صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - الفقه - جوامع العقيدة والفقه
------------------------------------------
العنوان: كتاب الجامع الصغير
المؤلف: محمد بن يوسف أطفيش
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1406ه/ 1986م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 3
الكلمات الدالة: أحكام فقهية، فقه الإباضية، التوحيد، أحكام الطهارات
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=525&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/541
ملاحظة خاصة بالجزء الثاني فقط: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه خاص بالجزء الثاني فقط: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع. سلطنة عمان
وزارة التراث القومي و الثقافة
كتاب الجامع الصغير
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تصنيف: العلامة محمد بن يوسف أطفيش
الجزء الأول
1406 هـ -1986 م (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
هذا كتاب الجامع الصغير و خاشيته في الفقه الشهير
تصنيف الامام المحقق المدقق بقية السلف محمد بن يوسف اطفيش الاباضي الوهبي نفعنا الله بعلومه (1/5)
صفحة 6
[صفحة بيضاء] (1/6)
صفحة 7
عقيدة مذهب أهل الاستقامة من المسلمين
الحمد لله منشئ الكائنات على= ما شاء وبلا مثل هناك خلا
ثم الصلاة على المختار سيدنا= ومن إلى قاب قوسين دنا فعلا
والهاد بالصحب ما كان الهدى علما= يهدي به الله الخيرات من عقلا
وأول الفرض من تأصيله جمل= ثلاث فزت إن تستحضر الجملا
وإن أتيت بها نطقا حفظت بها= للنفس والمال والسير بها اخفلا
ندين أن اله الخلق ليس له= شبه وليس له ند ولا مثلا
وأنه ليس جسما لا ولا عرضا= لكنه واحد في ذاته كملا (1/7)
صفحة 8
وواحد في الصفات والعبادة= والأفعال طرّا فلا تبغي به بدلا
ولا يحيط به سبحانه بصر= دنيا وأخرى فدع أقوال من نصلا
ولا يكفيه وهم ولا فكر= ولا تحيط به الأقطار مدخلا
وهو على العرش والأشياء استوى= وإن عدلت فهو استواء غير ما عقلا
وإنما الإستوى ملك وقدره= له على كلها ما استوى إلا وقد عدلا
اكما يقال الإستوى سلطانهم فعل= على البلاد فجاز السهل والجبلا
أسماؤه وصفات الذّات ليس بغير= الذات بل غيّها فافهم ولا تحلا
وأن أحمد من رسل الإله وقد= يخص من بينهم فضلا ومفتضلا
وأنه صادق فيما أتانا به= مبلغ الثقلين ما به رسلا
وإن أتت حجج البرهان ناطقة = بالموت والحشر والحسبان فامتثلا (1/8)
صفحة 9
وما هنالك ميزان يقام كما = قالوا عمود من كفات لما عملا
وما الصراط بجسر مثل ما زعموا = وما الحساب بعد مثل من ذهلا
وأنه من أطاع الله يدخله= جنات أبدا لا يتبع منتقلا
ومن عصاه ففي النيران مسكنه = ولم يجد مفزعا عنها فينتقلا
وما الشفاعة إلا للتقي كما قد= قال رب العلا فيها وقد فصلا
والمؤمنون عن النيران قد بعدوا= وما الورود لهم بل للذي انخذلا
وإن لله أملاكا وقد عصموا= وأن جنسهم عن جنسنا فصلا
فلا تصفهم بشيء من صفاتك= مطلقا سوى أنهم خلق قد امتثلا
والأنبياء بهم الإيمان يلزمنا= وما على كلهم من كتبه نزلا (1/9)
صفحة 10
وبالقرآن خصوصا بعد جملتها = وليس منا قديما يحتوي الأزلا
بل كلها خلق الباري وكونه = فيما يشاء فلا تصغي لمن عذلا
وبالقضاء وبما الرحمن قدّره= وأنه خالق أفعالنا جللا
لكنه لا يجبر كان منه لنا= وعلمه سابق في كل ما جعلا
وإنما الفعل مخلوق ومكتسب= فالخلق لله والكسب لمن فعلا
إيماننا القول والتصديق مع عمل= والقول مر فصدّقه وكن عملا
بما عليك من الأعمال مفترض= والنفل إن تستطع فافعله مبتهلا
قواعد الدين علم بعده عمل= ونية ورع عن كل ماء أخطلا
أرض وسلم وفوض واتكل فبل= تحوز أركانه اللاتي بها كملا
ثم الظهور و دفع والشراء مع = الكتمان طرق له أكرم بها سبلا (1/10)
صفحة 11
وفرزه في ثلاث مؤمن ومنا= فق وصاحب شرك جاحد عزلا
وحرزه أن توالي من بطبع وتبرئ = من مصر وقف عن كل من جهلا
ووال في جملة من قد أطال= وعاد من عصى جملة الله ممتثلا
وكن مال أمام المسلمين ومن = حوته طاعته إلا الذي إنخذلا
وكل من عظم المولى ولايته = فرض عدوان من إياه قد خذلا
وعاد في الدين جبارا وعامله = ومن له في سبيل المكفرات تلا
لا كل من حوى سلطان عزته= إذ قد يكون هناك مؤمن دخلا
ثم الولاية توحيدا تكون وأخرى= إطاعة فرضت إن شرطها حصلا
كذا البراءة والشرط الذي وجبت= به الولاية إن تلقيه ممتثلا
وربنا لم يزل للمؤمنين وليا = هكذا وعدوا للذي فصلا (1/11)
صفحة 12
وهكذا إبدأ ليس الزمان ولا= الأفعال تقدح فيه خده منتحلا
لطننا قد تعبّدنا بطاعته= فكلّنا عالم بماله جعلا
معنى موال معاد عالم بهم= وبالذي عملوا جدا وإن هزلا
والشرك لابد من أن تعرفنه لكي= تكون في مقعد عن غيه اعتزلا
وهو المساواة بين الله جل وبين= الخلق أو جحده سبحانه وعلا
وما سواه من الكفر أن يلزمنا = أي علمه أن علمنا حكمه الفصلا
ما لم يكن راكبيه أو نصوب من = يأتيه عمدا وجهلا هكذا نقلا
جهل حمية كبر بعده حسد = قواعد الكفر فاحذر دائما العضلا
ورغبة رهبة أركانه ويليها = شهوة غضب في كل ما حظلا
وهذه ملل الأديان قد نصبت= لابد للمرء من أن يعرف المللا (1/12)
صفحة 13
فالمسلمون وهم موف ومجترح= والمجرمون بنهك منهم انفصلا
أو مستحل وأحكام من الألى انتهكوا= أن يرجعوا كل ما صابوا وإن جزلا
وقد يجوز لكل ما يجوز لنا= إلا الولاية خضت بالذي عدلا
ثم اليهود والنصارى والمجوس معا =والصابئون لهم حكم وقد غفلا
يسالمون إذا انقادوا على صغر = يجزيه أو أبوا فالكل قد قتلا
والمشركون ذوو الأوثان ليس لهم = سلامة غير أن دانوا بما نزلا
والحكم إن حاربوا في الكل متحد = نهب وسبي وقتل فيهم فعلا
حاشا قريشا فإن السبي ممتنع = فيهم قول أهل المغرب الفضلا
والذبح إن سالموا أهل الكتاب مع = النكاح منهم أجز الإماء فعلا
وأن الإمامة فرض حين ما وجبت = شروطها لا تكن عن فرضها غفلا (1/13)
صفحة 14
وباطل سيرة فيها الإمامة في = اثنين أو بلغا في المجد ما كملا
وبد ما فتحت أم القرى نسخت = ما كان من الهجرة مفروضها اتصلا
إنا ندين بتصويب والألى نكروا = حكومة الحكمين حين ما جهلا
والراسي فوالي بعد حملتهم = ومن به نسي الإسلام قد وصلا
عنيت بخل أباض فهو حجتنا = أما ترى فخرة المسلمين للمسير حلا
ومن قفا نهجهم من كل مجتهد = شاكى السلاح لقمع الخصم حين غلا
والحمد لله رب العالمين على = إتمام مارست إذ من فضله كمّلا
ثم الصلاة وتسليم يقارنها = على الذي ختم به المولى الرسلا
والآل والصحب لاحت فضائلهم = ومن لهم في سبيل المكرمات تلا (1/14)
صفحة 15
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. الحمد لله رب العالمين حق حمده. وأشكره على ما أولانا من جزيل رفده. والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله وعبده، وآله وصحبه الذين تمسّكوا بعهده وبعد:
فيقول أفقر العبيد الباسط يده بالوحيد.
هذا مختصر جمعت فيه الوضع والحاشية رجاء وطلبا للنجاة من الغاشية، وسمّيته بالجامع والله النافع، وليس مختصرا جدا لئلا يكون على الطالب كدا، وربما خالف الشيخين لأمر تبين للذي له العينين. وقد أوجز وأقدم وأوضح وأفهم ورب فائدة أزيد، والله المعين على ما أريد. (1/15)
صفحة 16
الباب الأول التوحيد:
يجب توحيد الله على الملائكة وكل بالغ صحيح العقل من الإنس والجن أول بلوغه، وهو أول واجب وهو أن يقر ويعتقد أن لا إله إلا الله وأن محمد بن عبد الله رسوله وأن ما جاء به حق من عند الله.
ولا يجزي فيه الاعتقاد، وقيل: يجزي.
وذكر الثلاثي وغيره أن من قال: يجزي منافق ويتم. قيل: ولو بلا معرفة الملائكة والأنبياء والكتب والموت والبعث والجنة والنار والحساب والعقاب ما لم يسع بذلك أو يسأله أحد عنه أو يخطر بباله، وحجته أنه صلى الله عليه وسلم يكتب إلى الناس لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولا يكتب إليهم عشرة الأقاويل ونحوها.
وهو الذي أقول به حتى اطلعت أنه مذهب الإمام عبد الرحمن وعمروس وأبي خرز. (1/16)
صفحة 17
وقيل: لا يتم إلا بمعرفة ذلك، وقيل: أنها بولاية الجملة وبراءة الجملة، وعليه فمن لم يواليها أو يبرأ منها أشرك شركا لا تحرم به زوجته ولا تجري عليه أحكام الشرك.
وكذا من لم يعلم حرمة أموال المسلمين ودماءهم ونحو ذلك كمن لم يعرف آدم والملل الست وأحكامها، وكذا من أشرك زلة بجهل لا عمدا بخصلة شرك، وكذا من خطر له أو سئل عن مثله مما يشرك بجهله ولم يعلمها فإنه يشرك، ولا تحرم زوجته ويذهب يسأل.
وإطلاق التوحيد على مجرد أفراد الله تغلب للأعظم أو تسمية البعض باسم الكل، فإن التوحيد كل مركب مما ذكر وجزى لأنه يمنع نفس تصويره من وقوع الشركة فيه، فكل من الأفراد وما معه شطور بها شروط، ولو قيل: أنه بسيط وأنه مجرد الأفراد، (1/17)
صفحة 18
وما ذكره معه شروطها شطور تصح عند بعض فرق الإباضية، وهم من يدعي نفاق منكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعليه فيستمد التوحيد لغة وشرعا.
وأما الشرك فكلى لأن تصوره لا يمنع من وقوع الشركة فيه لأن له جزئيات يصح إطلاق اسمه على كل منها على الحقيقة شرعا، وقد تسمى الخصلة الواحدة توحيدا أو إيمانا؛ أي تصديقا تسمية للجزء باسم الكل، أو الشرط باسم المشروط إذا شرط الانتفاع بالتوحيد، تلك الخصال الفورية أو الحاضرة.
ويجب ألا يمضي علي أول وقت علم فيه بالبلوغ لها وقد وحد الله فيه.
وزعم بعض أن أول الواجبات النظر وأنه معذور في أول أحوال النظر، وبعض: أنه معذور مادام ينظر، ولزمها إباحة الشرك في الحالين (1/18)
صفحة 19
، وأجيب بمنع كون ذلك شركا عندهما لأنه في الحالين عندهما معذور فيه، إن ذلك إهمال للعاقل البالغ مع أنه تقدم له ما يتعلم فيه وهو زمان المراهقة.
وكل رسول يدعو إلى التوحيد وإنما اختلفت الشرائع، وقيل: باتفاق شريعتي محمد وإبراهيم صلى الله وسلم عليهما، ومن نشأ على التوحيد وراهق عليه لم يلزمه النطق به إذا نطق قلبه.
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=- (1/19)
صفحة 20
الفصل الأول:
اعلم أن توحيد المقلد ضعيف، قيل لاعبرة به لأن الدين بالتقييد لا بالتقليد، فيقوى بأن يعلم أن الله – سبحانه- قديم منفرد بالوحدانية في الذات والصفات والفعل والعبودية، ولها قرار بذلك التوحيد، وإنكاره شرك، ومن علم من ذلك أو غيره من الصفات شيئا وتركه أشركها إن ذهل ومنفرد بالألوهية والربوبية غير قابل للتجزي، وغير موصوف بأنه كل ومنفرد بالاسم وهو لفظ الجلالة، وأن يعلم أن سوى الله محدث عرض أو جسم، وإذا أدرك أن ما سوى الله كله حادث بدليل الحاجة والعجز والتركيب علم أن الخالق لها شيء واحد لا كالأشياء، لا يعجز ولا يحتاج و إلا كان مثلها يحتاج إلى خالق فيتسلسل أو يدور وكلاهما محال. (1/20)
صفحة 21
والعرض ما لا يقوم بنفسه كالنور والظلمة واللون والحياة والموت والسكون والقيام والقعود وغيرهما من الحركات، قيل وهو عندنا غير مشاهد بالعيان، ولعل المراد أنه غير مشاهد باستقلال و إلا فقد يشاهد بواسطة جسم كالنور والظلمة، واللون والظلمة ترتسم في الهواء في مكانين كذلك، والواضح أنها تحول من مكان إلى مكان، وأما الزمان فمن اللازم التحول والمكان على أنه جسم وفي الأرض مثلا، ويدعى على أن الهواء جسم يجريه له، وأن الإنسان والطائر في سرعته يتمسك به ثم يندفع، وعلى القول بأن الهواء عدم فالظلمة فيه عدم لا عرض لها جسم، قيل وهو ملازم للفناء، بمعنى أنه لا يبقى أكثر من حال فالنور والظلمة في كل حال غيرهما في الحال الآخر، واللون لا يمضي عليه حال إلا تغير ولو لم يظهر لنا تغير لدقته، وزيادة إيضاح أنه في كل لحظة ينبع منه أجزاء، (1/21)
صفحة 22
ولا يزال كذلك حتى يبلى إن كان يبلى، فما يزال يضعف نفعه بضعفه.
والشركة كون في اثنان مختلفين، وأقول هو جنس وما واقعة على كل ما حدث باختيار بسكون المختار فإنه كسب، والرؤية بتشديد الراء الفكرة، وهي ما اكتسبته، والكسب ما جاء عن رؤيتها لنفس كذا، قيل عبارة عن مقارنة القدرة الحادثة للفعل، وعن بعض أن الاكتساب وجود الإرادة، وأن الرؤية والمشبه والاهتمام والقصد والعمد والتيمم والتوخي والتحري والاختيار والكسب بمعنى واحد يوصف به المخلوق، والقولان لا يوافقان اللغة فإن الكسب لغة: هو نفس الفعل لا المقارنة ولا وجود الإرادة فبطلا.
وأما ضرورية ذلك كحركة بعض العروق في الحيوان، (1/22)
صفحة 23
وكحركة بعضها ولو بعد الموت، وكحركة المرتعش، وحركة قلب النخلة فإنه يتحرك ولو بلا ريح، أعني تتحرك سعفاته كما يتحرك قلب الإنسان دائما، وذلك مما أشبهت به الإنسان، والضرورة عدم الاختيار وهي تنفك كجري الماء بخلاف الطبع، فلا ينفك كبلة الماء والاضطرار الجاءك يخبر غيرك إلى شيء وهو متعد، وقد يكون بمعنى التجاء وهو قاصر، عن بعض أن الاضطرار عدم الإرادة، وهو تعريف باللازم المقارن والسكوت كون واحد، وإن شئت فقل في مكان واحد، وكل جزء من السكون سكون حتى لا يعلم دقتها إلى الله في آن واحد، وه كسبي كسكون القادر على الحركة وضروري كسكون الجامد وسكون الساكن وموته لمرض أو نوم أو سكر الجسم وهو المتحيز والحيز الجانب والمكان. (1/23)
صفحة 24
فالمتحيز ما أخذت ذاته مكانا، ويسمى الجوهر خلاف العرض، وقال قومنا: هو ما لا يتحيّز ولا يتجزأ. ذلك كالنقطة الدقيقة ويرده أنه لا دقيق إلا وله جهات، فذلك تحيّز وعيان وتجزّي.
وأيضا: هو قابل للقسمة بالعين والجسم والرياح، ومرأى موتى له حالة تشبه الحياة كالأرض وما يلقى فيها لينبت كالحب والنوى، وموتى نوم أو سكر، ومتى ليست له تلك الحالة كالصخر والحديد، ويقال: إن الصخر المدفون ينمو إلى جواب وإلى أسفل، ويقال: أن الحجر الأبيض إلى رزقه الذي نقول له بالبربربية لوس ينمو نموا.
أخبرني رجلا أنه حفر بئرا فوصل ذلك فقطع فيه قطعا واسعا وبعد مدة وجده يكاد يغلق الموضع. (1/24)
صفحة 25
وأخبرني بعض النفوسيين أن التراب الأبيض الذي يقيموه مقام الجص ينمو إلى جهة الماء.
ثمّ إن المرجان في البحر حجر ينمو إلا أنه نبات البحر ومرئي حيوان له روح يدب ويدرج عاقل مكلف وهو الملائكة والجن والإنس، ولا يخفى أن الملائكة والجن تراهم الأنبياء وغيرهم ممن أراد الله، ومعنى قوله تعالى: {لا تروهم} كلما أردتم وكل ما حطوا بل يمكن أن تروهم خيالا، وتحقيقا في بعض الأحيان بدليل ما وقع من ذلك كما قال الشافعي: لا يحققون قطعا وترى الملائكة والجن، ويرى الجن والملائكة، ويرى بعضهم بعضا.
والأشكال في وصف الملائكة بالدبيب والدرج إذا صح وصفهم بالمشي كما صح بالطيران ولا في كونهم حيوان لأن الحيوان من حلت فيه الحياة فليس بميّت.
فالملائكة حيوان كما قال صاحب الأصل بميت. (1/25)
صفحة 26
ويسمى الإنس والجن ثقلين لثقلهم بالتكليف بأن شبه صعوبة التكليف بالثقل، ولأنهم لا يصعب عليهم شيء ولا يشق، فمعنى تكليفهم أنهم مأمورون منهيون، وتكليف الثقلين إلزامهم ما فيه المشقة، وإن شئت فقل معنى تكليفهم مأمورون منهيون.
وقيل: سموا ثقلين لأنهم أثقلوا الأرض بذنوبهم وأعمالهم وصنائعهم، وقيل: لرجاحة رأيهم.
وحيوان له روح يدب ويدرج مهمل غير عاقل كالأنعام والوحوش، والعاقل البالغ ولا الملك لا يتصور لإهماله لأنه ليس من الحكمة إهمالا لعاقل كما أنه ليس منها تكليف غيره.
وهو: إما مؤمن غير معصوم أو معصوم وهم الملائكة والأنبياء، وقد صفّ بعضهم بمعصية كآدم عليه السلام.
قيل: قد يوصف بها بعض الملائكة ولكنهم معصومون عن الموت بلا وفاه، (1/26)
صفحة 27
كما أريد غيرهم ممن نص عليه أنه من أهل الولاية ولكنه عصم عن الموت بلا وفاة.
وذلك باطل لقوله تعالى: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) .. الأية، الجواب: إن المراد بالعصمة غير العصمة المذكورة في الآية، فالأولى لهم خلافه كقولهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا).
وكما ورد أن بعض منها يسقط عن درجته، وبعض يسلب ريشه مشفع فيهم بعض الأنبياء.
وأما كافر كفر نفاق، أو كافر كفر شرك جحود، أو شرك مساواة، وإنكار نبي أو ملك أو حرف من كتاب الله يغيره في عدم إرسال ذلك النبي أو إنزال ذلك الحرف، أو خلق ذلك الملك.
فشرك المساواة: تسوية الله بغيره في العبادة، أو تسويته بغيره في غيرها، أو داخل في شرك الجحود.
وشرك الجحود: إنكار الله أو إنكار نبي أو ملك أو حرف من كتاب الله، (1/27)
صفحة 28
وقيل: لا يشرك بإنكار ما دون كلمة، وقيل: لا يشرك بإنكار ما دون الآية، والصحيح الأول، ولا يشرك بإنكار ويكون في بعض الآثار، والصحيح أنه يشرك بذلك.
ولا إشراك فيما فيه خلاف كالواو في قوله: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ) قبل السين.
والمنافق: إما مقر معتقد فاعل للكبيرة، أو مقر مسر للشرك وهو مشرك وهو الذي يكون في الدرك الأسفل من النار، وشهر في المذهب أن الذي في الدرك الأسفل من النار هو الموحد الفاسق. ولي في ذلك رسالة طلبها المصريون ومرأى له حال يشبه حال الحيوان وهو ما ينبت ويعرج ويقال له حيوان مائي، ونسب للحيوان لشبهه به.
وإذا علم إنما سوى الله حادث علم له أن له محدثا بكسر الدال إذا صنعت بلا صانع ولا أثر بلا مؤثر، والمحدِث بالكبير يجب أن لا يكون من جنس المحدَث و إلا (1/28)
صفحة 29
لزم الدور أو التسلسل، وأن لا يكون نفسه ولا يلزم أن يكون الشيء قبل نفسه وبعد نفسه؛ لأن المحدِث (بكسر الدال) سابق على المحدَث (بفتحها) وذلك متناف؛ وذلك لأن كونه مخالفا يقتضي التقدم، وكونه مخلوقا يقتضي التأخر، ولزم أن يفعل العدم فعلا وهو محال، ولزم المحال وهو اجتماع أمرين متنافيين، وهما الاستواء والرجحان بلا منع ضمان وجود كل فرد من أفراد ما سوى الله مساو لعدمه، وزمان وجوده مساو لغيره من الأزمنة، ومكانه الذي اختص به مساو لغيره من الأمكنة، وفاته التي اختصت به مساوية لغيرها من الصفات.
وذلك حجة عقلية؛ ولكن حجة الله إنما تقوم عندنا بالكتب والرسل، ولا تنال معرفة الله بالتفكر والاضطرار بل بلا اكتساب والتعلم.
وقد قامت على المكلفين جميعا من لدن آدم، فصاحب الجزيرة غير معذور في الشرك ولا في جهل الفرائض ولو لم يسمع من أحد عندنا وإن كان على شريعة نبي عندما لم تصله الحجة بالنسخ أو بالزيادة، (1/29)
صفحة 30
وقال بعض قومنا: يعذر في التوحيد إن لم يصله غيره.
وطرق العلم منحصرة في الحواس، والعقل هو المدرك للمحسات والمعقولات على الراجح خلافا لمن زعم أن المدرك للمحسات الحواس؛ لأن العلم هو حصول صورة الشيء في العقل فهو من قبيل الفعل، وهو التأثير وإيجاد الأثر، وقيل: حصوله صورته عند استعمال العقل، فهو من قبيل الانفعال وهو التأثير وقبول الأثر. فحصول الشيء فعل وتولّده من فعل الانفعال وبيان هذا المحل موضحا في شرحي على المعالم، وقيل: الصورة الحاصلة، فهو من قبيل الكيف والعقل كالملك الجالس في خلوة مثلا لها طاقات وهي الحواس، فإن فتح الطاقات أدرك و إلا فلا، وقيل: توصل إليه الحواس وتطرق إليه بما أحسته. (1/30)
صفحة 31
وقال القرافي: قيل الحواس مع العقل كالحجاب مع الملك فهي تدرك أولا ويحصل لها اعلم ثم تؤدي ما علمته للنفس فيحكم عليها، وتقول: كلما كان كذا فهو كذا في كذا كالخدم للعقل؛ أي فلو لم يحضر العقل لشغل أو نوم أو سكر أو نحو ذلك لكانت مدركة لذلك دون العقل، وهذه الدعوى لها دليل عليها.
وقيل: بل الحواس طاقات قابلة كل طاقة قبيل من المدركات لا يوجد إلا هناك.
* ويدل على الأول أن البهائم لا عقل لها وهي تدرك بحواسها، وفيه أن لها عقلا دون عقل الصبي أو مثله لا يتعلق به التكليف، والمصنف في الأثر عنها عقد التكليف.
* وعلى الثاني أن الإنسان إذا قام وفتحت عينه لا يدرك شيئا، وكذا المجنون أهم ذكر ذكر ذلك في باب الحجة؛ ولذا قال: كلما كان كذا الخ، والخلاف في مجرد الإدراك.
كذلك كلما علمت وإنما تنال المعرفة بالحواس، (1/31)
صفحة 32
قيل: والمعرفة إما علم ما أدركته الحواس، أو علم ما دل عليه ما أدركته وهو واسطة.
ومن الحواس الإحساس الباطني كأدراع الجوع والعطش والشبع، والألم والفرح والحزن ويسمى وجدانيا، والعلوم الحاصلة للإنسان الضرورية إما عقلية وإما نقلية والطريق في ذلك كله الحواس بغير واسطة أو بواسطة كالعلم بالباري جل وعلا.
وعلى كل حال فالعقل مطروق إليه لا طريق، وعبارة المشايخ ناطقة بأن طرق العلم ثلاثة:
الأول: العقل: فإنه طريق إلى النفس الناطقة المعبر عنها كل أحد بانا وهي المدركة تأمل.
الثاني: الحواس، والثالث: ما سمع من شرع أو غير مناف اللفظ المسموع طريق من حيث أنه يسمع فيعلم معناه.
ومن المعلوم ما لا طريق إليه إلا الحس الظاهر، وهو حس الحواس المحس أو الباطن، (1/32)
صفحة 33
وهو حس الوجدانيات بناء على الراجح من أن المدرك للكلمات والجزئيات هو النفس الناطقة التي هي العقل أو غيره.
فنسبة الإدراك إلى قواها المتعلقة بالحواس كنسبة القطع إلى السكين.
ومنها ما لا طريق إليه إلا العقل ككون الواحد نصف الاثنين، وككون الضدين لا يجتمعان، وإنه إذا فرض العقل شيئين علم أن الواحد نصفهما ولم ينظرهما ولم يمسهما وهكذا.
والعقل يعرض عدم حضور الضد إذا وجد هذه، وكونه طريق ظاهر على القول بأن المدرك هو النفس الناطقة وأنها غير العقل، وإما على القول بأنها هي العقل، فلعل تسميته طريقا من حيث لم يعلم ذلك إلا من جهته ووصل إلى المعنى بنفسه ولم يتوقف على حس أو شرع.
ومنها ما لا طريق إليه إلى النقل كوجوب الصلاة والصوم وغير ذلك من الأحكام الشرعية، وككون لفظ كذا موضوعا لمعنى كذا من الألفاظ اللغوية الإصلاحية، وكسائر الأخبار. (1/33)
صفحة 34
ووجه كون الشرع مثلا طريقا من كون مطروق إليه بالسمع أنه توقف الحكم الرعي عليه ولا يعلم إلا من جهته.
إن المراد بالشرع: الألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة. ولا شك أن اللفظ المسموع طريق إلى العلم بالمعنى بعد العلم بالوضع، فيكون طريق بواسطة لأن السمع طريق إلى العلم بلا لفظ، واللفظ إلى العلم بالمعنى غالبا فيهما؛ لأنه قد يكون الطريق بالنظر والنفوس والحس.
إما متصل وهو اللمس والذوق منه السمع، ذلك قول الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم رحمه الله أن المدرك بالسمع جسم، بدليل أن بعض الأصوات القوية كالرعد القاصف قد يصدع الحيطان ويهدمها، والفاعل من الخلق لا يكون لها جسما.
وإما منفصل وهو الرؤية والشم ومنه السمع عند غير أبي يعقوب، وأما حس بنية وهو الوجدانيات وهي ما يجده الإنسان من ذات نفسه من غير أن يدرك شيء من الحواس الظاهر، (1/34)
صفحة 35
بل يحصل له العلم به ضرورة كإدراك الألم واللذة والفرح والحزن والمحسات بالحواس الظاهر أجسام عندنا لها المدرك بالسمع فإنه عرض خلاف لأبي يعقوب.
وليس اللون جسما بل الجسم ما له لون، وكذا النور عرض والجسم ما وقع عليه النور والسمع قوة مودعة في العصب المغروس في قعر الصمّاخ تدرك به الأصوات، والبصر قوة مودعة في العصبيتين المجوّفتين اللتين تتلاقيان في مقدم الدماغ ثم تتفرقان، فالتي من جهة اليمين توصل إلى العين اليمنى، والتي من جهة اليسرى توصل إلي العين اليسرى تدرك بها الأضواء والألوان، واللمس قوة في جميع البدن غير الشعر والظفر تدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة.
والشم قوة مودعة في العصبيتين الزائدتين النابئتين في مقدم الدماغ الشبيهتين بلحمة الثدي ندرك بها الروائح.
والذوق قوة في العصب المفروش على حرم اللسان تدرك بها الطعوم، (1/35)
صفحة 36
وتلك خمس حواس ظاهرة.
وأثبت فلاسفة الفكر خمسا أخرى باطنة بناء على أن العقل لا يدرك الجزئيات بنفسه، والصحيح أنه يدركها كالكليات:
الأولى: الحس المشترك وهو القوى التي ترتسم فيها صور الجزئيات المحسات بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، تطالعها النفس ثم تدركها وهي في مقدم البطن الأول من الدماغ.
الثانية: الخيال وهو قوة تحفظ تلك الصور بعد غيبتها عن الحس المشترك، وهي كالخزانة له، وهي في مؤخر البطن الأول وهو المؤخر هو أول البطن الثالث.
الثالثة: الوهم وهي قوة تدرك المعاني الجزئية المتعلقة بالصور المحسوسة كعداوة زيد وصداقة عمر وهي في مقدم البطن الثالث، وهذا المقدم أول البطن الرابع.
الرابعة: الحافظة وهي قوة نسبتها إلى الوهم نسبة الخيال إلى الحس المشترك، (1/36)
صفحة 37
فهو الخزانة للوهم تحفظه،، وهو في مؤخر البطن الثالث وهذا المؤخر أول البطن الخامس.
الخامسة: المتخيلة وهي قوة منصرفة في الصور التي أخذتها من الحس المشترك والمعاني التي أخذتها من الوهم بالتركيب والتفريق، وتسمى باعتبار أخذها من الحس المشترك متفكرة، وباعتبار أخذها من الوهم متخيلة ولم تتم أدلة ذلك عند الإسلاميين.
والمذكرة هي الأولى والثالثة الأولى المحسوس والثانية لما يتعلق به عليه والثانية خزانة للأول، والرابعة خزانة الثالثة تدرك المشترك حلاوة السكر ويحفظ الخصال حلاوته.
ويدرك الوهم المعنى المتعلق بالحلاوة ككون السكر قوة ويحفظ الحافظة وتتصرف المتخيلة يخلط الحل به فيكون انحسلا فهذا جمع أو يصعر، فهذا تفريق والعقل إما غريري غريزي بفتح الراء وحذف الياء بعد الغرى، وهو غير مكتسب وبه علق التكليف. (1/37)
صفحة 38
وأما كسبي وهو خاص بأولي الفضل وهو علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال، وهو نتيجة العرزى لا ينفك عن العرزى بخلاف الغريزي فإنه ينفك عن الكسبى، فيكون صاحبه مسلوب الفضائل، موفور الرذائل كالجهل والحمق، والعقل جسم بدليل تمييزه الأشياء وحفظه لها.
ولا يكون فاعل من الخلق إلا جسما؛ لأن الأعراض تستحيل فيها الأفعال وهو متمكن في القلب راتب متحرك ساكن تحريكه تمييزه الأشياء وسكوته ترك التمييز.
وقيل: هو عرض وأنه نفس التمييزات والعلم، وهو عند جمهور أصحابنا قوة وبصيرة في القلب منزلة من منزلة البصر من العين، والسمع من الأذن، والشم من الأنف، والذوق من اللسان ن واللمس من الجسد، (1/38)
صفحة 39
وهو مشهور عن الشافعي.
ولا منافاة بينه وبين ما روي عنه أنه آلة خلقها الله لعباده يميزون بها بين الأشياء وامتدادها، ركبها الله فيهم يستدلوا بها على الأمور الغائبة بالعلامات التي نصبها الله لهم منا منة ونعمة، فإن ذلك دلالة هي القوة المذكورة.
وقال أبو يحيى البرساني زكريا بن أبي بكر رحمه الله: هو معنى في القلب سلطانه في الدماغ لأن أكثر الحواس في الدماغ. وكذلك قال: يذهب بالضرب على الدماغ فهو عرض لا جسم لقوله.
وقال مالك: هو في الدماغ بدليل ذهابه بالضرب فيه.
وعن عيسى بن يوسف: أنه يجوز أن يركبه الله في جوارح الإنسان كلها إلا باطن القدم فيه، أنه إذا كان المراد بالجواز عدم المحال فليس وضعها أيضا في باطن القدم محالا، وإن أراد بالجواز الاحتمال فموضعه في باطن القدم محتمل أيضا وهو يزيد وينقص. (1/39)
صفحة 40
وسمي عقلا لأنه يمنع النفس عن فعل ما تهواه، مأخوذ من عقل البعير، وما يدركه العقل واجب، ويقال: له الواجب العقلي الثابت فعلا، ومعرفة ثبوت القدرة لمن ثبت له الفعل وهي القدرة المقارنة للفعل، وهي مجموع ما يتوقف عليه الفعل من وجود الشرائط وانتفاء الموانع لا القدرة التي بمعنى نفي الرفاتة والعجز كأنها سابقة، لكن لابد من وجودها أيضا ومعرفة ثبوت العلم لمن ثبتت له القدرة، وثبوت الحياة لمن ثبت له العلم، وثبوت الوجود لمن ثبتت له الحياة، فالعقل يستلزم القدرة، والقدرة تستلزم العلم، والعلم يستلزم الحياة، (1/40)
صفحة 41
والحياة تستلزم الوجود، وأما مستحيل وهو ما لا يتصور في العقل وجوده كاجتماع الضدين ووجود شيء واحد في مكانين في وقت واحد وتحريك الجسم إلى جهتين في وقت واحد وهو داخل في المثال قبله.
وإما جائز وهو ما يصح في العقل وجوده وعدمه كالخلق والإماتة والبعث في حدّ ذاتها، وأما بالنظر إلى الوقوع فذلك من الواجب لكن لها عقلا، والشرع ما ثبت بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس.
والكتاب أصل السنة لقوله عز وجل (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى). (3) و (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) الآيتين.
والسنة أصل للإجماع لقوله صلى الله عليه وسلم “ لا تجتمع أمتي على ضلالة”.
والإجماع أصل للقياس لأنه ما يثبت إلا بالإجماع ولا يعتد بنفي نافية.
وقال قومنا: لا يطلق الشرع على ما ثبت بالقياس، والأصل الكتاب والسنة والإجماع، ولهذا الأصل معقول ومنقسم إلى ثلاثة:
الأول: يعني الخطاب وهو ما دل عليه اللفظ حال كونه في محل النطق ويسمى بالمنطوق.
الثاني: المفهوم من معنى الخطاب الموافق له. (1/41)
صفحة 42
فإن كان أولى بالحكم من معنى الخطاب سمي فحوى الخطاب، والفحوى ما يفهم على سبيل القطع كقوله سبحانه: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)، فالمنطوق: النهي عن أن يقول لهما أف، والمفهوم: النهي عما هو أضر من ذلك كالضرب والضرب ونحوه مما هو أضر وأشد تحريما، والتحريم حكم، وإن كان مساويا في الحكم لمعنى الخطاب سمي لجن الخطاب.
واللحن: حرف الكلام إلى تعريض كقوله سبحانه: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ)، فالمنطوق: النهي عن الأكل والملحوق إليه كل إتلاف، وتحريم الأكل وتحريم الإتلاف بغير الأكل سواء في التحريم.
وإن قلنا استعمال الأكل في مطلق الإتلاف فذلك مجاز مرسل من استعمال الخاص في العام وبسطت الكلام على هذا وما بعده في أصول الفقه الثالث وليس الخطاب، (1/42)
صفحة 43
وهو مفهوم خالف المنطوق به في الحكم، وأقسامه المتفق عليها ثمانية:
مفهوم الحصر، ومفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم الزمان، ومفهوم المكان، ومفهوم العدد، ومفهوم اللقب.
والكل حجة بل في بعضها خلاف ولاسيما مفهوم اللقب، واللقب: هذا الاسم الجامد علما أو نكرة، والوصف المتقلبة عليه الاسمية.
فإذا قلت: " أكرمت زيدا إن جاء " فمفهوم الشرط: أنه غير مأمور بأمر من زيد إن لم يحيى بل أن لا يكرمه.
والحق عندي: أن الحصر منطوق لا مفهوم، وسمى الكثيرون كلما ليس بمنطوق معقول أصل، وسمى بعضهم (1/43)
صفحة 44
المحذوف الذي لا يتم الكلام إلا به لحن الخطاب كقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) .. الآية. و (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) أي: فخلق ففدية أو ففدية آخر إن خلق: " واسأل القرية "
وإن استعمل لفظ القرية اسما لمن حل فيها كأن من باب المجاز، وقيل: القرية موضوع بالشركة للقرية ولأهلها، فلفظها حقيقة في أهلها أيضا، والجمهور يسمون ذلك المحذوف دلالة اقتضاء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم “ رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان”، أي: إثمهما و إلا فالخطأ والنسيان موجودان في الأمة غير مرفوعين عنها.
وعد بعضهم لحن الخطاب بالمعنى المذكور قبل ذلك من المنطوق به، والجمهور على أنه من المفهوم دائما فحوى الخطاب مفهوم اتفاقا.
واعلم أن براءة الذمّة هي الأصل وشغلها فرع، فلا يثبت واجب إلا بدليل، ولا ينفى بعد ثبوته إنها بدليل، ومن لم يتوضأ مثلا أو شك في التوضي فعليه أن يتوضأ، (1/44)
صفحة 45
ومن توضأ وشك في نقضه لم يجب عليه أن يتوضأ، ولا فرض عند جمهورنا إلا بالشرع فلا يجب شيء لمجرد العقل خلافا للمعتزلة، ومن قال بقولهم وبراءة الذمّة وشغلها قسمان من استصحاب الأصل.
ومنه قيل: قسم ثالث وهو التقليد؛ لأنّ الإنسان يستصحب ما قال له مقلَّد (بفتح اللاّم)، والتقليد قبول القائل بلا دليل، وسمي استحسانا على طريق المجاز.
" إن الاستحسان ميل النفس إلى الشيء بلا دليل وإن قارنه دليل كان استحسانا محمودا ".
قيل: ومنه: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا)؛ أي تختارها وتميل إليها، وعليه طويل في شرحي على شرح مختصر العدد.
وفي الكلام على ورقات جاءت من مصر في شأن الضرب والسلام وغير ذلك. (1/45)
صفحة 46
الفصل الثاني
الله عز وجل قديم خالق لما سواه ن لا تجري عليه صفة من صفات المخلوق، ولو جرت عليه للزم ما يلزم المخلوق من الحاجة والعجز، ولو كان حادثا لكان له محدث، لأنّه لا يحدث الشيء نفسه كما مر ويحتاج هذا المحدث إلى محدث آخر.
وهكذا فإن انحصر العدد لزم الدور؛ محال لأنّه يلزم عليه تقدم كل من المحدثين عن الآخر وتأخيره عنه، وذلك جمع بين متنافيين، ويلزم تقدم كل على نفسه وتأخيره وتوقف الشيء على نفسه، وإن لم ينحصر العدد لزم التسلسل وهو ترتيب أمور غير متناهية وهو محال لأنه يؤدي إلى فراغ ما لا نهاية له.
وأنه جمع من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا عن صفة ربك ونسبه فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت صورة الإخلاص، فلمّا سمعوها منه قالوا: يا محمد هذا نسب يمنع من النسب نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، فلقيهم أبو جهل لعنه الله، فقال لهم: قد أثر فيكم كلام محمد، (1/46)
صفحة 47
فقالوا: والله ما هو كلامه وأنه يقرؤه علينا ونحن نراه فيه إلا مكتوبا وقوله هو عائد إلى الرب الذي سألوا عنه مبتدأ خبره الله وأحد خبر ثان أو يدل على قوله الرضا بحس إبدال النكرة غير الموصوفة من المعرفة أي أفادت ما لم تفد المعرفة وهو ضمير الشأن، والله مبتدأ خبره والجملة جر هو.
ومعنى أحد منفرد في الصفة كالوجوب واستحقاق العبادة، أو معناه أنه لا تركيب فيه أصلا، والواحد على الحقيقة هو الله، ألا ترى أن الواحد منا مثلا اثنان جسد وروح، ومن اثنين ذكر وأنثى وباثنين طعام وشراب، وفي اثنين ليل ونهار، وبين اثنين أرض وسماء، ومع اثنين حركة وسكون، ومركب من أجزاء والله تعالى بخلاف ذلك.
وإثبات الله نفسه رد على الدهرية القائلين بأن الأشياء تكون ما هنالك إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، وعلى التنويه القائلين بأن الأشياء تكوّنت من اثنين نور وظلمة، وفي أحد رد عليهم، (1/47)
صفحة 48
أيضا فيما قيل ويتكلف أن الذي هو أهل للتكوين أحد لا اثنان ولا يخفى ضعفه.
وقوله: الصمد: رد على المجسمة القائلين بأنه جسم وأن له بطنا حاشاه، فإن معنى الصمد لا جوف له، والواضح أنه رد عليهم وعلى المشبهة وهم بعض من المشبّهة بقوله سبحانه: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ).
وقيل: الصمد السيد الذي قد انتهى في السؤدد، وقيل: الصمد المقصود في طلب الحوائج، وهذا من لوازم القول فإن السيد مقصود في الحوائج، وقال الأغمش: السيد الذي لا يطعم.
قيل ونفي التقلب والنقائص كما نفى الكثرة والعدد بقوله: (هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
فالكثرة في الإجراء هو تعالى أحد؛ أي غير مركب من أجزاء والعدد في الجريات، ومعنى لفظ الجلالة جزي يمنع تصور معناه من الشركة والتعدد أو كل من الكثرة والعدد منفي بأحد على أن معناه أنه ليس جسما فيقبل القسمة وأنه واحد في العبادة. (1/48)
صفحة 49
وقوله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)) رد على اليهود والنصارى والمشركين، فاليهود قالت: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ)، والنصارى قالت: (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ)، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله.
ومن شأن الوالدان يكون مولودا فنفي الوالدية التي صرحوا بها والمولودية التي هي لازمة من قولهم، وفي نفي الوالدية ونفي المولودية نفي للعلة والمعلول فليس علة لوجود شيء وإنما يفعل بالاختيار، وزعمت الحكماء لعنهم الله أنه علة تامة في وجود الأشياء فقالوا تقدم العلم.
وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) رد على المشبهة، ومن التشبيه التجسيد وإثبات تحيز الذات وتحريف الصفات، وهو أيضا نفي للأضداد والأشكال، وضد الشيء ما يزايله فلا يجتمع معه، (1/49)
صفحة 50
وشكل الشيء ما يساويه.
والكفو القرين والنظير والشبيه، والشبه الشريك في بعض الأوصاف، والمثل الشريك في كلها أو جلّها. وفي تفسيرنا مباحث في هذه السورة. (1/50)
صفحة 51
الفصل الثالث:
الله اسم مشتق من السمو وهو الارتفاع عند البصريين، فالله جل وعلا لم يزل مسمى وموصوفا قبل وجود المخلوقات وبعد وجودها وبعد فنائها لا تأثير لهم في أسمائه وصفاته، وذلك معتقدنا ومعتقد الأشعرية.
أو مشتق من السمة وهي العلامة عند الكوفيين، قالت الكفار والمعتزلة: كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفة وهذا خطأ فاحش، ولا يخفى أن الاسم إذا أريد به اللفظ غير المسمى، وإذا أريد به المعنى فهو غير المسمى، وهذا في قولك اسم بالهمزة والسين والميم في سائر الأسماء كزيد وعمرو، وإذا أطلق لفظ عمرو ولفظ زيد على الحروف الملفوظة بها كقولك عمرو وزيد ثلاثيا، (1/51)
صفحة 52
أو مبتدأ أو خبر أو فاعل أو نحو ذلك فمجاز من تسمية الدال باسم المدلول أو على المسمى، فحقيقة عكس قولك اسم وأصل الله آلاه؛ أي عال حذفت همزته وعرض عنها أل، وليس حذفها قياسا لأنها متحرك، وبدليل وجود التعويض وإدغام الدال في لام الله، ولو كان قياسا لما وجب التعويض والإدغام لأن المحذوف قياسا في حكم الثابت.
فيلزم أن الهمزة في حكم المذكور فلا يعرض عنها وإن لا يعتبر اتصال اللامين حتى تدعم لام أل في الله لأن الهمزة فاصلة في حكم الذكر وذلك هو الصحيح.
وقال أبو البقاء: أصله آلا لاه نقلت كسرة الهمزة إله لآم أل الساكنة قبلها، فحذفها قياسي لسكونها بعد النقل، ثم حذفت كسرة لام وأدغمت، وهذا الإدغام شاذ لأن أول الشيء فيه متحرك سكن لأجل الإدغام كالعلة بخلاف الإدغام على الوجه الأول، (1/52)
صفحة 53
فقياسي لبقاء لام أل على سكونه.
ويقال: أله بفتح الهمزة واللام والهاء بوزن كتب باله بوزن يكتب؛ أي علا يعلوا، فالله بمعنى عال وعبد يعبد زيد ربنا ياله؛ أي عبده يعبده، وأله ربنا بضم الهمزة وكسر اللام بمعنى عبد يضم بكسر، فالله بمعنى معبود يقال: أله الآلهة بفتح الهمزتين، والوله والوهية بضمها أي عبد عابده، ويقال: أيضا آلاهة بكسر الهمزة؛ أي عباده.
وقيل: الله معرب لاها بالسريانية حذفت الألف الأخيرة وأدخلت أل، وقيل: هو من لاه يلوه بمعنى علا أو خلق، أو من لاه يليه بمعنى أنه لا يراه أحد، ومن له كفرح يوله كيفرح.
والوله الجبرة والقلوب تتحيّر فيه لا تدركه أو في الحوائج فلا نقصد إلا إياه، فالأصل الولاه قلبت الواو همزة لثقل الكسرة عليها وجمع على آلهة (1/53)
صفحة 54
دون أو لوهه تحقيقا بقلب الواو ألفا، وقد أطرد في اللغة حرف العلة المفتوح ما قبله الساكن ألفا، والصحيح أنه غربي علم.
وقيل: معرفة بأل، وقيل صفة معرفة بأل وهو الاسم الأعظم إذ لا يشاركه فيه أحد وتسند إليه الصفات مثل:
الله حافظا، الله مغيث، الله قدير، الله ودود، الله حي، الله عليم، الله مريد، الله متكلم، الله سميع، الله بصير.
ولذلك قيل: الله اسم تبنى عليه الصفات فهو وضعا واستكمالا لا غلبة فيه ولا اشتقاقا، (1/54)
صفحة 55
وقيل اسم لمن لا يستحق العبادة إلا هو، فهو كلى وضها جدى استعمالها، وهو قول القائلين بالأقوال السابقة من الاشتقاقا لا قولان أصله في السريانية.
ومعنى وصف بالحياة والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر ونحو ذلك من الصفات نفي امتداد وسمعه علمه بالأقوال والأصوات، وبصره علمه بالأفعال والألوان والحركات والسكون والأجسام مع كيفيات، أو ما يوجد من صفات تارة ويعدم أخرى، أو يوجد في محل ويعدم في آخر فصفته فعل وما لا يعدم أصلا كالصفات المذكورة ونفي صفة ذات، وذاته تعالى كافية في معاني الصفات فليست شيئا مزيدا على الذات فذلك معنى قولهم هو اختلفوا أهل يقال وهو صفاته، فمعنى كونه علما أن ذاته كافية في انكشاف الأشياء له فهو عالم بالذات وقادر بالذات إلى غير ذلك، وليس معناه أن الله تعالى وهو العلم أو القدرة أو غير ذلك وهذا معتقدنا ومعتقد المعتزلة. (1/55)
صفحة 56
وقالت الأشعرية: أن صفاته معان زائدة على الذات قائمة بالذات، فيقولون قادر مقدرة عالم بعلم وهكذا ولزم على قولهم تعدد القدماء لأن الحياة والقدرة والعلم وغير ذلك ثابتة بلا أول.
وقالوا: المصنوع تعدد الذات لا الصفات والذات ولزم تركيب الإله، إن الصفات ولو كانت غيره عندهم لكنها لازمة كالجزي تعالى الله عن ذلك وكونه محلل الإشياء.
ولا يجوز ما أعظمه وما أقدر ونحو ذلك كأنه يوهم أن شيئا أوجد فيه العظم والقدرة ونحو ذلك فليلزم حدوث ذلك فيه، وكونه محلا للصفات وكونه مضطر لا مريدا وأجاز قومنا نظر إلى المراد لأن المراد أنه عظيم العظمة وعظيم القدرة، ولم يعتبروا الإبهام المذكور لأن العرب لم يعتبروه، وكل سمع ما أعظم بكرا لم يفهم حقيقة أن شيئا غيره عظيما، ولو كان ظاهر اللفظ ذلك ولا يفهم إلا أنه عظيم جدا مع أنه قد جاء من حديث جابر بن زيد: “ سبحانك ما أعظم شأنك ”، وجاء ذلك ومثله في الأحاديث.
ولاشك أن ما أفعله وأفعل به سواء، (1/56)
صفحة 57
وجاء في صفة الله أبصر به وأسمع، ويجوز أعظم به وأسمع به وأقدر به ونحو ذلك، ولا يخفى أن الكلام إذا أريد به نفي الخرس فهو صفة ذات، وإذا أريد به الوحي كالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك فصفة فعل مخلوقة محدثة.
وهو المراد في قولهم يجوز مكلم وكلم ويكلم لا متكلم وتكلم ويتكلم، ويجوز متكلم وتكلم ويتكلم إذا أريد الكلام الذي هو صفة ذاته، فالواضح جواز ذلك أيضا إذا أريد الكلام الذي هو صفة فعل، وما قيل من أنه جاز مكلم ويكلم وكلم كأنه تدل على الكلام صفة فعل لأنها أفعال متعدية بخلاف متكلم وتكلم ويتكلم، فإنها تدل على أنه صفة ذات لأنها غير مسلم إذ لا مانع من استعمال المنفعل وتفعل ويتفعل فيها هو فعل حادث، ذلك كقولهم تكرم الله على عباده ويتكرم ومتكرم.
وقولهم اللّهم ترحم وتحنن بصورة الأمر وهو دعاء جل الله وعز الله، وكذلك يكون المتعدي صفة فعل كعلم تنبيه والمشهود أن الضدين (1/57)
صفحة 58
لا يجتمعان وقد يرتفعان، والنقيضين لا ولا وعكس بعضهم وبه قال البرادي، وعلى الأول فالكلام الخرس ضلان وعلى الثاني نقيضان.
قال البرادي: يكون المتكلم ساكنا لا أخرس ولا متكلما وهو قادر على الكلام ومتكلماتها ساكتا ولا أخرس، فكل خرس سكوت وليس كل سكوت خرسا انتهى ...
والظاهر أنه يوصف بالسكوت من يقدر على الكلام، وإن وصف به من ليس شأنه الكلام كالحجر أو من كان من شأنه ومنع بالخرس أو البكامة فمجازه. (1/58)
صفحة 59
الفصل الرابع
ينتفع بالتوحيد الموحد الموفى في الدنيا والآخرة وغير الموفى، ودين الله هو الإسلام، والإسلام قول وعمل وهو كل لهما وهما جزآن له.
والقول: الإقرار بالله ولا يجب العلم بأنه قديم بلا بداية، دائم بلا نهاية، وحي بلا تنفس ولا رطوبة، وعالم بلا تعلم ولا دراسة، وقادر بلا تكلف ولا مشقة، ومريد بلا شهوة ولا حاجة، ومتكلم بلا لسان ولا شفاه، وسميع بلا أذن ولا أصمخة، وبصير بلا جفن ولا حدقة، (1/59)
صفحة 60
أو غير ذلك من الصفات حتى تقوم عليه الحجة أو يخطر بباله أو يسأل عنه.
وإن وصف بما لا يجوز لم يعد فهو كفر فتارة كفر نفاق، كذلك جاءت رؤيته في الآخرة ودعوى كون صفته غيره، وأخرى كفر شرك كوصفه بالبدء أو الانتهاء أو ما ذكر بعدهما آنفا، ومعنى قولهم الله هو الواجب الوجود لذاته أن ذاته تعالى لا تقبل العدم لا قبل الخلق ولا بعده.
والمخلوقات واجبات الوجود لا لذاتها بل لقضائه بها، ولا يجب عليه شيء خلافا لبعض المخالفين في قولهم يجب عليه المصلحة لعباده وإذا وعدا أو أوعد فلا يخلف.
والرضا والسخط صفتا ذات عند أصحابنا المغاربة كالولاية والعداوة بمعنى علمه بالشقي ومنزله في النار وقضائه عليه به، وعلمه بالسعيد ومنزله في الجنة وقضائه له به، وصفتا فعل عند أهل الجبل والمشارقة بمعنى إدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
الثاني الإقرار بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتجب معرفة أبيه عبد الله وجده عبد المطلب وأنه هاشمي وأنه قرشي عند بعض، (1/60)
صفحة 61
ويجب باتفاق أن يعلم أنه رسول، وأما أن يعلم أن رسالته إلى الناس كافة فحتى يسمع، وهو رسول إلى من معه ومن بعده ومن قبله من بني آدم والجن وإلى آدم والملائكة، وإلى الطير والوحش والدواب والجماد، وذلك أنهم أمروا كلهم بالإيمان وأخذ عليهم الميثاق وعلى أممهم، أنه إن بعث في زمانه لآمنوا به وأقرت الملائكة بالإيمان به قبل أن يخلق آدم.
وخلق الله التمييز للحيوانات والجمادات فآمنت به، وكان بعض الأنبياء مرسلا إلى أهل زمانه أو بعضهم، أو من بعدهم كسليمان فإنه مرسل إلى الحيوان كلهم ولم يذكروا أنه أرسل إلى الكافة، وبعض إلى قوم دون آخر وهو صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وخاتم النبيين دائما تجب معرفة ذلك بالسماع.
وقيل: يجب أن يعلم أنه خاتم النبيين من حين بعث، (1/61)
صفحة 62
وجعلت له صلى الله عليه وسلم الأرض مسجدا إذا أدركته الصلاة صلى وكان غيره لا يصلون إلا في مساجدهم، وجعل له ترابها مطهرا، وأحلت له الغنائم، وكان من قبله إذا غنموا لم يحل لهم أكل ما غنموا وجاءت نار فأحرقته.
وقيل: نور كالنار يرفعه إلا الذرية وأخاف الله الناس منه مسيرة شهر أمامه حيث كان ولو وجده وشاركته أمته في غير هذا الأخير، وفي رواية “ الرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا وأعطاني الشفاعة العامة ” وهي إراحة الناس من هول الوقف، وهي المراد بالمقام المحمود وتسمى الشفاعة العظمى، وأعطي الشفاعة الخاصة وهي دخول المؤمنين الجنة على يده وبلوغهم درجة لا يبلغونها بأعمالهم وغير ذلك مما ذكرته في غيرها.
ولا يدخل أحد الجنة إلا برحمة من الله وعمل صالح وشفاعته صلى الله عليه وسلم.، وحقيقة الشفاعة سوى آل فعل الخير وترك الضر عن الغير على سبيل التضرع، (1/62)
صفحة 63
وتجب الصلاة والسلام عليه كما ذكر على الأصح وبكره إفراد أحدهما عن الآخر ولو في الكتابة.
والظاهر تحريم الاقتصار على أحدهما إذا ذكر للأمر بهما مما في القرآن ولو أقر بالصلاة في حديث التأمين على من ذكر عنده ولم يصل عليه، والصلاة والسلام عليه رحمة مقرونة بتعظيم وهي من الملائكة إلا الاستغفار، وبعد غفران ما تقدم وما يقر له يكون استغفارهم له تعبدا ومن بنى آدم والجن الدعاء.
ولا يصلي على غير الأنبياء إلا بالتبع والنبي كهمزة من البناء وهو الجر، فقيل: بمعنى فاعل؛ لأنه يخبر الناس أو مفعول لأن جبريل يخبره أو من النبوة وهي الرفعة بمعنى مفعول لأنه مرفوع القدر.
ومحمد علم منقول من اسم مفعول حمدا بالتشديد للمبالغة أمامه من الله لكثرة خصاله المحمودة، وسماه به جده عبد المطلب ولم يكن من أسماء أبائه رجاء أن يحمد في السماء والأرض. (1/63)
صفحة 64
الثالث: الإقرار بما جاء به محمد بن عبد الله أنه حق ومرادي بالإقرار في المواضيع الثلاثة، الإقرار التام: وهو ما جاء عن الاعتقاد فالاعتقاد داخل بهذا القصد في الإسلام، ولذلك قسمت الإسلام إلى قسمين فقط وذلك بناء على صرف الفرد إلى الأكمل، ومن قسمه إلى ثلاثة فقد اعتبر الاعتقاد قسما وهو أوضح، والعمل الذي هو من الإسلام عمل الواجبات من الكتاب أو السنة أو الإجماع.
وأما عمل ما ليس بواجب فهو من الإسلام من حيث التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم في قوله وإذعانه له من حيث مجرد العمل وهو مأمور به أمر ندب.
ومن جهل قال: لم يأمر الله بالنوافل أو نهي عنها أو حرمها أو ليست من الإيمان أو ليست بطاعة أو لم يوجب عليها ثواب فمنافقا، إلا أن إرادة أن لفظ الأمر أعني مادة أمر لا يطلق إلا في الغرض وقد أحسنوا فقالوا: أمر الله بالنفل أمر لا يعني أن يطلق أمر على غير الوجوب. (1/64)
صفحة 65
ومن جهل خصلة من خصال التوحيد الواجبة أشرك، ومن جهل فريضة دون التوحيد نافق حين ينافق بالترك، ووجوب عدد الصلوات الخمس والزكاة وصوم رمضان والاغتسال من الجنابة والوضوء والتيمم وحج المستطيع والجهاد والميراث وقطع يد السارق وجلد الزاني من القرآن وهو الكتاب.
وتفصل أمر الزكاة وأنواعها، وبيان محل الجلد على القذف وآلة الضرب، وعدد ركعات الصلاة والوتر والمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين والاستنجاء والاختتان وأن لا وصية لوارث، ورجم المحصن من السنة، وقيل: أن الرجم من الكتاب لكن نسخ لفظه وبقي حكمه، وكان فيه: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ".
قال في السؤلات والصحيح أنه من السنة؛ أي لأنه روي أنه رجم نفرا، وأما من القرآن في ذلك فيما نسخ لفظه كان أحادا، (1/65)
صفحة 66
قيل: المراد بالشيخ والشيخة المحصن والمحصنة وما مر من أن عدد الصلوات من القرآن مبني على أنه المراد من مثل قوله جل وعلا: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً). (الإسراء:78)، وقوله: (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَار). (طه:130)، وغير ذلك، وإن قيل المراد غير ذلك فبيان العدد من السنة، والمأخوذ من الكتاب إنما هو وجوب الصلاة مطلقا.
ومن الإجماع عقد الإمامة وهي واجبة بشروطها وأن الإمامين في سيرة وجلد شارب الخمر ولو قليلا منها ثمانين جلدة، وميراث الجد والجدّة، وقيل: إنهما من السنة، وقيام رمضان والصحيح أن أصله من السنة لكن زيد فيه واختلف في قدر ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم وكون البنتين لهما الثلثان قياسا على الأختين لأن الذكور ما فوق اثنين، وكون الأخوات لهن الثلثان قياسا على البنات وأجل الفقد وإذا تم وهو أربع سنين طلق زوجته وليّه فتعتبر أربعة وعشرا، وعدة الطلاق يطلقها وليّه أو الإمام أو نحوه بعد عدة الوفاة ثم تعتد عدة المطلقة. (1/66)
صفحة 67
وقالت النكار: ليست الإمامة بواجبة ولو وجدت شروطها ولزمهم تعطيل الأحكام، ولعلهم قالوا إن إنفاذ الأحكام فرض كفاية يقوم به واحد من أهل الفضل في موضع متى أمكن، فإذا قام زيد بإنفاذ الحكم في واقعة كفى وإن وقعت أخرى وأنفذه فيها غير زيد كفى أيضا.
فمتى أنفذ واحد ما في عمان أخرى عن أهله أو في جربة أو نفوسة أجزأ عن أهلها وهكذا، وعندنا أنه فرض كفاية لكن يجب تعيين شخصين له، واعلم أن الدين والإسلام والإيمان بمعنى واحد وهو ما أمر الله به عباده أن يطيعوه به، وقيل: ما صدقها واحد ومفهومها مختلف.
فمن حيث أن ذلك معتقد ومقطوع عذر من خالفه أو مجازى عليه دين من حيث أنه مستسلم إليه ويذعن إليه إسلام ومن حيث التصديق يسمى إيمان، وقد يطلق كل منهما على التوحيد، وقد يطلق الإسلام على العمل الصالح. (1/67)
صفحة 68
وعن بعض قومنا أن الدين وضع إلهي سايق لذوي العقول باختياره هو المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات، وكذا قال السيد في حواشي العضد واحترز بابا اللاهي عن الوضع البشري كالرسوم والسياسة والتدبيرات المعاشية.
وبأولى الألباب عن الوضع الطيع الذي يهتدي به الحيوان لمنافعها أو مضارها وباختيارهم المحمود عن المعاني الاتفاقية والضرورية، وإلى ما هو خير لهم بالذات من نحو صناعة الفلاحة فإنها بالوضع الإلهي الذي هو تأثير الماء وحرارة الشمس وتأثير الهواء والأرض يخلق الله ذلك.
وساقت أولي الألباب إلى صف من هو يخير بالاختيار المحمود ليست تسوق لإلى ما هو خير بالذات، وهو ما يكون خيرا بالقياس إلى كل شيء، وهو السعادة الأبدية وتساويه ما صدق الشريعة لأنها من حيث دان بها أي يخضع لها تسمى دينا.
ومن حيث أنها يجتمع عليها وتمل أحكامها أي تملى تسمى ملة، ومن حيث أنها تتصد لإنقاذ النفوس من مهلكاتها تسمى شريعة ولا تضاف الملة إلى الله ولا لأحد من الأمة، (1/68)
صفحة 69
والملة: " كل شريعة وطريقة شرعها قوم لأنفسهم واتخذوها دينا سواء وضعها الله أو الشيطان والكفرة ".
وشارع ملة الإسلام هو الله، ويجوز إسناد شرعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أتى بها عن الله جل وعلا، وإلى المسلمين من حيث أنهم اعتقدوها مجازا بقرينة، وقد قال عبد الله محمد بن بكر الملة الدين المجتمع عليه في حلال يحلونه وفي حرام يحرمونه وفي نسك يقضونه.
وقال عيسى بن أحمد رحمه الله: الملة: " الدين الذي فيه العبادة وكل إيمان إسلام، وإيمان كل إسلام إيمان، وكل إسلام دين وليس كل دين إسلام أو إيمان؛ لأن الدين يشمل دين الشيطان " ويطلق على الطاعة والعادة والجزاء والحساب والحكم وكل ملة دين، وكل دين ملة لتزاد فيها كما علمت وكذا الشريعة، وقيل: أنه يقال كل دين ملة، وأن الملة أخص في الدين صحيح باعتبار ما يطلق عليه الدين من الطاعة والعادة وغير ذلك. (1/69)
صفحة 70
الفصل الخامس
قال الله سبحانه وتعالى: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ). (هود: من الآية118)، قيل: لا يقال اختلف العلماء إلا في شيء يجوز فيه الاختلاف، وما لا يجوز فيه الاختلاف كالأيمان والتوحيد يقال فيه اختلف الناس.
قالت المرجئة: الإيمان هو ما أمر الله به في توحيده ونفى الأشباه عنه، وصفات الخلق ما سوى ذلك من أوامر الطاعة ونواهي المعصية ليس بإيمان ولا دين ولا إسلام بل للترغيب والترهيب، لا مؤاخذة على الترك والفعل كما نقول في النوافل والمكروهات.
قالت فرقة منهم:" الإيمان معرفة دون الإقرار وهو حيم بن صفوان ومن شايعه لقوله تعالى: (قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ). (المائدة: من الآية41) حيث عاب عليهم الإيمان باللسان فقط ولم يعتد به ونفى الإيمان عن قلوبهم مشيرا إلى أن الإيمان هو الذي في القلب وأنه المعتد.
وأما الذي في اللسان فأخبار ومعلوم أن المعول عليه هو فعل الشيء لا الإخبار عنه ولقوله صلى الله عليه وسلم “ الإيمان هاهنا، وأشار بيده إلى صدره وقلبه ”. (1/70)
صفحة 71
وقالت فرقة منهم وهو مروان بن غيلان ومن شايعه وفي السؤالات غيلان بن مروان: الإيمان إقرار لكن لا ينتفعون به في الآخرة، فحقيقة الإيمان ما في اللسان عنه وافقه القلب أو خالفه، ونحو ما في اللسان دون القلب صورة إيمان بحسب الظاهر الإيمان حقيق.
واحتجّ بأن آمنوا في القرآن معناه أقروا وهو غير مسلم بل يحمل على مواطأة القلب للسان كما هو المتبادر من اللغة إلا في بعض المواضع كقوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ). (محمد: من الآية20) وبقوله صلى الله عليه وسلم “ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ”.
وأجيب بأن ذلك كان حمدا للقلوب على ما ظهر في الألسنة، ومتى ظهر ما في القلب والشرك حكم بحكمه ولم يعتبر ما في الإحسان.
وقال فرقة: الإيمان إقرار ومعرفة وهو أبو حنيفة ومن شايعه واحتج بحجتي الفرقين معا وسائر الأمة على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، ومن ضيع العمل فهو مشرك بالكبيرة باتفاق الصغيرة على خلاف بينهم، (1/71)
صفحة 72
ودليلهم على أن من فعل كبيرة مشرك: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). (الأنعام: من الآية121).
وأجيب بأن المراد الطاعة في الاستحلال للميتة لا في مجرد أكلها، وكان مشركوا العرب يقولون للصحابة تزعمون أنكم تعبدون الله وأنكم على دينه وتأكلون ما قتلتم دون ما قتل، وسموا صغرية لإتباعهم عبد الله بن صغار إلى عام النحاس فالنسبة إلى الصغر بمعنى النحاس عبد الله عامله أو بايعه والقياس للصغارى، وقيل: الصغرة وجوههم باجتهادهم في العبادة لئلا يعصوا فيشركوا، وقيل: لأنهم خرجوا من الدّين وخلوا منه والصغر الخالي والصاد على الأول والثاني مضموم والفاء ساكنة وعلى الثالث يجوز ذلك وفتح الصاد وكسرها، ويجوز فتحها مع كسر الفاء بضمّها.
وقالت القديرية: من أن بالقول وضيع العمل فاسق عاص ليس بمؤمن ولا بمسلم ولا بمشرك ولا بكافر، وفي الحديث: “ القدرية مجوس هذه الأمة لادعائهم إلهين اثنين، يذكرون الله ويذكرون الشمس والقمر والنجوم والبقر واقتصرت على الاثنين لأن ما سوى الله كله كواحد، (1/72)
صفحة 73
وكذا من عبد إله واحد غير الله سمي عاند إلهه لأنه ما فرق بين معبوده المخلوق وغيره من الخلق والمرجئة يهود هذه الأمة لادعائهم الخروج من النار.
وقال:“ طائفتان من أمتي لا تنالهما شفاعتي وهما معا ملعونتان على لسان سبعين نبيا القدرية والمرجئة ”، وسموا قدرية لنفيهم عن أفعالهم قدرة الله وقدره ونسبتهم إياها إلى أنفسهم من جميع الجهات.
والمراد بهم قدماء المعتزلة والقاف مضموم والدال مسكن نسبة إلى القدرة أو القاف والدال مفتوحان نسبة إلى القدرة، وسمي بالقدرية أيضا قوم نفوا القدرة عن أنفسهم ونسبوها إلى الله وجعلوا الإنسان في أفعاله كالميت بين يدي الغاسل لا اختيار له وهم الجبرية.
وقوم قالوا: الخير خلق الله تعالى والشر خلق لأنفسهم، وإنما صحت النسبة للقدرية أو القدر مع نفيهما عنهم لأنها تصح بأدنى ملابسة، والقدر كما يكون بمعنى إيقاع الشيء وإيجاده في الخارج يكون بمعنى القدرة، وظاهر جواز إسكان دال القدرة لأنه مسموع جواز إسكان دال القدرة بفتح القاف. (1/73)
صفحة 74
وقالت الحشوية: من أتى بالقول وضيع العمل مؤمن مسلم عاص مذنب ليس بمشرك ولا كافر ولا ضال ولا فاسق إن شاء اله رحمه وإن شاء عذّبه إن لم يتب.
ويرد ذلك: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً). (الفرقان: من الآية68) الآية، وقد يقال: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ).
(قّ: من الآية29) والله صادق في وعده ووعيده فإن لم يصدق الإنسان فعله قوله فهو كاذب.
وإنما جعلوه مسلما مؤمنا مع جعلهم العمل من الإيمان لأنه همزة من الإيمان الكامل فلا يعدم الإيمان بعدمه، والفرائض عندهم بمنزلة النوافل عندنا يزيد بها الإيمان وينقص بتركها إلا النوافل لا يعصى تاركها بل منزلته خسيسة من أخلاق السوء التي لا تنزل عليها الولاية ولا تسقط إذا أثبتت بها.
وعندهم يعصي بترك الفريضة، قيل: الحشوية هم الأشعرية، ويرده أن فاعل الكبيرة عند الأشعرية ضال وفاسق بالجارحة وكافر كفر نعمة، ونحن نسميه بتلك الأسماء كلها وهو ضال وفاسق ومنافق وكافر وليس بمؤمن ولا مسلم ولا مشرك، (1/74)
صفحة 75
ويخلد في النار عندنا وعند المعتزلة، لكنهم يسمونه فاسقا لا كافرا.
قيل: يرد عليهم قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ). (السجدة: من الآية20)، وقوله: (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ). (الحج: من الآية72)، فالفاسق الذي جعل مأواه النار وهو الكافر الذي وعده النار، وقوله: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ). (السجدة:18)، فقد جعل الفاسق مقابلا للمؤمن.
ومعلوم أن الكافر غير مؤمن وأنه ليس لنا إلا مؤمن أو فاسق بأنواعه، فمن ليس مؤمنا فهو فاسق كافر والنسبة إلى حشى الحلقة وهو طرفها.
جلسوا عند الحسن البصري فرأى كلا منهم ساقطا فقال آخر وهؤلاء إلى حشى الحلقة فالحاء مكسورة والشين مفتوحة أو النسبة إلى الحشو بمعنى الوسط وكأنهم الشيء الزائد الذي تعرض بين ماله أصالة فالحاء مفتوحة والشين مسكنة.
والنكار وغيرهم من أصناف الأباضية والزيدية والشيعية قالوا: كقولنا معشر الأباضية المحقة في التسمية بالضال وما بعده وأحكامه أحكام الملة الإسلامية إلا أنه لا يتولى ولا يقبل شهادته إلا الصغرية، (1/75)
صفحة 76
فأحكامه عندهم أحكام هذا الشرك وسميت أباضية نسبة إلى عبد الله ابن أباض.
ووهبية نسبة إلى عبد الله بن وهب لا إلى عبد الوهاب لأن النية إلى الوهاب وهابي إلا أن يقال من ترخيم النسب وشذوذه، لكن لا يعتمد ذلك مع إمكان القياس بلا ضعف.
وكذا عند المرجئة أحكامه أحكام الملة الإسلامية لكن يتولونه ويسمونه مؤمنا مسلما لا مشركا ولا كافرا ولا ضالا ولا فاسقا ولا عاصيا ولا مذنبا إذ لا يثبتون له ذنب والعصيان وإثباتهما له الحشوية وهو الفرق بينهم وبين المرجئة، ووافقوا الحشوية في أنه مؤمن لا يخلد في النار، وقد تخالف الفريقان لفظا إذ قالت الحشوية: "الإيمان قول وعمل".
وسمّية المرجئة مرجئة لأنهم أرجوا عليا فلم يعدوه رابع الخلفاء، أو لأنهم أخروا العمل ولم يعدوه من الإيمان ولأنهم أرجوا صاحب الكبيرة أي أخروه إلى مشيئة الله إن شاء رحمه فالميم مضمومة فهو اسم فاعل أرجى والياء خفيفة وتجوز الهمزة بدلها.
وقيل: الميم مفتوحة والياء مشددة اسم مفعول رجاء بالهمزة في آخر قلبت باء وأدغمت فيها واو مفعول، وعليه فمعناه أنهم مؤخرون بفتح الخاء عن الدين أخرهم الله خذلانا منه، (1/76)
صفحة 77
وفي القاموس سموا لتقديمهم القول وتأخيرهم العمل يقال رجاءه ورجاه وأرجأه بالهمزة والألف في الكل والمعنى آخره.
وروي أن المرجئة لعنوا على لسان سبعين نبيا، وأنهم الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل، قال أبو سهل فيهم وفي المالكية وغيرهم: أنهم استرضوا الله بلا إله إلا الله ولو طمسوا بالآثام و أوهنوا دعوة الأنبياء وأبطلوا فائدة: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ). (العنكبوت:2) الآية. (1/77)
صفحة 78
الفصل السادس
يجب مع أول البلوغ معرفة الشرك لينفى وأنه معصية وأن عليه عقابا، ولا يجب معرفة الملل وأحكامها حتى تقوم الحجة، وقيل: تجب معرفة الملل: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا. (الحج: من الآية17) وهم عبدة الأصنام وجاحدوا الله وكلهم مشركون إلا الذين آمنوا ومن لم يعرفهم أول البلوغ أشرك.
وقيل: من لم يعلم الحكم فيهم كمن لم يعلمهم، وقيل: تجب معرفة أن المجوس وعبدة الأصنام مشركون وأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى والصابئين كافرون و إلا أشرك، وقيل: يجب معرفة أنهم مشركون أعني أهل الكتاب و إلا كفر.
ويسمع جهل الناقضين لما في أيدينا وهم المخالفون ما لم يذكر ذلك ويخطر بالبال، وقيل: يلزم مع البلوغ وينافق بالجهل، ويسمع جهل الأئمة ما لم تقم الحجة والحكم في المؤمنين ولا يتهم ونصحهم وفي المنافقين دعاؤهم إلى ترك النفاق وبراءتهم ما لم يتوبوا.
والحكم في المخالفين أن يدعوهم الإمام إلى الدخول في المذهب بترك ما به ضلوا بأن يوالوا أمينا ويتبرؤون من أيمتهم وغير ذلك، (1/78)
صفحة 79
فإن فعلوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم و إلا دعاهم أن يدغنوا إلى أحكامهم ويعطوه زكاة أموالهم، وإن لم يفعلوا قاتلهم حتى يدخلوا أو يد غنوا.
ومن تاب منهم وكان متدينا بأن اعتقد الخطأ وتقرب به إلى الله وحكم بخطأ من قبله أظهر التوبة من بدعته ودعا إلى تركها والنوبة منها، ولا يلزم ضمان نفس أو مال إن أتلفهما بديانة، وإن لم يتدين لزمه العزم والقول، ولا يحل ما لهم ولا سبيهم إذا قاتلهم، ولا يجهز على جريحهم ولا يتبع مدبرهم إن لم يكن لهم مأوى يأوون إليه، فإن كان جهز وأتبع والمعتبر مأوى يصله وتقوى وأما مأوى لا يصله ولا يصله ولا يتقوى منه فلا يجهز ولا يتبع.
وأحكامنا وأحكامهم واحدة فيجري الإرث بيننا وبينهم و المناكحة وغير ذلك، ويتبرأ منهم ما لم يدخلوا، وإذا تاب المحارب أو قاطع الطريق منا أو منهم قبل القدرة عليهم فلا يطالب بضمان نفس أو مال، (1/79)
صفحة 80
وعليه التخلص من ذلك فيما بينه وبين الله تعالى.
والحكم في أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى باتفاق والصابئون على الصحيح عندنا أن يدعوهم الإمام إلى الدخول في الإسلام، أما أهل القرى والمدائن فيدعوا أمراءهم، وأما أهل البادية فيدعوهم واحدا واحدا.
وقيل: يدعو المنظور إليه منهم مثل أهل المدائن والقرى، وإن لم يعلم لغتهم ترجم لهم يامينين، وقيل: يجري واحد، فإن دخلوا فهم مسلمون ويتولوا من حينهم ما لم يحدثوا ما يتبرأ به منهم أو يقترن بدخولهم ما يتبرأ به منهم وكذا سائر المشركين والمخالفين.
وإن امتنعوا عن الخروج والشرك دعاهم إلى إعطاء الجزية كما قال الله جل جلاله عن بداى منقادين أو عن غنى أو مسلمين لها بأيديهم غير باغيتين بها أو عن يد قاهرة عليهم أو عن نقد وحضور أو عن أنعام عليهم إذا جزت عنهم وهم صاغرون.
قال: ابن عباس رضي الله عنهما تؤخذ الجزية من الزمنى وتوجا عنقه أي يضرب في عنقه باليد، (1/80)
صفحة 81
ولا جزية على نسائهم وأطفالهم وعبيدهم ومجانينهم ورهبانهم وأمراؤهم وشيوخهم ولا على المفلس على الصحيح.
وقيل: يطلى جسده بالغسل، وقيل: وجهه باللبن ويحبس في الشمس حتى يؤديها، وإذا أخذ الإمام الجزية أعطى لفقرائهم منها، ويمنع الإمام عنهم من أراد ظلمهم رجل بالجزية أكل ذبائحهم ولو ممن قال من النصارى ثالث ثلاثة، وحرم بعضهم ذبحة الصابئين بناء على أنهم ليسوا بأهل كتاب.
وحل أيضا تزويج حرائرهم وكثرة عمر ذلك إذا اكتثرت المسلمات ولو قالت ثالث ثلاثة ويشترط الزوج عليها أن تشرب الخمر وأن لا تأكل لحم الخنزير وأن لا نفاق الصليب وأن تغتسل من الجنابة وتحلق العانة، وإن لم تقبل هذه الشروط أو لم تعمل بها لم تجزى.
وقيل: يجوز وهو الصحيح ذكر القولين في التاج، ومن تزوج أمة أهل الكتاب هلك، ولو ملكها مسلم ونسبه ثابت، ومن استحل تزوجها لم يحكم عليه بالكفر وشربه لتزوجها، (1/81)
صفحة 82
وأجاز عمروس بن فتح والشيخ هود تسر بها ويحرم قتلهم وغنم أموالهم ويشي ذراريهم ذكور وإناثا أو سبى البلغ أيضا، وإن امتنعوا من الجزية قاتلهم وغنم أموالهم وسباهم، ولا يقتل من نسائهم إلا من قاتلت أو ارتدت.
ومنع النكار فيحرم الله قتل النساء مطلقا، ولا يقتل من لم يبلغ منهم، ويجوز الكشف عنه ليختبر بلوغه، وحرم أكل ذبائحهم على الصحيح والتزوج منهم على الإنفاق، إن أذعنوا للجزية بعد القتال قبلت منهم، ولا يجوز سبي ما أعطى عليه الذي يجزيه وجاز من استفادة بعد إذا حارب.
قال له في الديوان: ويجوز عتقهم ورد أموالهم وذراريهم ونسائهم إليها بعد أن صار وافيا بالقتال إذا ظهر للإمام الصلاح في ذلك على أن يضرب عليهم خراجا.
وسمي اليهود يهودا لتهودهم عند قراءة التوراة، وقيل: لقولهم: (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ). (لأعراف: من الآية156) أي تبنا، (1/82)
صفحة 83
وسمي قرية النصارى نصارى لقولهم: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ). (آل عمران: من الآية52)، وقيل: لنزولهم تسمى ناصرة.
وسمي الصابئون صابين لصبوهم من دين إلى دين؛ أي ميلهم وهذا لا يلائم أنهم أهل كتاب ولعلهم ولو مالوا لكن من كتاب إلى كتاب، وقيل: لأنهم اختاروا مطايب التوراة ومطايب الإنجيل فقالوا: أصبنا دينا، وفيه أن الاسم من صاب صائب.
قال قائل: لأصاب كقاضي إلا أنه قيل مغلوب وأن بعض العرب يهتمز الصابين، والحكم في المجوس كحكم أهل الكتاب ولكن لا تحل ذبيحتهم والتزويج منهم ولو أعطوا الجزية، ومن استحل نكاح بالغات غير أهل الكتاب أشرك أو غير البالغات نافق، والفرق أن غير البالغة لا يطلق عليها اسم الشرك بل إلى اسم الإسلام، ذلك قربة لحديث كل مولود على الفطرة إلا ما قيل أن نكاحها متعلق الكمال إلا على البلوغ.
وسمي المجوس مجوسا لإتباعهم رجلا مكوسا؛ أي جعل الله الشعر ثابتا في أذنيه وعرب بإبدال الكاف جيما وإسقاط الهمزة بعد نقل ضمتها إلى الجيم، (1/83)
صفحة 84
والجزية عشرة دراهم على كل يهودي أو صاب أو نصراني.
وقيل: على الغنى ثمانية وأربعون، وعلى الأوسط أربعة وعشرون، وعلى الفقير اثني عشر، وإن شاء الإمام فرق ذلك على المشهود والصحيح الأخير لأن عمر رضي الله عنه كتب به إلى عثمان بن حنيف بالكوفة، هكذا قيل وصح بعضهم الأول.
وقول الصحيح أن الجزية على قدر ما يرى الإمام من الإكثار على من اشتدت عداوته، والتوسط على المتوسط، والتقليل على غيره، ومن الإكثار إذا احتاج إليه الإسلام وغير ذلك من المصالح، ولو ظهرت له مصلحة في التقليل على عنى أو شديد العداوة لجاز وأما كتابته بذلك إلى عثمان فليست حدا مؤبدا.
ويدل لهذا أي صاحب أحنا من أعمال الإسكندرية قدم على عمر بن (1/84)
صفحة 85
العاص وهو إذ ذلك خليفة من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الإسكندرية، فقال له: أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فقال: عمر ولو أعطيتني من الركن إلى السقف ما أخبرتك إنما أنتم خزانة لنا، إن كثر علينا نكثر عليكم، وإن خفف علينا خففنا عليكم.
وقد فوض إليه عمر مصر الجزية ففرضها دينارين على كل نفس حين فتح الإسكندرية، فتراه انتقل عن هذا بعد إلى من يصلح بحال الأخذ وكأن صرف الدينار اثني عشر درهما.
والحكم في عبد الأصنام أن يدعوهم الإمام إلى الإسلام على حدّ ما مرّ، فإن أبوا قاتلهم وغنم أموالهم وسبى ذراريهم ونسائهم واستعبدهم، ولا احد لقتالهم إلا أن يدخلوا في الإسلام موحد ولو لاين موحد، ولا يقبل منهم صلح ولا جزية إذا غلبهم، وإن خاف على المسلمين جازت له مصالحتهم إبقاء على الإسلام (1/85)
صفحة 86
ولا تسببا قريشا.
وقيل: العرب كلّهم لحرمة النبي صلى الله عليه وسلم بل يقتلون أو يدخلون في الإسلام، والظاهر أن صبيانهم يكونون أحرارا أو مؤنتهم في البيت المال، وقيل: عبيد، وإن غنم المشركين أو اليهود أو النصارى أو الصابئين أو المجوس بلا قتال أو بقتال قبل أن يدعوهم أو سبى منهم قبل أن يدعوهم رد إليهم ما غنم وما سبي، والظاهر ضمان ديانتهم لأنه لا يحل له ذلك إلا بعد الدعاء.
وإن تغلب المشركون أو المجوس على المسلمين أو أهل الكتاب على المسلمين ولم يقدر المسلمون عليهم ووضعوا على المسلمين خراجا جاز لهم أن يعطوا لهم ما وضعوا عليهم مداراة وإبقاء على دينهم وأنفسهم وأموالهم. (1/86)
صفحة 87
الفصل السابع:
كذب اليهود على موسى عليه السلام فافترقوا على إحدى وسبعين فرقة كلها هالك إلا واحدة، وهي مذكورة في قوله عز وجل: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون) َ. (لأعراف:159)، وهي من تمسك بما عليه موسى ولم ينكروا واحدا من الأنبياء.
وقيل: المراد من آمن منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في زمانه ككعب الأحبار وعبد الله بن سلام، وفيه أن كعب الأحبار أسلم على يد عمر في أمارته ومعناه أعظم العلماء، ويقال: كعب الحبر بالإفراد والنعت وأوجب بعض، وقيل: قوم وراء الصابئين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فآمنوا به.
فكذب النصارى على عيسى عليه السلام، وافترقوا على اثنتين وسبعين فرقة كلها هالك إلا واحدة وهي المذكورة في قوله سبحانه وتعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (المائدة: من الآية82).
ذكر ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقال: “ ستفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة كلها هالكة ما خلا واحدة ناجية، وكلهم يدعي تلك الواحدة ”. (1/87)
صفحة 88
وفي رواية غريبة: “ كلها ناجية ما خلا واحدة هالكة ”.
قال بعض العلماء: " عشرون منها في المرجئة، وأربع وعشرون في الشيعة، واثنتي عشر في المعتزلة، وسبع في المحكمة ".
قال العلاّمة عمنا يحيى بن صالح:
=""
في كدّ سيفي ومحكم يز = وكاف هو جيء وبب معتزى
والمجسمة مشركون والمشبهة أعم من المجسمة كما مر، ومقاتل بن سليمان من المشبهة وهو رئيس المرجئة ذكره بعضهم، قيل: فعلى هذا تعد المشبهة من المرجئة فليسوا بمشركين، ولعلهم أولوا القرآن والأحاديث في التشبيه وذلك أن المتبادر من الوجه واليد أنهما لحم تعالى عن ذلك وفتح الله معتقديه فلم يحكم بتشريكهم.
وقد أدخل بعضهم في ملة الإسلام كذلك أو لاتفاقهم مع أهل الإسلام في أمور كالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقول صاحب الوضع: قالت المرجئة: الإيمان ما أمر به من توحيده ونفى الأشباه عنه والأمثال، (1/88)
صفحة 89
ما لا يليق به من صفات خلقه دليل على أن المشبهة ليست من المرجئة لأن المشبهة لم ينفوا ذلك عنه إلا أنه يقال نفوا عنه سوى ما ذكر في القرآن والحديث من المهمات.
وصاحب الوضع هو أبو زكرياء يحيى الجناوني عبد البرادي وفي سير المشايخ أحمد ما نصه ومنهم أبو زكرياء يحيى الجادوي، وأظنه ألّف كتاب الوضع أصح، ولا يقال أبو زكرياء هذا هو الجناوني لأن الجناوني ذكره قبل هذا نحو ستة أوراق ثم ذكر بعده أبو زكرياء يحيى بن إبراهيم، ونسب بعضهم الوضع إلى أبي زكرياء يحيى بن إبراهيم، فتلك ثلاثة أقوال لكن أحدهما ظني لا قطعي. (1/89)
صفحة 90
الفصل الثامن:
جاء الفراق من تسعة أصول:
الأول: " التوحيد من حيث ما يطرد عليه من النقص ".
اتفقت الأمة الإسلامية على أن الله واحد ليس كمثله شيء، ونقضت المشبهة قولهم إذ قال مقاتل بن سليمان منهم لعنه الله: إن الله تعالى جسم عريض طويل لحم ودم، وكذا قالت جماعة منهم.
وقالت طائفة منهم: إنه جسم طويل عريض، لا يقولون بلحم ولا بدم، وقالت طائفة منهم: له جوارح كجوارح الإنسان من العين والوجه واليد ووقفوا عما سوى ذلك، وقالت طائفة منهم: جسم لا كالأجسام.
وكلّهم مشركون بقولهم، واستدلّوا على أنه جسم بأن الفاعل لا يكون إلا جسما، والجسم لا يفعله إلا جسم، ويردّ عليهم: ـن الجسم تلزمه أشياء كعجز وذل، وضعف وحزن ومرض، واستقرار والتمكن والزوال و النقصان والفناء والحدث والكثرة وغير ذلك.
وأن الجسم مركب من أجزاء، (1/90)
صفحة 91
والمركب لابد له من مركب فيلزم الدوار والتسلسل وأنه تعالى قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). (الشورى: من الآية11)، وهذا عام وقولهم ليس كمثله شيء في العلم وهذا عام، وقولهم ليس كمثله شيء في العلم والقدرة تخصيص فلا يقبل إلا بدليل وأنه لم تشاهد جسما يفعل جسما بل الجسم يألف بين الأجسام.
