صفحة 1
الكتاب: النور لعثمان الأصم
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
هذا
كتاب النور
الشيخ العالم الفقيه عثمان بن أبي عبدالله الأصم
الحمد لله الأول الذي لم يزل قبل كل شئ, والآخر الذي لا يزال بعد كل شئء, والعالم بكل شئ, والخالق لكل شئ, والقادر على كل شئ, والمالك لكل شئء, والمحصي لعدد كل شئء, لا محدود كالمحدوادت, ولا كيفية له كالمكيفيات, فنفسه ذاته, وذاته إثباته, لا أداة كالأدوات, ولا نفس كأنفس المنفوسات, ليس كمثله شئء في الأرض ولا في السماوات.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشئراً ونذيراً, وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, وسلم تسليما كثيراً.
الباب الأول
في التوحيد
واختلاف الناس في البارئ عز وجل
اختلاف الناس في البارئ عز وجل.
فقال الموحدون: أهل العدل: إنه تعالى واحد ليس كمثله شئء.
وقالت الدهرية بالنفي المحض ليس بشئء, وإنما الدنيا لم تزل كما ترى (نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون).
وقالت الثنوية: اثنين.
وقالت النصارى: ثلاثة.
ثم اختلف الذين قالوا بوحدانية الله - عز وجل – على وجهين: وجه أثبتوا معبودهم واحداً (ليس كمثله شئء) وهم أهل العدل, والباقون مشبهة, وإن اختلفوا في كيفية البارئ, وما هو من شئ.
وقال بعض من قال: إن البارئ هو هذا الهواء المحيط بالأشئاء, ونفى ذلك آخرون وقالوا: هو هذه الرياح العاصفة, وكيف يكون الهواء, والهواء له بعض, وما كان له بعض فله كل, وكله مجتمع في الحرارة, والحرارة محيطة به, وكل ذلك في العقل, والعقل محيط بالهواء, والهواء وما في الهواء من السماوات والأرض وما فيهما في العقل كحلقة في أرض فلاة, وهذا العقل خلفه.
وعبره بعض بالعقل الفعّال, وبعض عبره بالعقل الكلي. (1/1)
صفحة 2
وقولنا وقول أهل العدل أجمع: إن الله تعالى واحد ليس كمثله شئ, والتوحيد هو الإقرار بالله والوصف له, والتسمية بأنه تبارك وتعالى واحد, لا خلاف بين أحد من أهل اللغة أن من وصف شيئا واحداً, وأفرده بالتسمية له فقد وحده, ومعنى التسمية الموحدين بأنهم موحدون: أنهم يثبتون معبودهم أنه واحد. وإذا قال واعتقد أنه واحد, ولم يقل ويعتقد أنه ليس كمثله شئ, فهو كان ولم يوحده بعد حتى يعتقد أنه واحد ليس كمثله شئ, قال الله تعالى: { ليس كمثله شئ وهو السميع البصير } .
الباب الثاني
في جملة التوحيد
قال المؤلف:وأما جملة التوحيد فهي ما ذكر الله تعالى من صفته, في هذه الآية وهي: { ليس كمثله شئ وهو السميع البصير } .
قال أبو المؤثر: من عرف الله عز وجل, أنه واحد ليس كمثله شئ فقد عرفه, وهذا أقل ما يكون به الإنسان موحداً.
قال المؤلف: فكل من ألحد في – الله عز وجل – ومال به الهوى عن التوحيد, فعليه التوبه والإستغفار, وعليه أن يرجع يتمسك بهذه الجملة التي أبطلها بما ارتكبه من الكفر والإلحاد في الله – عز وجل – وليرجع إلى التمسك بهذه الجملة,
ويعتقد أنه تعالى عز وجل واحد, ليس كمثله شئ وهو السميع البصير وعليه أن ينفي عن الله عز وجل ما خالف جملة التوحيد التي بها يسلم من الهلاك, وعليه السؤال عن بليقه تلك التي وقع فيها, حتى يرجع إلى الحق والعدل من أمر التوحيد.
وبالله التوفيق.
الباب الثالث
في الإلحاد
والإلحاد: هو الإنحراف والميل عن التوحيد لله عز وجل, بأنه واحد ليس كمثله شئ.
فإذا مال وعدل عن هذا التوحيد الذي هو اعتقاد أهل العدل, من أهل التوحيد ومال عن ذلك الحد, سمي ملحداً، لأن الإلحاد في اللغة هو الإنحراف عن الشئ, والعدول عنه إلى ناحية. ومنه سمي لحد القبر, لأنه عذل به إلى ناحية القبر. فكأن الملحد عدل عن التوحيد إلى الشرك, وعن الإثبات إلى التعطيل، ومال عن الحق إلى الباطل.
الباب الرابع (1/2)
صفحة 3
في لزوم النظر والإستدلال على الله عز وجل
فلزوم النظر، وكيفية الإستدلال على الله بارئ الصور، من طريقين: من كتاب الله عز وجل، ومن حجة العقل.
أما من كتاب الله فكثير، يلوح ذلك عند تلاوة القرآن، منت ذلك قوله عز وجل: (قل أنظروا ماذا في السماوات والأرض) فلم يأمرهم – عز وجل – نظر العين، دون التفكير والإعتبار في المنظور إليه, أن له خالقاً خلقه، وبارئاً برأه، وأخرجه من العدم إلى الوجود.
فإذا علم ذلك علم أن جميع الأشئاء كلها أجمع محدثة, أحدثها الله الذي ليس كمثله شئ، واخترعها من العدم إلى الوجود, وقد قال الله تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) فلم يرد البارئ عز وجل أن يريهم بالعين خاصة، دون الفكرة بالعقل، لأنه تعالى يقول: ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } أي عقل، لأن القلب بضعة لحم لا تغنى شيئا، دون نور العقل الذي يحل في القلب.
والقعل في القلب أصله، وفرعه في الرأس، كالشجرة أصلها في الأرض، وفرعها في السماء.
وأما دليل وجوب الإستدلال على الله عز وجل, من جهة القعل, وما أمر به, من الأستدلال والتفكير، من العصل: لو أن رجلا لما يشاهد كتاب الله,
ولا أحداً من عباده، لما كان له عذر من معرفة الله؛ إذ لم يشاهد الكتاب بأمر الله تعالى فيه بمعرفته، ولا شاهد أحدا من المخلوقين، يأمرونه بذلك، فعليه من حجة العقل أن يعلم بحجة عقله، أن يأتي إلى دار مفروغة البناء فيكم عليها أن لا باني لها, أو يأته إلى كتابة قد كتبت، وأحكمت نظماً فيكم عليها أن لا كاتب لها. فلما أن كان ذلك فاسداً في العقل، وجب في العقل ولزم لوزم النظر الدال على بارئ الصور. فهذا دليل وجوب النظر، من الكتاب وحجة العقل.
وبالله التوفيق
الباب الخامس
في معرفة الله (1/3)
صفحة 4
قال المؤلف: أول ما افترض الله على عباده المكلفين العقلاء البالغين الحلم: معرفته عز وجل أنه الله الذي لا إله إلا هو واحد، فرد صمد أحد، ليس كمثله شئ، وأنه تعالى لهم خالق ورازق.
وإنما صارت معرفته الله أول المفترضات، لأنه لا تصح عبادة الله إلا حتى يعرف الله؛ إذ كان من يعرف الله، فهو يعبد غير الله. ومن عبد غير الله، فقد أشرك بالله { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } .
فمعرفته الله تعالى أول المفترضات، وأول العبادات وأفضلها. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: أفضلكم إيماناً أفضلكم معرفة.
فمن لم يكن بالله عارفاً كان به جاهلاً ومن كان به جاهلاً، لم يكن موحداً ومن لم يكن موحداً، كان ملحداً.
فعلى كل بالغ عاقل: أن يوحد الله، ولا يوحده إلا من عرفه ومن لا يعرفه فلا يوحده بل يجحده. وإذا عرف الله: أنه واحد ليس كمثل شئ، فقد عرفه.
الباب السادس
في كيفية استدلال المنقطع عن الناس
أو في أرض الكفرة
قال المؤلف: ومن كان منقطعاً عن الناس، في بعض الجزائر أو غيرها، لا يرى الناس، أو في أرض أهل الكفر فعلى كل هؤلاء – إذا بلغ وصح عقله، وزالت عنه الآهات، ونظر إلى السماء سقفاً مرفوعا، إلى الأرض مهاداً موضوعا، كالبيت المصنوع – أن يعلموا بغرائز عقولهم، أن هذا البناء لا بد له من بان، كالكتاب لا بد له من كاتب، والمصور لا بد له من مصور. وكل صنعة لا بد لها من صانع، كما يشاهدون ذلك في دار الدنيا.
فعلى كل بالغ عاقل – في خاصة نفسه – أن يعلم أن له خالقاً خلقه، كما يعلم يقينا بقلبه: أن جوارحه التي به مخلوقه، خلقها خالق، إذ لا قدره له على خلق شئ منها، ولا على تقويم ما أعوج منها، ولا تطويل ما قصر، وتقصير ما طال. ولا تغيير ما هو عليه ولا قبحها.
ولو كان المرء البالغ، الصحيح العقل، أعمى البصر، أصم الأذنين. فواجب عليه ولازم له ما وصفنا، في متقدم الكتاب.
الباب السابع (1/4)
صفحة 5
في بيان معرفة الله تعالى تقع أضراراً أو كسباً
أختلف الناس في معرفة الله تعالى، تقع أضرارا أو كسباً.
نذهب ذاهبون: إلى أن معرفة الله تعالى أضطرارية، جبلت في قلب الإنسان، معلقه بالعقل، ولا تنفصل لإستحالة انفصالها عن العقل، وأنه يستحيل أنفصالها عن عقله، كإستحالة زوال بعض أعضائه.
وذهب ذاهبون إلى أن معرفة الله تعالى معرفتان: أولاهما: اضطرارية وهي غريزة. والثانية اكتسابية.
ومن قال: إن معرفة الله تعالى اكتسابية: منهم الشئخ أبو الحسين البسياني. ودليل من قال: إن معرفة الله تعالى اكتسابية: أن الله تعالى لما نصب عليها الدلائل، وأمرنا بالنظر العلمي والذكرى, في تلك الدلائل المنصوبة، وأعد الثواب لمن أمتثل ذلك، والعقاب على المفرط الراد التارك لما أمر به من ذلك، دل أنها اكتسابيات؛ لأن الاضطراريات لا يعد الله تعالى عليها ثوابا، ولا يتوعد عليها عقابا. كما لا يعد على ما خلق فينا من الجوارح، بالثواب، ويتوعدنا عليها بالعقاب فدل عند هؤلاء أن معرفة الله تعالى اكتسابية لا اضطرارية. ومن قال: أولاها: اضظرار خلق من الله. والثانية: اكتساب – من أصحابنا بشير.
الباب الثامن
كيف يستدل بالشاهد على الغائب
قال المؤلف: وذلك أن العاقل إذا رأى نارا، علم أن كل نار كذلك حكمها، كما رأى تلك النار في الشاهد.
وكذلك إذا رأى الحيوان، لا يقع إلا على التناسل، حكم بذلك على على ما غاب عنه من جنس الحيوان، أنه واقع على التناسل. ويستدل بالبناء على الباني، والكتاب على الكاتب، والأثر على المؤثر، وأمثال هذا، مما يستدل بالشاهد على الغائب.
وبالله التوفيق
الباب التاسع
في البارئ عز وجل
هل عرف برسله؟ أم رسله عرفوا به؟
من جامع الشئخ أبي الحسن البسياني:
وسأل فقال: أخبروني عن الله – عز وجل – أعرف برسله؟ أم رسله به عرفوا؟ فقال: بل رسله عرفوا به، وأنه حكيم لا يبعث بكتب الحق كاذباً – تعالى الله. (1/5)
صفحة 6
وإنما دعت الرسل إلى الله، من قد عرفه، ثم جحد، وقد يكون بعض يعرفه، وبعض لا يعرفه، فبينت الرسل ذلك، ودعت إلى الله، بالدلائل والعلامات التي نصبها الله تعالى، من ملكوت السموات والأرض، ومما في السموات والأرض، وفي خلق الإنسان، كما قال الله تعالى: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } .
قال: وقد كانت العرب يحجون البيت ويعظمونه. وإنما يعبدون الأصنام، لتقربهم إلى الله زلفى.
وإنما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ترك الأصنام وعبادة الرحمن، فلم يصدقوه وقد قال الله تعالى: { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } .
قال: ألا ترى أن الإنسان إنما يرسل الرسل فيما يريد إلى غيره، إذا كان المرسل إليه، يعرف المرسل. وإن أنكر الرسول أتاه بالعلامة والدلالة، حتى تقع له الصحة. ولو كان لا يعرف الرسول ولا المرسل، لم يلتفت إلى ما أرسل إليه، وأنكره قلبه. فهذا قول المسلمينالذين قالوا: إن رسل الله عرفوا بالله.
وقد قال آخرون: إنه بهم عرف, وبه عرفوا وبهذا يوجب أنهم دعوا إلى الله من عرفه ومن لم يعرفه، فعرفوا بالله عند من عرف الله، وعرف الله بهم من لم يكن به عارفاً. والله أعلم.
الباب العاشر
في الدليل على أن الله تعالى شئ موجود
الدليل على أن الله تعالى شئ موجود: إطباق عقلاء الأمة بأسرها، من موحدها وملحدها: أن المعدوم لا يتأتي منه الفعل، ولا يفعل شيئا. فلما فسد هذا ثبت وصح أنه لا يفعل الأفعال إلا الموجود؛ إذ لا فعل المعدوم في العقل، عند كافة العقلاء، من الإنس والجن أجمعين.
الباب الحادي عشر
في الدليل على أن الله شئ لا كالأشئاء
الدليل على أن الله تعالى شئ: أنه قد دلت الدلالة أنه تعالى موجود. ولا يوجد إلا شئ. والدليل على أنه شئ لا كالأشئاء: أن الأشئاء لا تخلوا من أن يكون ترى بعين، أو تحس كالريح العاصف . وما كان يرى، أو يحس من الأجسام، فيحتاج إلى مكان والبارئ تعالى لا يُرى ولا يحس. (1/6)
صفحة 7
وإنما قلنا: إنه شئ لا كالأشئاء، نخبر عن كونه معلوماً موجوداً، يمكن الإخبار عنه، إذ لا فاعل للأشئاء إلا شئ. ولا خالقها إلا شئ، موجود غير معدوم؛ لأن المعدوم لا يفعل شيئا.
فإن قيل: إذا قلتم: إنه تعالى شئ لا كالأشئاء. فلمَ لم تقولوا أنه جسم لا كالأجسام؟
قيل له: لأنه قد يقال: جسم أجسم من جسم ولا يقال: شئ أشئاء من شئ.
فلا يجوز هذا, مع أن الجسم هو الطويل العريض العميق لا غير ذلك فقط. فلذلك لم نقل: جسم لا كالأجسام، إذا كانت الأجسام إنما هي ما كان طويلا عريضا عميقاً.
والدليل من الكتبا على أن الله تعالى شئ: قوله تعالى: { أي شئ أكبر شهادة قل الله } فهو كذلك.
فمن سمى الله تعالى شيئا، فقد أثبته شيئا؛ إذ لا موجود إلا شئ. فلما كان الله تعالى كذلك، كان شيئا لا كالأشئاء.
والدليل من الكتاب، أنه تعالىشئ لا كالأشئاء: قوله تعالى: { ليس كمثله شئ وهو السميع البصير } .
المعنى: ليس كهو شئ، وليس مثله شئ من أشايء. تعالى الله عز وجل.
الباب الثاني عشر
في الدليل على حدث العالم
الدليل على حدث العالم: أنها لا تخلوا من أن تكون أحدثت أنفسها، أو أحدثها محدث، فإن كانت أحدثت أنفسها وهي عدم، ليست بشئ، أو أحدثت أنفسها، وهي موجودة.
فإن كانت أحدثت أنفسها، وهي عدم، غير موجودة فمحال أن يفعل ما لا شئ موجود، شيئا موجوداً، لأن المعدوم لا يفعل شيئا.
وإن كانت أحدثت أنفسها، وهي موجودة. فمحال أيجاد الموجود؛ لأن الموجود إذا وجد، فقد كفى عن إيجاده ثانية، فلم يبق إلا أنها محدثة، أحدثها محدث، وأخرجها من العدم إلى الوجود. وهو الله – عز وجل.
ومما يدل على أن الأشئاء لم تحدث أنفسها: أنا قد نراها في حال وجودها وكمالها وقوتها، لا تقدر أن تخلق من النطفة جسماً. (1/7)
صفحة 8
فإذا كانت في حال وفورها، وصحتها وقوتها وكمال خلقها، لم تقدر على خلق جسم، وإن صغر ذلك الجسم ولو ذرة، فكيف تحدث أنفسها، وهي عدم! وقد قال الله تعالى: { ان الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم شيئا لا يستنقذوه منه } .
فمن أضعف ممن إذا سلبته الذبابة شيئا، لا يقدر أن ينتزعه منها. فكيف يقدر أن يخلق خلقاً؟! وبالله التوفيق.
الباب الثالث عشر
في الدليل على أنه لا بد للعالم من محدث أحدثه
الدليل على ذلك أنا وجدنا المحدث في الشاهد، لا يكون إلا من محدث، كالبناء لا يكون إلا من بناء بناه، والصورة لا تكون إلا من مصور صورها. والكتابة لا تكون إلا من كاتب كتبها. فعلمنا أن لها العالم محدث أحدثه، وهو الله الذي ليس كمثله شئ. وهو السميع البصير.
فإن قال: فما أنكرت أن يكون كل ما وصفت، لا فاعل له.
قلنا: لو جاز ذلك، لجاز أن يكون داراً مفروغة البناء محكمة، في حال كمالها، أن يحكم عليها أنها أحكمت نفسها، وأخرجت نفسها، من العدم إلى الوجود فلما فسد في العقل هذا، دل أنا لا بد للبناء من بان بناه، ولو جاز ما قلت، لجاز أن يكون مضروب ولا ضارب له، ومكتوب ولا كاتب له، ومقتول ولا قاتل له. فلما فسد في العقل هذا، فسد ما قلت. وبالله التوفيق
الباب الرابع عشر
في الدليل على أن خالق الأشئاء واحد (1/8)
صفحة 9
الدليل على أن خالق الأشئاء واحد: أنه لو كان اثنين لكان لا يخلو أحدهما من أن يكون قادراً، على منع الآخر، مما يريد أن يعمله، أو غير قادر على منعه، فإن كان قادراً على منع الآخر، فالآخر المقدور عليه عاجز. والعاجز ليس بإله قدير؛ لأن القدير الذي لا يعجزه شئ، إن أراد فعله، وإن يكن هذا لا يقدر على منع اآخر عن شئ، أراد أن يعمله، فهو عاجز. والعاجز ليس بأله قدير، له الربوبية والمقدم والألوهية والديم. فلما فسد هذا، دل أن محدث الأشئاء واحد، ليس كمثله شئ، وهو الله الواحد القهار. ليس كمثله شئ من مخلوقاته. وهو السميع البصير.
وفي كتاب الله تعالى: { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } .
وبالله التوفيق
الباب الخامس عشر
في الدليل على أن الخالق لا يشبه المخلوق
قال المؤلف: الدليل على أن الخالق لا يشبه المخلوق: أن البارئ عز وجل لو أشبه الأشئاء التي خلقها، وأخرجها من العدم إلى الوجود، لكان حكمه حكما في الحدث. فلا يخلو من أن يكون يشبه الأشئاء، من كل الجهات، أو من بعض الجهات، فلو أشبه من كل الجهات، لكان محدثاً مثلها، ولو أشبهها من بعض الجهات، لكان محدثا من حيث أشبهها. فلما أستحال أن يكون المحدث قديماً، دل على أن الخالق لا يشبه المخلوق، وقد قال الله تعالى: (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير). وقال عز وجل: { فلا تضربوا لله الأمثال } تعالى الله عز وجل، الذي لا شبه له، ولا مثل له، ولا ند له، ولا كفو له. تعالى الله علواً كبيراً.
الباب السادس عشر
في الموات التي ذكرتها الديصانية أنها عند الله
إن قالت الديصانية: ما أنكرتم أن يكون الإله سبحانه هو الواحد الأزلي القديم، ولكن كان معه موات قديم، فمن ذلك الموات: أبدى الأشئاء على ما هي عليه، وأظهرها من العدم إلى الوجود. (1/9)
صفحة 10
قيل لهم: هذا باطل، من قبل أن الإله إنما وجب أن يكون إلها، إذ لا مماثل له في الأزاية والقدم والربوبيه، فلو كان مع الله غيره. قديم أزلي فيما لم يزل، لوجب أن يكون ذلك القديم الذي معه مماثلاً له، في أخص الأوصاف الألوهية. فيبطل أن يكون الله عز وجل إلهاً، إذ كان معه غيره في الأزل قديما، كقدمه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.
الباب السابع عشر
في الرد على من قال: إن هذه الأجسام يحدثها محدث
أحدثه الله عز وجل
من بعض الكتب: إن قال قائلون: ما تفكرون أن هذه الأجسام يحدثها محدث، أحدثه الله عز وجل وذلك المحدث جسم.
قيل: الدليل على ابطال ذلك: أن الجسم لا يكون قادراً إلا بقدرة هي غيره، فلو جاز أن يفعل قادر بقدرة شيئا من الأجسام، لكنا نقدر أن نفعل بقدرتنا، بعضاً من ذلك لعلمنا أن من كان قادراً بقدرة، فلا يقدر أن يفعل الأجسام.
فإن قال: لم قلتم: إن الجسم لا يكون قادراً إلا بقدرة، هي غيره؟
قيل له الدليل على ذلك: أنه ليس فيما بيننا جسم قادر إلا بقدرة، هي غيره، ولو كان الجسم قادراً بلا قدرة، لكان الجماد وهذه الأجسام بالموات قادرين. وفي استحالة ذلك دليل على أنه لا جسم يقدر إلا بقدرة هي غيره.
الباب الثامن عشر
في الرد على من قال: إن الله خلق خلقه لعلة
الدليل على بطلان ذلك: أن العلة أنما تتصور فيمن يروم دفع مضرة أو استجلاب منفعة. والله عز وجل منزه عن ذلك فلا ضرر يلحقه، ولا نفع يجلبه فلا تتصور في أفعاله علل. والواحد منا يفعل كل ما يفعله، إما يستجلب به منفعة إلى نفسه، أو يروم به دفع مضرة، بخلاف أوصاف البارئ عز وجل.
والدليل على أن العالم المصنوع ليس بمعمول، إنما المصنوع لو كان معلولا لعلة، لولاها لم يكن مصنوعاً، لجاز أن تعدم العلة، فيكون مع عدم العلة غير مصنوع، كما أن المتحرك، إذا كان متحركاً لعلة، لولاها لم يكن متحركا فهو مع عدم العلة غير متحرك، لكن البارئ عز وجل خلق خلقه على ما يشاء. ولا علة لفعله. (1/10)
صفحة 11
وسأل أهل الدهر. فقالوا: حدثونا عن محدث الأشئاء، أحدثها لعينه، أم لعلة؟
قيل لهم: بل أحدثها لعينه. ولا لعله هي غير الفعل، بل الفعل هو العلة التي كان لها فاعلا.
الباب التاسع عشر
في حدث الجواهر التي هي أصول الأجسام المركبة
وعرض وحدث الأعراض الفانية بالجوهر
الدليل على حدوث الجواهر: أنها لا تنفك من الحوادث ولا يصح أن تخلق من أعراض حادثة. وما لا ينفك من حادث فحادث. وأيضا فأنها متحركة دار حرارة حالة فيها.
والدليل على حدوث الأعراض أنه قد صح وجود الجسم في حال. ومحال أن يوجد ساكنا متحركا في حال من الأحوال. فالذي صح وجوده وهو الجسم، غير الجسم الذي يستحيل وجوده. وهو الحركة والسكون.
الباب العشرون
في الدليل على المجتمع أنه مجتمع باجتماع هو غيره
والمتفرق متفرق بافتراق هو غيره
مما يدل على أن اجتماع كل مجتمع محدث: أنا نتوهم بطلانه، فيصح ذلك في الوهم، ولو كان قديماً لما صح أن يبطل غير محدث، جاز أن يكون محدثا يستحيل بطلانه فدل أن كل ما يصح بطلانه فنحدث.
الباب الواحد والعشرون
في الدليل على حدث الاجتماع والافتراق
من الدليل على حدث الاجتماع والافتراق: أنا تقصد إلى الجسم المجتمع فنفرقه، فيوجد فيه افتراق. فلا يخلو ذلك الإفتراق من أن يكون كان موجوداً فيه، قبل الحال التي فرقناه فيها، أو يكون حدث في هذا الوقت. فإن يكن كان موجوداً فيه قبل تفريفنا إياه، فقد كان مجتمعا متفرقا في حال.
فإذا بطل أن يكون الافتراق، فقد كان موجوداً فيه في حال اجتماعه، فقد صح أنه محدث عند ما فرقناه.
وكذلك القول في الجسم المفترق، إذا قصدنا إليه فجمعناه، فقد صح أن الاجتماع والافتراق محدثان.
الباب الثاني والعشرون
في المكان والدليل على حدوثه (1/11)
صفحة 12
قيل: ان المكان والزمان ليس هما من العالم، وهما من غير العالم. والمكان هو سطح مستو من لطائف الأجزاء المستفردة، فانعقد والتأم، فصار للأشئاء حاويا. وحده أن يكون حاويا من سائر الجهات وهي البسائط الست التي هي يمين وشمال وخلف وقدام وفوق وتحت.
والدليل على حدث المكان من أوجه: أحدها أن كل بيسط وان اتصل، فلا يخلو من أن يكون عالياً إلى نهاية توقعه، فيكون له مستقراً ولو جاز أن يكون عالياً إلى غير نهاية، لجاز أن يكون كل كثيف راسيا إلى غير نهاية. فدلت تلك النهاية على الإستقرار.
وإنما وجب أن يكون القديم قديماً، إذ لا نهاية له. وأيضا فإن البسائط وإن لطفت فلا تخلو من طبائع مقرونه بها، كما أن الكثائف لا تخلو من طبائع تكون مقرونه بها، وأيضا ان الحرارة التي هي طبائع المكان، لا بد لها من زيادة ونقصان والزيادة والنقصان ضدان متعاقبان. ومن تعاقب عليه العرضان وتراكم عليه الضدان كان محدثا.
الباب الثالث والعشرون
في الزمان والدليل على حدثه
اختلف الناس في الزمان، فقيل: هو الحركة نفسها.
وقيل: هو اعداد الحركة.
وقيل: هو القدر الذي يكون بين الحركات، فلما أن تبين فساد الأقاويل، صح وثبت ما قلنا: إن الزمان هو القدر الذي تكون به الحركة، يريد أن الزمان يكون فيه إعداد الحركة والفرق بين الاعداد.
والدليل على حدث الزمان: أن له بعضا. وما كان له بعض كان له كل.
مسألة: والزمان من غير العالم وهو المشتمل يعني على المكان، حد الزمان أن يكون مشتنلا على المزمن من سائر الجهات.
الباب الرابع والعشرون
في الوقت والدليل على حدثه من كتاب الأكلة
اختلف في الوقت، فقال بعض: الوقت مدى ما بين الأفعال، وإن معناه: أن الليل والنهار هما الأوقات.
وقال بعض: هو حركات الفلك.
وقال بعض هو شئ غير حركات الفلك، وغير الليل والنهار، وليس بجسم ولا عرض. (1/12)
صفحة 13
اعلم أنه قد قالت العلماء: إن الوقت هو كل حدث كان معلوما حال حدوثه، فمتى علق به ما يجهل حال حدوثه، قيل: إنه وقت له.
وكذلك كان الوقت والمؤقت جميعا حادثين. ولذلك لا يصح التوقيت بالقديم تعالى الله عز وجل، وإنما يصح بالحادث، أو ما يجري مجراه من حكم متحدد، من عدم، أو وجود.
وكذلك يصح أن تقول: إن زبدا يقدم، إذا طلعت الشمس، ويقول الآخر: إن الشمس تطلع إذا قدم زبد فيصح أن يجعل كل واحد منهما وقتا للآخر، بحسب حال المخاطب ومعرفته بأحدهما دون الآخر فلا يعتبر في كون الشئ وقتا، إلا بأن يكون حادثاً فقط، ويعتبر في حسن جعلك له بالمخاطبة، بأن يكون عالماً. وأن يكون جالهلا بالوقت، وكيفية حدوثه، فلا يجوز أن يختص بذلك الليل والنهار، وحركات الفلك. بل يجب في كل ذلك وسائر الحوادث: أن يكون وقتا. لكن حركات الفلك لما كانت أظهر، والعلم بها أشهر، غلب على الناس التوقيت بها. وإلا فحال غيرها كحالها، على ما قدمنا.
الباب االخامس والعشرون
في الهواء والاختلاف فيه
والدليل على حدثه
والرد على الهوائية
اختلف الناس في الهواء.
فقيل: هو جسم لطيف دقيق، قال أبو الهذيل: هو شئ ليس بجسم، بل هو مكان للأجسام. ولو كان جسما لاحتاج إلى مكان وكان ذلك لا يتناهى.
وقيل: إن الهواء ليس بشئ، والصحيح ما قيل: إنه جسم دقيق وهو يبين بالتحريك ومتى حصلت فيه الحركة شائعة، وصف بأنه ريح.
وإذا حصل في محاريق الإنسان، وصف بأنه روح، وهو يمتلئ من الزق عند النفخ، ولو كان غير جسم، لاستحال جميع ما ذكرناه فيه، لأن العرض لا يملأ الظروف، ولو لم يكن الهواء جسماً، لوجب على الملائكة والجن أن لا يكونوا أجساماً. وقد علمنا أستحالة ما ليس بجسم حيا قادراً بحياة وقدرة.
مسألة: في الدليل على حدثه، والرد على من قال بقدمه من الهوائية، يقال لمن قال بقدمه: أن الهواء كل؟
فإن قال: لا، كذبه كل ذي عقل لما يشاهدون، ويرون بعضه دون بعض. (1/13)
صفحة 14
فقد أطبقت الأمة بأسرها أن له بعضاً، وكل من كان له بعض، فله كل، وكل من كان له كل، فله حد ونهاية، وله قاهر قهره،، وقاسر قسره، على ما هو به من حدثه وكليته، لا يستطيع خلاف ذلك، فدل أنه مخلوق وله خالق خلقه، وليس هو بإله قديم.
وإن قال: نعم له كل، قيل له: فما كان له كل، وحد ونهايه وبداية، ولم يوصف بالأزل والقديم، لأن ما كان هذا سبيله كان محدثاً؛ لأن الهواء متحرك، والحركة عرض وما حله العرض كان محدثاً.
والدليل على حركته: أن ينظر إلى الشمس التي في قوة كوة البيت، أو كوة في أوسط الغما، فتراه يتحرك. وترى الهبو يطلع من حركة الهواء الفوقانية، وفي الهواء الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وكل ما تغاير فيه المتغايرات، بعضها عن بعض وحله المرض محدث.
الباب السادس والعشرون
في الفلك والرد على الفلكية
اعلم أن الفلك الدائر لا بد له من قطب على أنه حال دار، فلا خفا أن حركة قطبه وما بلى قطبه، أقل من حركة ما بعد عن قطبه من حرمه؛ لأنه كلما أتسع الحرم عن نقطة مركز، كان أوسع لدوره، كدوام الذي دوران متسعه أكثر من دوران مركزه، فلا خفا أن لو توهمنا حركات القطبية، فما خلا من الزمان، لوجدناها لا تعادل إلا حركة أقل أجزاء الحرم، فقد صح أن حركات سعة الحرم، أكثر من حركات قطبه فصارت حركات القطب من الفلك متناهية، فإذا وضعت حركات القطب من الحرم، صار ما بقى من الحركات، أقل منه قبل أن يوضع ذلك فهذا هو التناهي على أنه لو لم يكن في الفلك قطب، لعلمنا أن حركة بعض أجزائه جزء من حركة كل أجزائه، وأنها متناهية، فيما خلا من الزمان، إذا كانت جزاء مما خلا من سائر حركاته.
قال المؤلف: ولعله يعني إذا كان له جزء، فله كل، وبداية يدور منها، إلى أن ينتهي إليها في دورانه دوراً دوراً. والله أعلم.
الباب السابع والعشرون
في الدليل على حدث النجوم
والرد على أصحاب النجوم (1/14)
صفحة 15
نقول: ان النجوم أجسام، وصور مركبات، تحركها القدرة وما كان هذا سبيله كان محدثاً. والمحدث لا يجوز أن يكون محدثا للحوادث.
والدليل على حدث النجوم: انتقالها من برج إلى برج، فلا تخلو من أن تكون كونها في ذلك البرج لعينها، أو لمعنى، فإن كان كونها في ذلك البرج لعينها، وجب أن لا تزول منه فقط؛ لأن الحكم العيني لا يزول إلا بزوال العين. وليس الأمر على ذلك؛ لأنا نعلم إنتقالها من برج إلى برج، فلا يجوز أن يكون كونها في البرج لعينها. ولا يجوز أن يكون بمعنى قديم؛ لأنه لو كان ذلك قديما لوجب أن لا يزول إلا بزوال ذلك المعنى، والمعنى القديم لا يعدم، فوجب أن لا يزول عن ذلك البرج أبدا، فإذا بطل أن يكون كونها في ذلك البرج لعينها، أو بمعنى قديم، لم يبق إلا أنها كانت فيها، بمعنى حدوث وانتقلت بمعنى حادث، فهي لا تخلو من أن تحلها الحوادث، وما حلتها الحوادث لم تخل منها، وان لم تخل منها لم تسبقها، وكانت حادثة مثلها.
فإذا صح أن النجوم محدثات، لم يجز أن يكون لها أفعال؛ لأن المحدث لا يفعل في غيره سيئاً ولا يوجد عدماً، ولا يعدم وجودا، فبطل أن يكون للنجوم تأثير في ايجاد ما يوجد وإعدام ما يعدم. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والعشرون
في الرد على من أحتج بقدم العالم
بأن لا نطفة إلا من انسان ولا انسان إلا من نطفة
ولا بيضة إلا من طير ولا طير إلا من بيضة
فإن قال قائل: أخبرونا أليس لم تشاهدوا إنسانا إلا من نطفة، ولا نطفة إلا من إنسان، ولا طيرة إلا من بيضة ولا بيضة إلا من طيرة؟
قلنا: نعم.
فإن قال: فهلا قضيتم بذلك على الغائب؟
قلنا له: إن الطيرة لم تكن موجودة لوجود الطيرة قبلها.
وذلك أن الدلالة قد دلت على حدث الأجسام، وعلى قدرة محدثها فإذا كان ذلك كذلك، فالذي خلق نطفة فجعلها مضغة وعظاما وكسا العظام لحما، قادر على أن يخلق إنساناً كاملاً، وإن لم يخلق قبل ذلك نطفة، ينقلها من حال إلى حال، وكذلك القول في الطيرة والبيضة. (1/15)
صفحة 16
وإذا كانت دلالات العقول قائمة على ما قلناه وشرحناه، فقد بطل أن يكون الإنسان إنما وجد بوجود نطفة قبله، ولا أن الطيرة إنما كانت موجودة لوجود البيضة قبلها، لأن الدلالة قد دلت على حدث العالم، وأن لوجوده أولاً، فبطل أن يكون الإنسان إنما وجد لوجود نطفة قبله، وأن النطفة إنما وجدت لوجود إنسان قبلها.
وكذلك القول في الطيرة والبيضة.
فإذا بطل ذلك لم يلزم القضاء، على أنه لا إنسان إلا من نطفة، ولا نطفة إلا من إنسان، ولا طيرة إلا من بيضة، ولا بيضة إلا من طيرة، ولا حادث إلا وقبله حادث، وبالله التوفيق.
وأيضا فقد شاهدنا إنسانا، لم يكن مته نطفة، ونشاهد نطفة لم يخلق منها إنسان، فلم يجب أن يقضى على الإنسان، بأنه إنما وجب وجوده لوجود نطفة قبله، أو لوجود انسان بعده، أو لوجود انسان قبله، فلم يجب أن يحكم على البيضة، إنما يجب وجودها لوجود طيرة قبلها.
فإذا لم يجب ذلك في المستقبل، وكان هذا شاهداً على ترتيب ما قلناه، لم يجب أيضا أن نقضى على الإنسان، إنما كان إنسانا لوجود نطفة قبله، وكذلك الطيرة، إنما كانت طيرة لوجود بيضة قبلها. وبالله التوفيق.
ولو كان الإنسان لا يوجد إلا من بعد تقدم النطفة، والنطفة لا توجد إلا من بعد تقدم الإنسان، لم يصح وجود الإنسان، ولا النطفة.
وكذلك القول في البيضة والطيرة. وبالله نستعين.
وكذلك الليالي والأيام، أو كان لا يوم أو قبله يوم، ولا ليلة إلا وقبلها يوم، استحال وجود الليالي والأيام.
فإن قالوا: لو جاز أن يحدث إنسان لا من إنسان، لجاز أن يحدث فعل لا من فاعل.
قلنا: ليس كذلك، لأنا قد علمنا في أفعالنا، أنها تحتاج إلينا في حدوثها،
فقسناها على كل حادث، وليس يمكن مثل ذلك في الإنسان والنطفة؛ لأن النطفة هي الجوهر، وإنما صارت إنسانا بما يوجد فيها من الإستحالة. وهي حدوث أعراض وبطلان أعراض، والجسم واحد، ليس ذلك بمشبه بحدوث الفعل، من جهة الفاعل، فافترقا. وبالله التوفيق. (1/16)
صفحة 17
الباب التاسع والعشرون
في الرد على الدهرية الذين ذكرهم الله في القرآن
الدهرية وجماعة الهند وأصناف اليونانية، والمتانية والديصانية والمفرونية والمجوس وعبدة الصور والحريانية والصابئون والمدركية، وغيرهم من الملحدة، كلهم أنكروا حدوث العالم، وقالوا بقدمه.
فقالت الدهرية: ان الدنيا لم تزل كما ترى، من مرور الليالي والأيام والشهور والأعوام، ونموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر، يعنون مرور الليالي والأيام.
فقال الله تعالى تكذيبا لهم: { وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون } حيث أنكروا الخالق، وحدوث العالم، وأن له محدثا أحدثه، وإنما هذه الأجسام أحدثت أنفسها، وقد مر الرد عليهم – فيما تقدم – في باب حدوث العالم.
فإن قال قائل إذا قلتم: إن البارئ – عز وجل – غني لا مغني له، عزيز لا معز له، سميع لا مسمع له، بصير لا مبصر له، عليم لا معلم له، قادر لا مقدر له. فلم لا أثبتم مفعولا لا فاعل له؟
قيل له: لا يجب ما قلت، وذلك أن الغنى الذي قلنا: لا مغني له، والعزيز الذي قلنا: لا معز له، والعليم الذي قلنا: لا معلم له قلنا: ليس معزوز فيقتضي ذلك معزا وليس بمعلم فيقضي ذلك معلماً.
وكذلك ما سألتمونا عنه، فليس يجب أنه إذا قلنا: حيا ليس بمعز ولا معلم، لا يقتضي معزاً، ولا معلما، أن يزعم المعز لا يقتضي معزاً، والمعلم لا يقتضي معلماً، أن المفعول لا يقتضي مفعولا، وعليم وعزيز وزنه فعيل، وفعيل لا يقتضي مفعولا.
ومفعول يقتضي فاعلا، فالعالم العزيز الذي بيناه، لا معلم له، ولا مقدر له، لم يزل قديماً؛ لأن معنى المفعول: أنه لم يكن ثم كان، ومعنى القديم: أنه لم يزل موجوداً، فإذا لم يجز أن يثبت المفعول قديماً، فقد وجب أن المفعول يقتضي فاعلا فعله، بعد أن لم يكن فكان.
فصل
إن قالت الدهرية: ما تنكرون أن تكون الأجسام التي دللتم أنها محدثه، أحدثت بعضها بعضاً. (1/17)
صفحة 18
قيل له هذا فاسد، من قبل أن كل متماثلين، لا يكون أحدهما موصوفا بالقدرة على صاحبه، أولى من أن يكون الآخر موصوفا بالقدرة عليه، إذ المثلية بينهما حاصلة. والمكافأة بينهما واقعة، ألا ترون أنهما إذا تكامآ في الحدث، بأن يكون كل واحد منهما هو الراهب في الجهات الست، لا يمكن أحدهما أن تكون جهاتهسبعا ولا خمسا، فلا يجوز أن يكون موصوفا بالقدرة على الآخر؛ إذ العلة مشتملة عليها.
دليله: أنه لو جاز أن يكون بعض المحدثات أحدث بعضها بعضا، لجاز أن تكون الكتابة أحدثت كاتبا، والصناعة أحدثت صانعا مثلها، وهذا فاسد في العقول جداً.
دليل آخر: وهو لو جاز أن يحدث بعضها بعضا، لتم مراد أحد المحدثين في الآخر، ولا ينبغي أن يتعذر عليه، ووجدنا الأجسام فيما نشاهده، يتعذر منها وقوع الأجسام، فدل ذلك على أنها لم يحدث بعضها بعضا. وبالله نستعين.
الباب الثلاثون
في الرد على أهل الطبائع
الطبائع: هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، فقالوا: باجتماعها صح تركيب العالم. وهذا لا يصح، لأن الحرارة ضد البرودة، والرطوبة ضد اليبوسة، ولا يجوز إجتماع الضدين، في ذات واحدة. كما أن الحركة ضد الكون، والسواد ضد البياض، فلا يجوز إجتماع هذه المتضادات، فبطل ما قالوه: إن باجتماعها تركيب العالم؛ لأن الطبائع محتاجة إلى المكان، وليست بقائمة بأنفسها، وفي وجودنا لها محتاجة إلى المكان، غير مستطيعة على القيام بنفسها على حدثها، إذ حقيقة القديم: استغناؤه عن المكان والزمان. والله تعالى أعلم. وبه التوفيق.
الباب الحادي والثلاثون
في الرد على من قال بالظلمات والنور
من المجوس وهم الماتوتية (1/18)
صفحة 19
زعمت الماتوتية أن الأشئاء من أصلين قديمين: أحدهما: نور، والآخر ظلمة، وأن النور خير يفعل الخير، والظلمة شر يفعل الشر، فما كما من الخير فهو من النور، وما كان من الشر فهو من الظلمة، وأنهما لا يزالا حيين حساسين درّاكين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك مختلفان، في النفس والصور، متضادان في الفعل والتدبير، ولم يزالا متباينين متحادين، يحادّان الشمس والظل، ثم امتزجا بعد ذلك، فقال بعضهم لأبي الهذيل: أخبرنا عن النور، أليس قد كان مباينا للظلمة؟
قال: نعم.
قال: فما مجيئه إليها بعد المباينة، أداء إلى أنسه زمستراحه؟ أم إلى ضده وعدوه؟
قال: إلى ضده وعدوه.
قال: فإن كان جاء إلى عدوه طوعا، فهو شرير أحمق، وإن كان جاء إليه قسراً فهو ضعيف عاجز، فرجع الماتي عند ذلك وأسلم.
قال الشئخ أبو الحسن البسياني – في الرد عليهم - : إنه لا يخلو أن يكونا متباينين؛ أو متمازجين، وأيهما كان، فقد صح، وثبت لهما الحدث والحد والنهاية.
وقد دللنا أن الأجسام محدثة، وقد صح أنهما جسمان. وقد ثبت أنهما محدثان، والمحدث مصنوع، وله صانع ووجه آخر؛ أم لا يخلو من أن يكونا متباينين، لم يصح امتزاجهما أبداً، لأن أحدهما نور، والآخر ظلمة، فهما ضدان لا يزدادان إلا تباعداً.
وإن كانا متباينين، على ما قالوا، ثم امتزجا، لم يخل أن يكون التباين هو هما، أو غيرهما، وكذلك الامتزاج فقد ثبت أصل ثالث، وفسد قولهم.
وإن قالوا: التباين والإمتزاج غيرهما، وقد ثبت أصل ثالث.
قيل لهم: فقد تغير التباين والامتزاج، واذا تغير فهو محدث فهما محدثان، والقديم لا يتغير كالمحدث، وقد أكذبهم الله بقوله: { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } نقض لقولهم: إن النور يفعل الخير، والظلمة تفعل الشر.
يقال لهم: فما قولكم فيمن يقول: أنا طلام من القائل: أنا ظلام الظلام القائل: أنا ظلام أم المور؟ (1/19)
صفحة 20
فإن قالوا: النور هو القائل أنا ظلام، فقد كذب النور في قوله، والكذب شر عندكم.
وإن قالوا: الظلام هو القائل: أنا ظلام، والصدق خير فقد فعل الظلام الخير، وعندكم أن الظلام لا يفعل الخير، فلا يجدون سبيلا.
من هذه المسألة مقالة الديصانية: زعمت الديصانية: أن الأشئاء من أصلين – على ما زعمت الماتو تية – نور وظلمة، وأن الخير من النور والشر من الظلمة.
وأن النور حي عالم قادر حساس درّاك منه يكون الفعل والحركة؟ والظلمة: موات عاجزة جاهلة راكدة لا فعل لها ولا تمييز معها، وإن الشر يقع منها طباعاً، وإن النور جنس واحد، والظلمة جنس واحد،والنور: بياض كله، والظلمة سواد كلها، وإن الظلمة ضد النور، وأشئاء كثيرة تركتها.
يقال لهم: إذا كانت الظلمة غير فاعلة، والأفعال كلها للنور، فكل ما في العالم من سفك الدماء وإيلام الحيوان، ةسائر الضرر والفساد، وكل كذب وفجور وشتم وجور، فمن النور الذي زعمتم أنه لا يفعل إلا الخير.
ويقال لهم: إذا كان لون النور هو البياض، ولون الظلمة هو السواد، فأخبونا عن البرص أخير هو؟ أم شر محبوب هو؟ أم مكروه؟
فإن قالوا: محبوب وخير، كابروا وإن قالوا: مكروه وشر، فقد وجب أن يكون لون النور شراً،
ويسألون عن سواد العيون، وسواد الشعر: حسنان هما أم قبيحان؟ فهذا مالا محيض لهم منه.
ويقال لهم: إذا كان لا شئ إلا نور وظلمة، فمن أين جاءت الحمرة والصفرة؟ فإن قالوا: لاختلاف الأخلاط من القلة والكثرة.
قيل لهم: إن السواد والبياض قد عرف اختلاطهما، ولو خلطا بكل نوع، ما جاءت منهما حمرة وإنما يأتي منهما ألوان بين السواد والبياض، في الكثرة والقلة، فمتى أردتم أن تتأملوا ذلك، فتأملوا. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والثلاثون
في الرد على من قال من النصارى: إن الله جوهر – تعالى الله عن ذلك (1/20)
صفحة 21
أجمعت النصارى، على القول: بأن الله تبارك وتعالى جوهر، وأنه تعالى له ثلاثة أقانيم: الأب وهو العالم، والابن وهو العلم، والروح، وهو بين الحياة والقدرة. وهي الحياة أيضاً، وهذه أقانيم هي خواص الجوهر. كما تقول: شمس. ثم تقول: قرص وضوء وشعاع.
ويقال للنصارى في قولهم: إن البارئ جوهر، لم قلتم ذلك؟
فإن قالوا:من قبل أن الأشئاء لا تخلو فيما بيننا: أن تكون عرضا أو جوهراً فلما فسد أن يكون البارئ عرضا، إذ العرض لا يتأتى منه الفعل، ولا يصح منه تدبير. إنه جوهر، غير قابل للأعراض.
فإن قالوا: الدليل على أن الله جوهر: أن الأشئاء على ضربين. فمنها شئ قائم بنفسه، ومنها قائم بغيره، وهي الأعراض، صح أنه تعالى جوهر.
الجواب – يقال لهم: ما الفضل بينكم وبين من عارضكم، فقال: وجدت الأشئاء ضربين: فمنها شئ يحتمل الأعراض، ومنها ما هو قائم بغيره، والقائم بغيره عرض، والعرض لا يفعل شيئا، فلما أن كان الفعل ظاهراً، صح أن البارئ قائم بنفسه، محتمل للأعراض، بمثل ما أوجبتم أنه جوهر، وهذا مالا فضل فيه، حتى يلج الجمل في سم الخياط.
وأما قول من قال منهم: إن الجوهر على ضربين: خسيس وشريف، فالخسيس: هو القابل للأعراض. والشريف لا يقبل الأعراض، وهو البارئ.
قيل لهم: ما الفضل بينكم وبين من قال: الأجسام على ضربين: خسيس وشريف. فالخسيس: هو الطويل العريض العميق، القابل للطول والعرض والعمق، وهو الذي نشاهده والشريف: هو الذي لا يقبل الطول والعرض والعمق. وهو البارئ – تعالى الله عن ذلك.
فإن قالوا: قد شاهدنا الجوهر، لا يقبل الأعراض، وهو السماء.
قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: قد شاهدت جسماً لا يقبل الطول والعرض والعمق. وهو السماء.
ومن أعقل منهم أن الملائكة جواهر، فهم لا يقبلون الأعراض.
قيل لهم: والملائكة أجسام لا يقبلون الطول والعرض والعمق. فقل: إن البارئ جسم، وهو لا يقبل الأعراض. (1/21)
صفحة 22
ويقال لهم: إذا أثبتم جوهراً غير قابل ما تفعله الجواهر، وأخرجتموه من أن تكون أحكامه أحكامها، فما الفضل بينكم وبين من أثبت في الغائب شيئا، ليس بجوهر ولا عرض، على خلاف الشاهد؟
فإن استحال ذلك، لأن الشئ في الشاهد، لا يخلو من أن يكون جوهراً أو عرضاً. فلذلك اختلف قولكم: إن الجوهر في الشاهد لا يكون إلا قابلا للأعراض.
فإن قالوا فهل شاهدتم شيئا يخلو من أن يكون جوهراً، أو عرضاً أو موجوداً، من كونه جسما أو عرضاً؟
قيل له لا.
فإن قال: فهلا قضيتم بذلك على الغائب؟
قيل له: إن الشئ لم يكن شيئا فيما بيننا؛ لآنه جوهر، ولا أنه عرض؛ لأنه لو كان شيئا لأنه جوهر، كان لا شئ إلا جوهر ، ولا شئ إلا وهو عرض وكذلك لم يكن الموجود موجوداً لأنه جوهر، ولا لأنه عرض ولا لأنه جسم. فلما لم يكن كذلك، لم يجب القضاء بذلك، على الغائب.
فإن قالوا:لما استحالت الأفعال، ممن هو قائم بغيره، وكانت للبارئ أفعال، وجب أن يكون قائماً بنفسه، وجب أن يكون جوهراً.
قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: لما كانت للبارئ أفعال، وجب أن يكون قائما بنفسه، فإن وجب ذلك، وجب أن يكون حاملا للأعراض.
يقال لهم: إذا دل الفعل على أنه جوهر، لأنه لا يفعل فاعل فيما بيننا إلا قائما بنفسه، فلم لا دل على أنه جسم، إذ لا يفعل فاعل فيما بيننا إلا هو جسم. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والثلاثون
في الرد على من يقول من اتخاذ الكلمة بجسد المسيح
اختلف النصارى في تفسير اتخاذ الكلمة.
فقال بعضهم: معنى اتخاذ الكلمة بجسد المسيح: أن الكلمة حلت جسده.
ومنهم من قال: معناه أن القديم والجديد صار شيئا واحداً.
ومنهم من قال: معناه أن مشئئتها صارت واحدة، ومرادها واحد.
ومنهم من قال: إن الكلمة حلت في مريم حلول الممازجة، كما يحل الماء في اللبن حلول الممازجة، والمخلطة. (1/22)
صفحة 23
ومنهم من قال: إنه حل فيه من غير ممازجة، كما أن شخص الإنسان يتبين في المرأة، وفي الأجسام الصقيلة من غير ممازجة بينهما.
ومنهم من قال: إن مثل اللاهوت في الناسوت، مثل الخاتم من الشمع، لأنه يؤثر فيه، حتى يتبين فيه النقش، ثم لا يبقى فيه منه شئ سوى الأثر.
ومنهم من قال: إن الإيجاد هو الادراع، وهو أنه اتخذ الجسد هيكلا ومحلا.
الرد عليهم: يقال لمن قال منهم: إنه حل فيه من غير ممازجة، كما أن شخص الإنسان يتبين في المرآة، وفي الأجسام الصقيلة، من غير ممازجة: إن ظهور الصورة في المرآه والشئ الصقيل، ليس اختلاط شئ، ولا انتقال شئ، إلى شئ، بل أجرى الله العادة، كأن الواحد منا إذا قابل الشئ الصقيل، خلق الله تعالى له
أرئية يرى بها نفسه. فأما إن كان يكون قد حصل في الصقيل شئ، فلا استأثر،وأنه من مس وجهه فوجه نفسه لمس، لا وجها ظر فيه، فعلمت أن ليس في المرآة شئ، وهذه القول يوجب عليهم الإقرار به؛ لأنه شئ من الله القديم في مريم، ولا عيسى شئ يبطل عليهم القول: إنه لا هوتى ناسوتى وعلى ما قالوه باللاهوتى.
وكذلك القول في الخاتم، ونقشه في الشمع، فليس شئ يحصل من الفص في الشمع، وإنما يتركب الشمع تركيباً بعضه في بعض، فإذا كان الأمر على ذلك، فقد يبنوا الأمر به، فيما ذكروه، ووجب أن يكون التأثير والناسوت لغير تركيبه ووصفه. فإما أن يكون في غيره حلول فيه لعلة فلا. قال: فما حل في الشمع شئ من الفص، وهذا يوضح بطلان قولهم، وفساد ما راموه، ثم ان هذا الذي ذكروه كله، إنما يجوز بين المتماسين المتجاورين, المتلامسين الجسمين المحدودين الذين يجوز فيهما الحوادث، وتغير الأوصاف، والله تعالى يجل عن ذلك كله. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والثلاثون
في الرد على من قال: إن الإيجاد هو الادّراع
وهو أنه يجد الجسد هيكلا ومحلا
يقال لهم: إذا جاز ذلك على الكلمة، فلم لم يجز ذلك على جوهر الإله؟
ولم لا جاز على الأب أن يحل الأجساد ويدرعها؟ (1/23)
صفحة 24
وإذا جاز أن تحل الكلمة في جسم محدود ، فقد حوى المحدود القديم، وماسه وخالطه.
وإن جاز على الكلمة الامتزاج والاجتماع، فلم لا جاز عليها المفارقة والحركة والسكون والألوان والطعوم والأرانيج؟ولم لا جاز ذلك على جواهر الإله وكرامته؟
فإن أجازا ذلك.
قيل لهم: فما جعله بالقدم أولى من الأجساد وما جعلها بالحدث أولى منه، وقد جاز عليه ما يجوز عليها، من صفات الحدث ودلالته.
ويقال لهم: دلونا على أن القديم ايجد بالجسد المحدث، فلا يأتون دليلا إلا قيل لهم: قولوا لهم بهذه الدلالة: إنه ممتزج له، مخالط له، مماس له.
وإذا قلتم: ايجد به ولم يحاسه. فما الفرق بينكم وبين من قال: مازجه ولم يماسه وكذلك خالطه ولم يمتزج به؟
ويقال لهم: لم زعمتم أن الكلمة هي التي اتجدت بجسد المسيح، دون أن
تزعموا أن الإيجاد كان من الروح؟ هم مطلقون الإيجاد بلفظ الكلمة، ولا يطلقونه بلفظ الروح، وإن كان عندهم شيئا واحدا فافهم ذلك.
ويقال لهم: لم زعمتم أن الكلمة اتجدت بجسد المسيح، ولم تزعموا أنها اتجدت بجسد موسى، أو غيره من النبيين – عليهم السلام.
وإن رجعوا إلى اختراع المعجزات والبراهين، التي ظهرت على عيسى، كنحو احياء الموتى، وإبرائه الأكمه والأبرص.
قيل لهم: فلم قلتم: المسيح ابن الله وقلتم: الكلمة مؤكدة له، لظهور البراهين والمعجزات عليه، دون أن تثبتوا موسى ابنا له، وتثبتوا الكلمة متجدة به، لظهور البراهين الباهرات عليه، كنحو فلقه البحر، ورميه العصى من يده فتكون حية تسعى، وإخراجه يده بيضا، من غير سوء، وكنحو الجراد والقتل والضفادع والدم وغير ذلك من الآيات؟
فإن قالوا: كان موسى يدعوا الله، فيفعل ذلك على يديه، والمسيح كان يخترع ذلك اختراعا. (1/24)
صفحة 25
قيل لهم: ما الفضل بينكم وبين قلب عليكم، فقال: موسى أولى بالنبوة وباتخاذ الكلمة به، من عيسى، لأن موسى كان يخترع ذلك اختراعاً، وعيسى كان يدعوا الله فيفعل ذلك على يديه، من أن في كتابكم: أن عيسى كان يدعو الله ويتضرع إليه؟
فإن قالوا: لم يكن دعاؤه إلا على معنى: أن يعلم الناس كيف يدعون.
قيل لهم: ما الفضل بينكم وبين من ادعى ذلك في موسى عليهما السلام؟
وسئل بعض النصارى فقيل له: حدثني ما معنى قولك: إن كلمة البارئ اتجدت بجسد المسيح؟
فقال معنى ذلك: أنها حلت فيه.
قيل له: فإذا جاز أن تحل الكلمة القديمة جسد المسيح، فلم يجوز أن تماس الكلمة القديمة جسد المسيح؟ وما الذي يمنع من جواز مماسة الكلمة جسد المسيح؟
قال: لأن المماسة لا تكون إلا على ما يعقل من التقاء طرفين، وذلك منفي عن الإله.
قيل له: ما الفضل بينك وبين من قال: والحلول لا يكون إلا على ما يعقل، من حلول الشئ في الشئ، وحاجته القيام به؟ فإن جاز عندك أن تحل الكلمة جسد المسيح، على خلاف الحلول الذي نعقله من حلول الشئ، بمعنى الحاجة إليه، والمماسة له، وهي معنى أنه لا قوام له إلا به، فما أنكرت أن تماس الكلمة جسد المسيح، على خلاف المماسة المعقولة، من مماسة الشئ للشئ.
فقال: لا يجب أنه إذا حلت الكلمة جسد المسيح، أن أقول: ماست جسد المسيح، كما لا يجب أن البارئ حال في السماء، أن يكون مماسا لها.
قيل له: ومن سلم لك أنا البارئ في السماء، أن يكون مماسا لها وما أنكرت أنه إذا جاز أن يحل البارئ في السماء، وهو قائم بنفسه، أن يكون جائزاً أن يماس السماء وإذا حلت الكلمة جسد المسيح وهو جوهر خاص، أن يكون جائزاً أن يمسه.
فقال: جوهر. وهو حال في النفس وليس مماسا لها.
فقلت: وما تنكر أن جوهر العقل جوهر، وهو حال في النفس، وليس بمماس لها. (1/25)
صفحة 26
فقلت: وما تنكر أن العقل جوهر، وكان حالا في النفس، أن يكون مماسا لها وترك هذا، ثم سئل، فقيل له: ما الذي أنكرت أن تمازج الكلمة جسد المسيح مع إجازتك حلولها فيه؟
فقال: لأن الممازجة تخرج الشيئين الممتزجين، عما كانا عليه وذلك أن الماء إذا مازج اللبن خرجا بالامتزاج عما كانا عليه.
قيل له: فما الفضل بينك وبين من قال: والماء إذا حل في اللبن، خرج أحدهما في صاحبه عما كانا عليه، فلا يجب من ذلك أن يزعم أن الكلمة حلت جسد المسيح.
قيل له: ما أنكرت أن يكون الامتزاج لا يخرج الكلمة والجسد عما كانا عليه،وأن يكون على خلاف الامتزاج المعقول، كما ثبت حلول على خلاف الحلول المعقول، فزعم أن الماء يحل الجرة وليس بممازج الجرة.
قيل له: إن وجب أن تحل الكلمة جسد المسيح من غير ممازجة، فما أنكرت أن الكلمة تماس جسد المسيح، من غير ممازجة.
ويقال لهم: إذا جاز أن يكون المحدث محلا للقديم فما أنكرتم أن يكون حاويا له.
وإذا جاز أن تحل الكلمة في جوهر خاص، في جسد محدود, فما أنكرتم أن تكون محدودة، وإن جاز أن يحل ما ليس بمحدود فيما ليس بمحدود، وإذا جاز أن يحل القديم في المحدث فما أنكرتم، من جواز حلول المحدث في القديم.
فإن قالوا: لو حل المحدث في القديم، لم يسبقه القديم.
قيل لهم: ولو حل القديم في المحدث، لم يسبقه المحدث.
ويقال لهم: إذا جاز حلول القديم في المحدث، فما أنكرتم من جواز حلول القديم في القديم، وكل علة يمنعون بها حلول القديم في القديم، والمحدث في القديم منعنا بها حلول القديم في المحدث، وبالله نستعين.
الباب الخامس والثلاثون
في الرد على من قال من النصارى باللاهوت والناسوت
معنى قولهم: عيسى عليه السلام لاهوتي ناسوتي. لاهوتي الأب وهو الإله، وناسوتي الأم وهي من الناس.
ويقال لهم: أي شئ دعاكم إلى القول: بأن عيسى لاهوتي ناسوتي؟
فإن قالوا: لأنه أبرأ الأكمه والأبرص، وأحيى الموتى؟ (1/26)
صفحة 27
قيل لهم: فما أنكرتم أيضاً أن موسى لاهوتي وناسوتي؛ لأنه قلب العصا حية واليد بيضاء من غير سوء.
فإن قالوا: إنه دعاء ربه، فقلب له العصا، وما هو منه.
قلنا لهم: وكذلك نقول إن عيسى دعاء ربه فأحيى له الموتى إظهاراً لمعجزته.
ثم يقال لهم: ما قولكم فيه، حيث قتل وصلب – على ما ذكرتموه – أقتل لاهوتي؟
فإن قالوا: نعم، فقد صرحوا بأن ما قالوه لا أصل له؛ لأن القديم لا يقتل.
ولو كان قديما لما قتل.
وإن قالوا: إن القديم يموت ويقتل، فقد صرحوا بأنه محدث؛ لأن كل زائل عن صفته طارئ عليه ضده ألا يكون محدثاً؟ فلا يجدون في ذلك فضلا، ولا عنه مخرجاً.
ثم يقال لهم: فما الذي دعاكم إلى قولكم:بأن عيسى لاهوتي؟
فإن قالوا: لأنه وجد من غير ذكر.
قلنا لهم: فقولوا: إن حواء – عليها السلام – لاهوتية، لأنها وجدت من غير أنثى. بل قولوا: آدم لاهوتي، لأنه وجد من غير ذكر، ولا أنثى. وبالله التوفيق.
الباب السادس والثلاثون
في الدر على اليعقوبية من النصارى
يقال لمن قال من اليعقوبية: إن كلمة الله انقلبت لحما ودما بالإيجاد. إذا جاز عندكم ذلك، فلم لا جاز أن ينقلب القديم حديثا، والحديث قديما بالإيجاد، كما جاز أن تنقلب الكلمة لحما ودما، وهي ليست بلحم ولا دم لعينها؟
ويقال لهم: إذا زعمتم أن البارئ والد لكلمته، وأنه ابن كلامه، أتزعمون أن الإنسان ولد كلامه ووالده؟
فإن قالوا: لا.
قيل لهم: ولم منعتم ذلك، وما الفضل بينكم وبين من عكس عليكم، فزعم أن الإنسان ليس والدا لكلامه، وأنه أبوه، والقديم ليس كذلك، على قلب ما قلتم؟
فإن قالوا: إن الإنسان ليس بوالد لكلامه؛ لأن ذاته قبله، والقديم والد لكلامه، لأن ذاته لم تسبقه. وهذا قلب العقول. وإما أن يعكس هذا عليكم فيقال لكم: ما أنكرتم بأن يكون القديم ليس باي لكلامه، وأن يكون الإنسان أباً لكلامه؛ لأن ذات الإنسان سابقة لكلامه. وذات القديم ليست كذلك. (1/27)
صفحة 28
ويقال لهم: ما قولكم: إن الإنسان ليس بأب لكلامه، لأن ذاته قد سبقت كلامه. فما أنكرتم أن يكون الإنسان أبا أبيه، لأن ذاته قد سبقته. وإلا كنتم مناقضين لاعتلالكم.
ويقال لهم: إذا كان القديم أبا لكلمته، إذ كان لم يسبقها فما أنكرتم أن تكون كلمته أباً له؛ لأنها لم تسبقه، وأن يكون أبا لحياته وروحه؛ لأنهما لم يسبقاه وغلا كان اعتلا لكم منتقضاً.
فإن قالوا: إن الإنسان أبو كلامه، ووالد له.
قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون الإنسان أباً لفعله ووالداً له، وما الفرق بينكم وبين من قال: إن الإنسان أبو فعله، وليس بأبي كلامه، على قلب ما قلتم وعكسه؟
فإن قالوا: فعل الإنسان ليس بخارج عن ذاته. فلذلك لم يكن أباً له.
قلنا لهم: وكذلك كلام الإنسان ليس بخارج عن ذاته، فلذلك لا يكون أباً له، وما الفرق بين خروج الإنسان عن ذاته، وخروج كلامه عن ذاته؟!
فإن زعموا أن الإنسان أبو فعله ووالده.
قيل لهم: فإذا كان الإنسان أبا كلامه، وإن كان سابقا لكلامه، كما قلتم في الإنسان وفعله.
فإن قالوا: إن البارئ سابق لفعله، فلذلك لا يكون والداً له.
قيل لهم: ذلك في الإنسان، وفي كلامه.
وقيل لهم: إن كان البارئ أباً لكلامه، إذ لم يسبقه فواجب أن يكون أباً لحياته؛ لأنه لم يسبقها، وأن يكون كلامه أباً له؛ لأنه لم يسبقه.
فإن قالوا: إن فعل البارئ خارج عن ذاته، فلذلك لا يكون البارئ أباً له، وكلام البارئ ليس بخارج عن ذاته، فلذلك كان أباً له.
قيل لهم: إن كانت العلة في كون البارئ أباً لكلامه، هو أن كلامه ليس بخارج عن ذاته. فلم لا يكون أباً لوحه؛ لأن روحه ليست بخارجة عن ذاته.
ويقال لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال عكسا عليكم، في قلب المسألة: إن البارئ أبو فعله، لأنه خارج عن ذاته وليس بأبي كلامه؛ لأنه ليس بخارج عن ذاته. (1/28)
صفحة 29
وقد فرق مفرق منهم، بين أن يكون البارئ أباً لكلامه، وبين أن يكون أبا لحياته: بأن كلامه يبدو ويظهر، وليس بأبي حياته؛ لأنها لا تبدو ولا تظهر .
إن كانت العلة، في أنه أبو كلامه: يبدو ويظهر.
يقال له: ما معنى قولك: إن كلام البارئ يبدو ويظهر؟ فتعني أنا ندركه حسا.
فإن قال: نعم، عورض بذلك في حياته.
وإن قال: أعني أنه يظهر لنا بالاستدلال، ويبدو لنا بالحجة.
قيل له: فقل: إن حياته تبدو وتظهر، على هذا المعنى.
وليس للنصارى عن إلزامنا لهذا، من محيص ولا ملجأ. وبالله التوفيق.
الباب السابع والثلاثون
في الدر عليهم لقلبهم اسم المسيح عن معاني الحق والعدل
يقال لهم: أخبرونا عن قولكم: مسيح يقع على الكلمة دون الجسد المولود من مريم؟ أم يقع الجسد المولود من مريم دون الكلمة؟ أم يقع عليهما جميعاً؟
فإن قالوا: يقع على الكلمة دون الجسد.
قيل لهم: فما معنى قولكم: مسيح؟ أليس مأخوذاً من المسح؟
فإن قالوا: لا.
قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون مأخوذاً من المسح؛ لأنه يقال: مسح فهو مسيح، كما يقال: قتل فهو قتيل. فإن جاز أن يقال في اللغة: مسيح لا من المسح، جاز أن يقال: قتيل لا من القتل، وطريد لا من الطرد.
ويقال لهم: إذا كانت الكلمة هي المسيح، فلا تقولوا: المسيح عيسى بن مريم.
فإن قالوا: قولنا: مسيح مأخوذ من المسح.
قيل لهم: إذا جاز المسح على الكلمة القديمة، فلم لا جازت عليها المماسة والمفارقة وسائر الوصاف التي يستدل بها على حدث الأجسام؟
وإن هم قالوا: قولنا: مسيح واقع على الجسد دون الكلمة.
