا. ولا تجوز شهادة الظنين. والظنين هاهنا المتهم في دينه. واذا شهد شاهد بشهادة مع الحاكم فطرح فيها ثم عدل في تلك الشهادة أيضا فعن أبى عبد الله قال: شهادته جائزة ما لم يقع حكم الحاكم اذا شهد ثم طرح ثم شهد. وعن أبى زياد في من يقطع اللعنة على والديه أنه لا تقبل شهادته ولا كرامة له. */* (1/68)
صفحة 69
فصل (في شهادة غير المسلم والعبيد والصبيان على الزواج)
ومن ما يوجد عن أبى عبد الله: وعن الرجل يتزوج المرأة على شهادة يهوديين أو عبدين أو صبيين ولا يدخل بها حتى يسلم اليهوديان، أو يعتق العبدان، أو يبلغ الصبيان ثم يدخل بها بعد. قال: النكاح تام. قال: وان أرادت المرأة أن تفسخ عن نفسها تلك العقدة قبل أن يكون الشاهدان في حال تجوز شهادتهما من قبل صبا أو شرك أو ملكة لا تفسخ عنها. وكذلك ان أراد هو فسخ عنه. قال غيره –الله أعلم-: وهذا عندي لا يخرج على مذهب أصحابنا. وقد قيل: انه فاسد لأن الأصل وقع على فساد، وليس هذا يصلح من ما مضى. وأما العبدان فقد اختلف في شهادتهما، وأكثر قول أصحابنا أنها لا تجوز. وأرجو أنه روى عن أبى معاوية. */* (1/69)
صفحة 70
فصل (في الشهادة على المتنازع عليه بين اثنين)
وعن رجل أحضر شاهدين على مال أنه لجده، وأحضر آخر شاهدين أنه له فأيهما كان في يده المال فهو أولى به. فان لم يكن في يد أحدهما فهو للذي شهد الشاهدان أنه له. وان شهد لرجل على شيء بعينه رجلان، وشهد الآخر ثلاثة فما فوق ذلك فقد قيل: انه يقسم بينهم على عدد الشهود بالأجزاء. وقال من قال: لكل واحد منهما النصف اذا كان الشهود عدولا لأن الذي يثبت به الحق شاهدان فصاعدا. وقيل: ان أكثر الشهود اذا كانوا عدولا أملك.*/* (1/70)
صفحة 71
فصل (في جرح الخصم الشاهد بعد تعديل شهادته)
وسألته عن شاهد شهد فعدل ثم يقول الخصم بجرحه، أتقبل منه؟ قال: أما موسى بن على فيقبل منه، ويدعوه بالبينة بجرحه. وأما محمد بن محبوب فلم يقبل ذلك. وقال من قال: اذا جرحه بعد تعديله لم تقبل منه الا أن يجرحه قبل التعديل. وقال من قال: اذا جرحه فقد أثبت تعديله لأنه لا يكون التجريح الا بعد التعديل. قيل: من كتم شهادة علمها عن رجل طلق زوجته ثلاثا وكان يساكنها بعد ذلك وهو لم ينكر عليه ذلك فان شهادته باطلة بذلك الا أن يصح في ذلك عذر أو تقية بوجه من الوجوه. وعن رجل يقيم بينة على رجل أنه فقأ عين عبد له والعبد والدابة غائبان. فأقول: انه لا تقبل منه في هذا حتى يحضر العبد أو الدابة، ويرى ذلك هما، ويشهدان: هذا الذي جنى عليهما. وان كانا قد ماتا فله الحق بشهادة البينة. */* (1/71)
صفحة 72
وعن شاهدين شهدا على رجل أنه قتل فلانا خطأ، وعاين ذلك فقضى الحاكم على العاقلة بالدية، وقبضها الولى ثم جاء الرجل حيا. فالقول ذلك: أن العاقلة ترجع بما أخذ منها على من أخذها منهم، وليس له هذا بمنزلة الرجوع في الشهادة. فان كان مفلسا أو ذاهبا ولا يقدرون على أخذ هذا الحق منه كان ذلك على الشاهدين ويتبعان بها. قال غيره: وقد قيل في مثل هذا انهما ضامنان اذا صح حياته، والخيار للعاقلة في الشاهدين أو الولى. فان أخذها من الولى فلا شيء على الشاهدين الا بالتوبة، وهما شاهدا زورا. وان أخذها من الشاهدين رجع الشاهدان على الولى لأنه أخذ باطلا صح ذلك عليه. وعن رجل مات وخلف مالا على ورثته فقال رجل من ورثته: هذه القطعة لى وفي يدي، وهذه زراعتي فيها، أيجوز لي أن أشتريها منه بقوله وأنا أعلم أن والده خلفها ميراثا بين ورثته؟ فعلى ما وصفت فلا يجوز شراؤها من عنده الا أن يشهد عنده شاهدا عدل أنها كانت في يده ويأكلها ويدعيها بعلم من الهالك، والهالك لا ينكر ولا يغير ذلك. فاذا صح ذلك عليه جاز لك شراؤه من عنده ما لم يدفعك عن ذلك سائر الورثة. فإن دفعوك عن ذلك لم يجز لك أن تشتريها حتى يحكم له بها والله أعلم. */* (1/72)
صفحة 73
فصل (في شهادات متنوعة)
وعن من يقول: علىّ لفلان كذا وكذا يحدث بذلك القوم ويقول لا تشهدوا علىّ بذلك. وكذلك ان سمعوه يبايع على دابة أو غيرها وقال: لا تشهدوا علىّ. وقال: اذا احتيج الى شهادتهم فيشهدون. قلت: فاذا شهد رجلان عن رجل غائب ثم رجع الغائب وأنكر أنه لم يشهدهما. قال: اذا لم يكن وقع الحكم بطلت تلك الشهادة. فان كان الحكم قد أنفذ غرما نصف الحق. وان رجع أحد الشاهدين عنه وقالا: شهدنا بما يشهدنا غرم ربع الحق. ومن ما يوجد عن جابر بن زيد عن ابن عباس: أن امرأة شهدت على رجل وامرأة أنها أرضعتهما. فقال: استحلفوها عند المقام، فانها ان تكن كاذبة لم يحل عليها حتى يبيض ثديها، فاستحلفوها فحلفت فلم يحل عليها الحول حتى ابيض ثديها. */* (1/73)
صفحة 74
وحفظت عن القاضي أبى بكر أحمد بن محمد بن خالد –حفظه الله-: أن شهادة المرأة المرضعة قبل التزويج مختلف في قبولها اذا كانت غير عدلة. فاذا تزوج فلا فرق بينهما بشهادة امرأة الا أن تكون عدلة فانه يفرق بينهما بشهادتهما. فاذا جاز بها قال قوم: يفرق بينهما بشهادة العدلة. وقال آخرون: لا يفرق بينهما الا بشهادة شاهدي عدل والله أعلم. وقال من قال: ان المرضعة من أهل الذمة تجوز شهادتها على المسلمين وذلك من ما لا يجتمع عليه. وجاء الأثر بجواز شهادة المرضعة ما لم تكن متهمة. وتهمتها أن تتهم أن تفرق عن حلال أو تجمع على حرام. وقيل: تجوز شهادة الأمة المجوسية والذمية اذا كانت عدلة. وقال من قال: لا يكون ذلك الا في أهل القبلة اذا كان ذلك على المسلمين. وعن أبى الحواري: وعن امرأة شهدت بالرضاع بين رجل وامرأة ولم تعلم كان الرضاع في الحولين أو بعد ذلك؟ هل يكون رضاعا وتحرم عليه؟ */* (1/74)
صفحة 75
فعلى ما وصفت فاذا شهدت هذه المرأة بالرضاع فهو رضاع حتى يعلم أنه كان بعد الفصال. وعن رجل هلك وادعى عليه قوم دينا فشهد اثنان من الورثة لهم: قال قوم: عليهما في حصتهما. وقال موسى: شهادتهما على جميع الورثة جائزة. ومن ما يوجد أنه عن وارث بن كعب: وذكرت في رجل توفي وقد كان أشهد شاهدين أن فلانا ابن عمي ووارثي، وأشهد لرجل آخر أنه ابن عمى ووارثي شاهدا واحدا، وشهد لهذا الرجل بالنسب، فانظر فيه بجهد رأيك فان الله يوفقك. فأما بعض من حضرني فلم يروا في النسب حقيقة الا على اجتماع الشهادة، ولم يروا أنهما شريكان في الميراث الا أن تجتمع الشهادة بالنسب. وعن رجل ادعى ميراثه رجلا فقال كل واحد منهما: أنا وارثه، فأقام كل واحد منهما شاهدي عدل بأن الهالك أقر أنه ابن عمه ووارثه، وشهد لأحدهما امرأة مع الشاهدين بنسب بين الميت والحي، وكل الشهود عدول. فان لم يقم بينة على نسب، واستوت الشهود فالمال بينهما. ولا نرى شهادة المرأة تحقق شيئا. وأما الغلام الذي أقر بالعبودية فعليه البينة أنه حر. */* (1/75)
صفحة 76
فان قامت له بينة بذلك فعليه ثمنه الذي اشتراه به الرجل، يغرمه له بإقراره له بالعبودية الا أن يظهر من امر الرجل على عدل. ثبتت هذه المسألة عن أبي معاوية. وعنه أيضا: وكذلك ان اشترى رجل عبدا من عند رجل ثم باعه من رجل آخر قبل أن يقبضه فالبيع جائز. قال أبو معاوية: نعم، قيل هذا كله. وقيل لا يباع حتى يقبض. واذا اشترى رجل من رجل طعاما ورضيه فليس له بيعه حتى يقبضه. قال غيره: ان اشتراه بالكيل فهو كذلك. وان اشتراه جزافا فهو بمنزلة الحيوان وما لا يكال ويوزن من الثياب والسيوف وغير ذلك. ومن غيره: واذا شهد اثنان على بغى رجل فلعله تقبل شهادتهما حتى يكونا ذوى عدل. وان شهدوا أنه مات في الطريق وليس عنده الا رجل واحد وأكله السبع وهو معه فانه وحده مع شهادة من لا يتهم اليقين في أمره يجوز. وعن رجل تزوج امرأة بشهادة خنثاوين، أو راجع امرأته بشهادتهما. فاعلم أن شهادة الخنثى في جميع الشهادات كشهادة امرأة. */* (1/76)
صفحة 77
وعن ابن عباس: أنه كانت عندك شهادة وسئلت عنها فأخبر بها ولا تمهل لعله يرجع أو يرعوى. قال أبو المؤثر: لا ينبغي للمؤمن اذا احتيج إليه في شهادة في بيع أو شواء أو نكاح أن يتأخر عن الشهادة الا أن يكون يشك أو ينسى فيخبر الذي يحمله الشهادة: أنى أشك وانسى فلا تتكل على شهادتي. فان أشهده على ذلك فشك أو نسي فقد أعذرته. ومن أبى يشهد وشهد غيره فلا اثم عليه. وانما يكفرون اذا اجتمعوا على ترك الشهادة وهي فريضة يجزى البعض فيها عن الكل. ولا تجوز شهادة القاذف اذا قال: هذا أثر فلان. فان قال: كأنها أثر فلان وأظنها فهذا غير الأول. ولا أحب لأحد أن يقول فيأخذه بقوله الناس فيعنيهم مكروه على الظن. ومن شهد أن هذا المال كان لفلان فقيل: ان شهادته ضعيفة. وكان جابر ومسلم يقولان: لا تجوز شهادة خصم ولا سفيه ولا ذى غمر ولا ذى جنة. وذو الغمر من كان في قلبه حقد وبغض. */* (1/77)
صفحة 78
وعن عمر: أن الشهادة على العدو والخصوم لا تجوز، وجائز لهما. واذا كان بين اثنين منازعة، وعند أحدهما على الآخر شهادة لغيره فلا تجوز شهادته على خصمه حتى تنقطع المنازعة التي بينهما، وتجوز بعد ذلك. الضياء: من خصم رجلا في مال ثم برئ منه من بعد، وشهد أن ذلك المال لرجل آخر فشهادته تجوز. فان كان انما قال لذلك الرجل ثم ترك المنازعة وشهد له من بعد فشهادته تجوز. رجع إلى كتاب أبي زكريا: ومن غيره: وعن رجل كان يطالب رجلا بمائة درهم فقامت له البينة عليه بخمسين درهما فجاء رجل فأقر له بخمسين أخر، أوقال: أنا الذي كانت عليّ خمسون ولكن اشتبه على الشهود. فانه تؤخذ منه الخمسون التي أقر بها على نفسه، وتؤخذ من الآخر خمسون بشهادة الشهود. وعن رجل طالب رجلا بدراهم وهو يحدها ثم جاء رجل فقال: أنا علىّ هذه الدراهم التي تطلب الى فلان، وليست على فلان انما كانت علىّ. فقال: يستوفيها من الذي اعترف بها، وأقر بها. ومن غيره: قال: لصاحب الحق الخيار: ان شاء أخذها من المقر بها، وان شاء أخذها من الذي هي عليه. */* (1/78)
صفحة 79
عن سعيد بن المبشر في الرجل يوصي بثلث ماله لقوم، ويشهد بعضهم بها. فقال: تجوز شهادته لهم، وتسقط حصته. ومن غيره: وقد قيل: لا تجوز شهادته لهم ولا له. وقال من قال: تجوز شهادته للأجنبيين، ولا تجوز لولده. وقال من قال: تسقط الوصية كلها لأنه شريك. الضياء: ومن أوصى لأقربيه بوصية فشهد شاهدان من أقربيه أنه أوصى لأقربيه بكذا. فان بلغتهما شهادتهما. قال: عرفا أنه لا تجوز شهادتهما اذا بلغتهما الوصية فتركا من الوصية شيئا، وشهدا منها بشيء يعلمان أنه لا يصلهما فلا أرى لهما ذلك. وعن رجل شهد عليه شاهدان: عليه من المشارب صداق لامرأته من نهر معروف، وشهد آخر أنه من نهر آخر. قال: القول فيه قول الزوج أنه من نهرين حتى يأتي صاحب المرأة بينة أنه من نهر آخر. قال غيره: لا يبين لي الا أن الشهادة مختلفة والله أعلم الا أن يقر الزوج بشيء. */* (1/79)
صفحة 80
ومن جواب أبي على الى هاشم بن الجهم: وعن رجل كان يدعي حقا لنفسه فلم يجب الى ذلك الحق ثم أشهد بذلك الحق الذي كان يدعيه لنفسه، أشهد به لغيره، هل تجوز شهادته فيه. فأقول: لا تجوز شهادته. ومختلف في شهادة الشعراء: فأجازها قوم، ولم يجزها آخرون. واختلفوا في الرجلين يخفيهما الرجل ويحضر خصما له ليسمعا ما يقربه خصمه ثم يسلمها الشهادة. فقال قوم: يشهدان بما سمعا، ويقضي القاضي بشهادتهما. وعن رجل باع لرجل قطعة ولها ساقية على رجل فجحد الرجل الساقية، فجاء الرجل البائع وآخر فشهدا بالساقية التي على الرجل، هل تجوز شهادة البائع. فلا أرى شهادة البائع تجوز الا أن يكون رجلا غير البائع مع الرجل الثاني. وعن رجلين تنازعا في دابة، والدابة في يد أحدهما، وأحضر الذي في يده الدابة شاهدين أن الدابة دابته، وأحضر الآخر شاهدين أن الدابة دابته وأنتجها لمن تراها؟ قال: ان قال الشاهدان اللذان شهدا أن الرجل أنتج الدابة أنها لم تزل في يده حتى ذهبت منه لا يعلمان أنه باع ولا وهب، وكان في طلب */* (1/80)
صفحة 81
دابته، وكان شاهداه عدلين فهو أولى بالدابة الا أن يأتي الآخر بشراء أو هبة أو حجة يقدر عليه. قال غيره: اذا قام كل واحد منهما بينة وليس في يد أحدهما، أو شهد لأحدهما أنه أنتجها فهو بها أولى. وان شهد لهما جميعا بالنتاج فهما سواء. وان كان في يد أحدهما فشهد للآخر أنه أنتجها فقد قيل: ان ذا اليد أولى. وقال من قال: ان الذي شهد له بالنتاج أولى. ومن جوابى أبى عبد الله محمد بن محبوب: وعن رجل جرح رجلا فأنكر الجارح وأحضر المجروح شاهدين شهد أحدهما بالمعاينة أنه رآه جرحه، وشهد الآخر بإقرار الجارح أنه جرحه، سألت: هل تكون هذه شهادة تامة؟ فاني أرى هذه شهادة متفقة. ومن غيره: وقد قيل: انها غير متفقة في كل وجه. وقال من قال: اذا كانت فيما يكون فيه القصاص فغير متفقة، أو ان كانت في ما فيه الدية ولا قصاص فيه فهي متفقة. وعن رجل ادعى على رجل أنه باع له بعيرا بمائة درهم فأنكر المدعى عليه وأحضر المدعى شاهدين شهد أحدهما بالمبايعة بمائة درهم، وشهد الثاني بإقرار المدعى عليه البيع أنه اشترى منه بعيرا بمائة درهم أقر عنده بذلك. */* (1/81)
صفحة 82
فهذه عندنا شهادة متفقة ويحكم باتفاق الشهادة من الشاهدين على الحق. قال غيره: انها غير متفقة. ومن غيره: وذكرت في التي أرادت أن توكل في القسم وليس يعرفها إلا امرأة أو رجل من جيرانها لا يقال فيهم إلا خيرا إلا أنهم لا تجرى لهم عدالة فصحة هذا أن يكون بحضرة شاهدي عدل تشهدهما هذه المرة بالوكالة أو بما أرادت. وان لم يكن الشاهدان العدلان يعرفانها، وأخبرهما النساء الثقات ومن حضر من هؤلاء الرجال أن هذه هي فلانة قبل قولهم في معرفتها وشهدا أن فلانة أشهدتنا بكذا وكذا لأن الشهادة في المعرفة غير الشهادة في الأحكام وفقك الله وهداك. ومن ما يوجد عن أبي عبد الله: وعن رجل أحضر شاهدين شهدا بماء لحائط معروف، ومسحا على الحائط وله في ذلك المسح شيء، هل تجوز شهادته؟ فأقول: لا تجوز شهادته هذه لأنه شهد بما له فيه حصة، وانما شهد لنفسه لشريكه. قلت: كذلك إن شهد بطريق لإنسان وهو يجوز في ذلك الطريق، هل تجوز شهادته؟ */* (1/82)
صفحة 83
فان كان تجوز بحقيقة من هذا الطريق الذي شهد به إلى ما له فلا تجوز شهادته في هذا الطريق. وان كان الماء يجوز فيه هكذا الى غير مال فيه منه إليه فشهادته جائزة. وعن امرأة طلبت ميراثها من مال أبيها، وأحضرت شاهدين، وكان مطلبها الى أخيها فاحتج أخوها في هذه المرأة التي تطلب ميراثها من مال أبيها وأحضرت شاهدين وكان مطلبها الى أخيها فاحتج أخوها في هذه المرأة التي تطلب ميراثها من مال والدى هي بنت جارية لأمي وطئها وهي لأمى، واحضر على ذلك بالبينة، هل يزيل ذلك ميراثها من مال أبيها؟ فاذا شهد شاهدا عدل أنها ابنته فقد ثبت نسبها منه، وثبت ميراثها في ماله، ولا تبطل شهادة هذه الشاهدين لأخيها على ما ذكرت إلا أن يشهد الشاهدان أو غيرهما أنها ابنته من أمه لزوجته، وكان لهذه الأمة يومئذ زوج غيره، فان إقراره بهذا لا يثبت ولا يجوز ويبطل، ولا يلحقه نسبها، ولا ترثه، وهي أمة لزوجته، وهي ولد الفراش. */* (1/83)
صفحة 84
باب (في فصل اختلاف الشهادة)
وعن أمة أقر مولاها بوطئها، شهد بذلك شاهد، وشهد عليه آخر أنه أقر أن ولدها هذا منى. قال: ما أراهما إلا متفقين والله أعلم. وسألته عن رجل باع من رجل سلعة ثم طلب في السلعة طالب وآتى شاهدين فقال: ما تقول في الشاهدين؟ فقال: ما علمت إلا خيرا ثم رجع على صاحبه الذي له الرجعة على صاحبه. قال بعض الناس: إذا زكى الشاهدين على نفسه لم تكن له رجعة على صاحبه. وقال آخرون: إذا زكى من هو عدل معروف عدله مع الناس لم يقطعه ذلك عن الرجعة على صاحبه. وعن رجل أقبل من سفر فأشهد شاهدين بثوب معه أنه لأخيه فمات الرجل وقدم الشاهدان فشهد أحدهما بثوب يعرفه، وقال الثاني: قد أشهدني بثوب لا أدري أي ثوب، وللرجل أثواب فلأخيه ثوب وسط منها على ما وصفت من شهادتهما. قال غيره: إذا كانت الشهادة على معلم بعينه ثم لم يجد لم يثبت له شيء. */* (1/84)
صفحة 85
ومن جواب أبي عبد الله إلى موسى بن علي –رحمهما الله-: وعن شاهدين شهدا على امرأة بشيء فقيل للشاهدين: أرأيتماها فقالا: لا إلا أنها هي. فلا نرى تقبل شهادتهما. ومن الأثر: من ما يوجد فيه رد عن أبي عبد الله: وسألته عن ثلاثة نفر اشتركوا في سلعة فباعوا من رجل فأراد الرجل أن يستقبلهم فأقالوه، ثم إن أحدهم ندم، أتقبل شهادة الإثنين عليه؟ قال: نعم. وقيل: لا يجوز اعتراف العبيد إلا على أنفسهم. وقيل: لا يجوز اعتراف العبد إلا على نفسه. ولا تجوز شهادة سفيه. ولا خصم ولا ذى حنة أي عداوة. وقيل: لا يجوز على الميت إلا شاهدان. وسألته عن قوم أشركوا فوضعوا أو خذواهم البيع يعني البائع بالوضيعة، ثم إنه وضع عن رجلين منهم حصتهما وأخذ الثالث بحصته يعني المشترى. فقال: الذي لم يشركهما في الوضيعة بحصته إلا أن يكونوا اقتسموا الويضعة ثم رضى الرجل أن يبيع كل واحد منهم بحصته من الوضيعة، وان وضع عنهما حينئذ فان الثالث ليس له مما معهم نصيب. */* (1/85)
صفحة 86
قلت: أرأيت لو كان هذا هكذا ثم شهد الرجلان اللذان وضع عنهما أنك وضعتها عن فلان؟ قال: ان كانوا قد اقتسموا، ورضي الرجل أن يبيع كل واحد منهم بما أصابه من الوضيعة ثم انه وضع عن الاثنين حصتهما وشهد أنك وضعتها أيضا عن صاحبنا جازت شهادتهما عليه. وان كانوا لم يقتسموا الوضيعة، ولم يتبع كل واحد فشهادتهم لبعضهم بعضا تجوز الى أنفسهم. قال أبوا عبد الله: اذا شهد مع رجل شاهد عدل أن هذا فلان بن فلان فلا بأس أن يشهد عليه أنه فلان بن فلان، وتجوز شهادته عليه إذا نازع. قال أبو معاوية: يشهد على شهادة الشاهدين أن هذا فلان بن فلان، ولا يشهد عن نفسه أن هذا فلان بن فلان. وعن رجل تزوج امرأة ثم شهد عليه أبوها وشاهد آخر معه أنه طلقها. وهو ينكر ذلك ففرق الحاكم بينهما ثم ماتت المرأة بعد ذلك بسنة أو أقل أو أكثر فطلب الزوج ميراثه منها، هل يقبل منه ذلك؟ قال: نعم. قال غيره: نعم، تجوز شهادة الوالد لابنته بالطلاق، وتبين من الزوج بشهادة والدها. فان كان الوالد هو الوارث فهو كما قال، وللزوج ميراثه من المرأة. */* (1/86)
صفحة 87
فان كان غير الأب هو الوارث مع الأب فان الزوج لا يدخل على أولاد المرأة، ويدخل على الأب في ميراثه فيحاصصه في ما في يده. فان كان للأب السدس دخل الزوج بقدر ما لو كان زوجا في سدسه، وكذلك ان كان له أقل أو أكثر. وعنه قيل: فان تزوجت بزوج آخر وماتت عنده فلمن يكون ميراثها؟ قال: للزوج الآخر، ويغرم الأب للزوج الأول مثل ميراثه منها. قال غيره: شهادة الأب للزوج جائزة لأنه أجنبي. وإنما يدخل على الأب، وعلى أولاد الأب لأن شهادة الأب لا تجوز لنفسه ولا لأولاده، وتجوز لمن سواهم في الميراث كما جازت في الطلاق وإباحة الفروج للزواج. وكذلك تجوز شهادته للزوج بالميراث إلا أن يكون يدخل هنالك نفع عليه بشهادته فانه لا تجوز شهادته في ما يجر لنفسه ولا لولده نفعا بشهادته. قيل: فان كان لها ولد من الزوج الآخر فكم يرث الزوج الآخر منها؟ قال: الربع. قال غيره: لا يستقيم أن ترث المرأة زوجين، ومتى ثبت تزويج الآخر، بالحكم بطل تزويج الأول لأنه نفع لغير الوالد. */* (1/87)
صفحة 88
وعن أبى عبد الله –رحمه الله-: وسألته عن تفسير قول الله (يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت ... الآية). فقالوا: اذا أراد الرجل خروجا في سفر فأراد أن يوصي فلا بأس أن يشهد على وصيته يهوديين أو نصرانيين اذا لم يجد مصلين. وهذه الآية منسوخة نسختها الآية التي يقول فيها (وأشهدوا ذوى عدل منكم). قال غيره: وقد قيل: انه يجوز على شهادته الوصية من أهل الذمة. ومن ما يوجد عن شريح: أنه أجاز شهادة أب وزوج فقيل له: أبوها وزوجها؟ فقال: ومن يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها. وعن رجل أشهد بشهادة أن فلانا أوصى لبني ابنته بثلث ماله، وله من ابنه المتوفى ولد. قال: تبطل شهادة الأب عن ابنه، وتجوز شهادته للباقين. قلت: أو ليس من جر إلى نفسه نفعا بطلت شادته؟ فهذا يشهد لابنه، ومال ابنه له. قال: ان الوصية حف أمر الله به للأقربين فجازت شهادته لشركاء ابنه وبطلت شهادته عن حق ولده. في هذا الوجه تبطل شهادة من حر إلى نفسه. */* (1/88)
صفحة 89
قال أبو المؤثر: الله أعلم، ان كان حقا ما قال فهو كما قال غير أنا أقول: كما بطلت لابنه لم تتم لغير ابنه إلا أن يشهد أنه لبني بنته هؤلاء، ولا يذكر ابنه شيء، فذلك الذي تتم شهادته. وكذلك لو أن رجلا أوصى للأقربين بشيء ثم شهد شاهدان من الأقربين لم تكن شهادتهما جائزة إلا أن يشهد الناس مسمين غيرهما. قال غيره: وقد قيل عن ابن جعفر: أن شهادة واحد من الأقربين على وصية الأقربين يثبت لغيره، ويبطل سهمه منها. وحفظت أنا من ما وجدت عن الشيخ أبي الحسن: أنه إذا شهد شاهدان من الفقراء على ميت أنه أوصى للفقراء بشيء جازت شهادتهما، ولا يسلم إليهما من الوصية شيء. وكذلك إذا شهد شاهدان من الشراة أنه أوصى للشراة فانه تجوز شهادتهما، ويبطل سهمهما. وأما إذا شهد شاهدان على أرض أنها رم وهما من أهل الرم بطلت شهادتهما في هذا ولم تجز. واذا شهد شاهدان على أرض أنها رم، وشهد شاهدان أنها أصل فشهادة الرم أولى من شهادة الأصل. وقال قوم: شهادة الأصل أولى. وعن شهادة الوالد لوده بالوصية في الأقربين فما نقول إنها تجوز لولده؟ */* (1/89)
صفحة 90
وعن شاهدين شهدا بشهادة، شهد أحدهما أن فلانا دبر غلامه، وقال الثاني انه أعتقه، أيعتق أن لا؟ فهو عندنا مدبر كما وصفت. قال أبوا المؤثر: ان كانت شهادتهما بعد موت السيد جاز ذلك إن كانا عدلين. وإن كان قبل موت سيده فالله أعلم، وما أرى شهادتهما متفقة. وعن شاهدين شهد أحدهما أن فلانا أعطى فلانا ماله، وشهد أحدهما أن فلانا تصدق على فلان بماله، وكله عندنا عطية إذا أحرزت. وعن هاشم: وعن رجل أقر بوطء جارية عنده مع رجل، وأقر بولدها مع رجل آخر. قال: أرى شهادتهما متفقة والله أعلم, وعن رجل شهد بشهادة فيقول فيه رجلان بالجرح، فيقول أحدهما: ان في يده مالا حراما، ويقول أحدهما: شهد بالزور. قال: قد قال من قال: تبطل شهادتهما. وقال آخرون: حتى يجتمعا على شيء واحد. وعن رجل ادعى على رجل أنه باع له بعيرا بخمسمائة درهم، وأنكر المدعى عليه، وأحضر شاهدا واحدا بالبيع، وأحضر شاهدا آخر */* (1/90)
صفحة 91
بإقراره أن للمدعى عليه خمسمائة درهم، ولا يذكر بيعا إلا بالإقرار بالخمسمائة، هل يحكم بشهادتهما؟ قال: لا يحكم بشهادتهما. ومن غيره: وقد قيل: ان شهادة القطع والإقرار لا تتفق. وقد قيل: تتفق. وعن امرأة شهد عليها شاهدان أنها أعطت قطعة لها زوجها، وشهد عليها آخران أنها أعطت ابنا لها يتيما، ولا يدري من الأول منهما. فان علم أيهما الأول كانت له. وان لم يعلم فهي بينهما، وعلى الزوج يمين، وذلك أنهلا إحراز على أحدهما. ولو كان أحدهما عليه إحراز ولم يصح إحرازه كانت العطية لمن لا إحراز عليه. */* (1/91)
صفحة 92
باب (في شاهدي زور، ومن أخذ مالا بشهادة زور)
عن أبي عبد الله: قال محمد بن محبوب: ولو أن رجلا اغتصبه رجل مالا فلم يقدر عليه إلا بشاهدي زور فلا يحل له أن يأكل هذا المال بشهادتهما ولو حكم له الحاكم. فان فعل فيرد ذلك المال الى المحكوم عليه أو الى ورثته ان كان قد مات. ولكن إن كان قد حكم له الحاكم بذلك ولم يدعه بالبينة، وهو يعلم أن ذلك له فهو حلال له أن يأخذه ويأكله، وعلى الحاكم أن يغرم مثل ذلك للمحكوم عليه. ومن غيره: ليس يجوز له استعمال شاهدي الزور، فان أخذ ماله بعينه فلا شيء عليه، وان أخذ ماله بالعين مثل أنه يحكم له بالمثل أو القيمة فعليه التوبة، ويقاصص المحكوم عليه، فان أبى قاصص نفسه. وعن أبي عبد الله: وعن رجل أمر عبدا لرجل أن يستقي له من النهر بغير إذن سيده فاستقى له العبد من بئر فوقع فيها، أو أمره أن يستقي له من البئر فاستقى له من النهر فغرق فيه، هل يضمنه؟ قال: نعم. ولا شهادة لشاهد الزور إذا أخذ مالا بشهادته حتى يرده. */* (1/92)
صفحة 93
قال غيره: وقد قيل: لا يجوز ولو تاب ورده. وقيل: يجلد شاهد الزور، ويطاف به، ويطال حبسه حتى يحدث توبة. قال أبو عبد الله في رجل شهد بزور مع شاهدين أو شهود فحكم بشهادتهم كلهم ثم أقر أنه شهد زورا. قال: لا يضمن إذا شهد معه شاهدا لأن شهادتهما تجزئ عن شهادته. فان كان إنما حكم بشهادته وبشهادة أخرى فإنه يضمن النصف. قيل: وتقبل شهادته في ما استأنف. قال: ان كان شهد معه شاهدان قبلت شهادته إذا كانوا عدولا لأن المال أتلف بشهادتهما. وان كان إنما شهد معه شاهد واحد لم تقبل شهادته في ما استأنف. وقيل في المرتشي على شهادة الزور والآخذ عليها أجرا فلا توبة له إلا أن يرد ذلك، ولا يكون له الحل من ذلك على بعض القول. فان كان هذا المشهود له رد على المشهود عليه ما أخذ منه بشهادة هذا الشاهد لم يكن على هذا الشاهد إلا التوبة. قال لنا أبو المؤثر –رحمه الله-: من شهد على رجل بمال في يده لرجل آخر، وحكم بشهادته ثم إن المشهود له وهب المال للمشهود */* (1/93)
صفحة 94
عليه من بعد الحكم لم تقبل لهذا الشاهد شهادة أبدا إلا أنه ان تاب من ذلك، واستغفر ربه كانت الولاية ولا شهادة له. وعن رجل شهد على يتيم بشهادة زور فحكم الحاكم على اليتيم بشهادة هذا الشاهد، وقبض على المشهود له مال اليتيم، واستغله سنين حتى بلغ اليتيم ثم أراد الشاهد التوبة فوصل الى اليتيم فأخبره بما كان شهد عليه به، وطلب إليه الحل من ما كان شهد به عليه فعله هل يبرأ هذا الشاهد في ما بينه وبين الله؟ فعلى ما وصفت فقد برئ هذا الشاهد من قبل اليتيم إلا أنه لابد له أن يصل الى المشهود له بالمال الذي يأكله حراما بشهادته يأمره أن يرد المال الى صاحبه، ويحتج عليه في جماعة المسلمين من الاثنين فصاعدا، فاذا فعل ذلك فهذه توبته ان شاء الله قبل منه أو لم يقبل. سئل عن شاهد الزور فقال: رأيت عمر بن عبد العزيز أخذ شاهد زور فحبسه فأطال حبسه ثم خلا عنه، وما علمنه عزره. قال القاسم بن محمد في شاهد الزور: يخفق سبعة أسواط على رأسه ثم يقام للناس فيقال: هذا أبو فلان شهد على زور فاعرفوه. وقال غيره: ان كان من العرب كتب اسمه عنده، وأرسل به الى قومه فأعلمهم بذلك منه. وان كان من الموالى كتب اسمه عنده، وأرسل به لأهل سوقه فأعلمهم بذلك. */* (1/94)
صفحة 95
وقيل: كتب عمر في شاهد الزور أن اجلدوه أربعين جلدة، ويحلق رأسه، ويطاف به ويطال سجنه. وقيل: ان شريحا نزع عمامته، وخفقه خفقات. قال بعض الناس: يرى أن يضربه على رأسه عشرين ضربة بالدرة، ويقيمه للناس عند مقعد القضاة ويقال للناس: هذا فلان بن فلان، ومنزله في بني فلان، شهد عند القاضي فلان بزور، ويبين ذلك للقاضي فاعرفوه. */* (1/95)
صفحة 96
باب (في الرجعة عن الشهادة)
وسألته عن رجلين شهدا على رجل أنه قتل فلانا وعدلا، ودفعه الحاكم الى ولى المقتول فقتله ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما. فان قالا: وهمنا أو شبه لنا كانت الدية عليهما. وان قالا: تعمدنا على شهادة الزور قتلا به جميعا صاغرين، ولا يرد على أوليائهما شيء من الدية، وهو بمنزلة الفتك. وكذلك أربعة شدهوا على محض بالزنا ثم رجعوا عن شهادتهم من بعد رجمه. قال غيره: نعم. وقد فيل عليه الرد. ولو رجع أحد الشاهدين أو أحد الشهود فقال: تعمدت للشهادة زورا عليه قتل ولا يكون لورثته شيء على أولياء المقتول. فان قال: شبه لى أو همت أو قال ما يجوز أن يكون من غير التعمد فعليه حصته من الدية يؤديها الى أولياء الذي شهد عليه، وقتل بشهادته. قال غيره: وقد مضى القول وقد قيل: هو بمنزلة النائرة. */* (1/96)
صفحة 97
وقد قيل: اذا رجع أحد الشهود كانت الدية عليه كلها. وقد قيل: حصته منها. وعن شاهدين شهدا على رجل بطلاق زوجته وفرق بينهما، وتزوجت ثم رجعا عن الشهادة. قال من قال: تنتقض القضية، وترجع إلى زوجها ان لم تكن تزوجت. وقال من قال: لا ترجع اليه بعد الحكم. قيل له: فالصداق؟ قال من قال: يغرمانه للزوج على قول من يرى أنها لا ترجع. وقال من قال: لا يغرمانه. ومن غيره: وعن شاهدين شهدا مع الحاكم أن فلانة امرأة بالغ، وقد بلغت مبالغ النساء، وأمر الحاكم بتزويجها فلما دخل بها زوجها غيرت ورفعت واستبان أمرها أنها لم تبلغ، وانتظر بها البلوغ فبلغت وكرهت الزوج وقد باشرها فلزمه الصداق، وطلب الى الشاهدين الحق فما نبعدهما عن غرامة الصداق. قال أبو المؤثر: إلا أن يكون علم ذلك وإنما استشهدهما فلا غرم عليهما، والغرم عليه هو. */* (1/97)
صفحة 98
وعن شاهدى عدل شهدا على رجل أنهما نظرا اليه وهو يشرب الخمر فأقام عليه الحاكم الحد ثم ان أحد الشاهدين رجع عن شهادته. فان أقر أنه شهد عليه شهادة زور فعليه أرش الجلد. وان قال: شبه لى فعليه النصف. وقال أبو زياد: وابنه عليه أرش الجلد كله. من تأليف أبي القحطان: وكل شهادة وقعت مع الحاكم فرجع عنها قبل الحكم بها بجهة من جميع الجهات كلها، من جهة البينة، أو صراح الزور، أو إقرار في شهد به على نفسه من ما لا تجوز شهادته فانه لا غرم عليه. وكل شهادة وقعت مع الحاكم، وحكم بها أو قبض المحكوم له ما حكم به –فان لم يكن قبض رجع الحكم- ثم رجع الشهود عنها أو بعضهم صراحا بالزور، أو شهدوا لإقرار في ما شهد به على نفسه من ما لا تجوز شهادته به فان الراجع غارم قسطه من ما شهد به على عدد الشهود الذين شهدوا معه ان الحاكم قصد الى الحكم بشهادة جميعهم وقف اذا كان قد بقى من يتم الحكم به. قال أبو محمد: فيه اختلاف. وان قصد الى الحكم بشهادة بعضهم غرم الراجع منهم، ولا ضمان على من تم على شهادته. وكل شهادة تعمد فيها للزور أو لشيء من ما لا يتم الحكم إلا به */* (1/98)
صفحة 99
فأتلف بها نفسا أو ما دونها من ما فيه القصاص فهو بمنزلة المتعمد للفعل، ويلزمه القصاص، وكان بمنزلة الشريك في الدم. فان رجعت البينة كلها التي نفذ الحكم بشهادتها على تعمد الزور كان بمنزلة من قتل فتكا، وقتلوا به جميعا. وقال بعضهم: شركا يختار الأولياء واحدا، ويرد الباقون عليه قسطهم من الدية. وكذلك ان أتلفوا بشهادتهم عضوا فيه القصاص. وان لم يرجع من البينة إلا واحد فانى أرى للأولياء أن يقتصوا منه، ويردوا قسط من شهد معه من الدية عليه ثم اقتصوا منه، وقف. وكل شهادة رجع عنها الشاهد بها على وجه طريق السهو والنسيان فانه غارم ما أتلف من ما لا قصاص فيه عليه. وكل شهادة نفذ الحكم بها ثم اطلع أن الشاهد بها كان بمنزلة من لا يجوز إنفاذ الحكم بتلك الشهادة عنه لم يغرم، وردّ المحكوم له ما كان قائما. وان كان قد تلف فلا غرم عليه. والراجع عن شهادة الزنا بعد تمامها بالأربعة نفذ الحكم أو لم ينفذ بالأربعة، نفذ الحاكم أو لم ينفذ عليه الجلد. فان كان الحكم نفذ جلد وغرم، فان لزمه في ذلك للقود رفع حدّ القذف. */* (1/99)
صفحة 100
والراجع عن شهادة الزنا وقد بقى من يتم به الحكم فلا جلد عليه ولا غرم. ومن تم على شهادته بعد الحكم بذلك. وان لم يتم الشهادة بالأربعة جلد من شهد. ومن رجع من شهود الإحصان لا غرم عليه ولا قصاص. وشهادة الزنا يقبل واحد بعد واحد في مجلس واحد، وان تفرقوا حدّوا. قال: اذا جاءوا جميعا فشهادتهم جائزة. واذا شهد رجل وثلاثة نسوة بشيء رجعوا كلهم بعد أن حكم بشهادتهم كان الرجل من الحق الخمسان، وعلى كل واحدة من النسوة الخمس. وان قصد الى الحكم بشهادة اثنين من النسوة كان الغرم على من قصد الى الحكم بشهادته وان رجع. ولعل بعضا يقول: ان على الرجل النصف، وعلى النسوة النصف كن اثنتين أو أكثر. وعن أبي معاوية –رحمه الله- في أربعة من النصارى شهدوا على نصراني أنه زنى وكانوا عدولا في دينهم، فلما أراد الحاكم أن يقيم عليه الحد أسلم. */* (1/100)
صفحة 101
قال: يدرأ عنه الحد، وتبطل شهادتهم لأنى لا أجيزشهادة النصارى على مسلم إلا أن يكون إسلامه بعد ما وقع عليه أول الحد. فان كان إسلامه بعد ما وقع عليه أول الحد ولو سوط ثم أسلم لم يدرأ عنه الإسلام، وكان عليه تمام الحد. وكذلك ان شهد عليه شاهدان من النصارى أنه قتل نصرانيا وكانا عدلين في دينهما ثم أسلم من بعد أن لزمه الحق ثبت عليه الحق إلا أن يكون حكم عليه بالقود بطل القود، وكان عليه الدية في ماله. وعن أبي عبد الله: وعن شهادة أربع نسوة عن رجل ميت، أو عن غائب قال: لا توز شهادتهن إلا مع رجل. قال غيره: أما الغائب فلا يجوز. وأما عن الرجل الميت فجائز. ومن جواب أبي جابر: وعن رجل وكل رجلا في قضاء دينه، وأشهده هو ورجالا معه فقضى الوكيل بعض الغرماء من عنده ثم أراد أن يأخذ من مال الهالك ما قضى من الدين الذي شهد به، واحتج من يدفع عن اليتامى بأنك تأخذ لنفسك ما شهدت به. فرأينا: ان كان شهد بالدين عند الحاكم، وثبتت وكالته وشهادته، ثم قضى بعد ذلك من ماله أخذ من مال الهالك مثل ما قضى عنه ان صح القضاء. وان كان قضى من قبل أن تثبت شهادته عند الحاكم ثم شهد وأراد */* (1/101)
صفحة 102
أن أخذ من مال الهالك ما قضى فإنا نستضعف شهادته في ما قضى قبل أن يشهد والله أعلم. ومن ما سأل موسى بن محمد عمر بن محمد: وعن رجل أشهد على نفسه لرجل شاهدين بألف درهم، ثم أشهد أيضا شاهدين آخرين لذلك الرجل بألف درهم، أشهد على هذا عشر شهادات في مجلس أو مجالس شتى فطلب صاحب الحق خمسة آلاف. قال: المشهد على نفسه إنما على ألف درهم ما ترى يؤخذ منه. قال: إنما يلزمه ألف درهم إلا أن يشهد البينة أن الألف درهم ثمن قطن، وهذا ثمن حب، وهذا ثمن غنم، ويبعضونه وإلا فهو ألف واحد، والله أعلم بالصواب صحت هذه المسألة، وللشاهد أن يرجع ما لم يقع الحكم. فاذا وقع لم تكن له رجعة، وكان عليه الضمان. */* (1/102)
صفحة 103
باب (في الشهادة عن الشهادة)
ومن الأثر: ولا تجوز شهادة أهل الذمة على شهادة المسلمين لذمى ولا مسلم. وتجوز شهادة المسلم على الذمىللذمى عن المسلم على الذمى، ولا تجوز على المسلم. وتجوز شهادة المسلم عن الذمى على الذمى، ولا تجوز على المسلم. ولا تجوز شهادة النساء عن الرجل الميت لأنه لا تجوز شهادة امرأة عن الرجل. قال غيره: وقد قيل: تجوز شهادة امرأتين عن رجل ميت. ولا تجوز شهادة امرأتين عن رجل ميت عند امرأتين ليشهدا عن نفسهما، ولا عن رجل، ولا شهادة رجل عن امرأتين الميتين. وسئل عن شاهدين عن لسان آخرين أن فلانا وفلانا سألناهما عن */* (1/103)
صفحة 104
فلانا فقالا لنا: مات بعلمنا أو قتل: هل تجوز شهادتهما لنتزوج امرأته بعده؟ قال: لا، إنما ذلك خبر، ولكن ان جاء الرجلان الشاهدان الآخران فقالا: نشهد أن فلانا وفلانا شهدا معنا أن فلانا مات أو قتل جازت شهادتهما ولتزوج المرأة ان شاءت اذا انقضت عدتها. ومن جواب أبى على: وقلت: هل تجوز شهادة الشهود عن الشهود على الحدود والدماء؟ قال: فلا أرى ذلك والله أعلم، وسل عنها. ومن جواب أبى الحوارى: وعن شهادة شهد بها من لا يعدل فيقول: أشهدني فلان بن فلان بكذا وكذا، والذي يشهد بهذه الشهادة من بلد سوى بلد المشهد ولا يقول فلان بن فلان النزواني ولا البهلاني فيقول الذي شهد عليه الشاهد: لا أقرب الى المال حتى يقول فلان بن فلان البهلاني أو النزواني لأن بلدك فيها على نحو هذا من الأسماء كثيرة. فعلى ما وصفت فاذا لم يصف الشاهد المشهود عليه بحلية تعرف لم تجز الشهادة حتى يقول: أشهدنى فلان بن فلان أبو هذا، أو أخو هذا، أو زوج هذه، أو صاحب هذا المال. فاذا لم يصفه بحلية تعرف لم تجز الشهادة. واذا وصف بحلية يعرف بها جازت الشهادة اذا كان الشاهد عدلا. وقلت: ان قال: فلان بن فلان أشهدنى بكذا وكذا ولم يعدل ثم */* (1/104)
صفحة 105
شهد عدل بعد ذلك أن هذا الرجل أقر عندي بكذا وكذا نحوه ما شهد به الذي لا عدالة له فيقول هذا الرجل، فلا نعرف من يعني بهذا الرجل إلا بالظن بغيره بيان أنه الأول المشهد. فعلى ما وصفت فان الظن لا يؤخذ به، وانما يؤخذ بالتصريح اذا شهد على رجل بعينه، أو بنسبه، أو بحلية، هناك تجوز الشهادة بعد تعديل الشاهد. وقيل: اذا شهد عن شاهد بالتزويج، وشهد آخر بالتزويج، على الشهرة جاز ذلك ان شاء الله. وشهادتهم جائزة على ذلك اذا كانوا عدولا. قال أبو قحطان: ويحكم بالشهادة عن الشهادة وان بعدت في جميع الحكومات كلها إلا في الحدود والقصاص. ومن كتاب الفضل بن الحوارى: ويقبل الحاكم البينة عن البينة اذا كانت البينة غائبة من عمان أو مريضة، شاهدان عن شاهدين. وتقبل اذا كانوا من مَن تقبل شهادتهم شاهدان عن شاهدين اذا شهدا جميعا عن الشاهدين جميعا وعن هذا. وسئل عن تعديل الشهود جميعا عن الشهود وعن الذين شهدوا عنهم ان عرفوا، وإلا فقد قيل: ان تعديل الحاملين للشهادة اذا كانوا من مَن يقبل تعديلها أخذ عنهم تعديل الذين شهدوا عنهم. وان كانوا أمواتا أجزأ كل شاهد عن شاهد، الرجل عن الرجل والمرأة عن المرأة. */* (1/105)
صفحة 106
وأما الأحياء فعن كل رجل رجلان أو رجل وامرأتان. ويجوز رجلان أو رجل وامرأتان. فكذلك عن المرأة الحية رجلان أو رجل وامرأتان عن رجلين. ويجوز عن رجلين رجل وامرأتان عن رجلين وامرأتين. وتقبل البينة عن النساء وان كن في بلد. وتقبل البينة عن الإمام والقاضي. قال غيره: اذا كان ولى الأمر غيرهما. قال محمد بن المسبح: اذا كانا في غير بلد الحاكم. وأما إن كانا في البلد فقد اختلف في ذلك. وان كانا في مجلس الحكم فنحب ألا يقبل ذلك عنهما، ويشهدان عن نفسهما. ومن طلب الى من أشهده أن يشهد له عن شهادة نفسه فعليه أن يشهد عن شهادته وليس بمخير. فان شهد على شهادته ابتداء من غير مطلب من من أشهده فقد أحسن حيث أثبت لصاحب الحق حقه. وتجوز الشهادة عن شهادة الأعمى والمعتوه اذا شهدوا عن شهادتهم وهم أصحاء على ما يعرف بالبينات على ما شهدوا عليه، أو بمعاينة المشهود عنهم على عين رجل أو دابة أو مال حدوه لهم وهم أصحاء. */* (1/106)
صفحة 107
وكذلك الذين اذا شهدوا وهم أصحاء، وأشهدوه عن شهادتهم على عين صاحب الحق الذي عليه. وكذلك في الحقوق والنكاح والرضاع اذا شهدوا وهم أصحاء، وأشهدوهم عن شهادتهم وهم أصحاء. وفي القتل والدماء فقيل: لا تجوز الشهادة عن الشهادة في القتل لأنه من الحدود، ولا تجوز شهادة عن شهادة في الحدود. قال غيره: اختلف في القتل. فقال قوم: انه من الحقوق، والشهادة عن الشهادة فيه جائزة. وقال قوم: انه من الحدود، ولا تجوز الشهادة فيه عن الشهادة. وقال محمد بن زياد: نسخه. وقال محمد بن محبوب: انه حق في حد. قال أبو المؤثر: أما في القود فلا تجوز فيه الشهادة عن الشهادة. وأما الدية فجائزة. ومن كتاب أبي قحطان: وكل شهادة احتملت عن شهودفي وقت لو شهد بها لردت لعلة من جميع العلل كلها فوددت بعد أن صارت عنه بها جائز الشهادة أن لو شهد بها لم تجز على مشهود عليه إلا أن تكون وقعت عن والد لولده ثم مات الوالد فانها تجوز عنه، أو فاسق من أهل الصلاة. */* (1/107)
صفحة 108
وكل شهادة احتملت عن مشهود عنه في وقت لو شهد بها لجازت ولم ترد حتى انتقل الى حال لو شهد بها لردت لم تجز على مشهود عليه إلا أن تكون احتملت عن بصير ثم عمى، أو صحيح العقل ثم ضاع عقله فإنها تجوز. انقضى. قال قوم: تجوز شهادة واحد عن الميت، ويسأل الذين شهدوا عليه بعدالة فان عدلا عن تعديلهما. وان خفت أن يكون الذين شهدوا على الغائب والمريض من بلد الرجال ومن ضعفة المسلمين فسئل عن تعديل الذين شهدوا عليه فان شياطين الإنس إنما أنزلوا ضعفاء المسلمين الذين لا بصر لهم في ما يعنيهم من ذلك. وفي ما يوجد أنه عن أبى عبد الله معروض على أبى الحوارى: وعن رجل شهد بشهادة عن رجل ميت فقال الشاهد عن ذلك: أنا أزكى الميت الذي شهد عنه، سألت: هل يكتفي بذلك؟ فان كان الذي حملت عنه الشهادة من من لا يعرفه الحاكم ولا المعدل اذا كان من أرض غربة لا يعرفه الذي حمل الشهادة عنه فقال حامل الشهادة: انه عدل معه، وكان الذي حمل الشهادة أيضا عدلا فانه يكتفى بقوله فيه، ويقبل تعديله، وسواء ذلك عندي كان المشهود عنه حيا أم هالكا. وعن أبى قحطان: فان شهد شاهد عن شاهد، وطرح الشاهد الأول الذي شهد عن شهادته بطلت. */* (1/108)
صفحة 109
فان طرح الشاهد عن شهادة الأول لم تبطل، وله أن يحضر عند ذلك شهودا أخرين، وقبلت شهادتهم عليه. وقيل: لم شهد شاهد عن شاهد، والمشهود عنه حين شهد عنه الشاهد ليس بزاك، ثم زكا بعد ذلك ومات زاكيا، وصح ذلك لم تجز الشهادة عنه لأنه شهد عنه حين شهد وهو غير جائز الشهادة. وكذلك لو شهد بشهادة وهو زكى ثم فسق بعد ذلك فلا تجوز شهادته اذا علم الحاكم بذلك. وأما اذا كان زاكيا فشهد بشهادة ثم فسق ولم يعلم الحاكم بذلك حتى تاب جازت شهادته. فان علم الحاكم بفسقه وتوبته لم تجز شهادته. ومن غيره: قلت: هل يجوز لى أن أجمل الشهادة عن شهادة غير ولى الى قاض أو سلطان أو غير ذلك؟ قال: ليس لك أن تحمل إلا شهادة من تجوز شهادته عندك فتكون قد حملت عنه، وأديت ما أشهدك به لأنه غير العدول لا تجوز شهادتهم عندك ولا عند غيرك. ومن غيره: ومن تحمل شهادة عن غير عدل فجائز ويلى الحاكم التعديل. وعن الفضل: وتجوز شهادة الحاكم عند شاهد بما حكم به اذا عزل، ويشهد معه شاهد آخر. */* (1/109)
صفحة 110
وتجوز شهادة الشهود على شهادة الشهود عند الحاكم على الخصم وهو حاضر وان لم يشهدهم الشهود ولا الحاكم. ورجل كافر شهد على شهادة رجل مسلم على كافر لكافر أو مسلم فالمحمول عنه الشهادة ميت أو غائب فهذا لا تجوز عن شهادة كافر لكافر على كافر ان بعض المسلمين قضى له بقضية فهي عندي غير جائزة. */* (1/110)
صفحة 111
باب (في شهادة الشهرة)
الشهرة في اللغة ظهور الأمر في سعة حتى يظهر بشهرة الناس. وعن للشهور من الأمور اذا شهد بذلك عن الشهرة، وشهد شاهدا عدل بخلاف ذلك على المعاينة فشهادتهما أولى والله أعلم بالصواب. وفي رجلين زارعين يقول أحدهما لصاحبه: ازجر لي على ثورك اليوم، وأنا أزجر لك على ثوري ثلاثة أيام. قال: ذلك لا يجوز. وهذا عندي من الشيء بمثليه الى أجل، وهذا ما لا يجوز. قال غيره: هذا ليس عندي من البيوع، وإنما هذا من الأجر والأعمال. فاذا اتفقا على شيء معروف لا تدخله الجهالة لم يكن عندي باطلا. وفي جواب من أبي عبد الله: أخبرك أن الأثر عن أولى العلم بالله أن للشهود أن يشهدوا على النكاح المشهور وان لم يحضروه، وعلى الموت المشهور وان لم يحضروه، وعلى النسب وان لم يحضروه، والولادة، وعلى الولاء المشهور. */* (1/111)
صفحة 112
ومن كتاب محمد بن جعفر: وقال من قال: يشهد بالولد أنه ولدهما اذا سمع بحمل المرأة ولم يسمع بالميلاد، ثم رآى الولد عندهم وقالوا: انه هو ولدهم فإنه يشهد به. وان كان النسب مشهورا باسم الرجل واسم أبيه، والشاهد يعرف الرجل وان لم يدرك أباه فانه يشهد أنه فلان بن فلان كما نشهد نحن أن أبا بكر أبو قحامة، وعمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب ولم ندرك آباءهم. وإنما ذلك اذا كان الرجل والنسب مشهورا معروفا. وان كان الشاهد لا يعرف الرجل إلا بشهادة رجل واحد، وكان رجل من أهل بلدهم لم يكلمه ولم يخاطبه، ورجل قدم من بلد آخر فانتسب له وأقام معه فان هذا لا يسع للشاهد أن يشهد به أنه هو فلان بن فلان. والميت اذا ادعى ميراثه اثنان، وأقام أحدهما البينة باقرار الهالك أنه وارثه ابن عمه، وأقام الآخر شاهدين بالنسب فشاهدا النسب أولى من شاهدي الإقرار. انقضى. واذا تزوج رجل امرأة نكاحها علانية، ودخل بها، وأقام معها ثم مات فانه يسع جيرانها أن يشهدوا أنها امرأته وان لم يكونوا شهدوا النكاح. وان كان لهما ولد شهدوا أنه ولدها وان لم يعاينوا الولادة لأن أمر الناس على هذا، ولا يجدون من ذلك بدا، فمن تركه ترك السنة: */* (1/112)
صفحة 113
وإذا شهد مع رجل شاهدا عدل على رجل أنه هو فلان بن فلان فانه لا يجوز أن يشهد أنه فلان بن فلان، وانما يشهد أنه شهد فلان ابن فلان وفلان بن فلان، أو شهد معى شاهدا عدل أن فلان ابن فلان وفلان بن فلان. فاذا شهد على ذلك فقال من قال: ان ذلك يقبل من شهادته. وقال من قال: ان ذلك لا ينفع، ولا يقبل شهادته على هذا. ومن غيره: وقيل: اذا نزل رجل مع قوم أشهرا أو سنتين يعرف أنه فلان بن فلان، واحتاج القاضي الى معرفته، ودعا جيرانه جاز لهم أن يشهدوا أنه فلان بن فلان. ومن غيره: هل يسع الشاهد أن يشهد بمال على علمه من طريق الشهرة، ولا يفسره اذا لم يسأل عن ذلك، ثم عليه أن يفسر ولا يسعه إلا ذلك كان من من ينصر الأحكام أم لا. قال: على ما يخرج عندي في قول أصحابنا في بعض معاني قولهم أنه لا يشهد على علمه في ذلك بالقطع إلا أن الشهادة معهم على الشهرة لا تجوز في الأحكام. ويخرج في بعض معاني قولهم ان لم يكن يعرف اختلاف معنى الأحكام وما يجوز منها من ما لا يجوز، ولم يضق عليه الشهادة بعلمه على معنى صحتها. */* (1/113)
صفحة 114
عنده أنه كذلك، وان علم بمعنى الأحكام في ذلك وأنها تفترق لم يكن له ذلك لأنه كأنه يقدم على كتمان علمه الذي لو فسره لم تجز شهادته. ومن غيره: واذا أخبرك من تثق به أن فلان بن فلان فلا يجوز لك أن تشهد أنه فلان بن فلان حتى يخبرك اثنان أنه فلان بن فلان، أو تراه يجيء ويذهب، وتسمع الناس يسمونه بذلك الاسم، ويتواطأ عليه ذلك الاسم. فاذا كان على هذا جاز لك أن تشهد به. أشهد على اقرار فلان بن فلان البائع وفلان المشتري في جميع ما سمى ووصف من اقرارهما في هذا الكتاب من البيع والابتياع والقبض وخلاص الدرك والتفرق بالأبدان الى غير ذلك من ما ذكر وبين في هذا الكتاب، ولا أعلم أن هذا البيع والابتياع باطل، ولا شيء منهما إلا ان أديت لهذه الشهادة أشهد على اقرار فلان بن فلان وفلان بجميع ما سمى ووصف من اقرارهما في هذا الكتاب لفلان وفلان على ما ذكر فيه، ولا اعلم أن هذا الاقرار بطل بوجه ولا بسبب الى أن أقمت هذه الشهادة. يقول الشاهد: أشهد على اقرار فلان بجميع ما سمى ووصف من اقراره في هذا الكتاب من الصداق المذكور مبلغه فيه لزوجته فلانة وهو كذا وكذا، ولا أعلم أنه برئ إليها من ذلك ولا من شيء منه الى أن أديت هذه الشهادة. أشهد على اقرار فلان أنه تزوج فلانة تزويجا صحيحا، وحصلت له في عقد نكاحه، ولا أعلم أنه طلقها ولا خالعها ولا أخرجها من تزويجه بوجه ولا سبب الى أن أديت هذه الشهادة. أشهد على اقرار فلان أنه طلق زوجته فلانة ثلاث تطليقات بكلمة */* (1/114)
صفحة 115
واحدة بانت بنه منه، وانقطعت عصمة الزوجية ولا أعلم أنه تجدد بينهما عقد نكاح الى أن أديت هذه الشهادة. هذا اذا ط ل العهد بالطلاق. وان كان قريب عهد لم يحتج الى ذكر تجديد النكاح بينهما. أشهد على اقرار فلان بن فلان من اقراره في هذا الكتاب من الوكالة المذكورة لفلان على فلان على الشرائط المشروطة المبينة ولا أعلم أن هذه الوكالة بطلت ولا شيء منها من شرائطها الى أن أديت هذه الشهادة. وان شئت قلت: ولا أعلم أنه رجع عن هذه الشهادة. أشهد على اقرار فلان الهالك بجميع ما سمى ووصف من اقراره في هذا الكتاب من الوصية والوصايا والديون والعتق والولاية وغير ذلك من ما سمى ووصف من اقراره فيه، ولا أعلم أنه رجع عن ذلك ولا شيء منه، ولا اخرج وصية المذكور من هذا الكتاب عن شيء من ما اعتمده الى أن هلك وأديت هذه الشهادة. أشهد على اقرار فلان بجميع ما مسى ووصف من اقراره في هذا الكتاب من الدين المذكور فيه لفلان وهو كذا وكذا، ويصف العقد على ما ذكر وبين في هذا الكتاب، ولا أعلم أنه خرج إليه من ذلك ولا من شيء منه، ولا برئ اليه منه الى أن أديت هذه الشهادة. وان كان هذا الدين رهنا قلت: أشهد على اقرار فلان وفلان بجميع ما سمى ووصف من الاقرار كل واحذ منهما من الدين والرهن والارتهان، */* (1/115)
صفحة 116
ولا أعلم أنه خرج اليه من ذلك ولا شيء منه الى أن اديت هذه الشهادة. أشهد على اقرار فلان بجميع ما سمى ووصف من اقراره في هذا الكتاب من العتق المذكور على ما ذكر وبين: أشهد أن هذا الغلام ملك لفلان، ولا أعلم أنه باعه ولا وهبه ولا نحله ولا أخرجه من ملكه بوجه من الوجوه، ولا سبب من الأسباب الى أن أديت هذه الشهادة. وان كان غائبا سمى ووصف. أشهد أن جميع هذه الأرض المحدودة الموصوفة المذكورة في هذا الكتاب لفلان، وهي في يده يتصرف فيها تصرف المالك، ولا أعلم أنه باعها ولا وهبها ولا أنقلها عن ملكه بوجه من الوجوه التي تنتقل بها الأملاك، وتزول بها الأموال الى أن أديت هذه الشهادة. أشهدني فلان بن فلان والد فلان بن فلان أن عليه لفلانة بنت فلان خمسين نخلة بأرضها وشربها من الماء صداقا لها عليه، وما أعلم أنها زالت عنه الى أن مات، وأنا شاهد عليه لها بذلك، ولا أعلم أنها استوفت بهذا الصداق الى أن كتبت هذه الشهادة عنها. أنا أشهد أن فلانة بنت فلان زوجة فلان بن فلان أن هذا وما أعلم أنها بانت منه بطلاق ولا وجه من وجوه الفراق من ما بينهما عنه عن حكم الزوجية الى أن مات وترك من الورثة ولده وزوجته فلانة بنت فلان هذه، وما أعلم له وارثا غيرهما، وأنا شاهد بذلك. */* (1/116)
صفحة 117
أنا أشهد أن فلانة بنت فلان التي شهد لها فلان بن فلان هذا على فلان بن فلان والد فلان بن فلان بهذه الشهادة هي التي وكلت فلان بن فلان وأنا شاهد بذلك. سألت أبا عبد الله محمد بن تمام النخلى: اذا شهد أن فلانا أقر عندي بفلان بكذا لفلان، أو شهد أن عليه لفلان كذا ولم يذكر وما أعلم، هل تجوز شهادته؟ قال: جائزة شهادته. */* (1/117)
صفحة 118
باب (في الشهود وتفريع تحملهم الشهادات)
ومن حضره الموت وأعطى رجلين كتابا وقال لهما: اشهدا على بما في ذلك الكتاب فانه وصيتي، أو لم يقل وصيتي فقالوا: اذا كان من من يكتب فجائز أن يشهد عليه بما في ذلك الكتاب، وان كان من من لا يكتب ولا يقرأ فحتى يقرأ عليه، ويشهدان بما فيه بعد أن يقرآن عليه. وعن رجل يدفع الى رجل كتابا ويقول: اشهد على بما في هذا الكتاب فهو عندي على نحو كتاب الوصية. وان كان الدافع أميا فلا يجوز حتى يقرأ عليه. وان كان من من يكتب ودفع الكتاب من يده الى من شهد عنه أو عليه بما في هذا الكتاب شهد به عليه. وعن امرأة لا تشك في معرفتها أشهدتك بشهادة من خلف باب أو غيره، أو كلمتك وهي ساترة وجهها. فاذا كانت بين يديك وأنت عارف بها وأشهدتك فلك أن تشهد ولو لم تظهر وجهها اليك. وأما إن كان خلف حجاب فاذا لم تعرفها إلا بالصوت فلا ينبغي لك أن تشهد لأن الأصوات تتشابه. من ما يوجد عن بعض أهل العلم: معروض على أبو الحوارى: */* (1/118)
صفحة 119
وسألته عن من أشهد بشهادة وأنا أنسى يقول: انى أنسى فان ذكرت شهدت، وان نسيت فليس عليّ له. قال: ان قلت فحسن. وان لم تقل فلا بأس إن نسيت. قلت: فان لك أذكر وكان عندي رجل في الشهادة وهو ولى على فذكرني، أأشهد أم حتى أذكر أنا؟ قال: حتى تذكر أنت. وسألته عن من كتب شهادتي بغير رأى فلا بأس بذلك. قلت: فان لم أقل له؟ قال: ليس عليه بأس من ما قد أشهدك. ومن ما أحسب جواب أبى المؤثر: وعن رجل أشهد أنه أشهد رجلين على نفسه لرجلين بحق له فقالا له: أشهد غيرنا فإنا لا نشهد بهذه الشهادة، ثم ان صاحب الحق طلب الى الشاهدين أن يشهدا له عند الحاكم، هل يجوز لهما كتمان هذه الشهادة أو القيام بها؟ أم كيف يشهدان؟ قال: فان عليهما أن يشهدا بهذه الشهادة، وليس لهما كتمانها، وليس عليهما أن يخبرا الحاكم أنهما قالا للمشهد: إنا لا نشهد. */* (1/119)
صفحة 120
وانا أخبر أيضا بأن ذلك لم يضرهما، ولم يضر المشهود له، والحق ثابت اذا كانا عدلين. ومن جواب أبي الحسن: وقلت: اذا استشهدك إنسان بشهادة على نفسه في تزويج أو غيره أن عليه كذا وكذا من الحق، وشهدت ثم داخلك الشك، وعارضك الشيطان الوسواس يوسوس حتى تبقى متحيرا شاكا في تلك الشهادة لا يقدر أن يقدم اذا شهد بها لو استشهدك، وهذا في الخلوة منك ما يعارضك. فعلى ما وصفت فما حفظت من الشهادة صحيحا لا شك شهدت به، وما شككت ولم تحفظه لم تشهد به، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم ان الله هو القادر المعين جل وعز. وقلت: ان داخلك في مثل هذه الشهادة فعلى أن أستفهم الذي أشهدني بها حتى يخبرني فأكون على يقين من ذلك أو ليس على ذلك. فان شككت فيها وعدت فسألت من استشهدك شهدت باقراره المؤخر، وما حفظت من الأول لم تتركه، ولم تترك منه ما لم تحفظه. وسؤلك في اثبات حقوق الناس اللازمة أفضل من نصيب اذا كنت تبطل حقوقهم ان سقطت شهادتك. وعن أبى محمد عبد الله بن محمد بن بركة: وليس للبينة أن يشهدوا إلا على وجه مكشوف من ذكر أو أنثى في قول أصحابنا، في ليل أو نهار. وحفظت عن أبى مالك –رضي الله عنه-: أنه ليس للشاهد أن يتحمل الشهادة في حال يرتاب. */* (1/120)
صفحة 121
فاذا زال الريب جاز له أن يشهد في كل حال، في الليل والنهار، أو ما هذا معناه. وأما مالك بن أنس وكان يجيز الشهادة مع غلبة الظن على الصوت المسموع من المتكلم به وغائب عن الشهادة بالظلام اذا غلب على رأيه، وسكنت نفسه فان الأمر كذلك وبالله التوفيق. وقال أبو الحسن في جوابه: وليس نقبل شهادة الشهود أنا سمعنا، ولا أنا عهدنا كذا وكذا حتى يشهد قطعا لهذا بدعواه على الآخر وحوزه المال بعلم من الآخر، ويشهدون أن أصل المال لفلان هذا، ولا يعلمون أنه أزاله بوجه من الوجوه. وقد قيل: اذا صح على الرجل أنه يأكل هذا المال، أو يثمره، أو يغرسه، أو يعمره فان ذلك يدله ولو لم يشهدوا له انه له في يده. وأن إن صح أنه يعلمه لم يكن ذلك يدا له. وسألته عن رجل ادعى جارية له سرقت وأقام البينة بأن الجارية كانت له، وقالوا: لا نعلم أنه باع ولا وهب، وقد كنا نعلم أن الجارية له بأرض كذا وكذا. قال: لا يجوز، ولا يعطى الجارية، ولا كرامة، ولكن البينة تسأل فان شهدوا بأن الجارية كانت له بأرض كذا وكذا، وسمعنا تذكر بتلك الأرض انه فقدها، ولا ندري ما صنعت، ولا نعلم أنه باعها ولا وهب فهذا ليس بشيء يجيء بالبينة أنها جاريته، وأنه فقدها بتلك الأرض. */* (1/121)
صفحة 122
ومن غيره: وعن رجل أشهد على نفسه بحق فقال له الشهود: نشهد عليك فقال: أى، أو قال بلا. أما قوله أى أو بلا كقوله نعم لأن الله تعالى قال في كتابه (أحق هو قل إي وربي). سألت أبى الحسن عن شهادة الشهود قطعا أن فلانا زوج فلانة، وأن فلانة زوجة فلان: هل يسألون عن ذلك؟ قلت له: تثبت شهادتهم، ولا يسألون عن ذلك. قلت له: فان كانوا انما علموا التزويج من قبل الشهرة فشهدوا قطعا أنها امرأته. قال: يجوز لهم ذلك إلا أن يعلموا أنها بانت منه، فان سألوا عن ذلك فقالوا: ما نعلم أنها بانت منه. ومن غيره: لا يجوز أن يشهد أن هذا وارث فلان ولا يعلم له وارثا غيره حتى شهد بالنسب من الهالك والوارث حتى يلتقيا الى ما يتوارثان من القرابة. وان قصر دون ذلك لم تجز شهادته. وسئل عن الحاكم اذا شهد معه رجلان أن عليه لآخر حقا وأنه مات ولم ينزله الشاهد، وكان الحاكم يعرف، هل له أن ينزله بعلمه؟ قال: اذا علمه نزله على غير معنى الشهادة من الشهود أنهم نزلوه. */* (1/122)
صفحة 123
قلت له: وكيف يكون تنزيله في ذلك؟ قال: معي أنه يكون تنزيله من لفظه هو، ويخرجه من لفظ الشهود بمعنى يستدل على ذلك. وهذا اذا علمه الحاكم. وسألته عن قوم شهدوا أن هذه الدار لفلان ولا نعلمه باعها ولا وهبها، والرجل قد خرج الى خراسان فمات منذ عشرين سنة بها أو أكثر من ذلك أو أقل. قال: الدار لورثته إلا أن يأتي قوم ببينة أنه باع أو وهب. وقلت: أليس قد شهدوا على غيب، ما علمهم بما صنع الآخر بخراسان؟ فقال: لا علم لهم بما صنع، إنما شهدوا على علمهم، فمن ادعى شيئا من قبل خراسان فليأتنا بالبينة على ما صنع بخراسان. قلت: فلهم أن يشهدوا بالله أنها داره تركها ميراثا؟ قال: لا، ليس لهم ذلك ولكنهم يشهدون أنه خرج وهي داره ولا نعلم أنه باع ولا وهب، فعلى الذين ادعوا عليه شيئا بخراسان صنعه أن يأتوا عليه ببينة. ومن جواب أبى الحوارى في شهادة الوالد لولده وغير ذلك: سألت –رحمنا الله وإياك- عن رجل دعاه رجل ليشهد على امرأته */* (1/123)
صفحة 124
أنها قد تركت له صداقها فلما أن دخل عليها ذلك الرجل، وصح عند ذلك الرجل أنها فلانة بنت فلان، ولو برزت تلك المرأة في نسوة حاسرة ما عرفها بعينها إلا أنها هي امرأة الرجل الذي أشهده عليها. فعلى ما وصفت فان كان هذا الرجل الشاهد قد ظهرت اليه المرأة في ذلك الوقت ونظر اليها والى وجهها، وشهد معه شاهدا عدل يثق بهما، رجلان أو رجل وامرأتان، أن هذه فلانة بنت فلان فالذي عرفنا من قول الفقهاء أنه يشهد بذلك، ويشهد أنها فلانة بنت فلان وأنها أشهدت به بكذا وكذا وقد عرفها، وانها امرأة بالغ، وشهادته جائزة. وكذلك إن كان رجل يعرفه فشهد معه شاهدا عدل أن فلان ابن فلان شهد عليه بالتسمية لقد أشهدني فلان بن فلان على نفسه بكذا وكذا ولو انه رآى الرجل بعد ذلك فلم يعرفه. وكذلك المرأة لو برزت حاسرة فلم يعرفها جازت شهادته في ذلك الوقت عليها بعينها، فهذا الذي نعرفه. ومن غيره: قال: وقد قيل: هذا وهذا يخرج من وجه على أن الشهادة تثبت النسب. وفي نسخة: تجب من وجه ثبوت النسب. وقال من قال: أنه لا يجوز له أن يشهد أنها فلانة بشهادة الشاهد. وكذلك الرجل لا يشهد، وإنما يشهد لقد شهد معه فلان وفلان أنها فلانة بنت فلان. */* (1/124)
صفحة 125
فإن شهد كذلك فقيل: لا يثبت به الحق. وقيل: يجوز، ويثبت ذلك. وقيل: إنه لو قال له رجل ثقة وامرأة ثقة: أن هذه فلانة قبل ذلك منها اذا كانت معروفة إلا أنه لا يعرف وجهها فعرفه ذلك ثقة جاز له. قال أبو مروان: إن الوالد تجوز شهادته لولده بالوكالة، وتجوز شهادة الوالد لولده برضا امرأة تزوجها الولد اذا كان الولد زوجه غير الوالد. فإن كان الوالد هو المزوج لم تجز شهادته له بالرضا. وحفظ محمد بن النظر عن أبى مروان في الولي اذا زوج أن شهادته تجوز في المال والرضا، ولا تجوز في التزويج لأنه هو الذي زوج. وقيل: تجوز شهادة الوالد لولده على ولده. وقال قوم: لا تجوز. وقد بلغنا أن الإمام المهنا بن جيفر أجاز شهادة محمد بن زائدة على ولده غدانه لابنته مليكة والله أعلم. قال أبو قحطان: لا تجوز شهادة الوالد لولده في ما يجر به إليه مالا، وتجوز في سائر الأشياء. قال الفضل بن الحوارى: شهادة الولد لوالديه تجوز في كل شيء، وكذلك الوالدة لولدها. */* (1/125)
صفحة 126
فأما شهادة الوالد لولده فإنها تجوز في كل شيء إلا في ما يجر إليه مالا، ويدفع عنه مغرما. وشهادة الأجداد لأولاد الأولاد جائزة في كل شيء. وكذلك يجوز حكم الوالد لولده، وتعديله لولده في كل شيء إلا في ما يجر إليه مالا. ويجوز تعديله لولده، ولشهود ولده، وحكمه في ما لا يجر إليه مالا. وتجوز شهادته لولده في النكاح والرضاع ورضا المرأة والحدود والقصاص. ولا تجوز شهادته له في ما يأخذ به الدية. وشهادة الوالد لولده في ما تجوز له في حياته تجوز له إذا مات اذا شهد عنه بها شاهد عدل لأنه لا يجر الى نفسه مالا، وذلك اذا لم يكن شهد بها في الحياة فردت. وأما إن كانت ردت فليس نرجع بجواز في ما ردت فيه. وقال محمد بن محبوب: وكذلك يجوز حكم الولد لوالديه وتعديله لهما، وتعديل شهودهما في كل شيء. وكذلك يجوز حكم الأب لابنه في ما قد أزاله ولده الى غيره. وتجوز شهادته له في بينة لولده في الأصل إلا ما لزمه فيه ضمان مال فإنه لا يجوز. */* (1/126)
صفحة 127
باب (في شهادة النساء)
قال أبو قحطان: ويحكم بشهادة النساء وحدهن في ما لا يمكن الرجال أن يشهدوا به من المحظور عليهم. ويجوز في ذلك بينتهم وهي شهادة امرأتين. وقد قيل: القابلة وحدها اذا كانت عدله فإنه تجوز شهادتها وحدها في الولد، ولا تجوز في الاستهلال والموت والذكر والأنثى. وقيل: يجوز في الموت والحياة. والقابلة هي التي تقبل الولد عند الولادة. وتجوز شهادة النساء في السقط والعذراء والرتقاء وموت المرأة وهي في النفاس، وخروج الصبي وبه حياة. وقال أبو عبد الله: لا تجوز شهادتين وحدهن على الموت. وقال من قال: تجوز شهادة النساء في جميع الشهادات إلا في الزنا. واذا كان عند المرأة في ميلادها قابلتان، وماتت المرأة في ميلادها فقالت إحدى القابلتين: خرج الولد حيا، ومات بعد ولادته، وقالت الأخرى: خرج ميتا، فالقول قول التي شهدت بالحياة. */* (1/127)
صفحة 128
وقال أبو عبد الله عن أبى على في رجل شهد عليه شاهدان بأنه منقوص العقل، وشهد شاهدان بأنه صحيح العقل: إن صحة العقل أولى. وإنما تجوز بينة بنقصان العقل اذا لم تكن بينة بثباته فهنالك يحكم بنقصان عقله. وعن الوصي اذا شهد مع غيره بدين على الميت: قال عزان بن صقر: تجوز شهادته بالدين، ولا تجوز على المال. وقال محمد بن جعفر: تجوز شهادته بالمال اذا قبضه غيره. ومن غيره: وقيل: تجوز شهادة الوصي على الهالك بالحقوق لأنهم يقبضون المال بتسليمه الى الغرماء. وعن شاهدين شهدا على امرأة أنها تركت حقها لزوجها بحق، أو شهدا عليها بحق لرجل. قال الرجل يشهد: أنها برزت لكما وعرفتماها. قالا: أما نحن فنشهد أنها فلانة، ونحن نعرفها، وأما هي فلا تبرز بنا. قلت: ما ترى؟ أتجوز شهادتهما عليها أم لا؟ فعلى ما وصفت فلا تجوز شهادتهما عليها اذا قالا: إنها لم تبرز بهما، وينظر إليها. */* (1/128)
صفحة 129
وسألته عن رجلين شهدا لرجل أنه وصى لفلان الميت. قال: شهادتهما جائزة. قلت: فإن أقرا بدين عليهما للميت؟ قال: فإن الحاكم لا يأذن لهما بالدفع الى من شهدا له بالوصية، ويقيم الحاكم وصيا يقبض منهما الحق الذي أقرا به للميت. قلت: وإن شهد وصيان لميت لرجل على الميت بدين؟ قال: تجوز شهادتهما له. قلت: وليس لهما في هذا نفع؟ قال: لا، وينظر في هذه المسألة. وعندي إنما ينتفعان بهذه الشهادة، وانهما يتخلصان من ما في أيديهما بتسليمهما الى من يشهدان له. */* (1/129)
صفحة 130
فصل (في مسائل متفرقة)
واذا شهد مع الحاكم أعجمي فعلى المشهود له أن يحضر شاهدي عدل يشهدان له على شهادته له وهو حاضر. وإن قدم رجل من بلد إلى آخر فحضر الإمام والقاضي في مجلس القضاء فأشهد القاضي على قضيته أو على كتاب ولم يكن هذا يعرف القاضي قبل ذلك فإنه يشهد على قضيته التي أشهده عليها وغن لم يكن يعرفه من قبل لأن هذا هو الأمر الظاهر: ألا يقعد في موضع الإمام والقاضي ويحكم بين الناس إلا هما. وكذلك كل ما كان مشهورا من النسب والموت والنكاح. قال: الشهادة فيه جائزة ولو لم يحضر ذلك الذي يشهده، وإنما ذلك في من يشهر موته حتى لا يشك فيه أهل المعرفة فيجوز أن يشهد الذي عرف بموته. واذا شهد شاهدان على رجل أنه قتل فلانا فأقيد به ثم صح أن أحد الشاهدين عبد أو نصراني، وقد كان الإمام سألهما: أنتما حران؟ قالا: نعم، أو لم يسألهما. فقال: أما النصراني فإن كان قال: إنه مسلم فقد دخل في الإسلام، فشهادته جائزة./130/ (1/130)
صفحة 131
فإن رجع فقال: إنه نصراني فقد ارتد عن الإسلام، ويعرض عليه الرجوع الى الإسلام، فإن رجع قبل منه، وإن ثبت على الردة قتل. وإن كان الإمام لم يسألهما عن ذلك وحكم بشهادتهما على الرجل بالقتل فهذا خطأ، يجتهد في السؤال عنهما، والبحث عن أحرهما. قلت: فهل قول العبد وإقراره أنه حر شيء؟ قال: ليس قوله شيء لأن إقراره أنه حر لا يجوز على سيده، والدية في بيت المال. وعن أبي عبد الله في جوابه الى الصلت بن مالك: وقد حفظت عن المسلمين –منهم موسى بن علي-: أنه لا يقبل من الشهود اذا شهدوا أن هذا المال في يد فلان حرام حتى يفسروا الحرمة. فإن رأى الحاكم حراما رده الى أهله. وإن لم يره اذا شرح الشهود حراما لم يقبل ذلك. وكذلك اذا شهدوا أن زوجة فلان بن فلان في حرمة أو حراما فلا يقبل ذلك من الشهود حتى يفسروا الحرام. قال: وذكرت أمر ابنة أبي غيلان القارئ وابن عمها عبد المالك ابن حميد أنكر اسمها وشهدت أخته أنها ولدتها وللمولود أخت من أبيها يتيمة، وأنها تطلب ميراثها من أختها. فان كانت أخت عبد المالك عدلة فإنها ترث أختها وترث أمها. */* (1/131)
صفحة 132
وإن لم تكن عدلة وكانت ولادتها مشهورة مع القوم من أهل ناحيتها وجيرانها أنها ولدت هذه الجارية التي ولدت بعدها فينبغي للصالحين من جيرانها إن كان مشهورا أن يشهدوا على ولادتها على أقل من سنتين منذ يوم مات زوجها حتى لا يضيع حق معروف مشهور بدعوى ظالم فجور. واذا شهد معك شاهدا عدل بأن الهالك فلان بن فلان والد هذه اليتيمة الباقية كان زوجا لابنة أبي غيلان ثم هلك ثم ولدت ابنة أبي غيلان جارية على اتفاق الأخبار، وشهرة الميلاد، ثم هلكت الجارية بعد أمها فهكذا يجب على الشهود أن يشهدوا، ويجب عليك قبول ذلك لأنه قد جاء الأثر المجتمع عليه عند المسلمين أن الشهود يشهدون على ثلاثة وإن لم يعاينوا ذلك ولم يحضروه على فلان بن فلان وأمه فلانة بنت فلان، وإن لم يحضروا الميلاد، وعلى أن فلانا زوج فلانة وفلانة زوجة فلان وإن لم يحضروا النكاح، وعلى أن فلانا مات أو زوج فلانة قتل وإن لم يعاينوا ذلك ولم يحضروه، أو ماتت فلانة على الإجماع والأخبار المشهورة وإن لم تعدل المرأة التي شهدت على المولود ابنة بنت أبي غيلان وإن لم يكونا شاهدى عدل. علة ما صفت لم يثبت نسب الصبية من الأب. ولا من الأم، وكان ميراث بنت أبى غيلان لورثتها، ويستحلف عبد الملك ابن حميد يمينا بالله لقد ماتت بنت أبى غيلان ولا يعلم لها بنت من زوجها فلان ابن فلان الهالك قبلها ولا وارثا غيره أو غير من يرث معه. */* (1/132)
صفحة 133
باب (من لا تجوز شهادته)
من كتاب آخر عن أبى جعفر: ولا تجوز شهادة العبيد من الرجال والنساء في شيء من الأشياء كلها إلا في الولاية فإنها تثبت بشهادة الواحد منهم والمرأة والأمة اذا أبصروا ذلك وكانت له ولاية. قال غيره: قد قيل: إن شهادة العبيد جائزة اذا كانوا عدولا. رجع: ولا ينقض حكمه اذا كان عدلا ما حكم به. ولا حكم بشهادة من أخذت ولايته وعدالته عن من لا تجوز شهادته فيما شهد به وإن كانت له الولاية والعدالة ولا من عدله ولا من تولاه. ولا تجوز شهادة البهائم على شيء من الأحكام عاما لا يتم الحكم إلا به، ولا ينفذ الحكم بما حملوا من الكتب وانفردوا بالأمانة فيه لأنهم لا تجوز شهادتهم، وكل من لم تجز شهادته في شيء لم تجز عدالته فيه ولا حكمه ولا يؤتمن منه على ما لا يتم الحكم إلا به. ولا تجوز شهادة القلف من البالغين من الرجال في شيء من الأشياء كلها. وتجوز شهادة القلف من النساء. */* (1/133)
صفحة 134
ولا تجوز شهادة الأخرس بالإشارة والإيماء، ولا المجنون الذي لا يفيق. وتجوز شهادة الذي يفيق أكثر أوقاته في حال صحة عقله. ولا تجوز شهادة السكران ولا الصبيان ولا الشريك في ما يشهد به، ولا السيد لعبده، ولا من ادعى إليه في شيء في يده فأقر به لغيره، وشهد به له. ولا تجوز شهادة من يدفع مغرما أو يجر مغنما. ولا تجوز شهادة الوكيل إلا وكيلا يقيمه الحاكم ليتيم أو غائب أو معتوه أو أخرس. وكل من شهد على فعل نفسه لا تجوز شهادته إلا الحاكم والولي على ما عقد من النكاح. وتجوز شهادته بالصداق اذا صح النكاح بشهادة غيره. وكل من قذف أو شتم ثم شهد بما فعل لم تجز شهادته. وكل من لم تجز شهادته للعمى والرق والشرك كانت منه وللصبا فشهد أحد منهم على الزنا وهم أربعة أو بأحد منهم كان جميع الشهود قذفة، وجلد الحد إلا العبيد والصبيان جميعا قبل الشهادة وتسقط ولا يتهم. فإن شهد أربة من أهل الصلاة بالزنا فسقة لم يجلدوا، وكذلك القلف. */* (1/134)
صفحة 135
فان شهدوا مع غيرهم لم يحدوا ولا من شهدوا معه. وقف في القلف. وقال: ينعقد النكاح وتثبت الرجعة بشهادة العمى. وينعقد بالفسقة من اهل الصلاة وشاهد الزور مالم يتناكروا. ولا يثبت ذلك بشهادة الصبيان ولا المماليك ولا المجانين ولا اهل الشرك. وتجوز شهادة المجانين في حال إفاقتهم وصحة عقلهم، ولا تجوز في حالة جنونهم. فإن لم يفسخ العقد حتى يصيروا بحال تجوز شهادتهم بطلت العقدة أيضا. قال غيره: لا تجوز الرجعة بين الزوجين إلا بشاهدي عدل كما قال الله (واشهدوا ذوى عدل منكم). وقال قوم: معناه: ذوى إقرار بالعدل كما قال (فتحرير رقبة مؤمنة) مصدقة والله أعلم. وقال الوضاح بن عقبة ومحمد بن محبوب في رجلين شهدا لرجل وامرأة بأنه وليها وأحدهما يريد تزويجها: إن شهادته لا تجوز. ومن غيره: ومن ما يوجد في الأثر: ولا تجوز شهادة آكل الربا ولا شهادة من يشرب الدادى. */* (1/135)
صفحة 136
وقد أجاز بعض المسلمين شرب الدادى اذا كان في الآنية من جلود المعز والضأن الملاث على أفواهها اذا أريد بها الدواء. وقال من قال: ولو لم يرد به الدواء اذا لم يسكر. ولا شهادة من يجمع الجموع على الشراب يدور بالكأس. ولا شهادة من يلعب بالحمام. ولا شهادة من يترك الجمعة إلا من عذر. ولا شهادة من لا يشهد الصلوات في جماعة من الناس إلا من عذر. ولا شهادة المريب، ولا دافع مغرم. ولا شهادة من يعق والديه أو أحدهما. ولا شهادة من لا يزكي ماله. ولا شهادة من به سعة من المال وقد بلغ سنا ولم يحج وليست به علة. ومن غيره: قال: وهذا كله صحيح إلا أنه قد أجاز بعض المسلمين تأخير الحج اذا كان دائنا بأدائه. ولا شهادة من يلعب بالكلاب ويحرش بينهن، ولا من يلعب بالديكة. */* (1/136)
صفحة 137
ولا شهادة من يشرف على جيرانه وقد عرف بذلك. ولا شهادة مخنث، ولا شهادة مسرف كذلك. قال عمر بن عبد العزيز والحسن: ولا من يقذف المحصنات، ولا الخائن، ولا المتهم وما ما شابه ذلك. وكل من تاب من ذلك قبلت توبته. والتوبة عندنا أن يترك ذلك من ما وصفت لك، ويعرف بترك ذلك، ويظهر ذلك إلى جيرانه وأهل سوقه فتقبل توبته اذا ترك ذلك ستة أشهر فصاعدا، أو عرف بترك ذلك قبلت توبته وجازت شهادته. ولا تجوز شهادة العبد لسيده. واختلف في شهادته لغير سيده: وقيل: كان شريح أقضى القضاة وكان يجيز شهادة العبيد. والمعمول به في هذا العصر أنه لا تجوز شهادة العبيد. وقيل: لا تجوز شهادة الخصم ولا المريب ولا الأجير لمن استأجره. وقال من قال: لا تجوز شهادة الأعمى إلا في النسب. وقال من قال: تجوز شهادته. */* (1/137)
صفحة 138
وقال بعض: اذا شهد على رجل بشهادة جيء بالرجل المشهود عليه، وجيء معه ثلاثة أنفس أو أكثر فتكلموا بين يدي الأعمى، فإذا سمع كلام المشهود عليه فقال: هذا هو أعدت المشهود عليه. وقال من قال: ما شهد به عليه أجزت شهادته. فأما الأعمى فإن كان يحفظ ما أشهد عليه ولم يحسن أن يقرأ الكتاب الذي أشهد عليه فشهادته باطلة. وقد قيل: لا تجوز شهادته على النسب. ولا تجوز شهادة أهل ملة على ملة إلا أهل الإسلام. قال غيره: وهذا على قول من يقول: إن اليهود ملة، والنصارى ملة، والمجوس ملة فهو كذلك لقول: لا تقبل شهادة أهل ملة إلا على بعضهم بعض. وقال من قال: إن الشرك كله ملة. وتجوز شهادة المشركين على بعضهم بعض. وتجوز شهادة رجل وامرأتين من أهل الكتاب على من هو منهم اذا كانوا عدولا في دينهم. واذا شهد شاهد عند الحاكم ثم مات أو غاب أن جن أو غلب على عقله فإن القاضي يجيز شهادته في الحقوق لأنه بمنزلة الميت. */* (1/138)
صفحة 139
وإن هو فسق أو جلد أو قذف، أو ارتد عن الإسلام وشهد العدول أنه كان يوم شهد بتلك الشهادة كان عدلا فإن الحاكم لا يجيز شهادته وليردها. وإن شهد رجلان على حد من حدود الله فمات الشهاد أو غاب أو جن أو فسق أو ارتد عن الإسلام أو ذهب عقله قبل أن يقضي القاضي ثم شهدت البينة أنه يوم شهد تلك الشهادة كان عدلا فلا يجيز القاضي شهادتهم لأن الحدود هي لله تدرأ بالشبهات، وإنما تقام الحدود بحضرة البينة. واذا شهد قوم بشهادة وعدلوا ثم قالوا: إنا كنا يوم شهادتنا كفارا أو صبيانا أو نحو ذلك. فمن إبراهيم قال: سمعنا أن شهادتهم اليوم جائزة اذا كانوا عدولا. وأما إن قالوا: كذبنا ورجعوا عن شهادتهم وقد حكم بها فإنهم يضمنون المال، ولا يرد الحكم، وانظر فيها. وقال من قال: إن القاذف لا تجوز شهادته أبدا ولو تاب. ومن شهد بشهادة ثم ردت شهادته لأنه عبد أو ذمى ثم شهد بها بعد أن عتق أو أسلم فقيل: إنها لا تقبل لأنها قد ردت إلا أن يشهد بغير تلك الشهادة التي رد فيها. وأما الصبي اذا شهد بتلك الشهادة وهو صبي وردت ثم شهد بها لما بلغ فإن شهادته جائزة اذا كان عدلا. */* (1/139)
صفحة 140
وقال بعض: لا تجوز. وبالإجازة نأخذ. قال أبو المؤثر: جائزة. وقيل: لا تجوز شهادة الضرير. وقال أبو الحوارى: ذلك اذا شهد بأرض أوله نخلة ووصفها بحدودها قبلت شهادته من بعد أن يشهد شاهدان أن هذه الأرض أو النخلة التي شهد بها الضرير ولم ينفذ الحكم. وقيل: تجوز شهادته في النسب. قال أبو الحوارى: فحتى يشهد شاهدان أن هذا فلان الذي نسبه هذا الضرير. وقد قيل: تجوز شهادته في النسب اذا شهد أن فلان بن فلان. ولا تجوز إذا قال: فلان بن فلان. وذلك أنه إذا قال: (فلان بن فلان) فقد عرفه، وذلك أنه إنما يشهد على النسب ولا يشهد على الشخص. واذا شهد القاسمان أنا قسمنا هذا المال فأنكر بعض الشركاء سقطت شهادتهم. */* (1/140)
صفحة 141
وكذلك كل من شهد على ما فعله. قال أبو الحوارى: اذا كان القاسمان قد أقامهما السلطان لذلك القسم جازت شهادتهما. ومن غيره: قال: اذا شهد القاسم بسهم لفلان ولم يذكر قسمه له فشهادته جائزة. ومن وكل وكيلا في تقاضي دين له ثم قدم قولا ذلك لنفسه فشهد الوكيل له بشهادة على بعض من كان يتقاضى منه فشهادته جائزة اذا زالت وكالته. وعن شهادة المجنون قال: يقول أناس: تجوز في حال صحته. ويقول آخرون: لا تجوز لمجنون شهادة أبدا. وسئل عن شاهدين عن لسان آخرين أن فلانا وفلانا سألناهما عن فلان فقالا لنا: أنه مات بعلمنا. إنه قيل: هل تجوز شهادتهما لتزوج امرأته بعده؟ قال: لا، إنما ذلك خبر. ولكن إن جاء الرجلان الشاهدان الآخران فقالا: نشهد أن فلانا وفلانا شهدا معنا أن فلانا مات أو قتل جازت شهادتهما، ولتزوج المرأة اذا شاءت اذا انقضت عدتها. */* (1/141)
صفحة 142
وعن رجل شهد عليه شاهد أن عليه من الماء شرب صداق امرأة من نهر معروف، وشاهد شاهدا آخر من نهر آخر. قال: القول فيه قول الزوج أنه من نهرين حتى يأتي صاحب المرأة بينة أنه من نهر واحد. قال غيره: لا يبين لي لأن الشهادة مختلفة إلا أن يقر الزوج بشيء. وسألته عن شاهدين شهدا لرجل على رجل أنه شجة شجة، شهد أحدهما بهذا القول، وقال الآخر: شجة ولطمنى. قال: إن شهادتهما تقبل لمن شهدا له، ولا تقبل الشاهد الذي شهد عليه، وادعى لنفسه اللطمة، فإنه لا تقبل لنفسه لأنه مدع لنفسه فعليه البينة، سل عنها، وكذلك وجدتها في الأثر. وعندي: أن هذا جواب قد غفل صاحبه عنه. قال محمد بن خالد: سمعنا في رجل باع لرجل عبدا أو أمة أو متاعا أو دابة فأحضر البائع شاهدي عدل أنه باعه له بمائتي درهم نقدا، وأحضر المشتري شاهدي عدل أنه اشتراه بمائة وخمسين درهما إلى مدة فإن البائع أولى بما أحضر من البينة، ويؤخذ له بالأكثر وبالنقد شيئا. وعن رجل شهد بطريق جائز ويمر فيها. */* (1/142)
صفحة 143
فنعم، شهادته جائزة اذا كان عدلا، وكان طريقا جامعا. وقلت: إن كانت ساقية جائزة. فأقول: لا تجوز لمن أجزأ فيها أن يشهد لأنها ليست مثل الطريق لأن الساقية لأهل القرية خاصة، والطريق جائزة لأهل القرية وغيرهم. كما أنه لا يجوز لأهل بلد أن يجروا ماءهم في ساقية جائزة في بلد غير بلدهم. */* (1/143)
صفحة 144
باب (في من تجوز شهادته)
من كتاب أبى قحطان: وتجوز شهادة اللقيط. وتجوز شهادة الوصي لليتيم، ويوم اذا نازع له أن يقول: أنا نازع له، وعندي له شهادة. وتجوز شهادة الحاكم على حكم نفسه. وشهادة الزوج على زوجته جائزة وتتم بها الحدود. واذا شهد بالزنا عليها إلا أن يكون قد قذف. وشهادة كل أهل ملة على بعضهم بالإسلام جائزة. وقد قيل: لا تجوز شهادة النساء إلا مع الرجال إلا في ما لا يستطيع الرجال النظر اليها من نفاس النساء وما يكون في الفروج من العذرة والعرق وحياة المولود. */* (1/144)
صفحة 145
فقال قوم: لا تجوز الشهادة في شيء من ذلك إلا أن يكون أربع نسوة. وذلك أنه يقيمهن مقام الحجة أن لو كان رجل وامرأتان، وجعل المرأتين مقام الرجل. وقال من قال: لا يجوز في ذلك أقل من امرأتين. وذلك أنه لما أجار شهادة النساء وحدهن أقامهن مقام الحجة، الواحدة منهن مقام الرجال فقال: لا يكون في الحكم إلا بشاهدين. وقال من قال: تجوز شهادة امرأة. وذلك أنه لما أقام امرأة حجة وهي في سائر الأحكام لا تكون حجة أبدا إلا أن يكون معها رجل الا في ما خصها من هذه الأحكام، فلما كانت الأحكام خاصة ها هنا يقوم بها بقول النساء زالت فيه اثنتان، وكان فيه الخبر حجة، وأقام خبر هذه المرأة مقام الحجة في الأحكام. وأجمعت الأمة بأسرها: لا اختلاف بينهم أنه لا يكون رجل جائز الشهادة في الأحكام إلا معه رجل غيره أو امرأتان غيره. وقيل: تجوز عن المرأة الحية والمرأة الميتة أربع نسوة. وقيل: اثنتين والله أعلم. ومن كتاب أخذ عن أبى جعفر: وتجوز الشهادة في ما شرع الناس */* (1/145)
صفحة 146
فيه مثل الطريق الجائز والأنهار والمسجد الجامع، تجوز فيه شهادة أهل البلد، وما كان للسبيل. وشهادة الإمام والوالي في الصوافى وما جمع المسلمون من الفيء وغيره. وتجوز شهادة القسام على ما قسموه. قال أصحاب الرأي: ى يجوز أن يشهد على الوصية وهي مختومة. وان شهد لم يقض القاضي بما فيها. وقال أهل البصرة: هي جائزة. وقيل: ان وكيل الغائب اذا كنا حيث لا تناله الحجة، وغائب من المصر، وغائب لا تعرف غيبته فان شهادة وكيله له جائزة لأنه بمنزلة المعتوه واليتيم تنفذ عليه الأحكام ولو لم يكن له وكيل. انقضى. ومن غيره: وعن أبى عبد الله: وسألته عن أربعة نفر لهم أربع نسوة بينهن مال فشهد كل واحد منهم للآخر بالوكالة على زوجته في قسم هذا المال المشترك بينهم أو في بيع وقبض الثمن، ثم أنكر النسوة ذلك، هل تجوز شهادة أزواجهن عليهن؟ قال: لا تجوز في المقاسمة لأن كل واحد منهم شهد بتمام مقاسمته له، وبتمام ما فعل. */* (1/146)
صفحة 147
وأما شهادته أنها وكلته في بيع ما لها فانها تجوز. قلت: فان شهد شاهدا عدل عند الحاكم لرجل بالوكالة من زوجته أو غيرها في بيع ما لها وقبض الثمن فأجازه الحاكم الى بيع مال المرأة أو الرجل، واشترى هذان الشاهدان بالوكالة أو أحدهما شيئا من هذا المال وأنكرت المرأة، وقال الرجل: أنا لم أوكل وهذان يشهدان بتمام ما صار اليها من مالها. قال: اذا كانت شهادتهما قد قامت مع الحاكم بالوكالة من قبل أن يشتريا منه ثم اشتريا منه من بعد فقد تمت شهادتهما. وان كانا اشتريا منه منه قبل أن يشهدا ثم شهدا لم تجز شهادتهما لأنهما انما شهدا بتمام ما باع لهما. وذلك اذا كان الحاكم الذي شهدا معه حيا ولم يعزل. فان عزل فشهد شاهدا عدل أنهما حضرا هذا الحاكم حكم لهدا الوكيل بهذا البيع، وصحت وكالته عنده. وكذلك ان عزل هذا فشهد هو بهذا أو شاهد عدل غيره فهذا بيع جائز. وان لم يصح هذا فهذا بيع غير جائز لهذين الشاهدين بالوكالة الأولى، وعلى المدعى عليها الوكالة للمشترى يمين بالله ما وكلت البائع في بيع مالها هذا. وعن رجل ادعت عليه امرأته أنه ملكها فأنكر. */* (1/147)
صفحة 148
قال: لا أرى ذلك شيئا، كان ذلك حيا أو ميتا إلا على الشاهدين يشهدان بأنا قد سمعنا أن فلانا قد تزوج فلانة فيكون ذلك مشهورا والله أعلم. وعن شاهدين شهدا ان لفلان في هذه النخل عشر نخلات، وقال: صاحب النخل: ليس له معي إلا أربع نخلات، وقال الشاهدان: لا نعرف النخلات. قال: ان كانت نخل قد قسمها القوم بينهم ثم جهل نصيب أحدهم ولم يعرف رجعت النخل ثم قسمت قسما جديدا. وان كان حدث فيها فسل فللذين أحدثوا قيمة الفسيل يوم فسلوا، ولهم ما أنفقوا من المال وتقوم وقائع، فيعطونهم عناءهم فيها، والباقي بينهم على حصتهم. قال غيره: وقد قيل: اذا صح القسم، وعرف كل واحد سهمه، وصار اليه ثم عمى ذلك فلا ينقض القسم، وعلى المدعى البينة بما يدعي. وكذلك الشهود وما شهدوا عليه. ومن كتاب أبى قحطان: واذا أوصى موصي لفلان بن فلان من بلد كذا وكذا بوصية أو وكله بوكالة ثم صح بشهادة عدلين أنهما لا يعلمان في هذا البلد فلان بن فلان إلا هذا فهو جائز. وان نسبه الى أب ثالث فصح أن ليس في البلد فلان بن فلان إلا هذا فذلك ثابت. وان كان صفة أيضا يعرف بها فنسب اليها، وقال الشاهدان */* (1/148)
صفحة 149
العدلان: لا يعلمان في ذلك الموضع فلان بن فلان على هذه الصفة إلا هذا فذلك جائز. واذا أكرى رجل دابة يحمل عليها متاعا له فعييت فعثرت أو كسرت وهي في يده حاملة متاعه فشهد على رجل أنه عقرها أو اعترض فكسرها فان شهادته جائزة إلا أن تقوم بينة عدل أنه حمل على هذه الدابة غير ما أكراها له. فأما الذي يستأجر دارا الى وقت معروف ثم نوزع فيها صاحبها فشهد هذا الساكن بالدار أنها للذي أسكنه فان شهادته لا تجوز في الوقت الذي سكن هذا الدار. ولكن تجوز شهادته للآخر. ووجدت: انه لا تجوز شهادة الساكن بأجر ولا بغير أجر والله أعلم. وقيل في رجل شهد له شاهدان أن فلانا أقر له بقطعة، وشاهد آخر أنه أعطاه إياها وأحرزها: ان تلك الشهادة واحدة، وذلك جائز. وأما ان شهد واحد أنه أعطاه إياها، وشهد آخر أنه أوصى له بها لم تكن متفقة. قال محمد بن المسبح: وتجوز الشهادة على حكم الحاكم وان لم يشهدوا بذلك اذا شهد الشاهد أنى حضرت فلانا الحاكم وحكم بكذا وكذا. */* (1/149)
صفحة 150
ومن قال: غلامي حر ان مت من مرضي هذا، وشهدت بينة أنه مات في ذلك المرض، وشهدت بينة أخرى أنه برئ من ذلك المرض. قال: أجيز شهادة العتق. فان لم تشهد بذلك بينة إلا أن العبد قال: انه مات في مرضه ذلك، وقال الورثة: انه لم يمت من ذلك المرض. فالقول قول الورثة مع يمينهم. وان قامت لهم جميعا البينة أجزت البينة العبد لأنه هو المدعى. وقال أبو بكر أحمد بم محمد بن خالد: ان الولد اذا كان مملوكا أو مشركا جازت شهادة والده له والله أعلم. واذا شهد شاهدان على موت رجل فانه ينبغي للإمام أن يجيز شهادتهما وان لم يعاينا موته لأنهما اذا شهدا أنا عاينا جنازته وصلينا عليه ودفناه وجب على الإمام أن يجيز شهادتهما علة موته وان لم يعاينا موته لأن عامة الناس على هذا. */* (1/150)
صفحة 151
باب (في شهادة قومنا)
من كتاب لأبى قحطان: وقال أبو عبد الله: تجوز شهادة قومنا على المسلمين في كل شيء اذا كانوا عدولا إلا بما يوجب الكفر للمسلمين بشهادتهم. ولكن إذا شهدوا على رجل من المسلمين أن عليه لفلان عشرة دراهم قبلت شهادتهم اذا كانوا عدولا، وأخذ بما شهدوا به عليه من الحقوق وان كان منكرا لذلك. اذا شهد عليه من عدولهم أنه قتل فلانا أقيد به لوليه بشهادتهما. قلت: فأبرأ منه وهو منكر ان كانت له ولاية عندي؟ قال: لا. قلت: فان شهدا عليه أنه سرق أقطع يده؟ قال: أغرمه هذا المال ولا أقطع يده. وقال: تجوز شهادة قومنا العدول منهم في دينهم على المسلمين في الحقوق والقود. */* (1/151)
صفحة 152
ولا تجوز في الحدود في الزنا والقذف والسرق وشرب الخمر وما كان من الحدود التي هي حق لله، وليس هذا حقا للعباد. وقال: وجدت في كتاب من كتب والدي محبوب: لا تقبل شهادة قومنا على المسلمين بما يوجب به الكفر ولو كان الحسن وابن سيرين، هكذا ليس مفسرا. وقال: الذي جاءت به السنة والأثر أن شهادة أهل القبلة تجوز ومناكحتهم وموارثتهم. وقال من قال: لا تقبل شهادة قومنا على درهم ولوكان الحسن وابن سيرين. انقضى تأليف. ومن غيره: وقيل: اختلف في شهادة قومنا على المسلمين: فقال من قال: تجوز شهادتهم في جميع الحقوق ولو دخل في الحقوق حد أخذ بالحقوق ولم يؤخذ بالحدود. وذلك مثل شهادتهم على المسلمين بالسرق والقتل والطلاق وأشباه هذا فانه تقبل شهادتهم في الطلاق لأنه من الحقوق، وتقبل شهادتهم في السرق وتؤخذ منهم ولا يقام عليهم الحد. وكذلك يقاد بشهادتهم، ويقتص بشهادتهم، ولا يبرأ منه، وهو على ولايته. ويوجد هذا عن أبى عبد الله. */* (1/152)
صفحة 153
قال من قال: لا تجوز شهادتهم على المسلمين في ما تكون فيه الحدود والقصاص والقتل، وكذلك في الطلاق، وانما تجوز في الأموال. ويوجد نحو هذا عن أبى المؤثر. وقال من قال: لا تجوز شهادتهم على المسلمين في شيء من الأشياء، قليل ولا كثير لأنهم ليسوا من المسلمين لأن الله يقول (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) يخاطب بذلك المسلمين، وليسوا هم من المسلمين. والإجماع من المسلمين أنه لا تجوز شهادتهم على المسلمين بما يشهدون عليهم في بالكفر، ولا يبرأ من أحد من المسلمين بشهادتهم. وقيل: انما تجوز شهادتهم اذا كانوا هم الحكام على المسلمين، وكانت يد المسلمين غير منبسطة عليهم، ولم تكن دعوة المسلمين ظاهرة عليهم، وأيديهم غير قاهرة لهم. واذا ظهرت دعوة المسلمين دعوا جميع قومهم، ودعوا جميع أهل القبلة الى دين المسلمين فمن قبل منهم ذلك كان منهم، ومن رد عليهم ذلك كان حربا للمسلمين اذا جاز على ذلك حتى يرجع الى دين المسلمين، ولا تكون الشهادة حينئذ إلا من عدول المسلمين. عن أبى الحوارى: وسألته عن الشهود اذا شهدوا وأشهدنا فلان بن فلان وهو صحيح العقل فرأيته كره ذلك للشهود وللكتاب الذي يكتب، ولكن يقولون: ما نعلم في عقله نقصانا والمريض يكتب في صحة من عقله، والصحيح في صحة عقله، وأشهدنا فلان بن فلان في صحة من عقله. */* (1/153)
صفحة 154
قال: وان شهد أن فلان بن فلان أشهدنا وهو صحيح العقل ثم أتى بشهود من بعد هؤلاء فشهدوا بنقصان عقله لم تقبل شهادة هؤلاء الذين شهدوا بنقصان عقله. واذا شهدوا فقالوا: أشهدنا فلان بن فلان، ولا نعلم في عقله نقصانا، ثم أتى من بعدهم شهود فشهدوا على نقصان عقله قبلت شهادتهم. ورأيته كأنه يعيب من يكتب الوصايا والصكوك، ويكتب فيها: أشهدنا وهو صحيح العقل. ورأيته يستحب اذا كتب أن يكتب: ولا نعلم في عقله نقصانا، أو في صحة من عقله وجواز أمره. ومن غيره: والمريض يكتب في صحة من عقله وما الصحيح؟ فيكتب في صحة عقله. واذا شهد شاهدان مع الحاكمفادعى المشهود عليه أنهما عبدان. فأقول: انها تسمع، ولا يحكم عليه بشهادتهما حتى يبين الأمر. قلت: ان صح ذلك بشهادة شاهدين أنهما عبدان لفلان لرجل غائب أو ليتيم، أيقضى له بهما أو ترد شهادتهما؟ قال: انه يوقف عن شهادتهما، ويحتج على المشهود له بعلمه بما قامت به البينة له، فان ادعاهما وصدق البينة وادعى شهادتهما سقطت شهادتهما وقضى له بهما بعد إلا أن يكون لهما مخرج. */* (1/154)
صفحة 155
فان ادعيا عتاقه أو أمرا يستحقان به الحرية، ودعاهما الحاكم بالبينة على ما يدعيان فان لم تكن لهما حجة حكم لهما به ان شاء الله. وان قال المشهود له: كذب الشاهدان ما هما لى ولا أملكهما، ولا ملكتهما قط سقطت الشهادة عنهما، وثبتت شهادتهما، على الذي شهدا عليه. وان قال: انا كنا عبدين لفلان فأعتقنا. فأقول: ان الحاكم يكف عن شهادتهما، ويحتج على فلان. وان صدقهما فشهادتهما جائزة. وان كانا كلفا البينة على ما ادعيا من العتاقة فلا يسمع لهما بينة إلا بمحضر من فلان أو وكيله. فهذا الذي حضرنا مع ضعفنا وقولنا قول المسلمين. مسألة: ومن لم يحسن اليتيم اذا سئل عنه فشهادته تجوز ولو لم يحسن كيف تخرج الزكاة. وأما الوضوء فلا تجوز شهادة من لم يحسن يقيمه اذا سئل عنه. والغسل من الجنابة من لم يبتل به فشهادته جائزة حتى يدعه ثم لا يجوز، أو يمر عليه وقت صلاة فلا يتيمم فلا تجوز شهادة هذا أيضا. واذا شهد شاهد عند القاضي فلم تجز شهادته لأنه كان وحده ثم */* (1/155)
صفحة 156
جاء بعد ذلك برجل آخر شهد معه على ذلك فشهادته جائزة ان لم تكن ردت من قبل. فان كان الشاهد الآخر كان صبيا يوم شهدمع الرجل بتلك الشهادة ثم بلغ فشهد كما شهد الرجل وكان عدلا فشهادته جائزة. وان كان عبد عتق بعد ذلك ولم يكن قام بشهادته وهو عبد جازت. وان كان قد ردها القاضي وهو عبد فلا أراها تجوز بعد ذلك على ذلك الحق. قال أبو أيوب: ان كان ردها من أجل أنه عبد وقام بها وهو حر جازت ان كان عدلا. وسألته عن رجل يصل بصك ورسالة أن يكتب له فيه شهادته للذي ذكر هذا الرسول أنه أرسله اليه، وكتب له بهذه الشهادة للذي ذكر هذا الرسول له أن يكتب له، هل له أن يكتب له ويصدق هذا الواصل بادعاء الرسالة اذا كان هذا المدعي للرسالة ثقة أو غير ثقة. قال: ان كان ثقة فجائز. وان كان غير ثقة فلا يجوز. قلت: فان كانت وصية رجل قد مات، أيكتب بعد موته على ما شهدت به البينة؟ قال: لا. */* (1/156)
صفحة 157
قلت: وكذا شهادة رجل قد غاب، أيكتب عليه ما أشهد به على نفسه؟ قال: لا يكتب عليه ولكن البينة تحفظ ما أشهدهم، ولا نكتب عليه كتابا بعد غيبته فتشهد به البينة عليه ما لم يستشهدهم على نفسه. وقد سألته في وقت غير هذا المجلس فقلت: اذا أشهد رجل على نفسه في غير كتاب، هل لصاحبه الحق المشهود له أن يكتب عليه كتابا بعده، ويشهد البينة، ويوقعوا خطوطهم في الكتاب على المشهود به على نفسه؟ قال: اذا كان الكتاب قد كتب فيه الألفاظ التي يحملونها بالشهادة، وأشهدهم بذلك على نفسه، ولم يخرج الكتاب عن معنى الشهادة التي تحملوها فجائز. قلت: من أين أخرت الكتاب عليه وهو لم يشهدهم فيه ولا على تلك الألفاظ التي كتبت بعده؟ قال: اذا كانت المعاني التي شهدوا بها عليه قد تضمنت ما في الكتاب، ولم يخرج شيء من ما في الكتاب من ما عندهم من الشهادة فذلك جائز. والدليل عليه: أن رجلا لو تحمل شهادة بكلام ملحون فأدها بكلاب معرب لكان جائز اذا لم يخرج ذلك من المعنى. وكذلك لو تحمل هذه الشهادة بألفاظ كثيرة فأدها بألفاظ قليلة موجزة ولم ينقص من معنى الشهادة شيئا لكان ذلك جائزا. */* (1/157)
صفحة 158
وكذلك لو أدى خبرا من رجل الى رجل برسالة أو حكاية، وأداها بغير ما تحمل من الرسالة، ولم تخرج من معناه لم يكن مخطئا، وقد يكون الشاهد عربي اللسان والمشهد على نفسه عجمي اللسان فارسيا أو غيره. وكذلك الرسول، كل هذا ونحوه يجوز ما لم يخرج من المعنى. انقضى. ومن غيره: وسئل عن وصيين شهدا أنه أوصى الى فلان معهما. قال: شهادتهما جائزة. فإن كذبهما فلان فشهادتهما باطلة. ويدخل القاضي معهما آخر لإقرار أن معهما وصيا آخر للميت ألا ترى أنه لو صدقهما وقال: لا أقبل أدخل معهما وصيا ثالثا وكان له أن يأباه. واذا شهد أن أباهما أوصى الى فلان وقبل ذلك فإني أجيز ذلك. وعن أربعة نفر شهد اثنان لاثنين على الميتبدين، وشهد اثنان لهما أيضا على الميت بدين. قال: ذلك جائز من قبل أنه لا شركة بينهمفي أصل الدين. وقال آخرون: ولا تجوز شهادتهم من قبل أنهم يشتركون في قسمة الدين. */* (1/158)
صفحة 159
واختلف في الشاهدين اذا شهدا على الصداق على كتاب مكتوب أنهما شهدا بما في هذا الصك وبما هو مكتوب في هذا الصك بعد أن يقرآه أو يقرأ عليهما، هل تجوز شهادتهما، ويحكم الحاكم بها من غير أن يفسر الحق. وقال من قال: حتى يفسرا كل شيء منه، ويشهدا عليه مفسرا. وقال من قال: اذا شهد عليه بجميع ما في هذا الكتاب وهو شيء محدود معروف وقرئ عليهما أقرئاه كاتب شهادة ثابتة منهما لأنها معروفة. قلت: فإذا شهد بما في هذا الصك بعد أن قرآه أو قرئ عليهما ولم يقولا بما هو مكتوب في هذا الصك، هل يحكم الحاكم بشهادتهما؟ قال: اذا شهدا بما في هذا الكتاب من حق أو إقرار أو وصية بعد أن يقرآه أو يقرأ عليهما جاز ذلك، ويحكم الحاكم بشهادتهما في بعض القول. وقول المشهد اذا قال للشاهد: اشهد على بما أو بكل ما كله سواء اذا قرأه عليه، وأقر بمعرفته. واذا قال له أن يشهد له بما فيه أو بكل ما فيه كانت ثابتة، وبأي الحرفين شهد جاز له ذلك إن شاء الله اذا عمى عليه أي أحدهما أشهده، ويتحرى بذلك الصدق إن شاء الله. وأما اذا قرأه ولم يقر بمعرفته لم يكن ذلك ثابتا لأنه لم يأت بالقصة التي يكون بها مقرا بما في الكتاب لأنه يمكن أن يقرأ عليه ولا */* (1/159)
صفحة 160
يسمعه، ويمكن أن يسمعه ولا يعرفه، فإذا قرأه وأقر بمعرفة ما قد قرأه عليه منه وبمعرفة ما فيه فذلك ثابت عليه لأن الشاهد يشهد بما أشهد به، والمشهد على تفسير ذلك بأن ثبت في الحكم فذلك للحاكم، وأن لم يثبت كذلك إلى الحاكم. وقلت: إن قال: إني قلت لفلان أشهدك عليك بما في هذا الكتاب فقال المشهود عليه: نعم: أتكون هذه شهادة ثابتة؟ فنعم اذا كان أقر بمعرفته، وبين ذلك للشاهد أنه أقر بمعرفته ما في ذلك الكتاب، وقال له أشهد عليك بما في هذا الكتاب. قال: نعم وساو هذه الشهادة وقال له: نشهد بذلك عليه كانت بذلك شهادة جائزة عليه. وقلت: اذا شهد الشاهد على المشهد أني أنا كتبت له وصية، وقرأتها عليه، وقلت له: أشهد عليك بها قال: نعم وأنا أشهد عليم بهذا. فنعم هذه شهادة اذا قال له: أنه يشهد عليه بهذا الشيء معروف. قلت: وكذلك إن كتب الكاتب: أقر فلان لفلان بكذا وكذا ثم قرأه عليه فقال: نعم. قلت: أيجوز للشاهد أن يقول: فلان أشهده لفلان بكذا؟ وإنما يخبر بما كان، فإن ثبت عند الحاكم أنفذه، وإن لم يثبت رده. ومن غيره: قال بشير: قال لي مرة فضل بن الحوارى وقد عنيت بشيء فأرادوا أن يكتبوا صكا، وأراد أن أشهد على نفسي بشيء فذكرت */* (1/160)
صفحة 161
ذلك لفضل فقال: اذا كتبوا فقل لهم: اشهدوا على هذا الكتاب فإن ذلك لا يثبت عليك. قلت أنا لبشير: أرأيت إن قال لهم: اشهدوا على بما في هذا الكتاب؟ قال: هذا أوكد، وهذا ثابت عليه. واذا قال: اشهدوا على هذا الكتاب فإنه أمرهم أن يشهدوا على نفس الكتاب. وقال لي بشير: لا تخبر بهذا أحدا. رجع إلى كتاب أبي زكريا: وسألت أبا بكر أحمد بن محمد بن خالد عن الشهادة في الضرب والجراحات كيف يكون أداؤها اذا كانت الإصابة قائمة بينة؟ قال: يقول: أنا أشهد أن فلانا جرح فلانا هذا الجرح، وأن هذه الإصابة من فلان، ولا اعلم أنه أبرأه منها. وإن كانت قد ذهبت فيشهد انه قد جرحه جرحا باصعا أو سلحما في موضع كيت وكيت من يده، ويصف طوله وعرضه، وما اعلم انه أبرأه من ذلك الجرح. قلت: الشهادة على الطرق كيف تكون؟ */* (1/161)
صفحة 162
قال: يقول: أنا أشهد أن هذا الموضوع طريق جائز أو طريق ولا أعلم أنها زالت بحق. من ما سأل عنه أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة الشيخ أبا مالك –رضي الله عنهما-: وسألته عن رجل ادعى على رجل أنه عبد له فأنكره المدعى عليه فأحضر المدعى شاهدي عدل فشهدا أنه عبده، هل تقبل شهادتهما على ذلك؟ قال: لا تقبل شهادتهما. قلت: لِمَ لَمْ تقبل شهادتهما؟ قال: لأن هذه شهادة خطأ لا يقبلهما الحاكم. وقلت: وكيف يشهدان حتى يقبلهما الحاكم منهما؟ قال: يقولان: إنه عبده ولا نعلم أنه باع ذلك ولا وهب. ويقولان: لا نعلم أنه خرج من ملكه ببيع ولا هبة. قلت: أرأيت إن خرجا الى الناس فأخبروهم أن الشهادة لا تقبل على هذا الوجه، وعرفوهما كيف يشهدان فرجعا إلى الحاكم فقالا له: تسمع منا هذه الشهادة، هل يقبل الحاكم شهادتهما ويسمعها منهما؟ قال: نعم، ويحكم الحاكم على المدعى عليه بالعبودية. قلت: أليس من ردت شهادته في شيء لم يعد يقبلها الحاكم ثابتة في ذلك؟ */* (1/162)
صفحة 163
قال: بلى اذا كانت إنما ردت لفسق أو لمعنى لا تجوز شهادتهما لأجله. فأما إن كان الحاكم لم يقبلها لأن الشاهد لم يأت بالشهادة على وجهها فإنها تجوز منه. قال غيره: سئل عن طريق التبع اذا كانت بين مالكين وأدركت أو سمع من ما يحكم به لطريق التابع، هل لهما أن يضيقها، كل واحد من ما يليه حتى يتركا لها ذراعين؟ قال: تترك بحالها. قلت له: وكذلك إن أدركت الطريق بين وساقية أحدث له فيها رجل حدثا، وأراد الشاهد أن يشهد، كيف يشهد؟ قال: أقول: إنه يشهد بعلمه، ويعجبني أن يشهد أني أدركت هذا المال هاهنا وهذه الساقية ها هنا، ولا اعلم في ما بين ذلك ملكا لأحد إن كان علمه كذلك. وعن رجل وفي زوجته صداقها، وأراد أن تشهد له انها قد استوفت، كيف تكون الشهادة منها واللفظ في ذلك حتى تثبت له تلك الشهادة؟ قال: فإذا أشهدت أنها قد استوفت صداقها عاجله وآجله الذي عليه لها وهي عارفة به فقد ثبتت هذه الشهادة، وإن سمت به فهو أثبت. وسألته عن الشاهد اذا اطمأن قلبه على معرفة صورة المرأة التي */* (1/163)
صفحة 164
شاهر اسمها في البلد، وطلبت منه الشهادة مع الحاكم على معرفتها، ولم يشك قبله في الاطمئنانة أنها هي، هل له أن يشهد أنها هي على الاطمئنانة ولا يضيق عليه ذلك قبل الحاكم؟ قال: اذا لم يشك أنها هي فله أن يشهد قطعا. وإن كان على الاطمئنانة فلا يشهد لها إلا أن يسمى بالاطمئنانة. من الأثر: وإذا أقرت أمة أنها مملوكة لرجل فإنما يشهد الشهود على إقرارها بالملكية، ولا يشهدون انها أمته لأن شهادة الإقرار غير شهادة القطع، والتفريق بين ذلك بين في الأحكام، واليد لا تثبت في الأنفاس في الملك كما تثبت في سلئر الملك، وتثبت سائر الحيوان غير البشر. ومن جواب أبي الحوارى: سألت عن رجل كان قد شهد تزويج رجل بالمرأة، وشهد الصداق وحمل الشهادة، ثم إن المرأة حضرتها الوفاة فدعت البينة وأشهدتهم أن صداقها الذي على زوجها هو له بحق ما عليها له، وليس هو له بوفاة. فعلى ما وصفت فعليه أن يؤدي علمه ويشهد أن هذا أو أن فلان ابن فلان تزوج بفلانة بنت فلان على صداق كذا وكذا، ولا يشهد أن لفلانة بنت فلان على فلان بن فلان صداق كذا وكذا فيؤدي هذا الشاهد علمه بالتزويج والصداق، ويؤدي الشاهدان علمهما بهدم الصداق عنه. فإن كان الشاهدان أشهدا هذين الشاهدين ويقول: أشهدني فلان وفلان عن شهادهما أن هذه المرأة قد هدمت صداقها عن فلان بن فلان. وقال: ليس على الحاكم أن يفرق بين الشاهدين فيسمع شهادة كل */* (1/164)
صفحة 165
واحد منهما وحده، وقال الله (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)، وقد يقوى الشاهدان بعضهما ببعض اذا اجتمعا. ورفع موسى ابن أحمد بن علي أنه يوجد: أن المشهود عليه له اذا طلبه. وإن شهد غريمان لرجل بوكالة لرجل في قبض ماله فشهادتهما جائزة في ما على غيرهما، وأما فيما عليهما فلا تجوز. وبينة التهاتر مقبولة. والتهاتر مثل رجلين ارتفعا إلى الإمام فادعيا دارا وأرضا في يد رجل فأقام كل واحد منهما البينة أنه تصدق بها عليه. فإن لم يعلم أنه تصدق بها عليه وقبضها فإنه ينبغي للإمام أن يقضى بها لأولهما ادعاء، وأولهما أقام البينة عليها، ولا يلتفت إلى قول المدعى الثاني ولا إلى بينته لأنها تهاتر، ولتهاتر غير مقبول. والتهاتر هي الشهادات التي يكذب بعضها بعضا. وقال بعض الفقهاء: لا يقضي بها لواحد منهما لأنها إنما تقع لكل واحد منهما نصفا مسقوما. وما يشبهها من المسائل مثلها. ولا تجوز شهادة الورثة بعضهم على بعض. ومن كان وكيلا لرجل في مال له ثم انتزعه من وكالة ماله لم يجز له أن يشهد له فيه بشيء. */* (1/165)
صفحة 166
واما العامل فإذا انتزعه رب المال جازت شهادته له غلا أن يكون شهد وهو عامل فرد الحاكم شهادته. ولا تجوز شهادة الوكيل في كل شيء كان فيه وكيلا ثم أخرج من وكالته فيه فلا تجوز شهادته في ذلك الشيء. واذا اكترى رجل حملا لرجل يحمله الى بلد فشهد له بشهادة لم تجز شهادته له مادام الشرط قائما لم يتم إلا أن يكون قد شهد له قبل ذلك ورد الحاكم شهادته. فإذا انقضى الشرط بينهما في كرى هذا الحمل ثم شهد المكترى أنه حمله جازت له شهادته إلا أن يكون شهد له فيه وهو في كراه بعد فردي شهادته هذه فلا يجوز له أن يشهد له عليه بعد ذلك. وكره بعض شهادة الأجير لصاحبه. قال أبو عبد الله: تقبل شهادته اذا كان عدلا. واذا شهد شاهدان مع الحاكم أن هذا المال لفلان فقال المشهود عليه للحاكم: سلهما من أين علما أن هذا المال له؟ فإن سألهما الحاكم فلا بأس. وإن لم يسلهما حكم بشهادتهما وليس للشهود أن يشهدوا أن على هذا لهذا كذا وكذا ولكن يشهدون أن فلانا ورثه أو اشتراه، أو كان في يده على ما نعلم. */* (1/166)
صفحة 167
إلا أن بعض الفقهاء قد أجاز ذلك اذا كان ميراثا بعد ميراث عن جد. ومن غير كتاب أبي زكريا: اذا علم الرجل الآخر بمال من شراء أو هبة ثم استشهده أنه له. قال: لا أراه شاهدا ظالما اذا شهد على ما عنده، ولم يرد إزالة حجة المدعى. قلت: فإن طلب المدعى الى الحاكم أن يسلمه من أين علم أنه له، هل له أن يكتم ذلك؟ قال: لا، ليس له أن يكتم ذلك. ومن أشهد على نفسه بحق لزيد ثم رفع عليه الى الحاكم فأنكره فليشهد الشاهدان عليه كما أشهدهما على نفسه ولا يزيدان في ذلك ولا نقصان منه شيئا، ولا يشهدان بخلاف ما أشهدهما. فإن قال المشهود عليه للحاكم: سلهما من أين صار هذا المال لفلان؟ فليس على الحاكم ذلك ولا يسألهم ولو قال له ذلك الذي شهدوا عليه. ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال: خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد. وروى أنه قال عليه السلام: خير الشهود الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا. */* (1/167)
صفحة 168
قيل: وهذان حديثان صحيحان. قيل: ومعنى الأول الشاهد عنده شهادة لبالغ عاقل حاضر عالم بها قادر على مسألة الشاهد الشهادة له بها، فهذا الذي لا ينبغي للشاهد أن يشهد له قبل أن يستشهد. والحديث الثاني في الشاهد الذي عنده الشهادة لطفل أو مجنون أو ميت، فهذا الذي ينبغي أن يبتدئ للشهادة وإن لم يسأل، ولكن ينبغي له اذا كان كذلك أن يصير الى القاضي فيقول: عندي لفلان الطفل الصغير أو لفلان المجنون أو فلان الميت شهادة فإن سألتني عنها شهدت بها، فإذا قال له القاضي: قل ذلك شهد بما عنده. ولا يبتدئ الشاهد فيقول: أشهد بكذا وكذا قبل هذه المقدمة. ومن حضر قوما يشهدون بشهادة فقالوا له: لا تشهد علينا، قال له صاحب الحق والذي عليه الحق ثم احتيج إليه فإنه يشهد بذلك الحق، ولكن اذا لم يكونوا شهدوا بما سمعهم فلا يقولوا: اشهدوا. ولا تجوز شهادة البائع في ما باع. وأما من أعطى عطية فنوزع المعطى في ما أعطى فشهادة المعطى للمعطى جائزة. ومن ما أحسب عن أبى معاوية قال: وأما الذين يقطعون السبيل فتجوز شهادة من شهد عليهم من المقطوع عليهم بالقتل، ولا تجوز في شهر السلاح وأخذ المال لأنه اذا شهد أن هؤلاء أخذوا أموالنا وشهروا السلاح فهذه شهادة لأنفسهم، ولا تجوز شهادتهم. */* (1/168)
صفحة 169
واذا شهدوا في القتل أن فلانا وهؤلاء اعترضوا في سبيلنا وقتلوا فلانا جازت شهادتهم إلا أن يشهد رجل منهم على رجل أنه قتل من هو ولي له فلا تجوز شهادته. وعن من قبل الشهادة بالتفسير أنها من طريق الشهرة في سائر الأحكام والحقوق غير ما قد حده المسلمون من النسب والنكاح والموت، هل يكون مصيبا في ذلك ولا تجوز تخطئته؟ قال: لا تقدم على نقص حكمه. واختلف في الشهادة على الشهرة في الأحداث على الأحياء والأموات. فقال من قال: لا تجوز الشهادة إلا على السماع أو العيان أو القطع. ولا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من الأحداث في شيء من المفكرات. وقال من قال: يجوز ذلك على سبيل ما تجوز الشهادة على العيان والسماع في جميع ما تجوز الشهادة عليه. وقيل: تجوز الشهادة في النكاح والأنساب والموت. ولا نعلم وجها رابعا قيل فيه: أنه تجوز الشهادة فيه إلا ما يتولد من أسباب الموت مثل الفرق والحرق والهدر والفقد، وما يتولد من النكاح من الإصهار والرضاع وما شابه ذلك، وأما الشهادة على الشهرة على ما توجب الحدود والقود والقصاص */* (1/169)
صفحة 170
فلم نعلم في ذلك اختلافا أنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من ذلك. وكذلك الضرب وما يتعلق حكمه في الإنسان. وكذلك الشهادة على الحقوق في جميع الأحكام من الطلاق والعتاق والإقرار والوصايا والبيوع والشراء ومن ما يتولد من جميع الحقوق. وإذا قتل رجل وولده في ليلة واحدة ولم يعرف أيهما قبل فشهد جماعة من من لا يقبل قولهم أن أحدهما قتل صاحبه الآخر فلا تكون هذه الشهادة شهرة، ولا تقبل الشهرة في التقديم والتأخير حتى نقبل أحدهما، وليس للحاكم أن يحكم بالشهرة. واذا جرى بين رجلين حديث حتى أقر أحدهما عند الآخر أن عليه لفلان مائة درهم في غيبة الرجل أو في حضرته فإنه لا يسعه كتمان ذلك، وعليه أن يعلم المقر له بالحق، ويقول له: عندي لك شهادة. والذي عندنا أنه اذا علم أن الرجل قد طلب حقه وأنكره المطلوب ولم يجد الطالب عليه بينة فعند ذلك يلزم من سمع إقرار المقر أداء ما سمع، وأقر به له عنده، أشهده المقر على نفسه أو لم يشهد بذلك. ومن قال: أشهد لله أن على فلان لفلان كذا وكذا فقد أصح الشهادة. ومن كان عنده لرجل شهادة على إنسان ثم دعا صاحب الشيء أشهده على الذي عنده عليه الشهادة بحضوره معه إلى الحاكم فإن له أن يشهد بعصيانه، ويشهد بالحق عليه. */* (1/170)
صفحة 171
واذا رفع رجل على خصم له إلى الحاكم فأنكره فقال: عندي عليه فلان وفلان من من لا يعرفه الحاكم فقال له الحاكم: إن جاء فلان وفلان وشهدا عليك تسلم هذا المال أو فهذا المال عليك فقال: نعم، فلما وصلا وشهدا عليه أنكر فلا أرى شهادتهما عليه جائزة اذا عاد عن ذلك. واذا أشهد رجل رجلين على شهادته ثم غاب فلما قدم نسي الشهادة وكان الشاهدان اللذان أشهدهما على شهادته يحفظانها. قال محمد بن محبوب: لا يقبل منهما ذلك اذا كان هو قد نسى. وجائزة شهادة المختبئ على المقر ليسمع إقراره والمقر لا يشعر به لكن لا يقول: أشهدني بل يقول: أشهد عليك بكيت وكيت.