الثاني: العدل أجمعوا أن الله سبحانه عدل لا ينسب إليه الجور، وليس من الجائز في حقه ونقضه المجيزة قولهم وهم جهم بن صفوان ومن وافقه بزعمه أن الله أجبرهم على أفعالهم وعذبهم عليها.
ويرد على قولهم: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). (السجدة: من الآية17)، وقوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ). (آل عمران:182.
وقوله صلى الله عليه وسلم: “ سيكون في هذه الأمة قوم يعملون المعاصي ثم يقولون هي من الله قضاء وقدر وإذا لقيتموهم فأعلموهم أني بريء منهم وأن هذا ظلم ”، والله سبحانه وتعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (يونس:44)، أي لا يؤاخذهم بغير ما اكتسبوا.
وأنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ لا تطفئوا نار رجل (1/91)
صفحة 92
أشرك بالله وعاق والديه وساع بأخيه جائر وقاتل نفس محرمة وحامل ذنبه على الله مثل من قال مجبر ليس له اختيار ”، وخصلتان لا تنفع معهما صلاة ولا صوم: الشرك واعتقاد الجبر، ويرحم الله عباده ما لم يعملوا بالمعاصي ثم يقولون إنها جبرة من الله.
قيل ستة أشياء مبطلة للحياة والجبر: الأمر والنهي، والمدح والذم، والثواب والعقاب.
وزعم جهم أنه ستفنى الجنة والنار ومن فيهما من المؤمنين والكفار ولا يبقى إلا الله وأن الله جل وعلا لا يعلم إلا ما شاء حتى تكون موجودة، وأن العباد طبعوا على أفعالهم، وأنه لا يقال الله شيء ولا غير شيء، وأن الإيمان معرفة دون إقرار وكفر لهذه المسائل، وقيل: إلا الأخيرة.
الثالث: " القدرة الذر هو بمعنى الخلق، ومنه الذي قدر أي خلق فهدى". أجمعوا أن الله خالق وما سواه مخلوق، ونقضت القدرية قولهم بزعمهم أنهم خلقوا أفعالهم، (1/92)
صفحة 93
ويرد عليهم قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ). (الصافات:96)؛ أي وعلمكم إلا أنه لا مانع من أن يقال خلقكم وما علمتموه من الأوثان وعملهم صنعهم لها.
والأصل في العمل أن يطلق على الكسب ولو كان يطلق على المكسوب، فانظر تفسيرنا:
(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، (الأنعام: من الآية101)، وقوله صلى الله عليه وسلم “ كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس ”، وقوله تعالى في بعض كتبه: (أنا الله لا إله إلا أنا خالق الخير والشر).
وقوله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ). (فاطر: من الآية3)، وقوله: (َأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه). (لقمان: من الآية11) ِ، وقوله: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ). (الرعد: من الآية16) وقوله: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ). (الرعد: من الآية16).
ولزم على قولهم أن يكونوا آلهة وأربابا لأفعالهم نظروا إلى جهة الكسب فسموا الكسب خلقا، (1/93)
صفحة 94
وكما نظرت المرجئة إلى جهة خلق الله بأفعالهم فأضافوها إليه، وجعلوا أنفسهم كالميت بين يدي الغاسل وكل ذلك خطأ.
والحق إضافة الفعل إلى الفاعل من حيث أنه كسب له، وإضافته إلى الله سبحانه من حيث أنه خلق، والقدر ما في الإرادة.
وقيل: القدر انتهاء الأمور إلى أوقاتها، وفي معناه: قول بعض أنه موجود الأشياء مفصلة في الخارج.
والقضاء: وجودها مجملة في اللوح المحفوظ أو في علم الله سبحانه وذلك نظرا إلى المعنى الحاصل بالمصدر.
وأما إن نظرنا إلى معنى المصدر فلنغير بالإيجاد بدل الوجود، وبين القضاء والقدر عموم وخصوص من وجه لاجتماعهما في الخلق وانفراد كل منهما ووجب الإيمان بهما.
قال بعضهم: قد يقال أن الله تعالى إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، فهناك الإرادة وهي قضاء، والقول: وهو قدر والمراد بالإرادة هنا الإرادة المقارنة للفعل وهنالك الإرادة الأزلية. (1/94)
صفحة 95
الرابع: الولاية والبراءة وهي العداوة، اتفق الموحدون أن الله موال ومعاد لم يزل، معرفة هذا تلزم بقيام الحجة، وأما مع أول البلوغ فتلزم معرفة أن الله موال ومعاد اتفقوا أن الله عالم بما كان وما يكون.
وأن الممكن الذي لا يوجد لو كان يوجد لكان الله عالما به، ولما كان لم يوجد لم يصح لنا أن نقول علمه، كما لا يصح أن نقول جهله وذلك أن علمه تعالى يتعلق بالوجوب والممكن الذي وجد أو يوجد دون المستحيل، والممكن الذي لا يوجد إذ لا حقيقة لهما يتعلق بها العلم بل تعلق علمه بعدم وجودهما وذلك مذهبنا.
وقال بعض قومنا يتعلق بهما ونقضت الحسنية قولهم بزعمهم أن ولاية الله وعداوته تتقلبان، فإذا كان الإنسان في الطاعة تولاه الله وإذا ترك الطاعة وعصى عاداه، وإذا رجع إلى الطاعة تولاه (1/95)
صفحة 96
وهكذا، ونسب في السؤالات النقض للنكار ولعل الفريقين نقضوا بذلك.
والحجة عليهم قوله تعالى هو: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ). (الحج: من الآية78)؛ أي في التوراة وفي الإنجيل (وَفِي هَذَا)؛ أي في القرآن. فسمى الصحابة مسلمين قبل إسلامهم.
وقوله عز وجل: (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين) َ. (الحجر:30)، إلا أن قالوا المعنى في الكون بالنظر إلى وقت أباه من السجود.
ونحتج عليهم أيضا بأنه إذا كان عالما بالشيء قبل أن يكون وعالما بخاتمته من سعادة وشقاوة، فتقلب ولايته وعداوته يحسب أعماله عبث والله منزه عنه، وإنما يجري الأمور على حسبما يظهر من لا يعلم الحقيقة، وبأنه لو اطلع الله رجلا أن هذا الإنسان العابد أو الجني العابد شقي، (1/96)
صفحة 97
أو أطلع على ذلك ملك لم يسمع لمن أطلعه عليه أن يتولاه و إلا عاند الله فثبت أن ولايته وعداوته لا تتقلبان.
فمن علم الله أنه سعيد فهو في ولايته ولو في حال عصيان، ومن علم أنه شقي ففي عداوته ولو في حال طاعته، وما ينقض به على كل من الجهمية قولهم لا يعلم الشيء حتى يقع، ومن هؤلاء القائلين تتقلب ولاية الله وعداوته تعالى ينقض به على الآخرين.
كما أن ما ينقض به على الروافض في قولهم قبحهم الله أن الله تبدوا له البداوات ينقض به على هؤلاء في حال عصيانه، ومعنى كون علمه قديما أنه لا أول له ولا انكشاف المعلومات له، وأن ذاته قديمة كافية وفي الانكشاف. (1/97)
صفحة 98
ومراد من قال: لا يقال علمه قديم كما لا يقال متحدد أنه لا يقال علمه شيء زائد على الذات قديم معها، ومعنى ولايته وعداوته حبه وبغضه ولهذا أمكن الخلاف السابق والرد السابق.
وقيل: علمه بما لهم من ثواب أو عقاب فهما صفتا ذات، ويجوز والى في الأزل وعادى، وأحب وأبغض، ورضي وسخط، بمعنى أنه قد والى إنسانا مثلا سيخلقه وعادى آخر سيخلقه وهكذا، ورضاه وسخطه بعد خلق الخلق قبول الأعمال وردها، والتسمية بالمؤمن والكافر، وإظهار أنه من أهل الجنة أو النار.
وهما بهذا المعنى مخلوقان، وبالمعنى الأول صفتا ذات ومطلقان على التوفيق والخذلان، ومعنى قول بعضهم رضي الله ثوابه الجنة مسبب رضاه ثوابه الجنة ومسبب الإيمان والعمل الصالح.
وقال في السؤالات ما معناه أنه لا يقال: والى في الأزل ولا لم يوال ولا عادى ولا لم يعاد لإيهامه إثبات الموالى والمعادى بفتح اللام والدال في الأزل وإيهام الإهمال والجهل، ولا عبرة بهذا الإيهام لمعرفة الموحدين انفرادا لله سبحانه بالقدم، ولأن لم يوال ولم يعاد بمنزلة لم يوال فلانا ولم يعاد فلانا، وسلب ولايته أو عداوته عن فلان يصدق بوجود فلان وعدمه وليس نصا في جوده. (1/98)
صفحة 99
كما أن السلب عن الموضوع كذلك لم يتعد اليوم في السوق رجل فإنه صادق بوجود الرجل في السوق غير قاعد وبعدم وجوده فيه أصلا، ذلك فضلا عن قعوده، واعلم أن حد إثبات المخلوقات بلا أول لا يجوز، بمعنى أنه لم يزل يخلق الخلق ويفنيه ويجدد آخر بلا أول لذلك، بمعنى أنه لا أول لله كذلك لا أول لخلقه وإفناؤه كحالنا هذه لا يجوز اعتقاد ذلك وهو شرك.
وقيل: نفاق وهو الصحيح لأنه لم يثبت شيء غير الله لا أول له بل أثبت له تعالى أفعلا تتجدد على بدء على حد إثبات صفات الذات فإنها تبد أول لكنها بلا فناء وتجدد.
الخامس: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهمنا واجبان باتفاق على قد الطاعة ".
وقد وجب نصب الإمام على المسلمين إن كان لهم من العدة والمال والعلم ما يكفي وكانوا نصف عدوهم الذي يليهم ويتلقون شوكته، و إلا تغلبت الكفرة على المسلمين وتعطّلت إقامة الحدود وهي من تمام الأمر والنهي، (1/99)
صفحة 100
ولذا تكلفت الصحابة الإمامة ونقضت النكار والنجدية قولهم بزعمهم أن الإمامة لا تجب ولو كانت شروطها، وأن على الناس أن يقيموا كتاب الله فيما بينهم.
والحجة عليهم ما قرأ قيل من قوله تعالى: (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). (النساء: من الآية59)، فإنه إيجاب لطاعة كبراء الدين أئمة أو غيرهم في طاعة الله دون المعصية لا إيجاب لنصب الإمام.
وما قيل من قوله صلى الله عليه وسلم: “ إن أمر عليكم عبد حبشي مجذع الأنف – أي مقطوع الأنف – فأقام فيكم كتاب اله وسنتي فاسمعوا له وأطيعوه ”؛ لأنه إيجاب للطاعة لا لنصب الإمام.
والمراد المبالغة و إلا فالعبد لا يلي الإمامة العظمى ولا تختص الإمامة بقريش خلافا لمن زعم ذلك، وندين بأن الله أمر ونهى وأمر وناه، ولا يجوز أمر ونهي في الأزل إلا بمعنى سيأمر وينهى، أو بمعنى أوجب الطاعة وحرم المعصية وكون الطاعة حلالا والمعصية حراما.
السادس: " الوعد والوعيد ".
اتفق الموحدون أن الله سبحانه صادق فيهما ونقت المرجئة قولهم بزعمهم أنه يجوز أن يخلف وعيده لأن الخلاف الكريم من الناسي وعيده زين يمدح به، (1/100)
صفحة 101
وفيه أن هذا غير لازم فكثيرا ما يذم السلطان بخلاف الوعيد لأنه يؤدي إلى اجتراء الرعية، وكذا غير السلطان، وإن الخلاف لا يكون إلا عن بداء الله لا تبدوا له البدوات.
والحجة على أنه لا يخلف الوعيد كما لا يخلف الوعد: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (قّ:29)، والإنسان يخلف الوعيد لعجزه أو لجلب منفعة أو دفع مضرة، والله سبحانه وتعالى لا يعجز ولا يلحقه نفع ولا ضر.
وقالت الأشعرية: يقول المرجئة بل هم من المرجئة، وقال محمد بن زكرياء رحمه الله أنهم من الحشوية ولعلهم ولو كانوا منهم لكنهم فرقة من المرجئة لأنهم يغترفون من بحرهم، واعلم أن الوعيد في النذر، والوعد في الخير، ويستعمل أيضا في الشر لكن بقرينة، ووعد في الخير أو في الشر كذلك أعني بقرينة كقوله تعالى: (النَّارُ وَعَدَهَا). (الحج: من الآية72)؛ (1/101)
صفحة 102
فالنار قرينة وأوعد في الشر، عطى أصفد بمعنى أعطى، وصفد بمعنى جعل في الصفاد وهو ما يوثق به من قيد ونحوه.
السابع: المنزلة بين المنزلتين وهي منزلة النفاق بين منزلتي الإيمان والشرك ووافقنا بذلك النكار وسموا نكارا لإنكارهم لبيعة الإمام عبد الوهاب رحمه الله، وسموا نكاثا لنكثهم إياها، ونجوية لكثرة نجواهم بتاهرت، وغدار لقصدهم الغدر بالإمام، وملحدة لإلحادهم في أسماء الله إذ زعموا أنها مخلوقة.
وعن بعض المشايخ من لم يجد ما يتصدق به فليعلن نكاريا فكأنما تصدق بجراب ذهب، ولكن في بعض الآثار الشتم ليس بعباده، يعني مختص منه على القدري المجزي في البراءة وعلى ما يدفع به خيانة إن أراد المكر أو أراد أن يولي أمر لا يتولاه مثله.
والذي يظهر لي أنه لا حدّ لدعاء بل يسوء الآخر للمبتدإ منه إذا كان لوجه الله، (1/102)
صفحة 103
ولعل مراد صاحب الأثر الشتم على وجه إنفاد قرض البراءة وتكريرها مثل أن يقول يا فاسق أو يكثر من أنه كافر بلا داعي نصيحة من أراد غشه أو بنصيحة الإسلام حيث خيف عليه.
وزعمت المرجئة أن لا منزلة بين الشرك والإيمان الموحد عندهم مؤمن مطلقا أو بحجة عليهم: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ) (الأحزاب: من الآية73) الآية، ولعلهم أجابوا بأن المنافق من أسر الشرك.
الثامن: أن لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر، وقالت المعتزلة: فاعل الكبيرة ليس مؤمنا ولا كافرا بل فاسق، وسموه معتزلة لاعتزالهم القول بمؤمن، والقول بكافر في فاعل الكبيرة.
قالوا: يتمسّك بالجمع عليه من تسمية الموفى بدين الله مؤمنا، والتارك للتوحيد كافر وصاحب الكبيرة فاسقا، ونترك تسميته مؤمنا أو كافر للخلاف فيها، وقيل لاعتزالهم الحسن بن علي أبي الحسن البصري.
التاسع: الأسماء والأحكام واتفقوا أن الأسماء تابعة للأحكام بمعنى أنه يجعل الاسم كما يقتضي الحكم. (1/103)
صفحة 104
ونقض ذلك عيسى بن عمير وأحمد بن الحسن بزعمهما أن أهل الكتاب لا يسمون مشركين بل هم منافقين موحدون، لأن التوحيد عندهم اسم لقول لا إله إلا الله ووسعها جهد النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من خصال التوحيد بمعنى أنهما لا يحكمان على ذلك بالإشراك ولو قطعنا عذره كما سمياه منافقا.
فذلك معنى التوسيع وجعلا لإنكار ذلك غير شرك وكفر بقولهما، وقد حكما على أهل الكتاب بحكم المشركين من القتل والسبي والغنيمة وتحريم النكاح، والذبائح عند الامتناع من الجزية.
ونقضت الصغرية أيضا قولهم بإتباع الأسماء للأحكام بزعمهم بأن فاعل الكبيرة والصغيرة مشرك، ومع أنهم أجازوا مناكحته وأوجبوا موارثته، فينبغي على زعمهم أن لا يسموه مشركا بل موحد إلا بثاتهم المناكحة والموارثة فيكون الاسم نابعا للحكم. (1/104)
صفحة 105
الفصل التاسع:
ندين بأن الطاعة ما قارنه إلا لزمن توحيد وغيره، والإيمان ما قارنه الثواب من توحيد وغيره، والمعصية ما قارنه النهي من شرك وغيره، والكفر ما قارنه العقاب من شرك وغيره.
وقالت الصغيرية: " الطاعة والإيمان كلاهما توحد، والمعصية والكفر كلاهما شرك على ما تقدم عندهم".
وقالت المرجئة والماتريدية والأشعرية: " الإيمان كله توحيد "، فلا يسمى عندهم إيمانا إلا ما يسمى عندنا توحيد أو الطاعة منها توحيد وغير توحيد والكفر كله شرك، والمعصية منها شرك وغير شرك، اعلم أن التوحيد ما قارنه الإفراد والمراد ترك مساواة الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق.
والشرك ما قارنه التساوي، (1/105)
صفحة 106
والمراد وصف الخالق بصفة المخلوق أو المخلوق بصفة الخالق.
والإيمان لغة: " التصديق ".
والكفر لغة: " الستر "، كفر الليل أو البحر و غيرهما الشيء ستره، وكفر الغمام النجوم سترها، وكفر الحراث البذر ستره في الأرض، والجحود فيه معنى الستر نحو: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ)، (آل عمران: من الآية115)، وعدم الشكر وشرعا فما يجب عليه عقاب الآخر سواء وجب عليه الحد في الدنيا أو لا وهو في معنى.
وكذلك الكبيرة والنفاق لخروج من غير المدخل وكتمان الشيء وإظهار غيره المضاد، والمناقض له مأخوذ من نافق اليربوع، وهو حجة يكتمه ويظهر غيره وهو يرفقه، فإذا أتى من قبل القصعاء ضربه برأسه فانتفق أي خرج وذلك في اللغة.
وفي السؤالات أن ذلك قول غيرنا أن قولنا أنه مأخوذ من نفقت الدابة بمعنى هلكت. (1/106)
صفحة 107
وأما في الشرع: ففعل الموحد كبيرة أظهرها أو أسرها، وإسرار الشرك وهو فرع الحلف والكذب، والمراد بالحلف والكذب هنا التزلزل في التوحيد لعدم رسوخه رسوخا يمنع في الكبيرة، وصفة المنافق الكذب في الحديث والحلف، فالوعد والخيانة في الإيمان والإسلام لغة الانقياد. (1/107)
صفحة 108
الفصل العاشر:
قوائم الدين أربعة:
وتسمى قواعده الأولى: العلم الواجب وهو ما لا يسع جهله من توحيد وشرك، فإن الشرك تجب معرفته ليتقي كما يعرف الشم ليتقي، وعلم ما لا يسع تركه، وعلم كيفية امتثال الفعل، وعلم أنه مأمور به، وعلم وجوب الثواب عليه في الجملة لا على خصوص ما بفعلنا إذا لا يدري أهو مقبول عنه أم لا.
ولا يجب عليه أن يعلم بوجوب العقاب على أن ترك الصلاة مثلا حتى يسمع على الراجح، وقالت النكار: الواجب في الفرائض العمل والعلم وهو خطأ وإثم لا يعمل به، وحقيقة العلم الإدراك، وقيل: صفة توجب لموصوفها تميزا لا يحتمل النقيض. (1/108)
صفحة 109
الثانية: عمل الفرائض وإن ترك فريضة جهلا أو عنادا حتى خرج الوقت كفر.
الثالثة: النية وهي أن يقصد بفعله من صفات الأمر به، وقيل طلب المنزلة عند الله، وقيل: إخلاص العمل لله من غير رياء، وقيل: قصد الفعل بالقلب والعزم عليه بالجوارح، وليس مراد هذه الأقوال في الحقيقة واحد كما قال بعضهم.
الرابعة: ورع العدول وهو ترك ما لا يحل، ولا ثواب للعمل مع علم ونية إذا عدم الورع ولا إعادة عليه.
وهذه الأربعة لكونها أعمر أولى من قول بعضهم قواعد الإسلام خمسة: التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، ولو كان بالحديث: “ بني الإسلام على خمس .... الخ ”.
وأركان الدين أربعة: الأول: " الاستسلام لأمر الله "، وهو الانقياد لأمره والخضوع له بحيث لا يتجاوز ما أمر به، (1/109)
صفحة 110
وإذا تجاوزه فقد لمعاظم عنه ولم يخضع.
الثاني: " الرضا "، وهو السرور بحكم الله، أما من بلغ هذه الدرجة فكان يعمل الطاعة ويترك المعصية بنضير كفاه وله خير كثير.
الثالث: " التوكل على الله "، وهو أن يطمئنّ القلب إلى ما عنده ولا يتزلزل وهو أعلى من اليقين.
الرابع: " التفويض إلى الله "، وهو إلقاء الأمر إليه قبل وقوعه وتوطين النفس على قبول ما وقع، قيل: أصله العلم بأن ما أعطي لا مانع منه وما منع لا معطي له.
ومسالك الدين أربعة:
الأول: " الظهور "، وهو الأصل المأمور به، وعليه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الحدود لا تتم إلا به، قيل: وذلك إذا كان المسلمون كنصف عددهم في جميع ما يحتاجون.
الثاني: " الدفاع "، وهو أن يجتمع الناس على إمام يقدمونه عند قتال العدو إذا قصدهم، (1/110)
صفحة 111
وتجب عليه نصيحتهم وعليهم طاعته، وتزول إمامته بزوال القتال، والدفاع من الفروض الواجبة إذا عدم الظهور.
الثالث: " الكتمان "، كحالة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، وحالة المسلمين آخر الزمان، وحكمه أن ينقص في حدود الضرب ولو ضربة، قيل: أو يزاد ولا زيادة على ما ثبت بالقرآن والسنة، قيل: ومن وقف على الحد كفر، وقيل: يجوز أن يفعل في الكتمان كلما قدر عليه من أحكام الظهور.
والكتمان يطلق على ما إذا كان المسلمون يعذبون على دين الله أو يمنعون عنه أو يعذبون على مذهبهم أو يمنعون عنه، ويطلق على ماذا كانوا لا يعذبون على ذلك ولا يمنعون منه ولكن لم يبلغوا حد الظهور، فعلى هذا فأنا في كتمان بخلاف الطلاق الأول.
الرابع: " الشراء "، بالمد والقصر، (1/111)
صفحة 112
وهو أن يشتري المسلمون الجنة بأنفسهم أو أن يشتروا لأنفسهم من النار أو أن يبيعوها لله، فإنه يجوز إطلاق الشراء على البيع وذلك بالخروج إلى الجهاد والأمر والنهي في أربعين رجلا أو أكثر، ويجوز إتمام العدد بامرأة، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة)، فالمشتري الله.
والشهود القرآن وأهله والتوراة والإنجيل وأهلها ولا أحد أوفى بعهده من الله وذلك بيع مستبشر به وفوز عظيم، ولا أعظم من نفوس الشهداء وهي سلعة نفيسة، ونفاسة السلعة تعرف بعظم المشترى وجلالة الدلال وعدم الثمن، فإن العظيم لا يباشر الشراء في الغالب ولا يشتري الشيء الخسيس، والدال العظيم يسمو على الأشياء الحقيرة، والثمن العظيم لا يدفع إلا في الشيء الخطير، والدال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، (1/112)
صفحة 113
والثمن الجنة، والمبيع نفوس المؤمنين.
وإن شئت فقل المبيع الجنة والثمن نفوسهم، وعلى كل حال فتسليمها بالقتال والنفوس، أما نفوس لم يقع عليها بيع لحريتها وهي نفوس الأنبياء عليهم السلام، ومثلها نفوس الملائكة لكن إلا بحول الجنة ثمنها لهم.
وأما نفوس لم يقع عليها لخستها وهي نفوس الأشقياء فاسقين أو مشركين، وأما نفوس وقع عليها لكرامتها عند الله وهي نفوس السعداء ولو لم يكونوا إلا شهداء ومحاربة.
وإن شئت فقل مواده ثلاثة: الأول: " القرآن "
الثاني: " السنة "، والمراد هنا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله وتقريره حيث قدر على الإنكار ويطلق على ما ليس بفرض من العبادات، وهي لغة الطريق والعادة. (1/113)
صفحة 114
الثالث: " الرأي"، وحدوده ثلاثة تحد من خروج عنه أي تمنع:
الأول: علم ما لا يسع جهله وهو التوحيد والشرك لا يسع عند أول البلوغ جهل التوحيد ولا تركه، ولا جهل شرك ولا فعله طرفة عين.
الثاني: فعل ما لا يسع الناس تركه ولا جهله عند ضيق الوقت، ويكفرون بالجهل حين يكفون بالترك وهي الفرائض البدنية والمالية.
الثالث: ترك ما لا يسع فعله وهي المعاصي، ويجوز جهلها غير الشرك ما لم يفارق بالفعل أو تصويب الفاعل أو تخطة مخطية أو تقم الحجة، وكل المعصية والطاعة المفروضة وغير المفروضة، إما بدنية وإما قلبية وإما مالية، أو إما بدنية مالية كالحج فإنه بمال وبدن، وكتركه فإنه معصية بترك مال وبدن وحرزه؛ أي عن غيره مفرق ثلاث وفاء المؤمن وتضييع المنافق وجحود المشرك، وحرزه أي حفظه ثلاثة:
ولاية المؤمن، وبراءة المنافق والمشرك، والوقوف عن مجهول الحال حتى يعلم، ووجه كونه حرز أنه لو لم يوقف عنه لكان تضييعا للدين، (1/114)
صفحة 115
قال الله جل وعلا الله جلاله: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ).
وقيل: جعل ترك المعاصي تدل الوقوف إن حج وأظهر والأمر كذلك، كذلك لأن ترك المعاصي يعم الوقوف فيما لا يعلم حاله.
وللكفر قوائم وتسمى قواعد وهي أربع:
الأولى: الكبر وهي تسفيه الحق واحتقار الخلق، وبه استوجب إبليس أعاذنا الله منه البعد عن رحمة الله وهو أول ذنب عصى الله به، بل الأول العجب وعليه بني الكبر ومكان المتكبر السفل دنيا وآخرة إن استعلى، ومكان المتواضع فيها العلو وإن تسفل.
الثانية: الحسد وهو تمني زوال النعمة عن المنعم عليه موحدا أو مشركا، ويجوز تمني زوالها تعظم بها على المؤمنين وأضرهم بها قصدا لدفع التعاظم والإضرار، ولا يسمى ذلك حسدا وهو سب: قتل قابيل هابيل، (1/115)
صفحة 116
وخروج آدم من الجنة، والحاسد ظالم في صور مظلوم.
وتمني مثل تلك النعمة بدون حب زوالها عن المنعم عليه يسمى اغتباطا وهو جائز.
والنعمة إما حقيقة وهي أمر محبوب طبعا مناسب يحمد عاقبة المنعم عليه وهي ما أنعم الله به على المؤمنين، وأما تستحيل نقمة وهي نعمة على الكافر فإنها استدراج له ومعاقب عليها.
الثالثة: الحمية في الباطل وتجب في الحق، وقد روي أن هلاك الأمة في الحمية، وأنه يهلك ستة منها بست خصال: الأمراء بالجور، والأغنياء بالكبر، والعلماء بالحسد، والتجار بالخيانة، والعرب بالحمية، وأهل الرسائق بالجهد. (1/116)
صفحة 117
الرابع: الجهل لما وجب عليه، والجهل إما بسيط: " وهو عدم إدراك الصورة أو النسبة أو كليهما ولا يخلوا منه إلا الله "، ومن قال: " هو عدم تصور الشيء "، فمراده بالتصوير ما يشمل النسبة، وإما مركب: " وهو تصوير الشيء على خلاف ما هو به في الواقع"، فهو مركب من عدم معرفته ومن تصوره على خلاف وصاحبه لا يدري ولا يدري أنه لا يدرك.
وللكفر أركان وهي أربعة:
الأول: " الرغبة فيما يحل "، كالأخذ من غير حق، والمنع من غير حق، وأما الرغبة في الخير فمأمور بها وما ابتغاه فضل الله من الوجوه الجائزة وأكل الملاذ والملابس الحسنة والمركب الحسن والمسكن الحسن فمباحة، ويجتنب ما قد تحر إليه مما لا يحل، قال سبحانه وتعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (لأعراف: من الآية32). (1/117)
صفحة 118
الثاني: " الرهبة المحرمة "، كأن يخاف الفقر فيمنع حقوق الله أو حقوق العباد، أو يخشى الناس فداهنهم، قال الله جل وعلا: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ). (المائدة: من الآية44)، ومن لم يذكر حقوق العباد فلأنها أيضا حقوق الله من حيث أنه أمر بأدائها.
وبين الرغبة والرهبة عموم وخصوص مزوجة، تختص الرغبة بالأخذ من غير حق، وتختص الرهبة بالمداهنة، ويشتركان في المنع من غير حق، وأولى أن يسقط من حد الرغبة المنع من غير حق و إلا فلم لا يزاد في الرهبة الأخذ من غير حق.
والمداهنة حرام وهي بذل الدين لأجل الدنيا والمداراة جائزة، ونهى بذل الدنيا لأجل المدين ونهى مأمور بها كما أن الرهبة من الله واجبة.
الثالثة: " الشهوة الحاملة للنفس على المعاصي "، ومن غلب عقله على هواه فقد نجا، ومن غلب هواه على عقله فقد ضل وغوى، (1/118)
صفحة 119
وطاعة الهوى تزيل نور العقل وعصيانه يزيد نور العقل، وازدياد الشهوة رغبة، وفي الحديث: “ حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات ”.
الرابع: " هو الغضب "، وهو غليان دم القلب فيظهر أثره على الجسد، وقيل: حركة النفس مبدؤها إرادة الانتقام وهو ضروري للإنسان، فالمنهي عنه في الحقيقة تعاطي أسبابه وفعل مقتضاه، فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: “ لا تغضب ”، ولكن الجنة لا تتعدى أسباب الغضب ولا تعمل بمقتضاه.
وعن محمد بن نصير رحمه الله احتفظوا بهذه الأربعة من الشيطان تتركوه كالخابية بلا عرى صح وهو جمع عروة، وهي ما تمسك منه؛ أي تتركوه حال كونكم كالخابية بلا عرى ولا يجد فيكم ما يشبه العروة يجركم به للنار، وهؤلاء الأربعة يشبهن العرى. (1/119)
صفحة 120
الفصل الحادي عشر
العلم ثلاثة: علم ما لا يسع جهله طرفة عين، وعلم ما لا يسع جهله إلى المورود، وعلم ما يسع جهله أبدا.
أما علم ما لا يسع جهله طرفة عين فهو معرفة التوحيد والشرك وخصالهم كثير، والذي يجب عليه أن يعلم بعنوان كونه توحيد هو قول لا إله إلا الله، وزاد الشيخ أحمد بن محمد قول محمد رسول الله وما جاء به حق.
وأما غيره من خصال التوحيد فلا يجب عليه أن يعلم أنها توحيد حتى يأخذ أنها توحيد، والذي يجب عليه أن يعلمه بعنوانه كونه شركاء هو القول بتعدد الأكفة.
وقول الشيخ أحمد يكون أيضا جهل برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإنكارها مما يلزم معرفة أنه شرك، وأما ما عساه من خصال الشرك فلا يجب عليه أن يعلمها شركا حتى يأخذ أنها شرك، (1/120)
صفحة 121
ولا ضير أن يشك أن التوحيد لا يكون إلا قول لا إله إلا الله.
وإن أشرك لا يكون إلا القول بتعداد الآلهة، ويجب عليه في سائر الخصال التوحيد كمعرفة البعث أن يعلم أنها فرض وطاعة، وعلى معرفتها ثواب وعلى تركها عقاب، وكذا يجب في قول لا إله إلا الله مع معرفة أنها توحيد، ويجب في الفرائض التي دون التوحيد كالصلاة أن يعلم أنها فرض وطاعة عليه ثواب، وليس عليه أن يعلم على تركها عقاب.
وقال أبو زكرياء فضيل بن أبي ميسور يرحمهما الله: أنه لا يسع جهل كفر تارك الصلاة إذا خرج الوقت.
وقال عيسى بن أحمد: يعصي بجهله على ترك تلك الفرائض عقابا، معرفة أن لا إله إلا الله وسائر التوحيد توحيد وجهلها والإنكار لها، والتحريم والتخطية شرط والإقرار بها توحيد، (1/121)
صفحة 122
والتوسيع لجهل لا إله إلا الله شرك ولسائر الخصال كفر.
كذا قيل: إنه يجب معرفة ماعدا الجمل الثلاث إلا على من أخذه، والإقرار بالفرائص التي دون التوحيد وإنكارها والتحريم لها والتخطية شرك، ويجب أن يعرف أن القول بتعدد الآلهة شرك وكفر كبير ومعصية وعليه عقاب.
ويجب في سائر خصال الشرك كإنكار البعث أن يعلم أنها كفر وكبير ومعصية وأن عليها عقاب، ولا يجب أن يعلم أنه شرك ما لم يأخذ والكبائر التي هي دون الشرك يجب معرفة أنها كفر وكبير ومعصية مع قيام الحجة. (1/122)
صفحة 123
الفصل الثاني عشر
التكليف لغة: " تحميل ما يشق "، وشرعا: " الإلزام والإيجاب للفرائض "، وعلى هذا الملائكة مكلفون، والنفل غير مكلف به لأنه غير واجب.
وقيل: "إلزام العبد ما فيه مشقة"، فالملائكة غير مكلفين، بهذا المعنى أنه لا مشقة عليهم، والنفل غير مكلف به.
وقيل: " الأمر والنهي"، فالملائكة مكلفون لأنهم مأمورون منهيون، والنفل مكلف به لأنه مأمور به على جهت الندب والبلوغ للذكر والأنثى بالاحتلام على الصحيح، خلافا لمن خصه بالذكر وبنبات ثلاث شعرات سود في الإبط والعانة اتفاقا، وفي الشعرتين قولان، وأجيز بواحدة سودا غليظة. (1/123)
صفحة 124
ويكون السنين خمس عشر، وقيل سبع عشر، وقيل أربعة عشر بأنثى، وخمسة عشر للذكر، وقيل ثلاثة عشر لها، وأربعة عشر له، والمراد في تلك الأقوال كلها الدخول بأول ليلة التمام.
واختص الذكر بأن يجعل خيطا على الطرف الأعلى من الأذنين ويمر به على وسط رأسه إلى الطرف الآخر من الأخرى ويلوي بعنقه فإن لم يزد عنها فبالغ.
وزاد بعض قومنا له غلظ الصوت وفرق طرف الأنف لماسة الفا من له لا بالنظر، والأنثى بالحيض والحمل وتكعب الثديين، وعلى المكلف أن يعلم أول تكليفه أنه مأمور بالإيمان والطاعة، منهي عن الكفر والمعصية، وأن يعلم أن الله سبحانه وتعالى أمر بطاعته، ونهى عن معصيته ومن لم يعلم ذلك أشرك. (1/124)
صفحة 125
وقيل: يجزيه أن يعلم أن الله أمر بالتوحيد وما دونه من الفرائض، ونهى عن الشرك وما دونه من الكبائر، ومعنى أمر بكذا خلق الأمر به، ونهى عن كذا خلق النهي عنه، فالأمر والنهي فعلان من أفعاله حالان حيث شاء الله، وليس في جهلنا بمحلها ما يوجب أن يكونا صفتين له ذاتين خلافا لقومنا.
والواجب اعتقاده لله شرعا وعقلا، الأول التكلف إلا ألوهية والربوبية والوحدانية، والجائز عقلا في حقه تعالى الواجب اعتقاده بالنظر إلى أخبار الله سبحانه وتعالى به الخلق والإفناء والإعادة، قيل: ويجب أول البلوغ.
والتكليف أنه يعلم أنها جائزة في حقه تعالى، والثلاثة الأولى واجبة لنا لذاتها، والثانية واجبة بالنظر إلى الأخبار واتصالها، والمستحيل عقلا وشرعا الشريك والصاحبة والولد. (1/125)
صفحة 126
ويجب أول التكليف معرفة أن ذلك لا يكون مالكه وليس ذلك حصرا أو لا يسمى بالنظر إلى الواجب، والمستحيل بالواجب صفات الذات كلها ومنها العلم والقدرة، والجائز صفات الفعل كلها، ومنها إيتاء الملك والإعزاز والإيتاء، والمستحيل صفات النقص كالتحيز والتركيب، وما ذكر.
والواجب في حق الرسول الصدق والتبليغ للرسالة وجميع أداء الفرائض، والجائز النوم والغلط والنسيان وسائر المباحات، لأنه بشر فيعتريه ما يعتري البشر مما لا يقدر ي الرسالة، والمستحيل الكذب والغش، والخيانة وميع المعاصي.
والولاية المودة والمآخاة والدعاء بخير الآخرة، والبراءة والمنابذة والعداوة والدعاء بشر الآخرة، وهما واجبتان من الكتاب والسنة والإجماع مع أول التكليف، لكن ولاية الجملة وبراءة الجملة واجبتان بالكتاب والسنة والإجماع.
وأما ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص فواجبتان عندنا بدائل في الكتاب والسنة في إجماعهم على أمور ما يقتضي وجوبهما في الولاية على أربعة أقسام:
الأول: ولاية جملة المؤمنين من الإنس والجن، وذكور وإناث، أحرارا وعبيدا، معلومين ومجهولين من الأولين والآخرين، (1/126)
صفحة 127
وتجب أول التكليف، ومن تركها ما كان مشركا ولو لم يأخذ، وقيل: لا يشرك، ومن شك في شركه كان معذورا حتى يأخذ.
الثاني: ولاية المعصومين من الموت على الكبيرة سواء لم تصدر عنهم أصلا أو صدرت وتيقنا توبتهم وقبولها، وكل سعيد كذلك ولو في هذا الزمان، لأنه لا يموت على كبيرة إلا أن تعرفه.
الثالث: ولاية الإمام العادل ومن تجب طاعته ما لم يتبين من أحد منهم ما يبرأ به، وقالوا: توالى من لا تزكي أي لا تحكم بشهادته كالمتولي بمجرد كونه تحت طاعته، والعبد وتزكي من ولا توالي كالأمين في الأموال.
الرابع: ولاية الأشخاص الذي ظهر لنا منه الوفاء بدين الله وكونه على طريق الأباضية الوهبية أو اشتهر بذلك، أو شهد به عدلان أو عدل وعدلتان، قال بعضهم: أو عدل واحد وعدلة واحدة، ولا يتولى بالشهر أو الشهادة إذا عينت منه الكبيرة ولا بالشهرة إذا شهد عليه بالكبيرة عدلان. (1/127)
صفحة 128
وفي هذا القسم ولاية أطفال المسلمين، وفي ولاية عبيدهم الأطفال قولان ويتوقف في أطفال المنافقين والمشركين، وزعمت الصغرية أن الأطفال بمنزلة الآباء ولا دليل في: (وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً) (نوح: من الآية27)، لأن المعنى لا يلد، والأمر يكفر ويفجر بعد بلوغه إن بلغ علم ذلك لمقاساته إياهم وتجربته، وقد كانوا يوصون أولادهم أن يؤمنوا.
وقالت النكار: هم في الوقف جميعا، وقيل: هم في الولاية جميعا؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة، وإليه يميل كلام السؤالات، وعليه فأطفال غير المسلمين خدم أهل الجنة، ومن ذلك القسم أيضا الراجح إلى مذهب أهل الحق من المخالفين إذا لم يمنع من ولايته غير خلافه وكان راجعا عما ندين به إن كان متدينا ومقرا بالخطأ عند من أخذ عنه.
والراجع إليه المشركون أو إلى الإسلام ما لم يعلم منه خلافا، ومن ترك ولاية شخص بعد وجوبها نافق عندنا لوجوبها لقوله صلى الله عليه وسلم: “ من أحب لله وأبغض لله ”؛ حديث. (1/128)
صفحة 129
فإن ظاهر المتبادر الحب المخصوص والبغض المخصوص، ومن لم يستكمل خصال الإيمان فليس بمؤمن، ولقول عمر: " من رأينا منه خيرا ... الخ "
وللقياس وهو رد الفعل إلى الأصل لعله تجمعها في الحكم فالفرع ولاية الأشخاص والأصل ولاية الجملة، والعلة الوفاء، والحكم الوجوب ووجوب الولاية، وليس من ذلك القياس قبل الواحد من المشركين قياسا على قتل جملتهم المأمور به في قوله عز وجل: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ). (التوبة: من الآية5).
كما قيل لنا لا نسلم أن قتل الواحد غير داخل الولاية في مطلق قتل المشركين جملا فضلا عن أن يحتاج إلى قياس، فإن الآية في مطلق قتل المشركين جملة أو آحادا والمتولي بشخصه إذا كان مؤمنا عند الله قد تولي بولاية الأشخاص وبولاية الجملة، وكونه متولى بولاية الأشخاص من جهة ظهور الوفاء منه أو الشهرة أو الشهادة، (1/129)
صفحة 130
وكونه متولى بولاية الجملة من جهة كونه عند الله مؤمنا، والمتولى بالمعصية متولى بولاية العصمة، من جهة كونه مقصود إليه وبولاية الجملة لأمر هذه الجهة.
وإن كان المتولى بالشخص شقيا عند الله فهو داخل في براءة الجملة.
والبراءة على أربعة أقسام: الأول: براءة الملة الكافرين على الإطلاق على حد ما من في جملة ولاية المؤمنين وهي توحيد واجبة مع أول البلوغ وتركها شرك، ولو كان التارك غير أخذ من شرك في شرك التارك كان معذورا حتى يأخذ.
الثاني: براءة الإمام الجائر، ومن علم أنه طاعة في جوره ولا مطلق من وجد تحت لواءه.
الثالث: براءة المنصوص عليه بالذم، ولا تجب حتى تقوم به الحجة، وكذا ولاية المنصوص عليه بالمدح مثل أن يقرأ القرآن أو يقرأ عليه ويفهم منه ذم أحدا أو مدحه فيجب عليه في الحين البراءة أو الولاية له ولو بلا ذكر اسم مثل أن يقرأ أو يسمع. (1/130)
صفحة 131
(وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ).: (القصص:20)، ويفهم فإنه يجب عليه أن يتولى هذا الرجل الذي من صفته كذا ولا يوسع له حتى يعرف اسمه وكذلك إذا أخبره عدلان أو عدل وعدلتان أن الله جل جلاله قد مدح فلانا أو ذمه في القرآن وذلك توحيد وتركه شرك، وقيل: نفاق.
الرابع: براءة من شوهدت منه على كبيرة أو إصرار على صغيرة أو اشتهر بذلك أو شهد به عدلان أو عدل أو عدلتان أو أقر بذلك، ولا يتبرأ منه بالشهاة بالزنا إلا أن شهد عليه أربعة ذكور أحرار متولين وعاينوه بقول أحدهم بما عن هؤلاء الثلاثة أو اثنان أو ثلاثة ولا يجد.
ومن الكبائر الرجوع إلى مذهب المخالفين أو إلى الشرك، ويجب أول البلوغ خوف عذاب الآخرة ورجاء رحمتهما، ويجوز الاقتصار في الذكر على أحدهما في حق من عرف الجنة والنار إذ لا يتصور أحدهما بدون الآخر، فإن مر أيسر لا يقال له خاف.
ومن قطع بالرحمة لا يقال له رجاء، ويجب اعتدالها كميزان الهند ورخص ما لم يتعر القلب من أحدهما، (1/131)
صفحة 132
فإن ما لم يتعر ليس يائس من الرحمة ولا يأمن العذاب واليأس والأمان كبيرتان وأجيز الميل إلى الرجاء عند الاحتضار لقول حذيفة حين احتضر مرحبا بزائرا .... الخ، والفاقة في كلامه الاحتياج إلى الزائر وهو ملك الموت أو هو الموت أحبه ومال إليه خوف التغيير عما خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا فرج من قدم دعاء بالحزن على من مات على العصيان حتى أنه ليندم حين لا ينفع الندم، وقال تعالى: أنا عند ظن عبدي بي فليظنّ بي ما شاء وإذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، بمعنى أنا أجازي عبدي على اعتقاده فأجازي معتقد الثوب على الأعمال اعتقادا صحيحا مؤديا إلى العمل.
وأعقاب من لم يعتقد ولم يعمل ويظنّ أني لا أعاقب على العصيان، ويجب على الأنبياء أن يعلموا أنهم من أهل الجنة وأنهم يخافوا المدامة وتوقيف محاسبة وأن يرجوا السلامة منها.
وقيل: يجب عليهم أن يخافوا العقاب ويرجوا السلامة منها تعبدا لعلمهم أنهم من أهل الجنة، وقد يشتد خوفهم لعارض في الدنيا وفي يوم القيامة حتى يتسوا أنهم من أهل الجنة. (1/132)
صفحة 133
وتجب معرفة المنّ والدلائل:
أما المنّ فالفضل وهو عبارة عن المنفعة التي أوصلها الله إلينا، وأوّلها الإيجاد حيا مرزوقا، وأفضلها العقل وثمارها الإسلام ثم سائر النعم ولا تحصى، ويجب مع أول البلوغ أن تعلم أن الله خلق الخلق ورزق الأرزاق منا وفضلا إظهارا لقدرته، وتحقيقا لما سبق من إرادته، ولما حقّ في الأزل من كلماته لا وجوبا ولا فرضا ولا افتقارا إليهم والاستفادة منهم.
وزعمت الكرامية أن ضمان أرزاق العباد واجب في حكم الله لأنّ على السيد مؤونة العبد، كما أن عليه خدمة السيد ولأنّه خلقهم لا يدرون ما رزقهم وأين هم ومتى هو ليطالبوه بعينه في مكانه ووقته، ولأنه كلفهم الخدمة وطلب الرزق شاغل عنها وخطا وإنما يجب الشيء على من كان مقهورا ولعلّهم أرادوا أن جوده أو وعده يقتضي أن ذلك واقع لا محالة، وأما الرزق فالله أمرهم بطلبه ولو أخفى عنهم مكانه وزمانه.
وخلق الملائكة المقربين للقرب والسعادة، (1/133)
صفحة 134
وخلق الجن والإنس للابتداء والعبادة: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). (الذاريات:56)؛ أي ما خلقتهم إلا على حالة يتمكنون بها من العبادة، من لم يجد يعبدني منهم مقطوع العذر.
وقد علم الله بمن يعبه ومن لا يعبه كما تبرأ أقلاما وتكتب ببعض فقط، والغاية لا يلزم وجودها وهي ما يعل الشيء ليتوصل إليه أو ولاية مخصوصة بمن علم الله منه العبادة.
وخلق سائر الخلق للدلالة والشهادة، وفي الملائكة والثقلين أيضا دالة وشهادة، ن ي كل حركة وسكون وغيرهما من المخلوقات دالة على الله سبحانه وتعالى.
وقال أبو العتاهية: الأصنام المعبودة تلعن على يديها وتقر لله بالألوهية.
وقال ابن السيد الأندلسي البطلوسي شعرا:
وفي كل معبود سواك دلائل = من الصنع تبنى لك عابد (1/134)
صفحة 135
وهل في التي طاعوا لها وتعبّدوا = لأمرك عاص أو لحقك جاحد.
وأما الدلائل فقد علمت أنها مخلوقات الله تدل على ربوبيته ووحدانيته لمن صح عقله، وكذلك هي الدليل على صحة حسن المذاهب وهو وضع الأشياء في موضعها والاستلال على باطن الأمور بظاهرها، أو على ما يأتي بما مضى.
وندين بأن معرفته لا تنال بالتفكير أو بالاضطهاد بل بإخبار وتشبيه، إن حجته التي بها قطع العذر الكتب والرسل كما مر ووجوب الفعل يدل على استطاعته، وهذا واحد يدل على واحد، وحركة المقرور والمرتعش، وحركة العروق، وكل حركة خلقها الله في الحي مما لا قصد له فيه.
والإرادة حركات اضطرار دالات على الحياة كما تدل عليها حركة الاكتساب، (1/135)
صفحة 136
فهذان الاثنان حركة الاضطرار وحركة الاكتساب دالان على واحد وهي الحياة.
وحسن المذاهب يدل على العقل والتكليف هذا واحد دل على اثنين، وقد يوجد حسن المذاهب ي غير البالغ العقل وهو المميز بين المحسات بضم الميم وفتح الحاء، وهي ما تدركه الحواس، ولا يقال: محسوس لأن فعله أحسّ، قال الله سبحانه: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) (آل عمران: من الآية52).
وقولهم محسوس لحنه ذكره بعض اللغويين، ومحسوس ليس من فعل الحواس بل معنى آخر وهو مقتول وغير ذلك، وأكثر اللغويين يتوسعون في مثل ذلك، وقد وقعت هذه العبارة لكثير من العلماء كصاحب الوضع والحاشية، وكأبي علي الفارسي، ولكنهم نحو المعلوم لاشتراك الجميع في الإدراك.
كما قال العراقي ولكن الذي في القاموس جواز أحسن وحسن بمعنى واحد، ويدل له قولهم الحاسية فإنه إنما هو اسم فاعل حسن لا حسن إن اسم فاعل أحسن محسن بضم الميم وكسر الحاء، (1/136)
صفحة 137
والحاسة ولو تغلّبت عليه الاسمية لكن أصله وصف.
و العلم الذي يسع جهله إلى الورود فوجهان:
الأول: على ما يسع جهله إلى الورود الحجة كصفات الله تعالى وأسمائه غير لفظ الله، أو نبي أو ملك غير محمد وآدم وجبريل، والحجة القرآن والسنة وما أجمع عليه المسلمون مما دانوا به.
قيل: ويزاد فيها في هذا المقام ما ذكره الثقات ولو لم يعلم أنه مجمع عليه أولا، فإذا خطرت صفة في القلب هل يوصف الله بها أو اسم أو سئل عن ذلك؟.
فلا عليه حتى تقوم الحجة ولينزه الله إجمالا عن صفات الخلق، وقيل: إذا خطر ذلك سئل لزمه أن يصف بصفته ويعلم الحق و إلا فقد ينقض جملة التوحيد.
وقالوا سبعة أسماء لابد من معرفتها بالعربية:
الله، وجبريل، وآدم، ومحمد، والجنة والنار والقرآن، والمراد معرفتها بما ذكرت به بالعربية و إلا فجبريل عجمي، (1/137)
صفحة 138
فاختلف في آدم أعجمي أو عربي، واختلف في الرحمن هل اسم أو صفة.
ومن أسماء الله بالسريانية إيل وبالفارسية الشمشاك، ولا يسع جهل آدم ومحمد بل وجب أن يعلمها نبي الله ورسوله إلى الناس كافة وأنهما من أهل الجنة وأن آدم والأنبياء والرسل ومحمد آخرهم صلى الله عليه وسلم.
ومن جهلهم كان مشركا، وقيل: لا يشرك بآدم إن جهله ويشرك بإنكاره، ولابد من معرفة جبريل بأنه رسول الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم بالدين والإسلام والقرآن.
والثاني: علم ما يسع جهله إلى دخول وقته كالصلاة وصوم رمضان ونحوها مما له وقت، فإذا دخل الوقت لزمه العلم ولكن لا يكفر بالجهل والترك.
وأما علم ما يسع جهله أبدا علم ما لم يخاطب به كعالم الزكاة بالنسبة للفقير.
وفروض الكفاية ما وجد من قام بها كقسم الرث وأرش الجرح، وتحريم الربا ما لم يتقول على الله الكذب يحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل، (1/138)
صفحة 139
أو يخطئ ي حكم من أحكامه بالقول وما لم يقارف المحرم بالفعل أو القول أو الاعتقاد، أو يتولى المقارف لأجل مقارفته، أو يتبرأ منه لها، أو يقف لها أو تقم عليه الحجة.
الواجب على من رأى من إنسان ما لم يعلمه أو شهد له بشهود أن يتركه كما هو، قيل ذلك من ولاية أو براءة أو وقوف، ويقف في الفعل من سئل عن المحل أو المضر أو الراجح عن علمه فلا يسمعه إلا أن يحكم بكفره و إلا كفر.
والمحل من قال: الزنا مثل الإحرام وراكبة مسلم أو الصلاة مثلا فرض، وتاركها مسلم، والراجح من نسي القرآن حين لا يعززه من الشعر كذا قالوا: وفيه أن أكثر القرآن لا يتزن اتزان الشعر، والأولى أن يقال حتى لا يعززه من سائر الكلام ويعدّونه منهم لترخيص لا يملك حتى يكون كذلك.
أو علم اسما من أسماء الله تعالى كالعلم والقادر والمريد والخالق، أو صفة من صفاته: كالعلم والقدرة والإرادة والخلق وسائر المعنى (1/139)
صفحة 140
المصدرية المأخوذة من أسمائه أو نبيا أو ملكا منصوصا عليه في الخير أو الشر.
أو أن الواحد في حق الله على أربع أو أن القضاء في القرآن على وجوه أو شيئا في معاني القرآن فنسيه، أو أن الكتاب فيه يخرج على وجوه، وقيل: ليس نسيان القرآن كبيرة والكبيرة ترك العمل به، ورخص في ناسي كل ما يسع.
على وجوه أو شيئا في معاني القرآن فنسيه، أو أن الكتاب فيه يخرج على وجوه، وقيل: ليس نسيان القرآن كبيرة والكبيرة ترك العمل به، ورخص في ناسي كل ما يسع. (1/140)
صفحة 141
الفصل الثالث عشر
العون خلق القدرة على الطاعة وهو غير الاستطاعة، وهو التوفيق والعصمة بمعنى واحد، وهو في حال فعل الإيمان لا قبل ولا بعد.
والهداية تطلق على الإيصال إلى الطريق نحو: (وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). (الأنعام: من الآية87) و (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، (الفاتحة:6). وعلى الدلالة عليه نحو: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ). (فصلت: من الآية17).
الأولى: تهدي بنفسها إِلَى المعمول
الثاني: بإلى نحو: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). (الشورى: من الآية52)، وذلك هي الأصل.
وباللام نحو: (يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). (الاسراء: من الآية9).
وقد يعكس نحو: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (الانسان:3). أو: (هَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). (الأنعام: من الآية87).
والتقوى تجنب الشرك نحو: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى). (َالفتح: من الآية26).وكذلك التجنب عن الكبائر، قيل: والصغائر هو المتعارف باسم التقوى في الشرع نحو: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا). (لأعراف: من الآية96)، وتجنب كل ما يشغل عن الله وهو المعنى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِه).ِ (آل عمران: من الآية102). (1/141)
صفحة 142
خاتمة: يستحب الإتيان بإما بعد في الكتابة والخطبة والوعظ وأول ناطق بها آدم، وقيل: داود وهي فصل الخطاب الذي أوتيه، وقيل: قس بن ساعدة رحمه الله، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: سحبان بن وائل، وقيل: يعرب بن قحطان.
أولا تجب الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: تجب لأنه سيد أمرنا الله سبحانه بالصلاة عليك، فكيف نصلي؟، فقالوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد.
كيف تفسير لقوله صلى الله عليه وسلم تسليما ولو يذكر في الآية وهم في باب الدعاء كلا تقي إلى يوم الدين وفي باب الزكاة أقاربه المؤمنين من بني هاشم وبني عبد المطلب وبني عبد مناف. (1/142)
صفحة 143
الباب الثاني في الطهارات
وهي: طهارة بالوضوء، وطهارة بالاغتسال، وطهارة بالاستنجاء، وطهارة بإزالة الأنجاس، وطهارة بالتيمم.
والأكثرون يبدوا الكلام على الأنجاس والاستنجاء والاستجمار، والوضوء إنما يكون لحدوث نجس ونحوه، ولا يصح إلا بعد إزالته، وبعض يبدأ بالوضوء لأنه المقصود بالذات، ولأنّ الأصل عدم لزوم التوضؤ بلا استصحاب الوضوء السبق وإنما طرأ لزوما لحدث (1/143)
صفحة 144
الفصل الأول:
الوضوء بضم الواو وهو استعمال الماء في تلك الأعضاء فهو اسم مصدر، وبفتحها اسم للماء الذي يع ليتوضّأ به، وقد يعكس وهو لغة النظافة والحسن والطهارة.
وشرعا: تطهير أعضاء مخصوصة بالماء المنطلق لتنظيف نجس، ويرع عنها وعن سائر البدن حكم الحدث لتستباح بها العبادة الممنوعة، قيل: ومعنى يرفع يزال.
والحدث ما ينقض الوضوء وحكمة معنى قائم ي بن الطاهر كما يقوم الجنابة والحيض في بدن الحائض والجنب، وهو واجب بالقرآن والسنة والإجماع، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ). (المائدة: من الآية6) الآية؛ أي إذا أردتم القيام إليها وأنتم على غير طهر.
وأما من كان على طهر لا تجب عليه إعادة الوضوء لكل صلاة بل تستحب استحبابا، روى ابن عمران أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد. (1/144)
صفحة 145
وزعم بعضهم أن الوضوء واجب عند إرادة القيام لكل صلاة، وترد رواية ابن عمر المذكورة ورواية ابن عباس أن الوضوء إلا من حدث، أي لا وضوء واجب، وقيل: كان ذلك ثم نسخ.
والحدث في عرف الشرع ما ينقض الوضوء بنفسه كالفسق والضرط والبول والغائط، ثم حمل الشرع على ذلك ملاقاة الأنجاس والغيبة والنميمة والكذب، ونظر الشهوة واليمن الغموس.
غير أن ملاقاة النجس اليابسة لا تلزم منه التوضؤ إلا الميتة، وزاد بعضهم كل كبيرة قياسا على الغيبة والنميمة والله أعلم.
وعن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم “ الطهور شطر الإيمان”؛ أي الأجر فيه نصف أجر الإيمان، أن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء يجب ما قبله من الصغائر، (1/145)
صفحة 146
لكن لما كان لا يصح إلا بعد الإيمان صار لتوقعه عليه كالشطر، والمراد هنا بالإيمان الصلاة،: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم). (البقرة: من الآية143)؛ أي صلاتكم.
والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر، ولا يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا، وهنا أقول رجّح بعضهم الأخير، وذلك على كل حال دليل على وجوب الوضوء.
ويعرف النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بأن من ير من أمته ممن في زمانه أو بعده بنور في وجوههم من الوضوء وفي أرجلهم وأيديهم ورؤوسهم، وخصّت هذه الأمّة بذلك النور ولو شاركتم الأمم في الوضوء.
وقيل: خصّت بالوضوء أيضا وإن لم يكن قبلهم إلا الأنبياء، وقال ابن حجر: الذي خصّت به الأمة الوضوء على الكيفية المخصوصة، وقد روي أن سارة لمّا هم الملك بالدنو منها توضّأت وصلّت، (1/146)
صفحة 147
ومثله في قصص الراهب جريج.
وعن عمر بن عبنسة وكان يسمى ربع الإسلام لأنه رابع رجال أسلموا: أولا: ورقة بن نوفل على قول، وقول: أبي بكر وبلال رابع لهما مع النبي صلى الله عليه وسلم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ تخرج خطايا الفم والأنف مع الماء عند المضمضة والاستنشاق، وخطايا الوجه من أطراف اللحية معه، ومعه خطايا اليدين من الأنامل، ومعه خطايا الرأس من أطراف الشعر، ومعه خطايا الرجلين من البنان معه، وإذا صلّى وحمد الله وأثنى عليه ومجّده انصرف كيوم ولد ”، ذلك محمول عندنا على الصغائر لمن اجتنب الكبائر لأننا ندين بأن الصغائر تغفر لمن اجتنب الكبائر، وتغفر الكبائر بالتوبة مجمولا، وعلى قول: يجب التوبة من الكبائر. (1/147)
صفحة 148
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه وجب الوضوء لأن آدم قصد الشجرة ونظر إليها ومشى وهو أول قدم مشت إلى معصية وأخذ منها وشمها وأكل وأظلته، ولما أكل طارت عنه الحلل والحلي ووضع يده على رأسه وأمره الله سبحانه وتعالى بالوضوء تكفيرا للخطيئة، وكذا الوضوء كفارة لخطايا المتوضئين. (1/148)
صفحة 149
الفصل الثاني
لا يصح الوضوء إلا بعد الاستنجاء وإزالة النجس، وعن بعض: إن كان في بدن الإنسان نجس لا يقدر على غسله أو كان لا يقدر على الاستنجاء فإنه يتوضّأ، والصحيح أنه يتيمم وعليه الاستنجاء إزالة النحو وهو البول والغائط لأن الفرج لا يطهر بالمسح بالحجارة ولا بغيرها.
وعن بعضهم: أنه يطهر به وإن عرقه طاهر وأن الاستنجاء تعبد، ومن تغيّط حتى أنه لم ينجس خارج فرجه فقيل: يلزمه الاستنجاء، وقيل: لا.
والنجس الميتة، وهي هنا مازالت حياته بغير ذكاة شرعية مما له دم سائل من حيوان البر ولا بأس بميتة ما دمه مكتسب كالذباب، والصحيح أن دمه نجس أباحه الشرع لضرورة أنه لا يوجد التحرر عن الذباب، ثم كيف يكون اكتسابه مطهرا له.
واختلف في حزن الميتة وظلفها وعظمها وجلدها بعد دبغه، والصحيح طهارته، (1/149)
صفحة 150
وحل شعرها وصوفها ووبرها وريشها ما لم تصل ذلك بنجاسة منها، وإن وصلت غسلت، والدم الخارج مكانه من الحيوان المذكور.
وإن خرج بذباب أو بدا وغيرها ففي نجاسته قولان، ولا بأس بدم خرج مكانه في الجرح أو شقاق رجل ونحوها ولم يخرج الجرح أو الشقّ، وإن كان له ظل ولم يخرج من مكانه فطاهر، وقيل: فيهما بالنجاسة.
وقيل: كل دم خرج من رطبه منجس بناء على أن ينسفح هو انشقاق الجلد عنه في اللحم، والصحيح أنه لا ينجس إلا إن خرج مكانه بذاته، وإن خرج بغيره فطاهر لا ينجس ما التصق به عنه بعض، واختلف في رشاش النجس من دم أو غيره:
إذا كان لا يفيض لو اجتمع في موضع مثل وسط الظفر وفي دم القلب والعروق، ودم الشهداء، ومن قتل ظلما، (1/150)
صفحة 151
ودم الذباب نحوه، ودم قتل الحيوان، ونجس دم قمل الآدمي إلا إن خرج في مخرج القملة والتصق بالثوب، وقيل: طاهر مطلقا، والصحيح نجاسة جلده وطهارة دم العروق والخنزير لجملته وبلله، وقيل بطهارة بلله غير البول والروث والدم والقيء مادام حيّا، وقيل: ماعدا لحمه طاهر وهو قول لا يعمل به.
وكل مسكر من عنب أو تمر أو عسيل أو شعير أو ذرة أو بسر أو من غير ذلك، وقيل: إنما حرم أكل المسكر وشربه والانتفاع به وليس ينجس، وأما البنج والشيكران نبط لشين المعجمة والأفيون والحشيش فطاهرة بإجماع قومنا وهو الطاهر عندي.
ومحرمة الأكل بإجماعهم أيضا، بالنظر إلى الكثير المغيب للعقل واختلفوا في القدر اليسير، (1/151)
صفحة 152
والمذهب تحريمها كثيرها، وقليلها إن صح أن كثيرها مغيب وقد صح، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم:“ ما أسكر كثيره فقليله حرام”.
والقول لبول مطلقا إلا بول ما لا يعيش إلا في الماء فإنه طاهر، وزعم مالك: أن بول ما يؤكل لحمه طاهر لحديث العرنين أن يشربوا أبوال الصدقة وألبانها وليسوا بحال اضطرار حتى لا يجوز لهم ما حرم لوجود اللبن.
ورخص لهم لضيق حالهم، ولكن كيف بكلهم البول وإبل الصدقة موجودة، وما ذلك إلا لإباحة البول وطهارته ولو في ساعة إذا كان مما يؤكل، وإن كان للمداوات فليس صلى الله عليه وسلم يبيح المداوات بالنجس أو بالحرام، وليست الضرورة تبيح المداوات بذلك لنهيه عن المداوات به، وهذا ما ظهر لي من الكلام في جانب ذلك العالم، ولست مبيحا لبول ما يؤكل بحثت ودليل النجاسة البول مطلقا أنه خبيث. (1/152)
صفحة 153
ويقول صلى الله عليه وسلم “ لا يصلي أحدكم وهو يدافع الأخبثين”، والخبيث حرام لقوله تعال: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ). (لأعراف: من الآية)، ولعله يقال من جانبه أن البول الذي ورد فيه أنه خبيث بول الآدمي لأن الحدث فيه ولا يقبل ذلك، ولا إلزام أن يختص اسم ما نسب للشيء به وليس كذلك.
فلو قيل: هذا عسجد زيد لم نقل إن الذهب لا يسمى عسجدا إلا إن كان لزيد، والعلم بذلك وفي القواعد لم يقطع أصحابنا عذر من شرب أبوال المأكولات.
والغائط: هو الفضلة الخارجة من الإنسان، وسميت باسم ما هو محل لها غالبا وهو المكان المنخفض، وأجزاء الآدمي كلها نجسة إلا مخه ففيه خلاف، والصحيح نجاسته إلا شعره وظفره الميتين، (1/153)
صفحة 154
وأما الظفر والشعرة من أصلهما، ويقال: لهما حيان ففيها قولان.
والمخاط والبلغم والعرق والبزاق وجميع البلل فطاهرة ونجسة من وثني عندنا، وكثير من قومنا ومن مجوس وكتاني أن لم يعط الجزية، وقيل: طهارة منه ولو لم يعطها وأرواث الحيوان المأكول طاهرة عندنا، وعند جمهور الأمة خلافا للشافعي إلا الدجاج فروثه نجس، ورخص فيه ما لم يعلم أنه أكل نجسا، وطهر روث الدجاج الوحشي ودجاج الرحالين، ولعل محصل الخلاف طهارة روثه، إلا أن بعضا حمل إلا على أكل النجس فنجسه دونه، وبعض حمله على الأكل فلم ينجسه، إلا أن يعلم أنه أكلا نحسا وشان الرجال أن يأكل نجسا فحملوه روثه على الطهارة فكان الخلاف لفظي، ونجس روث ما يؤكل لحمه إن كان يأكل اللحم. (1/154)
صفحة 155
والجيف والنجس كالسباع، وذي مخلب من الطير إن كان يأكل العشب وما تلتقط الحب كالخيل والبغال والحمير، وكره بعض أصحابنا روث البقرة في أيام الربيع لمروره على محل البول منه خارج لأنه حينئذ رقيق، وبعضهم قال ك روث الخيل والبغال إذا كان رقيقا وكانت تعلف الشعير.
وقيل: بتحليل جميع ما لم يحرمه الله في القرآن من الحيوانات مطلقا، وكره بعض ذا ناب وذا مخلب، وحرمه بعض.
والمني: (بكسر النون وتشديد الياء)، ويجوز (إسكان النون مع تخفيف الياء)، وعلى كل حال فالميم مفتوحة وهو ماء أبيض ثخينة رائحته كرائحة الطلع دافق وقد يصفر أو يتغير من علة، ولا تنقطع الرائحة وبه توجد اللذة وتنقطع الشهوة ويضطرب القضيب.
والمذي: (بفتح الميم وإسكان الذال المعجمة، وتخفيف الياء أو بكسر (1/155)
صفحة 156
الذال، وتشديد الياء) وهو رقيق يسيل كاللعاب قبل الانتشار وبعده يخرج بالملاعبة والتقبيل والنظر والتفكير.
والوذي: بذلك الضبط بوجهيه وهو رقيق أبيض يكون قبل البول وبعده، ويجب على الرجل معرفة الفرق بين هذه الثلاثة لاختلاف أحكامها فإنه يلزم من المني غسله، والاغتسال والوضوء.
وفي المذي والوذي غسلهما والوضوء فقط لا مع الاغتسال والطهر في النساء وكذا الصفرة ونحوها، والمني وما ذكر بعده نجس بالذات، وقيل: بجريانه في مجرى النجس، وعليه فلو أمنى ثلاث مرات ولم يتخلل بول كان الرابع طاهر فهي طاهرة الأصل.
كما أن اللبن والماء من تحت الجلد طاهران، وذكر بعضهم أن طهر المرأة متولد من دم الحيض جاري على مجرى البول والحيض، وعن الشافعي أن المني طاهر غير متنجس وإن مجراه غير مجرى البول، (1/156)
صفحة 157
قالو ا: لأن الله سبحانه لا يخلق الإنسان من النجس.
وأجيب بأنه استحلال إلى الطهارة بعد كما استحال الدم لبنا، وقد يبحث أن الدم استحال لبنا في إدخال والدم قبل خروجه طاهر، كما أن الطعام والماء في جوف الإنسان طاهران ما لم يخرجا، وذلك بخلاف المني فإنه خارج وبخروجه يكون نجسا، وكيف يستحيل طاهرا.
وإنما الجواب: أن المني من ذكر الرجل إلى رحم المرأة ليس بنجس عند الله إذا لم يخرج منها، وليس البحث مختصا بالآدمي، وكيف يدعي الشافعية أن مجراه غير مجرى البول وهما من فم الذكر، فإن ادعى أن لكل واحد مجرى في لا باطن ففي ثقبة الذكر يجتمعان.
والقيء (بفتح القاف وإسكان الياء بعد همزة): وهو ما يرجع إلى الفم بعد انحداره منه إلى جهة البطن من طعام أو نحوه، وأصله مصدر وه نجس باتفاق أصحابنا، وقال مالك: بطهارته، ويدل على نجاسته قوله صلى الله عليه وسلم (1/157)
صفحة 158
“من قاء أو قلس فليتوضأ”.
والمؤثر في الوضوء بعض الأفعال والأقوال المحظورة ووبح المديح إنما هو النجس دون غيره لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “ الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في فيه”، الاحتمال أن يكون المراد منه الحسنة لا التحريم بالقيء، ولو كان محرما لكان من دليل آخر، وأيضا ليس كل محرم نجسا.
وأيضا المذكور وفي الكلب وحكم القلس حكم القيء وهو ما وصل من الماء حد الفم من البطن، ومن بلغ قيئا أو قلسا بعد وصوله الفم عصى، وقيل: يهلك بالقيء وتلزمه المغلظة وهو المشهور، وقيل: يهلك به ولا مغلظة عليه منه إلا في رمضان.
وإن قلت ريح الدبر ناقض وليس بقول ولا فعل محرم ولا نجس، قلت: قيل: يحبس يابس لا في متينا مبلولا نجس المبول، وقيل: لا ينجس وليس بنجسه لكنه ناقض.
وعرق من سكر بمحرم والجلاد من بني آدم أو غيرهم فنظر شح النيل. (1/158)
صفحة 159
الفصل الثالث:
يزال النجس بالنضح بالماء وهو إفراغه من غير ذلك، وهو للحصير غير المتيقن نجسه، وهو للحصر غير المتيقن نجسه ولكل ما يتيقن، وبول الرضيع الرطب إن لم يأكل الطعام، وقيل: إن كان ذكرا، وقيل: إن أكله عن كان جله قوته الرضاع، وجاء الحديث بقصد الأنثى وينضح بول الذكر.
والمذي يصيب الذكر، فانظر مختصر الجامع للقواعد وحاشيته، قيل: وكل مايع نجس مما يسهل زواله وبالوطء وهو طهارة للنعل والخف إذ نجسا مما يلي الأرض ووطئ بهما حتى زال الأثر وبالرشح.
وهو طهارة الخارج القلة والقربة ونحوهما والأرض تحتهما وما يصل إليه منها رشحها، وبالدباغ وهو لجلد ميتة الحيوان الذي تحله الذكاة وهو له مثل الذكاة للحم، (1/159)
صفحة 160
ويكون بما يدبغ به عادة وبكل ما يمنع الجلد من الفساد وبالتتريب وهو لصوق الميتة المذكورة ووبرها وشعرها وريشها بتراب غير لازق، وبسبع عصي في سبعة مواضع، وقي: بثلاث في ثلاثة.
ورخص في الغسل بالماء، وقيل: يحذر ما مسه نجس من الميتة فيترب أو يغسل ن وما سواه طاهر بلا تتريب ولا غسل أو بالزمان للأرض وما أصله منها ولو نباتا غير معمول، وقيل: ولو معمولا وهو في وقت الحر خارجا ثلاثة أيام وداخلا سبعة، وفي وقت البرد خارجا سبعة وداخلا أربعة عشر، وتطهر الثمار بالزمان وهي منفصلة على الصحيح وللإبل الجلالة وشارب الخمر أربعون يوما، وقيل: يتقي بلا شارب الخمر يوما وليلة، وذلك هو مقدار ما يبقى الطعام في جوف الإنسان.
وللبقر الجلالة عشرون، ولشاة عشر، وللنعامة ستة، (1/160)
صفحة 161
وللطاووس خمسة وللدجاجة ثلاثة، وللحمامة يوم ونصف، وبالغسل وهو إفراغ الماء مع الدلك ولو مضافا كماء النيلة وماء البقول وهو بفتح العين إن أضيف للمغسول، وإذا أضيف إلى غير المغسول ضمت، وقي: والواضح أن المفتوح مصدر والمضموم اسم.
ويجوز مطلقا وهو لكل نجس إلا ما يدرك غسله من المائعات إذا خالطه النجس لتعذره كاللبن والزيت، وقيل: يطهر الزيت بالماء بأن يغرغر عليه الماء فيخرج ويحرك ثم يخرج ثم يصب عليه ماء كذلك ثلاث، وإذا كان الزيت أو اللبن قدر قلتين أو أكثر لم ينجس إن لم يتغير طعمه أو ريحه أو لونه، وهذا في قول بعض المرخصين، وهو في بعض اللفظ لأصحابنا، وعبارة بعض قومنا أن ذلك في الزيت الكثير بالماء وكما طبخ في نجس أو عجن أو خمر فيه. (1/161)
صفحة 162
وقد يتعسّر غسل النجس الذي وقع عليه الدهن في الثوب أو غيره من الأوعية أو خيط عليه أو عقد عليه أو غسل ما صبغ بنجس، وما ملح بملح نجس من اللحم، والبدن المدهون نجس فلا يطهر إلا بعد الحل وزوال الدهن والصبغة.
ورخص أن يطهر بالأجل أن ذلك شديدا أو غسل حتى لا ينقص الصبغ العفة صور كثيرة يكتفي فيها بإفراغ الماء بالدلك، ومنها السقي ثلاثا بماء طاهر لما سقي بماء نجس أو لما معه أو تحته متنجس كزبل نجس تحت بقل فإنه يطهر بالثلاث فبعدها ولو في يوم واحد بعد نشف كل يوم حتى ثماره وأجزاؤه والكل طاهر.
وأما ما كان تحته عذرة أو ميتة وكونها مما نجس بالذات فلا يطهر ولو سقي عشرا، وإنما يؤخذ فيه برخصة من يقال إنما سقي بنجس يؤخذ منه ولو في الحين، وإن سقي حتى زال لون العذرة وريحها فبعد ذلك يرخص فيه وتنزع النجاسة، وقيل: بالخل والنبيذ واللبن والزيت ولكن لا يحل إن يتعمد تنجيسها وبكل مايع طاهر، وفي إزالتها بالريق والمخاط قولان. (1/162)
صفحة 163
وبالمسح وهو للبدن الأملس والحديد، وكل ما لا ينشف النجس لا في الثياب ومحل الشعر من البدن ولا في الفرج وشقوق الرجل، وجاز في ضرع الشاة إذا بالت عليه وتمرغت في التراب أو كان على ظهر الدابة أو على منقار الدجاجة فمسحته حتى زال أثره، وتطهر اليد بمناولته الزرع والحصد والحرث والحفر والبناء والاحتطاب وغير ذلك إن زال الأثر، ويطهر الحديد بالقطع والحلق، والرحى بالطحن، والحجر بالدق ونحو ذلك، والبيت بالكنس ثلاثا، وقيل: مرة إن زال العين.
وقد اختلف في حد المسح: فقي: حده زوال العين ولو بمرة، وقيل: لابد من المسح بثلاثة أشياء، وقيل: بسبعة وبالنار وهي الأرض وما عمل منها والحديد والحجر ونحوهما كالذهب والفضة وغيرهما، ويكون ذلك بأن يحمى قدر ما لا تحتمله اليد. (1/163)
صفحة 164
الفصل الرابع:
ينبغي لمن أراد الوضوء أن يراود نفسه على البول والغائط وتعين عليه إخراجهما إن حضراه، ونهى صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين، ولزمه عند ذلك الابتعاد إذا أمكن إن كان في الفضاء لئلا يسمع منه صوت البول والغائط، ولئلا يؤذي الناس بالرائحة ولئلا ترى عورته، فالاستتار لازم.
ولئلا يتعرض لمن يتلذذ بصوت وقوع بوله في الأرض أو بصوت خروج الغائط منه، فإنه لمن يستمع لذلك أو لصوت الاستنجاء متلذذ يكفر، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم:“ استتروا بستر فإن الستر والحياء من الإيمان ”، وعنه صلى الله عليه وسلم “ لعن الله الناظر والمنظور”، يعني في أمر العورة، ويستر بما أمكن من جدار أو صخرة أو خشب أو راحلة أو دابة، أو ثوب.
أي لم يحدد ما يديره على نفسه ويجعل منه للريح منفرجا لأن تلك تلك الرائحة تثير مرض الجذام، (1/164)
صفحة 165
وستر ما سوى العورة من شخصه وثيابه في تلك الحال مستحب، وستر العورة واجب أبدًا، ولزمه أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها في غير البنيان ومنعا مطلقا، وأجيز مطلقا ومنعا في مكة فقط ومنعا الاستدبار فقط مطلقا.
ولزمه الاستجمار وهو إزالة النجس بالجمار وهي الحجارة، ومثلها كل طاهر منق ليس فيه بذي حرمة ولا تضييع به ولا إسراف، ويجزي مثلها مع وجودها خلافا لما يفهمه كلام بعض ويسن الوتر في ذلك، ويكفي حجر واحد له ثلاثة أحرف أو أكثر إن كان لا يمس النجس عند التطهر بالطرف الآخر بفتح الخاء، ولا يكفي واحد أو اثنان عندنا، وقيل: يكفي ذلك إن أنقى.
ويقال للاستجمار استنجاء وهو إزالة النجو وهو الحدث، كما يقال لغسله بالماء، ولا يستجمر بالعظم والروث، (1/165)
صفحة 166
ولعن فاعل ذلك، فالعظم المذكور اسم الله عليه حين الذبح كما في الماشية على المواهب طعام للجنّ، والروث علف لدوابهم، ولا بما يأكله أو تأكله دوابنا ولا نوى الثمار.
ولا يستجمر باليمين إلا للضرورة، وشدد من قال يكفر بذلك، وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم لوضوئه وطعامه وشرابه، وقال أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: النهي عن الاستجمار باليمين فهو نهي تأديب ويبدأ في الاستجمار لمخرج البول إلى أعلاه، كما يمكن بلا ضر، وينبغي له أن يستلب الذكر من فوق باب الغائط إلى أصل الذكر.
ولا يبول ولا يتغوط في الأحجرة لأنها مساكن مسلمي الجن أو لئلا تؤذيه دابة ولا في أثر الحافر لأنها مساكن الجن، وقيل يجوز إن زاد حفرها وذكر اسم الله عليها ولم يجد ما يجريه ولا يرد السلام في تلك الحالة، ولا يلزمه الرد بعد الفراغ.
ولا يفعل ما يشغله كحديث وإنصات وأكل وشرب وطرح قمل ونكت في الأرض، وإن خرج من المحل واستجمر خارجه جاز له ذكر الله، (1/166)
صفحة 167
وجاز أن يرد السلام ولا يستقبل الشمس والقمر في تلك الحالة، ولا يفعل في موضع يجتمع فيه الناس ولا في الطريق، وعنه صلى الله عليه وسلم “ من قضى حاجته تحت شجرة مثمرة، أو في نهر جار أو طريق عامر أو في ظهر مسجد الله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين”، وروي: “ اتقوا الملاعن”، وهو جمع ملعنة وفي قارعة الطريق ومنزل الناس وكأنها سميت بذلك لأنه يلعن من قضى حاجته فيها.
والمراد بالشجرة المثمرة ما فيها ثمار ولا ما يصح إلا ثمار لأنها هي التي تفتح القضاء تحتها قبحا واضحا لا دابة إلى وقوع الثمار على ذلك النجس.
ولأن الأصح في اسم الفاعل أنه حقيقة في الفعل الحاضر فيجوز القضاء تحت التي لم يكن فيها ثمار، ولو كانت مما يثمر، وقيل: مما يثمر، وقيل: المراد التي من شأنها الإثمار أثمرت أو لا.
واختاره في الإيضاح مستند إلى أن اسم الفاعل يصلح للحال والاستقبال، (1/167)
صفحة 168
وقد يبحث فيه بأنه إن أراد أن المراد بالثمرة الشجرة المثمرة بالفعل والمثمرة بالقوة، فإن إطلاق لفظ مثمرة على المثمرة بالفعل حقيقة، وعلى المثمرة بالقوة مجاز فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو لا يجوز عند الأكثر، وأجازه جار الله والشافعي ولعله صاحب الإيضاح يجيز ذلك أو يحمل ذلك على عموم المجاز وهو إن يراد المعنى الذي يكون في الحقيقة والمجاز لكن لابد من قرينة.
وإن أراد أن المراد بالثمرة ما من شأنها أن تثمر بقطع النظر عن وقوع الأثمار وعدمه، فهذا مجاز ولا قرينة له فلا يحمل الكلام عليه، وكذا لا قرينة شق المجاز في الوجه الأول، أعني في إرادة الأثمار بالفعل والأثمار بالقوة.
ولست أريد أن يكون اسم الفاعل حقيقة في الفعل الحاضر أنه موضوع لزمان الحال لأن الواضع لم يجعل الزمان أصلا جزاء لمعنى اسم الفاعل، فمعنى قولهم قولهم أنه حقيقة في الحال أنه حقيقة في الحدث المتحقق الحاصل بالفعل، ومعنى قولهم أنه حقيقة مجاز في الماضي والاستقبال أنه مجاز في الحدث المنقطع. (1/168)
صفحة 169
والمستقبل إنما يجتنب بالموضع الذي تسقط الثمار ويختار الموضع السهل، ولا يكشف عورته قبل انتهاءه إلى موضع قضائه إذ كان الموضع طاهر، ولا يستقبل الطريق، ولا يقضي في حريم المسجد أو حرث أو مقبرة أو بيت أو غيره بها أو موضع الوضوء.
ويقول عند قضائه: أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، وذلك كما يقول صلى الله عليه وسلم وكسرت نون النجس مع سكون الجيم الموافقة الرجس بكسر الباء من أصحابه وأعوانه خبثاء أو من يوقع الناس في الخبث ويعلمهم إياه.
ويقول عند الفراغ: الحمد لله الذي أطعمني طعاما طيبا وأذاقني من نعمة اللّذات وبقي في جسدي منافعها وقواها ويسر علي إخراج الخبائث وكفاني الأذى والمضرات
(فقرة لم ترقن) (1/169)
صفحة 170
ويعتمد على الشق الأيسر ولا يمس عورته بيمينه ولا يبصق في الحدث ولا يتمخط، وينبغي في حال قضائها أن يرفع عجزه لئلا يتلطخ بالنجس، وقد عد أعرابي من الخلاقة أفغاء الظبي في قضائها وهل هنا أن يستوفي على صدور قدمين مظنّة للتزلزل والوقوع فتنتجس والأولى التمكن. (1/170)
صفحة 171
: الفصل الخامس
الاستنجاء سنة واجبة يكفر بتركها، ولو قيل: أنه فرض بالقرآن بناء على أن قوله تعالى: {فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}. (التوبة: من الآية108)، فنزل في أهل قبا لأنهم يمرون بالماء والحجارة على أثر البول والغائط، وإن مدح الفعل والفاعل يدل على الأمر.
كما أن الثوب عند الفعل يدل على الأمر على ما في السؤالات، ولعل ذلك في القرآن لكنه غير مسلم عند البحث وعلى التسليم قد تكون الآية دليلا على أنه لا يصح الوضوء إلا بعد زوال النجس.
وإن لم تكن دليلا فالدليل من السنة، وإنما هي: أن يهيئ حفرة الاستنجاء في موضع نظيف لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها على حد ما مر قضاء حاجة الإنسان، ولا يستقبل الشمس، والقمر، والريح، ولا يضر به أحد، أو لا يحفره تحت أشجار الناس، والأحسن أن يكون في بيته.
وإما يحفره في موضع ينشف الماء حتى لا يتلاحق إن أصابه، وإن لم يجد فليحفر حفرا متصفا حتى لا يرجع إليه ما استنجاه، ويحفر على عرض بدنه وإنما يجعل عمقه ثلاثة أصابع، (1/171)
صفحة 172
وإن خاف أن يلحقه ماء فليحفر أكثر، ولا يجعل العشب فيه لئلا يلحقه ماء، ورخص فيه، ويحذر ما يلحقه في الماء مادام النجس لم ينزع.
وينبغي أن يكون استنجاؤه حيث الستر، وحيث لا يمرّ عليه أحد إن أمكنه، و إلا فليشتمل في ثيابه ويوسع على نفسه، ولا حد فيه إلا الانتقاء خلافا لمن حد الغائط بعشر والبول بخمس، وقيل: لابد من ثلاث لكل باب، ولو نقى بدونها فيزيد تمام الثلاث تعبدا، أو يغسل يديه قبل الاستنجاء ولو طاهرتين، ذلك لئلا يسبق إليهما النجس فلا يجزيه إلا الماء الكثير، ويبدأ بموضع البول وينقيه، وإن بدأ بموضع الغائط جاز إن لم يلحقه النجس بعد.
وإذا غسل موضع البول أفاض الماء على يده ثلاث مرات لعل نجسا بقي فيها، ثم يغسل بيضته اليمنى ثم اليسرى ثم يجمعهما ثم يفيض الماء على يده كذلك ثلاثا، ثم يجمع بيضته وذكره باكره بالغسل، ثم يغسل موضع الغائط من فوق الباب إلى الأسفل، (1/172)
صفحة 173
إن النجس وإنما يبدأ في غسله من فوق ولا يجاوز المخرج في أول غسله لئلا ينتقل النجس من موضعه، ويجعل السعة في جسده قليلا قليلا حتى يستقصي سعة بدنه، ولا يستخرج أول مرة ليحكم على موضع النجس، ثم يفيض الماء على يده ثلاثا، ثم يجعل الشدّة في جسده، يبدأ بالسعة ويختم بالضيق، وإذا أفرغ أفاض الماء على أعضائه استنجاءه مرة ثم على يديه ثلاث.
وينبغي أن يغسل مقعدته اليمنى ثم اليسرى غسلا نظيفا، ثم يجمعهما بالغسل إلى عجم الذنب، ويجب أن يقول بعد الفراغ: اللهم حصّن فرجي بالإسلام، وطهّر قلبي من النفاق، وجسدي من النجاسات، وزوجني من الحور العين. (1/173)
صفحة 174
: الفصل السادس
يصح الوضوء بنية رفع الأحداث بأن يقول: أرفع بوضوئي هذا جميع الأحداث ويعتقد ذلك، وإن اعتقد ولم يتلفظ جاز، وقال كثير مخالفينا: يجوز بلا نية، ولا يشترط أن ينويه لفرض أو نفل أو لكليهما، فإن نواه لأحدهما كفى لغيره، ولا يلزمه أن يعين الحدث، وإن نوى حدث دون آخر ففي أجزاءه قولان.
ويصح بماء المطر وماء العيون والآبار، والبحار إن لم تتغير أحد الأوصاف، وإن تغير ولو بطاهر لم يخرج على الراجح، والخلاف في المذهب وغيره، ويجري في الوضوء كغيره ما تغير بطول مكث.
أو تراب أو زرنيخ يجريه عليهما ما لم يتغير به لون الجسد، وأجيز بمتغير التراب ولو ألقي فيه وتغير به لون الجسد، وبمتغير بطحلب أو بمكان محلا له أو متوالد عنه، (1/174)
صفحة 175
ولا يقف غالبا، فلو أنتن ماء بضفدع مات فيه، أو حوت وهما منه، أو تغير لونه أو طعمه بهما جاز الوضوء به.
ورخص في تغيير قليل، وفي تغير بما لم يطبخ فيه، ولم يعتبر قوم تغيير الرائحة، والصحيح اعتباره إلا إن قلّ، ولا يجوز بنجس إجماعا، وهو ما وقع فيه شيء نجس مطلقا إن كان أقل من قلتين، ويقيد تغيير أحد الأوصاف إن كان قلتين أو أكثر، ورخص ما لم تتغير كلها، وقال مال: بطهارته إن لم يتغير أحد الأوصاف ولو أقل من قلتين.
والقلة قربة وربع، وقيل مائتا رطل وخمسون رطلا، ويقول أكثر أصحابنا: أن القلة الجرة التي يحملها الخادم في العادة الجارية في استخدام العبيد بها، ولزوم الوضوء فإن قدر على الماء ولم يمنع منه عدو أو سبع، أو خوف فوات الرفقة أو نحو ذلك من المضرات.