قيل لهم: فقولوا: إن المسيح مخلوق من كل وجه، وليس بابن لله، من كل وجه.
إذا كان قولكم: مسيح واقعا على الجسد دون الكلمة، وقولوا: إن المسيح لم يولد من مريم، ولا كان يأكل الطعام ولا يشرب الشراب. ولا تقولوا: إن المسيح
ابن الله، إذا كان من قولكم: مسيحا، ليس واقعاً على اللاهوت، ولا على كلمة الإله. (1/29)
صفحة 30
وإن هم أبوا أن يكون المسيح ابنا لله، وأبوا أن يكون مولودا من مريم.
قيل لهم: فالمولود إذاً من مريم غير المسيح، وهو الذي ألزمناهم إياه، متى صاروا إليه، تركوا النصرانية وأبطلوها.
وقيل لهم: لا تقولوا: إن المسيح قتل، إذا كان ليس بإله، ولا إنسان، ولا بجسد، ولا بعرض.
وقيل لهم: إذا لم يكن جسداً ولا عرضاً ولا إلها ولا إنسانا. فما أنكرتم أن لا يكون خالقا ولا مخلوقا ولا قديما ولا محدثا ولا حيا ولا ميتاً ولا موجوداً ولا معدوماً.
وإن قالوا: قولنا مسيح واقع على الجسد والكلمة.
قيل لهم: فإذا قلتم: أكل المسيح وشرب؛ وقتل وصلب، كان الأكل والشرب والقتل والصلب، واقعاً على شيئين: أحدهما جسد، والآخر اللاهوت والناسوت.
وإذا جاز على اللاهوت والناسوت، الأكل والشرب، والقتل والصلب.
فما أنكرتم من أن يجوز عليهما الاجتماع والافتراق، والحركة والسكون، والظهور والسكون، وسائر ما يستدل به على حدث الأجسام، وإذا جاز ذلك عليهما. فما جعل الناسوت بالحدث والخلق، أولى من اللاهوت؟ وما جعل اللاهوت بالقدم والإلهية، أولى من الناسوت، وقد اشتركا فيما يستدل به على حدث الأجسام؟
وإن قالوا: وقع القتل والصلب، والأكل والشرب، على الناسوت واللاهوت.
قيل لهم: أرأيتم من زعمتم أن اللاهوت والناسوت هما المسيح، وأن القتل والصلب وقع على اللاهوت والناسوت، ولم يقع على المسيح، أليس يكون مناقضاً؟!
فإن قالوا: نعم.
قيل لهم: فما أنكرتم من أن يكون من زعم أن المسيح لاهوت وناسوت، والقتل والصلب واقع على اللاهوت والناسوت، مناقض، إذا كان المسيح لاهوتا وناسوتا.
الباب الثامن والثلاثون
في الرد على أهل التثليث من النصارى وهم النسطورية
قالت النصارى: إن الله واحد ثلاثة، فواحد بالجوهر، ثلاثة بالأقنومية(1). (1/30)
صفحة 31
فقالوا: ثلاثة أقانيم: أب، وابن، وروح القدس، من جوهر واحد، فجعلوا ثلاثة واحدا، وواحداً ثلاثة، فرد الله عز وجل عليهم ذلك، فقال: { ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد } .
فأما التثليث، فإن الوجه فيه أن تؤخذ علتهم التي منها اعتلوا وذهبوا إلى ذلك، فيعارضوا بما نحن واصفون.
يقال لهم: إذا أثبتم البارئ ثلاثة أقانيم أباً، وهو العالم، وابنا وهو علمه، وروحا وهي حياته، فما الفضل بينكم وبين من أثبته أربعة أقانيم: أبا وابنا وحياة وقدرة؟
فإن قالوا: إن الحياة هي القدرة، فلذلك وجب أنه ثلاثة أقانيم.
قيل لهم: فما الفضل بينكم وبين من قال: إن البارئ تعالى أقنومان، وأن العلم هي الحياة، كما قلتم: إن الحياة هي القدرة.
فإن قالوا: قد يكون الإنسان حيا، وينقص علمه، والحياة بحالها، فبطل أن تكون الحياة علما.
قيل لهم: ما الفضل بينكم وبين من زعم أن الإنسان قد يكون حيا،
وتنقصه قدرته، حتى لا يقدر أن يحمل عشرة أرطال، وتزيد قوته، حتى يقدر أن يحمل مائة رطل، والحياة بحالها، فبطل أن تكون الحياة قدرة.
فإن قالوا: قد يقال: عالم واعلم منه، ولا يقال حي وأحي منه، فبطل أن تكون الحياة علماً.
قيل لهم: ما الفضل بينكم وبين من قال: قوي وأقوى منه، وقادر وأقدر منه، ولا يقال: حي وأحي منه، فبطل أن تكون الحياة قدرة.
فإن قالوا: قد يكون الإنسان حيا، ويبطل علمه أجمع، فيحال ما يغمى عليه فبطل أن تكون حياته علماً.
قيل لهم: وقد يجوز أن يغمى على الإنسان، فيئول الغمى إلى أن يعديه من جميع القدرة، أو أكثرها، وهو في تلك الحالة حي، فبطل أن تكون الحياة قدرة.
فإن قالوا: لم تذهب القدرة بذهاب العلة، إلا بذهاب بعض الحياة.
قيل لهم: ما الفضل بينكم وبين من قال: لم يذهب العلم إلا بذهاب بعض الحياة، وهذا مالا فضل فيه. (1/31)
صفحة 32
وكذلك يطالبون بأن يثبتوا أقنوما خامساً، وهو سمع للبارئ، وأقنوما سادسا، وهو بصر له، وسابعا، وهو عزة له، وثامنا، وهو عظمة.
وفي صفات الذات، يطالبون بأن يجعلوها أقانيم، فإن أثبتوا السمع والبصر علما، عورضوا بمثل ما عارضناهم آنفا، من أن يجعلوا الحياة علماً، ويقال لهم: إذا كانت الأقانيم جوهراً واحداً، وكان الأب جوهرة جوهر الابن، فلم كان أحد الجوهرين الخاصين، بأن يكون أباً أولى منه، من أن يكون أبنا، إذا كان
جوهراً لنفسه، وكان جوهره جوهر صاحبه، ولم يكن أحدهما سابقا للآخر، ولا أقدم ذاتا منه.
وإذا كان العلم من جوهر الحياة، فما جعله بأن يكون ابنا للبارئ، أولى من الحياة، وإذا كان كل واحد من الجواهر من جوهر صاحبه، فما أنكرتم من أن يكون موافقا له، وأن يكون أحدهما علما والآخر كذلك.
وإذا كان أحدهما قدرة، والآخر قدرة، إذا كان جوهرهما واحداً، وكان أحدهما علما لنفسه، والآخر قدرة لنفسها، ويقال لهم: لم قلتم القديم قادر وعالم.
فإن قالوا: لأن من لم يكن عالما قادراً، كان منقوصا جاهلا.
قيل لهم: فما أنكرتم من أن يكون الابن عالما قادرا، وكذلك الحياة مثل اعتلالكم، والأوجب للابن والحياة الجهل والنقص.
فإن أثبتوا الابن عالما قادرا، وكذلك الحياة.
قيل لهم: لم قلتم الأب فاعل، دون أن تثبتوا الابن فاعلة، فلا يجدون بدا مما طالبناهم به.
ويقال لهم: إذا قلتم: إن الأب والابن فاعل والقدرة فاعلة، فهم على وصفكم ثلاثة فاعلين، وهل يخلو فعل كل واحد منهم، أن يكون هو فعل صاحبه وغير فعله.
فإن أثبتوا فعل كل واحد منهما، غير فعل صاحبه.
قيل لهم: فما يؤمنكم أن تكون الجسام كلها من فعل الابن، دون الأب أو من فعل القدرة، دون الأقنومين الآخرين.
ويقال لهم: هل يقدر الابن، إذا فعل الأب شيئا يمنعه، حتى لا يقع؟
وإذا أراد ابن مرادا أن يفعل الأب خلافه، حتى لا يتم مراد الابن أم لا؟
فإن قالوا: لا أثبتوا ضعفه. (1/32)
صفحة 33
يقال لهم:ما أنكرتم إذا أثبتم الضعف لهما، أو لأحدهما، أن يثبت العجز لهما، أو لأحدهما، ولا بد من الإجابة إلى ذلك وإلا طلبوا بالفصل.
وإن أجابوا إلى ذلك قيل لهم: وإذا قلتم: عاجز قديم: فهل يخلو أن يكون عاجزا لعينه، أو لعجز قديم.
فإن أثبتوا عجزا قديما، نقضوا التثليث، وأثبتوا أقنوما رابعا، وهو العجز.
وقيل لهم: ما أنكرتم من أن يكون القديم جاهلاً، بجهل قديم، كما أثبتموه عاجزا يعجز قديم، فلا بد من الإجابة إلى ذلك أو يأتوا بين ذلك بفرقان.
فإن أجابوا إلى ذلك، أثبتوا أقنوماً خامساً، وهو الجهل.
وإن زعموا أن القديم عاجز كما يعجز عنه لعينه.
قيل لهم: فما أنكرتم، من أن يكون قادراً على ما يقدر عليه لغيره، لا يقدرة وهذا هدم للقول بالأقانيم، وإبطال التثليث.
ويقال لهم: إذا قلتم: ثلاثة أقانيم، جوهر واحد فقولوا: كل أقنوم منه إله.
فإن قالوا لا.
قيل لهم: ولم منعتم من ذلك، وجوهرهما واحد؟
ولم زعمتم أن الجوهر إله دون أن تقولوا: إن الجواهر الثلاثة، هي ثلاثة آلهة، إذا كان جوهرهما واحداً.
وإن قالوا نعم.
قيل لهم: فثلاثة آلهة إله واحد.
فإن قالوا نعم.
قيل لهم: فما أنكرتم أن تكون ثلاثة أشياء شيئا واحداً، وأن يكون ثلاثة قادرين قادرا واحداً، وثلاثة فاعلين فاعلا واحد، فما الفرق بين ثلاثة أقانيم، وثلاثة جواهر، خواص جوهرها واحد، وبين ثلاثة فاعلين فاعل واحد، فلا فرق في ذلك – تعالى الله – عن جميع ما قالوا علوا كبيرا.
الباب التاسع والثلاثون
في الرد على من زعم من النصارى أن المسيح ابن الله
عز وجل وتعالى عن ذلك
زعمت فرقة من النصارى أن المسيح عيسى بن مريم ابن الله، واعتلوا فقالوا: وجدنا من لا ابن له ناقصا، والذي له ابن أكمل، فوجب أن نصفه بالصفة التي توجب الكمال والتفضيل.
يقال لهم: فقولوا: إن عينين ويدين، كمثل علتكم هذه.
ومن ذلك قالوا: إن الابن نطق، والروح حياة، ومن ليس بناطق فهو أخرس، ومن لا روح له فهو ميت. (1/33)
صفحة 34
قيل لهم: فإن من ليس بفاعل فهو عاز وتارك ومحال منه الفعل في ذلك فقولوا: إنه لم يزل فاعلا أو تاركا، لتنفو عنه العجز، واستحالة وقوع الفعل، ومن لا يد له هي بعضه، فهو أشل ومن لا عين له، فهو أعمى، ومن لا ذكر له، فهو أنثى وإن اعتلوا، وادعوا أن الله تعالى سمى المسيح ابنا، وسمى نفسه له أباً، ووجدوا فيه أن المسيح قال: أذهب إلى أبي وأبيكم.
قيل لهم: فقال المسيح في إنجيله:أذهب إلى أبي وأبيكم، فإن وجب بهذا القول أن يكون الله تعالى أباً له، وأن يكون هو ابنا لله، فما أنكرتم أن يكون أباً لجميع من خاطبه، وتكونوا أبناءه أيضا، فيجب على قولكم هذا أن يكون الله تعالى أباً للحواريين، من أجل أن عيسى قال: أذهب إلى أبي وأبيكم. ولم لا
وجب أن يكون الله تعالى أباً لموسى –عليه السلام – ولبني إسرائيل ويكون إسرائيل ابنا لله تعالى؛ لأنه تعالى قال: إسرائيل بكرى، وقد قيل لهم: أليس الأب له ابن؟
فقالوا: نعم.
فقال: والابن لا ابن له.
فقالوا: كذلك هو.
قيل لهم: فكيف يكون له ابن، هو الذي لا ابن له؟ فكيف يجوز أن يكون الابن بغير إله.
ويقال لهم: إذا كنتم تعبدون المسيح، والمسيح إله إنسان فقد عبدتم إنسانا، ومن عبد إنسانا، فقد كفر عندنا وعندكم.
ويقال لهم: هل يخلو المسيح – عليه السلام – من أن يكون إنساناً بكليته وكماله، ومن جميع جهاته، غير إنسان أو يكون إلها من جهة، إنسانا من جميع جهاته، فإن أثبتوه إنسانا من جميع جهاته، وأثبتوه محدثاً مخلوقا، وعبداً مربوباً، من جميع جهاته، بطل أن يكون فيه شئ من الألوهية.
قيل لهم: إذا أثبتموه مخلوقا من جميع الجهات، فهلا أثبتموه ابنا، على وجه من الوجوه.
فإن قالوا: إلا برضى النصرانية فقد قالوا بالحق.
وإن قالوا: نثبته ابنا على وجه ما قيل.
قيل لهم: على أي وجه تثبتونه ابنا؟ (1/34)
صفحة 35
فإن قالوا: على طريق المناسلة والموالدة، فقل لهم: إذا جاز على الإله ما ذكرتموه، لم لا جاز عليه الأكل والشرب، والحركة والسكون، وسائر ما يجوز على الأجسام؟
وإن قالوا: نثبته ابنا على أنه فضل من الله.
قيل لهم: فإذا أثبتموه مخلوقا من جميع الوجوه فما معنى قولكم فيه: إنه فضل من الله؟
فإن رجعوا إلى حدوث معنى؛ فينبغي لهم أن يثبتوا لسائر الأشياء المحدثات من البنوة والفضول، ما للبارئ ما يثبتونه للمسيح.
وإن أثبتوا ابنا، على أنه بعض للبارئ، ويكون المحدث بعضا للقديم.
وإن كان بعض القديم محدثاً، فلم لا كان جميعه كذلك.
وإن أثبتوا المسيح بعضا للبارئ، دون غيره من الأجسام.
قيل لهم: فإذا كان المسيح إنسانا محدودا طويلا عريضا مجتمعا، يجوز عليه ما يجوز على البشر، من أحوال البشرية، يجري عليه من طبائعهم الجسمية فما جعله بالآلهة، أولى من غير سائر الرسل؟!
قيل لهم: ولم قلتم ذلك في المسيح دون غيره، وما أنكرتم من أن يكون موسى – عليه السلام – كان إنسانا إلها، وإذا جاز أن يكون المسيح إلها من وجه،
إنسانا من وجه، فما أنكرتم من أن يكون قديما، لم يزل كائنا من وجه محدثاً، لم يكن ثم كان، من وجه آخر.
فإن أجابوا إلى ذلك تناقض قولهم: إن مالم يكن ثم كان لم يزل كائنا موجودا، من وجه وما لم يزل كائنا، ثم كان من وجه آخر.
ويقال لهم: إذا جاز أن يكون الشئ إنسانا من وجه، إلها من وجه، محدثا من وجه، قديما من وجه، فما أنكرتم أن يكون الإله الذي دبر العالم إنسانا من وجه لم يكن، ثم كان من وجه، خالقا من وجه، مخلوقا، ربا من وجه، مربوبا من وجه فهذا عين التناقض. وبالله التوفيق.
الباب الأربعون
في الرد على النصارى
قولهم: إذا جاز أن يكون إبراهيم خليلا لله
فكذلك يجوز أن يكون عيسى ابن الله
إن سأل سائل فقال: أليس قد أتخذ الله ابراهيم خليلا؟
قيل له: نعم.
فإن قال: فلم لا يجوز أن يتخذ عيسى ابناً؟ (1/35)
صفحة 36
قيل له: إنما اتخذ الله إبراهيم خليلاً لله، كما أن الله خليل له، فلو كان قياس اتخاذ ابن قياس أتخاذ خليل، لكان الله تعالى ابنا لعيسى، كما أن عيسى ابن له، فلما بطل ذلك في القبنى، بطل أن يكون قياسهما واحدا؛ لأن الرجل قد يخال أباه، فيكون خليلا لأبيه، ولا يجوز أن يتبنى أباه، فيكون الابن أباً لأبيه.
وأيضا فإنا قد أطلقنا الخلة لإبراهيم والنبوة فأطلقوا البنوة لعيسى صلى الله عليهم أجمعين.
الباب الحادي والأربعون
في معنى ما قال الله تعالى في عيسى بن من مريم صلى الله عليه وسلم إنه روحه وكلمته ألقاها إلى مريم
فإن قيل: ما معنى تسمية الله لعيسى عليه السلام – روحا وكلمة؟
قيل له: لما كانت الأرواح تحيا بها الأجساد، وكان كتاب الله عز وجل بياناً، يبين به للناس، ما يأتون وما يتركون، فإذا تبينوا بكلام الله ما يبين لهم، حيوا بذلك في دينهم، كما قال الله تعالى: { أومن كان ميتاً فأحييناه } وكان المسيح يبين للناس عن ربهم، ما يأتون وما يتقون، فإذا قبلوا ما يأتيهم، حيوا في دينهم، وانتفعوا في آخرتهم، وصاروا إلى الحياة الدائمة – سماه الله تعالى روحا، إذ كان يحي به العباد في دينهم، إذا قبلوا منه، وانتفعوا به كما ينتفعون بأرواحهم.
وعلى هذا المعنى، سمى الله جبريل – عليه السلام – روحاً. وسمى القرآن روحاً.
وكذلك سماه كلمة، إذ كان ينتفع به، كما ينتفع بكلام الله عز وجل، فهذا معنى تسمية الله تعالى المسيح روحا وكلمة، وبالله التوفيق.
الباب الثاني والأربعون
في التشبيه ومعانيه وبيان ذلك
قال الله تعالى: { فلا تضربوا لله الأمثال } .
قال الشيخ أبو الحسن البسياني: التشبيه أن يشبه الله تعالى ببعض خلقه، فيما يصفه به، أنه تعالى يبصر ببصر، أو يسمع بسمع، أو يعلم بعلم، كالخلق فذلك هو التشبيه.
قال المؤلف: وقد قالت المشبهة: إن الله تعالى خلق آدم على صورته، وكذبوا على الله رب العالمين.
الباب الثالث والأربعون (1/36)
صفحة 37
في نفي التشبيه عن الله عز وجل
قال الله تعالى: { فلا تضربوا لله الأمثال }
إن قال قائل: لم قلتم: إن الله تعالى لا يشبه الأشياء، ولا تشبهه؟
قيل له: لأنه لا يخلو من أن يشبهها من جميع الجهات أو بعضها.
فإن أشبهها من كل الجهات، لكان مشبهاً لها، من حيث أشبهها، تعالى الله عن ذلك.
فإن قال قائل: فإذا علم العبد محدث، فكيف يعلم أنه لا يشبه شئ منها، ولا تشبهه؟
قيل له: يعلم بما نشاهد من المحدثات فيما بيننا: أن كل صنعة لا تشبه صانعها، كالكتابة لا تشبه الكاتب، والبناء لا يشبه الباني، فإن علم ذلك استدل بما ظهر له من ذلك، على ما غاب عنه، فعلم أن البارئ عز وجل لا تشبهه الأشياء ولا تشاكله، وقد قال الله تعالى: { ليس كمثله شئ } أي ليس هو كالأشياء تعالى الله عن ذلك.
الباب الرابع والأربعون
في القول في ذات البارئ
أشخص هو أم لا؟
والرد على المشبهة
المراد بذات الله إثباته والإخبار عنه، بأنه ليس كمثله شئ فنفسه ذاته، وذاته إثباته لا غير ذلك؛ لأنه تعالى ليس بذي جسم، لأنه تعالى لو كان جسما من الأجسام، لكان طويلا عريضا عميقا، لا يخلو من الحدود والنهاية والأعراض، فهذه صفة الجسم، ولولا ذلك لم يكن جسما وكانت جواهر.
ومن كان لا يخلو من الحركة والسكون، والنهاية والحركة والمكان، كان محدثاً مخلوقاً، إذ لم يقدر على أن لا يكون محدوداً ذا نهاية وأقطار ومن الحركة والسكون والتأليف والأبعاض، جل الله عن ذلك، وليس عز وجل بعرض، إذ العرض لا يقوم بنفسه، وإنما يقوم بغيره، وهي الجواهر والأجسام فليس خالق الأجسام بجسم؛ لأن خالق الأجسام لو كان جسما لكنا نخلق من الأجسام تقديرا قويا، فلما استحال ذلك، علمنا أن خالق الأجسام ليس بجسم، ولو كان خالق الأشياء جسما أو جثة، لكان لا يخلو من أن يكون يقدر أن يزيد في جسمه أو جثته، أو لا يقدر. (1/37)
صفحة 38
فإن كان يقدر على ذلك, فقد تغير عما هو عليه، ومن جعله التغيير والزوال والزيادة والنقصان، فهو محدث مع أن زيادة الجسم في العظم، لابد لها من نهاية، ومن كان ذا نهاية وبداية، فهو مخلوق مقسور على تلك النهاية والحدود.
وإن كان لا يقدر أن يزيد في جسمه، أو جثته، فهو عاجز، والعاجز ليس بإله قدير، مع أن الهواء الذي تزيد فيه جثته، لا يخلو من أن يكون هو أو غيره، فإن كان غيره، فقد صح أن معه غيره، وبطل التوحيد، وإن كان هو فهذا هو المحال؛ إذ أحدث لله صفة ولا تعرف؛ لأن زيادة الجسم لا يكون ذلك إلا بقصى وهوى، ليزداد فيه الجسم.
قيل له: لا كيفية لله؛ قولك: كيف إشارة منك إلى كأي شئ هو.
والله تعالى ليس كمثله شئ، وكذلك أين هو سؤال عن المكان ولم يزل الله ولا مكان له، ثم خلق المكان فكان المكان بعد أن لم يكن مكانا لهذه الأجسام.
فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون البارئ جسما لا كالأجسام.
قيل له: إن الأجسام المعقولة المسماة، مع أهل اللغة، أنه ما كان على هذه الصفة المعقولة معهم، في الطول والعرض والعمق، وقولك: جسم لا كالأجسام، فقد نفيت عنه معنى الجسمية، وذكرت ما لا يعقل في الشاهد، فيما بيننا، وما يعرف في اللغة كأنك قلت جسم، وليس بجسم، فهذا محال ونقص ولو جاز أن يكون جسماً لا كالأجسام، لجاز أن يكون إنسانا لا كالناس في الجسمية، من الطول والعرض والعمق والتأليف والحركة والسكون، فلما فسد ذلك فسد قولك: جسم لا كالأجسام.
وإن قلت فهو جوهر.
قلنا: إن الجوهر متغير، محيط به الهواء، محتاج إلى القرار والمكان، متحرك أبداً، ومن كان بهذه الصفة فليس بإله عظيم، على كل شئ قدير؛ لأن الجوهر لم يخل من المكان والحدود، وقبول الأعراض. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والأربعون
في نفي جوارح الصورة عن الله تعالى
إن قال قائل:
لم نفيتم عن الله صفة الجوارح، وقد قال الله تعالى: { ويحذركم الله نفسه – ويبقى وجهُ ربك } ؟ (1/38)
صفحة 39
وقال: لما خلقت بيدي، والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه وعلى ما فرطت في جنب الله، ويم يكشف عن ساق، ونفخت فيه من روحي، هو قائم على كل نفس.
وقال: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } يوم القيامة، وغير ذلك من الآي.
الجواب: أن للقرآن تأويلا وتفسيراً، فمن تأوله على خطئه وهواه ضل، وذلك أنه إذا مرت بنا آية من هذه الآي. فأخبر تعالى بما يوجب شيئاً من ذلك، يؤمن به وينزه الله أن تكون له جارحة، أو جزء، أو بعض، أو شبه، أو مثل، ويكل تأويل ذلك إلى الله، ويؤمن به، ويقول: لا يعلم تأويل ذلك إلا الله.
وقال بعض: إنا نعلم أن الله أنزل كتاباً بلغة العرب، كما ورد من الآي والأخبار، ليس فيها ما يخرج من لغة العرب، فلا بد مما يطلب معناها، عما تقتضيه اللغة، فإن وجدنا لذلك اللفظ في اللغة معاني، تجوز جميعها على الله تعالى، وإثباته في وصفه، ثم إنا نقطع بنفي أحد ما يجوز في وصفه، فيحمله على ذلك على سبيل التجويز والاحتمال، لا على سبيل القطع واليقين، بل نقول: يحتمل أن يكون كذا وكذا، مما هكذا.
وكذلك ما يجوز إثباته، ويقطع بأنه لا يكون معناه ما يوجب تشبها بخلقه، أو إثبات عضو وبعض، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.
وقيل: كل ما وصف الله تعالى به نفسه، مما له المعاني الكثيرة، فأحقها به عز وجل، ما وافق صفاته الذاتية. وبالله التوفيق.
الباب السادس والأربعون
في النفس وتفسيرها
والرد على من قال: إن الله تعالى نفساً منفوسة.
النفس في لغة العرب: على معان مختلفة.
فمنها: ما يراد به النفس المنفوسة، وهو كقوله تعالى: { كل نفس ذائقة الموت } .
ومنها: ما يراد به التوكيد، كقولهم: هذا الحق نفسه، ومنه قول موسى - عليه السلام - إني ظلمت نفسي، أي إني ظلمت لا غير ذلك.
والنفس: الرأي والإدارة، كقولهم: نفس فلان في كذا وكذا، أي إرادته فيه، وهو بين نفسين وإرادتين.
ومنه قول الكميت يذكر حماراً: (1/39)
صفحة 40
يذكر من أنى ومن أين شربه ... يؤامر نفسيه كذا الهجمة الإبل
والنفس: الضمير وما في قلب الإنسان.
والنفس: العين التي تصيب الإنسان.
والنفس: الدم، ومنه قولهم: نفست المرأه، وامرأة نفساء.
وأما النفس المنفوسة عن الله فمنفية؛ لأنها لا تكون إلا للمخلوقين؛ لأنهم بها يحيون، وبما يموتون، والله تعالى لا يشبه شئ من خلقه. تعالى الله عن ذلك.
وأما قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه } يريد عقوبته وقوله: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } يقول: تعلم غيبي ولا أعلم غيبك، ويجوز تعلم ما عندي، ولا أعلم ما عندك، إلا ما علمتني من أمرك وحكمك، والعند هاهنا الحكم، يقول القائل: هذا ما عندي، يريد هذا في حكمي، ويجوز أن يقول: هكذا في علمي.
وقيل في قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه } ، أي يحذركم إياه أن يعاقبكم إن عصيتموه. وقوله تعالى: { كتب ربكم على نفسه الرحمة } أي على ذاته لا على شئ سواه، ومنه قوله تعالى: { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } أي لذاتكم، ولكم لا لغيركم.
والنفس: القوة، تقول العرب، ما له نفس، أي قوة. وبالله التوفيق.
الباب السابع والأربعون
في الروح وتفسيرها
ونفي الروح المعقولة عن الله تعالى
والرد على من يثبت لله تعالى روحاً
والروح: جبريل - عليه السلام - قال الله تعالى: { نزل به الروح الأمين } يعني جبريل.
والروح: ملك عظيم يقوم يوم القيامة وحده صفا، قال الله تعالى: { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } وقال تعالى: { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } والروح: النفخ، سمى روحاً، لأنه يخرج من الروح، وقال ذو الرمة، يذكر ناراً اقتدحها:
فقلت له: ارفعها إليك وأحيها بروحك واقنيه لها قنية قدرا، أي أحيها بنفخك.
وسمى المسيح روح الله، لأنه نفخة جبريل - عليه السلام - في ذرع مريم – عليهما السلام.
ونسب الروح إلى الله؛ لأنه كان بأمره، ويجوز أن يكون سمى روح الله؛ لأن بكلمته كان، قال الله تعالى له: { كن فكان } . (1/40)
صفحة 41
وكلام الله: روح؛ لأنه حياة الجاهل، وموت الكافر.
ورحمة الله روح، قال الله تعالى: { وأبده بروح منه } أي رحمة، ومن قرأ بروح وريحان، بضم الراء، فقال: رحمة، ورزقا. قال أبو عبيدة: فروح وريحان، أي حياة وبقاء لا موت فيه.
ومن قرأ روح بفتح الراء، أراد الرحمة وطيب النسيم.
وقد تكون الروح: الرحمة، قال الله تعالى: { ولا تيأسوا من رَوح الله } أي من رحمة الله، سماه روحاً؛ لأن الروح والراحة يكونان بها.
قال المؤلف: وسمى الله تعالى عيسى روحاً، أي كأنه حياة من الله لقومه من الهلاك، وهذا مجاز بأن الله تعالى جعل للنجاة من النار حياة والهلاك فيها موتاً، فكان إرسال الله تعالى عيسى - عليه السلام - إلى قومه حياة لهم، وإنما هذا اختصاص من الله، اختصه به، وكلمته ألقاها إلى مريم، والكلمة من الله بأن قال له: كن فكان فعيسى خلق من خلق الله، قال له: كن فكان، وروح منه أي حياة لقومه من الهلاك. والله أعلم وبه التوفيق.
الباب الثامن والأربعون
في العين وتفسيرها
والرد على من زعم أن الله عيناً كالأعين المعقولة تعالى الله عن ذلك
العين في كلام العرب: على معان مختلفة، كتبت شيئا للحاجة إليه.
فمنها: ما يراد به الجارحة التي في الرأس.
ومنها: ما يراد به الحفظ والمشاهدة.
ومنها: ما يراد به الدلالة.
ومنها: ما يراد به العقوبة.
ومنها: ما يراد به الجودة.
ومنها: ما يراد به الجاسوس.
فأما العين التي يراد بها الجارحة، المركبة في الرأس المصورة، فهي عن الله منفية، من قبل أن كل جارحة محدودة، والله تعالى ليس بمحدود، ولا مختلف بعضه عن بعض؛ إذ لا أبعاض له فيختلف ولا متغاير؛ إذ لا جسم له، ولا مؤتلف؛ إذ لا أبعاض له فيأتلف.
وإنما البارئ إله، لا إله سواه، قدير لا بقدرة هي غيره، عالم لا بعلم هو غيره، سميع لا بسمع هو غيره، بصير لا ببصر هو غيره، وكل ذلك ليس قديرا بقدرة ولا عليما بعلم، ولا سميعاً بسمع.
وإنما البارئ قدير بنفسه، (1/41)
صفحة 42
عالم بنفسه، لا بشئ سواه فنفسه ذاته وذاته إثباته، فهذه صفه من ليس كمثله شئ.
وأما العين التي يراد بها الحفظ، كقولهم: أنت بعين الله، أي أنت في حفظ الله أي ليس تخفى على الله.
وأما ما يراد به العقوبة، فقولهم: أصابتك عين من عيون الله، أي عقوبة، ونقمه من نقماته.
وأما ما يراد به الدلالة، فقولهم: هذا عين العدو، وعين الخليفة، يريدون بالعين هاهنا الإنسان نفسه.
وأما ما يراد به الجودة. فقولهم: هذا عين مالنا وغنمنا، وعين السوق، أي خير شئ في سوقنا، وخير مالنا وغنمنا.
وأما قول الله تعالى: { ولتصنع على عيني } أي بعلمي وحفظي، وقوله: { تجري بأعيننا } أي بحفظنا وعلمنا، حيث لا يخفى علينا. وفي العين أكثر من هذا، ولكننا اختصرنا هذا.
القول التاسع والأربعون
في الوجه وتفسيره
والرد على من قال: إن لله وجهاً حقيقياً – تعالى الله عن ذلك
الوجه – في لغة العرب – على معان كثيرة: أحدها أن يراد به الشئ نفسه، كقولك: هذا وجه المر، ووجه الرأي، ووجه القوم والمتاع، إذا أخبرت عن الشئ بعينه، وإني لأكره أن أرد وجهك، أي أردك، لا أنه عني بوجهه، دون جسده.
وتقول: كيف وجه العمل في هذا الأمر؟ أي كيف السبيل على التوصيل إليه، ويقال: ما أعرض وجه فلان ولفلان وجه في شرفه، يراد به الانبساط في تجارته، والقدر عند قومه.
ويقال: فلان من وجوه قومه، أي من عظمائهم.
والوجه: هو الوجه الذي في الرأس، وكل هذه المعاني عن الله منفية، إلا الذي يقال: إن وجه الشئ هو الشئ.
وأما البارئ - عز وجل - ، عز أن يكون ذا وجه، كالوجوه التي في الرأس؛ لأن ذلك لا يكون إلا في الأجسام والصور. والله تعالى ليس بجسم ولا صورة، لأنه يقول: { هو الله الخالق البارئ المصور } والحكيم لا يحتج على خلقه بالمعنى الذي هم عليه به، فيكون مثلهم – تعالى الله عن ذلك.
وقوله تعالى: { إنما نطعمكم لوجه الله } أي لطلب ثواب الله. (1/42)
صفحة 43
وقيل: لطلب رضى الله، وقوله: { فثم وجه الله } أي فثم الله { ويبقى وجه ربك } أي ويبقى ربك، لأنه تعالى يفني سائره إلا وجهه – تعالى الله عن ذلك.
وقوله: { كل شئ هالك إلا وجهه } أي إلا هو، وبالله التوفيق.
الباب الخمسون
في نفي السمع المعقول عن الله - عز وجل -
السمع: العلم، كقولك للرجل الذي قد سمع كلام زيد، تقول له: اسمع ما يقول، بمعنى اعلم ما يقول زيد، وتيقنه وتثبت ذلك، والسمع الذي من الآدميين: صوت يطرق عصبتي الأذن فيتأدى ذلك الصوت إلى القلب، فذلك عن الله منفي؛ إذ البارئ – - عز وجل - – ليس بصورة، يحتاج إلى ما وصفناه، لضعف جسمه وامتهانة نفسه، إذ لا يقدر على شئ إلا ما دبره مدبر، فهو على ما يدبره به، من تدبير مدبره، الذي هو غيره، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.
وإنما قال الله تعالى: { ليس كمثله شئ وهو السميع البصير } يعني العليم، والسمع والبصر، من البارئ هاهنا من العلم والسمع، والبصر من البارئ، يوصف بذلك من صفات ذاته - عز وجل - ، لم يزل سميعا بذاته، ولم يزل بصيراً بذاته، لا بشئ سواه، والله تعالى يجل عن ذلك. وبه التوفيق.
الباب الحادي والخمسون
في البصر وتفسيره
والرد على من قال: إن الله بصراً كالخلوقين – تعالى الله عن ذلك
البصر على معان: منه العلم، كقولك للرجل الذي قد سمعت أنت وهو، من زيد كلاماً، فقلت لصاحبك: أبصر وانظر ما يقول زيد.
المعنى: إنك اعلم، وليس هنالك شئ يبصر بعين؛ لأنه كلام عرض قد نطق به فخرج وذهب، وإنما يعني اعلم وتبين ما يقول زيد في كلامه.
والبصر: هو النظر بعينه، وذلك عن الله منفي؛ لأن ذلك لا يكون إلا للمخلوقين، لأن الذي يسمع بسمع، ويبصر ببصر محتاج، والمحتاج فقير، والفقير ليس بإله قدير – تعالى الله وجل عن ذلك، وبالله التوفيق.
الباب الثاني والخمسون
في النظر إلى البارئ وتفسيره
والرد على من أضافه إلى الله تعالى وحققه عليه (1/43)
صفحة 44
النظر في كلام العرب على معان كثيرة، منها: نظر على وجه الانتظار.
ومنها على وجه الاتكال.
ومنها على وجه الاختيار.
ومنها على وجه الحكم.
ومنها على وجه التثبيت.
ومنها على وجه الصلة والعائدة والرحمة.
ومنها على وجه ما هو علم، ونظر جهرة.
فمما هو على وجه الانتظار، كقولك: ما أنظر إلا إلى فلان، ولعل فلانا عنه غائب، وإنما يعني ما يكون من الآية، والنظر على وجه التوكل، كقولك: إنما أنظر إلى ما يرزقني الله من فضله، وكذلك على ما يجري من ذلك، على يديك لي.
ونظر الاختيار، كقولك: اللهم انظر لي، أي اختر لي.
والذي على وجه الحكم، كقولك: انظر بيننا، أي احكم بيننا.
والذي على وجه التثبيت، كقولك: لآخر: انظر ما يقول فلان، أي تثبت.
ونظر العلم، كقولك: انظر إلى قول زيد، أي اعلم ذلك.
وكذلك قول الله تعالى: { انظر كيف فصلنا بعضهم على بعض } { وانظر كيف ضربوا لك الأمثال } ونحو ذلك، معناه: اعلم ذلك.
وأما نظر الجهرة، فهو معاينة الشئ ورؤيته، والإدراك له، والإحاطة به، وذلك عن الله منفي – تعالى الله عن ذلك، إذ البارئ ليس بجسم محدود، ولا جوهر محدود، ولا ذي شخص محدود، ليقع عليه النظر، ولا له تعالى كيفية، ليقع النظر على تلك الكيفية؛ لأن الأبصار لا تدرك إلا ما يشبهها في الكيفية والحدود، والبارئ ليس كمثله شئ، وأبصار المخلوقين لا تقع إلا على محدود، تحيط به أبصارهم وتدركه، والبارئ جل وعلا يقول: { لا تدركه الأبصار وهر يدرك الأبصار } كما قال الله تعالى، بأنه يطعم ولا يطعم. (1/44)
صفحة 45
فإن كانت الأبصار تدركه في الآخرة، فهو أيضا يطعم في الآخرة؛ لأن مدائح الله لا تزول في الدنيا ولا في الآخرة، ومن قال: إنه في الآخرة يكون مثله شئ، وإنما قوله: ليس كمثله شئ في الدنيا خاصة، فهذا منكر من القول وزور، تعالى الله عنه علوا كبيراً، فقوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة } وهو بالظماء، أي منتظرة إلى ثواب ربها، كما تقول: إني لأنظر إلى ما يأتيني من فلان، وليس ثم نظر بعين، إنما يعني: إني لمنتظر لما يأتيني من فلان.
وقول الله تعالى: { وجوه } يعني أنفس وأجسام، لا يعني بالوجه الذي في الرأس، ألا ترى إلى قوله تعالى: { وجوه يومئذ باسرة } يعني بالكفرة الفجرة.
فنظر أهل الجنة إلى ربهم، إنما هو انتظارهم إلى رزقه، وإكرامه وخيره، وقولهم: إنهم ينظرون البارئ يوم القيامة، أو في الجنة فكذب، تعالى الله عن
قولهم؛ لأنه لا يخلو من أن يكون ينظرونه بكليته، لا يخفى عليهم منه شئ فقط، أو يكونوا ينظرون بعضه دون بعض.
فإن كانوا ينظرونه كله، لا يخفى عليهم منه شئ، فقد أحاطوا به والمحاط به صغير، والمحيط به أكبر منه، والمحيط به أكبر منه، تعالى الله عن ذلك، وأن يكون يخفى عليهم منه شئ، فالذي خفى غير الذي لم يخف، وهذه صفة المتغاير المختلف المتبعص، تعالى الله عن ذلك.
الباب الثالث والخمسون
في اليد وتفسيرها
والرد على من زعم من المشبهة أن الله يدا معقولة، تعالى الله عن ذلك
اليد في لغة العرب:على معان كثيرة، ومنها: ما يراد به الشئ نفسه.
ومنها الملك والقدرة.
ومنها: العطية والمنة.
فالذي يراد به نفسه، كقول الله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، أي لما خلقت أنا دون غيري واليد – هاهنا -: صلة، كقوله تعالى: { ذلك بما قدمت يداك } أي قدمت أنت أيها العبد. واليد صلة.
وكذلك قوله تعالى: { أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } أي ما خلقنا نحن. (1/45)
صفحة 46
وأما اليد التي يراد بها الملك، فكقولك: الملك في يد فلان، يريد أن فلانا لذلك مالك، وله قاهر، وعليه قادر.
واليد التي يراد بها العطية والمنة، كقولك: إن لي عندك يدا. يعني العطية والمنة. وتصديق ذلك قوله تعالى: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } يعني منة الله فوق منهم.
واليد أيضا: النعمة السابغة. وهي الأيادي. وقوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان } أي نعمتاه: نعمة الدنيا، ونعمة الدين.
وقيل: نعمته وقدرته دائمتان، لا يقبضهما شي. وقوله تعالى لداود: { ذو الأيدي } أي ذو القوة.
وأما اليد المركبة في الجسد، فهي عن الله منفية، لأنها جارحة من جوارح الجسد، المتبعض بعاضا متألفة إلى بعضها البعض –تعالى الله عن هذه الصفة، وجل وعلا علوا كبيرا.
الباب الرابع والخمسون
في اليمين وتفسيرها
والرد على من أثبت لله تعالى يمينا معقولة
اليمين في لغة العرب، على معان:
فمنها: ما يراد به الشيء نفسه. ومنها: القدرة: ومنها الرفعة. ومنها: الحلف. ومنها: القوة.
فأما ما يراد به الشيء نفسه، فكقولك: هذا ملك يميني، يعني هذا ملكي.
وأما ما يراد به القدرة، فقوله تعالى: { والسموات مطويات بيمينه } .
وأما ما يراد بها القوة، فقوله تعالى: { لأخذ منه باليمين } أي بقوة منا عليه.
وأما ما يراد به الرفعة، فقولهم: فلان عندنا باليمين، يعنون بالمنزلة الرفيعة.
وأما ما يراد به الحلف، فقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } .
وأما ما يراد بها الجارحة، فهي عن الله منفية، إنما تكون الجارحة للأجساد المتبعضة، المتألف أبعاضها، بعضا إلى بعض – تعالى الله عن ذلك.
الباب الخامس والخمسون
في القبضة وتفسيرها
والرد على من أضافها إلى الله عز وجل
القبضة في كلام العرب، على معان: (1/46)
صفحة 47
منها: م يراد به لتلك والقدرة. تقول: ما فلان إلا في قبضتي، أي في ملكي وقدرتي وتقول: فلان قبض الدار، يعني ملكها، وصارت له. وقبض الدار، وقبض اليد، يعني ملكها، لا أنه قبض على البلد ذات الفرسخ الواسعة بيده.
ومنها: ما يراد به إفناء الشيء، كقولك: قد قبضه الله إليه، يعني أفناه الله. فقوله عز وجل: { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة } يعني في قدرته.
والقبضة: ملك وقدرته: قال الشيخ أبو الحسن البسياني، في قوله تعالى: { والسموات مطويات بيمينه } أي ذاهبات فانيات بقدرته { والأرض جيمعا قبضته } يعني في قدرته.
قال: واليمين: ملكه.
واليمين: قدرته.
واليمين: منته.
والقبضة: ملكه أيضا وقدرته.
قال: لا نصفه كالخلق؛ لأنه قد نفى عن نفسه شبه المخلوقين. وقد قال الله تعالى: { فلا تضربوا لله الأمثال } .
قال: هو لا تضربوا لله الأشباه.
وقوله تعالى: { يقبض ويبسط } أي يقتر ويوسع. وبالله التوفيق.
الباب السادس والخمسون
في الأصابع وتفسيرها
ونفيها عن الله عز وجل
الأصابع في لغة العرب: على معان:
منها: القدرة، كقولك: ما فلان إلا في خنصري وبين أصابعي، يعني به تثبيت القدرة على فلان، أي أنه عليه قادر، وأنا له قاهر. وليس يريد أن الخنصر قد حوته، وقبضت عليه. ولعل فلانا يكون أعزم منه جسما، وأشد بطشا. ولكن المراد بذلك، تثبيت القدرة عليه.
ومنها: القبضة بالأصابع: فتلك عن الله منفية. وقد قدمنا ذلك.
... وأما ما رووا في آثار قومنا: أن قلب ابن آدم بين إصبعي الله، يميله كيف شاء وفي نسخة: يقلبه كيف شاء. فإن كان الحديث حقا، فمعناه عندنا: أنه مثل لهم قدرته، بأوضح ما يعرفون من أنفسهم؛ لأن الرجل منهم لا يكون على شيء أقدر منه، إذا كان بين أصبعيه. ألا ترى إلى قولهم: ما فلان إلا في يدي، أو في خنصري. يريدون تثبيت القدرة عليه، كما قدمنا الكلام في ذلك. وبالله التوفيق.
الباب السابع والخمسون
في الجنب وتفسيره
ونفي الجنب المعقول عن الله عز وجل (1/47)
صفحة 48
الجنب على معان. تقول العرب: إنما احتمل الأذى في جنب فلان، أي في رضاه ومحبته.
ويقال: ما صنعت في جنب هذه القصة شيئا، يريدون أنك لم تصنع شيئا. والقصة لا جنب لها؛ إذ ليست بجسد.
وقوله تعالى: { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } أي في أمره وطاعته. وعن مجاهد قال: "في جنب الله" أي في أمر الله.
وأما الجنب الذي هو الجسد، فمنفي عن الله تعالى، إذ ليس البارئ جسما. وقد بينا فساد ذلك. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والخمسون
في الساق وتفسيرها
ونفي الساق المعقولة عن الله عز وجل
الساق في لغة العرب، لها معان. قال الله تعالى: { يوم يكشف عن ساق } والمعنى: عن شدة يوم القيامة.
... وقال ابن عباس: عن الأمر الشديد. وأنشد:
قد قامت الحرب على ساق
وقال الحسن: عن ساق الآخرة: وهو الستر بين الدنيا والآخرة.
ويقال: كشفت الحرب عن ساق: إذا اشتد أمرها. قال قيس بن زهير:
إذا شمرت لك عن ساقها نوبها ربيع ولا تسأم
وتقول العرب للرجل، إذا وقع في أمر عظيم، يحتاج فيه إلى جد وجهد، ومقاساة الشدة: شمر عن ساقه. فاستعير كشف الساق، عن موضع الشدة، لا أنه يرفع ثوبه، ويكشف عن ساقه فلو كان الكشف إلا لمعنى واحد، ما ذكرت هذه الأقاويل. ولكن البارئ أنزل كتابه بلغة العرب، وخاطبهم بما يتعارفونه في لغتهم،من الكشف عن الشدة. فقال لهم الله تعالى: { يوم يكشف عن ساق } يعني الشدة يوم القيامة وأهوالها، كما أخبر عنها –عز وجل- فقال: { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } نخوف الله عباده. (1/48)
صفحة 49
فقال: { يوم يكشف عن ساق } عن شدة أهوال يوم القيامة. وعظم أمرها، لا أنه تعالى قاعد لهم على كرسي القضاء كما زعموا، فينكروه، ويكادوا يباطشونه، فيكشف لهم عن ساقه، فيعرفونه عند ذلك. فهذه خرافات، لا يتحققها ذو عقل ويصدقها. نعوذ بالله من الضلال؛ لأنه إذا جلس على الكرسي فقد صار الكرسي أقوى منه؛ لأنه له حامل. وقد صار الهواء أكبر منه؛ لأنه له حاو. نعوذ بالله من الحيرة. وتعالى ربنا وجل عن ذلك.
الباب التاسع والخمسون
في القَدم وتفسيرها
ونفى القدم المعقولة عن الله عز وجل
زعم أهل الجهل أن البارئ تعالى له قدم، وأن جنهم لا تمتلئ من سكانها حتى يضع فيها قدمه، فتقول: قط قط، فتمتلئ حينئذ وتنزوي. وهذا كلام لا يلتفت إليه أحد لاستحسانه؛ لأن القدم متناهية، لها حدود ونهاية. وقد أحاطت جهنم بزعمهم، فقد صار معبودهم متناهيا، محيطا به الهواء، إذا كان قدمه، قد أحاطت به جهنم. فكليته قد أحاط به الهواء إذا.
فهل يستطيع أن يزيد في خلقه أم لا؟
فإن قالوا: نعم، فقد حلته الحوادث في الزيادة والنقصان. ومن حلته الحوادث فمحدث.
وإن قالوا: لا يستطيع، فقد لحقته العجز. والعاجز ليس بإله قدير. نعوذ بالله من الحية والخذلان.
الباب الستون
في ذكر القيام ونفي الانتصاب على الأقدام عن الله عز وجل
زعم أهل الجهل أن الله تعالى يقوم على أرجل له وأقدام؛ لقوله تعالى: { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } وقوله تعالى: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } أفليس يعلم أهل اللب والعقل، أن القائم للقيام المعقول، الذي هو الانتصاب على القدم، قد احتاج إلى ما يقوم به. وعليه فلا يخلو من ذلك. والمحتاج فقير. والفقير ليس بإله غنيِّ عن العالمين؟
... وإنما معنى قول الله عز وجل: { الحي القيوم } الحي الدائم البقاء لا تغيره الأحوال. ولا يجري عليه الزمان. (1/49)
صفحة 50
... والقيوم: هو القائم بتدبير الخلق، في إنشائهم وأرزاقهم وأمورهم. يعز من يشاء، ويذل من يشاء. ويغني من يشاء، ويفقر من يشاء؛ ويعافي من يشاء، ويمرض من يشاء ويحي من يشاء، ويميت من يشاء، ويوجد من يشاء من العدم. ويعدم من يشاء من الوجود؛ إذ كل يوم هو في شأن –كما قال-: { كل يوم هو في شأن } . وقوله تعالى: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } يعني بالمقام الذي، أضافه إلى نفسه، من جهة الملك؛ فإنه لا مالك لذلك المقام غيره؛ لقوله تعالى: { مَلِك يوم الدين } . وقوله: { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } .
... ويقال: معنى القيام: أن من خاف ذلك المقام، الذي يقوم فيه بين يدي الله يوم القيامة.
... وقيل بالمقام: عظمة الله. إن لمن خاف عظمة به جنتان لا أنه مقام، وانتصاب على أقدام. تعالى الله عن ذلك.
الباب الحادي والستون
في نفي الكلام المعقول عن الله تعالى
زعم أهل الخلاف للمسلمين أن الله تعالى متكلم، وأن كلامه فعله، وخلق من خلقه، وأنه كلاما، به تكلم بالكلام المعقول.
وحجتهم: قول الله تعالى: { إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } فقالوا: إنه يقول للأشياء: كوني بالكلام المعقول تعالى الله عن ذلك. إنما يلفظ بالكلام المعقول، من كان ذا لسان وشفتين، وقلب وجوف والبارئ "عز وجل" غني عن ذلك؛ لأنه لا يحتاج إلى لسان وشفتين، وقلب وجوف؛ لأن المحتاج ليس بإله عظيم، على كل شيء قدير. ولو خلق كلاما، به تكلم، وأنه يكوِّن الأشياء بقوله: كوني. وكان قوله: لكان يحتاج إلى قول آخر. وكل قول يحتاج إلى قول آخر؛ لأن كل قول بقول، وقول بقول فاسد؛ إذ لا يتناهى، ولا يتوقف عنده.
وإنما البارئ "عز وجل" إذا أراد شيئا كان، لا غير ذلك. ولا يقول له: كن فيكون بقول؛ إذ ليس هنالك كلام من البارئ. وإنما أخبر الله تعالى، عن سرعة كون المراد، إذا شاء كونه، لا أنه يقول له، بقول: كن فيكون بقول – تعالى الله عن ذلك. (1/50)
صفحة 51
وقولهم: إنه خلق كن فكوَّن بها الأشياء فباطل؛ لأنه تعالى، لو خلق كن، لخلقها بكن. وكن بكن لا يتناهى. فلما فسد ذلك، دل أن الله تعالى. لم يخلق كن، بها كون الأشياء – تعالى عن ذلك.
الباب الثاني والستون
في الضحك وتفسيره
ونفي الضحك المعقول عن الله عز وجل وعلا
قال المؤلف: زعم أهل الجهل: أن الله تعالى يضحك لهم يوم القيامة حتى تبدو نواجذه. فوصفوا الله تعالى بأقبح الصفات، بالجسم والجوارح والآلات؛ لأن الذي يضحك الضحك المعقول، الذي نعرفه من العباد. الإيضاح والإشراق والانفتاح للفم، وظهور الأضراس من بين الشفتين. وذلك عن الله منفي، لأن إشراق الوجه واللون وإيضاحه، وانفتاح الفم، وظهور الأضراس من بين الشفتين، لا يكون ذلك إلا للأجسام المحدودة. وقد بينا فساد ذلك، في متقدم الكتاب، من أن الله تعالى، ليس بجسم. بل الضحك من الله للعباد يوم القيامة: أن يلقى المؤمنين بارئهم "عز وجل" بالبشرى والسرور فإذا لقَّاهم الله تعالى نضرة وسرورا، كما قال الله تعالى وإذا لقوا الله تعالى بنائل منه وبشرى، ضحكوا واستبشروا لذلك؛ كما قال الشيخ أحمد بن النضر العماني- رحمه الله.
وقولهم لله: يضحك للذي أطاع له، يوم الحساب من الأمم. وذلك أن يلقها منه بنائل، وبسطة جود، ليس من بعدها عدم.
الباب الثالث والستون
في القوة وتفسيرها
ونفي القوة المعقولة العرضية عن الله رب العالمين (1/51)
صفحة 52
زعم أهل الجهل والضلال: أن الله تعالى قوي، وأن قوته كالقوى المعقولة فيما بيننا المرضية، إلا أنه شديد القوة. وكذبوا على الله تعالى؛ لأن القوى العرضية، إنما تحل الأجسام. وأما البارئ عز وجل، فيوصف بأنه قوي على الحقيقة، يريدون بذلك، أنه قادر؛ لأن القوة تنصرف على وجوه: القوة: القدرة. والقوة: الملكة. والقوة: العدد. والقوة: السلاح؛ لأن القوة لا تحتمل إلا القوة العرضية التي تحمل الأجسام. فتلك عن الله منفية؛ لأنه عز وجل ليس بجسم، فتحل فيه الحوادث، وتطرأ عليه الأعراض الطارئة تعالى الله عز وجل عن ذلك.
الباب الرابع والستون
في النور وتفسيره
ونفي النور المعقول عن الله تعالى
زعم المفترون على الله: أن الله تعالى نور من الأنوار، وجسم من الأجسام النورانية. وذلك لا يكون إلا للأجسام المحدودة، القابلة للأعراض الطارئة تعالى الله عن ذلك. ولكن البارئ قال: { الله نور السموات والأرض } إنه الهادي يهدي من في السموات والأرض؛ لأن الهدى والحق نور. والضلال والباطل والظلم: ظلمات؛ لأن النور ما كان إلا ضوءا مستنيرا والله تعالى سمى القرآن نورا، والحق نورا، والإيمان نورا، والتوراة نورا
وإنما سمى الله تعالى نفسه نورا، على المجاز دون الحقيقة، بل توسعا ومجازا، إذ كان النور محدثا وعرضا. والله تعالى لا يشبه المحدثات والأعراض، بل ليس كمثله شيء. وهو السميع البصير.
الباب الخامس والستون
في الأمكنة والنواحي والأقطار
ونفيها عن الله عز وجل
قال المؤلف: زعمت المشبهة أن الله تعالى فوق العرش على سبيل الاستقرار والجلوس، وأنه ينزل ليلة النصف من شعبان، إلى سماءي الدنيا، كذبا على البارئ العلا – تعالى عن ذلك علوا كبيرا؛ لأن الذي يكون فوق العرش، العرش أقوى منه وأقدر، لأنه له حامل. والحامل أقوى من المحمول.
وكذلك الذي يكون في السماء، فالسماء أقوى منه؛ لأنها حاملة له وحاوية له، لأقطاره وتناهى أشخاصه. (1/52)
صفحة 53
وإنما قال البارئ: { أأمنتم من في السماء } إنه تعالى فيها ليس بشخص. وإنما هو ومدبرها وحافظها؛ إذ هو خالقها.
وقيل في تفسير هذه الآية: أأمنتم عقوبة من في السماء حافظ مدبر رازق خالق، عالم سركم وجهركم. ولو كان في السماء حالا، على الحقيقة، أو قاعدا على العرش، على الحقيقة، ما قال تعالى: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا } وإنما معهم، على العلم بهم والقدرة عليهم والإحاطة بهم، والتولي لتدبيرهم وحفظهم. لا يغيبون عنه، لا أنه معهم جثة وشخص – تعالى الله عن ذلك.
الباب السادس والستون
في الزوال والمجيء المعقولين ونفيهما عن الله عز وجل
قال المؤلف: زعمت المشبهة أن الله تعالى ذو زوال وانتقال، من مكان إلى مكان. فوصفوا الله تعالى بأقبح الصفات؛ لأنه تعلى إذا زال من مكان إلى مكان، فقد خلا منه ذلك المكان، الذي زال منه، وانتقل إلى غيره. ومن خلا من مكان، وشغل بآخر، فهو محدود، له نهاية وحدود، وانقطاع شخص، لتناهيه ومن كان كذلك، كان الهواء أكبر منه؛ لإحاطته وتناهيه، وحدوده وصغره، في جنب كبر الهواء وسعته – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وإنما معنى قول الله تعالى: { وجاء ربك والملك صفا صفا } أي جاء أمر ربك.
وقوله تعالى: { هل ينتظرون إى أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } يعني هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله أمر الله، في ظلل من الغمام؛ لأن أمر الله إنما تنزل به الملائكة، كما قال الله تعالى: { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم } ليس أنه تعالى جاء به بذاته، فوضعه بين أيديهم. ولكنه تعالى أرسل الكتاب إليهم، على يدي رسل من الملائكة والأنبياء عليهم السلام.
الباب السابع والستون
في الحجاب وتفسير ذلك
ونفيه عن الله عز وجل (1/53)
صفحة 54
قال المؤلف: زعمت المشبهة أن الله تعالى يتجلى لهم يوم القيامة، فيرونه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ لأن التجلي على وجهين فمنه: ظهور الشيء. والشيء قد يظهر بوجهين، فيظهر جهرة، ويظهر بدلالة. ألا ترى إلى قول القائل: قد تجلى لي هذا الشيء. وقد يكون ذلك الشيء ليس بشخص.
والذي يتجلى جهرة، لا يكون إلا جسما أو شخصا من الأشخاص، إذ الأبصار لا تدرك إلا ذلك.
والتجلي من الخالق لا يكون إلا بالدلالات والبينات؛ إذ ليس بجسم ولا عرض.
ومعنى قول الله تعالى: { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } أي تجلى للجبل، آية من آيات الله. وقيل: علامة من علامات يوم القيامة، فلم يطق الجبل حمل تلك الآية، فصار دكا.
وقيل: إن الجبل ساخ في الأرض.
وقيل: تجلى للجبل جبريل عليه السلام فظن الجبل أن القيامة قد قامت، فصار دكا والبارئ عز وجل ليس بشخص محتجب بحجب ساترة، فيتجلى منها، ويظهر بعد ستره. وإنما حجب البارئ العباد عن رؤيته هو، لا أنه تعالى
محتجب عنهم. ولو كان عز وجل محتجبا مستترا، لكانت الحجب أكبر منه، إذ قد سترته. ولكان محتاجا إلى الحجب. والمحتاج فقير، ليس بغني عن العالمين، لأن الإله هو الغني عن كل شيء، ليس كمثله شيء.
وقول الله تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب } المعنى: أن الرسول محجوب عن الله، إذ كان البارئ عز وجل لا تجوز عليه الرؤية؛ لأنه تعالى لا يرى لذاته. وهو يَرى ولا يُرى وبالله التوفيق.
الباب الثامن والستون
في نفي الارتفاع والعلو المعقول بالمسافة عن الله عز وجل (1/54)
صفحة 55
قال المؤلف: زعم أهل الجهل أن الله رفيع رفع المسافة. وتأولوا قوله تعالى: { رفيع الدرجات } أي ذاته مرتفعة رفع المسافة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ولو ارتفع البارئ عز وجل رفع المسافة كما زعموا لانقطعت حدوده وأقطاره، وتناهيه بالمسافة، ولكان الهواء أكبر منه. وإن قالوا: إنما هو أكبر جثة لانقطاع حدوده الأقطار، كما زعم من زعم أنه جثة. وزعم: أنه جوهرة واحدة سبيكة، افتراء على الله. فكل جثة أو شخصن وإن كبر، فله الحد والنهاية والهواء محيط بكليته، من خلف حدوده ونواحيه تعالى الله عن ذلك.
وإنما قال الله تعالى: { رفيع الدرجات } يعني يرفع درجات من يشاء من عباده المؤمنين، في الجنة، لا رفيع هو، لأن العرش العالي المسافة الذي تحمله الملائكة، ليسه أقرب إلى الله تعالى من تخوم الأرضين، وما تحت الثرى. بل البارئ محيط بخلقه. إحاطة علم، بالعلم والتدبير، لا إحاطة جثة تعالى الله عن ذلك.
وقوله: { تعرج الملائكة والروح إليه } إنما تعرج إلى المكان الذي لا يتولى الحكم وإنفاذ الأمر فيه إلا هو عز وجل.
وقوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب } إلى المكان أيضا الذي لا يتولى الحكم، وإنفاذ الأمور فيه إلا هو عز وجل وهذا المكان يقال له: عليون. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والستون
في عند ومع وإلى والدنو والتقرب
والرد على المشبهة فيما احتجت به من جواز
المكان على الله تبارك وتعالى
قال المؤلف: قد قلنا آنفا فيما تقدم: إن المسافة لا يجوز، وبينا فساد ذلك.
وكذلك تقول في قرب المسافة: لا يجوز على الله تعالى؛ لأن قرب المسافة بين الجسمين، إنما دنو حدود المجسمين والشخصين، من بعضهما إلى بعض، وبقرب حد الجسمين. وإنما يجوز ذلك على الأجسام التي قسرت وجبرت على الحدود والنهاية. فلذلك جاز عليها بعد المسافة، وقرب المسافة. (1/55)
صفحة 56
وأما البارئ تعالى: فليس بجسم ولا شخص، ليكون له نهاية وحدود. ولو كان كذلك، لكان لا فرق بينه وبين غيره، من الأجسام والأشخاص.
وإن اختلف الجسمان والشخصان، في السكينونة والكيفية، فهما متفقان في التحديد والنهاية والأقطار، وبطلت الألوهية، لأن من حق الإله أن يكون ليس كمثله شيء.
وإذا كان كمثل غيره، فما الفضل له على غيره؟ وبم يستحق الألوهية؟ وقد قال الله تعالى: { ليس كمثله شيء } فجميع ما ذكروه، من عند، ومع، والدنو، والتقرب إلى الله المعقول فجميع هذه الأوصاف، عن الله منفية تعالى الله عن ذلك.
وإنما معنى قول الله تعالى: { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } فعنده قي الكرامة والفضيلة، والمنزلة السنية، وعزم المقدار، لا منزلة مسافة، قربت المسافة أو بعدت. وقوله تعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن } في الفضيلة والكرامة، لا أنهم أقرب إليه قرب مسافة، لأنه تعالى ليس ببائن متقصٍّ في مكان، فيكون معه. وإنما هم في القلوب من الله، قرب المنزلة والكرامة ألا ترى إلى قول القائل: فلان أقرب الناس إلى الأمير. فلو أراد به المسافة، ما كان مدحا.
وقوله: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } فرفعه: قبوله من المتعبد.
وقيل: رفعه إلى مكان يقال له: عليون.
وقيل: إذا زكا العمل ورضيه، أنما وشرفه. والشريف: الرفيع.
وأما اللقاء، فعلى وجهين: لقاء رؤية، ولقاء على غير رؤية. يقال للميت: قد لقي ربه. فلا يراد به الرؤية. وإنما يراد أنه صار على ما أعد الله له.
ويقال: صار إلى الله، وذهب إلى الله. فأجابه. قال نبي لله إبراهيم صلى الله عليه وسلم: "إني ذاهب إلى ربي" أي ذاهب إلى الله، بتوجيه العمل إليه. ولقاء الرؤية منفي عن الله تعالى. وقد بينا ذلك فيما تقدم وبالله التوفيق.
الباب السبعون
في الاستواء على العرش
ونفي القعود المعقول على العرش عن الله عز وجل (1/56)
صفحة 57
زعم أهل الضلال والجهل: أن الله عز وجل، على العرش، على سبيل القعود والاستقرار. وأن العرش ما فاضل عن مقاعد البارئ، إلا بقدر عرض أصبعين، وأنه يجالسهم يوم القيامة، على كرسي القضاء، إذا أراد أن يحاسب خلقه، جلس على الكرسي. وكذبوا على الله عز وجل حيث وصفوا الله تعالى بالحدود والنهاية، والأقطار، بعد المسافة وقربها. وقد بينا فساد ذلك فيما تقدم فالاستواء على معان:
فمنها: استوى على العرش، على ما هو عليه.
ومنها: استواء للتدبير.
ومنها: استواء الملك. فلما كان من صفة الله: أنه غير محدود ولا يشبه بخلقه، كاستواء الشيء على الشيء، مثل استواء الملك على السرير، دل ذلك أن استواء البارئ تعالى على العرش، بالملك والتدبير والقدرة، ذل له العرش، واستوى له عز وجل كل شي، وذل وأذعن. فليس شيء ممتنعا منه عز وجل وقوله تعالى: { ثم استوى إلى السماء وهي دخان } فاستواؤه إلى السماء بالملك والتدبير، لا أنه تحول من مكان إلى مكان.
وقيل: { استوى على العرش } أي استولى على العرش، بالملك والتدبير والقهر. وقد استولى على جميع العالم، لهذا المعنى.
وخص العرش بذلك، تشريفا لذكره، كما قالوا في النعمان بن المنذر: ملك الخورنق والسدير. وقد ملك العراقيين جميعا.
وقالوا: إن الخليفة ملك العرب.وقد ملك العجم أيضا قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
... ... ... فالحمد للمهيمن الخلاق
يعني أنه استولى على العراق، وقهر أهلها؛ لأن بشرا لم يقعد على العراق كلها. وإنما قعد في منزله. فأراد الله تعالى بالاستواء: الإخبار عن عظمته وقدرته: أنه فوق الأشياء، بالقهر والسلطان، والقدرة والملك. (1/57)
صفحة 58
وقال بعض: { استوى على العرش } : أي علا على العرش.وإنما خلق الله العرش، وهو الغني عن القرار والمكان، تعبد به بعض الملائكة بحمله. وتعبد بعضهم بالطواف حوله،كما تعبد بالطواف حول الكعبة. فالكعبة: بيته. وهو الغني عن السكون في البيوت، والعرش عرشه. وهو الغني عن القعود على العرش.
وقيل: إن العرش هو العلم والكرسي هو العلم. وقوله: { وسع كرسيه السموات والأرض } أي وسع علمه.
وقيل: إن الكرسي هو العرش.
ويقال: الكرسي خلق من خلق الله، أعظم من السموات والأرض والله غني عن العرش والكرسي. وقد بينا فساد القعود على العرش. والكرسي مثله. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والسبعون
في معاني استحياء الله عز وجل
وإحصائه للخلق وحسابه لهم
الحساب والإحصاء في الكتاب: فعل والإحصاء في غير الكتاب: العلم. قال الله تعالى: { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } ولم يزل محصيا للأشياء، أي لم يزل عالما بها. وليس الحساب في هذا الموضع عددا؛ لأنه تعالى، لم يزل عالما بما يكون.
وكذلك عد الأشياء عدا، أي أحصاها، وعلمها علما.
وقوله تعالى: { يرزقون فيها بغير حساب } فالقول في هذا على جهات: إحداها: فيوفون أجورهم، على غير مقادير الأعمال، أي ليس يحاسبون هذه المحاسبة. ولكنه ضاعف لهم. وقد نظر ذلك إلى الحساب، من جهة أن الله تعلمه، ويعلم عدده ويحصيه.
ومعنى قوله تعالى: الحسيب الكافي. يقال في اللغة: أعطاني فأحسبني أي كفاني. ويكون ذلك راجعا إلى نوع الفعل؛ لأن كفايته لخلقه فعل.
وقد قيل: العالم.
وقيل: إنه لا تشغله محاسبة عن محاسبة.
وقيل: إن حساب الله لخلقه يوم القيامة: أن تطاير الكتب إلى أصحابها. كل كتاب إلى صحابه، فيغرف صاحب الكتاب عدل الله عليه، فلا يشك في عدل الله عليه. ويتحقق معه الحق والعدل من الله عز وجل.
وأما استحياء الله في قوله تعالى: { والله لا يستحي من الحق } فالاستحياء على وجهين: على الغيبة والحضور. والحضور منفي عن الله عز وجل. (1/58)
صفحة 59
وقولهم: إن الله يستحي من كذا، بمعنى يتعالى.