ومن الأثر: وسألته عن رجل يقول لرجل في مجلس يريد أن يبيع له شيئا أو يهبه أو يشهد عليه بشيء فيقول له: بايعتني كذا وكذا، أو قد وهبت لي، أو قد فعلت كذا وكذا فيسكت الآخر فيقول رجل من المجلس قل: نعم فيقول: نعم ربا أتكون هذه شهادة أو إقرار؟ قال: لا، إلا أن يقول: نعم قد فعلت كذا وكذا ما استفهم وسئل عنه. وعن عبد أعتق بقضاء قاض فشهد بشهادات ثم جاء قاضيآخر فرده في العبودية، هل يجوز ما شهد به؟ قال: نعم، تجوز شهادته التي شهد بها وهو عند الناس حر. واذا ادعى رجل على رجل ألف درهم عاجلا، وأنكر المدعي عليه. */* (1/171)
صفحة 172
فأقام المدعى عليه عند الحاكم شاهدين أحدهما يشهد أنها عاجلة، والآخر يشهد بأنها اجلة الى كذا وكذا. ففي الجامع أن الشهادة جائزة، ويكون الحق الى ذلك الآجل. والنظر يوجب عندي سقوط شهادة الشاهد بالأجل لأن المدعى أكذب شاهده بدعواه. ألا ترى أنه لو ادعى الى المدعى الى ذلك الأجل فشهد أحد الشاهدين الى ذلك الأجل، وشهد أحدهما بأن الحق عاجل كانت شهادة غير جائزة من قبل أن الشاهد شهد له بغير حقه. ولو ادعى عليه حقا عاجلا، وادعى عليه أن الحق له عليه الى أجل سماه فأقام المدعى عليه أن الحق له عليه الى أجل سماه فأقام المدعى عليه شاهدين فشهد أحدهما بتصديقه، وشهد الآخر بتصديق المدعى، واتفقا على الحق فإن صدق المدعى الأجل أحد شاهديه كذب الآخر. وكذلك لو ادعى عليه ألف درهم، وأنكر المدعى عليه فشهد بذلك أحدهما، وشهد الآخر بألف وخمسمائة درهم كانت شهادة صاحب الألف وخمسمائة باطلة لأنه شهد بغير ما استشهد به. ولو كان أحدهما يشهد بالألف كما ادعى وشهد الآخر بخمسمائة شهد ببداءة بعض الحق والله أعلم. قال: والشهادة عن الشهادة في الحدود غير جائزة باتفاق. انقضى. */* (1/172)
صفحة 173
وفي رجل في يده أمانة لرجل فغضبت منه وعنده شاهدان بذلك، ثم وجد الأمانة بيد رجل، كيف يشهد الشاهدان له بذلك حتى يصير الى استرجاع أمانته من الذي هي في يده؟ قال: أرجو أن في مطالبة الأمين في أمانته بعد تلفها من يده مختلف فيه. وعلى قول اذا صح أن هذه الأمانة كانت في يد فلان لفلان حكم الحاكم بردها الى من كانت في يده والله أعلم. وقلت: إن شهد الشاهدان بالأمانة أنها كانت في يد فلان وهس لفلان، أيجوز للحاكم أن يحكم بها أن تسلم الى الذي كانت في يده أم لا؟ فالجواب: أن الحاكم يحكم برد الأمانة الى من كانت في يده. واذا شهد شاهدان أنها أمانة لفلان استودعه عليها، وكانت في يده له والله أعلم. ومن كانت في يده دابة يرعاها بأجرة مثل جمل أو ثور وما يشبهه، وكان ذلك سبيله في النصب، كيف يشهد الشاهدان بذلك؟ وكيف يحكم الحاكم؟ بين لي ذلك موفقا. قال: لم أبين المسألة، والشهود إنما يشهدون بما يعلمون على مقدار معرفتهم وعلمهم فقط في ذلك الشيء والله أعلم. ومن قطع له أجرة معلومة في اليوم أو في الشهر على خدمة المسلمين فليس له أن يخدم غيرهم بأجرة، على حسب هذا عرفت والله أعلم. */* (1/173)
صفحة 174
وعرفت عن أبي بكر أحمد بن محمد بن خالد: يجوز للوالي الذي له الديون و للمستخدمين أن لهم ان يعلموا لأنفسهم أو لغيرهم وقت خلوتهم من خدمة المسلمين. وإنما لا يجوز لهم أن يعلموا لغيرهم بالأجرة والله أعلم وسل المسلمين. وعن من نازعه رجل في شيء باعه له فقال له البائع: إن المال لغيره، وأنه كان رسولا فيه، والمال من العروض وظهر فيه غش. فلا يقبل من البائع، ويلزمه الخلاص في الحكم والله أعلم. سألت أبا معاوية عن يهوديين شهدا على رجل بشهادة فأسلم المشهود عليه من قبل أن يحكم عليه. قال: زالت شهادتهما عنه لما أسلم. وإن شهد شاهدان أن فلانا باع بعيرا بألف درهم، وشهد أحدهما أنه قد استوفاه فقد بطلت شهادته. قال هاشم: لو ان شاهدين شهدا أن رجلا طلق امرأته، وأجاز ذلك الحاكم فأكذب الشاهدان أنفسهما بعد ذلك فإن المرأة لا ترجع الى زوجها. وعن رجل وكل رجلا يبيع له مالا فباع الوكيل المال على رجل فأعلمه أن المال ليس لي وهو لفلان أمرني أن أبيع له مالا فبايعه عليه بثمن معروف */* (1/174)
صفحة 175
فقدم صاحب المال فطلب الثمن من المشتري فأقر المشتري ببعض الثمن وأنكر بعضها فشهد البائع وهو عدل. سألت: أتجوز شهادة البائع عليه اذا كان عدلا؟ قال: فإذا كان المشتري منكرا لم تجز شهادة الوكيل بالبيع إلا بشاهدين غيره. وإن كان المشتري مقرا بأنه قد اشترى من الوكيل، واعلمه الوكيل أن المال لغيره وإنما اختلف في الثمن فقال المشتري بأقل، وقال صاحب المال بأكثر فشهادة الوكيل جائزة على المشترى اذا كان الشاهد الذي شهد معه عدلا إن شاء الله. ومن ما يوجد أنه من جواب أبي عبد الله: وعن رجل أحضرك شاهدين، شهد أحدهما أن عبد العزيز الهالك أشهده في صحته بكل مال له لابنه من زوجته التي مات عنها، ولم يعلم أن له ولدا سوى ولده هذا الذي أشهد له بغمية أعماه إياها، وذلك قبل موته بأقل من سنة، وشهد الشاهد معك في شوال من سنة ثلاث وخمسين ومائتي سنة، وولده صبى، وشهد الشاهد الثاني أن عبد العزيز بن خياه الهالك أشهده في صحته أن كل مال له هو لابنه هذا من زوجته التي مات عنها، ولا اعلم له ولدا سواه بحق له عليه، وبما أغميته، ولا حق لعبد العزيز في هذا المال. وقلت: إنهم لم يعرفوك اسم الغلام. وقلت: أنه قد صح على عبد العزيز حقوق لزوجته وغيرها، وأن بعض الغرماء احتج كيف صار لولده حق عليه وهو في حجره؟ */* (1/175)
صفحة 176
فعلى ما وصفت فإذا كان أشهد لولده هذا بهذه الشهادة في صحته فإني أرى هذا المال لولده هذا اذا لم يصح له ولد من زوجته هذه غير ولده هذا. وأما ما احتج ورثته أولده هذا صبي وكيف يكون له حق عليه فليس هذه حجة تهدم حق ولده. وليس للحاكم أن يبطل ما أقر به هو على نفسه. وقد يمكن أن يكون له حق عليه من وجوه لا يعرفونها. جواب من أبي عبد الله وأبي زياد وأبى منذر وأبى العباس الى محمد بن على: وعن رجل طلب أن يعطى من رم قوم ولم يكن أخذ، وأحضر شاهدين شهدا أن هذا فلان بن فلان بن فلان، ومن من يجمعهم وإياه أب يلتقون إليه فلان بن فلان، قد صح أنه من من يأخذ من هذا الرم، وقد دخل في اللوح يطلب في هذا الطالب الدخول، ولم يصح أنه من أهل البلاد إلا نسبه، وأنه ومن يأخذ من هذا الرم يجمعهم أب يلتقون إليه، واذا كان الجد بجمعهم أخذ من رم أهل ذلك البلد أو من من يأخذ منه، وصح ذلك دخل هذا الطالب. واذا شهد شاهدان أن عند فلان بن فلان كذا وكذا. قال: يكون أمانة. قلت: فإن شهد أن قبله لفلان كذا وكذا. */* (1/176)
صفحة 177
قال من قال: تكون أمانة. وقيل: لازما مضمونا عليه. قلت: واذا شهد شاهد مع الحاكم بشهادة على صك أو مال أو على شيء من الحقوق، وقال رجل آخر: أنا أشهد بمثل شهادة فلان هذا الذي شهد على هذا الصك أو على هذا المال، أو على هذا الحق فهل يجيز الحاكم شهادتهما؟ قال: أما الأول فشهادته جائزة. وأما الآخر اذا قال: مثل فالمثل لا يخرج بالشيء، والأمثال تختلف. وإن قال: أشهد عليه بهذا الذي شهد عليه به فلان، أو بلفظ يقتضي معنى الشيء نفسه بترك الحكاية مثل بمثل شهادة شاهد، أو لشيء يشهد به. فقال من قال: تجوز شهادته. وقال من قال: حتى يشهد بلفظ يشهد به عن نفسه يواطئ شهادة الشاهد، ولا يختلفان في لفظ ولا معنى. ومن غيره: وعن رجل ورث مالا من أخيه دون الناس، وورث منه رقيقا فأعتقهم الذي ورثهم، ثم شهد رجلان من الذين أعتقهم بوصيف من الذي ورث أن أخاك فلانا الذي كنا له كان يقر بهذا الوصيف أنه ولده. */* (1/177)
صفحة 178
قال أبو عبد الله: شهادتهما إذن جائزة على أنفسهما بمنزلة إقرارهما أن هذا هو ولده فأبطلا ميراث الأخ منهما، وعتقه لهما لأنهما مملوكان لهذا الذي شهدا أن الذي كانوا له كان يقر بهذا أنه ولده، ولا تجوز شهادتهما في ما بقي من المال ولا رقيق لأنهما أقرا على أنفسهما، فإقرارهما جائز عليهما، ولا يجوز على غيرهما، واذا جرى بينك وبين رجل حديث حتى أقر أن عليه لفلان مائة درهم في غيبة الرجل أو في حضرته. فإذا طلب حقه من المطلوب، ولم يجد الطالب عليه بينة فعند ذلك يلزمك أداء الشهادة، استشهدك المقر على نفسه أو لم يستشهدك. وقال: شاهدان عدلان شهدا على رجل أنه تزوج فلانة على صداق مائة درهم، وشهد آخران عدلان أنه تزوجها على خمسمائة درهم. فان الحاكم يسأل الشهود، فإن أرخوا الشهادة فأي الشاهدين شهد قبل الآخر حكم بالأكثر من الصداقين، وعليها يمين بالله أن هذا الصداق لها على زوجها. فإن لم تعرف ذلك حلفها الحاكم يمينا بالله ما تعلم أن شاهديها شهدا لها بباطل. وقيل: لو أن رجلا أشهد رجلا أن يشهد عليه أن عليه لفلان عشرة دراهم فشهد هذان عليه لفلان عشرة دراهم، ولم يشهد بأنه أقر معه. فإنه غير آثم ولا ضامن. */* (1/178)
صفحة 179
وسألته عن رجل سمعته يقر على نفسه يحق لرجل آخر، ولم يشهد على نفسه فجحد الذي كان أقر به، ولم يجد بينة غير الذي سمعه وشاهد آخر، هل يجوز له أن يشهد على إقراره من غير أن يشهده؟ قال: عن الشيخ أبي مالك أن ذلك جائز لأن هذا من باب الأمر بالمعروف فله أن يشهد. ومن غيره: اذا قال: سمعته يقر، أو سمعته يقول، أو أقر عندي أن عليه لهذا كذا وكذا، وكانت شهادته عنه الحاكم على هذا على هذا فإن هذا موضع اختلاف قبول الشهادة من الحاكم لأنه ما لم يشهد عليه أنه أشهده أو شهد عليه قطعا أن عليه فإنما يحكى عليه حكاية لا يشهد عليه بشهادة. ولو قال: أشهدني وانما سمعته يقر كان عندي بذلك كاذبا لأنه لم يشهده، وأخاف عليه الإثم في تبديل المعنى واللفظ وتحريفها. وأما على قول من يجعلها شهادة ولو حكى الحكاية كانت شهادة فقال أشهدني رجوت أن تجزئه التوبة، ولا يكون ضامنا. وأخاف عليه الضمان على قول من يقول أنها ليست شهادة اذا حكاها. واذا أشهده او أقر معه ثم سأله رب المال الشهادة فشهد عند الحاكم على المشهد أو المقر بالقطع أن عليه له ذلك الذي أقر به، أو أشهده به كان هذا عندي شهادة على الغيب، وتعاطى علم ما لا يعلم. وأخاف أن تكون شهادة زور في ما بينه وبين الله. وأما معنى الضمان فإذا كان لو شهد بعلمه الذي يعلمه عليه، وحكى */* (1/179)
صفحة 180
الحكاية ثبتت عليه الشهادة بذلك في معنى ملا يختلف فيه رجوت أن تجزئه التوبة من تلك الشهادة التي تقلدها على المعنى الذي ليس له تعاطيه. وأرجو أن لا ضمان عليه لأنه تناول الشهادة اذا كان أنه اذا أشهده فهو عليه، وشهد بذلك على المعنى رجوت ألا يلزمه ضمان، وعليه عند التوبة. وعن أبي الحوارى: وعن شهود شهدوا على رجل بحق لرجل فقال رجل ثقة أو رجلان: لا تشهدوا على فلان فإن الحق قد زال عنه، أو قالوا: قد باع فلان ماله فلا تشهدوا بالمال لفلان، هل يسع هؤلاء الشهود الذين يشهدوا بالحق ترك الشهادة لقول هؤلاء؟ فعلى ما وصفت فلا يسعهم ترك الشهادة، وعليهم أن يؤدوا الشهادة الى الحاكم اذا دعاهم الذي له الشهادة ويشهدوا بما قال لهم القوم، ويكون ذلك الى الحاكم اذا بلغوا شهادتهم بما علموا من الحق، ويبلغوا ما قال لهم القوم، كان واحدا أو أكثر، كانوا ثقاة أو غير ثقاة. فإن لم يبلغوا الحاكم ذلك من قول القوم لم نر عليهم بأسا اذا أدوا شهادتهم بالحق إلا أن يكون القوم قالوا لهم: اشهدوا عن شهادتنا فعليهم أن يبلغوا علمهم بهذا الحق، ويبلغوا ما أشهدوهم عن شهادتهم. ومن الأثر: وأما الشاهد اذا قال: أنا أشهد أن هذا المال كان لفلان بن فلان يحوزه ويمنعه ويدعيه الى أن مات، وما أعلم أنه زال عنه بحق فهذه شهادة صحيحة اذا كان الشاهد عدلا، وشهد معه فقد وجب الحكم والله أعلم. */* (1/180)
صفحة 181
واما قوله أنا أعرف أن هذا المال لفلان فلا يقوم مقام الشهادة حتى يقول: أنا أشهد أن هذا المال لفلان اذا كان حيا، أو كان لفلان اذا كان قد مات فيكون لورثته. وأما الحكم عند الشهادة في موضع بعيد عن المال أو قريب اذا حد المال ووقعت عليه الشهادة فيختلف فيه في ذلك. والشهادة علم يؤديها الإنسان على ما علم من حال المشهود له والمشهود عليه يقول: أشهد أن فلانا أقر عندي لفلان بكذا. ويقول: أشهدني فلان على نفسه لفلان اذا جاء يحمله الشهادة على نفسه. ويقول: ووجه آخر أن يقول: أشهد أني رأيت كذا المشهود به في يدي فلان ولا يشهد بأنه له اذا لم يكن عنده من العلم في ذلك الا اليد، والحاكم يحكم للمشهود له باليد فيصير في يده ملكا بالحكم. ووجه آخر أن يقول: أشهد أن فلان ابن فلان باع هذه الدابة، أو هذا العبد، أو هذا الثوب. أو يقول: أعطى. أ يقول: انه أوصى به له اذا كان الأمر كذلك. فإذا كان قد علم أنه أرز العطية عليه، أو يقول: أنه قد قبض العطية ويشهد بذلك، ويخبره بما كان عليه من الأمر بينهما. */* (1/181)
صفحة 182
قال أبو عبد الله في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ان السماع شهادة. وقال: انما ذلك مثل رجل يسمعه يقول: على لفلان كذا وكذا، وبعت منه أو باعني كذا، أو على لفلانة مرتى من الصداق كذا، أو امرأة تقول: زوجني وليي بفلان على كذا فقد رضيت به. وقال أبو عبد الله: قال من قال من الفقهاء: يشهد بسماع الشاهد على النسب والموت والتزويج. وقالوا: يشهد على رابع لم يسمعه. ولا يشهد على الصداق وغيره من الحقوق بالسماع. وقال في قول الله تعالى (أو آخران من غيركم) وعن الحسن أنه قال: من غير العشيرة كل مسلم. ومن غيره: قال: هم أهل الميراث. وعن عكرمة: من غير حيه. وعن ابن عباس قال: من المشركين. ولا يجوز لرجل أن يتحمل الشهادة بين قوم في مال غير محدود بل عليه أن يعرفهم أن الشراء غير جائز. وان كان لا يعرف أن الشراء غير جائز، ولا حدود الشهادة جائزة كان أبعد ان يدخل بغير علم. */* (1/182)
صفحة 183
واذا تبايع رجلان بيعا فاسدا لم يجز لأحد أن يحمل تلك الشهادة ولا أداءها. والواجب أن يعرفهما فساد ذلك ليرجعا الى الحق. وان دفع المشتري الثمن الى البائع، وأشهد على دفعه الثمن فله أن يشهد كما علم، وأشهده على التسليم ليرجع في حقه ليأخذه. وأما على أن البيع ثابت فلا، وكان أولى به ألا يتحمل هذه الشهادة. واذا كان رجل وامراته في دار، وكان الرجل يعمرها أو يجوزها الى أن مات فادعت المرأة أنها لها، وقال الورثة: بل هي لأبينا. فإن الشهود يشهدون أنه كان يعمرها ويحوزها، والحاكم لا يحكم بهذه الشهادة حتى يشهدوا أنها له. */* (1/183)
صفحة 184
باب (في أداء الشهادة عن الشهادة)
والشهادة عن شهادة الغير يقول: أشهد أن فلانا أشهدني أن فلان ابن فلان أشهده أن عليه لفلان بن فلان كذا وكذا من الحق، ولا يشهد عن نفسه. وقيل: يقول أشهد على شهادة فلان بن فلان أن فلان بن فلان كذا. وقال أبو الحسن: يقول: أشهدني زيد أن أشهد عن شهادته أن على عمرو لعبد الله كذا. وقيل: يقول: أنا أشهد عن شهادة فلان بن فلان على فلان بن فلان كذا، وقد امرني أن أؤدى عنه هذ الشهادة، وأنه شاده بها عنه الحاكم. قال أصحاب أبي حنيفة: والشهادة عن الشهادة في التحمل لابد من لفظ الشهادة ثلاث مرات، يقول الشاهد لمن يشهد على شهادته: أنا أشهدك على شهادتي أن أشهد. في الأداء الى أربع مرات، يقول الشاهد الفرع: أنا أشهد ان فلان بن فلان أشهدني أنه يشهد على فلان بن فلان بكذا وكذا. قال: ومتى كان أقل من ذلك لم تقبل. */* (1/184)
صفحة 185
باب (في حمل الكتب وائتمان الواحد)
من ما ألف أبو قحطان من كتاب أبي جعفر: وقد قبل المسلمون الكتاب بيد الواحد الثقة اذا أمره الحاكم بقياس الجروح على ما قاس. وقبلوا قول الواحد الثقة في الكتب يأتمن عليها الحاكم رجلا في جراحة أو دابة، أو فريضة لامرأة على زوجها، أو لولد، وعلى الكتاب فيه الشهادات، وعلى كتاب التعديل فيه عدالة أو طرح. واذا ورد كتاب قبله منه، وعمل بما فيه لأنه أمينه. وكذلك اذا أصابت الجراحة النساء أمر الحاكم امرأة ثقة أن تقيس جراحتها، ويقبل قولها في القصاص والدية. ولا يجوز في ذلك العدلة الثقة. ويقبل قول الواحد الثقة يحتج به الحاكم في الحكم على النساء، وسل عنها. ويحتج بالواحد في البلاد البعيدة التي تصله حجة الإمام، وسل عنها. ويقبل حكم الإمام في كتاب من إمام الى أمام بيد ثقة مثل إمام */* (1/185)
صفحة 186
حضر موت إلى أمام عمان الا في القتل والدماء فقد قيل: ان الشهود يشهدون. وقد قبلوا الوكالات عن النساء في البلد في القود أن يستقيد لهن الوكيل. واستقاد لهن المهنا في ولاية المهنا. وأما الرجل فلا يقبل منه أن يوكل من يستقيد له الا وهو محاصر. وقبلوا قول الواحد يتولى رفع التعديل عن المعدلين في البلد الواحد. وللحاكم أن يتولى الثقة يقاضي بين القوم في الجراح، يبعث الحاكم الواحد الثقة في تنفيذ الحكم بين الخصوم. ولا يقبل الحاكم كتابا من إمام ولا وال في شيء من الشهادات، ولا من الوكالات الا بيد ثقة غير المدعي. ولو كتب الباعث بالكتاب في كتابه أن حامله عندي ثقة لم يقبله الا أن يحمله إليه ثقة عنده، أو يرفعه ثقة عدل يقبل تعديله. قال أبو المؤثر: الذي سمعنا أنه اذا كتب الوالي الى القاضي أو الإمام أن حامل كتابي إليك ثقة، وعرف القاضي والإمام خاتم الوالي وخطه، ولم يتوهموا أن الكتاب مفتعل، وعرفوا الكتاب فإن الحاكم يقبل الكتاب من حامله على ما وصفنا. */* و (1/186)
صفحة 187
كذلك الولاة بعضهم من بعض، ومن الإمام والقاضي. وكذلك يفعل الإمام في ولاته، ولا يقبل بيد من له الحكم ولا لعبده ولا لولده. وان حمل ثقة كتابا من حاكم ولم يوصله حتى مات الحاكم الذي بعث بالكتاب أو عزل لم ينقذه كتابه. وكذلك ان مات المبعوث إليه أو عزل بطل الكتاب، ولم ينفذ. وان مات الحامل فاستودعه غيره لم يقبل الا أن يشهد شاهدا عدل أن الامام أو القاضي دفع اليه هذا الكتاب، وأمره أن يسلم الى فلان، ويحملان الكتاب ويدفعانه الى الذي بعث اليه. فان علم أن حامل الكتاب كان عبدا أو ذميا أو أقلف وقد حكم بالكتاب رد الحكم. وكذلك ان علم أن حامل الكتاب كان عبدا رد الحكم، ويقض ما كان نفذ بكتابه أو أحد من منلايجوز حمله الكتاب. قال محمد بن المسبح: الا أن يصح أن الكتاب من الحاكم. وان حمل ثقة كتابا ثم لم يوصله حتى مات الحاكم الذي بعث اليه أو عزل لم ينفذ كتابه. وقال محمد بن المسبح: فيه وجه غير هذا اذا الحكم من الأول. */* (1/187)
صفحة 188
قال غيره: اذا صح الحكم من الأول ثبت. وكذلك ان مات الحاكم المبعوث اليه أو عزل بطل الكتاب الا أن يكون اماما بعث بحكم من بلد الى إمام فعسى يقبله الامام اذا كان بعث إلى غيره فمات أو عزل، ولم أقله بأثر، فاسألوا عنه، واطلبوا فيه الأثر. وقيل: كتب موسى بن علي –رحمه الله- إلى الإمام عبد الملك ابن حميد –رحمه الله- في أمر رجل فمر الرجل ثم أتى إلى موسى فقال: رد كتابك. فقال أبو علي: هو المأمون علينا وعليك. قل أبو المؤثر: الذي أقول به: أن النسب ترفع فيه البينة إلى القاضي وإلى الإمام لأنه ليس كل الولاة يعرفون كيف يستشهدون البينة. وأما الوصايا فأرى أنه من ادعى وصاية رفع بينة إلى الإمام او القاضي. قال أبو المؤثر: أما الوكالة فنعم. وأما النسب فلا تسمع البينة الا بمحضر من المشهود عليه، أو يدعوه الى الحاكم فلا يوافى من غير عذر. وسألته عن الحاكم يكتب إلى الوالي أن يسأل عن فلان أهل الخبرة به، فإن كان له يسار أن يرفع بينته إليّ، وإن كان معه مالا يقوى */* (1/188)
صفحة 189
على حمل البينة فيكتب الولي إلى الحاكم أنه قد صح معي إعدامه، أيقبل ذلك الحاكم منه؟ قال: لا، حتى يفسر الأمر على وجهه. قلت: فإن شهد واحد تكفي شهادته؟ قال: لا، حتى يشهد شاهدا عدل من أهل الخبرة به. */* (1/189)
صفحة 190
باب (في التعديل)
من كتاب محمد بن جعفر: وفي الأثر: تزكية الشهود لم تكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه. وقال عمر بن الخطاب –رحمه الله-: المسلمون عدول بعضهم على بعض. وقد نهى الله تعالى عن التفتيش عن عورات الناس، والتجسس عنها. وقال غيره: المسألة بدعة مستحدثة الا أنه لما ظهرت شهادات الزور، وأخذ الناس الأموال على الشهادات والرشا، عند ذلك سئل عنهم، فليتق الله الحاكم فإن الناس شجرة بغى، وذبان طمع، وفراش نار، وقد بلوا بالشحناء والضغائن. فإن سأل الحاكم فليسأل أهل الورع والعفة والرضا في الإسلام. وليسألهم في حال الرجل في اليوم الذي هو فيه، ولا يسألهم عن ما كان عليه من قبل لأنه قد يكون على حال ثم يتحول عنها، انقضى. ومن غيره: وعن أبي عبد الله قلت له: فرجل شهد مع الحاكم */* (1/190)
صفحة 191
بشهادة فسأل عن تعديله فسقطت شهادته ولم يعدل، ثم لم يزل الحاكم يدعو المشهود له بالبينة إلى أن رجع فقال للحكام: ارجع فسأل عن شاهدي الذي لم يعدل فرد المسألة فيه فعدل، أيحكم بشهادته؟ قال: نعم، ما لم يكن حكم بإبطال ما كان يدعي المشهود له. قيل: وكذلك لو عدل شاهده ثم رجع بالمسألة عنه فلم يعدل؟ قال: نعم، تبطل شهادته ما لم يقع الحكم اذا صح حدثه الذي تبطل به شهادته. وقيل: اذا طرحت شهادته في تلك الشهادة ولو كان من بعد ذلك وأصلح فلا تقبل شهادته. وان كان إنما وقف المعدل عن أمره لموضع جهله بعدالته فإن شهادته تقبل في ذلك الحكم وغيره من الأحكام. والأول تجوز شهادته إلا في هذه الشهادة. وقد سأل عمر بن الخطاب –رحمه الله- عن رجل فقال له الرجل –يعني المسئول-: لا أعلم إلا خيرا. فقال: حسبك. وقيل عن موسى بن علي –رحمه الله- أنه سأل عن شهادة رجل فقال له المعدل: لا أعلم إلا خيرا. فقال: فصفح بيده ثم أجاز شهادته. */* (1/191)
صفحة 192
قلت لإبراهيم: ما العدل؟ قال: الذي لم تظهر منه ريبة. والعدل عندنا: كل مستور لا يعرف بسوء ولا ريبة. واذا كان ذلك كذلك جازت شهادته. قال غيره: لا يعدل إلا من يتولى من ديننا خاصة. وقد يعدل بعض قومنا في دينهم فتجوز شهادتهم في بعض المنازل، وفي بعضها لا تجوز. ومن غيره: وقد يعرف العدل الثقة بعض من يفرق فيقول: إن العدل هو الذي يؤتمن على الأمانات، ولا يعرف أنه مصر على شيء من الجانيات، مسارع في الخيرات، مجانب للشبهات، مأمون على ما حمله من الشهادة وقام به ولو لم تعرف منه من الموافقة في القول ما تجب به الولاية من المحبة، ولم نعرف منه ذلك انتحالا لدين غير دين المسلمين، وهو في ذلك يظهر التمسك بقول المسلمين في صلاته وزكاته وولايته وبراءته. فهذا هو العدل في بعض قول المسلمين. وقال من قال: هذا عدل ولي. والثقة هو المأمون على ما حمل من الشهادة التي شهد بها في صدقه في الحديث، ووفاء عهده اذا عاهد، وأمانته اذا أؤتمن، وانصافه من نفسه اذا عامل، وانقطاعه إلى الخيرات، واجتنابه الشبهات. */* (1/192)
صفحة 193
فهذا ثقة في ما حمل من الشهادة. وقال من قال: ان هذا ولي تثبت ولايته أيضا. فإذا كان هكذا جازت شهادته في ما اؤتمن عليه من الشهادة التي هو أمين فيها، لا يلحقه فيها تهمة بوجه من الوجوه. والولي الذي يعرف منه هذا الذي عرف من العدل الثقة في مواقفه للمسلمين في جميع ما يستحق به الولاية. ومن ذلك قيل: انه يكون عدلا ثقة ووليا اذا كان في حال العدل والثقة، وعلى ذلك أجيزت شهادته. وسئل عنه في كل شهادة شهد بها بعد ذلك واذا صحت ولايته لم يرجع يسأل عنه حتى يعلم منه غير ذلك. رجع إلى كتاب أبي جعفر: والعدل هو الولي الذي له الولاية. قال محمد بن المسبح في أصحاب أهل السوق: قد يكون العدل في الشهادة غير أهل الولاية في الحقوق كلها إلا الحدود. ومن عرف بخير ولم يعرف منه شر فهو عدل. ومن غيره: ولا يقبل التعديل إلا من المعدلين المنصوبين. وإذا كان في البلد معدل منصوب نصبه لذلك إمام عدل أو قاض فهو الذي يسأل عن تعديل بلده. */* (1/193)
صفحة 194
وإن كان في البلد اثنان أو ثلاثة سئلوا جميعا فإن عدل واحد وطرح واحد أخذ بتعديل الذي عدل إلا أن يطرحه المعدلان الباقيان ويجرحانه أو يجرحه عدلان غيرهما. وإن لم يكن في البلد معدل منصوب سأل الحاكم عن البينة الثقاة الذين ينصرون ما تثبت به العدالة والطرح من أهل بلدهم. ويقبل التعديل من الواحد منهم والولاية ولا تقبل البراءة والجرح إلا من اثنين عدلين. قال محمد بن المسبح: لا تكون امرأة معدلة منصوبة. ويقبل التعديل من المرأة الثقة التي تبصر ما تثبت به البراءة والولاية اذا لم يوجد من يعرفه من الثقاة الرجال. قال محمد بن المسبح: لا تكون امرأة معدلة منصوبة. ومن غيره: قال: قد قيل: يقبل التعديل بواحد، والجرح بواحد، وكام قبل التعديل بواحد كان الجرح بواحد لأن ذلك إنما هو من الأحكام والله أعلم. وقال من قال من الفقهاء: إن العبد الثقة تؤخذ عنه الولاية لمن تولاه إذا كان يبصر ذلك. ولا يجوز تعديله لأن شهادة العبد لا تجوز. وقال من قال: أذا رفع الولاية قبل السؤال عن الشاهد قبل منه ذلك، وتولى المرفوع إليه ذلك. */* (1/194)
صفحة 195
فأن شهد معه بشهادة قبل شهادته لموضع ولايته. وقال من قال: لا يجوز ذلك لأنه إنما كان ذلك من عبد، والعبد لا يكون معدلا في الأحكام فيتولى، ولا تقبل شهادته، وكما يتولى العبد ولا تقبل شهادته، وكما يتولى المدعي ولا تقبل شهادته ليس لأمر استحق به طرح الشهادة. وقال أبو المؤثر: تعديل العبد جائز. ومنه: وإذا طالب المنازعة أعاد الحاكم المسألة عن الشهود ولو كانت عدالتهم قد صحت من قبل. وقال من قال: إن موسى بن علي –رحمه الله- كان يعيد المسألة عن الشهود على أربعة أشهر. وقال من قال: ستة أشهر. ومن غيره: وقال من قال: لا يعيد المسألة عن الشهود في ذلك الحكم نفسه إلا أن يظهر هنالك سبب يستحق به المسألة حتى ينفذ ذلك الحكم. ومن غيره: ومن جواب أبي مروان: أن تعديلهم جائز في ذلك الحق ولو خلا أربع سنين أو أقل غير أنه أكثر من سنة إلا أن يحتج المشهود عليه أن الشاهد قد أحدث حدثا من قبل أن يحكم الحاكم. قال محمد بن المسبح: إذا عدل الشاهدان في منازعة بين رجلين فهما علة عدالتهما حتى يأتي الخصم عليهما بجرح. وقال أيضا: أخبرني أشياخ المسلمين عن مهلب بن سليمان أنه كان */* (1/195)
صفحة 196
يقول: إذا ظهرت الدعوى في بلد كانوا عدولا مثل عمان إلا من في عنقه حد أو محرم يقيم عليه، ولم يقبل هذه المقالة الأربعة أحد من الحكام ولا من الفقهاء والله أعلم. وفي موضع: إلا شاهد في عنقه حد لم يقم عليه، أو مقيم على حرمة ولا يبرأ منها، أو متهم في عمله صومه وصلاته وزكاته فأخر الشهود. ومنه: قيل: إن على المسلمين إذا طرح المعدل لهم وليا ألا يدعوا المعدل يطرحه إلا بأمر يصح عليه. إن أبى المعدل وتولاه المسلمون قبلت ولاية المسلمين فيه، وجازت شهادته. ولا يقبل التعديل من المعدل حتى يقول: أنه عدل. وقد قيل: إذا قال: ثقة قبل. وليس أحب أن يكتفى بهذه اللفظة وحدها. ومن غيره: وقد قيل: إن أبا على قال له المعدل أو كتب إليه في رجل سأله عنه: أنه لا يعلم منه إلا خيرا. فنظر في ذلك ثم أجاز شهادته. قال: قد اختلف في قوله أنه ثقة: قال من قال: يقبل قوله في ذلك وتجوز شهادته. */* (1/196)
صفحة 197
وقال من قال: لا يقبل. وقد قيل: إذا قال: فلان جائز الشهادة عندي فقد عدله. ومنه: وإن قال: أنه معي في الولاية فقد قيل: إن الحاكم يكتفي بذلك. وقد قيل: أنه إذا قال: فلان من خيار الناس، أو من خيار المسلمين أو خيار أهل بلده، أو من أفاضل المسلمين، أو من المسلمين، او من الصالحين، أو من صالح الناس، أو أصلح أهل بلده فكل هذا تثبت به ولايته، وتجوز شهادته. وإذا قال: فلان ثقة في دينه قبلت شهادته، ولم تثبت ولايته. وكذلك إذا قال: عدل في دينه، أو عدل قبلت شهادته، ولم تثبت ولايته. وإذا قال: فلان معي في الولاية، أو في ولاية المسلمين، أو ولى لي في ديني، أو ولى لي، أو ولي لي لله، أو ولى لأهل الحق فكل هذا تثبت به ولايته، وتجوز شهادته. فإن قال: فلان أثق به، أو من الأبرار، أو من المتقين، أو من الصادقين قبلت بهذا شهادته، وتثبت ولايته. ومنه: وقيل: للحاكم أن يحكم بشهادة أوليائه ولا يسأل عنهم. */* (1/197)
صفحة 198
وقال من قال من الفقهاء: كلما شهد الشاهد بشهادة سأل عنه الحاكم، ولا يجترئ بتعديله إذا عدل مرة إلا أن تثبت ولايته عنده. فإن ثبتت ولايته وكان من من يحاضره ولم يسمع بحدث منه ولا بأس فأرجو ألا يحتاج يسأل، ويكتفي بما قد ثبت له. وأما من يعيب عليه أمره فينبغي أن يسأل عنه. ومن غيره: وقد قيل: إذا ثبتت ولايته معه حكم بشهادته، وليس عليه أن يرجع يسأل عنه ولو غاب عنه أمره لأن الولي مأمون على حضرته وغيبته، وإنما قبل ذلك من من تثبت شهادته ثم كان من من يحضر مجلس الإمام ولا يغيب عنه في أوقات الحضرة، وهو قريب منه ولا يخفى عليه. وقد أجاز أبو عبد الله محمد بن محبوب شهادته، ولم يوجب عليه سؤالا إذا كان على هذه الصفة. قال: وولاة الإمام على القرى على عدالتهم لا يحتاج أن يسأل عنهم ولو غاب عليه أمرهم فهم على عدالتهم حتى يصح من أمرهم خلاف ذلك. هكذا يوجد عن أبي عبد الله محمد بن محبوب –رحمه الله-. وقد قيل: إذا شهد الشاهد عن شهادة آخر وكان الحامل للشهادة من من يقبل تعديله فعدل الذي شهد عنه جاز ذلك، وقبلت شهادته إذا لم يعرفه المعدل أو أحد من الصالحين غير الذي حمل الشهادة عنه. ومن غيره من الآثار: قال: وإذا وقف عن المشهود عنه المعدلون لم يقبل تعديله هذا فيه. */* (1/198)
صفحة 199
وإن وقفوا عنه لجهلهم بأمره، وكان الشاهد عنه يقبل عنه التعديل جاز ذلك أن تقبل عنه عدالته، ولم يعرفه غيره. وإن لم يكن ينصر العدالة لم يقبل منه. وذلك في الأحياء والأموات سواء في ذلك القول. وكذلك عن أبي علي –رحمه الله-: وللحاكم أن يقبل قول الواحد الثقة في رفع التعديل عن المعدلين. ولا يسأل المعدل عن تعديل من شهد معه في شهادة واحدة إلا أن يسأل الحاكم المعدل عن تعديل ذلك الرجل قبل أن يشهد هو ذلك الرجل. ولو سأله في ما بينهما في المجلس ثم شهد من بعد فلا بأس. ومن غيره: قيل ويقبل الحاكم الجرح عن الشهود من الخصوم، ويقبل الجرح من المعدلين بالبينة. قال محمد بن المسبح: لا يقبل على المعدل إلا من لا يختلف الحكام في عدالته وثقته. ولا يقبل عليه من جرت عليه مسألته ثم يسأل عن ما شهدت عليه به، فإن كان له مخرج ردت شهادتهم وإلا استنيبت وكان على حالته. وأما إذا شهد المعدل بشهادة، ويشهد ذلك الرجل بشهادة أخرى فإنه يسأل المعدل عن تعديله، قال الله (ممن ترضون من الشهداء) فإنما */* (1/199)
صفحة 200
ذلك إلى رضا الصالحين، وقد رفع تبارك وتعالى عن عباده معرفة رضائه لأنه قد حجب ذلك عنهم. فمن عرف بالأعمال الصالحة والموافقة في الديانة فهو للمسلمين ولي، وعندهم عدل ولو كانت له سريرة وكفرة، أو ذنوب مستترة. وكذلك لو أن رجلا يستر عبادته كلها ويظهر للمسلمين المخالفة في سيرهم، وتزيي بغير زيهم والله يعلم منه خلاف ذلك لم يكن للمسلمين أن يجيزوا شهادته، ولا يقبلوا ولايته. وعلى هذا تجري جميع الأحكام بين أهل الإسلام، وإلى الله علم الغيوب، وهو الشاهد على ضمائر القلوب. قيل: إذا قال المعدل في الشاهد: إني لا أعرفه ولكن قد عدله من أثق به لم يقبل ذلك حتى يقول: من عدّل فلانا فهو معي عدل. ومن غيره: قال: وقد قيل: إذا سأل المعدل عن شهادة شاهد فإن كان معه علم منه عدله، وإن لم يكن معه علم منه وقف عنه. ولا يكون المعدل يسأل من المعدلين ولكن يعلم الحاكم أنه لا علم له بذلك حتى يسأل الحاكم غيره من المعدلين. فإن سأل هو غيره من المعدلين فعدله ورفع ذلك إلى الحاكم، ورفع شهادة من قد استحق ذلك معه فذلك جائز. وإنما يرفع ذلك على وجه الرفيعة أنه قد سأل عنه فرفع إليه عدالته، وقبل ذلك، وهو جائز الشهادة، ويرفع من رفع عدالته. */* (1/200)
صفحة 201
فإن لم يقل ذلك، ورفع عدالته على ما قد صح معه من عدالته جاز ذلك، ولا يرجع يفعل ذلك. ومنه: ومن جواب أبي عبد الله: وعلى الإمام والقاضي أن يقبلا من الوالي إذا كتب إليهما أن واليه الثقة عنده كتب إليه أنه قد عدل عنده شاهدا أو وكالة من رجل لرجل. ومن غيره: وعن أبي علي –رحمه الله- في وكيل وهب الحق لخصمه، أو عدل الشاهد بغير سؤال عنه. فأما الهبة فما أراها تجوز حتى يجعل له ذلك. وأما الشاهد فعسى أن يجوز ما صنع فيه إذا قال: قد عرفه بصلاح. وأقول أنا: إن كان الوكيل ثقة قبلت عدالته للشاهد عليه، وعلى الذي وكله. وغن لم يكن ثقة لم يجز ذلك على صاحب الحق، وكان ذلك عليه في وكالته. قال أبو المؤثر: نعم، إذا كان الوكيل من يقبل تعديله جاز تعديله وغلا فلا. ومن غيره: وعن رجل ليس له ولاية وهو غير مهتم، ولا يعرف شهادة زور، وطلبت تزكيته في شهادته فالمعدل أولى به أن علم منه الورع، ورضي منه الأخلاق حسن تعديله. */* (1/201)
صفحة 202
وعن أبي الحسن قال: طرح معدل الشهادة رجل في أيام الدولة فنظر إخوانه بأي سبب طرح المعدل شهادته فلم يجدوا له عيبا غير انه غيل غيله في أرض صافية. ومن غيره: قال الذي معنا: أنه كذلك إذا كان بغير رأي الإمام، والإمام قائم فلا يجوز أمر الصافية إلا برأي الإمام في بعض قول المسلمين إذا كان الإمام عدلا. ومن غيره: من كتاب الأصفر: وأخبرنا عن مسعدة عن بشير قال: إذا شهد الشاهدان على الخصم فقال الخصم للقاضي على تجريحهما فقد أثبت عدالتهما حتى يأتي بالتجريح. قال: وكان مسعدة يحكم بذلك وقد قيل: لا يحكم بتركته الخصم الشاهد عليه حتى يصدقه في ما شهد عليه. وأما إذا عدله وزكاه لم يقبل قوله في ذلك إلا أن يكون من يبصر العدالة. وقال من قال: يجوز تعديله للشاهد عليه ولو كان غير بصير بالعدالة لأنه يقر بذلك على نفسه. وأما إذا جرحه فلم يعدله فلا يقبل قوله في ذلك، ولا عليه في ذلك حجة، ولا له حتى يصح تعديل الشاهد. فإذا صح تعديلهما ثم جرحهما بعد ذلك مضى عليه الحكم حتى يصح ذلك. */* (1/202)
صفحة 203
وقال بعض المسلمين: أنه لا يحكم بالجرح أذا صحت عدالة الشاهد، ولم يقبل جرحهما بعد ذلك في ذلك الحكم. وليس على الحاكم أن يحتج على الخصوم في جرح البينة ولا المعدلين إلا أن يطلب ذلك الخصوم المشهود عليهم والمعدل عليهم، وإنما العدل الولي الذي له الولاية. قال: ويقبل تعديل المرأة للمرأة إذا عدلتها إذا سئل عنها المعدل فلم يعرفها، وعدلتها المرأة جاز تعديلها. وإذا شهد شاهدان على شاهد أنه يأخذ الرشوة، أو في يده حرام فقيل: إن ذلك لا يسقط شهادته حتى يبينا الحرام والرشوة. انقضى. وقيل: إذا عدل المشهود عليه شهود المدعى عليه حكم عليه الحاكم. بذلك. وقال من قال: لا يقبل تعديله لهم إلا أن يصدقهم في ما شهدوا. وقال من قال: إن كان يبصر العدالة جاز تعديله لهم. وإن لم يكن يبصر لم يجز ذلك عليه إلا أن يصدقهم في ما شهدوا عليه. ومن غيره: وإذا شهد مسلم عند الحاكم بشهادة ثم سئل عنه المسلمون فليس عليهم أن يرفعوا عدالته إلى الحاكم والمعدل إلا أن يطرح فإن طرح وقف عنه، فعند ذلك على من يتولاه أن يرفع عدالته إلى الحاكم والمعدل. */* (1/203)
صفحة 204
وإذا شهد مع الحاكم شاهدان بحق على رجل وهما غير ثقتين فلا يجوز له أن يحكم بقولهما إلا أنه إذا كان يعلم أنه قال في شهادتهما: رفعهما إلى حاكم غيره. ولا يلي هو ذلك الحكم، ولا يلي إبطاله، ويلي ذلك غيره بما يعلم هو منهما ولا تعلم هذا، ولا يعجبني أن يقام من الخلاف معدل. وقد كان بصحار قوم يسألون عن التعديل، الظن أنهم من أهل الخلاف وإن لم يكن ظهر، منهم يعقوب بن المومل وداود بن الأشرس. ولم أعلم أنه يقام في أهل الذمة معدل. وإذا عدل المعدل فإنه يرجع يسأل عنه. قلت: كيف يسأل عنه وهو من من لا يقبل قوله فيه أن يطرحه؟ قال: يسأل عنه، فإن أراد المعدل طرحه قال: أقف عنه ولا أقول فيه شيئا، فهنالك لا تجوز له شهادة، ولا يكون على المعدل في ذلك قول ولا مسألة في ما طرحه. ولا يجوز لمسلم أن يطرح وليه وهو يقدر على ألا يطرح إلا بحدث يوجب ذلك. والولي إذا واقع صغيرة فلا يحكم بشهادته إن كان شهد حتى يستتاب. فإن تاب قبلت شهادته وولايته، وغن أبى برئ منه. وإذا واقع كبيرة من قبل أن يشهدا ومن بعد ما شهد بأنه شهادته التي شهد بها ترد، ولا تقبل ولايته وشهادته إذا شهد في ما يستأنف بغير ما كان شهد في حال ركوبه للكبائر. */* (1/204)
صفحة 205
باب (في سماع البيانات)
من كتاب فضل بن الحوارى: وإذا دعا الطالب البينة فإن الحاكم يؤجله في إحضارها بما تأجل، ويكتب أجله إن لم يكن بينة: تأجل فلان بن فلان في إحضار بينته على فلان بن فلان فأجلته إلى يوم كذا وكذا من شهر كذا. فإذا جاء ببينته إلى الأجل سمع بينته بمحضر من خصمه، أو بمحضر من وكيله من بعد ما تصح معه وكالته. فإن لم يواف خصمه ولا وكيل له سمع البينة، واثبت شهادتهما في كتابه وكتب: تخلف فلان بن فلان عن موافاة خصمه فلان بن فلان، ولم يحضر سماع البينة واحتج في خصمه. فإن كان تخلفه عن الموافاة لمرض أصابه، أو بمصيبة موت من يلزمه أمره أمر صاحب البينة بردها حتى يسمعها الحاكم بمحضر من خصمه. وإن لم يصح تخلفه لمرض ولمصيبة موت أنفذه عليه الحاكم وسماع البينة إذا عدلت بينته بعد أن يحتج عليه إن كانت له حجة في ما صح عليه. وإن كان الطالب لا يستطيع حمل البينة كتب إلى وإلى البلدان يسأل عنه أهل الخبرة. */* (1/205)
صفحة 206
فإن كان له مال أو مقدرة فليرفع بينته وليرفع خصمه، وجعل لهما أجلا يتوافيان إليه، ويعرفه الأجل. وإن لم يكن له مال ولا مقدرة فليسمع بينته بمحضر من خصمه، ويكتب شهادتهم وتعديلهم والمعدل المنصوب إن كان وإلا صلحاء البلد إن كان فيهم من يصلح للتعديل، ويكتب تعديلهم وشهادتهم لو طرح أو وقف مع ثقة. فإذا وصل إليه كتابه مع ثقة يعرف الحاكم ثقته، أو يعرفه إياه من يقبل منه ثقته ثم ينظر إلى الحكم ويكتب، وإن كان لخصمه بينة سمعها بمحضر من خصمه. وعلى الحاكم ألا يغيب عنه ما يكتب عند كتابه من الشهادات وغيرها ولا يتولى كتابه سماع البينات إلا أن يرجع ينظر فيها، ويقرأها على الشاهد. فإن تولاها فهو خير، وإن تولى كتابتها بيده فهو أحسن. وقد كان الحكام يولون ذلك الكتاب الثقاة البصراء بذلك، ثم يقرأها عليه وعلى الشاهد وهو ينظر في الشهادة. وذلك مثل موسى بن علي كان يكتب له سعيد بن محرز. فأما من لا يحسن كيف يستمع ولا كيف يكتب الشهادة عن الشاهد فلا يتولى ذلك. فإن وليها الحاكم وكتب غير ثقة وهو يسمع وينظر فلا بأس. */* (1/206)
صفحة 207
ولا يولى حفظ كتبه ولا حملها إلا ثقة أمين. ومن سمعت بينته في بلده سمعت بينة خصمه حيث هيا في بلدها، وغيره يستمع بينة خصمه، كل واحد منهما في موضعها بمحضر من خصمه. وإن لم يقدر على حمل بينته وهي في غير بلده خير خصمه: إن شاء أن يخرج يستمع بينة خصمه حيث هي في موضعها خرج سمعها. وإن كره كتب الحاكم إلى وإلى البلد يستمع البينة ويسأل عن تعديلها، ويبعث بما صح عنده من الشهادة ومن التعديل. وليس يكلف حمل البينة في الدين ولا في النسب ولا في الوكالات ولا المحتسب ولا الوصي في الوصايا والدين. ويستمع البينة على الوصايا في مواضعها. ويقبل الوكالة وبينة النسب من غير أن يرفع الخصم. ولا ترفع البينة في المواريث. ويكتب الحاكم إلى الوالي في المواريث: إذا وصل كتابي فاقسم ما صح عندك بشاهدي عدل لفلان بن فلان من المال على جميع ورثته على سهام كتاب الله فإن احتج فيه أحد، وفسر حجة فارفعهم إلي. قال غيره: وقد قيل: لا يجوز قبول الكتاب من الإمام ولا من القاضي إذا كان منشورا حتى يكون مختوما. */* (1/207)
صفحة 208
وقال: لا يقبل في يبد الواحد حتى يشهد عنه عدلان أنه من الإمام أو القاضي. ويقبل شهادة الشهود عن الشهود وإن كانوا في البلد إذا كانوا من لا يستطيعون الوصول إلى الحاكم. وإذا ورد رجل بكتاب إلى الوالي منشور من الإمام أو قاض أو والفي رفع رجل نظر خاتم الإمام والقاضي والوالي، فإن كان مختوما رفع المطلوب. وكذلك إن كان في عبد أو دابة مسروقة أخذ على المطلوب كفيلا، وضمن الدابة أو عبد، ورفعه إلى الإمام أو القاضي، وكتب إليه بما ورد به عليه حامل الكتاب. قال أبو المؤثر: الله أعلم إن طلب المحكوم عليه أن يرتفع إلى الحاكم فله ذلك، وأما الطالب فلا. وإن لم يكن عليه خاتم الإمام أو القاضي أو الوالي لم ينفذه، وولى هو الحكم بينهما إن صح له عليه حق. وإن حمل له كتابه ثقة عنده أنفذه له على ما في الكتاب إذا كان عليه خاتمه. واما كتب الولاة فلا يرفع واحد إلى الآخر للحاكم بينهما إلا الإمام والقاضي. وليس للولاة أن يكتبوا منشورا إلا في ولايتهم، ولا يرفعه إليهم إلا برأي الإمام. */* (1/208)
صفحة 209
ويقبل الكتاب من الإمام والقاضي بيد العدل الثقة الواحد في جميع الأحكام. ولا يقبل بيد من له الحكم ولا لولده ولا لعبده وإن كان ثقة. ويقبل بيد المرأة العدلة الثقة في جميع الأحكام وسل عنها فإنها نصف شاهد. ولا يقبل بيد العبد الثقة لأنه لا تجوز شهادته. وإذا صح حكمان في شيء من وال وقاض نفذ حكم القاضي، وبطل حكم الوالي. وكذلك إن صح حكم من القاضي وحكم بخلافه من الإمام نفذ حكم الإمام وبطل حكم القاضي. حكم بذلك محمد بن محبوب-رحمه الله-: أجاز حكم عبد الملك ابن حميد وأبطل حكم موسى بن علي –رحمه الله-. وكل حكم حكم به حاكم من من يوليه الإمام فحكمه جائز ما لم يخالف الحق. وإنما يسال عن التعديل من بعد شهادته. وإنما يسأل عن تعديل البينة من بعد الشهادة. */* (1/209)
صفحة 210
باب (في الأموات)
ومن كتاب محمد بن جعفر: وإذا أقام رجل البينة أن أباه مات يوم كذا وكذا، أو أنه وارثه فحكم له بميراثه ثم جاءت امرأة بشاهدي عدل أنه تزوجها على صداق كذا وكذا، ودخل بها في يوم كذا وكذا بعد اليوم الذي قامت البينة أنه مات فيه، وشهر بعد الشهر، وسنة بعد السنة فينبغي للحاكم أن يبطل شهودها، ولا يقضى لها بشيء، وذلك أنه موته وجب في وقت الأول. وإذا ارتفع إلى الحاكم رجل يدعى دارا وأرضا في يد رجلين وارثين فادعى أنه اشتراها من الميت ورثاها منه، واحد الوارثين غائب والآخر شاهد، وأقام شاهدين فإنه ينبغي للحاكم أن يقضي على الشاهد بجميع ما قامت به البينة، ولا يلتفت إلى غيبة الغائب من قبل أن الشاهد خصمه في ذلك لأن الدعوى إذا كانت عبى الميت فأي الورثة حضر فهو خصم. وإن أقام البينة على الميت بدين فأي الورثة حضر فهو خصم في ذلك. وسواء كانوا قسموا الدار والأرض أو لم يقسموها ينبغي له أن يمضي القضاء في ذلك كله، على الصغير منهم والكبير. ويجوز ذلك قول أبي على موسى بن علي –رحمه الله-. */* (1/210)
صفحة 211
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: لا يحكم على واحد منهم حتى يحضر. قال أبو المؤثر –رحمه الله-: لا يقضى على غائب من الورثة في حصته حتى يحضر أو يحضر له وكيل، ويمضي القضية من حضر في حصته خاصة. قال أبو الحوارى: بهذا نأخذ. وإذا شهد شاهدان أن جد هذا الرجل مات وقد أدركناه وترك هذه الدار ميراثا فلا يحكم لهذا الرجل بميراثه منه حتى يقولا: أنه مات وورثه أبو هذا، ومات أبو هذا وورثه هذا. ومن غيره: قال: وذلك إذا شهد أنه مات جد هذا وترك أباه حيا، وترك هذه الدار في يد هذا لم يطالب فيها إلى أن مات وترك ولده هذا. وإذا قام الحاكم قاسمين فقسما مال قوم بينهم وقالا: انه قد أخذ كل واحد منهم حقه ولا غلط فيه، وأقام أحد الشركاء بينة أن فيه غلطا فبعض أجاز شهادتهما، ورد فيه القسم، وهو أحب إلينا. وقال من قال: لا تقبل شهادة على الغلط، وتقبل شهادة القاسمين. قال أبو الحوارى: بهذا نأخذ. قال أبو المؤثر: إذا صح الغلط بشهادة الشاهدين نقض القسم. وإذا ارتفع رجلان إلى الحاكم يدعي أحدهما مالا في يد الآخر وأنه */* (1/211)
صفحة 212
وارثه فإن الحاكم يكلفه البينة أنه فلان بن فلان، وأن الميت قد مات وهو فلان بن فلان يلقاه إلى أب قد سماه، وأنه لا يعلم له وارثا غيره. ولا يكفه أن يقول: ليس له وارث غيره لأن ذلك غيب، وأن ذلك المال لذلك الميت فإذا شهد شاهدا عدل على ذلك فإنه ينبغي للحاكم أن يقضي له بالميراث. وإن جاء أحد بعد ذلك فأقام البينة أنه أبو هذا الميت أو ابنه، أو على نسب هو أقرب إليه من نسب الأول الذي حكم له بالميراث فإنه يأخذ منه الميراث ويرده إلى الذي هو أقرب فإن جاء رجل فأقام البينة أن الميت فلان بن فلان من حي أو قبيلة وأنه فلان ابن فلان ابن عمه، وعزله عن الأب والنسب الذي صح مع الإمام أنه منه، وحكم به فإم الإمام لا يقبل ذلك منه، ولا يحول نسبه بعد إذ ثبت معه. ومن ما يوجد أنه من جامع أبي صقرة: وإذا كنت الدار في يد رجل فأقام عليها رجل شاهدي عدل أن أباه مات وتركها ميراثا، لا يعلمون له وارثا غيره، وأقام آخر البينة أن أخاه مات وتركها ميراثا لا يعلمون له وارثا غيره، وأنه أخوه لأبيه وأمه، والذي في يده الدار منكر لذلك فإنه يقضى بالدار بينهما نصفين. ولو كان عبد في يد رجل فاحضر عليه آخر البينة أن أباه فلانا مات وتركه ميراثا لا يعلمون له وارثا غيره، واقام آخر البينة أن أباه فلانا مات منذ سنة لا يعلمون له وارثا غيره، وأقام آخر البينة أن أباه مات */* (1/212)
صفحة 213
وتركه ميراثا له منذ سنتين لا يعلمون له وارثا غيره فإنه يقضى بالعبد لصاحب السنتين في قول بعضهم. وأما قول بعضهم فالعبد بينهم أثلاثا، والوقت الأول والوقت الآخر وغير الوقت في ذلك سواء. قال غيره: قد قيل: إن صاحب الوقت الآخر في هذا هو أولى به لأنه يحتمل أن يتحول الشيء بعد الأجل الأول إلى هذا الذي مات آخرا. وإذا كانت أرض في يد رجل وادعاها رجل آخر فعليه البينة. فإن أقام البينة أن أباه فلانا وهي في يده لا يعلمون له وارثا غيره، وأقام آخر البينة أن أباه فلانا مات وتركها ميراثا لهذا الرجل لا يعلمون له وارثا غيره فإنه يقضي بينهما نصفان، وشهادة شهود هذا أنه مات وهي في يده مثل قول الآخر أن أباه مات وتركها ميراثا. وإذا كان عبد في يد رجل فادعى رجل أن أباه تركه ميراثا وأقام على ذلك البينة، وشهدوا أنهم لا يعلمون له وارثا غيره، وادعى آخر أنه له وأقام على دلك البينة فانه يقضى به بينهما نصفان. وإذا كانت أمة في يد رجل فادعاها رجل أنها كانت لأبيه وأقام البينة أن أباه مات وتركها ميراثا له لا يعلمون له وارثا غيره، وأقام آخر البينة أنه اشتراها من أبى هذا ونقده الثمن فإنه يقضي لها للمشترى، وشهادة الشراء تنقض شهادة الميراث. وكذلك لو شهدوا على صدقة مقبوضة من الميت في صحته أو هبة أو نخل أو عطية أو عقد.*/* (1/213)
صفحة 214
وإذا كانت النخل والدر والبستان والقرية في يد رجل فادعى رجل أنها له فشهد له شاهدان أنها لأبيه، ولم يشهدوا أنه مات وتركها ميراثا فإنه لا يقضى بها له، ولا ينفذ هذه الشهادة. وكذلك لو شهدوا أنها كانت لأبيه، وهذا قول بعضهم. وقال بعضهم: إذا قامت البينة أنها كانت لأبيه لم يحتج أن يقولوا: مات وتركها ولكن أسأله البينة وعدد الورثة ثم أنفذ القضاء. قال غيره: إذا صح أنه لأبيه أو أنه كان لأبيه فإنه يثبت لورثة أبيه. ولو شهدوا أن جد هذا مات وتركها ميراثا ولم يزيدوا على هذه المقالة لم تنفذ هذه الشهادة حتى يشهدوا أنه مات وتركها ميراثا لا يعلمون له وارثا غيره، وأن أباه مات وتركها ميراثا لا يعلمون له وارثا غيره، هذا قول بعضهم. وقال بعضهم: إذا شهدوا أنها كانت له لم أكلفهم أن يشهدوا أنه مات وتركها ميراثا ولكنى أكلفهم البينة على عدد الورثة ثم أنفذ القضاء. قال غيره: إذا صح أنه مات وتركها ميراثا أو تركها فبعض لا يثبت هذا حتى يصح أنها كانت له أو ما يكون من الإنسان الذي يستحقها بذلك ملكا لأنه قد خلف الدنيا وما فيها فهذا من ما خلف. وكذلك لو ترك الدنيا وما فيها فهذا من ما ترك. وأما قوله إذا صح ملكا له ولم تقل البينة لا يعلم له وارثا غيره */* (1/214)
صفحة 215
فقيل: يدعي على ذلك البينة، فإن أتى ببينة أنهم لا يعرفون له وارثا غيره حكم له بذلك على صحة المال. وإن لم يأت ببينة فأحسب بعضا يقول لمن صح أنه وارث له: فقد صح الميراث له، ويقضي له بما صح من المال. قال غيره: لا يبين لي ما أراد بهذا. قال غيره: يعجبني إذا صح أنها لجده، وأن هذا وارث أباه، وأن أباه مات ورث جده: إن يقضي أنها لجده، ولم يصح غير ذلك لأنه يوقفويقضي بها للجد على ما صح. إذا صح ميراث الجد كيف استقر به الحال جعل لورثة الجد ولم يعد أمره. وإن تركت في الذي هي في يده هذا فقد قيل: أنه أولى بها، وليس صحة ذلك كصحة ذلك للولد. وقيل: ما صح للجد أنفذ في الحكم على ورثته. وإن لم يصح لجده وارث غيره كان هو وارثا لجده حتى يصح غير ذلك. وإذا كانت الدار في يد رجل فأقام رجل شاهدين أن أباه مات وتركها ميراثا لا يعلمون وارثا غيره، وأقام هذا شاهدين أن أباه تزوج عليها أمة، وأن أمه فلانة ماتت وتركتها ميراثا لا يعلمون لها وارثا غيره فإنه يقضي بها لابن المرأة لأن الرجل قد خرج منها حين تزوج عليها كأنه باعها. */* (1/215)
صفحة 216
وإذا كانت الدار في يد رجل فأقام رجل عليها البينة أن أبته مات وتركها ميراثا له، ولم يشهدوا على ورثته، ولم يعرفوهم فإن القاضي يكلفه البينة أن أباه فلان بعينه، وأنهم لا يعلمون له وارثا غيره. فإن أقام البينة على ذلك دفع الدار إليه. وإن لم تقم البينة على ذلك لم يدفع إليه شيء حتى يحتاط القاضي وينظر ثم يدفع بعد ذلك إليه، ويأخذ منه كفيلا في ما دفع إليه من شيء. وإذا كانت الدار في يد رجل فأقام آخر البينة أنها دار أبيه، ولم يقولوا: مات وتركها ميراثا فإنه لا يقضي له بشهادتهم بشيء. وكذلك لو قالوا: هذه الدار لأبيه. قال غيره: هكذا حتى يصح موت أبيه. ولو شهدوا أن هذه الدار كانت لجده مات وتركها ميراثا فإنه لا يقضي لهم حتى يشهدوا أنه وارث جده ولا يعلمون له وارثا غيره في قول بعضهم. وقال بعضهم. وقال بعضهم: أقضى بها للجد، وأجعلها على يدي عدل حتى يصحوا عدد ورثة الجد، فإذا صح عدد ورثة ذلك قضيت له بحصته من ذلك. ولو شهدوا أنها لجده مات وتركها ميراثا له لا يعلمون له وارثا غيره، وان أباه مات وتركها ميراثا له لا يعلمون له لا يعلمون له وارثا غيره قضيت له بها. */* (1/216)
صفحة 217
وقال بعضهم: لا آخذا من الورثة كفيلا بشيء من ما يدفع إليه من الميراث. وقال: أرأيت أن لم أجد كفيلا كنت أمنعه حقه لشيء أخافه ولم يستبن لي بعد، ولم يجب عليه بعد. وإذا كانت الدار في يد رجل فادعاها رجل آخر وأقام البينة أن أباه مات وتركها ميراثا منذ سنة فإني أقضي بها للمدعي، ولا أقضي بها للذي هي في يده. وقال: بقضائها لأقرب الأجلين. ولو أن الذي الدار في يده أقر أن الدار كانت لأبي المدعي، وأن أباه اشتراها منه بألف درهم، ونقذه الثمن، وأقام على ذلك البينة فقبلت ذلك منه وهو في هذه المنزلة هو المدعى. وقال بعضهم: أذا كانت الدار في يد رجل فأقام رجل آخر عليها البينة أن أباه مات وتركها ميراثا له ولإخوته فلان بن فلان لا يعلمون له وارثا غيرهم وإخوته كلهم غيب فإنه يقضي لهذا الشاهد بحصته، ولا يدفع إليه من حصصهم شيئا إلا بوكالة منهم، وترك أنصباءهم في يدي الذي كانت الدار في يده. */* (1/217)
صفحة 218
وقيل: الحاكم بالخيار في حصة الغائب، إن شاء سلمها إلى وكيل يقيمه، وإن شاء تركها في يد من هي في يده. وقال بعضهم: إن اكن الذي في يده الدر يجحد حقوقهم فغنه تنزع الدار من يدي الذي في يده إذا أنكروا، وأدفع إلى هذا الشاهد حقه، وأوقف حق الغيب على يدي عدل. ويقول بعضهم: ولو لم يقم بينة وأقر الذي في يده الدار أنها دار أبيهم وأنكر بعد ذلك. قال بعضهم: قال: يدفع إلى هذا الشاهد حقه، ويترك حق الغيب في يد المقر. وقيل: الإقرار والبينة سواء في هذا وقال بعضهم: إذا كانت الدار في يدي ورثة واحد منهم غائب وادعى رجل أنه اشترى نصيب الغائب فإنه لا تقبل منه البينة على الغائب وهو خصمه، وليس أحد من هؤلاء الورثة بخصمه إذا كانوا مقربين بنصيب الغائب أنه له. وإذا كانت الدار في يد رجل وابن أخيه فادعى العم أن أباه مات وتركها ميراثا له لا يعلمون له وارثا غيره، وادعى ابن الأخ أن أباه مات وتركها ميراثا له لا يعلمون له وارثا غيره، وأقاما جميعا البينة على ذلك فإنه يقضى بها بينهما نصفان. ولو لم تكن الدعوى هكذا وقال العم: إن أخاه مات قبل أبيه فورثها */* (1/218)
صفحة 219
أبوه، وأقام ابن الأخ البينة أن الجد مات قبل أبيه، وأن ابنيه ورثه أحدهما ابن ابن الأخ، والآخر العم لا وارث له غيرهما، وأن أباه مات قبل الجد فورثه لا وارث له غيره. فإن بعضهم قال: يقضي بنصيب كل واحد منهما لورثة الآخر، ولا وارث الأمواتمن ذلك شيئا، فيقضى نصف الدار لابن الأخ، وبنصف الدار للعم، وهو قول بعضهم. وبيان هذه المسألة في غير هذا الموضع من الكتاب. */* (1/219)
صفحة 220
باب (في المواريث)
من كتاب المضاف إلى الفضل بن الحوارى: وإذا وصل إلى الحاكم من يدعي أنه وارث الهالك، وطلب ميراثه فإنه يكتب له إلى وإلى البلد: إذا وصل إليك كتابي فاقسم ما صح معك عندك لفلان بن فلان الهالك من مال بشاهدي عدل على ورثته على سهام كتاب الله، فان احتج فيه أحد بحجة فارفعهم إلي. وإن قولى الوالي الحكم جاز له. وإذا صح مال الهالك بشاهدي عدل بمحضر من جميع الورثة أمر بقسمه. فإن احتج أحد منهم بحجة، وادعى فيه دعوة من الورثة وقف المال، ودعاه بالبينة على ما يدعي. فإن صح له شيء بشاهدي عدل بمحضر من جميع الورثة أو وكلائهم أنصفه، وإلا قسمه على عدل كتاب الله. وإن كان ما خلف الهالك رثة أو حيوانا وفيهم يتيم أو غائب أمر ببيعه في المناداة وجعل الثمن على يدي عدل. وإن كانوا بالغين ولم يطلبوا بيعه في المناداة جعل الثمن على يدي عدل حتى ينقطع أمره. */* (1/220)
صفحة 221
وإن اكن يتيم أو غائب وكانت الدعاوى في شيء من الحيوان أو رثة وقف الذي فيه المنازعة ولم يبعه حتى ينقطع أمره. وإن كانت زراعة أو خضرة قد حضرت لم يقتلها وتركها بحالها تسقى فإذا جاءت الثمرة وقفها. وإذا ادعى مدع مالا في يد غيره، ميراث أو غيره ولم يصح ذلك، وتأجل أجلا في إحضار البينة، وكان المال غلة، وكان في ما يتنازعون فيه شيء من الثمار وتركوه في يد من هو في يده بمعرفة من عدلين. وإن كان شيء من الحيوان من رقيق أو دواب وقفه بين يدي من يشهد عليه ثم يحجره عليه لئلا يتلفه. وإن قومه عليه فإن تلف من يده أو زال فهو له ضامن لاتفاق من الطالب والمطلوب إليه، ثم يتركه في يد من هو في يده إلى أن ينقطع امره. انقضى تأليفه. ويباع ما خلف الهالك من الرقيق والحيوان إذا كان فيهم يتيم او غائب إلا من كان ماله الرقيق والحيوان مثل الأعراب الذين أموالهم المواشي، فإن أموال اليتامى لا تباع. ومن كتاب أبي جعفر: ولا يباع ما ينقسم بالكيل والوزن ويعتدل قسمه مثل الحب والتمر فإنه يقسم بين الورثة، ويقبض الوصي والوكيل حصة اليتيم والغائب. */* (1/221)
صفحة 222
والرقيق إذا كره البائع بيع حصته بيعت حصة اليتيم وحصة الغائب تكون مشتركة. ففي قول بعض الفقهاء: انهم يجبرون على بيعهإذا طلب أحد الورثة ذلك. وهو أحب القولين إلينا. وقال محمد بن محبوب –رحمه الله-: يتحاصصون الخدمة إلا أن يكون في قرى متفرقة فليس ذلك على العبد. وإن طلب العبد البيع فإنه يباع. وأما الدواب فتباع إلا أن تكون الدواب من جمال أو بقر وقد خضر عليها فإن الخضرة لا تقتل حتى تنقضي الزراعة. وكذلك العبيد أذا كانت في الزراعة. وإن كان مولى العبيد والبقر قد أكراها أحدا في زراعة فحتى ينقضي الأجل. وإن كان في عمل بلا أجل بيع. ونفقة العبيد والدواب ما لم تبع من رأس مال الميت. */* (1/222)
صفحة 223
فإن لم يكن مال غير العبيد والدواب كان على الورثة، كل واحد منهم بقدر حصته، وهو في رقابها. وإن كره ذلك الورثة لم يجبروا وإنما مؤنتهم على مال الهالك. فإن ادعى أحد من الورثة أو غيرهم دعوى في عبد أو دابة كانت في يد من هو في يده ومؤنتها عليه. فإن صح للمدعي غرم ما أنفق عليها للذي في يده منذ يوم وقفت. وإن لم يصح له شيء فلا يحال بين من هي في يده وبين استعمالها، ولا يضمن الغلة إلا المغتصب، ويؤجل بقدر ما يحضر بينة في موضعها. فإن اتفقوا على بيعها برأيهم فذلك إليهم ويكون الثمن في يد الذي في يده العبد أو الدابة بعلم من الحاكم أو عدلين. وعن ابي قحطان: وكذلك أهل الأموال إذا كان الخادم يقيم الأموال وكان مال اليتيم يحتاج إلى بقر ودواب للزجر لم يبع له إلا ما فضل من كفاية المال. فإن كان له وصي عن ابيه أجازه الحاكم. وإن لم يكن له وصي من أبيه أقام له وكبلا ثقة أمينا، وأقامه مقام الوصي يتولى له جميع ذلك، ويكون أصل ماله وغلته وما كان له من عين في يده، ويبيع له الوكيل ما يباع من أموال اليتامى، ويكون في يده. وقد يقال: أنه يستبقي له الغلام المغل. */* (1/223)
صفحة 224
وإذا أقام الحاكم لليتيم وكيلا ثقة قام مقام الوصي من أبيه في جميع أموره، وفي مطالبة ما يطلب له وعنه، فما حكم لليتيم أو غله بمزارعة الوكيل والوصي فهو جائز والوصي جائز لليتيم وغلته. وعن غيره: وعن الوكيل والوصي إذا باع أحدهما، أله أن يقيل ويحط من الثمن؟ قال: فليس له ذلك إلا ان يخاف ألا يقوم له بينة، ويرى الإقالة والحط أوفر فهو الناظر في ذلك. وإن هما علما له ببيع شفعة بيعت يستحقها فلم يطالبها بطلت، ولم يكن له طلبها إذا بلغ. ويأمر الحاكم الوكيل والوصي أن يجزيا على اليتيم مؤنته التي يفرضها له الحاكم في ماله ومؤنة ماله. وكذلك الأعجم والمعتوه والرجل الناقص العقل. ولهما أن يحملا لهم البينة من أموالهم ويعطوا مؤنتهم من مال اليتيم وغيره. وإن طلب أحد من مال اليتيم حقا على أبيه أو عليه أو على اليتيم أخذ وارثه لم يسمع الحاكم البينة حتى يحتج على الوصي والوكيل أن يحضرا سماع البينة. فإن احتجا عن اليتيم بحجة وإلا أنفذ الحكم. */* (1/224)
صفحة 225
وللوصي والوكيل من قبل السلطان أن يستحلفا لليتيم من يطلبان إليه حقا إذا لم تكن لليتيم بينة. وليس للوكيل والوصي أن يبطلا بينة اليتيم وينزل إلى يمين من يطلبان إليه الحق، فإن فعلا لم يبطل حق اليتيم. وليس للحاكم أن يقبل ذلك منهما أن يعطلا بينة اليتيم إذا عرفا له بينة. وإن قالا: لا نعرف له بينة حلفهما الحاكم له، فإن وجدا بينة يوما ما أثبت حقه. وعلى الوصي والوكيل إذ لزما يتيما أو غائبا أو معتوها مؤنة أحد من من وارثه من يتيم أو غيره أن يعطوا من مال اليتيم. وإذا أوصى رجل إلى رجل، أو امرأة إلى رجل، أو امرأة في مال يتيم أجاز الحاكم ذلك. وإن لم يكن ثقة أدخل معه غيره. وإن عرف بخيانة عزله وأقام الحاكم لليتيم والغائب والمعتوه وكيلا ثقة لأنه ليس له أن يسلم مال يتيم أو غائب أو معتوه إلى من قد عرف بالخيانة، واقام الحاكم لليتيم وكيلا. وإن كان له وصيان ومات أحدهما أقام الحاكم معه آخر ثقة.*/* (1/225)
صفحة 226
وليس للوصي إن مات أن يوصي في ما أوصي إليه فيه إلى غيره إلا أن يجعل له ذلك الذي أوصي إليه. وليس لمن أقامه الحاكم ليتيم أو غائب أو مجنون أن يوكل غيره، ولا يوصي إلا لغيره. ولا للحاكم أن يجعل له ذلك. وإن جعل الموصي للوصي مصدقا في ما أقر به عليه من دين أو وصية فقد اختلف فيه. فقال موسى بن علي: يصدق. وقال محمد بن محبوب: إذا حد له حدا صدق إلى الحد. وروي عن محبوب أنه قال: يصدق إلى ثلث ماله. وكذلك إذا قال: لفلان على حق وقد جعلته مصدقا في ما ادعى علي. ففي هذه قال موسى بن علي: أنه يصدق مع يمينه. ويوجد في الكتب: أنه لا يجوز إلا البينة. وقول موسى بن علي أحبهن إلينا في الدين. وأما في الوصايا فليس فيه اختلاف لأن الوصايا لا تجوز الثلث بتصديق ولا ببينة. */* (1/226)
صفحة 227
وأما في الوصايا فقول محمد بن محبوب الثلث. وأما في الدين فقول موسى بن علي. وتجوز الوكالات للرجل من الرجل والمرأة، وللمرأة من الرجل والمرأة. ولا يلزم الموكلين إقرار الوكلاء عليهم. وإن جاء صبي لم يبلغ الحلم طالبا أو مطلوبا إليه فحكم له فهو جائز. وإن حكم عليه لم يجز له عليه، وله أن يطلبه إذا بلغ. وإن استحلف خصمه فليس للحاكم أن يستحلفه له. فإن جهل الحاكم واستحلفه رفعه إلى حاكم وطلب يمينه استحلفه له. وله أن يرجع يستحلفه إذا بلغ. انقضى. وإذا أقام الرجل شاهدين فشهدا أن فلان بن فلان وارث فلان ابن فلان فلا يقبل الحاكم هذه الشهادة. فإن شهدا له أنه شهد معنا فليس للحاكم أن يقبل هذا أيضا حتى يشهدا على النسب. */* (1/227)
صفحة 228
فإن اكن معرفتهما من جهة الشهرة فيشهدان ولا يقولان: شهر معنا ولكن يشهدان أن هذا الرجل فلان بن فلان إلى أب معروف، وأن ذلك فلان بن فلان إلى أب معروف يلقاه إليه. فهكذا يشهدان ولو كان أصل معرفتهما من قبل الشهرة شهدا على النسب ولم يذكرا الشهرة.*/* (1/228)
صفحة 229
فصل (في مسائل متفرقة)
ومن جواب أحسبه لأبي عي –رحمه الله- إلى بعض الولاة: أن حودا أحضرني فلانا وفلانا فشهدا أن حودا بن عبد الرحمن وبشر بن النظر الهالك بالجميل. من ولد حازم، وحازم يجمع حودا وبشرا إلا أنهما لا يعرفان عدد الآباء إلى حازم فقد قبلت شهادة الشاهدين، ورأيت ان الميراث لحود بن عبد الرحمن، ولا اقطع على أحد حجته ولا دعواه، وإنما رأيت لحود هذا الميراث إذا لم يثبت أحد عندي مثل ما أثبت. وقد اخبرني حود أن لبشر والده وأخوين من أمه فلهم ميراثهم وله الباقي. قال أبو الحوارى: إن كان صحيحا عن أبي علي فهو كما قال إلا أن نبهان حدثنا عن رجل في بلادهم يقال له عبد الواحد بن محمد بن محفوظ نسبه هو وأخوه النعمان بن عثمان إلى محفوظ، وبقي بينه وبين حسين أب لم يعرفاه، وكان عبد الواحد يدعي ميراث رجل يقال له عبد الله ابن عبد الله يلقاه إلى حسين، ولم يعرف الأب الذي بين محفوظ وحسين فسقط نسبه، وأحسب أنهم أبطلوا ميراث عبد الواحد من عبد الله ابن عبد الله. هكذا معي: وبهذا نأخذ. ومن ما يوجد أنه من جواب أبي عبد الله: وعن رجل أحضرني */* (1/229)
صفحة 230
شاهدين شهدا أن هذا فلان بن فلان بن فلان، والهالك الذي يطلب ميراثه فلان بن فلان بن فلان، وادعى آخر ميراث هذا الهالك، وأحضرك شاهدين أنه فلان بن فلان بن فلان، وانك رأيت أن الأقرب إلى الهالك أولى بالميراث، فطلب هذا الذي يلقى الهالك إلى أربعة أبى أن يحضر البينة أنه تلقى الهالك إلى مثل ما لقيه الأول، وزعم أن شهوده بكمة واليمن، فطلب الرجل الذي رأيت له الميراث يمين هذا الطالب أن له بينة على ما ادعى من ميراث الهالك ونسبه، هل يلزمه في ذلك يمين؟ قال: فلا أرى عليه في هذا يمينا، ولا يعجل في الحكم حتى يجعل له أجلا إلى وقت قدوم الحاج من مكة. ووقت قدوم الناس من عدن، فإذا جاء بشهود يصح له ميراث بهم ورثة، وإن لم يصح له شيء، ولم يحضر بينة حكمت بالميراث للأقرب. وأقول: إن كان يدعي أن له بينة يشهدون له أنه يلقاه الهالك إلى مثل ما لقيه الأول سلمت إلى الأول نصف الميراث، ووقفت النصف الباقي إلى هذا الأجل. فإن أحضرك بينة إلى هذا الأجر فصح له بها شيء وإلا سلمت الباقي الذي أوقفته إلى الذي صح له الميراث. وعن امرأة أحضرتك شاهدين شهد أحدهما أن عبد الله بن سيار أشهدني قبل خروجه إلى مكة لزوجته سعيدة بنت أبى خالد بداره ونخلات اشتراهن، وأنا أعرفهن قضاها النخلات والدار بصداقها الذي لها عليه، وهي يومئذ زوجته يحق لها عليه ومن أكل من مالها. وقال الآخر: إن عبد الله بن سيار أشهده قبل خروجه إلى مكة */* (1/230)
صفحة 231
أنه قضى زوجته سعيدة ابنة أبى خالد جارية وصيفة بنت نجية وداراه وأنا أعرفها، ونخلات اشتراهن من حيوة بصداقها أو بحق لها عليه، وبما أكل من مالها. قال عبد الله بن سيار: فإن رجعت أنا حيا من سفري فالمال مالي وحقها علي. فقد نظرت في هذين الشاهدين فوجدتهما يجتمعان في داره، وقال أحدهما: ونخلات اشتراهن، وقال الآخر: وبما اشترى من حيوة. فإن كان من هؤلاء النخلات الذي اشترى من حيوة، وصح ذلك بمعرفتهما لهؤلاء النخلات فقد اجتمعا أيضا عليهن. وإن لم يعرفاهن ويحداهن فشهادتهما في النخلات مختلفة، ولا يثبت لها إلا داره. وإن عرف الشاهدان النخلات فقد صح لها داره وهؤلاء النخلات إذا كان أشهدهما بهذه الشهادة وهو صحيح البدن. وقوله (فإن رجعت من سفري هذا حيا فالمال مالي وحقها علي) فهذا لا يهدم هذا القضاء، وهو تام لها لهذا إذا كانت قد قبلت يومئذ ما قضاها. وإذا لم تكن قبلت حتى رجع عن ذلك أو مات كانت هذه النخلات والدار له ولورثته، وكان لها هي قيمة ذلك في ماله برأي العدول. وإذا أقام رجل شاهدين أن أباه فلانا مات يوم كذا، ثم أقام رجل */* (1/231)
صفحة 232
آخر البينة أن فلانا أب له، وأنه مات يوم كذا قبل تاريخ أولئك أو بعده فإن النسب يثبت والمال ولكن من سبق منهما حكم له بالمال. وإذا جاء آخر وأقام بينة تدفع الأول لم يلتفت إلى ذلك، وكانت الشهادة الآخر معارضة. فإن أقام الثاني بينة قبل أن يحكم للأول بالمال وقف الحاكم حتى يقيم الثاني بينة أخرى فيحكم بها. رجل قال: إن فلانا مات وأنا الذي توليت دفنه وقبره فلا يحكم بقوله. فإن أراد أولياؤه نبش القبر ليعرفوا أنه مات فيطيب لهم قسم ماله فأرجو أنه يجوز لهم على هذا المعنى. وعن الوصي هل له أن يقاسم الورثة حصص الموصي لهم إذا كانوا غائبين أو حاضرين، وتكون الوصية في يده؟ قال: ليس له ذلك ولا عليه لأنه ليس بوكيل للموصي لهم. وإذا حلف الحاكم خصما لخصمه، وطلب المحلف أن يكتب له ويشهد له فعليه ذلك. يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب كتبه فلان بن فلان في يوم كذا وكذا من سنة كذا وكذا، وشهد عليه المسلمون. */* (1/232)
صفحة 233
وفي أسفل الكتاب: أنه حضرني فلان بن فلان بن فلان بن فلان، وادعى فلان بن فلان أن له على فلان بن فلان كذا وكذا فدعوته: عليه بالبينة فنزل إلى يمينه وأبطل بينته فاستحلفه له يمين المسلمين على ما ادعى من هذا الحق فحلف، وبرئ فلان بن فلان من هذا الحق، وقطعت حجته عن فلان بن فلان، ونشهد على ذلك. وكذلك ما يجري على يده من الأحكام. وكذلك ما صح معه من الحقوق وفرائض النساء والأيتام والأغياب. */* (1/233)
صفحة 234
باب (في الآجال في البينات)
ومن ما يوجد أنه معروض على أبى الحوارى وأبى الحسن: وقال في الرجل تفقأ عينه، أو يصاب فتكسر سنه، أو يضرب فتشل يده ثم يمكث ما شاء الله، ثم يرفع إلى المسلمين فيقول الذي أصابه أجلوه سنة من اليوم فيقول البينة: أنه قد أصابه منذ أكثر من سنة. قال: أن أجله منذ يوم أصيب. قال غيره: نعم، وكذلك جميع ما أشبه هذا من الرجل والسمع والعقل والجماع وما تجب به الدية عند ذهابه فأداه. وكذلك المرأة تفقد زوجها ثم تمكث أربع سنين. فأجلها يوم فقد. وحفظ ذلك سعيد بن محرز عن هاشم. وأما الذي دخل بامرأة فقالت: انه لم يدخل بها وهو معها سنة أو أكثر، وهو يقر بذلك. فإنه يؤجل منذ يوم يرفع عليه. وكذلك الذي يملك امرأة ثم يرفعون عليه بالأداء بعد أن مكث ما مكث. */* (1/234)
صفحة 235
فإنه يؤجل مذ يوم رفع عليه. وإن جاء ينقدها وإلا رفضت عليه النفقة والمؤنة. وكذلك المغاسل يغاسل القوم على قطعة ثم يتركها لا يغسلها سنين فيقول القوم: رد علينا قطعتنا فيقول: أنا أقوم بها. فإنها يؤجل مذ يوم يرفع عليه، فيؤجل في ذلك بقدر ما يغسل ويصلح. وقيل في الذي يصح عليه الحق له وله المال أو يعرض ما له عليه. فإنه يؤجل حتى يبيعه ففيه اختلاف: قال من قال: لا كفيل عليه، ويقدم عليه فيما له. وقال من قال: عليه الكفيل لأنه يمكن أن يتلف ماله أو يتوانى في بيعه. وأما الذي لا مال له وأجل حتى يعمل فلا كفيل عليه، ولا نعلم في ذلك اختلافا. وعن امرأة ادعت على زوجها الطلاق، وقالت: شهود لي بالبصرة. يعزل عنها من وقت أجلها. فإذا لم يعرف باطل قولها فإنه يعزل عنها، ويؤجل أجلا، وذلك أذا سمت شهودها. */* (1/235)
صفحة 236
وقيل: كان شريح يقول: ادع ما شئت واكثر وأطنب وأت شهودا عدوا لا فغنما أمرنا بالعدل. وفي الآجال من الكتاب المضاف إلى الفضل بن الحوارى: والآجال مختلفة. وأما من ادعى شيئا في يد غيره فإنه يؤجل أجلا ما بأجل ما لم يكن أجلا فاحشا من ما يكون من المضار. فإن كان في عبد أو دابة أو متاع يؤمر صاحبه ألا يغيبه فإنه يؤجل أجلا بقدر ما يمكنه إحضارها. وكذلك في التراث في القتل والدماء ما تأجل المحبوس أو من ادعى له. وكذلك جميع أهل الأحداث كلهم. وإن يحتج المدعي للقتل والدماء والأحداث من بعد ما سيستفرغ حبس المتهم أجل بقدر ما تجيء البينة. وكذلك المدعي للبراءة من الدين وقد صح بالحق عليه ليبطل ما صح عليه يؤجل بقدر ما يحضر بينته من موضعها بكفيل. وإن ادعى رجل تزويج امرأة ورضاها فيمنعها التزويج. أجل بقدر ما يجيء ببينته من موضعها. وإن كانت مع زوج غيره، واحتج آخر في تزويجها وتأجل. */* (1/236)
صفحة 237
لم يوقف المرأة عن زوجها ولا زوجها عنها إلا أن يصح العقد بشاهدي عدل فيمنع الرجلان جميعا عنها، ويؤجل بقدر ما يحضر بينته. فإن أحضر وإلا خلى بين الرجل وزوجته. وإن صحت العقدة للطالب قبل تزويجها وطلب رضاها وطلب يمينها وليس لها زوج. كان له عليها يمين. فإن حلفت برئت منه. وإن ردت اليمين إليه وحلف كانت امرأته. فإن كان في عقدة زوج قد رضيت به. لم يكن للطالب عليها نكاح الآخر قد ثبت عليها، وقد أقرت، وقد رضيت بالآخر. وإن قالت أنها كانت رضيت بالأول من قبل لم يقبل قولها إلا بشاهدي عدل. وإن أدعت امرأة على زوجها طلاقا وادعت بينة أجلت بقدر ما تحضر بينتها من موضعها. وإن ادعت أنه من من يرد نكاحه مولى أو نساج أو بقال أو حجام أو ولد لغير أب، وأنه عبد مملوك، أو أنه يوم تزوجها كان مشركا، أو أنه أقلف، أو ادعت رضاها بينها وبينه من ما يحرمها عليه أو نسبا */* (1/237)
صفحة 238
أو أنه ظاهر منها، أو آلى وانقضت الآجال ولم يكفر، أو على إقراره بشيء من هذه الأشياء، أو أنه تزوج من النساء أو جارية من ما يحرمها عليه من أم أو ابنة أو غيرها. أجلت بقدر ما تحضر البينة. وإن ادعى عبد الحرية أجل بقدر ذلك لأنه يمنع سيده من بيعه. وإن احتسب محتسب ليتيم أو غائب أو معتوه أجل بقدر ذلك. وكذلك إن ادعى مدع حكما من وال او حاكم على شيء في يد صاحبه إلا أن يكون شيء قد تلف، أو دين فإنه يؤجل ما تأجل. وإن احتج في جرح شاهد أو معدل أجل بقدر ما يجيء ببينته إذا كانت البينة قد عدلت عليه. وغن ادعى مدع بهذا في قرية أو شيء من ما لا يزول من موضعه من الموضع الذي يكون ما أجل ما تأجل. وإن ادعى أنه مولى أجل ما تأجل. وإن ادعى أنه عبده أجل ما تأجل. وقد أجل بعض الحكام من ادعى بينة في مكة إلى وقت مجيء الحاج، وعليه أن يعلم الحاكم من شاهده. وإن ادعى شهادة من لا تجوز شهادته من صبي لم يؤجل حتى يبلغ الصبى ولو كان قد راهق. */* (1/238)
صفحة 239
ومن ادعى شهادة من لا يصحبه إلى الحاكم من بلده وهو صحيح لم يقبل منه شاهد عن شاهد وهو صحيح، ولم يؤجل. والأجل الواحد إذ تولاه الخصم ولم يواف به من غير عذر يقطع حجته. وإن أحضر بينة فطرحت فأكثر ما يؤجل ثلاثة آجال. ويحتج عليه الحاكم في الثالث أني لا أؤجلك أكثر بعد هذا ثم يقطع حجته. وكذلك في ما يكفيه احضار البينة، ويكتب عليه الحاكم أنه قد قطع حجته من بعد أن أجلته أجلا بعد أجل فلم يحضرني بينة تثبت له شيئا. وعن أبي عبد الله: ما دام يجيء ببينة وتطرح ويطلب الأجل فيؤجل. وأما إذا لم يحضر بينة عند انقضاء أجله فإنما يؤجل في ذلك ثلاثة آجال. فإن لم يحضر بينته أنفذ الحكم. وإن ادعى رجل على زوجته جنونا أو جذاما أو برصا فاحشا أو غفلا أو نخسا فعليه البينة أنه كان بها قبل تزويجه إياها إلا أن يكون من ما لا يشك فيه إذا كان حسه. وإنما ترد المرأة بهذا من قبل الحق. وكذلك لها على الرجل، فإذا جاز لزمه صداقها. */* (1/239)
صفحة 240
وأما الرجل فإذا جاز بها فلها الخيار: إن شاءت أقامت، وإن شاءت خرجت بغير صداق. والأجل في ذلك على ما يمكن إحضار البينة. وقال من قال: إذا أنكرت المرأة أنها ليست برتقاء فعليها اليمين ما تعلم أنها رتقاء وإلا فعليه صحة ذلك بمن يثق به من النساء. وإن لم تكن بينات في ما بين الرجال والنساء فما لا يطلع عليه الرجال من الرتق والعقل في النساء والعنين من الرجال وادعت المرأة لم يجز بها وأنكرها فبينهما الأيمان في ذلك وليس بينهم بينات. إلا أن تكون امرأة قد تزوجها رجلان عدلان وفارقاها من قبل هذا فشهدا عليها بذلك أو شهدا أنهما عرفاها بالرتق وهي صبية لا تستتر فإن شهادتهما جائزة عليها. وأما الرتقاء والعنين فيؤجلان سنة منذ يتنازعان. فإن جاز الزوج لها، وأصلحت هي نفسها من الرتق وإلا لم يكن لها على الزوج صداق وفرق بينهما وبين العنين، ولها صداقها إن كان مس الفرج أو نظر إليه. وكذلك إن تداعيا أن أحدهما خنثى، سل عن جميع هذا في ذلك. قال أبو المؤثر: القول قول الرجل إذا قال أنه قد جاز بها، وأطاق جماعها استحلفت بالله لقد نكحها وأطاق نكاحها ودخل بها كدخول الرجال على النساء. */* (1/240)
صفحة 241
وإن رد اليمين إليها استحلفت بالله ما جامعها ثم يقال له: تأجل سنة. فإذا أجل ولم يقدر جبر على طلاقها، وأعطاها صداقها. والقول قولها من يمينها لقد مس فرجها أو صح أنه أغلق عليها بابا أو أرخى عليها سترا بإقراره أو شهادة عدلين. والمدعى يؤجل في البينة ما تأجل لأنه هو الطالب ألا يكون أجلا يضر بالخصم لحال ما مر به من إحضار ما يطلب إليه فلا يكون الأجل في ذلك إلا بما يراه الحاكم عدلا. وكذلك إن كان شيء من ما يقدم إلا يعيبه فيكون الأجل بقدر ما يراه الحاكم. وما لم يكن فيه شيء من هذا فله ما تأجل. ومن غيره: وإن لم يسم بينة لم يؤجل في ذلك. وقال محمد بن محبوب: إن ادعى رجل على رجل حقا وقال عندي بينة حبس له يوما فإن جاء ببينة وإلا ترك إن لم يجد كفيلا لئلا يضيع الحق. ومن ادعى بينة فللحاكم أن يسأل عنها. فإن كانت عادلة أجله. */* (1/241)
صفحة 242
وإن لم تكن عادلة أنفذ الحكم ولم يلتفت إليها. ومن كتاب أبى قحطان خالد بن قحطان: وعن أمة تدعي على سيدها العتق فنكرها ذلك. فإن ادعت بينة يضرب لها أجل حتى تأتي بينتها إن كانت بينتها بعمان. وإن قالت الأمة: إن بينتي وراء البحر فإن لسيدها أن يستخدمها، وتكون خدمتها له بأجر معلوم. فإن صحت لها بينة عدل بعتقها كان لها أجرها ويقاصصها سيدها بنفقتها وكسوتها، والباقي يؤديه إليها. */* (1/242)
صفحة 243
باب (في الحقوق والواجبات إذا ثبتت)
من الكتاب المضاف إلى الفضل: وإذا صح لرجل على رجل حق في مال أو غيره ببينة فقد جاز. ويوقفه الحاكم على يد ثقة، ويحتج عليه، فإن كانت له حجة وإلا سلم المال. وإن اكن دين فيثبت بشاهدي عدل ثبت حقه. وإن ادعى الذي ثبت المال عليه أنه قد زال عنه بأداء وغيره فعليه البينة، ويؤخذ لصاحبه عليه كفيل، ويؤجل أجلا على قدر ما يأتي ببينته من موضعها. فإن نزل إلى يمين الطالب أن الحق بعد عليه فإن شاء حلف وإن شاء رد اليمين الذي ادعى أنه أدى إليه فاليمين على الذي ادعى البراءة ويجبر عليها لأنه ها هنا المدعى، والمدعى لبراءة عليه البينة، وطالب الحق هو المدعى وعليه اليمين. وإن رد اليمين على المدعى للبراءة فعليه اليمين، إن شاء حلف وبرئ. وإن نكل عن اليمين أخذ بالحق لأنه ها هنا المدعى. */* (1/243)
صفحة 244
قال محمد بن المسبح: إنما يجبر على اليمين إذا أقر بما شهد به الشاهدان عليه. فإن كان منكرا بعد فاليمين على صاحب الشاهدين يحلف لقد شهد لي شاهداي هذان بحق مازال عنه إلى هذا الوقت ثم يؤخذ بالحق وعليه الحق. وإن رد اليمين على المدعى فعليه اليمين إن شاء حلف وبرئ. وإن نكل عن اليمين أخذ بالحق لأنه هاهنا المدعى. ويحبس من صح عليه حق إلا أن يؤجله طالبه برأيه إذا طلب إلى الحاكم أن ينصفه منه أمره أن يدفع إليه حقه، وإن لم يفعل حبسه حتى يعطيه. فإن كان له مال وعرض ماله خير أصحاب الدين بين أن يعتوضوا منه من ماله برأي عدول البلد وبين أن يؤجله بقدر ما يبيع من ماله. وإن كره الديان أخذ عليه كفيل ملى بحقوق القوم إلى الأجل وإلا فالحق على الكفيل. وقال من قال: لا يحمل عليه كفيل إذا طولب بالكفيل، فإن أتى به وقدر عليه وإلا فلا يحبس على الكفيل ولكن يحجر عليه ماله إذا عرض ماله. */* (1/244)
صفحة 245
وقيل: إذا طلب ذلك غرماؤه. وإن أحضر الديان للأجل وإلا لزم الكفيل حقوق الديان. وإن انقضى الأجل ولم يحضر الحق وقد حضر بعد الأجل حبس حتى يعطي القوم حقوقهم. وإن قعد في السجن فتماجن فقد اختلف الفقهاء فيه: فقال بعض: إذا تماجن في السجن ولم يعط الحق باع الحاكم ماله وأعطى الناس حقوقهم، قول سليمان بن عثمان. وقال بعضهم: بل يحبس حتى يبيع ماله ويعطيهم. ذكر ذلك محمد بن محبوب عن إمام حضر موت سليمان ابن عبد العزيز. وقال من قال: ثلاثة أشهر. وقال من قال: شهر. فإن باع وإلا باع الحاكم. وعن أبي علي قال: رأيت رجلا في السجن بحضر موت على الدين وهو يطلب أن يباع من ماله، ويعطي دينه والإمام يحبسه حتى يكون هو الذي يلي بيع ماله وقضاء دينه. فقال: ورأي أنا أن يحبس حتى يؤدى، فإذا لم يسبق له من المال بقدر الدين باع الإمام وقضى الدين. */* (1/245)
صفحة 246
الوضاح بن عقبة عن أبي عثمان: أن الحاكم يحبسه شهرا، فإن باع وإلا باع الحاكم. ومن غير: قلت: كم يؤجل الرجل في بيع ماله في دينه؟ قال: إن كان ماله من الأصول أجل أربع جمع، وإن كان من العروض أجل جمعة واحدة. وقيل: إذا مات الرجل وعليه دين يعرض ماله على البيع فلم ينفق إلا بالكسر فإنه يباع ولا ينظر إلى الكسر. وكذلك من كان عنده رهن أو ثقة بحقه إلى أجل فانقضى الأجل ولم يعط الحق فإنه يباع بالكسر ولا يؤخر. وأما من من كان عليه دين، وعرض ماله للبيع ولم يكن عند صاحب الحق به رهن ولا ثقة فقيل عن محمد بن محبوب: إن لم ينفق ماله إلا بالكسر لم يحمل عليه بيعه، وفرض عليه الحق في الثمار. والكسر أن ينحط من ماله الثلث أو الربع عن سعر يوم البيع. وإذا اختلف طالب الحق والمطلوب إليه في قبض المال فيكون قبضه عند الحاكم بينهما، وعلى المطلوب إحضاره إلى موضع الحكم. ومن كتاب الأصقر: وعن العبد يرفع عليه بدين: هل يأمره الوالي */* (1/246)
صفحة 247
قال: لابأس بذلك. ومن غيره: قال: إذا كان تاجرا مأذونا له في التجارة فأقر بهذا أنه أدانه في تجارته، أو صح عليه ذلك فإنه يأمره الحاكم بأدائه. وما لم يكن تاجرا فلا يحكم عليه بشيء، والحكم إلى سيده. وعن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة –رحمه الله-: ومن ادعى إعسارا بعد ثبوت حق عند الحاكم لم يقبل منه قوله الحاكم، وعليه البينة بالإعسار الذي ادعى في قول أكثر أصحابنا. وليس لاستماع البينة على الاعدام وقت ينتظر. وقال بعض أصحابنا: أن البينة على صاحب الحق إذا ادعى الغريم أنه لم يجد السبيل إلى دفع الحق الذي حكم به الحاكم، وأن القول قول المدعى للإعدام لأن الناس عندهم في الأصل غير ما يمكن للأموال، فإذا احتمل أن يكون واحدا لما ثبت عليه من الحق، واحتمل أن يكون معدما على ما ادعى فالمرجوع إلى الأصل وهو أن ى ملك. والنظر يوجب عندي ألا يقبل قوله في ما يدعيه من الإعدام عن دفع حق صار إليه بدل بحق المعاملات التي تجري بين الناس لأنه ان احتمل صدقه في عدم ما يثبت عليه من الحق، وأنه مدع لزوال البدل الذي استحق عليه به هذا الحق، فإن كان الحق تعلق عليه من صداق وجب في ذمته كان القول قوله لأنه لم يتملك به مالا والله أعلم. */* (1/247)
صفحة 248
باب (في المديون)
ومن غير كتاب ابن جعفر: وإذا صح على رجل لرجل حق لغريمه فطلب منه الإنصاف فإن الحاكم يأمره بتسليم ذلك إليه. فإن لم يسلم إليه حقه وطلب منه أن يحتسب له على حقه فقد قيل: أنه لا يحبس حتى يصح يساره لأنه يمكن أن يكون معسرا فلا حبس عليه فلا يحكم عليه حتى يصح أنه عليه أداء الحق فامتنع حبس عقوبة لامتناعه من أداء ما يلزمه. وقال من قال: يحبس حتى يصح إفلاسه. وقال من قال: عليه يمين بالله ما يملك يسار يؤدي منه هذا الحق الذي عليه لهذا ولا شيئا منه. وقال من قال: يسأل عنه أهل الخبرة به، ولا يحبس ولكن يؤخذ عليه كفيل بحضرته. فإن لم يأت بكفيل حبس حتى ينظر في أمره ولا يهمل أمره. وقال من قال: يدعي خصمه بالبينة على يساره. */* (1/248)
صفحة 249
وقال من قال: يدعي هو بالبينة على اعساره. فإذا صح له مال من جنس ما وجب عليه من الحق حبس عقوبة على امتناعه فيسلم ما وجب عليه تسليمه. ومن صح عليه دين لآخر وله مال فلم يعط الذي صح عليه وطلب حبسه فللحاكم أن يحبسه حتى يؤدي ما صح عليه. وقيل: إذا طلب الخصم الإنصاف إلى الحاكم من خصمه أخذه الحاكم بذلك. فإن أنصفه وأعطاه وإلا حبسه ولو لم يطلب الخصم ذلك. وإن شاوره في ذلك فحسن. وقيل: ليس في القرض أجل ولا عرض إلا أن يشاء صاحب القرض. وأما بيع الأصل ففيه الأجل والعرض. وقيل: ليس في بيع الأصل أجل إلا أن يكون إلى أجل. وكذلك ليس فيه عرض إلا أن يشاء رب المال. وقال من قال: في بيع الأصل فيه الأجل والعرض. من تأليف أبى قحطان خالد –رحمه الله-: وإذا صحت الحقوق من الحاكم فله أن يحجر على صاحب المال ماله ألا يزيله حتى يؤدي الحقوق التي صحت عليه. */* (1/249)
صفحة 250
وقال من قال: يحجر عليه من ماله بقدر ما صح من الحقوق. وقال أبو عبد الله: إذا كان لرجل على رجل دين ثم رفع عليه غرماؤه بحقوقهم إلى الحاكم ثم قضى ماله أخذا من غرمائه أو غيرهم بحق أقر به عليه لم يجز قضاؤه، ويشرع جميع غرمائه بحقوقهم في هذا المال إذا لم يبق له مال يكون فيه وفاء لهم، ويشرع فيه معهم المقضى بالثمن الذي قضاه بع. وإن لم يكن سميا بالثمن شرع معهم بقيمة ذلك المال يتحاصصون فيه بقدر حقوقهم. وإذا باع هذا المال بثمن معروف وأقر أنه قد استوفى الثمن لم يمض بيعه، ويشرع غرماؤه في هذا المال بحقوقهم، ويشرع معهم الذي اشتراه بالثمن اشتراه منه به. وإن لم يسم الثمن ضرب معهم بقيمة ذلك المال، وسواء علم المقضي والمشتري أنه قد كان رفع عليه أحد من غرمائه او لم يعلم. فغن لم يكن لغرمائه وفاء في المال فإن لم يكن لغرمائه وفاء في المال فإن لهم علة المشتري والمقضي يمينا بالله، يحلف المشتري لقد أوفاه جماعة هذا الثمن الذي اشتراه منه هذا المال. ويحلف المقضي لقد قضى هذا المال بحق له عليه وهو كذا. فإن قال: أنه لا يعرف له عليه حقا حلف أنه ما يعلم أنه انما قضى هذا المال الجائى منه إليه بغير حق له عليه. */* (1/250)
صفحة 251
ومن غيره، وغن كان أقر له بالمال ولم يسم بحق ثبت المال للرجل، طلب الغرماء إليه حقوقهم أو لم يطلبوا، كان ذلك في المرض أو في الصحة، إلا أن يكون قد حجر عليه ماله والله علم. وأما من حجر عليه الحاكم ماله، وتقدم عليه ألا يحدث فيه حدثا ثم باعه لم يتم بيعه ويبطل، ولا يدخل المقضي ولا المشتري مع الغرماء بشيء، ويرجع بيعه ويستسعيه بما لزمه من حق. قلت: وسواء رفع عليه أحد من غرمائه إلى الإمام أو القاضي، أو إلى بلدهم، وحجر عليه أحد منهم على هذه الصفة. قال: نعم. قلت: فإن كان ديون إلى أجل وصداق لزوجته حال يدخلون مع غرمائه في ماله، ويوقف لهم ما ينوبهم إلى محل حقوقهم. قال: نعم. قلت: فإن رفع أحد من غرمائه ولم يرفع الباقون، أيكون هذا المال للذي رفع عليه، ويقوم مقام الآخرين؟ قال: لا، إنما يقوم مقام نفسه في حقه، ولا يكون لسائر الغرماء الذين لم يرفعوا عليه مثل ما للذي رفع. قلت: فإن رفعوا عليه فأنكرهم ولم تصح حقوقهم بالبينة العادلة مع الحاكم حتى أزال ماله، أيجوز إزالة ماله أم لا؟ قال: إن إزالته إياه تجوز ما لم يصح حق الرافع عليه مع الحاكم. */* (1/251)
صفحة 252
ومن كتاب أبي جعفر: وكل من حكم عليه لديانه بماله وكان في الحقوق أجل من صداق أو غيره فإنه ينظر ما يقع لذلك الحق الآجل بصحته من ذلك المال فيكون موقوفا إلى محل حق الأجل، وتكون قلة ذلك المال الموقوف لصاحب المال حتى يحل الحق أو يكون بين الديان الذين حقهم عاجل إن لم يكن لهم وفاء في صار إليهم. قال أبو المؤثر: وتكون الغلة لأصحاب الحق العاجل والآجل بالحصص، ويحبس لأصحاب الأجل حصصهم إذا لم يكن في المال وفاء. قال أبو الحوارى: ويوضع لأصحاب الدين الأجل من هذه الثمرة بقدر حصتهم من المال. ومن أشهد عليه بحق لزوجته أو غيرها في ماله ونفسه فذلك ضعيف ولا يمنع هو من بيعه. وأما إذا أشهد أن ذلك الحق في مال معروف فليس له بيعه. وإن تزوج المرأة على مال معروف فذلك لها. ومن جعل حقا عليه لزوجته او غيرها من الغرماء في ماله في قرية سماها، أو في منزله، أو في موضع سماه من ماله من آنية فعن موسى ابن علي: أن هذا الحق في موضع الذي سمى، ولا يشاركه فيه الغرماء حتى يستوفي حقه. وفي تأليف أبى قحطان: قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: إذا كان على رجل دين وليس له مال إلا منزله وبستان في المنزل. */* (1/252)
صفحة 253
فإذا كان ذلك البستان له طريق من غير منزله أمر أن يبيعه ويعطي الغرماء حقوقهم. ولا يباع منزله إلا أن يكون فيه فضل عن سكنه. فإن لم يكن للبستان طريق، وكان يمكن أن يخرج له طريق من منزله من غير أن يضر به أمر ان يبيع البستان للغرماء. وإن كان لا يمكن طريقه إلا بضرر عليه في منزله فلا أرى بيعه لأنه الساعة إذا بيع طريقه فقد دخل البيع في منزله.؟؟ وقيل: لا يباع منزل الذي عليه الدين في دينه وهو حي إذا طلب ذلك غرماؤه إلا أن يكون فيه فضل عن سكنه وسكن عياله فيترك لهم ما يكفيهم، ويباع الباقي. قلت: فإنه يجد ما هو أوسع منه ببعض ثمنه. قال: لا يباع في الذي عليه الدين وليس له مال غير منزله. ولا تباع كسوته التي يلبسها، ويترك له بقدر ما يكفيه، ويباع ما بقي منها. ولا تباع نعله ولا مصحفه ولا كتبه ما كانت من علم أو حديث الأنبياء أو سير المسلمين، فإن ذلك من العلم. */* (1/253)
صفحة 254
ويباع سيفه في دينه، ويباع خاتمه في دينه ولو لم يكن له مال غيره. قلت: فإن كان زمنا يحتاج إلى خدمة الخادم، أيباع في دينه؟ قال: إذا كان لا يقيم أمر نفسه، وليس معه من يقوم لشأنه، وتكفيه خدمته من من يلزمه خدمته والقيام عليه من ولده فإني لا أرى أن يباع خادمه هذا، ويترك يخدمه ويقوم لشانه. قلت: ويباع فرسه وحماره الذي يركب عليه. قال: نعم. قلت: فإنه زنم لا يقدر على شيء، وطلب أن يترك له دابة يركب عليها، ويطلب من فضل الله. قال: إذا كان كذلك فعسى أن تترك له الدابة يركب عليها، ويطلب من فضل الله عليها. ووجدت في بعض الآثار: أنه يباع ماله سوى الإزار فإنه يترك ويباع ما سواه. قلت: وما حد الإزار الذي يترك له؟ قال: إزار مثله. ومن غيره: وقال في رجل يقر لرجل بحق عند الحاكم فيطلب إلى الحاكم أن يأخذه له من ما أقر له به ولم يمدده ثم انصرف صاحب الحق. */* (1/254)
صفحة 255
قال: على الحاكم أن يأخذ الغريم بحق غريمه، فإن دان للعطاء والا حبسه حتى يحضر غريمه. قلت: فإن بذل العطاء والتسليم للحق فهل يؤخذ بالكفيل ولا حبس عليه؟ قال: قد قيل في ذلك اختلاف: قال من قال: يؤخذ بالكفيل إلى أن يحضر خصمه، ولا حبس عليه غذا حضر الكفيل. وقال من قال: لا حبس عليه ولا كفيل إذا دان بالعطاء، وعرض ماله من أصل كان أو غيره. قلت: فإن كان المديون كسبه هو جهده أن يقوم بعياله وامرأته، فكيف الحيلة في من له عليه دين؟ قال: قلت قد اختلف الفقهاء في ما يحكمعليه: فمنهم من قال: يفرض عليه في كسبه بقدر ما يعلم من كثرة كسبه أو قلته. ومنهم من قال: نصف كسبه. ومنهم من قال: ثلث كسبه. ومنهم من قال: الثلثين على قدر ما يعلم من كسبه وصنعته. */* (1/255)
صفحة 256
وقال آخرون: انما يلزمه ما فضل عن نفقته ونفقة عياله وكسوتهم. وهذا القول أحب إلي. وإذا شهد للرجل مع الحاكم بينة بافلاسه ولم تكن له مكسبة، وطالبته أم ولده بالفريضة فإنه لا يجبر على صنعة يعملها لأجل ولده لأن ذلك ليس دينا عليه. وعن رجل في يده دراهم وعليه لزوجته صداق بقدرها، أتعطى المرأة الدراهم كلها أم يترك من ذلك شيء؟ قال: يترك له من ذلك بقدر ما يغنيه ويغني عياله في يومه ذلك الذي يحكم عليه فيه بأداء الحق، والباقي محكوم عليه بتسليمه. والكسوة عندي من مؤنتهم فينظر لهم في ذلك. قلت: أرأيت فإن كان الذي في يده نخل أو أرض؟؟ قال: قيل: يباع عليه في أداء الحق اللازم له، ويكون في ثمنه بمنزلة أن لو كان ماله دراهم. قلت له: أرأيت أن لو كان عروضا أو حيوانا؟ قال: قيل: يباع عليه ماله إلا ما وجب إمساكه لغلة ثابتة. قلت له: وما يكون عندك يخرج له من الغلة التي يمسك بها شيء من ذلك؟ */* (1/256)
صفحة 257
قال: مالا غناية له إلا به أو لمن يلزمه عوله في الوقت فينظر العدول في أمره. وعن رجل أوصى بماله للفقراء ولا وارث له، واوصى إلى رجل أن يقسم ماله على الفقراء والمال معروف، فلما طلب الفقراء إلى الوصي قال لهم: انه قد أنفذ وصية الرجل، وقسم ماله على الفقراء، هل يقبل قوله على ذلك أو عليه بينة؟ قال: فإن كان هذا المال قائما لم يجز فيه بيع من الوصي. فأقول: لا يقبل قوله والمال قائم. فإن كان ظهر بيعه وأقر أنه باعه لأحد وقبض منه الثمن وقسمه على الفقراء فإن القول قوله ولا بينة عليه إلا أن يكون الموصي أوصى لفقراء معروفين، وادعوا أو أحد منهم أنه لم يدفع إليه شيئا من هذه الوصية فإن البينة على الوصي أنه دفع إليه، ويكون القول قول الموصي له في ما يدفع إليه من قليل أو كثير. وعن رجل عليه دين وليس له مال إلا دابة وخادم قد خضر عليهما أو لم يخضر عليهما، وطلب غرماؤه بيعها، ألهم أم لا؟ قال: فإن أراد صاحبهم بيعهما في حقوقهم أو أن يتعرضوا لهم فذلك إليه ولا جبر من الحاكم عليه. فإن كره ذلك فعليه الحبس حتى يوفيهم حقوقهم أو يصير في حد عذر. */* (1/257)
صفحة 258
فإن باعهما أو عرضهما فليستثن على المشتري والمعترض تمام زراعته عليهما إلى وقت معلوم فإن ذلك يجوز إن شاء الله. قال أبو المؤثر: فإن لم يشتر منه أحد على هذا الشرط فليس عليه جبر أن يبيع دابته ينقضي زراعته. وإن لم يكن خضر حبس حتى يقضي دينه، يبيعها أو غيرهما. وإن كان محتاجا إلى الخادم لخدمته ولا يستطيع أن يخدم نفسه فهو بمنزلة السكن. تمام جواب أبي عبد الله إلى أبي حفص: وذكرت الذي مات بأدم وترك مالا ودينا على الناس، وأوصى أيضا بوصايا ودين، وأقر أيضا أن له ابن أخ من أبيه وأمه بالأبلَّة، وابن أخ من أبيه بصحار. فأما الذي بالأبلة فلا يحتج عليه، وأما الذي بصحار فيحتج عليه لعله أن تكون له بينة تصح له الميراث، أو معه بينة تبطل دعوى الديان. وإذا عنت الوصي منازعة في الوصية فقيل: المؤنة في تصحيح الوصية عليه، وما كان من مؤنته في المنازعة في المال في استخراجه بذلك في المال. */* (1/258)
صفحة 259
باب (في الدين على الميت)
من كتاب أبي جابر: وللحاكم أن يأمر ببيع ما يصح معه من مال الهالك بالنداء في من يزيد، يقدر ما يصح عنده من الحق والوصايا التي في ثلث ماله. وعن صح للهالك وصي في ذلك أجازه إلى البيع، واشهد له عدولا بما صح عنده له من الوصايا وأجازه إليه، وإنما البيع بعد إقامة الحجة على الورثة. فإن ادوا ما صح على الهالك من دين وأنفذوا ما أوصى به فالمال لهم، وإن لم يعطوا باع المال. ومن غيره: قال: نعم. وقد قيل: غن الحاكم لا يبيع من مال الهالك، وكذلك الوصي حتى يحتج على الغرماء ويحلفهم. فإن لم يحلفوا لم يبع. وقيل: ليس للورثة في إحضار الدين أجل. ومن غيره قال: نعم. */* (1/259)
صفحة 260
وقد قيل: لهم في ذلك بمنزلة الشفيع ثلاثة أيام. فإن أراد بعضهم أن يفدي حصته من المال بحصته من الدين فله ذلك، وتباع حصة من لم يفد حصته إلا أن يكون المال إذا لم يبع جملة لم يؤد الدين عن الهالك فإنه يباع جملة، ودين الميت أولى بماله. وإن كان الورثة أيتاما أو أغيابا باع الحاكم، وأعطى أصحاب الحقوق حققهم بعد أن يستحلف أهل الحقوق على حقوقهم. ومن غيره: وغن كان لليتيم وصي أو للغائب فاحتج عليهم في ذلك فإن كان الدين لصبي أو أعجم أو غائب أو معتوه سلم الحاكم أو الوصي ما كان لهم إلى وكلائهم ولا أيمان عليهم. ومن غيره: الذي معنا أنه أراد لا أيمان عليهم. وإن لم يكن لهم وكلاء ثقاة يقاسم لهم الوكيل شركائهم، ويتولى قبض ما كان لهم. وإذا تحاصص الغرماء الذين صحت حقوقهم مال الهالك ثم صح حق لرجل من بعد لحقهم بحصته على قدر ما يلزم كل واحد منهم. وعن أبي عبد الله في مديون عليه دين لابنه فقضى ما عليه له من دين في حصته ثم مات الأب فطلب الديان دينهم، هل يرجعون على الابن بما اقتضى؟ قال: لا. */* (1/260)
صفحة 261
وكذلك عندنا في كل مديون أعطى ولده أو غيره ماله في صحة، أو باعه له، أو قضاه إياه. قال: إن ذلك جائز لمن صار المال إليه في الحكم، والمضرة على من أشهد. وقيل عن أبي عبد الله في رجل قضى رجلا دينا له عليه إلى أجل ثم بدا له أن يرجع فيه. فقالوا: قالوا: إن ذلك له، ويرجع يأخذ ذلك منه الذي قضاه إياه من حقه ذلك فينتفع به بقدر ما انتفع به صاحب الحق قبل محله. قال أبو الحوارى: إلا أن يكون الطالب ترك للمطلوب شيئا من حقه فإنه ليس للمطلوب أن يرجع على الطالب بما قضاه، هكذا حفظنا. وقال موسى بن على في رجل مات وعليه لرجل حق إلى أجل فإذا مات فقد حل الحق الذي عليه. قال أبو الحوارى: قال نبهان: وجدنا في الآثار: أنه إلى ذلك الأجل. ومن كتاب عزان بن تميم: قال أبو عبد الله: أن الرجل إذا مات وعليه حق لرجل فإن لورثته الخيار: إن شاءوا أعطوا الرجل حقه، وإن شاءوا أخروه إلى أجله إذا أوقفوا له من مال الهالك. ومن قال إلى أجله فإذا أراد الورثة قسم المال عزلوا منه مقدار الحق وجعلوه على يد ثقة إلى الأجل، فإن تلف حقه في جملة المال. */* (1/261)
صفحة 262
وكذلك يفعل في السلف إذا كان على الهالك. ومن جواب أبي عبد الله إلى الصلت بن مالك الإمام: وذكرت في رجل هلك وأوصى بدين، وأوصى إلى رجل في قضاء دينه وإنفاذ وصيته وله أولاد منهم يتيم، ومنهم بالغ، من الغرماء أغياب، ومنهم حضور. فالذي أقول: أنه ليس على ورثة الهالك أن يباع ما صاحبهم بديون الأغياب، وإنما يباع بديون من حضر إلا أن تكون الديون تحيط بجميع ثمن ماله فتخرج حصة الأغياب، ويوقف على يدي عدل حتى يجيء الأغياب أو يصح موتهم فيكون لورثتهم. وأما إذا كان في المال وفاء فليس يباع منه بحقوق الأغياب ولكن يترك في أيدي الورثة يستغلونه، ويحجر عليهم بيع الأصل. ومن غيره: وقد قيل: له أن يبيع المال ويجعله دراهم إذا خاف فوت المال باع بجميع الدين والوصايا على ما يجوز له أن ينفذ الوصايا من الثلث، والدين من جملة المال. وغذا مات الرجل وترك ألف درهم، وترك اينين فأخذ كل واحد منهما خمسمائة درهم، فأتلف أحدهما الخمسمائة التي ورثها، وبقي في يد أحدهما ميراثه ثم صح لرجل عليه خمسمائة فغن له عندنا أن يأخذ الخمسمائة درهم الباقية في يد أحد الوارثين، ويرجع هو على شريكه بنصفها. ومن كتاب الفضل: وإذا كان على الميت دين ورثه وارث فطلب إليه الدين فعرض المال على الديان فلم يعترضوا واحتج بالعدم لم يكن بمنزلة المدان لأن الدين ليس عليه الدين في مال الميت ينادى عليه، ويأمر */* (1/262)
صفحة 263
الحاكم يبيعه إذا نادى عليه في أربع جمع، ثم امر بالبيع من بعد ما يحتج على ورثته أن يفدوا المال. وعل الحاكم أن يحتج على من بلغ من الورثة أن يحضروا دعوى الوصي إن أرادوا أن يفدوا المال. وقد كان الحكام يحتجون على أولياء اليتامى. وليس له ان يحكم حتى يحتج إلا ان يكون الورثة البالغون أغيابا من عمان فإنه ينفذ الحكم ولا ينظر حجتهم. والوصي إذا صحت وصايته كان أولى بإنفاذ الوصية من الورثة. وإن كان دين فقضاه الورثة أو أحاله صاحب الحق عليهم وأبرأ الموصي أجزأ عن الوصي والموصي، وكذلك الوصية. وإن أحال أصحاب الدين والوصايا بديونهم ووصاياهم على الورثة وأبرءوا الموصي والوصي والموصي فذلك جائز، وليس للوصي عليهم سبيل. وإن تنازعوا فقال الورثة: نحن نؤدي كان الوصي أولى من ورثة الهالك. انقضى. وإذا تحاصص الغرماء الذين صحت حقوقهم في مال الهالك ثم صح عليه حق لرجل منهم لحقهم بحصته على قدر ما يلزم كل واحد. ومن جواب أبي الحوارى: قلت: إن صح على الميت ديون بعد موته، هل على الحاكم أن يقضي عن الميت دينه أو لجماعة المسلمين؟ */* (1/263)
صفحة 264
قال: فليس على الحاكم ذلك إلا أن يطلب ذلك إليه، ويصح ذلك معه بالبينة العادلة فإن الحاكم يقيم له وكيلا يبيع من مال الميت في قضاء دينه. وليس للحاكم أن يعرض ولا يقضي العروض في دين الميت إلا أن يكون للميت ورثة بالغون فيتفقوا هم وأصحاب الحقوق على شيء من العروض فلهم ذلك. وأما جماعة المسلمين إذا لم يكن حاكم فإن فعلوا ذلك جاز لهم. وإن لم يفعلوا ذلك كان لهم جائز. فإن فعلوا ذلك فأقاموا له وكيلا فيفعل مثل ما وصفت لك من وكيل الحاكم. من جواب أبي علي: وعن رجل هلك إلى غير وصية فادعى عليه رجل دينا صدقه ورثة الميت، وألزموا أنفسهم الدين الذي ادعى على والدهم فكتب عليهم كتابا، وأشهد عليهم شهودا، ثم إن الرجل طلب حقه إليهم فقالوا: خدعتنا فقال الذي له الحق: ضمنتهم لي، ومزقت الكتاب الذي فيه البينة وأبرأته وصح حقي قبلكم فالحق عليهم والله أعلم. وعن رجل ادعى على مجنون دينا وأقام عليه البينة، كيف الرأي في ذلك. قال: إن شهدت البينة أنه أدان منه هذا الحق وهو صحيح ثم جن بعد ذلك فإنه يقام للمجنون وكيل يخاصم عنه، ويسمع عليه البينة ثم يؤخذ من مال المجنون ويقضي صاحب الدين الحق. */* (1/264)
صفحة 265
وإذا أدان منه وهو مجنون فلا شيء له؟ وعن رجل مات وعليه دين فقدم رجل فضمن بعد موته، وترك الميت مالا أو لم يترك شيئا ثم ندم فرجع عن الضمان ففي ذلك اختلاف. قال بعضهم: الضمان له لازم إذا كان عارفا بالحقوق التي ضمنها. وقال بعضهم: إذا لم يدفعهم عن مال الميت حتى يتلف المال أو شيء منه، أو تموت بيناتهم فلا ضمان عليه. وقال بعض أهل الرأي في من يضمن على أحد بغير أمره مثل هذا القول والله أعلم.؟ وأما إذا كان الضمان عليه بأمره فالضمان غارم. وعن رجل ادعى على رجل أنه باع منه بعيرا بخمسمائة درهم، وأنكر المدعى عليه فأحضر المدعى شاهدا واحدا بالبيع، وأحضر شاهدا آخر بإقراره بأن للمدعى عليه خمسمائة درهم لا يذكر بيعا إلا الإقرار بخمسمائة، هل يحكم بشهادتهما؟ قال: لا يحكم بشهادتهما. ومن غيره: قد قيل: إن شهادة القطع والإقرار لا تتفق. وقد قيل: تتفق. */* (1/265)
صفحة 266
ومن الأثر: عن رجل أعطى دنانير ليشتري له بها شيئا فأتلفها ثم حضرته الوفاة فأوصى له بها في ماله فطلب الرجل إلى الورثة دنانيره فوعدوه أن يعطوه ثم قدر شيء من حقه، وعرف شيئا من دنانيره بعينها. فله أن يأخذ دنانيره أو غيرها من الدنانير من مال الهالك، ويعلم الورثة. وليس له أن يأخذ إلا دنانيره إذا كانوا يقرون له بحقه فالله أعلم. قال محمد بن جعفر: وإذا أوصى رجل إلى رجل، وعرفه دينه، وأمره أن يقضيه من ماله فله أن يقضيه من ماله بلا رأي حاكم لأهله، ولا يمين يحلفونها على تلك الحقوق. وقال من قال: عليهم اليمين. قلت له: وسواء كان له وارث أو لا وارث له؟ قال نعم. قلت: وسواء كان وارثه يتيما أو بالغا أو مجنونا أو معتوها أو أخرس أو غائبا؟ قال: نعم. ومن غيره: وأما ما ذكرت في من باع ماله في سوق من يزيد.*/* (1/266)
صفحة 267
فأما مسعدة فقال: ليس يباع مال إلا حيا في سوق من يزيد إلا مال من أفلس وأمر الولاة ببيعه. وإنما يباع في من يزيد أموال الموتى، ولكن رخص في الثوب والبضاعة، وكره بيع الأموال. وأما سليمان بن عثمان فقال: لا يباع مال إلا حيا في من يزيد إلا مال مفلس ومن أمر الوالي أو القاضي ببيعه. فمن أراد بيع ثوب أو بضاعة فيدور به، ويعرضه على الناس ويقول: أعطيت كذا وكذا، فأما النداء فلا. وعن الموصي إذا أوصى إلى رجل في قضاء دينه فاحتج الوصي على الورثة ثم توانى ولم بيع حتى خلا شهر أو سنين، أيبيع متى ما أراد أم عليه أن يحتج عليهم عند واجبة البيع؟ فنعم عليه أن يحتج عليهم عند واجبة البيع إلا أن يقولوا له قيل ذلك: اذهب فبيع بما رزق الله. فإذا أمروه بالبيع ثم باع لم يكن لهم بعد ذلك حجة، وليس عليه أن يحتج عليهم إذا أمروه بالبيع إلا أن يقولوا: انه إذا أردت أن توجب فأعلمنا بذلك. وعن من أوصى إليه في دين وحقوق ووصايا وإقرار، فهل له أن يحلف هؤلاء جميعا؟ وهل عليه أن يحلف بعضهم؟ فإن حلف من هؤلاء أحد وإلا لم يعطه شيئا؟ فعلى ما وصفت فإذا كان الأمر إلى الحاكم لم يكن بد من اليمين، فمن حلف أخذ، ومن لم يحلف لم يأخذ شيئا. */* (1/267)
صفحة 268
وإن كان الأمر إلى الوصي دون الحاكم كان عليه أن يحلف أصحاب الحقوق لازم له ذلك. إن كان في الورثة أيتام كان الرأي إلى الورثة إن أرادوا حلفوا وإن أرادوا لم يحلفوا. وأما الوصايا فإن أوصى إلى أحد بعينه بشيء فإن أراد الوصي أن يحلف كان له ذلك، وإن ودعه وسعه ذلك إلا أن يطلب ذلك الورثة كان لهم ذلك. وإن لم يطلب الورثة يمين الموصي له وسع الوصي ترك اليمين، كان في الورثة يتيم أو لم يكن فيهم يتيم. وهذا في الوصايا. وإذا أوصى رجل إلى رجل في ماله، وأوصى بوصايا في أبواب البر فادعى الوصي أنه قد أنفذها وأنكر ذلك الورثة فعليه شاهدا عدل أنفذها من مال الموصي.
فهرست كتاب الإيضاح في الأحكام (1/268)
صفحة 269
الموضوع ... رقم الصفحة
مقدمة المؤلف ?
أدب القاضي ... ??
فصل في معنى القاضي ... ??
فصل في ما لا يجوز للقضاة ... ??
باب في الشهادة ... ??
فصل في الشهود الذين يشهدون على الشهادة ... ??
باب في اتفاق الشهادة ... 45
فصل في ما يجب على الشهود ... 4?
باب في حمل البيانات مما يوجد أنه عن أبي عبد الله ... 5?
فصل في شهادة غير المسلم والعبيد والصبيان على الزواج ... 69
فصل في الشهادة على المتنازع عليه بين اثنين ... ??
فصل في جرح الخصم الشاهد بعد تعديل شهادته ... ??
فصل في شهادات متنوعة ... ??
باب في اختلاف الشهادة ... ?4*/* (1/269)
صفحة 270
باب في شاهدي زور ومن أخذ مالا بشهادة زور ... 9?
باب في الرجعة عن الشهادة ... 96
باب في الشهادة عن الشهادة ... ???
باب في شهادة الشهرة ... ???
باب في الشهود وتفريع تحملهم للشهادة ... ???
باب في شهادة النساء ... ???
فصل في مسائل متفرقة ... ???
باب في من لا تجوز شهادته ... ???
باب في من تجوز شهادته ... ?44
باب في شهادة قومنا ... ?5?
باب في أداء الشهادة عن الشهادة ... ??4
باب في عمل الكتب وائتمان الواحد ... ??5
باب في التعديل ?9?
باب في سماع البيانات ... ??5*/* (1/270)
صفحة 271
باب في الأموات ... ???
باب في المواريث ... ???
فصل في مسائل متفرقة ... ??9
باب في الآجال في البيانات ... ??4
باب في الحقوق والواجبات إذا ثبتت ... ?4?
باب في المديون ... ?4?
باب في الدين على الميت ... ?59 (1/271)
صفحة 272
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب الإيضاح في الأحكام
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
أبي زكريا يحيى بن سعيد
الجزء الثاني
1404هـ - 1984م (2/1)
صفحة 273
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب الإيضاح في الأحكام
تأليف
أبي زكريا يحيى بن سعيد
الجزء الأول
1404هـ - 1984م (2/2)
صفحة 274
بسم الله الرحمن الرحيم (2/3)
صفحة 275
[صفحة بيضاء] (2/4)
صفحة 276
باب في أمر اليتيم
ومن ما يوجد عن أبي علي: وعن امرأة لها ولد يتيم، وله مال، وهي فقيرة محتاجة. هل لها أن تأكل من مال ولدها؟ قال: فلها أن تأكل بالمعروف. قال موسى بن محمّد في اليتيم: إنّه يحسب له من فريضته، إذا جاء النحر اشترى له شاة تذبح له، ويطعم منها يأكل أفرادها وشواها، وجميع لحمها، يكون ثمنها فريضته التي له في ماله. وكذلك اللقيط يطأ له من فريضته نخلة، يأكل من رطبها مثل الناس.
ومن حفظ موسى بن محمّد عن عمر بن محمّد: وسألت عن يتيم معه أم له، فأخذت اليتيم بالمؤنة والغلام يكسب. أيتصدّق عليه من ما كسب أو تصدّق عليه؟ قال: دفع ذلك من الفريضة التي فرضت على اليتيم، فاقتضى له به.
مسألة في اليتيم: وعن اليتيم من باق عليه، إذا لم يكن له مال؟ قال: ورثته البالغون إن كانت لهم أموال. قلت: فإن كانت الأمّ مؤسرة، وليس للباقين مال؟ (2/5)
صفحة 277
قال: نفقته عليها.
قلت: فإن لم يكن لأحد من ورثته مال ولهم عيالات؟ قال: فحسب أولئك أنفسهم لا يؤخذون له بشيء. وقال: هكذا حفظنا عن أشياخنا.
قال غيره: نعم، إذا لم يكن له مال ولا لورثته، فنفقته في بيت مال الله. فإن لم يكن، فعلى كافة المسلمين، وليس لهم أن يضيّعوهم.
مسائل عن أبي عبد الله:
وعن يتيمين لأحدهما مال قليل، والآخر لا مال له، وطلبت والدة الذي لا مال له، الفريضة لابنها، في مال أخيه، وماله قليل. ما القول في ذلك؟ وإلى متى يفرض له؟ فأقول: له الفريضة في مال أخيه، حتّى يبلغ.
قال غيره: وقد قيل: ليس عليه فريضة لأخيه، حتّى يكون في ماله في غلّته فضل عن نفقته في سنّته، ثمّ هنالك تكون عليه في الفضل نفقة أخيه. وعن يتيم له مال يكفيه، وله سيف. أيباع السيف أم يترك؟ (2/6)
صفحة 278
فأقول: يترك ولا يباع، إذا كان في غلّة ماله ما يكفيه.
ومن جواب محمّد بن علي: وعن رجل أعتق عبيدا صغارا، ولهم ورثة أحرار. على من نفقتهم فأقول: إنّ نفقتهم ومؤنتهم في مال الذي أعتقهم، إلى أن يبلغوا أو يكفّوا أنفسهم، وليس على وارثهم نفقة. وقال من قال: إن أعتقهم في حياته وصحّته، فنفقتهم في رأس المال، وإن أعتقهم في المرض، نفقتهم في الثلث، والله أعلم. لعلّه يعني إذا مات.
ومن جواب أبي جابر: وعن رجل أمر بتعذير يتيمة، وهي منه بسبيل، فماتت من ذلك. قال: أرى عليه الديّة؛ لأنّ حيال النساء ليس بواجب، إنّما هي مكرمة.
قال غيره: لا ضمان عليه؛ لأنّه عمل صالح*.
ومن كتاب آخر، ينسب إلى الفضل بن الحواري: وعن اليتيمة، يكون لها الأعمام والأخوال الذكور والإناث والإخوة من أولى بها؟ قال: فأولى بالصبي في صغره أمّه، وعلى أبيه مؤنته، فإذا ذهبت أمّه بموت أو علّة، فالأولى أولى به. (2/7)
صفحة 279
قال غيره: قد قيل هذا. وقال من قال: إذا أعدمت الأمّ، فالأولة من أرحامه تقوم* مقام الأمّ مع الأب، ولكن أولى به من أمّ الأم، ثمّ الأخوة أولى به من الأعمام الذكور والإناث من الأخوات.
قال غيره: قد قيل: يكون مع الأخوات حيث يرى أصلح له، والمال إلى الأخوة الذكور إن آمنوا على ذلك، ثمّ الأعمام أولى به من الأخوال الذكور والإناث، ما كانوا على ذلك، ثمّ الأعمام أولى به من الأخوال الذكور والإناث، ما كانوا في حدّ الصغر.
قال غيره: وقد قيل: الأخوال أولى به من الأعمام في التربية. وقد قيل: يكون مع الأرحام من النساء من الأخوال، والمال إلى الأعمام. وإذا كان في حد من يعقل الخيار خير بين الورثة، وأيّما اختار، كان معه.
ومن جواب: وعن موسى بن علي –رحمه الله-: ذكرت في قول الله: {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} سألت عن المعروف ما هو؟ فهو ركوب الدابة وخدمة الغلام، وشرب اللبن، إذا كان يعمل في مال اليتيم. وأمّا إذا كان مال اليتيم صمتا ذهبا أو فضّة، فلا يأكل منه شيئا. (2/8)
صفحة 280
ومن جواب أبي عبد الله إلى أبي علي: وعن الرجل يجوز له أن ينظر في كتب اليتيم، أو مصحفه ويكيل بمكياله أو يزن بميزانه؟ قال: فأمّا المكيال والميزان، فلا وأمّا الكتب والمصحف، فلا نرى بأسا، إلا أن يضر ذلك بالقرطاس، فيضمن ما أفسد من القرطاس. وعن امرأة عيّنت على مال ولدها، وهي فقيرة مضطرّة، والولي شاهد لا يغيّر ولا ينكر، فباعت مال ولدها مخافة على نفسه والولي حاضر. فنرى أن يدعوها إلى منزلتها في يد الذي اشتراها، لا يحدثوا فيها شيئا، لا له ولا لغيره. وعن يتيم في حجر وكيله. هل يكون له أن يطعمه بلا فريضة؟ قالوا: إن ميّز له طعامه ولا يخالطه، فلا بأس. وإن كان يخالطه بطعامه، فلابد من الفريضة.
قال غيره: الذي معنا، أنّه إنّما أراد أن ينظر كم يأكل الصبي، حتّى لا يفضّل من ماله شيء، ثمّ يخالطه بذلك، ولم يكن ذلك بفريضة من حاكم؛ لأنّه الوصي يجوز له. وإن لم يخالطه وأطعمه من ماله، فلا بأس عليه، ولو لم يعرف كم يأكل، ويفرض له فريضة. وعن من نبّت نخلة وأحدرها، أو شجرة أو سقاها له، فتلف من ذلك شيء. هل عليه ضمان؟ (2/9)
صفحة 281
قال: فإذا لم يكن له من يقوم بذلك، من وصي أو وكيل، فاحتسب له في ذلك، فلا ضمان عليه. وعن رجل حمل يتيما إلى قرية، أو إلى موضع. هل يجوز حمل اليتيم من لزمه حمل اليتيم؟ قال: فنعم، يجوز حمل اليتيم لمصالحه، وما يعود بنفعه. وسألت عن ثياب اليتيم. هل تصبغ بالسوران وبالزعفران؟ قلت: أم لا يجوز ذلك؟ قال: فإذا كان ذلك من يسر اليتيم ولا يضرّه، وكان في ماله سعة لذلك، كان ذلك من مصالحه إن شاء الله.
قلت: وهل يشتري له النعل والدهن والطيب، ويتعاهد باللحم في كلّ شهر مرّة أو أكثر أو أقل، ويشتري له في أيّام الأعياد الحنا والجوز، وما اعتاده مع والده في حياته، أم لا يجوز ذلك؟ قال: كلّ ذلك جائز، إذا كان في غلّة ماله سعة عن لازمه، ومصالح ماله.
قلت: هل يجوز لي أن أشتري له من قماش بيت والده، مثل الصلحة التي يشرب بها، والجفتة التي يعجن له فيها، والفراش الذي ينام عليه، والحصير والسمة والوسادة والبرمة والقدر والمكوك، وما أشبه هذا من قماش البيوت، أم ترك ذلك أولى؟ قال: فإذا كنت قائما بأمر اليتيم، وكان هذا من مصالح اليتيم، ومن (2/10)
صفحة 282
مصالح ماله، وكان أخذ ذلك أصلح من تركه، وكان في غلّة ماله سعة من لازمه ومصالحه ومصالح ماله، الذي هو لازم من هذا جاز ذلك، وإلا فأولى من ذلك ما لابد منه، وما ضاق به المال، ترك إلى ما هو أفضل منه وأنفع.
ومن غيره: وقيل: إنّ الحسبة على إزالة الأحداث والقيام بأمور اليتامى، جائز من كلّ ثقة، إلا في التسليم لمال اليتيم، وقبض ماله، فلا يجوز ذلك، إلا من ثقة، وليس للحاكم أن يحكم بما أصحّه المحتسب بالبيّنة من المنكر. وعن أبي الحواري: وعن اليتيم والأعجم والمعتوه والمنتقص العقل، إذا لم يجد لهم وكيل، يقوم بحاجتهم، ويحفظ مالهم، ويرفع عنهم، وينفق عليهم. هل للحاكم أن يجبر رجلا على الوكالة لهم؟ فعلى ما وصفت، فليس للحاكم ذلك على الناس، ويكون الحاكم يلي ذلك بنفسه، إلا أن يأتي أمر لا يمكن الحاكم ذلك، فله أن يأمر أهل الثقة بالقيام في ذلك، ويجبرهم على ذلك؛ لأنّه جاء الأثر: إنّ السلطان ولى من ولا ولي له. وقيل: إنّ الحاكم إذا لم يجد ثقة يقيمه لليتيم، فقد صار في حال العذر، إلا أنّه يعتقد متى قدر على القيام بذلك فعله، وقام بما أمكنه له من طاقته. وإن أمكنه أن يجعل مال اليتيم، في حيث يأمن عليه، حتّى يقدر، على إنفاذه على ما يوجبه الحق، جاز له؛ لأنّ الحاكم يقوم مقام الوصي والوكيل (2/11)
صفحة 283
وإن أعجز الحاكم هذا كلّه، ترك المال بحاله. وقيل: المحتسب مخاصم لليتيم، ولا يسمع له البيّنة، ولا يسمعها عليه إلا بوكالة من الحاكم، أو وصي من الوالد. وكذلك ليس للمتحسب على خصم اليتيم يمين، ولا على المحتسب يمين. فأمّا ما قبض ما يوجب لليتيم من الحق، فيقيم له الحاكم وكيلا، يقبض منه ما وجب من الحق عليه. وقيل: إذا مرض اليتيم، جاز للوصي أن يشتري له الغذاء والدواء والدهن، الذي يخاف في تركه الضرر، ويفعل ذلك من ماله، من فضل أو غير فضل، ولو كان من قوته أو أصل ماله. فأمّا ما وقع من ذلك موقع الرفاهية والتفكه، فلا يكون إلا من فضل غلّة ماله، بلا مضرّة، ويدخل عليه في مصالحه ومصالح ماله. اختلف أصحابنا في الرشد، الذي يستحق به اليتيم، أخذ ماله بعد بلوغه. فقال بعضهم: هو حفظ المال مع البلوغ. وقال بعضهم: الرشد في الدين؛ لأنّ من لم تكن له ولاية مع المسلمين، فليس برشيد في دينه، والنظر يوجب عندي، أنّ الرشد هو البلوغ، مع حفظ المال. قال الله (2/12)
صفحة 284
تعالى: {وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم}. ومعرفة ذلك عندي، والله أعلم، أنّه يختبر الغلام بعد بلوغه. فإن كان من من يخالط الناس في البيع والشراء، نظر إليه في ذلك. فإن كان يرغب في الزيادة، ويكره الغبن، ويمتنع منه، ويحترز أن يغبن، دفع إليه ماله. وإن كان من من لا يخالط الناس ولا يعاشرهم، اختبر في المعيشة، فإن كان يحسن القصد فيه، والحفظ له، دفع إليه ماله، وهذا اختباره عندي أشدّ من اختبار الأوّل، المعاشر للناس، والله أعلم. والمرأة أيضا، تختبر وأمرها أشدّ من الرجل، في أمر الاختبار، ويتعرّف حالها أيضا في المعاش. وإن كانت تخالط النساء، اختبرت في المغازلة معهن، في حفظ القطن والكتان، وجميع الغزل والصيانة، وأن يتعرّف ذلك من حالها، من قبل أرحامها من النساء، أو محارمها من الرجال، حتّى يعلم حالها، والنظر يوجب عندي، أنّه إذا عاد إلى حاله، من التضييع والخوف على ماله منه، أن يتلفه وينفذ بعد التسليم، أن يحجر عليه ما بقي، ويولّى عليه كما كان، قبل بلوغه مولى عليه من يمنعه، عن ماله أن يضيّعه، والله أعلم. (2/13)
صفحة 285
باب في المفلس
قلت: وما صحّة المفلس بتفليسه؟ أو هو حكم الحاكم بتفليسه، وترك مبايعته والشراء من عنده، أم عدمه لليسار والمال، ولو لم يقض عليه بذلك الحاكم؟ قال: المفلس إذا قضى بتفليسه حاكم من حكّام المسلمين، في حقوق تثبت عليه، وهو وجه من وجوه الحق.
ومن جواب عمر بن سعيد، إلى موسى بن محمّد: مفلس اشترى من رجل دابة، ثمّ أزالها وقد ذهبت بإزالته إيّاها، إلا أن تدرك في يده، فإنّها ترجع للذي باعها، ولا يدخل معه الغرباء بشيء منها، وإذا مات المفلس، وعنده مال لرجل، فهو غريم من الغرماء. وإن كان المال حبا معروفا بعينه، وقامت البيّنة، أنّه مال فلان بعينه، أخذه دون الغرماء. وإن كان المفلس فرّق شيئا، أو كان صاحب المتاع اقتضى منه بعض حقه، فهو أسوة الغرماء. وكذلك المضاربة، إذا لم توجد بعينها، فهي بمنزلة الدين. عن أبي عبد الله: وعن رجل قضى بعض غرماه، حقّه في مرضه الذي مات فيه. هل يدرك الغرماء في ذلك القضاة؟ (2/14)
صفحة 286
قال: أعلم أنا نرى أنّهم أسوة بقدر حقوقهم، مع المقضى في ما قضى. وسئل عن رجل عليه لرجل دراهم، فأفلس المطلوب، وجعل عليه فريضة للناس، وعليه دين للناس، للرجل ولغيره، ثمّ أنّ الرجل المفلس، جاء إلى الرجل الذي يطلبه بالحق، بتمام حقه دون غرمائه. أيقبضه منه، أم يظهره للغرماء؟ قال: ليس للرجل الطالب، أن يقبض حقه منه، دون الغرماء، ولو استخفى له ذلك. مفلس عمل مع رجل زرع معه، ثمّ مرض واحتاج الزرع. كيف يؤتى فيه؟ تباع غلّته، أم تكون إجارة عليه؟ وإن كانت إجارة، فالإجارة من الرأس، وتكون مع الدين؟ قال: تكون الإجارة من رأس المال؛ لأنّ الحاكم يستأجر عليه، وإنّما يكون للديّان الفضل، بعدما يأخذ الأجير أجرته. أرأيت إن تزوّج على صداق ونقد. أيثبت ذلك على الديّان، ويدخل معهم أم لا؟ قال: لا يدخل مع الديّان، والديّان أولى بالمال، إلا أن يكون رجل أفلس، ولزوجته عليه صداق. وقد قيل: يضرب بالأجل، وتدخل مع الديّان بالحصّة (2/15)
صفحة 287
وأمّا إذا كان تزويجه بها، بعد التفليس، فالديّان أولى بالمال، إلا من حدث من الديّان، بعد التفليس، وأمره وأمرها واحد، هكذا قال أبو محمّد.
وقد حفظت عن أبي بكر أحمد بن محمّد بن خالد القاضي: إنّه إذا جنى جناية في خلال إفلاسه، وطلب أهل الجناية، ورفعوا عليهم، فإنّهم يدخلون مع الغرماء، ويحاصصونهم في ماله، والله أعلم.
ومن الضياء: فإن تزوّج امرأة، وخرج رجلا، فإنّ ديّة الجناية، لا تدخل مع الغرماء.
(رجع) إلى كتاب أبي زكرياء: وإذا كان على رجل دين، فقضى بعض غرمائه دون بعض، من قبل أن يرفع عليه إلى المسلمين، جاز قضاؤه وعطيته. فإن رفع عليه إلى المسلمين، ثمّ قضى وأعطى، لم يجز ذلك من ماله؛ لأنّه إذا رفع عليه أهل الحقوق، لم يجز؛ لأنّهم يدعون على حقوقهم البيّنات، فإذا صحّت البيّنات، على أنّ الحق عليه قبل ذلك، هذا قوله. ومنها قول غير هذا، بلغنا عن موسى بن علي –رحمه الله-: إنّ بيعه وقضاءه وعطيته، جائزة ما لم يحجز عليه الحاكم.
ومن غيره: وقد قيل فيها قول ثالث: إنّه إذا صحّت الحقوق، لم يجز من ذلك شيء. وقال من قال: حتّى يحكم عليه الحاكم بالتسليم. (2/16)
صفحة 288
وقال من قال: حتّى يحجر عليه الحاكم إزالته والتصرّف فيه. وقال من قال: ما لم يفلس. وعن الوالي إذا فلس رجلا، أو ارتفع ذلك عند الحاكم، فأقول: نعم، ويقبله إلا أن يكون ذلك على غير وجه العدل. قلت: وكذلك خليفة الوالي، فنعم هو مثله. وعن رجل يقول: بع من فلان، فإنّه وفى أو يقول: له مال فبع منه، ثمّ يجلده مفلسا، ولا مال له، فيرجع إلى الذي أمره. هل يدركه بشيء؟ قال: فإنّه يدركه على ما وصفت، والله أعلم. قال أبو المؤثر: إن قال له: بع منه، فإنّه وفى أوّل مال، وهو كذلك، ثمّ أفلس فلا يدركه بشيء. وإن قال له كذلك وهو مفلس، أو لا مال له، فعليه الدرك.
قال غيره: الأمر على وجهين، فإن أمره على وجه السؤال له والطلب، فهو كما قال أبو المؤثر، وإن أمره على وجه الأمر، فهو كما قال الأوّل. ومن ما يوجد عن هاشم ومسبح: وعن رجل تولّى بحقوق الناس (2/17)
صفحة 289
وغاب وعليه حق. كيف يباع ماله في من يزيد، أو مساومة أو مماسكة؟ أرأي إن بيع مزايدة. هل يدرك الشفيع شفعته؟ قال هاشم: قال موسى: لا يباع في من يزيد إلا الميراث والغنيمة، وأمّا الشفعة، فلعلّ فيها اختلافا.
ومن كتاب أبي قحطان –رحمه الله-: ويفرض على المفلس في كلّ شهر لديانة على قدر مكسبته. وإن كانت مكسبته حراثة، فرض عليه في الثمار لديانة. فإذا جاءت مكسبته، فإن كان له عيال ترك له نصف عمله لعياله، والنصف لديانة، يتحاصصون فيه على قدر حقوقهم، إلا أن يكون النصف واسعا على عياله. وإن لم يكن له عيال، ترك له ثلث عمله، وفرّق الثلثان بين غرمائه. وإن كان عليه دين عاجل أو آجل، رفع لصاحب الأجل بقدر حصّته، ورفعت حتّى يحل حقّه. وإن كان مكسبته غير الحراثة، فرض عليه لديانة في كلّ شهر، على قدر مكسبته. وإن كان من الدين سلف، واعترضوا ماله بيع لصاحب السلف حصّته من المال، واشترى له سلفة. (2/18)
صفحة 290
وإن كانت عليه لزوجته، كانت له حصّة مع الديّان، بقدر حقّها، إن كان عاجلا أو آجلا. فإن كان حقها آجلا، كانت غلّة ما يقع لها له، إلا أن يحلّ حقّها. وإذا تفالس حجر عليه الحاكم، أن يدان دينا، حتّى يؤدّى ما فرض عليه، لديانة الذين رفعوا عليه، ويكون ما أقربه، لمن أقرّ له به، ولا يدخل مع الديّان. فإذا استوفى أحد الذين أقرّ لهم، فإن ادّعى أحد عليه دينا، فأقرّ له من بعد حجر الحاكم، لم يدخل في فريضة الذين لهم، إلا بشاهدي عدل، أنّه له قبل حجر الحاكم عليه. وكذلك إن كان له مال، حجر الحاكم عليه ماله، ألا يحدث فيه حدثا، حتّى يؤدّى حقوق القوم بعد حبسه وأجله. وإذا كان عليه لولده دين، لم يدخل ولده في الفريضة مع الأجنبين، حتّى يستوفوا حقوقهم. وإن كان له عبيد بينه وبينهم، ورضاع ما لا يحلّ له وطؤهم، لم يجبر بيعهم، ولم يبعهم الحاكم. قال أبو المؤثر: إذا لم يكن له مال غيرهم، جبر على بيعهم في دينه. وإن مات بيعوا في دينه، إذا لم يكن له مال غيرهم. وإن كان له ولد وله مال غيرهم، بيع مالهم ولم يباعوا. (2/19)
صفحة 291
وإن لم يكن له ولد بيعوا في الدين. وكذلك إن كان ورثته غير بنيه، من من لا يحل له نكاحهم، وله مال غيرهم بيع المال ولم يباعوا. وإن لم يكن له مال غيرهم، بيعوا في الدين، ولم يلتفت إلى ما بينه وبين الورثة من الرضاع. وكذلك إن كانوا مديونين إلى أجل موت أو حياة، لم يجبر على بيعهم، ولم يبعهم الحاكم. وكذلك إن كانوا لغائب، وصح عليه حقوق الناس، فلتكن عالتهم للديان من ماله، حتّى يصح أنّه مات، ثمّ هو مثل الأوّل، والمفلس يترك له من منزله، بقدر ما يكفيه لسكنه، في الحر والبرد، ولا يباع ذلك. والمديون إذا صح إعدامه، وفرضت عليه فريضة لغرمائه، فلا حبس عليه. وإذا حضر أجل الفريضة، فاجتمع ذلك عليه ولم يؤدّ، واحتجّ أنّه لم يقدر فقد قيل: إنّه لا يحبس أيضا، إلا أن تكون له صناعة فكره أن يعمل، فإنّه يحبس حتّى يعمل أو يعرف عذره، والمفلس ليس عليه كفيل، والمفلس إذا لعب بدراهم إلى بعض غرماته، فهي بينهم بالحصة كلّهم. (2/20)
صفحة 292
وأمّا إن بعث بهدية إلى بعض غرمائه، فقد قال من قال: هي لمن أهديت له.
الضياء: ومن غاب وعليه ديون للناس، فبعث بهدية إلى رجل بما بعثه، فهو بين غرمائه؛ لأنّه ليس للمفلس أن يهدى. رجع إلى كتاب أبي زكرياء: وإن خرج أحد الغرماء إلى المفلس، فأعطاه حقه فقد قيل: إنّ الغرماء أسوة في ذلك، وله عليهم بقدر عنائه ونفقته، على قدر حصصهم.
عن غيره: وعن مفلس محاط بماله، يقرّ بماله، وينكر ذلك الغرماء. هل يجوز إقراره؟ وقوله لمن أقرّ له عند الموت، وعليه دين يأتي على ماله. قال: إن كان وال أو قاض فلسه، وردّ بيعه، لم يجز قوله إلا بالبيّنة، وإلا فإقراره جائز.
قلت: كيف يفلس؟ قال: يقول في مجلسه للناس: اعملوا أنّي قد فلسته، فلا تبايعوه أو نحو ذلك.
ومن ما يوجد أنّه عن أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة –رحمه الله-: وسألته عن الإمام والقاضي: كيف يحجر على الإنسان ماله؟ وكيف يكتب؟ قال: يكتب أنّه قد ثبت عندي على فلان بن فلان، لفلان بن فلان (2/21)
صفحة 293
ولفلان بن فلان، كذا وكذا من الدين، وسألني الغرماء حجر ماله، وقد حجرته عليه، إلا لما لابدّ منه لفقته ومؤنته. قال: فما أقرّ بعد ذلك من الدين، أو بدين لم يدخل على الغرماء، وكان ذلك في نفسه.
ومن تأليف أبي قحطان –رحمه الله-: قال أبو عبد الله –رحمه الله-: قال أصحابنا: في رجل مفلس، اشترى من رجل متاعا، ولم يعلم البائع أنّه مفلس، ثمّ علم بإفلاسه بعد البيع، وهذا المال قد صار في يد المشري المفلس. قال: للبائع أن يأخذ متاعه بعينه، ولا يذهب ماله.
قلت: فإن المفلس، قد أتلف هذا المتاع من يده، فباعه من رجل آخر، وقبضه المشتري؟ قال: يدرك متاعه، وله أن يأخذه من يد من وجده في يده، ويرجع المشتري بهذا المتاع على المفلس، بالثمن الذي دفعه إليه، يحاصص به الغرماء.
قلت: فإن المفلس إنّما اشترى منه طعاما، فأكله أو باعه من رجل؟ قال: أقول: إنّه يكون واحدا من غرمائه. وإذا استدان رجل دينا، من بعد ما ظهر إفلاسه، وفرضت عليه فريضة لغرمائه، ثمّ اكتسب مالا، فإنّ ذلك المال يقسّم على غرمائه، الذين أفلس عن حقوقهم، حتّى يستوفوا، ولا يدخل معهم صاحب هذا الدين (2/22)
صفحة 294
الذي استدان فيه، بعد ان فرضت عليه الفريضة لغرمائه الأوّلين، فإذا استوفوا اخذه له الحاكم بذلك. وعن أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة: قال أبو عبد الله: في رجل باع من رجل سلعة، ثمّ حدث للمشتري إفلاس: للبائع أن يرجع على السلعة فيأخذها. وفي هذا القول نظر؛ لأنّ البيع لا يخلو أن يكون وقع في الأصل صحيحا أو فاسدا. فإن كان فاسدان فلا معنى لذكره ثمّ أفلس. فإن كان وقع بيعا صحيحا، فحدوث إفلاسه، لا يزيل ملكه عنهن بغير حدث منه، والله أعلم. قال أبو علي: في رجل باع لرجل حمارا، ثمّ أفلس أو مات، ولم يكن قبض الثمن، أو باعه إلى أجل، وللمشتري غرماء، وطلب الغرماء حقوقهم من ماله وقد مات، أو طلبوا إليه في حياته، وقد أفلس وليس يملك غير الحمار، وطلب صاحب الحمار الدافع إليه، أخذ حماره أو ثمنه، وقال: أنا أحقّ به. قال: الحمار بين الغرماء، وصاحب الحمار، يحاصصهم فيه، بقدر حقّه، إلا أن يكون شرط على المشتري عند البيع، أنّ حقّي في الحمار، ليس لك فيه بيع، ولا إزالة عن ملك، حتّى استوفى حقّي. فإن كان قد شرط هذا في البيع، فهو أحقّ به، وأولى من سائر الغرماء، لأجل الشرط الذي شرطه عليه في البيع. (2/23)
صفحة 295
وفي هذه المسألة أيضا نظر؛ لأنّ الملك هو المبيح لصاحبه التصرّف، فإذا كان في البيع شرط، يمنع من التصرّف في البيع، لم يكن بيعا، والله أعلم.
وفي كتاب محمّد بن جعفر: ومن قال لإنسان: عامل فلانا أو داينه، فإنّه وفّى دائنه، فإنّه هو مفلس، أو تعلّق به، وهو يريد أن يذهب فقال له: دعه وأنا أعطيك حقّك، فتركه ثمّ احتجّ، أنّي لم أكن عارفا بالحق، وإنّما توهّمته يسبرا، فإنّ ذلك لا يقبل منه، ويلزمه الحق الذي صح له عليه. قال أبو المؤثر: لا أرى يلزمه من الحق إلا ما عرف. وكذلك كلّ من أوقع إنسانا في شيء، وقال: إنّه كلّ ما لزمه، فهو عليّ فهو عليه، إذا فعل ولو لم يعرفه؛ لأنّه أوقعه. قال أبو المؤثر: لا يلزمه إلا ما عرف، وإذا كان على رجل دين، فأحاله به، على رجل، فأفلس الذي أحيل عليه، فله أن يرجع على الذي كان له أصل حقّه، ولو كان الذي له الحق هو الطالب إلى الذي عليه، أن يحيله بحقه هذا عليه، إلا أن يكون أصل مبايعته، أنّه يحيله بحقه هذا، على هذا الرجل، فليس أن يرجع على الآخر. وإذا لم يكن كذلك، فله أن يرجع على الذي عليه أصل الحق. وكذلك إن مات، ولم يكن مفلسا، فإنّه يرجع بحقّه على صاحبه الأوّل. (2/24)
صفحة 296
وإن كان الطالب أبرأ المطلوب، وقبل الذي أحيل عليه بحقه، فلا رجعة له على الأوّل.
ومن غيره قال: نعم، إلا أن يكون أبرأه، والمستحال مفلس.
ومن غيره: والحاكم إذا حجر على المرأة مالها، ثمّ تخالعت هي وزوجها، لم يكن خلعا، وكانت تطليقة؛ لأنّ الخلع لا يكون إلا بفدية، وإذا حجر الحاكم على رجل ماله، ثمّ جرحه رجل، فليس له أن يبرئ الجارح من الأرش. قلت له: أن يعفو عن القصاص؟ قال: نعم. عن أبي الحواري: وعن المفلس: هل يؤخذ عليه كفيل، إذا فرض عليه فريضة في الدين، مخافة أن يغيب عن غرمائه، إلى بلد بعيد، وكان من أصحاب الصناعات، وكتبت عليه الفريضة لديانة، حدادا أو نجّارا، أو غير ذلك، فعلى ما وصفت، فإذا كان أصحاب الصناعات، وطلب الديّان أن يأخذوا عليه كفيلا، كان لهم ذلك، وليس لأصحاب الصناعات تفليس، وإنّما التفليس للذي ليس له مال ولا صناعة، فإذا كان المديون معدما، لا مال له، ولا مكسبة نظر إلى ميسورة، ولم يؤخذ عليه كفيل. وكذلك الآباء، ليس عليهم كفيل في فرائض أبنائهم، كانوا مؤسرين أو معسرين (2/25)
صفحة 297
وعن رجل عليه فريضة لولد صغير من مطلّقته، فعجز عن أدائها، وطلبت مطلّقته يمينه، ما يملك ما يقدر على أداء هذه الفريضة إليها. قال: عليه اليمين، إلا أن يكون ثوبيه اللذين يلبسهما، أو فراشه، أو وسادة، أو آنية يأكل فيها طعامه. اختلف أصحابنا في يمين المفلس: فقال من قال: ليس عليه يمين. وقال من قال: يحلف بالله ماله ولا معه شيء من المال، يقضي منه هذه الحقوق، التي عليه، ولا شيئا منها. وعن أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة –رحمه الله-: وكلّ دين عاجل أجله صاحبه، فهو عاجل، ويبطل في الحكم تأجيله. وقال أبو المؤثر وأبو الحواري وغيرهما من أصحابنا: إنّ الفرض، إذا كان إلى أجل معلوم، ثبت في الحكم، وكان سبيله سبيل الديون، التي تنعقد بالآجال. وهذا القول من هؤلاء أيضا، يوجب ترك ما أصّلوه من قولهم: إنّ العاجل عاجل، وإن أجّله صاحبه. وقد قال بعض أصحابنا: إنّ القرض وغيره، من ما هو عاجل في الأصل، أو كان آجلا، ثمّ صار عاجلا، أنّ تأخيره من صاحبه وعد، وتعجيله في الحكم واجب، (2/26)
صفحة 298
والنظر يوجب ما قالت هذه الطائفة، والله أعلم. اختلف أصحابنا في تأخير الواجب من الديون، ما يتعلّق بالبدن، من الفرائض من الأعمال والكفّارات. فوسّع بعضهم تأخير ذلك، وضيّع آخرون، والنظر يوجب تعجيل ذلك، مع الإمكان والقدرة، لقول الله –جلّ ذكره-: {وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم} وهو قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «مطل المؤثر ظلم». وهذا يوجب العذر للمعدم والعاجز. ولما روي عن عائشة، كانت تقضي بدل رمضان في شعبان. فإن قال قائل: قد روي أنّها كانت تؤخّر، ولم يرد الخبر بعذر أخّرته، فيجب أن يكون العذر في التأخير، مع إمكان التعجيل. قيل له: لما كانت هذه الرواية، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «من مات وعليه دين يريد قضاءه وكّل الله به ملكين يحفظانه إلى أن يصبح» كان في هذا دليل على عذر، من أراد الفعل، واجتهد ولم يقدر على فعله، والله أعلم. (2/27)
صفحة 299
قال القاضي أبو علي، في من له على هالك حق، وقضاه بعض ورثته شيئا من ماله، كان عالما بذلك، وصدقه على دعواه. هل له أخذه؟
الجواب: إنّه جائز له، على قول بعض المسلمين، والله أعلم. ومن كان عليه دين، فإنّه يأكل مثل ما يأكل مثله، من ما يقيم به الصلب، ويسدّ به الجوع، ولا يأكل اللحم وما أشبه ذلك. (2/28)
صفحة 300
باب في الكفالة
من كتاب محمّد بن جعفر: وقال من قال: في الكفيل إذا كفل بنفسه، فليس عليه إلا أن يحضر نفس صاحبه، إلا أن يشرط عليه، أنّك تكفل بالحق الذي عليه. وقال من قال: إذا كفل بنفسه، فلم يأت بنفسه، فعليه الحق. قال أبو المؤثر: إذا كفل بنفسه، أن يوافى به، لأجل معلوم، فلم يواف به لأجل لزمه الحق، وللطالب أن يأخذ أيّهما شاء بحقه. وإن كان قال: قد كفلت عليه، ولم يقل بالحق، ولا بنفسه، فعليه الحق إذا غاب أو أفلس. وإذا كفل بالنفس، فليس عليه إلا نفسه ولو أفلس. وقال من قال: إذا كفل بنفسه، إلى أجل، فإن لم يحضره إيّاه عند الحاكم، فقد صار الحق على الكفيل. وإن أراد صاحب الحق، أن يأخذه منه أخذه، ولا ينتفع بإحضاره من بعد. وقال من قال: إذا أحضره إيّاه، ولو من بعد الأجل، فقد أحضره، ولا يؤخذ بالحق (2/29)
صفحة 301
وهو رأى من قدر الله من فقهاء أهل إزكي. وإن مات المكفول عليه، أو صح أنّه خرج من عمان، فقد برئ منه أيضا الكفيل. قال أبو المؤثر: نعم، إذا صح موته، أو غيبته قبل محلّ الأجل.
ومن غيره قال: وهذا معنا، إذا كفل بنفسه. فإن أفلس، فليس عليه إلا إحضار نفسه. وإن مات أو غاب من عمان، فليس عليه شيء؛ لأنّه لا قدرة له في إحضار نفسه، ولا كفالة في قود أو قصاص، إلا من كفل بإنسان، فقد لزمه ذلك، فإنّما يلزمه ما وجب من الأرش.
ومن غيره قال: وقد جاءت السنّة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا كفالة في حد ولا قصاص». ونحو هذا من اللفظ. وعن المتفاوضين، يفترقان عليهما دين قال: لأصحاب الدين أن يأخذوا أيّهما شاءوا، بجميع الدين. فإن أخذوا أحدهما، فأدّى شيئا، لم يرجع بشيء حتّى يؤدّى أكثر من النصف، فإذا أدّى أكثر من النصف، رجع على صاحبه بالفضل على النصف. (2/30)
صفحة 302
وفي رجلين اشتريا من رجل عبدا، بألف درهم، على أنّ كلّ واحد منهما كفيل عن صاحبه، فإذا أدّى أحدهما أكثر من النصف، رجع على صاحبه بالفضل على النصف. رجلان كفلا لرجل على رجل بألف درهم، على أنّ كلّ واحد منهما كفيل، فإذا أدّى أحدهما شيئا، قال: لا يرجع على صاحبه بشيء، حتّى يؤدّى أكثر من النصف. فإذا أدّى أكثر من النصف، فله أن يرجع على صاحبه بذلك الفضل، وإن أراد، رجع بجميع ما أدّى على المكفول عنه، ورجل كاتب عبدين، مكاتبة واحدة، وكلّ واحد منهما كفيل عن صاحبه. قال: ليس لأحدهما أن يرجع على صاحبه، بما أعطى حتّى يؤدّى أكثر من ثمنه. فإذا أدّى أكثر من ثمنه، رجع إلى صاحبه بالفضل على ثمنه، ورجل يدّعي على عبد، فيكفّل له رجل بنفس المملوك، فيموت المملوك. قال: برئ الرجل من كفالته.
قلت: فإن ادّعى رجل رقبته، فكفل به رجل، فمات المملوك، فأقام المدّعى البيّنة، بأنّه عبده. هل يضمن الكفيل قيمة المملوك؟ (2/31)
صفحة 303
قال: لا. ورجل يدعي عليه رجل مائة درهم، فيقول رجل: أنا كفيل بنفسه، فإن لم أوفّك به غدا، فعلى المائة التي تدّعى عليه. فهذه كفالة جائزة، فإن لم يواف به، إذا جاء الغد، فعليه المائة.
قلت: أرأيت إن وافى به بعد الأجل، فقال صاحب الحق: إنّما آخذ بحقّي، إلا أنت، يعني الكفيل. أيكون له ذلك؟ قال: نعم. والرجل يكون عليه للرجل مال حال من متاع، فيكفل به رجل حال، ثمّ أنّ صاحب الحق أجل الذي عليه الآجل. قال: يكون تأخير على الكفيل. فإن أخّر الكفيل، ولم يؤخّر الذي عليه الأصل، أخذ الذي عليه الأصل المال حالا. وعبد لرجل كفل عن مولاه بمال بأمره، ثمّ عتق العبد، فأدّى المال، فإن أدّاه قبل العتق، لم يرجع.
ومن غيره قال: نعم، إن أدّى قبل أن يعتق، لم يرجع على السيّد بشيء. فإن أدّاه بعدما عتق، رجع على السيّد بذلك الذي أدّاه. (2/32)
صفحة 304
زيادة: قلت: أرأيت إن كان العبد هو الذي عليه المال، وكفل عليه المولى بأمره، ثمّ عتق العبد، فأدّى المولى المال. قال: لم يرجع على العبد بشيء. ورجل يكون عليه ألف درهم، فيأمر إنسانا فيكفل بها عنه، ثمّ أنّ المكفول عنه أمر الكفيل، أن يتديّن عليه ففعل. فقال: البيع للمكفول عنه، والربح له. ورجل كفل عن رجل بألف درهم بأمره، فقضاه الألف قبل أن يعطيها. أله أن يأخذها منه؟ قال: نعم.
قلت: أرأيت إن كانت الكفالة بكرى حنطة، قضى المكفول عنه الكفيل الكرى الحنطة، فربح فيها ربحا. قال محمّد بن هاشم: الربح للكفيل والضمان عليه. وقال من قال: الربح للمكفول عليه. وقال من قال: الربح لصاحب المال. قال أبو معاوية: إن كان المطلوب بالشاة، حين دفعها إلى الكفيل قال له: هذه الشاة، التي كفلت بها، عنى فخذها، فأخذها الكفيل فحبسها عنده، حتّى نتجت (2/33)
صفحة 305
فالنتاج له؛ لأنّه لو تلف من يد الكفيل، كان لها ضامنا؛ لأنّ الحق قد زال عن المطلوب، وثبت على الكفيل. وإن كان حين دفع الشاة، قال له: هذه الشاة لفلان، الطالب لي بها، فأقبضها له فقبضها له الكفيل، وكان الطالب قد أمر الكفيل بقبضها، فالنتاج للطالب. وإن كان حين دفعها إليه قال له: هذه الشاة التي يطالبني بها فلان، فأدفعها عنّي، فالنتاج للمطلوب للشاة؛ لأنّ الحق لم يزل عنه، حتّى يدفعها الكفيل للطالب، فهذا قولنا فيها، والله أعلم. قلت: أرأيت إن كان الكفيل أعطى صاحب الحق المال من عنده، ثمّ اقتضى الكرى الحنطة من المكفول عنه، فربح فيها؟ قال: لا شكّ أنّ الربح له؛ لأنّه قد قضى صاحب المال من عنده، ورجل كفل عنه رجل بأمره، لرجل بمال، فقال المكفول عليه للكفيل: قد برئت إلى من هذا المال. قال: هذا قبض، ويرجع الكفيل على المكفول عنه بالمال. وإن قال: قد أبرأتك من هذا المال، فهو برئ، ولا يرجع على المكفول عليه بشيء، والرجل يكفل بنفس الرجل، فإن لم يواف به، فعليه المال، فيموت المكفول به. (2/34)
صفحة 306
قال: على الكفيل المال. قال أبو الحواري: إن مات المكفول عنه في الأجل، فلا شيء على الكفيل، وإن مات بعد الأجل، فعلى الكفيل المال. وفي رجل ألزم رجلا ادّعى عليه مائة دينار، أو ألزمه ولم يدع عليه مائة دينار، فقال رجل: دعه، وأنا كفيل بنفسه إلى غد، فإن لم أفك به غدا، فعلي مائة دينار، فرضي بذلك، فلم يواف به الغد. قال: يلزم الكفيل المائة دينار، إذا صحّت بالبيّنة على المكفول عنه، وإذا أقرّ بها بعد الكفالة، فلا يلزم الكفيل إقراره. وعن الرهن والكفل في الخراج. هل يجوز؟ قال: الخراج لا يجوز، فكيف يجوز فيه رهن أو كفيل؟ قلت: فهل يجوز في المصدقة؟ قال: نعم. ورجل باع لرجل متاعا بألف درهم، وأشهد عليه، وعلى عبد له، أن حيكما عن ميّتكما، وشاهدكما على غائبكما، ومؤسركما على معسركما، أيّكما شئت أخذت بحقي، ثمّ خرج السيّد وغلامه متواريين عن صاحب الحق، فغابا ما شاء الله، ثمّ قدر صاحب الحق على العبد، فطلب إليه حقه فقال: إنّ مولاي باعني لفلان، وقد أعتقني، أو قال: أعتقني مولاي فصح ذلك أو لم يصح. (2/35)
صفحة 307
قال: إذا كان مولى العبد أجاز شهادة القوم على العبد، ورضي بذلك، وسلّم له، وأجاز كفالة العبد على مولاه، فيأخذ منه جميع ما أخذ به، إذا كان أدّى إلى الرجل الذي له الحق وهو حر. وإن أدّى إلى الرجل العبد، وهو عبد لغيره، رجع سيّد العبد على السيّد الأوّل، بما أدّى عنه من الحق. وإن شاء المشتري نقض البيع؛ لأنّه عيب؛ لأنّ الدين عيب، إذا لم يعلم به.
ومن غيره قال: وقد قيل: إن أدّى ذلك، وهو عبد للسيّد الأوّل، فلا ردّ على السيّد؛ لأنّه أدّى ذلك وهو عبد له.
ومن غيره: ورجل كفل على رجل بحق، ثمّ رفع عليه، فلم يعط المكفول عليه الحق، الذي عليه، فحبس الكفيل، فأظنّ أنّي رأيت في الكتب: إنّه إن كفل عليه برأيه، فنفقة الكفيل، ما دام محبوسا على المكفول عليه، وسل عنها فإنّي أقول: إنّهم لا يرون عليه نفقة في الوجهين، نعم هذا الذي نأخذه به. قال أبو الحواري: ليس على المكفول عنه للكفيل نفقة، كان برأيه أو بغير رأيه، وهو عرض نفسه لذلك، والرجل يجني الجناية، ويلزمه حق لرجل فقيل: عليه لرجل إلى أجل، فيحلّ الأجل فيأتي القبيل بالمقبول عليه، إلى المقبول له، فيقول له: دونك صاحبك، فخذ منه حقك، فيقول الذي له الحق الآجل: فإنّي لا أتحوّل إلى غيرك. هل له ذلك؟ أو يبرأ القبيل، إذا جاءه بالمقبول عليه؟ (2/36)
صفحة 308
قال مسبح: إنّ الذي قبل أن جاء بنفس صاحبه برئ، إلا أن يكون قبل للرجل بحقه. قلت: أرأيت إن قال: أنا أقبل لك عليه إلى أجل، ولم يقل: أنا أقبل بنفسه. قال: ليس عليه إلا أن يحضر نفس صاحبه، إلا أن يشترط أنّك تقبل بالحق، الذي عليه. وأمّا هاشم فقال: إذا لم يشترط عليه، أنّي إنّما أقبل لك بنفسه، فإنّه يؤخذ للرجل بحقه، إن كان المقبول عليه هاربا أو غائبا أو معسرا. قال هاشم: إنّ موسى قال: إن كفل بنفسي لرجل، فلم يأت به، فعليه الحق يؤخذ به. قال أبو الحواري: من كفل بنفس رجل، فقال: إن آتك به غدا، فعلى الحق، فأتى به من بعد غد، أفلصاحب الحق الخيار، أيّهما شاء أخذ بحقه، إن شاء الكفيل وإن شاء المكفول عليه. قال هاشم: من كفل على إنسان بحق، فلا يؤخذ الكفيل، حتّى يكون المكفول عليه هاربا أو غائبا أو معسرا.
ومن كتاب لأبي قحطان: وكلّ حر بالغ صحيح العقل، من ذكر أو أنثى، ضمن على أحد من الناس كلّهم، من من يجوز أن يلزمه الحق، الذي ضمن به عليه، على وجه من الوجوه كلّها، بحق من جميع الحقوق كلّها، من جميع الأموال، وما عاد في المعنى إليها من المضمون عنه، من ضمان يدرك في البيوع، من استحقاق أو رد بعيوب من نحو ذلك (2/37)
صفحة 309
أنّ الضمان في ذلك كلّه جائز، والضامن به مأخوذ غارم، إلا في الحدود والقصاص، فالضمان به باطل، وللضامن على المضمون عنه خلاصه، من من قد ضمن عنه به، فإن أداه الضمان، لزم المضمون عنه، وإن ضمن عن غائب، وأقرّ أنّه قد أمره بالضمان، لزمه ما ضمن به، ومن ضمن حالا إلى أجل، كان عليه إلى الأجل، وعلى المضمون عنه حالا، ومن أجل حالا، فبرئ حالا في الحكم، وضمان العبيد كلّهم المأذون لهم في التجارة وغيرها، والمحجورة عليهم أموالهم من اليتامى، ومن لم يؤنس رشده وغيرهم باطل، وحكم الحوالة والكفالة واحد، في جميع الأحوال، وإذا اختلف المحيل بالحق، والمحتال به، فقال أحدهما: أحلتك بما ليس لك على، وادّعى المحتال، إنّما أحاله بماله، كان القول قول المحتال. وكذلك في الضمان والكفالة، وإذا قال: أضمن لفلان بكذا وكذا، كان ذلك باطلا، فإن أخذ على ذلك، ورجع به عليه الدفع. وإن قال: أضمن على لزم حينئذ الأمر، وكان المال ماله. وإن اختلف المتبايعان في الثمن، فالقول قول من السلعة في يده. (2/38)
صفحة 310
وإن قال: ضمنت لفلان بألف درهم، على أنّي بالخيار ثلاثة أيّام. قال: الضمان يلزمه. وإذا اختلف الراهن والمرتهن، فالقول قول المرتهن في الرهن، وفي ما أرهن به قول الراهن. وكذلك الأجير والمستأجر، والقول في الأجر قول المستأجر، وفي العمل قول المؤجر. وكذلك في العارية قول المستعير، وقول المعير في ما أعيرت له. وكذلك المضاربة قول المضارب فيها، أنّها كذا وكذا وربحها، وقول الضارب له فيها للمضارب من الربح، وإذا اختلف المختلفان في ما في أيديهما، كان بينهما فإن ادّعى أحدهما الكل، والآخر البعض، كانت اليد يد صاحب الكل، والقول قول الجاني في قيمة ما جنى. والقول في ثمن السلعة قول المشتري. وقال: الهبة للواهب حتّى يقبضها الموهوب له، والصلح جائز، وإن لم يقبض، وكلّ مخالف لما في يده ضامن (2/39)
صفحة 311
والخراج بالضمان، إلا في الوديعة والمضاربة والعارية، وكلّ شرط يبطل به حق واحد، من قبل الله تعالى، فإنّه يبطل، والبيع بالأجر، إن اختلف هو والمبتاع له في الثمن، الذي أمره أن يبيعه له، فالقول قول المبتاع له. وكذلك العامل والأجير. وفي الكري والأجر قول المعمول له، والقول منهما قول من لم يسم بالأجر، ومن ادّعى كانت البيّنة عليه. قلت: هل للحاكم أن يكفل النساء، إذا كان ذا خبرة بهن، وبأحوالهن، وكن في موضع الكفالة؟ قال: هكذا عندي. وإذا كفل المريض بكفالة عن وارث لوارث، ثمّ مات من ذلك المرض، فإنّ كفالته لا تجوز. وإن كفل لغير وارث، فهو جائز من ثلثه. وإن كان عليه دين يحيط بماله فكفل، فكفالته لا تجوز.
ومن جواب أبي الحواري: وعن رجل عليه لرجل حق، فرفع عليه (2/40)
صفحة 312
إلى الحاكم، فأجله الحاكم أجلا، وأخذ عليه كفيلا يحضره إلى ذلك الأجل ويعطيه، فلمّا حلّ الأجل طلب الكافل إلى المكفول عليه، أن يعطيه الحق، الذي كفل عليه به، فأبى الذي عليه الحق، أن يعطيه الحق، الذي كفل به عليه، إلا بمحضرة صاحب الحق. هل له ذلك؟ فعلى ما وصفت، فنعم له ذلك؛ لأنّ الكفيل قد صار غارما، ولصاحب الحق، إذا بلغ الأجل، أن يأخذ من شاء، إن شاء الكفيل، وإن شاء المكفول عليه. فإن أخذ الطالب غريمه الأوّل بحقه، كان له ذلك، وعلى المكفول عليه أن يتّبع الكفيل، بما أدّى إليه. وإن قال الكفيل: إنّه قد أعطى الحق من عنده، قبل قوله في ذلك، وعلى المكفول عليه، أن يؤدّي الحق إلى الكفيل. وكذلك إن مات الكفيل، كان للطالب الخيار، إن شاء لحق مال الكفيل، وإن شاء لحق المكفول عليه، إلا أن يكون الكفيل كفل بنفس الغريم، فليس على الغريم أن يؤدّي الحق إلى الكفيل، إلا بحضرة من صاحب الحق. وإن قال الكفيل: إنّه قد أعطى الحق من عنده، أو قد طالبه الطالب بحقه، لم يقبل ذلك منه، إلا بالبيّنة. وإن مات الكفيل، فلا سبيل للطالب على الكفيل، ما في الأجل أو بعد الأجل، إلا أن يكون الحاكم قد أخذ الكفيل، بحضرة المطلوب، فأبى أن يحضره، حتّى مات المطلوب، فعلى الكفيل الحق للطالب، وهذا إذا كان إنّما كفل بنفسه. (2/41)
صفحة 313
ومن الأثر: وكذلك قيل: لا حبس على من لا يحضر كفيلا، إذا كان الحق غير ثابت، وإنّما يجب الحبس، على من لم يحضر كفيلا، إذا ثبت الحق. ومعي، أنّه إذا ثبت معنى الحبس بالتهمة، على معنى النظر والقيام بالعدل، في دون ثبوت الحق، ببيّنة أو بالإقرار، كان معنى النظر يوجب مثل هذا المعنى بالمشاهدة، إذا وقع للحاكم ذلك في المدّعى عليه في حين ذلك، ولزمه معنى التهمة به عنده؛ لأنّ مثل هذا يشبه معاني التهمة فيه، أنّه إذا مات بطل معنى الحق، الذي يتعلّق عليه، ويكون اجتهاد الحاكم في النظر لله وللمسلمين، في مثل هذا، خارجا على معنى الثواب، فإن وافق العدل، كان قد احتاط، وإن وافق دعوى بغير الحق، ويبيّن ذلك، لزم المدّعى ما نلزمه بالحق. قال ابن المسبح: من عرفت ثقته، لم يؤخذ كفيل، إذا كان لا يتوارى ولا يغيب إلى بلد.
ومن كتاب فيه مسائل عن أبي عبد الله: وعن رجلين، تنازعا في شاة إلى الحاكم، فادّعاها أحدهما، وادّعى الآخر نصفها، وأقرّ بالنصف الآخر لرجل آخر، وأقام شاهدي عدل مع الحاكم، شهدا أنّ هذه الشاة لهذا. أيكون قد كذب شاهديه؛ لأنّه إنّما ادّعى منه النصف؟ قال: لا؛ لأنّ الشاهدين يقولان: نحن نعلم، أنّها كلّها له، وعسى أن يكون نصفها، للذي أقرّ له به، ونحن لا نعلم، ويقبل الحاكم شهادتهما. وأمّا الذي ادّعى نخلة، في جملة نخل لرجل، فلا يحكم له عليه إلا بصحة (2/42)
صفحة 314
ودعواه أنّه يجوز هذه النخلة، لا يقبل إذا كان الرجل أعمى، وإنّما الحجّة تقوم على الصحيح البصر، إذا صح أنّ الرجل يحوز النخلة، وهو لا يغيّر عليه، وأمّا الأعمى، فلا تنقطع حجّته بهذه الدعوى، والله أعلم. والأموال على أصولها لا تزول بالدعاوي عن أصحابها، بغير حجّة ومعرفة (وفي نسخة إلا بحجّة ومعرفة). قيل: ذلك كقوم ورثوا عن والدهم مالا، ثمّ كان في يد كلّ واحد منهم شيئا، أو في يد أحدهم الكل، وأكله عن الباقين وهم حضور وسكوت، لم يغيّروا، ثمّ طلب كلّ واحد منهم ميراثه، بعد موت بعضهم، ولم يكن المال قسم، أو كان قد قسم، فخفى ذلك ولم يشهر. فقال عبد الله بن محمّد بن محبوب: لهم حجّتهم، والمال على أصله، وللبيّنة أن يشهدوا بأصل المال، إذا كانوا يعلمون أنّه مشاع غير مقسوم، وخالفه في ذلك كثير من الفقهاء. قال: وأيضا أنّ السكوت عن تغيّر ما ادّعى عليهم، تعجّب بتعدّي أولئك في مالهم.
قال غيره: بل السكوت بعد اليد، والدعوى بمحضر منهم، أو حيث تنالهم الحجّة، يقطع حجّتهم، ولا حجّة لهم، ولا لورثتهم من بعد موتهم، والله أعلم. ومن كان يعرف مالا لرجل، ثمّ غاب عنه، أو مات فنظر إلى المال، بعد (2/43)
صفحة 315
غيبته، أو موته في يد آخر، فحكمه للأوّل، حتّى يصح الآخر، بأنّ المال له، ويشهد به من يعرف أنّه له، حتّى يصح أنّه قد زال عنه بإقرار، أو شهرة، أو بيّنة. ومن كان له في مال قوم سهم معلوم شائع، في جملة مالهم، فلم يطلبه إلى الذي في يده حتّى مات، وانتقل ذلك المال إلى وارث آخر، ثمّ لم يطلب سهمه أيضا، حتّى مات الوارث الثاني، ولم يطلبه حتّى مات، وانتقل إلى وارث آخر بعد الثاني، ثمّ طلبه إلى الثالث، فإنّه يدرك سهمه ذلك، ما لم يكن الهالك يدّعى هذا السهم لنفسه دونه، وهو يعلم ولا يغير، فما لم يكن كذلك، فهو يلحق سهمه حيث وجده، ولا يكون سكوته ذلك بموجب عليه حجّة. وإذا سكن رجل دار رجل أيّاما، ثمّ مات فيها، وخلف بنيه فيها فقالوا: هذه دار أبينا تركها لنا. وقال الرجل: هي داري وإنّما أجرته إيّاها، فإنّها تثبت لبني الهالك من بعده، إلا أن يأتي الرجل ببيّنة، أنّه أجرها الهالك. وعن بعض قومنا، في دجاجة ابتلعت لؤلؤة لرجل تساوي دينارين، والدجاجة تساوي دينارا. قال: يبدأ بصاحب الأكثر فيقال له: ادفع إلى صاحب الدجاجة قيمتها دينارا، وخذ الدجاجة إليك. فإن قال: لا قيل لصاحب الدجاجة: ادفع إلى صاحب اللؤلؤة قيمتها دينارين، وشأنك بالدجاجة. (2/44)
صفحة 316
فإن قال: لا أفعل بيعت الدجاجة، على أنّها في جوفها لؤلؤة تساوي دينارين، ثمّ يقسمان الثمن على قدر حصصهما في الثلثين والثلث، وإنّما يبدأ أبدا، في التخيير لصاحب الأكثر منهما، فإن فعل ما يقال له، وإلا قيل له: اختر أن يفعل كذا وكذا، على ما وصفنا، وإذا ماتت دجاجة، ثمّ وجد في بطنها بيضة، ففرخت منها فرخ، فهو لربّها الذي ماتت في ملكه، وجائز أكله. وسألته عن رجل كان في يده مال يحوزه ويأكله، حتّى مات، ثمّ أنّ زوجته أحضرت بيّنة بعد موته، أنّ المال لها. هل يكون لها المال، دون ورثة الزوج؟ قال: معي، أنّ المال يكون للزوجة بصحة البيّنة، أنّه لها.
قلت: فهل يثبت لها هي المال، ويكون أكله لورثة الزوج، على ما كان في حياته، إذا صح أنّه كان يأكل هذا المال، بعلم من الزوجة، وهي لا تغيّر ولا تنكر؟ قال: معي، أنّه ليس لهم ذلك، ويكون المال لها كلّه.
قلت: فإن ادّعى هذا المال أخو هذا الآكل لهذا المال، أنّه له، وأصح على ذلك البيّنة، وأصحّ أنّ هذا الآكل، كان يأكله بعلمه ويحوزه، وهو لا يغير ولا ينكر. قال: إذا صحّت الأكلة والحوز بعلم من المأكول عليه، أنّه لا حجّة له بعد موت الآكل الحائز عليه. (2/45)
صفحة 317
قلت: فما الفرق بين الأخ والزوجة؟ قال: لأنّهم قالوا: ليس بين الزوجين إحراز في العطية، فليس حوزه عليها بشيء، وكذلك حوزها ليس عليه بشيء؛ لأنّه يخرج معنا مالهما، بمعنى المال الذي اليد فيه واحدة منهما جميعا، وإنّما الحجّة في اليد والحوزة. (2/46)
صفحة 318
باب في الدين وفي الحق المشترك
عن أبي المؤثر: وعن رجل عليه لرجل دين، فهلك الذي عليه الدين، ولم يخلف مالا، أو هلك وهو منكر، ثمّ هلك أبو الذي له الحق، أو أخ له، وأوصى أنّ عليه لفلان بن فلان كذا وكذا. قال: إن كان هذا الذي، كان له الحق، ليس لأبيه ولا لأخيه وارث غيره، فله أن يستوفى حقه، ولا يعطى ورثة الآخر شيئا، حتّى يستوفى إن استتر له ذلك، ثمّ يشهد له بالوفاء، إلا أن يكون على الآخر دين غير دينه، فليأخذ حقّه من المال، الذي أقرّ به أخوه أو أبوه، على قدر دينه، ويكون الباقي بين غرمائه، يقسمه عليهم الحاكم، إذا صحّت ديونهم معه. وإن كان معه ورثة غيره لأبيه أو لأخيه، فهو سواء، يأخذ حقه إن استتر له. وإن كان الذي عليه الحق، عليه دين غير دينه، فوصل ديانة إلى حقوقهم، من مال الهالك، أخذ هو حقّه ولم يحاصصهم. وإن لم يواصلوا إلى حقوقهم، حاصصهم في ما أخذوا، إذا علم أنّه مات، وعليه حقوقهم. وإن لم يعلم ذلك، وإنّما كان يعرف عليه الدين، فلا يدري قضاه أم لا، فليستوف حقه، وليس عليه للغرماء محاصصة. (2/47)
صفحة 319
وعن دين لقوم شركاء، وطلب أحدهم نصيبه وأخذه. هل يلحقه شركاؤه بشيء؟ قال: إذا أخذ حصّته، فهو أولى بها، ولا يرجعون عليه بشيء، ولو أفلس أو غاب، إلا أن يكون الدين على غرماء عدّة، فاستوفى حصّته من الدين، من غريم واحد، فإنّه يسلّم حصّته، من ما هو على هذا الغريم، ويحاصصونه في ما ازداد على ذلك.
قال غيره: وقيل: إذا كان مال بين شركاء على رجل، فأخذ أحد منهم شيئا، والدين لهم كلّهم، وأصل البيع مال مشترك، أو ميراث مشترك، فإنّهم شركاء في ذلك، إلا أن يصلوا إلى حقوقهم من مال الغريم، والله أعلم. وعن قوم ادّعوا مالا إلى رجل، فأنكرهم وطلب أحدهم في ذلك، ونازع وقال: إنّما أطلب حصّتي وحدى، فحكم له بالمال أو بشيء منه، أو صالحه المدّعى عليه. هل يدرك الشركاء شريكهم في ما استحقّ؟ قال: هم شركاء في ما أخذ، يتبعونه بحصصهم، إلا أن يكون نازع في حصّته، وحكم له بحصّته، وقبض حصّته، فليس عليه لهم تبعة، وهو أولى بما أخذ، ويتّبعون صاحبهم بحقوقهم. فإن كانت هذه الشركة، في أرض أو نخل، فباع أحدهم، أو صالح على صلح، أو حكم له بشيء من المال. قال: ما حكم له بشيء من الأرض والنخل، فهم شركاؤه فيه، وما صالح عليه، فلا يجوز الصلح على شركائه. (2/48)
صفحة 320
فإن هو باع له حصّته منها، أو قايضه، فليس لشركائه عليه، ويطالبون صاحبهم. وعن رجل استودع رجلا وديعة، ثمّ مات المستودع، وجاء بعض ورثته إلى المستودع، يطلب حصّته. هل له ذلك؟ قال: ليس للمستودع أن يدفع شيئا إليه، إلا بحضرة شركائهم أو وكلائهم.
قلت: وسواء كانت الوديعة كيلا أو وزنا أو عرضا من العروض؟ قال: أمّا العروض فكذلك، وأمّا الكيل والوزن، فالله أعلم.
قال غيره: والكيل والوزن سواء، وليس له أن يسلّم إلى أحد منهم شيئا. فإن سلّم إلى كلّ واحد حصّته فهو ضامن، والقابض ضامن لسائر الشركاء، إلا أن يصلوا جميعا إلى حقوقهم. وإنّما يضمن لسائر الشركاء حصصهم، من ما سلّم إلى الشريك القابض. وقال من قال: يضمن الجميع لسائر الشركاء؛ لأنّه لم يكن له ذلك. وقال من قال: يسلّم إلى كلّ واحد حصّته، إذا كان من ما يكال ويوزن، والله أعلم. (2/49)
صفحة 321
وعن رجل ادّعى على مجنون دينا، وأقام البيّنة عليه. كيف الرأي في ذلك؟ قال: إن شهدت البيّنة، أنّه أدان منه هذا الحق، وهو صحيح، ثمّ جنّ بعد ذلك، فإنّه يقام للمجنون وكيل يخاصم عنه، ويسمع عليه البيّنة، ويؤخذ من مال المجنون، ويقضي صاحب الحق في الدين. وإن كان داينه وهو مجنون، فلا شيء له. وإن كانت جناية جناها المجنون عليه، فهي على عاقلة المجنون، إلا أن يكون أكلها بفمه، أو كانت من قبل فرج وطئه، أو ثوب لبسه فأبلاه، فإنّه في مال المجنون. وإن كانت جناية المجنون في عبد أو دابة أو مال أتلفه، من غير أكل أو لباس، فليس على مال المجنون، ولا على عاقلته من ذلك شيء. وعن رجل يطلب إليه غرم كثير، وأقرّ لهم كلّهم. فقال بعضهم: من أقام بيّنة، وإلا فلا يعطيه شيئا. فالذي يرى المسلمون، إن كان الدين أكثر من المال، لم يجز إقراره، فمن أقام بيّنة عادلة، ثبت له حقه، فإذا تحاصص أهل البيّنات المال، جاز إقراره على نفسه، وهو أثبت من البيّنة. وعن رجل له بقرة وجارية عمل عليها زرعا خضرة، وعليه دين، أتباع الجارية والبقرة، وليس له غيرهما، أم حتّى تبلغ الخضرة؟ قال: فإنّ الإمام يأمر بإمساك ذلك، إلى بلوغ الخضرة، وقد نحب (2/50)
صفحة 322
ألا يؤخّر بيعهما، إلا برأي أهل الدين، مخافة أن يحدث عليهما، وتبطل حقوقهم.
وعن غيره: عن أبي بكر الموصلي: وعن رجل طالبه المسلمون بحقوق الناس، فهرب منهم، وأشهد لامرأته، أنّه قضاها ماله. قال: ليس لها إلا حقّها، وما فضّل من حقّها، أعطى أهل الحقوق.
عن غيره: وسألته عن رجل يكون له على مائة دينار حالة، فيسأله إيّاها، فيقول الرجل الذي هي عليه: والله ما هي عندي، ولكن اشتر منّي قمحا إلى سنّة، وهما مضمران أنّه إذا دفع إليه الدنانير قضاها إيّاه، ولم يكن بينهما في ذلك شرط. هل يجوز ذلك؟ قال: لا يجوز ذلك، فإنّ هذه الدراسة لا ينبغي لأحد أن يؤجّل فيها، إلا أن يكون الرجل الذي عليه الحق، باع منه قمحا، إلى أجل، وليس في ذلك ضمان من واحد منهما ولا شرط، فلا أرى بأسا.
ومن غيره: وسألته عن شريكين في نخل، فغضب الأمير على أحدهما، فعقر الأمير النخل، فقطع نصيبه وبقي نصيبه صاحبه. قال: ما بقي من النخل، فهو بينهما؛ لأنّ الأمير ظلمه، ولا يسع صاحبه أن يظلمه. وعن من أشهد لرجل بماله بحق عليه، وأقرّ أيضا بدين للناس عليه. هل يدخل الديّان على هذا الرجل، الذي أقرّ له بالمال؟ فعلى ما وصفت، فإن كان الإقرار من هذا الرجل في مرضه، دخل الديّان معه. (2/51)
صفحة 323
وإن كان إقراره في صحّته، لم يدخل الديّان معه، إلا أن يكون الديّان قد صحّت حقوقهم إليه مع الحاكم. وإن كان أشهد لهذا الرجل بالمال، بحق له عليه، من قبل أن يطلب الديّان حقوقهم إليه، مع الحاكم، ثبت للرجل المال، وهذا إذا أشهد له بحق عليه. وإن كان إنّما أشهد له بالمال، ولم يسمّ بحق، ثبت للرجل المال، طلب الديّان حقوقهم، أو لم يطلبوا، كان ذلك منه في المرض، أو في الصّحة، إلا أن يكون الحاكم قد حجر عليه ماله. وإذا دخل الديّان معه، نظر إلى قيمة المال، وكان ذلك حق المشهود له به، إذا لم يسمّ الحق، وسواء ذلك قال وليّه له بوفاء، أو لم يقل، ثمّ يقسم المال على الديّان وعليه، فما أصاب قيمة المال من الثمن، كان له ذلك من ثمن المال، وللديّان بقدر حقوقهم فافهم. وعن أبي عبد الله: وعن رجل باع لرجل بيعا إلى أجل، ثمّ أنّ صاحب الحق، رفع إلى الوالي على الرجل، من قبل محل حقّه بشهر، أو أقل أو أكثر، فلم يقر به الوالي إلى ذلك، فطلب إلى الوالي أن يأخذ له عليه كفيلا إلى محلّ حقّه، وقال: إنّي أخاف أن يخرج. قال: فإن صحّ أنّه يخرج إلى موضع، لا تمكن الرجعة منه، إلى محل حق صاحب الحق، فعليه أن يقدّم له كفيلا، ولكن عليه يمين بالله، أنّه ما يريد الخروج إلى ذلك الموضع بنفسه. وإن كان يريد خروجا، يمكن الرجعة إلى محل الحق، أو لم يصح، أنّه يخرج، فلا أرى عليه كفيلا. (2/52)
صفحة 324
باب في الدعوى
من كتاب محمّد بن جعفر: ومن ادّعى مالا على رجل، والمدّعى عليه، يسمع فلم يغيّر ولم ينكر. فإن كان هذا المال، في يد المدّعى له، فإنّه يثبت له على الآخر. وإن كان هذا المال في يد المدّعى عليه، لم تضرّه هذه الدعوى، إلا أن يكون المدّعى ادّعى هذا المال، أنّه له وباعه لرجل آخر، بمحضر من صاحب المال ومعرفته، فلم يغيّر ولم ينكر، فقد وجب البيع، وثبت هذا المال، لمن اشتراه، والله أعلم. وأمّا إذا باع رجل مالا لرجل، ولم يدعه أنّه له، وعلم صاحب البيع، فلم يغيّر ذلك، فإنّ ذلك لا يجوز، وهو بيع باطل. وإذا أنكر المدّعى عليه المال، في مجلس واحد، أوّل مرّة، اكتفى بذلك الإنكار، وإن لم ينكر في بقية ما ادّعى عليه في ذلك المجلس. وأمّا بعد ذلك المجلس، فعليه أن ينكر في كلّ مجلس ادّعى عليه. وإن لم ينكر في المجلس، الذي ادّعى عليه فيه، ثمّ أنكر من بعد، لم ينفعه إنكاره. (2/53)
صفحة 325
وأمّا إذا ادّعى رجل مالا في يد رجل قد أكله عليه، بادّعاء منه، أنّه له وهو يسمعه، فلم ينكر، فإذا أنكر من بعد وطلب، فلا حجّة له. وكذلك في العبد والدابة وغير ذلك. وأمّا إذا مات الذي أكل المال، وأقام ورثته شاهدي عدل، أنّه كان يأكل هذا المال، بعلم من صاحبه، وهو في يده، حتّى مات، فورثته أولى به. وفي هذا فرق بين الحي والميّت، فافهم ذلك. والرجل يدّعى مالا، كان لجدّه، فيدّعى ميراث أبيه، ولم يكن أبوه يدّعيه من قبله، فقيل: لا دعوى له، ولا يدّعى عليه ببيّنة. وكذلك إذا ادّعى ميراث وارث قد مات، ولم يكن ذلك الميّت أبوه يدّعيه من قبله. فقيل: لا دعوى له، ولا يدّعى عليه ببيّنة. وكذلك إذا ادّعى ميراث وارث قد مات، ولم يكن ذلك الميّت يطلب ذلك المطلب، حتّى مات، إلا أن يكون موتهم متتابعا. وكذلك جاء الأثر عن موسى ابن أبي جابر وغيره من المسلمين، وأنا أحبّ أن تكون له حجّته، إلا أن يكون الميّت قد قامت عليه بيّنة تبطل ميراثه من ذلك المال. قال أبو المؤثر: الذي حفظنا من قول موسى ابن أبي جابر، وهو قولي، إلا أن تقوم بيّنة عدل، أنّ مال الأوّل مشاع إلى يومه هذا، لا يعلم الشاهدان أنّه جرى فيه قسم إلى اليوم، فإنّه إذا صحّ ذلك قسم المال على المواريث، قبل الأوّل فالأوّل. ومن كتاب فضل: وتقوم بيّنة عدل، أنّ مال الجد والميّت الأوّل مشاع إلى يومه هذا، لم يجر فيه قسم إلى اليوم هذا، فإنّه يدخل في الحجّة (2/54)
صفحة 326
وإذا علم أنّ المال قد قسم، وادّعى بعض الورثة شيئا من المال في يد غيره، فعليه البيّنة، أنّه لم يقسم، وإن لم يعلم أنّه قسم. وقال أبو المؤثر: لا أقبل قول البيّنة، أنّه لم يقسم حتّى يشهدوا، أنّ هذا المال مشاع بين ورثة فلان، لا يعلم أنّه جرى فيه قسم.
ومن غيره، قال: قد اختلف في ذلك؟ فقال من قال: إذا مات الوارث الأوّل، ولم تصح منه مطالبة في هذا المال، فقد ماتت حجّته، إلا أن يصح أنّ هذا المال له، وأنّه في يد من هو في يده بوكالة، أو عمالة أو غصب، أو بوجه من الوجوه. وقال من قال: للثاني حجّته، وإنّما تنقطع حجّة الثالث، في ما لم يطلب الثاني. وقال من قال: للثالث والرابع حجّته، ما صح المال، ولم تثبت على أحد من الورثة، حجّة تزيل حقّه من المال.
ومن غيره: قال من قال: إنّهم لا يعلمون أنّه جرى في المال، قسم ولا ثبوت حجّة، فللوارث الثاني حجّته. وقال من قال: حتّى يصح أنّ المال مشاع غير مقسوم، ثمّ هنالك تثبت حجّة الوارث الثاني. ومن غير كتاب أبي زكرياء: وقال عبد الله بن محمّد بن محبوب: إنّ سكوت الشركاء، عن تغيير ما ادّعى عليهم، تعجب منهم، لتعدّى أولئك في مالهم. (2/55)
صفحة 327
وقال غيره: إنّ السكوت بعد اليد، والدعوى بمحضر منهم، أو حيث تنالهم، أنّه تقطع حجّتهم، ولا حجّة لهم ولا لورثتهم من بعد موتهم، والله أعلم. وإذا تزوج رجل امرأة على صداق مائة نخلة، ثمّ مات وصحّت عليه ديون غير ذلك للناس، ولم يكن له مال، فجاء رجل ثقة أو غير ثقة، فأقرّ أنّ في يده مالا للميّت، وقضى أهل الحقوق حقوقهم، برأيه من المال الذي في يده، أو لم يفعل، فطلب أهل الحقوق إلى الحاكم، أن يوصلهم إلى حقوقهم من المال، الذي أقرّ به الرجل لصاحبهم، وأنّ المقرّ قصد إلى أرض ونخيل أو أموال، فقال: هذه الأموال التي في يدي لهذا الرجل، الذي عليه الحق، لهؤلاء الديّان، ولا يعلم أحد أنّ ذلك المال في يده، ولا أنّه للميّت. فأقول: إن جاء الذي في يده المال متبرّعا، برأي نفسه، فدفع هذا المال إلى ورثة هذا الهالك، وإلى الذين لهم عليه الحق، فقضاهم منه حقوقهم، فإن أدرك أحد في هذا المال، وكان واقفا أخذه. وإن كان المال قد تلف، فعلى الدافع ضمانه؛ لأنّه هو الذي أتلفه، إلا أن يكون الورثة والديان، هم الذين طلبوا ذلك إليه وادّعوه، فإن أدرك ما يدرك به عليهم. وإن كان الورثة والديّان، يعلمون أنّ هذا المال للميّت الذي ورثوه، ولهم عليه الحق، فلهم أن يقبضوه من عند ثقة أو غير ثقة. وكذلك إن لم يعلموا أنّه لصاحبهم، إلا أنّهم يعلمون أنّه في يد الذي أقرّ به، فإنّهم يأخذونه؛ لأنّه كان أولى بما في يده، وإقراره بما في يده عليه، بمنزلة الشاهدين. وأمّا إذا لم يعلموا أنّه في يده، ولا أنّه لصاحبهم. (2/56)
صفحة 328
وأمّا إن كان المقر غير ثقة، فلا أرى لهم أن يأخذوا هذا المال بقوله. وإن كان أيضا ثقة، فقد يجب أن يكون معه عدل آخر، بلا عزم منّا في ذلك، إن صدقوا الرجل، ولم يعلموا تكذيب قول، ولا أحد يدّعى المال، والصحّة أحبّ إلينا. وأمّا الحاكم، فإذا أقرّ هذا الرجل بهذا المال، عند الحاكم للميّت، وقد صح ورثة هذا الميّت، والحقوق التي عليه، وكره هذا المقرّ أن يدفع الذي يقر به، إلا برأي الحاكم، وطلب القوم منه الإنصاف، فأقول: إنّ الحاكم يدعوهم بشاهدي عدل، أنّ هذا المال الذي أقرّ به هذا الرجل لصاحبهم الميّت، أو بشاهدي عدل، أنّ هذا المال في يد هذا الرجل لصاحبهم الميّت، أو بشاهدي عدل، أنّ هذا المال في يد هذا الرجل، أقرّ به، فإن صح معه ذلك، أخذ بإقراره في ما في يده، وأمره أن يدفعه في قضاء الدين، الذي صح على الميّت، وما بقي فلورثته. وإن أدرك أحد في ذلك بدرك، كان الدرك للذين ادّعوا المال، وقبضوه من أهل الحقوق والورثة. وإن لم يصح أنّ هذا المال في يد هذا الرجل، فلا يلتفتن الحاكم إلى قوله، كان ثقة أو غير ثقة، إلا أنّه يعلمه بما صح معه، من ورثة هذا الميّت، ومن الحقوق التي عليه، ويقول له: إن كان في يدك مال له، فهو في قضاء دينه هذا، وما بقي فهو لورثته. وإن قصد وصي هذا الميّت وأهل الحقوق، التي صحت عليه وورثته، إلى مال صاحبهم، الذي أقرّ لهم بهذا المال، الذي أقرّ به هذا الرجل له، فأخذه على عدله لأهل الحقوق، ثمّ للورثة برأيهم فدفعهم عنه هذا المقر لصاحبهم. فإنّ الحاكم يدفعه عنهم؛ لأنّه قد أقرّ أنّه لاحق له في هذا المال، وأنّه لصاحب هؤلاء الذين قد قبضوه (2/57)
صفحة 329
وإذا ادّعى رجل أرضا في يد رجل، وأقام شاهدي عدل، أنّ هذه الأرض كانت لفلان الميّت، وأنّه باعها له بألف درهم، واستوفى منه الثمن، وكان أحد الشاهدين هو ابن الميّت البائع. فنقول: إن كان الميّت ترك مالا، لم تجز شهادة ابنه هذه. وأن لم يترك مالا، جازت شهادة ابنه هذه، وحكم بالمال للذي اشتراه، وذلك أنّه إذا ورث من أبيه، فإنّه يدفع عن نفسه، أن يرجع عليه المشتري في ما ورث من مال أبيه، بالثمن الذي أخذ به الأرض، إذا لم يصل إليها. وإن لم يكن ورث من أبيه شيئا، جازت شهادته؛ لأنّ المشتري لا يرجع عليه بشيء. وقيل عن موسى ابن أبي جابر: في امرأتين ولدتا في وقت واحد، ومعهما قابلة واحدة، فوضعت ولد هذه على حدّه، ووضعت ولد هذ على حدّه، ثمّ رجعت فأعطت إحداهما الذكر، وإحداهما الأنثى، فادّعت التي معها الأنثى الذكر، وقالت التي في يدها، بل هو ولدي. فقال: كلّ واحدة منهما أولى بما في يدها، حتّى تأتي المدّعية البيّنة، وإذا أقام رجل مع الحاكم شاهدي عدل على مال، أنّه كان لجدّه، وأنّ جدّه مات، وترك هذا المال ميراثا بين بنيه، وهم فلان وفلان، ومنهم أبو هذا الطالب، ثمّ مات أبوه فورثه هذا الطالب، ولا يعلمون لهؤلاء جميعا وارثا، إلا هؤلاء الذين سمّيناهم، لا يعلمان بأنّ مال جدّهما جرى فيه قسم إلى اليوم. (2/58)
صفحة 330
فلعلّ في هذا اختلافا، ونحن نأخذ بقول من قال: إنّهما شهدا بهذه الشهادة، وساقا هذا الميراث من الجد، إلى أن يبلغ إلى ذرّية هؤلاء، فإنّه لهم وبينهم على عدل كتاب الله، إلا أن يجيء من يدفع ذلك ببيّنة، أنّه قد قسمه حاكم، أو حضر الورثة، فقسموه في ما بينهم، فعند ذلك يرجع كلّ واحد منهما إلى سهمه، فيطلبه حيث صح له.
في جواب أبي مروان –رحمه الله-: وفي رجل ادّعى أنّه من بنى أسيد. قال: إذا صحّ أنّه من بني أسيد، أخذ مع بني أسيد في رمومهم وما تجمعهم. قد أعلمتك، أنّه من اغتاب المسلمين، فلا شهادة له، وهو قولي والجهد منّي.
ومن غيره قال: وقد اختلف في ذلك. فقال من قال: ليس للوارث أن يطلب من الميراث، ما لم يطلب والده، وكذلك في الحجج التي تزول عنه. وقال: من يحوز ذلك للأوّل، ولكن ليس للثالث أن يطلب ما لم يطلب الأوّل. وقال من قال: ما دام المال لم يقسم، ولم يصح فيه قسم، فما تناسلوا. وقال من قال: إذا كان ذلك في تتابع من موتهم، جاز ذلك. (2/59)
صفحة 331
وإذا كان موتهم متفاوتا، فذلك الذي يجرى فيه الاختلاف. وعن رجل قضى مالا له بحق عليه في مرضه، الذي هلك فيه، وكان وارثه يتيما، فلمّا بلغ اليتيم، طلب أن يردّ قيمة المال دراهم، ويأخذ ماله. أله ذلك أم لا؟ قال: نعم.
قلت: وإن أراد أن يردّ قيمة بعض المال، ويترك بعضه. هل له ذلك؟ وإن أراد أن يأخذه كلّه، وإلا فيتركه؟ قال: ليس له أن يأخذ بعضه ويترك بعضه، فإن أخذه كلّه وإلا فيتركه.
وفي جواب موسى بن علي –رحمه الله-: سألت –رحمك الله- عن الأكلة، فالذي في الرأي، إذا مات وصح أنّه يأكل هذا المال، بعلم من المأكول عليه، وهو لا يغير ولا ينكر، فورثه الآكل الأوّل بذلك المال، حتّى يصح أنّه يأكله بطنا أو هبة أو غير ذلك. وإذا اختلفا وهما حيّان، فحتّى يصح يأكل المال، أنّه كان يأكله، أو يستغلّه لعلمه، ويدّعيه عطية، أنّه له، وهو يسمع ولا يغيّر ولا ينكر، فيكون أولى به، فهذا فرق بين الحي والميّت، فاعلم ذلك. عن محمّد بن رياسة، عن عمر بن محمّد بن موسى، عن أبي علي –رحمه الله-: قال أبو حفص عمر بن محمّد بن موسى، عن أبي جابر (2/60)
صفحة 332
في رجل قال لرجل أجنبي أو لأخيه أو لأخته: إنّ كلّ ماله له، فهو لفلانة، قضاء بحقّها عليه، ثمّ أكله هو إلى أن مات، ثمّ طلب المشهود له بالمال. وقال الورثة: إنّ والدنا أكل هذا المال إلى أن مات. فقال أبو حفص: قال أبو علي: إنّ مأكلة المال لا تضرّ المشهود له، حتّى يأتوا ببيّنة عدل، يشهدون أنّ المشهود له، كان عالما بالقضاء، وكان المشهد يأكل المال بعلم المشهود له، فإذا كان ذلك، فلا شيء للمشهود، وليس على الورثة ورثة الميّت بيّنة، أنّ أباهم كان يأكل هذا المال، على المشهود له، ويدّعيه إنّما الادعاء على الحي، وأمّا الميّت، فليس على ورثته، إلا بيّنة، أنّ أباهم كان يأكل هذا المال، على المشهود له، ويدّعيه إنّما الادعاء على الحي، وأمّا الميّت، فليس على ورثته إلا بيّنة، أنّ أباهم كان يأكل هذا المال، بعلم من المشهود له، ولكن العلم والادعاء على الحي، فهذا. قال أبو عبد الله: أخاف أن يكون في وهم، على أبي علي. وقال: فلا عليهم بيّنة أيضا، أنّ أباهم كان يدّعى بعلم من المشهود له، ولكنّهم إذا شهدت بيّنتهم بالعلم. وأمّا الحي، فإذا كان رجل يأكل مال رجل، بعلم منه، حتّى مات الآكل، فهو لورثة الآكل، وإن لم يدعه عليه. ومن ما لا يكون لصاحبه حجّة ولا دعوى الرجل، يدّعى مالا في يدي رجل، قد أكله عليه بادّعاء منه، أنّ له، وهو يسمعه ولا ينكره، ثمّ أنكره من بعد طلب، فلا حجّة له. وكذلك في العبد والدابة وغير ذلك. وأمّا إذا مات الذي أكل المال، فأقام ورثته بيّنة عدل، أنّه كان يأكل هذا المال، بعلم من صاحبه، هو في يده، حتّى مات، فورثته أولى به. (2/61)
صفحة 333
وفي هذا فرق بين الحي والميّت، فافهم ذلك. ورجل يدّعي مالا، أنّه كان لجدّه، فيدّعى ميراث أبيه منه، ولم يكن أبوه يدّعيه من قبله. فقيل: لا دعوى له، ولا يدّعى عليه ببيّنة. وكذلك إذا ادّعى ميراثا من وارث، قد مات ولم يكن ذلك الميّت، يطلب ذلك المطلب، حتّى مات، إلا أن يكون موتا متتابعا. وكذلك جاء في الأثر، عن موسى بن أبي جابر وغيره من المسلمين: وأنا أحبّ أن يكون له حجّته، إلا أن يكون الميّت، قد قامت عليه بيّنة عدل، بما يبطل ميراثه، من ذلك المال، الذي يطلبه الحي، إذا كان موتهم متتابعا، أو تقوم بيّنة عدل، أنّ المال الأوّل، كان مشاعا إلى يومه، هذا لا يعلم الشاهد، أنّه جرى فيه قسم إلى اليوم، فإنّه إذا صحّ ذلك، قسم المال على المواريث الأوّل فالأوّل.