وإن لم يجد الماء إلا بالشراء لزمه شراؤه إن لم يزد عليه في الثمن على مختار الإيضاح، (1/175)
صفحة 176
وقيل: مطلق، وقيل: لا مطلق، وإن لم يجد الماء إلا بالدين أو بالسلف لزمه، وقيل: لا، وهو الصحيح في الإيضاح في الدين معللا بأن الله لم يكلفنا أن نقضي الدين بالدين.
والصحيح عند بعض: لزومه بالدين أو السلف؛ لأنه قد صدق عليه أنه وجد الماء، وفيه أنه لم يجد الماء إذا لم يجده إلا بدين ولا سلف، وحق المخلوق يصعب ولزمه عندي قبول هبة الماء يتوضّأ به، ويجب قبول تبرع من يتبرع إليه بحمل الماء من موضعه، ولا يكلف قوة غيره إلا قوة عبيده وإمائه، ولا يجزيه أن يتوضأ له غيره ولو عبده، قيل: ولا أن يصب له في أعضائه، وقيل: بجواز أن يصب عليها ويحرك المتوضّي. (1/176)
صفحة 177
الفصل السابع
فرائض الوضوء خمسة: الأول: غسل الوجه من منابت الشعر المعتاد إلى الذقن، ومن الأذن للأذن، ويغسل جزءا من الرأس تعميم الوجه، ولابد من إيصال الماء إلى أصول الشعر الخفيف كالحاجب، والهدب، والشارب، وجانب اللحية، ويغسل ما بين العارض والأذن.
وقيل: يغسل ما بين جوانب اللحية داخلا، ويقصد الموضع الذي تحت الشفة السفلى، ومن منبت الشعر في جبهته، فيغسل من المعتاد، وكذلك الأصلع، ويغسل ما ظهر من شفتيه وأنفه، وقيل: ما أحمر من شفتيه مع الفم فإنه منه، (1/177)
صفحة 178
ويأخذ الماء بيديه إن أمكن، و إلا فباليمنى أو فباليسرى، ويفرغه من إحداهما في الأخرى، ويجمعهما ويغسل وجهه من فوق إلى أسفل، ويجري من أسفل ومن جانب، ولكن لابد من إيصال الماء في يديه ولا يجزي بللهما.
وليس تخليل اللحية بواجب بل مستحب خلافا لبعض، ويشرب عينيه الماء إن كان لا يضر بهما.
الثاني: غسل اليدين مع المرفقين، يبدأ بظهر اليمنى فباطنها ثم يجمعهما، ثم بباطن اليسرى فظاهرها ثم يجمعهما، ولابد من التخليل بين الأصابع و إلا لم يجز، وهو أن يجعل بطن اليسرى على ظاهر اليمنى، ويدخل الأصابع، وبطن اليمنى على ظاهر اليسر، ويدخل كذلك ولا يشبك، ويجزي عن تخليل إيصال الماء بين الأصابع مع عرك بعض ببعض أو عرك بشيء، وقيل: إن التخليل لا يجب إجماعا على عدم وجوبه، (1/178)
صفحة 179
ولعل المراد هو يجزي عرك الأصابع بعض ببعض، والمراد بالتخليل الواجب في الحديث إيصال الماء خلال الأصابع ولو بلا إدخال أصابع ونحوها.
الثالث: مسح ثلاث شعرات من الرأس بثلاث أصابع على المعمول به عندنا، ويتصور بأن يعزل ثلاث شعرات فيمسح كل واحدة بأصبع من الأصابع، وقيل: مسح ربعه، وقيل: ثلثه، وقيل: ثلثيه، وقال مالك وبعض أصحابنا: كله، وهو المستحب للخروج من الخلاف، وعليه فالباء في: برؤوسكم للتأكيد وعلى غيره للتبعيض، كذا قيل: وفيه أنه لا مانع من جعلها للإلصاق على كل قول لأن الإلصاق يصح بالبعض، ويصح بالكل وحده من فوق الأذنين وفوق الجبهة إلى حد العنق من خلف. (1/179)
صفحة 180
وكان عمر لا يرى القفا من الرأس في القصاص ويستحب أن يبدأ من وسط رأسه إلى أن يبلغ خنصرته حتى جبهته، ثم من وسطه إلى الأذنين، أو يبدأ من مقدم رأسه إلى حد منابت الشعر من القفا، ثم متياسرا إلى المقدم، وهو المعتبر عند قومنا، وهو مبني على أن آخر الرأس من خلف منتهى الشعر، ويجزي غير ذلك مع التعميم.
الرابع: غسل الرجلين مع الكعبين هذا هو الصحيح، وقيل: الواجب مسحهما لقراءة بعض مخفض الأرجل، وترد عليه قراءة النصب، ولعله يقول النصب نظر المحل المجرور على الشذوذ لأن هذا المحل لا يظهره في الفصيح، ولم يشرط الكوفيون في العطف على المحل ظهوره في الصحيح، وموجب الغسل يقول الخفض على الجوار، وهذا تخريج على الشذوذ لأن الخفض الجواري مقيس في النعت والتوكيد عند بعض، (1/180)
صفحة 181
وقال بعض غير مقيس مطلقا، ولا دليل على وجوب غسلهما في قوله صلى الله عليه وسلم لقوم لم يستوفوا غسل أعقابهم: “ ويل للأعقاب من النار”.
إن العقاب ولو كان لا يتعلق إلا بترك الواجب لكن لا أدري هل تعلق بترك الغسل خصوصا أو بترك إيصال الماء مطلقا سواء بغسل أو مسح، فإنهم تركوا شيئا من أعقابهم لم يغسلوه ولم يمسحوه، ولا يقال لو كان الواجب المسح ما تركهم.
والغسل أن نقول الغسل يجزي من المسح ولا عكس، ولكن المسح ثلاثا بعد غسله واحدة مجزيه، ويبدأ بصغرى رجله اليمنى إلى كبراها، يغسلها إلى الكوع العظم الذي يليها مخللا بينهن وقاصدا ما تحتهنّ، إن ذلك التخليل والقصر واجبان، ثم من الصغرى إلى الكعب الأيمن، ثم الكبرى إلى اليسرى، (1/181)
صفحة 182
ثم ظاهر القدم إلى ما يحاذي إلى الكعبين، ثم باطنها ويبالغ فيه، ثم العرقوب إلى الكعب، ثم يجمعهما بالغسل، ثم يغسل رجله اليسرى من كبراها لأنها في الجانب الأيمن إلى صغراها مخللا قاصدا، ثم من الكبرى إلى الكعب الأيمن، ثم من الصغرى إلى الأيسر، ثم ظاهر القدم، ثم باطنها إلى ما يحاذي أعلى الكعبين، كذلك يقولون، والذي عندي أن ظهر اليمين، قيل: ما يلي كبراها وظهر اليسرى قبل ما يلي صغراها، لكن مهما فعل في الغسل أجزأه إن عمم، وكذا في مسح ما يمسح، لكن إذا خالف ذلك ترك المستحب. (1/182)
صفحة 183
الخامس: الموالاة، فإن الصحيح وأنها واجبة مع الذكر والقدرة ساقطة مع العجز والنسيان إذا توضّأ قبل الاغتسال، فله أن يؤخر قدميه عن الاغتسال بأن يريد الأنجاس كلها، ويغسل المواضع التي ينقض مسها الوضوء غسله ينوي بها غسل الجنابة ويتوضّأ إلا أحليه بعد ذلك، أو إذا وصلها غسلها بغير يديه، أو بصب الماء شديد أو بلا تشديد بناء على جواز غسل القليل بإيصال الماء بلا عرك في الاغتسال والوضوء.
و سنن الوضوء تسع:
الأول: التسمية، بأن يقول عند الشروع: بسم الله، أو بسم الله الرحمن الرحيم، قولان، وبالأول جزم في الإيضاح.
ويتسوك قبل ذلك ويقول بعده رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون، ثم يغسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء (1/183)
صفحة 184
ثمّ يقول: اللهم إني أسألك اليمن والبركة بك، وأعوذ بك من الشؤم والهلكة.
وينوي بالوضوء رفع الأحداث والله تعالى أعلم استباحة الصلاة، وعليه أن يقول في نفسه: أرفع بوضوئي هذا جميع الأحداث، وأتوضّأ للصلاة طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويستديم النية إلى غسل الوجه، فإن نسيها عند غسله فقد شدد بعضهم في وضوئه أن لا يجزيه.
كذا في القناطر وهو نص في أنّ التسمية قبل غسل اليدين، وإن غسلهما قبل النية وظاهر في أن غسلهما ليس بوضوء، ولعلّه أراد غسلا آخر قبل غسل الوضوء الذي هو سنة، ولعله يقول الأحداث بالجمع.
ولو حصل له حدث واحد أو اثنان احتياطا لما قد يحصل له ولم يتنبه له، ولو قال الحدث بالإفراد وأراد الاستغراق أو الحقيقة لجاز، وذلك سواء علم بما حصل له أو لم يعلم ثلاثة أو أكثر أو أقل، وإن علم بواحد فأفرد، أو باثنين فقال الحدثين جاز، (1/184)
صفحة 185
ومعنى لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله أنه لا وضوء له كامل، وقيل بوجوب التسمية لظاهر الحديث.
الثانية: غسل اليدين إلى الزند ثلاثا.
الثالثة: المضمضة، هي غسل باطن الفم بأن يأخذ الماء بفيه فيخضخضه ثم يمجّه، وينبغي أن يدخل أصبعه في فيه ويدلك به أسنانه من رباعيته الأيسر إلى أعلى الرباعية السفلى، ويكون ذلك باليد اليسرى بعد أن يجعل الماء باليمنى، وكذلك في الاستنشاق إن كان يدمي لثلاثة بذلك، فليكتف بأن يخضخض الماء للسانه.
الرابعة: الاستنشاق، وهو غسل باطن الأنف بأن يحيط الماء بخياشيمه، ويدخل سبابته أو وسطاه إلى العظم إن أمكنه ذلك وكان لا يتضرر بذلك، ويجعل إبهامه وسبابته على أنفه ثم ينثر الماء بالنفس، ويبالغ في المضمضة والاستنشاق إن لم يكن صائما، ويجوز أن يتمضمض ويستنشق من غرفة دفعة، (1/185)
صفحة 186
وذلك بأن يجعل الماء في كفه ويأخذ منه بفيه وأنفه في حال واحد، واستحب إن أمكن أن يأخذ بفيه فيمضمض ويصبه، ثم بأنفه فيستنشق، ثم يفعل ذلك مرة ثانية بغرفة أخرى، ثم يغرف ثالثة، وذلك بعد أن يمضمض ثلاثا من غير غرفة واحدة، ويستنشق ثلاثا من غرفة واحدة.
وإن اعتمد ترك المضمضة والاستنشاق في الوضوء حتّى صلى أعاده باتفاق، وفي النسيان خلاف، قيل: يعيد الوضوء والصلاة، وقيل: لا، وإن تعمّد تركها، ولو عمد في غسل الجنابة أو نسي فالمشهور لا إعادة و أنهما فيه ركن واجب، وهو الصحيح لأنهما من ظاهر البدن بدليل غسلهما في الوضوء، وقيل: هما فيه سنة غير واجبة الإعادة على تاركها ولو عمدا، وذلك مثل الجنابة والحيض والنفاس. (1/186)
صفحة 187
واغتسال السنة كغسل الإحرام، وغسل عرفة، ونحو ذلك، والجمعة والعيدين ونحوهما من النفل.
الخامسة: مسح الأذنين على الصحيح، وقيل: فريضة وعلى الأول يجري مسحهما بماء الرّأس، واستحبّ ابن مسعود تجديد الماء لهما وكيفية مسحهما بماء الرأس، أي أن يبلّ يديه معا ويمسح بهما رأسه، ثم أذنيه ولو واحدة بل بها رأسه وأذنيه لجاز.
وعلى الثاني: يجدد الماء لهما جميعا، وكيفية مسحهما أن يدخل أصبعيه السبابتين في خرقيهما ويدير إبهامه على ظاهريهما، ويمسح باطنيهما بالسبابتين يضع أصابعه مسحا ليمسح أبخادهما وأعوارهما، وكفيه على الأذنين، وإن تعمّد ترك مسح الأذنين حتى صلى أعاد، وإن نسي فخلاف.
السادسة: تخليل اللحية والأصابع واجب.
السابعة: الترتيب، وهو سنة واجبة أو غير واجبة، قولان، وقيل: هو فريضة أخذ من ترتيب الله، (1/187)
صفحة 188
والصحيح أنه سنة لأن الواو لا تفيد الترتيب على الصحيح.
الثامنة: التوضؤ ثلاثا، وهو سنة مستحبّة في المغسول والممسوح على الصحيح، وكره بعضهم الزيادة على المرأة في الممسوح، ومن اقتصر في وضوئه على مرة أجزأته إن كانت عامة على كراهية إن كان غير عالم.
وإن توضّأ ثلاثا ثلاثا، أو اثنين اثنين ولم يعمم جارحة في غسلها، أو مسحها الذي نواه فرضا أو سنة وعمها في غسلها أو مسحها الآخر لم يجزه، وإن عمّها في غسلها أو مسحها الذي نواه كذلك في غيره أجزأه، هذا هو التحقيق لا ما يخالف، والتوضؤ موحدا لا تقبل الصلاة إلا به، ومثنى مضاعف الأجر ومثلث وضوء نبينا والأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام، وتكره الزيادة على الثلاث.
التاسعة: مسح الرقبة عقب الأذن بماء جديد وهو مستحب، وعنه صلى الله عليه وسلم: “ مسح الرقبة أمان من الغل يوم القيامة”.
وللوضوء فضائل منها ترتيب المسنون على المفروض، بمعنى أن ينوي بالغسلة الأولى في عضو الغسل الفريضة، وبها يرفع الحدث، (1/188)
صفحة 189
وبالثانية والثالثة فيه السنة المندوب إليها، وينوي بالمسحة الأولى في الرأس، والمسحة المفروضة وبها يرفع الحدث، وبالثانية والثالثة فيه السنة المندوبة إليها، وينوي بالمسحة الأولى في الأذن المسحة الواجبة والمفروضة، وبالثانية والثالثة السنة المندوبة إليها، وينوي بالغسلة الأولى في الفم والأنف السنة الواجبة، وبالثانية والثلثة السنة المندوب إليها.
هذا ما ظهر لي، فلو توضّأ واحدة واحدة ثم أعاد كذلك لكان غير مرتب للمسنون غير الواجب على المفروض، ولا للمسنون غير الواجب.
ومنها السواك قبل الشروع فيه، والتوضّؤ باليمنى؛ أعني مناولة الماء، وأما الغسل فإنه يصدر من اليدين جميعا بل الغالب بالشمال، ومبالغة غير الصائم في الاستنشاق والمضمضة والبدء في مسح الرأس من مقدمة الأعلى إلى الجبهة، وقيل: من الجبهة إلى فوق، واليتامى والتوسط في صب الماء، وقيل: التقليل فيه.
ويذكر الله بأي ذكر في أثناء الوضوء، والدعاء. (1/189)
صفحة 190
الفصل الثامن:
قيل: الذي سنّ الأذكار والأدعية المنصوص في الوضوء وهي دعات في الله، وهي سنة مقبولة. فقيل: يقول المتوضي عند المضمضة: اللهم أطعمني من ثمار الجنّة، واجعل لساني صادقا يقول الحق، ويعمل به، وقوله الحق أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وتعليم العلم وعمله به هو قراءة القرآن والذكر، والتسبيح والدرس.
ويقول عند الاستنشاق: اللهم أشممني من رائحة الجنّة.
ويقول عند غسل الوجه: اللهم بيّض وجهي يوم تبيضّ وجوه المسلمين والمسلمات، وأعوذ بك أن تسوّد وجهي يوم تسودّ وجوه الكافرين والكافرات.
ويقول عند غسل اليمنى: اللهم إني أسألك أن تؤتيني كتابي بيميني.
وعند غسل اليسرى: (1/190)
صفحة 191
اللهم إني أعوذ بك أن تؤتني كتابي بشمالي، أو وراء ظهري.
وعند مسح الرأس: اللهم حرم شعري وبشري من النار، وأعتق رقبتي من النّيران.
وعند مسح الأذنين: اللهم اجعلني ممن يستمع القول فيتّبع أحسنه.
وعند غسل الرّجل اليمنى: اللهم ثبّت قدمي على الصراط المستقيم، يوم تثبت أقدام المسلمين والمسلمات.
وعند غسل اليسرى: اللهم إني أعوذ بك أن تزل قدمي على الصراط، يوم تزل أقدام الكافرين والكافرات.
والمراد بالصراط المستقيم: دين الله، والمراد تثبيت القدم عليه يوم القيامة إظهار أثر تثبيتها عليه في الدنيا، ومن حيث أن من تثبت قدمه عليه في الدنيا لابد من ثبوتها عليه في الآخرة، ومن ظهور أثره فيها إن شئت، (1/191)
صفحة 192
فقد عبّر باللازم أو المسبب عن الملزوم أو السبب، أو المراد بالصراط المستقيم: المراصد السعة، وتثبيت القدم حصول الجواب فيها الإلزام، والمسبب عن العمل والإيمان في الدنيا، وليس المراد بالصراط المستقين ما يقول قومنا من أنه جسر ممدود على متن جهنّم.
إذن من الشعر:
وأجد من السيف عليه كلاليب = فإنا لا نقول بذلك وذلك
ويقول بعض أصحابنا: أن القول بذلك كفر ونفاق.
وأقول: لا دليل على انه كفر ونفاق، لا من الكتاب ولا من السنة ولا من القياس، ومع طول بحثي في ذلك والذي لا يوهم إرادة هذا المعنى أن يقول: اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم كما تثبت أقدام المسلمين والمسلمات.
ويقول: وأعوذ بك أن تزل قدمي عن الصراط المستقيم كما تزل أقدام الكافرين والكافرات، ويعني في الدنيا، (1/192)
صفحة 193
وإن شاء قال: اللهم اجعل سعيي سعيا مشكورا، وذنبي ذنبا مغفورا، وعملي عملا مقبولا.
ويقول عند المضمضة: اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك، وأطعمني من ثمار جنّتك.
وفي الاستنشاق: اللهم أشممني رائحة الجنة وأنت عني راض بفضلك.
وفي الاستنثار: اللهم أعوذ بك من روائح النار ومن سوء الدار.
وزاد في اليمنى: وتحاسبن حسابا يسيرا، ويزاد في اليسرى: ولا تحاسبني حسابا عسيرا، وفي الأذن: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم أسمعني منادي الجنة مع الأبرار. (1/193)
صفحة 194
وإذا فرغ من الوضوء رفع رأسه إلى السماء وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت عملت سوء وظلمت نفسي، أستغفرك وأتوب إليك، واغفر لي، وتب علي إنك أنت التواب الرحيم.
ومن قال بعد هذا بعد الوضوء ختم على وضوئه بخاتم ورفع له تحت العرش فلا يزال يسبح الله ويقدسه، ويكتب له ثواب ذلك إلى يوم القيامة، وينبغي أن يزيد: اللهم اجعلني من التوّابين، واجعلني من عبادك الصالحين، واجعلني صبورا شكورا، واجعلني أذكر ذكرا كثيرا، واجعلني أسبحك بكرة وأصيلا، وأن يقرأ سورة القدر ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-= (1/194)
صفحة 195
الفصل التاسع:
الاغتسال هو افتعال من الغسل للتأكيد، والغسل بفتح الغين مصدر على القياس، وبالضم مصدر على غير قياس، وقيل المضموم الهيئة الحاصلة من المعنى المصدري فليس بمصدر، وقيل: اسم الاغتسال، وقيل: الغسل بالضم الفعل؛ أي المعنى المصدري، وبالفتح: الماء المشهور.
وقال ابن العربي: لا خلاف أنه بفتح اسم للفعل، وبضمّها اسم للماء، وبالكسر ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره.
وعن بعضهم أنه إذا أضيف للمغسول كان بالفتح، أو لغيره كان بالضم كغسل الجنابة. (1/195)
صفحة 196
الفصل العاشر:
أمر الله سبحانه بالغسل من الجنابة دون البول والغائط، وهما أقذر من النطفة، إن آدم عليه السلام لمّا أكل من الشجرة تحوّلت في عروقه، فإذا جامع الإنسان أنزل من كل شعرة جنابة، لذلك أوجب الله الغسل تطهيرا أو تكفيرا، أو يكون شكرا لما أنعم الله به من اللذات.
وإذا أراد أن يغتسل من الحلال بنى الله له قصرا في الجنة، والاغتسال من الجنابة سريرة المؤمن بينه وبين ربه، وله بكل قطرة عتق رقبة، ويقال ثلاثون حسنة، ويقال: كقطرة دم في سبيل الله، وتغفر ذنوبه بأول قطرة، وأما من الحرام مثل ذلك من الوزر إن لم يتب، وما من عبد وأمة قاما للغسل منها إلا باهى الله بهما الملائكة يقول: ملائكتي أنظروا إلى عبدي وأمتي قاما للغسل تيقنا إلى ربهما، (1/196)
صفحة 197
أشهدكم أني غفرت لهما، ويكتب لهما بكل شعرة: ألف حسنة، وتمحى ألف سيئة، ورفع ألف درجة.
ويجب إيصال الماء تحت كل شعرة وكل موضع، وغسل كل شعرة أعلاها وأوسطها وأسفلها، وقيل: لا يجب غسل الشعر بل أصوله فقط، ومن فعل خرج من مغتسله وقد غفر له كل ذنب وتحت كل شعرة جنابة، ويبعث الله حياتا تلدغ الموضع الذي لم يصله الماء يوم القيامة، وكل شعرة لم يعم غسلهما تشتغل يوم القيامة نارا، ولا يصح على الصحيح إلا بالنية عند إرادة الشروع فيه واستصحاب حكمها، ولا يضر الدهون، ويكفي الدّلك بغير اليد، ويصح بما يصح به الوضوء من الماء، ولابد على الصحيح من المولاة إن ذكر وقدر عليها، وكذلك غسل الحيض والنفاس وغيرهما. (1/197)
صفحة 198
الفصل الحادي عشر
وجب الغسل من الجنابة والحيض والنفاس، وقيل: لا يجب إن كانت النفساء جافة، ووجب غسل الميت على الكفاية، واختلف في مشرك أسلم هل يجب عليه الغسل أم لا؟.
وسنّ الغسل لطهر بجمعه، ولو في غير زمان الإمام أو فيه لمن لا تجب عليه لأنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل لهما في حال كتمانه، ولأنه يذكر الغسل لها ولا يخصّه بما إذا كان الظهر ركعتين، ولو كان كلامه فيما إذا كان كذلك لا كما قد يوهم ظاهر كلامهم في باب الجمعة من أنه سن لمن يصليه ركعتين.
وسنّ لصلاة العيدين وللإحرام بحج أو عمرة، ولا منافاة كونه للإحرام سنة وكونه مستحب، فإنه سنة مستحبّة.
وسن بعد غسل الميت وبعد الحجامة، وليس اتقاء الجماع قبلها وبعدها يوما وليلة لمضرة الماء، بل لمضرّة الضعف بخروج النطفة. (1/198)
صفحة 199
وسن باستحباب للوقوف بعرفة والمزدلفة، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ويستحب لدخول مكة.
ويجب الغسل بخروج المني مطلقا، ولا يجب بالمذي على الصحيح، ولا يجب على الوذي على الراجح ولا باتفاق، كما قيل: ويجب بغيوب الحشفة أو قدرها من مقطوعها في قبل أو دبر من آدمي أو غيره ولو لم ينزل ولو ملفوفا، وقيل: بالتقاء البابين، وقيل: بالتقاء ما بين الأنثيين وأصول الفخذين، وقيل بين رجلي المرأة وفخذيها، والصحيح الأول لأنه إنما يجب الجلد أو الرجذم بغيوب الحشفة فليجب الغسل به لا بما دونه، وقوله صلى الله عليه وسلم “ إنما الماء من الماء إنما هو”، قيل: في أول الإسلام ثم نسخ.
وقيل: في الاحتلام، فإن المحتلم يجب عليه الغسل بخروج المني ولو أنثى على الصحيح، (1/199)
صفحة 200
وقيل: لا يجب على الأنثى بالاحتلام، وتذكر أو مسه أو نحو ذلك بل بالجماع فقط بغيوب الحشفة ولو بلا إنزال وهو ضعيف.
وأما إن احتلم بالمذي والوذي فلا غسل عليه على الصحيح، والاستحالة في حصول المذي والوذي بالاحتلام إذ لا يختصان برؤية البصر كما توهم بعض الناس، وعلى تسليمه فالرؤيا بالبصر كالرؤية به، بل ذلك موجود في العادة، يرى النائم ما يرى وينتبه فيجد على ذكره ماء رقيقا دون النطفة، فما هو إلا وذي أو مني.
إنه لا، كما قيل أنه غير موجود بحسب العادة يرى النائم، وليس الوذي مختصّا بما قبل البول أو بعده كما يتوهم من غبارة الكتب من يتوهم.
واختلف في بلل الليل من نائم، فقيل: يجب به الغسل مطلقا أو هو أحوط، وقيل: إن وجد معه رائحة النطفة أو قارنته الرؤيا، ولا غسل يبل على ذي بوارد إلا أن يتيقن أنه نطفة، ولا على من وجد النطفة في موضع لا يمكن وصولها إليه عادة كالرأس والمنكب. (1/200)
صفحة 201
الفصل الثاني عشر
يستبرأ بالبول من الاغتسال من الجنابة، ويستنجي وينزع النجس، فإن نظف واغتسل بدون استبراء وصلى أجزاه، فإذا أراد البول بعد فليبل على ليقة سودا، فإن وجد عليها نطفة أعاد الغسل والاستنجاء والوضوء فقط، وفي الديوان كلام ذكرته في شرح النيل.
ويقول: مريد الاغتسال منها: أغتسل من الجنابة فريضة الله علي طاعة لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، ويجزي غير ذلك من العبادات، ويجزي مجرد النية.
ويبتدئ من وسط رأسه، ثم جانب الأيمن، ثم الأيسر إلى المنكبين، ثم قدام العنق، ثم خلفه، ثم يقسم الخلف و الأمام مع الجانبين، (1/201)
صفحة 202
ثم اليد اليمنى وما يليها، ثم اليسرى وما يليها إلى الحقوين، ثم صدره فبطنه، ثم ظهره إلى ما يقابل السرّة، ثم الحقو الأيمن، ثم الأيسر إلى الركبتين، وهكذا الميامن قبل المياسر، و الأمام قبل الخلف، وإن شاء قسمها إلى جانبين، وإن فعل غير ذلك أجزأه مثل أن يبدأ من المياسر، وإن بدأ من الأسفل ففي الأجزاء قولان.
ويقصد ما بطن مثل ما تحته الشفة السفلى والفاصلة من الصدر إلى السرة، والسرة وما بين الذكر والفخذين، وما تحت الركبتين، وبغسل العورتين، ولا يجزي غسلهما في الاستنجاء إلا إن غسلهما غسلا بعد طهارتهما ونوى به غسل الجنابة إلا أنه لم يرتب. (1/202)
صفحة 203
وما ذكره من الاغتسال بعد زوال النجس هو اغتسال المسلمين، وأما اغتسال اليهود فهو أن يبدأ من الرأس قبل زواله، فإذا وصله غسله وأعاد غسل موضعه للجنابة، وهو مجزي ولكن فيه خلاف السنة، وأما اغتسال الرعاة فهو يبدأ في الاغتسال قبل زواله، فتارة يجعل يده في الموضع النجس، وتارة في الطاهر فيوصل النجس إلى موضع لم يكن فيه، وهو لا يجزي أن يتوضأ بعد الغسل فحسن وأحوط لئلا تلاقي يده عورته.
والسنة والوضوء قبله إلا القدمين فيؤخرهما حتى يفرغ من غسلهما للجنابة، وإن قدمهما جاز وإذا شرع في الوضوء قبل الاغتسال فليغسل عورته عند الوصول إليها بغير اليد أو بها ملفوفة أو يصب الماء بشدة أو بإيصال الماء بلا عرك عند مجيز غسل القليل، كذلك أو بظاهر على قول من لا ينقض الوضوء بظهر اليد، ومن لم يشترط الموالاة ولا الترتيب في الغسل أجاز أن يغسل عورته قبل الوضوء غسلا ينويه للجنابة. (1/203)
صفحة 204
الفصل الثالث عشر
التيمم لغة: القصد، وشرعها طهارة منتسية الصعيد الطيب ضرورية تشمل على الوجه واليدين، وتستعمل عند فقد الماء وكذلك تستعمل عند عدم القدرة على استعماله، وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع، فمنكره مشرك، ولا يصح إلا بالبلوغ والعقل والإسلام، فلو تيمم أو توضّأ وبلغ أو أسلم أعاد، وفي جواز لا اغتسال قبل الوقت قولان، والصحيح الجواز، ولا يصح هو.
ولا وضوء من حائض ونفساء، والتيمم مخصوص بهذه الأمة ونبيها صلى الله عليه وسلم وكذا التطهّر بالتراب، وجعل الصفوف كصفوف الملائكة، والصلاة حيث أدركت، وسبب نزول آية التيمم أن عائشة رضي الله عنها أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة على غير ماء لالتماس عقد لها انقطع ونام صلى الله عليه وسلم حتّى أصبح على غير ماء. (1/204)
صفحة 205
الفصل الرابع عشر
صح أن التيمم لا يجوز قبل الوقت لأنه رخصة، ولا يرخص لشيء قبل حضوره، كما لا يجوز لخائف الجوع أن يأكل من الميتة قبل أن يجوع، وعلل بعضهم ذلك بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... :). (المائدة:6).
إن من شروط الصلاة الوقت، فخصّ الشرع الوضوء بجواز التقديم قبل الوقت، فخص الشرع الوضوء بجواز التقديم قبل الوقت، وبقي التيمم على أصله، واحتجّ مجيزه قبل الوقت بأن التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمع، وقياسه على الوضوء لأنه بدل منه وطهارة مثله أولى من قياسه على الصلاة، ويتيمم الآيس من الماء أو من الغسل في أول الوقت، والمرتد في وسطه والراجي في آخره، وقيل: لا يجوز إلا في آخره، وقيل: متى شاء. (1/205)
صفحة 206
وإذا تيمّم صلى به ما لم ينقض بوجود ماء أو القدرة على استعماله أو الحدث، هذا ما ظهر لي وهو مذهب البصريين من أصحابنا، وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأنه إذا ثبت بأن أو معه المعذور بعد دخول الوقت فقد رفع الحدث وأباح الصلاة.
فإذا ارتفع فكيف يرجع؟، فهو كالوضوء في رفع الحدث، وقال الربيع وجابر وغيرهما من أصحابنا العمانيين أن لكل صلاة تيمما، ولا وجه له عندي ولو اختاره صاحب الإيضاح، نعم هو الأحوط وفيه خروج من الخلاف اللّهم إلا أن قالوا: إن التيمم مبيح للصلاة، وهو غير مسلم لأنه بدل من الغسل الرافع لأنه ما أباحها إلا لكونه رافعا للحدث والأصدق على المصلى به أنه صلى يحدث، وأيضا لا دليل على أنه مبيح فقط لا رافع.
فعلى الأول: فإذا تيم للجنابة تيمما على حده لم ينتقض تأتي جنابة أخرى، وإن تيمم لها مع الوضوء تيمما واحدا انتقض للجنابة به للوضوء، وإذا تيمم لها مع الاستنجاء واحدا انتقض لها إذا حدث ما ينتقض به الاستنجاء، (1/206)
صفحة 207
وكذا الكلام في قرن الوضوء والاستنجاء، والوضوء والاغتسال بتيمم واحد.
وقيل: لا ينتقض للجنابة ولو قرنه مع غيره ونقض ما لغيره، والحيض والنفاس في ذلك كله كالجنابة، وكل ما يلزم منه الغسل والاستنجاء يلزم منه الوضوء، وإذا أراد الجمع بين الصلاتين أو بين المغرب والعشاء وسنتهما كفى تيمم واحد قطعا، ولا يجوز التيمم لفاقد الماء إلا بعد طلبه عند أصحابنا؛ لأنه لا يسمى غير واجد إلا بعد الطلب، ولعل هذا إذا لم يتيقن عزمه و إلا صار طلبه عبثا ويطلب المسافر ميلا، وقيل: نصفه، وإن وجد وخاف فوت الأصحاب تيمم، ويطلب غير الواجد جيرانه كلهم ويستقصي، وقيل سبعة بيوت، وقيل ثلاثة، ويجزيه في ذلك زوجته وخادمه ورسوله وغيرهم، وكذا إن طلبت له زوجته أو نحوها بلا أمره. (1/207)
صفحة 208
والظاهر أنه يجزيه طلب كل من صدقه ولو بلا أمره وإن المسافر إذا رجع إلى الطلب من الجيران أن له كذلك، وقيل: من فقد الماء تيمم ولا يلزمه الطلب، وأنه يسمى غير واجد بلا طلب.
ويتيمم من خاف: حدوث مرض، أو زيادته، أو تأخر البر أو موتا، أو تلف عضو، ومنفعة كسمع وبصر، أو خاف هو دون ذلك، ولو خاف انتتاف الشعر أو إبيضاضه أو صفرته، أو تغير لونه مطلقا. (1/208)
صفحة 209
الفصل الخامس عشر:
التيمم بالتراب النظيف المنبت اليابس المباح الذي يجوز الصلاة عليه أي لون كان، فلا يتيمم بالمسروق أو المغصوب، ولا يتيمم بتراب المقبرة، أو الذي تحته نجس، أو المبلول الذي لا يفترق بعد الضم والإرسال إلا بوصل الأرض.
ويستحب بل يجب أن يكون مما لا مضرة فيه كتراب النمل فإنه يوث الوسواس؛ ولكنه يجزي، وقيل: يجوز التيمم بالتراب ولو غير منبت، ويجوز التيمم بالحجارة والحصى، والجدار وكل ما هو من أجزاء الأرض، والخلف في المذهب كغيره، وغير الرمل أولى من الرمل، ويتيمم في الضرورة بما لا يتيمم به في السعة، ولو فورة أو زرنيخات أو ثلجا، أو حشيشا إذا كان على استنجاء، وظهر وأراد الوضوء ووجد من (1/209)
صفحة 210
الماء ما لا يكفيه لجميع أعضائه استعمله من اليدين والفم إلى موضع بلغ ذلك وضوء سموه تيمما لعدم الاستيعاب، وإن تيمم بعد فحسن جميل.
والظاهر أنه لا يكفي استعمال ذلك إلا إن وصل أعضاء التيمم كلها، وقيل: في صفة التيمم بالماء أن يستعمله كما يستعمل التراب فقط، وغسل النجس بالماء قبل التيمم به إن كان يكفي لغسله، والمشهور الأول، والوجه فيه أن الله لم ينقلنا إلى التراب إلا بعدم الماء بالكلية، وإذا كان لا يكفي لأحديهما تيمم منه مبتدئ بهما في يديه وفيه الرحت يصل على حد ما.
وعن بعض أنه يتيمم على الهواء إذا لم يجد التراب المجزي، والصحيح أن الأشياء الطاهرة كلها قبل الهواء، وعلى الترتيب بالنظر إلى ما قرب من التراب أو ناسبه وبدن المتيمم قبل الهواء وبعد التراب، وإن لم يجد استعمال يديه في الهواء نوى التيمم، وقيل: من لم يجد التيمم نوى الوضوء، وقيل: أحدهما، (1/210)
صفحة 211
وإذا وجد الماء بعد ذلك توضّأ وأعاد خرج الوقت، ولا إعادة عليه عند بعض إذا فعل ما أمكنه، وكذا الخلف كله إذا منع ما نوى من الوضوء، والتيمم مما كجبائر وعلة في يديه مانعة من تحريكه ما أمكنه فانظر النيل وشرحه. (1/211)
صفحة 212
: الفصل السادس عشر:
يقول من بدأ التيمم: أرفع بتيممي هذا جميع الأحداث وأتيمم للصلاة طاعة لله، ورسوله عليه الصلاة والسلام، أو نحو ذلك من الألفاظ، ويجزيه أن يعتقد ذلك بدون تلفظ، ولا يجزيه التلفظ بدون الاعتقاد.
والكلام هنا كالكلام في نية الوضوء، ويضع بعد ذلك يديه في الأرض أو في التراب حيث كان ما لم يكن تحته نجس على الصحيح، وينبغي أن يقول قبل الوضوء: بسم الله ولابد من وصول كفيه في التراب، كما تصل الأصابع وأطراف الكف، ولا يجب وصول ما بين الأصابع في الوضع، ولا بأس إن لم يفرق.
ويتيمم بهما يابستين طاهرتين ويرفعها من الأرض مقرونتين أو غير مقرونين، وينفضهما نفضا خفيفا، أو ينفخ فيهما، أو يضربهما بعض إلى بعض، فيمسح به وجهه مستوعبا، ويبدأ من أعلاه، (1/212)
صفحة 213
ويجوز من غيره، ويقصد ما بين المنحرين، ويقول حين يرفع يديه إلى الوجه: الله أكبر، ويضربهما ضربة أخرى، ويرفعهما قارنا بينهما من عند إبهاميه ويمر باليسرى على ظاهر اليمنى، وباليمنى على ظاهر اليسرى إلى الكوع وهو العظم الذي يلي إبهاميه إلى الكرسوع وهو الذي يلي خنصريهما.
وإن أخطأ شيئا من مواضع الوضوء لم يصبه التراب فقد أجزأه، وذلك هو الصحيح، وقيل: ضربة للوجه وضربة لليدين، وضربة للذراع، وقيل: ضربة واحدة للوجه واليدين إلى المرافق.
ويدل للأول تعليم النبي صلى الله عليه وسلم عمارا بضربتين، وكذلك قوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) (النساء: من الآية43)، واليد عند الإطلاق يتبادر منهما أن المراد الكف إلى الكوع، وإذا أريد أكثر قيدت في آية الوضوء، والأخذ بالمتبادر واجب ما لم يمنع مانع. (1/213)
صفحة 214
ولعدم القيد في آية السرقة حملت على الكف ولو كان إطلاق اليد على مجموع الكف والذراع، أو على مجموع الكف والذراع، والعضد حقيقة، ويحمل من ذلك إن مسح الكف فرض بالإجماع، والخلف في الزيادة عليه.
وتيمم الحائض والنفساء والجنب كتيمم الوضوء، تيمم للاستنجاء والجنابة، وآخر للوضوء، وقيل: الأول للاستنجاء والوضوء، والثاني للجنابة، وقيل: لكل واحد تيمم، وأجيز واحد للجميع، وإن نوى الصلاة أجزى لها وللجنابة، وإن نوى الصوم أجزأه على قوله للصلاة، وإن نوى الجنابة أجزأه للصوم والصلاة، وقيل: للصوم وهو المشهور. (1/214)
صفحة 215
ومن وجد الماء قبل الدخول في الصلاة أو قبل التسليم بطل تيممه و يقطعهما، وإن وجد بعده قبل خروج الوقت استحب له الإعادة، ومن نسي ماء في رجليه أعاد ولو خرج الوقت على الصحيح كالمصلي بثوب نجس نسيانا حتى خرج فإنه يعيد، وكالمظاهر الصائم ناسيا للرقبة في ملكه فإنه لا يجزيه صومه. (1/215)
صفحة 216
الفصل السابع عشر
ينتقض الوضوء وتيممه بالنوم والحدث والفعل، أما النوم فالناقض منه نوم الاضطجاع القصير الخفيف لا نوم القعود، وقيل: ناقض إن طال مع اتكاء، ولا نوم الركوع أو السجود أو القيام، وذكر بعضهم أن الساجد إذا اتنهى به النوم في الطول إلى خروج الحدث غالبا فالنقض، وكذا في الركوع والنظر إلى أغلب الهيئات في النوم، فإن أمكن خروج الحدث ولم يشعر به فالنقض و إلا فلا نقض إلا إن احتاط.
وقيل: النوم حدث ناقض قليلا أو كثيرا، وقيل: النقض بالثقيل المغيب للعقل فقط، وقيل: بالغالب وهو ما إذا في يده شيء يسقط ولا يشعر به، وذكر بعض أن الطويل الثقيل في الاضطجاع ناقض باتفاق، والقصير الخفيف غير المغيب غير ناقض ولو باضطجاع، والخفيف الطويلة مدته في الاضطجاع مختلف فيه، (1/216)
صفحة 217
والأصل أنه ناقض، والقصير الثقيل مختلف فيه، والصحيح النقض.
وأما الحدث فيما خرج من دبر أو قبل، وقيل: ولو ريحا أو دابة أو قيحا، أو ماء يخرج من فرج الحامل أو صفرة ونحوها، أو طهر، أو ما يخرج من البطن واصل للفم.
واستحب أبو عبيدة الوضوء من الماء الذي يطلع ولو لم يصل حد الفم إذا وجد طعمه في حلقه، وما يخرج من الجروح والحروق من دم أو قيح تغلب عليه الدم، واختلف في دم لم يفض من الأذن أو العين ولو انتقل فيه، والصحيح النقض إن انتقل، ولا نقض بدم غلبه البزاق في اللون، وفي الكثرة قولان، والصحيح النقض بدم متيبس داخل الجلد والظفر إن انتزع، ولا نقض ما لم ينزع. (1/217)
صفحة 218
ويجب النزع إذا قدر عليه، وأما الفعل فكلام ونظر واستماع ولمس وإشارة محرمة بجوارحه، وأما الكلام فكالكذب الذي هو إخبار عن الشيء بخلاف ما هو به عمد بدون إكراه وتعريض، ويجوز التعريض والتقية لرحم أو جار أو صاحب بنحو الدعاء الجميل، ويصرف بالدعاء عن ظاهره، أو عن المدعو له.
ويجوز الكذب إذا أكره إن لم يكن فيه ضرر لأحد، وقد عرف الجمهور الكذب الشامل الناقض وغيره بمخالفة الخبر للواقع إلا أنه لا ينقض منه إلا ما عن عمد، وقال النظام: الكذب مخالفة المعتمد والجاحط مخالفته معا، ولا يخفى أن الكلام المخالف للواقع المطابق للاعتقاد غير ناقض، وكالغيبة بكسر العين وهي حقيقة عرفية شرعية في ذكر المسلم بما يكره مما فيه غائبا أو حاضرا.
أو أردت بمجموع قولي عرفته شرعية عرف الشرع، أو ما ذكره بما ليس فيه فبهتان ناقض أشد، ولا غيبة لمنافق، (1/218)
صفحة 219
أنه مأمور بذكر بما فيه ليعرفه إلا الشرك، فحتى يكون معه ثقة بقوله كما يقول أو الزاني، فحتى يكون معه ثلاث عدول، وليقولوا مثله الذي يقع في الناس أو يكذب، أو يغش بقول أو فعل بأكل الحرام.
ومثل المستخف بالله المستهزئ بالأمة وهو الذي يكذب أحيانا ويتوب أحيانا، ويغش أحيانا ويتوب أحيانا، وإنما تحرم غيبة رجل: خفيف الظهر من دماء المسلمين، خفيف البطن من أموالهم.
أخرس اللسان عن أعراضهم وكالنميمة وهي نقل الكلام أو الفعل على وجه الإفساد، وأما من رأى ناسا توعدوا بضرر رجل في بدنه أو في ماله فواجب عليه، وقيل: جائز أن يخبره بذلك ليحذر وكأيمان الفجور وهي تذر الديار خرابا لا شيء فيها، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ الكذب والغيبة والنميمة، واليمين الفاجرة والنظر بشهوة ينقض الوضوء ويفطرن الصائم ويهدم من الأعمال هدما ويسقين أصول الشر”. (1/219)
صفحة 220
واختلف فيما سوى من كبائر القول والفعل، فقيل: غير ناقض، وقيل: ناقض قياسا على ذلك كالقذف والبهتان، ولعن من لا يستحق اللعنة كالبهيمة والطفل، ولعن المستحق على وجه لا يوجب اللعنة.
وذكر الفرج و العذرة بأقبح أسمائها، وشتم أحد بهما والقبح يحسب عرف أهل كل موضع، فقد يقبح اسم عند قوم دون آخر، فلا نقض به لمن نطق به فمن للقبح عندهم، وقيل: لا ينقض إلا إن شتم بهما أحد.
وكذلك القهقهة في الصلاة فإنها ناقضة للوضوء والتيمم والصلاة لحرمة الصلاة، وأما النظر فكل نظر محرم، كالنظر بشهوة مطلقا إلا زوجته أو سريرته أو زوجها، أو النظر إلى عورة الآدمي البالغ عمدا غير نفسه، وزوجته وما ملكت يمينه في الإماء، والنظر إلى محاسن النساء.
ونظر إلى عورة نفسه تلذذا ينتقض وضوءه، (1/220)
صفحة 221
إن عورته غير زوجته وسريرته، فذلك فمن اتقى وراء ذلك كما قيل من عدم النقض، وإن نظر إلى طفل أو بهيمة في حال الانتشار متعمدا فالنقض، وقيل: لا ولا نقض في غير حال الانتشار إلا الشهوة، وعورة البالغ من الذكور والإماء والمتبرجات من النسوة إلى الركبة على خلف في دخولهما، والصحيح الدخول، وعورة الحرة غير العجوز والمتبرجة ما عدا الوجه والكفين.
ولا يحل لذي محرم النظر لشعر وصدر وساق ونحو ذلك عند الحسن، وأجاز ابن عباس النظر إلى موضع القرطين والقلادة والسوارين والحجالين، والصحيح جواز النظر لما فوق السرة وما تحت الركبة، وبه قال أبو مسعود -رحمه الله- ولا يحل لها إبراز ذلك لغير الثقة في محارمها ممن يقصد النظر للالتذاذ.
وكالنظر عمدا إلى جوف بيوت الناس بغير إذن إلا إن زينت وعدت للنظر إليها أذن في دخولها كبيوت تجار مصر وأكابرها فإنه لا ينقض، إلا أنه لا يجوز قصدها للنظر لأنه تعظيم للدنيا أو إغراء لأهلها بها (1/221)
صفحة 222
كما أنه إثارة لشيء في قلب الناظر كالنظر في سر كتاب غير مباح بغير إذن صاحبه.
ويجوز النظر في: البسملة والعنوان، وكتب التجار والحسابات، والدواوين والأشعار، ودفاتر الحكام، وكتب العلم، وإذا احتمل السر وغيره وجب التوقف وعدم النظر، إن ذلك شبهة ألا تقف ما ليس لك به علم، وأما الاستماع فكالاستماع إلى الغيبة والسر وتجسيس الأسرار، واستماع الباطل من الملاهي والمزامير والنواح وكل منكر كبير، فإن المستمع شريك القائل فإن قدر غير و إلا أو غير ولم يؤثر قام حتى يقضي حاجته صاحبه، ولكن انظر إن اعتد ذلك في مسجد فالظاهر وجوب أن لا يحضر في ذلك المسجد حين يحضر كبير المسجد الذي يفعل ذلك، ويجوز الاستماع إلى من يذكرك بشيء سرا. (1/222)
صفحة 223
وأما اللمس فكملاقاة البدن ولو شعرا أو ظفرا على الصحيح نجسا رطبا أو ميتة ولو يابسة، وإذا لاقى الطاهر المبلول نجسا فإن كان سريع الانحلال كالبول والماء النجس نجس لمجرد الملاقاة أو بطية كالنطفة، والدم والعذرة فلا ينجس مادام النجس يحيط الماء إليه.
وأما مس الميتة فناقض ولو يابسة ويابسا ما لاقاها ولو كانت لمتولي على المختار، إن النقض بها سنة لقوله صلى الله عليه وسلم: مس الميتة ينقض الوضوء لأنه نجاسة، أما إذا غسل الميت فلا نقض بغسله إلا مس العورة أو النجس، وقيل: إن مس ميتة المتولي غير ناقض وكملاقاة أبدان الأجنبيات الحرائر غير المتبرجات عمدا إذا كن ممن توجد اللذة لمسهن على غير سبيل المعالجة والتنجية، ولا نقض لمس بدن المحرمة إلا أن تعمد مس ما حرم نظرة أو مس بشهوة، وكذا الإماء، قيل: والمتبرجات.
وأفاد عمر أبي بكر عائشة في فخذها بيده جواز مس المحرمة في موضع لا ينظره إذا كان المس من فوق الثوب، وأفاد أنه يجوز للأب أن يؤدب ابنته المتزوجة كما لزوجها، (1/223)
صفحة 224
وجاز النظر لمن لا يفتن كالعجوز ونساء تهامة ولو لغير الكف والوجه، وكذا المس، وقيل: المس أشد من النظر وهو الصحيح، فلا يجوز مس ما جاز نظره من الأجنبيات كالوجه والكف، وقيل: يجوز كما علمت.
وفي السؤالات: اللمس أشد من النظر، وقيل: ولو من فوق الثوب فمس ما لا يجوز مسه ناقض ولو من غير مباشرة، وكمس فرج الدابة أو غيره لشهوة، ولا نقض لمسه من غير شهوة إلا لنجس رطب، وينتقض إذا مس فرج نفسه أو غيره ذكر أو أنثى عمدا ولو بظاهر كفه، وعلى الصحيح إلا مسه يحائل أو مسه في الصلاة لظنّ في حدث، وإن مسه خطأ أو نسيانا فالنقض على المختار عندهم، كما ينتقض بمس النجس الرطب وخروج الريح بلا عمد والحائل غير الكثيف كالحائل الكثيف ما لم تلاق اليد البدن نفسه على ما ظهر لي.
ولا نقض على المختار بمسه بغير اليد، والناقض مسه من فرجه وفرج زوجته، وفرج سريرته القبل والدبر، وما بينهما والمقعدتان والعانة وأنثياه. (1/224)
صفحة 225
وقيل: القبل والدبر، وقيل: الثقبتان فقط، وقيل: مس القضيب كله ينقض، وأما فرج غير نفسه وزوجته وسريرته فمسه ومس القدر الذي يحرم إليه النظر ناقضتان، وأرخص ما قيل في عورة غير من ذكر أنها في حد منابت الشعر إلى منتهى مستغلظ الفخذين، ولا نقض بمس فرج غير البالغ إلا بنجس رطب، وقيل: بالنقض لأن له حرمة الإنسان، وقيل: بالنقض بفرج الطفل الأنثى.
وأما الإشارة المحرمة الناقضة فكالإشارة إلى متولي بيد أو عين أو نحو ذلك لكل إهانة له فقط، وينقض تيمم الوضوء والجنابة والحيض والنفاس وجود الماء إن كان لفقده وبالقدرة على استعماله إن كان لعدم القدرة. (1/225)
صفحة 226
الباب الثالث في الحيض والنفاس والاغتسال .......
الباب الثالث
في الحيض والنفاس والاغتسال منهما وأحكامها
الحيض لغة: الانفجار والسيلان، يقال: حاضت السمرة وهي شجرة؛ أي خرج منها شيء أحمر كالدم، وخاض الوادي: سال لا بمعنى الاجتماع، وإن هذا وادي يقال له حاض الماء يحوض حوضا؛ أي اجتمع ومنه سمي حوض لاجتماع الماء فيه وذلك بأي.
وشرعا: الدم الخارج بنفسه من فرج المرأة الممكن حملها عادة، كلك يبع سنين بالموحدة تسع وبالمثناة فأكثر إلى حد الإياس، وقيل: ذلك أكثر من سبع غير زائد ذلك الدم على خمسة عسر يوما في غير ولادة ولا مرض، وخرجت الصغيرة دون ما ذكروا والآيسة كبنت سبعين، وقيل: خمسين، وخرج ما خرج لا بنفسه كالدم الذي يستخرج، ودم الجرح، (1/226)
صفحة 227
ودم الافتضاض، وخرج ما كان من دبر، وخرج الزائد على خمسة فإنه استحاضة وما خرج بولادة فإنه دم نفاس.
ويقال: حاضت المرأة تحيض حيضا، ومحيضا ومحاضا وهما مصدران ميميان وهي حائض وحائض، وقيل: إن أردت الحالة المستمرة بمعنى من شأنها أن تحيض وتطهر من الحيض، قلت: حائضا وطاهرا وإحالة الحاضرة، قلت: حائضة وطاهرة، وسببه إعانة حواء لآدم على أكل الشجرة عقوبة لها لبعدها عن طاعة ربها وقت ملابستها وأقر في نباتها أو أنها كسرت شجرة الحنطة ورمتها أو لأنها عاقبت الحية بسلب قوائمها أقوال، وقيل: أول ما امتحن به نساء بني إسرائيل بفجرة فجرتها امرأة منهن. (1/227)
صفحة 228
وأسماؤه: حيض ومحيض ومحاض، وطمث وإكبار، وطمس، وعراك، وفراك، وأذى، وضحد، ودرس، ونفاس، وقرء، وإعصار، وتحيض الآدمية والأرنب والضبع والوطواط والفرس والكلبة.
والنفاس لغة: ولادة المرأة لا نفس الدم.
شرعا: الدم الخارج من الفرج للولادة على جهة الصحة والعادة، وخرج بعلى جهة الصحة ما زاد على مدة النفاس (1/228)
صفحة 229
الفصل الأول
كانت اليهود والمجوس والمشركون لا يؤاكلون حائضا ولا يشاربونها، ولا يساكنونها ولا يجالسونها ولا يجامعونها، والنصارى نعوذ بالله منهم لا يبالون بشيء في ذلك، ولما جاء الإسلام سأل أبو الدحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله سبحانه وتعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ). (البقرة: من الآية222) الآية.
فكان المسلمون إذا حاضت عندهم امرأة أخرجوها من البيت فشكا قوم من أعراب المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن البرد شديد وأن الثياب قليلة، فإن أثرناهن بالثياب هلكنا، وإن أثرنا أنفسنا هلكن، وليس عندنا ما يكفي الكل، فقال صلى الله عليه وسلم “ إنما أمرتم بعزل الفروج”، فقرأ الآية مشيرا بقوله: إنما أمرتم بعزل الفروج إلى أنه المراد باعتزالهن.
والأذى: المرض أو القذر أو الدم أقوال، ويطهرن: يرين الطهر، ويطهرن: يغتسلن بالماء: (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ). (البقرة: من الآية222) جامعوهن من وجه محلل وهو أن (1/229)
صفحة 230
يكون الجماع في القبل في غير وقت الصوم والحج والعمرة والاعتكاف.
والتوابون هم التوابون من المعاصي، والمتطهرون من الحدث والنجس، أو التوابون من الكبائر، والمتطهرون من الصغائر، أو التوابون من الأفعال، والمتطهرون من الأقوال، أو التوابون من ظاهر الجرائر، والمتطهرون من خبث السرائر والتوابون من الذنوب، والمتطهرون من العيوب وهي ما دون الذنب، أو التوابون من صغائر الآثام، والمتطهرون من الإحرام أقول.
وحرث لكم مزرع لكم ومنبت للولد، وهذا كناية على تحريم أدبار النساء، لأن الدبر موضع الحرث وحرثكم نساؤكم، وإن شئتم كيف شئتم، أو متى شئتم مقبلات أو مستدبرات، أو مستلقيات في القبول في كل ذلك، وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ في طلب الولد، وقيل: في تقديم الأولاد الصغار، (1/230)
صفحة 231
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قدم ثلاثا من الولد لم تمسه النار إلا تحله القسم أي ثلاث أنفس، وفي الولد الذكر والأنثى سواء، أي قد يكون تقديم ثلاث من الولد سببا لغفران الذنوب وقبول التوبة منها.
والولد الميت يسمى فرطا تشبيها بمن يتقدم القوم يهيئ لهم الماء، وذلك كقولك لطفل المتولي اللّهم اجعله لنا ولأبيه فرطا؛ أي أجرا يتقدمنا ويرد عليه، قيل: واثنان يا رسول الله، قال: واثنان واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم.
والنخلة مصدر حلل على غير قياس وأصله تحلله بسكون الحاء وسكون اللام نقلت كسرتها وأدغمت؛ أي إلا بر القسم وهو عدم الحنث فيه، والمراد بالقسم التحقيق بالحصر، (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا). (مريم: من الآية71)، أو يقدر (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا)، هذا قول الجمهور، ولعل التقدير والله أن منكم والدليل على هذا التقدير ما ذكر في الحديث في تحله القسم. (1/231)
صفحة 232
وقيل: القسم (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً). (مريم:68)،على أن يكون قوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا)، معطوف على جملة جواب القسم ولا دليل عليه.
وقال الحسن وقتادة حنما مقضا؛ أي قسم مفروضا ومسها المسلم وهي باردة، وقيل: المراد لمسها مس الحمى فإنها في فيح جهنّم، وقيل: لها عاطفة، كما قيل: إلا من ظلم ثم بدل حسنا.
وفي قوله:
وكالأخ مفارقه أخوه = لعمر ابنيك إلا الفرقدان
ولا تحله القسم ولا نسلم ورود إلا عاطفة.
وعلى هذا فمن مات له ثلاثة أو اثنان مستثنى من عموم قوله تعالى، وقيل: الورود يف الآية وصولها، (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا)،بدليل الحديث.
وقيل: الورود في الآية، (1/232)
صفحة 233
فيدخلها بدون دخولها فتختص بالمؤمنين أو مطلق وصولها فيدخلها الكافر وينجوا من دخولها المسلم، وقال بعض قومنا: الورود على الصراط، والجمهور على عموم الورود بمعانيه لكل أحد، وقيل: الخطاب للكافر انتقالا إليه من الغيبة، قيل: ويرد الحديث فانظر تفسيرنا (1/233)
صفحة 234
الفهرس
* عقيدة مذهب أهل الاستقامة من المسلمين
* مقدمة
* الباب الأول التوحيد
* الفصل الأول
* الفصل الثاني
* الفصل الثالث
* الفصل الرابع
* الفصل الخامس
* الفصل السادس
* الفصل السابع
* الفصل الثامن
* الفصل التاسع
* الفصل العاشر
* الفصل الحادي عشر
* الفصل الثاني عشر
* الفصل الثالث عشر (1/234)
صفحة 235
* الباب الثاني في الطهارات
* الفصل الأول
* الفصل الثاني
* الفصل الثالث
* الفصل الرابع
* الفصل الخامس
* الفصل السادس
* الفصل السابع
* سنن الوضوء
* الفصل الثامن
* الفصل التاسع
* الفصل العاشر
* الفصل الحادي عشر
* الفصل الثاني عشر
* الفصل الثالث عشر
* / الفصل الرابع عشر
* الفصل الخامس عشر (1/235)
صفحة 236
* الفصل السادس عشر
* الفصل السابع عشر
* الباب الثالث: في الحيض والنفاس والاغتسال منهما وأحكامها
* الفصل الأول
مطابع سجل العرب (1/236)
صفحة 237
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب الجامع الصغير
تصنيف
العلامة محمد بن يوسف أطفيش
الجزء الثاني
1406 ه - 1986 م (2/1)
صفحة 238
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومى والثقافة
*
كتاب الجامع الصغير
تصنيف
العلامة محمد بن يوسف أطفيش
الجزء الثاني
1406 هـ - 1986
م (2/3)
صفحة 239
بسم الله الرحمن الرحيم (2/4)
صفحة 240
الفصل الثاني
يجب على المرأة أن تعلم مسائل الحيض على قدر حالها مما يجيز
وما يجوز من الحيض وما لا يجوز.
وبلل الحائض والنفساء والجنب طاهر
وجاز للحائض والنفساء ما جاز
قيل: لها خمس عشرة خصلة:
الأولى: الوطئ في الفرج.
وهى كبيرة لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أتى امرأته حائضا
فقد فعل ذنبا عظيما» •
وعنه صلى الله عليه وسلم: «من وطئ امرأته وهي حائض فقضى
بينهما ولد فأصابه جذام فلا يلومن الا نفسه» •
ومن احتجم يوم السبت أو الأربعاء فأصابه وضح أي مرض
فلا يلومن الا نفسه.
ويجوز الجماع فى غير الفرج ولو تحت السرة.
أو في الفخذ.
وقيل: يجوز فيما فوق السرة.
وقيل: يجوز تحت الركبة. (2/5)
صفحة 241
وأجازه بعض بينهما على حائل ...
والذى عندى أنه لا يجوز الجماع من فوق الحليل لأن الحائل غير
المرأة.
فأخاف أن يدخل المجامع من فوقه لقوله تعالى: (فمن ابتغى
وراء ذلك فأولئك هم العادون).
ما دخل فيه من يستمتع بيده مع فرجه الا أن صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ولم يصح. ...
وأما ما ورد من جماعه صلى الله عليه وسلم من فوق الازار
فمعناه فمن فوق محل الازار.
وهو ما فوق السرة.
ومن وطئ امرأته في دبرها أو فى حيض عمدا كفر وحرمت عليه
ورخص بعض أن لا تحرم عليه ترخيصا مشهورا في الحيض غريبا
في الدبر وجمهور أصحابنا على التحريم.
ولا يسمح في الدبر
وعليه فالظاهر انهم يلزمونه المغلظة أو المرسلة لأنه فعل كبيرة
ان الوطئ في الحيض أو الدبر كبيرتان فهو الواجبة لا الدينار
لقولهم بالحرمة هذا ما ناسب قولهم
ووقف أبو عبيدة. (2/6)
صفحة 242
وقال الربيع فى تحريمها مستحبا مفارقتهما وأوجب من حللها على
من طاوعا منهما وتعمد دينارا يعطيه الفقير متولى كبير
وجوز بينهما دينار ومن أكره آخر أو غيره فعليه دينار
وقيل اثنان.
والحق لزوم الدينار.
ولو قيل في تحريمها لعموم الحديث
ولان الحديث لم يجئ فى أن الدينار أو تحليل لها ..
وقيل: اذا وطئها فى الحيض أربع مرات حرمت لانه معاند.
وليس هذا التفضيل بشيء لأن هذا العناد يحصل بمرة ولاسيما
بثلاث
فما بال تخصيص الأربعة.
وسبب الخلاف ما يذكر في الأصول هذا النهي يدل على فساد
عنه. المنهى
وفى بعض آثار أصحابنا الصحيح انها تحرم بالجماع والحيض وجماعها بعد المطهر وقبل الغسل كجماعها قبل الطهر عن أبي عبيدة.
والمختار انها لا تحرم.
ولا يكون حكمها حكم الحائض لانها بصاع من ماء أو أقل بخلاف
الحائض. (2/7)
صفحة 243
A.
والوطئ في الصفرة ونحوها كالوطئ فى الدم في الأحكام كلها
وقيل: يلزم به نصف دينار على كل واحد.
والنفاس كالحيض قياسا
وان ضيعت الغسل حتى خرج وقت الصلاة جاز له جماعها وطلاقها
وفاتته وحلت لغيره
ان ذلك في تمام عدتها
الثانية والثالثة: الصلاة والصوم.
فان صامت أو صلت كانت فاسقة منافقة
وتقضى الصوم دون الصلاة تخفيفا عنها لكثرة الصلاة.
وحرام عليها قضاءها
والنساء ناقصات عقل ودين.
بدليل أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل
وناقصات دين لأن المرأة تترك الصلاة والصوم شهر دهرها للحيض
والنفاس
الرابعة: دخول المساجد ومواضع الصلاة
وعصت بدخول ذلك
وقيل: ان دخلت المسجد الحرام أساءت ولا كفارة عليها (2/8)
صفحة 244
-
وان دخلت غيره من المساجد فلا بأس ان لم تخف فساده
الخامسة: الاعتكاف فى المسجد أو غيره.
عند مجيز الاعتكاف في غيره انما لم يكتفوا عن لأن فيه قولا بجوازه.
ذلك بمنع الدخول
هذا القول لا يجوز الاعتكاف ولو على هذا القول
السادسة: الطواف بالبيت
فانها ولو كان دخولها المسجد الحرام اساءت فقط لكن نهيت أيضا عن
الطواف
وان طافت لم يجزها لأن الطواف صلاة حل فيه الكلام بغير
السابعة: قراءة القرآن.
فانها ممنوعة عن الجنب والحائض أقدر منه.
وقيل: تجوز لها دونه لطول مقامها مع انها لا تصل الى الطهارة
بخلاف الجنب
وذلك هو المختار لاجماعهم على جواز ذكر الله لها.
وخالق القرآن أعظم من القرآن ولا يدنس الذكر بدنس الأجساد
وقيل: تكره لها القراءة
وقيل: تجوز ان خافت نسيانا (2/9)
صفحة 245
-
ويجوز لها استقبال القبلة
ويجوز أن تقرأ الحائض والنفساء والجنب فى القلب دون تحريك
اللسان والشفتين
أو بتحريكها دون اسماع اذنه
الثامنة: مس
المصحف
ذلك لقوله تعالى) لا يمسه الا المطهرون).
وهم من ليس مشركا ولا جنبة ولا حائضا أو نفساء ولا ناهية لذلك يقدر السكون فى السين ولم يظهر لئلا يلتقى ساكنان •
وجاز امساکه بعلاقته.
وقيل: هم
الملائكة.
أو نافية ليست بمعنى الناهية.
أى لا يتناوله فى السماوات واللوح المحفوظ.
ونزوله الى الملائكة وهم مطهرون من العيوب.
فأنظر تفسيرنا بل قراءة تشديد الهاء وحدها تختص بالملائكة إياهم
مخلوقة على الطهارة من كل دنس •
فكيف يكذب ما جاءوا به. (2/10)
صفحة 246
11.
وقراءة تشديد الطاء والهاء بمعنى غير المشركة والجنب والحائض
وقيل: وغير المتوضح لأنه بمعنى علاج الطهارة بعد عامها
التاسعة: الطلاق
فلا يطلقها زوجها.
ولا تطلق نفسها منه أن جعل الطلاق بيدها معلقا
المعلوم أو خيرها ان طلق أو طلقت نفسها كذلك فلا عصيان لانها
طاهرة لا حائض
ويقول تعالى: (حتى يطهرن).
والحديث جاء بالنهى عن طلاق الحائض
العاشرة: قطع ما اتصل بها:
كتقليم الأظافر
وتنتيف الابطين
وحلق العانة.
بل إزالة ذلك كله بما أمكن كقطع بموس وكقلع بالنورة.
ولا يجوز لان أجزائها غير طاهرة ولا تصل الى تطهيرها. (2/11)
صفحة 247
12
-
واذا طهرت جاز لها القطع قبل الاغتسال ان غسلت ما أرادت قطعه وقطعه فغسلته.
عشر:
الحادية عشر والثانية عشر والثالثة عشر والرابعة عشر والخامسة
الاحتجام والامتشاط والاكتحال والاستياك والاختصاب.
لا تفعل شيئا من ذلك حتى تطهر
•
لان ذلك من دواعي الجماع المنهى عنه.
والدعاء للمعصية معصية.
وكذا اخراج الدم بدون احتجام لا يجوز لها الا لداع كشوكة وعصر
قرحة.
ويجوز لها الاكتحال للمداواة ولو بأثمد
والمراد بالسواك سواك الصلاة بما أمكن.
وأما صبغ شفتيها بقشر شجرة الجوز مثلا فلا يسمى سواك
ان ذلك أولى بالمنع.
لأن التزيين به أشد من التزيين بازالة صفرة الفم ونتنه بالسواك.
ثم ان المراد الحائض التي لها زوج • (2/12)
صفحة 248
13
-
وأما من لا زوج لها فلها انها تكتحل مثلا وذلك لانها لا زوج لها يدعوها ذلك الى جماعها مع ان لها اطهار عينها ووجهها ولو بكحل لغير محرمها.
وأجيز للحائض أن تغسل يديها وتخضبهما بالحناء وأن تدهن.
وكره لها الظفر والمشط بلا لزوم شيء
ولها فتح رأسها ودهنه وظفره ان أريد حلها لأمشطه
وأجيز للنفساء المشط والظفر كالدهن. (2/13)
صفحة 249
14
-
الحيض دمه أسود غليظ
الفصل الثالث
لا يكاد يخرج من الثوب منتن
والاستحاضة دمها هو الخارج من الرحم على جهة المرض
وهو أحمر رقيق لا رائحة له.
والنفاس دمه هو الخارج بسبب الولادة
ووجب على المرأة معرفة الثلاثة
ولا يكون حيضا الا الدم الخالص الفائض ولى قليلا اذا ظهر
ويكون ذلك ولو بالمسح تعلمها من طين أو غيره.
وتمسح به اذا أحست بالحيض أو الطهر بيسراها في خلفها عرضا
في الدم.
وطولا في الطهر بين القيام والقعود لان القيام والقعود قد يمنع
ظهوره على علمها
وقيل: لا يكون حيضا حتى يقطر وان قطر لها دم وظهر أخذت
وان لم يتبين أخذت بالمتوسة وبالدائر وبقيت على ما كانت ... قيل: أقوال. (2/14)
صفحة 250
-
ولا تكون العلقات حيضا ولو نتابعت الا أن كانت معها صفرة
ولم يقطع بينهما طلوع الشمس أو غروبها تقدمت المعلقة أو الصفرة
ولو طال قدر بينهما لانهما جمعهما ليل واحد أو نهار واحد
وان فصل طلوع أو غروب لم تعد حيضا ولو تقاربت حدا •
وقيل: ان لم تقطع الصلاة.
وقيل: ان الكدرة والصفرة والعلقة والتيبس لا حكم لها
انما الحكم لما سبقها من طهر أو حيض
وهذا قول الربيع وهو المعمول به عند أصحابنا.
وقال بن عباد من حيض في أيام الحيض الا التيبس اذا جاءت واحدة منهن بعد وقتها في الصلاة عدتها حيض
وقيل في الصفرة والكدرة انهما حيض في أيام الحيض وأيام الطهر
كانتا وحدهما أو مع الدم.
والترية بكسر الراء وتشديد الياء بعدها
قيل: غسالة الدم عقب طهرها.
أو الماء المتغير دون الصفرة.
:
وقيل: القرية الدفعة من الدم لا يتصل بها من الحيض ما يكون حيضة
كاملة. (2/15)
صفحة 251
والدفعة حيض •
والحيضة ما يقع به الاعتداد في العدة.
والاستبراء حكاه بعض
ولا تصل بطهر التفتيش فلتعد لذلك ما وصلت بعد بغسله ولا تترك بدمه ولا تريح رائحة الجنة ان فعلت.
ولا يشم رائحة الجنة ولا جاهل ولا قاطع شفعة ولا ابق ولا ناشرة
وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام ان كانت لا تجد الطهر والحيض الا بالتفتيش فجائز
•
ولا تترك الصلاة بدم وجدته على فخذها أو عقبها أو حجر
قميصها.
أو موضع قامت منه أو حجر مسها.
أو بعد حملها على قول.
أو بعد اياسها أو بصفرة آلت الى الدم.
وان تركت الصلاة أو الصوم بذلك جاهلة أعادت ما تركت.
ولا كفر ولا كفارة ولا انهدام لان ذلك شبهة.
وقيل بكفرها فى ذلك كله ولزوم المغلظة والانهدام. (2/16)
صفحة 252
17
-
-
وكذا ما رأته في ثوبها أو بدنها
فما يكون شبهة كالعانة والركبة والمقعدة والساق
أو
مع
البول فلا تعتد بذلك
ولا بما وجدته من الغائط.
ولكن اذا رأت شيئا من ذلك فلة مسح بعلمها
وان لم تجد شيئا فهي طاهرة.
وكذلك الكلام فى الطهر تكفر اذا وقعت الصلاة به أو الصوم في
تلك المواضع •
وتلزمها المغلظة فى قول.
ز م 2 - الجامع الصغير ج 2) (2/17)
صفحة 253
الفصل الرابع
خمسة دماء لا تعتد بها أصلا:
الأول: ما رأته قبل سبع سنين.
وقيل: قبل ثمان.
وقيل: قبل تسع.
وعلى الخلاف في أقل ما يمكن بلوغ المرأة
ولكن اذا رأته قبل ما ذكر فدام بها الى البلوح ملتعط للحيض
ان زاد للكثرة أو الغلظة
•
وقيل: ان لو انتقض •
الثاني: ما رأته بعد الاياس ووقت ستون سنة
وقيل خمسون ويجزى فى ذلك خبر أهل الجملة أو نساء أهل الجملة
وان ولدت بعد الستين فلتعط للنفاس.
الثالث: ما رأته في أيام صلاتها قبل أن تصلى عشر أيام.
أو بعد ذلك الا ان رأته بعد ذلك وتوالى لها ثلاث مرات
فانه تنزل اليه بعد عشرة أيام على قول من يقول.
•
وتتخذ للصلاة وقتا واحدا ولا تترك فى الصلاة إلى أقل من عشرة. (2/18)
صفحة 254
-
19
وقيل: كل دم بعد طهر عشر أيام تعتد به وتعطى للحيض
وهو أرفق والأول أصح
فلا تعتد به حتى تصلى ما كانت تصلى قبل الا أن توالى كما مر
الرابع
: ما رأته في أيام حملها بفتح
الحاء
ويقول صلى الله عليه وسلم: ما كان الله ليجعل حيضا ولاجماع المسلمين على من طلق امرأته وهي حامل مطلق للسنة
وكذا قيل: وليس مسلما
حمل
فان من أثبت الحيض مع حمل وهى حامل لا يجيز طلاق الحامل في حال الدم وهو يعصيه.
ولكن يحكم بأنه عاص والأولى الاقتصار في الاستدلال على الحديث.
وقيل: ان رأته في الأيام التى كان يأتيها الحيض فيها فحيض فوجب بأن تصلى ما كانت تصلى من قبل ثم يجيء الدم والا فلا.
والصحيح الأول قدم الحامل استحاضة مطلقا.
وذكر بعض أن دمها دم حيض تارة لقوتها الجنين
ولذلك أمكن حمل على حمل.
كما ذكر الأطباء: ودم مرض تارة • (2/19)
صفحة 255
وبعضها يمرض الجنين
قال بعض الأطباء: دم حيض الحامل قسم يتغذى به الجنين طول مكنه الشقا من سائر جسده لا من مخصوص فيه.
وقسم يصل الى الثديين ويتحول لبنا
وقسم هو أرداه وأقبحه يتحقن ويخرج وقت الولادة
الخامس: ما يكون بقرح أو علة.
وخمسة تعتد بها
ذلك اذا أدامت بعد زوال الحال الذي يوهم مبتدأه أو معتادة في وقتها في الحيض
أنه بسبب الدم كانت
فبدوامه يعلم انه مسبب ليس عن ذلك الحال
فهى تصلى على زوال الحال
•
الأول: الدم الذي تراه في حال الخوف
الثاني: ما تراه مع الحمل الثقيل بكسر الحاء.
الثالث: ما رأته بركوب الدابة.
الرابع: ما تراه بالقفزة والوثبة.
الخامس: ما تراه بالجماع غير الاول. (2/20)
صفحة 256
وثلاثة تعتد بها وتترك الصلاة ان دامت أكثر من ثلاث أيام.
وتصلى فى الثلاثة الأيام ولا تحسب هذه الأيام الثلاثة من حيضها
المشك فيها
وذلك على المختار عند صاحب الايضاح.
وقيل: نحسبها.
وان لم ترد على الايام الثلاثة فعلى الأول لا تحسبها حيضا
وعلى الثاني تحسبها
•
وان لم تتم ثلاثة أيام فلا تحسبها
والأول ما رأته بأكل الدواء
الثاني ما رأته بالافتضاض
الثالث: ما تراه يحل باب الحيض بالمرور
ولا يحل ذلك وتغرم دية ما أفسدت للفقراء
وقيل لورثتها في الحين
وقيل توصى لهم به.
وقيل شيء على الانسان فيما فعل بنفسه في الارش
فبالعادة والتجربة لا تدم هذا الدماء أكثر من ثلاث أيام تناظر (2/21)
صفحة 257
الحيض اذا شكل يبلبع فى الحمرة كالبقم والفحارة الحمراء الموالية للنار
جدا أو دم الذبيحة الأول
ودم القراد العظيم
فاذا رأت مثل ذلك الدم تركت الصلاة
وان رأته داخل وقتها فى المطهر اغتسلت لكل صلاتين
أو لكل صلاة.
أو لا غسل عليهما الا حين تخرج من الحيض.
وقيل: اذا رأت ما يخالف لون الرمل تركت الصلاة مبتدأة أو معتادة.
ولا تغتسل به ان رأته داخل وقتها في الصلاة
وقيل كلما تعطى به للحيض تغتسل به اذا رأته وأخذ وقتها
و تناظر الطهر اذا اشكل بشديد البياض كالجر ومائه والدرهم
الصافي
وما يلى البدن من السوار وغير ذلك من الفضة الصافية وصوف ناصية الكبش المغسول بالجبس وأصول اظفار الشباب وبزاق الصائم وحصاة الطريق وطعم السح
والا فعد عندنا الماء الأبيض فى آخر وقتها بعد تمامه ويكون
ظهر للمرأة ولو كانت عادتها الجفوف (2/22)
صفحة 258
23
وان رجعت التي عادتها الماء الأبيض فى آخر وقتها بعد تمامه انتظرت في ساعتها الى مثلها من المغد وجه الزيادة في العيادة
وقيل في غروب يليها الى غروب
ووجه تلقى فى الحيض والطهر ما جاءها منهما بعد طلوع الشمس
فكذلك تبتدى من الغروب فصار بعده انتظار وما قبله حيض
وهو الصحيح
ثم اذا كان الماء الأبيض معتادا أو غير معتاد فجاءها الجفوف ثلاثا فى وقت الماء وجاءها قبل وقت الماء ثلاث كان وقت الجفوف
لها وقتا
والمبتدأة لا تعتد بالجفوف يطهرن لها ثلاث مرات في وقت واحد
وأما قبل ذلك فتترك الصلاة الى عشرة وتنتظر (2/23)
صفحة 259
24
-
الفصل الخامس
أدنى أوقات الحيض للمرأة مبتدأة أو معتادة ثلاث أيام عند أكثر
اصحابنا
فاذا رأت الدم بصفة دم الحيض وجب أن تترك الصلاة والصوم.
فان انقطع بالفضة البيضاء أو بالجفوف حيث يعد وقتا قبل الثلاث
أعادت الصلاة على الصحيح
وذلك كالصوم الطهر رأته ليس دم حيض بانقطاعه قبلها
وان لم تترك الصلاة والصوم وانقطع قبل ففي الاعادة قولان والمشهور عند أكثر أصحابنا أن أكثر الحيض عشرة أيام
وان أقله ثلاث أيام
وقيل أقله يومان
وقيل يوم وليلة
وقيل ساعة
وقيل دفعة وهما شاذان وفسر بعضهم الساعة بالدفعة
واختار الشيخ اسماعيل أن الدفعة الواحدة حيض في أمر العبادة
دون العدة والاستبراء ونحوها (2/24)
صفحة 260
25
وهو ضعيف لرواية جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسـ اذا أقبلت الحيضة فدعى لها الصلاة» •
ان المراد بالحيضة ثلاث أيام فصاعد الى عشرة كما في رواية جابر
واذا طهرت قبل الثلاثة تبين انها غير حائض.
وما يذكر أصحابنا في الأصول ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب محله.
جابر
فاذا لم يخص العموم بشيء والحيضة مخصوصة بل مبينة برواية
وقيل أكثر الحيض خمسة عشر يوما
4
وقيل أربعة عشر يوما
وهو شاذ مروى عن أبي عبيدة رضى الله عنه وهي العادة في نساء
الماجشون
وأدنى أوقات النفاس عشرة أيام
وأكثره ستون أو تسعون أو أربعون وهو الصحيح من الأقوال.
وقيل: أدناه أربعة عشر يوما
وقيل: دفعة.
فلو تركت الصلاة الدفعة ثم رأت المطهر لم تعدها. (2/25)
صفحة 261
-
وتترك الصلاة اذا وضعت آخر ما في بطنها لأنها أيضا حامل مادام
جنين فيه ممنوعة من التزوج
وقيل اذا وضعت الأول
•
وقيل اذا ضربها المخاض ورأت الدم.
وقيل حتى ترقد للولادة.
وقيل حتى يخرج بعض الولد حين تضعه.
وتفوت زوجها وتحل لغيره اذا سقطت مالا يذيبه الماء.
وقيل اذا استبانت في السقط جارحة
وقيل اذا تمت خلقتة.
وأدنى أوقات الصلاة على الصحيح عشرة أيام
وقيل خمسة عشر.
وقيل: أكثرها ستون.
وقيل: ثلاث أشهر.
وقيل أربعة شهور.
وقيل واحد لا أكثر.
وذكر بعض قومنا ان لا مستند للتوقيت فى الحيض والنفاس والطهر
الا العادة والتجرية. (2/26)
صفحة 262
فكثر الاختلاف لاختلاف أحوال المنساء.
ولا تأخذ الوقت للصلاة ما لم تأخذ للحيض لأن الطهر أصل مستصحب لا يجد بوقت ما لم يوجد ما يسقط به وهو الحيض.
وتأخذ للنفاس ولو لم تأخذ للحيض
انه كالحيض تترك به ما تترك بالحيض. (2/27)
صفحة 263
28
الفصل السادس
خمسة أطهار لا تؤخذ وقت للصلاة
الأول: الطهر الذي خالطه الدم مثل ان ترى الطهر بعد تمام
وقتها في الحيض
فتصلى به ستة أيام
مثلا فترى يوما دما وترى بعده طهرا عشر أيام مثلا.
فلا تأخذ الستة عشر يوما وقتا لصلاتها سواء كان لها وقت قبل
ذلك أم لا
•
ان ذلك طهر غير مستقيم ولكنها تعطى للحيض ان لم يكن لها وقت
أو اذا كان لها وقت أقل من ستة عشر يوما.
وان كان أزيد فلتغتسل الا ان تصله الا على قول الربيع
ان كل دم بعد ظهر عشر أيام فهو حيض
وان كان لها أكثر من وقت اغتسلت الى أي وقت شاءت
فاذا أتمت واحد وأرادت أن تغتسل الى الذى فوقه جاز لها أن ترجع للحيض ما لم تصل فرضا أو نفلا أو تسجد سجود التلاوة مثلا،
أو يخرج وقت الصلاة المستقبلة (2/28)
صفحة 264
29
وقيل ما لم تغتسل.
الثاني: الطهر الذي تصيبه على الانتظار مبتدأه أو معتادة.
وان تأخذ الوقت للظهر انما هو بعد أخذه للحيض.
وهذا الدم الذى دام أكثر من وقت الحيض لا يكون وقت للحيض الا ان توالى للمعتادة ثلاث مرات طلعت اليه ان كان عشرة فسافلا وأخذت
ما
بعده في المطهر
وأما المبتدأه فلا ولو توالى لها ثلاث لأنها يتصور انتظارها بعد
عشرة.
وما بعدها لا يكون وقت للحيض.
نعم قال بعضهم يكون للمبتدأة وقتا للحيض خمس عشر فسافلا
وقد تقدم خلاف في أكثر الحيض
الثالث: الطهر الذى اتصل لها بالحمل لان الحمل لا حيض معه فلا تعرف لطهرها مقدار الا على قول من أثبت الحيض مع الحمل.
أما الحيض فتأخذ له الوقت.
وذلك ان رأت من الدم قبل هذا الطهر ما يصح أن يكون وقتا
الرابع:: الطهر الذي تصيبه بعد النفاس ان لم يكن لها وقت للحيض قبل ذلك بأن نفست قبل أن ترى الحيض أو بعده. (2/29)
صفحة 265
لكن لم يكن صالحا للتوقيت للحيض بأن نقص عن أقله أو زاد
عن أكثره.
وان نفست بعد ثبوت وقت الحيض أخذت الطهر الذي تصيبه بعد
النفاس
•
وذلك مثل أن يكون لها وقت فى الحيض فنفست أول نفاسها.
مثلا فدام أربعين فطهرت عشرين فردخت بدم قدر ما يكون وقتا للحيض فتأخذ العشرين وقت للطهر
قيل: لم تأخذ ما بعد وقت النفاس وقتا للطهر الا ان أخذت وقتا
للحيض
لأن الطهر مقرون بالحيض
والمنفاس لا يقوم مقام الحيض
ان الحيض أقل وقت وأسرع دورانا
والطهر يكون وقته أقل من وقت الحيض
ويبحث فيه بأن هذا التعليل يقتضى ان لا تأخذ ما بعد وقت النفاس
ولو سبقه وقت للحيض
ان ذلك الطهر لم يكتنفه حيضان بل كان بين نفاس وحيض
وليس في تقدم الحيض المؤقت على النفاس ما يوجب الاعتداد
بالنفاس (2/30)
صفحة 266
31
فاما أن تنزله منزلة الحيض فليلزم المجذور الذي هو كون الحيض وهو النفاس من أكثر من الصلاة
10
واما ان لا تنزله فلا تكون الصلاة بين حيض ما لا يكون ذلك وقتا للصلاة والأولى أن لا يعتبر ولكون الحيض لا يكون بل يجعلوا النفاس
كالحيض
وبالتالى يجعل مبعدة وقت للصلاة لأنه حيض طويل •
ولا بأس بكونه أكثر
ووجه قولهم ان الطهر لا يكون وقته أقل من الحيض مع أن النفاس أربعون أو أقل
وطهر
وان أكثر الطهر ستون مراعاة المغالب وهو ان في الشهر حيض
فاما أن يكون خمسة عشر حيضا ومثلها طهر أو ما دونها حيضا الى عشرة والباقى ظهر.
الخامس: الطهر الذل تصيبه من داخل وقتها في الحيض
يكون ذلك مثل أن يكون وقتها في الحيض عشرة أيام مثلا.
وفى الصلاة عشر أو أكثر مرات الدم بعد ذلك ودام خمسة
أيام مثلا ..
ثم رأت الطهر فدام خمس عشر مثلا (2/31)
صفحة 267
فلا تأخذ الخمسة عشر وقتا للصلاة لأنه طهر رأته من داخل وقتها
في الحيض
اما اذا استمر لها ذلك مرتين فلتنزل في الحيض الى خمسة أيام.
وتتخذ الخمس عشر وقت للصلاة.
ولا تأخذ في الحيض والنفاس الا وقت واحد.
وتأخذ في الطهر أوقاتا مختلفة.
ويكون ذلك من عشر الى ستين العاشر والحادى عشر والثاني عشر
الى ستين وذلك واحد وخمسون وقتا
ان الطهر أصل والدم حدث طار.
والظاهر أن تأخذ كل وقت فوق آخر الى أن تصل أحد وخمسين
وأما ان تأخذ عشرين يوما وقتا ثم خمسة عشر يوما وقت آخر في
المرة الأخرى ونحو ذلك فلا يجوز •
بل تغتسل الى عشرين (2/32)
صفحة 268
-
الفصل السابع
في البناء وهو عام للمبتدأة والمعتادة
وانما يكون للمبتدأة أصلا تبنى عليه في الحيض يومان
وفى النفاس ثلاث على الصحيح.
وقيل: يوم فيهما
وقيل: في الحيض ثلاث.
وقيل: ان الولادة أصل نفسها.
والكدرة والصفرة والترية والعلقة والتيس لا تكون أصلا لحيض
ولا نفاس
والحكم لما سبقها على ما مر
والمعتادة يوم
في أول وقتها على الصحيح.
وقيل: يوم
في أوله
ويوم في آخره.
وفي باب: أولى أن يكون أول وقتها يومان حيض وفى آخره يومان
أو أكثر
(م 3 – الجامع الصغير ج 2) (2/33)
صفحة 269
-
34
-
وقيل: ثلاث أيام في أوله
وهو الصحيح عند بعض
فلو طلقت التي حيضها عشرة وطهرها عشرة فرأت الدم في أول
الحيضة الثالثة يوما.
ورأت الطهر الى تمام العاشر لفاتت زوجها وحلت للخطاب
ذلك على الأول أو على الثانى لأنها لم تر الدم في العاشر ولا على المثالث لأنها لم تر فى ثلاث أيام في أول الوقت
وقيل: لا تفوت ولا تنقضى العدة حتى ترى حيضة تامة كما عودتها
ومن قال أن البناء خاص بالمبتدأة فقد جرى على هذا القول الأخير
وان أراد البناء الذى هو لأخذ الوقت
•
واذا رأت المرأة حيضها الأول ودام يومين فرأت طهرا؟
فكل ما رأت من الدم الخالص بعد ذلك الطهر تجمعه الى اليومين
ذلك سواء تصل الدم بعد الطهر أو قطعه طهر
ولا تجمع ما بعد المعاشرة.
وقيل: تجمع أيام الطهر وأيام الدم الى العاشرة.
ان أيام الطهر قد تبين أنها من الحيض لعدم تمامها عشرة (2/34)
صفحة 270
35 -
واختار فى الايضاح ان تجتمع ما بعد الطهر القاطع وهو الطهر الذي
تقدمه ثلاثة أيام دما أو أكثر
ذلك مثل ان يدوم لها الدم يومين والطهر يوما
فالدم يوما فالطهر فتلك ثلاث أيام دما تجمعها الى الطهر المتوسط
لأن مختاره أيضا أن تجمع الطهر الى الدم
فوقتها أربعة أيام
ولا تجمع هذا الطهر الأخير وهو القاطع.
ولا ما بعده من الدم ولو فيما ردت عشرة سافلا.
ومثالا من ذلك أيضا أن يدوم الدم يومين.
فالطهر يومين فالدم يوما. فالطهر
فهذا الطهر الأخير طهر قاطع انه قد تقدمه ثلاثة أيام دما فتجمعها
الى يومى الطهر فيكون وقتها خمسة
ومثال من ذلك أيضا أن يدوم الدم يومين.