وقيل: يجل. والله يستحي أن يعذب من أطاعه. فقيل: يتعالى.
وقيل: يجل. وبالله التوفيق.
الباب الثاني السبعون
في الرد على من زعم أن الله تعالى خلق لنفسه الجوارح
قال المؤلف: قالت الجهمية: إن الله تعالى كان، ولا علم له، ولا سمع، ولا بصر، ولا قوة، حتى خلق ذلك لنفسه فما أعظم هذا القول على الله.
يقال لهم: أفقبل خلق الله تعالى لنفسه العلم، ففي الأزل ما صفته؟ أجاهل إذا؟ أو قبل خلقه السمع، أصم إذا؟ وقبل خلقه لنفسه البصر، أعمى إذا؟ وقبل خلقه لنفسه البصر، أعمى إذا؟ وقبل خلقه القوة، غير قادر، بل عاجز إذا؟
فإن قالوا: نعم. قيل لهم: إن هذه الصفة ليست بصفة إله معبود، ليس كمثله شيء تعالى الله عن ذلك.
ومن الحجة عليهم: أن الذي يخلق الأعضاء والجوارح لنفسه، والعلم والقدرة، احتاج إلى الذي خلقه لنفسه، لينتفع به. والمحتاج فقير لا شك، في فقر بارئهم، إذ ألجأته الحاجة إلى ما ذكر، ولأنه خلقه لنفسه. والفقير المحتاج، ليس بإله عليم، سميع بصير، على كل شيء قدير. وقبل خلقه لما وصفوه به، يجب أن يكون جاهلا، أعمى أصم عاجزا. فليست هذه الصفة صفة إله عليم بنفسه، سميع بنفسه، بصير بنفسه، قدير بنفسه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وكيف يخلق القوة لنفسه، وهو ليس به قوة، يخلق بها القوة والقدرة؟
وإذا لم يكن له علم، فكيف علم أنه يخلق علما لنفسه. وكذلك السمع والبصر تعالى الله عما قالوا علوا كبيرا.
الباب الثالث والسبعون
في كلام الله تعالى
قال المؤلف: اختلف الناس في كلام الله عز وجل فقال من قال: مخلوق وقال بعضهم: غير مخلوق.
وأجمعوا على أن كلام الله من صفاته.
وإنما اختلفوا في هذه الصفة: هي من صفات الذات؟ أم هي من صفات الفعل؟ فالذين يقولون: إن كلام الله قديم غير مخلوق، يقولون: إنه من صفات ذاته. والذين يقولون: إن كلام الله مخلوق. يقولون: إنه من صفات فعله. (1/59)
صفحة 60
واختلف أصحابنا في القرآن. فقال بعضهم: غير مخلوق.
وقال بعضهم: لا تقول: مخلوق ولا غير مخلوق. ونقول: هو كلام الله. ولا نقول: هو صفة ذات، ولا صفة فعل. وهذا يوجد من قول أبي علي وغيره.
فالذين يقولون: إن كلام الله مخلوق، احتجوا بأن كل ما سوى الله مخلوق. والقرآن لا يخلو من أن يكون هو الله. أو غيره. وقد قال الله تعالى: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } وقال: { والله خالق كل شيء } والقرآن شيء. فدل أنه مخلوق.
وقال بعض يقدم كلام الله، وأن القرآن غير مخلوق، رد عليهم: أن كل شيء مخلوق، المعنى بالأشياء المخلوقة، لا أن كل شيء وقع عليه شيء مخلوق؛ لأن البارئ عز وجل شيء، لقوله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد } والبارئ غير مخلوق. وصفات الله الذاتية، وأسماؤه الذاتية، غير مخلوقة.
وإنما قول الله: { والله خالق كل شيء } يعني بالأشياء: المخلوقة، لأنه سبحانه قال: { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } . فلو كان قوله مقولا له، لتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له: أن يقول بقول، وقول بقول. فيتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له. وهذا فاسد. وأيضا فإنه لو كان مخلوقا محدثا، لكان لا يخلو، من أن يحدثه في نفسه، أو يحدثه في غيره، أو يحدثه قائما بنفسه.
فإن يكن أحدثه الله في نفسه. فالبارئ تعالى ليس بمحل للحوادث.
وإن يكن أحدثه في غيره، كان ذلك الغير، متكلما بكلام الله. والكفار متكلمون بكلام الله.
وإن يكن أحدثه قائما بنفسه، فالقرآن صفة. والصفة لا تقوم بنفسها. فصح أن كلام الله عز وجل غير مخلوق، وأن البارئ تعالى هو المتكلم، كما أنه هو العالم.
فإذا وجب أن البارئ هو العالم لذاته، وجب أن يكون المتكلم لذاته. (1/60)
صفحة 61
وقال الآخرون: قد قال الله تعالى: { إنا جعلناه قرآنا عربيا } وجعل الله خلق كله فقال هؤلاء: لو كان كذلك، لكان قول الله، في قصة نبيه إبراهيم صلى الله عليه وسلم: "رب اجعل هذا البلد آمنا" أي خلق هذا البلد آمنا. فكيف يسأله أن يخلقه، وهو فيه مخلوق. ولكن معناه: جعلناه قرآنا عربيا: أي صيرناه يقرأ بالعربية، كما أن التوراة والإنجيل والزبور كلامه. صيَّر ذلك يقرأ بالعجمية.
وقال الآخرون: قد قال الله تعالى: { وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } والمحدث مخلوق. فقال هؤلاء: محدث، يعني محدثة تلاوته، منقول من اللوح المحفوظ، نزل به جبريل إلى النبي صلى الله وسلم عليهما، شيئا بعد شيء نجوما. وإنما أحدث من اللوح المحفوظ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأشياء لا يحتملها هذا المختصر تركناها. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والسبعون
في كلام الله عز وجل لنبيه موسى بن عمران - صلى الله عليه وسلم -
قال المؤلف: اختلف الناس في كلام الله عز وجل لموسى بن عمران.
فقال بعضهم: إنه تعالى كلمه تكليما. كما قال عز وجل. وذلك حق من الله. وقد كلمه كما قال، كما شاء، على ما شاء من ذلك.
وقال بعضهم: إن الكلام من الله لموسى عليه السلام إلهام، أسمعه صوتا، أفهمه به الكلام. ولم يسمعه نفسه متكلما.
وفي آثار قومنا: أن موسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى بغير صوت، ولا حرف، كما يرى الأبرار ذات الله، بالعلم واليقين، بأعين قلوبهم، لا بأعين رؤوسهم كما قال الشيخ محمد بن روح في شعر:
... أنا أرى الله بالعلم ... ... علم مكنون صدري
... ولا أراه بوهم ... ولا بلحظة نظري
والبارئ يرى بعلم اليقين لا شخص.
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟
فقال: لن تراه العيون. ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان.
وأما رؤية العين التي في الرأس، فذلك لا يجوز. وقد قدمنا ذلك. (1/61)
صفحة 62
وقال بعضهم: إن الله تعالى يقول: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } وهذا خبر. والأخبار لا يجوز عليها النسخ. فيجوز أن يكون كلمه بالوحي منه.
... وبالجملة: إن كلام الله تعالى، ليس بحروف، ولا صوت؛ لأن الكلام لا يكون إلا باصطكاك حرفين. والبارئ عز وجل ليس بجسم؛ ليصطك حرفان، في فيه للكلام.
... وإنما جعل الله الكلام والحروف لنا نحن، لحاجتنا إلى الصوت والحروف. فليس كلام الله بحروف، ولا صوت، إذ لا يحتاج إليها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والسبعون
في ذكر شيء من الفروق
الأول: الفرق بين الخالق والمخلوق
الفرق بين ذلك: أن الخالق قديم، والمخلوق محدث. والقديم لا يشبه المحدث إذ المحدث من فعل القديم. والفعل لا يشبه فاعله؛ لأن المخلوق لا يخلو من أن يكون جسما، أو عرضا أو جوهرا. وكل ذلك محدود منتاه.والبارئ يتعالى عن الحد والنهاية.
الفرق الثاني: بين صفات الخالق وبين صفات المخلوق.
فصفات البارئ تعالى قديمة.
وصفات المخلوق محدثة. والمحدث لا يشبه القديم.
الفرق الثالث: بين قِدم البارئ وقدم خلقه.
والقديم على الحقيقة: هو الله الذي لا شيء قبله، ولا شيء بعده. ولا لقدمه أول، ولا له آخر ونهاية.
وقدم خلقه مجاز؛ لأن قدمهم إلى نهاية وبداية.
الفرق الرابع: بين علم البارئ وعلم خلقه.
فعلم البارئ تعالى، علم إحاطة، بالأشياء العالم بالعالم بها، قبل كونها، وبعد كونها. وليس عالما بعلم، بل عالم بذاته، لا بعلم هو غيره.
والمخلوق عالم بعلم، هو غيره. وقد يعلم بالأشياء، فيكون خلاف ما علم لليقين والاعتقاد. وعلمه بعلم بعد جهل، وبجهل بعد علم.
الفرق الخامس: بين قدرة الخالق وقدرة خلقه.
فالخالق قادر بنفسه، لا بشيء غيره.
والمخلوق قادر بقدرة، هي غيره. وهي عرض.
الفرق السادس: بين حياة البارئ وحياة خلقه. (1/62)
صفحة 63
فالله تعالى حي بذاته لا بحياة، هي غيره. ولم يزل حيا ولا يزال حيا.
والعبد حياته بحياة هي غيره، بل من فعل الله، يحييه ويميته.
الفرق السابع: بين وجود البارئ وبين وجود خلقه.
فوجود البارئ أنه الموجود بذاته، لم يزل موجودا. ولا يزال موجودا كذلك.
والعبد إنما وجوده: مشاهدته وتحديده. وكذلك وجد بعد عدم، وعدم بعد وجود.
الفرق الثامن بين عدل الله وعدل خلقه.
يقال: إن الله عدل. ومن خلقه أيضا، من هو عدل.
والفرق بين ذلك: أن الله عز وجل عدل بذاته. وهي صفات ذات عائدة إلى العلم وإذ لا يفعل القبيح والظلم والجور إلا جاهل بقبحه، أو محتاج إليه. والله غني عن ذلك.
ويوصف أيضا: أنه عدل في فعله. ويرجع إلى أحكام الفعل، وصفات الأفعال. فيكون ذلك صفة فعل، لا صفة ذات.
والعبد فإنما يقال: هو عدل، بتزكية الله لفعله، تجوز عليه الحاجة والجهل.
الفرق التاسع: بين أفعال البارئ وأفعال خلقه.
أفعال البارئ: أن يقول لما يشاء: كن فيكون، بلا عقد وضمير، وقوة عرض.
وأفعال العباد: نيات وحركات، وضمائر وخطرات، وأعراض طارئات.
الفرق العاشر: بين الواحدين البارئ عز وجل واحد في المعنى والاسم؛ من غير أبعاض متآلفة وأشخاص مرئية.
وأما خلقه فواحد شخص، إما جوهر، أو جسم متآلف، إذا رفع تأليفه، صار شيئا أبعاض.
الفرق الحادي عشر: بين الأسماء القديمة والمحدثة.
فأسماء الله القديمة: صفاته وهي موجب وصف الواصفين، إذ لو لم يكن ما وصف نفسه ولا سمى، ولا وصفه أحد من خلقه. وصفاته الذاتية لا يدخلها التضاد، لأنها إذا دخلها التضاد كان قبل العلم جاهلا، وقبل القدرة عاجزا، وقبل الغنى محتاجا. والمحدثة: خلق ورزق وأحيا وأمات، وشبه ذلك.
الفرق الثاني عشر: بين خلود البارئ وخلود خلقه.
خلود البارئ وبقاؤه: أنه تعالى خالد باق بذاته، لا ببقاء مبق أبقاه، فبقى ببقائه باقيا.
وخلود خلقه: أنهم خلدوا وقوا، ببقاء مبق أبقاهم وخلدهم، فبقوا ببقائه. ولم يبقوا بذاتهم. (1/63)
صفحة 64
الباب السادس والسبعون
في علم البارئ أزلي هو أم محدث؟
الدليل على أن علم البارئ قديم غير محدث: أنه تعالى لو خلق علمه، لآل إلى أنه قبل خلق علمه كان جاهلا. والجاهل ليس بإله إنما الإله: هو العالم القادر، ليس كمثله شيء. والفعل إنما هو معلوم بالعلم. ففسد أن يخلق علمه، إذ كان الفعل إنما هو معلوم بالعلم.
وقول الله تعالى: { لننظر كيف تعملون وحتى نعلم المجاهدين ونعلم من يتبع الرسول } ليس أنه تعالى جاهل بذلك. وإنما مراده أن يفعلوا لكي يعلم ما يكون من فعلهم ظاهرا، كما علمهن قبل كونه.
فإرادة البارئ أن يفعلوا، ليُظهر الله عالى ما علمه منهم، قبل أن يعلموا، فيظهر ما عملوه من العدم، الذي علمه، في سابق علمه منهم إلى الوجود { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } بإظهار وجود عملهم، إذ كان البارئ لا يجازي العباد، بما علم منهم، في سابق علمه. وإنما يجزيهم فيما بين لهم، ويعقبهم على الأمر والنهي؛ لا على العلم عاملهم، بل على الأمر والنهي. وبالله التوفيق.
الباب السابع والسبعون
في البارئ تعالى أنه عالم بعلم أو عالم بنفسه؟
قال المؤلف: الدليل على أنه عالم بنفسه لا بعلم، هو غيره به علم: أنه لا يخلو، من أن يكون ذلك العلم قديما أو محدثا.
فأن يكن العلم الذي علم به قديما معه، وجب أم يكون معه شئ غيره، قديمين وفسد التوحيد.
وأن يكون محدثا، وجب أن يكون البارئ قبل حدوث علمه غير عالم، وكيف يحدث العلم لنفسه بلا علم، والفعل إنما يكون بالعلم والعلم قبل الفعل؟ وقول الله تعالى: { أنزله بعلمه } المعنى أنه أنزله وهو العالم به، ولو كان عالما بعلم، لكان حيا بحياة، وقادرا بقدرة، ومريدا بإرادة، وفاعلا بقوة عرضية هي غيره، وبالله التوفيق.
الباب الثامن والسبعون
في علم الله هو الله أم غير الله؟
فإن قال: أفتقولون: إن لله علماً؟
قيل له: نعم. (1/64)
صفحة 65
نقول: إن لله علما نعني أنه العالم بالأشياء، ولا نقول: إن له علما هو غيره به علم، وإنما نقول: إن لله علما، كما قال في كتابه: { أنزله بعلمه } أي أنزله وهو العالم به.
فإن قال: أفتقولون: إن له علما وقدرة؟
قيل له: إنا نقول: إن الله هو العالم، وهو القادر، ولا نقول: إن لله علما وقردة هما غيره، ولو كان علمه هو لحسن أن يقال: يا علم أغفر لي. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والسبعون
في الرد على الجهمية قولهم: إن الله لا يعلم ما يكون قبل أن يكون
قال المؤلف: نقول: إن الله تعالى قد علم بما يكون، قبل أن يكون وبما لا يكون، أن لو كان كيف كان يكون، أو لا يكون.
الدليل على من خالفنا، ممن يقول من جهمية، أو غيرها: قول الله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا } فقال الله تعالى – تكذيبا لهم -: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون } فهذا لا يكون أن لو كان، كيف كان يكون.
وأما ما علم الله بما يكون، قبل كونه: فقوله تعالى: { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم } فأخر الله نبيه – - صلى الله عليه وسلم - أنهم يحلفون، قبل أن يحلفوا، فحلفوا – كما أخبر الله عنهم ولو لم يكن البارئ عالما بما يكون، قبل أن يكون، وبما لا يكون أن لو كان، كيف كان يكون لحقه الجهل، والجاهل ليس بإله، وإنما الإله: هو الحكيم العليم، الذي لا يخفى عليه شئ. وبالله التوفيق.
الباب الثمانون
في علم الله السابق في عباده من خير وشر ونفع وضر
هل ساق العباد إلى ما عملوا أم لا؟
قال المؤلف: فنقول: إن علم الله تعالى، لم يسق العباد، إلى ما عملوا من المعاصي. وإنما سولت لهم أنفسهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، حتى كان منهم، ما علم الله. (1/65)
صفحة 66
الدليل على ذلك: أن علمه أو ساق العباد إلى ما عملوا، ما استحق المطيع ثوابا، إذ هو مجبور، ولا العاصي عقابا، إذ هو مجبور، إذ المجبور لا يستحق على ما جبر شيئا. ولم يكلف الله العباد، ويعاقبهم ويثيبهم، أنه عاملهم بذلك، على ما علم إنما عاملهم بذلك، على الأمر والنهي. وأثابهم وعاقبهم، على الأمر والنهي الاختياري، لم يعاملهم، على العلم. ولو عاملهم على العلم، لعذبهم، قبل أن يعملوا، لعلمه أنه لو بسط الرزق عليهم، لبقوا في الأرض كما قال في سورة حمعسق. وتسمى سورة الشورى. ولعذبهم على هذا البغي، الذي علمه منهم، قبل أن يعملوا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والثمانون
في التوفيق والخذلان
قيل: إن التوفيق هو القدرة على الطاعة.
قال المؤلف: إن الخذلان: هو القدرة على المعصية، في آثار قومنا.
وقيل: إن التوفيق والخذلان، يكون عند اختيار المكلف. فإن اختار الإيمان، فيحسن اختياره آمن. ففي الحال عند حسن اختياره، يوفق، لا قبل ذلك، ولا بعد وبسوء اختيار العبد للكفر، ففي الحال يخذل عند كفره بسوء اختياره، لا قبل ذلك، ولا بعد. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والثمانون
في العلم والقدرة والإيرادة والمشيئة أزلي ذلك؟ أم محدث؟
قال المؤلف: العلم والقدرة والإرادة والمشيئة كل ذلك ليس شيء منه بمخلوق بل ذاتي قديم، لم يزل الله بجميع صفاته الذاتية، وأسمائه الذاتية، من غير أن يقال: إن عنده شيئا خالدا كخلوده، باق عنده كبقائه، أوليا كأوليته. وإنما البارئ لم يزل، بجميع صفاته الذاتية، وأسمائه الذاتية. (1/66)
صفحة 67
... وقد قلنا: في متقدم الكتاب: إن العلم لو كان مخلوقا، لكان البارئ تعالى، لم يزل فيما لم يزل، قبل خلقه لعلم نفسه جاهلا. ألا ترى أنه يقول القائل: لم يزل الله تعالى عالما بنفسه، أنه واحد ليس كمثله شيء. فكيف يكون علمه مخلوقا، مع أنه تعالى، كيف يخلق العلم لنفسه، ولا يعلم ما يخلق لنفسه؛ لأنه تعالى، أن لو أنه إذا أراد أن يخلق العلم. أليس يخلقه، وهو عالم بما يريد أن يخلق.
... فإذا كان كذلك عالما بما يريد أن يخلق، فقد سبق العلم، قبل خلق العالم وكفى ذلك. فكيف وأنه غير مخلوق، فالعلم غير مخلوق.
... وكذلك القول في المشيئة. فلو أنه تعالى أراد أن يخلق المشيئة. فلا بد أن تتقدم قبل خلقها، مشيئة خلق المشيئة، لأنه تعالى لا يخلق المشيئة، من غير أن يشاء أن يخلقها. ومشيئة بمشيئة، ومشيئة بمشيئة. يتسلسل ذلك إلى غير نهاية. فذلك فاسد.
كما أنه أراد أن يخلق علما، فلا يخلقه، حتى يعلم أنه قد شاء أن يخلق علما. فعلم بعلم، وعلم بعلم فاسد.
... وكذلك القول في الإرادة، إذا إراد أن يخلقها فلا بد أن يريد أن يخلقها.
... فإذا كانت إرادة متقدمة. لخلق هذه الإرادة. تفاسد أن يكون خلق إرادة بإرادة، وإرادة بإرادة. يتسلسل ذلك إلى غير نهاية. فذلك فاسد.
... وكذلك القول في القدرة، إذا أراد أن يخلق القدرة، فلا يخلق القدرة إلا بقدرة قبلها. فقدرة بقدرة، وقدرة بقدرة، إلى غير نهاية، إنه فاسد، مع أنه إذا خلق القدرة، وكانت محدثة. أليس يكون قبل خلقها عاجزا، والعاجز ليس بإله قدير عليم بصير خيبر. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والثمانون
في بيان أقسام مشيئة الله تعالى وإرادته في جميع مخلوقاته
من كتاب الضياء:
قال المؤلف: إن لله تعالى في خلقه إرادتين ومشيئتين.
ومعنى الإرادة والمشيئة واحد، غير أنهما اسمان، يتضمنهما معنى واحد.
إحداهما: مشيئة الأمور، التي أرسل الله تعالى بها الرسل، وهدى بها السبل. (1/67)
صفحة 68
والمشيئة الأخرى: مشيئة في خلق الخلق، وقسم الأرزاق، وما أراد في إنفاذ ما قد سبق عنده، في علمه من الأمور. وما به الخلق عاملون، وإليه صائرون.
ولو كانت المشيئة من الله تعالى واحدة كما قالت القدرية لم يختلف على الله تعالى، فيما أراده من الخلق، كما لم تختلف إرادته، في خلق السموات والأرض، وغير ذلك ولكان العباد فيما أمرهم به مطيعين كما أطاعته السموات والأرض.
وذلك أنه لو كانت إرادته فيما أمر به من الطاعة مثل إرادته فيما أراد من خلق الخلق، لكان الذين قال لهم: { كونوا قوامين بالقسط } لا يكونون إلا كذلك كما أراد منهم كما زعموا يعني القدرية: أنه تعالى، لم يرد منهم غير الطاعة. ولكان الذين قال لهم: { كونوا مع الصادقين } لا يكونون أبدا إلا مع الصادقين؛ لأن أهل القدر، زعموا أن الله لم يرد في العباد، ولا للعباد، إلا إرادة واحدة. وهي إرادة الإيمان.
... ولو كان ذلك كذلك، لكان كل من قال لهم: "كونوا كذا وكذا يكونون كما قال لهم". فكما قال لليهود: { كونوا قردة خاسئين } كان كما أراد منهم. فلِمَ تمت إرادته في بعض، وفي بعض لا؟
... وهم يزعمون أن الله أراد من العباد الإيمان، ولم يرد فيهم ولا منهم غيره. ولكن لعلم أهل اللب أن الله تعالى، لم يُعص بقسر، ولا استكراه، ولا بغلبة. ولكن إرادته تعالى، نفذت في كل ما أراد.
... وكذلك وصف نفسه فقال: { والله على كل شيء قدير } فمن ذا الذي يضاده في مشيئته، وهو على كل شيء قدير.
... ويقال للقدرية: هل علم الله ما العباد عاملون، وإلى ما هم إليه صائرون؟ فإن قالوا: لا كفروا.
... وإن قالوا: نعم.
... قيل لهم: فأراد إنفاذ ما علم؟ أم إبطاله؟
... فإن قالوا: لم يرد أن يكون ما علم، كما علم، كفروا.
... وإن قالوا: أراد أن يكون ما علم، كما علم، انقطعت حجتهم، التي يحتجون بها، في الإرادة. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والثمانون
في الاستطاعة والدليل أنها مع الفعل
والرد على من قال: إنها قبل الفعل (1/68)
صفحة 69
... قال المؤلف: الاستطاعة في اللغة: هي القدرة على الشيء. وقد تسمى بها أشياء، تئول إلى القدرة. قال الله تعالى: { فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا } يعني الصوم. من لم يقدر عليه أطعم وزال عنه فرض الصوم لزوال اسم الاستطاعة عنه. وهي الصحة. ووجود المال، يوجب الإطعام. وقال عز وجل: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } .
... فالاستطاعة: اسم لمعان. والأصل فيها القدرة. والقدرة في الإنسان: هي عرض في الجسم. وليست القدرة جسما في الجسم. والعرض لا يقوم بنفسه، ولا يثبت وقتين. والقدرة: لا خلاف أنها صفة وعرض، لا تقوم بنفسها. ولا تثبت وقتين.
... وحقيقة الكسب: كل فعل باستطاعة، محدثة مع الفعل للفعل، بتوفيق الله.
... وأما من فعل بقدرة قديمة، فهو غير مكتسب. فالاستطاعة من العبد للفعل، مع الفعل، لا قبل ذلك، ولا بعد، كما أن العل في حال الفعل، لا قبل ذلك ولا بعد. واستطاعة العبد للمعصية، هي من الله: خلق، ومن الشيطان –لعنه الله-: أمر ومن العبد: عمل. فالشيطان يزين المعصية، والعبد عامل بالمعصية. والرب تعالى خالق لجميع أعمال الجن والإنس.
... والدليل على أن الاستطاعة مع الفعل: أنَّا قد نرى الجارحة التي احتجت بها
المعتزلة: أن الاستطاعة قبل الفعل. ولا نرى الفعل عجزا من الجارحة، والجارحة بحالها. فدل أن من لم يخلق الله له استطاعة، لم يقدر أن يكتسب شيئا. (1/69)
صفحة 70
... فلما استحال الفعل مع وجود الجارحة، صح أن الكسب إنما يوجد بوجود الاستطاعة، لا بوجود الجارحة. ثبت أن وجود الاستطاعة، مع الفعل، وليس في عدم الجارحة، عدم الفعل. بل يمنع عدم الجارحة، عدم الاكتساب؛ لأنها إذا عدمت القدرة. فبعدم القدرة استحال الكسب، لا لعدم الجارحة. ولو كان إنما استحال الاكتساب، لعدم الجارحة، لكان إذا وجدت الجارحة، وجد الاكتساب. فلما أن كانت توجد الجارحة، ويقارنها العجز. وتعدم القدرة، فلا يكون كسبا، علم أن الاكتساب إنما يعدم لعدم الجارحة. وقد قال الله عز وجل: { ما كانوا يستطيعون السمع } قد أمروا أن يسمعوا الحق، وكلفوه. فدل ذلك على لزوم التكليف. وإن من لم يفعل الحق، ولم يسمعه، لم يكن مستطيعا على طريق القول، لم يكن له متسطيعا. وقد قال الله تعالى في قصة الخضر وموسى عليهما الصلاة السلام: { إنك لن تستطيع معي صبرا } وقد كان موسى به الجوارح، فلم يغن عنه كونُ الجوارح وصحتها، لعدم القدرة التي يكون بها الكسب، والاستطاعة على الشي.
... فمن قال: إن موسى كان مستطيعا، فقد كذَّب الخضر عليهما السلام في مقاله. والجارحة قد يرفع بها الإنسان اللقمة ليأكلها. فتذهب الاستطاعة، فلا يقدر على أكلها. فهلا نفعت الجارحة، إن كانت الاستطاعة قبل الفعل كما يقولون.
فالاستطاعة، مع الفعل للفعل، لا قبله ولا بعده، إنما هي محدثة مع الفعل، ولا هي استطاعة واحدة. ولكن استطاعات كثيرة. لكل فعل استطاعة. واستطاعة الطاعة، غير استطاعة المعصية.
... قال المؤلف: وقيل: هي واحد. في كلا القولين: إن الاستطاعة مع الفعل للفعل. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والثمانون
في أن العبد مستطيع باستطاعة هي غيره
إن قيل: لِمَ قلتم: إن الإنسان يستطيع باستطاعة، هي غيره؟ (1/70)
صفحة 71
قيل له: لأنه قد يكون ساعة مستطيعا، وساعة عاجزا. والجوارح بحالها. كما يكون ساعة عالما، وساعة جاهلا، وساعة ساكنا. فوجب كونه مستطيعا بمعنى هو غيره، كما وجب أن يكون متحركا، بمعنى هو غيره. ولو كان متحركا لنفسه، لوجب أن لا يوجد إلا متحركا. فلما فسد ذلك، صح أن الاستطاعة هي غيره. وبالله التوفيق.
الباب السادس والثمانون
في الكفار هل يستطيعون الإيمان أم؟
... فالذي نقول: إن الكفار لا يستطيعون الإيمان لاشتغالهم بضده، إذ المؤمن لا يقدر أن يفعل الشيء وضده، في حال، كما لا يقدر أن يكون متحركا ساكنا في حال، ومؤمنا كافرا في حال. والكافر لا يطيق الإيمان، حتى يدع ما هو فيه من الكفر؛ لأنا نقول: إنه لا يستطيع الإيمان، لزمانة مانعة، وعلة حائلة، من قبل الله. فيكون معذورا عن العمل بالإيمان.
وإنما أوتي الكافر، من قبل نفسه فلذلك لم يكن معذورا لسوء الاختيار، الذي اختاره، من الكفر على الإيمان.
فالبارئ عز وجل أعطى الكفار القدرة، ومكنهم، وبين لهم الهدى إلى الإيمان، هدى البيان؛ لقوله تعالى: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } فلم يقبل الكفار البيان، ويستعملوا الإيمان. فاستحبوا الكفر على الإيمان. فعملوا بالكفر: ففي حال عملهم بالكفر، لا يقدرون على عمل الإيمان، كما أن في حال عمل المؤمنين بالإيمان، لا يقدرون على الكفر وليس أحد الفريقين، لا يقدرون؛ لعلة من قبل الله تعالى، حائلة بينهم وبين ما يريدون عمله. فيكون الله قد أجبرهم على ذلك تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وبالله التوفيق.
الباب السابع والثمانون
في الجبر على الطاعة والمعصية
والرد على المجبرة
قال المؤلف: اعلم أن أهل الجبر، زعموا أن الله تعالى، جبر خلقه، تعالى عن ذلك. وأنه تعالى إنما يعذب العباد على فعله، لا على أفعالهم. (1/71)
صفحة 72
والحجة عليهم في ذلك: أنه لو كان يعذبهم على فعله، أنه أجبرهم، فيعذبهم على ما فعل هو فيهم، ما قال تعالى: { ذوقوا ما كنتم تكسبون } ولا قال تعالى: { ذلك بما قدمت يداك - وبما قدمت أيديكم } . وقال: { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } والمجبور لا يستحق ثوابا على عمل؛ ولا يستحق عقابا، على عمل عمله. فالبارئ عز وجل لم يجبر أحدا على طاعة، ولا معصية. ولكنه قد علم، من يعمل منهم بطاعته، ومن يعمل منهم بمعصيته، من قبل أن يخلقهم. فأراد إنفاذ ما علم، كما علم، من غير أن يكون العلم ساق العباد، إلى ما عملوا من المعاصي. ولكن سولت لهم أنفسهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، حتى كان منهم ما علم الله.
مسألة:
عن أبي محمد قلت: أيقدر من علم الله منه المعصية، وأراد خلقها منه أن يفعل خلاف ما علم الله؟
قال: لا.
قلت: إذا هو مجبور.
فقال: ليس هو بمجبور. وإنما قلنا: إنه لا يقدر على فعل ما علم الله: أنه لا يفعله، المشاغلة بما فعل ما أمر به، أو نهى عنه.
فأما إن ترك ما اختار، فهو قادر، على ما اختار، في الحال التي يختار فيها الفعل الثاني. وهو لشغله بفعل، لا يقدر على فعل آخر. ولكنه قادر، على ترك ذلك في حال تركه، من غير مانع له، من تركه، ولا جابر بجبره، ولا حائل بينه وبينه من قبل الله. وإنما أوتي من قبل نفسه. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والثمانون
في التفويض
قال المؤلف: ضلت المعتزلة والقدرية، بقولهم: إن المشيئة مفوضة إلى العباد.
وقالت القدرية: لا قدرة. (1/72)
صفحة 73
وقال المسلمون: إن الله تعالى لم يجبر أحدا من خلقه، من المكلفين، ولا فوض إليهم الأمور. ويهملهم كل منهم يعمل ما يشاء. كيف يفوض إليهم الأمور، ويجعل لهم السبيل إلى ما يعملون هملا، وتركهم كذلك سدى. وهو يقول: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } لأن العابث ليس بإله حكيم، أن يخلق خلقه عبثا أو يتركهم سدى هملا، يضر بعضهم بعضا. ويقتل بعضهم بعضا. ويأكل بعضهم بعضا. فهذا ليس من الحكمة. والله حكيم عليم، لا يفعل إلا الحكمة. فلوا فوض إليهم الأمور، لم يعذب منهم أحدا، لأنه تعالى كيف يعذب أحدا على فعل، قد فوض إليه فعل ذلك الفعل، وأذن له به تعالى الله عن ذلك.
وأما قول الله تعالى: { فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر } فليس في هذا تفويض الأمور إلى العباد. ولكنه تهديد من الله تعالى. ألا تراه يقول عقب ذلك: { إنا أعتدنا للظالمين نارا } .
يقول الله للعبا: قد بينت لكم سبيل ذلك، أي سبيل الهلاك. ووعدت وتوعدت. فمن شاء فليؤمن، عند ذلك، ومن شاء فليكفر. فلا حجة لكم بعد ذلك. وهذه الآية، وما كان مثلها، مثل قوله تعالى: { من شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر } . نسختهن الآية التي يقول فيها: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } .
الباب التاسع والثمانون
في القضاء والقدر
والرد على القدرية
القضاء: على وجوه. قضى: خلق. وقضى: حكم. وقضى: أمر. وقضى: إخبار وإعلام. وقضى: علم. فقضاء الخلق: قوله تعالى: { فقضاهن سبع سموات في يومين } أي خلقهن تقول: قضيت الأمر: إذا فرغت منه. وقضاء الحكم: مثل قوله تعالى: { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } .
وقضاء الأمر: مثل قوله تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } أي أمر بك.
وقضاء الخبر: مثل قوله تعالى: { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب } أي أخبرناهم وأعلمناهم.
وقضاء العلم: بأن علم أن فعل المعاصي قبيح، والطاعة حسن. وقضاء الكتاب: كتب أن أهل المعاصي سيعصون. (1/73)
صفحة 74
والقدر: هو الخلق قال الله تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } فالقدر: هو الخلق. تقول: قدر الله، وخلق الله.
والمقدور: هو فعل الإنسان.
والمقادير: هي من الله.
والتقدير:هو تقدير الشيء. ويجب الإيمان بالقدر: خيره وشره. والله تعالى، لا يعذب على القدر وإنما يعذب على المقدور، الذي هو أفعال العباد، الذي إن فعلوا خيرا، حمدوا عليه. وإن فعلوا شرا عوقبوا عليه. فالمقدور: أفعالهم. وبالله التوفيق.
الباب التسعون
في الرد على القدرية
القدرية: الذين يكذبون بالقدر. ويقولون: لا قدر.
زعمت المعتزلة والقدرية: أن المشيئة مفوضة إليهم. فهم إن شاءوا تحركوا. وإن شاءوا سكنوا. وإن شاءوا فعلوا. وإن شاءوا، لم يفعلوا، وأن فعلهم: هو خلقهم. وأن الله لم يخلق أفعالهم. فهذا رد لكتاب الله، وتكذيب لقوله عز وجل؛ لأن الله تعالى يقول: { والله خالق كل شيء } وأعمالهم شيء؛ لقوله تعالى: { لقد جئتم شيئا إداً } . فالبارئ تعالى، لا يعذب إلا على شيء فعلوه. ولا يثيب إلا على شيء قد فعل، فيقال لهم: أخبرونا عن أفعالكم التي زعمتم: أنها من خلقكم، لا خالق لها غيركم. أهي شيء؟ أم غير شيء؟
فإن قالوا: ليست بشيء.
قيل لهم: فيثيبكم الله على لا شيء، ويعذبكم على لا شيء.
فإن قالوا: نعم. كفروا، إذا زعموا أن الله يعذب العباد، على غير شيء.
وقيل: وكيف قال الله تعالى: { لقد جئتم شيئا إدا } أمل يسم أعمالكم شيئا وأقوالكم شيئاً؛ لأن الله تعالى يقول: { وكل شيء فعلوه في الزبر } فقد سمى أعمالهم شيئا وأقوالهم شيئا؛ لقوله: { لقد جئتم شيئا إدا } وذلك شيء قالوه.
وإن هم قالوا: أعمالنا شيء، وأقوالنا شيء.
قيل لهم: فقد قال الله تعالى: { والله خالق كل شيء } قال المؤلف: ويقال لهم: أخبرونا عن الله عز وجل، هو إله أفعالكم وأقوالكم، وربها ومالكها، والقادر عليها أم لا؟
فإن قالوا: لا، كفروا.
وإن قالوا: نعم. إن الله إله أفعالنا وأقوالنا، وربها ومالكها، والقادر عليها. (1/74)
صفحة 75
قيل لهم: أفيكون الله إله أفعالكم، وربها ومالكها، والقادر عليها، ولا يكون خالقا لها. وإنما خلقتموها أنتم واخترعتموها. وأنتم لا تقدرون، أن تخلقوا ذبابا. وإن يسلبكم الذباب شيئا، لا تستنقذوه منه. فكيف تخلقون أفعالكم؟ فلو خلقتم أفعالكم ما فعلتم شيئا قط، تندمون عليه، ولا فعلتم فعلا، على أنه حسن صالح، فيأتي قبيحا طالحا. فهذا فعل عليم حكيم، مع أن قولكم: تخلقون أفعالكم، فقد شاركتم الله تعالى، في الخلق والاختراع. فكيف يعبر الله الخلق أجمعين، بالعجز، بقوله تعالى: { خلقوا كخلقه } وأنتم إذا قد خلقتم كخلقه، فجعلتم أنفسكم شركاء لله، في الخلق. فيكف أخبر الله تعالى، في كتابه: { هل من خالق غير الله } وقد خلقتم أنتم مع الله وقولكم: لو كانت أفعالنا من خلق الله، لما عذبنا الله عليها. فقولوا: إن الإيمان والطاعة، من خلق الله؛ لأنه لا يعذب عليها. وكلا الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، من أفعالكم، التي تدعون أنكم تخلقونها، دون أن يكون الله خالق جميع ذلك.
فإن قلتم: فإذا خلق الله أفعالنا، فكيف بعذابنا على شيء، قد شاركنا في فعله؟
قلنا لهم: إن الله تعالى، لم يشارككم في أفعالكم. وإنما البارئ: الخالق لأعمالكم، وأنتم المكتسبون لها. والله خالق كسبكم وحركاتكم،فيحال ما تتحركون. وإنما تكون للشركة: أن لو خلقتم أنتم، والبارئ أفعالكم، وكسبتم أنتم والبارئ أفعالكم. فهذه هي الشركة
وأما أعمال بني آدم آجمع؛ فمن الله خلق، ومن العباد عمل، كما قال المسلمون. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والتسعون
في أعمال بني آدم وأقوالهم من خير وشر ونفع وضر وطاعة ومعصية
والدليل على أن الله تعالى قضى ذلك وقدره
وتصرُّف القضاء والقدر ووجوهه وأقسامه في جميع ذلك
فإن سأل سائل وقال: هل قضى الله بالباطل؟ (1/75)
صفحة 76
قيل له: لا، إن الله تعالى يقضي بالحق، ولا يقضي بالباطل؛ لأن هذا يتوهم، إن قضى الله تعالى بالباطل، فهذا ما لا يجوز؛ لأن قضاء الله الذي هو حكم: أن الباطل باطل، ممن فعله.
وكذلك قضى: حكم أن المعصية من المأمور، إذا لم يفعل ما أمر به، وعصى الأمر له. وذلك من الله قضاء الحق، لا الباطل.
وقضاء الخلق: أن خلق الله الباطل غير الحق، وجعل الباطل، خلاف الحق. وجعل الباطل قبيحا، أي خلق ذلك قبيحا.
وقضاء العلم: بأن علم أن فعل المعاصي قبيح، والطاعة حسن.
وقضاء الكتاب: بأن كتب أن أهل المعاصي سيعصون ويفسدون. ولم يقض الله بذلك، آمرا به، بل قضاه ناهيا عن فعل القبائح والمعاصي، لا يخرج العباد من قضاء الله وقدره. وعلمه بهم محيط، وهم صائرون إلى مشيئته كما شاء وعلم.
فإن قيل: أفأحبَّ الفساد والفحشاء والمنكر؟
قيل له: بل سخطه وقبحه، ونهى عنه وذم فاعله.
فإن قال: وكيف تقول: قضاه؟
قيل له: قضاه معصية قضى الكتاب، وقضاه معصية، ومنكرا وقبيحا قضى حُكمٍ. حَكم أنه كذلك. وقضى علمٍ بأن علم: أنه سيكون ممن كسبه.
فإن قال: فأراده؟
قيل له: أراده مسخوطا منهيا عنه، ولم يرده طاعة ولا حسنا.
فإن قال: فقدَّر ذلك؟
قيل له: قدر ذلك: بأن جعل المعصية معصية منهيا عنها، والطاعة طاعة مأمورا بها.
فإن قال: فهل قضى الله المعاصي؟
قيل له: نعم قضاها، بأن قدرها وخلقها وكتبها، كما قال تعالى: { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين } قضى كتاب وخلق وعلم، كقوله تعالى: { إلا امرأته قدرناها من الغابرين } ولا نقول: قضاها: أمر بها.
فإن قال: قضاء الله حق؟
قيل له: نعم قضاء الله حق، قضاء حكم، والله يقضي بالحق. وقضى حق: قضى الخلق. وقضى حق: قضى علم. وقضى حق، قضى الكتاب. وقضى حق، مما أمر به، من الطاعة. وقضى حق: قضى خير.
فإن قال: قضى المعصية حق؟ (1/76)
صفحة 77
قيل له: إن أردت قضاه: بأن خلق المعصية خلافا للطاعة، كما خلق الأشياء وأضدادها، فهو حق، إذ خلق المعصية خلافا للطاعة.
وإن أردت –عز وجل- كتب أنها تكون من العاصي منهيا عنها، فحق كما كتب. فنعم.
وإن أردت أنه علم أن المعصية، خلاف الطاعة، فنعم ذلك حق.
وإن أردت قضى المعصية أمر بها، فالله لا يأمر بالفحشاء والمنكر. بل أمر بالقسط، فلم يقض المعصية آمرا بها. ولكن قضاها معصية منهيا عنها قبيحة، معاقبا عليها فاعلها.
فإن قال: أفترضى بقضاء الله الكفر؟
قيل له: أرضى بقضاء الله للكفر، بأن جعل الكفر قبيحا، خلافا للإيمان الحسن. وأرضى بقضاء الله الذي هو حكم،على أن حَكم بأن فعل مَن فعل كذا وكذا كفر، ولا أرضى بفعل الكافر وعمله بالكفر، الذي ذمه الله وقبحه وسخطه. فقد رضيت بقضاء الله، فيما حكم به على أهله، وكلفهم إياه، خلافا للطاعة. فأخبرنا أنت: هل علم الله من يدخل الجنة، ومن يدخل النار؟
فإن قلت: لا، كفرت.
وإن قلت: نعم.
قلنا: فأراد إنفاذ ما علم أم إبطاله؟
فإن قلت: بل أراد إنفاذ ما علم، خصمت نفسك.
وإن قلت إبطاله، خالفت الحق.
والدليل على أن البارئ تعالى، قضى بالكفر والمعاصي وجميع الفحشاء والمنكر، وأراد ذلك على الوجه الذي قدمنا، لأنه تعالى، لو لم يقض به، ولا أراده، ولا شاءه، لكان يكون في ملكه وسلطانه: ما لم يشأ كونه، ولم يرد كونه، في ملكه وسلطانه، حتى كوَّنه المكونون، في ملك الله –عز وجل- وسلطانه، وملَّكوه. وبارئهم لم يرد ذلك، ولا شاءه،ولا أراد كونه في ملكه وسلطانه،ولا شاء كونه في ملكه وسلطانه، حتى كان هكذا. فهذا كالمغلوب، على أن ملَّكوه ما لا يشأ ملكه. وكالعاجز الذي كوَّنوا في ملكه ما لم يشأ كونه، ولم يرد كونه – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فدل ذلك: أن لا يكون شيء في ملك الله وسلطانه، إلا وقد علم ذلك، وشاء كونه في ملكه وسلطانه. وأراد كونه في ملكه وسلطانه. (1/77)
صفحة 78
وإنما أراد الله الكفر والمعاصي والقبائح والفساد. كل ذلك أراده، بمعنى أنه لم يُغلب، على كون جميع ذلك، في ملكه وسلطانه. ولم يرد ذلك إرادة الأمر: أنه تعالى أمر عباده بذلك، راضيا به، بل أراده أن يكون مسخوطا فاسدا قبيحا، معصية ممن فعله، معاقبا عليه صاحبه. أراد كون ذلك خلافا، لكون ما أمر به تعالى، من الطاعات.
فكل شيء نهى عنه فهو ضد، لما أمر به.
فالكفر المنهي عنه، أراده أن يكون ضد الإيمان المأمور به، والمعصية المنهي عنها، أرادها أن تكون ضد الطاعة المأمور بها. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والتسعون
في من قال: إن الله أمر بالإيمان ولم يرده
ونهى عن الكفر وأراده
يقال: لمن قال: أن أمر بالإيمان ولم يرده، ونهى عن الكفر وأراده: إن الله تعالى يجل أن يوصف بما وصفته به، لأن هذا قول فحش قبيح. والله تعالى يجل عن ذلك، لأن هذه الصفة، ليست بصفة إله حكيم عليم. ولا يصف الله تعالى، بهذه الصفة، إلا جاهل ولكن البارئ تعالى، أمر بطاعته، ونهى عن معصيته.وأراد الطاعة ممن أتى بها طائعا، لا مكرها ولم يردها، ممن لم يأت بها ونهى عن المعصية وقبحها.
فمن عمل بالمعصية، فقد عمل بما نهاه الله عنه، وقبحه، وأراده أن يكون فعلا قبيحا، لا طاعة، ممن أتى به وأراد الطاعة حسنة، إرادة أمر، أمر بها. وأراد المعصية قبيحة، منهيا عنها. ولا مخرج للعباد، مما علم الله، وإرادته ومشيئته. فلا يكون إلا ما شاء الله، وأراد ربنا وعلم –تعالى وجل- له الملك والخلق، يفعل ما يشاء. وقد قال تعالى: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } .
فكل مشيئة، خالفت مشيئة الله، فهي ضائعة.
فدل أنه لا يكون في ملكه وسلطانه، إلا ما شاء وعلم، وأراد كونه، على الوجوه التي بيناها، والتفاسير التي أوردناها. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والتسعون
في الرد على من قال: إن الله أراد الإيمان ولم يرد الكفر
يقال لهم: أتقولون: إن الله أراد الإيمان، ولم يرد الكفر؟ (1/78)
صفحة 79
فإن قالوا: نعم.
قيل لهم: فأراد أن يكون الإيمان خلاف الكفر؟
فإن قالوا: نعم.
قيل لهم: فأراد أن يكون الكفر خلاف الإيمان؟
فإن قالوا: لا.
قيل لهم: فأراد الإيمان خلاف الكفر، ولم يرد أن يكون الكفر خلاف الإيمان، فأراد أن يخالف شيئا، لا يريد أن يخالفه ذلك الشيء؟
فإن قالوا: نعم. كابروا.
ويقال لهم: هل علم الله بمن يؤمن ومن يكفر؟
فإن قالوا: لا. كفروا.
وإن قالوا: نعم.
قيل لهم: فأراد إنفاذ ما علم أم إبطاله؟
فإن قالوا: إنفاذه، خصموا أنفسهم.
وإن قالوا: إبطاله، كابروا. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والتسعون
في مقالة المعتزلة في إرادة الله
المعتزلة رجلان: أحدهما يقول: إنما أراد الله من أفعال عباده غير الأمور بها. والآخر: يقول: لم يرد الله من أفعال عباده، الأمر بها.
فمن ذهب إلى الأمر، لزمه إذا لم يكن البارئ أمر بأفعال الأطفال والمجانين أن يكون كارها لها، إن كان يحب أن تبقى أفعال العباد، لإكراهه. والله تعالى لا يكره إلا معصية، كما لا ينهى إلا عن معصية.
وإن لم يكن هذا هكذا عندهم، بطل ما قالوه. وهذا يوجب: أن كل مباح معصية.
ومن ذهب إلى إرادة الله عز وجل لأفعال عباده، غير الأمر بها. قيل له: إذ كان يحب أن تبقى الإرادة لأفعال عباده الكراهية. فهل أراد الله تعالى: كون الأفعال التي ليست بمعاصي ولا طاعات؟
فإن قال: نعم.
قيل له: فيلزمك أن تكون طاعة؛ لأن الطاعة عندك إنما كانت طاعة للمطاع؛ لأنه أرادها.
فأن قال: لم يُردها.
قيل له: فيلزمك أن تقول: إنه كاره لكونها تكريها. وهذا يوجب أن تكون معصية، لأن ما كره الله تعالى، فهو معصية عندك. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والتسعون
في بيان النهي عن المعصية
مع إرادة الله لها وعلمه بها
إن قيل:ما معنى النهي عن المعصية، وقد أرادها الله وعلمها؟ (1/79)
صفحة 80
قيل له: لو لم يكن نهيا ولا أمرا، لم تكن معصية، ولا طاعة. وإنما نهى عن المعصية، وقد أرادها وعلمها أنها تكون إذ نهى عنها؛ لأن النهي لو لم تكن معصية، لكان لا فائدة فيه. وكذلك أراد أن تكون معصية أرادها، وعلم أنها ستكون إذ نهي عنها.
وكذلك إن سألوا ما وجه إرسال الرسل، وقد علم أنهم لا يؤمنون، وإراد أن لا يؤمنوا، إذ أرسل إليهم الرسل؟
وإنما أرسل الرسل، ليكونوا حجة على من لم يؤمن. وليس للناس علىالله حجة. وإنما هذا عدل من الله، وحكمة بالغة، لأنه تعالى يقول: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ولله الفضل والمنة. وبالله التوفيق.
الباب السادس والتسعون
في قضاء الكفر ثم يُعَذََب عليه
قال المؤلف: فإن قيل: هل رضي الله المعاصي؟
قيل: لا. قال الله تعالى: { ولا يرضى لعباده الكفر } .
فإن قال: كيف قلتم: أرادها، ولم تقولوا: رضيها وأحبها؟
قيل له: إن الرضى بالفعل والمحبة ثواب من الله، ومدح له. والله تعالى لا يمدح المعاصي، ولا يثيب عليها. والإرادة صفة الله في ذاته.
ومعنى قولنا أرادها أنه لم يغلب عليها، ولم يكره على كونها. فلذلك قلنا: أرادها، ولم نقل رضيها، ولا أحبها. وبالله التوفيق.
الباب السابع والتسعون
في قضاء الله للكفر ثم يعذب عليه
إن قالت القدرية: أيقضي الله بالكفر، ثم يعذب عليه؟ فهذا توهم أن الله تعالى، قضى بالكفر على الكافر: أنه أجبره عليه. وليس ذلك كذلك. ولكن معنى قولنا: قضى على الكافر بالكفر: أي خلقه الله على يديه. فقضى الله بالكفر، أي خلق الله الكفر. وكذلك قدر الله عليه الكفر. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والتسعون
في خلق الله أفاعيل العباد
والرد على القدرية في إنكار ذلك
اختلف الناس في أفعال العباد على ثلاث فرق.
فرقة قالت: العبد مكتسب، وكسبه خلقه لأفعاله. ولا تعلق بقدرة القديم، بأفعال العباد. وهي المعتزلة. فجعلوا العبد خالقا، مخترعا لأفعاله. (1/80)
صفحة 81
وفرقة قالوا: ليس بمكتسب لشيء، ولا قدرة له، فهو كالباب، إذا حرك تحرك.
وفرقة قالت: إن الله تعالى خلق أفعال العباد، مخترعا لها. والعباد مكتسبون لها. فعلى هذا الأصل، يكون الفعل الواحد مخلوقا مكتسبا، في زمن واحد.
فمن قال: إن الفعل خلْق العباد، جعل الله خالقا غيره. والله تعالى يقول: { هل من خالق غير الله – الله خالق كل شيء } .
ومن نفى القدرة عن العباد بالكلية، أسقط تكليف الشرع؛ لأن الشرع راع للقدرة في التكليف وقال الله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } .
ومساق مذهب هؤلاء: أنه لا فرق بين تكليف الصلاة، وتكليف الطيران في الهواء.
وأما القائلون: إن العبد مخترع لأفعاله. فقولهم باطل؛ لأنهم جعلوا أنفسهم شركاء لله في الخلق. والله تعالى يقول: { هل من خالق غير الله } وقال: { خلقوا
كخلقه } يسيرهم بذلك. فكيف يكون أحد من خلقه، خالقا كخلقه –تعالى الله- أن يشبهه أحد من الخلق والاختراع، مع أن الخالق من شرطه أن يكون عالما بتفاصيل ما خلق وقد قال الله تعالى: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } .
والعبد لو سئل عن إعداد حركاته، في ليله أو نهاره، ما علم ذلك وقد يتحرك مع شهوة للحركة. فكيف يكون خالقا لها، وهو لها شاه مشقة؟. فكيف يكون خالقا، من كان ساهيا عن مخلوقاته؟ وقد يفعل الأشياء وهو، فيحال فعلها، ناسيا للقصد الذي يريده، ولا يقدر يذكر، ليرجع إلى سبيل القصد الذي أراد العمل له؟ فكيف يكون خالقا لأفعاله، ويفعل الأشياء على أنها صواب، فيأتي بالخطأ، فكيف يكون خالقا لأفعاله، ولكن أفعال العباد من الله: خلق، ومن العباد: اكتساب: عمل وكسب والله خالق كسبهم، في حال ما يكسبون لا قبل ذلك، ولا بعد، فهذا ول المسلمين.
فإن قال: أليس تقولون: إن ما خلق الله فقد فعله وصنعه؟
قيل له: نعم. نقول ذلك في جملة الأشياء، ولا نقول ذلك مطلقا وفي بعض الأشياء مطلقا في ذلك.
فإن قال: أليس تقولون: إن الله خالق الكفر؟
قيل له: نعم. (1/81)
صفحة 82
فإن قال: أفتقولون: إن الله فعله وصنعه؟
قيل له: لا نطلق بذلك ألا ترى أنا نقول: إن جهنم قذرة. ولا نقول: إن الله صنع الأقذار. ويقال: خلقها؛ لأن خلقها اسم تعظيم، في كل شيء. وصنع ودبرّ الأقذار والقبائح تهجين. فنفينا عن الله تعالى كل إضافة تهجين. ألا ترى أنا نقول: إن الله يوجد كل شيء ولا نقول: إن الله يوجد الحر والبرد، والأذى والمكره لأن جملة القول: إن الله يوجد الإشياء، يوجد العلم بالأشياء والإحاطة بها.
وإن قال: أتقولون: إن العبد فعل الكفر؟
قلنا له: نعم. على معنى أنه كفر.
فإن قال: أفتقولون: إن العبد فعل خلق الله؟
قيل له: لا؛ لأن ذلك يوهم أنه خلقه.
فإن قال: متى خلق الله تعالى الفعل؟
قيل له: في حال ما يكسبه، لا قبل ذلك، ولا بعد.
فإن قال: أفيجوز أن يخلقه الله، ولا يكسبه العبد، أو يكسبه العبد، ولا يخلقه الله؟
قيل له: لا يجوز أن يكسبه العبد، ولم يخلقه الله؛ لأن في ذلك إيجاد الفعل كان، بعد أن لم يكن، ولم يخلقه الله؛ لأن ذلك محال أن يكون محدثا وقع وليس الله هو المحدث له، كما يستحيل أن يكون مملوكا ومربوبا في العالم، لم يملكه الله. ولا يكون ربه.
قال المسلمون: إن الله تعالى خلق الطاعة والمعصية وقدرهما، وقضاهما مع الفعل، لا من قبل، ولا من بعد. فليس لله شريك، فيما قضى وقدر. ولم يؤت العبد، من قبل خلق الله وقدره وقضائه. ولكن أوتي من قبل اكتسابه للمعصية، ومخالفته الأمر، وإيجاد الحجة عليه. ولم يزل الله تعالى مريدا لذلك. فالطاعة: إرادة رضى ومحبة وعلم ومشيئة. والمعصية: إرادة علم ومشيئة، لا إرادة أمر، ولا رضى، ولا محبة.
والدليل على خلق الأقوال، من كتاب الله –عز وجل-: قوله تعالى: { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليهم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } .
يقول: كيف لا أعلم القول الذي يخفون، وأنا خلقته؟! (1/82)
صفحة 83
وقال تعالى: { ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم } فأوجب اختلاف الألسنة وهي اللغات. واختلاف لونها خلق من خلقه. وكل ذلك كلام. والخلق يُحمدون على الصواب منه؟ ويُذمون على الخطأ. فجعل اختلاف الألسنة آية من آياته، كخلق السموات والأرض.
والدليل على خلق الأعمال، من كتاب الله: قوله تعالى: { قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما } فأضاف إلينا فعلا. وقال: أنا خلقته وقدرته.
وقال تعالى: { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله } فجعل ابتغاءنا الذي أمرنا به، من آياته. فهو من فعلنا.
والدليل على خلق الأعمال، من كتاب الله: قوله تعالى: { لقد جئتم شيئا إدا } وأعمال العباد شيء.
وقال: { كل شيء فعلوه في الزبر. وكل صغير وكبير مستطر } .
وقال: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } .
وفي قوله لنا: بأن جعل لنا سرابيل تقينا الحر، وتقينا بأسنا، وهي عمل يعملها بنو آدم وقال تعالى: { والله خلقكم وما تعملون } .
فإن قالوا: إنما قال: { وما تعملون } من الخُشب التي تخذونها أصناما من الخشب.
قيل لهم: لو جاز لكم أن تقولوا: إنه خاص للأصنام والخشب، دون ما كانوا يعملون من السيئات، جاز لغيركم أن يزعم، أنه خاص لتلك الأصنام.
فإن قال قائل: كل خشب وصنم، فهو مخلوق.
قيل له: وكذلك كل ما تعملون من الأصنام والأفعال، من الطاعة والمعصية. فكل ذلك مخلوق.
والدلالة من كتاب الله –عز وجل- على أن العمل مخلوق، والأفعال التي يفعلها العبد كلها مخلوقة خلقها الله تعالى، فيه من الله: خلق، ومن العباد: عمل. (1/83)
صفحة 84
والدليل على خلق الأفعال، من كتاب الله: قوله تعالى: { ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } فثبت أن الله يصيب الكافرين بأيدي المؤمنين، فيكون فعل المؤمنين بالكفار، من القتل والجراحة، مصيبة أصابهم الله بها. فأضاف ذلك إلى الله أنه أصابهم بها، على أيدي المؤمنين. فذلك فعل الله: إصابته إياهم بتلك المصيبة. وهو فعل للمؤمنين. فدل أن الأفعال من الله خلق، ومن العباد عمل. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والتسعون
في الدليل على خلق الفعل من السنة
الدليل من السنة، على أن الأفعال مخلوقة: قوله صلى الله عليه وسلم: ما خلق الله خلقا أحب إليه من العتاق، ولا أبغض إليه من الطلاق.
وقال صلى الله عليه: لو أن الناس نظروا إلى الرفق،لرأوا خلقا حسنا، لم يروا خلق شيء أحسن منه.ولو نظروا إلى الخِرق، لم يروا خلق شيء أقبح منه.
والرفق: فعل الرفيق. والخرق: فعل الأخرق. فقالوا: إن الله تعالى خلق فعل الرفيق وفعل الأخرق.
وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى خلق كل صانع وصنعته.
فإن قالوا: إذا زعمتم أم كسبكم خلق الله، أفتزعمون أنكم اكتسبتم ما خلق الله؟
قيل له: إنا اكتسبنا ما خلق الله كسبا لنا، ولم نكن مكتسبين للأجسام، ولا لسائر ما خلق الله، لأنها ليست بكسب لنا. ولكنا مكتسبون للشيء الذي خلقه الله كسبا لنا، ولم نكتسبه خلقا الله –عز وجل-. وذلك أنا لم نكسبه خلقا لنا خلقناه، فنكون خالقين له. وإنما اكتسبنا شيئا، خلقه الله.
فإن قالوا: وقد قال الله: { وتخلقون إفكا } .
قيل له: ذلك: الإفك: الكذب. يقول: تدعون باطلا إفكا. والباطل: الكذب. وقوله تعالى: { إن الذين جاءوا بالإفك } فهو الكذب، في قذف عائشة رضي الله عنها إنما باطلا إفكا.
فإن قالوا: أفيعذب الله العباد، على الكفر الذي خلقه كفرا منهم؟ (1/84)
صفحة 85
قيل له: إن الله يعذبهم على الكفر، الذي هو خلق منه لهم، وكسب منهم للكفر، كما أنه تعالى يعذبهم، على الكفر الذي هو معلوم لله، لا أنه علمه. ولم يعذب الله العباد، لأنه خلق الكفر منهم كسبا لهم. وإنما عذبهم على كسبهم للكفر؛ لا لأن الله خلقه، بل لأنهم عملوه وكسبوه. وبالله التوفيق.
الباب المائة
في تفسير قولهم: يجب الإيمان بالقضاء
وخيره وشره
وسألت عن القدر، خيره وشره. فما خير القدر؟ وما شره، الذي يلزم العباد أن يؤمنوا به؟
فاعلم أن القدر: هو الخلق. تقول: قدر الله وخلق الله. فهذا هو القدر. وخيره وشره: كل خير وكل شر، يلزم العباد أن يعملوا، ويصدقوا ويؤمنوا أن الله خالق كل خير وكل شر. والكفر من الشر. والإيمان من الخير.
الباب الحادي والمائة
بيان من استحق أن يلقب بالقدر
ومن أولى بذلك
اعلم أن الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا كلهم، على ملة واحدة، ومذهب واحد، في قولهم بالقدر، وإقراهم بالقضاء القدر، خيره وشره كله من الله، حتى ادعت القدرية لأنفسها، أن المشيئة والقدرة إليهم، وأنهم في اكتسابهم ذلك، وأعمالهم، أنهم يقدرونها ويفعلونها ويخلقونها، مقدروة لهم، دون خالقهم تعالى. وأن الله لم يخلق إيمان المؤمنين، ولا أفعالهم، ولا حركات أهل الجنة وتلذهم، ولا حركات أهل النار، ولا طيران طير في طيرانه، ولا دبيب ذر النمل، في حركاته، ولا حركة بهيمة، ولا حركات كل متحرك، ولا الإيمان والكفر، ولا الطاعة والمعصية. وأن الأمور مفوضة إليهم، يخلقون أفعالهم. فصار القدري هو الذي يدعى ذلك لنفسه، كما أن الصائغ هو من يعرف أنه يصوغ دون من يزعم أنه يصاغ له. نعوذ من الضلال، وكل ما تحبط به الأعمال. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والمائة
في الامتحان وجمعه والحكمة منه
والرد على من أبى حكمه (1/85)
صفحة 86
الامتحان على وجهين: فوجه أن يمتحن، ليعلم بامتحانه، ما خفي عليه. ووجه لإيجاب الحجة، وقطع العذر. والبارئ تعالى، عالم بالخلق وما تئول إليه عواقبهم، فلا يمتحنهم بشيء خفي عليه من أمرهم، ولكن مبتليا لهم بالفرض، ليثيب بالطاعة من أطاعه، ويعذب بالمعصية من عصاه.
والحكمة من هذا الاختبار والامتحان: أن في الشاهد لا ينبغي للحاكم أنيحكم بعلمه، من غير إقامة المدعي البينة أو يمين المنكر؛ لأنه إذا حكم بعلمه، دون ظهور وجه الأمر فيه لغيره، اتهم بالميل إلى الجور. فبمثل هذا عامل الله عباده فأراد البارئ تعالى أن يظهر فيهم معلومه، لا ليُتهم بالميل، وينسب إلى الجور، كما قال تعالى: { فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } معناه: فليظهرن الله معلومه في الذين صدقوا، وليظهرن معلومه في الذين كذبوا. فهذا الامتحان والاختبار. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والمائة
في التكليف ووجهة
والحكمة في ذلك التكليف على معنيين: معنى تجوز إضافته إلى الله والآخر لا تجوز.
فالذي تجوز: هو الذي كلفهم، حسب طاقتهم، ليبلغوا منافع لهم، دون بارئهم.
والذي لا تجوز: هو أن يكلفهم، لحاجته إلى ما يكلفهم. تعالى الله عن ذلك؛ إذ لم يزل البارئ غنيا عن جميع العالمين.
مسألة في الحكمة من التكليف:
قال بشير بن محبوب رحمه الله في بيان حكمة التكليف إنا وجدنا العقول، بها زمام الطباع، وآله البيان، وعنان العرفان. (1/86)
صفحة 87
وعلة العرفان بها: تبين حسان الأمور وقبيحها، وفاسدها وصحيحها، والتمييز بها والحكمة ما شرف فيها. والخواطر في تبيينها لها، والفكر شعارها. ذلك تقدير العزيز العليم. خص به الإنسانية من خلقه، وفضل به المكلفين من خلقه؛ ليبلغوا منافع لهم، وأعدمهم العجز، كما كلفهم، حجة عليهم، وحمة بالغة فيهم، وفضل عظيم لهم، مع قدرته على اتصال ما عرضهم لعباده، وغناه عنهم وعنها منهم فحسن مع ذلك تكليفهم؛ لأنه لا يجوز في الحكمة، شكر من لا يستحق الشاكر، بإحسان كان منه، مع لذته لذلك، وقدرة الشاكر على شكره. ولذلك لم يجز أن يبتدئ عباده بالشكر لهم، واتصال اللذة بهم إليهم، من غير أن يكون منهم
فعل يستحقون به شكره إياهم، وإن كان قادرا على فعل ذلك بهم.
وكذلك ما أدخله من المكاره على أطفالهم، لا يجوز في الحكمة ابتداؤهم بما يعوضونه به منه؛ لأن العوض استحقاق بما نالهم بما يستحقون، لا يجوز كونها بغير ما يستحقون.
ولما كان خلقه إياهم لينتفعوا حكمة، كان الإحسان إليهم كذلك. وكان الكفر منهم كذلك، في عقولهم. وكان الشكر به حسنا منهم، ترك هذا الشكر.
ولما كان ذلك كذلك، كان الأمر بهذا الشكر، والترغيب فيه حسنا.
ولما كان ذلك كذلك، كان تركه قبيحا. ولما كان تركه قبيحا، كان النهي عن تركه حكمة، لأن ما كان حسنا، فحسن الأمر به.وما كان قبيحا، فحسن التزهيد فيه منهم، والنهي عنه. ولئن يكون الترغيب إلا بعدمهم، المرغب لهم فيه بعدهم: أنه يحرم ذلك من كفره، ولم يرغب.
وإذا كان كذلك، لم يجز في الحكمة أن يساوي بين الشاكر والكفر، ولا يعطي أحدهما ما يعطيه الآخر منهما.
ولو كان ذلك كذلك، ما رغب الراغب في الشكر، ولا زهد الزاهد في الكفر، إذا كان ينال أحدهما من اللذة، ما ينال الآخر منهما.
ولو كان ذلك، لكان لا معنى للترغيب في الشكر، والتزهيد في الكفر، دون الترغيب في الكفر، والتزهيد في الشكر. (1/87)
صفحة 88
ولو كان ذلك كذلك، لكان لا فرق في العقل بين الحسن والقبيح ، والفاسد والصحيح.
ولما لم يكن ذلك كذلك، صح أن الذي يستحق بالشكر من الثواب، لا يجوز أن يعطى من لا يستحق ذلك بشكره وطاعته.
وكذلك حسن التكليف، وإن كان ذلك متعينا للمكلفين، إذا كانوا ينالون منه نفعا ونعما، لا يجوز في الحكمة أن ينالوه من غير أن يستحقوه، لفعل ما كلفوه، وإن كان الله تعالى قادرا، على أن يفعل ذلك بهم،ويوصله إليهم.
والتكليف على معنيين. فمعنى تجوز إضافته إلى الله تعالى. ومعنى لا تجوز. فالذي تجوز: هو الأمر هو تكليفه عز وجل عباده أوامره ونواهيه، وطاعته وفرائضه، حسب طاقتهم.
والمعنى الذي لا يجوز: هو إنزال المكلف حاجته بالمكلف وهذا غير جائز على الله، أن يكون تكليفه العباد، لحاجة به إلى ما كلفهم، إذ كان الله تعالى غنيا عن جميع خلقه. وكل إليه محتاج مفتقر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الباب الرابع والمائة
في لزوم التكليف
وأقسام اللازمات فيه
لزوم التكليف من كتاب الله وقوله تعالى: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم } .
ووجوب التكليف على المكلف، على طريقين:طريق عقل، وطريق نقل.