كتاب موسى بن علي –رحمه الله-: اعلم –رحمنا الله وإيّاك- أنّ الوليد بن يحيى وروح وعبد الله ابنا خلف، تنازعوا إلى أن طلب أبناء خلف إلى الوليد مال أبيهما، وأحضراني شاهدي عدل، وهما جيفر ابن زنباع ومحمّد بن الحواري، فشهد جيفر بن زنباع، أن مال خلف بن روح، في يد الوليد بن يحيى، لا أعلم أنّه أفاته، وشهد محمّد بن الحواري، أنّ مال خلف بن روح، في يد الوليد بن يحيى، لا أعلم أنّه أفاته، ببيع ولا عطيّة، وقد وصل إلى تعديلهما من قبلك، ثمّ وصلا إلى الوليد، وأحضروني شهودا، وهم عبد الله بن محمّد، والوليد بن عنبسة، ينزلان سمد شهدا عن شهادة أمّ الأشعث بنت الوضاح، وأمّ الوليد بنت عبد الرحمن، أنّ الوليد بن يحيى، يأكل ويدّعى مالا في يده، من بيوت وسكن البيت، ويدّعى على خلف ابن (2/62)
صفحة 334
روح، وهو يسمع ويعلم، ويعرف دعواه عليه، لا يعلمان أنّه غير ولا أنكر، وهو مشاهد محاضر، ويشهد وائل بن يحيى، أنّ الوليد بن يحيى، يأكل هذا المال، الذي ينسب إلى خلف بن روح، وخلف محاضر عالم، يأكله الوليد بن يحيى، ويدّعيه على خلف بن روح، وخلف حاضر، عالم بأكل الوليد بن يحيى، ويدّعيه على خلف، هذا المال وادّعاؤه له، لم أعلم إن خلفا أنكر، ولا غير، فهذه شهادة شهود الوليد بن يحيى، وقد وصل إلى تعديلهم من قبلك، فإذا وصل إليك كتابي هذا، فأمر ابني خلف بسؤال شهادتهما، وهما جيفر بن زنباع، ومن شهد عنه محمّد بن الحواري، ثمّ أخرجا مال محمّد بن روح، الذي شهدا به، أنّه في يد الوليد بن يحيى، فإذا نزعاه، فأخرجاه في مواضعه، فاعرفه ما كان من نخل أو أرض أو منزل، أو ما أخرجاه من شيء، فاعرفه في مواضعه، ثمّ ليحضرك الوليد بن يحيى أم الأشعث بنت الوضاح، وأمّ الوليد ابنة عبد الرحمن، ووائل بن يحيى، فليصفوا ما شهدوا به، وأنّ الوليد بن يحيى، أكله وادّعاه بعلم من خلف بن روح، فإن شهدوا بما أخرجه شاهدا بني خلف. وقال شهود الوليد: إنّ هذا المال الذي أخرجه شهود بني خلف، وقالا: إنّه في يد الوليد، فإن شهد شهود الوليد، أنّ هذا المال الذي أخرجه شهود بني خلف، هو أكله الوليد بن يحيى، وادّعاه على خلف بن روح، بعلم منه، ولم يعجزا شيئا من ما أخرج شاهدا ابني خلف، فقد رأيت للوليد بن يحيى، ما أكل وادّعاه على خلف بن روح بعلم منه، واستحلف الوليد يمينا بالله، أنّ المال ماله، ما لم يعلم لخلف بن روح فيه حقا، بوجه من الوجوه. وإن أخرج شاهدا ابني خلف، ما شهدا به ووصفناه، فعجز شهود الوليد، أن يشهدوا أنّ المال الذي أخرجه شهود ابني خلف، وأكله وادّعاه بعلم من خلف، فلا حق للوليد فيه، إذا أعجزه شهوده. (2/63)
صفحة 335
وإن شهدوا ببعضه، وعجزوا عن بعض، وأنّ مال الولي، ما أكله وادّعاه على خلف بعلم منه، وشهد له شهوده، وما عجزوا عنه، وأخرجه شاهدا ابني خلف، فهو لبني خلف. واعلم ما وصفت وبيّنته لك إن شاء الله والسلام.
ومن جواب لأبي عبد الله: وعن من أكل مالا وادّعاه على رجل، قد هلك ثمّ طلبته ورثته إليه، أو مات الآكل. قلت: كيف القول فيها؟ على ما رأينا في الأثر قالوا: إذا كان هذا الآكل يأكل هذا المال، يعلم من المأكول عليه، حتّى مات الآكل، فقد مات وماتت حجّته، وورثته أولى بما أكل، حتّى يصح الباقي أو ورثته، أنّه إنّما أكل بطعمة أو وكالة، أو غير ذلك، فإذا مات المأكول عليه، والآكل حي، فورثته أولى بذلك، إذا صح أنّه كان لصاحبهم، حتّى يصحّ هذا، إنّما زال إليه. وإن كانا حيّين وتنازعا في مثل هذا، فالذي هو له في الأصل، هو أولى به. فإن كان ذلك في يد الآخر، وادّعاه على هذا أنّه له، وهذا لا ينكر ولا يغيّر، فقد استوجبه الذي هو في يده، ويدّعيه على هذا. فإن عاب وأنكر من بعد لم يدرك. (2/64)
صفحة 336
والفرق بين الآكل والمأكول عليه، إذا كان قد مات، وكان يأكل بعلم هذا وجب لورثته. وإن كانا حيّين، فحتّى يأكله بعلمه، ويدّعيه عليه، وهذا لا ينكر. وعن رجل شهد لرجل بمال، ثمّ كان يأكله المشهد، وهو في يده، إلى أن مات وطلبه المشهود له، وطلبه ورثة المشهد. فعندي، أنّه للذي أشهد له به، حتّى يسلّمه إليه، ويقبضه منه، ثمّ يرجع المشهد يأكله بعلم هذا حتّى يموت، ثمّ يكون ورثته أولى به، والله أعلم. وعن رجل أكل أرضا، ثمّ فسل فسلا، وصاحبها عالم بفسله، أو بنى فيها دارا وصاحبها عالم، فهي عندنا أيضا مثل التي قبلها. (2/65)
صفحة 337
باب في الإيمان
مؤلّف: وعن امرأة تزعم أنّ زوجها يراودها على نفسها في رمضان، أو هي حائض. هل يلزمه لها يمين؟ قال: نعم؛ لأنّها مدّعية. قال أبو عبد الله: تلزمه يمين، إن كان ما فعل. وعن رجل ادّعى قبل رجل دراهم قرضا، فقال: ائتمنتني ولم تقرضني. قال: هي أمانة، إلا أن تكون له بيّنة أنّه أقرضه. قال أبو عبد الله: القول قول المدّعى القرض مع يمينه، إلا أن يقيم الآخر بيّنة.
قال غيره: يدّعى كلّ واحد منهما بالبيّنة، على ما يدّعى، فإن قامت لأحدهما بيّنة، وإلا حلف كلّ واحدة منهما على ما يدّعى. وقيل للذي يدّعى الأمانة: سلّم إليه أمانته، فإن ادّعى ضياعها بعد أن أقرّ بها، أنّها في يده أمانة، لم يقبل قوله في ذلك. (2/66)
صفحة 338
وعن رجل له مع رجل أمانة مائة درهم، ويطالب رجلا آخر بمائة درهم فقال لهما: إنّ عليّ لفلان مائتي درهم، فادفعا إليه تلك الدراهم، فقال الرجل الذي يطالبها بالمائتين، لم يعطياني شيئا. قالا هما: يلي قد دفعنا إليه كما أمرتنا. قال: أمّا المطلوب، فإن كان أشهد امرأ ولم يؤمر بريء، وإلا فلا براءة له. وأمّا المؤتمن، فإن كان أمره أن يشهد، فلم يفعل، فهو حقيق إلا يبرأ. قال أبو عبد الله: إن كان أشهد عليه يوم دفع إليه الأمانة، فلا يبرأ إلا بشاهدي عدل. وإن كان بإقراره، فلا شيء عليه. وعن رجل سلف رجلا، سلفا فقال المتسلّف: إنّ دراهمك لم تجر عنّي، وقد حبسها إلى الأجل، ثمّ جاء بها. فقال المسلّف: لا أعرفها دراهمي. فقال: على المسلف يمين، أنّها ليست بدراهمه. قال: ولا يحلف ما أعلمها. قلت: وإن قال المتسلّف: إمّا أن تحلف أنت ما هي دراهمك، وإلا حلفت أنا أنّها هي دراهمك. قال: قد أنصفه. (2/67)
صفحة 339
قال غيره: وقد قيل: يحلف على العلم؛ لأنّ الدراهم تتشابه. ويوجد ذلك عن أبي علي –رحمه الله-. وعن رجل إن اشترى من رجلين عبدا صفقة واحدة، ثمّ غاب أحد البائعين، وهما متفاوضان أو غير متفاوضان، ثمّ ظهر بالعب عيب. هل له أن يستحلف البائع الحاضر؟ فإنّه يستحلفه أيّهما أراد، لقد باع حصّته من هذا العبد، ما يعلم فيه هذا العيب، ثمّ إن شاء أن يستحلف الآخر بعد ذلك، فله ذلك.
ومن ما يوجد أنّه من جواب أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة –رحمه الله-: وعن رجل ادّعى أرضا له، مختلطة في أرض رجل، فقال الرجل: نعم، ليس أعرف حدود أرضك، إلا أنّك خذ ما شئت واحلف عليه. قلت: كيف يكون اليمين في ذلك بالقطع أو بالعلم؟ أرأيت إن حدّ فقال: هذه أرضي ما أعلم لك فيها حقا؟ فعلى ما وصفت، فإذا أقرّ أنّ لفلان من هذه الأرض شيئا، ولا أعرفه، فإن ادّعى صاحب الأرض المقر له، أنّه يعرفها وقال له: خذ ما شئت واحلف فأخذه وقال: هذه أرضي. فإنّ للحاكم أن يحلفه على ما ادّعى، ويصرف عنه الذي حلفه، إلا بغرض له في مال حلف عليه، ولا يحكم له به، وإنّما يصرفه به عنه سويا، ولكن ليس أحبّ للمسلم أن يحلف هذه اليمين بالقطع. (2/68)
صفحة 340
ولكن إذا ادّعى أنّه اشتراها أو ورثها أو وهبت له، وزالت إليه بوجه من الوجوه الحلال، حلف على ما يدّعى أنّها صارت إليه من أيّ الوجوه، ولا نعلم فيها للآخر فيها حقا. فإذا حلف صرف عنه، كما صرف للأوّل من المنع. وإن حلف على القطع، فله ذلك، وهو على ولايته؛ لأنّه قد يوجد في بعض الآثار، إذا كانت الأرض في يد رجل ورثها من أبيه، وورثها أبوه من جدّه، وتوارثوها إلى ثلاثة أجداد، فإن شهد شاهد أنّها له، لم يعنف، والله أعلم.
قال غيره: وقد اختلف في الشهادة في ذلك. فقال من قال: ليس للشاهد أن يشهد، أنّها له، وإنّما يشهد بمعرفته باليد أو بالشراء أو بالميراث أو بالهبة لرجل. وقال من قال: إن شهد قطعا أنّها له، جاز ذلك؛ لأنّ هذا هو المتعارف بين الناس، أنّ من كان في يده شيء، فهو له، ومن ورث شيئا، فهو له، ومن اشترى شيئا، فهو له. وعن رجل زعم أنّه باع من رجل جرابا من تمر، وأثنى عشر درهما، بثمانين درهما إلى أجل، وزعم المشتري أنّه اشترى الجراب بثمانين درهما، وأنّ البائع وهب له الاثني عشر درهما. قال هاشم والأزهر: إنّ البائع إذا أقام بيّنة على ما يقول، فقد انتقض البيع، وإن عجز البيّنة، حلف المشتري ما أضغن في هذه الاثني (2/69)
صفحة 341
عشر درهما، والضغن هو الإضمار، وما دالست هذه الدراهم، في شيء من أمر الجراب، بوجه من الوجوه. فإن حلف مضى الجراب بالثمانين درهما، ورد الاثني عشر درهما، على صاحبها، أو إن أراد المشتري حلف البائع ما وهبها له، طيب النفس بها. عن أبي معاوية: عن رجل استودع رجلا دراهم، فأقرضها المستودع، ثمّ مات المقترض، وترك أيتاما، فطلب المستودع ما أقرض، فقالوا: أحلف أنّها لك، وخذ فقال: هذه وديعة عندي، ولا أحلف بما ليس لي. قال: يحلف بالله ما قبضها منه، منذ أقرضه إيّاها، ولا يعلم أنّه برئ منها، حتّى مات، فإذا حلف قضى له بها.
قلت: فإن طلبوا يمينه أنّها وديعة. هل عليه ذلك أم لا؟
قال غيره: نعم، ليس عليه يمين، أنّها وديعة؛ لأنّه لو أقرّ أنّها وديعة، لم تزل حجّته فيها، وكان على حال خصما فيها، وإنّما حلف ما يعلم أنّه برئ منها؛ لأنّ الحق لغيره، فيمكن أن يكون قد قبض ذلك ربّ المال، ولم يقبضه هو فيكون قد برئ بقبض رب المال، فحلف بالعلم في البراءة، وبالقطع في القبض، ولم يلزمه اليمين، ما قبض منه، ولا برئ منها؛ لأنّه يمكن أنّه برئ منها، من حيث لا يعلم بقبض رب المال، فخلف بالعلم في البراءة، وبالقطع في القبض. قيل له: فإن كان غرمها من عنده، للذي استودعه إيّاها. هل يحلف أيضا له؟ (2/70)
صفحة 342
قال: نعم، إذا غرمها بعد أن طلبها، إلى الحاكم فلم يحكم له بها؛ لأنّه قد ضمنها وصارت له، والله أعلم.
قال غيره: إذا أقرضها بغير أمر ربّها، فقد ضمنها بعينها، فإذا أعطى ربّها، بدلها بالضمان الذي لحقه لها بعينها، بحكم أو بغير حكم، فهي له إذا رضي بذلك ربّ المال؛ لأنّ له الخيار، إن شاء أخذ المقرض بحقه، وإن شاء أخذ المستقرض، هكذا عندي، والله أعلم. رجل طلّق امرأته، وانقضت عدّتها، أنّه كان ردّها، وأنكرت هي. هل في هذا إيمان؟ قال: لا إيمان في هذا، إلا بالبيّنة.
قلت: فإن ادّعى أنّ البيّنة قد ماتوا أو غابوا؟ قال: ليس هاهنا يمين، وقد بانت منه.
قلت: قد جاء بالبيّنة بردّها، بعد انقضاء العدّة، وادّعى أنّه كان قد أعلمها بالرد، قبل انقضاء العدّة، وأنكرت هي ذلك، وطلب يمينها. قال: عليه البيّنة، أن قد أعلمها بالرد، وهي في العدّة، وإلا فيمينها ما أعلمها بالرد. فإن حلفت فقد بانت منه، وإن كرهت أن تحلف، فليس لها ذلك. (2/71)
صفحة 343
وإن ردّت اليمين إليه، فحلف لقد أعلمها بالرد في العدّة، وهي امرأته، وجدت أنا أنّها تحلف ما أعلمها بالرد في العدّة.
قال غيره: وذلك إذا ادّعى أنّه أعلمها الشاهدان بالرد، في بعض القول. وقال من قال: ليس في هذا يمين إلا بالبيّنة. وقد قيل: إذا أعلمها أحد الشاهدين في العدّة، ثبت عليها ذلك، ويأتيها بالشاهدين أو بالشاهد الباقي. فعلى ذلك قول من يقول فيه باليمين، فعليها اليمين، إذا ادّعى عليها، ما لو أقرّت به، ثبت عليها في الحكم. وسألت أنا القاضي أبا سليمان هداد –رحمه الله-، عن رجل إذا رفعت امرأته عليه، وادّعت عليه الطلاق، فأنكر فطلبت منه اليمين، فردّ عليها اليمين. هل يحلفها الحاكم؟ قال: إذا ردّ الزوج إليها اليمين، فإنّ الحاكم يشرط على الزوج، بأنّ يمينها طلاقها. ويقول: إنّه إذا حلفت، فقد طلّقت، فإذا قال: نعم، فإن رضي بذلك وحلفها، جاز لها أن تتزوّج إذا انقضت عدّتها. وإن عزم على يمينها قال له الحاكم: إن استحلفتها جبرتك على أن تطلّقها. فإن استحلفها على ذلك، جبره الحاكم على أن يطلّقها. (2/72)
صفحة 344
وأحبّ إلينا الذي نأخذ به، ألا يستحلف هي ويحبس هو، حتّى يحلف أو يقرّ بالطلاق.
رجع إلى كتاب أبي زكرياء: قلت له: وكذلك العبد إذا ادّعى على سيّده العتق، فأنكر وطلب يمينه إلى الحاكم العبد. قال: نعم، يشترط عليه الحاكم أنّ يمينه عتقه، فإن رضي بذلك السيّد، حلفه وعتق.
قلت له: فإذا دفع رجل على رجل، وزعم أنّه عبده فأنكر وطلب يمينه. هل عليه يمين؟ قال: لا يمين لي ذلك عليه. (2/73)
صفحة 345
فصل (في مسائل متفرّقة)
ورجل دفعت إليه امرأة ذهبا أو فضّة، يدفعه إلى الصائغ، يصوغ لها حليا، أو قالت: ادفعه إلى فلان الصائغ، يصوغه فقبضه منها، ثمّ قال: قد دفعته إلى الصائغ الذي أمرته أن يدفعه إليه، ثمّ قال الرجل: فإنّ الصائغ ذهب منه، أو جحده الصائغ، أنّه لم يدفع إليه شيئا، فلا أرى عليه ضمانا، والقول قوله، مع يمينه، لقد فعل كما أمرته، وما خانها فيه.
قال غيره: نعم، هو كذلك؛ لأنّه أمين. وإن دفعه إلى صائغ سوى من أمرته ضمنه، وإن أمرته بدفعه إلى صائغ يصوغه، فدفعه هو برأيه، وقال: إنّي قد دفعته إلى صائغ، فأنكر الصائغ، فالقول قوله، ولا ضمان عليه مع يمينه. ولو أنّه هو طلب إليها ذلك، ففعلت ذلك سواء. قال: لا ضمان عليه.
قال غيره: نعم. وعن الذي وكّل وكيلا في وصاياه، وولده وماله، فله أن يبيع ويقبض (2/74)
صفحة 346
ويحلف، ويحلف في ما يبيع ويشتري، وأنّه ما استوفى مني ثمن، ما اشتريت منه، وإلا حلف لقد استوفيت منه، وهذا قول. ولعلّ بعضا لا يرى أن يحلف؛ لأنّه لا يحلف، وهذا أيضا قول. ورجل ادّعى على رجل حقا، وأنّ المدّعى عليه، زعم أنّه قد استحلفه مرّة، قبل هذه، عند وال من الولاة، أو رجل تراضيا به. فإن أتى بيّنة، أنّه قد استحلفه، على هذا الحق، عند وال من الولاة، أو رجل تراضيا به، فلا يمين عليه ثانية، وإن لم يأت ببيّنة، فلابد له من اليمين، وقد نرى ذلك، أن يحلف ما استحلفه، وأنا لا أرى ذلك؛ لأنّ ذلك لا ينقطع عن طلب الحق، يقال له: احلف يمينا لا يستوجب حقا، ولكن إن ردّ إليه اليمين، أن يحلف أنّ هذا الحق له عليه، حلفته أو يحلف هو، أو يأتي ببيّنته. فإن نسب أنّه استحلفه بذلك، فإمّا ألزمه يمينا فلا.
ومن ما يوجد أنّه عن أبي علي: وعن رجل وصل إلى رجل، فقال له: أرسلني فلان إليك، أعطني الدراهم التي له عليك، فدفع إليه له ألف درهم، وأنكر الذي له الحق، ما أرسلت هذا. قال الرسول: قد أرسلتني، وقد ضاعت الدراهم من عندي. (2/75)
صفحة 347
فليس عليه شيء، ويلزمه يمين ما أتلف الدراهم، ولا خان فيها.
ومن غيره: وعن رجل هلك وترك زوجته لها عليه صداق، ولم تحضرك، وإنّما طلب لها حقّها وكيلها، حتّى استحقّته بالبيّنة العادلة، ولم يمكنك استحلافها، وهي في مثل البحرين أو البصرة أو بلاد الهند، فالذي أرى أن تعطى حقّها وكيلها، فإذا أمكن أن تحلف ووصلت حلفت، ولا يحبس حقّها، إذا صحّ وصحّت الوكالة. قال بعض أهل العلم: نعم، ويقال له: إن شاء خرج يحلفها في موضعها، إن كانت حيث ينال عدل المسلمين، كتب له إلى حاكم البلد. وكذلك إن كانت في موضع فيه حاكم من حكّام العدل، كتب إليه بمعرفة ذلك، وخرج حلفها. وعن رجل ظلمه رجل في مال له، فظفر له الرجل بمال. هل يجوز له أن يأخذه ولا يعلمه؟ فما نرى بأسا أن يأخذ منه مثل حقّه، ويعلمه أنّه قد برئ من حقّه، واستوفى منه، فإن أراد أن يستحلفه، حلف ما له عندي حق.
ومن جواب أبي الحسن: وعن رجل أراد أن يحلف رجلا، على مال يدّعيه إليه، والمال متفرّق أو مجتمع. (2/76)
صفحة 348
قلت: هل يجوز له أن يستحلفه قبل أن يجده؟ فعلى ما وصفت، إذا حدّ المال بجميع حدوده وعرفاه، وأقرّا بذلك، فأيّهما حلف على حدوده، بعد إقرارهما بحدوده ومعرفته، جاز ذلك ولو غابا عنه، إذا عرفاه وجداه، وللوقوف على المال هو الرأي في الحكم، والقول الأوّل، أحسب أنّي وجدته في جواب الشّيخ أبي جابر، إذا حدّه وحلف على حدوده، ولو لم يقف عليه.
ومن جواب أبي علي إلى أبي مروان: وعن رجل باع ثوبا أو متاعا لرجل، وقبض المشتري بيعه، فلبث ما قدر الله، ثمّ احتجّ فأنكر البائع وقال: هذا ليس متاعي، فسألت كيف يحلف بعلمه أو قطعا؟ قلت: إنّه يشتبه الثوب بالثوب والزعفران. وقلت: إن كانت دنانير أو دراهم، وجد فيها زيفا أو تبهرجا. كيف اليمين؟ فالرأي معنا في مثل هذا، إذا غاب المتاع من عند المشتري، ثمّ احتجّ الذي اشتراه بعيب أو فساد شيء، أو في شيء من ما وصفت، فأعجزا البيّنة، أن يحلف البائع يمينا، ما يعلم أنّ هذا متاعه، وما يعلم أنّه باع منه زيفا ولا فاسدا من الزعفران، ولا معيوبا في الثوب.
ومن جواب أبي الحسن: وعن رجل ادّعى إلى امرأة، حقا في مال (2/77)
صفحة 349
يجمعها هي وأولادها يتامى فقالت: إنّ هذا المال هو لأولادي، خلفه عليهم والدهم، ليس في ذلك شيء.
قلت: هل يحكم عليها بيمين؟ فعلى ما وصفت، فإن كان لهذه المرأة، في هذا المال، الذي يدّعى فيه هذا حصّة، فأزالت حصّتها منه إلى أولادها أو إلى أولاد غيرها، أو إلى أحد من الناس، ولم يكن مع المدّعى عليها بيّنة، فعليها له يمين بالله، ما زالت هذا المال أو حصّتها من هذا المال، إلى فلان بن فلان، وهي تعلم أنّ له فيها حقا بوجه من الوجوه، أو تردّ اليمين إلى المدّعى، فيحلف على ما يدّعى، وينقطع الحكم على ذلك. وإن كانت هذه المرأة، ليس لها في ذلك المال، ميراث معروف، ولا حصّة معروفة، إنّما المال لليتامى، وإنّما قالت: لا تقول فيه شيئا، فليس ذلك من ما يزيل عنها دعوى، من ادّعى عليها، في هذا المال الذي حصّتها فيه، إلا باليمين، إن لم تكن معه بيّنة عليها، في ما يحلفها عن حصّتها، أو في ذلك المال، إن كان المال مشاعا.
قلت: أرأيت إن طلب الذي يدّعى الأرض، لولده يمين المدّعى بذر سبعة مكاكيك. قال: فنعم، إذا ادّعى بذر سبعة مكاكيك، وسمّى كم رمح، وكم طول الرمح، فإذا عرف ذلك، حلف على شيء محدود، وحكم له الحاكم على ما حلف بحدوده. (2/78)
صفحة 350
وأمّا ما ذكرت في اليمين.
قلت: هل للحاكم أن يحلف رجلا على بذر كذا كذا سهمه؟ فاعلم إنّما على ما وجدنا، أنّ من الحكّام، من لم ير أن يحلف إلا على شيء محدود. ومنهم من رأى أن يحلف، على ما يدّعيه من المبهم، ثمّ يقال للذي حلفه على ذلك، يحضر من ذلك المبهم، أو يقرّ بما شاء منه، فإن صدّقه الذي حلف على المبهم، فسبيل ذلك. وإن قال: إنّ حصّته أكثر من هذا، حلف على ما يدّعى من الزيادة. وإن لم يدع الزيادة، وطلب يمين الذي أحضر ما أقربه، أن يحلف ما يعلم قبله له من الحق، في هذه الأرض، أكثر ممّا أقرّ أو أحضره، من هاهنا كره صاحب الرأي الأوّل، أن يحلف إلا على شيء محدود؛ لأنّ هذه يمين لا تكاد تنقطع، ولعلّ الذي لا يحلف إلا على شيء محدود، يرى اليمين على المدّعى عليه، سواء في المبهم أن يحلف على ما يدّعى عليه ويبرأ، والله أعلم بصواب ذلك. فهذا الذي عرفنا من المبهم والمحدود، وإذا لم يعرف كم طول الرمح، ولا كم بذر المكوك من الأرض، فهذا من المبهم. وقد أعلمناك الاختلاف فيه. فما حكم الحاكم من العدل، بأحد القولين، فصواب ذلك إن شاء الله. (2/79)
صفحة 351
ومن جوابه: وعن رجل تولّى عن حق امرأته، الذي يلزمه لها، فرفعت به عليه إلى الحاكم، فأقرّ بذلك، وادّعى أنّ المرأة تمنعه مجامعتها، فاستحلّ أن يتولّى بحقّها، وأنكرت المرأة ذلك. قلت: هل بينهما يمين؟ فعلى ما وصفت، فإن كنت تعنى بحقّها صداقها، فإذا كان قد جاز بها، فصداقها عليه، ولا يزيله عنه منعها نفسها، وهي آثمة إذا منعته نفسها، من غير عذر لها، ولا حجّة تلزمه لها. وعن رجل وكّل رجلا في ماله، فنازعه فيه منازع، فليس له أن يحلف، إلا أن يكون الموكّل، جعل له ذلك، وإنّما هو، فليس عليه يمين؛ لأنّ المال ليس له. وعن رجل مسلم إلى رجل، ذهبا أو دراهم، على أن يصوغه له، فأدخله النار فضربه سبيكة، ثمّ لم يتفق له عمل في ذلك الوقت، فقبض الرجل الذي له، وقد صار سبيكة، ولا يدري هذه سبيكة سالمة من الغش، أو هي مغشوشة؟ فقبضها على تلك الحال، ولم يسأله عن شيء، ثمّ بعد ذلك، سلّمها إلى صائغ آخر، فصاغها فاستعمل ذلك الصوغ، ما قدّر الله، ثمّ رجع إليه فقال له: إنّي متّهم أنّك أدخلت في هذا الصوغ شيئا من الغش، ولا أبرئك من ذلك، ولكن أحلف لي على الغش. فعلى ما وصفت، في أمر هذا الصائغ، وهذا الرجل، وهذه السبيكة، وكلّ ما ذكرت ممّن ما كتبنا من شرحك، أو تركناه، فإذا قبض صاحب (2/80)
صفحة 352
السبيكة، من الصائغ الأوّل سبيكة، ولم يظهر له فيها غش، حتّى عاد سلّمها إلى صائغ غير الأوّل، فصاغها واستعمل الصوغ ما قدّر الله، ثمّ رجع إلى الصائغ الأوّل، فاتّهمه أنّه غشّه، فلا تهمة على الصائغ الأوّل، وقد زال حكم ذلك عنه؛ لأنّه سلّم السبيكة إلى غيره، وصاغها غيره، ولا أرى له على الأوّل في الحكم، إلا أن يدّعى عليه قطعا، أنّه أخذ دراهمه وغشّه فيها بغيرها، فهنالك يكون اليمين على الصائغ الأوّل، يحلف ما قبله لهذا الرجل، حق ممّن ما يدّعى إليه من غش، فضّته هذه وخيانته فيها، ولا خانه فيها، ولا قبله له حق فيها، بوجه من الوجوه، أو يردّ اليمين إلى المدّعى، فيحلف على ما يدّعى.
قال غيره: عليه اليمين معنا، لقد سلّم إليه ما له وما خانه بغش. فإن قال المدّعى، فإنّه لا يجدها عليه، ولكن أحلف أنّه لا قبله إلى فضّة، فهذا يمين يختلف فيه الحكّام: منهم من يرى اليمين هاهنا على المدّعى إليه، يحلف ويبرئ أو يقرّ بما شاء من الحق. ومنهم من يقول: بل إذا ردّ اليمين إلى المدّعى، وحلف أنّه له قبله كذا وكذا، إن كان محدودا أخذه.
ومن جواب أبي الحسن: وقلت في من طلب إلى الحاكم، يحلف له خصمه بالمصحف. كيف يكون اليمين في ذلك؟ وكيف يحلف الحاكم الخصم ذلك؟ (2/81)
صفحة 353
فذلك المصحف، وينظر الآية التي في آل عمران: {إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} فوضع الذي يحلف يمينه عليها، ثمّ يحلفه الحاكم، وهو واضع يده عليها، حتّى يفرغ من اليمين.
قال غيره: وليس ذلك على الحاكم، إن أراد ألا يحلفه بالمصحف، كان ذلك للحاكم. وكذلك إن لم يحضر المصحف، وطلب الخصم يمينه في مجلس الحكم، كان ذلك له، ويؤخذ ذلك المصحف إلا برأي خصمه.
وقد وجدت في بعض الآثار: إنّه لا يجوز لأحد أن يحلف بالمصحف، وذكر أنّها بدعة، والله أعلم. وقيل: إذا فرض للزوجة النفقة والكسوة، واستحقّتها لما مضى، ثمّ ادّعى أنّها كانت تمنعه نفسها، كان مدّعيا، وبينهما الأيمان. فإن حلفت أنّها لم تكن تمنعه نفسها، في حال ما يلزمها له العشرة، حكم عليه بتسليم ذلك. وإن تكلت عن اليمين، وردّت اليمين إليه، فحلف أنّها كانت تمنعه نفسها، ولم تكن تعاشره، لم تستحق النفقة المفروضة إلا بالمعاشرة، وإذا لم يكن قد فرض عليه شيئا، ولا أخذ به، فلا أيمان في ذلك؛ لأنّه لا يحكم لها في ما مضى بشيء، فتدعى عليه زواله. وإنّما تؤخذ بمعاشرته، ويؤخذ في ما يستقبل منذ طلبت إليه. (2/82)
صفحة 354
وذكرت في الذي يدّعى إلى رجل، أنّه أكل له حمارا، فيقول الآخر: ما علمت أنّي أكلت له حمارا، وقد أخذت حمارا وحشيا، وليس أعرف ذلك، أو ليس لك. قلت: من المدّعى منهما؟ وعلى من اليمين؟ فعلى ما وصفت، فالمدّعى من ادّعى، أنّ هذا أكل حماره، فهو المدّعى. فإن كان عنده بيّنة، أنّ هذا أكل حمارة، وإلا فاليمين على المدّعى عليه، يحلف بالله ما قبله له حق من قبل حماره، هذا بوجه من الوجوه، أو يردّ اليمين إلى المدّعى، فيحلف أنّ هذا أكل حماره، ظالما له فيه، ثمّ ينقطع الحكم، ويؤخذ بما حلف عليه. وليس قوله: إنّه أكل حمارا. من يلزمه له حتّى يقرّ أنّه أكل حماره، والله أعلم. وليس عليه اليمين إلا بالقطع، إذا كان الطالب يحلف بالقطع، إن ردّ إليه اليمين. وقوله: إنّه أكل حمارا وحشيا. فلا نرى عليه اليمين، إلا كما وصفنا لك. فإن كان هو يعلم، أنّه أكل حمارا لهذا، فهو حانث. وإن كان يعقل بالوحشية فتلك زائحة عن الحق. وإن كان لا يعلم أنّه أكل لهذا حمارا، فليس عليه إلا علمه. (2/83)
صفحة 355
فإن كان حمارا، ولا يعرف ربّه، وجعله وحشيا، فقد عرفنا من قول الشّيخ أبي الحواري، في بعض جواباته: إنّ الحمر لها أهل، حتّى يعلم أنّه ليس لها أهل، نحو هذا القول إلا اختلاف اللفظ، وعلى هذا الرجل الخلاص، من ما أكل من الحمر، حتّى يعلم أنّها من حمر الوحش صحيحا، ليس لها أرباب، والله أعلم بالصواب. وعن رجل قايض رجلا بمال زوجته وهي غائبة، وضمن الخلاص، وقال: إنّ ذلك برأي زوجته، ثمّ قدمت الزوجة وغيّرت ونقضت ذلك القياض، وأنكرت أنّه لم يكن برأيها، وأقرّ الزوج أيضا أنّه لم يكن برأيها. قلت: هل عليها أن تحلف؟ فأقول: إنّها أولى بالذي لها على ما وصفت، إذا لم تكن بيّنة عليها، وترك الخصم إلى يمينها، فأحبّ أن تحلف أنّ هذا المال، أو الموضع المحدود لها، ما تعلم لهذا الخصم حقا فيه، من قبل ما يدّعى من هذا القياض، أنّه برأيها، أو أنّها رضيت بذلك، ولا بوجه غير ذلك.
ومن ما يوجد عن أبي عبد الله محمّد بن محبوب: وعن رجل باع رجلا في شيء، كان عليه أن يحضر البيّنة إلى الحاكم، فاحتجّ أنّه لا مال له، يقدر على حمل البيّنة إلى الحاكم. قال: ليس عليه في ذلك يمين ولا حبس، حتّى يسأل عنه في موضعه، أهل المعرفة به من الثقة. (2/84)
صفحة 356
فإن كان له مال يقوى به، على حمل البيّنة إلى الحاكم، حملها وإلا فلا يمين عليه، ويسمع الوالي بيّنته في موضعها.
ومن غيره: قال ابن الأزهر: إنّ الفسل والبناء، إذا فسل الرجل وبنى على رجل، فهو بمنزلة الادّعاء على الرجل، أو يقوم مقام الادّعاء على الرجل.
ومن غيره قال: نعم، قد قيل: إنّ البناء والفسل، ليس بمنزلة الادّعاء، إلا أن يموت المحدث أو المحدث عليه. وقال من قال: حتّى يموت المحدث، وأمّا المحدث عليه، فلورثته الحجّة على المحدث.
وعن أبي عبد الله محمّد بن محبوب –رحمه الله-: وعن امرأتين في منزل يأكلان مالا، ثمّ توفّيت إحداهما فقالت الباقية: لي هذا المال، فإن هو بينهما نصفان.
ومن ما يوجد عن أبي الحواري: وعن رجل ادّعى على رجل، أنّه تسلّف عليه، فأنكره أنّه ما أمره أن يتسلّف عليه. فعلى ما وصفت، فإذا لم تكن مع المدّعى بيّنة، كانت اليمين على المدّعى عليه، أمره أن يتسلّف عليه، ولا قبله له حق من قبل هذا السلف، الذي يدّعيه عليه.
ومن غيره قال: وقد قيل: حلف ما قبله له حق، من قيل ما يدّعى عليه من هذا السلف، أو ما أمره أن يتسلّف عليه سلفا، هو ثابت عليه، إلى هذا قبله له حق إلى هذه الساعة. (2/85)
صفحة 357
ومن دفعت إليه أمانة علانية، ثمّ استردّها صاحبها منه سرا، ثمّ طلبها إليه بعد أيّام، فليس على الأمين بيّنة ولا يمين، إنّما لهم قوله وأمانته، لا يكلّف غير ذلك، فمن طلب إليه غير ذلك، فقد ظلمه، واختلفوا فيه: فمنهم من قال: هذا. وقال آخرون: إذا كانت الأمانة دفعت إليه بالبيّنة، فعلى الأمين دفعها بالبيّنة، وإن لم يدفع إليه بالبيّنة، فقوله مقبول في دفعها إلى ربّه، ألا عليه يمين، لقد دفع الأمانة إلى ربّها، وما خانه فيها. وكذلك إذا ادّعى أنّها ضاعت منه، حلف لقد ضاعت من يده، وما خانه فيها.
ومن ما يوجد عن أبي المؤثر –رحمه الله-: وعن رجل أقرّ مع الحاكم، أنّه يعمل لرجل أرضا له، وأقرّ أنّ الزراعة كانت في يده، وكان للعامل على المعمول له حق، فقال المعمول له: فأقرّ له بحقّه، وأقرّ الآخر على هذه الصفة مع الحاكم، ثمّ قال الذي عليه الحق: وإن شئت فتسلّم إلى ما أتلف من مال، وأسلّم إليك أنا ما عليّ، فقال العامل بعد ما أقرّ: أحلف على أنّ هذا الحق، وإلا حلفت ما قبلي لك، حق ما تدّعي إليّ. فقال المطلوب إليه: أنت قد أقررت مع الحاكم، فليس عليّ يمين. هل يلزمه اليمين بعد الإقرار على هذه الصفة؟ فعلى ما وصفت، فإذا طلب المطلوب يمين الطالب، على حق فله، أقرّ المطلوب أو لم يقر. (2/86)
صفحة 358
ومن غيره قال: وقد يوجد عن بعض أهل العلم: إنّه لا يمين على الطالب هاهنا، إذا أقرّ بالحق مع الحاكم. وقال من قال: يحلف الطالب يمينا بالله، لقد أقرّ له بهذا الحق، وما يعلم أنّه أقرّ له به غلطا، ولا إلجاء، ولا بوجه لا يلزمه فيه الإقرار، إن طلب إليه يمينه، وذلك إذا لم يدع الحق قطعا، وإنّما ادّعى إقراره. وإن ادّعى الحق قطعا، كان عليه اليمين على القطع على ما يدّعى.
ومن غيره: اجتمع رجلان إلى أبي عبد الله –رحمه الله- قال أحدهما: أعطيت هذا أرضا لي يزرعها، ولي فيها السدس، وغاب عنها وتركها في يد ولد له، فحصد ولده الزرع وداسه، وأعطاني اثني عشر مكوكا. قال الذي أخذ الأرض: صدق، قد سلّم إليه ولدي، ما جاءه من هذه الزراعة، وولدي معي ثقة، إلا أنّه يقول: بقي أكثر من ما أعطيته. فقال صاحب الأرض: لا أعرف كم بقي لي. قال أبو عبد الله: استحلفه لك؟ قال: نعم. فاستحلفه أبو عبد الله، أنّ ابنك قال: إنّه أوصل هذا الرجل حصّته من هذه الأرض، وأنّ ابنك معك ثقة. قال: نعم، فحلف على هذا. (2/87)
صفحة 359
اجتمع رجلان إلى أبي عبد الله، قال أحدهما: هذا وضع لي فلان عند جرابا، قال: ما تقول؟ قال: نعم. قال: ادفع إلى فلان هذا، ولم يدفعه إليه فقال: إلى من دفعته؟ قال: لك. قال: هذا الجراب لهذا الرجل؟ قال: لا، إنّما قال: أسلّمه إليه. قال: فلم نر له شيئا، ورد إلى صاحب الجراب الذي أمر له الرجل.
ومن غيره: وإذا فارق زوجته، فادّعى متاع البيت، وادّعت هي متاع البيت. فما كان من شيء يعرف أنّه للنساء، فهو لها، وما كان من ما سوى ذلك، فهو له، إلا أن تقيم هي بيّنة. قال سفيان: بلغني عن الحسن أنّه كان يقول: ما حلفت عليه فهو لها.
قال غيره: هو بينهما نصفان. وكذلك إذا مات أحد الزوجين أو المتساكنين أو شريكين في تجارة، فالاختلاف فيه واحد، كما ذكرنا في المسألة الأولى. قال موسى: الزوجان والشريكان في التجارة، وفي البقر والزرع، وأشباه ذلك، إذا مات أحدهما، فادّعى الحي المال، كان له، وإلا ما جاء ورثة الهالك عليه بالبيّنة. (2/88)
صفحة 360
قال الأزهر: أمّا الأصل فنعم، وأمّا الخادم والبقر وأشباه ذلك، فلا. وينبغي للحاكم إذا نزل الخصوم إلى الأيمان، فتداعوا على غير ما يلزمهم في الحكم، أن يعرفهم الذي يلزم اليمين، واستحلفهم على وجه الحكم، ولا يحلفهم على غير وجه الحكم. وقيل في رجل اشترى من رجل ثوبا، ويقبضه ويغيب به، ثمّ يدّعى أنّ فيه فرقا، فالقول في ذلك قول البائع مع يمينه، إذا أقرّ بالثوب أنّه هو، وأنّه باعه هذا الثوب، فيه عيب. وقيل: فإنّ نفسه. وقال المشتري: هذا الثوب هو اشتريته منك. فقال البائع: لا أعلم ذلك. فقال من قال: إنّه كان البائع، قد أخذ الثمن، فالقول قوله مع يمينه. وإن كان بقي من الثمن شيء، فالقول قول المشتري مع يمينه. وقال من قال: إنّ القول قول البائع، على حال إذا غاب الثوب مع المشتري، إلا أن يكون للمشتري فيه الخيار، فأراد ردّه في أيّام الخيار، فالقول قوله، أنّه هو مع يمينه. وكلّ ما كان من الأشياء في العين والصفة، فغابت ثمّ وقع فيها التناكر، فاليمين على البائع بالعلم، وعلى المشتري في ما تجب عليه فيه اليمين بالقطع. وكلّ ما كان لا يتشابه في العين، فاليمين فيه بالقطع على البائع (2/89)
صفحة 361
والمشتري في ما يكون من دعاوي البيع، وإنكاره في ما يثبت الحجّة في البيع واليمين فيه. وذلك إذا كان التناكر والدعاوي في عقد البيع، لتثبت فيه عقد البيع، وما يتولّد فيه من الأحكام. وأمّا إن كانت الدعاوي في اليمين، مع دعوى البيع، وأنّه إنّما يطلب اليمين، فلا يمين على المدّعى عليه في البيع، وإنّما ما قبله هذه الدراهم، من قبل هذا البيع، الذي يدّعيه عليه. وبلغنا عن أبي علي –رحمه الله-: إنّ الأيمان بين من ينازع في شيء من الربا في السلف، أو ما لا يحلّ من نحو ذلك، أنّ الأيمان بينهما، على ما يصف المطلوب إليه من القول، وكذلك الطالب، ولا يحلف أحدهما على القطع في هذا، وإذا ادّعى أحد الخصمين على خصمه، أنّه غشّه في حب اشتراه منه، بما صبّه عليه من ماء، فطلب يمينه. فعندي أنّه يلزمه يمين بالله، ما عليه له حق، من قبل ما يدّعى أنّه باع له حبا مصبوبا، عليه ماء أو غيره، ولا فعل فيه فعلا أنقصه بغش عن كيل له. ومن ادّعى على رجل حقا، قال المدّعى عليه: هذا وكل رجلا، (2/90)
صفحة 362
ودفعت إليه هذا الحق، فسئل البيّنة، فلم يجد بيّنة، غير أنّه طلب يمين صاحب الحق، ما وكّل عليه وكيلا. فعليه أن يحلف، وما وكذل عليه وكيلا قبض هذا الحق.
وقد يوجد في الآثار: إنّ الخصمين أيّهما بدأ نصف من الآخر، من ما ادّعى إليه، ثمّ ادّعى الآخر عليه دعوى. فإنّ الحاكم يبدأ، فيحلف هذا لهذا، ثمّ يحلف الآخر، في ما يدّعى إليه، وبما يحلف للأوّل. وقال من قال: يبدأ يحلف أيّهما شاء وينصفهما جميعا، وأيّهما أنصفه، ثمّ أنصف الآخر، فقد أنصف. وأمّا إن كان أحدهما يدّعى بيّنة، ويكون مطلبه متأخّرا عن مجلس الحكم، فإنّه يحلفه لخصمه في المجلس، إذا طلب، كان الأوّل أو الآخر.
ومن جواب أبي عبد الله –رحمه الله- إلى موسى بن موسى: وعن رجل نازع رجلا في مال، فلمّا أراد أن يحلفه، قال: المال لفلان. قال الطالب: أنا لا أرضى بفلان، أحلف أنت. قال: فإنّا لا نرى عليه يمينا في ما لا يملك، والمنازعة بين الطالب وبين الذي أقرّ له بالمال، والأيمان بينهما على ما يراه قضاة العدل.
ومن غيره قال: وقال من قال: عليه اليمين بالله، لقد أقرّ لفلان بهذا المال، وما لهذا فيه حقا، وأنّ هذا المال لفلان، ما يعلم لهذا فيه حقا. (2/91)
صفحة 363
وذلك إذا كان المال في يده. وعن الخصوم إذا جاءوا مجتمعين، كلّ منهم يدّعى على رجل سهما في مال في يده، والرجل منكر لذلك، وطلب كلّ واحد منهم، أن يحلفه على سهمه يمينا، وطلب الرجل أن يحلف لجميعهم يمينا واحدة. فكيف الوجه في ذلك؟ فالذي عرفنا في هذا اختلاف. فقال قوم: تجب لكلّ واحد منهم على دعواه، سواء كانوا مجتمعين في حين المنازعة أو متفرّقين. وقال قوم: إنّ الخصوم إذا اجتمعوا، أو كانت دعاويهم على رجل واحد، لم يكن لهم إلا يمين واحدة لجميعهم، والله أعلم، واسأل المسلمين عنها. وإذا أعطت المرأة زوجها صداقها، ثمّ طلبته من بعد موت الزوج، وقامت بيّنة بأنّها، إنّما أعطته بعد أن طلبه إليها، فإنّ لها صداقها، بعد أن تحلف يمينا بالله، ما أعطته صداقها، إلا تقية منه، أو يسيء إليها. وقال: لا يمين في النسب على أعمى ولا غيره.
ومن جواب أبي الحواري: وعن رجل كان عليه لرجل دراهم، فأعطاه صرة دراهم وقال: هذا حقّك، وهذا كذا وكذا، فقبضه صاحب الحق، ثمّ ادّعى صاحب الحق أنّه وزن الدراهم، فنقصت عن ما قال. فالقول قول من؟ (2/92)
صفحة 364
فعلى ما وصفت، فالقول قول صاحب الحق مع يمينه، إذا لم يكن الذي عليه الحق، وزن الدراهم قدّام الذي له الحق، أو يكون الذي له الحق، لما سلّم إليه الدراهم، قبضها منه على التصديق منه له، وأظهر ذلك بلسانه، وقال: إنّه قبل هذا منه، وقد صدق على ذلك، فليس له بعد ذلك رجعة على الغريم.
قال غيره: إلا أن يزنها قبل أن يفترقا، فإنّ له الرجعة، إذا نقصت، ولو كان قد أخذها على التصديق، إذا لم يغب بها.
ومن غيره: وعن رجل يدّعى أنّ فلانا دفع إلى فلان مالا، ليدفعه إلى ذلك المدّعى، وادّعى أنّ ذلك الرجل وصّى لفلان، وأنّه أوصى للمدّعى بدراهم أو غيرها. فعلى ما وصفت، فأمّا إذا ادّعى أنّ قبل هذا له حق قبل فلان، سلّمه إليه ليوصله إليه، فعليه أن يحلف ما قبله لهذا حق، من ما يدّعى إليه من قبل فلان. وهذا إذا كان الذي يدّعى أنّه دفع إليه حقا له، عند رجل قد مات. وإن كان يدّعى هذا عن رجل حي، فليس هذا المدّعى عليه يمين، ويرجع هو إلى من له عليه حقّه، فيطالبه به، والله أعلم.
وعن رجل قاضى صاحب سفينة، أن يحمله بكذا وكذا، فحمله صاحب السفينة، وأدخل جوالق فيها بر ومتاع، لم يعده على صاحب السفينة، ولم يكن سمّاه من المقاضاة يوم قاضاه، ثمّ أصاب السفينة حب في (2/93)
صفحة 365
البحر، فألقى ربان السفينة الجوالق، في ما ألقى، ثمّ طلب صاحب الجوالق الحق، فأقام بيّنة عدل بإدخاله وبما فيه، وشهدت شهوده أنّ صاحب السفينة، أمر بطرح المتاع، غير أنّهم لم يسمّوا أنّه أمر بطرح متاع هذا الرجل، إلا قولا مجملا، لما أصاب الحب قال: أطرحوا المتاع. وقلت: أرأيت إن أقام صاحب السفينة البيّنة، أنّه إنّما أمر بطرح غير هذا المتاع؟ قال: فإنّما يلزم من طرح، والمنازعة بين الآمر والطارح، وأمّا بيّنة صاحب السفينة، أنّه إنّما أمر بمتاع سوى الجوالق، فإنّ بيّنة صاحب الجوالق عندنا أولى. وذكرت في رجل حافر رجلا، على فلاج بثلث أو نصف أو ربع وساح، وخلاله ستّون، ثمّ وقع في الفلج عواد من سيل أو سواه. فإن كان الحافر حفر الفلج وأحكمه، وقبل منه المحافر، ثمّ حدث المحدث فيه، الذي ذكرته. فما تقول والله أعلم؟ قال: إنّ عليه حفر ما حدث، وذلك على عامّة أهل الفلج؛ لأنّ الحافر إنّما يحفر إلى أن يسيح الفلج، ثمّ يستحقّ الحصّة التي سمّى له، فإذا صار بتلك المنزلة، فالحدث على العامة من أهل الفلج. وذكرت إن قال المحافر: أحلف ما حافرتك على هذا، على أنّ لك من نصيبي كذا وكذا، وعليك الحضر، وشرطي عليك حتّى أقبله منك. فقال الحافر: أحلف أنّك مالك على حق من هذه الحفارة، وقد (2/94)
صفحة 366
تعلم أنّ الشروط قد تنسخ بالقول والأحكام، وعلى المحافر بيّنة على شروطه، فإذا أقام البيّنة، فعلى الحافر أن يخرج نفسه بالأحكام والقبول. فإذا أعجز المحافر البيّنة، فليس على الحافر إلا يمين بالله، يمين المسلمين مالك على من قبل هذه الحفارة، التي تطلبها حق بوجه من الوجوه، فلقد برئت إليك من جميع مشروطك على. وسألته عن رجل أوصى لرجل بدين عليه، وهلك الموصى فقيل لصاحب الحق: أحلف على حقّك، فكره أن يحلف. هل يبرأ الموصى؟ قال: أرجو أن يبرأ؛ لأنّ الحاكم هو الذي دفعه عنه.
قلت: فإن طلب الورثة يمينه فكره. أيكونون آثمين؟ قال: أحب لمن بلغ منهم، إذا ناكره أن يحلف أن يدفعوا إليه حقه.
قلت: فإن أوصى الهالك، وقال في وصيّته: ليس عليه في ذلك يمين. هل تصرف عنه اليمين؟ قال: نعم.
قال غيره: قد أجازوا للوصي أن يدفع إلى أهل الحقوق حقوقهم، إذا كان الوارث يتيما ولا يحلفهم. وقال: قد فعل ذلك من فعله. (2/95)
صفحة 367
وبعض لم يجز ذلك، ولابدّ من أيمانهم. وعن رجل أقرّ ليتيم بمال كان له، وتبرّأ منه إليه، ثمّ هلك وحكم لليتيم بما أقرّ له به، فلمّا بلغ اليتيم، طلب ورثة المقر، أن يستحلف اليتيم ما يعلم أنّه ألجأ إليه. هل لهم ذلك على اليتيم؟ قال: نعم، ذلك عليه. فإن أبى أن يحلف. فهل ينزع المال من يده؟ قال: نعم، فينزع المال منه، إذا كان ابنه، وإذا كان ابن غيره، فليس لهم ذلك عليه.
وعن رجل هلك وأقرّ لرجل بشيء من ماله، وورثه يتيم، ورفع هذا المقر بالمال من بعده، ما هلك الذي أقرّ له به، وطلب المال الذي أقرّ له به الهالك، فحكم له به، فلمّا بلغ اليتيم طلب الحجّة فيه. هل له ذلك، ولم يكن لليتيم من يحتجّ له لحال يتمه؟ قال: لا تقبل له حجّة، إذا كان قد حكم له الحاكم.
قال غيره: وذلك إذا صح الحكم من الحاكم له بالمال، لم يكن لليتيم عليه يمين بعد، ذلك أنّ الحاكم مأمون على ذلك. فأمّا إذا لم يصح الحكم من الحاكم، وصح الإقرار، كان لليتيم اليمين على المقر له، إذا بلغ اليتيم. (2/96)
صفحة 368
وإذا شهد شاهدان على رجل بمال، فقضى به القاضي، ثمّ ادّعى الشهود عليه، أنّهما رجعا عن شهادتهما، فأراد أن يستحلفهما. فقال أصحاب الرأي: لا يمين عليهما في ذلك. وقال بعض الناس: عليهما اليمين. وقال: ألا ترى أنّهما أتلفا مال هذا الرجل، فإن حلفا، وإلا قضيت عليهما بالمال. وكذلك كلّ ما شهدا عليه من مال أو متاع أو غير ذلك، فهو على ما وصفت لك. وقيل: لا يمين في النسب على أعمى ولا غيره.
وفي غيره: وسألته عن رجل أقرّ أنّ عليه لرجل كذا وكذا، ثمّ جحده ولم يعلم الذي أقرّ له، أنّ ذلك الحق له عليه، ثمّ رفع عليه إلى الحاكم، ولم تكن له بيّنة على إقراره له، وطلب يمينه أنّه ما أقرّ أنّ عليه كذا وكذا. هل يلزمه ذلك؟ قال أبو علي –رحمه الله-: ليس عليه أن يحلف ما أقرّ له، ولكن يحلف ما عليه له كذا وكذا.
وعن امرأة ادّعت إلى زوجها أنّه طلّقها وأنكر هو ذلك، فلمّا حضره الموت، أقرّ أنّ الطلاق الذي كانت تدّعيه إليه حق، وقد خلت عدّتها، وقالت هي أيضا: إنّها كانت كاذبة عليه، في ما كانت تدّعيه من الطلاق، وطلبت الميراث. (2/97)
صفحة 369
فقال: لها الميراث من ماله، وعليه يمين بالله، ما تعلم أنّه كان طلّقها كما ادّعت.
قلت لأبي محمّد: ما تقول في رجل رفع على رجل بعشرة دراهم، فينكر فينزل إلى يمينه. كيف يحلفه؟ قال: يحلفه ما قبله له حق، من قبل هذه العشرة الدراهم، بوجه من الوجوه.
قلت: فإن حلفه ماله عليه عشرة دراهم؟ قال: نعم. واليمين التي يحلف بها الإمام، أو من يؤمره، يحلفه بالله، أنّه مخرج مع الإمام فلان بن فلان على الحق، إذا أراد ذلك منك، ولا تخالف له أمرا يلزمه عند الله تعالى، ولا يظلمه ولا يأمر بظلمه، ولا يغشّه ولا يأمر بغشّه، ولا يعين أحدا بالباطل عليه، ولا يقدح في دولة المسلمين بفساد، ولا يسعى لها بعناد. فإن فعلت ذلك، أو شيئا منه متعمّدا، فعليه لله ألف حجّة إلى بيت الله الحرام، وثلث مالك صدقة لفقراء المسلمين، وكلّ امرأة لك طالق ثلاثا، وكلّ عبد ملكته، حر لوجه الله، إن حنثت في يمينك هذه. يمين النصب: والله الذي لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، العزيز الحكيم الواحد الأحد، الدائم الأبد، المحصى للعدد، عالم الغيب والشهادة، العالم بالسرائر، وما تكنّه خفيات الضمائر، وعالم السر والإعلان، وربّ المسجد الحرام، والآخذ بالنواصي والأقدام، أنّ (2/98)
صفحة 370
هذا الشيء لي، وفي يدي وفي ملكي من دون فلان بن فلان هذا، ما أعلم أنّ عليّ ولا عندي، ولا قبلي حقا من ما يدّعيه إليّ فيه. فإن كنت كاذبا في مقالي، أو حانثا في يميني، فعليّ لله فرضا أوجبته على نفسي، وهو حجّة أو عشرون حجّة، إلى بيت الله الحرام، أو عتق رقبة مؤمنة، وقيمة ما حلف عليه، وإنّي لصادق في نفسي، والله عليّ بذلك شهيد. ويجوز أن يحلف من يخاف منه الغدر، في البيّنة بالطلاق والعتاق والحق وغير ذلك، ويجير على ذلك إن امتنع.
بسم الله الرحمن الرحيم
وينبغي للحاكم أن يأمر بتسوية الخصمين صفا بين يديه، وإذا قعدا وقال الخصم المدّعى: أنصفني من هذا. قال الحاكم له: ما تدّعى قبله، أو ما تدّعى عليه؟ فإن تسبّب دعواه، سأل الحاكم الخصم عن ذلك، فإن أقرّ لخصمه بحق قبله، أو عليه حكم عليه، بما أقرّ به. وإن أنكر دعا خصمه بالبيّنة على ما يدّعى، وهو أن يقول له: أعندك بيّنة، أو لك بيّنة؟ هكذا رأينا الحكّام يقولون. (2/99)
صفحة 371
فإن قال: إنّ له بيّنة أمره الحاكم بإحضارها. وإن ترك بيّنته، ونزل إلى يمين خصمه، حلف له على ما يدّعى. ورفع أبو العبّاس زياد بن محمّد بن ورد، عن القاضي أبي علي الحسن بن سعيد بن قرشن: إنّ الحاكم لا يقول للمدّعى: يجب لك، أو يلزم فلان لك عليه اليمين، إلا أن يطلب ذلك الخصم. وحفظت عن أبي بكر أحمد بن محمّد بن خالد وغيره: إنّه سأله الحاكم المدّعى عن البيّنة فسكت، ولم يقل له الحاكم: أحلفه لك حتّى يطلب هو. فإن قال: أنصفني منه، سأله عن دعواه، فأعاد على المدّعى عليه السؤال في ما يدّعيه إليه.
وإن قال الخصم للحاكم: لا بيّنة لي. ما يجب لي عليه؟ قال: له بما يجب له، وهو أن يقول: تجب لك اليمين، إذا لم تكن لك بيّنة.
فإن قال: حلفه لي حلفه له. قال محمّد بن المسبح: ليس على الخصم أن يقال له: اطلب إنّما يقال له: معك بيّنة؟
فإن قال: نعم. قيل له: أحضرها. (2/100)
صفحة 372
فإن قال: يحلف. قيل له: يبطلها.
فإن قال: لا أعلم لي بيّنة، استحلف له.
ومن غيره: وليس للحاكم ولا الفقيه، أن يزيدا على دعوى الخصم، وسؤال السائل شيئا.
وعن محمّد بن محبوب: إنّ رجلين اختصما إليه، فادّعى أحدهما على الآخر كذا وكذا نخلة، وشربها وأحضر على ذلك بيّنة. فحكم له محمّد بن محبوب بالنخل، ولم يحكم له بالشراب. فقيل له: لم لم تحكم له بالشراب؟ فقال: لم يقل: وشربها من الماء.
فقيل له: الشرب لا يكون إلا من الماء. فقال: ليس للحاكم ولا الفقيه، أن يزيدا شيئا من عندهما، وإذا أحضر القاضي الخصمين، فيكلّم المدّعى منهما. فإن جهلا فلا بأس أن يقول: إنّما يتكلّم المدّعى منكما. فإذا تكلّم المدّعى، وتكلّم المدّعى عليه قبل فراغ المدّعى، سكته الحاكم، حتّى يفرغ، ثمّ يتكلّم المدّعى عليه، ولا يدعهما يتكلّمان معا. فإذا ادّعى أحد الخصمين دعوى على خصمه، فليستفهمه حتّى (2/101)
صفحة 373
يحفظ دعواه، ويفهم قصّته وحجّته، ثمّ يسأل المدّعى عليه عن ما قال خصمه. فإن أقرّ أوجب القضاء عليه، وأخذ منه لخصمه الحق، الذي أوجب الله عليه، وإن كان قويا وخصمه ضعيفا، كما قال أبو بكر (ض) في خطبته بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: قويكم عندي في طلب ما يطلب عنده ضعيف حتّى آخذ منه الحق الذي جعله الله عليه وضعيفكم عندي في طلب ما يطلب من الحق قوي حتّى أخذ له الحق الذي جعله الله له.
ومن الأثر: وذكرت في الخصمين، إذا اختصما إليك، فادّعى أحدهما على الآخر دعوى، فأنكر خصمه، فدعوته بالبيّنة في دعواه، فلا تكون عنده بيّنة، ولا يطلب يمين خصمه، ويقول لك: ما رأيت. فعلى ما وصفت، فإذا لم تكن معه بيّنة، وقال لك: ما رأيت؟ فقل له: إذا لم تكن معك بيّنة عليه، فيلزمه لك يمين وذلك لك. وأمّا إذا سكت ولم يطلب يمينا، ولا سألك عن ذلك، فلا تلقنه أنت إن طلب يمين خصمه، ولا نفقة ذلك إلا أن يقول لك: ما رأيت. فما يرى الحاكم إذا استفهمه الخصم في الخصم، أن يرى على المدّعى البيّنة، وعلى المدّعى عليه اليمين، فافهم ذلك إن شاء الله، واختلف في أصل المدّعى من المدّعى عليه. قال قوم: المدّعى من إذا ترك الخصومة ترك، والمدّعى عليه من إذا تركها لم يترك. (2/102)
صفحة 374
وقيل: المدّعى طالب، والمدّعى عليه مطلوب. ومنهم من قال: المدّعى من ادّعى الأصل، والمدّعى عليه من ادّعى أمرا حادثا، وهذا الأمر ليس بهام؛ ولأنّ من ادّعى ولدا في يد الغير، فليس يدّعى أمرا حادثا، ومع ذلك يسمّى مدّعيا. وقيل: المدّعى من حسن أن يطالب بالبيّنة، ولا يحسن أن يطالب المدّعى عليه بالبيّنة على الإنكار. وقيل: المدّعى هو الذي يدّعى ما هو خلاف الظاهر، والمدّعى عليه من الظاهر معه. فإن قيل: فإن كان الظاهر مع المدّعى عليه، فلم يكلّف اليمين. قيل له: لأنّ ظاهره محتمل، وليس بمقطوع بصحّة إنكاره، وبأنّ لنا ذلك، لاحتمال يمينه، ولم يقنع من المدّعى إلا ببيّنة، والدعاوي على ثلاثة أضرب: أحدهما: لا يجوز أن يستمع أصلا. وذلك أن يدّعى رجل على رجل، أنّه وعده بهبة أو قذفه، أو يدّعى عليه خمر أو خنازير، وما لا يحلّ. والثاني: دعوى مسموعة، كلّ منها إجمال واحتمال، فيطالب المدّعى ببيان ذلك، (2/103)
صفحة 375
مثلا، أن يدّعي ألف درهم، أو مائة قفيز من حنطة، أو عشرة أثواب، فلابدّ من نعت ذلك ووصفه. والضرب الثالث: أن تخلو الدعوى من الإجمال والاحتمال، فهذه دعوى مسموعة، مسؤول عنها المدّعى عليه. ومن تنازع إليه خصمان، فنزلا إلى اليمين، وكان يعلم أنّ المدّعى والمدّعي عليه، يحلف على الباطل، فليس له أن يحلفه، ويأمره بتقوى الله، وليقل لهما: إنّ عندي علما خلاف ما تدّعيان، فاختصما إلى غيري، فأنا أشهد بما أعلم، إن سألت عن ذلك. وإن فعل وحلف، فيجب عليه الرجوع عن ذلك، ويعرفهما أنّ اليمين التي حلفهما عليهما، لم تكن تجوز به، أن يحلفهما وهو يعلم أنّ الحالف ظالم أو المحلف، وأنّه راجع عن ذلك، ويأمرهما بتقوى الله، والرجوع إلى الحق.
ومن كتاب محمّد بن جعفر في الأيمان: والأيمان بين الناس، في كلّ شيء، إلا في الحدود والقذف والشتم، الذي يجب فيه الحد، فليس تجب فيه أيمان، إلا على السارق يستحلف بالله على المتاع، ما أخذ له متاعا، ولا قطع عليه، إن لم يكن فحلف. وفي بعض القول: إنّ ما يجب فيه التعزيز، ولا حد فيه، ففيه اليمين. قال أبو المؤثر: لا أرى في ما يجب فيه التعزيز والحبس أيمانا. قال أبو الحواري: ليس عليهم في هذا أيمان، هكذا حفظنا. (2/104)
صفحة 376
وليس للصبيان ولا عليهم أيمان. قال محمّد بن المسبح: ليس في الحدود أيمان، ولا في الشتم أيمان.
ومن غيره قال: ليس على الصبيان أيمان، ولا لهم أن يحلف لهم، ولا المحتسب. وأمّا الموصى، فله أن يحلف والوالد.
ومنه: ولا لمن احتسب ليتيم ولا لغائب، ولا في طريق يمين ولا عليهم في ذلك.
وقال غيره: وكذلك أيضا، أنّه لا يمين للمحتسب في الصافية ولا عليه.
ومنه: ولا أيمان على الوكلاء في مال من وكّلهم، ولا لهم ذلك، إلا أن يجعله لهم الموكّل.
ومن غيره قال: ليس عليهم، ولو جعل لهم ذلك الموكّل، ولهم الأيمان إذا جعل لهم. وليس في الرموم أيمان، إلا أن يكون واحد منهم، يستحلف على نصيبه من ذلك الرم. قال أبو المؤثر: لا أرى في الرموم يمينا، في أصل الرم على الطالب، ولا على المطلوب إليه، ولو كانت دعواه لنفسه، إذا كان يدّعيها من الرم، على قسم الرم. (2/105)
صفحة 377
ومن غيره: وكذلك قيل: لا أيمان في الأنساب ولا في النكاح ولا في الرد، ولا لهم ولا عليهم.
ومن غيره: وسألته عن رجل قالت له امرأته: لم تتزوّجني؟ وقال: قد تزوّجتها فعليه اليمين. وإن نكل حلفت هي. وكذلك لا يمين على الأعمى. وقيل في الأعمى، إذا ادّعى حقا على رجل، فأنكر الرجل دعوى الأعمى، ولم تكن عنده بيّنة، فطلب الأعمى يمين الرجل، فردّ اليمين على الأعمى، أنّه لا يمين على الأعمى؛ لأنّه يحلف لمن لا يبصره. فإن كان عند الأعمى بيّنة، حكم له بحقه، وإلا بطل حقه. وقال من قال: ليس على الأعمى يمين، ويجبر على اليمين للأعمى، حتّى يحلف أو يقرّ له بحقّه. والرأي الأوّل، أحبّ إلينا؛ لأنّه لا يحلف، ولا يجبر خصمه على اليمين، إذا ردّ اليمين إليه. قال قوم: إذا أعجز البيّنة الأعمى، وقفت دعواه إلى حضور البيّنة. فإن لم تحضره، وطلب يمين خصمه يجبر، إمّا أن يحلف، وإمّا أن يقرّ له بما يدّعيه، وإلا حبسه الحاكم، ولابدّ من ذلك. (2/106)
صفحة 378
ومن ادّعى حقا على الأعمى، فأنكر الأعمى، فطلب المدّعى يمين الأعمى، فليس على الأعمى يمين؛ لأنّه يحلف لمن لا يبصر، وإنّما يحكم له على الأعمى بالحق، إذا شهد له شاهدا عدل. قال أبو الحواري: عن أبي المؤثر عن محمّد بن محبوب: إذا أراد الأعمى أن يحلف خصمه، لم يحلف له، حتّى يقيم الأعمى وكيلا يحلف له، وكذلك قال نبهان. وليس على الحاكم يمين، لمن حكم عليه، ولا يمين على أهل الشهادة، ما شهدوا بباطل. وكذلك من ادّعى وصيّة الأقربين، الفقراء أو شذا أو ابن السبيل، أو شيئا من أبواب البر، فليس له يمين، ولا عليه إلا الوصي، فإنّ له يمينا على الورثة، في ما أوصى به الميّت، من الوصايا في أبواب البر. قال أبو المؤثر: يستحلفون أنّهم ما يعلمون أنّه أوصى بهذه الوصايا، إذا طلب ذلك الوصي، بعد أن صحّت وصايته.
ومن غيره: وقد قيل: لا يمين للوصي في ذلك، والقول الأوّل أحبّ إلينا. وأمّا الوصي في الوصايا، التي يدّعيها، أنّه أوصى إليه الميّت، فله اليمين في ذلك؛ لأنّه مدّع وخصم لنفسه. (2/107)
صفحة 379
ومن كتاب فضل: وليس للوصيّ يمين على الورثة، في ما أوصي به الميّت من الوصايا، في حجّ أو غيره من أبواب البر، ووصي اليتيم ووكيله، يستحلف له على الدين، وما يشبه ذلك. وأمّا الأصل فقيل: لا يعجل الحاكم باليمين في ذلك، إلى بلوغ اليتيم، إلا أن يخاف أن يبطل حق اليتيم فيستحلف له. فإن بلغ اليتيم، وأقام بيّنة بذلك، فله ذلك. وأمّا اليمين، فليس له غير تلك اليمين إذا بلغ. قال محمّد بن المسبح: وقد قال بعض: أن ليس له على أحد يمين، كما ليس عليه يمين.
ومن غيره قال: وقد قيل: إنّ على الوصيّ والوكيل أيضا ذلك، لئلا يعجّلا في استحلاف حق اليتيم في الأصول، إلا أن يخافا بطلان الحق، ورجوا في اليمين فائدة. فإن حلفا على ذلك، كانت لليتيم حجّته بعد بلوغه، في إحضار البيّنة. وأمّا اليمين، فلا يمين له في ذلك في الأصول، وجميع ما قد حلف له عليه وكيله ووصيه من الأحكام، التي له أن يحلف فيها لهما، وليس للولد على والده يمين. وفي بعض القول: إنّ له عليه اليمين. (2/108)
صفحة 380
والقول الأوّل أحبّ إلينا، وللولد اليمين على والده، وللوالدة اليمين على ولدها، وله عليها.
ومن غيره: ومن ادّعى حقا على رجل، فقال المدّعى عليه إلى أجل، فإنّ عليه البيّنة، أنّه إلى أجل كذا وكذا، وعلى صاحب الحق اليمين، أنّه حال، وإن ردّ صاحب الحق اليمين إلى المدّعى الأجل، كان عليه اليمين، أنّه إلى أجل كذا وكذا، فإن كره ولم يحلف، فعليه أن يحضره حقه.
وفي تأليف ابن جعفر: ومن كان عليه حق لصاحبه إلى أجل، فرفع عليه فيه وطلب يمينه. فقال من قال: يحلف ما عليه له حق حال. وقال من قال: يحلف ما عليه له حق. وإن أقرّ أنّه إلى أجل، فعليه البيّنة، وإلا استحلف الطالب أنّ حقّه هذا، عليه كذا وكذا وهو حال.
ومن كتاب الضياء: ومن ادّعى على رجل دراه، فادّعى المطلوب أنّها إلى أجل، وإن نزل الطالب إلى يمين المطلوب، فإنّ عليه أن يحلف ما للطالب حق بوجه من الوجوه. (2/109)
صفحة 381
ولا يستحلف على الأجل إلا برأي الطالب.
رجع إلى كتاب أبي زكرياء: ورجل علف لرجل شاة بالثلث، ثمّ اتفقا على بيعها، فباعها بثلاثة أجربة نظرة، وأجاز ذلك صاحب الشاة، واقتضى الذي علف الشاة الحب، ودفع إلى صاحب الشاة، ما دفع من الحب، فقال: قد أوفيتني جربين، فقال: قد أوفيتك، ولم تكن عنده بيّنة بالوفاء، فنزل إلى يمين صاحب الشاة، أن يحلف ما أوفاه جربين من حب، فردّ اليمين إليه أنّه أوفاه. فعليه اليمين، أنّه أوفاه، وإلا دفع إليه بقية حقّه، الذي يدّعى إليه.
ومنه: وكلّ من طلب حقا إلى آخر، سأل الحاكم المطلوب إليه عن ذلك. فإن أقرّ لخصمه بحق قبله، وعليه له حكم عليه لخصمه بما أقرّ له، وإن أنكر دعا خصمه بالبيّنة على ما يدّعى. فإن ترك بيّنته، ونزل إلى يمين خصمه، حلفه على ما يدّعى، وإن ردّ الخصم اليمين إلى الطالب، حلف الطالب على حقه، وحكم له به على خصمه. وإن لم يحلف على ما ادّعى صرفه الحاكم، ولم يحكم له بشيء، واليمين أن يحلفه الحاكم، وهو يقول كما يقول له الحاكم: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الكبير (2/110)
صفحة 382
المتعال، الطالب المدرك، منزل القرآن، وعالم السر والإعلان، وربّ المسجد الحرام، والآخذ بالنواصي والأقدام، ما عليك لهذا كذا وكذا، ويسمّى ما يطلبه، وإن زاد الحاكم أو نقص عن هذا، فلا بأس. وإن حلفه بالله، ولم يزد على ذلك، فقد تمّت اليمين، ولا شيء أعظم من الله. وقيل: لا يزيد الحاكم في اليمين، غير ما يدّعيه المدّعى من الحق، إذا ادّعى مائة درهم، حلفه ما عليه له مائة درهم، ولا يقول أقل ولا أكثر، إلا أن يدّعيه ذلك وبيّنته، فيحلف له عليه، ولا نقول له أيضا، ولا عليك له حق بوجه من الوجوه؛ لأنّ هذا ما لا يعرف. وقد يجوز أن يكون له عليه حق، غير هذا يقوله به، ويردّ إليه فيه اليمين، أو يكون شيء قد غاب عنه فيه علمه، وإنّما يستحلفه على ما يدّعى. قال محمّد بن المسبح: إذا رفع رجل على رجل، أنّ له عليه عشرة دراهم، فيسأله الوالي: ألك عليه أكثر من عشرة أو أقل؟ فإن قال: لا حلفه له ما عليه له عشرة دراهم، ولا أقل ولا أكثر؛ لأنّه إذا كان له عليه عشرة دراهم ونصف، احتاج إلى يمين أخرى، يحلفه على النصف درهم. (2/111)
صفحة 383
وإن كان تسعة دراهم، كان قد حلفه، ولا أقلّ ولا أكثر، فقد جمع له في مطلبه في يمين واحدة. وقد قيل: إنّ بعض الحكّام، كان إذا حلفه رجلا لرجل، حلفه ما عليك لفلان هذا كذا، ولا شيء منه. قال أبو الحواري: قال نبهان بن عثمان: إذا قال الطالب: حلفه ما عليه له عشرة دراهم، ولا أقل ولا أكثر. فإن أبى المطلوب إليه أن يحلف، ولا أقلّ ولا أكثر، حلفه ما عليه عشرة دراهم. فإن عاد الطالب، ادّعى أقلّ ولا أكثر، حلفه له بجميع ما يدّعى عليه، ما دام يدّعى عليه قليلا أو كثيرا، حتّى يحلفه المطلوب، ولا أقل ولا أكثر، ثمّ يصرف عنه اليمين. وقيل: من أوصى له بوصية، فليس عليه في ذلك.
ومن غيره قال: نعم. وإنّما قيل: لا يمين على من أوصى له، إذا صحّت الوصاية له بالبيّنة أو إقرار الورثة. قال أبو المؤثر: إذا ادّعى الموصى أنّه يعلم أنّ الميّت أوصى له، ولم تكن معه بيّنة استحلف له الورثة، ما يعلمون أنّ الهالك أوصى له، فإن ردّت اليمين إليه، استحلف الموصى أنّ الهالك أوصى له. (2/112)
صفحة 384
وإن لم يدع العلم، استحلف الورثة ما يعلمون أنّ الهالك أوصى له. وكلّ من ادّعى إلى خصمه، أنّ له عليه حقا، من مال قائم باعه له، أو دين داينه إيّاه، أو حق وجب له عليه من وجه من وجوه المعاملة في ذلك، كانت الأيمان بينهما في ذلك، عند عدم البيّنة بالقطع لا بالعلم، يحلف المدّعى عليه، ما عليه له كذا وكذا، أو يحلف الطالب أنّ له عليه كذا وكذا.
ووجه آخر: أن يدّعي الطالب إلى رجل حقا في مال ورثة، أو اشتراه، أو أنّ له عليه دينا من قبل ورثه. وكذلك في كلّ حق يدّعى، أنّه لزمه من قبل غيره، فإنّما يحلف المدّعى عليه، ما يعلم لهذا عليه حقا، من قبل ما يدّعى، ولا يحلف بالقطع.
وبلغنا عن أبي عبد الله محمّد بن محبوب –رحمه الله-: إنّ الأيمان بين من يتنازع في شيء من الربا في السلف، أو ما لا يحل من نحو ذلك، أنّ اليمين على ما يصف المطلوب من الصفة، وكذلك الطالب، ولا يحلف أحدهما على القطع في مثل هذا.
وقال غيره: الذي معنا أنّه أراد، وكذلك المضاربة؛ لأنّه كذلك معنا، ما كان من التداعي في الأمانات والودائع والمضاربة والربا والسلف والمشاركات، فإنّ اليمين فيه على التداعي. وكذلك عن أبي علي –رحمه الله-: إنّه يتنازع إليه رجل وامرأته في طلاق أو وصف الرجل كيف كان. (2/113)
صفحة 385
قال: فآمر أن يحلف على ما وصف من القول، ولا بأس بذلك، ثمّ ينظر الحاكم بعد اليمين، في تلك الصفة، التي حلف عليها، ويحكم بما يراه.
ووجه آخر: أن يدّعى إلى خصمه مالا في يده، قد اشتراه أو ورثه أو وهب له. فإنّ على المدّعى إليه، أن يحلف أنّ هذا المال له، ما يعلم لهذا فيه حقا، أو يردّ اليمين إلى الطالب، فيحلف أنّ هذا المال له، ما يعلم لهذا فيه حقا، ثمّ هو لمن حلف عليه. وقال بعض أهل العلم: إنّه يحلف لقد ورث هذا المال، أو اشتراه، أو وهب له، وما يعلم لهذا فيه حقا، فمن بلى بالحكم، فلينظر في عدل ذلك. قال أبو المؤثر: هذا القول الآخر أحبّ إليّ.
ووجه آخر: إن طلب أحد الخصمين إلى خصمه، أن يحلف أنّه ما يعلم أنّه اشترى هذا المال ولا باعه، ولا وهبه له، ولا وهب له، ولا ورثه ولا أخذ له كذا أو كذا، أو نحو ذلك، فإنّ الأيمان لا تجرى على هذا الوجه؛ لأنّ تلك حقوق تكون لأهلها، ثمّ تزول عنهم. وإنّما اليمين في ذلك، أن يحلف المدّعى إليه ما عليه له حق، من قبل ما يدّعى من كذا وكذا. وإن كان يدّعى حقا معروفا، كانت اليمين عليه. (2/114)
صفحة 386
فإن رجعت اليمين إلى الطالب، حلف أنّ له عليه كذا وكذا، وإن رضي الخصمان رجلا من الناس، ليس هو بوال أن يحلف أحدهما خصمه، على حق ادّعى إليه، فحلفه بالله ما عليه له ذلك الحق، فقد مضت اليمين، وليس لحاكم أن يرجع يحلفه على ذلك. فإن أنكر المدّعى أنّه لم يستحلف خصمه، كان على الحالف البيّنة بما يدّعى من اليمين. فإن لم تكن بيّنة، وطلب يمينه، حلف الخصم بالله، أنّه ما حلفه على هذا الحق، الذي يطلبه على هذا الوجه، الذي يصفه. فإذا حلف، فإنّ الحاكم يحلف له خصمه، من بعد على ما ادّعى. وإن ردّ اليمين إلى الخصم حلف، لقد حلفه على هذا الحق، وحلف له أنّه ما هو له، ثمّ برئ من اليمين. قال أبو الحواري عن نبهان: بهذا القول: إنّه يحلف ما حلف عليه، ثمّ يحلف المدّعى عليه بالحق. قال أبو المؤثر: إذا ادّعى قد استخلفه له، دعى على ذلك بالبيّنة، فإن أحضرها برئ من اليمين. وإن عجز البيّنة، استحلف على نفس الدعوى، ولا أرى بينهما على نفس الاستحلاف أيمانا. (2/115)
صفحة 387
قال محمّد بن المسبح: إنّما عليه أن يحضر بيّنة، أنّه قد استحلفه له حاكم، وليس على المدّعى يمين، أنّه ما استحلفه على هذا الحق. وقد سألت محمّد بن المسبح أيضا عن هذه المسألة، وتبيّنته عنها. ورجل سرق شاة لرجل، ثمّ سرق المسروق له شاة، للذي سرقه، يريد بذلك مكافأة له بشاته، وطلب يمينه، فيحتج فيقول له: قد أخذت شاة بدل شاتي، فإن شئت فرد عليّ أو أرد عليك. وإن أبى وكره وامتنع، حلف ما قبلي له حق من قبل هذه الشاة، التي تدّعيها إليّ. ومن الأيمان ما يلزم المدّعى إليه، ولا يلزم المدّعى مثل الوصي لليتيم والوكيل للغائب، والرجل الذي يقدّم من بلاد، وله مال في يد بنيه، أو عند وكيل أو عامل، فيتّهمه فيحلف ما عنده وما عليه، ولا ستر ولا أتلف شيئا، يعلم لهذا فيه حقا. وكذلك الشريك الذي يكون في يده مال لشريكه، ثمّ يتّهمه. والأمين إذا ادّعى، أنّ الأمانة تلفت في يده حلف، لقد ضاعت من يده، وما خانه، ولا يعلم أنّه خانه فيها. وكذلك الرجل يموت وتبقى زوجته، فيطلب الورثة يمينها، أو تموت المرأة ومالها في يد زوجها، فإنّه يستحلفه ما عنده، ولا ستر ولا أتلف شيئا، يعلم لهذا فيه حقا، من قبل ميراثه. (2/116)
صفحة 388
وقال من قال: إن ادّعى المطلوب إليه، أنّ الشاهد خصمه، أو لولده أو لعبده أو عنده مشرك، في ما شهد الشهود عليه، حصّة في الذي شهد الشهود عليه، دعا الحاكم على ذلك بالبيّنة، فإن صحّ ذلك، بطلت شهادته، وإن طلب المشهود عليه يمين المشهود له، ما للشاهد ولا لولده حصّة، في الذي شهد له به، فله عليه اليمين بذلك. قال محمّد بن المسبح: ليس عليه يمين. قال أبو المؤثر: ليس أرى على الخصم في هذا يمينا؛ لأنّ الشاهد لم يشهد له بشيء، يجرّ منه إلى نفسه، ولا إلى ولده، ولا إلى عبده شيئا، وإذا شهد للرجل على رجل بحق، فليس على المدّعى يمين الشاهد، ولا لعبده، ولا لولده في تلك الدعوى حق. وإن كانت الحصّة للشاهد في مال بينه وبين الشركاء، ثمّ شهد على أحد شركائه، بما يزيل حصّته إلى غيره، فشهادته جائزة. وقد بيّنا القول في ذلك، وليس لليمين هاهنا موضع. ومن ادّعى إلى خصمه حصّته في مال في يده، من ميراث أو غيره، فاحتجّ أنّه لا يعرف كم تلك الحصّة ولا يحدّها. فقال من قال: إنّ اليمين هاهنا على المدّعى عليه، أن يحلف ويبرأ أو يقرّ بما أراد. وقال من قال: اليمين على المدّعى، إذا ردّت إليه أن يحلف، أنّ له حقا في هذا، الذي يحدّه على المطلوب إليه، أن يجيزه إلى شيء من ذلك. (2/117)
صفحة 389
قال أبو المؤثر: القول الأوّل أحبّ إليّ، وبه آخذ. ومن ذلك أن يدّعى الطالب إلى خصمه، أنّه أخذ له شيئا من أرضه، أو من حبّه، أو من متاعه، إلا أنّه لا يعرف قدر ما أخذ ولا كيله ولا عدد ولا وزنه. فاليمين على المطلوب إليه، فإن كره أن يحلف ورد اليمين إلى الطالب، فمن أهل الرأي من لم ير، أن يحلف الطالب إلا على حق معروف، أو شيء محدود، إذا حلف عليه حكم له به، وكان عنده فصل الخطاب، ومنقطع الحكم. ومن لم ير اليمين على الطالب، فلعلّه إنّما يرى اليمين على المطلوب إليه. ومنهم من يرى، أن يحلفه على علمه، أنّ له على هذا الرجل، أو عنده له دراهم أو حب أو تمر، أو ما ادّعى إليه من العروض، أو حصّة في مال، فإذا حلف أجبر خصمه، أن يحضره ما شاء من ذلك النوع، الذي حلف عليه، فإذا أحضره ذلك، وقال: إنّه هو الحق، حلف عليه، فإذا فعل سأل الحاكم الخصم. فإن قال: إنّ الذي أحضره هو حقه، انقطع الأمر على ذلك. (2/118)
صفحة 390
فإن قال: إنّ الذي له أكثر ممّا أحضره، وطلب يمين خصمه، كان على الخصم يمين بالله، ما عنده ولا عليه له، غير هذا الحق، الذي أحضره، فإن حلف برئ، وإن كره أن يحلف ورد اليمين إلى المدّعى، فإنّ عليه أن يحلف على الفضل، الذي يدّعيه، وعلى هذا أن يزيده، ومن أجل هذا، كره صاحب الرأي الأوّل، أن تكون الأيمان، إلا على شيء محدود، ليقطع عنده الحكم؛ لأنّ هذه أيمان منقطع لها. قال أبو المؤثر: إذا لم يعرف المدّعى دعواه، كما هي استحلفه المطلوب إليه، ولا أرى على الطالب يمينا. وأمّا إذا ادّعى أنّه خانه في شيء من ماله، الذي في يده، أو سرق له شيئا، ولم يره حيث أخذه، ولا عرف قدر ما أخذ، فإنّ اليمين في ذلك على المدّعى عليه، وإن كره أن يحلف يمينا، ما عنده ولا قبله ولا عليه لهذا حق، من هذه الدعوى التي ادّعى إليه.
ووجه آخر: إذا ادّعى أنّه أخذ له شيئا من الطعام، أو الدواب، أو غير ذلك من العروض أو المتاع، وقد غاب ذلك، ولا يعرف قدره ولا قيمته. فمنهم من رأى اليمين على المدّعى عليه؛ لأنّ الطالب يدّعى ما لا يعرف قدره. (2/119)
صفحة 391
ومنهم من قال: إذا قال الطالب: إنّ هذا أخذ لي عبدا أو جملا أو طعاما، ما يساوي ألف درهم، وهو العدل من ثمنه. فمنهم من لم ير، أن يحكمه في ذلك، ولا يحلفه على القيمة، ويكون الوجه في هذه المسألة، مثل وجه في المسألة الأولى. ومنهم من رأى إذا ردّ الخصم إليه اليمين، أن يحلفه أنّ عليه له أو عنده له كذا وكذا، والعدل من ثمنه كذا وكذا، ثمّ يأخذ له الخصم بما حلف عليه من القيمة، وهذا الرأي أحبّ إليّ، وبه نأخذ.
قال أبو المؤثر: هذا قد جدّ شيئا، والأيمان بينهما على ما ذكر من القول الآخر. وينبغي للحاكم أن يتثبّت عند الأيمان، فإنّ اليمين عندها الحكم، فإذا حلف، فقد لزمه أن ينفذ ما حكم عليه. فإن طلب الخصم، أن يحلف له خصمه، على دور أو نخل أو أرض، وقف عليها الحاكم أو رسوله، ومعه العدول. وإن كان في بلد آخر، كتب إلى والي ذلك البلد، أن يقف عليها بالعدول، ثمّ يجد الخصم الذي يطلبه، ويخط خطأ، ثمّ يحلف عليه خصمه، أو ردّ الخصم اليمين إليه، فيحلف أنّ ذلك له؛ لأنّ الحاكم من بعد اليمين، يحتاج أن يحكم له بما حلفه عليه. وإن كان متاعا أو دواب أو عبيدا، وقف بين يدي الحاكم، عند اليمين، ثمّ جرت الأيمان عليه. (2/120)
صفحة 392
ومن غيره: ورأيت أبا بكر أحمد بن محمّد بن خالد، قد حلف رجلا، ادّعى إليه خصمه مالا، وذلك المال في البلد، الذي تنازعا فيه على الصفة، ولم يقف على المال.
رجع: وقد ينبغي أن يشهد على ذلك الحاكم، ويكتبه عنده، مخافة أن يرجع الخصم، أن يتعنّت خصمه، أو ينكر بعض ذلك، فتكون الصحّة مع الحاكم.
ووجه آخر: أن تكون امرأة في الحذر، أو مريض، أو رجلان يتنازعان على مال في بلد آخر، وطلب الخصم اليمين على المال الغائب. فإنّ الحاكم يأمر الطالب أن يجد المال، الذي يطلبه في بلده وموضعه، وجميع ما يحيط به حدوده، فإذا حدّه، سأل الحاكم الخصم عن ذلك المال، فإن أقرّ بمعرفته، وأنّه لخصمه حكم عليه بإقراره. وإن قال: إنّ ذلك المال بحدوده، هذه بقوله حلف على ذلك المال بحدوده المحدودة، أنّه له ما يعلم لخصمه فيه حقا، وإن ردّ اليمين إلى خصمه، حلف الخصم على مثل ذلك، وأيّهما حلف حكم له الحاكم بهذا المال المحدود، على هذا الخصم، وأشهد على ذلك شهودا عدولا، وإنّما يشهد الحاكم في مثل هذا، أنّه قد حكم لهذا على هذا، بكذا كذا، صرفه عنه فيه. (2/121)
صفحة 393
ولا يحكم له بنفس ذلك المال، إلا بشاهدي عدل، ومن الرأي عندنا، أن يجمع الخصم مطالبه كلّها، التي يطلبها إلى خصمه، إذا أراد أن يحلفه عليها، ثمّ يحلفه عليها يمينا واحدة، وليس له أن يحلفه لكلّ شيء يمينا، ويتأكّد عليه الحاكم في ذلك، حتّى يجمع مطالبه، ثمّ تكون اليمين عليها واحدة. قال أبو المؤثر: إذا لم يعرف المدّعى دعواه كم هي، استحلف المطلوب إليه، ولا أرى على الطالب يمينا. وسألت أبا بكر أحمد بن محمّد بن خالد، عن الخصم إذا طلب إلى الحاكم أن يحلف خصمه، على قطع متفرّقة في كلّ واحدة يمينا. فهل له ذلك؟ قال: فيه اختلاف: بعض لم ير له إلا يمينا واحدة، على جميع ذلك. وقال بعضهم: يحلفه على كلّ قطعة يمينا، ورفع عن والده، أنّه قبل ذلك، وحلف في كلّ قطعة يمينا، والله أعلم، وربّما احتال الخصم على خصمه، إذا نازعه في مال، فيشهد بذلك المال لصبي بحق، ويأخذه ولي الصبي. (2/122)
صفحة 394
فإذا طلب الخصم يمينه، برئ من ذلك المال. قال: الرأي عندنا، أنّ الحاكم يحلفه يمينا بالله، ما زال هذا المال الذي هو في يده، ولا إلى من أزاله إليه، وهو يعلم أنّ لهذا الخصم فيه حقا، بوجه من الوجوه، فإذا حلف، برئ ولم يصل الطالب إلى المال، من يد الصبي إلا بشاهدي عدل، وإن ردّ اليمين إلى المدّعى، والمال في يد الصبي، وحلفه عليه، أنّه له، فعلى المطلوب إليه أن يعطى الطالب، الذي حلفه شروى ذلك المال. فإن أزاله إلى رجل أو امرأة، فطلب الخصم الذي المال في يده اليمين، فالأيمان بينهما، أن يحلف واحد منهما أنّه له. فإن حلف الذي المال في يده، ورجع الطالب يطلب يمين الذي أزال المال، فعليه اليمين، ما أزال هذا المال، إلا الذي أزاله إليه، وهو يعلم لهذا الخصم فيه حقا. وإن ردّ اليمين في المال، إلى الطالب حلفه، أنّه له، ثمّ له عليه شروا، إلا أن يخلصه له، ويسلّمه إليه، فليس له غير. ومن قياس مثل هذا عندنا، لو مات محمّد وورثه أخوه عبد الله، وأنّ عبد الله أقرّ وأشهد مع الحاكم، أنّ كلّ مال له ورثه من أخيه، فهو لخالد لا حق له فيه، فلمّا صح ذلك مع الحاكم، أقام خالد شاهدين على مال، أنّه كان (2/123)
صفحة 395
لمحمّد، إلى أن مات وورثه أخوه عبد الله، فجاء عمرو وقال: هذا المال لي، وفي يدي لا هو لمحمّد ولا لعبد الله، ولا لخالد، فلمّا دعاه الحاكم بالبيّنة أعجزها، واحتجّ أنّ عبد الله يعلم أنّ المال له، ونزل إلى يمينه. فرأينا أنّ خالدا هو الخصم، ولا يثبت له الساعة إقرار عبد الله، ولا يزيد من يده بيمينه ولا إنكاره. فإن حلف عبد الله الحاكم، والمال ليس هو في يده، ولا في يد خالد، ولم يصح المال لخالد، فقد تعنّت هذا الحاكم عبد الله، وحلفه يمينا في غير موضعها، ولكن إذا صح المال، وحكم له به الحاكم، على عمرو، فعند ذلك يجبر الحاكم عمرا، إلى منازعة عبد الله في الدرك. وأمّا في المال، فلا يزول من يد خالد، إلا ببيّنة عدل، تخرجه من يده بحقّه. وأمّا اليمين، فإنّ الحاكم يسأل عمرا: فإن قال له: إنّ ميراث عبد الله، من محمّد هو له، فعلى عبد الله له يمين بالله، أنّ ميراثه من محمّد، لم يزل له إلا أن أزاله إلى خالد، وما يعلم لعمرو فيه حقا. وإن ردّ اليمين إلى عمرو، وحلف عمرو بالله، أنّ جميع ما ورث عبد الله من محمّد هو له، ما يعلم لعبد الله فيه حقا، ولا لمن أزاله إليه، فإذا حلف غرم عبد الله لعمرو قيمة ميراثه من محمّد. (2/124)
صفحة 396
وأمّا الميراث، فلا يرجع فيه عمرو بشيء؛ لأنّه قد أزاله عبد الله قبل ذلك. وإن قال عمرو: أمّا ميراث عبد الله بن محمّد، فلا أدّعي فيه شيئا، إلا أنّ الشهود شهدوا على مال هؤلاء، قد كان زال بحق من عند محمّد أو من عند غيره، وليس يعلم أنّ ذلك إلا لعبد الله، وقد دخل مال هذا بشهادة الشهود، في ميراث عبد الله من محمّد، فاستحقّه خالد بما أشهد له به عبد الله، وطلب يمين عبد الله على ذلك. فنقول: إن قال عبد الله: إنّ هذا المال الذي استحقّه خالد من قبلي، هو مالي وميراثي من أخي، إلى أن أزلته إلى خالد، ولا أعلم لعمرو فيه حقا. فعلى عبد الله، اليمين في ذلك، مثل ما كان في المسألة الأولى، أنّ هذا المال، كان له أن أزاله إلى خالد، وما يعلم لعمرو فيه حقا. وإن ردّ اليمين إلى عمرو، حلف أنّ هذا المال له، ما يعلم لعبد الله ولا لخالد فيه حقا، ثمّ يغرم له عبد الله قيمة هذا المال، الذي أزاله إلى خالد. وإن قال عبد الله: إنّه إنّما أزلت إلى خالد ميراثي، وأمّا هذا المال، الذي يدّعيه عمرو، فلا أعرفه، ولا أعرف لمن هو. فإن كان من ميراثي، فقد أزلته إلى خالد، وإن لم يكن من ميراثي، فلا أزيله، ولا أقول فيه شيئا، أو أقرّ عبد الله، أنّ هذا المال، الذي يدّعيه عمرو، هو لعمرو من قبل (2/125)
صفحة 397
أخيه محمّد أو غيره وقال: لا ميراث له فيه ولا حق، وقال: إنّه لم يبعه لخالد، وأقرّ عمرو أنّه لا حق له في ميراث عبد الله من محمّد وقال: إنّ عبد الله، إنّما باع ما ورث، إلا أنّ هذا مال، كان لمحمّد ورثه بعرف، ثمّ باعه إلى محمّد، أو أوصى أنّه بحق لي عليه، ولا نعلم ذلك إلا عبد الله. فلمّا مات محمّد وورثه عبد الله، أزال عبد الله ميراثه إلى خالد، فقامت البيّنة على أصل مال محمّد، فأخذه خالد، إذا أزاله إليه عبد الله، فإن أقرّ بذلك عبد الله، فيخلّص له مالي، وإن أنكر فيحلف، فهذه حجّة عمرو. وإن أقرّ واحتجّ عبد الله، أنّي لا أعرف الذي يدّعى عمرو، وأقرّ أنّ ذلك المال الذي يدّعيه عمرو هو لعمرو، وأنّه لم يبعه لخالد، وإنّما باع ميراثه، لا يدّعى فيه عمرو شيئا، فقد نظر في ذلك من نظر من المسلمين، فوقفوا عن يمين عبد الله في هذا الموضع، إلا أن يقول عمرو: إنّ عبد الله باع ميراثه هذا، أو أقرّ به لخالد، حتّى استوجبه خالد عليه. فإذا ادّعى ذلك، فعلى عبد الله، يمين بالله، ما أزال هذا المال الذي يدّعيه عمرو إلى خالد، وهو يعلم أنّه لعمرو، فإذا حلف هذا، فقد برئ. وإن أراد اليمين إلى عمرو، حلف عمرو بالله، أنّ هذا المال له، ما يعلم لعبد الله ولا لخالد فيه حقا. فإذا حلف غرم له عبد الله، قيمة هذا المال، الذي أزاله إلى خالد، وحلف عليه عمرو. (2/126)
صفحة 398
وفي جميع هذه الخصومة، أنّ عمرا يرجع إلى عبد الله بيمين، ولا ضمان إلا من بعد أن يأخذ المال خالد، أو يملكه عليه عبد الله، ولا يرجع في أصل المال، إلا ببيّنة تحقّقه له. فإن كان خالد صبيا، فلا يمين له عليه في شيء من هذه الخصومة، وله ما أشهد له به عبد الله. وإن كان عبد الله صبيّا أو ميّتا، فله جميع ما قامت به البيّنة، وصحّ بميراثه من مال محمّد، ولا يمين عليه، ولا يصل عمرو إلى شيء من ما يدّعيه، من مال محمّد إلا بشاهدي عدل. وأمّا في الدين فله. فلو أنّ عبد الله أحضر شاهدي عدل، يشهدان أنّ سعيدا أشهدهما على نفسه، أنّ عليه لمحمّد ألف درهم، وأشهدهما محمّد، أو أقرّ مع الحاكم، أنّ هذه الألف درهم، التي له على سعيد، وشهد بها هذان الشاهدان، أو أقرّ بها مع الحاكم، هي لعبد الله، ومن مال عبد الله دائن لها سعيد، ولا حق له فيها، وإنّما اسمه فيها عارية، وطلب عبد الله الإنصاف، وأنكر سعيد أنّه لا حقّ عليه لعبد الله ولا لمحمّد، وطلب يمين عبد الله، أنّ هذه الألف الدرهم له عليه، أو كان سعيد قد مات وخاف دينا ويتامى، وطلب وصيّة يمين محمّد، ولا أحلف أنّها لي، والله يعلم أنّها لعبد الله، واحتجّ عبد الله، أنّ بضاعتي هذه، كانت مع محمّد، ليعامل لي بها، (2/127)
صفحة 399
وقد أقرّ لي أنّها لي من ثمن بضاعتي، وقد تمسّكت بذلك، ولا أعلم على ما لا أعلم، غير أنّي أنا الخصم في ذلك، ولا يقبل على اليوم قول محمّد. فقد نظرت في ذلك، فرأينا أنّ هذه الألف على سعيد لعبد الله، ولا يبطل عنه بإقرار محمّد فيه من بعد، ولا إنكاره، ولا أن حلف أو لم يحلف، وقد خرج محمّد من ذلك، والخصم فيه عبد الله، فإن طلب سعيد ومن يقوم مقامه يمين محمّد، ليرجع عليه الضمان، ما أدركه به عبد الله من قبل إقراره، بهذا الألف، فإنّ الحاكم يسأل محمّدا. فإن قال: ليس لي على سعيد هذه الألف، وإنّما ألجأها لي بها حق لي عليها، فإنّ الحاكم يغرم محمّدا هذه الألف لسعيد من ماله. وأمّا ألف عبد الله، التي أقرّ له بها، فلا سبيل إليها، وإن نزل محمّد إلى اليمين، وقال: بل الألف على سعيد، على ما شهد به عليه الشاهدان، فإنّ على محمّد يمينا بالله، ما يعلم أنّ شاهديه اللذين شهدا له بهذه الألف على سعيد، شهدا له بباطل، ولا أقرّ له بهذه الألف لعبد الله، وهو يعلم أنّها ليست لعبد الله على سعيد، ولا يعلم أنّ عليه لسعيد حقا، من قبل هذه الألف، التي أقرّ بها لعبد الله، فإذا حلف بهذا، فقد برئ. وإن ردّ محمّد اليمين إلى سعيد، حلف سعيد بالله، أنّ هذه الألف درهم، التي شهد بها هذان الشاهدان، أنّها عليه لمحمّد، ما هي لمحمّد ولا لعبد الله، ثمّ يغرم محمّد هذه الألف لسعيد؛ لأنّها صحّت لمحمّد، ثمّ أقرّ بها لعبد الله، ثمّ عاد ردّ اليمين إلى سعيد، فلزم محمّدا من هنالك الضمان. (2/128)
صفحة 400
وإن كان سعيد قد مات، وطلب ورثته يمين محمّد، فاليمين على محمّد، بما وصفنا، ولا يمين عليهم. فإن طلب سعيد ومن يقوم مقامه، أو محمّد يمين عبد الله، فعلى عبد الله يمين بالله، أنّه ما يعلم أنّ هذه الشاهدين اللذين شهدا لمحمّد بهذه الألف درهم، على سعيد التي أقرّ بها، أنّهما شهدا بباطل، ولا نعلم أنّ محمّدا ألجأ إليه الألف التي صحّت له على سعيد باطلا بلا حق، وإنّما يرجع سعيد باليمين على محمّد، من بعد أن يحكم عليه بهذه الألف لعبد الله، وأمّا من قبل ذلك فلا.
رجع: ومن ادّعى حقا إلى خصمه، واحتجّ أنّه لا يعرفه لا بخير من يثق به، ولم تكن له بيّنة، فاليمين هاهنا إلى المطلوب إليه، أن يحلف ويبرأ. وإن أراد أن يحلف الطالب على ما يدّعى بخبر من يثق به، حلف واستوجب؛ لأنّه هو ردّ إليه، ولا يحلف في مثل هذا، يخبر من لا يثق به؛ لأنّه ليس له أن يأخذ شيئا، لا يعرفه لنفسه، بخبر من لا يثق به. وأمّا إذا قامت البيّنة له، على حق لا يعرفه، فطلب المطلوب إليه يمينه، حلف أنّه ما يعلم أنّ شهوده شهدوا له بباطل، ثمّ استوجب حقّه الذي صح بالبيّنة العادلة. (2/129)
صفحة 401
باب في الشراء والبيع
وإن باع رجل لرجل حبا أو زعفرانا، أو نحو ذلك، ثمّ ظهر به عيب، من ما يرد به، فأنكر الخصم، أنّي لا أعرف أنّ هذا الزعفران والحب، هو الذي بعته لهذا. فإنّ هذا وكلّ شيء مثله، ممّا يتشابه، فإنّه يحلفه ما يعلم، أنّه باعه حبا ولا زعفرانا، ويعلم أنّ فيه عيبا، فكتمه إيّاه، ولا يعلم أنّ هذا الحب هو الذي باعه عليه، إذا طلب ذلك المشتري، وإن باعه غلاما أو نخلة، ثمّ ظهر فيهما عيب من ما يرد أن ّ به، أو شيئا نحو ذلك، من مالا لا يشتبه بغيره، فأنكر البائع أنّي لم أبع له هذا، فإنّ الحاكم يبدأ فينظر العيب هو أو يأمر من ينظر العيب. فإن كان من لا يردّ به البيع، فلا يمين ولا حجّة للطالب في ذلك. وكذلك إن كان اشتراه منذ سنة، أو نحو ذلك، وكان العيب من ما يعلم، أنّه يحدث في وقت قريب، أقلّ من ذلك، ولا يكون قبل البيع، فلا يمين في ذلك.
ومن غيره قال: وقد قيل: في ذلك اليمين، والقول في ذلك قول البائع، مع يمينه ما يعلم، أنّه باع له ذلك، ويعلم فيه هذا العيب. (2/130)
صفحة 402
وإن كان العيب من ما يمكن أن يكون قبل البيع، وأنكر البائع أنّه لم يبعه له، فإنّا نرى عليه يمينا بالله، ما باع له هذه النخلة، ولا هذا الغلام، بكذا وكذا من الثمن، واستوفاه منه، ثمّ يصرف عنه الخصم. وإن ردّ اليمين إلى الخصم، حلف له بالله، لقد باع له هذا الغلام، بكذا وكذا من الثمن، واستوفاه منه، ثمّ يصرف عنه الخصم. فإذا حلف أمر الخصم، أن يأخذ الغلام أو النخلة، ويردّ عليه الثمن الذي حلف عليه.
ومن غيره قال: هذا إذا لم يكن العيب، من ما يمكن، أن يحدث من بعد البيع. من قال: يحلف الذمي بالبراءة من دينه، وحفظ بعض أنّ اليهودي يحلف بالله، الذي لا إله إلا هو. والنصراني يحلف بالله، ولا يقال له: لا إله إلا هو؛ لأنّهم يقولون: إنّه ثالث ثلاثة. قال أبو محمّد: وإن كان مجوسيا، قال: وبكلّ شيء تعظّمونه من نار وشمس وقمر وحجر ونجوم.
ومن غيره: يحلف المجوسي بالله، فاعل الخير، ربّ بيت النار، التي يوقدونها؛ لأنّ المجوس يقولون: إنّ الله يفعل الخير، وليس شيء من الشر من خلق الله. (2/131)
صفحة 403
قال أبو المؤثر: إذا اتّهم سيّد الأمّة رجلا، أنّه وطئها وهو ينكر، استحلف ما فعل شيئا من ما يوجب عليه، عقرها من ما ادّعى سيّدها، ولا يحلف بالوطء. وسئل عن العبيد، إذا أنكروا العبودية والملكة. فهل عليهم أيمان؟ قال: نعم، يحلف يمينا بالله، أنّه هو حر، وما يعلم لهذا عليه حقا من طريق الملكة. وقيل في العبد: لا يحلف في حكومة، ولا يحلف إلا بإذن سيّده، ولسيّده الخيار، إن شاء أذن له أن يخاصم أو يحاكم، وإن شاء حاكم عنه. وإن جاءت اليمين في ما للعبد اليمين، فن شاء حلف، وإن شاء أذن له أن يحلّف، وما كان عليه فيه اليمين، فلا يمين عليه، ولا تثبت عليه الأحكام، ولا على سيّده إلا ببيّنة. وأمّا في سائر الأحداث والجنايات، فإنّه للسيّد الخيار، إن شاء أذن لعبده أن يخاصم ويحلف، وإن شاء حلف هو بالعلم، ما يعلم أنّ هذا عبده، جنى هذه الجناية، التي تتعلّق في الحكم، لو صحّت في رقبته، وثبتت على سيّده. وأمّا يمينه على سيّده، فلا أعلم أنّ له عليه يمينا، في شيء من الأشياء، إلا أن يدّعى عليه العتق. (2/132)
صفحة 404
وليس على المماليك أيمان، ولا لهم إلا بإذن مواليهم.
وفي جوابه من أبي جعفر إلى أبي جابر: وفي رجل أنكر خصمه، حتّى أحضر البيّنة، ثمّ قال: أنصب يمينا غليظا، ولا أحتاج إلى البيّنة، فلو كان المطلوب طلب ذلك، قبل أن يدعاه خصمه بالبيّنة ويحضرها، كان له على ذلك. فأمّا على ما وصفت، فلا إلا أن يشاء أن يحلفه بالله. ومن ادّعى له وكيله إلى رجل حقا، فأنكره المطلوب، وأراد الوكيل أن يحلفه، فنزل إلى أن يحلف الطالب على حقّه، فإنّه لا يؤخذ بشيء حتّى يصل الطالب من غيبته، ويحلف على حقّه. وإن قامت على المطلوب بيّنة بالحق، أخذته به إذا صح عليه. فإن طلب يمين الذي له الحق، كتب هذا الحاكم، الذي يتنازعان عنده إلى والي البلد، الذي فيه الطالب، أن يستحلفه على حقّه، الذي صح له. فإن أراد المطلوب، أن يخرج ويحضر اليمين أو يوكّل، فذلك له، وإلا حلفه الوالي، وكتب بذلك مع ثقة إلى الحاكم، ثمّ يأخذه بذلك الحق. وإن كان الذي صح له الحق خارجا من عمان، وأقام وكيله شاهدي عدل، أخذ الحاكم المطلوب بما صح عليه بالبيّنة، لا يبطل الحق لحال اليمين. فإذا وصل الغائب، وأمكن أن (2/133)
صفحة 405
يحلف حلّف، والله أعلم. قال أبو الحواري: جيّد.
ومن غيره قال: يوجد في الأثر: يؤخذ بما صحّ عليه من الحق، ويستثنى له اليمين على الغائب، إذا طلب ذلك. ورجل من بلد، وله على رجل من بلد آخر، دين رفع عليه، إلى والي البلد، الذي عليه الدين، وعنده عليه بيّنة، في بلد صاحب الحق. كيف الحكم فيه؟ فعليه أن يحضر ببيّنته إلى والي البلد، الذي عليه، إلا أن يكون واليا من تحت يدي وال، مثل والي السر، فإنّ صاحب الحق، يسمع بيّنة الوالي الكبير، إذا سمع بيّنة هذا، أن يأخذه له بحقّه.
قلت: فرجل من أهل السر، له على رجل من أهل نزوى حق، وعنده عليه بيّنة بالسر. قال: يصل صاحب الحق إلى الإمام، ويأخذ كتابا من الإمام، إلى والي السر، يسمع بيّنته، ويكتب والي السر إلى الإمام، بما شهدت عنده به البيّنة، وبما صح عنده، ثمّ يأخذه له به الإمام. وأمّا أن يبدأ وإلى السر، فيكتب إلى الإمام، فلا يبدأ الوالي بالكتاب إلى الإمام، حتّى يكتب إليه الإمام، فيتّبع ما كتب إليه الإمام.
قلت: فإنّ رجلا من أهل السر، يطلب رجلا من أهل توام، بحق وبيّنته بالسر. (2/134)
صفحة 406
قال: يصل صاحب الحق إلى والي توام، فيقول له: بينتي بالسر. فإن قدر على حمل البيّنة، وإلا كتب والي توا إلى والي السر، أن يستمع بيّنته، ويكتب له عند ثقة، أنّه قد سمع بيّنته بهذا الحق، فعند ذلك يحكم له. قال محمّد بن علي: قال موسى بن علي –رحمه الله-: في امرأة ادّعى رجل، أنّها اقترضت هي وزوجها منه دراهم، ومات الزوج وأنكرت المرأة، فحلفها يمينا بالله، ما اقترضت من فلان دراهم عليها اليوم قطعا، وحلفها يمينا بالله، ما تعلم أنّ زوجها اقترض من فلان قرضا عليه اليوم منه شيء. ورأيي أن يحلف فيها يمينا بالله واحدة، ما عليها له كذا وكذا، من قبل ما يدّعى أنّه أقرضها، ولا تعلم أنّ عليه له كذا كذا، من قبل ما يدّعى أنّه عليها، من قبل ما اقترض زوجها. ومن وكّل رجلا وأوصاه في قضاء دينه، وإنفاذ وصاياه، وقال: عليّ لفلان كذا وكذا دين عليّ له، وعليّ لفلان كذا وكذا، وأوصى أن يقضي عنه دينه، وأتاه رجل، من من أوصاه، يطلب حقّه، فأنكره أنّه لم يوص له بشيء، ولم يكن عنده بيّنة، وطلب يمين الوصي، فلا يمين عليه، إلا أن يكون وارثا. وإن قبل رجلا عن ولده، بصداق زوجته، ثمّ مات الأب، فطلبت المرأة صداقها من زوجها، الذي قبل به والده فقال: ليس لك عليّ شيء. فعليه يمين بالله، ما يعلم أنّ على والده هذا الصداق. (2/135)
صفحة 407
وذلك إذا خلف والده مالا. وإن لم يخلف مالا، فليس على الزوج لها شيء.
ومن غير: في الحاكم إذا حلف رجلا لآخر في شيء. فقال محمّد بن المسبح: ويكتب الحاكم، وقد قطعت دعوى فلان ابن فلان، عن فلان بن فلان، باليمين التي استحلفه بها، على الحق الذي ادّعاه فلان بن فلان، وهو كذا وكذا.
وعن غيره: وسئل عن اليمين من الحاكم. كيف تجرى؟ قال: على الصفة من دعاويهما.
قلت: فإذا حلف باليمين، ووصل إلى ذكره ما عليه يقول: ما عليك لفلان كذا وكذا، ويقول: إنّما عليك. قال: كلّ ذلك جائز. وقوله: (ما عليك) أثبت.
قلت: فإن قال: إنّما عليك؟ قال: هذا عندي إثبات الحالف بالحق على نفسه، واحتجّ بقول الله –عزّ وجلّ-: {إنّما اتخذتم من دون الله أوثانا مودّة بينكم} وكذلك قوله: {إنّما صنعوا كيد ساحر}. وسئل عن رجل طلب أن يحلف له خصمه، على كذا وكذا، فحلفه فلمّا قال له: ما عليك لفلان هذا كذا وكذا؟ قال الحالف: ما علي له، إلا كذا وكذا، غير ما حلف عليه. أيكون قد حلف خصمه أم لا؟ (2/136)
صفحة 408
قال: معي، أنّه لم يحلف على ما وجب عليه من اليمين، ويطلب إليه حلف على ما يجب عليه.
قلت: فإن قال له الحاكم متّصلا في اليمين بكلامه: إنّ عليك لفلان إلا كذا وكذا، ما استثناه الحالف. أيكون قد حلف هذا؟ قال: إذا كان ذلك متّصلا باليمين، وكان من ما يجوز أن يحلف به الحاكم، بمثل ذلك في الدعوى، وبمثله تنقطع حجّة الخصم عن خصمه في الحكم، فإنّه يجزئه بمعنى اليمين. قيل له: فهو مقر بذلك الذي أقرّ به؟ قال: إنّه مقر.
سئل عن رجل ادّعى على رجل أنّه باع له عمامته، وأنّ عنده من ثمنها ثلاثة دراهم، فأنكره وطلب يمينه، فردّ اليمين إلى المدّعى. قلت: كيف يحلف؟ قال: يحلف أنّ ما عنده لخصمه، هذا ثلاثة دراهم، من قبل ما يدّعى عليه، أنّه باع له عمامته، وإذا ادّعى رجل على رجل، أنّه ضربه ضربا حدّه ووصفه، كانت اليمين فيه ما ضربه هذا الضرب الموصوف. وقال من قال: يحلفه ما قبله له حق، من ما يدّعيه إليه من هذا الضرب الذي ادّعاه. (2/137)
صفحة 409
وعن من ادّعى على رجل مالا، وردّ المدّعى إليه المال اليمين إلى المدّعى. هل للحاكم أن يحلف المدّعى، على صفة محدودة، أنّ له في عيّنة من المال، إذا لم يصح مع الحاكم المال بعينه. لمن هو؟ قال: في بعض القول: إنّ له ذلك، إذا كانت الصفة الموصوفة بالتحديد بذلك، في معاني الحكم، أن لو أقرّ بها المدّعى إليه. وقد قيل: لا تكون اليمين في الأصول، إلا بالمشاهدة والوقوف عليها. وإن ثقل ذلك على الحاكم، أرسل من يحلف الخصم بحضرة المال. قلت: المدّعى إذا هدم بيّنته، ونزل إلى يمين خصمه، على ما ادّعى إليه، وكانت الدعاوي بأشياء مختلفة، فكيف يحلفه الحاكم. يبعّض له الحقوق، يذكرها بأسمائها، كما ادّعى المدّعى، أم له أن يحلفه عليها جملة، أنّ ما قبله له حق، من قبل هذه الدعاوي التي يدّعيها عليه؟ قال: يحلف على كلّ شيء منها، من دعاويه بما يجب عليه. فما كان يجب أن يسمّى، سمّى من الحق، وما كان يجب أن يسمّى من الفعل سمّى، وما كان يدخل فيه من الأفعال، التي يحلف عليها ما قبله منها حق، وما عليه منها حق، سمّى بذلك، ويكون ذلك كلّه في يمين واحدة؛ لأنّ هذه معان مختلفة.
وحفظ الثقة عن القاضي أبي علي الحسن بن سعيد بن قرش: إنّه تنازع إليه بنزوى أناس من ربيعة، وأناس من قضاعة، وكان فيهم (2/138)
صفحة 410
من يدّعي على خصمه، ما سلب له أمتعة ورجولا جمالا، وقد شكّكت في القتل، وكان يحلف الخصم بجميع تلك الدعاوي، وما عليه لخصمه حق، من قبل هذه الدعوى، من غير أن يذكر في نفس اليمين، تحديد دعواه، والله أعلم بالحق في ذلك. وعن رجل ادّعى إلى رجل حمارا أو بقرة، وأنكر المدّعى عليه ذلك، فطلب يمينه، فردّ المدّعى عليه اليمين، إلى المدّعى، أن يحلف ويأخذ بما يدّعى. كيف يحلف؟ قلت: كيف يكون لفظه في الحمار والبقرة، بعد اليمين إذا حلف؟ فإن كانت المنازعة على حمارة بعينها، حلف عليها، ولا يكون له إلا ما حلف عليه. وإن كان يدّعى أنّه سرق له حمارة، أو سرقها أو باعها، أو نحو ذلك، شيئا غائبا، فالقول في ذلك قول الضامن، مع يمينه إذا حلف المدّعى. وأمّا إذا كانت الحمارة أو البقرة شاهدة، فلا تكون اليمين إلا بحضرتها، وإن ادّعى إليه حمارة أو بقرة، هكذا ولم يجدها، وحلف على ذلك، فالقول قول الغارم مع يمينه، إذا وجب عليه شيء مثل هذا، فحلف يمينا بالله، ما حمارة هذا أو بقرته، التي استوجبها عليه أفضل من هذا، وأكثر من هذه، إلا أن يصح المدّعى على ما يدّعى، من جودة حمارته وفضلها.
قلت: فيكون اليمين بعد إحضار الحمارة أو قبلها؟ (2/139)
صفحة 411
قال: قد مضى الجواب: إن كان يدّعى دابة بعينها، كانت اليمين على عينها. وإن كان يدّعي عليه حمارة لا يجدها، فليس على الغارم أن يحضر ما يدّعى المدّعى إليه، إلا بعد استحقاقه بالبيّنة أو باليمين.
وسئل عن رجل ادّعى على رجل، أنّه باع له سمكا، وأخذ من ثمنه عشرة دراهم، فأنكره خصمه، وطلب يمينه مع الحاكم. قال: يحلف له يمينا بالله، أنّ ما قبلك لفلان هذا حقا، من قبل ما يدّعي من بيع هذا السمع له، ولا من هذه العشرة الدراهم، التي تدّعي أنّك أخذتها من ثمن هذا السمك.
وسئل عن رجل ادّعى على رجل، أنّه باع له سمكا بعشرة دراهم، فأنكره خصمه، وهدم بيّنته، وطلب يمين خصمه مع الحاكم. قال: يحلفه ما قبله له حق، من قبل بيع هذا السمك. وقيل في الذي قضى زوجته صداقها، في صحّته ومات: فلا يمين للورثة عليها، وذلك شيء ثابت عليهم. وأمّا إذا كان ذلك في المرض، فلهم عليها اليمين، ما تعلم أنّه لجأ إليها، ولا تعلم أنّه أكثر من حقّها.
ومن الضياء: ومن طلب غريما له، وهو عالم بإعساره، كان لله عاصيا. (2/140)
صفحة 412
فإذا قدّمه إلى الحاكم، لم يجز له أن ينكره فيقول: ماله عليّ حق. ولكن يجوز أن يقول: ما له عليّ حق، أخذه في الوقت، وليس له أن يعتقد براءة ذمّته في الوقت؛ لأنّها مرتهنة بالدين، فإذا قدر بعد ذلك، على أداء ما في ذمّته، وجب عليه، ودفع ذلك إليه، ولا تبرأ باليمين ذمّته.
رجع إلى كتاب أبي زكرياء: وفي من اتّهم إنسانا، أنّه سرق له شيئا. هل يجوز له أن يحلفه على التهمة؟ قال: قد قيل: إنّه يكون فيه اليمين، على العلم على المتّهم، ولا يمين على المتّهم، إن ردّ إليه المتّهم اليمين، إلا أن يرضى بيمينه أنّه يتّهمه. ومن ما يوجد عن أبي الحواري: وعن الذي يتّهم الرجل، أنّه سرق له شيئا. هل عليه يمين؟ قال: إن قال: إنّه اتّهم هذا، ولا يقطع عليه قطعا، فليس في التهم أيمان. فإن كان هذا الرجل المتّهم بالسرقة، من من تلزمه التهمة، حبسه الحاكم، وليس عليه يمين. وأمّا الذي ادّعى الحق على الميّت، وأنكر ذلك الورثة. (2/141)
صفحة 413
فإن صح ذلك بالبيّنة، وإلا يمين الورثة، ما يعلمون قبلهم، حقا من ما يدّعى على هذا الميّت.
قلت له: فإن أمر الحاكم رجلا، أن يحلف أحدا من الخصوم. فهل على الحاكم أن يصف له اليمين، التي يحلف بها من أمره، أن يحلفه، أم ليس عليه إلا أن يقول له: حلف هذا لهذا، ويكتفى بذلك؟ قال: إنّه إذا أمنه على ذلك، ونصره فيه، لم يكن عليه يحدّد في اليمين. ويعجبني إذا كان عدلا من أهل الولاية، جاز له ذلك. وإن كان إنّما هو مأمون، على ما يأمره به، ولا يأمنه، أخبر ذلك حتّى يصف له ما يعلم به من ما يأمره به، من ما لا يأمنه عليه، من أجل نصره له.
قلت له: إذا كان المأمون عدلا بصيرا، من ما يؤمر به، في معنى اليمين. فهل على الحاكم، إذا أخبره، أنّه قد حلف الخصم لخصمه، أن يقول له: حلفته يمين المسلمين، ويستفهمه على ذلك، أم ليس عليه، ويثبت ذلك في كتاب أحكامه، ليقطع حجّة الخصم، بخبر المأمور، أنّه قد قطع بينهما باليمين؟ قال: قد قيل: لا يقطع بخبر المأمور، ولكنّه يصدّق المأمور في ما رفع إليه، ويثبت حكمه في دفتر حكمه، على ما نقل إليه، لا على معنى القطع، أنّه حكم هو به.
قلت له: فإن صدق الحاكم المأمور، وأثبت ما قال، ورجع (2/142)
صفحة 414
يدّعى على خصمه، تلك الدعوى التي قد حلف المأمور عليها، على الحاكم أن يعيد الحكم في ذلك، ولا يجوز له بخبر المأمور، أم بتصديق المأمور، بأنّه قد حلف الخصم لخصمه. فهل يجوز له إصراف المدّعى عن الحالف في تلك الدعوى؟ قال: معي، أنّه يجوز له ذلك؛ لأنّ حكم أمينه كحكمه، من غير أن يقطع بيمينه، أنّه قد فعل ذلك، ولكن يثبت عندي من ثابت الحكم.
قلت له: فهل على المأمور، أن يخبر الحاكم، بأنّه قد حلف الخصم لخصمه، يمين المسلمين، ولو لم يسأله عن ذلك أم لا؟ قال: معي، أنّه ليس عليه ذلك، وإنّما يقطع اليمين والتحليف من اليمين، على معنى حكم يمين المسلمين، حتّى يعلم غير ذلك.
قلت له: فإذا لم يكن المأمور يضبط معنى حكم اليمين، فوصف له الحاكم. كيف يحلف الخصم؟ فهل على الحاكم أن يستفهمه؟ كيف حلف الخصم؟ وكيف وقع اللفظ في اليمين، أم إذا أخبره أنّه حلف، أجزأه إذا كان أمينا؟ قال: إذا كان يؤتمن على الأحكام، ووصف له كيف ينفذ الحكم، وقال: إنّه قد أنفذه وحكم به، فإن استفهمه فلا بأس، وإن لم يستفهم، وأتى بصفة يدخل فيها ثبوت الحكم، فأرجو أنّه يسع ذلك.
قلت له: فإن أراد أن يثبت ذلك، في كتاب حكمه. فهل له أن يثبت (2/143)
صفحة 415
ما وجده مكتوبا بأمره، من غير أن يمليه عليه المأمور، إذا أخبره أنّ هذا الذي كتبه، ما جرى من فلان وفلان، وصفة قطع الحكم بينهما؟ قال: إذا رفع إليه ذلك، على معنى يثبت رفعه ذلك في الجملة، وكان مأمونا على ذلك، في معاني الحكم، أجزأه ذلك. وإن لم يكن مأمونا كذلك، فلا يكتبه حتّى يميله عليه، أو يقول له به مفسّرا.
قلت: ما تقول في رجل، ادّعى على رجل، أنّه حرق له ثوبا، فأعدم البيّنة، ونزل إلى يمين خصمه. كيف يكون اليمين في هذا؟ قال: في بعض القول: حتّى يجد صفة الثوب، من أيّ الأنواع هو، ويحدّ قيمته إلى كذا وكذا، ولا تجرى اليمين إلا على هذا. وقال من قال: يحلفه ما قبله له حق، من ما يدّعيه إليه من هذه الدعوى، من قبل هذا الثوب. وعن رجل ادّعى على رجل، أنّه لطمه، وأعجز البيّنة. قيل: في ذلك الأيمان بينهما، وعلى الحاكم أن يفحص المدّعى، عن صفة اللطمة ما هي، مؤثرة أو غير مؤثرة، أو أيّ موضع لطمه فيه، من وجهه أو حاجبه، أو خده، أو شيء من الوجه، ولا يحلف له خصمه، إلا بعد أن يبيّن الموضع الذي لطمه فيه. وحدّ الوجه عندي إلى مقص شعر الرأس. (2/144)
صفحة 416
قلت له: فإنّ فيه شيء من الصلع، واشتبه ذلك، فإلى أين يكون حد الوجه من ذلك؟ قال: معي، أنّه قد قيل: يرفع حاجبيه لفوق، فإلى أن وصل تقرّبا من الجلدة، من جبينه، فهو حد الوجه.
قلت له: فكيف يحلف له خصمه على هذا؟ قال: فيه اختلاف. قال من قال: يجوز له أن يحلف على دعواه، على ادّعى من اللطمة أو الجروح. وقال من قال: يجوز للحاكم أن يحلفه، ما قبله له حق، من ما يدّعى عليه من قبل هذه الدعوى. ويعجبني أن يحلف ما لطمه ولا جرحه، ولا قبله له حق، من ما يدّعيه إليه من هذه الدعوى.
وعن رجل ادّعى إلى رجل، أنّه ضربه فأقرّ المدّعى إليه، أنّه لطمه. فما يجب على المقر؟ قال: معي، أنّه تلزمه لطمة في الوجه، حتّى يصح أنّها في غير الوجه، وتكون اللطمة غير مؤثّرة، حتّى يصح أنّها مؤثّرة. وفي بعض القول: إنّه له نصلف أرش مؤثرة، ونصف أرش غير مؤثرة بإقراره. (2/145)
صفحة 417
وأمّا إن شهدت البيّنة عليه بلطمة، فلا يحكم بشهادتهم، حتّى يجدوا موضع اللطمة، وما هي مؤثرة أو غير مؤثرة. وقال أبو بكر أحمد بن محمّد بن خالد: في رجل ادّعى على رجل، أنّ عنده له كذا وكذا، فأنكر المدّعى إليه، أنّ ما عنده له ذلك، فطلب المدّعى يمينه إلى الحاكم، يحلفه ما عنده له، كذا وكذا، من ما ادّعى إليه. ورجل ادّعى على رجل ألف درهم، فقال المطلوب إليه للطالب: هذا كيس فيه ألف درهم فخذه فأخذه، ثمّ رجع إليه فقال: إنّما الدراهم خمسمائة، وكذلك وجدتها. فله أن يرجع عليه بخمسمائة، إذا لم يكن وزنها عليه، حتّى دفعها إليه، إلا أن يشهد شاهدا عدل، أنّه صدّقه على قوله: إنّها ألف درهم. وقبلها منه، فليس له أن يرجع عليه بشيء، وعليه يمين، لقد دفع إليه الألف التي له عليه، وما خانه في شيء منها.
وكذلك في أوّل المسألة التي دفعت إليه وقال: إنّها خمسمائة، فرجع بالخمسمائة الباقية، أن يحلف يمينا بالله، ما أزال هذه الدراهم من يده، وما خانه في شيء منها، وما وجدها إلا خمسمائة درهم.
ومن غيره قال: وكذلك إذا فارقه على التصديق، وغاب بالدراهم، ورجع عن التصديق له في الدراهم، على ما وزنها في مجلسه، كان له ذلك، وعليه أن يوفّيه إيّاها بوزن، هي وغيرها، وعليه أن يوفّيه الذي عليه بالوزن.
ومن ما يوجد أنّه من جواب أبي الحواري: وعن امرأة مرضت، (2/146)
صفحة 418
فأقرّت لأخ لها، بشيء من مالها معروف، وما فسل في مالها من فسل، وماتت بيّنته وتناكروا وحضروا إلى الحاكم، فأحضرت المرأة البيّنة، أنّ هذه المواضع لها، إلا أنّ أخاها فسلهن، فقال الأخ: إحلفي. فإنّ عليها يمينا بالله، أنّ هذه المواضع لها، وما لأخيها فيها حق من ما يدّعى. فإن كان الأخ فسل ذلك الفسل، برأ به دون رأيها، وأقرّت المرأة له بذلك، كان الفسل للأخ، وكان الخيار للمرأة، إن أرادت أخذت الفسل وردّت عليه قيمة فسله، وإن أرادت قالت له: يقلع فسله، فلها ذلك، وعلى الرجل أن يقلع فسله من أرضها. وإن كان الرجل فسل الفسل برأيها، وأقرّت المرأة بذلك، وقالت له: إنّه فسله على شرط بينهما، وأنكر ذلك الرجل. كان الخيار للرجل، إن شاء أخرج فسله وقلعه من أرضها، وإن شاء أخذ منها قيمة فسله، يوم يحكم عليه بذلك. وإذا ادّعى أنّها أقرّت له بهذه الأرض، حلفت يمينا بالله، ما تعلم له حقا في هذه الأرض، من قبل ما يدّعى عليها من إقرارها له بذلك. فإن ردّت إليه اليمين، حلف أنّ هذه الأرض له، بإقرارها من هذه المرأة، وما يعلم أنّ لها فيها حقا، من بعد إقرارها له بهذه الأرض، إلى هذا اليوم. (2/147)
صفحة 419
وإذا ادّعى رجلان شيئا، فأقاما جميعا عليه البيّنة، فهو بينهما. وإن لم يكن لهما جميعا بيّنة حلفا، فإن حلفا جميعا، فهو بينهما، وإن كره أحدهما اليمين، كان للذي حلف. وعن رجل ادّعى على رجل، أنّه رهنه قيمة ألف درهم، بمائة درهم، فقال المدّعى عليه: قد رهنتني قيمة ألف درهم، وقد دفعته إليك، فقال الآخر: لم تدفع إليّ شيء. كيف الحكم؟ ومن المكلّف بالبيّنة؟ قال: فإذا أقرّ أنّه رهنه ألفا، فهو المأخوذ بما أقرّ به، ويكلّف البيّنة على ردّه.
ومن جواب أبي عبد الله –رحمه الله-: وعن رجل نازع رجلا في مال، فلمّا أراد أن يحلفه قال: المال لفلان. قال الطالب: أنا لا أرضى بفلان، أحلف أنت لي. قال: فإنّا لا نرى عليه يمينا في ما لا يملك، والمنازعة بين الطالب الذي أقرّ له بالمال، والأيمان بينهما، على ما يراه قضاة العدل.
ومن غيره: وقال من قال: إنّه يحلف المقر، إن أراد المدّعى، وكان المال في يده، وبإقراره استحقّ المقر له ذلك المال، فيحلف المقرّ على (2/148)
صفحة 420
هذا يمينا بالله، ما يعلم لهذا حقا في هذا المال، الذي أقررت به لفلان، حين إقرارك له به، أو ساعة أقررت له به.
ومن ما يوجد أنّه من جواب أبي الحواري: وعن امرأة ادّعت على رجل، أنّه كابرها على نفسها، حتّى جاز بها وجاءت بولد، وأنكر هو ذلك فقالت: يحلف ما جاز بي، ولعلّه قد يمكن أن يكون ذلك من غير الجواز. فعلى ما وصفت، فإذا كان هذا الرجل ليس هو مالكا لهذه المرأة بتزويج، وإنّما تدّعى هذه المرأة، أنّه كابرها على نفسها حراما، فليس هاهنا أيمان بالجواز، في ما يوجب الحد، ولكن تكون اليمين بينهم على الصداق، فيحلف الرجل لهذه المرأة، ما عليه لهذه المرأة صداق، من قبل ما يدّعي إليه من ما تقول من نظر ولا مس فرجها. فإن حلف على هذا، لم يحكم لها عليه بحق. فإن ردّ اليمين إلى المرأة، حلفت المرأة أنّ لها على هذا صداقا أو مهرا، وأنّ صداقها كذا وكذا. فإن حلفت وجب صداقها عليه الذي سمت به. وقال من قال من الفقهاء: إن جاءت بولد من قبل الزنا، لم يلحقه نسبه بأبيه، فعلى هذا القول، لا يلزمه يمين للولد. وقال من قال: إنّ الولد لازم، فعلى هذا يحلف الرجل ما عليه لهذا الولد حق، من قبل كسوة ولا نفقة، ولا له عليه مؤنة. (2/149)
صفحة 421
فإذا حلف لم تلزمه، وإن نكل عن اليمين، حبس حتّى يقرّ أو يموت أو يحلف، ولا يحلف ما هذا الولد ولده، وإنّما يكون اليمين في ما يكون له عليه من الحق.
ومن غيره قيل: وإنّما يلزمه اليمين، ما هذا الولد ولده؛ لأنّه جاء الأثر: إنّه لا يمين في الأنساب. وكذلك لم يلزمه أن يحلف ما جاز بها، في أوّل المسألة؛ لأنّه جاء الأثر: إنّه لا يمين في الحدود، وذلك يوجب الحد، إذا أقرّ الرجل بوطء يلحقه فيه معنى الزنا بلا شبهة. وذكرت في المرأة التي رفعت على رجل، وادّعت أنّه سرقها وأنكرها، وطلبت المرأة يمينها، فلها ذلك عليه، ويحلف ما قبله لهذه المرأة، حقا من ما تدّعى في هذا الشيء، الذي تدّعيه إليه، كان له ذلك، وليس على المرأة يمين، إذا كرهت ذلك، إذا قالت: إنّها تتّهمه، إلا أن تدّعي عليه قطعا، فعليها اليمين إذا ردّ إليها اليمين، فإذا نصب اليمين بالقطع، يحلف هو وإلا حلفت هي، كان لها ذلك، وإن كان المدّعى عليه متّهما أو غير متهم، واليمين على الثقة، وعلى غير الثقة، نقب البيت أو لم ينقب، ولا يمين على متّهم. (2/150)
صفحة 422
ومن ما يوجد من أنّه من جواب أبي الحواري أيضا: وعن الطريق والسواقي الجوائز، فيها أيمان قال: فالطريق الجائز، ليس فيها أيمان للمحتسبين، وأمّا الساقية الجائزة، إذا كانت تجمع أهل القرية جميعا، فطلب فيها طالب، وكانت ساقية لجميع أهل القرية، فأراها مثل الطريق الجائر، إلا أن يجتمع أهل القرية جميعا، على أن يحلفوا ويحلفوا، فلهم ذلك. وإن كانت ساقية لقوم معروفين، وهي جائزة، فمن طلب فيها حقا، كان له اليمين وعليه.
وسألته عن امرأة ادّعت على زوجها ألف درهم، والدرهم ستّة دوانيق، وأحضرت على ذلك شاهدي عدل، وأقرّ الزوج لها ألف درهم، والدرهم عدني، وأحضر على ذلك شاهدي عدل، فالقول قول من؟ قال: القول قول بيّنة المرأة. وعن أبي عبد الله: ولا يمين على وكيل اليتيم، في ما يخاصم به لليتيم، لخصم اليتيم، إلا في فعل الوكيل، ولو أنّ رجلا ادّعى على وكيل يتيم، أنّه دفع إليه دراهم، كانت عليه لليتيم، فأنكر ذلك الوكيل، وطلب يمين الوكيل. كانت له عليه يمين، أنّه ما دفع إليه هذه الدراهم.
الضياء: أبو عبد الله: من كان عليه ليتيم حق، فأداه إلى وكيله أو إلى غيره، ثمّ أنكر الوكيل أو غيره، قبض الدراهم فقال الرجل للوكيل: (2/151)
صفحة 423
أحلف بالله ما دفعت إليك هذه الدراهم. فقال: أحلف بالله ما عليّ لك حق، من قبل هذه الدراهم التي تدّعيها، فليس عليك إلا ذلك. قال: ويحنث إذا قبضها، وهو يعلم أنّها قبضت في حق اليتيم؛ لأنّ الدراهم إنّما تتلف على إنكاره.
رجع إلى كتاب أبي زكرياء: قال زياد بن الوضاح: إذا أقرّ رجل في يده دابة، فأقرّ لآخر بنصفها، فادّعى الآخر كلّها. قال: هي له، إلا أن يكون مع الذي في يده بيّنة، أنّ له نصفها، وعليه يمين ما يعلم له فيها حقا، بوجه من الوجوه. وقال آخرون: ليس له إلا ما أقرّ له به. وذكرت في رجل ادّعى على رجل، أنّه توقّع له على صرمتين بالليل، فقلعهما وأتى بالبيّنة فقال: لك حلفه، ما قلعن له صرمتين، وقال المدّعى عليه: حلفه أنّي قلعت له صرمتين من أرضه. فعلى هذه الصفة: فإن كانوا يتفقون على الصرمتين، كانت اليمين على المدّعى عليه، ما قلع هاتين الصرمتين اللتين لهذا، أو يردّ اليمين إلى المدّعى، فيحلف أنّ هذا لقد قلع صرمتيه هاتين بلا رأيه. وإن كانت الصرمتان غائبتين، كانت اليمين على المدّعى عليه، يحلف بالله ما يعلم، أنّه قلع صرمتي هذا، اللتين يدّعيهما إليه، أو يردّ اليمين إلى المدّعى، فحلف بالله، أنّ هذا قلع صرمتيه، اللتين يدّعيهما إليه بلا رأيه. (2/152)
صفحة 424
وإن كان المدّعى يقول: إنّ صرمتيه قلعتا، ويتّهم هذا بقلعهما، كانت اليمين على المدّعى عليه، فيحلف بالله ما قبله لهذا حق، من قبل هاتين الصرمتين، اللتين يدّعيهما إليه. فإن ردّ المدّعى إليه اليمين، إلى المدّعى، فليس على المدّعى يمين على هذه التهمة، واليمين على المدّعى عليه. وإن قال المدّعى: إنّه يحلف ما قلع لهذا صرمتين من أرضه، لم يكن له ذلك. فإن حلف على ما وصفت لك، وإلا فالحبس.
ومن غيره: وعن رجل عليه دين لرجل إلى نجمين، فيختلفان في التقديم والتأخير. فالمطلوب عندنا المدّعى، وعليه البيّنة. وقال من قال: الطالب هو المدّعى، لأقرب الأجلين.
ومن ما يوجد أنّه من جواب محمّد بن جعفر: وعن امرأة إذا أنكرت الرضا بالتزويج، وادّعى رضاها بلا بيّنة، ونزل إلى يمينها. فقد قيل: إنّ الأيمان في ذلك بينهما.
ومن غيره: وقد قيل: لا يمين في الرد، ولا في النكاح، ولا في الرضا. (2/153)
صفحة 425
قال أبو عبد الله: إذا كان رجل يأكل مال رجل، ويدّعيه بعلم منه، فلم يغيّر ذلك ولم ينكر، ثمّ احتجّ أنّه لم يكن عالما، أنّ هذا المال له، فله حجّته، وعليه يمين بالله، ما كان يعلم أنّ هذا المال له، وإن شهد شاهدان، أنّ المال له، فلا حجّة له في قوله، وإن لم يكن يعرف هذا المال له، وثبت المال للآكل عليه. وإن شهدا أنّ المال كان لأبيه أو لأخيه، أو لمن هو وارثه، أو أوصي له به فلان، أو أقرّ له به فلان، فإنّ هذا له، وفي هذا حجّة مع يمينه، أنّه لم يكن عارفا بما له هذا أنّه له. وقال محمّد بن محبوب: إذا ادّعى الولد إلى الوالدين حقا، فأعجز البيّنة، فإنّ الحاكم يقول لهما: إن شئتما أن تحلفا برأيكما على هذا الحق، الذي ادّعاه ولدكما إليكما، وإن شئتما أن تردّا إليه اليمين، حلفناه وأوصلناه إلى حقّه. فإن حلفا له، فقد حلفا وبرئا من دعواه، وإن ردّا إليه اليمين، حلفه الحاكم على حقّه، وأوصله إليه اليمين من مالهما، إلا أن يبرئ الوالد نفسه من مال ولده، فإذا أبرأ نفسه منه برئ. (2/154)
صفحة 426
فإن كرها أن يحلفا، ولا يحلفانه، فإنّ ذلك عليهما، ويجبران على اليمين. فإن لم يفعلا حبسهما الحاكم لحال عصاتهما إيّاه. وإذا برأ الوالد نفسه، من حق عليه لولده من بعد، من ما رفع عليه ولده، فأنكره وأقام عليه البيّنة، وحكم له به الحاكم، وأمر الوالد أن يسلّم إلى ولده، فأبرأ نفسه منه، من بعد هذا، فإنه يبرأ، وسواء ذلك صداق كان عليه لولده، أو غير ذلك من الحقوق. أحسب عن أبي الحواري: وفهمت ما ذكرت من أمر سليمان ابن محمّد، وأمر الهندي. فإذا صح معك بالبيّنة، إن فتح أشهد لسليمان بكلّ مال كان له، وأنّ سليمان طالب بما عليهم لفتح الهندي، فإذا نزل إلى اليمين، وطلب إلى غريمه، أن يحلف ما عليه لفتح، أو ما معه لفتح شيء، كان له ذلك. وعلى ذلك حلفهم ما ستروا عنه، لفتح الهندي شيئا، إذا أراد يمينهم على هذا. وإن أراد أن يحلفهم ما قبلهم، لسليمان من قبل، ما يدّعى من هذا الحق، من قبل فتح الهندي، كان له ذلك. (2/155)
صفحة 427
فإن ردّ اليمين إليه، لم يكن عليه يمين، إلا أن يكون يريد هو فيحلف، لقد أقرّ معه فتح الهندي، أو أخبره من يثق به، أنّ على هذا لفتح الهندي كذا وكذا. وهذا بعد أن يصح بالبيّنة العادلة، أنّ مال فتح هذا الهندي، لسليمان بن محمّد. وإنّما عليهم اليمين بالعلم، ما يعلمون أنّ عليهم لفتح الهندي وما معهم، ولا ستروا مالا هو لفتح الهندي إلى اليوم، إلا أن ينصب سليمان اليمين، أنّ لفتح لهذا على كذا وكذا قطعا، فعند ذلك يحلف المدّعى عليه قطعا، فافهم ذلك، والحمد لله ربّ العالمين. حدثّني محمّد بن المسبح: عن رجل تزوّج جارية فحين دخل بها، وكشف عنها، فأصاب منها. قالت له الجارية: حين ملكتني كنت مشركة. قال: كذبت. ولو أنّها قالت من قبل أن يدخل بها، كان نكاحها فاسدا.
وسألته عن رجل اشترى عبدا، ثمّ أخبر أنّه حر. قال: إن كان سأله حين اشتراه فقال: إنّي مملوك فليكاتبه بالذي اشتراه، ولم يجز بيعه. وإن كان لم يسأله، لم يجز فليعتقه وليحتسب ثمنه.
ومن غيره: قد قيل: ليس عليه تصديقه، إلا أن يشاء هو ذلك. (2/156)
صفحة 428
وإنّما هذا إذا صح بالبيّنة أنّه حر، وذلك إذا أقرّ أنّه مملوك لمن باعه، أو قال: إنّه يشتريه. وسألته عن رجل تزوّج بامرأة مسلمة، وزعمت أنّها قد زنت في الشرك. قال: لا بأس أن يمسكها. وسألته عن رجل تزوّج امرأة مسلمة، فقالت: إنّها زنت. قال: يفارقها.
ومن غيره: قد قيل: ليس عليه تصديقها، إلا أن يشاء ذلك، فإن صدقها، خرجت منه بلا صداق. وإن كذّبها، أقام معها، وعليه صداقها. وعن رجل اشترى عبدا من رجل، ثمّ ادّعى أنّ البائع باعه حرّا أو عبدا مغتصبا، أو عبدا لفلان، فقال فلان: إنّ العبد له وأنكر، والبائع ينكر ذلك، وقد قبض المشتري العبد، وورد الثمن ولم يقبضه، فإذا تفادرا البيع الصحيح، كان بها. وإن لم يقبضه، فالثمن على المشتري، ولا يقبل قوله على البائع إلا بالبيّنة. فإن أقرّ المشتري أنّه حر، عتق العبد. (2/157)
صفحة 429
وكذلك إن أقرّ أنّه لرجل من الناس، فإنّ البائع يؤمر بتسليمه إلى المشتري، ويؤمر المشتري بتسليمه، إلى من أقرّ له به، إذا صدّقه المقر له، ولا يرجع على البائع بشيء، إلا أن تصح بيّنة على ما يدّعي. وعنه: إن ظهر به عيب، كان مع البائع، وهو يدّعى أنّه باعه حر أو مغتصبا، أو عبدا لفلان، وفلان يدّعى ذلك وينكره. فأمّا إذا قال المشتري: إنّه حر، فإن العبد يعتق، ويرجع المشتري على البائع بأرش العيب. وكذلك إذا أقرّ لأحد وسلّمه إليه، رجع بأرش العيب. وعن عبد في يد رجل، ادّعى أنّه عبد لفلان، وفلان غائب. هل يمنع الذي هو في يده؟ قال: فلا يمنع منه، إلا أن يأتي وكيل الغائب بقبضه، فله ذلك إذا أقرّ له به نفسه؛ لأنّ إقراره بنفسه جائز، إلا أن تقوم بيّنة عدل، للذي هو في يده، أنّه له فيحكم بقول البيّنة. فقلت: فإن كان فلان حاضرا. فقال: ليس هو عندي. فالقول في ذلك: إنّه في يد من هو في يده، ولا ينزع منه.
وقلت: إن قال: إنّه عبد وادّعى. فهل يسلّم إليه؟ فقولنا: إنّه يسلّم إلى من أقرّ له بنفسه، إذا لم تقم بيّنة لمن هو في يده. (2/158)
صفحة 430
وعنه: إن اشترى أمة، وكانت عنده أشهرا، ثمّ ادّعت أنّها حرّة، وأقامت على ذلك البيّنة. فهل يرجع عليها بما أنفق عليها؟ فإن قامت بيّنة، أنّها كانت عالمة، أنّها حرّة يوم اشتراها، فلم يقل شيئا، ولم تنكر البيع، فله أن يرجع عليها بما أنفق عليها. وإن لم تقم بذلك بيّنة، ولم تقر هي بذلك، فليس له أن يرجع عليها بما أنفق عليها. وإن لم تقم بذلك بيّنة، ولم تقر هي بذلك، فليس له أن يرجع عليها بشيء، والحمد لله وصلّى الله على رسوله محمّد. وعن أبي عبد الله: في الذي يوجد قتيلا في دار قوم: إنّ الديّة على جميع سكّان الدار، من الرجال والنساء، والأحرار من من سكن بأجر أو بغير أجر، ويحلفون جميعا، الرجال معهم والنساء، كلّ واحد منهم يمينا بالله ما قتلوه ولا أمروه بقتله.
ومن غيره: وقد قيل في يمين القسامة: يحلفون أهل القرية ما كانوا، فإن نقص ذلك عن خمسين يمينا، اختار منهم من بقي وحلفوهم، وليس لهم إذا كان في القرية ثلاثون رجلا، أن يختاروا عشرة أنفس، فيردّون عليهم الأيمان. وإنّما كان لهم إذا كان في القرية ثلاثون رجلا، حلفوهم جميعا، ولهم اختيار. (2/159)
صفحة 431
فإذا حلفوا جميعا ثلاثون رجلا يمينا، اختاروا منهم حينئذ عشرين حلفوهم، وهكذا يكون اليمين. وإنّما الاختيار إذا كانوا في القرية أكثر من خمسين رجلا، فيختار أولياء المقتول من أهل القرية خمسين رجلا. فإذا كانوا عشرين، فإنّهم يحلفونهم مرّتين، ثمّ يختارون عشرة منهم، يحلفون بقية الأيمان. ومن نكل عن اليمين، أدّى الديّة وحده. وإن كان في البلد واحد حلف خمسين يمينا. وعن من يدّعى أنّ فلانا دفع إلى فلان مالا يدفعه إلى ذلك المدّعى، وادّعى أنّ ذلك الرجل وصبي لفلان، وأنّه أوصى للمدّعى بدراهم أو غيرها. فعلى ما وصفت، فأمّا إذا ادّعى أنّ قبل هذا له حق، من قبل فلان، سلّمه إليه ليوصله إليه، فعليه أن يحلف ما قبله لهذا حق، من ما يدّعى إليه من قبل فلان، وهذا إذا كان الذي يدّعى أنّه دفع إليه حقا قد مات. وإن كان يدّعى عن رجل حي، فليس على هذا المدّعى إليه يمين، ويرجع هو إلى من له حقه فيطالبه، والله أعلم. وعن أبي عبد الله: وسألته عن رجل ادّعى على رجل حقا، وأحضر (2/160)
صفحة 432
عليه شاهدي عدل بحقه، فقال المطلوب للحاكم: استحلفه أنّ هذا الحق الذي شهد له به، شاهداه هو على له بعد إلى اليوم، أو باق له عليه، منه شيء إلى اليوم، والطالب يدّعى حقا آخر، ليس له به على صاحبه بيّنة، فقال الطالب: أحلف أنّه باق عليك من حقّي كذا وكذا. فقال: عليه أن يحلف أنّ له على صاحبه باقيا كذا وكذا، من هذا الحق الذي شهد له به الشاهدان. فإن أبصر الحاكم موضع الحكم، لم يحلفه إلا على هذا الوجه.
وسألته عن رجل ادّعى على رجل حقا، كان لأبيه عليه، وزعم أنّه أخبره أو بلغه، ولم تكن بيّنة، وكره المطلوب أن يحلف وقال: احلف أنت. قال: يحلف أنّ أباه أخبره أو بلغه.
قلت: لم يرض بذلك؟ قال: فيحلف هو.
قلت: وكره؟ قال: فيحبس حتّى يحلف أو يعطى. فإذا تنازع رجلان، فوجب على أحدهما اليمين، فطلب أن يسأل عن يمينه. فهل للحاكم أن يمدّده في ذلك مدّة، أو يأخذ عليه كفيلا بنفسه، طلب ذلك الذي له الحق أو لم يطلب، أو ليس له ذلك؟ (2/161)
صفحة 433
قال: لا أعلم من من قول المسلمين له. وإذا ثبت عليه اليمين، كان عليه عندي أن يحلف أو يحلف، وإن كان له ذلك، إلا أن يرضى بذلك خصمه، ويجعل له ذلك؛ لأنّ الذي يدّعى إليه هو العدل. فإن كان الحق عليه، فيقرّر عليه بذلك، وإن لم يكن عليه، فيحلف فلا شيء عليه. وعن من اؤتمن أمانة، فرفعها المؤتمن مع رجل عند قوم هو وهم في البلد كلّهم، فلمّا جاء صاحبها قال له: إنّي دفعتها إلى فلان. أيكون معذورا أم يلزمه ضمانها؟ فعلى ما وصفت، فقد قيل: في ذلك بالاختلاف. والذي وجدنا عليه الاعتماد، أنّه إذا اؤتمن على أمانته أمينا، ثقة في ما يأتمنه عليه، فهو مصدّق في ذلك مع يمينه، إلا أن تصح خيانة الأمين الذي ائتمنه. فإنّه إن صح أنّه ائتمن خائنا، فقد خان أمانته في ما بينه وبين الله، فإذا جعلها حين يأمن عليها، وكان ذا عقل يميّز به بين الأمين والخائن، فلا ضمان عليه. فإن أراد صاحب الأمانة يمينه، حلف بالله، لقد جعل أمانته حيث يأمن على مثلها من ماله، وما خانه فيها، ولا يعلم أنّ الذي ائتمنه عليها خائن في ذلك، ولا متّهم حين جعلها معه. (2/162)
صفحة 434
فإذا حلف على ذلك، فلا ضمان عليه. فإن حلف لقد ائتمن عليها من يأمنه على مثلها من ماله، وما خانه فيها، جاز إن شاء الله. ما تقول في رجل ادّعت عليه امرأته، أنّه وطئها في الدبر عامدا، فأنكر ذلك؟ هل عليه يمين؟ قال: عليه اليمين.
قلت: فإن امتنع عن اليمين؟ قال: يحبس حتّى يحلف، أو يردّ اليمين إليها، فإن حلفت فرّق بينهما.
قلت: أرأيت إن حلف هو. فهل يحكم عليها بالقعود معه؟ قال: يحكم عليها، ولا تصدّق في دعواها عليه، ويقول لها الحاكم على وجه الفتيا: إنّها إن كانت صادقة في ما تقول، فتهرب منه وتقول: إنّها إذا أخذها للأمر بالقعود معه، ولم يمكنها الهرب منه، واضطرّها إلى الحرام، أمرت أن تفتدى منه، وتخرج من الحرام، بما عليه لها، في هذا الوجه، من الوطء في الدبر والحيض، واليمين في ذلك أن يحلف أنّه ما وطئها بفرجه في دبرها متعمّدا. (2/163)
صفحة 435
قلت: فإن ادّعت امرأة على زوجها أنّه طلّقها، وأنكر الزوج، ولم تكن مع المرأة بيّنة، وطلبت يمينه. فكيف تكون اليمين في ذلك؟ قال: إذا لم تكن قصّة، وإنّما ادّعت عليه الطلاق نفسه، من غير لفظ تدّعيه عليه من ألفاظ الطلاق، حلف لها ما طلّقها طلاقا هو بانت عليه، إلى الساعة يخرجها من تلك الزوجية منه؛ لأنّه يمكن أن يكون طلّقها وردّها.
قلت له: قال: ادّعت عليه أنّه طلّقها ست تطليقات، وأنكرها وطلبت يمينه؟ قال: فإنّه يحلف أنّها امرأته، ما طلّقها ستّ تطليقات طلاقا يبينها منه من حكم الزوجية، إلى هذه الساعة. (2/164)
صفحة 436
باب في النصب في الأيمان
من كتاب أبي جابر: وإن طلب المدّعى النصب، فإنّما له النصب إذا كان هو يحلف بذلك، إذا ردّت إليه اليمين. وبعض الحكّام، كان لا يرى النصب إلا بصدقة ما يتنازعون فيه. وبعض الفقهاء، كان يرى النصب في الأيمان. وبلغنا عن موسى بن علي –رحمه الله-: أنّه كان يرى النصب، وحلف بسبعين حجّة، ونحن نأخذ برأي من كان يرى يمين النصب. قال أبو المؤثر: يستحلف بالله، وصدقة مثل ما يتنازعون فيه.
ومن غيره قال: وقد قيل: إنّ بعض الفقهاء لم يكن يرى النصب في شيء من الأيمان، إلا أن يحلف بالله وقال: كفى بالله. وكذلك جاء الأثر، ما كان من المنازعة في الفروج، وما عظم من الأمور، فما نرى بأسا إن نصب المدّعى بسبعين حجّة، فيحلف له الحاكم خصمه بها. (2/165)
صفحة 437
وإذا حلفه الحاكم، وقد نصب اليمين، فإذا فرغ من اليمين. قال الحاكم له وهو يقول كما يقول الحاكم: فإن كنت كاذبا فعليك الحج إلى بيت الله الحرام، سبعين حجّة، أو ما نصب بينهما من الحج سبعين أو عشرين. وأمّا الصدقة، فإنّما نرى للخصم مثل الذي عليه، وربّما كان المدّعى عليه له مال كثير، والمدّعى له مال قليل، فيطلب أن يحلفه بصدقة ماله. فإنّا نرى أن يحلف الحاكم المدّعى عليه بصدقة مثل ما المدّعى من ماله على الفقراء؛ لأنّ المدّعى إن ردّ إليه خصمه اليمين، حلف بصدقة مثل ماله، فعلى مال المدّعى يقع النصب. وكذلك إن نصب المدّعى صدقة ألف درهم، وهو إنّما يملك مائة درهم، فإنّما له أن ينصب بقدر ما يملك، والله أعلم.
ومن غيره: وقد قيل: إنّه لا نصب في الأيمان بالصدقة، إلا بصدقة مثل ما يتداعيان بينهما ويتخاصمان عليه. وقال قوم: لا نصب في الأيمان. قال أبو المؤثر: لا أرى أن يستحلف بأكثر من يمينه بالله، وصدقة مثل ما يتنازعان فيه. فإن كان شيء من أمر الفروج والدماء، فلا أرى بأسا أن يغلظ في اليمين بالنصب وبالحج وغيره إلا الطلاق، فلا أرى أن يستحلف به. (2/166)
صفحة 438
ومن غيره: وقد قيل: النصب بكلّ شيء إلا الطلاق والعتاق. وقال من قال: الأيمان بالنصب بكلّ شيء، إلا الطلاق في التغليظ. وإن قامت للطالب بيّنة بحقّه، فطلب المدّعى عليه يمينه، بعد ذلك بالنصب، فليس له ذلك بعد البيّنة، وله عليه يمين بلا نصب. قال أبو المؤثر: اليمين بينهما بعد البيّنة وقبلها سواء. وإن شاء الذي أحضر البيّنة حلف، وإن شاء ردّها إلى خصمه، فأمّا النصب بالطلاق والعتاق، فلا نحب ذلك، ولم يكن فقهاؤنا يحلفون به. وكذلك من صح حق ببيّنة عدل على حي أو ميّت، فطلب الذين صح عليهم الحق يمين المدّعى، فعليه اليمين وإلا فلا شيء له.
ومن غيره قال: وقد قيل: لا نصب في ذلك. وإن كان لا يعرف حقّه، إلا بما شهدت له به البيّنة، حلف بالله ما يعلم أنّه ألجأه إليه، ولا أنّ شهوده شهدوا له بباطل. وكذلك المرأة التي صح لها صداق ببيّنة ولا تعرفه، أو ميّت شهد لعلّه أشهد لإنسان بمال بحق، أو يقرّ له به، فإن كان يعرف أنّ ذلك له حلف عليه. (2/167)
صفحة 439
وإن احتجّ أنّه لا يعرفه إلا ما شهدت به البيّنة، حلف بالله ما يعلم أنّ الميّت ألجأ إليه، ولا أنّ شهوده شهدوا له بباطل، ولا نصب في ذلك. وإن احتجّ المدّعى أنّه لا يعرف حقّه إلا بخير، من يثق به، حلف على ذلك، وليس فيه أيضا نصب. قال أبو المؤثر: لا أرى على المدّعى في مثل هذا يمينا، ولكن يستحلف المدّعى عليه ما يعلم، أنّ عليه للمدّعى حقا من قبل هذه الدعوى، وإنّما يحلف بالله.
ومن غيره قال: لا أعلم من أيمان المسلمين الطلاق ولا العتاق.
قلت: فإن اتفق الخصمان على أن ينصبا في اليمين الطلاق والعتاق. فهل للحاكم أن يحلفهما على ذلك؟ قال: إذا رضيا بذلك، واتفقا عليه، ولم يكن منه خير لهما، أمرهما بتقوى الله، وأخبرهما أنّ هذا ليس من أيمان المسلمين، التي يحلفون بها على الطلاق. وإن اختار ذلك، لم يبن أنّه باطل. وأمّا أن يجبر أحدهما، فلا يبيّن لي ذلك.
قلت: فإن اتفق الخصمان أن يحلفا بعضهما بعضا بالبراءة من دينهما. فهل للحاكم أن يحلفهما على ذلك، إذا كانا من أهل الإقرار بالإسلام؟ قال: ليس من أيمان المسلمين المعروفة في أحكامهم، إلا أنّه من جملة (2/168)
صفحة 440
ما قالوا: إنّهما إذا اتفقا على شيء من النصب بالأيمان بالله، من ما سوى الطلاق والعتاق، فهي أيمان. ولا يبيّن لي عند اتفاقهما، أن يضيق ذلك على الحاكم، وترك ذلك أحبّ إليّ. وعن الحاكم. هل له أن يحلف الخصمين بالنصب، في جميع الدعاوي. من وجب عليه اليمين؟ قال: قد قيل: ليس ذلك في جميع الدعاوي، وإنّما اليمين بالله، وقد قيل في بعض القول: إنّ للحاكم ذلك، إذا نصب الخصمان بينهما شيئا من الأشياء، يتداعيان إلى اليمين في ذلك بالنصب، ما دون الطلاق والعتاق، فإنّه لا يحلفهما بهذا. وقال من قال: إنّما النصب، إذا رآه الحاكم في الدعاوي العظيمة، مثل القتل وانتهاك الفروج والأمور العظيمة، التي ترجى في يمين النصب، أن ينكل المطلوب إليه ذلك عن اليمين، ويرجع إلى الإقرار، فتكون في النصب هيبة. وما كان من الدعاوي، فإنّما اليمين على المدّعى عليه، دون المدّعى، فلا نصب فيه، وهذا فصل من الأيمان، كثير يكون اليمين فيه على المدّعى عليه دون المدّعى. وكذلك ما كان اليمين فيه، إذا ردّت إلى المدّعى، حلف فيه على علمه، لم يكن فيه نصب له على خصمه، ولا يحلف عليه إلا بالله. (2/169)
صفحة 441
وإنّما اليمين بالنصب، على ما يكون عليه لخصمه، إذا ردّها إليه بالقطع، فافهم هذا الفصل من الأيمان. وقيل: لا نصب في الصدقات. وإنّما قلنا: لا نصب في الصدقات، في التي يموت زوجها، ويوصى لها بصداقها. فإذا خلف الميّت أيتاما، لم يكن للمرأة بد من اليمين، أو كانوا بالغين، فطلبوا يمينها، كان لهم اليمين بلا نصب، وإنّما قالوا: النصب جاء من ناحية إزكي، وأكثر القول: لم يكونوا يقولون بالنصب. ومن قال بالنصب، فإنّما النصب للطالب، وليس للمطلوب إليه، ومن قال بالنصب، فإنّما النصب للطالب، وليس النصب للمطلوب إليه. وعن رجل استأجر أجيرا يعمل بشيء معروف، وادّعى الأجير أنّه قد عمل وطلب حقّه، وأنكر الآخر، فإذا تغادرا بالكراء، وكان العمل مثل كتاب يبلغ، أو يأمر غائب، فالقول قول الأجير، أنّه قد فعل وله الكراء. وإن كان عملا من الأعمال الحاضرة، مثل البناء ونحوه، وقف عليه حتّى يعلم أنّه قد عمله، ثمّ له حقّه. (2/170)
صفحة 442
واليمين في هذا، أن يحلف الأجير، أنّ له على هذا كذا وكذا من هذا، الذي تدّعيه. رجل ادّعى على رجل، أنّه أخذ من عم له دراهم وثيابا، لم يبيّنها كم هي. هل تسمع دعواه؟ قال: تسمع دعواه.
قلت: وهل يلزمه في ذلك يمين؟ فإن لزمته، فكيف يحلف؟ قال: يحلف ما معك ولا عندك ولا أتلفت شيئا تعلم، أنّ لهذا فيه حقا، من قبل ما يدّعى عليك من هذا المال. وعن رجل ادّعى على رجل أنّه أغمى عليه، ولا يعرف ذلك البيّنة، ولا يقرّ الجاني بالغمية. هل يكون بينهما في ذلك يمين؟ وكيف يحلف؟ قال: فنعم، الأيمان بينهما بالعلم، يحلف الجاني ما يعلم، أنّه أغماه بجنايته هذه، ولا ذهب عقله من جنايته هذه، أو يردّ اليمين إلى المجنى عليه، فيحلف لقد غاب عقله من هذه الجناية. وإذا بان مع الحاكم، من رجل أنّه يتعنّت رجلا بالإيمان، شيئا بعد شيء، احتجّ عليه أنّي لا أستحلفه لك، إلا يمينا واحدة، فأجمع مطالبك كلّها، حتّى أستحلفه لك عليها يمينا واحدة، فإنّي لا أرجع أستحلفه لك بعدها، فعل ذلك محمّد بن محبوب وحكم به. (2/171)
صفحة 443
ومن قال: هذه القطعة من الأرض أو النخل لفلان، إقرار منّي له بها، أو بدراهم. فقال الورثة للمقر له: أحلف أنّك ما تعلم أنّه أقرّ لك بها، بغير حق، ولا أنّه ألجأها إليك. فإنّ عليه أن يحلف. فإن لم يحلف، لم يكن له شيء، والله أعلم. قال القاضي أبو سليمان: هذا رد ابن سعيد –رحمه الله- في البيع، إذا باع شيئا من مال غيره بوكالة، ثمّ أنكره المشتري، فنزل إلى يمينه، فردّ اليمين إلى البيع، فعليه اليمين، يحلف بالله، أنّه يستحقّ عليه مطالبة كذا من ما باعه عليه من مال فلان.
ومن غيره: إذا ادّعى رجل إلى رجل عشرة دراهم، فقال المدّعى عليه: عليّ له عشرة دراهم، من كذا وكذا، من بيع فاسد قد ذكره. فإنّه يكون مدّعيا في ذلك، ويكون القول فيه قول المدّعى مع يمينه، على صفة المدّعى عليه، فساد البيع أن نقضه. إن شاء حلف على ما يدّعى المدّعى من فساد البيع ونقضه، وإن شاء ردّ اليمين إليه، فحلف على ذلك. فإن لم يقرّ بالدراهم، وإنّما أقرّ بالصفة التي جرت بالفساد بينهما، كان المدّعى من يدّعى الدراهم، ويثبت عليهما ما هو أقرّ به، ويكون القول قوله مع يمينه، إلا أن يصح عليه المدّعى بيّنة، واليمين على الصفة، فإن شاء حلف، وإن شاء ردّ اليمين عليه. (2/172)
صفحة 444
رجل ادّعى على رجل أنّه دخل منزله بلا إذن. أعليه يمين، فلم نر عليه يمينا؟ قال أبو بكر أحمد بن محمّد بن خالد: عليه يمين بالله، ما دخل منزله بلا إذن، فإن لم يحلف حبس له.
ومن غيره: في رجل ادّعى على رجل أنّه دفره. فقال: إنّ بعضا يقول: إنّه يقيمه مقام الضرب، وبعضا يقف عنه.
قلت له: فالذي يقيمه مقام الضرب يرى فيه اليمين؟ قال: شبه ذلك عندي. ورجل ادّعى على رجل أنّه وجأهوجأة، فقال: إنّ بعضا يقيمه مقام الضرب في ذلك. وفي رجل ادّعى أنّه أقبض رجلا غزلا وسلّم، قال: إنّه لا يمين في هذا، إذا لم ينكر المدّعى عليه؛ لأنّه لا يمين في الأفعال، إذا لم تثبت بالدعوى على المدّعى عليه، والقبض فعل، والتسليم فعل والأخذ فعل. وإذا ادّعى رجل على رجل، أنّه ضربه فأنكر. (2/173)
صفحة 445
قال من قال: يحلف ما ضربه. وقال من قال: لا يحلف حتّى يحدّد المدّعى الضرب، مؤثرا أو غير مؤثر، وأين هو من بدنه، أو شيء محدود. وعن أبي الحسن: في رجل عنده دراهم، يسلّفها فتسلّف من عنده رجل شيئا من تلك الدراهم، فلمّا حلّ الأجل، أنكره وجحده فنزل إلى اليمين.
قلت: كيف يحلف المسلّف؟ فعلى ما وصفت، فإن كان السلف أعلم المتسلّف أنّ الدراهم لغيره، وليس هي له، فتكون المطالبة واليمين لمن له السلف. وإن كان لم يعلمه بذلك، ولم يعلم المتسلّف الجاحد الحق، الذي جحده، إلا لهذا الذي سلفه. أيستأذن هذا السلف صاحب السلف، فإن أذن فهو له، ويحصل له ذلك، أن يحلف الجاحد على ما جحده من سلفه. وإن أراد الجاحد اليمين إلى المسلف، فيجعل صاحب الحق حقّه للمسلّف، حتّى يحلف عليه، والله أعلم بالصواب. ومن رأى رجلا يطأ دابة له، ورفع عليه، فإنّه يقول لحال الحد: إنّ هذا فعل بدابتي فعلا حرم عليّ به. فإن أنكر الآخر، فاليمين عليه، ما عليه له حق، من قبل ما يدّعى، أنّه فعل بدابته فعلا، حرمت من أجله عليه، ولزمه له ضمانها. وإن ردّ اليمين إليه، حلف الطالب، لقد فعل هذا بدابتي فعلا، حرّمها على بذلك، ووجب عليه ثمنها. (2/174)
صفحة 446
وكذلك إن ادّعت امرأة أنّ رجلا اقتسرها، حتّى وطئها فإنّها تدّعى، أنّ هذا الرجل كابرني على نفسي، وغلبني على نفسي، حتّى وجب عليه عقري. فإن أنكر ولم تكن صحّة، حلف ما عليه لها حق ولا صداق، من قبل هذه الدعوى التي تدّعيها إليه. قال: فإن ردّت اليمين إليها، حلفت لقد غلبها على نفسها، وكان منه إليها ما وجب عليه صداقها. وعن رجل أمر رجلا يدفع بضاعة عنده، له إلى رجل، ففعل ما أمره، فأنكر الآخر أنّه لم يدفع إليه شيء. فاليمين في هذا، أن يحلف المأمور بالدفع، لقد فعل كما أمره، وما عنده ولا عليه له هذه البضاعة، التي كانت له عنده له، ولا حق من قبلها. فإن كان هذا المدفوع إليه له دين على صاحب البضاعة، وأراد الوفاء بتلك البضاعة، وطلب يمينه حلف بالله، أنّ له عليه من الحق كذا وكذا، وما استوفاه وصار إليه، من قبل هذا السبب، ولا غيره، ثمّ له حتّى يصح بشاهدي عدل، أنّ الآخر دفع إليه.
ومن جامع أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة –رحمه الله-: اختلف أصحابنا في النكول عن اليمين عند الحاكم. فقال أكثرهم: إذا نكل عن اليمين لزمه الحق. (2/175)
صفحة 447
وقال بعضهم: وهو السائد فيهم: إنّ الحاكم يأخذه حتّى يحلف أو يعترف. وهذا هو الذي يوجبه النظر؛ لأنّ طاعة الحاكم واجبة عليه، فإذا امتنع من طاعة الحاكم لزمه الحبس، وهو عاص في فعله، وعلى المسلمين أن يعينوا الحاكم عليه. وليس للحاكم أن يعذره، من أن تكون الدعوى التي ادّعيت عليه صحيحة، أو يدرأ بها عن نفسه بيمين. ويدلّ على هذا قول الله: {وليملل الذي عليه الحق} فللحاكم أن يأخذه بالذي عليه، وهو أحد شيئين: الدعوى أو اليمين، ولم يصح للمدّعى حق بعد، فتلزمه إيّاه، والله أعلم. واتفق أصحابنا على القول، بردّ اليمين، إذا طلب ذلك المدّعى عليه. ورفع أبو العبّاس عن القاضي أبي علي الحسن بن سعيد بن قرش: في رجل ادّعى على رجل، أنّه أخذ له شيئا من ماله، أو عمل له عملا، وأنكر خصمه لك، ولم تقم معه بيّنة بدعواه، فردّ إليه الخصم اليمين على ما يدّعيه: إنّما اتهمه ودعواه من قبل، لم تكن على وجه التهمة، وإنّما كانت قطعا على الخصم. أتكون اليمين على الخصم دونه، لأجل ما ادّعاه في آخر الكلام من التهمة، أم إذا ادّعى قطعا، لم يرجع إلى التهمة؟ قال: إذا ادّعى عليه حقا، لا يعرف مبلغه، لم يكن في ذلك رد يمين. (2/176)
صفحة 448
فأمّا إذا ادّعاه قطعا، ثمّ رجع عن ذلك، وقال: إنّه اتهمه بها كانت اليمين فيه، على قدر التهمة، والله أعلم. قال القاضي أبو علي: رجل يدّعي وصاية من رجل، ثمّ أنّه يدّعى حقا على رجل، لمن أوصى إليه، ولم تقم له بيّنة بوصايته، ولا بالحق الذي يدّعيه. أتجب له في الحكم يمين على المدّعى عليه أم لا؟ قال: الذي عرفت أنّه، لا يمين له على المدّعى إليه، على هذه الصفة، والله أعلم. أرأيت إن أقرّ ورثة الذي ادّعى أنّه أوصى إليه بوصايا، أنّ هذا المدّعى له وصية. أله المحاكمة في ما يدّعيه من الوصية، وتثبت بإقرارهم بالوصيّة أو بالبيّنة العادلة؟ الذي عرفت أنّ له المحاكمة في تصحيح وصايته بإقامة حجّته. فأمّا بإقرار الوراث، فلا يثبت وصيا في الحكم، على غير المقر بصحّة وصيّته، والله أعلم. أفتنا –رحمك الله- في جماعة تنازعوا هم ورجل، في موضع يدعى الجماعة، أنّ فيه طريقا لهم، وقال ذلك الرجل: إنّه مال له، وأنكرهم الطريق. كيف الحكم بينهم؟ وكيف تكون اليمين، إن وجبت على أحدهم؟ بيّن لي ذلك.
الجواب: الذي عرفت، إن كان هذا الموضع في يد الرجل، فعلى الجماعة البيّنة، أنّ فيه طريقا لهم. (2/177)
صفحة 449
فإن أعجزوها، وطلبوا اليمين إلى المدّعى إليه، لزمه اليمين، أنّ هذا الموضع له، ما لهؤلاء الجماعة فيه حق، من قبل الطريق التي يدعوها. هذا إن ادّعى الطريق قوم معروفون. فأمّا إن كانت الدعوى، أنّها طريق جائز، لم تكن يمين فيها، وفي جواز ثبوت اليمين اختلاف. ثمّ جواب أبي علي الحسن بن سعيد بن قريش. وإذا اشترى رجل عبدين أو دواب، أو أكثر من العروض والسيوف، بثمن واحد، وعقد واحد، ثمّ وجد في أحدهم عيبا، فإن شاء رضي بالعيب، وإن شاء ردّهم كلّهم. وإن كان أتلف منهم عبدا، أو أحدهما اشترى جملة، وكانت العقدة واحدة، ردّ ما بقي وضمن فيه ما أتلف، إن عرفه العدول بقيمته، ما اشترى ويردّ الباقي. وإن لم يكن أحد يعرف الذي تلف سئل المتلف كم يساوي؟ فإن قال: إنّه يساوي كذا وكذا، كان القول قوله مع يمينه، أنّه ما يعلم أنّه يساوي أكثر من هذا الثمن، إلا أن تجيء البائع بشاهدين، أنّهما يعرفانه، وأنّه يساوي كذا وكذا، ثمّ يؤخذ بذلك. وإن نزل المتلف إلى يمين صاحبه، حلف أنّه معه يساوي كذا وكذا، ثمّ يؤخذ له بذلك. (2/178)
صفحة 450
وكذلك البيوع الفاسدة والمنتقضة، مثل حب بحب، وتمر بتمر، أو ثوب بثوب، أو شيء بمثله بنسبه، فإنّه ربا لا يحلّ أو دنانير بدنانير، أو دراهم بدراهم، فيردّ إلى رأس ماله، وقد أتلف الذي أخذوا به، يردّ عليه حبا مثل حبّه، وتمرا مثل تمره. وكذلك غيره، إذا ادّعى البائع أنّ الذي أحضره دون حقه، دعى بشاهدين أنّه دون حقه، وكلّف المطلوب أن يحضر خيرا منه، ما دام الشاهدان يقولان: حبّه الذي قبض خير. فإذا وقف أو لم تكن بيّنة، كان القول قول الذي عليه الشيء، مع يمينه ما يعلم أنّ الذي له أكثر من هذا. وإن نكل عن اليمين، ونزل إلى يمين صاحبه، حلف الطالب أنّ حبّه كان خيرا من هذا، ثمّ كلّف أن يجيء بخير منه. وإذا ادّعى ورثة ميّت إلى رجل حقا للميّت وصح، فعليهم الأيمان أنّهم يعلمونه، وقد كان له عليه ما يعلمون، أنّه زال عنه بوجه من الوجوه. فمن حلف استحقّ حصّته. ومن نكل عن اليمين، لم يكن له شيء. قال أبو المؤثر: إن قال المدّعى: إنّي لا أعرف من أين هذا العيب حدث، إلا أنّي أتّهم أنّه باعه لي وهو فيه. فعلى البائع يمين، لقد باع منه هذا، وما يعلم فيه هذا العيب، فإن حلف تمّ البيع (2/179)
صفحة 451
وإن نكل عن اليمين، حبس حتّى يحلف أو يقرّ بالعيب، أو يردّ البضاعة المعيوبة من حيوان أو غيره.
وسألته عن الرجل إذا ادّعى إلى رجل، سلّم إليه عشرة دراهم، وأنكر المدّعى عليه ذلك، وطلب المدّعى يمين المدّعى عليه. كيف تجرى اليمين في ذلك؟ قال: الحاكم يسأل المدّعى. كيف سلّم إليه هذه العشرة، على أيّ وجه؟ فإن اعترف أنّه مسلم إليه، على سبيل الأمانة، فإنّه لا يحلفه؛ لأنّه يمكن أن يكون سلّمها إليه، وردّها إليه، فلا يبيّن لي في هذا يمين، إلا أن يدّعى أنّه سلّمها إليه أمانة، وهي له معه، فإنّه يحلفه ما عنده له عشرة دراهم، من ما يدّعى أنّه سلّمها إليه أمانة.