فالطهر ثلاث فالدم يومين فالطهر
:
فهذا الطهر الأخير قاطع لأنه تقدمه أربعة أيام دما تجمعه الى
أيام الطهر الثلاث فيكون وقتها سبعة (2/35)
صفحة 271
-
ومثال من ذلك أيضا أن يدوم الدم يومين.
فالطهر يوم فالدم ثلاثة
يوم
فهذا الطهر الأخير قاطع لأنه قد تقدمه خمس أيام دما تجمعن الى الطهر بينهن فيكون وقتها ستة أيام
وانما اتيت بهذه الأمثلة لرؤيتي ان المطهر القاطع قد خفى تحقيقه
على الطلبة
وحاصله ان الطهر الذي تقدمه ما يصح أن يكون وقت للحيض
وهو ثلاثة أيام دما وأكثر
ان أقل الحيض ثلاثة وما بعد القاطع محتمل
ولا تترك العبادة المفروضة في الجملة لاحتمال
وهكذا الكلام فى القول بالبناء على يوم مثل أن يدوم الدم يوما. فالطهر يوما أو أكثر فالدم يومين أو ثلاثة أو أكثر فالطهر.
أو يدوم الدم يوما فالطهر يوما أو أكثر فالدم يوم فالطهر
وذلك كله فى عشرة أيام أو أقل.
ولا يتصور الطهر القاطع في القول بالضم الى ثلاثة (2/36)
صفحة 272
-
ولا تحسب اليوم الأول الذى أتاها فيه الحيض من أيام حيضها الا أن رأت فيه الحيض قبل طلوع الشمس
وقيل: قبل طلوع الفجر
وقيل: وقت الظهر
أمر العدة والاستبراء والايلاء والايمان والنذور والاعتكاف
ويرجع الى هذا الخلاف (2/37)
صفحة 273
-
38
الفصل الثامن
انتظار الدم في الحيض يومان
وفى النفاس ثلاثة
وانتظار الصفرة والكدرة وغيرها يوم وليلة في الحيض والنفاس
وهذا هو الصحيح.
وقيل: انتظار الحيض ثلاث كالنفاس
وقيل: يوم.
وقيل: يومان
وقيل: لا انتظار وانما تنتظر المبتدأة فى الحيض بعد عشر ..
وفى النفاس بعد أربعين
والمعتادة بعد وقتها فيهما
واليوم في الانتظار من غروب لغروب
ولا تعتد بما قبل الغروب
وقيل: الساعة التى ترى فيها الطهر الى مثلها
وتنتظر الى وقتها خمسة عشر فى الحيض ولا التي وقتها سبعة
عشر في قوله. (2/38)
صفحة 274
-
-
من قال أكثر الحيض ذلك.
ولا التى وقتها تسعون في النفاس على قول من قال أكثره تسعون.
و انتظار الدم يزيل انتظار غيرها العكس لأن حكم الدم متفق
عليه بخلاف غيره
وقيل: كل يزيل الآخر
وقيل: كل لا يزيل الآخر أن تدخل في الانتظار بالدم فترى الصفرة
أو نحوها
قيل: تمام انتظار الدم فعلى الأول تتم انتظاره
وكذا على الثالث
واما على الثانى فتتم يوما وليلة بما رأت من الدم أو على الانتظار.
وان دخلت بالانتظار فى الصفرة ونحوها فرأت الدم قبل تمام
انتظارها:
فعلى الأول والثانى تتم انتظار الدم بما سبق لها في غيره
وعلى الثالث تتم انتظار الصفرة فقط
واما مجئ الدم بعد تمام يوم وليلة للصفرة فلا ترجع للدم لكونها
ظاهرا حين انتظار الصفرة. (2/39)
صفحة 275
-
وتلخيص ذلك:
انه قيل العبرة بما دخلت في الانتظار
وقيل: بما يحدث بعده.
i.
وقيل: الدم تقدم أو تأخر.
وحكم أيام الانتظار وحكم الحيض
وأوجب بعض أصحابنا اعادة اليوم واليومين اللذين تركت فيهما
الصلاة الا أن ينقطع الدم فيهما (2/40)
صفحة 276
41
الفصل التاسع
الانتساب خاص بالمبتدأة
ومرادهم بالمبتدأة بالحيض مثل النى لم يأتها الدم قبل اصلا
والتي قد أتاها قبل مرة أو أكثر ولم يكن كما تأخذه وقتا
فلا منافاة بين قولهم الانتساب خاص بالمبتدأة به
وقولهم ان التي لم يكن لها وقت فى الحيض تنتسب الى قريبتها
ذلك فضلا عن ايجاب باب اطلاق الانتساب على هذه فجاز نعم الانتساب فى غير هذه الصورة خاص بالصلاة
فالتي لم تر الدم قبل اصلا ورأته ولم يكن الدم كما تأخذه وقتا ثم جاءها فدام أو لم تلد قبل قط؟
أو ولدت ولم يكن الدم كما تأخذ وقتا للنفاس ثم ولدت ودام؟
فلتترك اثنى عشر يوما في الحيض
وأربعين في النفاس
ثم تصل مافات لها قريبتها
والتي كان لها وقت الحيض والنفاس ثم ولدت أو حاضت فلتترك
ما كانت تتركه أيام الانتظار. (2/41)
صفحة 277
-
وتصلى ما كانت تصلى قبل الى ثلاث مرات فتصير مبتدأة
وقيل: الى سنة كالمبتدئة.
وان لم يكن لها وقت صلت ما تصلى قريبتها
ولا تحتاج المرأة الى الانتساب قبل تمام عشرة أيام في الصلاة
لانه لابد من صلاة العشرة
•
فان قالت قريبتها ان وقت صلاتي عشرة فلتعط للحيض
وان كانت أكثر فلتصل أن تبلغه
ولتغتسل عند خروجها من الحيض أو النفاس مرة
أو لكل صلاة أو لكل صلاتين فتجمعهما
وللفجر وحده أقوال
والصحيح الأول
فان عليها بعد ذلك غسل الدم والوضوء.
وتنتسب الى أمها أو اختها أو عمتها أو خالتها حرائرا أو اماء موحدات
أو مشركات عاقلات أو مجنونات حيات أو ميتات
•
ذلك بأن تكون لها معرفة بأن وقتها في حياتها كذا.
وفى حال صحة عقلها أو صحوها كذا ولو باخبار امرأة صدقتها (2/42)
صفحة 278
ولا ترتيب عليها في ذلك
43
--
فلها أن تأخذ بما قالت أختها مثلا
لكن قال فى الديوان لا تفعل ذلك.
وأن فعلت لا بأس •
مع وجود امها
وان لم تجد من هؤلاء من تنسب اليه انتسبت إلى غيرهن من
المسلمات
ولا يلزم السؤال ان كانت لها معرفة بوقت القريبة أو المسلمة
بدون أن تسألها
وعبارة كثيرهم لزومه ..
وان لم تجد قريبة ولا مسلمة ولا معرفة لها أخذت بقول من قال
لا انتساب
وان كل دم بعد صلاة عشرة أيام حيض
ولكن عبارة ابن جعفر ان الربيع يقول كل دم وجدته بعد طهر عشرة
أيام فهو حيض
فقيل: العشرة بالطهر
وذلك اذا حكم على المرأة بأنها مبتدأة كانت تصلى عشرة وتترك
اثنى عشرة. (2/43)
صفحة 279
-
-
وقيل فى المستحاضة التى لا وقت لها في الطهر انما تكون مبتدأة اذا أتمت في الاستحاضة ثلاث سنين
وقيل: مبتدأة مزاولة حيضها تصلى العشرة وتترك الاثنى عشر.
ولا تزال كذلك تغتسل على ما مر من الخلاف فى هذا الفصل في
اغتسالها حتى يخرج الله عنها
ومن وجدت الطهر بعد الانتظار اغتسلت وصلت
فان أتاها الدم انتسبت الى قريبتها
وان كان لها وقت فلتنتسب اليه
اما ان أتاها الدم بعد طهر ستين فلتعط للحيض
ولا تحتاج لانتساب لأن الطهر أقصى أوقاته ستون •
وقيل فى التي لها وقت فى الحيض ثم استحاضت انها تترك الصلاة. قدر حيضها
وتصلى قدر حيضها باغتسال على الخلف السابق
وقيل تصلى عشرة وتترك عشرة.
وقيل: تصلى خمسة عشر وتترك خمسة عشر.
وقيل أن تترك الصلاة يوما وليلة وتصلى تسعة وعشرون وهو
ضعيف (2/44)
صفحة 280
وقيل لا تترك الصلاة بشبهة حتى يفرج الله عنها.
وقيل: تنتسب الى قريبتها
أو لمسلمة أن لم تكن لها قريبة فى الطهر والى حيض نفسها
وقيل في المستحاضة انها أن ميزت دم الحيض تركت الصلاة مادامت
صفته لان التمييز اجتهاد
والانتساب تقليد
والاجتهاد أولى (2/45)
صفحة 281
46
الطلوع زيادة الدم.
الفصل العاشر
والنزول نقصانه.
أو أكثر
ويختصان بالمعتادة والطلوع فى الحيض من ثلاثة الى عشرة بدرجة
أو بمرة مثل أن يكون وقتها ثلاثة أيام فتحيض فيدوم خمسة
بانتظار يومين.
أو يدوم أربعة.
أو يدوم ستة
وتغتسل في السادس
وفى النفاس من عشرة الى أربعين بدرجة أو أكثر
أو بمرة اذا انتقل الدم الى ما فوق وقتها في الحيض أو النفاس وصح ان تطلع منه أيضا مثل ان تطلع الى خمسة فيستقر خمسة
ثم تطلع الى ستة أو أكثر وهكذا ..
ولا يكون الطلوع الا بتتابعه ثلاث حيض على وقت واحد
والنزول فى الحيض من عشرة الى ثلاثة.
وفى النفاس من أربعين الى عشرة بدرجة أو أكثر أو بمرة. (2/46)
صفحة 282
الخيش
واذا استقر لها وقت بالنزول صح أن تترك عنه أيضا وهكذا.
ولا يكون النزول إلا بمرتين
وانما تطلع بدم خالص يوالي وقتها في الحيض لأن الطلوع زيادة
ولا نترك العبادة المتيقن بها الا بالدم المتفق عليه.
ان حيض الصفرة ونحوها قد اختلف فيهما
ولا تترك الا الدم خالص يوالي وقتها في المطهر ..
ولو كان وقتها في الحيض سبعة أيام فدام الدم خمسة وفي السادس رأت صفرة فطهرت في السابع وتم طهرها وعاد لها مرة أخرى كذلك.
فلا تنزل بالصفرة الى ستة.
ولا تنزل الا بما يتفق عليه انه حيض
ولا الى خمسة ولو كانت دما لان اليوم السادس فاصل بين صلاتها
وبين خمسة الدم.
انها تترك الصلاة فيه للانتظار
هذا
هو الصحيح عند صاحب الايضاح وغيره
وقيل تطلع وتنزل بالصفرة ونحوها وهو الصحيح عندى.
اما الطلوع فلأن الصحيح أن الصفرة ونحوها بعد الحيض أو في
وسطه حيض (2/47)
صفحة 283
واما النزول فلذلك
ولانه زيادة في العبادة وما ذكر من الطلوع زيادة الحيض
ولا نترك العبادة المتيقن بها الا بالدم المتفق عليه انه حيض يقتضى
ان تترك بالصفرة ونحوها.
ذلك انه زيادة في العبادة لا ترك لها.
ولا تطلع المرأة من وقتها الأول حتى ترى طهرا متصلا في داخل وقتها في الطهر الى خارج وقتها عدد ما تطلعه في الحيض
وأكثر كمن لها في الحيض خمسة أيام.
وفى الطهر خمسة عشر فدام الدم ثمانية فظهرت فصلت عشرة أيام.
فاذا ردفت بالدم فانها تغتسل وتصلى في اليوم الثامن حتى تتم
خمسة عشر يوما
•
وتعطى للحيض لان هذا الدم في داخل وقتها في الظهر
ولذا تغتسل وتصلى ولا تطلع الى ثمانية.
وان توالى لاسيما ان لم يتوال لها ان رأت الطهر وصلت به خمسة
عشر يوما أو أكثر على قوله
وقال كل دم بعد طهر عشرة من حيض فانها تعطى للحيض بعد
ظهر عشرة. .....
وتطلع للثمانية ان توالى. (2/48)
صفحة 284
-
49
-
وفي المثال تترك الصلاة في السادس وفي السابع وتغتسل
وتصلى في الثامن ولا تعيد الغسل في التاسع الذي طهرت فيه.
وقيل: تعيد.
وهكذا حتى تثبت لها الثمانية وقت للحيض بأن استوفت شرط الطلوع مثل ان تصلى خمسة عشر يوما بطهر
•
ويتوالى فى المثال فانها حينئذ قد رأت الطهر في داخل وقتها في الطهر لا فى أوله الأن أوله هو اليوم السادس
وهى قد رأت فيه وفى السابع وفى الثامن من دما وانما رأت الطهر
في التاسع
وان هذا الطهر قد اتصل من التاسع الذى هو داخل وقت الطهر الى خارجه عدد الثلاث الأيام السادس والسابع والثامن التي في طلوعها.
فاذا ضممت هذه الثلاثة
مع الخمسة عشر التي رأت فيها الطهر
وجدت ثمانية عشر فالثلاثة الأخيرة خارجة عن خمسة عشر اذا بدأت
حساب الخمسة عشر من السادس
وهذه الثلاثة الآخرة الخارجة هى عدد الثلاث الأولى:
السادس والسابع والثامن التي أرادت طلوعها
وانما أطلت الكلام هنا لصعوبته على بعض الطلبة
(م 4 - الجامع الصغير ج 2) (2/49)
صفحة 285
وتلخيصه ان يزيد عدد أيام الدم ويبقى عدد أيام الطهر على ما كان أو يزيد ولا تنزل الا اذا رأت من الطهر ما ترى قبل ذلك
وعدد ما نقص من حيضها الا على قول من قال:
كل دم وجد بعد طهر عشر أيام فهو حيض. (2/50)
صفحة 286
-
الفصل الحادي عشر
اغتسال الحائض والنفساء كاغتسال المجنبة
الا أن التي حاضت أو نفست تنفض شعر رأسها عند الغسل
والمجنبة لا يهمها نفضه
لكن تدلكه دلكا شديد
واذا أرادت الغسل من الحيض أو النفاس غسلت يديها واستنجت
ونزعت النجس من جسدها
ثم مشطت رأسها بالطفل والماء حتى تنقيه
ثم تصب الماء على رأسها بنية الاغتسال من الحيض أو النفاس.
ثم على سائر جسدها
ولا تفرش ثوبا لشعرها
ان أرادت الغسل فى ماء جاز والا فرشت له وغسلته وسترته حيث
لا يراه أحد.
والغسل بالطفل مستحب ولا سيما رأس موسخ ..
ورخص لها اذا قصرت أوقاتها في الحيض أو تنتقض شعرها مرة ونتركه أخرى.
ولا يجوز للمرأة أن تغتسل حتى ترى الطهر البين أو تخرج من
الانتظار (2/51)
صفحة 287
-
52
عدم
ويجوز للحائض والنفساء ان تجفف النجس من جسدها اذا خافت
الماء في السفر
اذا أرادت أن تسافر وخافت عدمه لانتقال عنه فلها غسل النجس
من جسدها كله الا الفرج.
تحتجم
وتضم جسدها وتقف على رجليها ولا تستنجى
وقيل: لا تفعل ذلك الا ان مضى ثلاث أيام من حيضها
أو عشرة من نفاسها
وذكر بعض: ان للحاملات أن تكتوى بالعود في أطراف بدنها وأن
وان لا تغسل ما تصل الى غسله من جسدها اذا لم تصل الى الاستنجاء لعظم بطنها
وقتها
والصحيح انه يجب عليها كغيرها غسل ما قدرت عليه والتيمم لغيره. وذكر ان المرأة اذا رأت الطهر والحيض معافان كان ذلك في وسط
فلتعط للغالب منها أو في اطراف وقتها
والمعمول به أنها مادامت فى وقت الحيض لا تعطى للطهر ما
ترى الطهر الخالص
لم
وذكر أن المرأة ان رأت فى البادية أو السفر ما يخالف لون الرمل فنها
ان تعطى للحيض الأنها ضعفت فضعف دمها (2/52)
صفحة 288
-
53
-
وان المرأة التى يوهم منها الحمل لا تأكل الدواء الا في أول ظهرها قبل الجماع حال خروجها من الماء
ومن لم تغتسل من الحيض أو النفاس عمدا حتى خرج وقت الصلاة
مع امكان كفرت ولزمتها مغلظة
وقيل مرسلة
وقيل تصوم صيام التقرب
أو تطعم عشرة مساكين
وصيام التقرب هو صوم اثنى عشر يوما
وقيل تسعة.
وقيل ستة
وقيل ثلاثة
أو تطعم ثلاثة مساكين
وكذا كل من فعل كبيرة تلزمه أحد الكفارتين
أو صيام التقرب على الخلاف
أو تتقرب الى الله بشيء من الصدقة
وكذا يلزم صيام التقرب من يزنى من الرجال أو النساء طفلا صغيرا
له أو لغيره (2/53)
صفحة 289
54
<
ولو اطعمه يوما واحدا لعله قد اطعمه نجسا
وقيل: يجزى للاطفال ما يجزى لواحد
الا انه لا يجوز له الايصاء بصيام التقرب للتربية بل بالاطعام أو بكذا وكذا وينفق على من يأخذ الكفارات
وكذا من عليه صوم نذر لا يوصى بالصوم بل بالاطعام والله أعلم. (2/54)
صفحة 290
-
الباب الرابع
الاذان والاقامة
والاذان لغة الاعلام بالشيء
وشرعا التنبيه على الصلاة بألفاظ شرعية مخصوصة في أوقات
مخصوصة
وان شئت فقل لها أمر بالصلاة بألفاظ شرعية الخ.
أو الاعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.
وحكمة هذا الاعلام اظهار شعائر الاسلام وكلمة التوحيد
وكذلك الدعاء الى الجماعة
وسبب ابتداء الاذان انه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تكلم المسلمون فيما يجمعهم الى الصلاة فاستشارهم فيه
فقال بعضهم: تنصب راية على المسجد عند الوقت
وبعض قال: توقد عليه نارا ولم يأخذ بذلك.
وبعض قال: نتخذ قرنا كقرن اليهود فكرهه لأجل اليهود
وبعض قال: نتخذ الناقوس فكرهه لأجل النصارى
ولكن قاموا عليه وأمر بالناقوس أن يصنع • (2/55)
صفحة 291
-
فرأى عبد الله بن زيد الانصارى فى منامه تلك الليلة حامل ناقوس
عليه ثوبان أخضران
فقال: يا عبد الله تبيع الناقوس •
فقال: وما تصنع به؟
قال: ندعوا به الناس الى الصلاة.
قال: أفلا أدلك على ما خير من ذلك؟
قال: بلي •
قال: الله أكبر الخ.
ولما استيقظ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم برؤياه.
••
فقال: رؤيا حق ان شاء الله فألقها على بلال فانه أرفع منك صوتا
فجعل يلقيها عليه في المسجد وهو يؤذن
وسمعه عمر فخرج يجر رداءه
فقال عمر: رأيت مثل الذى رأى ففرح صلى الله عليه وسلم وقال:
الحمد الله فذلك أثبت» •
وسمعه الكفار فحسدوه صلى الله عليه وسلم. (2/56)
صفحة 292
-
وسمعه المسلمين فقالوا قد بدعت ما لم نسمع به في الأمم فان تدع النبوة فقد خالفت الأنبياء كلهم فمن أين لك صياح كصياح الحمير
فما أقبحه من صوت.
فنزل) واذا ناديتم الى الصلاة (ومن أحسن قول الآيتين (2/57)
صفحة 293
-
58
-
الفصل الأول
الأول: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ثلاثة يوم القيامة على تلال مسك أسود لا يصيبهم خوف ولا حساب حتى يفزع الناس
وأنهم يغبطهم الأولون والآخرون:
عبد أدى حق الله وحق سيده.
ورجل قرأ القرآن وقام به ابتغاء وجه الله وام به قوما راضين به
ورجل أذن سبع سنين فى مسجد من مساجد الله عز وجل ولا يأخذ أجرا على اذانه.
وان المؤذن الطالب للثواب من الله كالمضطرب دمه في سبيل الله مادام فى اذانه
ويشهد له كل ما وصله صوته من جن وانس رطب ويابس فليرفع
صوته
واذا مات لم يدود في قبره.
اللهم اغفر للمؤذنين اللهم اغفر للمؤذنين ويساتي
ولحوم المؤذنين محرمة على النار
قيل: الاذان يجزى عن قيام الليل وغير الواجب من صوم
وعمرة وجهاد
وانما ينال هذا الأجر ان أخلص اذانه الله وكان لا يلحن فيه. (2/58)
صفحة 294
-
-
وكما أنه عرف أوقات الصلاة محافظا عليها
وحفظ حلقه عن الحرام.
وكان ان غاب واذن احد رضى وكان لا يمن باذانه
وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر
وكان ينتظر الامام بالاقامة قدر ما لا يشق على من حضر
وكان لا يغضب من وقف بمكانه الذى تعوهد اليه به أو اتخذه لنفسه في المسجد
وكان يتعاهد أمور المسجد فى النظافة والحصر وغير ذلك
ويستحب أن يكون طاهر البدن واللباس والوضع.
وان اذن جنبا أو بنجس أو ثياب نجسه اجزا.
قيل: هو كالصلاة لابد فيه من طهارة.
ذلك هو اللائق بأصول أصحابنا لكثرة احتياطهم فى أمور دينهم.
وان يقف
وان قصد جاز
وقيل: كما لا يجزى فى اضطجاع.
•
وأن يكون في أول الوقت (2/59)
صفحة 295
-
وان تأخر بنحو قدم ولو قدمين جاز وذلك على القول بالاذان للاعلام بالوقت
وعلى القول بانه للاعلام بالوقت ولجميع الناس للصلاة
واما على القول بانه للجميع فانه يؤذن ولو في الوسط.
أو بعد الوسط
واما الاقامة فللاعلام بالنهوض الى الصلاة
وان لا يشتغل في الاذان بما سواه
وسن بندب أن يجتهد فى رفع الصوت.
واما أصل الرفع فلابد منه.
وأن يحرف وجهه الى اليمين عند حى على الصلاة
والى الشمال عند حي على الفلاح
وبوجوب أن يستقبل القبلة كما نقل وكالصلاة
وكره الاذان قدام المسجد لئلا يستدبر القبلة اذا قصد الى الاقامة.
وان لا يكون قبل الوقت ولا بعد نحو القدمين الا المفجر
فيؤذن له اذا دخل السدس الأخير أو الثلث.
أو بقدر ما يغتسل الجنب ويدرك الصلاة
وأقوال: واذا اطلع اذن له أيضا. (2/60)
صفحة 296
?? -
واذا احمر نادى حى على الصلاة حي على الفلاح باستقبال
وان لم يؤذن عند طلوعه جاز
وفى اذان غير مستقبل
واذان الراكب والمتكلم والآكل والشارب فيه وغير البالغ خلاف
ولا يجزى اذان مجنون ومشرك
ولا اذان عندنا في المغيم ان لم يتبين الوقت
وفي الحديث ان المؤذنين أمناء
أى مؤتمنون على وقت الصلاة والصوم والافطار والسحور
فليحتفظوا على ما ائتمنوا عليه
ان الأئمة ضمناء.
أي الصلاة من صلى بصلاتهم
فان صلاتهم أعنى الائمة تفسد بفساد صلاتهم الا أن صلوا غير متوضين أو بثوب نجس غير متعمدين •
فان صلاة من صلى بصلاتهم صحيحة على ما رجح في الايضاح
وفسدت صلاتهم اللهم ارشد الائمة وأغفر للمؤذنين
وهذا الحديث دليل فيما قبل على أن الاذان أفضل من الامامة لأن
المغفرة أولى بالطلب (2/61)
صفحة 297
62 -
و الرشد يراد للمغفرة
وقيل: الامامة أفضل الا ان فيها خطر الضمان والفضيلة مع الخطر وفيه ان الاذان أيضا ان فيه خطر من جهة الصوم والصلاة وما
يعلق الموقت
ولا دليل لهذا القول فى مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
والخلفاء على الامامة لأنها تجامع الامامة العظمى المتعينة عليهم (2/62)
صفحة 298
-
63
-
الفصل الثاني
الاذان واجب على الكفاية فى المساجد وحيث الأئمة
الصلاة.
وهى
ائمة
واذا أرادوا صلاة فى صحر أو سنة لمن انفرد عليه غير واجبة.
والاقامة سنة واجبة على المنفرد
وسنة كفاية واجبة حيث الائمة
وقيل: الاذان والاقامة سنتان غير واجبتان مطلقا لأنه صلى الله
عليه وسلم قد يصلي الصلاة بغير اذان
وفيه ان هذا دليل على عدم وجوب الاذان فقط.
وانه لا دليل فيه على عدم وجوبه حيث الائمة والمساجد الا ان اريد كما هو الظاهر انه صلى فى المسجد أو غيره بلا اذان
واستظهر بعضهم من كلام بعض ان الاذان واجب على الكفاية
اذ اذن في مسجد من مسجد الموحدين أجزأ عن غيره.
وكذا في غير المسجد
وظاهر كلام بعض ان الاذان واجب على كل منفرد.
وعلى الكفاية
•
واذا اجتمعوا للصلاة. (2/63)
صفحة 299
-
الآية
ولا دليل على فرضه ولا على فرض الاقامة (اذا نودي للصلاة)
اما الاذان فلأنه لم يأمر به وانما أمر بالسعى الى ذكر الله
الا انه قيل: السعى اليه واجب.
وانما يتم بالنداء اليه فيجب الاذان
لكن ذلك في صلاة الجمعة لا على العموم.
واما الاقامة فلأنه لم يذكرها ولا فى قوله صلى الله عليه وسلم
لمالك بن الحويرث وصاحبه:
اذا حضرت الصلاة فأذنا واقيما وليؤمكما أفضلكما».
ولأنهما اثنان أمرهما بالصلاة جماعة وأراد أن يؤذن أحدهما ويقيم ويصلى به الآخر اماما.
فلا يكون دليلا على وجوب الاذان والاقامة على المنفرد
ولو كان دليل وجوبها موجودا من خارج •
نعم فيه دليل على وجوبه حيث تكون الامامة لأن الأمر للوجوب
ما لم تصرفه قرينة
وليس كون امامه الافضل مندوبا اليها
والأمر محمولا على الندب فى ذلك بموجب لحمل الأمر في اذنا
واقيما عليه (2/64)
صفحة 300
-
كما قيل لأنه لا مانع من حمل أمر على الوجوب.
وأجر على غيره في حديث واحد
والاقامة حيث ما كانت سنة أكد من الاذان حيث كان سنة
وحرم الآذان على النساء لانهن مأمورات بخفض الصوت ولا
اقامة بهن.
وقيل: تستحب لهن الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدخول
الغاية.
وقيل: تتم الاقامة وتخفض الصوت والاذان
ولا اقامة الصلاة فائتة ومن نام على صلاة أو نسيها حتى خرج وقتها.
فقيل: يؤذن لها ويقيم
وقيل: لا.
والصحيح الأول
لكن لا يجب الاذان الا ان فاتت بنوم أو نسيان جماعة المسجد وأرادوا أن يصلوها فيها أو جماعة بامام على قول.
فانه اذا انتبهوا أو تذكروا بعد الوقت يؤذنون لها ولو اذنوا في
الوقت.
وينبغى أن لا يقيم الصلاة الا من اذن.
(م ه - الجامع الصغير جـ 2) (2/65)
صفحة 301
-
وان أقام غيره جاز
وقيل: لا يقيم غيره الا لعذر
ولا يثوب الا من أذن
فان كان عذر أقام غيره بلا تثويب
ولا تثويب ان عدم الاذان
وكل من الاقامة والاذان مثنى
وقيل: لا يكبرهما فمربع
وأول من أفرد الاقامة والاذان معاوية.
ويزاد فى الاقامة قد قامت الصلاة بعد ان يقال الى اليمني حي على
الصلاة حي على الصلاة.
والى اليسرى حى على الفلاح حي على الفلاح.
ويسرع فى الاقامة ويسكن أواخر حملها وحمل الاذان
أو يسكن آخر كل جملتين مقرونتين.
وان أظهر الحركة ولم يقف جاز
ومن نسى شيئا من الاقامة أعاده ما لم يتطاول.
ومن تكلم فيها فا الأحسن اعادتها (2/66)
صفحة 302
ومن دخل المسجد قبل انتفاض الصفوف اكتفى باقامة الجماعة ولو
انفرد بذاته ولم يتصل بالصف
وقيل: ان لم يدخل معهم فليقم وحده.
وهو الصحيح.
واذا انتفض ثلاثة رجال من صف فليقم. (2/67)
صفحة 303
الفصل الثالث
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذا سمعتم الاذان فقولوا
مثل ما يقول المؤذن» •
وهو على اطلاق
وادعى بعضهم انه يقال عند حى على الصلاة حي على الفلاح لا حول ولا قوة الا بالله واذا فرغ من الاذان قال سامعه وأنا أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمدا رسولا
أو قال: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد الموسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته.
ومن قال هذا حلت شفاعته صلى الله عليه وسلم
وعلم صلى الله عليه وسلم أم سلمة رضى الله عنها أن تقول عند اذان المغرب اللهم هذا اقبال ليلك وادبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفرلي
وينبغى ان يقول سامع الاقامة عند قد قامت الصلاة أقامها الله
وأدامها مادامت السموات والأرض
وخص بعض المشارقة ذلك بما اذا كان المقيم متولى
وليس بشيء لأن ذلك ليس بتأمين على دعاء
والصحيح عندى جواز التأمين على دعاء غير المتولى اذا لم يكن
في دعاءه خير الآخرة لنفسه وحده. (2/68)
صفحة 304
ـر
أو مع غيره بلفظ واحد
ولغيره ممن ليس في الولاية ولم يكن فيه شر للمتولى أو للموقف
وقيل: يجوز التأمين على دعاءه لنفسه بأجر الآخرة اذا كان خصلة واحدة أو اثنتين مما لا يدخل به الجنة لوجود المانع من الكبار ويجوز الدعاء له بذلك
والمشهور المنع في ذلك كله مطلقا.
وعنه صلى الله عليه وسلم الدعاء بين الأذان والاقامة لا يرد.
وينبغي أن يصلى بين الاذان والاقامة صلاة الا اذان المغرب
فالصلاة بينه وبين صلاة المغرب اذ لا يصلى قبل صلاة المغرب صلاة لا ركعتي الطواف بعد العصر.
فقيل: يجوز صلاتهما قبلها وبعدها
•
وأما بين اذان الفجر عند حضوره واقامته فبينهما لسنة الفجر وبين
اذانه في السحر
و اقامته نقل قبل طلوعه
• (2/69)
صفحة 305
معني
الفصل الرابع
الله أكبر انه أعظم من كل عظيم وهو باعتبار نوع العظمة نوعا واحدا هكذا والا فعظمة الله غير عظمة الخلق فلا مشاركة فضلا عن التفضيل
وأكبر بمعنى كبير
وعلى كل حال فليلزم أن يشتغل بعمله عن عمل غيره والا فقد عظم غيره عليه
ولزم من كونه لا اله الا هو ان نتبع ما أمرنا به فان غيره ليس
بأهل أن يتبع ولا ينفعنا الا هو.
وفي أشهد أن محمدا رسول الله رمز الى الأمر بالايمان به وأتباعه ومعنى حى على الصلاة وحى على الفلاح أقبلوا عليهما مسرعين.
والفلاح السعادة التى هى سبب البقاء في الجنة
وهى الفوز بالصلاة
وفيه رمز الى النهى عن الصلاة فرادى وعن التأخير عن وقتها وفى لا اله الا الله احرار من الى وجوب اخلاص العمل الله ومنه الصلاة. (2/70)
صفحة 306
-
71
وهي
الباب الخامس
في الصلاة
لغة الدعاء بالخير من آدمى أو جنى أو غيرهما
واشتهر انها من الملائكة استغفار ومن الله رحمة مقرونة بتعظيم.
ولو قيل انها مما سوى الله دعاء لكان هو التحقيق
ان استغفار الملائكة دعاء وأى دعاء.
ولو قيل انها من الله رحمة بتعظيم ومما سواه ترحم لكان قولا
سديدا
فانظر تفسيرى في سورة التوبة وشرعا أقوال وأفعال مفتتحة
بالتكبير مختتمة بالتسليم
وسميت
وسميت صلاة لأن فيها الدعاء.
وقيل: لأنها وصلة بين العبد وربه.
ومثله قول بعض: لأنها صلة بينهما لأن الصلة
هي الوصلة
وليس ذلك شيء لأن الوصلة والصلة فاءهما واو ولامهما لام
والصلاة فاءها صاد ولامه واو قلبت ألفا فاختلفت المواد
•
اللهم الا أن يقال ولد من الاشتقاق الاكبر كما يقال في المال
انه ألفا عن واو انه سمى لأنه يميل بصاحبه (2/71)
صفحة 307
-
72
واللهم اللهم الا ان يقال ألفه للالصاق بنحو سعدى أو حبلى
والغاء محذوفة الأصل
وصلى بفتح الواو وضمها واسكان الصاد حذفت الواو وفتحت الصاد وزيدت تاء التأنيث ويره صليت والمصلى ونحو ذلك من التصاريف.
أو يقال دخله القلب المكاثر بأن نقلت الواو الى ما بعد اللام وقلبت
الفاء.
بمقيس
وكلا الوجهين بعيد لأنهما حمل على خلاف الأصل وعلى ما ليس
وهو اذا كان بمعنى ايجاد القول أو الفعل أي الدعاء
أو القول والفعل كما هو الصلاة الشرعية اسم المصدر الذي عن شأنه أن ينطق به وأن يكون مسموعا وهو التصلية كالتزكية لكن لا ينطق
به ولم يسمع
واذا كان بمعنى المقول أو الهيئة الحاصلة من الفعل فهو اسم كرجل
منقول من اسم المصدر (2/72)
صفحة 308
الفصل الأول
الصلاة فرضت بالقرآن والسنة والاجماع.
وهى ركن من أركان الاسلام
قال صلى الله عليه وسلم «بنى الاسلام على خمس» •
وعلى أن يوحد الله والمراد الجمل الثلاث وغيرها مما علمت مما مر عند جمهور أصحابنا
لا تتم
و اقام الصلاة وهو عندنا المحافظة عليها بالوقت والوظائف التي
الا بها.
وقال بعض قومنا: هى الوفاء بدين الله تعالى وايتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت لمن استطاع اليه سبيلا
واقتصر على هذه الخمس لشرفها وكونها أظهر شعائر الاسلام
والعبادة.
اما اعتقادية كاعتقاد التوحيد وأمور الاسلام ونية على الخير
واما قولية كالشهادة
واما قولية فعلية بدنية كالصلاة والتقرب
واما فعلية بدنية مالية كالجهاد
واما مالية كالزكاة (2/73)
صفحة 309
-
74
وان شئت فقل الزكاة ..
وان شئت فقل الذكاة فعلية بدنية مالية قولية كالحج فانه مشتمل على التلبية والاحرام وركعتيه وركعتي الطواف والدعاء ولو لم يجب
دعاء بعينه.
واما تركى كالصوم هذا تحقيق
واشتهر انها قولية وهى الشهادة
قلت: وغيرها أو بدنية وهى الصلاة والصوم.
أى وغيرها أو مالية وهى الزكاة
أو بدنية مالية وهى الحج وغيره
وان قلت ان اريد بالاسلام التوحيد لزم بناء الشيء على نفسه
وعلى غيره لذكر التوحيد في الخمس
والشيء لا يبنى على مجرد نفسه ولا على نفسه وغيره
وان أريد به العمل فكذلك لذكر الصلاة والزكاة والحج وهى وقد عدد الصوم أيضا عملا
اعمال
قلت الظاهر ان المراد بالاسلام بقية أقوال دين الله وأفعاله وتركاته
وببناء هذه البقية على الخمس ان الثواب عليها والاعتداد بها متوقفه على هذه الخمس لا ما قيل ان المراد بالاسلام هو القول والعمل. (2/74)
صفحة 310
-
وبكونه مبنيا على الخمس تركيه منها وعدم الاعتداد به اذا اختل واحد منها
وتحققه اذا وجدت لاستلزامها الآيتان بجميع الفرائض وترك جميع المعاصى بالنظر الى اقامة الصلاة لأنه لا يسمى مقيما للصلاة الا الموفى للزوم بناء الشيء على نفسه.
الله بدين
وبعد تخصيص مقيم الصلاة بمصليها وافيا بغيرها
ولا ما قيل من ان المراد به الاسم اللغوى الذي هو التدلل بها الذي هو فعل الواجب لأن ذلك خلاف الأصل وغير متبادر
الشرعي
والأصل حمل اللفظ الشرعى على المعنى الشرعي
ولا ما قيل من ان المبنى هو الاسلام الكامل والمبنى عليه هذه
الخمس
لكن المجموع غير من حيث الانفراد من حيث الجمع كالمراد فانه
بالنظر لمجموعه شيء واحد
وقال: صلى الله عليه وسلم:
الصلاة عماد الدين من تركها فقد هدم الايمان» •
ولا ايمان لمن لا صلاة له.
ولا صلاة لمن لا وضوء له.
ولا صلاة ولا وضوء لمن لا صوم له (2/75)
صفحة 311
الا بالكف عن محارم الله ...
ولا صوم والمراد بالايمان المتقى الايمان التام الشرعى المركب من قول وعمل
اللغوى الذى هو التصويق بشرط مقارنة اقرار وهو التوحيد
فتارك الصلاة موحد كافر كفر نفاق ونعمة
وقال: ليس بين العبد والكفر الا ترك الصلاة.
أي الا عدم تركه الصلاة
فان عدم تركها حاجز بينه وبين الكافر
•
أو أراد انه لا يصل العبد الكفر الا بترك الصلاة كما تقول ما بينك
وبين مكة الا مسيرة ميل
تريد انك تصلها بمسيرة ميل فقط.
أى يريد التحذير من الكفر وانه قريب من الوقوع فيه.
أو يريد التغليط في أمر الصلاة كانه لا موصل للكفر الا تركها.
ويقول صلى الله عليه وسلم:
الحج عرفة» أو معنى ترك الصلاة ابقاءها على حالها بدون تركها
أو كما تقول اترك الشيء على حاله بمعنى لا تغيره.
هذا ما ظهر لي من الأوجه ثم رأيت بعضها لغيري وما ذكره المحثيى
عن بعض قومنا باطل
وعن عمر رضى الله عنه لا حظ في الاسلام لم ترك الصلاة (2/76)
صفحة 312
وعن ابن مسعود رضى الله عنه: من لم يصل فلا دين له
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اول ما يحاسب عليه العبد الايمان ثم الصلاة ثم الزكاة ثم سائر
الاعمال» •
وذكروا بعد الزكاة الصوم فالعمرة فالحج فالمظالم
وانما يقع السؤال عما يلزم فعلا أو تركا فتراه عقب الايمان بالصلاة لعظم أمرها (2/77)
صفحة 313
الفصل الثاني
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات كتبهن الله على العيد فى كل يوم وليلة فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن - أى اهانة - فله عهد عند الله ان يدخله الجنة).
أى ان أتى بجميع الفرائض من فعل وترك
ومن لم يأت بهن أى ولو جهلا فليس له عند الله عهد ان شاء عذبه وان شاء رحمه بأن يوفقه لتوبة ويموت عليها نصوحا ولو قبل أن يصلى
وقال صلى الله عليه وسلم (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب» •
أي لا ملوحة فيه
عمر بفتح فاسكان أى متراكم الماء بباب أحدكم يقتحم فيه أى
يدخل كل يوم خمس مرات أيبقى من درنه
بفتح
الدال والمراء أي وسخه شيء
قال: فان الصلوات الخمس تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن.
والمثل في الموضعين بفتح الميم والثاء استعارة مما شبه مضربة بموردة
لماله شان أو بكسر بمعنى التشبيه
ولا يتعين الفتح كما قيل
وغير بباب أحدكم اشارة الى سهولة المناولة وقربها. (2/78)
صفحة 314
-
-
وقال الله سبحانه ان الحسنات أى الصلوات الخمس يذهبن السيئات أى صغائر من اجتنب الكبائر.
وأول ما ينظر من اعمال العبد الظاهرة الصلاة.
فان وجدت تامة قبلت هي وسائر الاعمال لتركب كمالها على كمال
الصلاة.
وان كانت ناقصة رد الكل
ومثل المصلى كمثل التاجر لا يخلص له الربح حتى يخلص له
رأس المال
فرض
والصحيح كما في بعض كتب المشارقة انه يجوز التنفل لمن عليه
وله الثواب ان نوى قضاء الفرض ومات وقد قضاه.
أو مات بحال يعذر فيه
وصرح بعض المشارقة والمغاربة بأن النفل لا ينعقد لمن عليه فرض
ولا ثواب فيه
والمراد بالنفل ما يشمل السنة غير الواجبة.
وعلى القول الأخير لا يصلى القيام من عليه فرض ولامامه الركعات ليلة عاشور التي تنوى لاحتياط صلاة الفجر بأن ينوى الامام والمأموم ذلك ولا سائر النفل.
ولو احتاط بذلك لفرضه من حيث انه يجوز الاحتياط بالصلاة كلها
للفرض الا الوتر وسنتى الفجر والمغرب (2/79)
صفحة 315
A .. -
ورخص فيهما وذلك لأن الاحتياط نقل لعدم تيقن صاحبه بفساد
فرضه ..
وليس احتياط الفرض هنا في حكم الفرض خلافا لبعض
ويجوز الاحتياط بالشفع الذي قبل الوتر
وانما صنعوا الاحتياط بالوتر لان من العلماء من قال هو فرض
فأمر أصحابنا بأن لا يحتاط به والا فواضح انه من يقول غير فرض يجيز الاحتياط به.
وقيل: يحتاط بالنفل على السنة وبالسنة الفرض.
قيل: من وجب عليه فرض خرج وقته لا يصلى غيره حتى يصليه
بناء على القول الأخير وليس بشيء
وقال صلى الله عليه وسلم: (من صلى الصلوات الخمس في وقتها و اسبغ وضوءها وأتم ركوعها وسجودها وخشوعها عرجت وهي بيضاء
مصفرة» •
أي مضيئة تقول: حفظك الله كما حفظتني
ومن صلاها لغير وقتها ولم يسبغ وضوءها ولم يتم ركوعها ولا سجودها عرجت وهي سوداء مظلمة تقول ضيعك الله كما ضيعتني.
حتى اذا كانت بحيث ما شاء الله لفت كما يلف الثوب الخلق بفتح
الخاء واللام أى البالي فيضرب بها وجه صاحبها. (2/80)
صفحة 316
?
والمساوات في مسئلة التضييع على أصلها مثلها في مسئلة الحفظ.
والمراد بيان أقبح حالات التضييع وهو ما اجتمع فيها عدم الوقت
وما بعده.
والمراد بالاسباغ عدم التعميم ليكون انتفاءه سببا في ردها
ولارادته بيان أقبح الحالات اقتصر على ما اجتمع فيها ذلك والا فالواحد من هذه الأمور يكفى فى عروجها سوداء مظلمة داعية عليه بالتضييع وفي لفها وضرب وجه صاحبها
والمراد بمن جماعه بعض صلاها لغير وقتها
وبعض لم يتم وضوئها.
وبعض لم يتم ركوعها ولا سجودها.
كما تقول أكرمت من جاء هنا ضاحكا باكيا راكبا تريد من جاء أحدهم ضاحكا والآخر باك والآخر راكب
أو يقدر موصولان أي:
ومن لم يسبغ.
ومن لم يتم
ذلك على جواز حذف الموصول وبقاء صلته لدليل مطلقا
(م 6 - الجامع الصغير ج (2/81)
صفحة 317
-
-
أو ان ذكر موصول مثله
وعلى كل حال فالرابط بين المبتدأ والخبر غنى عنه ضمير عرجت
العوده الى صلاة من فعل ذلك
كأنه قال عرجت صلاته كما قيل فى) والذين يتوفون منكم ويذرون
أزواجا يتربصن (لأن المعنى تتربص أزواجهم.
والربط في مسئلة الحفظ مثله هنا.
واذ قدر الموصولان قدر المعنى عرجت صلاتهم
ولا يقال الواو بمعنى أو لان المختار انها لا تكون بمعنى أو ولا يحافظ
على الصلاة الا مؤمن
وعنه صلى الله عليه وسلم:
(من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله الا
بعدا».
وقال الله سبحانه:
) ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}.
فانظر تفسيرنا (2/82)
صفحة 318
-
83
-
الفصل الثالث
يقتل ولو فى الكتمان تارك الصلاة بدون استتابة أو بعد ان يستتاب
ثلاثا كل يوم مرة ولم يتب.
وبه يقول الجمهور أو يضرب نكالا أو يؤدب ويسجن
ولا حد للنكال هو على قدر ما يرى الحاكم وعلى قدر الذنب
وقد حبس بعض من مضى جانيا سنة ثم أطلقه وضربه النكال خمس
مائة ضربة
وفى هذا القول بتأديب تارك الصلاة وسجنه بناء على جواز الجمع بين عقوبتين لأنها مختلفتان:
احداهما سجن.
والأخرى ضرب
وقيل: المنكال ما فوق الحد ودونه.
ولا يوقف على الحد
وقيل: لا يبلغ بالنكال حد التعزير
والتعزيز ما دون أربعين وفوق الادب وانما يكون على كبيرة (2/83)
صفحة 319
-
84
والادب فى الظهور وعشرون أو دونهما
وقيل: تسع عشر أو دونها
وتسقط ضربة أو أكثر في الكتمان
وقيل: يفعل كلما قدر عليه في الكتمان من أحكام الظهور
ومن أراد أن يكون مثل ابليس فليتهاون بالصلاة ولا يبال من
صادقا أو كاذبا
الحلف
ومن تركها تهاونا بها ثلاثة أيام ولياليها ولم يتب نزعت البركة من عمره ورزقه لأن الصلاة سبب فى بركة العمر والرزق وعلامة الصالحين
من وجهه.
وهي نور يشرق من الباطن على الظاهر
ولنا كلام فى تفسيرى سورة الفتح ورد دعاءه وعمله
ولا يجد ثواب عمله في الدنيا بخلاف المنافق المصلى فانه يجازي به فيها ومات خائفا عطشا ذليلا وضيق عليه قبره واظلم وعذب في البرزخ
الساعة حتى تقوم
وهو ما بين موت الخلق كلهم والبعث. (2/84)
صفحة 320
-
85
--
وقيل: ما بين موت الانسان والبعث
ويسحب فى المحشر على وجهه ويعذب عذابا أليما
وينادي عليه:
هذا جزاء من ضيع ما افترض الله عليه (2/85)
صفحة 321
-
86
الفصل الرابع
لا يستحق ثواب الصلاة الا مقيمها
وهو المحافظ عليها بالوقت والوظائف والخشوع
فان المصلين كثير والمقيمن قليل
قال الله سبحانه:
(الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة) (فويل للمصلين الذين هم
عن صلاتهم ساهون).
أى لا يدرون على كم ينصرفون
أو يسهون عن وقتها حتى تخرج.
أو ان صلوها فى أول الوقت لم يفرحوا أو أخروها لم يحزنوا.
فانظر تفسيرنا وبالصلاة يصرف البلاء
وعنه صلى الله عليه وسلم الصلاة مرضات الرب وحب الملائكة أى
محبوبتهم
وسنة الأنبياء أى طريقهم الواجبة (2/86)
صفحة 322
AY -
وهى أصل الايمان أي التوحيد
وجواب منكر بضم الميم وفتح الكاف.
ونكير أى منكور أى سبب بجواب منكر ونكير بابا الله أي ومحمد نبي.
واجابة الدعاء وقبول الأعمال أى سبب الاجابة والقبول
وبركة في الرزق
وراحة للابدان
وسلاح الاعداء.
وكراهية الشيطان
وشفيع لصاحبها عند الموت.
وسراج في القبر
و فراش للجنب.
ومؤنس في القبر وزائر فيه
وظل يوم القيامة
وتاج على الرأس ولباس على البدن. (2/87)
صفحة 323
-
1 -
نور بين اليدين
وستر عن النار
وحجة في الحساب
وثقل في الميزان
وجواز على الصراط
وشبه هول القيامة ببناء مشرف على مهواة لا يجاز الا بالصلاة
ومفتاح للجنة
ورفع الدرجات في الجنة لأنها تسبيح
وتقديس وتمجيد وتعظيم
وقراءة ودعاء كقول القارئ أهدنا الصراط المستقيم وغفرانك ربنا
وربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
وقول قارئ التحيات: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين
ويضعف أن يكون المراد الدعاء بعدها
وأفضل الأعمال الصلاة لوقتها (2/88)
صفحة 324
-
89
السبيل
وخلق الله
سبع سموات وملئها بالملائكة يذكرون الله
فأهل سماء قيام.
وأهل سماء ركع وأهل سماء سجد.
وأهل سماء من خروا لجلال الله وأهل عليين.
ومن حول العرش يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن تاب واتبع
فجمع الله ذلك للمؤمنين فى صلاة واحدة كرامة لينالوا حظهم من
عبادة أهل السموات
وزادهم القرآن يتلونه
واجتمع فيها ما لم يجتمع في غيرها:
الطهارة.
والصمت
واستقبال القبلة
والاستفتاح بالتكبير
والقراءة وهى أول ما فرض بعد التوحيد (2/89)
صفحة 325
وفرضت الصلاة بمكة ليلة الاسراء خمسين ومازالت تنقص باشارة
موسى عليه السلام حتى كانت خمسا •
ونودي يا محمد لا يبدل القول لدى وان لك بهذه الخمس خمسين.
وقدم فرضها على فرض الزكاة لأن النفوس بما يتعلق بالبدن
أسمح وعلى المال أشح
أسهل وهى
عملا الا أنها في أوقات ملاذ العباد واشغالهم
وهم مطالبون بالتجرد اليها
وفيها تكليف شاق من هذه الجهة
كما أشار اليه بقوله سبحانه واصطبر عليها وهي آخر ما يفقد
من الدين
وأول ما فقد الامانة.
وأول ما يفقد علم الارث.
ومن أحرم لاقته رحمة وكان كعبد يقرع باب مولاه.
ومن أحرم عقب احرام الامام فكأنه انفق مائة ناقة باحمالها.
أو ألف ناقة (2/90)
صفحة 326
91
أو أنفق ألف دينار •
أو الدنيا أربع مرات - أقوال.
•
وقيل له: ذلك الأجر على الخلف فيه اذا أحرم قبل افتراق الصف.
وفي شرحى على النيل أقوال ذكرتها ومن حضر قبله فخشع في
الصلاة فهو في مناجاة ربه.
وينادى ملك لو يعلم هذا العبد من يناجي لما انفلت ويتناثر البر على رأسه من عنان السماء الى مرفق رأسه وتحف الملائكة من لدن قدميه
الى عنان السماء
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى عبد خير من أن يؤذن
له في ركعتين.
وعن محمد بن سيرين لو خيرت بين الجنة والركعتين لاخترتهما لأن
فيهما رضى الله وفى الجنة رضى نفسي (2/91)
صفحة 327
-
92
-
الفصل الخامس
فرض على القيم سبع عشرة ركعة الا فى يوم الجمعة في زمان الامام
فخمس عشر
وعلى المسافر احدى عشرة
والوتر سنة مؤكدة غير واجبة على المختار عند صاحب الايضاح لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل:
أعلم أهل اليمن ان أجابوك الى الايمان ان الله افترض عليهم
خمس صلوات».
وقوله: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» •
وقوله: (فاعبدوا الله ربكم وصلوا خمسكم» •
وقوله: «ثلاث هن على فريضة وهن لكم تطوع قيام الليل والوتر
والسواك).
وحديث الاسراء المذكور
وقوله تعالى: (والصلاة الوسطى).
والوسط العدد يتصور في الخمس لا في الست. (2/92)
صفحة 328
—
93
وان قلنا الوسطى بمعنى الفضلى تصور في الخمس والست
وقيل: صلاة الوتر واجبة.
وبه قال جمهور أصحابنا لقوله صلى الله عليه وسلم (ان الله زادكم صلاة سادسة وهى خير لكم من حمر النعم ألا انها صلاة الوتر» •
هي
بين صلاة العشاء الى طلوع الفجر فأجيز ان الله زادها
وجعل لها وقتا
والغنم
والوقت انما يكون للواجب
والمعنى خير من النعم الخمس
فاضيفت الصفة للموصوف
والمراد بالنعم الابل والبعير والناقة اذ لا يمدح بالحمرة البقر
ويصلى الوتر مع العشاء ولو قبل غيوب الشفق الأحمر اذا أجمع
العشاء والمغرب
وقد يبحث في أدلة من قال بعدم الوجوب بانه بعد استقرار الفرض
خمسا زاد فرضا سادسا هو الوتر
ولا يقال لو أراد بالزيادة فى الحديث الايجاب لقال زاد عليكم لانا (2/93)
صفحة 329
—
94 -
نقول انما عبر باللام اعتبار الجانب النفع ترغيبا فيه لا تجويزا لدليل
ان الزيادة كانت على الخمس
والخمس فرضا فلتكن المزيد فرضا لان الاصل والمتبادر أن يكون
المزيد من جنس المزيد عليه
وأما الآية فيجوز فيها ان يكون الوسطى بمعنى الفصلي
وقد يبحث في استدلال الموجب بجعل الوقت بانه كثير لاما يجعل
الوقت للسنن كسنتى المغرب والفجر
فليس حصر الوقت دليلا للوجوب.
وعلى الوقل بالوجوب لا يكفر تاركه
ولا تلزمه الكفارة كما في القول بعدم الوجوب
كما يقال في رد السلام أنه واجب لا يكفر تاركه ولا تلزمه الكفارة.
وقيل: يكفر وتلزمه الكفارة.
وبه قال في الايضاح وهو الصحيح.
وكذا في رد السلام.
ولا يقال المراد بالوجوب وجوب السنن وهو التأكد لانا نقول اطلاق الايجاب على التأكيد ولو كان جائرا مستعمدا. (2/94)
صفحة 330
ذلك كما أثبته الشيخ البرادي رحمه الله.
لكنه خلاف الأصل وخلاف المتبادر فيحتاج الى قرينة.
ولا يقال القرينة عدم وجوب الكفارة وعدم الكفر
لأنا نقول تشبيهه برد السلام مما يقوى أن المراد بالوجوب الفريضة ولو كان المشبه لا يقوى قوة المشبه به لأن ذكرهم الخلاف في وجوبه
وبناء كون الصلاة الواجبة خمسا أو ستا عليه وقول الايضاح بلزوم
الكفر والكفارة أدلة على ان المراد بوجوبه فرضيته
وممن
قال بعدم وجوبه عتبة بن أبي سفيان اذ امتحن اعرابيا من
أذد شق بعدد الركعات.
فأثبتها الأعرابي سبع عشرة.
فقال له: صدقت
وامتحنه الأعرابي بعدد فقار الظهر فلم يجب عجزا والجواب أنهن بعدد الركعات والفقره عظم في وسطه ثقب
وصلاة الميت سنة واجبة على الكفاية لقوله صلى الله عليه وسلم:
صلوا على موتاكم وصلوا على كل بار وفاجر» • (2/95)
صفحة 331
-
وسنتا الفجر والمغرب وصلاة العيدين وركعتا الطواف في المحرم
مؤكدات
وأما كونهما خلف المقام وقيام رمضان وصلاة الضحى وصلاة الكسوف وصلاة الخسوف وصلاة الزلزلة وصلاة الاستسقاء وتحية المسجد وركعتا السحر ونحو ذلك فمن المرغوب فيه
وغير ذلك نفل كأربع قبل الظهر وأربع بعدها.
والنفل لغة الزيادة (2/96)
صفحة 332
النفل يقرا في:
الفصل السادس
الأوليين من المغرب
والأوليين من العشاء.
وفي الفجر.
وذلك بفاتحة الكتاب وثلاث آيات جهرا في الفجر.
ويستحب تكميل السورة مطلقا.
ويستحب اطالة القراءة في الفجر
والتوسط في العشاء.
والتخفيف في المغرب
وكون القراءة فى الفجر من أطول سور الفصل من سورة محمد صلى
الله عليه وسلم الى سورة الملك ..
ثم الى عبس
م 7 - الجامع الصغير ج 2) (2/97)
صفحة 333
-
وفى العشاء من عبس الى والفجر.
ر فى المغرب من أنا أنزلناه الى قل هو الله أحد وفى
وفى فجر السفر من السور القصار من اذا زلزلت الى قل يا أيها
الكافرون
•
ويجزى غير ذلك.
والجهر تحريك اللسان بقطع الحروف حتى يسمع من يلى
وقيل حتى يسمع الاذنين
ويقرأ الفاتحة سرا في الظهر والعصر.
و آخره المغرب والأحديين من العشاء الا فى الظهر من يوم الجمعة
فى زمان الامام فانه ركعتان وجوبا
ويقرأ فيهما جهرا بالفاتحة وسورة أو أقل من السورة الى ثلاث آيات
والسر تقطيع الحروف باللسان دون اسماع الأذن.
وقيل بأسماعه.
ويجب صلاة الجمعة باجماع خلف الامام العادل في الأمصار السبعة
التي مصرها عمر رضي الله عنه مكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام
واليمن والبحران وعمان وهما مصر واحد
• (2/98)
صفحة 334
99
-
السبعة
وتجب عند أكثر أصحابنا خلف الجبابرة ولو مخالفين في الامصار
وهو الصحيح لما روى من صلاة الصحابة والتابعين وغيرهم كجابر
ابن يزيد وأبي عبيدة والمربيع بن حبيب وصحار العبدى رحمهم
ويشترط العدل في غير السبعة
الله
فلا تجوز خلف جائر
ولا تجب صلاة الجمعة على مسافر ولا امرأة ولا عبد.
في
واختلف في جواز الصلاة خلف من يرفع يديه في التكبير ومن يترك البسملة أو تتماسك يداه أو يزيد آمين أو يفعل غير ذلك مما مذهبه جزم المحثى بالفساد لأن العبرة بعقيدة المأموم لا الامام
يجوز
ان الصحيح ان صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الامام ولا يرد عليه رحمة الله انه لو كانت صلاة ذلك المخالف فاسدة فتفسد صلاة المأموم.
معني
المتم
والحكم على ذلك المخالف بأحكام تارك الصلاة كالقتل لانا نقول فسادها بذلك على المخالف انه لا ثواب له عليها كما نقول في المصلى عدد الركعات المشتغل القلب من أولها الى آخرها بغيرها انه غير
مصل (2/99)
صفحة 335
الفصل السابع
تصح الصلاة باتخاذ الوطن باتفاق.
ويستحب اتخاذ بلدة لا يخرجه منها الا الجوع والقحط أو العدو
أو وجه من وجوه الاضطرار
وأقل ما يجزى موضع طاهر قدر ما يصلى منه.
ويتخذه بموضع ينزله فى كل وقت ان قدم من سفره ولا يستغنى عنه كداره وبستانه ومصلاه ولو كان يتردد اليه فى كل سنة مرة لجنابة
له فيه
نوي
•
أو الطلب علم أو نحو ذلك
•
فله اتخاذه اذا كان على نية ذلك التردد الا أن منعه مانع هكذا
•
ويتخذه بالنية واللفظ أو بالنية.
وينزعه بهما الترك ضعيفة فتقوى باللفظ لتقاوم نية الفعل لأنها
أقوى.
وقيل: يكفى نزعه بالنية.
وهو الصحيح عندى. (2/100)
صفحة 336
-
الا
ومن
اتخذ الدنيا كلها كمن لم يتخذ
ولا يضيق عليه في اتخاذه أو بعد نزع الوطن الذى لم يكن لـ
هو الا اذا ضاق الوقت وخيف الفوت.
والمرأة تابعة لزوجها
وان مات أو طلقها ما لم تتخذ لنفسها وطنا.
والعبد تابع لسيده ولو عتق ما لم يتخذ لنفسه
والمولد تابع الأبيه مادام طفل.
المعنى أنه أن أراد الصلاة الفريضة تطوعا في حقه يصلى كأبيه
•
وهذا القول لكناية عن انه لا يجوز له الكون على وطن أبيه الا بنوى
وان شاء اتخذ غيره
وادعى بعضهم انه الراجح.
ووطن ابن ام وطنها.
•
ووطن الملتقط وطن ملتقطه
وانما ينبغى أن يأخذ منزلا معروفا أو بئرا معروفة أو قصرا
معروفا (2/101)
صفحة 337
أو حوضا في موضع ترعى فيه الدواب.
ويجوز في غير ذلك.
ولعل المراد بالمنزل المعروف ما سكنه الناس.
وبالبئر جوانبها أو أسفلها ان كانت لا يدخلها الماء وأمكنه نزولها
بالدرج مثلا.
ويجوز اتخاذ أربعة.
أو كان بمرة أو بالتدرج كنزول أربعة.
كذلك كل واحد خارج عن أميال الاخر والا كانت وطنا واحدا
ولا يتخذ أكثر من أربعة كما لا يتزوج أكثر من أربع.
وان اتخذ أكثر بمرة بطل الكل كما يبطل تزوج أكثر من أربع
بعقدة
وان تتابعت صحت الأربعة الأولى.
وان قرن الخامس والرابع بطل أو صح ما قبلها أو قرنهما
الثالث بطلت وصح الاثنان قبلها
•
ويجوز اتخاذ الحوزة كلها أو أكثر وطنا واحدا.
مع (2/102)
صفحة 338
الفصل الثامن
صلاة السفر ركعتان لكل صلاة الا المغرب فانه ثلاث كالحضر
قالت عائشة رضي الله عنها:
أول ما فرضت الصلاة ركعتان ثم زيد في الحضر
وكذا روى جابر بن عبد الله أن الركعتين فى السفر ليستا قصرا
انما القصر واحدة عند الخوف
وقيل ان صلاة السفر قصرا من صلاة الحضر.
وقد سماه عمر رضي الله عنه قصرا.
وأقره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «صدقة من الله
فاقبلوها».
وصلاة السفر ترخيص لمشقة السفر
ولا يقال لو كانت قصرا أو ترخيصا لجاز الاتمام في السفر
لانا نقول من الرخص ما يجوز تركه كالفطر في السفر.
وما لا يجوز تركه كأكل المفطر الميتة والدم وصلاة السفر من
هذا. (2/103)
صفحة 339
-
- 104 -
-
والقول الأخير هو المشهور في الالسنة والكتب.
وحد السفر فرسخان من وطنه.
وقيل: وما يتبعه من عمران البلد اذا قصد في سفر أخذه الى موضع
معروف من البلد
والفرسخ ثلاث أميال.
والميل أربعة آلاف ذراع وألف باع.
والباع أربع أذرع.
والذراع أربعة وعشرون أصبعا
والأصبع ست شعيرات
كل شعيرة بطنها الى ظهر أخرى.
والشعيرة ست شعرات من شعر البغل.
وقيل: من خرج على نية السفر صلى قصرا ولو لم يجاوز
الفرسخين.
وقيل: ان نوى سفرا بعيدا
أو هو ثلاثة أيام فصاعد قصر خارج الأميال. (2/104)
صفحة 340
- 1.0
ويقصر في الرجوع أيضا حتى يدخل منزله.
ان قصر خارج الأميال بأن صلى الظهر أو العصر أو العشاء خارجها مشى أو خرج وقت الصلاة خارج الأميال إلا بأن ترك الرباعية أو نسيها
أو نام عنها أو حاضت أو نفست.
ان تركها عمدا أو جهلا أتم فى الأميال.
وقيل: يتم فيها مطلقا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه وبعض الكوفيين أن حد السفر ثلاثة أيام
وقيل: أربعة ترد وهى ثمانية وأربعون ميلا وهو مذهب مالك
والشافعي وأصحابهما. (2/105)
صفحة 341
-
صلاة الخوف ركعتان
الفصل التاسع
وفى المغرب أو حضر وهى أن يصلى الامام بطائفة ركعة فتنصرف لمواجهة العدو فتجئ التي قد واجهته فيصلى بهم الركعة الأخرى
ثم يسلم فيسلم الجميع ولا تحية على الطائفة الأولى التي واجهت العدو آخرا بل التسليم فقط •
وهذا مذهبنا وعليه ابن مسعود وابن عباس
وقيل أن يصلى بطائفة ركعة ثم يثبت قائما حتى يصلوا الركعة
الأخرى فينصرفوا لمواجهة العدو
وتجئ الطائفة الأخرى التي قد واجهت العدو يصلى بهم ركعة
فيثبت جالسا
ويقوموا يصلون الأخرى ثم يسلم بالطائفتين.
ويرد قوله صلى الله عليه وسلم: (انما القصر واحدة عند
الخوف».
وان فيه مخالطة الاصل الذى هو أن لا ينتظر الامام المأموم
وان يكون متبوعا لا تابعا. (2/106)
صفحة 342
- 107
-
لكن القولان روايتان عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة
الخوف يوم ذات الرقاع.
وسميت هذه الغزوة بهذا الاسم.:
كما قال أبو موسى الأشعرى خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم في غزوة ونحن ستة نفر بيننا بعير نتعقبه فتعبت أقدامنا وتعبت
قدماى وسقطت أظفارى فكنا نلف على أرجلنا الخرق
وذلك أنه غزا نجدا في أربعمائة أو سبعمائة.
يريد بنى محارب وبني تغلبة وهم في نجد لقى جمعا فتقارب الناس ولم يكن حرب وخافوا وصلى صلاة الخوف.
وقد رأتهم المشركون بعسفان قاموا للظهر فلما صلوا ندموا ان لو
كبوا عليهم.
وقالوا ان لهم صلاة أحب اليهم من آبائهم وأبنائهم وأمهاتهم وهى
العصر فاجمعوا أمركم فتميلوا عليهم ميلة واحدة
فنزل جبريل بصلاة الخوف
وقيل سميت الغزوة بذلك لانهم رفعوا فيها راياتهم.
وقيل لشجرة فى ذلك الموضع تسمى ذات الرقاع. (2/107)
صفحة 343
108
-
وقيل لان الأرض التي نزلوا بها فيها بقع بيض ويقع سود كأنها
مرقعة برقاع مختلفة
وقيل لان نجيلهم سوادا وبياضا .. :
وقيل لجبل فيه بقع.
وقيل لان صلاة الخوف كالترقيع وهو غريب. (2/108)
صفحة 344
-.109.
الفصل العاشر
صلاة المسابقة الصلاة عند المقاتلة.
وأصل المسايفة التضارب بالسيوف
أطلقت في غرف الفقهاء على مطلق التضارب.
وصلاة المسايفة ترجع الى الامكان
وان لم يمكنه الا التومى، وهو ماش أو راكب فعل.
وان لم يمكنه فليكبر أربعا.
وقيل خمسا.
وقيل ستا.
وقيل سبعا
وقيل تكبير الصلاة كله.
ولابد في ذلك من السلام والاستقبال عند الاحرام ثم لا يضره
الاستدبار للضرورة.
وان لم يمكنه نواه. (2/109)
صفحة 345
-110
وكذا راكب السفينة والمصلى على الدابة لخوف والمريض
وقيل يصلى راكب السفينة قاعدا ولو قدر على القيام.
كذلك ان وقفت صلى قائما ويومئ من يصلى في الماء والطين.
وقيل لا يرجع في القتال أو المرض أو نحوهما الى التكبير الا اذا لم يمكنه تكييف أفعالها فى نفسه والتلفظ فيما يتلفظ به وهو المختار
عندي
واختار في الايضاح الأول للمريض
ويجوز لمن خاف على دمه أو ماله أو مال غيره ان كان يلزمه غرمه
اذا تلف أو دم غيره
أو خاف مضرة ما على حى أو ميت فى نفس أو مال في جميع ما يعصى ربه فيه اذا تركه أن يقصر من صلاته ما لم يمكنه أن يأتى به من
ركوع وسجود الى قوم قائما
ومن قاعدا أو راكبا على دابة.
ومن قاعد أو راكبا على دابة.
ومن التومئ الى الجواز بلسانه ..
ومن الجواز الى الجواز الى التكبير.
وان لم يمكنه الا الاضطجاع من التسليم بأي صفة وقعت الصلاة. (2/110)
صفحة 346
! i !
- MAA
الفصل الحادي عشر
يصلى المريض كما أمكنه بلا تحمل مشقة.
وان لم يستطع إلا بالاضطجاع اضطجع
وان صلى قاعدا قعد قعود التحيات.
وقيل يوقف رجليه ويوصلهما الى الأرض أن أمكنه.
ويجعل بينهما فرجه.
ويجعل كفيه آخر فخذيه مما يلى الركبتين.
ويقدم الشمال على اليمين باصبعها الكبرى.
وتقم امراة وتسوى.
وصلاة القعود ايماء.
ويجعل السجود أخفض من الركوع.
هذا هو الصحيح في الايماء.
فانظر النيل
•
وشرحى عليه ولا يسجد إلى الأرض ولو قدر ... ان.
وقيل: ان قدر • (2/111)
صفحة 347
وهو الصحيح عندى للقدرة بحديث «اذا أمرتكم بشيء فأتوا منه
ما استطعتم» •
وقيل: يسجد أن كان لا ينتظر الراحة والا لم يسجد الا خلف
الامام تبعا.
وقيل ان صلى في مسجد أو مصلى سجد ان قدر
وان صلى في غيرهما أوميء.
وان صلى مضطجعا فليضطجع على الأيمن مستقبلا ...
وان صلى مستلقيا فلتكن رجلاه نحو القبلة ورأسه نحو الشمال
مستقبلا
و ان لم يقدر على الايماء فليكبر على الخلف السابق
ولا يكبر الا أن عجز •
وعن التكليف قولان كما
واختار في الايضاح الأول لأن الأقوال لا تقوم مقام الأفعال في
الصلاة
•
وفيه نظر لانا لا نسلم انما قدر عليه من ألفاظ الصلاة قائم مقام
أفعالها. (2/112)
صفحة 348
-
113
-
بل ما قدر عليه من ألفاظها واجب على أصله لا يسقط عنه
القدرة عليه
وما لم يقدر عليه وهو أفعالها يكفيه وينويه فيقرأ القرآن بلسانه
متلفظا ناويا القيام.
ويعظم ناويا الركوع.
ويسبح ناويا السجود.
ويكبر ناويا الرفع والخفض
ويقرأ التحيات ناويا قعود
•
ولا يخفى ان مراده بالأقوال الصلاة كما بدا لنا والحمد لله قبل الاطلاع على كلام المحثى لا ما يعم التكبير الذي هو بدل من الصلاة
فضلا عن أن يقال ان تعليل الايضاح يقتضى أن لا يرجع الى التكبير
أصلا.
واذا عجز عن التكيف رجع الى التكبير باجماع.
وان عجز عنه فلا عليه
(م 8 - الجامع الصغير ج 2) (2/113)
صفحة 349
114
وان نجست ثيابه أو فراشه أو موضعه أو بدنه بعد دخوله في المرض بطهارة فلم يقدر عليها بعد فلا اعادة عليه.
كذا من لم يجد من الأصحاء ثوبا طاهرا أو مكانا طاهرا فعليه
الاعادة.
ومن توصل الى الطهارة قبل خروج الوقت أعاد (2/114)
صفحة 350
--
110
-
الفصل الثاني عشر
الجمع بين الصلاتين سنة.
وهو بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء.
ومن جمع بنية احياء السنة فله أجر عمل الفرض.
والسنة وصلاته أفضل ممن جمع ميلا الى الراحة.
واذا جمع بين المغرب والعشاء فليصلى بعدهما سنة المغرب فالوتر
ولو جمع قبل وقت العشاء.
وان أخر الوتر الى دخول وقت العشاء جاز
وزعم بعض العلماء ان من صلى الوتر قبل غيوب الشفق الأحمر
هلك.
وهذا مبنى على أن الوتر فرض وان تارکه کافر
و محمول على غير الجمعة.
ولا يجوز الا لمن نواه أول الوقت ان بان.
وحين توهم دخوله ان لم يبين كحالة الغيم. (2/115)
صفحة 351
ويجوز من أول وقت الأولى الى آخر الثانية.
والمناسب لهذا أن يقول اللهم انى نويت الجمع بين الظهر والعصر
أو بين المغرب والعشاء.
أو من الأولى أو اقدم الثانية قارنا بينهما أحدا بالرخصة ومقتديا بالسنة ومجيبا لها.
أو أخذا بالرخصة واقتداء بالسنة و احياء لها طاعة لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام.
واما ان قال وأقدم بالواو فلا يناسب الا الجمع قبل دخول وقت
الثانية.
واذا نوى المسافر الجمع عند آخر الأميال كفاه في سفره ورجوعه
أن يقول مثلا:
اللهم انى أجمع بين الصلاتين في سفرى هذا فيه الجمع والافراد
ذهابا ورجوعا.
و اذا قام للصلاة قال مثلا:
اللهم اني نويت أداء صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء السفرتين امتثالا لما وجب على بكل من له صلاة ممن يصلى وراثى ان كان اماما، أو مع الجماعة ان كان مأموما.، (2/116)
صفحة 352
والامام غير المتولى.
-
117
-
وخلف الامام ان كان مأموما.
والامام متولى قارنا بينهما أخذا بالرخصة
ومقتديا بالسنة فريضتان على فى يوم كذا أو ليلة كذا في شهر
كذا متقربا بوما اليك راجيا بهما ثوابك.
وان كان الجامع حضريا قال الحضرتين ويجوز الجمع لسبعة:
الأول: المسافر
الثاني: المريض المدنف الذى يخاف أن يغشى عليه
والذى تشق عليه الصلاة.
الثالث: من خفيت عليه صلاة أوقات الصلاة بالسحاب أو بالسجن ان كان من فيه لا يجد مزيد من الوقت الثاني بعد علمه بالأول.
الرابع: الواقف بعرفة
الخامس: البايت بجمـ
السادس: من به نجس لا يرقى من قبل أو دبر أو جرح أو أنف
أو غيرهما. (2/117)
صفحة 353
-
118
-
السابع: من له عذر بين يخاف من الفوت في الأنفس أو الأموال
والجمع سنة للمستحاضة والمسافر والواقف بعرفة والبايت بمزدلفة
وهي جمع
ولا يكون بين الصلاتين المجموعتين الا التسليم والاقامة وتوجيه
ابراهيم، وسبحانك اللهم الخ.
وقيل: لا يوجه بتوجيه ابراهيم بينهما •
وان تكلم بينهما أو تنفل أو عمل عملا انتقض اقرانه وصحت الأولى
ويؤخر الثانية الى وقتها.
وقيل: لا يبطل الأقران عمل بل يبطله الكلام.
ورخص في الكلام اليسير الذي لا يستغنى عنه.
وبيطله الأكل والشرب.
وان اشتغل فى غير صلاته مقدار ما يتمها فيه انتقض اقرانه. (2/118)
صفحة 354
- 119
-
الفصل الثالث عشر
صلاة الجماعة فرض كفاية في الدنيا.
وقيل على أهل كل مسجد
وقالت الظاهرية فرض عين لقوله صلى الله عليه وسلم: من سمع
النداء فليجب
ومن لم يجب فلا صلاة له الا من عذر ولو كان أعمى بعيد الدار
ولا قائد له
الا أنه ان لم يجد قائدا وكان خروجه وحده مضرا له فلا يخرج.
وأن ذلك من العذر والعذر خوف أو مرض.
وأجيب بأن ذلك ترغيب واستكمال لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد»
أى لا صلاة كاملة الأجر
ولكن لا ينبغى الاعتزال عن الجماعة اذا كانت قائمة بالعدل غير مختلفة والا فليس حال للانسان أحسن الاعتزال وليكف يده ولسانه عن المعونة وليكن كابن لبون لا ظهر يركب ولا ضرع يحلب وكجليس من اجلاس بيته وليعتزل الناس وما هم فيه. (2/119)
صفحة 355
-
120
-
إلا أن خاف خراب مسجد فليعمره.
ولو ترك كل أحد صلاة الجماعة واعتزل لتركوا سنة النبي صلى الله
عليه وسلم فيضلوا
وقيل على أن صلاة الجماعة ليست فرضا لقوله صلى الله عليه
وسلم:
الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة»
ذلك لدلالته على أنها لتحصيل الفضل
نهي کمال زائد
وأجيب بأن ذلك بعد القيام بها كفاية. (2/120)
صفحة 356
-
الفصل الرابع عشر
من سره أن يلقى الله مسلما فليحافظ على الصلوات المفروضة في
الجماعة اذا نودى بهن •
ومن أحسن الطهور وقصد مسجدا فله بكل خطوة حسنة ودرجة
ومحو سيئة
قال ابن مسعود: وانا كنا لنقارب بين الخطا
وعنه صلى الله عليه وسلم:
من صلى مع الجماعة أربعين يوما كتب الله له براءة من النار
وبراءة من النفاق» •
وعنه صلى الله عليه وسلم:
أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو علموا
ما فيهما لأتوهما ولو حبوا».
وعلامة ما بيننا وبينهم شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما وذلك لان الصلاة كلها ثقيلة على المنافقين ولاسيما العشاء والفجر لان العشاء
وقت السكون والراحة
والصبح وقت لذة النوم. (2/121)
صفحة 357
-
وقيل: لان المؤمنين يفوزون بما ترتب عليهما من الفضل لقيامهم
بحقهما دونهم.
ومن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يشهد الجماعة ولا يصلى فيها
ويموت على ذلك فهو في النار
وعنه صلى الله عليه وسلم:
من صلى صلاة فى جماعة فكانما ملا نحره عبادة» •
و من فاتته صلاة في جماعة فهو أهل لأن يعزى.
ومصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا
وعن محمد بن واسع ما اشتهى من الدنيا الا ثلاثة: أخاً في الله
ان تعوجت قومنى.
وقوتا من الرزق عفوا بلا تباعه - أراد قوتا من الحلال لقوله صلى الله عليه وسلم) الحلال لا يأتيك الا قوتا والحرام يأتيك جزافا» وأراد ما يمسك نفسه لأن كثرة الأكل مضرة.
وصلاة في جماعة يرفع عنى سهوها ويكتب لي فضلها.
وأراد بالسهو غروب نيته في أثناء الصلاة.
أو ما يلزمه عليه سجود السهو كالقعود حيث يقوم والقيام حيث يقعد بناء على أن سهو المأموم يرفعه الامام. (2/122)
صفحة 358
-
123
و مذهبنا انه لا يرفعه
ويلزم الساهي خلف الامام أن يسجد.
وأما من صلى وحده ولم يدر كم مضى من صلاته فالأحوط أن يبنى على اليقين ويعيد.
ومن صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله وأحدهما بنصف ليل.
وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم فى على حين بات ليله يصلى ولم
يصلى الصبح فى الجماعة انه لو صلاه فيها لكان أفضل له.
وان صلاة الصبح وحدها فى الجماعة تعدل قيام الليل اللهم الا أن يقال أنه قال هي أفضل
أى أفضل من قيام الليل بواسطة صلاة العشاء في الجماعة وهو (2/123)
صفحة 359
-
124
-
الفصل الخامس عشر
يصلى صلاة الجماعة اثنان أو أكثر.
ورأى صلى الله عليه وسلم رجلين يصليان فقال:
هذان جماعة»
«
والمأموم تابع للامام في شيئين:
الأول: القول لا السورة.
فانما يقرأ المأموم الفاتحة فقط والا سمع الله لمن حمده فانما يقول
المأموم ربنا ولك الحمد.
ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم:
الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد».
اذا قال الامام سمع
وأجيز أن يقول سمع الله لمن حمده.
الثاني: الفعل الا القعود
فان الامام اذا حدث اليه مرض وهو يصلى فانه
و هم قيام.
قاعدا
يتم بهم (2/124)
صفحة 360
-
125
ولا يدخل الامام الصلاة قاعدا الا ان كان امام عدل فيصلون وراءه
قياما على الراجح.
كما يدل له آخر فعله عليه الصلاة والسلام.
ويقف الواحد غير يمين الامام
والاثنان خلفه.
والواحدة المحرمة له والزوجة له أو المملوكة خلف كتفه الأيسر وبينهما
مقدار ما يصلى فيه الصف.
وان كان معها رجل وقفت كذلك أو خلف الرجل أو خلف الامام.
أو رجلان وقفت خلفهما
ولا يصلى بأجنبية الا ان كانت معه ذات محرم أو زوجته أو مملوكته أو رجل لان الخلو بأجنبية معصية والشيطان ثالثهما
وذلك حيث يمكن أن يصلى معهما واحد أجنبي يحدث بعد ذلك والا
فلها أن تقف يمينه أو خلفه أيضا
كما لها أن تصف مع محرم •
أو خروج خلفه أو يمينه.
ولا يصلى بأجنبيتين فأكثر ان لم يكن معه من ذكر خلافا لبعض ويتأخر المأموم المواحد عن الامام بمقدار رجليه (2/125)
صفحة 361
126
-
الفصل السادس عشر
يشترط للامام أن يكون مسلما بالغا عاقلا ذكرا فقيها قارئا حرا صينا
ويجمعها
•
والمراد بالصيانة العدالة.
ويشترط أيضا سلامة الأعضاء التي يكون فقدها قادحا في الصلاة
وان أردت بمسلم الموفى لا مطلق الموحد
فالمراد بالصيانة أن يكون قد صانه الله عن فقد الأعضاء المذكورة.
والمراد بالفقه ما يشمل علم السنة.
وبالقرى القارئ بلا لحن
وبالعدالة ترك الذنوب الكبار والصغار والورع عن الشبهات
روى أن سركم أن تركوا صلاتكم فقدموا أخياركم – أي في
الامامة ـ فانهم وفدكم الى ربكم.
أى رسلكم فى قضاء الحوائج على يديه.
وروى ان سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم علماؤكم فانهم وفدكم
بينكم وبين ربكم. (2/126)
صفحة 362
-
- 127
وعنه صلى الله عليه وسلم:
يؤم القوم أقراؤهم لكتاب الله فان استووا في القراءة فأعلمهم بالسنة فان استووا فأكبرهم سنا فان استووا فأقدمهم هجرة فان
استووا فأفضلهم ورعا»
قيل: فان استووا فأصبحهم وجها.
وفي رواية «فان كانوا فى الهجرة سواء فأكبرهم سنا» •
وهى أولى الأن من هو أقدم هجرة يكون أكبر مباشرة للاسلام وان كان أصغر سنا
وظاهر الحديث يقتضى أن من كان أكثر قراءة يكون أولى بالامامة
ممن كان أكثر فقهما اذا كان لكل منهما ما يكفيه من الذي فاقه فيه
صاحبه.
وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي ومالك بالعكس
والصحيح الأول فلو كان الذي هو أكثر قراءة غير عالم بالقدر الذى تحتاج اليه الصلاة والامامة أو الذى هو أكثر فقها غير عالم بالقدر
الذي تحتاج اليه الصلاة أولا فلا يقدمان في الامامة.
هذا ما ظهر لي في تحرير المقام فاحفظه • (2/127)
صفحة 363
-
128.
-
الفصل السابع عشر
لا تجوز الصلاة خلف عشرة:
الأول: المقعد لكبر أو مرض أو قطع أو ضر ما الا ان كان اماما عدلا أو حدث اليه ما يقعد به وهو فى الصلاة أو كان يصلى بمثله
الثاني: العريان فلا يصلى اماما بمثله يصطف معه ولا يتقدمه الا أن ستر الامام بالتراب من خلف الى مقابل سرته وستر قدامه أيضا لانه وجد الستر
الثالث: السكران لان صلاته لنفسه لا تجزى.
الرابع: الجنب المتيمم الا أن صلى بمثله من المتيممين لجنابة
أو لغيرها
•
وقيل تجوز على مرجوحية امامة المتيمم مطلقا بمن تطهر بالماء كامامة البادى بالحاضر والمسافر بالمقيم والمفضول بالفاضل
الخامس: من به نجاسة لا تفارقه كسلس بول.
أو من لم يجد الا ثوبا لا تجوز به الصلاة.
أو اتصل بجسده ما لا تجوز به الصلاة ولم يقدر على نزعه
كحديد ونحاس ورصاص وذهب. (2/128)
صفحة 364
-
129
أو لنقصان رتبة من ذكر عن الامامة.
كما لا تجوز امامة المرأة.
وقيل تجوز امامتها بمثلها
كما أجاز البعض امامة المرأة بالنساء في النفل
وتقعد وسط الصف الأول
وقيل: تتقدم بقليل
وقيل تصلى بهن الفرض أيضا
السادس: المجنون لان صلاته لنفسه لا تجوز •
السابع: من ولد اصم فانه لا يتكلم.
واذا فهم بالاشارة الوجوب لزمه ما فهم وجوبه وتوصل الى فعله
لكن لا تجوز امامته
وكذلك من انقطع عنه الكلام فلا يصلي اماما.
الثامن: الأقلف البالغ فلا تجوز امامته مطلقا.
ولا صلاة لنفسه ان كان فى غير الأيام التي يعذر فيها الحر أو
(م 9
-
الجامع الصغير ج 2) (2/129)
صفحة 365
-
130
برد شديد أو مرض أو فقد آلة الختن أو خاتن أو نحو ذلك في
الصنائع
وهو أقبح من المشرك الكتابي المختون
ان الكتابي تجوز ذبيحته اذا اختتن وأعطى الجزية بخلافه
وقيل: تجوز ذبيحة الكتابى ولو لم يختتن وهو الصحيح.
وقيل: تحل ولو لم يعط
التاسع: الطفل وتجوز امامته في النفل
العاشر: المرأة على ما مر (2/130)
صفحة 366
- 131 -
الفصل الثامن عشر
على الامام ان يراعى الوقت لقوله صلى الله عليه وسلم:
ان أحب عباد الله الذين يراعون الشمس والاضلة» •
عليه ان يجعل من يراعى الصفوف ويسويها لثبوت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم فلا يكبر حتى تستوى
واذا أراد التوجيه فلينظر الى اليمين والى اليسار لعله يرى خللا
أو عوجا يصلحه ويقومه.
عليه ان يرسل بنيته لكل من يصلى يقول اللهم بنيتي واعتقادي أن اصلى هذه الصلاة الحاضرة بكل من له صلاة ممن يصلى ورائي هذه
الصلاة في يوم
كذا الخ الخ.
وان يجزم التكبير والتسليم جزما
ولا يمد صوته بهما لئلا يسابقه بهما من وراءه.
وان يرفع صوته بالتكبير كله.
وسمع
الله لمن حمده ليقتدى به من وراءه فلا يلتبس عليه
وان يخلص نيته للمأمومين في حفظ صلاتهم.
وعليه مراعاة حدودها الظاهرة والباطنة والاجتهاد في الدعاء لهم
جميعا بما يصلح به من دنياهم. (2/131)
صفحة 367
-
132
ويخص بدعاء الآخرة المتولين على الاجمال أو التغيير
وان يتوسط في صلاتهم ولا يطيل.
ويصلى صلاة أضعفهم
وان يتنحى عن مكانه ولا يمكث فيه ان كان فى المسجد بل يذهب الى اليمين دائرا اليها من المشرق أن استقبله في دعاءه.
ومن جهة يمناه ان دعى مستقبلا أو مغربا
وكذا فى غير المسجد من البيوت والمصليات
وان صلى فى الصحراء فليذهب الى امام.
وان فعل غير ذلك فى هذه المسائل جاز وان يجعل وراءه أفضل القوم
لقوله صلى الله عليه وسلم:
«ليلنى أهل الاخلاص والفضل» •
وان لا يبادر أول الوقت ليجتمع الناس
وقيل: يصلى أوله لعموم ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: أول الوقت رضوان الله وأوسطه رحمة الله وآخره عفو الله».
واجيب بان المراد بأوله ما ليس وسطا كما ظهر وانما يستحب تبادر
أول الوقت الا الظهر
فيستحب تأخير الظهر في الحر الشديد حتى يبرد. (2/132)
صفحة 368
-
133
وكذلك العتمة فيستحب تأخيرها في الشتاء
وان ينتظر القوم فى التكبير حتى يتهيئوا ومن لا يلحن فانه لا
من يلحن ولو كان لا يفسد المعنى
وان صلى ولم يفسد صحت صلاته وصلاتهم.
وان أفسده فسدت
يقدم
وقيل: لا الا ان بدل آية رحمة بآية عذاب أو آية توحيد بشرك
وعكس ذلك.
امامة لا
ولا تصح من يخرج الحروف من مخارجها لجهل
ويجوز لآفة في لسانه
ويجوز امامة الالكن للسالم من اللكنه اذا كان يقيم الحروف اقامة
تجزى في الصلاة.
ويجوز امامة من يبدل حرفا بآخر لآفة كما كان بلال رحمه الله
يقول اسهد ان لا اله الا الله بابدال الشين سينا
وكان صلى الله عليه وسلم يقول:
سين بلال هي الشين
هكذا اشهر والصحيح ان هذا الحديث لم يثبت فهو مرفوع وان
يرتل (2/133)
صفحة 369
-
134
-
ولا منافاة بين الترتيل والقراءة وعدم التطويل
•
لانه اذا رتل وقلل القراءة أو توسط فى الترتيل والقراءة فقد خفف.