فطريق العقل، ينقسم قسمين:أحدهما معرفة الله تعالى أنه واحد، وعالم وقادر، ونحو ذلك فعلى المكلف عند ذكر ذلك وسمعه، اعتقاده وعلمه، غير معذور بجهله، بجملة، ولا الشك فيه.
والقسم الثاني: ما فيه خلاف بين الناس، مثل عالم بعلم، وقادر بقدرة، وعالم بنفسه، وقدر بنفسه. فحجة هذا تلزم بالسؤال، وبعد الاستدلال. وعلى الشاك فيه، لا يعتقد تحولا من قول المختلفين، بغي دليل. وأن يكون متمسكا بالجملة. وهي أن الله تعالى واحد، ليس كمثله شيء.
وأما ما كان طريقه طريق النقل، وهو السمعي، فغير لازم فرضه، ولا هالك من جهله، إلا بعد قيام الحجة عليه، بالخبر المنقول إليه. (1/88)
صفحة 89
فأما ما طريق سمعه من ذلك، لزمه فرضه، إن كان مفسرا في نفس اللفظ المنقول. وإن كان مجملا، فإلى أن يسأل العلماء عن تفسيره بخطئه. وما لم تقم على المكلف حجة، ولم تبلغه دعوة، فهو سالم بجهله، فيما كان طريقه طريق السمع، من رسالة الرسول، وعلم الفرائض، ومشاهدة الرسول ليست بحجة حتى يُظهر له معجزة على دعوى النبوة، ويدعوه إليه من الإيمان به. فلا تلزم حجة الرسول من غير إظهار معجزة.
والتكليف ثلاثة أقسام: فقسم أمر المكلفون باعتقاده. وقسم أمروا بفعله. وقسم أمروا بالكف عنه.
وما أمروا باعتقاده، فقسمان: قسم إثبات، وقسم نفى.
فأما الإثبات فإثبات توحيد الله وصفاته، وتصديق رسوله صلى الله عليه فيما جاء به.
وأما النفي، فنفى الصاحبة، والولد والأشباه والحاجة والقبائح أجمع، عن الله عز وجل وهذان القسمان، هما أول ما كلفه العقل.
وأما ما أمرهم الله بفعله، فثلاثة أقسام: فقسم على أبدانهم، كالصلاة والصيام وقسم في أموالهم، كالزكاة والكفارات. وقسم على أبدانهم، وأموالهم جميعا، كالحج والجهاد.
وأما ما أمرهم بالكف عنه، فثلاثة أقسام: فقسم لإحياء أنفسهم، كنهيه عن القتل، وأكل الحيات والسموم، وما يؤدي إلى فساد أبدانهم وأديانهم.
وقسم لأنفالهم، وصلاح ذات بينهم، كنهيه عز وجل عن الغضب والظلم والبغض، وما أشبهه.
وقسم لحفظ أنسابهم، وتعظيم محارمهم، كنهيه تعالى عن الزنا وتحريم ذوات المحارم.
والتعبد مأخوذ من عمل متبوع، وشرع مسموع.
فالعقل متبوع، فيما لا يمنع منه الشرع.
والشرع مسموع، فيما لم يمنع منه العقل، لأن الشرع لا يرد بما يمنع منه العقل والعقل يتبع، فيما لم يمنع منه الشرع.
وكذلك توجه التكليف إلى من كمل عقله. والأحكام العقلية، لا تكون أصولا للأحكام الشرعية. ولا تشبه الأحكام الشرعية الأحكام العقلية. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والمائة
في تكليف المنفرد عن الناس، وشبه ذلك
وما يجب عليه من ذلك (1/89)
صفحة 90
من كان في جزيرة لا علم له بالناس، ولا الشرائع فعليه في حال التكليف: أن يعلم أن له خالقا خلقه، وصانعا صنعه ودبّره. يقع له دليل ذلك، من طريق العقل، على ما يراه من خلق نفسه، ويعلمه من خلق السموات والأرض، والليل والنهار، واختلاف الأحوال.
ويجب عليه الكف، عما قبح في عقله، من مثل قتل الحيوان، وأكل لحومها، لأن إيلام الحيوان، وقتل ذوات الأرواح، أن ينكر عليه؛ لأن ذلك الفعل في العقل جور؛ لأنه لو أتاه آت، يريد ألمه، لكان يرى ذلك جورا في العقل.
والزنج الذين هم بسفالة وغيرهم من أطراف الأرض الذين لم يبلغوا، ما بلغ غيرهم من أهل الإسلام، عليهم أن يعرفوا بعقولهم أن الأشياء التي يرونها، لها خالق ومدبر، وليس كمثله شيء، لا عذر لهم من ذلك.
وإن كان جائزا في عقولهم، وحسنا ليس بقبيح، أن يكون لهذا الرب رسولا معبر. فعليهم أن يسألوا عن ذلك. وبالله التوفيق.
الباب السادس والمائة
في تكليف الكفار
إن الله تعالى كلف عباده، العقلاء البالغين، من الجن والإنس أجمعين، هذا التكليف الاختياري، المتقدم ذكره. وإنما كفر من كفر، من الجن والإنس؛ لسوء اختيارهم لأنفسهم للكفر، واستحبابهم له، على الإيمان والعمى على الهدى.
فأولهم إبليس أبو الجن، وأولهم آدم أبو البشر وحواء. لولا أن تداركهما الله برحمة منه، حتى تابا لله، لكانا من الهالكين. وأولهم: قابيل قاتل هابيل فالكفار أجمع مكلفون.
وقيل لأبي محمد عبدالله بن محمد بن بركة: تكليف من علم الله أنه يؤمن أو يكفر حسن؟
فقال: نعم.
وإنما تكون الطاعة طاعة، والمعصية معصية، من قبل الأمر والنهي. فأما بمواقعة الإرادة والمراد، فلا تكون طاعة لموافقة العلم. (1/90)
صفحة 91
وذلك لأن الله مكننا وكلفنا الطاعة لحسنها. ونهانا عن المعصية لقبحها. فصرف العبد منا تلك الطاعة، وتلك الاستطاعة، إلى ما أحب واختار؛ لأنه مختار. لذلك لق من غير إجبار، أجبره الله، على فعل من الأفعال. فهو محمود مذموم. فإنما فعل ما أمر، أو نهي، باختياره. والله الخالق لجميع ما يحدث من فعله، في حال فعله.
قيل له: فيقدر من علم الله منه المعصية، وأراد خلقها منه، أن يفعل خلاف ما علم الله؟
قال: لا.
قيل له: فإذا هو مجبور.
فقال: ليس بمجبور. وإنما قلنا: لا يقدر على فعل ما علم الله، أن لا يفعله؛ لتشاغله بما فعل، مما أمر به، أو نهى عنه.
فأما إن ترك ما اختار، فهو قادر على فعل ما اختار، في الحال التي هو مختار فيها الثاني. فهو لشغله بفعل، لا يقدر على فعل آخر. ولكنه قادر على ترك ذلك، في حال تركه، من غير مانع له، من تركه، ولا جابر يجبره. ولا حائل بينه وبينه، من قبل الله. وإنما أوتي من قبل نفسه. وبالله التوفيق.
الباب السابع والمائة
في بيان ما كلفه الله الكفار
اختلف أصحابنا في الكفار: هل مخاطبون بالعبادات والأحكام، مثل المسلمين؟ أم مخاطبون بأصل الإيمان أولا، لا غير ذلك؟ على وجهين:
أحدهما: غير مخاطبين إلا بأصل الإيمان، لا بصلاة، ولا بصوم، ولا زكاة، ولا حج. فإذا دخلوا في ذلك، خوطبوا حينئذ بذلك.
وقال آخرون من أصحابنا: بل كلهم مخاطبون بذلك، إذا كانوا كلهم معاقبين، على ترك جميعه. ولكن فعلهم ذلك، على ترتيب وتنزيل انظر إلى قوله تعالى: { فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } .
وأما المرتد فلم يختلف أصحابنا، في أن حكم الخطاب، في جميع ذلك كله، يجري عليه، وإن كان مرتدا. ولهذا لزمه ما تركه، من ذلك، في حال ردته. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والمائة
في الحكمة في تكليف من علم الله أنه لا يؤمن من خلقه
وهو يعلم أنه لا يؤمن
وبيان ذلك (1/91)
صفحة 92
قال الملحدون: وكيف يجوز أن يكون البارئ الذي تسمونه حكميا، وقد خلق خلقا، ثم كلفهم، مع معلمه أنهم يعصون، فيصيرون إلى النار، فلو لم يخلقهم ما كفروا، واستحقوا النار؟
قال الموحجون: إن وجب أن يكون الخلق والتبليغ بالتكليف قبيحا، ولا يكون حكمة، لكان لا شيء أوضع ولا أحسن من العقل، ولا أضر منه؛ لأن الإنسان متى لم يكن عاقلا، لم يلحقه لوم في شيء، مما يكون منه. ولم يلزمه عذاب. ومتى كان عاقلا، لحقه ذلك. والأمة الموحدة والملحدة، مجمعون على شرف العقل وفضله. وإنما كفر من كفر بسوء اختياره، لا أن التبليغ والتكليف، حملهم على ذلك.
الباب التاسع والمائة
في الرد على من قال: إن أهل الجنة مكلفون في الجنة أم لا؟
قال المؤلف: لو كلف الله أهل الجنة في الجنة، كما كلفوا في الدنيا، كان الأمر من الوعد والوعيد، كما كانوا في الدنيا.
فإن قيل: إن فرض معرفة الله، والشكر له، لا بد لأهل الجنة من ذلك.
قيل له: إن أهل الجنة، لم يدخلوا الجنة، إلا وهم عارفون بجميع ذلك. فبعد استقرار ذلك في قلوبهم، لا ينسون ذلك، ليعاد عليهم التكليف مرة أخرى. وبالله التوفيق.
الباب العاشر والمائة
في الرد على من قال: هل ابتدأ الله الخلق
في الجنة وأرواحهم من التكليف
قال المؤلف: لو ابتدأ الله الخلق في الجنة، لوجب في الحكمة: أن يدعوهم إلى معرفته وشكره، وأن لا يبيح لهم جهل معرفته، وكفر نعمته؛ لأن فاعل ذلك غير حكيم.
ولو دعاهم إلى معرفته، وشكر نعمته، لم يكن بد من أن يتوعدهم على ترك ذلك، وأن يقبحه عندهم بالزجر، وأن يفعل لهم من الترغيب فيه، والترهيب من تركه، ما يقوم مقام الوعد والوعيد.
ولو أمرهم بمعرفته، وشكر نعمته، ووعدهم وتوعدهم، فقد كلفهم وامتحنهم. فكان الأمر يعود إلى ما هم عليه، في دار الدنيا، من الامتحان والتكليف.
الباب الحادي عشر والمائة
في القول في ترك الله منع المعاصي مع القدرة على ذلك (1/92)
صفحة 93
فإن قال قائل: أفيكون حكيما، من ترك عبده يعصيه، ويعمل عملا، يستحق به الخلود في النار، ولا يمنعه، وخلصه منه؟
قلنا له: قد منعهم من ذلك أشد المنع، وخلصهم منه، بأفضل الخلاص: بأن زجرهم، ونهاهم وتوعدهم بالنار، وأراهم العبر والآيات والمَثُلات.
وأما الخلاص، فقد أقدرهم على ترك المعاصي، وجعل لهم السبيل إلى الطاعة، وأعطاهم كل ما ينجون به من المعصية. وحذرهم، ووعدهم وتوعدهم.
فإن قال: فهلا منعهم بالجبر والقهر، وخلصهم بمثل ذلك؟
قلنا: لو فعل ذلك بهم، لم يستحق محسن ثوابا، ولا مسيء عقابا. وكان لا معنى لخلقهم؛ إذ لم يخلقهم لينفعهم. ولكان قد خلقهم عبثا، وتركهم سدى – تعالى الله عن ذلك.
الباب الثاني عشر والمائة
في العبادة واختلاف الناس في كيفية خلق الله تعالى الخلق لعبادته
قال الله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } الآية.
قال بعض المسلمين: المعنى في ذلك: إلا لآمرهم بعبادتي.
وقال بعض قومنا: المعنى في ذلك: أي وما خلقت صالحي الجن والإنس إلا ليعبدون.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } أي ليعرفوني.
قال بعض أهل الخلاف لدين المسلمين: ما خلقهم إلا لعبادته.
فمن زعم أن الله تعالى، أراد العبادة، من جميع خلقه، وأراد الطاعة من الجميع؛ لأنه خلقهم لذلك، ولم يفعلوا، كان في قياد قول هذا القائل: إن الجن والإنس، فعلوا خلاف ما أراد الله منهم وكانت إرادتهم غالبة لإرادته فيهم، خلاف لما خلقهم له. وكانوا قد أكرهوا وغلبوه. وكان قوله تعالى ذلك، غير صدق.
فلما فسد هذا بطل ما قالوه. ولو أراد الإيمان من العاصين، ممن خلق، من الجن والإنس جميعا، لآمنوا كلهم جميعا. ولكن لم يرد ذلك؛ لأنه تعالى قد قال: { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } يدل أنه لم يشأ الإيمان من الجميع. (1/93)
صفحة 94
فدل ذلك، أنه لم يرد الإيمان إلا ممن آمن طائعا، ولم يرد المعصية طاعة. وقد أراد المعصية، أن تكون ممن عصاه، قبيحة مسخوطة، وأراد الطاعة، حسنة مقبولة، وبالله التوفيق.
الباب الثالث عشر والمائة
في كيفية اعتقاد تأدية العبادة لله عز وجل
قيل: من عبد الله بالرجاء، فهو مُرجي. ومن عبده بالحرف، فهو حروري. ومن عبده بالحب، فهو زنديق. ومن عبد الله بالثلاثة، فهو مستقيم.
وقيل: لا ينوي أنه يعبد الله، رغبة في الثواب، ولا خيفة من العقاب. وتكون نيته: أن الله مستحق أن يخضع له؛ لأن من شأن العبد أن يخضع لمالكه وسيده. وعليه أن يعلم أن العبادة التي يعبدها الله، غير زائدة في ملكه. وأن الله غني عن عبادة الخلق. وعليه أن يعلم أن عبادته لله تنفعه؛ لأنه متى قام بتأدية ما عليه، استحق الثواب. وعليه أن يخاف الله، في التقصير والتضييع؛ لأنه متى لم يقم بتأدية ما عليه وضيع، استحق العقاب فنفسه بدا، وعن حظه عرا.
وقيل: من عبد الله بتوهم القلب، فهو مشرك. ومن عبد الاسم، دون الصفة، لا بالإدراك. فقد أحال على غائب. ومن عبد المعنى، بحقيقة المعرفة، فقد أصاب.
قال المؤلف: إن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء، من صفات المخلوقين. وأنه لم يزل قبل كل شي. وما سواه مخلوق محدث، كان بعد أن لم يكن؛ لأن على العبد أولا معرفة من افترض عليه المفترض؛ لأنه لا يؤدي المفترض، حتى يعرف من افترض عليه الفريضة، حتى معرفته؛ إذ لا يجوز أن يتقرب إلى من لا يعرفه. ولا يخضع ويعبد ويعمل، لمن لا يعرفه. وبالله التوفيق.
الباب الرابع عشر والمائة
في حق الله على عباده المكلفين
حق الله على عباده المكلفين: أن يعرفوه، ويوحدوه ويعبدوه، ويشكروه، ولا يكفروه.
فإن قيل: أراد الله هذا الحق منهم؟
قيل له: أراده، ممن يأتي به مطيعا. ولم يرده، ممن لم يأت به مطيعا.
وقيل: والذي يريده الله من العباد: أن يعرفوه حق معرفته. وبالله التوفيق.
الباب الخامس عشر والمائة (1/94)
صفحة 95
في أن الله تعالى كلف العباد استطاعتهم وطاقتهم
وذكر تكليف ما لا يطاق
ونفي ذلك عن الله عز وجل
قال الله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وقال: { فاتقوا لله ما استطعتم } فيوجد في قوله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } أي لا يؤاخذها ويطالبها.
قال المؤلف: الدليل على أن الله تعالى لم يكلف العباد فوق طاقتهم: قوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم } وقوله: { وما جعل عليكم في الدين من حرج } يعني من ضيق. ولو كان قد كلفهم ما لا يطيقون، كان قد جعل عليهم أكبر الضيق؛ لأنه لا ضيق أكبر، من تكليف ما لا يطاق.
وأما ما سألت عنه، من هل يجوز أن يكلف الله العباد ما لا يستطيعون؟ فذلك على معنيين عندنا: أحدهما لا يجوز لقائل أن يقوله. والآخر جائز عدل. وهو قول المسلمين.
فأما الوجه الذي لا يجوز، فإن الناس قد يكون لا يستطيعون، للزمانة والأمراض، بمنزلة المقعد، لا يستطيع القيام، لذهاب رجليه. والأعمى لا يستطيع البصر، لذهاب بصره، وما أشبه ذلك، فلا يكون مستطيعا، ولا مأمورا. ومن كان لا يستطيع، لأنه آثر المعصية، وشغل قلبه بها، فلم يستطع ما سواه؛ لأنه بغل نفسه بها، فهو مكلف وإن لم يستطع ذلك جاء من قبله. فهذا دفع، لما سأل عنه القدرية. (1/95)
صفحة 96
والدليل من العقل: أن الله لا يكلف العباد ما لا يطيقونه: أنا وجنا الله تعالى قد قبح ذلك في عقولنا، لا لعلة، من نهي أو غيره، بل لنفسه. وما كان قبيحا بعينه للأمر والنهي، فلن يفعله فاعل، كائنا من كان، إلا كان غير موصوف بالحكمة، إذا كان ذلك قبيحا في العقل. يعينه، لا لأمر ولا للنهي. وما كان قبيحا بعينه، قبيحا في العقل، فلا يفعله حكيم، لا خالق ولا مخلوق. ولو جاز أن يكون ذلك قبيحا منا حسنا من الله، إذ الخلق خلقه، لجاز أن يكلف الزمن العدو، ويكلف الأعمى النظر. وأن يقول لما لم يكن: إنه كان. ولما كان: إنه لم يكن. ويكون ذلك حسنا منه؛ لأن الخلق خلقه، والأمر أمره تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الباب السادس عشر والمائة
في التخفيف بعد التثقيل
والتثقيل بعد التخفيف
يقال لمن قال: إن الله لا ينقل العباد، من تخفيف إلى تثقيل: إن الله تعالى قد أمر المؤمنين بقتال المشركين، بعد أن كانوا غير متعبدين. فقال تعالى: { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما } فقد صاروا بالتخلف عن القتال متوعدين، بعد أن كانوا غير مأمورين وقد خفف عن عباده أشياء، بعد التثقيل عليهم، كقوله تعالى: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } .
فإن قال قائل: ألم يكن الله علم قبل ذلك، عند ألزمهم الفرض الأول؟
قيل له: هو عالم بما كان، وبما يكون، قبل أن يكون. ولكن خفف عليهم وألزمهم الفرض الثاني، لما كان المسلمون أقلاء، في صدر الإسلام. وكانت نياتهم أقوى، فرض عليهم الفرض الأول؛ لقوة نياتهم.
ولما كثر المسلمون، وكان الحرص منهم، على قتال العدو ضعيفا، خفف المحنة عنهم، وألزمهم هذا الفرض الثاني. والله أعلم. وبه التوفيق.
الباب السابع عشر والمائة
في حجج الله تعالى على عباده المكلفين
فأول حجة الله على العباد: العقل. فحجة الله في الأرض: العقل، والاستطاعة، والكتاب، والسنة، والرسل.
والدليل على الحق: الهدى والرسل والميثاق والإجماع. (1/96)
صفحة 97
الدليل على أن القرآن حجة: قوله تعالى: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } . وقال تعالى: { آلم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } .
والدليل على أن السنة حجة: قوله تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } .
والدليل على أن الإجماع حجة: قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } الآية. والشهد لا يكون إلا مرضيا.
وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أمتي لا تجتمع على خطأ.
والدليل على أن العقل حجة: قوله تعالى: { فاعتبروا يا أولي الأبصار } فهذا يدل على أن الاعتبار يؤدي إلى معرفة الحق. وقال تعالى: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } الآية.
والدليل على أن تواتر الأخبار حجة: ما نعلمه من البُلدان التي لم نشاهدها،
والأشياء التي لم نعلمها، إلا بنقل المخبرين بها، وإن لم نعاينها، من البلدان القاصية؛ لأني أعلم أن الله تعالى بيتا في الأرض. وهو الكعبة. ولم أعانيها قط.
والدليل على أن الرأي حجة: قوله تعالى: { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث } الآية. والله أعلم.
الباب الثامن عشر والمائة
في القول في الرسل
واستحسان إرسالهم إلى عباده المكلفين
الفائدة للخلق، في بعث الرسل إليهم، واستحسان بعثهم من الله عز وجل أن الله لما خلق خلقه المكلفين، أحياء عقلاء قادرين، لا لحاجة منه عز وجل إلى خلقه، ولا استحقاق منهم عليه، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا، وجب، بذلك عليهم لله عز وجل الشكر. ولا بد لهذا الشكر من كيفية، يعرفها العباد فحسن من الله، بعث الرسل إليهم، تعلهم بكيفية هذا الشكر، على ما أولاهم به. (1/97)
صفحة 98
وأيضا إنا لما بينا استحسان التكليف من الله لعباده، والتوصل به إلى منفعة لهم، ومصلحة لهم في ذلك.وكان في التكليف أوامر ونواه وفعل أشياء. واجتناب أشياء، فلا يدرون كيف امتثال ما كلفوا به، والتوصل إليه، ليستط عنهم امتثال التكليف، وفرضه من البارئ تعالى، في أوامره ونواهيه. ولم يكن البارئ عز وجل بمشاهد، ولا تراه العيون. وليس كمثله شيء لكي يبلغهم علم ذلك حسن من الله تعالى، إرسال الرسل إلى عباده المكلفين، يبينون للناس ما يأتون وما يذرون، من أمر الله ونهيه. وإن كان جائزا أن يتعبد الله الخلق بعقولهم. ولكن لما بعث الله الرسل، علمنا أن إرسال الرسل أفضل. وقد قلنا: إن الله تعالى لا يفعل إلا الأفضل، والأصلح والأحسن. فلله الحمد والشكر، على ذلك كثيرا. وبالله التوفيق.
الباب التاسع عشر والمائة
في بيان ثبوت حجة الرسل
وبما يلزم تصديقهم
وتكون حجة الله عز وجل عند ذلك
وذلك أن نظر الرسول المرسل، ومشاهدته، ورؤيته، لا يكون ذلك حجة، من الله عز وجل، دون إظهار معجزاته الباهرة، التي لم تجر بها عادة من الخلق، ولا أن يقدر أن يأتي بمثلها أحد من العالمين. وقد كان في زمن الفصحاء والخطباء والشعراء، فما قدر أحد منهم أن يعارض القرآن. قريش هم أفصح العرب، وأقدرها على أوزان الكلام، فدهشت وطاشت عقولها. فقالت مرة: إنه سحر. وتارة تقول: إنه مجنون. وتارة تقول: أساطير الأولين. وتارة تقول: شعر. فلما يقدر أحد منهم أن يأتي بمثله. وبالله التوفيق.
الباب العشرون والمائة
في تثبيت نبوة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -
والرد على من أنكر نبوته والحجة في ذلك (1/98)
صفحة 99
الدليل على أن محمدا رسول الله، وأنه صادق، من وجهين: القرآن والمعجزات التي لا يقدر عليها أحد إلا الله عز وجل والقرآن الذي أتى به، لم يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثله، لقول الله تعالى: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } وغير ذلك في القرآن موجود. فعلمنا أن هذا القرآن من عند الله، جعله الله علما وحكمة وحجة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، إذ عجز الخلق، أن يأتوا بمثله.
وأما غير القرآن، فالمعجزات الباهرات، وهي كثير.
منها: أن اليهود جعلوا له سما في شاة. فمن أكل من ذلك السم لم يعش. فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الأكل منها، نطقت الشاة. فكلمته. فقالت: يا رسول الله لا تأكلني؛ فإني مسمومة. فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن أكلها، حتى أتاه جبريل عليه السلام فقال له: يا محمد قل: باسم الله إله الأرض وإله السماء الذي لا يضر مع اسمه داء. فقالها صلى الله عليه وسلم وأكل، فلم يضره شيء.
وأنه صلى عليه وسلم دعا بشجرة فأجابته، من غير جاذب يجذبها، ولا دافع يدفعها، أكثر من قوله لها: تعال فجاءت. وقوله لها: اذهبي فذهبت.
وأنه يسبح الحصى في كفه.
ووضع يدهفي منضاة فيها ماء قليل ففاض الماء من بين أصابعه، كمثل العيون فشرب منه بشر كثير.
وأنه أطعم، من الطعام اليسير، الجماعات الكثيرة حتى شبعوا، وأشياء عدة يقصر عن ذكرها هذا المختصر، من الدلائل والأعلام التي لا يقدر عليها إلا الله. فمن كان معه الدلائل والأعلام، التي لا يقدر عليها أحد من الخلق، فهو رسول الله.
الدليل على ذلك: أنه لو كانت أعلام الصادق مع الكاذب، لم يكن الصادق. يبين من الكاذب بشيء، ولا كان سبيل للخلق، إلى معرفة الصادق من الكاذب فدل ذلك على أن النبي محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والعشرون والمائة
في الرد على اليهود في إنكارهم (1/99)
صفحة 100
لنبوة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -
إن قالت اليهود: ما الدليل على نبوة نبيكم دلونا على ما تدعون؟
قيل لهم: الدليل لكم: أن النبي الذي بشر به موسى وعيسى عليهما السلام في التوراة والإنجيل.
فإن قالوا: إنا لا نعرف ذلك.
قيل لهم: فأنتم أيضا على غير الهدى. فما دليلكم على ما في أيديكم؟
فإن قالوا: لأنا على دين موسى وعيسى، اللذين نقربهما.
قيل لهم: فإنا لا نعرف موسى وعيسى اللذين تقولون إلا من الذي أخبرنا بهما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فإن يكن صدقا عندكم، فعليكم اتباعه، وإن يكن كاذبا عندكم فيما قال فأنتم على الضلال عندنا؟ لأنا لا نعرفهما إلا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فليس لكم حجة عليه، في أن تصح لكم نبوته وعليكم الدليل: أن موسى وعيسى نبيان كما تزعمون.
فإن قالوا: أتيانا بالتوراة والإنجيل.
قيل لهم: ومحمد أتانا بالقرآن المفرق بين الحلال والحرام.
فإن قالوا: لا نعرف ذلك.
قيل لهم: ولا نعرف نحن أيضا. ما تقولون مما في أيديكم: إنه عن الله. ولا
أن موسى أتى بشيء مما في أيديكم. وإنما عرفنا محمد صلى الله عليه وسلم خبر موسى وعيسى والتوراة والإنجيل. فإن صدقتموه فاتبعوه. وإن أنكرتم ما في كتابكم، فنحن لا نعرف ذلك إلا عن محمد نبينا صلى الله عليه وسلم. فإن كان صادقا عندكم، فعليكم تصديق ذلك. وإن كان كاذبا، ولم يصدق في موسى وعيسى عندكم، فليس موسى وعيسى اللذان تدعونهما عندنا بشي. وإنما النبيان عندنا اللذان أخبرنا بهما محمد الصادق صلى الله عليه وعليهم أجمعين، فهو حق وقولهم حق. آمنا بجميعهم، وصدقنا بما جاءوا به عن ربهم.
ويقال لهم: عرفونا بما أثبتم به رسالة موسى صلى الله عليه وسلم بما هو.
فإن قالوا بالأخبار المتواترة التي لا يكذب مثلها، كالتي جاءتنا في فلق البحر والعجيبة من أمر العصا، وأخراجه يده من جيبه بيضاء، وأشباه ذلك، من أعلامه. (1/100)
صفحة 101
قيل لهم: فقد جاءت الأخبار عن عيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والكلام في المهد وأشباه ذلك. وجاء عن محمد صلى الله عليه وسلم ما جاء به من المنضاة، وما حدث منالماء الذي توضأ منه عالم كثير من الناس. وشربوا منه ودعاؤه للشجرة، فشققت الأرض، حتى قامت بين يديه وكلام الذئب الذي يخبر بنبوته، وانقضاض النجوم، في أوان رسالته، وإخباره بالغيوب التي توجد موافقة لخبره، والقرآن الذي لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، ما جعل مما ادعيتم، من تواتر أخباركم، في ثبوت أعلامكم، من موسى عليه السلام أولى بأن يكون حقا، مما جاءت به أخبارنا، عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وبه التوفيق.
الباب الثاني والعشرون والمائة
في الرد على من قال: كيف لزمت حجة القرآن
الهند والترك والعجم؟
إن قال قائل: كيف لزمت حجة القرآن الهند والترك والعجم. فهمما يعرفون أن ما أتى به معجز؟
قيل له: من حيث إذا فتشوا، علموا أن العرب الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أفصح في الكلام العربي، وأنهم النهاية في هذا الباب وأنه نشأ عندهم. وأنه ما كان يتلو من قبله من كتاب، ولا يخطه بيمينه، وأنه مع ذلك أجمع، تحداهم بمثله، أو مثل سورة، مجتمعين ومتفرقين، فعجزوا عن ذلك، كما أن حجة موسى وعيسى قائمة، على من ليس بساحر، ولا طبيب؛ لعلمه أنهما تحديا أطب الناس، وأعلمهم سحرا، بمثل ما أتيا به. فعجزوا عن ذلك، مع الحرص عليه، والإيثار له. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والعشرون والمائة
في الرد على من قال من اليهود:
إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث بعد وأنه سيبعث
يقال لهم: كيف يكون لم يبعث في قولكم. وأنتم تعلمون أيان بعثه، وأبان موته. وكل ذلك عندكم، في كتابكم، قد انقضى وقته، في مولده وبعثه وموته، شاهرا ذلك عندهم، لا ينكره إلا مكابر، ممن يشتري بآيات الله وأيمانه ثمنا قليلا كما وصفهم الله في كتابه. (1/101)
صفحة 102
ومن الدليل على تكذيب اليهود: خبر الحبر اليهودي، حين أتى عمرو ابن العاص فأخبره بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذلك أنه يروى أن عمرو بن العاص قال: بعثتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وعاشر عشرة إلى عمان. وكان أهلها أسلموا طوعا فلما أتيتهم، أتاني حبر من اليهود. فقال: من أرسلك إلينا؟
فقلت: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: نبي مرسل نبي مرسل ثلاث مرات؟
فقلت: نعم.
فقال: والذي أنزل التوراة على موسى، لئن كنت صدقت، ليقبضن في هذا اليوم.
قال: فهالني ما أتاني به، وجعلت أنظر إليه.
فقال: إني أرى ما وقر في نفسك. فأحسن في حبسي، حتى ترى ما قلت لك. فأمرت به فحبس. فوالله ما لبثت إلا يسيرا، حتى أتاني راكب، معه صحيفة مختومة. ففضعت ختمها ونظرت فإذا فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن العاص.
سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الله الذي لا إله إلا هو.
أما بعد فلا تحلن عقالا، عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا تعقدن عقالا، حله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما قبلك. والسلام.
قال: فنظرت في تاريخ الكتاب، فوجدته قد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، في اليوم الذي قال فيه اليهودي ما قال.
قال: فأرسلت إليه. فقلت: ما تقول يا يهودي؟
فقال: إن كنت صدقتني فقد صدقتك.
فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبض في ذلك اليوم. فأسلم اليهودي.
اختصرت الخبر. وقد كتبته بكليته، في كتاب التاج. والله أعلم.
الباب الربع والعشرون والمائة
في شرائع الدين وأحكامه وتناسخ الشرائع
وماذا على من أدرك النبي الثاني
وهو على ملة النبي الأول؟
والخلاف على اليهود في إنكارهم النسخ (1/102)
صفحة 103
عن أبي سعيد االكدمي. قال أبو سعيد: كل دين الأنبياء والمرسلين واحد، ودعوتهم واحدة، وحجتهم واحدة، ودينهم واحد، لا يختلف الدين الذي جاءوا به من رب العالمين. وكلهم كانت شهادتهم واحدة. كل من أرسل منهم، كانت دعوته إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنه رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين، وأن جميع ما جاء به عن الله، فهو الحق. وكان هذا الدين، هو الدين والإيمان في الأمم كلها، لا تخلتف أصول الدين. ولا يخرج فيه الاختلاف.
وذلك قول الله تعالى: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين } .
وقال تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } .
وقال: { إن الدين عند الله الإسلام } .
وقال: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } .
وإنما تختلف من أمور النبيين والمرسلين الشرائع، إذا اختلفت؛ لقول الله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } .
والشرعة في أحكام دينه: الذي يأمر به وينهى عنه، ويحله ويحرمه. فإذا جاء رسول الله بشيء، من نسخ ما جاء به رسول قبله، من الأمر والنهي، كان ذلك منسوخا في دين الله وكان الأخذ به باطلا. وكل رسول جاء، فهو يدعو إلى الإيمان بالرسل من قبله، وبالكتب التي من قبله، من رسل الله وكتبه. وذلك هو الذي لا يختلف ولا ينسخ وإنما نسخ الأمر والنهي، مما شاء الله أن ينسخ.
قال: وإنما ينسخ كل رسول، وكل نبي جاء من بعد رسول الله ونبي، إذا جاء النسخ على لسانه، وفي شريعته النهي والأمر، من أحكام شريعة النبي الأول، لا لشيء من ذلك، من كتب الله، ولا دينه، ولا من أمثاله، ولا من وعده ووعيده، ولا من أخباره. وكل ذلك ثابت محكم، لا يجوز عليه النسخ، من قبل الله تبارك وتعالى، في شريعته نبي ولا رسول، لشيء جاء به رسول غيره، ولا لشيء جاء به هو. (1/103)
صفحة 104
ولا يجوز النسخ فيما قيل وهو كذلك عندنا إلا فيما جاء عن الله، من الأمر والنهي، لا غير ذلك، مما جاء عن الله، ولا فيما جاء عن أحد من رسله، صلوات الله عليهم أجميعن.
وشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ناسخة لجميع شرائع النبيين والمرسلين. ولا ناسخ لها، ولا شيء من أحكامها إلا ما صح، من نسخ ذلك، في شريعة دينه، لأنه لا نبي بعده، ولا رسول بعده، فينسخ ما جاء به عنه.
فأحكام شريعته صلى الله عليه وسلم المحكمة، محكمة أبدا إلى يوم القيامة وما مات عليه، من منسوخ شريعته، فهو منسوخ إلى يوم القيامة، لا يجوز أن يأتي غير ذلك أبدا. وكل ما جاء معنى، في شريعة نبي من الأنبياء، صلوات الله عليهم أجمعين، كان التمسك به هدى، وعدلا وصوابا، ما لم ينسخه غيره، من النبيين والمرسلين.
ولو بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وصح بعثه، لم يكن ناقضا لما في أيدي المسلمين، لما قبلوه، وبلغت حجته إليهم. (1/104)
صفحة 105
فمن كان مستمسكا بشريعة دين عيسى صلى الله عليه وسلم، ولو بلغته رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، من بعد ما نسخ ما في أيديهم، على لسانه، عدلا وصوابا وهدى، حتى يبين لهم ما يتقون، على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مما أحدثه إليهم، ويأتيهم خبر ذلك بعينه. ولا يضرهم نسخ ذلك في الشريعة معنا، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو بلغتهم حجته ودعوته بالجملة. وقد نسخ في شريعته، ما كان حلالا، في أيديهم. وما كان حراما في أيديهم لم يضرهم ذلك، ولم ينفعهم معنا. وحلال الله وحرامه الذي قبلوه، هدى وصواب، هو على حاله على الأبد، حتى تأتيهم الحجة بغيره، إلا أن عليهم الاعتقاد للسؤال، عما يلزمهم في شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في الاعتقاد للسؤال، عما يلزمهم في شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في الاعتقاد لجملة ذلك، والدينونة لجميع دينه، وجميع شريعته دينه، وطلب شريعة دينه. وحلال لهم ما كان في أيديهم، من دين الله، الذي لم يصح معهم، ولم يأتهم خبر نسخه، ولو كان منسوخا، ولو استجاب أحد إلى الإسلام عن الشرك، وقبل دين محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبلغه ذلك، إلا أنه قد بعث محمد صلى الله عليه وسلم، بنسخ شيء من أحكام شرائع دين عيسى صلى الله عليه وسلم فاستجاب، وقبل من المسلمين الذين يتمسكون بدين شرائع عيسى صلى الله عليه وسلم، إذ قبلوه. وهو هدي وعدل وصواب قبلوه. (1/105)
صفحة 106
وإنما نسخ من قبل أن يستجيب بساعة، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المدينة، أو في مكة. وهم بين السدين،أو في أبعد الأمصار، وأقصى الأقطار،لما جاز عندنا، لهذا المستجيب إلى الإسلام، قبول أحكام شريعة عيسى؛ إذ كان في الحكم من دين قد نسخ على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن له معنى، وعليه الإيمان بالله تبارك وتعالى ربا، وبعيسى نبيا صلى الله عليه وسلم. وأن ما جاء به عن الله، فهو الحق، إن كان قد بلغته دعوته صلى الله عليه وسلم، لأن هذا واجب في كل نبي ورسول، إلى أهل زمانه، على جميع من بلغته دعوته، وعرف رسالته، أو نبوته، وقامت عليه بذلك الحجة فعليه أن يؤمن به، ويدق به، ويؤمن بما جاء به، أنه الحق من الله وهذه كانت دعوة النبيين والمرسلين.
قال: فعلى الذين استجابوا للدين، على دين عيسى صلى الله عليه وسلم مسلمين، قبلوا حلال ما كان على دين عيسى وحرامه، مما هو منسوخ، على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، إن كان منسوخا منه شيء.
والذين قبلوا ذلك، وهو هدى وعدل، قبل أن ينسخ على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو لم تكن بلغتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه كان قد بعث، ونسخ من دينه ما نسخ، من دين عيسى.
والذين قبلوه، وهو هدى وعدل وصواب، وجائز قبوله، والتمسك به، والعمل به معنى، حتى يأتيهم خبر نسخه نصا، كما أخذوه نصا، من هداية الله، ودينه وعدله وليس على هذا الناشيء ولا المستجيب، ولو كان بالغا مشركا، في أيام ما كان الأخذ به هدى، إلا أنه لم يكن آمن به، ولا قبله. ولا بلغ هذا الناشيء، (1/106)
صفحة 107
حتى نسخ ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. فليس للناشئ، إذا لم يكن وجبت عليه أحكام الإسلام، والتعبد بأحكام نفسه من الإسلام أي المولودين كان. وللمستجيب على الشرك، في هذا المنسوخ، ما للذين قبلوه، وهو عدل وهدى. وعلى هذين الإيمان بالله، وبعيسى، وبما جاء به عن الله مجملا، أنه الحق المبين. وعليهما معنى، في المنسوخ من دينه، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، حكم شريعة نبينا، من حلاله وحرامه، لأنهما لم يلزمهما حكم دينه. إلا ذلك الشيء الذي كان حراما قد حل. والذي كان حلالا، قد حرم. وهو نبيهما صلى الله عليه وسلم، في أحكام الشريعة، ونبي من كان على الأرض من الثقلين، من مؤمن متقدم الإيمان، أو مستجيب، أو ناشئ من بعد بعثه، في أصل دين، ما تعبدهم الله به، ولو لم يبلغهم خبره، ولا ذكر شأنه. (1/107)
صفحة 108
فمن حين ما بعث الله الرسول. وكذلك كل رسول، قد ثبت نبوته ورسالته، على جميع أهل الأرض، ممن أرسل إليه، وثبتت عليهم أحكام شريعته، في دين الله بلغتهم دعوته، أو لم تبلغهم ومن كان منهم على هدى من دين نبي قبله، وشريعة رسول قبله، وشيء من الهدى قبله، فهم على هداهم. ولهم التمسك به، ولم تقم عليهم حجة، ولا حجة شيء، مما ينسخ على لسانه، مما قبلوه وهو هدى في دين الله، حتى يأتيهم خبره. فإذا جاءهم خبره برسالة، ثبت عليهم الإيمان به، وبجميع ما جاء به عن الله، ولو لم يدع إلى ذلك، والدينونة بدينه، والانتحال بحكم شريعته وهم على هداهم، الذي قبلوه عن الله نصا، حتى يأتيهم خير نسخه نصا. ولو كان قد نسخ ولو لم يكونوا قبلوه نصا، وهو هدى، إلا أنهم قبلوا دين النبي وآمنوا به، وقبلوا شيئا من شرائعه نصا. ولم يبلغهم شيء من أحكام شريعته، حتى نسخ ما يبلغهم شيء من أحكام شريعته، حتى نسخ ما يبلغهم على لسان الرسول المرسل، ما كان قبولهم معنا للمنسوخ، من أحكام شريعة النبي قبله عدلا ولا صوابا. وكانوا في هذا معنا كالبالغ الناشئ، من بعد رسالة الرسول وبعثه، والمستجيب عن الشرك، ولو كان في أيام الرسول الأول، أو في أحكام شريعته والمستجيبون للنبي الأول، أو لمن دعا إلى دينه، أو دخلوا في دينه، واستجابوا إلى الذين آمنوا به، وبما جاء مجملا، ولو لم يكونوا قبلوا منه شيئا من الدين نصا، حتى نسخ على لسان النبي المبعوث، كانوا في ذلك معنا، مثل المستجيب والناشئ، من بعد نسخ ذلك، وبعث الرسول الآخر فافهم معاني شرائع الدين، وأحكام جملة الدين، في كل وقت وزمان. (1/108)
صفحة 109
ومعنا أنه لو كان أهل مصر متمسكين بدين عيسى، لم يخالفوه في شيء من الدين. وكانوا على جملة شريعته، من الأمر والنهي، والحلال والحرام، وجميع شرائع الإسلام. وكانوا على ذلك إلى أن بلغهم خبر بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ودعوته إلى الجملة، وبلغتهم دعوته في الجملة، لكان عليهم الإيمان به صلى الله عليه وسلم، والتصديق بجملته، واعتقاد الطلب، لعلم ما يلزمهم في شريعته، من الأمر والنهي، والحلال والحرام واللوازم، ليؤدوه على وجهه، ويعملوا به بحقيقته. وليس عليهم معنا أن يتركوا ما هداهم الله له، من حلاله وحرامه، في شريعة عيسى صلى الله عليه وسلم، إذ بلغتهم الدعوة بالجملة، التي قد نسخ فيها، ما كان معهم حلالا بالتحريم، وما كان معهم حراما بالتحليل. وما كان معهم أمرا بالنهي، وما كان معهم نهيا
بالأمر ما كان عليهم ذلك حجة. وكان عليهم التمسك بحلال الله وحرامه، الذين هداهم له. ولا يضرهم بلوغ الدعوة بالجملة، إذا لم تبلغهم الحجة، بأحكام الجملة الداخلة فيها، حتى يأتيهم شيء من ذلك بعينه، إذا كان قبول ذلك لهم في دين الله بعينه عدلا وصوابا، قبل أن يأتي نسخه في دين الله بعينه. ولو كان قد نسخ. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والعشرون والمائة
في تناسخ الشرائع
والرد على اليهود في إنكارهم النسخ إذ هو عندهم بدو
إن من كتب أهل الخلاف مكتوبا عليه موافق قال في اليهود:
وأما نسخ الشرائع، فإنهم إنما أنكروه، لأنهم زعموا أنه يوجب القول بالبدا، بأن الله يبدو له.
وجملة ما ننقض به عليهم، إقرارهم بأن الله تعالى يحيي عبدا، ثم يميته، ويصحه ثم يمرضه. فكل ما أجابوا به ذلك، وأبطلوا به، أن يكون موجبا للبدا. فعليهم مثله. وهو أن يقال لهم: أخبرونا عن إحياء الله الإنسان، ثم إماتته ويُصحه ثم يمرضه. أتقولون: إنه حكمة وصلاح، وغير موجب للبدا؟
فإن قالوا: نعم.
قيل لهم: فما أنكرتم من أن يكون حكم الشرائع هذا الحكم. (1/109)
صفحة 110
وجواب آخر. يقال لهم: ما تنكرون، من أن يأمر الله تعالى بشيء، ويكون حكمة وصلاحا وطاعة، إلى وقت من الأوقات. ثم يكون النهي عنه، في وقت آخر حكمة وصلاحا، لمن هو أعلم به، إذا كان الله تعالى مطلعا على العواقب، علما بالمصالح في أوقاتها. وهذا ما لا يمكنهم دفعه؛ لأنا نرى الحكم في الأفعال والمصالح، يختلف على حسب الأزمان. وهم يعلمون أن الله تعالى أمر إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم، يذبح ابنه، ثم نهاه عن ذلك. وبالله التوفيق.
الباب السادس والعشرون والمائة
في الفرق بين البدو والنسخ من الكتاب
مكتوب عليه موافق
الفرق بين البدا والنسخ: أن البدا: هو أن يظهر للآمر باب من المصلحة، أو صواب الرأي في التدبير، لم يكن ظهر له قبل ذلك. فيبدو له. ويجب في الحكمة، ترك ما تقدم، والأخذ بما أوجبه الرأي الحادث. وهذا لا يجوز على الله تعالى.
وأما النسخ، فقد كان الله عالما قبله، بأن الحال سيُغير. فيجب في حكمه، تغيير ما أمر به في المتقدم إلى أمر ثان. وليس يبدو له من ذلك، ما كان خافيا عليه تعالى الله عن ذلك. وهذا معروف في الشاهد.
وذلك أن رجلا لو أمر عبيده بأمر، وهو مع ذلك عالم أن أحوالهم ستغير، وأنه يأمرهم عند ذلك، بغير ما أمرهم به، ثم فعل ذلك ما قيل: إنه بدا له. وبالله التوفيق.
الباب السابع والعشرون والمائة
في الرد على من قال بالأوصياء
بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال المؤلف: زعم المخالفون للحق: أن في الأرض بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصياء مفصوصين، يوحى إليهم وأن علم باطن القرآن عندهم، عن الشيخ أبي الحسن البسياني رحمه الله.
وسأل عمن قال: إن الأوصياء يوحى إليهم، ولم تخل الأرض من نبي يوحى إليه، وأنهم قد اهتدوا بوحي، قد ضل الناس عنه. (1/110)
صفحة 111
قيل له: إن قال قائل هذا كافر، لأن الله تعالى قال: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } ولم يقل: رسول بعده. وقال: { ولكن رسول الله وخاتم النبيين } فجعله خاتم النبيين فلا نبي بعده.
وقد أجمعت الأمة: أنه حجة الله إلى يوم القيامة.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: »يا أيها الناس إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم. والحلال: ما أحل الله على لساني إلى يوم القيامة. والحرام: ما حرم الله على لساني إلى يوم القيامة. نبي ختم الله النبوة. وبي احتج على الخلق } .
وسأل عن من زعم أن القرآن ظاهرا وباطنا. فعلم ظاهره عند الناس، وعلم باطنه عند الأوصياء. ما الحجة عليه؟
قيل له: كتاب الله تعالى، يكذب قول القائل؛ لأن الله تعالى أنزل
كتابه وقال فيه: { تبيان لكل شيء } وقال: { إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل } وهي الأهواء. فالقرآن اتباعه واجب وهذا القائل خارج مما نطق به القرآن، متبع للأهواء وذلك في حكم الأمة. فقائل هذا خارج من كتاب الله، ومتبع ضلاله، قد عمى عن الحق.
وسأل فقال: ما الحجة على من قال: إن الله فرض معرفة الأوصياء والولاية لهم، وإن كانوا أهل ضلال ومعصية. ومن أطاعهم وتولاهم، مغفور له؟
وقيل له: إن الله لم ينزل في كتابه، بيان شيء من ذلك. وقد قال: { لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان } وقال: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } فحرم ولاية أهل المعصية. (1/111)
صفحة 112
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا بني هاشم إني لا أغني عنكم من الله شيئا؛ فإن لكل امرئ ما كسب. ولم نجد في التلاوة وصيا للنبي صلى الله عليه وسلم. ولا اتفق الناس على أوصياء مخصوصين، منصوص عليهم وإنما وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوهم بإحسان. فثبت الاتباع لهم، ولمن عمل بمثل عملهم، من الإحسان، ولم يقل: وصيا بعد وصي. فمن قال خلاف هذا خرج من الحق، وولاه الله ما تولى.
الباب الثامن والعشرون والمائة
فيمن لم يصدق بالأخبار المذكورة من
معجزات الأنبياء عليهم السلام
إن قال قائل: إني لا أومن بهذه الأخبار، ولا أصدق أن نوحا كان نبيا، ولا هلكت أمته. ولا أصدق أن عادا هلكت بريح صرصر، ولا أن صالحا جاء بناقة، ولا أن إبراهيم طرح في النار فلم يحترق.
قيل له: هل تؤمن بشيء من الأخبار؟
فإن قيل: لا أومن بشيء من الأخبار، ولا أصدق إلا ما عينت وظننت ولا أرضى إلا ما عاينت وظننت.
قيل له: هل لما عاينت وظننت من خلف؟
فإن قال: لا، فقد شهد على نفسه بالكذب، لأنه لم ينته إلى غاية الأرض. وإن قال: نعم.
قيل له: هل لها اسم؟ وهل منها خبر؟
فإن قال: لا، فقد رد القرآن، وكابر الحق.
وإن قال: نعم.
قيل له: من أين علمت أن مكة مكة، والمدينة مدينة؟
فإن قال: عرفتها بالأخبار.
قيل له: وجبت عليك معرفتها بالأخبار. بحقيقة؟ أم باختيار؟
فإن قال: باختيار.
قيل له: هل يجوز لك أن تختار بعضها، وتصدق به، وبعضها تكذب به؟ فمن أين قام هذا في وهمك وعقلك؟ فهل للذي صدقت به خلف؟
فإن قال: لا، صدق بما لم يعاين.
وإن قال: نعم، فقد رجع إلى ترك الأخبار.
وإن قال: صدقت الأخبار بحقيقة.
قيل له: كما صدقت معرفة الأرضين، التي لم تطأها، ولم تعاينها. فكذلك وجب عليك التصديق. بالأخبار التي لا تدفع، ولا تُنكر.
وكذلك وجبت عليك معرفة أبيك وأمك، وخالك وعمك. (1/112)
صفحة 113
فإن قال: لا أعرف أبي وأمي ولا خالي وعمي، فقد أوجب على نفسه الهجنة، أن أنكر ما هو معروف به، وأحال الأشياء. فما من جاحد ولا موحد، إلا وهو يعرف أبويه إلا اللقيط.
ويقال له: من أين عرفت ولادتك، وأنت لم تعقل ولادتك، ولا وقوع أبيك بأمك، فلا بد من أن تقر بتصديق الخبر.
فإذا أقر هذا، فقد وجب عليه التصديق بالأخبار. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والعشرون والمائة
في الأنبياء هل يجوز أن يقال فيهم:
إنهم يعصون الله أم لا؟
قال الشيخ أبو محمد: لا يجوز لأحد أن يقول: إن أنبياء الله كانوا غير مسلمين، وهم أصفياء الله، من قبل أن يخلقهم قال الله تعالى: { إن الله اصطفى آدم ونوحا } الآية.
مسألة:
عن محمد بن محبوب رحمه الله قال: إن أنبياء الله تعالى، لم يزالوا عند الله مسلمين: وهم له أولياء. لا يسع أحد أن يقول: إن أنبياء الله ورسله، كانوا عند الله في شيء من الحالات كفارا، وضلالا وهم أصفياء الله، قبل أن يخلقهم.
وكذلك أخبرنا الله تعالى. فقال: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } وقوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: { ووجدك ضالا فهدى } يعني ضالا عن النبوة، لم تأته بعد.
كذلك قول موسى: { فعلتها إذا وأنا من الضالين } عن النبوة.
وما بعث الله نبيا إلا أعطاه خصلتين، يغفر له ما تقدم من ذنبه، ويعصمه فيما تأخر.
مسألة:
عن أبي سعيد ردا على من قال: إن آدم لم يعص الله. وقد قال الله تعالى:
{ وعصى آدم ربه فغوى } فهذا مخالف للكتاب أيضا. وقد قال الله تعالى: { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين } . فكيف يكون من الظالمين، ولم يعص؟
مسألة:
عن أبي الحسن البسياني: أن يوسف هم بالمعصية، فصرف الله عنه السوء والفحشاء، بالبرهان الذي أراه إياه، ولم يفعل معصية، فيكتب عاصيا. (1/113)
صفحة 114
قال: والناس مختلفون في ذنوب الأنبياء صلى الله عليهم أجمعين. وقد اتفقوا على أنها كلها صغائر وخطأ.
وقال: إن النبي دواد - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد إلى الخطيئة، ولا تعمد عليها. وإنما هو قصد إلى ما هو جائز له. إنه خطب إلى القوم امرأة، قد خطبها غيره. فأنزل الله تعالى عليه الملكين، كما أخبر الله. قال داود من قبل أن يسأل الخصم { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } فلما قال: { لقد ظلمك } ظن أنه قد فتن، ولم يعتمد، ولا أراد الخطيئة. وإنما الملكان سألاه: أن ليس له أن يخطب على خطبة أخيه فعرف أنه قال للخصم قبل أن يستفهم قوله: { لقد ظلمك } فتاب من ذلك، من غير عمد منه، ولا قصد للمعصية. فوقع في الخطيئة غلطا.
فتاب واستغفر ربه وأناب، أي رجع إلى الحق، وندم على ما فعل.
مسألة:
قال أبو عبدالله: لا يقال: إن النبي إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - قال الكذب، في قوله: { إني سقيم } وقوله: { فعله كبيرهم هذا } . ولا قول يوسف لإخوته: { إنكم لسارقون } ولا قول الملائكة لداود عليه السلام: { خصمان بغى بعضنا على بعض } فلا يقال: إنهم قالوا الكذب. ولكن هذا بوحي من الله، أن يقولوا فأطاعوه أمر الله عليهم الصلاة والسلام.
مسألة:
قال الشيخ أبو محمد: قتْل موسى - صلى الله عليه وسلم - ، يتصرف على وجوه:
منها أنه يجوز أن يكون قتله، ولم يستأذن في قتله، لأن الأنبياء إذا أرادوا فعلا، وإيجاب حكم، استأذنوا، في فعل ما أرادوا فعله؛ لئلا تلحقهم هناك لائمة. فيجوز أن يكون لم يستأذن في قتله. وكان فعله خطأ. وكانت معصية منه، يمحوها الاستغفار والندم والإنابة، لأن الإجماع من الكل: أن الأنبياء لا يأتون الكبائر. ويجوز أن يكون غير متعمد في الظاهر، بدليل على قتل ذلك الرجل؛ لأن العبادة مأخوذة عليه، في جملة الشريعة فتأول في قتله، فأخطأ التأويل. فوقعت منه صغيرة، من جهة خطئه في التأويل.
مسألة: (1/114)
صفحة 115
وإخوة يوسف فعلوا في يوسف، ما فعلوا فيه، قبل أن يُستنبأوا. وإنما استنبئوا من بعد ذلك.
وقيل: فعلوا قبل بلوغهم.ذ
وقيل: إن النبي محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يأت الخطيئة، ولا كانت منه. وبالله التوفيق.
الباب الثلاثون والمائة
في التوفيق والعصمة والخذلان والختم والطبع والأكنة والوقر
التوفيق والخذلان والختم: هو الطبع والأكنة والوقر، إنما يكون جميع ذلك، عند فعل العبد، لا قبل ذلك ولا بعد.
وأما العصمة، فهو أن يعصمه الله فيما يستقبل، ممن نجا من الهلكة، فمن قبل الله وعصمته إياه وتوفيقه ومنه وفضله.
ومن كتاب الأكلة:
قال: معنى الخذلان: هو القدرة على الكفر وكل من خلق له القدرة على الكفر، فقد خذله والخاذل: هو الخالق القدرة على الكفر.
قال: ومعنى الحرمان: هو القدرة على المعاصي سوى الكفر.
والمحروم: من خلقت له القدرة على المعصية، والحيلولة هي المنع، والصرف والحيلولة بمعنى واحد، وهي القدرة على الكفر والمعاصي، وهو معنى قوله تعالى: { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } .
والتوفيق: ما يكون عنده الطاعة، وفي الحقيقة: هو القدرة على الطاعة.
وقيل: التوفيق: ماله كان الموفق موفقاً.
وأما الموفق فهو المقدر للخلق على الطاعة، لعله المقدور للخلق الطاعة واللطف مما كان من المهلوم، أنه إذا وجد كانت الطاعة عنده لا محالة، وهو القدرة على الإيمان عندنا، وكذا القدرة على سائر الطاعات ألطاف لها.
والعصمة هي الحراسة، من مواقعة المعصية. وهي القدرة على الطاعة.
ومعنى العاصم: الذي يحرس المكلف من إيقاع المعاصي. وهو في الحقيقة البارئ عز وجل ومنه قوله عز وجل: { والله يعصمك من الناس } يعني يحرسك.
والمعصوم: هو المحروس. وبالله التوفيق.
انقضى الذي من كتاب الأكلة، تأليف القاضي نجاد بن موسى.
مسألة في الختم والطبع:
قال الله تعالى: { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم } الآية.
فقوله تعالى: { ختم } طبع. (1/115)
صفحة 116
قال أبو علي: جعل الله أعمالهم السيئة، طبعا على قلوبهم. ركبوا الذنب على الذنب، حتى ران القلب واسود.
ومن بعض كتب قومنا:
قال الطبع والختم واحد؛ لأنك تقول: طبعته، أي حتمته. والطابع: هو الخاتم.
وقال بعض أصحابنا في معنى الختم والطبع: إنه معنى الخذلان. وتركه لهدايتهم. يدل على ذلك قوله تعالى: { ويذرهم في طغيانهم يعمهون } . وقوله: { ويذرهم في طغيانهم } راجع إلى معنى؛ به يصيرون ضالين. وهو الذي يوصف به طبع وختم وغشاوة.
ومن كتاب الثعالبي:
إن معنى الآية : { طبع على قلوبهم } أغلقها وأقفلها، فلا تعى خيرا، ولا تفهمه. يدل عليه قوله تعالى: { أم على قلوب أقفالها } .
قال المؤلف: والختم والطبع من الله يكون ذلك، عند فعل العبد المختوم، على قلبه، المطبوع عليه، لا قبل ذلك ولا بعد؛ لأنه لو كان قبل ذلك، لكان حجة للعبد على الله يوم القيامة، إذ قد ختم على قلبه وطبع، فلم يقدر أن يؤمن فكيف يلزمه فعل شيء، صده عنه بالختم والطبع تعالى الله عن ذلك. وليس الختم والطبع من الله، هو شهادة على العبد أنه لا يؤمن، كما قالت المعتزلة.
ومن كتاب الأكِلِّة:
قال: حقيقة الطبع والختم والأكنة والأغشية: إنما هو فعل ما به يصير القلب مطبوعا ومختوما عليه، ومغطى عن الحق، لأن الأكنة هي الأغطية.
ولا يجوز أن يكون قولنا: فلان قد طبع الكتاب، وطبع الشمع والطين، أي سماه مطبوعا. وإنما هو فعل معنى، يصير القلب والكتاب والطين والدراهم والدينار مطبوعا. هذا في كلام أهل اللغة. انقضى.
قال المؤلف: وهذا عند ضلال العبد، بسوء اختياره، لا قبل، ولا بعد، من الطبع والختم والضلال. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والثلاثون والمائة
في الهدى والرد على القدرية في ذلك
الهدى على ضربين: هدى السعادة، وهدى البيان والدلالة والإرشاد إلى الحق فهدى السعادة، لا يستحقه إلا المؤمنون. (1/116)
صفحة 117
وأما هدى البيان والدلالة والإرشاد إلى الحق، فقد بين الله تعالى لعباده المكلفين أجمع. قال الله تعالى: { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } فهذا هدى البيان.
فهدى البيان قد آتاه الله الخلق أجمعين.
فإن قال: هل هدى الله الكفار؟
قيل له: نعم. هداهم هدى البيان والدلالة، لا هدى السعادة. وقد قال الله تعالى: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } .
وإنما ضلت الكفار وكفرت، باستحسانهم الكفر على الإيمان، بسوء اختيارهم.
قال المؤلف: وقوله تعالى: { يهدي من يشاء ويضل من يشاء } المعنى: فمن علم الله أنه يهتدي لم يضل. ومن علم أنه يضل لم يهتد، من غير أن يكون العمل ساق العباد إلى ما عملوا وقد بين الله مشيئة الهدى فقال: { ويهدي إليه من أناب } ومشيئة الضلال، بقوله: { ويضل الله الظالمين } .
وإنما هدى الله من، اختار الإيمان على الكفر فبحسن اختياره، هداه الله.
وبسوء اختيار الكافر والمنافق، الكفر والنفق على الإيمان، أضله الله. وكلا الفريقين يكون هدى الله للمهتدي، وضلاله للضال، عند عمل المهتدي والضال، لا قبل ذلك، ولا بعد. قال الله تعالى: { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } عند إزاغتهم، لا قبل ذلك، ولا بعد.
ولا بد للمكلف أن يكون إما مهتديا أو ضالا. فلا تأتي على العبد طرفة عين، إلا وهو إما مهتد، وإما ضال. فقيل: إما هداية من هداه الله من الله منة وفضلا، يمن بها عليه. وإما هداية من عدل. فالله تعالى يحتج لها عليه.
فالمؤمنون والكافرون أجمعون قد هداهم الله تعالى، هدى البيان والدلالة. فقد هداهم جميعا إلى الدين؛ لأنه قد دلهم جميعا على الدين. وضلال الله تعالى، ليس كضلال الشيطان، يدعو ويزين، ويرغب في شيء من المعاصي. (1/117)
صفحة 118
وإنما معنى أضل الله: أنه لم يهد، ولم يعصم، ولم يوفق. إنما هو فقدان الهدى، ليس اختيار الكافر. كما يقال: خذل فلان فلانا. إنما يعني يخذلانه إياه: أنه لم ينصره، ولم يعنه، لا أنه فعال به فعلا في خذلانه إياه شيئا، أكثر من تره النصرة والمعونة. وليست الضلالة والخذلان ابتداء من الله تعالى بوجودهما كان الكفر. لو كان كذلك، لكانت الحجة للكافرين يوم القيامة يقولون: أضللتنا عن الهدى، وخذلتنا عن الإيمان، فلم نقدر أن نؤمن ونتقي ونعمل صالحا.
وقوله تعالى: { وأضله الله على علم } معناه: على علم منه بضلال للعبد الضال.
وقيل في قوله: تعالى: { ويضل الله الظالمين } أي يهلكهم ويعاقبهم. فالضلال. منه: الهلاك. ومنه: الذهاب عن الصواب. وقال الله تعالى: { وضلوا عن سبيل الله } أي ذهبوا عن الحق فالله تعالى لا يبتدئ عبدا بضلال. يقال: أضل الله وأضل الشيطان. وأضل الناس بعضهم بعضا. فأضل الشيطان: أي دعا وزين ورغب في المعصية.
وكذلك ضلالة السامري، وضلالة الناس بعضهم بعضا وليس ضلال الله دعا وزين الكفر. ولكن لم يهد، ولم يعصم، ولم يوفق وذلك عند فعل الكافر، كما قدمنا. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والثلاثون والمائة
في الرضا والمحبة والسخط والغضب
من الله تعالى للعباد
الرضى والمحبة والسخط والغضب. كل ذلك صفة الله، من صفات فعله. لا شيء يحل في ذاته عز وجل؛ لأن ذاته تعالى، إنما المراد بذلك إثباته. لا شيء كالأشخاص، يحل فيه الرضى والمحبة، والسخط والغضب. وإنما الرضى والمحبة من الله، إذا رضى على عبد، أثابه في الجنة، بقدر عمله. وإذا سخط وغضب على عبده، عاقبه في النار، بقدر عمله. فلا يوصف البارئ تعالى، بالرضى والمحبة، والسخط والعقوبة، بما يوصف المخلوقون، أنه يحل فيه كما يحل فيهم. (1/118)
صفحة 119
قال بعض قومنا: إن محبة الله: إرادته لخصوص الإنعام، من القربى والزلفى ورحمته: إرادته لعموم الأنعام، من التوفيق والخبر. وإرادة الله للعقاب والشر: سخط، وإرادة غضب. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والثلاثون والمائة
في حب العباد لله عز وجل
قال المؤلف: حب العباد لله عز وجل، إنما هو حب طاعته؛ لأن الله تعالى ليس بشخص، فيقع عليه الوهم، لكي يحب ما يقع عليه وهمه.
وقيل: علامة حب الله للعبد: أن يوفقه لطاعته، ويعصمه عن معصيته.
وقال بعض قومنا: محبة العبد لله: حالة يحدثها البعد في قلبه. وهي ألطف من أن يعبر عنها بلسان، وأشرف من أن يشار إليها ببنان ويستحيل أن تكون محبة العبد لله، بالكيفية والإحاطة بالأبنية، لأن الله تعالى منزه عن هذه الأوصاف الدنية. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والثلاثون والمائة
في تكليف من علم الله، أنه لا يؤمن
والرد والبيان لمن تشبه في ذلك
إن سأل سائل فقال: أليس الله تعالى، خلق الخلق للصلاح. فكيف حَسُنَ أن لكلف من علم حاله أنه لا يؤمن، بل يئول أمره إلى الكون، في العذاب الدائم؟
قيل له: إن الله تعالى، قدر فعل بهذا الذي اختار الكفر، غاية ما يصلحه، فيما كلفه، إذا قدر كما قدر المؤمن، ومكَّنه فيما يتوصل به إلى الخلود في جنات النعيم. وإنما أهلك هذا الكافر نفسه، حين عصى ربه، وركب هواه، وكفر نعمة الله عليه، بفعله إقامة النعيم، لا فعل الله تعالى، وإحسان المحسن، لا يصير إساءة، يجحد من جحده، وكفران من كفره ألا ترى أن عطشانا، لو مكناه من الماء البارد، فامتنع من شربه، حتى مات من عطشه، لكان الذي يلحقه من إهلاكه لنفسه دوننا. وكلنا في عقل كل عاقل، محسنين إليه، إذ مكناه مما ينجو به وهو الذي أمات نفسه، وأحرم نفسه النجاة.
كذلك تكليف الله لمّا كان ممكَّنا مما ينجو به، لا يخرج عن أن يكون صلاحا له، وإن جعله هو فسادا بعصيانه. (1/119)
صفحة 120
فإن قال: وكيف يقدر أن يؤمن، وقد علم الله أنه لا يؤمن. ولئن قدر على ذلك، إنه لقادر على تجهيل الله تعالى وعز عن ذلك.
قيل: هذا غلط ظاهر، لأنا ما زعمنا أن الله تعالى علم منه أنه لا يؤمن ولم يعلم منه، أنه يقدر. بل قد علم الله تعالى منه الأمرين جميعا. فعلم منه أنه يقدر أن يؤمن. ولا يؤمن، ليس لأنه لا يقدر. ولكن لسوء اختياره لنفسه. فليس في الأمرين إلا ما قدر علمه الله. ولو كان أبو جهل، إذا علم الله أنه لا يؤمن، وقدر على الإيمان،كان قادرا، على تجهيل الله تعالى، لكان الله تعالى، لما أمره بالإيمان، مع علمه بأنه لا يؤمن، أمرا له بتجهيل بربه. ولكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لما دعاه إلى الإيمان، دعاه إلى تجهيل الله. هذا واضح السقوط. على أنا نقول: إن في تكليفه له لطفا لغيره، ممن علم الله أنه لا يؤمن، إن لم يكلف هذا فمثاله مثال ما بينا في الإثنين، وتسليمها. وإن شاء أحد الإثنين لنفسه. ولم يتعلم.
قال المؤلف: في المسألة غلط حروف وكلام، وشي من العاني، زالا عن الحق يعرض على المسلمين؛ لأنها من كتب قومنا. والحق معنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا من علم الله، أنه لا يؤمن إلى الخروج، من معلوم إلى معلوم. وإنما لا يقدر أن يؤمن لشغله بالكفر عن الإيمان.
فالمؤمن الذي شغل نفسه بالإيمان، لا يقدر على الكفر، لشغله بغيره. فكذلك الكافر، لشغله بالكفر، لا يقدر على الإيمان، لأن الإنسان لا يقدر أن يأتي بشيء وهو مشغول بغيره، كالذي يكون قائما، فلا يقدر أن يأتي بالقعود في حال القيام. والقاعد لا يقدر أن يأتي بالقيام، وهو في حال القعود. ولكن كل من كان في شيء من الأمور، فهو قادر أن يأتي بغير ذلك، إذا ترك ما هو فيه، مما هو مشغول به فحينئذ قدر أن يأتي بغيره فالبارئ عز وجل إذا علم من العبد، أنه (1/120)
صفحة 121
لا يؤمن، فلا يترك التشاغل بالكفر، والأخذ في الإيمان. فالعبد لا محالة، على ما علم الله منه، من غير أن يقال: إن علم الله ساق أحدا إلى ما يعمل من خير وشر ونفع وضر.