قلت له: فإن برح المدّعى، إلا أن يقول: هي له عنده، إلا أنّه يدّعى أنّه سلّمها إليه أمانة. كيف يحلفه الحاكم؟ قال: يحلفه ما سلّم إليه عشرة دراهم أمانة، هي له عنده، إلى هذا اليوم. وإذا ادّعت والدة الصبية على والدها، أنّ كسوتها التي قبضتها لها من والدها، ضاعت. فهل يكون القول قولها؟ وعليه أن يحضر ابنته، كسوة أخرى قبل انسلاخ السنة؟ قال: إذا قبضتها على غير شرط، فيعجبني أن تكون أمينة فيها، وكان القول قولها في ذلك مع يمينها، وعليه أن يحضر ولده كسوة أخرى. (2/180)
صفحة 452
قلت له: فإن قبضت من الوالد الكسوة بضمان، فصح تلفها. فهل عليه أن يحضرها لولده كسوة أخرى؟ قال: نعم، على الوالد للصبيّة كسوتها، ويكون على الأمّ ضمان ما ضمنت به للوالد.
قلت: ولو صح التلف بعذر؟ قال: هكذا عندي.
رجل ادّعى على رجل، أنّه له عنده ثلاث ضربات بشي قد سمّاه، وأنكر المدّعى عليه، ولم تكن مع المدّعى بيّنة، وطلب يمينه. هل يلزمه له يمين؟ قال: لا يبيّن لي في هذا يمين، إلا أن يدّعى أنّ له عنده، أرش ثلاث ضربات أو ديّتهن. فإن كان كذلك، كان هذا شيئا معروفا من الحق، وكانت عليه اليمين.
قلت: فإن ادّعى أنّه جاء مقدّما بالجند إلى بيته فنهبوه، وأنكر المدّعى عليه ذلك، وطلب المدّعى يمينه. فهل عليه في هذا يمين؟ قال: لا يبيّن لي في هذا يمين.
قلت: فإن ادّعى أنّه دلّ السلطان على ما له، لينهبوه أو ليأخذوه، فأخذوه أو نهبوه بدلالته. (2/181)
صفحة 453
فإن كان ذلك قبل ذلك، لزمه اليمين، أن يحلف ما قبله له حق، من قبل ما يدّعى عليه، على ما يبيّن لي من الدلالة والفعل.
ومن ما يوجد أنّه عن أبي المؤثر: وعن رجل ادّعى على رجل حقا، فرفع عليه إلى الحاكم، فادّعى عليه دراهم، مسمّاة. فقال المدّعى عليه: كان على له جرين من حب بر، فطلبهما إليّ، ولم يكن معي شيء أعطيه. فقلت له: أحسبه على كذا وكذا درهما إلى أجل. فإن كان هذا تاما أعطيته. وإن كان منتقضا، أعطيت الحب الذي على له. فقال المدّعى: ليس أعرف من هذا شيئا، عليه لي عشرة دراهم بحلف، وإلا حلفت. فقال المدّعى عليه: يحلف أنّ هذا الحق عليّ له، من غير هذه الصفة، حتّى أعطيه، فأبى أن يحلف فقال المطلوب إليه: أنا أحلف عليّ هذا، وإلا يحلف هو على هذه الصفة. كيف الحكم بينهما؟ فعلى ما وصفت، فإذا كان المدّعى عليه، يقرّ بفساد البيع، ولم تكن معه على ذلك بيّنة، على ما يدّعى من فساد البيع، ونزلا إلى الأيمان، وأخبر كيف كان أمر البيع، كانت اليمين على ذلك، يصف المدّعى عليه الصفة، فإن شاء المدّعى الذي له الدراهم، يحلف على ما قال المدّعى عليه، وإن شاء ردّ اليمين إلى المدّعى عليه، فيحلف على ما قال. فإذا حلف، لم يكن للطالب إلا رأس ماله، الذي أقرّ به المطلوب في الأصل. وكذلك بلغنا عن محمّد بن محبوب: إنّ البيوع الفاسدة، لا تكون اليمين، إلا على ما يدّعى المطلوب. (2/182)
صفحة 454
ومن اشترى من رجل ثوبا، ونقد الثمن، ثمّ يردّه فتكره البائع ويقول: ليس هو ثوبي، ويقول المشتري: بل هو ثوبك. فإنّ البيّنة على المشتري، أنّه ثوبه، وعلى البائع اليمين، ما يعلم أنّه ثوبه، إلا أن يكون جعل له الخيار، فإنّ المشتري مصدّق لا يمين عليه. سألت أبا بكر أحمد بن محمّد بن خالد: عن رجل رفع على رجل إلى الحاكم؛ لأنّه ضمن عنه بحق لرجل غائب، فأنكر المدّعى عليه. أيحلفه له الحاكم أم لا لزمه الضمان؟ فإذا لزمه الضمان، كان له أن يطالبه. وإن أنكر، كان له أن يحلفه؛ لأنّه كان قد لزم ذمّته الضمان، والله أعلم.
ومن غيره: قلت: فإن ادّعت امرأة على زوجها، أنّه قال لها: أنت طالق. فكيف تكون اليمين على هذه الدعوى؟ قال: قد قيل: هذا اللفظ قد حكيت عليه حكاية، وقصّت قصّة، وتكون اليمين على قصّة، ما قال لها كذا وكذا، ثمّ ينظر الحاكم في ذلك. فإن كان يوجب عليه طلاقا في ذلك اللفظ، الذي حلف عليه، حكم عليه في ذلك، إلا أن يخرج نفسه من دعواها هذه. وسألته عن الخصم، إذا حلفه الحاكم لخصمه، على شيء من الدعاوي، فإذا حلف فعاد ادّعى عليه دعوى أخرى، وطلب يمينه في ذلك. هل لك ذلك؟ قال: نعم، ما لم يقطع كلّ دعوى عنه، إلى هذا اليوم، الذي حلفه فيه. (2/183)
صفحة 455
قلت له: وعلى الحاكم أن يأمره بجمع مطالبه؟ قال: هكذا عندي، أنّ ذلك من مصالح الأحكام؛ لئلا يتعنّت الخصوم بعضهم بعضا.
قلت له: وإذا قال: إنّه لم تبق له دعوى، وطلب يمينه فحلفه، ثمّ ادّعى عليه شيئا آخر، بأهل تسمع دعواه؟ قال: هكذا عندي، ما لم يقطع دعاويه.
قلت له: فما اللفظ الذي يقطع دعاويه، ولم يسمع له دعوى بعد ذلك؟ قال: من ذلك أن يقول له الحاكم: قد قطعت كلّ دعوى لك على خصمك، هذا في ما يمضي إلى هذا الوقت، في هذا اليوم. فإذا قال: نعم، وحلفه على دعاويه، ثمّ ادّعى عليه، لم يسمع له بعد ذلك دعوى في ذلك الوقت، وقد انقطع عنه دعواه.
قلت له: فإن غابا عنه في ذلك اليوم، بقدر ما يلزمه له حق، ثمّ نزلا إليه في ذلك اليوم، بعد الغيبة، فادّعى عليه دعوى أخرى. فهل يسمع الحاكم منه ذلك؟ قال: هكذا إذا أمكن حدوث ذلك. وحضر أبا المؤثر رجل وامرأته، فقال له الرجل: إنّي كان بيني (2/184)
صفحة 456
وبين امرأتي كلام فقلت لها: سيري فليسك امرأتي. فقال لها أبو المؤثر: اسمعي ما يقول. فقالت: هو كما يقول هكذا. قال: فقال للرجل إن كنت عنيت بقولك طلاقا، فهو ما نويت، وإن لم تنو طلاقا، فلا بأس عليك. فقال الرجل: لم أنو طلاقا، وإنّما أردت بذلك أغمّها إذ غمتني. قال أبو المؤثر: للمرأة إن صدّقته، فلا بأس عليك، وإن لم تصدّقيه، فاستحلفيه فطلبت المرأة يمينه، فأمرتني أستحلفه بالله، ما عنى بقوله: سيرى فليسك امرأتي. طلاقا فحلف الرجل ما عنى بقوله: سيرى فليسك امرأتي. طلاقا فقالت المرأة: أرجع إليه. فقال لها: ارجعي إليه فهو زوجك.
ومن غيره: وعن المرأة إذا ادّعت على زوجها، حرمة يسألها الحاكم. ما هذه الحرمة؟ قال: قد قيل ذلك؛ لأنّه لعلّها توهمتها حرمة، وليس بحرمة.
قلت: فهل يسع الحاكم ألا يفحصها عن ذلك، ويحلفه على دعواها؟ قال: لا يبيّن لي ذلك، ولا عليه من ما قيل؛ لأنّه لو أقرّ هو أنّه وقع بينهما حرمة، لم يقرب إلى ذلك، حتّى يبيّن الحرمة؛ لأنّ الحرمة لا تدرى ما هي. (2/185)
صفحة 457
قلت له: فإن ادّعت أنّه كان منه إليها شيئا، لا يحلّ له بعده أبدا. فهل للحاكم أن يحلفه على ذلك، ولا يفحصها؟ قال: لا أعلم ذلك، وليس له ذلك؛ لأنّ ذلك يقع موقع الكذب، إذا كان على ذلك في الأصل.
قلت: فإن ادّعت أنّه وطئها في الدبر، وأقرّ بذلك، وادّعى الخطأ. فهل يكون القول قوله، وعليها هي البيّنة أنّه عمد؟ قال: إذا لم يقر بالعمد، وإنّما قالت هي: عمد، وقال هو: خطأ، فهي المدّعية الحرمة، والمدّعى الحرمة، هو المدّعى؛ لأنّ الخطأ لا يفسد وإنّما يفسد العمد. وقيل في التي ادّعت على زوجها الطلاق وأنكر، ونزل إلى يمينها. فإن ادّعت طلاق ثلاث، أو خلعا حلفت، لقد طلّقها ثلاثا، وأنّها بائنة منه بهذا الطلاق، وما هي زوجته، وكذلك في الخلع. وإن كان يملك فيه رجعتها، وادّعت أنّ عدّتها قد انقضت، حلفت لقد طلّقها وانقضت عدّتها منه، وأنّها لبائنة منه، وما هي له بزوجة، ولا له فيها ملك ولا مراجعة. وإن لم تنقض عدّتها خبر على ردّها، وإذا تزوّج الرجل بالمرأة، وأنكرت الرضا، فطلب يمينها، فاليمين عليها هي، ولا يمين عليه، إلا أن يدّعى أنّ بيّنته بالرضا غابت، أو ماتت، أو نحو هذا، يحلف بالله، لقد رضيت به زوجها، وأنّها زوجته. فأمّا الأب إذا نزل إلى يمين رجل عليه حق لولده الصبي، فإنّه يحلف المطلوب إليه، ما عليه لهذا الصبي ابن هذا، ويسمّى باسمه كذا كذا. (2/186)
صفحة 458
باب في إهداد البيّنة وإقامتها بعد اليمين
وعن رجل ادّعى على رجل حقا، فأعجز البيّنة. أعلى الحاكم أن يقول له: قد هدمت بيّنتك أو لا يقول له شيئا من ذلك؟ قال: ليس عليك ذلك، وإن أراد قال له ذلك. وسئل عن رجل ادّعى على رجل حقا، فسأله الحاكم البيّنة فقال: أن ليس عنده بيّنة، وقال للحاكم: حلفه لي، ولم يقل للحاكم قد أهدر بيّنته ولا هدمها، وحلفه على ذلك، ثمّ أحضر بيّنة في هذا الحق، الذي قد حلفه له خصمه عليه. هل يسمعها الحاكم، ويحكم له بما حلف خصمه عليه، على هذا الوجه؟ قال: يخرج في معنى هذا القول، أن يسمع منه البيّنة على ذلك. وفي بعض القول: لا يسمع بيّنة على ذلك، وقد انقطع الحكم ليمين المدّعى عليه؛ ولأنّ البيّنة على المدّعى، واليمي على المدّعى عليه، وهو فصل الخطاب، وكان على المدّعى لا يحلف خصمه، ويطلب بيّنته. وكذلك إن سأل الحاكم رجلا عن البيّنة، فأعجزها وقال: إنّه ليس عنده بيّنة، فحلف له خصمه، قبل أن يطلب الخصم يمين خصمه، وقبل أن يقول له: قد هدمت بيّنتك. فهل للحاكم ذلك؟ فإن حلفه على هذا. ما يلزمه؟ (2/187)
صفحة 459
قال: يستحبّ له لا يحلفه حتّى يهدم بيّنته؟ فإن لم يطلب المحلف ذلك إلى الحاكم، ولم يفعل الحاكم ذلك، فلا شيء عليه. وإن طلب إليه المحلف، أن يسأله ذلك، كان له ذلك، ولم يكن له أن يحلفه، إلا بعد هدم البيّنة، وإهدارها أو تركها.
ومن غيره: من كتاب محمّد بن جعفر: وإن حلف خصما لخصمه، وهو لا يعرف بيّنته، ثمّ جاءت البيّنة، فشهدوا نقض الحاكم، الحكم بعد اليمين الفاجرة، وأمضى ما شهد به الشهود. وإن كان يعرف بيّنته، ثمّ استحلف خصمه، لم يقبل بيّنته إذا أبطل بيّنته عند الحاكم، وهو يعرفهم قبل اليمين. قال محمّد بن الحواري: عن نبهان بن عثمان: إذا أبطل بيّنته عند الحاكم عرفهم، أو لم يكن عارفا، لم تقبل منه بيّنة على ذلك الحق بعد اليمين.
ومن غيره: عن أبي عبد الله في ما أحسب: وسألته عن رجل نزل* إلى خصمه، فيحلفه ثمّ يدعو نفسه بالبيّنة. أله ذلك؟ قال: نعم، إلا أن يقول له الحاكم: ألك بيّنة؟ فيقول: نعم. فيقول: قد تركتهم. فإذا قال: نعم، ثمّ حلف لم تكن له عليه حجّة. (2/188)
صفحة 460
ومنه: قال محمّد بن المسبح: من ادّعى على رجل حقا، فجحده المدّعى عليه، فنزل المدّعى إلى اليمين. فقال له الحاكم: أهدرت بيّنتك، وكان لا يعرفها فأهدرها، وحلف له المدّعى عليه، ثمّ وجد من بعد ذلك بيّنة، فإنّها تفعل منه، أنّ شاهدي عدل خير من يمين فاجرة كاذبة. وإن كان يعرفها، فأهدرها وحلف له صاحبه، فليس له عليه رجعة. فإن قال: قلت: إنّي لا أعرف بيّنتي، وأنا لا أعرفها، وحلف له غريمه، فإنّه لا تقبل منه؛ لأنّه قد أقرّ بمعرفة بيّنته وأهدرها. قال أبو عبد الله: إذا كان طالب الحق يعرف بيّنته، ثمّ استحلف خصمه، ولو لم يقل له الحاكم، تترك بيّنتك، ثمّ استحلف الطالب المطلوب، أنّ استحلافه إيّاه، وهو يعرف بيّنته ترك لبيّنته.
ومن جامع أبي محمّد –رحمه الله-: الدليل على أنّ اليمين لا تجب له مع عدم البيّنة، على الطالب أنّ الله تعالى، لما أراد أن يتوثق لنا بحقوقنا، في حال العذر في السفر والحضر، بإشهاد رجلين عدلين، فإن لم يكن ولم يوجد، فرجل وامرأتان، وفي السفر غير مسلمين، إذا عجزنا عن وجود العدلين، أو رجل وامرأتين، وقبض الرجل الرهن، إذا لم يكن ثقة، وفي ترك الإشهاد من الحضر والسفر، إذا كنّا ندين في ما بيننا في الوقت قريب، نحو اليوم مرارا، أو أكثر من ذلك الحجج القائمة لله على خلقه. (2/189)
صفحة 461
وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: من بلغته آية من كتاب الله قد بلغه أمر الله قبله أو ردّه. وإذا وجب على الخصم يمين لخصمه، فليس يجوز للحاكم تأخيرها عن الخصم حكما، إلا أن يفسح الخصم في تأخيرها لخصمه؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر باليمين على المنكر، ولم يخص فيها بوقت، والأمر على الوجوب إلا ما خصّ به الأوقات، والله أعلم. (2/190)
صفحة 462
باب في عصيان المدرة
ومن كتاب أبي قحطان: وقد رأينا المسلمين يحبسون على عصيان المدرة، إذا صح ذلك بعدلين أو إقرار، إلا أن يكون رجل من المسلمين، فيتقدّم عليه ولا يحبس، وليس بالحبس الطويل مثل اليوم واليومين والثلاثة.
ومن غيره: وعن رجل ادّعى على رجل حقا، من غير أن يأخذ المدّعى عليه مدرة من الحاكم، ويصح مع الحاكم عصيان، ويقول المدّعى إليه إلى الحاكم. فقال: معي، أن ليس عليه. وإن أوجب النظر ذلك، كان له ذلك، في مخصوص من يدّعى ذلك؛ لأنّ الناس يختلفون في تواريهم عن الإنصاف، ولدهم بخصومهم وإنصافهم لهم، فليس كلّ الناس يحملون على معنى واحد. سئل عن الخصم، إذا ادّعى مع الحاكم أنّه قد رأى خصمه، مدرة القاضي، ومدرة القاضي يكون عليها ختمه، ولم يواف خصمه إلى القاضي. ما يجب عليه؟ قال: إذا كان الخصم ثقة، وقال للقاضي: إنّه قد أرى خصمه مدرة (2/191)
صفحة 463
القاضي، فعصى ولم يواف خصمه، قد عرف باللد والتلحي والمدافعة عن الخصوم، قبل الحاكم قوله، وأرسل إلى خصمه وحبسه. وإن كان الخصم الرافع غير ثقة، وخصمه المرفوع عليه، قد عرف باللد والتلحّي والمدافعة عن الخصوم، أرسل إليه الحاكم لموافاة خصمه، ولم يحبسه. وعن الخصم، إذا ادّعى أنّه قد أرى خصمه مدرة القاضي، فعصى وتولّى عن الحكم، وهو غير متّهم، ولا صح ذلك عليه. هل على الحاكم أن يرسل إليه؟ قال: معي، أنّه لا يجب عليه ذلك. وإن رأى الحاكم أن يرسل إلى خصم من الخصوم، لمعنى يقع في ضعفه خصمه، عن الوصول إليه، بوجه من الوجوه، أو لمعنى ثقته له فيه، وفعل ذلك احتياطا على الخبر للمرسول، لا على معنى مسؤول للخصم، أو يوافى خصمه، جاز ذلك عندي في جميع الخصوم.
قلت له: فالخصم بصحة البيّنة، أنّه قد أراه خصمه المدرة، يستوجب العقوبة، إذا تخلّف أم إذا شهدت البيّنة، أنّه قد أراه المدرة، وأمره بالموافاة يستوجب العقوبة إذا تخلّف. قال: يريد المدرة، ويأمره أن يوافيه إلى الحاكم، الذي قد أراه مدرته، في وقت معروف، وتخلّف عنه، وشهدت البيّنة بذلك. (2/192)
صفحة 464
فإذا كان على هذا، ولم يجد له وقتا معروفا يوافيه، لم يكن متخلّفا، لعلّه يوافيه في ما يستقبل، ولم يكن قد عصى.
قلت: إذا أخذ الخصم مدرة من عند القاضي وقال: إنّه قد أرى خصمه بحضرة رجلين غير عدلين. فهل يقبل قولهما ويحبس الخصم؟ قال: إذا كان من من تلحقه التهمة بذلك في النظر، خرج استخفافا في أمر الحاكم. فإذا لم يتبيّن له عذر، وكان من من تلحقه التهمة. أعجبني أن يكون من سبب التهمة، ولم يكن ذلك حجّة، ولم يقم على ألا منّا* حجّة بالتهمة، ولا تلحقهم إذا صحّت عد التهم أو ثقتهم. ولكن إذا شهد عليه شاهد واحد، من من يصدّق، أو شاهدان من من لا يتّهم بكذب في مثل ذلك، أن يكون للحاكم أن يرسل إليه، يحضر موافاة خصمه، إذا خرج ذلك في نظر الحاكم في الاحتياط على رعيته. وإذا ادّعى خصم، أنّه قد أرى خصمه المدرة، وأنكر وعدمت البيّنة، لم يكن يبيّن لي في هذا يمين.
جواب: وذكرت في المرأة والرجل، إذا شكى أنّ رجلا ظلمه، وأنّه لم يكن إليه سبيل. فهل يجوز للحاكم أن يرسل إليه، يدعوه إلى مد يدعى عليه الظلم؟ (2/193)
صفحة 465
فإذا كان المدّعى يدّعي شيئا، مثل الضرب والقتل والسرق والإحداث في الأموال، التي تلزم فيها العقوبة ونفذت، فهذا يسارع فيه الحاكم، من حين ما يصل إليه المدّعى. وأمّا الحقوق ومثل الديون والمنازعات والشفع والمشاركات، ومثل الكسوة والنفقات، وسائر ذلك من المحاكمات، فهذا ومثله، إذا رفع الخصم فيه إلى الحاكم، أمره أن يأخذ على خصمه، مدرة يريه إيّاها، ويشهد على ذلك بيّنة، أن يوافيه وقت كذا كذا، موضع كذا وكذا إلى الحاكم. فإن لم يوافه ذلك الوقت، ويشهد عليه بذلك بيّنة عدل، أرسل إليه الحاكم حين ذلك، وحبسه على معصية المدرة. فإذا استفرغ حبسه، نظر بينه وبين خصمه، في ما يوجبه الحق، في حكمه، إلا أن يبيّن للحاكم دلائل الامتناع من الخصم، على ما يطمئن قلبه إليه، أرسل إليه على وجه الاحتساب منه، لا على وجوب الاحتساب. فإذا أرسل إليه للحضرة لا للعقوبة، لا على وجه الرفع منه له، فإذا صار إلى حضرته، يقطع حجّة المدّعى عليه مع حجّته. ولو امتنع ذلك الخصم عن الوصول إلى الحاكم، على هذا الوجه، لم نر للحاكم عليه حجّة، يعاقبه بها، كما يعاقبه على عصيان المدرة. وكذلك إذا شهد على معصية المدرة غير عدلين، أو شاهد ثقة، وكامن من يعرف بالتهاون والبذاخة في ذاته عن الحق، حبس على التهمة في ذلك، كما يراه الحاكم، ليس من وجه معصية المدرة. قيل له: هل للصبي أن يعطيه الحاكم المدرة إذا طلبها؟ (2/194)
صفحة 466
قال: له ذلك.
قلت له: فيعطى ذلك في يده، أم تضع في الأرض؟ قال: معي، أن تجعله له في الأرض.
قلت: أرأيت إن أعطى بيده؟ قال: لا يبيّن لي في ذلك شيء، إذا كان من مصالحه.
وسئل عن القاضي إذا استعدى إليه رجل أو امرأة على خصمه، وطلب حضرته والإنصاف منه. قال: قد قيل: يقول للخصم أن يحضر خصمه، إن أراد الإنصاف منه. فإن أحضره نظر بينهما، على ما يتنازعان. وإن لم يحضر، فليس عليه إلا أن يطلب إليه مدرة. فقيل: إنّه يعطيه ذلك؛ لأنّها ليس من فعل القاضي، وإنّما هي من فعل الناس، وقد جرت في سنّة الأحكام.
قلت: إذا طلب الخصم، أخذ حقه قبل الحبس. فهل يأخذه له به الحاكم؟ (2/195)
صفحة 467
قال: له ذلك؛ لأنّ الحق للعباد، وإذا خيف فوته أوّلا من العقوبة؛ لأنّ العقوبة لله، فإذا فات الأخذ بها، لم تتعلّق على الحاكم تبعة.
قلت: فالخصم إذا رفع على خصمه إلى القاضي، ولم يطلب إلى القاضي مدرة، ولا سلّم إليه القاضي، واحتجّ أنّه دعاه إلى الموافاة إلى الحاكم، فامتنع. فهل يلزمه الحاكم عقوبة بتخلّفه عن الموافاة، إذا لم يكن له عذر؟ قال: إذا لم ير حجّة الحاكم، ولم يدعه إليه بمعنى سبب منه. قال: فلا أعلم أنّه قيل في هذا: إنّه يحبس.
قلت: هل للحاكم أن يرسل إلى من كره ذلك، أو من يعصيه ذهاب هيبة الحاكم؟ قلت: فإن توفّاه من أجل هذا، يريد بذلك بقية الهيبة لله، لا للخيفة في غير ذلك، كان ذلك وجها.
ومن غيره: قال عبد الله بن حازم: إذا عصى رجل المدرة، ثمّ استتر، لم يدخل عليه إلا بإذنه، ويأذن أهل البيت. فإن هرب من حبسه، أو كان في منكر، لم يدخل عليه إلا بإذنه، وبإذن أهل البيت. فإن هرب من حبسه، أو كان في منكر، فللوالي أن يستأذن ويدخل عليه، أذن له أو لم يؤذن. قال محمّد بن المسبح: إنّ محمّد بن محبوب، تكلّم في كلامه على المنبر. (2/196)
صفحة 468
فقال: إنّ الإمام لا يحكم إلا بالبيّنة العادلة، إلا ما اصطلح عليه المسلمون، من حبس أهل التهم. قال محمّد بن المسبح: وذلك لأهل التهم في الفنون المعروفين بها، الموصوفين بها، الشاهر أمرهم عليها، مثل السارق المعروف بالسرقة، وقطع اليدين. وقيل: العذر في التخلّف عن موافاة الخصم، من مرض أو مصيبة، في ولد أو مال أو نحو ذلك. ومن أشهد على رجل بمدرة إلى مجلس الحكم، فلم يواف، فإنّ للقاضي أن يحبسه كيف رأى. وقد قيل: ثلاثة أيّام. وإن شهد بلا مدرة، فليس عليه عقوبة. سألت أبا بكر أحمد بن محمّد بن خالد: عن رجل أعطاه القاضي مدرة، ليحضر خصما له بها. أيجوز له أن يحضر بها إنسانا غير ذلك أم لا؟ قال: يعجبني ألا يحضر بها، إلا من كان يطلبها له.
قلت: هل يجوز لأحد أن يأخذها من عنده، ويسلّمها إلى خصم له ليصحبه؟ قال: لا، إلا برأي القاضي.
قلت: فإن علم القاضي بذلك. فهل يعاقبهما؟ (2/197)
صفحة 469
قالا: لا.
قلت: رجل لي عليه دين. أيجوز لي أن أستعمد مدرة، وأقول له: يصحبني إلى القاضي من غير أن أقول له: هذه مدرة القاضي؟ قال: إنّما المدرة للقاضي. وعن أبي مالك غسان بن محمّد الحضر: وسألته عن معصية الحاكم بالمدرة والعقوبة، عليها حق لله أو حق للعباد؟ قال: حق لله.
قلت: فإذا كانت العقوبة حقا لله، لم يجز للحاكم أن يدع القيام بحقوق الله –عزّ وجلّ-؟ قال: العقوبة على المدرة، إنّما هو أدب وردع للناس؛ لئلا يستخفّوا بحكم حاكمهم وولاة أمورهم، وأن ينتبهوا إلى ما أمر الله به، من الطاعة لهم. وسبيل هذا سبيل سائر الآداب، التي يؤدب الحكّام الناس بها، على جهلهم، وعلى تعدّي بعضهم على بعض. وللحاكم أن يأخذ على أيدي السفهاء والجهّال، ألا يتعدّوا بالزجر والحبس والضرب، بما يراه المتولّى على ذلك، بما يكون به ردعا لهم. وكذلك الآداب التي لم ترد بوقوف ولا توقيف، على شيء معلوم، فوجب ذلك أن يكتروا الحاكم فيها، ويعلوا من المنع لهم، عن الجهل والتعدّي منهم، على بعضهم بعض. (2/198)
صفحة 470
وكذلك قيل: إذا كان العاصي للمدرة أو الشاتم لغيره، رجل من المسلمين، من أهل الأمدار منهم، ورأى الحاكم منه أنّ الفعل جرى على هذا السهو والغفلة، وأنّه لم يتعمّد لذلك، وأنّ العادة لم تجر منه بمثل ما كان منه، وأنّه لا يعود لمثل ذلك. فإنّ للحاكم ألا يعاقبه، وأن يعفو عنه. وإن قيّده على ما كان منه، وأظهر إليه استقباح الكبائر من فعله، فذلك جائز.
من غيره: سألته عن رجل أخذ من عند الحاكم، مدرة ليحضر خصمه بها، فسلّمها إلى رجل غيره، فأراها المسلم إليه خصما له، وأشهد عليه بالموافاة. هل تكون هذه حجّة على الخصم على هذه الصفة؟ قال: إذا صح عصيانه للمدرة، وكانت هي علامة القاضي، كان ذلك حجّة، ويلزمه ما يلزم من عصى المدرة. وسألته: هل على الرجل أن يوافى خصمه، إلى من طلب إليه، أن يوافيه إليه، في ما يطلبه من حق خصمه، منكر لذلك في بلده وغير بلده؟ قال: نعم، عليه أن يوافيه إلى الإمام أو إلى قاضي الإمام، ولو كان في غير بلده. وكذلك إذا طلب منه الموافاة في بلده، إلى رجل من المسامين، في غير عصر الإمام، كان عليه أن يوافيه إليه. (2/199)
صفحة 471
قال أبو المؤثر: نعم، إذا ادّعى أنّه اشتراه منه، أو وهبه له، أو قايضه به وهو يسمع، فلا ينكر، فلا تدخل عليه فيه حجّة. وإن قال: هذه نخلتي، أو هذا غلامي، فقد يكون الرجل يخالط الرجل، ويعمل له، أو استأجر الغلام منه فيقول: غلامي أو نخلي، فيسكت ربّ النخل وربّ الغلام، للذي كان بينهما من السبب. فعلى هذا يدخل في الحجّة، إذا أحضر البيّنة، أنّه كان أجره الغلام، واستعمله في النخل أو وكّله فيها، أو منحه نباتها أو أشباه هذا. وعن أبي عبد الله محمّد بن أبي بكر –رحمه الله-: وسألته عن رجل ادّعى على رجل دعوى مبهمة إلى الحاكم، ثمّ رجع فادّعى عليه دعوى قطعا، ما يسمع الحاكم دعواه الأولى أو الثانية؟ قال: إن كان يدّعى على خصم حاضر، ثمّ رجع فاتّهمه وثبت على معنى التهمة، وترك الدعوى أو حصل إلى ما يجب له في التهمة. وكذلك إن اتهم، ثمّ ادّعى أوصل إلى ما يجب له في الدعوى.
قلت: هل على الحاكم أن يقول له: قد تركت دعواك الأولى؟ قال: لا يبيّن لي أنّ على الحاكم ذلك. وإن فعل ذلك احتياطا في التذكرة، وفي قطع الحجّة عنه، كان ذلك إليه. وإذا اختلف دعوى أحد الخصمين مرّة مثلا، قال: القطعة له، خلفها والده، ومرّة يدّعى أنّ أباه أخبره، أنّه اشتراها، فلا يقع بقوله هذا (2/200)
صفحة 472
حكم، حتّى يقرّر دعواه على أمر معروف، ثمّ يقطع الحاكم على دعوى بيّنته.
ومن غيره: عن قومنا: وإذا أحضر إلى الحاكم رجل، فادّعى على رجل حقا، فسأل الحاكم المدّعى عليه، في الذي ادّعى عليه، فلا يحييه بشيء، أو يقول: إنّي أصم. فإنّ الحاكم يسأله ويقول له: إن شئت تقرّ بالحق، الذي يدّعيه خصمك، وإلا حكمت عليك. فإن سكت بعد ما يردّد عليه الحاكم، القول ثلاث مرّات بالكلام، حكم عليه. وكذلك عن الطحاوي، في من يجب عليه اليمين فينكر، فإنّ الحاكم يقول له: إن حلفت وإلا حكمت عليك، يقول له ثلاث مرّات. فإن حلف وإلا حكم عليه. وقال بعض الناس في النكول عن الإقرار، واختلفوا في المدّعى عليه، يسكت ولا يقرّ ولا ينكر. وكان مالك يقول: يجبر حتّى يقرّ أو ينكر ولا يترك وما أراد. وقول الشافعي: إذا فعل ذلك، ردّ اليمين على المدّعى فحلف، واستحقّ ما ادّعى. وقول ثالث: وهو أن يقول له: احلف مرارا، فإن لم يحلف قضى عليه، وهذا قول يعقوب. (2/201)
صفحة 473
وإذا ادّعى أحد الخصمين على خصمه، أنّ عنده له دراهم، فقال الخصم للحاكم: سله ما هذه الدراهم التي عندي له، من أيّ سبب؟ فقد قالوا: إنّ ذلك للمطلوب على الحاكم، وذلك إذا قال الطالب: عنده لي كذا وكذا أو معه. وإذا طلب المطلوب كيف هذا الحق، الذي عليه؟ وما سببه لم يكن له ذلك، ولا ذلك على الحاكم، فافهم الفرق في هذا. ومن ادّعى متاعا على رجل، فأقرّ أنّه في يده، وهو بحق له على صاحب المتاع، فالمتاع لصاحبه، وعلى المقر البيّنة في ما يدّعى. وإذا وصل إلى الحاكم رجلان يدّعيان مالا، لا في أيديهما، ولا في يد أحدهما. فالحاكم لا يجعل بينهما خصومة، والخصومة أن يكون أحدهما مدّعيا، والآخر مدّعى عليه، والخصومة توجب منعا عن يد لعين قائمة. وإذا ادّعى أحد الخصمين على صاحبه، مالا في يده، فبرئ إليه منه، سقطت الخصومة بينهما. وكذلك إذا ادّعى عليه ما لا يقصد، فبرئ المدّعى عليه من ذلك المال، الذي وصفه خصمه، سقطت الخصومة عنده. (2/202)
صفحة 474
وإذا وجد ما ادّعاه في يد آخر، عادت الخصومة إلى الثاني. فإن برئ الثاني من الدعوى، فبرئ إليه من المدّعى فيه، فإن منعه آخر، كانت الخصومة أيضا بينه وبينه، ولا يحكم الحاكم بالمال، للذي ادّعاه، فنبرئ المدّعى عليه من المال، إلا أنّه يصدّقه الخصم على دعواه، ويسلّمه وهو في يده، ولا يحكم له الحاكم إلا بالبيّنة. وكذلك إن كان في يده، ولم يصدّقه على دعواه، وبرئ منه، لم يحكم له به الحاكم، ولا يمنع الحاكم منه إن قبضه. ومن استعار شيئا أو استأجره، أو التقطه، وكان معه مضاربة أو وديعة أو رهن، فسرق منه، فهو خصم فيه. وإذا وصل إلى الحاكم الخصوم في المنازعات، التي تجري بينهم. والدعاوي في الأموال والعروض، مثل العيوب من ما يوقف بين يدي الحاكم، ولا يوقف من ما أمكن حمله، أو التوصّل به إلى الحاكم، فعليهم حمله، حتّى يوقف بين يدي الحاكم، وينظر العيب، ويحكم بما يرى من الحق في ذلك. وأمّا ما لا يمكن حمله والوصول به، فإنّ الحاكم يبعث عدولا ينظرون ذلك، ويقفون عليه، ويعلمون الحاكم بذلك. وإن بعثهم ليقفوا على ذلك، ويحكموا به، فلهم ذلك. ومن أطنا على رجل ثمرة، ثمّ ادّعى صاحب النخل على المطنى، أنّه لم يدفع إليه ثمن الثمرة، فقال المطنى: قد دفعت الثمن. فالقول قول من في يده الثمرة. وهكذا كلّ بيع. ومن ادّعى على رجل كفالة عند الحاكم، فإنّه لا يكون بهذه الدعوى خصومة عند الحاكم. فإن قال: عليه لي كذا وكذا درهما، من أجل كفالة، كفل بها لي عن زيد، فإنّه تكون خصومة. والفرق بين المسألتين: إنّ الأولى ادّعى فعلا، ولم يدّع حقا، والحاكم لا يثبت الخصومة بين الخصوم، إلا بدعوى الحقوق، ولا يثبتها بدعوى الأغراض، التي تجري بين الناس، من بعضهم لبعض، بلا تضمّن مال. ولا تلزم الخصمين لبعضهم بعضا، الأيمان على الأفعال. ومن أخذ من عند رجل رغيفا، فقال صاحب الرغيف: إن أتافته، فهو عليك بدينار فأتلفه، فليس عليه له إلا قيمته. وإذا كان رجل وجمال، قد نزلا في موضع، فتنازعا في المحمل: الجمال يقول: المحمل لي، والمكتري يقول: المحمل لي، والمحمل على ظهر البعير. فصاحبه أولى به مع يمينه، أنّه له، ولو كان ممسكين (2/203)
صفحة 475
للمحمل جميعا، وعلى الآخر البيّنة. وإن كان المحمل محطوطا، وليس هو بيد أحدهما، فعلى كلّ واحد منهما البيّنة أنّه له. (2/204)
صفحة 476
وإن كان في يد أحدهما، فهو أولى به، وعلى الآخر البيّنة أنّه له. وإذا كان على رجل دين أو صداق لزوجته، فخيف منه أن ينكر ماله، أو يلحيه، فادّعى عليه جميع ماله بحدوده، وأنّه للمدّعى دونه. فإن أقرّ فقد انقطع. وإن قال: إنّه له أخذ عليه الحاكم إقراره. وإن اشترى رجل من رجل مالا، وعدم البيّنة، فالحيلة فيه، أن يبيعه من غيره، ممّن يثق به، في حضرة من المال، وليشهد أنّه باعه عليه، بلا حاجز ولا مانع. فإن ادّعى من يدّعى، أنّه في يده، طلب منه البيّنة، أنّه في يده، ويسلّم البائع من إقامة البيّنة. فإن أمكنه أن يحدث فيه حدثا، بحضرة الشهود، ليشهدوا أنّه قد أحدث فيه، بلا دافع ولا مانع، أنّ اليد يده، فهو جيّد أيضا. (2/205)
صفحة 477
باب في الصلح
من جامع ابن جعفر: ولينظر القاضي في صلح الخصمين. فإن كان الصلح منهما، على إنكار من أحدهما، أو أحلّ حراما، أو حرّم حلالا، فليبطل القاضي هذا الصلح. وإن لم يكن كذلك، فهو جائز. قال أبو المؤثر: أمّا على الإنكار، فالله أعلم. وعن عمر بن الخطّاب –رحمه الله-، أنّه قال: الصلح جائز بين الناس، إلا صلحا حرّم حلالا، أو أحلّ حراما، وبذلك نأخذ. وذكر محمّد بن سيرين: إنّ شريحا ارتفع إليه رجل، استودع امرأة مائة درهم وديعة، فوقع حريق قريب منها، فحولتها إلى رجل فضاعت، فسأل شريح الرجل عن المرأة. هل تتّهمها في شيء؟ فقال: لا. قال: فإن شئت رضيت منها بخمسين درهما. قال ابن سيرين: فما رأيته أمر يصلح غير ذلك اليوم. (2/206)
صفحة 478
قال أبو الحواري: فإن وضعتها حيث وضعت متاعها، لم يكن عليها ضمان. كذا حفظي عن نبهان وأبي المؤثر.
ومن غيره قال: وقد قيل: إذا حوّلتها ضمنت. وقيل: إذا جعلتها حيث تأمن عليها، لم يلزمها في ذلك ضمان. وقيل: إنّ عمر بن الخطّاب –رحمه الله-، استعمل رجلا على القضاء، فاختصم إليه رجلان في دينار، فأطلق من كم قميصه دينارا، فدفعه إليهما، فبلغ ذلك عمر، فكتب إليه: أن اعتزل قضاءنا. وهذا من ما يقوى القضاة على إنفاذ الحق بين الناس.
ومن غيره: وإذا أردت قطع الحكم بين الخصمين، لم يؤمر أن يأمرهما بالصلح في مجلسه؛ لأنّ ذلك يقع موقع التهاون، في إنفاذ الحق، ولكن يجعل رجلا للصلح، من من يثق به، يلي ذلك بين الخصوم، حتّى لا يتكلّم الحاكم في ذلك بشيء؛ لأنّ ذلك أقوى للحق في ما يرجى، أن يعزّ بذلك، وإن كان عزيزا. وحفظ الثقة عن القاضي أبي علي الحسن بن سعيد بن قريش –رحمه الله-: إنّه كان لا يرى الصلح للحاكم، ولا يجيز للحاكم أن يأمر الخصمين بالصلح في مجلسه.
ومن غيره: وقيل: الهبة للواهب حتّى يقبض، والصلح جائز، وإن لم يقبض. (2/207)
صفحة 479
قال: والمجهول في البيوع كلّها، والإجارات والهبات، والصلح تام ما لم يتناقض، إلا ما كان في المزارعات، فإنّها تامّة، إذا لم يدخل فيها تحريم، مثل الربا ونحو ذلك.
ومن غيره: وسألته عن صلح وقع على جهالة، ثمّ اصطلحوا عليه، ورضوا بذلك، ثمّ غيّروا ذلك ونقضوه.
قلت: هل ينقض عليهم؟ قلت: أو لا يتمّ الصلح إن نقضوه أو لم ينقضوه. فإذا وقع الصلح على مجهول من أحد المصالحين، ثمّ اصطلحوا عليه، أو بشيء منه، كان للجاهل منهم في ذلك النقض. وقد قيل: للعالم ما للجاهل، ما لم يعلم الجاهل. وقيل: إنّما ذلك للجاهل دون العالم. فإن تتامّا على ذلك تمّ، وليس هو من ضروب الربا، وإن نقضوه انتقض بالجهالة، ما لم يرضوا به بعد العلم. والقسم والصلح ضربان من ضروب الحق، جاريان مجرى القياض والبيوع، فإنّما هو إزالة مال بمال، أو شيء لشيء، فيقع ذلك موقع القياض والبيع، فتدخله من الجهالة ما يدخل البيع والقياض.
ومن ما وجدت في الآثار من أصحابنا: ويقال: إنّما يمضي الصلح بين الناس، في ما يختلف فيه من الأمر، وأمر ملتبس لا يعرف وجهه. (2/208)
صفحة 480
ومن غيره رجع: وعن رجل يدّعى على رجل مائة درهم، وأنكره المائة درهم، أو أقرّ له فصالحه على خمسين درهما، بعد أن أقرّ له بمائة، ثمّ رجع عن ذلك، الذي له الحق، لم يتم الصلح.
قلت: هل يجوز له ذلك، ولا يثبت عليه هذا الصلح؟ فإذا صالحه على الإنكار، لم يثبت ذلك؛ لأنّه ترك، والترك لما لا يقدر على قبضه، لا يثبت عليه. وأمّا إذا أقرّ له، وكان على قدرة من أخذ ماله، لإنصاف خصمه له، ثمّ صالحه على شيء دون الحق، وهما عالمان، ثبت ذلك عليهما. وعن القاضي أبي علي: في رجل هلك وخلف ورثة، فادّعى أحدهم شيئا من ماله، واصطلح هو وشركاؤه، وتقاسموا المال بغير دخول الثقاة بينهم وانصرفوا، ثمّ عاد أحد الورثة عن الصلح ونقض القسمة. أيثبت له ذلك أم لا؟ الذي عرفت في ثبوت الصلح، على غير الإقرار من الخصوم، لبعضهم بعضا اختلافا. قال بعض المسلمين: لا يثبت في ما تداعوا فيه. وعن عمر أنّه قال: ردّوا الخصوم ليصطلحوا، فإنّ الحكم يورث بينهم الضغائن. قال أبو المؤثر: وقد حدّثني من لا أتّهمه، أنّ دريد بن عتاهية وبكر (2/209)
صفحة 481
ابن طلحة، ارتفعا إلى الإمام عبد الملك، وكان دريد بن عتاهية بصحار، فادّعى على بكر مالا، وتفالس عليه بكر. فقال الإمام في ما ذكر لنا لبكر بن طلحة: أخذت ماله، وذهبت به، فحبس وشدّ عليه بكر، فقال في ذلك، ثمّ أقبل على دريد فقال: ما أصنع لك به، أقطع لحمه. حدّثني هذا محمّد بن محبوب، وسعيد بن محرز.
ومن ما وجدت في الآثار من أصحابنا: ويقال: إنّما يمضي الصلح بين الناس، في ما يختلف فيه من الأمر، أو أمر ملتبس لا يعرف وجهه. ولا يجوز للإمام أن يحتجب عن رعيته، إلا في وقت لابد له منه، لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله تعالى عن حاجته وخلته وفقره. عن أبي الحواري: في رجل باع لرجل مالا، ثمّ أشهد أنّي قد بايعت فلان بن فلان مالي، بمائة درهم، وقد استوفيت منه الثمن، ولم يكن المشتري دفع إليه الثمن، فلمّا طلب البائع الثمن. قال المشتري: ليس لك عليّ شيء، وقد أشهدت أنّك قد استوفيت منّي الثمن. فعلى ما وصفت، فإن كان مع المشتري بيّنة، أنّ البائع أشهدهم أنّه قد استوفى منه الثمن، وطلب البائع اليمين بالله، إلى المشتري، فعليه اليمين بالله، لقد أوفاه ثمن هذا المال، وما عليه من ثمنه شيء. فإن لم يكن مع المشتري بيّنة، فإنّ القول قول البائع، وعلى المشتري بيّنة بالوفاء. (2/210)
صفحة 482
قيل له: كان السيدي بن ساهك، لا يستحلف المكاري ولا الحائك ولا الملاح، ويجعل القول قول المدّعى مع يمينه، ويقول: اللّهم إنّي أستجيرك من الجمال ومعلّم الصبيان. وأصحابنا يقولون بغير هذا.
وسألته عن جماعة، ادّعوا على رجل دعوى فأنكر. هل يلزمه لكلّ واحد يمين دون الآخر؟ قال: إذا ادّعوا جميعا في وقت واحد، لم يكن لهم عليه جميعا إلا يمين. وإن ادّعى كلّ واحد منهم على الانفراد، كان لكلّ واحد يمين، على ذلك الخصم، الذي يدّعى عليه. وقيل: في رجل ادّعى على آخر، أنّه باع له شيئا بعشرة دراهم، لا يطلب إثبات البيع عليه، وإنّما يطلب العشرة الدراهم، فإنّه يحلف ما عليه له عشرة دراهم، من قبل ما يدّعى عليه، من هذا البيع وما قبله، له حق من هذا البيع، إذا لم تكن الدعوى محدودة. فإن طلب يمينه، ما باع له هذا المال، أو هذه الدنانير، أو هذا الثوب، لإثبات البيع بينهما، كانت اليمين بينهما على القصة.
وسألته عن الأمة، إذا تداعى اثنان، فأقرّت أنّهما أمة لأحدهما، وطلب الخصم من الذي أقرّت له. (2/211)
صفحة 483
فله عليها يمين بالله، ما يعلم له فيها حقا، أن لو ادّعاها لنفسه، من غير إقرارها له بنفسها. فإن كان إنّما يدّعى إقرارها له بنفسها، يحلف ما يعلم أنّها أقرّت له بنفسها باطلا، ولا يعلم لهذا فيها حقا. وعن رجلين حضرا إلى الحاكم، وضح لأحدهما حق على الآخر، فقال الذي له الحق: قد وهبت حقي للحاكم. أيقبله الحاكم، ويأخذ الذي عليه الحق بالخروج من ما وجب عليه أم لا؟ قال: الإقرار جائز للحاكم، وله أن يقبل ما أقرّ له به، وليس للحاكم أن يحكم لنفسه، ويرفع مطالبته إلى حاكم غيره، يطلب حقه بما يوجبه الحكم في ذلك.
وسألته عن نسوة، ادّعين إلى رجل والدتهن، ألجت إليه ضاحية لهن، من مال خلفه والدهن، وأنكر الرجل ذلك، فطلبت النسوة يمينه. هل يلزمه في هذا يمين؟ قال: ليس يبيّن لي عليه يمين على هذه الصفة.
قلت: فإن ادّعين هذه الضاحية على هذه الصفة، وأنّها في يده، وأنكر ذلك، وطلبن يمينه. قال: إذا ادّعين أنّ والدتهن ألجت إليه لهن، من ما حلف والدهن، وأنّها في يده، وكانت الضاحية مالا معروفا. كان عليه يمين بالله، ما في يده أرض، يعلم لهؤلاء فيها حق، من ما يدّعين، أنّها لهن في يده، من ما خلف والدهن؛ لأنّهن يدّعين ميراثا. (2/212)
صفحة 484
والأمة إذا ادّعت على زوجها الطلاق والحرمة، فأنكر ذلك. قال: يجبر سيّدها، إمّا أن يأذن لها في المحاكمة منها لزوجها، وإن شاء تولّى هو ذلك.
قلت: أرأيت إن اختار هو أن يلي ذلك من زوجها، واستماع بيّنتها، إن كانت فيها بيّنة على ما تدّعيه، وأبى الزوج أن يحاكمه هو، وطلب محاكمتها هي. فهل يكون ذلك له على السيّد؟ قال: هكذا عندي.
قلت: أرأيت إن ردّ اليمين إليها، ورضي أن يحلف السيّد عنها. فكيف تجرى اليمين في ذلك على السيّد؟ قال: يحلف لقد قالت: كذا وكذا، أو ادّعت كذا وكذا على زوجها فلان، وما يعلم أنّها كاذبة في ذلك من دعواها، التي ادّعتها عليه، ويسمّى بالدعوى التي تدّعيها نفسها. وإذا حلف سيّد بعد رضا الخصم، فرّق الحاكم بينهما بقطع حجّتها بالحكم، الذي جرى بينهما في ذلك.
قلت له: أرأيت إن لم يرض الزوج، أن يحلف السيّد عنها، وطلب يمينها هي. فهل يجبر السيّد أن يتركها لتحلف على ما يطلب الزوج من يمينها في ذلك، إذا ردّ إليها اليمين؟ قال: هكذا عندي، أنّه يجبر على ذلك. (2/213)
صفحة 485
قلت له: فإن امتنع عن تركها للحلف لزوجها. فهل يلزمه الحبس بذلك، إمّا أن يدعها وإمّا الحبس؟ قال: يلزم السيّد، إمّا أن يحلف لقد قالت كذا وكذا، وما أعلم أنّها كاذبة، وإمّا أن يدعها. وإن امتنع حبس، حتّى يفعل أحد ذلك.
قلت له: وكذلك إن امتنع عن تركها للمحاكمة، في غير اليمين، أو أن يلي ذلك عنها، لزمه الحبس، إمّا أن يلي هو ذلك، وإمّا أن يدعها؟ قال: يلزمه ذلك.
قلت له: وكذلك العبيد في جميع، ما يدّعى عليهم، هم مثل الأمة في هذا، ولو كانت الدعوى عليهم في الأنفس أو المال؟ قال: هكذا عندي. وأمّا القول في معاني اليمين، فيحلف السيّد عن العبد، عن ما يدّعى عليه، ما يعلم أنّ قبله لهذا المدّعى حقا، من ما يدّعى إلى عبده هذا. وفي رجل ادّعى على رجل، أنّه ضربه في يده ورأسه بالسيف جرحين داميين. أنّ في ذلك اليمين على المدّعى عليه. وإن ردّ اليمين إلى المدّعى، فإنّها لا تكون إلا على محدود من الجرح (2/214)
صفحة 486
يحلف يمينا بالله، لقد ضربه في رأسه ويده جرحين داميين، عرض كلّ واحد منهما كذا وكذا، في طول كذا وكذا، ثمّ حينئذ يحكم له بالأرض؛ لأنّه لا يحلف إلا بصفة تدرك بها صفة الجرح، الذي يحلف عليه في حكم المسلمين. في رجل ادّعى أنّه سلّم إلى رجل شيئا. قال: على المدّعى عليه التسليم اليمين، إذا كان منكرا، لما يدّعى عليه من التسليم، يحلف ما سلّم إليه كذا وكذا تسليما، يجب عليه به حق لفلان هذا، في هذه الساعة.
قلت: فإن ادّعى إليه أنّ عليه أو قبله؟ قال: قوله: إليه. ليس يبيّن لي فيه ثبوت، بشيء يلزم خصمه. وأمّا قوله: عليه. فقد قيل: إنّه مضمون، وأمّا قبله: فمختلف فيه. وقيل: في رجل أسلف رجلا دراهم، ثمّ غاب المتسلّف عن المسلّف، مقدار ما يغيب عنه ويفترقان، ثمّ يأتي إليه بدراهم فيها زيوف فيقول: إنّ هذه الدراهم هي الدراهم التي سلفتنيها. فيقول المسلّف: قد سلّفتك دراهم، ولا أعلم أنّ هذه هي الدراهم التي سلّفتكها: إنّ القول في ذلك قول المسلّف مع يمينه بالله، لقد أسلفتك دراهم، ولا أعلم أنّ فيها هذا الذي تدّعى، أنّه كان فيها من الزيوف، أو ما يردّ من النقود. وإذا قال رجل لرجل: قد كانت لي عندك دراهم، وقد قبضتها منّي. فعليه البيّنة، وإلا حلف الآخر بالله، ما أخذتها منك، ثمّ يأخذها منه. (2/215)
صفحة 487
وعن رجل ادّعى على رجل، أنّه لقط له دراهم، وأخذها منه، ولم يعطه إيّاها، فأنكر ونزل إلى اليمين. كيف تجرى اليمين؟ قال: يحلف ما لقط دراهم، يعلم لهذا فيها حقا. وعن الرجل يموت عند زوجته، فيطلب الورثة يمينها، ما سترت. هل تحبس على ذلك؟ وإن حبست ولم تحلف. فكيف القول فيها؟ فنعم، تحبس حتّى تحلف، ولا تزال في الحبس أبدا، حتّى تحلف أو تموت في الحبس، وكذلك الرجل. وإذا قال رجل لرجل: إنّ فلانا قد وضع عندي لك كذا وكذا، وأمرني بدفعه إليك، ثمّ لم يدفعه إليه، فحاكمه فيه، أنّ الحاكم لا يجبره على دفع ذلك، ولكن يقول له أن يدفعه إليه بأمره، والله أعلم. ومن اشترى تمرا من رجل، فأكل منه، ثمّ خرج منه شيء رديء، يجب ردّه، فإنّه ضامن لما أكل بقيمته، ويردّ ما بقي من التمر، ويردّ البائع على المشتري بقيمته جيّدا، ويلزم المشتري يمين في ما أكل، إن كانت قيمته عنده؛ لأنّه لا يكون أكثر من كذا، والقول قوله مع يمينه. وإذا ردّه، فالكراء على المشتري، إلا أن يردّه على البائع، إلى حيث قبضه منه، أو إلى بعض الحكّام. فإذا حكم به الحاكم للبائع، فعلى البائع كراؤه وحمله إلى حيث أراد. (2/216)
صفحة 488
وإذا لزم المشتري ردّه، لزمه الكراء عليه، إلا أن يوصله إلى البائع، أو يقبضه من موضع أقرب من موضعه، ولو كان البائع قد تعمّد لعزره بالرديء، والله أعلم. وعن أبي الحسن: في من باع لرجل وعاء يلعق، وهو يعلم أنّه قش، فحمله المشتري، إلى أن وصله بيته وجده قشا، أنّ كراءه على صاحبه؛ لأنّه غرّه، والغرر لا يجوز، فلمّا كان الغرر، لا يجوز وجب ردّه بكراء لزمه، لما غر الحامل له، وبالله التوفيق. ومن اشترى ثوبا، فلبسه ثمّ ظهر به عيب، فإنّما له أرش العيب، إذا صح أنّه كان مع البائع. فإن قال البائع: إمّا أخذه بعيبه، وإمّا ردّه وخذ الثمن، ولا أرش لك، فهو كما قال في ذلك الحكم، والله أعلم. ومن ادعى على رجل تمرا، فأنكر التمر، وأقرّ له بدنانير فقال: ليس عليه دنانير، وإنّما لي عليه تمر، فلمّا عجز عن البيّنة، رجع يطلب الدنانير، فأنكر المطلوب كلّ ذلك. فإنّ إنكاره للدنانير، بعد إقراره لا يقبل، والله أعلم. ومن أقرّ أنّه اشترى من فلان سلعة، ولم يقل بكذا من الثمن، ثمّ قال: ليس له عليّ شيء. فإنّه لا شيء عليه، حتّى يحضر البائع بيّنة، فإنّ عليه له كذا وكذا من الثمن، وسمّى ذلك ثمّ قال: دفعته. أو قال: ليس عليّ، فإنّه يلزمه اليمين، إلا أن يحضر بيّنة بالدفع، والله أعلم. (2/217)
صفحة 489
باب في أمر أهل الذمّة وشهادتهم ودعاويهم
ومن ما يوجد أنّه من جامع أبي صفرة: وإذا كانت الدار في يد رجل ذمي، فادّعاها آخر ذمي، وأقام البيّنة من أهل الذمّة، أنّ أباه مات وتركها ميراثا له، لا يعلمون له وارثا غيره، فإنّها جائزة، ويقضى له بالدار.
قال غيره: قيل: لا تجوز شهادة أهل الذمّة، إلا كلّ على أهل ملّته، اليهود على اليهود، والنصارى على النصارى، والمجوس على المجوس، وأهل العهد على أهل العهد. وقيل: تجوز شهادتهم على بعضهم بعض. وقد قيل: شهادة النصراني واليهودي على المجوس، ولا تجوز شهادتهما عليهما، وإن كان الشهود من المجوس، والذي في يده الدار من أهل الكتاب. ولو كان لهذا الميّت اثنان، أحدهما مسلم، والآخر كافر، فادّعى كلّ واحد منهما، أنّ أباه مات على ملّته قال المسلم: مات أبي مسلما على ديني. وقال الآخر: كذبت، بل مات أبي كافرا على ديني، وأقاما البيّنة على ذلك، أنّه مات وترك الدار ميراثا، لا يعلمون له وارثا غيرهما. (2/218)
صفحة 490
فإنّه يقضى بها للمسلم منهما من قبل الإسلام أوّل. ألا ترى أنّ أصلي على الأب الميّت، ولو كان شهود الذمي مسلمين، وشهود المسلم ذميين، أجزت شهادة أهل الذمّة، وجعلتها للمسلم. والأرض والدار والحيوان والثياب، في كلّ ذلك سواء. وإذا كانت في يد رجلين دابة، أحدهما مسلم والآخر كافر، ثمّ أقرّا جميعا، أنّ أباهما مات وتركها ميراثا. وقال المسلم: مات أبي مسلما. وقال الآخر: مات أبي وهو كافر. فإنّه يقضى بها للمسلم. ألا ترى أنّي أصلّي على المسلم، بقول أبيه المسلم. وكذلك العروض كلّها، والعبد والأمة والحيوان والذهب والفضّة.
قال غيره: إذا صح أنّ الأب كان ذميا، فمات وترك ابنيه هذين، فادّعى المسلم، أنّه مات مسلما، وادّعى الذمي أنّه مات ذميا. فإنّ الذمي أولى بالميراث، وهو على أصل حتّى يصح انتقاله. وإن كان مسلما، فكذلك القول قول المسلم، وإن لم يصح أمره، فالإسلام أولى به، إذا كان في دار الإسلام، فالميراث للمسلم والقول قوله، إلا أن يأتي الذمي على ذلك ببيّنة. وإذا كانت الدار في يدي رجلين مسلمين، وهما أخوان فأقرّا جميعا (2/219)
صفحة 491
أنّ أباهما مات وتركها ميراثا، وقال أحدهما: كنت مسلما، وكان أبي مسلما. وقال الآخر: صدقت وكنت أيضا مسلما، أسلمت في حياته وكذبه الآخر قال: كنت أنت كافرا، فأسلمت بعد موت أبي، وأقرّ الآخر أنّه أسلم قبل موت أبيه، فإنّ الميراث للمسلم، الذي اجتمعا عليه، ويكون على الآخر البيّنة، أنّه أسلم قبل موت أبيه، ثمّ الميراث لهما جميعا، ولو كان أسلم بعد موت أبيه، ما لم يقسم المال. أرأيت لو كان عبدا فقال أخوه: عتقت قبل موت أبيك، وقال هو: بل عتقت بعد موت أبي، أنا وأنت جميعا، وقال الآخر: أمّا أنا فأعتقت قبل موته، فأمّا أنت اعتقت بعد موته. فالميراث للذي اجتمعا على عتقه، والبيّنة على الآخر، بعد أن يعلم أنّهما حرّان اليوم. وكذلك أيضا لهما الميراث، وبهذا الوجه نأخذ. وإذا كانت الدار في يد رجل ذمي، فادّعاها مسلم، أنّ أباه مات وتركها ميراثا، لا يعلمون له وارثا غيره، وأقام على ذلك بيّنة من أهل الذمّة، وادّعى فيها ذمي مثل ذلك، وأقام عليها بيّنة من أهل الذمّة، فإنّه يقضى بها للمسلم؛ لأنّه بيّنة الذمي من كفّار، ولا تجوز شهادتهم في ما يضرّ المسلم وينقصه. ولو كانت بيّنة الذمي مسلمين، قضيت بالدار بينهما نصفين. (2/220)
صفحة 492
وأرى أنّ الدار للذي هي في يده، حتّى يقيم المسلم البيّنة مسلمين. وكذلك الحيوان والعروض والثياب والأشياء كلّها. وإذا كانت الدار في يد رجل مسلم فقال: مات أبي وهو مسلم، وترك هذه الدار ميراثا، وجاء أخو الميّت وهو ذمي، فقال: مات أخي وهو كافر على ديني، وهذا مسلم. فالقول قول الابن، وله الميراث، ولا يرث الأخ مع الابن شيئا، ولا يكون له قول البيّنة، ولو أقاما البيّنة على مقالتهما، أجزت بيّنة المسلم، ولو أقام الأخ بيّنة من أهل الذمّة، على ما قال، ولم يقم الابن بيّنة، لم تجز بيّنة الأخ، وهو كافر على الابن المسلم. وإذا كانت الدار في يد ورثة، فقالت امرأة الميّت وهي مسلمة: زوجي مسلم، مات مسلما، وقال ولده وهم كفّار: بل مات أبونا كافرا، وجاء أخو الزوجة وهم مسلم، فصدّق المرأة على مقالتها، وهو يدّعى معها الميراث، والأولاد كلّهم كفّار، والمرأة مقرّة بأنّ أخاها مات مسلما، ولعلّ أراد أخا هذا، وهو الوارث معها. فإنّي أقضي لأمر أنّه وأخيه، ولا أجعل للأولاد شيئا، ألا ترى أنّه لو ترك ابنا وابنة مسلمة، والابن كافر وترك أخا مسلما، فقالت البنت والأخ: قد كان الميّت مسلما. وقال الابن: كان كافرا، فإنّي أجعله مسلما، وأصلّي عليه، وأورث البنت والأخ، ولو لم يكن له بنت وأخ، وكان له أخ واختصموا في ذلك، جعلت القول قول ابنه، وجعلت الميراث لابنه، ولا أصدّق الأخ؛ لأنّه لا ميراث له مع الابن. فإن كان بعض الورثة مسلما، جعلت القول قوله. (2/221)
صفحة 493
قال غيره: إذا كان في دار الإسلام، ولم يصح أنّه ذمي، إنّما اختصموا على ميراثه، من من كان من الورثة، من أرحامه مسلما، فهو أولى بميراثه عندي، وهو مسلم في الحكم، حتّى يصح أنّه ذمي، ولو كان المدّعى من أرحامه، ليس من أولاده والأقارب، بعدهم كلّهم سواء، والمدّعى من ادّعى الشرك. وإذا كانت ابنة وأخ، والابنة مسلمة والأخ كافر. فقال الأخ: إنّ الميّت كان كافرا، وقالت الابنة: كان مسلما. فالقول قول البنت، ولها الميراث، أراه كذلك. إن كان الأخ هو المسلم، والابنة كافرة، فقال الأخ: كان أخي مسلما، قالت الابنة: كان أبي كافرا. فالقول قول المسلم، وهو الأخ المسلم، إذا علم أنّه لا وارث له غيرهما، وله الميراث. إذا كان أحد الورثة مسلما، جعلت القول قوله: إنّه مسلم مثله، ولا أصدّق الكافر. نعم، وكذلك إن أقام الكافر بيّنة من أهل الكفر، فإنّي لا أقبل بيّنتهم على المسلم. فإن أقاموا بيّنة من أهل الإسلام، ولم يقم المسلم، جعلت الميراث لهم دون المسلم. ولو أقام المسلم بيّنة من أهل الذمّة، أجزت بيّنة المسلم؛ لأنّه لا تجوز بيّنة الذمي على المسلم. (2/222)
صفحة 494
وإذا كانت الدار في يد أخوين، مسلم وكافر، فأقرّا أنّ أباهما كان كافرا وقال المسلم: إنّ أباه كان قد أسلم قبل موته، فإنّ المسلم لا يصدّق على ذلك؛ لأنّه قد أقرّ أنّ أباه كان كافرا، فعليه البيّنة، ولو لم يقل: إنّ أباه كان كافرا، وقال: كان مسلما، جعلت القول قوله. وكذلك هذا في كلّ وارث، من ما ذكرنا في هذا الباب، والله أعلم. وإذا مات الذمي، وهو معروف أنّه ذمي، وورثته كفّار كلّهم، وله أمة ذمية، فادّعت أنّه أعتقها في حياته، وقال الورثة: بل كانت أمة فأعتقت بعده، فهي مدّعية، وعليها البيّنة، أنّها قد أعتقت قبل موته. وإذا مات المسلم، وله امرأة نصرانية فقالت: قد أسلمت في حياته، فعليها البيّنة، فإن لم تقم لها بيّنة، فلا ميراث لها على الورثة، وعلى الورثة أن يحلفوا على علمهم. ولو لم نعرف أنّها كافرة وقالت: ما زلت مسلمة، كان القول قولها، ولها الميراث، ولا يصدّقون على إخراجها بعد موته من الميراث. ولو أقرّت أنّها كانت أمة، وأنّها أعتقت في حياته، لم نجعل لها الميراث، إلا أن تقيم البيّنة؛ لأنّها أقرّت بالرق، فعليها البيّنة. ولو ادّعوا أنّه كان طلّقها ثلاثا، وجحدت هي ذلك، كان القول قولها، ولها الميراث، بعد أن تحلف أنّها لم تنقض عدّتها.
قال غيره: لها الميراث، وليس لانقضاء العدّة معنى. (2/223)
صفحة 495
ولو أقرّت أنّه طلّقها واحدة في الصحة، وأقرّت بانقضاء العدّة، وأنّه راجعها في العدّة، وكذبها الورثة وقالوا: لم يراجعها. فالقول قول الورثة: إنّه لم يراجعها، وهي في هذا الوجه، هي المدّعية، وعليها البيّنة. ولكن إن كانت عدّتها لم تنقض بعد، فلها الميراث. وإن كانت العدّة قد انقضت، فلا ميراث لها. وإذا مات الرجل، وأبواه كافران فقالا: ابننا يوم مات وهو كافر، وقال ولده وهم مسلمون: أبونا مات وهو مسلم. فالقول قول أولادنا المسلمين، ولا ميراث لأبويه الكافرين. وإذا مات الرجل، وترك ميراثا في يد رجل، فأقام أبوه البيّنة، أنّه ابنه وقال: كان ابني مسلما، وقال الذي في يده المال له: له ولد غير هذا، أو قال: لا أدري له ولد غير هذا أم لا. فإنّي لا أتقدّم في ذلك، فانظر هل له ولد أو وارث؟ فإن لم يعلم له ولد ولا وارث، دفعت الميراث إلى هذا، وأسأله واستوثقت منه بكفيل. وكذلك لو كان هذا الابن كافرا، وقال: كان أبي كافرا، جعلت له الميراث له كلّه، بعد النظر في ذلك. وكذلك لو كانت ابنة جعلت الميراث لها كلّه، بعد ألا أجد لها عصبة ولا وارثا. (2/224)
صفحة 496
وكذلك الأمة. فأمّا الجد والأخ والأخت وابن الأخت وابن العمّ، فإنّي لا أعطيهم شيئا، إلا أن يقيم البيّنة على الورثة كم هم، ويشهدون أنّهم لا يعلمون له وارثا غير هذا. وأمّا الزوج والمرأة، فإنّي أعطيهم أقل ما يكون من نصيب الزوج والمرأة، حتّى أعرف الورثة؛ لأنّ الولد والوالد، والزوج والمرأة، وارث على كلّ حال. والأخ لا يكون في حال وارثا، ويكون في حال وارثا. وكذلك الأخت والعم وابن العم. وكذلك ابن الابن، وكذلك الجد والجدّة، فلا أعطي أحدا من هؤلاء شيئا، حتّى أعلم أنّه وارث، أو يقيموا البيّنة على الورثة. وقال بعضهم: أعطي المرأة والزوج أكثر من نصيبهم في الميراث، حتّى أعلم غير ذلك. والقول الأوّل أحبّ إليّ في الزوج. والمرأة أن يعطيا الأقل، حتّى ننظر. انقضى كتابه.
قال غيره: من يرث على حال، مثل الزوجين يعطون أقل ما يرثون هذا في الحاكم. (2/225)
صفحة 497
وأمّا غير الحاكم، إذا كان في يده، وصح ما وصفنا، فهو بالخيار، إن شاء أسلم وإن شاء ترك.
وعن غيره: رجل مات فجاءت امرأته، فأقامت البيّنة أنّها امرأته. كم تعطى من الميراث؟ فأقلّ ما تعطى ربع الثمن. وعن رجل ادّعى أنّه وارث فلان، وادّعى آخر أنّه وارثه، ولم تكن مع أحدهما بيّنة، ونزلا إلى الأيمان. كيف تجرى اليمين عليهما؟ قال: يحلف أنّه وارث فلان، ما يعلم أنّ هذا الخصم وارثه.
قلت: فإن أحضر هذان الخصمان، كلّ واحد منهما شاهدي عدل، أنّه وارث فلان. فما يفعل الحاكم؟ قال: لا يحكم لهما، حتّى يبيّن الشهود النسب، الذي يرث كلّ واحد منهما. فإن استويا كان المال بينهما، وإن كان أحدهما أولى به في حكم الحاكم، كان له دون الآخر. وإن اشتركوا فيه، أشرك بينهما بكلّ ما يصح لكلّ واحد منهما في الميراث. (2/226)
صفحة 498
باب في شهادة أهل الذمّة في المواريث
وإذا شهد يهوديان لمسلم بحق، على يهودي هالك، وشهد يهوديان بحق أيضا ليهودي، فإنّه يقضى للمسلم قبل الذمي. فإن فضّل شيء، كان للذمي بحقه. كذلك قال بعض الفقهاء.
ومن غيره قال: نعم. وقد قيل: يتحاصصان؛ لأنّ الشهود كلّهم تجوز شهادتهم على الهالك، وإن شهد اليهوديان للمسلم على اليهودي بحقّه، وشهد المسلمان للذميّ، تحاصصا ما ترك، إن لم يكن لهما وفي كلاهما.
ومن غيره قال: نعم، وذلك أنّ الحق لما وجب للمسلم، لم تجز شهادة الذميين لليهودي، على شيء قد وجب للمسلم، لم تجز شهادة اليهودي على المسلم، وكان الحق، ولما شهد المسلمان على اليهودي، ثبتت شهادتهما على المسلم، وتحاصصا. وكذلك لو شهد للمسلم مسلمان، وللذمي مسلمان، تحاصصا المال؛ لأنّهما قد استويا في الشهادة، وثبت حقّهما جميعا بشهادة المسلمين.
ومن ما يوجد أنّه من جامع أبي صفرة: (2/227)
صفحة 499
وإذا كانت الدار في يد رجل ذمي، فإذا ادّعاها آخر ذمي، وأقام البيّنة من أهل الذمّة.
وسألت الشّيخ أبا مالك، وقلت: أوجدت في الأثر في مسلم وذمي، في أيديهما شيء يتنازعانه.
الجواب: أنّه يحكم به للمسلم، إلا أن تكون لأحدهما البيّنة، فيحكم له بها. قال: نعم، هذا أظنّه قول محمّد بن محبوب. وأمّا موسى بن علي، فيجعله بينهما، إذا عدمت البيّنة أيضا. ومن هلك وترك ولدين، أحدهما مصل والآخر ذمي. فقال المصلّي: مات أبي على فطرة الإسلام. وقال الذمي: مات أبي على اليهودية. فبعث المصلّي ذميين، أنّ أباه مات على فطرة الإسلام، وبعث الذمي مصلّيين، أنّ أباه مات على دين اليهودية. قال أبو عبد الله: أرى أنّ الميراث للمصلّى، وهو أولى من الذمي. (2/228)
صفحة 500
باب في أدب القاضي وما ينبغي له عند القضاء
من مسائل مجموعة: وبعد فإنّه لا ينبغي لأحد أن يطلب القضاء، ولا يستمع في طابه، ولا يحتمل بأحد في ذلك، ولا يتعرّض له، ولا يسأل أن يستقضى. فإن فعل ذلك فهو مسيء. وإن استقصى، وهو من من يتحمّل، أن يكون قاضيا في حفظه للآثار، ونظره بالحلال والحرام والفقه، عارفا بوجوه ذلك، واختلاف الناس، مع عفاف وحلم ونزاهة عن الطمع، واحتمال للأئمّة، فلا بأس إن أرادوه يكون قاضيا.
الضياء: وفي حديث عمر بن عبد العزيز، أنّه قال: لا ينبغي للرجل أن يكون قاضيا، حتّى تكون فيه خمس خصال: عالم قبل أن يستعمل، مستشيرا لأهل العلم، ملقيا للزيغ، منصفا للخصوم، متحمّلا للأئمّة الربع الدناة.
ومن غيره: الرابع الذي يرضى بالقليل من العطاء، ويحاذر إخوان السوء.
قال علي: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نضيف الخصم، إلا أن يكون معه خصمه. (2/229)
صفحة 501
رجع: فإن استعمل على القضاء، فلا بأس أن يجلس إلى جنبه، من يثق به في دينه وفهمه، فإذا أشكل عليه أمر شاوره فيه. وإذا قصد الخصمان، فينبغي له أن يقبل بوجهه إليهما، ويساوي بينهما في النظر إليهما، والإقبال عليهما، وينصف كلّ واحد منهما من الآخر في الكلام، والإقبال عليه. ولا ينبغي أن يمازح أحدا، وهو في مجلس القضاء، ولا يبتسم في وجه أحد من الخصوم، كان يعرفه قبل ذلك، أو لم يكن يعرفه، ولا ينبغي أن يبدأ أحدا من الخصوم، وإن كان يعرفه بالسلام، ولكن إن سلّم عليه، فلا بأس أن يردّ عليه السلام. وقيل: لا يردّ عليه. وقيل: يقول: وعليكما السلام، وكأنّه لا يفضّل بالرد على من سلّم عليه. وقيل: يردّ عليه. ولا ينبغي أن يسار جليسا له، والخصمان قدّامه، فإنّ ذلك ما يكسرهما عن حجّتهما، ولا ينبغي للقاضي أن يقضي بين الناس، وهو غضبان ولا جوعان، ولا مهتم ولا كظيظ من الطعام. وينبغي أن يكون وسطا من ذلك. (2/230)
صفحة 502
وينبغي أن يوكّل للخصوم من يجلسهم على حالتهم، التي يسبقون إليها، حتّى يجلسهم صفوفا، ولا يأمر بذلك إلا من يثق به، ثمّ يقدّم الأوّل فالأوّل، ويحضر خصمه معه. وينبغي أن يجلس للقضاء غدوة وعشية، ولا يتشاغل لغير ذلك. فإذا جلس إليه الخصمان، فرأى أحدهما مرعوبا لجلوسه قدّامه، فليتغافل عنه قليلا، حتّى يطمئن قلبه، ويرجع إليه لبه، وليرفق بهما في المساءلة، ثمّ يبدأ بالمدّعى، فيسأله عن ما يدّعى، فإذا أخبره بدعواه، أقبل على المدّعى عليه، فسأله عن دعوى خصمه. ما تقول؟ أيقرّ بما يقول خصمه أم ينكر؟ فإن أنكر سأل المدّعى عن البيّنة. فإن قال: ليست لي بيّنة؟ قال: يحلف. فإن قال المدّعى: نعم، حلف للمدّعى عليه. وإن قال: لي بيّنة، أجّله أجلا في إحضار بيّنته، على قدر ما يعلم، أنّه يبلغ حيث ادّعى البيّنة، ويطلب فيؤجّله أجلا، ويؤرّخ ذلك في كتاب. (2/231)
صفحة 503
فإن أحضر البيّنة إلى الأجل أو بعده بيومين أو ثلاثة، فلا يقطع حجّته، وليسمع بيّنته. وأمر كاتبا فكتب شهادتهم، ثمّ قرئت عليهم، فإن كان كما شهدوا، أوقع بخطّه في أسفل ما شهدوا له بذلك (شهدوا عندي). فإن أقرّ المدّعى عليه أو لا يدّعي الخصم، وقال: عنده مخرج، سأله عن المخرج الذي زعم أنّه له، وادّعى بنفسه ببيّنته قبل ذلك، إذا احتجّ بشيء له فيه حجّة ومخرج. وإن احتجّ بشيء لا يكون فيه مخرج ولا حجّة، وعدلت البيّنة، لم يقبله، وأنفذ عليه الحكم. وينبغي للقاضي أن يجعل قلبه وتنبيهه وفهمه إلى الخصمين، فإن أقرّ أحدهما بشيء، لزمه أخذه بذلك، وكتب حجّتهما وفهمها. وينبغي للقاضي أن يتّخذ قيما على رأسه عند الخصوم، يثق به، فإن طوّل أحد الخصمين، أو زاد، وجعل يحتجّ بما ليست له حجّة أمره فأقامه. ولا ينبغي للقاضي إذا جاءه رجل يخاصم غائبا، أن يستمع من حجّته شريفا أو وضيعا، حتّى يستوي معه خصمه. ويقال: إنّ الأشعث بن قيس، أتى شريحا في مجلس القضاء، يظنّ شريح أنّه جاءه مسلما، فأجلسه إلى جنبه. (2/232)
صفحة 504
قال: ومع الأشعت خصم له، فقال خصم الأشعث: إنّما جئتك مع لأخاصمه إليك، فالتفت شريح إلى الأشعث فقال: كذلك؟ قال: نعم. فقال: تحوّل مع خصمك. فيقال: تغيّر وجه الأشعث ثمّ قال: عهدي بك شريح، وشأنك سويين، فقال له: أنت يا أشعث جهلك نعمة الله عليك، وعقوبتها على غيرك، أنّي كذا كنت. فقال الأشعث: والله لا أرضينه من حقّه، ثمّ لا أخاصم. فقال له: أنت وشأنك، فقام من عنده مغضبا. ويقال ابن عم لشريح أعرابي: أتى شريحا وهو من بني عدي فقال له: يا أبا أميّة، إنّ لي قرابة وحقا، وأنّي أريد أن أقدّم إليك خصما لي، فإنّي أحبّ أن تقضى لي عليه. فقال شريح: إن شاء الله إن استطعته. فلمّا كان من الغد، غدا الأعرابي بخصمه إلى شريح، فاختصما إليه، فتوجّه القضاء على الأعرابي، فلمّا رأى الأعرابي، أنّ شريحا يتحامل عليه. فقال: يا أبا أميّة. أين ما وعدتني؟ قال: الحق حال بيني وبين ذلك، ثمّ قضى على الأعرابي. ويقال: إنّ خصمين اختصما إلى شريح، فجعل أحدهما يصيح ويختلط. فقال له شريح: خصمك داؤك، ونيّتك شفاؤك، فافرغ من شفائك من شهادتك على دائك، أي هات بيّنة إن كانت لك. فقال: جاء بشاهدين فقال شريح: أمّا أنّي لم أدعكما، وإن أقمتما لم أمنعكما، فإنّما عليّ ما أدّيتما، فاتقيا الله ربّكما. ولا ينبغي للقاضي أن يبيع ويشتري، ما دام قاضيا، ولكن يولّي ذلك غيره، من من يثق به. (2/233)
صفحة 505
ولا ينبغي للقاضي أن يستقرض من أحد الخصوم، ولا من أهل عمله دنانير ولا دراهم، ولا من أحد غير الخصوم، وهو يرى ويظنّ أنّ ذلك أحد من الخصوم، ولا بأس أن يستقرض من صديق له أو خليط، لم يزل خليطا له من قبل أن يستقضى، ولا يخاصم إليه في شيء، يتّهم لشيء، أنّه يعيّن خصما من من يخاصم إليه. ولا ينبغي للقاضي أن يستعير من أحد، من أهل عمله، من من يخاصم إليه دابة ولا ثوبا، ولا ما يستعيره الناس من بعضهم بعض. ولا بأس أن يستعير ذلك من صديق، كان يستعير منه، من قبل أن يستقضى، وليس يخاصم إليه في شيء. وينبغي للقاضي إذا رفع إليه أموال اليتامى، ولهم وصي، أن يدفع الأموال إلى الوصي. وإن لم يكن لهم وصي، جعل لهم وصيا ثقة، من ذوي قرابتهم، أو جيرانهم، من من يثق به، ثمّ يدفع إليه أموالهم. وإن كان لهم وصي، فدفع إليه سأل عنه، فإن اتهم بتهمة لم توضّح له، جعل معه وصيا آخر. وإن جاءت منه تهمة بيّنة، فاستبان منه حياته وفساد، أخرجه من الوصية، وجعل غيره وصيا. (2/234)
صفحة 506
وإن قضى في داره، فلا بأس. ويقال: إنّ كتاب القاضي إلى القاضي جائز، إذا وافق الحق وعرف الكتاب والخاتم. ويقال: إنّ امرأة خاصمت إلى شريح، فجعلت تبكي فقال رجل: إنّها تبكي بكاء، أنّها مظلومة. فقال شريح: إنّه قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظالمون كاذبون. ويقال: إنّ رجلا كانت له مع رجل شهادة، فخاصم صاحبه إلى شريح. فقال لشريح: أنت الشاهد لي بحقي، فخذ لي حقي منه. فقال له شريح: أنت الإمام حتّى أشهد لك. فهذا ما بلغنا عن شريح. ويقال: إنّ عمر بن الخطّاب –رحمه الله- اختصم إليه رجلان، فادّعى كلّ واحد منهما شهادته فقال لهما عمر: إن شئتما شهدت ولم أقض، وإن شئتما قضيت ولم أشهد. ومن جلب طعاما، فليحبسه ما بدا له، ولا يقرب أحدا أن يحتكر الطعام، ولا يصلح للقاضي إذا تبيّن له القضاء، أن يصلح بينهم، ويقول للخصم صاحب الحق: أحضرني شاهديك على أصل حقّك، والبيّنة على غريمك على ما ادّعاه، ويمينك على ما بقي.
ومن غيره: سئل عن رجل من حكّام المسلمين، مضت أحكامه في (2/235)
صفحة 507
الفروج والأموال، وأشباه ذلك، ثمّ صار بعد ذلك عبدا. هل تنفد أحكامه أو ترد؟ قال: سمعت أبا عبيدة يقول: إذا حكم الحاكم بشيء، فهو ماض ليس لهم أن يردّوه. قال أبو الحواري: ليس لحاكم أن ينقض حكم حاكم، كان قبله حتّى يصحّ معه، أنّه حكم بباطل.
قال غيره: إذا رضي الخصمان بأحد يحكم بينهما، أو كان الحاكم من من تجب طاعته عليهما، فجبرهما على حكم، من ما يختلف فيه، ثبت ذلك عليهما، ولا ينقض ذلك الحكم، إلا أن يكون باطلا. وأمّا إذا جبر أحد من الجبابرة، أو من من لا طاعة له من الرعية، خصمين على شيء من الأحكام، من ما يختلف فيه، وحكم بينهما على ذلك، فذلك من ما يختلف فيه. فقال بعض: إنّ الحكم يثبت، ما لم يحكم بينهما، بباطل مخالف للكتاب أو السنّة أو الإجماع. وقال من قال: لا يثبت عليه ذلك الحكم، وينظر في ذلك الحكم القائم، فإن رأى غيره نقضه.
ومن غيره: كان شريح يقول للخصم: يا عبد الله، إنّي والله لأقضي لك، وإنّي لأظنّك ظالما، ولكن لا أقضي بالظن، وإنّما أقضي بما حضرني من بيّنتك، وأنّ قضائي لا يحلّ لك حراما، الحق أحقّ من قضائي. (2/236)
صفحة 508
ومن غيره قال: الذي معنا: إنّ الحاكم يقعد الناس إلى القائلة، ويروح لنفعه، إلى أن ينظر في الأحكام. ويتعلّم ما يلزمه من ما قد رفع إليه، فيكون ذلك عونا على أحكامه، وذلك من ما يقول الحاكم: ولا غنى له عنه. وقيل: إنّ الحاكم إلى رأيه أحوج من حفظه؛ لأنّه يردّ عليه من الأمور، ما لم تأت به الآثار، فيقيس بعضها على بعض، وينظر الفرق بين أصولها وفروعها. وهذا ما يدلّ أنّ الحاكم لا يكون إلا من من يجوز له القول بالرأي، ولا يكون ذلك إلا لأهل الرأي، ويرفع هذا القول عن محمّد بن محبوب –رحمه الله-.
ومن بعض الآثار: فدعوا الرأي غير السنّة، والآثار عن النبيّ وأصحابه، وإنّما الرأي في ما ليس فيه كتاب ولا سنّة في اجتهاد الحاكم، في ما أراه الله، على القياس والسنّة، عن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، والآثار من السابقين في الاشتباه والأمثال؛ لأنّه أحقّ ما أخذ به الكتاب والسنّة والآثار، عن من مضى من الفقهاء، وفي ما خالف هذا اجتهد القاضي جهده.
قال غيره: الاجماع من كلّ أهل زمان، من المسلمين إجماع، إذا كانوا أهل رأي، والاختلاف اختلاف. ولو كان رجل واحد، سبق على قول، وكان عالم أهل زمانه، كان حكم قد سبق على الإجماع، وكان على من خلف اتباعه على ذلك. (2/237)
صفحة 509
وكذلك إن قال، ولم ينازعه العلماء في عصره، وسلّموا له، كان ذلك إجماعا أيضا. وقيل: لا تقاس الأصول بعضها ببعض، والأصول ما جاء في الكتاب والسنّة والإجماع. ويقاس ما لم يأت في الأصول على الأصول، والأصول مسلّمة على ما جاءت. وما أشبه الأصول، فهو أصل، وما لم يشبه الأصول، فليس على الأصل. وقد وجدنا في بعض الرواية، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّ الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر. ونحن نقول: إن كان من أهل الرأي، فاجتهد فأصاب، فله الأجر، وإن أخطأ في شيء يجوز فيه الرأي لم يضمن. وقد اختلفوا في كيفية الاجتهاد: فقال بعض: ليس لأحد في أخذ ولا عطاء، إلا أن يجد ذلك نصا في كتاب الله، أو في سنّة رسول الله، أو إجماع أو خبر يلزم، ولا يقوله إلا قياسا على اجتهاده، على طلب الأخبار اللازمة. والقياس قياسان: (2/238)
صفحة 510
أحدهما: في معنى الأصل، فذلك لا يحل لأحد خلافه، ثمّ قياس: أن يشبه الشيء بالشيء، من أصل عنده، فيشبه هذا بهذا، وشبّه غيره، بأصل أحدهما في خصلتين، والآخر في خصلة ألحقه بالذي هو أشبه له في خصلتين. وقيل: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن فقال له: كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله.
قال: إن لم يكن في كتاب الله؟ قال: بسنّة رسول الله.
قال: فإن لم يكن في سنّة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا ألو. فضرب في صدره فقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله، لما يرضى الله. وهذا من ما يقوى القضاة على اجتهاد الرأي، في ما لا يكون في الكتاب والسنّة، فقد بيّنا أنّه لا يكون الرأي إلا لأهل الرأي.
ووجدت في بعض الكتاب: يرفع عن بعض الصحابة: إنّه مرّ على قاض يقضي. فقال له: تعلم الناسخ والمنسوخ؟ قالا: لا. (2/239)
صفحة 511
قال: هلكت وأهلكت.
قلت: هل يجوز لأحد من الأئمّة، أن يستعمل على رعيته في أمورهم، والقضاة بينهم، غير أهل العدل، أو يستعمل عدلا في دينه من قومنا، أو من غير أهل دينه؟ قال: لا يجوز له أن يولّى شيئا من أمانته، التي ائتمنه الله عليها، في خلقه، إلا أهل العدالة والولاية، من أهل دعوة المسلمين. وقد وردت السنّة، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر أميرا على جيش ولا قرية ولا سرية ولا مرصد ولا حكم ولا صلاة، منذ بعثه الله، إلى أن تولاه إلا عدلا مرضيا، وكانت أمراؤه في البلاد مشهورين، بتأميرهم إيّاهم، وعقد الولاية لهم. ويوجد عن محمّد بن محبوب: إنّ الإمام إذا ولّى على ما ولاه الله عليه، من أمانته غير الأولياء، من أهل الأمانة والعدالة، استتيب من ذلك، فإن تاب وإلا برئ منه، وانخلع من إمامته. وروي عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: من استعمل فاجرا، وهو يعلم أنّه فاجر، فهو فاجر مثله. وقد قال الله: {يحكم به ذوى عدل منكم} قال: المسلمون من أهل الولاية. وقال في البيوع: {ممّن ترضون من الشهداء}. (2/240)
صفحة 512
وقد أنكر المسلمون على عثمان، استعماله السفهاء من ذوي قرابته، واستعمال الوليد بن عقبة. وقال عمر بن الخطّاب: ما أحبّ أن أكون كالسراج، يضيء للناس، ويحرق نفسه. وقال أيضا لواليه: إيّاك والضجر والقلق، والتنكّر للخصوم في مجلس الحق. وقيل: من خلصت نيّته، في ما بينه وبين الله، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ألا فلينازع هذا الحاكم لله نفسه، ولا يتقوّى بسلطان الله، في ما لم يأذن له به، ولا يتعصّب لله بأكثر من ما أمره الله به، وليكن سهلا حليما متعطفا رحيما، وليسوا بين القوي والضعيف، والوضيع والشريف، والرفيع والخفيض، والحبيب والبغيض، فإذا قدر فليذكر قدرة الله عليه. والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «لا يحكم حاكم بين اثنين وهو غضبان». وقال بعض الفقهاء: لا يخرج الحاكم إلى مجلس الحكم هو غضبان. وإن عرض في حدث له، غضب وهو في مجلس الحكم، فليرجع إلى منزله، حتّى يسكن غضبه. (2/241)
صفحة 513
وليس للحاكم أن يتخيّر من آراء الفقهاء، إلا ما يرى أشبه بالحق، وأقرب إلى الصواب.
وسألته عن صفة من يجوز له، أن يحكم بين الناس. قال: عند أصحابنا. وروي عن عمر بن الخطّاب –رحمه الله-: لا يصلح القضاء، إلا لمن جمع خمس خصال: أن يكون عالما بما سبقه من الآثار، مشاورا لذوي الرأي، نزيها عن الطمع، حليما عن الخصوم، محتملا للأئمّة. فإن فاتته خصلة من هذه الخصال، ففيه. وقال بعض: وإن لم تكن فيه عقله، فإذا عقل القياس عقله. وإذا سمع الاختلاف، فلا ينبغي له أن يقضي، ولا لأحد أن يستقضيه. وعندي حتّى يكون فيه، مع هذا مسكون الطمع، وخروج من الميل، ويكون عدلا، مرضيا، ورعا، وليّا، متوقّيا للحكم عند الغضب.
وقد وجدت في بعض الآثار: إنّه لا يجوز القضاء، إلا لمن كان حافظا لكتاب الله –عزّ وجلّ-، عالما بناسخة ومنسوخه، وخطره وإباحته، ومحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه، وندبه وفرضه، وعالما مع هذا، لسنّة رسول الله وناسخها ومنسوخها، وعالما باختلاف أهل دهره، وعالما بلغات (2/242)
صفحة 514
العرب أو أكثر ذلك، وعالما بتأويل المقاييس ومصادره وموارده، ومحتمله وغير محتمله، وصحيح العقل، مميّز لما يرد عليه، ويكون مع هذا عدلا، في دينه، كما يكون عدلا في علمه. فعلى هذا تكون قصّة القاضي والحاكم. وينبغي للقاضي أن يكون يولّي مساءلته، التي يسأل عنها الشهود، قوما ثقة يثق بهم، ويطمئن إليهم، ويكتمون مسائله، ولا ينبغي أن يظهر عليها أحدا، إلا أصحاب مسائله. وينبغي إذا أرسل في تعديل البيّنة، بعث بها مختومة، مع من لا يعرف ما فيها، حتّى يوصلها إلى الذي يلي المساءلة عنها؛ لأنّ الناس قد أضرّ بهم الطمع، إلا من عصم الله. فإذا أجاب فيها، جاء بها صاحب المساءلة، مختومة في يد القاضي، وإذا خاف أن يشهد، بأنّه صاحب المسائل، أرسل بها مختومة مع غيره إلى القاضي، حتّى ينظر فيها، ثم يرسل إليه بعد ذلك سرا، ليلا أو نهارا، حتّى يسأله عن ما كتب إليه من الجواب فيها. فإن كانوا قد عدلوا ما زاد، أو يردّها إلى غيره ثانية، فيسأل عنها ثانية، فهو أحسن وأوثق. فإذا عدلوا أمضى القضاء على الذي شهدوا عليه، إلا أن تكون له حجّة. (2/243)
صفحة 515
ويقال: إنّ رجلا شهد عند شريح بشهادة، فلمّا شهد أمضى شهادته، وقام من عنده. قال الشاهد للخصم: كيف رأيت؟ فرجع الخصم إلى شريح فقال له ذلك. فقال شريح: عندك شاهدان، أنّه قال: لك هذه المقالة؟ قال: نعم. فأتاه بشاهدين على ذلك، فأبطل شهادته. وما تقول إن قال لك: إنّ شهادتك لا تضرّني؟ قلت له: كيف رأيت؟ قد رأيت، قد جازت شهادتي، ولم أشهد إلا بالحق. وعن أبي يوسف القاضي، عن عطاء بن السائب، عن أبي اللخيص: إنّ أبا الدرداء، شهد عنده قوم فسأل عنهم سرا.
ومن كتاب محمّد بن جعفر: وليسوا القاضي بين الخصوم في مجلسه ونظره وكلامه. قيل: ولا يدخل خصما دون خصمه، ولا ينزلن عليه خصم، ولا يلقن الخصم حجّة، ولا الشهود شيئا يقوون به. قال أبو المؤثر: قال محمّد بن محبوب: أن يحتجّ على الخصم، إذا أبصر الحق، وإن لم يبصر الخصم حجّة نفسه. اختلف أهل العلم في الحاكم: أيلقن الخصم حجّة أم لا؟ (2/244)
صفحة 516
فقال من قال: إنّ على الحاكم أن يقيم للخصم حجّته. ويوجد هذا القول عن محمّد بن محبوب. وقال من قال: إنّ له ذلك، وليس عليه. وقال من قال: لا يؤمر بذلك، فإن فعل لم يضق عليه. وقال من قال: ليس له ذلك ولا عليه، وينهى عن ذلك. ويكره له أن يفتح للخصوم الحجج، وإنّما يحكم بما صح عنده من الدعاوي، التي تجرى بينهم. وأمّا غير الحاكم، فيجوز له أن يفتح لأحدهما حجّة على الآخر، إذا كان في غير مجلس الحكم. وذلك كلّه بالحق، إذا كان يرى هذا عميا بحجّته، ويخاف أن يلزمه ما ليس له، ويؤخذ منه ما هو له. وإذا رفع رجل على رجل، إلى الحاكم، وطلب حضوره عنده في ذلك اليوم، وطلب المرفوع عليه التأخير إلى الغد، فعليه أن يوافيه، إلا أن يكون له عذر من مرض. وإن كان شغل من أشغال الدنيا، فليس بعذر. وإن قال له: لا شيء عليّ لك. فقال: وافني غدا. فقال له: نعم. (2/245)
صفحة 517
فقال: إن لم يوافني غدا، فهذه المائة الدرهم عليك، فقال: إن لم أوافك غدا، فهذه المائة الدرهم عليّ لك، وهو منكر لتلك المائة، فلم يوافه في غد. لم يلزمه له شيء؛ لأنّه لم يقر له بشيء. وردّ رجل ادّعى على رجل عند الحاكم مائة درهم، فسأل الحاكم المدّعى عليه عن ذلك فقال: لا أنكر. فإنّه لا تلزمه المائة بهذا. وإن قال: لا أنكر لزمته المائة، وكان ذلك إقرارا منه، والله أعلم. وقيل: الحاكم يحتاج أن ينظر إلى فم الخصم، حتّى ينطق بالدعوى والإقرار. وينبغي للحاكم أن تنازع إليه خصمان، فاستحلف أحدهما للآخر أن يثبته في دفتره. وإن سألته أن يكتب له، ويشهد له، فعليه ذلك. وعن الرجل كيف يسعه، ويجوز له الدخول في القضاء؟ قال: معي، أنّه يجوز له الدخول في القضاء، إذا نزل بمنزلة يجمع له فيها معاني أحكام القضية، التي تخص المريد الدخول فيها، وذلك عندي ينقسم على وجهين: (2/246)
صفحة 518
أحدهما: أن يكون على وجه تخيير للداخل، والوجه الآخر: أن يلزمه بغير تخيير، ومدار الوجهين جميعا، لا يصح للقاضي الدخول فيهما، إلا بمعنى علم القضية التي تخصّه، ويمتحن من لازم. وفضيلة ومدار معرفته، بحكم القضية، أن يعرف موضع المدّعى والمدّعى عليه، على القضية التي قد نزلت به. وأن يعرف أنّ المدّعى عليه البيّنة، وأنّ المدّعى عليه، عليه اليمين. فإذا عرف المبتلى بأمر القضية هذه الوجوه في القضية وما يتولّد منها، من أحكامها في موضع لزومها، ولو لم يعرف سائر ذلك، من معرفة الأحكام، إلا في معنى القضية، ولو كان في معنى واحد، وحكم واحد، ولو لم يخصّه في عمره كلّه، بمعنى لزوم أو فضيلة، إلا معنى هذه القضية وحدها كان له، وعليه إنفاذها على ما يلزم من واجبها، ويسع من فضيلتها، وكان بتضييعه لهذه القضية، في موضع لزومها، هالكا كافرا أو يتركها في موضع فضيلتها، عاجزا مقصّرا. وعن أبي هريرة: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكّين». وذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنّة». فمن قضى بغير الحق وهو يعلم، فذلك في النار. وقاض يقضي، وهو لا يعلم، فأهلك حقوق الناس، فذلك في النار. (2/247)
صفحة 519
وقاض قضي بالحق، فذلك في الجنّة. وعن ابن عمر، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على عمل فقال: يا رسول الله، اختر لي فقال: اجلس وألزم بيتك. وجائز القضاء في المسجد، ولا تقام فيه الحدود، ولا بأس بالحكم في المسجد ولا تقام فيه الحدود، ولا بأس بالحكم في المسجد، ولا يمنع من يريد دخول المسجد مؤمن ولا كافر ولا حائض، وليس حجّة تمنع من دخول المسجد سوى المسجد الحرام، ويؤمر الحاكم إذا دخل المسجد، أن يصلّى ركعتين ثمّ يجلس. ويستحبّ أن يكون جلوسه في موضع متوسّط للقضاء في المصر، الذي يقضي فيه بين أهله، ليكون ذلك أرفق بالناس، وحيث قضى بالحق فحكمه نافذ. وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قضى في بيت أمّ سلمة. وينبغي للقاضي إذا صار إلى مجلسه، أن يسلّم على القوم، لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم». (2/248)
صفحة 520
وكذلك يفعل الخصمان، إذا وصلا إليه اقتداء بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن عطس القاضي سمتاه. وإن عطس أحدهما سمّته القاضي أو أحدهما صاحبه. ويؤمر باستقبال القبلة، لحديث ابن عبّاس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «لكلّ شيء شرف، وأنّ أشرف المجالس ما استقبل القبلة». ويستحبّ إذا حضر الخصوم، أن ينظر بينهم ولا يؤخّر ذلك. وعن بعض الحكّام: إنّه كان يقعد للناس يومه كلّه، ويستحبّ ذلك، ويستحبّ للقاضي أن يكون معه اثنان، يجالسانه على القضاء. وإذا حضر القاضي الخصمان، يتكلّم المدّعى منهما، فإن جهلا، فلا بأس أن يقول لهما: يتكلّم المدّعى منكما. وإذا تكلّم المدّعى، فتكلّم المدّعى عليه، قبل فراغ المدّعى، سكته الحاكم، حتّى يفرغ المدّعى، ثمّ يتكلّم المدّعى عليه، ولا يدعهما يتكلّمان معا. وحسن أن يقول لمن أطال منهما: أوجز. عن ابن عبّاس في قوله: {كونوا قوّامين بالقسط .. } الرجلان يقعدان عند القاضي، فيكون القاضي وإعراضه عن الآخر، زهيد إلى أحد الرجلين. (2/249)
صفحة 521
وقد قيل: إنّ عمر كان يشاور حتّى المرأة، ولا يحكم حتّى تبيّن له حجّة، يجب أن يحكم بها، ولا يقلّد أحدا من أحد زمانه، ولا يحكم بشيء، حتّى يتبيّن له أنّه الحق، ولا يسعه غير ذلك. وعن عكرمة، كتب إلى أبي موسى: إذا رأيت الخصم يتعمّد للظلم، فأوجع رأسه. وقال بعض: يستحبّ أن تكون النساء إلى القاضي، أقرب ليكون الصوت بدعائهن إليه أقرب. (2/250)
صفحة 522
باب في القضية وفروع الأحكام
من كتاب محمّد بن جعفر: وقيل: كلّ حاكم حكم بحكم، لم يكن لحاكم غيره أن ينقضه، إلا أن يجتمع العلماء أنّه خطأ. وليس لحاكم أن ينقض حكم حاكم قبله، إلا أن يرى جورا بيّنا، ولا ينفذن قاضي عدل، كتابا لقاضي جور؛ لأنّ الجور لا يجوز عند أهل العدل. وإن سافر القاضي أو مرض، فليس له أن يستعمل قاضيا مكانه، إلا بإذن الذي استقضاه، ولا يقبل القاضي كتاب قاض في شيء من الحدود ولا الدماء ولا القصاص، فإنّ ذلك لا ينبغي أن يقبل، ولا يجوز قضاء القاضي في غير مصره، الذي استقضى فيه. فإن كان القاضي في طريق، في غير مصره، الذي استقضى فيه، فإن كان القاضي في طريق، في غير مصره، الذي استقضى فيه، وإن كان القاضي في طريق مصره، فسمع رجلا يعتق عبدا، أو يطلق امرأة، أو رآه قطع يد رجل، أو قذف رجلا، فكلّ شيء رآه القاضي، أو سمعه من حقوق الناس، حيث يجوز قضاؤه في طريق أو غيره، فليقض بالذي علم وسمع، من حقوق الناس، حيث يجوز قضاؤه. (2/251)
صفحة 523
قال أبو المؤثر: لا يقضي القاضي بما سمع بشهادة نفسه، وهو في هذا شاهد، إلا أن يتنازع الناس، فيقرّ بعضهم لبعض، فيحكم فيه بعلمه. قال أبو الحواري: قال نبهان بن عثمان: قد قيل هذا. وقال من قال: إنّما هو شاهد على ما سمع ورأى، إلا أن يكون في موضع الحكم، فإنّه يحكم بما سمع وبما رأى. وبهذا نأخذ. وهكذا حفظت عن أبي المؤثر، واختلفوا في القاضي، أن يقضي بعلمه أم لا؟ فقال من قال: يقضي بعلمه في الأشياء كلّها، التي علمها، إذا رفعت إليه، كان علمه في ذلك، في وقت استقضائه أو قبل ذلك، إلا الحدود، فإنّها لا تكون إلا بالإقرار أو بيّنة. قال: ولا شيء أصح عند القاضي من علمه. وقال من قال: لا يقضي بعلمه، قبل أن يستقضي، ولكن بما علم بعد أن يستقضي. وقال من قال: لا يحكم بما علم في غير موضع قضائه ومصره، ولكن بما علم في مصره، الذي هو قاض فيه، حيث ما كان في طرقه وجميع مصره (2/252)
صفحة 524
وقال من قال: أيّما يقضي بما علم في مجلس قضائه؟ وقال من قال: لا يحكم الحاكم إلا بالإقرار من الخصم لخصمه، في موضع حكمه، فيقرّ بعد دعواه عليه، أو يقيم عليه بيّنة. وأمّا الحدود، فلا تقام إلا بالإقرار، أو ببيّنة عدل على حال. وقال من قال: ولو أقرّ الخصم، ثمّ أنكر، كان الحاكم شاهدا عليه عنده غيره، ولا يحكم عليه بذلك.
ومن كتاب الضياء: وقد ثبت الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه حكم بعلمه، في حديث هند بنت عتبة.
ومن غيره: ولا يقبل القاضي كتابا منشورا، ولا يبعثن بكتاب منشور إلى قاض، فإنّه لا ينبغي لقضائه أن يقبلوه. ولا يقبلن القاضي كتاب قاض، قد عزل عن قضائه، أو مات قبل أن يصل إليه الكتاب.
قال غيره: قد قيل: إنّه لا يقبل وهو بعد في قضائه، أعني الباعث بالكتاب. وكذلك إن عزل القاضي المبعوث إليه الكتاب، لم يعمل به غيره من القضاة، حتّى يجدّد ذلك من القاضي، الباعث إلى هذا القاضي.
ومنه: وإذا جاء كتاب من قاض إلى قاض، فوجد القاضي الذي كتب إليه قد مات، أو عزل فأقعد مكانه قاض، فينبغي للقاضي الذي أقعد (2/253)
صفحة 525
مكانه، أن يقبل ذلك الكاتب، أو يخبره إذا كان ذلك القاضي الذي كتب الكتاب جالسا على قضائه.
قال غيره: وقد قيل: لا يقبله القاضي الثاني، حتّى يكون الكتاب إليه. ولا يقبلن القاضي كتاب سواد الأمصار، حتّى يكونوا هم الذين يرفعون بها إلى قاضي مصر، ذلك السواد، مثل سواد البصرة وسواد الكوفة وسواد مصر وسواد كذا كذا. ولا يقبلن قاض كتاب قاض في شيء من الحدود.
قال غيره: وقد قيل: إنّ الإمام يقبل كتاب الإمام، إذا كان إمامان، كلّ إمام في مصر في الأحكام. وأمّا في الحدود والقصاص فيما قال. وإذا لم تكن في الأمصار أئمّة، فحكّام المسلمين إلى بعضهم بعض، بمنزلة الأئمّة معنا.
رجع إلى كتاب أبي جابر: وأمّا في حدود الله، فأحبّ إلينا أن يكون معه شاهد آخر؛ لأنّه لو رأى رجلا يزني ومعه رجلان، لم يقم عليه حدا بثلاثة، حتّى يكونوا أربعة شهود. وكذلك لو رأى رجلا يسرق، لم يقطع يده بشهادته وحده. (2/254)
صفحة 526
وأمّا إن أقرّ عند الحاكم بشيء من الحدود أو حق، فامض عليه القضاء؛ لأنّ هذا إقرار، والإقرار بمنزلة الشهود عليه. وإن قضى قاض بقضاء فأمضاه، ثمّ رأى بعد ذلك غير رأيه الأوّل، رأى أنّه أقرب إلى الحق وأعدل، فليقض بما أراه الله من بعد، وليمض حكمه الأوّل، ويستأنف الحكم فيهما بعد ذلك. وقد فعل عمر بن الخطّاب –رحمه الله- في عدّة المرأة: فحكم في الأوّل بحكم، ثمّ رأى بعد ذلك غير ذلك الرأي، فحكم في غير هذه المرأة بخلاف ما حكم به أوّلا، وأمضى الحكم الأوّل. قال أبو المؤثر: لا أعرف هذا الذي ذكره عن عمر، ولا ما يريد به.
ومن غيره قال: الذي يوجد في الخبر، عن عمر بن الخطّاب، في المرأة التي تزوّجت في عدّتها، فقضى فيها بقضيتين: أمّا القضية الأولى، فإنّه جلّدها، وجعل الصداق في بيت المال، وأمّا القضية الآخرة، فإنّ ابن عثمان بن عامر، سيّد الثقفي، تزوّج طلحة ابنة عبد الله، أخت طلحة بن عبيد الله، في عدّتها، ففرّق بينهما، ولم يجلدهما، وجعل لها صداقها بما استحلّ من فرجها، فقضى بهذا الحكم الأخير، وأمضى الحكم الأوّل، ولم يرجع في شيء منه. ولو رجع فيه، لكان ينبغي للحاكم أن يرجع في حكمه، غير رأيه الأوّل (2/255)
صفحة 527
قال أبو المؤثر: إذا خاف القاضي، أن يكون قد زل عن حكمه، ثمّ رأى أو حفظ أثرا، هو أعدل من الحكم، الذي كان حكم فيه، فله أن يرجع عن حكمه، ويردّ الخصومين إلى الخصومة. فإن رضي رجلان خصمان، برجل يحكم بينهما، فحكم بينهما بالعدل، فليمضه القاضي ولا يردّه.
وقال غيره: وكذلك لو تحاكما إلى ضرير البصر، وفيه رأى آخر. وينبغي للحاكم أن يكتب في كلّ ما قطع من أمور الناس، في الأحكام بينهم كتابا، ويشهد على ذلك عدولا. وإن وصف الصفة على وجهها. كيف فعل. فذلك أتمّ وأصحّ وأجلى للعمى. وإن كتب أنّي قد فرضت لفلان اليتيم، في ماله كذا وكذا، أو على ورثته، إن لم يكن له مال، أو لفلانة على زوجها، أو صحّت معي هذه الأرض، أو الدابة لفلان بن فلان، وحكمت له بها، على فلان بن فلان، فذلك جائز. وليس ينبغي لمن يأتي من بعده من الحكّام، أن يتوهّم على الحاكم العدل، إلا أنّه قد اجتهد واستنصح لنفسه. وإن كتب في كتابه: كيف طلب الطالب إليه؟ وكيف صح الأمر عنده بالبيّنة العادلة؟ وكيف قطع حجّة الخصم، وحكم للمحكوم له، فهو أحبّ إلينا. (2/256)
صفحة 528
والذي ينبغي للحاكم أن يشهدوا العدول على أحكامهم، التي حكموا بها للناس من الفرائض والأموال، ونحو هذا في أيّام جواز ذلك لهم، ويؤخذ بذلك بعد زوالهم. وكان أبو مروان، قبل ارتفاعه من صحار، يكتب للناس ما ورد عليه من أمورهم، ويشهد على ذلك.
ومن غيره قال: نعم، فإنّما يؤخذ بذلك، إذا صحّ هذا مع الحاكم، الذي يلي ذلك، ومن ما كان يشهد به أحكاما، لم تتمّ فليشهد بذلك لأهله، على قدر ما ورد عليهم. ومن ما يفعله الحكّام أيضا، إذا نفذ من عند الحاكم حكم، إلى بعض القرّاء، كتب نظير ما يكتب به في كتاب عنده؛ لأنّ في ذلك الاستحاطة، إذا احتاج من بعد أن يعرف كيف صح ذلك عنده، وكيف أمر فيه، وجده ثابتا عنده على وجهه. وكلّ بيّنة سمعها الحاكم، ثمّ مات أو حكم، دخل فيه فلم ينفذ حتّى مات، أو عزل فأشهد عليه الحاكم الأوّل قبل أن يموت عدولا، وأسلمه إلى الإمام أخذ به، وبنى عليه. وقد كان سليمان بن الحكم، دخل في حكم بين قوم، فلمّا مرض أسلمه إليهم، فبنى عليه محمّد بن محبوب.
ومن كتاب الفضل: قال محمّد بن المسبح: أخبرني عمرو، وذكر لي غيره، أنّ سليمان بن الحكم، لما ولّى صحار، رفع إليه الناس، وأتوا بكتب عن عبد الله بن محمّد، فأخبرني أنّ سليمان، أشار عليه في مجيء هذا الكتاب (2/257)
صفحة 529
[صفحة لم ترقن] (2/258)
صفحة 530
[صفحة لم ترقن] (2/259)
صفحة 531
وأمّا إذا صح حكم الوالي قبل حكم القاضي، ثبت حكم الوالي. وكذلك الإمام والقاضي، إلا أن يكون باطلا مجتمعا عليه. وأجمع العلماء، أنّ الحاكم إذا خالف الكتاب والسنّة والإجماع، في قضيته، وجب ردّها. وعلى الحاكم إذا حكم بأحد الآراء لأحد من الناس، أن يحكم به لغيره، وتكون الرعية عنده، كأسنان المشط في حكم عدوّهم ووليّهم. وإذا حكم القاضي في شيء، بين قوم، ثمّ عاود بعضهم فيه بحجّة. فإن كان القاضي في الأمر والآخر، هو القاضي الأوّل، فله أن يرجع وينظر في حجّة القوم. وإن كان القاضي الذي قضى في الأمر الأوّل، قد تحوّل عن قضائه، وصار القضاء إلى غيره، فليس لهذا القاضي الأخير، أن يدخل في قضاء، قد انفصل على رأي قاض آخر.
ومن غيره: وعن رجل انتصب قاضيا، وقال: السلطان أقامه من غير صحة، أنّ السلطان أقامه. قال: إذا كان قوله لا يجوز في مثله الكذب، ولا يجوز ذلك على السلطان، في القارف، وشهر معنى ذلك، بما لا يحتمل خلافه، فتلك صحة، ولو لم يسمع بيّنته. وعن القاضي إذا قدّمه الإمام للقضاء، فقضى بين الناس بما قدر الله (2/260)
صفحة 532
من الزمان، ثمّ أراد أن يستعفى يسعه ذلك، ويسع الإمام أن يعفيه عن القضاء، أو لا يسعهما ذلك؟ قال: إذا قدمه الإمام للقضاء، ورجا في نفسه ضباطا لذلك، لم يكن له أن يخرج من طاعة الإمام، وكان عليه قبول ذلك من الإمام، ومعونة الإمام في ما استعانه، ونصرته في ما استنصره، وليس له أن يخرج من طاعة الإمام عندي، إلا في ما لا يقدر عليه، فإنّ ذلك موضوع عنه، أو في معصية الله، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الله؛ لأنّه لا طاعة إلا الله، وللإمام أن يعزله إذا رأى وجه عزله، وتقديم من هو أولى وأصلح منه للآخر. والقاضي من قبل الإمام، فإنّما هو صنيعة الإمام، إذا شاء قدمه، وإذا شاء عزله، إذا كان عزله من طاعة الله.
قلت: وما اللفظ الذي يثبت من الإمام أو الجماعة من المسلمين للرجل، حتّى يكون قاضيا؟ قال: إذا قال له الإمام أو الجماعة: قد جعلناك قاضيا بالحق، أو قاضيا بالعدل، أو قائما بالقسط، أو قاضيا بطاعة الله، أو قاضيا لله، كان هذا ثابتا به اسم القضاء، وكان قاضيا، وما أشبه هذا فهو مثله. وكذلك لو جعله قاضيا لله، أو لله ولرسوله، أو للمسلمين، أو قاضيا للمسلمين، كان هذا كلّه يخرج قاضيا. وما زاد من مثل هذا، من ما يثبته أو يزيد في إثباته، كان ذلك داخلا في جملة هذا. (2/261)
صفحة 533
وعن الحاكم إذا تنازع إليه رجلان، فلم يبصر الحكم في ما بينهما، أو شكّ فيه، فخاف أن يدخل في ما لا يسعه، وأراد النظر فيها، حتّى ينظر عدل ما يدخل فيه. فهل يسعه أن يصرفهما، ويؤجّل لهما أجلا في حضورهما إليه، أو لا يسعه ذلك؟ قال: له ذلك؛ لأنّ الحاكم لا يحكم إلا بالعدل ويقين وبيان. وكذلك إذا صح معه لرجل حق على رجل، فأمره أن يدفع إليه. أفيكتفي بذلك أو حتّى يقول: قد حكمت عليك لفلان بكذا وكذا تسلّمه إليه؟ قال: قيل: يكتفي بذلك، إذا أخبره أنّه قد ثبت عليه الحكم به. فإن لم يخبره بذلك جاز له، وأمر الحاكم يقوم مقام حكمه، بعد أن يقطع حجّة المحكوم عليه.
قلت: هل يجوز قطع الأحكام بغير كتاب عن الحكّام في ذلك؟ فعلى ما وصفت، المستحبّ للحاكم، المبتلى بأمور الناس في الأحكام، أن يأخذ أمره بالاحترام، وأن يقيّد في دفتره حكم كل من جرى عليه من الأحكام، ليكون حجّة على الخصوم، في مراجعتهم لبعضهم بعض، في الاختصام. فهذا ليس على من تركه إثم، ما لم يرد بذلك خلافا للمسلمين، إلا أنّه مفرط في ما احتمله من أمور المسلمين، فأمّا هو، فليس بآثم إن شاء الله، وليس عليه في ما غاب عنه علم، ولا يكلّف الله نفسا إلا وسعها. (2/262)
صفحة 534
والحكم على من لزمه إنفاذه، كالشهادة في مثله من الحقوق، ولو لم يكن وليا. ولو كان وليا، لا تجوز الشهادة إلا من شهادة الولي. لم تجز شهادة الذمية في ذمها على المسلمين في الرضاع، إذا كانت ثقة في دينها. كذلك شهادة الثقاة من قومنا، الذين هم فسّاق بدينهم، في كلّ شيء، وتجوز شهادة الثقاة من قومنا، الذين هم فسّاق بدينهم في كلّ شيء. وتجوز على المسلمين، في أكثر قول أهل العلم في الحقوق. وعن الشاهدين، إذا شهدا مع الحاكم لامرأة ونسباها، وهما لا يعرفانها بوجهها، على رجل بصداق. هل على الحاكم إذا حضر خصم هذه المرأة، أن يسأله، فيقول له: هذه المرأة هي فلانة بنت فلان، التي شهد بها هذان الشاهدان، بهذا الحق فيقول: نعم. هل يجوز للحاكم ذلك ويحكم به؟ قال: له ذلك، إذا أقرّ أنّ هذه المرأة التي شهد لها الشاهدان بالحق.
قلت: وهل للحاكم أن يسأل الخصم المدّعى عليه، إذا شهد الشاهدان عليه للمدّعى بحق، أنّ الذي شهد له الشاهدان، هو خصمك هذا فلان، فإذا قال: نعم. فهل يحكم عليه لخصمه بالحق؟ قال: إذا أقرّ بصفة توافق معنى صفة الشاهدين عليه، لهذه المرأة، كان ذلك ثابتا عليه، بمعنى الإقرار. (2/263)
صفحة 535
وعن الذي يفسل في أرض فسلة، فيجيء آخر فيقعشها ويقر بقعشها، ويقول: إنّ الأرض أرضه، ويقول لصاحب الفسلة: إنّه إنّما فسل في أرض، فعلى أيّ أحدهما تكون البيّنة؟ وأيّ أحدهما ذو يد؟ قال: فإذا أقرّ القاعش للفسلة، أنّ الفسلة للمدّعى، كان فسلها، فهي للمدّعى في الفسلة، ويؤخذ بضمان ذلك، وهو المدّعى في ذلك. وأقول: إنّه مدّع للأرض أيضا؛ لأنّ الفسل مع الدعوى، يد في الأرض، وكذلك عرفنا.
قلت: إذا تقارر* الخصمان، بأنّ أحدهما حد هذه الثمرة، وادّعى الحاد أنّه حدّها بحق أنّها له. وقال الآخر: إنّه حدّها متغلّبا على حد الغصب.
قلت: ومن أرى المدّعى للنخل، كذلك حراز الزرع على هذا السبيل. وكذلك إذا ادّعى خصمان أرضا، أنّها أرضه أو بيته أو نخلته، إلا ما يدّعى الحاد، أنّ النخل نخله، والحاصد للزرع أنّه زرعه، وللساكن للمنزل، أنّه منزله، وقال الخصم للآخر: إنّ ذلك كلّه جداد النخل وحصاد الزرع، وسكن المنزل تغلّبا وغصبا، من جهة السلطان الجائر، أو غير ذلك. فعلى ما وصفت، فإذا أقرّ أحد الخصمين للآخر، أنّه ثمر هذا المال، أو سكن هذا المنزل، الذي يتداعيان فيه، فقد أقرّ الخصم لخصمه باليد في هذا المال، وهذا المدّعى لهذا المال، مع إقرار خصمه له، فسكنى المنزل، وجداد النخل وحصاد الزرع من هذا المال، به لهذا المدّعى، على هذا المقر له شيئا، قد أقرّ له بما وصفت، إلا أن يصح أنّه مغتصب لما قد أقرّ له به (2/264)
صفحة 536
خصمه من السكنى، والقول قول من أقرّ له خصمه، بما وصفت، وهو ذو يد في المال، بإقرار خصمه له، حتّى يصح أنّه مغتصب على ما يدّعى عليه، فافهم ذلك.
قلت: فالخصمان إذا اختصما في مال أو في منزل أو غيرهما. قال أحدهما: إنّ هذا المنزل، أو هذا المال، اشتراه والده أو أمّه أو أخوه، وهو وارثه. وقال الآخر: إنّه ماله، أو بيته. أو قال: بيته ورثه.
قلت: فأيّهما المدّعى؟ قال: فإن قال: هذا بيتي. وقال: بيتي. فعلى ما وصفت، فأمّا قول هذا: إنّ هذا المال أو المنزل لي. وقول هذا: إنّه اشتراه والده أو والدته أو أخوه وهو وارثه. فإن ادّعى أنّ أباه أو أخاه هلكا، وصح ذلك، فكأنّهما مدّعيان، ويدّعى كلّ واحد منها على الأصول بالبيّنة، على ما يتداعيان فيه؛ لأنّ الأصول لا تكون اليد فيها إلا بالبيّنة، وإلا حلف كلّ واحد منهما على ما يتداعيان عليه من المال، فأيّهما حلف قطع حجّة الآخر عنه في المطالبة في هذا المال، الذي يتداعيان فيه من حجّة اليمين. وإن لم يحلف أحدهما، فلا حجّة لهما في ذلك مع الحاكم. وكذلك إن حلفا جميعا، ترك الحاكم المال بحاله، وقطع حجّة كلّ واحد منهما عن صاحبه، في المطالبة إليه، إلا بما يوجبه الحق. وكذلك يمنعهما عن بعضهما بعض. وإن لم يصح أنّ والده هلك، ولا والدته ولا أخاه، فلا خصومة له في ذلك. (2/265)
صفحة 537
وعن رجل أعمى. هل ينبغي أن ينصب قاضيا بين المسلمين؟ فإنّا نرجوا أن يعينهما الله لغيره.
قال غيره: أمّا أن يقضى هو بين الخصمين، فمعي أنّه قد قيل: لا يكون الحاكم إلا بالمعاينة، ولا تجوز قضية الأعمى. فإن ولّى القضاء لعلمه وموضعه، وولّى هو الفصل بين الناس، وغيره من المبصرين، فإنّه يشبه في ذلك عندي الإمام، ويخرج على معنى الاختلاف فيه. وقيل: إنّ شريحا قاضي عمر بن الخطّاب –رحمه الله-، كان كلّما قعد نظر في رقعة مكتوب فيها: {يا داوود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ولا تتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل الله إنّ الذين يضلّون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب}. وقيل: لا يكون العبد حاكما. وقال قوم: إنّ العبد إذا حكم بحكم غير مخالف لأحكام المسلمين، ثبت ذلك ولم ينقض.
ومن غيره: وعن من أقاده سلطان جائر، فقتل بما ناله من القود بمثل، والقائد أو مثال هؤلاء، ثمّ قامت البيّنة مع المسلمين، على ما قتل بإفادة أولئك، إذا صحّت إقادتهم فسألت: أينجو من القود؟ فالرفض لذلك أسلم، والدخول فيه، فنرجو أن يكون الإعراض عنه، وترك الدخول في ذلك أعفى وأسلم، إن شاء الله، إلا أن يستبين جور بيّن (2/266)
صفحة 538
من الحكّام، فانظر في عدل ذلك وحقّه، ونقض جورهم بالعدل، وفّقنا الله وإيّاك.
ومن غيره: واللقيط لا يولّى الحكم. قال الفضل بن الحواري: يجوز أن يكون اللقيط حاكما، إذا كان عالما أمينا. والمرأة لا تكون قاضيا لقوله –عليه السلام-: «أخّروهن من حيث أخّرهن الله». والحاكم يجوز حكمه، لمن تجوز له شهادته، ولا يجوز لمن لا تجوز له شهادته، ويجوز كلّ إلا لولده. وللحاكم أن يحكم بين والده وحده وولده وأخيه وامرأته، وغير هؤلاء بالعدل. وقيل: كان المسبح بن عبد الله أعمى، وكان يقضي بين الناس، في نزوى، في أيّام غسّان الإمام، والقاضي يسمع الشهود، ويقضي بين الخصمين، وهو لا يرى أحدا منهم. فأمّا نحن ففي نفوسنا من هذا، من غير أن نرى ما فعل المسلمون خطأ. ولو كان هذا خطأ ما قبله فقهاء المسلمين، وهم يومئذ أوفر ما كانوا عليه، والدولة أعزّ ما كانت، وهم يومئذ لا نعلم بينهم اختلافا. أخبرني زياد بن الوضاح بن عقبة، عن هاشم بن غيلان: إنّ الحاكم (2/267)
صفحة 539
إذا جلس للحكم، بعد أن يكون مستأهلا لذلك، فما ورد عليه شيء، فوجده في كتاب الله أخذ به، فإن لم يجده في كتاب الله، فمن سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجده في كتاب الله، ولا في سنّة رسول الله، ولا في آثار الصالحين، جمع أهل الرأي. فإن كان رأيهم جميعا، ورأيه سواء، فذلك من الله. وإن كان رأيهم ورأي بعضهم مجتمعا، أخذ برأيه ورأي من وافقه من أهل الرأي. وإذا خالفوه جميعا، وكان رأيه مخالفا لرأيهم جميعا، ترك ذلك الأمر ولم يدخل فيه.
ومن غيره: وسألته عن الحاكم إذا أخطأ في حكمه، في شيء ثبت خلاصه في بيت المال، وليس بيت المال موجودا في حين ذلك، ثمّ قدر الله بيت مال، بعد ذلك بزمان. فهل له أن ينفذ ما لزمه من خطأ الحكم، قبل وجود بيت المال من بيت المال؟ قال: هكذا عندي، أنّه يجوز له ذلك؛ لأنّه ثابت في بيت المال، فلا يبطل لعدمه؛ لأنّ الأحكام لا تنتقل. وإذا قال الخصم للحاكم: لا أرضى بحكمك، فله أن يجبره ويقهره عليه. وأمّا إن قال: لا أرضى بحكمك، احملني إلى قاضي بلد كذا وكذا، فله أن يحمله إذا كتب إلى القاضي الأكبر أو الإمام، وأمّا إلى سائر القضاة والولاة فلا. (2/268)
صفحة 540
ومن غيره: من جواب أبي الحواري: وعن من يمتنع من المحاكمة إلى حاكم بلده، وجاء يقول لخصمه: لا أحاكمك إلا إلى بلد كذا وكذا. أله ذلك؟ فلا نرى له ذلك، ويحاكمه إلى حاكم بلده، ما كان يحكم بأحكام المسلمين، وليس لهذا أن يتخيّر على الناس في الحكّام. كان القاضي أبو علي –رحمه الله-، إذا رفع إليه خصم على خصمه من بلد فيها قاض، كتب إلى القاضي يرفعه إليه. وقيل في الحاكم، إذا نسي ما يحكم به، فليس عليه ذلك. وكذلك إن نسي ما أقرّ به الخصم عنده، فليس عليه، ولا يصدّق الخصوم في ما يدعون لخصومهم أنّهم أقرّوا عنده إذا نسي.
قلت: للقاضي أن يقيم ثقة في بلد يصلح بين الناس، ويستمع بيّنات الخصوم ودعاويهم، ويكتبها معه، ويرفعها إلى القاضي، فينفذها ويحكم بها، من غير حضرة البيّنات إلى القاضي. هل يكتفي بذلك القاضي؟ قال: إذا جعل له، وكان من أهل ذلك، من من يبصره، جاز ذلك، وكان حجّة للقاضي، في ما رفع إليه صاحبه من الأحكام.
قلت: وكذلك إن جعل القاضي لهذا الثقة، أن يعطى الخصوم مدرة لموافاتهم إليه، ليصلح بينهما، فإن اصطلحوا وإلا رفعهم إلى القاضي. فهل له ذلك؟ قال: له ذلك، إذا ثبت معاني التهم، التي يجوز عليها الحبس. (2/269)
صفحة 541
قلت: ما اللفظ الذي يجعله القاضي للثقة، الذي يحتج له على جميع أهل الريب والمناكر، وصرف المضار عن الطريق والمساجد والأموال، وإحضار أهل الريب والمناكر والأحداث، من من يستوجب الحبس والتعزيز، والحدود إليه، ولا يحتاج معه إلى شهادة غيره؟ قال: إذا جعله حاكما أو قاضيا أو معديا، إذا جعل له أحد هؤلاء، كان له جعل ذلك، إلا في ما يجب فيه التعزيز والحدود. فقيل: لا يقبل الحاكم فيه من الرفيعة، إلا بالبيّنة بذلك، التي تجب بها الصحة، إذا كان هو المبتلى بذلك، ولكن يجعل لمن جعل له ذلك، أن ينفذ ما صح معه من ذلك. وكذلك ما تعلّق بالأبدان إذا كان، إنّما هو على وجه الرفيعة من القول في الحكم، أشبه معنى هذا. ويستمع فيه الحاكم البيّنة، أو يأمر من جعل له ذلك، أن ينفذ الحق، في ما يثبت عنه بالعدل، إلا أن يجعله في مخصوص في شيء من ذلك، أن يستمع له فيه البيّنة، أو يستمع له فيه حجّة الخصم، أو يتلى له فيه النظر في الحكم، أو يرفع إليه ذلك، أو قياس خرج قد صح بيعه، أو معنى مثل هذا من المعاني.
ومن غيره: وإذا توجّه على المريض مخاصمة، ولم يقدر أن يصل إلى الحاكم، وطلب خصمه حضوره، فإنّه يوكّل وكيلا يقوم مقامه في المحاكمة. فإن أبى أن يوكّل، جبره الحاكم على ذلك، ولم يعذره. فإن وجب عليه يمين، أمر الحاكم من يحلفه. (2/270)
صفحة 542
ولا ينبغي للقاضي أن يولّى القضاء غيره، إلا أن يكون ذلك قد جعل له. وقيل: لا يجوز الحكم في الليل. وقد قيل: ليس لقاض ولا وال ولا عامل من العمّال، أن يجعل الحكم إلى غيره، إلا برأي الإمام الذي جعله، أو يجعل له ذلك الإمام مباحا أن يفعله. فإن فعل ذلك، جاز ذلك، إذا جعله في أهله. وإنّما يلي القاضي والعامل والوالي الحكم بنفسه، وإن شجر عليه، أمر استشار من يبصر الحكم، وكان هو العاقد لنفس الحكم والمتولّى له، ولا يعقده غيره بأمره ولا بغير أمره. وقال من قال: إنّما ليس له ذلك، أن يعقد حاكما غيره، بكون يكون مكانه في جميع الأحكام. وكذلك يعقد القاضي قاضيا، أو حاكما بالحكم. أمّا إذا أمر القاضي أو العامل، من يحكم بين اثنين من رعيته بعينها، بحضرته أو بغير حضرته، فذلك جائز للقاضي والعامل، وللذي أمر أن يفعل ذلك. ويثبت ما حكم به المأمور من الحكم، إذا جعل له ذلك القاضي أو العامل، ما لم يحجر ذلك الإمام على القاضي والعامل. (2/271)
صفحة 543
وهذا القول هو أصح. اختلف الناس في القضاء في المسجد. وقضى شريح والحسن وأبو الشعثاء وغيرهم في المسجد. وكتب عمر بن عبد العزيز، إلى القسم بن عبد الرحمن: لا نقض في المسجد، فإنّه تأتيك الحائض والمشرك. وعن عمر أنّه أولى في المسجد فقال: أخرجوا من المسجد فأخبرناه. وقال بعض: إنّ الله أمرنا بالحكم بين الناس، ولم يخص به مكانا دون مكان، فللحاكم أن يحكم بينهم، إن شاء في المسجد، وإن شاء في منزله. وليس لأحد أن يمنع الحاكم من الحكم، في مكان دون مكان، بغير حجّة. وإذا حضر الخصوم الحاكم، وجب أن ينظر بينهم ولا يؤخّرهم. وقيل عن سوار: إنّه يقعد للناس يومه كلّه. والتثبيت في الحكم واجب. فعن ابن سيرين أنّه قال: التثبيت نصف القضاء. وكان سفيان الثوري يقول: الاستشارة بلغتي أنّها نصف العقل. (2/272)
صفحة 544
وقد سن النبيّ الاستشارة في غير موضع. وعن عمر أنّه كان شاور حتّى المرأة، وكلّ ما شغل القاضي من النظر، فإنّه ممتنع منه. عن أمّ سلمة، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتلى بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظة وإشارته ومقعدة ومجلسه ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لم يرفع على الآخر». وفي الحديث: لا ينبغي للحاكم أن يسمع شكية أحد إلا ومعه خصمه. قال أبو عبيد: لئلا يسبق إلى قلبه على الآخر شيء، قبل أن يعرف ما عنده. ويكره للقاضي أن يحكم وهو متغيّر القلب. وقيل: إن تغيّر لفرح مفرط، فلا يحكم. ومن ما يكره للقاضي أن يفتى في الأحكام، إذا سئل عنها، وكان شريح يقول: إنّما أقضى ولا أفتى. وإنّما الفتيا في سائر أمور الدين، من ما ليس من أبواب الأحكام، فلا بأس إذا أفتى بعلم. ولا ينبغي له أن يتعب نفسه، بطول الجلوس؛ لأنّ ذلك يمل ويسأم. (2/273)
صفحة 545
ولا بأس أن يشهد القاضي الجنازة، ويعود المريض، ويجيب الدعوة، والأصل في ذلك، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك كلّه، وإذا أراد الإمام الخروج إلى مجلسه، الذي يقضي فيه، فلا يخرج حتّى يقضي حاجته، ويتوضّأ ويتعدّى ثمّ يخرج إلى مجلسه. وإن كان له غضب، فلا يخرج. وعليه في مجلسه بالأدب في القضاء والحكم، ويحفظه ويعلمه، ويكتب به إلى عمّاله، فإنّه قد مضى في ذلك الأدب لأئمّة الهدى. وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «لا يقضى القاضي إلا وهو شبعان». فإذا انتهى الإمام أو القاضي، إلى مجلسه، صلّى ركعتين، ثمّ يسأل الله العافية له ولهم، وسأله العون والتوفيق، ثمّ ليجلس للحكم وعليه السكينة والوقار. ويستحب للقاضي أن يكون في موضع متوسّط للقضاء، في المجلس الذي يقضى فيه بين أهله، ليكون ذلك أرفق للناس، وحيث قضى الحكم فحكمه نافذ. وعن علي: قال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم: إذا جلس إليك (2/274)
صفحة 546
الخصمان، فلا تفض للأوّل حتّى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأوّل ما زلت قاضيا. وعن عمر: إنّه كتب إلى شريح بشيء قال: فإن لم يكن في كتاب الله، ولا في سنّة رسول الله، ولا في ما قضي به أئمّة الهدى، فأنت بالخيار، إن شئت أن تجتهد رأيك، وإن شئت أن تؤامرني، ولا أرى من مؤامرتك إيّاي، إلا أسلم لك. (2/275)
صفحة 547
[صفحة بيضاء] (2/276)
صفحة 548
فهرس الجزء الثاني من الإيضاح في الأحكام
الموضوع ... الصفحة
باب في أمر اليتيم ... 05
باب في المفلس ... 14
باب في الكفالة ... 29
باب في الدين وفي الحق المشترك ... 47
باب في الدعوى ... 53
باب في الأيمان ... 66
فصل في مسائل متفرّقة ... 74
باب في الشراء والبيع ... 130
باب في النصب في الأيمان ... 165
باب في إهدار البيّنة وإقامتها بعد اليمين ... 187
باب في عصيان المدرة ... 191 (2/277)
صفحة 549
باب في الصلح ... 206
باب في أمر أهل الذمة وشهادتهم ودعاويهم ... 218
باب في شهادة أهل الذمّة في المواريث ... 227
باب في أدب القاضي وما ينبغي له عند القضاء ... 229
باب في القضية وفروع الأحكام ... 251 (2/278)
صفحة 550
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب الإيضاح في الأحكام
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
أبي زكريا يحيى بن سعيد
الجزء الثالث
1404هـ - 1984م (3/1)
صفحة 551
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب الإيضاح في الأحكام
تأليف
أبي زكريا يحيى بن سعيد
الجزء الأول
1404هـ - 1984م (3/2)
صفحة 552
بسم الله الرحمن الرحيم (3/3)
صفحة 553
[صفحة بيضاء] (3/4)
صفحة 554
بسم الله الرحمن الرحيم
باب في توقيف الحاكم المال
من غير كتاب محمّد بن جعفر: وإذا ادّعى خصم إلى خصمه مالا في يده، فإن لم يكن له فيه حجّة، حكم به لصاحب البيّنة، فإن احتجّ أنّ معه بيّنة تهدم بيّنة الطالب، فهذا هو مكان الوقف. ويوقف ذلك المال في يد ثقة، ويؤجّل الذي كان في يده، في إحضار بيّنته، على ما احتجّ به، ولا يكون الوقف قبل هذا؛ لأنّ الوقف أوّل الحكم، إلا أنّه إن كان شيء من ما يفوت، أو تغيب معرفته، فإذا أحضر المدّعى البيّنة، فلا أرى بأسا، أن يتقدّم الحاكم، إلى الذي في يده المال، أن يسأل عن عدالة الشهود، فقد كان الحكّام عندنا يفعلون ذلك. قال أبو الحواري في جوابه: وقد سئل عن توقيف المال، وكيف يوقف؟ قال: إذا شهد به شاهد واحد للطالب على مال في يد غيره، وطلب الطالب أن يوقف المال، وأنّ معه شاهد آخر، ضرب الحاكم أجلا في ذلك، ووقف المال. (3/5)
صفحة 555
وقال من قال: لا يكون الوقف إلا بشاهدين، فيحتجّ المطلوب إليه، الذي شهدت عليه البيّنة، بزوال هذه الشهادة، وتحقيق هذا المال. فقد قيل: إنّ هذا المال يوقف على هذا. وكذلك إذا وقعت المنازعة في شيء من المال، مثل الحيوان فقد قيل: يجعل في يد ثقة، أو يسلّم إلى أحد الطالبين، بضمان في شيء، حتّى ينفذ فيه رأي الحاكم. وكذلك الأصول أيضا، إذا شهدت البيّنة العادلة، ثمّ كان الحاكم في النظر، في إنفاذ الحكم، وقف المال حتّى ينفذ فيه الحاكم حكمه، برأي المسلمين.
ومن غيره: وقال من قال: إذا شهد الشاهدان، وكان الحاكم في السؤال، عن تعديل الشاهدين، وقف المال على هذا، إلى أن يسأل الحاكم عن عدالة الشاهدين. وقال أبو الحواري في جوابه: إنّ توقيف المال حكم من الحاكم، فإذا رأى الحاكم توقيف المال وقفه، ولو لم يطلب ذلك أحد الخصمين؛ لأنّ ذلك من الحكم، الذي يلزم الحاكم النظر فيه. (3/6)
صفحة 556
فإذا أوضح حجّة، بإبطال هذه البيّنة أجله آجلا، لتبيّن ذلك، وإلا حكم عليه للمشهود له ببيّنته، وقطع الخصومة بعد الحجّة. وإن كانت بيّنة المدّعى عدولا عند القاضي، فهم من من لا يسأل عنهم، وكانوا من أوليائه، لم يجز الحكم إلا بعد الحجّة على المدّعى عليه، ولم يحجر المال، بعد صحّة البيّنة، إلا أن يدّعى المشهود عليه دعوى، توجب تأخير الحكم. وإن كانت المنازعة والدعوى في شيء من الحيوان، وكان المدّعى عليه معروفا، وله وفاء، ثبت المدّعى فيه في يده بقيمته، ويحجر عليه، ألا يزيل المدعى فيه إلى منتهى الحكم. فإن أزاله، كان عاصيا للحكم، ولزمه الأدب، وضمنه القيمة، إن وجب الحكم ببيّنة المدّعى. وإن كان المدّعى فيه، من ما ينتقل كالحيوان ونحوه، والمدّعى عليه غريب، أخرجه من يده ورفعه إلى ثقة عنده، وأمر صاحب اليد بالإنفاق عليه وهي المؤنة، وأوجب للمدّعى دفع ما يحتاج إليه من المؤنة والنفقة، ورجع عليه.
ومن غيره: وقد قيل: لا يكون الحكم بالوقف من الحاكم للمال، إلا ببيّنة يصحّها المدّعى، ولا تثبت عدالتهما، حتّى يسأل عن تعديل الشهود، إذا شهد بذلك شاهدان. وقال من قال: شاهد واحد يحكم بالوقف أيضا. (3/7)
صفحة 557
ويجعل الحاكم المال في يد ثقة، وعلى الذي في يده القيام به، من السقي وغيره. والذي جعله الحاكم يكون مشرفا عليه، بما تحصل من غلّته، وما يتلف من أصله وغلّته، ويكون قوله مقبولا عند الحاكم، إذا جعله لذلك على سبيل الحكم، وليس عليه أن يشهد على ذلك، إلا أن يكون الحاكم أمر بالإشهاد، إلى أن يصح هذا المال لأحدهما، ولا يلزم الذي جعله الحاكم، لذلك القيام بالمال، وإنّما يلزم القيام الذي كان في يده أوّلا. فإن صحّ للثاني، كان للأوّل عناؤه، على سنّة البلاد، على معنى قوله. وقال من قال: إذا شهد شاهدان، وكان الحاكم في السؤال، عن الشاهدين، وقف المال على هذا، إلى أن يسأل الحاكم عن عدالة الشاهدين.
ومن جواب أبي الحواري: إنّ توقيف المال حكم من الحاكم. فإذا رأى الحاكم توقيف المال وقفه، ولو لم يطلب ذلك أحد الخصمين؛ لأنّ ذلك من الحكم، الذي يلزم الحاكم النظر فيه.
ومن جواب غيره: وعن رجلين تنازعا إلى الحاكم، فدعاهما بالبيّنة. فمتى يوقف المال، الذي تنازعا فيه، إذا كان في يد أحدهما؟ (3/8)
صفحة 558
فأقول: لا يوقف من يدي الذي هو في يده، حتّى يقوم شاهدا عدل للآخر، فيحتجّ فيه بحجّة، فإنّه يوقفه في يده، حتّى ينظر في حجّته، ولا يعمل في تسليمه إلى الآخر، وإلا فيكون في يد الذي في يده، بمعرفة من عدلين بثمرته، إن كان فيه ثمرة. وإن كان شيئا من ما يخاف تلفه، كان أيضا في يده، بمعرفة من عدلين، ولو لم يكن له ثمرة.
وفي جواب أبي عبد الله: وعن رجل ادّعى إليه رجل دعوى في مال في يده، فأنكر فطلب يمينه، فأبى أن يحلف، وأقرّ بهذا المال، وبرئ منه إلى قوم أغياب بمكّة، صبيان مع والدهم بمكّة، وقال: إنّه لا يحلف، ومع المدّعى البيّنة العادلة، بماله في هذا المال. هل يسمع الحاكم منه البيّنة، ويوصله إلى ماله، وللغائب حجّته؟ فأقول: إنّ على ما وصفت، أنّ الحاكم يثبت عليه إقراره بهذا المال، لمن أقرّ له به، ويخرج هذا المال من يده، ويجعله في يد ثقة، وتكون ثمرته محفوظة، معروفة في يد الرجل الثقة، الذي يقيمه الحاكم لهؤلاء الأغياب بمكّة، ويأمر من يثق به من الخارجين إلى مكّة، أن يحتجّ على والد هؤلاء الصبيان، أن يخرج ينازع أو يوكّل من ينازع عنهم. فإن قدم هو أو وكالة منه، سمع الحاكم بيّنة المدّعى، وأوصله إلى ما صح له. وإن لم يقدّم والد هؤلاء الصبيان ولا وكالة، سمع الحاكم بيّنة المدّعى، وأوصله إلى ما صح له في هذا المال، واستثنى لهؤلاء الصبيان حجّتهم، إن كانت لهم حجّة تهدم ما صح لهذا الرجل. (3/9)
صفحة 559
ومن غيره: وعن رجل ادّعى على رجل مالا في يده فصدقه، وقبض الرجل المال أو لم يقبض، ثمّ رجع الرجل في ماله، قال: ظننت أنّه حق فصدقته، وتورّعت عن ذلك. ما ترى؟ قال: إذا أقرّ أنّ هذا المال له، وصدّقه على دعواه، على مال معروف، فلا رجعة له في ذلك، قبضه الآخر أو لم يقبضه. وحفظ لنا عن القاضي أبي علي الحسن بن سعيد بن قريش –رحمه الله-: في خصمين، أحدهما يدّعى مالا من الأصول أنّه له، والآخر يدّعى الثلث منه، ولم يكن في يد أحدهما، ولا معه بيّنة بذلك، فحلفها من يحكم بينهما على دعواهما. كيف يكون حكم المال؟ قال: الذي عرفته، أنّ الحاكم لا يحكم في هذا المال، إلا ببيّنة على الصفة المتقدّمة، فإن اتفق الخصمان فيه على شيء، فذلك إليهما. وإن طرح أحدهما يده في المال، وطلب الخصم الآخر، صرفه عنه الحاكم حتّى يتفقا. قال القاضي أبو علي: الذي وجدت أنّ الخصمين، إذا تداعيا في مال، ولم يصح أنّه في أيديهما، ولا في يد أحدهما، ثمّ طرح أحد الخصمين يده في ذلك المال، وطلب الخصم الآخر إلى الحاكم، صرفه عنه، كان للحاكم أن يصرفه عنه، حتّى يقيما البيّنات، أو يتفقا هما عليه، والله أعلم.
ومن الأثر: قلت: مال فيه منازعة، أراد أحد الخصمين بيعه، قبل أن ينفصل فيه حكم. هل يمنع عن بيعه؟ (3/10)
صفحة 560
قال: نعم، إلا أن يكون في يد أحد الخصمين، فليس يمنع عن بيعه، إذا كان الآخر يدّعيه، وهو في يد هذا. وقيل: في رجلين يتنازعان إناء، فادّعى أحدهما الإناء أنّه له، وأنّه اشتراه، وأقرّ الآخر أنّه كان في يد هذا، وأنّه كان له وذهبه: إنّ ذا اليد أولى به، وعلى الآخر البيّنة. ورفع إلى أبي عبد الله محمّد بن تمام النخلي: إنّ الحاكم إذا رفع على امرأة إليه، وهي في غير قرية الحاكم التي يسكنها: إنّه إن كان في تلك البلدة، حاكم يحكم بينها وبين خصمها، لم يحضرها للمحاكمة. وإن لم يكن في البلد حاكم أو وال يحكم، أحضرها وحكم بينهما في بلده، الذي هو فيه. كان القاضي أبو علي الحسن بن سعيد بن قريش –رحمه الله-، إذا طلب إنسان أن يكون حكمه إلى الإمام، ولا يكون إلى والي بلده، كتب له يردّ حكمه إلى الإمام عن الولاة والحكّام.
ومن بعض الآثار: وسألت عن الإمام: أيسعه أن يحكم برأي القاضي، في شيء يرى الإمام فيه غير رأي القاضي؟ قال: لا، ولكن يردّه إلى القاضي. وهل للإمام أن يأخذ القصاص والقتل، ولو لم يطلب ذلك إليه أهله؟ قال: ما كان من أمر ليس للناس، وهو إلى الإمام، فإنّ الإمام يأخذه إذا قامت عليه البيّنة. (3/11)
صفحة 561
وأمّا ما كان من أمر، هو للناس، فليس له أن يأخذه، حتّى يطلب ذلك إليه، إلا أن يكون قوم لا يستطيعون رفع ذلك إليه، فعليه أن ينظر لأهل رعيته، ويأخذ لهم ما عجزوا عن الحقوق. وإذا اختصم اثنان في دابة، فوضعها الحاكم على يدي عدل. فإذا كانت على يدي غير الخصمين، فالنفقة عليهما. فإن كانت في يد أحدهما، فالنفقة على من هي في يده. فإذا قضي لأحدهما، ردّ النفقة على من أنفقها. وإذا ادّعى رجل على رجل متاعا، ورفع عليه إلى الحاكم، وأحضر على ذلك بيّنة، فلم يعرفهم الحاكم، فوقف المتاع الذي شهد عليه الشاهدان، إلى أن يسأل عن تعديلهما، وينفذ الحكم، فباع المؤتمن الذي ائتمنه الحاكم المتاع وأتلفه، فإنّه يلزمه الحبس والعقوبة، بتعدية في أمانته، واستخفافه لمخالفة أمر الحاكم؛ لأنّ الواجب عليه الانتهاء عن ما نهاه عنه، فلمّا خالف ذلك وجب عليه العقوبة عند المسلمين. وإذا صح عدالة البيّنة، أنفذ الحاكم الحكم، فعلى المؤتمن قيمة ما أتلف لربّه، ويأخذه به الحاكم. وإذا ادّعى رجل على رجل، أنّ عنده له دابة، وأنكر الآخر وقال: هي لي. فقال المدّعى: أبرزها حتّى أحضر عليه البيّنة، فلم يفعل، فمرّ عليه إلى الحاكم، فباع الذي في يده الدابة. (3/12)
صفحة 562
فإنّه لا شيء عليه، في ما في يده، إذا كان أخذه من وجه حق. فإن علم المدّعى، أنّه له اتبعه حيث وجده، وأصحّ عليه وأخذه، ويرجع المشتري على البائع له بما أخذه منه، ولا تلزمه عقوبة؛ لأنّه لم يعص الحاكم. فإن باعها المدّعى على أحد، وهي في يد خصمه، فالبيع باطل إجماعا. وقد قيل: إنّ رجلا اشترى بقرة، ثمّ جاء قوم يدعونها وقالوا: أخرجنا لنا حتّى نراها. فإن كانت لنا أحضرنا عليها بيّنة ترضاها أنت. فقال البشير ذلك فقال: اذهب بع البقرة، فباعها لم يخرجها لهم.
ومن كتاب أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة: وإذا أصاب أهل الذمّة حدودا، أقامها عليهم بظاهر الأدلّة. قال أصحابنا: يحكم عليهم الإمام فيها، بما عنده من حكم الله، من ما هم يحرمونه في دينهم. وإن كانت بينهم وبين المسلمين، منازعة في الأموال، كانت الخصومة بينهم وبينهم، والحكم في ذلك كالخصومة والحكم بين المسلمين. وقال بعض أصحابنا، وهو محمّد بن محبوب، قولا يدلّ على غير ما قلنا فيهم من ذلك. قال: إنّه إذا اشترى الذمي مالا من مسلم، جاز أن تؤخذ منه شفعة الإسلام، وإن لم يكن الذي يطلبه به حاز المال. (3/13)
صفحة 563
وكذلك لو وجب على ميّت حق لمسلم، ولذمي حق على ذلك الميّت، ولم يخلف وفاء من حقّيهما. فإنّ الذمي لا يضرب مع المسلم بحقّه، وإنّما يدفع إلى الذمي، إن فضّل بعد استيفاء حق المسلم. وقد غلط بعض مخالفينا فقال: للإمام أن يحكم بين أهل الذمّة، إذا اختلفوا إليه، وله أن يعرض عنهم؛ لأنّ الله يقول: {فإن جاؤوك فاحكم بينهم بالحق أو أعرض عنهم} قال: فهذا تخيير، وهذه الآية عند العلماء منسوخة بقوله: {وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم}. (3/14)
صفحة 564
باب في الأحكام
ومن جامع أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة –رحمه الله-: وإذا تنازع رجلان في أرض أو دار، وهي في يد أحدهما، فادّعى أحدهما الكل، وادّعى الآخر النصف، ولا بيّنة لهما. فإنّها تقسم بينهما نصفين، من بعد أن يحلف مدّعى النصف لمدّعى الكل، على ما ادّعى من الزيادة. وإن أقام كلّ واحد منهما شاهدي عدل على دعواه، فإنّ أصحابنا يختلفون في قبول البيّنة مع اليد، ويجعلون البيّنة بيّنة صاحب اليد؛ لأنّ اجتماع اليد مع البيّنة معهم، أثبت وأقوى، في ما يوجب الحكم، من بيّنة بغير يده. وبعضهم يحكم للمدّعى، الذي لا يد له، ولا يسمع بيّنة صاحب اليد. فالذي لا يحكم ببيّنة صاحب اليد، يحتجّ بظاهر قول النبيّ (ص): على المدّعى البيّنة وعلى المنكر اليمين. فجعل البيّنة بيّنة المدّعى، وأنّ اليد عنده دليل على الملك، وليست بموجبة للملك. وأمّا من أوجب البيّنة، مع اليد، فاحتجّ بما روي عن النبيّ (ص): إنّه حكم ببيّنة صاحب الغرس، الذي شهدت له البيّنة، أنّه أنتجها فحكم له ببيّنته، وأبطل بيّنة المدّعى، الذي ليس معه يد في الغرس. (3/15)
صفحة 565
واحتجّ هؤلاء بأنّ اليد توجب الملك، ولم يحتجّ إلى سماع البيّنة معها، وكانت البيّنة بيّنة المدّعى، ولهذا قلنا: إنّ اليد دليل على الملك. وكلا الفريقين قد تعلّق بمعنى يسوغ له الاحتجاج به، وبالله التوفيق. فعلى أصولهم تعتبر الدعاوي في الأحكام. فعلى قول من جعل البيّنة، بيّنة المدّعى، الذي ليست له يد، وجعل الكلّ لمدّعيه؛ لأنّ الآخر قد اعترف له بالنصف بالتصرّف، فالبيّنة مطلوبة في ما في يده، ولا تسمع بيّنة لثبوت يده في النصف، الذي فيه الدعوى. وأمّا من جعل البيّنة بيّنة صاحب اليد، فإنّه يقسم الدار والأرض، ويحكم بهما لهما نصفين؛ لأنّ صاحب النصف، قد شهدت له البيّنة مع يده، وشهدت بيّنة مدّعى الكل على الكل، فثبت له النصف ليده، وبيّنته وبيّنة الآخر، شهدت على النصف الباقي، بغير يد، فلذلك قلنا ما قلنا، والله أعلم وبه التوفيق.
كذلك يوجد من جامع أبي صفرة: وإذا ادّعى رجل دارا، في يد رجل، وادّعى بعضها بالبيّنة على المدّعى، واليمين على المدّعى عليه. وكذلك في العبد والدابة والأمة والحيوان، وغير ذلك. فأصل معرفة المدّعى من المدّعى عليه، أن ينظر إلى المنكر منهما، فهو المدّعى عليه، والمدّعى الآخر. ولو أنّ رجلا في يده دار، ادّعى أنّه باعها من رجل أو أجرها منه، (3/16)
صفحة 566
وجحد الرجل، فإنّ ربّ الدار هو المدّعى، وعليه البيّنة، والآخر المدّعى عليه، والقول قوله مع يمينه. وكذلك كلّ ما يستأجر أو يباع، فهو بمنزلة هذا. وإذا كانت الدار في يد رجلين، كلّ واحد منهما يدّعيها أنّها له، وكلّ واحد منهما مدّع، وعلى كلّ واحد منهما البيّنة، على ما يدّعى في يد صاحبه، ولكلّ واحد منهما اليمين على صاحبه. فأيّهما حلف على دعوى صاحبه برئ منها، وأيّهما نكل عن اليمين، لزمه دعوى صاحبه. وكذلك العبد والأمة والثوب. وإذا كانت الدار في يد رجلين، ادّعى رجل أنّه اشتراها بألف درهم، وقال الذي في يده: بعتها منك بألفين. فإن قامت لهما بيّنة، أخذت بيّنة المدّعى للفضل. وإن لم تقم بيّنة، حلف كلّ واحد منهما على دعوى صاحبه. فإن حلفا جميعا، تراددا البيع، وأيّهما نكل عن اليمين، لزمه دعوى صاحبه قبله. (3/17)
صفحة 567
وكان ينبغي في القياس، إذا حلفا جميعا، أن يكون بيعا بألف درهم، ولكنّا تركنا القياس في هذا الموضع، للأثر الذي جاء، كلّ واحد منهما مدع، وعلى كلّ واحد منهما اليمين على دعوى صاحبه. وإن كان البيع في هذا الموضع، من قبضة المشتري فاستهلكه، فالقول قول المشتري مع يمينه، وعلى البائع البيّنة على ما يدّعى من الفضل. وقال بعضهم: يتحالفان ويتراددان على القيمة. وإذا كان عند رجل قباء، فادّعى رجل أنّه اشتراه بدابته هذه، وادّعى البائع أنّه باعه منه بأمته هذه، وكلّ واحد منهما يدّعى بالبيّنة. فإن قامت لهما جميعا بيّنة، أخذت بيّنة البائع. وإن لم تقم لهما بيّنة، تحالفا جميعا، وتناقضا البيع، وأيّهما نكل عن اليمين، لزمه دعوى صاحبه. وقال بعضهم: يستحلف على النكاح، فإن أبى أن يحلف ألزمناه النكاح، وإذا ادّعت المرأة خلعا أو طلاقا، وأنكر الزوج، فإنّ المرأة هي المدّعية، وعليها البيّنة. / وإذا ادّعى الزوج أنّه خالعها على عبد، وجحدت هي خلعها، فإنّ الزوج أقرّ بالطلاق، فذلك يلزمه. وإذا ادّعى عبد عتاقا على مولاه، وجحد المولى ذلك، فإنّ العبد في ذلك الموضع، هو المدّعى، وعليه البيّنة. (3/18)
صفحة 568
فإن لم تقم له البيّنة، فعلى المولى اليمين. وعلى المولى أيضا اليمين، إذا ادّعى عبده عليه المكاتبة، وأنكر هو. ولو أنّ المولى أقرّ أنّه قد أعتق عبده هذا، على ألف درهم، وقبل العبد بها، وجحد العبد المال، وادّعى العتق، كان العتق لازما للمولى، وكانت البيّنة على المولى، في ما يدّعى من المال، وعلى العبد اليمين. وإن نكل عن اليمين، لزمه المال. ولو أنّ العبد قال: أنا حر الأهل، ولم يقل بالملك، كان المدّعى في هذه المنزلة المولى، وعليه البيّنة، فإن لم تقم له بيّنة، فعلى العبد اليمين. فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين، قضيت عليه بالرق للمولى، وكذلك الأمة في قول بعضهم، ولا تكون عليه اليمين في قول بعضهم في الرق. وإذا ادّعى رجل قبل رجل جراحة، عمدا أو خطأ أو دما، وجحد المدّعى عليه قبله ذلك، فإنّ على المدّعى في هذا الوجه البيّنة، وعلى المنكر اليمين. فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين، لزمه القصاص في قول بعضهم، في كلّ عمد دون النفس فيه القصاص، ولزمه الأرش في ما كان من خطأ في النفس أو دونها. (3/19)
صفحة 569
وأمّا العمد في النفس، فإنّ بعضا قال: أحبسه حتّى يفر، وفي ما دونها يقر أو يحلف. وقال بعضهم: عليه في العمد في النفس، وفي ما دونها الدية، ولا قصاص عليه. ولو ادّعى قبله الجراحة، وادّعى الصلح فيها والعفو، كان في هذا الوجه هو المدّعى، وكانت عليه البيّنة. فإن لم تكن له بيّنة، فعلى الآخر اليمين. فإن حلف أخذ حقّه، وإن نكل عن اليمين، لزمه ما ادّعى الآخر من الصلح. وإذا أقرّ الجارح بجراحة عمدا، يخرج فيها القصاص، وادّعى ذلك عليه، وادّعى الصلح، فإنّ المجروح في هذه المنزلة هو المدّعى، وعليه البيّنة، وعلى الجارح اليمين. فإن حلف برئ من المال، وإن نكل كان عليه القصاص؛ لأنّ الآخر قد أبرأه منه، وإن نكل عن اليمين، لزمه دعوى المال. وإذا ادّعى رجل إلى رجل، كفالة بنفس أو مال، وأنكر الآخر ذلك، فإنّ على مدّعى الكفالة البيّنة. فإن لم تكن له بيّنة، فإنّ على المنكر اليمين. فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين، لزمه منه الكفالة. (3/20)
صفحة 570
وإذا أقرّ الكفيل بالكفالة، وادّعى أنّه وديعة، وبرئ منه، كان الكفيل في هذا الموضع، هو المدّعى، والمكفول له هو المدّعى عليه. وإذا ادّعى رجل إلى رجل، أنّه أجره داره بعشرة دراهم، وأقرّ صاحب الدار، أنّه أجره بيتا منها، معلوما بخمسة دراهم، فكلّ واحد منهما مدّع، وإن أقاما البيّنة جميعا، جعلت الدار كلّها خمسة عشر درهما، أخذ كلّ واحد منهما على دعواه، أخذ بيّنة صاحب الدار، على دعوى فضل الأجر، وبيّنة المستأجر على دعواه فضل السكن. وإذا ادّعى أنّه استأجر شهرا بدراهم، وادّعى صاحب الدار، أنّه استأجرها خمسة عشرة يوما، بدرهمين، فكلّ واحد منهما مدّع، وعلى كلّ واحد منهما البيّنة. فإن أقاما جميعا البيّنة، جعلها شهرا بدرهمين، أخذ بيّنة كلّ واحد منهما على ما يدّعى من الفضل. فإن لم تقم لهما بيّنة، حلف كلّ واحد منهما على دعوى صاحبه. فإن حلفا جميعا، نقضت الإجارة، وأيّهما نكل عن اليمين، لزمه دعوى صاحبه. وإذا ادّعى رجل على رجل، أنّه استأجر منه هذه الدابة، بخمسة دراهم إلى بغداد، وقال صاحب الدابة: أجرتكها إلى قصر بني هبيرة بعشرة دراهم، فكلّ واحد منهما مدّع، وعلى كلّ واحد منهما البيّنة. وإن أقاما جميعا البيّنة، جعلتها إلى بغداد بعشرة دراهم، أخذ منه كلّ واحد منهما على دعوى صاحبه. (3/21)
صفحة 571
فإن لم تقم لهما بيّنة، حلف كلّ واحد منهما على دعوى صاحبه. فإن حلفا جميعا، نقضت الإجارة. وإن كان قد سار على الدابة إلى بغداد، ولم تقم لهما بيّنة، وحلف المستأجر على دعوى صاحبه، فإنّ على المستأجر خمسة دراهم. فإن كان سار على الدابة بعض الطريق، جعلت له في ما سار من الطريق، من الأجر، بحساب خمسة دراهم إلى بغداد. وإذا ادّعى رجل دابة في يد رجل، أو غلاما استأجره منه، وأنكر ذلك صاحب الدابة والغلام، كان المدّعى في هذا الوجه هو المستأجر، وعليه البيّنة. وإن لم تكن له بيّنة، فعلى المنكر اليمين. فإن كان صاحب العبد، ادّعى الإجارة، وجحد المستأجر، فإنّ صاحب العبد هاهنا هو المدّعى، وعليه البيّنة. فإن لم تكن له بيّنة، فعلى المستأجر اليمين. فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين، لزمه دعوى صاحبه. وإذا ادّعى رجلان دارا، وذكر كلّ واحد منهما، أنّها في يده، فكلّ واحد منهما مدّع، وعلى كلّ واحد منهما البيّنة. فإن أقاما جميعا البيّنة، وشهدت بيّنة كلّ واحد منهما، أنّها في يده، جعلت في يد كلّ واحد منهما نصفها. (3/22)
صفحة 572
فإن أقام كلّ واحد منهما البيّنة، قضيت بها له. وإن لم تقم لهما البيّنة، وطلب كلّ واحد منهما يمين صاحبه، ما هي في يده، فعلى كلّ واحد منهما أن يحلف ما هي في يده. فإن حلف لم يجعلها القاضي في يد واحد منهما. وأيّهما نكل عن اليمين، لم يجعلها في يده، ونهاه أن يعرض الآخر فيها. وإذا وجدها القاضي في يد غيرهما، لم ينزعها من يده، بالذي أنفذ من هذين. وإذا كان العبد في يد رجل، فادّعاه آخر، وأقام البيّنة أنّه كان في يده أمس، فإنّه لا تقبل منه البيّنة على هذا؛ لأنّه قد يكون في يده ما ليس له.
وقال غيره: قد قيل: إنّه إذا صح أنّه كان في يده أمس هذا، فقد قيل: إنّ صاحب يد أمس، أولى من صاحب يد اليوم. وقيل: صاحب اليوم أولى من صاحب أمس. ولو أقام البيّنة، أنّ هذا العبد أجره هذا من هذا، أو انتزع العبد منه، أو غصبه عليه، أو غلبه على العبد، فأخذ منه، أو شهدوا أنّه أبق من هذا، فأخذه هذا، أو شهدوا أنّه أرسله في حاجة، فاعترضه هذا من الطريق فذهب. فإنّ هذه الشهادة جائزة، ويقضى له بالعبد. (3/23)
صفحة 573
وإن لم تكن له بيّنة، فعلى الذي في يده العيد اليمين. فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين، لزمه دعوى صاحبه. وإن ادّعى رجل عبدا في يد رجل، ودارا أو دابة أو أمة أو ثوبا أو عرضا من العروض، أو إجارة من قبل فلان، كائنا ما كان، فقال الذي في يده: ليس هذا لي، إنّما هو في يدي وديعة من قبل فلان. فإنّه لا يصدّق عليه فهو خصم، وعلى المدّعى البيّنة على دعواه. فإن أقام الذي في يده ذلك الشيء، بيّنة على ما ذكر، لم يكن بينه وبين المدّعى خصومة في شيء من ذلك، حتّى يحضر صاحب المتاع المؤاجرة والمعير، فيكون هو الخصم في ذلك، وتكون الدعوى قبله، وعلى المدّعى البيّنة. وإذا كان العبد في يدي رجل، فادّعاه رجلان، كلّ واحد منهما يقيم البيّنة أنّه له، والذي في يده العبد مقر، أنّه وديعة لأحدهما، لم يكن أقرّ بذلك، حتّى سمع القاضي شهادة الشهود، قضى به بينهما نصفين. وكذلك إذا كان أقرّ بذلك، قبل أن يستمع القاضي البيّنة، وصدقه المستودع أو لم يصدقه، فإنّه يدفع بيّنته، وتقبل بيّنة الآخر، ويكون هو المدّعى، ويكون المستودع هو المدّعى عليه، وعليه اليمين. وإذا كانت دار الدار، في يد رجل، فادّعاها رجل أنّها له، وأنّه أجره إيّاها، وادّعى أحد أنّها له، وأنّه أودعها إيّاه، فكلّ واحد منهما مدّع، وعلى كلّ واحد منهما البيّنة. (3/24)
صفحة 574
فإن أقام كلّ واحد منهما البيّنة على ما ذكرناه، فإنّه يقضي بينهما نصفين. وإذا كان العبد في يد رجل، فادّعاه رجل، وأنّه غصبه إيّاه، وأقام على ذلك البيّنة، وادّعى الآخر أنّه أقرّ أنّه وديعة له، وأقام على إقراره بذلك البيّنة. فإنّه يقضي لصاحب الغصب، ولا يقضى لصاحب الإقرار بشيء، ولا يجوز الإقرار في ما غصب هذا، وصاحب الغصب هو المدّعى، وعليه البيّنة. وإذا ادّعى رجل أنّه اشترى من رجل أمة وعبدا بألف درهم، ونقده الثمن، وهو في يد البائع. وقال البائع: إنّما بعتك هذا العبد بألف درهم وحده، فكلّ واحد منهما مدّع، وعلى كلّ واحد منهما البيّنة في هذا الحال. فإن أقاما جميعا البيّنة على ذلك، فإنّ بعضهم قال في ذلك: أحقّ لهم بالبيع في العبد والأمة جميعا بألف درهم. أخبرني عن القاضي: إذا اتهم مدّعى الوكالة والوديعة والعارية، وظنّ أنّه يريد أن يدفع الخصومة عن نفسه. فهل يجوز للقاضي ألا يقبل منه البيّنة على ذلك، ويجعله خصما؟ فقال بعضهم: إذا كان الشهود يشهدون بالوكالة والوديعة والعارية، من رجل مسمّى أو معروف، لم يكن بين المدّعى وبين ذلك، الذي في يده خصومة، حتّى يحضر الذي وكّله، أو استودعه أو أعاره؛ لأنّه قد أحال على خصم معروف، فعلى المدّعى أن يطلب خصمه. (3/25)
صفحة 575
فإن قالت الشهود: يدفع ذلك إليه، نعرف وجهه إن رأيناه، ولا نعرف اسمه ولا نسبه، لم يلتفت إلى ذلك، وكان الذي في يده ذلك الشيء خصما.
قال غيره: قد قيل: إذا ادّعى عليه ما في يده، أنّه لا خصومة عليه، والخصومة على المقر له، إن كان حاضرا. فإن كان غائبا، أقام الحاكم للغائب وكيلا يخاصم. وقد قيل: إنّه خصم على كلّ حال، من كلّ من في يده بالإقرار، فيحلف أقرّ بهذا الشيء من في يده بالإقرار، فيحلف أقرّ بهذا الشيء، ولا يعلم لهذا حقا من ما يدّعى؛ لأنّه لو أقرّ له فيه، بشيء بعد الإقرار، ثبتت عليه القيمة، وبالمثل ما فيه المثل. (3/26)
صفحة 576
باب في التاريخ
وإذا كان الهندي في يد رجل، فأقام رجل البيّنة، أنّه عبده منذ سنة، وأقام الذي هو في يده بيّنة، أنّه له منذ سنتين. قال بعضهم: هو للذي في يده. وبعضهم يقول: هو للمدّعى، ولا أقبل من الذي هو في يده البيّنة، ثمّ أرجع إلى القول الأوّل العبد، للذي هو في يده في قول أصحابنا. وإذا كانت الأمة في يد رجل، فادّعاها رجل، أنّها له منذ سنة، وأقام على ذلك البيّنة، وأقام الآخر البيّنة، أنّها له منذ سنتين، فإنّه يقضي لصاحب السنتين في قول بعضهم. وفي قول بعضهم: إنّه يقضي بينهما نصفين. وإذا كانت الدابة في يد رجل، فادّعاها رجل آخر، وأقام البيّنة أنّها له منذ عشر سنين، فنظر الحاكم في سنها، فإذا هي بنت ثلاث سنين، فعرف ذلك، أنّه لا يقبل بيّنة على ما ادّعى. وإذا كانت الدار في يدي رجل، فادّعاها رجل، وأقام البيّنة أنّها له منذ سنة، وأقام رجل البيّنة أنّه اشتراها من رجل آخر، وهو يومئذ يملكها منذ سنتين، فإنّه يقضى بها لصاحب الشراء؛ لأنّه أولى بها. (3/27)
صفحة 577
ولو شهدوا أنّه باعها بثمن مسمّى، وقبض الثمن، وقد قبض المشتري الدار، ولم يشهدوا له بملكها، فإنّه يقضي بها لصاحب الشراء. وإذا كانت أرض في يد رجل، فأقام رجل آخر البيّنة، أنّه اشتراها من فلان، بثمن مسمّى، ونقده الثمن، فإنّه لا تقبل منه بيّنة على هذا، حتّى يشهدوا أنّه باعها يومئذ، وهو يملكها، ويشهدوا أنّها أرض هذا المدّعى، اشتراها من فلان بكذا وكذا، وقبضها ونقده الثمن. فإنّ هذا جائز. قال: ولو شهدوا أنّها لفلان المشتري، اشتراها من فلان بكذا وكذا، ونقده الثمن ولم يقولوا: وهو يملكها أجزت ذلك؛ لأنّهم شهدوا أنّها للمشتري اشتراها من فلان، ولو لم يشهدوا أنّها للمشتري، وشهدوا أنّه باعها من هذا، وهو يملكها بكذا وكذا، وقبض الثمن، وقبضها منه، أجزأ ذلك، ولو لم يشهدوا أنّ البائع باعها وهو يملكها، ولم يشهدوا أنّها للمشتري، ولم يشهدوا على قبض لم أقبل شهادتهم على شيء من ذلك. وما قبلت فيه شهادتهم، وقضيت بها للمشتري، فقدم البائع فأنكر، فإنّي لا أعيد البيّنة عليه فيه، وأنفذ القضاء عليه.
قال غيره: حسن؛ لأنّ الخصم فيها الذي كانت في يده، وقد سمع البيّنة، بشراء المشتري لها من مالكها. ولو كانت الدار في يد رجل مقر، أنّها للبائع، ولا يدّعى فيها، لم أقبل البيّنة من المشتري عليها؛ لأنّ خصمه فيها غائب. (3/28)
صفحة 578
الضياء: إلا أن يكون حيث تبلغه الحجّة، فإنّه يسمع شهادة الشهود، ويحكم بالدار للمشتري، ويستثنى للغائب حجّته، وإذا ادّعى الذي هي في يده، فهو الخصم. وإذا كانت الدار في يد رجل، فأقام رجل عليها البيّنة، أنّها له منذ سنة، وأقام الذي في يده البيّنة، أنّها له، ولو لم يوقّت وقتا، وشهدوا بها، فإنّه يقضى بها للمدّعى. وكذلك لو وفت* شهود، الذي في يده منذ سنة أو أقل أو أكثر. وكذلك هي له من ميراث أو شراء أو بوجه من وجه الملك، فإنّ المدّعى أحقّ بها. إذا كانت الدار في يد رجل، فادّعاها رجل آخر أنّها له، وأقام على ذلك البيّنة، ولم يوقّتوا وقتا، وشهد شهود الذي في يده، أنّها له منذ سنة. فإنّي أقضي بها للمدّعى؛ لأنّ المؤخّر لم يوقّتوا. وإذا أقاما جميعا البيّنة، فالذي في يده الدار، أولى بها، في قول أصحابنا. وإذا كانت الدابة في يد رجل أو أرض أو عبد أو دار أو أمة، فادّعاها رجل وأقام البيّنة، أنّه له منذ سنة أو سنتين، وشكّ الشهود في ذلك، وأقام الذي هي في يده بيّنة، أنّها له منذ سنتين، فإنّه لا ينبغي أن يقضى بها للمدّعى، ولكن يقضى بها للذي هي في يده؛ لأنّ شهوده قد وقتوا وقتا، وشهد (3/29)
صفحة 579
شهود الذي في يده، أنّها كانت له منذ عام أوّل، وشكّت بيّنة المدّعى في الوقت. ولو وقت شهود المدّعى بيّنة. وقالت شهود الذي هي في يده سنة أو سنتين، قضيت بها للمدّعى. وإذا كانت أرض في يدي رجلين، فأقام أحدهما البيّنة، أنّها كانت له منذ سنة، وأقام الآخر البيّنة، أنّها له منذ سنتين، فإنّه يقضي بها لصاحب السنتين. وإذا كانت أرض في يد رجلين، فأقام أحدهما البيّنة، أنّ ثلثيها له، منذ سنة، وأقام الآخر البيّنة، أنّ ثلثها له منذ سنتين، فإنّه يقضي بالثلثين لصاحب الثلثين، وأترك في يد صاحب السنة الثلث. وإذا كانت الأمة في يد رجل، فادّعاها رجل فأقام البيّنة، أنّها أمته، منذ سنة، وأنّه أعتقها عن دين منذ سنة، وأقام الآخر البيّنة، أنّها أمته، منذ سنة، وأنّه أعتقها عن دين، منذ سنة، فإنّه يقضي بها لصاحب الأوّل، في قول بعضهم. وقال بعضهم: الأوّل هي حرّة، والبيّنة بيّنته.