وان أسرع مع اعطاء الحروف حقها جاز
وأن يخفف في الركوع والسجود والقعود بتوسط واتمام.
وان يخلص امامته لله.
وان لا يمن بها ولا يتكبر (2/134)
صفحة 370
-
الفصل التاسع عشر
على المأمومين تسوية الصفوف وخيرها المقدم للرجال
وخير صفوف النساء آخره وتستطف النساء آخرا.
وعنه صلى الله عليه وسلم:
لو يعلم الناس ما فى النداء والصف الأول ثم لم يجدوا الا أن يتساهموا ويتقارعوا أو يتضاربوا بالسهام أي بالنبل لتساهموا
ويستحب»
-
قيل: كون الأول كصدر الطير بأن يكون كتف رجل خلف كتف الذي قبله في جانبه من خلف الامام فيتقدم الافضل بجسده كتقدم موقفه.
فانهم يقفون الافضل فالافضل
وعندى لا يجوز ذلك لاحاديث وجوب تسوية الصفوف على الاطلاق
ولان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومساجد الاسلام كلها لم يبين الصف الأول منها على صدر الطير وعليهم أن لا يختلفوا في ركوع
وسجود وقعود وتكبير
وأن يسد الخلل
وان أحرم على فرجة اعاد هو (2/135)
صفحة 371
-
وان لم يعلم بها أو حدثت بعد الاحرام تحول اليها من يليها ممن بعد عن الامام والا أعاد الصلاة وحده ان كانت مقدار موقف رجل
وان كان أقل فمكروه.
ويعيد في الصف الأول البعيد ومن يليه الى آخر الصف
وان كان خلف الامام فليتحول من يليانها والا أعادا وحدهما
وان تحول اليها أحدهما وحده كفى
وعنه صلى الله عليه وسلم:
راصوا بين صفوفكم لئلا يتخللكم الشيطان».
وان يوسطوا الامام ان كانوا ثلاثة فأكثر
واتفقوا على صحة الصلاة ان زاد أحد الجانبين على الآخر
وانما تفسد بوقوف الثلاث أو أكثر كلهم في جانب
وان وقف اثنان أو الواحد ولو في يساره صحت.
وان لا تكون صلاة الامام دون صلاتهم كمصل نفل أو سنة بمصلين
فرضا.
وكمصل نقل بمصل سنة.
ويجوز أن يصلى المأموم ثم اكفات سنة النبي صلى الله عليه (2/136)
صفحة 372
-
137
وسلم خلف مصلى ثماني أبو بكر وعمر من قيام رمضان لان ذلك كله سنة واحدة تسمى قيام رمضان
أثبت القيام لم يجزه فرادى وان يتخذ الفرض المؤتم فيه فلا
يصلى ظهرا خلف مصل عصرا وذلك لفوت الفرض.
فرضه
ولا يؤدى خلف من يقضى ولا يقضى من يؤدى
واما الاختلاف بالنفل مع المصلى فرضا فجائز
وبالسنة
مع المصلى فرضا أو بالنفل خلف من يصلى سنة فجائز
ولا يكون صلاة الامام دون صلاته
وان ينووا الاقتداء بالامام فان كان المأموم مقيما فلينو أداء
مع
الجماعة
وان كان مسافرا فلينو أن يصلى بصلاة الامام سواء كان الامام مقيما أو مسافرا.
وان لم ينو فوافق فخلاف.
وان يرفعوا أصواتهم بتكبيرة الاحرام فان ذلك يلصق أنف الشيطان بالتراب وليحذروا ان يفوقوا الامام في رفع الصوت.
وان يتبعوه بلا تراخ فى الأقوال التي يجهر بها
وفى الأفعال: ومن صاحبه فى فعل كركوع عمدا ففي فساد صلاته
قولان. (2/137)
صفحة 373
-
138
-
و على قول الصحة ليس له أجر صلاة الجماعة.
وان سبقه فى فعل بغير عمد رجع.
وقيل يقف حتى يدركه.
والصحيح عندى الأول لا يقال هو معذور لانه لم يتعمد فيقف مكانه
حتى يدركه لئلا يزيد في صلاته
الفساد لا يتيح
ولانا نقول انما عذر في عدم الفساد ومسامحته بعدم له ولا توجب له البقاء على عمد في مكان ليس له الكون فيه
عد
قيام
بل يجب عليه الركوع ولو كان زيادة لانه رجوع الى حق سهى
وقيل: لا يتبعوه في السجود باتصال بل يكون في السجود وهم
وقيل لا يسجدون حتى ينقطع الصوت.
وان صاحبوه فى قراءة الفاتحة فلا أجر جماعة لهم.
وقيل يصاحبونه ولهم أجرها وذلك لئلا يفوتهم سماع بعض ما يقرأ
بعد الفاتحة.
وقيل: يسبقونه ليسمعوا بعض الفاتحة وما بعدها.
والصحيح ما مر قوله صلى الله عليه وسلم: (2/138)
صفحة 374
139
انما جعل الامام ليؤتم به» •
وان يستمعوا القراءة غير الفاتحة ولو منع بعد أو ريح أو غيرهما عن السمع لقوله تعالى (واذا قرء القرآن). الآية.
وقوله صلى الله عليه وسلم في الامام:
واذا قرأ فانصتوا» •
وان ينبهوه بالتسبيح أو التحريك ان نعس.
ويلقنوه بما احتبس عنه من قول
وان جهر في موضع السر قيل له ولا تجهر بصلاتك.
أو أسر في موضع الجهر قيل ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها
يعرف موضع الضمير في بها أو يقتصر على ولا تخافت بها ان كان يعرف الأمر بذلك
أو قام حيث يقعد قيل اقعدوا مع القاعدين
أو قعد حيث يقوم قيل وقوموا لله قانتين
أو سلم فى موضع لا يسلم فيه بنهوه بالتكبير وهم قعود.
وتنبهه المرأة بتصفيق بيدها على فخذها ان نعس (2/139)
صفحة 375
140
-
والأولى أن يكون بيد الى أخرى لانها أشد صوتا ولان الفخذ
عورة.
وفى الحديث ان الصفق بالفخذ مع أيد أو تحركه بنحو عود ولا تباشر جسده ولو في ثوب ان كانت غير زوجته أو محرمته
وان يؤمنوا على دعاءه ان كان متولى على ما مر • (2/140)
صفحة 376
-
141
-
الفصل العشرون
أول وقت الظهر الزوال وهو عبارة عن انحطاط الشمس عن نهاية ارتفاعها عن كبد السماء وهو وسطها الى جانب الغرب
وأول وقت العصر أن يصير ظل الشيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس
وأول المغرب غروب الشمس وذهاب الحمرة من القبلة والشرق. وأول وقت العشاء غيوبة الشفق الأحمر الذى يلى الشمس عند
الجمهور
واما الأبيض فقيل لا يغيب فقال أبو حنيفة وله غيوب الأبيض والمراد غيوبة الابيض عند أهل المحل المفروض لانه يغيب
واما القول بأنه لا يغيب فمعناه لا يفقد بالكلية فلو على انسان كما على الخليل على منارة الاسكندرية لم يفقد عنه.
وانما يعتبر النظر عن الارض أو جبل أن يكون الانسان فيه.
والصحيح أن الشفق المعتبر الأحمر.
بل هو الذى له الاسم لغة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (2/141)
صفحة 377
-
1420
-
الشفق الأحمر آخره ثلث الليل» •
وقيل: نصفه.
وقيل: طلوع الفجر
وهو شاذ.
وأول الفجر طلوع الضوء المنتشر لا الذى يبدوا مستطيلا ومقدار
ربع السماء
واختلف هل الأفضل الصلاة حينئذ أو الصلاة عند الاضاءة جدا
ولا تصح الصلاة إلا بطهارة الجوارح من الآثام.
ولا تصح الا بالعلم بغرض الصلاة وعين الصلاة وأفعالها وأركانها
المفروضة والمسنونة.
مع ترك ما ينقضها.
وعلمه أولى مع عدم علمه لانه اذا لم يعمل مفسدا صحت لو لم
يعلم بانه مفسد.
وعنه صلى الله عليه وسلم:
عمل قليل فى علم خير من عمل كثير في جهل» •
ولا تصح الا باللباس
قال الله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) • (2/142)
صفحة 378
143
قيل: أراد لباسكم عند كل صلاة.
ويشترط أن يكون حلالا غير منهى عنه كالحرير والذهب فان الرجل عنهما فى الصلاة وغيرها وابيحا للمرأة وابيحت الفضة لهما وكالحديد وغيره من المعادن فانه لا يصليان به ماسا لبدنهما.
منهى
وان يكون ساترا العورة غير مسدول به وغير مشتمل به اشتمال
الصماء.
والسدل ارخاء الثوب من الرأس أو المنكبين مفترق الطرفين من أحد الجوانب طولا أو عرضا
وأما اشتمال الصماء هو لبس الثوب وشده على اليدين والبدن غير مرفوع منه جانب.
ويصير متحللا ولا يسهل معه وصول الاعضاء الى الارض
وقال الربيع بحمد الله يرمى طرف الثوب على العائق الايسر مع انكشاف العورة ولا تفسد الصلاة بالسدل الا أن اكشف العورة.
ولا باشتمال الصماء الا ان كان يتكلف في ايصال الاعضاء الارض
خلافا لبعض
واشترط بعضهم أن يكون اللباس ساترا للظهر والصدر وما تحته.
ولا تصح الا بالقيام مع القدرة لقوله تعالى:
(وقوموا لله قانتين). (2/143)
صفحة 379
-
144
والمراد بالقنوت:
قيل: اطالة القيام فى الصلاة وهو خاص بما يقرأ فيها بالسورة.
وقيل: السكوت عن الكلام
وقيل: الذكر
وقيل: الخشوع •
ومن صلى منحرفا في قيامه أعاد
ومن صلى قاعدا أو مستندا القدرة على القيام والاستقلال بنفسه
بطلت صلاته ان كان لو زال العماد لسقط.
وان كان لا يسقط بزواله کره بفعله.
وان عجز عن القيام بنفسه فليقم متوكاً
وان عجز فليقعد مستقلا
وان عجز فليقعد متوكاً أو مستندا ولو الى انسان ان كان طاهر
وان قدر على القيام •
ولكن تلحقه مشقة مشغلة غالبة تلحقه بحكم العاجز سقط عنه
القيام.
وعن بعض: انه لا يصلى أحد قاعدا الا ان كان لا يستطيع القيام
الى البول والتغوط
• (2/144)
صفحة 380
-
145
ولم يذكر في الايضاح القيام باتكاء ..
بل ذكر: ان لم يستطع القيام قعد
ولعله أراد ان لم يستطعه ولو باتكاء حملا للمطلق على المقيد
وينقض الصلاة الالتفات على الصحيح.
وان التفت حتى رأى من خلفه انتقضت قطعا.
ولا ينقضها الالتفات قبل الاحرام اذا لم يدخل فيها ويرد نظره الى موضع السجود
ولا يحد النظر بعينيه وانما يفتحهما قدر ما يفرق بين النور
والظلمة
ويترك التقمح وهو رفع الرأس والتدبج وهو حفظه في القيام
والركوع والرفع من السجود ومن التحيات
ولا بأس به ان لم يتصل ذقنه بصدره.
واختلف هل الافضل نكس الرأس قليلا أو نصبها في صلاة من دبج في الركوع حتى تسفل رأسه عن ركبته أو ساواها قولان.
ويجب الاستقبال في كل صلاة الا في حال القتال ونحوه من الموانع. فانه يصلى الى حيث أمكنه بعد الاحرام للقبلة ان أمكنه والا نواه. (م 10 - الجامع الصغير ج 2) (2/145)
صفحة 381
184. —
-
ويجوز النفل على الدابة الى حيث توجهت بعد الاحرام للقبلة ولو بلا ضرورة قاعدا عليها مستقبلا بجسده كله
وبعد الاحرام يرد جسده ووجهه الى حيث سارت.
وان لم يقدر على ذلك استقبل بوجهه فقط ثم رد الى حيث سارت
ويجب العلم بفرض الاستقبال للكعبة
وتستقبل بالوجه والقلب جهتها ومن يراها يستقبل عينها.
وأضعف أدلة القبلة الريح وأقواها القطب وهو نقطة صغيرة
قرب الجدى بينه وبين الفرقدين لا تتحرك تدور عليها الكواكب
وقد سمى نجمها لشبههانه أو لمجاورتها إياه
ويجعلها المصلى فى العراق خلف اذنه اليمنى.
وفى مصر خلف اليسرى.
و في اليمين قبالته مما يلى جانبه الايسر
وفى الشام وراءه
وان جعلت الجدى على كتفك الايسر فقد استقبلت.
ويجب العلم بأن القبلة هي الكعبة.
وان الكعبة قبلة لأهل المسجد
وان المسجد قبلة لأهل مكة بتحر للكعبة. (2/146)
صفحة 382
147
-
وأن مكة قبلة الأهل الحرم.
وان الحرم قبلة لأهل الآفاق
والمقصود في ذلك كله الكعبة بالذات.
وقبلة لمن يصلى فى الكعبة أو عليها عند أبي عبيدة.
فلا صلاة له باتفاق ان صلى عليها.
وقيل بجوازها فيها ويقابل الباب.
وقيل بجواز النفل فقط.
ويجب أن يقصر بصلاته أداء الفرض طاعة لله عز وجل في امتثال
أمره به وتقربا الى رحمته.
منها
وتلك هي النية.
وحقيقتها قصد رضى الله وثوابه بفعل ما أمر به.
ويقصد بالارادة عند الاحرام الدخول به في الصلاة المعينة
ويستصحب حكم النية بأن لا يحدث ما ينافيها.
ذلك كأن ينوى الخروج من الصلاة قبل تمامها
وان انهمك فى الدنيا فى أول الصلاة إلى آخرها فقيل يعيدها
وقيل: لا ثواب له لاجماعهم انه ليس للمرء من صلاته الا ما غفل (2/147)
صفحة 383
ثم رأيت قولا انه يثاب.
-
148
ولا ثواب لمن لا يتقرب بصلاته قبل الدخول فيها
وذكر في السؤالات انه ان صلى ولم يتقرب بها خرج الوقت
عصى أي وصحت
وظاهر جواز التقرب ولو بعد الإحرام أو بعد التسليم ما لم يخرج
الوقت.
كما ان من تصدق بلا نية فله تدارك النية ما بقى الشيء
ولم يذكر أبو نصر العصيان والتقرب طلب الثواب أو طلب المنزلة من الله أو فضل التعبد بالفعل.
وفي الحديث:
انما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته لله ورسوله فهجرته لله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر اليه».
أى لابد في كل عمل من النية.
وأما العمل الذى لم يعقل معناه كالصلاة والوضوء والصوم والحج
والزكاة فلا يصح ولا يثاب عليه الا بالنية
وأما المعقول المعنى: (2/148)
صفحة 384
--
149
-
کنزع
المنجس
النفقات ودفع
ورد المغصوبات والوديعة.
وترك المحرمات والمكروه.
فيكفي مجرد ايقاعه ولا يثاب عليه الا بالنية.
وأراد بقول فهجرته لله ورسوله الكناية عن المنزلة العظيمة والمثوبة الجسيمة والكفاية العميمة الظاهرة لئلا يتحد الشرط والجواب كذا
ظهر لي.
ويجب دفع الوسواس والشواغل.
ولا يصلى الا على الأرض وما أنبتت.
وقيل كلما يصلى به يصلى عليه
وفى القواعد ان أصحابنا وأكثر الأمة كرهوا الصلاة على غير ما أنبتت
الأرض في غير بطلانها
وقيل بالبطلان
وفى الصلاة على الجص خلاف.
ولا يصلى في سبخة والطين والثرى والأجر والرمال والتراب الميت
والملح وغيره من المعادن (2/149)
صفحة 385
- 150 -
وقيل انه ان صلى على التراب ولو كان يغير الجهة ويلتصق
أو على غير ما يغير الجهة كالجص فلا بأس ولو سجد عليه.
وان الأفضل أن لا يفعل
وفى صلاة من صلى وثوبه يمس نجسا يابسا من خلف أو جانب أو فوق أو يمس ما اتصل بنجس أو صلى على ما ينتقل كحصير طرفه نجس أو متصل بنجس قولان
وقيل ان كان على النجس ثوبه فسدت.
ولا يصلى على المقبرة ولو قلعت من أصلها، لأن حرمة الأموات كحرمة الأحياء.
الا قبر المشرك والباغى والأقلف البالغ وابعاض الانسان والسقط الذى لم يكن به حياة فتجوز الصلاة على موضعه اذا أزيل منه النجس
وطه
ولا يصلى في المزبلة والمجزرة ومعاطن الابل والحمام والكنائس
لنجاستها.
وان طهر ذلك جازت فيه.
وتكره في ذلك مع الطهارة وفي قارعة الطريق مطلقا
وقيل طريق الجرارات لئلا تؤذيه وفى بطن الوادى الجالب من بعيد لئلا يأتيه الماء أو للنجاسة لانه طريق الدواب قولان. (2/150)
صفحة 386
???
وفى امام المسجد في القرب منه وفوقه وبين عمده وفي المحراب وفى
يسار المحراب داخل أو حده
وقيل بفسادها فيه
واختاره بعض لانه بمنزلة الامام.
ولا يصلى بموضع لا يتمكن فيه من القيام أو الركوع أو السجود ولا في موضع دخل بلا اذن وهو مما يستأذن فيه ..
ولا في موضع منعه صاحبه.
ولا في مغصوب.
وقيل بصحتها فيه
وقيل تصح لغير الغاصب
واختير لقوله صلى الله عليه وسلم:
حيث ما أدركتك الصلاة فصل» •
وهذا الحديث لا يعم الغاصب لانه متعد على المكان.
والنبى صلى الله عليه وسلم لا يقر الغاصب على أرض غصبها بأن
يبيح له الكون عليها حال الصلاة ...
كما انه لا يصح الوضوء بماء مغصوب
والتوجيه سنة غير واجبة. (2/151)
صفحة 387
152
وعلى المعمول به عندنا وهو سبحانك اللهم ... الخ.
وقيل بوجوبه لقوله تعالى (فسبح بحمد ربك حين تقوم).
ولا دليل فيه لاحتمال أن يكون المراد به غير ذلك
فانظر تفسيرنا
وتمام التوجيه أن يظنها آخر صلاته فيجتهد فيها.
وان يرجوا الجنة على تمامها
وان يخاف نار الآخرة على تضييع شيء منها.
وقد مر بحديث بحث فى وجوب علم الثواب والعقاب
وليست الاستعاذة من التوجيه ولو قدمت على التكبير لأنها لقراءة
القرآن، وتكبيرة القرآن واجبة.
وهي مفتاح الصلاة
كما ان التسليم تحليلها
وليست من الفرائض التي بعد الدخول لان الدخول انما يحصل
بها خلافا لصاحب القواعد.
وحقق بعضهم انها ليست من الفرائض التي قبله ولا بعده لأن
الدخول انما يحصل بها لا قبله ولا بعده.
فيقال انها من الصلاة وانها أولها. (2/152)
صفحة 388
153
-
والذى يقتضيه كونها مفتاحا للصلاة وبابا لها أن يقول بعض أنها
من الصلاة.
وبعض: انها من غيرها
ذلك حد اختلافهم في باب الدار مثلا أهل هو منها أم لا.
وهى الله أكبر لا غير ذلك لانه المنصوص عليه المسموع وهو
الصحيح.
وبه قال مالك والشافعي و ابن بركة رحمه الله
وقال جمهور أصحابنا يجرى ما في معناه مثل الله أجل والله أعظم
واختلفوا فى الأجل والأعظم والكبير والجليل والعظيم.
وتمام تكبيرة الاحرام أن يقصدها تعظيم الله.
وان ينوى بها الدخول في الصلاة
وان يستشعر حرمة ما يشغل عن الصلاة.
فانما سميت تكبيرة الاحرام لانه يحرم بها ما حل قبلا لانه أو
يدخل بها في حريم الصلاة كاعرق بمعنى دخل العراق.
وعنه صلى الله عليه وسلم:
أن في الصلاة لشغلا وان لا يلحن فيها» •
: (2/153)
صفحة 389
254
فان لحن فيها مثل أن ينضب لفظ الجلالة أو أكبر أو يجرهما أو ينصب واحد أو يجر آخر أو ينصب واحد أو يرفع آخر عمدا قستند
احرامه.
وقيل: لا لان المعنى لم يفسد
وان لم يتعمد لم يفسد
وقيل: يفسد ان غير المعنى فيها مثل ان يمد الهمزة الأولى أو
الثانية أو الباء أو الهاء فسدتا على الصحيح.
وان لم يتعمد ولافساد باسكان الهاء.
واما الراء فينبغى اسكانها بأن يقف عليها.
وان سكنها ووصل أو حركها ووقف لم يفسد
ويجب الخشوع في الصلاة.
ذلك والاستعاذة بعد الاحرام واجبة لقوله تعالى: (فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (فمن تعمد تركها فسدت
صلاته
وان نسيها الى حد ثالث فسدت.
وان ذكره قبلها رجع اليها وأعاد القراءة.
وقيل: لا يعيدها هذا تحقيق المقام وعليك السلام. (2/154)
صفحة 390
001 -
وقيل: هي واجبة لا تفسد صلاة تاركها نسيانا
وقيل: هي سنة لا تفسد صلاة في تركانها ناسيا
وان ذكرها قالها حيث ذكر الا أن ذكرها في قراءة الفاتحة أو السورة فليقلها حين ذكرها.
وينبغى أن يؤخرها الى أول الركعة التي تليها
وان تركها عمدا فسدت صلاته
وقيل هي نفل لا تفسد الصلاة بتركها عمدا وهو ضعيف
وكان أبو عبيدة في رواية عنه وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما
يستعيذان قبل الاحرام.
وفى رواية عن أبي عبيدة رحمه الله انه كان يستعد بعده.
وقيل: من كان قادرا على الاعجام فليستعذ بعده.
ومن لم يقدر فقبله وهو ان يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما هو ظاهر القرآن
فقولك أعوذ بالله من الشيطان امتثال لقوله (فاستعذ بالله).
وباقى الألفاظ مذكور بعينه
وهذا مراد من قال الاستعاذة كما جاء في نص القرآن.
ومراد من قال يستعيذ المصلى كما أمره الله عز وجل فلا اشكال
كما توهم بعض (2/155)
صفحة 391
-
ولا يقل كما تقول النكار أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان
الرجيم
والبسملة واجبة فريضة في أول الفاتحة
وفرضها البسملة آية مرآيها على التحقيق
فمن تركها لم يصدق عليها انه قرأ الفاتحة كلها
وهى أيضا آية من أول كل سورة غير سورة التوبة.
ولكن لا تجب قرائتها فى الصلاة لجواز قراءة ثلاث أو أكثر من وسط السورة أو آخرها وثلاث آيات أو أكثر من سورتين أو سور
وقيل: هي ما بعدها آية واحدة.
ومن قرأ غير أول السورة جاز له ان يقرأ البسملة على نية انها بسملة أو تلك السورة لجواز القراءة من أول السورة أو وسطها وآخرها.
هذا هو التحقيق لما اشتهر عن العلماء أن من قرأ في أول السورة لابد له من قراءة البسملة أو من غير أولها لابد له من تركها
وقيل: ان من قرأها وسط فسدت صلاته.
لعلهم قصدوا الاجتزاز عن توهم انها ليست آية من أول السورة
فمنعوا تركها اذا بدأ القارئ من أولها
وقصدوا دفع توهم
دفع توهم انها آية فى وسط السورة أو آخرها أو دفع
توهم وجوبها في وسطها أو آخرها فمنعوا قرائتها في غير أولها الا النمل (2/156)
صفحة 392
- lov.
ففى أولها بسملة وفي وسطها بسملة
وزعم
مالك وأصحابه أن البسملة ليست آية من أول الفاتحة أو غيرها
وقال: انها ليست من القرآن.
وانها لا نقرأ فى الفرض في السر ولا في الجهر
وتجوز في النفل
•
وهو قول فاسد لانها مكتوبة في مصاحف عثمان ومن بعده بما كتب
به سائر القرآن ولولا انها منه لم تكتب
ومازال صلى الله عليه وسلم يقرأها في الصلاة حتى مات.
وكذا أبو بكر وعمر رضى الله عنهما ..
وروى عن أبي عمر انها آية من كتاب الله اختلسها منهم الشيطان.
ويسر بها في ركعة السر
ويجهر بها في ركعة الجهر
وأوجب أبو حنيفة الاسرار بها مطلقا.
وأجاز بعضهم.
والاقتصار فى صلاة الجهر على آيتين بعد الفاتحة
و بعض على آية طويلة.
وبعض على آية قصيرة ..
"
• (2/157)
صفحة 393
-
وقدم السور التي يستحب أن تقرأ
وبعض المشايخ يقرؤن في الصبح اذا الشمس الى والليل من
سبت الى خميس
وفى يوم الجمعة بعض بخاتمة الحديد وخاتم الحشر
وبعض بسورة الملك وانا أرسلنا.
وبعض بما تيسر له.
وفي العتمة والضحى والم نشرح دائما.
الا فى ليلة الجمعة فخاتمة الجمعة وخاتمة اذا جاءك المنافقون
وفي المغرب في الركعة الأولى انا أنزلناه.
وليلة الأحد - الهاكم التكاثر.
وليلة الاثنين
-
ايلاف قريش
وليلة الثلاثاء أرأيت الذي
وليلة الأربعاء بقل يا أيها الكافرون
وليلة الخميس اذا جاء نصر
الله
وليلة الجمعة بحسب ما يتفق •
و في الركعة الثانية قل هو الله أحد دائما.
ويستحب الترتيل والتفكر فى معنى القرآن. (2/158)
صفحة 394
سمع
وقيل: يجبان.
و استحب بعض سكنة بين التكبير والقراءة
وسكتة بين القراءة والركوع
وهي
كذا لئلا يركع بالقراءة.
و استحبوا سكتة صغيرة دون ذلك بين كل عملين مطلقا كما بين الله لمن حمده والسجود بين الفراغ من السجود الأول والرفع
منه وهكذا
والركوع واجب لقوله تعالى واركعوا مع الراكعين
وهي لغة الانحناء.
وشرعا الانحناء بحيث تضع اليدان على الركبتين في الصلاة.
اكمله استواء الظهر والعنق والرأس
وان لم يضع يديه فى ركبتيه أو لم يضع أحدهما أو لم يستقر شيئا من ذلك فسدت صلاته على الصحيح
ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك وأمر الناس أن
يصلوا كما رأوه يصلى
والأمر للوجوب. (2/159)
صفحة 395
وقد قال صلى الله عليه وسلم:
اذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه واذا أمرتكم بشيء فأتوا منه
ما استطعتم».
وقوله صلى الله عليه وسلم:
«لا تجزى صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه من الركوع والسجود» •
وقوله صلى الله عليه وسلم:
«يا معشر المسلمين لا صلاة لامرئ لا يقيم صلبه ركوعه
وسجوده)
وقول: حذيفة من مات على ذلك مات على غير ملة الاسلام.
وقال عمر ابن مسعود رضى الله عنهما باعادتها وزجر فاعل ذلك
ويفرق اصابعه على الركبتين
ويباعد عضديه عن جنبيه.
وتضم المرأة الأصابع والعضدين والركبتين والرجلين
وتؤخر يديها عن ركبتيها استحبابا في ذلك كله.
وان وصلت يديها في الركبتين وركعت كالرجل بتسوية الظهر والعنق
والرأس ففى فسادها قولان (2/160)
صفحة 396
والواجب عندى ان تركع كالرجل وتستوى
.
وذلك لأن الحديث لم يجيء بتسوية ذلك في الرجل فقط بل ورد
عاما.
والمشهور فى الفقه أن تصوب من خلفها
والتعظيم أن يقال ثلاثا سبحان ربي العظيم وهو المعمول به
وهو قول بعض أصحابنا والشافعي وأبي حنيفة.
وقال بعض أصحابنا ومالك لا حد في ذلك.
وقال الربيع تجزى الثلاث
وان زاد فهو أحسن وأطيب الا أن يكون امام قوم فليقتصر على
الثلاث لئلا يطيل عليهم
وهو الصحيح عند بعض
وعن الحسن البصرى المعمول به سبع والمجزى ثلاث.
وكان عمر بن عبد العزيز يسبح عشرا.
وفى فساد الصلاة عظم واحدة أو اثنين أو أربعا أو خمسة أو ستة
وفيه قولان
اختار بعضهم فسادها بالواحدة وما فوق الأربع
(م. 11 - الجامع الصغير ج 2 (2/161)
صفحة 397
-
-
وان قلت قد ثبت ان من ترك أكثر التعظيم أو التسبيح في صلاته
فسدت صلاته.
ومن عظم واحدة في كل ركعة لا شك قد ترك أكثر التعظيم قلت جزى لكن انما يرد ذلك هنا على قول من قال لا تجزى واحدة.
ووجه الجمع بين روايات التعظيم ثلاثا والتعظيم عشرا ونحو ذلك ان الثلاثة اذا كثرت الجماعة مثلا والزيادة الى العشر اذا لم يحضر الا المتجردون للعبادة
ووجب الرفع من الركوع حتى يستوى كل عضو في قراره.
ويسكن ياء ربي العظيم فتجوف للمسكن بعدها.
ويظهر كسرة الياء ناويا للاضافة للياء المحذوفة ينوى نسبة الربه
لنفسه
أو يفتحها بلا تشديد
فان شددها مع فتح الباء الموحدة قبلها كانت تثنية.
وان شددها كسر الباء قبلها كان جمعا مع
وكلاهما صيغة شرك
وفى فسادها قولان
اذا لم ينو التثنية والجمع. (2/162)
صفحة 398
والصحيح الفساد
ووجب السجود على سبعة أعضاء الجبهة واليدين والركبتين
والرجلين
واما الأنف فتغنى عنه الجبهة.
فالسجود عليه مستجب لقول الايضاح ان سجد بجبهته دون أنفـ
فلا يفعل ذلك.
فان فعل فلا اعادة عليه
هكذا قيل
وقلت بل كلام الايضاح كالصريح فى ان ترك الأنف مكروه.
وقيل ان السجود بالجبهة والأنف جميعا واجب
وصححوا الأول لتعيين الجبهة فى حديث ابن عباس.
وان تعمد بجبهته أو أنفه حتى يدخلها الأرض أعاد.
ويضع يديه قدام ركبتيه بينهما وبين رأسه
ويضم بين اصابعه في السجود ويباعد عضدية أيضا
والمرأة تضم الأصابع والعضدين ولا تنقض الصلاة بعدم الضم
من المرأة. (2/163)
صفحة 399
قولان
ولا يضم الرجل حيث يباعد ولا بمباعدته حيث يضم.
ويسجد الإنسان بالركبتين
ثم اليدين
ثم
بالانف فالجبهة الاقرب للأرض فالاقرب
والرفع على على العكس وذلك بحسب القدرة
ولا نقض بترك الترتيب
ومن رفع ثوبه عن الارض اذا قعد أو سجد فسدت صلاته ...
ونتى الانسان أن يصلى وثوبه مشمرا أو كمه أو نحوه
أو رأسه معقصوص.
أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذلك نهى تنزيه
فلا فساد بذلك
وبه الاساءة أو نهى تحريم فتفسد وهو مروي عن الحسن البصرى
ومذهب الجمهور أن النهى عن ذلك مطلقا سواء تعمد للصلاة أو
كان قبلها لمعنى آخر وصحح
وقيل يختص النهى عن فعل ذلك للصلاة (2/164)
صفحة 400
-
??
والحكمة في النهى أن الشعر مثلا يسجد معه ويثني بنان رجليه
الى ورائها
ركبتيه
ويوصل من كل رجل بنانها أو أكثرها والا فسدت
ويباعد الرجل دون المرأة بطنه عن فخذيه ويفرق بين فخذيه وبين
ولا فساد بتركه ذلك أو فعلها
ونهى عن افتراش الذراعين والتورك وهو رفع الورك حتى يفحش
في السجود
•
وقيل: الصادق النية بعقبيه وعدد التسبيح في كل سجدة كعدد
التعظيم
والكلام في ياء ربي الأعلى فتحا وتسكينا وعدم التشديد كالكلام في قولك ربي العظيم.
وزاد هنا جواز مد الياء اذا نقلنا همزة أعلى الى الامام واعتددنا
بالعارض
وان لم يعتد فلا مد لأن اللام ولو فتحت بمنزلة الساكن
ويقعد بين السجدتين بين الرجلين وظاهر اليسرى يلى الارض
ويضع بنان اليمنى فى أخمصها. (2/165)
صفحة 401
ويصل طرفها الأرض مما يلى كعبها ان عكس
أو وقف القدم اليمنى وفرش اليسرى وقعد عليها.
أو عكس أو رد رجليه الى ناحية الشمال أو اليمين
أو قعد غير ذلك من القعود مما سوى قعود الحبشه وتربيع الملوك وقعود القرفصاء لم تفسد صلاته
وتقصى المرأة الى الارض بأوراكها وترد رجليها الى الجانب الايمن
وان رددتهما للجانب الأيسر أو قعدت أى قعود فلا بأس الا ما مر في القعود الا قعود الحبشة والتربيع والقرفصاء
ذلك اذا رجع كل مفصل الى موضعه سجدت السجدة الثانية.
ثم يقعد للتحيات مثل ذلك القعود
والقعود للتحيات واجب
وكذا قراءة التحيات الثانية دون الأولى عند الجمهور
وقيل بالعكس
وقيل كلتاهما واجبة
وقيل غير واجبتين
ولا يلحن فى التحيات مطلقا لأنها بمنزلة السورة (2/166)
صفحة 402
-
ويجوز اسقاط الواوات كلها فيكون المباركات نعتا وكذا الطيبات
وتكون الجمل مستأنفة مجردة عن الواو الا رحمة الله وبركاته فلابد فيهما من الواو عطفا على ما قبل
أو استنافا الا ان قرن السلام بالواو فيجوز تجريد الرحمة منها
واما ان يجرد السلام منها مع تجرد الرحمة فلا
والصلوات ان أريد بها الخمس أو مع النفل فراجعة لما قبل أو الدعاء فلما بعد ورحمة الله وبركاته راجعة لما قبلها أو لما بعدها
ويجوز تنكير السلام الأول والثاني والطبيات المقرونة بالواو والاخلاف والاعمال الطاهرة والتحيات الاملاك والبقاء
ويحضر النبي صلى الله عليه وسلم في قلبه بشخصه الكريم عند
ذكره في أول التحيات
كذا قيل وفيه ان تشخيصه يؤدى الى الخطأ فيه الا ان شخصه
على ما وصفه الترمذي وغيره
وكذا تشخيص الكعبة يؤدى الى الخطأ فيه ولا ينقص شيء من
التحيات أو يزاد فيها على ما جاءت به السنة.
وكان أصحابنا من أهل الجبل يزيدون بعد التشهد:
ان الجنة حق (2/167)
صفحة 403
-
-12 -
وان النار حق.
وان الموت حق.
وان البعث حق.
. وان الساعة آتية لا ريب فيها
وان الله يبعث من في القبور
، وأظن انى رأيت فى بعض جوابات بعض المتأخرين زيادة:
وان ما جاء به حق من عند ربه بعد ورسوله
وقيل: أشهد أن الجنة حق.
ولا تشكل الزيادتان لأنهما لم تكونا في التحيات بل بعد تمامها
وقد أجاز بعض أصحابنا الدعاء بعده ولو بما ليس في القرآن.
فيجوز بالأولى زيادة ما هو في تمام التوحيد
•
أو لأن المراد بالسنة المذكورة الطريقة الحسنة سواء وردت عنه
صلى الله عليه وسلم أو عن غيره وهو بعيد ولو استحسن بعض
وأجاز بعض أصحابنا الدعاء في الصلاة بما في القرآن في القيام
وبعد التحيات
ولا خروج من الصلاة الا بتسليم الا ان حدث قئ أو رعاف.: (2/168)
صفحة 404
-
قلت: أو خدش وقد تشهد فليقم وقد تمت صلاته
وقيل إنما يقوم وقل تمت صلاته ان حدث بعد التشهد غير ذلك
فاذا حدث غسله وتوضى ورجع لصحة البناء معه.
وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم:.
:
: .. ?
اذا جلس الرجل في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد
تمت صلاته»
وعدم الفرق بين حدث وحدث
وقد استدل أبو حنيفة على ان التسليم ليس بواجب
ويعترض بأن الحديث ظاهر في عدم
الاختيار
ومن أخذ في التحيات فشق عليه البول أو الغائط قام وقرأ ماشيا
مستقبلا
فان أحدث أو مس نجسا بعد ما بلغ موضعا يجزيه وهو اشهد ان لا اله الا الله وقبل الصالحين وقيل الطيبات تمت صلاته.
ويصفح عند التسلم بوجهه يمينا فشمالا
وان بلا شمال جاز.
وقيل: أن سلم لجهة واحدة أو قدامه بتحويل وجهه أو بدون
تحويله جاز
• (2/169)
صفحة 405
-
- 170
-
ذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «تحليلها التسليم».
وأقول لا دليل فى هذا لأن هذا العموم قد خصصه فعله صلى الله
عليه وسلم اذ كان يسلم يمينا فشمالا.
بل ذلك اطلاق مقيد بفعله لا عموم .........
وانما يقول السلام عليكم بال وان اسقطها ونون فقولان
ولا يسلم المأموم حتى يفرغ الامام من التسليم.
ويقصد بالتسليم الخروج من الصلاة.
وقيل ينوى به الحفظة كما يسلم على الجماعة بسلام واحد
اختلاف أماكنهم
وصرف الموجه للجهتين تقوية
سه
وقيل: يسلم تسليمتين على هذا القول واحدة الى اليمين والاخرى.
ر
إلى الشمال
•
وان كان اماما نوى المأمومين
وان نواهم والحفظة أو نوى الكل والخروج جاز
ن ومثل هذه العبارات توجد فى الكتب والحق أن يقال لابد ان يعني
بالخطاب بكاف عليكم جماعة بلا خلاف (2/170)
صفحة 406
-
171
ولكن الخلاف من يعنى وهل لابد من استحضار الانصراف والقصد
اليه نعم هو الصحيح.
ولا تفسد بعدم الاستحضار
ووجب اخلاص الصلاة والعبادة كلها
والاخلاص ان يريد الله بطاعته لا سواه وله أقسام.
الأول: ان يريد الخلاص من العقاب.
والثاني: ان يريد الفوز بالثواب.
والثالث: ان يريدهما
والرابع: أن أفعل ذلك حياء من الله.
و الخامس: ان يفعل ذلك حبا الله من غير ملاحظة ثواب ولا عقاب:
و السادس: ان يفعل ذلك اجلالا الله وتعظيما.
واذا طمع فى مخلوق بعمله أو رأي به فليس بمخلص.
والرياء ان يريد الناس بعمله وهو ضربان:
الأول: ان يريد به الناس وحدهم.
الثانى: ان يريد الناس ورب الناس وهو أخف.
وكل محبط للعمل ان كان من جنس العبادة. (2/171)
صفحة 407
= ivt
-
وكبيرة سواء كان العمل من جنسها أو مباحا أو معصية.
والرياء شرك أصغر
واذا سلم المسلم فليتعب نفسه في الدعاء.
فانظر تفسيرنا في ألم نشرح.
وانما يجاب الدعاء بثلاثة.
الأول: ان يكون الطعام والشراب حلالا.
فان كان حلالا بظاهر الشرع وحراما مجهولا لا يميز بالعلم بالشهادة
فلا يستجاب معه دعاء الدنيا
•
والنجاه في اجتماع ثلاث:
الإسلام الخالص عن البدعة والهوى
والصدق لله تعالى فى العلم وطيب المطعم والمشرب
ومفتاح الرحمة الدعاء وأسنان المفتاح لقمة الحلال.
الثاني: ان لا يسرف في الدعاء مثل أن يطلب درجة الانبياء
أو ما لا يليق الا بهم مثل أن يطلب الصعود الى السماء.
أو يصيح في الدعاء أو يسهب فيه.
أو يتكلف فيه السجع (2/172)
صفحة 408
-
واعنه صلى الله عليه وسلم: (إياكم والسجع فى الدعاء» بحسنين المرء أن يقول اللهم اني أسألك الجنة وما يقرب اليها من قول وعمل.
أعوذ بك من النار وما يقرب اليها من قول وعمل مات
قيل: ولعل الاكثار جائز بعد الفجر
قلت: جائز مطلقا.
والمراد بحديث بحسب المرء ان يقول الخ الردع عن تكلف السجع.
ومن الاسراف ان يقول اللهم احينى ولا تميتني أو أحيى فلانا أو
فلانة قبل يوم القيامة
i
أو هب لي مثل ملك سليمان
أو اهلكني.
أو افقرني ونحو ذلك
الا ان قيل مثل ان يقول امتنى اذا كان الموت خير لي •
أو أفقرني اذا كان الفقر خير لى فجائز.
ولابد من التضرع والخشوع واحضار القلب
وفى الحديث: ان الله سبحانه وتعالى اذا أحب عبدا ابتلاه حتى
يسمع تضرعه.
;
وانه أوحى الى بعض الأنبياء هب لي من عينيك الدموع وفي نفسك (2/173)
صفحة 409
— AYE —
الخضوع ومن قلبك الخشوع ثم ادعنى فاني قريب أجيب دعوة الداعى
اذا دعاني •
وفي السكن ترتعد
وانه لا يجيب لقلب ساه ولا لاه.
وانه لا يقول اللهم اغفر لى ان شئت أى بل يجزم.
وانه اذا دعى فليعظم الرغبة فان الله سبحانه لا يتعاظمه شيء
وليلح في الدعاء ويكرره ثلاثا
وانه يجاب الداعى ما لم يقل دعوت فلم يستجب لى.
واذا دعوت فاسأل الله كثيرا فانك تدعوا كريما.
وهذا دليل على جواز الاكثار فى الدعاء واستحباب الاكثار وهو
الحق.
وما يدل على كراهة الاكثار من كلام العلماء والنبي صلى الله عليه وسلم مجمول على ما جاز الحد بأن يشتغل به عن العبادة
ويستفتح الدعاء بذكر الله والصلاة والسلام على رسول
الله صلى الله عليه وسلم والتوبة من الذنوب.
ويختتم بالصلاة والسلام أيضا.
قال بعض قومنا ويوسطها أيضا وانظر مختصرى من القواعد
والحاشية .. (2/174)
صفحة 410
170
قال ابراهيم بن أدهم لا يستجاب لكم:
انكم عرفتم الله فلم تطيعوه.
والرسول فلم تتبعوه
والقرآن فلم تعملوا به.
وأكلتم النعم ولم تشكروا.
و عرفتم الجنة فلم تطلبوها
والنار فلم تهربوا منها
و الشيطان فلم تحاربوه.
والموت فلم تستعدوا له.
ودفنتم الاتراب ولم تعتبروا بهم.
وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس (2/175)
صفحة 411
-176 -
الفصل الحادي والعشرون
الخشوع في الصلاة السكون وحسن الهيئة
وانما ينفع ذلك بما يترتب عليه من حضور القلب
الصلاة فان حضوره هو روح
ان أقل ما يبتغى به رمق الروح الحضور عند الاحرام.
والنقصان منه هلاك
فبقدر الزيادة عليه ينبسط الروح في أجزاء الصلاة
وكم من حى لا حركة به قريب من ميت
فصلاة الغافل في جميعها الا عند الاحرام كجى لا حركة به.
وقال ابن سيرين الخشوع في الصلاة هو ان لا ترفع بصرك عن موضع
سجودك
وانما ينفع هذا بما يترتب عليه من الحضور
وقيل جمع
الهمة لها والاعراض عما سواها
وقيل:
اعظام المقام.
واخلاص المقال (2/176)
صفحة 412
-
W
-
واليقين التام
وجمع الهمة أو فى القنوط الخشوع الخوف الثابت في القلب
فاذا كان القلب خاشعا خائفا أورث ذلك تيقظا فيه وسكونا في
الجوارح
وموجب الخشوع معرفة اطلاع الله على العبد ومعرفة جلاله ومعرفة تقصير العبد في حق عظمته
أوحى الله الى داود عليه السلام انما يسكن بيتي واتقبل الصلاة
منه:
من تواضع لعظمتى وقطع نهاره بذكرى
وكف نفسه عن الشهوات.
ومن أجلى يطعم الجائع ويأوى الغريب ويرحم
المصاب
فذلك الذى يضيء نوره فى السماء كالشمس ان دعاني لبيته
أي يقول يارب فأقول لبيك
وان سألني أعطيته
أجعل له فى الجهل علما وفى الغفلة ذكرا وفى الظلمة نورا
وانما مثله فى الناس كالفردوس فى الخبان لا تيبس أنهارها ولا تتغير
ثمارها
(م 12 - الجامع الصغير ج 2) (2/177)
صفحة 413
- 178
ويجب على الانسان ان يتحسر عما فاته من الخشوع ويفرح
بما نال منه.
فان الفرح به تعظيما للنعمة
ويجعل المصلى الكعبة بين حاجبيه والصراط تحت قدميه والجنة
عن يمينه والنار عن شماله وملك الموت وراءه ويظنها آخر صلاته ليجتهد
في تصحيحها راجيا خائفا (2/178)
صفحة 414
179
-
الفصل الثاني والعشرون
تقدم أن الوتر سنة غير واجبة وانه قيل هو واجب وعليه صاحب
الوضع
وهو عندنا وعند مالك ركعة ينبغى أن ينتفل قبلها بركعتين أو أربع
أو ست.
وقيل: واستحبه أصحابنا
سبع
وقيل: ثلاث لا تفصل بتسليم كالمغرب
وبه قال أصحابنا
وقيل: ثلاث بجواز التسليم.
وقيل: خمسة.
ويجزى فيه ما يجزى فى غيره وهو ثلاث آيات كسورة الكوثر وسورة العصر فأكثر أو آيتان أو آية على ما مر.
كما زعم بعض أصحابنا أنه يجب أن يقرأ فيه بآية الكرسى وخواتم
البقرة وسورة القدر وسورة الاخلاص
نعم هذا مستحب.
واستحب بعضهم قراءة ثلاث سور فيه غير الفاتحة
• (2/179)
صفحة 415
180
-
الفصل الثالث والعشرون
الصلاة على الميت فرض كفاية
لكن المخاطب بها وبحقوقها:
•
أولا: الأولياء ومن دعوه وساداته ان كان عبد ومن دعوه ومن اصطحب معه فى سفر ومن حضره حيث مات وأهل المنزل الذي مات فيه
ومن دعى وجب أن يجيب ولا ينصرف قبل دفنه الا باذن
وينصرف بعده بلا اذن
وان حضر الأولياء وقام به غيرهم أجزا
وتلزم حقوقه مادام جلده مغطيا لما تحته غير متسلخ ولم تفترق
أعضاؤه.
والا فما عليهم الا دفنه هكذا قيل.
والظاهر انه يكفن ويغسل ان أمكن بلا مضرة فيه
واما الصلاة عليه فلابد منها أيضا قطعا وسلخ القليل والكثير
أو الكف.
وان لم يدفنوه ضمنوا الجناية فيه.
وان وجدوا جثة بلا رأس لزمت حقوقه والنظر للاكثر. (2/180)
صفحة 416
وقيل لا تلزم.
- 181
وان وجدوا رأسا لزمت الحقوق
وقيل: ومن مات فى فحص فعلى أولياءه أن يأتوه ويجهزوه قرب
أو بعد ان قدروا على وصوله قبل فساده ولم يمنعهم خوف
وان مات خارج اميال قوم فلا تلزمهم حقوقه الا ان كان أولياءه
ولو مات داخل أميالهم لزمتهم
ويصلى على كل بار وفاجر من أهل القبلة كما في الحديث
يفارقها
وهو على عمومه.
وقيل لا يصلى على:
الباغي وقاتل النفس التي حرم الله عمدا ولى نفسه.
والقاعد على امرأة محرمة عليه
والقاعدة أيضا على ذلك الرجل
•
وسواء فيهما امسك امرأة يزنى بها أو حرمت عليه امرأته ولم
والعاصية لزوجها
والعبد الآبق والأقلف البالغ (2/181)
صفحة 417
182
-
والطاعن في دين المسلمين.
وقطاع الطريق
والمرجوم بلا توبة.
وقيل النائحة والمزنة ومن قتل في حد
وقيل: ولا ولد الزنى.
وقيل: ولا على صاحب كبيرة
ولا دليل في قوله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات ابدا لان كفرهم شرك أسروه ونافقوا به واظهره الله سبحانه وتعالى لسيدنا
محمد صلى الله عليه وسلم.
وروى في قاتل نفسه انه صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه
والحق الصلاة على ولد الزنى اذ لا ذنب عليه.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم «ولد الزنا لا يدخل الجنة» •
فمعناه انه لا يدخلها تبعا للزانى الذى منه ماوه ان تاب الزاني
ودخل الجنة
ولا يدخلها ذلك الولد تبعا له انه ولو كان من مائه
لكنه غير أبيه شرعا فلا يشمله قوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم
ذريتهم بايمان). (2/182)
صفحة 418
183
والمراد ان العروق تحبط غالبا
ولعله يكون عاصيا
الا انه لا يقطع بذلك ويصلى على هؤلاء ان تابوا.
وتوبة قاتل نفسه ان يتوب قبل موته وبعد ان فعل في نفسه
ما يموت به
وخمسة لا يطعمون ولا يسقون ولا يسلم عليهم ولا يصلى عليهم: الآبق والعاصية لزوجها والقاتل ظلما والقاعد على امرأة محرمة عليه
ومانع الحق
والظاهر انه يصلى على هؤلاء كلهم الخمسة وغيرهم.
الا انه لا يصلى عليهم المنظور اليه رجعا لغيرهم.
كما انه قال صلى الله عليه وسلم:
اذا مات من عليه دين ولم يترك وفاء ولم يكفل به أحد لهم لم
يصل عليه».
وقال: وصلوا على صاحبكم وكذا لا يغسلهم المنظور اليه ولا يكفنه.
ويلى ذلك كله بعض العامة ولا ينهون العامة بزاق تركته العامة أمر
من يقوم به ولابد
ويصلى على الأموات اذا اجتمعوا صلاة واحدة. (2/183)
صفحة 419
-
184
-
ويعنى بها من يصلى عليها ان اختلط
بمن لا يصلى عليها
ويقدم الأفضل فالافضل مما يلى الامام.
والذكر أفضل من الانثى مطلقا
والبالغ الحر أفضل من الطفل.
والمعبد والطفل الحر أفضل من العبد البالغ.
وقيل بالعكس
وكذا الاناث فيما بينهن
وأولى الناس بالصلاة على الميت وليه ان حضر ولا يصلى عليه
غيره الا باذنه ولو امرأة
الاقرب
وكذا الدفن وأولى به الأب فالزوج فالابن فالاخ فالعم فالقريب
وقيل: يقدم أفضل من حضروا.
وقيل: الامام العدل.
وقيل: وأمير الجيش قبل الولى
ويستقبل صدر الميت ورأس الميتة كذا في السنة.
وقيل بالعكس
وقيل يستقبل الصدر مطلقا (2/184)
صفحة 420
وقيل ما يقرب من الصدر من البطن.
وقد قال صلى الله عليه وسلم نحو وسطى امرأة
وكان الحسن البصرى لا يبالي من قام من الرجل والمرأة
وان لم يصل على ميت مع القدرة كفر من علم به ولم يصل عليه
مع القدرة
•
وقيل: الصلاة على الميت نفل لا يكفر بتركها
والصحيح الأول
ويشترط لها:
الطهارة من النجس والحدث
وطهارة اللباس والبقعة.
وستر العورة كالفريضة.
ولا يصلى عليه في المسجد أو بين القبور وتجزى ان فعلوا.
هكذا قيل
والصحيح الجواز فى المسجد لانه صلى الله عليه وسلم صلى على
سهيل بن بيضا في المسجد.
والمسجد لا ينجس حيا ولا ميتا. (2/185)
صفحة 421
186
ويحذر أن يخرج منه شيء وينجس المسجد
وقيل بالجواز بين القبور بلا كراهة بناء على انها كدعاء
ويصلى عليه فى كل وقت ولو بعد صلاة الفجر
أو صلاة العصر على الصحيح الا عند الطلوع والتوسط والغروب
حتى يصلى المغرب
واجيز تقديمها على صلاة المغرب
ويقول اللهم بنيتى واعتقادي ان أصلى صلاة الميت طاعة لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام وتوجيهها سبحانك اللهم الخ على
الصحيح
وقيل: سبحان الجليل الكبير سبحان الله العظيم.
وقال الربيع سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله وتعالى الله
ويكبر تكبيرة الاحرام فيستعيذ
ويجوز أن يستعيذ قبل الاحرام.
ويقرأ الفاتحة سرا.
فيكبر ويقول اللهم ان هذا عبدك ابن عبدك ابن أمتك ونحن عبيدك بنو عبيدك بنو امائك توفيته وأبقيتنا بعده اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده آمين يارب العالمين (2/186)
صفحة 422
-
187
-
ثم يصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم يكبر فيسلم تسليمة خفيفة يصفح بها يمينا وشمالا لا يسمعها الا
من قرب منه.
وان كان الميت انثى عبر بالامامة وانثت الاشارة والضمائر
أجاز جابر بن يزيد التكبير ثلاث أن ضاق الوقت
وكانوا يكبرون ستا وأربعا وخمسا وأكثر
فاجتمعوا فى زمان عمر رضى الله عنه على آخر ما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أربع تكبيرات ليجتمع من بعدهم.
وان كان الميت طفلا زيد بعد التكبيرة الثالثة:
اللهم ارحمه واجعله لنا سلفا وفرطا وأجرا وذخرا عندك ولا تصلنا
بعده يا أرحم الراحمين
•
أو يزيد: ربى الذي يحى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير
اللهم اغفر لاحيائنا وأمواتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا
واناثنا الصالحين
اللهم اجعله الأبويه سلفا ودخرا وأضيء به وجهيهما وثقل به موازينهما
ولا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده (2/187)
صفحة 423
-
188 -
—
الا ان كان طفلا لمن يتولاه فاستغفر لذنبك والمؤمنين والمؤمنات
ن .. وان كان الميت متولى ترحم عليه وقل:
اللهم اغفر له ذنبه ووسع عليه لحده والحقه بنبيه عليه الصلاة. والسلام واصعد روحه مع أرواح الصالحين
اللهم ابدل له دارا خيرا من داره وقرارا خيرا من قراره وأهلا خيرا
من أهله يا أرحم الراحمين.
ويصلى على المولود ان ولد حيا
وان لم تعرف حياته لم يصل عليه خلاف الشافعية وأصحاب الرأى (2/188)
صفحة 424
من
189
الفصل الرابع والعشرون
السنة ركعتان قبل صلاة الفجر وبعد طلوعه
: ..
وان صلاهما قبله أعادهما
وان صلى ركعتين نفلا قبل طلوعه وتبين انه صلاهما بعده اجزاتاه
لركعتي الفجر
وقيل يجوز أن يصليهما حتى يدخل النصف الأخير من الليل.
ولكن ان نام بعدهما أعادهما
ولا صلاة بعد الفجر الا هما
وقيل: ووتر الليل انه نسيه أو ينم عنه
وكل صلاة ينم عنها أو نسيت
وعنه صلى الله عليه وسلم:
ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها لمن لم يتركها في حضر
ولا سفر» •
والنائم والناسى لصلاة الفجر يصليهما مع الفريضة قبل الفريضة
ولو خرج الوقت
والظاهر ان سنة المغرب والعشاء كذلك (2/189)
صفحة 425
-
بل سنة العشاء أوكد
وقد قال صلى الله عليه وسلم:
من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها وقت الانتباه أو التذكر» •
واما من ترك ذلك عمدا حتى خرج وقته فلا اعادة له
ومن دخل المسجد ووجد الصلاة وقد اقيمت فليصلي ويقضى سنة الفجر بعد الطلوع على المختار
يقول صلى الله عليه وسلم:
مع
الجماعة
من فانته ركعتا الفجر فليصلهما أن طلعت الشمس».
وقيل: يقضيهما متى شاء ما لم تتوسط الشمس
وقيل: اذا سلم
وقيل: يقضيهما موسع ما لم يخف طلوع الفجر
وان خاف طلوع الشمس صلى الفرض أولا وقضى السنة الطلوع أو ما لم تتوسط أو اذا سلم ان كان يدركها على الخلف
ويكره الكلام بين سنة الفجر وصلاة الفجر بغير ذكر الله
ومن لم يتكلم بينهما رفعتا له في عليين
وكذا يكره الكلام بغير ذكر الله بين المغرب وسنته.
بعد (2/190)
صفحة 426
-
191
ومن قال قبل أن يصل رحله لجانب استجير بالله من النار سبع مرات زعيما له ان مات فى ليلته أن ينجوا من النار ان سلم من الدماء الحرام والأموال الحرام والفروج الحرام.
وكذا من قالها اذا صلى سنة الصبح ومات من يومه ان سلم من
ذلك.
وتستحب ان تصلى سنة الفجر وسنة المغرب بسورة (قل يا ايها
الكافرون) في أولاهما
وبسورة الاخلاص ثلاثا في آخرهما ليستفتح ليله ونهاره بالبراءة
من الشرك والاخلاص في التوحيد
وسمى سنة المغرب استفتان لقربهما من صلاة المغرب واتصالهما
بها
ولعل فعل ذلك فى فرض المغرب أو لاستفتاحه تخفيفا
ويستحب التخفيف في السنن
والمستحب صلاة سنة الفجر في البيت.
وتصلى سنة المغرب بعد المغرب بلا مهلة اذا كان الفصل بينهما
جائز كالاستغفار المذكور وكالاستغفار سبعين مرة في الفريضة
وهي
سنة مؤكدة كسنة الفجر لم يتركهما صلى الله عليه وسلم في
حضر ولا في سفر (2/191)
صفحة 427
192
-
الفصل الخامس والعشرون
قيام شهر رمضان سنة مرغب فيها باجماع لقوله صلى الله عليه
وسلم:
من صام رمضان وأقامه ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). •
وقد صلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان ركعات
وزاد أبو بكر رضى الله عنه ثمانيا.
وعمر ثمانيا رضى الله عنه بعد كل ركعتين تسليم.
فذلك أربع وعشرون كلها سنة النبى صلى الله عليه وسلم لأنهما رضى الله عنهما فهما منه أن الصلاة فى ذلك الوقت مشروعة.
المغرب
ولم يريان الثمانية أحصر كحصر عدد ركعات أو كحصر عدد سنة
ولحوطهما زاد ثمانية صلى ثمانية
وبالحقيقة لو زاد أكثر أو قل لجاز.
ولو نقص في الثمانية انسان لجاز
لكن الاجماع انعقد أن لا ينقص عنها.
والسنة صلاته بعد العشاء وقبل الفجر.
1 (2/192)
صفحة 428
وذلك أفضل
-
-
وأجازه أصحابنا من أهل المغرب قبل العشاء احياء لما بين العشائين
ويجوز بعد الوتر وهو أولى عن تقديمه على العشاء لانه لاحياء
الليل ووقته ما لم يطلع الفجر
وأوصى صلى الله عليه وسلم رجلا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر
وان ينام الا عن وتر وبركعتي الضحى
وصلاته بالجماعة أفضل
•
ويستحب أن يصلى بثلاث رجال كما سنة ثلاث رجال
وان لم يكن الا رجلان فليصل واحد ستة عشر والآخر ثمانيا
وان عجزا نفذ عنه فليصل ثمانية أو ست عشرة ومن فاته بالليل فليقضه بالنهار ولا يصلى بالجماعة اذا خرج وقته.
واذا صلوا العشاء والقيام بالجماعة صلوا الوتر
والركعتين قبله بالجماعة
ويستحب أن يصلى بهم الوتر من صلى بهم العتمة لان الوتر تابع
للعقصة.
ورخص أن يصلى بهم الوتر من صلى معهم القيام ولو لم يصل
العتمة.
معهم
(م 13 - الجامع الصغير ج 2) (2/193)
صفحة 429
-
194
-
وان لم يصلوا العشاء أو القيام بالجماعة أو صلوا العشاء بعد القيام فلا يصلوا الوتر بالجماعة الا على قول من أجاز صلاة الوتر
بالجماعة ولو في غير رمضان
وعن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
انه كان يصلي القيام عشرين ركعة
وبهذا أخذ الشافعي وأبو حنيفة
واستحب مالك القيام بست وثلاثين ركعة. (2/194)
صفحة 430
الفصل السادس والعشرون
صلاة العيدين صلاة مؤكدة على كل أحد من أهل القرى والامصار بدليل انه صلى الله عليه وسلم أمر بخروج الناس اليها حتى العواتق من الخدور
و استثنوا أهل منى
فانه يستحب في حقهم أن يصلى كل واحد منهم قبل الذبح ركعتين
لنفسه فرادي
وقيل سنة مؤكدة على الكفاية
لها الغسل بعد الفجر والسواك بعود الاراك أو بعود الزيتون
جاء الحديث به كما جاء بعود الاراك ان وجد واللباس الحسن والبروز اليها بالرجال والنساء والظاهر أن الطيب الخروج اليها.
واللباس الحسن مختص بالرجال
ويستحب تأخيرها فى عيد الفطر للاشتغال بالصدقة
وتعجيلها في الأضحى للرجوع الى الضحايا
ووقتها ما لم تتوسط الشمس
وان صح غير العيد بعد التوسط أخروا البروز اليها الى ضحى الغدو
لاذان صلاة العيدين. (2/195)
صفحة 431
-
1960
-
ولا اقامة ولا ينادون الصلاة يرحمك الله.
واقامتها فى الصحراء أفضل الا فى المسجد الحرام.
والمعمول به عندنا صحة في التنفل قبلها
وتخرج الصدقة قبل خروج الناس الى الصلاة في عيد الفطر يفرقها الأصحابها ويقبضوها عنه ثم يخرج الى الصلاة
ويستحب أن يأكل فيه قبل الخروج اليها ولو تمرات ويحسو
حسوات ماء.
وبعد الصلاة فى الاضحى بزيادة الكبد كبد الضحية.
وسن التكبير والخطبة بعد الصلاة العيدين
والخطبة كلها تفتح بالحمد الا خطبة صلاة العيدين بالتكبير
ويستحب ثلاثون تكبيرة في الصلاة
والخطبة يكبر اربعا بعد الاحرام.
فيستعد ويقرأ الفاتحة وغيرها.
وثلاثا بعد القراءة في الركعة الثانية
وثلاثا وعشرين في الخطبة
وما ذكرت من التكبير فى الصلاة سبعا وهو المعمول به. (2/196)
صفحة 432
-
197
ويفتتح الخطبة بسبعة أو أكثر ويجلس فيها جلسة
ويكبر فى النصف الأول من الخطبة أكثر من تكبيرة الثاني بواحدة.
وان زاد ونقص جاز
ويذكر فى خطبة الفطر زكاة الفطر وسننها
ويحض عليها
وفي خطبة الأضحى صفة الضحية وما يجزى منها.
ويكبر بعد الاحرام ستا.
وبعد القراءة في الثانية ثلاثا
وقيل: بعد الاحرام اربعا.
وبعد القراءة في الثانية خمسا.
وفي الخطبة احدى وعشرين
أو يكبر بعد الاحرام ستا.
وبعد القراءة الثانية خمسا
وفى الخطبة تسع عشرة
أو يكبر بعد الاحرام ستا بعد القراءة.
وفى الثانية أربعا (2/197)
صفحة 433
وبعد الرفع في ركوعها ثلاثا
وقيل بعد الاحرام ستا.
وبعد القراءة الثانية سبعا
وقيل بعد الاحرام خمسا
-
198
وبعد القراءة في الثانية خمسا
وبعد الرفع في ركوعها ثلاثا
وفي الخطبة سبع عشر
وقيل التكبير فى الركعة الثانية قبل القراءة أيضا
وان تعمد الزيادة أو النقص على قول من هذه الأقوال أعاد الصلاة.
مثلا ان يكبر ثمانيا أو عشر أو اثنى عشر أو أربع عشر أو ستا
وان لم يتعمد فلا يعيد الا ان زاد أو نقص ثلاثا أو أكثر
وعلى كل قول فصلاة العيدين ركعتان يجهر فيهما بالقراءة
وينبغي أن يقرأ من المفضل
ويستحب أن تكون الأولى بسورة الشمس.
وقيل يستحب كون الأولى بسورة الاعلى
والثانية بسورة الشمس (2/198)
صفحة 434
199
-
وأقل ما تنعقد به صلاة العيد واحد والامام أو الثاني والامام.
واختارة بعض أو أربع والامام.
أو ست والامام.
أو تسع والامام.
وتتم
العدة بالعبيد والنساء ان لم يكن مع الامام الا العبيد والنساء
حلى بهم وان لم يحسن الامام الخطبة في القرآن.
ومن لم يحسن التكبير وكفيته صلى ركعتين ينويهما لصلاة العيد
ان كان منفردا (2/199)
صفحة 435
-
الفصل السابع والعشرون
من السنة ركعتان عند الكسوف والخسوف
ويستحب فيهما اطالة القراءة والسجود
ويجهر فيهما
ويجعل القراءة والركوع والسجود فى الأولى أطول منهن في الثانية
وقيل يقوم طويلا ويركع طويلا
ويقوم طويلا ويركع طويلا دون ذلك
ثم يسجد سجدتين فقط لا أربعا وتسر وتصلى بالجماعة.
وقيل: فرادي
وقيل: في كسوف الشمس فرادي
وفى خسوف القمر بالجماعة
والصحيح الأول
وتجوز فرادى اذا لا صلاة تصلى بجماعة فقط من شرطها الخطبة
بعدها.
فقط
ولا يجوز ان لا تصلى فرادى الا صلاة الجمعة فانها تصلى جماعة
ومن شرطها الخطبة. (2/200)
صفحة 436
وقيل: لا خطبة لانه صلى الله عليه وسلم خطب لقول الناس ان الشمس كسفت لموت ولده ابراهيم فقال لهم
ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت بشر
ولا لحياته
•
فاذا رأيتم ذلك فاذكروا الله وادعوه وكبروا وتضرعوا» • ثم قال: «ياأمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم
كثيرا».
ولا تصلى في الأوقات المنهى عن الصلاة فيها.
واجيزت في غير الطلوع والتوسط والغروب
ويستحب كثرة الدعاء والتضرع في وقت لا يصلى فيه.
واستحب قوم صلاة ركعتين عند تزلزل الأرض وشدة الريح وشدة المظلمة وكثرة الشفق في النواجي
وكل علامة سماوية كنجم الذنب قياسا على كسوف الشمس وهي
يصلونها فرادى عندى لانها غير فرض
فلا تصلى بالجماعة الا لنص
نعم اجاز بعد صلاة النفل
والسنة جماعة
وقياسها على صلاة الكسوف انما يقتضى استحبابها فقط لا كونها
بالجماعة كصلاة الكسوف خلافا لبعض (2/201)
صفحة 437
الفصل الثامن والعشرون
سن ركعتان بعد الطواف بتأكيد حتى ان من تركهما حتى يخرج من الحرم ركعهما
فقط
ولزمه دم أيضا ان كان الطواف واجبا بان كان لغيره أو حج
ولو كانت العمرة غير واجبة أو كان الحج غير واجبا والا ركعهما
قيل يركعهما ما لم يصل بلده.
والأولى صلاتهما خلف المقام
•
وان صلاهما في المسجد أو في الحرام جاز
ويصليهما دبر كل سبعة أشواط طواف فرض أو نفل.
ويستحب أن يقرأ فى الأولى بالفاتحة و (قل يا أيها الكافرون).
وفى الثانية بالفاتحة وسورة الاخلاص ثلاثا
وقيل بالفاتحة وسورة الاخلاص ثلاثا فيهما
وان طاف بعد طلوع الفجر أو بعد ما صلى العصر أخرهما الى أن تحل النافلة بأن يصليهما بعد صلاة المغرب أو بعد كمال الطلوع • (2/202)
صفحة 438
203 -
-
وان كان لنفل جاز له ان يكتفى عنهما بصلاة فجر أو مغرب تلته.
وكذا ظهر وعصر وعشاء لمن طاف قبلهن
وأجاز بعضهم لمن طاف بعد صلاة العصر ان يركعهما قبل أن يصلى
المغرب وبعد الغروب
وقيل يجوز الطواف بعد طلوع الفجر قبل صلاته أو بعده ولا بعد
ما صلى العصر لانه صلاة حل فيه الكلام. (2/203)
صفحة 439
-
204 -
الفصل التاسع والعشرون
من السنة صلاة الضحى
وهى المراد بتسبيح الاشراف عند أبي عباس رضي الله عنهما في (يسبحن بالعشى والاشراق).
وعنه صلى الله عليه وسلم على كل سلامة من ابن آدم كل يوم
صدقة
ويجزى عن ذلك ركعتان يصليهما في الضحى
وروى يصبح ابن آدم وعلى كل سلامة من جسده صدقة.
فأمرك بالمعروف صدقة.
ونهيك عن المنكر صدقة.
وهدايتك الى الطريق صدقة
وحملك على الضعيف صدقة
واماطتك الاذى صدقة.
حتى ذكر التسبيح والتهليل
ثم قال: وركعتا الضحى تأتي على ذلك كله يعنى ان أجرهما كأجر ذلك لانهما تغنيان عما فرض كالأمر بالمعروف (2/204)
صفحة 440
-
205
-
والنهي عن المنكر والسلامة المفصل
وفى ابن آدم ثلاثمائة وستون مفصلا
وروى انه صلى الله عليه وسلم بعث سرية فعجلت الكرة واعظمت الغنيمة فقالوا يا رسول الله ما رأينا قط سرية أعجل كرة وأعظم غنيمة من سريتك هذه.
فقال: أفلا أخبركم بأعجل كره وأعظم غنيمة
قالوا: بلى يا رسول الله
قال: «اقوام يصلون الصبح فيجلسون فى مجالسهم يذكرون الله
حتى تطلع الشمس ثم يصلون ركعتين» •
وقد روى انه صلى الصبح ركعتين وقال:
من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين
أو أربعا كتب من الذاكرين
أو ثمانيا لم يتبعه يومئذ ذنب
أو عشر كتب من القانتين
أو اثنى عشر بنى له بيت فى الجنة.
وان للجنة بابا يسمى باب الضحى ينادى يوم القيامة اين الذين كانوا يدومون على صلاة الضحى هذا بابكم فادخلوه» (2/205)
صفحة 441
>
206
وصلاهما يوم الفتح ثمانيا ملتحقا في ثوب واحد في بيت أم هانيء
بنت أبي طالب
عليهم
وتجوز صلاتها ست رکعات
وروى انه لم يسبحها الا مرة.
وعن عائشة ما سبحها قط واني لا أسبحها
وان كان ليدع العمل وهو يحبه مخافة أن يعمل به الناس فيفرض
والتسبيح والسبحة تطوع الذكر وتطوع الصلاة.
وفى خبر ضرب عمر رجلين سبحا بعد العصر
ومعنا مخافة أن يعمل بها الناس.
انه اذا عملوا به وداموا عليه توهم من يراهم انه فرض فينقله له
عن أحد فرض.
وان صلاهما انسان ركعتين استحب أن يقرأ في الأولى بآية الكرسي بناء على جواز الاقتصار على آية واحدة مطلقا
أو ان كانت طويلة وآية الكرسى طويلة.
وفى الثانية بخواتم البقرة وبالكلمات
وآخر البقرة والا (آمن الرسول). (2/206)
صفحة 442
-
207
آيتان تمام الأولى المصير
أو اطلق بجمع على الآيتين وسورة الاخلاص ثلاثا بناء على ان التكنيس غير مكروه الا فى ركعة واحدة.
أو على ان لا يكره الا في السورة الواحدة يقرأ نصفها الأخير أولا.
ثم الأول ثانيا
وان صلاها ستا استحب في الخامسة بخواتم الحديد
•
وفى السادسة بخواتم الحشر وسورة الاخلاص ثلاثا
وان صلاها ثمانيا استحب في السابعة بسورة التكوير وفى الثانية بسورة الانفطار وسورة الاخلاص ثلاثا
وان صلاها عشر استحبابا فى التاسعة بسورة الطارق وفى العاشرة بسورة الاعلى وسورة الاخلاص ثلاثا
وان صلاها اثنتى عشر ففى الحادية عشر بسورة الشمس وفي الثانية
عشر بسورة الضحى وسورة الاخلاص ثلاثا
وقيل: تصلى ركعتين عند اشراق الشمس وانبساطها وارتفاعها قدر
رمح واربعا.
:
أو ستا أو ثمانية اذا رمضت الفضال (2/207)
صفحة 443
الفصل الثلاثون
يروى ان النوافل تكمل القيامة بها الفرائض مثل أن يعمل في يوم الفرض مكروها أو ينقص منه ما لا يفسد به أو يعمل مفسدا ولا يدرى
بالعلم
أو صلى أربعا أو عددا فى عمله نقضا عنده وليس عند الله كذلك
أو يصلى بنجس لا يدرى به ونحو ذلك.
وقيل لا نقص بالصاد المهملة للفرض بما لا يدرك بالعلم فهو
مكتوب له تماما.
وهو الصحيح فيما يظهر لي.
قال أشياخنا رحمهم الله النفل للفريضة كالغلاف للفرس يقيه من
الافات.
وتستحب أربع ركعات قبل الظهر عقب الزوال.
وهى ساعة يستجاب فيها الدعاء.
وصلاهن صلى الله عليه وسلم وقال:
ليرتفع عملى فى العابدين».
وروى ان من صلاهن تامات صلى معه ألف ملك يستغفرون
حتى الليل. (2/208)
صفحة 444
209
ويستحب كون الأولى بآية الكرسي
والثانية والرابعة بسورة الاخلاص ثلاثا
والثالثة بخواتم البقرة
•
وأربع بعد الظهر بسورة الفلق ثم سورة الناس ثم سورة الكافرون
ثم سورة الاخلاص ثلاثا
وأربع قبل العصر باذا زازات ثم بالعاديات ثم القارعة ثم التكاثر
وروي: رحم الله من صلى أربعا قبل العصر
وتستحب أربع بعد سنة المغرب
وأربع قبل العشاء.
وست قبل ركعة الوتر
وركعتان سحر بآية الكرسى وسورة الاخلاص ثلاثا في أولهما من الضحى وسورة الاخلاص ثلاث في آخرهما.
وأربع للضحى
وعن أبي هريرة كنا نعد خروجنا وقعودنا في المسجد قبل الفجر رسول الله صلى الله عليه وسلم - أراد بالخروج الخروج
كغزوة مع رب
اني المسجد
(م 14 - الجامع الصغير ج 2) (2/209)
صفحة 445
-
210
-
ومن صلى سنة الفجر فى بيته ثم مضى للمسجد فلا يصلى فيه
الا الفريضة.
وان لم تتهيأ الجماعة انتظرها
واستحب أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله
أكبر أربع مرات
فانه يعدل ركعتين في الفضل
وكذا يقول من منع من الصلاة بالوقت فيقول ذلك عند الطلوع
والتوسط والغروب
وزعم بعض قومنا انه يحيى المسجد بركعتين
وليس بشيء لصحة النهى عند الصلاة بعد الصبح الا الفجر وركعتيه.
ومن توضيء ثم توجه الى المسجد يصلى فيه الصلاة كان له بكل
خطوة حسنة وهي بعشر
ومحيت عنه بكل خطوة سيئة.
واذا انصرف بعد ما صلى عند الطلوع الطلوع فله بكل شعرة في
حسنة وانقلب بحجة مبرورة.
•
جسده
وان جلس حتى ركع ركعتين أو أكثر فبكل ركعة ألف ألف حسنة.
ومن صلى العتمة فله كذلك وانقلب بحجة مبرورة. (2/210)
صفحة 446
-
211
وعنه صلى الله عليه وسلم:
لأن أقعد في مجلس اذكر الله تعالى من صلاة الغداة الى طلوع الشمس احب من اعتاق أربع رقاب» •
ساعة
وقال الله سبحانه وتعالى: يا ابن آدم اذكرني من بعد الفجر
وبعد العصر ساعة أطيعك ما بينهما
أى بالمنع عن المعصية والتوجيه التوبة وقبولها ان عصى
وينبغي الاشتغال بالذكر والدعاء
وأفضل من ذلك قراءة القرآن.
قال صلى الله عليه وسلم:
» افضل عبادة قراءة القرآن» •
وينبغى للانسان ان يتفكر فيما ينفعه من المعاملات فيما بينه وبين ربه.
ويحاسب نفسه في تقصيره
ويحضر النية الصالحة في عمله
ويتفكر في نعمة الله
ويستحب في النفل أن يصلى ركعتين بتسليم.
وان يجهر به ليلا فوق القدر المجزى لنوم الناس
وان يجهر به نهارا القدر المجزى به فقط ليقظة الناس (2/211)
صفحة 447
212
والاخفاء عنهم للنفل أفضل
وان يخفى قبل تطويل القراءة أفضل
وقيل تطويل الركعات
وقيل تطويل القرآن ليلا وتكثير الركعات نهارا.
وشروط النفل كشروط الفرض
وقيل يجوز على الدابة بلا ضرورة.
وقيل يجوز عليها بالتيمم والقعود بالايماء ومن دخله كما يجوز.
ومن قطعه لزمه اعادته خلافا لبعض
وقطعه محرما لقوله عز وجل:
) ولا تبطلوا أعمالكم).
فانه عام خلافا لمن خصه بالفرض
وفيه تفسيرات
ومن صلى بين المغرب والعشاء عشرين ركعة حفظ الله له أهله وماله
ودينه و آخرته
وروى مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه أمر به.
ويسمى
احياء ما بين العشاءين وصلاة الأوابين. (2/212)
صفحة 448
213
-
وبعض
وانه المراد في قوله عز وجل:
) تتجافى جنوبهم) الآية.
وانه يذهبه آخر النهار
وقيل من لم يقدر على الجمع بينه وبين صوم النهار فليقتصر عليه
ونقل عنه صلى الله عليه وسلم انه كان يصلى بين المغرب والعشاء ست رکعات
ولا يصلى العبد والاجير والمقارض والبكر تحت ابيها بغير اذن
الا الفرض
وركعتي الفجر والوتر بركعتين قبله
وصلاة الميت والسجدة وصلاة الكسوف والخسوف والزلزلة والقيام وركعتي الطواف وصلاة العيدين
والمراد بالاجير من استأجره على قوته كلها حتى انه كعبده شهرا
أو شهرين أو أكثر أو أقل
أو استأجره لعمل يوم أو أقل أو أكثر
واما من استأجره على عمل مخصوص على معنى متى أكمل أخذ
الأجرة فليدع النفل مطلقا.
وكذا المقارض اذا لم يجد شغل بالتجر لعدم من يدينه (2/213)
صفحة 449
-
214
-
الفصل الحادي والثلاثون
لا يصلى بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس.
ولا بعد صلاة العصر حتى تصلى المغرب على ما مر
وقيل يصلى في الوقتين الفائتان والمنسيات والمنوم عنها وما لها سبب من قبل الله كصلاة الميت والكسوف والزلزلة واختاره غير واحد
والذي اختاره أن يصلى فيهما المنوم عنها والمنسية فقط
ولا يصلى وقت التوسط والطلوع والغروب ولو صلاة ينم عنها أو نسيت.
ولا يقبر الميت فيه وذلك لأن الشيطان أبعده الله يقارن الشمس اذا طلعت واذا توسطت
واذا غربت يدنى رأسه منها ليكون الساجد لها ساجدا له
وروى يقارنها قرن الشيطان وهو وقومه الساجدون لها. (2/214)
صفحة 450
-
الفصل الثاني والثلاثون
نهى صلى الله عليه وسلم عن الصفد في الصلاة وهو رفع احدى
الرجلين مع القيام على أطراف أصابعها
وعن الصفد وهو اقتران القدمين
وعن الصلب وهو وضع اليدين على الخاصرتين وتجافى العضدين
في حال القيام
قيل كصفة المطلوب
وفى معناه المخاصرة
وعن المواصلة وهو أن يصل القراءة بالركوع
وعن الاقعاء وهو الجلوس على الاليتين مع نصب الساقين ووضع
اليدين بالارض
وقيل: وضع الاليتين على العقبين
ويعرفا بعقيب الشيطان
وعن السدل وقد مر ولا بأس به فيما ردت الركبتان تحت أو
السرة فوق.
وعن الحقن وهو جمع البول في المثانة. (2/215)
صفحة 451
216
-
الغائط. وعن الحقب وهو جمع
وعن الخرق وهو ضيق الخف
وعن التفات الثعلب
وعن نقر الديك فى الركوع والسجود.
وعن النظر قبل الوجه وافتراش الذراعين
وعن الكفت وهو رفع المصلى ثوبه من بين يديه أو من خلفه اذا
أراد السجود
وقد يكون الكفت في شعر الرأس
قيل: والنهى فى هذا خاص بالرجل ويقال له العفص
وعن الصلاة بحال الجوع أو الغضب أو الاهتمام.
وعن الصلاة باللثام وهو ستر الفم أو
مع الانف والوجه كله.
أو بالتعصب وعن تشبيك الاصابع وفرقعتها
وعن وضع الكف على الأخرى وادخالهما بين الفخدين في الركوع
والنفخ فى الارض عند السجود
وعن العبث بالجوارح
و عن حمل ما يشغل في الفم وغيره (2/216)
صفحة 452
-
217
-
وفي الحديث (سبعة أشياء فى الصلاة من الشيطان الرعاف والنعاس والوسوسة و التثاؤب والحكاك والالتفات».
وقال بعض: وكذا السهو والشك والوسوسة اشتغال البال بما
يخطر فيه
ويجوز ان يراد به ما يشمل ذلك والشك والسهو
قال بعض السلف أربعة في الصلاة من الجفا الالتفات
ومسح الوجه
وتسوية الحصباء بأن يعلم انها غير مستوية ويترك تسويتها عمدا الى
ما بعد الدخول في الصلاة.
أو كفيتها كفاية وأراد مزيد استواء مستغنى عنه.
والصلاة بطريق من بمرتين يديك
•
وكذا ترك مسح الوجه بعد الصلاة.
وتلك المناهي السابقة للمنع عن الخشوع. (2/217)
صفحة 453
218
الفصل الثالث والثلاثون
لا يجوز للمصلى استقبال الصنم واللوح والمصحف والبقرة والنار
المشتعلة والصليب والميت والنائم
وان فعل أعاد الا ان كان بينه وبين ذلك سبعة أذرع.
وقيل ثلاثا
وقيل خمسة عشر
وقيل رمية حجر
وقيل لا تفسد ما لم تمس ما لم تمس تلك الأشياء
أو تكن بينه وبين مسجده.
وان الفساد بذلك حين تعبد للاصنام لاحى لا يوهم ذلك
وكذا ان مر بجنبه جنب أو الحائض أو النفساء والقرد والخنزير
والكلب مطلقا
والذي فوق عينيه نكتتان أو الذي اسود كله
وان من طاهر عن جنابه وحيض ونفاس فلا يقطعها الا ان كان
بينهما أقل من الثلاثة أذرع.
وقيل ما لم تمر بمسجده. (2/218)
صفحة 454
219
-
وقيل لا يفسد ولو مر بينه وبين مسجده.
ولا يضر شيء من ذلك كله خلف ستر
ويدفع المصلى المار بين يديه بالاشارة ولطيف المنع وجوبا
ان على الانسان حفظ صلاته وعليه الظاهرية.
وقيل يندب.
فان أبي فليزد في دفعه.
ولا ضمان عليه ان مات.
وقيل عليه الضمان
وذكر في رواية في صفة الدفع أن يجعل يديه في صدره ويدفع
ولا يقاتله بالسلاح لمخالفة ذلك قاعدة الاقبال على الصلاة
والخشوع
واطلقت جماعة من الشافعية ان له من يقاتله حقيقة
والحق ان المراد بالقتال في الحديث الدفع عند أبي العربي.
قال ابن بطال وغيره اتفقوا انه لا يمشى من مكانه ليدفعه اذا كان لا يصل الا دفعه الا بالمشي ولو لم يكن بينهما الا ما دون ثلاث أذرع.
والمظاهر أن المشى للدفع جائز اذا كان عدمه ناقصا لوجوب حفظ
الصلاة. (2/219)
صفحة 455
220
-
والدفع انما هو
لحفظ الصلاة
قال صلى الله عليه وسلم:
•
لو يعلم المصلى ما ينقض بالمرور بين يديه من صلاته ما صلى
الا الى سترة (وهذا يدل على ان المرور بين يديه لا ينقصها
وقد قيل بذلك
ومن قال ناقض حمل المرور فيه على المرور قدامه بالقرب منه
بحيث لا ينقضها
وقيل لدفع الاثم عن المصلى
ولو قيل لحفظ الصلاة والصرف عن المنكر لصح.
وفى الحديث أن أبى المار فليقاتله فانما هو الشيطان.
وتسميته شيطانا لأنه أبى الا النشوش على المصلى كالشيطان فهو كقولك زيد أسد والأصل فانما فعله فعل شيطان
أو الأن الحامل له على ذلك شيطان
كما روى فان معه الشيطان
واطلاق لفظ الشيطان على المتمرد من الأنس مجاز
قال بعض: الظاهر انه مجاز عنه في حقيقة فى أصل اللغة لأن شطن
بمعنى خبث أو بعد فهو شاطن. (2/220)
صفحة 456
-
221
-
خبنى منه للمبالغة
فيقال أو من شاط يشبط بمعنى هلك بني فلان للمبالغة
وفى الحديث لو يعلم المار بين يدى المصلى ما عليه من الاثم لوقف
أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه
والمراد بيديه امامه بالقرب منه
قيل: باليدين لأن أكثر الشغل بهما وقد قربت المسافة التي بها
يقطع المرور فيها الصلاة
ولا يخفى ان اثم المسار على قدر ما يقطعها
والمراد بالاربعين أربعون عاما.
وقيل أربعون شهرا
وقيل أربعون يوما
•
وأبهم المعدود تفخيما للامر
واستظهر بعضهم ان الشك في المعدود وقد عين في الحديث
ان مثل ذلك لا يقال بالرأى.
وبقى فى حفظى أنه أربعين خريفا.
وحكمة تخصيص الأربعين أن بها كمال كل طور من أطوار الانسان
كالنطفة والعلقة (2/221)
صفحة 457
-
222
-
العظيم
قيل: وان الأربعة أصل العدد ضربه فى عشرة لما اريد التكثير
وفي رواية لوقف الى الحشر
وعلى كل حال فالمراد الوقوف عن المرور لئلا يلحقه ذلك الاثم
ان ذلك المرور حرام وكبيرة والوقوف والقعود والاضطجاع كالمرور
التشويش
وذلك خاص بغير المأموم عندنا
وعند المالكية ان الامام سترته
فالظاهر أن المأموم كذلك اذا مر بين يديه على قفا الامام
لأن المرور على هذه الصفة قاطع عنه وعن كل من مر عنه في ذلك
الصف لا غيره من الصفوف ولا من لم تمر عنه من ذلك الصف. ولا نسلم أن السترة ترفع الحرج عن المصلى فقط بل عنه وعن
المار لجواز المرور خلف السترة الا ان كان يحصل به التشويش
واعلم ان الاثم يحصل للمار وحده ان كان المصلى الى سترة في
غير مشروع المرور
وكان للمار مندوحة للمصلى وحده اذا كان مشروع بلا سترة أو
تباعد عنها
ولم يكن للمار مندوحة ولها معا ان كان كذلك وللمار مندوحة. (2/222)
صفحة 458
-
ولا اثم على احدهما ان كانت الصورة كالأولى ولم يجد المار
مندوحة
واستظهر بعضهم من الحديث منع المرور مطلقا حتى يفرغ المصلى
أى لا ضرورة كخوف على نفس أو مال
فلا يعذر في صورة من الصور المتقدمة. (2/223)
صفحة 459
-
224
-
الفصل الرابع والثلاثون
يجوز للمصلى دفع المضار كلها عن نفسه.
وكذلك عمن معه في الصلاة
وعمن عجز عن الدفع كقتل حية وعقرب.
قيل: وان لم تقصده.
ذلك لعموم صار قوله صلى الله عليه وسلم:
اقتلوا الحية والعقرب وان كنتم في الصلاة» •
وكلما فعله لاصلاح صلاته فلا يفسد صلاته.
قالت عائشة رضى الله عنها كنت أنا بين يدى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ورجلاى في قبلته فاذا سجد غمزني واذا قام بسطهما
ووجه هذا انها تضطجع ولا تنام فلا تنتقض صلاته
وان قلت انما يغمزها أول مرة فيوقظها فيكون قد صلى خلف من
هو نائم
قلت: لعلها غير نائمة وقت الغمز الأول كما بعد الغمز الثاني وغيره
وقد قيل الصلاة خلف النائم لا تفسد.