وإنما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الكفرة أن يخرجوا من معلوم إلى معلوم. من معلوم الكفر الذي هم له عاملون، إلى معلوم الإيمان، الذي هو مشغولون بغيره. فدعاهم أن يتركوا ذلك التشاغل بالكفر، الذي قد اشتغلوا به، ويشتغلوا بالإيمان. فمِن راجع منهم، وآخذ في صلاح نفسه، وتارك الاشتغال بالكفر، ومِن مقيم على كفره. والخلق كلهم، يعلم الله أعمالهم، وما يئول إليه أمرهم. يعمل الله ذلك كله، كقوله تعالى: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } وبالله التوفيق.
الباب الخامس والثلاثون والمائة
في الوعد والوعيد
والرد على المرجئة
الوعد: وعد الله أهل الطاعة من الثواب، في الآخرة. وهو حق. والوعيد: ما أوعد الله أهل الكفر والفسوق على المعاصي، العقاب في الآخرة. وهو حق.
قالت المرجئة في وعيد الله: إنا وجدنا الكريم فيما بيننا، إذا توعد العقوبة، ثم عفا، كان أحسن في صفته. فإذا كانت العرب تفتخر، وتتبجح بالصفح عن الجرائم. فالله تعالى أولى بالصفة الجميلة، وكل صفة حسنة. (1/121)
صفحة 122
قلنا إن الله تعالى أولى بكل صفة حسنة. ولكن لا يجوز على الله، إذ ليس هو بصفة حسنة. وذلك أن العرب كلما عفوا عن الأمر الذي هو أعظم، عمن بالغ في عداوتهم، كان ذلك أحسن. فلو كان ذلك أيضا في صفة الله حسنا، لكان يحسن أن يعفو عمن جحده، وكفر به. وجعل معه إلها غيره. وجعل له الصاحبة والولد، حتى لقيه كافرا مشركا جاحدا. فلما أجمعوا جميعا، لا خلاف بينهم: أنه لا يعفوا عن أحد من هؤلاء، ممن أشرك به وجحده، علمنا أن هذا لا يساوي فيه بين صفة الخالق والمخلوق، مع أن الذي يعفو من الخلق، بعد أن توعد، إنما تبدو له المصلحة في العفو، لما لم يكن علمه. وذلك لا يجوز على الله أن يبدو له شيء، لم يكن علمه قبل ذلك. وأيضا فلا يخلو القول في وعيد أهل الكبائر، من أحد وجوه ثلاثة: إما يكون الله تعالى قال: إنه يوقع بهم هذا الوعيد. فلا بد من وقوعه بهم،
على كل حال، أو يكون قال ذلك، وهو لا يدري يوقعه بهم أم لا، أو يكون. قال ذلك. وهو يعلم أنه لا يوقعه بهم. ولا يفعله.
فإن كان قاله، وهو يعلم أنه لا يوقعه بهم. فهذا هو الكذب على الله تعالى عنه.
وإن كان قال ذلك. وهو لا يدري يوقعه بهم أم لا؟ فهذه هي صفة الجاهل. والجاهل ليس بإله علم تعالى الله عن ذلك. فلما بطل هذان الوجدهان، صح ما قلنا: إنه إذا توعد بعقوبة أمضاها.
فمن زعم أن في الوعيد ناسخا ومنسوخا، فإن الله توعد أهل الكبائر بالنار. ثم نسخ ذلك بقوله: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } . فقد كذب، لأن النسخ إنما هو في الأمر والنهي. يأمر عادة بأمر، ثم يخفف عنهم، أو ينهى عن أمر، ثم يرخص لهم فيه، لعلمه بصلاح عباده؛ لأن الناسخ والمنسوخ في الأخبار: أن يخبر بخبر أنه كائن. ثم يقول: لا يكون. فذلك هو الكذب تعالى الله عنه. (1/122)
صفحة 123
وأما قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به يغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فقد أخبرنا الله تعالى: أين وقعت المشيئة في سورة طه. وهو قوله تعالى: { وإني لغفار لمن تاب } في الدنيا { وعمل صالحا } يظهر العقب في الدنيا لمن تاب، عند رؤية الجنة والنار يوم القيامة. لو كان كذلك ما عذب الله أحدا؛ لأنهم كلهم يتوبون عند رؤية الجنة والنار. وبالله التوفيق.
الباب السادس والثلاثون والمائة
في الرد على من قال: إن الخلود في النار خاص لأهل الشرك
وأما الموحدون فلا
قال المؤلف: الدليل على أن الخلود في أهل الشرك وأهل النفاق والموحدين كلهم جميعا : قوله تعالى: { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم } فقد جمع الله بين الكفار والمنافقين الموحدين، في الخلود في النار.
فمن زعم أن أهل الإقرار من المنافقين ولامنافقات، يخرجون من النار، فقد كذّب كتاب الله، وأباح بقوله هذا ارتكاب المحارم؛ لأن اعم الكفر، قد جمع بين كل من عصى الله من خلقه موحدا، أو غير موحد؛ لقوله تعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا[2] إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا[3] } .
فمن لم يكن شاكرا، كان كافرا. وقال الله تعالى: { اشكروا لي ولا تكفرون } فالخلق أجمعون، إما طائع، وإما عاص، وإما مؤمن، وإما كافر، وإما مهتد، وإما ضال، لا غير ذلك. وقد قالت اليهود والنصارة: إنما نحن عند الله بمنزلة الولد، إن عذبنا، فبقدر ذنوبنا. فأنزل الله فيهم: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ من يشاء } وما شاء أن يغفر لليهود والنصارى، حتى (1/123)
صفحة 124
يسلوا ولكن يغفر لمن تاب منهم، ودخل في الإسلام، ويعذب من أقام على كفره، وتكذيبه بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن ومن آثار المسلمين.
وأما قوله تعالى: { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ [107] } فكان جابر يقول: إن الله يعزم، ثم يستثني. وإنما شاء الخلود، كقوله تعالى: { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله } وقد شاء أن يدخلوه. وكقوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقد بين مشيئته لمن شاء أن يغفر له. فقال: { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } وقوله تعالى: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } فقال بعض المسلمين وهو أبو سعيد: إنما يكفر عنه الصغائر باجتناب الكبائر، إذا لم يصر على الصغائر، لأن الإصرار عندهم كبيرة، كان الإصرار على كبير أو صغير؛ لأن الله تعالى يقول: { ولم يصروا على ما فعلوا وهو يعلمون } ولم يذكر فعلوا كبيرة، دون صغيرة. فدل أن ما فعله، من الصغير ولكبير، فأصر عليه، فهو مستحق الخلود في النار؛ لقوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } فلو كانت الصغائر تغفر بلا توبة، إذا اجتنبت الكبائر، كما قال بعض مخالفينا، لم يكن لقوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } معنىً. وبالله التوفيق.
الباب السابع والثلاثون والمائة
في المنزلة بين المنزلتين
قال المؤلف: اعلم أن الكافرين والمنافقين والفاسقين والظالمين والجائرين كل أولئك لاحق لهم اسم الكفر وكل من مات على ما هو عليه مصرا، مات كافرا على كفره. (1/124)
صفحة 125
وقول: المعتزلة: إن الفاسق لا مؤمن، ولا كافر. فعلى قياد قولهم: إنه لا موحد، ولا ملحد، ولا ولي ولا عدو، ولا شقي، ولا سعيد. فهذا خلاف الكتاب المنزل من الله؛ لأن الله تعالى يقول: { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار } فكيف لا يلحق به اسم الكفر. وقد جعل الله له النار، لأن الناس إما طائع، وإما عاص، وإما مؤمن، وإما كافر، وإما مهتد، وإما ضال، لقوله تعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا[2] إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا[3] } سورة الإنسان. فالشاكر: الطائع. فمن لم يكن طائعا، كان كافرا. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والثلاثون والمائة
في التائب
هل يجوز أن يأمن العذاب أم لا؟
الذي منا ونذهب إليه ونعتقد: أن أحدا من عباد الله المكلفين، لا يأمن عطاب الله تعالى، وقد قال الله تعالى: { ويدعوننا رغبا ورهبا } وذكر الملائكة فقال: { وهم من خشيته مشفقون } وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ما قد غفر الله له، ما تقدم من ذنبه وما تأخر، مشفقان من خشية الله، باكيا حزينا. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والثلاثون والمائة
في الآجال
والرد على المعتزلة في ذلك
قال المؤلف: الذي نذهب نحن إليه: أن كل من مات، أو قتل، فقد مات بأجله.
وقول المعتزلة: إن من قتل لم يمت بأجله، تحريف لكتاب الله، لأن الله تعالى يقول: { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } فإذا جاء أجله، لا يستأخر عنه ساعة، ولا يستقدم. (1/125)
صفحة 126
ولا ينفع عمل للزيادة في الأجل، كما زعم المخالفون، من صدقة أو غيرها، من صلة الأرحام، أو غير ذلك، لأن قول الله تعالى: { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } خبر أخبر الله به والأخبار لا تناسخ فيها، إذا كانت تئول إلى الكذب. إذا لحقها التناسخ، لم يكن المخبر صادقا، فيما أخبر والله تعالى يقول: { ومن أصدق من الله قيلا } وقد قال الله تعالى في يحيى بن زكريا: { وسلام عليه يوم ولد ويو يموت ويوم يبعث حيا } وهو لم يمت على فراشه. بل قتل، ومات مقتولا. فسمى الله تعالى قتله موتا له فقد مات بأجله الذي أجَّله الله له.
ولو أن إنسانا، حلف أنه يوم يموت زيد، فامرأته طالق. فقتل زيد، ولم يمتت على فراشه، لطلقت امرأته، لأنه لم ينو: إن مات زيد على فراشه، بلا قاتل يقتله. وأيما يذهب يوم تخرج روح زيد من جسده. وبالله التوفيق.
الباب الأربعون والمائة
في البعث والرد على الدهرية
ومن لا يعتقد الخلق وبعث المخلوقين
من كلام الشيخ أبي الحسن رحمه الله:
فإن قال قائل: ما الدليل على إعادة الخلق؟
قيل له: الدليل أنه سبحانه وتعالى خلق الخلق أولا، على غير مثال سبق. فإذا كان خلقه أولا، على غير مثال سبق، لم يعى أن يعيده خلقا آخر. وقد قال عز من قائل: { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } .
وقال سبحانه: وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } .
وقال سبحانه: مخبرا عن قولهم: { إئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون } وفي آية أخرى: { مبعوثون } وقال: { فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة } فدل في القرآن، في غير موضع، أنه يعيدهم. وقال سبحانه: { أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون } .
وقال سبحانه وتعالى: { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } . (1/126)
صفحة 127
وقال سبحانه: { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } .
وقال: { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } فهذا دليل من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } . وبالله التوفيق.
الباب الحادي والأربعون والمائة
في اختلاف الموحدين
هل يبعث الله الخلق أجمع أم بعضهم؟
اختلف الموحدون، في بعث الخلق.
فقال من قال: إن كل شيء خلقه الله عز وجل، وأخرجه من العدم إلى الوجود يبعث يوم القيامة.
وقال من قال: يبعث الله كل ذي روح. ويوجد أنه من اعتقد أن الله يبعث كل ذي روح، فهو سالم. ومن اعتقد أن الله يبعث كل شيء خلقه، فهو سالم ما لم يخط أحدهما الآخر.
فحجة من قال: إن الله يبعث كل ذي روح: قوله تعالى: { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } .
وقال الآخرون: إنه ليس في هذه الآية دلالة، على أنه لا يبعث إلا ذوات الأرواح. وإن من كان من غير ذوات الأرواح، فلا يعاد. وقد قال الله: { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } وهذه عامة. وما كان عاما، فهو على عمومه، إلا أن تقوم دلالة على نسخه وتخصيصه، وحجة واضحة من كتاب الله، أو سنة، أو إجماع. وقد قال الله تعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها
في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } الآية. فهذا ليس من ذوات الأرواح.
وقال تعالى: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون } . وقال تعالى: { وأخرجت الأرض أثقالها } . وبالله التوفيق.
الباب الثاني والأربعون والمائة
في الرد على من قال: إن قبل يوم القيامة بعث
عن الشيخ أبي الحسن البسياني: (1/127)
صفحة 128
وسأل عمن زعم أن قبل يوم القيامة بعثا، يقتل بعده من قد مات في الدنيا. ويموت من قد قتل. وأن دولتهم وظهور أمرهم وبيان تصديق قولهم بعد ذلك البعث. ما الحجة عليه؟
قيل هل: هذا كاذب، مخالف لكتاب الله. والإجماع على خلاف قوله. وقد قال الله تعالى ما يدل على تكذيبه: { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة } وقال: { لئن متم أو قتلتم } وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يروى عنه أنه قال: بعثت أنا والساعة كفرسي رهان. وإن كادت لتسبقني فسبقتها. ولم يقل: مثل ما قال صاحب هذه المقالة، ولا عن الصحابة الذين هم الحجة على شيء، مما ذكر هذا. وهذا كذب كله، ودعوى لا يصح لمن قال ذلك. وقوله زور، ومخالف للقرآن. وبالله نستعين.
الباب الثالث والأربعون والمائة
في عذاب القبر ومنكَر ونكير
الشيخ أبو الحسن البسياني:
فإن قال: فما تقول في عذاب القبر؟
قيل له: ذلك إلى الله وهم عبيده –إن شاء- عذبهم في الدنيا، وفي القبر، وفي الآخرة.
وأما عذاب الآخرة، فلا شك فيه. وقد قال الله تعالى في اليهود: } ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار } .
وأما عذاب النار، فلا بد لهم منه كما قال. وقد كتب عليهم في الدنيا الإجلاء من المدينة. وقد قال تعالى: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر } فهو كذلك كما قال: إن شاء عذب في الدنيا بما شاء وعاقب فيها، من شاء. وقد قال عز وجل: { فأخذهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهو لا ينصرون } .
وقد اختلف الناس اختلافا كثيرا، في معنى عذاب القبر. وقولنا فيه، وفي غيره قول المسلمين. ولا يعجز الله شيء من ذلك.
وحجة من قال بعذاب القبر: قوله تعالى: { ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } الآية.
فالموتة الأولى: التي تقع بهم في الدنيا بعد الحياة. والحياة الأولى: إحياء الله إياهم في القبر.
والموتة الثانية: إماتة الله إياهم بعد المسألة. (1/128)
صفحة 129
والحياة الثانية: إحياؤهم الله للبعث.
وحجة من أنكر عذاب القبر: قوله تعالى: { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } .
قال: ولو كان هؤلاء الكفار أحياء في قبورهم ما قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. فهذا يدل أنهم لا حياة لهم في القبر بعد الموت.
وأما الخبر الذي روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه. فهذا خبر غير موافق للكتاب، لأن الله تعالى يقول: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وقال: { وكلا أخذنا بذنبه } .
وأما مُنْكَر ونكير، فقد اختلف الناس فيهم وذلك غلى الله يفعل ما يشاء والله هو أعلم بذلك. وإنما يجوز لنا القول في الحكم، على ناطق الكتاب والإجماع.
فأما ما فيه الاختلاف، ولم يقع فيه حكم بنص بنصره، فقولنا فيه قول المسلمين ونحن سائلون إن شاء الله. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والأربعون والمائة
في ذكر ذهاب السموات السبع والأرضين السبع
يوم القيامة
قال المؤلف: قال الله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه } فبيّن في هذه الآية فناء الخلق أجمعين.
والدليل على أن السموات والأرض فانيات، قوله تعالى: { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه } . ففي التفسير: أن السموات والأرض ذاهبات يوم القيامة.
وقال تعالى: { يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب } من غير طي بيد.
وقال في الأرض: { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } .
وأما الدليل على ذهاب ذوات الأرواح: فقوله تعالى: { كل نفس ذائقة الموت } فكل نفس منفوسة، ذائقة الموت، من دابة وبشر وملائكة وطير. فهو ميت.
والدليل على أن كل ما في الأرض من جماد يذهب: قوله تعالى: { كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } . (1/129)
صفحة 130
والدليل على أن جميع الخلق أجمع تذهب، مما ذرأ الله وبرأ، من جميع بريته، ومما ذرأ من السموات والأرضين، وما فيها أجمعين، من حيوان، أو جماد ذاهب فان: قوله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } فكل شيء موجود مخلوق، يقع عليه اسم شيء، فذاهب من جميع السموات والأرض، وما فيهن أجمعين. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والأربعون والمائة
في الحساب والجزاء يوم القيامة
ودخول الجنة والنار
قال الله تعالى: { ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين } ليس حساب ربنا كحساب المخلوقين. وإنما هو حكم وعدل، وعلم بأعمالهم التي عملوها، وقوله: { وكفى بنا حاسبين } الباء رفع. والمعنى: وكفينا حاسبين. وحاسبين منصوب على التمييز وعلى الحال؛ لأن حسابه للخلق أجمعين، مثل حسابه لرجل واحد، لا يشغله حساب واحد عن حساب آخر. وهو معنى قوله: { إن الله سريع الحساب } .
قال المؤلف: نعم لا يشغل الله شيء عن شيء.
والكتب. قيل: إنما هي تطّاير طيرانا، يطير كل كتاب إلى صاحبه. وأنها تكون قبل طيرانها تحت العرش.
قيل: إن الكتب تكون بأيدي الملائكة الذين كان يكتبون على بني آدم. فيعطون بني آدم كلا منهم كتابه فيقرأوه فإن قرأه علم بحجة الله عليه، يلقى الله ذلك على قلوبهم.
قال الشيخ أبو الحسن البسياني: أقول إن الله تعالى هو المحاسب لهم، وأنه يسألهم عن أعمالهم من الخير والشر، ويريهم ذلك. فيعلم المؤمن فضل الله عليه. ويعلم الكافر عدل الله عليه، لأنه ليس بظلام للعبيد وهو كأسرع ما يكون. إنه قال تعالى: سريع الحساب وأسرع الحاسبين. انقضى.
قال: وأقول: إن هذا الكتاب يكون عند حفظته، الذين كانوا يكتبون عليه حسناته وسيئاته. (1/130)
صفحة 131
قال المؤلف: ولا أقول: إن الله يقضي بين الدواب كما قال قومنا: تنطح الجماء يوم القيامة القرناء، بما نطحتها في دار الدنيا؛ لأن الدواب ليسوا بمكلفين، حتى يقضى بينهم ويحاسبوا ويقتص منهم. وهذا شيء لا يصح في جهة البارئ - عز وجل - يعاقب من لا تكليف عليه. ويحاسب ويقتص ويحكم، بين من لم يأمره في الدنيا وينهاه، كالمكلفين من الثقلين. وإنما قيل: إنهم يحشرون يوم القيامة فما استحسن منهم أهل الجنة، كان في الجنة ثوابا لأهل الجنة. والباقي في النار، يكونون عذابا لأهل النار. ولا عذاب على البهائم. والله أعلم.
وقيل: إن البهائم يدخلون الجنة بالأعواض، في قول أبي محمد، لأن أبا محمد قال: إن المكلفين يدخلون الجنة بالتفضيل والعمل. والأطفال يدخلون الجنة بالتفضيل. والبهائم هم الذين يدخلون الجنة بالأعواض.
وقال: فالبهائم والحشرات، وجميع ما يجري هذا المجرى، لا عقاب عليهم. ولا تدخل الجنة بالتفضيل، فلم يبق إلا بأعواض.
قال المؤلف: فإن قيل: كيف يدخل الجنة المكلفون بالتفضيل، وهم قد استحقوه بعملهم؟ لو كان كذلك، لكان كل من دفع إلى أجير أجرته، فقد تفضل عليه؟
قيل له: إن الأجير، قد نفع المستأدجر بعمله، كما نفعه المستأجر بأجرته. والمكلفون لم ينفعوا الله تعالى بشيء، إنما كلفهم الله لينفعهم. فهذا فرق بين ذلك وبالله التوفيق.
الباب السادس والأربعون والمائة
في الشفاعة ومن يستحقها
قال المؤلف: الشفاعة حق ولكنها للمؤمنين الذين رضي الله عملهم؛ لقوله تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } وقال: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } وقال سبحانه: { يؤمئذ لا تنفع الشفاعة إلا لم أذن له الرحمن ورضي له قولا } . (1/131)
صفحة 132
فمن قال: إن الشفاعة لأهل الكبائر، فقد كذَّب الله - عز وجل - في قوله. ولو كانت لأهل الكبائر، ما قال الله تعالى: { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } وقولهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. فهذه الرواية لا توافق كتاب الله، لما قدمنا من ذلك، مع أنه عارضتها رواية أخرى، محبطة لها. وهي موافقة للكتاب. قوله - صلى الله عليه وسلم - : لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي. وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ما منكم من أحد يدخل الجنة يوم القيامة إلا بفضل الله، ثم بعلمه، ثم بشفاعتي فشفاعته زيادة للمؤمن في أجره، ورفع درجته. ونحن نقول: اللهم أدخلنا في شفاعته - صلى الله عليه وسلم - . ولا نسأله أن يجعلنا من أهل الكبائر، لكي ندخل في شفاعته. ولا يجوز ذلك. وبالله التوفيق.
الباب السابع والأربعون والمائة
في الصراط
والرد على من قال: إنه صراط مستقيم
محدود كحد السيف
قال المؤلف: الصراط معنا: هو دين الإسلام. وهو الحق الذي دعا الله النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال الله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم } وقال تعالى: { فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم } كل ذلك بمعنى الدين والإسلام والحق القويم. فليس هناك يوم القيامة صراط موضوع. ولا ميزان منصوب. بل هناك عدل من الله مبين، وحق ظاهر مستبين.
والدليل على أن الصراط هو الإسلام والدين والحق القويم: قوله تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } .
والسبل: هي الأهواء الضالة. والسبل هي الطريق. والسبل: هي طريق غير الحق. كما قال الشاعر:
أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم
ولم يصفه بأنه قائم على شيء، كحد السيف، ولا قاعد عليه. وإنما وصفه أنه على الدين القويم، والحق المستقيم؛ لأن الموارد الطرق. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والأربعون والمائة
في الميزان (1/132)
صفحة 133
والرد على من قال: إن يوم القيامة ميزان حقيقي
زعم أهل الضلال أن يوم القيامة ينصب الله للخلق ميزانا، يزن فيه أعمالهم وأن سعة كفة الميزان، سعة السموات والأرض. وطول عمود، كطول الدنيا. واحتجوا بقوله - عز وجل - : { فمن ثقلت موازينه } الآية. وأنكر هذا المسلمون. وقالوا: إنما الوزن هو مجازة البارئ - عز وجل - على الأعمال. وذلك في اللغة، كما قال الشاعر:
... إني وزنت الذي يبقى ليعدله ... ما ليس يبقى والله ما اتزنا
إنما أراد التمييز ما يبنهما والتأويل، لا أنه وزن ذلك بميزان. ألا ترى إلى قول الرجل لصاحبه: زن مجلسك. ولا يطيق أن يزن المجلس، وزن كلامك ولا يطيق أن يزن كلامه، لأنه عرض. فإذا تكلم به، لم يقدر عليه ليزنه. وإنما يريد التأمل والنظر والتسيير والحق.
وقوله تعالى: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } أي نضع العدل. يعرّف عباده أن عنده لهم حقائق العدل، وأنه لا يظلم الناس شيئا, وهو الحكم بينهم يوم القيامة والفصل. وقوله تعالى: { فلا نقيم لهم يوم القيامة زونا } يعنى لا نتقبل منهم يوم القيامة إيمانا، كما قال تعالى: { لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً } فالوزن في هذا الموضع: الإيمان، لا أن هناك
ميزانا، كما زعموا. وإنما قال الله تعالى: { والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه } يعني من جاء بالإيمان والإخلاص { ومن خفت موازينه } يعني إذا جاء بالكفر. وإنما المعنى: أن الناس يجازون على أعمالهم، بالحق والقسط والعدل.
وقال بعض المسلمين: هو مقابلة الأعمال بالأعمال. وقد قال الله تعالى: { الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } فقد رأينا الكتاب، ودلونا بالميزان. أين أنزله، إن كان كما ذكرتم. وهذا موجود في اللغة. قال الشاعر:
... وزن الكلام إذا نطقت فإنه ... ... يبدى عيوب ذوي الكلام المنطق
والكلام عرض لا يوزن بميزان وإنما مراده التأمل والمجازاة. (1/133)
صفحة 134
قال المؤلف: يقال لهم: ما تقولون فيمن عاش مائة سنة، يعمل بالإيمان. ثم كفر شهرا، أو يوما، أو لحظة. ومات على كفره أين يكون، لأن عمل شهر أو يوم، أو لحظة، لا يوازن عمل مائة سنة؟
فإن قالوا: في الجنة.
قيل لهم: خالفتم كتاب الله تعالى؛ لأنه تعالى يقول: { والذين كفروا لهم نار جهنم } .
وإن قالوا: في النار، بطل قولهم بالميزان.
وكذلك يسألون عن رجل عاش مائة سنة، يعمل بالكفر، ثم تاب، وآمن وعمل صالحا، وأخلص نيته لله شهرا، أو يوما، أو لحظة. ثم مات.
الباب التاسع والأربعون والمائة
في الورود وهو المرور بالنار
والرد على من قال: إنه الدخول نفه
قال الله تعالى: { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا. ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } .
الدليل على أن الورود يوم القيامة: هو المرور بالنار، والاجتياز بها، لا الدخول فيها: قول الله تعالى، لموسى - صلى الله عليه وسلم - : { ولما ورد ماء مدين } وموسى عليه السلام إنما اجتاز بماء مدين، ومر عليه، ولم يدخله.
وقال بعض المسلمين في تفسير هذه الآية: { وإن منكم إلا واردها } يعني جملة المشركين فالورود: الاجتياز، والمرور بالشيء. تقول العرب: ورد ماء كذا، أي اجتاز به ولم يدخله. وورود الإبل والطير الماء. إنما هو انتهاؤها إليه، لتشرب منه، لا الوقوع فيه. قال زهير:
... فلما وردنا الماء زرقا حمامة ... ... وضعن عصى الخاصر المتخيم
والمعنى: انتهين إلى الماء وبلغنه، وقمن عليه، لا أن المؤمنين يدخلونها.
الحجة: أنهم لا يدخلونها. قوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون } فكيف يكونون فيها داخلين. والله تعالى يقول: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيها فيما اشتهت أنفسهم خالدون } . والحسنى هي الجنة. وبالله التوفيق.
الباب الخمسون والمائة
في الخلود في النار (1/134)
صفحة 135
والرد على من قال بالخروج منها
قال المؤلف: يقال لمن قال: إن أهل التوحيد إنما يعذبون في النار، بقدر أعمالهم، ثم يخرجون منها. وإنما الخلود لأهل الجحود من أهل الكفر يقال لهم: فما الدليل على ذلك؟ فأهل التوحيد، لو كان يكفيهم التوحيد، عن العمل بالإيمان، وموتهم عليه، ما قال الله تعالى: { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها أبدا } فالمنافقون والمنافقات، هم أهل التوحيد؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يغن ذلك عنهم شيئا من الخلود في النار، ولما قالت اليهود والنصارى { نحن أبناء الله وأحباؤه } يعنون أنا عند الله بمنزلة الولد، إن عذبنا فإنما يعذبنا بقدر ذنوبنا. وقالت اليهود: { نحن أبناء الله وأحباءه } قال الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : { قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } وذكر لهم الخلود في موضع آخر. فقال - عز وجل - : { وقالوا } يعني أهل الكتاب اليهود: { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا لن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون. بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .
وقال في المقربين من هذه الأمة: { ليس بامانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به } الآية. فسوى بينهم وبين أهل الكتاب { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها } .
وإن احتجوا بقوله تعالى: { خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك } فقد شاء لهم الخلود، حيث قال: { خالدين فيها أبدا } لأنه تعالى قد جمع الكفار والموحدين في آية واحدة جميعا، وأعد لهم الخلود. وقوله: { إلا ما شاء ربك } فقد شاء لهم الخلود، حيث أخبر بخلود أهل النار. (1/135)
صفحة 136
وقال أيضا: { وما هم منها بمخرجين } فليس لهم فيما تعلقوا به حجة، لأن الله تعالى يقول: { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك } فقد شاء لهم الخلود.
فإن زعموا أن أهل النار لا يخلدون فيها بهذا الاستثناء. فيلزمهم أن أهل الجنة لا يخلدون فيها أيضا، بهذا الاستثناء. وهم لا يقولون بذلك. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والخمسون والمائة
في الحكمة في خلود أهل النار
والتفاضل في الثواب والعقاب
قال بشير: علة من يقول بالتخليد في النار بالقياس: إن المذنب العاصي، إذا عصى بكبيرة، إنه عصى ربا عظيما، لا نهاية لعظمته. وكذلك يخلد في المذاب خلودا، لا نهاية له.
قال المؤلف: وقول المسلمين في توحيدهم لربهم: إن لله ثوابا لا يشبهه ثواب، وعقابا لا يشبهه عقاب. فلو كان في ثوابه وعقابه نهاية ومنتهى وأمد ينقطع إلى وصوله، وينتهي إليه، لأشبه ثواب المخلوقين وعقابهم.
فإن قيل: كيف هذا، وقد قال تعالى: { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها } والسيئة لها منتهى.
قيل له: إنه تعالى قال: { مثلها } في التعديل. والحق أنه لا يعذب الكافر كعذاب المنافق. والمنافق أشد عذابا. وكل يعذب بقدر عمله، في الجزاء والتفاضل؛ لأن للنار دركات، وللجنة درجات. قال الله تعالى: { ولكل درجات مما عملوا ولوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون } وقال في أهل النار: { ولكل ضعف ولكن لا تعلمون } . وبالله التوفيق.
الباب الثاني والخمسون والمائة
في الجنة والنار أخلقنا أم لم تخلقا بعد؟
قال المؤلف: اختلف الناس في ذلك.
وحجة من اقال: إنهما خلقتا. قول الله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعا } والهبوط من الشيء لا يكون إلا وقد خلق. وقال في الجنة والنار: أعدت للمتقين وأعدت للكافرين } والمعد: المهيأ الذي قد فرغ منه. (1/136)
صفحة 137
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اطلعت على الجنة، فرأيت أقل أهلها الأغنياء والنساء. واطلعت على النار، فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء. فلا يطلع إلا على شيء قد خلق وفرغ منه. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والخمسون والمائة
في خلود أهل الجنة والنار كيف يبقون كبقاء الله
والحكمة في بقائهم
قال المؤلف: الفرق بين بقاء أهل الجنة والنار، وبقاء البارئ تعالى: إنماء هو - عز وجل - يبقى بنفسه، لا ببقاء مبق أبقاه. فبقى ببقائه باقيا. وأهل الجنة والنار، إنما بقوا ببقاء مبق أبقاهم، فبقوا ببقائه. وهو الله - عز وجل - بقاهم فبقوا ببقاء الله. فلا يقاس بقاءهم ببقاء الله، ولا خلودهم كخلوده - عز وجل - لأنه تعالى خالد بنفسه، لا بخلود مخلد خلّده، فخلد بخلوده. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والخمسون والمائة
في سؤالات أهل العناد والعنت للمسلمين
إن قيل: هل يعلم الله بجملة نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار أم لا؟
قلنا: يعلم الله تعالى نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، أنه لا نهاية لذلك. فإذا لم يكن لهم أمد ونهاية، فلا يقال: أيعلم الله بأمدهم ونهايتهم؛ لأنهم لا نهاية لهم. وقد علم الله أنهم لا نهاية لهم. فلا يعود ما سبق به العلم أو أخره، إلى علم ثان. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والخمسون والمائة
في الرد على من قال: إن الجنة التي دخلها آدم
إنما كانت بستانا من بساتين الدنيا
الدليل على أنها كانت الجنة التي أعدها الله للمتقين: قوله تعالى: { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } بالألف واللام. فلا تكون إلا الجنة المعدة للمتقين، لا غيرها. كما أن من أوصى المسجد، ولم يعرف لأي مسجد، كانت الوصية للمسجد الجامع المعروف.
والدليل على ذلك: قوله تعالى: { اهبطا منها } يعني من الجنة السماوية إلى الأرض السفلية. فأهبطا من السماء إلى الأرض. وبالله التوفيق.
الباب السادس الخمسون والمائة (1/137)
صفحة 138
في الرد على من قال من الجهمية: إن الجنة والنار يفنيان في الآخرة
وأن نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار يفنى
وأنه إلى مدة
قال المؤلف: الدليل على أنهما باقيتان لا تفنيان: قوله تعالى: { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } .
فالقائل بفناء الجنة والنار، قد نقض كتاب الله تعالى. فمن لم يؤمن بالجنة والنار، وأنهما باقيتان كبقاء الآخرة،وأن أهلها لا يخرجون منها، فقد كفر.
وإن احتجوا بقوله تعالى: { خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك } فقد شاء الله الخلود للفريقين؛ لأنه قد علمنا أنه قد شاء الخلود، بقوله في أهل الجنة { خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه } . وقوله في أهل النار: { خالدين فيها أولئك هم شر البرية } والله تعالى، إنما خلق الخلق لنعيم الآخرة، لا لسكونهم في الدنيا. وإنما كفر الكافر لسوء اختياره. ولو لم يكفر، لكان في نعيم الآخرة كغيره ممن آمن، لأن الله تعالى إنما خلق الخلق لينفعهم. فلا منفعة أعظم من خلودهم في النعيم. فلذلك لم يهلكهم ويصرهم عدما. وبالله التوفيق.
الباب السابع والخمسون والمائة
في خلق الله الخلق
لم خلقهم ورزقهم وأمهاتهم وحاسبهم
وأثابهم وعذبهم؟
خلق الله الخلق ليريهم حكمته. ورزقهم ليريهم نعمته. وأماتهم ليريهم قدرته وبعثهم ليربهم رأفته. وحاسبهم ليريهم هيبيته. وغفر لهم ليريهم رحمته. وعذبهم ليريهم عدله.
فإن قيل: لم خلقهم طورا طورا؟
قيل له: ليكون ذلك أدل على كمال القدرة، لأن كل طور من تلك الأطوار يكون في نفسه دلالة ظاهرة بالغة كاملة، على قدرته وتكوينه. وخلقه لهم دفعة واحدة، دلالة واحدة. والله تعالى قادر أن يخلق السموات والأرض، وما بينهما،وما فيهما دفعة واحدة، في أسرع من طرفة عين. فقد خلقهم في ستة أيام؛ ليعلم أنه تعالى يريد التأني في الأمور. فلهذا قيل: العجلة من الشيطان، والتأني من الله. وكانت أمور الدنيا على التراخي. (1/138)
صفحة 139
والتأني: للشيء بعد الشيء. فجعل الله التأني رحمة للعباد، للآجال والمعاملات وجميع الأمور.
قال الشيخ أبو الحسن البسياني: إن الله تعالى شاء أن يظهر قدرته، ويرى العباد ملكه وعزته. فخلق الأشياء التي سبق في علمه أنه سيخلفها. فخلق الأشياء لا من شيء. ثم خلق للشيء من الشيء. ولو شاء الخلق كل شيء لا من شيء؛ لأنه إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون انقضى.
فخلق الله الخلق قسمين: مُنتَفعٌ ومنتَفع به. ثم خلق المكلفات. فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها.
فإن قيل: فأي شيء أفنى الله الخلق من الآلاء، حتى يذكرهم بها؟
قيل له: النعمة في ذلك التسوية بينهم في الموت، حتى لا يكون لأحدهم فضل بالحياة على أحد. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والخمسون والمائة
في أن الله تعالى خلق الخلق لينفعهم
قال المؤلف: دليل ذلك: أنه لا يخلو من أن يكون خلقهم لينفعهم، أو لينتفع هو بهم، أولا لهذا ولا لهذا.
فإن يكن خلقهم لينفعهم، فهو ما نقوله. وإن يكن لينتفع هو بهم، فقد لزمته الحاجة والفقر العجز. والعاجز المحتاج الفقير، ليس بإله غني على كل شيء قدير وبكل شيء عليم.
وإن يكن خلقهم، لا لهذا، ولا لهذا، فقد خلقهم عبثا، وتركهم سدى. والفاعل لذلك ليس بحكيم. والله حكيم عليم. وبه التوفيق.
الباب التاسع والخمسون والمائة
في نعمة الله على العباد
قال المؤلف: أول نعمة الله على العباد: أن خلقهم أحياء غير أموات. لأن الموات لا يجد لذة. وكمال نعمة الله على العباد العقل؛ لأن غير العاقل، لا ينظر بعقله حكمة الله ونعمته عليه، وعلى سائر الخلق أجمعين. ثم إن الله تعالى أتم نعمته عليهم بهذا الإسلام. فالإسلام هو تمام النعم. وبالله التوفيق.
الباب الستون والمائة
في الرزق
والرد على المعتزلة
قال الله تعالى: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } .
فمن قال: إنه يحصي نعمة الله ، فقد كفر بالله.
فإن قال قائل: أفيرزق الله الحرام؟ (1/139)
صفحة 140
قيل له: إن الله تعالى أمر بكسب الرزق، والابتغاء من فضله، من الكسب الحلال. ونهى عن الحرام وكسبه.
فكل من كسب الحلال، فقد كسب رزق الله الذي أمره به، ورزقه إياه حلالا طيبا، كما قال.
ومن كسب الحرام، واتبع خطوات الشيطان، فقد أكل ما حرم الله عليه، وأكل الحرام الذي نهاه عنه، وأكل رزق الله تعالى حراما فالله تعالى خلق الأرزاق كلها. ثم نهى عن شيء منها. وأمر بشيء منها.
فمن أكل الحرام، فقد أكل ما غذي به جسده، من رزق الله حراما. وليس يحسن أن يقال: إن الله يرزق الحرام، وإن كان ذلك الرزق الحرام خالقه الله تعالى ولكن لا يوصف الله إلا بالصفة الحسنة، كما أنه لا يقال للمرأة: هذه امرأة الله. والفعل: هذا فعل الله، وشبه ذلك. والله هو الخالق لتلك المرأة، وتلك النعل والقميص والعذرة والكلب والقرد. ولكن لا يخص الله بشيء من ذلك، فيقال: هذا لله. فافهم ذلك. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والستون والمائة
في الأسعار ممن هي الأسعار؟
غلاها ورخصها من الله
من قبل أن الله القابض الباسط
معنى القابض: أن يقتر على من يشاء. والباسط: أن يوسع الزرق على من يشاء، لا أنه تعالى قابض بأنامل أو باسطها، كما قالت المشبهة – تعالى الله عن ذلك.
فإن قيل: أليس لو حاصر السلطان بعض البلدان، غلت أسعارهم، وقل ما في أيديهم. وصلح أن يقال: إن السلطان غَلَّى أسعارهم؟
قيل له: قد يقع ذلك من السلطان. ولكن يقال: إن السلطان غَلّى أسعارهم مجازا، واتساعا. كما يقال: قد أماتهم السلطان جوعا وضرا وهزلا. وهو في الحقيقة، لم يفعل بهم قتلا ولا موتا. وإنما فعل أفعالا، أحدث الله تعالى عند ذلك، موتهم وهلاكهم، وإن نُسِبَ الموت والهلاك إلى السلطان مجازا وتوسعا. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والستون ومائة
كيف جعل الله أبدان المكلفين تغتذي بالحلال والحرام؟ (1/140)
صفحة 141
جعل الله أبدانهم، تغتذي بالحلال والحرام، كما جعل استطاعتهم تصلح للإيمان والكفر. كذلك جعل أبدانهم تغتذي بالحلال والحرام، ابتلاء وامتحانا. ولو جعل أبدانهم لا تغتذي إلا بالحلال فقط، لكانوا قد لجأوا واضطروا إلى أكل الحلال. والمُلجأ المضطر، لا يستحق ثوابا ولا عقابا. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والستون والمائة
في الحكمة في ذبح الحيوانات وإيلامها
الحكمة في ذبح الحيوانات: أن الله تعالى له أن يميت كل ما خلق ويفنيهم. فلما كانت الحيوانات خلقا من الله، فله أن يميتها، جعل الله موتها على أيدينا، فذبحها منفعة لنا، بذبحها وإيلامها وركوبها. والله يعوضها على ذلك.
وكذلك تسليط البهائم والطيور، بعضها على بعض. فإن الله يعوضها، مما ينال بعضها من بعض، ولا يفعل الله شيئا من ذلك عبثا ولله أن يأمر بذبح الحيوان.
وقد أمر إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - أن يصدق رؤياه، بذبح ولده، وأمر الخضر –عليه السلام- بقتل الغلام. وأمر بني إسرائيل، بقتل تعضهم بعضا. وليس ذلك بأكثر من أن يأمر ملك الموت، بقبض أرواحهم. ولو لم يكن لله ذلك، فله أن يميتهم، بعد أن خلقهم، مع أن في قتلهم أهون إثما من موتهم. وأيضا فإن هذه الحيوانات، لو لم تذبح وأهملت، لصارت من الكثرة إلى الضياع والموت،بالحوادث الفظيعة التي هي أفظع من الذبح، لأنها ليست، أو ليس أكثرها ممن تحمى نفسها. وهي إن لم تذبح، تموت لا محالة. ولسنا مع ما قد بينا، نجيز ذبح الحيوان، للتلذذ والطرب، واللعب والعبث بلا منعفة، بل حرام عندنا، قبل الذر وما فوقه، مما لا يؤذي. وحرام إضرار الدواب وإيلامها وضربها، والحمل عليها فوق طاقتها، إلا ضربها لسوقها، بقدر ما تعرف أنها تساق بذلك. وهذا الباب منه شيء عن قومنا. وهذا التعويض يسأل عنه. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والستون والمائة
في إيلام الدواب والبهائم والأطفال
والحكمة في ذلك (1/141)
صفحة 142
الحكمة في إيلام الدواب والبهائم والأطفال، والهوام على معنيين:
الأول: أنه تعالى عوضهم، حتى خرج من أن يكون ظلمها؛ لأن حقيقة الظلم: هو الضرر الذي لا يستحقه المفعول به عقابا، على قبيح فعله.فلا يكون في ذلك الضرر وصول نفع، اعظم منه، ولا دفع ضرر أعظم منه.
الثاني: في إيلامهم اعتبار للمكلفين، حتى خرج من أن يكون عبثا. والمعلوم عند الله: لو لم يؤلمهم لما صار المكلفون، يقربون إلى الطاعات، ويتجنبون عن المعاصي. وتصديق ذلك: قوله تعالى في محكم كتابه: { وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا } الآية. ففي قبل الغلام، حصل له عوض يوم القيامة، وحصل للوالدين ألطاف كثيرة، لأن الوالدين كانا يحبان الغلام، من كثرة التفقد له.
قال المؤلف: ولم أجد في آثار أصحابنا ذكر العوض. والذي سمعت بعض المسلمين يقول: إن الحكمة في ألم الأطفال، لكي يعلموا فضل الآخرة، أنه ليس فيها ألم يؤذي.
مسألة:
سئل بعض العلماء عن المرض الذي يصيب الدواب والبهائم، يكون لهم بذلك عوض في الآخرة أم لا؟
قال: في هذا اختلاف بين قومنا ولا أعرف لأصحابنا منه قولا. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والستون والمائة
في إيلام المكلفين
والحكمة في ذلك
قال المؤلف: إيلام المكلفين البالغين على وجوه:
الوجه الأول: أن يؤمر الأنبياء، ومن لا ذنب له؛ لاستحقاق الثواب، كألم الأطفال.
والوجه الثاني: ألم المؤمنين، من كسب الذنوب لم يأت منها. فلكي يكون حظه ذلك، من عذاب النار. فجعل ذلك الإيلام والبلاء عقوبة، لما سلف من ذنوبه. (1/142)
صفحة 143
والوجه الثالث: ألم الكافر، والصرين من الموحدين، على ما كسبت أيديهم، كالمنافقين والفاسقين الظالمين والجائرين ونحوهم، ممن قد أصر. فذلك عقوبة لما كسبت أيديهم، لا أنه ليكون ذلك حظه من العذاب. بل عقوبة في الدنيا والآخرة إلا من تاب وآمن وعمل صالحا، فأولئك من المؤمنين. وقد يعمي الله المؤمن ويصم أذنه. وذلك صلاح له. ولعله لو لم أُعمي أو أصم، لاكتسب بتلك الجارحة، ما يورد به جهنم. وكان في صممه أو عمائه، ارتفاع ذلك الذنب العظيم الذي يورده عذاب الجحيم. وبالله التوفيق.
الباب السادس والستون والمائة
في خلق السباع والهوام والأمراض والأرانيج المكروهة والآلام
قال المؤلف: الحكمة في جعل أذى ذلك لنا في الدنيا، لكي نذكر عذاب جهنم، أن الذي فيها أعظم مما أصابنا. ونذكر نعيم الجنة، نرى لها فضلا عظيما، إذ ليس فيها ألم يؤذي، إلا لذة وسرورا. مع أن الذي يصيبنا من الآلام، ولسع الدواب والأرانيج المكروهة، لو لم يصيبنا شيء من ذلك قط البتة، ما وقع في قلوبنا الزجر، بذكر عذاب جهنم. كما يقع بقلوبنا، إذا أذاقنا الله طرفا من ذلك في الدنيا، من لسع الدواب، وأمراض وأرانيج مكروهة. وبالله التوفيق.
الباب السابع والستون والمائة
في أطفال الكفار والمنافقين أمؤمنون هم؟أم كافرون؟
فقيل: لا مؤمنون، ولا كافرون، لأنهم لم يكفروا بالله، ولم يؤمنوا بالله.
وقال أبو سعيد الكدمي: إنهم ولدوا على الفطرة والدين والإسلام. وإنما يحكم عليهم بالكفر، إذا بلغوا وكفروا، بسوء اختيارهم. ومنهم من يكون سببَ كفرهم آباؤهم، كالذي يهوِّده أبواه، وينصِّره أبواه. والعابد للصنم. والذين ولدوا من الكفار، يكفرهم آباؤهم.
وقال بعض المسلمين: إنهم في النار مع آبائهم. كما أن المؤمنين لحقوا بآبائهم. وبعض قال بالوقوف عنهم. (1/143)
صفحة 144
وبعض قال: إنهم في الجنة، وأن الله تعالى لا يعذب إلا من عصاه؛ لقوله تعالى : { وكلا أخذنا بذنبه } فلا يؤاخذ الطفل بذنب أبويه. والله تعالى يقول: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وقال: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } وقال تعالى: { ذوقوا ما كنتم تكسبون } فهذا ما قيل في الأطفال. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والستون والمائة
في السؤال في الأطفال
كيف يدخلون الجنة ولا عمل لهم والجنة لا تدخل إلا بعمل؟
قال المؤلف الجواب أنه قيل: إنهم دخلوا الجنة، بما يصيبهم من الآلام في الدنيا، لو لم يكن أصابهم من الآلام إلا ألم الموت وحده، كفى ذلك. إن ألم عرق واحد عند الموت، أعظم من سبعين ضربة بالسيف، على الأنف. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والستون والمائة
في النسيان أمن البارئ هو أم من الشيطان؟
قيل إن الشيطان لا يقدر على الخلق والإبداع. فلا يقدر على شيء من أمر الله ومخلوقاته، أن يخلقها كخلق الله به، ويقدر كقدرة الله. فلا يقدر الشيطان أن ينسى أحدا، ولا يذكره. وإنما الشيطان يشغل الإنسان عن الطاعة، فيكون سببا لكون المعصية من العبد.
وتفسير قول الله تعالى: { وما أنسانيه إلا الشيطان } يقول: وما أشغلني أن أخبر بالحوت إلا الشيطان. وقوله تعالى: { وإما ينسينك فلا تقعد بعد الذكرى } الآية. يقول: لا يشغلنك الشيطان.
قال ابن محبوب: من قال: إن النسيان من الشيطان، وليس من الله. يعني ليس في علم الله. فقد كذب. وإن قال: ليس من الله. يعني أن الله لم يحمل العبد على المعصية، ولم يأمره بها فقد صدق.
قال غيره: ولم يخرج ذلك من علم الله. وقالوا نسيان الغفلة من الشيطان. فكل هؤلاء القوم، لم يقدحوا في الشيء غاية القدح، ما يثلج القلب. والله نسأله التوفيق لما يحب ويرضى.
الباب السبعون والمائة
في حكم ما يوجبه العقل في التوحيد
هل يؤخذ به أم لا، إذا أوجبه عقل السامع له، والقارئ له، والفتيا بما يؤجته عقل السامع والقارئ، ونحو ذلك. (1/144)
صفحة 145
من جواب نجدة بن الفضل إلى الإمام راشد بن سعيد –رحمه الله-:
قلت: فما تقول فيمن يجد مسألة في بعض الآثار، من حلال أو حرام، من أمر أو نهي، فيوجبها عقله. هل يجوز له الأخذ بها، والعمل بموجبها، والقيام بما فيها، أم لا يجوز أن يفتي بها، على هذه الصفة؟
الجواب: الذي عرفت أنه لا يجوز أن يفتي من الكتب، إلا بما عرف عدله.
قلت: فإن كانت المسألة في توحيد، فأوجبها عقله وقبلها. هل يجوز اعتقادها, وتخطئة من خلفه فيها أم لا؟
الذي عرفت: أنه لا يجوز اعتقاد شي، من حلال أو حرام، أو توحيد، حتى يعرف جواز ذلك. وقد عرفت أن من قال قولا، أو فعل فعلا. لا يدري أمباح؟ أم محظور؟ إنه إن واق المباح، كان إثما. وإن وافق المحجور، كان هالكا. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والسبعون والمائة
في الأسماء ومعانيها واشتقاقها
وما يدل على مسمياتها
يقال: إن الإسم مأخوذ من السموّ والرفعة. ومن آثار قومنا قال أهل الحق: أن الاسم مشتق من السمو.
وقالت المعتزلة وغيرها من أهل الأهواء: إنه مشتق من السمة. وهي العلامة- انقضى.
فالاسم: سمة الشيء. والصفة: ظهور الشيء. والاسم للنطق، والصفة للنظر. والاسم للسان، والصفة للنفس.
مسألة:
عن أبي محمد قال: الاسم عبارة عن صفة الله. وهو من المتكلم، لأنه محدث.
وكذلك صفة الواصف، هي محدثة المعنى بصفته، هو الموصوف. فهو الموصوف. وهو لم يزل. وهو الله وصفاته، على ما ذكرنا، من الذاتية والفعلية. والاسم والصفة إنما هما عبارة عن ذكر المسمَّى، والموصوف. وهو المقصود. والمراد. والمعنى بهذه الصفة والاسم، فهو الله.
وقال: الاسم دلالة على المسمى، وتعريف له، ودلالة إلى المقصود الله، أنه الخالق الذي لم يزل- تعالى عما نحله المبطلون. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والسبعون والمائة
في أقسام أسماء الله - عز وجل -
أسماء الله تعالى على ثلاثة أوجه:
فمنها: أسماء ليست بصفات.
ومنها: صفات ليست بأسماء (1/145)
صفحة 146
ومنها: ما هي أسماء وصفات. فالآتي أسماء ليست بصفات. الله، والرحمن. هذان الاسمان مخصوصان لله تعالى، ليسا بصفات.
واللاتي صفات ليست بأسماء: فخالق وبارئ ومصور، وما شاكل هذا. واللاتي تجمع الأمرين جميعا: الرحيم القدير الغفور العالم القاهر الجبار المتكبر. وما شاكل هذا، مما يخرج عن الفصلين، المتقدم ذكرهما. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والسبعون والمائة
في إثبات أقسام أسماء الله ووجوبها
أسماء الله ما هي هو أو وغيره
وما هي لا هي هو ولا غيره
أسماء الله تعالى على ثلاثة أقسام:
فمن أسمائه ما يقال: هي هو. وهي كل ما دلت التسمية به علىوجوده.
ومن أسمائه ما يقال: إنها غيره. وهي كل ما دلت التسمية به على فعل، كالخالق والرازق.
ومن أسمائه ما لا يقال: هي هو. ولا يقال: هي غيره. وهي كل ما دلت التسمية به على صفة قديمة، كالعالم والقادر والخالق. وهو الاسم. وهو الرب تبارك وتعالى.
وليس الخالق اسما للخلق، ولا الخلق اسما للخالق. وذلك في جميع الأقسام. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والسبعون والمائة
في أسماء الله تعالى قديمة هي أم محدثة
سألت الشيخ أبا محمد عبدالله بن محمد بن بركة، عن أسماء الله تعالى: أكلها محدثة هي؟
قال: نعم.
قلت: أكان الله تبارك وتعالى، ولا اسم له؟
قال: إن كنت تعني موجودا أحدث الأسماء فنعم. وإن كنت تعني كان الله، ولا سام له معلوم، فلا. لم يزل الله تعالى له الأسماء المعلومة، لا يحصيها غيره وبهذا فصل بين المعلوم والموجود. والاسم غير الله. ولو كان موجودا، كان مع الله غيره. والله تعالى وجل عن ذلك- انقضى. (1/146)
صفحة 147
قال المؤلف: حفظت أنه إنما يقال: كان لما لم يكن، ثم كان. والبارئ تعالى لم يزل قبل كل شيء. إنما يقول السائل: لم يزل الله تعالى، ولا اسم له. فيقول المجيب: إن كنت تعني لم يزل الله ولا اسم له فلا. والذي عرفت أن الله تعالى لم تزل له الأسماء المعلومة. ولم يزل بجميع صفاته الذاتية. فلما أن خلق الخلق أعلمهم كيف يصفونه ويسمونه. فأظهر من المعلوم لهم من ذلك، ما سموه ووصفوه. فأظهره من المعلوم إلى الموجود.
مسألة:
فإن قال قائل: فالله تعالى لم يكن موصوفا، حتى وصفه العباد.
الجواب: إن كنت تعني لم يكن عالما ولا قادرا ولا سميعا ولا بصيرا، حتى وصفه بذلك العباد. فهذا خطأ؛ لأنه تعالى لم يزل عالما سميعا بصيرا، قادرا حيا. وإن أردت أن أحدا لم يصفه، حتى خلق الواصفين له. هكذا نقول: إن الله لم يكن موصوفا، حتى خلق من يصفه كما نقول: لم يكن معبودا، حتى خلق من يعبده، ولا مذكورا، حتى خلق من يذكره.
قال المؤلف: والله تعالى لم يزل واصفا لنفسه في الأزل. فلما خلق من يصفه، أعلمهم بأسمائه فسموه، وبصفاته، فوصفوه. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والسبعون والمائة
في تفسير اختلاف الناس
في أسماء الله - عز وجل - ما هي هي هو؟ أم غيره؟
أم لا هي هو ولا غيره؟
وتفسير جميع ذلك عن الشيخ أبي الحسن البسياني.
بعض يقول: إن الله ليس بمسمى. وهذا القول لا يصح مع أصحابنا؛ لأن قول القائل: الله واسم الله، فقد سماه ووصفه.
ومنهم من قال: إن اسم الشيء لا هو هو، ولا غيره.
وقال الآخرون: الاسم صفة له. وهو غيره.
وقال آخرون: اسم الشيء هو. وإن الواصف للشيء، لا يقع إلا عليه. وإذا كان لا يقع إلا عليه، كان هو.
وعلى قول من يقول: إن الاسم غير المسمى. وإنما هو تعريف له، ووصف يدل عليه من الواصف، في حال وصفه له. فإنما هو تعبير عن صفته، ودلالة عليه. وهو كلام من المتكلم به محدَث. وبالله التوفيق.
الباب السادس والسبعون والمائة (1/147)
صفحة 148
في مذهب من قال: إن اسم الله هو الله
قال الله تعالى: { ويحذركم الله نفسه } ولم يفصل بين الاسم والمسمى. كما يقال: هذا محمد نفسه. وجاءني الأمير نفسه. وقول العرب في لغاتهم: وجه الطريق ووجه الحق، ليس يعنون غير الطريق والحق. وقول الله تعالى: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت } أفتزعمون أنه أمرهم أن ينظروا إلى السماء التي زعمتم أنهلا لا ترى إلا مكنونة. فلما لم يذكر إلا الأسماء، علمنا أنه لا فصل بين الاسم والمسمى؛ لأنه لم يأمرهم، أن ينظروا ويعتبروا بما لا يرونه. ولكن لو قال: أفلا ينظرون إلى المسمى كيف خلقت، وإلى المسمى كيف رفعت، وإلى المسمى كيف نصبت، لكان القول ما قلتم. ثم قسم أسماء الله على هذا. فقلتم: أسماء الله مخلوقة والأسماء غيره، حتى قلتم: إن اسم الله مخلوق. والرحمن مخلوق، والرحيم مخلوق. فجئتم بأعظم الشرك، وأعظم الفرية، وأفحش الفحش، حيث زعمتم أن الله مخلوق وقد قال الله تعالى: { ويحذركم الله نفسه } فلم يفصل بين الاسم والمسمى،كما يقال: هذا محمد نفسه. ووجه الطريق، ووجه الحق، ليس يعنون بذلك، غير ما ذكرنا بعينه، دون غيره.
وكذلك قال غيره في اسم الله. أي هو الله؛ لأن اسم الشيء هو الشيء بعينه. قال لبيد:
... إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
الباب السابع والمائة
في قول من يقول: إن اسم الله هو غيره
اختصرت من كلام أبي المنذر بشير.
فإن قال: أسماء الله هي هو؟ أم غيره؟ (1/148)
صفحة 149
قيل له: إن في قولك أسماء الله إثباتا لأسماء مسمى بها. وفي إثبات أسماء العدد، ظاهر ذلك في اللفظ بها. وفي ذلك ثبوت الغيرية ووجوبها. فالمسموع عالم غير المسموع قادر. والواحد المسمى بهذه الأسماء، ليس بمسموع ولا بذي عدد، ولا غيرية فلو كان هو هذه الأسماء القائمة في أوهامنا، لكانت هذه الأسماء التي لها هذه الصفة معبودنا، وإليها قاصدون، في اعتقادنا لعبادتنا.
وأيضا فلو كانت الأسماء هي المسميات، لكنا إذا وفقنا بين الاسمين، قد وقفنا بين المسميين. فقلنا: إذا قلنا للقديم: قادر. وللمحدث: قادر، كنا قد مسينا القديم بالمحدث، ولثبت فيهما ما ينفي به عنهما. لقولك للقديم: ليس بحركة ولا جسم. وليست الحركة جسما، ولا الجسم حركة. فلو وجبت التسمية بالتسمية، لوجب ذلك في النفي لهما، كالذي قلنا، فيما يقع به الاتفاق به، في النفي له عن القديم والإعراض. ولا فرق في ذلك لمحتج.
فمن امتنع عن صفة المحدثات بذلك، لزمه أن لا يصفها بشيء من الصفات. وفي ذلك الخروج، مما يتعارفه الناس بها من اللغات.
قال غيره: الاسم غير المسمى. وإن معنى قول لبيد، حيث قال:
... إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
أنه ذكر الاسم، وأراد المسمى، على مجاز اللغة وسعتها.
قال غيره: وقد قال الله تعالى: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } فلم يأمرنا أن ندعو إلهين، بل أمرنا أن ندعوَ إلها واحد، بهذين الأسمين.
وقولنا: الله. وقولنا: الرحمن: اسمان لله. وهما غير الله. وأسماء الله كثيرة. والله واحد. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والسبعون والمائة
في قول من يقول: إن اسم الله تعالى
لا هو هو، ولا هو غيره
عن محمد بن محبوب- لا يقال: إن أسماء الله تعالى محدثة. ولكنها لم تزل لله. ولا يقال: إنها هو، ولا غيره، ولا شيء منه؛ لأنه تعالى غير محدود، ولا متبعض تبارك وتعالى. (1/149)
صفحة 150
قال الشيخ أبو محمد: أما صفات الله الذاتية فقديمة. ولا يجوز أن يقال: هي غيره، ولا هي هو.
وأما الصفات الفعلية، فهي غيره. وهي محدثة. ولا يجوز أن يقال: لم يزل الله موصوفا بها.
وقال: الاسم عبارة عن صفة الله. وهو من المتكلم به محدث. فصفة الواصف محدثة، لأن اللفظ محدَث. وهو غير الله فالموصوف قديم لم يزل. والمعنى بالصفة هو الموصوف. وهذا لم يزل. وهو الله وصفاته، على ما ذكرنا من الذاتية والفعلية. والاسم والصفة. إنما هي عبارة عن ذكر المسمى والموصوف هو المقصود والمراد. والمعنى بهذه الصفة والاسم، فهو الله الذي لم يزل بصفات ذاته.
قال المؤلف: قوله: لم يزل موصوفا، قد أوردنا ذلك في غير هذا الكتاب.
قال غيره: أسماء الله وصفاته من ذاته. ولا يقال: هي غيره، ولا هو غيرها. ولا يتبعض منها، ولا تتبعض منه. ولا يوصف بغير ما وصف به نفسه. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والسبعون والمائة
في بيان الأسماء من الصفات
قلت: فالاسم والصفة بينهما فرق في ذلك أم لا؟
فالذي عرفنا أن الله الرحمن اسمان لله. ولا يقال: هما صفة. وما كان من أسماء الذاتية، مثل قولك: الله عالم وسميع وبصير وقدير وغير ذلك. فما كان من صفات الذات، فلا يجوز أن يقال: هي صفة لله، واسم له. وما كان من صفات الذات، التي فيها الألف واللام. فهي صفة لله. واسم الله. وما كان من الصفات الفعلية التي ليس فيها ألف، ولا لام، لم يجز أن يقال: إنها اسم لله. بل يقال: إنها صفة له. وهي مثل خالق وبارئ ورازق. والفعلية التي بألف ولام، فهي الخالق البارئ الرازق المصور. وهي أسماء وصفات.
مسألة:
أسماء الله على ثلاثة أوجه:
فمنها: أسماء ليست بصفات.
ومنها: صفات ليست بأسماء.
ومنها: ما هي أسماء وصفات. فالآتي أسماء ليست بصفات، فاسم الله الرحمن فهذان الاسمان مخصوصان لله، ليسا بصفات. واللاتي صفات، ليست بأسماء.ذ (1/150)
صفحة 151
فخالق وبارئ ومصور، وما شاكل هذا، واللاتي تجمع الأمرين جميعا: الرحيم والقدير الغفور العليم القاهر الجبار المتكبر، وما شاكل هذا، مما يخرج عن الفصلين المتقدم ذكرهما. وبالله التوفيق.
الباب الثمانون والمائة
في أسماء الله الذاتية والصفاتية
والفرق بين أسماء الذات وأسماء الصفات
وأسماء الله صفاته - عز وجل - من ذاته
فصفات الذاتية قديمة. ولا يجوز أن يقال: هي هو، ولا هي غيره، ولا هو غيرها.
وصفات الفعلية، فيه غيره وهي محدثة. والاسم عبارة عن صفة الله. وهو من المتكلم به محدَث.
وكذلك صفة الواصف محدثة؛ لأن اللفظ محدَث وهو غير الله. والموصوف قديم، لم يزل. والمعنى بالصفة، هي الموصوف. وهو لم يزل. وهو الله وصفاته، على ما ذكرنا، من الذاتية والفعلية.
مسألة:
معرفة صفات الذات وأدلتها: أنه تعالى يوصف بها، ولا يوصف بضدها. وصفات الفعل، يوصف بها وبضدها.
فصفات الذات، نحو قولك: لم يزل عالما وقادرا وسميعا وبصيرا وحيا وقاهرا.
وصفات الذات، لا يجوز أن يوصف بضدها. ألا ترى أنك تقول: لم يزل عالما. ولا يجوز أن تقول: وقد كان غير عالم، ثم علم. وتقول: لم يزل قادرا. ولا تقول: وقد كان غير قادر، ثم قدر. فما كان من صفات ذاته، فيوصف بها. ولا يوصف بضدها.
وصفات الفعل، يوصف بها، ويوصف بضدها. ألا ترى أنك تقول: خلق ولم يخلق. وتقول: خالق، وقد كان غير خالق. ثم خلق. وتقول: رازق، وقد كان غير رازق. وأعطى ولم يعط، وأطعم ولم يطعم.
وإنما يجب له الوصف بهذا، وما كان مثله من صفات الفعل، بعد الفعل. ولا يوصف بشيء من هذا، قبل أن يفعله. وكل صفة ذات فجائز أن يقال فيها: لم يزل، كقولك: لم يزل عالما وقادرا وسميعاً وبصيراً. وكل صفة فعل، فغير جائز أن يقال فيها: لم يزل خالقا وبارئا ومصورا ورازقا؛ لأن هذه الصفات فعلية. فإذا وصف بها فقلت: لم يزل، أوجبت قدم الفعل. والله لم يزل واحدا، ثم أحدث الأشياء، فهي محدثة. فلذلك لم يجز أن يقال فيها: بلم يزل. (1/151)
صفحة 152
مسألة:
فإذا اشتبه عليك شيء من الأسماء والصفات. أهي ذاتية؟ أم فعليةّ فأدخل فيها الألف واللام، فإنك تصيب الصفة – إن شاء الله.
وذلك أن تقول: لم يزل الإله. ولم يزل الرب. ولم يزل الله، وهو العالم والخالق والرازق والبارئ والمصور، وغير ذلك من الأسماء.
فإذا أدخلت الألف واللام، في الأسماء والصفات الذاتية، والصفات الفعلية. فأنت تصيب –إن شاء الله- العدل من صفات الفعل.
فإن قال: فيقال: عدل، ولم يعدل.
قلنا: إنا نصفه بالقدرة على العدل. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والثمانون والمائة
في ذكر اسمه - عز وجل -
فأما الله، فالأصل الإله، فحذفت الهمزة، وأدغمت إحدى اللامين في الأخرى فصار الله.
ومعناه: أنه تحق له العبادة، وتنبغي له. والعرب تسمي كل ما كانوا يعبدونه، ويرون عبادته حقا إلهاً.
وقيل: إنه اسم، سمى الله به نفسه، على الاختصاص، كما قال تعالى: { هل تعلم له سميا } .
قال المؤلف: أي هل تعلم أحدا، في البر والبحر، اسمه الله، غير الله؟
قال: وأظن هذا الذي يذهب أليه أصحابنا.
قال المؤلف: ويوجد في تاب الثعلبي، في معنى اسم الله: أنه الخالق لكل شي.
وكذلك ذكر الشيخ أحمد بن النضر في شعره. وإنما غاب عن ابن وصاف تفسيره، ففسر غير ما عني به الشيخ أحمد بن النضر. والشعر هو هذا البيت. قال رحمه الله:
... قلت: معناه تعالى جده: ... أنه الخالق أصناف العبر
والبيت الذي يقول فيه أيضا:
... فعلمنا أن تفسير اسمه ... خالق أجناس ما دب وذر
قال المؤلف: يقول: فعلمنا أن تفسير اسم الله: أنه الخالق لكل شيء. تعالى الله لم يزل إلها.
فإن قيل: هو إله لمن لم يخلق؟
قيل له: ليس الإله بمعدى إلى مفعول. وإنما الإله كان إلها، لأنه تحق له العبادة. (1/152)
صفحة 153
فإذا خلق من تجب عليه عبادته. قيل له: إنه إله لهم. وهو إله، قبل أن يخلق أحدا؛ لأن هذا الوصف، لا يحق إلا له. وأن العبادة لا تحق إلا له. ولو كان إلها، لأنه معبود، لكان كل معبود، يجب أن يسمى إلها ولكانت الأصنام يجب أن تسمى آلهة على الحقيقة. فلما بطل ذلك، صح أن الإله لم يكن إلها؛ لأنه معبود. وإنما كان إلها، لأن العبادة تحق له. فوجب أن يكون لم يزل إليها من قبل أن يعبده أحد، وأنه إله، وإن لم يعبده أحد. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والثمانون والمائة
في الرحمن الرحيم
قيل: معنى الرحمن: رحمن بجميع الخلق، في الدنيا والآخرة. والرحيم: بالمؤمنين خاصة.
وقيل: هما اسمان لطيفان، من أسمائه - عز وجل - .
وقيل: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر.
ولا يجوز لمخلوق أن يتسمى بالرحمن.
وقدم الرحمن على الرحيم؛ لأنه اسم خاص.