قال غيره: إن كان أراد أنّ الأوّل ادّعاها، أنّها له منذ سنتين، وأنّه أعتقها منذ سنتين، وادّعاها الآخر أنّها له منذ سنة، وأنّه أعتقها منذ سنة. فيعجبني تثبت عليها منذ سنتين من الأوّل، ويبطل دعوى الآخر وبيّنته؛ لأنّه قد صحّ عتقها، فلا ترجع رقا بعد صحة العتق. (3/30)
صفحة 580
وإذ ارتفع إلى الإمام رجلان، فشهدا أنّ فلانا مات، وترك هذه الدار والأرضين ميراثا لهذا، لا يعلمون له وارثا غيره، ولم يدركوا الميّت، فلا ينبغي للإمام أن يقضي له بها؛ لأنّ شهادتهما في ذلك غير جائزة من قبل، أنّهما لم يدركا الميّت. فإن شهدا على شهادة رجلين عدلين أدركاه، فشهادتهما جائزة، وينبغي للإمام أن يقضي لها للمدّعى. وإذا ادّعى رجل دارا أو أرضا لجدّه، وأقام عليها البيّنة شاهدين عدلين، أنّها لفلان، جدّ هذا مات وتركها ميراثا، ولم يقولوا تركها ميراثا لهذا أو لأبيه، وقد أدركوا الأب، فشهادتهم في ذلك غير جائزة، من قبل أنّهم لم يجوّزوا الميراث، ولم يقولوا تركها لهذا. وإذا ارتفع رجلان، فادّعى أحدهما دارا أو أرضا في يد الآخر، فأقرّ المدّعى عليه، أنّ هذه الدار والأرض، التي في يد هذا دار جد هذا، أو أرض جد هذا، أو قامت عليه بإقراره بذلك بيّنة. فينبغي للإمام أن يجيز ذلك، ويجعلها لجد المدّعى. فإن لم يكن له وارث غير هذا المدّعى، أعطاه إيّاها؛ لأنّ إقراره ليس بمنزلة الشهادة؛ لأنّ الذي في يده، إذا أقرّ بها، أنّها لجد هذا، قفد أخرجها من يده، إلا أن تجيء بيّنة فيستحقها به. وسألته عن الإمام: أيسعه أن يحكم برأي القاضي، في شيء يرى الإمام غير رأي القاضي؟ قال: لا، ولكنّه يردّه إلى القاضي. (3/31)
صفحة 581
أبو محمّد: ومن ادّعى في مال في يد رجل، فأحضر شهودا شهدوا، أنّ هذا المال له ولشركائه، فليس له شيء ولا لشركائه. ومن ادّعى منزلا، وأحضر شاهدين، فشهدا له بهذا المنزل أو جزء معلوم من مال، بالقرب منه، فالله أعلم. قد قيل: إنّ من شهد على ما لا يسأل عنه، أو قبل أن يسأل، لم تجز شهادته في ذلك. وهذا قد شهدا على ما يدّعى المدّعى، ولم يسألهم الحاكم عن الشهادة فيه، والذي أحبّ، لا تبطل شهادتهما، في ما لا يسألان عنه، من الشهادة في المنزل، ولا تثبت في ما لم يطلب الخصم، ولعلّ الأكثر قد تبطل شهادتهما. وإذا شهد شاهدان مع الحاكم، فادّعى المشهود عليه، أنّهما عبدان. فأقول: إنّها تسمع ولا يحكم عليه بشهادتهما، حتّى يتبيّن الأمر. وقلت: إنّ ذلك له بشهادة شاهدين، أنّهما عبدان لفلان، رجل غائب أو ليتيم. أيقضي بهما له، وتردّ شهادتهما؟ فإنّه يوقف عن شهادتهما، ويحكم على المشهود له، ويعلمه بما قامت به البيّنة. (3/32)
صفحة 582
وإذا ادّعى شهادتهما، سقطت شهادتهما، وقضى به لهما بعد، ألا يكون معهما فخرج. فإن ادّعيا عتاقة، أو أمرا يستحقان به الحرية، دعاهما الحاكم بالبيّنة، على ما يتداعيان. فإن لم تكن حجّة، حكم به لهما إن شاء الله. (3/33)
صفحة 583
باب في الشراء والهبة والصدقة والوقت في ذلك
وإذا كانت الأرض في يد رجل، فادّعاها رجل، أنّه اشتراها منه بألف درهم، ونقده الثمن، وادّعاها آخر، أنّه اشتراها منه بألف درهم، ونقده الثمن، ولم توقت واحدة من البيّنتين. قال بعضهم: كلّ واحد منهما بالخيار، فإن شاء أخذ نصفها بنصف الثمن، الذي سمّاه شهوده، ويرجع على البائع بنصفه. وإن اختار أحدهما البيع على ذلك، فهو جائز لهما. وإن اختار نقض البيع، فهو مردود. وإن اختار أحدهما البيع على ذلك، فهو جائز لهما. وإن اختار نقض البيع، فهو مردود. وإن اختار أحدهما البيع، واختار أحدهما الرد، فإنّ للذي اختار نصفها بنصف الثمن، ولا يكون له كلّها، إذا وقع الخيار من الحاكم، وقول الأوّل أحبّ إليّ. وقال بعضهم: إنّ وقت الشهود وقتا، وكان أحد الوقتين قبل صاحبه، فإنّه يقضي بها للأوّل، ويردّ الآخر بالثمن على البائع. وإنّ وقت أحد البيّنتين وقتا، ولم يعرف الآخر شيئا، قضيت بها لصاحب الوقت. (3/34)
صفحة 584
فإن لم يوقت واحدة من البيّنتين وقتا، وكانت في يد أحدهما، قد قبضها، فإنّ بعضهم قال: نقضي بها للذي هي في يده، ويرد البائع الثمن على الآخر، وإن شهد شهود الآخر، على وقت لم ينتفع به، إلا أن يشهدوا أنّ بيعه كان قبل بيع هذا الآخر، فأقضى بها له، وأرد الآخر بالثمن على البائع. هو قول بعضهم. وإذا كانت الدار في يد رجل والعبد والدابة والأرض والثوب، فأقام رجل البيّنة، أنّه اشتراها من فلان، وهو يملكها بالثمن المسمّى، ونقده الثمن، وأقام على ذلك البيّنة، وادّعى آخر أنّه اشتراها من رجل آخر، وهو يملكها بالثمن المسمّى. فإن كانا لم يقرّا بقبض الثمن، رجع كلّ واحد منهما على بيعه، بنصف الثمن. وإن كانا أقرّا بقبض، فهو كذلك؛ لأنّ القاضي قد قضى بنصفه بعينه، ولو وقت الشهود في ذلك وقتا في الملك، وكان أحد الوقتين قبل صاحبه، فإنّه يقضي به لصاحب الأوّل في قول بعضهم. ولو وقت إحدى البيّنتين، ولم تؤقت الأخرى وقتا، فإنّه يقضى بهما نصفين. ولو كان في يد أحدهما، قضيت به للآخر؛ لأنّ بيعهما مختلف، ولا يشبه هذا البيع الواحد. (3/35)
صفحة 585
وإذا كانت الدار في يد رجل، فادّعاها رجل آخر، أنّه اشتراها من فلان بن فلان، بمائة درهم، وهو يومئذ يملكها، ونقده الثمن، وادّعى آخر أنّ فلانا الآخر وهبها له، وهو قبضها منه، وهو يومئذ يملكها، فإنّه يقضي بينهما نصفين. ولو كان معهم من يدّعى ميراثا من أبيه، وأقام على ذلك بيّنة، وادّعى آخر صدقة من آخر، وأقام على ذلك بيّنة، وأقام بيّنة على القبض، فإنّه يقضى بها بينهما أرباعا. وإذا كانت الدابة في يد رجل، وأقام رجل آخر البيّنة، أنّها دابته اشتراها من فلان بثمن مسمّى، ونقده الثمن، وقبض الدابة، وأقام الآخر البيّنة، أنّ فلانا ذلك وهبها له، وقبضها منه. فإنّه يقضى بها لصاحب الشراء. وكذلك الصدقة، ولو كانت مع المشتري، قضى بها لصاحب الشراء. وكذلك النحل والعمري، إذا لم يكن في ذلك سواء. وإن ادّعى رجل هبة، وادّعى آخر صدقة، وأقام كلّ واحد منهما البيّنة على ذلك، وعلى القبض، فإنّه يقضي بينهما نصفين، وهذا قول بعضهم. وكذلك الرهن في قول بعضهم: إنّ الشراء أولى من الرهن، والرهن أولى من الصدقة والهبة في قول بعضهم. (3/36)
صفحة 586
وكذلك الصدقة والنكاح والهبة، فإنّ النكاح أولى، وهو والشراء نصفان في قول بعضهم. وقال بعضهم: الشراء أولى من النكاح، وتكون للمرأة القيمة. وإذا كانت الأرض في يد رجل، فأقام آخر البيّنة، أنّه اشتراها من هذا الذي، هي في يده، بألف درهم، ونقده الثمن، وأقام الذي في يده البيّنة، أنّه اشتراها من هذا الذي ادّعاها بخمسمائة درهم، ونقده الثمن. قال بعضهم: أقضى بها للذي هي في يده، وأبطل دعوى الآخر بنقض البيع. ولو كان الذي في يده وقت شهود الوقت الأوّل، ووقت شهود المدّعى، الوقت الآخر، فإنّي أقضي بها للمشتري الآخر، وأبطل الأوّل ولا أقضى له شيئا. ولو وقت الشهود وقتا، وكان وقت المدّعى أوّلا، فإنّي أقضي بها للذي هي في يده، وهذا الآخر. وإذا كانت الأمة في يد رجل، فأقام رجل البيّنة، أنّه اشتراها من الذي هي في يده، بألف درهم ونقده الثمن. فإن أقامت الخادمة البيّنة، أنّ مولاها الذي هي في يده أعتقها، ولم توقت واحدة من البيّنتين وقتا، فإنّ بعضهم قال: أجعلها حرّة، وأبطل الشراء، وأراد المشتري على البائع بألف درهم. ولو وقتت البيّنتان وقتا، وكان وقت الشراء أوّلا، أمضيت الشراء وأبطلت العتق. (3/37)
صفحة 587
ولو وقتت بيّنة الشراء وقتا، ولم توقت بيّنة العتق، أبطلت الشراء وأمضيت العتق، والتدبير في جميع ذلك مثل العتق. وإذا كان المشتري قد قبض، فالشراء أولى من العتق، ومن التدبير، إلا أن تقوم بيّنة، أنّ العتق أوّلا، ويوقتون وقتا يعرف أنّه أوّل. وهذا قول بعضهم.
قال غيره: العتق أوّلا، ما لم يصح التاريخ، أنّ الشراء قبله، والتدبير مثله. وإذا كانت الدار في يد رجل أو العبد أو الأرض أو الأمة، وأقام رجل عليها البيّنة، على ما ادّعى على ذلك، فإنّي أقضي بها للذي هي في يده. وكذلك الصدقة في هذا والنحل والعطية والعمري. ولو أقام رجل البيّنة على عبد، في يد رجل، أنّه اشتراه منه، ولم تقم بيّنة على قبض، فأقام الغلام بيّنة على العتق، قضيت بالعتق، وأبطلت الشراء. وكذلك العتق على مال، والعتاق على غير مال، والتدبير في ذلك كلّه سواء. وأجيز العتق في ذلك كلّه، وأبطل الشراء والصدقة والهبة والنحل. (3/38)
صفحة 588
ولو كان المشتري قد قبض، وعليه أيضا قبض، وهي في يده يوم قبض، وهم يومئذ يختصمون أجزت الشراء والصدقة، وأبطلت العتق. وكذلك الهبة، إلا أن تقوم بيّنة، أنّ العتق أوّلا. وإذا ادّعى رجل، أنّه اشترى هذه الأمة، من رجل، بألف درهم، وأنقده الثمن، وأنّه أعتقها، وأقام على ذلك بيّنة، والأمة في يد فلان، وأقام الآخر البيّنة، أنّه اشتراها من فلان ذلك بألف درهم، ونقده الثمن. فإنّ صاحب العتق أولى، ويقضى الخادم، ويعتق ويردّ البائع على الآخر. وكذلك العتق على مال والتدبير؛ لأنّ العتق هاهنا بمنزلة القبض. ألا ترى أنّها لو كانت في يده، جعلته أولى بالبيع.
قال غيره: بيّنة العتق أولى، ما لم يصح قبل العتق. وكذلك لو كان عبد في يد رجل، وأقام رجل البيّنة، أنّه تصدّق به عليه وقبضه، وأقام آخر البيّنة، أنّه وهبه له وقبضه منه. فإن وقتوا وقتا، قضيت به لصاحب الوقت الأوّل. وإن لم يوقتوا وقتا، قضيت به بينهما نصفين. ولو وقتت إحدى البيّنتين، ولم توقت الأخرى، قضيت به لصاحب الوقت. (3/39)
صفحة 589
ولو كان في يد أحدهما، قضيت به للذي هو في يده، إلا أن يقيم الآخر البيّنة، أنّه أوّلا. وكذلك الأمة والدابة والثوب والشاة، وكلّ شيء لا ينقسم. فأمّا الدار والأرض، وكلّ شيء ينقسم، فإنّي أقضي به للأوّل إن عرف الأوّل. وإن لم يعرف الأوّل، ولم يوقت وقتا، أبطلت ذلك كلّه، ولم أقض لواحد منهما بشيء.
قال غيره: إذا صح القبض في ذلك، ولم يصح الوقت، فالقبض عندي يثبت العطية والنحل. وإذا ثبتت لهما جميعا في الحكم، ولم يعرف أيّهما أوّلا أعجبني، أن يكون بينهما نصفين، ولم يبطل ذلك، فاليد عندي في مثل هذا، أولى من الوقت، إلا أن يصح الوقت بيّنة، قبل الذي في يده الشيء. (3/40)
صفحة 590
باب في الدعوى كلّ يدّعي أنّها في يده
وإذا ادّعى رجل دارا في يديه، وادّعى آخر أنّها في يده، فإنّ بعضهم قال: لا أصدّق كلّ واحد منهما على ما ادّعى، وعلى كلّ واحد منهما البيّنة، أنّها له.
الضياء: كما أنّ الزرع لو بنت ورقه كان يدا. وقال في موضع آخر: والزراعة تثبت اليد، إلا أن يتنازع اثنان في أرض، وفيها زرع.
ومن كتاب أبي قحطان: من ما ذكر أنّه عن أبي جعفر: وإذا تنازع رجلان في أرض، ليس في يد أحد، يدّعيها كلّ واحد منهما، وادّعى أرض أحدهما فيها حصة، فإنّ الحاكم يسأل كلّ واحد منهما البيّنة على دعواه. فإن أحضره البيّنة على دعواهما، جعلها الحاكم لهما، وكان لصاحب الحصّة، بقدر حصّته. وإن طلبا أيمان بعضهما بعض، استحلفهما الحاكم، ويستحلف كلّ واحد منهما، ما يعلم للآخر، في ما يدّعي من هذه الأرض حقا. وإن نكل أحدهما عن اليمين، حكم بها للذي حلف عليها، ويصرف عنه الآخر. (3/41)
صفحة 591
وإن نكلا جميعا، فهما بمنزلة الحالفين، وإن أحضر أحدهما البيّنة على دعواه، وأعجزها الآخر، فطلب المعجز يمين صاحبه، استحلف له على علمه، كما وصفت لك. وإن أعجزا جميعا البيّنة، وطلب كلّ واحد منهما يمين صاحبه، فإنّهما يستحلفان جميعا. فإن حلفا جميعا، صرف كلّ واحد منهما عن صاحبه، ولم يحكم لأحدهما بشيء. وكذلك إن نكلا جميعا، صرف كلّ واحد منهما عن التعدّي على صاحبه، ولم يحكم لهما بشيء. وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر الحالف عن اليمين، صرف الناكل عن معارضة الحالف، ولم يحكم للحالف بشيء. وإنّما رأيت عليهما الأيمان؛ لأنّه لو أنّ أحدهما قصد إلى الأرض، يريد أن يحرثها، وحال الآخر بينه وبين الحراثة، وتنازعا إلى الحاكم، سألهما البيّنات على ما وصفت لك. فإن أعجزاها جميعا، وطلب أحدهما أن يحلف، أو يحلف صاحبه استحلفهما الحاكم. فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، ثمّ قصد الحالف إلى حراثتها، فأراد الناكل منعه من ذلك، وأراد أن يحرث الأرض من موضع آخر بعد نكوله (3/42)
صفحة 592
عن اليمين، لم يقرب إلى ذلك، وصرف عن الحالف، ولا يحكم للحالف بشيء؛ لأنّ الحاكم لا يحكم في هذا إلا ببيّنة. وإن كان أحدهما يدّعيها ويريد أن يحرثها، وأراد الآخر منعه من ذلك، من غير أن يدّعيها، أو يدّعى فيها شيئا لنفسه أو لغيره، فإنّه يصرف عنه، ولا يقرب إلى مالا يدعى فيه شيئا، وليس بينهما أيمان ولا خصومة. وإن ادّعاها لغيره لغائب أو ليتيم، وزعم أنّه محتسب له، أو أحضر بيّنة بوكالته من الغائب واليتيم، فإنّه يحكم له بالبيّنة، وليس بينهما أيمان، إلا أن يكون الغائب وكلّه، وجعل له أن يستحلف، فإنّ له أن يستحلف. فإن أحضر المدّعى البيّنة لنفسه، أنّها له، وأراد المحتسب أو الوكيل يمينه، بعد البيّنة استحلفه له. وإن ادّعى كلّ واحد منهما، أنّ الأرض أرضه، وفي يده، فإنّ الحاكم يسألهما البيّنات على دعواهما. فإن أحضرا جميعا، حكم الحاكم بينهما بإثباتها في أيديهما جميعا. فإن طلبا أيمان بعضهما بعض، استحلف كلّ واحد منهما، ما يعلم أنّ لخصمه فيها حقا. فإن حلفا أو نكلا، فهو سواء بينهما في أيديهما. فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، أثبتها الحاكم في يد الحالف، وصرف الناكل عنه. (3/43)
صفحة 593
وإن طلبا الأيمان على اليد، استحلف كلّ واحد منهما أنّها في يده، دون هذا، ولا هي في يد الآخر. فإن حلفا جميعا، صرف كلّ واحد منهما عن صاحبه. وإن نكلا صرفهما عن التعدّي على بعضهما بعض. وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، صرف الناكل عن الحالف، ولم يثبت للحالف شيئا. وإن طلبا الأيمان، على أنّه لاحق للآخر فيها، استحلفها الحاكم، واستحلف كلّ واحد منهما، ما يعلم أنّ لخصمه في هذه الأرض حقا من ما يدّعى منها. وإن طلب أحدهما الأيمان على الأصل، وطلب الآخر اليمين على اليد، استحلف على الأرض، ولم ينظر في مطلب الذي طلب اليمين على اليد. فإن أبى طالب اليد، أن يحلف أو يستحلف صاحبه، استحلفه على الأصل، وصرف صاحب اليد عن صاحب الأصل، ولم يحكم لصاحب اليد. وإذا تنازع رجلان في أرض، ليست في يد أحدهما، ادّعاها أحدهما أنّها له، وادّعى الآخر أنّ حاكما من المسلمين قد هلك وقفها، فإنّ الحاكم يسأل المدّعى الموقف البيّنة للوقف. فإن أعجزها في ذلك، ولم يطلب فيها بشيء، سوى أنّ الحاكم (3/44)
صفحة 594
وقفها صرف الآخر، ولم تكن بينهما خصومة، ولا يحكم للمدّعى الأرض لنفسه بشيء، ولا يستمع له ببيّنة، من غير أن يحضر له خصم. وإن أحضر المدّعى للوقف البيّنة، أنّ فلانا الحاكم وقفها، وشهدت البيّنة أنّه وقفها في يد فلان، أحدهما أو غيرهما، لم يرد البيّنة على هذه الشهادة، فصرفهما الحاكم عنها جميعا، ولم يدخل فيها، ولم يسمع لأحدهما بيّنة فيها، ولم يكلّفهما يمينا. وإن عرض للأرض سواهما، صرفه إذا طلب ذلك إليه. فإن كان المدّعى للوقف، إنّما يدّعى وقفها، ولا يدّعى فيها شيئا، لم ينظر في قوله، ولم يسمع له بيّنة، ولم تكن بينه وبين الآخر خصومة، وصرف عنه. فإن ادّعاها لغيره، لرجل غائب وهو وكيله، أو ليتيم، وزعم أنّه محتسب، فدعواه لذلك بمنزلة دعواه لنفسه. وإن شهدت البيّنة أنّهما كانا يتنازعان في هذه الأرض، عند فلان الحاكم، وقفها ولم يزد على ذلك، فهو سواء. وكذلك إن شهدت البيّنة، أنّهما كانا يتنازعان فيها، فوقفها الحاكم من يد أحدهما فهو سواء. وإن رجعا جميعا، من بعد ما وصفت من شهادة البيّنة، يطلبان إلى الحاكم أن يحكم بينهما بالبيّنات، لم يقبل ذلك منهما، ولم يدخل فيها. (3/45)
صفحة 595
فإن شهدت البيّنة، أنّ فلانا الحاكم أشهدهما، أنّ فلانا وفلانا حضراني، فتنازعا في هذه الأرض، فرأيت أنّ وقفها في أمر شجر بينهما، أو لأمر صح عندي في ما بينهما، فإنّ الحاكم يدعها وقفا؛ لأنّه لا يدري على ما كان وقفها، يصنع كما صنع الأوّل؛ لأنّه لا يدري في يد من وقفت. فإن طلبا بعد ذلك إلى الحاكم، أن يسمع منهما البيّنة عليها، ويحكم بينهما، دخل الحاكم بينهما بالحكم، وسألهما عليهما البيّنات.
ومن ما يوجد أنّه من جامع أبي صفرة: وإذا اختصم رجلان في عبد أو دابة أو بقرة أو شاة أو حيوان أو عروض، كائنا ما كان، وهو قائم بعينه، فإنّ القاضي ينبغي له ألا يسمع من أحدهما شهادة، حتّى يحضر ذلك الشيء، الذي اختصما فيه، إلا أن يكون أحدهما قد استهلكه، والآخر يدّعى أنّه له، أو استهلكه غيرهما، وكلّ واحد يدّعى أنّه له. فإذا وقع الأمر على هذا، قبلت منهما البيّنة؛ لأنّه مستهلك. ألا نرى أنّه إذا كان قائما بعينه، فقضى القاضي، ولم يعاينه، ولم يبصره أنّه قضى بما لا يعرف، وكيف يشهد الشهود على شيء، وذلك الشيء ليس بحاضر عنده. وإذا اختصم رجلان في عبد، كلّ واحد منهما متعلّق به، ويقول: هو عبدي، وفي أيديهما جميعا، والعبد صغير لا يتكلّم، فكلّ واحد منهما يسأل البيّنة أنّه له. فأيّهما أقام البيّنة، أنّه عبده قضى له به. (3/46)
صفحة 596
وإن لم يقيما البيّنة، فهو بينهما نصفان. فإن كان العبد كبيرا يتكلّم فقال: أنا عبد أحدهما، فإنّه لا يصدّق في قوله، وهو عبد لهما جميعا. وإن كان عبد في يد رجل فادّعاه، وأقرّ العبد للذي ليس هو في يده، لم يقبل قوله، ولم يصدّق العبد على ما قال. وإذا أقرّ بالرق، فليس للعبد هاهنا قول. ألا ترى أنّ أمّ الولد، إذا أقرّت أنّها أمة لرجل، لم تصدّق.
قال غيره: العبد إذا كان بالغا، صدّق في ما قال: إنّه لغير من في يده. (3/47)
صفحة 597
باب في الدعوى في النتاج
من تأليف أبي قحطان: روي عن النبيّ (ص) أنّ رجلين ادّعيا بعيرا على عهده، فجاء واحد منهما بالشهود على البعير أنّه له، واستوت الشهود في دعواهما، فجعل رسول الله (ص) البعير بينهما سواء. وقال الربيع وفقهاء أصحابنا: إن كان البعير في يد أحدهما، وكانت بيّنة عدل، فهو أحق به. وكذلك رأينا في هذا ومثله. وقيل: ارتفع إلى أبي الدرداء، رجلان يدّعيان فرسا، فجاء بشاهدين أنّه أنتجها، وجاء هذا بشاهدين أنّه أنتجها، فجعل أبو الدرداء الفرس بينهما. وكذلك ما يكون في أيديهما جميعا، فهو بينهما. وإذا ارتفع إلى الحاكم، رجلان يدّعيان في مثل هذا، فأتى أحدهما بشاهدي عدل على الدابة، أنّها له وأنتجها، وأتى الآخر بشاهدي عدل هكذا، فصاحب البيّنة بالنتاج أولى. وإن كانت في يد أحدهما، فأحبّ أن تكون في يد من هي في يده، ولو كان الآخر أنتجها إذا استوت البيّنة. (3/48)
صفحة 598
وإذا ارتفع إلى الحاكم رجلان، فادّعى كلّ واحد منهما أرضا أو دارا، في يد رجل آخر، وأقام كلّ واحد منهما البيّنة، أنّه اشتراها منه بكذا وكذا، فإنّه ينبغي أن يقضي بها لصاحب الوقت والشراء الأوّل منهما. وإن وقتت إحدى البيّنتين ولم توقت الأخرى، فإنّه ينبغي أن يقضي بها لصاحب الوقت، والبيّنة التي وقتت؛ لأنّها أثبت. وإذا لم توقت البيّنتان وقتا، فهي بينهما إذا استوت البيّنة، ولم يكن في يد أحدهما.
ومن ما يوجد أنّه من جامع أبي صفرة: وإذا كانت الدابة في يد رجل، فادّعاها رجل آخر، أنّها دابته، أنتجها عنده، فإنّه في هذا الموضع هو المدّعى، وعليه البيّنة. فإن أقام البيّنة على ذلك، قضيت له بالدابة. وإن أقام الذي في يده البيّنة، أنّها دابته، أنتجها عنده، فإنّه يقضي بها للذي في يده. وإذا كانت الدابة في يد رجل، فادّعاها رجلان، فأقام كلّ واحد منهما البيّنة، أنّها دابته أنتجها عنده، فإنّ بعضهم قال: يقضي بها بينهما نصفين. وإن وقتت إحداهما وقتا، ووقتت بيّنة الآخر وقتا، فإنّي أنظر إلى سن الدابة. فإن كانت على أحد الوقتين، قضيت بها لصاحبه. وإن كانت على غير الوقتين، أو كانت مشكلة، فإنّي بها بينهما نصفين. (3/49)
صفحة 599
وكذلك الولادة والنتج، وكلّ واحد منهما مثل الوالدة. فإن أقام الذي هو في يديه البيّنة، أنّه نتج هذا وهو له، أو نتجت هذه الدابة عنده، وهي له قضيت بها للذي هي في يده على المدّعى، وهو قول بعضهم. وإن وقتت بيّنة الذي هي في يده وقتا، ووقتت بيّنة المدّعى وقتا آخر، وكان سنّ الدابة على وقت بيّنة المدّعى، فإنّي أقضي بها للمدّعى. وإن كانت على وقت الذي هي في يديه، قضيت بها للذي هي في يديه. إن كانت مشكلة قضيت بها للذي في يديه. وإن كان ثوب الخز في يد رجل، فادّعاه رجل أنّه ثوبه نسجه، وأقام على ذلك بيّنة، وأقام الذي هو في يده البيّنة، على مثل ذلك، فإنّه ينظر في مثل ذلك. فإن كان من ما ينسج مرّتين، فإنّه يقضي أخرى في يديه، وأنّه خرج منها ذلك، فإنّه يقضي بها للمدّعى؛ لأنّها تزرع غير مرّة. والحنطة والشعير والحبوب، وكلّ ما يزرع من ما يكال أو يوزن، فهو على مثل ذلك، ويقضي بها للمدّعى؛ لأنّه كلّ ما زرع أو قد يزرع الرجل في أرضه. وهو لا يشبه الصوف والمرعز؛ لأنّ هذا ما يخرج، كان لصاحب الغنم. (3/50)
صفحة 600
قال غيره: إذا كانت الخصومة على شيء في يد أحدهما، واستترت البيّنات فيه، على معنى واحد، أعجبني أن يكون للذي هي في يديه لليد، واستواء البيّنات. ولو كان لهذا القطن شجر نابت في أرض، في يدي رجل، وأقام رجل البيّنة أنّها أرضه، وأنّه زرع فيها هذا القطن، فأقام الذي هي في يديه البيّنة أنّها أرضه، وأنّه زرع فيها القطن. فإنّه يقضي بالأرض والقطن للمدّعى، على هذا الذي في يديه؛ لأنّه أقام البيّنة على الأرض، وما كان فيها من زرع، فهو تبع لها. وكذلك دار في يد رجل، ادّعاها رجل آخر، وأقام البيّنة أنّها داره، بناها هذا البناء، فإنّه يقضي بالدار والبناء، للمدّعى على هذا، الذي في يديه؛ لأنّ الدار والبناء مخالفة للولادة والنسخ.
قال غيره: للذي في يديه. ولو أنّ أمة في يد رجل، ادّعاها رجل آخر، أنّها أمته ولدت عنده من أمة في يديه، وأقام الذي هي في يديه البيّنة، أنّها أمته، ولدت في ملكه من أمته هذه، التي هي في يديه. فإنّه يقضي بها للذي في يديه، ولو كان المدّعى أقام البيّنة على أمّها، التي هي عند المدّعى عليه، بأنّها أمته، وأنّها ولدت في ملكه، وأقام الذي هي في يديه البيّنة على أمّها، ولم يذكر واحد منهما في الأم ولادة. وكذلك الحيوان كلّه. (3/51)
صفحة 601
وكذلك الصوف في يدي رجل، أقام رجل البيّنة، أنّه صوفه جزه من شاته هذه، هي في ملكه من شاة له أخرى، فإنّه يقضي به للذي هي في يديه. ولو أقام المدّعى البيّنة على الشاة، التي هي عند المدّعى عليه، أنّها شاته، وأنّه جز هذا الصوف منها يملكه، وأقام الذي في يديه البيّنة على مثل ذلك، فإنّه يقضي بها للمدّعى؛ لأنّه أقام البيّنة على الأصل، ولم ينسب واحد منهما الأصل إلا ولادة عنده.
قال غيره: واليد أولى. وإذا كان عبد في يدي رجل، ادّعى آخر أنّه عبده، ولده في ملكه من أمته هذه، ومن عبده هذا، وأقام على ذلك البيّنة، وادّعى الذي في يديه أنّه عبده، وأقام البيّنة أنّه عبده، ولد في ملكه من أمته هذه، ومن عبده هذا، فإنّه يقضي به للذي هو في يديه، ويكون عبده وابن أمته، ولا يكون ابن عبد الآخر، ولا ابن أمته، ولا يقضي به له. وإذا كان العبد في يدي رجل، فأقام رجل آخر البيّنة، أنّه عبده اشتراه من فلان، وأنّه ولد في ملك فلان، الذي باعه إيّاه، وأقام الذي هو في يديه البيّنة، أنّه عبده اشتراه من رجل آخر، وأنّه ولد في ملكه. فإنّه يقضي به للذي هو في يديه. ولو لم تقم بيّنة على ذلك، وأقام البيّنة أنّه عبده ولده في ملكه، قضى به له أيضا. (3/52)
صفحة 602
ولو لم تقم بيّنة على ذلك، وأقام بيّنة أنّ أباه مات، وتركه ميراثا لا ميراث له غيره، وأنّه ولد في ملك أبيه، قضى له به أيضا. ولو لم تقم بيّنة على ذلك، وأقام بيّنة على وصية أو هبة مقبوضة، أو صدقة مقبوضة، وأنّه ولد في ملك الذي وصل إليه من قبله، فإنّه يقضي به له أيضا. ولو لم تقم بيّنة على الولادة، في شيء من ذلك، قضى به للمدّعى، والنتاج والنسخ في ذلك مثله سواء.
وقال غيره: إذا استوت البيّنات، فذو اليد أولى. وإذا كان عبد في يدي رجل، فأقام رجل البيّنة، أنّه عبده ولد في ملكه، ولم يسم أمّه، وأقام رجل البيّنة، أنّه عبده، ولد عنده في ملكه، من أمته هذه، فإنّه يقضي به للذي الأمة في يده. وإن شهدت شهود الذي العبد في يده، أنّه ابن هذه الأمة الأخرى، وأنّها له، وأنّها ولدته في ملكه، فإنّه يقضي بالعبد للذي هو في يده. ويقضي بالأم للذي العبد في يديه، الذي أقام البيّنة عليها. ولو كان عبد في يد رجل، فأقام رجل البيّنة، أنّه عبده ولد من ملكه من أمته، ومن عبده هذا، فإنّه يقضي بينهما نصفين، ويكون ابن الأمتين جميعا، وابن العبدين جميعا. (3/53)
صفحة 603
وقال بعضهم: لا يثبت نسبه من الأمتين؛ لأنّ علمي يحيط، بأنّه لا تلد اثنتان ولدا واحدا، فقد تشترك الألوان في الولد.
قال غيره: يعجبني أن يكون للذي هو في يده من أمته. ويعجبني أن يثبت نسبه من الأبوين، فإنّه يصح أنّ لأحدهما زوج ولد على فراشه، فإن كان كذلك، فالولد للفراش. وإذا كان قباء محشو في يد رجل، فأقام رجل البيّنة، أنّه قباؤه خاطه وحشاه وقطعه في ملكه، وأقام الذي هو في يديه البيّنة، على مثل ذلك، فإنّه يقضي به للمدّعى، لا هذا يحشى غير مرّة. وكذلك الجبة المحشوة والجبة الخز والبرد والقز. وكذلك ما يقطع من الثياب والأيماط والوسائد. وكذلك الثوب المصبوغ بالورس والعصفر وبالزعفران. يكون الثوب في يد رجل، أو يقيم رجل البيّنة، أنّه ثوبه صبغه بهذا العصفر، وهذا الزعفران وهذا الورس في ملكه، ويقيم الذي هو في يديه البيّنة على مثل ذلك. فإنّه يقضي به للمدّعى؛ لأنّ هذا يعاد غير مرّة. وكذلك جميع الآنية من الحديد والصفر والنحاس والشبه. وكذلك النسج والخشب. (3/54)
صفحة 604
قال غيره: يعجبني أن يكون للذي هو في يديه في هذا كلّه. وآنية الخشب والأقداح، تكون في يدي رجل، ويقيم رجل البيّنة أنّه عمله، ويقيم الذي في يديه البيّنة على مثل ذلك. فإن كان يكون غير مرّة، فهو للمدّعى. وكذلك الخفاف والنعال والقلانس والتابوت والسرير والقبة. وإذا كانت دابة في يد رجل، فأقام رجل آخر البيّنة، أنّها نتجت عنده، ولم يشهدوا أنّها له، فإنّه لا يقضي بها له. وكذلك لو شهدوا على ثوب، أنّه غزل من قطنه ونسج، فإنّه لا يقضي به له؛ لأنّه قد يغزل من قطنه ما لا يملك. وكذلك لو شهدوا أنّ هذه الحنطة من زرع حصد من أرض، فإنّ صاحب الأرض، أخذ الحنطة، لم يكن له؛ لأنّه لم ينسبه إلى ملكه. وإن شهدوا أنّ هذا التمر أخذ من نخلة فلان، قضي به له. ألا ترى أنّهم نسبوه إلى نخله. ولو شهدوا أنّ هذا التمر، أخرج من نخلة فلان، وهو يملكه، قضي له به.
قال غيره: إذا شهدوا أنّ هذا التمر من نخل فلان هذا، فيعجبني أن يكون له حتّى يصح له، إذا شهدوا أنّه حصد منها، وهي في ملكه، وهي له، (3/55)
صفحة 605
أم خرج منها، وهي في ملكه، وهي له. وكذلك لو شهدوا أنّ هذا العبد ولدته أمته فلانة هذه، وهو يملكها قضى له بالعبد. وكذلك النتاج هو مثل الولادة في هذا. ولو شهدوا أنّ فلانا غزل هذا الثوب، من قطن فلان، وهو يملك القطن، أو نسخ الثوب، فإنّه يقضي على الذي غزل بمثل ذلك القطن. فإن قال صاحب الثوب: أنا أمرته أخذ الثوب، ولا يشبه هذا الولادة والنتاج؛ لأنّ هذا حيث غزل القطن، صار غاصبا فهو ضامن. وكذلك الدقيق تشهد عليه الشهود، أنّ فلانا طحن هذا الدقيق، من حنطة فلان، وفلان يملك تلك الحنطة، فإنّه لا يقضي عليه بالدقيق، ولكن يقضي عليه بحنطة مثلها؛ لأنّه غاصب فهو ضامن حتّى يطحنها. فإن قال صاحب الحنطة: أنا أمرته أخذ الدقيق. وهذا مثل القطن، ولا يشبه الولادة والنتاج. وإذا كان الدجاج في يد رجل، أو الحمام، أو شيء من الطير، ممّا يفرخ، فأقام رجل البيّنة، أنّه فرخ في ملكه وهو له، وأقام الذي في يديه البيّنة، على مثل ذلك، فإنّه يقضى به للذي هو في يديه. (3/56)
صفحة 606
وهذا مثل الولادة والنتاج. ولو كانت دجاجة في يدي رجل، فأقام رجل البيّنة، أنّ البيضة التي خرجت هذه الدجاجة منها، كانت له، لم يقض له بالدجاجة. ولكن يقضي بها على صاحب الدجاجة بيضة مثلها لصاحبها، إذا أقرّ أنّه فرخها، ولا يشبه هذا في المنزلة الولادة والنتاج. ألا ترى أنّه لو أنّ رجلا غصب رجلا أمة، فولدت عنده، أو شاة فنتجت عنده الأمة ولدها والشاة، فإنّهما وأولادهما للمغصوب منه. ولو غصب بيضة فحضنها تحت دجاجة، فخرجت منها دجاجة، كانت عليه بيضة مثلها. قال قوم: إذا غصب دجاجة، فحضن عليها بيضة له، فجاء فرخ، فإنّه لصاحب الدجاجة، والله أعلم. وإن شهد الشهود، أنّ هذه الحنطة من أرض زرع هذا، وأنّ هذا الزبيب من كرم هذا، وأنّ هذا التمر من نخل هذا، فإنّه يقضي به للمدّعى، ولو لم تقم بيّنة بذلك، وأقرّ هو الذي في يده، بأنّ هذا التمر والزرع والزبيب، من زرع كان في أرض هذا، أو من كرم هذا، أو من نخل هذا، وادّعى الآخر. فإنّه يقضي له به بإقراره هذا، أنّه كان في أرضه، ولا يشبه هذا البيّنة. (3/57)
صفحة 607
ألا ترى لو أنّ رجلا أقام البيّنة على ثوب، أنّه كان في يده، لم يقض له به. ولو أقرّ أنّه كان في يد هذا، فلا يدفع إليه. وإذا كان ثوب في يد رجل، وهو مصبوغ بعصفر، وشهد شاهدان، أنّ هذا العصفر الذي في هذا الثوب لفلان، صبغ به هذا، ولا يدري من صبغ به، وجحد صاحب الثوب، وادّعى صاحب العصفر، أنّ هذا الثوب هو الذي على صاحب العصفر فيه، ما زاد العصفر في ثوبه. وإن أبى صاحب الثوب، أن يضمن ذلك مع الثوب، فيقسم بينهما: يضرب فيه صاحب الثوب بقيمة العصفر، ما زاد العصفر في قيمة الثوب. ولو أنّ أمة في يد رجل، ادّعاها رجل آخر، أقام البيّنة، أنّ قاضي كذا وكذا، قضي بها، على هذا الرجل، بشهادة شهود شهدوا أنّها له، وأقام الذي في يده البيّنة، أنّها أمته ولدت في ملكه، فإنّه يقضي بها للذي قضي له القاضي، وأنفذ القضاء. وقال بعضهم: يقضي بها لصاحب الولادة. ولو كان عبد في يدي رجل، فأقام آخر البيّنة، أنّه له قضى له القاضي به، وأقام الذي في يده البيّنة، أنّه عبده ولده في ملكه، وأقام آخر البيّنة، أنّ قاضي كذا وكذا، قضي له به علي. فإن لم يفسّر الشهود، ولم يزيدوا على هذا، فإنّه ينفذ، يقضي القاضي على صاحب الولادة؛ لأنّي لا أدري لعلّه اشتراه منه، أو وهبه له، أو تصدّق به عليه. (3/58)
صفحة 608
أرأيت لو قال: اشتريته بمائة درهم، ونقدته الثمن، لم أنفذ ذلك على صاحب الولادة. وقال بعضهم: إذا اتهم الشهور ولم يفسّروا، وكان القاضي الثاني لا يدري لعلّ القاضي الأوّل، قضى له به على بيّنته. وإن فسّروا أنّه قضى له بشهادة، شهود شهدوا، أنّها له، فإنّه يبطل هذا القضاء، ويقضي به الأوّل لصاحب الولادة. وإذا كان عبد في يد رجل، فأقام رجل آخر البيّنة، أنّه عبده، وولد في ملكه، ووقتوا وقتا، وكان العبد أصغر من ذلك الوقت، فإنّه لا يقضى بشهادتهم. كذلك الولادة والنتاج. (3/59)
صفحة 609
باب في الولادة والنسب
وإذا كان عبد صغير، في يد رجل يدّعى أنّه عبده، فالقول قوله، إذا كان العبد صغيرا لا يتكلّم، فهو بمنزلة الثوب. فإن ادّعى آخر، أنّه ابنه فهو مدّع، وعليه البيّنة. فإن أقام البيّنة، أنّه ابنه، ولم يزيدوا على هذا، فإنّه يقضي به له، ويلحق نسبه، ويجعل حرا من قبل النسب، الذي شهدوا به. وكذلك لو كان المدّعى أبا من أهل الذمّة، إلا أن يقيم الذي في يده البيّنة، أنّه ابنه، فإنّه يقضي ببيّنة الذي هو في يده. وإذا كان الصبي في يد رجل، فادّعاه رجل أنّه ابنه، وأقام على ذلك البيّنة، أنّه ابنه من امرأته هذه، فإنّه يقضي به له، ويكون ولد المرأة أيضا، وإن جحدت الأم. وكذلك إن جحد الأب وادّعته الأمّ. وإذا كان الصبي في يد رجل، وأقام البيّنة أنّه ابنه من امرأته، وهما حرّان، وأقام الذي في يده البيّنة، أنّه ابنه وهو حر، ولم تنسبه البيّنة إلى أمّه، فإنّه يقضي به للمدّعى؛ لأنّ نسبه هذا قد ثبت من أمّه. (3/60)
صفحة 610
وإذا كان الصبي لقيطا في يدي رجل، فادّعاه رجلان، وأقام كلّ واحد منهما البيّنة، أنّه ابنه، ولد على فراشه من امرأته هذه، فإنّه يقضي به لهما جميعا، ويجعل ابن الرجلين. ولو وقتت كلّ واحدة منهما وقتا، وكان أحد الوقتين قبل صاحبه، فإنّه ينظر إلى الصبي وإلى الوقتين. وإن كان مشكلا في أحد الوقتين، وهو الأكبر من الآخر وأصغر، وذلك بيّن واضح، فإنّه يقضي به للمشكل، وتبطل بيّنة الآخر. ولو أنّ رجلا وامرأته في أيديهما صبي. فقال الرجل: ابني من فلانة لغير امرأته، وقالت المرأة هو ابني من زوجي فلان، لرجل آخر، وهو غائب، وأقام كلّ واحد منهما البيّنة على ذلك. فإنّه يجعل ابن الرجل من المرأة، وابن المرأة من الرجل. وإذا كان الصبي في يد رجل لا يدّعيه، وأقامت امرأته البيّنة أنّه ابنها ولدته، وأقام رجل البيّنة أنّه ابنه ولد على فراشه، ولم يسمّوا أمّه، فإنّه يجعل ابن الرجل وابن المرأة. وكذلك لو كان في يد المرأة، أو كان في يد الرجل، فإنّه يجعل بينهما جميعا. ولو أنّ رجلا ذميا في يده عبد، فادّعاه مسلم، أنّه عبده ولد في ملكه، (3/61)
صفحة 611
وأقام على ذلك بيّنة من أهل الذمّة، وأقام الذمي الذي العبد في يده بيّنة من أهل الإسلام، أنّه عبده ولد في ملكه، فإنّه يقضي به لذمي. وإن كانت بيّنة الذمي من أهل الذمّة، فإنّه يقضي به للمسلم. ولو كان في يد رجل، وأقام المسلم بيّنة من المسلمين، أنّه عبده، ولد في ملكه، وأقام الذمي بيّنة من المسلمين، أنّه عبده ولد في ملكه، فإنّه يقضي به بينهما نصفين.
ومن جواب أبي الحواري: سألت عن رجل كان متزوّجا بامرأة، وعليه لها صداق، وماتت المرأة وخلفت معه جارية ابنة له، ومات أيضا الرجل من بعد المرأة وخلفت يتيمتين: بنت المرأة وولدا له، وآخر من امرأة أخرى، وكان للرجل وصي، ولم يوص لورثة امرأته الهالكة قبله بشيء، فخلا لذلك ما شاء الله، إلى أن وجاء ورثة المرأة بشهود المرأة، في صداق صاحبتهم، في مال هذا اليتيم، وصاحبتهم قد ماتت، ومات الذي ألحق عليه، وشهدت البيّنة على فلان بن فلان، لفلانة بنت فلان، بكذا وكذا نخلة، تزوّجها عليها، والبيّنة إنّما تشهد على صك التزويج. فعلى ما وصفت، فإذا شهدت البيّنة العادلة، أنّ فلان بن فلان، تزوّج فلانة بنت فلان، على صداق كذا وكذا، وأنّ فلان بن فلان، قبل هذا الصداق، لفلانة بنت فلان، ولا نعلم أنّه زال عنه، إلى أن ماتت المرأة ومات الرجل. (3/62)
صفحة 612
فقد تثبت هذه الشهادة بهذا الحق، على هذا الرجل، لورثة المرأة؛ لأنّ الحق إنّما وجب للرجل بعد موت المرأة، وهو لهم على هذا الرجل، في ماله، ولا تبطل هذا الحق بموت الرجل، حتّى تموت هذه الورثة. فإذا مات الورثة، ولم يطلبوا شيئا، لم يكن للورثة من بعدهم مطلب في هذ الصداق، الذي على الزوج، ولا تكلّف البيّنة شهادة القطع، وإنّما عليهم أن يشهدوا أنّ فلان بن فلان، تزوّج فلانة بنت فلان، على كذا وكذا. (3/63)
صفحة 613
باب في الدعوى في الدار يدّعيها الثلاثة والاثنان وهي في أيديهما أو في يد غيرهما ودعواهم مختلفة
وإذا كانت الدار في أيدي ثلاثة رهط، فادّعاها واحد منهم جميعا، وادّعى الآخر نصفها، وادّعى الآخر ثلثها، فإنّ كلّ واحد منهم مدع، وعلى كلّ واحد منهم البيّنة. فإن لم تكن بيّنة، فعلى كلّ واحد منهم اليمين، على دعوى صاحبه. وإن اختلفوا جميعا، فالدار بينهم أثلاثا، لكلّ واحد ما في يده. فإن قامت لهم بيّنة جميعا، على ما ادّعوا، كان لصاحب النصف الثمن، ولصاحب الثلثين الربع، وكان لصاحب الجميع ما بقي، وهو خمسة عشر من أربعة وعشرين سهما؛ لأنّ صاحب النصف يدّعى فصل سدس على ما بقي في يديه، نصف ذلك السدس في يدي صاحب الجميع، على أحد ذلك، نصف ذلك السدس صاحب الثلثين، وقد أقام عليه صاحب الجميع البيّنة على كلّه، فلصاحب النصف من ذلك السدس نصفه، وذلك سدس ربع السدس، وصاحب الثلثين قد ادّعى فصل ثلث ما في يدي صاحب الجميع، من ذلك سدس تام، فيأخذ كلّه، وفي يدي الذي ادّعى النصف سدس، فأخذ نصفه، وما بقي فهو لصاحب الجميع (3/64)
صفحة 614
ولو لم تقم لهم بيّنة، فعليهم اليمين جميعا مع بعضهم لبعض، وكان القضاء فيه على ما وصفت لك. ولو كانت الدار في يدي رجل غيرهم، والدعوى على ما سمّيت لك، والبيّنة على ما سمّيت لك، فإنّ ذلك في قول بعضهم: لصاحب الجميع الثلث، والسدس بين صاحب الجميع، وصاحب الثلثين، والنصف الباقي بينهم أثلاثا. وفي قول بعضهم: الدار بينهم على ثلاثة عشر: لصاحب الجميع ستّة، ولصاحب الثلثين أربعة، ولصاحب النصف ثلاثة. وقال بعضهم: إذا كانت الدار في يدي رجلين، فادّعى أحدهما بعضها، والآخر جميعها، فإنّ الذي ادّعى النصف مصدّق؛ لأنّ النصف في يديه، ولم يدع فضلا، والذي ادّعى الجميع مدّع، وعليه البيّنة. فإن قامت لهما جميعا البيّنة، فإنّه يقضي بالدار لصاحب الجميع. وكذلك قال بعضهم: ولو كانت هذه الدار في يد غيرهما، والدعوى على ما ذكرت لك، وقد قامت لهم جميعا البيّنة، فإنّ بعضهم قال في ذلك: لصاحب الجميع ثلاثة أرباعها، ولصاحب النصف ربعها، من قبل أنّ النصف لصاحب الجميع، ولا حق للآخر فيه، والنصف الباقي، كلّ واحد منهما قد أقام البيّنة عليه، فهو بينهما نصفان. وقال بعضهم: الدار بينهم على ثلاثة أسهم: لصاحب الجميع (3/65)
صفحة 615
الثلثان، ولصاحب النصف الثلث، يضرب كلّ واحد منهما بما شهدت به الشهود. وإذا كانت الدار في يدي رجل منها منزل، وفي يد آخر منها منزل، فادّعى أحدهما أنّ الدار بينهما نصفان. وقال الآخر: كلّها. فإنّ الذي في يديه له، وما في يد الآخر له نصفه. وإذا لم يكن في أيديهما على ما وصفت لك، ولكن كانت الدار في أيديهما، لا يعرف شيء منها في أيديهما، دون صاحبه، فإنّ بعضهم قال في ذلك: هي بينهما نصفان. وكذلك المنزل والأرض والقرية والعبد والآنية والحيوان كلّه، والثياب والعروض. إذا كانت الدار أسفلها في يدي رجل، وعلوّها في يدي رجل آخر، وطريق العلو في الساحة، فادّعى كلّ واحد منهما، أنّ الدار له، فإنّ بعضهم قال في ذلك: الدار لصاحب السفل، إلا العلو وطريقه، فإنّه لصاحب العلو. فإن أقاما جميعا البيّنة، على ما ادّعيا، فلكلّ واحد منهما ما في يدي صاحبه. وإذا كانت الدار في يدي ثلاثة رهط، فادّعى واحد منهم النصف، وادّعى واحد منهم السدس، وادّعى واحد منهم الثلث، وجحد بعضهم بعضا. فإن كان في يد كلّ واحد منهم الثلث، فالثلث الذي يقع في يد صاحب السدس، نصفه له، ونصفه موقوف في يديه. (3/66)
صفحة 616
فإن قامت البيّنة لصاحب النصف على دعواه، أخذ من كلّ واحد من صاحبه نصف السدس. وإذا كانت الدار في يد ورثة، فأقرّ بعضهم، أنّها لأبيهم، مات وتركها ميراثا، وأقرّ بعضهم أنّها لجدّه، مات وتركها ميراثا، فإنّ كلّ واحد منهما مدّع، وعلى كلّ واحد منهما بيّنة على دعواه. وإذا كان المنزل في يدي رجل، وبقية الدار في يدي آخر، فادّعى الذي في يديه بقية المنزل، وجحد ذلك صاحب المنزل، فإنّ على المدّعى للدار البيّنة. فإن أقام البيّنة، أخذ بذلك. وإن أقام صاحب المنزل البيّنة، لم تقبل بيّنته، إلا على ما في يديه. (3/67)
صفحة 617
باب في الدعوى في الحائط
وإذا كان بين دارين، فادّعى الدار صاحب الحائط، فإنّ بعضهم قال: إن كان لأحدهما عليه جذوع، وليس للآخر عليه جذوع، فليس لصاحب الجرادى فيه حق؛ لأنّ الجرادى ليس بحمل. وكذلك البراري على الحائط؛ لأنّ البراري لا تستحق بذلك من الحائط شيئا. وقال بعضهم: إذا كان الحائط متّصلا ببناء أحدهما، وللآخر عليه جذوع، فإنّ الحائط لصاحب الجذوع، إلا أن يكون اتصالا يترفّع، فإذا ترفّع ثبت، فيكون الحائط لصاحب الاتصال، ولصاحب الجذوع موضع جذوعه. وقال بعضهم: إذا لم يكن متّصلا ببناء واحد منهم، ولم يكن لواحد عليه جذوع، فهو بينهما نصفان. وقال بعضهم: لو كان لواحد عليه عشر خشبات، وللآخر عليه سبع خشبات، فهو بينهما نصفان. وقال بعضهم: لو كان لواحد عليه عشر خشبات، وللآخر عليه سبع خشبات، فهو بينهما نصفان. وقال بعضهم: لو كان لواحد عليه عشر خشبات، وكان للآخر عليه خشبة واحدة، فلكلّ واحد منهما ما تحت خشبه، ولا يكون بينهما نصفان. (3/68)
صفحة 618
وقال بعضهم: إذا كان لأحدهما عليه خشب، للآخر عليه حائط سترة، فإنّ الحائط الأسفل لصاحب الخشب منهما، ولصاحب السترة سترته على حالها. وإن لم يكن لواحد منهما عليه خشب ولا سترة، فإن لم يكن متّصلا ببنائهما، ولأحدهما عليه جرادى وبواري، فإنّ الحائط بينهما نصفان، ولا يستحق الجرادى والبواري شيئا؛ لأنّها ليست تحمل. وقال بعضهم: إذا كان حصنا بين رجلين، وكان كلّ واحد منهما يدّعيه، والقمط إلى أحدهما. قال: الحصن بينهما نصفان، ولا أعمل بالقمط. وكذلك البناء لو كان إلى أحدهما، وظهره إلى الآخر، كان بينهما نصفين. وقال بعضهم: لا أعمل بوجه البناء ولا بظهره، ولا ألتفت بشيء من ذلك. وقال بعضهم: يقضى بالحصن، لمن كان إليه القمط، فقضى بالبناء لمن كان إليه ظهر البناء، وأنصاب اللبن إليه. وقال بعضهم: إذا كان أسفل الحائط لرجل، وعلوّه لرجل، فأراد صاحب السفل أن يهدم السفل، فليس له ذلك. (3/69)
صفحة 619
وقال بعضهم: ليس له أن يفتح كوة أو بابا، وله أن يدخل جذعا إذا لم يضرّ ذلك بالعلو. وإذا كان شيء يحدثه، يضرّ ذلك بالعلو، لم يكن له أن يفعل ذلك. وقال بعضهم: ليس لصاحب العلو، أن يحدث على علوّه بناء حدثا، ولا يضع عليه جذوعا، ما لم تكن، ولا يشرع فيه كنيفا لم يكن. وإذا كان الحائط بين دارين، فأقام كلّ واحد منهما البيّنة، أنّ الحائط له، فإنّه يقضي بالحائط بينهما نصفين. وإن أقام أحدهما البيّنة، أنّ الحائط له، ولم يقم الآخر البيّنة، فيقضي به لصاحب البيّنة. فإن كان لآخر عليه جذوع نزعت. وإذا كان الحائط بين رجلين، فادّعى رجل آخر، أنّ أحد الرجلين، قد أقرّ أنّ الحائط له، فأقام على ذلك بيّنة، فإنّه يقضي له بحصّته منه، فيكون بينه وبين الآخر. وإذا كان الحائط في يدي رجل، وله جذوع شاخصة فيه، على دار رجل، فأراد رجل أن يجعل عليه كنيفا، فلصاحب الدار أن يمنعه من ذلك. وليس لصاحب الدار أن يزيل الجذوع، ولكن تترك على حالها، إلا أن يكون شيء لا يحمل مثله شيء، إنّما هو أطراف جذوع خارجة من داره، فتقطع في قول بعضهم. (3/70)
صفحة 620
وإذا كان بيت سفله لواحد، وعلوّه لواحد، فليس لصاحب السفل أن يهدّم سفله، وليس لصاحب العلوّ أن يبنى على العلوّ شيئا، لم يكن قبل ذلك في قول بعضهم. وقال بعضهم: له أن يبني ما لم يضر بالسفل، فليس له ذلك. وقال بعضهم: إذا انهدم العلو والسفل جميعا، لم يحل لصاحب السفل على بنائه، ولصاحب العلو أن يبني السفل، ثمّ يبني العلو فوقه، ولا يسكن صاحب السفل منزله، حتّى يؤدّي قيمة البناء إلى صاحب العلو. وقال بعضهم: لو هدم صاحب العلو علوّه، وهدم صاحب السفل سفله، أخذت صاحب السفل بالبناء، حتّى يعيده على حاله. ولو كان ما بناه بين رجلين، أو دارا، فانهدمت فبناها أحدهما، لم يرجع على شريكه بشيء، وعليه أن يعطيه حقّه. وكذلك الحائط إذا لم يكن عليه جذوع والحمام. وكذلك المساكن بين الرجلين، ولا يشبه هذا العلو والسفل؛ لأنّ هذا قد بنى على ملكه، وملك صاحبه بغير إذنه، وصاحب العلو، إنّما بنى في ملك صاحب السفل، ولا يكون عليه بناء السفل، وصاحب الدار والبيت والشريك في البيت، فقدر على القسمة في حقّه.
رجع إلى كتاب أبي قحطان خالد –رحمه الله-: وإذا ارتفع إلى الحاكم رجلان، فادّعى كلّ واحد منهما إلى الآخر، أنّه باع له أرضا، وهي في يد أحدهما، فإنّه يحكم بها للذي ليس هي في يده؛ لأنّه هو المدّعى، فبيّنته مقبولة، والقضاء له واجب. (3/71)
صفحة 621
وقال بعضهم: إنّه يقضي بها للذي هي في يده. والرأي الأوّل أحبّ إليّ. وإن لم توقت البيّنة، وشهدت بيّنة كلّ واحد منهما، أنّها له، وفي يده باعها له الآخر. فقال من قال: إنّها بينهما نصفان. وكذلك رأيناه. وإذا ارتفع إلى الحاكم رجل يدّعي دارا، في يد رجلين: أحدهما باعها له، والآخر سلّمها إليه، وأقام البيّنة على ذلك، ولا يعرف الشهود الذي باع، ولا الذي سلّم، فإنّ شهادتهما ليست بشيء، وليس للمدّعى شيء. وإذا أحضر رجل شاهدين، فشهدا على رجلين، أنّ كلّ واحد منهما أشهدهما، أنّ عليه لهذا الرجل ألف درهم، ثمّ أنّ أحدهما قضى هذا الرجل الألف، التي هي له عليه، وبرئ منها، ولا يعلمان أيّهما البريء، ولا أيّهما الذي عليه الألف الباقي. قال من قال: إنّه لا تجوز شهادتهما، حتّى يشهدا على الذي بقي عليه الألف، ويؤخذ منه، وبذلك نأخذ. وإذا ارتفع إلى الحاكم رجلان، يدّعيان أرضا في يد رجل، فأقام أحدهما البيّنة، أنّه اشتراها بألف درهم، وقبضها منه، وأقام أحدهما البيّنة، أنّه إرتهنها بألف درهم وقبضها منه. (3/72)
صفحة 622
فإنّه ينبغي أن يقضي بها للأوّل منهما. فإن لم يعلم أيّهما الأوّل، فإنّه ينبغي أن يقضي بها للمشتري، ويبطل الرهن، وهو أحبّ إلينا. وإن أقام كلّ واحد منهما البيّنة، أنّه ارتهنها بألف درهم، ولم توقت البيّنة، فإنّه يكون لكلّ واحد منهما نصفها رهنا بحقه. وإذا ارتفع إلى الحاكم رجلان، فادّعى أحدهما دارا أو أرضا، في يد الآخر، أنّها لفلان، وأنّه اشتراها منه. فإن أقام البيّنة الذي في يده الدار، بأنّ فلانا الرجل أو غيره، أسكنه هذه الدار، أو وكّله في حفظها، أو أرهنها في يده، أو أجره إيّاها، فلا خصومة بينه وبين المدّعى فيها. وإن لم يقم بيّنة على ذلك وقال: إنّ هذه الدار، ليست لي، والدار في يده، فهو خصم في جميع ذلك. وإن أقام المدّعى عليه البيّنة، أنّ صاحب هذه الدار، وكلّه في حفظها، أو باعها له، فإنّ الحاكم يدفعها إليه بالوكالة، ولا يحكم له بالشراء، حتّى يحضر الخصم. وإذا ارتفع إلى الحاكم في الإمام رجلان حرّان، وعبد تاجر لأحدهما وعليه دين، وفي أيديهما جميعا أرض أو دار يدّعيها كلّ واحد منهم، فإنّه ينبغي للحاكم أن يجعلها بينهما أثلاثا. (3/73)
صفحة 623
وإن لم يكن على العبد دين، جعلها بين الحرّين نصفين. وقوم بينهم مال، لكلّ واحد منهم فيه سهم، وأنّ رجلا منهم أو من غيرهم، نازع رجلا، من من يدّعى سهما في ذلك المال، وأقام شاهدين من الشركاء في المال، فشهدوا أنّ السهم الذي يدّعى المدّعى، هو له، وفي يده، والمال مشاع. قال من قال: تجوز شهادة هذين الشاهدين؛ لأنّهما لا يجرّان إلى أنفسهما شيئا، ولا يدفعان عنهما مغرما. وقال من قال: لا تجوز شهادتهما، وذلك أنّهما لا تجوز لهما قسمة ثمرة هذا المال، ولا أصله إلا بحضرة صاحب هذا السهم المشاع فيه. فإنّ هذا السهم الذي أخذه، هذا الذي شهدا له به، ثمّ تلف ثمّ استحقّه الطالب، فإنّهما يدفعانه أن يرجع يحاصصهما بسهمه، في ما في أيديهما بشهادتهما، أنّ السهم الذي قد تلف في يده، فلا نرى شهادتهما تجوز على هذه الصفة، وهما يدفعان بشهادتهما عن الذي لهما. وإذا ارتفع إلى الحاكم رجل، فأقام البيّنة على دار أو أرض، أنّها كانت لجدّه، وأنّه مات وتركها ميراثا لأبيه وعمّه، ثمّ مات أبوه وترك حصّته من هذه الدار ميراثا له، ولا يعلمون له وراثا غيره، وأقام عمّه البيّنة، أنّ أخاه والد هذا مات قبل أبيه، وورث أبوه منه السدس، ثمّ مات أبوه وورثه هو. فقال من قال: ينبغي للحاكم أن يستمع شهادة المدّعى الأوّل، ويمضي على شهوده، ويبطل شهادة شهود المؤخّر. (3/74)
صفحة 624
وقال من قال: يبطل كلّه، ولا تقبل شهادة هؤلاء الشهود؛ لأنّ إحدى البيّنتين كاذبة. وقال من قال: إذا استوت البيّنة مع الحاكم، من قبل أن يحكم، فإنّما يشهدون على مال، فيعطى ابن الأخ، الذي قامت له البيّنة، على نصف المال ربع المال، ويعطى العم الذي قامت له البيّنة على المال كلّه ثلاثة أرباع المال، ويعطى العم سدس مال أخيه، الذي أنكره ابن أخيه، وقامت به بيّنته من صلب مال أخيه، ولا يورث من ما ورث أخوه من أبيه. وكان هذا الرأي جليا في نفسي وسل عن ذلك. قال أبو المؤثر: للعم سدس مال أخيه؛ لأنّه صحت له به البيّنة، ولابن الأخ ثلث الدار؛ لأنّ البيّنة شهدت للعم، أنّ الدار كلّها له، وشهدت البيّنة الأخرى، أنّ نصف الدار لابن الأخ، فقسمها بينهم من ثلاثة، للكلّ سهمان ونصف سهم. قال أبو الحواري: هذان يورثان من بعضهما بعض، مثل الفرقى، مات الجد وقسم ماله من ابنه، ومات الابن فأعطيت إيّاه السدس من ماله، فيكون لابن الابن نصف مال جدّه، ويكون للعم نصف مال أبيه، وسدس ابنه من مال ولده، من صلب مال ولده، إن كان له مال من غير ما ورث منه. انقضى. وإذا ارتفع رجلان يدّعى كلّ واحد أرضا في يد الآخر، وأقام البيّنة أنّ أباه اشتراها منه بمائة درهم، ونقده الثمن، وقد مات أبوه، فجحده المدّعى عليه. (3/75)
صفحة 625
فإنّه ينبغي للإمام أن يكلّفه البيّنة، على أنّه لا يعلم لأبيه وارثا غيره. فإذا أقام البيّنة على ذلك، قضى له الإمام بالدار، ودفعها إليه. ولا ينبغي للإمام أن يكلّفه البيّنة، أنّ أباه مات وتركها ميراثا؛ لأنّ رجلا لو أقام البيّنة، أنّ أباه رهن دارا عند رجل، بمائة درهم، وقد مات الأب، ولا وارث له غيره، فإنّه ينبغي للإمام أن يأمره أن يوفّيه المائة، ويقضي له بالدار. فإن كانت الدار في يد رجل رهنا، والراهن غائب، فجاء رجل يدّعيها، وأقام على ذلك بيّنة، فإنّه ينبغي للإمام أن يسأل المرتهن البيّنة، أنّها رهن في يده. فإن أقام ذلك البيّنة على ذلك، فلا خصومة بينهما. وكذلك إن كان المرتهن غائبا، والراهن حاضرا. وكذلك لو لم تكن رهنا، وكانت في يدي رجل إجارة، أو وكالة، أو سكنا، أو عارية، فلا خصومة بينه وبين المدّعى، إذا أقام البيّنة على ما ذكرنا. فإن لم يقم البيّنة على ما ذكرنا، فهو خصم. وكذلك إذا قال الذي في يديه الدار والأرض: أنا في دار ليست لي، أو لم ينسبها إلى أحد، وفي يدي تلك الأرض، ليست لي، ولم ينسبها إلى أحد، فإنّه خصم؛ لأنّه لم يخرجها من ملكه بشهود فغير مصدّق. (3/76)
صفحة 626
ومن ما يوجد أنّه جواب لأبي عبدة: وحاجب إلى الإمام الجلند بن مسعود: وقد ذكر لنا، أنّ ناسا من قضائك يختصم إليهم في دور وأرضين، وقد كانت في أيدي أناس، مذ خمسين سنة، أو نحو ذلك، يدعون بالبيّنات، فتذكّر أصول تسمّى، لم تنسب بأيديهم اليوم، فترون انتزاعها من من هي في يده وردّها. فاعلموا أنّ ذلك من ما يختلف فيه رأي ذي الرأي من الفقهاء، فأحبّ إلينا ألا تتكلّفوا في ذلك قضاء يومكم هذا، وأن تقرّوها على منزلتها، بأيدي من وجدتموها في يده، إلا ما وجدتم في أيدي الناس، من رثة الجبابرة، الذين كانوا يعملون في بلادكم، فينزعون الأرضين، والدور غصبه، فما عرف من ذلك، وقامت به البيّنة العادلة، غير المتّهمة، فردّوه على أربابه، فإنّ عمّال أهل الجور وولاة الفسقة، سواء في أمر الرعية. وكلّ ما كان فيه تنازع من أمر القضاء، فالحكم بين الناس، فأرخوه وادفعوه إلى ذوي رأيكم، ولا تعجلوا فيه بتكلّف في القضاء، فأيّما أرجيتم فأجزتم، فليس عليكم فيه تبعة ولا إثم، إن شاء الله.
ومن الأثر: وإذا ادّعى الرجل على رجل، أنّه أخوه لأبيه وأمّه، فجحده ذلك، فقدّمه إلى القاضي، وأراد أن يقيم عليه البيّنة بذلك، فإنّ القاضي يسأل المدّعى: أله قبله ميراث يدّعيه من قبل أبيه أو قبل أمّه؟ فإن ذكر أنّه قبله له ميراث، قبل بيّنته، وجعل أخا خصما، وقضى بأنّه أخوه لأبيه وأمّه، عليه وعلى جميع الأخوة وذوي قرابته. فإن قال: ليس لي قبله حق، إلا أنّي أريد أن يثبت شيء، لم تكن (3/77)
صفحة 627
بينهما خصومة؛ لأنّ الأخ المدّعى عليه، لو أقرّ أنّه أخوه، لم ينفعه ذلك، ولم يكن أخاه بإقراره ذلك. ولو أنّ رجلا ادّعى أنّه ابن لرجل، والأب ينكر ذلك، وأقام عليه بيّنة قبلت بيّنته، وقضيت له، وإن لم يدع قبله مالا. كذلك لو ادّعى أنّه أبو رجل والابن ينكر ذلك، فأقام عليه البيّنة قبلت بيّنته، وقضيت بأنّه ابنه. وكذلك لو ادّعى رجل أنّه زوج امرأة، وأنكرت المرأة ذلك قبلت بيّنته. وكذلك لو ادّعت امرأة أنّها زوجة رجل، وهو ينكر ذلك، قبلت بيّنتها. وكذلك لو ادّعت امرأة أنّها زوجة رجل، وهو ينكر ذلك، قبلت بيّنتها. وكذلك لو ادّعى رجل أنّه كان عبدا لهذا الرجل العربي، وأنّه أعتقه وهو مولاه، فأنكر الرجل العربي ذلك، وقال: لم يكن لي عبد قط، ولم أعتقه فأقام المولى البيّنة على ما ادّعى، قبلت ذلك منه بيّنته. وكذلك لو أنّ الرجل العربي، ادّعى أنّ هذا كان عبدا له، وأنّه أعتقه، وقال الآخر: لم يكن عبدا له قط، ولم يعتقني قبلت بيّنة الرجل على ذلك العبد، وجعلته مولى له، وإن لم يكن يدّعي عليه مالا، ولا يشبه هذا الأخ، والعم والعمّة. والأخت والخالة وبنت الأخ، وكلّ نسب ما عدا الوالد والولد، والزوجة والزوج، ومولى العتاقة، فإنّي أقبل بيّنة هؤلاء، على ما يدّعون، وأثبت ذلك، وإن لم يكونوا يدّعون مالا. (3/78)
صفحة 628
ولو أنّ صبيّا صغيرا في يد رجل، لا يعبر عن نفسه، يزعم الرجل الذي هو في يده، التقطه فادّعت امرأة حرّة الأصل بيّنة، أنّه أخوها، جعلته أخاها وقضيت بنسبها، ودفعته إليها؛ لأنّ هذا حق إلا أنّي لا آخذه من يد الذي التقطه حتّى تثبت أنّها أخته، فكذلك جعلتها خصما في إثبات نسبه. وكذلك لو ادّعى الذي هو في يده، أنّه عبد له، فأقامت المرأة البيّنة أنّه أخوها حر الأصل، قضيت بأنّه أخوها، وقضيت بعتقه. ولو أنّ رجلا من العرب هلك وله ابن، فادّعى رجل أنّه كان عبدا لأبيه، وأنّه أعتقه وأنكر ذلك الابن، جعلته خصما، وقضيت بإثبات الولاء، ولا يشبه هذا النسب. وكذلك لو كان المعتق، وترك ابنا وابنة، فادّعى ابن العربي، أنّه أعتق أبا هذا الابن، وهذه البنت، وأنّهما موليّاه، فجحد ذلك الابن والأمّة، فإنّي أقبل البيّنة في هذا، وأجعله خصما، ولا يشبه هذان الخصمان ما قبلهما؛ لأنّ هذا لو تصادقا عليه، ثبت الولاء في أحكام الولاء. ولو أنّ امرأة ادّعت أنّ رجلا ابنها وهو يجحد ذلك، فأقامت عليه البيّنة قبلت بيّنتها، وقضيت بأنّها أمّه، وإن لم تدع ميراثا ولا نفقة. وكذلك لو ادّعى الرجل أنّه ابنها، وهو يجحد ذلك، فأقام الرجل البيّنة، قضيت بأنّه ابنها، وجعلتها أمّه، وإن لم يكن يدّعى قبلها حقا، من ميراث ولا غيره. (3/79)
صفحة 629
ولا يشبه الأم في هذا الأخ والأخت والعم والعمّة؛ لأنّ الأمّ إنّما تثبت نسبه منها، فأمّا الأخ والأخت، فلا يثبت نسبه منه، حتّى يثبت من غيره، وإن لم يكن يدّعي قبله ميراثا، ولم يكن الأخ له خصما. ولو أنّ امرأة ادّعت على رجل، أنّه ابن ابنها، والرجل يجحد ذلك، فإنّي أسأل المرأة. هل تدّعى قبله ميراثا أو نفقة لحاجة؟ فإن ادّعت ذلك، فإنّه يكون خصما. وإن أقامت البيّنة، أنّه ابن ابنها، قضيت بأنّه ابن ابنها، وقضيت لها بالنفقة والميراث، إن كان أبوه ميّتا. فإن جاء الأب من غيبته، وأنكر ذلك، لم يلتفت إلى إنكاره؛ لأنّي قضيت ببيّنته. وإن قالت الجدّة: مالي قبله ميراث، ولا أطلب إليه نفقة، وإنّما أريد إثبات النسب، لم أقبل بيّنتها، ولم أجعله خصما، إن كان أبوه حيّا، إذا كانت تريد أن تثبت نسبه من أبيها، وليست بخصم في ذلك، إلا بحق يثبت، إذا كان الذي يطلب إثبات النسب، إنّما يلب إثباته في نفسه مكتوبا، في المعتبر كلّهم خصوما. (3/80)
صفحة 630
باب في التولّي عن الحكم والإيمان
من ما يوجد أنّه عن وارث بن كعب: وذكرت أنّ رجلا من أهل صحار، غشيه دين ثقيل، تولّى من عمان، إلى قوم من الفسّاق، من من لا يقدر أن يوصل إليه كتابكم، بما ادّعى المدّعون. وذكرت الذي كتبت إليك به الاحتجاج عليه، فهذا الذي عليه رأى، أن يحتجّ عليه؛ لأنّ الرجل يخرج هاربا، ولم يخلف مالا، فيكون مخرجه متولّيا بحقوق الناس، وهو غير معذور، ولكن أدركت إعدامه، وكان هذا المال ميراثا، وقع له بعد خروجه، فانظر ما كان من غلّة المال، الذي ورث فادفعه إلى الطالبين بضمان، على قدر حقوقهم. وأمّا إقامته الأصل، فإنّي أحبّ أن يحتجّوا عليه، ولا يكون بيع ماله، إلا بعد الحجّة عليه، والسلام عليكم ورحمة الله.
وعن المتولّى: من هو؟ قال: إذا ادّعى المسلمون فكره، أو أرى مدرة الحاكم، أو أمره الحاكم بالموافاة فلم يوف، أو هرب من يدي الشاري، أو من حبس، فكلّ هذا سواء إذا صحّ ذلك. (3/81)
صفحة 631
والغائب إذا تولّى عن الحكم، أو عن المسلمين، ولو كان في عمان، فإنّه تثبت عليه البيّنة، ويباع ماله بالنداء، ويقضى الذي تولّى به، بعد أن يحلف عليه صاحبه. ومن ما يجوز لحاكم، بلا حضرة من المحكوم، عليه الهارب من الحبس، بدين صح عليه. وكذلك إن أجّله أجلا بحق، قد ثبت عليه وصح فتولّى عن الحاكم، باع من ماله، فأعطى الحق الذي ثبت عليه. وإن أمره أن يوافى خصمه، فلم يواف من غير عذر، سمع الحاكم البيّنة، وإن تولّى أنفذ عليه الحكم. وإن وكّل وكيلا، فغاب فكره وكيله أن ينازع، سمع الحاكم البيّنة عليه، وأنفذ عليه الحكم وأشباه هذا.
ومن كتاب أبي قحطان: وعن المرأة والرجل، يطلب إليه الحق، فيستتر ولا يقدر عليه، فلى الحاكم الاجتهاد في الاحتجاج عليه بالثقة. فإن لم يقدر عليه، فلا يجوز عليه الحكم، إلا بعد الحجّة. وللحاكم أن يحتج بالواحد الثقة، إذا بعثه إليه، فاحتجّ عليه، ثمّ يسمع عليه البيّنة، وينفذ الحكم عليه وسل عنها. انقضى تأليف أبي قحطان.
ومن ما يحتاج إليه الحاكم: العبد يدّعيه الرجل، أنّه عبده، ويخاف إن تركه أن يهرب. (3/82)
صفحة 632
والمرأة تدعى أنّ الرجل زوجها، فينكرها وتخاف أن يهرب. فللحاكم أن يحبسها حتّى يحضر المدّعى منهما بيّنة. فإن كانت بيّنته بعيدة، أو يؤجّل أجلا بعيدا، أخذ عليهما كفيلا وخلاهما. وأمّا الزوج فكفيل بحق المرأة، ومؤنتها يضمنها الكفيل، وما صح لها، ويجعل طلاقها بيد الكفيل. وأمّا كفيل العبد، فقيمته ويضمنها الكفيل، إن لم يحضر للأجل وعليه إحضاره. ونفقة العبد في الحبس على نفسه، فإن صح رقّة أخذ المولى للعبد بما أنفق عليه، ومن يأمره الحاكم بنفقته. ولا يطيل الآجل في الحبس، إلا أن يحضر البيّنة على العبد، فيحبسه حتّى تستوي عدالتهما. وإن ادّعى عبد العتق على سيّده، ورفعه إلى الإمام، أخذ السيّد كفيلا حتّى يحضره. فإن طلب أجلا في طلبه، أخذ على الكفيل أيضا كفيلا يحضره، للأجل الذي أجله في طلبه. ومن ما يحتاج إليه الحاكم، أن يتنازع إليه العجم، من لا يفقه الحاكم كلامه، فيحتاج الحاكم إلى من يعبّر له عنه، من من يثق به. (3/83)
صفحة 633
إن كان اثنان فهو خير، وإن لم يكن إلا واحد، فقال له عنه من من يثق به محمّد بن محبوب: يجزئ الواحد في ما يخبر به عنه، أنّه يدّعيه ويطلبه. وأمّا ما يقرّ به على نفسه، فلا يثبت عليه الحاكم، إلا باثنين عدلين، وإن شهد عنده شهود عجم، لا يفقه كلامهم، كلّف المشهود له عدلين، عن كلّ واحد شاهدان على شهادتهم. ويكفى اثنان عن اثنين، وتجوز شهادتهما عن شهادة أكثر من اثنين. وإنّما يجتزأ باثنين عدلين من الحاملين والمحمول عنهم. وكذلك يفعل المشهود عليه، إذا صح عليه حكم، احتجّ عليه الحاكم بعدلين، فإن كانت له حجّة، وإلا حكم عليه. كذلك يفعل في جميع العجم الإناث والذكور، ويجوز ذلك من الشهادات، ما يجوز من شهادة المسلمين، الرجل والمرأتان عن أنفسهما، أو عن شهادة غيرهما، الأحياء عن الأحياء، والرجل عن الرجل الميّت، والمرأة عن المرأة الميّتة، وعن المرأة الحيّة رجلان، أو رجل وامرأتان. ولا يجوز منهن إلا الأحرار المصلّون عن المسلمين، والمشركون منهم من أهل ملّتهم. (3/84)
صفحة 634
ومن ما يحتاج إليه الحاكم، إذا أحدث الرجل حدثا في مال، فادّعى مدّع، أنّه أحدث عليه حدثا دعاه بالبيّنة، أنّه أحدث عليه حدثا في شيء له، حق فيه من شرك أو مجرى أو طريق أو غيره من الأحداث. فإذا صحّ بعدلين، فإنّ الولاة ترفع الأحداث، وترفع الأحكام إلى الحكّام، أو تولّى الوالي الحكم، ثمّ رفع الحدث، ثمّ نظر بينهما. وكلّ من أحدث على غيره، ثمّ ادّعى أنّ ذلك الموضع، الذي أحدث فيه لغيره، أحدث المحدث برفع حدثه، وطلب الطالب إلى صاحب الأصل، الذي يقرّ له به، إذا صحّ ذلك. وكذلك إن أحدث عليه بابا، أو إجالة، أو بناء، أو فسلا، أو ما كان من أحداث. وكذلك الوكلاء في ما وكّلوا به، انقضى. وقيل في ادّعى على رجل دعوى في مال، وهو في يده، فأقرّ المدّعى عليه الذي في يده المال، أو ليس في يده أو لخصمه، في هذا حصّة فيه، والمدّعى يدّعيه كلّه: فقال من قال: إنّما يثبت إقرار المدّعى عليه، ما أقرّ به، وهو مدّع في ما بقي، وبينهما الإيمان، في ما لم يقر به المدّعى عليه. وقال من قال: إذا أقرّ المدّعى عليه بشيء، فهو خصم المدّعى في ما يدّعيه، والمقرّ له أولى باليد، هو ذو اليد، والمقرّ هو المدّعى.
قال غيره: نعم، قد قيل هذا. وأمّا إذا ادّعى أحدهما المال كلّه، وأحدهما يدّعى منه شيئا، ولا يقرّ خصمه بشيء، فهما مدّعيان جميعا، ويدّعى كلّ واحد منهما بالبيّنة على ما يدّعيان. (3/85)
صفحة 635
وكذلك إن ادّعى شيئا منه، وأقرّ بما بقي لغير خصمه ذلك، فهما جميعا مدّعيان.
وسألته عن رجل توفّى، وفي داره رقيق، فقالت امرأته: هم لي. فقال الرجل: هم لي. قال: فإنّهم للرجل، إلا أن تجيء المرأة بالبيّنة، أنّهم لها؛ لأنّهم في داره ومنزله.
قلت: فإن جاءت ببيّنة، أنّها اشترت فلانا؟ قال: لا يجوز إلا أن يشهدوا، أنّه هو هذا فلان، الذي اشترت؛ لأنّ الأسماء تتّفق.
قلت: أرأيت إن كانت هي أسلمت بعضهم إلى معلّم، فهو عند معلّمه؟ فقال: ليس ذلك بشيء، قد تسلّم المرأة عبد زوجها. وقد قيل: من ادّعى أرضا على آخر، وليست هي في يد أحدهما، فأقرّ أحدهما للآخر بالزراعة، التي في الأرض، وادّعى الأرض، أو صحّ لأحدهما الزراعة. فقال من قال: إنّه يكون جائزا، أن يكون ذا يد في الأرض، إذا صحّت له الزراعة. (3/86)
صفحة 636
وقال من قال: تكون له الزراعة، ويكون مدّعيا في الأرض. وسألت عن مسلم ومشرك، ادّعيا حقا، ولم تكن لأحدهما بيّنة. أيّهما أولى باليمين؟ قال: إذا يحلف هذا، ويحلف هذا، ثمّ قسمت الحق بينهما نصفين.
ومن جواب أبي علي إلى أبي مروان: وعن رجل هلك وترك زوجته، وإن رحما له، طلب لثبات نسبهم في الرحم، ولم يصح نسبهم، وأنّ الزوجة أقرّت لهم بأنّهم هم الورثة، ثمّ اشترت سهم ميراثهم، فأخذوا الثمن، ثمّ رجعوا طلبوا الحجّة، بثبت نسبهم، فيثبت لهم ذلك مع الحاكم، فطلبوا أخذ ميراثهم ورد الثمن، واحتجّت المرأة بإقرارها وشرائها، وكان الشراء من بعد المعرفة، ثمّ طلب ذلك الوقوف على المال، وعلى ما يطلب القوم نقض البيع، يحتجّ أنّه باع ولم يملكه. قال: فقد حكمت له المرأة، أنّه هو الوارث وما لهم على نفسها وإقرارها أمر صحيح، من بعد إثبات، ثمّ باعوا ما عرفوا، وكانوا لهم على المرأة حجّة، ولا تبعة على ما وصفت، إلا أن تكون المرأة، كانت أنكرتهم، وكان هذا البيع منهم لها، على إنكار منها، لم يجز عليهم لها، وهي مقرّة لهم، وعرفوا ما باعوا، إنّما نرى لهم عليها حجّة. قال الأزهر: إنّ الفسل والبناء، إذا فسل الرجل، وبنى على رجل، فهو على الرجل، أو يقوم مقام الادّعاء على الرجل.
ومن غيره قال: وقد قيل: إنّ البناء والفسل، ليس بمنزلة الادعاء، إلا على المحدث. (3/87)
صفحة 637
وعن أبي مروان: وعن الأيمان بين أهل الخصومات، إذا نصب أحد الخصمين يمينا بالصدقة والمشي. فقد روي من روي عن موسى وابن مبشر، بخبر المشي والصدقة، وأمّا الطلاق فلا.
ومن جواب عبد الملك بن حميد: وسألت عن رجل هلك وترك في بيته أشياء عرفها الناس، وأقاموا عليها البيّنة أنّها لهم. قال: فما نرى ذلك ينفعهم، إذ قد مات الرجل، وغابت حجّته، إلا أن تقوم البيّنة، أنّها معه وديعة، أو عارية، أو سرقة، وما أشبه ذلك.
قال غيره: نعم، إنّه يمكن أن يكون وهبت له، أو اشتراها بغير بيّنة استحقها، بوجه من الوجوه، من غير أن يعلم الشهود الذي لهذا. وقيل أيضا: إنّها لمن صحّت، حتّى يصح زوالها بوجه من الوجوه.
ومن الضياء: ومن مات وعنده كتب لرجل. فقال صاحب الكتب للورثة ومنهم أيتام: أخرجوا إلى الكتب، لأنظر الذي له فآخذه. فليس ذلك له؛ لأنّه مدّع في الحكم لنفسه، ولا يقبل قوله على الأيتام. فإن صدّقه البلغ من الورثة وغيرهم، من من يجيزونه على الكتب، ولا يصل إليها إلا بأمرهم، وأنفسهم تسكن إلى هذا، لا يدّعى باطلا، فهذا الطالب مدّع لنفسه، ولا تقبل دعواه، ولا يجوز لأحد من هؤلاء أن (3/88)
صفحة 638
يدخل نفسه في ذلك، وارث أو غير وارث؛ لأنّه مال الأيتام، بغير حكم يستحق عليهم، وليس عنده في ذلك صحة علم. ولو صحّ عنده، وكان شاهدا واحدا، لم يجز له. فإن قال الطالب: اضمنوا لي هذه الكتب، إلى بلوغ الأيتام، فإن بلغوا أو غيّروا، فعلى أو حلفوني، فعلى هذه الكتب، وقد أخرج علامتها. فليس للورثة ذلك، ولا له أيضا، سواء لهم على هذه الصفة، إلا أن يصح على الكتب بيّنة، هي الحكم له بها، أو يقدر على سرقها، وهو يعلم أنّها له، ولا يعلم أحد بسرقته إيّاها، وهو يعلم أن لا حق للورثة فيها، فله سرقتها. فإن كان عنده بيّنة، فليس للورثة، أن يخرجوا هذه الكتب، ليحضر هذا الرجل بيّنته عليها، إلا أن يرفع إلى الحاكم، ويحضر البيّنة، فيقيم الحاكم للأيتام وكيلا، يقوم بحجّة الأيتام، ويحضر الورثة البالغون، ثمّ يصح على كتبه، مع الحاكم، ثمّ يحكم له، وليس لهم دفع ذلك بلا حكم.
ومن جواب أبي عبد الله: وعن قوم يكونون في البحر، طلب إليهم الكنعد، يأخذونه في اللجة، وطلب أهل القرية أن يخرج الصيد إلى البر، حتّى يأخذوا هم وغيرهم، فأردت أن أعرّفك رأيي في ذلك. فأقول: إن كان هذا الصيد على ساحل القرية، فأراد أهل القرية أن يدخلوا إليهم في مواضعهم من البحر، يشترون منهم، فذلك لهم. وأمّا أن يكون على الصيّادين أن يخرجوا إليهم، فلا أرى ذلك عليهم إلا برأيهم، والله أعلم بالصواب. (3/89)
صفحة 639
وعن رجل له منزل، ولرجل آخر أرض خلف جدار هذا المنزل، وكان صاحب الأرض يزرع أرضه، إذا شاء ويدّعيها إذا شاء، فادّعى صاحب المنزل من خلف جداره، من ما يلي أرض الرجل، صاحب الأرض، وقال: هذا لي. فقال صاحب الأرض: هذه أرضي أنا، وليس بينهما اتصال في الأرض، جدار صاحب المنزل المختلط لمنزله، وأرض صاحب الأرض وراء ذلك. فعلى ما وصفت، فقد قالوا: إنّ الجدر قواطع، وليس للبيت من خلف جداره شيء، إلا أن يكون خلفه عز قائم، فقد اختلف في ذلك: فقال من قال: العز لصاحب الأرض. وقال من قال: العز للبيت. وقال من قال: هو بينهما نصفان، إذا لم تكن بيّنة. وإذا ارتفع إلى الإمام رجلان، فادّعى أحدهما دارا في يد رجل، ادّعى أنّه وهبها له، وأنّه لم يتصدّق بها عليه، وأقام على ذلك بيّنة، ثمّ أقام شاهدين على الصدقة، وقال: لم يهبها لي قط. فلا ينبغي أن يقضى له بشيء؛ لأنّه قد أكذب نفسه، وأكذب بيّنته. وكذلك لو ادّعاها أنّها ميراث، لم يشترها قط، ثمّ جاء بعد ذلك، فادّعى أنّها شراء، ولم يرثها قط، وجاء بشاهدين على الشراء منه نفسه، فلا ينبغي للإمام أن يقضي له بشيء؛ لأنّه قد أكذب نفسه وبيّنته. (3/90)
صفحة 640
وإن ادّعى أنّها هبة ولم يقل: لم يتصدّق بها عليّ قط، ثمّ جاء بعد ذلك بشهود على الصدقة، فقال: إنّه لما جحدني الهبة، سألته أن يتصدّق بها عليّ. فإنّه ينبغي للإمام أن يجيز ذلك، ويقضي له بها من قبل، أنّ هذا ليس بإكذاب لنفسه ولا لبيّنته. وكذلك لو قال: ورثها، ثمّ قال: جحدني الميراث فاشتريتها منه، ليس بإكذاب لنفسه ولا لبيّنته. فإنّه تنبغي أن يجيز بيّنته، ويقضي له بها؛ لأنّه لم ببيّنته ولا نفسه، وليس هذا بمنزلة الباب الأوّل؛ لأنّ هذا لم يكذب بيّنته، وذلك قد أكذبهم. وإذا شهد شاهدان على رجل، أنّ في أرضه لفلان موضعا، طوله كذا وكذا ذرعا، وعرضه كذا وكذا، ولم يحدا الموضع من أرضه، فهذه شهادة ثابتة، إذا حدا الأرض ووصفاها بجميع حدودها، فشهادتهما ثابتة، وعلى الحاكم أن يأخذه، حتّى يدفع إليه ما شهد له به الشاهدان. فإن اختلفا فقال المشهود له: الذين شهدوا لي به، من وسط هذه الأرض. وقال الآخر: من جانب الأرض، فعليه أن يدفع من حيث أقرّ له، ويستحلفه يمينا، أنّ الذي له هو الذي دفعه إليه. وكذلك إن شهدوا أنّ له نخلة في نخله، ولم يعينوا، فشهادتهم ثابتة، إذا حدا النخل ووصفاها بجميع حدودها، التي شهدوا فيها بهذه النخلة، بالتي لم يعينوا عليها، ويعطيه نخلة وسطه. (3/91)
صفحة 641
وأظنّ عن أبي الحواري: وفي شاهدين شهد أحدهما عند الحاكم، أنّ فلانا أشهدنا في مرضه، أنّ الجمل والثور والسيف لابني محمّد. فقال الحاكم: لا تجوز هذه الشهادة. فقال الشاهد: نسيت بل شهدنا أنّ جملي وثوري وسيفي لابني محمّد، ثمّ دعا الحاكم الشاهد الثاني فقال: إنّ فلانا أشهدنا أنّ جملي وثوري وسيفي لابني محمّد، على شهادة الآخر. فقد اتفقت الشهادة، ولعلّ الشاهد نسي، ثمّ ذكر فيطوف ذلك الشاهد ذلك، إن كان الشاهدان عدلين، بحكم شهادتهما، والله أعلم. وإذا شهد شاهدان أنّ زيدا باع هذا المنزل، وشهد آخر: أقرّ أنّ هذا المنزل لفلان. فعن الوضاح: إنّها شهادة متّفقة. ومن طلب مالا في يتيم أو وكيله، أو محتسب له في ماله، وأحضر شاهدي عدل، أنّ أبا اليتيم باع له هذا المال، وشهد شاهدا عدل، أنّ هذا المال لهذا اليتيم، في يد وكيله أو محتسب له في ماله. فإن صحّ أنّ المال كان للأب، وباعه لهذا الرجل، وكان لولده هذا وباعه، فهو عندي للمشتري؛ لأنّهما قد بيّنا كيف كان السبب فيه. وإن لم يكن إيضاح، إلا على ما ذكرت، أنّه شاهدا عدل، فإنّ هذا المال لهذا اليتيم، وهو في يد وكيله، ومن يقوم بأمره، وشاهدا عدل (3/92)
صفحة 642
أنّ الأب باع هذا المال لهذا المدّعى، فبيّنته لهم أولى بما يصح له، أنّه في يد وكيله، والله أعلم بالصواب. أخبرنا العلامة ابن أبي حذيفة عن الإمام غسان، أنّه قال: كنت واليا على صحار، إذ جاءت امرأة تطلب إليّ، أن أزوّجها من رجل، وذكرت أنّه لا ولي لها بعمان، أحضرتني شاهدين على ذلك، فزوّجتها من رجل، إذ جاء والد المرأة، وكان بناحية نخل، فلمّا علمت ذلك، أرسلت إلى الشاهدين، وأخذتهما بما كان منهما، واحتجّا أنّهما لا يعرفان عمان إلا صحار، ولم يعلم لها بعمان واليا، فأمرت الزوج باعتزالها، وكتبت إلى الإمام وارث، أسأله عن ذلك، فأجابني أن أعرض ذلك على الوالد، فإن أمضى النكاح، فهما على نكاحهما، وإن كره ونقض النكاح، فخذ الشاهدين والأم بالصداق للمرأة ففعلت. وعن امرأة تزوّجها رجل، ثمّ طلّقها، وادّعت أنّه وطئها، وأنكر هو وأقامت عليه البيّنة، أنّهم رأوا بابه مردودا عليها أو مغلقا، ولا يدرون أنّه معها في البيت. هل تصدّق في الوطء؟ فعلى ما وصفت، فنعم تصدّق المرأة عليه في الوطء، وعليه لها صداقها ثابتا.
ومن كتاب عيون الأخبار: قال: اختصم رجلان إلى شريح، فقال أحدهما: إنّي استودعت لهذا وديعة، فأبى أن يردّها علي. فقال شريح: ردّ على الرجل وديعته. فقال: يا أبا أميّة، أنّه حجر إذا رأته الحبلى، ألقت ولدها، وإذا وقع في الخل غلى، وإذا وقع في التنّور برد. فسكت سريح، ولم يقل شيئا حتّى قاما. (3/93)
صفحة 643
جواب أبي الحواري: وإذا تنازع رجلان في قطعة أو غيرها من الأصول، كلّ واحد منهما يقول: هذه أرضي وفي يدي، وقد أحدث فيها واحد منهما حدثا أو كلاهما، واتخذا بالقتال، وجاء من الناس إلى الحاكم، فقال له: إنّ فلانا وفلانا يقتتلان على موضع كذا وكذا، فليس على الحاكم أن يرسل إليهما، إلا أن يصح معه بالبيّنة العادلة، فإذا صحّ ذلك، أرسل الحاكم إليهما. فإن وجدوهما في قتالهما، أخذوهما وحبسوهما، على ما يرى الحاكم من جهالتهما. وإن وجدوهما قد تفارقا، ولا يطلب أحدهما إلى الآخر، حقا لم يعرض لهما. وسئل عن شاهدين شهدا لرجل، أنّه يدّعي نخلة ويثمرها ويحوزها: هل تكون الشهادة توجب له النخلة أو اليد فيها، ويحكم له الحاكم بها أم لا؟ قال: لا يحكم له بها، وإنّما يثبت له ما صح بشهادة الشهود من الحوز والثمرة والادّعاء، ويثبتها في يده على هذا السبيل، الذي قد صح معه، ولا يتعاطى غير ذلك. وعن أبي الحواري: وعن رجلين يتنازعان في مال، فأحضر كلّ واحد منهما بيّنة عادلة، أنّ المال له، وكلّ واحد منهما يقول: المال في يدي. هل للحاكم أن ينظر من صح، أنّ المال في يده، وهو الذي أولى به، أو يكون المال بينهما؟ (3/94)
صفحة 644
فعلى ما وصفت، فنعم ذلك على الحاكم، أن يستصحّ من المال في يده، إن كان الحاكم يقول بقول من يقول: البيّنة بيّنة من في يده المال، أقرّ المال في يده، ولم يكن للمدّعى شيء. وإن لم يصح المال في يد هذا، ولا في يد هذا، كان المال بينهما نصفين. وعن ثلاثة نفر تنازعوا قطعة أرض أو نخل، أو ما في ما بينهم، كلّ منهم يقول: هذا لي وفي يدي. فعلى ما وصفت، فإذا لم يكن المال في يد أحدهم، منعهم الحاكم هذا المال جميعا، لا يعرضونه ودعاهم بالبيّنة. فإن عجزوا لم يسلّم إليهم الحاكم شيئا من هذا المال، ومنعهم منه جميعا، حتّى يقيموا البيّنة، على ما يدعون من هذا المال. فإذا أراد الحاكم أن يوقف هذا المال، في يد ثقة، كان له ذلك، وإن أبى أن يعرض هذا المال، كان له ذلك. وإن لم يكن الحاكم عرض هذا المال ولا أوقفه، في يد أحد، فاصطلح المتنازعون في ما بينهم، في هذا المال، لم يكن على الحاكم أن يمنعهم من ذلك. (3/95)
صفحة 645
وإن كان الحاكم قد أوقفه، لم يسلّم إليهم، إلا على الصحّة، ولا إلى غيرهم، والله أعلم. وعن رجلين يتنازعان، على أنّ كلّ واحد منهما يسدّ الماء في ماله، أو حيث يشاء، يقول: هذا مائي، وفي يدي: أيّهما ذو اليد فيه؟ وعلى أيّهما تكون البيّنة؟ وعلى أيّهما تكون اليمين؟ فعلى ما وصفت، فعلى كلّ واحد منهما البيّنة، على ما يدّعى. فإن أعجز البيّنة، كانت الأيمان عليهما جميعا. فإن حلفا جميعا، كان المال بينهما نصفين، وإن نكل أحدهما عن اليمين، لم يكن له شيء. أخبرني أبو عبد الله محمّد بن راشد: إنّه كان واليا على يد وذيوب ونواحيها، والقاضي يومئذ هنالك أبو عبد الله محمّد بن خالد، فتنازع قوم من ذيوب في مال وتداعوه، ثمّ أنّ المدّعى المال أخذ عدولا، وحاز المال بحضرتهم، وشهدوا عنده بحوزه. فسأل أبا علي الحسن بن سعيد بن قريش، فلم يجز له قبول شهادتهم، إذا كان حوز الرجل للمال، بعد الدعوى والتنازع، ولم يكن صح معه من قبل، في يد من المال. قلت له: فإذا قطع الحاكم حجّة الخصمين، وأثبته في دفتر حكمه. أيكون الدفتر أبدا متروكا، ولا للحاكم ولا لغيره يحدث في ذلك حدثا؟ (3/96)
صفحة 646
قال: هكذا عندي، هو بمنزلة الصكوك.
قلت له: ولو مات أهل الدعاوي والمدّعى عليهم؟ قال: هكذا عندي.
قلت له: فإذا حضر الحاكم الموت. فهل عليه أن يشهد على دفاتر حكمه؟ قال: ليس عليه في اللازم. وعن الحاكم إذا قال: شهد عندي أربعة، شهدوا على رجل، أنّه زان، أو أقرّ أنّه زنى. هل يقبل ذلك منه وبه يحد؟ وإن حدّ. فهل يبرأ منه؟ وإن أنكر ذلك الذي قال عليه الحاكم هذا؟ قال: لم يقبل من الحاكم إلا إحضار الشهود عليه. فإذا قامت عليه البيّنة، أقيم عليه الحد وبرئ منه.
وقلت: فإن قال الحاكم: شهد عليه شاهدان، أنّه قتل فلانا، فأقاده لأوليائه، وأنكر هو ذلك؟ قال: فإذا أنكر أمر الإمام، أن يدعو بالبيّنة، حتّى يشهد عليه في جماعة من المسلمين، ثمّ يحكم عليه بشهادتهم. وإذا ادّعى رجل على عبد، أنّه عبده، وقال العبد: هو أعتقني؟ (3/97)
صفحة 647
قال: البيّنة على العبد؛ لأنّه هاهنا قد أقرّ أنّه كان عبدا له.
قال غيره: لا يبيّن لي أنّ قوله: هو أعتقني. أنّه مقر بالعبودية، حتّى يقول: نعم، قد كنت عبدا له، وأعتقني أو يقول: هو أعتقني عن ملكه. وإذا شهد شاهدان، أنّ لفلان طريقا، أمّا في أرض فلان، وأمّا في أرض فلان، فليست هذه شهادة حتّى يقولا: إنّها في يد أحدهما. وإذا شهد بيّنة عدل على رجل، أنّ في قطعته هذه طريقا لهذا المسجد، ولم يحدوها فشهادتهم جائزة عليه؛ لأنّ الطريق معروفة، وطريق المسجد ذراعان. ومن شهد عليه أنّ في أرضه طريقا لرجل أو طريقا لمنزل، أو تابع أو طريق قائد، فإنّ الطريق معروفة، والشهادة جائزة، وإن لم يحدوا الطريق، ويحكم عليه بذلك أن يخرج. وكذلك من شهد عليه أنّ في قطعته هذه لفلان حقا، وهو كذا ذراعا وطولا، أو شيئا معلوما، فشهادتهم جائزة، ويحكم عليهم بذلك. وليس على الشهود أن يشهدوا في البيع، إلا على الصفة صفة الموضع، وإلى حيث ينتهي حدوده. وليس عليهم أن يقفوا على المواضع والحدود، وإذا شهد شهود على الحاكم، أنّه قضى لفلان على فلان بكذا وكذا. (3/98)
صفحة 648
وأنكر الحاكم ذلك وقال: بل قضيت للآخر عليه، أو هو حاكم، أو معزول، فإنّ قول البيّنة أولى من قول الحاكم في هذا، لا يلتفت إلى قوله. وشهود قسم المال أولى من الشهود أنّه مشاع. وإذا شهد شاهدان أنّهما رأياه يوم النحر، في تلك السنة، فشهادة القتل أولى من شهادة الحيرة، ويقتل به من شهد عليه بقتله. وإن شهدوا جميعا، وتنازعوا الشهادة في يوم واحد، فشهادة الموت أولى. فإن شهدوا أنّه مات في يوم الفطر، وشهد آخرون أنّه تزوّج بهذه المرأة يوم الفطر في تلك السنة، وهذا ولده، وأنّ المرأة لا تلحق به ولا لولده. فإن جاء حيا فقال الشاهدان: كذبنا قتلا بمن قتل بشهادتهما، وردّ على ورثتهما ديّة واحدة. وقيل: يقتلان، ولا يردّ على ورثتهما شيئا؛ لأنّه قتل منهما. وإن قالا: شبه لنا لزمتهم الديّة. ومن ادّعى على رجل فقال: عنده لي ألف درهم. فقال المدّعى عليه: صدق عندي له ألف درهم، إلا خمسين درهما، أو قال: إلا ثلاثمائة درهم. فإذا كان هذا الاستثناء متّصلا بالكلام، فأرجو أنّه يثبت له؛ لأنّ له مثنوية، فأمّا إقراره، فالله أعلم لعلّه لا يقبل منه. (3/99)
صفحة 649
فإن قال: فإنّي سلّمت إليه هذه الألف درهم، التي يدّعيها قبلي فعليه البيّنة. ومن هلك وترك ابنين، فأقام أحدهما شاهدين، أنّ أباه كان يأكل هذا المال إلى أن هلك، وأقام الآخر شاهدين، أنّ أباه أقرّ له بهذا المال، وقبضه منه، وتكافأت البيّنة، فإنّ المال للمقرّ له به. ومن اشترى مالا من ثمرة مال غائب، أو يتيم، فإنّ هذا المال للمشتري، عليه يكون موقوفا على رضا من اشترى له. فإن رضي به، وإلا كان على المشتري تسليمة، ثمن المال لربّه، ويكون المال للمشتري. ومن ملك عليه ماله، وهو شاهد ينظر ولا يغيّر ففيه قولان: بعض أصحابنا قال: يثبت عليه ذلك، ويملك دونه، ولا حجّة له، إذا كان شاهدا غير مغيّر لذلك ولا منكر، ولم تكن هنالك تقيّة. وقال بعض: إنّ هذا لا يثبت عليه، ولا يقع عليه ملك، وملكه غير منتقل، وحجّته ثابتة. قال: لعلّه كان ينظر ويتعجّب في ظلم من تعدّى عليه، وملك ما له دونه. ومن قال: هذا المال اشتريته من فلان، وقال فلان: لم أبعه، فإذا أقرّ أنّ المال له، فحتّى يصح الشراء له، إذا أنكر صاحب المال الشراء، وما أحبّ لأحد أن يتعرّض بشيء من ذلك، إلا برأي صاحبه. (3/100)
صفحة 650
وإذا كان لرجل مال، وفيه فلج القوم، فتركوه وردّوا ماءهم في موضع آخر، فليس له أن يفسله. ومن كان في يده أرض، قد حوّط عليها بحائط من خوص، فادّعاها رجل، فعندنا أنّ اليد كلّ ما كان له فيه عمل يعلم أنّه في يده بذلك، وأنّه أثره فذلك يد، وذلك عندنا يد عمارة بخوص، وأمّا عمارة الطين، فأثبت. والخوص عندنا يد، كما أنّ الزرع لو نبت ورقه، كان يدا، هكذا عن أبي الحسن. قال: فقلت بذلك برأي فسل عنه. وقال في موضع آخر: إنّ الحصار لا يثبت اليد مثل الجدار، ولا الزراعة تثبت اليد، إلا أن يتنازع اثنان في أرض ويختلفان، وفيها زراعة لأحدهما، فإنّ الزراعة له يد، وعلى الآخر البيّنة، وعليه اليمين. ومن ادّعى أنّه اشترى مالا من رجل، والرجل قد مات، وأنكر الورثة ذلك. فإن كان للمشتري حجّة، وكان في يد المشتري أو المشتري يدّعيه لنفسه، فقال ورثة الهالك: إنّ أبانا خلف هذا المال، وما باعه، وقال الذي في يده المال: إنّ هذا مالي، وفي يدي، ولا أعلم لكم فيه حقا، كان على الورثة البيّنة هاهنا، أنّ المال لهم، خلفه عليهم والدهم، ما يعلمون أنّه زال إلى هذا، الذي هو في يده ويدّعيه. فإن شهدت بيّنة عادلة، حكم لهم به، بغير علّة ترد. (3/101)
صفحة 651
وإن لم يصح فيمن الذي في يده المال، أنّه ما يعلم لهم فيه حقا، من قبل ما يدعون أنّ والدهم خلفه عليهم. ومن كان بيده أرض لرجل، يدّعي أنّه اشتراها من يد صاحبها، أو من عنده، وأهل البلد يعرفون أنّ صاحب الأرض غائب، لا يعلم أنّه باع، ولا وكيل. فإذا لم يكن ربّها الذي يدّعي هذا عليه، أنّه باع له في البلد، وحيث تناله الحجّة، لم تقبل دعوى الذي في يده الأرض، ولا يشتري منه شيء، يعلم أنّه من تلك الأرض، فنرى أنّ دعواه على رب المال غير مقبولة، فالدعوى لا تجوز في أصل الأموال إلا بصحة البيع، من مالك أو وكيل لمالك، وبالله التوفيق. (3/102)
صفحة 652
باب في الحدث في الوديان
من كتاب أبي قحطان: وقد قال بعض الفقهاء: إنّ مجاري السيول، لا يحدث فيها شيء، وكذلك ما كان السيل يغشاه. فلا يبنى بالظفور أو الحجارة والصاروج، ليردّ الماء على جاره، ولكنّه يترك بحاله، إلا أن يكون مبنيا، فلهم أن يبنوه على بنائه الأوّل. وقال الوضاح بن عقبة: إذا كان الوادي بين مالي، فرضي أحدهما بدفن الآخر، وإدخاله في الوادي، فلا بأس عليه.
ومن كتاب آخر: عن أبي عبد الله قال: إن يكن الوادي رما لأهل القرية، فليس لهذا وحده. وإن يكن لله، فهو مجرى مائه، إذا أنزله من سمائه. قال: قيل لأبي عبد الله: فإنّه قد أحدث فيه عدول، وقال: لا نرضى من من عدلهم. وقال: إنّه حرام، ومن أكل منه شيئا فليتصدّق به على الفقراء. انقضى. (3/103)
صفحة 653
والسيول لا تحول عن مجاريها التي تعتمد عليها، وتبلغ إليها، وكلّما اتكأ السيل على أرض، لم أر لأهلها أن يحبسوه عن أرضهم، ويردّوه إلى غيرهم، وإن كانوا إنّما يريدون ردّه عن أرضهم إلى الأرض، التي كان يجري فيها من قبل، وإنّما السيول مأمورة مسيرة مقهورة، من قبل الله، فحيث انتحت، لم يحل بينها وبين طريقها، وما اعتمدت عليه. وكذلك ليس لأهل الأرض، التي كان السيل يجري فيها من قبل، ثمّ انتحى عنها إلى غيرها، أو يردّوه عن الأرض، التي انتحى إليها. وجرى عليها إلى الأرض، التي كان من قبل يجري فيها، ولكن تترك بحالها، على ما جرت عليه، من ضرر ونفع، في أصل مجاريها. فأمّا إذا حفرت وضرّت أحدا، فإذا دفن ما حفرت، أو حفر ما دفنت من أرضه، كان ذلك له، ولم يحلّ بينه وبين ذلك، إن شاء الله. والسيول إذا انتحت ولم ينحها أحد، أو اتكت على مجار، فإنّما أرى أن تكون بحالها. وإن كانت إنّما انتحت بدفن من أحد، أو حفر حتّى حولها، وكان في الأحياء، فإنّي أرى ردّ حدثه، ويردّ مجرى السيل، على ما كان عليه من قبل. فإن كان الذي أحدث فيه، قد مات، فإنّي لا أرى ردّها، وهي بحالها، كما هي اليوم عليه؛ لأنّ المحدث قد مات، وعسى إنّما فعل ذلك بحق له، وقد ماتت حجّته. (3/104)
صفحة 654
وقد حفظنا أنّ كلّ من أحدث حدثا في مثل هذا، لم يكن له من قبل ومات على ذلك، وكان المحدث حثا، ولم تكن له حجّة تثبت له ما أحدث، فإن حدثه مردود. وإذا لم يطلب ذلك إليه، حتّى مات، لم يلزم ورثته ردّ حدثه، ولو قامت عليه بيّنة عدل، أنّ الهالك أحدثه هو بحاله لحال وفاته، الذي أحدثه، ولم يعلم ما كانت حجّته. وسألت عن السيول: هل يجوز لأحد أن يحدث فيها حدثا، بناء بطين أو ظفر بجندل، ويكبس فيها، ما يرد الماء عن مجاريه، ويحمل أرض جاره؟ قال: لا يجوز شيء من ما ذكرت، والأودية هي سبيل الله لمائه، إذا أنزله من سمائه، فلا يجوز لأحد أن يحدث فيها حدثا يضرّ جاره.
ومن غيره: وليس لأحد أن يردّ ذلك على أحد، ويصرفه عن نفسه. فإن صرفه على غير أحد، ولا في مال، ولا مال أحد، فلا أرى أنّه يضرّه، والمأمور به، ألا يحدث في الأودية حدثا. قلت: فما طرحت الأودية من الجندل والتراب في الأفلاج، وطرحها إذا أراد أصحاب الفلج أن يحفروه. أين يلقى ذلك؟ قال: يلقى بسيح الفلج. وحضره على حريم الساقية، حتّى يرجع كما كان حريم الفلج، في (3/105)
صفحة 655
حال أو خراب أو في واد، ولا يكون شيء من ما يضرّ، فإنّ المضرّة لا تجوز، ولا ضرر في الإسلام. قال عمر بن القاسم: الوادي مثل الطريق، لا يجوز لأحد أن يحدث فيهما حدثا. وسألته عن من بنى بناء أو أثر أثرا، في أرض موات أو جبل. قال: أمّا الموات، فيثبت له ملك، ولورثته من بعده. وأمّا الجبل فله سكنه ما دام البناء قائما. فإن انهدم البناء، أو مات بانيه، لم يكن لورثته من بعده إلا البناء، وأمّا أصل الجبل، فلا يملك. وسألته عن الفقير، إذا زرع في الأودية زرعا: ذلك له خالص، أم هو والفقراء فيه سواء؟ قال: بلى، الزرع لمن زرعه.
قال: فإن غرس فيه نخلا أو شجرا: أيكون ذلك له؟ قال: لا، وأيدي الفقراء في ذلك مطلّقة. وعن أبي الحواري: والوديان التي في القرى، فلا يقطع منها النخل، وما كبر من الأثب الذي يحمى عنه ويمنع، فذلك لا يجوز قطعه. (3/106)
صفحة 656
وأمّا الوديان التي هي خارجة من القرى، ولا يدّعيها أحد، فلا بأس لما فيها من الشجر، من صغار أو كبار. وكذلك ما نشأ في غدرانها من النخل، فلا بأس بالانتفاع بثمرتها إلا السدر، تؤكل ثمرته، ولا يقطع شجره.
ومن غير كتاب أبي زكرياء: وسألته عن واد فيه سدر ونخل، وإن كان لم يغرسه أحد. قال: فالذي حمره أولى به، لا يجوز إلا بإذنهم.
ومن جواب أبي الحواري: وقد أجازوا لمن كانت أرضه قرب واد، أو ظاهر أن يوسع فيها من ذلك الوادي. والظاهر إذا كان لا يضرّ بأحد من القرية. (3/107)
صفحة 657
باب في الحكم على الغائب
قال أبو الحسن: في رجل ادّعى على رجل مالا في يده، من الأصول أو من غيره من الحيوان، أو من الأمتعة، فلمّا طلبه إليه، أقرّ به الذي في يده لرجل غائب، أنّه ليس بين المدّعى وبين الذي في يده من المال خصومة، إلا أن يطلب يمينه، أنّه ما أقرّ بهذا المال لفلان هذا، ولا يعلم له فيه حقا، فإنّ عليه له هذا اليمين. قال: فإن أحضر هذا المدّعى لهذا المال بيّنة، أنّه له، وكان الغائب في عمان، حيث تناله الحجّة أصح عليه، وأنفذ عليه الحكم بعد الحجّة. وإن كانت لا تناله الحجّة، قد قطع أو لا تعلم غيبته، حكم بالمال للمدّعى، واستثنى للغائب حجّته.
قلت له: وليس عليه أن يقيم للغائب، وكيلا يسمع البيّنة ويحتجّ عليه؟ قال: لا.
قلت له: وكذلك لو صح على هذا الغائب حق عليه بالبيّنة، وله مال، كان الحاكم ينفذ عليه الحكم، ولا يقيم له وكيلا يحتج له، ويسمع البيّنة عنه؟ قال: نعم، ويستثنى للغائب حجّته. (3/108)
صفحة 658
قال: وقالوا: إنّ الحاكم يخيّر في مال الغائب، إن شاء دخل في الحكم عليه، وإن شاء لم يدخل.
قال غيره: وقد قيل: إنّه ليس بمجيز على الحكم على الغائب، وإنّما مجيز في أمر القيام له، بصلاح ماله، ما لم يكن عليه لأحد حق، ومشاركة في مال، يجب عليه القيام في ذلك لشريكه الحاضر.
ومنه: قلت: فإذا صح لرجل دين لرجل، وله أيتام. أيقيم الحاكم للأيتام من يحضر سماع البيّنة على والدهم، ويحلف المدّعى؟ قال: نعم، ولم ير ذلك في الغائب.
من كتاب ابن جعفر: قال غيره: نعم؛ لأنّ الحاكم يستثنى للغائب حجّته، فإن أقام له وكيلا فحسن.
ومن كتاب ابن جعفر: وفي جواب من أبي عبد الله محمّد بن محبوب: وليس سواء من ادّعى، أنّ له حقا على رجل غائب من عمان، كمن ادّعى على رجل ميّت، ووارثه غائب من عمان. فإذا أحضر المدّعى شاهدين عدلين، أنّ له على فلان الميّت، كذا وكذا من الحق، ولا يعلم أنّ له وارثا بعمان، وله ورثة بغير عمان. فإنّ الحاكم يحكم له، ويوصله إلى حقّه من مال الميّت، إذا حلف على حقّه. (3/109)
صفحة 659
وإن أقام البيّنة، أنّ له حقا على رجل غائب، في بلاد كذا وكذا، فلا يحكم له، حتّى يحتج على الذي عليه الحق، إذا كان حيث تناله الحجّة. وكذلك إن أقام شاهدي عدل، أنّ له حقا على رجل خارج من عمان، ولا يعلمان أيّ بلاد هي، فإنّ الحاكم يقيم له وكيلا بحجّته، ويسمع عليه البيّنة، ثمّ يحكم عليه بالحق، ويوصل الطالب إلى ما صح له من ماله. والغائب إذا صح له أنّه تولّى عن الحاكم، أو عن المسلمين، ولو كان بعمان، أنّه تثبت عليه البيّنة، ويباع ماله بالنداء، ويقضى الدين الذي تولّى به، بعد أن يحلف عليه صاحبه. وعن المتولّي: من هو؟ قال: إذا دعا المسلمون، فكره وأرى مدرة الحاكم، أو أمره الحاكم بالموافاة، فلم يواف، وهرب من يدي الشاري، أمن حبس فكلّ هذا متولّى إذا صح ذلك. وأمّا من كان خلف البحر، ولم يتولّ، فحتّى يحتجّ عليه، ويوصل الطالب إلى ما صح له من ماله. وسألته عن رجل إذا سفر فغاب غيبة بعيدة. هل يكون لماله حد في قسم ماله، وتزويج نسائه؟ قال: ليس لذلك حد، وما له بحاله ونساؤه بحالهن، إلا أنّه قد قال من قال: إذا خلا له مائة سنة، حكم عليه بأحكام الموتى. وقال بعضهم: إذا خلا مائة وعشرون سنة. (3/110)
صفحة 660
وقال قوم: مائة وثلاثون سنة.
قلت: فإن مات أحد من من يرثه. أيرثه في حال غيبته؟ قال: نعم.
قلت: فإذا غاب الرجل، وبقي أولاده وزوجاته. فكيف يصنع بنفقتهم؟ قال: يفرض لأولاده الصغار، وزوجاته فرائض لنفقتهم وكسوتهم ومؤنتهم، ويردّون إليهم من غلّة ماله. فإن نقصت غلّة ماله، بيع من أصل ماله، وأنفق عليهم وكسوا ومونوا.
قلت: أرأيت الرجل يوصي بوصايا، أو يقرّ بديون، ثمّ يغيب فيبطئ في غيبته. فكيف يصنع بذلك؟ قال: أمّا الوصية، فلا تنفذ حتّى يصح موته. وأمّا الديون التي أقرّ بها، فإذا طلبها أهلها، حكم لهم بها، وقضوها من ماله. وإن كان له وكيل في قضاء دينه في حياته، تولّى ذلك. وإن لم يكن وكيل تولّى ذلك الحاكم. (3/111)
صفحة 661
قلت: أفيستثنى له الحاكم حجّته في ما يأمر بقضائه من ماله، وهو غائب من الديون، التي أقرّ بها، كما يستثنى للذي تقوم عليه البيّنة؟ قال: نعم.
قلت: أفيستحلفهم؟ قال: نعم.
قلت: أرأيت إن كان أقرّ بشيء من ماله لأحد، ثمّ غاب، وطلب المقرّ ما أقرّ له به. أيسلّمه إليه الحاكم إذا صح معه إقراره؟ قال: نعم.
قلت: أفيستثنى له في حجّته ذلك؟ قال: نعم.
وقيل في الذي يكون خلف البحر، ولم يتأوّل، فحتّى يحتجّ عليه إن عرف موضعه، ونالته الحجّة، ويحتجّ عليه بشاهدي عدل. وإذا لم يعرف موضعه، وصح أنّه خرج من عمان، فيباع من ماله بالنداء، إذا صح الحق عليه، وطلب ذلك أهل الحقوق، وحلفوا على حقوقهم، ويستثنى للغائب حجّته. وقال أبو عبد الله: الذي تولّى عن المسلمين، لا يباع من ماله، إلا بحق من كان رفع عليه بحقه وتولّى عنه. (3/112)
صفحة 662
فمن أثبت عليه بعد ذلك حقا، لم يبع من ماله إلا بعد الحجّة عليه. وقال أبو الحواري: إذا كان بموضع تناله الحجّة، وإلا بيع من ماله في حق من أصلح حقا، واستثنى للغائب حجّته. وإن كان ماله ليس فيه وفاء للدين، الذين صح عليه، لمن يتولّى عنه، والذي صح من بعد فيقوم المال قيمة، وتنظر الحقوق، فيأخذ الذي تولّى عنه بقدر حقّه، ويوقف للذين أثبتوا، بقدر الذي لهم من ماله، حتّى يحضر المتولّي، أو يحتج عليه، إلا أن يصح أنّه قد خرج من مصر عمان، ولا يعرف مكانه، أو حيث لا تناله الحجّة، فإنّ أصحاب الحقوق، يثبتون مع الحاكم حقوقهم ويحلفهم عليها. ومن ما يسمع عليه الحاكم البيّنة، الغائب في البلد، الذي لا تصل إليه الحجّة من المسلمين، والغائب الذي لا يدري أين هو؟ والجبابرة من العجم وينفذ من أموالهم، ثمّ يقضى كلّ واحد منهم ما صح عليه، بما يصح من مال الغائب. قال أبو المؤثر: إذا تولّى المدّعى عليه من المسلمين، وكان تولّيه بحق لرجل، وادّعى عليه قوم آخرون حقوقا، وأصحّوها عليه، ولم يكن في ماله وفاء كحقوقهم جميعا، وكان الذي تولّى بحقه، يستعرف ماله، فهو عندي أولى بما له، فيوفّيه الحاكم حقه، ويكون دين ذلك على صاحبهم. وإن كان يعرف موضعه، وكان تمكّن الحجّة عليه من المسلمين، فلا يعجل في بيع ماله، حتّى يحتجّ عليه المسلمون في موضعه، كما أمكن لهم بكتاب مع ثقة، أو رسول ثقة يحتجّ عليه برأي الحاكم. (3/113)
صفحة 663
قال أبو عبد الله: ويقوم الرجل الذي امره المسلمون، مقام شاهدين. وحفظ سعيد بن الحكم عن بشير بن محمّد بن محبوب عن عزان بن الصقر في حفظه له: وإذا قطع الرجل البحر، وعليه حقوق للناس، وأقاموا بيناتهم بحقوقهم عليه، حكم لهم عليه، واستثنى للغائب حجّته، واستحلفهم وأوصلهم إلى حقوقهم. وإن تولّى عن المدرة، أو أخلف موافاة بينه وبين غرمائه، أو هرب من سجن المسلمين، سمعت عليه البيّنة، واستحلف غريمه، وحكم له عليه، واستثنى الحاكم حجّته. وعن رجل رفع على رجل، أنّ في يده مالا لفلان الغائب، وأقام على ذلك بيّنة عدل، وليس الطالب بوكيل، ولا الذي في يده المال بوكيل للغائب. قال: يعزل للغائب هذا المال في يده، ويجعله في يد ثقة للغائب، إلا أن يقيم الذي في يده هذا المال بيّنة، أنّه وكيل للغائب، فإنّه يتركه في يده بحاله. وإنّما يجبر الحاكم الطالب، إن كان بسبب رحم، وإذا لم يكن منه سبب رحم، لم يجزه إلى ذلك. وقد قيل: الحاكم بالخيار، إذا قام المحتسب من أرحامه، على مثل هذا، ولم يصح وكالة الذي في يده المال، ولم يصح أنّه مغتصب، (3/114)
صفحة 664
فإن شاء عزله من يده إلى وكيل ثقة، وإن شاء أعطى منه وتركه، حتّى يصح باطل الذي في يده المال.
ومن جامع أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة: قال أصحابنا: يجوز للحاكم استماع البيّنة على الغائب من مصره، ومن امتنع من حكمه، والحضور إليه وإلى مجلسه، وإنفاذ الحكم عليه. وحجّتهم في ذلك قول النبيّ (ص): «على المدّعى البيّنة وعلى المنكر اليمين». فلمّا جعل (ص) ذلك، دلّ على أنّه إذا حضرها حكم له ببيّنته. وأمّا قوله (ص) لعلي: إذا حضر إليك الخصمان، فلا نقض لأحدهما بشيء، حتّى يسمع حجّة خصمه. فإنّه يجوز أن يكون المراد، إذا أمكن الاستماع. والنظر يوجب عندي، أن يكون على الحاكم أن يحكم على الحاضر، والغائب بما صح معه، من حقوق الآدميين. وقد حكم رسول الله (ص) على أبي سفيان، لهند بنت عتبة، وهو غائب. وأمّا الحدود، فلا يحكم بها على الغائب، باتفاق الأمّة.
ومن غيره: وقال محمّد بن موسى: يحفظ عن والده موسى بن محمّد: إنّ موسى بن علي –رحمه الله- كان إذا صح مع الحق، لم يحتج على أحد. (3/115)
صفحة 665
وإذا أراد العدلان، أن يقيما الوكيل، وأنّهما يقولان: قد أقمناك وكيلا لفلان بن فلان الغائب، في مقاسمة المال، الذي بينه وبين شركائه، فإذا قيل ذلك، فقد صحّت وكالته إن شاء الله. ومن تعدّى في مال قوم أغياب، فاحتسب عليه رجل، ومنعه عنها، فادّعى المتعدّى أنّه اشتراها، فإذا احتسب ورفع إلى الحاكم، فللحاكم أن يجيز احتسابه، ويلزم الخصم البيّنة، وإن لم يكن حاكم، لم يلزمه حكم. قيل: إنّ الحاكم لا يبيع شيئا من أموال الأموات وغيرهم، من من تولّى في قضاء ما عليهم، إلا بالنداء، ولا يبيع بمساومة.
ومن غيره: وعن رجل له ورثة، أنفقوا وتقارروا على موته بلا بيّنة ولا صحّة، وقسموا ماله. هل يجوز أن يشتري من أحدهم شيئا من مال الغائب؟ فاعلم أنّ كلّ من دخل في شيء، قامت فيه عليه الحجّة، فليس له أن يدخل فيه، إلا بحجّة واضحة، غير أنّ الرخصة، أنّه إذا لم يعلم أنّ هؤلاء الورثة، كذبوا في ما قالوا، جاز له أن يشتري منهم على الدينونة منه، أنّه إن صح خلاف ما قالوا، وأنّ فيه بما يلزمه، إذا اطمأنّت نفسه إلى قولهم ذلك، ولم يكذّبهم قلبه، ولولا هذا جائز ما جاز للوليد بن عنية، أن يعطى عمار بن خطان مال نافع بن الأزرق. فادّعى نافع بن الأزرق، أنّ له على عمّار دينا، وهذا موجود في حديث محمّد بن محبوب بن الرحيل، ولولا هذا، قد رخّص فيه المسلمون ما جاز لأحد أن يشتري شيئا من الأسواق، من أيدي الباعة، مثل العبد في أيدي النخّاسين فيقولون: هذا العبد لفلان، وهذه الجارية لفلان، والوصف في هذا يطول. (3/116)
صفحة 666
وإنّما يأخذ بالرخصة على ما يطمئن قلبه، من تصديق المدّعى، على أنّه إن جاء فلان، وجحد ما قال النخّاس، وأنّ له بما يلزمه من الحق، إذا كان إقرار النخّاس حجّة لفلان، وادّعى النخّاس، بأنّ فلانا أمره بالبيع، ليست بحجّة، ولكنّها رخصة على ما قد عرف بين الناس، من المعاملة على سبيل ذلك. ولو وطئ المشتري هذه الجارية، ثمّ جحد سيّدها الأوّل، ما قال النخّاس، لم يقل: إنّ هذا المشتري وطئ حراما، فافهم وصف الرخصة، وانظر موقع الرخصة. فإذا قامت عليك الحجّة، لم يحل لك أن تلوى عنقك عن قيام الحجّة، ولم يحل لك أن تأخذ بالرخصة، بعد قيام الحجّة. ولو أقرّ رجل بدين على رجل، ثمّ مات المقر عليه بالدين، وورثه المقر، ثبت عليه في الحكم ولزمه؛ لأنّ الدين في الملك، لا في النفس، والذي يجب له، إنّما ثبتت عليه، لقدر حصّته من الميراث. وقد قيل: يجب عليه ما أقرّ به، إلى استفراغ ما ورث من المال. وإن طلب يمين الذي أقرّ له بذلك، كان له ذلك، أن يحلف لقد أقررت لي بكذا وكذا على ذلك، ولا أعلم أنّه أقررت لي بباطل، ولا أعلم أنّه برئ ممّا أقررت لي عليه، ولا استوفيت منه بوجه من الوجوه، على العلم، أنّه لم يدع ذلك قطعا، إلا من طريق الإقرار. (3/117)
صفحة 667
باب في أمر المفقود والحكم عليه
سألت أبا المؤثر عن المفقود: على أيّ وجه يكون مفقودا؟ قال: الذي حفظنا: إنّه إذا كان في سفينة، فانكسرت وهو فيها، ثمّ لم يدر ما حاله، فهو مفقود. وكذلك إذا كان في حرب، فلم يزل في الصف، حتّى وقع الضرب والطعن والقتل، ثمّ فلم يدر ما حاله. فإنّ هذه الأشياء ما صحّت بالبيّنة، فهو مفقود. وعن الذي يحمله سيل أو سبع، والذي يكون في حريق وغير ذلك. وعن المفقود، إذا كان له مال وأولاد وزوجات، وكان عليه دين، فما وصّى بوصايا، ثمّ خرج وكان له إيوان. فكيف يصنع فيه إذا فقد؟ قال: أمّا ماله، فإن كان له وكيل، فهو في يده. وإن لم يكن له وكيل، فاحتسب له محتسب، وطلب إلى الحاكم أن يجعل ماله في يد ثقة، فإنّ الحاكم يفعل ذلك. وقال بعض الفقهاء: ليس على الحاكم حفظ أموال الأغياب. (3/118)
صفحة 668
فإن فعل هو أحبّ إلينا، وإن لم يفعل، لم أقل: إنّه آثم إن شاء الله. وأمّا المفقود، فليس عندنا بمنزلة الغائب، وأرى على الحاكم أن يقيم له وكيلا. وأمّا ما كان على المفقود من دين، وطلبه أهله، فأقاموا عليه البيّنات، استحلفهم الحاكم، وقضاهم من ماله، واستثنى له حجّته. قلت: فما تقول في دينه الآجل؟ قال: هو بحاله حتّى يحلّ. وإذا حلّ، حكم عليه فيه، في ما له، كما يحكم في العاجل. وأمّا أولاده وزوجاته وأبواه، فإنّه يفرض لهم فرائض لنفقاتهم وكسوتهم ومؤنتهم، ويدفع إليه غلّة ماله. فإن نقصت غلّة ماله، بيع من ما له، ودفع إليهم. وقد اختلف في الأمّ: منهم من رأى لها مثل الأب. ومنهم من لم ير لها نفقة، إلا أن تكون زفته. وأمّا الوصايا التي أوصى بها، فهي بحالها، حتّى تمضي أربع سنين، مذ يوم فقد، ثمّ تنفذ وصاياه. (3/119)
صفحة 669
قلت: أرأيت إن مات أحد من زوجاته، أو من أولاده، أو أبويه. أيكون له ميراثهم؟ قال: نعم، المفقود يرث من يجب له ميراثه في الأربع سنين.
قلت: أرأيت إن كان له وكيل في ماله، فمات وكيله؟ قال: يقيم الحاكم وكيلا.
قلت: أرأيت إن لم يكن حاكم. فهل للمسلمين من أهل البلاد، أن يقيموا للغائب والمفقود، وكيلا يحفظ ماله؟ قال: أمّا الغائب، فإذا لم يكن أقام الحاكم وكيلا لنفسه، فليس لهم أن يتعرّضوا من ماله. وأمّا المفقود فيقيمون له وكيلا.
قلت: أرأيت إن وكّل له وكيلا، ثمّ مات الموكّل و مات [ ... ] له. هل للمسلمين أن يقيموا له وكيلا، إذا لم يكن حاكم؟ قال: أمّا المفقود فيقيمون له وكيلا، وأمّا الغائب فلا أحبّ لهم ذلك.
قلت: فإن كان للغائب أو المفقود شريك، واحتاج إلى القسم، واحتاج أولاده وزوجته إلى نفقة أو مؤنة. أيقام لهم وكيلا؟ (3/120)
صفحة 670
قال: نعم، يقيم لهم المسلمون وكيلا، يقيم بذلك، إذا لم يكن حاكم.
قلت: أرأيت المفقود يموت بعض الذين أوصى لهم في الأربع السنين؟ قال: تبطل وصاياهم، ولا يكون لورثتهم شيء.
قلت: أرأيت ما دبّر المفقود من عبيده. أيعتقون؟ قال: إذا مضت أربع سنين عتقوا.
قلت: أرأيت إن كان مات في الأربع سنين، أو مات يوم فقد*؟ قال: يكون حكمه حكم الأموات، يوم صح موته.
قلت: فما حكم له به من ميراث أو وصية، من من مات بعد الأربع سنين؟ قال: يردّ عليه ماله، إلا ما قضى به دين أو بيع في نفقة من تجب عليه نفقته، فليس يرد إلا أن يحتجّ في ذلك حجّة توجب له.
قلت: أرأيت المفقود متى تزوّج امرأته؟ قال: بعد أربع سنين، مذ يوم فقد، وتكون نفقتها وكسوتها وسكنها في مال زوجها، في هذه الأربع سنين، فإذا تمّت الأربع سنين، طلّقها ولي زوجها بتطليقة، ثمّ اعتدّت أربعة أشهر وعشرا. (3/121)
صفحة 671
قال غيره: الذي يحفظ في المفقود، في مدّته اختلافا. قال قوم: كما قال أبو المؤثر، وهو قول عمر بن الخطّاب. وقال قوم من الفقهاء: إنّ مدّته سبع سنين. وهو قول عبد الله بن مسعود في ما قيل. وقال من قال: إنّه مثل الغائب. وهو قول بعض الصحابة، في ما قيل. وقد قيل: مدّة الغائب مائة سنة. وقال من قال: مائة وعشرون سنة. وقال من قال: مائة وثلاثون سنة. وقال من قال: مائة وثلاثون سنة. وقال من قال: حكمه موقوف أبدا. وعن المفقود إذا صح أنّه مات يوم فقد، أو قبل تمام الأربع سنين، وقد كانت زوجته استنفقت من ماله بعد موته. قال: عليه غرم ما أكلت من ماله بعد موته. وعن رجل كان ماله في يد عامل يعمله، ويقوم به، فإذا أدركت الثمرة اقتسماها، وأخذ رب المال حصّته، كان على هذا إلى أن غاب ربّ المال، (3/122)
صفحة 672
والمال في يد العامل، على هذه الجهة، وفقد رب المال في غيبته، فطلب ورثته إلى الحاكم، أن يقيم له وكيلا، وقال العامل: قد جعل ربّ المال ماله في يدي أحفظه، فهو في يدي على ما جعله. كيف يصنع بماله؟ أيكون في يد العامل، كما جعله، أو يقيم له الحاكم وكيلا لأصل المال أو لغلّته؟ قال: أمّا أصل المال، فيدعه الحاكم بحاله، في يد العامل، كما جعله رب المال، يعمله أو يقوم عليه. وأمّا الغلّة، فيقيم له الحاكم وكيلا، يقبض حصّة المفقود من الغلّة كما يقبضها، أو يحفظها ويبيع ما يرى بيعه منها، كما يفعل الوكلاء، إلا أن يكون جعل عامله هذا وكيلا له، في ماله، وفي غلّته، فإنّ الحاكم لا يتعرّض له.
قلت: وسواء كان هذا العامل ثقة أو غير ثقة؟ قال: نعم، إلا أن تظهر خيانته أو تضييعه. فإن ظهرت خيانته نزعه الحاكم، وأقام وكيلا ثقة، أمينا في ما يحفظ مال المفقود، ويقوم عليه، ويستعمل عليه من يؤمن عليه، ويصلحه ويحفظه ولا يضيّعه.
قلت: أرأيت إن كان للمفقود وكيل، قد أقامه قبل خروجه، فظهرت خيانته، فطلب ورثة المفقود أن ينزع. هل ينزعه الحاكم؟ (3/123)
صفحة 673
قال: نعم، ينزعه ويقيم للمفقود وكيلا ثقة.
قلت: أرأيت الغائب إذا استعمل عاملا، وخرج فظهرت خيانته، فاحتسب أولياء الغائب، وطلبوا إلى الحاكم أن يقيم له وكيلا؟ قال: لا أرى للحاكم في أن يدخل في ذلك.
قلت: وكذلك إن كان الغائب وكّلا وكيلا، ثمّ غاب فظهرت خيانة الوكيل، فطلب أولياء الغائب إلى الحاكم، أن ينزعه، ويقيم للغائب وكيلا؟ قال: ما أرى ذلك للحاكم، وليس للغائب عندي في هذا بمنزلة المفقود.
ومن غيره قال: وقد قيل: إنّ أحكام المفقود، في جميع أموره، في الأربع سنين، بمنزلة الغائب. وقد قيل: اختلف في ذلك: فقال من قال: يسع الحاكم، أن يدخل في أمر الغائب. وقال من قال: ليس عليه ذلك. فإن فعل وسعه، وإن لم يفعل، لم نضيق عليه؛ لأنّ الغائب ليس بمنزلة اليتيم. (3/124)
صفحة 674
والغائب يسلّم ماله إلى من شاء، كان خائنا أو أمينا، وليس عليه اعتراض في ماله، واليتيم لا حجّة له ولا عليه. ولو أنّ رجلا غاب وترك مالا له، بلا وكيل ولا عامل، أو خرج وليس له مال، ثمّ ورث مالا، لم يكن على الحاكم أن يقيم له وكيلا، إلا أن يكون له شريك، وطلب المقاسمة، أقام له الحاكم وكيلا يقاسم له. وكذلك إن كان عليه نفقة، لمن يلزمه عوله، أقام له الحاكم وكيلا، يقوم بذلك.
قلت: أرأيت الرجل يجعل ماله في يد عامل، على ما وصفت لك، ثمّ يحضر له سفر، فيوكّل وكيلا في ماله، ويجعل له أن يقبض ماله، ويقبض علّته، ويقوم في ماله مقامه، ولا ينتزع العامل، ولا يشهد له بشيء، إلا أنّه تركه على ما كان يعمل، ويخرج ولا يحدث في أمره حدثا، ثمّ يغيب فيفقد أو لا يفقد، إلا أنّه يغيب فيريد هذا الرجل أن ينتزع العامل من عمل المال، ويستعمل غيره، فيحتج العامل، بأنّ رب المال لم يأمر الوكيل فيه بأمره، إنّما وكّله في ماله، وتركه هو عامل بحاله، ويحتج الوكيل بأنّه قد وكّله في قبض ماله والقيام به، فإنّه قد رأى إخراج هذا العامل، واستعمال غيره. كيف القول فيهما؟ قال: أرى الوكيل أولى بالمال، وله أن ينزع العامل، ويستعمل في المال غيره. وليس للعامل سبيل على الوكيل، إلا أن يكون رب المال، حين وكّل (3/125)
صفحة 675
وكيلا أشهد أنّه ليس للوكيل سبيل على العامل، في نزع المال من يده، فإذا شهد بهذا، فالعامل أولى بعمل المال، والوكيل يقبض غلّة المال ويقوم عليه. وإذا فقدت المرأة، فطلّقها زوجها قبل انقضاء أجل الفقد، وصداقها آجل، فحلّ صداقها، فصار دينا على زوجها، فطلب ورثتها أن يقبضوه. هل لهم ذلك؟ قال: ليس لورثتها ذلك. ولكن إن كان لها وكيل في تقاضي ديونها، وقبض مالها، اقتضى صداقها وقبضه مع مالها. وإن لم يكن لها وكيل، أقام الحاكم لها وكيلا يقبض صداقها منه، ويكون في يده، إذا طلب ذلك ورثتها إلى الحاكم.
قلت: فمتى يكون لوكيلها أن يقبض منه صداقها؟ من حين ما يطلّقها، أو حتّى تنقضي عدّتها؟ قال: إن طلّقها ثلاثا، فلوكيلها أن يقبض صداقها منه، من حين ما طلّقها. وإن طلّقها واحدة أو اثنيتن، فلا أرى لوكيلها أن يقبض، حتّى تمضي ثلاثة أشهر منذ طلّقها.
قلت: أرأيت إن ردّها، وإنّما كان طلّقها تطليقة واحدة أو تطليقتين. (3/126)
صفحة 676
هل يكون قد رجع صداقها حلا، ويرثها إذا مضت أربع سنين، وترثه إن مات قبل أن تمضي لها أربع سنين؟ قال: إن ردّها قبل أن تمضي ثلاثة أشهر، منذ طلّقها، وإلا فقد بانت منه، ولا ميراث لها منه، ويحلّ صداقها، ويكون لوكيلها قبضه. قلت لهاشم: متى تعتد زوجة المفقود، إذا قدّم وهي مع زوج؟ قال: إذا قال: قد تركتها. قال: ويكلّف أن يقول: قد تركتها. وأخبرنا عن موسى: في رجل يدّعي على امرأته دعوى، فتجحدها من ما ادّعى، فيحلف بطلاقها على ما ادّعى، أنّ موسى كان يرى على الزوج، البيّنة على ما ادّعاه. فإن عجز فيمين المرأة، فإن نكلت عن اليمين، فهي امرأته. وإن حلفت وجب الطلاق.
قلت: ما تقول، إذا نزل خصمان إلى الحاكم، فادّعى أحدهما على الآخر، وأنكر وأعجز البيّنة، ونزل إلى يمين خصمه. فهل يجبره الحاكم، إمّا أن يحلف، وإمّا أن يردّ اليمين إلى المدّعى، فيحبس إذا طلب خصمه ذلك؟ (3/127)
صفحة 677
قال: هكذا عندي، في ماله فيه رد اليمين.
قلت له: فإن طلب أن ينصرف. فهل على الحاكم ألا يدعه إلا برأي خصمه؟ قال: معي، أنّه كذلك؛ لأنّه معتقل الحكم إليه. ومن ما يوجد عن أبي معاوية: في رجل أقرّ أنّ هذا العبد لفلان، ثمّ أقام البيّنة، أنّه اشتراه منه بألف درهم، ولم يوقت البيّنة وقتا، وفلان يقول: إنّ العبد له، ويجحد البيع. فما أقول؟ قال: إنّ العبد لفلان بإقرار هذا، والبيّنة لا تنتفع بهم، إلا أن يشهدوا بالشراء، بعد إقرار المقر. وقلت: إن قال: هذا العبد لفلان، باعه لي بكذا وكذا، أقام البيّنة على ذلك؟ قال: فعلى هذا، هو له، إذا كان الكلام متّصلا. من ما يوج عن أبي عبد الله: وعن رجلين اختصما في دابة. فقال أحدهما لصاحبه: أحلف أنّ الدابة لك. قال الآخر: لا أحلف حتّى يقول: إنّه إن خصمني فيها أحد، فأدركها فعليك شرواها، فحلف على ذلك، ثمّ أنّه أدرك فيها. هل على خصمه الأوّل شيء حين قال له: فلا أرى عليه شيئا، وهذه القبالة ضائعة، ولعلّه يرجع فيها؟
قال غيره: إنّما تثبت عندنا القبالة بالشراء، على من أجاز ذلك في البيوع. (3/128)
صفحة 678
وأمّا في الدعاوي عند الحكّام، فلا يثبت ذلك، والله أعلم. وعن رجل له طوى يزرعها، وربّما لم يزرعها وأصابها المطر، فنبت فيها الحشيش. قلت: له أن يحمي ذلك الحشيش، ويمنع الناس منه لدوابه، أو رفق يدخله منه؟ فنعم، عندي له ذلك، إذا احتاج إليه، أنّه أولى به، وقد قيل: ثلاث لا يمنع منها: الكلأ والنار والماء، عندي أنّه الكلأ في غير هذا، والله أعلم.
قال غيره: وقد قيل: لا يمنع، ولو كان المربوبات.
جواب من أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة: وعن الإمام والحاكم، إذا رفع إليه رجل على رجل، كان ظلمه في زمان السلطان الجائر، فأقرّ أو أنكر فأقام عليه البيّنة بذلك. أيأخذه الإمام وينصفه منه، قبل أن يكون هذا إماما الأئمة يقيم الحق ويرد المظالم إلى أهلها، وعلى هذا الإمام إذا صح معه ظلم أحد، أن ينصفه من من ظلمه؟ وقد بلغنا أنّ الجلند بن مسعود، كان يرد ما اغتصبه الجبابرة من أموالهم، وما اشتراه الجبار أو عامله، ومن كان له حق أخذه. وإنّما سمعنا وقد رأينا في الأثر، في ما أحرزه العدو من مال المسلمين فحازوه، واشترى منه رجل شيئا من حيث لا يعلم، فلمّا وصل به (3/129)
صفحة 679
من دار الحرب، إلى دار الإسلام، طلبه الذي هو له، وأقام عليه رجل من المسلمين البيّنة، أنّه لو أخذه منه العدو. فقالوا: يرد على الذي اشتراه به، ويأخذ سلعته إن شاء، وإن شاء تركها.
وقد وجدت في الأثر: إنّ رجلا أخذ له العدو بعيرا، فاشتراه رجل من أيديهم، فخاصمه إلى النبيّ (ص) فقال له رسول الله (ص): رد عليه ما اشتراه به، وخذ بعيرك، وإن شئت دعه، فالله أعلم. هكذا وجدناه.
قال غيره: نعم، وقد قيل: إنّ رب المال يأخذ ماله، إذا صح، ولا ترى على مال مسلم ولا غنيمة عليه.
فصل: روي عن النبيّ (ص) أنّه قال: من اعترف شيئا، سرق منه أوصل منه، وأتى بالبيّنة عليه، فإنّ ما له يردّ عليه، ويتّبع المبتاع بيعه، الذي باعه بالذي له.
ومن جواب أبي جابر: اجتمع رأيهم في التاجر، ألا ترى إن ادّعى بشاهدين أنّ حقه عليه، وغاب مذ سنتين، فإذا صح ذلك، كتب إلى والي المصر، يسأل عنه ويجتهد، فإن قدر عليه، وإلا باع من ماله بقدر دينه، وللغائب حجّته إن قدّم. قال أبو عبد الله: في قطار من الإبل، لها قائد وسائق، ادّعى كلّ واحد منهما، أنّ القائد لها أولى بها، وهو ذو يد، إلا أن يكون في يد السائق منها شيء، فيكون ذلك من ما في يده. (3/130)
صفحة 680
ورجل راكب دابة يقودها به آخر، فادّعياها كلاهما، أنّ كليهما ذو يد فيها.
وسئل هاشم عن رجلين تنازعا في شيء، ليس في يد أحد منهما، فأقام أحدهما شاهدين، أنّه له، وأقام الآخر أربعة شهداء، أنّه له والشهود سواء. فقال: سمعنا في ذلك اختلافا. قال: وقد اجتمع من اجتمع من الأشياخ. فقال من قال: شاهدان وأربعة سواء. وقال من قال: من كان أكثر شهودا، فهو أولى.
ومن غيره قال: ولعلّ بعضا يقول: أن يكون لهم على عدد الشهود.
ومنه: غير أنّهم اجتمعوا بأنّ الإثارة، إذا أقام من ادّعى الإثارة شاهدين، وأقام من ادّعى الأصل أربعة، فطالب الإثارة أولى. وعن عبد الله قال: لأنّ الأصل يزول، والإثارة لا تزول. قال أبو عبد الله: بيّنة الرم أولى من بيّنة الأصل، إلا أن تكون بيّنة على الأصل، لاحق لهم في الرم، فهم أولى بالتحديد.
ومن تأليف أبي قحطان قال: بيّنة ذي اليد أولى من بيّنة المدّعى (3/131)
صفحة 681
وبيّنة الرم أولى من بيّنة الأصل، وبيّنة الحرّية أولى من بيّنة الرق، وبيّنة العرب أولى من بيّنة الموالي.
عن غيره: وسئل هاشم عن رجل اشترى من رجل متاعا بثمن يعطيه إيّاه، في تخمين إلى الصيف، وإلى القيظ. فقال البائع: في النجم الأوّل الثلثين والآخر الثلثين. قال: على البائع البيّنة. وقد قيل: على المشتري البيّنة. وعن رجل قال لرجل: قد ضمنت عن فلان بمائة درهم إلى شهر. وقال المضمون له: لا ولكن هي حالة. قال أبو محمّد: القول قول الضامن.
ومن غيره قال: نعم؛ لأنّ الضمان قد يكون إلى أجل، وإلى غير أجل، والبيوع حالة، حتّى يعلم أنّها إلى أجل. قال أبو محمّد بن علي: قال مسلم بن إبراهيم: حكم سليمان بن الحكم، وإلى صحار في رجل كان له على رجل دين دراهم، فماتا جميعا، وتركا أولادا، فأقام ولد أحد الرجلين بيّنة، أنّ لوالدهم على والد هؤلاء من المال كذا وكذا، وقد أتى على ذلك سنون، فحكم لهم أبو مروان بدين أبيهم، على والده في مال أبيهم.
ومن جواب أبي علي موسى بن علي: وعن رجل يعمل لرجل ماله (3/132)
صفحة 682
فافترض عليه ماء بغير إذنه، فلمّا أراد أن يقضي الماء، كره عليه صاحب المال وقال: إنّي لم آمرك أن تفرض على الماء، إنّما أمرتك أن تسقي قل أو كثر. قال: فما أرى على صاحب المال شيئا، إلا أن يعلم أنّ ذلك الماء أصلح مال الرجل، فإنّه يلزمه دون العامل. وقال محمّد بن محبوب –رحمه الله-: إذا كان في يد رجل أرض يأكلها، وأقام البيّنة على مأكلة الأرض، والأرض فيها ما قد فتى، وفيها ما بقي، وأقام رجل البيّنة، أنّ أصلها كان له، وليس مع الذي يأكل المال، أصل يشتري ولا غيره، إلا بما يأكله. فإن شهد له شاهدا عدل، أنّ هذه الأرض والنخل، كانت له ولأبيه، ولا يعلمانه ولا لوالده أزالا عنهما هذا المال، بوجه من الوجوه، فإنّ الأرض والنخل ثابتة له، ولا يلتفت إلى مأكلة الذي في يده النخل والأرض، إلا أن يحضر بيّنة عدل عليها، بشراء أو هبة منه، أو يشهد له الشاهدان، أنّه كان يأكل هذه الأرض والنخل، ويدّعيها. وهذا وولده إن كان، إنّما شهد الشهود بالمال لوالده، وهو عالم بدعواه، ولا يغيّر ذلك ولا ينكره. فإذا أقام شاهدي عدل شيء، ممّا وصفت لك، كان أولى بما في يده وما أكلته. (3/133)
صفحة 683
وروي عن النبيّ (ص) أنّه قال: لو أعطى قوم بدعواهم لاستحلّ قوم دماء قوم وأموالهم. ومن بعد الأحكام: أن يدّعى الرجل على الرجل مالا في يده، عبدا أو متاعا في بلد غير بلد الحاكم، وينظر المدّعى عليه ذلك. فإن كان مالا أو أصلا، من نخل أو أرض أو شجر، فأصحّ عليه البيّنة واليد، لا يجوز فيها حكمه، ولا يستطيع المدّعى أن يأخذه من يده بحكم ولا غيره. وإن وجد الحاكم للمدّعى عليه مالا أعطاه، مثل ما صح عنده أخذه من ماله. وإن كان في البلد الذي فيه المال، حكّام يعدلون بين الناس، لم يأخذ ماله، ويدفعه إليه؛ لأنّه لا يجوز حكمه في البلاد، وحكّامها أولى بها، إلا أن يصح عليه، أنّه اغتصبه إيّاه، فإنّه يأخذ له من ماله، مثل ما اغتصب منه. وكذلك إن كان سلطانا، اغتصب رجلا مالا في بلده، ثمّ صح عليه ذلك، أخذ من ماله، وإن وجد له مالا. وإن وجد له مثله، أعطاه وإلا قيمته في بلده؛ لأنّه إنّما عليه أن يؤدّيه إليه في موضعه وبلده، الذي اغتصبه إيّاه فيه، إلا أن يكون قدم به إلى مصر الحاكم أتلفه، فإنّه يأخذه له بقيمته في مصره، والله أعلم. وانظر في ذلك، واطلب الأثر فيه من المسلمين. (3/134)
صفحة 684
ومن غيره: وإذا شهد أربعة شهود، كلّ شاهدين شهدا بمائة درهم ثمن حب، وشهد شاهدان بمائة درهم عن حب، وشهد شاهدان بمائة درهم ثمن تمر، وشهد اثنان بمائة درهم دراهم. فعلى المشهود عليه مائتان. وعن أبي الحواري: وعن رجل قال: كلّ مال له تقرّ به فلانة، هو لزوجته أو لفلان، وفي قرية فلانة له أرض ونخل وعبيد، وغير ذلك من الحيوان. هل يثبت جميع ذلك، لمن أقرّ له به؟ فعلى ما وصفت، فهذا إقرار ثابت، إلا أن يحتجّ بالجهالة، ويقول: إنّه لم يكن عارفا بماله هذا، فله حجّته في ذلك، إذا احتجّ بذلك. وقلت: إن قالت بالبيّنة، لا يعرف ماله، الذي تقرّ به فلانة، وقد مات الرجل، أو هو في الحياة. فعلى ما وصفت، فإن شهدت البيّنة على إقراره، أنّه قال: كلّ مال له تقرّ به فلانة، فهو لفلان، فليس على البيّنة تعرفه ذلك المال، ولا عليهم في ذلك تحديد، فكلّ ما شهدت به البيّنة، غير الذي أقرّ معهم بذلك، وقالوا: هذا المال لفلان المقر، يثبت ذلك المال، لمن أقرّ له به، وقد يثبت ذلك ما يثبت في حياته وبعد موته.
من غيره: رجل له على رجل حق. فقال: أشهدوا أنّي قد تركته له، ثمّ لم يبرئه من الحق، أو قال: قد أبرأته منه، ولم يسم بالحق ولا بالرجل. هل يبرأ؟ (3/135)
صفحة 685
فعلى ما وصفت، فأمّا عند الحاكم، فإذا دخل في هذه الحجّة، لم يحكم عليه بترك حقه حتّى يقول: إنّي قد تركت له حقّي، وقد أبرأته منه، إلا أنّ عليه اليمين، ما ترك له هذا الحق الذي عليه. فإن حلف كان له حلف، وإن لم يحلف، لم يكن له شيء. فإن ردّ اليمين على الغريم، لم يكن على الغريم اليمين، إلا على ما قال: قد تركت له، وقد أبرأته، ولا يحلف على غير ما حفظ من اللفظ. وأمّا في ما بينه وبين الله، فإن كان عنى بذلك الترك، وذلك الإبراء، أن يحقّه لغريمه، فلا يسعه أخذه، إذا قال غريمه: قد قبلت. وإذا أخل رجل لرجل دابة، فباعها فرفع صاحبها على البائع والمشتري، وطلب من المشتري لها إحضارها، ليقيم عليها البيّنة. فقال المشتري: قد بعتها لرجل غاب عنها. فعن أبي عبد الله: إنّه إذا أنكر المشتري ما ادّعاه المدّعى من الدابة، فلا أرى عليه إحضارها، وعلى المدّعى أن يطلب دابته، ويقيم عليها البيّنة، حيث وجدها، إلا أن يقيم شاهدي عدل، أنّ الدابة التي باعها هذا، هي دابته، فإنّ على البائع لها أن يحضرها، حتّى يقيم عليها صاحبها البيّنة. عن الشعبي: إنّ عمر ساوم بفرس، فحمل عليها رجل ستوره، فعطبت فقال عمر: هي من مالك. وقال صاحبه: هي من مالك. فقال: (3/136)
صفحة 686
اجعل بيني وبينك رجلا. فقال لعم شريح العراقي فحكماه فقال شريح: إن كنت حملته عليها بعد السوم، فهي من مالك يا أمير المؤمنين، وإن كنت حملته قبل السوم، فلا. فعرفه عمر وبعثه قاضيا على أهل الكوفة. وسألته عن رجل أرسل إلى رجل بعلامة منهما، فأمره أن يأخذه بهذه العلامة، عشرة دراهم، فأخذها منه عشرين دراهما. كم يلزم المرسل؟ ما أرسل فيه أو الجميع؟ قال: يلزمه عشرة دراهم، وعليه يمين.
قلت: فعلى الرسول ضمان الباقي؟ قال: إذا أثبت حياته، فعليه الضمان، وإلا فلا شيء عليه إلا اليمين.
ومن غيره: اختلف في الذي يدّعي إلى خصمه بيعا، فيدّعى المدّعى عليه، فساد البيع. قال من قال: المدّعى لإثبات البيع، هو المدّعى؛ لأنّهما يقرّان أنّه بيع، وقد يكون البيع جائزا وغير جائز. ومن يقر بالبيع، ثمّ يدّعي نقضه من بعد ثبت عليه بسكوت، وإنّما أقرّ نقضه متّصلا، والكلام المتّصل ينقض بعضه بعضا. قال من قال: المدّعى لنقض البيع وفساد مدّع، ويثبت عليه، إلا أن يصح دعواه. (3/137)
صفحة 687
وقال من قال: القول قول من في يده السلعة والبيع يمينه. قال من قال: ما لم يصح البيع بإقرار منهما أو بيّنته، وكلاهما يدّعى على ما يدّعى بالبيّنة. وإن لم يصحّا بيّنة جعلا على ذلك، وترادد البيع. وهذا في الدعوى في فساد البيع وتمامه. وسألته عن رجلين وصلا إلى الحاكم، في يد أحدهما لفلان. قال أحدهما: هذا بعث له هذين النعلين بدرهم. وقال الآخر: رهنهما عندي بدرهم. قال: النعلان في يد الذي يقول: إنّهما عندي رهن، والبيّنة على الذي يقول: إنّه باع. قال أبو عبد الله: في رجلين جاءا وفي أيديهما كيس فيه دراهم، فادّعى كلّ واحد منهما، أنّ هذه الدراهم له دون صاحبه. قال: ادع كلّ واحد منهما بشاهدين أنّها له، ولا يعلم للآخر فيها حقا. وإن أقام كلّ واحد منهما شاهدي عدل، قسمتها بينهما نصفين، من بعد أن استحلف كلّ واحد منهما يمينا بالله، أنّ له نصفها، وما يعلم للآخر فيها حقا. (3/138)
صفحة 688
ومن لم يحلف منهما، حكمت للآخر بالنصف منها، وأوقفت النصف الآخر في يد ثقة، حتّى يقر به هذا للآخر، واستحلفه عليه، وأدفعه إليه. قلت: فإن كانت دابة على هذه الصفة. أتأمر ببيعها، ويدفع إلى الذي حلف النصف، ويوقف النصف في يد الثقة؟ قال: نعم. فإن عجزا كلاهما البيّنة، استحلف كلّ واحد منهما يمينا بالله، أنّ له نصفها، وما يعلم للآخر فيها حقا، ثمّ قسمتها بينهم.
ومن غيره: وقد قيل: أيّهما نكل عن اليمين قطعت حجّته، وحكم بها للآخر. وعن حماد: وعن رجلين ادّعيا كيسا في أيديهما؟ قال: بينهما نصفان. وإن قال أحدهما: لي نصفه، وقال الآخر: لي كلّه. قال: للذي ادّعى النصف الربع، وللآخر ثلاثة أرباع. قال الربيع: إن كان أصل الكيس في يد رجل، والمال في أصله، ورأس الكيس في يد الآخر، فإنّ المال لصاحب الذي أصل المال في يده. وقال أبو عبد الله: نأخذ بالقول الآخر. (3/139)
صفحة 689
وقال غيره: نعم، قد قيل في الذي في يده، وليس الكيس أولى؛ لأنّ رأسه موضع قبض صاحبه. وزعم هاشم: إنّ الخصمين إذا اختصما، فادّعى أحدهما على صاحبه دينا لأمّه، أو لرجل غائب، وقال: أخبرني ولم تكن بيّنة، فعلى المدّعى عليه اليمين. فإن نكل، حبس حتّى يعطى أو يحبس.
ومن غيره: معي، أنّه أراد أو يحلف. وإن ادّعى لنفسه، ولم تكن بيّنة، فعلى المدّعى عليه اليمين، فإن نكل حلف المدّعى وأخذ حقّه، فإن نكل، فلا حق له.
وقال غيره: وهذا إذا ادّعى الخصم من قبل أبيه، أنّه أخبره، وأخبره أنّ عليه لأبيه كذا وكذا، أو نحو هذا. فقال من قال: اليمين هاهنا على المدّعى عليه خاصة. وقال من قال: إذا ردّ اليمين إلى المدّعى، حلف لقد أخبره والده أو فلان، أنّ عليه كذا وكذا. وقال من قال: من ادّعى على رجل عشرة دراهم، فقال المدّعى عليه: قد كان له عليّ عشرة دراهم، وقد أوفيته إيّاها، وأعطيته إيّاها كلاما متّصلا، كان القول قوله في ذلك؛ لأنّه لم يقر له بشيء، إلا وقد هدمه بالعطية كلام متّصل. (3/140)
صفحة 690
ورجل دفع إلى رجل دراهم يشتري له بها شيئا، ويأتيه به، قال المؤتمن: إنّما دفعها إليّ وأمرني أن أدفعها إلى فلان. فإنّ القول قوله؛ لأنّه أمين، وعلى صاحب الدراهم البيّنة، بما ادّعى عليه، أنّه خالفه في ما أمره، وإلا فعلى المؤتمن يمين. وكذلك إن قال: أمرني أن أشتري، وقد اشتريت ودفعته إليه. فالقول قوله؛ لأنّه أمين، وعليه اليمين.
قال غيره: قد قيل: إذا ادّعى أنّه أمره، أن يسلّمها إلى فلان، وقد سلّمها، وأنكر صاحب الدراهم. كذلك إن قال صاحب الدراهم: أئتمنتك عليها. وقال الأمين: أمرتني أن أشتري لك بها كذا وكذا، وقد اشتريت لك ذلك، وسلّمته إليك، فأنكره أنّه لم يأمره بذلك، كان ضامنا له. وعن رجل عليه لرجل مائة درهم، فأقرّ بها، وقال: قد قبضت منّي منها كذا وكذا، وقال الطالب الذي قبضت منك كذا وكذا: هو كما سمّيت، ولكن ذلك من غير هذه الدراهم المائة، التي أقررت لي بها. ما القول في ذلك؟ قال: إذا أقرّ أنّه قبض منه شيئا، فهو من ماله عليه، إلا أن تصح له بيّنة عدل، أنّه من حق له غير هذا. قال محمّد بن محبوب: كلّ من صح له، أنّه دفع إلى رجل شيئا، فعلى المدفوع إليه ردّه إلى الدافع، إلا أن يستحقّه بشيء. (3/141)
صفحة 691
فصل: وللحاكم أن يحتجّ بالواحد الثقة، إذا بعثه إليه، واحتجّ عليه، ثمّ البيّنة، وينفذ الحكم عليه، وسل عنها. وقال محمّد بن موسى: يحفظ عن والده موسى بن محمّد: إنّ موسى بن علي –رحمه الله- كان إذا صح معه الحكم، لم يحتج على أحد.
من كتاب آخر بخط موسى بن محمّد عن أبي عبد الله: وعن رجل رفع على رجل بحق له عليه، فأقرّ له به مع الوالي وقال: نعم. وقال: يصحبني إلى منزلي، حتّى أدفع إليه حقّه، وكره الآخر أن يقبضه منه، إلا مع الوالي، وهما في بلد واحد، ولم يكن عليه شرط. فأرى عليه أن يدفع إليه حقّه، في موضع الحكم عند الوالي. ومن ما يوجد أنّه عن أبي علي: ومن فرّ من حبسكم، فلم تقدروا عليه، فذلك الذي ينادي على ماله، ويجتهد فيه لاستقصاء الثمن، ينادي عليه ثلاث جمع، فإن بلغ ثمنا، يعلم بقدر ما عليه من الحق. فإن رأيتم أنّ الثمن لم يبلغ في ثلاث جمع، لم تعجلوا حتّى تعودوا في جمعة أخرى أو أكثر، ثمّ تبيعوا إن شاء الله. وعن رجل كان يطلب رجلا بدراهم، فقامت عليه البيّنة، وهو يجحد بها. قال: يستوفي من المعترف، ولا سبيل على الأوّل.
ومن غيره قال: إذا قامت عليه البيّنة العادلة، فقد صحّت. (3/142)
صفحة 692
فإن أقرّ بها غيره بتلك الدراهم بعينها، فلصاحب الدراهم الخيار: إن شاء أخذ من هذا، وإن شاء أخذ من هذا. وعن رجلين ادّعى كلّ واحد منهما على صاحبه دراهم، وأقاما على دعواهما البيّنة العادلة، ثمّ اتفقا على أن يهدم كلّ واحد منهما على صاحبه، ثمّ أرادا الرجعة على بعضهما بعضا. فإن كانا عارفين بما هدما عن بعضهما عن بعض، جاز الصلح، وبطل دعوى كلّ واحد منهما. وإن لم يكونا عارفين بدعوى بعضهما بعض قال بعض: وليس عليهما بعد المعرفة بالصلح، وهدم الحق قبول، ولو فعلا لكان أبين.
من ما أحبّ من جواب أبي المؤثر: وعن رجل ادّعى على رجل مائتي درهم، وأحضر عليه شاهدين بثمانين درهما، وشهد عليه آخران عليه له عشرين ومائة درهم، وأقرّ المطلوب بأخذ الشهادتين، وأنكر الأخرى. فإنّ عليه المائتين جميعا بشهادة الشهود، وليس ينظر في إقراره ولا في إنكاره. وأمّا إن كان أقرّ بالثمانين، ولم يشهد عليه بها أحد، وشهد شاهدان بعشرين ومائة، فإنّما عليه عشرون ومائة.
ومن غيره قال: نعم؛ لأنّ الثمانين داخلة في العشرين ومائة. (3/143)
صفحة 693
قلت: وكذلك إذا أحضر عليه شاهدين بمائة درهم، وأحضر عليه شاهدين آخرين بمائة درهم، فإنّما عليه مائة درهم. وقلتم: وكذلك إن شهد عليه شاهدان بمائة درهم، ولم يسمّيا من أيّ وجه هي، وشهد عليه آخران، من بيع بينهما، أو من جهة معلومة، فإنّما عليه مائة، حتّى يشهد عليه هذان بمائة درهم، من جهة أخرى، غير الجهة التي شهد بها الشاهدان الآخران. فإذا شهدوا كذلك، فهما مائتان. وقلتم: أرأيت إن أحضر عليه شاهدين بمائة درهم، وأحضر عليه شاهدين آخرين، أنّ عليه مائة له مائة درهم، غير هذه المائة، التي شهد بها هذان الشاهدان الآخران. فإنّي أرى شهادتهما مقبولة، وهما أولى بما شهدوا به، والله أعلم. وإنّما يحكم للمشهود له بما شهدت له به البيّنة، بعد أن يستحلفه الحاكم على ذلك، إذا طلب المشهود عليه يمينه. وقلتم: أرأيت إن شهد عليه شاهدان، أنّه أقرّ أنّ عليه مائة درهم حالة، وشهد عليه آخران، أنّ عليه مائة درهم، إلى أجل كذا وكذا. فهل تكون هذه مائة أو مائتين حالتين؟ قلتم: وكذلك إن شهد عليه شاهدان، أنّه أقرّ أنّ عليه مائة درهم، تحلّ في شهر رمضان، وشهد آخر أنّه أقرّ أنّ عليه له مائة درهم، تحلّ في شوّال. فهل تكون هذه بهذه الشهادة مائتين أو مائة؟ وما تكون حالة أو إلى الأجل الذي سمّياه؟ (3/144)
صفحة 694
فهذه عندنا مائتان؛ لأنّه أقرّ بإقرارين، وهما حالتان عليه؛ لأنّه قد لزمه إقراره، ولم تقبل دعواه في الأجل، إذا ادّعى الطالب، أنّها حالة مع يمين الطالب، أنّها حالة.
عن غيره قال: إذا شهد عليه شاهدان، أنّ عليه له مائة درهم، إلى أجل، فهما مائتا درهم، وأحدهما حالة، وأحدهما إلى الأجل المسمّى. وأمّا إن شهد عليه شاهدان، أنّه أقرّ أنّ عليه له مائة درهم حالة، وشهد آخران، أنّه أقرّ أنّ عليه له مائة درهم إلى أجل، فهما مائتا درهم حالة، وهم مدّع في الأجل. وقلتم: أرأيتم إن شهد أنّه أقرّ أنّ عليه مائة درهم إلى أجل مسمّى. هل تكون هذه شهادة متّفقة؟ فهذه عندنا شهادة مختلفة، ولا أراها تثبت للطالب حقا، وإنّما على المطلوب اليمين. قال الذي معنا: إنّ هذا الكلام ناقص، وأنّه أسقط من الكلام. والذي يخرج معنا، أنّه شهد شاهد أنّه أقرّ أنّ عليه له مائة درهم حالة، وشهد شاهد أنّه أقرّ أنّ عليه مائة درهم إلى أجل. هذا يخرج معنا المسألة؛ لأنّ الشاهدين مختلفان في ما اختلفا من وجهين، بطلب الشهادة. وقد اتفقت على المائة، إذا اختلفا في الأجل؛ لأنّ اختلافهما في الأجل، اختلاف في الشهادة. (3/145)
صفحة 695
وعن رجل ادّعى على رجل مائة درهم، وأحضر عليه شاهدين، وحكم عليه الحاكم بها، فسلّمها إلى الطالب، ثمّ عاد الطالب، فادّعى عليه مائة درهم أخرى، وأحضر عليه شاهدين آخرين بمائة درهم. هل تثبت عليه هذه المائة؟ فلا نرى هذا، تثبت عليه؛ لأنّه صار بريئا مع الحاكم، بتسليم الأوّل المائة التي سلّمها إلى الطالب. فإذا وجبت عليه البراءة مع الحاكم، لم يكن للطالب عليه مائة أخرى، إلا أن يأتي شاهدان يشهدان عليه، ويؤرّخان في المسألة تأريخا، تعرف أنّها وجبت عليه، بعد تسليم المائة الأولى. ولو شهد أنّ هذه المائة غير المائة الأولى، التي حكم بها الحاكم، فنثبت عليه مائة أخرى.
ومن جواب محمّد بن محبوب: وعن رجلين يتنازعان في أمّة قال أحدهما: أعطني ثمن جاريتي أربعمائة درهم. وقال الآخر: زوّجتنيها وهي حامل. وقال سيّدها: لم أزوّجكها ولكنّي بعتكها. فقولنا في ذلك: إنّ كلّ واحد منهما يدّعى بالبيّنة، فمن أتى ببيّنة على ما يدّعى، لا أرى التزويج يثبت، ولا البيع إلا بالبيّنة، فمن قامت له بيّنة عادلة على دعواه، كان القول قوله. ورأيي إن كانت حاملا، فهو من المقر به، وهو عبد السيّد. وإن أحضر كلّ واحد منهما بيّنة على ما قال، فإنّي أرى البيع لازما لرجل، وعليه أن يحضر البيّنة، وسمّيت به. (3/146)
صفحة 696
وإن أقام الآخر بيّنة عدل، على أنّه سيّدها، فالسيّد ينكر ذلك، فالتزويج ثابت، وإن لم يدل خبر المدّعى للتزويج على نقض البيع، لتحلّ لسيّدها. أمّا بعد الإحلال، إذا تقادمت، فإنّك تسأل المدّعى عن الأصل، أنّه كان له أمة، فإذا أقرّ السيّد بذلك، فسله البيّنة، أنّه كان مظلوما، أو أخوه أمر من كان له ذلك المال. فإن قامت البيّنة، أنّهم جاروا عليه، ظلموا فيه، فادفع إليهم المال. وإن لم تقم بذلك بيّنة، فحلف الذي في يده المال، أنّه لم يكن له علم بما يدّعى هذا المدّعى إليه، فإن حلف فأقرّ المال في يده، فهذا المال يجري بين النسول، إذا كان نسل يدّعى إلى نسل، فافهم ذلك. وإذا ادّعى نسل إلى غير نسل، فاسأل النسل البيّنة، أنّ المال الذي يدّعيه ماله، فإذا أقام البيّنة، بذل نسل المدّعى عليه، الذي ليس بنسل بما يأكل هذا المال. فإن ادّعى أكله بصدقة أو عطية أو نحل أو بيع، من الذي كان له المال، وصاحب المال محاضر لذلك، لا يغيّر ولا ينكر، لما يدّعي من ذلك، فأقرّ المال في يده، وليس صاحب الأصل شيء بعد ذلك. وهذا باب آخر: وإذا ادّعى مدّع إلى أحد، والمدّعى عليه ليس بنسل، فسل المدّعى البيّنة بما يدّعي. فإن أقام بيّنة عدل، بما يدّعى أنّ الشيء شيئه، فسل الذي في يده الشيء بما هو في يده. (3/147)
صفحة 697
فإن ادّعى دعوى، يدّعي أنّها له واجبة، فسل على ذلك البيّنة، فإن أقام البيّنة، فالمال ماله. وفي مال الغائب، إذا لم يقم الذي في يده بيّنة، أنّه اشترى من مسلّط أو موكّل أو موصى، أمره أن يبيع ماله، فالغائب أحقّ عليه، إذا لم بيّنة بالذي ذكرت. فإن أقام البيّنة بذلك، سلّط صاحب المال، حتّى يسلّطه. وعن رجل اشترى جارية أو دارا، وأشهد على ذلك قوما، وأنّ بعض الناس ادّعاها وأقام على ذلك البيّنة. فقال: إذا كانت بيّنة عدل، قضى له بها.
ومن غيره: وعن الحاكم إذا حضر إليه رجل وامرأة، فادّعت المرأة على الرجل دعاوي كثيرة، وهي ساترة وجهها، فأمر بها أنّها خصمه فلانة بنت فلان. فهل يحكم الحاكم على هذا، ولا ينظر إلى وجهها؟ قال: قد قيل: إنّ الحاكم لا يحكم، إلا على الرؤية التي تثبت بها صحة الدعوى، أو بيّنة على المدّعى المستتر، أنّه فلان بن فلان، وأنّه خصمه الذي يتداعيان على المعنى. قلت: أرأيت إن قعدت هذه المرأة عند القاضي، وشهد صحّة معرفتها جماعة من سائر الناس، يعرفون واحد بعد واحد، أنّ هذه هي زوجة فلان ابن فلان، من أحد أربعة نفر فصاعدا، رجالا ونساء. فهل تكون هذه شهرة، يصح الحكم لها وعليها من ذلك. بيّن ذلك –رحمك الله-. (3/148)
صفحة 698
الجواب: ذلك جائز في ما وجدت، ما لم تنكر المرأة ذلك، والله أعلم.
أرأيت إن كان مع هؤلاء عدل مقبول الشهادة. فهل تصح شهادة هذه المرأة، بشهادته مع شهادتهم، أعني النفر الذين من سائر الناس؟
الجواب: قد مضى جواب ذلك قبله، والله أعلم.
وعن امرأة إذا كانت بين يدي الحاكم، هو لا يعرفها باسمها، ثمّ أرادت أن تقيم وكيلا ينازع لها في حق لها. قلت: هل يجوز أن يقول لها وكيل عند الحاكم، وهو لا يعرفها بنسبها، إذا لم يجد ثقتين يعرفهما الحاكم، يشهدان بإقامة الوكيل. قلت: فكيف حتّى يكون وكيلا لهذه المرأة؟ فعلى ما وصفت، فلا تكون الوكالة مع الحاكم ثابتة، إلا بعد معرفة المرأة بنسبها وبحليتها المعروفة، وبصفتها الشاهرة فيها، فافهم ذلك. وأن تقيم وكيلا بحضرة الحاكم، ينازع لها خصمها، وتحضر كلّما أرادت المخاصمة، حتّى تكون الوكالة على هذا الوجه، لا على المعرفة، وتكون الوكالة بحضرة من الحاكم، فيكون الخصم قد قامت عليه الحجّة، بمعرفة وكالة الوكيل من المرأة بحضرتها، أو مخاصمة خصمها هذا خاصة، أو يقرّ الخصم أنّ هذا وكيل خصمه، ولو لم يعرف ذلك الحاكم، فافهم هذه الفصول. وعن المرأة، إذا لم يكن لها ولي ولا عشيرة، تعرف لها، وطلبت أنّ زوج برجل يقول: إنّه كفؤها. (3/149)
صفحة 699
فالذي عرفنا في ذلك، إذا طلبت المرأة التزويج، وادّعت أنّها لا ولي لها، فإنّ الحاكم يدعوها إلى ذلك بالبيّنة، ولا يحكم الحاكم في ذلك بعلمه، أنّه لا يعلم لها وليا بعمان. وإنّما يدخل الحاكم في ذلك، إذا أحضرت المرأة البيّنة العدل، أنّهم لا يعلمون لهذه المرأة وليا بعمان، ولا يعلمون أنّ لها زوجا، ولا يعلمون أنّها في عدّة من زوّج. فإذا صح هذا بالبيّنة، كان للحاكم الدخول في تزويجها. فإذا كان من من له التزويج، لمن لا ولي له من النساء، مثل الإمام والقاضي والوالي، فإنّه يقيم للمرأة وكيلا. والقول في ذلك أن يقول: قد أقمت وقد جعلت فلانا وكيلا في تزويج فلانة بنت فلان هذه. أو قد وكّلت فلان بن فلان، في تزويج فلانة بنت فلان. وكلّ هذا اللفظ جائز، إن شاء الله، والله أعلم. ولا يجب أن يقيم الوالي، ولا من جعله الإمام، بإنفاذ الأحكام معه، أن يقيم للمرأة وكيلا غير ثقة في تزويجها، فلعلّه يخالف أمره. فإن فعل ذلك، لم أقل: إنّه قد فعل ما لا يجوز له، إذا أتى الوكيل على وجهه، ولا يفعل إن كان لم يفعل؛ لأنّ هذا من أمانته، التي جعلها له دون غيره. (3/150)
صفحة 700
وعن أبي الحسن: وسألته عن رجل أدخل رجلا في ماله، يعمله له فيدين العامل دينا من عند صاحب المال ومن غيره، فلمّا حصد العامل عمله، وطلب إليه صاحب المال، أن يقضيه ما عليه له، فقضاه جميع ما أصاب من عمله بما عليه له. هل لصاحب المال ذلك على العامل، إذا كان صاحب المال يعلم، أنّ على العامل دينا لغيره، أو كان العامل أقرّ بالدين، قبل أن يقبض صاحب المال ما عليه له؟ قال: إذا كان صاحب المال، علم بما يلزم العامل من دين الناس، كان العامل أقرّ معه، أو كان هو عالما بذلك، وصحّ معه، ثمّ أقضاه العامل ما عليه له، ثمّ طلب الغرماء بعد ذلك، لم يكن على المقتضى إثم، إذا كان إنّما قضاه قبل أن يطالبه الغرماء. وإن كان الغرماء طالبوه بحقوقهم، من قبل أن يقبضه، فليس له أن يقبض من العامل، إلا بقدر حصّته، من ما يوجب له، في مال العامل، إذا كان العمل إذا قسم على الغرماء، ماله الربع أو أقل أو أكثر، فليس له أن يقبض من العامل إلا بقدر ما يجب له.