وعموم هذا الحديث أعنى اطلاقه يناسبه ولا يقبض من يصلح الصلاة يده الا ان لم يجد الاصلاح الا يقبضها (2/224)
صفحة 460
-
225
-
وكذا في دفع المضرات
ويصلح بيده ما ردت الركبة ان صاعدا ردت الركبة ان صاعدا أو برجله ما تحتها
وقت القيام
وبيده وقت القعود
فمه بلسانه
في
ولا يستعمل يده في المباطن ما وجد سبيل
واليمنى أولى الا في العورة
ويجوز التحول من مكان إلى آخر ولو بعيد لاصلاح الصلاة.
ولا تنتقض ما لم يستدبر أو يتكلم.
واذا أتم قراءته ركع وسجد.
وان لم يمكنه الركوع أو السجود في ذلك الموضع زاد في قراءته
حتى يبلغ موضعا يمكنه.
ولعله يكرر الفاتحة ان لم تكن السورة.
وان خاف الفوت استأنف صلاته وقصرها
وتجب عليه تنجية الأموال له أو لغيره قليلة أو كثيرة.
وقيل: ان كانت لغيره من المسلمين وهي في ضمانه
(م 15 - الجامع الصغير ج 2)
(2 (2/225)
صفحة 461
229
-
وقيل أن كان تلفها يؤدى الى تلف نفسه أو نفس غيره
وتجب عليه بتنجية النفس
ويمسك عن الصلاة في حال اصلاح الفساد والتنجية.
وان اشتغل بأصلاح الصلاة فلا يمسك
•
وان فرغ من القراءة ركع وسجد.
وان لم يمكنه زاد في القراءة.
ولعله ان كانت الركعة بسورة فيها كرر الفاتحة كما مر
ويجوز الدخول والخروج والنزول والطلوع
وغض البصر وفتحه بالمطر والريح والدخان وغير ذلك من المضرات
ما لم يدخل على ذلك
بل يدوم على صلاته في موضعه.
فان فسدت أعادها في موضع يصلح له
وان لم يقدر فادخل أو خرج أو طلع أو ترك
وان دخل على ذلك أعاد (2/226)
صفحة 462
-
227 -
الفصل الخامس والثلاثون
يلقن المأموم الامام بما وقف فيه
ويجب عليه ان يتبعه في تلقينه
•
ويقتدى المأموم بالمأموم والصفوف بالصفوف
ولا يقتدى المصلى بمن ليس معه في الصلاة.
ولكن ان ذكره فتذكر فيتبع تذكره
فليس مقلد الا المريض الذى اختلط عنه حفظه فله ان يقتدى بمن
يرشده.
وكذا المبتدئ الجاهل حتى يحفظ صلاته ويعرف كيفيتها ما لم
يكن من قبله التضييع.
ومن له
التضييع أن يقلده في صلاته فلا يشتغل بتعلمها الى الأخرى
فتقاده أيضا فيها
والواجب عليه أن يفعله حتى لا يكون مضيعا ان يشتغل بتعلم كل
صلاة حتى تأتى الأخرى
لكن يحسب ما يقدر عليه من الحفظ
وان ضيع وضاق الوقت عن التعلم اقتدى بغيره (2/227)
صفحة 463
228
ولزمه أن يجتهد ما بين صلاة وصلاة في التعلم ولوح.
وقال من قال به يقلده صلاة الليل والنهار فقط.
ويجوز الاقتداء بكل من يصدق ولو لم تكن له صلاة بأن يعمل بأمره
ونهيه أو يتبعه في صلاته عاملا مثل عمله.
ويجوز
للفذ أن يقتدى بغيره ان كان أمينا
وقيل: ان صدقه سواء كان أمينا أم لا.
واذا قال له اتممت أو بقى كذلك أو قد ركعت أو سجدت وغير ذلك
ويقلد الانسان أيضا من قال انه قد توضأت أو اغتسلت أو تيممت أو غسلت نجسا أو صليت بهذا الثوب أو غير ذلك
الا ان تبين له خلافا ما قال (2/228)
صفحة 464
-
229
-
الفصل السادس والثلاثون
ان احدث الامام بقئ أو رعافا أو خدش استحب له ان يستخلف
والا مضوا على صلاتهم فرادي
وان استخلفوا احد انتقضت صلاة من اقتدى به ومن استخلف
والمجوز للخلاف مطلوع •
وتقدم كذا من تقدم وحده من دون استخلاف
ومن تبعه على الاصح في الكل
والمشهور أن لا يمضوا على صلاتهم حتى يخرج الامام من المسجد
ولم يستحلف
وان كانوا فى الفحص فحتى يجاوز الصف
أو يمشى امام الصف قدر الصف الأول.
ومن تعمد قيئا أو رعافا أو خدشا لم يجز له البناء قدا أو مأموم
أو اماما
كذا من أحدث بغير الثلاثة.
ويظهر ان خرج الدم فى الانسان فى حكم الخدش وكذا الطعن (2/229)
صفحة 465
-
230
-
واذا انتقضت صلاة الامام انتقضت صلاة المأموم بدليل ان الأئمة
ضمنا كما مر
وقيل يمضون فرادي
وصفة الاستخلاف أن يحبذ الامام أحد ويوقفه في مكانه.
ويأخذ في الصلاة من حيث كان الامام
وان لم يعلم اين كان الامام فمن حيث كان هو ويصلى صلاة الامام
مقيما أو مسافرا
وان بقى للخليفة شيء من صلاته استدركه بعد الفراغ.
مثل ذلك ان يدخل على الامام وقد فاته أو فاته من وسط أو استخلفه
وهو أول الفاتحة أمام هو في آخرها
فيقرأ في آخرها
وان أفرغ قام وقرأ ما بقى من الفاتحة.
واذا سلم سلموا
وان أبى الذى حبذا فليستخلف غيره
وان أبي ذهب
وقيل لا يستخلف الا واحدا
ولا يستخف الخليفة الا واحد (2/230)
صفحة 466
-
231
وقيل: هو كالامام
يصل سنة للوهم سجدتان وهما بعد التسليم.
ويسجدهما القارن بعد التسليم من الأولى از وهم فيها.
وقيل بعد التسليم من الأخيرة
وان سهى
في صلاة المغرب سجد بعد التسليم
وقيل ركعتي السنة لأن السجود انما هو لما وقع فيها
فكأنه منها ولو كان ارغاما للشيطان
ولا سيما ان قلنا انه جبر للصلاة وهو الصحيح.
والواضح انه ارغام وجبر.
وانما أمر بعدم الفصل بين المغرب وسنته بشيء اذا كان الفصل
بغير ما هو كالجزء منه.
وهما كالجزء لو كانت للارغام
وبغير الذكر مثل الانتقال بين الموضع
فان سنته تصلى في موضعه
وان سجد له بعد السنة جاز
وقيل: يسجد
له بعد
السنة لا غير (2/231)
صفحة 467
-
232
مقترنه
وقد اجيز أن تسجد سجدتا الوهم بعد آخر صلاتين أو صلوات
وقيل انما يسجد للسهو قبل التسليم
وقيل ان وجب السجود للنقصان فقبله والا فبعده.
وهو من تمام الصلاة
وفيه ارغام للشيطان
ويقول فيه أستغفرك اللهم مما كان منى
ولو قلنا بأنه جبر الصلاة وانه من تمامها لأنه أنسب
ولأن محله على الصحيح بعد التسليم مطلقا.
أو يسلم أيضا بعد السجود
وقيل يصلى بعده على النبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل: يقرأ أيضا بعده التحية فيسلم.
وقيل لا تحية بعده ولا تسليم.
وقيل: يقول فيه سبحان ربي العظيم.
وقيل سبحان ربي الأعلى كما في الصلاة
ويسلم بعده أيضا على القول كما سلم قبله
وهما مبنيان (2/232)
صفحة 468
-
-
قيل: انه جبر للصلاة
كما ان من يقول بأن يستغفر فيه بان على انه ارغام.
هكذا قيل
وقيل: يقول بعده السلام على من اتبع الهدى بدون ان يصفح
به يمينا وشمالا
•
ومن قال انه جبر للصلاة ألزم السجود مرتين لكل سهو بدلا
مما لزمه
ومن قال توبة من غفلته قال تكفى سجدتان لكل صلاة.
ويجب السجود بالسهو مطلقا
وقيل يجب ان قام حيث يعقد حتى اقلته الاقدام وافترقت الأوراك
وقيل ولو لم تفترق أوراكه أو قعد حيث يقوم حتى رجعت الاعضاء
الى محلها
وذلك بناء على ان السجود انما يلزم فى الزيادة دون النقصان
وان زيادة أقوال الصلاة لا تنقضها كما هو القول
ولعله تخصيص القعود حيث القيام
والقيام حيث القعود (2/233)
صفحة 469
-
234
ان القعود والقيام أعظم أفعال الصلاة وانما يجبره السجود ما لا نقض به كزيادة عمل واحد عند بعض •
أو عملين عند بعض
ذلك كالقيام والقعود والركوع والسجود عمل يبدو ان نسى شيئا من
السنن حتى سلم جبره بالسجود
وان ذكره قال حيث ذكره وسجد بعد الفراغ •
ولا سجود لنسيان الفضائل وفاته ثوابها
ولا يرجع اليها بعد مجاوزة محلها
وأقول يلزمه السجود لها اذا نواها قبل الاحرام ان يفعلها
وان تجاوز الفرض الى حد ثالث بطلت صلاته.
وان تذكر قبل ذلك رجع اليه وأعاد ما بعده وسجد •
وبعد الانحناء في الركوع والسجود عملا
والتكبير معه عملا.
وقيل: الانحناء والتكبير عمل واحد
ومن يصلى بالايماء فوهمه بالنوى اذا نوى قياما
أو قعود في غير محله.
أو فعلا غير ذلك (2/234)
صفحة 470
-
235
-
أو قال قولا لم يصل محله.
أو قاله مكررا له.
ومن قال انما يلزم السجود بالقيام والقعود في غير محلهما فقط
الزمه السجود بينهما
ومن لم يدرك صلى بنى على اليقين حتى يفرغ فيعيد.
وان كان خلف الامام سجد للسهو وتمت صلاته
ومن نسى سجود السهو سجده دبر صلاة أخرى فريضة أو غيرها.
وقيل: يركع ركعتين ويسجد بعدهما
واجيز ان يسجد بلا ركوع.
ولا يسجده في وقت لا يصلى فيه.
وقيل: اذا نسيه فلا عليه
وينقضه ما ينقض الصلاة
ويبني فيه بما يبني في الصلاة
وان وجب على الامام فليسجده وحده.
ولا يلزم المأموم ان يتبعه عندنا.
وقيل يلزمه ولو لم يتبعه.
وان سهى المأموم لزمه السجود عندنا (2/235)
صفحة 471
-
236
-
وقيل: يرفع الامام عنه السهو
ولا يعارضه أثر يرفع الامام غير سهوها
ان المراد في هذا الأثر انه ان سهى المأموم ولا يدرى أين هو
فيقلد الامام بلا تذكر منه صحت صلاته
كما اذا صلى وحده تفسد اذا لم يعلم اين وهم.
ومن سهى في سجود السهو فليتمه وليسجد لهذا السهو أيضا
وان شك هل سجد للسهو أم لا فليسجد ولا عليه.
وقيل يسجد أيضا لهذا الشك.
وليس بشيء لخروجه من الصلاة. (2/236)
صفحة 472
-
237
-
الباب السادس
في الصوم
وهو لغة الامساك لقوله صام.
أي امسك عن الأكل
أو أمسك عن المشي
أو أمسك عن الكلام.
أو غير ذلك.
وصام النهار واعتدل بأن توسطت الشمس
وهو أيضا امساك عن الميل
وشرعا الامساك عن الطعام والشراب والجماع والمحرمات من طلوع
الفجر الى غروب الشمس بنية من الليل
•
وهذا تعريف للصوم المعتد به من حيث الثواب.
واما من حيث المعتد به فى الحكم فليس كل محرم ينقض الصوم.
فان الصغيرة لا تنقضه
واختلف فى غير الغيبة والنميمة من الكبائر
وشرع الصوم لمخالفة النفس وكسرها وتصفية مرآة العقل والتنبيه
على مواساة الجائع وغير ذلك (2/237)
صفحة 473
-
238
--
وفرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة لليلتين خلتا
شعبان قبل بدر بشهر وأيام.
وفي نصف شعبان حولت القبلة
وفرضت الزكاة في تلك السنة بعد فرض الصوم وبعد زكاة الفطر
وقيل في الرابعة
ولذلك قدمنا الصوم
ولانه على كل بالغ بخلاف الزكاة فانها على الغنى
وقد يقال ان الزكاة تجب في مال البالغ وغيره.
ويجاب بأن المخاطب باخراجها من مال الصغير البالغ على قول
فلم تستحق التقديم بمجرد لزوم البالغ.
وبعضهم يقدم الزكاة لقرنها بالصلاة.
وقد قيل انها فرضت قبل الهجرة
وبنيت بعدها
وأول صوم وجب فى الاسلام صوم عاشورا عندنا.
وكان النبي والمسلمون ينقلون من كل شهر بثلاثة أيام مع ذلك
وكانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية
وقيل ثلاثا من كل شهر (2/238)
صفحة 474
-
239
-
وقيل ثلاثا من كل شهر ويوم عاشوراء
ونسخ ذلك برمضان
وقيل بأيام معلومات
ثم نسخت برمضان
وقيل أول ما فرض رمضان خير بينه وبين الطعام ونسخ الطعام
وأوجب الصوم وابيح الطعام والشراب والجماع من المغروب الى
أن يصلى العشاء أو ينام
وادعت زوجة عمر رضى الله عنه انها نامت وكذبها ونسبها للخيانة
فوطئها
فنزل علم الله انكم تختانون أنفسكم.
وابيح
ذلك فى الليل كله الا اذا بقى قدر ما يلحق فيه غسل الجنابة.
وكان الصوم مكتوبا على الأمم والأنبياء من لدن آدم.
وكان رمضان مفروضا على النصارى
وكان ربما أنناهم فى الحر فيضر بهم فى السفر وطلب المعيشة
فاجتمع علماؤهم ورؤسائهم على ان يجعلوا
صوميم في الربيع
فزادوا عشرة كفارة لما صنعوا فكان أربعين يوما. (2/239)
صفحة 475
240
-
و اشتكى ملكهم فمه فنذر أن يزيد سبعة ان برئ.
فبرأ وزاد
ومات وولى ملك آخر فقال أتموه خمسين.
قال الله سبحانه:
) كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).
أي تحذرون للمعاصى فان الصوم قامع لها والاخلال بها لاصالته وقدمه أو تحذرون ما ينقضه لكونه مفروضا عليكم فتمثلونه
هذا مراد صاحب الوضع
فلا يرد عليه ان المعنى يؤد إلى قوله:
) كتب عليكم الصيام (لعلكم تصومون وأيضا حاصلة فرض عليكم ولو استحب استحبابا فقط لتركتم صومه أو لم تلزموه ...
والوجه الأول فيه اشارة الى حكمة الصوم.
والثانى فيه ترغيب وتأكيد في
صوم رمضان.
كما ان في قوله: (كما كتب على الذين من قبلكم) توكيدا وترغيبا
وتطبيبا للنفس
والثالث فيه المحافظة على الصوم وأداءه. (2/240)
صفحة 476
241
-
الفصل الأول
روى من صام رمضان وأقامه أى صلى قيامه
وقيل المراد صلى لياليه مطلقا
ايمانا: أى اعتقادا لفريضته
وقيل تصديقا بوعده الثواب عليه
واحتسابا: أى طلب الثواب من الله عز وجل
أو عزيمة.
وهي أن يصومه على الرغبة في الثواب
طيبة نفسه غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه
وقول: لأن غفر الله ما تقدم من ذنبه
وفي رواية: وما تأخر: أي من الصغائر عندنا وعند امام الحرمين
والنووى
•
وغراه عياض لأهل السنة
ومذهبنا ان الصغائر تغفر لمن اجتنب الكبائر
وقال ابن المنذر المراد الصغائر والكبائر.
(م 16 - الجامع الصغير جـ 2) (2/241)
صفحة 477
-
242
J
وفى رواية من صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه
وفي رواية: من قام رمضان ايمانا واحتسابا
ولو علمتم ما في رمضان لتمنيتم أن يكون السنة.
أى تكون أيامه الثلاثين فى طول السنة ومشقتها.
وروي
اذا دخل رمضان:
فتحت أبواب الجنات
وغلقت أبواب النيران
وصفت الشياطين أى شدت بالاصفاد وهى الاغلال وذلك على
الحقيقة
من
ويجوز أن يكون مجاز اشارة الى كثرة الثواب والعفو
وان الشياطين يغل اغوائهم وايذائهم فكأنهم مصفودون
أو صفدوا عن أشياء دون أشياء لناس دون ناس •
وتدل لهذا انه روى فتحت أبواب الرحمة.
وفي حديث صفدت مردة الشياطين
وفتحت أبواب الجنان عبارة عما يفتح الله سبحانه وتعالى لعباده الطاعة فى هذا الشهر كالصيام والقيام والانكفاف عن كثير من المخالفات
وذلك سبب لدخول الجنة (2/242)
صفحة 478
?
243
وتصفيد الشياطين عبارة عما ينكفون عنه من الحمل على المخالفات أو من المخالفات وعلى ان ذلك حقيقة.
فالمعنى ان الجنة قد فتحت وزخرفت كالاستبشار لمن صامه
أو فتحت وزخرفت لمن مات فيه.
وغلق عنه أبواب النار وصفدت الشياطين لئلا يفسد على الصائمين
صومهم
ولا يقال يرى كثير يفسد صومهم ويفعلون الشر.
لانا نقول يصفدون عمن عزم على حفظ صومه واجتهد فيه وراعى
أي آدابه
أو عن كل صائم وما وقع من فساد وشر انما هو من قبل النفس والعادة والشياطين الانسية.
أو المراد غالب الشياطين والمردة منهم
المراد التقليل للشر ولا تخفى قلته فيه بالنسبة الى غيره
قال الله سبحانه وتعالى كل حسنة يعملها ابن آدم تضاعف الى سبعمائة الا الصوم فانه لى وأنا أجزى به الجنة
كما قال تعالى: فارق عبدي شهوته وطعامه وشرابه من أجلى
وروى: كل عمل ابن آدم له الا الصوم فانه لى وأنا أجزى به الجنة. (2/243)
صفحة 479
-
244
ومعنى تخصيص الصوم بانه لله مع ان الاعمال كلها له انه لا يطلع
عليه غيره الا باخبار
بخلاف سائر الاعمال فانها ظاهرة يدخلها الرياء
أو انه لم يكشف مقدار ثوابها بخلاف سائر الطاعات.
فانها تضاعف الى عشر
والى سبعمائة
والصوم ولو قال أجزى به الجنة لكن لم يبين لنا بكم يجزيه منها
ولم يقل ساعة أو يوم بكذا حسنة ويؤيد هذا حديث الا الصوم فانه لا يدرى أحد ما فيه أحد ما فيه أو انه أحب العبادات الى الله سبحانه
أو ان الصيام لم يعبد به الا الله بخلاف الصلاة والصدقة وغيرها. أو ان جميع العبادات يوفى منها مظالم العباد
الا الصوم فيه يدخل الظالم الجنة
ويتحمل الله عنه المظالم التى لم يفي بها سائر عمله.
كما روى حديثا ويعارضه قوله صلى الله عليه وسلم:
والمفلس الذى يأتى بصلاة وصدقة وصيام وقد شتم هذا وضرب
وأكل مال هذا فيؤخذ لهم من حسناته» •
فان فنيت أخذ من سيئاتهم فطرح في النار. (2/244)
صفحة 480
-
245
-
فان ظاهره أنه يؤخذ من صومه.
ويجاب بتخصيص هذا الحديث قبله
فالحسنات التي تؤخذ منه غير صومه.
والمراد بالمظالم الذى يتحمل الله عنه المظالم التي مات تائبا منها ولم يقدر على التخلص منها أو تاب نصوحا وقد نسيها.
ولا يظهر لى صحة أخذ الظالم من سيئات المظلوم عنه صلى الله
عليه وسلم.
ويقول تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: «ما حدث به عني فان وافق كتاب الله فانى قلته ولو لم أقله كيف اخالف كتاب الله و به هدايتي.
وما خالفه فليس عنى» •
أو ان الصوم ترك لما يشتهى من أمور كأكل وشرب ونكاح لا حل
الله أقوال
•
وفى الحديث صوم لجنة بضم الجيم
أي سترة عن النار
كما روى جنة وحصن حصين في النار.
وقيل عن الشهوات والمعاصى لأن يضعفها. (2/245)
صفحة 481
-
246
فكأنه قيل جنة عن الشهوات والمعاصى وحصن حصين من النار
كما قيل فى الرواية الأولى: انها جنة من جميع ذلك.
أو المعنى انه سترة
بحسب
ما يحصل من الثواب المضاعف أو انه امساك عن الشهوات
والنار محفوفة بها فكان سببا للنجاة منها.
وفي رواية انه جنة ما لم يخرقها بالغيبة.
وفى الحديث: للصائم فرحتان فرحة عند افطاره أي بزوال جوعه و عطشه وهو فرح لتمام صومه وتخفيف ربه وعونه على مستقبل صومه
وهو فرح مستحب.
أو بذلك كله
وفرحة عند لقاء ربه.
أي بالثواب
وفى الحديث لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من
المسك
ربح
فاذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل
وان امرء قاتله أو شاتمه فليقل اني صائم.
والخلوف بضم الخاء
وقيل بفتحها وخطاه الخطابي (2/246)
صفحة 482
247
وقيل بهما وليس فى عدم ذكر سيبويه وغيره الخلوف بالفتح في المصادر التي على فعول بالفتح حجة على عدم الفتح.
لأن من حفظ حجة
و معنى كونه أطيب عند الله من ريح المسك انه أطيب عند الله من
زيع
المسك عندكم
أى يقرب اليه أكثر من تقريب المسك اليكم.
ذلك لما جرت العادة بتقريب المسك ونحوه منا.
استعير ذلك من الصوم لتقريبه من الله
الذكر
والا فالله منزه عن استطابة الروائح
أو ان ذلك في حب الملائكة
وانما قيل عند الله لكثرة طاعتهم لله.
و مباشرة أمر الله وثواب العمل أو التقدير عند ملائكة الله
وان الله يجزى به فى الآخرة فتكون نكهته أطيب من
كما يأتى المجروح فى القتال وجرحه يفوح مسكا.
ريح
المسك
وان الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب اليه في الجميع ومجالس
وان رائحة الصيام من بين روائح كل طاعة وعبادة أطيب يوم القيامة من رائحة المسك (2/247)
صفحة 483
-
248
وأقول عن بعض: أن ذلك في الدنيا
الحديث: ان خلوف أفواهم حيث يمسون وذكر يوم القيامة في
بعض الروايات لانه محل ظهور الرجحان.
ويوجد مما مر أن الخلوف أفضل من دم
والرفث الكلام الفاحش
والجهل الصياح والسفه ونحوهما
وفي رواية ولا يجادل
ولا يرفث ذلك مباحا لغير الصائم.
الشهيد
ولكن تأكد منعه بالصوم وانما يقول اني صائم بلسانه ان صام
رمضان
أو قضاء فيخبر بانه في قضاءه ويقوله بقلبه في صوم
ففى الأول ردع الشاتم وكفه وتذكيره نفسه.
وفى الثانى حمل النفس على الصبر
وقيل: بلسانه مطلقا.
وقيل: بقلبه مطلقا
وقيل: كل منهما
و الأحسن أن يقول بنفسه ثم بلسانه.
النفل (2/248)
صفحة 484
249
-
قيل: ولهذا كان فى رواية اني صائم أى صائم مرتين أو ثلاثا وفي الحديث: ان من تقرب في رمضان بخصلة من خصال الخير
كمن أدى فريضة في غيره
لأنه شهر الصبر وثوابه الجنة
وشهر يزداد فيه رزق المؤمن
وشهر أوله رحمة ووسطه مغفرة وآخره عتق من النار
وان من فطر فيه صائما ولو على قليل من لبن ممزوج بالماء أو تمرة أو شربة ماء اعتق من النار وكان له مثل أجره
وان من اشبع صائما فيه سقاه الله من حوض شربة لا يظمأ بعدها
حتى يدخل الجنة
وكان كمن اعتق رقبة
وان من خفف فيه على مملوكه غفر الله له واعتقه من النار.
وقال: فاستكثروا فيه من خصلتين ترضون بهما ربكم شهادة أن لا
اله الا الله والاستغفار.
وخصلتين لا غنى بكم عنهما:
ان تسألوه الجنة
وتتعودوا به من النار.
وان لكل شيء باب وباب العبادة الصوم (2/249)
صفحة 485
-
250
-
وان نوم الصائم عبادة وصمته تسبيح
ودعاءه مستجاب
وعمله مضاعف.
وان لله عز وجل عند طلوع شمس كل يوم وغروبها عتقاء من النار
أي يظهر سعادتهم للملائكة أو يوفقهم لافعال ينجون بها
والسعادة والشقاء لا تتبدلان.
وملك ينادى تحت العرش:
هل من تائب يتاب عليه
وهل من داع يستجاب له
هل من مظلوم ينصره الله
هل من مستغفر يغفر له
هل من سائل يعطى سؤاله بالرفع على الاستيفاف أو باسقاط الالفات
والجزم فى جواب الاستفهام أعنى ألف يعطا للجزم وألف يثاب
ويستجاب للساكن بعد واسكان راء يغفر وينصر.
وعن الحسن ان الله سبحانه وتعالى جعل رمضان محلا للاستباق
بالطاعة ومن سبق جاز
ومن تخلف خاب (2/250)
صفحة 486
والصوم يزيد في الحفظ ويذهب البلغم.
و الصائم اما صائم تحقيقا وهو الذي يصوم ويمنع الجوارح عن
المعادى
واما صائم مفطر وهو الذي يصوم ولا يمنعها.
واما مخطر في حكم الصائم وهو الذى منعها وأفطر وهذا في غير
رمضان
و رمضان الى رمضان
والحج الى حج والعمرة الى العمرة
والجمعة الى جمعة
والصلاة الى الصلاة
والوضوء الى الوضوء.
كل ذلك كفارة لما بينهم لمن اجتنب الكبائر.
وانما ينال ثواب رمضان من حفظ جوارحه وقلبه ومطعمه ومشربه (2/251)
صفحة 487
الفهرس
الصفحة
الموضوع
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الفصل العاشر
الفصل الحادي عشر
الباب الرابع: في الاذان
الفصل الأول
الفصل الثاني
الفصل الثالث (2/252)
صفحة 488
الصفحة
الموضوع
الفصل الرابع
الباب الخامس: في الصلاة
الفصل الأول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الفصل العاشر
الفصل الحادي عشر
الفصل الثاني عشر
الفصل الثالث عشر (2/253)
صفحة 489
الصفحة
: الموضوع
الفصل الرابع عشر
الفصل الخامس عشر
الفصل السادس عشر
الفصل السابع عشر
الفصل الثامن عشر
الفصل التاسع عشر
الفصل العشرون
الفصل الحادي والعشرون
الفصل الثاني والعشرون
الفصل الثالث والعشرون
الفصل الرابع والعشرون
الفصل الخامس والعشرون
الفصل السادس والعشرون
الفصل السابع والعشرون
الفصل الثامن والعشرون
الفصل التاسع والعشرون (2/254)
صفحة 490
الصفحة
الموضوع
الفصل الثلاثون
الفصل الحادي والثلاثون
الفصل الثاني والثلاثون
الفصل الثالث والثلاثون
الفصل الرابع والثلاثون
الفصل الخامس والثلاثون
الفصل السادس والثلاثون
الباب السادس: في الصوم
الفصل الأول (2/255)
صفحة 491
مطابع سجل العرب (2/256)
صفحة 492
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي و الثقافة
كتاب الجامع الصغير
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تصنيف: العلامة محمد بن يوسف أطفيش
الجزء الثالث
1406 هـ -1986 م (3/1)
صفحة 493
[صفحة بيضاء] (3/2)
صفحة 494
بسم الله الرحمن الرحيم (3/3)
صفحة 495
[صفحة لم ترقن] (3/4)
صفحة 496
الفصل الثاني دخول رمضان
يصح دخول رمضان بشيئين:
الأول: الرؤية إذا رأي في النهار قبل الزوال خلف الشمس في
جهة المشرق.
فمن الليلة الماضية فذلك اليوم من رمضان يمسك في باقيه و يقضي
بعد أو بعده.
فمن المقبله ليس من رمضان عند أصحابنا وبعض أصحاب مالك
وبه قال: أبو يوسف.
وقال: مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، إنه إذا رأي في النهار
مطلقا قبل الزوال أو بعده لكن خلف الشمس فمن القبله قبل الزوال
أو بعد.
فمن رأي إلهلال وحده يجب عليه الصوم.
وقيل: لا يصوم برؤيته وحده.
ويرده قوله صلى الله عليه وسلم:
{صوموا لرؤيته}.
ومن رأي هلال شوال وحده أفطر سرا لئلا يتبرأ منه.
وقيل: لا يفطر برؤيته وحده. (3/5)
صفحة 497
ويرد قوله صلى الله عليه وسلم:
{وأفطروا لرؤيته}.
وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وإذا كان الذي رآه وحده أمينا صام الناس برؤيته، ولا يفطرون على حسابها.
ولو رأي هلال شوال أمين آخر على وفقها.
وقال: مالك لا يصام ولا يفطر إلا برؤية عدلين.
وإليه يميل كلام ابن بركة.
وقيل: يصام بالعدل الواحد ويفطر به.
والصحيح أنه يصام بهولا يفطر بهلئلا يدعى من هو في الحقيقة غير موثوق به،
أو قد ظهر عدم الوثوق بهلبعض أنه رآه وهو لم يره فيأخذ بادعائه الجاهل>
أو من كان عنده متولى هذا مراد صاحب القواعد.
فلا يرد عليه.
إن الكلام في الثقة لا غير.
وقيل: إنه في الصوم شهد على نفسه. (3/6)
صفحة 498
وفي الإفطار شهدا لها.
والأمين إذا شهد لنفسه لا تقبل شهادته ولو لم تجز تهمته.
بل يقتصر على عدم قبولها فقط، فلا يرد أن العدل لا يظن بهالكذب ولايتهم.
نعم يرد على مقتضى ذلك أن لا يفطر بأحد صائم؛ لأنه يفطر.
والإفطار منفعة له.
وليس هذا بشيء والتعليل المقبول في عدم الإفطار بواحد.
إن الذمة مشغوله بالصوم فلا يتركه إلا شاهدان عدلأن من حيث التيقين بصدقهما.
فضلا عن أن يبحث فيها بالتهمة وجرّ المنفعة.
بل من حيث العمل بالأحاديث فإن الشهادة لا تفيد يقينا وعلما.
بل توجب عمل فقط مالم تبلغ التواتر.
وقيل: ولو بلغت ولولا أن ذلك من العمل بالحديث لم يصح لنا الصوم بالعدل الواحد.
فإن يوم الشك منهي عن صومه.
وخبر الواحد لا يزيل الشك من قلوبنا.
ولكن لما صح عنه صلى الله عليه وسلم الصوم والأمر بهلخبر الواحد تعين الصوم وبالعدل الواحد. (3/7)
صفحة 499
ولا يصام بأمينة أو أمينتين أو أكثر إلا إن كان أمين معهنَّ.
ويصام بأهل الجمله ثلاث فصاعدا.
ولا يفطر بهم خلاف لبعض.
وإنما يفطر بأمينين أو أمين وأمينتين أو بالشهرة التي لا تدفع.
والمرأتان في أهل الجمله بمنزله رجل منهم.
وادعى بعضهم أن الشهرة تحمل بثلاثة من أهل الجمله بناء على أنها تواتر.
ولا تقبل شهادة أهل الجمله على الصوم إذا شهدوا بها بعد انسلاخ الشهر.
ويجوز ثلاث من أهل الجمله من ثلاثة.
وثلاث عن أمينين.
وأمينان عن ثلاثة.
ولا تقبل شهادة مشرك أو طفل أو عبد أو مجنون ولا من استريب.
ولو كانوا ثلاثة مثل:
أن يدَّعوا رؤيته من بين الناس في ليلة شديدة الغمام.
أو في موضع استتر عن إلهلال.
أو في حبس أو من جر لنفسه منعة أو دفع مضرة. (3/8)
صفحة 500
ولو أمينا مثل من له دين متعلق برؤية إلهلال.
والمرأة التي تعتد بالشهور.
وكذلك شهادة من استريبوا أو جروا أو دفعوا ومن الشهرة أخذ الناس بزينة العيد والبروز إلى مصلاه
الثانى: استكمال ثلاثين يوما لشعبان إذا لم يروا إلهلال.
وقيل: إذا منع من رؤيته مانع اعتبر الحساب النجمي.
قيل: وعلى هذا أن يتبين من قبل ذلك أن إلهلال مرأي.
وقد غم عليكم اعتقد الصوم ويجزيه.
والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم:
{
فان غم عيكم} - أي اكمال ثلاثين يوما عندنا وعند الجمهور
وقيل: التقدير بالسحاب النجمي.
وقال ابن عمران: يصبح صائما؛ فقد كان الصوم في ابتداء الإسلام وفي الزمان الأول من صلاة العشاء إلى غروب الشمس إلى غروب الشمس من الغد.
وإن نام أو نامت بعد الغروب وحل العشاء وخرج وقته ولم يصل
حرم عليه الطعام والشراب والجماع.
فجامع مسلمون نسائهم بعد النوم فاعترفوا وتابوا.
فأنزل الله سبحانه وتعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم}. (3/9)
صفحة 501
فقالوا يا رسول الله ما توبتنا وكيف المخرج؟
فأنزل أرحم الراحمين:
{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي}
هكذا قيل.
والصحيح إنما نزلت لقول إلا عرابي أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد
فنناديه وهو إلا نسب.
والرفث في الآية الجماع وعدى بإلى لأن فيه إفضاء.
فإذا جاء الليل كانت الملامسة.
ومقدمات الجماع من كلام وغيره أولى بالجواز.
وأما {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط إلا بيض من الخيط الأسود} _ الآية
فقيل: نزل بجماع المسلمين بعد النوم لنسائم وتوبتهم.
وهو معطوف على باشروهن.
وقيل: سبب نزوله إن أبا قيس بن صرمة إلا نصارى ظل نهاره كله يجز بالجرير في نخله وهو صائم.
وقال بعد الغروب لامرأته قدمي الطعام. (3/10)
صفحة 502
فأخذت تصنع له سخينا ففرغت وقد نام.
فأيقظته فكره أن يعصي الله بالأكل بعد النوم فلم ينتصف النهار حتى غشى عليه وبان أثر ذلك على وجهه.
فسإله صلى الله عليه وسلم فلما أخبرة فاغتم لذلك.
فأنزل الله سبحانه وتعالى الآية.
والجرير إلا له التي يزجر بها من البئر.
ويقال لها الجرارة فإنها جبل في لحى البعير وهي صفة قديمة.
واللفظ يناسب اللغة.
فالمراد ظل يزجر والجرير.
ولعله كان ليزجر على البعير.
فكان يمسك البعير منه أو فكه أو ربطه بالمخرقة التي يكسح بها
التراب فكان يجرها به.
قيل: وهو بعيد وأخذ عدى بن خاتم خيطا من شعر أبيض وخيطا
من شعر أسود فجعل ينظر فيهما فما تبين له شيء.
فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
فضحك الرسول صلى الله عليه وسلم حتى بدت أي ظهرت نواجذه أي أسنانه إلا ربعة التي في أقصى الإنسان بعد ضرس اللحم الذي ينبت بعد البلوغ. (3/11)
صفحة 503
فقال: {ذلك يا ابن خاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل}.
وعنه صلى الله عليه وسلم:
{إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم أكل أو لم يأكل}. (3/12)
صفحة 504
الفصل الثالث شهر رمضان
رمضان اسم للشهر.
ويجوز ان يضاف إليه شهر فيقال شهر رمضان.
أي شهر يسمى رمضان.
قال الله سبحانه:
{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وذكر الإمام بن مالك أن الشهر إذا ذكر ولم يضف إليه الشهر فلكل جزء من قسط من العمل.
إنه حينئذ بنزله قولك ثلاثين يوما.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:
{من قام رمضان إيمانا واحتسابا}
ولم يقل شهر رمضان.
إذ لو قإله لاحتمل أن يريد جميع إلا شهر.
وان يريد بعضه كما قال تعالى:
{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن}. وإنما إلا نزال في ليلة منه وهي ليلة القدر؛ والأخرى أين خروف أعلام إلا يام كأعلام الشهر.
قيل: وفيه نظر. (3/13)
صفحة 505
وسمي رمضان لرمض الفصال وغيرها فيه من الحر لوقوعه وقت التسمية في الحر الشديد.
والرمضاء: الحجارة المحماة.
ولا يقال: فلا يسمى رمضان إذا لم يقع في الحر إننا نقول لا تزول التسمية بزوال وجهها.
ولا يقال: يلزم أن يسمى كل شيء في وقت الحر رمضان.
اننا نقول: وجه التسمية لا بوجوبها.
وقيل: سمي يرمض الذنوب أي يحرقها ويذهبها.
وقيل: إنه يغسل الذنوب.
والرمض مطر يأتي في الخريف يغسل الأرض.
وقيل: إن رمضان اسم من أسماء الله.
وإن معني شهر رمضان أنه شهر الله.
وإنه صلى الله عيه وسلم قال:
{
لا تقولوا رمضان ولكن أنسبوه كما نسبهالله في القرآن فقال شهر رمضان.
وذلك مردود.
والحديث غير ثابت لصة ثبوت قوله صلى الله عيه وسلم:
{من صام رمضان .... الخ} ونحوه. (3/14)
صفحة 506
الفصل الرابع نية الصوم
لا يصح صوم فرض أو نفل إلا بنية من الليل قبل طلوع الفجر.
وتعيين الصوم أنه صوم رمضان أو صوم نفل عندنا وعند مالك.
وقيل: إن أطلق الصوم أو نوى غير رمضان انقلب إلى رمضان
وأجزاه.
إلا المسافر فانه إذا نوى غيره أجزاه لما نواه.
وبه قال أبو حنيفة وأجاز الشافعي النية لصوم النفل بعد
الفجر.
وأجاز أبو حنيفة النية للصوم الواجب المتعين الوقت كرمضان والنذر لأيام معدودة.
وقال عطاء ومجاهد لا يحتاج رمضان إلى نية.
وقال إن كان مريد صيامه مريضا أو مسافرا تجزى نية واحدة.
وفي أوله عندنا على أنه فريضة واحده.
ويستحب تجديدها كل ليلة تذكيرا لقلب وإبعادا لميله إلى جانب
العادة.
وخروجا من الخلاف فإنه قد قيل: بوجود التحديد بناء على أن كل
يوم فرض على حدة.
والصحيح الأول. (3/15)
صفحة 507
فإذا نوى أول ليلة أجزأه. ولو ذهل ما لم يقطع نيته.
وإن لم يعقد النية حتى أصبح أو صام الشهر كله على غير نية فعليه القضاء فقط على المشهور.
وإن كان ذلك البعض ملزما للكفارة في التضييع.
هذا هو التحقيق. وما قيل: إن النية مختلف في وجوبها.
وما اختلف فيه يجب أن يلحق بالشبه إذ لا للحاق تارك النية بمن اشتبهعليه لأنه تركها على عمد
غير أنه أخذ بقول مجيز تركها إلا إن جاءه اشتباه من حيث الواجب وعدمه.
وكان يرى من كلام بعض الناس ما يفهم من عدمه.
ويقول غدا إن شاء الله أصبح صائما الفريضة من شهر رمضان لله عز وجل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وإلى الليل ويلزم من أسلم في رمضان أو بلغ قضاء ما مضى على القول بأنه فريضة واحدة لا على بأن كل يوم فريضة.
ومقتضى كونه فريضة واحدة أن يلزم المضيع والشبهي قضاءه كله.
والموجود في كتبنا أنه لزم المضيع قضاء ما مضى. والشبهي ما أفسده. (3/16)
صفحة 508
الفصل الخامس صوم يوم الشك
لا يجوز صوم يوم الشك وصومه معصية.
وهو قول أكثر أصحابنا وأكثر العلماء.
قال في القواعد وهو قول أبي عبيدة والعأمة من فقهائنا.
وأراد بالعأمة الأكثر والسائر فهو مقإبل للخاصة.
كما يراد بهالكل وفيه مبحث في النحو.
وقيل: يكره صومه. وقيل: بالتخير في صومه وإفطاره.
وقيل: صومه أحوط. والصحيح الأول لصحة النهي عنه عن رسول ألله عليه وسلم.
ويستحب الإمساك عما يفسد الصوم إلى الضحى.
فإن صح أنه من رمضان أتم صومه.
وأعيد لأنه لم يصح بنية في الليل أنه من رمضان جزما.
وقيل: إن جاء الخبر قبل الغروب كفي صائمه.
والأكثر على أنه لا يقضي إن صح الخبر بعد انقضاء الشهر.
ومذهب أبي حنيفة أنه يكفي صومه مطلقا إن صح أنه في رمضان. (3/17)
صفحة 509
فإن من صام يوما ينويه تطوعا ثم علم أنه من رمضان يجزيه عن يومه في رمضان عندي وكذا صاحباه.
وصوم العيدين معصية لأنه مما شرع فيهما الأكل.
ولا سيما الأكل من الضحية في عيدها ولو لقضاء أو نذر أو كفارة أو تمتع.
وحرم الوصال علينا وحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو الترك في ليالي الصوم لما يفطر بالنهار بالقصد.
فيخرج من ترك الغد الصوم في الليل. ودخل من ترك لقصد ذلك في جميع الليل من اليوم الآتي أو مع اليوم الماضي أو في بعض الليل مزاوله أو مع أيام الماضي أو من آخرة من الداني.
وظاهر نهيه صلى الله عليه وسلم عن الوصال وتخصيص نفسه به.
إن المنهي عن صوم الليل كله مع النهار لأنه هو الذي فعله صلى الله عليه وسلم
وهو الذي يتعاطى الناس فعله تبعا له فنهاهم. ولكن لفظ الوصال شامل للصوم كل الليل وبعضه.
والعبرة بعموم اللفظ. وإن سلمنا أن صوم بعضه غير محرم فلا يخفي أنه غير حسن
لأنه فيه استظهار على الشارع. والنهي عن الوصال رحمة لهم وبقاء عليهم. (3/18)
صفحة 510
الفصل السادس عذر الافطار
يعذر في الإفطارأربعة أصناف: الأول: عليهم القضاء والكفارة وهم:
الحامل الخائفة من الإسقاط أو من ضر يلحقها.
والمرضع الخائفة على ولدها من قله اللبن.
أو عليه وعلى نفسها. فإنهما يأكلأن ويطعمان لكل يوم مسكينا.
ولا إطعام ليوم لم تأكلاه. فإذا أمنتا ذلك قضيتا ما أكلتا.
وذلك هو المشهور وقيل: لا إطعام عليها وعليهما القضاء.
وهو الصحيح عندي. وبه قال أبو حنيفة وقال مالك لحمل تقضى ولا تطعم.
والمرضع تقضى وتطعم. ولو قيل: إن خافتا على أنفسها لم يلزم الإطعام.
أو على غيرهما لزمهما لجاز. كما إن المريض لا يلزمه الإطعام يوم إفطار لخوفه على نفسه. (3/19)
صفحة 511
والمريض والمسافر والحامل والمرضع وغيرهم ممن عليهم القضاء ولو لحيض أم نفاس إذا ضيعوا القضاء حتى دخل رمضان الآخر فإنهم يصومون الحاضر ويطعمون لكل يوم لزمهم قضاءه.
والإطعام على من لم يضيع: مثل أن يدوم المرض والسفر أو الخوف على النفس أو الولد.
مثل: أن ينسى ما عليه من قضاء قبل دخول الوقت الذي يسوغ له فيه القضاء ويدوم نسيانه إلى رمضان الآخر خلافا لبعض.
وإذا انسلخ الحاضر صاموا الأيام التي اطعموا عنها.
وأن لم يصوموا حتى أدركهم الموت فليس عليهم الوصية بالصوم لأنهم قد أطعموا.
هذا هو المشهور. والصحيح أن عليهم الوصية به ولو أطعموا إذا قدروا القضاء ولم يقضوا.
ومعني كون الإطعام في تلك المسائل كلها كفارة أنه جبره لنقصان يلحق الصائم وهو إفطاره في وقت الصوم.
أو صومه فرضا وعليه فرض من نوعة. فلا يرد علينا ما أورده من قال ليس بكفارة بلا احتىط لأن يدركه الموت قبل القضاء من أنه لا يطعم في يوم وليلة أكثر من مسكين. وأنه لو لم يطعم حتى انقضى يوم الإفطار وليلة بعده أو رمضان
الآخر جاهلا أو ناسيا. (3/20)
صفحة 512
فلا إطعام عليه بل الصوم.
ولو كان كفارة لكان في ذمته.
والإطعام في تلك المسائل أن يطعم مسكينا غداء وعشاء أو فطورا أو سحورا.
وإنما يطعم من يصبح مفطرا في النهار الذي أفطرة فيه أو في ليلة بعد لا في ليلة يوم إفطاره لأنه فيها لم يصدق عليه أنه أفطر في رمضان. وقيل: يجزي فيها. والحمل تطعم من مالها.
والمرضع من مال أبي الولد. الثاني: من عليه القضاء دون الكفارة.
وهو المريض والمسافر والحامل والحائض والنفساء وغيرهم إذا لم يضيعوا كما علمت.
الثلث: من عليه الكفارة دون القضاء: وهو الشيخ إلهرم والعجوز اللذان لا يقدران على الصوم.
والمريض الذي لا يرجى برءه ولا يقدر على الصوم لقوله تعالى:
(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين).
أي على الذين لا يطيقونه لكبر أو مرض ولا يرجى برءه فدية لا إطعام وحده دون القضاء. (3/21)
صفحة 513
وقل: الآية تتناول الكبير وأما المريض فمقيس عليه.
وأجاز جابر بن زيد رحمة الله الصوم عن الكبير.
ويذكر أن المراد في الآية من لا يطيق الصوم ولا يرجى أن يطيقه بعد أن ذكر الإطعام وحدة دون القضاء.
وكون الآية محكمة مفسرة بما ذكر هو مذهب أصحابنا.
والتحقيق أنها منسوخة.
وإنما فيمن أطاق الصوم وأفطرزإذ لا دليل على النافية المقدرة بخلاف يبن الله لكم أن تضلوا أي لئلا تضلوا.
فان فيه قرينة واضحة. بل اختار بعض أن تقدر كراهة أن تضلوا.
والأصل عدم التقدير مما أمكن ولا سيما أن لا ليست في جواب قسم.
ولعل هذا مذهب جابر. ذلك إذا أجاز الصوم عن الكبير.
إذ لو معني الآية ما ذكر أصحابنا لم يجاوز الإطعام فظهر أنه لم يفسر الآية بذالك.
وإجازتة الصوم من خارج لأمر الآية. (3/22)
صفحة 514
والتحقيق أيضا أنه إطعام على الكبير والمريض اللذين لا يرجى أن يطيقا الصوم.
ولا وصية. الرابع: من لا قضاء ولا كفارة: وهو الذي جن قبل دخول رمضان ولم يفق إلا بعده.
والمريض المتمادي في مرضه حتى مات. قال أصحابنا والجمهور: وكذا المتمادي في سفره حتى مات فلا تلزمهم وصية بهم.
والحق عندي أن المسافر تلزمه الوصية به. أنه لو شاء لكان في وطنه.
ولو شاء لصام. خلاف المريض أو الكبير فأنه لا يقوى على الصوم وعلى الصحة. (3/23)
صفحة 515
الفصل السابع. افساد الصوم
يفسد الصوم بثمانية أشياء: الأول: كل جسم وصل الجوف عمدا من فم أو أنف أو عين أو أذن أو جرح أو فرج أو دبر ولو غير مأكول أو مشروب.
وقال أبو حنيفة: لأنقض بما لا يؤكل ولا يشرب كالتراب والحديد والنحاس والفضة.
وذكر بعض أصحابنا أن أمسك فضة أو نحاسا أو حديد في فيه ينقض صومه.
وليس عندي بشيء. وإنما ينقض إن أمسك ذلك في فيه حتى خرج منه شيء وبلعه.
ولعل هذا مراد البعض. وقوله أبو حنيفة قيل: خطأ محض.
إن الصوم معناه الإمساك ومن أكل ما لا يؤكل أو يشرب ما لا يشرب غير ممسك.
ولعه احتج بأن الله سبحانه جعل تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود حد والأكل والشرب اللذين يقتات بهما
لأنه أمر بالأكل والشرب. (3/24)
صفحة 516
ولا يأمر بأكل ما لا يؤكل أو يشرب ما لا يشرب. فمن بلغ ما لا يؤكل أو ما ليس يشرب ليس بأكل ولا شارب الأكل ولا الشرب المذكور. ولست بقائل بقول أبو حنيفة لكنى بحثت.
وقيل: إن الأذن لا توصل إلى الجوف. والعين توصل إلى الجوف من الفم. ويجوز الاكتحال.
ولكن يحذر ما ينزل من ما يكتحل به إلى الفم فيبلع. إذ كرهه بعض وهو المختار.
وزعم بعض أنه يجوز الاكتحال بما ليس فيه الأدوية المأكولة دون ما هي فيه.
هذا الفرق إنما يتم علي مذهب من لا ينقض الصوم بغير المأكول والمشروب.
واختلف في الاحتقان في القبل.
الثانى: غيوبة الحشفة وقدرها عن مقطوعا في قبل أو دبر من أنثى أو من ذكر أو خنثى من بنى آدم أو البهائم.
وان لم تغب فان كان في زوجته أو سرته لم ينقض الصوم. (3/25)
صفحة 517
ذلك خلافا لبعضهم وإلا نقض عندنا ولو في صدر أو بطن من حيث أن كبيرة.
الثالث: خروج المني مطلقا. ويلزم لعمده الكفر والكفارة. الرابع: تضيع الغسل من جنابة أو حيض أو نفاس في الليل حتى يصبح من جنابة النهار قدر ما يغتسل. وان أصابته الجنابة ليلا فنام علي أن يقوم ولم ينتبه حتى طلع الفجر؟ أبدل ما مضى.
وقيل: يومه إذا لم يتعمد حرمة الشهر. ومن طهر من حيض أو نفاس وقدم من سفر أكل خارج أميإله في يومه؟
قال بعض: وداخلها قبل دخول منزله لأنه مسافر ما لم يدخله جاز لهم الأكل والجماع وغيرهما مما يجوز لغير الصائم في بقية نهارهم. لكن لا يجامع زوجته إلا إن وجدها قد طهرت في اليوم.
أو كانت غير بالغة. ويسحب لهم الإمساك إعظاما لرمضان. (3/26)
صفحة 518
ومن أكل من منزله ولم يأكل خارجا انهدم صومه ولزمته مغلظة. ويكره الكلام لمن أصابته الجنابة في رمضان قبل الغسل. الخامس: إلا الارتداد إلى الشرك بالاعتقاد أو بالفعل معه. أو بالقول معه.
السابع: فعل الكبيرة قياسا على الغيبة والنميمة. والكذب عمدا.
واليمين الفاجرة. والنظر الحرام الوارد. ورد النقض بهن عنه صلى الله عليه وسلم.
وزعم أنه نقض بالكذب. وقيل: مفسد للصوم إلا إن كذب على الله أو على رسوله أوضاع المال به أو إهراق الدم وما تقدم مذهب جمهور أصحابنا.
وقال بعض لا نقض إلا بما ورد فيه النص وهو الغيبة وما بعدها.
وليس الذي ورد فيه النص النميمة والكذب فقط كما قيل. أو الغيبة والنميمة كما قيل:. (3/27)
صفحة 519
وظاهر إطلاقهم أن النقض يكون بالكبيرة الفعلية. التركية كترك الصلاة وهو الواضح إذ لا فرق.
وتمثيلهم بالفعلية لا يكون قيدا لأن الأصل في المثال أن لا يكون قيدا. وكذا التعبير بالفعل لأنهم يطلقونه أيضا على الترك. يقولون مثلا: من ترك الصلاة فقد فعل كبيرة. نعم بعضهم لا ينقض الصوم بالكبيرة الفعلية ولا التركية إلا ما ورد فيه النص كما علمت. واستظهر المحشي جازاه على الإسلام الجنة أنه لا نقض بالتركية.
وقال: وإلا لزم فساد صوم جميع الفساد التاركين للصلاة. ولم نسمع ذلك.
والنقض بالكبيرة لليوم لأنها كالشبه لا ختلافهم فيها. وما اختلف فيها إلا وفيها شبه من جانب النقض بالكبائر الواردة النص فيها من جانب عدمه. هكذا قيل. (3/28)
صفحة 520
فعلى هذا فالنقض بالكبائر الواردة النص فيها يكون لما مضي فانظر فيه. وبتضييع الغسل يكون لليوم فقط كما هو القول. والمعمول به النقض لما مضي بتضييع الغسل. ولو استدل بعض على عدم النقض بعدم الغسل.
ذلك بقول تعالى: (فالأن باشروهن) إلى قوله تعالى: (حتى يتبين لكم).إذا لم يذكر فيه تحريم الجماع إذا بقي من الليل قدر ما يلحق فيه الاغتسال. لكن الحق أن هذا مراد في الآية.
ولو لم يصرح به لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من أصبح جنبا أصبح مفطرا)).
ذلك الدال على انتقاض اليوم فقط. الثامن: من تقيأ عمدا فأنه عندنا ينقض اليوم ومن درعه القي فلا نقض عليه.
ولا نقض بالقبلة على الوجه الصحيح. لكنها مكروهة. (3/29)
صفحة 521
وقيل: تكرة للشابوقيل: القبله ناقضة وهو شاذ وينتقض ببلع ماطلع في الصدر منعقد مع القدرة على رميه خارجا لا بما ينزل في الرأسانه لا يقدر علىمنعه كل المنع وقالوا بعكس هذا في الصلاة لأن بلغ النازل فيها كالكلوالأكل فيها ناقض ولو بلا عمد الا ضرورة بلع الدم حيث لا يقدر على ردهوقيل: بالنقض بهما للصلاة والصوموقيل: بعدم النقض فيهماوتكرة الحجأمة خشية الضعف للصائم مطقا عندنا
وقيل: تكره آخر النهار وقيل: ناقضة لقوله صلى الله عليه وسلم في حاجم ومحتجم مرّ عليهما
{أفطر إلا جم والمحتجم} وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعليتهوأجيب بأنه قال بإفطارهما لاغتيابهما مسلما
وكان سعيد بن جير يحتجم ويقول صام الحاجم والمحتجم (3/30)
صفحة 522
ويكره السوال مطقا لازالته الفضلات بقاؤها وقيل: آخر النهار لقطعه الخلوف المستحب الإفطار عليه
وقيل: يكره اليابس أوله والرطب آخرهوالرطوبه تحصل بقرب العهد بقطعه من شجرته أو بدق طرفه وجعله في الماء كما هو مستعملولايكره: تقليم إلا ظافرولا يكره نزع الشعر ذلك خلاف لصاحب الوضع
من بلغ الماء عند المضمضة والاستزشاق بلا عمد للصلاة الفريضة قبل دخول الوقت فلا نقض
أو بعد الوقت أو للنافلة وذاكرا لصومه أو ذاهلا عنه ثم ينقض صومه وكذا ان جعل الماء في فمه أو أنفه لغسل جنابة أو نجس أو لحيض أو نفاس لأن ذلك مأمور بهأمر اجابأو أمر ندب والبلغ على غير وقيل: باتنقاض اليوم كما لو جعله في فيه أو أنفه لأمو دنيوى وقيل: ينتقض ان كان انما جعله للنافلة أو للفرض قبل وقتة (3/31)
صفحة 523
وقيل: لا ينتقض إن كان للفرض ولو قبل وقته. ومن مضغ للطفل أو عالج طعامه فذاقة بلسانه فنزل شيء
لجوفه بلا عمد انتقض يومه. وقيل: لا. وذلك الموضع جائز عند الحسن البصري وإبراهيم النخعي.
وعند أصحابنا بالأولى لجواز ذلك الذوق عندهم.
ومن أكل وشرب ناسيا فلا نقض عليه. ومن جامع ناسيا أعاد يومه على الصحيح.
وقيل: لا نقض عليه. ذلك قياسا على الآكل والشارب ناسيا ومن أكره على أن يأكل أو
يشرب بالقتل أو المثلة أو بإتلاف ما يؤدي إلى إتلاف نفسه أكل وشرب
وأعاد يومه.
وهذا بناء على جواز التقية بالفعل المذكور للصائم.
وقيل: لا يفعل ولو يموت. وهذان قولأن وجدتهما نص في بعض الكتب.
ومن إبلع طعاما أو شرابا قهرا بلا مناولته فلا نقض عليه.
ومن أكره على الجماع لزوجته أو سريته فلا يفعل. (3/32)
صفحة 524
وإن فعل انتقض ما مضى. وقيل: يومه. وقد يقال: كما يتقي بالأكل يتقي بالجماع.
ومن أكره على زنا فلا يفعل ولو يموت. وإن فعل لزمته الكفارة للزنا والكفارة للصوم وقضاء ما مضى
وكفر. ولا نقض على من ألقي على امرأة أو ألقيت عليه وأدخل ذكره بلا مناوله منه.
أو قهرها أو قهرته وكان الإدخال بلا مناولة. ويجب الإمساك بقية اليوم على من أسلم فيه أو بلغ أو أفاق أو بان
له أن اليوم أول رمضان ويعيدونه. إلا إن كان المجنون قد نوى بنية الصوم من الليل أو أول يوم رمضان
وجن بعد فلا إعادة عليه. ذلك إن لم يفعل ما يفطره. و لا يقضي الصلاة من جن قبل دخول وقتها إلى خروجه.
ولا يقضي من اسلم أو بلغ ما أمضى. وقال: كل يوم فريضة على حده.
(م 3 – الجامع الصغير جـ 3) (3/33)
صفحة 525
ويقضيانه على القول بأن رمضان فريضة واحدة. إلا أن كان الإسلام جبا لما قبله أن لا قضاء على من اسلم.
وقد يقال إنه لما كان المشرك مخاطبا بفروع الشريعة على الصحيح. ومن أدرك بعد فريضة كأنه أدركها كلها وجب عليه القضاء. وقيل: يجب القضاء عليه دون من بلغ ومن أغمي عليه حتى مضت
عليه صلاة قضاها إن أغمي عليه بعد دخول وقتها. وقولأن قبله. وان أغمي عليه قبل رمضان إلى أن أخرج فلا قضاء عليه لأنه كالمجنون. وقيل: إنه يقضي وإنه صحيح الفعل كالنائم وآفته في جسمه.
وإن أغمي عليه بعد دخول رمضان فأصبح في اليوم الأول بلا نية من الليل فالقولأن فيما صام من قليل أو كثير.
والمختار القضاء عليه إن أفاق قبل التمام لأنه فريضة واحدة على الصحيح.
هذا تحقيق المقام وعليك السلام. ومشهور الشافعية أن المغمى عليه يعيد الصوم دون الصلاة. (3/34)
صفحة 526
وقال بعض العلماء يعيد الصلاة دون الصوم. والنائم يقضي الصلاة بل يؤديها لأن وقتها وقت انتباهه.
وإن نام بعد دخول الوقت لم ينتبه حتى خرج؟ فقيل: كفر ولزمته مغلظة.
وقيل: يقضيها فقط إن نام على نية القيام. ويقضي النائم الصوم إذا أصبح بلا نية نائما.
إلا إن نوى في الليلة الأولى لرمضان كله ولم يصبح على جنابة. وقيل: لا قضاء على النائم.
وهذا إطلاق منظور فيه. ومن أفسد رمضان بما حل في غيره متعمدا ألزمه قضاء رمضان أو
ما مضى أو يومه. وهو ضعيف من الأقوال. وعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا تخيير عندنا والكفر وإلهلاك وهو الوقوع في أمر يعسر التخلص منه مع كونه كفر. فهو أخص من الكفر. (3/35)
صفحة 527
هذا هو المراد هنا وفي غبره. ووجهه أن لفظ إلهلاك دال على الفوت كالموت وفساد العضو.
وقال في السؤالات بترادفهما. ومن أفسدهما بالتضييع كترك الغسل من الجنابة والنظر إلى الصبح أو الغروب لزمه قضاء ما مضى على الراجح عندهم. وقيل: قضاء يومه. ومقتضى كونه فريضة واحدة أن يقضيه كله. ولا تلزمه الكفارة على الراجح عندهم. وقيل: تلزمه. ومن أفسد بالشبهة مثل أن يأكل ظانا أنه في الليل وتبين أنه أكل بعد الصباح لزمه إعادة يومه.
وقيل: ما مضى إلا إن نظر وقيل: له إنك في الليل فتبين خلافه فيومه فقط.
وكذا ما اختلف فيه العلماء هل هو مفطر أم لا تأمل. (3/36)
صفحة 528
الفصل الثامن للمسافر الصوم ام الافطار
خير المسافرين الصوم والافطار. وسواء عندنا وعند جمهور العلماء.
والظاهر إن كان مقيما في بلده وهو غير متخذ لها وطنا فالصوم أفضل.
وقال بعضهم: إفطار المسافر أفضل. وأوجبته الظاهرية. وعن ابن عمر وابن جبير كراهته.
وزعموا عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إن الصائم في السفر كالمفطر في الحضر.
وقال مالك وأبو حنيفة وأبو القاسم البرادي: إن الصوم أفضل. ولا دليل لهم أن الصوم السفر أصل وإفطاره رخصة. لأن رخصة الله قد يكون مندوبا إليها كما تكون واجبة.
ولأن الله جلا وعلا يحب الأخذ برخصه. كما يجب الأخذ بعزائمه. (3/37)
صفحة 529
وأما في قوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} لأنها في التحيير في الصوم والإطعام وقد نسخ ووجب الصوم. ونزل ذلك في الشيخ والشيخة على ما مر.
ولا دليل على كون الإفطار أفضل. وقوله صلى الله عليه سلم لمن قال إن أجد بي قوة على الصوم في السفر فهل على من جناح؟ هي رخصة من الله فمن اتخذها فحسن.
ومن صام فلا جناحا عليه. لأنه إنما يقي الحرج مقإبلة السؤال عن ثبوته فافهم.
فلا يقال إن التعبير يحسن في جانب الإفطار وينفي الحرج فقط في جانب الصوم دليل على أن الإفطار أفضل كما قد يتوهم.
وقوله هو عائد إلى الإفطار. وأنثه لتأنيث الخبر ومراعاة الخبر في التأنيث والتذكير.
والغالب فيما قيل: وهو الراجح عند أبي الحاجب. الراجح عندي مراعاة مرجع الضمير. وقيل: الأفضل أيسرهما. (3/38)
صفحة 530
ذلك لقوله عز وجل:
{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. ويستحب قول لمن دخل رمضان وهو مقيم أن لا يسافر. وأن يصوم إن سافر.
وعدم السفر أولى لأنه يتمكن به من العبادة أكثر مما يتمكن منها فيالسفر.
وقيل: بوجوب الصوم عليه أقام أو سافر لقوله تعالى:
{فمن شهد منكم الشهر فليصمه وأجاب الجمهور بأن المراد شهادة الحضورفإذا سافر بعد جاز له الإفطار وكان غير حاضر.
ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم إن شاء السفر رمضان والفتح وأفطر حتى بلغ الكديد.
وعن عائشة رضي الله عنها لو أدركني رمضان ببعض الطريق لأقمت له حتى ينقضي.
وهذا يدل على أن الصوم أولى من الإفطار.
وقد يقال: قالت هذا لما يفوت المسافر من العبادة لو صام.
الفصل التاسع افطار المسافر (3/39)
صفحة 531
ولا يفطر المسافر إلا إذا جاوز فرسخين. وقيل: حتى يجاوزهما وكان ناويا للسفر البعيد وهو ثلاثة أيام.
وقيل: الخروج من الحوزة والفرسخين بعد الخروج منها. وقال لا يفطر إلا إذا جاوز ثلاثة أيام وخرج من الحوزة الفرسخين بعدها. قيل: من أفطر بعد الفرسخين. وقيل: خروج الحوزة تنهي ولم يبرأ منه إلا إن أراد نائيا.
ولا دليل لمن اشترط للإفطار مجاوزة ثلاثة أيام. والتعليل بعدم وجود المشقة فيما دونها لا يظهر لاختلاف الأزمنه وأحوال المسافرين:
ما فيه من المشقة وما لا مشقة فيه كالصيف والشتاء. والمشي والركوب. ومن بينه وبين زرعه فرسخان جاز له الإفطار إذا وصله. ويستحب أن لا يفطر. وإن لم يكونوا ضعافا. (3/40)
صفحة 532
ولا يفطر المسافر إلا بنية الإفطار من الليل. ومع خروج الفرسخين قبل طلوع الفجر وإبان من منزله ناء فأفطر وقصر قبل الفرسخين. أي بعد نية الإفطار من الليل. ولا يفطر المريض إلا بنية من الليل مع خوف زيادة المرض بالصوم. وإن اضطر المسافر أو المريض للأكل أو الشرب نهارا بلا نية من الليل انهدم ما صام.
وقيل: للسافر إن يفطر بلا نية من الليل. وهو واضح وأرفق.
ويدل له إفطار الصحابة بعد إفطار النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغ الكديد. وهو بفتح الكاف وهو ماء بين قديد وعسفان ولم ينووا الإفطار من الليل. وقد جعل الله للمسافر أن يفطر الأول عندهم أصح.
ووجهه أنه في الإفطار بلا نية إبطالا للعمل وبعد الشروع فيه. وإن اضطر المقيم للأكل ولشرب أكل وشرب بقدر ما يحيى نفسه. وان زاد انهدم صومه ولزمته مغلظة. (3/41)
صفحة 533
ولا تلزم مسافر إن زاد بل يعيد يومه أو ما مضى الخلف. وكل صوم أعقبه إفطار في سفر بلا ضرورة منهدم.
وقيل: لا إلا إن تقدمه إفطار أيضا فيه. وقيل: لا مطلقا. وأقوال في المذهب كغيره.
ووجه غير الأخير أن له أن يفطر أو يصوم. فمن اختار الصوم كان عليه إتمامه. فإن أفطر بعده كان لعقده فبطل.
وقيل: المضطر في ذلك كغيره. وإن سافر على الإفطار أو دخل عليه رمضان في السفر وأفطر وصام
حتى أتمه فلا هدم عليه كما لا يخفى.
الفصل العاشر تعجيل القضاء (3/42)
صفحة 534
يستحب تعجيل القضاء. وقال أبو نوح إن أفسده عمدا بالأكل وبتضييع الغسل ولم يقض
من غد يوم الفطر انهدم ما صام. وذكر في الديوان ذلك عن أبي نوح. ولم يقيده بالعمد ولم يمز قضاءه من قضاء. وقال الشيخ يحي: إن قول أبو نوح غير مأخوذ به. ويجب التتابع في القضاء لأيام الشهر.
ويجور فصل أيام الشهر عن أيام أخر. إن لم بتابع انهدم قضاؤه. إلا إن فصل عيد أو حيض أو نفاس أو رمضان فلا انهدام مطلقا. وقيل: إنه لم يكن التضييع قبل ذلك. وإن أفطر في القضاء بسفر فسده قضاؤه لأن رخصة الإفطار لسفر مختصة برمضان. وإن أفطر لعذر لم يفسد قضاؤه وإنه معذور. وقال بعضهم: القضاء كرمضان كلما يعذر فيه في رمضان يعذر فيه في القضاء. (3/43)
صفحة 535
إلا السفر فإنه إن أفطر له انهدم قضاؤه. واختار بعض فساده إن أفطر بعذر. وإنه لا يصيب في القضاء ما يصيب في رمضان. وقيل: يصيب فيه ما يصيب في رمضان ولو في الإفطار لسفر وهو ضعيف. إن إحداث السفر صادر على العمد. ومن أفسد القضاء لغير عذر أعاده ولا كفارة. وقد يقال يعيد يومه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ناول أم هاني إناء من لبن فشربت فقالت يا رسول الله كنت صائمة ولكن كرهت أن أرد شورك.
فقال صلى الله عليه وسلم:
{إن كان من قضاء رمضان فأقضي يوما مكانه وإن كان من غيرهفإن شئت فاقضي وإن شئت فلا تقضيه}.
وهو قول كذلك إلا الحج فلابد من إعادته إذا كان نفلا يمكن إدراكه وإلا فمن قإبل. وقد يقال لا دليل في الحديث لأنه يمكن أن لا يكون عليها إلا يوم واحد. (3/44)
صفحة 536
ويجاب بأنه لم يستفسرها ظهر عموم إعادة اليوم فقط. وفيه دليل على أنه لا يجب قضاء نفل أفسد بعد الدخول فيه. وقد يخص بما إذا كان الإفطار لأمر أخروي كتركها بشور رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ضيع القضاء حتى احتضر أوصى بصومه. وقيل: لا يلزمه الإيصاء بقدر ما ضيع.
أي مقدار ما يصومه فيه. وقيل: يلزمه الإيصاء بقدر ما ضيع مثل أن يفطر في سفر عشرة أيام
ودخل منزله فأقام خمسة أيام مفطرا. أو هو قادر على الصوم ومرض في السادس ولم يقدر عليه.
فليوص بخمسة فقط على القول الأخير وهو الصحيح. وإذا أوصى بالصوم صام الورثة على قدر الإرث.
ولا يجزي صوم غيرهم. وأجيز صوم وارث الوارث. وأجيز الأجنبي. ولا تجزئ باليوم. (3/45)
صفحة 537
وإن صام عنه واحدا أجزئ. وإنما يصومون أو يصومه الواحد متتابعا.
ولهم الإطعام بدل الصوم. وهو إطعام مسكين ليوم. لا يطعم في يوم مسكينان أو أكثر.
ولا يصم بعض ويطعم بعض. وان أوصى بالطعام أطعموا ولا يصوموا. قيل: يطعمون ولا يصومون ولو أوصى بالصوم كما لا يصلى أحدعن أحد ويتوضىء عنه. والصحيح الأول لأنه صلى الله عليه وسلم أمر امرأة أن تصوم عن أختها وقد ماتت وعليها الصوم. ولقوله صلى الله عليه وسلم:
{أدوا عنهم - أي عن الموتى - الصوم والنذر}.
ويستحب تقديم النساء في الصوم إذا كان أسلم من الحيض والنفاس. وإن كان الأسلم التوسيط أو التأخير وسطن أو أخرن. (3/46)
صفحة 538
وعلى كل حال إذا حاضت أو نفست في النهار أصبح غيرها من الغد صائما. إلا إن تأخرت فحاضت أو نفست قبل إتمام صومها. فأنها إذا طهرت بنت على ما صامت. وإن انقطع صومهن أو فسد بفعل واحدة منهن انهدم كله وضمنه الذي فعل ذلك. وإن أفطر لضرورة جوع أو عطش أو إكراه؟ فعلى القول بأن ذلك لا يهدم القضاء.
فلا إشكال ويعيد الصوم على القول بأنه هادم له.
فلا يضمنه لأن ذلك مصيبة نزلت بالجميع تاما لأن فعل ناقضا نسيانا.
فعلى القول بانتقاض يومه ضمن ما صام وما صام من قبله لأن لخطأ لا يزيل الضمان. (3/47)
صفحة 539
الفصل الحادي عشر استحباب تعجيل الافطار
يستحب تعجيل الإفطار عقب تحقق الغروب. ذلك بأن تذهب الحمرة من المشرق. ويستحب تأخير السحور بقدر ما يتسحر قبل طوع الفجر بلا شبهة أو أكثر من ذلك القدر. وهكذا يحتاط عما يفسد الصوم. والفجر الذي يحرم به الأكل والشرب هو المستطير الأبيض. ويكفي في الغروب والطلوع أمينان أو أمين. ورخص في كل يصدق من الموحدين. وحكمة تعجيل الفطور تقوية الصائم والرفق به. وأن لا يزاد في النهار من الليل.
ومخالفة أهل الكتاب لأنهم مؤخرون إلى ظهور النجم. ولا يكره تأخيره إلا لمن رأي الفضل في تأخيره إذ لم يلزم أن يكون نقيض المستحب مكروها. ومن أفطر وهو يرى أن الشمس قد غابت فتبين أنها لم تغب قضى يوما. (3/48)
صفحة 540
وزعم بعض أنه لا قضاء عليه. وبعض أنه انهدم ماضيه. وحكمة تأخير السحور إعانة الصائم.
والكل منفصل عن الطلوع. وزعم بعض أنه متصل به لقوله صلى الله عليه وسلم:
{فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم}.فإنه رجل أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت.
والحد المحرم للأكل طوع الفجر عنه بعض. وتبينه للناظر عند الجمهور.
ولقولعزوجل: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض} الآية.
فعلى الأول: من أكل على أنه لم يطلع ويتبن أنه أكل بعد الطلوع قضى يوما وهو أحوط. وعلى الثاني: لا قضاء عليه. ونسب بعضهم الأول للجمهور وعليه يجب الإمساك قبل التبيين
للناظر هكذا قيل. ل هذا قول ثالث ضعيف. (3/49)
صفحة 541
والحق أن حرمة الأكل في ذاتها تتحصل بطلوع الفجر. وتعلقها بمريد الصوم يتحمل بتبينه.
فإن لم ينكشف الغيب أنه أكل بعده فلا شيء عليه وله الثواب. وإن انكشف قضي يومه.
ومن لا يعرفه الليل فلا يأكل حتى يسأل من يثق به. وكذا المنتبه في ليلة غائمة.
وإن أكل بلا سؤال فتبين أنه أكل بعد الطوع قضى ما مضى. وقيل: بأن يومه وكذا من لا يعرف الليل.
ومن يتسحر لتحرك جيرانه للسحور فتحركوا يوما للوضوء فأكل بتحركهم بعد الطلوع. ووجه قضاء اليوم فقط إن لم يتعمد وأهتك حرمة الشهر.
الفصل الثاني عشر تتبع الايام الفاصلة (3/50)
صفحة 542
ينبغي أن تتبع الأيام الفاصلة فيصام فيها. ويكثر فيها عمل الخير لمضاعفة الأجر:
كيوم إلا ثنين ويوم الخميس والعشرة الأوائل من المحرم وغير ذلك. وان يستكثروا من النفل مطلقا وكان من المحرم وغير ذلك. وكان داود عليه السلام يصوم يوما ويفطر وهو خير من صام الدهر وأقوى في قهر النفس.
إن العبد فيه بين صبر يوم وشكر يوم.
وعنه صلى الله عليه وسلم:
{إن أفضل الصيام صيام أخي داود عليه السلام}. وكان سليمان عليه السلام يصوم ثلاثة أيام من أول الشهر. وثلاثة من وسطه. وكان عيسى عليه السلام يصوم الدهر. وكره بعض صوم الدهر. وعنه صلى الله عليه وسلم: (3/51)
صفحة 543
{لا صوم لمن صام الدهر}.ولعل هذا من باب خشية الضعف والمرض. ومن باب الإيغال في الدين.
وسمي عيسى ابن العذراء البتول لأن أمه مريم وهي عذراء. أي غير ثيب إذ لم تتزوج. وبتول أي كثيرة الأنقطاع إلى الآخرة. وكان عيسى يقوم الليل ولا ينام ويلبس الشعر ويأكل الشعير ويبيت حيث أمسى ولا يحس شيئا.
وكان راميا لا يخطى الصيد إذا رماه. وكان يمر بمجالس بنى إسرائيل. فمن كانت له حاجة قضاها له.
وكان ينظر إلى الشمس فإذا رآها قد غربت صف قدميه مصلياحتى يراها قد طلعت.
وهذا شأنه حتى رفع. وكانت مريم عليها السلام تصوم يومين وتفطر يوما. كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. (3/52)
صفحة 544
وروى أنه أفضل الصيام. وهو صوم دهر لأن الحسنة بعشرة فاليوم بعشرة أيام. وأكرم الله هذه الأمة بعشر كرامات. الأول: رجب ويقال له الأصم لأنه معظم في الجاهلية. فلا قتال فيه ولا أخذ ثأر.
فلا تسمع فيه قعقعة السلاح. والأصب لأن الله يصب الرحمة فيه وهو شهر الله. ووجهه أنه شهر مخصوص بالمغفرة وحقن الدماء. وتاب الله فيه جلا جلإله على أنبيائه. وأنفذ أولياءه من أعداؤه. وهو أفضل الشهور بعد رمضان وشعبان. وعنه صلى الله عليه وسلم: {رجب شهر أمتي وفضله على سائر الشهور كفضل أمتي على سائر
الأمم وشعبان شهري وفضله على سائر الشهور كفضل نبوتي على سائرالأنبياء} ورمضان شهر وفضله على سائر الشهور كفضل الله على خلقه. وقد مرّ توجيه كون رجب شهر الله. (3/53)
صفحة 545
ومثله يقال هنا. وروى: رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي.
وظاهر قول أن فضل رجب على الشهور كفضل الله على خلقه. إن رجب أفضل من رمضان لأنه لا فضل لأحد على من فضل الله سبحانه ولا مساو له. وإنما ذلك بعد رمضان. وفضل الله أعلى من كل فضل.
وعنه صلى الله عليه وسلم (من صام رجب غفر الله ما سلف وعصم فيما بقى وأمن من العطش يوم الفرض الأكبر).ومن عجز عن صومه كله صام اليوم الأول والأوسط والأخيروالحسنة بعشر.
ومن صام يوما منه كان كصائم سنة. ومن صام سبعة غلقت عنه أبواب جهنم. أو ثمانية فتحت له أبواب الجنة.
أو خمس عشر نودي من عند العرش استأنف العمل فقد كفيت ما مضى.
ومن زاد زاد الله له. (3/54)
صفحة 546
وأعظم الليالي ليلة الفطر وليلة الأضحى والأولى من رجب وليلة النصف من شعبان. قال بعض: وليلة عاشوراء لا يقال من قام ليلة من هذه الليالي
وصام يومها كتب له أجر شهيد في حياته وبعد موته. وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال:
{اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان}.الثانية: كان صلى الله عليه وسلم يصوم في شعبان حتى يقال
لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم. وما رأته عائشة رضي الله عنها استكمل صيام شهر إلا رمضان.
وقال: شعبان شهري فمن صام فيه ثلاث أيام لحبي واختياري بهذا الشهر كان معي في الجنة.
وقال: {من صام أول خميس من شعبان وخمسا من وسطه وآخرخميس منه كان حقا على الله أن يدخله الجنة}.الثالث: رمضان. الرابعة: ليلة القدر.
وهي خير من ألف شهر. وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إسرائيليا لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر فتعجب المسلمون منه وتقاصرت إليهم أعمالهم فأعطواليلة خير من صلاة ذلك الغازي. (3/55)
صفحة 547
وقيل: ذكر الألف للتكثير. الخامسة: يوم الفطر من شوال وهو يوم الجزاء والثواب.
السادسة: الأيام العشرة الأولى من ذو الحجة. قال صلى الله عليه وسلم:
(ويل لمن حرم أيام العشر). و يستحب صيام التسعة الأولى وإكثار الدعاء والاستغفار.
والصدقة خصوصا. التاسع: فان فيه من الخيرات أكثر من أن يحصيها العادون. وفي الحديث {ما من أيام العمل فيهن أفضل وأحب إلى الله عز وجل من أيام عشر ذي الحجة؛ إن صوم يوم منه يعدل صيام سنة وعتق
مائة وصدقة مائة بدنة والحمد لله على مائة فرس في سبيل الله}.
وللثامن بكل مائة ألف. وللتاسع بكل مائة ألفان. وقيام ليلة منه كقيام سنة.
والعمل في تلك الأيام خير من كل عمل. أي بعد رمضان إلا من جاهد وعقر جواده وأهرق دمه.
ويستحب الإكثار فيها من لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك (3/56)
صفحة 548
وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير بيده الخير وهو على
كل شيء قدير. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واحد أحد فرد صمد لم
يتخذ صاحبة ولا ولد. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واحدا أحد فرد صمد لم يولد ولم يكن له كفوا أحدا
لاإإله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهوعلى كل شيء قدير حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعي. ليس وراء الله انتهي. نزلت تلك الجُمَل على موسى. ونزلت على عيسى في الأنجيل وسإله الحواريون عن فضلهن. فذكر لهم ما لا يقدر على وصفه. قال بهن رجل في أيام العشر فرأى في المنام كأنه في بيته خمس طبقات من نور بعضها فوق بعض. السابعة: يوم عرفة وهو داخل في التسعة من ذي الحجة.
ولكن ذكر خصوصا تنبيها على شرفه. ويستحب صومه لمن لم يقف بعرفة. (3/57)
صفحة 549
ولمن وقف فيها إن لم يخف الضعف عن الوقوف وكثرة الدعاء الذكر. ومن أراد مواقفه وقوف أهل عرفة في الدعاء في مغربنا هذا أو نحوه فليعجل الدعاء قبل أخر عصر فإنه ربما كان العصر هنا مغربا في مكة.
الثامنه: يوم النحر وهو يوم القربان لا يصام. ويوم إضافة الله عباده باللحم. التاسعة: يوم الجمعة وهو سيد الأيام. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لم تطلع الشمس ولم تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة}.
وروى: خير يوم طلعت طيه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق الله آدم. وفيها أهبط من السماء إلى الأرض.
وفيه تاب الله عليه. وفيه مات. وفيه تقوم الساعة. وما من دابة إلا وهي مصيخة ليلة الجمعة حتى تطلع الشمس
شفقا من الساعة إلا الجن والأنس. فيه ساعة يصادفها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله شيئا
إلا أعطاه إياه. (3/58)
صفحة 550
قال جابر: نهي عن الساعة الأخيرة. ومعني قائم يصلى يجتهد في الدعاء ويدعوا واقفا
ويستحب صيامه. ومن صامه كمن صام خمسين ألف سنة ويجعل الله بينه وبين النار
مقدار طيران فرخ الغراب من حين يطير حتى يموت بإلهرم. وقيل: يجعل بينه وبين النار خندقا مثل ما بين مطلع الشمس إلىمغربها. من صام أربعين جمعة متوالية غفرت ذنوبه. ولا يوافق ذلك إلا المسلم عند الله.
وقيل: لا يصام يوم الجمعة إلا إن تقدم يوم ويتأخر يوم. وروى ذلك حديث.
وذلك مذهب قومنا. وأوجبوا على من قصده بالصوم وحده الإفطار. و قيل: لا يصام إلا أن يتقدمه يوم ويتأخر آخر.
وروى ذلك حديث أيضا من حقوق الجمعة أن يقرأ قل هو الله احد مائة مرة عند طلوع الشمس.
وقيل: بين صلاة العصر والمغرب. ومن فعل ذلك جعل للجمعة حقا لا يجعله إلا الملائكة.
وحضور مجلس الذكر والاغتسال وتنقية الجسد والصفة والزيادة (3/59)
صفحة 551
في الله وسبع تحيات قبل الظهر بسورة إلا خلاص ثلاثا في كل ركعة وصلاةالضحى.
العاشر: يوم عاشورا. وسمي قبل لأنه عاشر تلك الكرامات. وعليه فلا إشكال.
ولو قيل: إنه تاسع المحرم. وقيل: لأنه عاشره وهو المشهور الراجح.
وقيل: تاسعا وسمي تغليبا. وينبغي صومها احتياطا. ومخالفة لليهود في الحديث من صام يوم عاشورا كتب الله له عبادة ستين سنة صيامها وقيامها. من صام يوم عاشورا أعطى ثواب ألف شهيد. ومن صام يوم عاشوراء أعطى ثواب كل حاج ومعتمر في ذلك العام. ومن أفطر عنده فيه مؤمن فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد صلى
الله عليه وسلم. ومن أشبع فيه جائعا فكأنما أطعم فقراء أمة محمد وأشبع بطونهم.
من مسح فيه على راس يتيم كان له بكل شعره درجة في الجنة. قالوا: يا رسول الله فضل الله يوم عاشورا على الأيام؟ (3/60)
صفحة 552
قال: نعم خلق السماوات يوم عاشورا والجبال واللوح والقلم وآدم. وفيه دخل الجنة وخلقت حواء وولد إبراهيم ونجاه الله من النار. وفيه أغرق فرعون. وفيه كشف البلاء عن أيوب
وفيه تاب على آدم وغفر ذنب داود. وفيه رد ملك سليمان. وفيه وله عيسى ورفع إدريس.
وقيل: فيه ولد النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه تقوم الساعة.
قيل: من صامه فكأنما حج واعتمر سبعين مرة. وألفا سبعين ألفا في سبيل الله. وصام سبعين سنة.
ومن وسع على عيإله ليلة عاشورا وسع الله عليه سائر السنة وجرب فصح.
وكان صلى الله عليه وسلم لا يدع: صيام يوم عاشورا. (3/61)
صفحة 553
ولا صيام التسع. ولا صيام ثلاث أيام من كل شهر. ولا ركعتي الفجر.
وقال: من صام رمضان بستة من شوال فكأنما صام الدهر وذلك
لأن رمضان ثلاثمائة يوم فضلا من الله. ولو صام الناس تسعة وعشرون.
والسنة بسنتين لأن الحسنة بعشر. وأول السنة اليوم الثاني من شوال وأخرها السابع عند الشافعي.
وعليه أدركنا الناس يعملون وهو الواضح ويكفي في فعله ثم فصل العيد.
وقال مالك: يكفي الإتيان بها من شوال على أي وجه كان ولو بلا تتابع
فيها وقضى الله على نفسه:
ما من عبد إظماء نفسه في يوم حار إلا رواه الله يوم القيامة.
ويستحب صوم السابع والعشرين من رجب. قيل: بعث الله فيه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن صامه: فكأنما حج البيت سبع حجج. وأعتق أربعين رقبة. (3/62)
صفحة 554
وتولاه الله بالذي تولى به نبيه صلى الله عليه وسلم. وكان كفارته ستين شهرا أو سنتين سنة. والخامس عشر من شعبان والخامس والعشرين من ذي القعدة. وفيه أنزل البيت الحرام.
وهو أول رحمة أنزلها الله بها من السماء. من صامه كان حرمته عند الله كحرمة البيت.
وكانت كفارة سنتين شهرا. أو ستين سنة. والأول من المحرم والثالث.
وفيه دعي زكريا ربه أن يهب له غلاما فاستجاب له. ووهب له يحي.
فمن صامه أجابه الله كما أجاب يحي بأن يرزقه غلاما وغيره مما
يطلب. وكان كفارة ستين شهرا. وروى: أفضل الصيام بعد رمضان صيام المحرم وهو الشهر الأول
من السنة فبنائها على الخير أفضل. وروى: صوم يوم من شهر حرام أفضل من صوم ثلاثين من غيره.
وصوم يوم من رمضان أفضل من ثلاثين من شهر حرام. (3/63)
صفحة 555
ومن صام ثلاثة أيام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب الله له بكل يوم عبادة سبعمائة عام.
وصيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر منه كعبادة ستمائة سنة. والسابع من ذي الحجة وصومه كفارة ستين شهرا. فيه تاب الله على داود عليه السلام. فمن صامه تاب الله عليه. ذلك مثل داود.
الفصل الثالث عشر صيام التطوع (3/64)
صفحة 556
من دخل في صيام التطوع ثم أفسده متعمدا لزمه بدله إلا أن استثنى فله استثناؤه ما لم ينصف النهار.
وإذا انتصف فلا يفطر. وذلك مذهب أكثر أصحابنا ومالك وأبي حنيفة. وكذلك كل تطوع من صلاة أو حج أو غيرهما على الخلاف.
ووجه الأول أنه لزمه بالوعد مع الدخول فيه. وقد قيل: بلزوم ما وعد به ولو لم يدخل فيه.
ووجه الثاني: أن الله أعدل من أن يؤاخذه بما لم يفترض عليه. ويبحث بأنه قد افترض عليه بالوعد والدخول.
وفي الحديث {أخوف ما أخاف على أمتي الشهوة الخفية}.قالوا: وما الشهوة الخفية؟
قال: {يصبح أحدكم صائما فتعرض له شهوة فيواقعها ويدع صومه}.قيل: ومن فعل ذلك وهو عالم بما كان عليه الإثم مع القضاء. قال بعض أصحابنا إذا طلب منك أخوك المسلم أن تأكل من عنده فأفطر من صوم نفل. (3/65)
صفحة 557
ولك أجر الصوم والمطاوعة. وقيد بعض قومنا ذلك بما إذا حلف على أن تأكل. وروى: هذا من الحسن وشروط صوم النفل كشروط صوم الفرض. وما يفسد الفرض يفسد النفل. (3/66)
صفحة 558
الباب السابع في الزكاة
الزكاة وهي لغة النماء والتطهير والطهارة والإصلاح. وشرعا بتلك العبارات لأن إخراجها سبب لنماء المال.