والرحيم: اسم مشترك يقال: رجل رحيم. ولا يقال: رحمن.
مسألة:
الدليل على أنه تعالى رحيم، قصده للتخفيف في أوامر التكليف.
وقيل: الرحمن: ذو الرحمة. وهو الذي وسعت رحمته كل شيء.
والرحيم: ذو الرحمة التي خص بها المؤمنين، خصهم بالهداية، والتوفيق في الدنيا، والثواب والدرجات في العقبى.
مسألة:
ويوصف الله تعالى، بأنه راحم لعباده.
ومعنى راحم: أنه منعم، وأنه ناظر لعباده، وأنه محسن إليهم. قال الله تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } وإرساله للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، هو نعمة منه على
عباده. وهو رحمة لهم، كقوله تعالى، في وصف القرآن إنه: { هدى ورحمة لقوم يؤمنون } والقرآن نعمة من الله.
مسألة:
فإن قيل: أليست الرحمة إنما هي رقة القلب؟
قيل له: لا. لأن رقة القلب ليست هي من فعل الرحم. والرحمة: فعل الراحم. (1/153)
صفحة 154
وذلك أن الرقيق القلب ربما حمل نفسه، على قتل من يرق له قلبه. وإنما توهم قوم، أن الرحمة هي رقة القلب. وسموا من كان رقيق القلب رحيما، لكثرة ما توجد الرحمة، من رقيق القلب، كما سمى قوم الشهوة محبة، لكثرة ما توجد المحبة، مع الشهوة. والشهوة في الحقيقة، خلاف المحبة. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والثمانون
في ذكر اسمه - عز وجل - : الرب
الرب: ينقسم على ثلاثة أقسام:
يكون الرب: المالك، رب العباد.
ويكون الرب: السيد، كقوله تعالى: { يسقى ربه خمرا } أي سيده.
والرب: المصلَح.
والمربوب: المصلح. قال الفرزدق:
... كانوا كسائلة حمقاء إذ حقبت ... ... سلاءها في أديم غير مربوب
أي مصلَح.
والعرب تسمي السيد: ربا. قال الحارث بن حلزة:
... وهو الرب والشهيد على يوم ... ... الحوازين والبلاء بلاء
والرب: المالك.
قال الشاعر:
وأنت امرؤ أفضت إليك أمانتي ... وقبلك ربتني فضعت ربوب.
يعني ملكني مملوك.
مسألة:
ولا يقال للمخلوق: هذا الرب، معرفا بالألف واللام. كما يقال لله - عز وجل - . إنما يقال بالإضافة: رب الدار، ورب البيت، لأنه لا يملك غير ذلك.
فإن قيل: الرب معرفا بالألف واللام، دل ذلك على العموم. واستغنوا به عن الإضافة؛ لأنه - عز وجل - ، رب كل شيء ومالكه. فلا يضاف إلى شيء خاص لا به، فيخص به دون غيره.
وأما المخلوق، فيضاف إلى شيء خاص به؛ لأنه لا يملك غيره. فيقال: رب الدار. ورب القوم، أي سيدهم. والإنسان لا يكون ربا على الحقيقة كما يكون مالكا على الحقيقة. وجائز أن يقال لله: رب الأرباب؛ لأن الرب هو المالك. وهاهنا أرباب ما لكون على الحقيقة: والله مالك لهذه الأرباب. ويقال: لم يزل الله ربا للأشياء، على أنه مالك للأشياء.
قال الشيخ أبو الحسن البسياني: يقال: لم يزل ربا؛ لأنه لم يزل قادرا، ومالكا لما يقدر عليه. والبارئ عز وجل رب على الحقيقة، كما كان مالكا على الحقيقة. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والثمانون والمائة
في المالك والملك والمليك (1/154)
صفحة 155
مالك وملك ومليك، قد جاء بهذا القرآن. وهي كلها مشتقة، من الملك. يوصف به المخلوق. يقال للرجل: مالك وملك ومليك. ويقال: ملك أيضا بسكون اللام.
مسألة:
يقال لله تعالى: لم يزل مالكا للأشياء، كما أنه لم يزل قادرا عليها.
فإن قال: ما معنى ملكه، لما لم يوجد؟
قيل: هو قدرته عليه. فلما كان قادرا، على ما لم يوجد، كان مالكا له. وقد قال الله تعالى: { مالك يوم الدين } ويوم الدين، لم يوجد. وقد أخبر أنه مالك له، إذ كان قادرا عليه.
ومعنى المَلك والمالك: هو الذي له الملك.
وحقيقة الملك: القدرة على الخلق والاختراع. والبارئ لم يزل مليكا. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والثمانون والمائة
في السلام
معنى قوله السلام، فهو قريب من القدوس
وقيل: السلامة به ومنه.
فالسلام: اسم من أسماء الله. ومنه سمى الرجل عبدالسلام. فسمى نفسه السلام، بالسلامة، مما يلحق المخلوقين من العيب والنقصان والفناء والموت، والزوال والتغيير.
أبو الحسن: السلام ذكره سلامة على من كره. وهو الذي يسلم الناس من جوره.
مسألة:
قيل: وصف الله نفسه، بأنه السلام المؤمن المهيمن. والسلام: هو المصدر المعقول. فوصف بذلك نفسه، على جهة التوسع، وإرادته هو المسلم الذي السلامة تنال من قبله. فلما كان يعقل عند وصفه نفسه، بأنه السلام، ما أراد من كون السلامة من قبله، جاز أن يصف نفسه بذلك، على جهة التوسع. وبالله التوفيق.
الباب السادس والثمانون والمائة
في المؤمن
أبو الحسن – المؤمن: الذي يؤمن منه الجور. ومنه الأمن.
قال غيره: وقيل: وصف نفسه بذلك: أنه آمن العبادَ، من أيضيع لأحد منهم عنده حق، أو يعاقب أحدا منهم، بغير الحق.
وقيل: المؤمن: هو المصدق لعباده. والعبد مؤمن، أي يصدق الله بوعده ووعيده. ويكون المؤمن الذي أمن أولياءه أن يظلمهم، أي أعطى الأمان على ذلك.
الباب السابع والثمانون والمائة
في المهيمن
المهيمن: هو الشاهد الذي لا يصح عليه الزوال. (1/155)
صفحة 156
قال بعض المفسرين: المهيمن: الشاهد، من قوله: { ومهيمنا عليه } أي شاهدا عليه. وروي ذلك عن ابن عباس – رضي الله عنه- وعنه أيضا أن قوله: ومهيمنا عليه، أي مؤتمنا عليه.
ومن كتاب الزاهر:
المهيمن: القائم على خلقه.
ابن عباس – المهيمن: المؤمن.
أبو محمد- المهيمن: من صفات الفعل. والأسماء الحقيقية: هي المحكمة. وجائز الدعاء بها. والأسماء الفعلية، إنما هي على سبيل المجاز.
فإن قيل: فما معنى وصفكم له، بأنه مهيمن؟
قيل له: معناه هو الأمين على الأشياء. وإنما هذه الهاء التي في المهيمن هي بدل من الهمزة التي في الأمين، عند أهل اللغة.
وكذلك معنى قوله في القرآن: { مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } يعني به أنه أمين على هذه الكتب التي أنزلت قبله. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والثمانون والمائة
في العزيز
العزيز على وجوه:
يقال: عز: أي امتنع. فلم يقدر على شيء منه، فيلزمه هذا الاسم على الحقيقة، إذ لم يقدر على كيفيته. ولم تخلص هذه الصفة إلا الله - عز وجل - إذ كان كل عزيز من الأشياء، يوجد على حال ما هو متغير، من انقلاب الحالات، وتصرف الأوقات من العز إلى الذل. والله - عز وجل - ممتنع من أن تدركه الأوهام والصفات والخطرات.
والوجه الآخر: الغلبة والقهر. يقال: عز: إذا غلب، وقهر. قال الله تعالى: { وعزني في الخطاب } أي غلبني.
والوجه الثالث: العز والمنعة ممن يناوئه ويكيده، والاحتراز منه. يقال: فلان في عز، أي في منعة.
ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: { عزيز حكيم } قال: عزيز في نقمه، حكيم في ملكه.
مسألة:
معنى الوصف لله تعالى، بأنه عزيز: هو أن لا تلحقه ذاته، ولا يقهره أحد، ولا يغلبه شيء.
فإن قال: أفتزعمون أنه لم يزل عزيزا وأن هذا الوصف، وجب له؟
قيل له: نعم وذلك لقوله تعالى: { وكان الله عزيزا حكيما } يعني ممتنعا.
قال أبو الحسن: العزيز نَفَى المذلة عن نفسه في الأزل. (1/156)
صفحة 157
والدليل على أنه عزيز: اقتداره على ما يريده، وإظهاره لكل خلق جديد، وإعزازه لكل مؤمن رشيد، وقمعه لكل شيطان مريد، وقصمه لكل جبار عنيد.
فإن قال قائل: فقد قال الله تعالى: { رب العزة } فالعزة مربوبة، فكيف تكون أزلية؟
قيل له: إن قوله: { رب العزة } في هذا الموضع أن العزة ها هنا: الملائكة. وأما العزيز الحكيم، فهو الله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
قال المؤلف: قوله في أول الباب: إن الله عز أي امتنع، فلم يُقدر على شيء منه، فإنما يوصف بذلك لمن كان ذا أبعاض. فيقال: فلم يُقدر على شيء من أبعاضه. وأما البارئ فيوصف فيقال في هذا الموضع: فلم يقدر عليه.
الباب التاسع والثمانون والمائة
في الجبار
أبو الحسن البسياني: الجبار: هو الذي لا يقاوَم في الحقيقة.
غيره الجبار: الممتنع، على معنى العزيز. والجبار: الذي لا يقدر عليه، ولا يتوصل إليه.
قال الشيخ أبو الحسن البسياني: أيضا الجبار: الممتنع الذي لا يرام، ولا يضام.
الباب التسعون والمائة
في المتكبر
أبو محمد عن قول الله تعالى: { المتكبر } ما معناه؟
قال: معناه الكبير، والعزيز الذي لا يرام، ولا يضام. والحكيم: صفة ذات وصفة فعل.
فالذاتي هو العليم. والفعلي: الذي توجد أفعاله محكمة.
أبو الحسن البسياني- المتكبر: هو الكبير الشأن والمقدار والعظمة.
غيره- التكبر: التعظم. ومعنى المتكبر: أنه يستحق، أنه من صفات المدح، التي هي أعلى رتبة من سائر المدائح. وكان متكبرا على الحقيقة، لأجل ذلك.
وقيل: المتكبر: القاهر للأشياء.
فإن قال قائل: أفتزعمون أنه متكبر؟
قيل له: نعم.
فإن قال: هذه الصفة، وجبت له لذاته؟
قيل له: نعم، بأن وصفنا له، بأنه متكبر، ووصفنا له، بأنه كبير واحد.
وكذلك الوصف له: بأنه متوحد، وأنه واحد، هو معنى واحد.
وكذلك وصفنا له بأنه متجبر، وأنه جبار واحد، كما أن والوصف له، بأنه متقدم، وأنه قديم، هو معنى واحد. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والتسعون والمائة (1/157)
صفحة 158
في ذكر الخالق والخلاّق
الله تعالى: الخالق والخلاّق. فالخالق: معناه: أنه ابتدأ الخلق أول مرة.
والخلاق: لأن من شأنه أن يخلق كل يوم خلقا، من بعد خلق. فالخالق، على وزن فاعل، كقولك: قاتل. وخلاّق، على وزن قتّال. فالخلق: المصدر. قال تعالى: { هذا خلق الله } معنى الخلق. فاشتقاقه التقدير. فسم نفسه خالقا؛ لأنه قدر الأشياء كلها، ثم أمضاها. فهو الخالق في ابتدائه الخلق. والخلاّق، في تتميمه إياه إلى آخر الأبد، بعلم وحكمة. وخلقه تام مصلح، لا فساد فيه.
فالخالق: هو المقدربعلم وحكمة: يقال: خلق: إذا قدَّر بعلم وحكمة، وتدبير ومعرفة. وخرق: إذا قدَّر بغير علم، ولا تدبير. ومنه قيل لمن لا يحسن العمل: أخرق. والمرأة: خرقاء. قال الله تعالى: { وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } . أي كان تقديره لهم، حين خلقهم بعلم وحكمة وقدر.
وأما ما نسبوا إليه، من البنين والبنات، كذبا بغير علم وحكمة. فسمى فعلهم وخلقهم خرقا، إذا كان جهلا وفسادا. قال الله تعالى: { وتخلقون إفكا } .
قال أبو عبيدة: يقدرون كذبا. يقال: قد يخلق- كذبا. فقيل لله تعالى: خالق، لأنه يفعل أفعاله مقدرة، على ما دبرها عليه. وهذا هو معنى الخالق في اللغة.
وقوله تبارك وتعالى: { تبارك الله احسن الخالقين } يقول: أحسن الفاعلين.
وذلك أن خلق وفعل ودبر وصنع وأنشأ وأحدث واخترع وقضى وقدَّر وصور، أسماء مختلفة، معناها واحد في اللغة، غير أن المعنى في الفعل يختلف. والله يفعل بأن يخرج الأشياء من العدم إلى الوجود، ويحدثها لا من شيء. ويجعلها على ما هي عليه، من مخالفتها ما خالفت، وموافقتها ما وافقت. والخلق يفعلون بخلاف ذلك المعنى.
وذلك أنهم يفعلون بأن يكتسبوا ويتحركوا، ويطيعوا ويعصوا، لا يمكنهم غير ذلك.
مسألة:
إن قالت الصابئة: ما الدليل على أن الله خالق موجود؟ (1/158)
صفحة 159
قيل لهم: الدليل على ذلك تواتر الأفعال منه على الإدرار؛ لأنه سبحانه، لو خلق الأشياء، ثم عدم بعد خلقه إياها، لم يخل من أحد أمرين: إما أن تكون بحكمته متقنة، أو غير متقنة، أو غير محكمة.
فإن تكن حكمته متقنة، فواجب أن لا تدخلها الزيادة والنقصان؛ لأن الزيادة والنقصان، لا تكون إلا على غير فاعل موجود. ألا ترون أن الحكيم –فيما نشاهده- إذا كان باقيا يكون متقنا في أحكام صنعته. وإتقانها لا يزيد فيها، ولا ينقص منها، علم أنه حكيم. فلما دل الدليل على أن أفعال الله محكمة، دل أنه حكيم، خالق موجود. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والتسعون والمائة
في ذكر البارئ
قال أهل اللغة: يقال: برأ الله الخلق. والبارئ: الخالق قال الله تعالى: { الخالق البارئ المصور } ففرق بين الصفتين.
قيل البارئ: الخالق.
وقيل: خلق الخلق فقدره، ثم برأه فسواه وعدله
والبَرْى: التسوية. يقال: برأ القلم، إذا سواه.
وقال أهل اللغة: برأ الله الخلق. فالبرية: الخلق. والبارئ: الخالق. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والتسعون والمائة
في المصور
قال الله تعالى: { الخالق البارئ المصور } ابتدأ بالخالق ثم البارئ، ثم المصور؛ لأنه خلق الخلق، ثم برأ لهم النسمات، ثم أظهر صورها. وقامت تامة بتدبيره. فالحال الأول: الخلق، والثاني: بَرْء. والثالث: تصوير. فقيل: إنه تعالى سمى نفسه مصورا؛ لأنه ابتدأ تدبير الخلق في الدنيا، وهو يتمها حتى تصير إلى غايتها التي خلقت في الآخرة، فتظهر صورة الخلائق التي خلقت، وصارت إليه. فهو المصور جل وتعالى، لا صورة له، ولا مثال. بل هو منشيء الصورة والأمثلة، على غايتها. تبارك الله المصور.
والصورة اشتقاقها، من صار يصير. ومعناه: والتمام والغاية. ومنه قولهم: إلام صار أمرك؟ أي منتهاه وغايته. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والتسعون والمائة
في الرءوف
ابن الأنباري- قال أهل اللغة: الرءوف في كلامهم- معناه: الشديد الرحمة. (1/159)
صفحة 160
غيره: فالله هو الرءوف؛ لأنه الراحم بعباده، ولا راحم أرحم منه. ولا غاية وراء رحمته- تبارك وتعالى، الرءوف الرحيم.
الباب الخامس والتسعون والمائة
في الأول والآخر
قيل له - عز وجل - : الأول؛ لأنه لم يزل قبل كل شيء. وكانت الأشياء بعده محدثة.
ودل بأوليته، على أنه لا يزال؛ لأن الذي لا أول له، لا آخر له. فلما ثبت أن الأشياء محدثة، وأن المبتدع لها، لم يزل قبلها. ولا يزال بعده، دل أن الذي ابتدعها، ولم يزل قبلها، ولا يزال بعدها، هو الأول الذي لا يزال قبلها، والآخر الذي يكون بعده أبديا. فقيل له: الأول والآخر.
وقيل: قوله تعالى: هو الأول، أنه لم يزل ولا شيء. والآخر: أنه يبقى ولا شيء. يُفنى الأشياء كلها.
وإنما اختلفت اللفظتان، في أول وآخر، لوجود العالم وعدمه؛ لأنه قيل له: أول، يراد به لم يزل ولا شيء فلما أحدث العالم ثم أفناه. قيل له: آخر، يراد به، أن العالم فُنيَ. والأول: هو الآخر.والآخر: هو الأول.
فإن قال قائل: لم يزل أولا آخرا؟
قيل له: الأول والآخر، لم يزل.
وأما قوله: لم يزل أولا. فهو كلام صحيح؛ لأنه لم يزل ولا شيء. وأما قوله: لم يزل آخرا، يريد أن الأشياء لم تزل، وفنيت. وهو آخر، أنه باق. وهذا كلام خطأ، لأن الأشياء لا يقال لها: لم تزل ولا يقال: لم تزل فانية؛ لأن هذا متناقض؛ لأن قولك: لم تزل إثبات لها أنها لم تزل موجودة.
وقولك لم تزل فانية. كأنك قلت: لم تزل موجودة معدومة. وهذا نقض. ولكن يقال: لم يزل أولا. يراد أنه لم يزل أولا ولا شيء. فلما أحدث الأشياء، صارت موجودة أوجدها. فقيل لها: موجودة إذا أوجدها. والأشياء صارت موجودة، إذا حدثت.
وليس قولهم: يكون آخرا، كما كان أولا. ولا أنه تعالى يحدث منه تغيير. ولكن المراد في ذلك أن الأشياء تفنى، بعد أن كانت موجودة، ووجدت بعد أن لم تكن شيئا. فاختلف التغيير؛ لاختلاف وجود الأشياء وعدمها.
والأول: هو الآخر. والآخر: هو الأول. وبالله التوفيق. (1/160)
صفحة 161
الباب السادس والتسعون والمائة
في الظاهر والباطن
قيل لله تعالى: ظاهر؛ لظهور صنعته. كما يدل البناء على الباني.
وقال آخرون: معنى الظاهر: أن ما يظهر من الأشياء، ليس بأقرب إليه مما بطن والباطن: العالم بما بطن.
وقيل: الباطن الذي ليس ما بطن من الأشياء، بأبعد إليه مما ظهر.
والظاهر: بمعنى الغالب. قال الله تعالى: { وإن تظاهرا عليه } أي تعاونا. وقال: { والملائكة بعد ذلك ظهير } أي معين بقوة مقوّ.
وقيل: قيل له: الباطن؛ لأنه تعالى خفى عن أن يكون تدركه أبصار الخلائق بكيفية، أو تحيط به أوهامهم، أو تبلغه صفاتهم، أو تدركه عقولهم.
وقيل: الظاهر: القادر القاهر، والباطن بكل شيء علما.
وقيل: الظاهر: العالم بما ظهر، والباطن: العالم بما بطن. وبالله التوفيق.
الباب السابع والتسعون والمائة
في الفتاح
ابن الأنباري: الفتاح –في كلامهم-: الحاكم. قال الله تعالى: { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } معناه: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.
قال غيره- معناه: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر.
وقال المفضل في قوله تعالى: { قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق } أي يحكم بيننا.
وقال الفراء: أهل عمان يسمون القاضي الفتاح. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والتسعون والمائة
في الحكيم
الحكيم: صفة ذات، وصفة فعل. فالذاتية: هو العليم الذي توجد أفعاله محكمة.
والحكم: هو معنى العلم. والحكمة هي العلم. فيقال: لم يزل حكيما، على معنى لم يزل عالما.
ولا يجوز أن يقال: لم يزل حكيما، على أنه فعل أفعالا محكمة متقنة، لأن هذا هو من صفاته الفعلية.
مسألة:
والدليل على أنه حكيم: هو وضعه الأشياء مواضعها، وإحكامه لها، على حسب مصلحتها، إذ لا يضع الشيء في موضعه، ويحكم له بمصلحته إلا عالم حكيم؛ لأنه لو لم يكن حكيما، كان عابثا. والعابث لا يكون عالما.
والحكمة: حكمتان: حكمة في الذات، إذ لو لم يكن حكيما، لم تتأت منه أحكام المحكمات. (1/161)
صفحة 162
وحكمة: هي الفعل والتقدير، إذ ليس في حُكمه تفاوت، ولا تغيير. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والتسعون والمائة
في العلم والعالم والعلاّم
يقال لله تعالى: علم وعالم وعلاّم، كله بمعنى. وقد جاء به القرآن كله وجائز أن يقال: هو فوق عباده في العلم والقدرة، كما قال الله تعالى: { وفوق كل ذي علم عليم } يعني نفسه - عز وجل - . وهو أيضا على التوسع والمجاز.
مسألة:
الدليل على أنه تعالى عالم: أن كل صنعة محكمة لا تقع إلا من عالم بها؛ لأنا لا نثبت في الفعل، ولا في الحسن صانعا، صنع صنعة محكمة، لا تقع إلا وهو عالم بها؛ لأن في الشاهد أن الفاعل متى فعل فعلا حكيما، كنسج الديباج، وصناعة الإكليل، وما أشبه ذلك، لا يصح وقوع هذه الأفاعيل منه، إلا أن يكون عالما بها؛ لتعذر ما ذكرناه، ممن ليس بعالم. وغير الله تعالى يوصف في الحقيقة، بأنه عالم. ولا يكون ذلك تشبيها به تعالى بخلقه؛ لأن الله تعالى عالم بنفسه. فلا يثبت معه شيء غيره، يسمى علما، صار به عالما.
وقيل لغير الله: عالم. إنما هو عالم بعلم. وهو غيره، صار به عالما.
مسألة:
فإن قيل: أفتزعمون أن العلم من صفات الذات؟
قيل له: ليس كذلك نقول. ولن نثبت مع الله معنى يسمى علما. فيجوز أن يقال: إنه من صفات الذات. ولكن قولنا الله: عالم، هو صفة، وجبت له لذاته.
وقال أبو الحسن البسياني: العلم صفة ذات، لم يزل الله عالما بما يكون، وما لا يكون. وبالله التوفيق.
الباب المائتان
في الحليم
الحليم: صفة ذات، وصفة فعل. فالذاتي بمعنى العليم. قال الله تعالى: { فبشرناه بغلام حليم } يعني علما. والحليم الفعلي: من تأخير العقوبة صفة للفعل. والله أعلم. فلا يقال بمعنى الحليم الذي بمعنى الفعلى، لم يزل حليما. حتى يقال: لم يزل حليما عن العباد، مذ عصوه. فيرد ذلك إلى غاية وأول.
مسألة: (1/162)
صفحة 163
فإن قال: أفليس لا تثبتون ترك الله الانتقام فعلا منه، إذ كان له الترك من الله ليس بمعنى عندكم، لا يترك على الحقيقة. فما الحكم الذي تسمونه فعلا لله على الحقيقة، إن لم يكن ذلك منه ترك الانتقام؟
قيل له: حلم الله عن العصاة، هو ما يفعله بهم، من النعيم والعافية، التي يضاد كونها كون الانتقام، لأنه تعالى لو انتقم، لم يجز أن ينعم عليهم، مع الانتقام بهذه النعم. فلما كانت هذه النعم منتفية الانتقام، كما كان ترك الانتقام منافيا للانتقام، كانت هذه النعم حلما من الله، إذ حدث منه، بدلا من الانتقام. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والمائتان
في القديم
من صفاته – عز وجل–:أنه قديم بنفسه، وجب له هذا الوصف لتقدمه. وكل متقدم من الأشياء، فواجب له هذا الاسم، إذا بولغ له بالوصف بالتقديم، غير أن سائر الأشياء، إذا سميت بهذا الاسم فإنما يعني به أنه قديم إلى نهاية وغاية وأول والله تعالى قديم، لا إلى أول، ولا إلى غاية.
فمن ذلك قوله تعالى: { حتى عاد كالعرجون القديم } معنى أنه المتقدم والعرجون له أول، وغاية ونهاية، ينتهي إليها. وقال تعالى: { فسيقولون هذا إفك قديم } ومنه قول أهل اللغة: هذا بناء قديم وملك فلان لهذه الدار، ملك قديم، يريدون قدم البناء، وقدم الملك. وكل ذلك له بداية ونهاية. وقولنا لله: قديم، هو صفة لذاته. وليس نثبت معه معنى يسمى قديما. ولسنا نقول: إن القديم صفة؛ لأن القديم هو الموصوف.
وإنما قولنا: هو قديم صفة، وجبت له لذاته. وهو كقولنا: الله قديم. والله عالم. والله قادر.
ومعنى قولنا: صفات الفعل. إنما أردنا به الصفات التي وجبت لله لأفعاله، نحو قولنا: خالق وخلاق ومنعم. والصفة والوصف شيء واحد. وهو قول الواصف لما يصفه. وليس بين أهل اللغة في ذلك اختلاف، لأنهم جميعا يجيزون أن الوعد والعدة شيء واحد عندهم، وأن الوصف والصفة شيء واحد. (1/163)
صفحة 164
وكذلك الوزن والزنة، والوجه والجهة. فجائز أن يقال لله تعالى: قديم أزلي؛ لأن القديم المتقدم للأشياء. والأزلي الذي لم يزل قبل الأشياء. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والمائتان
في السميع
السميع البصير: من صفات الذات. يقال: لم يزل سميعا، ولم يزل بصيرا. والدليل على أنه سميع: أنه لو لم يكن سمعيا، لكان مأووفا والآفة: هي التي تنفي الألوهية عن البارئ- عز وجل.
وقيل له تعالى: سميع؛ لأنه عليم. وسمعه: علمه وعلمه: ذاته. ولو لم يكن يوصف بأنه سميع بصير، وصف بضد ذلك. ولا يجوز أن يقال: لم يزل سامعا، ولا لم يزل مبصرا.
فالبارئ سميع، لا يخفى عليه شيء من الأصوات. وليس سميع يتعدى إلى مفعول. وإنما يتعدى إلى مفعول سامع. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والمائتان
في البصير
قيل له تعالى: سميع بصير، بمعنى العليم؛ لأن السميع والبصير، الذي وصف به البارئ: هو العلم، لا أنه سميع بأصمخة، ولا بصير بحدقة- تعالى الله عن ذلك. إنما ذلك كله العلم. فلذلك قيل له: لم يزل سميعا، ولم يزل بصيرا.
وقيل: البصير: صفة ذات، لم يزل الله بصيرا، كما وصف نفسه: { إنه هو السميع البصير } .
فمعنى البصير: لا تخفى عليه المبصرات والمرئيات. ولا تغيب عنه المقدورات، ولا تفوته. ولا يجوز أن يقال: لم يزل مبصرا، لأنه لا بد أن يكون معدّى إلى المبصر. فلما لم يجز أن يكون المبصر إلا وهو موجود، لم يجز أن يوصف الله تعالى بأنه مبصر له، لأنه لا يكون مبصرا إلا وهو موجود.
مسألة:
والوصف لله تعالى، بأنه لم يزل رائيا، يتصرف على وجهين:
أحدهما أن يوصف الله بذلك. ويعني أنه عالم. فجائز أن يقال: لم يزل رائيا، على أنه لم يزل عالما، إذا كانت الرؤية في اللغة علما. (1/164)
صفحة 165
ووجه آخر: أن يوصف بأنه راءٍ. ويعنى مبصرا للمبصرات، ومدركا للمدركات. فلا يجوز من هذا الوجه أن يقال: إن الله لم يزل رائيا، كما لم يجز أن يقال: لم يزل الله مبصرا، لأن المرئي المدرك، لا يكون مرئيا مدركا، إلا وهو موجود كما لا يكون مبصرا إلا وهو موجود. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والمائتان
في ذكر سبوح
سُبُّوح: هو اسم مبني على فُعُّول من قولك: سبحان الله. قال تغلب: سُبوح قدوس، مضموم أولهما.
مسألة:
فإن قال: أفتزعمون أن الله تعالى لم يزل قدوسا.
قيل له: نعم.
فإن قيل: فما معنى وصفكم له، بأنه قدوس؟
قيل له: معنى ذلك أنه يجب أن ينزه عما جاز على عباده، من ملامسة النساء ومن اتخاذ الصاحبة والولد. ومن كل ما جاز على عباده، من أمثال ذلك.
مسألة:
فإن قال: أفتزعمون أنه سبوح؟
قيل له: نعم.
فإن قال: وما معنى الوصف له، بأنه سبوح وقدوس؟
قيل له: معنى ذلك معنى واحد. وهو أنه يجب أن ينزه عما جاز على عباده، من اتخاذ الصاحبة والأولاد، ومن سائر الصفات، التي تجوز على المخلوقين. فيجب أن لا تجوز على رب العالمين.
قال أبو محمد: وقوله: سبحان الله، هو على سبيل التنزيه.
مسألة:
وأما ما سألت عن قول الله –عز وجل-: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } فتلك عندنا من الخلق كله، الإذعان لله بالطاعة. وأنه ليس يمتنع منه شيء يريده. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والمائتان
في ذكر قدوس
قدوس مبني على فُعُّول، مثل سبوح. والتقديس قريب من التسبيح في المعنى. فمن قدس الله، فقد نزهه، وأخلص له الواحدانية قال الله تعالى –حكاية عن الملائكة-: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } أي نطهر لك. والتقديس: التطهير.
وقيل في قوله –عز وجل-: { الأرض المقدسة } أي المطهرة. وبيت المقدَّس: أي المطهر.
فمعنى القدس: الطاهر. فهو الله الطاهر عن الأشباه والأمثال _ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
مسألة:
فإن قال: أفتزعمون أن الله لم يزل قدوسا.
قيل له: نعم. (1/165)
صفحة 166
فإن قال: فما معنى وصفكم له، بأنه قدس؟
قيل له: معنى ذلك أنه يجب أن ينزه عما جاز على عباده، من ملامسة النساء، ومن اتخاذ الصاحبة والأولاد. وكل ما جاز على عباده، من أمثال ذلك. وبالله التوفيق.
الباب السادس والمائتان
في الجواد
الجواد في لغة العرب: هو الذي يتفضل على من لا يستحق، ويعطى من لا يستوجب، الذي لا تحصى عطاياه.
فإن قال: أفليس يقال: فرس جواد، على غير معنى الإفضال؟
قيل له: قد يقال: فرس جواد. وهم يريدون أنه سريع العدو. والبارئ تعالى، لا يجوز أن يوصف من هذا المعنى، لأن العدو والحركات، لا يجوزان على الله. ولا يجوز أن يوصف بالسرعة_ تعالى الله عن ذلك. وإنما يوصف بأنه جواد كما يوصف ذو البذل والسخاء منا، بأنه جواد، بأنه يراد به إنعامه وأفضاله، وجوده وكرمه. فلما وصف الله تعالى نفسه؛ بأنه جواد كريم، وصفناه به.
مسألة:
فإن قال: أفتزعمون أن الله لم يزل جوادا؟
قيل له: لا؛ لأن الجواد منه إنعامه وإفضاله، على عباده. وذلك فعل منه. ولا يجوز أن يكون لم يزل موصوفا بذلك.
فإن قال: أفتزعمون أنه سخي؟
قيل له: لا.
فإن قال: فما الفرق بين ذلك؟
قيل له: إن السخاء في اللغة: إنما هو اللين. ومنه يقال: أرض سخاوية، إذا كانت لينة. ويقال: قرطاس سخاوي: إذا كان لينا وإنما قيل للجواد من المخلوقين: سخي؛ للينة عند الحوائج، إذا طلبت منه. وبالله التوفيق.
الباب السابع والمائتان
في الكريم
قال أبو محمد: الكريم: صفة ذات، وصفة فعل الذاتي بمعنى العزيز الممتنع. والفعلي، بمعنى للفضّل بالإعطاء فيجوز أن يقال: لم يزل كريما، على المعنى الأول. ولا يجوز أن يقال: لم يزل كريما، على المعنى الثاني.
مسألة:
قال أهل اللغة: والكريم: المرتفع من كل شيء يقال: فلان أكرم قومه: أي أرفعهم منزلة وقدرا. (1/166)
صفحة 167
وكذلك كل شيء، ارتفع عن منزلة نظرائه. يقال: فرس كريم، إذا كان أشهر الأفراس فراهة. وشجرة كريمة، أي ناعمة حسنة نضرة. وقوله تعالى: { إني ألقي إليَّ كتاب كريم } أي شريف.
وقيل: مختوم.
ويقال: فاضل. وقال الله تعالى: { لهم مغفرة ورزق كريم } أي فاضل.
مسألة:
فإن قال قائل: ما الدليل على أنه كريم؟
قيل له: إعطاؤه خلقه ابتداء ولا يريد على ذلك مكافأة، ولا أجرا.
والكريم على وجهين: ذات وفعل. وكرم ذات: هو المتنزه عن صفات المحدثين، والتقديس عن أفعال المربوبين.
وكرم الفعل: هو البذل والإعطاء. وجميع ما تفضل به عليهم في الآخرة والدنيا.
والحجة على كرم الذات: قوله تبارك وتعالى: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } .
والحجة على كرم الفعل: قوله تعالى: { لهم مغفرة ورزق كريم } والكريم: الصفوح. وقوله تعالى: { إن ربي غني كريم } أي صفوح. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والمائتان
في الودود
الودود: المحب لعباده الصالحين.
وقيل: قوله: ودود، فيه معنيان يقال: فعول بمعنى مفعول، أي مودود.
ويقال: فعول، بمعنى فاعل، أي هو الله عز وجل، يود عباده الصالحين. ومنه: شكور لعبده على عمله والعبد شكور لنعمة ربه.
وقوله تعالى: { الغفور الودود } يعني المتودد إلى عباده، بم يوليهم، ويجري عليهم من نعمته، في دينهم ودنياهم.
قتال المؤلف: وحب الله لعباده الصالحين: هو ثوابه الذي يثيبهم به في الجنة. وجائز أن يقال: إنه ودود. ويُدعى: يا ودود. كما وصف نفسه، في كتابه، أنه ودود. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والمائتان
في الحي
الحي من الحياة، أي أنه الدائم الذي لا يفنى، الحي الذي لا يموت. فهو عز وجل الحي الذي له الحياة الدائمة، الذي لا يزال حيا، لا بحياة هي غيره. بل حي بنفسه، يحي ويميت. وهو حي لا يموت.
وأثبتناه عز وجل حيا، لا بحياة هي غيره، بل حيا بنفسه؛ لأنه عالم قادر. فلا يجوز أن يعلم إلا حي. ولا يجوز أن يقدر على الأشياء إلا حي. (1/167)
صفحة 168
فلما كانت أفعاله دالة، على أنه عالم بها، وقادر عليها، كانت أيضا دالة على أنه حي، ووصفنا غيره أيضا، بأنه حي على الحقيقة، إلا أنه حي بحياة هي غيره.
الدليل على أن الله حي: هو ما ظهر من أفعاله. وقد ثبت أنه لا تصح هذه الأفعال، إلا من قادر عالم، والقادر العالم، لا يكون إلا حيا. وبالله التوفيق.
الباب العاشر والمائتان
في العلي الجليل العظيم الرفيع الشريف
قد وصف الله تعالى نفسه: بأنه العلي العظيم. فقال: { وهو العلي العظيم } .
فالعلي الجليل العظيم: كل هذه الأسماء بمعنى واحد. وهو أنه سيد مالك الأشياء، قاهر لها، وأنه على جميع الأشياء كلها مقتدر؛ لأن سيد القوم: كبيرهم، وجليلهم وعظيمهم والعلي يكون بمعنى الغالب والقاهر، في اللغة، نحو قوله تعالى: { ولعلا بعضهم على بعض } يعني بذلك غلب بعضهم بعضا وقهره. ومثله قوله تعالى: { إن فرعون علا في الأرض } يعني قهر أهلها، وستولى عليهم.
وقال أبو محمد فيما أحسب قال في العلي الأعلى، يريد بذلك رفع المقدار، وارتفاع المنزلة. لا يجوز أن يريد رفيع المكان. وإنما يريد رفيع المنزلة والشأن.
مسألة:
فإن قال: أفتزعمون أن الله لم يزل عليا؟
قيل له: نعم؛ لأنه لما كان الله تعالى قاهرا مقتدرا على الأشياء كلها، كما قلنا، وجب أن يقال: عليٌّ ومتعال.
وقد يوصف، بأنه متعال، على جهة، أنه متنزه جليل. نحو قوله تعالى عز وجل: { تعالى عما يشركون } ونحو قول المسلمين: تعالى الله عن وصف الجاهلين؛ لأن معنى ذلك: أن الله تعالى يجل عن ذلك، وأنه منزه عنه.
مسألة:
فإن قال: أفتزعمون أنة رفيع، وأنه شريف، كما زعمتم أنه عليٌّ؟
قيل له: إن أصل الارتفاع في اللغة والشرف: هو ما يُعقل، من ارتفاع مكان الشيء وإشرافه. فلما لم يجز على الله، أن يوصف بارتفاع المكان، ولا بالإشراف، لم يجز أن يقال: إنه شريف رفيع.
فإن قال: أفليس يقال: رفيع شريف. وإنما يعنون به سؤدده، وعظم قدوه وليس يعنون بذلك ارتفاع مكانه؟ (1/168)
صفحة 169
قيل له: بَلَى. ولكن أصل ذلك هو من الارتفاع والإشراف المعقولين، اللذين وصفناهما.ووصفوا بذلك السيد، من هذا المعنى، توسعا. وأرادوا به أرفع من غيره وأشرف. فلما كان أصل هذا المعنى، لا يجوز على الله، لم يجب أن يوصف به الله عز وجل. ولو وجدنا في صفاته تعالى شيئا من هذا، لحملناه على المجاز، دون الحقيقة.
فإن قال: أفليس العلو في اللغة، قد يكون بمعنى الارتفاع، وعلو المكان؟
قيل له: بَلى. وليس هذا من المعنى الذي وصفنا الله تعالى، بأنه عليّ. وإنما وصفناه بذلك، على وجه ما ذكرنا.
فإن قال: أفليس قد قال الله تعالى: { رفيع الدرجات ذو العرش } ؟
قيل له: بَلى.
وقوله: { رفيع الدرجات } إنما هو للدرجات. وليس بصفة الله تعالى. والدرجات هي غير الله. فدرجات الله رفيعة والله لا يوصف، بأنه رفيع. ولو وجدنا ذلك في صفاته، لما كان معنى ذلك إلا مجازا، دون الحقيقة.
مسألة:
قال أبو محمد: العلي: هو العالي المنزلة. وبالله التوفيق.
الباب الحادي عشر والمائتان
في ذكر العظيم
معنى قولنا: الله عظيم: أنه عظيم الشأن والمنزلة. وقد سمى الله تعالى نفسه، بأنه عظيم. فقال: { وهو العلي العظيم } والعظيم على وجهين:
عظيم على الحقيقة. وهو عظيم على ما يجوز مثل قول الله تعالى: { فكان كل فرق كالطود العظيم } وقوله لرسوله صلى الله عليه وسلم: { وإنك لعلى خلق عظيم } وقال: { عذاب يوم عظيم } .
مسألة:
فإن قال: فما الدليل على أنه تعالى عظيم؟
قيل له: عُلُوُّه على الأشياء. وقهره للأرض والسماء، وما بينهما من جميع الأشياء، ودليل على عظمة الله تعالى العلي الأعلى.
مسألة:
قال الشيخ أبو محمد: العظيم: هو المستحق أن يُعظَّم.
وكذلك الكبير والجليل. وهو العظيم الشأن. وكل شيء دونه صغير فقير. وبالله التوفيق.
الباب الثاني عشر والمائتان
في القيوم (1/169)
صفحة 170
قال أبو عبيدة: القيوم: القائم على كل شيء وهو الدائم الذي لا يزول وهو فيعول. وعن ابن عباس –رضي الله عنهما- القيوم: القائم على العباد بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم.
وعنه أيضا قال: القيوم: الأول الذي لم يكن قبله شيء.
مسألة:
فإن قيل: أفتزعمون أن الله قيوم، وأنه لم يزل قيوما.
قيل له: نعم، على وصفنا له تعالى: بأنه قيوم، وأنه قائم، مثل وصفنا له، بأنه دائم.
وقد يجوز أن يقال: لم يزل دائما، لا أول له. كما يقال: ما زال دائم الوجود لا أول لوجوده. وليس يقصد بذلك، ما قصدنا بقولنا: دائم لا يفنى.
ويقال: لم يزل كبيرا، ولم يزل عليا، بمعنى الغالب ولم يزل فردا منفردا. ولم يزل موجودا كائنا. ولا يقال: لم يزل دائما، لا يفنى كما يقال: لم يزل دائما، لا أول له. وما زال دائم الوجود، لا أول لوجوده وليس يقصد بذلك ما قصدناه، بقولنا: دائما لا يفنى؛ لأن قولهم: لم يزل دائما لا يفنى، ليس لهذا الوجه معنى. ولكن يجب أن يوصف: لا يزال دائما لا يفنى. إن ما يضح على هذا الوجه، إنما يستعمل على سبيل الفعل المستقبل، وإن لم يكن دوامه فعلا.
وقيل: القيوم: القائم بالقسط في خلقه. وبالله التوفيق.
الباب الثالث عشر والمائتان
في القادر والقدير والمقتدر
يقال لله تعالى: قادر وقدير بمعنى.
والقادر: هو الذي يصح أن يفعل، وأن لا يفعل، إن لم يكن ممنوعا. والله سبحانه فَعَلَ فِعْلَ العالِم. وكان يصح أن لا يفعل. فصح أنه قادر.
وقولنا: أن يفعل وأن لا يفعل، احترازا من النار؛ لأن النار يقع منها احتراق فلا يجوز أن لا تحرق. فلذلك قلنا: إن النار ليست بقادرة.
مسألة: (1/170)
صفحة 171
الدليل على أن الله تعالى قادر: وجود أفعاله، التي قد صح أنها باختبار، قد ثبت في العقل، وقام في النفس أن الفعل الذي هو كذلك، لا يقع إلا من قادر. كما ثبت أن الفعل المتقن المحكم لا يقع، إلا من عالم. ثم إن الدليل على أن الله لم يزل قادرا، وأنه قادر بنفسه، لا بقدرة هي غيره. هو ما قدمناه في باب العلم.
مسألة:
ويوصف الله تعالى، بأنه مقتدر، كما وصف نفسه. فقال: { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } .
والدليل على أنه قادر: إيجاده للأشياء من غير شيء؛ وأمانته لكل حي، دليل على أنه قادر على كل شيء.
مسألة:
فإن قال: أفتزعمون أن الله قادر؟
قيل له: نعم.
فإن قال: أفليس قادر من صفات الذات؟
قيل له: إن القادر هو الموصوف. وليس هو الصفة. وإنما الصفة قولنا: الله تعالى قادر. ولكن وجب هذا الوصف له، لذاته سبحانه، لأن ذاته ذات قادرة. ولم تكن قادرة بقدرة، هي غيره.
فإن قال: أفتزعمون أن غير الله قادر، على الحقيقة؟
قيل له: نعم؛ لأن غير الله لو لم يكن قادرا على الحقيقة لم يجز أن يصير فاعلا بنفسه، لا بقدرة هي غيره ووصفنا غيره، بأنه قادر بقدرة، هي غيره، لولاها لم يكن قادرا. وليسه قادرا بنفسه. هذا فرق ما بين القادرين. وبالله التوفيق.
الباب الرابع عشر والمائتان
في ذكر القاهر والقهار
يقال لله تعالى: قاهر وقهار. ومعنى القاهر: أنه مالك للأشياء، مقتدر عليها وأنها لا تطيق الامتناع، مما يريد إنفاذه فيها.
فإن قال: أفتزعمون أن الله تعالى لم يزل قاهرا، وأن هذا الوصف، وجب لله لذاته؟
قيل له: نعم.
فإن قال: أفتزعمون أن الله تعالى لم يزل قاهرا للأشياء قبل أن يخلقها؟
قيل له: نعم؛ لأنهلم يزل مقتدرا عليها. فاقتداره على ما لم يوجد، هو قهره لذلك. وبالله التوفيق.
الباب الخامس عشر والمائتان
في الوتر
الوتر فيه لغتان: وتر ووتر، بفتح الواو وكسرها.
والوتر بمعنى الفرد. والشفع، بمعنى الزوج. (1/171)
صفحة 172
قال المفسرون- في قوله تعالى: { والشفع والوتر } فالوتر: هو الله تعالى. والشفع: هو الخلق. فالله تعالى لا شفع له، أي لا زوج له، من شكل أو ضد.
والأشكال والأضداد: هي شفع لبعضها البعض. والله تعالى فرد وتر، لا بمعنى عدد. كما يقال للواحد: فرد وللاثنين: زوج وللثلاثة: فرد. وللأربعة: زوج.
فالله تعالى فرد، بمعنى الوحدية والفردية وليس هو متوجها، كتوجه الواحد بالوحدانية. فاجتمعت في الواحد، بمعنى الوحدية والفردية؛ لأن الواحد اسم، لا يلزم إلا الواحد، وللفرد اسم، يلزم الواحد والثلاثة والخمسة. فهذه أفراد كلها اشتركت، في اسم الفردية. وتفرد الواحد بالوحدانية، واختص بها، ولم يشركه في هذه الأسماء شيء من الأعداد. وبالله التوفيق.
الباب السادس عشر والمائتان
في البار
ويوصف الله تعالى: بأنه بادر بعباده؛ لأن بره وفضله، قد عمهم.
مسألة:
ولا يقال: ما أبره بخلقه. وبالله التوفيق.
الباب السابع عشر والمائتان
في اللطيف
اللطيف: هو القائم الذي لا تخفى عليه خافية. وهو الرحيم بعباده.
واللطيف من العباد: الرقيق النظر، العالم بغوامض الأمور. تقول العرب: لطف به، أي رفق به. فسُمي الله تعالى لطيفا؛ لأنه لطيف في صنعه، برأفته ورحمته. فلم يدع شيئا من لطيف صنع إلا خلقه بلطفه وحكمته.
قال المفضل: اللطيف: الواسع العليم. واللطف: التوصل إلى علم الشيء.
والوصف لله تعالى، بأنه لطيف، بمعنى أنه منعم. وبمعنى أنه لطيف التدبير والصنع؛ لأن تدبيره لطيف، لا يعرفه العباد للطفه.
وقد وصف الله تعالى نفسه، بأنه لطيف خبير. والنعمة تسمى في اللغة: لطفا. ويقال: فلان هو ببعض ولده، ألطف منه بغير. يريدون أن نعمته عليه أكثر. وبالله التوفيق.
الباب الثامن عشر والمائتان
في ذكر القوي
وجائز أن يوصف الله تعالى، بأنه قوي على الحقيقة، كما يقال: إنه قادر على الحقيقة.
الباب التاسع عشر والمائتان
في المُقيت
قال ابن الأنباريب: المقيت قيه قولان: (1/172)
صفحة 173
قال بعض: الحفيظ.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما المقيت: المقتدر.
وقال أبو عبيدة: المقيت أيضا عند العرب: الموقوف على الشيء. قال الشاعر:
... ليت شعري وأشعرنْ إذا ما ... أخرجوها مطوية ودعيت
... أإلى الفصل أم عليَّ إذا حو ... سبت إن على الحساب مُقيت
أي على حساب موقوف. والمقيت: الخالق للأقوات.
وجائز أن يقال: يا مقيت؛ لأن الله قد وصف نفسه بذلك. فقال تعالى: { وكان الله على كل شيء مقيتا –وكفى بالله حسيبا- لك أوّاب حفيظ } . وبالله التوفيق.
الباب العشرون والمائتان
في العفوّ (1)
الباب الحادي والعشرون والمائتان
في الغفور والعفار
يقال لله: غفور وغفار وغافر، ثلاث لغات وهو من المغفرة. والمغفرة: الستر. كأنه تعالى ستر ذنوب العباد.
وأما الغافر فإنه يقال بالإضافة: غافر الذنوب ولا يجوز أن يقال: لم يزل الله غفورا. ولكن يقال: لم يزل الله، وهو الغفور. ولم يزل الغفور؛ لأنها من صفات فعله، لا يجوز أن يقال فيها لم يزل. وإذا وصف فيها بلم يزل، فقد أوجب قدم الفعل والله تعالى، لم يزل واحدا، ثم أحدث الأشياء. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والعشرون والمائتين
في المجيب
المجيب: الذي يجيب من دعاه. وقوله تعالى: { ادعوني أستجب لكم } يقول: ادعوني موحدين لأستجيب لكم، بما وعدتكم من الجنة. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والعشرون والمائتان
في ذكر الشكور
الشكور: بمعنى الشاكر ومعنى المشكور.
والشكر لله: هو الثناء عليه بنعمته وشكرته إذا أثبت عليه بمعروف أولاكه. ومن شكر فقد حمد؛ لأن الشكر يجمع الحمد والشكر جميعا.
ومن كتاب الزينة:
قال: وكان الله سمى نفسه شكورا؛ لأنه يرضى من عباده بالقليل من العبادة.
مسألة:
والله تعالى وصف نفسه، بأنه الشكور، على جهة التوسع والمجاز، دون الحقيقة فنحن نصفه بذلك، كما وصف نفسه.
فإن قيل: لم زعمتم أن ذلك مجاز؟
__________
(1) بياض في الأصل. (1/173)
صفحة 174
قيل له: لأن الشكر إنما هو شكر النعمة التي كانت للمشكور على الشاكر فلما لم يكن للعباد على الله نعمة، لم يجز أن يكون شاكرا لهم على الحقيقة ولكن لما كان مجازيا للمطيعين على طاعتهم، جعل مجازاته على هذه الطاعات، شكرا منه لهم، على المجاز.
والشكور من الناس: الذي يرضى بالقليل من العطاء.
كذلك ويقال لمن قُدر عليه الرزق: شكر الله، أي قنع بالقليل. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والعشرون والمائتان
في الحميد
أبو عبيدة: الحميد: معناه المحمود وحمد الله: هو الثناء عليه. وحميد: معناه محمود على نعمته، وحسن تدبيره.
قال أبو محمد: الحميد: معناه أن كل من استحق الحمد، وكثر منه فعل، يستحق عليه الحمد، سمى حميدا، أو محمودا.
مسألة:
فإن قال: أفتزعمون أن الله تعالى حمدَ نفسه، بقوله: الحمد لله.
قيل له: نعم. وإنما قوله: الحمد لله بيان لعباده، كيف يحمدونه.
وكذلك إن قال: أفتزعمون أن الحمد هو الشكر؟
قيل له: لا؛ لأن الحمد هو ضد الذم. والشكر: هو الاعتراف بالنعم وضده الكفر. وهما مختلفان.
وكذلك مدح الله نفسه، بصفات ذاته، بحسن نظره لعباده. وأراد أن يبين ذلك للعباد صفاته ومدحه، ليمدحوه بمثل ما مدح نفسه. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والعشرون والمائتان
في الواسع
الواسع: المحيط بكل شيء.
وقيل: الواسع: الغني يقال: أعطى من سعة. أي من غنى.
قال الله تعالى: { لينفق ذو سعة من سعته } أي ذو غنى من غناه.
قال أبو عبيدة في قوله تعالى: { إن الله واسع عليم } أي جواد يسع ما سُئل. يقال: وسَّع الله على فلان، أي أغناه.
وقيل: يقال: الله الواسع؛ لأنه وسَّع على عباده في دينه، فلا يضطرهم إلى ما يعجزون عن أدائه.
وقيل أيضا: إنه يسع علم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، من أفعال عباده، يقوله تعالى: { وسع كل شيء علما } وبالله التوفيق؟.
الباب السادس والعشرون والمائتان
في الماجد والمجيد (1/174)
صفحة 175
وهو على ون فاعل وفعيل. وهو مأخوذ من المجد والمجد: الجلالة والعظمة.
وقد يوصف الإنسان بالمجد. فيقال: ماجد. ولا يقال: مجيد.
فالماجد: هو الفاعل بالاكتساب المجد. والمجيد: هو معدن المجد. ومثله حكيم وحاكم.
فالحاكم: هو الذي يفعل بالحكمة. والحكيم: معدن الحكمة.
قال أبو عبيدة: المجيد. معناه الماجد.
قال غيره- معنىالمجيد: أي كريم عزيز وقوله تعالى: { بل هو قرآن مجيد } معناه كريم عزيز. وماجد ومجيد. من صفاته لذاته.
ومن كتاب المنطق تأليف العتابي:
قال: والمجد: الفَعال الذي يستحق صاحبه به الثناء الجميل. تقول: مجد يمجد مجدا، فهو ماجد محيد. ومن الجود تقول: جاد يجود جودا. وهو جواد.
مسألة:
الماجد: الواسع في العطاء والرحمة. وبالله التوفيق.
الباب السابع والعشرون والمائتان
في الوكيل
قيل: الوكيل: الكافي.
وقيل: الوكيل: الكفيل. من قول الله تعالى: { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } أي الكفيل بأرزاقنا.
وقيل: الوكيل: الرب. ومنه قوله تعالى: { لا تتخذوا من دوني وكيلا } ، أي ربا.
وقيل: الوكيل: الكفيل بالأرزاق.
مسألة:
ويقال لله تعالى: بأنه وكيل عليها، بمعنى أنه متول لأمورنا، والقائم بحفظنا وتصريفنا، فيما يريد.
ولا يجوز أن يقال لله تعالى: وكيل لنا، كما يقال: وكيل علينا؛ لأن معنى وكيل علينا، قد بيناه.
ومعنى وكيل لنا: أن من كان وكيلا على شيء، فإنما كان وكيلا لنا، لإقامتنا إياه في ذلك، ولأنه قام بأمرنا فلما لم يجز أن يكون الله تعالى وكيلا بأمر خلقه، لم يجز أن يقال: إنه وكيل لهم.
وإنما يصح أن يقال: وكيل عليهم، كما قال تعالى: { وكان الله على كل شيء وكيلا } ولا يقال: إن الخلق وكلاء على الله، كما يكونون يتوكلون عليه؛ (1/175)
صفحة 176
لأن الوكيل ليس معناه التوكل؛ لأن مصدر الوكيل الوكالة، بمنزلة الولاية. والوكيل خلاف ذلك المعنى. فنحن نتوكل على الله، ونعتمد عليه. ومعنى ذلك واحد وليس ذلك ممن معنى الوكالة، في شيء. فلهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى، بأنه متوكل علينا. وصح له الوصف، بأنه وكيل علينا.
والقول: بأنا نعتمد عليه، ونركن إليه، هو توسع؛ لأن أصل الاعتماد، هو اعتماد الرجل، على ما يعتمد عليه، من شيء إذا مشى أو قام. فجعلوا هذا المعنى، في معنى التوكل توسعا. ولهذا سموا بعض الخلفاء، بالمعتمد على الله.
وكذلك الركون، أصله من الاعتماد. ويستعملان في الله مجازا، على ما بيناه. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والعشرون والمائتان
في الكفيل
يقال لله تعالى: الكفيل؛ لأنه تكفل بأرزاق العباد، ولمن وحده، بالجنة في الآخرة. فيقال لله تعالى: كفيل. معناه: أنه كفل لعباده، بأنه يثيبهم على طاعتهم.
ومعنى أنه كفل بذلك، أنه ضمنه. والكفالة: هي الضمان. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والعشرون والمائتان
في الباعث
الباعث في كلام العرب: المثير المنهض. تقول: بعثت البعير، إذا أثرته وأنهضته من مكانه.
وكذلك بعثت الرجل وأثرته من مكانه الذي تمكن فيه واضطجع. فقيل لله تعالى: الباعث؛ لأنه يبعث الخلائق، بعد الموت، أي يثيرهم من القبور، وينثضهم من مضاجعهم. قال الله تعالى: { قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } .
ويكون أيضا الباعث مأخوذا من بعث الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلى الناس. أثارهم الله تعالى، من بين القبائل والشعوب. والمعنيان صحيحان جائزان، في صفة الله تعالى. وبالله التوفيق.
الباب الثلاثون والمائتان
في الديان
الديان من الدين: وهو الطاعة؛ لأن الخلق كلهم دانوا له وتذللوا، ولم يفته شيء من خلقه.
ويقال: دان له: أي أطاعه.
وقيل في صفة الله تعالى: ديان يوم الدين، أي إليه حساب الخلائق يوم الحساب. (1/176)
صفحة 177
والديان: الذي بلى المجازاة، وهو قادر عليها. فيجازى كلا على استحقاقه. فهو عز وجل ديان. يوم الدين؛ لأنه يجازيهم بأعمالهم.
والديان: المجازي. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والثلاثون والمائتان
في المنان
المنان: المعطي قال الله تعالى: { ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } أي يعطيهم من فضله.
والمنان: على وزن فعال.وكل ما جاء على هذا الوزن. فمعناه من شأنه أن يفعل ذلك.
فالمنان من شأنه الإعطاء تبارك الله المنان.
وقيل: إن المنان: هو المنعم على عباده؛ لأن المنة من الله: هي النعمة. والمنة من الخلق: هي الامتنان.
وقيل: المنان: كثير الإحسان. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والثلاثون والمائتان
في الحنّان
الحنان: لا يجوز في صفة الله تعالى؛ لأن معنى الحنان مأخوذ من حنين القلب على الشيء. والله تعالى لا يجوز أن يوصف بأن له قلبا ولو سمعنا ذلك في بعض صفاته، لكان يجب أن يحمل على المجاز.وكان لا يجوز معناه، على جهة الحقيقة.
وقول الله تعالى: { وحنانا من لدنا } يعني أن يحيى –عليه السلام- كان حنانا، وأراد به: أنه كان رحمة من الله على عباده.
قال المؤلف: وقومنا يقولون: الحنان: المتعطف بالرحمة.
قال ابن عباس –ر ضي الله عنهما- والله ما أدري ما الحنان؟ وهو بحر العلم، لا يدري ما الحنان. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والثلاثون والمائتان
في السند
السند في جوازه اختلاف. فالذي يجيز ذلك يقول: السند: ظهر الخلق وملجؤهم؛ لأن الخلق يسندون إليه، ويعتمدون عليه.
الباب الرابع والثلاثون والمائتان
في فالق الحب
فالق الحب: هو مشققه، ليخرج ثباته يقال: انفلق الصبح: إذا أسفر عن سواد الليل.
قال المؤلف: ولا يقال لله تعالى: يا فالق، حتى يقال: يا فالق الحب والنوى. هكذا عرفت. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والثلاثون والمائتان
في ذي الطَّول (1/177)
صفحة 178
ذو الطول: الفضل والعطية. الطول: الفضل والإحسان والعظمة، من قوله تعالى: { فمن لم يستطع منكم طولا } أي ما يعطى من المال.
قال المؤلف: ولا يقال الله تعالى: ذو الطول، بضم الطاء، لأنه ضد العرض. فلا يجوز ذلك. بل يقال بفتح الطاء. وبالله التوفيق.
الباب السادس والثلاثون والمائتان
في الوهاب
قال الله تعالى: { وهو العزيز الوهاب } .
ومن كتاب الزينة لقومنا:
قال: ومن صفاته تعالى: الوهاب والواهب. فالواهب: الذي لا يبخل على خلقه، فيهب لكلٍّ ما يحتاج إليه. فهو الوهاب؛ لأن من شأنه الهبة. فخلق الخلق كله، فوهب بعضهم لبعض، ولم يبخل بشيء منه، فيحسبه لنفسه؛ لأنه غني عنه، غير محتاج إليه. فيجود به على من لا يسأله، ويعطيه من لا يستوجبه فهو يهب بلا مقدار لغنائه عنها. فهو الواهب الذي لا يبخل على خلقه، الوهاب الذي يهب الكثير، الجواد الذي لا تخفى عطاياه، الغنى عن الأشياء كلها. تبارك الله وتعالى. وبالله التوفيق.
الباب السابع والثلاثون والمائتان
في الرازق والرزاق
ويوصف الله تعالى بأنه الرازق والرزاق ولا يجوز أن يقال: لم يزل رازقا، ولا رزاقا.
والدليل على أن الله رازق: تركيبه لخلقه معتدلين، وجعله لهم إلى ذلك محتاجين، كما قال عز وجل: { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين } وبالله التوفيق.
الباب الثامن والثلاثون والمائتان
في الجليل
قال: الجليل: العلي العظيم. كل هذه الأسماء بمعنى واحد. وهو أنه سيد مالك الأشياء قاهر، وأنه على جميع الأشياء مقتدر؛ لأن سيد القوم هو كبيرهم وجليلهم.
قال أبو محمد: الكبير الجليل: هو العظيم الشأن. وكل شيء دونه صغير حقير. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والثلاثون والمائتان
في الحق المبين (1/178)
صفحة 179
ويوصف الله تعالى، بأنه الحق المبين. قال الله تعالى: { ويعلمون أن الله هو الحق المبين. وأن ما يدعون من دونه هو الباطل } فوصف نفسه بأنه الحق، على المجاز- ولأن الحق مصدر في أصل اللغة. فأراد –عز وجل- بذلك أن عبادة الله هي الحق، وأن عبادة غير الله، هي الباطل، وقد يجوز أيضا أن يعني بقوله: { أن الله هو الحق } أي أن الله هو الباقي المحيي المميت، والمثيب والمعاقب { وأن ما يدعون من دونه هو الباطل } أراد أنه يبطل ويذهب. وأنه لا يملك أحد ثوابا ولا عقابا غير الله.
مسألة:
فإن قال: فالحق والعدل؟
قيل له: نعم. الحق: هو العدل. والعدل: هو الحق. والعدل هو نفي الجود عنه في الأزل.
فإن في الأزل.
فإن قال: فيقال: إنه عدل؟
قيل له: نعم. ولا يقال: إنه عادل بشيء، لأن العادل بالله: هو الجائر، كما قال تعالى: { والذين كفروا بربهم يعدلون } ولكن يقال: إنه الحق العدل؛ لأنه ليس بجائر، ولا يجوز. وبالله التوفيق.
الباب الأربعون والمائتان
في الصادق
ويوصف الله تعالى: بأنه الصادق الوعد والصدق: من صفات الذات.
ومعنى الصدق: أن يكون مخبره على ما أخبره. وضده: أن يكون مخبره على خلاف ما أخبر.
مسألة:
والدليل على أنه صادق: هو علمه بقبح الكذب واستغناؤه عنه. والكذب من صفات المحدثين- تعالى الله عنه.
والحجة على أنه صادق: قوله تعالى: { ومن أصدق من الله قيلا } .
مسألة:
فإن قال: هل لله تعالى أن يقول الكذب؟
قيل له: يستحيل ذلكم؛ لأن الصدق، قد دلت الدلالة على أنه من صفات ذاته. ومن كان الصدق من صفات ذاته، لم يجز أن يوصف بالكذب، ولا بالقدرة عليه، كما أن من كان العلم من صفات ذاته، لم يجز أن يوصف بالجهل، ولا بالقدرة عليه. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والأربعون والمائتان
في الغنيّ (1/179)
صفحة 180
معنى الغني: أنه تعالى غني عن الأشياء كلها، فلا يصير إليه منها نفع ولا ضرر. فهو الغني عنها. وقد قال الله تعالى: { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } فهو الغني كما وصف نفسه. وجميع خلقه فقراء إليه- عز وجل.
مسألة:
فإن قال قائل: فإذا كان من الخلق ما يوصف، بأنه غني والله تعالى بوصف، بأنه غني فما الفرق؟
قيل له: إن غِنى الغني منا: هو غنى مستفاد. وليس يطلق عليه الوصف بالغنى، كما يوصف الله تعالى، بأنه الغني الحميد، لأن غنى الخلق غنى حادث، بعد أن لم يكن. وقد يزول، بعد أن كان. فلا يشبَّه الله بخلقه، وإن اشتبه اللفظ تعالى الله عن ذلك. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والأربعون والمائتان
في المواريث
ومن صفاته عز وجل: الوارث. قال الله تعالى: { وكنا نحن الوارثين } . والوارث مشتق من أرث. وإرث كل شيء: أصله وبقيته.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اثبتوا على مشاعركم، فإنكم على إرث أبيكم إبراهيم صلى الله عليه وسلم. يعني على أصله وبقيته.
والميراث أخذ من ذلك فقيل له: إرث؛ لأنه بقية من سلف على خلف. وقيل لله تعالى: وارث؛ لأنه تعالى يبقى بعد فناء الخلق، وإن كانوا وما يملكون في هذه الدنيا، في ملكه؛ لأنه تعالى وهب لهم ممالك الدنيا؛ لغنائه عنه. فإذا بادوا وهلكوا، وبقيت ممالكهم، فلا مالك غيره. وصارت ممالكهم إرثا، أي بقايا بعدهم. ولا يكون لها من يحوزها.
قيل لله: وارث، لا وارث غيره. قال الله تعالى: { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون } وبالله التوفيق.
الباب الثالث والأربعون والمائتان
في الشهيد (1)
**************************************
الباب الرابع والأربعون والمائتان
في الخبير
__________
(1) بياض في الأصل. (1/180)
صفحة 181
الخبير: العالم بالشيء. يقال: فلان يُخبر عن هذا الأمر، أي يعلمه وهو خبير به. قال الله تعالى: { فاسأل به خبيرا } أي عليما قال الله تعالى: { وهو العليم الخبير } . وبالله التوفيق.
الباب الخامس والأربعون والمائتان
في آمين
فإن قال: أفتزعمون أن آمين من أسماء الله تعالى؟
قيل له: إن قصد بقوله: آمين، يؤمن منه الجور. فعسى أن يكون. والله أعلم. وإن كان قد قال به قوم، فلسنا نقدم عليه، إذا لم يصح معناه عندنا.
وفي كتاب قومنا: أن آمين من أسماء الله تعالى.
وفي تفسير قوله تعالى: { ولا آمِّين البيت الحرام } يعني قاصدين البيت الحرام.
قال: ومعنى آمِين: أي افعل.
وقيل: اللهم استجب.
وقيل: آمين: راجون منك إجابة الدعوة.
وقيل: آمين: راضون بما قضيت لنا وعلينا.
مسألة:
قال ابن عباس رضي الله عنهما آمين: معناها كذلك تقدر.
قال أبو عليّ: أي افعل بنا كما سألناك.
وفي آمين لغتان: آمين بالمد، وأمين بالقصر. والنون، في آمين مفتوحة، لسكونها وسكون الياء قبلها.
الباب السادس والأربعون والمائتان
في الكبير
يوصف الله تعالى، بأنه كبير وعظيم وجليل، كله بمعنى واحد. وهو أنه سيد مالك للأشياء كلها، لأن يسد القوم هو كبيرهم، وعظيمهم وجليلهم. وقد تعظّم لهذا الوصف، بقدرته أيضا على الأشياء، ولعلمه بها، ولأنه لا مثل له، ولا نظير. ولهذا كان الواصف له معظما، ومكبرا له.
ويجوز الوصف له، بأنه لم يزل كبيرا، لا كبير جثة، ولا شخص – تعالى الله عن ذلك. وبالله التوفيق.
الباب السابع والأربعون والمائتان
في الدائم
يقال: إن الحكيم إنما يقال له: دائم؛ لأنه لم يزل ولم يختلف أحد أنه تعالى مبدع، إذ كان كل من أقرب، أقر أنه لم يزل. ومن أنكره، يقر أن العالِم لم يزل. فأثبت الصفة للعالِم بالأزلية. ولم ينكر الأزلية.
فلما كانت الأزلية ثابتة، لا مخالف يقدر على إنكارها، ولا دفعها. كانت عندنا لله- عز وجل. (1/181)
صفحة 182
فثبت أنه عز وجل الدائم الخالق والوصف له تعالى: بأنه دائم، من صفات الذات.
ويوصف، بأنه لا يزال دائما لا يفنى ولا يوصف، بأنه لم يزل دائما لا يفنى، لأن هذا القول، على هذا الوجه، لا معنى له. والوصف له على الوجه الآخر يصح؛ لأنه مستعمل على الفعل المستقبل، وإن لم يكن دوامه فعلا.