قال غيره: قيل: إنّ الحي في هذا غير الميّت، وله أن يقضي ولو طالبه الغرماء، ما لم يحجر عليه الحاكم ماله، أو يفلسه الحاكم. وقيل: الحاكم ينفذ الحكم بحضره من حضره. وإن لم يحضره أحد، لم يكن عليه أن يحضر أحدا. (3/151)
صفحة 701
باب في الدعوى في شيء واحد من وجهين
من كتاب لأبي صفرة: وإذا كانت الدار في يدي رجل، فادّعاها رجل، أنّ أباه مات، وتركها ميراثا عليه القاضي، وجحد ذلك الذي هو في يده. وقال المدّعى: مات والدي منذ سنة، وتركها ميراثا، فسأله الحاكم شهودا، فأتاه شهودا أنّه اشتراها هو من الذي هي في يده، منذ سنتين، ولم يذكروا أباه. فإنّ هذا لا تقبل منه البيّنة، في قول بعضهم؛ لأنّ هذا نقض لدعواه الأولى نقض للآخرة. وكذلك لو ادّعى هبة أو صدقة. وإذا كان في يدي رجل، فادّعى رجل آخر، أنّ الذي في يده تصدّق به عليه من سنة، وقبضه وجحده الذي في يده، فسأل القاضي المدّعى البيّنة على ما يدّعى، فجاء المدّعى ببيّنة، أنّه اشترى منه مذ سنتين. فإنّ هذا لا يقبل منه؛ لأنّ دعواه الأولى تنقض دعواه الأخرى. وكذلك لو ادّعى أوّل مرّة الشراء، ثمّ جاء بالشهود على الصدقة، فإنّ ذلك لا يقبل منه. وإن ادّعى الصدقة، مذ سنة، وجحده الذي (3/152)
صفحة 702
أنّه اشتراها مذ شهر، وقال: جحدني الصدقة، فاشتريته منه، فإنّه تقبل من هذ البيّنة، ويقضي له بالعبد. وكذلك لو ادّعى الشراء مذ سنة، وقال: جحدني فسألته فتصدّق به على بعد ذلك، وأقام البيّنة على ذلك، فإنّه يقبل منه الشهود على ذلك، ويقضي له بالعبد. وكذلك لو ادّعى أنّ أباه مات، وترك ميراثا لا وارث له غيره، مذ سنة، وقال: جحدني ذلك، ولم تكن له بيّنة، فاشتريته مذ شهر، وأقام على ذلك بيّنة. فإنّه يقبل منه ذلك، ويقضي له بالعبد. ولو ادّعى مذ سنة من أبيه، على ما ذكرنا فقال له القاضي: هات بيّنة. فقام من عند القاضي على ذلك، فجاءه بالبيّنة على الشراء، أنّه اشتراه منه، بعد ما قام من عند القاضي، وقال: جحدني الميراث، فاشتريته منه. فذلك يقبل منه. وإن ادّعى رجل أمة في يدي رجل، وقال: اشتريتها بعبدي هذا، مذ سنة، وجحد البائع ذلك فسأله القاضي البيّنة، فأتاه بشاهدين فشهدا أنّه اشتراه منه، مذ قام عند القاضي بألف درهم وقال: جحدني البيع الأوّل، ولم تكن له بيّنة. فإنّه يقبل منه ذلك، ويقضي له به. (3/153)
صفحة 703
ولو كان جاء بشهود بعد هؤلاء، فشهدوا أنّه اشتراه منه مذ سنة أو أقل من ذلك، ولم يقبل؛ لأنّ دعواه في الأولى تنقض هذه. وإذا ادّعى رجل عبدا في يدي رجل، أنّه له، أو دارا أو أرضا، أو شيئا من الحيوان، أو عرضا من العروض، فقال: هذا لي وجحده الذي هو في يديه، فسأله القاضي البيّنة، فجاء بالبيّنة أنّه اشتراه من الذي هو في يديه بثمن مسمّى، ونقده الثمن. فإنّه يقبل منه ذلك؛ لأنّ دعواه الأولى، يوافق هذه الدعوى. وكذلك لو جاء بالبيّنة، أنّه اشتراه من الذي جاء بالبيّنة، أنّ أباه مات، وتركها ميراثا، لا وارث له غيره، فإنّه يقضي له بذلك؛ لأنّ دعواه الأولى لا تنقض دعواه هذه. وكذلك لو كان معه وارث غيره، فإنّه يقضي له بحصّته من ذلك. وكذلك إن ادّعى لغيره، وأنّه وكّله الخصومة فيه، فإنّه يقضي له إذا أقام البيّنة على ذلك؛ لأنّه أخرجه من نفسه لدعواه الأخرى. ولو ادّعى أوّل مرّة، أنّه لفلان بن فلان، وأنّه وكّله في الخصومة فيه، فإنّه يقضي له، إذا أقام البيّنة على ذلك؛ لأنّه أخرجه من نفسه لدعواه الأخرى. ولو ادّعى أوّل مرّة، أنّه لفلان بن فلان، وأنّه وكّله في الخصومة فيه، ثمّ أقام البيّنة أنّه له، لم يقبل منه ذلك؛ لأنّ دعواه الأولى تنقض دعواه الآخرة. وكذلك لو ادّعى أنّه لرجل، وأنّه وكّله بالخصومة فيه، فإنّه لا يقبل ذلك منه، ولا يصدّق عليه. ولو ادّعى للرجل، وادّعى أنّه وكّله بالخصومة فيه، ثمّ قال بعد (3/154)
صفحة 704
ذلك: باعه من فلان وهو يملكه. ووكّلني فلان للمشتري بالخصومة فيه، وجاء بالبيّنة على ذلك، فإنّه يقبل منه ذلك، ويقضي للعبد للموكّل الأخير. وإذا ادّعى رجل دينا على رجل بألف درهم، في صك جاء به وباسمه، ثمّ جاء بالبيّنة، أنّ ذلك المال بعينه لغيره، وأنّه قد وكّله بالخصومة فيه، لم يقبل ذلك منه؛ لأنّ الوكيل يقول: لي على فلان. يعني الذي وكّلني وهو صادق في ذلك.
الضياء: ومن ثبت له على رجل ثوبا لا يعلم ذرعه ولا جنسه، ولا بيّنة معه، بقيمة معروفة، فإنّه لا يذهب ما ثبت له، وهو الوسط من ذلك. (3/155)
صفحة 705
باب في الولد
بلغنا عن عمر بن الخطّاب –رحمه الله-، كتب إلى شريح: إن أقرّ الرجل بولد، لم يكن له أن ينفيه. وإن أقرّ الرجل بولد من سرية، لم يكن أن ينفيه. وإن حبلت الأمة عند رجل، ثمّ باعها فولدت عند المشتري لأقل من ستّة أشهر، أتته ثمّ ولدت ابنتها ابنا، فأعتق المشتري ابن الابنة، ثمّ ادّعى الباع الابنة، أنّها ابنته، فإنّه يصدّق على ذلك، ويبطل عتق المشتري، ويكون الابن حرّا من الأصل. ألا ترى لو أنّ رجلا ولد عنده غلام، ثمّ ولد الغلام ابنا، فباع المولى ابن الولد فأعتق، ثمّ ادّعى المولى الولد الذي عنده، أجزت دعواه، وأبطلت بيع الابن وعتقه، وهذا بمنزلة القوم. ولو لم يبع ابن الابن، ولكنّه باع الابن نفسه فأعتق، ثمّ ادّعى الحر الدعوة، عتق ابن الابن، الذي في يديه، ولابنتيه بيع الولد، وعتقه عتق ولد ولد الولد. ولو باع الولد نفسه، ثمّ مات عند المشتري، ثمّ ادّعى الحر دعوته، وعتق هذا؛ لأنّه ليس هاهنا ولد يثبت نسبه. وإذا حبلت الأمة عند الرجل، ثمّ باعها فولدت عند المشتري ولدين (3/156)
صفحة 706
أحدهما لأقل من ستّة أشهر بيوم، والآخر من ستّة أشهر بيوم، وادّعى المشتري أحد الولدين، وادّعى البائع الولدين جميعا. فإنّهما ابنا البائع، والأمة أمّ ولديه، وينقض البيع، ويردّ عليه ما قبض من المشتري. وإن ادّعاهما ونفى، فإنّهما ابناه أيضا. وإن نفاهما المشتري، وادّعاهما البائع فهما ابنا البائع. وإن نفاهما جميعا، وشكا فيهما، فلم يقرّ بهما، فهما عبدان للمشتري، وأمّهما له. وإذا حبلت الأمة عند الرجل، ثمّ باعها وقبض الثمن، وقبضها المشتري، فولدت عند البيع في يوم، ومكثت ستّة أشهر، ثمّ ولدت ولدا من غير زوج، فادّعى البائع الولدين جميعا، فإنّهما ابناه، وتردّ الأمة إليه، وتكون أمّ ولديه، ويردّ الثمن. وسألته عن ما يكون في بيت المال، من خطأ الإمام وحاكمه. قال: قد قيل: ما قصد إليه من الحق، فأخطأ بغيره من الباطل، وكان ذلك يبصر، لا على التجاهل في الحق، فقد قيل: إنّه في بيت مال الله. وأمّا إذا انتهك ما يدين بتحريمه، من اتباع هواه، والدخول في الأحكام، لا على سبيل تأويل كتاب الله، ولا سنّة، ولا أثر، وإنّما اخترع الأشياء من نفسه تجاهلا. (3/157)
صفحة 707
فذلك في ماله ونفسه صاغرا. وقال من قال: ما خالف الكتاب والسنّة والإجماع، أنّه في ماله. وأمّا ما يكون في بيت مال الله من أحكامه، ومن أفعاله، ما دون ذلك، ولو دخل بجهل وظن، أنّه يجوز له ذلك. وإذا كان الإمام قد أمر رجلا بقبض الصدقة، وما خرج من أحكام العدل في جميع أموره. فإذا كان يبصر الأحكام، ويدخل فيه بعلم، على وجه الخطأ في الحكم، فهو عندي في بيت مال الله، إذا تلف، ولم يقدر على ردّه. وما قدر على ردّه، من ما خالف الكتاب والسنّة والإجماع، فهو مردود إلى أهله، ملحوق حيث ما كان، أن يجوز ردّه. وإن لم يلحق ردّه، كان في بيت مال الله، في الأنفس في بيت مال الله، ولا قود عليه فيه. وقد بلغنا عن عمر بن الخطّاب –رحمه الله-: إنّه كان يهدّد بما لا يفعل. وقد بلغنا أنّه دعا بسكّين أو موس، ليقطع لسان بعض الشعراء، ولم يفعل. وقد بلغنا أنّه دخل المسجد، فوجد فيه إنسانا يعمل فيه شيئا من أعمال الدنيا، فرفع له الدرة، ليضربه بها ولم يفعل، أو أشباه هذا. (3/158)
صفحة 708
قلت: فإن طلب أحد من الجبهة والمشائخ، أن يدع له زكاة ماله، وهو من يرجى منه الكفاف والمؤنة، إذا ترك له ويخاف منه ترك ذلك. ومن اتهم قبل موته بضربه، فليس لأوليائه أن يتّهموا غير من اتهم، إلا أن يقول المصاب: إنّ هذا الذي سمّى من من ضربه، وضربه قوم آخرون. فإن سمّى بهم هو وأولياؤه، كان ذلك لهم. وكذلك إذا اتّهم ورثته من بعده، أن قالوا: إنّ فلانا هو الذي قتل صاحبهم. وليس لهم أن يطلبوه إلى غيره. فإن اتهموا ذلك وغيره، كان لهم ذلك. وقيل: إذا استقصى الإمام لهم، حبس واحد، فليس لهم من بعد أن يتّهموه غيره، ولا يحبس لهم أحدا بعد ذلك، إلا بصحّة. وإن كان إمام لم يستقص حبس هذا، وجاءت على الثاني أسباب بما اتّهموه، فلهم الإنصاف منه. وللإمام أن يحبسه لهم، إنّما تلحق التهمة أهل التهم. فأمّا من له عدالة وولاية مع المسلمين، فلا يؤخذ إلا بالصحّة، وعليه يمين. (3/159)
صفحة 709
وقال من قال في السرقة: إنّه لا يحبس بها أهل الستر والبيوتات، ولو لم تكن لهم عدالة إلا بصحّة، وإنّما يلحق ذلك، إذا صح السبب أهل التهمة بالسرق. وعن صبي صغير، رفع إلى الحاكم وبه أثر، وادّعى أنّ رجلا ضربه. هل للحاكم أن يأمره بأخذ الساري، وإحضار خصمه، أو يرسل الحاكم، ولا يعني الصبي في ذلك؟ قال: لا يعني الصبي في ذلك، ويتولّى الحاكم ذلك على وجهه، على ما يلزم من البلوغ إليه. وإذا لم يعرف الحاكم خصمه بصفة ولا معاينة، فإنّ صرف ذلك إلى الصبي، من غير اللفظ إلى استعماله وتعنيه، إلا على وجه التخيير له، فأرجو ألا يلزمه في ذلك بأس. قلت له: فيسع الحاكم أن يأمر الصبي بالقعود، إلى أن يحضر خصمه، الذي ادّعى أنّه ضربه، إذا عرفه الحاكم، أو خبره من لا يتّهمه؟ وقال: إن خبره في ذلك، ولم يبن عليه في ذلك تخيير معنى مضرّة، فأرجو أن يسعه ذلك. وإن لم يكن في الصبي أثر، وسع الحاكم أن يقول له على وجه التخيير: إن أراد أن يحضر بيّنته في ما يبيّن له أمره، أن يقيم وكيلا يطلب له بيّنته، ويأمر له بذلك، وإن لم يكن له من يلي ذلك. (3/160)
صفحة 710
قلت له: وما حدّ الصبي، الذي إذا كان بهذا الحد، سمع منه الحاكم دعواه، وأخذ له خصمه بالتهمة؟ قال: لا يكون اعتباره إلا بالنظر في وقته. فإذا أحضر البيّنة وصح له الحق، فإن كان له وكيل، أو وصي، وإلا أقام له الحاكم ثقة، يقبض ماله.
وسألته عن الأعمى: كيف يرفع عليه خصمه، إذا وجب عليه حق؟ قال: إذ لزمه له حق، فامتنع عن أدائه، وتبيّن أسباب الامتناع، بحضرة المشهود عليه، غير الخصم، استحضره الحاكم، وأمره أن يقيم وكيلا، يسمع له حجّته، وعليه في الخصومة التي يطلب أو يطلبها.
قلت: أرأيت إن امتنع عن الوكيل. هل للحاكم أن يحبسه؟ قال: إذا امتنع من ما يلزمه، كان عليه الحبس، حتّى يفعل ما يلزمه من الحق.
قلت: وإن امتنع عن الحضور إلى الحاكم. فهل لحاكم أن يجبره على ذلك؟ قال: إذا تسبّب عليه بما يستحق به الإحضار، كان له الخيار: إن شاء يقم وكيلا، وإن شاء أن يحضره.
قلت له: وذلك على الحاكم أم له ولا عليه؟ (3/161)
صفحة 711
قال: يعجبني إذا كان حاكما، يجب عليه حكم يجب ذلك له أو عليه، وإذا كان في حد التخيير، كان له الخيار. وذكرت في امرأة هلكت، وادّعى رجل أنّ عليها حبا، وطلب يمين الورثة، فاحتجّ من يقوم بأمر أولاد الهالكة، أنّهم لم يبلغوا، وقال الذي يطلب الحق: إنّهم قد بلغوا. عن من البيّنة في بلوغهم؟ على الطالب، أنّهم قد بلغوا، فإذا أحضر البيّنة على بلوغهم، كان عليه أن يدعوهم إلى الحاكم. فإن لم يحضر البيّنة على بلوغهم، لم يكن للحاكم أن يدعوهم، أو يحتجّ من يقوم بأمورهم بذلك.
قلت: وإذا ثبت العلم بالشهرة للحاكم في الأموال. فهل للحاكم أن يحكم بعلمه، من طريق الشهرة؟ قال: يعجبني ذلك، على قول من يقول بذلك، أنّه يحكم بعلمه.
قلت: فما الفرق عندك، بين علم الحاكم من طريق الشهرة، بأنّه لا يحكم بعلمه فيها، وبين علمه بالخبرة، أنّه يحكم به؟ قال: يحسن عندي اختلافهما، لاحتمال استحالة العلم منه، بالشهرة في المحتمل فيه الاستحالة، فينتقل العلم منه بالشهرة في المحتمل منه الاستحالة، فينتقل إلى غير ما علم، بمعنى الاستحالة، التي قد علمها من طريق ذلك السبب، الذي استحال بمثله، فكان قد شهد وحكم بمستحيل في وقته (3/162)
صفحة 712
ذلك، أنّ الخبر جاء فيه من طريق العموم. وكذلك ينتقل ويستحيل من طريق العموم، وعلمه بالأشياء خاص له، ويشهد على معنى الخاص؛ لأنّه لا ينتقل عنه علم الخاص إلا بخاص مثله من علمه. قال: فإن ثبت بينهما فرق، وحسن هذا المعنى، فلعلّه من هذا الطريق أو ما يشبه عندي به. فإن صحّ عنده، بعد ذلك، أنّه يوم حكم به، كان مستحيلا عن يد من حكم له به، إلى يد غيرهما، فلعلّ عليه أن ينقض الحكم؟ قال: هكذا عندي. (3/163)
صفحة 713
باب في الحرس
بسم الله الرحمن الرحيم
من الأثر: وعن رجل لقيته في الحرس فيقول: إنّي غريب ضعيف، ولم تعرفه ولم تجده في سوء. أتأخذه أم تتركه؟ فإن كنت لقيته في طريق جائز، ماض في حاجته، مقدّم عليها فاتركه. وإن وجدته في ما يرتاب به، فأوصله إلى الوالي، وأعلمه بأمره، إن شاء الله.
ومن ما أحسب جواب الحواري بن عثمان: كذلك قلت في مراهق، أحدث حدثا. هل يعاقب بحبس أو غيره؟ فقد رأينا في كتاب الفضل: إنّ المهنا بن جيفر، حبس غلاما دون المراهق، وأظنّه ذكر القيد، ولعلّه قد نقموا عليه.
قال غيره: إنّ المهنا حبس غلاما لم يراهق. وقد قيل: حتّى بلغني أنّ رجليه ذهبتا من القيد. (3/164)
صفحة 714
ولعلّ قد قال من قال: إنّما يحبسون حيث يؤمن عليهم، وإن قدروا أن يمنعوا أنفسهم من من أرادهم بسوء في الحبس، والله أعلم.
قال غيره: قد قيل: لا حبس على الصبي حتّى يبلغ. وقيل: إنّهم يحبسون في غير حبس، في مسجد أو مجلس الحاكم. فإذا خيف من الصبي ضرر على أحد، ورجى في ذلك، دفع ضرره. وأمن عليه من العقوبة فحبس. وأمّا على الذي قد فعله فترك العقوبة، له على ذلك آكد، والله أعلم. وعن الجماعة، يكونون على الشراب. أهي حرام أم تكسر الجرّة، ويخرق المشعل والقربة، ويخرق الدف والدهر؟ فنعم، قد قيل: إنّهم إذا اجتمعوا على الشراب الحراب، وفي إناء حرام، وعلى غير ذلك، وهم يريدون الشراب بينهم، وعندهم الملاهي، فذلك منكر، وتكسر الجرة، ويخرق الدف. وقد قال أبو المؤثر: وتكسر دفّته، وكذلك الدهر. وأمّا المشعل والقربة، فلا أحبّ أن يخرقا، إذا كان المشعل موكا. وأمّا إن كان غير موكا، فسبيله سبيل غيره من الجرار، والله أعلم بذلك. (3/165)
صفحة 715
ومن كتاب آخر فيه جواب من أبي جابر محمّد بن علي: وعن الدين. هل يجوز فيه الدين والمعطرة، فلا يأمر بذلك؟ ومن عصى المسلمين، في ما أمروه به، لزمه الحبس.
ومن جواب العلاء بن أبي حذيفة، ومحمّد بن سليمان إلى هاشم برأي الإمام –رحمه الله-: وعن من علي دين، وليس له مال قليل ولا كثير إلا عمله. هل عليه حبس أم لا حبس عليه، ويترك يعمل، ويؤدّي من عمله بنفسه؟ فلا حبس على من لا مال له، وينتظر إلى نظرة الله، التي أنظر عباده، ويترك يعمل ويؤدّي. وعن أبي عبد الله: وعن من أكل الميتة، من غير اضطرار. هل يحبس؟ فليس يلزمه حبس، ولكن يجفا ويقلا حتّى يموت. وقلت: إن كانت له ولاية وقد تاب. هل يحبس؟ فليس عليه حبس. وإن حبسه إمام على أكل الميتة، إذا تعمّد لذلك، فهو حقيق بذلك، إلا أن يكون من أهل الولاية، فيستتاب ولا يحبس. وقلت: أرأيت إن أصرّ على ذلك، ولم يتب. فهل تلزمه عقوبة؟ (3/166)
صفحة 716
فعليه العقوبة، ولا ولاية له، ويبرأ منه. وكذلك إن قال: إنّ أكل الميتة حلال. فإنّي أرى أن يحبسه على ذلك. وقلت: أرأيت هذه السنن العشر، التي في البدن والرأس، بدينونة أو مستحقا ومتهاونا. ما يلزمه إن استتيب فلم يتب؟ فلا أرى عليه عقوبة، ولكن يبرأ المسلمون منه، ولا يتولّونه في بعضها، ويقفون عنه في بعضها، ويعاقبونه في بعضها.
قال غيره: وقد قيل: إذا ترك شيئا من ذلك بدينونة بتركه، فقد كفر، ويعاقب على ذلك. وقيل: إنّ أبا عبد الله محمّد بن خالد، كان يجبر مربّي الشوارب على أخذها، ولا يعذرهم في ذلك. وأمّا أبو علي الحسن بن سعيد بن قريش، فلم يكن يجبرهم على ذلك. وقد يوجد أنّ الشارب، إذا صار في هيئة المشركين، كان أخذه فريضة، والله أعلم بالحق. وعن أبي بكر الموصلي قال: من نقب الحبس، ليس عليه ضرب. (3/167)
صفحة 717
وقد قيل في رجل قتل ولده، وأبرأ نفسه من ديّته، إذا كان له أخوة لم يبرأ، وهي لهم عليه، ويحبس حتّى يعطيهم، أو تنجم عليه. وعن العبد إذا سرق، ولم تقم عليه بيّنة. هل يحبس؟ فإن كان حبسه لطالب البيّنة؛ لئلا يهرب، فلا أرى بذلك بأسا. وعن عبد أعار عبدا ثوبا، فهرب به العبد، ولم يردّه، وقامت عليه البيّنة. فإنّ العبد يلفظ إليه في القول، فإن قدر على الثوب من عنده، وإلا فما نرى على سيّده غرما، وما نحب أن يحبس غلامه على هذا. قال محمّد بن شعيب: سمعت أبا مروان، وقد وصل إليه رجل من أهل الخيام، فطلب في ولد له محبوس متهم بقتل. قال أبو مروان: كأنّك ستكثر لابنك ما قد حبس، ثمّ قال: كان سليمان بن عثمان يقول: من قام عليه شاهد واحد بقتل، كان الحبس بيّنة حتّى يموت.
ومن جواب العلاء ابن أبي حذيفة ومحمّد بن سليمان: وعن رجل ادّعى على رجل، أنّه قتل غلامه أو ضربه ضربا موجعا، فيحبس فدخل آخر فقيل له المضروب غلامه: إنّ على غلامك هذا، وكان زارعا صيفا أو عملا سوى الزراعة، فأخرج هذا من السجن على قبالة الذي قيل، فلمّا خرج رجع العسل وكره أن يعمل له كما قيل له. (3/168)
صفحة 718
فإن كان قيل له على معرفة منه بضرب الغلام، فعليه أن يعمل ما قبل به. وإن كان الغلام قبل على غير معرفة، فليرد المدّعى عليه في الحبس، ثمّ لا عمل عليه. وذكرت في من يتّهم بالقتل أيضا، وتظهر السمعة، ولم تثبت عليه بيّنة. فما نرى بأسا أن يحبس، حتّى ينظر في أمر البيّنة. فإن عجز البيّنة المدعو عليه، كان الإمام الناظر في ذلك. ورأينا في ذلك العدل، فإنّ العدل أولى بعباد الله، وبه أمر الله، أن يعمل بين عباد الله. وعن رجل ادّعى على عبد، أنّه ضربه وفيه الأثر، وادّعى أنّ مولى العبد أمره بذلك. هل يحبس المولى بالتهمة، إذا لحقته؟ قال: هكذا عندي.
قلت: لم ذلك وهو غير فاعل؟ قال: لأنّه يضمن ذلك.
قلت: فهل يحبس العبد أيضا؟ (3/169)
صفحة 719
قلت: فلو أمر صبيا بضرب آخر، وادّعى عليه ذلك. هل يكون مثل العبد؟ قال: هكذا عندي. فلو أمر بالغا صحيحا، نضرب رجلا. فهل يضمن؟ قال: إذا كان مطاعا ضمن.
قلت له: أرأيت إن لم يصح ذلك. فهل يحبس بالتهمة، إذا كان مطاعا وادّعى أمرا في ذلك؟ قال: هكذا عندي بفعل غيره بأمره.
قلت: فإن ادّعى أمره في ذلك. فهل يحبس بالتهمة؟ قال: على قول من يلزمه الضامن، فلعلّ يلزمه ذلك. وعلى قول من لا يلزمه الضامن، لا حبس عليه، والله أعلم بالعدل في هذا، وفي غيره. وإذا كان للحاكم على رجل دين، وكان مقرّا به، جاز للحاكم حبسه. وإن كان منكرا للدين، لم يجز للحاكم حبسه. ولو لم يعلم الحاكم بصحّة ذلك، فليرفع عليه إلى بعض، ويحكموا حكما، وينتصف منه. (3/170)
صفحة 720
وعن رجل يرفع على ولده، بالغا أو غير بالغ، غير أنّه في حجره، يطلب أن يلزمه عمله وضيعته، والولد يطلب أن يعتزل عنه. هل يجبر الولد أن يلزم ضيعته وعمله، وإلا حبس له؟ فلا يجبر على ذلك، ولكن يؤمر أن يلزم ضيعة والده وضيعته. وإن لم يقبل، لم يحبس.
من غيره: أخبرني أبو عبد الله: إنّ هاشم بن الجلندي، كان قد أصابته رميه بالليل، فجرحته في رأسه، وهو يومئذ بدما مع الإمام غسان، فاتهم هاشم الصقر بن محمّد بن زائدة، أنّه مر من رماه، وكان الصقر يومئذ بسمائل، فأمر به غسان، فحبس فأنكر ذلك عليه، سليمان بن عثمان وقال: ليس عليه حبس؛ لأنّه لم يتّهمه أنّه جرحه، وإنّما اتهمه أنّه أمر من جرحه، فإنّ ما عليه يمين، ولا حبس عليه، فلم يقبل ذلك غسان، حتّى غضب سليمان وهجره. ووصل عبد الله بن حماعة إلى أبي عبد الله، وادّعى على قوم، أنّهم ضربوا ابنه وجرحوه، وطلب حبسهم بالتهمة، ولم يكن طلب ذلك، حتّى برئت جراحة ابنه، فلم ير له أبو عبد الله حبسهم بالتهمة، ولم يكن طلب ذلك، حتّى صحت جراحة ابنه، إلى أن أحضر عليهم سببا، أنّهم جرحوه. قال أبو عبد الله –رحمه الله-: وقيل: إنّ رسول الله (ص) لم يكن له حبس ولا لأبي بكر من بعده، ولا لعمر (ض)، غير أنّ عمر كان إذا صح معه على أحد حق، أمر به فربط بسارية المسجد (3/171)
صفحة 721
وذلك أنّ الفساد كان قليلا، فلمّا كثر الفساد من بعد، اتخذوا الحبس. فقيل: إنّ عثمان أوّل من اتخذ الحبس. وقال آخرون: إنّما فعل ذلك علي ابن أبي طالب. وقيل: إنّ السجن عقوبة لقول الله تبارك وتعالى: {إلا أن يسجن أو عذاب أليم} من العقوبات والعذاب الأليم، وكان القتل نظير السجن، فلا يجوز السجن إلا في وضع، ما يستحقه المسجون. فمن سجن على غير حق، كان ذلك ظلما من الفاعل بالمفعول به، وكان ذلك من المحجورات، والسجن يقع على المسجون بالحق على وجهين: وجه منه نكالا لمن ارتكب من المحجورات، التي يجب فيها السجن، بالنظر من أولى الأمر، في ذلك السجن، بما يرى الاجتهاد منه، في القيام لله بالحق. وهذا السجن لله لا لأحد فيه حق، وإنّما هو لله في جميع ما ارتكب العبد، في ما قد مضى من الأمور، التي لا يلزم المرتكب فيها حق لازم في ذمّته للعباد، ولا لله بما يلزمه أداؤه إلى العبادة. وإن كان السجن، إنّما يجب على هذا الوجه، كان ذلك بالنظر من القيام بالأمر من العباد، والأخذ لذلك سوى النظر من القائم بالأمر، بعد (3/172)
صفحة 722
الاجتهاد والمشورة لأهل العلم، في ما يجب من ذلك، فهذا ضرب من السجن. ومن لم يفعل هذا، من أولي الأمر، ينظر منه في ذلك، بوجه من الوجوه، جاز له ذلك، وليس ذلك بمكفّر عنه، ولا نرى عيبا يلحقه فيه، سوى التقصير عن ما بلغ فيه غيره من القائمين بالأمر، ما لم يجب في هذا الوجه حبس، إذا كان ذلك الفعل من ما لا يعرف بجهل، ولا قائما ذلك منه، على وجه الغلط والتقصير في النظر، فهذا ومثله يقال في السجن؛ لأنّ العقوبة نكال، والله تجاوز على أوليائه السيّئات، عند اجتناب المكفّرات، من موافقته للكبائر، والإقامة على الصغائر بالإصرارات. وعن هذا الوجه، ما يكون المرتكب لذلك، يعرف بكثرة ارتكاب ذلك، وإجراء العادة فيه، والتمادي فيه، فهذا الوجه من هذا الباب، هو استدلال على الأشياء، هو أولى بالعقوبة والنقمة، وقد قال الله –عزّ وجلّ-: {ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام}. ومن هذا الباب أيضا: ومن يكون المعروف بارتكاب ذلك، من يرتكبه من أموال الناس، ويعرف بذلك، من غير أن يتعلّق بشيء بعينه، إلا أنّه قد اتهم، أو صح عليه ارتكاب أموال الناس. (3/173)
صفحة 723
وهذا أشدّ الأمور في هذا الوجه، فكلّ هذا ومثله. ومن وجه واحد، وهو ما لم يتعلّق على المسجون، حتّى يلزمه أداؤه في مضمون أتلفه، أو مستقبل في ذمّته، أو في نفسه. فإن ألزمه حق يؤدّيه، فامتنع عن أدائه، فعلى القائم بالأمر أخذه بأداء تلك الحدود لله، في هذا إذا لزمت، وكان القول فيها مثل الحقوق. وعلى من لزمه ذلك الأخذ، بذلك على المبالغة في الأخذ له، بما يجب في النظر، ويقع له حتّى يؤدّي ما لزمه من ذلك الحق، لا غاية لذلك، حتّى يؤدّي ما قد لزمه، أو ينزل عذره، بوجه من الوجوه، من ما يعذر به. فإن ترك القائم بالأمر، هذا الوجه من الأخذ بالواجبات، كان تاركا لما يجب عليه، ولا يسعه ذلك.
ومن جواب أبي علي إلى أبي عبد الله: وذكرت في المجنون: هل عليه حبس؟ فما نرى عليه حبسا، إلا في الأحداث، ألا تخاف يده على الناس، فإنّ أهله يؤمرون بحبسه. وإذا رفع رجل، على أنّه شتمه، وصح ذلك عفا عنه وعن حبسه، فالحكم ليس له، أن يضيع حقا لله، والحبس على ما وصفت، إنّما هو عقوبة. وذلك التعزيز إنّما هو عقوبة للقاتل، إلا أن يصدّقه المسمّى، إذا نحله شيئا من الكفر، أو من الفسوق، أو شيء من ما وصفت لك، من باب البراءة. فإن صدّقه في ما يقول، فلا شيء على القائل في ذلك. (3/174)
صفحة 724
باب في التعزير
من جواب أبي شعيب، عرضه على موسى بن علي: روي لنا الأزهر ابن علي، أنّ قوما من المسلمين، كانوا يختلفون إلى قاضي مكّة، وكان الأمير الأوقص يومئذ، وكان يختصم إليه رجلان فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزان ولا شارب خمر، فأمر به القاضي فجلد أربعين سوطا، فجاء القوم إلى أبي عبيدة، يطلبون القاضي، فسألهم أبو عبيدة، فأخبروه. فقال أبو عبيدة: وفق القاضي. وقال أبو عبيدة: عرض فعرض له، ولو صرّح لصرّح له. وروي أنّ فهم بن عنبسة، مرّ بوالده فقال له: إنّ رجلا قال لآخر: أخزى الله والدي، أدرك على الزنجية، وعلى الأمة بصحار، فأمر به فجلد ثلاثين سوطا. فقال علي بن عزرة: وفقت. وروي له الرواية: وقد بلغنا أنّ عمر بن الخطّاب، فعل ذلك.
ومن جواب العلاء بن أبي حذيفة، إلى هاشم بن الجهم: وعن رجل قال لرجل غريب: إذا ما ركب بنو فلان فلانة، أو قال: إذا ما نكحوا فلانة، وقامت على ذلك البيّنة. فأمّا (ما ركب بنو فلان فلانة) فذلك ينحيه إلى ما يكون عليه فيه حد. (3/175)
صفحة 725
وما قوله: ما نكحوا فلانة. فإنّه يسأل عن ذلك. فإن قال معنى غير الفاحشة، درئ عنه الحد. وإن كان عني الفاحشة جلّد. وعن اليهودي إذا قال: عزير بن الله ما عليه؟ قال: يعاقب بالحبس. وعن أبي مروان –رحمه الله- في ما يوجد عنه عن رجل قال لرجل: يا كلب أو حمار أو يا جنى أو يا ثور، وأشباه ذلك. قال: في كلّ تعزير إلا في قوله: يا ثور. فليس فيه شيء. والتعزير في الخمسة عشر إلى الأربعين، على ذلك واسع. والتعزير في الخمسة عشر إلى الأربعين على ذلك واسع. ومن ما يوجد عن أبي علي: ذكرت في نصراني يقول: المسيح ابن الله، فقاتل الله القائل لذلك، لا يغادر على ذلك، ويسدّ عليه ولاة الأمر، حتّى يفض لسانه سكتا. وعن رجل قتل مرتدا دون الإمام، أو قتل زانيا محصنا، أو قطع يمين سارق دون الحاكم. قال: عليه التعزير، لأمضي به الحكم دون الإمام، وليس عليه قصاص. وقيل: من دخل بيتا بغير إذن، فإن كان الإمام عدلا، فإنّه يعزره. (3/176)
صفحة 726
وعن أبي علي في من قبح رجلا أو خونه أو قال: يا حمار، أو يا كلب. قال: إن كان الذي قيل له ذلك من المسلمين، وكان حقيقا الذي قال أن يعزر. وإن كان غير ذلك، فالأمر إلى أولي الأمر. قال من قال: إنّ عليه التعزير في ذلك، على كلّ حال. وقال من قال: إن قبحه أو لعنه أو قذفه بشيء من المكفّرات، فلا شيء عليه، إلا أن يكون من المسلمين. وأمّا قوله: يا حمار أو يا كلب. فإنّ عليه التعزير. إن كان ذلك فيه، فذلك وأمّا غير وال، والله أعلم بالصواب. سئل أبو عبد الله، عن رجل قال لرجل: يا ساحر أو يا سارق أو يا منافق. ما يجب عليه؟ فإن كان المتعدّي من من يعرف بالجهل، فعليه التعزير. وإن كان من من لا يعرف بالجهل، حمل له ذلك. وفي رجل قال لرجل: ولد جنية. قال: يعزر أربعين سوطا، وهو رأيه بعد أن يحتجّ عليه بما ينجو به من الحد. (3/177)
صفحة 727
ومن غيره: سئل عن المتشبّهين من الرجال بالنساء. هل يضربون بالسياط حتّى ينتهوا؟ قال: يحبسون على ذلك، فإن انتهوا ورصبوا إلى زي الرجال، وإلا أطيل حبسهم ولا غاية لذلك حتّى ينتهوا. وإن غازوا ضربوا على المغازرة.
قلت: فيضربون مؤثرا أو غير مؤثر؟ قال: يضرب ضربا ينتهي من العقوبة، على وجه التعزيز.
قلت: فإن لم ينته وضرب ضربا يموت من مثله، فمات بذلك الضرب. هل يلزم من ضربه ذلك الضرب شيء؟ قال: إذا ضرب بما يستحق من الضرب، فمات فيه على معنى التعزير، من الحاكم، فديّته في بيت مال الله.
قلت: وإن نزل العبد بمنزلة، يلزم الحر فيها التعزير. فهل يجوز تعزيره؟ قال: هكذا عندي. وقيل: العبيد يضربون ما دون الحدود بالعصا على أدبارهم. وإن ضرب العبد بالسوط، ورأى ذلك الحاكم، لم يبعد ذلك عندي؛ لأنّ الحرّ إنّما هو ينزه عن ذلك، أن يعزر بالعصا على دبره. (3/178)
صفحة 728
قلت: وإن فعل ذلك الحر، وضرب الحر على دبره؟ قال: الله أعلم، ويعجبني أن يلزم الضمان، إذا تعمّد في ماله. وإن لم يتعمّد لذلك، أعجبني أن يكون في بيت مال الله.
قلت: فيزول عنه ما يلزم من أحكام التعزير، إذا لزم الحاكم ضمان ذلك. قال: يعجبني إذا ثبت له ضمان ذلك، أن يكون عليه التعزير بحاله، إذا أمن عليه في التعزير، مع الحدث المتقدّم عليه، وكان يجهل ذلك كلّه.
قلت: وكذلك إذا وجب على أحد شيء من العقوبة، فعاقبه الحاكم بغيرها خطأ أو عمدا. أيزول عن المعاقب، حكم ما وجب عليه من العقوبة، لعقوبة الحاكم له لغيرها أم لا؟ قال: ما ثبت من الحق، لا يزيله شيء من الباطل، بعمد أو بخطأ.
ومن كتاب آخر وقال: من أراد أن يغيب في البحر، فطلبت زوجته أن يجعل طلاقها في يد رجل، فذلك لها، ويأمر الوالي بذلك، إلا أن يكون يخرج غازيا، وإن جعل تطليقة واحدة أخرى ذلك.
قلت: فإن رجع المجهول في يده؟ قال: إذا كان بحكم من حاكم، لم يكن له ذلك. وروي عن عمر أنّه ضرب مملوكة بالدرة وقال: اكشفي عن قناعك. (3/179)
صفحة 729
عن زيد بن خالد، رواه عمر بن الخطّاب، وقد ركع ركعتين، بعد العصر، فمشى إليه، حتّى ضربه بالدرة، وقال: ليس للوالي أن يدع أحدا يغني. ويروى عن عمر بن الخطّاب –رحمه الله-: رأى امرأة متزيّنة وخارجة، فلعلّه ضربها بالدرة، على ما قيل فقال: تتزينين وتخرجين ليفتتن المسلم، ويطمع الذي في قلبه مرض أو نحو هذا، على معنى قوله. وقد يروى عن النبيّ (ص) أنّه قال: «ما بعد الكعبين من المرأة فصاعدا في النار». أي ما أبرزت من كفيها فصاعدا، فهو في النار. فهذا الحديث موجب للبراءة، إذا فعلت ذلك عند من لا يجوز له النظر إليها، على التعمّد منها في ذلك، وأحبّ أن تستتاب. وعن عمر، أنّه كتب إلى أبي موسى: إذا رأيت الخصم يتعمّد الظلم فأوجع رأسه. وكان لعمر درة يؤدب بها. فللحاكم أن يتّخذ درة يؤدب بها من استوجب بها الأدب، ويرهب بها السفيه الظالم. عن ابن سيرين: قال ابن عمر: ألا تنزعي فلانا عن العصا، ولا يستعملن رجلا إزاره الفاجر فرقه العصا. (3/180)
صفحة 730
رجل اتهم أنّه فعل منكرا، يقمط أم لا؟ قال: قد رأيت والدي أمر بقمط عبد.
قلت: والصبي إذا كان مراهقا أو قويا على الحبس، وأقرّ أنّه فعل معصية، أو شهد عليه غير عدل، يحبس أم لا؟ قال: قد رأيت والدي حبس صبيا على ذلك.
قلت: رجل وجب عليه الحبس، يجوز أن يطوق بحبل ويمر به إلى الحبس أم لا؟ قال: إذا كان ممتنعا فقد أخبرني أبو علي بجواز ذلك. هاتان المسألتان عن أبي بكر أحمد بن محمّد بن خالد: قال أبو المؤثر: ذكر لي أن قد ضرب الإمام الصلت عبد الله بن نصر خمسين سوطا، ولم نعلم أنّ أحدا من المسلمين عاب عليه. وليس يعزر العبيد كتعزير الأحرار، تعزير العبيد أقل. وقيل: إنّ رجلا طعن رجلا، فأمر به الإمام المهنا، فجلد سبعين سوطا، وقال: تسفك دماء المسلمين على بابي. وسألته عن رجل دعا رجلا بلقبه وهو يكره. قال: يعزر. (3/181)
صفحة 731
وسألته عن رجل قال لأخيه: لست بأخي. قال: يعزر. وعن رجل دعا رجلا ابن الزنجية وابن الهندية. قال: يعزر إذا لم تكن أمّه كذلك. وعن رجل قال لرجل: يا سكران أو يا سارق أو يا خنزير أو يا سفيه أو لعنه الله أو أخزاه الله. قال: يعزر. وبلغنا أنّ عمر بن الخطّاب قال: أيّما رجل ظلمه وال مظلمة، فرفعها إليّ، ولم أغيّرها فأنا ظلمته، والله لو مات خلف الفرات ضياعا، لخشيت أن يسألني الله عنه. وعن رجل ادّعى عليه قبيح، وهو يذكر بالسوء، وصل إليه الوالي، فلينه وجاء فجذبه وهو غير ممانع. هل ترى على الوالي إثما في ذلك؟ قال: فإنّ الولاة الأمر، أن يؤدّبوا الرعية بغير إفراط ولا تعد على قدر إحداثهم وجنايتهم، ونحن لا نأمر في ذلك بشيء، إلا أنّ على الولاة النظر في الاجتهاد، في مصلحة الرعية بالعدل. وجائز أن يقال لرجل: إذا ما استوجبت ذلك. وقال ابن عبّاس: جزء اللحية لا يصلح في العقوبة، ولا جزء الرأس. (3/182)
صفحة 732
باب في الحبس بالتهمة
من الكتاب المضاف إلى الفضل بن الحواري: أعلم أنّ المسلمين، قد حبسوا على التهم حبسا مختلفا، والتهم مختلفة في الدماء وغيرها. فأمّا القتل، فإذا وجد القتيل فيه الأثر، لا يدري من قتله، فاتهم ورثته أخذ لهم من اتهموه. فإن كان على المتّهم بسبب يشبه الدلالة، من شهود لا يعدلون، أو عبيد أو صبيان، أو أدرك المقتول حيا، فاتهمه بذلك حبسه طويلا. وإن كان المتهم من من جرت بينهم القتلى والإحن، فذلك أيضا يثقل حبسه، والمقر به لا يلزمه فيه القصاص، فقد قال فيه بعض العلماء: إنّه يحبس سنتين إذا أقرّ إقرار الخطأ يريد ولا شبه لخطأ. قال ذلك محمّد بن محبوب: وقد بلغنا عن غسان الإمام: إنّه حبس ناسا من الحدان سنين كثيرة. والقتل الذي لا يعرف، ولا يدّعيه المقتول إلا بأثر أو طعن، لا يثبت فيه حبسه بأقل. (3/183)
صفحة 733
قال محمّد بن المسبح: لا يمكن كلّ من اتهم أن يتّهم؛ لأنّه لا يكون الرجل الذي لا تجرى له عدالة، تعرف بالعفّة وقلّة الأذى، في موضعه وبلده، فلا ألزمه التهمة إلا بسبب. وقد يكون الرجل العدل، فإذا ظهرت فيه أسباب قبيحة أخذته، وكذلك في سائر الأشياء. وكذلك التهم في الجروح على قدرها، وقدر ما يحتجّون على المجروح، إذا برئ في الجراحة الشديدة. وللوالي أن يرفع المتهمين في القتل والدماء إلى الأئمّة، وللإمام أن يجعل حبسهم معه. وكذلك التهمة في السرق. وإذا ظهر للمشروق سبب من نقب بيت، أو فتح باب، أو صائح على سارق، فرآه الناس وسرقه، ويدّعى فيظهر منه شيء وأشباه ذلك، فإنّ حبسهم على قدر كثرة السرقة، وقبح فعل السارق وبيان السرقة، ويكون طول حبسه وقصره، والتهم تلحق كلّ متّهم إلا العدل. وقد يكون المتّهمون بالسرق، مختلفين في العقوبة، فالذي عرف بالسرق والسبب، أطول عقوبة من من لم يعرف بالسرق. والرجل والمرأة والعبد، في ذلك سواء. (3/184)
صفحة 734
فأمّا الصبيان، فليس عليهم حبس، حتّى يبلغوا ويراهقوا ويقووا على الحبس. وقيل: يحبس الصبي على التهمة. وقد حبس المهنا بن جيفر غلاما دون المراهق، في القتل على عهد محمّد بن محبوب. وغيره من المشائخ يقيّدون على قدر إحداثهم وقوتهم على القيود، وما يخاف من هربهم على القتل والجرح الشديدة والضرب الشديدة، والجهل على قدر جهل الجاهل، يعاقب حتّى ينهني. وكذلك في السرق على قدر كثرة المسروق وبيانه، وقدر السارق. وإذا كان قد شهر بمنازل وأموالهم، ينقبها ويفتحها، كان أشدّ عقوبة وقيدا وأطول حبسا. ويتحرّى الوالي في ذلك بجهده، أو يشاور الإمام. وينبغي للوالي والإمام، إذا حبس من يطول حبسه، أن تثبت معه صفة ذنبه، وتاريخ يوم حبسه، لئلا ينسى إذا طال ذلك عليه، أو زال عن ولايته، فيجيء غيره ويتعاهد من في حبسه، ويتعاهد ما في كتابه، لينظر في حبس من حبس، متى حبسه وما ذنبه فينظر فيه وبالله التوفيق. ومن أشدّ الأحداث، القتل والحرم والدماء، وهي أطول عقوبة وأشدّها في الحبس والقيد والضرب. (3/185)
صفحة 735
وإنّما يضرب من صلح عليه ما اتهم به، ويكون الضرب على قدر شدّة الحدث. وأكثر التعزير أنقص من أقل الحدود، وأقلّ الحدود أربعون سوطا، حد العبد المملوك في الخمر إلي لخمسة، والثلاثة أقلّه من أن يجهل على الناس بلسانه، مثل قولك للرجل الخائن والثور والمولى والكلب. وإن قال ذلك لمسلم، كان أشدّ عقوبة وأكثر. وإن قتل قاتل رجلا غريبا، لا يعرف له ولي، ولا له طالب يتّهم به، فإنّه يؤخذ به قاتله، إذا ظهرت تهمته. ويعاقبه على قدر تهمته، فإن أقرّ وصح عليه بيّنة عدل، طول عقوبته، وإذا استقصى عقوبته، ثبت عليه الحق، وكتب عليه كتابا بالحق، وأخذ عليه كفيلا متى ما صح له وارث أخذ له بحقه. وكذلك من قتل ولم يطلب أولياؤه إليه، عاقبه الحاكم، ولا يدع الناس يقتل بعضهم بعضا، ويكون ولي من لا يطلب إليه. وإذا حبس متّهما، وغاب الطالب فرأى أنّه قد استفرغ حبسه، ولم يجده فيحتجّ عليه، أخذ عليه كفيلا مليا، متى ما حضر خصمه أحضره. فإن لم يحضره، فما لزمه من حق، فهو له عليه بجرحه. (3/186)
صفحة 736
وكذلك إن أقرّ كفل له بحقه كفيلا وفيا على حقه يكفل له به. وإن لم يحضره وأخرجه، إن لم يقدر عليه يحتجّ عليه. وحبس قطعة السبيل، إذا عرفوا بذلك الدين، يقطعون الطرق، ويسلبون الناس، ويخيفون الرعية، فيستحقون الحبس الطويل، والقيد الثقيل. فإذا صح ذلك عليهم، كان تعزيرهم أشد. وإذا صح عليهم البيّنة، أقيمت عليهم الحدود، التي أوجب الله عليهم في كتابه، وإنّما يلي إقامة الحدود عليهم الإمام. وقد رأينا الحكّام يحبسون على عصيان المدرة، إذا صح ذلك بعدلين، أو بإقرار، إلا أن يكون رجل من المسلمين، فيقدّم عليه، ولا يحبس ولا بالحبس الطويل، مثل اليوم واليومين والليلة. ومن اتهم أن يظهر الحرق في منزل رجل، أو يصبح بابه مقلوعا، أو دابته معقورة، أو يفقدها فتوجد أو شيئا منها، أو رأسها أو جلدها، أو يصبح مجذوذا أو مقطوع السنبل، أو نخلة مقطوعة، أو كرمته أو شجرته مقطوعة، ويتهم بمثل هذا عليه الحبس، أو توجد دابته أو غلامه أو ولده، فيه أثر الضرب من دم أو حمرة أو حضره أو ورم أو مسودا ومكسور العظم، وأشباه هذا، أو دابته مكسورة، فهذا وأشباهه من التهم. (3/187)
صفحة 737
وإذا اتهم الرجل زوجته، والمرأة زوجها بضرب، ولم يكن له أثر. وإن اتهمها بسرق من منزلها، من ما يبين من ما وصفت لك، ولم يكونا من من لم تلحقه التهمة، فهما كغيرهما. وإن لم يبيّن، وادّعى شيئا من ما في منزلهما، مثل دراهم ودنانير وكسوة ومتاع، ولم يؤخذ لبعضهم بعضا. وكذلك كلّ شيء كان في منزل واحد، مثل الإخوة والأولاد، إذا كانوا في منزل واحد. فإن كانوا في منازل شتّى، ولم تبن السرقة، ولم توجد إلا ببيان، وإن كان بيان، كما وصفت لك، أخذ بعضهم لبعض. ومن اتهم من لا تلزمه فيه القسامة، وإنّما ذلك في القتل نفسه، فإن وجد حبا، وفيه جراحة، ثمّ مات من بعد، فلا قسامة. وليس في الجروح قسامة. وكذلك الموجود في داره للقسامة فيه على أهل البلد. وليس في شيء من المال قسامة، لا في الدواب، ولا في العبيد، وإنّما هي في الأحرار المسلمين، إذا وجد في القرية، وقد قتل ولا يدري من قتله، وبه أثر. فإن وجد ميّتا، ولا أثر فيه، فلا قسامة فيه. (3/188)
صفحة 738
ولو وجد في ما يموت فيه الناس في طوى، أو في نهر، أو في بحر، ميّتا، لم تكن فيه قسامة. ومن ما لا تلزم القسامة فيه، أن يوجد في حريق، أو في هدم جدار، فادّعى وارثه أنّه هدم عليه، أو طرح في شيء من هذه الأشياء، لم تلزم التهمة. ومن التهم تدّعي المرأة على الرجل، أنّه غلبها على نفسها فوطئها. فإن وجدت متعلّقة به، أو وجد معها في منزلها، في وقت لا يدخل مثله عليها عوقب، وإن لم يكن لذلك سبب يحلف. ومنها: أن يوجد الرجل قتيلا أو جريحا، فيدّعى على رجل أنّه هو الذي جرحه، ثمّ يرجع فيتّهم غيره، فلا يقبل منه. وكذلك إن قتل فاتهم وليه رجلا وقال: هو الذي قتله. ولم يقل: اتهمه وحقّق عليه، أنّه قتله، لم يكن له أن يتّهم غيره، ولا قسامة له. وكلّ من ادّعى شيئا من ما وصفت، فله اليمين على من ادّعى عليه. كذلك للمرأة على الرجل، إذا ادّعت الوطء، إذا لم يحلف لم يقم عليه الحد، ولكن يحلف للصداق وما فعل. وإن ادّعت ما دون الوطء عليه حلف. وكذلك لو ادّعى رجل على رجل، أنّه وطئها جارية له صبية، طوعا أو كرها، بالغا أو بكرا، فعليه اليمين في المهر. (3/189)
صفحة 739
وكذلك لو ادّعى أنّه وطئ دابة له، حلف لحال الضمان، ليس للحد؛ لأنّه قد قيل: إنّ الدابة تقتل وتدفن. فعلى ذلك القول يضمن. فإن كان الحاكم من من يرى ذلك، حلفه وضمنه. وإن كان من من لا يرى شيئا، لم يستحلفه ولم يضمنه، وإن سبّب عليه سبب في حبسه، وإذا صح ذلك بأربعة شهودا رجالا عدولا، ولا لزمه الحد حد الزنا، جلدا أو رجما. قال أبو المؤثر: هذا في الأنعام. وأمّا الخيل والحمير، فلا أرى عليه يمينا ولا ضمانا، وأن يوضح عليه سبب حبس. ومن التهم، أن يتّهم الرجل بأمر في القتل، وفي ما دونه، أو حدث أو سرق، فإنّه عليه يمين ما هو بذلك الذي فعله. فإن حلف لم يعاقب. وإن أقرّ ولم يحلف حبس. وإن أقرّ وصح عليه شاهدا عدل، أنّه أمر عوقب ولا ضمان عليه، إلا أن يكون أمر عبدا له، أو صبيا، فإنّه يضمن. وقد قيل: إذا أمر الجائر بقتل رجل، فلم يؤخذ له، قتل به قاتله. (3/190)
صفحة 740
وإن كان عبدا أو صبيّا، قتل به، وسئل عنها. وحفظ الوضاح بن عقبة عن سليمان بن عثمان: إنّما على المتّهم بالأمر اليمين. ومن التهم: ما يغيب عن القرى، في البدو، وفي الطرق من القرى، فقطع الطرق، وسلب الناس، أو يقتل ويحدث في البعير أو غيره، من ما لا يوجد يحضر أحد يخبر إلا المدّعى، أو حدث بي طوى في فلاة، فيرفع إلى الولاة، ويدّعي إنسان على إنسان، قد حضر فينكر، فإن ادّعى على إنسان وأنكر. قال محمّد بن المسبح: ومن اللصوص، الذين صحت الأخبار، ليس بين العامة فيهم اختلاف، نسبتهم إلى السرق، أولئك يستودعون الحبس، ويؤمن الناس منهم، حتّى تظهر براءتهم، أو أخذه الوالي بكفيل بنفسه، حتّى يبيّن له ما يستحق من التهمة. وإن كان يدّعى على رجل غائب، بعث معه من ينظر الحدث. فإن وجد له شيئا، رفع إليه المدّعى إليه، وألزمه التهمة. وإن لم يجد شيئا، لم يحبس أبدا. وكذلك إن ادّعى أنّه أخذ له إبلا أو بعيرا أو غنما أو نهب منزله، فبعث معه أصحابه، حتّى يبحثوا عن ذلك. فإن وجدوا تهمة، رفعه إلى الوالي، فيعمل فيه الوالي بما يراه. (3/191)
صفحة 741
وأمّا اللصوص والمنسوب إليهم اللصوصية، بقطع الطريق، فإذا رفع ذلك إليهم فوجدهم، أخذهم وحبسهم، وادّعى المدّعى السبب، فإن جاء لذلك، بأسباب التهم حبسهم. ومن التهم أن يتّهم الرجل والقوم بالبيعة على المسلمين. فإن صح لهم بيعة بكتاب أو شهود أو رسول، عوقبوا بالحبس. وإذا اجتمعوا وبرزوا، فللإمام أن يسير إليهم. فإن استسلموا وتابوا، وصح ذلك عليهم حبسهم. وإن امتنعوا، احتجّ عليهم، ثمّ أخذهم. فإن حاربوا حل لهم قتالهم، حتّى يسمعوا له ويطيعوا. فإن قتل أحد منهم، أو من أتباعهم أحدا من المسلمين، في حرب أو غيلة، وصح ذلك قتل جميع من يتابع على ذلك، والقتل للإمام، ليس للأولياء.
وكذلك جاءت الآثار عن علماء المسلمين: إنّه من قتل واحدا من المسلمين، ببيعته قتل. وقال محمّد بن محبوب: جاء الأثر: إنّ من قتل أحدا من المسلمين ببيعته قتل. (3/192)
صفحة 742
وكذلك عرفنا عن آثار المسلمين. وكذلك ساروا في عثمان بن عفّان، حين رمى رجل من داره رجلا من المسلمين، فقتله فدعوه إلى أن يقيّده، فلم يفعل فقتلوه. وقد روي عن سعيد بن محرز ومحمّد بن هاشم بن غيلان، عن عبد الله بن نافع عن بشير: إنّ رسول الله (ص) رمى من دار في بعض غزواته، فأمر بها فنسفت من أصلها، وذلك معروف في آثار المسلمين. وكذلك كلّ من حارب المسلمين، من أهل التوحيد أو الشرك، فتحصّنوا في الحصون، كان للمسلمين أن يهدّموها، ويدخلوا عليهم، حتّى يلقوا بأيديهم ويحكم عليهم بالحق، أو يلقوا بأيديهم إلى المسلمين. وكذلك كلّ من حارب المسلمين، فاقتتلوا، فما دام أمام المحرمين، فإنّه يحارب، فإنّهم يقتلون حتّى يذهب إمامهم، ثمّ يؤخذون، ومن امتنع قتل. ومن ألقى بيده، لم يقتل، إلا أن يكون قتل، فإنّه يقتل. وقد أسرّ المسلمون عيسى بن جعفر، فأشار فيه وارث. فقال علي ابن عزرة: لك أن تقتل، ولك أن تمنّ فقتلوه. كذلك سمعنا وكان الذين قتلوه معروفين. وقد سمعنا أشياخنا يقولون: إنّ الجلندا بن مسعود، قتل على البيعة. (3/193)
صفحة 743
ومن أحدث الدواب، أن تكون تصيب شيئا، أو تتلفه، ولا تصح بيّنة عدل، ولا معاينة، فيتّهم أنّها دابة فلان، فليس على أصحاب الدواب عقوبة بتهمة الدواب، إلا ما صح ببيّنة عادلة. وأمّا العبد، فإذا جنى جناية، ولا يدري لمن هو، مثل الرجل يموت ولا يعرف له وارث، فإذا لزمه الجناية، باعه الحاكم، وأدّى إليه حقّه. وإن جنى جان جناية، وادّعى أنّه جناها في حال ضياع عقله، وأنكر عاقلته، فإنّ عليه البيّنة، أنّه جناها، وهو ضائع العقل، إلا السكران، فلا تعقل العاقلة جنايته. وأمّا الذي يعتريه الجنون حينا، ويفيق حينا، إن جنى في حال جنونه، فهو على عاقلته، كان صغيرا أو كبيرا. وما أصاب في حال إفاقته، وصحّة عقله، فهو في ماله، إذا كان عمدا، وأمّا الخطأ فعلى العاقلة.
ومن كتاب أبي قحطان: وللحاكم والإمام والوالي، إذا كان العبد مخوّفا، أن يخرج أن يدعه في الحبس، وينفق عليه من مال الله. وسألت عن الرجل من كبار الناس ووجوههم، فيموت له الوالد أو الولد أو الزوجة، أو من يلي أمره، فيطلب أن يخرج إلى معناه، ويقدّم كفيلا بنفسه. فاعلم أنّ الناس مختلفون في أقدارهم في الدين، وفي دنياهم. (3/194)
صفحة 744
فإن كان ثقة في دينه، ومأمونا أن يرد ولا يضيّع لأحد حقا، وكفل له ملي بحقوق الناس، فلا بأس أن يخرج لمعناه حتّى ينقضي معنا. وأمّا إن كان في تهمة يحدث أيضا، لم يصح من أنواع التهم، التي لم تصح، فأرجو ألا يكون بأس. وإن كان بحق، إذا ذهب لم يؤخذ الحق من الكفيل، مثل القتل والقصاص. فإذا لم يجر أخذ ذلك من الكفيل، ولا أرى ذلك، إذا كان ذلك الحق يخاف تلفه، إذا ذهب، إلا أن يبعث معه من يحفظه حتّى يردّه. فقد كان محمّد بن محبوب، يخرج إليه الرجل في القيود من السجن إلى منزله، في المنازعة، ومعه من يتبعه حتّى يردّه إلى السجن. انقضى كتابه. وسئل عن الصبيان، إذا اجتمعوا على شراب النبيذ الحرام. فهل ينكر ذلك عليهم ويحبسون؟ قال: إذا اجتمعوا على الشراب الفاسد، من ما هو حرام في الأصل، فإنّه يهراق على حال. وإن كانوا بحد من يخاف منه، عند الاجتماع من ما يخاف من البالغين، من الفساد والباطل، ومعاني اللهو. فمعي، أنّه قد قيل: ينكر عليهم وهدّدوا ويحبسون على غير معنى، حبس العقوبة التي تجب على البالغين، في مثل بيت، أو مجلس الحاكم، لينتهوا عن ذلك. (3/195)
صفحة 745
وإن كانوا أطفالا لا يخشى منهم، أمروا بتركه، وهدّدوا بالقول، ولم يبلغ بهم إلى عقوبة. قلت: جماعة أرسلهم أن يحضروا رجلا، قد أحدث حدثا، فامتنع من الوصول معهم إلى الحاكم. قال: يعجبني أن يؤخذ. فإن امتنع عن الوصول معهم إلى الحاكم، فإن كان من من جعل لهم الأدب، ضربوه على امتناعه. وإن لم يكن جعل له ذلك أو لأحد منهم، وتعاونوا عليه بغيرهم حتّى يغلبوه. فإن لم يمكنهم ذلك، شاوروا في ضربه الإمام. فإن أذن لهم ضربوه، حتّى يتّبعهم على ذلك، إلا أنّهم يستوثقون منه، إذا ثبت عليه ذلك. وقيل: إلا ألا يرى ذلك في مخصوص قد رآه، فذلك إليه، فأرجو ألا يضيق عليه ذلك، إذا لم يخف في ذلك بطلان حق الخصم.
قلت: فإذا طلب الخصم، أخذ حقه قبل الحبس. فهل يأخذه الحاكم به له؟ قال: له ذلك؛ لأنّ الحق للعباد، إذا خيف فوته أولى من العقوبة؛ لأنّ العقوبة لله، فإذا فات الأخذ بها، لم تتعلّق على الحاكم تبعة. (3/196)
صفحة 746
قلت: فإن عفا الخصم، طلب إلى الحاكم، ألا يحبسه. فهل يسقط عنه الحبس؟ قال: لا يبيّن لي ذلك، والعقوبة لله، يجوز للقائم بالأمر، أن يستعين بعاص على عاص، فيعاقب المستعان عليه، أو يترك الآخر، وهما يستحقان؛ لئلا يعطّل إنكار المنكل، إذا أمنه على ذلك. ويسأل عن النساء، إذا شاء لهن الحبس، فيعاصين على الحبس، فيجوز للحاكم وأعوانه، أن يسحبوهن إلى الحبس، يمسّونهن ويضربونهن، حتّى يطعن. قد قيل: إذا أوجب عليهن ذلك، جبرن على ذلك، من غير مس لهن، ولا أبدانهن. وإن لم يكن إلا ذلك، احتال الفاعل لذلك، أن يجعل الفاعل ما يستر يده، عن مس ذلك من بدنهن. وإن امتنعن عن ذلك، ولم يبلغ إليهن إلا بالضرب كغيرهن، من الرجال. قال: فما كان من حقوق العباد، إذا عفا صاحب الحق عن خصمه، بعد أن رفع عليه إلى الحاكم، فللحاكم أن يعفو عن من عفا عنه صاحب الحق، إلا في الأحداث، فإنّ الأحداث يعاقب الوالي عليها بالحبس، ولو عفا صاحب الحق عن ذلك، فلابدّ من الحبس للنكال، فافهم ذلك. (3/197)
صفحة 747
وقلت في من سخط حصّته، وأبى أن يقبضها، فالذي عرفنا في ذلك، أن يجبر على أخذ حقّه، أو على أن يحلّ الذي عليه، والذي في يده منه، أو يأمر بتسليمه. فإن أبى أن يقبضه، أو يحلّه، حبس على ذلك، حتّى يحلّه منه، أو يقبضه منه. وذلك إذا كان في يد رجل أمانة، أو عليه له دين. وقال من قال: من عرض عليه حقه، فأبى أخذه، فلا حق له. سئل عن الحاكم، إذا سجن رجلا أو قطره، ولم يطق المسجون الوضوء للصلاة، حتّى فات وقتها. فما يلزم الحاكم؟ قال: إذا كان معتقلا ذلك الاعتقال، بحق واجب عليه، وواسع للحاكم فيه لم يكن على الحاكم شيء، ولا من فعله بأمره. وإن لم يكن لهم ذلك، فعليهم التوبة من ذلك، وعلى المقطور أن يصلّي كما أمكنه. وعن الحاكم. هل له أن يحبس على التهم؟ قد قيل: له ذلك إذا تظاهرت أسباب التهم، أو بان أسبابها على ما تلحقه معاني التهمة بها، أو بمثلها.
قلت: كم أقصى حبس التهمة؟ (3/198)
صفحة 748
قال: لم أقل في ذلك بشيء معروف، إلا على معنى نظر الحاكم واجتهاده، إذا كان من أهل ذلك، ومن يجوز له ذلك.
قلت: وفيم يلزم التهم ويثبت معناها؟ قد قيل: يثبت معناه في شيء من القتل والخروج والأحداث في الأبدان، كان فيه الأخذ بالتهمة. وأمّا في الأموال، فلا تكون إلا بالبيّنة. وقد قيل في جميع ذلك: إذا ثبت معناها، ثبت فيه الأخذ بالتهمة، وجاز فيه لمن تجوز له، أو تلزمه.
قلت: من أين أصل ثبوت التهمة؟ قال: قيل: ما اصطلح عليه المسلمون، من نظر متّهم للإسلام وأهله.
قلت: فثبوت التهمة من نظر المسلمين للإسلام، هو اتفاق منهم، لا تجوز مخالفته، أم يثبت معناه في أحكام الرأي والاختلاف؟ قال: لا يعجبني ترك ذلك، إذا وقع بمعنى النظر به صلاح للإسلام وأهله، في تركه خوف الفساد، إلا أن يخاف منه أشدّ من ما يرجى به من الفساد، وبطلان الأمر، خرج على معنى النظر الأخذ به. وقيل: من لم تصح عدالته، ومعنا ثقته، ثمّ اتهم لسبب التهمة عليه، فيها بما شبهه لحقته التهمة، وجاز أن يؤخذ بالتهمة. (3/199)
صفحة 749
ومن لم يصح أمانته ولا خيانته، جاز فيه معنى التهمة، إذا ثبت معنى الأخذ بالتهمة، دون صحة الخيانة.
قلت: فما الفرق بين التهمة وصحّة الخيانة؟ قال: معي، أنّ الخيانة هاهنا، أو صحّتها، يخرج معنا أنّه صح عليه الحاكم بما اتهم به، وإنّما دعا عليه. والتهمة أن يكون في موضع التهمة، أو يتسبّب عليه معنا، من غير صحة تجب بها خيانته، يلزمهم حكمها.
قلت: فالتهمة في معنى ثبوتها، كثبوت التعزير ولزومه والقول فيه؟ قال: شبّه ذلك معنى، إلا أن يوجب النظر فرق ما بينهما من مخصوص.
قلت: هل قبل حبس التهمة ثلاثة أيّام؟ قال: إن كان قبل ذلك، فإنّما هو على وجه النظر، ليس على وجه الإجماع من القول.
قلت: هل يجاوز بحبس التهمة أربعين يوما؟ قال: قيل: يجاوز به ذلك على النظر. ومن ما قيل: إنّه إذا تظاهرت التهم على المتّهم بالقتل والسرق (3/200)
صفحة 750
وصار معنى ذلك، بمعنى الشهرة، عمّر الحبس أبدا، إلا أن يظهر منه حال رجعة وتوبة، يأمن منه أهل الإسلام.
قلت: إذا لزم الرجل الحبس، بمعنى حق أو تهمة. فهل يمنع دخول زوجته إليه في الحبس، لمعنى خلوته بها، إن طلب ذلك أو طلبت هي أم لا؟ قال: لا يمنع ذلك، إلا أن تلحقه معاني التهمة في دخولها عليه، لمعنى من المعاني، فإنّما نمنع لمعنى ذلك.
قلت: هل يجوز أن يحبس في المسجد، أو في موضع لا يكون عليه قفل ولا باب؟ قال: له أن يحبس، حيث يأمن على إبطال حقوق الناس، إذا كان على القدرة من ذلك.
سألت أبا بكر أحمد بن محمّد بن خالد، عن الوالي إذا كان في بلد، لم يقدر فيه على بيت. فهل له أن يحبس المستحقّين للحبس في طوى محفورة، ليس فيها ماء؟ قال: نعم.
ومن غيره: وقيل: التهمة تثبت بمعنى خبر عن الثقاة في الاثنين فصاعدا، وثقة واحد. ويعجبني ما لم يتّهما في قولهم، إلا العدلين، بهما يثبت الحق، إذا كانا عدلين، فحسن أن تكون التهمة، ما لم يستحق في قولهما. (3/201)
صفحة 751
وهم بمعنى البيّنة، أن لو صحّت شهادتهم، وجب معنى الحكم.
وسئل عن من كان في حبس الحاكم، بسبب تهمة، ثمّ هرب من الحبس. فهل على الحاكم طلبه؟ قال: إن كانت التهمة من ما يتعلّق فيها حق للعباد، وطلبوا الإنصاف منه، وقدر عليه، كان عليه مطالبته، إذا بسبب له وجه يرجو استدراكه في طلبه. وإن كان إنّما الحق فيه لله، فالحاكم الناظر في ذلك. فمن رأى طلبه، أصلح لأهل الإسلام والأخذ على يده، كان عليه ذلك بمعنى الاجتهاد. فإن رأى الاشتغال بغيره، من معاني الاسلام أفضل، كان له ذلك. وإذا رفع رجل على رجل، أنّه أحدث فيه حدثا، وفيه الأثر حبس المتّهم بذلك. فإذا استقصى حبسه، دعا خصمه بالبيّنة، على ما يدّعى. وإن طلب الخصم حقّه، لم يؤخّر الحق، حتّى يحبس، وأنصفه منه قبل ذلك. وعن الحاكم، إذا حبس رجلا على تهمة جرح أو ضرب أو سرق، مثل ما يحبس مثله شهرا، فحبس هو عشرة أيّام، أو خمسة، أو ثلاثة، ثمّ أطلقه قبل أن يستقصي فيه حبسه. فهل له ذلك؟ (3/202)
صفحة 752
فإذا فعل ذلك، برأي نظر اجتهاد المعنى، وقد رآه وهو من أهل الرأي، جاز له ذلك، وإن كان على معنى الجهالة، ولا ينبغي له أن يدخل الحاكم في شيء من الأحكام بالجهالة، ويشاور أهل العلم في ما يعرض، ما لم ينص الحاكم. وقد ينبغي أن يشاور، في جميع ما عرض، إذا أمكنه المشورة، ولا يستتر برأيه وعلمه. فإن فعل ذلك، كان ذلك وضمته فيه، إذا وافق معنى الحق، إذا ترك المشورة وهو يجد أهلها.
وسئل عن جماعة، أتوا الحاكم برجل، وهو من سائر الناس، فأخبروه أنّه فعل شيئا من المنكر وهو ساكت. فما يلزم الحاكم؟ وما يجوز له أن يفعله فيه؟ قال: إذا تظاهر خبره، وما يقع بتصديقه لهم، سبب التهمة، لهذا المرفوع عليه، بحدث يوجب الأخذ له عليه بالتهمة والعقوبة، كان له أن يأخذه بالتهمة، ويعاقبه على معنى ذلك. وإن لم يقع له معنى ذلك، ولحقهم معنى التهمة فيه، بوجه من الوجوه، لم يكن له ذلك عليه، حتّى يبيّن أمره، من غير من لا يلحقه التهمة، من المخبرين، أو شهرة ذلك عليه، أو يصح.
قلت: هل تلزم التهمة الصبي، ويحبس عليها أم لا؟ (3/203)
صفحة 753
قال: قد قيل: إذا صح منه حدث يوجد معنى الحبس، والاختلاف في حبسه: قال من قال: لا حبس عليه. وقال من قال: يحبس في غير الحبس، على معنى الترهيب والتهديد، رجاء استكفائه في ذلك. وقيل: يحبس العبد بالتهمة، بغير رأي سيّده. وقيل: في الرجل، إذا كان من أهل الصنعة، أنّه يحبس على صنعته، حتّى يعمل وينصف، ولا يترك يلعب. لا يأخذ بهذه المسألة، إلا من عرف عدلها وعرضها. رجل وصل إلى الحاكم، فادّعى أنّ ابنه ضرب، وأنّه لا يقدر يصل إلى الحاكم. فهل على الحاكم أن يرسل من ينظر ابنه؟ قال: إذا كان الولد صبيّا، سمع من والده، ما يتّهم له، وكان بمنزلة الخصم، الذي يدّعي لنفسه. وإن كان بالغا، لم يكن بمنزلة الخصم، إلا بثبوت الوكالة، أو تظاهر ما يوجب مع الحاكم أسباب ما يوجب التهمة، فعليه القيام بما يجب من التشديد في ذلك، من الحبس والعقوبة، ولو لم يحضر أحد من المدّعين، ولا والد ولا وكيل، وله أن يسأل في ذلك على الاحتياط، لا على ما يلزمه، أن يرسل من يقف على ذلك. (3/204)
صفحة 754
فإن صح مع الرسول، الذي يصح بقوله معنى التهمة، ورفع ذلك إليه، كان له الأخذ بذلك، وعليه فافهم ذلك، ولا نأخذ منه إلا ما وافق الحق. وسألت عن المماليك، إذا ظهر منهم منكر. فهل للحاكم أن يحبسهم، ويضربهم ويقيم عليهم الحدود على منكرهم، بلا رأي سادتهم على ما يراهم؟ قال: قد قيل ذلك. وإذا ثبت عليهم العقوبة، لم يكن في ذلك رأي لسيّدهم، وإنّما الأمر إلى ساداتهم في الحقوق، التي ليس فيها عقوبة ولا استكشاف. ومن ما يوجد عن القاضي، أبي علي الحسن بن سعيد من قريش، في ضرب رجلا، أو تعدّى عليه، أو قتله. فهل يجوز للإمام وللوالي أن يعفو عنه؟ قال: إذا لم يطلب إليه النصفة في ذلك، لم يضق ذلك على الإمام، أو الوالي، والله أعلم، إلا ما يلزمه من الإنكار. ولا يأثم الوالي في ترك عقوبة المتّهمين، إذا الإنكار في حال معاينة فعل المنكر. ولا يأثم الوالي في ترك عقوبة المتّهمين، إذا وجدوا في حال الخلوة والتهمة. (3/205)
صفحة 755
وعليه أن ينكر عليهم ويعظهم بالكلام، والله أعلم. وعن عبد وجد في منزل رجل بالليل، فضربه جماعة من الناس، وطلب سيّده الإنصاف منهم، فاعترف له منهم من اعترف بذلك. فهل يجب له عليهم أرش الضرب، وتلزمهم عقوبة أم لا؟ قال: أمّا العقوبة، فلا أرى تلزمهم، إذا كان على وجه الإنكار. وأمّا الضمان، فأخاف وجوبه عليهم في ذلك. وإنّما يجوز لأهل المنزل ضربه، في حال وجوده في المنزل، على ما عرفت. وبلد فيه رجلان يسرقان أموال الناس، ويفسدان في البلد، ومنهما من قد اتهم بالقتل. فهل يجوز لشيخ البلد أن يخرجهما؟ الذي عرفت أنّه، ليس له إخراجهما من البلد، وإنّما له منعهم عن فعلهم المنكر، والله أعلم. رجل باع على رجل، فادّعى عليه رجل آخر، أنّه ليس له في المال سهم من خصمه، في مال البائع أو المشتري. فكيف اليمين في ذلك، إن لم يصح للمدّعى بيّنة عدل؟ قال: الذي عرفت، أنّهما خصمان في المال، البائع والمشتري، إلى من شاء ادّعى منهما، وطلب اليمين، فعليه بالقطع، وعلى المشتري بالعلم.
ومنه: وأمّا العقوبة بالقتل، إذا كان القتل في أيّام، قبل الحق. (3/206)
صفحة 756
فقد قال المسلمون: إنّهم لا يعاقبون بما جرى، قبل أيّامهم، إلا بما صح بالبيّنة، من قبل عمد أو ديّة، فيوصلون الدية بالحكم.
قلت: من رأى منكرا. أيلزمه إنكاره، ولا يرجو القبول منه في ذلك الموضع، قوّامون مأمورون، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. أينكر ذلك المنكر بلسانه دون يده، أم يرفع إلى صاحب الأمر؟ قال: الذي عرفت، أنّه إذا كان غير مشار، أنّه ينكر ذلك بلسانه، وأنهى الأمر إلى القوام، لينكروا عليه، إذا لم يكن مفارقا للمنكر الذي فيه، والله أعلم. وما تقول في مثل ثوب يسرق أو زرع يقطع فيتهم به إنسانا يتّهم بالسرقات. فهل للوالي أخذه بالتهمة، إذا كان صاحب الزرع، أو الثوب غائبا من البلد، أو يعاقبه بالسجن، أو حتّى يرفع عليه صاحب المال؟
الجواب: موسع ذلك للوالي في التهم، ما ذكرت إذا تبيّن ذلك عليهم، والله أعلم. انقضى جواب أبي علي.
ومن بعض الآثار قيل: إذا كان الناس خائفين من إمام، فليس لهم ترك صلاة جمعة، ولا يهربون من الإمام، وعليهم أن يلقوا بأيديهم إلى الإمام، لإنفاذ الحكم عليهم، بما يلزمهم من الحق، إلا أن يكونوا غير محدثين، وإنّما يطالبون على التهمة، فإنّه ليس عليهم إثم، ولهم أن يستتروا حتّى يعارضهم الإمام أو أعوانه إلا بالحق، ثمّ ليس لهم الامتناع من حكم الإمام. ومن ما أحسب عن أبي الحواري وسيرته: ومن ما كان يقول. (3/207)
صفحة 757
أبو المؤثر في السرية التي خرجت إلى إزكي: والحبس على المتهمين وعلى الثقاة اليمين. فقلنا له: ما تقول في الممتنعين إذا امتنعوا. فهل يحاربون؟ قال: نعم، إذا استعصوا أو قال: إذا امتنعوا. فقال محمّد بن جعفر، وهو قاعد على سريره: فروى ذلك عن عزان بن تميم في المتهم، إذا امتنع لم يحارب على التهمة، فلمّا أخبرنا بذلك أبو المؤثر، قال: إنّه لا يقبل هذا من محمّد بن جعفر، وقد كان قال ذلك ابن راشد، ومضى على قوله، وهو رأيه، ولم يؤته عن أحد من الفقهاء، وقد سألنا عن ذلك، إلا ما قالوا في التهمة مجملا. وإنّما قالوا ذلك في هدم الحيطان وعقر الحيوان، وقطع الأشجار، وأشباه هذا، من ما لا غرم فيه، إلا بالإقرار والبيّنة العادلة. وقد قالوا في ذلك بالتهمة والأيمان. وأمّا المحاربة فالذي جاءت به الآثار: إنّ الفريقين إذا التقيا فاقتتلوا، أخذ كلّ فريق بما في الفريق الآخر، من القتل والجراحة، تكون ديّة ولا قصاص فيها، ولو كان الذي فعل ذلك معروفا بعينه، فالدية عليهم، وهكذا جاء الأثر. وما علمنا أنّهم قالوا بذلك بتهمة ولا يمين، وهو على الثقة والمتّهم عليهم جميعا. فإذا حلف الثقة وحبس المتّهم، بطل الغرم. (3/208)
صفحة 758
وقالوا: إنّ الغرم في بيت المال. وقد أخرب من توام دور كثيرة، وفيها حيوان كثير، في ما بلغنا، وكان ذلك في زمان الإمام المهنا بن جيفر. والذي سار بالجيش إلى توام، في ما بلغنا أبو مروان من صحار والصقر بن عزان، من عند المهنا، فما علمنا ولا سمعنا، أنّهم قالوا في ذلك بحبس ولا بأيمان. وبلغنا أنّ عمر لما أتى إليه بسبأ أهل دبا، ردّ السبأ إلى أهله، وغلظ على حذيفة في القول، وما سمعنا أنّه عاقبه.
وفي جواب محمّد بن محبوب: فقال في جوابه عن الإمام، إذا خرج بجنده، ومن رعيته، بسط أيديهم في نهب المال وإحراق المنازل، فقال: إن ركب ذلك راكب من جنده، وصح ذلك عليه أخذ الراكب لذلك بجنايته في ماله، دون مال المسلمين. فإن كان فعل ذلك بإذنه، وهو يعلم فذلك خلاف دون مال المسلمين. وإن فعل ذلك بإذنه، ورأى ذلك حلالا له، فذلك خطأ، وهو في بيت مال المسلمين. وعليه أن يتقدّم على جنده، ويعلمهم بما يحلّ وما يجوز، ويأمرهم وينهاهم. ولم يسمع أنّه قال في هذه بحبس ولا بأيمان على التهمة، وإنّما ذلك بالصحّة، والصحّة مع المسلمين البيّنة العادلة. (3/209)
صفحة 759
والذي حفظ عن المسلمين، أنّ الإمام إذا أرسل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، في إقامة الحق وقمع الباطل، فأخطئوا طريق الحق، وزلّوا عنه إلى غيره، فلا حبس عليهم، وغرمه في بيت مال المسلمين. هذا حفظي عن أبي عبد الله –رحمه الله-. وعن رجل ادّعى أنّه سرقت له دابة، ولم يأت بسبب من عظم أو رأس أو مسك. فهل يجوز أن يحبس له من يتّهمه؟ فأمّا إذا كان المدّعى غير متّهم بالعيب بالناس في ذلك، وظاهر ذلك عند جيرانه، فقد شاته هذه حبس له من يتّهمه، إذا كان من من تلحقه التهمة. وإذا كان المدّعى من من يتوهّم عليه. وفي نسخة أخرى، للقول بغير الحق، ولم يكن ثقة، لم يأخذ باليقين يقبل بحق، ولم يكن بعدكم يؤخذ له بهمة، حتّى يجيء لسبب. قال أبو المؤثر: إذا دخل الرجل إلى قوم بإذنهم، ثمّ اتهموه بسرق في منزلهم ذلك، فليس لهم عليه إلا يمين، وليس يحبس لهم بالتهمة؛ لأنّه دخل منزلهم بإذنهم. وكانت امرأة زارت أمّها، وأمّها لها زوج، فسرقت منهم ثيابا واتهموها، فلم ير محمّد بن محبوب عليها حبسا، وإنّما رأى عليها اليمين.
عن غيره: وسألته عن الصبي إذا كان به أثر، فادّعى أنّ إنسانا ضربه. فهل للحاكم أن يأخذه بالتهمة؟ (3/210)
صفحة 760
قال: إذا كان الصبي يعقل ما يدّعيه، كانت دعواه عندي دعوى كثير، من من يسمع دعواه، إذا كانت الدعوى له. سئل محمّد بن محبوب: قلت: رجل ادّعت عليه امرأة، أنّه كابرها على نفسها، وأنكر والمرأة مأمونة. فهل يحبس هو؟ قال: نعم، يحبس على ذلك.
قلت: فإن كانت غير مأمونة، وادّعت هذه الدعوى. فهل تحبس؟ قال: لا، إلا أن يأتي عليه ببيّنة. وإذا كان رجلان في منزل يسكنانه، أو اصطحبا في طريق، أو دخلا حمّاما، أو سفرا بعيدا أو قريبا، ثمّ ادّعى أحدهما على صاحبه، أنّه سرقه، لم يحبس له إلا ببيّنة عدل، ولو كان من من تلحقه التهمة؛ لأنّه هو ائتمنه على صحبته، فصار بمنزلة الأمين، فلا يلزمه أن يحبس، إلا أنّه يلزم اليمين. وسألته عن رجل شهد على صبي أو عبد أو رجل غير عدل، أنّه ضرب إنسانا. أيحبس أم لا؟ قال: عرفت أنّه يحبس بالتهمة، على قدر ما يرى من ردعه، والله أعلم.
قلت: فإن شهد غير عدل على جماعة، أنّهم يتقاتلون. فهل يحبسون بذلك؟ قال: يحبسون على التهمة بقوله. (3/211)
صفحة 761
قلت: رجل أقرّ أنّه تقاتل هو وفلان. أيسع حبسهما؟ قال: يحبس الذي أقرّ، ولا تقبل على دعواه على غيره، إلا أن يكون فيه أثر جراحة، فيحبس له الآخر، بأثر جراحته، والله أعلم.
قلت: وكذلك إذا رفع إنسان على آخر، بجراحة أو ضرب أو دين، وكان ذلك قبل ولاية المرفوع إليه، إلى البلد، فأقرّ المرفوع عليه بدعوى خصمه. فهل يحبس بذلك؟ قال: قد عرفت أنّه يحلف له خصمه، إذا أنكر وطلب ذلك الخصم. وأمّا إذا أقرّ له بما يوجب الضمان، من دين أو غيره، فيؤخذ بتسليمه. وأمّا العقوبة في ما أحدث، قبل ولاية الوالي، بتلك البلد، فالله أعلم.
قلت: رجل اتهم بشراب النبيذ، فادّعى به الوالي، وأمر غير عدل، أن يشمّه، فذكر المأمور أنّ رائحته نبيذ. فهل يحبسه الوالي بقوله؟ وكذلك إن قال ثلاثة أو أربعة غير عدول، أنّ رائحته نبيذ؟ قال: إذا خرج منه رائحة النبيذ حبس، ويقبل على المتّهم متّهم مثله، والله أعلم. فإن شمّه الوالي، ووجد رائحة النبيذ يقيد أو يحبس؟ قال: يحبس، وقد عرفت أنّه يحبس، الذي يوجد في بيته النبيذ، والله أعلم. (3/212)
صفحة 762
قلت: فإن أقرّ الرجل المتهم، أنّه شرب النبيذ، قبل أن يولّى ذلك الوالي. فهل يحبسه بإقراره؟ قال: إذا أقرّ بفعل المعصية، جاز له أن يحبسه للارتداع. فإن عفا عنه فله ذلك.
قلت: فإن شهد غير عدل، على جماعة لعنوا أو غنوا أو فعلوا معصية. فهل يحبسون أم لا؟ قال: قد عرفت أنّهم يحبسون بقوله؛ لأنّه يؤخذ أنّه يقبل على متّهم قوله متّهم مثله.
قلت: العبيد يحبسون على حمل السراري أم لا؟ قال: قد عرفت أنّهم يمنعون من ذلك، وقد فعل ذلك المسلمون.
قلت: وكذلك العرب يمنعون من حمل المدى أم لا؟ قال: قد قيل: يمنع السفهاء من حمل السلاح، وإذا كانوا لا يؤمن منهم، منعوا عن حمل المدى. رجل أقرّ أنّه شرب النبيذ. فهل يضرب أم لا؟ قال: إذا شرب من النبيذ المحرّم، ضرب على إقراره بفعل المعصية. (3/213)
صفحة 763
قلت: فإن أقرّ أنّه ضرب إنسانا، أو شرب نبيذا في الليل. فهل يجوز إقراره في الليل، ويحبس أم لا؟ قال: إقراره جائز عليه، والله أعلم.
قلت: رجل أتى إلى الوالي، وادّعى على رجل، أنّه قطع كرمته، أو جذ نخلته أو موزته. فهل يحبس من ادّعى عليه، أو حتّى ينظر الوالي النخلة مجذوذة؟ قال: إذا شهد أنّه جذت نخلته، ووجدت النخلة مجذوذة، أخذ من اتهمه بجذها وحبس، والله أعلم. فإن قال غير ثقة: إنّه رأى نخلة مجذوذة. فهل يحبس من ادّعى عليه؟ قال: يحبس، والله أعلم.
قلت: رجل ادّعى أنّ نخلته مجذوذة أو موزته، فجئت أنا وهو إلينا فقال: هذه نخلتي وهي مجذوذة، وغاب عنّي أنّها نخلته أم لا. فهل يحبس من ادّعى عليه؟ قال: قد عرفت أنّه، إذا شهد أنّ نخلته مجذوذة، حبس من اتهمه بجذها، وليس هذا يثبت له بدا، وإنّما يحبس على التهمة، والله أعلم.
قلت: جماعة أقرّوا أنّهم لعنوا الناجعة. فهل يحبسون أم لا؟ قال: قد عرفت أنّهم يحبسون. (3/214)
صفحة 764
وإن تركهم الوالي من الحبس، جاز له.
قلت: فإن لم يوجد لهم حبس. فهل يجوز حبسهم في المسجد؟ قال: قد حبس والذي في المسجد، حتّى يوجد لهم حبس.
ومن غير كتاب تأليف أبي زكرياء: وقال أبو الحواري: إذا كان الحدث في مثل الطرق والمساجد، فحتّى يشهد على الحدث بعينه. وإذا كان في مثل كسر الجدر وقطع النخل، أو أشباه ذلك، فإذا شهد الشاهدان على الحدث. قال الحاكم للمدّعى الحدث: من تتّهم بهذا الحدث؟ فإن اتّهم من تلزمه التهمة، حبس الحاكم المتّهم، ولم تلزمه غرامة، إلا أن يصح بشاهدي عدل. (3/215)
صفحة 765
باب في نفقة أهل السجن
من كتاب أبي قحطان: ومن الإحداث إحداث الصبي الحر والعبد والمعتوه والعبيد البالغين والكبير، الذي قد يقر عقله. وأمّا العبيد البالغون، فيجرى عليهم من التهم، ما تجري على الأحرار من الحبس والقيد والعقوبة، ومؤنتهم على مواليهم. فإن لم تعرف لهم موال، وصحّ أنّهم مماليك، كانت مؤنتهم على مواليهم في رقابهم، إلا أن يفدهم مواليهم. فإن أخرجهم الوالي أسارى، يسألون الناس، فلا بأس إذا لم تعرف لهم موال، أو مات مولاه، ولم يعرف له وارثا، عربيا كان أو من أهل عمان، فإخراجه يسأل أحب إليّ، كما يفعل في الأحرار، إذا كانوا فقراء.
ومن غيره: قلت: فمن لزمه الحبس، بمعنى حق أو تهمة، وليس له مال، وله أولاد صغار، لا يقومون بأنفسهم. فهل يطلّق يحتال لهم ما يقوتهم بعمل ضيعة، أو غيرها من سؤال الناس أم لا؟ قال: معي، أنّه إذا ثبت عليه ذلك، فإن شاء الحاكم أنفق عليهم من بيت مال الله، وإن شاء أطلقه محفوظا، إذا لزمه الحبس، حتّى يحتال لنفسه ولعياله، إذا أمكن ذلك. (3/216)
صفحة 766
قلت: فإن لم يكن بيت مال. فهل يطلّقه الحاكم محفوظا؟ قد قيل ذلك؛ لأنّه لا يحمل ضرر في نفسه ولا في عياله، وليس من عقوبة المسلمين العذاب بالجوع، ولا يصح ذلك، إلا أن يكون قد نزل بمنزلة أهل الحرب، وهو حرب المسلمين، وأنّه حقيق بذلك؛ لأنّه لا يجوز أن يطعم ولا يسقى، ولو مات جوعا أو عطشا، إذا كان مناصبا للحرب.
قلت: فإن كان هو يجد ما يقوته في الحبس، ولا يعرف ما عنده أولاده. فهل يكون واسعا له ترك معرفة أمرهم، وما هم عليه، ما لم يعلم ضررا عليهم؟ قال: إذا كان بعهدهم في حال الكفاية من مال، أو حسن احتيال، كان له في الجائز السعة، ما لم يعلم تحوّل حالهم، بانتقال عن ذلك الحال. وإن كان بعهدهم، في حال ما يخشى عليهم الضيق والمضرّة، وكانوا من من لا يعرف عن نفسه، أو لا يطلب ما يلزمه لهم، ولا يطيقون ذلك، وهو قادر على تعاهدهم، كان عليه ذلك على هذه الحال.
قلت: فإذا صح عليه، ما يدخل عليهم الضرر. فهل عليه أن يستأذن الحالم في إطلاقه حتّى يحتال؟ قال: عليه ذلك.
قلت: العبد إذا حبس على تهمة. على من نفقته؟ قال: على سيّده. (3/217)
صفحة 767
قلت له: ويأخذ الحاكم السيّد بذلك؟ قال: هكذا إذا طلب العبد، أو تبيّن له، أنّه لا ينفق، كان قد وجب له نفقته في ما مضى على سيّده. وإن لم تكن له نفقة فقد وجبت في ما تقدّم على سيّده، أو احتاج هذا العبد إلى النفقة في المستقبل، إذا كان محبوسا أو مطلوقا، كان على الحاكم أن يبيعه، إذا كان سيّده غائبا، حيث لا تناله الحجّة على من ينصف العبد، في ما يجب له، أو يأمنه عليه بالنداء جمعة. وإن كان السيّد حاضرا، واحتجّ عليه، فلم يأذن له ببيعه، ولا أنصفه في ما يوجب له وعليه؟ فمعي، أنّ للحاكم الخيار: إن شاء أخذ السيّد بذلك، وإن شاء حبسه عليه، حتّى يفعله، وإن شاء باع العبد.
ومن ما يوجد، أنّه من كتب أبي نصر محمّد بن نصرة: وعن الحاكم والإمام، إذا حبس الرجل أو وجب عليه الحبس، وليس لهذا المحبوس مال. فهل على الإمام أن ينفق عليه؟ ومن أيّ المال ينفق عليه؟ قال: ينفق عليه من بيت المال.
قال غيره: وقد قيل: إنّهم لا نفقة لهم في مال الله، ولكن يطلقون أسارى يسألون المسلمين. فإن فعل الإمام وأنفق عليهم، وكان في المال سعة وسعه ذلك. (3/218)
صفحة 768
وسألته عن رجل حبسه الحاكم في السجن، فطلب أن تكون زوجته معه في السجن؟ قال: لا يجيبه الحاكم إلى ذلك.
قلت: فإن اعتلّ واشتدّ وساءت حالته، فطلب أن تكون معه زوجته لتخدمه، وتكون معه؟ قال: ليس له ذلك، ولا يجيبه الحاكم إلى ما سأل عنه.
قلت: إن كانت مختارة لذلك، وراغبة أن تكون معه؟ قال: ليس له ذلك.
قلت: لم لا تترك أن تكون معه؟ قال: لأنّ الحبس ضرب من العقوبة، وأمّا الزوجة معه، فترفيه وراحة له، وليس عم العقوبة راحة ولا نعيم. وأيضا فإنّ إدخال السرور عليه، يجرئه على التهاون بالحقوق، وإن كان محبوسا عليها بالخيانات، إن كان مأخوذا بها. قلت لأبي بكر أحمد بن محمّد بن خالد: ما تقول في العبد، إذا أقرّ أنّه فعل معصية. هل يسع حبسه؟ قال: قد عرفت أنّ العبيد يجرى عليهم ما يجرى على الأحرار من التهم، والله أعلم. (3/219)
صفحة 769
وسألته عن السجان: هل له أن يطلّق أحدا من السجن، إذا جاء الرسول بخاتم الحكومة؟ قال: يجوز له ذلك في الاطمنانة. وأمّا الحكم، فلا يجوز له.
قلت له: إذا جاء إلى السجّان رجل فاجر، فقال: إنّ الحاكم قد أمره أن يوجّه به إليك، ليحبسه. فهل للسجّان حبسه؟ قال: يجوز على معنى التصديق.
قلت: فإن حبسه على معنى التصديق، وأعلم الحاكم فقال: إنّه لم يأمر الرسول يأخذ الحبس. فهل يلزمه السجّان الحبس بذلك؟ قال: إذا سجن من يجب عليه الحبس. فهل يلزمه الحبس بذلك؟ قال: إذا سجن من يجب عليه حبس، لم يكن عليه حبس. وإذا كانت العادة قد جرت بين السجّان والحاكم، بأنّه يرسل إليه بغلامه، فحبس إنسانا من من لا يستحق الحبس، لم يكن على السجّان حبس؛ لأنّه قد ثبت سبب. وعن سجن الحاكم: هل يجوز أن يجعل عليه إلا ثقة أمينا، يطلق أمينا يطلق ويحبس؟ قال: هكذا، وقد قيل في الحكم. (3/220)
صفحة 770
وعرفت عن بكر أحمد بن محمّد بن خالد، أنّه جائز أن يجعل غير ثقة.
قلت له: فإن طلب الحاكم ثقة على سجنه فامتنع. فهل يجبره على ذلك الحبس أو غيره؟ قال: إذا رجا لا يصلح لذلك غيره، وكان الحاكممن الجبر. قال: هكذا عندي. وقد بلغنا أنّ الإمام سعيد بن عبد الله، أمر أحمد بن محمّد بن خالد ابن قحطان، أن يتولّى بعض قرى الحزف، ولم يعذره بين الحبس والولاية، إذا رأى أنّهيصلح لذلك، قد وقع عليه النظر في ذلك من الإمام.
قلت له: فالحاكم إذا ثبت حاكما للمسلمين بالعدل. فهل تكون منزلته كمنزلة الإمام من الجبر، على ما يأمر به، يصدّق قوله في ما قال، ولا يطلب على ذلك بيّنة، في ما يجوز فيه تصديق الإمام؟ قال: نعم.
قلت له: وليس على الحاكم أن يتعاهد أهل الحبس، في أوقات الصلاة ويأمر بالإطلاق؟ قال: ليس عليه ذلك، وعليهم أن يطلبوا لأنفسهم ويحتالوا، فإن وجدوا ماء أو من يأتيهم بالماء، وإلا جاز لهم الصعيد.
قلت له: فيلزم من طلبوا إليه الماء، أن يأتيهم بذلك؟ (3/221)
صفحة 771
قال: إذا لم يجدوا غيره، وخاف إن لم يأتهم الماء، صلّوا بغير وضوء، فعليه ذلك.
قلت: هل على الحاكم أن يحضرهم شيئا من البسط ينامون عليها؟ قال: ليس عليه ذلك. فإن يحلق هو ويفضّل، فذلك إليه. وكذلك أن يفضّل بإحضار الماء، في أوقات الصلاة، كان ذلك أفضل، من غير أن يلزمه ذلك. وإنّما جعل الحبس عقوبة، لمن استحقّه، فكيف يوفّيه ويوصل إلى إرادته، إلا أن يتفضّل به الحاكم، والناس لهم منازل. فإنّ أحد قد استحقّ الحبس نزله، هو من أهل ترفه. فلعمري أنّ من حبس الأخلاق، أن يقام له بما هو أهله، إلا أن يستبين أحييته، بما قد وجب عليه، ويطلب ذلك الثواب إلى الله.
قلت: فهل على الحاكم أن يتعاهد أهل الحبس، ويرسل من ينظر في حالهم، فإن كانوا يحتاجون إلى الطعام، أطلقهم عند من يأتيهم يسترفدون طعاما ويتقوّى به؟ قال: هكذا عندي. (3/222)
صفحة 772
قلت: فإذا أتى إليهم بطعام من بعض أرحامهم. فهل على صاحب الحبس، أن ينظر الطعام، عسى أن تكون فيه حديدة، أو شيء من ما يخاف منه؟ قال: هكذا إذا خيف منهم، واتهموا إلا أن يكون ذلك لمصالح الإسلام.
قلت: فيترك حامل الطعام، أن يدخل بالطعام إلى الحبس؟ قال: يعجبني ذلك، إذا لم يخف منه شيء، يتولّد على أهل الإسلام الضرر من قبله. وكان المسلمون يجعلون في أسجانهم في باب السجن، خللا من أدر الباب نفد، وما يدخل الطعام ودّا، وذلك راحة، وغير ذلك أحرم في الأمر.
قلت: وإذا كان في الحبس طوى. فهل على الحاكم أن يحضرهم الدلو والحبل؟ قال: ليس عليه ذلك، إلا أن يتطوّع بذلك.
قلت له: وليس عليه أن يحفر في السجن طويا، إن لم يكن فيه طوى؟ قال: ليس عليه ذلك.
قلت له: هل عليه أن يجعل لهم خلاء للمستراح؟ قال: ليس عليه ذلك، إلا أن يقدروا هم على حيلة، فيستروا على أنفسهم، أن يجعل لهم خلاء؛ لأنّ ذلك ممّا لابدّ منه. انقضى. وإذا نقب أهل السجن السجن، فلا يضربون. (3/223)
صفحة 773
باب في العبيد
وعن العبيد. هل يضربون على المناكر مثل الأحرار؟ قال: والعبيد تقام عليهم الحدود. وكذلك إذا منعوا حقا، لزمهم وحاربوا قوتلوا على ذلك وقتلوا. وأمّا إذا كانوا في مثل اللعب وغير ذلك من الملاهي، فيؤمرون بالكف عن ذلك، وعن معاصي الله، فإن انتهوا عن ذلك، لم يعرض بضرب، والله أعلم.
قال غيره: وقد قيل: إنّهم يعاقبون على مثل ما يعاقب به الأحرار، لكن يضربون على أدبارهم بالعصا. وعن عبد عليه ضريبة استدان دينا. قال: ليس عليه شيء، إلا أن يكون مولاه أرسله، أن يشتري ويبيع. وعن عبد أرسله مولاه تاجرا، فاستدان فوجد معه مالا، فقال العبد: هذا المال للغرماء، وقال مولاه: هو لي. قال: هو لمولاه، إلا أن يقيم الزماء البيّنة على ما يدّعون.
ومن غيره: وعن رجل توفّي وعليه دين، وترك أمّ ولده. (3/224)
صفحة 774
فإنّ الجارية تباع في دين الرجل. وإن شب الغلام، فإنّ عليه أن يطلب فداء أمّه. قال بعض أهل العلم: نعم، وذلك إذا كان دينه يحيط بماله وبقيمة الأمّ أمّ الولد. وقد قيل: ليس على الولد أن يطلب شراء أمّه، إلا أن يتطوّع. وعن رجل له عبد يبيع في السوق، قد حجر عليه مواليه، وأخذ من الناس أشياء. قال: ما قدر عليه عند العبد أخذ منه، وإن فضّل عليه شيء، فهو على سيّده بما في يد العبد من ماله. وإن بقي شيء، فهو في العبد، وليس على ربّ العبد غرم.
ومن غيره: ومن ما يوجد أنّه من جواب أبي الحواري بن محمّد: وسئل وأنا شاهد عن رجل كان له غلام تاجر فقال: أرأيت غلامك هذا غني أم لا؟ أتأمرني أن أبيعه؟ فقال: والله ما أرى، أغني هو أم فقير؟ وما آمرك بمبايعته، ولا أنهاك فبايعه الرجل وصار عليه دين. أيباع فيه؟ قال: نعم، إن بلغ ثمنه بأنّه لم ينهه عنه، وقد خلى عنه، ويبيع ويشتري. (3/225)
صفحة 775
وفي بعض القول: إنّ العبد إذا أخرجه سيّده تاجر، ولم يحجر عليه الدين، فما أدان فهو في يد العبد وفي رقبته، ولا يجرّ على سيّده أكثر من ذلك. وإن حجر عليه أن يدان، فلا شيء عليه. وإن أذن له أن يدان، فما أدان، فهو على سيّده دينا عليه، بمنزلة دينه؛ لأنّه أمر عبده. ويبدأ غرماء العبد بما في يده، قبل غرماء السيّد، ثمّ يشترك غرماء السيّد في مال السيّد. وقد قيل: إنّ هذا أيضا في دين العبد، إذا كان تاجرا ولحقه دين. ولو لم يأمره سيّده أن يدان، فما في يده ورقبته يبدأ ديانة في دينه، ثمّ لحق غرماؤه مال سيّده.
عن غيره: عن عبد تركه سيّده يتجر، وصار عليه دين. قال: يباع في ماله. والسيّد إذا استعمل عبده، بعمل يرى أنّه يقدر عليه فقال: إنّه لا يقدر. لم يعذر من ذلك، وكان له أن يجبره على ذلك، إذا كان عملا لا يخاف عليه فيه ذهاب نفس. (3/226)
صفحة 776
فإن مرض فلا يستعمله، حتّى يصح من مرضه. وكذلك إن كبر ولم يقدر على العمل، فليس لذلك أن يستعمله، إلا بعمل يقدر عليه، وعليه مؤنته. وكذلك لو طلب العتق فأعتقه، فعليه مؤنته إذا عجز عن ذلك، من الكبر أو الصغر أو المرض، طلب العبد أو لم يطلب.
وسألته عن مملوك اشترى ثريا، يدين للربح فيه، فأخذه منه مولاه، فلم يجد ما يقضي من اشتراه، وقدر على أن يأخذ من مال مولاه، على ما يقضي ذلك الرجل. قال: فلا أرى عليه بأسا، إذا أصاب قدر ذلك الثوب، يوما من الدهر، أن يقول لمولاه: إنّك كنت أخذت ذلك الثوب، ولم أجد أقضي عنّي فأخذت من مالك حيث لا تعلم. وسألته عن مملوك طلب إليه مولاه، أن يعلمه ماله. قال: عليه ألا يكتمه شيئا من ماله.
ومن جواب هاشم بن غيلان، وموسى بن علي، والأزهر بن علي، لوالي صحار سليمان بن الحكم: وعن عبيد أهل الصلاة، إذا عرف مواليهم بالإساءة إليهم بالضرب أو الجوع. فقال: يتقدّم عليهم ويأمرهم بالإحسان، فإن استبانت الإساءة إليهم منه، أمر بهم ببيعهم. (3/227)
صفحة 777
وإن كره بيعهم وأساء فيحبس. وقال بعضهم: إذا أساء السيّد بعد التقدمة، لم يقدّر إلا أن يبيعهم.
ومن كتاب عزان بن تميم، عن أبي عبد الله قال: وإذا أذن رجل لعبده في التجارة، فاستدان العبد أكثر من قيمة العبد، فهو على سيّده.
ومن غيره: وقد قيل: لا يلحق السيّد أكثر من مال العبد ورقبته إلا الجناية. وقال من قال: يكون في مال العبد ورقبته، لديّان العبد، ولا يشاركه ديّان السيّد. فإن بقي من مال العبد ورقبته شيء، كان لديّان السيّد. فإن تلف مال العبد ورقبته، رجع ديّان العبد بالحصّة مع غرماء السيّد. وقال من قال: يكون ما استدان العبد في رقبة العبد، وما في يده من التجارة.
قلت: فإن لم يأذن له أن يدان شيئا؟ قال: نعم، يلزمه ما استدان عبده، إذا أذن له في التجارة، إلا أن يشترط عليه هذا.
ومن غيره: وقد قيل: لا يلزم السيّد ما استدان عبده أو أخرجه (3/228)
صفحة 778
للتجارة، أو في صناعة، حتّى يأذن له أن يدان؛ لأنّ أصل البيوع بالنقد، فليس لأحد أن يداين عبدا، إلا بإذن سيّده، ولو كان سيّده قد أذن له للتجارة، أو في الصناعة، أو يصح ذلك عليه، ولا يلزم ذلك السيّد في رقبة العبد.
ومنه: قلت: يكون ما استدانه في رقبته أو في يده، من تجارته أم لا؟ قال: نعم، إذا حدّ له حدا، إلا أن يستدين إلى كذا وكذا، لم يلزمه ما زاد عبده من الدين، على ما حدّ له. وقال أبو عبد الله: إذا أذن رجل لمملوكه في التجارة، وإذا أخرج عنه ضريبة يؤدّيها إليه، فاستدان المملوك دينا. قال: ذلك الدين في رقبته، فإن شاء أن يفديه فذلك له، وليس عليه ما زاد على رقبته. وإن لم يفعل، كان عليه أن يباع مملوكه بذلك الدين، فيدفع إلى الديّان ديونهم التي استدانها منهم. قال: وكذلك إذا جنى جناية. وسألته عن العبد إذا أذن له في التجارة. فهل يجوز للعبد أن يوكّل وكيلا في ماله، أو يوصي إلى أحد؟ قال: أمّا الوكالة، فيجوز له أن يوكّل، وأمّا الوصايا، فلا يجوز لمن أوصي إليه. (3/229)
صفحة 779
قلت: فإن كانت جنايته والدين الذي استدانه، لا يبلغ ثمنه، فلم يفده مولاه. فهل يباع؟ قال: نعم؟ فإن كان ذلك يبتاع خدمته، جزء منه، يقدر ذلك الدين والجناية، بيع ذلك. وإن لم يبتع إلا جميعه، بيع جميعه، وأخذ أهل الحقوق حقوقهم، وما فضّل من ثمنه دفع إلى سيّده.
وعن أبي علي الحسن بن سعيد بن قريش: فالذي عرفت أنّ العبد لا يضرب على الخدمة، وإنّما يضرب على ترك الصلاة، والمناكر الكبيرة، ويضرب أيضا على الأدب. (3/230)
صفحة 780
باب في أمر العبيد أيضا
وعن العبد. هل له أن يصوم بلا رأي سيّده؟ قال: ليس له أن يصوم إلا برأي سيّده.
قلت: هل يصلّي في الجماعة؟ قال: نعم، وأيضا يصلّي الفريضة وحدها، وليس له قبلها ولا بعدها، إلا برأي مولاه.
قال غيره: أحبّ أن يكون له أن يصوم، إذا لم يمنعه ذلك عن خدمة سيّده، ولم يضر ذلك بجسده، ولا بشيء من أمره، ويصلّي ركعتي المغرب والوتر، وركعتي الفجر وركعتي الظهر. وعن رجل أراه يستعمل غلامه ليلا. هل يصرف عن ذلك؟ قال: فإنّه يصرف عنه، إلا أن يكون من العمل، الذي يستريحون بالرقاد، ويلزمه عمله في الليل.
قلت لأبي عبد الله: هل في عمل الدواب، راحة مثل العبيد، يراحون في الليل؟ قال: لا أعلم. (3/231)
صفحة 781
وعن نفقة زوجة العبد، إذا تزوّجها بإذن سيّده. أهي على سيّده، أم في ثمن العبد، فهي على سيّده؟ قالت: فإن لم ينفق عليها العبد ولا سيّده. فهل يحبس حتّى ينفق عليها أو يطلّقها؟ فأقول: نعم، يحبس لها المولى، حتّى ينفق عليها أو يطلّقها.
ومن جامع أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة: قال أبو عبد الله: في رجل أذن لعبده في تزويج امرأة حرّة أو مملوكة، فتزوّجها على ألف درهم: إنّ ذلك جائز، ويكون الصداق في رقبة العبد، إلا أن يموت أو يطلّق السيّد. فإن طلّق العبد بأمر سيّده أو ببيعه، فإن طلّق أو باع، ضمن الصداق وكان عليه وضمن الصداق. قيل له: فإنّ السيّد باع العبد، فإلى من يكون الطلاق؟ على من يكون الصداق؟ قال: يرجع الطلاق إلى المشتري، ويكون الصداق في ثمن العبد. قيل له: فإنّ السيّد باعه بمائتي درهم، وهو يساوي جملة الصداق، فطلبت الزوجة، أن يدفع إليها ألف درهم، أو قيمة العبد، أو يأخذه بقيمته. قال: ليس لها إلا مائتا درهم. (3/232)
صفحة 782
قيل له: فإن طلب يمينه، أو يحلف أنّه لم يدلس في بيعه. فهل عليه يمين؟ قال: لا. وهذه المسألة، يجب أنّ فيها نظرا؛ لأنّ من أصله وقوله. وقول غيره من أصحابنا في مثل هذه المسألة: إذا مات الرجل، وعليه ألف درهم، وخلف عبد، فأراد الوصي بيعه ببعض الألف، ويدفع إلى الغريم حقّه، فرغب أن يأخذه صاحب الحق، بجميع حقه، أو يدفع إليه الألف: إنّ القول قول الغريم، والخيار له؛ لأنّ الحق تعلّق برقبة العبد، كما هو قال في صداق المرأة في رقبة العبد، وإذا تساوى تعلّق الحق بينهما، وكان لأحدهما الخيار، كان للآخر مثله، والله أعلم. انقضى. وإذا جنى العبد جناية، لم يلزم سيّده، إلا أن يطلب إليه ذلك. وإذا اشترى الذمي عبدا من مسلم، جاز البيع، ولم يقبض، ويجبر الذمي على بيعه بحمله السوق، ولا يترك على تخديمه ثمنا يزيده. إذا طلب ذلك العبد والأمة تعزل، حتّى يحملها على السوق.
ومن كتاب أبي قحطان: قال أبو عبد الله: في رجل أذن لعبده في التجارة، ثمّ أعتقه سيّده بعد أن استدان دينا. قال: إن كان لسيّده مال، كان الدين في ماله، وجاز عتقه. وإن لم يكن له مال، لم يجز عتقه، ويباع هذا العبد، ويدفع ثمنه إلى غرمائه بحقوقهم. (3/233)
صفحة 783
وإن أعتق رجل عبده في مرضه الذي مات فيه، وليس له مال غيره، لم يز عتقه، ويباع هذا العبد، ويدفع ثمنه إلى غرماء سيّده. وقال آخرون من المسلمين: إنّ عتقه جائز، ويستسيغه غرماء سيّده، بقدر قيمة رقبته، وإن أخذ بالقول الأوّل، وهو قول والدي. وأمّا موسى بن علي، فكان يجيز عتقه، ويستسيغه غرماء سيّده، بقيمة رقبته.
سألت أبا عبد الله: عن المملوك، إذا أذن له سيّده في التجارة: هل يجوز إقراره بالحقوق على نفسه، وتجوز منازعته مع الحكم في المال، الذي يدّعيه ويدّعي إليه من البيوع والتجارة، ويحكم له وعليه، ويستحلف ويستحلف؟ قال: نعم. الضياء: وإن وجب عليه ديون للناس، لم يجز للحاكم حبسه. وإذا كان مولاه أذن له في التجارة، ولم يحجر عليه المداينة، أخذوا وأعطى الحق، وإن أعطى وإلا أخذ مولاه، فإمّا يعطى وإمّا يبيع العبد. وليس للمملوك يمين، ولا عليه إلا بإذن مولاه. وإذا أذن له في العمل مثل النسج أو غيره، فمن قدّمه قبل العمل، فلا شيء على سيّده ولا في رقبته. (3/234)
صفحة 784
رجع إلى كتاب أبي زكرياء: ومن غيره: ولا يجوز إقرار أحد من العبيد، أذن لهم مواليهم في التجارة، أو لم يؤذن لهم.
ومنه: وكذلك العبد التاجر، ما دام مفوّضا إليه البيع والشراء، فإقراره جائز عن ما في يده وفي رقبته.
رجع: وإذا نزع من الضريبة، فلا يجوز إقراره. والعبد إذا كان يصوغ للناس، فحضره الموت، فإنّه إن أقرّ بمائة دينار، أو أقل أو أكثر من ما في يده، فإقراره جائز في أموال الناس، التي في يده. وما أقرّ من ما ليس في يده، فلا تبعة على المولى، من ما تركه العبد. وعن رجل أبرز غلامه للتجارة، فاستدان العبد دينا، حتّى جاوز ثمنه، فما استدان العبد. هل يكون ذلك على سيّده، أو في رقبته؟ قال: إذا أذن له في التجارة، فما استدان العبد، فهو على سيّده، حتّى يحجر عليه سيّده، فكلّ شيء استدانه بعد أن حجر عليه سيّده، فليس ذلك عليه، ولا في رقبة عبده. قلت: فعلى من البيّنة؟ قال: على سيّد العبد البيّنة، متى حجر عليه الشراء والبيع، فإذا صح ذلك، بطل كلّ شيء استدانه العبد، بعد ما حجر عليه، ولا يكون عليه في ذلك شيء، ولا في رقبة عبده. قال أبو عبد الله: سمعنا أنّه يلزم العبيد في رقابهم، ما جنوه من (3/235)
صفحة 785
قتل أو جراحة، إذا قامت عليهم بذلك البيّنة العادلة، فأمّا في غير ذلك، فلا يلزمهم ولا مواليهم، ولو قامت بذلك بيّنة عدل. ثمّ قال: لو أنّ امرأة وجدت مع عبد في منزله، وهي بكر، ودمها يسيل، فادّعت أنّه افتضها. فهل كان يلزمه ذلك، ويؤخذ بعقرها؟ ثمّ قال: لا يؤخذ بعقرها؛ لأنّه مملوك، وليس هو بمنزلة الحر. وقال أبو عبد الله، في عبد أذن له سيّده أن يتزوّج قال: لا أضمن عنك بصداق، ولا تضمن أنت به، فإن زوّجوك بلا صداق، وإلا فلا تضمن بصداق. قال: إذا تزوّج بصداق أو بغير رأي سيّده، فلا يجاوز الصداق أربعة دراهم، وهي في رقبة العبد، وما زاد بصداق فوق ذلك، فلا أراه يثبت في رقبة العبد، ولا على العبد؛ لأنّه كان ينبغي لمن زوّجه، ألا يزوّجه إلا برأي سيّده، وهم أبطلوا حقهم. وإن قال سيّد العبد لأولياء المرأة: زوّجوه إن شئتم بغير صداق، فزوّجوه بصداق لم يكن لهم شيء؛ لأنّهم تعدّوا رأي سيّده. قال: ذلك تزويج حرام، ولا صداق لمن تزوّجه.
قلت: فالحرّة والأمة في ذلك سواء؟ قال: نعم.
قلت: فإن استكره امرأة حتّى وطئها؟ (3/236)
صفحة 786
قال: لها عقرها وهو في رقبته.
سألت أبا زياد، عن امرأة قالت لعبد غيرها: ردّ على هذه البقرة، فخرج الغلام يجري وفي يده رمح، فصرع عليه فأنقذت فمات. هل على المرأة ضمان؟ قال: نعم.
قلت: فإنّه حر مدرك؟ قال: ليس عليها شيء.
قلت: فإنّه غلام لم يدرك؟ قال: عليها الديّة.
قلت: والديّة عليها، أو على عاقلتها؟ قال: الله أعلم.
قال أبو العبّاس: بلى حفظنا أنّ الديّة على العاقلة. انقضى.
ومن غيره: قلت: وما عندك في الحكم بين العبيد والأحرار، أو العبيد والعبيد، إذا لم يكونوا أخرجوا للتجارة ولا لعمل. هل يقيم الخصم عليهم الحجّة مع الحاكم في الموافاة؟ قال: يأخذهم الحاكم في تلك الحقوق والديون، ولا يحتاج في ذلك إلى إحضارهم بأمر ساداتهم بالمنازعة، ويكون بعد المنازعة الأيمان والإقرار بالحقوق. (3/237)
صفحة 787
قلت: كيف الوجه في ذلك؟ قال: الذي معنا في هذا، أنّه يحتجّ على سيّد العبد في مطالبة ذلك. فإن أذن لعبده في الخصومة، جاز ذلك منه. وإن خاصم عنه، لم يكن على السيّد أن يخاصم عبده، ومشتغل عن عمله، فإذا قام بما يجب عليه في ذلك، من منازعة خصومة. وإنّما يجب على العبد في هذا، الذي وصفت بالبيّنات، ولا يكون ذلك إلا بحضرة سيّده أو بإذنه. وعن العبد إذا سرق ولم تقم عليه بيّنة. هل يحبس؟ قال: فإن حبسه الطالب، لطلب البيّنة؛ لئلا يهرب، فلا أرى في ذلك بأسا. وعن عبد أعارا عبدا ثوبا، فذهب به العبد ولم يردّه، وقامت عليه البيّنة. قال: فإنّ العبد يبلغ إليه في القول، فإن قدر على الثوب عنده، وإلا فما أرى على سيّده غرما، وما نحبّ أن يحبس غلامه على هذا. وعن رجل قال له رجل: فاسق الفرج. فما أراه إلا قد قذفه بالزنا. قال الربيع: إذا ارتدّت المرأة، فإنّها تستتاب ثلاث مرّات، وليس في يوم، ولكن في ثلاثة أيّام. (3/238)
صفحة 788
وعن قوم كانوا في سفينة، فسرق بعضهم بعضا. فقال: يدرأ عنهم الحد؛ لأنّهم في بيت واحد. وإذا أدرك الرجل امرأته، يصنع بها الصبغ. فهل يجوز له المقام معها؟ قال: لا. وعن رجل امرأة على صبغ. هل يحلّ له أن يتزوّجها؟ قال: لا.
قلت: فهل تحلّ له قبلها؟ قال: لا أرى ذلك. وعن رجل شتم النبيّ (ص) فقتله رجل. قال: إن قتله على شتمه، لم أر عليه بأسا، إلا أن يتوب. وعن رجل سرق وقامت عليه البيّنة، فأخذ للقطع رجل فقال: أنا الذي سرقت متاع هذا، ولكن الشهود لم يدروا. فقال: ليس عليه قطع، إنّما القطع على الذي قامت عليه البيّنة. فإن أقرّ الرجل بسرقة سوى السرقة التي قامت بها البيّنة، فإنّه يقام عليه الحد بإقراره، واعترافه على نفسه. (3/239)
صفحة 789
وعن رجل زنا وهو محصن، أو قتل قتيلا، فاعترضه رجل دون الإمام، فقتله بالقتيل، وقطع يده. قال: يعزرون ولا يقبض منهم.
ومن غيره: أمّا الذي قتل دون الإمام، ودون أولياء المقتول، فعليه القود. وأمّا إن كان هذا الرجل قتله إلى الإمام حد من حدود الله، ليس على وجه القود، فهو كما قال. وعن اليهود إذا قال: عزير ابن الله. فما عليه؟ قال: يعاقب بالحبس.
ومن جواب أبي زياد: وعن رجل يطلب إلى رجل جرحا، فطلب إل صاحب الجرح أن يعفو عنه. فقال صاحب الجرح: قد عفا الله عنك، أو قد عفوت، ثمّ عاد يطلب جرحه. قال: لم يكن معناي أنّي قد تركت جرحي. فأمّا قوله: قد عفا الله عنك. فله جرحه، ولا يبطله عفو ذلك. وأمّا قوله: قد عفوت عنك. فهو عفو من القصاص، وله الديّة، إلا أن يكون قد علم قدر جرحه، وما يبلغ ديّته، ثمّ عفا عن الديّة، فإنّه يجوز عفوه. (3/240)
صفحة 790
وأمّا عفوه، ولا يعلم جرحه، فلا ينفع شيئا. وبلغني أنّ رجلا أتى أبا الشعثاء فقال: إنّي وجدت امرأتي تزني مع رجل، أرافعها إلى الحاكم؟ فقال: وليك فارقها. ثمّ عاد إليه الثانية فقال: ويلك فارقها، كأنّ الفرقة أحبّ إليه من ما يرافعها ويلاعنها. ولو أنّ رجلا قتل رجلا فقال: ظننت أنّه فلان فقتلته، فإذا هو غيره، لم يكن هذا من الخطأ، وكان هذا عملا. ولو قال: أردت أنّ فلانا، فأخطأت به، وأنا لم أقصد إليه بالقتل، وإنّما قصدت إلى فلان، فأصبت هذا، كان هذا بمنزلة الخطأ، والقول قوله في هذا في بعض القول. وسألته عن ما يجوز للرجل من عبده وأمته من الأدب. قال: له فيهما ما للإمام في رعيته من الحبس بالتهمة، والعزير على الفعل، والنهي لهم عن ما يحذر عليهم عنه. وقد روي عن بعض الفقهاء: إنّه كان يقول بصحة الخبر المروى عن رسول الله (ص): إنّ سيّد الأمة يقيم عليها الحد إذا زنت كما يقيمه الحاكم عليها إذا صح ذلك معه. قلت: فهل للحاكم أن ينكر ذلك على مواليهم، إذا جازوا عليهم؟ (3/241)
صفحة 791
قال: نعم.
قلت: وعلى سبيل الحكم؟ قال: لا، حتّى يرفعوا هم ذلك. قال أبو بكر أحمد بن محمّد بن خالد: إذا أتى رجل إلى الوالي بعبد فقال: إنّ العبد لفلان، أرسلني به إليك، يريد حبسه، فإنّه ليس له حبسه.
ومن غيره: وسألته عن الحاكم، إذا رفع إليه العبد، أنّ رجلا حرا ضربه، وكان في العبد الأثر، فحبس له المتّهم، ثمّ أراد الحاكم إطلاق المتّهم. كيف الحكم في ذلك؟ قال: الحاكم يحتج على سيّد العبد، إن كان حاضرا، وإلا أخذ على المحبوس كفيلا. وإن كان السيّد غائبا فيما يصح عليه من هذه التهمة، التي ادّعاها عليه العبد.
قلت له: فإذا لم يصب كفيلا، وكان السيّد غائبا. فما القول؟ قال: إذا أراد إطلاقه، ولم تبق عليه عقوبة الحبس، ولم يحبس إلا بحق يصح عليه. ويعجبني أن يستوثق بالإشهاد، إذا طلب خصمه ذلك، في ما يصح عليه من هذه الدعوى، فله ذلك. (3/242)
صفحة 792
وفي خبر عن النبيّ (ص) في المملوك يطعمه من ما يأكل، ويكسوه من ما يلبس، ولا يكلّفه من العمل فوق طاقته. قيل: يا رسول الله، ما يكلّفه إيّاه فيه فوق طاقته. قال: لا يجب أن يراه فارغا، كلّما فرغ من عمل كلّفه غيره، واعلم أنّ كلّ ما نقصت من عمله، كان في موازينك يوم القيامة. وفي الخبر عنه: يكتب ما عصوك وما خانوك وما عاقبتهم أنت. فإن كان عقابك إيّاهم دون ذنوبهم، كان الفضل لك. وإن كان بقدر ذنوبهم، كان كفافا لا لك ولا عليك. وإن كان فوق ذنوبهم، اقتص لهم منك الفضل، الذي بقي لهم. وقال (ص): من لطم وجه عبده، فإنّ كفّارته عتقه. قال ابن عبّاس: من حل على عبد ليضربه فكفّارته تركه. وإذا كان العبد يتأدّب بالعشر، لم يؤدب بأكثر. وقال بعضهم: بالأربعين. قالوا: وهو أدب عمر. وقال بعضهم: سبعين. (3/243)
صفحة 793
وقد ضرب محمّد بن محبوب، غلاما له، لما اجتمع الناس على الباب، قد فرّ الرجل، فأعشاه أظنّ مائة وعشرين ضربة. وإذا ضرب المولى عبده، بغير ذنب، فإنّه يحبس. فقال بعضهم: إذا أساء إليه بعد التقدمة، لم يعذر إلا أن يبيعه. وعن عمر: إنّ رجلا قتل خادمه، فجلده مائة جلدة، ومحى اسمه. وروي عن النبيّ (ص): «وليس للعبد عياظ يوم العيد» ولم نسمع أنّ على موالي العبد، أن يقيله بالنهار، وإن فعل فحش، وإن كان ضيعه يقال في مثلها. قال: قال بشير: ليس للرجل أن يطعم عبده خبزا، ولا يطعمه تمرا، ويطعمه تمرا، ولا يطعمه خبزا، إذا كان من أهل تلك القرية، من من غداؤه ذلك. وينبغي لا يكفل أمره إلا إلى ثقة. وسئل أيضا عن العبد، إذا خاف عليه الجوع، ويطعمه حتّى يشبع، ويستخدمه حتّى يغلب. (3/244)
صفحة 794
وإذا مضي له يوم أو يومان، لم يأخذ نفقته، ثمّ جاء يطلب ما لم يكن أخذه لم يكن له ذلك. ويعطى بالغداة نصف نفقته، وبالعشي نصفها. وليس للعبد أن يتصدّق بما يفضّل عنده من نفقته، وهو لسيّده، وله أن يأكله أيضا. وإذا وجد عند العبد مال وقال: إنّه لقطه وأخذه، كان عليه ردّه إليه. فإن أتلفه ضمنه. والمملوك إذا اصطاد طيرا، وذبحه لم يؤكل. وإذا رفع العبد إلى رجل دراهم، وأمره أن يشتريه، فإن وقع البيع على تلك الدراهم، فالبيع باطل، وإن اشتراه، ثمّ دفع الدراهم، دفع العبد للمشتري. ومن استعمل عبدا، من من يعمل بيده، كالحجام وما أشبهه، وكان في البلد، سيّده معروف في البلد، حيث يرى من استعمله، فاستعماله جائز. ومن وكّل عبدا في طلاق أو بيع أو شراء، ولو كره سيّده، فإن فعله تام. ومن دين المسلمين: وعن أبي المؤثر: لا يجبرون الناس أن يقاتلوا معهم، إذا أرادوا قتال عدوّهم. (3/245)
صفحة 795
قال: إلا من اتهم أنّه يعين العدو. وقال: يحبس حتّى تضع الحرب أوزارها. وقد ذكر لنا أنّ عمر بن عبد العزيز، حبس يزيد بن المهلب، ثلاثين شهرا بالتهمة، بالخروج عليه، وإن كان عمر بن عبد العزيز، ليس هو بإمام، وقد كان يوصف بالسكانة والورع في مذهبه. قال: ونقبل الحكمة من حيث وجدناها. وقد يوجد أنّ الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها أخذها، ولا يبالي من أيّ وعاء خرجت منه.
ومن غيره: وعن الفاسق، إذا كان شريا يخافه الناس. فهل يجوز حبسه في السجن، حتّى يؤنس منه؟ قال: نعم. ولما مات رسول الله (ص)، سمعت به نساء من كندة وحضر موت، فخضبن أيديهن وضربن بالدفوف، فكتب أبو بكر –رحمه الله- إلى المهاجر، فقطع أيديهن. وعن المرأة إذا امتنعت ألا تحبس. فما يلزمها؟ وكيف يصنع بها؟ فأمّا إذا ظفر بها فامتنعت، أخذت بغير أن يصل الأخذ لها، إلى مس شيء من بدنها، إن قدر على ذلك (3/246)
صفحة 796
ولا يلي ذلك منها، إلا جماعة من الثقاة. فإن امتنعت ضربت على ما امتنعت من الحق، حتّى تستقر للحق، وتسمع له وتطيع. وأمّا إذا امتنعت في البيوت: فإن كان امتناعها يحدث أحدثته، طولبت في ذلك، وجعل عليها العيون، حتّى يظفر الله بها، فإذا ظفر بها، كان القول فيها ما مضى. وإن كان امتناعها عن محاكمة بينها وبين أحد، فإذا صح تولّيها أخذت على ذلك أيضا. وما لم يصح تولّيها، فعلى خصمها أن يحضرها كيف شاء. فانظر في ذلك.
جواب أبي معاوية عزان بن الصقر –رحمه الله-: سألت: هل يجوز للمسلمين أن يحبسوا من اتهم أنّه حرب لهم في بر أو بحر؟ وكالذي يضر في البحر، أنّه يظفر به، أو غير ذلك من اللصوص وينكرون ذلك؟ فمن اتهموه بمحاربتهم، وعرف منه أسباب ذلك من التعريض، لمارة الطريق، وقطع السبل، وبغي على المسلمين، فالمسلمين حبسهم وإقامة الأحكام عليهم، كلّ منهم يؤخذ بما جنى إن كانت جناية. وإن لم تكن جناية، إلا التعريض في الطرق، بقطعها وأخذ الأموال، فإنّ أولئك يحبسون حتّى يأمنهم الناس. (3/247)
صفحة 797
وعن من أحدث حدثا، أو فعل فعلا، خفى عن الإمام والقاضي: إنّه تجوز عليه عقوبة أم لا؟ هل يحبسانه حتّى يسألا المسلمين، أنّه تجوز عقوبته أم لا تجوز؟ ثمّ سألا المسلمين بعد العقوبة، أنّه لا شيء عليهما في حبسه. وسألت عن تفسير هذه الرواية: من أحدث في الإسلام حدثا، أو أوى محدثا، فعليه لعنة الله. فهذا من أحدث في الإسلام حدثا، أو بغى على المسلمين، فعليه لعنة الله وعلى من أواه، أو نصره أو ستره، حتّى لا يؤخذ الحق منه. وسألته عن رجل وجدت في يده سرقة، وهو من من لا يتّهم بالأخذ، ولكنّه يتّهم بالستر لها. فهل عليه حبس التهمة؟ قال: هكذا عندي، أنّه يتّهم ويحبس به، وذلك على ما يرى حكّام العدل. وكذلك الذي يؤوى من يهرب من حبس الحاكم ويستره، ولا يعلم على ما حبسه. فهل يستحق الحبس بستره له، وبإيوائه إليه؟ قال: إذا كان الحاكم ظاهر حكمه جارية على العدل، فإن اتهم بستره على العلم منه، أعجبني أن يحبس على التهمة بذلك. وسألته عن رجل يتّهمه الحاكم أو الإمام، بتهمة يستحق بها الحبس، فيحبسه على ذلك، وهو عند نفسه، أنّه لم يفعل ما اتهم به. فهل يجوز أن ينقحم الحبس؟ (3/248)
صفحة 798
قال: إذا لم يثبت عليه حق، وانقحم من غير معاند الحق، ولا استخفاف ولا بمنع عن الحق، إذا أخذه فأرجو ألا يضيق عليه ذلك. وسألته عن الحاكم إذا حبس من لزمه التهمة، وخصمه غائب، حيث تناله حجّة الحاكم. قال: يرسل إلى خصمه، حتّى يحضر وينظر بينهما. وإن كان خصمه غائبا، لا تناله حجّة الحاكم، أخذ عليه كفيلا بإحضاره، إلى وصول خصمه، وينظر بينهما. وإن لم يجد كفيلا فقد قيل: إنّ ليس عليه حبس. ولا يعجبني أن يطلّق هذا إلى أهل التهم والقوام. سئل عن من يظهر الزندقة واللعب، بقتل الأحياء أو غير ذلك من اللعب. فهل يحبس على ذلك؟ قال: هذا يشبه السحر؛ لأنّه قيل: إنّ السحر حيلة، وقد قيل: يقتل الساحر ويحبس على ذلك، حتّى ينتهي على ما مضى قوله. سئل عن الأمة: هل يجوز أن تعمل عملا عند الحر؟ قال: إذا لم يسترابا في ذلك.
قلت: فما معنى الريبة هاهنا، والزنا أو ما يتولّد من النظر، إلى ما يجوز من شهوة أو غيرها؟ (3/249)
صفحة 799
قال: كلّ ما يتولّد من ذلك من ما لا يجوز، وتلحقهما فيه الريبة، فلا يجوز أن يخلى بينهما في العمل.
ومن غيره: قلت: فإنّه إذا صح معه في اطمئنانة، أنّه في بيت منكر غير ظاهر، وخاف إن هو الذي استأذن فر الذين يراد منهم العقوبة على ذلك. فهل له أن ينقحم بغير إذن، ويكاتب ذلك، ويشهر لهم؟ قال: إذا أراد إنكار الذي قد تبيّن فقيل: إنّ له أن يدخل إذا أشعرهم أنّه يدخل ولو لم يأذنوا له. وقيل: ألا يدخل إلا بإذن. وإذا شهد على رجل، أنّه كان مع هذه المرأة في الطريق، وهي تصيح فقيل: إنّ التهمة تثبت عليه إن شاء الله. وسألته عن المحبوس، إذا مرض في الحبس مرضا شديدا، وطلب أهله أن يحولوه معهم. فهل يجوز للحاكم ذلك؟ إذا كان الحق لله، نظر الحاكم في ذلك ما هو أقرب إلى العدل. وإن كان الحق للعباد، لم يزل إلا بزوال أحكام ذلك. عن المريض قلت له: إن كان حقا لله أو للعباد، وأراد الحاكم أن يخرجه من الحبس، ويضمن به أهله، إذا برئ أن يردّوه إلى الحبس، ليحبسه على الحق، الذي قد وجب عليه الحق بسببه. (3/250)
صفحة 800
قال: حقوق العباد، ليس هي للحاكم، إلا أن يوجب النظر زوال ذلك، أو وجب ذلك بوجه. وأمّا حقوق الله، فالنظر فيها إلى الحاكم، في ما يوجبه الرأي بالعدل. وعن الحاكم إذا حبس رجلا، فشتم السجان، فقال له: يا خسيس وهدده بالوعد القبيح. فما يلزمه؟ قال: إذا كان السجّان من المسلمين، فقال له: يا خسّيس. فعليه التعزير والحبس وإطالته على ما يراه الحاكم. سئل عن رجل لزمه الحبق بحق، فعنته علّة خيف على أهل الحبس. فهل يقطر برجليه أو يقمط؟ قال: يوثق بما لا يضرّه عليه فيه. وإن لم يؤمن عليه في المضرّة، لم يعرض لذلك.
قلت: فالمحبوس والذين في الحبس على الحقوق وغيرها، فما على الحاكم أن يفعل فيهم إذا حضره الموت؟ قال: يشهد على ذلك، ويوقف على أمرهم العدول والثقاة.
قلت له: وليس له إطلاقهم إذا خاف الموت، إلا برأي خصومهم، الذين قد ثبت لهم الحق؟ قال: هكذا عندي. (3/251)
صفحة 801
قلت له: وكذلك الذين وجب عليهم حبس المتهم، حتّى يستبرأ حبسهم بالتهم، على ما يستحقّونه، ولا يطلقهم حتّى يبلغوا ذلك ولو خاف. قال: هكذا عندي.
قلت: فإن خاف الذي يلي الأمر بعده سلطان أو غيره، من من لا يقوم مقامه، لم يكن له إطلاقهم على حال، حتّى يبلغوا، لم يكن له إطلاقهم، حتّى يبلغوا الحد الذي يؤمن به، باستبراء حبسهم أو بأداء الحقوق؟ قال: هكذا عندي، إذا تبيّن أمرهم، وأشهدوا على ذلك. ألا ترى أنّ بإطلاقهم في التهم، ما لم يصح معنا، بسبب يتّضح له خروج بحق. فمعي، أنّ له الخيار في ذلك. وعن وال ولاه الإمام على بلد، ولبث عليها ما شاء الله، وحبس من يستحق عليه الحبس، ثمّ جاء وال آخر وغيره، وتحوّل هو، فما يفعل في حبسه؟ أيطلّقه أم يتركه وينظر فيه الوالي الثاني؟ قال: إن كانوا استحقّوا الإطلاق أطلقهم. وإن لم يكونوا استحقّوا الإطلاق، وكان الوالي من ولاة الإمام، ولا يعلمون خيانته، فهو مأمون في الحكم، على ما اؤتمن عليه من حبسهم، ويكتب ويؤرّخ معه يوم أخذهم على ما أخذهم، وعلى ما حبسهم من حقوق الله، أو حقوق العباد، ويأتمن عليهم اثنين من المسلمين، وولي المسلمين. وعن أبي الحواري: إذا كان الحدث في مثل الطرق والمساجد، فحتّى يشهد على المحدث بعينه. (3/252)
صفحة 802
وإذا كان في مثل كسر الجدر، وقطع النخل، وأشباه ذلك الحدث. قال الحاكم للمدّعى المحدث: من يتّهم بهذا الحدث، فإذا اتّهم من تلزمه التهمة، حبس الحاكم المدّعى، على قدر ما يرى من ذلك. وعن رجل سرقت له رحا، ولم يكن معه سبب، إلا أثر سببها الواقف، على أثر من تلزمه التهمة، غير أنّ صاحب الرحا، أوقف على الرحا، من نظر العليا، محمولة من موضعها. فهل يكون هذا سببا، يلزمه فيه الحبس؟ فإذا كانت محمولة، واتّهم أحدا من من تلحقه التهمة، حبس له. وعن رجل رفع على رجل، أنّه ضربه وفيه أثر، فقال المطلوب إليه للوالي، أن يستحلفه يمينا، ما أرى من من نفسه، ثمّ حدّ له الحق. فهل يكون للوالي أن يستحلفه؟ فإن كره أن يحلف هدر ذلك. وإنّما يستحلف إذا كان المجروح قد صح، وهو يحبس له المتّهم، حتّى يصح، ثمّ يحلف المتّهم أو يستحلف المجروح، إن شاء الله. وسألته عن رجلين، رفعا على بعضهما بعضا إلى الوالي، وفي كلّ واحد أثر خفيف، أترى عليهما الحبس جميعا؟ أم أن يحبس صاحب الأثر الخفيف، حتّى تبرأ جراحة الآخر، أم كيف الوجه في ذلك؟ قال: فأرى أن يحبسا جميعا، يحبس كلّ واحد منهما، بقدر جنايته في صاحبه، إلا أن يكون أحدهما ثقة عدلا، فإنّه لا يحبس بالتهمة، وعليه يمين أنّه ما جرحه. (3/253)
صفحة 803
وعن رجل جرح عبد رجل، ثمّ عفا عنه مولاه، من قبل أن يصح الجرح، ثمّ مات العبد بجرحه، فرفع مولاه على الجارح. قال: فإنّي أرى له الرجعة. وعن رجل جرح عبد رجل، ثمّ عفا عنه مولاه، من قبل أن يصح الجرح، ثمّ مات العبد بجرحه، فرفع مولاه على الجارح. قال: فإنّي أرى له الرجعة. فقلت: عفا عنه مولاه، ولم يمت العبد. فهل للحاكم أن يحبس الجارح، حتّى يصح العبد؟ قال: إن كان الرجل من من يعرف بالجهل، فلا بأس أن يحبسه. وإن كان لم يعرف بالجهل، فلا يحبس إذا عفا عنه مولى العبد. قال أبو بكر أحمد بن محمّد بن خالد: في امرأة متّهمة بالرجال، أراد الوالي نفيها من البلد، فامتنعت عن الخروج من البلد: إنّها إذا تمادت في ذلك، كان نفيها الحبس، وأمّا نفيها من البلد، فمختلف في ذلك.
من غيره: وسألته عن رجل أقرّ أنّه رمى رجلا بحجر وقال: إنّها لم تقع به فيه. فهل يلزمه بذلك الحبس، معنى جهله عليه؟ قال: إذا كان على وجه الجهل، كان قد جهل ويستحق بمعنى ذلك عندي الحبس؛ لأنّه لو كان محاربا، كان قد حارب، أصابت أو لم تصب، إذا رمى بسهم أو حجر. قلت له: فإن تقاررا جميعا، أنّهما تراميا بالحجارة. فهل يلزمهما الحبس، إذا ادّعى كلّ واحد منهما أنّ الآخر جهل عليه؟ (3/254)
صفحة 804
قال: هكذا إذا تقاررا بذلك، كان عندي من الجهل، والجهل يستحق العقوبة بالحبس.
قلت له: فإن أنكر ذلك جميعا، وشهد شاهد واحد، أنّه رآها يتراميان. فهل يستحقّان بذلك معنى التهمة، ويعاقبان بالحبس؟ قال: إذا كان من من يصدّق في ذلك. قيل بخبر الثقة، وتلزم العقوبة، أو بخبر اثنين، من من لا يتّهم بتحريف الكلام في ذلك، ولو لم يكونا ثقتين.
قلت: فتهمتهما هذه، أن يتّهمهما في دينهما، أو تهمتهما بتحريف الكلام؟ قال: كيف ما لحقتهما التهمة في ذلك، من كلام أو غيره، في نظر أهل العدل. وعن رجل أحدث عليه حدث في الليل، من نقب بيت، أو غير ذلك من الأحداث، فاتّهم بذلك رجلين أو أكثر، ورفع أمره إلى الحاكم، فأخذه له الحاكم، من اتّهمه فحبسهم له، فلمّا كان بعد ذلك، رجع الذي أحدث عليه، فأزال التهمة عن أحد المتّهمين. فهل على الحاكم أن يخرج الذي أزال التهمة عنه، من الحبس بقول المتّهم؟ قال: إذا لم يستحقّ الحبس، إلا على تهمة هذا المتّهم، ومن أجل ذلك حبسه، فإذا زالت التهمة عنه، زال الحبس عنه. وإن كان يستحقّ الحبس، بغير هذه التهمة، وإنّما دخل الحبس بسبب هذه التهمة، كان للإمام والقاضي حبسه، بما يستحقّ على ما يراه، وليس للمتّهم عليه سبيل، والحاكم الناظر في ذلك. (3/255)
صفحة 805
وسألته عن الصبي، إذا رفع إلى الحاكم على والده، وفيه آثار يدّعى أنّ والده ضربه إيّاها. فهل للحاكم أن يحبس والده له بالتهمة؟ قال: إذا كان الصبي من من يعقل، ويعرف من تعدّى عليه، وكان والد هذا الصبي من من تلحقه التهمة، أخذ له بالتهمة، إذا كان ما رفع عليه به، يخرج اعتداء عليه من فعل والده. وهل يصلح للوالي أن يحبس بالتهمة رجلا لرجل، ادّعى عليه، أنّه لعنه أو تهدّده بشهادة شاهد ليس بعدل؟ قال: الله أعلم، لا أحبّ أن أقول في هذا شيئا، غير أنّ الوالي أعلم بمصلحة الرعية. سئل عن أخوين، عند أحدهما زوجة، وهما ساكنان في منزل. قال: يمنعون من ذلك، كانوا مسترابين من قبل ذلك، أو غير مسترابين. وعندي أنّهم إذا كانوا متساكنين، فهم مسترابون. قال أبو معاوية: في رجل وجد على بطن امرأة، فلمّا أراد المسلمون أن يعاقبوهما. قال الرجل: امرأتي. وقالت المرأة: زوجي، فادّعيا بيّنة قد ماتوا. قال: يفرّق بينهما، ويعفى عن ما سوى ذلك. (3/256)
صفحة 806
قلت: أرأيت الرجل يتّهم بالمرأة، والمرأة تتّهم بالرجل، فيؤخذ بأيديهما إلى حبس المسلمين، للأدب فيدّعيان أنّهما زوجان. فهل يقبل ذلك منهما؟ قال: لا يقبل ذلك منهما، إلا ببيّنة عادلة، على ما يدّعيان.
قلت: فإن ادّعيا بيّنة قد غابت أو ماتت، أو تزويج ولي امرأة، قد مات. فهل يقبل ذلك منهما؟ قال: لا يقبل ذلك منهما؛ لأنّهما في موضع التهمة، ويؤدّبان ألا يرجعا إلى ما أنكر عليهما، ونهيا عنه.
قلت: فاجتماع النساء على الطريق. هل ينكر عليهن القعود فيها، كان ذلك في ليل أو نهار؟ قال: قد قيل ذلك، إذا كان ذلك في معصية واسترابة في معصية، وكذلك الرجال، ولا فرق في هذا.
قلت له: وكذلك اجتماع الرجال والنساء، في المرامس والحديث. هل ينكر ذلك عليهم، كان ذلك في ليل أو نهار؟ قال: قد قيل ذلك، إذا كان ذلك في معصية، واسترابة في معصية. وقد قيل: الكراهية أيضا في اجتماع النساء وحدهن، ولو كان في ستر، إذا كان ذلك في معصية أو استرابة في معصية. (3/257)
صفحة 807
قلت: فإن حضر إلى الحاكم رجل أو امرأة أو عبد أو أمة بالغ أو صبي مراهق أو غير مراهق، وبه أثر جراحة، فادّعى أنّ رجلا ضربه، وهذا الرافع غير ثقة، أو في حد المتّهم بالزيادة في قوله، والتعبير في فعله، فادّعى الرجل الذي اتّهمه هذا الذي فيه الأثر، أنّه جرح نفسه أو ضرب نفسه، وأخبر غيره الحاكم من من يدّعى أنّه حضر خصومته، فما يفعل الحاكم في دعوى هذا المدّعى للأثر، يأخذ له خصمه بالتهمة، أم لا يأخذ له بمعنى التهمة في نفسه، وإمّا ادّعى خصمه، وإمّا ادّعى غيره من الخبر، ومن فعل نفسه، أم كيف الوجه في ذلك؟ قال: إذا لحقتها جميعا، معنى التهمة في هذا، أخذ منهما الأغلب بالتهمة فيه في النظر. فإن اشتبه أمرهما، ترك الشبهة فيهما. سئل عن رجل ادّعى أنّ هذه النخلة له، وأنّ فلانا جذها عليه، وضرّه فيها. فهل يكون للحاكم أن يحبس من اتّهمه بجذاذها بالتهمة، أو حتّى يصح مع الحاكم، أنّ النخلة للمدّعى؟ قال: قد قيل: لا يأخذه بتلك التهمة، على ما يدّعى. وقيل: ما لم يعارضه أحد في ذلك بدعوى، وينكر المدّعى عليه، أنّها ليست له، وأنّها ليست للمدّعى، لم تقبل دعوى المدّعى في هذا، ولا تهمته حتّى يصح المال. وقيل: لا فرق في الأحداث المزالة، كانت قبل أيّام الإمام، أو في أيّامه. وكذلك إذا ثبت حكمه، كان من تغيير المضرّة ما للإمام العدل. (3/258)
صفحة 808
ومن غيره: وعن رجل من أهل إبرأ، اشترى من رجل من أهل سمد، تمرا أو حبا، ثمّ أنّ المشتري قدم إلى سمد في حاجة، فرفع عليه الطالب في غير بلده، وأقرّ له بحقه. فهل يحبسه الوالي في غير بلده؟ فأقول: لا يحبسه إلا في بلده، ويلحقه غريمه إلى بلده، فإذا وقاه وإلا حبسه له، وإلى بلده، وكتب له هذا الوالي الذي أقرّ له عنده بحق الرجل، بصحّة الحق عنده، إلى الوالي الآخر. وللإمام أن يعاقب المتّهمين، بأنواع التهم، التي يخاف منها الضرر، في الإسلام وتولّد الفتن. وعن الإمام إذا سرق له رجل سرقة أو قتل له وليا. فهل له أن يحبسه برأي نفسه؟ قال: فلا نرى ذلك، ولكن يرفع إلى واليه الذي على بابه الذي ينصف الناس، ويحبس على الحقوق، فيكون الذي يلي حبس المتّهم حقّه بالحبس. (3/259)
صفحة 809
باب في من يتوارث بالأجناس
وسمعنا أنّ من يتوارث بالأجناس، الزنج والهند والحبش والنوبة. فإن أقرّ الميّت بزنج أو هند، أنّهم جنسه، فالمال لهم، الذكر والأنثى سواء، لا يفضّل بعضهم على بعض. والجنس إذا كانوا من قبيلته. فإن لم يكن أحد من قبيلته وبلاده، فسائر الزنج الذين كانوا في بلده يوم مات، أو من ولد منهم بعد موته، قبل القسم دخل معهم. ومن مات قبل القسم، فلا ميراث له. وإن لم يكن في بلده من جنسه، فمن وجد في أقرب القرى إليه. ومن حضر القسمة من جنسه، من أقرب القرى وغيرهم، فالميراث بينهم. فإن كان من المولدين، الذين بعمان، فميراثه كذلك لجنسه، من أهل بلده وقبيلته. وإن كان الذين أعتقوه موالي من جنسه، قد أعتقوهم، فهم أولى بميراثه، على ما قيل، والله أعلم. و (3/260)
صفحة 810
كذلك إن كان من الغنم المجلوبين فقيل: إنّ موالي الذين أعتقوهم من ذلك الجنس، أولى بميراثه من غيرهم، من ذلك الجنس أيضا. وإن كان أبوه من جنس الزنج، وأمّه من جنس من الزنج، فقيل: إنّ ما له لجنسه من قبل أبيه. وكذلك إن كانت أمّه من الزنج، وأبوه من الهند، فماله لجنس أبيه. قال أبو الحواري: حفظت أنّ الثلث لجنسه، من قبل أمّه، ولجنسه من قبل أبيه الثلثان. وقيل: إنّه يعطى ميراثه من في بلده من جنسه. فإن ادّعى أحد منهم أنّه من جنسه، ونفى غيره، فعليه البيّنة بما ادّعى من ادّعى. ومن أقام البيّنة، أنّه من جنسه من قبيلته، أو من بلده، فهو أولى بماله. فإن كان واحد، ولا يشاركه غيره، إلا أن يصح ذلك، كما صح هذا أيضا، من قبل أن يكون هذا. وإن كان الذي صح له صبيّا، فالميراث له. وإن مات، فالميراث لورثة هذا الوارث. وإن قدم أحد من من هو كمثله فقيل: إنّ المال للأوّل، الذي ورثه، وإن لم يكن قبض المال. (3/261)
صفحة 811
ومن غيره: قال محمّد بن المسبح: أولى به مولى مواليه من جنسه، ولو كانوا في غير بلده، ثمّ أهل بلده، وأهل البدو في أهل البدو، وأهل الحضر في أهل الحضر.
قال غيره: وقد قيل: ميراثه لأهل جنسه، من أهل بلده، الذين يتمّون الصلاة، في موالي مواليه، وغيره سواء. فإن لم يكن في بلده من جنسه، فمن أقرب القرى إلى بلده. وعرفنا في حبس الميراث اختلافا: قال من قال: يحبس الميراث على الوالدين والولد، إذا كانوا عبيدا. وقال من قال: لا يحبس الميراث على أحد، والميراث لورثته بعد والده من الإخوان؛ لأنّه قد ثبت لهم بحكم الكتاب. والذي معنا، أنّ الجنس، إنّما يعطون يوم يقسم ماله لا يوم يموت، يعطى من كان في بلده. فإن لم يحضر أحد، فمن أقرب القرى إليها، فلا يزال حتّى تستفرغ عمان، أو المصر الذي مات فيه. فإذا استفرغ عمان، ولم يكن أحد فرق على الفقراء من بلده، الذي كان مقيما فيه، ويعطى من أقام البيّنة، أنّه من جنسه ماله، وهو أولى من من لم يقم البيّنة. فإن لم يقم منهم أحد ببيّنته، كانوا كلّهم شركاء فيه. (3/262)
صفحة 812
ومن حضر البلد من جنسه، من غير البلد الذي مات فيه، ففي بعض القول: إنّه أولى إذا حضر. وفي بعض القول: إنّه ما لم يكن مقيما في البلد، يتمّ الصلاة، فالذين يتمّون الصلاة في البلد أولى. ومن لم يكن جنسه، إلا صبيا، ولم يقبض المال، حتّى مات فيه، فالحكم في المال، لورثة الأوّل من جنسه؛ لأنّ الأجناس غير الأرحام والعصبات. وقال من قال: إنّه لجنس الهالك، يوم يموت لا يوم يقسم، وأنّ من حدث بعد ذلك، لا يدخلون في ميراثه. ومن مات منهم، كان سهمه لورثته، إذا كانوا مقيمين في البلد، يوم مات، إلا أن يكون واحدا، فإنّ ذلك لا يحتاج إلى قسم، إلا أنّه يحتمل قولين: أحدهما: ما لم يحرزه، أو يحرز منه شيئا، أو يحرز حتّى مات فقد زال حكمه. وقول: إنّه يحتاج إلى قسم، فإذا علم ذلك فقد استوجبه. (3/263)
صفحة 813
باب في الوكالة
من جامع أبي محمّد: وإذا وكّل رجل رجلا، في شراء عبد، فوافق عبدا في يدي وكيل الآمر له، فاشتراه ولم يعلمه أنّه لمن وكّله. فإنّ الشراء باطل؛ لأنّ عرف الناس وعاداتهم، أن يأمروا بشراء ما يدخلون في ملكهم، وهذا الوكيل اشترى مال الموكّل بماله، ثمّ في ملكه بشراء ما كان في ملكه. وكذلك لو اشترى له عبدا من أعيان ملك الوكيل، لم يجز، علم الموكّل بذلك أو جهل؛ لأنّ الوكيل مأمور بالشراء، والبيع لا يصح إلا من متبايعين: مشتر وبائع، وفعل الوكيل في المعنى فعل الموكّل، إذا كان هذا الوكيل اشترى من غير بائع، وباع له من غير مشتر. ولو وكّله في شراء غير، فوافق بشرائه أبا الموكّل أو ابنه أو أخاه، فإنّه يعتق من مال الموكّل، في قول أبي معاوية عزان بن الصقر، ويغرم الثمن لمن وكّله؛ لأنّه أتلف عليه ما اشترى له، تعمّد لذلك أو جهل معرفة نسبهم من الموكّل. قال محمّد بن جعفر: إن تعمّد لشراء أحد من من يعتق على الموكّل، إذا ملكه، فإنّه يعتق من مال الموكّل، ويضمن الوكيل الثمن للموكّل. (3/264)
صفحة 814
وإن لم يتعمّد لذلك، أو جهل الحكم، فلا ضمان عليه، والعتق واقع من مال الموكّل. والنظر يوجب عندي، لا ضمان على الكيل، في العمد والخطأ، من قبل عقد الشراء، يدخل في ملك الآمر، ولا يتعلّق الوكيل للمعقد حق؛ لأنّ نفس العقد يوجب إخراجه، من ملك البائع إلى ملك الآمر، من غير دخول في ملك المشتري. الدليل على أنّها لو كانت، وهي امرأة المأمور لها، وقعت الفرقة بينهما، وهذا اتفاق. وإذا وكّله في شراء عبد أو غيره، ولم يدفع إليه الثمن، كان للوكيل أن يمنع الآمر من قبل البيع، حتّى يستوفى منه الثمن. فإن هلك من يدي الوكيل، كان حكمه حكم الرهن، دون حكم البيع، إذا هلك في يدي البائع. والدليل على ذلك، أنّ الوكيل، لو أتلفه للزمه الضمان بإتلافه، حيث ما يلزم المرتهن بإتلافه للرهن. والبائع لو أتلف ما باع، لم يلزمه ما أباع، ولم يلزمه الضمان، بل يبطل البيع فقط. فلذلك وجب اعتباره بالرهن دون المبيع. وجدت لبعض أصحابنا جوابا غير هذا، والذي قلناه يوجب النظر، والله أعلم. (3/265)
صفحة 815
وإذا وكّله في شراء جارية، بألف دره، فاشترى جارية بألفين، وبعث بها إليه ووطئها، أولدها أولادا، ثمّ اختلف الوكيل والموكّل في الثمن، فإنّ القول قول الوكيل مع يمينه، إذا لم يكن حين بعث بها إليه. قال الرسول: هي الجارية التي أمرتني بها أو يقول: اشتريتها بألف درهم. ويكون على الأمر قيمة الأولاد وعقرها، وتردّ الجارية عليه، والأولاد أحرار، ويثبت نسبهم من الآمر الأب، والله أعلم. وإذا وكّله يشتري له جربا من تمر البسر، وهما بصحار، فاشترى له واستأجر لحمله بكراء، فإنّ الكراء غير لازم للآمر بالحكم؛ لأنّه لم يأمره بحمله، وإنّما أمره بالشراء فقط. وأمّا من طريق الاستحسان، والعادة بين الناس، فالنظر يوجب سقوط الضمان على المأمور، ويوجب له الكراء على الآمر، من قبل أنّ الأمر بالشراء، يقتضي بتسليم المبيع، إلى حيث ما كان مأمورا بالتسليم، ولم يقدر على تسليمه إلا بالكراء، صار الكراء كالمنطوق به، وإن لم يكن في الحقيقة، نطق به، والله أعلم. وإذا وكّله في شراء مال إلى أجل، فاشتراه إلى ذلك الأجل، ثمّ توفّى الوكيل، لم يجب أخذ الثمن من الموكّل، وألحق على الموكّل إلى أجله، ولصاحب الحق أخذ حقه من تركة الوكيل؛ لأنّه قد حلّ أخذه بموت الوكيل، وليس لورثة الوكيل الرجوع بالحق في ذمّته. ولو وكّل في شراء شيء، ودفع إليه دنانير، واشترى له من ما أمر به، وبعث به إليه، وصرف الثمن في حاجته، ثمّ نقد الثمن بعد ذلك من عنده. (3/266)
صفحة 816
فإنّ ذلك جائز له، من قبل أنّ الشراء كان على الوكالة، إذا كانت بالدنانير، فلزم الثمن في ذمّته، وقد ثبت عقد الضمان، بينه وبين الوكيل، فلمّا كان ذلك لازما لذمّته، كان له أن يؤدّي عن نفسه، إذا كان هو المطلوب، ولا يجب للموكّل الرجوع؛ لأنّه لو رجع رجع عليه، فبطل التراجع بينهما بذلك، والله أعلم. ولو أمره بالشراء، ودفع إليه دنانير، فأنفقها واشترى له بدنانير من عنده بدلها، لم يلزم الآمر المشتري، من قبل أنّ إنفاقه إيّاها من قبل وهو أمين فيها، ولم يلزمه ضمان عليه، فصار ضامنا بإصرافه إيّاها، في غير ما أقرّ بإصرافه فيه، كان كالمنتزع في ما اشترى بغير وكالة. الدليل على ذلك لو قال: لله على أن أتصدّق بهذه الدنانير. فتلفت لم يلزمه بدلها. وكذلك الوكالة إذا كانت في عين قائمة. وكذلك إذا دفع إليه دنانير، فاشترى له بدراهم، لم يلزم الآمر لمخالفته له، لانتقاله عن ما رسم له. ألا ترى لو أنّ رجلا فع إليه رجل مائة درهم، وأحال عليه رجل بمائة درهم، ليدفع من تلك المائة، فتلفت فهلكت، فإنّ الحوالة تبطل؛ لأنّه ضمان له ودي عن غيره، فإذا هلكت العين بطل الضمان. وكذلك الوكالة تجب أن تكون مثله. وأيضا فإنّ الوكالة عقد ضمان بينه وبين الوكيل، ليقضي ذلك الضمان (3/267)
صفحة 817
عن تلك العين، فإذا بطل ذلك من جهة هلاكه، لم يكن له أن يدفع إلا بأمر ثان، والله أعلم. وإذا وكّل رجل رجلان، بأن يشتري له غلاما بثمن معلوم، وسمّى له جنسه، ووكّله آخر في شراء عبد، مثل ذلك في الجنس والصفة، فاشترى غلاما على تلك الصفة والثمن، فقال: اشتريته لفلان دون فلان، أحد الآمرين. فإنّ القول قوله، مع يمينه، من قبل أن ليس في شرائه لأحدهما إبطال حق الآخر. ولو وكّله رجل في شراء نصف عبد بعينه، ووكّله آخر في شراء نصف ذلك العبد، وكّل منهما قد حدّ له في الثمن حدا واحدا، فاشترى النصف من العبد، فقال: اشتريته للثاني. فإنّ القول قوله. وإذا وكّله ليشتري له بينه وبينه عبدا بعينه، فقال: نعم، ثمّ لقيه آخر فقال له مثل ذلك، فقال: نعم، ثمّ اشتراه، فإنّ النصف للأوّل، والنصف الثاني للآخر، ولا شيء للوكيل من قبل أنّ الوكالتين قد صحّتا، لم يجز صرف شيء من ما يتعلّق حق الوكالة له به إلى نفسه. فإن قال قائل: ما أنكرت أن تكون لما كانت الثانية، ألجأ بها بقدر رخصة الأولى، أن يكون ما جعل من النصف الأوّل بالعقد الأوّل، ويكون للثاني من العقدة الثانية الربع. قيل له: هذا فاسد. (3/268)
صفحة 818
وذلك لو أنّ رجلا لو باع نصف عبد بينه وبين آخر، لم نقل أنّه باع بقسطه من النصفين بل يقال: إنّه بايع للنصف الذي له، دون الذي لشريكه. وكذلك لو باع من آخر نصف عبد بينه وبين آخر، جعل ذلك من نصيبه، ودون نصيب شريكه، والله أعلم. وكذلك الوكالة، ولو وكّل غائبا، جاز من قبل، أنّ الوكالة للإباحة للغائب، مع الغيبة تصح. ألا ترى أنّه لو أباح له أكل طعامه لغائب، جاز له أكله. ولو أذن لعبده أن يبيع له، أو يشتري له جاز. وإذا دفع إلى الوكيل مالا، يشتري له به غلاما أو غيره، فهلك المال بعد الشراء، ضمن الوكيل، في قول جميع أصحابنا، ويكون البيع للوكيل؛ لأنّه ضمن لمخالفته، والأمر للموكّل، وكان عليه أن يعقد البيع على الثمن، المأمور بالشراء به. وإذا وكّل رجل رجلا، في شراء عبد، ولم يدفع إليه الثمن، فاشترى له كما أمره، وسلّمه إليه، كان الثمن على البائع للوكيل دون الموكّل، وعلى الموكّل للموكّل، ذلك الحق الذي ضمنه الوكيل. وإذا دفع الموكّل الثمن على الموكّل، فضاع من يده، زال عن الموكّل، وكان الغرم على الوكيل البائع العبد. (3/269)
صفحة 819
ولو كان الوكيل قبض الثمن بعد الشراء، فضاع قبل الشراء، لم يضمن شيئا؛ لأنّه أمين في ذلك، وقبضه للثمن بعد الشراء، عن حق كان مقبوضا له، والأوّل كان أمينا فيه، والوكيل أمين في ما وكّل فيه، من مال الموكّل، إلا أن يخرجه التعدّي، فلا يكون على ما في يده أمين، وبالله التوفيق. وإذا وكّله في شراء عبد، فاشترى عبدا، فوجد به عيبا قبل أن يقبضه، كان الموكّل بالخيار، فإن قبله، لزم الموكّل، إلا أن يكون عيبا، قد استهلكه، فحينئذ يلزم الوكيل. ولو وكّله في دراهم، يتصدّق بها عنه، ففرقها ثمّ تصدّق بدراهم من قبل نفسه، فإنّه يضمن ما قبض، ولا يتصدّق إلا بوكالة ثانية؛ لأنّ الوكالة الأولى، كانت في عين، فلمّا زالت العين، زالت الوكالة. وإذا وكّله في دراهم، يصرفها له بدنانير، فصرفها واشترط الخيار لنفسه، أو للذي وكّله، فإنّ الصرف باطل من قبل شرط أو خيار؛ لأنّ الصرف يوجب التقاضي والتسليم في المجلس، لقول النبيّ (ص): ها وهاء. والخيار يقع من وجوب التسليم. وإذا منع ما يوجب العقد بطل، ألا ترى أنّه لو اشترط شيئا مجهولا، بطل العقد؛ لأنّ العقد يوجب كونه معلوما. وإذا وكّله ودفع إليه ثوبا يبيعه له، ولم يشترط عليه أن يبيعه، بفقد ولا نسيئه، فباعه بدراهم أو دنانير أو بعرض، ففي ذلك اختلاف من أصحابنا: فبعضهم ضمنه الثمن. (3/270)
صفحة 820
وبعضهم أجاز له الفعل. وإذا وكّله في مطالبة حق، فأحاله المديون على آخر، فمات المحال عليه، أو أفلس، فإنّ الوكالة بحالها، ويرجع الوكيل على المحيل، بحق صاحبه؛ لأنّه لم يكن وكله في نقل حقه، من مكان إلى مكان، وإنّما وكّله في القبض. ولو وكّله أن يرهن ثوبا بدراهم مسمّاة، فرفعه عند نفسه، ورفع الدراهم إلى الآمر، ولم يبيّن له الآمر، فإنّ الثوب لا يكون رهنا، وتكون الدراهم قرضا من قبل أنّ قوله: أرهن ثوبي هذا. يقتضي ارتهانا من غيره؛ لأنّه نكرة، والوكيل معرفة، والمعرفة لا تدخل تحت النكرة، فذلك لم يدخل في البيت، تحت الوكالة. وإذا وكّله في رهن له سمّى، ثمّ رهنه الموكّل والوكيل له آخر، ثمّ افتكّه لم يكن لهذا الوكيل رهنه من قبل، أنّ الموكّل لما رهنه، فقد بطل تصرّف الموكّل فيه، فلمّا بطل تصرّفه فيه بحق المرتهن، بطل أيضا تصرّف من يتصرّف عن أمره. ويدلّ على ذلك، أنّه لو باعه أو مات الموكّل، ليطلب الوكالة لبطلان تصرّفه فيه. وإذا افتكّه بعد ذلك، وبالله التوفيق، لم تعد الوكالة كما لم تعد الوكالة في العبد، إذا باعه الموكّل، ثمّ اشتراه بعد ذلك، وبالله التوفيق. وإذا وكّله في تقاضي دين له على آخر. فقال بعض أصحابنا: ليس له القبض، وإنّما وكّل في التقاضي، حتّى يوكّله في التقاضي والقبض. (3/271)
صفحة 821
وقال بعضهم: التقاضي يوجب القبض. وهذا هو القول عندي؛ لأنّ من كان له حق الطلب، كان له حق القبض؛ لأنّ الطلب يوجب أخذ المطلوب، إذا قدر عليه. وكذلك اختلفوا في الوكيل والمأمور، إذا دفع إليها عبد وأمرا ببيعه: فقال بعضهم: ليس للوكيل أن يصارف بالثمن، إنّما له قبض الثمن، الذي باع له؛ لأنّ المصارفة بيعة ثانية، ولو يؤذن له بها. وقال بعضهم: له أن يعتاض بما هو ثمن؛ لأنّه الخصم في الحق، فكره أصحابنا أن يوكّل المسلم الذمي، لما يدين به من جواز بيع، لا يحلّ للمسلم. وإذا وكّل رجل رجلين، في سلف طعام، فأسلف رجلا لهما، وخلطا الدراهم عند التسليم. فقال بعض أصحابنا: يضمن الوكيل. وقال بعضهم: لا يضمن؛ لأنّ المشتري لو اشترى صرة طعام، لم يضمن. فلمّا كانت الشركة الواقعة لا توجب الضمان. وكذلك الشركة في سائر الطعام، المشترك في السلف، فما حصل فهو لهما، وما تلف فبينهما. وإذا وكّل رجل رجلا، ثمّ ارتدّ عن الإسلام، ولحق بدار الحرب، (3/272)
صفحة 822
أو ذهب عقله، فهو على وكالته؛ لأنّ الوكالة إباحة للوكيل، في ما يفعل وفي ما أذن له، وذهاب عقله، لا يمنعه من استعمال ما أبيح له، ولا يبطل عنه ذلك الإباحة. الدليل على ذلك: إنّ رجلا لو أباح لرجل، أكل طعامه، فأغمى عليه، ثمّ أفاق وكان له أن يأكل كذا وكذا، إذا أفاق، كان له أن يتصرّف في ما وكّل فيه، والله أعلم. وإذا قال: قد وكّلتك في كلّ قليل وكثير لي، فإنّه يكون وكيلا في الحفظ فقط، كما قال: قد وكّلتك. لم يكن له إلا الحفظ؛ لأنّه أقلّ ما يقتضي في اللفظ، إذ ليس في لفظه ما يدلّ على شرائه، والله أعلم. وإذا وكّل رجل رجلا يقبض وديعة له عند رجل، فقال: اقبضها اليوم. فليس له أن يقبضها إلا على شرطه. وإذا قال: قد وكّلتك أن تشتري لي غلاما بمحضر من زيد، لم يكن له أن يشتري إلا بمحضر منه، وإذا تصدّق رجل على رجلين بصدقة، ووكّل رجلا أن يدفعها إليه، فغاب المتصدّق، وامتنع الوكيل أن يدفعها إلى المتصدّق بها عليه، فرافعه إلى القاضي، وأقام البيّنة، أنّ ربّ المال وكّل بدفعها إليه، فإنّ الحاكم يجبر الوكيل على دفعها إليه، من قبل أنّ المتصدّق بها عليه، قد ثبت له حق في قبض ذلك عن الوكيل، وهو حصول الملك له فيه القبض، فلذلك قلنا: إنّ الحاكم يجبره على الدفع. ألا ترى أنّ الوكيل بتسليم المبيع، لو امتنع من التسليم، كان على (3/273)
صفحة 823
الحاكم أن يجبره على ذلك، لثبوت حق المشتري فيه، وهو تمام ملكه، والمنع بقبضه. وكذلك في باب الصدقة، من جهة وقوع ملكه في البيع والقبض ومثله، والله أعلم. وإذا وكّل الواهب بدفع الهبة إلى الموهوب إليه، فدفع إليه أحدهما دون الآخر، كان ذلك جائزا. الدليل على أنّ الواهب لهبة، قد سلّط الموهوب له، على قبض الهبة؛ لأنّه لو قبضها بنفسه، من غير دفع واحد منهما إليه جائز. ودليل آخر: انتقال الضمان عنه بقبضه عند الجميع، فلذلك قلنا: إنّ قبضه عند دفع أحدهما جائز، والله أعلم. وإذا وكّل الوكيل وكيلا غيره، لم يكن له إذن في ذلك الموكّل، فدفع إليه وكيل الوكيل، جاز ذلك لما ذكرنا. وإذا وكّل الموهوب رجلين بالقبض، فقبض أحدهما لم يجز لما تقدّم، ذكرنا له من وكالة الاثنين بالفعل. وإذا وكّل الواهب رجلا بالرجوع في الهبة، لم يكن للوكيل أن يوكّل غيره، من قبل أنّ ذلك يقتضي المخاصمة إلى الحاكم، من حيث كان للموهوب له الامتناع، من ردّ الهبة عليه، لا يحكم الحاكم. والوكيل بالخصومة، ليس له أن يوكّل غيره باتفاق، فلذلك قلنا هذا، والله أعلم وبه التوفيق. (3/274)
صفحة 824
وإذا قال: قد وكّلتك في بيع غلامي، في يوم الجمعة غدا، فباعه يوم السبت، الذي يليه، كان فعله باطلا؛ لأنّه وكّله يوم الجمعة فقط، فبانقضائه تنقضي الوكالة. وإذا قال بعد انقضاء الوكالة: قد فعلت لم يصدّق ولم يتم فعله. ألا ترى أنّه لو فعل بعد القول، قبل الجمعة، كان يكون فعله باطلا، وكذلك فعله بعد يوم الجمعة. (3/275)
صفحة 825
فهرس الجزء الثالث من الإيضاح في الأحكام
الموضوع ... الصفحة
باب في توقيف الحاكم المال ... 05
باب في الأحكام ... 15
باب في التاريخ ... 27
باب في الشراء والهبة والصدقة والوقت في ذلك ... 34
باب في الدعوى كلّ يدّعي أنّها في يده ... 41
باب في الدعوى في النتاج ... 48
باب في الولادة والنسب ... 60
باب في الدعوى في الدار يدّعيها الثلاثة الاثنان وهي في أيديهما أو في يد غيرهما ودعواهم مختلفة ... 64
باب في الدعوى في الحائط ... 68
باب في التولّي عن الحكم والأيمان ... 81
باب في الحدث في الوديان ... 103
باب في الحكم على النائب ... 108
باب في أمر المفقود والحكم عليه ... 118 (3/276)
صفحة 826
باب في الدعوى في شيء واحد من وجهين ... 152
باب في الولد ... 156
باب في الحرس ... 164
باب في التعزير ... 175
باب في الحبس بالتهمة ... 183
باب في نفقة أهل السجن ... 216
باب في العبيد ... 224
باب في أمر العبيد أيضا ... 231
باب في من يتوارث بالأجناس ... 260
باب في الوكالة ... 264 (3/277)
صفحة 827
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب الإيضاح في الأحكام
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
أبي زكريا يحيى بن سعيد
الجزء الرابع
1404هـ - 1984م (4/1)
صفحة 828
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب الإيضاح في الأحكام
تأليف
أبي زكريا يحيى بن سعيد
الجزء الأول
1404هـ - 1984م (4/2)
صفحة 829
بسم الله الرحمن الرحيم (4/3)
صفحة 830
[صفحة بيضاء] (4/4)
صفحة 831
(باب في الوكالة وغيرها من الأحكام)
من كتاب محمد بن جعفر: ومن وكَّل رجلاً في قبض دراهم له على رجل فقبضها وادَّعى أنَّه صيَّرها إلى الموكل؟ قيل: إن كان الذي دفعها إليه رفعها ببينة أو بأمر الحاكم، فعلى الوكيل شاهدان أنَّه قد دفعها إلى صاحبها، وإن كانت صارت إليه بلا بيِّنة ولا حكم حاكم فلا بيِّنة عليه وإنَّما يلزمه يمين.
قال أبو عبد الله: إنَّه يحفظ في رجل وكَّل رجلاً في بيع ماله ثم غاب فأشهد بنزع الوكالة من يد الوكيل في وقت معروف ولم يعلم ذلك الموكِّل إلى أن باع الوكيل المال من بعد أن نزعت الوكالة من يده؟ إنَّ بيعه جائز.
وكذلك في الطلاق وغيره من النكاح وأشباه ذلك.
وقيل: إذا نزع الوكالة وصحَّ ذلك قبل عقد البيع والطلاق فلا يقع فعله بعد ذلك.
ومن قال: فلان وكيلي في مالي ولم يقل غير ذلك؟ فهو وكيله في القيام والطلب بلا قبض ولا يمين حتى يجعل له ذلك. (4/5)
صفحة 832
وقد قيل: إنَّه إذا جعله وكيله لم يسم له في شيء بعينه فليس له في ماله أمر ولا قبض ولا إتلاف ولا شيء حتى يحدَّ له شيئًا بعينه، فإن قال: وكيلي في مالي يقوم مقامي كان له القيام في الأمر والنهي والمطالبة بلا قبض ولا بسط ولا عطاء ولا أخذ حتى يحدَّ له ما يعمل فيه.
ومن قال: فلان وكيلي في مالي يفعل فيه ما يشاء أو ما أراد؟ فذلك جائز، ويفعل فيه ما شاء من الأمر والنهي والأخذ والبسط والبيع والهبة وما أراده.