ولأن متعلقها الأموال ذات النماء كالتجارة والزراعة. ولأن الأجر يكثر بسبها. ولأن ثوابها مضاعف. كما جاء أن الله يربي الصدقة. ولأنها مطهرة للنفس من رذيلة البخل. ومطهرة من الذنوب. ولأن خروجها طهارة ذلك ومن الخبث في المال ولأنها مصلحة في ذلك كله. وعرفها بعض شرعا: بأنها ما يخرج من مال أو بدن على وجه مخصوص لطائفه مخصوصة. وتسمى الصدقة والنفقة والماعون والحق والعفو. وعرفها ابن العربي: بأنها إعطاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه غير هاشمي ولا مطلي. (3/67)
صفحة 559
وأنها ركن وهو الإخلاص. وشرط هو السبب. وهو ملك النصاب الحولي. وشرط من تجب عليه وهو العقل والبلوغ والحرية. لأنها لا تجب على المجنون والطفل والعبد.
وإنما تجب في مال المجنون والطفل عندنا. قيل: خوطب بها الولي عليهما باتفاق إذا بلغ أو أفاق وجبت عليه
إن لم تخرج من ماله. وهي حق في المال خوطبنا بإخراجه. وقال أبو حنيفة: حتى المكلف فلا تجب في مال الطفل والمجنون. وقيل: تجب فيما أخرجت الأرض ونسب إلى أبي حنيفة. وقيل: تجب في غير الذهب والفضة وغيره حقي من المال. والقولأن في اليتيم ومثله المجنون. ومن قال العبد يملك ألزمه الزكاة.
ولها حكم وهو سقوط الواجب في الدنيا وحصول الثواب في الآخرة. وحكمته وهي التطهير من الأدناس ورفع الدرجات واسترقاق الأحرار. (3/68)
صفحة 560
ولا يقصد بما هذا الأخير. ولكنة متر تب عليها وأوجبها الله في أي من القرآن منها قوله
سبحانه وتعالى: {واتوا الزكاة} ومنها: {واتوا حقه يوم حصاده هذا خاص بالمعشرات فالخلق العشر ونصفه وهو الزكاة المفروضة تؤتى يوم الحصاد.
وفيه يكال ويعلم كيله. وأمر بإتيانها في هذا اليوم يهتم بها حتى لا تؤخر عن وقت الأداء.
و ليعلم أن الوجوب بالإدراك لا بالسقية. فالآية مدنية محكمة. قال ابن عباس وجابر بن زيد رحمهما الله وقال مجاهد حقه ما يلقى لهم من السنبل والشماريخ. وإذا كيل زكى. وقيل: الآية مكية منسوخة.
والمراد ما يلقى لهم. وأما الزكاة ففرضت بالمدينة. (3/69)
صفحة 561
الفصل الأول
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستدفعوا أبواب
البلاء بالدعاء والتضرع}.وقال: {ما نقص مال من صدقة}.
أي ما نقص بها لأنه يبارك فيه في الدنيا ويضاعف الثواب في الآخرة.
وروى: ما نقصت صدقة من مال. أي إنها ولو أخرجت منه قد عادت فيه بالبركة في الدنيا ودفع
المفسدات عنه. أو بالثواب والتضعيف في الآخرة قولأن أو بذلك كله.
وما تواضع عبد إلا رفعه الله. وما عفى عبد عن أخيه مظلمة إلا زاده الله بها عزا.
والمراد الرفعة والعزة في الدنيا. إن من توضع أو عفى هيبته في القلوب.
وفي الآخرة قولأن أو فيهما. والمراد التواضع الذي كما روى ما نقصت صدقه من مال.
وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا. (3/70)
صفحة 562
وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله. مثل ذلك الخضوع لأمر الله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم
وكذلك للإمام والحاكم أو العالم أو الوالد. وذلك تواضع واجب.
وذلك توضع لسائر الخلق. ويرغب في ذلك كله رفع. ويحرم التواضع لأهل الدنيا والظلم.
وهو في الدنيا والآخرة ذل لا عز معه وخسة لا رفعة منها. وفي الصدقة مطلقا تطهير البدن من الذنوب وحفظ المال وإدخال السرور على الفقراء والخلق عاجلا وآجلا ودفع البلاء والأمراض.
ويضل يوم القيامة. ويخفف للحساب. وتثقيل: الميزان.
وتسهيل للجواز على الصراط. وعلى ما مرّ رفع الدرجات. وتزين الصدقة وتعظمها سبع خصال. الأول: إخراجها من الحلال. (3/71)
صفحة 563
الثانية: وضعها في مستحقها. فان المتعدى فيها كمانعها.
الثالثة: تعجيلها في وقتها مخافة الموت. ومسارعة للمغفرة.
ومن أخرها بعد التمكن من إخراجها عصى. وقيل: مرفوض فيها حتى يأخذ حول في حول هلك.
وقيل: لاما لم يمت مضيعا. وفي جواز تقديمها عن وقتها لحاجة الفقراء خلف.
الرابعة: إخراجها من خيار المال وأحبة إلى النفس ورضي وفرحا بالإعطاء لله تعالى.
ولو أهدي إليك رديء لم تقبله إلا حياء.
وفي الحديث {سبق درهم مائة ألف درهم أي سبق درهم أعطى برضي وفرح من أطيب مال مائة ألف درهم
أعطت كذلك. الخامسة: أن لا ترائي ولا تطمع في مخلوق بها ولا يدفع بها
مضره ولا يجلب منفعة. السادسة والسابعة: ترك المن بها. وكف الأذى. (3/72)
صفحة 564
فهما مبطلأن للثوب. فالمن أن بذكرها. والأذى أن يظهرها. وقيل: المن أن تستخدمه بالعطاء.
والأذى أن تعيره بالفقر. وقيل: المن أن يتكبر عليه لإعطائه. والأذى أن يوبخه بالمسألة.
وإنما حقا أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله منه الذي هو نجاته من النار.
وإنما تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل. فالفقير أخذ رزقه من الله. (3/73)
صفحة 565
الفصل الثاني الزكاه
قال الله عز وجل:
{الذين يكنزون الذهب والفضة}. الآية أنزلت في الأحبار الرهبان وصفا لهم بالحرص على المال
والبخل والشح به. أو في الموحدين الذين يقتنون المال ولا يؤدون حقه.
قرنهم بالمرتشي من أهل أكتاب للتغيلظ وهو الصحيح. ويدل له لما أنزلت كبرت على المسلمين. فذكر عمر ذلك لرسول الله على الله عليه وسلم، فقال: {إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقى من أموالكم}.
وروى: ما أدى زكاته فليس يكنزا أي بكنز أي أو عد عليه. قال: ولو بلغ سبع سنين.
وقال: أبو ذر رضي الله عنه نزلت فينا و في أهل الكتاب. والصحيح كما علمت أن الكنز ما لم تؤد زكاته ولو كان فوق الأرض. وقيل: كلما فضل عن حاجتك فهو كنز. ولا دليل له في قول أبي ذر وأبي هريرة كل بيضاء وصفراء أو كان عليها صاحبةا. (3/74)
صفحة 566
وهي كنز حتى يفرقها الجواز أن يريد بالتفريق تفريق زكاتها. فحذف المضاف. أو تفريقها بإخراج الزكاة. فانه إذا أخرج زكاتها فقد وقع التفريق بينهما بين زكاتها. وإنما سهل دينك التأويلين. ما مرّ عنه صلى الله عليه وسلم. ودليل أيضا في قوله صلى الله عيه وسلم ثلاثا لما نزلت الآية:
{تبا للذهب تبا للفضة}.ذلك مع قوله لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا أو زوجة مؤمنه تعين أحدكم
على دينه. جوابا لقول المهاجرين فأي المال نتخذ! وفي قوله صلى الله عليه وسلم في أهل الأموال هم الخاسرون ورب الكعبة مرتين. إلا من فرقه عباد الله. وقليل ما هم لأن المراد الترغيب عن الذهب والفضة والمال لأن
جمعهما داع للبخل. وقال علي: كل ما زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز أديت زكاته
أو لم تؤد دونها نفقة. (3/75)
صفحة 567
وفي الحديث: ما من صاحب ذهب ولا ورق لا يؤدي زكاته إلا وكان يوم القيامة صفحت له صفائح من النار فيحمى عليها في نار جهنم. فيكوى بها جبينه وجنباه وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم
كان مقداره خمسين ألف سنة. وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا وكان يوم القيامة بطح له
بقاع أي بأرض مستوية قرقر أي أملس أوفر ما كانت أي عظما وسمنا. قيل: وكثرة.
ولو لم تكن كذلك انكالا له. وتسير عليه وعلى وجهه وتعضه كلما مضت أخرها ردت عليه أولها
حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح له يوم القيامة بقاع قرقر أوفر ما كانت فتطأه بأكنافها وتنطحه بقرونها ليس فيما ما لا قرن
له ولا ما التوى قرنه ولاما كسر قرنه. ولو كان في ذلك في الدنيا.
وفي رواية ذكر البقرة بما ذكر الإبل. وقال صلى الله عليه وسلم: {مانع الزكاة يقتل}.
قال أبو عبيدة: إذا منعها من إمام يستحقها. (3/76)
صفحة 568
قال أبو بكر: والله لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه.
وروى: حتى ألحق بالله. والعقال ما يعقل به البعير. أو قدر قيمته في زكاة النقد والثمار.
وقال النووي: الصحيح أن المراد بالعقال قدر قيمته. وقال مالك: العقال ما يعقل به البعير أو قدر ثمنه.
وإليه ذهب كثر من المحققين. وقد بعث صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة على الصدقة فكان
يأخذ مع كل فريضة عقالا. وعن عائشة رضي الله عنها كان من عادة المصدق أن يعمد إلى قرن
بفتح القاف والراء؛ الحبل الذي يقرن به بين البعيرين لئلا تشرد الإبل. وقيل: العقال تبعا للفريضة لا لجوبه بعينه على الصحيح. وقيل: العقال صدقة عام. وقيل: هو تعسف.
وقيل: الفريضة من الإبل ونحوها. (3/77)
صفحة 569
وقيل: ما أخذه العامل من الصدقة بعينها وإن تعوض عن شيء منها.
وقيل: أخذ معاً. ويجوز أن يكون ذكر العقال مبالغة على تقدير أن لو كان يؤدونه إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية جديا أو ادوا.
وهي الأنثى من ولد المعز. وبها استدل مجيز أخذ العناق في زكاة الغنم إذا كانت كلها
سخالا. وفي رواية حديا أو ادو وهو الصغير الفك دون الذقن. وعن بعض أن رواية عقالا.
قال ثلاثا صلى الله عليه وسلم: {لا صلاة لمانع الزكاة}.قال: من كثر ماله ولم يزكه جاء يوم القيامة في صورة شجاع أقرع له زبيبتان موكل بعذابه حتى يقضي الله بين الخلائق. والشجاع ذكر الحيات.
وقيل: الذي يقوم على ذنبه ويواثر الفرس. (3/78)
صفحة 570
والأقرع الذي ذهب شعر رأسه. وقيل: جلده رأسه. وقيل: الذي أبيض رأسه.
وذلك كله لكثرة السم المتجمع في رأسه. وذكر بعض أن الحية لا شعر برأسها.
والزبيبتان اللتان في شدقه. يقال: تكلم حتى رأي شدقاه. وقيل: نكتتان سودوان.
وقيل: إنهما فوق عينيه. وقيل: نقطتان تكتنفان فاه. وقيل: هما في حلقه بمنزله ثني العنز.
وقيل: لحمتان على رأسه كالقرنين. وقيل: نابان يخرجان من فيه. وقد فسر التعذيب في رواية من أتاه الله مالا فلم يزكه مثل له يوم القيامة شجاع أقرع له ربيبتان يطوقه يوم القيامة. أي يجعل له طوقا ثم يأخذ بلهزميته بكسر اللام والزاء أيشدقيه. (3/79)
صفحة 571
وقيل: عظمين نابيتين تحت الأذنين. وقيل: لحم الخدين. ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك.
قال الله سبحانه: سيطوقون ما بخلوا به .... إلخ والمال في ذلك الذهب والفضة.
فيجتمع على مانع زكاتهما الكي والتطويق. وفي قوله: أنا مالك أنا كنزك زيادة حسرة وتعذيب.
وفي رواية: أنا كنزك الذي تركته بعدك فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيمضغها. ثم يتبعه سائر جسده.
وفي رواية: يتبع صاحبة حيث ذهب وهو يفر منه. فإذا رأي أنه لابد منه أدخل يده فيه فجعل يقضمها كما يقضم
الفجل. وعنه صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يكون له مال فيمنعه من حقه ويضعه في غير حقه إلا مثله
الله له شجاعا أقرع منتن الريح لا يمر بأحد إلا استعاذ منه حتى يدنوامنه. فيقول له أعوذ بالله منك. (3/80)
صفحة 572
فيقول: لم تستعيذ منى فأنا مالك الذي كنت تبخل عليه في الدنيافيطوقه الله في عتقه حتى يدخله الله جهنم.
وعنه صلى الله عليه وسلم: {لا تخالط الصدقة مالا إلا أهلكته}.وعنه صلى الله عليه وسلم
{ما نقض قوم العهد إلا ابتلاهم الله بالقتل ولا ظهرت فاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الطاعون ولا منع قوم الزكاة إلا منع الله عنهم المطر}.ويقال: من منع خمسا منع الله منه خمسا: من منع الزكاة منع منه حفظ المال.
ومن منع الصدقة منع الله عنه العافية. ومن منع العشر منع الله منه بركة أرضه. ومن منع الدعاء منع الله منه الإجابة. ومن تهاون بالصلاة منع كلمة التوحيد عند الموت. والزكاة مال يؤدي أخذه كما لا يحل له.
ومعطيه لمن لا يستحقه. ومانعه عمن يستحقه إلى النار. (3/81)
صفحة 573
الفصل الثالث وقت تحديد الزكاة
تحتاج الذهب والفضة والإبل والبقر والضأن والمعز لأخذ الوقت.
ويستحب أخذ شهر وكونه رجباً أو رمضان أو المحرم. ...
وإن أراد توقيت أحد الثلاثة وقد دخل ذلك ملكه في غيره فليخرجه
من ملكه. ويرده آخر يوم من الشهر الذي أراد فيكون كله وقتا فإذا دار
لحول حتى دخل عليه الشهر وجبت عليه الزكاة.
ولا يكون مضيعا حتى ينسلخ الشهر ولم يعط. وإن تلف في الشهر قبل إخراج الزكاة التي أصابها أو استفاد بعد ما أخرجها إليهم: فلا زكاة عليهم ولو لم ينسلخ الشهر.
ولا يأخذ الوقت أو الشهر. وإن فعل ومضى يوم ولم يعطها فهو مضيع. وقيل: إنما الوقت هو وقت ما دخل ذلك ملكه. وإن أخر عنه فقد ضيع. وإنما يأخذ الوقت إذا تم النصاب في ملكه. ولا زكاة عليه حتى يدور الحول وعلى ذلك في ملكه غير نافع عن النصاب. (3/82)
صفحة 574
وإنما يأخذ الوقت للأنعام إن كانت في يده. ويأخذه للذهب والفضة ولو كان في ذمة غيره.
ولا ينقض الوقت إلا بنقصان النصاب قبل الحول. والإخراج من الملك إلا إن أخرجه بأحد شيئين:
الأول: الفرار من الصدقة. فإن أخرجه فرارا بقي وقته ولزمته الزكاة بقدر ما مضى من السنة.
وكذا إن أخرج الغله فرارا فإنه تلزمه زكاتها. فانظر شرحي على النيل. وان قصد الفرار وحاجة بقي الوقت ولزمته الزكاة على ما ذكر. قيل: لا بقاء ولا لزوم.
الثانى: الإبدال بالجنس. فإن أبدله بالجنس فالوقت باقي يزكى عليه. وقيل: يحدده مثل أن يبدل عشرين دينارا بمائتي درهم أو بعشرينديناراً. أو أربعين كبشاً بأربعين نعجة أو أربعين كبشاً.
وأقول: إن أبدل بغير الجنس جدد إلا إن قصد الفرار. وإذا حال الوقت لم ينتقض الوقت ما لم ينتقض الأصل. (3/83)
صفحة 575
وأصل الذهب ثلاثة مثاقيل. وأصل الفضة ثلاثة دراهم أو وزنها فضة.
وقيل: المثقالأن في الذهب ودرهمان في الفضة. وقيل: درهم. وتكون الدنانير أصلا للدراهم وبالعكس. والتبر أصلا للمسك والفضة والمسك له. وأصل الغنم والبقر والإبل ثلاثة دوسن. ويكون الجاموس أصلا للبقر وبالعكس.
وينقض في الثلاثة كله ما ينقض الوقت في النصاب من خروج الملك. والإبدال على ما مّر.
الفصل الرابع نصاب الذهب (3/84)
صفحة 576
نصاب الذهب عشرون مثقالا ونصاب مسككه عشرون دينارا.
والمثقال ثلاثة قراريط من قراريط الفضة. وقيراط الفضة ثلاثون حبة من شعير أوسط مقطوع الطرفين
الزائدتين. والدينار أربعة وعشرون قيراطا من قراريط الذهب. وقيراطه أربع حبات.
هكذا قيل. ولزم عليه أن يكون الدينار أكبر من المثقال. وأولى من ذلك ما قيل: إن المثقال ثلاثة قراريط من قراريط الفضة في غير المسككة. والدينار أربع وثمانون حبة نقصت ست حبات بالنار.
بل هذا متعين لأن النار تنقص ولا تزيد. وعنه صلى الله عليه وسلم:
{ليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة}.ونصاب الفضة مائتا درهم قيراطان. والقيراط ثلاثون حبة. (3/85)
صفحة 577
قال صلى الله عليه وسلم:
{ليس فيما دون خمس أواق صدقة}. والأوقية أربعون درهم في الحديث. وأما في عرف الناس فوزن عشر دراهم.
وقيل: خمسة أسباع درهم. وفرض الذهب والفضة ربع عشر نصابهما فهو نصف مثقال.
أو نصف دينار في عشرين مثقالا. أو دينار وخمسة دراهم في مائتي درهم.
ولا شيء فيما زاد على العشرين حتى يبلغ أربع مثاقيل: أو أربعة دنانير أو أكثر.
ففي كل أربعة مثاقيل: عُشر مثقال. وفي كل أربعة دنانير عُشر دينار.
ولا فيها زاد على المائتين حتى يبلغ أربعين درهما. وذلك تشبيه بالماشية.
وقال ابن عباد من أصحابنا وبعض قومنا ما زاد على النصاب يزكى قليلا أو كثيرا أو تشبيها بالحبوب. الصحيح الأول. (3/86)
صفحة 578
ولا نأخذ بالثاني للحديث الحمل المذكورين. وإن نقص عن النصاب أقل قليلا فلا زكاة عندنا.
وتجب عند مالك وبعض أصحابه في الدنانير والدراهم الناقصة عنه وزنا إذا كانت تجوز جواز الوازنة.
والصحيح الأول. وبه قال الشافعي. ومثل ذلك ما إذا كانت الدراهم الدنانير مغشوشة بنحاس أو غيره
لا يبلغ خالص الفضة والذهب النصاب. وتجب زكاة الحلي عندنا لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:
{في الرقة ربع العشر}.وهي الفضة والذهب عند ثعلب.
وقيل: الدرهم. وقيل: الفضة مطقا وراؤه مكسورة وقافه مخففة والتاء عوض من
الواو في الورق. وكالعدة والوعد لقوله صلى الله عليه وسلم: لامرأتين دخلتا عليهما سواران فقال لهما أتحبان أن يسوركماالله بسوارين من نار؟ فقالتا: لا. (3/87)
صفحة 579
فقال: فأديا زكاتهما. وروى عن عائشة أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يدها ثلاث فتخات من ورق أو من ذهب. فقال: ما هذا؟ فقالت: أتزين لك به. فقال لها: أتؤدين زكاتهن؟
فقالت: لا. قال: حسبك نار اعلمي أن فيهن الزكاة والفتحة. والفتحة بفتح الفاء والتاء خاتم كبير في الأصبع.
وقد يكون في البنان. وقيل: خاتم لا فص فيه. ويستكمل نصاب الذهب بالفضة ونصابها به.
ذالك بأن يكون كلا منهما قاصرا على النصاب فيصرف أحدهما إلى الآخر بما هو أصلح عند أخذ الوقت وعند الأداء. ويصرف إلى الذهب قليلا كان أو كثيراً. (3/88)
صفحة 580
وقيل: درهم. وقيل: ثلاثة. وإن تم النصاب في كل منهما أعطى على كل فريضة ما ينوبها. ولا يكسر أحداهما إلى الأخرى وإن كمل أحدهما صرف الناقص إلى الكامل عند الأداء لا يستكمل شريك فيما خلا فبعض قومنا يؤدي عنهما صاحبةما إذا كان في الذمة وحل أجلهما ويسقطهما المديان. وإن لم يحل إلا جل لم يزكهما.
وزكاة المديان لأنه لا زكاة في دين ممنوع من أخذه بعدم وصول الأجل أو بالإعسار.
ولو رجي أخذه المستقبل أو بغير ذلك. وإن جحد المديان فحلفه فلا زكاة عليه. وإن لم يحلفه زكاة أن كان مقدورا عليه غير غائب. ويسقط المزكي ما وجب عليه من ديون الذهب والفضة إن كانت حالة.
ومن يتجر في العروض أو في المعادن أو في نحو الجوهر فليقومها بالذهب والفضة ويزكيهما.
وقيل: يزكى على ما جعل فيها. ومن وجد كنزا فيه علأمة الشرك أو في بعضه أخذه سواء كان ذهبا
أو فضة أو ثياباً أو غير ذلك في الظهور. (3/89)
صفحة 581
أو الكتمان إن كان من يأخذ الغنيمة. فلا تأخذه المرأة والعبد والمشرك والطفل. وقيل: يأخذونه.
وقيل: لا يأخذه الطفل و المرأة. والأول مذهبنا. فمن وجده في أيدي هؤلاء أخذه منهم قياما بالعدل لأنهم ليسوا
له أهلا وفيه منفعة له. و لابأس أن يأخذها ذلك إن لم يخف فتنة وإلا تنزه عنه. ومن وجد في أرض غيره فهو له. وقيل: لصاحبةا. وعلى من أخذه أن يخرج خُمسه يدفعه للإمام إن لم يكن أعطى وقيل: لا خُمس عليه إلا إن كان ذهبا أو فضة. وقال أصحابنا: إنما يخرج الخُمس إن كان الكنز من خمس دوانق. ولا يأخذه إن وجد فيه علأمة الإسلام ولو كان في بعضه علأمة الشرك كالصليب والتمثال. وقيل: يأخذ ما فيه علأمة الشرك فقط وإن وجد معدنا. (3/90)
صفحة 582
فإذا أخرج منه شيئاً وحال عليه الحول في ملكه وتم النصاب الزكاة. وإن كان له مال زكاه عند وقت زكاة المال.
وقال مالك: إذا بلغ ما أخرج منه النصاب زكاة في الحين. وقيل: في المعدن بالخمس أيضا مع الزكاة. والأول مذهبنا. (3/91)
صفحة 583
نصاب الغنم أربعون شاة وفيها شاة. وحتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين فشاتان.
وحتى تبلغ مائتين وواحدة فثلاث. وحتى تبلغ ثلاثمائة وواحدة ففي كل مائة شاة.
ويتم الضأن بالمعز والمعز بالضأن. يعطى بكل من قدره على الأصح. وقال عكرمة ومالك يعطى من أكثرهما إلا إن استويا فمن أيهما شاءوتعد الكبيرة والصغيرة والصحيحة والعليلة والسمينة وإلهزيلة.
وقيل: لا تعد الصغيرة إلا إن كانت تمشي بنفسها. وقيل: إلا إن كانت تأكل وتشرب وحدها.
وقيل: إلا إن كانت تجوز الوادي. وقيل: إلا إن تمت لها سنة وتكون مسنة. وعند أصحابنا: اسم الشاة لا يطلق إلا على التي استغنت عن غيرها. ولكن يعد في النصاب الصغير والكبير. وإن كانت خروفا نأكلها أعطي منها على الصحيح.
الفصل الخامس الشاة المسنة (3/92)
صفحة 584
وقيل: يعطى الشاة المسنة.
واختاره بعض. والمسنة اسم فاعل أسن أي صار ذا أسنان. أو أتم السنة. وكذلك الإبل والبقر في عد الصغير العليل وإلهزيل وغير ذلك. وفي الإعطاء: والجاموس للبقر كالمعز للضأن. ويستتم الشريك بالشريك في الأنعام كلها.
ولا يجمع صاحب المال والعامل بين متفرق أو يفترق بين مجتمع ولا يستتم بغير المشرك ولو جمعه المريض والمحلب على الأصح عندنا. وقيل: يستتم بما جمعه المريض والمحلب ولا زكاة في التي تعلف من
الأنعام للذبح أو للحلب إن كانت لا ترعي بها.
الفصل السادس نصاب الإبل (3/93)
صفحة 585
نصاب الإبل خمسة أبعرة وفيها شاة.
وإلى عشرة فشاتان. وإلى خمسة عشر فثلاث.
وإلى عشرين فأربع. وإلى خمسة وعشرين فبنت مخاض وهي التي لها سنة تأمة.
وسميت بذلك لأن أمها لحقت بالمخاض وهي الحامل ولزمها الاسم
وإن لم تحمل أمها. وجاز ابن لبون إن لم توجد. وابن لبون له سنتان تامتان.
وسمي لأن أمة آن لها أن تكون ذات لبن. وإلى ست وثلاثون فبنت لبون.
وإلى ستة وأربعين فحقه ولها ثلاث سنين تأمة. وسميت لأنها استحقت أن تركب.
ويحمل عليها ويطرقها الفحل ويسمى الذكر حقا إلى أحد وستين فجذعة فلها أربع سنين تأمة.
وسميت لأنها تجذع مقدم أسنانها أي تسقطها. (3/94)
صفحة 586
وقيل: لتكامل أسنانها. ويسمى الذكر جذعا وهي آخر الأسنان المنصوص عليها في الزكاة.
وإلى ستة وسبعين ففيها بنت لبون إلى تسعين فحقتان. وإلى مائة وإحدى وعشرين فثلاث بنات لبون.
وبعد ذلك في كل أربعين بنت لبون. وفي كل خمسين حقة. وإن لم يوجد السن الواجب فليعط السن فوقه.
ويرد عليه الفضل بقيمة العدول ذهبا أو فضة. قلت: أو غيرهما أو السن تحته ويزيد قيمة الناقص كذلك.
هذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة. وزعم غيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرد عليه عشرون
درهما أو شاتان إن أعطى فوق السن الواجب. ومزيد ذلك إن أعطى دونه. يكون الرد والزيد فيما بين الأناث والذكور. فان الأناث أفضل فلا يعطى الذكر عن الأنثى إلا إن كانت قيمتهأفضل. و كذلك الأمر في سن الغنم والبقر وذكرها وأنثاها. وقال مالك: يكلف شراء السن الواجب.
الفصل السابع زكاة البقر (3/95)
صفحة 587
البقر كالإبل إلى خمس وعشرين فجذعة البقر ولها سنة.
وهي نظير بنت مخاض في الإبل. وذاك أنه يؤخذ من البقر ما يؤخذ من الإبل.
لكن أسنان الإبل كثيرة وأسنان البقر قصيرة عاجلة. ويعد لها من السنين كان يعد للإبل إلى ست وثلاثين.
فثنية البقر ولها سنتان إلى ست وأربعين. فرباعيتها ولها أربع سنين إلى إحدى وستين. فثنياه إلى إحدى وتسعين. فرباعيتاه إلى مائة وإحدى وعشرين ففي كل أبعين ثنية. وفي كل خمسين رباعية. وقال المخالفون إلا بعضا: إن نصاب البقر أنَّ في كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة. وفي كل أربعين مسنة.
الفصل الثامن ولد الناقة (3/96)
صفحة 588
يسمى ولد الناقة رُبُعا بضم الراء وضم الباء وبالمد. ويقال أيضا ربَع بفتحهما.
والأنثى ربعة. وإن ولدتا في آخر الربيع سميت هيوعا وحوارا. وإذا فصل عن أمه سمي فصيلاً.
وعبارة بعض يسمى ربعا. ثم هيفا. ثم فصيلا. ولا يدخل ذلك في الزكاة ولا في الدية ولا في إلهدي والضحية.
وإذا دخل في السنة الثانية ولو بيوم فابن مخاض. والأنثى بنت مخاض. وإذا دخل في الثالثة فابن لبون والأنثى بنت لبون. وإذا دخل الرابعة فَحِقٌ لأنه استحق الركوب الحمل عليه والأنثىى حِقَةٌ. (3/97)
صفحة 589
وإذا دخل في الخامسة فجذع والأنثى جذعة بذال معجمة وفتح الجيم والذال فيهما.
وإذا دخل في السادسة وألقي ثنيته فثنى والأنثى ثنية. وإذا دخل في السابعة فرباع بفتح الراء والأنثى رباعية بتخفيفالياء. وإذا دخل في الثامنه فسدس ذكرا أو أنثى. وإذا دخل في التاسعة وطلح نابه فبازل ذكرا أو أنثى وربما بزل فيالثامنه فإن يطلع نابه فيها. وإذا دخل في العاشرة فمِخلف ذكر أو أنثى بكسر اللام اسم فاعل
أخلف. أي جاوز البازل. وبعد ذلك بازل عام. وبازل عامين.
ومخلف عام. ومخلف عامين .... وهكذا. وقيل: إلى خمس سنه وإذا كبر فعود والأنثى عودة وإذا هرم مقرع. (3/98)
صفحة 590
وقيل: فحم. والأنثى ناب وشارف. وقال أبو زيد: الناقة لا تكون بازلا. وكن إذا أتى عليها حول بعد البزول فهي بزول إلى أن تنوب فتدعىنابا. والخَلِف بفتح الخاء وكسر اللام الحوامل من النوق.
والواحده خَلِفة وتسمى عشرا عند بعض. والجمع عشار. ولا توخذ الحامل وكريمة المال إلا إن يشاء ربها.
وولد البقرة في السنة الأولى يتبع وعجا. وفي الثانية جذع. وفي الثالثة: ثني. وفي الرابع: رباع. وفي الخامس: سدس. وفي السادسة: ضالع. وبعد ذلك ضالع عام. وضالع عامين ... وهكذا. (3/99)
صفحة 591
وفي مناسك الشيخ إسماعيل: ثني البقر ما دخل في الرابعة. وهو غير ظاهر أسنان الغنم كأسنان البقر في المدة والتسمية. إلا السنة الأولى فيسمى ولد الشاه حملا وخروفا. وولد المعز يسمى جديا وسخلا.
وقد قيل: في ولد النعجة أنه يجذع في ستة أشهر أو تسعة. ويجوز في إلهدي والضحية.
وهذا مراد الشيخ إسماعيل في المناسك أن الجذع من الضأن ما له ستة أشهر وما مّر بالنظر إلى واجب الزكاة. ولا زكاة في الإبل التي يجعل عليها القتب. ولا في التي تجر بأزمتها وهي ركائب القوم لأن الصدقة في السائمة لا في العاملة ولا من بقر ولا في الحمير والخيل والبغال. ولا في العبد والأمة إلا إن كان ذلك للتجارة فيزكيه على ما جعل فيه. وقيل: على القيمة. وقال أبو حنيفة: في إناث الخيل الزكاة مطلقاً. (3/100)
صفحة 592
أعني سواء أفردت عن الذكور وكان معها الذكور. وقيل: عنه: تجب فيها إن فردت عن الذكور أو قربت.
و ذلك إذا اتخذت للنسل. وقال: إن شاء مالكها أعطى عن كل فرس دينارا.
وإن شاء قومها دراهم وأخرج زكاتها. (3/101)
صفحة 593
الفصل التاسع نصاب الحبوب
نصاب الحبوب التي تجب الزكاة فيها خمسة أوساق وهي التمروالبر والشعير والزبيب والذرة بالضم والتخفيف كما بينته في شرح النيل. والسُّلْت بالضم فإسكان ضرب في الشعير لا قشر له كالبر. وقال مالك والشافعي: تجب في كل ما يقتات به ويدخر ما يتخذ العيش غالبا كالحمص واللوبيا والعدس والفول والترمس.
وقال أبو حنيفة: تجب في كل ما تخرجه الأرض ماعدا الحطب والقصب والحشيش.
ويحمل البر على الشعير والشعير على البر. والظاهرأانه يحمل السلت عليهما لشبهه الشعير في الطبع والبر في
الصورة. وأنهما يحملأن عليه. ويعطي من كل من المحمول والمحمول عليه ما وجب فيه. وقال وائل ابن أيوب رحمه الله ومكحول وعطاء والشافعي وغيرهم: يحمل البر على الشعير ولا الشعير عليه. (3/102)
صفحة 594
فلا زكاة على من عنده أربعة أوساق بر و وسق شعير أو نحوذلك.
ونسب ذلك إلى عبيدة. وما جمعته السنة فثمرة واحدة تزكى. وقيل: إذا كان بين ثمرتين ثلاثة أشهر أو أكثر فلا زكاة إلا في التيتم فيها النصاب وحدها. وتحقيق النصاب للتحديد عند بعض أصحابنا والشافعي وهو
الصحيح. فان نقص ولو قليلا كرطل أو دونه فلا زكاة. وقال بعض أصحابنا ومالك للتقريب كالقلتين فتجب مع نقص قليل كرطل ورطلين. وقيد البعض بنصف صاع فأقل. قيل: وخمسه أرطال.
والاعتبار بالكيل لا بالوزن. والوَُِسق بفتح الواو على الأفصح وكسرها وضمها ستون صاعا.
والصاع أربعة أمداد. والمد رطل وثلث. (3/103)
صفحة 595
قيل: وزيادة يسيرة بالبغدادي. ونسب للجمهور. وقيل: رطلأن.
والرطل خمسه عشر أوقية. والأوقية عشرة دراهم.
فالرطل مائة وخمسون درهما. والدرهم قيراطان.
والقيراط ثلاثون حبة. وقال بعض قومنا: الرطل مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا. وكل درهم خمسون وخمسا حبة من شعير متوسط مقطوع ما امتد في الجانبين خارجا من خلقته. وقال بعض الشافعية: خمسه الأوساق بالوزن ألفاً وستمائة رطل بغدادي. والرطل مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم على
الأصح عند النووي. وبالكيل ستة أرادب وربع أردب بالمصري. ويستتم الشريك بشريكه في الحبوب والأنعام مطلقا. (3/104)
صفحة 596
وقيل: إن كانت شركة واحدة وعليه. فإن اشتركا في النصاب بعضه أنصافا وبعضه أثلاثا مثلا فلا زكاة مثل أن يشتركا وفي عشرون شاة أثلاثا وفي عشرين أنصافا. وإن اشترك مع من أتم ومن لم يتم زكي مع من أتم معه لا معمن لم يتم معه. إلا إن جمع سهامه فوجد فيها النصاب. وقد يكون له في ذلك أوقات إن صورت ذلك في الأنعام. وإن استفاد ما يتم به له النصاب رجع إلى وقته الأول فيود. وقيل: إلى الذي استقبله ويستتم بحبوب والده الطفل ولا بأنعامه خلاف لبعض مطلقا. ولبعض إن كان ذلك من قبل ولا صاحب التجارة بصاحب الكسب
في الأنعام لأنه يزكى بقيمة الذهب والفضة التي جعل فيها. ويستتم بها حب الكسب. وفيها سقى بالمطر أو النهر العشر. وفيما سقى بالزجر أو الساقية نصف العشر. وفيما سقي بنوعين زكي عليهما بقدر ما سقي من كل ثلثا من سقيانه أو ربعا أو اقل أو أكثر (3/105)
صفحة 597
وقيل: على ما أسس. وقيل: على ما أدرك. وتجب الزكاة أدرك بالحب ولو أقل قليل عنه بعض إن تم النصاب في الكل. وإذا أدرك خمسة أوساق عند آخرين. وقيل: تجب فيها أدرك فقط. وظاهر كلام بعضهم أنه إنما تحب إذا كان النصاب يكمل بعداليبس. واستظهر بعضهم تأويله بأن المراد أنه لا يجب الإخراج إلا بعد اليبس ولو تعلق الوجوب لمجرد الإدراك. وهذا تأويل يعيد عندي بالنظر إلى العبارة إذا أدركت الثمرة وتلفت بغير تفريط.
وبغير تمكن من الخراج لم تلزم زكاتها. (3/106)
صفحة 598
الفصل العاشر صاحب الحب
جاز لصاحب الحب أن يأكل منه بلا حساب مادام في جمعه وقطعه
عمله. ولا يأكل مما جمع إلا بحساب. وقيل: يأكل منه أيضا بلا حساب. إلا إن اجتمع في مكان واحد مقدار النصاب. وهل يحسب جميع ما أعطاه للفقراء؟ أو لا يحب ما أعطى لوجه الله لفقير متولى بغير عرض؟
أينوى ولو لم ينو زكاة أو لا يحسب ما أعطى لوجه الله مطلقا؟ ولو أعطى حبة؟ كله أقوال.
وإن رأى عناء زرعه أو ثماره أكثر من قيمته فتركه ففي وجوب الزكاة خلاف.
وكذا إن ترك ذلك لريبه أو لخوف تباعة. ولا يحسب ما أكل هو أو عيإله أو تصد ق به أو دارى به أو أعطاه للجمار. أو أطعمه الضيف أو دابته أو دابة صبية. (3/107)
صفحة 599
أو عمل به ما يحتاج إليه في عمل تلك الحبوب من آلة. وما يحتاج إليه العمال ما لم مجتمع من ذلك مقدار النصاب. وإذ فرغ من الحصاد حسب كل موجود ولو عجينا أو دقيقا أوطعاماً.
وقيل: يحسب ذلك كله. وقيل: لا يحسبه إلا إن ذهب في وقت واحد مقدار النصاب. فليزك عن ذلك المقدار.
وقيل: يحسبه إلا ما أكل العمال وما جعل لهم مما لا يستغنون عنه في العمل. ويحسب ما أكلوا يوم لم يعملوا.
وسواء في العمال كانوا من غير عيإله أو منهم. ولا يحسب ما اذهب قبل الإدراك.
ويتم النصاب بما وجد عند الإدراك. ولا يزكى إلا على ما وجد بعد القطع عنه بعض فصل الصفات المبيحة لأخذ الزكاة خمس: (3/108)
صفحة 600
- الإسلام.
- العدالة.
- الفقر.
- الحرية.
- عدم لزوم غنى نففته.
وأجاز عبد الله ابن أبي العزيز وشعيب من النكار إعطاء الزكاة
لصاحب الكبائر ولو مخالف. والموقوف عنه. ويجوز الأخذ بقولهما في مسائل الاجتهاد.
والصحيح الأول. إلا أن لم يجد في قريته أو بلده إلا الموقوف عنه منا والمتبرأمنه منا. فليعطيها للموقوف عنه. وإن لم يجدي عنه وإن لم يجد أعطاها للفاسق المتبرأ منه. ولا يخرجها إلى أهل الولاية من غير قريته أو بلده. (3/109)
صفحة 601
ذلك ولو في مكان قريب ما وجد في قريته أو بلده فاسقا حرا فقيراأو أعطاه ما لا يجوز أن يعطيه أكثر منه وبقى شيء، وإلا في زمان الإمام فإنه يفرق زكاة كل بلد أو قرية علي الفقراء أهلها ولو فساقا أو مخالفين.
وتدفع الزكاة للعامل. وإن لم يكن متولى أن كان الإمام متولى. ويعطيه الإمام منها. كذلك ولو لم يكن متولى إن كان الإمام متولى. ومن أخذ الزكاة ومعه كبيرة وتاب فليردها لصاحبها. وقيل: يعطيها الفقراء. وقيل: لا شيء عليه. وإن أخذها مشرك مستتر بالإسلام أو عبد في هيئة الأحرار وغني في زي الفقراء وتاب ردها لصاحبها وأنفقها على الفقراء. والغني هو مالك النصاب عند بعض. وفيه أنه قد لا يكفيه ذلك النصاب مع عيإله إلى السنة. قيل: هو في أهل القرار من له بيت يسكنه وخادم يخدمه وجنان يأكل منها الثمار أيام الغلة وله دابة يركبها وقوت سنة ولا دين عليه. (3/110)
صفحة 602
فيأخذ حتى يتم له ذلك. ومن أهل البادية من له ما قوت سنة وغنم يحلبها وحمولة لثقله ودابة وخادم وبيت وليس بمدين. وقيل: الغنى من له ما يكفيه وعيإله نفقة وكسوة ومؤونة إلى السنة.
ويحسب في ذلك كل ما ملك إلا بيتا يسكنه وخادما يخدمه. فيأخذ حتى يتم له ذلك.
وقيل: لا يحسب ما لا يستغنى عنه كالدار والدابة. والأهل الذي لا يستغنى عنه ويأخذ الفقير ما يكفيه وعيإله سنة وقيل: ما يشترى به ضيعة فيستغنى بها طول عمره. أو ما يهيئ به بضاعة يتجر بها فيستغني.
وعنه صلى الله عليه وسلم خير الصدقة ما أبقت غنى أي ما كثر حتى يكون أخذها غنيا.
وعن عمر رضي الله عنه: إذا أعطيتم فاغنوا. وقيل: المراد الصدقة النفل يعطيها صاحب المال ويبقي لنفسه
ما يستغني به. وقيل: من افتقر فله أن يأخذ مثل ما كان له ولو عشرة آلاف درهم. (3/111)
صفحة 603
إلا إن خرج من حد الإعتدال. وفي القولين إسراف. وقيل: يأخذ الفقير خمسين درهما.
وقيل: مقداره النصاب. ويأخذ مقداره أيضا بكل من عيإله ألزم نفقته حتى يكون لكل
واحد منهم المقدار. وزعم بعضهم أنه يأخذ قوت يوم وليلة.
وهذا على التخرج والتصوف. ولا يأخذ الأخذ إلى ما تشتهيه نفسه من فنون التوسيع الممقوت شرعا.
ولينو التقوى على طاعة الله عز وجل. وليصرف الفاضل عن حاجته إلى أهله إن استغنى عنه.
ولا يعطي الأنسان زكاته لمن لزمته نفقته. والظاهر الجواز إن كان يجعلها في غير النفقة مما لابد منه كدين
لله أو لمخلوق لا يجد له وفاء. وليس مما يدركه على معطى الزكاة. ويعطيها أمه تحت زوج فقير. (3/112)
صفحة 604
ويعطيها أولاده البلغ. وقيل: إن حازهم ويعطيها بناته البالغات. وقيل: يعطيهن إن تزوجن فقراء بالغات أو طفلات.
وتعطي المرأة زوجها وأولادها. ولا تعطى طفل إلا بالخليفة. ويعطى لأولاد أولاده وجده وجدته إن لم تلزمه نفقته.
وكذلك مواليه الأطفال إن اعتقهم لوجه الله لا للكفارة. ولا تعطي للقوى المحترف إذا كان جامعا للمال.
ولا لمن نوى بها جمعه لا الحاجة. ويعطيها إن احتاج إليها في طلب علم أو معيشة أو قضاء أو دين أو
تباعة أو كفارة أو تزوج أو تسر. ولا تؤخذ ليبنى بها مسجدا أو لأكفان الموتى أو مصالح الطرق أو
إطعام الأضياف أو حج نفل أو تزويج ولده. أو صله قرابة. ولا تعطي لبني هاشم واالمطلب ولهم بدلا منها خمس الغنيمة. و إن منعوا منه أعطوها ولا لمن أعتقوه. فإن مولى القوم منهم. ويجوزللغني شراء الزكاة وقبولها من مهديها.
الفصل الحادي عشرالزكاة لثمانية (3/113)
صفحة 605
تعطى الزكاة لثمانية أصناف:
الأول: الفقراء وهم أهل حاجة الذين لا يسألون.
الثاني: المساكين وهم أهل الحاجة الذين يسألون. وقيل: الفقير الذي بلغه من العيش. إلا أن الفقير في من لعيش.
الثالث: أي مكسورة.
وقيل: الفقير الذي بلغه من العيش. والمسكين من لا شيء له كأنه غير متحرك.
ولا دليل له في قول الشاعر:
أما الفقير الذي كانت جلويته = وقفه العيال فلم يترك له سمد
ولا في تسميه الله أناسا من المهاجرين فقراء. وكل واحد دار وزوجة وعبد وناقة يحج عليها ويغزوا.
وإسهامه لهم في الزكاة لأن غاية ما في ذلك وصف فقير له حلوية. وتسمية من له دار وزوجة وعبد وناقة فقيرا دون أن يذكر أن المسكين دون ذلك. (3/114)
صفحة 606
وإن من شيء له لا يسمى فقيرا. وقيل: المسكين من له البلغة. والفقير من لا يجدها.
ولا دليل له في قوله عز وجل:
{أما السفينة فكانت لمساكين ... الخ}
ولا في قول الشاعر:
هل لك في أجر عظيم توجره = تغيث مسكينا كثير اعسكره
عشر شياه سمعه وبصره = لأن غاية ما فيها وصف مسكين
بأن له عشر شياه ومساكين بأن لهم سفينة دون أن يذكر أن الفقير من لا شيء له لا يسمى مسكينا.
وقيل: هما سواء. الثالث: العاملون عليها. وهم الذين يأمرهم الإمام أن يأخذوها من أهلها ويضعوها في مواضعها أو يأتوا بها إليه. وهم العالم الثمن. وقيل: ما يكفيه لعامه. (3/115)
صفحة 607
وقيل: ما رأى الإمام. وإن ما ت قبل أن يأخذ سهمه أخذه ورثته. وإن عزل قبل أن يأخذه أعطي له.
وللعامل النفقة ما دام مشتغلا بأمر الزكاة وما يركب عليه وعلف دابته ودواب من معه في ذلك والدواب التي يحمل عليها. وهو الناظر في بيع ما يصلح بيعه وشراء ما يصلح شراءه. وللعامل سهم ولو كان غنيا.
لأنه يأخذه على جهة الأجرة. وأجيزت لمن فيه منفعة لعأمة المسلمين كالقضاة والشراة والولاة ولو
أغنياء على قدر غناهم. وقيل: لا تعطي الغني ولو مجاهدا أو عاملا ونفقة الإمام وعيإله
من بيت المال إن لم يكن له مال بنظر المسلمين. ومن فوق زكاة ماله في زمان الإمام بنفسه بلا أمره لم تحرم.
قيل: يقسم العامل نصف زكاة كل بلد. وقيل: ثلثها على فقراء أهله والغارم والمكاتب. ويجعل الباقي في بيت المال لمصالح المسلمين. ويعطي فيه الإمام سهم العامل والمؤلفة قلوبهم وابن السبيل. (3/116)
صفحة 608
وإذا احتاج إليها كلها عز الدولة فهو أولى. ولا يأخذ العامل من أرباب المال التي تربي ولدها والحامل وذات
البن والفحل إلا أن يشاء. وإذا عدم الإمام فوق صاحب المال زكاته بنفسه. أو يستخلف من يفرقها إن كان أمينا.
وإن لم يستلخف أمينالم يجره حتى يعلم أنه وضعها في مستحقها. ولا تدفع الزكاة إلا حاضرة.
وإن دفعت غائبة لم تجز إلا إن وصلت المدفوع إليه. الرابع: المؤلفة قلوبهم.
وهم من ترجي فيه منفعة للإسلام. أو دفع مضرة مشرك. أو موحدا ضعف إيمانه. فإنهم يعطون من الزكاة ليؤلفوا بها. وإذا قوي الإسلام سقط سهمهم.
الخامس: الرقاب وهم المكاتبون يعطون منها ولو لم يكونوا في
الولاية. (3/117)
صفحة 609
وهم أحرار عندنا. يأخذونها ليخلصوا ما عليهم مما كتبوا عليه. وقال قومنا: هم عبيد حتى يؤدوا ما كتبوا عليه وهو فاسد.
السادس: الغارمون وهم الذين لزمهم الدين من غيرإسراف ولا تبذير ولا فساد حالا أو آجلا.
وأخذها الأنسان ليقضي تباعه لزمته فيما بينه وبين الله. كحج والكفارة الظاهر وغيرها.
وليقي بها كفارة الظهار وغيرها. أو ليحتاط بذلك وإن لزمه دين بإسراف أو تبذير أو فساد وكف
عن ذلك أعطيت له. ويحل له إن نوي أن لا يرجع إليه فيما يظهر.
السابع: أهل سبيل الله. وهم الغزاة والرابطون في ثغور العدو.
وقيل: يعطا منها الغزاة إن لم يكن الفيء كفاف. ويعطا الغازي منها ولو غنيا.
وقيل: لا يعطي منها إلا إن كان فقيرا أو انقطع به. الثامن: ابن السبيل. (3/118)
صفحة 610
وهم المسافرون في غير معصية. المحتاجون يأخذونها ولو كانوا أغنياء في بلادهم.
أو ليسوا بأهل ولأهل ولاية. وان وصلوا بلادهم وفي أيدهم منها شيء أعطوه لفقراء المسلمين إن
لم يكونوا أهلا للزكاة. وقيل: يمسكونه. وزعم بعضهم أن ابن السبيل إذا أخذها لحاجة وهو غني في بلده
يردها إذا وصل بلده من ماله. وقيل: ابن السبيل الحاج المنقطع به.
ويعطي لمن شاء ممن وجد في هؤلاء الثمانية في الكتمان. وأما في الظهور فقال الشافعي يقسم بين الثمانية.
وقلنا إن أعطيت لصنف واحد أجزأت. ولا سيما إن يوجد إلا الصنف الواحد إلا العامل فلا يعطاها
كلها ولو لم يوجد سواه.
ومعني قوله سبحانه أنما الصدقات الخ. إن محلها من ذكر لأنها تفرق بينهم كلهم حتما.
الفصل الثاني عشر زكاة الفطر (3/119)
صفحة 611
زكاة الفطر فرض باق عند العمانين من أصحابنا رحمهم الله وجمهور
فقهاء الأمصار. وهو فرض منسوخ بالزكاة عند قوم. وسنة مستحبة عند أصحابنا من أصل الجيل والمغرب.
وعند أهل العراق والمتأخرين من أصحاب مالك. وهو الصحيح. وتدفع لمن تدفع له الزكاة على الخلاف السابق. وتدفع حاضرة ولا يجزي دفعها غائبة إلا إن وصلت. ولا تبعث هدية.
ولا تجب لغائب. وكذا الزكاة لا تدفع لمن لزمته نفقته. والأفضل إخرجها قبل الخروج إلى صلاة العيد من يوم الفطر. وإن لم يخرجها في ذلك اليوم فهي فطرة إلى يوم الأضحى.
وقيل: إلى آخر شوال فقط. وبعد ذلك صدقة. (3/120)
صفحة 612
ويجوز تعجيلها في رمضان لحاجة الفقراء عندنا.
وهي أربعة أمداد عن كل نفس حر أو عبد ولو مشرك أو طفل أو
بالغ يخرجها المرء عن نفسه. وعمن يعوله ما يتقوت به من حب وتمر ولبن وبقل ولحم وغير ذلك
ما فيه جل قوته وقوتهم. إلا إن كان قوته من نفول الصحراء أو الأكم أو الصيد فلا عليه.
وتعطى من اللبن محلوبا بالوزن أو الكيل. ومن البقل مقطوعا بكيل أو وزن.
ومن اللحم مقطوعا منزوع العظام. ويجوز إعطاء قيمة الأربعة الأمداد فضة أو ذهبا عندنا وعند أبي
حنيفة. وقيل: يجزي عن كل نفس مدان برا ولا يجوز إخراجها عن نفس
واحدة من جنس عندنا. وقيل: بالجواز مثل أن يعطى مدان من بر ومدان عن تمر ومدان
من شعير ومدان من تمر ونحو ذلك. وتجب بغروب شمس آخر رمضان. أو بطلوع فجر العيد.
أو بطلوع شمسه فايدتهما فيمن حدث قبل وقت الوجوب. (3/121)
صفحة 613
فإنه تخرج عنه أو بعد دخوله فلا. وفيمن تلف على عكس ذلك لا يخرجها عمن جاز من أولاد البلغ.
وقيل: لا يخرجها عمن بلغ ولو لم يجزه. وقيل: إن كان لصغاره مال أعطاها عنهم منه.
وليس عليه أن يخرجها عن المغصوب أو الآبق إذا لم يرجه. ولا عن عبيد التجارة لأنه لا تجتمع زكاتان في مال واحد خلافا لبعض. وقيل: لا تخرج عن العبد المشرك والزوجة المشركة.
وقيل: لا عن الزوجة مطلقا. ويعطى عن حصة في المشرك من العبد والولد.
ولا تعطى عن الزوجة ما لم تجلب أو يؤمر محلها. ولا تجب عندنا إلا على الغنى وقدم الخلف فيه بالخلف في الفقير. وفي الديوان تجب على من عنده قوة ولا دين عليه.
الباب الثامن في الحج (3/122)
صفحة 614
الحج هو لغة القصد.
وسمي السفر لبيت الله حجا دون غيره من الأسفار لكثرة اختلاف الناس إليه.
ولذلك سمي الطريق الأعظم بحجة لكثرة اختلاف الناس فيهبالقصد إليه. وشرعا قطع المناسك وهو فرض لقوله سبحانه:
{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وقوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:
{يا أيها الناس لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم فاعبدوا الله ربكم وصوموا شهركم وصلوا خمسكم وأدوا زكاة أموالكم طيبه بها أنفسكم وحجوا بيت ربكم وأطيعوا ولاة أموركم أي في غير المعصية – تدخلوا
جنة ربكم}.وقوله: {حجوا قبل لا تحجوا فانه قد هدم مرتين ويرفع في الثالثة}.
وفي رواية {حجوا قبل إن لا تحجوا فكأني انظر إلى حبشي - ... (3/123)
صفحة 615
أصمع – أي صغير الأذن – أي زالتا مفاصل يده أو رجله عن موضعها بيده مغول يهدمها حجرا حجرا}.
وفي: رواية حجوا قبل أن لا تحجوا تقعد أعرابها على أذناب أوديتها فلا يصل إلى الحج أحد.
وقول ابن مسعود رضي الله عنه حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت.
أي ماتت. ويروى إن إبراهيم لما أكمل بناء البيت أوحى الله سبحانه إليه أن: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعل كل ضامر يأتين من كل فج عميق}.فقال إبرهيم: يارب ما يبلغ صوتي؟
فأوحى الله إليه عليك الأذان وعليّ الإبلاغ. فقام على الحجر الذي هو في المقام.
فارتفع به الحجر حتى ساوى أبا قبيس فنادى: أيها الناس إن الله قد بنى بيتا وأمركم إن تحجوا فأجيبوا ربكم
وحجوه. فأسمع الله من في الدنيا كلها. (3/124)
صفحة 616
واسمع من الأصلاب إلى يوم القيامة ممن سبق في علم الله أنه يحج. فأجابه كل لبيك اللهم لبيك مرة أو أكثر بحسب ما يحج. وصارت قدماه في الحج. وعاد الحجر إلى ما كان عليه. وقيل: قام على جبل أبي قبيس.
الفصل الأول تابع الحج (3/125)
صفحة 617
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{حجوا فان الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن}. وقال صلى الله عليه وسلم:
{حجوا تستغنوا وسافروا تصحوا}.
وقال صلى الله عليه وسلم:
{من حج مكة ماشيا إلى أن يرجع كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم}.
وحسنة الحرم بمائة ألف حسنة. وقال للحاج الراكب بكل خطوة يخطوها بعيره سبعون حسنة.
ولو أن الملائكة صافحت أحدا لصافحت الغازين في سبيل الله والبار
بوالديه والطائف ببيت الله الحرام. وقال: المنفق في الحج كالمنفق في الجهاد في سبيل الله الدرهم
بسبعمائة درهم. وقال من العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما. أي لمن أجتنب الكبائر. (3/126)
صفحة 618
كما جاء في رواية: والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة والمبرورالذي أوتي به على وجه كامل كما هو ولم يخالطه بإثم. وقيل: المقبول. فكأنه قيل: المقإبل بالبر وهو الثواب. وعلامة قبوله أن يكون صاحبه خير مما كان قبله. والصحيح الأول. وقال: من حج هذا البيت ولم يرفث ولا يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وقال: أيما مسلم خرج من بيته قاصدا في سبيل الله فوقصتة دابته قبل القتال - أي كسرت عنقه - أو لدغته هامة – أي دابة - أو مات حتف أنفه - أي بلا قتل ولا ضرب - مات شهيدا. أو أيما مسلم خرج من بيته إلى بيت الله الحرام ثم نزل به الموت قبل بلوغه أوجب الله له الجنة. وقال: من خرج من بيته حاجا أو معتمرا فمات أجر له أجر الحاج المعتمر إلى يوم القيامة. ومن مات في احد الحرمين لم يعرض له ولم يحاسب.
وقيل: له: ادخل الجنة. وقال: اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج. (3/127)
صفحة 619
أي ذي الحجة والمحرم وصفر وعشرة من ربيع الأول. ويقال من عاد السلف أن يشيعوا الغزاة ويستقبلوا الحجيج ويقبلوا بين أعينهم ويسألونهم الدعاء وينادون بذلك قبل أن يتدنسوا بالآثام.
وقال هذا البيت كفارة لذنوب أمتي والحجر الأسود جوهرة بيضاء من الجنة له شعاع كالشمس واشتد سوادها لمس أيدي المشركين وذنوبهم. ولولا ذلك لاشتقى به من كل أذى وليعودن كما كان وسترت
زينته عن أعين الظلمة. إذ لا ينبغي لهم أن ينظروا إلى ما كان من الجنة على حإله.
واعلم إن الدعاء عند البيت مجاب. وقال: ما أري الشيطان في يوم أصغر ولا أدخر أي أبعد ولا أحقر
ولا أغيظ منه في يوم عرفة. وما ذلك إلا لما يري فيه من نزول الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب
العظام إلا ما رأى منه في يوم بدر. وأعلم أن الحج بالمشي أفضل لمن أمن الأنقطاع وسوء الخلق
بالتعب. فان الملائكة يتلقون الحاج فيسلمون علي أصحاب الجمال. ويصفحون أصحاب البغال.
ويعانقون المشاة. (3/128)
صفحة 620
الفصل الثاني وجوب الحج
الحج واجب مرة في العمر علي من قدر ولم يمنعه مانع كمرض وحاسر الدين عليه. وان مات ولم يوص به مضيعا غير تائب مات يهوديا أو نصرانيا أو موتة جاهلية. أعني مثل ذلك في العذاب لأنه كافر نفاق لا شركا. إلا إن جحد وجوبه ولم يقبل له عمل.
روي ذلك في الحديث. وعن عمر: والله ما من وجب عليه الحج ولم يحج بمؤمن والله
ما هو بمؤمن والله ما هو بمؤمن. وظاهره أن الحج على الفور. والصحيح تراخيه.
ولعله أراد من لم يحج عن نفسه. ولا أوص بنفسه. (3/129)
صفحة 621
الفصل الثالث تابع الحج
الحج على البالغ العاقل الحر المستطيع ذكرا أو أنثى موحدا أو مشركا.
لكن لا يصح من مشرك فالواجب أن يسلم فيحج بعد إسلامه. وإن حج عير البالغ واستطاع بعد وجبت عليه الإعادة بعده. ويؤجر على الأول أجر نفل. وقد صحت منه.
وذلك هو الصحيح لقوله صلى لله عليه وسلم:
{أيما صبي حج ولم يبلغ الحلم فعليه حجة أخرى أي إن استطاع بعد البلوغ. وعليه جمهورنا وأبو حنيفة. وقال ابن محبوب وبعض فقهاء الأمصار:
يكفة حجة قبل البلوغ. إن حج بصبي غير مميز أو مجنون نوى له ولية الحج.
ولبى له بعد أن يفعل ذلك لنفسه. وإن قدمه عن نفسه أجزئ عندي. (3/130)
صفحة 622
ويعزله عما يعزل عنه المحرم. قال بعض قومنا: يجرد الرضيع قرب الحرم.
والحق أن هذا الحج لا يجزي الطفل والمجنون عن الفرض إن استطاعا بعد بلوغ وإفاقة.
وإن حج عبد وجبت عليه الإعادة إن استطاع بعد عتقه. وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم:
{أيما عبد حج ثم عتقه فعليه حجة أخري وليس بمستطيع من خاف الطريق}.
والأمر لم يجد دليلا للطريق. ولا من لم يقدر على المشي ولا على الركوب.
ولا من لم يجد رفقة. ولا من لم يجد ما يكفيه من المال هو وعيإله إلى أن يرجع.
ولا من لم يجد راحلة وتلحقه مضرة بالمشي. ولا من له والد ووالدة أو صغير ولم يجد من يقوم بهم أو وجده
بأجرة لا يحملها ماله. ولا من لم يجد زوجا أو محرما أو مسلما يسافر بها في رفقته. ويحسب باستطاعته المال الأصول. وقيل: لا (3/131)
صفحة 623
وقال مالك: الاستطاعة صحة البدن. وقيل: زاد وراحلة وقيل: مال وصحة وأمان الطريق.
وقيل: ذلك كله والأصحاب، ومن خرج للحج أو غيره بلا زاد أو على حال مهلكة فمات كفر.
قال الله تعالى:
{ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}.
وهو على عمومه في حضر أو سفر ودخل فيه أعمى ألقى نفسه في صف الكفار.
وأما غير الأعمى فيجوز له إلهجوم على صف الكفار إن كانت فيه منفعة جار عليهم واعتقاد الجرأة في المسلمين.
وكذلك الاحتساب في الأمر والنهي. وقيل: التهلكة ترك النفقة في سبيل الله وطاعته. وقيل: أن يذنب ذنبا فييأس من التوبة. وقيل: الاسراف وتضيع وجه المعاش والكف عن الغزو والأنفاق.
فهذا يقوي العدو ويسلطه على إهلاكهم. (3/132)
صفحة 624
الفصل الرابع وجوب العمرة
العمرة واجبة عندنا لقوله صلى الله عليه وسلم:
{العمرة داخلة في الحج إلى يوم القيامة}.
أي لا يحج إلا بها. ولو كان الحج نفلا. وقوله: العمرة من الحج بمنزلة الرأس من الجسد.
وبمنزله الزكاة من الصيام. وقوله: تابعوا بين الحج والعمرة. أي إذا حججتم فاعتمروا.
و إذا اعتمرتم فحجوا. فإنهما ينقيان الفقر والذنوب كما ينقى الكير خبث الحديد والفضة
والذهب. وكير الحداد يسمى زق. أو جلد غليظ ذو حافات والمبني من الطين يسمى كورا.
ويطلق الكير على الحداد أيضا. ولا دليل لنا في قوله سبحانه: (3/133)
صفحة 625
{
وأتموا الحج والعمرة لله ذلك لجواز إن يكون المعني إذا نويتموهما أو دخلتم فيهما فأتوا بها
على الوجه التمام. ولا تبطلونهما. ووجوب الحج من آية أخرى.
وإتمامهما إكمال مناسكهما من سنة وما لا بد منه فيهما. وقيل: أن تكون النفقة حلال وينتهي عما نهي الله عنه عز وجل. وقيل: إن تحرم بهما من دارك. وقيل: أن تخرج لهما لا تريد غيرهما لتجارة وحاجة.
ولا بأس بتجارة إذا لم تكن هي المقصود الأصلي. وعنه صلى الله عليه وسلم:
{سيأتي على الناس زمان يحج أغنياؤهم للنزهة وأوسطهم للتجارة
وفقرائهم للمسألة وقراؤهم للرياء والسمعة}.ولذلك قال عمر رضي الله عنه الوافد كثير الحج قليل.
وقيل: العمرة سنة متأكدة. وبه قال مالك وقال أبو حنيفة: متطوع بهما. ويدل لهما قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عنها واجبة وإن تعتمروا خير لكم. (3/134)
صفحة 626
ولا دليل لهما في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه والشعبي: {وأتموا الحج والعمرةُ لله}.
برفع العمرة على الابتداء. لأن نسبه الشيء لله لا تدل على عدم وجوبه. بل هي أقرب للدلالة على الوجوب.
لأن المدح من الله موجوب ما لم يصرف عنه دليل ولا في: {ولله على الناس حج البيت}.
حيث ذكر الحج فقط لجواز أن تكون واجبة. ولم تذكر اكتفاء بوجوبها في الحديث أو لدخولها في الحج كما مرّ.
ومثله يأتي في: {بنى الإسلام على خمس}.وفي {صلوا خمسكم} الحدثين.
ولا شك أنهما غير جامعين للفرائض. ومفهوم العدد لا يفيد الحصر.
وتسمى العمرة الحج الأصغر وهي لغة: الزيارة ولزوم المكان.
والمراد بها في قوله:
=""
يهل بالفرد قد ركبانها = كما يهل الركب المعتمر
العمرة الشرعية إلا الزيارة كما قيل. (3/135)
صفحة 627
الفصل الخامس التخلص من التبعات
التخلص من التباعة واجب في كل وقت. ولا سيما إذا أراد الحج. وكذا حقوق الله.
وإن أوحى بذلك واستخلف أمينا جاز وحجه صحيح وإن لم يتخلص
من التبعات. لكن لا ثواب له ما لم يتنصل. ويستحب توسيع الزاد ليتسع خلقه. وإذا حضر خروجه أرضى كل من غضب عليه من جيرانه وأرحامه وحاللهم وودعهم. وودع أهله وصلى في منزله ركعتين.
الأولى بسورة الكافرون. والثانية بسورة الإخلاص. ويقول بعدهما: اللهم افترضت الحج فاجعلني ممن استجاب وتقبل منى واتخذ أصحابا أمناء فإن الرفيق قبل الطريق. وقد سمي صلى الله عليه وسلم الواحد شيطانا وغاويا.
واثنين شيطانين وغاويين. (3/136)
صفحة 628
والثلاثة ركبا ورشدا. والشيطان الشرير من أدمى أو جنى.
أو شبهة بالجني الشرير فإن عادته الأنفراد. وأراد أن التفرد من فعل الشيطان.
أو أن الحامل عليه شيطان. وأصل الراكب أصحاب الإبل. وفي معناهم أصحاب الخيل والبغال والحمير.
وذلك أن المسافر يحتاج إلى من يعينه على الحمل على دابة. وقد يموت أو يمرض ولا يجد قائما به ومن يوصل ماله. وقد روى خير الركب أربعة وفي رواية: خير الأصحاب أربعة. وعنه صلى الله عليه وسلم لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحدة. وأراد إن في ذلك تقوية كثير من العبادات.
والوقوع في المضر كالضلال عن الطريق ولا سيما الراكب فربما نفر مركوبه بأدنى شيء فأوقعه وهو جالس في هوة. ويجوز التفرد لما لا بد منه عند الأمن أو رجاء السلامة كالجاسوس والطليعة. (3/137)
صفحة 629
وقد أفرد رسول صلى الله عليه وسلم رسلا بليل في أمر العدو. وقد يقال بجواز التفرد لحاجة مطلقا الأمن.
كذا قيل: ويحث فيه بأنه لا يدرى أيتم أمنه أم لا ولا يدرى ما يحدث عليه ومن ما من يؤتى أخذ الحذر وقال عند خروجه وركوبه اللهأكبر ثلاثا. وسبحانه الذي سخر لنا قوله منقلبون. اللهم وفقنا للبر والتقوى في سفرنا وهون لنا واطو لنا الأرض. واصحبنا في السفر. أو أخلفنا في أهلنا. ويجتنب المماكسة. فإن غلا ما ساوم تركه.
وكذا في البيع والكراء. ويلازم التقوى. ويحسن خلقه ويكثر ذكر الحج ومسائله وذكر الله. فيشهد له ما سمعه. ويكبر على كل شرف. (3/138)
صفحة 630
ويسبح في كل منخفض. وإذا نزل قال: الحمد لله الذي إبلغنا سالمين. ربنا أنزلنا منزلا مباركا وأنت خي المنزلين.
وارزقنا بركة هذا المنزل واصرف شره عنا. وأبدلنا خيرا منه. (3/139)
صفحة 631
الفصل السادس مواقيت الاحرام
وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرام أهل المدينة ومن سلك طريقهم ذا الحليفة بالتصغير على ستة أميال من المدينة. وعلى عشرة مراحل أو تسعة من مكة وهي أبيار علي. ولا هل الشام ومن سلك طريق الجُحفة بجيم فجاءت مهملة ساكنة على ثلاث مراحل من مكة على طريق المدينة. وسميت لن السيل أجحفها في وقت. وسميت مَهْيَعة بفتح الميم والياء وإسكان إلهاء بينهما. وترك الإحرام منها لحماها الكثيرة.
إن النبي صلى الله عليه وسلم دعي على حمى المدينة فانتقلت إليهاوالناس يحرمون، ورابغ وهو مقإبل لها من جهة المشرق ولأهل اليمن. ومن سلك طريقهم يلملم بفتح الياء واللامين وإسكان الميم بينهما.
ويقال له الميم بهمزة بدل الياء. وهو حبل على مرحلتين من مكة، ولأهل نجد والطائف قَرْن بفتح فإسكان لا بفتح الراء أيضا ولأن أوليا منسوب إليه كما قال الجوهري. بل منسوب إلى بني قرن بفتحتين قبيلة من مراد. (3/140)
صفحة 632
وهكذا الميقات على مرحلتين من مكة. ويقال له قرن المنازل. ولأهل العراق ذات عِرْقٍ بكسر فإسكان ولو لم يفتح العراق في زمان لأنه قد أعلم أنه سيفتح. ويحج أهله ليبين أنها ميقات لمن أتى في طريقه ولو قبل فتحه.
هذا هو التحقيق. وقال الشيخ إسماعيل الأصح أن مؤقتها عمر رضي الله عنه لأنه فاتحه بعماله.
ويكون ميقاتهم ذات عرق قال الجمهور. وقال الشافعي ميقاتهم العقيق. ومن وصل ميقاته ولم يحرم واحد من ميقات غيره. فعليه دم عندي وعند مالك وأصحابه، وقيل: لا؛ واختاره الشيخ إسماعيل. ومن جاز على ميقات غيره قبل ميقاته لزمه الإحرام عندي وعند الشافعي. إن الميقات للمهلة ولمن مرّ عليه وزعمت المالكية أنه يجوز له ترك الإحرام إلى أن يصل ويجب عليه الإحرام. (3/141)
صفحة 633
إن كان إنما يصل بعد ذلك إلى ميقات غيره ومن منزله داخل الميقاتأحرم من منزله عند الجمهور.
وقال مجاهد: ميقات مكة. ومن أحرم قبل الميقات صح إحرامه. وليتق به ما يتقى المحرم.
والإحرام من الميقات قبل فرض الحج. ولا عمرة لمن لم يحرم منها. والصحيح أن الإحرام فرض لا حج لتاركه.
وأما كونه من الميقات فسنة تجبر بالدم. وإن لم يخف فوت الحج وأمكنه الرجوع إلى الميقات رجع وأحرم
منه ولا شيء عليه. من قصد مكة لتجارة أو حاجة فلا يجاوز الميقات إلا محرما عند أصحابنا وإلا أساء.
وقيل: لزم دم. ولا شيء على الحطاب. وقال قوم: لا يلزم الإحرام قاصد مكة لتجارة أو حاجة.
والأركان التي لا حج لمن ترك واحدا وأربعة. (3/142)
صفحة 634
الأول: الإحرام من الميقات. أو الإحرام مطلقا على ما مرّ. الثاني: الوقوف بعرفات.
الثالث: طواف الزيارة وهو بعد الحلق والذبح. ومن زار قبل الذبح والحلق عاد وذبح وحلق.
وزادوا: وإلا فعليه دم. وقيل: لا. الرابع: السعي بين الصفا والمروة. ذلك عن عائشة وبعض أصحابنا ومالك والشافعي واحد. فعلى تاركة الحج من قإبل. وقال أنس: صح حج تاركه ولزمه دم فهو سنة واجبة تجبر بالدمز
وبه قال جمهور أصحابنا. ويفوت بالجماع والإحلال. وقال أنس: تطوع. (3/143)
صفحة 635
الفصل السابع التلبية
التلبية للإحرام بمنزلة تكبيرة الإحرام إن تقارنت النية. وقال مالك والشافعي تجزئ النية من غير تلبية.
كما تجزي النية عن تكبيرة لإحرام عند مالك. والتحقيق أن التلبية الأولى والنية جزءان من الإحرام.
وقيل: خارجتان غير واجبتان. والإفراد إن يحرم بالحج وحدة أو بالعمرة وحدها إن أحرم بها في
غير أشهر الحج فإنه يسمى متمتعا. والإقران أن يحرم بهما في أشهر الحج. ولا يطوف ولا يسعى حتى يرجع من عرفات لطواف الزيارة. ويلزم إحرامه إلى يوم النحر. فيحل منهما جميعا بعد الحلق يوم النحر.
ويطوف لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا. قال لعائشة يجزيك بالبيت لحجتك وعمرتك.
وقيل: إذا قدم طاف لعمرته وسعى لها. ولا يحلق ويلزم إحرامه ولا يطوف بالبيت. (3/144)
صفحة 636
ويطوف لحجة ويسعى له يوم النحر أو بعده. وقيل: كذلك. لكن إذا فرغ من سعي العمرة جدد الإحرام للحج.
أو يحدد يوم التروية. واختاره بعض وفيه خروج عن الخلاف. والصحيح أنه يكفيه.
الأول من الإقران: أن يحرم بأحدهما يدخل عليه الآخر على خلاف في إدخال العمرة على الحج.
والتمتع: أن يحرم بالعمرة مفردة في أشهر الحج. وإذا قضاها حل إلى يوم التروية.
وهو اليوم الثامن من ذي الحجة فيطوف سبعا ويحرم ويركع ركعتين بإثرهما بالحج من تحت الميزاب.
أو من حيث أمكنه في المسجد. أو من بطحاء مكة. وإن شاء الله صلى ركعتين للإحرام.
ويجزيه ركعتا الطواف إن أحرم بأثرهما. ويستحب الاغتسال للإحرام. (3/145)
صفحة 637
أي إحرام كان. وإن أحرم بلا طواف بعد ركعتين أو صلاة ما جاززوليس وداع البيت بالطواف واجبا.
ذلك خلافا لبعض.
واستحب بعض العلماء أن يصلى مريد الخروج إلى من الظهر به. وصلاة ابن الزبير بمكة وتخلفت عائشة يوم التروية إلى ثلث الليل. وقال ابن عباس يخرج إذا مالت الشمس. وذلك أول وقت الظهر.
وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس بمنى ومضي من الغد لعرفة.
ويلزم إلهدي المتمتع إن كان وطنه خارج الحرم. وذلك إلهدي ضحيته. فتكون الضحية واجبة عليه يأكل منها ويتصدق ويدخر. وإن لم يجد صام. السابع والثامن: يوم عرفة. وقيل: له أن يصوم ثلاث في العشر.
ولا يصوم يوم النحر. (3/146)
صفحة 638
ويصوم سبعة إذا رجع إلى أهله في الطريق أو إذا وصله أو إذا رجع من عمل الحج. وإن كان بمكة وإن تلف مال المتمتع يوم النحر قيل: إن يضحى بعدإلهدي في السنة لمستقبله إن وجده. وإن صام الثلاثة واستفاد مالا يوم النحر قبل إن تغيب شمسه. فعليه الضحية. والتمتع أفضل من الإفراد. والإقران عندنا تسهيلا وليكثر الطواف.
وسمي ثامن من ذي الحجة يوم التروية لأنهم كانوا فيه يرتون فيه الماء أو لأن إبراهيم رأى ليلته في منى أنه أمر بذبح ابنه. فلما أصبح روى يومه كله. أي فكر فيه رؤيا من الله أم من الشيطان. ورأي ليلة عرفة كذلك.
فلما أصبح عرف أن ذلك حق. فسمي يوم عرفة. ورأي مثله في ليلة النحر فهمّ بنحره. فسمي يوم النحر. (3/147)
صفحة 639
الفصل الثامن أشهر الحج
لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره. وإن أحرم به في غيرها كانت عمرة تكفيه عن الواجبة.
وتكون عمرة نافلة إن اعتمر قبل ذلك عمرة أخرى أو أخذ بقول من لم يوجب العمرة. ذلك مثل من أحرم للصلاة قبل وقتها فإنها نافلة. وأشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة وهو مشهور مالك لبقاءأمور بعد عرفة الرمي والحلق والنحر والمبيت بمنى. وكان كارها للعمرة في بقيه ذي الحجة. وقيل: شهران وعشرون يوما.
وقيل: ابن عباس وأصحابنا شهران وعشر أيام. قيل: وهو الصواب.
ووجهة انقضاء الإحرام. فمن لم يدرك الإحرام والوقوف قبل فجر النحر فاته الحج وليلة العاشر
من الحج فساغ التسامح في قولهم عشرة أيام. فلو قيل: عشر أيام لكان أولى فيدخل في غير الأخير أيامها. (3/148)
صفحة 640
وكما قال الشافعي: أشهر الحج شوال وذو القعدة وتسعة أيام من ذي الحجة وليلة النحر. وذلك مذهب بعض أصحابنا. وقال البعض الآخر: تسعة أيام بلياليها قبلها. فإن الليلة لليوم بعدها عند الغروب. وذكر بعض أن ليلة عرفة متأخرة عن يومها. ومن قال بالتسعة ربما قال عشرة أيام تغليبا. وعلى هذا القول لا حج لمن لم يدرك الوقوف قبل الغروب. وقال أبو حنيفة عشرة أيام من ذي الحجة مع الشهرين قبله وقت
للحج تخفيفا. وأجاز الإحرام قبل شوال للحج على كراهة. وقال الله سبحانه وتعالى أشهر بالجمع إقامة للبعض مقام الكل لأن الموجود شهران فقط وعشرة أيام على ما مر. كذا قيل: وفيه أنه يلزم عليه الجمع للحقيقة والمجاز. فإن إطلاق لفظ الشهر على عشرة أيام مجاز. والمشهور عندهم منعه.
وقيل: بجوازه. (3/149)
صفحة 641
وقيل: أطلق الله صيغة الجمع على ما فوق الواحد. وليس كذلك لأن الموجود شهران وعشرة أيام لا شهران فقط.
والواضح أنه إنما قال أشهر بالجمع نظرا إلى أن المعني وقت أفعال الحج أشهر.
وهي بهذا الاعتبار ثلاثة: فالإحرام والتلبية والوقوف ونحو ذلك. وطواف الإفاضة أصله على الفور.
وتأخيره إلى آخر ذي الحجة جائز. وهذا مبني على أن أشهر الحج الثلاثة. أما على قول من قال أشهر الحج شهران وعشرون من ذي الحجة فيجوز التأخير إلى عشرين. وعلى قول من قال شهران وعشرة يجوز تأخيره.
ولا حد له ما لم يصب النساء. وبه قال أصحابنا. ومن قال أشهر الحج ثلاثة ألزم تارك طواف إلى خروج
ذي الحجة إعادة الحج. وفي أثر أصحابنا: إن خرج الحاج ولم يزر رجع في السنة أو بعدهاولو بلغ مصرة مالم يصب النساء. ويصح الإحرام بالعمرة في كل شهر. (3/150)
صفحة 642
ويعتمر في السنة ما قدر عليه إلا في أشهر الحج. فلا عمرة فيها إلا التي لزمت للحج.
وقال جابر بن زيد العمرة مرة في كل السنة كالحج. ويرده قوله صلى الله عليه وسلم:
{لا يجوز الميقات إلا محرم}.فإن ظاهر أن من كان خارج الميقات وأراد مجاوزة ولو مرارا.
وأما من كان داخله بأن كان في مكة وذهب إلى جدة ونحوها مماليس خارج الميقات فلا يجب عليه الإحرام لأنه لم يجاوزها. هذا تحقيق المقام عندي. (3/151)
صفحة 643
الفصل التاسع الاغتسال
يستحب لمن يريد الإحرام أن يغتسل بماء وسدر. ويجزي بماء سدر. ويجزي وضوء.
وإن أحرم وهو جنب أجزاه. وإن اغتسل ولم يتوض جاز له ولا سيما عند من يقول الحدث
الأصغر داخل تحت الأكبر عند الاغتسال. وحكي بعضهم الإجماع على أن الاغتسال للإحرام ليس بواجب.
ويسحب أن يلبس للإحرام ثوبين جديدين أو غسلين لم يلبسا منذ غسلا. وإن أحرم في ثيابه الدنسة أو إزار وهو ما كان من الحقو أو في إزار واحد وهو ما يعم البدن جاز. ويستحب التجرد في إزار ورداء ونعلين.
وللأمر به في الحديث أمر ندب. وعنه صلى الله عليه وسلم:
{السراويل لمن يجد الإزار والحقان لمن لم يجد النعلين وقيل: من لبس السراويل يفك خيوطه. وهو أوفق للقياس لأن المحرم لا يلبس مخيطا. (3/152)
صفحة 644
لكنه عن ظاهر الحديث لأنه إذا فك خيوطه كان من جنس الإزارفيجوز لبسه ولو وجد الإزار.
والحق جواز ليس السراويل لمن لم يجد الإزار ولو لم يفك خيوطه. وهذا الحديث قيد في نهيه في حديث آخر عن لبس السراويل ولا سيما في فكها إفساد للمال. ولم يأت ما يبيح هذا الإفساد في هذه المسألة.
أما لبس الخفين فمقيد بقطعهما من أسفل الكعبين عندي. ذلك لما تقرر في الأصول من حمل المطلق على المقيد على الصحيحزوقد قيد لبسهما بالقطع في حديث آخرزفلم يكن قطعهما داخلا في إضاعة المال المنهي عنها شرعا لمجيءالشرع بهزاللهم إلا أن يقال بأن حديث القطع منسوخ بالنهي عن الفساد. وإضاعة المال كما قال أحمد فأجاز لبسهما بلا قطع. وليس بشيء لتقدم النهي المذكور عن حديث القطع فإذا لبسا لعدم النعلين فلا فدية على الصحيح إذ لم يذكرها صلى الله عليه وسلم. وقال أبو حنيفة بلزومها قياسا على الحالق لضرورةز
ولا يعقد المحرم إزاره على بدنة. (3/153)
صفحة 645
وقيل: لجابر إن إزاري ينحل فقال: اعقده.
أو قال: أوثقه.
وقال الشيخ إسماعيل كفيه لباس المحرم أن يبسط ثوبي إحرامه معا
ثم يلتحف بهما معا. ولا يلبس أحدهما ويلتحف بالأخر لأن ذلك يشبه الإحترام به.
وفيه أنه كيف يسمى احدهما أزار والأخر رداء حيث لا تفاوت بينهما في اللبس. وإنه لا يضر الشبه بالإحترام.
وإنما الضار الإحترام. وقد يجاب عن الإشكال الأول بأنه يسمى الأول إزارا من حيث أنه ساتر للحقو.
وما دونه ماسا لبدنة. وعن الثاني بأنه شبه الإحترام ضار من حيث أنه يسيء الظن بصاحبه.
ومن حيث أنه يوهم جواز الإحترام وذلك إذا شوهد اللبس. فإن المحرم لا يحرم ولا يزر ثوبا ولو على يديه.
ولا يعقد على نفسه بخيط أو ثوب أو غيرهما. (3/154)
صفحة 646
ولا يتقلد سيفا ولا قوسا. وإن خاف فليمسك السيف أو القوس أو غيرهما من السلاح بيده. ويجوز عند بعض أن يشد على نفسه وعلى نفقته أو وعاء فيه نفقته غيره تحت ثوبه مما يلي بدنة. ولا يشد على رأسه ولا يحمله عليه لأنه يمس رأسه ساترا له. ولا يلبس القلائد من الحروز واللؤلؤة والجو هر والعتيق والخاتم وغير
ذلك مما يشد على البدن أو يكون طوقا كعمامة وبرنوس. ويجوز للمرأة القميص والسراويل والخف.
وإن لبس الإنسان شيئا مما منع منه أو شد شيئا على نفسه أو لبس مطيبا لزمه دم. إلا إن نسى ونزعه من حين تذكر فليلب ولا دم عليه. وإن تذكر لبس مخيط أخرجه من أسفل ولو لم يمكنه إلا بشق.
وان لبس مخيطا إلى الليل نسيانا إلى الليل لزمه دم. ويجوز عندنا لبس ثوب فيه لون الشيء الذي له رائحة إن ذهبترائحة. وكرهه مالك. وتلبس المرأة ما تلبس قبل الإحرام إلا ما فيه الطيب أو الزينة
كذهب وفضة وحرير وما يغطى وجهها ويمسه. (3/155)
صفحة 647
فان إحرامها من وجهها. ولا تكتمل لأن داع للجماع وإن سدلت ثوبا على وجهها
بلا مس جاز ذلك لخوف فتنة. ولا يجوز لها كشف رأسها أو شعرها لأنه عورة. وإحرام الرجل من رأسه فان غطاه فدم إلا إن نسي ونزع ولبى فلا دم. إلا إن نسي من الليل إلى النهار أو العكس إن فعلت شيئا من ذلك
فعليها دم. وإذا لبس ثوب الإحرام أحرم بعد صلاة. وان أحرم بلا صلاة جاز وتحمل الفضيلة بركعتين أو أكثر مطلقا. وقال مالك والشافعي: لا تحمل إلا بركعتين غير الفريضة. ويعين ما أحرم به من حج أو عمرة أوبهما.
وإن لم يعين و أحرم على ما أحرم عليه فلان أو صاحبة جاز. ويجوز أن يشركه صاحبة أو فلان في بدنة هديز
وينبغي أن يقول: اللهم أريد الحج المفروض فيسره لي وتقبله. وحرمت على نفسي الطيب والنساء والصيد والمخيط. وإن كان نفلا أو عمرة أو حجا وعمرة ذكر ما أراد من ذلك. (3/156)
صفحة 648
وإذا فرغ من الصلاة قال ثلاثا قاعدا مستقبلا: لبيك اللهم لبيكلبيك لا شريك لك لبيك بحجة تمامها وبلاغها عليك يالله. وإن أراد عمرة قال بعمرة تمامها ..... الخوإن أراد بهما قال: بحجة وعمرة تمامها و بلاغهما عليك يا الله.
ومن لم يلب بالحج لم يدخل فيه وكذا العمرة. وكسر همزة إن راجع عند الجمهور على الإستئناف.
ويجوز الفتح على التعليل أي لبيك لأن الحمد ... الخ
ويقوم وهو يلبى.
وذلك تلبية النبي صلى الله عليه وسلم المجمع عليها. ولا يجوز تبديلها.
وتجوز الزيادة عليها. هذا ما ظهر لي. وأجاز أبو حنيفة ما في معناها من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار.
كما قال في تكبيرة الإحرام. وقيل: لا يزيد عليها أنه من التلبية متصلا بها.
وكان ابن عمر يقول: لبيك وسعديك والخير بيديك والرغبة إليك. (3/157)
صفحة 649
والتلبية مأخوذة من ألبَّ المكان أي أقام فيه. أي أقام فيه أي أنا مقيم على طاعتك وعند أمرك.
وقيل: وغير خارج من رأيك. والذي يظهر أنه لا يقل رأي الله. لأن الرأي ما يحي عن فكر وكسب تعالى الله عنهما. ولو أريد به ما يصح معناه كدين الله لأنه يوهم ما لا يجوز. إلا إن ورد به الخبر ولا أضنه واردا.
وإنما يثنى ذلك اللفظ لأن المعني إقامة بعد إقامة. فالتثنية للتكثير.
كما قالوا: جنانيك ربنا أي هب لنا رحمة بعد رحمة. وهو هنا سائغ وجنانيك بمعني اتحنن تحننا عليك بعد تحنن.
وهو هنا غير سائغ لأنه لا يصح أن يقال تجننا عليك يارب بمعني أتجنن عليك إلا إن قدر مضاف أي على دينك.
ومعني سعديك إسعادا لك بعد إسعاد. (3/158)
صفحة 650
ومعني دوإليك تداولا بعد تداول. ومنعي هذاذيك بإعجام الذالين إسراعا لك بعد إسراع. فانظر شرحي على النيل.
ولنا في ذلك أبحاث في النحو. وحرم على المحرم الجماع. وهو مفسد للحج إن غابت الحشفة ومقدماته كالقبلة والنظر
والمس بشهوة. ويلزم بهن الدم. وإن أنزل فسد حجه. وقيل: يلزم بهن فساد الحج مطلقا.
واتفقوا على أنه مفسد للحج قبل الوقوف. وفي الوقوف وللعمرة قبل الطواف.
وإن جامع بعد الوقوف وقبل جمرة العقبة أو طواف الإفاضة فسد حجه ولزمه هدي والحج من قإبل على الصحيح.
وقيل: تم حجه ولزمه هدي.
وإذا أفسده بالجماع قبل عرفة أحرم أبدله ولزمه إلهدي.
وإن كان لا يدرك ذلك أبدله من قإبل ولزمه إلهدي وأتمه. (3/159)
صفحة 651
وسواء في فساد الحج أو العمرة أو الجماع عمدا أو نسيانا والظاهر عندي أن الناسي لا هدي عليه.
بل قيل: من أفسد حجة ولو عمدا بفعل أو ترك ركن لزمه الحج من قإبل ولا هدي عليه.
وقال الأكثر: عليه إلهدي ولو أفسده بلا عمد. ولا يزوج المحرم وليته. ولا يزوج له ولا يخطب للنهي عن ذلك.