ويجوز أن يقال: لم يزل دائما لا أول له، كما يقال: لا زال دائم الوجود، لا أول لوجوده. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والأربعون والمائتان
في الباقي
فإن قال: أفتزعمون أنه تعالى، لم يزل باقيا؟
قيل له: نعم.
فإن قال: فما معنى وصفكم له، بأنه باق؟
قيل له: إن معنى ذلك أنه كائن بلا حدوث. فواجب أن يوصف بأنه باق. فلما كان الله لم يزل موجودا، بغير حدوث، وجب أن يكون لم يزل باقيا. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والأربعون والمائتان
في السيد
السيد: المالك. وسيد العبد: مالكه. والله سيد كل سيد.
والإنسان لا يسمى سيدا على الحقيقة. وإنما سمي سيدا بالإضافة. فيقال: سيد كذا. ومجازا لا يطلق. فيقال لكل من سُمي ربُّ شيء: سيده.
فأما سيد الحقيقة، فهو الله. فيجوز أن يقال لكل سيد: رب، إذا أريد به الإضافة. ولا يسمى بها مطلقا إلا الله.
وجائز أن يقال لله تعال: لم يزل ربا للأشياء، وسيدا لها وإلها. وجائز لم يزل مالكا للأشياء، كما لم يزل قادرا عليها.
وجائز أن يقال: لم يزل الله سيدا.
ومعنى ذلك: أنه رب مالك، لأن المالك للعبد سيده. ولهذا قيل لأكبر القبائل: سادة. أرادوا بذلك، أنهم مالكون لهم، ينفذ فيهم أمرهم.
وعن أبي محمد والسيد: الصمد. قال: هو الشريف، لأنه غاية السؤدد وهما معناهما واحد. وبالله التوفيق.
الباب الخمسون والمائتان
في القريب (1/182)
صفحة 183
يوصف الله تعالى، بأنه قريب من الخلق، على جهة التوسع. والمراد بذلك أنه عالم بهم وبأعمالهم، وأنه سامع لقول الخلق، وراءٍ لأعمالهم، لا سِتر بينه وبينهم، ولا حجاب ولا مسافة. فلما كان على ما وصفنا قيل –في سعة اللغة-: إنه قريب منا، إذا كان لا يشاهد أعمالنا من المخلوقين إلا من كان منا قريبا.
وكذلك قرب العباد إلى الله بالطاعات، هو توسع ومجاز. ومعناه: طلب المحبة والكرامة منه. فقيل: لذلك تقرب، لأنا في الشاهد إذا أحببنا شيئا قربناه منا. وإذا أبغضناه أبعدنا منا. فلهذا قيل لذلك: تقرب إلى الله، على المجاز. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والخمسون والمائتان
في المقسط
من كتاب الزاهر:
اللفظ: معناه في كلامهم: العادل. يقال: أقسط الرجل يقسط، فهو مسقط، إذا عدل. قال الله تعال: { إن الله يحب المقسطين } أي العادلين.
ويقال: قد قسط الرجل، فهو قاسط، إذا جار. قال الله تعالى: { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } . أي الجائرون. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والخمسون والمائتان
في الطالب المدرك
وجائز أن يوصف الله تعالى، بأنه طالب ومدرك.
ومعنى الطالب: أن يطلب من الظالم حق المظلوم؛ لأنه لا يضيع للمظلوم عنده حق.
ومعنى المدرك: أنه لا يفرقه شيء طلبه. ولا يعجزه أحد، ولا يمتنع عليه شيء.
وليس الوصف له، بأنه مدرك، مثل الوصف له، بأنه غالب؛ لأن هذا الإدراك إنما فعل منه. هو إنصافه للمظلوم من الظالم. وصفته تعالى، بأنه غالب، إنما هو من صفات الذات؛ لأن معناه: أنه قاهر للأشياء، مقتدر عليها.
مسألة:
فإن قيل: أفليست الأشياء كلها، في قبضته وسلطانه؟
وأليس هو بها جميعا عالما؟
قيل له: بلا.
فإن قال: فكيف يجوز منه الطلبن لما هو عارف بمكانه، ومقتدر عليه؟ (1/183)
صفحة 184
قيل له: هو وإن كان عالما بكل شيء، ومقتدرا على كل شيء، فقد سمى أخذه للظالم بحق المظلوم، طلبا بحق المظلوم؛ لأن هذا يسمى في اللغة –منا- طلبا وإن كان مقتدرين على من نطالبه بذلك. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والخمسون والمائتان
في المفضِّل
ويوصف الله تعالى، بأنه مفضل ما فضل به غيره ومن فعل الفضل، سمى مفضلا. ولا يوصف بأنه فاضل، بما تفضل من الفعل على غيره. ولا يجوز أن بفضل هو بذلك؛ لأنه متسغن عن الأفعال، أن يفضل بها. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والخمسون والمائتان
في المولى والوليّ
فالمولى: المعتق. والمولى: ابن العم. قال الله تعالى: { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا } .
والمولى: الأولى. قال الله تعالى: { مأواكم النار هي مولاكم } يعني أولى بكم.
والمولى: الحليف.
والمولى: الولي. قال الله تعالى: { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } معناه: لا ولي لهم.
والمولى: المالك. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والخمسون
في النصير
النصير والناصر: واحد. ويقال: إن الله ناصر المؤمنين. ومعنى ذلك: دفع المكاره والشدائد والهوان عنهم، ليعزهم بذلك، ويكرمهم. وهذا هو النصرة المعقولة بيننا في الشاهد. وبالله التوفيق.
الباب السادس والخمسون والمائتان
في المتين
لا يجوز أن يقال لله تعالى: متين؛ لأن المتين في حقيقة اللغة: الثخين. والله تعالى لا يوصف بالثخن. وإنما قال الله تعالى: { ذو القوة المتين } توسعا ومبالغة، في وصف نفسه بالقوة. وبالله التوفيق.
الباب السابع والخمسون والمائتان
في الهادي
الهادي: هو المبين لطرائق الخير. وقوله عز وجل في القرآن: { هدى للمتقين } أي بيان لهم. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والخمسون والمائتان
في شديد العقاب (1/184)
صفحة 185
ولا يوصف الله تعالى، بأنه شديد على الحقيقة؛ لأن الشدة بمعنى الصلابة. والله تعالى لا يوصف بالصلابة. وإن وجدنا في صفاته في القرآن، أو غيره، أنه تعالى شديد، فهو مجاز، لكثرة استعمالهم في القوة منا، هذا القول، على التوسع. ولكن يجوز أن يوصف، بأنه شديد العقاب وما أشبه ذلك، من صفات الأفعال؛ لأن الشديد في صفات الأفعال، إنما هي للأفعال والشدة في هذه الصفة: هي لها، لا لله عز وجل.
وقوله تعالى: { أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } على التوسع والمجاز، ولم يكن مجازا، لأدى معناه إلى الإحالة. فصح بهذا أنما إذا ذكر هذا القول، توسعا في اللغة، وأراد أنه أقوى منهم وأقدر. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والخمسون والمائتان
في الناصر للمؤمنين
ويقال: إن الله ناصر للمؤمنين. ومعنى ذلك: دفعه المكاره والشدائد والهوان عنهم، ليعز بهم بذلك، ويكرمهم. وهذا هو النصر المعقول، فيما بيننا، في الشاهد. بالله التوفيق.
الباب الستون والمائتان
في العدل والعادل
يقال لله تعالى: عدل وعادل. ولا يقال: إنه عادل بشيء، لأن العادل بالله ، هو الجائز. كما قال الله تعالى: { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ولعله أراد في هذه الآية، فوهم فيها، قوله تعالى: { والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون } .
مسألة:
وقال: والعدل غير العادل. ولا يجوز أن يقال لله: عادل.
مسألة من كتاب لقومنا:
قال: العدل على وجهين: الله عدل. وعدله على وجهين: عدل في ذاته، وعدل في فعله. وهو مساويته بين خلقه، فيما تحب فيه المخالفة، وعدل من خلقه. وعدله: فعله.
والدليل على أنه عدل: العلم والغنى دليل على العدل، في كل معنى. ودليل ثان علمه بقبح الجور، واستغناؤه عنه في جميع الأمور؛ لأنه لا يدخل في الجور إلا من احتاج إليه، أو جهل قبحه، فأقدم عليه فلما كان الله عالما غنيا، كان عن الجور والظلم متعاليا.
مسألة: (1/185)
صفحة 186
يقال لله تعالى: عدل كريم. فالوصف له، بأنه عدل، هو توسع ومجاز؛ لأن العدل في الحقيقة: هو المصدر. والله تعالى لا يشبه العدل ولا شيئا من المصادر.
ولكن قالوا: هو عدل، وأرادوا العادل، توسعا في هذا القول، إذ كان يعقل عنده ما أراد، وأنه من وصفه، بأنه عادل.
مسألة:
فإن قال: ما معنى العدل؟
قيل له: أما في اللغة، فهو الحكم بالعدل والحق. تقول: هو يعدل في حكمه.
وأما قول الفقهاء، فهو فعل ما له أن يفعله في الحكمة، وإعطاء المستحق ما يجب له. والجور: ضد العدل، ومنع المستحق ما يجب له فلما نفينا عنه الأضداد، وصفناه، بأنه عادل. قال الله تعالى: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة ولا يضلم الناس شيئا وما الله يريد ظلما للعباد } ومثل هذا في القرآن كثير. فلا يجوز على الله تعالى العادل الكريم الرؤوف الرحيم، إلا ما وصف به نفسه. ولو لم نصفه بالعدل، لكان موصوفا بضده. فلما نفينا عنه الجور، وصفناه بالعدل.
قال المؤلف: فأجاز الشيخ أبو الحسن البسياني، أن يوصف الله، بأنه عادل. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والستون والمائتان
في الواحد الأحد
الواحد في الحقيقة: هو الذي لا ينقسم في وجود، ولا وهم. وهو الفود لا ثاني له. والواحد أيضا، لا ثاني له في لفظه. ولا يقال: واحدان.
وقيل له عز وجل: واحد؛ لأنه لم يزل قبل الخلق متوحدا بالأزل، لا ثاني معه. ثم خلق الخلق، فكان الخلق له ثانيا، محتاجا بعضهم، إلى بعض.
قال المؤلف: وليس يعني أن الخلق صار ثانيا لله، إليها كمثله عز وجل.
وتوحد هو تعالى بالغنى عن جميع خلقه؛ لأنه لم يزل قبل كل شيء. فالأولية دلت على الوحدانية، إذ لم يكن قبله شيء، فيتوحد بالأولية،كما يتوحد هو بها. فيكون ثانيا لذلك الشيء الذي نقدمه. بل لم يزل هو الأول السابق بالوحدانية. فكان الخلق ثانيا بالابتداع. (1/186)
صفحة 187
والواحد: اسم يدل على نظام واحد، يُعلم باسمه، أنه واحد ليس قبله شيء من العدد. وهو خارج من العدد. والواحد كيف ما أدرته وأجريته، لم يزد فيه شيء، ولم ينقص منه شيء. تقول: واحد في واحد، لم يزد على الواحد شيء.
وتقول: نصف الواحد، لم يغير النصف الواحد. فدل على أنه محدث الشيء وإذا دل أنه محدِث الشيء، دل أنه مفني الشيء. وإذا دل أنه مفني الشيء، دل أنه لا شيء بعده فإذا لم يكن قبله شيء، ولا بعده شيء، فهو المتوحد بالأزل. فلذلك قيل له: واحد.
فأما الواحد والأحد، فصفتان معروفتان، قد نطق بهما القرآن، في صفات الله تعالى.
والأحد: هو اسم أكثر من الواحد. ألا ترى أنك لو قلت: فلان لا يقوم له واحد، لجاز في المعنى، أن يقوم له اثنان وثلاثة، فما فوقهما.
وإذا قلت: لا يقوم له أحد، فقد حرمت أنه لا يقوم له واحد، ولا اثنان.
وتقول: ليس في الدار واحد، يجوز أن يكون من الدواب أو الطيور، أو الوحوش أو الإنس، فكان الواحد، لغير الدواب والناس.
وإذا قلت: ليس في الدار أحد، فهو مخصوص بالآدميين، دون غيرهم من سائرهم. والأحد ممتنع في الحساب؛ لأنك تقول: واحد واثنان وثلاثة. فهذا العدد وإن لم يكن في العدد، فعليه العدد. وهو داخل في العدد. والأحد ممتنع من هذا. فلا يقال: أحد واثنان وثلاثة ولا يقال أحد في أحد، كما يقال: واحد في واحد. والواحد وإن لم يتجزأ من الواحد، فهو يتجزأ من الاثنين، فما فوق ذلك والأحد قد يجيء في الكلام، بمعنى الواحد، ومعنى الأول.
فالواحد والأحد، وغيرهما من الألفاظ التي مضت، كلها مشتقة من الواحد. تبارك الله الواحد الأحد.
مسألة :
فإن قال قائل: من أين علمت أنه تعالى واحد؟
فقل له: من قِبل، أنه لا يكون قادرا إلا واحد؛ لأنه لا يكون الغالب إلا واحدا؛ لأن الاثنين لا بد من أن يكون أحدهما يغلب صاحبه. والمغلوب عادز، والعاجز ليس بإله قدير. (1/187)
صفحة 188
ومعنى القول: بأنه واحد: أنه لا نظير له، ولا شبيه. فهو واحد، لم يزل واحدا تعالى الله الواحد القهار. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والستون والمائتان
في الفرد
ويوصف الله تعالى: بأنه فرد. والفرد الواحد.
وأفردته: جعلته واحدا. فالله تعالى، هو الفرد. وقد تفرد بالأمر دون خلقه.
وسمي فردا، لأنه لا يختلط بالأشياء، ولا يمازجها. بل هو مستغن عنها؛ لغنائه عنها. والأشياء مختلط بعضها ببعض. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والستون والمائتان
في الصمد
الصمد: هو السيد الذي ليس فوقه سيد.
قال الأسدي:
ألا بكّر الناعي بخير بني أسد. بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد.
وقال عمرو بن الأسلع في قتله حذيفة بن بدر:
علوته بحسامي ثم قلت له ... خذها حذيف فأنت السيد الصمد
قال الحسن: الصمد: السيد الذي لا يموت.
ويجوز أن يقال: لم يزل صمدا، على أنه لم يزل سيد مالكا للأشياء.
ولا يجوز أن يقال: لم يزل صمدا، على معنى أن الصمد: هو أن الخلائق يصمدون إليه في حوائجهم.
فالصمد على هذين الوجهين. فأحدهما ما هو من صفاته لذاته، والآخر، من صفاته، لحدوث القصد إليه من العباد. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والستون والمائتان
في ذكر لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد
لم يلد، فيكون موروثا. ولم يلد، فيكون محدثا مربوبا. ولم يكن له كفوا أحد، فهو الله الذي لا كفو له، ولا شبيه له. ولا نظير، ولا عدل. ولم يكن له كفوا أحد. ولم يكن له أحد كفوا- على التقديم والتأخير. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والستون والمائتان
في الإشارة
كقوله تعالى: { قل هو الله أحد } وفي قوله: { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة } .
قال: والإشارة على ضربين: إشارة إلى صفة، وإشارة إلى الحقيقة.
فالإشارة إلى الصفة هذا. وهو يعرف نظر العين. وإشارة إلى الحقيقة. وهو إشارة حقيقة المعرفة. وذات الشيء: حقيقته. وبالله التوفيق.
الباب السادس والستون والمائتان
في ذكر الأسماء الحسنى (1/188)
صفحة 189
وتفضيل الأسماء بعضها على بعض
قوله تعالى: { له الأسماء الحسنى } الرحمن الرحيم العزيز الحكيم. قال الله تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } .
قيل: الصفات العُلا.
ويقال: { له الأسماء } تسعة وتسعون اسما. من أحصاها دخل الجنة.
مسألة:
بعض الأسماء أعظم من بعض. وبعض الصفات أرجح من بعض.
ولا يقال: بعض الكلام أحسن من بعض، ولا أقبح.
وكذلك الأمر في الأسماء والصفات. ومن حد صفات الله، كمن حد الله. ويقال: اسم الله الأعظم، لا من قبل أن له اسما ضميرا.
وذلك أن لله تعالى أسماء، فبعضها محظورة على البعض. وبعضها ليست بمحظورة.
فما ليست بمحظورة: فمؤمن وجبار وحي وواحد.
والمحظور: الله والرحمن والرحيم. ولا تصغر الأسماء التي حظرت؛ لأنه ليس لله تعالى اسم صغير، لأن كل من كان صغيرا، ففيه تضعيف. ولا يكون اسمه الأعظم إلا وهو محظور. ولا يجوز لخلق أن يتسمى به. وإنما ذكرنا ما ذكرنا، لأنه قد أنكر قوم اسم الله الأعظم.
قال المؤلف:
واسم الله الأعظم: هو الله؛ لأنه قُدم على جميع الأسماء كلها.
وقيل غير ذلك. تركت الاختلاف. وبالله التوفيق.
الباب السابع والستون والمائتان
في الدعاء وفضله ومدحه
وما يجوز فيه وما لا يجوز
والدعاء: مخ العبادة. وقد أمر الله تعالى عباده: أن يدعوه. فقال تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا } مستكينين { وخفية } في خفض وسكون، في حاجاتكم، من أمر الآخرة. ولا تدعوا على مؤمن ولا مؤمنة بالشر. أن تقولوا: اللهم: العنه وأخره. ونحو ذلك، فإنه عدوان: { إن الله لا يحب المعتدين } . وقال تعالى: { ادعوني أستجب لكم } . وقال الله تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } وقد قدمنا ذكر الأسماء الحسنى، والقول فيها.
فالدعاء فرض، إذا خرج ذلك الدعاء، فيما أمر به العبد، ولم يدخل يه ما لا يجوز.
فصل
والناس مختلفون في الدعاء.
فمنهم: من أجاز على الشريطة والتقييد.
ومنهم: من لم يجز. (1/189)
صفحة 190
فالذي وجدت في الأثر: أن يدعوه ويسأله الخير. فذلك حسن.
والذي يقول به: أن يسأل الله في الدعاء، على وجه التضرع إليه. ويسأله أن يقضي له ما هو خير.
فإذا سألت ربك في الصلاة. فلا تقل: إن شئت يا رب، فعلت لي كذا وكذا. ولكنك اعزم في المسألة، وألحح على ربك، وجدَّ في الطلب. وقل: اللهم يسر لي كذا وكذا، وأعطني كذا وكذا، واجعل لي فيه خيرا في ديني ومعاشي. ولا تقل: إن كان خيرا. ولكن تسأله –ما شاء الله- ثم تقول: اجعل لي فيه خيرا. وبالله التوفيق.
************
الباب الثامن والستون والمائتان
فيما يستحب أو يكره في الدعاء
من الحركات والأصوات
وقيل: رفع الصوت في الدعاء اعتداء.
أبو سعيد: رفع اليدين في الدعاء، لغير معنى التحديد لله تعالى. فإن فعل ذلك فاعل، على صدق النية والمذهب، فلا مانع له. وليس ذلك ما يوجب التحديد إلا على الإرادة، بسوء المذهب.
وقال: استحب بعض أصحابنا: أن لا يحدث الداعي في دعائه حالا، من رفع يدين ولا خفضهما. فإن رفعهما فعلى هيئتهما- على ما قيل.
قال غيره: إن رفع يديه بحذاء وجهه، مبالغة منه في الطلب، في الدعاء إلى الله، جاز له ذلك. ولا أعلم عليه شيئا.
وإن كان في رفعه يديه، على معنى التحديد لله، فلا يجوز. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والستون والمائتان
فيما يجوز أن يدعى الله به
وما لا يجوز
أبو الحسن البسياني- قلت: اللهم لا تدع لي عيبا إلا سترته، ولا كربا إلا كشفته، ولا ذنبا إلا غفرته، وأمثال هذا من المطلوب من الدعاء، يجوز ذلك أم لا؟
قال: أرجو أن هذا يجوز. وهذا من المطلوب من الله أن يفعله.
مسألة:
وعنه: وفيمن قال: يا غيائي ولجائي، ويا همي ومنائي، ويا نوري وضيائي.
قال: لم أعلم هذا من دعاء المسلمين. (1/190)
صفحة 191
فأما غيائي ولجائي، فعسى أن لا يجوز. يقول: أستغيث بك وألتجئ بك. وأما همي ومنائي ونوري وضيائي، فالله أعلم إلا أني أقول: إن كان يعني النور نورا، يهتدى به من الضلالة. فإن قصد إلى ذلك، فأرجو أنه يجوز- انقضى.
مسألة:
ولا يجوز على الإطلاق: اللهم لا تغرض عني. ويجوز: اللهم يا عظيم الرجاء، أي عظيم المرجو.
محمد بن الحسن-قلت: هل يجوز في الدعاء: يا رب ارض عنا برضاك وتب علينا بتوبتك أم لا؟
قال: إني أكره أن يتكلم المتكلم بذلك لوعوثة لفظه.
وأما إذا أراد: أثبنا بثوابك، وارحمنا برحمتك، فقد أصاب؛ لأن الرضى والتوبة من الله، رحمة وثواب.
مسألة:
من قال: اللهم اكفنا ظلمة خلقك، يجوز. ومن قال: اعتمادنا بعد الله على فلان، فإنها كلمة أكره المقال بها، إلا أن يقول: اعتمادنا على فلان، بعد توكلنا على الله.
ومن قال: ذهب الله بأصل كذا. فإن كان شيئا قد أهلكه الله. فقال بذلك على وجه الإخبار، فلا بأس.
وكذلك إذا دعا بذلك، على أحد من أعداء الله. فقال: ذهب الله بنفسه أو بسمعه أو ببصره، فلا بأس بذلك.
ومن قال: كسح الله بأثر فلان، إذا كان ممن يظلم الناس ويؤذيهم.
قال: لا أرى ظاهر اللفظ يصلح. إذا أراد بذلك الهلكة، فلا أراه مأثوما.
ومن قال: طير الله، ولا طيرك، أي فعل الله وحكمه، لا فعلك وحكمك.
قال الفراء: الطائر عندهم: العمل. ومنه قول تعالى: { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } أي عمله.
مسألة:
سألت أبا معاوية: هل يجوز أن يقول الرجل: اللهم صل على محمد، كما صلت عليه ملائكتك؟
قال: نعم. ويقال: إنه يقال: اللهم صل على محمد، كما صليت وسلمت وباركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد. وبالله التوفيق.
*****************
الباب السبعون والمائتان
في الحاجات والمآرب والأمور التي يجوز أن يسألها الله تعالى
ولا يجوز (1/191)
صفحة 192
ومن قال: اللهم اخترني، أو اللهم ردني. أو قال: اللهم عالني على فلان حتى أنتصر منه. أو قال: اللهم ارزقني مال فلان، أو زوجة فلان، أو خادم فلان، أو دابة فلان. فلا أرى عليه شيئا من ذلك، إذا كان معناه ارزقني مال فلان بالثمن، من وجه الحلال والشراء، أو زوجة فلان، إن طلقها، أو دابته، إن باعها.
وأما إذا تمنى على غير هذه الوجه، من وجه الحسد، فلا يجوز الحسد لمسلم. وجائز في الكافر.
ومن لم يكن له ولد، فلا يجوز أن يدعو الله: أن يرزقه ولدا، يحمي ماله عن ورثته. وذلك من كبائر الذنوب. وبالله التوفيق.
*************
الباب الحادي والسبعون والمائتان
في سؤال المحال عن حقيقته
من قال: اللهم ارحم النار مني، فهذا محال؛ لأن النار لا عقوبة له عليها. وهي عقوبة للظالمين.
ومن قال: اللهم إن حلمك أضر بنا. فهذا محال؛ لأن حلم الله عمن أساء، إذا عفا عنه، ولم يعاقبه، ويعجل له العقوبة، فلا يكون هذا الحلم ضررا.
*************
الباب الثاني والسبعون والمائتان
فيما يجوز في الدعاء
وما لا يجوز من أسماء الله الذاتية والفعلية وصفاته الذاتية والفعلية ولا يجوز أن يقال: يا من ارتدى بالفخر والكبرياء.
ويجوز: اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا.
ومعنى الربيع: الغيث الدائم، بأنه دعا: أن يديم الذكر في قلبه. والقرآن كذلك.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا مقلب القلوب، ثبِّت قلبي على طاعتك. ولا يجوز أن يقال: يا رب، لا تجر عليَّ.
مسألة:
أبو سعيد- قلت: هل يجوز أن يقال لله أو يدعى: يا حنان، أو يا برهان، أو يا سلطان، أو يا عاقل.
قال: أما حنان، فقد عرفنا في ذلك اختلافا. فكره ذلك من كره.
وقال بعض المسلمين: لا بأس بذلك، لأن ذلك يخرج على وجه الرحمة.
وكذلك الحنان هو الرحمن، على هذا.
وأما البرهان، فالبرهان: هو الحجة. والله ذو الحجة برهان الله. ولا يقال: هو الحجة، ولا البرهان.
وأما السلطان، فهو القدرة. والله ذو القدرة. وهو القادر. (1/192)
صفحة 193
ولا أحب أن يقال لله: سلطان، ولا برهان.
ويقال: يا ذا السلطان، ويا ذا البرهان.
وأما يا عاقل، فلا يجوز، لأنه من أسماء المخلوقين.
ويجوز أن يقال: يا عظيم الرجاء. ولا يجوز أن يقال: إن الله يحتجب عن خلقه، لأن المحتجب مستتر.
مسألة:
في قولهم: الله المعين والمسهل.
قال الشيخ أبو أحمد المنذر بن أحمد السري: المسهل جائز. ورفع عن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد: أن المعين صفة من صفات الله.وجائز بذلك.
مسألة:
فيا يوجد عن أبي عبدالله –في بعض دعائه-: يا من هو بكل مكان. ثم قال: ليس المعنى في هذا بصورة، ولا بجنس. ولكن بعلمه، في كل مكان.
ولا يجوز أن يقال: يا من احتجب بقدرته عن أعين الناظرين، لأن القدرة ليست هي. وليس هو ممن يتوارى بالحجب.
فإن قال: أفليس قد قال الله تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب } فإن معنى الحجاب: المنع لهم عن رؤيته. وليس من دون الله حجاب يستره.
ولا يجوز أن يقال: يا حنان. ويجوز: اللهم لا تُنسنا ذكرك.
وجائز: يا ديان إن عنَى به متعبد عبادَه بدين يعبدونه.
وجاز: يا جبار الجبابرة؛ لأن الجبار: هو الممتنع، وهو فوق كل جبار وممتنع، وعلى كل جبار ممتنع قاهر.
وقيل: إنه على الإطلاق، لا يجوز.
وقلت: هل يجوز في الدعاء: يا حنان يا منان، يا آمين.
فأما يا حنان، فلا يجوز؛ لأن ذلك مأخوذ من حنين الناقة، على ولدها.
وأما ديان وآمين فعسى أن يجوز؛ إذا قصد بذلك أن يدان له، وآمين: أن يؤمن منه الجور، ولا يقال: ديان لأحد، ولا آمين لأحد.
ولا يجوز: يا من ارتدى بالفخر والكبر.
مسألة:
ومن قال: يا رب باسمك الأعظم افعل لي كذا وكذا، فلا يجوز.
قال المؤلف: ويسأل الله بأسمائه الحسنى، وتأويل ذلك: أن يسأل الله بالأسماء التي سمى بها نفسه، ولا يعنى بذلك: نسألك بحق أسمائك عليك، ولكن يعني بأسمائه نفسه، بأنه الرحمن الرحيم الخالق البارئ.
مسألة: وجائز أن يسأل الخالق: نسألك بذلك. (1/193)
صفحة 194
قال المؤلف: وسل عن ذلك، فإن فيها غير هذا، ولا يجوز أن يسأل الله.
فيقول: بحقك على نفسك افعل لي كذا.
ولا يجوز بحقك، ولا بسمواتك، ولا بوجهك، ولا بقدرتك، ولا بملائكتك وأنبيائك والكعبة والقرآن وعرشك وكرسيك وبجميع خلقك، ولا بشيء من الحقوق.
ولا يجوز أن يقال: أسألك بأسمائك، ولكن أدعوك بأسمائك، ولا يجوز بحق أسمائك.
واختلفوا فيمن يسأله بأفعاله.
وجائز أن يدعى بأسمائه.
ولا يجوز أن يقال: اللهم بقدرتك، أو بعزتك، أو بحلمك، أو بعلمك، افعل لي كذا وكذا وكذلك بحق قدرتك، وبحق عزتك ووجهك وأسمائك، فهذا لا يجوز، لأنك تجعل قدرته وعزته غيره، لأن أسماءه الذاتية وصفاته الذاتية، لا هي هو ، ولا هي غيره.
فإذا قلت: بحق قدرتك وعزتك، فكأنك سألته ببعضه، وتجعل للقدرة حقا عليه – تعالى الله عن ذلك.
ومن قال: بأسمائك وملائكتك، ففيه اختلاف.
واختلفوا فيمن يسأله بأفعاله.
وجائز أن يسأله بأسمائه.
ومن سأل الله بصفات فعله، ففيه اختلاف.
ولا يجوز أن يقال: أسألك بلا إله إلا أنت، ولا بحق لا إله إلا أنت. ولا أسألك بحق شهادة أن لا إله إلا الله، ولكن يقال: يا الله يا رحمان يا رحيم يا رب يا خالق يا بارئ يا مصور يا مؤمن يا مهيمن، وأمثال ذلك من أسمائه التي يجوز أن يسمى بها. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والسبعون والمائتان
في نفس البارئ وذاته يذكره الداعي في دعائه
وما يجوز من ذلك وما لا يجوز
البسياني:
قلت: هل يجوز أن يقال في الدعاء: يا ساكن السماء، يعني الله تعالى، فلا يجوز أن يوصف الله بالسكون والنزول في السماء.
وجائز أن يقال: هو الله في السماء إله وفي الأرض إله، من غير أن يعتقد أنه حال فيها، ولكن هو فيها بتدبيره واقتداره. والله أعلم.
وكذلك هل يجوز أن يقال: يا من كل مكان منه ملآن؟
قال: جائز على وجه الإحاطة والتدبير والعلم، لا أنه فيه ملآن شخص ولا جثة.
قلت: فالرجل يقول في دعائه: الحمد لله حمدا يهنئه، ويحجرني عن معاصيه. (1/194)
صفحة 195
هل يجوز في صفة الله التهنئة أم لا يجوز؟
فذلك عندنا غير جائز على الله أن يهنأ بشيء، لأنه تعالى غني، والحمد ممن حمده، لا يحجر عن معاصيه، إنما الحجر عن المعاصي، وبتوفيق الله.
قلت: فإن كان لا يجوز، فما يكون القائل مشركاً، أو كافراً؟
فما أقول: إنه يبلغ به إلى الشرك والله أعلم، وإن لم يتب، كان ما أقربه إلى الخطأ والإثم.
قلت فإن قال: يا طاهر، يعني بذلك الله، هل يجوز هذا في صفة الله؟ وما معنى الطاهر، من طريق الطهارة؟
فأما إن كان القائل قصد إلى معنى أن الله طاهر عن الأشياء، فعسى؛ لأن القدوس: هو الطاهر، والتقديس: هو التطهير، والأرض المقدسة: هي المطهرة، فعلى هذا يجوز.
ولا يجوز أن يوصف الله بغير ما وصف به نفسه، في كتابه، أو يعرف معنى تأويله. ومعنى ما يقول.
قلت: وكذلك يوجد في بعض الآثار: أنه يستحب أن يقول في الصلاة: أشهد أن لله ما ادعى، وأنه برئ ممن تبرأ، هل يحسن هذا؟ وهل يجوز أن يوصف الله بالادعاء، أو يضاف إليه الدعوى، وهو الصادق المصدق، وقوله الحق؟ وإن كان ذلك لا يجوز، ولا يحسن، فما يخرج عندك تفسير ما ذكرت؛ لأنه يوجد في الأثر؟
قال: الذي يجيز ذلك، وقال به فلعل معناه في ذلك لا يذهب إلى الدعاء والدعوى وإنما يذهب أن الله الخلق والأمر، وله الحكم، كما ذكر في كتابه: أن ( له الخلق والأمر)، وأنا شاهد بذلك على ما قال وهذا عندي تفسيره، والله أعلم
وأما من لا يجيزه وكرهه، ولا يقول به، ولكن يقول: أشهد أن له الخلق والأمر والحكم، كما ذكر في كتابه.
قلت: وكذلك إن قال: يا خير الأصحاب؟
قال: إن عنى بذلك حافظا ومدبراً، جاز ولا يجوز على غير هذا المعنى، وبالله التوفيق.
الباب الرابع والسبعون والمائتان
فيما يجوز في الدعاء ومالا يجوز
أبو الحسين البسياني – قلت: هل يجوز أن يقول الإنسان في دعائه: الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين؟
قال: بهذا نطق كتاب الله، وجائز القول به. (1/195)
صفحة 196
والموجود في الأثر: انظر إلى من فضلت عليه، واحمد الله، ولا تنظر إلى من فوقك، فيما أوتي من الدنيا، فقد أخبر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، بقول داود وسليمان، إذ قال: { ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } فحمدا الله، على ما فضلهما في الملك والنبوة، وآتاهما ما لم يؤت غيرهما من المؤمنين، فذلك يجوز على هذا، إذا رأى رأي فضل الله عليه، حمد الله.
قلت: وكذلك يقول في دعائه، في آخر صلاته: أشهد أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، أم إنما هو خاص للأنبياء – صلوات الله عليهم – ولمن صحت سعادته؛ لأنه مما يدخل في تزكية النفس، أم ما عندك في ذلك؟
قال: عندي في ذلك أن ذلك جائز، إذا دعا به الداعي، على وجه التذلل لله، وأنه قد أسلم ذلك لله في طاعته، لا يعتقد ذلك تزكية لنفسه، ولا يقول إلا كما جاء به القرآن فلا يقول: أشهد على وجه العلم بالتزكية، ولكن على وجه: إني أجعل ذلك لله في طاعته، لا شريك له، ولا أحب أن يقول: أشهد، ولكن يقول: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين – كما جاء به القرآن.
قلت: والداعي يقول في دعائه: اللهم لا تخزني بالبلاء، هل يجوز هذا في الدعاء؟ وإن كان لا يجوز، فما يكون حال قائله؟ وما تكون منزلته؟
فالذي أنا عليه: أن الله تعالى لا تضاف إليه التخزية بالبلاء، ولا غيره. وإنما يفعل بعباده، ما قد علم وشاء، لا من وجه التخزية، والقائل لذلك جافٍ في دينه، بقوله ذلك؛ إن لم يتب.
قال: جائز أن يقال لله تعالى: يا رب الأرباب – انقضني.
ولا يجوز على الإطلاق: اللهم لا تعرض عني.
ولا يجوز: اللهم لا تجرْ عليًّ، ولا تظلمني، وإن كان معلوماً: أن الله لا يفعل شيئا من ذلك.
بشير – قال: يجوز أن يقول: اللهم حل بيني وبين الشيطان.
ويقال: إن الله حال بين المؤمنين، وبين الكفر.
ومعنى ذلك: أنه أمرهم بالإيمان، ونهاهم عن الكفر. (1/196)
صفحة 197
ومن قال: اللهم لا تُنسنا ذكرك، ولا تولنا غيرك، فليقل ذلك، على معنى: لا تحل بيننا وبين طاعتك، كقوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) يقول: إن الله لم يحملهم ما لا طاقة لهم به، ولكن يقول: اللهم لا تفعل بنا ما يحول بيننا وبين طاعتك، وقوله تعالى: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) إنما هو بأمرهم بالدعاء.
وقال في موضع آخر: لا تولنا غيرك، لا يجوز والله أعلم.
ويجوز أن يقال: اللهم لا تجعلنا خلقا خلقته للنار.
وجائز: اللهم اعزم لي على الخير.
ويقال: أنت عفو فاعف عني، فيسأل بالأفضل.
ولا يقال: أنت عدل فتفضل عليَّ، ويجوز: أعوذ بالله من نقمه وابتلائه.
وقول من قال: اللهم أجرني من عذاب النار، أو أغثني من الظلَمة، وأجرني منهم، فكل ذلك ما عرفت به بأسا. والله أعلم.
ويجوز: اللهم يسر لنا، وكره من كره، ولا تعسر علينا.
ويجوز في صفة الله: أن يقال: ياذا المدعو، وأن يقال: ياذا الخلق، وذلك مثل قوله: ياذا العرش.
ويجوز أن يدعى: اللهم تحمل عني ذنوبي، واحمل عني ذنوبي، على معنى العفو عنه، ليس أن يشبه بالخلق، من الحمل – تعالى الله عن ذلك، وهذا يخرج عن المجاز.
وكذلك يجوز أن يقال: اللهم زدني خيرا، على معنى المجاز؛ لأن هذا المعقول من القول، وإرادة الله، قد تقدمت، فيما أراد – تبارك وتعالى.
مسألة:
هذا مما عرض على أبي سعيد، فرآه صواباً:
يا من هو تحت كل شيء؛ وليس له تحت، ويا من هو فوق كل شيء، وليس له فوق، ويا من هو أول كل شيء، وليس له أول، ويا من هو آخر كل شيء، وليس له آخر.
قال المؤلف: سل عن الصفة لله، بأنه تحت، فإنها كلمة جافية، لأني وجدت النهي عن القول: يا من هو تحت كل شيء، فلا يحسن أن يقال: إن الله تحت كل شيء، كما يحسن أن يقال: فوق كل شيء.
مسألة: ومن جوابات لأبي عبدالله محمد بن الحسن بن غسان – قلت: هل يجوز في الدعاء: يا رب ارض عنا برضاك، وتب علينا بتوبتك؟ أم لا يجوز ذلك؟ (1/197)
صفحة 198
قال: إني لأكره أن يتكلم المتكلم بذلك لعثوثة لفظه، فأما إذا أراد أثبتنا ثوابك، وأرحمنا برحمتك، فقد أصاب، لأن الرضى والتوبة من الله، رحمة وثواب.
ويجوز أن يقال: يا رب لا ترزقني الحرام، ولا تطعمني إياه أم لا؟
بل جايز له ذلك أن يسأل الله: أن لا يجعله من أهل الكفر والمعاصي، لأن الحرام هو رزق الله، فما أكله رزق الغذاء، لا رزق التمليك، ولا رازق غير الله، ولا مطعم غيره.
مسألة: في من يقول: اللهم اعزم لنا بالخير:
قال: أرجو أنه يجوز، لسعة اللغة في معنى الإرادة، ومكروه أن يقال: فال الله ولا فالك، وقوله: ما عندي قليل الله، ولا كثيره، من الجنس الذي طلب إليه، فإذا صدق في إخباره، فلا أرى عليه بأسا.
مسألة:
وهل يجوز أن يقال لله: أرحم الرحماء، وأعلم العلماء أو لا؟
لا أروى جواز الوصف له، إلا بما وصف نفسه: أنه أرحم الراحمين، وأما قوله: أعلم العلماء، فقد أصاب، وإن أراد به يعلم، ولا يعلمون فجائز ولا يجوز التشبيه له بخلقه.
ولا يجوز: يا غياث المستغيثين، ولكن يقول: يا من هو غياث المستغيثين، ويا من يستغاث به. والله أعلم.
ولا يجوز أن يقال: اللهم اكفنا ظَلمة خلقك.
وقيل: يجوز.
وعن أبي سعيد – في قول الداعي- : اللهم لا تطعمنا الحرام، إنها كلمة جافية، لا تجوز، وأحب أن يدعى بغيرها. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والسبعون والمائتان
في الاستخارة والاستشارة
أبو الحسن البسياني – وعن الداعي: هل يجوز أن يقول في دعائه: اللهم إن كان هذا المر خيرا فاقضه لي، وإن كان شرا فاصرفه عني، في أمر قد خشى منه الضرر، ورجا منه النفع؟ وهل يجوز أن يدعي على سبيل الشريطة؛ فإني قد وجدت في بعض الآثار: ينهى عن ذلك، ويؤمر أن يدعَى بالقطع ويسأله أن يجعل له في ذلك الخيرة، ويقول: اللهم افعل لي كذا وكذا، واجعل لي فيه الخيرة، فما كان معك في ذلك، أو سمعت فيه؟ (1/198)
صفحة 199
قال: أرى أنه جائز أن يدعو على وجه السؤال، وقد قيل: بإجازته على ما وصفت، إن كان خيرا، فاقضه، وإن كان شرا فاصرفه.
والناس مختلفون في أمر الدعاء.
فمنهم: من أجاز على الشريطة والتقييد.
ومنهم: من لم يجز ذلك.
والذي وجدت في الآثار: أن يدعو ويسأله في الخيرة، فذلك جائز حسن.
والذي أقول به: أن يسأل الله ويدعوه، على وجه التضرع والرغبة إليه، ويسأله أن يقضي له مما هو خير.
وقوله اللهم إني أستخيرك فجائز.
ولا يجوز: اللهم إني أستشيرك، والاستشارة على الله لا تجوز؛ لأنها من صفات المخلوقين.
قال غيره: إذا أردت أن تستخير الله تعالى، تقول: أستخير الله، ثم أستشير الناس.
قال المؤلف: أستخير – بالخاء العجمة لا بالجيم – وبالله التوفيق.
الباب السادس والسبعون والمائتان
في السؤال بأسمائه التي دعاه بها أنبياؤه – عليهم السلام
ومن قال في دعائه: اللهم إني أسألك بالاسم الذي دعاك به موسى، وبالاسم الذي دعاك به عيسى، فلا يجوز.
ومن قال: أسألك بما سألك به محمد صلى الله عليهم أجمعين وسلم، فإن هذا لا يجوز. وبالله التوفيق.
الباب السابع والسبعون والمائتان
فيما يدعَى الله به على الحقيقة والمجاز
وأحكام ذلك
ومن قال: إنه تعالى ذخر، وسند له- بالنون، فمجاز وحقيقة.
ومن قال: يا خير الأصحاب، يعني بذلك، حافظا ومدبرا، جاز. ولا يجوز على غير هذا المعنى.
ولا يجوز يا صاحب المؤمنين، على الحقيقة. وإنما يقال للإنسان: صحبك الله – توسعاً – يارد: سلمك الله.
ويقال: يا سيد كل سيد، ومولى كل مولى – على المجاز، ورب الأرباب – على المجاز؛ لأن من ملك شيئا، سمى ربهم – في اللغة، والله تعالى هو المالك في الحقيقة، ويوصف بأنه تعالى حافظ وراع وحارس، وإن كان استعماله قليلا، والحراسة والرعاية حقيقتان، فلهذا وصفناه بهما، وكفيل وضامن صحيح يقال: تكفل الله بأرزاق العباد، وضمن للمؤمن بالجنة. وبالله التوفيق.
الباب الثامن والسبعون والمائتان (1/199)
صفحة 200
فيمن يسأل الله برحمته وفضله وكرمه
من قال: اللهم ارحمني برحمتك، ففيه اختلاف.
وكتب بعض المسلمين إلى بعض:
عافانا الله وإياك برحمته.
مسألة:
وما عندك. هل يجوز أن يسأل العبد خالقه بفضله ومنّه، وكرمه ورحمته. فيقول: وقنا برحمتك عذاب النار؟ ويقال: أنعم علينا بهدايتك، وتفضل علينا بعفوك؟
الجواب: قد عرفت جواز ذلك؛ لقول الله تعالى: { وقنا عذاب النار } .
وقد قال: { واسألوا الله من فضله } وقال: { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } .
وإذا سأل الله: أن يمن بعفوه ورحمته وهدايته، على عبده، فذلك جائز؛ لأن مسألته إنما يريد بذلك، أن يمن عليه بذلك، لا أنه يسأله برحمته وعفوه وهدايته، متوسلا إلى الله تعالى. فذلك لا يجوز. والله أعلم.
وفيمن يقول: اللهم ارحمني برحمتك، وتب عليَّ بتوبتك.
قال بعض: لا أرى بذلك بأسا، على استنباط المعنى، لأن المراد بذلك: الله أصبني برحمتك، وأمسسني نعمتك.
قال الشيخ أحمد بن عبدالله بن موسى: وجدت في جواز ذلك اختلافا.
ولا يجوز أن يقال: اللهم ارحمني برحمتك.
قال المؤلف: قد تقدم الاختلاف في ذلك. ولعل ذلك إذا سأله مستشفا إليه برحمته، ومتوسلا.
وأما إذا قال: أصبني برحمتك، يسأله أن يرحمه. فذلك جائز. والله أعلم.
قال الشيخ أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة: وكل شيء يسأله السائل ربه أن يفعله، فهو على ضربين: أحدهما: شيء من حكم الله، أن يفعله، دعا به الداعي، أو لم يدع به. وشيء من حكم الله أن لا يفعله إلا بعد دعائه.
فأما الذي هو من حكمه، أن يفعله دعا به الداعي، أو لم يدع. فكالذي حكاه الله، من دعاء الملائكة -عليهم السلام-: فقال: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم } الآية. وقد علمنا أن الله يدخل المؤمنين الجنة، وأنه يغفر للذين تابوا، دعا بذلك داع، أو لم يدع. (1/200)
صفحة 201
وأما الضرب الذي ليس من حكم الله، أن يفعله إلا بعد الدعاء، كدعاء الأنبياء –صلوات الله عليهم- للأشياء التي لولا دعاؤهم بها، لم يتفق كونها، على سبيل ما اتفقت عليه من الكثرة ومقادير الأوقات، لعلم الله تعالى، بأن ذلك لا يكون موجبا للحجة. ولا واقعا للمصلحة، إلا بأن يكون بعد ذلك الدعاء.
وقد علمنا أن المسلمين يوجهون دعاءهم إلى الله، في النصرة على المشركين، وقي استسقاء الغيث، وفي كشف ما كان من المكاره، وفيما أشبه ذلك. وجرى
مجراه، رغبة إلى الله تعالى، وطمعا أن يكون اجتهادهم، سببا لاجتلاب ما سألوا.
فقد دل ذلك على أن من الدعاء، ما لو لم يكن الشيء المسئول فيه. وإن كنا لا نعرف كل شيء من ذلك بعينه، مما سواه.
ولكنا نعلم في الجملة: أن مما ندعو به: أن الله يفعله، دعونا به، أو لم ندع به.
ومنه: ما نعلم أن الله تعالى، لا يفعله إلا بعد أن ندعوَ به.
ومنه: ما لا ندري، من أي الصنفين هو؟ فنحن ندعو به، لحسن الدعاء في ذلك، من الوجهين جميعا.
قال المؤلف: ولعل ها هنا وجها ثالثا، أغفله أبو محمد، حتى قال: إن الدعاء على وجهين. وهما اللذان ذكرهما. (1/201)
صفحة 202
والوجه الثالث الذي عندي. وهو الذي غفل الشيخ أبو محمد أن يذكره: هو شيء من حكم الله، في علمه أنه لا يفعله دعا به الداعي، أو لم يدع به، لأنه لو أن أحدا دعا ربه: أن يزيل له البحور من أماكنها، لم يشأ الله ذلك، وأن يأتي بالقيامة قبل وقتها، ويميت له من لم يشأ الله يميته بعد، أو يحيي له، من قد مات، ممن سبق في علم الله: أنه لا يحييه إلا يوم القيامة، أو يسأله أن يسقط السماء على الأرض، أو يجعل عمره مائة ألف سنة، أو نحو هذا، مما لم يكن سابقا ذلك في علم الله تعالى، لم يجب السائل في ذلك. دعا به الداعي أو لم يدع؛ لأنه ليس الدعاء إلا على الوجهين اللذين ذكرهما الشيخ أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة فقط؛ لأن هذا الوجه الثالث الذي ذكرناه، شاهر ظاهر،لا يرده راد، لصحته وثبوته. وبالله التوفيق.
************
الباب التاسع والسبعون والمائتان
فيمن يسأل الله تعالى بحق أنبيائه عليه
أو بحرمتهم أو أحد من خلقه
من جوابات أبي الحواري:
وعمن دعا الله فقال: بحق محمد عليك، أو بحق الأنبياء والملائكة عليك هل يجوز أن يدعو بهذا الدعاء؟
فالذي بلغنا عن محمد بن محبوب –رحمه الله-: أنه كان يقول: يقال: بحرمة الأنبياء والملائكة، بحرمتهم عليك.
ومن قال: بحق لم نقل: إنه أخطأ.
وأولى ما اتبع: قول العلماء: وبحرمة. وهو أحب إلينا.
قال المؤلف: بحق محمد، لا يجوز في قول بعض.
وكذلك من دعا الله فقال: بحق أنبيائك عليك، وبحق رسلك وملائكتك عليك. فهذا لا يجوز.
قال الشيخ أبو بكر: إلا أن يريد بذلك الاستشفاع بهم إلى الله. فعلى هذا الوجه يجوز.
مسألة:
قال أبو محمد: واختلفوا فيمن يسأله بفعله.
فأما أفعاله، فمثل بحق أنبيائك افعل لي كذا وكذا.
فعلى قول من أجاز ذلك قال: من فضل الشفيع على من يشفع إليه.
وأما قول من لا يرى ذلك. فيقول: لا حق لأحد عليه. وحقه على عباده. (1/202)
صفحة 203
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج نحو هذا، على بعض ما قيل: ولأنبيائه تبارك وتعالى الحق في دينه، بما جعل لهم من الحق. وقد قال الله تعالى: { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } وليس لأحد من خلقه عليه حق، إلا ما جعل بفضله لهم. والحق له تبارك وتعالى، على عباده وخلقه: أن يوجبوا حتى ما جعلهم لعباده، من الحق في دينه، من نبي أو إمام، أو غيرهم، من ذوي الحقوق في دين الله. وهذا جائز في مجاز الكلام. وغير متعلق، على معنى: أن على الله حقا لعباده، على اللزوم به لمه جل الله عن ذلك وعز.
مسألة:
جائز يُسأل الخالق. فيقال: نسألك، ونسألك بحق السائلين عليك.
وذلك أن حق الله أن يطيعوه. وحق الخلق على الله: أن يثيبهم، إذا أطاعوه. فيسأل الخالق بذلك الحق، ويسأل الخلق بحق الله.
قيل: لا يجوز.
مسألة:
ومن قال: بحق يوم الجمعة، وبحق حرمة رمضان.
قبض أجاز ذلك.
وكرهه آخرون. ولم يروه.
ولا يقال: نسألك بحق محمد. ولكن بحرمة محمد. ولا يجوز أن يسأل الله.
بملائكته وأنبيائه والكعبة والقرآن وعرشه وكرسيه، وبجميع خلقه، ولا بشيء من الحقوق.
وأما بحق أنبيائك ورسلك، وبحق محمد عليك، وبرحمتك وبلطفك. ففيه اختلاف.
فمنهم: من أجاز ذلك، على نحو ما يستشفع إلى الله، بصفات أفعاله برسله وأنبيائه، من فضل الشفيع، على من يشفع له؛ لأنهم أجل شأنا عنده، وأعظم مقدارا. والله أعلم.
وقال قوم: لا يجوز أن يسأل الله تعالى بشيء، من هذا؛ لأن الله ليس لمخلوق وعليه حق، من النبيين والمرسلين،ولا الملائكة المقربين. فيسأل بحقهم. وإنما الحق له على خلقه. والفضل منه عليهم –عز وجل- من أن يكون لمخلوق عليه حق. فيكون مانَّاعليه بذلك. والله أعلم. وبه التوفيق.
الباب الثمانون والمائتان
في إجابة الدعاء ورده وسرعته وتأخيره
قال الله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } . وقال: { ادعوني أستجب لكم } .
ومن كتاب الثعلبي: (1/203)
صفحة 204
قال بعضهم – في معنى الآيتين: الدعاء –ها هنا- الطاعة ومعنى الإجابة: الثواب. كأنه قال: أجيب دعوة الداعي، بالثواب، إذا أطاعني.
وقال بعضهم: معنى الآيتين خاص. وإن كان لفظهما عاما، تقديرهما: أجيب دعوة الداعي- إن شئت. وأجيب دعوة الداعي إذا وافق القضاء. وأجيب دعوة الداعي – إذا لم يسأل محالا. وأجيب دعوة الداعي- إذا كانت الإجابة له.
قال المؤلف: هذا القول حسن أن يكون شيء، أو لا يكون، إلا بمشيئة الله، وقضائه وقدره.
رجع:- يدل عليه: ما أخبرنا بإسناد، عن أبي سعيد الخدري. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم دعا بدعوة، ليس فيها قطيعة رحم، ولا إثم، إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل دعوته، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها.
قالوا: يا رسول الله إذا فكبر.
قال: الله أكبر.
وقال بعضهم: هو عام. وليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة.
فأما إعطاؤه المنية، وقضاء الحاجة، فليس بمذكور في الآية. وقد يجيب السيد عبده، والوالد ولده، ثم لا يعطيه. فالإجابة كانت لا محالة، عند حصول الدعوة؛ لأن قوله: أجيب وأستجيب خبر. والخبر لا يعترض عليه النسخ؛ لأنه إذ نسخ صار المخبر كذابا. وتعالى الله عن ذلك. وأن الله تعالى يقول لداود عليه الصلاة السلام: قل للظالمين أن لا يدعوني، فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني، وأني إذا أجبت الظالمين لعنتهم.
وقيل: إن الله يجيب دعوة المؤمن في الوقت، إلا أنه يؤخر عنه إعطاء. مراده، ليدعوه، فيسمع صوته. يدل عليه، ما روى بإسناد عن جابر بن عبدالله. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليدعو الله وهو يحبه فيقول لجبريل عليه السلام: اقض لعبدي هذا حاجته وأخرها؛ فإني أحب أن أسمع صوته. وإن العبد ليدعو الله، وهو ببغضه. فيقول لجبريل عليه السلام: اقض لعبدي هذا حاجته، وعجلها؛ فإني أكره أن أسمع صوته. (1/204)
صفحة 205
وقال بعضهم: إن للغجابة أساسا وشرائط. هن أساس الإجابة، وقيل النية. فمن راءاها واستكملها، كان من أهل الإجابة. ومن أغفلها وأخل بها، فهو من أهل الاعتداء في الدعاء، وبالله التوفيق.
*************
الباب الحادي والثمانون والمائتان
فيمن يذكر الله بلا معنى
ويدعوه بلا معنى
ويذكره في غير موضع الذكر
عن أبي المنذر سلمة بن مسلم- هل يجوز أن يذكر الله بلا معنى، ولا اعتقاد، أو يتكلم بكلام بلا معنى، ولا اعتقاد؟ وإن فعل فعلا أو تكلم بلا نية، يأثم أم لا؟
قال: لا يجوز أن يلفظ بشيء بلا معنى له. فإن ما لا معنى له، يكون لغوا، لا طاعة. وما لم يكن طاعة، فقد قيل: يكون معصية.
قال المؤلف: حفظت في هذه المسألة نفسها من آثار المسلمين: أنه لا يجوز أن يذكر الله بلا معنى، ولا يدعو بلا معنى، ويذكر بلا معنى. وأن لا يتخذ البارئ- عز وجل، ولا آياته هزوا، وأن لا يدعو بكلام، لا يعرف معناه، ولا جوازه والله أعلم. وبه التوفيق.
*************
الباب الثاني والثمانون والمائتان
في الصفات ومعانيها وأقسامها
وأحكام الصفات
الصفة هي: الشيء الذي يوجد بالموصوف فيكتسبه الوصف، الذي هو النعت، الصادر عن الصفة.
وقيل: الصفة: ما تخلص الموصوف من غيره، وتمييزه مما يلتبس به.
قال: والصحيح: ما أوجبت حكما للموصوف.
وحد الموصوف: ماله صفة؛ لأن ما ليس له صفة، فليس بموصوف.
مسألة:
في الصفة والوصف:
الوصف: قول الواصف لله تعالى، أو لغير الله: بأنه عالم قادر. وهو كلام مسموع. وقد يكون عبارة عنه.
وقوله: زيد حي عالم، وصف له، وخبر عنه، عن كونه على ما اقتضاه. وهو قول يدخله الصدق والكذب. والعلم والقدرة: صفتان موجودتان، بذات زيد. والوصف: قول الواصف.
فإذا كان الواصف لنفسه، هو الله تعالى: بأنه حي عالم، كان وصفه لنفسه معنى، ليس هو علمه وحياته. ولا هو غيرهما، لاستحالة وصف صفاته بالمغايرة. (1/205)
صفحة 206
وإذا كان وصفه لنفسه، وصفا لصفات أفعاله، نحو قوله: إني خالق رازق محسن فهذه صفات، التي هي الخلق والرزق والعدل، غير الموصوف؛ لأنها أفعال. وهي محدثات. والوصف الذي هو: قول: خالق رازق محسن مفضل، من صفات الذات، موجودة مع عدم الأفعال.
وإن كان الوصف لنفسه محدثا، فإن وصفه لنفسه، بأنه عالم، غير صفاته التي هي أفعاله؛ لأن جميع صفات الإنسان محدثة. وكلامه الذي هو وصف لنفسه محدث. وهما غيره.
مسألة:
كل وصف صفة، من حيث كان قولا وكلاما، ومكتسبا، للمتكلم المخبر عنه حكما وإن لم يجب أن يكون كل صفة وصفا؛ لأن العلم والقدرة والسواد والبياض ليست بوصف لشيء، ولا خبر عن معنى من المعاني.
وزعمت المعتزلة: أن الصفة والوصف، بمعنى واحد. هذا حق؛ لاجتماع أهل اللغة: أن الصفة هي النعت.
وذلك على أضرب: صفة خلقة لازمة، نحو أسود وأبيض، وطويل وقصير.
وصفة حرفة، نحو كاتب وحداد وبزاز.
وصفة دين، نحو مؤمن وكافر.
وصفة لنسب، نحو عربي، وعجمي وفي هذا دليل، على أن الصفات هي المعاني. ولأن قول القائل إذا قال: فلان له علم بالكتابة والفقه. وفلان له عقل حسن. وفلان له خلق قبيح. تعالى وصفه بمعان موجودة، أولاها ما صح وصفه بها.
وقول الواصف، ليس بصفة على الحقيقة إذ لا يصح أن يعلم بمعنى يوجد بغيره ولأن ما قالوه، يؤدي إلى أن يكون البارئ- تعالى فيما لم يزل بلا صفة، ولا اسم حتى أحدث الخلق، وأحدثوا له أسماء وصفات. فإذا أفتى الخلق، يبقى سبحانه بلا صفة ولا اسم – تعالى الله عن ذلك.
مسألة:
في دليل قول من قال: إن الصفة والوصف واحد. استدلوا على أن الصفة هي نفس الوصف الذي هو القول: بأن أهل العربية قالوا: إن الوصف والصفة، بمعنى واحد،وأنهما بمنزلة الوجه والجهة، والوزن والزنة، والوعد والعدة. (1/206)
صفحة 207
قالوا: وأيضا دليل آخر: أن المعاني الموجودة بالذوات، من العلوم والقدر والحركات، ليست بصفات في الحقيقة. وأن الصفة: هي قول الواصف، إجماع الأمة على أن الله، إذا قال: إن الجسم عالم أسود متحرك، فقد وصفه بهذا القول.
وإذا خلق فيه العلم والقدرة والسواد والحركة، لم يكن واصفا له، عند أحد من الأمة. فيجب أن تكون الصفة هي. فما يكون الواصف لها واصفا، دون ما لا يكون كذلك. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والثمانون والمائتان
في الدليل على أن الله تعالى لا يوصف بصفة
إلا بعد أن يعرف
ما معنى ما يتكلم به ويوصف به البارئ تعالى أو غيره
وأحكام ذلك
لا يجوز أن يوصف الموصوف بصفة، إلا بعد أن يعرف معناها، وما يريد أن يصفه بها. ألا ترى أنه لا يجوز أن يوصف زيد بأنه طويل، إلا بعد أن يعرف معنى الطول. ما هو، ويعرف زيدا.
مسألة:
عن أبي محمد-إن قال قائل: هل له صفة تعرف؟
فقال: نعم. من صفته عز وجل – التي يعرف بها: أنه واحد قادر عالم سميع بصير عاقل، لم يزل موجودا، ليس كمثله شيء. فهذه صفته- تبارك وتعالى.
وأما إن قال: هل له هيئة، أو حد أو صورة؟ فهذا فاسد. ولا يجوز أن يوصف الله بذلك.
مسألة:
قال الشيخ أبو الحسن البسياني: جائز أن يوصف الله تعالى، بما وصف به نفسه، وإن لم يعرف معنى ذلك. ولا تفسيره وأجاز الوصف لله تعالى: بأنه حسيب وحفيظ، وعلى كل شيء وكيل، بما ذكره الله تعالى وبالله التوفيق.
*********
الباب الرابع والثمانون والمائتان
فيما يجوز من الصفات حقيقة ومجازا
وما يجوز أن يوصف الله تعالى به
وما لا يجوز
قال المؤلف: وإنما كتبنا في هذا الباب، ما لم نعلقه، في متقدم الكتاب. وما كتبناه أولا، إلا وقد كفى عن إعادته، في هذا الباب.
الضياء:
وجائز أن يوصف الله تعالى: بأنه عارف بالأشياء، كما يقال إنه عالم بها، لأن العلم هو المعرفة. والعالم بالشيء، في الشاهد: هو العارف به.
قال المؤلف: ورد هذا القول- أبو سعيد، في جامع ابن جعفر. (1/207)
صفحة 208
مسألة:
وجائز أن يقال لله تعالى: يدري الأشياء، كما يقال: إنه يعلمها.
وقيل: لا يجوز ذلك. ويوصف الله تعالى، بأنه مطلع على العباد، وعلى أعمالهم- توسعا. ويراد أنه عالم بهم، وبأعمالهم.
وقيل له: مطلع، على المجاز؛ لأن المطلع منا على الشيء، من فوقه، يكون أعلم به، وأولى بأن لا يخفى عليه منه شيء. فلما أن كان الله بالأشياء كلها عالما، بما لا يخفى عليه شيء منها. قيل له: إنه مطلع عليها، مجازا.
**********
مسألة:
وجائز أن يوصف الله تعالى: بأنه يحب ويبغض.
ومعنى الوصف له بالمحبة: هو معنى الوصف له بالإرادة.
ومعنى الوصف له بالبغض: هو معنى الوصف له بالكراهية.
وذلك أن كل ما كره الله، كونه من العبادة، فهو مبغض كونه منهم. وكل ما أراد الله كونه من العبادة، فقد أحب كونه منهم وكل من أراد إكرامه من عباده، فهو له محب.
وإرادته لإكرامه ولتعظيمه: هي محبته لإكرامه ولتعظيمه. وهي محبته له.
وكراهيته لإكرامه ولتعظيمه: هي بغضه لإكرامه ولتعظيمه. وهي بغضه له؛ لأنه ليس معنى حب الله للعباد، إلا حبه لإكرامهم ولتعظيمهم. وليس بغضه لهم إلا ضد ذلك.
ويوصف الله: بأنه مصلح؛ لأن فاعل الصلاح، يسمى مصلحا. ويوصف بأنه مفضَّل، بما فضل به غيره، من العباد. ومن فعل الفضل، سمى مفضلا. ويوصف بأنه خير، لأن فاعل الخير إذا كثر منه، استحق أن يقال له: خير. فلما كان فعل الخير من الله موجودا، وجب أن يسمى خيرا.
ويقال: إن الله أصلح لنا من غيره، وخير لنا من غيره. وهذا القول أيضا- توسع والمراد به: نعمه وخيره وفضله ويقال: إن الله تعالى خير أفعال منك.
ويقال: إن الله قد فعل الشدائد والآلام. وليست بشر على الحقيقة. (1/208)
صفحة 209
وقوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } وقوله: هل أنبئكم بشر من ذلك } فهو شدائد ومصائب. وليس بشر على الحقيقة وقوله: شر – مجاز وتوسع. وإرادته أنه ضرر وشدائد؛ لأن الشر هو عبث وفساد. وفاعله شرير، إذا كثر ذلك منه. وجمع فاعل الشر، هو الأشرار. والله تعالى يجل عن أن يكون شريرا، ويكون مع الأشرار فصح بهذا أن الله لا يفعل الشر، على الحقيقة. وسؤالهم عن عذاب جهنم خير، أو شر. فهو عدل وحكمة.
مسألة:
ويوصف الله تعالى: بأنه مختار. ومعناه: أنه مريد له، إذ لم يكن مُلجأ إلى ما أراده، ولا مضطرا إليه.
والإرادة: هي الاختيار في اللغة، في وصفنا له تعالى بذلك، وفي وصفنا لغيره إذا كانت على ما وصفنا، من زوال الإلجاء والاضطرار إليها.
ويقال: إن اختيار الله الذي اختاره، غير المختار، كما أن الإرادة غير المراد، من الله تعالى، ومن العباد.
وقيل: إن الله لا يوصف، بأنه يختار، ومن وجه الجهل، لجهله وقلة علمه بالأجود وفي القرآن، ما يؤيده القول الأول: قوله تعالى: { وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة } ما كان لهم أن يختاروا هم. واختيار الله للأنبياء عليهم السلام هو اختياره لإرسالهم إلى العباد، اختيارا لهم في سعة اللغة.
فإن قال: أفاصطفاء الله الأنبياء، هو اختياره لهم؟
قيل له: اصطفاؤه إياهم: هو اختصاصه إياهم بها. فليس معنى الاصطفاء، معنى الاختيار.
مسألة:
ويقال: إن الإنسان يكون خليلا لله.
ومعنى الخلة: الاختصاص.
فمن اختصه الله برسالته ووحيه، وأفضى إليه من ذلك، ما لم يفض به إلى غيره من الناس، كان لله خليلا؛ لأن الله تعالى قد اختصه، بما وصفنا.
ولهذا كان إبراهيم خليلا لله، إذ كان قد اختصه، بما لم يؤته غيره من الناس. ولهذا كان الرجلان، إذا اختص بعضهما ببعض، وأفضى كل واحد منهما إلى صاحبه، بما لم يفض به إلى غيره، سمى خليلا له – في اللغة. (1/209)
صفحة 210
ولا يجوز أن يقال: إن الله خليل لأحد من أنبيائه ورسله وخلقه – على الحقيقة لأن الخليل في اللغة: إنما هو خاصته الذي يفضي إليه بأسراره وأمره، دون غيره، لأنهم لم يختصوا الله تعالى بشيء، فيكون لذلك خليلا لهم، كما كانوا أخلاءه، لما اختصهم به، من الوحي والرسالة. وجميع الأنبياء أخلاء لله، لهذا المعنى.
ويقال للإنسان: خليل، على معنى حبيب في سعة اللغة. وهذا هو مجاز لا حقيقة؛ لأنه لو كان الحبيب خليلا، على الحقيقة، لكان المؤمنون جميعا أخلاء لله، كما أنهم أحباؤه. وهذا غير صحيح، ولا شائع في حقيقة اللغة.
ولا يجوز أن يتخذ الله صديقا من خلقه، فيكون صديقا للمؤمنين. والمؤمنون له أصدقاء والفرق بينهما، يعني بين الصديق والخليل: أن الصديق في اللغة: أن يصدق صاحبه، بالود والمحبة، وأن يكون ضمير كل واحد منهما لصاحبه، كعلانيته.
فلما لم يجز أن يوصف الله تعالى، بأن سريرته للأنبياء كعلانيته. وإنما يظهر لهم كما يظهر، إذا كان الضمير والطوية، لا يجوزان عليه، لم يجز أن يكون صديقا لهم، بتخفيف الدال.
ويقال: إن الله ناصر المؤمنين.
ومعنى ذلك: دفعه المكاره والشدائد والهوان عنهم، ليعزهم بذلك، ويكرمهم. وهذا هو النصرة المعقولة بيننا في الشاهد.
ويقال: إن الله يخذل الكافرين والفساق.
ومعنى ذلك: هو ضد النصرة. وهو أن لا ينجيهم من الهوان والشدائد، وأن يفعل بهم، ما يقعون معه، في الشدائد والهوان.
ويقال: إنه يوفق المؤمنين.
ومعنى ذلك: أنه فعل بهم فعلا، اتفق به لهم فعل الإيمان.
والتوفيق في اللغة: أن الشيء الذي هو توفيق، هو متفق لصاحبه لا محالة.
وذلك أنهم إذا قالوا: وفق الله لنا لقاء فلان، فلان فلا يجوز في كلامهم أن يقول القائل: وفق الله لي لقاء فلان وهو لم يلقه، ولا أنه لم يوفق لقاءه. وهو قد لقيه. فصح بهذا أن صفة التوفيق –على ما وصفنا- أن الفعل الذي هو توفيق له، هو متفق لصاحبه. (1/210)
صفحة 211
ويقال: إنه تعالى مسدد المؤمنين، ومرشد لهم، ومصلح لهم.