وقيل: من باع لآخر شيئًا من ماهو في يدي البائع من العروض، فهو أولى بقبض الثمن وإن لم تصحَّ وكالته في القبض.
وإذا باع شيئًا من الأصول فليس للمشتري أن يسلم إليه حتى تصحَّ وكالته في القبض أو يكون ثقة، ويرسل بالثمن معه إلى صاحبه، وهو له ضامن حتى يصل إليه.
ومن غيره: رجل في يده مال لغائب ويدَّعى أنَّه وكيله فيه؟ فأمَّا الشراء من التمر فجائز، وإن كان الغائب لا ترجى أوبته، ولا يدري موضعه ولا تبلغه الحجَّة فلا يشترى من عنده هذا بدعواه للوكالة حتى يصحَّ والله أعلم.
رجع إلى كتاب أبي زكريا: وليس للوكيل يأمر ببيع ما وكِّل فيه إلا أن يجعل له ذلك الذي وكَّله. (4/6)
صفحة 833
وكذلك إذا وكَّل في شراء شيء فليس له أن يوكِّل في ذلك غيره، ولا يجوز على الموكِّل إقرار الوكيل.
فإن أقرَّ أن صاحب الحق قد استوفى فلا نقض للوكيل في ذلك بشيء، فإن أقرَّ أنَّه قد استوفى ذلك فإقراره جائز على نفسه، ويبرأ الذي عليه الحق.
ومن وكَّل رجلين في خصومة في دين وفي القبض؟ فقيل: يجوز أن يخاصم واحد دون واحد، وأمَّا القبض فحتى يقبضا جميعاً، إلا أن يكون جعل لكل واحد منهما ما جعل لهما، وقال من قال: يقبض كل واحد منهما النصف.
ومن وكَّل رجلاً ببيع داره فباعها بنصف ثمنها فغير الموكل؟ فقيل: البيع جائز إلا أن يصحَّ أنَّ البائع أقرَّ أنَّه باع بهذا الثمن محاباة للمشترى فينقص البيع.
قال أبو الحواري: إذا أقرَّ البائع أنَّه باعها محاباة فعليه الغرم الذي نقص من الثمن إلا أن يصدقه المشتري، فإنَّ البيع منتقض، وإن حدَّ له حدًّا فباع بغيره فالبيع منتقض، وإذا قال: بع بألف درهم فباع بألفي درهم فلا يجوز إذا غير الآمر. (4/7)
صفحة 834
وإن قال له: بع ولم يحدَّ له حدًّا فباعه بمائة درهم، وصحَّ أنَّه باعه بمائة وآخر يدعوه إلى مائتين، فإنَّ البيع تام، وعلى البائع أن يغرم تلك المائة لصاحب المال.
وقيل: في رجل دفع إلى رجل عبداً من البصرة، وقال له: بعه بعمان بألف درهم إلى سنة، فلمَّا خرج وجد من أخذ منه العبد بألف درهم نقداً في البصرة ولم يخرج، فلمَّا وصل إلى صاحبه بالثمن غيَّر ونقض؟ فله ذلك، والبائع ضامن لذلك العبد أو مثله إذا فات.
فإن قال صاحبه: أنا آخذ ثمنه الذي بعته به، لأنَّه قد مات فكره البائع، وقال: أدفع إليك قيمة متاعك وآخذ أنا ذلك الثمن الأول؟ فقال من قال من الفقهاء: ذلك له، والربح للضامن وهو البائع.
ومن غيره: قال: وقد قيل: لرب المال الخيار، إن شاء أتمَّ البيع وله الثمن، وإن شاء لم يتمَّه وله العبد أو مثله إن عدم أو قيمته.
ورجل دفع إلى رجل غلاماً له ببيعه ثم مات المولى وأقرَّ الوكيل أنى بعته بألف درهم، وقبضت الثمن، وقال الورثة بل بعته بأربعة آلاف درهم؟ فقال: القول قول الوكيل، وقد جاز بيعه.
ومن غيره: قال: نعم، القول قول البائع مع يمينه إلا أن يصحَّ الورثة على ما يدَّعون بينة، (4/8)
صفحة 835
فإن أقام كل واحد منهم بينة على ما يدَّعي كانت البيِّنة بينة الورثة، لأنَّهم يدَّعون الأكثر فهم المدَّعون.
وامرأة وكَّلت أباها أو غيره بقبض صداقها من النَّخل من زوجها أو من ورثته وقالت: كل ما فعل وكيلي فقد رضيت وأجزته فأخذ لها الوكيل فسلاً وعوناً، وأخذ من مالاً يرى العدول يجوز في القضاء فأنكرت المرأة ذلك وغيَّرت، هل يجوز عليها؟ فقولنا في ذلك على ما وصفت: أنَّه يلزمها.
ورجل يوكِّل وكيلاً عند القاضي، وزعم أنَّه لا يوكِّله أن يسمع عليه بينة، ولا يستحلف له؟ قال: ذلك جائز.
وسألته: هل يقبل القاضي الوكيل من غير مرض ولا عذر؟ قال: إنَّ ذلك له، ولا يقبل القاضي ذلك إلا إذا وقع.
ووكيل باع ما وكَّل به لرجل فادَّعى رجل آخر أنَّه باع له فأقرَّ له ولم تكن معه بيِّنة فما يلزمه؟ قال: إنَّ البيع لمن هو في يده، فإن كان إقراره أنَّه باع للآخر أو لا لزمه مثل ما باع. (4/9)
صفحة 836
قلت: إن كان بالمتاع له فأقرَّ بالبيع لاثنين وهو في يد أحدهما فأقرَّ أنَّ البيع كان للآخر من قبل؟ فإنه يلزمه للأول مثل ما أقرَّ له به، وإن قال للآخر، فلا شيء عليه.
وامرأة وكَّلت في مال لها وكيلاً وجعلته وكيلها وحرثها، ثم أخذت وكيلاً آخر وهي في القرية سوى القرية التي فيها المال فوجد المال في يد رجل يدعي فسالة فيه من الوكيل الأول.
قلت: أرأيت إن قالت المرأة: فقد وكَّلت وكيلي هذا الأول يفاسل غير أنِّي لم أعاين المال ولم آمره يفاسل لي إلى أصول النخل بل أمرته أن يفاسل لي ما كان من أرضي يراح؟ فقد نظرت في ما وصفت من ذلك: فإن كانت المرأة وكَّلت الوكيل، وأمرته أن يفاسل لها في مالها فمفاسلته جائزة في ما كان في مالها من نخل أو أرض إلا أن يكون معها أحد يعلم أنَّها استثنيت عليه شيئًا، وليس قولها (أنِّي لم أعاين المال) بمقبول منها إذا وكَّلت وكيلاً، وفعل الوكيل جائز إذا ما استثنى عليه فيه.
ومن غيره: قال: إن قالت أيضاً: إنَّما وكَّلت الوكيل يفاسل لها في أرضها فلا يجوز عليها ما فاسل في النَّخل التي لا تقع عليها اسم الأرض، وإذا سميت أن يفاسل لها في مالها فهو ثابت، والنَّخل من المال.
رجل مفقود وله والد فلمَّا حضرت الوالد الوفاة أوصى ولداً له آخر بأولاد أولاده فطلب ذلك الوصي؟ (4/10)
صفحة 837
قال: لا يجوز وكالته في بني ابنه إلا أن يكون الوكيل يرضى به المسلمون.
ورجل وكَّل وكيلاً يبيع عبداً، وأمر الوكيل رجلاً يبيعه وهو حاضر؟ قال: لا يجوز بيعه إيَّاه إلا أن يبيعه الوكيل بنفسه.
وكذلك قيل: في رجل أمر رجلاً يشتري له داراً بعينها ولم يسم له ثمنها؟ قال: جائز، ويلزم الآخر.
وإذا أمر رجل رجلاً أن يبيع له عبداً فباعه ثم أخذ بالثمن رهناً فضاع من يده، وأخذ كفيلاً، فإنَّ البائع ضامن ثمن العبد، ويلحقه الكفيل، والرهن يذهب من مال البائع.
قلت: هل يجوز وكالة الرجل في ما يجب من حد وقصاص؟ قال: نعم.
ومن غيره: قال: تجوز وكالة الرجل في كل شيء ما تجري فيه الأحكام، ولا تجوز الوكالة في القود ولا في الحدود.
ورجل له عبد في رجل فوكَّل بقبضه من الذي العبد في يده، ثم غاب الموكل فأقام الذي في يده العبد البينة أنَّ الغائب قد أباعه إيَّاه؟ (4/11)
صفحة 838
فإن أقرَّ العبد في يده، فهو على حاله حتى يحضر الغائب.
وكذلك الطلاق والعتق والدين لا وكالة للوكيل في هذا إذا صحَّ ذلك بالبيِّنة. فإن حضر الغائب فله حجَّته إن كانت له حجَّة وإلا ألزمته الحكم.
ورجل له على رجل مال فوكَّل رجلاً بالخضومة فيه والمدعي عليه يجحده فأقرَّ الوكيل عند القاضي أو عند الشُّهود أنَّ الذي له الحقُّ قد استوفاهُ؟ قال: لا يجوز إقراره على الموكِّل، ولا يقضي الوكيل بشيء إذا أقرَّ أنَّ صاحب الحق قد استوفى، فإن قدَّم الموكل نظرت في ذلك فإن صحَّ أنَّه قد استوفاه ما كان له وإلا ألزمت الذي عليه الحق أن يؤدي إليه حقَّه، ولا يضر الموكل إقراره عند الحاكم ولا عند الشُّهود إلا أن يقرَّ الوكيل أنَّه قد استوفى من صاحب الحقِّ إقراره جائز على نفسه، ويبرأ الذي عليه.
ورجل توكَّل لرجل في منازعة فصالح عليه وقيل: بكل جدل أدركه، ثم غيَّرت صاحبه وأدرك بحجة، أتلزمه ما ضمن به أم لا تلزمه؟ فإن كان الوكيل يوم صالح قال: إنَّه أمرني أن أصالح عليه الوكيل لزمه، فإن لم يقبل ذلك لم يلزمه.
وفي جواب عبد الملك بن حميد الإمام إلى هاشم: عن رجل طلب رجلاً بدين، وخرج الطالب إلى بلد ووكَّل واحداً، فطلب الوكيل من صاحبه. (4/12)
صفحة 839
قال: لا، ولكن يحلف هو لقد استوفى حقَّه، فإذا أنَّه الوكيل أن يحلف فقد أنصفه، فإن لم يحلف أعطاه ولا ينظر؟ قال: نعم.
ورجل وكَّل ولده فقال: قد وكَّلت ولدي أو غير ولده جائز الأمر فيه، فباع الوكيل ورهن وأعطى وأحدث في المال؟ فذلك لا يجوز على رب المال إلا أن يقول جائز الأمر في ماصنع من شيء في مالي، أو يقول: قد وكَّلته في مالي، وجعلته جائز الأمر في ما صنع من شيء.
ومن غيره: قال: إذا قال: جائز الأمر في ما صنع من شيء لم يجز ذلك حتى يقول: فما صنع في شيء فمن مالي، أو يقول: قد وكَّلته في مالي، وجعلته جائز الأمر في ما صنع من شيء فيه.
عن أبي عبد الله -رحمه الله-: عن رجل وكَّل رجلاً يبيع له مالاً فباع الوكيل رجلاً وأعلمه أنَّ المال ليس لي، هو لفلان أمرني أن أبيع له مالاً فباعه عليه بثمن معروف، فقدم صاحب المال وطلب ثمن المال من المشتري فأقرَّ المشتري ببعض الثمن وأنكر بعضاً، فشهد البائع عليه وشاهد وهما عدلان، فسألت أتجوز شهادة البائع إذا كان عدلاً؟ (4/13)
صفحة 840
فإن كان المشتري منكراً للبيع لم تجز شهادة الوكيل بالبيع إلا بشاهدي غيره.
فإن كان المشتري مقراً بأنَّه اشترى من الوكيل، وأعلمه الوكيل أنَّ المال لغيره وإنَّما اختلف هو وصاحب المال في الثمن فقال المشتري بأقل، وقال صاحب المال بأكثر، فإنَّ شهادة الوكيل جائزة على المشتري بالثمن، إذا كان الوكيل عدلاً، والشاهد الذي يشهد معه عدلان إن شاء الله.
قال أبو الحواري: إذا شهد الوكيل وشهد آخر أنَّ عليه لهذا كذا وكذا وجازت شهادته مع الشاهد الآخر إذا كان عدلين، وإن شهد أنَّه باع له بكذا وكذا لم تجز شهادته، أعلمه أنَّه وكيل أو غيره وكيل، هكذا حفظته والله أعلم.
قال: إذا باع الوكيل فبيعه جائز بلا مناداة.
عن هاشم ومسبح عن وكيل يتيم باع من رجل دابة لليتيم ثم استقاله المشتري، هل للوكيل أن يقيل المشتري؟ قال أبو الوليد: ليس للوكيل ذلك.
وعن غيرهما: وسألته عن وكيل لرجل غائب من ماله، وأنَّه ادَّعى عليه طالب في مال الغائب، هل يجوز للوكيل أن يخصم ويشهد؟ (4/14)
صفحة 841
قال: كل شيء خصم منه عند قاض أو وال لم تجز شهادته فيه، إنَّه يمنع الوكيل من إخراجه من البلد حتى يكتب إلى من يحتجُّ عليه يستحلفه.
زيادة من كتاب الفضل ورجع إلى كتاب أبي زكريا: ولا ينفعه أن يبرئ من الخصومة بعد المنازعة، وإن كان إنَّما خاصم إلى القاضي مستعرضاً إلا أن يكون إنَّما خاصمه خصومة عند غير الحاكم أو وال، فإنَّ ذلك لا يبطل شهادته ما لم ينازعه مع الحاكم.
قال أبو الحواري: للوكيل أن ينازع ويشهد ويقول: أنازع له: وعندي شهادة.
وعن رجل وكَّل وكيلاً بدين فطلب الوكيل الحقَّ فادَّعى المطلوب أنَّه أعطى ولم يحضر بيِّنة فقال: أنا أرضى بيمين صاحبي فأنكر وكره اليمين وقال: يحلف صاحبي؟ فقال: ينتظر به، فإنِّي لا أحبُّ أن يستحلف من غير قطع على الغائب. وقال من قال: إذا أحضر البيِّنة لم ينتظر.
قال أبو الحواري: بهذا نأخذ.
وسألت أبا الحواري: عن رجل من أهل نخل وكَّل وكيلاً بصحار على رجل بصحار له عليه حقٌّ فلمَّا حضر الوكيل والمَّدعى عليه قال المدَّعى عليه: يحلف صاحب الحقِّ ويحلف، فإنَّ له ذلك إلا أن يحضر الوكيل البيِّنة بالحق؟ (4/15)
صفحة 842
قال: فإن أراد المدعى عليه يخرج إلى صاحبه في نخل فليخرج وإلا لزمه ما شهدت به عليه البيِّنة. وكذلك إذا كان في حدود عمان، وإن كان بغير عمان أخذ بالحقِّ إذا شهدت به البيِنة.
رجع: وإذا وكَّل رجلٌ وكيلاً في اقتضاء ديون له على ناسٍ وأجازوا وكالته وأقامه مقامه جائز أمره فارتفع الوكيل والذي يدَّعي عليه الحق للذي وكَّله فطلب الذي عليه الحق أن يحضر الرجل صاحب الحقِّ ويحلف على ما يدَّعي؟ فقال من قال: الوكيل يدَّعي بالبيِّنة، فإن كانت عنده بينة عادلة حكم عليه بالحقِّ، وقال له الحاكم: إن أردت تخرج تحلفه فاخرج. فإن أراد ذلك كتب له وإلى البلد إلى وإلى ذلك البلد أنَّ فلان ابن فلان وكيل فلان بن فلان النازل فلانة يطلب وكيله حقاً وهو كذا وكذا إلى فلان بن فلان فطلب يمين فلان بن فلان صاحب الحق، فإذا وصل إليك كتابي فاجمع بينهما إليك، فإن طلب يمينه فحلفه له على ما يدَّعي، واكتب له عند ثقة بمعرفة ذلك، وأنَّك حلفت فحلف على كذا وكذا حتى أخذ منه حقَّه إن شاء الله.
وقيل: في رجل وكَّل رجلاً في ماله ثم فحدث للموكِّل مال من ميراث أ وغيره غير ماله الذي كان له يوم الوكالة؟ قال: فهو وكيله في ما يحدث أيضاً إلا أن يقول: إنِّي إنَّما وكَّلتك في مالي هذا فليس له وكالة إلا فيه، وليس وكالة في ما يحدث. (4/16)
صفحة 843
قلت: أرأيت إن جعله وكيله في بيع غلامه فباعه وأعتقه المولى من بعد أن يكون البيع أولى من العتق؟ قال: نعم، البيع أولى من العتق.
قلت له: أرأيت إن باع الوكيل بيعاً مجهولاً أو كان فيه ما ينقضه إذا صاروا إلى الحاكم ولم يطلب ذلك المشتري إلى الوكيل، وطلب نقضه إلى صحاب المال، أيكون له ذلك؟ قال: نعم.
قلت: أرأيت إن كان صاحب المال هو البائع لرجل بيعاً مجهولاً، وباعه الوكيل من بعد ذلك بيعاً صحيحاً، ولم يطلب صاحب المال ولا المشتري نقضه، أيتمُّ بيعه أم بيع الوكيل؟ قال: البيع الأول أولى ما لم يطلب نقضه إلا أن يكون ربا، فإنَّه ينتقض ويثبت بيع الوكيل.
ومن غيره: قال: نعم.
قيل: هذا، وكذلك قيل: لو باع الغلام بيعاً مجهولاً، فإنَّه يعتق. وقال من قال: إن عتق السيد للعبد نقض للبيع، وليس العتق بمنزلة البيع، لأنَّه لو باع عبداً على أنَّه بالخيار ثلاثة أيام فأعتقه كان ذلك رجعة منه في البيع على ذلك. (4/17)
صفحة 844
كذلك عتق هذا يقتضي منه البيع.
وسألته عن رجل دفع إلى رجل وديعة، ووكَّل رجلاً في قبض ماله وغاب عن مصره فطلب الوكيل ما سلمه الموكِّل إلى الرجل من تلك الأمانة، هل له أخذها؟ قال: لا.
زيادة: يحتمل أن يكون ملكاً له، ويحتمل أن يكون وديعة في يده لغيره، فإذا احتملت هذا وهذا لم يدفعها.
قلت: فإن مات الغائب فإلى من يدفعها؟ قال: إلى ورثة الدافع إليه إلا أن يعلمه أنَّها لغير من استودعه إيَّاها.
قلت: فإن كان عند غيبته جعل وكيله على جميع ماله وأماناته، فهل لهذا المستودع أن يدفعها إلى الوكيل؟ قال النَّاظر: نعم، والله أعلم.
رجع إلى كتاب أبي زكريا: وذكرت في رجل أعطى رجلاً دراهم وقال له: اشتر لي بهذه الدارهم جملاً فذهب فاشترى له بها ناقة أو بكراً صغيراً، فقال: أنا لم آمر أن تشتري بها ناقة ولا بكراً صغيراً، إنَّما أردت جملاً أنتفع به. (4/18)
صفحة 845
قلت: قد خالفه، وتلزمه الدراهم؟ فنعم قد خالفه إذا حد له في الشراء حدًّا فاشترى سوى ما حدَّ له، فهو ضامن له إذا خالف أمره.
قال غيره: قد قيل: لا ضمان عليه، لأنَّ الجمل يأتي اسمه على النَّاقة والجمل الصغير والكبير. وقيل: يضمن إذا اشترى له ناقة، ولا يضمن إذا اشترى له صغيراً من الذكران.
قلت: أرأيت إن قال صاحب الدَّراهم: أمرتك أن تشتري لي جملاً فاشتريت لي ناقة، وقال الآخر: أمرتني أن أشتري لك ناقة وقد اشتريت لك ناقة، ونزلاً إلى اليمين.
قلت: القول قول من؟ وعلى من البينة؟ فعلى ما وصفت فالقول قول المؤتمن مع يمينه، والبينة على المدَّعي لشراء الجمل والله أعلم.
قال غيره: القول قول الآمر أنَّه أمره أن يشتري له جملاً إذا ادَّعى عليه المأمور أنَّه أمره به غير ذلك وجبره.
وعن رجل وكَّل وكيلاً بحق له، وقامت على ذلك البينة فلمَّا أراد قبضه قال الذي في يده المال أخذه منى بضمان؟ (4/19)
صفحة 846
قال: ليس على الوكيل ضمان إذا وقعت وكالته مع الحاكم.
ومن جواب العلاء ابن أبي حديفة ومحمد بن سليمان: ورجل يطلب رجلاً بحق فلقيه آخر فقال له: حقك هذا الذي على فلان على فقال: إنَّ فلاناً أنكر أن ليس عليه حقٌ، وأنا إنَّما ضمنت لي أن عرفت حقي فاحتجَّ في ذلك بما وصفت.
فقالوا: لا شيء إلا أن يقرَّ المطلوب أو تقوم عليه بيِّنة عادلة بالحقِّ، وأمَّا الإنكار فلا يلزم الضمان.
رجل استعار عارية ثم أنَّ المستعير أعارها غيره فعطبت، فإنَّ الغرم على المستعير الأول.
وقال من قال: كلاهما ضامنان على حال إذا علم المستعير الآخر أنَّها عارية. وقال من قال: إن كان المستعير الأول ثقة فلا ضمان على الآخر، وعلى الأول الضمان.
وعن رجل دفع إلى رجل متاعاً بضاعة، وأمره أن يبيعه له فباعه له المأمور ولم يقبض له الثمن، فلمَّا قدم الرجل إلى عمان سأله عن متاعه الذي دفعه إليه. فقال: قد بعته كما أمرتني ولم تأمرني بقبض الثمن؟ يضمن أم لا؟ (4/20)
صفحة 847
فعلى الذي له الحق أن يوكِّل في قبض حقِّه أو يخرج بنفسه، وعلى الذي باعه أن يخرج بينه وبين غرمائه، فإن كره كان عليه الحبس، ولا يحكم عليه بالثمن.
وما تقول لو أنَّ المأمور باعه وقبض الثمن ثم ضاع الثمن من عنده فلمَّا قدم الرجل من بلاد الهند إلى عمان قال له: لم آمرك أن تقبض؟ قال: ليس هو ضامناً.
وعن رجلين يتنازعان في شاة إلى الحاكم شهدا أنَّ هذه الشاة لهذا، أتكون قد بدت شهادته إنَّما ادَّعى منها النصف؟ قال: لا، لأنَّ الشاهدين يقولان: نحن نعلم أنَّ كلها له، وعسى أن يكون بعضها صار للذي أقرَّ له به، ونحن لا نعلم ويقبل الحاكم شهادتهما.
قال أبو عبد الله: يجوز إقرار الوكيل ما دام وكيلاً فيه أقرَّ أنَّه قبض وباع، وأمَّا في ما أقرَّ أنَّ الموكل فعل ذلك، وأقرَّ على الموكل بشيء من ماله لفلان فلا يجوز ذلك إلا أن يجعل الموكل أن يقرَّ عليه، فإن جعل له ذلك جاز له ما أقرَّ عليه جاز ذلك.
وقيل: في رجل أعتق عبد رجل أو باع شيئًا من ماله، أو طلَّق زوجته بغير رأيه، أو فعل في ملكه من إزالة أو إثبات حكم من ما يثبت من الفاعل (4/21)
صفحة 848
في ماله، ويجوز له فعله مثل الهبات والعطايا والشراء ونحو ذلك من ما يجوز للفاعل على فعله، ويلزمه أن لو فعله.
فلمَّا بلغ الرجل في شيء من هذه الأشياء التي وصفناها فرضي في نفسه، وأجازه في قلبه فإنَّه جائز، ولو لم يتكلَّم بلسانه، وليس له رجعة بعد ذلك، ولا يسعه ذلك. وأمَّا في ظاهر الحكم، فإنَّه يثبت عليه ما أظهره بلسانه وصحَّ عليه من إقراره.
ومن جامع أبي محمد عبد الله بن محمد: وإذا وكَّل رجل رجلاً في شيء من ماله أو تزويج بعض نسائه ممَّن يلي عقدة النكاح عليه، أو أمره بذلك، أو أمره بتسليم شيء إلى غيره، أو يتصدَّق به على الفقراء عنه فمات الآمر قبل أن ينفذ الفعل المأمور به أو الموكل فيه لم يكن للوكيل والمأمور فعل ذلك ولا إتمامه، وإن فعل منه بعض ما أمره لم يكن لهما ولا لواحد منهما إتمام ما أمر بفعله بعد موت الآمر؛ لأنَّ الأمر والوكالة يزولان بموت الآمر والموكل. (4/22)
صفحة 849
وإن أمره أو وكَّله في ما دفع إليه أو في ما سلطه عليه أنَّه لمن أمره يدفعه إليه من غني أو فقير، فإن نفذا الفعل في حياة الآمر أو بعد وفاته لم يضمنا في ما بينهما وبين ربهما شيئًا من ذلك، ويلزمهما الضمان في الحكم إلا أن تقوم لهما بينة على الميِّت بإقراره، أو تعترف الورثة لهما بذلك، أو ينكل عن اليمين، وإن اعترف الآمر عند المأمور أو الوكيل في ما دفع إليه ليدفعه عنه إلى غريم له أو الفقراء أنَّ ذلك حق للمأمور أو صدقة عليه واجبة كان للمأمور والوكيل أن ينفذا ذلك إلى من أمر بالإنفاذ إليه أو رده إلى من يأمره به بإنفاذه.
وكذلك للآمر والموكل أن يرجعا فيأخذا ما دفعه، فإن تلف ما في أيديهما لم يكن عليهما ضمان للآمر ولا للمأمور، وليس عليهما تعريف المأمور لضياع ما صار إليهما من حيث الوجوب.
وينبغي أن يعرفا الآمر لهما بذلك ليخرج من ما وجب عليه؛ لأنَّ الواجب عليه هو أن يتعرف صحَّة ما أمر بإنفاذه عنه حتى يكون على يقين من براءة ذمته له، إن كان متيقناً على ثبوت ما وجب عليه من ما أمر بالتَّخلص منه.
وإن أتلفا ذلك بفضل فعل كان منهما غفلا عنه حفظهما حتى ضاع ضمنا، وكان عليهما رد ما ضمنا إلى الآمر، لأنَّ الضمان وجب له، ولا فرق أن يقرَّ عندهما أنَّه مال يتطوع به على المأمور له أو يقضيه عن حق عليه وقبله؟ (4/23)
صفحة 850
فعلى كلا الوجهين الحق له، والخصومة في ذلك إليه، وليس لهما أن يقضيا عن أنفسهما ديناً لزمهما لغير من وجب له الضمان إلا بإقرار ثان، لأنَّ الوكالة والأمر قد زالا بزوال عين المأمور به، والموكل فيه والبدل غيره، وإن ضمنا ما أمر فيه وكّلا عليه، وقد كان الأمر لهما، قد اعترف عندهما بذلك المأمور به، فقد قال بعض أصحابنا: للضمان من أن يدفع ما ضمن إلى الآمر والمأمور له، لأنَّ المأمور له هو المالك لغير المضمون فالبدل له، وهو خصم فيه إذ هو حقُّه، وقد فعل الآمر ما كان له أن يفعل من التَّسليم إلى أمين عنده، وإن شاء ردَّه إلى الآمر له؛ لأنَّه خصم في أمانته، وما اعترف على نفسه لغيره.
وقال بعض: ليس للضامن والمقرِّ له خصومة، والخصومة بينه وبين الدافع له، الأمر له، وهؤلاء يوجبون عليه تسليم ما لزم الضمان الأمر، ولكل قوم من هذين القولين دليل يسوغ الاحتجاج به، والله أعلم. بالأعدل منهما.
وإذا دفع الآمر إلى المأمور أو الوكيل مالاً أو سلطة عليه، وقال له: قد جعلتك وكيلي في حياتي، ووصيي بعد وفاتي في إنفاذه إلى زيد فله إنفاذه في حياة الآمر، وليس له إنفاذه بعد وفاته إلا أن يجعله وصيه (4/24)
صفحة 851
لمن له به، وله أن ينفذه في حياته، لأنَّ الأمر له أن يتصرَّف له في ملكه في حياته، وينفق ماله كيف شاء، وليس له أن يأمر بإنفاذ شيء من ماله بعد وفاته إلا لأحد وجهين:
إلا في دين يقر به أو وصية يتقرب بها إلى الله من ثلث ماله، فإذا دفع إليه ذلك الشيء الذي ذكرناه وأقرَّ به للمأمور له به فمات الآمر؟ فعلى المأمور تسليم ذلك إلى المقر به، كان وصياً في ذلك أو غير وصى، لأنَّ الآمر مات وزالت أمانته عن ما كان عليه أميناً في حياته، وصارت في يد المأمور أمانة يجب تسليمها عليه إلى مالكها وهو المقر له بها، وليس له ردُّها إلى من لا يستحق ملكها، ولا هو أمين عليها من ورثة الميت إلا كما قال من ذهب عنه دليل الصواب، وإن ضمن الوصي شيئًا من مال الوصي كان له إنفاذ ذلك الشيء المأمور بإنفاذه من مال الميت ممَّا خلفه ديناً أو عيناً أو مالاً قائماً، فإن شاء قضى ما عليه في ذلك الوجه، أو قضاه في وجه آخر.
ولا فرق بين ما يلزم ضمانه من مال الآمر في حياته ولا من بعد وفاته أو في حياته وصار من جملة ما جعله الهالك من ماله الذي هو في وصاياه، ودينه ولورثته، وللو صي أن يقضى عن الميِّت وصاياه من تركته من الديون المضمونة والأموال الثابتة بإجماع الأمة بجواز ذلك. فما كان من دين لو لم يوصي به، فهو من مال الهالك، وله أن يقضي منه، لأنَّ الوصي يقوم مقام الموصي بعد وفاته. (4/25)
صفحة 852
والوكيل فليس يقوم مقام الموكل في حياته إلا في غير ما وكَّله فيه ورسمه، فإن تعدَّى مرسوماً خرج من الوكالة، فهذا الفرق بينهما والله أعلم.
وإن أمر رجل رجلاً أن يدفع عنه دراهم أو دنانير وديعة إليه أو لم يدفعه إليه، وقال له: ادفعه إليه وهو لك علي في ذلك فدفع المأمور إلى المأمور له طعاماً أو عروضاً من العروض، رغب في ذلك المأمور له أو لم يرغب، فإن كان يرغب كان قبض المأمور من الآمر ما أمره بدفعه عنه، فهو لازم في يد المأمور.
وكذلك إن كان لم يدفع إليه، فإنَّ ضمان ما أمره بتسليمه إلى المأمور ولا يلزم الآمر، لأنَّه لم يفعل ما أمره به، ومخالفته له.
تخرجه له من حكم المأمور به، وإسقاط الضمان على الآمر، وليس على المأمور أن يرجع على المأمور له بما دفع إليه، لأنَّه قبض ما أقرَّ له به إن كان ديناً أو هبة، فإن كان المأمور له ذلك الشيء المأمور به على الآمر سقط ضمانه، وزال الدين عنه بقبض البدل ممَّن قضاه كان القاضي له كالمتطوع على إنسان بقضاء دين عليه، وقد سقط الدين، ولا يرجع المتطوع على المتطوع عليه بشيء ولا يتحاقر. (4/26)
صفحة 853
وإن وكَّل رجلٌ رجلاً في شيء ما ورسم له على ما وكَّله فيه رسما فتعدَّاه إلى غيره لم يلزم الآمر فعله لمخالفته إلا أن يخبره الآمر إذا كانت الإجارة تسقط عن المأمور ضمان ضمان مال الآمر أ وتوجب له للمأمور حقاً على الآمر، وإن كانت الإجارة تتيح له معصيَّة قد ركبها، وكان في إجارته له ما يبعدهما من الله تعالى به لم تجز تلك الإجارة، ولم يكن للموكل أن يخبر له ذلك.
ما روي عن النبي (ص): دفع إلى عروة البارقي ديناراً، وأمره أن يشتري له به أضحية فاشترى به شاتين فباع أحدهما بدينار فجاء إلى النبي (ص) بشاة ودينار فأجاز له النبي (ص) الفعل.
فلهذا قال علماؤنا: للآمر على المخالف الأمر الخيار، إن شاء ضمنه ما خالفه فيه، وكان المأمور المخالف ما ضمنه بالمخالفة وربح ذلك، وإن شاء أجاز له بالفعل؛ لأنَّه واقع الشراء للأمر، وتعين ماله وقع الشراء، ولو كان المخالف للأمر وصياً، فلزمه الضمان كان له إنفاذه المأمور بإنفاذه، وإن تعدَّى فيه، لأنَّه لا يجوز له ألا ينفذ ما أمر بإنفاذه، وليس له أن يختار ترك إنفاذه، ولهما أن يختارا ترك إنفاذ الأمر، (4/27)
صفحة 854
وإن ترك المضمون وغير المضمون إلى من وكلهما وأمرهما بإنفاذ ذلك، وللموكل أيضاً والآمر أن يمنعهما من إنفاذ ما أمرهما به ووكلهما في إنفاذ قبل المخالفة وبعدها والله أعلم.
وأجمعوا أنَّ للوصي أن ينفذ الوصايا عن الميِّت أو شيئًا منها من ماله أو من مال الميِّت على أنَّه يأخذ بدله، أو من مال الميِّت ممَّا هو مسلَّط عليه في ما بينه وبين خالقه.
وليس ذلك في الحكم الظاهر، لأنَّه بعد سقوط الدين والوصايا عن الميِّت مدَّعٍ لدين في ماله، ولا يجوز للوكيل في مثل هذا في الحكم ولا بينة وبين الله تعالى لما ذكرنا من تصرُّف الوصي بالأمر المطلق، وتصرف المأمور الموكل في المدَّة في الفعل المقيد على الوصف الذي يجاوزه إلى غيره لما بينا وبالله التوفيق. انقضى.
وقيل: في الاختلاف بينهم من مدَّعي الوكالة في بيع الأصل، قال قوم: حتى تصحَّ وكالته في القبض، وأمَّا العروض فجائز دفع الثمن إلى البائع.
ومن غيره: وعن رجل وكَّل رجلاً بحق له وقامت على ذلك البيِّنة فلمَّا أراد قبضه قال الذي في يده المال: خذه مني بضمان؟ قال: ليس على الوكيل ضمان إذا وقعت وكالته مع الحاكم. (4/28)
صفحة 855
وذكرت في رجل أعظى رجلاً دراهم وقال له: اشتر لي بهذه الدراهم جملاً فذهب فاشترى له ناقة أو بكراً صغيراً فقال له: أنا لم آمرك أن تشتري لي ناقة ولا بكراً صغيراً إنَّما أردت جملاً أنتفع به، فقال: قد خالفه وتلزمه الدراهم؟ فنعم، تلزمه لأنَّه قد خالفه، وتلزمه إذا حدَّ له في الشراء حدًّا فاشترى سوى ما حدّ له، فهو ضامن له إذا خالف أمره.
قال غيره: وقد قيل: لا ضمان عليه، لأنَّ الجمل اسمه يأتي على النَّاقة والجمل الصغير والكبير.
وقيل: يضمن إذا اشترى له نه*، ولا يضمن إذا اشترى له صغيراً من الجمال والذكران.
وإن قال صاحب الجمل: أمرتك أن تشتري لي جملاً، وقال المشتري: أمرتني أن أشتري لك ناقةً؟ فالقول قول المؤتمن.
قلت: أرأيت إذا وكَّل رجل رجلاً في بيع ماله فباعه وطلب صاحب المال إليه الثمن، واحتجَّ أنَّه دفعه إليه أو أنفذه في ما أمره، أيكون القول قوله أم عليه البينة؟ قال: أنَّه إذا قال: دفع إليه الثمن، فالقول قوله مع يمينه. وإذا قال: إنَّه أنفذه في ما أمره، فعليه البيِّنة أنَّه أمره أن ينفذه في كذا وكذا، (4/29)
صفحة 856
فإذا قال: إنَّه أنفذه في ذلك، فالقول قوله مع يمينه، وليس هذا عندي يشبه ما قيل: إذا دفع مالاً ائتمنه عليه بالبيِّنة أنَّه رد عليه.
وعن رجل أمر رجلاً أن يبيع له مدخرات من تمر ثم سأله وأقرَّ له أنَّه قد باعه له ثم أنكر بعد ذلك، وقال له: إنَّه لم يبع له شيئًا لم يقبل إنكاره، ولزمه الثمن.
وكذلكإذا أنكر ثم قال بعد الإنكار: قد ضاع من عنده أو تلف لم يقبل قوله ذلك، وعليه الضمان. (4/30)
صفحة 857
باب (في الملكة)
من كتاب أبي قحطان بن جعفر: الرجل في يده العبد الكبير فيدعيه عبده ويدعيه رجل آخر، أو يقرَّ العبد أنَّه عبده؟ فقيل: هو للذي أقرَّ له ولو أقرَّ لإنسان غائب إلا أن يصحَّ أنَّه عبد لهذا الذي هو في يده، فإن صحَّ ذلك لم يلتفت إلى إقرار العبد، وإن كان العبد صبياً صغيراً ويقول الذي هو في يده عبدي، ويقول: هو حرٌ فهو حر حتى تقوم بيِّنة أنَّه عبد له، وكذلك إن كان أحد يدفع عن الصبي فقال: هذا حرٌ؟ فإن كان الصبي لا يتكلَّم، ولم يكن أحد يدفع عنه لم يكن على الحاكم أن يسأل النَّاس عمَّا في أيديهم، ولا يعارض الذي هو في يده.
وقال من قال: إذا أقرَّت جارية أنَّها مملوكة لرجل ولها أولاد بالغون يقررون أنَّها هي أمهم، ويقولون: إنَّها حرَّةٌ. فقال من قال: إذا أقرُّوا أنَّها أمهم فهم مماليك من أقرَّت أنَّها هي مملوكة له.
وليس نرى أن يكون أولادها مماليكاً وهم بالغون إلا أن يقرُّوا بذلك أو يصحوا عليهم. (4/31)
صفحة 858
أمَّا الذين ليسوا بالغين، فالقول قولها فيهم إذا كانوا في يدها وهم مماليك لمولاها، فإن بلغوا فادعوا أنَّهما أحراراً وأنكروا أنَّها ليست أمهم كان القول قولهم حتى يقيم المدعى لهم البيِّنة أنَّهم عبيده. وقال من قال: إذا قال رجل هؤلاء عبيدي وهم يسمعون فلم يغيروا ذلك ولم ينكروا من بعد فهم عبيده إذا كانوا في يده، ولا أحبُّ أن تلزمهم الملكة بالسكوت حتى يصحَّ أنهم عبيده. (4/32)
صفحة 859
باب (في اختلاف الشهادة)
من كتاب أبي قحطان: واعلم أنَّه كل من أشهد على نفسه بحقوق مختلفة ليس متواطئة إلى أوقات مختلفة أو وقت واحد، فإنَّه يؤخذ بجملة تلك الحقوق التي أشهد بها ولو كان وقتها واحداً، وأشهد بها كلُّها في وقت واحد، وكذلك إن أشهد على نفسه بألف درهم إلى شهر رمضان وألف درهم إلى شعبان فقال المطلوب هي واحدة فعليه ألفان، لأنَّ الوقتين قد اختلفا، ولكن إن شهد عليه بألف درهم إلى شهر رمضان ثم أشهدا أيضاً بألف درهم إلى شهر رمضان من تلك السنة، فهو ألف واحد، والأيمان بينهما إن اختلفا وذلك حيث تواطأت الشهادة، وإن اختلف التأريخ وكان الألف في رمضان في سنة سبع وأربعين وألف، والثاني محله سنة خمسين فهما ألفان حيث اختلف التأريخ.
إذا أشهد بألف درهم ثم أشهد بألف درهم ولم يكن لذلك وقت أو كان في وقت شهر واحد بلا تأريخ، فهو ألف واحد، فإذا كانت المدَّة في الحق إلى شهر رمضان فقال المطلوب: هو شهر (4/33)
صفحة 860
رمضان إلى خمسين سنة، وقال الطالب: هو شهر رمضان من هذه السنة؟ فالقول قول الطالب مع يمينه، وكذلك في السلف ولا ينتقض.
وإذا شهد شاهد بألف درهم لفلان على فلان، ولم يوقف لها وقتاً، وشهد الثاني بألف درهم إلى أجل فهي متفقة.
وقيل: في امرأة أحضرت شاهدين أنَّ لها على زوجها الهالك صداق مائة نخلة، وشهد لها آخران بمائة وخمسين نخلة، وقالت هي: لها عليه مائة وخمسون نخلة، فلها الأكثر مع يمينها، فإن ادَّعت الكل فذلك لها مع يمينها إلا أن يشهد الشهود جميعاً أنَّ الزوج أشهدهم على نفسه بما أشهد به شهادة واحدة في مجلس واحد حضروه جميعاً فلا نرى لها غير خمسين ومائة نخلة.
وإن قال كل شاهدين: إنَّ الآخرين لم يكونوا معهم كما أشهدهما فله الحق كلَّه إذا ادَّعت مع يمينها، وكذلك عن أبي عبد الله.
وزعم عمرو بن سعيد أنَّ رجلين من أهل صحار تنازعا إلى أبي عبد الله: ادَّعى أحمد بن شاذان الخدري على إبراهيم بن محمد بن حنبل أنَّ له عليه دراهم فأقرَّ مع أبي عبد الله أنَّ له كذا وكذا درهماً (4/34)
صفحة 861
أقل من كان ادَّعى، ثم أقام أحمد عليه شاهدي عدل أنَّ عليه كذا وكذا لما كان ادَّعى عليه، وأقام عليه شاهدي عدل أنَّه كان أقرَّ عند أبي عبد الله في مجلس حكمه أنَّ عليه لأحمد بن شاذان كذا وكذا درهماً من ما كان أقام به البينة عليه فطلب أحمد إلى أبي عبد الله أن يأخذه بالدراهم التي أقام بها عليه وبالدراهم التي شهد عليه الشاهدان بإقراره بها، واحتجَّ إبراهيم أنَّ هذه الدَّراهم التي أقررت معك هي من الدراهم التي أقام بها الشاهدين بالأصل.
فلم ير عليه أبو عبد الله إلا ما شهد به الشاهدان وهو الأكثر، ولم يأخذه بذلك الإقرار، وحكم بذلك بينهما فأكثر عليه أحمد فقال: هو رأي وقد أطلت النظر فيه. قال: ولو كان هذا يلزم لضرهم إقراهم بالحق.
ولو أنَّ رجلاً ادَّعى على رجل ألف درهم فأقرَّ أنَّ له عليه سبعمائة درهم ثم أقام على المدعي شاهدي عدل أنَّ له عليه ألف درهم، وطلب إلى الحاكم أن يأخذه بالألف وبالسبعمائة لكان لا يقرُّ أحد مع الحاكم، ولكنَّه يأخذه بالأكثر، ويبطل الباقي.
وكذلك إن أقرَّ هو بالأكثر، وأقام الشاهدان عليه بالأقل فاحتجَّ أن الذي شهدت به عليه البينة من الحق الذي أقر به لا يأخذه إلا بالأكثر، إلا أن يصح أن إقراره بذلك من ثمن كذا وكذا، وشهد الشاهدان بذلك من ثمن نوع آخر فهنالك يأخذه بهما جميعاً.
وكذلك إن كان له عليه ألف درهم، وأشهد الذي له الحق أنى قد (4/35)
صفحة 862
قبضت منه مائة درهم، ثم أشهد أني قد قبضت مائتي درهم، ثم أشهد أني قد قبضت منه مائتي درهم، ثم أشهد أني قد قبضت مائتي درهم، ثم أشهد أني قد قبضتثلثمائة درهم فادَّعى المعطى أنَّها ستمائة درهم، واحتجَّ القابض أنَّها ثلثمائة درهم، وأنَّه كان كلَّما قبض مائة درهم أشهد على نفسه بجملة ما صار إليه.
فأرى هذا خلاف ذلك، وآخذ برأي من رأى عليه جملة ما أقرَّ بما به قد قبضه أن يؤخذ بإقراره كما أقرَّ به حتى يبين عند الشهادة أنَّ ذلك الذي شهد به من قبل هو من هذا، وأنَّه جملة ما قبض من الأول والآخر كذا وكذا.
ومن أقر مع الحاكم أنَّه اشترى هو وفلان جراب تمر فعليه نصف ثمنه، أو قال: على وعلى فلان كذا مائة درهم فطلب المقر له أن يأخذ المقر بالجملة، فإنَّما عليه النصف كما أقرَّ والله أعلم.
وعن شاهد شهد أنَّ فلاناً أشهده لفلانة بداره وبستانه بحقِّها، وأشهد الثاني أنَّ البيت بيته وبستانه لفلانة ولم يذكر بحق.
فقد رجونا أن تكون شهادتهما متَّفقة، وأمَّا إذا شهد بإقرار المشهد لرجل بنخلة أو غيرها، وشهد الثاني أنَّه قضاه إيَّاها بحق أو باعها له وأعطاه إياها وأخذها، فهي شهادة عندنا متفقة.
ومن أشهد بثمرة ماله أو ثمرة مال معروف فقال: كذا وكذا سنة أو حتى يموت، فهذا إقرار وهو جائز، (4/36)
صفحة 863
وإن لم يسم بذلك إلى وقت يحده، وكان في ذلك المال الذي يحده ثمرة فليس له إلا تلك السنة، وإن لم تكن فيه ثمرة فله ثمرته في ما يستقبل. وقيل أيضاً: إن قال: بحق له عليه فهو جائز. انقضى.
وسألته عن رجل طلب آخر بمال فجاء رجل فقال: إن عجز فلان ولم يرد إليك إذا أهللت شهر كذا وكذا، فهو عليَّ فمات الرجل الذي عليه المال قيل أن يجي ذلك الشهر؟ قال: هو على الذي يقبل.
قلت: فإنَّما قال: إن عجزت فمات فلان فلم يعجز؟ قال: إذا مات ولم يترك وفاء فقد عجز.
قلت: فإنَّه ترك وفاء فأخذه الآخر ظلماً؟ قال: كل شيء لا يئوب إلى هذا فقد عجز إلا أن يكون صاحب المال ضيع ماله.
قلت: وكيف يضيع ماله؟ قال: يدعي إلى ماله فيتركه، فكان ضيع فلا غرم على الذي تقبل به. (4/37)
صفحة 864
ومن جامع أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة: وإذا وكَّله في ثوب يرهنه له فقال للمرتهن: اضمن مني هذا بكذا وكذا لفلان وهو خصم في ذلك، فإن قال: ارتهن هذا بكذا وكذا من فلان، فإنَّه رسول ولا يتعلَّق به خصومه.
وإذا وكَّل رجلين بقبض عبد فقبضه أحدهما بغير أمر فتلف العبد من يده فإنَّه يضمنه، وكذلك كل من ولى على فعله أمينان لم يكن لأحدهما أن ينفرد بالفعل وحده دون صاحبه، وكذلك قال أصحابنا في الوصيين والأمينين والوكلين في النِّكاح والطلاق وغير ذلك.
وإذا وكَّله رجلان يقبض لهما وديعة ثم جاء أحدهما ليقبض حصَّته، ففي قول بعض أصحابنا: أنَّ المودع لا يدفع إليه إلا حصَّته، لا تصير إليه إلا بعد قسمه لمودع أمين، والأمين على غير ماله، وليس له أن يقاسم من غير أن يكون وكيلاً في المقاسمة، وقال بعض: له أن يدفع إليه حصَّته منها، ولا يصرفه عنها وهو قادر على ذلك. (4/38)
صفحة 865
وإذا وكَّله في دفع وديعة إلى آخر فقبلها المرسل بها إليه ثم ردَّها على الرسول فضاعت، فإن الرسول والمرسول إليه ضامنان، ولصاحبها أن يطلب بها من شاء منهما من قبل أنَّ الوكيل لم يكن له قبضها إلا بأمر ثان، والمودع لم يكن له أن يودع غيره فيها، منهما مستعديان في مال غيرهما، وعليهما الضمان.
أمَّا بعض أصحابنا فلم يوجب الضمان على أحدهما إذا كان المستودع استودع على أمانته ثقة، وإذا لم يعلم المودع الثاني أنَّ الوديعة لغير من استودعه فلا يضمن، ويضمن الأول، وإنَّما أوجبنا إلى المودع، لأنَّه عالم بأن المودع لا ملك له على الوديعة، وليس له أن يتلفهما بغير أمر صاحبها.
وإذا وكَّله في دفع عبد له إلى آخر ليكون وديعة في يده فقال الوكيل: بعث به إليك لتستخدمه، وقال: ليدفعه إلى فلان ففعل فهلك العبد، فإنَّ الضمان يلزم المستودع، ونرجع بما غرم على الوكيل، لأنَّه غره. وهذا قول أصحابنا. (4/39)
صفحة 866
والنظر يوجب عندي ألا يرجع على الوكيل بشيء، ولا يلزمه ضمان وإن كان قد كذب، ولكن يضمن المستخدم، لأنَّ الخدمة له خلصت، وفيها تلف العبد، لأنَّ الوكيل لم يباشر بقوله فعلا، ولا أخرج بقوله عن يد مالكه والله أعلم.
ولو وكَّله لقبض وديعة له عند رجل فجنى على العبد جناية قبل أن يقبض الوكيل وأخذ المستودع أرشها، وقتل العبد خطأ، وأخذ المستودع ديته لم يكن للوكيل قيمة ولا الأرش، وإنَّما له قبض العبد يجنى عليه، وإذا كان المستودع من يقتص، لأنَّ له الحفظ في غيبته كان إذا تلف على يده ماله حفظه كان له، ويغرم المتلف ما أتلفه، فإذا لم يكن للوكيل قبض القيمة من المستودع، لأنَّه إذا انتقل من العين إلى غيرها زالت وكالته، وإذا اشترى رجل سمكة فوجد فيها لؤلؤة مثمنة، فإن كانت مثقوبة فحكمها حكم اللقطة، وإن كانت مدحرجة ممَّن ما يعلم أنَّها لم تملك ولم يتقدم عليها ملك ولا علامة ملك، فإنَّها للمشتري، والنظر يوجب عندي أنَّها للبائع، وكذلك الصدقة إذا وجد فيها لؤلؤة: (4/40)
صفحة 867
قال قوم: للمشتري، وقال قوم: للبائع.
والبيع إذا خرج من حد ما يتغابن النَّاس في مثله أو لم يجز لنهى النبي (ص) عن إضاعة المال.
قال: قد روى عن النبي (ص) قال: بعني بعيرك فقال: أهبه لله فأبى (ص) وقال: فبعني بدرهم فلم يبعه عليه لذلك، فلم يزل يزيده النبي (ص) درهماً درهماً حتى اشتراهُ بأوقية، والأوقية أربعون درهماً.
يقال له: هذا خبر فيه نظر، لأنَّ الرسول (ص) غير جائز أن ينهى عن شيء ثم يدخل فيه، وقد نهى عن إضاعة المال ونهى عن الخديعة، وليس في الخديعة أبلغ من بيع الإنسان ما يساوي أربعين درهماً بدرهم.
ولو صحَّ هذا الحديث كان طريقة طريق الإخبار إلا أنَّ النبي (ص) لا يسأل شيئًا ما.
وللإمام أن يخبر عن رعيته، ويتعرَّض بالمسألة ليعلم، هل يستعمل ما يأمر به ولا يستعمل، وإنَّما كانت الحجَّة لو اشتراه بدرهم واحد وهو يساوي أربعين درهماً، فأمَّا إذا كان جائزاً فقد ثبت ألا يضيع ماله، وعرض على النبي (ص) الوجه الذي لا يسمى به مضيعاً وهو الهبة فأبى (4/41)
صفحة 868
ذلك منه، واستعمل في البيع ما أمره رسول الله (ص) ولم نجدفي هذا خلافاً فينكر عليه، وإذا كان ذلك كذلك فطريقة ما قلنا والله أعلم.
وقد روى أنَّه اختلف أصحابنا في رجل ضمن على رجل بحق فأبرأ المضمون له الضامن؟ فقال بعضهم: يبرئ الضامن ولا يبرئ المضمون عنه. وقال بعضهم: إذا أبرئ الضامن برئ الضامن والمضمون عنه، وإن أبرئ المضمون عنه لم يبرأ الضامن أن يطلب بحقه الكفيل والمكفول عنه، والضامن والمضمون عنه حتى يستوفي حقَّه، ثم هما يبرآن بعد ذلك.
واختلف أصحابنا في قرض الحيوان: فقال أكثرهم: لا يجوز فقالوا: المثل لا يضبط. وقال بعضهم: وأجمع النَّاس جميعاً أنَّ قرض الأمة لا يجوز فخرج تحريم قرض الأمة بالإجماع، وبقي الباقي على أصله.
جواب من القاضي: الحسن بن سعيد بن قريش: ما تقول في من وكَّل وكيلاً في مقايضة شيء من ماله فقايض به الوكيل ثم ادَّعى الرجل أنَّ الوكيل لا يعرف الأرض، وقال الوكيل: إنَّه يعرفها والأرض في غير بلده، وكان الوكيل ثقة أو غير ثقة، كيف الحكم في ذلك؟ (4/42)
صفحة 869
قال: الذي عرفت أن فعل الوكيل ثابت على من وكَّله في ذلك، وما أرى قوله يلتفت إليه في ذلك من دعواه والله أعلم.
وقلت: أرأيت إن سئل الوكيل عن الأرض فلم يعرفها، أو قال: إنِّي لا أعرفها، أيقبل قوله في ذلك بعد أن جرى القياض؟ وكيف الحكم في ذلك؟ قال: الذي عرفت أنَّ البائع إذا ادَّعى الجهالة في ما باع كان القول قوله في ذلك، وعليه يمين في ما يدَّعي من الجهالة. وعندي: أنَّ الوكيل في ذلك مثله والله أعلم.
وقيل: إنَّ المريض جائز أن يقبض ماله، وأن يوكِّل في قبض ماله، ثقة أو غير ثقة، ويبرئ الذي عليه الحق، وإن كان وصياً لغيره فجائز أيضاً.
وكذلك إن وكَّله آخر في بيع ماله، وأمَّا بيعه بنفسه فلا يجوز والله أعلم.
وإذا وكَّل المريض في قسمة ماله فلا تصحَّ قسمته، ولا تصحَّ مقاسمته هو لنفسه، وإذا كان إنسان يعرف بالصحة ثم مرض فحكمه المريض، ولو أقرَّ أنَّه يحتمل عليه حتى يصحَّ ذلك، والله أعلم. (4/43)
صفحة 870
ومن يجد حجارة مديرة بمكان ممَّا يدل ُّ أنه ملك لا يجوز التصرف فيه.
وفي الموت إذا عق إنسان عقة أو حدر؟ ففيه اختلاف منهم: من يثبت المال في يده وفي وسطه، ومنهم: من لا يراه. قال المقاطقة على الموز لا تجوز بيعه، ليقطع في وقته وإلا فلا.
وذكر في سدرة تكون في جبل أو ظاهر أو عارض ما لم تكن في بطن واد؟ أنَّه من سبق إليها فجائز أن يمتلكها، وكذلك النَّخلة. انظر في هذا، فإنِّي حفظت أنَّه لا يجوز له تملكها والنخلة.
قال: لا يجوز قطع خوص النخلة الثابتة في الوادي أعني السدرة، وأمَّا من قطعها فلا ضمان عليه.
وإذا قال إنسان لإنسان: انقطع من مالي ولم يذكر له حداً؟ فإذا انقطع منه إلى المحقرات التي لا يرتاب أنَّه قد أطلق فيها، فإنَّه لا ضمان عليه.
وقوم بينهم مال مشترك ادَّعى أحدهم أنَّه قسم، وقال الشركاء: (4/44)
صفحة 871
تلك قسمة كانت غير صحيحة، ما يكون حكم المال بعد هذا اللفظ؟ إنَّه مشترك أم هذا اللفظ يدخل فيه شيء؟ وعلى من البيِّنة، ومن تلزم اليمين؟ بيِّن لي ذلك؟ قال: الذي عرفت أنَّ الشركاء إذا تقارروا على القسمة، وادَّعى أحدهم نقضها لم يقبل منه، وكان عليه البيِّنة والله أعلم. انقضى جوابه.
ومن جواب أبي عبد الله: وعن قوم يكونون في البحر يجلب إليهم الكنعد يأخذونه وغيرهم، فأردت أن أعرفك رأياً في ذلك؟ فأقول: إن كان هذا الصيد على ساحل القرية فأراد بفعل القرية أن يدخلوا إليهم في مواضعهم من البحر يشترون منهم فذلك لهم، وأمَّا أن يكون على الصيَّادين أن يخرجوا إليهم فلا أرى ذلك عليهم إلا برأيهم والله أعلم. انقضى.
وعن رجل أصحَّ معك أنَّه وكيل محمد بن حسان النازل صحار في قبض حقه الذي على النَّاس بسمائل، وأقام الوكيل معك شاهدي عدل يشهدان على رجل من أهل سمائل أنَّه استمى على نفسه أنَّ عليه لمحمد ابن حسَّان النازل قرية صحار كذا وكذا من الحقِّ، وطلب الوكيل أن يصل إلى ذلك فاحتجَّ الذي عليه الحق، أنَّه لا يعرف ذلك، قال: لعلَّ محمد بن حسَّان وكلُّ هذا غير الذي يطلبني ولم تكن مع الوكيل بينة أنَّ محمد بن حسَّان الذي له الحق على هذا الرجل هو الذي وكَّله؟ فأقول: هذا حجة للذي عليه الحق حتى يشهد الشاهدان أنَّ الذي (4/45)
صفحة 872
أشهد بإقراره لمحمد بن حسان النازل بصحار لهذا الحق أنَّهما لا يعرفان محمد بن حسان بصحار غير هذا الذي أقرَّ له معهما لهذا الحقِّ أو يشهد عدلان أنَّ محمد بن حسان وكَّل هذا الوكيل في قبض ماله من حق على النَّاس ولا يعلمان غيره، فإذا صحَّ هذا فإنِّي أرى أن يؤخذ الذي عليه الحق لهذا الوكيل، فإن أعجز البينة بشيء ممَّا وصفت لك، وكان محمد بن حسَّان قد جعل لهذا الوكيل أن يستحلف على حقه، فإنِّي أرى على هذا الذي عليه هذا الحق فاحتجَّ بهذه الحجَّة أن يستحلف يميناً بالله ما يعلم أنَّ محمد ابن حسَّان النازل بصحار الذي عليه له الحق أنَّه وكَّل هذا الوكيل في قبض ماله عليه، فإذا حلف فلا أرى عليه سبيلاً لهذا الوكيل على هذه الصفة.
قال أبو المؤثر: الذي أقول به أن أشهد الشاهدان الذي وكَّله محمد ابن حسان الذي له هو الحق على هذا.
ومن غيره: وعن رجل بعث مع رجل دراهم في شراء جارية فاشترى له جارية ثم التفت إلى الدَّراهم، فإذا هي ذاهبة لمن الجارية إن طلبها الذي اشتريت له أو أراد تركها فأراد الذي اشترى الجارية أخذها ووطئها، فإنَّ الجارية للذي اشتريت له، (4/46)
صفحة 873
فإن أراد أن يأخذها ويطعي ثمنها فذلك له، وإن كره أن يأخذها خير حتى يقول: إنَّها للذي اشتراها أو أنَّه قد ولاه إيَّاها بثمنها، ويأخذها هو، ويعطي ثمنها مرة أخرى، فإذا شهد مع الوالي شاهدان بوكالة لرجل غائب عنهما، ولم يحضر الشهادة؟ فإن كان الوكيل معروفاً مشهوراً عند الوالي والشاهدين قبلت شهادتهما، وإن لم يعرفه الوالي لم تجزه إذا طلب هذه الوكالة حتى يعرفه إيَّاهُ شاهدان.
وسئل عن الرجل إذا أراد أن يوكِّل وكيلاً، كيف اللفظ في ذلك حتى تثبت الوكالة؟ قال: إن قال الموكل: قد جعلت فلان بن فلان الفلاني وكيلي أو وكيلاً لي في مطالبة كل حق أو في منازعة كل حق على فلان بن فلان الفلاني الموصوف، وفي استماع البينة في كلِّ ذلك لي، وعلى استحلاف فلان بن فلان في كل وجه، وعلى كل وجه لزمته اليمين لي فيه، وفي قبض كل حق لي عليه كان هذا عندي جائزاً في ما شرط من هذا، فإن شرط كله جاز، وما شرط من هذا جاز، وإن أراد إذ لا يجد شيئًا من هذا وقال: قد أخرجت له في جميع مالي ما يجوز لي جاز، وكان هذا كافياً عندي من التَّحديد. (4/47)
صفحة 874
وكذلك إن قال: أجزت له في جميع مالي ما يجوز لي فيه، فإن جبره له.
وكذلك إن قال: قد جلعت له في جميع مالي ما يجوز لي أن أجعله له جاز ذلك عندي عن جميع التحديد، وإذا لم يكن لفظ يأتي على معنى الجملة كان فيه تحديد فإنَّما تقع الوكالة على حدّ له من ذلك، وإذا أردت أن تقيم وكيلاً لليتيم أو الغائب فإنَّك تقول: قد أقمناك وكيلاً لفلان بن فلان الغائب في ماله المشترك بينه وبين شركائه في مقاسمتهم، وفي قبض حصَّته من جميع الشركة التي بينه وبينهم، ويقول الوكيل قد قبلت.
وإن كان ليتيم يقول: قد أقمتك وكيلاً لليتيم وهو فلان بن فلان في قسم ماله، وفي حفظ القيام به، وأجر النفقة عليه، وبيع ما يجوز بيعه من ماله، وإن كان دين قد تعلَّق عليه من قبل والده أو من قبل نفسه، أو وصايا أوصى بها في ماله أنفذت جميع ذلك من ماله.
ومن وكَّل رجلاً في بيع ماله فقال: لا أقبل الوكالة، ثم باع بعد ذلك فبيعه لا يجوز، وإذا لم يقبل المأمور أو الموكل لم يلزمهما من طريق الحكم، ولهما أن يرجعا كما كانا قبلا بإنفاذه، طلاقاً أو غيره والله أعلم والموفق للصواب.
قال أبو محمد: وإذا وكَّله في عتق عبد ثم أبى أن يعتقه بعد قبول (4/48)
صفحة 875
الوكالة فخاصمه في ذلك العبد مع الحاكم كان للحاكم أن يجبره على عتقه.
وكذلك قلنا في الكتابة والنكاح والطلاق والخلع في ما يتعلق به حق من وكَّله على فعل له والله أعلم بالصواب.
وقال في موضع آخر: وإذا وكَّل رجل رجلاً في عتق عبده أو خلع زوجته، أو أن يتزوج له بامرأة، وأن يبيع له مالاً فامتنع الوكيل عن فعل شيء من ذلك ممَّا ذكرت، ثم لم يفعل لم يلزمه ذلك، ولم يحكم عليه، وكان الوكيل يتعلَّق على الموكل لم يوجب ذلك حكماً.
وإذا أرسل رجل رجلاً ليتزوَّج له أو يشتري له فينبغي أن يقول إذا أراد السلامة: أرسلني لكم فلان لتزوجوه أوتبيعوا عليه. ولا يقول: وكلني لأشتري أو أتزوج له، ولا أرسلني لأتزوَّج أو أشتري.
والوكيل للحي إذا تبرَّأ للموكل برئ.
ومن الأثر: وعن الصبي، هل يجوز أن يوكله الرجل في قسم ماله أو في قيامه أو في قيام في ماله أو في منازعة؟ قال: نعم، جائز إن حكم عليه أو قاسم إذا كان يفعل ذلك.
قلت: وكذلك إن وكَّل عبداً بإذن سيده أو وكَّل عبده جاز ذلك؟ (4/49)
صفحة 876
قال: نعم.
قلت: أرأيت إن وكَّل صبياً في تزويج امرأة هو وليها؟ قال: نعم، إذا كان سداسياً، ويعرف الأقل من الأكثر.
الوكالة لا تصحُّ إلا بوجوب عشر خصال؟ أن تكون من جائز الأمر إلى جائز الأمر، وأن يتخاطبا بالوكالة أو أن تكون معلومة غير مجهولة، وأن تكون مطلقة، وألا يزول عقل الموكل بجنون ولا سكر، وألاَّ يكون كافراً يجري عليه الرق بعد الوكالة، وألا يحجر عليه.
وبيع الوكيل جائز إلا عند وجود ثلاث عشرة خصلة:
أن يبيع مالاً يتبايع النَّاس أو يبيع بدين أو عرض أو يؤمر ببيع منفرد فيبيع معه غيره، أو يؤمر ببيع لزيد فيبيع لغيره أو يبيعه من نفسه ومن ولده أو من عبده (4/50)
صفحة 877
أو يوكل غيره من غير أن يجعل له ذلك، أو سلم المبيع من غير قبض الثمن.
وعن أبي يوسف عن محمد بن إسحاق: أنَّ علياً وكَّل عبد الله بن جعفر فخاصمه طلحة بن عبد الله في ظفير أحدثه على بين أرض طلحة وأرضه، والظفير المسماة. قال: فقال طلحة: إنَّه قد أضرني وحمل على السيد فقال: فوعده عثمان أن يركب معنا فينظر إليه. قال: فركب، قال: فو الله إني وطلحة نختصم، وإنَّ معاوية على بغلة شهباء فألقى كلمة عرفت إنَّما أعانني بها. فقال: أرأيت هذا الظفير؟ قال: لم أر ضراراً، وقد كان على عند عمر، ولو كان ضرر لم يدعه.
ومن أمر رجلاً أن يؤاجر له بيتاً فؤاجره عبداً؟ فإن كان علم أنَّه واجره العبد فأتمَّ ذلك ورضي فلا أرى أن يأخذ من العبد شيئًا إلا بإذن سيده إلا أن يكون سيده قد أذن له أن يستأجر ذلك، فكراءالمنزل على سيد العبد في مال العبد أو رقبته، وإن كان لم يعلمه الذي أمره أن يؤاجر المنزل أنَّه واجره عبداً فأرى على المأمور غرم ما ضيَّع من أجر منزل الرجل إذا واجره العبد والله أعلم. (4/51)
صفحة 878
الدليل على أنَّ الأمر فعل قول الله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكنَّ الله رمى} وإنَّما رمتهم الملائكة عليهم السلام.
وقيل: في من أرسله رجل إلى رجل بشيء أن يسلِّمه إليه فأتى الرسول إلى المرسل إليه فقال: في موضع كذا مثل حب يجعله في منزل أو تمر أو ثياب أو دراهم، أو أمره أن يجعله قدامه على حصير أو في حجره أو في موضع يأتمنه عنه فجعله الرسول على ذلك، إنَّ ذلك جائز، وقد برئ من ذلك، وذلك تسليم على ما يتعارف النَّاس أنَّ ذلك هو قبض.
كما أنَّه لو قال: اجعل لي شيئًا في موضع كذا جاز ذلك، فهذا إذا كان قد جعل إليه تسليمه فهو كذلك. (4/52)
صفحة 879
باب (في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): «لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر، ورفيق بما ينهى، عدل في ما يأمر، عدل في ما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى».
قال أبو عبد الله: قال: على المرأة أن تنكر بقلبها، وليس عليها أن تنكر بلسانها.
وسئل بعضهم عن الزعاق: هل هو من المناكر؟ قال: هو من المناكر، وهو من بقايا أخلاق أهل الجاهلية.
قلت: فإن كان الزعاق في حرب، يجوز ذلك أم لا؟ قال: إن كبَّر أحب إلى من أن يزعق. وإن أراد بذلك تقوية وهمية للعدو، ورجوت أن يسعه ذلك.
قيل له: فإذا سمع الإنسان زاعقاً، فهل يلتمسه وينكر عليه أو لا يلزمه ذلك؟ قال: إذا احتمل أنَّه ممَّن لا يقدر عليه أو ممَّن ليس عليه منكر من وجوه الحقِّ، فليس يلزم ذلك من طريق الواجب إلا على معنى الوسيلة إن قدر على ذلك. (4/53)
صفحة 880
ومن غيره: قال أبو عبد الله: إنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بفرض على كل ذلك، ولو كان كذلك لكان على النِّساء، لكن أشدُّ فرضه على من قطع على نفسه الشراء، أو على من عرفه أنَّه منكر، فعليه إنكاره إلا أن تجيء حال تجوز له التقيَّة.
ومن كتاب أبي قحطان: ومن ما ينكر الإجماع على الشراب ولو كان من أديم يوكا ويعاقب أهله بالحبس.
وذكر محمد بن محبوب عن سليمان بن عبد العزيز: أنَّه كان يعزِّر على شراب النبيذ وهو إمام حضر موت.
وقد أدركناهم يتعاهدون المواضع المعروفة بالجماعات، وإذا وجد الجهال فيهم التغيير من الشراب وريحه أنكر عليهم وحبسوا.
ومن وجد سكراناً بين الجبال من السكر عوقب من الأحرار والعبيد.
وقال من قال: إنَّه وجد عن أبي الحواري أنَّه لا يحبس من وجد رائحة النبيذ إذا لم يكن فيه تغيير.
وحفظ لنا الثقة عن الإمام راشد بن سعيد -رحمه الله-: أنَّه حبس أبا المعمر على رائحة النَّبيذ بلا تغيير، فسل عن ذلك. (4/54)
صفحة 881
باب (في النوح)
من كتاب الضياء: ومن ما ينكر النوح. وأخبرني سعيد بن محرز أنَّه هو ومحمد بن محبوب: إنَّما النوح أن تقول المرأة وتأخذ عليها صاحبتها يتجاوبان، كذلك النوح. وقد رأينا المسلمين ينكرون الصراخ على الموتى، ولم نرهم يضربون ولا يحبسون.
وأخبرني محمد بن محبوب: أنَّ إمام حضر موت سليمان بن عبد العزيز كان يحبس على الصراخ النساء الأحرار.
ومن غيره: وقيل: صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: صوت مزمار عند نقمة، وصوت مرنة عند مصيبة.
قالوا: ليس ينبغي أن يقعد مع الباكية والنائحة، فإنَّه يكره. ويقال: إنَّه زور.
سئل عن النائحة؛ لأنَّ النبي (ص) روي عنه: أنَّه لعن النَّائحة والمستمعة، وقال من قال من المسلمين: إنَّ المستمعة هي المتلذذة بالاستماع. (4/55)
صفحة 882
ومن غيره: ويوجد أنَّ النبي (ص) لمَّا قتل عمه حمزة قال: لكن حمزة اليوم لا بواكي له، فمرن نساء الأنصار يبكين عم رسول الله (ص).
ويكره أن تتبع النساء الجنائز.
وروي عن النبي (ص): أنَّه رأى امرأة تتبع جنازة فأمر بردها.
وعن أمِّ عطيَّة قالت: نهينا عن اتِّباع الجنائز.
وعن من ضرب صائحة ونائحة؟ قال: لا شيء عليه.
وبلغنا أنَّ خالد بن الوليد لما توفي سمع عمر النوح في بيته فقال لابن عباس: ادخل على أم المؤمنين – وكانت ميمونة خالة خالد بن الوليد- فأمر أن يشدَّ عليها الباب، باب بيتها.
وقال لابن عباس: أخرجهنَّ على واحدة واحدة، فقام عمر فضربهنَّ بالدرة فسقط خمار واحدة منهنَّ، فقال ابن عبَّاس: سقط خمارها، فقال له عمر: إنَّه لا خمرة لها.
وبلغنا أنَّ أصحاب ابن مسعود كانوا إذا كانت جنازة أمروا بالأبواب فغلقن على النساء.
وأخبرني الحضارم أنَّ الإمام بحضر موت يرسل إلى أهل الميت ويتعاهد ألا تكون بواكي. (4/56)
صفحة 883
باب (في الإنكار)
عن بشر بن محمد بن جعفر قال: ولجملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أقسام تفترق:
منها: ما يجب على الكافة مقدار الطاقة، ومنها: ما يجب على أئمة العدل وأمرائهم دون العامَّة.
وليس ذلك للعامَّة دون الأئمة إلا بالموعظة والتَّخويف لعقاب الله، فأمَّا ما يجب على الكافَّة من ذلك، أمرتهم به الأئمة أو لم تأمرهم، فإنَّه إغاثة المستغيثين من الظالمين لهم في أنفسهم وحرمهم وولدانهم واغتصاب أموالهم وإخافة سبلهم حتى يحولوا بينهم وبين ظالميهم.
فذلك ما لم يكن على سبيل ما يتحاكم النَّاس فيه إلى سلطانهم أو يداعون فيه إلى فقهائهم بالدعاوى منهم، فإن لم يستحيلوا لهم عن ظلمهم بدون الجهاد لهم من الإنكار عليهم، وكان فيهم أئمة عدل أو أحد من أمراء ولاتهم بما يستحقونه في العدل معهم، وإن لم يكن أحد من الأئمة والأمراء بحضرتهم، ولم يمتنعوا لهم عن ظلمهم إلا بجهاد ذلك لهم، (4/57)
صفحة 884
وإن امتنعوا بجربهم إيَّاهم، ولم يأمنوا معاودتهم بذلك فيهم كان الاستيثاق منهم، إلا أن يأمنوا معاودتهم إلا على سبيل العقاب وإنَّما اؤتمن عليه أئمة العدل.
وهذا الضرب من الإنكار الذي وصفناه يلزم كافة أهل الصلاة، وجائز الاستعانة عليهم بالسلطان الظالم منهم، لأنَّ الجميع داخلوان في الأمر العام به لهم ما لم يوجد السبيل إلى منع ذلك بغيره، ولم يكن متعارفاً منه الظلم في ذلك مثل ما يستعان به عليه أو أكثر.
وهذا إنكار واجب، وإن لم يأمر أحد من السلطان به، لأنَّه لم يخرجه من عموم الأمر به لهم بآيات الكتاب حجة، والإثبات من السنة، فهذا كان واجباً بما ذكرنا في حجج عقولهم فعله بهذا.
فأمَّا أئمة العدل وأمراؤهم مخصوصون بالقيام به، وإنَّما على الرعية إنكاره بالموعظة، فهو نحو ما يتحاكم النَّاس فيه إلى سلطانهم، ويتطالبونه منهم له من بعضهم على بعض حتى يخرجوا ممَّا يلزم بعضهم لبعض بالتَّأديب والحبس والتوثيق.
وأيضاً ما يكون النَّاس يفعلونه لأنفسهم، ظالمين في ما تعدوا، خاصاً لهم كإضاعتهم لصلاتهم وزكواتهم ونحو ذلك من فرض ربهم عليهم، وركوب محارمهم التي زجرها عنهم، والتهمة لأهلها لأنَّها في مواضع الريب منها ونحوها على الأئمة وأمرائهم إنكاره عليهم، والعقاب لهم بما هو زجر لهم عنه، وادَّعى إلى التوبة منه، لا زاجر عنه غيرهم بالزيادة في عقابهم، وأيضاً إقامة حدود الله عليهم ممَّن كان عليه حدٌّ (4/58)
صفحة 885
بكتاب الله لا يبرئه من الجهل بحرمة ما واقعه ما لم يخرج من الإقرار الذي يثبت الأحكام من الإنكار لها، والكفر بما أنزل منها، لأنَّ أهل الإقرار بالحقوق به، والحدود فيه، ولا يقوم بها إلا أئمة العدل منهم وأمراؤهم، وعليهم إنكار سائر المنكرات نحو نوح النائحة والرنة على المصيبة والمزمر عند النعمة بالنهي لذلك عن رسول الله (ص)، ونحو أخذ أهل الذمة بما يتركونه من الزي والهيئة التي أمرهم المسلمون بها وجرت السنة فيهم.
وكذلك النهي عن زيهم ولهيئات أهل الجهل والسفه من الخيلاء في مشيهم، وإرخار الأرز على أقدامهم، والشعور بلا فرق على ظهورهم، في أقفيتهم ووجودهم وإطالة شواربهم وقص لحائهم وتشبه الرجال بالنِّساء والنِّساء بالرجال منهم في هيائتهم ولباسهم وزيهم وما هو قبيح من المسلمين في ما بينهم من إتيان النِّساء وبيع الأنبذة في أسواقهم وعلى طرقهم.
وأيضاً حمل السفهاء السلاح في مدنهم، والغش في سلعهم وصناعاتهم ومكاييلهم وموازينهم والتطفيف بها، وما جاء عن رسول الله (ص) في بيوعهم بيع الغصوب فيها، وما فيه الضرر بينهم في أودينهم وحدودهم وغرس نخيلهم وشجرهم وداوبهم وكل ما فيه الضرر بينهم.
قال النبي (ص): «لا ضرر في الإسلام ولا ضرار».
وكذلك الأذى لبعضهم بعض بأقوالهم وأفعالهم، وما يتولَّد (4/59)
صفحة 886
الأذى منه مثل روائح الكنف وإشراعها في طرق المسلمين وتغطية جوها وتوعيث المسلك فيها.
وكذلك ما يجلب من الخمر والخنازير إلى أرض المسلمين، وما يحمل من السلاح والكراع والمسلمات من أرضهم إلى أرض حربهم من المشركين وكل ما تراه الأئمة والأمراء إصلاحاً للمسلمين عامة من صنع احتكار الأطعمة وحملها عند الحاجة إليها منهم، وما يعود للمسلمين يتعزز دولتهم وكسر شوكة أهل حربهم عنهم، فهو يسع ذلك لهم، وعليها إطفاء البدع في شريعتهم وإنكار ما حدث من الكنائس والبيع في بيوت النيران في أرضهم ونحو ذلك من المنكرات، وعقاب أهلها يزجرون به عنها، ويدعوهم إلى التوبة منها.
وعلى عوام المسلمين مع عدم أئمتهم وأمرائهم إنكار ما ظهر لهم من ذلك بالموعظة الحسنة، فأمَّا ما كان من المنكرات أذى للمسلمين وظلم لهم، من ذلك نحو ما تدعو إليه المذاهب من سوء السبيل، ونحو ما ينتهي به من العناد وضرب الطنابير والعيدان وضرب المزامير في طرقهم ومساجدهم وأسواقهم، وأيضاً ما يحدث فيها عليهم ممَّا هو أذى لهم.
وكذلك اجتماع أهل الشراب عليه في منازلهم، والفجور فيها لبعضهم بعض، لأنَّ ذلك ظلم منهم لبعضهم بعض، فإنكار ذلك يكون بالحبر لهم على تركه، والهجوم عليهم في منازلهم بإنكاره ما لم يزجروا عن ذلك بما وصفناه من الموعظة. (4/60)
صفحة 887
فإن لم يمتنعوا من ذلك إلا بحبسهم عنه جاز له حبسهم لا على جهة العقاب لهم.
فأمَّا ما يتَّصل من المنكرات أذى للمسلمين فالوعظ لهم إنكاره لهم عليهم مع عدم أئمتهم، فإذا حضرت الأئمة والأمراء دفع ذلك إليهم، وكان لها إنكار ذلك بما يراهُ من الهجوم عليهم والعقاب لهم مثل كسر ملاهيهم وإبطالها عن حال ما يتلهون به منها، وإن لم يكن في ذلك الأذى الذي وصفناه.
وللرعية أيضاً كسر هذه الملاهي مع الأذى لهم بها مع عدم إمامها، وكذلك صب الحرام من شرابهم.
وليس للرعية في إنكارها يوم رآى أمراؤها ضرب أحد من أهل المنكرات إلا ما لم يمنع من المنكر الذي وصفناه به.
وكل متنع بما يجب إنكاره عليه بقتال المنكرين، فهو زجر لهم.
وممَّا ينكر الحاكم لهيئات أهل الجهل والسفه من إرخاء الأرز من الرجال على الأرض، وإطالة الشعر على الظهور، وإظهار المتأنثين التشبه بالنساء في هيآتهنَّ ولباسهنَّ، وعلى النساء التشبيه بهيئات الرجال.
ويمنع الجهال والسفهاء من حمل السلاح وإظهار آلة اللهو في أسواق المسلمين مثل الطبل والدهرة وبيع الشراب السكارين ومنع الخمر أن تجلب إلى بلاد المسلمين أو تباع في أسواقهم، (4/61)
صفحة 888
وإن يظهر أهل الذمة الخمر والاجتماع على الريب من الشراب وغيره، وترك ما يلزمهم من السنة من جز النواصي وقتل الفرارخ ولا يكون سالفة كأخفاف المسلمين.
والركوب على السروج، وقلب شرك النعال وفرق الشعور وكور العمائم على الخلوق بذلك جاءت السنة.
ورأينا المسلمين يعيرون على أهل الصلاة ما ذكرنا من الشعور وغيرها.
ومن كتاب أبي قحطان: ممَّا ذكرنا في كتاب الفضل في عهد غسان والذين يعرفون به من غيرهم من المسلمين يعنى أهل الذمة، فإنَّهم لا يفرقون أشعارهم ويخصمون، ولكن يؤمرون أن يقصُّوا نواصيهم، وليطيلوا ما بقي من الشعر حتى يعرفهم الطارئ، لا يحصنون رؤوسهم بسواد ولا بحناء، ولا يردون العمائم على اللحى، ويربطون على بطونهم، ويقلبون شراك نعالهم، ولا يتخذون بحد المسلمين، ويقطعون أطراف الشراك والفرارخ إلى الكعبين، ولا يرفعون ذلك، ولا يركبون على السروج، ولا يكون لهم مركب، وإنَّما يركبون على الأكف، ولا يزاحمون المسلمين، ولا يدخلون المساجد وفرق الشعور، ورد كور العمائم على الخلوق، بذلك جاءت السنة.
ورأينا من المسلمين يعيرون على أهل الذمة ما ذكرنا من الشعور وغيرها. (4/62)
صفحة 889
وأمَّا النساء فلا يتمنطقن ولا يجعلن على رؤوسهنَّ علامة فوق الرداء، خرقة سواء أو حمراء ليعرفنَّ بذلك من المسلمات وهيئتهنَّ.
ومن غيره: وعن أهل الذمة يكون في منازلهم ضرف الدفوف والدهرة والقصب، هل يدخل عليهم منازلهم؟ فعلى ما وصفت فليس لأهل الذمة أن يظهروا المناكر في بلاد المسلمين، وينهون عن ذلك، ويدخل عليهم في منازلهم وكر الطسوت والدفوف والدهرة والقصبة، إذا كان عليها الغناء، وتكسر المزامير ولو لم يكن عليها غناء كان للمسلمين ويمنعون من إظهاره. (4/63)
صفحة 890
باب (في الريب)
ومن الريب التي تنكرها الولاة من النِّساء والرجال، فإنَّ ذلك ممَّا عليهم إنكاره إذا رفع إليهم.
وإذا وجدت المريب من الرجال مع الريبة من النِّساء في المواضع التي تمكن فيها الريبة أخذاً وعوقباً بالحبس، فإن عادا أو أحدهما كانت عقوبتهما أطول، وإن وجدا يتماسَّان ما دون ما يصحُّ ما تلزم به الحدود أثقل قيده، وأطيل حبسه.
وكذلك النِّساء إن كانت امرأة منسوباً إليها ذلك، فلا بأس أن يتعاهدوا موضعها من غير أن يدخلوا عليها منزلها إلا بإذن، وقد كانوا إذا كانت المرأة من أولاد النَّاس يسترونها ويأخذون الرجال، وليس ينفي أحد إلا أن يخرج برأيه، وإذا تمادى في ذلك أطيلت عليه العقوبة، رجلاً كان أو امرأة. (4/64)
صفحة 891
وكذلك المتهمين بالجمع من الرجال والنِّساء على الريب تلزم العقوبة، إذا عرف بذلك أو وجد ذلك في منزله، رجلاً كان أو امرأة، ومن عرف أنَّه يؤدي اللصوص، ويستر سرقات النَّاس في منزله يستبين ذلك عليه مرة بعد مرة بعد تقديم السلطان عليه عوقب بالحبس حتى ينتهي، ومن وجدت السرقة في يده كان عليه ما على المتهم.
وإن كانت نساء يجتمعن على الشراب أنكر عليهنَّ كما ينكر على الرجال.
وإن كان رجل يتهم بالصبيان، وبان عليه سبب من ذلك فوجد في موضع ريبة مع صبي لا يمنع نفسه أو صبي متهم بذلك أنكر عليه، وعوقب بالحبس.
وإن صحَّ رجل أو رجال أو نساء من أهل الريب الذين لا يؤمن ذلك منهم في منزل فأخبر ذلك ثقة استؤذن عليهم، فإن أذنوا وإلا قالوا: أنا ندخل ودخلوا عليهم، وإن لم يصحَّ ذلك إلا بقول ثقة فلا أرى إلا بإذن.
وكذا أصحاب الشراب إذا اجتمعوا عليه في موضع، وصحَّ ذلك عليهم دخل عليهم، وإن لم يصحَّ فلا إلا بإذن. (4/65)
صفحة 892
وقال محمد بن محبوب: يستأذن عليهم، فإن أذنوا وإلا دخل عليهم بغير إذن، فإن لم يستيقنوا أنَّه حرام فلا يدخل عليهم إلا بإذن.
ومن أشدَّ الريب التي يأتونها ممَّا يتخذ لإنكار المنكر فأولئك يتعدَّون من أن يكون لهم على الرعية أمر أو نهى، وهم أحق بالعقوبة، لأنَّه جاء عن النبي (ص) أنَّه قال: لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، الناهين عن المنكر الراكبين له. انقضى.
ومن كتاب الإمام الصلت بن مالك: وهو من كلام محمد بن محبوب في سيرته في أهل سقطرا، ومن أوصيكم به أن تتقوا الله ولا تبيعوا أشياء من الأسلحة بسقطرا، ولا تشربوا النبيذ، ولا يتخذن أحد منكم وامرأة خالياً، ولا يشتمن بعضكم بعضاً، ولا يكون في شيء من مجالسكم لهو ولعب، ولا هول ولا كذب، فمن ظفرتما عليه أنتما أعني محمد بن عشيرة وسعيد بن شملان، أو صحَّ معكما من أصحابكم أنَّه يقرب نبيذا حراماً أو خال بامرأة يحدثها غير ذات محرم منه ممَّا تسبق إلى قلوبكم فيه التهمة، أو يكون متهم اللهو واللعب والغناء، أو شيء من ما يكرهه والمسلمون، أو إذا خان أحداً من المسلمين، أو ولى عدوهم، أو باع سلاحاً في أرض الحرب فقد أذنت لكما في قطع صحبتهم وإخراجهم من عسكرهم، وقطع النفقات والادام عنهم.
ومن كان معه متهم بشيء من أسلحة المسلمين فتقبضون منهم، إلا من تاب منهم، واستغفر ربه يحبون منه، واقبلوا توبته واقبلوا عثرته، وردُّوا عليه نفقته ودرفه إلى أن نسلمكم ترجعون إلينا إن شاء الله. (4/66)
صفحة 893
ومن أراد أهل سقطرا من أهل الصلاة من الرجال والصبيان يخرجون إلى بلادهم فاحملوهم إلى حمولتهم، وأنفقوا عليهم من مال الله حتى يصلوا إلى بلاد المسلمين إن شاء الله.
ومن كان هناك من أولاد الشراة وأعوان المسلمين فاحملوهم إلى بلاد المسلمين، فإنَّ تلك دار لا تصلح لهم بعد تلاحم الحرب بيننا وبينهم. انقضى.
وقيل: إذا أحدث رجل في الطَّريق وكان المحدث لا يقبل من أنكر عليه فلابدَّ من الإنكار إذا كنت ولا تتقيه، وقد قال الله في كتابه: {وإذ قالت أمَّةٌ منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلَّهم يتَّقون}
قال الشيخ أبو محمد: وللحاكم أن يؤدب بالحبس والضرب من امتنع عن الحقِّ وهو قادر عليه.
كما روي عن النبي (ص) أنَّه قال: من رآى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يقدر عليه فبلسانه، فإن لم يقدر عليه فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ويد الإمام أبسط من يد غيره.
قال أبو المؤثر: إذا كان أصحاب الريب من أهل الملاهي مثل المياسر واللعابين والمتهمين بالفجور، أو يكاد أن يظهر ذلك منهم، ولم يكونوا من أهل البلد وإنَّما هم طرأة يظهرون الفساد في القرية فلا بأس أن ينفوا منها وهم صاغرون.
ومن غيره: قيل له: فما تقول في لعب الصبيان: أيكون منكراً يجب إنكاره كما يكون في البالغين أم لا؟ (4/67)
صفحة 894
قال: يختلف في ذلك، فقال من قال: يجب إنكاره وإزالته نفسه، وليس القيام حجة على الفاعل لا غير متعبد، وقال من قال: لا يجب ذلك؛ لأنَّه رقع من مباح.
من جواب محمد بن محبوب إلى العباس ومروان ابني زياد، وكتبوا إليه أن يكتب إلى الإمام فكتب إليه وإليهما، وكان في كتابه إليهما: وأمَّا أهل القرية والنِّساء فقد كتبت إلى الإمام أن يكتب إلى محمَّد بن أبي: ألا يدخلوا بيوت النَّاس إلا بإذن، فإذا أذنوا فلا يدخلها إلا أهل الصلاح من أصحابه في دينهم فيطلبون المتهمين من الرجال ثم يخرجون ولا يعترضون لترويع النِّساء ولا الدُّخول عليهنَّ، ولا تحسر وجوههنَّ، ويأمره ألا يضرب النَّاس حتى يكتب إلى الإمام يعرفه أحداثهم، فإن وجب على أحد منهم تعزيز كان الإمام الكاتب إليه بما يرى من التعزير.
ويكون ذلك بالسوط في الظهور، ولا يكون بالعصي، ولا على أدبار العرب الأحرار، وإنَّما يضرب على الأدبار العبيد.
وسألته عن رجل رفع على رجل جاز له فصار يقصر الثياب فقال: أنَّه يؤديه بمقصرته، وطلب أن يصرف عنه أذاهُ، هل يحكم عليه بصرف صوت المقصرة من قربه؟ (4/68)
صفحة 895
قال: إن كان محدثاً عليه هذا ولم يكن قد تبين له في ذلك الموضع حجة بذلك، ورآى العدول أنَّ عليه في ذلك أذى كان له صرف ذلك، ولا يجوز إثبات الضر ولا إذايته، وإن لم يكن في ذلك أذى ولا مضرة في نظر العدول لم يمنع ما شاء في ملكه أو في موضع هو مباح له.
قلت: وكذلك إن كان نساج قريب من منزله فاشتكى الأذى من ضرر خشبة فطلب الانصاف منه، هل يصرف عنه ذلك؟ قال: النساج مثل القصار، وقد مضى القول في ذلك.
قال أبو المؤثر: جناية السكران عمد.
بسم الله الرحمن الرحيم
من سيرة أبي الحواري إلى أهل حضر موت: وذكرت في أمر سعيد بن زياد، وكيف كان ذلك، فالذي بلغنا أنَّ سعيد بن زياد بعث قائداً إلى أهل الأحداث من أهل السر، فلمَّا وصل إليهم، وكان بينه وبينهم ما كان فلمَّا ظهر سعيد عليهم فاستولى كل بلادهم، وأراد دمارهم.
فبلغنا أنَّه أرسل رسولاً إلى موسى بن أبي جابر: قال سعيد للرسول: أن يقول لموسى بن أبي جابر: إنَّ سعيداً يقطع نخل بني نجو، فلمَّا وصل إلى وصل موسى ابن أبي جابر قال له: إنَّ سعيد (4/69)
صفحة 896
ابن زياد قطع نخل بني نجو فقال له موسى –فيما بلغنا- ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين.
فلمَّا رجع إلى سعيد بن زياد وأخبره ما قال له موسى ابن أبي جابر أقبل سعيد بن زياد على قطع النخل، وهدم المنازل.
فهذا بلغنا من خبر سعيد بن زياد.
وقد قيل: وأخرق وأفسد فقال وائل -في ما بلغنا- أمَّا من قبل سعيد من قبل المسلمين، فهو حقيق بالقتل، وأمَّا من قبل من لا يستحق القتل، وما أحرق من المنازل والأمتعة، فإن كان الذي بعثه إمام عدل كان ما صنع في بيت مال المسلمين.
في ما بلغنا أنَّه قال: فأمَّا من أحرق سعيد بن زياد ممَّن أحرق من أصحاب راشد فلو ألقى في النَّار لكان ذلك أهلاً، فأمَّا من أحرق ممَّن لم يحرق فلو كان الذي بعثه إماماً كان ذلك في بيت مال المسلمين.
فهذا ماحفظنامن خبر سعيد بن زياد، وحفظنا ذلك عن من حفظنا من المأمونين على ذلك. (4/70)
صفحة 897
فلمَّا بلغ إلى بعض الطريق إلى قرية يقال لها سيغم فبلغه الخبر بهزيمة عيسى بن جعفر فرجع وارث بن كعب الإمام إلى عسكر نزوى، فلمَّا إلأى نزوى وبلغه أنَّ عيسى بن جعفر في السجن، فبلغنا أنَّ الإمام وارث ابن كعب قام على النَّاس خطيباً فقال: يا أيها النَّاس، إني قاتل عيسى فمن كان معه قول فليقل.
فبلغنا أنَّ علي بن عزرة، وكان من فقهاء المسلمين قام فتكلم فقال: - في ما بلغنا- إن قتلته فواسع لك، وإن لم تقتله فواسع ذلك، فأمسك الإمام عن قتله وتركه في السجن.
فلمَّا كان بعد ذلك بلغنا أن قوماً من المسلمين، وبلغنا أنَّ رجلاً منهم يقال يحي بن عبد العزيز -رحمه الله- وكان من أفاضل المسلمين، ولعلَّه لم يكن تقدم عليه أحد في الفضل في زمانه بعمان، ولعلَّ ذلك ذكره بعمان يشابه ذكر عبد العزيز بن سليمان بحضر موت.
فبلغنا أنَّهم انطلقوا من حيث لا يعلم الإمام حتى أتوا إلى صحار في الليل فتسوروا السجن على عيس بن جعفر فقتلوه في السجن من حيث لا يعلم الإمام ولا الوالي -في ما بلغنا- وانصرف القوم إلى بلادهم من ليلتهم -في ما بلغنا-. فهذا الذي حفظنا من خبر عيسى بن جعفر.
وبلغنا عن بشير بن المنذر -رحمه الله- أنَّه كان يقول: إنَّ قاتل عيسى بن جعفر لم يشم النَّار.
فهذا الذي حفظنا من خير عيسى بن جعفر من أهل العلم المأمونين على ذلك. (4/71)
صفحة 898
والذي حفظنا من قول المسلمين: إذا قتل أو قتل وإلى المسلمين في ولاية، أو قتل قائد المسلمين في مسيرة، أو قتلت سرية المسلمين، فإن دماءهم للمسلمين دون أوليائهم، وللمسلمين أن يقتلوا من قتلهم، كيف ما قدروا عليه في غيلة أو غير غيلة.
وفي ذلك آثار للمسلمين قائمة معروفة في من مضى من أوائل المسلمين، وإنِّي لم أذكرها مخافة ضياع الكتاب من قبل أن يصل إليكم، وأرجو أنَّ هذا من مالاً يذهب عليكم إن شاء الله. فهذا ما حفظنا من قول المسلمين.
وسألتم عن أمر الصقر بن محمد وكيف قتله؟ فالذي بلغنا أنَّ الصقر بن محمد بن زائدة قد كان بايع المسلمين على راشد بن النضر الجلنداني، وأعان المسلمين بالمال والسلاح، فلمَّا أزال الله ملك راشد بن النضر الفاسق، وغير نعمته، وأظهر الله دعوة المسلمين كلمتهم، فلمَّا كان بعد ذلك خرج قوم من أهل من بنى هناة وغيرهم بغاة على المسلمين، وألقى إلى المسلمين أنَّ أخا الصقر بن محمد بن زائد مع البغاة على المسلمين.
فلمَّا ذكروا ذلك للصقر بن محمد، فبلغنا أنَّ الصقر قال: ومن يقول ذلك؟ وإنَّ أخاه مريض عنده في الدار.
فلمَّا هزم الله البغاة، وظفر المسلمون بهم تحقق على الصقر بن محمد بن زائدة أنَّه كان مع البغاة فعند ذلك اتهموا الصقر بن محمد بالمداهنة لما ستر عنهم أمر أخيه، وكان الإمام يومئذ غسان بن عبد الله -رحمه الله- فبعث الإمام سرية إلى الصقر بن محمد، وكان الصقر (4/72)
صفحة 899
بن محمد بسمائل، وكان ذلك اليوم الوالي على سمائل رجل يقال له أبو الوضاح، فرفع أبو الوضاح الصقر بن محمد إلى الإمام، وخرج أبو الوضاح معه مخافة على الصقر من محمد، مخافة من الشراة أن يقتلوه، وخرجت الشراة من قبل الإمام غسان في -ما بلغنا-.
وبلغنا أن موسى بن علي -رحمه الله- خرج مع السرية فلمَّا كانوا في بعض الطريق في موضع يقال له نجد السحاما التفت السرية وأبو الوضاح في ذلك الموضع، والصقر بن محمد مع أبي الوضاح، وموسى ابن على معهم في ما بلغنا.
فبينما هم في سيرهم إذا اعترض قوم من الشراة للصقر بن محمد فقتلوه وهم سائرون في الطريق، ولم تكن لأبي الوضاح ولا لموسى بن على قدر على منع الشراة من قتل الصقر بن محمد.
وبلغنا أنَّ موسى بن علي -رحمه الله- خاف على نفسه فقلت لمن حدثني بهذا الحديث: فما قال موسى بن علي؟ فقال: إنَّ موسى بن علي خاف على نفسه، ولو قال شيئًا لقتلوه، فكذا كان قتل الصقر بن محمد في ما بلغنا، فحفظنا هذا عن من حدثنا من أهل العلم المأمونين على ذلك. (4/73)
صفحة 900
ومن ينكر الاجتماع على اللهو من البالغين من الرجال والنساء بالدهرة والطبل، ويكسر الدهر، وتكسر القصبة إذا كان عليها الجماعة والغناء.
وأمَّا إذا اكن وحده أو معه غيره بلا لهو ولا غناء ولا جماعات من رجال ونساء من الزمارة يكسر على كل حال، ولو كان صاحبها وحده، وينكر صاحبها.
وأمَّا القصبة الكبيرة فلا إلا على الجماعة على اللهو والغناء، لأنَّ المسلمين قد أجازوا استماعها لمزيد كربها الآخرة.
أخبرني زياد بن الوضاح أنَّهرآى أباهُ يستمعها وهو يبكي.
وكذلك لعب الزنج والهند، وتكسر دهرتهم إلا أنا أدركنا هؤلاء الذين بصحار المطار وأصحابه ولا يمنعونهم من ذلك مع الولاة والأئمة والله أعلم ما كان مذهبهم في ذلك على عهد موسى بن علي وسليمان بن الحكم والوضاح بن عقبة وغيرهم، وكانوا يفعلون ذلك في عسكر نزوى مع المهنا بن جيفر.
قال محمد بن المسبح: قد أنكر الحواري على المهنا -وكان من أشياخ المسلمين- الدهر على الهندي إذا ضربه في العسكر، وغضب وتباعد ما بينه وبين المهنا بن جيفر بعد ذلك. (4/74)
صفحة 901
ومنه: ومن الريب الاجتماع على الغناء، ويكسر الطنبور وما كان من آلة اللهو التي لا تصلح لشيء إلا له من أي نوع كان ويخرق.
ومن غيره: وقد قيل: في القصبة إنَّما تكسر حتى يكون عليها غناء من البالغين.
وفي بعض القول: إذا خرج مغني القصب بها من البالغين مخرج اللهو لا غير، ذلك كان منكراً ولو لم يكن عليها غناء.
قلت: فالذي يخرق أو يكسر من يد البالغ، كان يلعب به أو لم يكن يلعب؟ قال: قد قيل: ذلك.
قلت: فالصبيان يجوز أن يخرق الطبل من أيديهم ويكسر؟ قال: قد قيل: ذلك حيث ما كان.
قلت: فالدهر والقصبة يكون عليهما الذهب والفضة، يكون على كاسرهما ضمان؟ قال: إذا كسر المباح لم يكن عليه ضمان ما لم يتعمَّد لاضاعته.
ومن غيره: قلت: فإن كان الذهب والفضة أو غيرهما من المنكر، كلَّه ذهباً أو فضة، أله أن يكسره؟ قال: هكذا يقع لي. (4/75)
صفحة 902
وسئل عن الدف أيضاً: يجوز كسره حيثما كان ولو لم يكن يلعب به؟ قال: فيه الاختلاف، قال من قال: أنَّه يجوز، وقال من قال: إنَّه لا يجوز ولو كان يلعب به بالغ أو صبي. وقال من قال: إن كان يلعب به بالغ أجازوا كسره، وإن كان صبي لم يجز ذلك. وقيل: تكسر الجرَّة، ويخرق الدف.
قال أبو المؤثر: وتكسر دفَّته، وكذلك الدهر.
ومن جواب أبي عبد الله: وعن رجل ضرب الدفاف والمزامير والمزهر، هل ينكر ذلك عليهم؟ فأمَّا الدف وحده من غير لعب فلا بأس به من غير لعب، وإن كان معه لعب أنكر على أهله. والأدفاف والمزامير منكر أيضاً.
قلت: هل تكسرون ذلك إذا قدرتم عليه؟ فلا أرى ذلك لكم، ولكن ترفعونه إلى أولي الأمر حتى يعاقبهم عليه. (4/76)
صفحة 903
قال غيره: وقد يقال: إنَّ الدهر والزمارة يكسران، كان عليهما لعب أو لم يكن، والدف إذا كان عليه اللعب؟ قال من قال: يكسر، وقال من قال: يخرق.
ومن غيره: وقال من قال: يخرق من حيث ما وجد ولو لم يكن لعب، وقال من قال: يكسر كان عليه لعب أو لم يكن عليه لعب، لأنَّه من آلة اللهو.
وقال الشيخ: إنَّ محمد بن محبوب أجاز لأهل حضر موت الدهر، أن يتَّخذوا في عسكرهم الدهر يكون علامة للمسير، ويكون علامة الاجتماع وليعلم العدو أنَّهم غير نائمين وأشباه ذلك.
قال محمد بن محبوب: إنَّ ضرب الطبل لا بأس، وأمَّا الدهر فيخرق الأديم الذي عليه، ولا بأس أن يوضع على السلاح الديباج والذهب والتماثيل من حديد فوق البيضة لا بأس بذلك، والذي ينكر من الشراب كل ما لم يكن في قرية أو دن أو مشعل يوكا فيه منكر، فهو منكر.
وإنَّما يجوز من المشاعل ما كان طاقاً واحداً من غير جلود الإبل والبقر والحمير، ولكن من المغر والضأن.
ولا يجوز شيء من الجرار ولا القرع ولا الزجاج. (4/77)
صفحة 904
وما وجد في الجرار الخضر يهراق ما فيها من الشراب، وكذلك المشعل المصفوف إذ لا يوكا بغاية يخرق.
ومنه: وعن بشير: وللرعيَّة أيضاً كسر هذه الملاهي مع الأذى لهم بها مع عدم إمامها. وكذلك صب الحرام من شرابهم.
ومن المنكرات بيع الملاهي التي لا يصلح ألا يتلهَّى البالغون بها، ويجب إبطالها عن حال ما يتلهَّى به منها، وإن وجدت مع أطفال أهل الصلاة، وكذلك صب الخمر من أيديهم.
وأمَّا أهل الذمة فلا يعرض لذلك معهم إلا ما آذوا به المسلمين بين ظهرانيهم. انقضى.
ومن غيره: وعن أبي عبد الله: وعن الشاري إذا أصاب مثل هذه الجرار وغيرها مثل الخزف والصيني وفيها النبيذ والفضح وغيره فيهراق ما فيها ويكسرها، فهل عليه في ذلك غرم؟ فإذا وجد فيها شراباً ممَّا ذكرت من الحرام، فإن كسرها لم أر عليه بأساً في كسرها، وما أحقها بذلك، ولا غرم عليه.
وقلت: أرأيت إن جاء رجل أو امرأة إلى الشراة فقالوا: الجرة لنا، وهما ليسا بثقة، ولا تدري الشراة: أهي لهم أم لا؟ (4/78)
صفحة 905
وإنَّما وجدوها مع الزنج. فإن أقرَّ الذي وجدت معه الأخذ بها، وحضر المدعي واحتجَّ أنَّه لم يدفعها إليهم ليعلموا فيها شراباً فقالوا: أخذت بغير علمنا فليمسك عن كسرها.
وقلت: أرأيت إن كسروها على هذه الدعوى وفيها الشراب، أعليهم ضمان إن طلب ذلك أصحابها؟ فإن صحَّت لهم بشاهدي عدل فإنِّي أرى على من كسرها الغرم، إذا احتجُّوا أنَّهم لم يدفعوها ليعمل فيها الشراب مع أيمانهم بالله ما دفعوها إليهم ليعملوا فيها الشراب.
وقلت: أرأيت إن احتجَّ الذين وجدت هذه الجرة في أيديهم وفيها الشراب أنَّ ذلك ليس بشراب، وإنَّما عملوه خلا ولم يوجدوا يشربون، أيقبل قولهم ولا تكسر تلك الأوعية، وجد فيهم ريح عند الشراب أو لم يوجد؟
ومن غيره: قال: نعم، هم مأمونون على ذلك، ولا تكسر.
وقلت: أرأيت إن ظفرتموا بهم يشربون من تلك الجرار فقالوا: إنَّ هذا إنَّما عملناه خلا ثم بدا لنا أن نشرب منه.
قلت: فكذلك المشاعل والدنان والقرب، وأمَّا مالاً يوكا عليه من المشاعل، وليس عليه رأس يربط عليه فلا بأس بخرقه. (4/79)
صفحة 906
وكذلك المشاعل المضعفة وما كان من جلود الإبل والبقر والحمير فلا بأس بخرقها، وأمَّا ما كان منها موكاً عليه والدنان والقرب من جلود الغنم فليس لهم أن يخرقوها.
وقد قيل: إنَّ المنادبة والنائحة من المنكرات، وقال من قال: النائحة، وأمَّا النادبة فليست من المنكرات.
ومن غيره: وقد قيل: إنَّ الدهر والزمارة يكسران إذا كان عليهما لعب، والدف إذا كان عليه اللعب. وقال من قال: يخرق، وقال من قال: يكسر.
وعن الذين يتبعون من الرجال، هل ينكر عليهم؟ فإن كان أحد له ولاية عوتب في ذلك حتى يتوب ويستغفر ربه، ومن لم يكن منهم له ولاية، ورآه أحد من المسلمين يتبع الباطل أمره بتقوى الله وترك اللعب، فإن أنكر ذلك بقلبه أجزأه.
جواب أبي الحواري: وسألته عن هذه الدهرة، هل تكسر بلا أن يلعب بها؟ قال: نعم، وكذلك الصنجين بلا أن يلعب به. (4/80)
صفحة 907
فقال له قائل: فإنِّي رأيت في منزل دفاً، هل لي أن أكسره؟ قال: نعم، لك ذلك.
وقال له قائل: هل يجوز بيع الدفوف في سوق المسلمين؟ قال: لا يجوز ذلك.
ومن غيره: قلت: ففي غير الأسواق؟ قال: جائز.
قال أبو المؤثر: ما كان من ضرب الدهرة والطبول من الغند وغيرهم فهو يكسر، ويغير إذا كان من الملاهي.
وإن كان من جهة الحرب فيستحب فعله، ولا يتقدَّم على كسره، والتَّحكيم والتَّكبير والتَّهليل في الحرب أحق من ضرب الطبول أو ينفخ بوقه.
وقد حدثني من لا أكذبه: أنَّه مر بسوق صحار فرآى دهراً مع رجل فكسره، فرفع عليه صاحب الدهر إلى محمد بن محبوب فقال له: محمد بن محبوب: أعطه كسارة الخشب، ولم يحكم عليه بغير ذلك.
وقال حدَّثني الحسن ين زيد -وكان ثقة من ثقاة المسلمين- أنَّه كان سليمان بن الحكم في بعض قرى صحار قعوداً في الليل إذ جاء شاب فقعد قريباً منهم ثم فصلوا بالكريب فقام بعض الشراة لينكروا عليهم. (4/81)
صفحة 908
فقال هم سليمان بن الحكم: اقعدوا، فقعدوا إلى أن غنوا فقال لهم: سليمان بن الحكم: ألا فقوموا إليهم.
قال محمد بن محبوب: أخبرني أبو صفرة عن محبوب أنَّه قال: يكسر ما وجد فيه النبيذ من جرار الخضر وغيرها من الجرار.
ومن غيره: قلت: والإناء إذا لم يوجد فيه خمر قائم غير أنَّه قد كان فيه، فهل يجوز كسره إذا كان لم يعمل الخمر؟ قال: إذا كان من التهم معروف أنَّهم الذين يتقوون بها على الحرام جاز ذلك على هذا المعنى، كان فيه نبيذ الخمر أو لم يكن فيه.
قال أبو محمد: ينبغي للسلطان أن يشدَّ على من يقنت، وعلى من يقدم تكبيرة الإحرام قبل التوجيه، وينهون عن رفع الأيدي في الصلاة.
قال: وبلغني أنَّ أبا مروان كان يشدد عليهم في ذلك، وقال: كانوا يشدون على أهل الخلاف أن يظهروا شيئًا من خلافهم.
وقال: أخبرنا زياد بن مثوبة أنَّه كان بصحار شيعة، كان بقية أصغرهم، وكانوا يشدون عليهم.
وقال أبو محمد: كان بقية.
يقال: أنَّه كاد أن تكون فتنة لمن بقي، وكان يظهر الاعتزال ويرضى بالزندقة. (4/82)
صفحة 909
وقال: أخبرنا زياد بن الوضاح أنَّ بقية أتى إلى غسان وأجله أربعة أشهر على أن يخرج من عمان فمات قبل انقضاء الأجل.
وينبغي للسلطان أن يمنع عن طرح الكساحة في الطريق، ويمنع النَّاس أن يجعلوا أمتعتهم في الطريق.
وليس للإمام أن يجبر رعيته على القيام إلا أن يكون إذا جبرهم على القيام واستنهضهم ظفر بعدوه، فإنَّ له أن يجبرهم، كانوا شراة أو شراة.
قلت له: فإذا كان الإمام قائماً يكون القتال على المسلمين فرضاً أو غير فرض؟ قال: لا يكون فرضاً إلا أن يكون المسلمون كالنصف من حريمهم فيكون القتال فرضاً على الشاري وغير الشاري إذا قدروا على القتال إذا كانوا ممَّن ينزل الله عذره من الجهاد، فإذا كان الجهاد فرضاً فلم يسع التَّخلف إلا من عذره الله.
وللإمام أن يجبر رعيته إذا كان يجبرهم به على القتال ظفر بعدوه في مصره ذلك، كانوا شراة أو غير شراة.
وأمَّا إن جبرهم على القتال في غير المصر فليس له أن يجبر غير الشراة، وأمَّا الشراة فله أن يجبرهم على القتال في المصر وفي غير المصر. (4/83)
صفحة 910
قلت له: فإذا حمى الإمام المصر شهراً أو شهرين، فهل يستحق الزكاة؟ قال: أمَّا الثمار فقد قيل: إن أدركها في الفيضان، فإنَّ له ذلك. والتمر عندي على هذا القول ما لم يجد أو أحسب أنَّ بعضاً يقول: ما لم يحمها منذ تزرع، ومنذ تنبت النخل فليس له ذلك، وأمَّا في الورق والماشية فحتى يحميها سنة، ولا أعلم في ذلك اختلافاً إلا اختلافهم في ما يحمى من المواضع من المصر كان له زكاته.
ومن الماشية والورق وفي الثمار على ما وصفت لك من الاختلاف، وقال من قال: حتى يحمى المصر كلُّه. وقال من قال: إذا حمى الكور وهو القطر من المصر، وأمَّا القرية والقريتان فلا. وقد قيل: ما حمى منه كان له الزكاة، حمى سنة قليلاً أو كثيراً على ما وصفت لك.
قال: وإذا حمى قطراً من المصر فله أن يقيم الحدود والأحكام ويحبس. (4/84)
صفحة 911
وأمَّا عليه فقد قيل: إنَّه ما كان في حال المحاربة فله أن يترك الحدود والأحكام إلى أن تضع الحرب أوزارها. وقيل: لا يترك الأحكام.
وعن الرجل إذا أراد أن يخرج في السير مع المسلمين على عدوهم فمنعه والده أو أحدهما؟ قال: قد قيل: إن كان الجهاد الذي يريد أن يخرج فيه فريضة قد وجب عليه لم يكن منعهما حجة عليه، وكان عليه الخروج إلى الفرض، وإن كان الجهاد وسيلة كان عليه طاعة والديه في ما أمره. وقال من قال: إنَّ له الخيار إذا كان الجهاد وسيلة بين أن يخرج فيه أو يطيع والديه. وقال من قال: أنَّ عليه أن يطيعهما ولو كان الجهاد فرضاً، وتخلف عن الجهاد لأجل منعهما له، لأنَّ طاعتهما فرض حاضر، والجهاد فرض لم يحضر بعد. وقيل: للإمام أن يجبر رعيته إذا احتاج إليهم.
قلت: أليس قد قال أبو بكر: ولا يجبر متخلفاً؟ قال: ذلك إذا استغنى عنهم بغيرهم.
قلت: فهذا مسير أو دفع؟ قال: مسير.
قال: إذا أرسل إلى غير الشاري فليس له أن يتخلَّف عنه. (4/85)
صفحة 912
باب (في أمر الولد ولزومه الوالد)
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب -رحمه الله- إلى الصلت بن مالك: وذكرت -رحمك الله- في أمر الصقر ابن أبي الجراح وأمر هذه الجارية التي تدعي أمها أنَّها ابنتها منه وأنكر ذلك إخوته من أمه.
فقد قرأت شهادة الشهود فرأيت نكاح المرأة صحيحاً بشهادة سليمان ومحمد ابني النعمان برده إيَّاها، ولكن ذكرت لم يصحَّ أن أمها ولدتها، وأنكر بعض الورثة أنَّهم لا يعلمون أنَّها ابنته ولا ابنتها.
فاعلم -رحمنا الله وإيَّاك- أنَّه يثبت على ورثته ما كان يثبت عليه عندما كان حياً والمرأة في حياته، فجاءت بولد فقالت: إنَّها ولدته وليس عليها أن تأتي بقابلة تشهد أنَّها ولدته، لأنَّها في حباله فالقول قولها.
وكذلك لو أقرَّ أنَّه ولدها، وانتفى منه وقال: ليس هو ولدي، ولم يرمها بالزنا لزمه الولد، ليس بينهما ملاعنة إذا كان قد دخل بها، وهي امرأته ولا يفرق بينهما، فإن رماها بالزنا لاعنها، والولد ولده، ويفرق بينهما.
فهذه قد صحَّ أنَّه قد ردَّها وهي زوجة الصقر بن أبي الجراح، فإذا (4/86)
صفحة 913
قالت: إنَّها ابنتها فقد ثبت نسبها، وليس تكلف أن تأتي بقابلة تشهد أنَّها ولدتها، إلا أن تكون ولدتها بعد موته بسنتين، فإنَّها لا تلحقه.
ولو كان حياً فطلَّقها فجاءت بولد لأقل من سنتين منذ طلَّقها فقالت: ولدته، وقال هو: إنَّه ليسه هو ولدها؟ فهذه عليها أن تأتي بالقابلة امرأة عدلة تشهد أنَّها ولدته لم يجب عليه ويثبت نسبه، وإن أقرَّ أنَّها ولدته، وقال: إنَّه قد خلا له أكثر من سنتين منذ طلَّقها فعليه البيِّنة.
فهذا قولي في ابنة الصقر بن أبي الجراح أنَّه يثبت نسبها وميراثها، إذا صحَّ أنَّه قد ردَّ أمَّها، وأنَّها ولدتها في حياته ولم ينكرها، أو مات والمرأة في حباله.
وعن أبي القاسم سعيد بن قريش قال: إذا صحَّ دخول الرجل بالمرأة وأتت بالولد، فإنَّه يلزمه إذا قالت الأم إنَّه ولده.
وعندي: والله أعلم أنَّ على الزوج البينة أنَّه ولد لأقل من ستة أشهر، إذا كان قد جاز بها والله أعلم.
وأمَّا إذا طلَّقها ثم أتت بولد وقالت هي: إنَّه ولدت بولد له في أقل من سنتين منذ طلَّقها، وأنكر هو ذلك كان القول قوله، وعليها هي الصِّحة، كذلك وجدت عن محمد بن محبوب.
ومن غيره: وعن الحامل إذا طلبت النفقة، فإن لم تضع حملها حتى (4/87)
صفحة 914
تمضي سنتان منذ طلَّقها، كيف أن ترد عليه ما أنفق عليها ولو وضعت لسنتين، فإن وضعت لسنتين وأقل منذ طلَّقها حكم عليه بنفقتها منذ طلَّقها.
قلت: فإن جاءت بصبي لأقل من سنتين وقالت: إنِّي وضعت هذا، أيقبل منها، ويلحق نسبه، وتلزمه النفقة؟ قال: نعم. فسل ذلك، فإنِّي كتبت المعنى. (4/88)
صفحة 915
باب (في الوالدة إذا طلبت ولدها)
قال أبو عبد الله: في رجل من أهل نزوى تزوَّج بامرأة من أهل نزوى وأولدها ولداً ثم طلَّقها، ثم تزوَّج بها زوج غيره من أهل إزكي، وحملت إلى إزكي وأرادت أن تحمل ولد مطلقها إلى إزكي؟ أنَّه ليس لها ذلك، وله أن يأخذ ولده منها إن خرجت.
قلت: وإن كان صغيراً؟ قال: نعم.
قلت: فإن رجعت إلى نزوى، وطلبت أن تأخذ منه ولده يكون معها بنزوى، أيكون لها ذلك؟ قال: نعم.
قلت: طرحت المرأة ولدها على والده، وقد طلَّقها في سخط منها أو رضا.
قلت: فأخذه ثم طلبت أن ترجع فتأخذه منه، وتأخذ من والده فريضة، ألها ذلك؟ قال: نعم.
قلت: فإن فعلت ذلك مرة بعد مرة، ألها ذلك؟ (4/89)
صفحة 916
قال: نعم.
قلت: فرجل من أهل دما تزوَّج امرأة من أهل صحار ثم طلَّقها ولها منه ولد فأرادت الرجعة إلى صحار بولدها، وكره هو ذلك؟ قال: لها ذلك، أن تأخذ ولدها منه، وترجع إلى صحار، وتأخذ فريضة ولدها ذلك.
قلت: فإنَّها من أهل صحار وقدمت دما وهي صبية، وبلغت بدما ثم تزوَّجها من دما وأصابت منه ولداً ثم طلَّقها وأرادت أن تخرج بولده ذلك إلى صحار فكره هو ذلك؟ قال: ليس لها ذلك عليه، ولا تخرج بولده إلا أن تكون قدمت دما وهي من أهل صحار امرأة بالغة فتزوَّجها بدما ثم طلَّقها، فإنَّ لها أن تخرج بولدها إلى صحار، وتأخذ له فريضته من والده.
ومن غيره قال: قد قيل: إذا تزوَّجها من بلدها ثم طلَّقها ولها منه ولد فلها أن تخرج من بلده إلى بلدها، وإن خرجت من بلدها إلى بلده فتزوَّجها من بلده ثم أرادت أن تخرج لم يكن لها ذلك، لأنَّه إنَّما تزوَّجها من بلده. وقال من قال: إن كانت تتم الصلاة في بلده الذي تزوَّجها منه ثم تزوَّجها وهي تتم الصلاة فليس لها أن تخرج إلى بلدها الذي كانت فيه وهو صحار، وإن كانت تقصر الصلاة بدما، وتزوَّجها بدما وهي تقصر الصلاة بدما ثم طلَّقها ولها منه فلها أن تخرج إلى صحار. (4/90)
صفحة 917
وكذلك لو كان الزوج من أهل نزوى، وكانت هي أهل صحار، وكانت تتم الصلاة بدما فتزوَّجها من دما ثم طلَّقها ولها منه ولد فلها أن تخرج بولدها إلى دما، وإن كان من نزوى ثم طلَّقها ولها منه ولد فلها أن ترجع إلى بلدها الذي كانت تتم فيه الصلاة، وإنَّما عليه لها إن شاءت أن ترجع إلى بلدها، وإن شاءت تسكن في بلده بولده.
ومنه: قال: يفرض للمرأة على مطلَّقها لولدها الذي ترضعه درهمين في كل شهر إذا كان فقيراً إلى درهمين ونصف درهم، ويفرض ثلاثة دراهم إذا كان معتدل الحال.
ومن غيره: قال وقد قيل: إذا كان معدماً فقيراً فرض عليه درهم ونصف.
وقد قيل: يفرض عليه درهم. وقال من قال: على الغنى ثلاثة، ولا يكون أكثر من ثلاثة.
قلت: للرجل أن يأكل اللحم في يوم النحر ولا يطعم أولاده وهم يشتهون اللحم من عند الجيران، وهم ممَّن لا يسأل النَّاس؟ قال: نعم، لا يلزمه ذلك لهم في الحكم. (4/91)
صفحة 918
وعن أبي معاوية: وسألته عن رجل تزوَّج أمة وهو يعلم أنَّها أمة فولدت له أولادًا، فهل لأبيهم أن يأخذهم بالقيمة، ويحكم له بذلك؟ قال: لا، وهم عبيد لأرباب الأمة إلا أن يشاء رب الأمة ذلك.
قال أبو المؤثر: الذي حفظنا إن كان من العرب، فإنَّه يحكم له بشراء أولاده بقيمتهم، هذا إذا تزوَّجها وقد علم أنَّها أمة.
قال: وإذا كان مفلساً لا يقدر على شراء أولاده لم يجبر رب الأمة أن يبيعهم ولا يعطى الثمن.
وقيل: للرجل أن يأخذ ولده من عند أمه إذا تزوَّجت، ولا يجوز ذلك الأعمام ولده.
وعن أبي عبد الله: وعن رجل قدم ومعه غلامان في السفينة فقال: أحدهما ولدي والآخر غلامي، ثم مات ولم يدر أيُّهما غلامه؟ وأيُّهما ابنه؟ فشهدا بشهادة أو قذفا أحداً، أو قذفهم أحد؟ قال: هما حرَّان، وتجوز شهادتهما، ويحد من قذفهما، ويحدان لمن قذفاه، ويسعى كل واحد منهما للمقر بنصف قيمته.
يهودية ونصرانية ومجوسية ومسلمة، ولدت كل واحدة منهنَّ غلاماً في أرض مفازة لم يعرف ولد كل واحدة منهنَّ من سواه؟ قال: الإسلام أولى بهم، ويجبرون عليه إذا بلغوا، فمن لم يسلم قتل، المسلمون يرثونه ويرثهم وهم بنوه. (4/92)
صفحة 919
وعن ثلاث نسوة خرجن حبالي فوقعن في بعض المواضع فولدن ثلاثة غلمان، وأنهنَّ هلكن، ولم يحضرهنَّ أحد من النَّاس، ووجد الغلمان فلم يعلم ولد المسلمة من ولد النصرانية واليهودية؟ فعلى ما وصفت، فإن سبق كل واحد إلى ولد واحدة وادَّعاه، فهو أولى به، وإن لم يسبق إليهم فالإسلام أولى بهم إلا أن يبلغوا فيقر كل واحد منهم بأبيه، فإن لم يقر فالإسلام أولى بهم، ويجبرون عليه، ولكن لا يقتلون وعليهم الحبس، وعلى آبائهم مؤنتهم ولا ميراث لهم من النصراني، ويرثون من المسلم سهماً يقسمونه، ولا يرث المسلم منهم شيئًا والله أعلم بالصواب.
وعن امرأة لها أولاد تزوَّجت برجل، وكره الزوج أن يكون أولادها عنده، وطلب أولادها أن يسلموا عليها وطلب هي ذلك وكره.
قال أبو عبد الله: ليس للزوج أن يمنع أولادها أن يسلموا عليها، وليس لها أن تدخل إليهم، ولا يدخلوا منزله بغير إذنه، ولكن تقف أمهم على الباب فيسلمون عليها ويكلمونها وتكلمهم متى أرادت ذلك.
وعن امرأة طرحت أولادًا لها صغار على إخوتهم ووالدهم هالك، وكره إخوتهم أن يأخذوهم.
فقال أبو عبد الله: إن كان هؤلاء الصبيان لهم مال اشترى لهم خادم من مالهم وبعد منهم، وكانوا عندها ونفقتها ونفقتهم من مالهم، ولا يحملون على إخوتهم ولا على والدتهم، (4/93)
صفحة 920
وإن لم يكن لهم مال وكانوا قد كفوا أنفسهم من الربا، فعلى والدتهم أن تأخذهم على قدر ميراثها منهم، وإن كانوا ممَّن لم يكتف ممَّن الربا والرضاع جبرت والدتهم على أخذهم ويؤدي إليها إخوتهم فريضة على ميراثهم منهم ممَّن يرثهم.
روى لنا محمد بن محبوب أنَّ امرأة أتت إلى عبد الرحمن بن الحسن رافع عليها ثلاثة رجال كلَّهم يدعى أنَّه زوجها فسألها عبد الرحمن فأقرَّت أنَّ كلهم أزواج، فقال لها: كيف كان قصتك؟ قالت: تزوجني الأول ثم ركب البحر فلبثت زماناً ثم جاء في نعيه فلبثت من بعده سنتين أو أكثر ثم تزوجني آخر ثم إنَّه ركب البحر فلبثت زماناً ثم جاء في نعيه فلبثت زماناً ثم تزوجني هذا الآخر.
قال: البينة قالت: كانت عندي البينة ولعلَّهم قد ماتوا كلهم والمملكون.
قال لها عبد الرحمن: اختارى بما شئت منهم فاختارت الأخير وادَّعى أنَّ البينة قاموا مع القضاة وماتوا.
ومن جواب أبي الحواري: سألت -رحمك الله- عن امرأة غاب (4/94)
صفحة 921
عنها زوجها فتزوَّجت من بعده زوجاً، وادَّعت أنَّ زوجها الأول طلَّقها أو لم تدع شيئًا، هل يفرق بينها وبين زوجها الآخر؟ فعلى ما وصفت، فإن هذه المرأة يفرق بينها وبين زوجها المؤخر، إذا ادَّعت أنَّ زوجها الأول طلَّقها أو لم تدع ذلك، ولا يقرب إلى التَّزويج حتى يحضر الأول فيقرَّ بطلاقها أو ينكر أو يصح موت زوجها الأول، وإنَّما يفرق بينها وبين زوجها الآخر إذا صحَّ أنَّ زوجها الأول كان زوجها حتى غاب عنها ولم يعلم بينهما فراق.
وعن رجل له امرأتان فشهدت البينة عليه أنَّه طلَّق أحدهما ولم تعرف البينة أيهما المطلَّقة.
فقد سبق القول في هذا ممَّا عرفناه من قول أهل العلم أنَّ الزوج يجبر حتى يقرَّ على أحدهما بالطلاق، ولا يعذر عن ذلك، ويحبس ويمنع عنهما جميعاً حتى يقرَّ على أحدهما بالطلاق، فإن مات قبل أن يقرَّ على أحدهما بالطَّلاق ورثناه جميعاً، وكانت العدَّة عليهما أبعد الأجلين.
فإن مضت أربعة أشهر وعشراً قبل أن تحيض ثلاث حيض لم يكن لهما أن يزوجاها حتى تحيض ثلاث حيض، فإن كان دخل بإحداهما ومات قبل أن تتبين العدَّة، فكما وصفت لك، وكان الميراث لهما جميعاً --هذا إذا كان الطلاق (4/95)
صفحة 922
ثلاثا- وكان للمدخول بها صداقها، وللتي لم يدخل بها ثلاثة أرباه الصداق.
وإن كان طلاقاً يملك فيه الرجعة فعلى هذا يكون الميراث بينهما: يكون للمدخول بها ثلاثة أرباع الميراث، وللتي لم يدخل بها ربع الميراث، وإن كان لم يدخل بهما جميعاً، والمسألة على حالها فالعدة على ما وصفت لك إلا أنَّها تعتد بالشهور أربعة أشهر وعشراً، وليس تعتد بالحيض. (4/96)
صفحة 923
باب (في نفقة الزوجة ومؤنتها وما يجب لها وغير ذلك)
وقيل: في امرأة لم يدخل بها أبت أن تدعه حتى يعطيها الصداق: إنَّ لها ذلك، وتأخذه بالنفقة، لأنَّ المنع في هذا من قبل الزوج، لأنَّه منع الصداق.
قال أبو محمد: يضرب أجل، فإن جاء بالصداق إلى ذلك الأجل وإلا لزم النفقة.
وقيل: لو حبس الزوج في السجن فمنع أن يأتيها فعليه النفقة، وكذلك قال أبو محمد، وكل منع جاء من المرأة ومن قبل أخذه بصنعه بها فلا نفقة فيه للمرأة.
ولو أنَّ امرأة دخل بها زوجها ثم مرضت مرضاً لا تقدر معه على الجماع كانت لها النفقة. وكذلك قال أبو محمد، وإن كانت لا تقدر على الجماع، لأنَّها بمنزلة الرتقاء إلا أنَّ الرتقاء التي لا تجامع مثلها. (4/97)
صفحة 924
أن لو لم تكن رتقاء، فإنَّ لها السكنى على زوجها والنفقة، وكذلك المريضة.
قال أبو محمد: الرتقاء لا نفقة لها ولا سكنى، ولكن العنين الذي لا يقدر على النساء إذا أجل أجلاً فعليه النفقة.
قال أبو الحسن: في كسوة المرأة: أنَّ الخمر قد ذهبت اليوم فجعلوا مكان الخمار مقنعة أو جلباباً.
وعن رجل له امرأة يمونها أحياناً، وحيناً لا يمونها، أله عليه حق واجب جملة أو بقدر ما مأنها؟ قال: إذا قام بحقها الذي يلزمه لها لزمها له الحق، وإن قصَّر عن الذي يجب عليه لها لم يكن له عليها حتى يقوم بالذي يلزمه لها.
وسألت -رحمك الله- عن رجل ادَّعت عليه امرأة أنَّه زوجها ومعها منه ولد وأنكرها أنَّها ليس بزوجته ولا الولد منه؟ فعلى ما وصفت فقد قالوا: إذا ادَّعت المرأة على رجل أنَّه زوجها، ولم تكن لها بينة على ذلك، وأنكر الرجل ذلك فإن الرجل يجبر على طلاقها واحدة ثم يحلف بعد ذلك ما قبله ولا عليه لهذه حق من قبل نفقة ولا كسوة ولا صداق فهذا من المرأة، وأمَّا الولد فإذا كان يرضع كانت اليمين ما قبله ولا عليه لهذه المرأة حق من قبل رباية هذا الصبي ولا كسوة، (4/98)
صفحة 925
هذا إذا كان يرضع، وإذا كان الولد لا يرضع، وكان ممَّن يأكل الطعام حلف ما قبله ولا عليه لهذا كسوة ولا نفقة، وإن شاء فرض الحاكم لأم الصبي فريضة بمحضر من هذا الرجل، وإذا وجب للمرأة الفريضة من كسوة ونفقة ممَّا أنفقت على ولدها وكسته كان على هذا الرجل اليمين ما عليه لهذه المرأة ولا قبله لها حق من قبل كسوة هذا الصبي ونفقته.
وعن أبي الحواري: وعن الحاكم هل يجوز له أن يجبر الرجل على طلاق امرأة أنكرها التزويج من غير أن تطلب المرأة بذلك؟ فليس للحاكم ذلك حتى تطلب المرأة ذلك، وإذا طلبت المرأة إليه أجبره الحاكم على طلاقها من حين تطلب المرأة ذلك.
وكذلك الذي يعجز عن نفقة زوجته ليس للحاكم أن يجبره على طلاقها حتى تطلب المرأة ذلك، فإذا طلبت المرأة إمَّا أن ينفق، وإمَّا أن يطلِّق، عند ذلك يجبره الحاكم إمَّا أن يكسو أو ينفق وإمَّا أن يطلقها.
وكذلك العبد إذا ادَّعى أنَّه لفلان بن فلان وطلب النفقة والكسوة (4/99)
صفحة 926
منه فأنكر الرجل، وقال: إنَّه ليس هو غلامه، فهل يجبر على النفقة أو يعتق كما يجبر الرجل إذا لم يقرَّ بالتزويج أو يطلِّق أو يقرَّ؟ فنعم، ذلك عليه إن أنفق على هذا العبد وكساه إن شاء أعتقه، وهذا إذا كان المقر بالعبودية ليس بمعروف النسب، فإذا كان معروف النسب وأنَّه من العرب، أو معروف أبوه وأمُّه بالحرورية لم يجز إقراره لهذا بالعبودية، ولا يجبر المقرُّ له على عتق ولا على كسوة ولا نفقة.
ومن غيره: وحفظت أنَّ المرأة إنَّما يجبر الزوج على طلاقها بعد أن تطلب ذلك إلى الحاكم.
فإذا طلبت وقد أنكرها الزوجية حتى يطلِّقها، وذلك إذا ادَّعت عليه طلاقاً بائناً، فأمَّا إن ادَّعت طلاقاً رجعياً جبر على ردِّها والله أعلم.
وقيل: أيُّما امرأة حبس عنها زوجها النفقة وهو غائب، فإنَّ لامرأته أن تفرض عليه من مالها أو من مال غيرها بالمعروف، فإنَّ ذلك على زوجها على قدر سعته، وإذا طلبت المرأة المطلَّقة والزوجة الفريضة، فهل يفرض عليه لولده؟ فلا أرى ذلك غير أنَّه يؤمر أن ينفق على ولده، فإن امتنع فعند ذلك يحمل عليه ما يصلح ولده إذا كانوا مع أمهم. (4/100)
صفحة 927
وعن رجل أصابه الفالج ولا يقدر على جماع ولا كلام؟ إن امرأته ينفق عليها من ماله، وتكسى من ماله، وينظر حتى يجعل الله له فرجاً، وإن لم تكن كسوة ولا نفقة أمر وليه أن يطلَّق المرأة، فإن كره طلَّقها المسلمون.
قال أبو علي: عرفت هذا في زوجة المجنون والله أعلم.
وعن رجل يصيبه البلاء، وتخاف منه امرأته فقال: تعزل عنه إذا خاف عليها منه، وينفق عليها من ماله.
ومن جواب أبي الحسن: وعن المرأة إذا حكم لها على زوجها بالنفقة والكسوة إلى أجل معروف.
قلت: كيف يكون الحكم في النفقة؟ يلزمه أن ينفق عليها وهي في بيتها إلا أن يحضرها الكسوة، يحكم عليها هي أن تكون عنده، وينفق عليها إلا أن يحضرها الكسوة؟ فعلى ما وصفت، فإذا كانت زوجته هذه قد جاز بها حكم عليها أن تكون في منزله، ويحضرها كسوتها ونفقتها.
قال غيره: وقيل: إنَّها لا تجبر على الكينونة معه بغير كسوة حتى يحضرها الكسوة، ولا يجبر على النفقة عليها بلا معاشرة.
وزعم ابن المعلاء أنَّ امرأة المفقود تستنفق من ماله أربع سنين وأربعة أشهر وعشراً. (4/101)
صفحة 928
قال هاشم: تستنفق أربع سنين من مال زوجها، وأمَّا أربعة أشهر وعشر فلا، فإذا قدم اعتبر لها زوجها الآخر، فإن جاء الأول فله الخيار: إن شاء الصداق وإن شاء زوجته، فإن اختارالصداق فلا يقربها حتى تنقضي عدتها من الأول.
قلت لهاشم: متى تعتد من الأول؟ قال: إذا قال: قد تركتها. قال: يكلف أن يقول: قد تركتها.
ومن جواب العلاء ابن أبي حديفة إلى هاشم بن الجهم: وعن رجل كانت له أخت في بلد غير بلده أراد أن يخرجها إلى بلده الذي هو فيه وقال: أخاف عليها، وكرهت هي أن تخرج معه، فإن كانت مخوفة في نفسها أخرجت معه وسيرها، وإن كانت ممَّن لا يتهم ولا يخاف وقد بلغت المرأة لم تجبر على خروجها من منزلها.
ومن جواب أبي زياد: وعن رجل طلَّق امرأته وله منها أولاد أخذته ملطلَّقته بالفريضة، وفرض عليه الكسوة والنفقة، ثم طلبت أن يكسوهم ويكتري لهم منزلاً فكره ذلك، (4/102)
صفحة 929
فإن كانوا لا سكن لهم فعليه أن يسكنهم أو يكتري لهم منزلاً، ويكون عليها من الكراء بقدر عددهم، وإن كانوا معها في منزلها.
قال أبو عبد الله: ليس لها عليه منزل، وأمَّا أن أقول: عليه كراء سكناهم إن شاء معها، وإن شاء يكتري إن وجد أرخص من منزلها إذا كان فيه صلاح لسكنهم، وإن سكنوا معها وقعنت بمثل ما يوجد الكراء أو تختار هي تسكن منزلها وتطرح عنه ما ينوبها من الكراء.
ومن غيره: وعن المرأة: هل عليها عمل لزوجها؟ قال: نعم، تتقي الله وتعينه معه ما قدرت.
وعن امرأة أرادت تحول بينها إلى بلد فقال الأعمام: لا تترك أولادنا؟ قال: ذلك لهم.
قلت: صغاراً كانوا أو كباراً؟ قال: نعم إلا أن يحول ما بها قريباً إلى الأخوال، وأمَّا أن تتغرب بهم فلا.
ومن غيره: وعن رجل يحجُّ أو يصوم تطوعاً، هل عليه أن يستأذن امرأته في ذلك؟ (4/103)
صفحة 930
قال: أخبرني إن قالت امرأته في الصوم والحج والصلاة تطوعاً فهل لها ذلك؟ قال: أمَّا ما يستحب المسلمون أن يستأذنها إذا كان حج التطوع، ولا لها أن تمنعه إذا هو وضع لها ما يصلحها.
وأمَّا الصوم والصلاة فلا بأس عليه أن يصلي ويصوم بغير إذنها إلا أن يكون لا يؤدي بطول قيامه وبكثرة صيامه، ولو يؤدي ما يلزمه من حقها فليس له ذلك.
وممَّا يوجد عن أبي عبد الله: وعن رجل تزوَّج امرأة ولم يقبل لها بخادم ثم طلبت إليه خادماً بعد ذلك، هل يلزمه لها ذلك؟ فإذا دخل بها، وكانت ممَّن يخدم من قبل، وكان هو واجداً لذلك فعليه أن يخدمها. وكذلك جاء في الأثر.
وعن امرأة هلك زوجها وترك ولدين، وترك مالاً أفضل من مهرها وللغلامين ولي فقال لأمهما: إني أسلم لك هذا المال تأكلينه وعليك مؤنة الولدين، ولك فضلة المال في مؤنة الصبين، فإن كانت الثمرة كفافاً للمؤنة فليسلمها، وإن كان في الثمرة فضل فليحفظها لليتيمين والله أعلم.
وقيل: على الزوج أن يخدم زوجته إذا كانت ممَّن تخدم (4/104)
صفحة 931
أو يخدمها بنفسه أو يستأجر لها من يخدمها، أو يستعين لها من يسعها أن تستخدمه في مثل ذلك، وليس عليه أن يحضرها خادماً مملوكاً.
وقيل: للزوجة أن تمنع زوجها حتى ينصفها في ما يلزمه ممَّا يحكم لها به عليه، ولا نفقة لها عليه، وهي له، وهو آثم في ترك ما يلزمه ممَّا لا يختلف فيه.
وإذا أحضر الزوج امرأته ما يجزئها من الماء لطهارتها وغسلها إذا احتاجت، وغسل ثيابها أو شربها لم يكن عليه أن يسكنها مسكناً فيه بئر أو نهر، إذا كان ذلك السكن سكن مثلها، وقام لها فيه بمصالحها من الماء وغيره، وإذا ترك من حقها ما يلزمه بالإتِّفاق فليس له في ذلك سعة بعد أن تطلبه إليه أو نتبين له مضرة في تركه، ولو لم تطلبه إليه فأخاف عليه في ذلك الإثم، إلا أن تطيب له نفساً بذلك، فإنَّه عليه أن يحكم على نفسه بالعدل لها ولو لم تطلبه إليه، إلا أن تبرئة منه أو يعلم هو منها طيبة نفس له بذلك.
وعرفت عن أبي بكر أحمد بن محمد بن خالد أنَّ الزوجة إذا لم تطلب إلى الزوج النفقة، ولا يلزمه أن يعطيها من تلقاء نفسه، وكذلك الكسوة وجميع حقوقها التي يجب عند المعاشرة، وكذلك المطلقة وغيرها. (4/105)
صفحة 932
وإذا أحضر ما يجزئها من الماء في النظر لم يكن عليه عندي غير ذلك، وكان عليها هي الاقتصاد في ما يحسن بها كان عليه هو في إحضارها ما يجزئها بجميع ما يلزمه لها، وليس لها أن تسرف فيه ولا تدع ما يجب فيه إلى غيره.
وقيل: إذا لم يحضرها ما يحسن بها من الماء كان عليه أن يسكنها في منزل فيه بئر أو نهر، ويحضرها آلة البئر، ويستقر لها إن كانت ممَّن تخدم، فإذا لم يمكنه ذلك إلا في منزل غيره، بأجر أو بغير أجر، كان ذلك عليه عندي، وعليه أن يحضرها طعاماً حتى تأكله إذا كانت ممَّن تخدم، وليس عليها أن تخرج الطعام لنفسها من البيت والله أعلم.
وعن أبي الحسن: وعن المرأة، هل تلزم زوجها الضحية والضربة في الفطر وغيره؟ فلم نعلم أنَّ ذلك يلزم الرجل إذا رجعت إلى الحكم، وليس ذلك بواجب عليه، والله أعلم.
ومن جواب أبي إبراهيم: وعن رجل غاب عن أهله وتركهم بلا نفقة ولا كسوة، هل يجب عليه ذلك؟ فإن كانت زوجته طلبت ذلك في غيبته، وفرض لها أحد من المسلمين من أهل المعرفة بذلك، وصحَّ ذلك اليوم أنَّها كانت تحتاجه إلى ذلك، (4/106)
صفحة 933
وصحَّت الفريضة بعدلين غير الثقاة الذين فرضوا لها، فقد رأينا في بعض الجوابات أنَّه تثبت لها ولزوجها حجَّته إذا قدم.
ومن غيره: وأمَّا هو إذا غاب.
وعن امراة غاب عنها زوجها ما شاء الله من السنين إلى أن هلك فأخرج وارثها كتاباً فيه فريضة من مشائخ أهل البلد مكتوباً أنَّه حضرنا من يهتمُّ بأمر فلانة ابنة فلان وسأل أنَّ الفرض لها فريضة على زوجها فلان بن فلان.
فهذه المسألة -رحمك الله- في نفس منها حين لم يكتبوا أنَّها هي التي طلبت ذلك، وإنَّما كتب أنَّه طلب من يهتمُّ بذلك لها، فأحبَّ أن يوقف عنها، وأحبَّ أن يسأل عنها، فقد رأيت في بعض الكتب فيها قولاً آخر.
ومن غيره: واختلف في نفقة الصبية على زوجها:
فقال من قال: لا نفقة لها، جاز بها أو لم يجز، كانت فقيرة أو غنية، لها مال أو لم يكن لها مال. وقال من قال: إذا جاز بها، كانت غنية أو فقير. وقال من قال: إذا دخل بها، وإن كانت غنية لها مال فلا نفقة لها عليه، وإن كانت فقيرة كان لها عليه النفقة. (4/107)
صفحة 934
والاختلاف في ما يحسب عليها واحد.
ومن غيره: وقد قيل: أنَّه إذا أنفق عليها بغير حكم ردت عليه، وإن أنفق عليها بحكم لم ترد عليه، وكذلك إذا غيرت.
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب: وعن فقير له أولاد وزوجة، ولد ولد بالغ له مال أراد أن يأخذ من مال ولده البالغ فينفق على نفسه وزوجته وألاده صغار فكره ذلك عليه ولده البالغ، فلا نرى عليه إلا نفقته وسكوته وخدمته، وليس عليه مؤنة زوجته ولا أولاده.
ومن الضياء، وللولد أن ينفق.
ومن كتاب محمد بن جعفر: وإذا طلبت المرأة إلى زوجها نفقتها، فإن عليه أن يحضرها نفقتها لكل شهر، فإن ضاق فلكل أسبوع، فإن لم يمكنه إلا كل يوم أعطاها كل يوم مؤنتها، وقد قال من قال: شعبها من الخبز والتمر، وإن كانت رغيبة، وإن اختلفوا ولم يتفقوا في النفقة، فالذي مضى عليه الحكام عندنا يفرضون لها النفقة المعروفة عندهم لكل يوم ربع الصاع حباً ومنا من تمر.
عن غيره: عن أبي قحطان: وعن أبي عبد الله: والنفقة من حب (4/108)
صفحة 935
الباطنة نصف مكوك، وممَّن تمر، ومن الشعير سدسان، وممَّن تمر.
وعليه أن يحضرها الماء وما يكون فيه الماء، ما نشرب به، والماء لطعامها وشرابها وغسلها وغسل ثيابها، وإن كانت ممَّن تخدم فعليه أن يحضرها خادماً، أنثى تخدمها إذا كانت ممَّن تخدم هي أو أباؤها. وقال من قال: أو نساؤها. وعليه نفقة الخادم، وعليه أن يحضرها حصيراً وما يشبه ذلك، فإن قنعت أن يولي عمل طعامها فعليه إحضارها الحطب والتنور والإناء الذي تأكل فيه، وتعجن فيه، وليس عليها أن تعمل له عملاً، وليس لها أن تعمل لنفسها عملاً، ولا لغيرها عملاً من غزل ولا غيره إلا برأيه، وعليه خياطة القميص.
قال أبو المؤثر: فإن أحضرها جميع ما تحتاج إليه، فليس عليه خادم. (4/109)
صفحة 936
رجع إلى كتاب ابن جعفر: فإن أحضرها الخادم، فإن الخادم يقوم بذلك من أمر الماء والعجين الخبز، وليس ذلك عليه بعد أن يحضرها الخادم.
وعليه لها من الكسوة أربعة أثواب لكل سنة إزار ودرع وخمار وجلباب.
صفة الخمار: أن يوارى المنكبين. وقال من قال: ستة أثواب: قميصان وجلبابان وخمار وإزار، والجلبابان سداسيان. وقال من قال: سداسي وخماسي وخمار وملحفة ثمانية، وقال من قال في القمصان: تكون سابغته إلى الكعبين. وقال من قال: إلى أن يوارى بضعة الساق، وعرض الجلباب كما يكون شبه ذلك عند العمال له. وقال قوم: يواري نصف اليد.
وإن كان فقيراً فخمار صوف وملحفة ثمانية، وعليه خياطة القميص واللتين يعطيهما، فما يخرق بعد ذلك من قبلها فعليها هي إصلاحه. (4/110)
صفحة 937
وقيل: على الموسر أن يصبغ لها ثيابها بالورس، والمعسر بالغوة. وقال من قال: ليس عليه أن يصبغ لها ثيابها، كان معسراً أو موسراً.
قيل: وعليه الأدم في كل شهر، والدهن على ما يرى الحاكم، وقال من قال: لا أدم لها.
ووجدت أنَّ عليه من الدهن في كل جمعة كياس فسل عن ذلك، وإن عناها حرق أو سرق أو غرق أو نحو هذا، فذهب فيه ما أعطاها من الكسوة والنفقة فعليه أن يحضرها أيضاً ما يلزمه لها.
ومن غيره: قلت: فإذا انخرقن قبل تمام السنة، فهل عليه بدلهنَّ؟ قال: نعم، وترد عليه أخلاقهنَّ. وإن لم ينخرقن إلى أكثر من سنة فأحب أن يكسوها غيرهنَّ، فإذا حالت السنة وطلبت يبدلها بهنَّ كسوة أخرى ردت عليه الكسوة الأولى وكساها غيرهنَّ، فإن سرقت كسوتها أو نفقتها التي كساها واتَّفق عليها، فأمَّا الكسوة إذا حكم عليه بها حاكم فدفعها إليها ثم سرقت أو احترقت فلا أرى عليه بدلها، (4/111)
صفحة 938
وإن كان إنَّما كساها بغير حكم من حاكم فعليه بدلها.
قال محمد بن المسبح: لا ألزمه أن يكسوها ثانية إلا أن يكون لها مال، فإن كان لها صداق فمن صداقها، وإن حزقته على جسدها من لبسها وأتلفته هي لم تكن لها كسوة ولا نفقة إلى حول السنة حتى ينقضي وقت ما أعطاها، وأمَّ النفقة فأرى عليه بدلها أيضاً إذا أنفق عليها بحكم من حاكم والله أعلم.
ومن كتاب الفضل: وعليه لها في كل شهر ليس بموسع درهمان لأدمها ودهنها. كذلك كانوا يفرضون عليهم.
وإن كانت ممَّن يستأهل أكثر من ذلك وكان موسعاً كان عليه على قدر سعته، وذلك على الأحرار للأحرار.
ولا تخرج من منزله إلا بإذنه، ولا تمنعه نفسها إلا من عذر، وليس له أن يضارها في نفسها.
فإن كانت من لباسه الكتان والحرير، وكان واسعاً لذلك فلها ذلك، (4/112)
صفحة 939
وإن كانت ممَّن تلبس الكتان والقطن وكان واجداً لذلك كساها مثل ذلك.
قال محمد بن المسبح: ليس الحرير من الكسوة في الحكم ولو كان في الغنى، وغاية الغاية فهماً، وإنَّما هو الليان والكتان.
رجع: وتوجد كسوة المرأة على ما يراه الحاكم من قوته وضعفته.
ومن تأليف أبي قحطان عن أبي عبد الله: سألت كم يؤجل الضعيف في الكسوة؟ قال: يفسح له في الأجل.
قال: يوجد في بعض القول: نصف شهر إلى شهرين يوماً، والباقي يفسح له فيه.
ومن غيره: وإذا رفعت المرأة على زوجها بالكسوة، فإنَّه يؤجل شهراً.
وعن أبي عبد الله: وأمَّا الذي يطلب يمين امرأته على ما يفضل عندها من الفريضة التي من نفقتها إلى حول سنة، فلا أرى عليها يميناً في ذلك، وعسى أن تكون هي تأكل من مالها في بعض الأوقات فليس له عليها أن ترد عليه من هذه الفريضة شيئًا.
وإن احتجَّت أنَّ هذه الفريضة لا تشبعها فلا أرى لها غير ذلك، ولعلَّها تريد الضرر، (4/113)
صفحة 940
وهذه الفريضة أثرها المسلمون نفقة شاري، ولولا أنَّهم رأوا ذلك يكفيها ويشبعها ما نقصوها شيئًا.
ومن كتاب موسى بن علي إلى بعض الولاة في ما أحسب: في امرأة يقال لها: سعيدة بنت محمد: أنَّ فريضتها معنا من الكسوة درعان من كتان، وجلباباً من كتان، وخمار من حرير أسود، وملحفة ثمانية وإزار.
والنفقة: عشرة مكاكيك حباً ولا بنيها خمسة عشر مكوكاً، فإن كانت هي وأبناؤها ممَّن يأكل البر فلها البر، ومن التمر ثلاثون منا تمراً، فإن احتاجا إلى أكثر من ذلك فلهما، ومن الدَّراهم لكل شهر ستة دراهم.
قال أبو المؤثر: ليس لها عندي إلا سبعة مكاكيك ونصف وثلاثين منًّا تمراً في كل شهر، ولها ما يكفيها من الكسوة درعان من كتان، وجلبابان من كتان سداسيان، وخمار من حرير أسود، وملحفة ثمانية لينة وإزار، ولا بنيها لكل واحد ثلاثة دراهم، ولخادمها سبعة مكاكيك ونصف ذرة وثلاثين منا تمراً ودرهمان فضة.
قال أبو المؤثر: للخادم من الأدم ما يكفيه كأدم مثله. (4/114)
صفحة 941
وذكرت أنَّها في منزل خرب فأسكنها مسكناً حسيناً، رافقاً بها لا مضرة عليها فيها.
وذكرت أنَّه لا يأتيها ولا يأوي إليها ولا يعاشرها فخذه بمعاشرتها أو أمره بذلك، فإن كره وكان ما تقول هي حقاً فلترجع إلى منزلها وأولادها، وعليه نفقتها، وذلك بعد أن تحتجَّ عليه، ويستبين لك هجره إيَّاها.
وذكرت أنَّه يمنعها الداخل عليها من الرحم أو سائل أو طالب معروف أو جار فلا يمنع أولئك الدخول إليها إلا من عملت أنَّه بمفسد، وللخادمة نفقتها معها في ما مضى وفي ما يستأنف، ولا يمنع أن يدخل أبوها إليها للصلة والتعاهد، وخدمها أيضاً لا يمنعون منها.
وقال من قال: إذا جاز الزوج بزوجته وجب صداقها الآجل، وقال من قال: حتى يزوج عليها أو يطلِّقها أو يموت عنها، ثم تستوجب الصداق الآجل، وهو أكثر القول عندهم.
ومن كتاب ابن جعفر: ومن أعطى زوجته صداقها نخلا وحيواناً فأنت عليه جائحة ذهبت به، ثم فارقها من قبل أن يجوز بها. (4/115)
صفحة 942
فأمَّا الحيوان فقيل: عليها أن ترد عليه نصف ما دفع إليها، وأمَّا الأرض والنَّخل: فإنَّما عليها أن تردَّ عليه نصف ما بقي في يدها من الأصل. وقال آخرون: ما ذهب منها، وعليها نصف ما دفع إليها.
وقال أبو المؤثر: الأصل وغيره سواء، ترد النصف ممَّا بقي وممَّا تلف، فإن دفع إليها بألف درهم جارية فولدت أولاداً، أو تجرت بما دفع إليها حتى ربحت فيه النصف ثم فارقها فعليها أن تردَّ نصف ما صار عندها.
ومن غيره: قال: وقد قيل: إنَّما تدفع إليه النصف ما دفع إليها، وقال من قال: إن تجرت بذلك صفقة ما، فعليها نصف الجميع.
وعن أبي عبد الله -رحمه الله-: عن رجل أخذه الحاكم بكسوة زوجته فكساها لسنة مستقبلة ثم فارقها؟ فإنَّه يرجع عليها الزوج من الكسوة بقدر ما بقي من السنة إن كانت الكسوة أسلمها دراهم، وإن كانت إنَّما لم تلبسها، فإنَّما تقوم قيمة بقدر قيمة ما مضى إلى أن يفارقها، وعليها يمين ما لبستها، (4/116)
صفحة 943
وإن كانت لبستها ففلزوج بقية ما بقي من الثياب، وإن مات فلورثته.
وقال: وأمَّا إن كان الزوج كساها من قبل نفسه بلا حكم لم يرجع عليها بقليل ولا كثير.
قلت لأبي الحواري: فإنَّها لما كانت تغزل لنفسها ثياباً وتجمع، فإن طلبتها وطلبت الكسوة إلى الحاكم، فقال: عندها من الثياب كذا وكذا من مالي؟ فإن كانت اصطنعت هذه من ماله بلا رأيه فهي له، ولها عناؤها عليه من قبل هذه الثياب، ولها كراء عولها، وإن كانت اصطنعت هذه الثياب من كسوته، فإنَّها لا ترفع له من كسوتها، وهي لها، ولا ترد عليه منها شيئًا إن فارقت أو مات عنها.
ومن غيره: الذي معنا أنَّه أراد لا يرفع له من كسوتها، وهي لها.
وقد قيل: ما كساها بحكم حاكم أو من غير حكم حاكم فهو له، وترقع وترد إن خرجت المرأة لحجة الإسلام ولم يخرج معها فلا نفقة عليه.
وقيل: إذا كان للمجنون امرأة وليس له مال فطلبت إليه كسوتها ونفقتها، فهذا يؤمر وليه أن يطلِّقها.
قال أبو المؤثر: امرأة المجنون لا يطلِّقها أحد، وهي على حالها. (4/117)
صفحة 944
قال أبو الحواري: لا أرى إلا أن يكسوها وليه، وينفق عليها من مال المجنون أو ماله، فإن لم يكن للمجنون مال طلَّقها وليه، إذا لم يكسوها وينفق عليها، فإن يكن للمجنون مال كان لها فيه الكسوة والنفقة ولم يطلِّقها وليه، وأنفق عليها من مال المجنون وكسيت، فإن أبى وليه أن يفعل ذلك فعل ذلك السلطان، وكذا حفظنا. انقضى.
وقيل: يطلِّق الحاكم زوجة المفقود إذا صحَّ فقده، واعتدت لذلك أربع سنين، وإن كره وليه أن يطلِّقها ولي المفقود، فهو أولى بذلك من الحاكم.
ومن كتاب محمد بن جعفر: ومن عجز من الأحرار عن نفقة زوجته وكسوتها جبر حتى يطلِّقها، وإنَّما يلزمه ذلك إذا جاز بها أو أجابته إلى أن يجوز بها، أو أجل أجلاً في عاجلها من الصداق وانقضى الأجل.
ومن كتاب المضاف إلى الفضل بن الحواري: وإنَّما يلزم الأزواج للنساء المؤنة إذا دخلوا بهنَّ، فأمَّا إذا لم يدخلن بهنَّ فلا، إلا أن يحزنهم على أنفسهم لزمهم لهنَّ مؤنتهنَّ، (4/118)
صفحة 945
وإن كرهن الدخول لم تلزم الزوج نفقتهنَّ.
وإن أجل الزوج في إحضار عاجلها أجلاً، فإذا انقضى الأجل ولم يحضرها عاجلها كانت عليه مؤنتها، وفرض عليه عاجلها ويؤديه على قدر طاقته ولو لم يجز أحداً بذلك حتى يوفيها عاجلها، ويلزمه لها جميع ما يلزم الداخل. انقضى.
ومن تأليف أبي قحطان: ممَّا ذكرت أنَّه من كتاب ابن جعفر: سألت أبا عبد الله عن رجل رفعت عليه زوجته بنفقتها وكسوتها، فأخذه لها الحاكم بذلك وفرضها عليه حتى دفعت الكسوة فأرادت بيعها، وكره ذلك الزوج فطلب أن تلبسها؟ قال: ذلك للزوج عليها، وليس لها بيعها.
فإذا حالت السنة مذ يوم دفع إليها هذه الكسوة فله أن يأخذ منها بقية هذه الكسوة إن كان بقي منها شيء، ويكسوها كسوة جديدة لما يستأنف.
قلت: فإنَّها كانت ربما ليست هذه الكسوة التي كساها إيَّاها وربَّما لم تلبسها ولبست كسوة لها أخرى من مالها فحالت السنة وهذه الكسوة التي أعطاها جديدة، أله أن يأخذها؟ قال: نعم. ذلك عليها.
قلت: فإن باعتها وأخذت ثمنها ولبست هي من مالها، وطلب هو أن تردها لو لبستها، (4/119)
صفحة 946
فإن أتلفتها فهي لها عن سنة منذ دفعها إليها.
قلت: فإن قبضت منه الكسوة فلم تلبسها حتى حالت السنة وهي بحالها، فهل له أن يأخذها منها؟ قال: لا، هي لها، وإنَّما عليها أن ترد عليه إذا كانت قد لبستها قليلاً أو كثيراً، وكذلك قيل.
قال: وإذا فترقا فعليها أن ترد عليه بقية هذه الكسوة التي أخذه له بها الحاكم.
قلت: فالنفقة إذا دفعها إليها، فهل عليها أن ترد عليه ما فضل؟ قال: لا.
قيل: إنَّ النفقة لها تفعل ما شاءت، ولها أن تأكل منها ومن غيرها، وليس النفقة مثل الكسوة.
قال أبو عبد الله: في رجل أخذه الحاكم في كسوة زوجته فكساها السنة مستقبلة ثم فارقها وقد خلا من البيِّنة: أنَّه يرجع عليها الزوج بقدر ما بقي من السنة إن كانت الكسوة أسلمها دراهم، فإن كانت الكسوة سلَّمها إليها ثياباً، فإذا فارقها ردت عليه الكسوة التي لزمته وسلَّمها إليها إلا أن تكون الكسوة قبضتها المرأة ولم تلبسها، فإنَّها تقوم قيمة، وللمرأة من الكسوة بقدر ما مضى من السنة التي فارقها، وعليها يمين ما لبستها، (4/120)
صفحة 947
وأمَّا إذا كان الزوج كسا زوجته من قبل نفسه بلا حكم حاكم ثم فارقها لم يرجع إلى زوجته في شيء من الكسوة، قليلاً أو كثيراً، وكذلك قال أبو زياد.
وبلغنا عن محبوب بن الرجيل في من تخرج منه زوجته من النِّساء مثل الأخت من الرضاع يفرق بينهما؟ قال: لها النفقة، لأنَّها تعتد منه. قال: وكذلك التي توطأ في الحيض فيفرق بينهما: إنَّ لها النفقة.
عن غيره: وعن رجل تزوَّج امرأة ورضيت به ثم قال: إنَّه لا يمكنه أن يؤدي إليها شيئًا، وقالت المرأة: لا تمكنه من نفسها حتى يوفيها عاجلها؟ قال: يؤجل في العاجل الذي عليه على قدر قلته وكثرته، فإذا انقضى الأجل ولم يوفها العاجل أخذ لها بكسوتها أو نفقتها، ولا سبيل له عليها حتى يوفيها العاجل إلا أن تشاء هي ذلك ويؤخذ بالكسوة، فإن أعجزها فإن شاء يكسوها وينفق، وإن شاء يطلق ولها نصف الصداق عليه إلى ميسورة من عاجلها وآجلها جميعاً. وقيل: إن ذا المال يؤجل بقدر ما يبيع من ماله في عاجله، (4/121)
صفحة 948
وإنَّما يؤجل بقدر ما يبيع ماله في قدر أداء الحق إذا استحقته عليه، وأمَّا في معنى أصل ثبوت الكسوة والنفقة فذو المال وغيره سواء.
وقد قيل: عن أبي عبد الله: إذا كان العاجل ستمائة فصاعداً إلى ألف درهم إلى ما فوقه كانت المدة ستة أشهر، وما دون ذلك على ما يقع عليه نظر الحاكم من الأربعة الأشهر إلى الخمسة إلى ما دون ذلك.
ويعجبني إذا تمَّت في ذلك ستمائة فصاعداً ستة أشهر أن يكون يراعى قدر ذلك في كل مائة قدر الشهر على نحو هذا، وما يقع عليه نظر الحاكم من حبس من هذا، فإذا انقضت المدة في معنى الكسوة والنفقة أخذتهما وجبر على ذلك، وفرض عليه العاجل على قدر ميسوره بمنزلة المديون، ولم يجبر عليه كما يجبر على الكسوة والنفقة أن يؤديه أو يطلق، فإن أبطأ الدخول على المرأة وطلبت دخوله كان ذلك عليه، والعاجل على قدر ميسوره، ومأخوذ بالكسوة والنفقة، وممنوع من الدخول إلا أن يرضي بها أو يوفي العاجل.
وعن امرأة كساها زوجها إزاراً وقميصاً وطلبت إليه أن يكسوها جلباباً فأبى ووكَّلها على مقنعة أو جلباب ممَّن كان أدَّى إليها من نقدها في أيام خطبته إيَّاها، وكرهت هي أن تلبس تلك المقنعة أو ذلك الجلباب أو يكن بينهما فقال لها: اجعلي ما عندك لي قميصاً وإزاراً؟ فعلى ما وصفت فإذا كانت اعترضت ثياباً من نقدها فتلك الثياب هي لها دونه، وليس تلك الثياب له إذا كان قد جاز بها، (4/122)
صفحة 949
فإن طلبت كسوتها منه كان لها ذلك، فإن ادَّعى أنَّ له عندها كسوة ونزل إلى يمينها حلقت ما عندها له كسوة إلا ثياباً أعرضها لها من نقدها، وليس هي من كسوته لها، وليس عليها حنث إذا صدقت.
واعلم -رحمك الله- أنَّ الذي حفظت في مثل هذا: أنَّه لا يحكم عليها بالخروج معه إلى بلد لا عدل فيه، وإنَّما كان ذلك في أيام العدل، كان المسلمون يحكمون على المرأة أن تخرج مع زوجها حيث يقول: إنَّه أرفق له فلمَّا ذهب العدل وحكامه وظهر الجور وأهله لم يحكموا عليها أن تخرج عنده، وكذلك أيضاً فساد السبل ممَّا يحتج به من لم ير أن يحكم عليها بالخروج عنده.
ومن غيره: وإن كانت هذه المرأة لا تأمن على نفسها في الطريق، أو لم يكن في البلد من يمنعها من جوره إن جار عليها فليس عليها أن تخرج معه إلى ذلك البلد، وعليه أن يدع لها كسوتها ونفقتها إن أراد أن يغيث.
ونقول كذلك إن كانت تخاف من ذلك البلد الجور ولا تأمن على نفسها من جوره أو جور غيره فليس عليها أن تخرج معه؛ لأنَّ أصل ما يلزم الزوج لزوجته أن يسكنها حيث تأمن على نفسها، وليس عليها أن تخرج من الأمان إلى الخوف.
وعن المرأة: هل يجوز لها أن تعين أحداً من أرحامها وأقاربها إذا (4/123)
صفحة 950
كان لا يشغلها عن طاعة زوجها في طاعة ما يحتاج إليها في ما تلزمها طاعته فيه؟ فذلك جائز لها.
قلت: وهل على من استعملها بأس وهو لا يعلم يحب ذلك زوجها أم لا؟ فإذا لم يكن يخرجها من بيت زوجها في ذلك أو يعلم أن يمنعها ذلك في وقت ما يلزمها منعه ذلك فلا بأس عليه.
ولا أحب له أن يخرجها لضيعة له من بيت زوجها على حال إلا برأيه، وإذا طلبت المرأة الجماع إلى زوجها فقال من قال: يحكم عليه أن يطأها في كل حيضة مرة، وكذلك يجب عليه ولو لم يحكم عليه.
وقال: يحكم عليه على أربع ليال ليلة، وأمَّا هي فله أن يطأها في كل وقت، وليس لها أن تمنعه نفسها إلا من عذر من مرض أو برد تخاف منه على نفسها من الغسل.
وقال: في المرأة إذا طلبت إلى زوجها الإفطار من الصوم وكان صوم نافلة، فقال من قال: أنَّه يحكم عليه أن يفطر لها إن كانت امرأة واحدة يوم رابع يصوم ثلاثة أيام، (4/124)
صفحة 951
وإن كانتا اثنتين أفطر يومين لكل واحدة يوماً وصام يومين، وإن كنَّ ثلاثاً أفطر ثلاثاً وصام ثلاثاً، وإن كنَّ أربعاً أفطر يوماً وصام يوماً، وكان مع كل واحدة منهنَّ يوم إفطاره. وقال من قال: كله غير محكوم به وإنَّما يؤمر بذلك.
ما تقول: ينقذ الرجل امرأته ثم يريد يزيل ذلك إلى غريمها أو إلى غيره؟ فقد قال المسلمون: لا يزيل شيئًا من صداقها إلى غريم ما دامت في حباله إلا الحج أو فريضة أو صدقة أو صدقة لوالدين إذا كانا ضعيفين، وإذا كانت للمرأة على زوجها صداق عاجل وأمكنته من نفسها، وجازا بها حكم عليه بإحضار عاجلها، ويحكم عليه بالسكنى معه، ويضرب له في أداء العاجل حتى يحضرها عاجلها على قدر إصابته، فإذا بلغ الأجل ولم يحضرها عاجلها حبسه الحاكم حتى يحضرها عاجلها على قدر إصابته من عمله، وإن كان ليس له عمل كتب عليه إلى ميسوره، وليس لها أن تعتزل عنه إذا أحضرها كسوتها ونفقتها.
قلت: الثياب التي يحكم بها الحاكم على الزوج لزوجته بالمساكنة: هل لها أن تغسلها بغير رأيه؟ قال: لها أن تغسلها من النجاسة، (4/125)
صفحة 952
وأمَّا من الصية فيعجبني أن تشاوره في ذلك.
قلت: فإن لم يأذن لها أن تغسلها من الصية، فهل يحكم عليه هو بغسلها أو يأذن لها بغسلها؟ قال: قد قيل: ذلك إنَّ عليه غسل ثيابها، ولعلَّ ذلك إذ هي له، سواء كان من النجاسة أو من الصية ممَّا يوجب غسلها.
قلت: فما يوجب غسلها من الصية؟ قال: يكون مثل اللباس ما عليه الوسط من النَّاس.
قلت: فهل لها أن ترتق الإزار بلا رأيه؟ قال: إذا كان فعل مثلها في الكسوة أعجبني أن يكون ذلك لها إذا كان لا يضره، فإذا احترقت الثياب عليها بشيء من الخروق ممَّا يحتاج إلى الرقعة، فإنَّه يشبه معنى الكسوة إذا تلفت كلها من غير تتلفها هي. ومعي: أنَّها إذا تلفت من غير أن تتلفها فلا بدل عليه في السكوة، وقيل: عليه البدل إذا تلفت من غير إتلافها.
ومن الأثر: في رجل كان مسبباً إلى زوجته يضربها ويطلِّقها فرجع ممَّا كان يعاملها به ولم تثق هي بذلك، وخافته على نفسها؟ (4/126)
صفحة 953
قال: إذا لم تثق به وخافته على نفسها لم يحمل عليها أن تحمل نفسها على الظلم والخوف، إلا أن يظهر منه صلاح في دينه، وتأمنه على نفسها لما قد ظهر منه، واطمأنَّت إلى قوله، فعندي: أنَّه يلزمها معاشرته، وتلزمه نفقتها.
قلت: فإن رفع أمرها إلى الحاكم وعرفت الحاكم بما كان يعاملها به؟ قال: أن تبين للحاكم صدق ما تقول المرأة لم يحكم عليها بمعاشرته على الظلم والجور، وإن لم يتبيَّن له ذلك إلا في قولها لم يكن قوله لها حجة عليها، لأنَّها مدعية.
قلت: فإنَّ الحاكم يعلم منه ذلك؟ قال: الله أعلم.
ورأيته يعجبه إذا كان الحاكم قد عرف من الزوج ذلك الذي ادَّعته المرأة وعرفه بمثل ذلك لم يحمل عليها في الحكم ما يخاف عليها منه على معنى تعرفه.
وعن أبي الحواري: وعن صبي تزوَّج بامرأة برضاها فدخل بها أو لم يدخل فلمَّا بلغ كرهها فقالت المرأة: يطلِّقني فإنِّي أخاف أن يكون قد رضي بقلبه، كارهاً بلسانه، هل لها عليه ذلك؟ (4/127)
صفحة 954
قال: نعم، لها ذلك عليه، وقد يمكن أن يكون قد رضي في ما بينها وبينه، وكذلك إن كانا صبيين ثم بلغا جميعاً فأيُّهما غير التزويج إن غيرت، وطلب الرجل يمينها ما رضيت كان له ذلك عليها، وإن غيَّر الرجل وطلبت المرأة أن يطلِّقها كان لها ذلك عليه.
وعن المرأة إذا فرض لها الحاكم الكسوة على زوجها وقبضتها بالحكم للسنة وباعتها؟ قال: ليس لها ذلك إلا برأي الزوج، وهو بالخيار، إن شاء الثمن إن أتمَّ البيع، وإن شاء ضمنها الثياب.
قلت: فيلزمها حبس؟ قال: إن كانت تعرف أنَّها فعلت ذلك على سبيل التجاهل عليه كانت حقيقة بالعقوبة، وإن كانت ممَّن لا يعرف بالجهل في مثل ذلك، وباعتها على سبيل ما أذن لها ببيعها إذا قد سلمت إليها لم يبن لي عليها عقوبة.
قلت: فيجوز لها أن تضيعها بغير رأيه بحمرة أو سواد أو صفرة؟ قال: إذا كانت ثيابه لم يكن لها ذلك برأيه.
قلت: فإن خرجت الكسوة من بيته وهو منصف لها من غير إساءة؟ (4/128)
صفحة 955
قال: فلا يجوز لها أن تلبسها، إلا في حال مساكنته إلا أن يأذن لها.
قلت: فحين خرجت من مساكنته وأخذت الثياب، هل يضمنها؟ قال: يلزمها معنى الضمان، لأنَّها متعدية.
وعن الرجل إذا طلب أن تلبس زوجته ثياباً حسينة وهي لا تلبس إلا ثياباً دونه، فهل يلزم له ذلك؟ قال: فليس يحكم بذلك عليها إذا لبست ثياباً تسترها وتواريها. (4/129)
صفحة 956
باب (في مؤنة الزوجة)
وعن رجل جرى بينه وبين امرأته شقاق فأراد أن يحولها إلى منزل وعليها كسوة ممَّا ساق إليها من تأخرها فقالت: لا أتحول معك إلا أن تأتيني بكسوة من غير هذه الكسوة ممَّا استحللت به فرجي؟ فما نرى -والله أعلم- إلا أنَّ عليها أن تتحول إلى زوجها.
قال غيره: وقد قيل: إنَّ عليه أن يحضرها كسوتها، فإذا أحضرها الكسوة من ماله كان عليها معاشرته، وأسكنها سكن مثلها.
وإذا علم أنَّ في تحول الزوج بالزوجة من منزلها ضراراً إلى غير حاجة لم تلزم.
وعن رجل غاب وترك امرأته، ولم يترك نفقة، وله أرض ونخل، هل لها أن تبيع من أصل مال زوجها إن لم تقدر على غلة ماله؟ قال: ترفع إلى القاضي إن كان قريباً منها وإلا باعت ذلك بمحضر من أولياء الرجل ورضاهم، وتستنفق حتى تعرف طلاقاً أو موتاً.
ومن جواب أبي عبد الله إلى موسى بن علي: وعن امرأة ضعفت واحتاجت ولها أولاد صغار وكبار، هل يؤخذ الصغار بنفقتها مع الكبار؟ (4/130)
صفحة 957
فإنَّما مؤنتها على الكبار إلا أن يكون للكبار مال فتطعم من مال الصغار بالمعروف.
قال غيره: وقد قيل: إذا كان في مال الصغار فضله لزمهم بقدر ما يرثون منها.
وعن رجل تزوَّج امرأة، هل عليه نفقتها ما دامت في بيت أهلها؟ قال: نعم.
وممَّا يوجد فيه عن أبي معاوية: وعن رجل يغيب في السفر ويخلف امرأته فتخرج من منزله، ألها نفقة عليها؟ قال: نعم، إلا أن يكون تقدم عليها ألا تخرج من منزله فخرجت فلا نفقة لها.
قلت: فإنَّه لم يقدم عليها؟ قال: قالت: استوحشت وبقيت في البيت فاعتلت، ثم قال: إنَّ رجلاً على عهد رسول الله (ص) خرج غازياً فأمرها أن تقرَّ في منزلها، قال: فمرض أبوها فأرسل إليها أن تبلغه فأرسلت إلى رسول الله تستأمره فأمرها أن تطيع زوجها ولا تخرج من بيتها ثم اشتدَّ المرض بأبيها فأرسل إليها فأرسلت إلى رسول الله (ص) فأمرها أن تطيع زوجها وتقرَّ (4/131)
صفحة 958
في منزلها، ثم جاءها أنَّ والدها مات فأرسل إليها أن تخرج إلى جنازته فأرسلت إلى رسول الله (ص) فأمرها أن تطيع زوجها وتقرَّ في منزلها.
وعن رجل طلَّق زوجته واحدة أو اثنتين فطلبت إليه النفقة، قال: قد كنت طلَّقتها قبل ذلك واحدة، واليوم اثنتين أو اليوم واحدة ومن قبل اثنتين، وقد كنت رددتها من قبل؟ قال: إذا أنكرت هي ذلك فلها النفقة، وإن أقرَّت بذلك، أو أقام به شاهداً عدل فلا نفقة لها.
قال أبو معاوية: إذا طلَّقها تطلقتين بلفظة واحدة ثم الآن تطلقتين بلفظة واحدة فعليه لها النفقة، كذلك بلغنا عن مشيختنا.
والمرأة إذا أعارت من ثياب نفسها، فذلك لها، وأمَّا الثياب التي يكسوها إيَّاها الزوج فلا تعيرها إلا برأيه.
قال غيره: ذلك إذا كساها عمَّا يلزمه من كسوتها بشرك أو بحكم حاكم، وأمَّا ما كساها بغير ذلك، فهو لها في بعض لها في بعض قول أهل العلم.
فصل: وإذا أقرَّ الأعمى بامرأة أنَّها امرأته ولم تقم بينة بأصل التَّزويج لم آخذه لها بالكسوة والنَّفقة. (4/132)
صفحة 959
قال غيره: نعم، ذلك إذا قال: هذه امرأتي بعينها، وأمَّا إذا أقرَّ أنَّ فلانة بنت فلان ووصفها، وهي زوجته وأقرَّ لها بشيء من الصداق جاز ذلك إذا عرفت فلانة هذه بصفتها، ويثبت إقراره لها، ولها الحق والكسوة والنفقة.
ووجدت عن أبي المؤثر: أنَّ العبد ليس له أن يجمع بين الحرة والأمة، وإذا كان للمرأة ولد من زوجها، وزوجها معها، وطلبت لولدها النفقة أخذ لها بنفقة ولده منها، وكان ولدها معها.
وقد كتب بذلك من كتب من حكام المسلمين لامرأة مع زوجها وولدها فأخذ الوالد بنفقة ولده وهو مع والدته.
وكذلك المرضع عند أمه يؤخذ والده لها برباية ولده، وإن أبت أن ترضعه شدَّ عليها في القول، فإن أرضعته وإلا طلب لولده مرضعة.
ومن رقعة أحسب عن أبي معاوية: سئل عن الحر يطلق زوجته وهي أمة تطليقة، هل عليه لها النفقة؟ قال: نعم.