وقيل: بجواز ذلك. لكن لا يجامع إن تزوج حتى يحل. وروى أنه صلى الله عليه وسلم تزوج وهو محرم.
وأقول البحث يرجع إلى معرفة المتأخر من فعله أو نهيه. فينسخ المتقدم وإن لم يعرف فالوقف.
ومن عمل معصية وهو محرم فعليه الجزاء وهو الفسوق في قوله عز وجل {لا فسوق}.
وقيل: هو السب.
وهو أخص من المعصية. ومن جادل بالباطل أو أغضب صاحبة فعليه الكفارة. لا إن جادل بالمعرف والنهي عن المنكر. (3/160)
صفحة 652
وقال بعض: إن من جادل فغضب أو أغضب أطعم مسكينا. ولا نأخذ بقول من أجار الطيب عند الدخول في الإحرام. ونلزم الفاعل ذلك دما. وكره ابن عباس مس الطيب قبل الإحرام بيوم واحد أو يومين.
وأجاز ابن عباس والربيع رحمهم الله للحرم الريحان العربي على أنه ليس من الطيب. ويجوز أكل ما طبخ فيه الطيب لخروجه بالطبخ عند حكم الطيب. إلا إن تلذذ بالطيب في الطعام فعليه دم.
وأجازه بعض في الطعام والشراب ولو لم تمسه النار. ويحرم الصيد على المحرم وأكل لحمه ولو صاده غيره ممن ليسمحرما عندنا. وقيل: إن صاده غيره جاز له أكله إن لم يصده له. وإن صاده محل فأكله محرم بذبح المحل لزمته قيمة ما أكل.
وإن ذبحه محرم وأكله لزمته والجزاء. وزعمت المالكية إنما ذبحه للمحرم بيده أو صاده بكلبه كالميتة لا يأكله
محرم ولا محل. وإنه إن زكاه فأكل منه فلا جزاء عليه لما أكل لأنه كأكل الميتة. (3/161)
صفحة 653
وكذا ما ذبح من أجل محرم بأمره أو بغير أمره. ومن أفسد حج تطوع عمدا أو خطأ لزمه القضاء وإلهدي عند
الجمهور. وقيل: لا قضاء ولا هدي. وعلى الأول: فالظاهر أنه إن كان يمكنه أن يعيده من عامه فأعاده
جاز. ولا يقلم المحرم أظفاره. ولا ينفقه ولا يحلق شعره ولا ينتفه. ولا يقتل القمل ولا يطرحه.
ولا يقطع شيء من بدنة. ولا يرمى بدنة. وفي شعرة أو ظفر مسكين. وفي شعرتين أو ظفرين مسكينان. وفي الثلاث من ذلك ثلاث مساكين. إن اجتمع من ذلك أكثر من ثلاثة قبل أن يكفر فكفارته واحدة
إن كان الجنس متحدا. وقيل: كل يوم بكفارته. (3/162)
صفحة 654
واختار بعضهم الأول. وفي قمله حبة أو تمرة ما أطعم عنها خير ا منها.
وفي اثنتين حبتان أو تمرتان. وفي ثلاث دم ونتزع وتلقى في الثواب.
وقيل: في القمله قبضة من طعام. وقال ابن عباس: لا شيء على قاتل القمل.
قيل: يعني إذا لم يتعمدها. وليست هذه العناية صحيحية. لأنه قال ذلك أو ما هو معناه حين سئل عن محرم يقتل القمل فإن المتبادر قتلها عمدا. ومن قطع بدنة وأدماه أو فعل في غيره لزمه دم.
ومنع بعضهم غسل الإنسان المحرم رأسه. وحرم ذلك لئلا يقع شعرا أو يقتل قملة أو يقطع جلده.
ويستحب الغسل لجنابة احتلام. أو حيض أو نفاس. أو لدخول مكة. أو للوقوف. (3/163)
صفحة 655
فإن غسل لبدن لهما مستحب. وكذا غيرها مما تراه في شرح النيل.
وأجاز أصحابنا الغسل ولو لغير ذلك. وكرهه مالك. ويجوز للمحرم صيد البحر وقتل كل مؤذ والحية والعقرب.
والكلب العقور يقتل ولو لم يخافه وقيل: إن خافه. وقتل الغراب الأبقع. وكل غراب مؤذ لأن المؤذى يقتل في الحل والحرم. ويقتل أيضا الغراب الأبقع والغراب المؤذى ولو لم يخف منه. وقيل: إن خاف، وقتل الفأرة ولحدأة مطلقا. وإن خيف منهما قولان. وذبح الأنعام وغيرها مما ليس بصيد وليس محرم الأكل. ولا يقتل غير ذلك.
ومن قتله ولو خطأ لزمه الجزاء. والصحيح أنه لا يلزمه الجزاء إلا أن يتعمد القتل. (3/164)
صفحة 656
الفصل العاشر الكفارة
تلزم الكفارة في قتل الضبع كبش أو في النعامة جزور ذكر أو أنثى
وهي من الإبل.
وقيل: بدنة من إبل.
وقيل: بدنة من إبل وبقر.
وقيل: عن النعامة وفي الأروى وهي أنثى الوعل بقرة.
وفي الحمار جزور.
وفي الغزال شاة.
وقيل: عنز وهو ما ولد من المعز أو ولد مثله.
وفي الحمامة شاة.
وقيل: في حمام مكة شاة.
وقي حمام الحل حكومة.
وقيل: في كل طائر شاة.
وقال أبو حنيفة: بالقيمة في كل شيء.
وقيل: في الحمام والبيض بكل حمامة صاع من طعام.
وفي كل بيضة نصف صاع. (3/165)
صفحة 657
وقيل: في بيضة الحمامة أو النعامة درهم إن تفرخت وإلا فنصفه.
وقيل: في بيضة النعامة ثمنها. وفي بيضة النعامة الحمامة صوم أو إطعام مسكين.
وفي الأرنب سخلة وهي من الضأن والماعز ما يتبع أمها وهي ترضع
عليها. وقيل: عناق وهو من ولد المعز. وقال مالك: لا يقوم الأرنب واليربوع إلا بما يجوز في إلهدي
والضحية. وهو الجذع وما فوقه بين الضأن والثني فما فوقه من المعز والإبل
والبقر.
وقوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة}. ولم يختلف العلماء.
إن من جعل على نفسه هديا أنه لا يجزيه أقل من جذع الضأن وثني
ما سواه.
وي = رده قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم}.
وقيل: في اليربوع بجفرة وهي ما أكل واستغنى عن الرضاع من ولد الضأن والمعز. وقيل: الجفرة من أولاد المعز وما بلغ أربعة أشهر. بمعني أنه دخل في الرابعة. (3/166)
صفحة 658
ولا دليل فيه على اختصارها بالمعز لجواز أن يكون مقتصرا على بيان الجفرة من المعز وأولاد من الصيد مثلها من أولاد النعم. ففي النعامة الكبيرة جزور. وفي الصغيرة فصيل.
وقال أبو حنيفة بالقيمة في كل ذلك. وفي الضب جدي. وقيل: دي جمع بين الماء الشجر.
وقيل: صاع من طعام. وفي الرخمة سدس الدرهم. وفي الجرادة والنملة الصغيرة والذبابة والحملة والقرد قبضة من طعام. وهي ما تقبض عليه الأصابع وتضم عليه من كف واحد.
ويطرح المحرم عن نفسه ما ليس منه كالبرغوث والقرادة. وقيل: في الجرادة تمرة.
وقيل: حكومة. وقيل: لا شيء فيه لأن أصله من البحر فهو من صيده ولو كان
لا يعيش فيه. (3/167)
صفحة 659
هذا وجهه ويرده أن المراد بصيد البحر ما يصاد منه. وقال المحشي: لعل وجه كونه من صيد البحر أنه يؤكل من غير زكاة كصيد البحر. قال: لكن يرده أن صيد البحر هو الذي لا يعيش في البر.
والظاهر أن ما له دية كالنملة والصرد والضفدع إذا قتله المحرم لزمة ديته والجزاء.
وفي الشبح العظيمة بدنة. وفي الوسطي شاة. وفي القضيب درهم. وقيل: في العود درهم.
وفي القضيب الصغير نصفه. وفي الورقة مسكين وذلك في الحرم لأن شجره حرام على المحل
والمحرم كصيده. بل بعض في شجره الحكومة كصيده بخلاف شجر غير الحرم فحلال
للمحل والمحرم.
وصيد الحل محرم على المحرم وحده. ويجوز الإدخار من الحرم لغير المحرم.
وإن قطعة محرم فالجزاء وهو يسقف به وتعمل منه الحصر. (3/168)
صفحة 660
وعن بعض: أنه يسمى الأشنان. وإنه تغسل به الأيدي.
وأجاز بعضهم لغير المحرم والسناء المكي يشرب للبطن ويجعل للضرر.
ولا يقتل أصله ولا يقلع. وأجاز بعضهم: كل ما يخرج من في الحرم مما يؤكل للمحل والمحرم وكره ومنع.
ويجوز له ما رزع أكلا أو قطعا وما وجد من شجرة مقطوعا ولو غير يابس أو من ثمرة مقطوعا.
قيل: وقطع اليابس الميت. ولا يقطع حشيشه. وحد الحرم من الكعبة إلى جهة المدينة أربعة أميال ونصف.
وإلى جهة جدة اثني عشر ميلا. وإلى تهامة ستة أميال.
وإلى جهة عرفات أحدى عشر ميلا. وإلى جهة العراق تسعة أميال. ومن لزمه حد والتجئ إلى الحرم فلا يبايع ولا يجالس ولا يطعم ولا يسقى ولا يأوى حتى يخرج منه فيقام عليه. (3/169)
صفحة 661
وإن فعل موجبه فيه أقيم عليه فيه. وما لم يذكر من الصيد يقاس على ما ذكر في الستة.
وهذا الجزاء يتصدق به مكة على الصحيح رفقا بفقراءالحرم. وقيل: حيث ما أطعم أجزاه.
وقيل: يطعم في الموضع الذي أصاب فيه الصيد أو الشجر الحرمي. وقوله: بالغ الكعبة دليل على أن الذبح محله الكعبة.
أي الحرام لا على الإطعام ولا يحكم الإنسان على نفسه بالجزاء. ولو كان عالما بالسنة بل يحكم عليه عدلان.
وان لم يعلما اعلمهما على سبيل الفتيا إن لم يجد عدلين. فإذا وجدهما بعث إلى مكة ما حكما به. ولو بلغ أهله فيقوم الجزاء بقية البلد. فيشترى بها الطعام ويتصدق به في مكة لكل مسكين نصف صاع
برا أو غيره.
وإن شاء ذبح الجزاء.
وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوما.
ويصوم على الكسر إن وقع في الأمداد يوما كاملا. (3/170)
صفحة 662
ولا يدفعه للمسكين لا يجمع بين ما وقع فيه التخير والذبح
بمكة. وكذا الإطعام. وأجيز حيث شاء. وأما الصوم فحيث شاء. وكل هدي واجبة أو غير واجبة بلغ الحرم فقد بلغ محله إلا هدي المتعة فمحله من يوم النحر أو بعده إلى زوال اليوم الرابع لأنه
ضحية.
وإلا هدي القارن والمحصر عند من أوجب عليهما إلهدي مطلقا على يوم النحر.
وذكر في الإيضاح: إنما كان من هدي يهدي لله ولم يسم المساكين.
وهدي التطوع وهدي المحصر وهدي الحج والعمرة ينحر يوم النحر.
ويأكل منه ويطعم المساكين أكثره وما كان من هدي كفارة أو جزاءصيد أو فدية أو صدقه أو نذر للمساكين فله قبل يوم النحر.
أو مكة إن دخل به قبل ذي الحجة. وإن دخل بعدة فلا ينحره إلا بمنى يوم النحر. (3/171)
صفحة 663
ولا يأكل منه. وإن مات هدي التطوع أو ضل عطب قبل الحرم لم يلزمه بدله.
ويذبحه أن أدرك ذبحه. ولا يأكل منه هو ولا أحد من رفقته. ولا يأمر بأكله.
ويغمس نعليه اللذين جعلهما له قلادة. وقيل: خفة في دمه ويضرب بهما أو به صفحة اليمنى ليعلم أنه
هدي.
وإن أكل منه أبدل ما أكل. وإن أكل واجبا فعل فيه ما شاء إذا عطب.
ومن شارف الموت لأن عليه بدله ما لم يصل الحرم. وإن وصله وعطب أو شارف الموت ذبح وأجزاه.
وقيل: إن لم يصل مكة. وقيل: إن كان عطبه انكسار يد أو رجل لم يجز لأنه ناقص.
ولا يحتاج إلى الحكومة في غير الصيد والشجر بل يكفي للإنسان أن يفعل ما لزمه بالسنة. (3/172)
صفحة 664
الفصل الحادي عشر يجوز للمحرم الدهن
يجوز للمحرم الدهن بما لا طيب فيه. قال بعضهم: إن كان لا زينه فيه. والصحيح جواز الإكتحال بما فيه الزينة كالأثمد. وقيل: يجوز بالأثمد لوجع. ويجوز الإستياك بما لا طيب فيه والتداوي بما لا طيب فيه. ومن احتجم لضرورة فلا عليه إلا إن قطع شعرا. فالجزاء في الشعر. ومن احتجم لغير ضرورة افتدى مطلقا. وقيل: يفتدى ولو لضروة ولو لم يقطع شعرا. ومن حك جسده فأدما فلا شيء عليه ما لم يقطع شعرا أو ينزع جلدا. وقيل: عليه دم. وكذا إن تسوك فأدمى فاه بلا عمد أو أخرج مدة الدمل وأدماه أوالشوكة وأدمى بمعالجتها.
واختار بعض أن لا فدية فيما ذكر. (3/173)
صفحة 665
والأوفق للقياس لزومها لأن الضرورة والنسان والخطأ لا تزيل الجزاء. ولا دليل في احتجام رسول الله صلى الله عليه وسم وهو محرم. اذ لا يعلم أتعمدأام لم يتعمد ولا افتدى أو لم يفتدى. ويجوز للحرم الاحتطاب والاختيار وإيقاد النار ودخول البيت والقبه ونحو ذلك بدون أن يمس سقف ما ذكر رأسه. وإن مسه بعمد فدم. وإن لهبت النار شعره فليصم أو يطعم أو يذبح. ويجوز أن يحلق رأسه لمدواتة أو لقروح أو صداع أو قمل أذاه ويصوم أو يطعم أو يذبح ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين أو يذبح شاه. ويستحب رفع الصوت بالتلبية. وأوجبته الظاهرية. وتسمع المرآة نفسها ولا يرفع في مسجد إلا في مسجدي مكة ومنى. ويسمع من يليه في غيرهما. ولا يسرف في رفع الصرف ولا يلح ولا يسكت. وان سلم عليه أحد فلا يرد عليه حتى يتمها ما إن كان فيها. (3/174)
صفحة 666
ويستحب الإكثار. ويلبى ولو جنبا. وإذا أحرم الرجل أجابه الأفق ثم الذي يليه وهكذا. ويرفع صوته بها دبر كل صلاة وعند الركوب وكل شرف ووادواستيقاظ. وكذلك عند استقبال ناس ليعلموا أنه محرم فيدع له. والتلبية شعار الحاج أي علامتة. وأفضل الحج أي أجزاؤه العج وهو رفع الصوت بها. والثج وهو إهراق الدماء يوم النحر بالذبح أو النحر. (3/175)
صفحة 667
الفصل الثاني عشر دخول مكة
يدخل مكة من ثنية كَدَا بفتح الكاف وبالمد وذلك سنة. ويخرج من ثنية كُدَيّ بضم الكاف بعدها دال مفتوحة بعدها ياء مثناة أسفل مشددة. هذا مختار القاموس. والأولى العليا والثانية السفلى. ويستحب من الاغتسال لدخولها.
ويدخل من باب بنى تثنية. وإذا رأى البيت قال: الله أكبر الله أكبر. اللهم زد بيتك هذا شرفا وتعظيما ومهابة وتكريما. وزد من عظمه وشرفة وكرمه ممن حجه واعتمر تكريما وإيمانا. واجعلني من عبادك الصالحين. وإذا أراد دخول المسجد قدم رجله اليمنى وقال: اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام. وإليك يرجع السلام فحيينا يا ربنا بالسلام. (3/176)
صفحة 668
وأدخلنا دار السلام. اللهم اغفر لي ذنوبي. وأدخلني أبواب رحمتك. ويقول وهو يمشى في المسجد:
الله أكبر الله أكبر الله أكبر. اللهم البلد بلدك. والبيت بيتك. جئت أطلب رضاك و إتمام طاعتك. متبعا لأمرك راضيا بقضائك وقدرك. أسألك مسألة البائس الفقير. وأدعوا دعاء الخائف المستجير المضطر إليك المستسلم لأمرك. الخائف من عذابك. المشفق من عقوبتك. أسألك أن تستقبلني بعظيم عفوك. وأن تجود لي بمغفرتك.
وأن تعينني على أداء فرائضك. (3/177)
صفحة 669
الحمد الله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر. وصلى الله على سيدنا محمد وإله وسلم. اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات. وإذا وصل الحجر قطع التلبية. وقيل: إذا وصل المسجد. وقيل: إذا وصل الحرم. وقيل: إذا وصل البيت. والصحيح الأول. وبه قال الشافعي لأن التلبية إجابه إلى الطواف بالبيت. ويقبل الحجر السود إن أمكن بلاضر. وإلا مسه بيده وقبلها أو مسه بغير اليدان. وإن لم يتوصل لذلك أشار إليه بيده ويكبره ثلاث ويقول حيإله بقدر ما لا يرى الباب. ويدعوا لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات. ويصلى على النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم يقابله ويقف ويقول: (3/178)
صفحة 670
الله أكبر الله أكبر.
اللهم إني أسالك إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك وإتباعا لسنتك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.
ويطوف على اليمين ويقول في الطواف: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله أكبر ولا حول ولا قوة
إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وإله وسلم. ويدعوا عند الباب بما شاء. أو بأن يقول:
الله أكبر ثلاثا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا. وقنا شح أنفسنا. واجعلنا من المفلحين. ويقول عند ركن العراق:
اللهم إني أعوذ بك من الشر والنفاق والشك وسوء الأخلاق وسوءالمنظر في الأهل والمال والولد. وإذا بلغ الميزاب قال: (3/179)
صفحة 671
اللهم أضلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظل عرشك. اللهم إسقني بكأس نبيك محمد صلى الله عليه وسلم شربه لا أظمأ بعدها أبدا. وإذا بلغ الركن الشامي قال: اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وتجارة لن تبور. يا عزيز ياغفور. رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم. وأهدنا الطريق الأقوم فإنك العز الأكرم. وإذا بلغ ركن اليمن قال: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر. وأعوذ بك فتنة إلمحياء والممات وخزي الدنيا والآخرة. ويقول بين ركن اليمن وركن الحجر: ربا آتنا في الدنيا حسنة. وفي الآخرة حسنة. وقنا عذاب النار. وقنا برحمتك عذاب القبر. (3/180)
صفحة 672
ويطوف سبعة أشواط كلما بلغ الحجر قبله أو قبل ما مسه به أو أشار على التفصيل السابق وقال: اللهم إليك بسطت يدي وفيما عندك عظمت رغبتي. فاجعل جائزتي فداكاك رقبتي من النار. ويكره الكلام في الطواف. ولا ينقضه هو ولا الأكل والشرب وهو صلاة كرهت الثلاثة ولم تحرم. ويجب عليه أن يطوف من وراء الحطيم. ويجب أن يؤدي أحدا في طوافه وأن يصلى بعد طوافه ركعتين. والأولى كونهما في المقام. وبعده المسجد. وبعد المجسد الحرم. وإن خرج من الحرم ركعهما وأجزاتاه. إلا إن وصل أهله فلا يصلهما وليهد شاة. ويستحب أن يأتي زمزما ويشرب من مائها. ويصب على رأسه وجسده ويدعوا بهذا الدعاء: اللهم إني أسالك إيمانا تاما ويقينا ثابتا. (3/181)
صفحة 673
وعلما نافعا ودينا قيما. وعملا صالحا ورزقا حلالا واسعا. وشفاء من كل داء. ثم يلصق بطنه بجدار البيت بين الركن والباب. ويحمد الله ويهلله ويكبره ويستغفر لنفسه والمؤمنين والمؤمنات ويقول: اللهم هذا مقام العائذ بك من النار فحرم لحمي على النار. ويدعو بما فتح له ولا يطيل. وهذا الموضع يسمي المتزم والدعاء فيه مجاب. وقيل: يفعل ذلك عند الفراغ من الطواف قبل الركعتين وزمزم. قيل: إن الله سبحانه لما قال في قصة آدم للملائكة: إني أعلم ما لا تعلمون. وأبطأ عنهم الوحي ظنوا أنه غضب عليهم بقولهم. فلاذوا بالعرش وأشاروا بالأصابع يتضرعون فرحمهم. وفي روايه: إنما قال لهم إني أعلم ما لا تعلمون رحمة لهم بعد ما ظنوا أنه غضب عليهم لانقطاع الوحي عنهم.
ووضع تحت العرش بيتا على أربعة أساطين من زبرجد وغشاه بياقوتة حمراء وسماه الصراح. (3/182)
صفحة 674
وقال للملائكة طوفوا به وادعوا العرش وهو البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعود إليه واحد أبدا. ثم بعث ملائكة وقال لهم ابنوا في الأرض بيتا مثله تحته. وأمر من في الأرض من خلقه أن يطوفوا به كما يطوف من في السماء في البيت المعمور. وفي ذلك روايات مختلفة. فانظر تفسيرنا. ولما بنى إبراهيم عليه السلام البيت.
قال لإسماعيل: اذهب فاتني بحجر صغير أضعة يبتدأ منه الناس. فأتاه بحجر فرماه. فقال إيتني بغيره.
فأتاه بحجر فرماه. فقال أيتني بغيره. فذهب ليأتيه بغيره فأتاه جبرائيل بالحجر. فلما جاء إسماعيل قال له إبراهيم آتاني بهذا من لم يكلني إلى حجرك. (3/183)
صفحة 675
الفصل الثالث عشر السعي
يخرج الحاج إلى الصفا للسعي من باب الصفاء ومن بين الأسطوانتين المذهبتين. ومن خرج من غير باب الصفا أو لم يخرج من بين الأسطوانتين أخطأ السنة ولا شيء عليه. ويسحب أن يسعى على طهارة. ويجوز لجنب أو حائض أو نفسا بأن تنفس أو أن تحيض أو يجنب بعد الطواف. ويقول في خروجه: اللهم أدخلني مدخل صدق. وأخرجني مدخل صدق. وجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا. والسعي بين الصفاء والمروة سنة. وقيل: فريضة. ومنعي {فلا جناح عليه أن يطوف بهما}.يعني الحرج الذي توهمه بعض الأنصار بعض الأنصار وغيرهم في السعي بينهمامن حيث أنهما عُبِدا في الجاهلية. (3/184)
صفحة 676
أي لا جناح في التطوف. فلا دليل فيه على أنه فرض أو غير فرض. وإنما يؤخذ الواجب من قوله {من شعائر الله}.وليس قطعا بالوجوب. والابتداء بالصفا سنة منها صلى الله عليه وسلم من الإبتداء به في قوله عز وجل:
{إن الصفا والمروة}.ولا يعلو الصفاء أو المروة بل يصعد بقدر ما يرى البيت. وقيل: خمس درجات.
ومن لم يستطع قام في أصلهما كالمرأة. والإرمال في السعي سنة يلزم من تركها الدم. وليس على المرأة إرمال. وتسرع في المشي. ومن نسى الإرمال فلا عليه. ومن لم يرمل وقصر أعاد السعي ولزمه دم. وان لم يقتصر لزمته الإعادة. ومن تركة في أكثر السعي وحل فدم. (3/185)
صفحة 677
وإن لم يحل أعاد ما عليه. وإن ترك الأقل أعاد قبل أن يحل ولا شيء عليه بعده. وإن نسى الرمل حتى جاوز موضعه رجع إلية ما لم يجاوز الموضع بثلاث خطوات أو خطوتين وهو مسيل الوادي بين العلمين الأخضرين.
ويقول مريد السعي وهو في الصفاء: الله أكبر الله أكبر. ثم يقول ثلاثة لا إله إلا الله وحدة لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وينحدر قائلا: اللهم اجعل هذا المشي كفارة لكل شيء كرهته مني.
ويقول بين العلمين: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم. واهدنا الطريق الأقوم. إنك أنت الأعز الأكرم.
وأنت الرب وأنت الحكم. اللهم نجنا من النار سراعاً سالمين. ولا تخزنا يوم الدين. (3/186)
صفحة 678
ويقول في المروة والرجوع منها ما مرّ في الصفاء والانحدار منها. قيل: لا صعود إليهم على المروة لأنها ساوت الأرض التي أمامها. وليس كذلك فلا مرتفعه كما شاهدوها إلا إن كان ارتفاعها اليوم لينا عليها. ولا شيء من الأدعية واجب بعينة بل يدعوا بما شاء من أمر دنياه وآخرته. ويذكر الله بأي عباده ويترك اللحن ليتم له الأجر. ولا يرتكب ما لا يجوز من الأدعية مثل بحقك يارب على نفسك. فانظر شرح الدعائم. ومثل نجاة نبيك. أو بحق سورة كذا. أو نبيك. والظاهر الجواز إن أراد بحق ذلك علينا أو بجاهه علينا. ولا يقال: ما اسمع الله أو ما أبصره وما اعلمه والتعجب من عظم ذلك. ولو كان ظاهر اللفظ إن شئت اجعله سميعا أو بصيرا أو عليما. والصحيح الجواز لورود ذلك في حديث رواه جابر بن زيد. ويجوز اسمع به ونحو ذلك. (3/187)
صفحة 679
ويجوز استعملنا بطاعتك أو طاعتك أو بسنة نبيك أو نحو ذلك. كما عبر به في باب الحج من الوضع والإيضاح.
وفي الدعاء بعد الطعام من القواعد ومن ذلك قوله: اللهم علمنا ما جهلنا واستعملنا بما عَلِمنا وقونا بعد العجز واستعمل به أبداننا. إن المراد التوفيق لذلك وتيسيره لا الإستعمال بطريق الإضطراروالجبر. ومنع ذلك في السؤالات. ومن الصفا إلى المروة به شوط. ومن المرة إلى الصفا شوط. وهكذا حتى تتم سبعة أشواط تبتدي بالصفاء وتختم بالمروة. وإن ابتدي من المروة ألغي ذلك الشوط. وذلك هو الصحيح. وهو قول جمهور علماء الأمة كلها. وقال عبد الرحمن بن بنت الشافعي و أبو حفص الوكيل وأبو بكر الصيرافي من الصفاء إلى المروة. (3/188)
صفحة 680
ومن المروة إلى الصفاء شوط واحد. وبه قال الشيخ إسماعيل والابدلاني رحمهما الله وهو ظاهر القواعد. قال إنه قول الجمهور. فإن أراد جمهور الأمة مطلقا فواضح. أو جمهور الصحاب فلا يعمل إلا بقول أقلهم حذرا من مخالفة سائر الأمة. ونسب بعض الأول لجمهور العلماء. والظاهر أن المراد العلماء جمهور علماء الأمة.
بحيث يشمل الأصحاب وغيرهم إلا قليلا من غيرهم وهو عبد الرحمن وأبو حفص وأبو بكر المذكورين كما صرح بهم بعض. ولا يؤخذ ذلك لوقوع الإجماع على خلافة. ومن عمل به فقد تعرض للتهمة والضرر.
وإذا أتم السعي حلق أو قصر. والحلق أفضل. وأن قرن أو أفرد فلا يحلق أو يقصر إلا يوم النحر بمنى
بعد الذبح. وإن ساق المتمتع هديا فهو كالقارن على إحرامه حتى يبلغ إلهدي محله. (3/189)
صفحة 681
والمتمتع هو من أحرم بالعمرة وحدها في أشهر الحج وقطع مناسكها وحل من إحرامه. ومناسك العمرة خمسة: الاحرام من الميقات إن كان خارجه ودخل بها في غير أشهر الحج أو فيها ولم يفرد. وإن أفرد فإذا قضى خرج الحل كالتنعيم وأحرم بها مسنة. والتلبية والطواف والسعي والحلق إن لم يسق هديا كما مر آنفاً. ومناسك الحج عشرة: الاحرام والتلبية والمبيت بمنى ليلة عرفة وليالي منى. والوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة مع ذكر الله. وقيل: ذكره فيها واجب وهو الصحيح عندي وتسمى جميعا. والرمي والذبح والحلق. وطواف الزيارة والسعي. وجميع العشرة تحرم بالدم إلا الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الزيارة. لأنها فرائض. ومعني التمتع الانتفاع بما لم يحل له قبل الإحلال والطواف (3/190)
صفحة 682
الفصل الرابع عشر تحليل المتمتع من العمرةإذا أحل المتمتع من العمرة وقعد في مكة يفعل المحل إلى ثامن
ذي الحجة أحرم للحج من تحت الميزاب. أو من موضع أراد من المسجد. أو من المسجد الجن.
أو من حيث شاء من الحرم. ويستحب الاغتسال إذا أراد الإحرام ويلبس ثوبين جديدين أو مغسولين لم يلبسا منذ غسلا. والطواف سبعا بركعتين يحرم بعدها بأن يقول: لبيك اللهم – إلى بحجة تمامها ... الخ ثلاثا بعد أن ينوى حج أو نفل. ويتوجه إلى منى ملبيا. ولا يقف ولا يطوف بعد الإحرام وإنما يمشى إلى منى في الطريق الأعظم.
كذا منه إلى عرفات. وكذا منها إلى جميع ومنه إلى منى. ثم ومنه إلى مكة ومنها إليه. (3/191)
صفحة 683
كل ذلك في الطريق الأعظم إلا إن منعة عدو أو أمر لا يستطيعه كالسيل. وإذا بلغ منى قال: اللهم إن هذه منى وهي مما دللت من المناسك. أسألك أن تمن علي فيها وفي غيرها بما مننت به على أوليائك ويبت به ويذكر الله. وإن لم يبت به لزمة دم. ألا إن أتى من بعيد ولم يدرك المبيت. ويستحب أن يصل به الخمس جمعا بين الصلوات كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا فضل من الصلاة بالمسجد الحرام. ولا يجاوز جده إلا بعد شروق الشمس.
وحده حياض الماء عند مجمع الجبل الكبير الذي يكون عن يمين الذاهب إلى عرفات والجبل الصغير الذي يجتمع عنده ماء منى كله. فإن جاوزه قبل شروقها أخطأ السنة. ولا كفارة عليه إلا إن جاوزه قبل الفجر فدم. وفي عبارة إذا بلغت محسراً فقف حتى تطلع الشمس. ويمضي إلى عرفات ملبيا. (3/192)
صفحة 684
ويستحب الاغتسال فيها قبل الصلاة والوقوف. ولا يفسد الوقوف بجنابة أو حيض أو نفاس. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحائض أن تعمل أعمال الحج كلها إلا الطواف بالبيت.
وأمرها بالوقه بعرفة.
لكن الواقف بجنابة أن أجنب بعد أن تعجل مثلا بالظهر والعصر فذلك وإن مضى وقتها وقد صلاهما بجنابة كفَّر وتم حجه. بحيث يعذر مثل أن ينام بعد ما صلاهما فيحتلم. أو أمنى بلا عمد. وكذا الغسل لدخول الحرام.
والغسل لجمع. وغسل الزيارة. وغسل الوداع. كلها مستحبة وإنما يؤكد في الغسل في يد الإحرامين. وإذا بلغ عرفات قال: (3/193)
صفحة 685
اللهم اجمع لي في هذا المنزل جوامع الخير كله. واصرف عني جوامع الشر كله. وعرفني فيه ما عرفت أوليائك وأهل طاعتك. واجعلني متبعا لسنتك وسنة نبيك محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
اللهم إليك صمت. وإياك قصدت وما عندك أردت. أسالك إن تبارك لي في رزقي. وان تلقني في عرفات حاجتي وأن تباهي بي ملائكتك. والصحيح أن المسلم الأدمي أفضل من الملك. وقيل: بالعكس. ونبينا أفضل مما سوى الله. ويجمع استحبابا بين الظهر والعصر في أول الوقت بعد الخطبة. واجمعوا أن هذه الخطبه غير واجبة إلا إن وافق يوم الجمعة. وأن القراءة في هذه الصلاة سرا. وأن هذه الصلاة قصرا إن كان الإمام مسافرا.
ولا يجوز التقصير إلا للمسافر. (3/194)
صفحة 686
فأهل مكة يتمون بمنى في الغد إلى عرفات لأنها أقل من ستة أميال. ويقصرون في عرفات لبعدها عن مكة.
وفي جمع ومنى في الرجوع للتقصير خارج الأميال. فيقصرون حتى يتموا بمكة. وقال مالك السنة في منى وعرفة وجمع التقصير مطلقا. وعرفة كلها موقف إلا بطن عرفة. فمن وقف به فلا حج له عندنا وعند الشافعي.
وقال مالك: حجه تام وعليه دم. ويقف للدعاء بعد الصلاة. ويجتهد فيه في الذكر وفي الصلاة على النبي إلى الغروب ولا حد للدعاء وهو سنة. ووقف صلى الله عليه وسلم بعرفات وخطب ورغب.
وقال: هذا مقام قد قمته الأنبياء من قبلي. وأفضل ما قلته وقالته الأنبياء من قبلي لا إله إلا الله فأكثروا منها
فإنه يغفر لقائها. وعنه صلى الله عليه وسلم: الجنة لمن تاب. والمغفرة لمن وقف بعرفات. (3/195)
صفحة 687
ومن لم يقصد بوقوفه القربة إلى الله فلا ثواب له. ولا يصح حجه. والمحرم بالحج يفعل ما يفعل في كل شيء إلا الطواف والوقوف ولو لم تكن عقله. ولا يحرم به بحج وعمرة ولا يدفع منها إلا بعد غروب الشمس وإلا فسد حجة عندنا وعند مالك. وقيل: تام وعليه دم. وقيل: تام ولا دم عليه. ولا حج لمن وقف قبل الزوال ودفع قبله.
ويسير الدافع العنف. وإذا وجد فرجة نصز
والنص فوق العنف. والعنف سير فيه سرعة ويقول: اللهم إليك أفضت ومن عذابك أشفقت وإليك رغب وبك رضيت. فأقبل نسكي وقو ضعفي وارحم تضرعي وبعد مسيري. وسلم لي ديني. ويكثر الذكر والتلبية حتى يبلغ جميعا. (3/196)
صفحة 688
فيجمع فيه بين المغرب والعشاء. وإن لم يجمع أخطأ ولا شيء عليه. وقال أبو عبيدة رحمه الله:
يستحب بعد المغرب ركعتان خفيفتان. وإن صلى المغرب قبل مزدلفة وهو لا يخاف طلوع الفجر لم تجزه صلاته.
ولا دليل في هذا لقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة: {الصلاة أمامك خلاف لبعض}.
وقيل: تجزيه بكراهة. وجمع فيه صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بأذان وإقامتين.
ويؤخذ من ذلك الخلاف أن من خصوصية هذا الموضع وهذه الليلة جواز تأخير الصلاة عن وقتها المختار عمدا.
ويحرم عليه إذا لم يبلغ المزدلفة أدَّاها في وقتها أو يكره ما لم يخف طلوع الفجر. ويحرم أو يكره على الإنسان إن يصلى فيه الصلاة في وقتها المختار. وقيل: إن خاف أن يصل إلى جمع حتى يذهب ثلث الليل صلى
المغرب إذا هبط من بطن عرفة به. ويصلى العشاء بجمع قبل انتصاف الليل. (3/197)
صفحة 689
وإن خاف انتصافه فايجمع بينهما إذا هبط من بطن عرفة. أو من حيث شاء. وإن جمع بعرفة وأفاض كره له ذلك وصحت صلاته. وقيل: تفسد وهو الصحيح ويهيء من المزدلفة سبعين حصاة. ويستحب عسلها وهي كالبندق والجوز. ويجوز حصى الحرم. ومن رمى بحصى الحل أعاد. ويبيت فيها إلى الصباح وإلا لزمه دمه.
وصح حجة عندنا وعند الجمهور. وقيل: لا حج له. ويجوز تقدم الضعفاء منها بليل.
ويكثر فيها الدعاء والذكر. والأكثر على الكون فيها فرض.
والذكر سنة واختاره. وقيل: كلاهما فرض. ومن أدرك الناس بجمع فوقف ساعة معهم فلا كفارة عليهم. (3/198)
صفحة 690
ويقول في دعائه اللهم: ارزقني في هذا المنزل جوامع الخير كله. واصرف عني جوامع الشر كله.
ويذكر الاستغفار والدعاء فإن أبواب السماء لا تغلق تلك الليلة. وفي الحديث من أحي ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر وليلة الفطر وجبت له الجنة. وروى من أحي ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه.
وإذا صلوا الصبح غدوا منها إلى منى قبل طلوع الشمس بعد أن يقفوا لساعة يذكرون ويسألون حوائجهم ويلبون. وينبغي أن يصلوا فيها الفجر بالجماعة. وإذا فاضوا ساروا رويدا يلبون ويذكرون.
ومن طلعت عليه الشمس فيها لزمة دم. وينبغي لمن أفاض من المزدلفة أن يكثر الذكر والتلبية حتى يصل
جمرة العقبة من منى. فيقطع التلبية ويقول: اللهم اهدني للهدى. ووفقني للتقوى. (3/199)
صفحة 691
وعافني في الآخرة والأولىويرمي في ذلك اليوم وهو يوم النحر جمرة العقبة بسبع حصيات
بعد طوع الشمس إلى الزوال. وإن رماها ليلا أو قبل طلوعها أعاده.
وإلا لزمه دم. وقيل: يجزيه. ورخص بعض في رميها بعد الفجر وقبل طلوعها.
وإن رماها بعد الزوال فكأنه لم يرمها. وقيل: اليوم كله مرمى لها.
ولا يرمى في ذلك اليوم إلا جمرة العقبة. ويستحب رميها من بطن الوادي بحيث يكون منى يمن يمينه والبيت عن يساره. أاجمعوا على أنه يعيد الرمي إن لم تقع الحصاة في العقبة. وإن رماها من حيث تيسر من أسفل العقبة أو أعلاها أو أوسطها جاز. ويكبر مع كل حصاه ويقول في أثرها: ولله الحمد. (3/200)
صفحة 692
والتكبير عند رمي الجمار سنة. ومن نسيه في الرمي كله فليعيده.
وإن فاته لزمه دم. وإن نسى التكبيرة والتكبيرتين أعاد مثل ذلك. وإن نسى تكبيرة أو تكبيرتين في رمى يوم النحر أعاد حصاة أو حصاتين بتكبير إن تذكر من ساعته وإلا صنع معروفا. وإذا فرغ من رمى العقبة في ذلك اليوم انصرف وقال: اللهم هؤلاء حصياتي وأنت أحصى لهن مني. فتقبلهن مني. واجعلهن في الآخرة ذخرا لي.
وأثبني عليهن غفرانك ورضوانك. اللهم اجعله حجا مبرورا. وسعيا مشكورا.
وارزقنا نظرة وسرورا. ولا يقف عندها بعد رميها ورمي الجمار تفاؤل برمي الذنوب وطرحها. (3/201)
صفحة 693
وقيل: إن جبرائيل عليه السلام انطلق بالنبي صلى الله عليه وسلم في عرفات فعرفه بعرفة.
ثم رده إلى جمع فعرفه بالشعر الحرام. ثم انطلق إلى منى قبل طلوع الشمس.
فقصد إليه إبليس إلى موضع الجمار فأمره جبريل عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات مع كل حصاه تكبيرة.
وإذا فرغ يوم النحر من رمي العقبة فعل أربعا. الأولى: ذبح الضحية وهي سنة.
ولا تجب إلا على المتمتع القارن والمحصر. ولا تجب على أهل الأمصار خلافا لأبي حنيفة.
ومن قدم الحلق على الذبح لزمه دم على الصحيح. ومن لا ضحية له ولا هدي فليحلق وليقصر بعد الرمي.
ويأكل صاحب الضحية منها ويطعم ويدخر عند بعض. ويمضيه لزيارة البيت. ويستحب التعجيل.
ولا تجوز الضحية إلا من الأنعام والأفضل فيها. وفي الهدي الإبل ثم البقرة ثم الغنم. (3/202)
صفحة 694
والفحل أفضل. والخصي أفضل من الأنثى. وأنثى الضأن أفضل من ذكر المعز.
وقيل: الأفضل في الضحية فحل الضأن. والخصى أفضل من الأنثى.
وأنثى الضأن أفضل من ذكر المعز. وأنثى المعز أفضل من البقر والإبل. ويجوز اشتراك سبعة في البدنة.
الثاني: الحلق والتقصير. والحلق أفضل. ويتعين بالحلق. وفيمن ليس له شعر يتأتى حلقه فإنه يجز الموس على رأسه. والتقصير في المرأة لأن الحلق لها مثله. قيل: ويتعين الحلق فيمن لبذ شعره أو ظفره أو عقصه.
ويأخذ في التقصير من جميع الشعر كما يحلق جميعه. ويستحب أن يأخذ بعد الحلق أو التقصير من لحيته أن زادت على القبضة وشاربه وأظفاره. (3/203)
صفحة 695
وتقصر المرأة مقدار صبعين. وقيل: تقصر القصير والطويل. وقيل: تأخذ الكثيرة الشعر ثلثه.
أو ربعه. وقليلته دون ذلك. وتدفن ما قصرت أو تلقيه. وقيل: يكفي في الحلق والتقصير ثلاث شعرات.
والحلق والتقصير نسك واجب على الحاج والمعتمر عندنا. يجب الدم بتركه.
وقيل: ليس واجبا فلا دم بتركه. وعلى الأول فيجب تقديمه على جميع أنواع النخلات.
قيل: والواجب إن لا يخرج من مكة حتى يحلق أو يقصر. فإن لم يفعل فالدم. وعن أبي حنيفة: ليس على المقصر حلق ولا تقصير. الثالث: أن يقول اللهم بارك في تفثي واغفر لي ذنبي واشكر لي حلقي. (3/204)
صفحة 696
ويكثر من قوله الحمد لله رب العالمين رب السموات السبع ورب العرش العظيم. وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم. ويقول ذلك في كل موقف. الرابع: زيارة البيت. وتعجيلها أفضل.
ولا شيء على من أخرها. وصلاة العيد لا تصلى في ذلك اليوم إلا بالجماعة في منى.
وإذا ذبح وحلق أو قصر حل من إحرامه. وحل له الحلال كله إلا النساء وصيد غير الحرم فحتى يزور.
وذلك التحلل الأصغر. وأما التحلل الأكبر فزيارة البيت. ويفعل في الزيارة ما مرّ من دخول المسجد والطواف والركوع وزمزم والخروج للسعي. وإذا قضى ذلك في خرج من حينه لمنى. ولا يطوف بعد ذلك تطوعا.
وإن فعل أخطأ عند بعضهم. (3/205)
صفحة 697
ولا يبت بمكة. وأن بات بها حتى أصبح فدم. ويقيم فيه أيام التشريق.
ويرمى كل يوم بعد الزوال وقبل الصلاة ثلاث جمرات. الأولى وهي التي للمشرق والوسطى والعقبة.
ومن عكس أخطأ ولا شيء عليه. وإن أعاد الرمى فأوثق. وإن رمى الجمار بعد الصلاة اسى إن رماها قبل الزوال. أعاد بعده عند الجمهور. وقيل: لا يجوز الرمى بليل إلا الخائف.
ورخص فيه أبو عبيدة مسلم. ويكبر مع كل حمصاة تكبيرة. ويدعوا عند كل جمرة بما فتح الله له بعد الرمي.
ويطيل في الوسطى. إلا الثالثة فإنه لا يقف بعد رميها. وإن لم تقع الحصاة في الجمرة أعاد وإلا أطعم مسكينا. (3/206)
صفحة 698
وإن وقعت على الجمرة بعد ما وقعت على غيرها كإنسان ودابة ومحملا أبدلها ورخص فيها.
ولا يبيت أحد بغير منى. إلا الراعي فله أن يبت بغيره ويصبح به ويرمي بعد الزوال. ومن فاته الرمى بعد اليومين الأولين فليرم الثالث بحصى الأيام كلها ولا شيء عليه. وقيل: خص هذا بالراعي.
والصحيح الأول. وإنما يرمي من فاته جمرة بعد جمرة ثم يعيد عليهن كذلك حتى يتم. ورخص أن يرمي كل واحد بأربعة عشر حصاة منها. ومن نفر من منى بعد يوم النحر بيومين قبل غروب الشمس بعد
رمى الجمار الثلاث فلا إثم عليه. ويدفن ما بقي من الحصى في أصل العقبة. ومن لم ينفر حتى أدركه ليل اليوم الثالث لزمه المقام حتى يرمي بعد الزوال. ومن أراد وداع البيت طاف به سبعا وركع ركعتي الطواف خلف المقام أو في المسجد أو في الحرم. (3/207)
صفحة 699
ومن ترك ركعتى طواف الوداع لزمه دم. وإن حاضت المرأة قبل أن تركعهما فعليها دم إن جامعها زوجها.
وإن طهرت وركعت قبل الجماع جاز. ويشرب من زمزم ويدعوا في الملتزم كما مرّ.
ويعتمد بيمناه على اسكفة الباب حيث تبلغ يده. ويقبض بيسراه أستار الكعبة ويلصق بطنه بجدارها ويقول:
اللهم كما قضيت نسكى وقويت ضعفي فأتمم لي قضاء حاجتي. اللهم لا تجعل هذا آخر العهد مني ببيتك الحرام.
اللهم أتمم لي أجري ويسر لي أمرى. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. وقنا عذاب النار.
واعفوا عني واغفر لي. وارحمني أنت مولاي فنعم المولى ونعم النصير. تأئبون أيبون لربنا حامدون وإلى ربنا راغبون ومنقلبون. (3/208)
صفحة 700
والحمد لله رب العالمين. لا يبيع بعد الوداع ولا يشتري. ويجوز أن يبع ويشتري قبله في مواسم الحج كلها.
ويمضى وهو حزين على فراق البيت. وإذا ركب راحلته قال: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر.
وأعوذ بك من كآبه المنقلب وسوء المنظر في المال والأهل والولد. والحمد لله كثيراً. (3/209)
صفحة 701
الفصل الخامس عشر ترك طواف العمرة
من ترك طواف العمرة فسدت عمرته. وإنما يفوته بالجماع أو الحلق أو التقصير.
أو نحو ذلك لا بالتأخير ولا بالإحرام بالحج قبله فإنه جائز. ويكون قارنا. ومن لم يبت بمنى ليلة عرفة وليالي الجمار فبكل ليلة دم. ولا حج لمن لم يقف بعرفة في الوقت المطلوب. وهو ما بعد الزوال إلى الغروب.
ويجزي من العصر وبعده. وقيل: لابد من سويعة من النهار وسويعة من الليل. وقيل: تكفي ساعة من الليل.
وقال بعضهم: من أدرك من الشمس مقدار ما يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فقد أدرك الحج. وإن غربت ولم يقف فاته الحج. وقيل: من وقف ساعة من الليل ولحق مع الناس صلاة الفجر بجمع
فقد أدرك الحج. (3/210)
صفحة 702
ومن رأى الهلال وحده ولم يقل فليقف وحده. ومن وصل بلده ووجد عندهم أن هلال ذي الحجة سبقه يوم فلا
إعاده عليه. وقال الإمام أفلح رضي الله عنه إن صح السبق بالعدول لزمته الإعادة.
والأول وهو الصحيح. ومن ترك الذبح الواجب وهو ذبح التمتع باجماع وذبح الإحصار والقرن عند بعض لزمه دم. ومن لم يحلق ولم يقصر حتى خرج من مكة فعليه دم. والذي عندي أن من ترك طواف الزيارة حتى مات مضيعا لا حج له فليوص بالحج إذا اختصر
ولا وصية عليه به إن لم يضيع. ولا يطالب بالإعادة. ومن مات بعد الوقوف وأتم عنه رفيقه أو وليه.
قلت: أو غيرها ما بقي من حجه جاز. ولا يرمى ولا يزور له حتى يفعل ذلك لنفسه. وإلا كان كمدخل حج في حج. (3/211)
صفحة 703
وكحاج عن غيره قبل نفسه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{حج عن نفسك ثم حج عن غيرك}.ومن احتضر في طريق الحج لزمه أن يوصى به عند بعض.
وقيل: لا. والحق عندي إن فرض قبل ذلك لزمته الوصية. وإلالم تلزمه لانكشاف الغيب. أي أنه لم يكن له من الوقت ما يدرك فيه الحج من أول وجوبه في الظاهر وقدرته على الإحتضار. ومن ترك الجمار حتى خرج أيام التشريق فبكل جمرة دم. وذلك تسع شياه إن تأخر نفر إلى اليوم الثالث. وست إن نفر في الثاني.
وعاشرة أو سابعة لجمرة العقبة يوم النحر. ولا دم إن أدرك ما فاته قبل خروجها. وإن علم أنه رمى العقبة بأقل من سبع حصيات وترك ذلك عامدا حتى انقضت أيام الرمي فدم. فإن ترك حصاة في سائر الحصى فإطعام سكين. (3/212)
صفحة 704
وبجزي مد للمسكين. وإن ترك حصاتين فمسكينان. وإن ترك ثلاثا أو أكثر فدم من كل جمرة.
ومن ترك من كل جمرة حصاة فثلاثة مساكين. وإن ترك من كل جمرة حصاتين فستة مساكين. ومن ترك ثلاث حصيات من كل جمرة فثلاث شياه. ذلك على قول. وتسع على قول. فكل جمرة ينظر إليها بالاستقلال. فإن ترك الأقل منها أطعم المساكين أو الثلاث أو أكثر فالدم. وقيل: يلزم الدم فأكثر من ثلاث. ولزم الدم من قدم نسكا على نسك. أو ترك الوداع. (3/213)
صفحة 705
الفصل السادس عشرتسمية مكه
سميت مكة مكة لقله يائها. وبكة بذلك أيضا لأن العرب تقلب الميم باء وبالعكس
أو لأن الناس يتباكون فيها بتشديد الكاف. أي يزدحمون أو لأنها تبك أعناق الجبابرة. أي تدقها إذا قصدوها بسوء. وقيل: بكة البيت وما حوله من المطاف. ومكة الحرم كله. وسميت أم القرى لأن الأرض بسطت من تحتها. أو لأنها مطاف أول بيت وضع للناس. أو لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم. وأعظم القرى شأنا.
وخلقها الله زبدة بيضاء على وجه الماء قبل السموات والأرض بألفي عام. وبسطت الأرض بعد ذلك من تحتها قبل بناء البيت. فإنه بنته الملائكة في الأرض. (3/214)
صفحة 706
ذلك كما مرّ كذا يقال. وقيل: إنها خلقت زبدة بيضاء مع أن هذا في البيت لأنها طرفا له ومجاورة له. والكعبة أول بيت وضع في الأرض للعبادة. قال الله سبحانه: {وإن أول بيت وضع} الآية. وواضعها الله. وقيل: الملائكة. وقيل: إبراهيم. ثم هدم فبناه قوم من جرهم. ثم العمالقة. ثم قريش. ثم الحجاج. وقيل: بناه آدم فانطمس بالطوفان.
ثم إبراهيم. وقيل: كان في موضعه بيت يقال له الصراح تطوف به الملائكة. (3/215)
صفحة 707
وأمر أدم بالطواف فيه وحجه. ورفع في الطرفان إلى السماء الرابعة تطوف به الملائكة.
وهذا الإيهام ظاهر الآية. وقيل: المراد أنه أولى بالشرف لا بالزمان. وسئل صلى الله عليه وسلم عن أول بيت وضح الناس؟ فقال: المسجد الحرام. ثم بيت المقدس. وسئل كم بينهما. فقال: أربعون سنة. والآيات البينات: المقام والحجر الأسود والحطيم وزمزم والصفا والمروة والمشاعر كلها. والحجر الأسود والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس نورهما.
ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب. ولما أقر بنو ادم بالعبودية لله كتب أقرارهم في رقاق لقمة الحجر
الأسود فهو أمين الله يشهد لمن وافاه. فانظر تفسيرها. ولا يقبل من الجمادات إلا الحجر الأسود والمصحف. (3/216)
صفحة 708
وأما الحطيم فهو من الكعبةعلى قواعد إبراهيم. ذلك بنص النبي صلى الله عليه وسلم عليهما وهو سبعة أذرع
تركتها قريش لضيق النفقة والخشب. ولما حصل إسماعيل مع أمه هاجر هنالك عطش.
فقامت تطلب له الماء من ناحية الصفا والمروة مترددة بينهماوتعلوهما. إلى أن أنبع الله زمزم من تحت قدمه وهو طفل. فكان السعي بينهما.
وكان على الصفاء صنم على صورة رجل يقال له أساف. وعلى المروة صنم على صورة المرأة يقال لها نائلة.
وزعم أهل الكتاب الأول أنهما رجل وامرأة زنيا في الكعبة فمسخهما الله حجرين فوضعهما على الصفا والمروة ليعتبر بهما. فلما طالت المدة عُبِدَا من دون الله وكانت الجاهلية يتسحون بهما في السعي.
ولما ظهر الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما. ذلك كما مر في الأثر. (3/217)
صفحة 709
وإن المقام والحجر الأسود خرج بهما آدم من الجنة. واستودعا في زمان الطوفان في جبل أبي قيس.
فجعل الحجر في ركن الكعبة. وكان مقام إبراهيم ملتصقا بالكعبة. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى. فنزل: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}.
فحولوه وجعلوا بينه وبين الكعبة فسحة. كانوا يستقبلونه. وسمي منى منى لما يمنى فيه من الدماء.
أي يراق. وروى أن جبريل انطلق بإبراهيم يعلمه المناسك والمشاعر ويقول له:
هذا مكان كذا وهذا مكان كذا. وبلغ منى ناستقبله إبليس في الجمرة الأولى. فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. (3/218)
صفحة 710
فطار فوقع على الثانية. فرماه كذلك. فوقع على الثالثة. فرماه كذلك. فرأي أنه لا يطيقه.
فذهب فانظلق جبريل بإبراهيم عليهما السلام حتى أتى به عرفات. فقال له عرفت.
فقال له نعم. فسميت عرفات. فسميت بها حتى أمسى. فازدلف إلى جمع. فسمي المزدلفة.
وكان ذلك أيضياً لنبينا صلى الله عليه وسلم مع جبريل. قال بعض: سمي جمعا لأنهم يجمعون المغرب والعشاء فيه. وقال بعض: لاجتماع آدم وحواء فيه حين أهبط. (3/219)
صفحة 711
وقيل: سمي المزدلفة لأن المسلمون يزدلفون إليه من عرفات. والمشعر الحرام لأنه أعلم المؤمنون انه حرام كمكة والبيت. ومحسر هو حد منه مما يلي المشعر الحرام. وهو بكسر السين المشددة.
وسمي محسرا لأن قيل: أصحاب الفيل عبي عرفة. سمي وادي النار لأن رجلا صاد فيه فنزلت نار فأحرقته.
وعرفة اسم ليوم عرفات. وإطلاقه على عرفات ليس عربيا محضا. (3/220)
صفحة 712
الباب التاسع في الأيمان
الأيمان بفتح الهمزة وهو جمع يمين.
واليمين لغة اليد. أطق على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل واحد بيمين
صاحبه. وقيل: لأن اليمين من شأنها حفظ الشيء. وسمي المحلف بذك لحفظ المحلوف عليه. ويسمى المحلوف عليه بمين لتلبسه بها.
واليمين شرعا توكيد الشيء. ذلك بذكر اسم الله أو صفة له كذلك قيل. وكتمت رؤساء إليهود لعنهم الله ما عهد إليهم في التوراة في شأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبدلوه بغيره. وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم المأكل والرشوة من أتباعهم. فنزل: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ... } الآية. (3/221)
صفحة 713
وهذا الوعيد شامل لكل كاذب في يمينه قياسا عليهم. وللنص في غير الآية على العموم لا اعتبارا بعموم اللفظ. ولو كانت العبرة عندنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. لأن الذين في الآية للعهد الذهني.
إلا إن أريد الحقيقة والجس فافهم. وعنه صلى الله عليه وسلم: {إذا حلفتم فاصدقوا}.
وعنه: {احلفوا بالله وبروا واصدقوا فان الله يحب أن يحلف به}.والحلف على الطاعة طاعة نحو: والله لأصومن والله لتندمن إن لم تتب. ومعني {ولا تجعلوا الله عرفة لأيمانكم}. لا تكثروا منها لتصدقوا.
وعنه صلى الله عليه وسلم: {من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت}.
والمراد الذات بأي لفظ لا خصوص لفظ الجلالة. وأجمعوا على أن الحلف بغيره ممنوع منه. (3/222)
صفحة 714
قال بعض: محرم. وقال بعض: مكروه. وقيل ذلك وأن الحلف بالشيء تعظيم له.
والعظمة في الحقيقة لله وحده. وقال الماوردى: لا يجوز لأحد أن يحلِّف أحدا بغير الله لا بطلاق
ولا عتاق ولا نذر. وإذا حلَّف الحاكم أحد بشيء من ذلك وجب عزله لجهله.
وعنه صلى الله عليه وسلم: {من حلف على منبري هذا فليتبؤ مقعده من النار}.
أي لأنه لا يجوز الحلف بغير الله. أو أراد من حلف به كاذبا. وخصه بالذكر لشرفه.
أو أراد من حلف عند منبري أي كاذبا وخص لذلك. ولأن المعهود في زمانه الحلف عنده.
ولذلك كان الناس يخصون الحلف بالمواضع الشريفة المعتقدة فيها. (3/223)
صفحة 715
وعنه صلى الله عليه وسلم: {أكبر الكبائر: الإشراك بالله. وعقوق الوالدين. واليمين الغموس. وقتل النقس. وشهادة الزور. ومن الكبائر منع طروف الفحل. وأعظم الكبائر على الإطلاق: الشرك. والعقوق من العق. وهو القطع فهو شق عصى الطاعة. قال بعضهم: والمراد به صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلا في شرك أو معصية. وعليه فيطيعها في المكروه. وأراد بالوالد ما يعم الوالدة. وقال ابن عطية بوجوب طاعتها في المباح فعلا وتركا. (3/224)
صفحة 716
وندبها في المستحبات وفروض الكفاية. وعليه فطاعتهما في المكروه مكروهة غير واجبة.
وقيل: لا تجوز. واليمين الغموس هي الكاذبة. سميت لأنها تغمس صاحبها في الإثم.
قال مالك: لا كفارة فيها. وهي المتعلقة بالماضي فعلا. أو تركا على خلاف الواقع بالعمد.
وفيها الكفارة عندنا. ولا ينفع فيها الإستثناء. وهي تذر الديار بلاقع. أي خرابا لا شيء فيها. و عنه صلى الله عليه وسلم: {والذي نفسي لا يحلف أحد يمينا فاجرة على مثل جناح
بعوضة إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القياية}. (3/225)
صفحة 717
وعنه صلى الله عليه وسلم: {من اقتطع من مال أخيه}. فقال رجل وإن كان شيئا يسيرا.
فقال: ولو كان قضيبا من أرك. أي إلا من تاب. وفي ذلك رد على قومنا في عدم القطع لصاحب الكبيرة بالنار.
وفي جواز خروجه منها ودخوله الجنة. لكنهم يعملون بتقدير المسن. هكذا قيل. وعنه صلى الله عليه وسلم: {ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم: رجل على فضل ماء الطريق فمنع منه ابن السبيل. و رجل بايع رجلا لم يبايعه إلا للدنيا فان ما يريد وفَّى له وإلالم يوف. (3/226)
صفحة 718
ورجل ساوم سلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أعطى فيها كذا أو كذا فصدقه الآخر فأخذها}.
ومعني لا يكلمهم: أنه لا يكلمهم تكليم من رضي عنه بإظهار الرضي بل فكلام يدل على السخط.
وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية. وقيل: لا يكلمهم كلاما يسرهم, ومعني لا ينظر إليهم: لا يرحمهم.
ومعني لا يزكيهم: لا يطهرهم من الذنوب. وقيل: لايثني عليهم. والمراد بالطريق: الفلاة. وروى: من منع فضل ماء. وقال الله تعالى له: اليوم أمنعك فضلى كما منعت ما لم تعمل يداك. قيل: والمراد أن لا يمنع فضل الماء بوجه من الوجوه. ومن ذلك أن تكون له بئر حولها عشب فيمنع الناس منها ليرغبوا عن عشبها لبعد ماء غير البئر عن مواشيهم فيتوفر له العشب. (3/227)
صفحة 719
وجاز منع ما لم يكن فضله به قدر حاجة صاحبه. وابن السبيل والمسافر. ويستثنى منه الحربي والمرتد والمصر على الكفر. فلا يكفر منعهما. والمراد بالمبايعة مبايعة الإمام. وإنما يبايع على أن يعمل بالحق.
ومن بايعه على أمر دنيوي إن وفى به. وإن وفي له فقد غش الإمام والمسلمين. إن في الخروج عن الإمام لعدم وجود الحاجة الدنيوية عنده. ذلك مثل: إثارة الفتنة. وعدم محصني المال والدم.
فيخسر خسرانا مبينا. ولاسيما إن كان متبعا على ذلك. وكذك من بايع من ليس للإمامة وخص ما بعد العصر لشرفه باجتماع الليل والنهار. (3/228)
صفحة 720
فيعظم الإثم فيه. وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت أو باجتماعهم وكونه وقت ختام الأعمال والأمور بخواتمها. فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها تجريا. ومن تجري في فيه عليها اعتادها في غيره. وكان السلف بحلفون بعد العصر. وعنه صلى الله عليه وسلم: {اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحمه للكسب معقمة للرحم}. والنفق ضد الكساد.
وعنه صلى الله عليه وسلم: {إنى لا أحكم بينكم بالوحي وإنما أحكم بينكم بالبينات فمن حكمت له حكما وهو فيه كاذب فإني آخذ له جذوة من النار}.
أي أقطع له قطعة من النار. وروى: من حلف على يمين الصبر تقتطع بها مال أضر مسلم لقي الله وهو عليه غضبان. (3/229)
صفحة 721
وأنزل الله تصديقه. {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم} الآية قال إلا شعث بن قيس: فيّ نزلت فقد كانت لي بئر في أرض ابن عم لي. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: بينتك أو يمينه. فقلت: إذا يحلف عليها يا رسول الله. فذكر له صلى الله عيه وسلم مثل هذا لحديث الأخير ويمين الصبرهي التي تلزم ويجبر حالفها وفي هذا الحديث جواز سماع الحاكم الدعوى فيما لم يره.
وفيه أن الحكم يسأل المدعى. هل له بينة كذا. قيل: واستدل به مالك على أن من رضي بيمين غريمه ثم أراد إقامه
البينة بعد حلفه أنها لا تسمع. الا إن أتى بعذر يتوجه له في ترك إقامتها قبل استحلافه. لأن أول أحد الشيئين. فلو جاز إقامة البينة بعد الإستحلاف لكان له الأمران. (3/230)
صفحة 722
واستدل به بعضهم على توجيه اليمين والدعاوى كلها على من واستدلت به الحنفيه على ترك العمل بالشاهد.
ولليمين في الأموال. وفيه دليل للجمهور أن حكم الحاكم لا يبيح للإنسان ما لم يكن له حلالا. خلافا لأبي حنيفة ودليل على أن صاحب اليد أولى بالدعوى وتنبيه على صورة الحكم لأنه بدأ بالطالب. فقال: ليس إلا يمين ولم يحكم بالمتنازع فيه للمدعى عليه. فينبغي الحاكم إذا حلف المدعى عليه أن لا يحكم له بملك المدعى
ولا بحيازته بل يقره على حكم يمينه. وفيه دليل على أنه لا يشترط في المتداعيين أن يكون بينهما اختلاط.
أو أن يكون المدعى عليه ممن يتهم لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل من حالها. وغضب الله على الكلف إيصال الشر إليه. وعلى من حلف فقطع مالا. أو يتوب ويرد ويكفر اليمين. (3/231)
صفحة 723
الفصل الأول اللغو
اللغو في قوله عز وجل: {لا يؤاخذكم الله للغو في إيمانكم
ما يصل بهالمتكلم كلامه بسرعة من غير عقد ولا قصد. كلا والله وعلى والله. وكلا والله بلا مؤخذة ولا كفارة.
وبه قال أصحابنا وعائشة والجوهري. وقيل: هو أن يحلف على ما في علمه. فيخرج بخلاف ذلك لأن الخطأ مرفوع عن الأمة. وقال ابن المسيب وغيره: اليمين في حال الغضب.
وقال صلى الله عليه وسلم: {لا يمين في الغضب}. وقيل: اليمين على المعصية.
والحكم أن يتركها ولا كفارة عليه. ولا يؤخذ بالترك بل هو فرض عليه. يثاب به إن تركها الله سبحانه. (3/232)
صفحة 724
وتركها كفارة. وقيل: تلزمه الكفارة في حين الحلف. وقيل: لا تلزمه إلا إن فعل. وعنه صلى الله عليه وسلم: لا نذر ولا يمين في معصية الله ولا قطيعة رحم. والمعنى عندنا أن يكفر يمينه ويصل رحمه. وليس المراد أنَّ يمينه لا تنعقد. وقيل: هو دعاء الرجل على نفسه بالشر في حال الغضب في بدنة أو ماله أو أهله بلا عقد من قلبه. قال الله سبحانه: {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير}.
فانظر تفسيرنا. ولعل تسمية هذا يمينا بالنظر إلى التغليظ على نفسه في دعائه. أو بالنظر إلى التطبيق مثل أن يقول أذهب الله عقله إن فعل كذا ولولم يصرح بالتعليق بالآية.
وقيل: هو اليمين المكفرة. (3/233)
صفحة 725
وفيه أن المكفرة كانت منعقدة لعقد القلب لها فزالت المؤاخذة بالكفارة. وأما اللغو فلا مؤاخذة فيه ابتداء لعدم العقد. وقال جابر بن زيد رحمه الله في رواية عنه: النخعي اليمين على النسيان. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: اليمين على غلط اللسان. يريد أن يتلفظ بشيء ويسبق لسانه إلى اليمين. ولا غلط ولا غلت على مسلم فيما بينه وبين الله ويؤاخذكم في الحكم بما قال. وقيل: اليمين على الغير. وقال مسروق: اليمين على الحلال أنه حرام. وقيل: أن تعقد اليمين بقلبك على شيء ويخالف لسانك عقد قلبك. (3/234)
صفحة 726
الفصل الثاني الحلف
من حلف بالله مثل إن يقول: والله أو والرحمن أو والقادر أو بصفته مثل أن يقول: نعم الله.
أي بقاؤه. أو قدره الله. أو وحياته أو حلف بقوله واسم الله. أو بقوله وصفة الله.
وحيث لزمته مرسلة. ومن حلف بما له للمساكين. أو بالصدقة. أو العتق والطلاق. أو الحج أو الصوم. أو الصلاة أو الأيمان أو نحو ذلك. لزمه ما الزم نفسه إن حنث إلا أنه يلزمه في الحنث بما له إذا حنث للمساكين عشرة فقط. (3/235)
صفحة 727
وكذا إن حلف بأكثر من ثلثه. وان حلف بالثلث أو أقل لزمه ما حلف به. وبمثل الحلف بما له أن يقول ماله صدقة. وإنما لزمه العشر تشبيها بالزكاة. وصدقة المال كله منهي عنها. ذلك لقوله: {و لا تبسطها كل البسط}. ويعتبر العشر يوم الحنث. وقيل: إن قال ماله صدقة لزمه فيما يزكي. وإن قال: ما أملك صدقة لزمه فيما يزكي وغيره. واستدله بذكر المال في قوله سبحانه: {خذ من أموالهم صدقة}.وهو استدلال ضعيف. ومن قال ماله للمسجد أو للكعبه أو لسور المسلمين فحنث أعطاه كله. لأن ذلك ليس من أهل الصدقة. (3/236)
صفحة 728
هذا فضلا عن أن يلزمه العشر كما يلزم للفقراء. ومن قال ماله صدقة لليهود أو النصارى.
أو المجوس أو المشركين. أو الأغنياء أو المنافقين. أو العاصين أو الزمانين. أو الزواني أو الخمارين. وحنث لزمه العشر لفقراء المسلمين. ومن قال ماله صدقة على الملائكة. أو الجن أو الشياطين. أو الوحوش أو البهائم. أو الحكل وهو ما لا يسمع له صوت كالنمل فلا شيء عليه. وقيل: عليه العشر لفقراء المسلمين وعنه صلى الله عليه وسلم: {الطلاق والعتاق من أيمان الفساق}.ومن حلف بالمشي إلى بلد من البلدان. (3/237)
صفحة 729
لم يلزمه شيء. إلا إن حلف بالمشي إلى بيت الله الحرام فحنث. أو زيارة النبي. أو بيت المقدس. لزمه الحج.
ومن حلف بالشيء أو الهدي. أو قال هو محرم بحج أو عليه بدنة ثم حنث. فلكل واحد من هذه كفارة يمين. وقيل: عليه الوفاء بذلك. وذلك مثل أن يقول إن لم أفعل كذا لزمني المشي إلى بيت الله الحرام. وأما إن قال: وبيت الله أو نحوه. فمكروه أو محرم لأنه قسم بغير الله. ولا كفارة فيه. ومن حلف بعهد الله وميثاقه. (3/238)
صفحة 730
أو بأمأنة أولاد يعقوب أوما أشبه ذلك فحنث فمغلظة. ذلك مثل أن يقول عهد الله لأفعلن. أو وأمأنة أولاد يعقوب ما ذكر الله عنهم في فلما أتوه موثقهم فيمايظهر. وكذا من حلف بما يخرجه من التوحيد ككونه مشركا أو يهوديا. أومن الإسلام ككونه مالكيا. وكونه مغضوبا عليه أو متحرى. يلزمه مغلظة. وقيل: مرسلة. وقيل: كل يمين فمرسلة. إلا الظهار والحلف بغير الله أو نبيا. أو ملكا أو مسجدا أو سماء. أو كتابا من الله مكروه. وقيل: حرام ولا كفارة به. وقيل: من حنث بالقرآن فبكل حرف مغلظة. (3/239)
صفحة 731
وقيل: بكل آية. وقيل: بكل سورة. وقيل: مغلظة واحدة. ولعل هذه الأقوال لاشتماله على ذكر الله. ويدل على تحريمه كقوله صلى الله عليه وسلم: {من حلف بغير الله فقد هلك}. أو كفر أو أشرك.
وكانوا يحلفون بآبائهم وآلهتهم. فحرم ذلك تخصيصا لله بالتعظيم. قال بعض: لأن أقسم بالله وأحنث أحب إلى من أن أقسم بغيرالله فأبر. كذا قال ابن عباس وابن مسعود وابن عمر. ولله إن يحلف بما شاء من خلقه كالنجم والليل. وقيل: الأصل ورب النجم ورب الشمس. قال صلى الله عليه وسلم: (3/240)
صفحة 732
{من كان حالفا فليحف بالله أو ليصمت}. ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون. ويكره كثرة الحلف من حيث خوف الحنث. فيلزم عدم تعظيمه تعالى. وإن قال: أقسمت عليك. أو حلفتأو معاذ الله. أو أعوذ بالله. أو حاشى لله وأراد يمينا. فقيل: عليه الكفارة إن حنث. وقيل: لا يمين ولا كفارة ولا حجة للأول في قوله تعالى إذا قسموا: ليصرمنها لاحتمال أن يكون قد قالوا في قسمهم والله لنصرمنها. وأقسمت بالله لنصرمنها. ومن حرم حلالا أو حلل حراما لزمته مرسلة. وقيل: مغلظة إذا حنث.
{م 16 - الجامع الصغير جـ 3} (3/241)
صفحة 733
وقيل: من حل حراما لا كفارة عليه. ويدل لزوم الكفارة في تحريم الحلال قوله عز وجل:
{يا أيها النبي لم تحرم ... } الآية. وكان قد حرم الغسل. وقيل: سريته ماريه طلبا لمرضاة أزواجه. فانظر تفسيرنا. ومن حرم زوجته فإذا مس وجبت عليه الكفارة.
وإن لم يمس حتى مضت أربعة أشر خرجت بالإيلاء وعلى هذا اعتماد أصحابنا. وقيل: عليه كفارة مرسله مس أو لم يمس. ولا تخرج بالإيلاء. وقيل: ذلك ثلاث تطليقات. وقيل: تطليقة. وقيل: ظهار وإن نوى بتحريمها الطلاق.
ومس قبل المراجعة حرمت عليه. (3/242)
صفحة 734
ولا يمين لطفل ولا مجنون وإن حنث بعد بلوغ. وإفاقة على الصحيح.
وقيل: إن حنث بعدهما لزمتهما كفارة. وتنعقد يمين العبد البالغ ولو حلف بغير إذن مولاه على الصحيح.
لكن لا يكفرها إلا بإذنه لأنه لا مال له. والصوم يضعفه. بل لو صام لم يكفه. وأجاز بعضهم أن يصوم بلا إذنه.
لكن لايعصي. ولعل المراد أن هذا البعض حكم بأنه يكفيه صومه. وإلا فكيف يجرى له المعصية. وإن كفر السيد عنه فذاك. وإلا فهي في رقبته إلى عتقه. ولا تلزم سيده. (3/243)
صفحة 735
وإن أمره سيده بالحلف فلا يكفر أيضا إلا بإذنه. وقيل: لا تنعقد يمين العبد إلا بإذن سيده.
وقيل: لا تنعقد مطلقا. وعليه فإن حنث بعد عتق ففي الكفارة قولان: من حلف في الشرك وحنث بعد الإسلام لزمته الكفارة. وقيل: لا. ومن حلف على أن لا يفعل شيئا مجددا ففعل بعضه حنث عند بعضهم. ولم يحنث عند بعض. وإن حلف على أن بفعل ففعل بعضا حنث. وإن حلف لا يأكل من المجدود المعين فأكل منه حنث.
وإن حلف ألا يأكل البسر أكل الرطب والتمره الدبس والخل. إلا إن حلف ألا يأكل من بسر معين كبسر هذا الوعاء وبسر هذا النخلة فلا يأكله ولا التمر والدبس والخل. وكذلك ما يخرج منه. (3/244)
صفحة 736
والمراد خل التمر في المسألتين. وإن حلف ألا ياكل الرطب أكل البسر عيَّن أو لم يعيِّن. وكذلك سائر الثمار كالعنب إن عيَّن لم يأكل ما عين ولا ما خرج منه. ولا جاز له ما خرج. وإن حلف على الزبيب أكل الزيتون. والنظر في اليمن إلى النية. على الصحيح فيما لم يكن فيه حق لمخلوق معين. وقيل: اللفظ. وإن حلف لا يأكل مال فلأن ولا يدخل داره. فزال المال والدار إلى غيره بوجه من وجوه الأملاك. جاز له الأكل والدخول.
قيل: وإن أهدى إليه فلان المحلوف على ماله هدية. وقبلها فأكلها لم يحنث لأنه أكل من مال فلان.
قلت: وهذا إنما يصح إن كان قصده ألا يأكل من ماله إذا دعاه للأكل منه مثلا. (3/245)
صفحة 737
قيل: ولو قرب إليه فلان المحلوف على ماله طعاما فأكل فقد قبضه وكان له. فلا يحنث وهو ضعيف. ويصح هذا عندي إن قصد أن يأكل من ماله بلا إذنه. وإن قصد الدار والمال باليمين فلا يأكل ولا يدخل. ولو انتقل أو انهدمت وصارت مزروعة وإلا حنث. ولا يعتبر الانتقال بالغضب أو السرقة أو الغلط أو نحوها. وإن لم يعين وحلف لا يدخل بيتا أو دخل مزرعة كل قبل بيتا لم يحنث وإن أكل بدل المحدود المعين حنث بعد بعض لا إن أكل ثمنه. وإن حلف على حب محدود فزرع فلا يأكل ما نبت منه خلافا لبعض. وإن حلف على ترك فعل من أفعال اللسان كالبيع والشراء والهبة والرهن والنكاح فأمر غيره بفعله حنث. وإن حلف أن يفعله فأمر من يفعله فلا يأمر من يمينه حتى يفعل بنفسه. وقيل: ييرأ. (3/246)
صفحة 738
وعليه صاحب الإيضاح رحمه الله. وإن حلف على أن لا يفعل. وكذا مما تفعله الخوارج كالحرث والحصاد فأمر من يفعله لم ينحث. وإن حلف أن يفعله فأمر لم يبرأ من يمينه إلا إن فعل بنفسه. وإن حلف لا يكلم فلأنا فسلم على قوم وهو معهم لم يحنث حتى يقصد بالسلام. وقيل: يحنث إلا إن عزله في نيته وعنى بسلامه غيره. وإن كتب إليه كتابه أو أرسل رسولا حنث. وإذا قرأ الكتاب أو قرأ عليه أو أدى الرسول رسالته.
وقال في السؤالات: إن فهم. ويحنث إن سأله من كلمة فلقنه إياها. وإن كتب طلاق زوجته ولم يتكلم به. فقيل: طلاق. وقيل: لا. (3/247)
صفحة 739
وقد قال بعض: من حلف أن لا يتكلم فلا يحنث بالكتاب ولا بالإشارة. وإن نوى أن لا يكلم فلأنا مشافهة لم يحنث. وعلى الراجح من أن اليمين على النية. وإن حلف لا يكلم الرجال فكلم واحد حنث لأن هذه للماهية. والماهية تتحقق في كل فرد. وإن حلف لا يكلم رجالا لم يحث حتى يكلم ثلاثة. وإن حلف لا يلبس ثوبا وهو لابسه.
أو لا يركب دابة وهو راكبها. أو لا يدخل دارا وهو فيها. فعن بعض أنه يحنث. وعن بعض: أنه طرح الثوب.
أو ينزل من الدابة. أو يخرج من الدار من حينه. لم يحنث. (3/248)
صفحة 740
وإن حلف أن لا يأكل اللحم فأكل السمك أو الطير حنث. ومن ذهب إلى العرف والعادة لم يحنثه بالسمك. ومن حلف لا يبيت تحت سقف أو فراش لم يحنث بالسماء والأرض. وإن حلف ألا يأكل اللحم أكل الشحم الخالص. وقيل: لا يأكل الشحم النابت على اللحم. وإن أكل الرأس حنث. وإن أكل الفؤاد أو الحلق أو الحلقوم أو المخ أو الكلية أو الغضروف فقولان. ولا حنث بالدماغ إلا إن أكل القشرة. وإن حلف على الشحم أكل اللحم الخالص عنه. وإن حلف ألا يدخل يبتا فدخل يبتا من صوف أو شعر أو جلد أو مسجد أو لا نية له حنث.
وقيل: إنما يحنث بما كان من حجر أو مدر. وإن حلف ألا يأكل ما طبخت امرأته حنث. ذلك ولو بما شوته عند بعض. (3/249)
صفحة 741
وقيل: إنما يحنث بما طبخت في نحو القدر. وإن حلف ألا يأكل خبزها فقدمت وأكل منه حنث.
وإن عجنت وقرص غيرها لم يحنث. وإن حلف ألا يشرب لبنا فأكل الزبد لم يحنث. وقيل: حنث لأنه لا يخلوا من لبن. وإن حلف على الزبد فشرب اللبن حنث إن كان مخيضا إذ لا يخلو من الزبد. وإن حلف على اللبن أكل السمن. إلا إن عين اللبن فلا يكل ما يخرج منه. وإن حلف على السمن فلا بأس بشرب البن ولو عين. ومن حلف ألا يأكل السمن فأكل الزبد أو لا يأكل الزبد فأكل السمن لم يحنث. (3/250)
صفحة 742
الفصل الثالث الكفارة المغلظة
تلزم الكفارة المغلظة بقتل النفس والظهار وإفساد رمضان عمدا بأكل أو شرب أو جماع. وكذلك أكل الميتة والدم ولحم الخنزير والنجاسات
والمحرمات كمال الناس والحشيش والأفيون والبنج والمسكرات. وجوزة الطيب إن صح أن ذلك مسكر وبأيمان قد مرت.
وقيل: فيمن فعل كبيرة أنه تلزمه مرسلة. والذي عندي: أنه لا تلزمه كفارة على كبيرة أنه تلزمه مرسل.
والذي عندي أنه لا تلزمه كفارة على كبيرة إن وردت الكفارة عليهافي كلام الله سبحانه أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم. وحلت الميتة للمضطر والدم.
فقيل: هما نجسان في حقه ناقضان وضوءه. وقيل: لا. والكفارة المغلظة ثلاث: (3/251)
صفحة 743
الأولى: تحرير رقبة موحدة سالمة من العيوب ونقصان الجوارح. واشترط بعضهم الولاية.
وأجاز بعض الكتابية. وسواء في ذلك الكبيرة والصغيرة. وقال بعضهم: في الصغير إن أعتقه كانت عليه نفقته حتى يستغني. وإن مات أطعم مسكينا بدله حتى يبلغ أترابه. ولا يجزي الأعمى والأشل والمقعد والمجنون والأخرس والمجذوم والأبرص والعنين المقتول والمستأصل والمجبوب ونحو ذلك. وأجاز بعضهم ما فيه عيب خفيف لا يمنعه من الكسب كمقطوع الخنصرة والسن الواحدة والضرس الواحدة. وقد أجاز ابن محبوب: الأعور في كفارة الظهار. وإن زادت من سن أو أصبع جاز إن لم يمنعه ذلك من الإكتساب بجوارحه.
ولا يجوز في القتل إلا المؤمنة باتفاق. واختلف في المؤمنة الموحدة. (3/252)
صفحة 744
وقيل: المتولاة. لثانية: صوم شهرين متتابعين الثالثة: إطعام ستين مسكينا أكلتين مأدومتين غداء وعشاء من
الحبوب الستة حتى يقولوا شبعنا. ولم يشترط بعضهم أن يقولوا بل يتركهم والطعام حتى يرفعوا
أيديهم. إلا التمر الجيد فلا يشترط إلادام. وكذا الزبيب والبتر وكيف ما أطعم الأكلتين في يوم أو يومين.
وإن أكثر جاز. وأول وقت الغداء طلوع الفجر وآخره نصف النهار. وأول العشاء الزوال. وآخرة ثلث الليل. وفائدة التوقيت أن لا يطعم أكلتين في وقت. ولا ينبغي التقريب بين أكلتين قصدا للنفع. لتكن الرغبة فيما يطعم ثوابه. (3/253)
صفحة 745
ون أراد كال لكل مسكين مدين بلا إدام من التمر الجيد والزبيب والبر. أو دين بإدام من التمر الذي ليس بجديد. أو الشعير أو السلت أو الذرة. وإن شاء زاد مدا بدل الإدام. والإدام خل وزيت أو سمن. أو نحو ذلك مما هو إدام. وقيل: لا إدام عند الكيل. فيكيل لكل مسكين مُدَّيْن من أي حب أراد من السنة.
وقيل: عليه لكل مسكين مدان من بر. أو مقدار هما من غيره. وذلك مثل ثلاثة أمداد من الذرة أو الشعير وربع. ويخير بين التحرير والصوم والإطعام. أو الكيل إلا في الظهار. فلا يصوم إلا إن عجز عن التحرير. (3/254)
صفحة 746
لا يطعم أو يكيل إلا إن عجز عن الصوم. وإلا في القتل فليس فيه إلا التحرير. والكفارة المرسله مخير فيها بين التحرير والإطعام أو الكيل او الكسوة. ولا يصوم وإلا إن لم يجد ذلك. ولا يصوم من له عشرون درهما.
وقيل: ثلاثة دراهم من غير مسكن وثياب لابد منها أو خادم. وقيل: ما يغنيه وعيإله حولا من عله ماله.
وقيل: هذا وخمسة عشر درهما. وإن صام يوما أو يومين فوجد ما يطعم فليطعم. ولا تجزى الكفارة المرسله أو المغلظة عندي قبل الحنث. وقيل: يجزي. وظاهر الإيضاح الميل إليه. وأما العتق فعلى حد ما مر في المغلظة.
وأما الإطعام والكيل فكذلك. (3/255)
صفحة 747
لكن عليه عشرة مساكين فقط. وإذا أطعم مسكينا أو مسكينين أو أكثر حتى تم له العدد جاز عند بعض. وإن أطعم عشرة في غدائين أو عشاءين لم يجزه. وأما الكسوة فيعطى عشرة مساكين أحرار ما يجزي كل منهم في الصلاة على خلاف فيه. فقيل: في الرجل والأمة ما يسترهما من السرة للركبه بدخولهما. وقيل: ما يستر ذلك مع الظهر والبطن إن أعطى الحرة أعطاها ما يسترها كلها إلا الوجه واليدين. وقيل: يجزي ما يقع عليه اسم الكسوة كإزار وقميص وسروال وعمامة. أما الصوم: فصوم ثلاثة أيام. ولا يعطى من الكفارة المغلظة أو المرسله عبد ولا أمة ولا مشرك. وأجاز أبو عبيدة أن يعطى مساكين أهل الذمة من المرسله اللازمة باليمين لا غني. ولا يعطيها الإنسان لمن لزمته مؤونته. ويجوز أن تعطيها المرأة زوجها وولدها. (3/256)
صفحة 748
ولا يطعم منها الرضيع. وأجيز لصاحب الكفارة أن يعطيها الواحد دفعة. ولا يجوز ذلك في كفارة الميت. ويجوز إطعام خمسة وكيل لأخرى أو نحو ذلك. وإطعام الغداء والكيل للعشاء. وتخالف الغداء والعشاء بالحبوب. ولا يكيل لمسكين واحد من حبين أو حبوب. وأجاز بعض. والله أعلم وأحكم وبه العون والتوفيق. ونسأله القبول لأعمالنا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبةوسلم. (3/257)
صفحة 749
تم مختصر الوضع والحاشية بعون الله وحسن توفيقه ومنه لثمانية عشرة ليلة دخلت من شهر شعبان من شهور سنة 1309
تسع سنين وثلاث مائة سنة وألف سنة على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام. بقلم الفقير لله تعالى سعيد بن خميس بن حمد المدسري البهلوى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (3/258)
صفحة 750
الفهرس
الموضوع ... الصفحة
* الفصل الثاني دخول رمضان ... 5
* الفصل الثالث شهر رمضان ... 13
* الفصل الرابع نية الصوم ... 15
* الفصل الخامس صوم يوم الشك ... 17
* الفصل السادس عذر الافطار ... 19
* الفصل السابع. افساد الصوم ... 24
* الفصل الثامن للمسافر الصوم ام الافطار ... 37
* الفصل التاسع افطار المسافر ... 40
* الفصل العاشر تعجيل القضاء ... 43
* الفصل الحادي عشر استحباب تعجيل الافطار ... 47
* الفصل الثاني عشر تتبع الايام الفاصلة ... 51 (3/259)
صفحة 751
الموضوع ... الصفحة
* الفصل الثالث عشر صيام التطوع ... 65
* الباب السابع في الزكاة ... 67
* الفصل الأول ... 70
* الفصل الثاني الزكاه ... 74
* الفصل الثالث وقت تحديد الزكاة ... 82
* الفصل الرابع نصاب الذهب ... 85
* الفصل الخامس الشاة المسنة ... 92
* الفصل السادس نصاب الإبل ... 94
* الفصل السابع زكاة البقر ... 96
* الفصل الثاني دخول رمضان ... 97
* الفصل التاسع نصاب الحبوب ... 102
* الفصل العاشر صاحب الحب ... 107
* الفصل الحادي عشر الزكاة لثمانية ... 114 (3/260)
صفحة 752
الموضوع ... الصفحة
* الفصل الثاني عشر زكاة الفطر ... 120
* الباب الثامن في الحج ... 123
* الفصل الأول تابع الحج ... 126
* الفصل الثاني وجوب الحج ... 129
* الفصل الثالث تابع الحج ... 130
* الفصل الرابع وجوب العمرة ... 133
* الفصل الخامس التخلص من التبعات ... 136
* الفصل السادس مواقيت الاحرام ... 140
* الفصل السابع التلبية ... 144
* الفصل الثامن أشهر الحج ... 148
* الفصل التاسع الاغتسال ... 152
* الفصل العاشر الكفارة ... 165
* الفصل الحادي عشر يجوز للمحرم الدهن ... 173 (3/261)
صفحة 753
الموضوع ... الصفحة
* الفصل الثاني عشر دخول مكة ... 176
* الفصل الثالث عشر السعي ... 184
* الفصل الثالث عشر السعي ... 191
* الفصل الخامس عشر ترك طواف العمرة ... 210
* الفصل السادس عشرتسمية مكه ... 214
* الباب التاسع في الأيمان ... 221
* الفصل الأول اللغو ... 232
* الفصل الثاني الحلف ... 235
* الفصل الثالث الكفارة المغلظة ... 251 (3/262)
صفحة 754
[صفحة لم ترقن] (3/263)
صفحة 755
مطابع سجل العرب (3/264)