ومعنى ذلك واحد، إذا عنينا الصلاح الذي هو الإيمان، لأن الرشد هو الإيمان. والصلاح: هو الإيمان.
فلما وصفنا الله تعالى بأنه أصلح المؤمن، بأنه أصلح المؤمن، بأن أضنا صلاحه وسداده وإيمانه إلى الله، إذ كان إنما نال ذلك بالله عز وجل.
وكذلك وصفنا بأنه سدد المؤمنين، على هذا المعنى ونصفه بأنه أرشد المؤمنين في هذا المعنى. ونصفه بأنه أرشد المؤمنين، في وقت وجود هذا السداد، وهذا الرشاد وهذا الصلاح من الإنسان، كما إذا وصفناه من الهدى الذي هو الإيمان، بأن هدى المؤمنين، فإنما نصفه بذلك، في حال وجود الإيمان.
ويجوز أن يرشد المؤمن من غير هذا المعنى، بأن يثيبه، كان الثواب رشادا.
قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
حتى يقولوا وقد مروا على جدني ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
فقوله: يا أرشد الله من غاز، يدل على أنه يدعو له بالثواب، لأنه ميت في القبر. والميت لا يدعى له، بأن يرزقه الله الإيمان.
مسألة:
ويقال: إن الله تعالى يأبى الأشياء كما أنه يريدها.
والإباء في اللغة: هو المنع والامتناع؛ لأن معنى قولنا: أبى أن يفعل: أنه امتنع أن يفعل.
ومعنى قولنا: أبى فلان أن يظلم: معناه: منع فلانا من ظلمه. وليس أبى أن يظلمه، أي كره أن يظلمه. وإنما أريد به المنع.
قال عنترة:
أبينا أبينا أن تصيب لماتكم ... على مرشفات كالظباء عواطبا
أي منعناكم أن تسْبوا نساءنا، فتبتذلوهن بالنظر، حتى تشتهوهن.
والمرشفات: التي تديم النظرة واللمة –مخففة-: الجماعة من الرجال والنساء.
مسألة:
ويقال: إن الله تعالى ثابت كما يقال: إن المقر به متثبت، إلا أن هذا في صفاته عز وجل غير مستعمل.
ومعنى ثابت أنه تعالى لم يزل موجودا.
ويقال لله تعالى: الملكوت، والكبرياء.
ومعنى الملكوت: أنه المالك. والكبرياء: أنه عز وجل كبير.
مسألة:
اختلف في تسمية الله تعالى، بأنه غيور. (1/211)
صفحة 212
والغيرة من الله تعالى: الزجر. فغيور. بمعنى زجور، ويزجر عن الحرام، ويحظره، ويتوعد عليه أشد الوعيد. ولم يجزه آخرون.
وقال آخرون: إن الصفة له تعالى بذلك مجازا وتوسعا. والمراد بذلك: كراهيته للفجور ولأسبابه؛ لأن الغيرة: هي جزع الرجل والمرأة، من أن يشارك أحدهما أحد وهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى. يقال: غار الرجل على أهله بنار غيرة.
مسألة:
ويقال: إن الله أعرب كلامه. ويقال: أعقل وطبع.
ويقال: أعوذ بالله ثم بك. ولولا الله، ثم فلان.
واختلفوا في صفة الله بالفراغ.
فقال به هلال بن عطية في سيرته. ولم يجزه أبو الحسن.
ويقال: رفع الله بيده عن كذا وكذا. وسلط الله قوما على قوم.
ويقال: بصره في الخلق نافذ، وعلمه بهم محيط.
ويقال: يسمع ويرى.
ويقال: عرف ويعرف.
ويقال: يا إله كل مألوه والمألوه: هو العبد.
ويقال لله تعالى: يسبب الأرزاق لعباده.
ويقال: إن الله تعالى يعزم ثم يستثني.
ويقال: العزم لله. والله المعزم لي على الخير. ولا يجوز على الله العزم، الذي هو المطلع على الشيء، بعد الرؤية فيه، وفي غيره، كما لا تجوز عليه الروية والفكر.
وأما العزم الذي هو إيجاب فعل الشيء على غيرنا، فهذا يوصف الله تعالى به، ويستعمل في صفاته، لأنه تعالى يقال: إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يحب أن يؤخذ بعزائمه.
ويقال: أتته عزيمة من ربه، يعني ما، أوجب الله عليه، ولم يرخص له في تركه والعزم غير الإرادة.
قال أبوالحسن –فيمن قال- عزم الله لنا بخير. فقال: لا أراه جائزا.
مسألة:
ويجوز أن يقال: كل بالله لاحق. كما يقال: كل إلى الله صائر.
ويقال: ما أحسن هذا عند الله! وما أقبح هذا عند الله! والعند تأويله: العلم.
وقيل: إن العند غير العلم قال الله تعالى: { ما عندكم ينفد وما عند الله باق } أي ما لديكم ينفد، وما لديه، مما أعد الله لأوليائه باق.
ويقال: قاسمت الله مالي.
ويقال: جعلت هذا لله. وأعطيت هذا لله، أي التماس الرضى. (1/212)
صفحة 213
ومعنى ذلك: لولا الله ما أعطيت. ومعنى أعطيت الله، وأعطيت لله، يتقاربان.
مسألة:
ويقال لله تعالى، يبغض ويمقت، وينتظر ويمهل، ويستدرج ويترتقب. قال الله: { انتظروا إنا منتظرون- وارتقبوا إنا معكم مرتقبون } وذلك غير استيعاد.
ولا يقال: شيء يبعد عليه.
ويقال: علّم وأدَّب والله معلمنا ومؤدبنا وفقه. ولا أعلمهم يقولون: الله المفقه. وهذه أقرب من معلم ومؤدب.
ولا يجوز: الله القائم لي.
ويقال: الله عاصمي، والعاصم لي، وناصري. والناصر لي.
ويقال: الله تعالى جاء بي،وذهب بي، كما جاء الله بالمطر. وجاء بالفرج وجاء بالسعة. وجاء بالخصب.
ويقال: لا جاء الله به.
ويقال: اللهم جيء به. وكذلك جاء الله بك، وذهب بك.
ويقال: رفع الله نفسه عن الظلم.والله تعالى يجل عن هذا الأمر، على ما قال الله تعالى: { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } .
ويقال: لا يتعذر على الله تدبيره. ولا أعلمهم يقولون: لا يعييه شيء. ولا يبعد عليه شيء. قال الله تعالى: { أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن } وقال: { أفعيينا بالخلق الأول } .
وقال المفضل: كل ما يقدر عليه، ولم يتوجه له، فقد عيي به.
ويقال: لا يقدحه، على معنى ما قال: { ولا يئوده حفظهما } يعني لا يثقل عليه.
الضياء:
عن نجاد بن موسى جائز أن يقال: بالله توفيقنا. وعليه اعتمادنا. وبه عصمتنا وهو حسبنا ونعم الوكيل. وأقوى معين، وأهدى دليل.
وعنه: أن الله خبأ أربع: خبأ وليه في عباده، وخبأ رضاه في طاعته، وخبأ غضبه في معصيته، وخبأ إجابته في دعائه.
مسألة:
ويجوز أن يقال: منفرد ومتوحد.
ولا يجوز أن يقال: المنفرد.
قيل: لا يجوز أن يقال: المنفرد والمتوحد وليس هذان من أسماء الله.
مسألة:
من سيرة أبي علي موسى بن علي، عن الإمام المهنأ بن جيفر-: ذو القدرة القاهرة، والعظمة الظاهرة التي غلب بها كل غالب، وأدرك بها كل هارب.
مسألة:
محمد بن محبوب رحمه الله أعاذنا الله وإياكم، من سخطه وعقوبته. (1/213)
صفحة 214
وعنه أيضا: الحمد لله المستولي على حقائق الحمد، وفضائل المجد، والمستغني عن غناء أهل الأرض وأهل السماء.
قال أبو بكر أحمد بن النظر العماني –رحمه الله-:
وقال وجوه ناظرات لعطفه ... ورحمته يوم التغابن والندم
قال بعض المسلمين: إن التوبة يبسطها الله لعباده، رحمة منه لهم، وعاطفة منه عليهم.
مسألة:
محمد بن الحسن وسألته عمن يقول: باسم الله، خير الأسماء.
قال: إن كان معنى قوله: إن لله اسما هو غيره. فذلك لا يجوز.
ويجوز أن يقال لله: بصره في الخلق نافذ، وعلمه بهم محيط.
ويقال: إن الله بيننا وبينكم بروحه.
ويجوز أن يقال: القاهر فوق عباده بعزته.
ويقال: أنشأ الله الخلق بحكمته، وأمضى الأمور بمشيئته.
ويقال: جعلك الله في حرزه وستره، وعاد عليك بفضله ومنه.
ويقال لله: عدل في قضائه، متفضل في عدله. له أحسن الأسماء، وأشرف المدح.
ويقال: الأمر لله، ثم لك.
مسألة:
ومن خطبة الإمام إبراهيم بن عبدالله الحضرمي –رحمه الله-: فإنا لله الواحد المستعان. ومنها الظاهر والباطن، والنائي المتداني. ومنها: يا ألله يا غياث المستغيثين، ويا مدرك المستدركين. ويا غياث من لا غياث له.
مسألة:
ولا يجوز أن يقال: إن الله خلق أرزاق العباد، قبل أن يخلقهم.
وجائز أن يقال: علِمها قبل أن يخلقهم.
ويوصف الله تعالى، بأنه لم يزل متكلما.
وقيل: لا يجوز. ولكن يقال: لم يزل الله، وهو المتكلم.
ولا يجوز أن يقال: الله فوق كل شيء- على الحقيقة؛ لأن ما وصف أنه فوقن إنما وصف، أنه في مكان مرتفع. وهذه حقيقة هذه الصفة، في اللغة.
فإن وجدنا ذلك، في صفة الله، فإنما هو مجاز.وقوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } أراد أنه القادر المستولي على العباد، والمستعلي عليهم. فجعل قوله: "فوق" بدل قوله: مستعلي- في مجاز الكلام والتوسع. (1/214)
صفحة 215
ويجوز أن يقال:فوق عباده، بالعلم والقدرة ويراد به، أنه أعلم منهم، وأقدر، كما قال: { وفوق كل ذي علم عليم } وهو يعني نفسه. وهو أيضا على جهة التوسع والمجاز.
مسألة:
قلت: وهل يجوز أن يقول الإنسان: إن الله حكيم في علمه، أو حكيم في حكمه، أو لطيف في قدرته، أم لا؟ فإن هذا شبيه صفة الشيء في الشيء، فلا يجوز ذلك. وبالله التوفيق.
************
الباب الخامس والثمانون والمائتان
فيما يجوز من الصفات وما لا يجوز
لا يوصف الله تعالى، بأنه موقن؛ لأن اليقين هو العلم، الذي يستدركه العالم، بعد الشك والارتياب، وبعد أن لم يعلم، فيكون قد أيقن، بعد أن كان فيه شاكا. فلما لم يجز أن يكون الله يعلم من بعد شك، لم يجز أن يقال: إنه موقن.
ولا يقال إنه مستبصر؛ لأن المستبصر في الشيء، هو من استبصر فيه، بعد شك. فلما لم يجز الشك على الله، لم يجز أن يقال: مستبصر.
ولا يقال: إنه متحقق، لأنه في معنى مستبصر وموقن. وهذا لا يوصف به أحد منا، في الشاهد، إلا بعد أن كان شاكا فيما تحققه، واستبصر فيه.
وكذلك لا يوصف، بأنه يشعر بالأشياء، ويفطن، لأن من يشعر ويفطن بالأشياء، هو الذي لم يكن علمها، قبل ذلك. والله تعالى لم يزل عالما بالأشياء. فلا تجوز عليه هذه الصفة.
ولا يوصف بأنه يحس بالأشياء، لأن الإحساس بالأشياء، إنما هو أول ما يدرك من العلم بها. فلما لم يجز على الله، استدراك العلم شيئا بعد شيء، إذ كان لم يزل عالما، لم يجز عليه تعالى هذا الوصف. (1/215)
صفحة 216
وكذلك لا يوصف بأنه يعقل الأشياء، كما يوصف بأنه يعلمها؛ لأن علمنا أن ما يسمى عقلا –على التوسع- تشبيها بالعقل الذي هو الشد والمنع، لأن علمنا يحسن الحسن، وقبح القبيح، هو منع لنا من ركوب القبيح، وترك الحسن. فمسى العلم عقلا، من هذا الوجه توسعا.وعلم الله. لا يجوز أن يكون منعا له عن الشيء؛ لأنه لا يجوز عليه المنع، كما لا يجوز أن يكون محلا، لأن التحلية والمنع، إنما يجوز على من تتوق نفسه إلى الأشياء، فيمتنع من ذلك، ويكف عنه، مثل ما وصفنا. وهذا غير كائن على الله تعالى فلم يجز أن يقال: إنه تعالى عاقل. ولا يوصف عز وجل بأنه يفهم الأشياء، كما يوصف بأنه يعلمها، لأن الفهم هو العلم، بمعنى الكلام، الذي تسمعه، حتى يكون إذا سمعته، لم يخف عليك معناه.
وكذلك الفقه. إنما هو يفقه الكلام. ولهذا لا يوصف بالفهم، إلا للكلام وحده.
وكذلك لا يوصف بالفقه إلا للكلام. كما قال سبحانه: { ووجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا } . فلما كان البارئ تعالى، لم يزل عالما بالأشياء كلها ومعانيها، لم يجز أن يوصف، بأنه يعرف معنى الكلام، إذا سمعه، كما نوصف نحن بذلك. ولا أنه يفهمه، ولا يفقهه، ولا أنه فهم، ولا أنه فقيه.
ولا يوصف بأنه يشم، ولا يذوق؛ لأن الشم هو استنشاق الجسم المشموم، ودخوله في الخياشيم، وممارسة الخياشيم به. والذوق هو: مماسة الجسم للذوق باللسان واللهوات. فلما لم تجز على الله مماسة الأجسام، ولا مداخلتها إياه، لم يجز عليه الشم والذوق.
ولا يوصف بأنه يحرد ويقنط؛ لأن القنط من الغيظ. والغيظ والحرد: عرضان يحلان في الإنسان.
ولا يوصف بأنه يغتاظ، كما يوصف بأنه يغضب، لأنه ليس معنى الغيظ، معنى الغضب؛ لأنه قد يغتاظ في الشاهد من أفعالنا. ولا يغضب في الشاهد منها. والغيظ إنما هو بمنزلة الحسرة التي يلحقها، عند كون ما يكرهه. وليس الغضب كذلك لأنا قد نغضب على العصاة لله تعالى، وإن لم نكن عليهم مغتاظين، في وقت غضبنا. (1/216)
صفحة 217
فلما أن كان الله لا تجوز عليه الحسرة، ولا تغمه معاصي العباد له، لم يجز أن يتغتاظ على عباده وإن كان قد يغضب عليهم لمعاصيهم.
وقوله تعالى: { يا حسرة على العباد } أراد أن كفر العباد، وتكذيبهم بالرسل، يكون عليهم حسرة يوم القيامة.
وقوله: { فلما آسفونا انتقمنا منهم } يعني آسفوا رسلنا. ويجوز أن يكون أغضبونا. وذكر الأسف، وهو يريد الغضب توسعا. وأما الأسف حقيقة، فلا يجوز على الله.
ولا يوصف، بأنه يشتهي الأشياء، كما يوصف بأنه يحبها، لأن الشهوة منا ليست من جنس المحبة، لأن الشهوة توقان النفس إلى ما تتوق إليه، كتوقان نفس العطشان إلى شرب الماء، والجائع لأكل الطعام. ومحبة العطشان، لشرب الماء غير توقان نفسه إلى الشرب؛ لأنه قد تتوق نفسه إلى ذلك، وهو صائم، فلا يريد شربه. بل يكرهه لأجل صومه. فصح أن الشهوة ليست من جنس المحبة، فلم تجز على الله الشهوة، كما جازت عليه المحبة والإرادة، إذا كانت الشهوة توقان النفس إلى ما تشتهيه. وتوقان النفس على الله، لا يجوز.
ولا يوصف، بأنه عاشق ووامق، كما يوصف بالمحبة؛ لأن المحبة هي الإرادة. والعشيق ليسه كالإرادة للشيء. إنما هو كالعلق، يصيب الإنسان، ويتعلق القلب بما يعشقه. والوامق أيضا كالعاشق. وهذان لا يجوزان على الله تعالى.
ولا تجوز على الله الرقة؛ لأن الرقة إنما هي رقة الأجسام. وهي التي تكون في القلب، يدلا من الغلظة والفظاظة. وهذان لا يجوزان على الله؛ لأنه تعالى لا تحله الرقة، ولا الكثافة، ولا الفظاظة، ولا القسوة.
ولا يوصف، بأنه شفيق، ولا أنه يشفق على عباده، كما يوصف، بأنه يرحم عباده؛ لأن الإشفاق: الحذر. والمشفق منا من الشيء: هو الحذِر منه، والحذِر عليه. فلما كان الحذر على الله، لا يجوز، كما لا يجوز عليه الخوف، لم يجز عليه الإشفاق. (1/217)
صفحة 218
ولا يوصف بأنه رفيق؛ لأن الرفق في الأمور: هو الإحسان –خ-: الاحتيال، لأصلاحها، وإتمامها. والبارئ لا يحتاج إلى احتيال، يتم به أفعاله ومراده. فلم يجز أن يوصف بالرفق، ولا الترفق. ولا يوصف، بأنه فاضل ولكنه مفضِّل، بما يفعل من الفضل على غيره.
ولا يجوز أن يفضِّل هو بذلك، لأنه مستغن عن الأفعال أن يفضل بها. ولا يوصف بأنه شجاع؛ لأن الشجاعة إنما هي من الجراءة على المكاره، والأمور المخوفة. والله تعالى، لا يجوز أن يخف شيئا، ولا يحذره. فلم يوصف بالشجاعة ولا الجراءة.
ولا يوصف بأنه وزير، ولا مساعد لأحد من خلقه، ولا أنهم وزراء له؛ لأن تأويل الوزير: هو أنه وازر صاحبه.
ومعنى الموازرة: هي أن كل واحد منهما، قد شد إزاره مع صاحبه، لعينه على ما هو فيه، من شد الإزار، اشتق له اسم الموازر؛ لأن العرب كانت إذا توازرت، فعلت هذا الفعل، وشدت على أنفسها الإزار. فلم يجز أن يكون الله تعالى وزيرا لأحد من خلقه. ولا يكون له زير منهم.
وكذلك المساعدة. إنما تأويلها في اللغة: أن يجعل ساعده ويده في الأمر، الذي جعل فيه صاحبه ساعده. فقالوا لمن تابع صاحبه، على الأمر الذي ساعده، فذلك لا يجوز على الله.
ولا يوصف بالسكوت ولا الترك على الحقيقة؛ لأن الترك: هو كف النفس عن الفعل، الذي يتركه، وضبط النفس عن ذلك. فلما كان الله تعالى لا تحل أفعاله فيه، لم يجز أن يكف نفسه عنها. ولم يجز أن يكون تاركا لها.
ولا يوصف بأنه نبيل، لأن النبل عند أهل اللغة: إنما هو الحسن والجمال، مع صيانة النفس، وتكامل الخلال المحمودة. فلما كان الله سبحانه، لا تجوز عليه الأحوال، لم يجز أن يفضل، وأن ينبل بأفعاله، ولا يتكامل بالخلال، كما ينبل النبيل منا.
ولا يوصف، بأنه حاذق؛ لأن الحذق في اللغة: أصله القطع. يقال: سكين حاذق يراد به حاد. وخل حاذق: شديد الحموضة، كأنه يقطع. (1/218)
صفحة 219
ولا يوصف، بأنه ذكي، لأن الذكاء: هو حدة القلب، وسرعة تلقنه. فلما لم تجز على الله حدة القلب، إذ كان ليس بذي قلب، ولا جارحة، لم يجز أن يوصف بالذكاء. يقال: قلب ذكي، إذا كان سريع الفطنة.
ولا يوصف بالذراية؛ لأن الذارية هي خفة اللسان، وسرعته في التحريك للكلام. كما أن الذكاء هو حدة القلب، وسرعة تقلبه. فلما لم يكن لله تعالى لسان لم يجز أن يوصف الذراية والذرب: الحاد من كل شيء. يقال: لسان ذرب، وسم ذرب، وطعام مذروب.
ولا يوصف الله تعالى، بأنه يصف الأشياء، على معنى أنه يعلمها، كوصفنا لأنفسنا، والحفظ لما عُلِّمناه من القرآن وغيره ولئن وصفناه بذلك توسعا ومجازا. ومرادنا بذلك أنا إذا علمنا، لم يذهب عنا.
فلما كان الوصف لنا بالحفظ، من هذا المعنى مجازا، لم يجز أن يوصف الله تعالى، بأنه حافظ للأشياء، على معنى أنه يعلمها.
وإنما يوصف بأنه يحفظ الأشياء، على معنى الحفظ المعقول في الشاهد، بأن يصرف عنا الذهاب والضرر والفساد.
ولا يوصف الله تعالى بالفرح، لأن الفرح إنما يجوز على من يجوز عليه الغم، ومن تصل إليه المنافع والمضار. وهذا لا يجوز على الله وقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله أفرح بتوبة العبد من العبد، إذا ضلت راحلته في أرض فلاة. وعليها زاده وماؤه فلقيها الخبر. إنما وصف بذلك توسعا، وأرادوا به أنه مريد لتوبة عبده، كاره لإصراره على ذنبه.
ولا يقال: إن الله تعالى عَجِب من كذا، لأن العجب إنما يحدث ممن لم يعلم فعلم، فعجب عند ذلك. مما علم والله تعالى، لم يزل عالما بالأشياء. فلا يجوز أن يعلم منها ما لم يكن علمه فيعجب منه.
وقال الأشعري: إنما عجبه، بأن عظم ذلك عنده. ومنه قوله تعالى: { بل عجبت ويسخرون } أي بل عظم أمرهم.
وقول: معنى عجب: رضى وأناب فسماه عجبا. وليس بعجب في الحقيقة، كقوله: { ويمكر الله } وإن المكر منفي عن الله. (1/219)
صفحة 220
وقيل في قوله تعالى: { بل عجبت } أي جازيتهم على عجبهم؛ لأنهم عجبوا من الحق، فقيل: إنما هو عجَّب بتشديد الجيم. وعجّب الله ملائكته كما قالوا: أضحك ربك، أي ضحك بالتشديد أي ضحّك ملائكته.
قال المؤلف: وشرح جميع ذلك، في كتاب الضياء، تركناه اختصارا. وكتبناه بكليته، في كتاب التاج.
ولا يقال: إن الله يهجر المعاصي، كما يقال: إنه يكرهها ويسخطها؛ لأن هجراننا الشيء: هو الانقطاع عنه، وترك الاتصال به. وربما كان ذلك ترك الكلام، لمن يهاجره.
وهذه المعاني لا تجوز على الله، أن يفعلها بالعاصي.
وإنما قيل: أفضل الهجر: أن يهجر ما كره الله. فإذا كان أصله في الناس توسعا، لم يجز أن يوصف الله بذلك، إلا بعد أن يجد الناس، قد توسعوا في اللغة في صفته تعالى.
وأما إذا لم يخرج بحد من ذلك، في صفاته عز وجل، فلا يجوز استعماله، إذا كان لا يجب من جهة الحقيقة.
ولا يوصف الله بأنه زكى، لأن الزكي –معناه-: أنه بلغ حدا، لم يكن بلغه قبل ذلك. وهذا لا يجوز على الله تعالى. وإنما قيل للإنسان: إنه زكى لأنه بلغ مقدارا بعلمه لم يكن يبلغه قبل ذلك. ولا يوصف بأنه نظيف؛ لأن النظيف هو المنظف وهو المنسول. وهذا لا يجوز على الله. ولا يقال: إنه تعالى يستطيع كذا وكذا، لأن الطاقة معناها: الجهد، فيما يطيقه الإنسان، لم يجز أن يوصف الله بذلك. وجائز أن يوصف بغيره، الذي معناه: أنه قادر وقوله تعالى:"هل تستطيع ربك" بالتاء ونصف الباء من ربك.
وقيل: هل تستطيع أنت ربك.
وقيل: هل تستطيع أن تسأل ربك. ولا يقال: إنه تعالى يطمئن إلى أنبيائه وملائكته، ويثق بهم، ويركن إليهم، لأن الاطمئنانة إلى الشيء والثقة به، والركون إليه، إنما هو بمنزلة السكون إليه. وهو ضد النفور عنه والتهمة له. والله تعالى لا يجوز عليه النفور، عن الأشياء. ولا التهمة لها؛ لأن هذا يجوز على من لم يعلم، ما يكون، ولا يحيط بالأشياء علما. فصح أن ذلك لا يجوز على الله. (1/220)
صفحة 221
ولا يقال: إنه تعالى ذخر ولا سند، لأن الذخر ما ذخره الإنسان. والسند: ما يسند الإنسان ظهره إليه. والله يتعالى عن ذلك.
فإن قيل هذا في صفاته. فإنما هو مجاز. ومعناه، ليس بحقيقة. وهذا لا يجب له، من جهة الحقيقة، إلا أن يكون قد استعمل الناس ذلك مجازا، فنستعمله معهم.
مسألة:
ولا يجوز أن يقال: إن الله خير من كذا وكذا. وهذه صفة ذات.
فإن قيل: إن الله تعالى خير أفعال منك، فجائز.
قال الحسن في قوله تعالى: { والله خير وأبقى } أي خير منك يا فرعون ثوابا، وأبقى، وأبقى عقابا.
ولا يقال: كذا وكذا، دين الله، بمعنى التفاضل والخيار؛ لأن الخيار لا يقع إلا بين الأجناس. ألا ترى أنه يقال: فلان أحسن من فلان، يراد أنه أصلح منه، لأنهم جنس واحد. وهذا لا يجوز على الله؛ لأنه ليس بذي جنس، ولا هو من جنس غيره. فلا يقع الخيار بينه وبين غيره.
وقوله تعالى: { واتخذوا من دون الله آلهة } قال بعض: اتخذوا عبادة الأصنام ليعتبروا بذلك. وهي دون عبادة الله.
ولا يقال: كان الله ولا شيء. ولكن يقال: لم يزل الله، ولا شيء.
ولا يقال: لِمَ فعل ربنا كذا وكذا؛ لأنه تعالى { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } .
ولا يجوز فيه: كان، ولا ما، ولا أين، ولا حيث؛ لأن كل ما يجوز فيه الأين، فهو بمكان. والمكان أقوى منه، لأن المكان يحمله. والحامل أقوى من المحمول. وبالله التوفيق.
**************
الباب السابع والثمانون والمائتان
في التعجب
قال أبو محمد: لا يجوز أن يقال: ما أبصر الله بعباده، أو ما أعلم الله بعباده، أو ما أقدر الله، أو ما أحكم الله بعباده، أو نحو هذا، من الصفات الذاتية.
ولا يجوز أن يقال: ما أكرم الله بعباده، وما ألطفه، وما أعلمه، وما أشبه هذا، لأنه تعجب. والتعجب عن الله منفي.
وقيل: إن التعجب جائز في الأفعال. ولا يجوز في صفات الذات.
يجوز أن يقال: ما أحسن صنع الله وتدبيره. (1/221)
صفحة 222
ولا يجوز أن يقال: ما أحسن علم الله وقدرة الله وعزة الله. وإن الله لحسن العلم والقدرة والعزة. هذا لا يجوز؛ لأنها صفات الله. وما حَسُن في الأفعال مدح وتعظيم، وفي الذات تصغير وتهجين. والله أعلم بالصواب.
ولا يقال في صفة الله تعالى: المتعزز، ولا المتجبر.
ولا يقال: المفتخر، ولا افتخر، لأن الافتخار لا يكون إلا بين النظراء المتضادين.
ولا يقال: يستمع.
ولا يقال: أعرض الله عنك.
ولا يجوز أن يقال: أقبل الله إليك.
ولا يقال: الله عنك. ولا يجوز أن يقال: تعالى الله بالعز والكبرياء.
ولا يقال: احتجب بقدرته، عن أعين الناظرين؛ لأن القدرة ليست هي غيره. وليس هو ممن يتوارى ويحتجب. وقدمنا ذلك في موضعه.
ولا يجوز أن يوصف الله بالرأي؛ لأن الرأي أن ترى الشيء بعد الشيء. وهو أيضا من البدا. وهو أن يبدو له الرأي، بعد أن لم يكن. والله تعالى لا يوصف بالبدا.
وفي لكتاب: يذكر أنه فصل من كتاب:
ولا يقال: هذا حرام في رأي الله، ولا في اعتقاد الله، كما يقال: هذا حرام في دين الله، وفي علم الله.
ولا يجوز أن يقال: معتقد كذا وكذا، ونوى كذا.
ولا يقال: له مذهب، كما يقال: له علم.
ولا يقال: رأى الله له، كما يقال: نظر الله له، واختار له.
كذلك في النفي، لا يقال: لم ير الله، كما يقال لم ينظر الله له.
مسألة:
لا يجوز في صفات الذات: لِمَ كان. لا يجوز أن يقال: لم علم الله وعلم الله.
وكذلك لِمَ قدر الله. ومتى قدر الله.
وكذلك لم أراد الله؟ هذا غير جائز في صفات الذات أجمع.
وأما في الأفعال فجائز أن يقال: لم أمر الله، ولم نهى، ولم أثاب، ولم عاقب؟ فيقال: لمصالح العباد ولم يجز ذلك محمد بن محبوب. والله أعلم بالأصح.
قال المؤلف: لِمَ في الأفعال جائز، إ ... ذا طلب السائل بذلك، الهداية والبيان. وإن كان ذلك، على وجه الإنكار، لم يجز.
ومنه: ولا يجوز أن يقال: لو قدر الله علىَّ كذا وكذا. ولا: ولو أبصر الله، كما قيل: لو علم الله، ولو شاء الله. (1/222)
صفحة 223
ولا يقال: يمتلك، كما قيل: ملك وتملك.
ولا يقال: يتعزز، ولا يتعظم، ولا يتجبر، ولا يتكرم، ولا يتخلق. وما كان فيه يتفعل، فلا يجوز.
ولا يقال: رغّب، كما قيل: كلف وأمر، فطلب منا الطاعة.
قال صاحب الكتاب: واختلف في سأل وطلب الطاعة. وأما إن أراد منهم، فجائز، لأن الرغبة إنما تكون على الحاجة. ألا ترى أنه أمر من غير رغب.
وكذلك طلب واستقرض، لأنه من غير عدم استقرض. فلذلك لم يكن راغبا.
والاستقراض على وجهين: يكون مستقرضا لحاجة. فذلك عن الله منفي، واستقراض لا لحاجة. فهو ما ندب الله إليه، وأن يتقرب بذلك إليه.
ويقال: وهبت هذا لله تعالى، وتركته له، وأقرضت الله.
ولا يقال: تصدقت عليه، كما قيل: أقرضته.
واختلف في القول: بأن الله متصدق علينا.
فقال بعض الفقهاء: لا يقال: متصدق علينا. إنما يتصدق من يطلب الثواب.
وجوز ذلك بعضهم.
ولا يقال: أقرضنا الله، ولا أثابنا.
ولا يقال: جزانا الله، ولا كافأنا الله.
ويقال في ثوابه: كفانا لأعمالنا. ولا يقال: أخرج ما وهب من ملكه.
ومنه: ولا يقال: إن الله يحذر، ولا يخاف، ولا يخشى إلا على معنى العلم. وقد قال الله تعالى: { فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا } قالوا في ذلك: علمنا. فلا يجوز إلا على هذا التفسير.
ولا يقال: يظن. وإن كان الظن قد يجيء في موضع العلم. قال عز وجل: { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } قالوا: يعلمون. فالظن يكون شكا، ويكون علما. فالشك لا يجوز على الله تعالى.
ومنه: ولا يقال: يتقى، ولا أنه يرجو؛ لأن الرجاء إنما قد يكون على الخوف والطمع. وذلك منفي عن الله.
ولا يقال: يتجبر على عباده، ولا يتلطف، ولا يتودد، كما يقال: إنه لطيف بهم.
ولا يقال: شفق عليهم.
ولا يقال: إنه غليظ، ولا عنيف على الكفار، كما قيل: إنه غضب عليهم.
ولا يقال: شيء أشد عليه من شيء، ولا شيء أهون عليه من شي. ولا يوصف بالعجلة. (1/223)
صفحة 224
ومنه: ولا يجوز أن يقال: رأيت الله، حتى يصل ذلك بكلام. فيقول: رأيت الله أهلك عادا وثمود.
وكذلك: سمعت الله، حتى يقول: سمعت الله يقول. ويقول: وجدت الله صنع كذا.
ولا يقال: أدركت الله صنع كذا.
ولا يوصف الله بالعناية، ولا بالنصح.
ولا يقال: ألزم نفسه. ويقال: أوجب. وكتب على نفسه.
ولا يجوز: يحرك بي، ولا سكّن بي، كما يقال: جاء بي.
ولا يقال: قام الله بك، ولا قعد بك، وسكن بك، وحرك. وما كان مثله، فعل ى قياسه.
ولا يقال: ما دعا الله إلى كذا، ولا ما حمله على كذا.
ولا يجوز في شيء إن الله فيه شيء، إلا أن يقول: ما لله في إنعامه على الخلق. فيقال: الثناء والشكر. فإذا خرج من هذا الوجه، بطل القول: بأن الله في شيء.
ولا يقال: ما صيَّره إلى هذا الفعل، لأمر لا يفعله. ثم فعله.
ومنه: ولا يقال فيما نفى الله عن نفسه من الظلم: اعتذر؛ لن المعتذر: الذي ليس له على ما أضيف إليه شواهد باقية. وقد جوز بعضهم: اعتذر على غير ما يعقل، من اعتذار الخلق، على التعظيم، وإزالة التهمة. فقيل: كذب على الله. وأخبر عنه بغير الحق، ما اعتذر.
ويقال: تبرأ.
ولا يقال: اعتذر.
ولا يقال في موضع تبرأ: ظهر نفسه، كما قيل: نزه نفسه.
ولا يقال: إنه مشغول، لقول الله: { كل يوم هو في شأن } لأن المشغول: المانع له من غيره. والله تعالى لا يمنعه كثير ما دبر من أضعافه. وتفسير { كل يوم هو في شأن } إن من شأنه أن يجيب سائلا، ويشفي مريضا، ويغني فقيرا. وما يُعرف منه، من طَوله وفضله.
ومنه: ولا يقال: إن الله في صناعته. ولا هذا صناعة الله، يراد به صُنعه.
ولا يقال: يمس شيئا، ولا يمسه شيء، ولا يحل فيه شيء، ولا يقرب هو من شيء، قرب المسافة. ولا يقرب منه شيء، ذلك القرب.
وكذلك القول في البعد، على هذا المعنى.
ومنه: إن الله تعالى خالق كل شيء. (1/224)
صفحة 225
ولا يجوز أن يقال لأحد: هذا ولد الله. وهذه زوجة الله، ولا هؤلاء بنوه وبناته؛ لأنه خالقهم، كما يقال: سماؤه وأرضه وخلقه وكتبه ورسله.
ولا يقال: هذه قميص الله، ولا رداؤه، ولا فعله ولا خفه. وما أشبه هذا، وإن كان الله تعالى، الخالق لذلك، والمالك له.
وكذلك هو خالق جميع الجوارح. فلا يقال: هذه عين الله، ولا يده، ولا رجله، ولا ما أشبه هذا. فلا تجوز إضافته إليه.
ولا يجوز عليه ما استقبح، وإن كان محتمل المعنى؛ لأن القول في هذا إنما هو تسليم، وأمور موضوعة، لا على قياس وتشبيه. فلا يجوز على الله، إلا ما أجازه العلماء، وحسن من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا.
ومن غيره:
لا يوصف الله تعالى بالصعود، ولا النزول.
ولا يقال: حواه مكان، ولا خلا منه مكان، ولا لازقه مكان، ولا فارقه مكان- سبحانه! لم يزل قبل المكان، فاستغنى ربنا عن المكان.
ولا يوصف بالقعود، ولا القيام، ولا الكسل، ولا التواني، ولا الخلوة، ولا الفترة، والسهو، ولا الغفلة، ولا اللهو، ولا الشك، ولا الجهل، ولا الندم ولا النطق، ولا السكوت.
ولا يقال: أفسد، إذ خلق الفساد. بل خلْقه لجميع ما خلق، صلاح منه لا فساد، وعدل منه لا جور.
ولا يقال جار، ولا أربى، ولا أزنى، ولا أسرق، ولا أقذر. وهو تعالى خلق جميع ذلك { سبحانه له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } .
ولا يوصف بالضجر، لأن الضجر فيه اغتمام، فيه كلام وتضجر. ومنه: ضجر الناقة. وهو أن تكثر الرغاء. ويقال: إنها الضجور.
ولا يوصف بالملل، ولا الملال ولا السآمة. وكله واحد. ومعناه: أن يمل شيئا ويعرض عنه. يقال: رجل ماول، وامرأة كذلك.
فإن قيل بالخبر الذي روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »تكلفوا من العمل ما تطيقون؛ إن الله لا يمل حتى تملوا. فإن صح الخبر، فإن معناه: إن الله لا يغضب عليكم، ولا يقطع عنكم ثوابه، حتى تتركوا العمل، وتزهدوا في سؤاله، والرغبة إليه، مللا. وليس بملل الحقيقة«. (1/225)
صفحة 226
ووجه ثان: أن الله لا يمل إذا مللتم.
ومثل هذا: قولك في كلام العرب: هذا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل، يريد بذلك لا يفتر إذا فترت الخيل. ولو كان المراد هذا، ما كان له فضل عليها، إذا فترت والمراد بهذا أنها لا تفتر، إذا فترت.
قال تأبط شرا. ويقال لخلف الأحمر:
... صُلِيَت منى هذيل بخرق ... لا يمل الشر حتى يملُّوا
ولم يرد أنه يمل الشر، إذا ماوه. ولو أراد كذلك، ما كان فيه مدح، لأنه بمنزلتهم. وإنما أراد أنهم يملوا الشر. وهو لم يمله. وقوله: يخرق الخرق: الظريف، في سماحة ونجدة.
فصل
قال النقاش: لا يدخل في أسماء الله الحسنى كثير، مما وصف به نفسه. وإن كان الفعل مضافا إليه، فليس يُدعى زارعا ولا زرَّاعا. وإن كان قال: { أم نحن الزارعون } . ولا يُدعى ما كرا ولا مكارا. وإن كان قال: { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } . ولا يُدعى خادع ولا خدّاعا. وإن كان قال: { يخادعون الله وهو خادعهم } . ولا بانيا، ولا بناء، ولا فارشا، ولا فراشا، ولا ماهدا ولا مهَّادا. وإن كان قال: { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون. والأرض فرشناها فنعم الماهدون } . ولا يُدعى مستقرضا، ولا مشتريا. وإن كان تعالى قال: وأقرضوا الله قرضا حسنا } . وقال: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ونحو ذلك، مما يكثر إحصاؤه.
ولا يقال: يا جلد.
ومن غير الضياء:
ولا يقال: بقى فلان بين الله والشمس.
مسألة:
ولا يرقى الراقي بكلام لا يعرفه؛ لأنه لا تأمين له.
ولا يقول: أخذت بكذا وكذا، إلا أن يقول: أخذت بالله.
ولا يقال: المستعان بالله. ولكن يقال: الله المستعان.
ولا يجوز أن يقال: ليس وراء الله منتهى. فليس لله وراء ولا قدام.
ويكره أن يقال: لا والحمد لله. ولكن يقال: لا ولله الحمد.
ولا يقولن أحدكم: عبدي وعبدتي. ولكن يقول: فتاي وفتاتي.
ويكره أن يقول: قوس قزح. وقزح: اسم شيطان. ولكن يقول: قوس الله. (1/226)
صفحة 227
ولا يقال: كنت في جنازة فلان. ولكن يقال: تبعت جنازة فلان.
ويقال لله: المنفرد وحده.
ولا يجوز أن يقال: ما أجرأ فلان على الله؛ فإن الله أعز من أن يجترأ عليه.
ولكن يقال: ما أغر فلانا بالله.
ولا بأس أن يقول الإنسان: إن الله عزيز في ملكه. وبالله التوفيق.
************
الباب السابع والثمانون والمائتان
في الكيفية والأينية واللمية والكمية
فلا تجوز على الله تعالى الأينية والكمية والكيفية. فهو كذلك؛ لأن الأينية إنما هو سؤال عن المكان. ويقال: أين هو؟ والله يستحيل أن يكون في مكان. كيف وهو الخالق للمكان؛ لأن من كان له مكان، فله حد والمحدود مخلوق.
وأما اللمية، فهو طلب العلة. ومعناه: لم كان كذلك؟ وأراد به: لم كان وجود البارئ سبحانه؟ فهذا محال؛ لأنه تعالى واجب الوجود، لا أول لوجوده. وهذا إنما يقال لمن لم يكن فكان.
وإن أراد أن الله لأي علة فعل هذه الأفعال؟ فمحال أيضا، لأنه لو كان لفعله علة، لكان لا تخلو تلك العلة،إما أن تكون قديمة، فاقتضت قدم معلولها. وهذا محال وجود الأفعال، فيما لم يزل. وإن كانت تلك العلة محدثة، اقتضت تلك العلة إلى علة أخرى، لكونها فعلا، فيؤدي إلى ما لا نهاية له. وهذا محال. وإن استغنت العلة عن العلة، استغنت الحوادث كلها عن العلة. وقال الله تعالى: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } .
وأما الكيفية، فهو استخبار عن الهيئة والصورة واللون. والله تعالى لا هيئة له، ولا لون لا يقدره فهْم، ولا يصوره فكر. وما خطر في القلب، أنه كذلك. فاعلم أنه تعالى بخلاف ذلك.
وأما الكيفية، فهو عبارة عن المقدار والعدد ومحال أن يكون البارئ سبحانه ذا عدد ومقدار. وقد تقدم بطلان هذا.
قال المؤلف: لعل غلطا من الكاتب، في المسألة.
لا يجوز أن يقال: إن الله تعالى مباين للعالم، ولا مفارق للعالم، ولا مماس للعالم، ولا مجاز للعالم. (1/227)
صفحة 228
قال أبو سعيد: لا يعجبني أن يقال: إن الله كلف العباد ما يكتسبونه. ولكن يعجبني أن يقال: كلف العباد ما يطيقون. وبالله التوفيق.
*************
الباب الثامن والثمانون والمائتان
في الحروف
لا يجوز أن يوصف الله تعالى،ولا أن يذكر بخمسة أشياء. وهي: كيف. وأين وحيث، ولِمَ، ولو.
فمن وصفه، أو ذكره بكيف، فقد طلب له عيانا.
ومن وصفه أو ذكره بأين، فقد طلب له مكانا.
ومن وصفه، أو ذكره بحيث، فقد أثبت له حلولا واستمكانا.
ومن وصفه، أو ذكره بلِمَ، فقد سأله عن فعله. والله تعالى: لا يجوز أن يسأل عن فعله، لأنه تعالى قال: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } .
ولا يجوز أن يقال لله: لم يزل، حتى يوصل ذلك بصفة من صفات الله؛ لأن هذا الكلام، إذا لم يوصل، كان منثورا، لا معنى له. ولكن يقال: لم يزل الله عالما. ولا يزال عالما. ولم يزل قادرا، حتى يصح الوصف له. ويكون له معنى.
مسألة:
لا يجوز أن يقال: إن الله غاب عن العيون، وحل مكنونا. إلا أن يقول: غابت العيون عن نظره.
ولا يجوز أن يقول: مكنون.
مسألة:
الحمد لله، حمد الشاكرين. لا يجوز.
ويجوز: الحمد لله حق حمده.
وقيل: لا يجوز أن يقال: لم يزل إلها مطلقا، حتى يقول: لم يزل إلها لمألوه سيكون.
وقيل: جائز أن يقال: لم يزل إلها.
ولا يجوز أن يقال لله: يستمع.
مسألة:
العلي الأعلى:
قال: يريد بذلك،رفع المقدار، وارتفاع المنزلة.
لا يجوز أن يريد: في مكان رفيع. وإنما يريد رفع المنزلة والشأن.
مسألة:
ولا يجوز: يا عماد من لا عماد له، ويا ظل من لا ظل له، ويا كنز من لا كنز له. وبالله التوفيق.
*********
الباب التاسع والثمانون والمائتان
في ليت
وسألته عن قول القائل: يا ليت كان كذا وكذا. هل يجوز؟
قال: هذا تمنى أن يفعل الله به الخير.
قلت: فالتمني المكروه ما هو؟ يتمنى ما رزق غيره، من المسلمين، أن يرزق مثلهم. فجائز.
الدليل على إجازته: قول مريم – عليها السلام - : (يا ليتني مِتقبل هذا).
مسألة: (1/228)
صفحة 229
وجائز للإنسان قول: ليت شعري عن كذا وكذا، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي، فأنزل الله – عز وجل – عليه: »ولا تسأل عن أصحاب الجحيم».
ومعنى ليت شعري: أي ليت عملي، وما يشعرك: أي وما يدريك.
وسمي الشاعر شاعرا، لأن الشاعر يفطن بما لا يفطن به غيره من معانيه، وبالله التوفيق.
الباب التسعون والمائتان
في الملائكة وما جاء في ذلك
قيل: إن الله تعالى خلق الملائكة من نور.
وقيل: من ريح، والجان من نار، والنار من النور.
وسميت ملائكة، لتبليغها رسائل الله تعالى إلى أنبيائه – عليهم السلام – أخذ من الأَلوك وهي الرسالة.
ومن الملائكة من لو أمره الله أن يبتلع السماوات والأرضين جميعا وما فيهن، لابتلع ذلك.
مسألة:
واختلف الناس في الملائكة، هل هم مكلفون؟ أم لا؟
فقال بعض المسلمين: مأمورون منهوون، لقوله تعالى: »ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين» وقوله تعالى: «يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون».
وقال بعضهم: هم مقصورون مضطرون إلى طاعة الله.
قال بعض المسلمين: وقولنا إنهم مجبولون على الطاعة، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. وبالله التوفيق.
الباب الحادي والتسعون
في الملائكة
هل يعصون الله أم لا؟
قال بعض المسلمين: وقولنا: إنهم مجبولون على الطاعة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
قال أبو سعيد: وقد عرفنا من قول الشيخ أبي الحسن، في قول الله تعالى: «يعلَّمون الناس السحر» إنما أولئك الشياطينُ «وما أُنزل على الملكين» يعني وما أنزل السحرُ «على الملكين ببابِلَ هاروت وماروت» أي لم ينزل عليهما «وما يعلمان من أحد» وما يعلمان هما أحداً، وإنما كانا يقولان: السحر كذا وكذا، «فلا تكفر» أي فلا تفعل كذا وكذا فتكفر. وبالله التوفيق.
الباب الثاني والتسعون والمائتان
في الملكين الحافظين
قال الله تعالى: «وإن عليكم لحافظين، كراما كاتبين». (1/229)
صفحة 230
قيل: لكل واحد من بني آدم عليه السلام ملكان: عن يمينه ملك وعن شماله ملك.
فالذي عن يمينه يكتب الحسنات، والذي عن شماله يكتب السيئات قلمهما: لسانه، ومدادهما: ريقه. ومجلسهما: على شاربه.
فإذا عمل العبد حسنة، كتبها الملك، صاحب اليمين عشراً، ولم يشترط شيئا على صاحب الشمال.
وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين: قف سبع ساعات، لعله يستغفر أو يتوب، فإذا لم يستغفر ولم يتب من بعد سبع ساعات، كتبها واحدة. ووكل الله بكل عبد ملكين بالنهار، وملكين بالليل، يتعاقبان. وبالله التوفيق.
الباب الثالث والتسعون والمائتان
في إبليس – لعنه الله –
والجن والشيطان وما جاء فيهم
قال المؤلف: إبليس – لعنه الله – أبو الجن، كما أن آدم – عليه السلام – أبو البشر.
وقيل: إن أبا الجن غير إبليس، وإبليس ليس من الملائكة، لأن الملائكة لا يعصون الله، والجن مكلفون كالإنس.
ودليل تكليفهم – في سورة الرحمن - : قوله تعالى: «يا معشر الجن والإنس» وقوله: «سنفرغ لكم أيها الثقلان» وهم الجن والإنس. والشياطين، وهم كفرة الجن.
وحجة المسلمين على تكليفهم قوله تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» أي لأمرهم أن يعبدونِ. وبالله التوفيق.
الباب الرابع والتسعون والمائتان
في الجن
هل يدخلون في بني آدم أم لا؟
قال بعض المسلمين: محال أن يدخل الجسم في الجسم، فيكون جسمانِ في حين واحد، فيسكن الجنسان في حين واحد، محال سكون الجنس إلى غير جنسه.
وقال بعضهم: محال أن يكون أيضا جنسان من جنس واحد، في حين واحد.
وقال آخرون: يجوز دخول الجن في الناس، واحتجوا بقوله تعالى: «يتخبطه الشيطان من المس» فله علم منهم بالتأويل.
وثقال آخرون: يجوز هذا، ويجوز هذا، إلا أنه لا علم لنا بذلك. وبالله التوفيق.
الباب الخامس والتسعون والمائتان
في الجن
هل يعلمون الغيب أم لا؟ (1/230)
صفحة 231
قال بعض المسلمين: إن ذلك محال، لأن في ذلك فساد دليل الأنبياء – عليهم السلام – وقد قال الله تعالى فيهم: «أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين».
وقال بعضهم: يجوز ذلك في أحاديث لهم ذكروها.
واختلف الناس في الشياطين، هل يعلمون ما في قلوب الناس أم لا؟
فقال بعض المسلمين: يعلمون ما يحدث في القلب، وليس ذلك بغيب؛ لأن الله تعالى جعل عليه دليلا، ومحال أن يدخل قلب الإنسان مثل ذلك، فإذا حدثت نفسك بالصدقة، عرفوا ذلك بالدلائل، فينهونك عن ذلك.
وقال آخرون: إن ذلك غيب، ولا يعرفونه، وأنت إذا حدثت نفسك بالصدقة، نهاك عنها الظن بالتخصيص.
وقال بعض: يدخلون قلب ابن آدم، قيعرفون ما يريد فينهونه. وبالله التوفيق.
الباب السادس والتسعون والمائتان
في إلقاء الشياطين الكلام على الكهان
وأما إلقاء الشياطين الأحاديث على الكهان، فإنه قد قيل ذلك، أن يسترقوا السمع، قبل مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت الشياطين – لعنهم الله – تسترق السمع من السماء، وتلقيه على الكهان، فتزيد الكهان فيه كلاما من قبلهم. وبالله التوفيق.
الباب السابع والتسعون والمائتان
في رؤية الجن وغرورهم
قال المؤلف: قد قيل: إن أبا الجن سأل الله: أن يرَى ولا يُرَى، وأن يكون مسكنه تحت الثرى، فجعل له ذلك.
فمن قال: إن الجن يُرَوْنَ، فقد كذب القرآن، لأن الله تعالى يقول: «إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم».
مسألة:
ومن قال: إن الجن يراهم بنو آدم ويكلمونهم، وأن السحرة ينقلبون حماما. قال أبو محمد: إن تاب وإلا برئ منه.
قال الشيخ أبو محمد: قد قال بعض: إن الجن يراهم بنو آدم ويكلمونهم، وأن السحرة ينقلبون حماما.
قال: وأقول: من تاب، ورجع عن قوله هذا، وإلا برئ منه.
قال الشيخ أبو محمد: لا يجوز لأحد أن يقول: إن أحدا من بني آدم يرى إبليس – لعنه الله – لأن الله تعالى يقول: «إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم» والله أعلم. وبه التوفيق. (1/231)
صفحة 232
الباب الثامن والتسعون والمائتان
في ذكر انقلاب إبليس والشياطين والسحرة عن صورهم
قال الشيخ أبو سعيد: ومن قال: إن الجن يتصورون في صورة الدواب، فمعنى أن ظواهر الأخبار: أن الجن قد يكون منهم ذلك، أن يتشبهوا بصور الإنس والدواب والطير، وأنهم يطيرون، على معنى الطير، في معنى صور الطيور.
وكذلك بعض الإنس، ممن يضاف إليه السحر، ممكن يكون منهم نحو هذا، وليس ذلك عندي بمعدوم من الجن، ولسنا ممن يدعي ذلك على الحقيقة، ولا ينفيه على الحقيقة، إلا أن يصح معنا ذلك. وبالله التوفيق.
الباب التاسع والتسعون والمائتان
في اختفاء إبليس والجن
والحكمة في تغييبهم عن الأبصار
من كتاب المجالس:
الجواب: من ذلك أن الله تعالى خلق الشياطين، في أقبح صورة، وأشنع هيئة، فلو جعله الله ظاهرا لخافه بنو آدم، فأخفاه لئلا يخافوه، وجعله بحيث استعان بهم ونحو مكرهم، وأيضا فإن للمؤمنين أعداء ظاهرين وهم الكفار، فأمروا بالجهاد معهم ظاهرين، وجعل الشياطين مستورين، فأمروا بالجهاد معه في السر، لينالوا أجر الجهاد الظاهر، والجهاد الباطن. وبالله التوفيق.
الباب الثلاث المائة
في خلق إبليس – لعنه الله –
فإن قال قائل: أخبرني عن إبليس، من خلقه؟
قلنا: الله خلقه.
فإن قال: هو خير، أم شر؟
قلنا: إن كنت تعني أن بدن إبليس وخلقه شر، تعني أطاعه ذلك أم معصية؟ فبدن إبليس ليس طاعة ولا معصية.
وإن كنت تعني أشر هو، تعني كثير الشر، ومحب للشر، فنعم فعله شر. (1/232)
صفحة 233
قال المؤلف: وقد كان إبليس عبداً صالحاً مؤمناً، فانتقل من الإيمان إلى الكفر، بسوء اختياره، ولم ينتقل عن خلقته إلى غيرها، وأنه عبد الله تعال، قبل خلق آدم بثمانين ألف سنة، يعبد الله، ثم كفر بسبب عدم سجوده لآدم، وتلك السجدة كانت طاعة الله تعالى، لو سجد فكفر وتولى فولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيرا. وإنما خلقه الله، كما خلق غيره من الخلق؛ ليأمرهم بعبادته أمرا اختياريا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وكلا الفريقين من المؤمنين الكافرين، فعل ما فعل باختياره، من غير جبر من الله – تعالى الله عن ذلك. به التوفيق.
الباب الحادي والثلاث المائة
في الاستعاذة من إبليس –لعنه الله- ومعانيها
والحكمة في ذلك.
قال الله تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } . ومعنى الاستعاذة في اللغة: هو الامتناع. وقوله تعالى: "قل أعوذ برب الناس وبرب الفلق" أي امتنع به. فأعوذ بالله: ألوذ بالله. وأستعيذ بالله: أستعين بالله. وقولهم: معاذ الله: أي أعوذ به. فأمرنا الله: أن نستعيذ من إبليس. وأمر الله واجب. علينا أن نفعله. وبالله التوفيق.
**********
الباب الثاني والثلاث المائة
في استدلال إبليس –لعنه الله- على العبد إذا همَّ بالطاعة
وكيفية ذلك
سألت بشيرا عمن بهم بالحسنة يفعلها. كيف يصل إبليس إلى علم ذلك، إن كان يصل؟
قال: اختلف في ذلك.
فأما المعتزلة، فإنهم يقولون: إن إبليس إنما يصل إلى ذلك بالآلة. مثل أن يتناول الرجل بالرمح وغيره.
وقال آخرون غير ذلك.
وأصح ما سمعت: أن قلب ابن آدم، مثل القارورة، في جوفها، أو قال: نور يبصر من خارجها. فإذا همَّ العبد بالحسنة، سطع ذلك النور إلى دماغه، فيفترق على ثلاثة أقسام. والشهوة مركبة في ابن آدم. وهي طبع فيه، على قدر الجوع.
فإذا كان كذلك، أظل إبليس على ذلك النور، وأعان الشهوة على تضعيف ذلك النور، فغلبت الشهوة. (1/233)
صفحة 234
وقال سعيد بن محمد: يوجد في الحديث: أن الإنسان إذا أراد فعل الطاعة، سطع في جوفه إلى دماغه نور، فيراه إبليس. فيحول بينها وبينه، ويمنيه بالأماني، حتى يمنعه من فعل الطاعة.
وقال: إن جوفه مثل القارورة. فإذا فعل الطاعة، انفتح لها فم، يطع منه ذلك النور.
قيل: فأجاب بهذا لما قيل: كيف يعلم إبليس بما في الإنسان، إذا أراد فعل شيء من الطاعة؟ والله أعلم. وبه التوفيق.
***********
الباب الثالث والثلاث المائة
في مكايد إبليس ووسواسه وتزيينه
ودعائه إلى المعاصي
قيل: إن الشيطان قاعد في جانب القلب الأيسر، واضع خرطومه على فم القلب يوسوس. فإذا ذكر الله خنس. وإذا لم يذكر الله وسوس. فهذا الوسواس الخناس، الذي ذكره الله تعالى. وخرطومه كخرطوم الكلب –فيما قيل- فمن أطاعه في وسواسه، ضل وغوى. ومن خالفه، اهتدى، ورجع الشيطان منهزما.
ومعنى إضلال الشيطان: الدعاء إلى الضلالة، والتزيين للكفر. فمن أطاعه ضل وغوى. ومن عصاه، سلم واهتدى. وليس إليه من الضلالة شيء، كما ليس للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الهداية شيء. ولو كانت الضلالة إليه، لأضل الخلق أجمعين.
فإذا أطاع العبد الشيطان في وسوسته، واتبع ذلك قيل: أضله الشيطان. كل ذلك لأجل ما دعا إليه وزينه، من فعل الكفر. فإبليس داع لذلك الكفر.
فالبارئ تعالى، خالق أفعال العباد، من ذلك الكفر والضلال. فإذا ضل العبد، بسوء اختياره، تركه الله تعالى، في ضلاله. ولم يوفقه ولم يعصمه. وخلق الضلال على يديه، من فعله للضلال والكفر. فهذا إضلال الله للعبد.
وإضلال الشيطان: التزيين والدعاء والوسوسة. وقد تقدم ذلك وكفى. وبالله التوفيق.
*******
الباب الرابع والثلاث المائة
في إرسال إبليس على ابن آدم
وتسليطه عليه وبيان ذلك
الإرسال في كلام العرب على ثلاثة أوجه:
أحدها: إرسال الخبر، كإرسال الريح العقيم قال تعالى: { إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } . (1/234)
صفحة 235
وإرسال التخلية، كما يقول الرجل لصاحبه: أرسلت دوابك على هذا العلف، أي لم تمنعها من بالحبس.
وإرسال إبليس –لعنه الله-: هو إرسال التخلية قال الله تعالى: { إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين } أي خليناهم، فلم نمنعهم بالقسر والاضطرار.
وذلك أنه عز وجل نهى إبليس وجنوده عن الكفر والدعاء إليه، والأمر به، من غير جبر منه تعالى لذلك.
فالبارئ –تعالى- لم يأمر إبليس وجنوده، ويرسلهم على الناس، تسليطا عليهم بالكفر والفساد؛ لأنه تعالى يقول: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } الآية. ولو سلطه وجنوده على العباد، آمرا لهم بذلك، كما يأمر عباده بالحذر من الشيطان، بقوله تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } لأن الله تعالى، لا يوقع العداوة بين إبليس وجنوده وبني آدم ويؤرش بينهم. هذا لا يفعله حكيم عليم إله عظيم – تعالى الله عن ذلك.
مسألة:
وعن إبليس –لعنه الله- والعباد كيف يظفر بالعباد من الشرق إلى الغرب؟
قال: قد ذكر الله: أن له قبيلا، وهم أعوانه. وقد سمى الشياطين أقرانه.
قلت: وعلى الجن، له دخول وسلطان، كما على الإنس؟
قال: العصاة كلهم، له عليهم سلطان. وأما القرآن فلم يأت بفرق ذلك. وبالله التوفيق.
***************
الباب الخامس والثلاث المائة
في الفرق بين الوسواس والخاطر
قيل: إن الخاطر خاطران: خاطر الإلهام، وخاطر الوسواس.
فخاطر الإلهام: ما حملك على معالي الأخلاق والإصابة في جميع الأسباب.
وخاطر الوسواس: ما يوقعك في الأباطيل، ويصرفك عن الحق، ويلقيك في الحسابات الكاذبة، والظنون الردية، والأخلاق الدنية. وبالله التوفيق.
**********
الباب السادس والثلاث المائة
في كيفية الوسوسة والإلهام في القلب (1/235)
صفحة 236
الوسوسة إذا دخلت القلب، فكالدخان في البيت. فما دام الدخان في البيت، فالبيت مظلم، حتى يخرج الدخان منه فيضيء. فكذلك القلب. فما دامت الوسوسة فيه، فهو قلِس مظلم فإذا خرجت الوسوسة من القلب، وثبت فيه الإلهام، يكون القلب منورا، يبصر الحق من الباطل.
والوسوسة من الشيطان. والإلهام من الملك الملهم، قاعد عن يمين القلب. وإبليس نحو يسار القلب ومسكنهما: الصدر. وقد ذكرنا شرح ذلك، في كتاب التاج. وبالله التوفيق.
**********
الباب السابع والثلاث المائة
في الخواطر وأقسامها
من كتاب المجالس:
قال: الخواطر على أربعة: خاطر من الله، يدعو العبد إلى الانتباه. وخاطر من الملك، يدعو إلى الطاعة. وخاطر من النفس: يدعو إلى التزين والتنعم في الدنيا. وخاطر من الشيطان، يدعو إلى الحقد والحسد والعدواة. وبالله التوفيق.
***********
الباب الثامن والثلاث المائة
فيما يخطر على القلب من الإلحاد في الله
قال المؤلف: كل شيء خطر، أو تصور في الأوهام، فالبارئ بخلافه؛ فإن ذلك مخلوق؛ لأن من اطمأنت نفسه إلى موجود، ينتهي إليه فكره، فهو كافر مشبه. وإن اطمأنت نفسه إلى النفي المحض، فهو معطل كافر.
فمن اطمأنت نفسه إلى شيء، ينتهي غليه فكره وخاطره، مما يلحد في الله ويكفره، فينفي ذلك عنه. وليغل { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } هذه جملة التوحيد، يقولها ويعتقدها بعد نفيه، ما خطر في قلبه، من الكفر والإلحاد. وإلا فهو هالك. وبالله التوفيق.
*********
الباب التاسع والثلاث المائة
في ذكر طاعة الله تعالى وطاعة الشيطان
وشرح ذلك وأحكامه
قال القاضي أبو محمد نجاد بن موسى نجاد: وقد قيل: من أجاب ناطقا فقد عبده.
قال: إن كان الناطق عن الله، فقد عبد الله. وإن كان الناطق عن إبليس، فقد عبد إبليس.
فمن قال غير هذا، فعليه إقامة الدليل.
مسألة: (1/236)
صفحة 237
وأما قولك: إن قوما يعبدون الشيطان. فإن عنيت بالعبادة، أنهم يطيعون الشيطان فصِدق وإن كنت تزعم أنهم يتخذونه إلها بطاعتهم إياه، فكذب. ولكنه وليهم. وهم أولياؤه، بطاعتهم إياه، فيما أعد الله عليه من النار. وزعم أنهم لو كانوا يعبدون الله ما عذبهم. وبالله التوفيق.
الجواب: أنهم قد عبدوا الله، ببعض عبادته. وذلك أنهم وحدوه، وأطاعوه ببعض طاعته ولم يعبدوه حق عبادته. وحق عبادته أن يطيعوه فيما أمرهم بتركه، مما أعد لهم من النار، على فعله، ويعملوا ويقولوا جميع ما أمرهم به، مما أعد لمن فعل ذلك الجنة.
غيره:
قال: إن عبادة إبليس ليست عبادة سجود ولكن عبادته طاعته.
فمن طاعته الكذب والزنا واللواطة وشرب الخمر، وأدق من ذلك، حتى الغيبة والنميمة؛ وخيانتك لأخيك في ماله. وبالله التوفيق.
*******
الباب العاشر والثلاث المائة
في خاتمة الكتاب ببداية الهداية وبداية الضلالة
قال المؤلف: فبداية الهداية: أن يطيع الله وحده، ويكفر بالشيطان وحزبه ويخالفه في جميع ما يدعو إليه، مما يورد النار. وتنزه قولك وعملك واعتقادك، من العيوب: دقيقها وجليلها، وأعظمها، وأصعبها، وأوضها.
وعلى المريد الهداية، رفض المدح، وحب السمعة. فما حب المدح والسمعة إلا من الرياء. والله تعالى يقول: { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } فما دام المرء في قلبه هذا، فهو غير مهتد.
وبداية الهداية في علاج ذلك: أنه إذا دخل قلبه حب المدح والسمعة. وعرف ذلك من نفسه، نفى ذلك عن قلبه. وعلم أن ليس له عذر، في قبول حب المدح والرياء والسمعة، وإن قل ذلك. ففريضة على المكلفين أجمعين، كراهية المدح وحب السمعة.
وعلى من أحس بذلك، أو بشيء من ذلك في قلبه، أن ينفيه عن نفسه، ويستغفر ربه، من حبه للمدح، وقبوله له. يقول: اللهم إني أستغفرك، وأتوب إليك، من كل ما خالفت فيه رضاك. (1/237)
صفحة 238
وبادية الضلالة والردى: هي ضد ما وصفنا، من بداية الهداية. ولهذا شرح طويل، لو استقصينا عليه. والمريد قد يكفيه هذا ودونه، لمن أراد الله له الهداية؛ لأن هذه النكتة التي نكتناها، في هذا الباب، تكفي عن كتب كثيرة، من كتب الواعظين.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على رسوله سيدنا محمد وآله. وسلم تسليما كثيرا. ولا حول ولا قوة إلا بالله العي العظيم.
فصل
قيل: إن الليل والنهار والماء والنار والرياح كلها أجسام ميتة. وتحركها القدرة.
ولهب النار.
قال بعض: إنه جسم. والريح من ابن آدم: عرض. والرماد جسم.
والسحاب والنجوم والشمس والقمر والسماء والأرض: أجسام. وهي مسخرة.
والبرق والنجاسات: أجسام. والهواء جسم.
قيل لأبي الحسن: مم هو؟
قال: لا أدري.
والعلم: علمان. والعقل: عقلان. وكلاهما عرض.
والظل وظلام الليل وضوء النهار، والحركات في الإنسان. والسحر والمرض والفعل والقوة والضعف والنوم والخدمة والأعمال، كلها أعراض. وكل ما كان من أحداث الدهر، فهو عرض: مثل الموت والأمراض، وما أشبه ذلك.
وأجمعوا أن الشهوة مخلوقة وهي عرض.
عن سلمان الداري قال: لطف الله بعباده، أن قصر لهم كنه معرفته، حتى لا تتكدر عليهم نعماؤه.
وذلك أنه لو لم ينزل عليهم في صفته إلا آية واحدة، ويجعلها جملة لهم كافية. وهي قوله تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وأنزل في صفته ألف سورة بسورة البقرة. وجعل لهم أن لا يسعهم إلا حفظها، وإلا كفروا بدون ذلك، لهلكوا إلا أن يشاء الله منهم إن شاء نجاه آخر. ولتكدرت عليهم الحياة، كما قال فلما كان في كل ذلك لا يبلغون إلى كنه معرفته، وكان في الاختصار كذلك أيضا. فآل كله إلى معنى واحد، كان التخفيف على العباد في الحكمة، أولى من التكليف، فيما لا يطاق. وبالله التوفيق. وهو حسبنا، ونعم الوكيل، نعم المولى، ونعم النصير.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
************* (1/238)
صفحة 239
وقع الفراغ، من كتابة هذا الكتاب وهو كتاب "النور" ومختصر في توحيد الله الغفور الشكور.
ألفه الشيخ العالم الفقيه عثمان بن أبي عبدالله الأصم عن الفحشاء.
وكان سبب تأليفه: سأله إياه أخوه إبراهيم بن محمد السعالي، لما يشأ ولده أحمد متعلما.
والحمد لله.
وكان تمامه يوم الخميس، لليلة بقيت من شهر جمادي الأولى، سنة ستة وسبعين ومائة وألف سنة من الهجرة.
على يدي مالك قرطاسه، الفقير لله تعالى: عبدالله بن بشير بن مسعود بن سعيد بن عمر الحضرمي الصحاري بيده. (1/239)