قيل له: فإن طلَّقها تطلقتين؟ (4/133)
صفحة 960
قال: ليس لها نفقة.
وعن أبي زياد قال: أدركنا النَّاس في زمان موسى لا يضرب على الرجل فريضة ما دام يؤدي النقد.
فقال غيره: ما دام يذيب النقد.
وذكرت الفريضة: فإنَّما تكتب الفريضة للمرأة على زوجها إذا تولى عنها أو ركب البحر.
وقال غيره: وقد قيل: يفرض لها إذا رفعت وينظر في ما تدَّعي: فإن صحَّ لها حجة حكم لها منذ ذلك.
وإذا طلَّق الرجل زوجته ولها منه ولد فأعطاها متاعاً وشرط عليه نفقة ولده إلى سنة، فإن كان قد أعطاها متاعاً، فإن شرطه يثبت عليها، وإن شرط عليها نفقة أبداً ولم يجعل وقتاً، فإنَّه لا يثبت.
قلت: فإن قال: إلى أن يموت؟ قال: لا يثبت.
ومن غيره: وزعم أنَّه سأل الربيع عن المرأة تحتاج إلى مال ولدها ببيع من أصله وتأكل وتكتسي وهو يتيم أو غير يتيم؟ (4/134)
صفحة 961
فقال الربيع: تبيع وتأكل وتكتسي منه وتطعم يتيماً كان أو مدركاً لا بأس عليها.
وذكر لنا عن عمر بن الخطاب -رحمه الله- أنَّه قال: إذا أراد أحدكم أن يطيل الغيبة فليستأذن أهله.
والذي أقول به: إن أراد الحج قريباً أو بعيداً منه ما يسار إليه سنة وأقل وأكثر فلا أرى عليه أن يستأذن امرأته في الحج، كانت حجة فريضة أو نافلة إلا أن يخرج من أعمالها يريد أن يضر بها فلا أرى له ذلك في النافلة إلا أن يريد المجاورة فيقول لها: إني أريد أن أقيم في مكة، فإن أذنت له فلا بأس عليه، وإن كرهت ذلك فأرى أن يطلِّقها إن أحبت الطلاق ويحج ويرجع، وإن أراد الخروج في تجارة أو سفر بعيد يطيل فيه الغيبة فلا يخرج حتى يستأذنها، فإن رضيت أن يخرج وإلا يطلقها فذلك واسع له، وإن كرهت أن تطيل عنها الغيبة فيطلقها ولا يطيل عنها الغيبة، ولا له أن يغيب أكثر من أربعة أشهر إلا بإذنها.
قلت: فللمرأة أن تحجَّ برأيه أو بغير رأيه؟ قال: برأيه. (4/135)
صفحة 962
وإن أبى ولم يأذن لها جاز لها أن تحج فريضة بغير رأيه، وتخرج مع محرم في من يجوز لها ذلك معه، ولا نفقة ولا كسوة عليه في حال ذلك.
وسمع عمر بن الخطاب امرأة في الطواف وهي تقول:
ومنهنَّ من تسقى بعذب مبرد
نقاح فتلكم عند ذلك قرت
ومنهنَّ من تسقى بأخضر آجلن
أجاج ولولا خشية الله قرت
فعلم ما تشكو فبعث إلى زوجها فوجده متغير الفم فخيره بين خمسمائة درهم أو جارية من الفيء على أن يطلِّقها فاختار خمسمائة درهم فأعطاه وطلَّقها.
وإذا كانت المرأة ممَّن تخدم أحضرها خادماً ونفقة الخادم إن ترك الخادم معها، وإن أخذ منها الخادم، وأوى إليه، وقد قال من قال: لا بأس والله أعلم، وسل المسلمين. ولا نفقة عليه للخادم إذا آوى إليه والسلام.
ومن حفظ محمد بن علي: وصل إلى فلان بن فلان وشكا فلان بن فلان، فشكا فلان بن فلان لفلانة في النفقة، فإذا وصل إليك كتابي فانظر (4/136)
صفحة 963
فلانة زوجة فلان في ما شكت من الضرب والإساءة فازجروه عنها، وأنصفها؟ فإن كانا قد تشاقا، وعرف منه إساءة إليها، وكانت قد شكته قبل اليوم فخذه بالفريضة، واكتب لها كتاباً، وأشهد لها شهوداً واطلب الكسوة، فإن أحضرك زوج المرأة بشاهدي عدل أنَّ على زوجته كسوة من عنده من غير نقدها، وكان معها من كسوته ما يجتز أبه وإلا فخذه بكسوتها، فإن لم تحضرك بينة على ما وصفت لك فحلف المرأة ما عليها ولا معها كسوة من كسوته ثم خذه بالكسوة، واجعل له أجلاً في الكسوة نصف شهر يحضر إزاراً وجلباباً ودرعاً وخماراً، ويحضر الباقي إلى شهرين، فخذه بذلك، وليجزها من التمر ما تأكل النَّاس تمراً طيباً، والحب كما يأكل مثلهم في زمان الذرة ذرة، وفي زمان البر براً، وإن تشاقا فاجعلها على بدل عدل، وإن كان لم تعرف منه إساءة، وأحضرها صلاحها من الكسوة والنفقة، علم ذلك العدول أنَّه في بيتها لا تمنع فإنَّما حاجتها في ذلك، وإن لم يصحَّ معك أنَّ ذلك في منزلها لا تمنع فخذه بالفريضة كما وصفت لك.
ولا يحول بينها وبين أن تخرج في مزاولة ما تحتاج إليهمن الطحين والاستقاء والخبز، وعليه الخطب. (4/137)
صفحة 964
وإن أحبَّ زوجها أن يحضرها خادماً ولا تخرج من منزلها فذلك له، وحلفه في ما شكت من الضرب، وفي ما تدَّعي من متاعها، وانظر في إنصافها وفقنا الله وإيَّاك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وممَّا يوجد عن أبي علي: وعن المرأة إذا شرط لها السكن في قريتها أنَّها تسكن حيث شاءت من القرية برأيها، وليس لزوجها أن يسكنها حيث أراد.
قال غيره: وقد قيل: هذا. وقال من قال: يسكنها هو من القرية حيث شاء سكن مثلها بغير مضرة عليها في نظر العدول في ذلك.
وقال موسى بن محمد عن عمر بن محمد: في المرأة إذا طلبت إلى زوجها الكسوة والنفقة، ورفعت إلى الحاكم عليه، وأخذ الحاكم لها، وأجله في الكسوة، واعتزلت هي عنه، وطلبت النفقة مع الكسوة؟ فقال: ليس لها نفقة إذا اعتزلت عنه، فإن رجع إليه برأيها فلها النفقة، وإلا فليس لها نفقة حتى يحضر الكسوة ثم ترجع إليه وتكون معه، ثم حينئذ تكون لها النفقة عليه إذا كانت معه.
قال محمد بن موسى: حفظت عن والدي موسى بن محمد قال: حفظه عن عمر بن محمد في رجل طلبت إليه امرأته نفقتها ومؤنتها وكسوتها ونفقة بنيها ومؤنتهما وكسوتهما، المرأة مع زوجها أخذ زوجها له بذلك؟ (4/138)
صفحة 965
قال: الفريضة والرباية سواء، وإنَّما تجب الفريضة في الأولاد الصغار من الذكور، وأمَّا الإناث فلهنَّ الفريضة، كن كباراً أو صغاراً.
وعن أبي عبد الله: وعن رجل تزوَّج امرأة ثم وطئها فحملت أو لم تحمل، ولم يؤد إليها من نقدها إلا يسيراً ولم يشهد بالدخول، هل يلزمه للمرأة نفقة أو كسوة حيث وطئها من قبل أن يشهد له، ويوفيها النقد؟ وإن كره أهلها أن يدخلوه عليها حتى يوفيها، فكيف القول في ذلك؟ قال: لا نفقة لها عليه ولا كسوة إلا أن يخلوا بينه وبينها ويجبروه عليها، وأمَّا النقد فيمدد فيه مدة.
قال: إذا رفعت المرأة على زوجها إلى الوالي وهو ببعض قرى عمان، فعلى الوالي أن يفرض لها عليه، ويستثنى للزوج حجته.
ورأيت في جواب موسى بن علي إلى أبي مروان في رجل ملك امرأة غاب عنها أشهراً ولم يعلم أين غاب فرفعت إلى الحاكم؟ قال: ما أرى بأساً أن يحتجَّ على أولياء الزوج، فإن أحضروها مؤنتها فسبيل ذلك، وإن كرهوا فرض عليه لها فريضة لمؤنتها. (4/139)
صفحة 966
فإن كان له مال بيع لها من ماله بقدر مؤنتها، ويستثنى للزوج حجته.
ومن كتاب آخر: وأمَّا هو إذا غاب عن زوجته ولم يترك لها نفقة فعليه نفقتها منذ غيبته متى طلبت منه ذلك، يتخلَّص إليها وإلى ورثتها إن ماتت والله أعلم. وأمَّا أولاده الصغار، فإن كانت لما رفعت إلى المسلمين فرضوا لها فريضة، وأمروها أن تنفق من مالها فمحكوم عليه متى قدر، وإن لم تطلب حتى قدم فلا يحكم عليه ما مضى إلا أن تكون أنفقت عليهم بأمر فواجب ذلك عليه.
ومن كتاب آخر: عن أبي الوليد قلت: أرأيت الرجل يطلِّق زوجته فيعجز عن نفقتها حتى تنقضي عدَّتُها، هل تكون ديناً عليه؟ قال: نعم، هو رأيه.
وحفظ من حفظ عن بعض المسلمين: أنَّه لا يكون ذلك ديناً عليه، فإن كان يجد من لا تجب عليه الفريضة من العجز لم يفرض عليه إلى ميسوره، ولا يكون ديناً عليه في وجه من الوجوه ممَّن يلزمه عوله، إذا كان يجد عليه في حاله ذلك الفريضة إلا الزوجة، فإنَّه يجبر على نفقتها وكسوتها أو يطلِّقها.
وقد قال من قال: ويوجد ذلك في الآثار: أنَّه تفرض عليه الفريضة لمن تلزمه له الفريضة إلى ميسره. (4/140)
صفحة 967
وهذا على القول الأول.
وعن أبي عبد الله: في رجل تزوَّج امرأة ثم تولَّى عنها: أنَّه يحتجُّ على أوليائه، فإن أنفقوا عليها وكسوها وإلا فرض لها من ماله نفقة وكسوة وبيع وأعطيت.
وعن رجل تزوَّج صبيَّة لم تبلغ وأجازه والدها عليها، وكان معها في منزلها أشهراً يأوي إليها، ثم أنكر الدخول واعتزلها، فادَّعت الجارية الدخول منه بها، وطلبت الكسوة والنفقة؟ فقال: لا أرى قولها يقبل عليه حتى تبلغ، فإذا بلغت فإن رضيت به تم النِّكاح، وإن كرهته وادَّعت الدخول في الوقت الذي كانت معه كان القول قولها عليه، ولزمه الصداق، فإن اختارته كانا على نكاحهما، وإن كرهت وقد ادَّعت الدُّخول أخذت صداقها وخرجت، وليس لها عليه كسوة ولا نفقة حتى تبلغ، وإن لم يكن لها مال إلا أن يقرَّ هو بالوطء.
ومن كتاب آخر: وأمَّا هو إذا غاب عن زوجته ولم يترك لها نفقة فعليه نفقتها منذ غيبته متى طلبت منه ذلك، ويتخلَّص إليها وإلى ورثتها إن ماتت والله أعلم. (4/141)
صفحة 968
وأمَّا أولاده الصغار، فإن كانت لمَّا رفعت إلى المسلمين فرضوا لها فريضة أمروها أن تنفق عليهم من مالها، محكوم عليه متى قدم، وإن لم تطلب حتى قدم فلا يحكم عليه بما مضى إلا أن تكون أنفقت عليهم بأمر فواجب ذلك عليه، وإذا أخذت المرأة زوجها بنفقتها، ورفعت بها عليه، فأخذه لها الحاكم ثم مات فما بقي من تلك الكسوة ميراث لورثته، فإن طلَّقها وهو فعليها أن ترد عليه.
قلت: إن ماتت هي فما بقي من تلك الكسوة للزوج خاصة أو لجميع ورثتها؟ قال: للزوج خاصة.
قلت: كان مات هو فطلب منها ورثته بقيمة تلك الكسوة، ألهم ذلك؟ قال: لا.
ومن غيره: وعن رجل أراد حمل زوجته إلى بلد فشقَّ بها ذلك، وطلبت تركها في منزلها، فكتب لها كتاباً ألا نفقة لها عليه ولا كسوة، فتركها بلا أجل يجعله لها ولا شرط عليه، وله منها ولد فضمنت أيضاً بنفقة الولد وكسوته كما ضمنت نفقة نفسها وكسوتها، فإنَّه تركها ما قدر (4/142)
صفحة 969
الله سنة أو سنتين، ثم طلبت أن يحملها فطلبت النفقة والكسوة لها ولولدها؟ قال: لها النفقة أو الكسوة عليه إذا كان العذر من قبله إذا شطرت عليه ألا يحملها، وإن لم تكن شرطت ذلك عليه فلا نفقة لها ولا لولدها، وهما بالخيار جميعاً.
وعن امرأة طلبت إلى زوجها كسوة تدفئها في الشتاء فلها ذلك.
وممَّا يوجد عن أبي عبد الله: وعن رجل تزوَّج امرأة ثم تزوَّج بعدها أخرى، كم يقيم معها بعد الدُّخول ثم يقسم بينهما، كانت بكراً أو ثيباً؟ فإن كانت بكراً أقام معها ثلاثة أيام ثم يقسم بينهما، وإن كانت ثيباً أقام معها يوماً ليلة ثم يقسم بينهما.
وعن رجل تزوَّج امرأة ثم ركب البحر وخرج من عمان قبل أن يجوز بها.
قلت: هل لها في ماله نفقتها أو كسوتها؟ قال: فنعم، لها في ماله الحق العاجل والنفقة والكسوة والأوم، يصف ذلك، وتجعل له الحجة لحال غيبته. (4/143)
صفحة 970
ومن فرض على غائب فليجعل للغائب في كتاب الفريضة حجته.
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب إلى أبي مروان: وعن امرأة اغتصبها رجل فغيبها عن زوجها إلى بعض القرى، هل على الزوج لها نفقة؟ فإنِّي لا أرى لها نفقة حتى ترجع إليه.
قلت: فإن حبست المرأة في السجن، هل تلزمه نفقتها؟ فنعم، تلزمه نفقتها إذا كان دخل بها.
وفي حفظ أبي العباس زياد ابن أبي عبد الله: عرض عليه أيضاً عرضه، ولو أنَّ امرأة رجل فرض لها نفقة كل شهر نفقة مثلها، فهرب بها رجل فذهب وهي كارهة فغيبها أشهراً ثم ردَّها، لم تكن لها نفقة، وإن كانت غير ناشز، لأنَّ الزوج ممنوع منها، وكذلك قال أبو محمد.
وكذلك لو حبست امرأة في السجن بدين عليها لم تكن لها على زوجها نفقة ما دامت في السجن.
ومن غيره: قال: قد اختلف في التي تحبس في السجن بحق يلزمها في الإسلام وهي تجوز عليها ولا مغصوبة: فقال من قال: إنَّ ذلك ليس من فعلها ولا من فعله، وإنَّما ذلك شيء (4/144)
صفحة 971
لزمها في الحقِّ فعليه نفقتها على كل حال في السجن؛ لأنَّ الأمر من حكم المسلمين. وقال من قال: ليس عليه نفقة؛ لأنَّه ممنوع منها على كل حال، وقال من قال: إن كان الحبس لها من قبله كان عليه نفقتها، وإن كان من حدث أحدثته من قبل غيره فليس عليه نفقتها.
والذي معنا أنَّه إذا صحَّ عليها له حق يجب عليها أداؤه في الإسلام من الحقوق اللازمة لها في مالها فلم تؤد ذلك وحبسها الحاكم بهذا الحق اللازم لها إذا وهي قادرة على أدائه فليس لها عليه نفقة، وكذلك كلُّ ما كان من فعلها هي الذي تكون قادرة على الخروج منه.
وأمَّا حبسها مع الحاكم من حبس التهم وغير ذلك ممَّا يكون فيه الأدب الذي لا مخرج لها هي منه، ولا تقدر على فكاك نفسها فعليه نفقتها على هذا، لأنَّه هو حبسها وعرضها للحبس، ولا حقَّ عليها فيه فيؤديه.
وكذلك إن كان شيء من الحقوق، وكان يعلم أنَّها معسرة به فعليه نفقتها، وذلك أنَّهم قالوا: إذا حبست على شيء من الديون والحقوق لم تكن لها نفقة. (4/145)
صفحة 972
وقد حفظت عن الشيخ في الصبية إذا سلم إليها زوجها البالغ شيئًا من صداقها ونقدها: قال: إنَّ سلمه إليها ولم يشترط عليه بشيء فأتلفته وأكلته فليس عليها شيء في ذلك، وإن سلَّمها إليها وأعلمها أنَّه من نقدها ففي ذلك اختلاف: منهم من يقول: عليها ذلك، ومنهم من يقول: هو أتلف ماله، وأعطى الصبية فكأنَّهم لا يرونها جناية، وكان ذلك على حد التَّسليم، ولم تكن هي سرقته.
وقيل: إذا أحضر الزوج إلى زوجته الكسوة والنفقة فوقع في الدار غصب أو حرق أو سرق أو تلف يعرف من غيرها، فعليه أن يحضرها كسوتها ومؤنتها.
قال محمد بن المسبح: لا ألزمه أن يكسوها ثانية، إلا أن يكون لها مال، أو كان لها صداق فمن صداقها، أو خرقته على جنبها من لبسها.
قال غيره: إذا خرقته على جنبها من لبسها لم يكن عليه أن يبدلها مكانها.
ومن جامع أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة: قال أبو عبد الله: إذا طلبت المرضعة إلى أبي المرضع وهي مطلقته أو أجنبية حق رضاعها وحضانتها للصبي وقيامها به فرض لها كما يراه الحاكم درهمين أو درهمين ونصف، وأكثره ثلاثة دراهم. (4/146)
صفحة 973
والنظر يوجب عندي: أن تكون لها الكسوة والنفقة على ما أوجبه ظاهر الكتاب لقول الله جل ثناؤه: {وعلى المولد له رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف}.
وقد بين المعروف أنَّه أجرى على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره والله أعلم.
وعن القاضي أبي علي الحسن بن سعيد بن قريش: في امرأة رفعت على زوجها، وطلبت منه بقية نقدها من الثياب إن أجازته على نفسها، ألها أن تحبس نفسها عنه حتى يوفيها ذلك أم يحكم عليها بالمقام عنده وعليه لها طلب ذلك ويسلمه إليها إذا وجده وتمكن منه؟ الذي حفظت في ذلك: أنَّها إذا أجازته على نفسها لم يكن لها منعه لأجل بقية عاجلها، وكان سبيله سبيل الديون التي يجب لها عليه أو على غيره والله أعلم.
قلت: أرأيت إن طالبت المرأة زوجها بكسوتها التي تلزمه لها بالعشرة، ولم يتمكَّن منها في ذلك الوقت، ألها أن تحبس نفسها عنه أم يحكم عليها بالمقام عنده؟ الذي عرفت في هذا: إن صبرت كان أفضل لها، وإن منعته وطأها وسعها ذلك حتى يكسوها والله أعلم. انقضى.
سئل عن رجل فرض عليه الحاكم كسوة لزوجته، ومدَّد في ذلك ثم طلَّقها بعد أن مضى من المدَّة أيام؟ (4/147)
صفحة 974
قال: تلزمه من الكسوة المفروضة بقدر ما مضى من المدَّة في السنة من الكسوة.
وقلت له: فإن اتَّفقوا أن يعطيها قيمة الكسوة بقدر ما مضى؟ قال: له ذلك.
وعن الحاكم إذا أثبت الفريضة على الرجل لزوجته وولده أو من يلزمه له ذلك فخلا بعد ذلك سنة من يوم فرض، ولم يعرف الشهور نقصت أو تمت؟ قال: إن تقارر الخصمان في ذلك على شيء، وإلا حكم بما لا شكَّ فيه. وهو عندي على النقصان حتى يصحَّ غير ذلك.
قلت له: فإن كانت الفريضة على الأشهر، فهل يحكم بنقصان الأشهر، إذا لم يصح نقصان الأشهر ولا تمامها؟ قال: أخذه بما عليه بما لا يشك فيه ووقف عليه سواء ذلك، ولا يدخل فيه إلا ببينة لأنَّهما مدعيان في ذلك.
وقال: ينبغي للحاكم ألا يهمل الاهتمام بمعرفة الأهلة ليقف على ذلك لئلا يدخل في الأحكام على غير يقين.
وقالوا: إنَّ السلاطين مصدقون في الأهلة، لأنَّهم أصحاب الأمر والقيام في ذلك. (4/148)
صفحة 975
وإذا أقام الحاكم ثقة يتفقد الأهلة قبل قوله في ذلك، وإذا لم يكن ثقة لم يقبل منه وحده إلا بثنان مثله في الثقة.
قلت له: فيخرج في الاعتبار أنَّه ينقص شهرين متواليين أو تمام شهرين متواليين؟ قال: قد قيل: لا يكون ذلك.
وقد روي عن النبي (ص) أنَّه قال: الشهر ثلاثون يوماً أو تسعة وعشرون يوماً.
وعن المرأة إذا رفعت على زوجها بالكسوة والنفقة واحتجَّ الزوج أنَّه تمنعه مجامعتها وأنكرت المرأة ذلك.
قلت: كيف يكون الحكم بينهما؟ فعلى ما وصفت، فإذا رفعت على زوجها بكسوتها ونفقتها واحتجَّ أنَّه تمنعه نفسها يريد بذلك بطلان نفقتها ذلك اليوم وكسوتها وأنكرت المرأة ذلك، رأيت اليمين بينهما ذلك اليوم الذي رفعت عليه فيه، وأمَّا ما مضى فلا أرى عليها فيه يميناً بينهما، إلا أن يكون قد فرض لها عليه كسوة ونفقة أراد بطلانها وقت ما رفعت عليه رأيت اليمين بينهما في ذلك على ما تناكرا فيه، وإلا فجعلا على يدي عدل إذا لم يكن في الحكم وجوي يمين على ما وصفنا والله أعلم. (4/149)
صفحة 976
وسألته عن الصبية إذا فرض لها على من تلزمه لها الفريضة، وجعلت مع والدتها بتلك الفريضة، ثم عزلت الجارية، فهل ترفع للذي عليه الفريضة من ذلك العزل؟ قيل: إنَّه ترفع له ممَّا كان له من المحصولات من الأعمال منها إذا حصل لذلك عليه من أجرة أو غيرها ممَّا يكون له، وإنَّما تكون لها الفريضة من ذلك.
قلت له: ولا يحل للوالد أن يأخذ منه الفريضة، إذا لم يعلم بذلك؟ قال: يجوز لها ذلك.
قلت: فهل يجوز للأم أن تستخدمها وهي تأخذ لها الفريضة بالطحين، إذا كانت تقدر على ذلك وبالحطب وبإحضار الحاجة من عند الجارة؟ قال: يختلف في استخدام الوالدة بولدها: فأجاز ذلك بعض، ولم يجزه بعض، وقال بعض: لا يجوز. ولا يجوز للوالد ولا الوالدة إلا أن يكون ذلك في مصالح الصبي.
وسئل عن المرأة إذا امتنعت عن زوجها ورفع إلى الحاكم، وأنكرت المرأة ما يلزمها في ذلك؟ قال: يدعي على ذلك البينة.
قلت: فإن أعجز البينة؟ (4/150)
صفحة 977
قال: ليس عليها في هذا يمين، لأنَّها لو أقرَّت لم يكن عليها حق.
قلت: فلو أقرَّت بذلك أو صحَّ عليها أنَّها كانت تمنعه إلى يومها ذلك فما يلزمها؟ قال: لا يبين لي عليها شيء، وعليها التوبة.
وأمَّا الذي خرجت زوجته بأمره زائرة إلى أهلها فعليه أن يردها إذا طلبت الرد، فإن لم يردها فعليه الكسوة والنفقة.
وأمَّا إن كانت خرجت بلا رأيه، فليس عليه أن يردَّها إلا ألا تجد من يحملها من الأولياء، ومن لا تجوز له صحبتها فعليه أن يحملها أو ينفق عليها في مرضها إذا باتت ورجعت إلى الحق (4/151)
صفحة 978
باب (في نفقة الأمة وكسوتها ومؤنتها)
وممَّا يوجد عن أب الحواري محمد بن الحواري: وعلى الأمة ما يكون لها على زوجها من الكسوة؟ قال: قد بلغنا عن عمر بن الخطاب (ض) قال: اكتشفوا عن رؤوس الإماء لا يشتبهن بالحرائر.
وبلغني عن محمد بن محبوب أنَّه قال: للمرأة على زوجها من الكسوة ثلاث أثواب: درع وإزار وجلباب.
ووجدت أنا: أنَّ عليه ثلاثة أثواب وعلى المولى ثوب.
قلت لأبي محمد: وما عليه لها من النفقة؟ قال: عليه نفقتها وكسوتها إذا فرغوها له، وإذا شغلوها عليه فليس عليه كسوة ولا نفقة، فإن فرغوها في الليل فعليه نفقتها وكسوتها في الليل، فإذا أصبح نزع كسوته منها إذا أخذوها منه، وإن فرغوها في الليل والنهار فعليه نفقتها وكسوتها في الليل والنهار، (4/152)
صفحة 979
وليس لزوجها أن يستخدمها بشيء.
قلت له: فإن طلب أن يفرغوها له فبم يحكم له؟ قال: يحكم أن يفرغوها له في الليل، أرجو ممَّا سئل عنه عزان بن الصقر:
قلت: فإن كانت أمة لرجل متخذ بها سرية، فهل عليه من الكسوة إلا قميص؟ قال: عليه لها أكبر من قميص، يكسرها إزاراً وقميصاً وجلباباً والله أعلم.
وإذا طلَّق العبد الأمة بإذن سيده، فهل عليه لها النفقة؟ قال: لا نفقة عليه.
قلت: وإن كانت حاملاً؟ قال: وإن كانت حاملاً.
قلت: فإن كانت حرة؟ قال: إن طلَّقها بإذن سيده طلاقاً يملك الرجعة فعليه النفقة، وإلا فلا نفقة عليه.
قلت: فإن كانت حاملاً وقد طلَّقها ثلاثاً، فهل لها نفقة؟ (4/153)
صفحة 980
قال: لا؛ لأنَّ الولد ليس للمولى. انقضى.
قال: أرأيت في بعض الآثار أنَّ النفقة لجميع الحوامل إلا الميتة؟ وكذلك حفظ العباس بن زياد عن أبي عبد الله.
وقلت: للمطلقة الحامل ثلاثاً أو واحدة في مال زوجها نفقة إذا مات؟ قال: لا نفقة لها في مال الهالك.
ومن غيره: وقد قيل: في كسوة الأمة على السيد والزوج قميص سابغ.
وقيل: قميص وجلباب. وقيل: ثلاثة أثواب: قميص وجلباب وإزار. وقيل: على الزوج ثلاثة، وعلى السيد ثوب، وقيل: إذا كانت ممَّن تستر فثلاثة على الزوج والسيد، وقيل: اثنان: على السيد واحد، وعلى الزوج اثنان.
وإذا فرض الحاكم على الرجل لزوجته، فإنَّه يقول لها: قد فرضت لك عليه الكسوة للسنة المستقبلة من يومك هذا. (4/154)
صفحة 981
وعلى هذا يقضيها.
وليس على الزوج تسليم الكسوة بعد أن يفرض لها عليه، إلا أن تصل إلى المنزل الذي يسكنانه فحينئذ يجب لها أخذ الكسوة منه، وإن ادَّعت المرأة تلف شيء من الكسوة كانت مدعية، فإن صحَّ ما تقول من تلف الكسوة، فقال من قال: إنَّ عليه بدل ذلك إذا صحَّ ويحكم عليه، وقال من قال: لا شيء إلا بعد سنته التي قد أدَّى كسوتها.
وإذا رفع الرجل إلى امرأته شيئًا من الثياب أو من الكسوة ولم يشترط عليها في ذلك شرطاً، ولا كان ذلك برأي حاكم فذلك للمرأة.
فمتى طلبت الكسوة كان عليه أن يحضرها الكسوة، ولا تحسب له ما أعطاها.
وعن الرجل إذا خرجت زوجته من منزله بغير إساءة منه، ثم إنَّها طلبت الرجعة إلى معاشرته ومساكنته، وطلبت الكسوة والنفقة، وطلب هو المدَّة في ذلك؟ قال: أمَّا النفقة فلا يبين لي أنَّ فيها مدَّة، وهو مأخوذ لها كل يوم بنفقتها، وكذلك الكسوة لا غناية لها عنها. (4/155)
صفحة 982
وفي بعض القول: أنَّه لا مدة له فيها، ويؤخذ لها بالكسوة من حينه إلا أن يمدد بقدر ما عليه شراؤها من السوق الحاضر له، أو المجتمع موضع البيع الذي تطيق إلى البلوغ إلى ذلك بلا مضرة عليها.
ومن جواب أبي الحواري: وعن امرأة ترفع على زوجها بالكسوة أو الفريضة لولدها وأشباه هذا فتؤجل الكسوة، وتقول المرأة: إنَّها تخاف أن يهرب، وتطلب أن يؤخذ لها عليه كفيل؟ فعلى ما وصفت فإذا طلبت المرأة الكفيل على زوجها وقد خافت أن يهرب، وقد أجل في الكسوة كان لها ذلك أن يحضرها كفيلاً بنفسه، وقد رأيت نبهان قد حكم بذلك.
وأقول: إنَّه إن لم يقدر على الكفيل لم يكن عليه حبس، وإنَّما الحبس على من يقدر على الكفيل.
وأمَّا فريضة الولد لأمه على أبيه فلا يؤخذ عليه الكفيل، كذا حفظنا.
ومن جوابه: وعن رجل غاب عن زوجته وله مال، هل للحاكم أن يبيع من ماله وينفق على زوجته؟ فعلى ما وصفت، فإنَّ الحاكم إذا صحَّ معه غيبة هذا الرجل من المصر وكان في موضع حيث لا تناله حجة ذلك الحاكم أمر الحاكم أن تدان بكسوتها ونفقتها إلى سنة، (4/156)
صفحة 983
فإن انقضت السنة أمر الحاكم ببيع مال الغائب بالنداء بقدر ما أدانت المرأة من كسوتها ونفقتها التي فرضها لها الحاكم، فيؤدي الحاكم من مال الغائب بقدر ذلك، ويستثنى للغائب حجته، وكلَّما مضت سنة باع الحاكم من مال الغائب بقدر ذلك، وإن طلب ولي الغائب يمين المرأة ما معها للغائب كسوة ولا نفقة كان له ذلك، وكذلك إن لم يطلب ولي ذلك كان على الحاكم ذلك، وقال من قال: على الزوج أن يصبغ للمرأة الدرع. وقال من قال: الدرع والإزار.
وعن امرأة خرجت من عند زوجها برأيه أو بغير رأيه إلى أهلها، ثم طلب زوجها أن يحملها فقالت: حتى يحضرها كسوة لها معه أو حلياً، وطلبت الكسوة والنفقة، قال الزوج: فإنَّها تخرج معي، فإذا صارت في منزلي رددت عليها ثيابها، فإنِّي لا آمن أوصل إليها ثيابها، فإنِّي أخاف السلب في الطريق.
فهذا له حجَّته، ولا تلزمه لها كسوة ولا نفقة إلا في منزله، خرجت برأيه أو بلا رأيه، إذا كان قد طلب إليها أن يردَّها إلى منزله فأبت، وإنَّما عليه أن يحضرها الكسوة والنفقة حيث يسكنها. (4/157)
صفحة 984
وإذا تناكرا: قالت المرأة: خرجت برأيه، وقال الزوج: خرجت بلا رأيي؟ فالبيِّنة على المرأة أنَّها خرجت برأيه وعلى الزوج اليمين.
وعن رجل تزوَّج امرأة لها أولاد من غيره، فقال: لا تسكني أولادك عندي.
قلت: هل له ذلك عليها؟ قال: وإذا لم يكونوا بحد من يستغنون بأنفسهم عنها لم يكن له ذلك، لأنَّ المرأة أولى بأولادها ما لم يختاروا غيرها.
فإذا صاروا بحد الخيار فلهم ذلك، إلا إن أمكن أن يكون السكن يقربها، ويقوم بهم من غير سكنها، وصلح ذلك فقد قيل: إذا لم تكن على أولادها مضرة، فإن خيف عليهم الضرر فلا ضرر ولا إضرار في الإسلام.
وسألته عن ولي المرأة إذا رفع على زوجها لا يدفع العاجل أو ينفق ويكسو، فهل يلزمه ذلك؟ قال: فإنَّ الحاكم يأخذه بذلك، ويؤجله في احضار العاجل، فإذا لم يدفع أخذه بالكسوة والنفقة، (4/158)
صفحة 985
فإذا عدم الحاكم احتجَّ عليه بالمسلمين له، وأخذه بالكسوة والنفقة من ماله.
وقيل: في امرأة رفعت على زوجها إلى الحاكم يطلب النفقة إليه، سأله الحاكم عن ذلك فقال: ليسها لي بامرأة، فقال له الحاكم: طلَّقتها؟ قال: نعم.
قال: هو قد طلَّقتها أو طلقتها أو كنت طلقتها؟ إنَّه يلزم في هذا كلِّه الطلاق إذا لم يكن طلَّقها من قبل. (4/159)
صفحة 986
باب (في مؤنة زوجة العبد)
وعن امرأة تمرض: على من نفقتها؟ إذا كانت من قبل ذلك مع مواليها النهار حتى مرضت فعليهم نفقتها، وإذا كانت مع زوجها فعليه نفقتها إذا لم يكونوا منعوه منها في الصحَّة. قال: بداية.
وعن عبد دخلت عليه زوجته نهاراً فوطئها؟ فليس أرى له أن يحبسها من مواليها نهاراً، ولا لهم أن يحبسوها عنه ليلاً، وإن كان وطئها ولم يحبسها فما أرى بذلك بأساً، والله أعلم.
وفي نفسي من ذلك شيء، لأنِّي كنت سألت أبا الحواري في رجل كانت له جارية، وكان يعلمها الزجر بالنهار، فإذا كان الليل أراد وطأها فقالت الجارية: إنِّي لا أقدر أن أزجر بالنَّهار وتسهرني أنت بالليل، فإن شئت أعفني من الوطء والسهر، وإن أعفني من الزجر بالنهار.
فقال أبو الحواري: يطأها ولم ير لها عذراً غير أنَّ ذلك سيد وهذا زوج، ولعلَّ بينهما تبايناً والله أعلم بذلك. (4/160)
صفحة 987
قال غيره: والسيد الزوج بالوط للجارية: حبس على سيدها إذا كان هو الطالب لذلك، فأمَّا إن نامت هي أو قعدت، وإن أرادت تقوم لم يمنعها، فالوطء مباح، وهو بمنزلة السيد في هذا إذا لم يكن هو المفوض لحبسها، وكانت هي المحتسبة.
وعن العبد يتزوَّج الحرة والأمة بإذن سيده ثم يطلقها؟ قال: نعم، لها نفقة الحرة.
فأمَّا الأمة فإن نواها سيدها وتركها بعيداً في منزله فعليه النفقة وإلا فلا نفقة لها.
ممَّا ألف أبو قحطان: ومن الكتاب المضاف إلى الفضل بن الحواري: وإذا كان عبد تزوَّج حرة بإذن مواليه كانت مؤنتها مؤنة الحرة، وكسوتها ككسوتها.
فإن أعطاها السيد، وإلا كانت في رقبة العبد، وإن كان عبد تزوَّج أمة بإذن سيدها فإنَّ خلاها سيدها لزوجها الليل والنهار، فعلى زوجها نفقتها وكسوتها وجميع ما يلزمه لها، وإن حبسها الليل والنهار فلا كسوة لها، ولا نفقة عليه، وليس لسيدها أن يحبسها الليل من العتمة إلى طلوع الفجر. (4/161)
صفحة 988
وإن حبسها عنه بالنهار وخلاها الليل، فعلى زوجها كسوتها ونفقتها بالليل، وعلى سيدها مؤنتها وكسوتها بالنهار، وإن كانت من الزنج الذين يشترون فقميص.
وقد روي عن بعض الفقهاء أنَّه قال: قميص وجلباب.
ومن غيره: قال أبو زياد في رجل أذن لعبده أن يزوِّج بكذا وكذا فتزوَّج العبد، فالسيد مأخوذ به، مات العبد أو لم يمت.
قال محمد بن المسبح: للأمة نصف الكسوة والنفقة قدر ما يأتيه، الليل لزوجها، والنَّهار لسيدها، فإن سلَّمها إليه السيد الليل والنهار كان على الزوج النفقة كالحرة، وإن كانت من الإماء الهند والبياسرة والبيض والروم الذين يلبسون الثياب ويستترون فإزار وقميص ورداء على قدر سعة لباس مثلها عند سيدها.
قال أبو المؤثر: كسوة الإماء كلهنَّ ليس لها إلا قميص وما يدفئها من البرد، وإن كان عبد تزوَّج أمة بإذن سيده فهما كذلك: فعلى العبد نفقتها وكسوتها بالليل، وعلى سيدها نفقتها وكسوتها بالنهار، (4/162)
صفحة 989
فإن أداه إليها السيد وإلا فهي في رقبة العبد.
وإذا تزوَّج عبد حرة بإذن سيده ثم هرب العبد؟ فقيل: إنَّه يلزم السيد كسوتها ونفقتها، فإن طلَّقها سيده لزمه طلاقه.
ومن غيره: قال: يلزمه صداقها أكثر من قيمة رقبة العبد لم تلزمه فوق ذلك، إلا أن يكون حد له يتزَّوج عليه فلا يلزمه إلا ذلك الحد، زاد فوق رقبته أو نقص منها، وإنَّما يلزمه إذا باعه وأبق، وأمَّا إذا مات فلا يلزمه.
قال أبو الحواري: إذا مات العبد وقد حدَّ له السيد حدًّا في الصداق فما زاد على رقبته فعلى السيد.
وقيل: إذا أعتقه سديه وقد تزوَّج بإذن سيده فعليه الصداق، إذا باعه أو أعتقه أو أبق، وإن حدَّ له حدًّا ثم مات فعليه ما فضل على قيمة العبد، وذلك إذا لم يضمن به السيد، وإن ضمن به السيد فعليه الصداق كلُّه، كان قليلاً له باعه أو أعتقه أو أبق أو مات أو لم يكن من ذلك شيء. (4/163)
صفحة 990
والمملوك إذا لم يكن عليه ثوب يستره، فعلى الحاكم أن يأخذ مولاه أن يكسوه ولو لم يطلب العبد.
ومن كتاب محمد بن جعفر: وعن هاشم بن غيلان في الرجل يشتري الأمة ولها زوج عبد فيذهب بها السيد إلى بلد آخر فتبلى كسوتها؟ قال: على الزوج الكسوة ولو ذهب بها السيد إلى البصرة ما دامت امرأته، وذلك بعد أن يعرض عليها الخلع فيأبى الزوج، فإن طلب الزوج الخلع وكره السيد لم يكن على الزوج كسوة، إذا خرج بها السيد، والذي نأخذ به أنَّه لا تلزمه الكسوة إلا أن يخليها له فيلزمه.
وقال بعض: إذا تزوَّج عبد أمة بإذن سديها ثم باع سيد الأمة أمته في غير البلد فعليه أن يرد على الزوج ما كان معه له.
قال أبو المؤثر: نعم، ترد ما كان معها له من مال، وأمَّا الصداق فلا يرده، ولا ترد الكسوة، وإن بيع العبد وأخرج من المصر، فإنَّ سيده طلَّق، وإن شاء أحضرها مؤنتها، ما يلزمه من ذلك. (4/164)
صفحة 991
قال محمد بن المسبح: إذا باع أمته، فإن ردت على الزوج ما أخذت منه أمر بفراقها مولاه، فإن كره أن يفارقها لزمه كسوتها ونفقتها، وإن كرهت أن ترد عليه لم تلزمه كسوتها ولا نفقة، وإن باعها سيدها أمر سيدها أن ترد على زوجها ما أخذه منه ويفارقها، فإن كره سيدها أن ترد على زوجها تركها بحالها، ولا نفقة عليه ولا كسوة.
وقال أيضاً: إذا باع الرجل غلامه وله زوجة، فإن شاء طلَّق، وإن شاء كساها وأنفق.
ومن غيره: وإذا أذن السيد للعبد أن يتزوَّج فتزوَّج بأمة، على من تكون نفقة الأمة؟ فإن كان مولى الأمة على أمته لزوجها في الليل والنهار فعليه نفقتها بالليل والنهار وكسوتها بالليل والنهار، وإن كان إنَّما يخليها بالليل ويشغلها بالنَّهار فعليه نفقتها وكسوتها بالليل، وعلى السيد نفقتها وكسوتها بالنهار. (4/165)
صفحة 992
قول أبي الحواري: ونفقة العبد وكسوته ونفقتها وكسوتها على موالي العبد، لأنَّهم أذنوا له في التزويج، وكسوة الأمة على سيدها قميص، وكسوتها على زوجها إزار وقميص وجلباب، هكذا حفظناه.
ومن غيره: على حسب قول أبي الحواري: يوجد عن أبي عبد الله -رحمه الله- في كتاب عزان بن تميم في كسوة الأمة على زوجها وسيدها. (4/166)
صفحة 993
باب (في مؤنة الأولاد)
ومن أعتق صبياً ولذلك الصبي والد حر فإنِّي أرى أن والده أحق أن ينفق عليه لأنَّه وارثه.
وإنَّما رأى المسلمون نفقة الصبي على من أعتقه لئلا يكون كلا على النَّاس، فأمَّا إذا كان أبوه حراً فهو أحق أن ينفق عليه، والله أعلم.
وقد قيل: إن كان أعتقه عن لازم فعليه نفقته، وإن كان تطوعاً فعلى والده النفقة إن كان غنياً، وإن كان والده فقيراً فعلى الذي أعتقه نفقته، وقيل: نفقته على الذي أعتقه دون والده.
ممَّا يوجد أنَّه معروض على أبي عبد الله: وقال للمرأة ما للرجل في الولد، لها أن تأكل ماله وتنزع، ولها ربا ولدها إن أحبت حتى تبلغ، وإن تزوَّجت فليس للأب نزعه؟ (4/167)
صفحة 994
قال: لها أن تخرج به إلى كل بلد بعد أن يكون فيه أعمام وأخوال.
وقال أبو عبد الله: ليس لها أن تخرج به، إلا أن يكون بلدها في موضع آخر، ويكون في غير بلدها ذلك فيطلقها فلها أن تخرج إلى بلدها.
وسألت هاشماً وعلاء عن وصي ليتيم فأنفق على اليتيم وماله من مال نفسه، وحسب عليه ذلك، ثم إنَّ اليتيم أدرك وكسب مالاً، أيأخذ منه مؤنته الوصي؟ فقال العلاء: نعم. ولم ينكر هاشم عليه فبين هاشم كيف قال علاء، وقال: هو مصدق، وبين هاشم ولم ينكر.
قلت: فإن كان وليه هو الذي مأنه؟ قال هاشم: أشهد على ذلك أم لا؟
قلت: أرأيت أن أشهد أو لم يشهد، ما تقول؟ قال: يأخذ منه على قدر ما يرى المسلمون أنَّه يبسط عليه.
وفي رقعة أحسب عن أبي معاوية: وسئل عن رجل طلَّق امرأته فانقضت عدَّتها وتزوَّجت فأراد زوجها المطلِّق أن ينزع منها ولدها؟ (4/168)
صفحة 995
قال: إذا تزوَّجت فالأب والولي أحق به منها، وإن كان صغيراً غير مستغن عنها، وإن هي لم تتزوج فهي أحق بولدها، وما كان ولدها محتاجاً إليها، فإن استغنى عنها، وبلغ مبلغ الأدب فأبوه أحق به منها.
كذلك بلغنا عن النبي (ص): أنَّ امرأة أتته ومعها زوجها يتحاكمان إليه في ولدهما فقالت: يا رسول الله: ثديي سقاه، وبطني وعاه، وحجري حواه، فقال النبي (ص) للمرأة: أنت أحق به ما لم تتزوجي.
قيل: فإن ماتت المرأة أم الصبي قبل أن يستغني عنها وجدته أم أمه حية؟ قال: هي في ذلك بمنزلة أمه، هي أحق به، وكذلك بلغنا عن أبي بكر رحمه الله.
وذلك أنَّ عمر بن الخطاب كان طلَّق زوجته وهي أم عاصم، وهي امرأة من الأنصار ممَّن تسكن قباء، وكانت بقباء فذهبت جدته أم أمه فاحتملته لتذهب به إلى أمِّه بقباء فذكر ذلك لعمر فأدركها فأخذ بيد عاصم فأخذته الجدة بيده وأقبلا إلى أبي بكر فقال لعمر: خلي بينها وبينه.
فبلغنا أنَّ عمر لم يراجع أبا بكر الكلام ورضي به.
وقد سمعت أنَّ عمر حكم برأي أبي بكر بعد موته، (4/169)
صفحة 996
فإن لم يكن للصبي جدة وكانت له خالة، فهي في ذلك بمنزلة الأم، وهي أحق به حتى يستغني عنها، فإن كانت الجدَّة والخالة حيتين فالجدَّة أحق به من الخالة.
وعن امرأة تزوَّجت برجل ولها بنون من غيره شرطت أن ليس لك أن تزيل بني من عندي فتقدم على ذلك، وأشهدت عليه، فلمَّا دخل بها أراد أن تعزل أولادها عنها؟ قال: ليس له ذلك.
قلت: فإنَّها لم تجعل الشرط؟ قال: من صداقها، وإن لم تجعله من صداقها فلها شرطها.
وكذلك لو شرطت عليه السكن ولم يجعله من صداقها كان له شهر شرطها في السكن.
وحفظت أنا عن أبي بكر أحمد بن محمد بن خالد: أنَّ ما كان من الشروط التي تثبت إذا شرطتها المرأة، فإنَّما تثبت إذا كان في نفس عقدة النكاح، وأمَّا إن كان قبل العقدة ولم يظهر: أذلك في نفس العقدة ففيه اختلاف: وقال قوم بثبوته، وأبطله آخرون. (4/170)
صفحة 997
وإن كان الشرط بعد العقد كان باطلاً بلا اختلاف علمناه، وكذلك الشروط التي تثبت في البيوع.
وعن رجل طلَّق امرأته ولها منه ولد صبي فتزوَّجت برجل، فهل لوالد الصبي أن يأخذه من أمه؟ قال: نعم.
قلت: أرأيت إن كان للصبي أعمام، هل يجوز لهم ما يجوز للوالد من أخذ الصبي؟ قال: إنَّما يجوز ذلك للوالد.
وعن أمة أعتقت ثم ماتت فميراثها لجنسها، وإن كان لها ولد يحتاج إلى النفقة أخذ مواليها الذين أعتقوها برباية ابنها، وليس لهم من ميراثها شيء.
فإن كان أبو الولد حراً وكان حياً أخذ برباية ولده، وإن لم يكن له والد حرٌ، فالمؤنة على ولد أمه الذين أعتقوها.
ومن كتاب آخر عن الأشياخ: معروض على أبي زياد: وعن رجل ملك امرأة بألف درهم عاجلاً فطلبت المرأة أن تعطى نقدها؟ قال: تمدد مدة، وإذا جاء الأجل، فإن أعطى النقد وإلا فعليه نفقتها وكسوتها، وترك لا يؤخذ منه النقد. (4/171)
صفحة 998
وسألت -رحمك الله- عن رجل طلَّق امرأته وله منها أولاد، فأخذته مطلقته بالفريضة، وفرض عليه النفقة والكسوة، ثم طلبت أن تسكنهم منزلاً فكره ذلك؟ قال: فإن كانوا لا سكن لهم فعليه أن يسكنهم ويكتري لهم منزلاً، وعليها هي من الكراء بقدر عددهم، فإن كانوا معها في منزلها فقال أبو عبد الله: ليس عليه لهم كراء منزل.
وأمَّا أنا فأقول: إنَّ عليه سكناهم، إن شاء معها، وإن شاء أن يكتري إن وجد أرخص من منزلها إذا كان فيه صلاح لسكنهم، وإن سكنوا معها، وقنعت هي بمثل ما يؤخذ الكراء أن تأخذ هي لمسكن منزلها، وتطرح عنهم ما ينوبها هي من النكراء.
وقال أيضاً: في رجل ولدت امرأته فأرادت أن ترضع له ولده إلا بالأجر.
فقال أبو عيسى: إذا كان موسراً أعطاها الرباية.
قال: قال ذلك من قال. وأمَّا هاشم ومسبح: لم يروا لها أجراً.
وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب: ليس لها ذلك. (4/172)
صفحة 999
وعن رجل طلَّق امرأته ولها منه ولد ترضعه فأصاب من ترضعه بأقل ممَّا ترضعه له.
فقال أبو زياد: حفظنا أنَّ والدة الصبي تخير إن شاءت أن ترضع بالذي أصاب وإلا فتعطيه ولده يدفعه إلى المرضعة التي ترضعه له بأقل.
قال محمد بن محبوب: ليس له ذلك، ترضعه والدته برأي العدول.
ومن كتاب آخر: قلت لأبي الوليد: أرأيت الرجل يطلق به؟
ومن غيره: قال: ويأجر الرجل ابنه في العمل، وإن كره إذا كان محتاجاً.
رأيت في تقييد الحواري عن أبي عثمان: ومن أنفق على من تلزمه نفقته من إخوة أولاد أو غير ذلك، ولم يعلم أنَّ لهم مالاً ولا لهم يسر، ثم أصيب مالهم.
فالذي أنفق عليهم يرجع بما أنفق عليهم فيأخذهم بذلك.
قلت: أرأيت إن كان ليس لهم مال، وإنَّما أصاب المال بعد ما اكتفوا، فهل يرجع عليهم بشيء؟ قال: لا يرجع عليهم بشيء، لأنَّهم يوم أنفق عليهم لم يكن لهم مال، وأمَّا إذا مات رجل وخلف أولاداً، وأمَّا لهم فأنكر ورثته الأيتام نسبهم، وأنكروا الأيتام وهم لا مال لهم؟ (4/173)
صفحة 1000
قال: لا يحكم الحاكم في شيء من هذا إلا بالبينة.
وعن أبي عبد الله: في رجل له بنون صغار فأشهد أني أنفق عليهم وأكسوهم، وأحسبته ديناً عليهم أن بلغوا وأدركوا أخذته منهم؟ قال: ليس له ذلك عليهم، لأنَّ نفقتهم وكسوتهم كانت تلزمه لهم إلى أن يبلغوا ويكون لهم مال.
وقيل: المسلمون يقومون لليتامى والصبيان إذا كان لهم حق على أبيهم قال السلطان على أبيه مقامه.
وكذلك إذا لم يكن حاكم ولا أحد يقوم على الأب في ما يجوز من فعله وكل الأب من يقوم له بذلك، إذا كان ذلك صلاحاً للولد، واشترى منه الجارية، وعقد عليه البيع إذا كان ذلك أصلح للصبي.
وكذلك إذا كان عليه لولده حق وأراد تسليمه إليه، وقضاه إيَّاهُ أقام لولده وكيلاً، وقبض منه الوكيل إذا لم يكن حاكم، لو كان حاكماً وفعل ذلك جاز ذلك إن شاء الله.
وقد جاء الاختلاف في نفقة أولاده الصغار، إذا كان لهم مال، فقال من قال: في ماله، وقال من قال: في مالهم.
فعلَّ الذي يقول في ماله يثبت له قدر ما أنفق عليهم إذا أشهد على ذلك. (4/174)
صفحة 1001
والذي لا يرى في مالهم لا يجيز له ذلك، ونفقتهم عليه.
ومن تأليف أبي قحطان -رحمه الله-: سألت أبا معاوية عزان ابن الصقر -رحمه الله- عن الرجل: هل تلزمه نفقة أولاده؟ فقال: أمَّا أولاده الصغار من ذكر أو أنثى فعليه نفقتهم وكسوتهم وأدمهم.
وأمَّا أولاده البالغون من الذكران فلا تلزمه نفقتهم، وأمَّا أولاده الإناث فقال من قال: إنَّ عليه نفقة الإناث من أولاده مالم يتزوَّجن وسكوتهنَّ. وقال من قال: لا تلزمه لهم نفقة.
قلت له: فما تقول أنت؟ قال: أقول عليه نفقتهنَّ ما لم يتزوَّجن وكسوتهنَّ.
قلت: فكم تنفق عليهنَّ؟ قال: ما يقيتهنَّ.
قلت: فإن اختلفوا في ذلك ولم ينفقوا؟ قال: فنصف صاع لكلِّ واحدة منهنَّ كل يوم أو مد من تمر كل يوم. (4/175)
صفحة 1002
قلت له: فمد من بر أو ذرة؟ قال: فمن بر إلا ألا يمكنه ذلك فيكون في الصيف بر، وفي الذرة ذرة والله أعلم.
قلت له: فكم يكسوهنَّ؟ فقال: لكل امرأة أربعة أثواب لكل سنة.
قلت: ماهي؟ قال: إزار ودرع وخمار وجلباب.
قلت: فإن انخرقن أو سرقن قبل أن يحول الحول، فهل عليه أن يكسوهنَّ كسوة أخرى؟ قال: نعم، إذا صحَّ ذلك.
فأمَّا إن كان دفع إليها كسوتها بحكم من حاكم فلا أرى عليه بدل كسوتها، فإن لم يكن بحكم من حاكم فعليه بدلهنَّ والله أعلم.
قلت: فإن جاء الحول والكسوة جديدة وطلبه إليه كسوة أخرى؟
قلت: فعليه أن يكسوهنَّ كسوة أخرى، وعليهم أن يرددن عليه كسوة الأولى ما بقي منها. (4/176)
صفحة 1003
قلت له: فإذا تزوَّجن ثم طلقن فهل عليه نفقتهنَّ؟ قال: إن كنَّ ليس لهنَّ مكسبة فعليه نفقتهنَّ، وإن كنَّ ممَّن يكسبن ما يقيتهنَّ فلا نفقة لهنَّ عليه.
قلت: فإن لم يكن يكفين ما يكسبن؟ قال: فعليه أن يزيدهنَّ على كسبهنَّ يكفيهنَّ لنفقتهنَّ ولا يكفيهنَّ لنفقتهنَّ وكسوتهنَّ؟ قال: فعليه أن يكسوهن.
قلت: فهل عليه أن يصبغ لهنَّ؟ قال: لا.
قلت له: فالأولاد الذكور إذا كانوا مرضى أو مجذومين ولا يقدرون على مكسبة، فهل عليه نفقتهم؟ قال: نعم وكسوتهم.
قلت: فكم تكون النفقة لكل واحد؟ (4/177)
صفحة 1004
قال: مد من حب، ومنّ من تمر، ولكل واحد من الكسوة ثوبان لكل سنة والله أعلم.
الضياء: ومن حبس في السجن وله أبوان حيان فليس عليهم من النفقة شيء. انقضى جواب أبي عبد الله.
ومن غيره: وعن رجل يفرض فريضة لولده ثم يحتج أنَّ ولده لم يكن مع امرأته إنَّما كان مع جدته؟ فلا حجَّة له في هذا إذا كان الحاكم فرضها عليه، وسلَّم ولده هذا إلى والدته ولو كان ولده هذا مع جدَّته، وكانت الفريضة عليه لوالدته عليه.
وعن رجل يفرض عليه فريضة لولده فتطلب أمه الفريضة فيحتجُّ أنَّ ابنه قد كسب وغزل ويعجز البينة ونزل إلى يمينها، فردت عليه اليمين فيحتجُّ أنَّه لم يعلم ولكنَّه يتهمها؟ فأقول: عليه اليمين ما كسب ولده هذا كسباً ولا غزل غزلاً يكون فيه يمين، فإن صحَّ أسقط عنه.
وعن الوالد إذا طلب ولده الفريضة عليه ولم يصحَّ أمره أنَّه يأكل البر، والظاهر من أمره الغناء ما يكون له من الفريضة؟ قال: يكون على الوسط ممَّا عليه الناس إلا أن يصحَّ غناؤه، وكذلك إذا لم يصح فقره هو على الوسط من ذلك إلا أن يصحَّ فقره. (4/178)
صفحة 1005
قلت: فإن صحَّ أنَّه كان يوم حكم عليه بالوسط فقيراً، فهل يرد عليه مقدار الزيادة على حكم الفقر؟ وكذلك إن صحَّ أنَّه يوم الحكم كان غنياً فيشبه ألا يلحق بشيء، ويؤخذ في ما يستأنف.
وقيل: على الرجل أن يحضر من يربي له ولده لوازم التربية كلها من المهدد والوسادة وما ينام عليه من الوطأ مثل البساط من حصير أو غيره، والثياب التي يربى فيها والحضفرة، ويحكم عليه بهذا كله.
وليس على المرأة إلا رضاعه والقيام به على ما يلزمها من ذلك.
وقيل: إنَّ الرجل لا يحبس على نفقة ولده الصغير إلا أن يفرض له فريضة، وتؤمر الأم أن تنفق شهراً أو أقل أو أكثر فحينئذ إذا رفعت عليه حبس حتى يدفع إليها ذلك.
وحفظ الثقة أنَّ القاضي أبا علي الحسن بن سعيد بن قريش حبس رجلاً على نفقة ولده فأمر الإمام راشد بن سعيد بإطلاقه، ولعلَّه لم يفرض له، ويأمر من ينفق عليه.
ومن غيره: قلت له: فإذا عجزت المرأة البينة على معرفتها عند الحاكم، وشهد بها شاهد واحد، واطمأنَّ قلب الحاكم أنَّها هي فلانة، (4/179)
صفحة 1006
وطلبت لها من مال ولدها إذا كان يرضع رباية التربية إذا كان أبوه ميتاً، فهل يسع ذلك على الاطمئنانة؟ قال: لا يضيق عليه ذلك إذا رجا في ذلك مصلحة لها وللصبي، ولم يرتب في الاطمئنانة في ذلك.
وعن المرأة إذا كان لها ولد من غير زوجها، فطلب زوجها ألا يكون معها على سبيل المساكنة إذا كان للولد والد حي، فهل له ذلك؟ قال: إذا لم يكن على زوجها مضرة، وأوجب النظر من الحاكم أن يكون الولد عندها إذا لم يكن للزوج امتناع عمَّا يلزمه من الحكم.
وعن الصبي الذي يكون على حد الخيار بين أبيه وأمه؟ قال: إذا تكلَّم وأفصح الكلام فحيث ما اختار كان، وأمَّا إذا غسل لنفسه من الغائط، ويديه من الطعام فذلك إذا كرهت الأم أن يكون معها، أو كره الأب أن يكون مع الأم إذا تزوَّجت.
فقالوا: إذا كفى الولد بنفسه لزم إيَّاه إذا كرهت أمه تربيته، كذلك إذا كان لأبيه السبيل على أمه إذا تزوَّجت رجلاً متهماً.
قلت: فهل يفرض الحاكم في الكسوة، وعلى والده الكم من البرد وقت الحاجة منه إليه؟ (4/180)
صفحة 1007
قال: الحاكم إذا رآى ذلك في موضع الفريضة أصلح للصبي وهو محتاج إليه، ولا غناية له عنه كان ذلك عندي له إذا أبصر ذلك.
قلت: فما يكون له هذا الكم، وما جنسه في الفريضة؟ قال: تكون كسوة مثل الصبي في غنى والده وفقره وحاله التي يكون فيها وقت الفريضة.
وعن رجل طلَّق زوجته وقد ولدت ثلاثة أولاد في بطن واحدة، وطلبت للرباية منه، كم يفرض لها؟ قال: يفرض لها أجرة ربايتها، لكل واحد على أبيه فريضة كما يراه الحاكم عدلاً من أهل الرباية لكل ذلك.
قلت: إذا أمر الحاكم الوالد أن يجري النفقة على ولده فادَّعى أنَّه سلم إلى الوالدة شيئًا من الفريضة لتجري بها عليه فأنكرت هي ذلك، فهل يلزمها اليمين بالقطع؟ قال: إذا لم تستحقها عليه أو تؤمر هي بإجرائها عليه فإنَّها تحلف ما تعلم أنَّه برئ من هذه الفريضة، ولا من شيء منها التي يدعي أنَّه سلمها إليها.
وعن رجل ضعف وافتقر: هل تلزم والده مؤنته وقضاء دينه وموته عياله وتزويجه إن كان عزباً أم لا؟ قال: إن كان والده غنياً يقدر على ما وصفت لزمه في الأحكام، (4/181)
صفحة 1008
وإن لم يقدر لم يلزمه إذا كان فقيراً والله الرازق.
وليس على الآباء كفيل في فرائض أولادهم، كانوا معسرين أو موسرين.
وإذا فرض الحاكم لولد على والده كسوة أو نفقة والوالد في حال الفقر ثم ادَّعى الولد أو من يكفله أنَّه استحال الغنى، فإنَّه على حال ما فرض عليه حتى يصحَّ غير ذلك.
والحاكم مخير في ذلك إن شاء، وإن شاء يبصر في حاله، وإن شاء ادَّعى المدَّعي على ذلك البيِّنة.
قلت: فإن ادَّعى المفروض عليه في حين ما فرض عليه أنَّه فقير، وقال المفروض له: أنَّه غني؟ فقال: يوقف على الحاكم، ويدَّعي كل واحد منهم البيِّنة، فإذا أشكل أمره لم يدخل في مشكل للحاكم وأثبت عليه الفريضة في حين ما يطلب بها، وإن صحَّ غناه كان على ما صحَّ من الغنى والفقر. (4/182)
صفحة 1009
باب (في نفقة العبد على سيده)
من تأليف أبي قحطان:
قلت: فكم عليه لخادمه من النفقة؟ قال: عليه أن يشبعه.
قلت: فإن أحبَّ الخادم أن يأخذ نفقته إلى بيته، فهل له ذلك؟ قال: نعم.
قلت له: فكم له؟ قال: مد من حب ذرة ومنّ من تمر كل يوم.
قلت: فالكسوة، كم يكسوه؟ قال: ثوباً لكل خادم في السنة.
قلت له: فإن قال المولى: لا أنفق عليه في بيته وإنَّما أنفق عليه في منزلي، لأنِّي أخاف أن يطعم نفقتي الزنج ويجوع ويضعف عن العمل؟ قال: فللمولى ذلك على العبد. انقضى. (4/183)
صفحة 1010
قال أبو عبد الله: أخبرني أبو صفرة عن وائل قال: لا بأس أن يستخدم غلامه إلى وقت صلاة العتمة.
وقال أبو عبد الله: ليس للعبد أن يعمل لنفسه في الليل ولا لغير مولاه إلا بإذنه.
وعن مماليك حررهم سيدهم وهم صغار وأمهم متزوجة بمملوك فطلب وارث الهالك أن يطعمهم في منزله حتى يبلغوا، وطلبت أمهم أن تأخذهم ويكونوا معها وهي مع زوجها المملوك، فإنِّي أرى أنَّها أولى بهم من وارث الهالك، ويأخذ لهم فريضتهم برأي العدول.
وكيف النفقة في ذلك؟ فأقول: يدفعها لهم لعشرة أيام ولنصف شهر على قدر مثلهم.
وقلت: إن طلب الوارث أن يعطيهم نفقتهم كل يوم، وقالت والدتهم: شهراً فما يلزم في ذلك؟ قال: ليس عليها أن تأخذ منه كل يوم. (4/184)
صفحة 1011
باب (في نفقة المطلقة)
عن أبي عبد الله -رحمه الله-: وعن الطلقة التي تحيض، فإذا قالت: لم أخص بعد ثلاث حيض فإلى كم ينفق عليها مطلقها؟ أرأيت إن كان عليه أن ينفق عليها إلى أن تبين من الحيض من كبر، فكيف تحلف وينفق عليها؟ أو على كم تحلف من الأيام والشهور؟ أتحلف كل شهر مرة أو أقل أو أكثر؟ قال: ليس لها حد، وقولها مقبول مع يمينها في عدتها في الحيض إلى غير وقت محدود مع يمينها في كل انقضاء ثلاثة أشهر أنَّها ما حاضت ثلاث حيض.
وحفظت عن أبي بكر أحمد بن محمد بن خالد أنَّه قال في بعض القول: أنَّها مصدقة ولا يمين عليها.
وإذا وجبت البينة بفرقة تجب معها النفقة ما دامت العدة وكانت المطلقة في عدتها بمنزلة الزوجة التي لم تطلق، فما وجب للزوجة فيه النفقة ممَّا وصفت لك وجب لهذه ما دامت في العدة، وما خرجت ففيه النفقة. (4/185)
صفحة 1012
وما أوجب عليها بديلها من حبس في سجن أن يرده أو ترد أو نحو ذلك ممَّا وصفت لك حرمت بعد البينونة. قال أبو محمد مثل ذلك.
ولو شهد شاهدان على رجل أنَّه طلَّق امرأته ولم يدخل بها فمنع الزوج من الدخول عليها حتى يبصر ما قالت البينة فسألت امرأته النفقة، فلا نفقة لها، لأنَّ الشاهدين إن كانا صادقين فلا عدَّة عليها، وإن كانا كاذبين فلا نفقة لها، لأنَّ الزوج ممنوع. كذلك قال أبو محمد.
ومن غيره: قال نعم، هو كما قال.
وأمَّا إن كان دخل بها وادَّعت الطَّلاق واحدة أو اثنتين، وشهدت البينة، ومع من وطئها وهو مقر فلها النفقة، لأنَّه لها النفقة ما دامت في العدَّة، فإن كانا صادقين فلها النفقة بالعدَّة، وإن كانا كاذبين وهي زوجة لابد من النَّفقة.
وأمَّا إن كان ذلك ثلاثاً وقد دخل بها، فعلى قول من قال للمطلقة ثلاثاً النفقة فعليه النفقة ما دامت في أحكام العدة، وإن كانت حاملاً فلابد من النفقة فلهم ذلك على كل حال، كانت زوجة أو مطلقة. (4/186)
صفحة 1013
ولو أنَّ امرأة دخل بها زوجها ثم مرضت مرضاً لا تقدر معه على الجماع كانت لها النفقة. وكذلك قال أبو محمد.
وعن المرأة الحامل إذا طلبت النفقة وأنكر المطلق حملها فما علامة حملها؟ قال: تنظرها امرأة عدلة ممَّن تبصر ذلك، فإذا قالت: إنَّها تجد الحمل أمر بالنفقة عليها، فإن لم تضع حملها حتى تمضي لها سنتان منذ طلَّقها كلَّفت أن ترد عليه ما أنفق عليها، وإن لم يستهل المرأة أنَّها بمنزلة الحامل كتب الحاكم وقت طلاقها، وأشهد على ذلك البينة، وإن استبان حملها أمره بالنفقة عليها، وكان على ما وصفت لك، فإن لم يستبن حملها حتى تضع، فإذا وضعت لسنتين أو أقل منه طلَّقها حكم لها بنفقتها مذ طلَّقها إلى أن وضعت، وإن وضعت بعد سنتين فلا نفقة لها، ولا يلحقه الولد.
قلت: فإن جاءت بصبي لأقل من سنتين وقالت: قد ولدت هذا قيل ذلك منها، ويلزمه النفقة؟ (4/187)
صفحة 1014
قال: نعم، يقبل منها ذلك، ويلحق نسبه، وتكون لها النفقة.
قال غيره: وقد قيل: إذا أنفق عليها بالحكم أنَّها حامل فلا رد عليها، ولم تأت به إلى سنتين، وقال من قال: إن لم تأت به لسنتين ردت عليه جميع ما أنفق عليها، وقيل: لا يقبل قولها إلا أن يصحَّ أنها ولدت ذلك الولد، ولا يصحَّ ذلك بأقل من قول القابلة.
وعن عزان بن الصقر: وإذا ادَّعت المطلقة أنَّها حامل فأنفق عليها الزوج فلمَّا خلا سنتان قالت: ضرب الولد في بطني؟ قال: لا نفقة عليه بعد السنتين، ولا يرجع عليها بما أنفق؛ لأنَّه لا يدري لعلَّه كما تقول.
وقيل: في المصالح لزوجته على شيء كان عليه الفراق فلا نفقة عليه.
وعن أب المؤثر: قد قيل: في المطلقة الحامل: أنَّ لها النفقة. قال قوم: لا نفقة لها.
وكذلك اختلفوا في المختلعة: قال قوم: لها النفقة ما دامت في العدَّة. (4/188)
صفحة 1015
وقال قوم: لا نفقة لها.
وكذلك المطلقة ثلاثا والملاعنة مختلف فيها.
واختلف في الحامل من معنى آخر: فقال قوم: لها السكنى ما دامت في العدة. وقيل: لا سكنى لها.
وإن خرجت الحامل المطلقة ثلاثاً أو واحدة من بلد زوجها فلا نفقة لها، وكذلك المطلقة.
وإن رجعن إلى منازل أزواجهنَّ فلهنَّ النفقة في ما يستأنفن، ولا يحسب لهنَّ ماكن خارجات من بيته وبلده.
وقال قوم في المطلقة: إذا مات مطلَّقها وهي في العدة، فإنَّ لها النفقة ما دامت في العدَّة.
وعن امرأة حبلى طلَّقها زوجها ثلاثاً ثم توفى؟ قال: لها النفقة من نصيبها من الميراث، فإن كانت أم ولده فلها النفقة من نصيب ولدها.
وأيُّما رجل طلَّق زوجته وهو فقير لا يقدر على شيء فلا نفقة لها عليه، (4/189)
صفحة 1016
فإن استغنى بعد ذلك، فإنَّه لا يغرم لها نفقتها في عشرته.
قال أبو المؤثر: إن رفعت عليه إلى الحاكم فرض عليه لها النفقة، وأجل فيها متى أيسر سلمها إليها، لأنَّ الله قد فرضها عليه ثم عدل عليه فقال: للذي عليه الدين {وإن كان ذو عسر فنظرة إلى ميسرة}.
فنرى نفقتها بمنزلة الدين، فإن لم تطلب حتى تنقضي العدَّة فلا شيء لها. وكذلك إن احتجت بالجهالة أنها لم تعلم أنَّ لها نفقة فلا حجة لها، وقيل: لا أدم على من لزمه نفقة لمطلقته.
وعن أبي عبد الله: لا يجب للمطلقة في نفقتها أدم، كانت حاملاً ولا غير حامل.
قال غيره: وقد قيل: من وجب له النفقة وجب له الأدم من امرأة مطلقة أو ذي قرابة أو ولد أو مملوك.
وممَّا أحسب عن أبي معاوية: سئل عن الحر يطلق زوجته واحدة وهي أمة، هل لها نفقة؟ قال: نعم، وإن طلَّقها اثنتين فلا نفقة لها.
قيل له: فإن كانت حاملاً؟ (4/190)
صفحة 1017
قال: فليس لها عليه نفقة.
قيل له: فإن استثنى سيدها ما في بطنها؟ قال من قال: له ذلك، وقال من قال: ليس له ذلك.
وممَّا يوجد عن أبي الحسن: وسأله سائل عن الرجل يتزوَّج الصبية فينفق عليها وهي معه أو لم تبن إليه ثم تبلغ فتغير، هل تحسب لها تلك النفقة؟ قال: إذا لم يجز بها ثم غيَّرت بعد بلوغها حسب له ما أنفق، وإن جاز بها لم يحسب له ما أنفق.
ومن غيره: قد قيل: يحسب عليها، جاز بها أو لم يجز بها، غيرت أو لم تغير، لأنَّه لا نفقة لها عليه.
وقال من قال: يحسب عليها إن غيرت، وإن لم تغير لم يحسب عليها، وإن أنفق بحكم حاكم ثم غيرت حسب عليها، وإن لم تغير لم يحسب عليها، وإن أنفق بغير حكم من حاكم لم يحسب عليها، أتمت التزويج أو غيرت، جاز بها أو لم يجز بها. (4/191)
صفحة 1018
وقيل: لا كسوة للمطلقة ولا أدم، وقيل: لها الكسوة، ولا أدم لها، وقيل: لها السكنى والأدم ولا كسوة لها.
ولا نفقة لكل بائن من الزوج بطلاق ولا خلع ولا خيار ولا حرمة إلا الحامل فلها النفقة على الزوج الذي حلمت منه، هكذا حفظت.
قال أبو المؤثر: عن محمد بن محبوب -رحمه الله- في رجل طلبت إليه زوجته نفقتها فيقول: أنَّه قد طلَّقها مذ عام أول أو مذ وقت يعلم أنَّ عدَّتها قد انقضت: إنَّه يصدق، ولها أن تتزوَّج.
قال أبو المؤثر: لا نفقة عليه. وفي بعض الآثار: أنَّه لا يصدق وعليه النفقة.
وإذا لم تطلب المطلقة نفقة حتى خلا ما شاء الله ثم طلبت لم يحكم لها في ما قد مضى إلا الحامل فلها النفقة لما خلا وفي ما يستقبل. (4/192)
صفحة 1019
باب (في الصدقات ونحوها)
وممَّا يوجد أنَّه معروض على أبي عبد الله: وعن رجل تزوَّج امرأة على وصف ولم يسموا جنسها؟ قال: ينظر من كل جنس ثم تقوم أثمانهم، ثم تضرب أثمانهم بعضها في بعض ثم يعطيها الوسط من ذلك.
قال أبو عبد الله: هو على الأغلب من خدم أهل البلد.
وإذا تزوَّج رجل امرأة على مائة نخلة وألف ولم يسم الألف ماهو؟ قالت المرأة: ألف دينار، وقال الزوج: ألف درهم، والمرأة مع أهلها؟ فقد قال من قال: القول قولها ما دامت مع أهلها، فإن شاء أن يطلِّق ويعطيها نصف ما يقول هو، وإن شاء أن يدخل بها ويعطيها ما تقول هي. وقال آخرون: القول قول الزوج، وعليها هي البينة بما ادَّعت من الفضل على الصداق.
وعن رجل زوَّج ابنته فأقرَّ، الأب والزوج بالتَّزويج ولم تثبت (4/193)
صفحة 1020
البينة، كم الصداق؟ وقال الأب: الصداق كذا وكذا، وقال الزوج: دون ذلك؟ فهي معنا كالأول.
وحفظت عن أبي الحواري: -رحمه الله- في رجل قال لامرأة: أنَّه تزوجها بلا صداق عليه لها فأجابته إلى ذلك فزوجه الولي بصداق.
قال أبو الحواري: لها ما فرض لها الولي.
وقد وجدت في بعض الآثار: قال بعض الفقهاء: إذا رضيت أن تأخذه بلا حق فزوجها وليها بصداق أقل، أو زوجها لم يفرض لها شيئًا، أنَّ لها أربعة دراهم.
وعن رجل أراد أن يتزوَّج امرأة فقالوا له: على شرط أنَّ سكنها في بلدها حيث شاءت سكنت منه؟ فقيل: لهم بذلك، ثم إنَّ المرأة أرادت أن تسكن من القرية في موضع لا يصلح للزوج، وطلب هو أن تكون معه في القرية في موضع يصلح له.
فالذي حفظنا أنَّهم إذا شرطوا عليه عند عقد النكاح في بلدها ثبت عليه ذلك، وليس معي: لها حفظ إذا قالت: حيث شاءت من البلد؟ وأقول: إن شرط عليه سكناً في بلد معروف ثبت ذلك، وأمَّا حيث شاءت، فالله أعلم ما أرى هذا يثبت، (4/194)
صفحة 1021
فإن أسكنها في البلد الذي شرط عليه مكسنها فيه، إلا أن يرى المسلمون أنَّ ذلك مضر بها فليس له أن يضارها والله أعلم.
قال أبو معاوية: في ما رفع عن على بن أبي طالب: عن رجل ملك امرأة ثم زنا قبل أن يدخل بها فقضى فيها على بأربع قضيات أولها: أنَّه يفرق بينهما، وأقام عليها الحد حد الزاني ثم قال الرجل: ردوا عليّ مالي فقال علي: ردوا عليه ماله.
وكره الرجل أن يأخذ متاعاً فقال علي: ليس لك ذلك، لأنَّك أذنت لهم بذلك، والوجه عندنا إنَّما قضى لها بنصف الصداق ثم أمره ألا يتزوج إلا محدودة.
ومن غيره: وصل إلى كتابك، وسرني سلامتك، ذكرت في أمر هذه المرأة وزوجها إذ تزوج عليها وصداقها ووكيلها ونفقتها وكسوتها.
فأمَّا الصداق فدين عليه يؤخذ به، إذا دخل وزوجها ووكيلها وهما الداعيان للعدول حتى تأخذ حقها برأيه.
وعن رجل قضى امرأته عشر نخلات من مال ولده فخلا ما قدر الله ثم قال الولد: إنَّما قضاه من مالي ومعك زيادة في العدد في قرائن النخل، وقالت المرأة: إنِّي تركت في نخلي قرائن، وقال هو: فضلة على حقك.
فالقول قول من في يده المال، وعلى الابن البينة قضاه يومئذ أكثر من حقها، ويأخذ الفضل من ذلك. (4/195)
صفحة 1022
وقيل: إن الوالد إذا قضى مال ابنته في مرضها، فإنَّه يجوز قضاؤه، وقال قوم: لا يجوز في مرضها.
ومن جواب الأزهر بن محمد بن جعفر: وقلت: إن كان له مال في فلجين، ولها عليه صداق نخل، هل يجوز للوكيل أن يقضيها من فلج واحد من الأرض والنخل حتى تستوفي أم لا يجوز؟ فأقول: إن كان له نخل فليقضها برأي العدول من نخله حيث كان من الأفلاج والقرى حتى تستوفي، فإن لم يكن له نخل بقدر حقها قضيت من الأرض بالقيمة تستوفي.
وعن رجل تزوَّج امرأة على أن يوفيها جميع حقها والمرأة لا تظهر ولا تعرف.
قلت: يسلم الزوج ذلك إلى الوالي أم كيف يتخلص؟ فإن كان أب أو ولي ثقة وهو الذي سلمه فيسلم ذلك إليه إلا أن يكون يرسله بذلك إليها وهو بحق الأمانة، ولا يبرأ حتى يعلم أنَّه قد سلم إليها.
وعن أبي الحسن: أنَّ الصدقات كلها من النَّخل والغنم ولو لم تكن حاضرة، فإن الصلح يجوز فيها للرجل والمرأة وورثة الزوج وورثة المرأة والزوج وورثة المرأة. (4/196)
صفحة 1023
قلت له: كيف نقضي الصداق من النخل؟ قال: الذي عرفنا أنَّه إذا كان في نخل ما يقضى برأسه من ثلاثة مواضع. وقال من قال: من أربعة مواضع.
قضيت المرأة من النخل برؤوسها، وإذا لم تكن كذلك نظر في ذلك فأخرج الكريمة والساقطة والعوانة وما لا يجوز في القضاء ممَّا لا يراه العدول قضاء، ثم يجعل نخلة جيدة ونخلة وسطة دون ذلك فتكون عن ثلاث نخلات، ولا يقضى الكريمة عن رأسها، ولا الدونة عن رأسها، فإن لم يكن كذلك نظر العدول إلى نخلة يرون أنَّها قاضية ثم يقضون عليها فيجعلون مكان النخلتين والثلاث والأربع ولا يجاوزون بالنخلة أكثر من أربع نخلات، ويجعلون النخلتين مكان النخلة، والنخلة ونصف، ونخلة وربع مكان النخلة على نحو هذا عرفت منه على معنى قوله.
ومن غيره: وفي رجل حضرته الوفاة فقال لامرأته: هل تتركين لي نصف صداقك وأعطيك نصفه؟ فقالت: نعم، فقضاها نصف الصداق وأبرأته من النصف الباقي ثم توفي فرجعت في ذلك فقالت: طلب إلي، هل لها شيء؟ فليس لها إلا ما قضيت، وهو رأيهما. (4/197)
صفحة 1024
وعن رجل أقرَّ في مرضه أنَّه تزوج فلانة ودخل بها ولم يعلم إلا بإقرار وأنَّها امرأته فأقرَّ لها بصداق معلوم.
وأقرَّ لها مثل صداق مثلها من نسائها، إلا أن يكون الذي أقرَّ لها به أقل من ذلك، ولا ميراث لها، وإن لم يكن دخل بها فلها النصف من ذلك.
ومن غيره: وسأته عن رجل تزوَّج امرأة ولها عليه صداق، ولم يسم لها في موضع، وله مال في قرى متفرقة؟ قال: تعطى من القرية التي فيها تزوج إن كان له بها مال ومأوى إلا من القرية التي يسكن يتم لها ما نقص من القرية التي تزوج فيها.
قلت: فإنَّه لا مال له وأراد أن يشتري لها نخلاً؟ قال: يشتري من قريته.
قلت: فإنَّه أصاب في غير قريته أرضاً مقام قريته؟ قال: يعطيها من قريته أو من قريتها.
وسألته عن رجل شرط لامرأته صداقها في موضع ثم أنَّه باع ذلك الموضع أو قضاه امرأة أخرى وهي محاضرة؟ قال: حفظ عن أبي علي موسى بن علي على أنَّه لم يكن يروى عليها جائزاً، ولو كانت محاضرة حتى يعلم أنَّها قد أتمت ذلك. (4/198)
صفحة 1025
ومن غيره: يجوز ذلك عليها.
ومن غيره: وعن رجل تزوَّج امرأة بدرهم أو درهمين أو ثلاثة؟ فقال: هم على ما تراضوا عليه.
ومن غيره: وكل فرقة وصفت لك في هذا الباب، فهي فرقة بغير طلاق، ولا يلزم الزوج من المهر شيء إن كان دخل بها أو لم يدخل بها إذا نسي أحد الزوجين.
وإذا أسلم الزوج وامرأته من غير أن يسبيا أو أحدهما فخرج إلى دار الإسلام ثم أسلم الآخر، وللمرأة على الزوج مهر، فإنَّها تأخذه به إن كان دخل بها.
وإن لم يكن دخل بها وكان الزوج هو الذي أسلم أول مرة فلا مهر عليه، لأنَّ الفرقة جاءت من قب المرأة التي أبت الإسلام، وإذا كانت المرأة هي التي أسلمت أول مرة فعلى الزوج نصف المهر.
من غيره: ممَّا يؤخذ عن أبي عبد الله: وعن رجل خطب إلى قوم ابنتهم فقالوا: مالك يعجز عن صداق ابنتنا، فقالت أمه: زوجوا ابني، فإن نقص من ماله صداق ابنتكم، فهو علي، فزوجوه ثم إنَّ الغلام باع نصف ماله ثم استحقت المرأة أخذ صداقها وعجز له؟ (4/199)
صفحة 1026
فقال: إنَّما على الأم تمام ما عجز عنه ماله يوم التزويج إلا أن تكون وقعت على المال آفة لم يكن هو فاتهم.
قلت: فهل على المرأة أن توقف على زوجها ماله أم حتى تستحق أخذ صداقها وتأخذه، لأنَّها تقول: أخاف ألا أدرك فيها؟ قال: لا، ولكن يحجر عليه.
سألته عن رجل وقع بينه وبين زوجته حرمة فوطئها من بعد العلم بذلك فأقام عليها ثم أراد التوبة؟ قال: يعطيها صداقين، صداقها الأول، وصداقها لوطئه بعد الحرمة.
قلت: فإن وقعت الحرمة ولم يعلم بها حتى وطئ؟ قال: ليس عليه أداء.
وسألته عن رجل تزوَّج امرأة برأي ابن أخ لها فرضيت بالملك، ثم إن أخا لها آخر ملكها برجل آخر فرضيت به ودخل بها.
قلت: وما قولهم، قلت: اجتراء منهما على ذلك فرضيت بهما ودخلا بها؟ فقال: لا أرى لها على الأول صداقاً ولا على الآخر.
قلت: فهل عليهما حد؟ (4/200)
صفحة 1027
قال: لا.
قلت: فإن كانا جهلاً وحسباً أنه جائز؟ قال: لا عذر لهما، وليس لها على الأول صداقها ولا على الآخر.
قلت: فرجل ملك امرأة وكرهته ودخل عليها مغتصباً؟ فقال: عليه صداقها.
فقلت: والحد عليه أم لا؟ قال: بلى، أرى عليه الحد. ثم قال: أنا شاك في الحد، لأنَّه قال: إنني ظننت أن عقد النكاح والملك يوجب لي عليها نكاحاً فلم أر عليه حداً.
ومن غيره: وسئل عن رجل يتزوج على عاجل وآجل.
كان أبو عبد الله يقول: الأجل أجل حتى يتزوج عليها أو يتسرَّى أو تحتاج إلى خادم أو يموت، وإلا فهو آجل حتى يموت.
قال أبو عبد الله: أصحابنا يقولون: ليس عليه يعجلها صداقها إذا تسرَّى عليها.
ومن غيره قال: وقد قيل: إذا دخل بها ولم يكن سمى الأجل ماهو، ولا حدَّ له حداً، فإذا دخل بها كان عليه تعجيل الآجل؟ (4/201)
صفحة 1028
قال من قال: ليس لها أن تأخذ من عاجلها شيئًا إلا إلى أحد هذه الآجال ولو احتاجت إلى خادم ولا غير ذلك إلا إلى الآجال المؤجلة.
ومن غيره: حفظ محمد بن هاشم عن منير: أنَّه ملك امرأة على شيء مبهم لم يسم عاجلاً ولا آجلاً؟ قال: يؤخذ عاجلاً، وأعلم بذلك هاشماً فلم نعلم أنَّه نقض ذلك، وأعلم بذلك مسعدة فلم يعلم بأنَّه نقض.
ومن غيره: وقال من قال: لها سنة البلد في الصدقات إن كان عاجلاً فعاجل، وإن كان آجلاً فآجل، وإن كان الشيء منه آجل والباقي عاجل كان كذلك. ولعلَّ هذا القول عن أبي علي.
ومن جواب أبي عبد الله وأبي زياد وأبي المنذر وأبي العباس إلى محمد بن علي في ولي امرأة أشهد أني قد زوجت فلان بفلانة على ثلثمائة درهم، وهدم عنه صداق النخل على ألا يدخل عليه في مالها فأمنه أنَّه لا يدخل عليه في مالها، وهذا الشرط عند عقدة النكاح، فلمَّا هلكت المرأة طلب الزوج ميراثها منها فاحتجَّ الوارث إنَّما هدمت عنك الصداق لئلا تدخل علينا في مالها بميراث، وإن كنت تريد الميراث وتطالبه فأعطنا صداقنا وخذ ميراثك، واحتجَّ الزوج أني قد قلت لكم: إني لا أدخل عليكم في مالها، فذلك شرط مجهول وقد تزوَّجها على ثلثمائة درهم وهو حقها عليَّ، وأحضر الزوج شاهدين شهدا أنَّ فلانة (4/202)
صفحة 1029
زوجة فلان أشهدتنا أنَّ ليس على زوجها فلان إلا مائة وعشرين درهماً من صداقها الذي لها عليه، وليس لها عليه حق إلا هذه الدارهم من صداقها الذي عليه، وقالت المرأة: لم يبق لها على زوجها من صداقها الذي عليه إلا مائة درهم وعشرون درهماً وذلك في صحَّة منها.
قال: فرائض الله لا تنقضها الشروط، فذلك لهم، ويرجع الزوج يأخذ ميراثه من مال زوجته، ويأخذ ورثتها منه صداقها من النخل كأوسط صداقاتها التي تزوَّجت عليها.
وأمَّا شهادة شاهدي الزوج بإقرار زوجته أن ليس لها عليه صداقها إلا عشرون ومائة فذلك لا يبرئه من صداق النخل التي يستحق عليه بنقضه الشروط إلا أن يكون قد نقضه في حياتهما، وعلمت ما يلزمه لها من صداقها من النَّخل، وأشهدت أنَّه لم يبق لها عليه أو ليس لها عليه إلا عشرون ومائة درهم فعند ذلك يثبت له إقرارها إن شاء الله.
ومنه قيل: ونقض أبو مراون -رحمه الله- حكماً حكمه وإلى صحار وهو سليمان بن شملان في رجل تزوَّج بجارية فشهدت أمها أنَّها أرضعت ختنتها بلبن ابنتها، فرآى وإلى صحار أنَّ الجارية حرام ولا صداق لها إن شهدت أمها.
فقال أبو مروان: بل لها صداقها، إن كان دخل بها فلها صداقها كاملاً، وإن أنكر ذلك وأقامت المرأة شاهدين أنَّه أغلق عليها باباً أو أرخى عليها ستراً فلها صداقها، (4/203)
صفحة 1030
وإن أنكر ولم تقم بينة ولم يكن دخل بها فلا صداق لها، إذا كانت أمها عدلة، ورأى أنَّ شهادة الأم لابنتها بالرضاع جائزة.
وقال: إنَّها لا تجوز شهادة الأب لو شهد لولده، وأمَّا شهادة الأم فجائزة.
قال أبو عبد الله: في رجل تزوَّج امرأة فجاءت امرأتان فقالتا: نشهد أنَّ فلانة قالت: قد أرضعت فلاناً – وفلان يعني الرجل وأنا امرأته؟ فقال: لا يفرق بينهما حتى يشهد عليها شاهدا عدل أو رجل وامرأتان، وتكون أيضاً عدلة.
وقلت: فإن شهد رجل وامرأتان أنَّها قد أرضعتهما والشهود عدول والمرأة التي أشهدتهما مسلمة؟ قال: يفرق بينهما إذا جاهدا على ما وصفت.
وعن امرأة قالت: قد أرضعت فلاناً وفلانة؟ قال أبو عبد الله: لا يفرق بينهما حتى تكون عدلة حرة. (4/204)
صفحة 1031
قال الوضاح بن عقبة عن موسى: إنَّ شهادة الولي على الرضا بالنكاح جائزة.
عن هاشم في رجل له خمس بنات فزوَّج واحدة منهنَّ رجلاً وسمَّاها ونسي الشهود اسمها ثم توفي الرجل؟ قال: يأخذن الميراث بينهنَّ إذا قالت كل واحدة منهنَّ أنا هي، وإن لم يكن سمَّى عند التَّزويج إلا إحدى بناتي فذلك ليس بتزويج. (4/205)
صفحة 1032
باب (في صدقات النساء وكيف القضاء)
من كتاب محمد بن جعفر: واعلم أنَّه قد ثبت في صدقات النساء ما لم يثبت في غير ذلك من الشراء والعطاء، لأنَّ المرأة قد زوَّجت على ذلك، وإن تزوَّجها على مائة نخلة مبهمة فلها مائة نخلة وسطة بغير العدول، وإن تزوَّجها على مائة نخلة خيار فلها مائة نخلة خيار من خيار نخل البلد الذي تقضى منه، وإن تزوَّجها على مائة نخل خيار ماله، فهي مثل الأولى ينظر العدول مائة نخلة خيار، ثم تقضي مثلها من ماله، وإن تزوَّجها على مائة نخلة خيار ماله فلها مائة نخلة خيار ماله لا تعدو ذلك.
قيل: فإذا كان بين كل نخلتين ممَّا يقضى في الصدقات ستة عشر ذراعاً فذلك للمقتضى، وما زاد على ستة عشر ذراعاً فهو للقاضي. (4/206)
صفحة 1033
قال أبو الحواري عن أبي المؤثر: إنَّ المرأة تقضي صداقها من ثلاثة مواضع، من الخيار ثلث، ومن الوسط ثلث، ومن الوكس ثلث، وإن كان في موضع نخل قاصية برؤوسها يعد عدا قضيت نخل ذلك الموضع حتى يستوفي ولم يفرق عليها القضاء، وإن كان في موضع ليس فيه ما بعد برؤوسه قضيت من كل موضع ثلثاً بالقيمة من الخيار والوسط والوكس. هكذا حفظنا.
وإن تزوَّجها على غلام أو جارية، فإن كانت من عمان فإن خدمهم الزنج، ولها زنجية أو زنجي وسط برأي العدول من أهل المعرفة بثمن الرقيق، وإن تزوَّجها على غلام فارسي أو أبيض فلها غلام من الهند أو من غيرهم من الأجناس البيض، وإن تزوَّجها على جارية لا تموت، فإنَّه ما في الدنيا جارية لا تموت إلا أنَّه إن تزوَّجها على جارية كلَّما ماتت من عندها جارية فعليه لها جارية مكانها وأنَّه لمجهول ولا يحرمها ما شرط لها، لأنَّ شروطها هذه مجهولة وقد أثبتها المسلمون، فإن تزوَّجت على سن من الدواب أو العبيد أو شيء محدود من العروض فلها شرطها، وتعطى الوسط من ذلك.
قال أبو الحواري: إذا تزوَّجها على غلام ولم يسم كم طوله؟ (4/207)
صفحة 1034
فقال من قال: ربع خماسي، وربع سداسي، وربع أمرد، وربع ملتحٍ. وقال من قال: لها ثلث سداسي، وثلث أمرد، وثلث ملتحٍ، هكذا قال لي أبو المؤثر، وإن تزوَّجها على نخل فليس لها من النَّخل عزبة قانية ولا جانحة ولا فسلة مأكولة تنالها الدواب والأبدى من الأرض، وإن كان شرطها عند النكاح هذه النخل تعاطاها من بلد من البلدان هي لها من ذلك البلد، وإن لم يكن لها شرط، فإنَّ صداقها من بلدها الذي تزوَّجت منه هذا الرجل، فإن كان زوجها ميتاً وأراد الورثة أن يعطوها من غير ماله بلا رأيها فليس عليهم، إلا أن يعطوها حقها، ولهم أن يعدوا مالهم لغيره من المال من البلد.
ومن غيره: وعلى القول الأول على ما يوجد: أنَّه يبدأ بالنخل فيقضاها حتى يفرغ نخله من بلدها وغير بلدها، وإن طلبت النَّخل ثم أرضه ودوره وداوبه بالقيمة حتى تستوفي.
قال غيره: إنَّه يبدأ بالنخل ثم الفسل ثم الأرض والأصول غير الماء (4/208)
صفحة 1035
ثم الماء إن لم يستوف، ثم بعد العروض ما كانت إذا لم يبق من الأصل شيء على نحو ما حفظ عنه في ذلك، وإن كان الزوج حياً فعليه أن يقضيها نخلا برأي العدول حقها الذي عليه، إن شاء من ماله، وإن شاء من مال غيره إذا ملك ذلك، وصار له، وإذا جاز القضاء فأقام بذلك العدول من أهل الفضل والمعرفة قضوها نخلا وسطاً من أي نخلة كانت من أنواع النخل إذا كانت نخلة من ماله الثمر والثمن.
ونظرنا في الصداق الذي يعد بحقها من مال زوجها، وما قالوا: إنَّه يعدُّ لها بالقيمة فإنَّما ينبغي أن تكون القيمة في كل موضع يستوفي الثمن فليس أن النخل استوت ولكن استوى الموضع من يقايسه وغلاه ورخصه فينظر في كل موضع نخلة وسط ترى أنَّها قاضية ثم ينظرون ثمنها في موضعها، ثم يعدون النخل من ذلك الموضع.
وكل نخلة كانت مثل تلك النخلة الوسط فهي عن رأسها، وكل نخلة زادت على ذلك أو نقصت حسبوها بقيمتها، ومثل ذلك لو أن امرأة كان لها على زوجها عشرون نخلة، وله عشرون نخلة إذا وقف عليها العدول رأوها مستوية وسطاً قاضية برؤوسها، وكلها في مواضع يجوز فيها القضاء قضوها إيَّاها ثم نظروا، فإذا كل عشر منها في موضع من القرية، فعشر في موضع نفيس يزيد في ثمنه الطالب أو من نوع يرغب النَّاس فيه، ويزيدون في ثمنه، (4/209)
صفحة 1036
فإن كان النوع الآخر أكرم منه كان ثمن هذه العشر ألف درهم، ونظروا العشر الأخر وهي عند العدول أفضل، ومأخوذ في القضاء إلا أنَّها ليس تتنافس الأخرى فنظروا في ثمنها في موضعها، فإذا هي تساوي مائتي درهم، فهل ينبغي لهم في العشر التي بلغت ألف درهم في المنافسة من بعد أن رأوها قاضية برؤوسها أن يرجعوا يحملون ما طلع من ذلك على الطالب الذي يقضي الصداق، أو هذه التي تساوي مائتي درهم، هل ينبغي لهم من بعد أن رأوها قاضية برؤوسها أن يرجعوا يضعفون عليها؟ فهذا ممَّا يدل أنَّها تفضل بالقضاء إلى النخل الوسط ليس الثمرة والمرأة، ومن له لا لهم قيمة ولا دراهم، إلا أنَّ العدول احتاجوا إلى ذلك، لأنَّ الأرض والنخل تختلف عليهم في الدون منها والغالي، وزيادة بعض النخل على بعض، ولا يجدون الوسط جميعاً فيرجعون إلى القيمة، وعرفوا قيمة النخل الوسط التي عرفوا أن يكون القضاء عليها، ثم أخذوا قيمة الصداق على تلك الدراهم، وإن نظروا قيمة العليا من النخل وقيمة السفلى وقيمة الوسطى ثم جمعوا ثمنهنَّ جميعاً ثم أخرجوا ثلثه – وهو معنا وجه- وقد أخذوا قيمة الوسطى.
وقيل: عن محمد بن محبوب -رحمه الله- أنَّه قال: إنَّما ينبغي أن يقضي العدول الصدقات بالقيمة، يقومون النخل بالاجتهاد منهم في مرافقة العدول، (4/210)
صفحة 1037
وإذا كانت النخل لها ثمن غال قوموا على قدر صحة النخل وغلائها في القرية، وإذا كانت النخل مطلقة متضعفة الثمن حطوا من قيمتها ما يرون، ولا ينبغي أن تكون قيمتهم واحدة في الرخص والغلاء، وكذلك في الأرض إذا قضوها عن نخل نظروا في القيمة على قدر رخص الأرض وغلائها لهم ذلك.
وقد وافقنا غير هذا عنوان النخلة الوسط التي تكون عليها قيمة الصداق إنَّما تقوم على أنَّها صحيحة، وأمَّا المال الذي تقضى منه، فإنَّما تقضى بقيمته في ذلك اليوم، كان صحيحاً أو مريضاً أو غالياً أو رخيصاً، وإن كان لهذه المرأة على زوجها نخل خيار الخيار، فإنَّما تنظر نخلة خير نخلة في بلدها ثم تقضى مثلها من ماله.
وإن كان لها نخل خيار فلها وسط الخيار، لأنَّ الخيار يتفاضل، والوسط من ذلك أعدل، وهو أن ينظر خير نخلة في بلدها ثم ننظر نخلة ثانية خياراً يقول العدول إنَّها خيار، وما كان دونها فهو خارج من الخيار، ثم ينظرون نخلة ثالثة يقولون: إنَّها معهم خيار، وهي معهم وسط الخيار ما بين خيار الخيار والنخلة السفلى التي من أسفل الخيار ثم تقضي على (4/211)
صفحة 1038
تلك النخلة إن أمكن النظر وإلا فعلى قيمة تلك الوسطى وثلث قيمة الثلاث النخلات.
وقيل: إذا كان الزوج ميتاً فللورثة أن يقضوها في بعض قول المسلمين حيث أرادوا من ماله، ويكون ذلك في موضعين أو ثلاثة أو أربعة إن كان للميت قطع يمكن ذلك منها، ولا يلجأ إلى طرف من البلاد ولا إلى نخل لا يشرعها الماء ولا موضع غائب.
قال غيره: قد اختلف في ذلك: فقال من قال: ليس لهم أن يفرقوا عليها مالها فوق موضع إذا وفى لها حقها. وقال من قال: لهم أن يفرقوا عليها في موضعين. وقال من قال: ثلاثة. وقال من قال: أربعة. ولا نعلم أنَّه قيل أكثر من أربعة. ونساء الجبال لا يقضين من الباطنة.
وحفظت عن مبسر بن سعيد بن المبشر عن موسى بن علي: أنَّ (4/212)
صفحة 1039
امرأة نازعت في صداقها وتزوَّجت وهي من أهل الرستاق فقال زوجها: إنَّه يقضيها من الباطنة، فحكم موسى بن علي أن يقضيها صداقها من البلد الذي تزوَّجت فيه. قال: فاشترى لها زوجها من بلدها، وعدَّ لها.
ومن غيره من الفقهاء: في رجل طلَّق زوجته وليس له مال في بلده ولا في بلدها؟ فأقول: يقضي على قدر قيمة بلده إذا كان حياً إلا أن يكون هو من أهل الباطنة وهي من أهل الجبال فلها من الجبال، وإن كان هالكاً فلها القيمة من بلدها، كانت من أهل الباطنة أو من أهل الجبال.
وإن كان هالكاً فلها القيمة من بلدها، كانت من أهل الباطنة أو من أهل الجبال، وإن كان هو من غير أهل عمان، والمرأة من أهل عمان، وكان حياً أعطيت بقدر القيمة في أنَّها من عمان.
وفي جواب محمد بن محبوب وبشير بن المنذر والوضاح بن عقبة إلى محمد بن علي: وعن رجل هلك وعليه لزوجته مهر نخل فعدَّ لها ما كان له من نخل فلم يستوف، وله أرض ودواب ودراهم فقالت المرأة: أنا (4/213)
صفحة 1040
آخذ ما ترك زوجي برأي العدول، وكره ذلك الورثة وقالوا: نعطيك من نخلنا.
فقد قال بعضنا: أنَّ لها من الأرض بقيمة العدول، وقال بعضنا: إنَّها إذا لم تجد في ماله نخلاً فليس لها أن تأخذ ممَّا سوى ذلك إذا أعطاها الورثة صداقها من النخل برأي العدول.
وكذلك لو كرهت هي أن تأخذ من الأرض والحيوان لم تجبر على ذلك، وإن كان يباع من مال الهالك ويشترى لها نخل، فإن لم يوجد لها نخل فلابد لها من أخذ الدراهم بقيمة عدول البلد، وعليها مثل الذي لها في هذا، والله أعلم. وهذا الرأي الآخر أحبُّ إلي.
وإذا تزوَّج الرجل المرأة من بلد، وزوجها من بلد آخر، وماله في بلد وليس له في بلدها مال؟ فقال من قال: إنَّ لها صداقها من ماله من بلده. وأحبَّ آخرون أن تأخذ حقها من ماله بقيمة نخل بلدها، لأنَّه ربما كانت النَّخلُ في بلدها أغلى.
قال أبو الحواري عن نبهان: إنَّها إن قضيت من بلده فبقيمة بلده، وما قضيت من بلدها فبقيمة بلدها، (4/214)
صفحة 1041
وإن كانت هذه غريبة ليسها من عمان فلها حقها من البلد الذي تزوَّجت فيه، وإنا كانا غريبين جميعاً قدما إلى عمان ثم مات الزوج أو فارقها فحيث وجب لها حقها أو حكم لها به الحاكم أخذته فينظر في ذلك.
قال غيره: حسن في الغريبين أن يكون الحق حيث وجب لها القضاء بسنة ذلك البلد، ويحسن أن يكون بسنة البلد الذي تزوَّجها فيه.
قال غيره: قد اختلف في صداق المرأة من النخل؟ فقال من قال: إذا طلَّق وله في بلدها مال، وله في بلده مال، وبلدها غير بلده. فقال من قال: تقضي من ماله من بلدها بسنة بلدها. وقال من قال: بسنة بلده.
وقال من قال: يقضيها من بلده بسنة بلدها. وقال من قال: بسنة بلده. وقال من قال: يقضيها من حيث شاء، من بلده أو من بلدها بسنة بلدها. (4/215)
صفحة 1042
وقال من قال: بسنة بلده. وقال من قال: بسنة البلد الذي يقضي منه.
عن أبي علي: في رجل تزوَّج امرأة من قرية، ثم خرج بها قرية أخرى فطلَّقها هناك، وكان مهرها عليه مائة نخلة؟ قال: فأقول: أن يقضيها حقها من البلد الذي تزوَّجها فيه، فإن كان له مال في بلدها أعطاها منه، وإن لم يكن له فيها نخل أعطاها من بلده إلا نخل الخط إن كانت من غير الخط.
وقيل أيضاً: عليه أن يعطيها من البلد الذي تزوَّجها فيه بقيمته، وإن لم يكن له مال في بلدها أن يقضيها من بلده على قيمة بلده، وإن لم يكن مال في بلدها ولا في غيره فله قيمة بلدها الذي تزوَّجها فيه.
وقيل: عن محمد بن محبوب: أنَّه كان يرى أنَّ من لزمه من القريات صداق فله أن يعطيه حيث شاء منها، من نزوى أو من سمد أو من سعال برأي العدول حتى تنازع إليه في ذلك من تنازع من نزوى فألجأ المطلوب إليه ماله من نزوى وقال: لا مال له بنزوى، (4/216)
صفحة 1043
فأراد أن يقضي من سعال فرآى عليه أبو عبد الله أن يقضيها نخلا من نزوى برأي العدول، وإن لم يكن له مال ولم يشتر لها من نزوى صداقها فلها قيمة صداقها كما يقوم العدول من أهل نزوى النخل الوسطة من الصدقات، ثم قال: قد كنت أرى أن يقضي الرجل من أهل نزوى حيث شاء من القريات فقد رجعت عن ذلك وتفكرت فيه فرأيت أن أهل نزوى يقضون من نزوى، وأهل سمد من سمد، وأهل سعال من سعال.
كما أنَّه لا يلزم أهل نزوى ولا أهل سعال القسامة التي تلزم أهل سمد، ولا تلزم أهل نزوى، ولا أهل سعال القسامة التي تلزم أهل سمد، ولا تلزم أهل نزوى ولا أهل سمد القسامة التي تلزم أهل سعال، ولا تلزم أهل نزوى ولا أهل سعال القسامة التي تلزم أهل سمد، وإنَّما تلزم أهل نزوى عمارة مسجدهم الجامع وحدهم.
وكذلك تلزم أهل سعال عمارة مسجدهم الجامع وحدهم، وأهل سمد تلزمهم عمارة مسجدهم الجامع وحدهم.
وإن كان رجل تزوَّج امرأة من نزوى وأصلها من الغابة والرجل أصله من أهل الرستاق، وكان معها بنزوى إلى أن مات الرجل وترك مالا بنزوى، (4/217)
صفحة 1044
فرأينا أن تقضي صداقها من ماله من نزوى.
وإن احتجَّ وارثه أنَّ له مالاً بالرستاق وهو من أهل الرستاق، والمرأة من أهل الغابة فطلبت أن تقضي المرأة من ماله من الرستاق فأشرنا في ذلك فلم نفرِّق فيه برأي، ولم يصحَّ المال الذي في الرستاق فمضى القضاء من ماله من نزوى من النخل وغير النخل.
قال أبو الحواري: يقضي حيث مقامه ساكناً بزوجته.
رجل أيضاً من أهل نزوى تزوَّج امرأة من أهل نزوى ثم مات أو طلَّقها فطلبت صداقها فباع ماله من نزوى أو الجاه ولم يكن له مال بنزوى ودعاها أن يعطيها من ماله بسعال فكرهت واحتجَّت أنَّ نخل نزوى أغلى من نخل سعال؟ فرأى بعض أن تقضي من سعال بقيمة نزوى.
ثم بلغنا أنَّهم رجعوا عن ذلك ورأوا أن نزوى وسعال قرية واحدة ولا يعدم أن تكون الموضع موضعاً أغلى من موضع، وإنَّما لها نخل قاضية، فإذا أخذتها فقد استوفت ولا ينظر إلى ثمنها أو قلته، ولم نر في هذا الرأي بأساً.
وقد وجدنا عن أبي عبد الله هذه المسألة كيف رأى أولاً وآخراً، وينظر في ذلك. قال: وبهذا نأخذ. (4/218)
صفحة 1045
وذكر عمر بن القاسم عن أبي علي -رحمه الله-: أن من قضى زوجته صداقها في مرضه أنَّ لها ما قضاها لا تزال عنه، وتدخله العدول، فإن رأو فيه فضلاً أخرج الفضل، وإن كان في شرط النكاح أنَّ صداقها من بلد فهو ذلك البلد، ولو مات ذلك المطلوب وأوصى أن يقضي من غيره فليس له ذلك في حياته ولا في مماته.
وامرأة لها على زوجها مائة نخلة وليس له نخل ولا أرض ودور وغير ذلك، فقال: الورثة نبيع أرضه أو نأخذها ونقضيها نخلاً، فإن كرهت فليس لهم ذلك، ولها أن تأخذ من مال زوجها ما كان من أرض أو غيرها برأي العدول، وينظر إلى قيمة صداقها من نخل ذلك الموضع فتأخذ من أرضه بقيمتها.
ومن غيره: قال: وقد قيل هذا: إنَّه ليس للورثة أن يعطوها إلا من مال زوجها، كان نخلاً أو غير ذلك بالقيمة، فإن كان في نخل زوجها وفاء وإلا أخذن الفسل من بعد النخل ثم الأرض ثم الماء، وليس لها أن تأخذ الماء وتدع النخل والأرض والفسل، ولا تأخذ الفسل والأرض وتدع النخل إلابرأيها ورأى الورثة.
وليس للورثة أن يعطوها نخلاً من غير مال زوجها ويفدوا ذلك المال، (4/219)
صفحة 1046
وليس لها هي أيضاً ذلك إن طلبت نخلاً أن يباع من مال زوجها وتعطي نخلاً لم يكن لها في الصداق والنقد، وعليها أن تأخذ مال زوجها بالقيمة. وقال من قال: إن النقد لها أن تأخذه دراهم، ويباع المال وتعطي الدراهم إلا أن تريد هي ذلك، ويريد ذلك الورثة وهم بالغون. وقال من قال: أنَّ ليس لها أن تأخذ إلا نخلاً من مال زوجها، ويباع المال ويشتري لها نخل به، أو يقضيها الورثة من حيث شاءوا نخلاً بالقيمة من قضاء النخل، وكذلك ليس لها أن تأخذ إلا نخلاً، فإن وجد في مال زوجها نخلاً قضت المال.
وتقضي نخلاً من مال زوجها أو يفديه الورثة إن كانوا بالغين يقضونها حيث شاءوا نخلاً، وإن كان يتيماً فلا خيار لها في ذلك، ويقضيها الوصي أو المسلمون نخلاً تباع من مال زوجها، ويشتري لها نخلاً ويقضي إيَّاها، وهذا على القول الآخر.
وأمَّا على القول الأول، فإذا كان الورثة أيتاماً أو بالغين فليس لها ولا عليها إلا أن تأخذ مال زوجها ما كان. (4/220)
صفحة 1047
ومنه: امرأة ملكها رجل، فمن قبل أن يدخل بها اختلفوا في الحق فقال والد المرأة بأمرها، إن حقَّها أربعة آلاف، وقال الزوج: ألف درهم؟ فقال: إن كان دخل بها، فالقول قول الزوج، وعليها هي البينة، وفيها رأي آخر، وإن كان لم يدخل فالقول قولها، ويقال للزوج إن بدا له أن يدخل على ما ادَّعت فذلك إليه، وإن كره فيفارقها ويعطيها نصف الألف التي أقرَّ لها به.
ومن غيره: قال: وقد قيل: هذا، وقال من قال: القول قول الزوج، دخل بها أو لم يدخل عليها، وقال من قال: القول قوله إن ادَّعى صدقات نسائها فصاعداً، وإن ادَّعى أقل من ذلك فالقول قولها، ويخير: إن شاء طلَّق وكان عليه نصف ما أقرَّ، وإن شاء دخل بها وكان عليه ما ادَّعت عليه، وهذا القول هو قول حسن.
مسألة: وامرأة تزوجها رجل وعقد له الولي عقد النكاح ودخل بها بلا صداق مفروض، (4/221)
صفحة 1048
فإن اختلفا في الصداق من قبل أن يدخل بها انقض النكاح، وإن دخل بها فقد ثبت النكاح، ولها مثل صداق واحدة من نسائها، وهي أخواتها وعماتها، فإن اختلف صدقاتهنَّ فالوسط من ذلك، وإن كانت هي قد تزوَّجت زوجاً من قبل زوجها على أقل من صدقات فقالوا: ليس لها على زوجها هذا إلا مثل صداقها الذي تزوَّجت عليه هي، ولا ترد إلى مثل صدقات نسائها، وإن كان صداقها الذي كانت تزوجت عليه الأول أكثر من صداق نسائها فما يجب لها إلا مثل صدقات نسائها إلا أن تكون هي مع العدول من أهل المعرفة بها مستحقة في قدرها كمثل الصداق الذي تزوَّجت عليه من قبل فما يجب أن تحرم ذلك، وإن كان زائداً على صدقات نسائها؛ لأنَّ قدرها أولى من نسائها.
قال أبو الحواري: ليس عليه إلا صداقها الذي تزوَّجت عليه، كان قليلاً أو كثيراً، هكذا قال لي نبهان.
ومن غيره: قد قيل: لها صداق مثلها في قدرها ولا ينظر إلى صدقات نسائها؟ وقال من قال: مثل صدقات نسائها، فإن اختلفوا في ذلك فلها الوسط من صدقات نسائها، وقال من قال: كصداق مثلها من نسائها. (4/222)
صفحة 1049
وقال من قال: لها كصداق أمها، فإن كانت قد تزوجت من قبل زوجها على صداق كان لها صداقها، وذلك إن كانت في حال القدر الذي تزوَّجت عليه وإلا فلها صداق مثلها، وإن كانت الصدقات مختلفة كان لها الوسط من صدقاتها.
ورجل قضى امرأته أو باع نخلة أو ثلاث نخلات أو أكثر من قطعة كانت نخلاً، ولم يبق من النَّخل غير الذي قضى أو باع غير أن أصول النخل بينة؟ فقد قال من قال: إنَّ النخل لا تعطى بقياس أصول النخل التي قد فنيت وإنَّما لكل نخلة ثلاث أذرع، وإن كانت نخلتان ملتقيتان أو ثلاث ملتقيات في رستج سبخة فالثلث بأرضهنَّ كلهنَّ له، فالنخلات بأرضهنَّ كلهنَّ له. وقال من قال: إذا تزوَّج الرجل امرأة ثم تزوَّج بأخرى قبل أن يجوز بالأولى، فلها الصداق ولو لم يجز بها إذا تزوَّج عليها.
قلت له: فإنَّه لما أخذته فارق الآخرة فنرى أنَّه قد أراح الأولى، ولا يؤخذ بصداقها (4/223)
صفحة 1050
وقال من قال من الفقهاء: إنَّ لها صداقها ولو فارق الأخرى.
وقال محمد بن المسبح: وإن فارقها قبل أن يقبض للأولى من صداقها لم يكن لها صداق آجل. وهو قول محمد بن محبوب.
ومن غيره: وهذا معنا أنَّه إذ فارق الآخرة لم يكن للأولى صداق معجل من الآجل.
وغيره: قد قيل هذا. وقال من قال: لا صداق لها عليه إذا تزوَّج عليها، لأنَّ ذلك له مباح. وقد قال من قال: إن تزوَّج بإذنها فأذنت له في التزويج فتزوج فلا حق عليه، لأنَّه قد تزوَّج برأيها.
وإن تزوَّج بغير رأيها فعليه الآجل من صداقها. وقال من قال: عليه الآجل من صداقها ولو أذنت له في التزويج حتى تأذن له أن يتزوَّج امرأة بعينها، وإن تزوَّج بغير رأيها فعليه الآجل من صداقها، وقال من قال: عليه الآجل من صداقها ولو أذنت له في التزويج حتى تأذن له أن يتزوَّج امرأة بعينها، فإن أذنت له أن يتزوج امرأة بعينها فتزوج لم نأخذ لها بآجل صداقها. وقال من قال: يؤخذ لها بآجل صداقها إذا تزوَّج عليها، كان ذلك بإذنها أو بغير إذنها، كان الإذن بامرأة بعينها أو بغير امرأة بعينها. (4/224)
صفحة 1051
فإن تزوَّج امرأة على زوجته ثم طلَّق الأولى ثم ردَّها في العدَّة؟ فقال من قال: الصداق للأولى التي طلَّقت وردت في العدَّة صداق للآخرة، لأنَّ هذا ليس بتزويج وإنَّما ردها في العدة، وليس للأخرى تأجيل صداقها، وللأولى صداقها، وقال من قال: يؤخذ بالآجل للأولى والآخرة، لأنَّه قد ردَّ الأولى، والرد بمنزلة النكاح ولو أنَّه لم يطلِّقها لم يكن للآخرة شيء. وقال من قال: يؤخذ بالآجل للآخرة ولا يؤخذ بالآجل للأولى إذا ردَّها، وإن كانت الأولى اختلعت إليه ثم ردَّها في العدَّة فالختلاف فيه واحد، وهذا أكد أن يكون للآخرة أجل صداقها، ولا يؤخذ للأولى بأجل صداقها، لأنَّها قد ملكت نفسها ثم رجعت فهي داخلة على الآخرة أيضاً، والأولى لم يكن لها في نفسها ملك.
وقيل: إذا تزوَّج الرجل على رجل غائب، فإنَّه يضمن المتزوج على الغائب الصداق، وكذلك الذي يتزوج على الصبي واليتيم.
والذي نحب أن يكون اليتيم هو الذي يتزوَّج على نفسه، إذا كان في حد من يجوز له أن يتزوَّج حرمته. (4/225)
صفحة 1052
والمرأة ويتزوج بها اليتيم لها في نفسها الخيار، إن شاءت رضيت وتمكست، وإن شاءت لم ترض، فإن رضيت في أول التزويج أمسكت عليه حتى يبلغ وتعلم رأيه وتمام إرادته في ذلك، فإن رضي التزويج ثبت التزويج وأحدث بالمرأة المتزوجة حدثاً كانت راضية بالتزويج وكان المالك لها صبياً وجب له الميراث في مالها، إذا كانت راضية.
قال أبو الحواري: فإن بلغ اليتيم من بعد موتها حلف يميناً أن لو كانت حية لرضيت بها زوجة، وأنَّه قد أتم هذا التزويج ورضي به ثم يكون عليه الصداق، ويكون له الميراث منها. هكذا حفظنا.
وإن كان الزوج بالغاً والزوجة يتيمة أو صبيَّة ووالدها حي، والتَّزويج بحاله، فإذا بلغت ورضيت به زوجاً ثبت النكاح، وإن كرهت انفسخ النِّكاح.
وإن مات وهي لم تبلغ ورثته، ولورثته عليها يمين إذا بلغت أنَّه لو كان حياً لرضيت به زواجاً، وإذا تزوَّج الرجل يتيمة ولم يعلم ما عندها في ذلك ثم تزوَّجها تزويجاً ثانياً من بعد ما بلغت ثم ظهر منها الكراهية للزوج، (4/226)
صفحة 1053
فإذا كرهت انفسخ التزويج وبطل، ويدركها المتزوج أنَّها ما رضيت به زوجاً إن أراد ذلك.
وعن رجل تزوج يتيمة، زوجها وليها وكان أمرها واقفاً حتى بلغت وتجهز لها، ورجع الولي فأشهد لها ثانية بالصداق ولم يعلم رضاها ولا سخطها، وأنَّها قبضت النقد وقبضت الثياب ثم أظهرت الكراهية، وطلب الرجل أن ترد عليه الذي له على جهته؟ فأقول: إن لم يصحَّ رضاها حتى أظهرت الكراهية فذلك لها، وعليها أن ترد على الذي أملك كل شيء يصير إليها من الدراهم والذهب والثياب والمتاع على جهته إلا ما صحَّ أنَّه هو أمر فعمل فيه ما قال فهو ما ترد عليه في ذلك.
مسألة: وإذا تزوَّج الصبي المرأة البالغ ورضيت به زوجاً ثم تزوَّجت زوجهاً غيره وأنكرت الرضا، فإذا قام عليها شاهدا عدل بالرضا بينهما أخذت صداقها، ولا تحلُّ لهما جميعاً.
قلت: فإذا ولدت ولداً فيكون الولد لغير رشدة أو ولدين
قال أبو الحواري: الولد للأب.
قلت: فإن علم هذا الزوج أيضاً بتزويجها بهذا الصبي أو غيره، وسمع أنَّ عليها البينة بالرضا بتزويج الصبي، ولم يقم بأمر الصبي أحد حتى بلغ، وطلب زوجته، ورضي بالتزويج بها فرق بينها وبينه ولا تحلُّ للأول ولا للآخر.
وإن طلَّق الصبي لم يجز عليه الطلاق حتى يبلغ ثم يرضى أو يكره. (4/227)
صفحة 1054
ومن كتاب أبي قحطان -رحمه الله-: وقال أبو عبد الله في الشروط المجهولة في النكاح عند عقدة النكاح: تجوز على أهلها، ولا نقض فيها.
قال أبو عبد الله: بلغني أنَّ موسى ابن أبي جابر حكم في امرأة من أهل سيفم تزوجها رجل على صداق رجلين فارسيين، وكان أهل سيفم يفرضون في صدقات نسائهم لكل رجل أربعين نخلة، فحكم موسى لهذه المرأة لكل رجل فارس أربعون نخلة مثل سنة أهل بلدها، فعاب ذلك عليه الأشياخ وقالوا: ليست لها إلا قيمة رجلين من الفرس يوم يستحقها، ولا تأخذ كما يشترط أهل بلدها.
قال أبو عبد الله: وذلك قولي كما قال الأشياخ.
ومن غيره: قد قيل: إنَّ موسى ابن أبي جابر لم ينقض حكمه ذلك، ولا رجع عنه، ومضى على ذلك؟ قال: وإذا تزوَّج الرجل المرأة على صداق أربعة فرس، فإن قال رجالاً أو عبيداً أو مماليك أو وصفاً أو سن مسمى سداسي أو خماسي أو أقل أو أكثر فهو ثابت، وإن كان إنَّما تزوجها على أربعة فرس مرسلة، ولم يفسر كما وصفت لك فلا أرى لها شيئًا، فإن كان زوجها مات، وإن كان طلَّقها وهو حي أخذ به حتى يقر كم صداقها هذا، كم هو فأخذه لها بما سمَّى به، ولا أقبل منه حتى يسمى بما شاء قليلاً أو كثيراً. (4/228)
صفحة 1055
قلت: ألا ترجع إلى صدقات نسائها؟ قال: لا.
قلت: فإن شهد وليها أني قد زوجته بها على صداق لم أسم له، ودخل بها، فهل يأخذه منه كأوسط صدقات نسائها؟ قال: لا، ولكن إن كان حياً أخذته حتى يقرَّ لها بما شاء، وليس لها إلا ما أقرَّ به لها، وإن كان ميتاً فليس لها شيء، وإنَّما يكون لها أوسط صدقات نسائها إذا تزوَّجها ولم يفرض لها وليها شيئًا. انقضى.
قال أبو عبد الله: يجوز للرجل أن يشتري من غير واف فلا حجة لها.
وقال: لا يجوز بيعه ولا عطيته لغيره ما لم يضمن به الزوج.
وفي سماع مروان بن زياد عن محمد بن محبوب: وسألته عن رجل قضى زوجته نخلاً فأكلتها سنين ثم طلَّقها قبل أن يدخل بها؟ قال: ترد عليه نصف الثمرة، وترد عليه نصف النخل.
قلت: فإن كانت النخل قد فنيت؟ (4/229)
صفحة 1056
قال: ترد عليه نصف الأرض، ولا يلزمها في النخل شيء.
قلت: أرأيت إن قضاها جارية فولدت معها أولاداً ثم ماتت الجارية فطلَّقها قبل أن يدخل بها؟ قال: له نصف الأولاد، ولا شيء عليها في الجارية، وإذا قضاها جارية وماتت الجارية ثم طلَّقها من قبل أن يدخل بها لم يلزمها أن ترد عليه نصف قيمتها، ولكن ترد عليه نصف غلتها، ولكن إن استعملها عملاً فماتت فيه لزمها له نصف قيمتها، لأنَّها عرضتها للتلف، كأنَّها أن تزجر فوعت في البئر فماتت، أو نطحها الثور فماتت، فعليها له نصف قيمتها ونصف غلتها، وليس عليها ضمان في النصف الباقي.
وإذا تلفت النخل لم يلزمها أن ترد عليه إلا نصف الثمرة، لأنَّه رفع إليها برأيه وبرأيهما جميعاً بما ليس عليه لها حتى يدخل بها، وإنَّما هي أمينة لا يلزمها الضمان. انقضى.
وعن أبي عثمان كان يقول في المرأة تموت فتطلب الورثة صداقها إلى زوجها العاجل والآجل، فيقول الزوج: أمَّا العاجل فقد استوفيته قبل الدخول: إنَّ على الزوج البينة بالوفاء، ودعواه لا تهدم حقها، وكذلك في الحياة. (4/230)
صفحة 1057
قال مسبح: وبذلك كان ابن المبشر يحكم.
قال أبو عبد الله: والذي عليه صداق خمسة عشر بعيراً صداقاً لزوجته مرسلة تعطى الوسط من الإبل من الذكور والنصف.
ولعلَّه أراد من الإناث النصف والنصف من الجدع والنصف من الثني وتدع ما دون ذلك ومن الأسنان وما فوقها. وكذلك في الوصفا يترك الرباعي والمراهق، ويعطي الخماسي والسداسي.
وإن شئت قومت الرباعي والخماسي والسداسي والمراهق ثم تطرح ثلاثة أرباع هذه القيمة وتعطي الربع لكل وصيف. وقال من قال: زوج على خمسة رجال.
ربح قوم العلج البالغ والعلج الوسط والعلج الغاني ثم أخذ ثلث ثلث القيمة من هذل لكل رجل واحد.
ومن غيره: قد قيل هذا: إنَّه يقوم الأمر البالغ والبالغ الملتحي والعلج الوسط والعلج الغاني ثم يأخذ من القيمة لكل رجل ربع. وقال من قال: يؤخذ البالغ الملتحي والعلج الغاني فيكون له نصف تلك القيمة.
قال أبو عبد الله في رجل تزوَّج امرأة وشرط عليها إن ماتت قبله فلا صداق لها عليه؟ إنَّه يلزمه الصداق لورثتها من بعد موتها، ولا يثبت هذا الشرط عليها، (4/231)
صفحة 1058
وإن مات هو قبلها فلا صداق لها، فإنَّ ذلك يلزمها إذا مات ويبرأ من صداقها ولا سبيل لها في الصداق على ورثته في ماله، وكذلك إذا مات قبلها فلا شيء لها عليه إلا ما وجدت له من مال؟ قال: نعم.
معروضة على أبي عبد الله في الهدايا والضحايا: وإذا أهدى الرجل إلى زوجته من عالجها إذا طلب ذلك الزوج فلا أرى له ذلك من عاجلها ولا من آجلها حتى يشترط عليها.
ومن غير كتاب أبي قحطان: وعن رجل تزوَّج امرأة من غير بلده ثم طلَّقها أو مات عنها أو ماتت عنه، من أين يكون قضاء صداقها؟ فأمَّا إذا طلَّقها، وكان هو الذي يقضي عن نفسه فقال من قال من الفقهاء: يقضي من حيث شاء من بلدها أو من بلده أو من غير بلدها من حيث شاء، وإن أراد من القرى برأي العدول عدول ذلك البلد الذي يكون فيه القضاء. وهذا القول نأخذه.
وقال في غير هذا الجواب: فقد قال من قال: تقضي حيث اءت من سنة بلدها وقيمة النخل في القضاء في بلدها. (4/232)
صفحة 1059
وقال من قال: بقيمة النخل في القضاء في الصدقات في ذلك البلد الذي يقضيها منه.
ومن جوابه تمام المسألة: وإذا مات عنها، فإن كان له ببلدها مال لم يكن القضاء إلا في بلده برأي عدول بلدها، وإن لم يتم الوفاء بصداقها من بلدها قضيت من بلده ما بقي من صداقها برأي عدول بلده، وكان القضاء من ماله، وقضى نفسه، وإن كانت المرأة هي الميتة وأراد الزوج قضاء ورثتها كان القضاء من مالها، فإن لم يكن لها مال في بلدها فمن حيث شاء من ماله، وإن يشأ من بلدها، وإن يشأ من بلده.
رجع: ومن غيره: قال: وقد قيل: يقضيهم من ماله وليس موتها كموته، لأنَّ الحق عليه في جملة ماله في ما ورث منها أو من غيرها، وأمَّا إذا مات هو لم يكن قضاؤها إلا من ماله، لأنَّ الحق عليه في ماله. وقال من قال أيضاً: إن الورثة يقضونها بعد موته من حيث شاءوا وبغدوا المال. والقول الأول هو الأكثر. وقال من قال: إنَّ عليه هو إن كانت هي الميتة أن يقضي ورثتها من (4/233)
صفحة 1060
مالها من بلدها ثم بعده من حيث ما كان لها مال أقرب، وكان له مال ونخل وأرض وماء، فإن كان شرط عليها عند التزويج الصداق في بلد معروف بعينه، وكان له في ذلك البلد من النخل مالاً يوفيها صداقها أخذت النخل وأخذت من الباقي من صداقها من الأرض برأي العدول بقيمة النخل، وكذلك الماء إلا أن تختار المرأة أن تأخذ نخلاً من غير بلدها من ماله حيث كان فلها ذلك، وإن أرادت أن تستوفي صداقها من البلد الذي شرط لها فيه من الأرض والماء بقيمة النخل كان لها ذلك، إذا لم يكن في النخل وفاء، وكان لم يشترط لها شرطاً في بلد بعينه فأخذت من بلدها ما وجد له من النخل ثم تبيع نخله من حيث ما كان له من النخل ومن القرى.
ومن غيره: قال: وقد قيل: لها من أقرب القرى إلى بلدها تبيعه الأقرب فالأقرب حتى تستوفي.
ومن جوابه: وليس عليها ولا لها أن تأخذ أرضاً ولا ماء ما دام يوجد له نخل في بلدها أو غير بلدها، فإذا بادت النخل ورحبت إلى الأرض والماء أخذت ما بقي في بلدها له من الأرض والماء، وتبدأ بالنخل البالغة ثم الفسل ثم الأرض ثم الماء حتى تستوفي، برأي العدول تستوفي. (4/234)
صفحة 1061
فإن لم يكن له هنالك وفاء رجعت ابتعت أرضه وماءه حيث كان من القرى.
ومن غيره: قال: والفسل الذي غير فعل ولا يرى في قضاء الصدقات فهو بمنزلة الأرض، وإذا استفرغت المرأة نخلة من جميع القرى رجعت إلى قريتها فأخذت الفسل ثم الأرض ثم الماء، وليس عليها ولا لها أن تأخذ من غير بلدها شيئًا من الفسل والأرض والماء ما دام له فسل وأرض وماء في بلدها، فإذا استفرغت ماله من بلدها من الفسل والأرض والماء رجعت إلى أقرب القرى إليه فأخذت بقية صداقها من الفسل ثم الأرض ثم الماء من ماله، وكذلك تستوفي.
ومن جوابه: وعن رجل تزوَّج امرأة على صداق من سقى فلج بعينه، وله في ذلك الفلج نخل وأرض وماء.
فالجواب: في هذه المسألة كالجواب في المسألة الأولى إن لم يكن له من النخل في ذلك والفلج ما يوفيها صداقها استنمت صداقها من الأرض والماء من ذلك الفلج الذي كان شرط الصداق فيه. وليس لها أن تجاوز إلى سقي فلج آخر ما دام يوجد في هذا الفلج الذي شرطها فيه له من مال من أرض وماء.
فإذا استفرغت ذلك من جميع النخل والأرض والماء من ذلك الفلج الذي شرطها فيه رجعت تبيع ماله حيث كان من النخل، ثم بعد ذلك (4/235)
صفحة 1062
الأرض والماء حتى تستوفي برأي العدول بقيمة ذلك الفلج الذي كان لها فيه، وإن أردت المرأة أن تدع الأرض وتتبع نخلها حيث وجدتها كان لها ذلك برأي العدول بقيمة ذلك الفلج الذي كان لها فيه الشرط ما كان القضاء في هذا البلد، وإذا جاوزت إلى بلد آخر غير ذلك البلد كان القضاء برأي عدول ذلك البلد بقيمة ذلك البلد الذي تقضي منه بعينه صداقها. وبهذا نأخذ والله الموفق للصواب.
ومن غيره: قال: وقد قيل: إنَّ لها أن تأخذ بقيمة صداقها من حيث كان بقيمة ذلك الفلج الذي لها فيه الشرط، لأنَّ حقها منه. (4/236)
صفحة 1063
باب (في قضاء الصدقات أيضاً)
من الأثر: وأيضاً قالت المرأة للرجل: اذهب اخطب على كذا وكذا فما وضع عليك فوق ذلك فليس ذلك عليك، فإذا أقرت بذلك أو أقامت عليها بينة حكم عليها، وقال من قال: لها صداقها وتسمى منا منافقة.
ومن غيره: قال: وقد قيل: ليس لها إلا ما بقي عليه في السريرة إلا أن يحكم عليه بذلك في الظاهر فلا يسعها ذلك، وعليه رده. وقال من قال: لها ما فرض وليها، لأنَّ التزويج إنَّما وقع على ذلك.
ومن غيره: ومن جواب أبي إبراهيم إلى خالد بن عبد الله: سألت -رحمك الله- عن رجل تزوَّج امرأة، وكتب عليه حقها في نفسه وماله، ثم خرج الزوج قطع البحر وترك المال في يد زوجته إلى أن هلكت وزوجها غائب قاطع البحر، ثم أزال ماله بعد موت زوجته أو قبلها إلى رجل هبة ولم يقبض الموهوب له المال حتى هلك الواهب، وللمرأة على زوجها صداق، فقد سألت لهنَّ نحو هذا.
فقال من قال من أهل العلم: أنَّ الصداق إذا كان فيه شيء من ماله محدود فليس له فيه إزالة، وحقها في ذلك المال حتى تستوفي حقها، (4/237)
صفحة 1064
فإن كان في ماله سواه ثم أزاله إلى رجل آخر هبة له ثم هلك الواهب ولم يقبض الموهوب له المال، فإن الهبة عطية، والعطيَّة إذا لم تحرز لم تثبت، وللمرأة حقها في مال زوجها، ولورثتها ميراثهم منها على ما يصحَّ من ذلك، وإن كان أزاله بحق أو بإقرار وغير ذلك بالصحة عند المسلمين فذلك ثابت لمن أزيل إليه والله أعلم.
ومن جواب أبي إبراهيم إلى الحواري بن عثمان: وأمَّا ما قال أنَّه قضاها على شرط ومثنوية أنَّه يكون ماله في يده إلى أن تموت فقد سمعنا ورأينا عن أبي عبد الله أو غيره أنَّ هذا قضاء ضعيف حيث فيه مثنوية، وهو مثل بيع فيه شرط ومثنوية.
ومن غيره: قال: وقال من قال: إنَّه ليس على الرجل أن يقضي زوجته آجل صداقها حتى يحل، تأخذه يحل به، فإن طلب أن نقضي زوجته فليس تجبر هي على ذلك، وإن أبى هو لم يجبر على ذلك. وقال من قال: إذا عرض عليها آجل صداقها جبرت على أخذه، فإن قبضته ثم طلب أن ترده عليه فقال من قال: عليها أن ترده، وقال من قال: ليس عليها رده.
ومن غيره: وسألت عن رجل أدخل رجلاً على امرأته في الظلام حتى وطئها؟ (4/238)
صفحة 1065
قال: خليق* يلزمه صداق غير الصداق الذي عليه.
ومن غيره: وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب -رحمه الله-: إذا شرط الرجل على نفسه لزوجته جارية لا تموت فأراه شرطاً ضعيفاً، وإنَّما عليه أن يعطيها مرة واحدة، ونزول المرأة من بلده إلى وارث بعد وارث، فإن اختلفا في ذلك قبل الدخول انتقض النكاح، فإذا وقع الدخول فإنَّما عليهم مرة واحدة.
وعن أبي الحسن أنَّه قال: يجوز هذا الشرط لها على زوجها، وكلَّما ماتت جارية كان لها عليه جارية أخرى لأنَّ الجهالة تجوز في الصدقات.
وإذا اشترط عليه من الصداق جارية وكانت هي مِن مَن يخدم فعليه لها خادم آخر سوى الجارية التي شرطت عليه في صداقتها، لأنَّ تلك لها هي. هكذا رأيت عن محمد بن جعفر.
ومن تزوَّج على خمسة زنج منهم الرباعي والخماسي والسداسي والمراهق والأمرد البالغ والعلج الأوسط والعلج الفاني ثم يكون من جملة ذلك السبع زنجي واحد.
مسألة: وسألته عن الرجل يتزوَّج المرأة على مائة نخلة فمكث معها ما شاء الله ثم تزوَّج امرأة أخرى على جميع ما يملك ويجوز عليها؟ (4/239)
صفحة 1066
قال: يقسم بينهما نصفان. وقال بعضهم: لكل واحدة منهما قدر صداقها بالحصة، فإن كان تزوجها على ما يملك ولم يكن يعلم كم هو، وكان أقل من صداقها فلها صدقات نسائها.
ومن غيره: قال: وقد قيل إذا كان ماله قيمة أربعمة دراهم فصاعداً جاز التزويج، وليس لها إلا ذلك.
وقيل: إذا تزوَّج الآخرة على جميع ما يملك جاز لها ذلك، وكان صداق الأولى ديناً عليه.
وقال أبو عبد الله في الصداق: لا تأخذ المرأة دون الوسط من صداقها ولو ضعف لها، ولا لها أن تأخذ فوق الوسط من صداقها ولو زاد العدول في قيمته قال: وإن كان. وكذلك يجيء إذا كانت في ماله وما بقي من النخل عن رؤوسها، فإن لم يكن فيه وفاء أو شيء من ماهي برأي العدول. قال: وليس للعدول أن يقضوا في الصداق إلا ما فعل ويحمل.
قلت: فإن كانت تحمل كل نخلة عدقا؟ (4/240)
صفحة 1067
قال: لا، حتى ولكن يكون نخلاً تحمل أكثر من ذلك.
ومن غيره: وعن رجل تزوَّج امرأة على صداق خمسين نخلة وألف ولم يسم الألف ما هو، ثم اختلفوا في الألف فقالت المرأة: ألف دينار، وقال الرجل: ألف درهم؟ قال: القول قول الزوج، وليس لهم إلا ما أقرَّ إلا ما قامت به البينة بدارهم أو غيرها.
ومن غيره: قال: وقد قيل: إنَّ لها من ذلك ما عليه سنة البلد من نسائها أو مِن مَن هي مثلها، إن كان الألف يكون دنانير فدنانير، وإن كان دراهم فدراهم إذا تقارروا أنَّه لم يسم عند العقد شيء، وإن تداعيا فقال هو: ألف درهم، وقالت: هي ألف دينار فالقول قوله مع يمينه.
ومن جواب أبي الحواري: وإذا تزوَّج الرجل يتيمة هو وليها تزوجها بأقل من صدقات نسائها ثم وطئها فلمَّا بلغت غيرت؟ قال قوم: ليس لها إلا ما فرض الولي. وقال من قال: مثل صداق نسائها، وكذلك إذا تزوَّج الرجل امرأة على أقل من صداقها فعلى قول محمد بن محبوب على ما وصفت لك، ليس لها إلا ما فرض وليها، (4/241)
صفحة 1068
واختلف في ذلك سليمان بن عثمان وعمر بن المفضل.
قال أحدهما: إن كانت بكراً فلها صدقات نسائها، وإن كانت ثيباً فليس لها إلا ما فرض وليها، وإن كانت تسأل عن ذلك إذا كانت ثيباً، والبكر تستحي لا تسأل عن ذلك.
وقال الآخر: ليس لها إلا ما فرض وليها، كانت بكراً أو ثيباً. وقول آخر: لها مثل صدقات، كانت بكراً أو ثيباً.
ومن غيره: قال: نعم، قد قبل هذا كله، وعرفناه وحفظناه، وكذلك قيل في الوكيل إذا زوج برأي الولي ولم يحد له الولبي حداً، فقال من قال: إنَّ الولي غير الوكيل، وللوكيل للمرأة مثل صدقات نسائها إذا فرض لها أقل من ذلك. وقال من قال: للوكيل مثل الولي، وليس للمرأة إلا ما فرض لها الولي والوكيل إلا أن يحد له الولي حداً، أو يحجر عليه أن ينقص دونه فلا يجوز أمره بعد الحد، وكذلك قيل في الصبي إذا زوَّج حرمته التي يلي تزويجها بأقل من صدقات نسائها. (4/242)
صفحة 1069
فقال من قال: إنَّ الصبي في غير هذا غير البالغ، وقال من قال: كذلك سواء، ليس لها إلا ما فرض وليها ولو كان صبياً.
واختلفوا أيضاً في الصبية إذا زوجها الصبي بأقل من صدقات نسائها. فقال من قال: الصبية في هذا ليست كالبالغ من تزويج الصبي والصبية إذا زوَّجها البالغ. وقال من قال: كل ذلك سواء في الاختلاف.
وإذا زوَّج الولي نفسه بغير علم المرأة بأقل من صدقات نسائها فصداقها الذي ثبت لها عليه التَّزويج ولم يعلمها بذلك حتى وطئها؟ قال: لها عليه كأوسط صدقات نسائها، كانت صبية أو بالغاً أو بكر، ولا نعلم في ذلك اختلافاً.
ومن غيره: امرأة قالت لزوجها: اقض عن أبي دينه فقال لها: لا أفعل إلا أن تشهدي لي بشيء من مالك غير صداقها الذي عليه، فقضى عن أبيها دينه فأشهدت له بصداقها ثم رجعت تطلب ما شهدت له به فكره، أيسعه ذلك، ويحل له ما أشهدت له به، كان الدين قليلاً والذي أشهدت له به كان كثيراً من دين أبيها بأضعاف؟ (4/243)
صفحة 1070
قال: فإن كانت عارفة بالدين الذي على أبيها، وكم هو من الدراهم وعارفة بما أشهدت له به، فهو ثابت عليها وهو له حلال، وإن كانت غير عارفة بدين أبيها فله ما قضى عن أبيها، ويرد عليها الباقي، وكذلك إن كانت عارفة بدين أبيها ولم تعرف ما أعطت.
مسألة: وعن رجل تزوَّج امرأة ثم طلَّقها ثم دخل عليها فوطئها مرة بعد مرة، وقال: أنَّه قد ردَّها، ثم علم بعد ذلك؟ قال: يفرق بينهما، ولها صداقها الأول، ولها صداق ثان لوطئه إيَّاها إلا أن يكون وطئها قسراً ثم تركها، ثم قسرها مرة أخرى فعليه لكل مرة قسرها صداق سوى الصداق الأول.
وكذلك إن كان لم يعلمها بالطلاق ثم دخل عليها ووطئها ثم تركها وانقطع ثم رجع فوطئها فعليه لكل مرة فعل بها هكذا صداق.
ومن وسئل عن رجل تزوَّج امرأة ولم يدخل بها ثم تزوَّج عليها امرأة أخرى فطلبت الأولى صداقها كلَّه؟ قال: ليس لها إلا نصف صداقها، فإذا دخل بها كان لها عليه الصداق كلُّه.
ومن غيره: قال: نعم، وإنَّما ذلك الآجل، وأمَّا العاجل فلا سبيل له حتى يؤديه كلَّه. (4/244)
صفحة 1071
وقد قيل: إذا تزوَّج عليها كان لها عليه أن يؤدي لها الحق كله، لأنَّ ذلك محله، وليس يحجر الدخول عن ذلك والله أعلم بالصواب.
وحفظ الفضل بن الحواري: عن زياد بن الوضاح عن موسى بن علي: أنَّه إذا تزوَّج عليها استوجبت صداقها كاملاً، وإن لم يدخل عليها.
ومن غيره: وعن امرأة تركت لزوجها صداقها فلمَّا حضره الموت أوصى لها بصداقها، فإن كانت تركت لزوجها بمطلب منه إليها ثم أوصى لها به في مرضه ورده إليها فهو لها، وإن كانت تركته له من غير مطلب منه، وطابت نفسها ثم أوصى لها به أو ردَّه عليها في مرضه، فذلك لا يجوز لها، لأنَّها من الورثة، ولا يجوز له في صحَّة ولا مرض عطية عند الموت.
ومن غير سماع أبي مروان: وإذا أرسل الرجل رجلاً يتزوَّج عليه فقال للقوم: إنَّ فلاناً أرسلني أن أتزوَّج عليه وأن تزوجوه، فعن رسالته قلت لكم، وإن كرهتموه فأنتم أعلم فزوجوه فأنكر المرسل.
قال: فلا شيء على الرسول، وعلى المرسل يمين بالله ما أرسله أن يتزوَّج عليه، ويجبر المرسل أن يطلِّق، وإن كان الرسول لم يقل: إنَّ فلاناً أرسلني، وتزوَّج عليه ثم أنكر المرسل، وقال الآخر: أنَّه أرسله.
قال: فعلى الرسول نصف الصداق، وعلى المرسل يمين بالله (4/245)
صفحة 1072
ما أرسله، ويجبر الذي تزوَّج عليه أن يطلِّق من أجل أنَّه لعله أرسله ثم أنكر إلا أن يكون مع الرسول بينة عادلة له عليه، وأنَّه أرسله فيؤخذ بالبينة.
ومن غيره: وعن رجل زوَّج ابنه امرأة فلمَّا جاء ابنه قال: لا حاجة لي فيها، فإن كان قد فرض لها صداقها فيقبل به فهو عليه، وإن لم يقبل به فليس عليه شيء إلا أن تكون حملت من أرض إلى أرض أخرى، فإنَّه ينفق عليها حتى يردَّها، فلا بأس أن يتزوَّجها الأب إن شاء بمهر جديد إلا أن يكون ابنه أمره، فإن كان ابنه أمره أن يتزوجها فلا تحل لأبيه.
وعن أبي مروان -حفظه الله- قال: احفظ عني: أيُّما ولد أو أجنبي تزوَّج امرأة لرجل ثم كره المتزوج أنَّ الغائب أرسله أن يتزوَّج تلك المرأة فزوجوه، فلمَّا بلغ ذلك الغائب أنكر الرسالة ولم يرض بالتَّزويج أنَّه لا يلزم صداق، فإن أقرَّ أنَّه أرسله فعلى المتزوج نصف الصداق.
وقال من قال: الولد والأجنبي المتزوج ولد الغائب أرسله ثم قال: لا أرضى فعليه نصف الصداق، وإذا باع الرجل غلامه بمائتي درهم وكان متزوجاً امرأة بألف درهم، (4/246)
صفحة 1073
وهي تساوي ألف درهم، فإنَّه ليس لها عليه غير مائتي درهم التي باعها بها، وعليه يمين ما دالس في بيعه هذا.
ومن كتاب أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة: قال أبو عبد الله: قال أبو علي: في رجل تزوَّج امرأة على صداق ألف درهم، فدفع إليها ألفاً قبل دخوله بها فوهبتهله فقبضه منها ثم طلَّقها قبل الدخول بها فطلب خمسمائة درهم؟ قال: ليس له، وقد صار إليه ما دفعه إليها في هذه المسألة، لأنَّها اقتضت ما استحقت بالعقد، وضمنت الباقي له، فلمَّا طلَّقها لم يستحق غير الخمسمائة درهم وهو نصف الصداق فينبغي أن يضمن الباقي، لأنَّها تصرفت والله أعلم.
وإذا شرط للمرأة جارية، فهي جارية سوداء، وإن ادَّعت المرأة أو وليها أنَّها هندية. وقالوا: إنَّ الوصفا فرسى أو هند فعليهم البينة بذلك.
قال أبو عبد الله: في الحلة الكاملة التي تشرطها بعض النَّاس في صدقات نسائهم؟ قال: إن كان أهل البلد لهم في ذلك شرط معروف من الثياب، فهو على شرطهم.
وإن لم يكن في ذلك معهم شيء معلوم، فإنِّي أرى أن هذه الحلة الكاملة كسوة امرأة أربع أثواب: ملحفة ودرع ورداء وخمار وسط من الثياب، (4/247)
صفحة 1074
وإنَّما جعلت للمرأة ستة أثواب على زوجها لحال ما يحدث لها من الحيض. انقضى.
في رجل تزوَّج امرأة ثم تزوَّج أخرى بجميع ماله، وعلى ذلك أنكحوه.
قال محمد بن المسبح: لا تدرك الأولى شيئًا، وعلى ذلك أنكحوه، وإن كانت الأخرى قضاها على قدر صدقات نسائها أو أقل من ذلك جاز قضاؤها، وإن قضاها أكثر من صدقات نسائها أعطيت صاحبتها الفضل من حقها الذي لها عليه، فإنَّ قضاها ماله بعد أن دخل بها فلمَّا علمت الأولى طلبت حقَّها.
قال محمد بن المسبح: هذه معي مثل الأولى، يجوز لها ما قضيت. وقال: في هذه أيضاً مثل قوله في الأولى وهو برأيهما.
وقال هاشم: إن وارث وغسان قسماً صداقاً قبضته الآخرة بينها وبين الأولى وكانت الأولى لم يدخل بها.
وزعم أزهر بن علي أنَّه شهد هو وشاهد معه عند موسى بن علي عن رجل تزوَّج امرأة على صداق عاجل وآجل، وأنَّ الولي أشهدهما بعد ذلك أنَّه قد أجازه على امرأته. (4/248)
صفحة 1075
فأثبت موسى عليه الآجل ولم يلزمه العاجل.
قلت: فإذا كان عليه لامرأته صداق ولم يمكنه النخل فطلب أن يشتري لها نخلاً فلا يجد إلا شرى بادة على ثمن النخل، فهل يؤجل في ذلك على قدر القياس أنَّه يؤجل كما الذي يؤجل الذي ينفق ماله إلا بكسران.
ومن جواب أبي الحواري: وعن من يعطي زوجته شيئًا من صداقها من ماله على أن ليس لها ثمرته، أو على أن ثمرته لأولاده لو يقضيها صداقها بغلة ماله ولا شيء لها في أصله؟ فعلى ما وصفت فإذا أعطى زوجته صداقها بما شاء من ماله على أن ليس لها ثمرته، أو على أنَّ ثمرته لأولاده، فهذا باطل، وللمرأة صداقها، وأمَّا إذا قضاها صداقها بغلة ماله ولا شيء لها في أصله، لعلَّه أراد: إن قضاها ثمرة ماله سنين، فإن رضيت بذلك، وقبضت المال على ذلك وعرفت ما اقتضت من المال على ذلك ثبت عليها ذلك، وإن تكن ثمرة إلا ثمرة ذلك المال، وهذا الشرط ثابت.
وعن من قال لزوجته: إني كنت تزوَّجت امرأة، وتركت لي صداقها الذي لها علي؟ قال: أحب أن تسمع زوجته، ورجا أن تدع له حقها فتركت له حقها، أيبرأ أو هذا مطلب منه؟ (4/249)
صفحة 1076
قلت: وكذلك لو قال لها: ما أحب إلى لو قد تخلصت من حقك الذي لك علي، أو قال: هاتي في غم من حقك، أو قال: أخاف أن أموت وحقك علي، أو قال: لا أدري كيف أحتال حتى أخلص من حقك.
قلت: ما ترى إن تركت له على هذا، أيبرأ أم لا براءة له؟ فقد قالوا: ليس له أن يعرض لامرأته في صداقها، فإذا عرض لها فتركت له على التعريض ثم رحبت كان لها الرجعة، ولا يبرأ من صداقها إذا رجعت في ذلك، فكأنَّهم رأوا التعريض مثل الطلب، وكذلك لو دعا ربه بمحضر منها فتركت له ذلك، فهو مثل الطلب، وإن طلب إليها صداقها فتركه له ثم لم يرجع حتى مات أحدهما فقد برئ من صداقها.
وقد أجاز بعض الفقهاء الطلب إلا أنَّ لها الرجعة.
وعن أبي المؤثر: قلت: أرأيت إن اختلف العدول في القيمة برأي مَن يؤخذ؟ قال: يأخذ الحاكم بما رأى من ذلك.
قلت: فإن لم يكن حاكم؟ قال: يؤخذ برأي أهل العلم بقيمة الأموال والمعرفة بها من أهل الثقة والأمانة. (4/250)
صفحة 1077
وعن رجل أراد رجل – لعله وصي اليتيم- زوج اليتيم أن يقضيها صداقها من مال الميت، وقد ذكر الفضح في النخل، ولم يقع في ذلك المال من الفضح شيء، فهل يجوز قضاء صدقات النساء في ذلك الوقت؟ فنعم، يجوز قضاء النساء الصدقات في ذلك الوقت حتى يكون الفضح هو الأكثر في النخلة التي يقضي المرأة.
وعن رجل زوج ابنته على نخل، وشرط أنَّه جيد الجيد من الخيار؟ فهذا يكون عندنا من خيار الخيار، لأنَّ الخيار الجيد عندنا مثل الخيار.
كان جيفر بن عثمان وزوجته أم الخير بنت عبد الله تنازعا إلى عبد الله، فادَّعت أم الخير أنَّ زوجها الجيفر حلف بطلاقها ثلاثاً إن دخلت يحتجبها بيته ليكربها، فهي طالق ثلاثاً، فقالت أم الخير: أنا دخلت النحيحة البيت ولم يكسرها، وأنكر هو ذلك وادَّعى أنَّه كسرها، وأحضرت شاهدي عدل بهذه اليمين منه.
فرأى أبو عبد الله: القول قولها مع يمينها إذا قالت: أنَّها أدخلتها، وأنَّه لم يكسرها، وبأنَّها منه بالإيلاء، ثم طلبت منه صداقها فاحتجَّ أنَّه باع ماله كله لحضرمي بن يحي بعشرة آلاف درهم إلى خمس سنين، فدعا أبو عبد الله حضرمي فسأله عن ذلك فأقرَّ أنَّه اشترى، وقال: أنَّه ما اشتراه منه مدالسة ومحاولة.
فرأى عبد الله أن بيع هذا المال فاسد، وأنَّ المال يرجع إلى جيفر، ويلزم حضرمي لجيفر ثمن المال إذا أقرَّ حضرمي بالمدالسة، (4/251)
صفحة 1078
ولم يقرَّ جيفر بذلك، وأمر جيفر أن يبيع من المال لأم الخير بصداقها، ويدفعه إليها.
فأراد عدان بن محمد أن يأخذ أم الخير بالزكاة من صداقها إذا قبضته لما خلا من السنين إذ حكم عليها أبو عبد الله بالإيلاء وبالصداق، وكانا قد خلا لهم سنين مذ يتنازعان في هذه اليمين فلم ير أبو عبد الله عليها زكاة؟ وقال: لم يكن في تلك السنين التي كانا يتنازعان في الطلاق على مقدرة من أخذ صداقها.
ومن الأثر: وسألته عن شاهدين شهدا على رجل أنَّه تزوج امرأة على صداق ألف درهم مرتين؟ قال: تعطى ألفى درهم، ولا يكونان مع وزنه معاً ولكن واحدة بعد أخرى، والتي تركت لزوجها من صداقها ثلاثين نخلة، إن كان في صحتها جاز الشرب حتى تقول: وشربها من الماء. (4/252)
صفحة 1079
باب (في قضاء الصدقات)
من كتاب محمد بن جعفر: قال أبو عبد الله -رحمه الله- إني قضاء الصدقات الوسط إذا وجد في نخل الرجل نخل يقضي عن رؤوسها في ثلاثة مواضع أو أربعة.
لم يكن له أن يجاوز بالقضاء إلى غير هذه المواضع ممَّا فيه زيادة أو نقصان، وأن يوجد ذلك، فله أن يقضي ممَّا يراه العدول، والنصف ممَّا هو فوق الوسط ويزيد فيه العدول حتى يستوفي، ولا تأخذ المرأة دون الوسط كل صداقها ولو ضعف لها، ولا لها أن تأخذ فوق الوسط كل صداقها ولو زاد العدول في قيمته.
قال: وكذلك الحي إذا كان في ماله ما بقي من النخل عن رؤوسها، وإن لم يكن فيه وفاء أو شيء منه ممَّا يفي برأي العدول.
قال: وليس للعدول أن يقضوا في الصداق إلا ما يفل ويحمل.
قلت: فإن كانت نحل، تحمل كل نخلة عذقا؟ (4/253)
صفحة 1080
قال: لا يقضي، ولكن حتى تكون نخلاً تحمل أكثر من ذلك.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: وسألته عن رجل طلَّق زوجته ولها عليه صداق نخل وله نخل في فلجين: أحدهما يبس، والآخر لا ييبس، من أين يقضي؟ قال: يقضي من الفلج العد الذي لا ييبس حتى تفرغ نخله، وإن بقي لها شيء لم يحكم عليها أن تأخذ من الفلج الذي ييبس، ويحتال لها بالوفاء من الفلج الذي لا يبس.
قال: وأمَّا إذا مات وعليه لزوجته نخل، وترك نخلا على فلجين: أحدهما ييبس والآخر عدّ قضيت من الفلج الذي لا يبس، فإن بقي لها شيء خيرت، فإن أحبت أن تقضي من أرضه التي له على الفلج الذي لا يبس بقيمة النخل، وإلا قضيت من ماله حيث كان.
وأمَّا التي تزوَّجت على نخل ولم يشرط لها شرب، فإنَّه يخرج في أكثر معاني القول: أنَّه ليس لها شرب إلا أن تستحق النخل من فلج يكون فيه الماء تبعاً للنخل في سنة البلد.
وأحسب أنَّه في بعض القول: أنَّه يكون لها الشرب لئلا يدخل الضرر عليها حتى يشترط عليها أنَّه لا شرب لها، (4/254)
صفحة 1081
وإذا ثبت ذلك كان عندي على سنة البلد سبيل في الشرب.
وعن رجل قضى امرأته قطعة من ماله بصداقها حيث لم تعلم حتى توفي، ثم علمت.
فقد رأوا مخيرة، إن شاءت قبلت ما قضاها، وإن شاءت ردت ذلك، وليس للورثة خيار.
مسألة: وسألت عن رجل تزوَّج امرأة على صداق مائة درهم، وأنَّه قضاها بالمائة درهم أرضاً وفسلتها المرأة، وقام في الأرض مال يساوي ألف درهم، ثم طلَّقها قبل أن يجوز بها فما يكون لهذه المرأة من هذا المال؟ فعلى ما وصفت، فإن للرجل نصف المائة خمسين درهماً، والأرض بنخلها للمرأة، وليس للرجل في الأرض ولا في النخل شيء، وهذا بمنزلة البيع.
وإن كان تزوجها على الأرض بعينها ثم طلَّقها من قبل أن يدخل بها فله نصف الأرض بلا نخل، ونصف الأرض للمرأة بنخلها، ويرد على المرأة قيمة النخل التي في الأرض التي صارت إليه إلا أن تريد المرأة أن تأخذ قيمة النَّخل التي في الأرض التي صارت إليه إلا أن تريد المرأة أن تأخذ بحقها وتقلعها فلها ذلك.
وللمرأة الخيار في ذلك إن كانت قد فسلتها على هذا الوجه، وبين الدراهم والأرض فرق. (4/255)
صفحة 1082
فإذا كان الصداق دراهم فاقتضوا منه عروضاً، فإنَّما يردون عليه الدراهم، وإذا كان التزويج على عروض فإنَّما ترد عليه نصف العروض.
وقال أبو الحواري: عن امرأة لها على زوجها صداق، هلك زوجها وطلبت المرأة أن تأخذ صداقها منه ألف درهم، وطلبت دراهم، فقالت الورثة: تعطي مزيفة، وقد تزوجها في أيام كان النقد نقاء ثم رجع النقد إلى المزيف، وإن تزوَّجها في زمان يجوز الزيف ثم حدث الحدث فماتت أو مات الزوج أو ورثته تعطى المزيفة.
قال أبو الحواري: عن أبي عبد الله عن نبهان بن عثمان: إنَّ لها نقد البلد يوم القضاء، إن كان تزوَّجها في أيام النقاء ثم تغير النقد من بعد ذلك وعاد إلى المزيف فلها المزيف، وإن تزوَّجها في أيام المزيف فتغير النقد فرجع إلى النقاء فلها النقاء ما لم يشترط عليها عند التزويج، فهذا حفظي عنه.
وقد كنت سألته: عن صداق امرأة من بهلا فكان هذا قوله، ثم رأيته بعد ذلك يتفكر في ذلك ولا أعلم أنَّه رجع عن هذا.
وقد كنت سألت عنها أبا المؤثر فقال: إن كان تزوَّجها في أيام النقاء فرجع النقد إلى المزيف فلها نقد يوم تزوجها، (4/256)
صفحة 1083
وإن تزوَّجها في أيام المزيف ورجع النقد إلى النقاء فلها النقاء، وإن تزوَّجها في أيام المزيف فلها النقد نقد البلد، وهو حفظي عنه، وإن كان يوم التزويج لم يعرفوا: كان يجوز المزيف أم لا؟ وجهلوا ذلك فما كان يكون لها اليوم، تقضي نقاء أو مزيفة؟ قال أبو الحواري: إن كانوا لا يعرفون نقد البلد ذلك اليوم فلها نقد البلد يوم القضاء فقد بينت لك الذي أحفظ، فانظر في صواب ذلك وعدله. (4/257)
صفحة 1084
باب (في الشرب)
من كتاب محمد بن جعفر: وإذا تزوَّج الرجل امرأة على نخل بشربها فسواء، قال من الماء أو لم يقل لأنَّ شربها هو الماء، فإذا عدت النخل وعرفت كان لها شربها من الفلج الذي يشرعها وتشرب منه. وقال من قال: إذا تزوَّج الرجل المرأة على نخل فهي لها بشربها، وإن لم يشترط الشرب، ولم نعلم أحداً من فقهائنا الذين شاهدناهم أخذوا بذلك.
وأمَّا الأرض فإذا تزوَّجها على مائة نخلة أو أقل أو أكثر فهي بأرضها ولو لم يشترط الأرض، وليس عندي في ذلك اختلاف.
وإن كان في شرط النكاح أنَّ شرب النخل من فلج كذا وكذا كانت النخل التي قضيت أو شيء منها شربها من غير ذلك الفلج نظراً لعدول ما تحتاج إليه هذه النخل من الشرب من الفلج الذي يشرعها، وكان (4/258)
صفحة 1085
لها المثل مثل ذلك من الفلج الذي عليه الشرط، ثم أعطيت قيمته من هذا الذي يشرعها، إذا كان الآخر لا يمكن أن يسقيها.
وكذلك إن كانت النخل بشربها ولم يكن لصاحب النخل ما في شيء من الأفلاج، أو كان الماء سهاماً، فإنَّ العدول ينظرون قيمة النخلة بشربها، ثم يكون القضاء على ذلك، وينظرون عند قطع الشرب، فإن كان محل قد نقص منه الماء أو خصب قد طفى فيه الماء، فإنَّ النخل التي قضيت بشربها ورثها من صاحب النخل التي قضاها، وذلك من ماله، فإذا كان الماء وسطاً من ذلك ضمت النخل ثم أخرج لكل نخلة ثلاثة أذرع يدور حول جذعها، ثم تسقى شربة أو شربتين حتى يعلم أنَّها قد توطت أرضها ثم تترك بعد أن تشرب إلى أدها وما يسقى مثلها، ثم يساق إليها الماء في وقت معروف يقلب إليها الماء من الإحالة التي يشرب منها جميع تلك النخل، ويساق الماء حتى يدخل النخل، وقد تكون الأفلاج مختلفة: فإن كان فلج كثير الماء جعل في كل أجيل ثلاث نخلات وأكثر على ما يرى العدول، ويكون بين كل أجلين ساقية، وأمَّا إن كان الماء قليلاً نخلتان ونخلة في أجيل، (4/259)
صفحة 1086
فإذا دار الماء بأجيل النخلة، فإنَّ من المسلمين من قال: إذا ضرب الماء من وسط الأجيل إلى كعبي الرجل، ومنهم من لا يجعله له حداً وهو رأي موسى بن علي -رحمه الله- إلا ما رأى العدول أنَّه رأى لها فتسقى النخل على هذا ثم ينظر العدول مذ قلب فيها الماء من الإجالة العليا إلى أن روى آخرها كم هو من أثر قطيع، فيقطع ذلك لها، ويكون شربها. وقال من قال: تسقى شربتين أد ليل وأد نهار ثم تعطى النصف من ذلك.
وفي كتاب جواب أبي مراون إلى أبي جابر: إن كنت سمعت أنَّ من شرط عليه شرب من نهر ليس بقسم على المال وهو على الرؤوس فقد كان يجري فيه قيمة الشرب ثلث قيمة ثمن النخل، هكذا كنت أسمع.
وفي جواب آخر: قلت: إن كانت نخل الرجل على فلج يقسم على الرؤوس، وللمرأة شرب عليه، فرأوا أن يقدموا الماء فيه في يوم يكون فيه الماء وسطاً، وتعطى المرأة، وكذلك رأينا، وإذا قضيت المرأة خمسين نخلة عن مائة نخلة فليس لها إلا شرب الخمسين التي قضيتها.
ونحب أن يقضيه العدول يوم قضى هذه الخمسين نخلة بشربها عن مائة نخلة بشربها، (4/260)
صفحة 1087
وكذلك إذا قضيت مائتي نخلة عن مائة نخلة، فإن قضيت مائتي نخلة عن مائة نخلة بشربها فلها شرب مائتي نخلة، وإن قضيت نخلة عاضدية أو نخلاً لا تشرب فلها الشرب كذلك، تصنع به ما أرادت.
قال أبو الحواري: يوجد عن محمد بن محبوب -رحمه الله-: أنَّ النخل العاضدية إذا كان يجري في أصلها على قدر آد البلد إذا كانت ثمانية أيام وهو آد البلد قضيت هذه النخل وليس لها شرب، وإن كان الماء يجري في أصلها على الأكثر من آد البلد فلها شربها.
وقال لي نبهان: أن ينظر إليها العدول: فإن كانت قاضية بالأصل على الذي هو فيه شربها فيقضيها، يقال: إن شئت خذي هذه النخلة عن نخلة بشربها، وإن شئت ضعفت عليها النخل كما يرى العدول، وإن شاءت أن تأخذ من نخلتين وأكثر ولها شربها، وإن شاءت تأخذها برأسها ولا شرب لها، وإن كانت نخلة تشرب بثلاثة أذرع من جانب واحد، لأنَّها ملجئة إلى أجيل أو غيره فطلبت أن يكون حظها من جانب واحد ستة أذرع فذلك لها والله أعلم.
مسألة: ورجل له على رجل سقى بذر مكوك يزرعه قتاً، (4/261)
صفحة 1088
عليه سقيه من دور فلج معروف، زرع ذلك سمسماً أو براً مكان سقى القت، فإن أجل له مكانه فجائز، وإلا فليس له إلا سقى القت.
ومن جواب لأبي جعفر سعيد بن محرز: عن رجل لزمه صداق أربعين نخلة فقضى العدول خمسين نخلة عن أربعين، أو قضوه ثلاثين عن أربعين، فسألت عن الشرب وشرط المرأة شرب صداقها، فقد حسبت أن أبا على كان ينقض أشباه هذا إذا وقعت المنازعة، ويرد فيه القضاء حتى ينظر في ذلك، ويقطعون الماء وقضوا شراءهُ حتى لا يكون في ما قضوا اختلاف وما أحسن ما قال هكذا في الجواب.
وكذلك رأينا أن يكون العدوى ينظرون في مثل هذا عند القضاء، ويقطعون على ما يرجو العدول.
وقيل في بعض آثار المسلمين: إنَّ الخيار من النخل في شرط الصدقات أفضل من الكرم.
ومن غير كتاب أبي جابر: وعن أبي على في ما يؤخذ عنه: وعن رجل تزوَّج امرأة على صداق مائة نخلة من قطعة مسماة وشربها من الماء من دور مسمى، (4/262)
صفحة 1089
فإن لم تكن النخل مشتركة أو لم يكن يعدوها إلا أنَّه سمى بها من هذه القطعة فرأى أنَّ كل شيء مات منها فمنه ولها وفاء حقها، فإن كان قد قرعها لها فما مات منها فمنها، فأمَّا الشرب فإنَّها تسقى آد ليل وآد نهار أو يقف فيها عدلان، فما رأيا له رى النخل رضيها أهل النخل.
فعلى ذلك تسقى ثم تضم الشربيات فيطرح من ذلك النصف، ويثبت النصف فهو شرب النخل، وإنَّما يقطع الشرب إذا كان الماء وسطاً.
فأمَّا العواضد إذا اعتدت وهي تشرب على مساق تكفيها وتصلح غلتها فلا شرب لها، إلا أن يكونوا شرطوا عليه عند العدد إن شربها، وأمَّا ما يشرب من جانب فليس له إلا شرب جانب إلا أن يكون له أرض فله أن يخوض لها.
وذكرت الفلج فله شربة إذا كان في موضع يشرب، وذكرتم كم تكون في كل أجيل فإنَّما ذلك ينظر في كثرة الفلج وقلته، ويحتمل من ذلك خوض للنخلة ثلاثة أذرع عن ضرب الماء إلى ضرب الماء.
وسألت من أين يكون حساب ما يقطع من الشرب من إجالة (4/263)
صفحة 1090
يربطها الذي عليه الشرب منها يغطيه الماء ومن لم يصرفه عنه.
وسألت إن لم يكن القطع للشرب، فكيف تشرب إلا أن يكمن ذلك فتكون بحياضها التي ينبغي أن يكون فيها القطع برأي العدول إلا أن يمكن القطع للمشرب.
وقال محمد بن علي: قال موسى بن علي: ورجل يموت وعليه لامرأته صداق نخل مائة نخلة، ويؤخذ له خمسين نخلة، وله أرض فرأى أن تقوم النخل وشربها دراهم، ولا يعطى شربها عن حدِّه إنَّما لها قيمة النخل بشربها، ثم يعطى من الأرض بالقيمة، قيمة العدول، ليس فيه مناداة، فإن طلبت شرب النخل فلها ذلك برأي العدول، ليس فيه مناداة، وإن كان حق المرأة دراهم بيع لها في من يزيد من ماله وأعطيت الدراهم.
قال محمد بن علي: قال موسى بن علي في رجل تزوج امرأة وجعل لها حقها أربعين نخلة في قطعة له، ولم يضرب النخل بينها، ثم تزوَّج امرأة أخرى وعد لك تلك وجاز بها؟ قال: إن شرط لها عند عقدة النكاح، وجعل حقها في تلك القطعة فهو لها، وإن لم يضر بها فليس للآخرة.
قال: وكذلك ما جعل من المال عند عقدة المبايعة في الحقوق، فهو ثابت في المال الذي وضع فيه حتى يقضي صاحبه. (4/264)
صفحة 1091
ومن كان عليه صداق لامرأته نخل، وله مال يقوم بصداقها، وأراد الحج تعلقت وطلبت حقها فخشى أن يسلم ماله إليها بحقها، ورجع من سفره يؤديه ويتمسك بماله، وعليه عوله فخشى أن يصيبه نقص في طلب المعاش، فإنَّه يرهن في يدها المال بصداقها.
وروى لنا مخلد بن الوليد أنَّ راشد بن النظر قال: قلت: ما ترون على المال وسقايته في زمان بشير وحياته، ونحن نختلف إلى بشير وغيره من المسلمين.
فلمَّا أراد أهل نزوى أن يردوه إلى السهام ورأى أنَّه على المال أجله مِن مَن هو على السهام.
وقال ملخد: إنَّه كان معي غلط أسهم أو فضل سهم فسألت بشيراً عنه فقال: اجعله لأهل القرية أو لأهل الماء والله أعلم، وأنا مسائل عنها إن شاء الله.
وإذا كان لرجل شرب أو امرأة لها شرب صداق فانقلعت النخل فلصاحب الشرب أن يجرب الشرب نخلة مواضعها، ويسوقه إلى أرض أخرى برأي العدول، وله أن يسقي ما شاء من أرضه تلك أو غيرها إذا قطع له شربه برأي العدول، وإذا تزوَّج رجل امرأة على صداق نخل فوقعت النخل أو بعضها (4/265)
صفحة 1092
قبل أن تقطع الشرب فله أن يفسل مكان ذلك، وليس له أن يزرعه أو يسقيه قبل أن يقطع الشرب.
وقال محمد بن محبوب: في الشرب إذا كان ماء الفلج مثل اليمة الماء للمال، وكل من كان له ماء يستحق النخل من الماء، فإنَّما ذلك الماء للمال.
قلت: ماء مشترك بين أيتام وبالغ، وهو يحبس في أجل واحد، وكان ماء الأيتام يطلق في الليل، وماء البالغ يحبس عند طلوع الفجر، فجاء البالغ ليحبس ماءه في الجابية فوجد فيها باقياً من ماء الأيتام مقدار النصف أو أقل أو أكثر فماذا يصنع؟ قال: قد قيل: إنَّه إذا حضر ماؤه أطلق الأجل حتى يمرَّ الماء في الساقية، وأجل ماءه، هذا إذا كان صاحب الماء غير حاضر، وقت اليتيم عليه.
قلت: أرأيت امرأة لها شرب صداق رجل له شرب فانقطعت النخل، أيأخذ شرب نخله يحرث به مواضع نخله يسوقه إلى أرض له أخرى؟ قال نعم، برأي العدول.
قلت: فهل يرى يفسل في نخله موزاً أو أترجاً أو يحرث فيه حرثاً على هذا؟ قال: إذا قطع له شربه برأي العدول سقى به ما شاء في أرضه تلك أو غيرها إن شاء الله. (4/266)
صفحة 1093
جواب من أبي الحواري: -رحمه الله- عن رجل له شرب نخل على رجل منها شيء ملتف ومنها شيء متفرق في القرية، فمات شيء من تلك النخل فقام صاحب النخل يخالط أجلة النخل وجرت في ما بين النخل، وقام يزرعه.
قلت: أترى أن شربه دائم على هذا أم لصاحب النخل أن يفسل أصولها أم ما مات من النخل فقد ذهب شربه؟ فعلى ما وصفت فإذا كان على هذا الرجل شرب هذه النخل بأعيانها فليس عليه شرب إلا ما كان حياً قائماً، وما قد كان قد مات منها أو سقط فليس عليه شرب، وإن كان هذا الشرب على هذا الرجل مبهماً مثل الصدقات التي تقضي النساء بشربها فعليه هذا الشرب ثابت، ولا يكون هذا الشرب إلا النخل، فإن فسلوا مكان النخل كان عليه شربها، وعليه شرب ما مات أو سقط، ولهم أن يفسلوا مكانها، وإن أرادوا زراعة تلك الأرض لم يكن عليه شرب الزراعة إلا أن يكون لما سلم إليهم النخل سلم إليهم شربها مقطوعاً فلهم هذا الماء الذي سلمه إليهم يسقون به ما أرادوا من النخل وغيرها (4/267)
صفحة 1094
فافهم ما كتبت به إليك.
وكذلك إن كان هذا الشرب الذي على هذا الرجل إنَّما هو للنخل فليس عليه إلا شرب النخل، وليس عليه أن يسقي الزراعة إلا أن يكون عليه شرب هذه الأرض فعليه أن يسقي له ما يتزارع به النَّاس من الثمار في ذلك البلد من القطن والبر والذرة، ثم ما وجدته من هذا الكتاب وهي القطعة الأولى والثانية من كتاب الإيضاح تأليف الشيخ العالم العلامة أبي زكريا يحي بن سعيد العماني -رحمه الله-.
والحمد لله على التمام والكمال في يوم 20 من شهر رجب من شهور سنة أربعين وثلثمائة بعد الألف بقلم الحقير لله، الراجي رحمه الله، أقل العباد زاهر بن عبد الله بن موسى الكندي بيده نسخته لشيخنا العلامة الثقة الورع قاضي إمام المسلمين أبي مالك عامر بن خميس بن مسعود المالكي حفظه الله، ورزقنا بعلومه، ونسأل الله له التقى ديناً وأخرى في عصر إمام المسلمين الولي، العدل الرضي محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي الإباضي العماني رحمه الله، ونصر دولته، ومن علينا من فضله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قد بالغنا في تصحيح هذا الكتاب حسب الطاقة من سفر مقابل له كتبه سعيد بن ناصر بيده ليلة 12 من جمادى الآخرة سنة 1341 هجرية. (4/268)
صفحة 1095
وقد تمَّ ضبطه وتحقيقه بعون الله تعالى في صباح يوم الإربعاء الحادي عشر من شهر رمضان المعظم سنة 1303 هجرية الموافق الثاني والعشرين من شهر يونيو 1983 والحمد لله رب العالمين.
محمد محمود إسماعيل
رئيس شعبة التخطيط التربوي
بإدارة التربية والتعليم لمنطقة العاصمة
بسلطنة عمان. (4/269)
صفحة 1096
فهرس الجزء الرابع من الإيضاح في الأحكام
الموضوع ... رقم الصفحة
باب في الوكالة وغيرها من الأحكام .............................................. 05
باب في الملكة ................................................................. 31
باب في اختلاف الشهادة ...................................................... 33
باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ........................................ 53
باب في النوح ................................................................. 55
باب في الإنكار ............................................................... 57
باب في الريب ................................................................ 64
باب في آلة اللهو والشراب ..................................................... 86
باب في أمر الولد ولزومه الوالد ................................................. 74
باب في الوالدة إذا طلبت ولدها ................................................ 86
باب في نفقة الزوجة ومؤنتها وما يجب لها وغير ذلك .............................. 89
باب في مؤنة الزوجة ........................................................... 97
باب في نفقة الأمة وكسوتها ومؤنتها ............................................ 130
باب في مؤنة زوجة العبد ...................................................... 152
باب في مؤنة العبد ........................................................... 160
باب في مؤنة الأولاد ......................................................... 167
باب في نفقة العبد على سيده ................................................ 183
باب في نفقة المطلقة ......................................................... 185
باب في الصدقات ونحوها .................................................... 193
باب في صدقات النساء وكيف القضاء ........................................ 206
باب في قضاء الصدقات أيضاً ................................................ 237
باب في قضاء الصدقات ..................................................... 253
باب في الشرب ........................................................... 258 (4/270)